######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : تفسير الميزان ¶ المؤلف : العلامة الطباطبائي ¶ عدد الأجزاء : 20 ¶ مصدر الكتاب : موقع الكوثر ¶ http://www.al-kawthar.com/maktaba/list2.htm ¶ [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] #META# cat: مكتبة شبكة هجر #META# bkid: 282 #META# الكتاب: تفسير الميزان #META# bkord: 300 #META# idx: 1 #META# iso: تفسير الميزان العلامه الطباطبائي #META# عدد الأجزاء: 20 #META# comp: 1 #META# bk: تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي #META# max: 4315 #META# المؤلف: العلامة الطباطبائي #META# digitization_comments: [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] #META# مصدر الكتاب: موقع الكوثر #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الاول PageV01P001 ### || AUTO ### || AUTO المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا والصلاة على من جعله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس أهل البيت وطهرهم ~~تطهيرا. # مقدمة: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني آيات القرآن الكريم في هذا الكتاب ~~بطريق الاختصار. # التفسير وهو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها من ~~أقدم الاشتغالات العلمية التي تعهد من المسلمين، فقد شرع تاريخ هذا النوع ~~من البحث والتنقير المسمى بالتفسير من عصر نزول القرآن كما يظهر من قوله ~~تعالى وتقدس: "كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة" الآية: البقرة - 151. # وقد كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة والمراد بهم ~~غير علي (عليه السلام)، فإن له وللأئمة من ولده نبأ آخر سنتعرض له كابن ~~عباس وعبد الله بن عمر وأبي وغيرهم اعتنوا بهذا الشأن، وكان البحث يومئذ لا ~~يتجاوز عن بيان ما يرتبط، من الآيات بجهاتها الأدبية وشأن النزول وقليل من ~~الاستدلال بآية على آية وكذلك قليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في القصص ومعارف المبدأ والمعاد وغيرها. # وعلى هذا الوصف جرى الحال بين المفسرين من التابعين كمجاهد وقتادة وابن ~~أبي ليلى والشعبي والسدي وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة، فإنهم لم ~~يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسري الصحابة شيئا غير أنهم زادوا من التفسير ~~بالروايات، وبينها روايات دسها اليهود أو غيرهم، فأوردوها في القصص ~~والمعارف الراجعة إلى الخلقة كابتداء السماوات وتكوين الأرض والبحار وإرم ~~شداد وعثرات الأنبياء وتحريف الكتاب وأشياء أخر من هذا النوع، وقد كان يوجد ~~بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير والبحث. # ثم استوجب شيوع البحث الكلامي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~زمن الخلفاء باختلاط المسلمين بالفرق المختلفة من أمم البلاد المفتوحة بيد ~~المسلمين وعلماء الأديان والمذاهب المتفرقة من جهة. ms0001 # ونقل فلسفة يونان إلى العربية في السلطنة الأموية أواخر القرن الأول من ~~الهجرة، ثم في عهد العباسيين، وانتشار البحث العقلي الفلسفي بين الباحثين ~~من المسلمين من جهة أخرى ثانية. # وظهور التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي وتمايل الناس إلى نيل المعارف ~~الدينية من طريق المجاهدة والرياضة النفسانية دون البحث اللفظي والعقلي من ~~جهة أخرى ثالثة. # وبقاء جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من ~~غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية من جهة أخرى رابعة. # أن اختلف الباحثون في التفسير في مسالكهم بعد ما عمل فيهم الانشعاب في ~~المذاهب ما عمل، ولم يبق بينهم جامع في الرأي والنظر إلا لفظ لا إله إلا ~~الله ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واختلفوا في معنى الأسماء ~~والصفات والأفعال والسماوات وما فيها والأرض وما عليها والقضاء والقدر ~~والجبر والتفويض والثواب والعقاب وفي الموت وفي البرزخ والبعث والجنة ~~والنار، وبالجملة في جميع ما تمسه الحقائق والمعارف الدينية ولو بعض المس، ~~فتفرقوا في طريق البحث عن معاني الآيات، وكل يتحفظ على متن ما اتخذه من ~~المذهب والطريقة. PageV01P002 # فأما المحدثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة ~~والتابعين فساروا وجدوا في السير حيث ما يسير بهم المأثور ووقفوا فيما لم ~~يؤثر فيه شيء ولم يظهر المعنى ظهورا لا يحتاج إلى البحث أخذا بقوله تعالى: ~~"والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا" الآية: آل عمران - 7 ~~وقد أخطئوا في ذلك فإن الله سبحانه لم يبطل حجة العقل في كتابه، وكيف يعقل ~~ذلك وحجيته إنما تثبت به! ولم يجعل حجية في أقوال الصحابة والتابعين ~~وأنظارهم على اختلافها الفاحش، ولم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات ~~والمتنافيات من الأقوال، ولم يندب إلا إلى التدبر في آياته، فرفع به أي ~~اختلاف يتراءى منها، وجعله هدى ونورا وتبيانا لكل شيء، فما بال النور ~~يستنير بنور غيره! وما شأن الهدى يهتدي بهداية سواه! وكيف يتبين ما هو ~~تبيان كل شيء بشيء دون نفسه!. # وأما ms0002 المتكلمون فقد دعاهم الأقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في ~~التفسير على ما يوافق مذاهبهم بأخذ ما وافق وتأويل ما خالف على حسب ما ~~يجوزه قول المذهب. # واختيار المذاهب الخاصة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة وإن كان معلولا ~~لاختلاف الأنظار العلمية أو لشيء آخر كالتقاليد والعصبيات القومية، وليس ~~هاهنا محل الاشتغال بذلك، إلا أن هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى ~~تطبيقا لا تفسيرا. # ففرق بين أن يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن؟ أو ~~يقول: ما ذا يجب أن نحمل عليه الآية؟ فإن القول الأول يوجب أن ينسى كل أمر ~~نظري عند البحث، وأن يتكي على ما ليس بنظري، والثاني يوجب وضع النظريات في ~~المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها، ومن المعلوم أن هذا النحو من البحث في ~~الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه. # وأما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ~~ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة ~~بالمعنى الأعم أعني: الرياضيات والطبيعيات والإلهيات والحكمة العملية، ~~وخاصة المشائين، وقد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات ~~الخلقة وحدوث السماوات والأرض وآيات البرزخ وآيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا ~~التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والأصول الموضوعة التي نجدها في ~~العلم الطبيعي: من نظام الأفلاك الكلية والجزئية وترتيب العناصر والأحكام ~~الفلكية والعنصرية إلى غير ذلك، مع أنهم نصوا على أن هذه الأنظار مبتنية ~~على أصول موضوعة لا بينة ولا مبينة. # وأما المتصوفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن ~~الآيات الأنفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على ~~التأويل، ورفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، وتلفيق ~~جمل شعرية والاستدلال من كل شيء على كل شيء، حتى آل الأمر إلى تفسير الآيات ~~بحساب الجمل ورد الكلمات إلى الزبر والبينات والحروف النورانية والظلمانية ~~إلى غير ذلك. # ومن الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا أن المخاطبين به هم ~~أصحاب علم ms0003 الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب ~~الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى ~~العربية. # نعم قد وردت روايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) كقولهم: إن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن أو ~~إلى سبعين بطنا الحديث. # لكنهم (عليهم السلام) اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، واعتنوا بأمر ~~التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، وسنبين في أوائل سورة آل عمران إن شاء ~~الله: أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من ~~اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن وانتشار الإسلام، وأن ~~الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الآيات ليس من قبيل ~~المعنى والمفهوم. PageV01P003 # وقد نشأ في هذه الأعصار مسلك جديد في التفسير وذلك أن قوما من منتحلي ~~الإسلام في إثر توغلهم في العلوم الطبيعية وما يشابهها المبتنية على الحس ~~والتجربة، والاجتماعية المبتنية على تجربة الإحصاء، مالوا إلى مذهب الحسيين ~~من فلاسفة الأروبة سابقا، أو إلى مذهب أصالة العمل لا قيمة للإدراكات إلا ~~ترتب العمل عليها بمقدار يعينه الحاجة الحيوية بحكم الجبر. # فذكروا: أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم ~~وهو أن: لا أصالة في الوجود إلا للمادة وخواصها المحسوسة فما كان الدين ~~يخبر عن وجوده مما يكذب العلوم ظاهره كالعرش والكرسي واللوح والقلم يجب أن ~~يؤول تأويلا. # وما يخبر عن وجوده مما لا تتعرض العلوم لذلك كحقائق المعاد يجب أن يوجه ~~بالقوانين المادية. # وما يتكي عليه التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة ~~والإمامة وغير ذلك، إنما هي أمور روحية، والروح مادية ونوع من الخواص ~~المادية، والتشريع نبوغ خاص اجتماعي يبنى قوانينه على الأفكار الصالحة، ~~لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي. # ذكروا: أن الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلا ما ~~وافق الكتاب، وأما الكتاب فلا يجوز أن يبنى في تفسيره على الآراء والمذاهب ~~السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل ms0004 الذي أبطله العلم بالبناء ~~على الحسن والتجربة، بل الواجب أن يستقل بما يعطيه القرآن من التفسير إلا ~~ما بينه العلم. # هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتباع طريق الحس والتجربة، ~~فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، ولا كلام لنا هاهنا في أصولهم ~~العلمية والفلسفية التي اتخذوها أصولا وبنوا عليها ما بنوا. # وإنما الكلام في أن ما أوردوه على مسالك السلف من المفسرين أن ذلك تطبيق ~~وليس بتفسير وارد بعينه على طريقتهم في التفسير، وإن صرحوا أنه حق التفسير ~~الذي يفسر به القرآن بالقرآن. # ولو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئا، فما بالهم ~~يأخذون الأنظار العلمية مسلمة لا يجوز التعدي عنها؟ فهم لم يزيدوا على ما ~~أفسده السلف إصلاحا. # وأنت بالتأمل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: أن الجميع ~~مشتركة في نقص وبئس النقص، وهو تحميل ما أنتجه الأبحاث العلمية أو الفلسفية ~~من خارج على مداليل الآيات، فتبدل به التفسير تطبيقا وسمي به التطبيق ~~تفسيرا، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات. # ولازم ذلك كما أومأنا إليه في أوائل الكلام أن يكون القرآن الذي يعرف ~~نفسه بأنه هدى للعالمين ونور مبين وتبيان لكل شيء مهديا إليه بغيره ~~ومستنيرا بغيره ومبينا بغيره، فما هذا الغير! وما شأنه! وبما ذا يهدي إليه! ~~وما هو المرجع والملجأ إذا اختلف فيه! وقد اختلف واشتد الخلاف. # وكيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم مفهوم اللفظ ~~المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربي الكلمات أو الآيات، فإنما هو ~~كلام عربي مبين لا يتوقف في فهمه عربي ولا غيره ممن هو عارف باللغة وأساليب ~~الكلام العربي. # وليس بين آيات القرآن وهي بضع آلاف آية آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في ~~مفهومها بحيث يتحير الذهن في فهم معناها، وكيف! وهو أفصح الكلام ومن شرط ~~الفصاحة خلو الكلام عن الإغلاق والتعقيد، حتى أن الآيات المعدودة من متشابه ~~القرآن كالآيات المنسوخة وغيرها، في غاية ms0005 الوضوح من جهة المفهوم، وإنما ~~التشابه في المراد منها وهو ظاهر. # وإنما الاختلاف كل الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية ~~من مفردها ومركبها، وفي المدلول التصوري والتصديقي. # توضيحه: أن الأنس والعادة كما قيل يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند ~~استماع الألفاظ معانيها المادية أو ما يتعلق بالمادة فإن المادة هي التي ~~يتقلب فيها أبداننا وقوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحياة الدنيوية، فإذا ~~سمعنا ألفاظ الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والرضا ~~والغضب والخلق والأمر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادية ~~لمفاهيمها. PageV01P004 # وكذا إذا سمعنا ألفاظ السماء والأرض واللوح والقلم والعرش والكرسي والملك ~~وأجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى ~~أفهامنا مصاديقها الطبيعية. # وإذا سمعنا: أن الله خلق العالم وفعل كذا وعلم كذا وأراد أو يريد أو شاء ~~وأو يشاء كذا قيدنا الفعل بالزمان حملا على المعهود عندنا. # وإذا سمعنا نحو قوله: "ولدينا مزيد" الآية وقوله: "لاتخذناه من لدنا" ~~الآية وقوله: "وما عند الله خير" الآية. # وقوله: "إليه ترجعون" الآية. # قيدنا معنى الحضور بالمكان. # وإذا سمعنا نحو قوله: "إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها" الآية أو ~~قوله: "ونريد أن نمن". # الآية أو قوله: "يريد الله بكم اليسر" الآية فهمنا: أن الجميع سنخ واحد ~~من الإرادة، لما أن الأمر على ذلك فيما عندنا، وعلى هذا القياس. # وهذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، ومن حقنا ذلك، فإن الذي أوجب ~~علينا وضع ألفاظ إنما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم والتفهم، والاجتماع ~~إنما تعلق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلقة بالمادة ولواحقها، ~~فوضعنا الألفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات وأغراضا عائدة إلينا. # وكان ينبغي لنا أن نتنبه: أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل ~~بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل كما أن السراج أول ما عمله ~~الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضاءة به ~~في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي ولم ms0006 يبق ~~من أجزاء السراج المعمول أولا الموضوع بإزائه لفظ السراج شيء ولا واحد. ### # وكذا الميزان المعمول أولا، والميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلا. # والسلاح المتخذ سلاحا أول يوم، والسلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك. # فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة ~~والاسم مع ذلك باق، وليس إلا لأن المراد في التسمية إنما هو من الشيء ~~غايته، لا شكله وصورته، فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا ~~كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله. # فكان ينبغي لنا أن نتنبه أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على ~~الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، فذلك مما لا مطمع فيه البتة، ~~ولكن العادة والأنس منعانا ذلك، وهذا هو الذي دعى المقلدة من أصحاب الحديث ~~من الحشوية والمجسمة أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير وليس في ~~الحقيقة جمودا على الظواهر بل هو جمود على العادة والأنس في تشخيص ~~المصاديق. # لكن بين هذه الظواهر أنفسها أمور تبين: أن الاتكاء والاعتماد على الأنس ~~والعادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها ويختل به أمر الفهم كقوله ~~تعالى: "ليس كمثله شيء" الآية. # وقوله: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير". # وقوله: "سبحان الله عما يصفون". # وهذا هو الذي دعى الناس أن لا يقتصروا على الفهم العادي والمصداق المأنوس ~~به الذهن في فهم معاني الآيات كما كان غرض الاجتناب عن الخطاء والحصول على ~~النتائج المجهولة هو الذي دعى الإنسان إلى أن يتمسك بذيل البحث العلمي، ~~وأجاز ذلك للبحث أن يداخل في فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصده العالية، وذلك ~~على أحد وجهين، أحدهما: أن نبحث بحثا علميا أو فلسفيا أو غير ذلك عن مسألة ~~من المسائل التي تتعرض له الآية حتى نقف على الحق في المسألة، ثم نأتي ~~بالآية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير أن القرآن لا ~~يرتضيها كما عرفت، وثانيهما: أن نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الآية من ~~نظيرتها بالتدبر ms0007 المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخص المصاديق ونتعرفها ~~بالخواص التي تعطيها الآيات، كما قال تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء" الآية. # وحاشا أن يكون القرآن تبيانا لكل شيء ولا يكون تبيانا لنفسه، وقال تعالى: ~~"هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان". # الآية وقال تعالى ": وأنزلنا إليكم نورا مبينا" الآية. PageV01P005 # وكيف يكون القرآن هدى وبينة وفرقانا ونورا مبينا للناس في جميع ما يحتاجون ~~ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو أشد الاحتياج! وقال تعالى: "والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا" الآية وأي جهاد أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه! وأي ~~سبيل أهدى إليه من القرآن!. # والآيات في هذا المعنى كثيرة سنستفرغ الوسع فيها في بحث المحكم والمتشابة ~~في أوائل سورة آل عمران. # ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي علمه القرآن وجعله معلما ~~لكتابه كما يقول تعالى: "نزل به الروح الأمين على قلبك" الآية. # ويقول: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" الآية. # ويقول: "يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" الآية. # وعترته وأهل بيته الذين أقامهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا ~~المقام في الحديث المتفق عليه بين الفريقين: +" إني تارك فيكم الثقلين ما ~~إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض "+. # وصدقه الله تعالى في علمهم بالقرآن، حيث قال عز من قائل: "إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وقال إنه لقرآن كريم في كتاب ~~مكنون لا يمسه إلا المطهرون" الآية وقد كانت طريقتهم في التعليم والتفسير ~~هذه الطريقة بعينها على ما وصل إلينا من أخبارهم في التفسير. # وسنورد ما تيسر لنا مما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة ~~أهل بيته في ضمن أبحاث روائية في هذا الكتاب، ولا يعثر المتتبع الباحث فيها ~~على مورد واحد يستعان فيه على تفسير الآية بحجة نظرية عقلية، ولا فرضية علمية. # وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): +" فإذا التبست عليكم الفتن ms0008 ~~كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله ~~أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على ~~خير سبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر ~~وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه ~~نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ~~ودليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، وليبلغ الصفة نظره ينجو ~~من عطب ويخلص من نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في ~~الظلمات بالنور، يحسن التخلص ويقل التربص "+. # وقال علي (عليه السلام): يصف القرآن على ما في النهج +" ينطق بعضه ببعض ~~ويشهد بعضه على بعض الخطبة "+. # هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلموا القرآن وهداته ~~صلوات الله عليهم. # وسنضع ما تيسر لنا بعون الله سبحانه من الكلام على هذه الطريقة في البحث ~~عن الآيات الشريفة في ضمن بيانات، قد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجة ~~نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية، أو إلى مكاشفة عرفانية. # واحترزنا فيها عن أن نضع الأنكتة أدبية يحتاج إليها فهم الأسلوب العربي ~~أو مقدمة بديهية أو عملية لا يختلف فيها الأفهام. ### # وقد تحصل من هذه البيانات الموضوعة على هذه الطريقة من البحث استفراغ ~~الكلام فيما نذكره. # 1 المعارف المتعلقة بأسماء الله سبحانه وصفاته من الحياة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والوحدة وغيرها، وأما الذات فستطلع أن القرآن يراه غنيا عن ~~البيان. # 2 المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى من الخلق والأمر والإرادة والمشية ~~والهداية والإضلال والقضاء والقدر والجبر والتفويض والرضا والسخط، إلى غير ~~ذلك من متفرقات الأفعال. # 3 المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه وبين الإنسان كالحجب واللوح ~~والقلم والعرش والكرسي والبيت المعمور والسماء والأرض والملائكة والشياطين ~~والجن وغير ذلك. # 4 المعارف المتعلقة بالإنسان قبل الدنيا. # 5 المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا كمعرفة تاريخ نوعه ومعرفة نفسه ~~ومعرفة أصول اجتماعه ومعرفة النبوة والرسالة والوحي والإلهام والكتاب ~~والدين ms0009 والشريعة، ومن هذا الباب مقامات الأنبياء المستفادة من قصصهم ~~المحكية. # 6 المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، وهو البرزخ والمعاد. PageV01P006 # 7 المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، ومن هذا الباب ما يتعلق بمقامات ~~الأولياء في صراط العبودية من الإسلام والإيمان والإحسان والإخبات والإخلاص ~~وغير ذلك. ### |||| AUTO وأما آيات الأحكام، فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك ~~إلى الفقه. # وقد أفاد هذه الطريقة من البحث ارتفاع التأويل بمعنى الحمل على المعنى ~~المخالف للظاهر من بين الآيات، وأما التأويل بالمعنى الذي يثبته القرآن في ~~مواضع من الآيات، فسترى أنه ليس من قبيل المعاني. # ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية نورد ما تيسر لنا ~~إيراده من الروايات المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل ~~البيت سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامة والخاصة، وأما الروايات ~~الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين. # فإنها على ما فيها من الخط والتناقض لا حجة فيها على مسلم. # وسيطلع الباحث المتدبر في الروايات المنقولة عنهم (عليهم السلام)، أن هذه ~~الطريقة الحديثة التي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب، أقدم الطرق المأثورة ~~في التفسير التي سلكها معلموه سلام الله عليهم. # ثم وضعنا أبحاثا مختلفة، فلسفية وعلمية وتاريخية واجتماعية وأخلاقية، حسب ~~ما تيسر لنا من البحث، وقد آثرنا في كل بحث قصر الكلام على المقدمات ~~المسانخة له، من غير تعد عن طور البحث. # نسأل الله تعالى السداد والرشاد فإنه خير معين وهاد الفقير إلى الله: ~~محمد حسين الطباطبائي ### || AUTO 1 سورة الحمد - 1 - 5 ### ||| AUTO بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله رب العلمين (2) الرحمن ~~الرحيم (3) ملك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) # بيان # قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الناس ربما يعملون عملا أو يبتدئون ~~في عمل ويقرنونه باسم عزيز من أعزتهم أو كبير من كبرائهم، ليكون عملهم ذاك ~~مباركا بذلك متشرفا، أو ليكون ذكرى يذكرهم به، ومثل ذلك موجود أيضا في باب ~~التسمية فربما يسمون المولود الجديد من الإنسان، أو شيئا مما صنعوه أو ~~عملوه كدار بنوها أو ms0010 مؤسسة أسسوها باسم من يحبونه أو يعظمونه، ليبقى الاسم ~~ببقاء المسمى الجديد، ويبقى المسمى الأول نوع بقاء ببقاء الاسم كمن يسمي ~~ولده باسم والده ليحيي بذلك ذكره فلا يزول ولا ينسى. # وقد جرى كلامه تعالى هذا المجرى، فابتدأ الكلام باسمه عز اسمه ليكون ما ~~يتضمنه من المعنى معلما باسمه مرتبطا به، وليكون أدبا يؤدب به العباد في ~~الأعمال والأفعال والأقوال، فيبتدءوا باسمه ويعملوا به، فيكون ما يعملونه ~~معلما باسمه منعوتا بنعته تعالى مقصودا لأجله سبحانه فلا يكون العمل هالكا ~~باطلا مبترا، لأنه باسم الله الذي لا سبيل للهلاك والبطلان إليه. # وذلك أن الله سبحانه يبين في مواضع من كلامه: أن ما ليس لوجهه الكريم ~~هالك باطل، وأنه: سيقدم إلى كل عمل عملوه مما ليس لوجهه الكريم، فيجعله ~~هباء منثورا، ويحبط ما صنعوا ويبطل ما كانوا يعملون، وأنه لا بقاء لشيء إلا ~~وجهه الكريم فما عمل لوجهه الكريم وصنع باسمه هو الذي يبقى ولا يفنى، وكل ~~أمر من الأمور إنما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه نصيب، وهذا هو الذي ~~يفيده ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: +" كل ~~أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر الحديث "+. # والأبتر هو المنقطع الآخر، فالأنسب أن متعلق الباء في البسملة أبتدىء ~~بالمعنى الذي ذكرناه فقد ابتدأ بها الكلام بما أنه فعل من الأفعال، فلا ~~محالة له وحدة، ووحدة الكلام بوحدة مدلوله ومعناه، فلا محالة له معنى ذا ~~وحدة وهو المعنى المقصود إفهامه من إلقاء الكلام، والغرض المحصل منه. PageV01P007 # وقد ذكر الله سبحانه الغرض المحصل من كلامه الذي هو جملة القرآن إذ قال: ~~"تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله" الآية: المائدة - 16 ~~إلى غير ذلك من الآيات التي أفاد فيها: أن الغاية من كتابه وكلامه هداية ~~العباد، فالهداية جملة هي المبتدئة باسم الله الرحمن الرحيم، فهو الله الذي ~~إليه مرجع العباد، وهو الرحمن يبين لعباده سبيل رحمته العامة للمؤمن ~~والكافر، مما ms0011 فيه خيرهم في وجودهم وحياتهم، وهو الرحيم يبين لهم سبيل رحمته ~~الخاصة بالمؤمنين وهو سعادة آخرتهم ولقاء ربهم وقد قال تعالى: "ورحمتي وسعت ~~كل شيء وسأكتبها للذين يتقون":. الأعراف - 156. # فهذا بالنسبة إلى جملة القرآن. # ثم إنه سبحانه كرر ذكر السورة في كلامه كثيرا كقوله تعالى: "فأتوا بسورة ~~مثله": يونس - 38. # وقوله: "فأتوا بعشر سور مثله مفتريات": هود - 13. # وقوله تعالى: "إذا أنزلت سورة": التوبة - 86. # وقوله: "سورة أنزلناها وفرضناها": النور - 1. # فبان لنا من ذلك: أن لكل طائفة من هذه الطوائف من كلامه التي فصلها قطعا ~~قطعا، وسمي كل قطعة سورة نوعا من وحدة التأليف والتمام، لا يوجد بين أبعاض ~~من سورة ولا بين سورة وسورة، ومن هنا نعلم: أن الأغراض والمقاصد المحصلة من ~~السور مختلفة، وأن كل واحدة منها مسوقة لبيان معنى خاص ولغرض محصل لا تتم ~~السورة إلا بتمامه، وعلى هذا فالبسملة في مبتدإ كل سورة راجعة إلى الغرض ~~الخاص من تلك السورة. # فالبسملة في سورة الحمد راجعة إلى غرض السورة والمعنى المحصل منه، والغرض ~~الذي يدل عليه سرد الكلام في هذه السورة هو حمد الله بإظهار العبودية له ~~سبحانه بالإفصاح عن العبادة والاستعانة وسؤال الهداية، فهو كلام يتكلم به ~~الله سبحانه نيابة عن العبد، ليكون متأدبا في مقام إظهار العبودية بما أدبه ~~الله به. # وإظهار العبودية من العبد هو العمل الذي يتلبس به العبد، والأمر ذو البال ~~الذي يقدم عليه، فالابتداء باسم الله سبحانه الرحمن الرحيم راجع إليه، ~~فالمعنى باسمك أظهر لك العبودية. # فمتعلق الباء في بسملة الحمد الابتداء ويراد به تتميم الإخلاص في مقام ~~العبودية بالتخاطب. # وربما يقال إنه الاستعانة ولا بأس به ولكن الابتداء أنسب لاشتمال السورة ~~على الاستعانة صريحا في قوله تعالى: "وإياك نستعين". # وأما الاسم، فهو اللفظ الدال على المسمى مشتق من السمة بمعنى العلامة أو ~~من السمو بمعنى الرفعة وكيف كان فالذي يعرفه منه اللغة والعرف هو اللفظ ~~الدال ويستلزم ذلك أن يكون غير المسمى، وأما الإسلام بمعنى الذات مأخوذا ~~بوصف من أوصافه فهو من الأعيان ms0012 لا من الألفاظ وهو مسمى الاسم بالمعنى الأول ~~كما أن لفظ العالم من أسماء الله تعالى اسم يدل على مسماه وهو الذات مأخوذة ~~بوصف العلم وهو بعينه اسم بالنسبة إلى الذات الذي لا خبر عنه إلا بوصف من ~~أوصافه ونعت من نعوته والسبب في ذلك أنهم وجدوا لفظ الاسم موضوعا للدال على ~~المسمى من الألفاظ، ثم وجدوا أن الأوصاف المأخوذة على وجه تحكي عن الذات ~~وتدل عليه حال اللفظ المسمى بالاسم في أنها تدل على ذوات خارجية، فسموا هذه ~~الأوصاف الدالة على الذوات أيضا أسماء فأنتج ذلك أن الاسم كما يكون أمرا ~~لفظيا كذلك يكون أمرا عينيا، ثم وجدوا أن الدال على الذات القريب منه هو ~~الاسم بالمعنى الثاني المأخوذ بالتحليل، وأن الاسم بالمعنى الأول إنما يدل ~~على الذات بواسطته، ولذلك سموا الذي بالمعنى الثاني اسما، والذي بالمعنى ~~الأول اسم الاسم، هذا ولكن هذا كله أمر أدى إليه التحليل النظري ولا ينبغي ~~أن يحمل على اللغة، فالاسم بحسب اللغة ما ذكرناه. # وقد شاع النزاع بين المتكلمين في الصدر الأول من الإسلام في أن الاسم عين ~~المسمى أو غيره وطالت المشاجرات فيه، ولكن هذا النوع من المسائل قد اتضحت ~~اليوم اتضاحا يبلغ إلى حد الضرورة ولا يجوز الاشتغال بها بذكر ما قيل وما ~~يقال فيها والعناية بإبطال ما هو الباطل وإحقاق ما هو الحق فيها، فالصفح عن ~~ذلك أولى. PageV01P008 # وأما لفظ الجلالة، فالله أصله الإله، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإله من ~~أله الرجل يأله بمعنى عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحير، فهو فعال ~~بكسر الفاء بمعنى المفعول ككتاب بمعنى المكتوب سمي إلها لأنه معبود أو لأنه ~~مما تحيرت في ذاته العقول، والظاهر أنه علم بالغلبة، وقد كان مستعملا دائرا ~~في الألسن قبل نزول القرآن يعرفه العرب الجاهلي كما يشعر به قوله تعالى: ~~"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله": الزخرف - 87. # وقوله تعالى: "فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا": الأنعام - 136. # ومما يدل على كونه علما أنه يوصف بجميع الأسماء ms0013 الحسنى وسائر أفعاله ~~المأخوذة من تلك الأسماء من غير عكس، فيقال: الله الرحمن الرحيم ويقال: رحم ~~الله وعلم الله، ورزق الله، ولا يقع لفظ الجلالة صفة لشيء منها ولا يؤخذ ~~منه ما يوصف به شيء منها. ### # ولما كان وجوده سبحانه، وهو إله كل شيء يهدي إلى اتصافه بجميع الصفات ~~الكمالية كانت الجميع مدلولا عليها به بالالتزام، وصح ما قيل إن لفظ ~~الجلالة اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال وإلا فهو علم ~~بالغلبة لم تعمل فيه عناية غير ما يدل عليه مادة أله. # وأما الوصفان: الرحمن الرحيم، فهما من الرحمة، وهي وصف انفعالي وتأثر خاص ~~يلم بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمره فيبعث الإنسان ~~إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، إلا أن هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى ~~الإعطاء والإفاضة لرفع الحاجة وبهذا المعنى يتصف سبحانه بالرحمة. # والرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدل على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبهة تدل ~~على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن أن يدل على الرحمة الكثيرة المفاضة ~~على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامة، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيرا في ~~القرآن، قال تعالى: "الرحمن على العرش استوى": طه - 5. # وقال: "قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا": مريم - 75. # إلى غير ذلك، ولذلك أيضا ناسب الرحيم أن يدل على النعمة الدائمة والرحمة ~~الثابتة الباقية التي تفاض على المؤمن كما قال تعالى: "وكان بالمؤمنين ~~رحيما": الأحزاب - 43. # وقال تعالى: "إنه بهم رءوف رحيم": التوبة - 117. # إلى غير ذلك، ولذلك قيل: إن الرحمن عام للمؤمن والكافر والرحيم خاص ~~بالمؤمن. # وقوله تعالى: الحمد لله، الحمد على ما قيل هو الثناء على الجميل ~~الاختياري والمدح أعم منه، يقال: حمدت فلانا أو مدحته لكرمه، ويقال: مدحت ~~اللؤلؤ على صفائه ولا يقال: حمدته على صفائه، واللام فيه للجنس أو ~~الاستغراق والمال هاهنا واحد. # وذلك أن الله سبحانه يقول: "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء": غافر - 62. # فأفاد أن كل ما هو شيء فهو مخلوق لله سبحانه، وقال: "الذي أحسن كل ms0014 شيء ~~خلقه": السجدة - 7. # فأثبت الحسن لكل شيء مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور ~~مدار الخلق وبالعكس، فلا خلق إلا وهو حسن جميل بإحسانه ولا حسن إلا وهو ~~مخلوق له منسوب إليه، وقد قال تعالى: "هو الله الواحد القهار": الزمر - 4. # وقال: "وعنت الوجوه للحي القيوم": طه - 111. # فأنبأ أنه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر ولا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر بل ~~خلقه عن علم واختيار فما من شيء إلا وهو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة ~~الفعل، وأما من جهة الاسم فقد قال تعالى: "الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى": طه - 8. # وقال تعالى "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه": الأعراف - 180. # فهو تعالى جميل في أسمائه وجميل في أفعاله، وكل جميل منه. # فقد بان أنه تعالى محمود على جميل أسمائه ومحمود على جميل أفعاله، وأنه ~~ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلا كان لله سبحانه حقيقة لأن الجميل الذي ~~يتعلق به الحمد منه سبحانه، فلله سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كل حمد. # ثم إن الظاهر من السياق وبقرينة الالتفات الذي في قوله: "إياك نعبد" ~~الآية أن السورة من كلام العبد، وأنه سبحانه في هذه السورة يلقن عبده حمد ~~نفسه وما ينبغي أن يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية، وهو الذي ~~يؤيده قوله: "الحمد لله". PageV01P009 # وذلك أن الحمد توصيف، وقد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث ~~قال: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات - 160. # والكلام مطلق غير مقيد، ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن ~~غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح ~~(عليه السلام): "فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين": المؤمنون - 28. # وقال تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): "الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق": إبراهيم - 39. # وقال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في بضعة مواضع ms0015 من ~~كلامه: "وقل الحمد لله": النمل - 93. # وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان (عليهما السلام) "وقالا الحمد لله": ~~النمل - 15. # وإلا ما حكاه عن أهل الجنة وهم المطهرون من غل الصدور ولغو القول ~~والتأثيم كقوله. "وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين": يونس - 10. # وأما غير هذه الموارد فهو تعالى وإن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن ~~جميعهم، كقوله تعالى: "والملائكة يسبحون بحمد ربهم": الشورى - 5. # وقوله "ويسبح الرعد بحمده": الرعد - 13 وقوله وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده": الإسراء - 44. # إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في ~~الحكاية وجعل الحمد معه، وذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها ~~كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها جمال الأفعال، قال تعالى: ~~"ولا يحيطون به علما": طه - 110 فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدودا ~~بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد ~~أن ينزهوه ويسبحوه عن ما حدوه وقدروه بأفهامهم، قال تعالى: "إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون": النحل - 74، وأما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم ~~حمده ووصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أن الذي يقتضيه أدب ~~العبودية أن يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه ولا يتعدى عنه، كما في الحديث ~~الذي رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): +" لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث "+ فقوله في أول هذه السورة: الحمد ~~لله، تأديب بأدب عبودي ما كان للعبد أن يقوله لو لا أن الله تعالى قاله ~~نيابة وتعليما لما ينبغي الثناء به. # وقوله تعالى: رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إه وقرأ الأكثر ~~ملك يوم الدين فالرب هو المالك الذي يدبر أمر مملوكه، ففيه معنى الملك، ~~ومعنى الملك الذي عندنا في ظرف الاجتماع هو نوع خاص من الاختصاص وهو نوع ~~قيام شيء بشيء يوجب صحة التصرفات فيه، فقولنا العين الفلانية ملكنا معناه: ~~أن لها نوعا ms0016 من القيام والاختصاص بنا يصح معه تصرفاتنا فيها ولو لا ذلك لم ~~تصح تلك التصرفات وهذا في الاجتماع معنى وضعي اعتباري غير حقيقي وهو مأخوذ ~~من معنى آخر حقيقي نسميه أيضا ملكا، وهو نحو قيام أجزاء وجودنا وقوانا بنا ~~فإن لنا بصرا وسمعا ويدا ورجلا، ومعنى هذا الملك أنها في وجودها قائمة ~~بوجودنا غير مستقلة دوننا بل مستقلة باستقلالنا ولنا أن نتصرف فيها كيف ~~شئنا وهذا هو الملك الحقيقي. ### # والذي يمكن انتسابه إليه تعالى بحسب الحقيقة هو حقيقة الملك دون الملك ~~الاعتباري الذي يبطل ببطلان الاعتبار والوضع، ومن المعلوم أن الملك الحقيقي ~~لا ينفك عن التدبير فإن الشيء إذا افتقر في وجوده إلى شيء فلم يستقل عنه في ~~وجوده لم يستقل عنه في آثار وجوده، فهو تعالى رب لما سواه لأن الرب هو ~~المالك المدبر وهو تعالى كذلك. PageV01P010 # وأما العالمين: فهو جمع العالم بفتح اللام بمعنى ما يعلم به كالقالب ~~والخاتم والطابع بمعنى ما يقلب به وما يختم به وما يطبع به، يطلق على جميع ~~الموجودات وعلى كل نوع مؤلف الأفراد والأجزاء منها كعالم الجماد وعالم ~~النبات وعالم الحيوان وعالم الإنسان وعلى كل صنف مجتمع الأفراد أيضا كعالم ~~العرب وعالم العجم وهذا المعنى هو الأنسب لما يئول إليه عد هذه الأسماء ~~الحسنى حتى ينتهي إلى قوله مالك يوم الدين على أن يكون الدين وهو الجزاء ~~يوم القيامة مختصا بالإنسان أو الإنس والجن فيكون المراد بالعالمين عوالم ~~الإنس والجن وجماعاتهم ويؤيده ورود هذا اللفظ بهذه العناية في القرآن كقوله ~~تعالى "واصطفاك على نساء العالمين": آل عمران - 42. # وقوله تعالى: "ليكون للعالمين نذيرا": فرقان - 1، وقوله تعالى: "أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين": الأعراف - 80. # وأما مالك يوم الدين فقد عرفت معنى المالك وهو المأخوذ من الملك بكسر ~~الميم، وأما الملك وهو مأخوذ من الملك بضم الميم، فهو الذي يملك النظام ~~القومي وتدبيرهم دون العين، وبعبارة أخرى يملك الأمر والحكم فيهم. # وقد ذكر لكل من القرائتين، ملك ومالك وجوه من التأييد غير ms0017 أن المعنيين من ~~السلطنة ثابتان في حقه تعالى، والذي تعرفه اللغة والعرف أن الملك بضم الميم ~~هو المنسوب إلى الزمان يقال: ملك العصر الفلاني، ولا يقال مالك العصر ~~الفلاني إلا بعناية بعيدة، وقد قال تعالى: ملك يوم الدين فنسبه إلى اليوم، ~~وقال أيضا: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": غافر - 16. ### |||| AUTO بحث روائي # في العيون، والمعاني، عن الرضا (عليه السلام): في معنى قوله: بسم الله ~~قال (عليه السلام): يعني أسم نفسي بسمة من سمات الله وهي العبادة، قيل له: ~~ما السمة؟ قال العلامة. # أقول وهذا المعنى كالمتولد من المعنى الذي أشرنا إليه في كون الباء ~~للابتداء فإن العبد إذا وسم عبادته باسم الله لزم ذلك أن يسم نفسه التي ~~ينسب العبادة إليها بسمة من سماته. # وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام)، وفي العيون، وتفسير العياشي، عن ~~الرضا (عليه السلام): أنها أقرب إلى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى ~~بياضها. # أقول: وسيجيء معنى الرواية في الكلام على الاسم الأعظم. # وفي العيون، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنها من الفاتحة وأن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأها ويعدها آية منها، ويقول فاتحة ~~الكتاب هي السبع المثاني أقول: وروي من طرق أهل السنة والجماعة نظير هذا ~~المعنى فعن الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم القرآن ~~والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها. # وفي الخصال، عن الصادق (عليه السلام) قال: ما لهم؟ قاتلهم الله عمدوا إلى ~~أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها. # وعن الباقر (عليه السلام): سرقوا أكرم آية في كتاب الله بسم الله الرحمن ~~الرحيم، وينبغي الإتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه. # أقول والروايات عن أئمة أهل البيت في هذا المعنى كثيرة، وهي جميعا تدل ~~على أن البسملة جزء من كل سورة إلا سورة البراءة، وفي روايات أهل السنة ~~والجماعة ما يدل ms0018 على ذلك. # ففي صحيح مسلم، عن أنس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنزل ~~علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. # وعن أبي داود عن ابن عباس وقد صححوا سندها قال: إن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة حتى ينزل ~~عليه، بسم الله الرحمن الرحيم. # أقول وروي هذا المعنى من طرق الخاصة عن الباقر (عليه السلام). # وفي الكافي، والتوحيد، والمعاني، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه ~~السلام) في حديث: والله إله كل شيء، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة. # وروي عن الصادق (عليه السلام): الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام ~~بصفة خاصة. PageV01P011 # أقول: قد ظهر مما مر وجه عموم الرحمن للمؤمن والكافر واختصاص الرحيم ~~بالمؤمن، وأما كون الرحمن اسما خاصا بصفة عامة والرحيم اسما عاما بصفة خاصة ~~فكأنه يريد به أن الرحمن خاص بالدنيا ويعم الكافر والمؤمن والرحيم عام ~~للدنيا والآخرة ويخص المؤمنين، وبعبارة أخرى: الرحمن يختص بالإفاضة ~~التكوينية التي يعم المؤمن والكافر، والرحيم يعم التكوين والتشريع الذي ~~بابه باب الهداية والسعادة، ويختص بالمؤمنين لأن الثبات والبقاء يختص ~~بالنعم التي تفاض عليهم والعاقبة للتقوى. # وفي كشف الغمة، عن الصادق (عليه السلام) قال: فقد لأبي (عليه السلام) ~~بغلة فقال لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضيها فما لبث أن أتي بها ~~بسرجها ولجامها فلما استوى وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال الحمد ~~لله ولم يزد، ثم قال ما تركت ولا أبقيت شيئا جعلت أنواع المحامد لله عز ~~وجل، فما من حمد إلا وهو داخل فيها. # قلت: وفي العيون، عن علي (عليه السلام): أنه سئل عن تفسيرها فقال: هو أن ~~الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون على معرفة جميعها ~~بالتفصيل لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف، فقال: قولوا الحمد لله على ما ~~أنعم به علينا. # أقول: يشير (عليه السلام) إلى ما مر من أن الحمد، من العبد وإنما ذكره ~~الله بالنيابة ms0019 تأديبا وتعليما. ### |||| AUTO بحث فلسفي # البراهين العقلية ناهضة على أن استقلال المعلول وكل شأن من شئونه إنما هو ~~بالعلة، وأن كل ما له من كمال فهو من أظلال وجود علته، فلو كان للحسن ~~والجمال حقيقة في الوجود فكماله واستقلاله للواجب تعالى لأنه العلة التي ~~ينتهي إليه جميع العلل، والثناء والحمد هو إظهار موجود ما بوجوده كمال ~~موجود آخر وهو لا محالة علته وإذا كان كل كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كل ~~ثناء وحمد تعود وتنتهي إليه تعالى، فالحمد لله رب العالمين. ### # قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين الآية، العبد هو المملوك من الإنسان ~~أو من كل ذي شعور بتجريد المعنى كما يعطيه قوله تعالى: "إن كل من في ~~السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا": مريم - 93. # والعبادة مأخوذة منه وربما تفرقت اشتقاقاتها أو المعاني المستعملة هي ~~فيها لاختلاف الموارد، وما ذكره الجوهري في الصحاح أن أصل العبودية الخضوع ~~فهو من باب الأخذ بلازم المعنى وإلا فالخضوع متعد باللام والعبادة متعدية ~~بنفسها. # وبالجملة فكان العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه ولذلك ~~كانت العبادة منافية للاستكبار وغير منافية للاشتراك فمن الجائز أن يشترك ~~أزيد من الواحد في ملك رقبة أو في عبادة عبد، قال تعالى: "إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين": غافر - 60. # وقال تعالى: "ولا يشرك بعبادة ربه أحدا": الكهف - 110 فعد الإشراك ممكنا ~~ولذلك نهى عنه، والنهي لا يمكن إلا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن ~~العبادة فإنه لا يجامعها. # والعبودية إنما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالي منهم، ~~وأما ما لا يتعلق به الملك من شئون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في ~~قامته فلا يتعلق به عبادة ولا عبودية، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على ~~خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممن سواه ولا أن العبد يتبعض في نسبته ~~إليه تعالى فيكون شيء منه مملوكا وشيء، آخر غير مملوك، ولا تصرف من ~~التصرفات فيه جائز وتصرف آخر غير جائز كما ms0020 أن العبيد فيما بيننا شيء منهم ~~مملوك وهو أفعالهم الاختيارية وشيء غير مملوك وهو الأوصاف الاضطرارية، وبعض ~~التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم ~~مثلا، فهو تعالى مالك على الإطلاق من غير شرط ولا قيد وغيره مملوك على ~~الإطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر من جهتين، الرب مقصور في المالكية، ~~والعبد مقصور في العبودية، وهذه هي التي يدل عليه قوله: إياك نعبد. # حيث قدم المفعول وأطلقت العبادة. # ثم إن الملك حيث كان مقتوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر، فلا يكون ~~حاجبا عن مالكه ولا يحجب عنه، فإنك إذا نظرت إلى دار زيد فإن نظرت إليها من ~~جهة أنها دار أمكنك أن تغفل عن، زيد وإن نظرت إليها بما أنها ملك زيد لم ~~يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد. PageV01P012 # ولكنك عرفت أن ما سواه تعالى ليس له إلا المملوكية فقط وهذه حقيقته فشيء ~~منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى، ~~فله تعالى الحضور المطلق، قال سبحانه: "أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط": حم السجدة - 54، ~~وإذا كان كذلك فحق عبادته تعالى أن يكون عن حضور من الجانبين. # أما من جانب الرب عز وجل، فأن يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات ~~المأخوذ في قوله تعالى إياك نعبد عن الغيبة إلى الحضور. # وأما من جانب العبد، فأن يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير أن يغيب في ~~عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى وجسدا من غير روح أو يتبعض ~~فيشتغل بربه وبغيره، إما ظاهرا وباطنا كالوثنيين في عبادتهم لله ولأصنامهم ~~معا أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والأغراض ~~كان يعبد الله وهمه في غيره، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار فإن ~~ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي، قال ms0021 تعالى: "فاعبد الله ~~مخلصا له الدين": الزمر - 2، وقال تعالى: "ألا لله الدين الخالص والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الله يحكم ~~بينهم فيما هم فيه يختلفون": الزمر - 3. # فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة، إذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور ~~الذي ذكرناه، وقد ظهر أنه إنما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون ~~قد أعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلق. # قلبه في عبادته رجاء أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون ~~عبادته له لا لوجه الله، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي ~~لا تلائم الإنية والاستكبار، وكان الإتيان بلفظ المتكلم مع الغير للإيماء ~~إلى هذه النكتة فإن فيه هضما للنفس بإلغاء تعينها وشخوصها وحدها المستلزم ~~لنحو من الإنية والاستقلال بخلاف إدخالها في الجماعة وخلطها بسواد الناس ~~فإن فيه إمحاء التعين وإعفاء الأثر فيؤمن به ذلك. # وقد ظهر من ذلك كله: أن إظهار العبودية بقوله: إياك نعبد لا يشتمل على ~~نقص من حيث المعنى ومن حيث الإخلاص إلا ما في قوله: إياك نعبد من نسبة ~~العبد العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود ~~والقدرة والإرادة مع أنه مملوك والمملوك لا يملك شيئا، فكأنه تدورك ذلك ~~بقوله تعالى وإياك نستعين، أي إنما ننسب العبادة إلى أنفسنا وندعيه لنا مع ~~الاستعانة بك لا مستقلين بذلك مدعين ذلك دونك، فقوله: إياك نعبد وإياك ~~نستعين لإبداء معنى واحد وهو العبادة عن إخلاص، ويمكن أن يكون هذا هو الوجه ~~في اتحاد الاستعانة والعبادة في السياق الخطابي حيث قيل إياك نعبد وإياك ~~نستعين من دون أن يقال: إياك نعبد أعنا واهدنا الصراط المستقيم وأما تغيير ~~السياق في قوله: اهدنا الصراط الآية. # فسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO فقد بان بما مر من البيان في قوله إياك نعبد وإياك نستعين ~~الآية الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه في الحصر الذي يفيده ~~تقديم المفعول، والوجه في ms0022 إطلاق قوله: نعبد، والوجه في اختيار لفظ المتكلم ~~مع الغير، والوجه في تعقيب الجملة الأولى بالثانية، والوجه في تشريك ~~الجملتين في السياق، وقد ذكر المفسرون نكات أخرى في أطراف ذلك من أرادها ~~فليراجع كتبهم وهو الله سبحانه غريم لا يقضى دينه. # 1 سورة الحمد - 6 - 7 ### ||| AUTO اهدنا الصرط المستقيم (6) صرط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين (7) # بيان # قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم إلخ أما ~~الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط وأما الصراط فهو والطريق ~~والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثم بين أنه الصراط ~~الذي يسلكه الذين أنعم الله تعالى عليهم، فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي ~~سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة أي: إن العبد يسأل ربه أن تقع ~~عبادته الخالصة في هذا الصراط. PageV01P013 # بيان ذلك: أن الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الإنسان بل لجميع من سواه ~~سبيلا يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ~~ربك كدحا فملاقيه": الإنشقاق - 6 وقال تعالى: "وإليه المصير: التغابن - 3، ~~وقال: "ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى - 53، إلى غير ذلك من الآيات وهي ~~واضحة الدلالة على أن الجميع سالكوا سبيل، وأنهم سائرون إلى الله سبحانه. # ثم بين: أن السبيل ليس سبيلا واحدا ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين ~~منقسم إلى طريقين، فقال: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم": يس - 61. # فهناك طريق مستقيم وطريق آخر وراءه، وقال تعالى "فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون": البقرة - 186، ~~وقال تعالى: "ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين": غافر - 60، فبين تعالى: أنه قريب من عباده وأن الطريق الأقرب إليه ~~تعالى طريق عبادته ودعائه، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون: "أولئك ~~ينادون من مكان بعيد": السجدة - 44 فبين: أن غاية الذين لا يؤمنون ms0023 في ~~مسيرهم وسبيلهم بعيدة. # فتبين: أن السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل ~~بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، ~~قال تعالى: "إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء": الأعراف - 40. # ولو لا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، ~~وقال تعالى: "ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى": طه - 81 والهوي هو السقوط إلى ~~أسفل، فهناك طريق آخر أخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى: "ومن يتبدل ~~الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل": البقرة - 108، فعرف الضلال عن سواء ~~السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضل، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلاثة ~~أقسام: من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن ~~عبادته، ومن طريقه إلى السفل وهم المغضوب عليهم، ومن ضل الطريق وهو حيران ~~فيه وهم الضالون، وربما أشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلاث ~~أعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الأول الذي هو طريق ~~المؤمنين غير المستكبرين إلا أن قوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة - 11. # يدل على أن نفس الطريق الأول أيضا يقع فيه انقسام. # وبيانه: أن كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى: "ومن ~~يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل": البقرة - 108. # وفي هذا المعنى قوله تعالى "أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا": يس - 62. # والقرآن يعد الشرك ظلما وبالعكس، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن ~~الشيطان لما قضي الأمر: "إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم": إبراهيم - 22. # كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام - 82 وهو ظاهر ms0024 من ترتيب الاهتداء ~~والأمن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم ولبس ~~الإيمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم أمرها واحد وهي متلازمة مصداقا، ~~وهذا هو المراد من قولنا: إن كل واحد منها معرف بالآخر أو هو الآخر، ~~فالمراد المصداق دون المفهوم. PageV01P014 # إذا عرفت هذا علمت أن الصراط المستقيم الذي هو صراط غير الضالين صراط لا ~~يقع فيه شرك ولا ظلم البتة كما لا يقع فيه ضلال البتة، لا في باطن الجنان ~~من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والأركان من ~~فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حق التوحيد علما وعملا إذ لا ثالث لهما ~~وما ذا بعد الحق إلا الضلال؟ وينطبق على ذلك قوله تعالى: "الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام - 82، وفيه ~~تثبيت للأمن في الطريق ووعد بالاهتداء التام بنائا على ما ذكروه: من كون ~~اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم. # ثم إنه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم ~~بقوله تعالى: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": النساء - 68. # وقد وصف هذا الإيمان والإطاعة قبل هذه الآية بقوله "فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه ~~إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا": ~~النساء - 66. # فوصفهم بالثبات التام قولا وفعلا وظاهرا وباطنا على العبودية لا يشذ منهم ~~شاذ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعا لأولئك المنعم عليهم وفي ~~صف دون صفهم لمكان مع ولمكان قوله: "وحسن أولئك رفيقا" ولم يقل: فأولئك من الذين. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: "والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ms0025 أجرهم ونورهم": الحديد - 19. # وهذا هو إلحاق المؤمنين بالشهداء والصديقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ~~ربهم، وقوله: لهم أجرهم. # فأولئك وهم أصحاب الصراط المستقيم أعلى قدرا وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء ~~وهم المؤمنون الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم من الضلال والشرك والظلم، ~~فالتدبر في هذه الآيات يوجب القطع بأن هؤلاء المؤمنين وشأنهم هذا الشأن ~~فيهم بقية بعد، لو تمت فيهم كانوا من الذين أنعم الله عليهم، وارتقوا من ~~منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلهم نوع من العلم بالله، ذكره ~~في قوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": ~~المجادلة - 11. # فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدرا، يربو على ~~نعمة الإيمان التام، وهذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم. # ثم إنه تعالى على أنه كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل لم ينسب لنفسه ~~أزيد من صراط مستقيم واحد، وعد لنفسه سبلا كثيرة فقال عز من قائل "والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا": العنكبوت - 69. ### # وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلا ما في هذه الآية صراط ~~الذين أنعمت عليهم الآية ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى: ~~"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة": يوسف - 108. # وقال تعالى "سبيل من أناب إلي": لقمان - 15. # وقال: "سبيل المؤمنين": النساء - 114، ويعلم منها: أن السبيل غير الصراط ~~المستقيم فإنه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل ~~العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله تعالى: "قد جاءكم من ~~الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم": المائدة - 16، فعد ~~السبل كثيرة والصراط واحدا وهذا الصراط المستقيم إما هي السبل الكثيرة وإما ~~أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها. # وأيضا قال تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف - 106. # فبين أن من الشرك وهو ضلال ما يجتمع مع الإيمان وهو سبيل، ومنه يعلم أن ~~السبيل يجامع الشرك، لكن الصراط المستقيم لا ms0026 يجامع الضلال كما قال: ولا ~~الضالين. PageV01P015 # والتدبر في هذه الآيات يعطي أن كل واحد من هذه السبل يجامع شيئا من النقص ~~أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، وأن كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه ~~غير الآخر ويفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين أنه يتحد مع ~~ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة وغيرها كقوله: "وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم": يس - 61. # وقوله تعالى: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا": الأنعام - 161. # فسمى العبادة صراطا مستقيما وسمى الدين صراطا مستقيما وهما مشتركان بين ~~السبل جميعا، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح ~~بالنسبة إلى البدن، فكما أن للبدن أطوارا في حياته هو عند كل طور غيره عند ~~طور آخر، كالصبا والطفولية والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكن ~~الروح هي الروح وهي متحدة بها والبدن يمكن أن تطرأ عليه أطوار تنافي ما ~~تحبه وتقتضيه الروح لو خليت ونفسها بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها والبدن مع ذلك هو الروح أعني الإنسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى ~~هو الصراط المستقيم إلا أن السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل ~~المتبعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ~~ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما ~~عرفت أن الإيمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شيء من ~~ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده، ~~والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو. # وقد بين الله سبحانه هذا المعنى، أعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون ~~الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق والباطل في كلامه، فقال تعالى: ~~"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ms0027 الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال": الرعد - 17. # فبين: أن القلوب والأفهام في تلقي المعارف والكمال مختلفة، مع كون الجميع ~~متكئة منتهية إلى رزق سماوي واحد، وسيجيء تمام الكلام في هذا المثل في سورة ~~الرعد، وبالجملة فهذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم. # وإذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط المستقيم تحصل لك أن الصراط المستقيم ~~مهيمن على جميع السبل إلى الله والطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى أن السبيل ~~إلى الله إنما يكون سبيلا له موصلا إليه بمقدار يتضمنه من الصراط المستقيم ~~حقيقة، مع كون الصراط المستقيم هاديا موصلا إليه مطلقا ومن غير شرط وقيد، ~~ولذلك سماه الله تعالى صراطا مستقيما، فإن الصراط هو الواضح من الطريق، ~~مأخوذ من سرطت سرطا إذا بلعت بلعا، كأنه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ~~ولا يدفعهم عن بطنه، والمستقيم هو الذي يريد أن يقوم على ساق فيتسلط على ~~نفسه وما لنفسه كالقائم الذي هو مسلط على أمره، ويرجع المعنى إلى أنه الذي ~~لا يتغير أمره ولا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته ~~وإيصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى: "فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما": ~~النساء - 174. # أي لا يتخلف أمر هذه الهداية، بل هي على حالها دائما، وقال تعالى: "فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ~~ربك مستقيما": الأنعام - 126. # أي هذه طريقته التي لا يختلف ولا يتخلف، وقال تعالى: "قال هذا صراط علي ~~مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر - 42. # أي هذه سنتي وطريقتي دائما من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله: "فلن تجد ~~لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا": الفاطر - 42. # وقد تبين مما ذكرناه في معنى الصراط المستقيم أمور. PageV01P016 # أحدها: أن الطرق إلى الله مختلفة كمالا ونقصا ms0028 وغلاء ورخصا، في جهة قربها من ~~منبع الحقيقة والصراط المستقيم كالإسلام والإيمان والعبادة والإخلاص ~~والإخبات، كما أن مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود والطغيان والمعصية ~~كذلك، قال سبحانه "ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون": ~~الأحقاف - 19. # وهذا نظير المعارف الإلهية التي تتلقاها العقول من الله فإنها مختلفة ~~باختلاف الاستعدادات ومتلونة بألوان القابليات على ما يفيده المثل المضروب ~~في قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها" الآية. # وثانيها: أنه كما أن الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل، فكذلك أصحابه ~~الذين مكنهم الله تعالى فيه وتولى أمرهم وولاهم أمر هداية عباده حيث قال: ~~"وحسن أولئك رفيقا": النساء - 71. # وقال تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ~~ويؤتون الزكوة وهم راكعون": المائدة - 55. # والآية نازلة في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بالأخبار المتواترة وهو ~~(عليه السلام) أول فاتح لهذا الباب من الأمة وسيجيء تمام الكلام في الآية. # وثالثها: أن الهداية إلى الصراط يتعين معناها بحسب تعين معناه، وتوضيح ~~ذلك أن الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، وفيه أن تعديتها لمفعولين لغة ~~أهل الحجاز، وغيرهم يعدونه إلى المفعول الثاني بإلى، وقوله هو الظاهر، وما ~~قيل: إن الهداية إذا تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الإيصال ~~إلى المطلوب، وإذا تعدت بإلى فبمعنى إراءة الطريق، مستدلا بنحو قوله تعالى: ~~"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": القصص - 56. # حيث إن هدايته بمعنى إراءة الطريق ثابتة فالمنفي غيرها وهو الإيصال إلى ~~المطلوب قال تعالى: "وهديناهم صراطا مستقيما": النساء - 70. # وقال تعالى: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم": الشورى - 52. ### # فالهداية بالإيصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، ~~والهداية بإراءة الطريق بإلي، وفيه أن النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية ~~التي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها أصلا، وبعبارة أخرى هو نفي الكمال ~~دون نفي الحقيقة، مضافا إلى أنه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ~~"يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد": غافر - 38. # فالحق أنه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، ms0029 ومن الممكن أن يكون ~~التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار وبالجملة فالهداية هي ~~الدلالة وإراءة الغاية بإراءة الطريق وهي نحو إيصال إلى المطلوب، وإنما ~~تكون من الله سبحانه، وسنته سنة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ~~ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره، وقد بينه الله سبحانه بقوله: "فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام": الأنعام - 125. # وقوله: "ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من ~~يشاء": الزمر - 23. # وتعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان، فهو إيجاده ~~تعالى وصفا في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه، وكما أن سبله ~~تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليه فلكل سبيل ~~هداية قبله تختص به. # وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت - 69. # إذ فرق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله، وبين أن يجاهد في الله، ~~فالمجاهد في الأول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في ~~الثاني فإنه إنما يريد وجه الله فيمده الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون ~~سبيل بحسب استعداده الخاص به، وكذا يمده الله تعالى بالهداية إلى السبيل ~~بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلت عظمته. PageV01P017 # ورابعها: أن الصراط المستقيم لما كان أمرا محفوظا في سبل الله تعالى على ~~اختلاف مراتبها ودرجاتها، صح أن يهدي الله الإنسان إليه وهو مهدي فيهديه من ~~الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهديه إلى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته ~~فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أن قوله تعالى: اهدنا ~~الصراط وهو تعالى يحكيه عمن هداه بالعبادة من هذا القبيل، ولا يرد عليه: أن ~~سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال، وكذا ركوب ~~الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلق به سؤال، والجواب ظاهر. # وكذا الإيراد عليه: بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع ~~الأمم السابقة، فما ms0030 معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الذين ~~أنعم الله عليهم منهم؟ وذلك أن كون شريعة أكمل من شريعة أمر، وكون المتمسك ~~بشريعة أكمل من المتمسك بشريعة أمر آخر وراءه، فإن المؤمن المتعارف من ~~مؤمني شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كون شريعته أكمل وأوسع ليس ~~بأكمل من نوح وإبراهيم (عليه السلام) مع كون شريعتهما أقدم وأسبق، وليس ذلك ~~إلا أن حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها ~~والتخلق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص وإن كان من أهل الشرائع السابقة ~~أكمل وأفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد ولم تستقر حياة المعرفة في روحه ~~ولم يتمكن نور الهداية الإلهية من قلبه، وإن كان عاملا بالشريعة المحمدية ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) التي هي أكمل الشرائع وأوسعها، فمن الجائز أن ~~يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية إلى ~~مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة التي هي دونها. # ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام، ما ذكره بعض المحققين من أهل التفسير ~~جوابا عن هذه الشبهة: أن دين الله واحد وهو الإسلام، والمعارف الأصلية وهو ~~التوحيد والنبوة والمعاد وما يتفرع عليها من المعارف الكلية واحد في ~~الشرائع، وإنما مزية هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي أن الأحكام ~~الفرعية فيها أوسع وأشمل لجميع شئون الحياة، فهي أكثر عناية بحفظ مصالح ~~العباد، على أن أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من ~~الحكمة والموعظة والجدال الأحسن، ثم إن الدين وإن كان دينا واحدا والمعارف ~~الكلية في الجميع على السواء غير أنهم سلكوا سبيل ربهم قبل سلوكنا، وتقدموا ~~في ذلك علينا، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه هذا. # أقول: وهذا الكلام مبني على أصول في مسلك التفسير مخالفة للأصول التي يجب ~~أن يبتني مسلك التفسير عليها، فإنه مبني على أن حقائق المعارف الأصلية ~~واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات، وكذا سائر ms0031 ~~الكمالات الباطنية المعنوية، فأفضل الأنبياء المقربين مع أخس المؤمنين من ~~حيث الوجود وكماله الخارجي التكويني على حد سواء، وإنما التفاضل بحسب ~~المقامات المجعولة بالجعل التشريعي من غير أن يتكي على تكوين، كما أن ~~التفاضل بين الملك والرعية إنما هو بحسب المقام الجعلي الوضعي من غير تفاوت ~~من حيث الوجود الإنساني هذا. # ولهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه، وهو القول بأصالة المادة ونفي الأصالة ~~عما وراءها والتوقف فيه إلا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل، وقد ~~وقع في هذه الورطة من وقع، لأحد أمرين: إما القول بالاكتفاء بالحس اعتمادا ~~على العلوم المادية وإما إلغاء التدبر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم ~~العامي. # وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الأبحاث العلمية الآتية إن شاء الله تعالى. # وخامسها: أن مزية أصحاب الصراط المستقيم على غيرهم، وكذا صراطهم على سبيل ~~غيرهم، إنما هو بالعلم لا العمل، فلهم من العلم بمقام ربهم ما ليس لغيرهم، ~~إذ قد تبين مما مر: أن العمل التام موجود في بعض السبل التي دون صراطهم، ~~فلا يبقى لمزيتهم إلا العلم، وأما ما هذا العلم؟ وكيف هو؟ فنبحث عنه إن شاء ~~الله في قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها": الرعد - 17. PageV01P018 # ويشعر بهذا المعنى قوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات": المجادلة - 11، وكذا قوله تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه": الملائكة - 10، فالذي يصعد إليه تعالى هو الكلم ~~الطيب وهو الاعتقاد والعلم، وأما العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيب ~~والأمداد دون الصعود إليه تعالى، وسيجيء تمام البيان في البحث عن الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في معنى العبادة قال: العبادة ~~ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفا، فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك ~~وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله عز وجل حبا، فتلك ~~عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة. # وفي نهج البلاغة،: إن قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وإن قوما ~~عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن ms0032 قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة ~~الأحرار. # وفي العلل، والمجالس، والخصال، عن الصادق (عليه السلام): إن الناس يعبدون ~~الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو ~~الطمع، وآخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني ~~أعبده حبا له عز وجل فتلك عبادة الكرام، لقوله عز وجل: "وهم من فزع يومئذ ~~آمنون". ولقوله عز وجل "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، فمن ~~أحب الله عز وجل أحبه، ومن أحبه الله كان من الآمنين، وهذا مقام مكنون لا ~~يمسه إلا المطهرون. # أقول: وقد تبين معنى الروايات مما مر من البيان، وتوصيفهم (عليهم السلام) ~~عبادة الأحرار تارة بالشكر وتارة بالحب، لكون مرجعهما واحدا، فإن الشكر وضع ~~الشيء المنعم به في محله، والعبادة شكرها أن تكون لله الذي يستحقها لذاته، ~~فيعبد الله لأنه الله، أي لأنه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته، ~~فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته، فليس الحب إلا الميل إلى الجمال والانجذاب ~~نحوه، فقولنا فيه تعالى هو معبود لأنه هو، وهو معبود لأنه جميل محبوب، وهو ~~معبود لأنه منعم مشكور بالعبادة يرجع جميعها إلى معنى واحد. ### # وروي بطريق عامي عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: إياك نعبد ~~الآية، يعني: لا نريد منك غيرك ولا نعبدك بالعوض والبدل: كما يعبدك ~~الجاهلون بك المغيبون عنك. # أقول: والرواية تشير إلى ما تقدم، من استلزام معنى العبادة للحضور ~~وللإخلاص الذي ينافي قصد البدل. # وفي تحف العقول، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: ومن زعم أنه يعبد ~~بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف ~~فقد أبطل التوحيد لأن الصفة غير الموصوف، ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى ~~الصفة فقد صغر بالكبير، وما قدروا الله حق قدره. # الحديث. # وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام): في معنى قوله تعالى: اهدنا الصراط ~~المستقيم يعني أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك، ~~والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب، أو أن نأخذ ms0033 بآرائنا فنهلك وفي المعاني، ~~أيضا عن علي (عليه السلام): في الآية، يعني، أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به ~~في ماضي أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا. # أقول: والروايتان وجهان مختلفان في الجواب عن شبهة لزوم تحصيل الحاصل من ~~سؤال الهداية للمهدي، فالرواية الأولى ناظرة إلى اختلاف مراتب الهداية ~~مصداقا والثانية إلى اتحادها مفهوما. # وفي المعاني، أيضا عن علي (عليه السلام): الصراط المستقيم في الدنيا ما ~~قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة. # وفي المعاني، أيضا عن علي (عليه السلام): في معنى صراط الذين الآية: أي: ~~قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، لا بالمال ~~والصحة، فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا، قال: وهم الذين قال الله: "ومن ~~يطع الله والرسول - فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم - من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا". PageV01P019 # وفي العيون، عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) قال: لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: قال الله ~~عز وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ~~ما سأل، إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله جل جلاله بدأ عبدي ~~باسمي وحق علي أن أتمم له أموره، وأبارك له في أحواله، فإذا قال: الحمد لله ~~رب العالمين، قال الله جل جلاله: حمدني عبدي، وعلم أن النعم التي له من ~~عندي، وأن البلايا التي دفعت عنه بتطولي، أشهدكم أني أضيف له إلى نعم ~~الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، وإذا ~~قال الرحمن الرحيم، قال الله جل جلاله: شهد لي عبدي أني الرحمن الرحيم ~~أشهدكم لأوفرن من رحمتي حظه ولأجزلن من عطائي نصيبه فإذا قال: مالك يوم ~~الدين قال الله تعالى: أشهدكم، كما اعترف بأني أنا المالك يوم الدين، ~~لأسهلن يوم الحساب حسابه، ولأتقبلن حسناته ولأتجاوزن عن سيئاته، فإذا قال: ~~إياك نعبد، قال الله عز وجل: صدق عبدي، إياي ms0034 يعبد أشهدكم لأثيبنه على ~~عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي، فإذا قال: وإياك نستعين قال ~~الله تعالى: بي استعان عبدي وإلي التجأ، أشهدكم لأعيننه على أمره، ولأغيثنه ~~في شدائده ولآخذن بيده يوم نوائبه، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم إلى ~~آخر السورة، قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، وقد استجبت لعبدي ~~وأعطيته ما أمل وآمنته مما منه وجل. أقول: وروى قريبا منه الصدوق في العلل، ~~عن الرضا (عليه السلام)، والرواية كما ترى تفسر سورة الفاتحة في الصلاة فهي ~~تؤيد ما مر مرارا أن السورة كلام له سبحانه بالنيابة عن عبده في ما يذكره ~~في مقام العبادة وإظهار العبودية من الثناء لربه وإظهار عبادته، فهي سورة ~~موضوعة للعبادة، وليس في القرآن سورة تناظرها في شأنها وأعني بذلك: أولا: ~~أن السورة بتمامها كلام تكلم به الله سبحانه في مقام النيابة عن عبده فيما ~~يقوله إذا وجه وجهه إلى مقام الربوبية ونصب نفسه في مقام العبودية. # وثانيا: أنها مقسمة قسمين، فنصف منها لله ونصف منها للعبد. # وثالثا: أنها مشتملة على جميع المعارف القرآنية على إيجازها واختصارها ~~فإن القرآن على سعته العجيبة في معارفه الأصلية وما يتفرع عليها من الفروع ~~من أخلاق وأحكام في العبادات والمعاملات والسياسات والاجتماعيات ووعد ووعيد ~~وقصص وعبر، يرجع جمل بياناتها إلى التوحيد والنبوة والمعاد وفروعاتها، وإلى ~~هداية العباد إلى ما يصلح به أولاهم وعقباهم، وهذه السورة كما هو واضح ~~تشتمل على جميعها في أوجز لفظ وأوضح معنى. # وعليك أن تقيس ما يتجلى لك من جمال هذه السورة التي وضعها الله سبحانه في ~~صلاة المسلمين بما يضعه النصارى في صلاتهم من الكلام الموجود في إنجيل متى: ~~وهو ما نذكره بلفظة العربي، "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ~~ملكوتك، لتكن مشيتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا، أعطنا ~~اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في ~~تجربة ولكن نجنا من الشرير آمين". # تأمل في المعاني التي تفيدها ألفاظ ms0035 هذه الجمل بعنوان أنها معارف سماوية، ~~وما يشتمل عليه من الأدب العبودي، أنها تذكر أولا أن أباهم وهو الله تقدس ~~اسمه في السماوات! ثم تدعو في حق الأب بتقدس اسمه وإتيان ملكوته ونفوذ ~~مشيته في الأرض كما هي نافذة في السماء، ولكن من الذي يستجيب هذا الدعاء ~~الذي هو بشعارات الأحزاب السياسية أشبه؟ ثم تسأل الله إعطاء خبز اليوم ~~ومقابلة المغفرة بالمغفرة، وجعل الإغماض عن الحق في مقابل الإغماض، وما ذا ~~هو حقهم لو لم يجعل الله لهم حقا؟ وتسأله أن لا يمتحنهم بل ينجيهم من ~~الشرير، ومن المحال ذلك، فالدار دار الامتحان والاستكمال وما معنى النجاة ~~لو لا الابتلاء والامتحان؟ ثم اقض العجب مما ذكره بعض المستشرقين من علماء ~~الغرب وتبعه بعض من المنتحلين: أن الإسلام لا يربو على غيره في المعارف، ~~فإن جميع شرائع الله تدعو إلى التوحيد وتصفية النفوس بالخلق الفاضل والعمل ~~الصالح، وإنما تتفاضل الأديان في عراقة ثمراتها الاجتماعية. PageV01P020 ### |||| AUTO بحث آخر روائي # في الفقيه، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) قال: الصراط ~~المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام). # وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام) قال: هي الطريق إلى معرفة الله، ~~وهما صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو ~~الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي ~~هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه في الآخرة فتردى ~~في نار جهنم. # وفي المعاني، أيضا عن السجاد (عليه السلام) قال: ليس بين الله وبين حجته ~~حجاب، ولا لله دون حجته ستر، نحن أبواب الله ونحن الصراط المستقيم ونحن ~~عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه ونحن أركان توحيده ونحن موضع سره. # وعن ابن شهر آشوب عن تفسير وكيع بن الجراح عن الثوري عن السدي، عن أسباط ~~ومجاهد، عن ابن عباس: في قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم، قال: قولوا ~~معاشر العباد: أرشدنا إلى حب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته ~~(عليهم السلام). # أقول: وفي هذه ms0036 المعاني روايات أخر، وهذه الأخبار من قبيل الجري، وعد ~~المصداق للآية، واعلم أن الجري وكثيرا ما نستعمله في هذا الكتاب اصطلاح ~~مأخوذ من قول أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # ففي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عن هذه الرواية ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف إلا وله ~~حد، ولكل حد مطلع ما يعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال؟ ظهره تنزيله وبطنه تأويله، ~~منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلما جاء منه ~~شيء وقع الحديث. # وفي هذا المعنى روايات أخر، وهذه سليقة أئمة أهل البيت فإنهم (عليهم ~~السلام) يطبقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وإن ~~كان خارجا عن مورد النزول، والاعتبار يساعده، فإن القرآن نزل هدى للعالمين ~~يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخلق وواجب العمل، وما بينه من المعارف ~~النظرية حقائق لا تختص بحال دون حال ولا زمان، دون زمان وما ذكره من فضيلة ~~أو رذيلة أو شرعة من حكم عملي لا يتقيد بفرد دون فرد ولا عصر دون عصر لعموم ~~التشريع. # وما ورد من شأن النزول وهو الأمر أو الحادثة التي تعقب نزول آية أو آيات ~~في شخص أو واقعة لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ~~ويموت بموتها لأن البيان عام والتعليل مطلق، فإن المدح النازل في حق أفراد ~~من المؤمنين أو الذم النازل في حق آخرين معللا بوجود صفات فيهم، لا يمكن ~~قصرهما على شخص مورد النزول مع وجود عين تلك الصفات في قوم آخر بعدهم ~~وهكذا، والقرآن أيضا يدل عليه، قال تعالى: "يهدي به الله من اتبع رضوانه": ~~المائدة - 16 وقال: "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه": حم سجدة - 42. # وقال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون": الحجر - 9. # والروايات في تطبيق الآيات القرآنية عليهم (عليهم السلام) أو على أعدائهم ~~أعني: روايات الجري، كثيرة في الأبواب ms0037 المختلفة، وربما تبلغ المئين، ونحن ~~بعد هذا التنبيه العام نترك إيراد أكثرها في الأبحاث الروائية لخروجها عن ~~الغرض في الكتاب، إلا ما تعلق بها غرض في البحث فليتذكر. PageV01P021 ### || AUTO ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 1 - 5 # بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) ذلك الكتب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقنهم ينفقون (3) والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ### |||| AUTO بيان # لما كانت السورة نازلة نجوما لم يجمعها غرض واحد إلا أن معظمها تنبىء عن ~~غاية واحدة محصلة وهو بيان أن من حق عبادة الله سبحانه أن يؤمن عبده بكل ما ~~أنزله بلسان رسله من غير تفرقة بين وحي ووحي، ولا بين رسول ورسول ولا غير ~~ذلك ثم تقريع الكافرين والمنافقين وملامة أهل الكتاب بما ابتدعوه من ~~التفرقة في دين الله والتفريق بين رسله، ثم التخلص إلى بيان عدة من الأحكام ~~كتحويل القبلة وأحكام الحج والإرث والصوم وغير ذلك. # قوله تعالى: الم، سيأتي بعض ما يتعلق من الكلام بالحروف المقطعة التي في ~~أوائل السور، في أول سورة الشورى إن شاء الله، وكذلك الكلام في معنى هداية ~~القرآن ومعنى كونه كتابا. # وقوله تعالى: هدى للمتقين الذين يؤمنون إلخ، المتقون هم المؤمنون، وليست ~~التقوى من الأوصاف الخاصة لطبقة من طبقاتهم أعني: لمرتبة من مراتب الإيمان ~~حتى تكون مقاما من مقاماته نظير الإحسان والإخبات والخلوص، بل هي صفة ~~مجامعة لجميع مراتب الإيمان إذا تلبس الإيمان بلباس التحقق، والدليل على ~~ذلك أنه تعالى لا يخص بتوصيفه طائفة خاصة من طوائف المؤمنين على اختلاف ~~طبقاتهم ودرجاتهم والذي أخذه تعالى من الأوصاف المعرفة للتقوى في هذه ~~الآيات التسع عشرة التي يبين فيها حال المؤمنين والكفار والمنافقين خمس ~~صفات، وهي الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزق الله سبحانه، ~~والإيمان بما أنزله على أنبيائه، والإيقان بالآخرة، وقد وصفهم بأنهم على ~~هدى من ربهم فدل ذلك على أن تلبسهم بهذه الصفات الكريمة ms0038 بسبب تلبسهم بلباس ~~الهداية من الله سبحانه، فهم إنما صاروا متقين أولي هذه الصفات بهداية منه ~~تعالى، ثم وصف الكتاب بأنه هدى لهؤلاء المتقين بقوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين" فعلمنا بذلك: أن الهداية غير الهداية، وأن هؤلاء وهم ~~متقون محفوفون بهدايتين، هداية أولى بها صاروا متقين، وهداية ثانية أكرمهم ~~الله سبحانه بها بعد التقوى وبذلك صحت المقابلة بين المتقين وبين الكفار ~~والمنافقين، فإنه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين وعمائين، ضلال أول هو ~~الموجب لأوصافهم الخبيثة من الكفر والنفاق، وضلال ثان يتأكد به ضلالهم ~~الأول، ويتصفون به بعد تحقق الكفر والنفاق كما يقوله تعالى في حق الكفار: ~~"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة - 7، فنسب ~~الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إلى أنفسهم، وكما يقوله في حق المنافقين: ~~"في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا": البقرة - 10 فنسب المرض الأول إليهم ~~والمرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى: "يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة - 26، وقوله تعالى: "فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف - 5. # وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين، كما أن الكفار والمنافقين واقعون ~~بين ضلالين. # ثم إن الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الأولى قبل القرآن ~~وبسبب سلامة الفطرة، فإن الفطرة إذا سلمت لم تنفك من أن تتنبه شاهده لفقرها ~~وحاجتها إلى أمر خارج عنها، وكذا احتياج كل ما سواها مما يقع عليه حس أو ~~وهم أو عقل إلى أمر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنة مذعنة بوجود ~~موجود غائب عن الحس منه يبدأ الجميع وإليه ينتهي ويعود، وإنه كما لم يهمل ~~دقيقة من دقائق ما يحتاج إليه الخلقة كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ~~ينجيهم من مهلكات الأعمال والأخلاق، وهذا هو الإذعان بالتوحيد والنبوة ~~والمعاد وهي أصول الدين، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيته، ~~واستعمال ما في وسع الإنسان من مال وجاه وعلم وفضيلة لإحياء هذا الأمر ~~ونشره، وهذان هما الصلاة ms0039 والإنفاق. PageV01P022 # ومن هنا يعلم: أن الذي أخذه سبحانه من أوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة إذا ~~سلمت وأنه سبحانه وعدهم أنه سيفيض عليهم أمرا سماه هداية، فهذه الأعمال ~~الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت، هداية سابقة وهداية لاحقة، وبين ~~الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل، ومن الدليل على أن هذه الهداية ~~الثانية من الله سبحانه فرع الأولى، آيات كثيرة كقوله تعالى: "يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة": إبراهيم - 27. # وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين ~~من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد - 28. # وقوله تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم": محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) - 7. # وقوله تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين": الصف - 7. # وقوله تعالى: "والله لا يهدي القوم الفاسقين": الصف - 5. # إلى غير ذلك من الآيات. # والأمر في ضلال الكفار والمنافقين كما في المتقين على ما سيأتي إن شاء الله. # وفي الآيات إشارة إلى حياة أخرى للإنسان كامنة مستبطنة تحت هذه الحياة ~~الدنيوية، وهي الحياة التي بها يعيش الإنسان في هذه الدار وبعد الموت وحين ~~البعث، قال تعالى: "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام - 123. # وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله. # وقوله سبحانه: يؤمنون، الإيمان تمكن الاعتقاد في القلب مأخوذ من الأمن ~~كأن المؤمن يعطي لما أمن به الأمن من الريب والشك وهو آفة الاعتقاد، ~~والإيمان كما مر معنى ذو مراتب، إذ الإذعان ربما يتعلق بالشيء نفسه فيترتب ~~عليه أثره فقط، وربما يشتد بعض الاشتداد فيتعلق ببعض لوازمه، وربما يتعلق ~~بجميع لوازمه فيستنتج منه أن للمؤمنين طبقات على حسب طبقات الإيمان. # وقوله سبحانه: بالغيب، الغيب خلاف الشهادة وينطبق على ما لا يقع عليه ~~الحس، وهو الله سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا، ومنها الوحي، وهو ~~الذي أشير إليه بقوله: "والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" ~~فالمراد بالإيمان بالغيب في مقابل الإيمان ms0040 بالوحي والإيقان بالآخرة، هو ~~الإيمان بالله تعالى ليتم بذلك الإيمان بالأصول الثلاثة للدين، والقرآن ~~يؤكد القول على عدم القصر على الحس فقط ويحرص على اتباع سليم العقل وخالص اللب. # وقوله سبحانه: وبالآخرة هم يوقنون، العدول في خصوص الإذعان بالآخرة عن ~~الإيمان إلى الإيقان، كأنه للإشارة إلى أن التقوى لا تتم إلا مع اليقين ~~بالآخرة الذي لا يجامع نسيانها، دون الإيمان المجرد، فإن الإنسان ربما يؤمن ~~بشيء ويذهل عن بعض لوازمه فيأتي بما ينافيه، لكنه إذا كان على علم وذكر من ~~يوم يحاسب فيه على الخطير واليسير من أعماله لا يقتحم معه الموبقات ولا ~~يحوم حوم محارم الله سبحانه البتة قال تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب": ص - 26، فبين تعالى: أن الضلال عن سبيل الله إنما هو بنسيان يوم ~~الحساب فذكره واليقين به ينتج التقوى. # وقوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم، الهداية كلها من الله سبحانه، لا ~~ينسب إلى غيره البتة إلا على نحو من المجاز كما سيأتي إن شاء الله، ولما ~~وصفهم الله سبحانه بالهداية وقد قال في نعتها: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره": الأنعام - 125، وشرح الصدر سعته وهذا الشرح يدفع عنه كل ضيق وشح، ~~وقد قال تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون": الحشر - 9، عقب ~~سبحانه هاهنا أيضا قوله: أولئك على هدى من ربهم بقوله: وأولئك هم المفلحون الآية. ### ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: الذين يؤمنون ~~بالغيب، قال: من آمن بقيام القائم (عليه السلام) أنه حق. # أقول: وهذا المعنى مروي في غير هذه الرواية وهو من الجري. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "ومما ~~رزقناهم ينفقون" قال: ومما علمناهم يبثون. # وفي المعاني، عنه (عليه السلام): في الآية: ومما علمناهم يبثون، وما ~~علمناهم من القرآن يتلون. # أقول: والروايتان مبنيتان على حمل الإنفاق على الأعم من إنفاق المال كما ~~ذكرناه. PageV01P023 ### |||| AUTO ms0041 بحث فلسفي # هل يجوز التعويل على غير الإدراكات الحسية من المعاني العقلية؟ هذه ~~المسألة من معارك الآراء بين المتأخرين من الغربيين وإن كان المعظم من ~~القدماء وحكماء الإسلام على جواز التعويل على الحس والعقل معا بل ذكروا أن ~~البرهان العلمي لا يشمل المحسوس من حيث إنه محسوس، لكن الغربيين مع ذلك ~~اختلفوا في ذلك، والمعظم منهم وخاصة من علماء الطبيعة على عدم الاعتماد على ~~غير الحس، وقد احتجوا على ذلك بأن العقليات المحضة يكثر وقوع الخطإ والغلط ~~فيها مع عدم وجود ما يميز به الصواب من الخطإ وهو الحس والتجربة المماسان ~~للجزئيات بخلاف الإدراكات الحسية فإنا إذا أدركنا شيئا بواحد من الحواس ~~أتبعنا ذلك بالتجربة بتكرار الأمثال، ولا نزال نكرر حتى نستثبت الخاصة ~~المطلوبة في الخارج ثم لا يقع فيه شك بعد ذلك، والحجة باطلة مدخولة. # أولا: بأن جميع المقدمات المأخوذة فيها عقلية غير حسية فهي حجة على بطلان ~~الاعتماد على المقدمات العقلية بمقدمات عقلية فيلزم من صحة الحجة فسادها. # وثانيا: بأن الغلط في الحواس لا يقصر عددا من الخطإ والغلط في العقليات، ~~كما يرشد إليه الأبحاث التي أوردوها في المبصرات وسائر المحسوسات، فلو كان ~~مجرد وقوع الخطإ في باب موجبا لسده وسقوط الاعتماد عليه لكان سد باب الحس ~~أوجب وألزم. # وثالثا: أن التميز بين الخطإ والصواب مما لا بد منه في جميع المدركات غير ~~أن التجربة وهو تكرر الحس ليست آلة لذلك التميز بل القضية التجربية تصير ~~إحدى المقدمات من قياس يحتج به على المطلوب، فإنا إذا أدركنا بالحس خاصة من ~~الخواص ثم أتبعناه بالتجربة بتكرار الأمثال تحصل لنا في الحقيقة قياس على ~~هذا الشكل: إن هذه الخاصة دائمي الوجود أو أكثري الوجود لهذا الموضوع، ولو ~~كانت خاصة لغير هذا الموضوع لم يكن بدائمي أو أكثري، لكنه دائمي أو أكثري ~~وهذا القياس كما ترى يشتمل على مقدمات عقلية غير حسية ولا تجريبية. # ورابعا: هب أن جميع العلوم الحسية مؤيدة بالتجربة في باب العمل لكن من ~~الواضح أن نفس التجربة ms0042 ليس ثبوتها بتجربة أخرى وهكذا إلى غير النهاية بل ~~العلم بصحته من طريق غير طريق الحس، فالاعتماد على الحس والتجربة اعتماد ~~على العلم العقلي اضطرارا. # وخامسا: أن الحس لا ينال غير الجزئي المتغير والعلوم لا تستنتج ولا ~~تستعمل غير القضايا الكلية وهي غير محسوسة ولا مجربة، فإن التشريح مثلا ~~إنما ينال من الإنسان مثلا أفرادا معدودين قليلين أو كثيرين، يعطي للحس ~~فيها مشاهدة أن لهذا الإنسان قلبا وكبدا مثلا، ويحصل من تكرارها عدد من ~~المشاهدة يقل أو يكثر وذلك غير الحكم الكلي في قولنا: كل إنسان فله قلب أو ~~كبد، فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحس والتجربة ~~فحسب من غير ركون على العقليات من رأس لم يتم لنا إدراك كلي ولا فكر نظري ~~ولا بحث علمي، فكما يمكن التعويل أو يلزم على الحس في مورد يخص به كذلك ~~التعويل فيما يخص بالقوة العقلية، ومرادنا بالعقل هو المبدأ لهذه التصديقات ~~الكلية والمدرك لهذه الأحكام العامة، ولا ريب أن الإنسان معه شيء شأنه هذا ~~الشأن، وكيف يتصور أن يوجد ويحصل بالصنع والتكوين شيء شأنه الخطأ في فعله ~~رأسا؟ أو يمكن أن يخطىء في فعله الذي خصه به التكوين؟ والتكوين إنما يخص ~~موجودا من الموجودات بفعل من الأفعال بعد تثبت الرابطة الخارجية بينهما، ~~وكيف يثبت رابطة بين موجود وما ليس بموجود أي خطأ وغلط؟ وأما وقوع الخطإ في ~~العلوم أو الحواس فلبيان حقيقة الأمر فيه محل آخر ينبغي الرجوع إليه والله ~~الهادي. # بحث آخر فلسفي # الإنسان البسيط في أوائل نشأته حين ما يطأ موطأ الحياة لا يرى من نفسه ~~إلا أنه ينال من الأشياء أعيانها الخارجية من غير أن يتنبه أنه يوسط بينه ~~وبينها وصف العلم، ولا يزال على هذا الحال حتى يصادف في بعض مواقفه الشك أو ~~الظن، وعند ذلك يتنبه: أنه لا ينفك في سيره الحيوي ومعاشه الدنيوي عن ~~استعمال العلم لا سيما وهو ربما يخطىء ويغلط في تميزاته، ولا سبيل للخطإ ~~والغلط إلى خارج الأعيان، فيتيقن ms0043 عند ذلك بوجود صفة العلم وهو الإدراك ~~المانع من النقيض فيه. PageV01P024 # ثم البحث البالغ يوصلنا أيضا إلى هذه النتيجة، فإن إدراكاتنا التصديقية ~~تحلل إلى قضية أول الأوائل وهي أن الإيجاب والسلب لا يجتمعان معا ولا ~~يرتفعان معا فما من قضية بديهية أو نظرية إلا وهي محتاجة في تمام تصديقها ~~إلى هذه القضية البديهية الأولية، حتى إنا لو فرضنا من أنفسنا الشك فيها ~~وجدنا الشك المفروض لا يجامع بطلان نفسه وهو مفروض، وإذا ثبتت هذه القضية ~~على بداهتها ثبت جم غفير من التصديقات العلمية على حسب مساس الحاجة إلى ~~إثباتها، وعليها معول الإنسان في أنظاره وأعماله. # فما من موقف علمي ولا واقعة عملية إلا ومعول الإنسان فيه على العلم، حتى ~~أنه إنما يشخص شكه بعلمه أنه شك، وكذا ظنه أو وهمه أو جهله بما يعلم أنه ظن ~~أو وهم أو جهل هذا. # ولقد نشأ في عصر اليونانيين جماعة كانوا يسمون بالسوفسطائيين نفوا وجود ~~العلم، وكانوا يبدون في كل شيء الشك حتى في أنفسهم وفي شكهم، وتبعهم آخرون ~~يسمون بالشكاكين قريبو المسلك منهم نفوا وجود العلم عن الخارج عن أنفسهم ~~وأفكارهم إدراكاتهم وربما لفقوا لذلك وجوها من الاستدلال. # منها: أن أقوى العلوم والإدراكات وهي الحاصلة لنا من طرق الحواس مملوءة ~~خطأ وغلطا فكيف بغيرها؟ ومع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على شيء من العلوم ~~والتصديقات المتعلقة بالخارج منا؟ ومنها: أنا كلما قصدنا نيل شيء من ~~الأشياء الخارجية لم ننل عند ذلك إلا العلم به دون نفسه فكيف يمكن النيل ~~لشيء من الأشياء؟ إلى غير ذلك من الوجوه. # والجواب عن الأول: أن هذا الاستدلال يبطل نفسه، فلو لم يجز الاعتماد على ~~شيء من التصديقات لم يجز الاعتماد على المقدمات المأخوذة في نفس الاستدلال، ~~مضافا إلى أن الاعتراف بوجود الخطإ وكثرته اعتراف بوجود الصواب بما يعادل ~~الخطأ أو يزيد عليه، مضافا إلى أن القائل بوجود العلم لا يدعي صحة كل تصديق ~~بل إنما يدعيه في الجملة، وبعبارة أخرى يدعي الإيجاب الجزئي في مقابل السلب ms0044 ~~الكلي والحجة لا تفي بنفي ذلك. # والجواب عن الثاني: أن محل النزاع وهو العلم حقيقته الكشف عن ما وراءه ~~فإذا فرضنا أنا كلما قصدنا شيئا من الأشياء الخارجية وجدنا العلم بذلك ~~اعترفنا بأنا كشفنا عنه حينئذ، ونحن إنما ندعي وجود هذا الكشف في الجملة، ~~ولم يدع أحد في باب وجود العلم: أنا نجد نفس الواقع وننال عين الخارج دون ~~كشفه، وهؤلاء محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافا اضطراريا في أفعال ~~الحياة الاختيارية وغيرها، فإنهم يتحركون إلى الغذاء والماء عند إحساس ألم ~~الجوع والعطش، وكذا إلى كل مطلوب عند طلبه لا عند تصوره الخالي، ويهربون عن ~~كل محذور مهروب عنه عند العلم بوجوده لا عند مجرد تصوره، وبالجملة كل حاجة ~~نفسانية ألهمتها إليهم إحساساتهم أوجدوا حركة خارجية لرفعها ولكنهم عند ~~تصور تلك الحاجة من غير حاجة الطبيعة إليها لا يتحركون نحو رفعها، وبين ~~التصورين فرق لا محالة، وهو أن أحد العلمين يوجده الإنسان باختياره ومن عند ~~نفسه والآخر إنما يوجد في الإنسان بإيجاد أمر خارج عنه مؤثر فيه، وهو الذي ~~يكشف عنه العلم، فإذن العلم موجود وذلك ما أردناه. ### # واعلم: أن في وجود العلم شكا قويا من وجه آخر وهو الذي وضع عليه أساس ~~العلوم المادية اليوم من نفي العلم الثابت وكل علم ثابت، بيانه: أن البحث ~~العلمي يثبت في عالم الطبيعة نظام التحول والتكامل، فكل جزء من أجزاء عالم ~~الطبيعة واقع في مسير الحركة ومتوجه إلى الكمال، فما من شيء إلا وهو في ~~الآن الثاني من وجوده غيره وهو في الآن الأول من وجوده، ولا شك أن الفكر ~~والإدراك من خواص الدماغ فهي خاصة مادية لمركب مادي، فهي لا محالة واقعة ~~تحت قانون التحول والتكامل، فهذه الإدراكات ومنها الإدراك المسمى بالعلم ~~واقعة في التغير والتحول فلا معنى لوجود علم ثابت باق وإنما هو نسبي، فبعض ~~التصديقات أدوم بقاء وأطول عمرا أو أخفى نقيضا ونقضا من بعض آخر وهو المسمى ~~بالعلم فيما وجد. # والجواب عنه: أن الحجة مبنية على كون العلم ms0045 ماديا غير مجرد في وجوده وليس ~~ذلك بينا ولا مبينا بل الحق أن العلم ليس بمادي البتة، وذلك لعدم انطباق ~~صفات المادة وخواصها عليه. # 1 فإن الماديات مشتركة في قبول الانقسام وليس يقبل العلم بما أنه علم ~~الانقسام البتة. PageV01P025 # 2 والماديات مكانية زمانية والعلم بما أنه علم لا يقبل مكانا ولا زمانا، ~~والدليل عليه إمكان تعقل الحادثة الجزئية الواقعة في مكان معين وزمان معين ~~في كل مكان وكل زمان مع حفظ العينية. # 3 والماديات بأجمعها واقعة تحت سيطرة الحركة العمومية فالتغير خاصة ~~عمومية فيها مع أن العلم بما أنه علم لا يتغير، فإن حيثية العلم بالذات ~~تنافي حيثية التغير والتبدل وهو ظاهر عند المتأمل. # 4 ولو كان العلم مما يتغير بحسب ذاته كالماديات لم يمكن تعقل شيء واحد ~~ولا حادثة واحدة في وقتين مختلفين معا ولا تذكر شيء أو حادثة سابقة في زمان ~~لاحق، فإن الشيء المتغير وهو في الآن الثاني غيره في الآن الأول، فهذه ~~الوجوه ونظائرها دالة على أن العلم بما أنه علم ليس بمادي البتة، وأما ما ~~يحصل في العضو الحساس أو الدماغ من تحقق عمل طبيعي فليس بحثنا فيه أصلا ولا ~~دليل على أنه هو العلم، ومجرد تحقق عمل عند تحقق أمر من الأمور لا يدل على ~~كونهما أمرا واحدا، والزائد على هذا المقدار من البحث ينبغي أن يطلب من محل آخر. PageV01P026 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 6 - 7 # إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم ~~الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشوة ولهم عذاب عظيم (7) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: إن الذين كفروا، هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر وتمكن الجحود من ~~قلوبهم، ويدل عليه وصف حالهم بمساواة الإنذار وعدمه فيهم، ولا يبعد أن يكون ~~المراد من هؤلاء الذين كفروا هم الكفار من صناديد قريش وكبراء مكة الذين ~~عاندوا ولجوا في أمر الدين ولم يألوا جهدا في ذلك ولم يؤمنوا حتى أفناهم ~~الله عن آخرهم في بدر وغيره، ويؤيده أن هذا ms0046 التعبير وهو قوله: سواء عليهم، ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، لا يمكن استطراده في حق جميع الكفار وإلا ~~انسد باب الهداية والقرآن ينادي على خلافه، وأيضا هذا التعبير إنما وقع في ~~سورة يس وهي مكية وفي هذه السورة وهي سورة البقرة أول سورة نزلت في المدينة ~~نزلت ولم تقع غزوة بدر بعد، فالأشبه أن يكون المراد من الذين كفروا، هاهنا ~~وفي سائر الموارد من كلامه تعالى: كفار مكة في أول البعثة إلا أن تقوم ~~قرينة على خلافه، نظير ما سيأتي أن المراد من قوله تعالى: الذين آمنوا، ~~فيما أطلق في القرآن من غير قرينة هم السابقون الأولون من المسلمين، خصوا ~~بهذا الخطاب تشريفا. # وقوله تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم "إلخ" يشعر تغيير السياق: ~~حيث نسب الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إليهم أنفسهم بأن فيهم حجابا دون ~~الحق في أنفسهم وحجابا من الله تعالى عقيب كفرهم وفسوقهم، فأعمالهم متوسطة ~~بين حجابين: من ذاتهم ومن الله تعالى، وسيأتي بعض ما يتعلق بالمقام في قوله ~~تعالى: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا". # واعلم أن الكفر كالإيمان وصف قابل للشدة والضعف فله مراتب مختلفة الآثار ~~كالإيمان. PageV01P027 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الزبيري عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن ~~وجوه الكفر في كتاب الله عز وجل، قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، ~~فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر ~~البراءة، وكفر النعم. فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من ~~يقول: لا رب ولا جنة ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية ~~وهم الذين يقولون وما يهلكنا إلا الدهر وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان ~~منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون: قال عز وجل: إن هم إلا يظنون، أن ذلك كما ~~يقولون، وقال: إن الذين كفروا - سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون، يعني بتوحيد الله، فهذا أحد وجوه الكفر. وأما الوجه الآخر فهو ~~الجحود على ms0047 معرفة، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده، وقد ~~قال الله عز وجل: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا"، وقال الله عز ~~وجل: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ~~به - فلعنة الله على الكافرين، فهذا تفسير وجهي الجحود، والوجه الثالث من ~~الكفر كفر النعم وذلك قوله سبحانه يحكي قول سليمان: هذا من فضل ربي ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر - ومن شكر فإنما يشكر لنفسه - ومن كفر فإن ربي غني كريم، ~~وقال: لئن شكرتم لأزيدنكم - ولئن كفرتم إن عذابي لشديد، وقال: فاذكروني ~~أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون. والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز ~~وجل به، وهو قول عز وجل: "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم - ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم - ثم أقررتم وأنتم تشهدون - ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~- وتخرجون فريقا منكم من ديارهم - تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان - وإن ~~يأتوكم أسارى تفادوهم - وهو محرم عليكم إخراجهم - أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض"، فكفرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ونسبهم إلى الإيمان ولم ~~يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال: فما جزاء من يفعل ذلك منكم - إلا خزي في ~~الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب - وما الله بغافل عما ~~تعملون. والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة وذلك قول الله عز وجل يحكي قول ~~إبراهيم: كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا - حتى تؤمنوا ~~بالله وحده، يعني تبرأنا منكم، وقال: يذكر إبليس وتبريه من أوليائه من ~~الإنس يوم القيامة إني كفرت بما أشركتمون من قبل، وقال: إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثانا - مودة بينكم في الحيوة الدنيا - ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا، يعني يتبرأ بعضكم من بعض. # أقول: وهي في بيان قبول الكفر الشدة والضعف كما مر PageV01P028 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 8 - 20 # ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين (8) يخدعون ~~الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ms0048 (9) فى قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون (12) وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس قالوا أنؤمن كما ءامن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الذين ءامنوا ~~قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شيطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون (14) ~~الله يستهزئ بهم ويمدهم فى طغينهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضللة ~~بالهدى فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذى استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمت لا يبصرون (17) صم بكم ~~عمى فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون ~~أصبعهم فى ءاذانهم من الصوعق حذر الموت والله محيط بالكفرين (19) يكاد ~~البرق يخطف أبصرهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء ~~الله لذهب بسمعهم وأبصرهم إن الله على كل شىء قدير (20) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ومن الناس من يقول إلى آخر الآيات، الخدعة نوع من المكر، ~~والشيطان هو الشرير ولذلك سمي إبليس شيطانا. # وفي الآيات بيان حال المنافقين، وسيجيء إن شاء الله تفصيل القول فيهم في ~~سورة المنافقين وغيرها. # وقوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا "إلخ" مثل يمثل به حالهم، أنهم ~~كالذي وقع في ظلمة عمياء لا يتميز فيها خير من شر ولا نافع من ضار فتسبب ~~لرفعها بسبب من أسباب الاستضاءة كنار يوقدها فيبصر بها ما حولها فلما توقدت ~~وأضاءت ما حولها أخمدها الله بسبب من الأسباب كريح أو مطر أو نحوهما فبقي ~~فيما كان عليه من الظلمة وتورط بين ظلمتين: ظلمة كان فيها وظلمة الحيرة ~~وبطلان السبب. # وهذه حال المنافق، يظهر الإيمان فيستفيد بعض فوائد الدين باشتراكه مع ~~المؤمنين في مواريثهم ومناكحهم وغيرهما حتى إذا حان حين الموت وهو الحين ~~الذي فيه تمام الاستفادة من الإيمان ذهب الله بنوره وأبطل ما عمله وتركه في ~~ظلمة لا يدرك فيها ms0049 شيئا ويقع بين الظلمة الأصلية وما أوجده من الظلمة ~~بفعاله. # وقوله تعالى: أو كصيب من السماء إلخ، الصيب هو المطر الغزير، والبرق ~~معروف، والرعد هو الصوت الحادث من السحاب عند الإبراق، والصاعقة هي النازلة ~~من البروق. # وهذا مثل ثان يمثل به حال المنافقين في إظهارهم الإيمان، أنهم كالذي أخذه ~~صيب السماء ومعه ظلمة تسلب عنه الأبصار والتمييز، فالصيب يضطره إلى الفرار ~~والتخلص، والظلمة تمنعه ذلك، والمهولات من الرعد والصاعقة محيطة به فلا يجد ~~مناصا من أن يستفيد بالبرق وضوئه وهو غير دائم ولا باق متصل كلما أضاء له ~~مشى وإذا أظلم عليه قام. # وهذه حال المنافق فهو لا يحب الإيمان ولا يجد بدا من إظهاره، ولعدم ~~المواطاة بين قلبه ولسانه لا يستضيء له طريقه تمام الاستضاءة، فلا يزال ~~يخبط خبطا بعد خبط ويعثر عثرة بعد عثرة فيمشي قليلا ويقف قليلا ويفضحه الله ~~بذلك ولو شاء الله لذهب بسمعه وبصره فيفتضح من أول يوم PageV01P029 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 21 - 25 # يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) ~~الذى جعل لكم الأرض فرشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرت رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) وإن كنتم فى ريب ~~مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن ~~كنتم صدقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكفرين (24) وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذى رزقنا ~~من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خلدون (25) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا "إلخ"، لما بين سبحانه: حال الفرق ~~الثلاث: المتقين والكافرين، والمنافقين، وأن المتقين على هدى من ربهم ~~والقرآن هدى لهم، وأن الكافرين مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~غشاوة، وأن المنافقين مرضى وزادهم الله مرضا وهم صم بكم عمي وذلك في تمام ms0050 ~~تسع عشرة آية فرع تعالى على ذلك أن دعى الناس إلى عبادته وأن يلتحقوا ~~بالمتقين دون الكافرين والمنافقين بهذه الآيات الخمس إلى قوله: خالدون. # وهذا السياق يعطي كون قوله: لعلكم تتقون متعلقا بقوله: اعبدوا، دون قوله ~~خلقكم وإن كان المعنى صحيحا على كلا التقديرين. # وقوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون، الأنداد جمع ند كمثل، ~~وزنا ومعنى وعدم تقييد قوله تعالى: وأنتم تعلمون بقيد خاص وجعله حالا من ~~قوله تعالى فلا تجعلوا، يفيد التأكيد البالغ في النهي بأن الإنسان وله علم ~~ما كيفما كان لا يجوز له أن يتخذ لله سبحانه أندادا والحال أنه سبحانه هو ~~الذي خلقهم والذين من قبلهم ثم نظم النظام الكوني لرزقهم وبقائهم. # وقوله تعالى: فأتوا بسورة من مثله أمر تعجيزي لإبانة إعجاز القرآن، وأنه ~~كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازا باقيا بمر الدهور وتوالي القرون ~~وقد تكرر في كلامه تعالى: "هذا التعجيز كقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا": الإسراء - 88، وقوله تعالى: "أم يقولون افتريه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين": هود - 13. # وعلى هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى: مما نزلنا، ويكون تعجيزا ~~بالقرآن نفسه وبداعة أسلوبه وبيانه. # ويمكن أن يكون الضمير راجعا إلى قوله: عبدنا، فيكون تعجيزا بالقرآن من ~~حيث إن الذي جاء به رجل أمي لم يتعلم من معلم ولم يتلق شيئا من هذه المعارف ~~الغالية العالية والبيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فيكون الآية في ~~مساق قوله تعالى: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدريكم به فقد لبثت ~~فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون": يونس - 16، وقد ورد التفسيران معا في بعض ~~الأخبار. # واعلم: أن هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة ~~الكوثر وسورة العصر مثلا، وما ربما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة ~~كسورة البقرة ms0051 أو سورة يونس مثلا يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من ~~يرمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى إنما يرميه جميعا ولا يخصص قوله ~~ذاك بسورة دون سورة، فلا معنى لرده بالتحدي بسورة البقرة أو بسورة يونس ~~لرجوع المعنى حينئذ إلى مثل قولنا: وإن كنتم في ريب من سورة الكوثر أو ~~الإخلاص مثلا فأتوا بسورة مثل سورة يونس وهو بين الاستهجان هذا. PageV01P030 ### |||| AUTO الإعجاز وماهيته # اعلم: أن دعوى القرآن أنها آية معجزة بهذا التحدي الذي أبدتها هذه الآية ~~تنحل بحسب الحقيقة إلى دعويين، وهما دعوى ثبوت أصل الإعجاز وخرق العادة ~~الجارية ودعوى أن القرآن مصداق من مصاديق الإعجاز ومعلوم أن الدعوى الثانية ~~تثبت بثبوتها الدعوى الأولى، والقرآن أيضا يكتفي بهذا النمط من البيان ~~ويتحدى بنفسه فيستنتج به كلتا النتيجتين غير أنه يبقى الكلام على كيفية ~~تحقق الإعجاز مع اشتماله على ما لا تصدقه العادة الجارية في الطبيعة من ~~استناد المسببات إلى أسبابها المعهودة المشخصة من غير استثناء في حكم ~~السببية أو تخلف واختلاف في قانون العلية، والقرآن يبين حقيقة الأمر ويزيل ~~الشبهة فيه. # فالقرآن يشدق في بيان الأمر من جهتين. # الأولى: أن الإعجاز ثابت ومن مصاديقه القرآن المثبت لأصل الإعجاز ولكونه ~~منه بالتحدي. # الثانية: أنه ما هو حقيقة الإعجاز وكيف يقع في الطبيعة أمر يخرق عادتها ~~وينقض كليتها. ### |||| AUTO إعجاز القرآن # لا ريب في أن القرآن يتحدى بالإعجاز في آيات كثيرة مختلفة مكية ومدنية ~~تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة حتى أن الآية السابقة أعني قوله ~~تعالى: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله" الآية، ~~أي من مثل النبي " (صلى الله عليه وآله وسلم)" استدلال على كون القرآن ~~معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، لا أنه استدلال على النبوة مستقيما وبلا واسطة، والدليل عليه قوله ~~تعالى في أولها: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا" ولم يقل وإن كنتم ~~في ريب من رسالة ms0052 عبدنا، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على ~~كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة ~~في العموم والخصوص ومن أعمها تحديا قوله تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا": ~~الإسراء - 88، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة. # فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي ~~قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان ~~وفساده، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجن. # وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف ~~الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية والأخبار المغيبة ومعارف ~~أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كل واحد منها ~~مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في ~~جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات. # فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته، وللعالم في ~~علمه وللاجتماعي في اجتماعه، وللمقننين في تقنينهم وللسياسيين في سياستهم، ~~وللحكام في حكومتهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب ~~والاختلاف في الحكم والعلم، والبيان. PageV01P031 # ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه ~~إعجازا لكل فرد من الإنس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو ~~امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول، فإن ~~الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها، فلكل ~~إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما ~~أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة، فهل يتأتى القوة ~~البشرية أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في ~~الحقيقة؟ وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى ~~به القرآن في الصفاء والفضيلة؟ وهل ms0053 يمكنها أن يشرع أحكاما تامة فقهية تحصي ~~جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة ~~التقوى في كل حكم ونتيجته، وسريان الطهارة في أصله وفرعه؟ وهل يمكن أن يصدر ~~هذا الإحصاء العجيب والإتقان الغريب من رجل أمي لم يترب إلا في حجر قوم ~~حظهم من الإنسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيا أن ~~يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد ~~خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الأمهات ويتباهوا بالفجور ويذموا ~~العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة أذلاء لكل مستذل ~~وخطفة لكل خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس؟ فهذا ~~حال عرب الحجاز في الجاهلية. ### # وهل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في ~~الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الأمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد ~~والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا ~~يتخلف شيء منها عن صراط الصدق؟. # وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية والدار دار التحول ~~والتكامل أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الإنساني ويلقي إلى الدنيا ~~معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصا في كل ما دق وجل ثم لا ~~يختلف حاله في شيء منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الإلقاء ~~وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها؟ هذا مع ما نراه أن كل ~~إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة. # فالإنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا ~~الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء ~~الوسائل الطبيعية المادية وإن لم يقدر على ذلك فلم يضل في إنسانيته ولم ينس ~~ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن اختباره ويجهل مأخذه إلى ~~أهل الخبرة به. # فإن قلت: ما الفائدة في توسعة التحدي إلى العامة والتعدي عن حومة ms0054 الخاصة ~~فإن العامة سريعة الانفعال للدعوة والإجابة لكل صنيعة وقد خضعوا لأمثال ~~الباب والبهاء والقادياني والمسيلمة على أن ما أتوا به واستدلوا عليه أشبه ~~بالهجر والهذيان منه بالكلام. # قلت: هذا هو السبيل في عموم الإعجاز والطريق الممكن في تمييز الكمال ~~والتقدم في أمر يقع فيه التفاضل والسباق، فإن أفهام الناس مختلفة اختلافا ~~ضروريا والكمالات كذلك، والنتيجة الضرورية لهاتين المقدمتين أن يدرك صاحب ~~الفهم العالي والنظر الصائب ويرجع من هو دون ذلك فهما ونظرا إلى صاحبه، ~~والفطرة حاكمة والغريزة قاضية. # ولا يقبل شيء مما يناله الإنسان بقواه المدركة ويبلغه فهمه العموم ~~والشمول لكل فرد في كل زمان ومكان بالوصول والبلوغ والبقاء إلا ما هو من ~~سنخ العلم والمعرفة على الطريقة المذكورة، فإن كل ما فرض آية معجزة غير ~~العلم والمعرفة فإنما هو موجود طبيعي أو حادث حسي محكوم بقوانين المادة ~~محدود بالزمان والمكان فليس بمشهود إلا لبعض أفراد الإنسان دون بعض ولو فرض ~~محالا أو كالمحال عمومه لكل فرد منه فإنما يمكن في مكان دون جميع الأمكنة، ~~ولو فرض اتساعه لكل مكان لم يمكن اتساعه لجميع الأزمنة والأوقات. # فهذا ما تحدى به القرآن تحديا عاما لكل فرد في كل مكان في كل زمان. # تحديه بالعلم PageV01P032 وقد تحدى بالعلم والمعرفة خاصة بقوله تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء": النحل - 89، وقوله: "ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين": ~~الأنعام - 59، إلى غير ذلك من الآيات، فإن الإسلام كما يعلمه ويعرفه كل من ~~سار في متن تعليماته من كلياته التي أعطاها القرآن وجزئياته التي أرجعها ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنحو قوله: "ما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا": الحشر - 7، وقوله تعالى: "لتحكم بين الناس بما ~~أريك الله": النساء - 104، وغير ذلك متعرض للجليل والدقيق من المعارف ~~الإلهية "الفلسفية" والأخلاق الفاضلة والقوانين الدينية الفرعية من عبادات ~~ومعاملات وسياسات واجتماعيات وكل ما يمسه فعل الإنسان وعمله، كل ذلك على ~~أساس الفطرة وأصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى أصل التوحيد بالتحليل، ~~ويرجع الأصل ms0055 إلى التفاصيل بالتركيب. # وقد بين بقاؤها جميعا وانطباقها على صلاح الإنسان بمرور الدهور وكرورها ~~بقوله تعالى: "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد": حم سجدة - 42. # وقوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون": الحجر - 9، فهو ~~كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ ولا يقضي عليه قانون التحول والتكامل. # فإن قلت: قد استقرت أنظار الباحثين عن الاجتماع وعلماء التقنين اليوم على ~~وجوب تحول القوانين الوضعية الاجتماعية بتحول الاجتماع واختلافها باختلاف ~~الأزمنة والأوقات وتقدم المدنية والحضارة. # قلت: سيجيء البحث عن هذا الشأن والجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى ~~"كان الناس أمة واحدة." الآية: البقرة - 213. # وجملة القول وملخصه أن القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطري ~~والأخلاق الفاضلة الغريزية ويدعي أن التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين ~~والوجود. # وهؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحول الاجتماع مع إلغاء المعنويات من ~~معارف التوحيد وفضائل الأخلاق، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعي ~~المادي العادم لفضيلة الروح، وكلمة الله هي العليا. # التحدي بمن أنزل عليه القرآن # وقد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه، ولم ~~يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى: "قل لو شاء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدريكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون": يونس - 16، ~~فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ~~ينطق بعلم حتى لم يأت بشيء من شعر أو نثر نحوا من أربعين سنة وهو ثلثا عمره ~~لا يحوز تقدما ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما أتى به دفعة فأتى ~~بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائهم، ثم بثه في أقطار الأرض فلم ~~يجترىء على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة. # وغاية ما أخذوه عليه: أنه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن ~~هناك من الرهبان ولم يكن أسفاره إلى الشام إلا مع عمه أبي طالب ms0056 قبل بلوغه ~~وإلا مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ~~ونهاره، ولو فرض محالا ذلك فما هذه المعارف والعلوم؟ ومن أين هذه الحكم ~~والحقائق؟ وممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه ~~الألسن الفصاح؟. # وما أخذوه عليه أنه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف ~~ويبيعها فأنزل الله سبحانه: "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان ~~الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين": النحل - 103. # وما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء ~~الفرس عالم بالمذاهب والأديان مع أن سلمان إنما آمن به في المدينة، وقد نزل ~~أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بمدينة ~~بل أزيد، فما الذي زاده إيمان سلمان وصحابته؟. PageV01P033 # على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ ~~الأنبياء السالفين وأممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة غير القصة، ~~ففيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تنبو الفطرة وتتنفر من أن ~~تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم، والقرآن يبرئهم منها، وفيها ~~أمور أخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها ~~إلا ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر. ### # تحدي القرآن بالإخبار عن الغيب # وقد تحدى بالإخبار عن الغيب بآيات كثيرة، منها إخباره بقصص الأنبياء ~~السالفين وأممهم كقوله تعالى: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا" الآية: هود - 49، وقوله تعالى بعد قصة ~~يوسف: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون": يوسف - 102 وقوله تعالى في قصة مريم: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون": آل عمران - 44 وقوله تعالى: "ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون": ms0057 مريم - 34 إلى غير ذلك من الآيات. # ومنها الإخبار عن الحوادث المستقبلة كقوله تعالى: "غلبت الروم في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين": الروم - 2، 3، وقوله تعالى ~~في رجوع النبي إلى مكة بعد الهجرة: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد": القصص - 85، وقوله تعالى "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون" الآية: الفتح - 27، وقوله تعالى: "سيقول ~~المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم": الفتح - 15، وقوله ~~تعالى: "والله يعصمك من الناس": المائدة - 70، وقوله تعالى "إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون": الحجر - 9، وآيات أخر كثيرة في وعد المؤمنين ووعيد ~~كفار مكة ومشركيها. # ومن هذا الباب آيات أخر في الملاحم نظير قوله تعالى: "وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين": الأنبياء - 95، 97، وقوله تعالى: "وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض": النور - 55، وقوله ~~تعالى: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم": الأنعام - 65، ~~ومن هذا الباب قوله تعالى: "وأرسلنا الرياح لواقح": الحجر - 22، وقوله ~~تعالى "وأنبتنا فيها من كل شيء موزون": الحجر - 19، وقوله تعالى: "والجبال ~~أوتادا": النبأ - 7، مما يبتني حقيقة القول فيها على حقائق علمية مجهولة ~~عند النزول حتى اكتشف الغطاء عن وجهها بالأبحاث العلمية التي وفق الإنسان ~~لها في هذه الأعصار. # ومن هذا الباب وهو من مختصات هذا التفسير الباحث عن آيات القرآن باستنطاق ~~بعضها ببعض واستشهاد بعضها على بعض ما في سورة المائدة من قوله تعالى: "يا ~~أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه،" الآية: المائدة - 54 وما في سورة يونس من قوله تعالى: "ولكل أمة ~~رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط إلى آخر الآيات": يونس - 47، وما في ~~سورة الروم من قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ms0058 التي فطر ~~الناس عليها" الآية: الروم - 30، إلى غير ذلك من الآيات التي تنبىء عن ~~الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمة الإسلامية أو الدنيا عامة بعد عهد نزول ~~القرآن، وسنورد إن شاء الله تعالى طرفا منها في البحث عن سورة الإسراء. # تحدى القرآن بعدم الاختلاف فيه PageV01P034 وقد تحدى أيضا بعدم وجود الاختلاف فيه، قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": النساء - 82، فإن من ~~الضروري أن النشأة نشأة المادة والقانون الحاكم فيها قانون التحول والتكامل ~~فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلا وهو متدرج الوجود ~~متوجه من الضعف إلى القوة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ~~ولواحقه من الأفعال والآثار ومن جملتها الإنسان الذي لا يزال يتحول ويتكامل ~~في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي يتوسل إليها بالفكر ~~والإدراك، فما من واحد منا إلا وهو يرى نفسه كل يوم أكمل من أمس ولا يزال ~~يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في أقواله الصادرة منه في ~~الحين الأول، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور. # وهذا الكتاب جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوما وقرأه على ~~الناس قطعا قطعا في مدة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في ~~مكة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة ~~وفي يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف، ولإلقاء المعارف الإلهية وتعليم ~~الأخلاق الفاضلة وتقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة، ولا يوجد ~~فيه أدنى اختلاف في النظم المتشابه كتابا متشابها مثاني، ولم يقع في ~~المعارف التي ألقاها والأصول التي أعطاها اختلاف يتناقض بعضها مع بعض ~~وتنافي شيء منها مع آخر، فالآية تفسر الآية والبعض يبين البعض والجملة تصدق ~~الجملة كما قال علي (عليه السلام): ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض: ~~"نهج البلاغة". # ولو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في ~~الشداقة والبلاغة والمعنى ms0059 من حيث الفساد والصحة ومن حيث الإتقان والمتانة. # فإن قلت: هذه مجرد دعوى لا تتكي على دليل وقد أخذ على القرآن مناقضات ~~وإشكالات جمة ربما ألف فيه التأليفات، وهي إشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في ~~جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطئه في آرائه وأنظاره وتعليماته، ~~وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي ~~يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وارتضاء الفطرة السليمة. # قلت: ما أشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها ~~مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب، فالإشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان. # ولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو ~~مناقضة أخذوها إلا وهي مذكورة في مسفورات المفسرين مع أجوبتها فأخذوا ~~الإشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها، ونعم ما قيل: لو كانت ~~عين الحب متهمة فعين البغض أولى بالتهمة. # فإن قلت: فما تقول: في النسخ الواقع في القرآن وقد نص عليه القرآن نفسه ~~في قوله: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها": البقرة - 106 وقوله: ~~"وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل": النحل - 101، وهل النسخ ~~إلا اختلاف في النظر لو سلمنا أنه ليس من قبيل المناقضة في القول؟. # قلت: النسخ كما أنه ليس من المناقضة في القول وهو ظاهر كذلك ليس من قبيل ~~الاختلاف في النظر والحكم وإنما هو ناش من الاختلاف في المصداق من حيث ~~قبوله انطباق الحكم يوما لوجود مصلحته فيه وعدم قبوله الانطباق يوما آخر ~~لتبدل المصلحة من مصلحة أخرى توجب حكما آخر، ومن أوضع الشهود على هذا أن ~~الآيات المنسوخة الأحكام في القرآن مقترنة بقرائن لفظية تومىء إلى أن الحكم ~~المذكور في الآية سينسخ كقوله تعالى: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا": النساء - 14، انظر إلى التلويح الذي تعطيه ~~الجملة الأخيرة، وكقوله تعالى: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم ms0060 كفارا" إلى أن قال "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره": البقرة - ~~109 حيث تمم الكلام بما يشعر بأن الحكم مؤجل. # التحدي بالبلاغة PageV01P035 وقد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى: "أم يقولون افتريه قل فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم ~~مسلمون": هود، 13، 14. # والآية مكية، وقوله تعالى: "أم يقولون افتريه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا ~~من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله": يونس - 38، 39. # والآية أيضا مكية وفيها التحدي بالنظم والبلاغة فإن ذلك هو الشأن الظاهر ~~من شئون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب ~~العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغا لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم ~~المتقدمة عليهم والمتأخرة عنهم ووطئوا موطئا لم تطأه أقدام غيرهم في كمال ~~البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق. ### # وقد تحدى عليهم القرآن بكل تحد ممكن مما يثير الحمية ويوقد نار الأنفة ~~والعصبية. # وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم مما لا ~~يرتاب فيه، وقد طالت مدة التحدي وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلا ~~بالتجافي ولم يزدهم إلا العجز ولم يكن منهم إلا الاستخفاء والفرار، كما قال ~~تعالى: "ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون": هود - 5. # وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنا ولم يأت بما يناظره ~~آت ولم يعارضه أحد بشيء إلا أخزى نفسه وافتضح في أمره. # وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات، فهذا مسيلمة عارض سورة ~~الفيل بقوله: "الفيل ما الفيل وما أدريك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل" ~~وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية "فنولجه فيكن إيلاجا، ونخرجه ~~منكن إخراجا" فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر، وهذه سورة عارض بها الفاتحة ~~بعض النصارى "الحمد للرحمن. # رب الأكوان الملك ms0061 الديان. # لك العبادة وبك المستعان اهدنا صراط الإيمان" إلى غير ذلك من التقولات. # فإن قلت: ما معنى كون التأليف الكلامي بالغا إلى مرتبة معجزة للإنسان ~~ووضع الكلام مما سمحت به قريحة الإنسان؟ فكيف يمكن أن يترشح من القريحة ما ~~لا تحيط به والفاعل أقوى من فعله ومنشأ الأثر محيط بأثره؟ وبتقريب آخر ~~الإنسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية ~~إلى تفهيم الإنسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة ~~وضعية اعتبارية مجعولة للإنسان، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة ~~عن قريحة الإنسان حد قريحته فتبلغ مبلغا لا تسعه طاقة القريحة، فمن المحال ~~حينئذ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة وإلا كانت غير ~~الدلالة الوضعية الاعتبارية، مضافا إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض أن ~~بينها تركيبا بالغا حد الإعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ~~ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها، وبين تلك ~~التراكيب تركيب هو أرقاها وأبلغها لا تسعها طاقة البشر، وهو التركيب ~~المعجز، ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي، مع أن القرآن ~~كثيرا ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة، وهو في ~~القصص واضح لا ينكر، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود ~~إلا واحد لا غير. # قلت: هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز ~~القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف، ومعنى الصرف أن الإتيان بمثل القرآن أو ~~سور أو سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من ~~أعداء القرآن منذ قرون، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في ~~نفسها خارجة عن طاقة الإنسان وفائقة على القوة البشرية، مع كون التأليفات ~~جميعا أمثالا لنوع النظم الممكن للإنسان، بل لأن الله سبحانه يصرف الإنسان ~~عن معارضتها والإتيان بمثلها بالإرادة الإلهية الحاكمة على إرادة الإنسان ~~حفظا لآية النبوة ووقاية لحمى الرسالة. PageV01P036 # وهذا ms0062 قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله "قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" الآية: هود - 13 ~~14، فإن الجملة الأخيرة ظاهرة في أن الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون ~~القرآن نازلا لا كلاما تقوله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن ~~نزوله إنما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى "أم يقولون ~~تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين": الطور - 34، ~~وقوله تعالى: "وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن ~~السمع لمعزولون": الشعراء - 212، والصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق ~~الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاما لله نازلا من عنده، ~~ونظير هذه الآية الآية الأخرى، وهي قوله: "قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله" الآية: يونس - 39، فإنها ظاهرة في أن الذي يوجب استحالة ~~إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على ذلك من تحمل هذا ~~الشأن هو أن للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذبوه، ولا يحيط به علما إلا ~~الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك ~~مع تمكنهم منه لو لا الصرف بإرادة من الله تعالى. # وكذا قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا" الآية: النساء - 82، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس ~~عن الإتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظا ~~ومعنى ولا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف، لا أن الله ~~صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز ~~القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه. # وأما الإشكال باستلزام الإعجاز من حيث البلاغة المحال، بتقريب ms0063 أن البلاغة ~~من صفات الكلام الموضوع ووضع الكلام من آثار القريحة الإنسانية فلا يمكن أن ~~يبلغ من الكمال حدا لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها، ~~فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الإنسان إنما هو كشف اللفظ ~~المفرد عن معناه، وأما سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى ~~المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة أو ناقصة وإراءة ~~واضحة أو خفية، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في ~~جميع روابطه ومقدماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون ~~بعض فإنما هو أمر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة ~~البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الأدوات اللفظية ~~ونوع لطف في الذهن يحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية بأطرافها ~~ولوازمها ومتعلقاتها. # فهاهنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربما أحاط إنسان ~~بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي والتكلم، ~~وربما تمهر الإنسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب ~~فيعجز عن التكلم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو ~~عليها في نفسه، وربما تبحر الإنسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت ~~قريحته ورقت فطرته لكن لا يقدر على الإفصاح عن ما في ضميره، وعي عن حكاية ~~ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج. PageV01P037 # فهذه أمور ثلاثة: أولها راجع إلى وضع الإنسان بقريحته الاجتماعية، والثاني ~~والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة، ومن البين أن إدراك القوى ~~المدركة منا محدودة مقدرة لا نقدر على الإحاطة بتفاصيل الحوادث الخارجية ~~والأمور الواقعية بجميع روابطها، فلسنا على أمن من الخطإ قط في وقت من ~~الأوقات، ومع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضا يوجب الاختلاف ~~التدريجي في معلوماتنا أخذا من النقص إلى الكمال، فأي خطيب أشدق وأي شاعر ~~مفلق فرضته لم يكن ms0064 ما يأتيه في أول أمره موازنا لما تسمح به قريحته في ~~أواخر أمره؟ فلو فرضنا كلاما إنسانيا أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من ~~الخطإ لفرض عدم اطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه أولا ولم يكن على ~~حد كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوله يساوي آخره وإن لم ~~نشعر بذلك لدقة الأمر، لكن حكم التحول والتكامل عام ثانيا، وعلى هذا فلو ~~عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه وجد الهزل هو القول بغير علم محيط ولا ~~اختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشريا، وهو الذي يفيده القرآن بقوله: "أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" الآية: ~~النساء - 82، وقوله تعالى: "والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول ~~فصل وما هو بالهزل:" الطارق - 14. انظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض ~~المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيره واتكائه على حقيقة ثابتة هي ~~تأويله وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل، وقوله تعالى: "بل هو قرآن ~~مجيد في لوح محفوظ": البروج - 22، وقوله تعالى: "والكتاب المبين، إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": ~~الزخرف - 4. # وقوله تعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة - 79، فهذه ~~الآيات ونظائرها تحكي عن اتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير ~~متغيرة ولا متغير ما يتكي عليها. # إذا عرفت ما مر علمت أن استناد وضع اللغة إلى الإنسان لا يقتضي أن لا ~~يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإنسان الواضع به، وليس ذلك إلا كالقول ~~بأن القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع من يستعملها وواضع النرد ~~والشطرنج يجب أن يكون أمهر من يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى من ~~يضرب بها. ### # فقد تبين من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق ~~للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعنى ومن جهة مطابقة المعنى ms0065 المعقول للخارج ~~الذي يحكيه الصورة الذهنية. # أما اللفظ فأن يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقا ~~للترتيب الذي بين أجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع ~~الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز. # وأما المعنى فأن يكون في صحته وصدقه معتمدا على الخارج الواقع بحيث لا ~~يزول عما هو عليه من الحقيقة، وهذه المرتبة هي التي يتكي عليها المرتبة ~~السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد، وكم من كلام بليغ ~~مبني على الجهالة لكنه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة، والكلام الجامع ~~بين عذوبة اللفظ وجزالة الأسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو أرقى ~~الكلام. # وإذا كان الكلام قائما على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام ~~الانطباق لم يكذب الحقائق الآخر ولم تكذبه فإن الحق مؤتلف الأجزاء ومتحد ~~الأركان، لا يبطل حق حقا، ولا يكذب صدق صدقا، والباطل هو الذي ينافي الباطل ~~وينافي الحق، انظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى: "فما ذا بعد الحق إلا ~~الضلال": يونس - 32، فقد جعل الحق واحدا لا تفرق فيه ولا تشتت. # وانظر إلى قوله تعالى: "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم": الأنعام - 153. # فقد جعل الباطل متشتتا ومشتتا ومتفرقا ومفرقا. # وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين أجزاء الحق اختلاف بل نهاية الايتلاف، ~~يجر بعضه إلى بعض، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض. PageV01P038 # وهذا من عجيب أمر القرآن فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا ~~تعقم عن الإنتاج، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار ~~الحقائق ثم الآية الثالثة تصدقها وتشهد بها، هذا شأنه وخاصته، وسترى في ~~خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك، على أن الطريق متروك غير مسلوك ~~ولو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره ~~العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة. # فقد اتضح بطلان الإشكال من الجهتين جميعا فإن أمر البلاغة المعجزة لا ~~يدور مدار اللفظ حتى ms0066 يقال إن الإنسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على ~~أبلغ الكلام وأفصحه وهو واضح أو يقال إن أبلغ التركيبات المتصورة تركيب ~~واحد من بينها فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعددة مختلفة ~~السياق والجميع فائقة قدرة البشر بالغة حد الإعجاز بل المدار هو المعنى ~~المحافظ لجميع جهات الذهن والخارج. ### |||| AUTO معنى الآية المعجزة في القرآن وما يفسر به حقيقتها # ولا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحققها بمعنى الأمر ~~الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة ~~المادة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل. # وما تمحله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالة على ذلك ~~توفيقا بينها وبين ما يتراءى من ظواهر الأبحاث الطبيعية "العلمية" اليوم ~~تكلف مردود إليه. # والذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة وإعطاء حقيقته نذكره في ~~فصول من الكلام. # 1 - تصديق القرآن لقانون العلية العامة # إن القرآن يثبت للحوادث الطبيعية أسبابا ويصدق قانون العلية العامة كما ~~يثبته ضرورة العقل وتعتمد عليه الأبحاث العلمية والأنظار الاستدلالية، فإن ~~الإنسان مفطور على أن يعتقد لكل حادث مادي علة موجبة من غير تردد وارتياب. # وكذلك العلوم الطبيعية وسائر الأبحاث العلمية تعلل الحوادث والأمور ~~المربوطة بما تجده من أمور أخرى صالحة للتعليل، ولا نعني بالعلة إلا أن ~~يكون هناك أمر واحد أو مجموع أمور إذا تحققت في الطبيعة مثلا تحقق عندها ~~أمر آخر نسميه المعلول بحكم التجارب كدلالة التجربة على أنه كلما تحقق ~~احتراق لزم أن يتحقق هناك قبله علة موجبة له من نار أو حركة أو اصطكاك أو ~~نحو ذلك، ومن هنا كانت الكلية وعدم التخلف من أحكام العلية والمعلولية ~~ولوازمهما. # وتصديق هذا المعنى ظاهر من القرآن فيما جرى عليه وتكلم فيه من موت وحياة ~~ورزق وحوادث أخرى علوية سماوية أو سفلية أرضية على أظهر وجه، وإن كان ~~يسندها جميعا بالآخرة إلى الله سبحانه لفرض التوحيد. # فالقرآن يحكم بصحة قانون العلية العامة بمعنى أن سببا من الأسباب إذا ~~تحقق مع ms0067 ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه ~~مترتبا عليه بإذن الله سبحانه وإذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة. # 2 - إثبات القرآن ما يخرق العادة # ثم إن القرآن يقتص ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه ~~جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلة والمعلول الموجود، ~~وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدة من ~~الأنبياء الكرام كمعجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى ~~وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنها أمور خارقة للعادة المستمرة ~~في نظام الطبيعة. # لكن يجب أن يعلم أن هذه الأمور والحوادث وإن أنكرتها العادة واستبعدتها ~~إلا أنها ليست أمورا مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل ~~قولنا الإيجاب والسلب يجتمعان معا ويرتفعان معا من كل جهة وقولنا الشيء ~~يمكن أن يسلب عن نفسه وقولنا: الواحد ليس نصف الاثنين وأمثال ذلك من الأمور ~~الممتنعة بالذات كيف؟ وعقول جم غفير من المليين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك ~~وترتضيه من غير إنكار ورد ولو كانت المعجزات ممتنعة بالذات لم يقبلها عقل ~~عاقل ولم يستدل بها على شيء ولم ينسبها أحد إلى أحد. PageV01P039 # على أن أصل هذه الأمور أعني المعجزات ليس مما تنكره عادة الطبيعة بل هي مما ~~يتعاوره نظام المادة كل حين بتبديل الحي إلى ميت والميت إلى الحي وتحويل ~~صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء، وإنما ~~الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو أن الأسباب المادية المشهودة ~~التي بين أيدينا إنما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانية ومكانية ~~خاصة تقضي بالتدريج في التأثير، مثلا العصا وإن أمكن أن تصير حية تسعى ~~والجسد البالي وإن أمكن أن يصير إنسانا حيا لكن ذلك إنما يتحقق في العادة ~~بعلل خاصة وشرائط زمانية ومكانية مخصوصة تنتقل بها المادة من حال إلى حال ~~وتكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر وتحل بها الصورة الأخيرة المفروضة على ms0068 ما ~~تصدقه المشاهدة والتجربة لا مع أي شرط اتفق أو من غير علة أو بإرادة مريد ~~كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق التي يقصها القرآن. ### # وكما أن الحس والتجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة ~~كذلك النظر العلمي الطبيعي، لكونه معتمدا على السطح المشهود من نظام العلة ~~والمعلول الطبيعيين، أعني به السطح الذي يستقر عليه التجارب العلمي اليوم ~~والفرضيات المعللة للحوادث المادية. # إلا أن حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالا ليس في وسع العلم إنكاره ~~والستر عليه، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة وأهل ~~الارتياض كل يوم تمتلىء به العيون وتنشره النشريات ويضبطه الصحف والمسفورات ~~بحيث لا يبقى لذي لب في وقوعها شك ولا في تحققها ريب. # وهذا هو الذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحية من علماء العصر أن يعللوه ~~بجريان أمواج مجهولة إلكتريسية مغناطيسية فافترضوا أن الارتياضات الشاقة ~~تعطي للإنسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قوية تملكه أو تصاحبه إرادة ~~وشعور وبذلك يقدر على ما يأتي به من حركات وتحريكات وتصرفات عجيبة في ~~المادة خارقة للعادة بطريق القبض والبسط ونحو ذلك. # وهذه الفرضية لو تمت واطردت من غير انتقاض لأدت إلى تحقق فرضية جديدة ~~وسيعة تعلل جميع الحوادث المتفرقة التي كانت تعللها جميعا أو تعلل بعضها ~~الفرضيات القديمة على محور الحركة والقوة ولساقت جميع الحوادث المادية إلى ~~التعلل والارتباط بعلة واحدة طبيعية. # فهذا قولهم والحق معهم في الجملة إذ لا معنى لمعلول طبيعي لا علة طبيعية ~~له مع فرض كون الرابطة طبيعية محفوظة، وبعبارة أخرى إنا لا نعني بالعلة ~~الطبيعية إلا أن تجتمع عدة موجودات طبيعية مع نسب وروابط خاصة فيتكون منها ~~عند ذلك موجود طبيعي جديد حادث متأخر عنها مربوط بها بحيث لو انتقض النظام ~~السابق عليه لم يحدث ولم يتحقق وجوده. # وأما القرآن الكريم فإنه وإن لم يشخص هذه العلة الطبيعية الأخيرة التي ~~تعلل جميع الحوادث المادية العادية والخارقة للعادة على ما نحسبه بتشخيص ~~اسمه وكيفية تأثيره لخروجه عن غرضه العام ms0069 إلا أنه مع ذلك يثبت لكل حادث ~~مادي سببا ماديا بإذن الله تعالى، وبعبارة أخرى يثبت لكل حادث مادي مستند ~~في وجوده إلى الله سبحانه والكل مستند مجرى ماديا وطريقا طبيعيا به يجري ~~فيض الوجود منه تعالى إليه. # قال تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا": ~~الطلاق - 3، فإن صدر الآية يحكم بالإطلاق من غير تقييد أن كل من اتقى الله ~~وتوكل عليه وإن كانت الأسباب العادية المحسوبة عندنا أسبابا تقضي بخلافه ~~وتحكم بعدمه فإن الله سبحانه حسبه فيه وهو كائن لا محالة، كما يدل عليه ~~أيضا إطلاق قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان": البقرة - 186، وقوله تعالى: "ادعوني أستجب لكم": المؤمن - 60، ~~وقوله تعالى: "أليس الله بكاف عبده": الزمر - 36. # ثم الجملة التالية وهي قوله تعالى: "إن الله بالغ أمره": الطلاق - 3، ~~يعلل إطلاق الصدر، وفي هذا المعنى قوله: "والله غالب على أمره ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون": يوسف - 21، وهذه جملة مطلقة غير مقيدة بشيء البتة فلله ~~سبحانه سبيل إلى كل حادث تعلقت به مشيته وإرادته وإن كانت السبل العادية ~~والطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك. PageV01P040 # وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يتوسل تعالى إليه من غير سبب مادي وعلة طبيعية ~~بل بمجرد الإرادة وحدها، وثانيهما أن يكون هناك سبب طبيعي مستور عن علمنا ~~يحيط به الله سبحانه ويبلغ ما يريده من طريقه إلا أن الجملة التالية من ~~الآية المعللة لما قبلها أعني قوله تعالى، قد جعل الله لكل شيء قدرا تدل ~~على ثاني الوجهين فإنها تدل على أن كل شيء من المسببات أعم مما تقتضيه ~~الأسباب العادية أو لا تقتضيه فإن له قدرا قدره الله سبحانه عليه، ~~وارتباطات مع غيره من الموجودات، واتصالات وجودية مع ما سواه، لله سبحانه ~~أن يتوسل منها إليه وإن كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة به إلا ~~أن هذه الاتصالات والارتباطات ms0070 ليست مملوكة للأشياء أنفسها حتى تطيع في حال ~~وتعصي في أخرى بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له. # فالآية تدل على أنه تعالى جعل بين الأشياء جميعها ارتباطات واتصالات له ~~أن يبلغ إلى كل ما يريد من أي وجه شاء وليس هذا نفيا للعلية والسببية بين ~~الأشياء بل إثبات أنها بيد الله سبحانه يحولها كيف شاء وأراد، ففي الوجود ~~عليه وارتباط حقيقي بين كل موجود وما تقدمه من الموجودات المنتظمة غير أنها ~~ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة ولذلك نجد الفرضيات ~~العلمية الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجودية بل على ما يعلمه ~~الله تعالى وينظمه. # وهذه الحقيقة هي التي تدل عليها آيات القدر كقوله تعالى: "وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - 21، وقوله تعالى: "إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر": القمر - 49، وقوله تعالى: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا": ~~الفرقان - 2، وقوله تعالى: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى - 3. # وكذا قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها": الحديد - 22، وقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم": التغابن - 11. # فإن الآية الأولى وكذا بقية الآيات تدل على أن الأشياء تنزل من ساحة ~~الإطلاق إلى مرحلة التعين والتشخص بتقدير منه تعالى وتحديد يتقدم على الشيء ~~ويصاحبه، ولا معنى لكون الشيء محدودا مقدرا في وجوده إلا أن يتحدد ويتعين ~~بجميع روابطه التي مع سائر الموجودات والموجود المادي مرتبط بمجموعة من ~~الموجودات المادية الأخرى التي هي كالقالب الذي يقلب به الشيء ويعين وجوده ~~ويحدده ويقدره فما من موجود مادي إلا وهو متقدر مرتبط بجميع الموجودات ~~المادية التي تتقدمه وتصاحبه فهو معلول لآخر مثله لا محالة. # ويمكن أن يستدل أيضا على ما مر بقوله تعالى: "ذلكم الله ربكم خالق كل ~~شيء": المؤمن - 62، وقوله تعالى: "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي ~~على صراط مستقيم": هود - 56. # فإن ms0071 الآيتين بانضمام ما مرت الإشارة إليه من أن الآيات القرآنية تصدق ~~قانون العلية العام تنتج المطلوب. # وذلك أن الآية الأولى تعمم الخلقة لكل شيء فما من شيء إلا وهو مخلوق لله ~~عز شأنه، والآية الثانية تنطق بكون الخلقة والإيجاد على وتيرة واحدة ونسق ~~منتظم من غير اختلاف يؤدي إلى الهرج والجزاف. # والقرآن كما عرفت يصدق قانون العلية العام في ما بين الموجودات المادية، ~~ينتج أن نظام الوجود في الموجودات المادية سواء كانت على جري العادة أو ~~خارقة لها على صراط مستقيم غير متخلف ووتيرة واحدة في إستناد كل حادث فيه ~~إلى العلة المتقدمة عليه الموجبة له. # ومن هنا يستنتج أن الأسباب العادية التي ربما يقع التخلف بينها وبين ~~مسبباتها ليست بأسباب حقيقية بل هناك أسباب حقيقية مطردة غير متخلفة ~~الأحكام والخواص كما ربما يؤيده التجارب العلمي في جراثيم الحياة وفي خوارق ~~العادة كما مر. # 3 - القرآن يسند ما أسند إلى العلة المادية إلى الله تعالى # ثم إن القرآن كما يثبت بين الأشياء العلية والمعلولية ويصدق سببية البعض ~~للبعض كذلك يسند الأمر في الكل إلى الله سبحانه فيستنتج منه أن الأسباب ~~الوجودية غير مستقلة في التأثير والمؤثر الحقيقي بتمام معنى الكلمة ليس إلا ~~الله عز سلطانه. PageV01P041 # قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف - 53، وقال تعالى "لله ما في ~~السموات وما في الأرض": البقرة - 284، وقال تعالى: "له ملك السموات ~~والأرض": الحديد - 5، وقال تعالى: "قل كل من عند الله": النساء - 77. ### # إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن كل شيء مملوك محض لله لا ~~يشاركه فيه أحد، وله أن يتصرف فيها كيف شاء وأراد وليس لأحد أن يتصرف في ~~شيء منها إلا من بعد أن يأذن الله لمن شاء ويملكه التصرف من غير استقلال في ~~هذا التمليك أيضا، بل مجرد إذن لا يستقل به المأذون له دون أن يعتمد على ~~إذن الإذن، قال تعالى: "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء": آل عمران - 26، وقال تعالى: "الذي أعطى ms0072 كل شيء خلقه ثم ~~هدى": طه - 50، إلى غير ذلك من الآيات، وقال تعالى أيضا: "له ما في السموات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه": البقرة - 255، وقال تعالى: ~~"ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس - 3. # فالأسباب تملكت السببية بتمليكه تعالى، وهي غير مستقلة في عين أنها مالكة. # وهذا المعنى هو الذي يعبر سبحانه عنه بالشفاعة والإذن، فمن المعلوم أن ~~الإذن إنما يستقيم معناه إذا كان هناك مانع من تصرف المأذون فيه، والمانع ~~أيضا إنما يتصور فيما كان هناك مقتض موجود يمنع المانع عن تأثيره ويحول ~~بينه وبين تصرفه. # فقد بان أن في كل السبب مبدأ مؤثرا مقتضيا للتأثير به يؤثر في مسببه، ~~والأمر مع ذلك لله سبحانه. # 4 - القرآن يثبت تأثيرا في نفوس الأنبياء في الخوارق # ثم إنه تعالى قال: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء ~~أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون": المؤمن - 78. # فأفاد إناطة إتيان أية آية من أي رسول بإذن الله سبحانه فبين أن إتيان ~~الآيات المعجزة من الأنبياء وصدورها عنهم إنما هو لمبدإ مؤثر موجود في ~~نفوسهم الشريفة متوقف في تأثيره على الإذن كما مر في الفصل السابق. # وقال تعالى: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله": ~~البقرة - 102. # والآية كما أنها تصدق صحة السحر في الجملة كذلك تدل على أن السحر أيضا ~~كالمعجزة في كونه عن مبدإ نفساني في الساحر لمكان الإذن. # وبالجملة جميع الأمور الخارقة للعادة سواء سميت معجزة أو سحرا أو غير ذلك ~~ككرامات الأولياء وسائر الخصال المكتسبة بالارتياضات والمجاهدات جميعها ~~مستندة إلى مباد نفسانية ومقتضيات إرادية على ما يشير إليه كلامه سبحانه ~~إلا أن ms0073 كلامه ينص على أن المبدأ الموجود عند الأنبياء والرسل والمؤمنين هو ~~الفائق الغالب على كل سبب وفي كل حال، قال تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون": الصافات - ~~173، وقال تعالى: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي": المجادلة - 21، وقال تعالى: ~~"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": ~~المؤمن - 51. # والآيات مطلقة غير مقيدة. # ومن هنا يمكن أن يستنتج أن هذا المبدأ الموجود المنصور أمر وراء الطبيعة ~~وفوق المادة. # فإن الأمور المادية مقدرة محدودة مغلوبة لما هو فوقها قدرا وحدا عند ~~التزاحم والمغالبة، والأمور المجردة أيضا وإن كانت كذلك إلا أنها لا تزاحم ~~بينها ولا تمانع إلا أن تتعلق بالمادة. # بعض التعلق وهذا المبدأ النفساني المجرد المنصور بإرادة الله سبحانه إذا ~~قابل مانعا ماديا أفاض إمدادا على السبب بما لا يقاومه سبب مادي يمنعه فافهم. # 0115 1 # 5 - القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر الله تعالى # ثم إن الجملة الأخيرة من الآية السابقة في الفصل السابق أعني قوله تعالى: ~~"فإذا جاء أمر الله قضي بالحق الآية، تدل على أن تأثير هذا المقتضي يتوقف ~~على أمر من الله تعالى يصاحب الإذن الذي كان يتوقف عليه أيضا فتأثير هذا ~~المقتضي يتوقف على مصادفته الأمر أو اتحاده معه. PageV01P042 # وقد فسر الأمر في قوله تعالى "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون": يس - 82، بكلمة الإيجاد وقول: كن وقال تعالى: "إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله": الدهر - 29، 30 ~~وقال: "إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله رب العالمين": التكوير - 27، 28، 29، دلت الآيات على أن الأمر ~~الذي للإنسان إن يريده وبيده زمام اختياره لا يتحقق موجودا إلا أن يشاء ~~الله ذلك بأن يشاء أن يشاء الإنسان ويريد إرادة الإنسان فإن الآيات الشريفة ~~في مقام أن أفعال الإنسان الإرادية وإن كانت بيد الإنسان بإرادته لكن ~~الإرادة والمشية ms0074 ليست بيد الإنسان بل هي مستندة إلى مشية الله سبحانه، ~~وليست في مقام بيان أن كل ما يريده الإنسان فقد أراده الله فإنه خطأ فاحش ~~ولازمه أن يتخلف الفعل عن إرادة الله سبحانه عند تخلفه عن إرادة الإنسان، ~~تعالى الله عن ذلك. # مع أنه خلاف ظواهر الآيات الكثيرة الواردة في هذا المورد كقوله تعالى: ~~"ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها": السجدة - 13. # وقوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا": يونس - 99، إلى ~~غير ذلك فإرادتنا ومشيئتنا إذا تحققت فينا فهي مرادة بإرادة الله ومشيته ~~لها وكذا أفعالنا مرادة له تعالى من طريق إرادتنا ومشيتنا بالواسطة. # وهما أعني الإرادة والفعل جميعا متوقفان على أمر الله سبحانه وكلمة كن. # فالأمور جميعا سواء كانت عادية أو خارقة للعادة وسواء كان خارق العادة في ~~جانب الخير والسعادة كالمعجزة والكرامة، أو في جانب الشر كالسحر والكهانة ~~مستندة في تحققها إلى أسباب طبيعية، وهي مع ذلك متوقفة على إرادة الله، لا ~~توجد إلا بأمر الله سبحانه أي بأن يصادف السبب أو يتحد مع أمر الله سبحانه. # وجميع الأشياء وإن كانت من حيث استناد وجودها إلى الأمر الإلهي على حد ~~سواء بحيث إذا تحقق الإذن والأمر تحققت عن أسبابها، وإذا لم يتحقق الإذن ~~والأمر لم تتحقق، أي لم تتم السببية إلا أن قسما منها وهو المعجزة من ~~الأنبياء أو ما سأله عبد ربه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى ~~وأمر عزيمة كما يدل عليه قوله: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي" الآية: ~~المجادلة - 21. # وقوله تعالى: "أجيب دعوة الداع إذا دعان" الآية: البقرة - 186، وغير ذلك ~~من الآيات المذكورة في الفصل السابق. ### # 6 - القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب # فقد تبين من الفصول السابقة من البحث أن المعجزة كسائر الأمور الخارقة ~~للعادة لا تفارق الأسباب العادية في الاحتياج إلى سبب طبيعي وأن مع الجميع ~~أسبابا باطنية وأن الفرق بينها أن الأمور العادية ملازمة لأسباب ظاهرية ~~تصاحبها الأسباب الحقيقية الطبيعية غالبا أو مع الأغلب ومع تلك ms0075 الأسباب ~~الحقيقية إرادة الله وأمره، والأمور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر ~~والكهانة مستندة إلى أسباب طبيعية مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقي ~~بالإذن والإرادة كاستجابة الدعاء ونحو ذلك من غير تحد يبتني عليه ظهور حق ~~الدعوة وأن المعجزة مستندة إلى سبب طبيعي حقيقي بإذن الله وأمره إذا كان ~~هناك تحد يبتني عليه صحة النبوة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى وأن ~~القسمين الآخرين يفارقان سائر الأقسام في أن سببهما لا يصير مغلوبا مقهورا ~~قط بخلاف سائر المسببات. # فإن قلت: فعلى هذا لو فرضنا الإحاطة والبلوغ إلى السبب الطبيعي الذي ~~للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإتيان لغير النبي أيضا ولم يبق فرق ~~بين المعجزة وغيرها إلا بحسب النسبة والإضافة فقط فيكون حينئذ أمر ما معجزة ~~بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، وهم المطلعون على سببها ~~الطبيعي الحقيقي، وفي عصر دون عصر، وهو عصر العلم، فلو ظفر البحث العلمي ~~على الأسباب الحقيقية الطبيعية القصوى لم يبق مورد للمعجزة ولم تكشف ~~المعجزة عن الحق. # ونتيجة هذا البحث أن المعجزة لا حجية فيها إلا على الجاهل بالسبب فليست ~~حجة في نفسها. PageV01P043 # قلت: كلا فليست المعجزة معجزة من حيث إنها مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتى ~~تنسلخ عن اسمها عند ارتفاع الجهل وتسقط عن الحجية، ولا أنها معجزة من حيث ~~استنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث إنها مستندة إلى أمر ~~مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهرة العلة البتة، وذلك كما أن الأمر الحادث ~~من جهة استجابة الدعاء كرامة من حيث استنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء ~~المريض مع أنه يمكن أن يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنه حينئذ ~~أمر عادي يمكن أن يصير سببه مغلوبا مقهورا بسبب آخر أقوى منه. # 7 - القرآن يعد المعجزة برهانا على صحة الرسالة لا دليلا عاميا # وهاهنا سؤال وهو أنه ما هي الرابطة بين المعجزة وبين حقية دعوى الرسالة ~~مع أن العقل لا يرى تلازما بين صدق الرسول في دعوته إلى الله سبحانه ms0076 وبين ~~صدور أمر خارق للعادة عن الرسول على أن الظاهر من القرآن الشريف، تقرير ذلك ~~فيما يحكيه من قصص عدة من الأنبياء كهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فإنهم على ما يقصه القرآن حينما بثوا دعوتهم سئلوا عن آية ~~تدل على حقية دعوتهم فأجابوهم فيما سئلوا وجاءوا بالآيات. # وربما أعطوا المعجزة في أول البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئا من ذلك كما ~~قال تعالى في موسى (عليه السلام) وهارون: "اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا ~~في ذكري": طه - 42، وقال تعالى في عيسى (عليه السلام): "ورسولا إلى بني ~~إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين": آل عمران - 49، وكذا إعطاء القرآن معجزة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وبالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازما بين حقية ما أتى به الأنبياء ~~والرسل من معارف المبدإ والمعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم. # مضافا إلى أن قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقة يغني العالم ~~البصير بها عن النظر في أمر الإعجاز، ولذا قيل إن المعجزات لإقناع نفوس ~~العامة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقلية وأما الخاصة فإنهم في غنى عن ذلك. # والجواب عن هذا السؤال أن الأنبياء والرسل (عليهم السلام) لم يأتوا ~~بالآيات المعجزة لإثبات شيء من معارف المبدإ والمعاد مما يناله العقل ~~كالتوحيد والبعث وأمثالها وإنما اكتفوا في ذلك بحجة للعقل والمخاطبة من ~~طريق النظر والاستدلال كقوله تعالى: "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات ~~والأرض": إبراهيم - 10 في الإحتجاج على التوحيد قوله تعالى: "وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار": ص - 28 في الإحتجاج على البعث. # وإنما سئل الرسل المعجزة ms0077 وأتوا بها لإثبات رسالتهم وتحقيق دعويها. PageV01P044 # وذلك أنهم ادعوا الرسالة من الله بالوحي وأنه بتكليم إلهي أو نزول ملك ونحو ~~ذلك وهذا شيء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة والباطنة ~~التي يعرفها عامة الناس ويجدونها من أنفسهم، بل إدراك مستور عن عامة النفوس ~~لو صح وجوده لكان تصرفا خاصا من ما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط، مع ~~أن الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشرية وقواها، ولذلك صادفوا إنكارا ~~شديدا من الناس ومقاومة عنيفة في رده على أحد وجهين: فتارة حاول الناس ~~إبطال دعويهم بالحجة كقوله تعالى: "قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آبائنا": إبراهيم - 10، استدلوا فيها على بطلان دعويهم ~~الرسالة بأنهم مثل سائر الناس والناس لا يجدون شيئا مما يدعونه من أنفسهم ~~مع وجود المماثلة، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا، ولهذا أجاب ~~الرسل عن حجتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: "قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده": إبراهيم - 13، فردوا ~~عليهم بتسليم المماثلة وأن الرسالة من منن الله الخاصة، والاختصاص ببعض ~~النعم الخاصة لا ينافي المماثلة، فللناس اختصاصات، نعم لو شاء أن يمتن على ~~من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوة مختصة بالبعض وإن جاز على الكل. # ونظير هذا الاحتجاج قولهم في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما ~~حكاه الله تعالى: "أأنزل عليه الذكر من بيننا": ص - 8، وقولهم كما حكاه ~~الله: "لو لا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم": الزخرف - 31. # ونظير هذا الاحتجاج أو قريب منه ما في قوله تعالى: "وقالوا ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا ~~أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها": الفرقان - 8، ووجه الاستدلال ~~أن دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشرا مثلنا لكونه ذا أحوال من الوحي وغيره ~~ليس فينا فلم يأكل الطعام ms0078 ويمشي في الأسواق لاكتساب المعيشة؟ بل يجب أن ~~ينزل معه ملك يشاركه في الإنذار أو يلقى إليه كنز فلا يحتاج إلى مشي ~~الأسواق للكسب أو تكون له جنة فيأكل منها لا مما نأكل منه من طعام، فرد ~~الله تعالى عليهم بقوله: "انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا" إلى أن قال "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا": ~~الفرقان - 20، ورد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإنذار بقوله: ~~"ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون": الأنعام - 9. # وقريب من ذلك الاحتجاج أيضا ما في قوله تعالى: "وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم ~~وعتوا عتوا كبيرا": الفرقان - 21، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي ~~بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع ~~النبي، فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ويقولون حجرا محجورا": الفرقان - 22، فذكر أنهم والحال حالهم لا ~~يرون الملائكة إلا مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى: "وقالوا ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من ~~الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": الحجر - 8، ~~ويشتمل هذه الآيات الأخيرة على زيادة في وجه الاستدلال، وهو تسليم صدق ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعواه إلا أنه مجنون وما يحكيه ويخبر ~~به أمر يسوله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله: "وقالوا ~~مجنون وازدجر": القمر - 9. # وبالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجة على إبطال دعوى ~~النبوة من طريق المماثلة. ### PageV01P045 وتارة أخرى أقاموا أنفسهم مقام الإنكار وسؤال الحجة والبينة على صدق الدعوة ~~لاشتمالها على ما تنكره النفوس ولا تعرفه العقول على طريقة المنع مع السند ~~باصطلاح فن المناظرة وهذه البينة هي المعجزة، بيان ذلك أن دعوى النبوة ms0079 ~~والرسالة من كل نبي ورسول على ما يقصه القرآن إنما كانت بدعوى الوحي ~~والتكليم الإلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك، وهذا أمر لا يساعد عليه ~~الحس ولا تؤيده التجربة فيتوجه عليه الإشكال من جهتين: إحداهما من جهة عدم ~~الدليل عليه، والثانية من جهة الدليل على عدمه، فإن الوحي والتكليم الإلهي ~~وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية مما لا يشاهده البشر من أنفسهم، ~~والعادة الجارية في الأسباب والمسببات تنكره فهو أمر خارق للعادة، وقانون ~~العلية العامة لا يجوزه، فلو كان النبي صادقا في دعواه النبوة والوحي كان ~~لازمه أنه متصل بما وراء الطبيعة، مؤيد بقوة إلهية تقدر على خرق العادة وأن ~~الله سبحانه يريد بنبوته والوحي إليه خرق العادة، فلو كان هذا حقا ولا فرق ~~بين خارق وخارق كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير ~~مانع وأن يخرق الله العادة بأمر آخر يصدق النبوة والوحي من غير مانع عنه ~~فإن حكم الأمثال واحد فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو ~~طريق النبوة والوحي فليؤيدها وليصدقها بخارق آخر وهو المعجزة. # وهذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جاءهم ~~رسول من أنفسهم بعثا بالفطرة والغريزة وكان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة ~~وتصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الأنبياء يدعون إليها ~~مما يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد والمعاد، ونظير هذا ما لو جاء رجل ~~بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم ومعه أوامر ونواه يدعيها للسيد ~~فإن بيانه لهذه الأحكام وإقامته البرهان على أن هذه الأحكام مشتملة على ~~مصلحة القوم وهم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلا صلاح شأنهم، إنما يكفي في كون ~~الأحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل، ولا تكفي البراهين والأدلة المذكورة ~~في صدق رسالته وأن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام بل ~~يطالبونه ببينة أو علامة تدل على صدقه في دعواه ككتاب بخطه وخاتمه يقرءونه، ~~أو علامة يعرفونها، كما ms0080 قال المشركون للنبي: "حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه": ~~إسراء - 93. # فقد تبين بما ذكرناه أولا: التلازم بين صدق دعوى الرسالة وبين المعجزة ~~وأنها الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصة والعامة في ~~دلالتها وإثباتها، وثانيا أن ما يجده الرسول والنبي من الوحي ويدركه منه من ~~غير سنخ ما نجده بحواسنا وعقولنا النظرية الفكرية، فالوحي غير الفكر الصائب ~~وهذا المعنى في كتاب الله تعالى من الوضوح والسطوع بحيث لا يرتاب فيه من له ~~أدنى فهم وأقل إنصاف. # وقد انحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف ~~الإلهية والحقائق الدينية على ما وصفه العلوم الطبيعية من أصالة المادة ~~المتحولة المتكاملة فقد رأوا أن الإدراكات الإنسانية خواص مادية مترشحة من ~~الدماغ وأن الغايات الوجودية وجميع الكمالات الحقيقية استكمالات فردية أو ~~اجتماعية مادية. # فذكروا أن النبوة نوع نبوغ فكري وصفاء ذهني يستحضر به الإنسان المسمى ~~نبيا كمال قومه الاجتماعي ويريد به أن يخلصهم من ورطة الوحشية والبربرية ~~إلى ساحة الحضارة والمدنية فيستحضر ما ورثه من العقائد والآراء ويطبقها على ~~مقتضيات عصره ومحيط حياته، فيقنن لهم أصولا اجتماعية وكليات عملية يستصلح ~~بها أفعالهم الحيوية ثم يتمم ذلك بأحكام وأمور عبادية ليستحفظ بها خواصهم ~~الروحية لافتقار الجامعة الصالحة والمدنية الفاضلة إلى ذلك ويتفرع على هذا ~~الافتراض: أولا: أن النبي إنسان متفكر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم ~~الاجتماعي. # وثانيا: أن الوحي هو انتقاش الأفكار الفاضلة في ذهنه. # وثالثا: أن الكتاب السماوي مجموع هذه الأفكار الفاضلة المنزهة عن ~~التهوسات النفسانية والأغراض النفسانية الشخصية. PageV01P046 # ورابعا: أن الملائكة التي أخبر بها النبي قوى طبيعية تدبر أمور الطبيعة أو ~~قوى نفسانية تفيض كمالات النفوس عليها، وأن روح القدس مرتبة من الروح ~~الطبيعية المادية تترشح منها هذه الأفكار المقدسة، وأن الشيطان مرتبة من ~~الروح تترشح منها الأفكار الردية وتدعو إلى الأعمال الخبيثة المفسدة ~~للاجتماع، وعلى هذا الأسلوب فسروا الحقائق التي أخبر بها الأنبياء كاللوح ~~والقلم والعرش والكرسي والكتاب والحساب والجنة والنار بما يلائم الأصول ~~المذكورة. ms0081 # وخامسا: أن الأديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحول بتحولها. # وسادسا: أن المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة ~~أو حوادث محرفة لنفع الدين وحفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الأعصار أو ~~لحفظ مواقع أئمة الدين ورؤساء المذهب عن السقوط والاضمحلال إلى غير ذلك مما ~~أبدعه قوم وتبعهم آخرون. # هذه جمل ما ذكروه والنبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من ~~أن تسمى نبوة إلهية، والكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث ~~المقصود في هذا المقام. # والذي يمكن أن يقال فيه هاهنا أن الكتب السماوية والبيانات النبوية ~~المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير ولا تناسبه أدنى مناسبة، ~~وإنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض وركونهم إلى مباحث ~~المادة فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة وتفسير الحقائق المتعالية عن ~~المادة بما يسلخها عن شأنها وتعيدها إلى المادة الجامدة. # وما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا ~~يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة غير أنهم كانوا يثبتون لها ~~وجودات غائبة عن الحس كالعرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة ونحوها من ~~غير مساعدة الحس والتجربة على شيء من ذلك، ثم لما اتسع نطاق العلوم ~~الطبيعية وجرى البحث على أساس الحس والتجربة لزم الباحثين على ذلك الأسلوب ~~أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحس أو البعيدة عنه ~~وأن يفسروها بما تعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به ~~العلم ويستحفظ بذلك عن السقوط. # فهاتان الطائفتان بين باغ وعاد، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من ~~البيانات الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز غير أنهم رأوا أن مصاديقها ~~جميعا أمور مادية محضة لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلا ~~والواقع خلافه، وأما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية ~~بما أخرجوها به عن مقاصدها البينة الواضحة، وطبقوها على حقائق مادية ينالها ~~الحس وتصدقها التجربة مع أنها ليست بمقصوده، ولا البيانات اللفظية تنطبق ~~على شيء ms0082 منها. # والبحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في ~~العرف واللغة ثم يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضا ثم ~~ينظر، هل الأنظار العلمية تنافيها أو تبطلها؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شيء ~~خارج عن المادة وحكمها فإنما الطريق إليه إثباتا أو نفيا طور آخر من البحث ~~غير البحث الطبيعي الذي تتكفله العلوم الطبيعية، فما للعلم الباحث عن ~~الطبيعة وللأمر الخارج عنها؟ فإن العلم الباحث عن المادة وخواصها ليس من ~~وظيفته أن يتعرض لغير المادة وخواصها لا إثباتا ولا نفيا. # ولو فعل شيئا منه باحث من بحاثه كان ذلك منه شططا من القول، نظير ما لو ~~أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفيا أو إثباتا، ~~ولنرجع إلى بقية الآيات. # وقوله تعالى: فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة. ### # سوق الآيات من أول السورة وإن كانت لبيان حال المتقين والكافرين ~~والمنافقين الطوائف الثلاث جميعا لكنه سبحانه حيث جمعهم طرا في قوله: يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم، ودعاهم إلى عبادته تقسموا لا محالة إلى مؤمن وغيره ~~فإن هذه الدعوة لا تحتمل من حيث إجابتها وعدمها غير القسمين: المؤمن ~~والكافر وأما المنافق فإنما يتحقق بضم الظاهر إلى الباطن، واللسان إلى ~~القلب فكان هناك من جمع بين اللسان والقلب إيمانا أو كفرا ومن اختلف لسانه ~~وقلبه وهو المنافق، فلما ذكرنا لعله أسقط المنافقون من الذكر، وخص ~~بالمؤمنين والكافرين ووضع الإيمان مكان التقوى. PageV01P047 # ثم إن الوقود ما توقد به النار وقد نصت الآية على أنه نفس الإنسان، ~~فالإنسان وقود وموقود عليه، كما في قوله تعالى أيضا: "ثم في النار يسجرون": ~~المؤمن - 72 وقوله تعالى: "نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة": ~~اللمزة - 7، فالإنسان معذب بنار توقده نفسه، وهذه الجملة نظيره قوله تعالى: ~~"كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها": البقرة - 25، ظاهرة في أنه ليس للإنسان هناك إلا ما هيأه من ~~هاهنا، كما عن ms0083 النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "كما تعيشون تموتون وكما ~~تموتون تبعثون" الحديث. # وإن كان بين الفريقين فرق من حيث إن لأهل الجنة مزيدا عند ربهم. # قال تعالى: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق - 35. # والمراد بالحجارة في قوله: وقودها الناس والحجارة، الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها، ويشهد به قوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" ~~الآية: الأنبياء - 98، والحصب هو الوقود. # وقوله تعالى: لهم فيها أزواج مطهرة، قرينة الأزواج تدل على أن المراد ~~بالطهارة هي الطهارة من أنواع الأقذار والمكاره التي تمنع من تمام الالتيام ~~والألفة والأنس من الأقذار والمكاره الخلقية والخلقية. ### |||| AUTO بحث روائي # روى الصدوق، قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن الآية فقال: الأزواج ~~المطهرة اللاتي لا يحضن ولا يحدثن. # أقول: وفي بعض الروايات تعميم الطهارة للبراءة عن جميع العيوب والمكاره. PageV01P048 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 26 - 27 # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفسقين (26) الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى ~~الأرض أولئك هم الخسرون (27) # . ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب، البعوضة الحيوان المعروف وهو من ~~أصغر الحيوانات المحسوسة وهذه الآية والتي بعدها نظيرة ما في سورة الرعد ~~"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا ~~الألباب. الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما أمر ~~الله به أن يوصل": الرعد - 19، 20، 21. # وكيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال والعمى ما يلحق الإنسان عقيب ~~أعماله السيئة غير الضلال والعمى الذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى: ~~وما يضل به إلا الفاسقين، فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدما عليه هذا. # ثم إن الهداية والإضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة ms0084 والخذلان ~~التي ترد منه تعالى على عباده السعداء والأشقياء، فإن الله تعالى وصف في ~~كلامه حال السعداء من عباده بأنه يحييهم حياة طيبة، ويؤيدهم بروح الإيمان، ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نورا يمشون به، وهو وليهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه، ~~والملائكة تنزل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك. # ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ~~ويختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ويطمس وجوههم على ~~أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، ويجعل من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فيغشيهم فهم لا يبصرون، ويقيض لهم شياطين قرناء ~~يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، ويزينون لهم أعمالهم، وهم ~~أولياؤهم، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون، ويملي لهم إن كيده متين، ويمكر ~~بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون. # فهذه نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين وظاهرها أن للإنسان في الدنيا ~~وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ذات أصول وأعراق ~~يعيش بها فيها، وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجاب، ~~ويظهر من كلامه تعالى أيضا أن للإنسان حياة أخرى سابقة على حياته الدنيا ~~يحذوها فيها كما يحذو حذو حياته الدنيا فيما يتلوها. # وبعبارة أخرى إن للإنسان حياة قبل هذه الحياة الدنيا وحياة بعدها، ~~والحياة الثالثة تتبع حكم الثانية والثانية حكم الأولى، فالإنسان وهو في ~~الدنيا واقع بين حياتين: سابقة ولاحقة، فهذا هو الذي يقضي به ظاهر القرآن. # لكن الجمهور من المفسرين حملوا القسم الأول من الآيات وهي الواصفة للحياة ~~السابقة على ضرب من لسان الحال واقتضاء الاستعداد، والقسم الثاني منها وهي ~~الواصفة للحياة اللاحقة على ضروب المجاز والاستعارة هذا، إلا أن ظواهر كثير ~~من الآيات يدفع ذلك. # أما القسم الأول وهي آيات الذر والميثاق فستأتي في مواردها، وأما القسم ~~الثاني فكثير من الآيات دالة على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال وعينها ~~كقوله تعالى: ms0085 "لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم - 7، ~~وقوله تعالى: "ثم توفى كل نفس ما كسبت" الآية: البقرة - 281، وقوله تعالى: ~~"فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة": البقرة - 24، وقوله تعالى: ~~"فليدع نادية سندع الزبانية": العلق - 18، وقوله تعالى: "يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران - 30، وقوله تعالى: "ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار": البقرة - 174، وقوله: "إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا": النساء - 10، إلى غير ذلك من الآيات. PageV01P049 # ولعمري لو لم يكن في كتاب الله تعالى إلا قوله: "لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد": ق - 22، لكان فيه كفاية إذ الغفلة لا ~~تكون إلا عن معلوم حاضر، وكشف الغطاء لا يستقيم إلا عن مغطى موجود فلو لم ~~يكن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجودا حاضرا من قبل لما كان يصح أن ~~يقال للإنسان إن هذه أمور كانت مغفولة لك، مستورة عنك فهي اليوم مكشوف عنها ~~الغطاء، مزالة منها الغفلة. # ولعمري إنك لو سألت نفسك أن تهديك إلى بيان يفي بهذه المعاني حقيقة من ~~غير مجاز لما أجابتك إلا بنفس هذه البيانات والأوصاف التي نزل بها القرآن ~~الكريم. # ومحصل الكلام أن كلامه تعالى موضوع على وجهين: أحدهما: وجه المجازاة ~~بالثواب والعقاب، وعليه عدد جم من الآيات، تفيد: أن ما سيستقبل الإنسان من ~~خير أو شر كجنة أو نار إنما هو جزاء لما عمله في الدنيا من العمل. # وثانيهما: وجه تجسم الأعمال وعليه عدة أخرى من الآيات، وهي تدل على أن ~~الأعمال تهيىء بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أمورا مطلوبة أو غير مطلوبة ~~أي خيرا أو شرا هي التي سيطلع عليه الإنسان يوم يكشف عن ساق. # وإياك أن تتوهم أن الوجهين متنافيان فإن الحقائق إنما تقرب إلى الأفهام ~~بالأمثال المضروبة، كما ينص على ذلك القرآن. # وقوله تعالى: إلا الفاسقين، الفسق كما قيل من الألفاظ التي أبدع القرآن ~~استعمالها في معناها المعروف، مأخوذ من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها ~~وجلدها ولذلك فسر بعده ms0086 بقوله تعالى: "الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه" ~~الآية، والنقض إنما يكون عن إبرام، ولذلك أيضا وصف الفاسقين في آخر الآية ~~بالخاسرين والإنسان إنما يخسر فيما ملكه بوجه، قال تعالى: "إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة": الشورى - 45، وإياك أن تتلقى هذه ~~الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه للسعداء من عباده أو الأشقياء مثل ~~المقربين والمخلصين والمخبتين والصالحين والمطهرين وغيرهم، ومثل الظالمين ~~والفاسقين والخاسرين والغاوين والضالين وأمثالها أوصافا مبتذلة أو مأخوذة ~~لمجرد تزيين اللفظ، فتضطرب بذلك قريحتك في فهم كلامه تعالى فتعطف الجميع ~~على واد واحد، وتأخذها هجاء عاميا وحديثا ساذجا سوقيا بل هي أوصاف كاشفة عن ~~حقائق روحية ومقامات معنوية في صراطي السعادة والشقاوة، كل واحد منها في ~~نفسه مبدأ لآثار خاصة ومنشأ لأحكام مخصوصة معينة، كما أن مراتب السن ~~وخصوصيات القوى وأوضاع الخلقة في الإنسان كل منها منشأ لأحكام وآثار مخصوصة ~~لا يمكننا أن نطلب واحدا منها من غير منشئه ومحتده، ولئن تدبرت في مواردها ~~من كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت صدق ما ادعيناه. ### |||| AUTO بحث الجبر والتفويض # واعلم: أن بيانه تعالى أن الإضلال إنما يتعلق بالفاسقين يشرح كيفية ~~تأثيره تعالى في أعمال العباد ونتائجها وهو الذي يراد حله في بحث الجبر ~~والتفويض. PageV01P050 # بيان ذلك: أنه تعالى قال: "لله ما في السموات وما في الأرض":، البقرة - ~~284، وقال: "له ملك السموات والأرض": الحديد - 5، وقال: "له الملك وله ~~الحمد: التغابن - 1، فأثبت فيها وفي نظائرها من الآيات الملك لنفسه على ~~العالم بمعنى أنه تعالى مالك على الإطلاق ليس بحيث يملك على بعض الوجوه ولا ~~يملك على بعض الوجوه، كما أن الفرد من الإنسان يملك عبدا أو شيئا آخر فيما ~~يوافق تصرفاته أنظار العقلاء، وأما التصرفات السفهية فلا يملكها، وكذا ~~العالم مملوك لله تعالى مملوكية على الإطلاق، لا مثل مملوكية بعض أجزاء ~~العالم لنا حيث إن ملكنا ناقص إنما يصحح بعض التصرفات لا جميعها، فإن ~~الإنسان المالك لحمار مثلا إنما يملك منه أن يتصرف فيه بالحمل والركوب مثلا ~~وأما أن ms0087 يقتله عطشا أو جوعا أو يحرقه بالنار من غير سبب موجب فالعقلاء لا ~~يرون له ذلك، أي كل مالكية في هذا الاجتماع الإنساني مالكية ضعيفة إنما ~~تصحح بعض التصرفات المتصورة في العين المملوكة لا كل تصرف ممكن، وهذا بخلاف ~~ملكه تعالى للأشياء فإنها ليس لها من دون الله تعالى من رب يملكها وهي لا ~~تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكل تصرف متصور فيها ~~فهو له تعالى، فأي تصرف تصرف به في عباده وخلقه فله ذلك من غير أن يستتبع ~~قبحا ولا ذما ولا لوما في ذلك، إذ التصرف من بين التصرفات إنما يستقبح ويذم ~~عليه فيما لا يملك المتصرف ذلك لأن العقلاء لا يرون له ذلك، فملك هذا ~~المتصرف محدود مصروف إلى التصرفات الجائزة عند العقل، وأما هو تعالى فكل ~~تصرف تصرف به فهو تصرف من مالك وتصرف في مملوك فلا قبح ولا ذم ولا غير ذلك، ~~وقد أيد هذه الحقيقة بمنع الغير عن أي تصرف في ملكه إلا ما يشاؤه أو يأذن ~~فيه وهو السائل المحاسب دون المسئول المأخوذ، فقال تعالى: "من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه": البقرة - 255، وقال تعالى: "ما من شفيع إلا من بعد إذنه": ~~يونس - 3، وقال تعالى: "ولو شاء الله لهدى الناس جميعا": الرعد - 33، وقال: ~~"يضل من يشاء ويهدي من يشاء": النحل - 93، وقال تعالى: "وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله": الدهر - 30، وقال تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": ~~الأنبياء - 23، فالله هو المتصرف الفاعل في ملكه وليس لشيء غيره شيء من ذلك ~~إلا بإذنه ومشيته، فهذا ما يقتضيه ربوبيته. ### PageV01P051 ثم إنا نرى أنه تعالى نصب نفسه في مقام التشريع وجرى في ذلك على ما يجري ~~عليه العقلاء في المجتمع الإنساني، من استحسان الحسن والمدح والشكر عليه ~~واستقباح القبيح والذم عليه كما قال تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعما هي": ~~البقرة - 271، وقال: "بئس الاسم الفسوق": الحجرات - 11، وذكر أن تشريعاته ~~منظور فيها إلى مصالح الإنسان ومفاسده مرعي فيها أصلح ما يعالج به ms0088 نقص ~~الإنسان فقال تعالى: "إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال - 24، وقال تعالى: ~~"ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون": الصف - 11، وقال تعالى: "إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان إلى أن قال وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي": النحل - 90، ~~وقال تعالى: "إن الله لا يأمر بالفحشاء": الأعراف - 28، والآيات في ذلك ~~كثيرة، وفي ذلك إمضاء لطريقة العقلاء في المجتمع، بمعنى أن هذه المعاني ~~الدائرة عند العقلاء من حسن وقبح ومصلحة ومفسدة وأمر ونهي وثواب وعقاب أو ~~مدح وذم وغير ذلك والأحكام المتعلقة بها كقولهم: الخير يجب أن يؤثر والحسن ~~يجب أن يفعل، والقبيح يجب أن يجتنب عنه إلى غير ذلك، كما أنها هي الأساس ~~للأحكام العامة العقلائية كذلك الأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى ~~لعباده مرعي فيها ذلك، فمن طريقة العقلاء أن أفعالهم يلزم أن تكون معللة ~~بأغراض ومصالح عقلائية، ومن جملة أفعالهم تشريعاتهم وجعلهم للأحكام ~~والقوانين، ومنها جعل الجزاء ومجازاة الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة ~~إن شاءوا فهذه كلها معللة بالمصالح والأغراض الصالحة، فلو لم يكن في مورد ~~أمر أو نهي من الأوامر العقلائية ما فيه صلاح الاجتماع بنحو ينطبق على ~~المورد لم يقدم العقلاء على مثله، وكل المجازاة إنما تكون بالمسانخة بين ~~الجزاء وأصل العمل في الخيرية والشرية وبمقدار يناسب وكيف يناسب، ومن ~~أحكامهم أن الأمر والنهي وكل حكم تشريعي لا يتوجه إلا إلى المختار دون ~~المضطر والمجبر على الفعل وأيضا إن الجزاء الحسن أو السيىء أعني الثواب ~~والعقاب لا يتعلقان إلا بالفعل الاختياري اللهم إلا فيما كان الخروج عن ~~الاختيار والوقوع في الاضطرار مستندا إلى سوء الاختيار كمن أوقع نفسه في ~~اضطرار المخالفة فإن العقلاء لا يرون عقابه قبيحا، ولا يبالون بقصة ~~اضطراره. # فلو أنه سبحانه أجبر عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكن جزاء المطيع ~~بالجنة والعاصي بالنار إلا جزافا في مورد المطيع، وظلما في مورد العاصي، ~~والجزاف والظلم قبيحان عند العقلاء ولزم الترجيح من غير مرجح وهو قبيح ~~عندهم أيضا ولا حجة في قبيح وقد قال تعالى: "لئلا يكون للناس على الله ms0089 حجة ~~بعد الرسل": النساء - 165، وقال تعالى "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة": الأنفال - 44، فقد اتضح بالبيان السابق أمور: أحدها: أن التشريع ~~ليس مبنيا على أساس الإجبار في الأفعال، فالتكاليف مجعولة على وفق مصالح ~~العباد في معاشهم ومعادهم أولا، وهي متوجهة إلى العباد من حيث إنهم مختارون ~~في الفعل والترك ثانيا، والمكلفون إنما يثابون أو يعاقبون بما كسبت أيديهم ~~من خير أو شر اختيارا. # ثانيها: أن ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الإضلال والخدعة والمكر ~~والإمداد في الطغيان وتسليط الشيطان وتوليته على الإنسان وتقييض القرين ~~ونظائر ذلك جميعها منسوبة إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه ونزاهته تعالى ~~عن ألواث النقص والقبح والمنكر، فإن جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى ~~الإضلال وشعبه وأنواعه، وليس كل إضلال حتى الإضلال البدوي وعلى سبيل ~~الإغفال بمنسوب إليه ولا لائق بجنابه، بل الثابت له الإضلال مجازاة وخذلانا ~~لمن يستقبل بسوء اختياره ذلك كما قال تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~وما يضل به إلا الفاسقين" الآية: البقرة - 26، وقال: "فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم": الصف - 5، وقال تعالى: "كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب": المؤمن - 34. # ثالثها: أن القضاء غير متعلق بأفعال العباد من حيث إنها منسوبة إلى ~~الفاعلين بالانتساب الفعلي دون الانتساب الوجودي، وسيجيء لهذا القول زيادة ~~توضيح في التذييل الآتي وفي الكلام على القضاء والقدر إن شاء الله تعالى. PageV01P052 # رابعها: أن التشريع كما لا يلائم الجبر كذلك لا يلائم التفويض، إذ لا معنى ~~للأمر والنهي المولويين فيما لا يملك المولى منه شيئا، مضافا إلى أن ~~التفويض لا يتم إلا مع سلب إطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه. ### |||| AUTO بحث روائي # استفاضت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم قالوا: لا جبر ~~ولا تفويض بل أمر بين أمرين الحديث. # وفي العيون، بعدة طرق: لما انصرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) من صفين قام إليه شيخ ممن شهد الواقعة معه فقال يا أمير المؤمنين ~~أخبرنا ms0090 من مسيرنا هذا أبقضاء من الله وقدر، فقال له أمير المؤمنين: أجل يا ~~شيخ فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر، فقال ~~الشيخ عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال: مهلا يا شيخ لعلك تظن ~~قضاء حتما وقدرا لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي ~~والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسيء لائمة ولا لمحسن ~~محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب والمذنب أولى بالإحسان من ~~المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومجوسها. ~~يا شيخ إن الله كلف تخييرا ونهى تحذيرا، وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص ~~مغلوبا، ولم يطع مكروها ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظن ~~الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار الحديث. # أقول: قوله: بقضاء من الله وقدر إلى قوله: عند الله أحتسب عنائي. # ليعلم أن من أقدم المباحث التي وقعت في الإسلام موردا للنقض والإبرام، ~~وتشاغبت فيه الأنظار مسألة الكلام ومسألة القضاء والقدر وإذ صوروا معنى ~~القضاء والقدر واستنتجوا نتيجته فإذا هي أن الإرادة الإلهية الأزلية تعلقت ~~بكل شيء من العالم فلا شيء من العالم موجودا على وصف الإمكان، بل إن كان ~~موجودا فبالضرورة، لتعلق الإرادة بها واستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته، ~~وإن كان معدوما فبالامتناع لعدم تعلق الإرادة بها وإلا لكانت موجودة، وإذا ~~اطردت هذه القاعدة في الموجودات وقع الإشكال في الأفعال الاختيارية الصادرة ~~منا فإنا نرى في بادي النظر أن نسبة هذه الأفعال وجودا وعدما إلينا ~~متساوية، وإنما يتعين واحد من الجانبين بتعلق الإرادة به بعد اختيار ذلك ~~الجانب فأفعالنا اختيارية، والإرادة مؤثرة في تحققه سبب في إيجاده، ولكن، ~~فرض تعلق الإرادة الإلهية الأزلية المستحيلة التخلف بالفعل يبطل اختيارية ~~الفعل أولا، وتأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانيا وحينئذ لم يكن معنى للقدرة ~~قبل الفعل على الفعل، ولا معنى للتكليف لعدم القدرة قبل الفعل وخاصة في ~~صورة الخلاف والتمرد فيكون تكليفا بما لا يطاق، ولا معنى ms0091 لإثابة المطيع ~~بالجبر لأنه جزاف قبيح، ولا معنى لعقاب العاصي بالجبر لأنه ظلم قبيح إلى ~~غير ذلك من اللوازم، وقد التزم الجميع هؤلاء الباحثون فقالوا القدرة غير ~~موجودة قبل الفعل، والحسن والقبح أمران غير واقعيين لا يلزم تقيد أفعاله ~~تعالى بهما بل كل ما يفعله فهو حسن ولا يتصف فعله تعالى بالقبح، فلا مانع ~~هناك من الترجيح بلا مرجح، ولا من الإرادة الجزافية، ولا من التكليف بما لا ~~يطاق، ولا من عقاب العاصي وإن لم يكن النقصان من قبله إلى غير ذلك من ~~التوالي تعالى عن ذلك. PageV01P053 # وبالجملة كان القول بالقضاء والقدر في الصدر الأول مساوقا لارتفاع الحسن ~~والقبح والجزاء بالاستحقاق ولذلك لما سمع الشيخ منه (عليه السلام) كون ~~المسير بقضاء وقدر قال وهو في مقام التأثر واليأس: عند الله أحتسب عنائي أي ~~إن مسيري وإرادتي فاقدة الجدوى من حيث تعلق الإرادة الإلهية بها فلم يبق لي ~~إلا العناء والتعب من الفعل فأحتسبه عند ربي فهو الذي أتعبني بذلك فأجاب ~~عنه الإمام (عليه السلام) بقوله: لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب إلخ، وهو ~~أخذ بالأصول العقلائية التي أساس التشريع مبني عليها واستدل في آخر كلامه ~~(عليه السلام) بقوله: ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا إلخ، وذلك ~~لأن صحة الإرادة الجزافية التي هي من لوازم ارتفاع الاختيار يوجب إمكان ~~تحقق الفعل من غير غاية وغرض وهو يوجب إمكان ارتفاع الغاية عن الخلقة ~~والإيجاد، وهذا الإمكان يساوق الوجوب، فلا غاية على هذا التقدير للخلقة ~~والإيجاد، وذلك خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، وفيه بطلان المعاد ~~وفيه كل محذور، وقوله ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكروها كان المراد لم يعص ~~والحال أن عاصيه مغلوب بالجبر ولم يطع والحال أن طوعه مكروه للمطيع. ### # وفي التوحيد، والعيون، عن الرضا (عليه السلام) قال: ذكر عنده الجبر ~~والتفويض فقال: ألا أعلمكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه ~~أحد إلا كسرتموه؟ قلنا إن رأيت ذلك، فقال إن الله عز وجل لم يطع بإكراه، ~~ولم ms0092 يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ~~ما أقدرهم عليه فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله منها صادا، ولا منها ~~مانعا وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل ~~فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال (عليه السلام) من يضبط حدود هذا ~~الكلام فقد خصم من خالفه. PageV01P054 # أقول: قد عرفت أن الذي ألزم المجبرة أن قالوا بما قالوا هو البحث في القضاء ~~والقدر واستنتاج الحتم واللزوم فيهما وهذا البحث صحيح وكذلك النتيجة أيضا ~~نتيجة صحيحة غير أنهم أخطئوا في تطبيقها، واشتبه عليهم أمر الحقائق ~~والاعتباريات، واختلط عليهم الوجوب والإمكان، توضيح ذلك أن القضاء والقدر ~~على تقدير ثبوتهما ينتجان أن الأشياء في نظام الإيجاد والخلقة على صفة ~~الوجوب واللزوم فكل موجود من الموجودات وكل حال من أحوال الموجود مقدرة ~~محدودة عند الله سبحانه، معين له جميع ما هو معه من الوجود وأطواره وأحواله ~~لا يتخلف عنه ولا يختلف، ومن الواضح أن الضرورة والوجوب من شئون العلة فإن ~~العلة التامة هي التي إذا قيس إليها الشيء صار متصفا بصفة الوجوب وإذا قيس ~~إلى غيرها أي شيء كان لم يصر إلا متصفا بالإمكان، فانبساط القدر والقضاء في ~~العالم هو سريان العلية التامة والمعلولية في العالم بتمامه وجميعه، وذلك ~~لا ينافي سريان حكم القوة والإمكان في العام من جهة أخرى وبنظر آخر، فالفعل ~~الاختياري الصادر عن الإنسان بإرادته إذا فرض منسوبا إلى جميع ما يحتاج ~~إليه في وجوده من علم وإرادة وأدوات صحيحة ومادة يتعلق بها الفعل وسائر ~~الشرائط الزمانية والمكانية كان ضروري الوجود، وهو الذي تعلقت به الإرادة ~~الإلهية الأزلية لكن كون الفعل ضروريا بالقياس إلى جميع أجزاء علته التامة ~~ومن جهتها لا يوجب كونه ضروريا إذا قيس إلى بعض أجزاء علته التامة، كما إذا ~~قيس الفعل إلى الفاعل دون بقية أجزاء علته التامة فإنه لا يتجاوز حد ~~الإمكان، ولا يبلغ البتة حد الوجوب فلا معنى لما زعموه أن عموم ms0093 القضاء ~~وتعلق الإرادة الإلهية بالفعل يوجب زوال القدرة وارتفاع الاختيار، بل ~~الإرادة الإلهية إنما تعلقت بالفعل بجميع شئونه وخصوصياته الوجودية ومنها ~~ارتباطاته بعلله وشرائط وجوده، وبعبارة أخرى تعلقت الإرادة الإلهية بالفعل ~~الصادر من زيد مثلا لا مطلقا بل من حيث إنه فعل اختياري صادر من فاعل كذا ~~في زمان كذا ومكان كذا فإذن تأثير الإرادة الإلهية في الفعل يوجب كون الفعل ~~اختياريا وإلا تخلف متعلق الإرادة الإلهية عنها فإذن تأثير الإرادة الإلهية ~~في صيرورة الفعل ضروريا يوجب كون الفعل اختياريا أي كون الفعل ضروريا ~~بالنسبة إلى الإرادة الإلهية ممكنا اختياريا بالنسبة إلى الإرادة الإنسانية ~~الفاعلية، فالإرادة في طول الإرادة وليست في عرضها حتى تتزاحما، ويلزم من ~~تأثير الإرادة الإلهية بطلان تأثير الإرادة الإنسانية فظهر أن ملاك خطإ ~~المجبرة فيما أخطئوا فيه عدم تمييزهم كيفية تعلق الإرادة الإلهية بالفعل، ~~وعدم فرقهم بين الإرادتين الطوليتين وبين الإرادتين العرضيتين وحكمهم ~~ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلق إرادة الله تعالى به. # والمعتزلة وإن خالفت المجبرة في اختيارية أفعال العبد وسائر اللوازم إلا ~~أنهم سلكوا في إثباته مسلكا لا يقصر من قول المجبرة فسادا، وهو أنهم سلموا ~~للمجبرة أن تعلق إرادة الله بالفعل يوجب بطلان الاختيار، ومن جهة أخرى ~~أصروا على اختيارية الأفعال الاختيارية فنفوا بالآخرة تعلق الإرادة الإلهية ~~بالأفعال فلزمهم إثبات خالق آخر للأفعال وهو الإنسان، كما أن خالق غيرها هو ~~الله سبحانه فلزمهم محذور الثنوية، ثم وقعوا في محاذير أخرى أشد مما وقعت ~~فيه المجبرة كما قال (عليه السلام): مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله ~~بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه الحديث. PageV01P055 # فمثل هذا مثل المولى من الموالي العرفية يختار عبدا من عبيده ويزوجه إحدى ~~فتياته ثم يقطع له قطيعة ويخصه بدار وأثاث وغير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان ~~في حياته إلى حين محدود وأجل مسمى، فإن قلنا إن المولى وإن أعطى لعبده ما ~~أعطى وملكه ما ملك فإنه لا يملك وأين العبد من الملك كان ذلك قول المجبرة، ~~وإن قلنا إن للمولى ms0094 بإعطائه المال لعبده وتمليكه جعله مالكا وانعزل هو عن ~~المالكية وكان المالك هو العبد كان ذلك قول المعتزلة، ولو جمعنا بين ~~الملكين بحفظ المرتبتين وقلنا: إن المولى مقامه في المولوية وللعبد مقامه ~~في الرقية وإن العبد إنما يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في عين أن ~~العبد مالك فهنا ملك على ملك كان ذلك القول الحق الذي رآه أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام)، وقام عليه البرهان هذا. # وفي الإحتجاج،: فيما سأله عباية بن ربعي الأسدي عن أمير المؤمنين علي ~~(عليه السلام) في معنى الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية بن ربعي فقال له قل يا عباية، ~~قال: وما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من ~~دونك فإن ملككها كان ذلك من عطائه وإن سلبكها كان ذلك من بلائه وهو المالك ~~لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك الحديث. # أقول: ومعنى الرواية واضح مما بيناه آنفا. # وفي شرح العقائد، للمفيد قال: وقد روي عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) ~~أنه سئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة لله تعالى؟ فقال (عليه السلام): لو كان ~~خالقا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه: إن الله بريء من المشركين ولم يرد ~~البراءة من خلق ذواتهم وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم. # أقول للأفعال جهتان: جهة ثبوت ووجود، وجهة الانتساب إلى الفاعل، وهذه ~~الجهة الثانية هي التي تتصف بها الأفعال بأنها طاعة أو معصية أو حسنة أو ~~سيئة، فإن النكاح والزنا لا فرق بينهما من جهة الثبوت والتحقق، وإنما الفرق ~~الفارق هو أن النكاح موافق لأمر الله تعالى، والزنا فاقد للموافقة ~~المذكورة، وكذا قتل النفس بالنفس وقتل النفس بغير نفس، وضرب اليتيم تأديبا ~~وضربه ظلما، فالمعاصي فاقدة لجهة من جهات الصلاح أو لموافقة الأمر أو ~~الغاية الاجتماعية بخلاف غيرها، وقد قال تعالى: "الله خالق كل شيء": الزمر ~~- 62، والفعل شيء بثبوته ووجوده، وقد قال (عليه السلام): "كل ما وقع عليه ~~اسم شيء فهو مخلوق ms0095 ما خلا الله الحديث" ثم قال تعالى: "الذي أحسن كل شيء ~~خلقه": السجدة - 7، فتبين أن كل شيء كما أنه مخلوق فهو في أنه مخلوق، حسن ~~فالخلقة والحسن متلازمان متصاحبان لا ينفك أحدهما عن الآخر أصلا، ثم إنه ~~تعالى سمى بعض الأفعال سيئة فقال: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها": الأنعام - 160، وهي المعاصي التي يفعلها ~~الإنسان بدليل المجازاة، وعلمنا بذلك أنها من حيث إنها معاص عدمية غير ~~مخلوقة وإلا كانت حسنة، وقال تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها": الحديد - 22، وقال: "ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه": التغابن - 11، وقال: "ما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير": الشورى - 30، وقال: "ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك": النساء - 79، وقال: ~~"وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا": النساء ~~- 78، علمنا بذلك أن هذه المصائب إنما هي سيئات نسبية بمعنى أن الإنسان ~~المنعم بنعمة من نعم الله كالأمن والسلامة والصحة والغنى يعد واجدا فإذا ~~فقدها لنزول نازلة وإصابة مصيبة كانت النازلة بالنسبة إليه سيئة لأنها ~~مقارنة لفقد ما وعدم ما، فكل نازلة فهي من الله وليست من هذه الجهة سيئة ~~وإنما هي سيئة نسبية بالنسبة إلى الإنسان وهو واجد، فكل سيئة فهي أمر عدمي ~~غير منسوب من هذه الجهة إلى الله سبحانه البتة وإن كانت من جهة أخرى منسوبة ~~إليه تعالى بالإذن فيه ونحو ذلك. PageV01P056 # وفي قرب الإسناد، عن البزنطي، قال: قلت: للرضا (عليه السلام) إن أصحابنا ~~بعضهم يقول: بالجبر، وبعضهم بالاستطاعة فقال لي: اكتب، قال الله تبارك ~~وتعالى يا بن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت إلي ~~فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي جعلتك سميعا بصيرا قويا، ما أصابك من ms0096 حسنة ~~فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك أني أولى بحسناتك منك وأنت ~~أولى بسيئاتك مني، وذلك أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، فقد نظمت لك كل ~~شيء تريد الحديث وهو أو ما يقربه مروي بطرق عامية وخاصية أخرى وبالجملة ~~فالذي لا تنسب إلى الله سبحانه من الأفعال هي المعاصي من جهة أنها معاص ~~خاصة، وبذلك يعلم معنى قوله (عليه السلام) في الرواية السابقة لو كان خالقا ~~لها لما تبرأ منها إلى قوله وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم الحديث. # وفي التوحيد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) "قالا: إن الله عز ~~وجل أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، والله أعز من ~~أن يريد أمرا فلا يكون" قال: فسئلا (عليهما السلام) هل بين الجبر والقدر ~~منزلة ثالثة؟ قالا نعم أوسع مما بين السماء والأرض. # وفي التوحيد، عن محمد بن عجلان، قال قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) ~~فوض الله الأمر إلى العباد؟ قال: "الله أكرم من أن يفوض إليهم" قلت: فأجبر ~~الله العباد على أفعالهم فقال: "الله أعدل من أن يجبر عبدا على فعل ثم ~~يعذبه عليه". ### # وفي التوحيد، أيضا عن مهزم، قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): أخبرني ~~عما اختلف فيه من خلفك من موالينا، قال: قلت: في الجبر والتفويض؟ قال: ~~فاسألني قلت: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: "الله أقهر لهم من ذلك" ~~قلت: ففوض إليهم؟ قال: الله أقدر عليهم من ذلك، قال قلت فأي شيء هذا، أصلحك ~~الله؟ قال: فقلب يده مرتين أو ثلاثا ثم قال: "لو أجبتك فيه لكفرت". # أقول: قوله (عليه السلام): الله أقهر لهم من ذلك، معناه أن الجبر إنما هو ~~لقهر من المجبر يبطل به مقاومة القوة الفاعلة، وأقهر منه وأقوى أن يريد ~~المريد وقوع الفعل الاختياري من فاعله من مجرى اختياره فيأتي به من غير أن ~~يبطل إرادته واختياره أو ينازع إرادة الفاعل إرادة الآمر. # وفي التوحيد، أيضا عن الصادق (عليه السلام) ms0097 قال: قال: "رسول الله: من زعم ~~أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله" ومن زعم أن الخير والشر ~~بغير مشية الله فقد أخرج الله من سلطانه". # وفي الطرائف،: روي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو بن ~~عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم ~~في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري إن أحسن ما انتهى إلي ما سمعت ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أنه قال: "أتظن أن الذي نهاك ~~دهاك؟ وإنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله بريء من ذاك". وكتب إليه عمرو بن ~~عبيد أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) "لو كان الزور في الأصل محتوما لكان المزور في القصاص ~~مظلوما". وكتب إليه واصل بن عطاء أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) "أيدلك على الطريق ويأخذ عليك ~~المضيق؟" وكتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) "كلما استغفرت الله منه فهو منك، ~~وكلما حمدت الله عليه فهو منه" فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال ~~لقد أخذوها من عين صافية وفي الطرائف، أيضا روي: أن رجلا سأل جعفر بن محمد ~~الصادق (عليه السلام) عن القضاء والقدر فقال: "ما استطعت أن تلوم العبد ~~عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله" يقول الله ~~للعبد: لم عصيت، لم فسقت، لم شربت الخمر، لم زنيت؟ فهذا فعل العبد، ولا ~~يقول له لم مرضت، لم قصرت، لم ابيضضت، لم اسوددت؟ لأنه من فعل الله تعالى. # وفي النهج،: سئل (عليه السلام) عن التوحيد والعدل فقال: "التوحيد أن لا ~~تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه". # أقول: والأخبار فيما مر متكاثرة جدا غير أن الذي نقلناه حاو لمعاني ما ~~تركناه ولئن تدبرت فيما تقدم من الأخبار وجدتها مشتملة ms0098 على طرق خاصة عديدة ~~من الاستدلال. PageV01P057 # منها: الاستدلال بنفس الأمر والنهي والعقاب والثواب وأمثالها على تحقق ~~الاختيار من غير جبر ولا تفويض، كما في الخبر المنقول عن أمير المؤمنين علي ~~(عليه السلام) فيما أجاب به الشيخ، وهو قريب المأخذ مما استفدناه من كلامه تعالى. # ومنها: الاستدلال بوقوع أمور في القرآن لا تصدق لو صدق جبر أو تفويض، ~~كقوله تعالى: "لله ملك السموات والأرض"، وقوله: "وما ربك بظلام للعبيد"، ~~وقوله تعالى: "قل إن الله لا يأمر بالفحشاء" الآية، ويمكن أن يناقش فيه بأن ~~الفعل إنما هو فاحشة أو ظلم بالنسبة إلينا وأما إذا نسب إليه تعالى فلا ~~يسمى فاحشة ولا ظلما فلا يقع منه تعالى فاحشة ولا ظلم، ولكن صدر الآية ~~بمدلولها الخاص يدفعها فإنه تعالى يقول: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليه آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء" الآية، فالإشارة ~~بقوله بهذا يوجب أن يكون النفي اللاحق متوجها إليه سواء سمي فحشاء أو لم يسم. # ومنها: الاستدلال من جهة الصفات وهو أن الله تسمى بأسماء حسني واتصف ~~بصفات عليا لا تصدق ولا تصح ثبوتها على تقدير جبر أو تفويض فإنه تعالى قهار ~~قادر كريم رحيم، وهذه صفات لا تستقر معانيها إلا عند ما يكون وجود كل شيء ~~منه تعالى ونقص كل شيء وفساده غير راجع إلى ساحة قدسه كما في الروايات التي ~~نقلناها عن التوحيد. # ومنها: الاستدلال بمثل الاستغفار وعروض اللوم فإن الذنب لو لم يكن من ~~العبد لم يكن معنى لاستغفاره ولو كان الفعل كله من الله لم يكن فرق بين فعل ~~وفعل في عروض اللوم على بعضها وعدم عروضه على بعض آخر. # وهاهنا روايات أخر مروية فيما ينسب إليه سبحانه من معنى الإضلال والطبع ~~والإغواء وغير ذلك. # ففي العيون، عن الرضا (عليه السلام): في قوله تعالى: "وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون" قال (عليه السلام) "إن الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه لكنه متى ~~علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف ms0099 وخلى بينهم ~~وبين اختيارهم". # وفي العيون، أيضا عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: ختم الله على ~~قلوبهم، قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال ~~الله تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وفي المجمع، عن ~~الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: إن الله لا يستحيي الآية، هذا القول ~~من الله رد على من زعم أن الله تبارك وتعالى يضل العباد ثم يعذبهم على ~~ضلالتهم الحديث، أقول: قد مر بيان معناها. ### |||| AUTO بحث فلسفي # لا ريب أن الأمور التي نسميها أنواعا في الخارج هي التي تفعل الأفاعيل ~~النوعية، وهي موضوعاتها، فإنا إنما أثبتنا وجود هذه الأنواع ونوعيتها ~~الممتازة عن غيرها من طريق الآثار والأفاعيل، بأن شاهدنا من طرق الحواس ~~أفاعيل متنوعة وآثارا مختلفة من غير أن تنال الحواس في إحساسها أمرا وراء ~~الآثار العرضية، ثم أثبتنا من طريق القياس والبرهان علة فاعلة لها وموضوعا ~~يقومها ثم حكمنا باختلاف هذه الموضوعات أعني الأنواع لاختلاف الآثار ~~والأفاعيل المشهودة لنا، فالاختلاف المشهود في آثار الإنسان وسائر الأنواع ~~الحيوانية مثلا هو الموجب للحكم بأن هناك أنواعا مختلفة تسمى بكذا وكذا ~~ولها آثار وأفاعيل كذا وكذا، وكذا الاختلافات بين الأعراض والأفاعيل إنما ~~نثبتها ونحكم بها من ناحية موضوعاتها أو خواصها. PageV01P058 # وكيف كان فالأفاعيل بالنسبة إلى موضوعاتها تنقسم بانقسام أولي إلى قسمين: ~~الأول: الفعل الصادر عن الطبيعة من غير دخل للعلم في صدوره كأفعال النشوء ~~والنمو والتغذي للنبات والحركات للأجسام، ومن هذا القبيل الصحة والمرض ~~وأمثال ذلك فإنها وإن كانت معلومة لنا وقائمة بنا إلا أن تعلق العلم بها لا ~~يؤثر في وجودها وصدورها شيئا وإنما هي مستندة تمام الاستناد إلى فاعلها ~~الطبيعي، والثاني: الفعل الصادر عن الفاعل من حيث إنه معلوم تعلق به العلم ~~كما في الأفعال الإرادية للإنسان وسائر ذوات الشعور من الحيوان، فهذا القسم ~~من الفعل إنما يفعله فاعله من حيث تعلق العلم به وتشخيصه وتمييزه، فالعلم ~~فيه إنما يفيد تعيينه وتمييزه من غيره وهذا التمييز ms0100 والتعيين إنما يتحقق من ~~جهة انطباق مفهوم يكون كمالا للفاعل انطباقا بواسطة العلم، فإن الفاعل أي ~~فاعل كان إنما يفعل من الفعل ما يكون مقتضى كماله وتمام وجوده فالفعل ~~الصادر عن العلم إنما يحتاج إلى العلم من جهة أن يتميز عند الفاعل ما هو ~~كمال له عن ما ليس بكمال له. # ومن هنا ما نرى أن الأفعال الصادرة عن الملكات كصدور أصوات الحروف منظمة ~~عن الإنسان المتكلم، وكذا الأفعال الصادرة عنها مع اقتضاء ما ومداخلة من ~~الطبيعة كصدور التنفس عن الإنسان، وكذا الأفعال الصادرة عن الإنسان بغلبة ~~الحزن أو الخوف أو غير ذلك كل ذلك لا يحتاج إلى ترو من الفاعل، إذ ليس هناك ~~إلا صورة علمية واحدة منطبقة على الفعل والفاعل لا حالة منتظرة لفعله، ~~فيفعل البتة، وأما الأفعال التي لها صور علمية متعددة تكون هي من جهة بعضها ~~مصداق كمال الإنسان حقيقة أو تخيلا، ومن جهة بعضها غير مصداق لكماله ~~الحقيقي أو التخيلي كما أن الخبز بالنسبة إلى زيد الجائع كذلك فإنه مشبع ~~رافع لجوعه ويمكن أن يكون مال الغير ويمكن أن يكون مسموما ويمكن أن يكون ~~قذرا يتنفر عنه الطبع، وهكذا والإنسان إنما يتروى فيما يتروى لترجيح أحد ~~هذه العناوين في انطباقه على الخبز مثلا، فإذا تعين أحد العناوين وسقطت ~~بقيتها وصار مصداقا لكمال الفاعل لم يلبث الفاعل في فعله أصلا، والقسم ~~الأول: نسميه فعلا اضطراريا كالتأثيرات الطبيعية. ### # والقسم الثاني: نسميه فعلا إراديا كالمشي والتكلم. # والفعل الإرادي: الصادر عن علم وإرادة ينقسم ثانيا إلى قسمين: فإن ترجيح ~~أحد جانبي الفعل والترك إما مستند إلى نفس الفاعل من غير أن يتأثر عن آخر ~~كالجائع الذي يتروى في أكل خبز موجود عنده حتى رجح أن يبقيه ولا يأكله لأنه ~~كان مال الغير من غير إذن منه في التصرف فانتخب الحفظ واختاره أو رجح الأكل ~~فأكله اختيارا، وإما أن يكون الترجيح والتعيين مستندا إلى تأثير الغير كمن ~~يجبره جبار على فعل بتهديده بقتل أو نحوه ففعله إجبارا من غير أن ms0101 يكون ~~متعينا بانتخابه واختياره والقسم الأول. # يسمى فعلا اختياريا، والثاني فعلا إجباريا هذا، وأنت تجد بجودة التأمل أن ~~الفعل الإجباري وإن أسندناه إلى إجبار المجبر وأنه هو الذي يجعل أحد ~~الطرفين محالا وممتنعا بواسطة الإجبار فلا يبقى للفاعل إلا طرف واحد، لكن ~~الفعل الإجباري أيضا كالاختياري لا يقع إلا بعد ترجيح الفاعل المجبور جانب ~~الفعل على الترك وإن كان الذي يجبره هو المتسبب إلى الفعل بوجه، لكن الفعل ~~ما لم يترجح بنظر الفاعل وإن كان نظره مستندا بوجه إلى إجبار المجبر ~~وتهديده لم يقع، والوجدان الصحيح شاهد على ذلك، ومن هنا يظهر أن تقسيم ~~الأفعال الإرادية إلى اختيارية وجبرية ليس تقسيما حقيقيا ينوع المقسم إلى ~~نوعين مختلفين بحسب الذات والآثار، فإن الفعل الإرادي إنما يحتاج إلى تعيين ~~وترجيح علمي يعين للفاعل مجرى فعله، وهو في الفعل الاختياري والجبري على حد ~~سواء، وأما أن ترجيح الفاعل في أحدهما مستند إلى رسله وفي آخر إلى آخر فلا ~~يوجب اختلافا نوعيا يؤدي إلى اختلاف الآثار. # ألا ترى أن المستظل تحت حائط إذا شاهد أن الحائط يريد أن ينقض، فخرج ~~خائفا عد فعله هذا اختياريا؟ وأما إذا هدده جبار بأنه لو لم يقم لهدم ~~الحائط عليه، فخرج خائفا عد فعله هذا إجباريا من غير فرق بين الفعلين ~~والترجيحين أصلا غير أن أحد الترجيحين مستند إلى إرادة الجبار. PageV01P059 # فإن قلت: كفى فرقا بين الفعلين أن الفعل الاختياري يوافق في صدوره مصلحة ~~عند الفاعل وهو فعل يترتب عليه المدح والذم ويتبعه الثواب والعقاب إلى غير ~~ذلك من الآثار، وهذا بخلاف الفعل الإجباري فإنه لا يترتب عليه شيء من ذلك. # قلت: الأمر على ما ذكر، غير أن هذه الآثار إنما هي بحسب اعتبار العقلاء ~~على ما يوافق الكمال الأخير الاجتماعي، فهي آثار اعتبارية غير حقيقية، فليس ~~البحث عن الجبر والاختيار بحثا فلسفيا لأن البحث الفلسفي إنما ينال ~~الموجودات الخارجية وآثارها العينية، وأما الأمور المنتهية إلى أنحاء ~~الاعتبارات العقلائية، فلا ينالها بحث فلسفي ولا يشملها برهان البتة، وإن ms0102 ~~كانت معتبرة في بابها، مؤثرة أثرها، فالواجب أن نرد البحث المزبور من طريق ~~آخر، فنقول: لا شك أن كل ممكن حادث مفتقر إلى علة، والحكم ثابت من طريق ~~البرهان، ولا شك أيضا أن الشيء ما لم يجب لم يوجد إذ الشيء ما لم يتعين طرف ~~وجوده بمعين كان نسبته إلى الوجود والعدم بالسوية، ولو وجد الشيء وهو كذلك ~~لم يكن مفتقرا إلى علة وهذا خلف، فإذا فرض وجود الشيء كان متصفا بالضرورة ~~ما دام موجودا، وهذه الضرورة إنما اكتسبها من ناحية العلة، فإذا أخذنا دار ~~الوجود بأجمعها كانت كسلسلة مؤلفة من حلقات مترتبة متوالية كلها واجبة ~~الوجود، ولا موقع لأمر ممكن الوجود في هذه السلسلة. # ثم نقول: هذه النسبة الوجوبية إنما تنشأ عن نسبة المعلول إلى علتها ~~التامة البسيطة أو المركبة من أمور كثيرة كالعلل الأربع والشرائط والمعدات ~~وأما إذا نسب المعلول المذكور إلى بعض أجزاء العلة أو إلى شيء آخر لو فرض ~~كانت النسبة نسبة الإمكان بالضرورة، بداهة أنه لو كانت بالضرورة كانت العلة ~~التامة وجودها مستغنى عنه وهي علة تامة هذا خلف، ففي عالمنا الطبيعي ~~نظامان: نظام الضرورة ونظام الإمكان، فنظام الضرورة منبسط على العلل التامة ~~ومعلولاتها ولا يوجد بين أجزاء هذا النظام أمر إمكاني البتة لا ذات ولا فعل ~~ذات، ونظام الإمكان منبسط على المادة والصور التي في قوة المادة التلبس بها ~~والآثار التي يمكنها أن تقبلها، فإذا فرضت فعلا من أفعال الإنسان ~~الاختيارية ونسبتها إلى تمام علتها، وهي الإنسان والعلم والإرادة ووجود ~~المادة القابلة وتحقق الشرائط المكانية والزمانية وارتفاع الموانع، ~~وبالجملة كل ما يحتاج إليه الفعل في وجوده كان الفعل واجبا ضروريا، وإذا ~~نسب إلى الإنسان فقط، ومن المعلوم أنه جزء من أجزاء العلة التامة كانت ~~النسبة بالإمكان. # ثم نقول: سبب الاحتياج والفقر إلى العلة كما بين في محلة كون الوجود وهو ~~مناط الجعل وجودا إمكانيا، أي رابطا بحسب الحقيقة غير مستقل بنفسه، فما لم ~~ينته سلسلة الربط إلى مستقل بالذات لم ينقطع سلسلة الفقر والفاقة. ms0103 # ومن هنا يستنتج أولا: أن المعلول لا ينقطع بواسطة استناده إلى علته عن ~~الاحتياج إلى العلة الواجبة التي إليها تنتهي سلسلة الإمكان. # وثانيا: أن هذا الاحتياج حيث كان من حيث الوجود كان الاحتياج في الوجود ~~مع حفظ جميع خصوصياته الوجودية وارتباطاته بعلله وشرائطه الزمانية ~~والمكانية إلى غير ذلك. PageV01P060 # فقد تبين بهذا أمران: الأول: أن الإنسان كما أنه مستند الوجود إلى الإرادة ~~الإلهية على حد سائر الذوات الطبيعية وأفعالها الطبيعية فكذلك أفعال ~~الإنسان مستندة الوجود إلى الإرادة الإلهية، فما ذكره المعتزلة من كون ~~الأفعال الإنسانية غير مرتبطة الوجود بالله سبحانه وإنكار القدر ساقط من ~~أصله، وهذا الاستناد حيث إنه استناد وجودي فالخصوصيات الوجودية الموجودة في ~~المعلول دخيلة فيه، فكل معلول مستند إلى علته بحده الوجودي الذي له، فكما ~~أن الفرد من الإنسان إنما يستند إلى العلة الأولى بجميع حدوده الوجودية من ~~أب وأم وزمان ومكان وشكل وكم وكيف وعوامل أخر مادية، فكذلك فعل الإنسان ~~إنما يستند إلى العلة الأولى مأخوذا بجميع خصوصياته الوجودية، فهذا الفعل ~~إذا انتسب إلى العلة الأولى والإرادة الواجبة مثلا لا يخرجه ذلك عما هو ~~عليه ولا يوجب بطلان الإرادة الإنسانية مثلا في التأثير، فإن الإرادة ~~الواجبية إنما تعلقت بالفعل الصادر من الإنسان عن إرادة واختيار، فلو كان ~~هذا الفعل حين التحقق غير إرادي وغير اختياري لزم تخلف إرادته تعالى عن ~~مراده وهو محال، فما ذهب إليه المجبرة من الأشاعرة من أن تعلق الإرادة ~~الإلهية بالأفعال الإرادية يوجب بطلان تأثير الإرادة والاختيار فاسد جدا، ~~فالحق الحقيق بالتصديق أن الأفعال الإنسانية لها نسبة إلى الفاعل ونسبة إلى ~~الواجب وإحدى النسبتين لا توجب بطلان الأخرى لكونهما طوليتين لا عرضيتين. # الثاني: أن الأفعال كما أن لها استنادا إلى عللها التامة وقد عرفت أن هذه ~~النسبة ضرورية وجوبية كسائر الموجودات المنسوبة إلى عللها التامة بالوجوب ~~كذلك لها استنادا إلى بعض أجزاء عللها التامة كالإنسان مثلا، وقد عرفت أن ~~هذه النسبة بالإمكان فكون فعل من الأفعال ضروري الوجود بملاحظة علته التامة ~~الضرورية لا ms0104 يوجب عدم كون هذا الفعل ممكنا بنظر آخر، إذ النسبتان ثابتتان ~~وهما غير متنافيتين كما مر فما ذكره جمع من الماديين من فلاسفة العصر ~~الحاضر من شمول الجبر لنظام الطبيعة وإنكار الاختيار باطل جدا بل الحق أن ~~الحوادث بالنسبة إلى عللها التامة واجبة الوجود بالنسبة إلى موادها وأجزاء ~~عللها ممكنة الوجود، وهذا هو الملاك في أعمال الإنسان وأفعاله فبناؤه في ~~جميع مواقف عمله على أساس الرجاء والتربية والتعليم ونحو ذلك، ولا معنى ~~لابتناء الواجبات والضروريات على التربية والتعليم، ولا الركون إلى الرجاء ~~فيها وهو ظاهر. PageV01P061 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 28 - 29 # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ~~(28) هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سموت وهو بكل شىء عليم (29) ### |||| AUTO بيان # رجوع ثان إلى ما في بدء الكلام فإنه تعالى بعد ما بين في أول السورة ما ~~بين أوضحه بنحو التلخيص بقوله: يا أيها الناس اعبدوا ربكم إلى بضع آيات، ثم ~~رجع إليه ثانيا وأوضحه بنحو البسط والتفصيل بقوله: كيف تكفرون إلى اثنتي ~~عشرة آية، ببيان حقيقة الإنسان وما أودعه الله تعالى فيه من ذخائر الكمال ~~وما تسعه دائرة وجوده وما يقطعه هذا الموجود في مسير وجوده من منازل موت ~~وحياة ثم موت ثم حياة ثم رجوع إلى الله سبحانه وإن إلى ربك المنتهى وفيه ~~ذكر جمل ما خص الله تعالى به الإنسان من مواهب التكوين والتشريع، أنه كان ~~ميتا فأحياه، ثم لا يزال يميته ويحييه حتى يرجعه إليه، وقد خلق له ما في ~~الأرض وسخر له السماوات وجعله خليفته في الأرض وأسجد له ملائكته وأسكن أباه ~~الجنة وفتح له باب التوبة وأكرمه بعبادته وهدايته، وهذا هو المناسب لسياق ~~قوله: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم إلخ، فإن السياق سياق العتبى ~~والامتنان. # قوله تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا. # الآية قريبة السياق من قوله تعالى: "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ms0105 من سبيل:" المؤمن - 11، وهذه من ~~الآيات التي يستدل بها على وجود البرزخ بين الدنيا والآخرة، فإنها تشتمل ~~على إماتتين، فلو كان إحداهما الموت الناقل من الدنيا لم يكن بد في تصوير ~~الإماتة الثانية من فرض حياة بين الموتين وهو البرزخ، وهو استدلال تام ~~اعتني به في بعض الروايات أيضا، وربما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أن الآيتين ~~أعني قوله: كيف تكفرون الآية، وقوله: قالوا ربنا الآية، متحدتا السياق، وقد ~~اشتملتا على موتين وحياتين، فمدلولهما واحد، والآية الأولى ظاهرة في أن ~~الموت الأول هو حال الإنسان قبل ولوج الروح في الحياة الدنيا، فالموت ~~والحياة الأوليان هما الموت قبل الحياة الدنيا والحياة الدنيا، والموت ~~والحياة الثانيتان هما الموت عن الدنيا والحياة يوم البعث، والمراد ~~بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الأولى، فلا معنى لدلالتها على ~~البرزخ، وهو خطأ فإن الآيتين مختلفتان سياقا إذ المأخوذ في الآية الأولى ~~موت واحد وإماتة واحدة وإحيائان، وفي الآية الثانية إماتتان وإحيائان، ومن ~~المعلوم أن الإماتة لا يتحقق لها مصداق من دون سابقة حياة بخلاف الموت، ~~فالموت الأول في الآية الأولى غير الإماتة الأولى في الآية الثانية، فلا ~~محالة في قوله تعالى، أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، الإماتة الأولى هي ~~التي بعد الدنيا والإحياء الأول بعدها للبرزخ والإماتة والإحياء الثانيتان ~~للآخرة يوم البعث، وفي قوله تعالى. # وكنتم أمواتا فأحياكم إنما يريد الموت قبل الحياة وهو موت وليس بإماتة ~~والحياة هي الحياة الدنيا، وفي قوله تعالى: ثم إليه ترجعون حيث فصل بين ~~الإحياء والرجوع بلفظ ثم تأييد لما ذكرنا هذا. # قوله تعالى: وكنتم أمواتا، بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود ~~متحول متكامل يسير في مسير وجوده المتبدل المتغير تدريجا ويقطعه مرحلة ~~مرحلة، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحياة الدنيا ميتا ثم حيي بإحياء ~~الله ثم يتحول بإماتة وإحياء وهكذا وقد قال سبحانه: "وبدأ خلق الإنسان من ~~طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه:" السجدة - ~~9، وقال تعالى: "ثم ms0106 أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين:" المؤمنون ~~- 14، وقال تعالى، "وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد، بل هم ~~بلقاء ربهم كافرون. قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم:" السجدة - 11، وقال تعالى. # "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى:" طه - 55. PageV01P062 # والآيات كما ترى وسنزيدها توضيحا في محالها تدل على أن الإنسان جزء من ~~الأرض غير مفارقها ولا مباين معها، انفصل منها ثم شرع في التطور بأطواره ~~حتى بلغ مرحلة أنشىء فيها خلقا آخر، فهو المتحول خلقا آخر والمتكامل بهذا ~~الكمال الجديد الحديث، ثم يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ ~~يستوفيه ثم يرجع إلى الله سبحانه، فهذا صراط وجود الإنسان. # ثم إن الإنسان صاغه التقدير صوغا يرتبط به مع سائر الموجودات الأرضية ~~والسماوية من بسائط العناصر وقواها المنبجسة منها ومركباتها من حيوان ونبات ~~ومعدن وغير ذلك من ماء أو هواء وما يشاكلها، وكل موجود من الموجودات ~~الطبيعية كذلك، أي إنه مفطور على الارتباط مع غيره ليفعل وينفعل ويستبقي به ~~موهبة وجوده غير أن نطاق عمل الإنسان ومجال سعيه أوسع كيف؟ وهذا الموجود ~~الأعزل على أنه يخالط الموجودات الآخر الطبيعية بالقرب والبعد والاجتماع ~~والافتراق بالتصرفات البسيطة لغاية مقاصده البسيطة في حياته، فهو من جهة - ~~تجهيزه بالإدراك والفكر يختص بتصرفات خارجة عن طوق سائر الموجودات بالتفصيل ~~والتركيب والإفساد والإصلاح، فما من موجود إلا وهو في تصرف الإنسان، فزمانا ~~يحاكي الطبيعة بالصناعة فيما لا يناله من الطبيعة وزمانا يقاوم الطبيعة ~~بالطبيعة، وبالجملة فهو مستفيد لكل غرض من كل شيء، ولا يزال مرور الدهور ~~على هذا النوع العجيب يؤيده في تكثير تصرفاته وتعميق أنظاره ليحق الله الحق ~~بكلماته، وليصدق قوله: "سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه": ~~الجاثية - 13، وقوله: "ثم استوى إلى السماء": البقرة - 29. # وكون الكلام واقعا موقع بيان النعم لتمام الامتنان يعطي أن يكون الاستواء ~~إلى السماء لأجل الإنسان فيكون تسويتها سبعا أيضا لأجله، وعليك بزيادة ~~التدبر فيه. # فذاك الذي ذكرناه من صراط الإنسان في ms0107 مسير وجوده، وهذا الذي ذكرناه من ~~شعاع عمله في تصرفاته في عالم الكون هو الذي يذكره سبحانه من العالم ~~الإنساني ومن أين يبتدي وإلى أين ينتهي. # غير أن القرآن كما يعد مبدأ حياته الدنيوية آخذة في الشروع من الطبيعة ~~الكونية ومرتبطة بها أحيانا كذلك يربطها بالرب تعالى وتقدس، فقال تعالى: ~~"وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا": مريم - 8، وقال تعالى: "إنه هو يبدىء ~~ويعيد": البروج - 13، فالإنسان وهو مخلوق مربى في مهد التكوين مرتضع من ثدي ~~الصنع والإيجاد متطور بأطوار الوجود يرتبط سلوكه بالطبيعة الميتة، كما أنه ~~من جهة الفطر والإبداع مرتبط متعلق بأمر الله وملكوته، قال تعالى: "إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس - 82، وقال تعالى: "إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون": النحل - 40، فهذا من جهة ~~البدء وأما من جهة العود والرجوع فيعد صراط الإنسان متشعبا إلى طريقين طريق ~~السعادة وطريق الشقاوة، فأما طريق السعادة فهو أقرب الطرق يأخذ في الانتهاء ~~إلى الرفيع الأعلى ولا يزال يصعد الإنسان ويرفعه حتى ينتهي به إلى ربه، ~~وأما طريق الشقاوة فهو طريق بعيد يأخذ في الانتهاء إلى أسفل السافلين حتى ~~ينتهي إلى رب العالمين، والله من ورائهم محيط، وقد مر بيان ذلك في ذيل قوله ~~تعالى: اهدنا الصراط المستقيم من سورة الفاتحة. # فهذا إجمال القول في صراط الإنسان، وأما تفصيل القول في حياته قبل الدنيا ~~وفيها وبعد الدنيا فسيأتي كل في محله، غير أن كلامه تعالى إنما يتعرض لذلك ~~من جهة ارتباطه بالهداية والضلال والسعادة والشقاء، ويطوي البحث عما دون ~~ذلك إلا بمقدار يماس غرض القرآن المذكور. # وقوله تعالى: فسويهن سبع سموات، سيأتي الكلام في السماء في سورة حم ~~السجدة إن شاء الله تعالى. PageV01P063 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 30 - 33 # وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون ~~(30) وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على ms0108 الملئكة فقال أنبئونى بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صدقين (31) قالوا سبحنك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم (32) قال يئادم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ~~ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموت والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) ### |||| AUTO بيان # الآيات تنبىء عن غرض إنزال الإنسان إلى الدنيا وحقيقة جعل الخلافة في ~~الأرض وما هو آثارها وخواصها، وهي على خلاف سائر قصصه لم يقع في القرآن إلا ~~في محل واحد وهو هذا المحل. # قوله تعالى: وإذ قال ربك إلخ، سيأتي الكلام في معنى القول منه تعالى وكذا ~~القول من الملائكة والشيطان إن شاء الله. # قوله تعالى: "قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، إلى قوله. ~~ونقدس لك. # مشعر بأنهم إنما فهموا وقوع الإفساد وسفك الدماء من قوله سبحانه. إني ~~جاعل في الأرض خليفة، حيث إن الموجود الأرضي بما أنه مادي مركب من القوى ~~الغضبية والشهوية، والدار دار التزاحم، محدودة الجهات، وافرة المزاحمات، ~~مركباتها في معرض الانحلال، وانتظاماتها وإصلاحاتها في مظنة الفساد ومصب ~~البطلان، لا تتم الحياة فيها إلا بالحياة النوعية، ولا يكمل البقاء فيها ~~إلا بالاجتماع والتعاون، فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء، ففهموا من هناك ~~أن الخلافة المرادة لا تقع في الأرض إلا بكثرة من الأفراد ونظام اجتماعي ~~بينهم يفضي بالآخرة إلى الفساد والسفك، و- الخلافة - وهي قيام شيء مقام آخر ~~لا تتم إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شئونه الوجودية وآثاره ~~وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجوده مسمى بالأسماء ~~الحسنى متصف بالصفات العليا، من أوصاف الجمال والجلال، منزه في نفسه عن ~~النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته، والخليفة الأرضي بما هو ~~كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود ~~الإلهي المقدس المنزه عن جميع النقائص وكل الأعدام، فأين التراب ورب ~~الأرباب، وهذا الكلام من الملائكة في مقام تعرف ما جهلوه واستيضاح ما أشكل ~~عليهم من أمر هذا الخليفة، وليس من الاعتراض والخصومة في ms0109 شيء، والدليل على ~~ذلك قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم: إنك أنت العليم الحكيم حيث صدر ~~الجملة بإن التعليلية المشعرة بتسلم مدخولها فافهم، فملخص قولهم يعود إلى ~~أن جعل الخلافة إنما هو لأجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده ~~وتقديسه له بوجوده، والأرضية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر، ~~والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس بالمعنى الذي مر من الحكاية ~~حاصلة بتسبيحنا بحمدك وتقديسنا لك، فنحن خلفاؤك أو فاجعلنا خلفاء لك، فما ~~فائدة جعل هذه الخلافة الأرضية لك؟ فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: إني ~~أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها. # وهذا السياق: يشعر أولا: بأن الخلافة المذكورة إنما كانت خلافة الله ~~تعالى، لا خلافة نوع من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإنسان ~~وانقرضوا ثم أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإنسان كما احتمله بعض المفسرين، ~~وذلك لأن الجواب الذي أجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ~~ذلك، وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم (عليه السلام) بل بنوه ~~يشاركونه فيها من غير اختصاص، ويكون معنى تعليم الأسماء إيداع هذا العلم في ~~الإنسان بحيث يظهر منه آثاره تدريجا دائما ولو اهتدى إلى السبيل أمكنه أن ~~يخرجه من القوة إلى الفعل، ويؤيد عموم الخلافة قوله تعالى "إذ جعلكم خلفاء ~~من بعد قوم نوح": الأعراف - 69، ووقوله تعالى "ثم جعلناكم خلائف في الأرض": ~~يونس - 14، وقوله تعالى "ويجعلكم خلفاء الأرض": النمل - 62. PageV01P064 # وثانيا: إنه سبحانه لم ينف عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء، ولا كذب ~~الملائكة في دعويهم التسبيح والتقديس، وقررهم على ما ادعوا، بل إنما أبدى ~~شيئا آخر وهو أن هناك أمرا لا يقدر الملائكة على حمله ولا تتحمله ويتحمله ~~هذا الخليفة الأرضي فإنه يحكي عن الله سبحانه أمرا ويتحمل منه سرا ليس في ~~وسع الملائكة، ولا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد وسفك الدماء، وقد بدل ~~سبحانه قوله: قال إني أعلم ما لا تعلمون ثانيا بقوله: ألم أقل لكم إني أعلم ~~غيب السموات والأرض، ms0110 والمراد بهذا الغيب هو الأسماء لا علم آدم بها فإن ~~الملائكة ما كانت تعلم أن هناك أسماء لا يعلمونها، لا أنهم كانوا يعلمون ~~وجود أسماء كذلك ويجهلون من آدم أنه يعلمها، وإلا لما كان لسؤاله تعالى ~~إياهم عن الأسماء وجه وهو ظاهر بل كان حق المقام أن يقتصر بقوله: قال يا ~~آدم أنبئهم بأسمائهم حتى يتبين لهم أن آدم يعلمها لا أن يسأل الملائكة عن ~~ذلك، فإن هذا السياق يعطي أنهم ادعوا الخلافة وأذعنوا انتفاءها عن آدم وكان ~~اللازم أن يعلم الخليفة بالأسماء فسألهم عن الأسماء فجهلوها وعلمها آدم، ~~فثبت بذلك لياقته لها وانتفاؤها عنهم، وقد ذيل سبحانه السؤال بقوله: إن ~~كنتم صادقين، وهو مشعر بأنهم كانوا ادعوا شيئا كان لازمه العلم بالأسماء. # وقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم، مشعر بأن هذه الأسماء أو ~~أن مسمياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب وأن العلم ~~بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلا كانت الملائكة ~~بإنباء آدم إياهم بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه، ولم يكن في ذلك ~~إكرام لآدم ولا كرامة حيث علمه الله سبحانه أسماء ولم يعلمهم، ولو علمهم ~~إياها كانوا مثل آدم أو أشرف منه، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم، ~~وأي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلا علم اللغة ثم يباهي به ويتم الحجة ~~على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي ~~وقابل لكرامتي دونكم؟ ويقول تعالى أنبئوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون ~~بينهم للإفهام والتفهيم إن كنتم صادقين في دعويكم أو مسألتكم خلافتي، على ~~أن كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها إلى ~~التكلم، وإنما تتلقى المقاصد من غير واسطة، فلهم كمال فوق كمال التكلم، ~~وبالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ~~ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى فأحد الأمرين كان ~~ممكنا في حق الملائكة وفي مقدرتهم ms0111 دون الآخر، وآدم إنما استحق الخلافة ~~الإلهية بالعلم بالأسماء دون إنبائها إذ الملائكة إنما قالوا في مقام ~~الجواب: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، فنفوا العلم. # فقد ظهر مما مر أن العلم بأسماء هؤلاء المسميات يجب أن يكون بحيث يكشف عن ~~حقائقهم وأعيان وجوداتهم، دون مجرد ما يتكفله الوضع اللغوي من إعطاء ~~المفهوم فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية، ووجودات عينيه وهي مع ذلك ~~مستورة تحت ستر الغيب غيب السماوات والأرض، والعلم بها على ما هي عليها كان ~~أولا ميسورا ممكنا لموجود أرضي لا ملك سماوي وثانيا دخيلا في الخلافة ~~الإلهية. # والأسماء في قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها، جمع محلى باللام وهو ~~يفيد العموم على ما صرحوا به، مضافا إلى أنه مؤكد بقوله: كلها، فالمراد بها ~~كل اسم يقع لمسمى ولا تقييد ولا عهد، ثم قوله: عرضهم، دال على كون كل اسم ~~أي مسماه ذا حياة وعلم وهو مع ذلك تحت حجاب الغيب، غيب السموات والأرض. PageV01P065 # وإضافة الغيب إلى السماوات والأرض وإن أمكن أن يكون في بعض الموارد إضافة ~~من، فيفيد التبعيض لكن المورد وهو مقام إظهار تمام قدرته تعالى وإحاطته ~~وعجز الملائكة ونقصهم يوجب كون إضافة الغيب إلى السماوات والأرض إضافة ~~اللام، فيفيد أن الأسماء أمور غائبة عن العالم السماوي والأرضي، خارج محيط ~~الكون، وإذا تأملت هذه الجهات أعني عموم الأسماء وكون مسمياتها أولي حياة ~~وعلم وكونها غيب السماوات والأرض قضيت بانطباقها بالضرورة على ما أشير إليه ~~في قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم":، ~~الحجر - 21، حيث أخبر سبحانه بأنه كل ما، يقع عليه اسم شيء فله عنده تعالى ~~خزائن مخزونة باقية عنده غير نافدة، ولا مقدرة بقدر، ولا محدودة بحد، وأن ~~القدر والحد في مرتبة الإنزال والخلق، وأن الكثرة التي في هذه الخزائن ليست ~~من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدد المراتب ~~والدرجات، وسيجيء بعض الكلام فيها في سورة الحجر إن شاء الله تعالى. # فتحصل أن هؤلاء الذين عرضهم ms0112 الله تعالى على الملائكة موجودات عالية ~~محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كل اسم في ~~العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها، ~~وأنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد، ولا يتفاوتون تفاوت ~~الأشخاص، وإنما يدور الأمر هناك مدار المراتب والدرجات ونزول الاسم من عند ~~هؤلاء إنما هو بهذا القسم من النزول. # وقوله تعالى: وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وكان هذان القسمان من الغيب ~~النسبي الذي هو بعض السماوات والأرض، ولذلك قوبل به قوله: أعلم غيب السموات ~~والأرض، ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الأرضي والسماوي وغير ~~الخارج عنه. ### # وقوله تعالى: كنتم تكتمون، تقييد الكتمان بقوله: كنتم، مشعر بأن هناك ~~أمرا مكتوما في خصوص آدم وجعل خلافته، ويمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى ~~في الآية التالية: "فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين". # فيظهر أن إبليس كان كافرا قبل ذلك الحين، وأن إباءه عن السجدة كان مرتبطا ~~بذلك فقد كان أضمره هذا. # ويظهر بذلك أن سجدة الملائكة وإباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله ~~تعالى: قال إني أعلم ما لا تعلمون وبين قوله: أعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون، ويظهر السر أيضا في تبديل قوله: إني أعلم ما لا تعلمون، ثانيا ~~بقوله: إني أعلم غيب السموات والأرض. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام)، قال: ما علم الملائكة ~~بقولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، لو لا أنهم قد كانوا رأوا ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء أقول: يمكن أن يشير بها إلى دورة في الأرض سابقة ~~على دورة بني آدم هذه كما وردت فيه الأخبار ولا ينافي ذلك ما مر أن ~~الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة، بل لا يتم ~~الخبر بدون ذلك، وإلا كان هذا القول قياسا من الملائكة مذموما كقياس إبليس. PageV01P066 # وفي تفسير العياشي، أيضا عنه (عليه السلام) قال زرارة: دخلت على أبي جعفر ~~(عليه السلام) ms0113 فقال: أي شيء عندك من أحاديث الشيعة فقلت: إن عندي منها شيئا ~~كثيرا فقد هممت أن أوقد لها نارا فأحرقها فقال (عليه السلام): وارها تنس ما ~~أنكرت منها فخطر على بالي الآدميون فقال: ما كان علم الملائكة حيث قالوا: ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال وكان يقول أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إذا حدث بهذا الحديث هو كسر على القدرية، ثم قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): إن آدم (عليه السلام) كان له في السماء خليل من الملائكة، ~~فلما هبط آدم من السماء إلى الأرض استوحش الملك وشكى إلى الله تعالى وسأله ~~أن يأذن له، فأذن له فهبط عليه فوجده قاعدا في قفرة من الأرض، فلما رآه آدم ~~وضع يده على رأسه وصاح صيحة، قال أبو عبد الله (عليه السلام): يروون أنه ~~أسمع عامة الخلق فقال له الملك: يا آدم ما أراك إلا وقد عصيت ربك وحملت على ~~نفسك ما لا تطيق، أتدري ما قال لنا الله فيك فرددنا عليه؟ قال: لا، قال: ~~قال: إني جاعل في الأرض خليفة، قلنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ~~فهو خلقك أن تكون في الأرض أيستقيم أن تكون في السماء؟ قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام) والله عزى بها آدم ثلاثا. # أقول: ويستفاد من الرواية أن جنة آدم كانت في السماء وسيجيء فيه روايات ~~أخر أيضا. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن أبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~قال: سألته عن قول الله: وعلم آدم الأسماء كلها، ما ذا علمه؟ قال الأرضين ~~والجبال والشعاب والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته، فقال: وهذا البساط مما علمه. # وفي التفسير، أيضا عن الفضيل بن العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال سألته عن قول الله: وعلم آدم الأسماء كلها ما هي؟ قال: أسماء الأودية ~~والنبات والشجر والجبال من الأرض. # وفي التفسير، أيضا عن داود بن سرحان العطار، قال: كنت عند أبي عبد الله ~~(عليه السلام) فدعا بالخوان فتغذينا ثم دعا بالطست ms0114 والدست سنانه فقلت: جعلت ~~فداك، قوله: وعلم آدم الأسماء كلها، الطست والدست سنانه منه فقال: (عليه ~~السلام) الفجاج والأودية وأهوى بيده كذا وكذا. # وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام): إن الله عز وجل علم آدم أسماء ~~حججه كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم فقالوا: ~~سبحانك لا علم لنا - إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال الله تبارك ~~وتعالى: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم وقفوا على عظيم ~~منزلتهم عند الله عز ذكره، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه ~~وحججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم، وقال ~~لهم: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض - وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون. # أقول: وبالرجوع إلى ما مر من البيان تعرف معنى هذه الروايات وأن لا ~~منافاة بين هذه وما تقدمها، إذ قد تقدم أن قوله تعالى: وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه تعطي أنه ما من شيء إلا وله في خزائن الغيب وجود، وإن هذه ~~الأشياء التي قبلنا إنما وجدت بالنزول من هناك، وكل اسم وضع بحيال مسمى من ~~هذه المسميات فهي اسم لما في خزائن الغيب، فسواء قيل: إن الله علم آدم ما ~~في خزائن غيبه من الأشياء وهي غيب السماوات والأرض، أو قيل: إنه علم آدم ~~أسماء كل شيء وهي غيب السماوات والأرض كان المؤدى والنتيجة واحدا وهو ظاهر. PageV01P067 # ويناسب المقام عدة من أخبار الطينة كما رواه في البحار، عن جابر بن عبد ~~الله قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أول شيء خلق الله ما ~~هو؟ فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير، ثم أقامه بين يديه ~~في مقام القرب ما شاء الله، ثم جعله أقساما، فخلق العرش من قسم، والكرسي من ~~قسم، وحملة العرش وسكنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما ms0115 ~~شاء الله، ثم جعله أقساما، فخلق القلم من قسم، واللوح من قسم، والجنة من ~~قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله، ثم جعله أجزاء فخلق ~~الملائكة من جزء، والشمس من جزء والقمر من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام ~~الرجاء ما شاء الله، ثم جعله أجزاء، فخلق العقل من جزء والعلم والحلم من ~~جزء، والعصمة والتوفيق من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء ~~الله، ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة ~~وعشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح ~~الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين. # أقول: والأخبار في هذه المعاني كثيرة، متظافرة، وأنت إذا أجلت نظرة ~~التأمل والإمعان فيها وجدتها شواهد على ما قدمناه، وسيجيء شطر من الكلام في بعضها. # وإياك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ~~ومنابع الحكمة بأنها من اختلاقات المتصوفة وأوهامهم فللخلقة أسرار، وهو ذا ~~العلماء من طبقات أقوام الإنسان لا يألون جهدا في البحث عن أسرار الطبيعة، ~~منذ أخذ البشر في الانتشار، وكلما لاح لهم معلوم واحد بأن لهم مجاهيل ~~كثيرة، وهي عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسها فما ظنك بما وراءها، وهي ~~عوالم النور والسعة. PageV01P068 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 34 # وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكفرين (34) ### |||| AUTO بيان # قد عرفت أن قوله تعالى: وما كنتم تكتمون، فيه دلالة على وقوع أمر مكتوم ~~ظاهر بعد أن كان مكتوما، ولا يخلو ذلك عن مناسبة مع قوله: أبى واستكبر وكان ~~من الكافرين حيث لم يعبر أبى واستكبر وكفر، وعرفت أيضا أن قصة السجدة ~~كالواقعة أو هي واقعة بين قوله تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون، وقوله: وأعلم ~~ما تبدون وما كنتم تكتمون، فقوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ~~كالجملة المستخرجة من بين الجمل ليتخلص بها إلى قصة الجنة، فإن هذه الآيات ~~كما عرفت إنما سيقت لبيان ms0116 كيفية خلافة الإنسان وموقعه وكيفية نزوله إلى ~~الدنيا وما يئول إليه أمره من سعادة وشقاء، فلا يهم من قصة السجدة هاهنا ~~إلا إجمالها المؤدي إلى قصة الجنة وهبوط آدم هذا، فهذا هو الوجه في الإضراب ~~عن الإطناب إلى الإيجاز، ولعل هذا هو السر أيضا في الالتفات من الغيبة إلى ~~التكلم في قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا، بعد قوله: وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل. # وعلى ما مر فنسبة الكتمان إلى الملائكة وهو فعل إبليس بناء على الجري على ~~الدأب الكلامي من نسبة فعل الواحد إلى الجماعة إذا اختلط بهم ولم يتميز ~~منهم، ويمكن أن يكون له وجه آخر، وهو أن يكون ظاهر قوله تعالى: إني جاعل في ~~الأرض خليفة، إطلاق الخلافة حتى على الملائكة كما يؤيده أيضا أمرهم ثانيا ~~بالسجود، ويوجب ذلك خطورا في قلوب الملائكة، حيث إنها ما كانت تظن أن ~~موجودا أرضيا يمكن أن يسود على كل شيء حتى عليهم، ويدل على هذا المعنى بعض ~~الروايات كما سيأتي. # وقوله تعالى: اسجدوا لآدم، يستفاد منه جواز السجود لغير الله في الجملة ~~إذا كان تحية وتكرمة للغير وفيه خضوع لله تعالى بموافقة أمره، ونظيره قوله ~~تعالى في قصة يوسف (عليه السلام) "ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا قال: ~~يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا": يوسف - 100، وملخص القول ~~في ذلك أنك قد عرفت في سورة الفاتحة أن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام ~~العبودية وإتيان ما يثبت ويستثبت به ذلك فالفعل العبادي يجب أن يكون فيه ~~صلاحية إظهار مولوية المولى أو، عبدية العبد كالسجود والركوع والقيام أمامه ~~حينما يقعد، والمشي خلفه حينما يمشي وغير ذلك، وكلما زادت الصلاحية ~~المزبورة ازدادت العبادة تعينا للعبودية، وأوضح الأفعال في الدلالة على عز ~~المولوية وذل العبودية السجدة، لما فيها من الخرور على الأرض، ووضع الجبهة ~~عليها، وأما ما ربما ظنه بعض: من أن السجدة عبادة ذاتية، فليس بشيء، فإن ~~الذاتي لا يختلف. # ولا يتخلف وهذا الفعل يمكن ms0117 أن يصدر بعينه من فاعله بداع غير داع التعظيم ~~والعبادة كالسخرية والاستهزاء فلا يكون عبادة مع اشتماله على جميع ما يشتمل ~~عليه وهو عبادة نعم معنى العبادة أوضح في السجدة من غيرها، وإذا لم يكن ~~عبادة ذاتية لم يكن لذاته مختصا بالله سبحانه، بناء على أن المعبود منحصر ~~فيه تعالى، فلو كان هناك مانع لكان من جهة النهي الشرعي أو العقلي والممنوع ~~شرعا أو عقلا ليس إلا إعطاء الربوبية لغيره تعالى، وأما تحية الغير أو ~~تكرمته من غير إعطاء الربوبية، بل لمجرد التعارف والتحية فحسب، فلا دليل ~~على المنع من ذلك، لكن الذوق الديني المتخذ من الاستيناس بظواهره يقضي ~~باختصاص هذا الفعل به تعالى، والمنع عن استعماله في غير مورده تعالى، وإن ~~لم يقصد به إلا التحية والتكرمة فقط، وأما المنع عن كل ما فيه إظهار ~~الإخلاص لله، بإبراز المحبة لصالحي عباده أو لقبور أوليائه أو آثارهم فمما ~~لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي أصلا، وسنعود إلى البحث عن هذا الموضوع في ~~محل يناسبه إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما أن خلق الله ~~آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له فقالت الملائكة في أنفسها: ما كنا نظن أن ~~الله خلق خلقا أكرم عليه منا فنحن جيرانه ونحن أقرب الخلق إليه. فقال الله: ~~ألم أقل لكم إني أعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، فيما أبدوا من أمر بني ~~الجان وكتموا ما في أنفسهم، فلاذت الملائكة الذين قالوا ما قالوا بالعرش. PageV01P069 # وفي التفسير، أيضا عن علي بن الحسين (عليهما السلام): ما في معناه وفيه: ~~فلما عرفت الملائكة أنها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش، وأنها كانت عصابة من ~~الملائكة وهم الذين كانوا حول العرش، لم يكن جميع الملائكة إلى أن قال: فهم ~~يلوذون حول العرش إلى يوم القيامة. # أقول: يمكن أن يستفاد مضمون الروايتين من قوله حكاية عن الملائكة: ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك إلى قوله: سبحانك لا علم لنا إلا ms0118 ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم. # وسيجيء أن العرش هو العلم، وبذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) فافهم ذلك، وعلى هذا كان المراد من قوله تعالى: وكان من الكافرين، ~~قوم إبليس من الجان المخلوقين قبل الإنسان. # قال تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون والجان خلقناه من ~~قبل من نار السموم": الحجر - 27، وعلى هذه الرواية فنسبة الكتمان إلى جميع ~~الملائكة لا تحتاج إلى عناية زائدة، بل هي على حقيقته، فإن المعنى المكتوم ~~خطر على قلوب جميع الملائكة، ولا منافاة بين هذه الرواية وما تفيد أن ~~المكتوم هو ما كان يكتمه إبليس من الإباء عن الخضوع لآدم، والاستكبار لو ~~دعي إلى السجود، لجواز استفادة الجميع كما هو كذلك. # وفي قصص الأنبياء، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ~~سجدت الملائكة ووضعوا أجباههم على الأرض؟ قال: نعم تكرمة من الله تعالى. # وفي تحف العقول، قال: إن السجود من الملائكة لآدم إنما كان ذلك طاعة لله ~~ومحبة منهم لآدم. # وفي الاحتجاج، عن موسى بن جعفر عن آبائه: أن يهوديا سأل أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عن معجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابلة معجزات ~~الأنبياء، فقال: هذا آدم أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد شيئا من هذا؟ ~~فقال علي: لقد كان ذلك، ولكن أسجد الله لآدم ملائكته، فإن سجودهم لم يكن ~~سجود طاعة أنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن اعترافا لآدم بالفضيلة ~~ورحمة من الله له ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطي ما هو أفضل من هذا، ~~إن الله جل وعلا صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنون ~~بالصلاة عليه فهذه زيادة له يا يهودي. # وفي تفسير القمي،: خلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصورا، وكان يمر به ~~إبليس اللعين فيقول: لأمر ما خلقت؟ فقال: العالم" فقال إبليس: لئن أمرني ~~الله بالسجود لهذا لعصيته" إلى أن قال: ثم قال الله تعالى للملائكة: اسجدوا ~~لآدم فسجدوا فأخرج إبليس ما ms0119 كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد. # وفي البحار، عن قصص الأنبياء، عن الصادق (عليه السلام) قال: أمر إبليس ~~بالسجود لآدم فقال: يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنك عبادة ~~ما عبدك أحد قط مثلها، قال الله جل جلاله: إني أحب أن أطاع من حيث أريد ~~وقال: إن إبليس رن أربع رنات: أولهن يوم لعن، ويوم أهبط إلى الأرض، ويوم ~~بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على فترة من الرسل، وحين أنزلت أم ~~الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، وحين أهبط من الجنة، وقال في ~~قوله تعالى: فبدت لهما سوآتهما، وكانت سوآتهما لا ترى فصارت ترى بارزة، ~~وقال الشجرة التي نهي عنها آدم هي السنبلة. # أقول: وفي الروايات - وهي كثيرة - تأييد ما ذكرناه في السجدة. PageV01P070 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 35 - 39 # وقلنا يئادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظلمين (35) فأزلهما الشيطن عنها فأخرجهما مما كانا ~~فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتع إلى حين (36) ~~فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا ~~منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(38) والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب النار هم فيها خلدون (39) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: قلنا يا آدم اسكن، على أن قصة سجود الملائكة لآدم تكررت في ~~عدة مواضع من القرآن الكريم. # لم يقع قصة الجنة إلا في ثلاث مواضع: أحدها: هاهنا من سورة البقرة. # الثاني: في سورة الأعراف. # قال الله تعالى: "ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ~~ما ووري عنهما وقال: ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين. فدليهما بغرور فلما ~~ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما ms0120 من ورق الجنة وناديهما ~~ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين. ~~قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. قال: ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال: فيها تحيون ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون": الآيات 19، 25. # والثالث: في سورة طه. # قال الله تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما. وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. فقلنا يا آدم إن هذا عدو ~~لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ~~وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان فقال: يا آدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد وملك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان ~~عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. ~~قال: اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى. قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال: كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى". # الآيات. # وسياق الآيات وخاصة قوله تعالى في صدر القصة: إني جاعل في الأرض خليفة ~~يعطي أن آدم (عليه السلام) إنما خلق ليحيا في الأرض ويموت فيها وإنما ~~أسكنهما الله الجنة لاختبارهما ولتبدو لهما سوآتهما حتى يهبطا إلى الأرض، ~~وكذا سياق قوله تعالى في سورة طه: فقلنا يا آدم، وفي سورة الأعراف: ويا آدم ~~اسكن حيث سبك قصة الجنة مع قصة إسجاد الملائكة كلتيهما كقصة واحدة متواصلة، ~~وبالجملة فهو (عليه السلام) كان مخلوقا ليسكن الأرض، وكان الطريق إلى ~~الاستقرار في الأرض هذا الطريق، وهو تفضيله على الملائكة لإثبات خلافته، ثم ~~أمرهم بالسجدة، ثم إسكان الجنة. PageV01P071 # والنهي عن قرب الشجرة المنهية حتى يأكلا منها فيبدو لهما سوآتهما فيهبطا ~~إلى الأرض، فآخر العوامل للاستقرار في الأرض، وانتخاب الحياة الدنيوية ظهور ms0121 ~~السوأة، وهي العورة بقرينة قوله تعالى: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~فهو التمايل الحيواني ويستلزم التغذي والنمو أيضا فما كان لإبليس هم إلا ~~إبداء سوآتهما، وآدم وزوجته وإن كانا قد سواهما الله تعالى تسوية أرضية ~~بشرية ثم أدخلهما الجنة لم يمكثا بعد التسوية، ولم يمهلا كثيرا، ليتم في ~~الدنيا إدراكهما لسوآتهما ولا لغيرها من لوازم الحياة الدنيا واحتياجاتها ~~حتى أدخلهما الله الجنة، وأنه إنما أدخلهما الله الجنة حين أدخلهما ولما ~~ينفصلا ولما ينقطع إدراكهما عن عالم الروح والملائكة، والدليل على ذلك قوله ~~تعالى: ليبدي لهما ما ووري عنهما ولم يقل ما كان ووري عنهما، وهو مشعر بأن ~~مواراة السوآة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا استدامة وإنما تمشت دفعة ما ~~واستعقب ذلك إسكان الجنة فظهور السوآة كان مقضيا محتوما في الحياة الأرضية ~~ومع أكل الشجرة، ولذلك قال تعالى: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، وقال ~~تعالى: وأخرجهما مما كانا فيه وأيضا هو تعالى غفر خطيئتهما بعد ما تابا ولم ~~يرجعهما إلى الجنة بل أهبطهما إلى الدنيا ليحييا فيها ولو لم تكن الحياة ~~الأرضية مع أكل الشجرة وظهور السوآة حتما مقضيا، والرجوع إلى الجنة مع ذلك ~~محالا، لرجعا إليها بعد حط الخطيئة، فالعامل في خروجهما من الجنة وهبوطهما ~~هو الأكل من الشجرة وظهور السوآة، وكان ذلك بوسوسة الشيطان اللعين، وقد قال ~~تعالى في سورة طه في صدر القصة: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما". # ثم ساق تعالى القصة. # فهل هذا العهد هو قوله تعالى: لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين؟ ~~أو أنه قوله تعالى: إن هذا عدو لك ولزوجك أو أنه العهد بمعنى الميثاق ~~العمومي المأخوذ من جميع الإنسان، ومن الأنبياء خاصة بوجه آكد وأغلظ. # والاحتمال الأول غير صحيح لقوله تعالى: "فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ~~ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" الآيتان فهما ~~قد كانا ms0122 حين اقتراف الخطيئة واقتراب الشجرة على ذكر من النهي، وقد قال ~~تعالى: "فنسي ولم نجد له عزما" فالعهد المذكور ليس هو النهي عن قرب الشجرة ~~وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون العهد المذكور هو التحذير عن اتباع إبليس ~~فهو وإن لم يكن بالبعيد، كل البعيد، لكن ظواهر الآيات لا تساعد عليه فإن ~~العهد مخصوص بآدم (عليه السلام) كما هو ظاهر الآية. # مع أن التحذير عن إبليس كان لهما معا، وأيضا ذيل الآيات وهو على طبق ~~صدرها في سورة طه يناسب العهد بمعنى الميثاق الكلي، لا العهد بمعنى التحذير ~~عن إبليس، قال تعالى: "فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى الآيات" ~~فبحسب التطبيق ينطبق قوله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا على ~~نسيان العهد وهو كما ترى مع العهد بمعنى الميثاق على الربوبية والعبودية ~~أنسب منه مع التحذير من إبليس، إذ لا كثير مناسبة بحسب المفهوم بين الإعراض ~~عن الذكر واتباع إبليس، وأما الميثاق على الربوبية فهو له أنسب، فإن ~~الميثاق على الربوبية هو أن لا ينسى الإنسان كونه تعالى ربا له أي مالكا ~~مدبرا أي لا ينسى الإنسان أبدا ولا في حال أنه مملوك طلق لا يملك لنفسه ~~شيئا لا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، أي لا ذاتا ولا وصفا ~~ولا فعلا. # والخطيئة التي تقابله هو إعراض الإنسان عن ذكر مقام ربه والغفلة عنه ~~بالالتفات إلى نفسه أو ما يعود ويرجع إلى نفسه من زخارف الحياة الدنيا ~~الفانية البالية هذا. PageV01P072 # لكنك إذا أمعنت النظر في الحياة الدنيا على اختلاف جهاتها وتشتت أطرافها ~~وأنحائها ووحدتها واشتراكها بين المؤمن والكافر وجدتها بحسب الحقيقة ~~والباطن مختلفة في الموردين بحسب ذوق العلم بالله تعالى والجهل به فالعارف ~~بمقام ربه إذا نظر إلى نفسه وكذلك إلى الحياة الدنيا الجامعة لأقسام ~~الكدورات وأنواع الآلام وضروب المكاره من موت وحياة، وصحة وسقم، وسعة ~~وإقتار، ms0123 وراحة وتعب، ووجدان وفقدان. # على أن الجميع أعم مما في نفس الإنسان أو في غيره مملوكة لربه، لا ~~استقلال لشيء منها وفيها، بل الكل ممن ليس عنده إلا الحسن والبهاء والجمال ~~والخير على ما يليق بعزته وجلاله، ولا يترشح من لدنه إلا الجميل والخير، ~~فإذا نظر إليها وهي هكذا لم ير مكروها يكرهه ولا مخوفا يخافه، ولا مهيبا ~~يهابه، ولا محذورا يحذره، بل يرى كل ما يراه حسنا محبوبا إلا ما يأمره ربه ~~أن يكرهه ويبغضه، وهو مع ذلك يكرهه لأمره، ويحب ما يحب ويلتذ ويبتهج بأمره، ~~لا شغل له إلا بربه، كل ذلك لما يرى الجميع ملكا طلقا لربه لا نصيب ولا حظ ~~لشيء غيره في شيء منها، فما له ولمالك الأمر وما يتصرف به في ملكه؟ من ~~إحياء وإماتة، ونفع وضر وغيرها، فهذه هي الحياة الطيبة التي لا شقاء فيها ~~البتة وهي نور لا ظلمة معه، وسرور لا غم معه، ووجدان لا فقد معه، وغنى لا ~~فقر معه كل ذلك بالله سبحانه، وفي مقابل هذه الحياة حياة الجاهل بمقام ربه، ~~إذ هذا المسكين بانقطاعه عن ربه لا يقع بصره على موجود من نفسه وغيره إلا ~~رآه مستقلا بنفسه ضارا أو نافعا خيرا أو شرا فهو يتقلب في حياته بين الخوف ~~عما يخاف فوته، والحذر عما يحذر وقوعه، والحزن لما يفوته، والحسرة لما يضيع ~~عنه من جاه أو مال أو بنين أو أعوان وسائر ما يحبه ويتكل ويعتمد عليه ~~ويؤثره. ### # كلما نضج جلده بالاعتياد بمكروه والسكون إلى مرارة بدل جلدا غيره، ليذوق ~~العذاب بفؤاد مضطرب قلق، وحشى ذائب محترق، وصدر ضيق حرج، كأنما يصعد في ~~السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. # إذا عرفت هذا علمت: أن مرجع الأمرين أعني نسيان الميثاق وشقاء الحياة ~~الدنيا واحد، وأن الشقاء الدنيوي من فروع نسيان الميثاق. # وهذا هو الذي يشعر به كلامه سبحانه حيث أتى بالتكليف الجامع لأهل الدنيا ~~في سورة طه فقال تعالى: "فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ms0124 هداي فلا يضل ولا ~~يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى". # وبدل ذلك في هذه السورة من قوله: "فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون". # ومن هنا تحدس إن كنت ذا فطانة أن الشجرة كانت شجرة في اقترابها تعب ~~الحياة الدنيا وشقاؤها، وهو أن يعيش الإنسان في الدنيا ناسيا لربه، غافلا ~~عن مقامه، وأن آدم (عليه السلام) كأنه أراد أن يجمع بينها وبين الميثاق ~~المأخوذ عليه، فلم يتمكن فنسي الميثاق ووقع في تعب الحياة الدنيا، ثم تدورك ~~له ذلك بالتوبة. # قوله تعالى: "وكلا منها رغدا" الرغد الهناء وطيب العيش وأرغد القوم ~~مواشيهم تركوها ترعى كيف شاءت، وقوم رغد، ونساء رغد، أي ذوو عيش رغيد. # وقوله تعالى: "ولا تقربا هذه الشجرة" وكأن النهي إنما كان عن أكل الثمرة ~~وإنما تعلق بالقرب من الشجرة إيذانا بشدة النهي ومبالغة في التأكيد ويشهد ~~بذلك قوله تعالى "فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما":، الأعراف - 22. # وقوله تعالى: "فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما": طه - 121، فكانت المخالفة ~~بالأكل فهو المنهي عنه بقوله: ولا تقربا. # قوله تعالى: فتكونا من الظالمين، من الظلم لا من الظلمة على ما احتمله ~~بعضهم وقد اعترفا بظلمهما حيث قالا على ما حكاه الله تعالى عنهما: "ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا". # إلا أنه تعالى بدل في سورة طه هذه الكلمة أعني قوله: فتكونا من الظالمين ~~من قوله فتشقى والشقاء هو التعب ثم فسر التعب وفصله، فقال: "إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى الآيات". # ومن هنا يظهر أن وبال هذا الظلم إنما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه ~~الدنيا من جوع وعطش وعراء وعناء وعلى هذا فالظلم منهما إنما هو ظلمهما ~~لأنفسهما، لا بمعنى المعصية المصطلحة والظلم على الله سبحانه. PageV01P073 # ومن هنا يظهر أيضا أن هذا النهي أعني قوله: ولا تقربا، إنما كان نهيا ~~تنزيهيا إرشاديا يرشد به إلى ما فيه خير المكلف وصلاحه في مقام النصح ms0125 لا ~~نهيا مولويا. # فهما إنما ظلما أنفسهما في ترك الجنة على أن جزاء المخالفة للنهي المولوي ~~التكليفي يتبدل بالتوبة إذا قبلت ولم يتبدل في موردهما، فإنهما تابا وقبلت ~~توبتهما ولم يرجعا إلى ما كانا فيه من الجنة ولو لا أن التكليف إرشادي ليس ~~له إلا التبعة التكوينية دون التشريعية لاستلزام قبول التوبة رجوعهما إلى ~~ما كانا فيه من مقام القرب وسيأتي لهذا الكلام بقية فيما سيأتي إن شاء الله. # قوله سبحانه: فأزلهما الشيطان، الظاهر من هذه الجملة كنظائرها وإن لم يكن ~~أزيد من وسوسة الشيطان لهما مثل ما يوسوس لنا بني آدم على نحو إلقاء ~~الوسوسة في القلب من غير رؤية الشخص. # لكن الظاهر من أمثال قوله تعالى في سورة طه: "فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ~~ولزوجك" يدل على أنه تعالى أراهما الشيطان وعرفهما إياه بالشخص والعين دون ~~الوصف وكذا قوله تعالى حكاية عن الشيطان: "يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد" ~~الآية حيث أتى بالكلام في صورة حكاية الخطاب، ويدل ذلك على متكلم مشعور به. # وكذا قوله تعالى في سورة الأعراف: "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" ~~والقسم إنما يكون من مقاسم مشعور به. # وكذا قوله تعالى: "وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ~~إن الشيطان لكما عدو مبين" كل ذلك يدل على أنه كان يتراءى لهما وكانا ~~يشاهدانه. # ولو كان حالهما (عليهما السلام) مثل حالنا من عدم المشاهدة حين الوسوسة ~~لجاز لهما أن يقولا: ربنا إننا لم نشعر وخلنا أن هذه الوساوس هي من أفكارنا ~~من غير استشعار بحضوره، ولا قصد لمخالفة ما وصيتنا به من التحذير من ~~وسوسته. # وبالجملة فهما كانا يشاهدانه ويعرفانه، والأنبياء وهم المعصومون بعصمة ~~الله كذلك يعرفونه ويشاهدونه حين تعرضه بهم لو تعرض على ما وردت به ~~الروايات في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى وأيوب وإسماعيل ومحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هذا. # وكذا ظاهر هذه الآيات كظاهر قوله تعالى: "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة" ~~حيث ينبىء عن كونهما معه ms0126 لعنه الله بحيال الشجرة في الجنة، فقد كان دخل ~~الجنة، وصاحبهما وغرهما بوسوسته، ولا محذور فيه إذ لم تكن الجنة جنة الخلد ~~حتى لا يدخلها الشيطان، والدليل على ذلك خروجهم جميعا من هذه الجنة. # وأما قوله تعالى خطابا لإبليس: "فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ~~فاخرج منها": الأعراف - 13، فيمكن أن يكون المراد به الخروج من الملائكة، ~~أو الخروج من السماء من جهة كونها مقام قرب وتشريف. # قوله تعالى: "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو" الآية ظاهر السياق أنه خطاب ~~لآدم وزوجته وإبليس وقد خص إبليس وحده بالخطاب في سورة الأعراف حيث قال: ~~"فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها" الآية فقوله تعالى: اهبطوا كالجمع ~~بين الخطابين وحكاية عن قضاء قضى الله به العداوة بين إبليس لعنه الله وبين ~~آدم وزوجته وذريتهما، وكذلك قضى به حياتهم في الأرض وموتهم فيها وبعثهم منها. # وذرية آدم مع آدم في الحكم كما ربما يستشعر من ظاهر قوله: "فيها تحيون ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون" الآية وكما سيأتي في قوله تعالى: "ولقد خلقناكم ~~ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" الآية من سورة الأعراف. # إن إسجاد الملائكة لآدم (عليه السلام) إنما كان من جهة أنه خليفة أرضي، ~~فكان المسجود له آدم وحكم السجدة لجميع البشر، فكان أقامه آدم (عليه ~~السلام) مقام المسجود له معنونا بعنوان الأنموذج والنائب. ### # وبالجملة يشبه أن تكون هذه القصة التي قصها الله تعالى من إسكان آدم ~~وزوجته الجنة، ثم إهباطهما لأكل الشجرة كالمثل يمثل به ما كان الإنسان فيه ~~قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة والكرامة بسكونه حظيرة القدس، ومنزل ~~الرفعة والقرب، ودار نعمة وسرور، وأنس ونور، ورفقاء طاهرين، وأخلاء ~~روحانيين، وجوار رب العالمين. PageV01P074 # ثم إنه يختار مكانه كل تعب وعناء ومكروه وألم بالميل إلى حياة فانية، وجيفة ~~منتنة دانية، ثم إنه لو رجع بعد ذلك إلى ربه لأعاده إلى دار كرامته وسعادته ~~ولو لم يرجع إليه وأخلد إلى الأرض واتبع هواه فقد بدل نعمة الله كفرا وأحل ~~بنفسه دار ms0127 البوار، جهنم يصلاها وبئس القرار. # قوله تعالى: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه"، التلقي هو التلقن، وهو ~~أخذ الكلام مع فهم وفقه وهذا التلقي كان هو الطريق المسهل لآدم (عليه ~~السلام) توبته. # ومن ذلك يظهر أن التوبة توبتان: توبة من الله تعالى وهي الرجوع إلى العبد ~~بالرحمة، وتوبة من العبد وهي الرجوع إلى الله بالاستغفار والانقلاع من ~~المعصية. # وتوبة العبد، محفوفة بتوبتين من الله تعالى، فإن العبد لا يستغني عن ربه ~~في حال من الأحوال، فرجوعه عن المعصية إليه يحتاج إلى توفيقه تعالى وإعانته ~~ورحمته حتى يتحقق منه التوبة، ثم تمس الحاجة إلى قبوله تعالى وعنايته ~~ورحمته، فتوبة العبد إذا قبلت كانت بين توبتين من الله كما يدل عليه قوله ~~تعالى: "ثم تاب عليهم ليتوبوا: التوبة - 119. # وقراءة نصب آدم ورفع كلمات تناسب هذه النكتة، وإن كانت القراءة الأخرى ~~وهي قراءة رفع آدم ونصب كلمات لا تنافيه أيضا. # وأما أن هذه الكلمات ما هي؟ فربما يحتمل أنها هي ما يحكيه الله تعالى ~~عنهما في سورة الأعراف بقوله: "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين": الأعراف - 23، إلا أن وقوع هذه الكلمات أعني ~~قوله: "قالا ربنا ظلمنا" الآية قبل قوله: "قلنا اهبطوا" في سورة الأعراف ~~ووقوع قوله "فتلقى آدم" الآية بعد قوله: قلنا اهبطوا، في هذه السورة لا ~~يساعد عليه. # لكن هاهنا شيء: وهو أنك عرفت في صدر القصة أن الله تعالى حيث قال: "إني ~~جاعل في الأرض خليفة"، قالت الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" الآية وهو تعالى لم يرد عليهم دعواهم على ~~الخليفة الأرضي بما رموه به ولم يجب عنه بشيء إلا أنه علم آدم الأسماء كلها. # ولو لا أنه كان فيما صنعه تعالى من تعليم الأسماء ما يسد باب اعتراضهم ~~ذلك لم ينقطع كلامهم ولا تمت الحجة عليهم قطعا. # ففي جملة ما علمه الله تعالى آدم من الأسماء أمر ينفع العاصي إذا عصى ~~والمذنب إذا أذنب، فلعل ms0128 تلقيه من ربه كان متعلقا بشيء من تلك الأسماء فافهم ذلك. # واعلم أن آدم (عليه السلام) وإن ظلم نفسه في إلقائها إلى شفا جرف الهلكة ~~ومنشعب طريقي السعادة والشقاوة أعني الدنيا، فلو وقف في مهبطه فقد هلك، ولو ~~رجع إلى سعادته الأولى فقد أتعب نفسه وظلمها، فهو (عليه السلام) ظالم لنفسه ~~على كل تقدير، إلا أنه (عليه السلام) هيأ لنفسه بنزوله درجة من السعادة ~~ومنزلة من الكمال ما كان ينالها لو لم ينزل وكذلك ما كان ينالها لو نزل من ~~غير خطيئة. # فمتى كان يمكنه أن يشاهد ما لنفسه من الفقر والمذلة والمسكنة والحاجة ~~والقصور وله في كل ما يصيبه من التعب والعناء والكد روح وراحة في حظيرة ~~القدس وجوار رب العالمين، فلله تعالى صفات من عفو ومغفرة وتوبة وستر وفضل ~~ورأفة ورحمة لا ينالها إلا المذنبون، وله في أيام الدهر نفحات لا يرتاح بها ~~إلا المتعرضون. # فهذه التوبة هي التي استدعت تشريع الطريق الذي يتوقع سلوكه وتنظيف المنزل ~~الذي يرجى سكونه، فوراءها تشريع الدين وتقويم الملة. # ويدل على ذلك ما تراه أن الله تعالى يكرر في كلامه تقدم التوبة على ~~الإيمان. # قال تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك": هود - 112، وقال: "وإني لغفار ~~لمن تاب وآمن": طه - 82، إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى. # وهذا أول ما شرع من الدين لآدم (عليه السلام) وذريته، أوجز الدين كله في ~~جملتين لا يزاد عليه شيء إلى يوم القيامة. # وأنت إذا تدبرت هذه القصة قصة الجنة وخاصة ما وقع في سورة طه وجدت أن ~~المستفاد منها أن جريان القصة أوجب قضاءين منه تعالى في آدم وذريته، فأكل ~~الشجرة أوجب حكمه تعالى وقضاءه بالهبوط والاستقرار في الأرض والحياة فيها ~~تلك الحياة الشقية التي حذرا منها حين نهيا عن اقتراب الشجرة هذا. PageV01P075 # وأن التوبة ثانيا: تعقب قضاء وحكما ثانيا منه تعالى بإكرام آدم وذريته ~~بالهداية إلى العبودية فالمقضي أولا كان نفس الحياة الأرضية، ثم بالتوبة ~~طيب ms0129 الله تلك الحياة بأن ركب عليها الهداية إلى العبودية، فتألفت الحياة من ~~حياة أرضية، وحياة سماوية. # وهذا هو المستفاد من تكرار الأمر بالهبوط في هذه السورة حيث قال تعالى: ~~"وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" الآية ~~وقال تعالى: "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى الآية. # وتوسيط التوبة بين الأمرين بالهبوط مشعر بأن التوبة وقعت ولما ينفصلا من ~~الجنة وإن لم يكونا أيضا فيها كاستقرارهما فيها قبل ذلك. # يشعر بذلك أيضا قوله تعالى: "وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة" ~~الآية بعد ما قال لهما: لا تقربا هذه الشجرة فأتى بلفظة تلكما وهي إشارة ~~إلى البعيد بعد ما أتى بلفظة هذه وهي إشارة إلى القريب وعبر بلفظة نادى وهي ~~للبعيد بعد ما أتى بلفظة قال وهي للقريب فافهم. # واعلم أن ظاهر قوله تعالى: "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين" الآية وقوله تعالى: "قال فيها تحيون وفيها تموتون ~~ومنها تخرجون" الآية أن نحوة هذه الحياة بعد الهبوط تغاير نحوها في الجنة ~~قبل الهبوط، وأن هذه حياة ممتزجة حقيقتها بحقيقة الأرض ذات عناء وشقاء ~~يلزمها أن يتكون الإنسان في الأرض ثم يعاد بالموت إليها ثم يخرج بالبعث منها. # فالحياة الأرضية تغاير حياة الجنة فحياتها حياة سماوية غير أرضية. # ومن هنا يمكن أن يجزم أن جنة آدم كانت في السماء، وإن لم تكن جنة الآخرة ~~جنة الخلد التي لا يخرج منها من دخل فيها. ### # نعم: يبقى الكلام في معنى السماء ولعلنا سنوفق لاستيفاء البحث منه، إن ~~شاء الله تعالى. # بقي هنا شيء وهو القول في خطيئة آدم فنقول ظاهر الآيات في بادي النظر وإن ~~كان تحقق المعصية والخطيئة منه (عليه السلام) كما قال تعالى: فتكونا من ~~الظالمين، وقال تعالى: وعصى آدم ربه فغوى الآية، وكما اعترف به فيما حكاه ~~الله عنهما: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين الآية. # لكن التدبر في آيات القصة والدقة في ms0130 النهي الوارد عن أكل الشجرة يوجب ~~القطع بأن النهي المذكور لم يكن نهيا مولويا وإنما هو نهي إرشادي يراد به ~~الإرشاد والهداية إلى ما في مورد التكليف من الصلاح والخير لا البعث ~~والإرادة المولوية. # ويدل على ذلك أولا: أنه تعالى فرع على النهي في هذه السورة وفي سورة ~~الأعراف أنه ظلم حيث قال: "لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" ثم ~~بدله في سورة طه من قوله: فتشقى مفرعا إياه على ترك الجنة. # ومعنى الشقاء التعب ثم ذكر بعده كالتفسير له: "إن لك أن لا تجوع فيها ولا ~~تعرى، وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى" الآيات. # فأوضح أن المراد بالشقاء هو التعب الدنيوي، الذي تستتبعه هذه الحياة ~~الأرضية من جوع وعطش وعراء وغير ذلك. # فالتوقي من هذه الأمور هو الموجب للنهي الكذائي لا جهة أخرى مولوية ~~فالنهي إرشادي، ومخالفة النهي الإرشادي لا توجب معصية مولوية، وتعديا عن ~~طور العبودية وعلى هذا فالمراد بالظلم أيضا في ما ورد من الآيات ظلمهما على ~~أنفسهما في إلقائها في التعب والتهلكة دون الظلم المذموم في باب الربوبية ~~والعبودية وهو ظاهر. # وثانيا: أن التوبة، وهي الرجوع من العبد إذا استتبع القبول من جانب ~~المولى أوجب كون الذنب كلا ذنب، والمعصية كأنها لم تصدر، فيعامل مع العاصي ~~التائب معاملة المطيع المنقاد، وفي مورد فعله معاملة الامتثال والانقياد. # ولو كان النهي عن أكل الشجرة مولويا وكانت التوبة توبة عن ذنب عبودي ~~ورجوعا عن مخالفة نهي مولوي كان اللازم رجوعهما إلى الجنة مع أنهما لم يرجعا. # ومن هنا يعلم أن استتباع الأكل المنهي للخروج من الجنة كان استتباعا ~~ضروريا تكوينيا، نظير استتباع السم للقتل والنار للإحراق، كما في موارد ~~التكاليف الإرشادية لا استتباعا من قبيل المجازاة المولوية في التكاليف ~~المولوية، كدخول النار لتارك الصلاة، واستحقاق الذم واستيجاب البعد في ~~المخالفات العمومية الاجتماعية المولوية. PageV01P076 # وثالثا: أن قوله تعالى: "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ms0131 أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون، الآيات". # وهو كلمة جامعة لجميع التشريعات التفصيلية التي أنزلها الله تعالى في هذه ~~الدنيا من طرق ملائكته وكتبه ورسله، يحكي عن أول تشريع شرع للإنسان في هذه ~~الدنيا التي هي دنيا آدم وذريته، وقد وقع على ما يحكي الله تعالى بعد الأمر ~~الثاني بالهبوط ومن الواضح أن الأمر بالهبوط أمر تكويني متأخر عن الكون في ~~الجنة واقتراف الخطيئة، فلم يكن حين مخالفة النهي واقتراب الشجرة لا دين ~~مشروع ولا تكليف مولوي فلم يتحقق عند ذلك ذنب عبودي، ولا معصية مولوية. # ولا ينافي ذلك كون خطاب اسجدوا للملائكة ولإبليس وهو قبل خطاب لا تقربا، ~~خطابا مولويا لأن المكلف غير المكلف. # فإن قلت: إذا كان النهي نهيا إرشاديا لا نهيا مولويا فما معنى عده تعالى ~~فعلهما ظلما وعصيانا وغواية؟. # قلت: أما الظلم فقد مر أن المراد به ظلمهما لأنفسهما في جنب الله تعالى، ~~وأما العصيان فهو لغة عدم الانفعال أو الانفعال بصعوبة كما يقال: كسرته ~~فانكسر وكسرته فعصى، والعصيان وهو عدم الانفعال عن الأمر أو النهي كما ~~يتحقق في مورد التكاليف المولوية كذلك يتحقق في مورد الخطابات الإرشادية. # وأما تعين معنى المعصية في هذه الأزمنة عندنا جماعة المسلمين في مخالفة ~~مثل صل، أم صم، أو حج، أو لا تشرب الخمر، أو لا تزن ونحو ذلك فهو تعين بنحو ~~الحقيقة الشرعية أو المتشرعة لا يضر بعموم المعنى بحسب اللغة والعرف العام هذا. # وأما الغواية فهو عدم اقتدار الإنسان مثلا على حفظ المقصد وتدبير نفسه في ~~معيشته بحيث يناسب المقصد ويلائمه. # وواضح أنه يختلف باختلاف الموارد من إرشاد ومولوية. # فإن قلت: فما معنى التوبة حينئذ وقولهما: "وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين؟". # قلت: التوبة كما مر هي الرجوع والرجوع، يختلف بحسب اختلاف موارده. # فكما يجوز للعبد المتمرد عن أمر سيده وإرادته أن يتوب إليه، فيرد إليه ~~مقامه الزائل من القرب عنده كذلك يجوز للمريض الذي نهاه الطبيب نهيا ~~إرشاديا عن أكل شيء معين من الفواكه والمأكولات، ms0132 وإنما كان ذلك منه مراعاة ~~لجانب سلامته وعافيته فلم ينته المريض عن نهيه فاقترفه فتضرر فأشرف على ~~الهلاك. # يجوز أن يتوب إلى الطبيب ليشير إليه بدواء يعيده إلى سابق حاله وعافيته، ~~فيذكر له أن ذلك محتاج إلى تحمل التعب والمشقة والعناء والرياضة خلال مدة ~~حتى يعود إلى سلامة المزاج الأولية بل إلى أشرف منها وأحسن، هذا. # وأما المغفرة والرحمة والخسران فالكلام فيها نظير الكلام في نظائرها في ~~اختلافها بحسب اختلاف مواردها، هذا. PageV01P077 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، عن أبيه رفعه قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن جنة آدم ~~أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال (عليه السلام): كانت من جنان ~~الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا، ~~قال (عليه السلام): فلما أسكنه الله الجنة وأباحها له إلا الشجرة، لأنه خلق ~~خلقة لا يبقى إلا بالأمر والنهي والغذاء واللباس والاكتنان والنكاح، ولا ~~يدرك ما ينفعه مما يضره إلا بالتوفيق، فجاءه إبليس فقال له إنكما إن أكلتما ~~من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين، وبقيتما في الجنة أبدا، ~~وإن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنة، وحلف لهما أنه لهما ناصح كما قال ~~الله عز وجل حكاية عنه: "ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة - إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين - وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فقبل آدم ~~قوله فأكلا من الشجرة" فكانا كما حكى الله، فبدت لهما سوآتهما، وسقط عنهما ~~ما ألبسهما الله من الجنة" وأقبلا يستتران من ورق الجنة، وناديهما ربهما: ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة - وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين، فقالا ~~كما حكى الله عنهما ربنا ظلمنا أنفسنا - وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين فقال الله لهما: اهبطوا بعضكم لبعض عدو - ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين، قال: أي يوم القيامة، قال: فهبط آدم على الصفا، وإنما سميت ~~الصفا لأن صفي الله أنزل عليها، ونزلت حواء على المروة وإنما سميت المروة ms0133 ~~لأن المرأة أنزلت عليها، فبقي آدم أربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنة، فنزل ~~عليه جبرئيل، فقال أليس خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته؟ ~~قال: بلى، وأمرك أن لا تأكل من الشجرة فعصيته؟ قال آدم: إن إبليس حلف لي ~~بالله كاذبا. ### # أقول: وفي كون جنة آدم من جنان الدنيا روايات أخر من طريق أهل البيت وإن ~~اتحد بعضها مع هذه الرواية في إبراهيم بن هاشم. # والمراد بكونها من جنان الدنيا كونها برزخية في مقابل جنان الخلد، كما ~~يشير إليه بعض فقرات الرواية كقوله: فهبط آدم على الصفا، وكقوله: ونزلت ~~حواء على المروة، وكقوله: إن المراد بحين يوم القيامة فيكون المكث في ~~البرزخ بعد الموت مكثا في الأرض طبقا لما في آيات البعث من القرآن من عد ~~المكث البرزخي مكثا في الأرض كما يشير إليه قوله تعالى: "قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين، قال إن لبثتم ~~إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون": المؤمنون - 114، وقوله تعالى: "ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، قال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ~~ولكنكم كنتم لا تعلمون": الروم - 56، على أن عدة من الروايات المنقولة عن ~~أهل البيت تدل على أن الجنة كانت في السماء، وأنهما نزلا من السماء، على أن ~~المستأنس بلسان الروايات لا يستوحش من كون الجنة المذكورة في السماء ~~والهبوط منها إلى الأرض مع كونهما خلقا في الأرض وعاشا فيها كما ورد في كون ~~الجنة في السماء ووقوع سؤال القبر فيه وكونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من ~~حفر النار وغير ذلك وأرجو أن يرتفع هذا الإشكال وما يشاكله من الإشكالات ~~فيما سيأتي من البحث في السماء إن شاء الله العزيز. # وأما كيفية مجيء إبليس إليهما، وما اتخذه فيه من الوسيلة فالصحاح ~~والمعتبرة من الروايات خالية عن بيانها. PageV01P078 # وفي بعض الأخبار ذكر الحية والطاووس عونين لإبليس ms0134 في إغوائه إياهما لكنها ~~غير معتبرة، أضربنا عن ذكرها وكأنها من الأخبار الدخيلة، والقصة مأخوذة من ~~التوراة وهاك لفظ التوراة في القصة بعينه: قال في الفصل الثاني من السفر ~~الأول وهو سفر الخليقة: وإن الله خلق آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه ~~الحياة، فصار آدم نفسا ناطقا، وغرس الله جنانا في عدن شرقيا، وصير هناك آدم ~~الذي خلقه، وأنبت الله من الأرض كل شجرة، حسن منظرها وطيب مأكلها، وشجرة ~~الحياة في وسط الجنان، وشجرة معرفة الخير والشر، وجعل نهرا يخرج من عدن ~~ليسقي الجنان، ومن ثم يفترق فيصير أربعة أرؤس، اسم أحدها النيل، وهو المحيط ~~بجميع بلد ذويلة الذي فيه الذهب، وذهب ذلك البلد جيد، ثم اللؤلؤ وحجارة ~~البلور، واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع بلد الحبشة، واسم النهر ~~الثالث دجلة، وهو يسير في شرقي الموصل، واسم النهر الرابع هو الفرات، فأخذ ~~الله آدم وأنزله في جنان عدن ليفلحه وليحفظه وأمر الله آدم قائلا: من جميع ~~شجر الجنان جائز لك أن تأكل، ومن شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل، فإنك في ~~يوم أكلك منها تستحق أن تموت، وقال الله لا خير في بقاء آدم وحده، اصنع له ~~عونا حذاه، فحشر الله من الأرض جميع وحش الصحراء وطير السماء وأتى بها إلى ~~آدم ليريه ما يسميها، فكل ما سمى آدم من نفس حية باسم هو اسمه إلى الآن. ~~فأسمى آدم أسماء لجميع البهائم وطير السماء وجميع وحش الصحراء ولم يجد آدم ~~عونا حذاه، فأوقع سباتا على آدم لئلا يحس فنام، فاستل إحدى أضلاعه وسد ~~مكانها اللحم، وبنى الله الضلع التي أخذ امرأة، فأتى بها إلى آدم، وقال آدم ~~هذه المرة شاهدت عظما من عظامي، ولحما من لحمي، وينبغي أن تسمى امرأة لأنها ~~من أمري أخذت، ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم زوجته، فيصيران كجسد واحد. ~~وكانا جميعا عريانين آدم وزوجته ولا يحتشمان من ذلك. الفصل الثالث: ~~والثعبان صار حكيما من جميع حيوان الصحراء الذي خلقه الله فقال للمرأة ~~أيقينا ms0135 قال الله لا تأكلا من جميع شجر الجنان؟ قالت المرأة للثعبان من ثمر ~~شجر الجنان نأكل، لكن من ثمر الشجرة التي في وسطه قال الله لا تأكلا منه، ~~ولا تدنوا به كيلا تموتا، قال لهما لستما تموتان، إن الله عالم أنكما في ~~يوم أكلكما منه تنفتح عيونكما وتصيران كالملائكة عارفي الخير والشر بزيادة، ~~فلما رأت المرأة أن الشجرة طيبة المأكل شهية المنظر، مني للعقل، أخذت من ~~ثمرها فأكلت، وأعطت بعلها فأكل معها، فانفتحت عيونهما فعلما أنهما عريانان ~~فخيطا من ورق التين ما صنعا منه مآزر، فسمعا صوت الله مارا في الجنان برفق ~~في حركة النهار، فاستخبأ آدم وزوجته من قبل صوت الله خباء فيما بين شجر ~~الجنان، فنادى الله آدم، وقال له مقررا: أين أنت؟ قال: إني سمعت صوتك في ~~الجنان فاتقيت إذ أنا عريان فاستخبأت، قال: من أخبرك أنك عريان؟ أمن الشجرة ~~التي نهيتك عن الأكل منها أكلت؟ قال آدم المرأة التي جعلتها معي أعطتني من ~~الشجرة فأكلت، قال الله للمرأة: ما ذا صنعت؟ قالت: الثعبان أغراني فأكلت ~~قال الله للثعبان: إذ صنعت هذا بعلم فأنت ملعون من جميع البهائم وجميع وحش ~~الصحراء وعلى صدرك تسلك وترابا تأكل طول أيام حياتك، وأجعل عداوة بينك وبين ~~المرأة، وبين نسلك ونسلها، وهو يشدخ منك الرأس وأنت تلذعه في العقب، وقال ~~للمرأة: لأكثرن مشقتك وحملك، وبمشقة تلدين الأولاد، وإلى بعلك يكون قيادك، ~~وهو يتسلط عليك. وقال لآدم: إذ قبلت قول زوجتك فأكلت من الشجرة التي نهيتك ~~قائلا لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك بمشقة تأكل منها طول حياتك، وشوكا ~~ودردرا تنبت لك، وتأكل عشب الصحراء، بعرق وجهك تأكل الطعام إلى حين رجوعك ~~إلى الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلى التراب ترجع، وسمى آدم زوجته حواء ~~لأنها كانت أم كل حي ناطق، وصنع الله لآدم وزوجته ثياب بدن وألبسهما، ثم ~~قال الله، هو ذا آدم قد صار كواحد منا يعرف معرفة الخير والشر، والآن فيجب ~~أن يخرج من الجنان لئلا يمد يده ms0136 فيأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل فيحيا إلى ~~الدهر، فطرده الله من جنان عدن ليفلح الأرض التي أخذ منها، ولما طرد آدم ~~أسكن من شرقي جنان عدن الملائكة، ولمع سيف متقلب ليحفظوا طريق شجرة PageV01P079 الحياة. انتهى الفصل من التوراة العربية المطبوعة سنة 1811 ميلادية، وأنت ~~بتطبيق القصة من الطريقين أعني طريقي القرآن والتوراة ثم التأمل في ~~الروايات الواردة من طريقي العامة والخاصة تعثر بحقائق من الحال غير أنا ~~أضربنا عن الغور في بيانها والبحث عنها لأن الكتاب غير موضوع لذلك. # وأما دخول إبليس الجنة وإغواؤه فيها وهي أولا مقام القرب والنزاهة ~~والطهارة وقد قال تعالى: "لا لغو فيها ولا تأثيم": الطور - 23، وهي ثانيا ~~في السماء وقد قال تعالى خطابا لإبليس حين إبائه عن السجدة لآدم: "فاخرج ~~منها فإنك رجيم": الحجر - 34، وقال تعالى: "فاهبط منها فما يكون لك أن ~~تتكبر فيها": الأعراف - 12. # فالجواب عن الأول كما ربما يقال إن القرآن إنما نفى ما نفى من وقوع اللغو ~~والتأثيم في الجنة عن جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون في الآخرة وجنة ~~البرزخ التي يدخلونها بعد الموت والارتحال عن دار التكليف، وأما الجنة التي ~~أدخل فيها آدم وزوجته وذلك قبل استقرار الإنسان في دار التكليف وتوجه الأمر ~~والنهي فالقرآن لم ينطق فيه بشيء من ذلك، بل الأمر بالعكس وناهيك في ذلك ما ~~ذكر من وقوع عصيان آدم فيه على أن اللغو والتأثيم من الأمور النسبية التي ~~لا تتحقق إلا بعد حلول الإنسان الدنيا وتوجه الأمر والنهي إليه وتلبسه ~~بالتكليف. # والجواب عن الثاني أولا: أن رجوع الضمير في قوله: فاخرج منها، وقوله: ~~فاهبط منها إلى السماء غير ظاهر من الآية لعدم ذكر السماء في الكلام سابقا ~~وعدم العهد بها، فمن الجائز أن يكون المراد الخروج من الملائكة والهبوط ~~منها ببعض العنايات، أو الخروج والهبوط من المنزلة والكرامة. # وثانيا: أنه يجوز أن يكون الأمر بالهبوط والخروج كناية عن النهي عن ~~المقام هناك بين الملائكة، لا عن أصل الكون فيها بالعروج والمرور من غير ~~مقام واستقرار كالملائكة، ms0137 ويلوح إليه بل يشهد به ما ربما يظهر من الآيات من ~~استراق السمع، وقد روي: أن الشياطين كانوا يعرجون قبل عيسى إلى السماء ~~السابعة فلما ولد عيسى منعوا من السماء الرابعة فما فوقها، ثم لما ولد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منعوا من جميع السماوات وخطفوا بالخطفة. # وثالثا: أن كلامه تعالى خال عن دخول إبليس الجنة فلا مورد للاستشكال، ~~وإنما ورد ما ورد من حديث الدخول في الروايات وهي آحاد غير متواترة مع ~~احتمال النقل بالمعنى من الراوي. # وأقصى ما يدل من كلامه تعالى على دخوله الجنة قوله تعالى حكاية عن إبليس ~~"وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين": "الأعراف - 19" حيث أتي بلفظة هذه وهي للإشارة من قريب، لكنها ~~لو دلت هاهنا على القرب المكاني لدل في قوله تعالى: "ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين": الأعراف - 18، على مثله فيه تعالى. # وفي العيون، عن عبد السلام الهروي قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن ~~رسول الله أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت؟ فقد اختلف ~~الناس فيها فمنهم من يروي أنها الحنطة، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد، ~~فقال كل ذلك حق، قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقال: يا بن الصلت ~~إن شجرة الجنة تحمل أنواعا، وكانت شجرة الحنطة وفيها عنب وليست كشجرة ~~الدنيا، وإن آدم لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة، ~~قال: هل خلق الله بشرا أفضل مني؟ فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه فناداه ~~ارفع رأسك يا آدم وانظر إلى ساق العرش، فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه ~~مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ~~وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال ~~آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال عز وجل يا آدم هؤلاء ذريتك. وهم خير منك ومن ~~جميع خلقي، ولو لا هم ما خلقتك ولا الجنة ms0138 ولا النار ولا السماء ولا الأرض، ~~فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد ~~وتمنى منزلتهم فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط ~~على حواء فنظرت إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم ~~فأخرجهما الله تعالى من جنته وأهبطهما من جواره إلى الأرض. PageV01P080 # أقول: وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات بعضها أبسط من هذه الرواية وأطنب ~~وبعضها أجمل وأوجز. ### # وهذه الرواية كما ترى سلم ع فيها أن الشجرة كانت شجرة الحنطة وشجرة الحسد ~~وأنهما أكلا من شجرة الحنطة ثمرتها وحسدا وتمنيا منزلة محمد وآله، (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ومقتضى المعنى الأول أن الشجرة كانت أخفض شأنا من أن ~~يميل إليها ويشتهيها أهل الجنة، ومقتضى الثاني أنها كانت أرفع شأنا من أن ~~ينالها آدم وزوجته كما في رواية أخرى أنها كانت شجرة علم محمد وآله. # وبالجملة لهما معنيان مختلفان، لكنك بالرجوع إلى ما مر من أمر الميثاق ~~تعرف أن المعنى واحد وأن آدم (عليه السلام) أراد أن يجمع بين التمتع بالجنة ~~وهو مقام القرب من الله وفيها الميثاق أن لا يتوجه إلى غيره تعالى وبين ~~الشجرة المنهية التي فيها تعب التعلق بالدنيا فلم يتيسر له الجمع بينهما ~~فهبط إلى الأرض ونسي الميثاق فلم يجتمع له الأمران وهو منزلة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ثم هداه الله بالاجتباء ونزعه بالتوبة من الدنيا، ~~وألحقه بما كان نسيه من الميثاق فافهم. # وقوله (عليه السلام): فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم فيه بيان أن ~~المراد بالحسد تمني منزلتهم دون الحسد الذي هو أحد الأخلاق الرذيلة. # وبالبيان السابق يرتفع التنافي الذي يتراءى بين ما رواه في كمال الدين، ~~عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إن الله عز وجل عهد إلى آدم أن ~~لا يقرب الشجرة فلما بلغ الوقت الذي في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل ~~منها وذلك قول الله عز وجل: ولقد عهدنا إلى آدم فنسي ms0139 ولم نجد له عزما، ~~الحديث. # وبين ما رواه العياشي، في تفسيره عن أحدهما: وقد سئل كيف أخذ الله آدم ~~بالنسيان؟ فقال: إنه لم ينس وكيف ينسى وهو يذكر ويقول له إبليس: ما نهيكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الحديث. # والوجه فيه واضح. # وفي أمالي الصدوق، عن أبي الصلت الهروي، قال: لما جمع المأمون لعلي بن ~~موسى الرضا (عليهما السلام): أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من ~~اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد حتى ~~ألزم حجته كأنه ألقم حجرا فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا بن ~~رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل بقول الله عز ~~وجل: "وعصى آدم ربه فغوى؟" إلى أن قال: فقال مولانا الرضا (عليه السلام): ~~ويحك يا علي اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأول كتاب ~~الله عز وجل برأيك فإن الله عز وجل يقول: "وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم". أما قوله عز وجل في آدم: "وعصى آدم ربه فغوى" فإن ~~الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنة، وكانت ~~المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عز وجل فلما ~~أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل: "إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا - وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين" الحديث. # أقول: قوله: وكانت المعصية في الجنة إلخ إشارة إلى ما قدمناه أن التكليف ~~الديني المولوي لم يكن مجعولا في الجنة بعد، وإنما موطنه الحياة الأرضية ~~المقدرة لآدم (عليه السلام) بعد الهبوط إلى الأرض، فالمعصية إنما كانت ~~معصية لأمر إرشادي غير مولوي فلا وجه لتعسف التأويل في الحديث على ما ~~ارتكبه بعض. PageV01P081 # وفي العيون، عن علي بن محمد بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون وعنده علي بن ~~موسى فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ ms0140 ~~فقال بلى، قال فما معنى قول الله تعالى: فعصى آدم ربه فغوى؟ قال: إن الله ~~تعالى قال لآدم: اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما - ولا ~~تقربا هذه الشجرة وأشار لهما إلى شجرة الحنطة فتكونا من الظالمين، ولم يقل ~~لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة ولا مما كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة ~~ولم يأكلا منها وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما وقال: ما ~~نهيكما ربكما عن هذه الشجرة وإنما نهاكما أن تقربا غيرها ولم ينهكما أن ~~تأكلا منها إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن ~~الناصحين ولم يكن آدم وحواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا فدلاهما ~~بغرور فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة ولم يكن ~~ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي ~~تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم، فلما اجتباه الله وجعله نبيا كان ~~معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عز وجل: "وعصى آدم ربه فغوى - ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، وقال عز وجل: "إن الله اصطفى آدم ونوحا - وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين" الحديث. # أقول: قال الصدوق رحمه الله بعد نقل الحديث على طوله: والحديث عجيب من ~~طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لأهل البيت (عليهم ~~السلام) انتهى. # وما أعجبه منه إلا ما شاهده من اشتماله على تنزيه الأنبياء من غير أن ~~يمعن النظر في الأصول المأخوذة فيه، فما نقله من جوابه (عليه السلام) في ~~آدم لا يوافق مذهب أئمة أهل البيت المستفيض عنهم من عصمة الأنبياء من ~~الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها. # على أن الجواب مشتمل على تقدير في قوله تعالى: "ما نهيكما ربكما عن هذه ~~الشجرة إلا أن تكونا"، إلى مثل قولنا: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة وإنما ~~نهاكما عن غيرها وما نهاكما عن غيرها إلا أن تكونا إلخ. # على أن قوله ms0141 تعالى "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين"، وقوله تعالى "قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى" الآية، يدل على أن إبليس إنما كان يحرضهما على الأكل من شخص ~~الشجرة المنهية تطميعا في الخلود والملك الذي حجب عنه بالنهي، على أن الرجل ~~أعني علي بن محمد بن الجهم قد أخذ الجواب الصحيح التام بنفسه في مجلس ~~المأمون كما رويناه في الحديث السابق، فالرواية لا تخلو عن شيء وإن كان بعض ~~هذه الوجوه ممكن الاندفاع هذا. # وروى الصدوق، عن الباقر (عليه السلام) عن آبائه عن علي عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، قال: إنما كان لبث آدم وحواء في الجنة حتى أخرجا ~~منها سبع ساعات من أيام الدنيا حتى أهبطهما الله في يومهما. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن سنان، قال: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) وأنا حاضر: كم لبث آدم وزوجته في الجنة حتى أخرجهما منها خطيئة؟ ~~فقال: إن الله تبارك وتعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة ~~ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه ثم أسجد له ملائكته وأسكنه جنته من يومه ذلك، ~~فوالله ما استقر فيها إلا ست ساعات من يومه ذلك، حتى عصى الله تعالى، ~~فأخرجهما الله منها بعد غروب الشمس وصيرا بفناء الجنة حتى أصبحا فبدت لهما ~~سوآتهما وناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة فاستحيا آدم فخضع ~~وقال: ربنا ظلمنا أنفسنا واعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا، قال الله لهما اهبطا ~~من سماواتي إلى الأرض، فإنه لا يجاورني في جنتي عاص ولا في سماواتي. PageV01P082 # أقول: ويمكن أن يستفاد ما يشتمل عليه الرواية من كيفية خروجهما وأنه كان ~~أولا من الجنة إلى فنائها ومن فنائها إلى الأرض من تكرر الأمر بالهبوط في ~~الآية مع كونه أمرا تكوينيا غير قابل التخلف، وكذا من تغيير السياق في قوله ~~تعالى: "وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، إلى أن قال: ولا تقربا هذه ms0142 ~~الشجرة" الآية، وقوله تعالى: وناديهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~الآية، حيث عبر في الأول بالقول وبالإشارة القريبة وفي الثاني بالنداء ~~والإشارة البعيدة، غير أن الرواية مشتملة على خلق حواء من أسفل أضلاع آدم ~~كما اشتملت عليه التوراة، والروايات عن أئمة أهل البيت تكذبه كما سيجيء في ~~البحث عن خلقة آدم، وإن أمكن أن يحمل خلقها من فاضل طينة آدم مما يلي ~~أضلاعه هذا، وأما ساعات مكثه في الجنة، وأنها ستة أو سبعة فالأمر فيها هين ~~فإنما هو تقريب. ### # وفي الكافي،: عن أحدهما (عليهما السلام): في قوله تعالى: فتلقى آدم من ~~ربه كلمات، قال: لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءا وظلمت ~~نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، ~~عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني وأنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك ~~اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني وأنت خير الراحمين، لا إله إلا ~~أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم. # أقول: وروى هذا المعنى الصدوق والعياشي والقمي وغيرهم، وعن طرق أهل السنة ~~والجماعة أيضا ما يقرب من ذلك، وربما استفيد ذلك من ظاهر آيات القصة. # وقال الكليني في الكافي،: وفي رواية أخرى: في قوله: فتلقى آدم من ربه ~~كلمات قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. # أقول: وروى هذا المعنى أيضا الصدوق والعياشي والقمي وغيرهم، وروي ما يقرب ~~من ذلك من طرق أهل السنة والجماعة أيضا كما رواه في الدر المنثور، عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه ~~إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي فأوحى الله إليه، ومن محمد؟ ~~قال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد عندك أعظم قدرا ممن جعلت اسمه مع ~~اسمك فأوحى الله إليه يا آدم إنه آخر ms0143 النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك. # أقول: وهذا المعنى وإن كان بعيدا عن ظاهر الآيات في بادي النظر لكن إشباع ~~النظر والتدبر فيها ربما قرب ذلك تقريبا، إذ قوله: فتلقى آدم، يشتمل على ~~معنى الأخذ مع الاستقبال، ففيه دلالة على أخذ آدم هذه الكلمات من ربه، ففيه ~~علم سابق على التوبة، وقد كان (عليه السلام) تعلم من ربه الأسماء كلها إذ ~~قال تعالى للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون ~~وعلم آدم الأسماء كلها، فهذا العلم كان من شأنه إزاحة كل ظلم ومعصية لا ~~محالة ودواء كل داء وإلا لم يتم الجواب عما أورده الملائكة ولا قامت الحجة ~~عليهم لأنه سبحانه لم يذكر قبال قولهم: يفسد فيها ويسفك الدماء شيئا ولم ~~يقابلهم بشيء دون أن علم آدم الأسماء كلها ففيه إصلاح كل فاسد، وقد عرفت ما ~~حقيقة هذه الأسماء، وأنها موجودات عالية مغيبة في غيب السماوات والأرض، ~~ووسائط فيوضاته تعالى لما دونها، لا يتم كمال لمستكمل إلا ببركاتها وقد ورد ~~في بعض الأخبار أنه رأى أشباح أهل البيت وأنوارهم حين علم الأسماء، وورد ~~أنه رآها حين أخرج الله ذريته من ظهره، وورد أيضا أنه رآها وهو في الجنة ~~فراجع والله الهادي. # وقد أبهم الله أمر هذه الكلمات في قوله: فتلقى آدم من ربه كلمات الآية ~~حيث نكرها، وورد في القرآن: إطلاق الكلمة على الموجود العيني صريحا في ~~قوله: "بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم": آل عمران - 40. PageV01P083 # وأما ما ذكره بعض المفسرين: أن الكلمات التي حكاها الله عنهما في سورة ~~الأعراف بقوله: "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين" الآية، ففيه: "أن التوبة كما يدل عليه الآيات في هذه السورة أعني ~~سورة البقرة وقعت بعد الهبوط إلى الأرض، قال تعالى: "وقلنا اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو" إلى أن قال: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه" الآيات وهذه ms0144 ~~الكلمات تكلم بها آدم وزوجته قبل الهبوط وهما في الجنة كما في سورة ~~الأعراف، قال تعالى: "وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة" إلى أن ~~قال: "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا" إلى أن قال: "قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو" ~~الآيات، بل الظاهر أن قولهما: ربنا ظلمنا أنفسنا، تذلل منهما وخضوع قبال ~~ندائه تعالى وإيذان بأن الأمر إلى الله سبحانه كيف يشاء بعد الاعتراف بأن ~~له الربوبية وأنهما ظالمان مشرفان على خطر الخسران. # وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن موسى سأل ربه أن يجمع ~~بينه وبين آدم، فجمع فقال له موسى: يا أبت ألم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من ~~روحه وأسجد لك الملائكة وأمرك أن لا تأكل من الشجرة؟ فلم عصيته؟ قال: يا ~~موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التورية؟ قال: بثلاثين ألف سنة قال: ~~فقال: هو ذاك، قال الصادق (عليه السلام) فحجج آدم موسى. # أقول: وروى ما يقرب من هذا المعنى العلامة السيوطي في الدر المنثور بعدة ~~طرق عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي العلل، عن الباقر (عليه السلام): والله لقد خلق الله آدم للدنيا، ~~وأسكنه الجنة ليعصيه فيرده إلى ما خلقه له. # أقول: وقد مر رواية العياشي عن الصادق (عليه السلام): في خليل كان لآدم ~~من الملائكة الحديث في هذا المعنى. # وفي الاحتجاج،: في احتجاج علي مع الشامي حين سأله: عن أكرم واد على وجه ~~الأرض، فقال (عليه السلام): واد يقال له سرانديب سقط فيه آدم من السماء. # أقول: وتقابلها روايات مستفيضة تدل على سقوطه في أرض مكة وقد مر بعضها ~~ويمكن التوفيق بينها بإمكان نزوله أولا بسرانديب ثم هبوطه إلى أرض مكة وليس ~~بنزولين عرضيين هذا. # وفي الدر المنثور، عن الطبراني وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي ~~ذر قال: قلت: يا رسول الله أرأيت آدم أنبيا كان؟ قال: نعم كان نبيا رسولا، ~~كلمه الله قبلا، قال له: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة. # أقول: وروى أهل السنة والجماعة قريبا من ms0145 هذا المعنى بعدة طرق. PageV01P084 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 40 - 44 # يبنى إسرءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإيى ~~فارهبون (40) وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا ~~تشتروا بئايتى ثمنا قليلا وإيى فاتقون (41) ولا تلبسوا الحق بالبطل وتكتموا ~~الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة واركعوا مع الركعين ~~(43) * أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون (44) ### |||| AUTO بيان # أخذ سبحانه في معاتبة اليهود وذلك في طي نيف ومائة آية يذكر فيها نعمة ~~التي أفاضها عليهم، وكراماته التي حباهم بها، وما قابلوها من الكفر ~~والعصيان ونقض الميثاق والتمرد والجحود، يذكرهم بالإشارة إلى اثنتي عشرة ~~قصة من قصصهم، كنجاتهم من آل فرعون بفرق البحر، وغرق فرعون وجنوده، ومواعدة ~~الطور، واتخاذهم العجل من بعده وأمر موسى إياهم بقتل أنفسهم، واقتراحهم من ~~موسى أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله تعالى، إلى آخر ما ~~أشير إليه من قصصهم التي كلها مشحونة بألطاف إلهية وعنايات ربانية، ويذكرهم ~~أيضا المواثيق التي أخذ منهم ثم نقضوها ونبذوها وراء ظهورهم، ويذكرهم أيضا ~~معاصي ارتكبوها وجرائم اكتسبوها وآثاما كسبتها قلوبهم على نهي من كتابهم، ~~وردع صريح من عقولهم، لقساوة قلوبهم، وشقاوة نفوسهم، وضلال سعيهم. # قوله تعالى: وأوفوا بعهدي، أصل العهد الحفاظ، ومنه اشتقت معانيه كالعهد ~~بمعنى الميثاق واليمين والوصية واللقاء والمنزل ونحو ذلك. # قوله تعالى: فارهبون، الرهبة الخوف، وتقابل الرغبة. # قوله تعالى: ولا تكونوا أول كافر به، أي من بين أهل الكتاب، أو من بين ~~قومكم ممن مضى وسيأتي، فإن كفار مكة كانوا قد سبقوهم إلى الكفر به. PageV01P085 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 45 - 46 # واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخشعين (45) الذين يظنون ~~أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه رجعون (46) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلوة، الاستعانة وهي طلب العون إنما يتم ~~فيما لا يقوى الإنسان عليه وحده من المهمات والنوازل، وإذ لا معين في ~~الحقيقة إلا الله سبحانه فالعون على المهمات مقاومة الإنسان لها بالثبات ms0146 ~~والاستقامة والاتصال به تعالى بالانصراف إليه، والإقبال عليه بنفسه، وهذا ~~هو الصبر والصلاة، وهما أحسن سبب على ذلك، فالصبر يصغر كل عظيمة نازلة، ~~وبالإقبال على الله والالتجاء إليه تستيقظ روح الإيمان، وتتنبه: أن الإنسان ~~متك على ركن لا ينهدم، وسبب لا ينفصم. # قوله تعالى: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الضمير راجع إلى الصلاة، ~~وأما إرجاعه إلى الاستعانة لتضمن قوله: استعينوا ذلك فينافيه ظاهرا قوله: ~~إلا على الخاشعين، فإن الخشوع لا يلائم الصبر كثير ملائمة، والفرق بين ~~الخشوع والخضوع مع أن في كليهما معنى التذلل والانكسار أن الخضوع مختص ~~بالجوارح والخشوع بالقلب. # قوله تعالى: الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم. # هذا المورد، أعني مورد الاعتقاد بالآخرة على أنه مورد اليقين لا يفيد فيه ~~الظن والحسبان الذي لا يمنع النقيض، قال تعالى: "وبالآخرة هم يوقنون: ~~البقرة - 4، ويمكن أن يكون الوجه فيه الأخذ بتحقق الخشوع فإن العلوم ~~التدريجية الحصول من أسباب تدريجية تتدرج فيها النفس المدركة من تنبه وشك ~~ثم ترجح أحد طرفي النقيض ثم انعدام الاحتمالات المخالفة شيئا فشيئا حتى يتم ~~الإدراك الجازم وهو العلم، وهذا النوع من العلم إذا تعلق بأمر هائل موجب ~~لاضطراب النفس وقلقها وخشوعها إنما تبتدي الخشوع الذي معه من حين شروع ~~الرجحان قبل حصول الإدراك العلمي وتمامه، ففي وضع الظن موضع العلم إشارة ~~إلى أن الإنسان لا يتوقف على زيادة مئونة على العلم إن تنبه بأن له ربا ~~يمكن أن يلاقيه ويرجع إليه وذلك كقول الشاعر: فقلت لهم ظنوا بألفي مذحج. # سراتهم في الفارسي المسرد. # وإنما يخوف العدو باليقين لا بالشك ولكنه أمرهم بالظن لأن الظن يكفيهم في ~~الانقلاع عن المخالفة، بلا حاجة إلى اليقين حتى يتكلف المهدد إلى إيجاد ~~اليقين فيهم بالتفهيم من غير اعتناء منه بشأنهم، وعلى هذا فالآية قريبة ~~المضمون من قوله تعالى: "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا": الكهف ~~- 110، وهذا كله لو كان المراد باللقاء في قوله تعالى: ملاقوا ربهم، يوم ~~البعث ولو كان المراد به ما سيأتي تصويره في سورة الأعراف ms0147 إن شاء الله فلا ~~محذور فيه أصلا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي،: عن الصادق (عليه السلام) قال: كان علي إذا أهاله أمر فزع قام ~~إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية: واستعينوا بالصبر والصلوة. # وفي الكافي، أيضا: عنه (عليه السلام): في الآية، قال: الصبر الصيام، ~~وقال: إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم. إن الله عز وجل يقول: ~~واستعينوا بالصبر يعني الصيام. أقول: وروى مضمون الحديثين العياشي في ~~تفسيره. # وتفسير الصبر بالصيام من باب المصداق والجري. # وفي تفسير العياشي،: عن أبي الحسن (عليه السلام): في الآية قال: الصبر ~~الصوم، إذا نزلت بالرجل الشدة أو النازلة فليصم، إن الله يقول: واستعينوا ~~بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. والخاشع الذليل في صلاته ~~المقبل عليها، يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين ~~(عليه السلام). # أقول: قد استفاد (عليه السلام) استحباب الصوم والصلاة عند نزول الملمات ~~والشدائد، وكذا التوسل بالنبي والولي عندها، وهو تأويل الصوم والصلاة برسول ~~الله وأمير المؤمنين. # وفي تفسير العياشي، أيضا: عن علي (عليه السلام): في قوله تعالى: "الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم" الآية يقول: يوقنون أنهم مبعوثون، والظن منهم يقين. # أقول: ورواه الصدوق أيضا. # وروى ابن شهر آشوب عن الباقر (عليه السلام): أن الآية نازلة في علي ~~وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر وأصحاب لهم. PageV01P086 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 47- 48 # يبنى إسرءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين (47) ~~واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ~~ولا هم ينصرون (48) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزي. # الملك والسلطان الدنيوي بأنواعه وأقسامه وبجميع شئونه، وقواه المقننة ~~الحاكمة والمجرية مبتنية على حوائج الحياة، وغايتها رفع الحاجة حسب ما ~~يساعد عليه العوامل الزمانية والمكانية، فربما بدل متاع من متاع أو نفع من ~~نفع أو حكم من حكم من غير ميزان كلي يضبط الحكم ويجري ذلك في باب المجازاة ~~أيضا فإن الجرم والجناية عندهم يستتبع العقاب، وربما بدل الحاكم العقاب ms0148 ~~لغرض يستدعي منه ذلك كأن يلح المحكوم الذي يرجى عقابه على القاضي ويسترحمه ~~أو يرتشيه فينحرف في قضائه فيجزي أي يقضي فيه بخلاف الحق، أو يبعث المجرم ~~شفيعا يتوسط بينه وبين الحاكم أو مجري الحكم أو يعطي عدلا وبدلا إذا كانت ~~حاجة الحاكم المريد للعقاب إليه أزيد وأكثر من الحاجة إلى عقاب ذلك المجرم، ~~أو يستنصر قومه فينصروه فيتخلص بذلك عن تبعة العقاب ونحو ذلك. # تلك سنة جارية وعادة دائرة بينهم، وكانت الملل القديمة من الوثنيين ~~وغيرهم تعتقد أن الحياة الآخرة نوع حياة دنيوية يطرد فيها قانون الأسباب ~~ويحكم فيها ناموس التأثير والتأثر المادي الطبيعي، فيقدمون إلى آلهتهم ~~أنواع القرابين والهدايا للصفح عن جرائمهم أو الإمداد في حوائجهم، أو ~~يستشفعون بها، أو يفدون بشيء عن جريمة أو يستنصرون بنفس أو سلاح حتى إنهم ~~كانوا يدفنون مع الأموات أنواع الزخرف والزينة، ليكون معهم ما يتمتعون به ~~في آخرتهم، ومن أنواع السلاح ما يدافعون به عن أنفسهم، وربما ألحدوا معه من ~~الجواري من يستأنس بها، ومن الأبطال من يستنصر به الميت، وتوجد اليوم في ~~المتاحف بين الآثار الأرضية عتائق كثيرة من هذا القبيل، ويوجد عقائد متنوعة ~~شبيهة بتلك العقائد بين الملل الإسلامية على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، بقيت ~~بينهم بالتوارث، ربما تلونت لونا بعد لون، جيلا بعد جيل، وقد أبطل القرآن ~~جميع هذه الآراء الواهية، والأقاويل الكاذبة، فقد قال عز من قائل: "والأمر ~~يومئذ لله،: الانفطار - 19، وقال: "ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب": ~~البقرة - 166، وقال "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعائكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، ~~لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام - 94، وقال: "هنالك ~~تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون": يونس - 30، إلى غير ذلك من الآيات التي بين فيها: أن الموطن خال ~~عن الأسباب الدنيوية، وبمعزل عن الارتباطات الطبيعية، وهذا أصل يتفرع عليه ~~بطلان كل واحد من تلك الأقاويل والأوهام على طريق ms0149 الإجمال، ثم فصل القول في ~~نفي واحد واحد منها وإبطاله فقال: "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون": البقرة - 48، وقال: ~~"يوم لا بيع فيه، ولا خلة، ولا شفاعة": البقرة - 254، وقال: "يوم لا يغني ~~مولى عن مولى شيئا": الدخان - 41، وقال: "يوم تولون مدبرين ما لكم من الله ~~من عاصم": المؤمن - 33، وقال: "ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون": ~~الصافات - 26، وقال: "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعائنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون": يونس - 18، وقال: "ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع": المؤمن - 18، وقال: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم": ~~الشعراء - 101، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة النافية لوقوع الشفاعة ~~وتأثير الوسائط والأسباب يوم القيامة هذا. PageV01P087 # ثم إن القرآن مع ذلك لا ينفي الشفاعة من أصلها، بل يثبتها بعض الإثبات، قال ~~تعالى: "الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون": السجدة - 3، وقال ~~تعالى: "ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع": الأنعام - 51، وقال تعالى: "قل لله ~~الشفاعة جميعا": الزمر - 44، وقال تعالى: "له ما في السموات وما في الأرض ~~من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم": البقرة - ~~255، وقال تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس - 3، وقال ~~تعالى: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~وهم من خشيته مشفقون": الأنبياء - 28، وقال: "ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف - 86، وقال: "ولا يملكون ~~الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا": مريم ms0150 - 87، وقال تعالى: "يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يحيطون به علما": طه - 110، وقال تعالى: "ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له": السبا - 23، وقال تعالى: "وكم من ملك في السموات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى": النجم - 26، فهذه ~~الآيات كما ترى بين ما يحكم باختصاص الشفاعة بالله عز اسمه كالآيات الثلاثة ~~الأولى وبين ما يعممها لغيره تعالى بإذنه وارتضائه ونحو ذلك، وكيف كان فهي ~~تثبت الشفاعة بلا ريب، غير أن بعضها تثبتها بنحو الأصالة لله وحده من غير ~~شريك، وبعضها تثبتها لغيره بإذنه وارتضائه، وقد عرفت أن هناك آيات تنفيها ~~فتكون النسبة بين هذه الآيات كالنسبة بين الآيات النافية لعلم الغيب عن ~~غيره، وإثباته له تعالى بالاختصاص ولغيره بارتضائه، قال تعالى: "قل لا يعلم ~~من في السموات والأرض الغيب": النمل - 65، وقال تعالى: "وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو": الأنعام - 59 وقال تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": الجن - 27، وكذلك الآيات الناطقة في ~~التوفي والخلق والرزق والتأثير والحكم والملك وغير ذلك فإنها شائعة في ~~أسلوب القرآن، حيث ينفي كل كمال عن غيره تعالى، ثم يثبته لنفسه، ثم يثبته ~~لغيره بإذنه ومشيته، فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه ~~الكمالات بنفسها واستقلالها، وإنما تملكها بتمليك الله لها إياها، حتى أن ~~القرآن تثبت نوعا من المشية في ما حكم فيه وقضى عليه بقضاء، حتم كقوله ~~تعالى: "فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما ~~دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد وأما الذين ~~سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء ~~غير مجذوذ": هود - 108، فقد علق الخلود بالمشية وخاصة في خلود الجنة مع ~~حكمه بأن العطاء غير مجذوذ، إشعارا بأن قضاءه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر ms0151 ~~من يده ولا يبطل سلطانه وملكه عز سلطانه كما يدل عليه قوله: "إن ربك فعال ~~لما يريد": هود - 107، وبالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده ويوجب له ~~الفقر، ولا منع يضطره إلى حفظ ما منعه وإبطال سلطانه تعالى. # ومن هنا يظهر أن الآيات النافية للشفاعة إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة ~~فإنما تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك، والآيات المثبتة ~~تثبتها لله سبحانه بنحو الأصالة، ولغيره تعالى بإذنه وتمليكه، فالشفاعة ~~ثابتة لغيره تعالى بإذنه فلننظر ما ذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة ~~ومتعلقها؟ وفيمن تجري؟ وممن تصح؟ ومتى تتحقق؟ وما نسبتها إلى العفو ~~والمغفرة منه تعالى؟ ونحو ذلك في أمور. # 1 - ما هي الشفاعة؟ PageV01P088 # الشفاعة على ما نعرف من معناها إجمالا بالقريحة المكتسبة من الاجتماع ~~والتعاون وهي من الشفع مقابل الوتر كأن الشفيع ينضم إلى الوسيلة الناقصة ~~التي مع المستشفع فيصير به زوجا بعد ما كان فردا فيقوى على نيل ما يريده، ~~لو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته وضعفها وقصورها من الأمور التي نستعلمها ~~لإنجاح المقاصد، ونستعين بها على حوائج الحياة، وجل الموارد التي نستعملها ~~فيها إما مورد يقصد فيها جلب المنفعة والخير، وإما مورد يطلب فيها دفع ~~المضرة والشر، لكن لا كل نفع وضرر، فإنا لا نستشفع فيما يتضمنه الأسباب ~~الطبيعية والحوادث الكونية من الخير والشر، والنفع والضر، كالجوع، والعطش، ~~والحر، والبرد، والصحة، والمرض، بل نتسبب فيها بالأسباب الطبيعية، ونتوسل ~~إليها بوسائلها المناسبة لها كالأكل، والشرب، واللبس والاكتنان والمداواة، ~~وإنما نستشفع في الخيرات والشرور والمنافع والمضار التي تستدعيها أو ~~تستتبعها أوضاع القوانين والأحكام التي وضعتها واعتبرتها وقررتها وأجرتها ~~حكومة الاجتماع بنحو الخصوص أو العموم، ففي دائرة المولوية والعبودية، وعند ~~كل حاكم ومحكوم، وأحكام من الأمر والنهي إذا عمل بها وامتثلها المكلف بها ~~استتبع ذلك تبعة الثواب من مدح أو نفع، من جاه أو مال، وإذا خالفها وتمرد ~~منها استتبع ذلك تبعة العقاب من ذم أو ضرر مادي، أو معنوي، فإذا أمر المولى ~~أو نهى عبده، ms0152 أو كل من هو تحت سيادته وحكومته بأمر أو نهي مثلا فامتثله كان ~~له بذلك أجر كريم، وإن خالف كان له عقاب أو عذاب فهناك نوعان من الوضع ~~والاعتبار، وضع الحكم ووضع تبعة الحكم، يتعين به تبعة الموافقة والمخالفة. # وعلى هذا الأصل تدور جميع الحكومات العامة بين الملل والخاصة بين كل ~~إنسان ومن دونه. # فإذا أراد الإنسان أن ينال كمالا وخيرا ماديا أو معنويا وليس عنده ما ~~يستوجب ذلك بحسب ما يعينه الاجتماع، ويعرف به لياقته، أو أراد أن يدفع عن ~~نفسه شرا متوجها إليه من عقاب المخالفة وليس عنده ما يدفعه، أعني الامتثال ~~والخروج عن عهدة التكليف، وبعبارة واضحة إذا أراد نيل ثواب من غير تهيئة ~~أسبابه، أو التخلص من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجه إليه فذلك مورد ~~الشفاعة، وعنده تؤثر لكن لا مطلقا فإن من لا لياقة له بالنسبة إلى التلبس ~~بكمال، أو لا رابطة له تربطها إلى المشفوع عنده أصلا، كالعامي الأمي الذي ~~يريد تقلد مقام علمي، أو الجاحد الطاغي الذي لا يخضع لسيده أصلا لا تنفع ~~عنده الشفاعة، فإنما الشفاعة متممة للسبب لا مستقلة في التأثير. ### # ثم إن تأثير الشفيع عند الحاكم المشفوع عنده لا يكون تأثيرا جزافيا من ~~غير سبب يوجب ذلك بل لا بد أن يوسط أمرا يؤثر في الحاكم، ويوجب نيل الثواب، ~~أو التخلص من العقاب، فالشفيع لا يطلب من المولى مثلا أن يبطل مولوية نفسه ~~وعبودية عبده فلا يعاقبه، ولا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه وتكليفه ~~المجعول، أو ينسخه عموما أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه، ولا يطلب منه أن ~~يبطل قانون المجازاة عموما أو خصوصا فلا يعاقب لذلك رأسا، أو في خصوص ~~الواقعة، فلا نفوذ ولا تأثير للشفيع في مولوية وعبودية، ولا في حكم ولا في ~~جزاء حكم، بل الشفيع بعد ما يسلم جميع الجهات الثلاث المذكورة إنما يتمسك: ~~إما بصفات في المولى الحاكم توجب العفو والصفح كسؤدده، وكرمه، وسخائه، ~~وشرافة محتده، وإما بصفات في العبد تستدعي الرأفة ms0153 والحنان وتثير عوامل ~~المغفرة كمذلته ومسكنته وحقارته وسوء حاله، وإما بصفات في نفسه أعني نفس ~~الشفيع من قربه إلى المولى وكرامته وعلو منزلته عنده فيقول: ما أسألك إبطال ~~مولويتك وعبوديته، ولا أن تبطل حكمك ولا أن تبطل الجزاء، بل أسألك الصفح ~~عنه بأن لك سؤددا ورأفة وكرما لا تنتفع بعقابه ولا يضرك الصفح عن ذنبه أو ~~بأنه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه ولا يهتم بأمره أو بأن لي عندك ~~من المنزلة والكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه والعفو عنه. PageV01P089 # ومن هنا يظهر للمتأمل أن الشفيع إنما يحكم بعض العوامل المربوطة بالمورد ~~المؤثرة في رفع العقاب مثلا من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل ~~الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتب العقاب على مخالفته، ونعني بالحكومة أن ~~يخرج مورد الحكم عن كونه موردا بإدخاله في مورد حكم آخر، فلا يشمله الحكم ~~الأول لعدم كونه من مصاديقه لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادة ~~كإبطال الأسباب المتضادة في الطبيعة بعضها حكم بعض بالمعارضة والغلبة في ~~التأثير، فحقيقة الشفاعة التوسط في إيصال نفع أو دفع شر بنحو الحكومة دون ~~المضادة. # ومن هنا يظهر أيضا أن الشفاعة من مصاديق السببية فهي توسيط السبب المتوسط ~~القريب بين السبب الأول البعيد ومسببه، هذا ما يتحصل من تحليل معنى الشفاعة ~~التي عندنا. # ثم إن الله سبحانه يمكن أن يقع مورد النظر في السببية من جهتين: إحداهما: ~~أنه يبتدي منه التأثير، وينتهي إليه السببية، فهو المالك للخلق والإيجاد ~~على الإطلاق، وجميع العلل والأسباب أمور متخللة متوسطة بينه وبين غيره لنشر ~~رحمته التي لا تنفد ونعمته التي لا تحصى إلى خلقه وصنعه. # والثانية: أنه تعالى تفضل علينا بالدنو في حين علوه فشرع الدين ووضع فيه ~~أحكاما من أوامر ونواهي وغير ذلك وتبعات من الثواب والعقاب في الدار الآخرة ~~وأرسل رسلا مبشرين ومنذرين فبلغوه أحسن تبليغ وقامت بذلك الحجة وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته. # أما من الجهة الأولى: وهي النظر إليه من ms0154 جهة التكوين فانطباق معنى ~~الشفاعة على شأن الأسباب والعلل الوجودية المتوسطة واضح لا يخفى، فإنها ~~تستفيد من صفاته العليا من الرحمة والخلق والإحياء والرزق وغير ذلك إيصال ~~أنواع النعم والفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه، وكلامه تعالى أيضا يحتمل ~~ذلك كقوله تعالى: "له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه": البقرة - 255، وقوله "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس - ~~3، فإن الشفاعة في مورد التكوين ليست إلا توسط العلل والأسباب بينه وبين ~~مسبباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها فهذه شفاعة تكوينية. PageV01P090 # وأما من الجهة الثانية وهي النظر إليه من جهة التشريع فالذي ينبغي أن يقال: ~~أن مفهوم الشفاعة على ما سبق من التحليل يصح صدقه في مورده ولا محذور في ~~ذلك وعليه ينطبق قوله تعالى: "يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ~~ورضي له قولا": طه - 109، وقوله: "لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له": ~~السبا - 23، وقوله "لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى": النجم - 26، وقوله: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء - 28، ~~وقوله: "ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون": الزخرف - 86، فإن الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعية ~~لعدة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء، فهو تمليك ولله ~~الملك وله الأمر فلهم أن يتمسكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من ~~صفاته العليا لتشمل عبدا من عباده سائت حاله بالمعصية، وشملته بلية ~~العقوبة، فيخرج عن كونه مصداقا للحكم الشامل، والجرم العامل على ما عرفت أن ~~تأثير الشفاعة بنحو الحكومة دون التضاد وهو القائل عز من قائل: "أولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات": الفرقان - 70، فله تعالى أن يبدل عملا من عمل كما أن ~~له أن يجعل الموجود من العمل معدوما، قال تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء ms0155 منثورا": الفرقان - 23، وقال تعالى: "فأحبط أعمالهم": ~~محمد - 10، وقال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم": النساء - 31، وقال تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء": النساء - 48، والآية في غير مورد الإيمان والتوبة قطعا ~~فإن الإيمان والتوبة يغفر بهما الشرك أيضا كسائر الذنوب وله تكثير القليل ~~من العمل، قال تعالى: "أولئك يؤتون أجرهم مرتين": القصص - 65، وقال: "من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام - 160، وله سبحانه أن يجعل المعدوم ~~من العمل موجودا، قال تعالى: "الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين": الطور - ~~21، وهذا هو اللحوق والإلحاق وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # نعم إنما يفعل لمصلحة مقتضية، وعلة متوسطة ولتكن من جملتها شفاعة ~~الشافعين من أنبيائه وأوليائه والمقربين من عباده من غير جزاف ولا ظلم. # ومن هنا ظهر أن معنى الشفاعة بمعنى الشافعية، صادق بحسب الحقيقة في حقه ~~تعالى فإن كلا من صفاته متوسطة بينه وبين خلقه في إفاضة الجود وبذل الوجود ~~فهو الشفيع في الحقيقة على الإطلاق. # قال تعالى: "قل لله الشفاعة جميعا": الزمر - 44، وقال تعالى: "ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع": السجدة - 4، وقال تعالى: "ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع": الأنعام - 51. # وغيره تعالى لو كان شفيعا فإنما هو بإذنه وتمليكه. # فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب ~~محذورا لا يليق بساحة كبريائه تعالى. # 2 - إشكالات الشفاعة # قد عرفت: أن الشفاعة ثابتة في الجملة لا بالجملة، وستعرف أن الكتاب وكذلك ~~السنة لا يثبتان أزيد من ذلك، بل التأمل في معناها وحده يقضي بذلك، فإن ~~الشفاعة كما مر يرجع بحسب المعنى إلى التوسط في السببية والتأثير، ولا معنى ~~للإطلاق في السببية والتأثير فلا السبب يكون سببا لكل مسبب من غير شرط ولا ~~مسبب واحد يكون مسببا لكل سبب على الإطلاق فإن ذلك يؤدي إلى بطلان السببية ~~وهو ms0156 باطل بالضرورة. # ومن هنا اشتبه الأمر على النافين للشفاعة حيث توهموها مطلقة من غير شرط ~~فاستشكلوا فيها بأمور وبنوا عليها بطلان هذه الحقيقة القرآنية من غير تدبر ~~فيما يعطيه كلامه تعالى وهاك شطرا منها: الإشكال الأول: أن رفع العقاب عن ~~المجرم يوم القيامة بعد ما أثبته الله تعالى بالوعيد إما أن يكون عدلا أو ظلما. # فإن كان عدلا كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلما لا يليق بساحته تعالى ~~وتقدس، وإن كان ظلما كان شفاعة الأنبياء مثلا سؤالا للظلم منه وهو جهل لا ~~يجوز نسبته إليهم صلوات الله عليهم. PageV01P091 # والجواب عنه أولا: بالنقض فإنه منقوض بالأوامر الامتحانية فرفع الحكم ~~الامتحاني ثانيا وإثباته أولا كلاهما من العدل، والحكمة فيها اختبار سريرة ~~المكلف أو إظهار باطن أمره أو إخراج ما في قوته إلى الفعل، فيقال في مورد ~~الشفاعة أيضا يمكن أن تكون النجاة مكتوبة لجميع المؤمنين، ثم يوضع الأحكام ~~وما لمخالفتها من أنواع العقاب ليهلك الكافرون بكفرهم، وأما المؤمنون ~~فيرتفع بالطاعة درجات المحسنين منهم ويبقى السميئون فينالون بالشفاعة ~~النجاة المكتوبة لهم ولو بالنسبة إلى بعض أنواع العذاب أو أفراده مع مقاساة ~~البعض الآخر كأحوال البرزخ وأهوال يوم القيامة، فيكون بذلك أصل وضع الحكم ~~وعقابه أولا عدلا ورفع عقابه ثانيا عدلا. ### # وثانيا: بالحل، فإن رفع العقاب أولا بواسطة الشفاعة إنما يغاير الحكم ~~الأول فيما ذكر من العدل والظلم لو كان رفع العقاب بالشفاعة نقضا للحكم ~~الأول أو نقضا للحكم باستتباع العقوبة وقد عرفت أنه ليس كذلك بل أثر ~~الشفاعة بالحكومة لا بالمضادة فيها إخراج المجرم عن كونه مصداقا لشمول ~~العقاب بجعله مصداقا لشمول الرحمة من صفات أخرى له تعالى من رحمة وعفو ~~ومغفرة، ومنها إفضاله للشافع بالإكرام والإعظام. # الإشكال الثاني: أن سنة الله تعالى جرت على صون أفعاله من التخلف ~~والاختلاف، فما قضى وحكم به يجريه على وتيرة واحدة من غير استثناء، وعلى ~~هذا جرت سنة الأسباب، قال تعالى: "هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ms0157 وإن جهنم لموعدهم أجمعين": الحجر - ~~43، وقال تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم": الأنعام - 153، وقال تعالى: "فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا": الفاطر - 42، وتحقق الشفاعة موجب للاختلاف في الفعل فإن رفع ~~العقاب بالشفاعة عن جميع المجرمين في جميع جرائمهم موجب لنقض الفرض المحال، ~~ولعب ينافي الحكمة قطعا، ورفعه عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم وذنوبهم ~~اختلاف في فعله تعالى وتغير وتبدل في سنته الجارية وطريقته الدائمة، إذ لا ~~فرق بين المجرمين في أن كل واحد منهم مجرم ولا بين الذنوب في أن كلا منها ~~ذنب وخروج عن زي العبودية فتخصيص بعضهم أو بعض من أعمالهم بالصفح والإغماض ~~دون بعض بواسطة الشفاعة محال، وإنما تجري الشفاعة وما يشبهها في سنة هذه ~~الحياة من ابتناء الأعمال والأفعال على الأهواء والأوهام التي ربما تقضي في ~~الحق والباطل على السواء، وتجري عن الحكمة وعن الجهالة على نسق واحد. # والجواب أنه لا ريب في أن صراطه تعالى مستقيم وسنته واحدة لكن هذه السنة ~~الواحدة الغير المختلفة ليست قائمة على أصل صفة واحدة من صفاته تعالى كصفة ~~التشريع والحكم مثلا حتى لا يتخلف حكم عن مورده ولا جزاء حكم عن محله قط بل ~~هي قائمة على ما يستوجبه جميع صفاته المربوط علت صفاته. # توضيح ذلك: أن الله سبحانه هو الواهب المفيض لكل ما في الوجود من حياة أو ~~موت أو رزق أو نعمة أو غير ذلك. # وهي أمور مختلفة لا ترتبط به سبحانه على السواء ولا لرابطة واحدة كيف ~~كانت، فإن فيه بطلان الارتباط والسببية، فهو تعالى لا يشفي مريضا من غير ~~سبب موجب ومصلحة مقتضية ولا يشفيه لأنه الله المميت المنتقم شديد البطش بل ~~لأنه الله الرءوف الرحيم المنعم الشافي المعافي مثلا ولا يهلك جبارا ~~مستكبرا من غير سبب، لأنه رءوف رحيم به، بل لأنه الله المنتقم الشديد البطش ~~القهار مثلا وهكذا. # والقرآن بذلك ناطق فكل حادث من الحوادث بما يشتمل عليه من جهات الوجود ~~يسند ms0158 إليه من جهة صفة أو أكثر من صفاته العليا تتسبب إليه بالتلاؤم ~~والايتلاف الواقع بينها والاقتضاء المستنتج من ذلك، وإن شئت قلت: كل أمر من ~~الأمور يرتبط به تعالى من جهة ما يتضمنه من المصالح والخيرات. # إذا عرفت هذا علمت: أن استقامة صراطه وعدم تبدل سنته وعدم اختلاف فعله ~~إنما هي بالنسبة إلى ما يفعله بجميع صفاته المربوطة لا بالنسبة إلى مقتضى ~~صفة قاصرة وإن شئت قلت: بالنسبة إلى ما يتحصل من الفعل والانفعال والكسر ~~والانكسار الواقع بين الحكم والمصالح المرتبطة بالمورد لا بالنسبة إلى ~~مقتضى مصلحة واحدة. PageV01P092 # فلو كان هناك سبب الحكم المجعول فقط لم يتغير ولم يختلف في بر ولا فاجر ولا ~~مؤمن ولا كافر. # لكن الأسباب كثيرة ربما استدعى توافق عدة منها غير ما يقتضيه بعضها فافهم ذلك. # فوقوع الشفاعة وارتفاع العقاب - وذلك إثر عدة من الأسباب كالرحمة ~~والمغفرة والحكم والقضاء وإعطاء كل ذي حق حقه والفصل في القضاء - لا يوجب ~~اختلافا في السنة الجارية وضلالا في الصراط المستقيم. # الإشكال الثالث: أن الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع ~~المشفوع عنده على فعل أو ترك أراد غيره حكم به أو لا فلا تتحقق الشفاعة إلا ~~بترك الإرادة ونسخها لأجل الشفيع فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة ~~إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن أخطأ ثم عرف الصواب ورأى ~~أن المصلحة أو العمل في خلاف ما كان يريده أو حكم به. # وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو ~~عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب ~~عنده على العدالة، وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته على حسب ~~علمه وعلمه أزلي لا يتغير. # والجواب أن ذلك منه تعالى ليس من تغير الإرادة والعلم في شيء وإنما ~~التغير في المراد والمعلوم، فهو سبحانه يعلم أن الإنسان الفلاني سيتحول ~~عليه الحالات فيكون في حين كذا على حال كذا لاقتران أسباب وشرائط خاصة ms0159 ~~فيريد فيه بإرادة، ثم يكون في حين آخر على حال آخر جديد يخالف الأول ~~لاقتران أسباب وشرائط أخر فيريد فيه بإرادة أخرى وكل يوم هو في شأن، وقد ~~قال تعالى: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": الرعد - 39، وقال: ~~"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء": المائدة - 67، مثال ذلك: أنا نعلم أن ~~الهواء ستغشاه الظلمة فلا يعمل أبصارنا والحاجة إليه قائمة ثم تنجلي الظلمة ~~بإنارة الشمس فتتعلق إرادتنا عند إقبال الليل بالاستضاءة بالسراج وعند ~~انقضائه بإطفائه والعلم والإرادة غير متغيرتين وإنما تغير المعلوم والمراد، ~~فخرجا عن كونهما منطبقا عليه للعلم والإرادة، وليس كل علم ينطبق على كل ~~معلوم، ولا كل إرادة تتعلق بكل مراد، نعم تغير العلم والإرادة المستحيل ~~عليه تعالى هو بطلان انطباق العلم على المعلوم والإرادة على المراد مع بقاء ~~المعلوم والمراد على حالهما وهو الخطأ والفسخ، مثل أن ترى شبحا فتحكم بكونه ~~إنسانا ثم يتبين أنه فرس فيتبدل العلم، أو تريد أمرا لمصلحة ما ثم يظهر لك ~~أن المصلحة في خلافه فتنفسخ إرادتك، وهذان غير جائزين في مورده تعالى، ~~والشفاعة ورفع العقاب بها ليس من هذا القبيل كما عرفت. # الإشكال الرابع: أن وعد الشفاعة منه تعالى أو تبليغها من الأنبياء (عليهم ~~السلام) مستلزم لتجري الناس على المعصية وإغراء لهم على هتك محارم الله ~~تعالى وهو مناف للغرض الوحيد من الدين من سوق الناس إلى العبودية والطلاعة ~~فلا بد من تأويل ما يدل عليه من الكتاب والسنة بما لا يزاحم هذا الأصل ~~البديهي. # والجواب عنه، أولا: بالنقض بالآيات الدالة على شمول المغفرة وسعة الرحمة ~~كقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": ~~النساء - 51، والآية - كما - مر في غير مورد التوبة بدليل استثنائه الشرك ~~المغفور بالتوبة. # وثانيا: بالحل: فإن وعد الشفاعة أو تبليغها إنما يستلزم تجري الناس على ~~المعصية وإغراءهم على التمرد والمخالفة بشرطين: أحدهما: تعيين المجرم بنفسه ~~ونعته أو تعيين الذنب الذي تقع فيه الشفاعة تعيينا لا يقع فيه لبس بنحو ms0160 ~~الإنجاز من غير تعليق بشرط جائز. # وثانيهما: تأثير الشفاعة في جميع أنواع العقاب وأوقاته بأن تقلعه من أصله قلعا. PageV01P093 # فلو قيل: إن الطائفة الفلانية من الناس أو كل الناس لا يعاقبون على ما ~~أجرموا ولا يؤاخذون فيما أذنبوا أبدا، أو قيل إن الذنب الفلاني لا عذاب ~~عليه قط كان ذلك باطلا من القول ولعبا بالأحكام والتكاليف المتوجهة إلى ~~المكلفين، وأما إذا أبهم الأمر من حيث الشرطين فلم يعين أن الشفاعة في أي ~~الذنوب وفي حق أي المذنبين أو أن العقاب المرفوع هو جميع العقوبات وفي جميع ~~الأوقات والأحوال، فلا تعلم نفس هل تنال الشفاعة الموعودة أو لا فلا تتجرى ~~على هتك محارم الله تعالى، غير أن ذلك توقظ قريحة رجائها فلا يوجب مشاهدة ~~ما يشاهدها من ذنوبها وآثامها قنوطا من رحمة الله، ويأسا من روح الله، ~~مضافا إلى قوله تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم": ~~النساء - 31، فإن الآية تدل على رفع عقاب السيئات والمعاصي الصغيرة على ~~تقدير اجتناب المعاصي الكبيرة فإذا جاز أن يقول الله سبحانه: إن اتقيتم ~~الكبائر عفونا عن صغائركم، فليجز أن يقال: إن تحفظتم على إيمانكم حتى ~~أتيتموني في يوم اللقاء بإيمان سليم قبلت فيكم شفاعة الشافعين، فإنما الشأن ~~كل الشأن في حفظ الإيمان والمعاصي تضعف الإيمان وتقسي القلب وتجلب الشرك، ~~وقد قال تعالى: "فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون": الأعراف - 98، ~~وقال: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون": المطففين - 14، وقال: "ثم ~~كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله": الروم - 10، وربما ~~أوجب ذلك انقلاعه عن المعاصي، وركوبه على صراط التقوى، وصيرورته من ~~المحسنين، واستغناءه عن الشفاعة بهذا المعنى، وهذا من أعظم الفوائد، وكذا ~~إذا عين المجرم المشفوع له أو الجرم المشفوع فيه لكن صرح بشموله على بعض ~~جهات العذاب أو بعض أوقاته فلا يوجب تجري المجرمين قطعا. ### # والقرآن لم ينطق في خصوص المجرمين وفي خصوص الذنب بالتعيين ولم ينطق في ~~رفع العقاب إلا بالبعض كما سيجيء فلا إشكال أصلا. ms0161 # الإشكال الخامس: أن العقل لو دل فإنما يدل على إمكان وقوع الشفاعة لا على ~~فعلية وقوعها على أن أصل دلالته ممنوع، وأما النقل فما يتضمنه القرآن لا ~~دلالة فيه على وقوعها فإن فيها آيات دالة على نفي الشفاعة مطلقا كقوله، "لا ~~بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة - 254، وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة ~~كقوله تعالى: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين": المدثر - 48 وأخرى تفيد النفي ~~بمثل قوله تعالى: "إلا بإذنه": البقرة - 255 وقوله: "إلا من بعد إذنه": ~~يونس - 3، وقوله تعالى: "إلا لمن ارتضى": الأنبياء - 28، ومثل هذا ~~الاستثناء أي الاستثناء بالإذن والمشية معهود في أسلوب القرآن في مقام ~~النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيته سبحانه كقوله تعالى: "سنقرئك ~~فلا تنسى إلا ما شاء الله": الأعلى - 6، وقوله تعالى: "خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك": هود - 107، فليس في القرآن نص قطعي على ~~وقوع الشفاعة وأما السنة فما دلت عليه الروايات من الخصوصيات لا تعويل ~~عليه، وأما المتيقن منها فلا يزيد على ما في الكتاب دلالة. # والجواب: أما عن الآيات النافية للشفاعة فقد عرفت أنها لا تنفي مطلق ~~الشفاعة بل الشفاعة بغير إذن الله وارتضائه، وأما عن الآيات النافية لمنفعة ~~الشفاعة على زعم المستشكل فإنها تثبت الشفاعة ولا تنفيه فإن الآيات واقعة ~~في سورة المدثر وإنما تنفي الانتفاع عن طائفة خاصة من المجرمين لا عن ~~جميعهم، ومع ذلك فالشفاعة مضافة لا مجردة مقطوعة عن الإضافة، ففرق بين أن ~~يقول القائل: فلا تنفعهم الشفاعة وبين أن يقول: فلا تنفعهم شفاعة الشافعين ~~فإن المصدر المضاف يشعر بوقوع الفعل في الخارج بخلاف المقطوع عن الإضافة، ~~نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز فقوله: شفاعة الشافعين يدل على ~~أن شفاعة ما ستقع غير أن هؤلاء لا ينتفعون بها على أن الإتيان بصيغة الجمع ~~في الشافعين يدل على ذلك أيضا كقوله: "كانت من الغابرين" وقوله: "وكان من ~~الكافرين" وقوله: "فكان من الغاوين" وقوله: "لا ينال عهدي الظالمين" وأمثال ~~ذلك، ولو لا ذلك لكان الإتيان ms0162 بصيغة الجمع وله مدلول زائد على مدلول المفرد ~~لغوا زائدا في الكلام فقوله: فما تنفعهم شفاعة الشافعين من الآيات المثبتة ~~للشفاعة دون النافية. PageV01P094 # وأما عن الآيات المشتملة على استثناء الإذن والارتضاء فدلالة قوله: "إلا ~~بإذنه" وقوله: "إلا من بعد إذنه" على الوقوع وهو مصدر مضاف مما لا ينبغي أن ~~ينكره عارف بأساليب الكلام وكذا القول: بكون قوله: "إلا بإذنه" وقوله: "إلا ~~لمن ارتضى"، بمعنى واحد وهو المشية مما لا ينبغي الإصغاء إليه، على أن ~~الاستثناء واقع في مورد الشفاعة بوجوه مختلفة كقوله: "إلا بإذنه وإلا من ~~بعد إذنه" وقوله "إلا لمن ارتضى"، وقوله: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" ~~إلى غير ذلك، فهب: أن الإذن والارتضاء واحد وهو المشية فهل يمكن التفوه ~~بذلك في قوله: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون". # فهل المراد بهذا الاستثناء استثناء المشية أيضا؟ هذا وأمثاله من المساهلة ~~في البيان مما لا يصح نسبته إلى كلام سوقي فكيف بالكلام البليغ! وكيف بأبلغ ~~الكلام! وأما السنة فسيأتي الكلام في دلالتها على ما يحاذي دلالة الكتاب. # الإشكال السادس: أن الآيات غير صريحة في رفع العقاب الثابت على المجرمين ~~يوم القيامة بعد ثبوت الجرم ولزوم العقاب بل المراد بها شفاعة الأنبياء ~~بمعنى توسطهم بما هم أنبياء بين الناس وبين ربهم بأخذ الأحكام بالوحي ~~وتبليغها الناس وهدايتهم وهذا المقدار كالبذر ينمو وينشأ منه ما يستقبله من ~~الأقدار والأوصاف والأحوال فهم (عليهم السلام) شفعاء المؤمنين في الدنيا ~~وشفعاؤهم في الآخرة. # والجواب: أنه لا كلام في أن ذلك من مصاديق الشفاعة إلا أن الشفاعة غير ~~مقصورة فيه كما مر بيانه، ومن الدليل عليه قوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء - 48، وقد مر بيان أن الآية في ~~غير مورد الإيمان والتوبة، والشفاعة التي قررها المستشكل في الأنبياء إنما ~~هي بطريق الدعوة إلى الإيمان والتوبة. # الإشكال السابع: أن طريق العقل لا يوصل إلى تحقق الشفاعة، وما نطق به ~~القرآن آيات متشابهة تنفيها تارة وتثبتها أخرى، ms0163 وربما قيدتها وربما ~~أطلقتها، والأدب الديني الإيمان بها، وإرجاع علمها إلى الله تعالى. # والجواب عنه: أن المتشابهة من الآيات تصير بإرجاعها إلى المحكمات محكمات ~~مثلها، وهو أمر ميسور لنا غير مضروب دونه الستر، كما سيجيء بيانه عند قوله ~~تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات": آل عمران - 7. # 3 - فيمن تجري الشفاعة؟ # قد عرفت أن تعيين المشفوع لهم يوم القيامة لا يلائم التربية الدينية كل ~~الملاءمة إلا أن يعرفوا بما لا يخلو عن شوب إبهام وعلى ذلك جرى بيان ~~القرآن، قال تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات ~~يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين": المدثر - 48، بين سبحانه فيها أن كل نفس مرهونة ~~يوم القيامة بما كسبت من الذنوب، مأخوذة بما أسلفت من الخطايا إلا أصحاب ~~اليمين فقد فكوا من الرهن وأطلقوا واستقروا في الجنان، ثم ذكر أنهم غير ~~محجوبين عن المجرمين الذين هم مرهونون بأعمالهم، مأخوذ عليهم في سقر، ~~يتساءلون عنهم سلوكهم في النار، وهم يجيبون بالإشارة إلى عدة صفات ساقتهم ~~إلى النار، فرع على هذه الصفات بأنه لم ينفعهم لذلك شفاعة الشافعين. PageV01P095 # ومقتضى هذا البيان كون أصحاب اليمين غير متصفين بهذه الصفات التي يدل ~~الكلام على كونها هي المانعة عن شمول الشفاعة، وإذا كانوا غير متصفين بهذه ~~الصفات المانعة عن شمول الشفاعة وقد فك الله تعالى نفوسهم عن رهانة الذنوب ~~والآثام دون المجرمين المحرومين عن الشفاعة، المسلوكين في سقر، فهذا الفك ~~والإخراج إنما هو بالشفاعة فأصحاب اليمين هم المشفعون بالشفاعة، وفي الآيات ~~تعريف أصحاب اليمين بانتفاء الأوصاف المذكورة عنهم، بيان ذلك: أن الآيات ~~واقعة في سورة المدثر وهي من السور النازلة بمكة في بدء البعثة كما ترشد ~~إليه مضامين الآيات الواقعة فيها، ولم يشرع يومئذ الصلاة والزكاة بالكيفية ~~الموجودة اليوم، فالمراد بالصلاة في قوله لم نك من المصلين التوجه ms0164 إلى الله ~~تعالى بالخضوع العبودي، وبإطعام المسكين مطلق الإنفاق على المحتاج في سبيل ~~الله، دون الصلاة والزكاة المعهودتين في الشريعة الإسلامية والخوض هو الغور ~~في ملاهي الحياة وزخارف الدنيا الصارفة للإنسان عن الإقبال على الآخرة وذكر ~~الحساب يوم الدين، أو التعمق في الطعن في آيات الله المذكرة ليوم الحساب ~~المبشرة المنذرة، وبالتلبس بهذه الصفات الأربعة، وهي ترك الصلاة لله وترك ~~الإنفاق في سبيل الله والخوض وتكذيب يوم الدين ينهدم أركان الدين، وبالتلبس ~~بها تقوم قاعدته على ساق فإن الدين هو الاقتداء بالهداة الطاهرين بالإعراض ~~عن الإخلاد إلى الأرض والإقبال إلى يوم لقاء الله، وهذان هما ترك الخوض ~~وتصديق يوم الدين ولازم هذين عملا التوجه إلى الله بالعبودية، والسعي في ~~رفع حوائج جامعة الحياة وهذان هما الصلاة والإنفاق في سبيل الله، فالدين ~~يتقوم بحسب جهتي العلم والعمل بهذه الخصال الأربع، وتستلزم بقية الأركان ~~كالتوحيد والنبوة استلزاما هذا، فأصحاب اليمين هم الفائزون بالشفاعة، وهم ~~المرضيون دينا واعتقادا سواء كانت أعمالهم مرضية غير محتاجة إلى شفاعة يوم ~~القيامة أو لم تكن، وهم المعنيون بالشفاعة، فالشفاعة للمذنبين من أصحاب ~~اليمين، وقد قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم": النساء - 31، فمن كان له ذنب باق إلى يوم القيامة فهو لا محالة ~~من أهل الكبائر، إذ لو كان الذنب من الصغائر فقط لكان مكفرا عنه، فقد بان ~~أن الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين، وقد قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من ~~سبيل، الحديث. # ومن جهة أخرى إنما سمي هؤلاء بأصحاب اليمين في مقابل أصحاب الشمال وربما ~~سموا أصحاب الميمنة في مقابل أصحاب المشأمة، وهو من الألفاظ التي اصطلح ~~عليه القرآن مأخوذ من إيتاء الإنسان يوم القيامة كتابه بيمينه أو بشماله، ~~قال تعالى: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك ~~يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا": إسراء - 72، وسنبين ms0165 في الآية إن شاء الله تعالى أن المراد من ~~إيتاء الكتاب باليمين اتباع الإمام الحق، ومن إيتائه بالشمال اتباع إمام ~~الضلال كما قال تعالى في فرعون: "يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار": ~~هود - 98، وبالجملة مرجع التسمية بأصحاب اليمين أيضا إلى ارتضاء الدين كما ~~أن إليه مرجع التوصيف بالصفات الأربعة المذكورة هذا. ### PageV01P096 ثم إنه تعالى قال في موضع آخر من كلامه: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" : ~~الأنبياء - 28، فأثبت الشفاعة على من ارتضى، وقد أطلق الارتضاء من غير ~~تقييد بعمل ونحوه، كما فعله في قوله: "إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا": ~~طه - 109، ففهمنا أن المراد به ارتضاء أنفسهم أي ارتضاء دينهم لا ارتضاء ~~عملهم، فهذه الآية أيضا ترجع من حيث الإفادة إلى ما ترجع إليه الآيات ~~السابقة ثم إنه تعالى قال "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" ~~فهو يملك الشفاعة أي المصدر المبني للمفعول وليس كل مجرم بكافر محتوم له ~~النار، بدليل قوله تعالى: "إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ~~ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى": طه - ~~75، فمن لم يكن مؤمنا قد عمل صالحا فهو مجرم سواء كان لم يؤمن، أو كان قد ~~آمن ولم يعمل صالحا، فمن المجرمين من كان على دين الحق لكنه لم يعمل صالحا ~~وهو الذي قد اتخذ عند الله عهدا لقوله تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم": يس - ~~61 فقوله تعالى: "وأن اعبدوني" عهد بمعنى الأمر وقوله تعالى: هذا صراط ~~مستقيم، عهد بمعنى الالتزام لاشتمال الصراط المستقيم على الهداية إلى ~~السعادة والنجاة، فهؤلاء قوم من أهل الإيمان يدخلون النار لسوء أعمالهم، ثم ~~ينجون منها بالشفاعة، وإلى هذا المعنى يلوح قوله تعالى "قالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا": البقرة - 80، فهذه ~~الآيات ms0166 أيضا ترجع إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة، والجميع تدل على أن ~~مورد الشفاعة أعني المشفوع لهم يوم القيمة هم الدائنون بدين الحق من أصحاب ~~الكبائر، وهم الذين ارتضى الله دينهم. # 4 - من تقع منه الشفاعة؟ # قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية، ومنها تشريعية، فأما الشفاعة التكوينية ~~فجملة الأسباب الكونية شفعاء عند الله بما هم وسائط بينه وبين الأشياء. # وأما الشفاعة التشريعية، وهي الواقعة في عالم التكليف والمجازات، فمنها ~~ما يستدعي في الدنيا مغفرة من الله سبحانه أو قربا وزلفى، فهو شفيع متوسط ~~بينه وبين عبده. # ومنه التوبة كما قال تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ~~وأنيبوا إلى ربكم": الزمر - 54، ويعم شموله لجميع المعاصي حتى الشرك. # ومنه الإيمان قال تعالى: "آمنوا برسوله، إلى قوله: ويغفر لكم": الحديد - 28. # ومنه كل عمل صالح. # قال تعالى: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم": ~~المائدة - 9، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة": المائدة - 35 والآيات فيه كثيرة، ومنه القرآن لقوله تعالى: "يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم": المائدة - 16. # ومنه كل ما له ارتباط بعمل صالح، والمساجد والأمكنة المتبركة والأيام ~~الشريفة، ومنه الأنبياء والرسل باستغفارهم لأممهم. # قال تعالى: "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما": النساء - 64. # ومنه الملائكة في استغفارهم للمؤمنين، قال تعالى: "الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا": المؤمن - 7، ~~وقال تعالى: "والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم": الشورى - 5، ومنه المؤمنون باستغفارهم لأنفسهم ~~ولإخوانهم المؤمنين. # قال تعالى حكاية عنهم "واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولينا": البقرة - 276. # ومنها الشفيع يوم القيمة بالمعنى الذي عرفت فمنهم الأنبياء. # قال تعالى: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون" إلى ms0167 أن قال: ~~"ولا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء - 29، فإن منهم عيسى بن مريم وهو ~~نبي، وقال تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون": الزخرف - 86، والآيتان تدلان على جواز الشفاعة من الملائكة ~~أيضا لأنهم قالوا إنهم بنات الله سبحانه. PageV01P097 # ومنهم الملائكة. # قال تعالى: "وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى": النجم - 26، وقال تعالى: "يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم": ~~طه - 110، ومنهم الشهداء لدلالة قوله تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف - 86، على تملكهم للشفاعة ~~لشهادتهم بالحق، فكل شهيد فهو شفيع يملك الشهادة غير أن هذه الشهادة كما مر ~~في سورة الفاتحة وسيأتي في قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس": البقرة - 143 شهادة الأعمال دون الشهادة بمعنى القتل في ~~معركة القتال، ومن هنا يظهر أن المؤمنين أيضا من الشفعاء فإن الله عز وجل ~~أخبر بلحوقهم بالشهداء يوم القيامة، قال تعالى: "والذين آمنوا بالله ورسله ~~أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم": الحديد - 19، كما سيجيء بيانه. # 5 - بما ذا تتعلق الشفاعة؟ # قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية تتعلق بكل سبب تكويني في عالم الأسباب ~~ومنها شفاعة تشريعية متعلقة بالثواب والعقاب فمنها ما يتعلق بعقاب كل ذنب، ~~الشرك فما دونه كشفاعة التوبة والإيمان قبل يوم القيامة ومنها ما يتعلق ~~بتبعات بعض الذنوب كبعض الأعمال الصالحة، وأما الشفاعة المتنازع فيها وهي ~~شفاعة الأنبياء وغيرهم يوم القيامة لرفع العقاب ممن استحقه بالحساب، فقد ~~عرفت في الأمر الثالث أن متعلقها أهل المعاصي الكبيرة ممن يدين دين الحق ~~وقد ارتضى الله دينه. # 6 - متى تنفع الشفاعة؟ # ونعني بها أيضا الشفاعة الرافعة للعقاب، والذي يدل عليه قوله سبحانه: "كل ~~نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما ~~سلككم في سقر": المدثر - 42، فالآيات كما ms0168 مر دالة على توصيف من تناله ~~الشفاعة ومن يحرم منها غير أنها تدل على أن الشفاعة إنما تنفع في الفك عن ~~هذه الرهانة والإقامة والخلود في سجن النار، وأما ما يتقدم عليه من أهوال ~~يوم القيامة وعظائمها فلا دليل على وقوع شفاعة فيها لو لم تدل الآية على ~~انحصار الشفاعة في الخلاص من رهانة النار. # واعلم أنه يمكن أن يستفاد من هذه الآيات وقوع هذا التساؤل بعد استقرار ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وتعلق الشفاعة بجمع من المجرمين ~~بإخراجهم من النار، وذلك لمكان قوله: في جنات، الدال على الاستقرار وقوله: ~~ما سلككم فإن السلوك هو الإدخال لكن لا كل إدخال بل إدخال على سبيل النضد ~~والجمع والنظم ففيه معنى الاستقرار وكذا قوله: فما تنفعهم، فإن ما لنفي ~~الحال، فافهم ذلك. ### # وأما نشأة البرزخ وما يدل على حضور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والأئمة (عليهم السلام) عند الموت وعند مساءلة القبر وإعانتهم إياه على ~~الشدائد كما سيأتي في قوله تعالى: "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به": ~~النساء - 158، فليس من الشفاعة عند الله في شيء وإنما هو من سبيل التصرفات ~~والحكومة الموهوبة لهم بإذن الله سبحانه، قال تعالى: "وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم ~~يطمعون، إلى أن قال: "ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما ~~أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون": الأعراف - 46، 48، 49، ~~ومن هذا القبيل من وجه قوله تعالى: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي ~~كتابه بيمينه": إسراء - 71، فوساطة الإمام في الدعوة، وإيتاء الكتاب من ~~قبيل الحكومة الموهوبة فافهم. # فتحصل أن المتحصل من أمر الشفاعة وقوعها في آخر موقف من مواقف يوم ~~القيامة باستيهاب المغفرة بالمنع عن دخول النار، أو إخراج بعض من كان داخلا ~~فيها، باتساع الرحمة أو ظهور الكرامة. PageV01P098 ### |||| AUTO بحث روائي # في أمالي الصدوق، عن الحسين بن خالد ms0169 عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم يؤمن ~~بحوضي فلا أورده الله حوضي ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي ثم ~~قال (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما ~~المحسنون منهم فما عليهم من سبيل، قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا (عليه ~~السلام) يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل: "ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى" قال (عليه السلام) لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه. # أقول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما شفاعتي، هذا المعنى رواه ~~الفريقان بطرق متعددة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد مر استفادة معناه ~~من الآيات. # وفي تفسير العياشي، عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيم (عليه السلام): في ~~قول الله: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، قال: يقوم الناس يوم القيامة ~~مقدار أربعين عاما ويؤمر الشمس، فيركب على رءوس العباد، ويلجمهم العرق، ~~ويؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئا فيأتون آدم فيستشفعون منه فيدلهم على ~~نوح، ويدلهم نوح على إبراهيم، ويدلهم إبراهيم على موسى، ويدلهم موسى على ~~عيسى، ويدلهم عيسى فيقول: عليكم بمحمد خاتم البشر فيقول محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أنا لها فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدق فيقال له: من ~~هذا؟ والله أعلم فيقول: محمد، فيقال: افتحوا له فإذا فتح الباب استقبل ربه ~~فخر ساجدا فلا رفع رأسه حتى يقال له: تكلم وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه ~~ويستقبل ربه فيخر ساجدا فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى إنه ليشفع من قد ~~أحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم أوجه من محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو قول الله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. # أقول: وهذا المعنى مستفيض مروي بالاختصار والتفصيل بطرق متعددة من العامة ~~والخاصة، وفيها دلالة على كون المقام المحمود في الآية هو مقام الشفاعة، ~~ولا ينافي ذلك كون ms0170 غيره (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأنبياء، وغيرهم ~~جائز الشفاعة لإمكان كون شفاعتهم فرعا لشفاعته فافتتاحها بيده (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفي تفسير العياشي، أيضا: عن أحدهما (عليهما السلام): في قوله تعالى: عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا، قال: هي الشفاعة. # وفي تفسير العياشي، أيضا: عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال: نعم فقال له رجل من القوم: هل يحتاج ~~المؤمن إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ؟ قال: نعم إن ~~للمؤمنين خطايا وذنوبا وما من أحد إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ. قال: ~~وسأله رجل عن قول رسول الله: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. قال نعم. قال: يأخذ ~~حلقة باب الجنة فيفتحها فيخر ساجدا فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تشفع اطلب ~~تعط فيرفع رأسه ثم يخر ساجدا فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تشفع واطلب تعط ثم ~~يرفع رأسه فيشفع فيشفع ويطلب فيعطى. # وفي تفسير الفرات،: عن محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا عن بشر بن شريح ~~البصري قال: قلت لمحمد بن علي (عليهما السلام)، أية آية في كتاب الله أرجى؟ ~~قال: فما يقول فيها قومك؟ قلت: يقولون: "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله". قال: لكنا أهل بيت لا نقول ذلك. قال: قلت: فأي ~~شيء تقولون فيها؟ قال: نقول: ولسوف يعطيك ربك فترضى الشفاعة والله الشفاعة ~~والله الشفاعة. # أقول: أما كون قوله تعالى: "عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا" الآية مقام ~~الشفاعة فربما ساعد عليه لفظ الآية أيضا مضافا إلى ما استفاض عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أنه مقام الشفاعة فإن قوله تعالى: أن يبعثك، يدل على أنه ~~مقام سيناله يوم القيامة. # وقوله محمودا مطلق فهو حمد غير مقيد يدل على وقوعه من جميع الناس من ~~الأولين والآخرين، والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري ففيه دلالة على ~~وقوع فعل منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتفع به ويستفيد منه ms0171 الكل فيحمده ~~عليه، ولذلك قال (عليه السلام) في رواية عبيد بن زرارة السابقة: وما من أحد ~~إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ الحديث. # وسيجيء بيان هذا المعنى بوجه آخر وجيه. PageV01P099 # وأما كون قوله تعالى: ولسوف يعطيك ربك فترضى، أرجى آية في كتاب الله دون ~~قوله تعالى: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا الآية، فإن النهي ~~عن القنوط وإن تكرر ذكره في القرآن الشريف إلا أن قوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): قال: "ومن يقنط من رحمة الله إلا ~~القوم الضالون:" الحجر - 56، وقوله تعالى حكاية عن يعقوب (عليه السلام): ~~"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون": يوسف - 87، ناظرتان إلى ~~اليأس والقنوط من الرحمة التكوينية بشهادة المورد. # وأما قوله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ~~ربكم:" الزمر - 54، إلى آخر الآيات فهو وإن كان نهيا عن القنوط من الرحمة ~~التشريعية بقرينة قوله تعالى أسرفوا على أنفسهم الظاهر في كون القنوط في ~~الآية قنوطا من جهة المعصية، وقد عمم سبحانه المغفرة للذنوب جميعا من غير ~~استثناء، ولكنه تعالى ذيله بالأمر بالتوبة والإسلام والعمل بالإتباع فدلت ~~الآية على أن العبد المسرف على نفسه لا ينبغي له أن يقنط من روح الله ما ~~دام يمكنه اختبار التوبة والإسلام والعمل الصالح. # وبالجملة فهذه رحمة مقيدة أمر الله تعالى عباده بالتعلق بها، وليس رجاء ~~الرحمة المقيدة كرجاء الرحمة العامة والإعطاء، والإرضاء المطلقين الذين ~~وعدهما الله لرسوله الذي جعله رحمة للعالمين. # ذلك الوعد يطيب نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى: ~~ولسوف يعطيك ربك فترضى" الآية. # توضيح ذلك: أن الآية في مقام الامتنان وفيها وعد يختص به رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لم يعد الله سبحانه بمثله أحدا من خلقه قط، ولم يقيد ~~الإعطاء بشيء فهو إعطاء مطلق وقد وعد الله ما يشابه ذلك فريقا من عباده ms0172 في ~~الجنة فقال تعالى: "لهم فيها ما يشاءون عند ربهم:" الشورى - 22، وقال ~~تعالى: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد:" ق - 35، فأفاد أن لهم هناك ما هو ~~فوق مشيتهم، والمشية تتعلق بكل ما يخطر ببال الإنسان من السعادة والخير، ~~فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين:" السجدة - 17، فإذا كان هذا قدر ما أعطاه الله على عباده الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك فما يعطيه لرسوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم فافهم. ### # فهذا شأن إعطائه تعالى، وأما شأن رضى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله، الذي هو زميل ~~لأمر الله. # فإن الله هو المالك الغني على الإطلاق وليس للعبد إلا الفقر والحاجة ~~فينبغي أن يرضى بقليل ما يعطيه ربه وكثيره وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في ~~حقه، سره ذلك أو ساءه، فإذا كان هذا هكذا فرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أعلم وأعمل، لا يريد إلا ما يريده الله في حقه، لكن هذا الرضا حيث ~~وضع في مقابل الإعطاء يفيد معنى آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده، ~~وإرضاء الجائع بإشباعه فهو الإرضاء بالإعطاء من غير تحديد، وهذا أيضا مما ~~وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده. # قال عز من قائل: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ~~جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه:" البينة - 8، وهذا أيضا لموقع الامتنان ~~والاختصاص يجب أن يكون أمرا فوق ما للمؤمنين وأوسع من ذلك، وقد قال تعالى: ~~في حق رسوله: "بالمؤمنين رءوف رحيم:" التوبة - 128، فصدق رأفته وكيف يرضى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطيب نفسه أن يتنعم بنعيم الجنة ~~ويرتاض في رياضه وفريق من المؤمنين متغلغلون في دركات السعير، ms0173 مسجونون تحت ~~أطباق النار وهم معترفون لله بالربوبية، ولرسوله بالرسالة، ولما جاء به ~~بالصدق، وإنما غلبت عليهم الجهالة، ولعب بهم الشيطان، فاقترفوا معاصي من ~~غير عناد واستكبار. PageV01P100 # والواحد منا إذا راجع ما أسلفه من عمره ونظر إلى ما قصر به في الاستكمال ~~والارتقاء يلوم نفسه بالتفريط في سعيه وطلبه ثم يلتفت إلى جهالة الشباب ~~ونقص التجارب فربما خمدت نار غضبه وانكسرت سورة ملامته لرحمة ناقصة أودعها ~~الله فطرته، فما ظنك برحمة رب العالمين في موقف ليس فيه إلا جهالة إنسان ~~ضعيف وكرامة النبي الرءوف الرحيم ورحمة أرحم الراحمين. # وقد رأى ما رأى من وبال أمره من لدن نشبت عليه أظفار المنية إلى آخر ~~مواقف يوم القيامة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~الآية، عن أبي العباس المكبر قال: دخل مولى لامرأة علي بن الحسين يقال له: ~~أبو أيمن فقال: يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون: شفاعة محمد، شفاعة محمد ~~فغضب أبو جعفر حتى تربد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن أغرك أن عف بطنك ~~وفرجك؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيمة لقد احتجت إلى شفاعة محمد، ويلك فهل ~~يشفع إلا لمن وجبت له النار؟ قال: ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو ~~محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة، ثم قال أبو ~~جعفر: إن لرسول الله الشفاعة في أمته، ولنا شفاعة في شيعتنا، ولشيعتنا ~~شفاعة في أهاليهم، ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ~~ليشفع لخادمه ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد. # أقول: قوله (عليه السلام): ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج ~~إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرة أن هذه الشفاعة العامة غير ~~التي ذكرها بقوله: ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار وقد مر نظير هذا ~~المعنى في رواية العياشي عن عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام). # وفي هذا المعنى ms0174 روايات أخر روتها العامة والخاصة، ويدل عليه قوله تعالى: ~~"ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون:" ~~الزخرف - 86، حيث يفيد أن الملاك في الشفاعة هو الشهادة، فالشهداء هم ~~الشفعاء المالكون للشفاعة، وسيأتي إن شاء الله في قوله تعالى: "وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا:" ~~البقرة - 143، أن الأنبياء شهداء وأن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيد ~~عليهم، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيد الشهداء فهو شفيع الشفعاء ولو ~~لا شهادة الشهداء لما قام للقيامة أساس. # وفي تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له. قال (عليه السلام): لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله حتى يأذن ~~الله له إلا رسول الله فإن الله أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة، ~~والشفاعة له وللأئمة من ولده ثم من بعد ذلك للأنبياء. # وفي الخصال،: عن علي (عليه السلام) قال قال: رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ثلاثة يشفعون إلى الله عز وجل فيشفعون: الأنبياء، ثم العلماء، ~~ثم الشهداء. # أقول: الظاهر أن المراد بالشهداء، شهداء معركة القتال كما هو المعروف في ~~لسان الأئمة في الأخبار لا شهداء الأعمال كما هو مصطلح القرآن. # وفي الخصال، في حديث الأربعمائة: وقال (عليه السلام): لنا شفاعة ولأهل ~~مودتنا شفاعة. # أقول: وهناك روايات كثيرة في شفاعة سيدة النساء فاطمة (عليها السلام) ~~وشفاعة ذريتها غير الأئمة وشفاعة المؤمنين حتى السقط منهم. # ففي الحديث المعروف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تناكحوا تناسلوا ~~فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط يقوم محبنطئا على باب الجنة ~~فيقال له: ادخل فيقول: لا حتى يدخل أبواي الحديث. # وفي الخصال، عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: ~~إن للجنة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه ~~الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا، فلا أزال واقفا ~~على الصراط أدعو وأقول: رب سلم شيعتي ms0175 ومحبي وأنصاري ومن تولاني في دار ~~الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش، قد أجيبت دعوتك، وشفعت في شيعتك، ويشفع ~~كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من عاداني بفعل أو قول في سبعين ~~ألفا من جيرانه وأقربائه، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله ~~إلا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت. PageV01P101 # وفي الكافي،: عن حفص المؤذن عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رسالته إلى ~~أصحابه قال (عليه السلام): واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه ~~لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من سره أن ينفعه شفاعة الشافعين ~~عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه. # وفي تفسير الفرات،: بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: قال جابر لأبي ~~جعفر (عليه السلام): جعلت فداك يا بن رسول الله حدثني بحديث في جدتك فاطمة ~~وساق الحديث يذكر فيه شفاعة فاطمة يوم القيامة إلى أن قال: قال أبو جعفر ~~(عليه السلام): فوالله لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق، فإذا ~~صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى فما لنا من شافعين ولا صديق ~~حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين، قال أبو جعفر (عليه السلام): هيهات ~~هيهات منعوا ما طلبوا ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. # أقول: تمسكه (عليه السلام) بقوله تعالى: فما لنا من شافعين يدل على ~~استشعار دلالة الآيات على وقوع الشفاعة وقد تمسك بها النافون للشفاعة على ~~نفيها وقد اتضح مما قدمناه في قوله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين وجه ~~دلالتها عليها في الجملة، فلو كان المراد مجرد النفي لكان حق الكلام أن ~~يقال: فما لنا من شفيع ولا صديق حميم، فالإتيان في حيز النفي بصيغة الجمع ~~يدل على وقوع شفاعة من جماعة وعدم نفعها في حقهم، مضافا إلى أن قوله تعالى: ~~فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين بعد قوله: فما لنا من شافعين ولا صديق ms0176 ~~حميم المسوق للتحسر تمن واقع في حيز التحسر ومن المعلوم أن التمني في حيز ~~التحسر إنما يكون بما يتضمن ما فقده ويشتمل على ما تحسر عليه فيكون معنى ~~قولهم: فلو أن لنا كرة معناه يا ليتنا نرد فنكون من المؤمنين حتى ننال ~~الشفاعة من الشافعين كما نالها المؤمنون، فالآية من الآيات الدالة على وقوع ~~الشفاعة. ### # وفي التوحيد،: عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من ~~سبيل، قيل: يا بن رسول الله كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر، والله تعالى ~~يقول: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن ارتكب الكبيرة لا يكون مرتضى؟ فقال ~~(عليه السلام): ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا ساءه ذلك وندم عليه، وقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): كفى بالندم توبة، وقال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس ~~بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالما والله تعالى ذكره يقول: ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع، فقيل له: يا بن رسول الله وكيف لا يكون مؤمنا من لا ~~يندم على ذنب يرتكبه فقال: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أن ~~سيعاقب عليه إلا ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة، ~~ومتى لم يندم عليها كان مصرا والمصر لا يغفر له، لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ~~ارتكب، ولو كان مؤمنا بالعقوبة لندم وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وأما قول الله عز وجل: ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه، والدين ~~الإقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات، فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه ~~من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة. PageV01P102 # أقول: قوله (عليه السلام) وكان ظالما، فيه تعريف الظالم يوم القيامة وإشارة ~~إلى ما عرفه به القرآن حيث ms0177 يقول: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين" الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون": ~~الأعراف - 44 45، وهو الذي لا يعتقد بيوم المجازاة فلا يتأسف على فوت أوامر ~~الله تعالى ولا يسوؤه اقتحام محارمه إما بجحد جميع المعارف الحقة والتعاليم ~~الدينية وإما بالاستهانة لأمرها وعدم الاعتناء بالجزاء والدين يوم الجزاء ~~والدين فيكون قوله به استهزاء بأمره وتكذيبا له، وقوله (عليه السلام): ~~فتكون تائبا مستحقا للشفاعة، أي راجعا إلى الله ذا دين مرضي مستحقا ~~للشفاعة، وأما التوبة المصطلحة فهي بنفسها شفيعة منجية، وقوله (عليه ~~السلام): وقد قال النبي لا كبيرة مع الاستغفار، إلخ تمسكه (عليه السلام) به ~~من جهة أن الإصرار وهو عدم الانقباض بالذنب والندم عليه يخرج الذنب عن شأنه ~~الذي له إلى شأن آخر وهو تكذيب المعاد والظلم بآيات الله فلا يغفر لأن ~~الذنب إنما يغفر إما بتوبة أو بشفاعة متوقفة على دين مرضي ولا توبة هناك ~~ولا دين مرضيا. # ونظير هذا المعنى واقع في رواية العلل، عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت ~~لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): يا بن رسول الله أخبرني عن ~~المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني؟ قال: اللهم لا، قلت: ~~فيلوط قال اللهم لا، قلت فيسرق؟ قال لا، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا قلت: ~~فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال لا، قلت فيذنب ~~ذنبا؟ قال: نعم وهو مؤمن مذنب مسلم، قلت: ما معنى مسلم؟ قال: المسلم لا ~~يلزمه ولا يصر عليه. # الحديث. # وفي الخصال،: بأسانيد عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال قال: رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان يوم القيامة تجلى الله عز وجل ~~لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يغفر الله له لا يطلع الله له ~~ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ويستر عليه أن يقف عليه أحد، ثم يقول لسيئاته: ~~كوني حسنات. # وعن صحيح مسلم، مرفوعا إلى أبي ذر قال: قال رسول الله ms0178 (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ونحوا ~~عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من ~~الكبائر فيقال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها ~~هاهنا، قال: ولقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه. # وفي الأمالي،: عن الصادق (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نشر الله ~~تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته. # أقول: والروايات الثلاث الأخيرة من المطلقات والأخبار الدالة على وقوع ~~شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة من طرق أئمة أهل البيت ~~وكذا من طرق أهل السنة والجماعة بالغة حد التواتر، وهي من حيث المجموع إنما ~~تدل على معنى واحد وهو الشفاعة على المذنبين من أهل الإيمان إما بالتخليص ~~من دخول النار وإما بالإخراج منها بعد الدخول فيها، والمتيقن منها عدم خلود ~~المذنبين من أهل الإيمان في النار وقد عرفت أن القرآن أيضا لا يدل على أزيد ~~من ذلك. ### |||| AUTO بحث فلسفي # البراهين العقلية وإن قصرت عن إعطاء التفاصيل الواردة كتابا وسنة في ~~المعاد لعدم نيلها المقدمات المتوسطة في الاستنتاج على ما ذكره الشيخ ابن ~~سينا لكنها تنال ما يستقبله الإنسان من كمالاته العقلية والمثالية في صراطي ~~السعادة والشقاوة بعد مفارقة نفسه بدنه من جهة التجرد العقلي والمثالي ~~الناهض عليهما البرهان. PageV01P103 # فالإنسان في بادىء أمره يحصل له من كل فعل يفعله هيئة نفسانية وحال من ~~أحوال السعادة والشقاوة، ونعني بالسعادة ما هو خير له من حيث إنه إنسان، ~~وبالشقاوة ما يقابل ذلك، ثم تصير تلك الأحوال بتكررها ملكة راسخة، ثم يتحصل ~~منها صورة سعيدة أو شقية للنفس تكون مبدأ لهيئات وصور نفسانية، فإن كانت ~~سعيدة فآثارها وجودية ملائمة للصورة الجديدة، وللنفس التي هي بمنزلة المادة ~~القابلة لها، وإن كانت شقية فآثارها أمور عدمية ترجع بالتحليل إلى الفقدان ~~والشر، فالنفس السعيدة تلتذ بآثارها بما هي إنسان، وتلتذ بها بما هي إنسان ~~سعيد بالفعل، والنفس الشقية وإن ms0179 كانت آثارها مستأنسة لها وملائمة بما أنها ~~مبدأ لها لكنها تتألم بها بما أنها إنسان، هذا بالنسبة إلى النفوس الكاملة ~~في جانب السعادة والشقاوة، أعني الإنسان السعيد ذاتا والصالح عملا والإنسان ~~الشقي ذاتا والطالح عملا، وأما الناقصة في سعادتها وشقاوتها فالإنسان ~~السعيد ذاتا الشقي فعلا بمعنى أن يكون ذاته ذات صورة سعيدة بالاعتقاد الحق ~~الثابت غير أن في نفسه هيئات شقية ردية من الذنوب والآثام اكتسبتها حين ~~تعلقها بالبدن الدنيوي وارتضاعها من ثدي الاختيار، فهي أمور قسرية غير ~~ملائمة لذاته، وقد أقيم البرهان على أن القسر لا يدوم، فهذه النفس سترزق ~~التطهر منها في برزخ أو قيمة على حسب قوة رسوخها في النفس، وكذلك الأمر ~~فيما للنفس الشقية من الهيئات العارضة السعيدة فإنها ستسلب عنها وتزول ~~سريعا أو بطيئا، وأما النفس التي لم تتم لها فعلية السعادة والشقاوة في ~~الحياة الدنيا حتى فارقت البدن مستضعفة ناقصة فهي من المرجئين لأمر الله عز ~~وجل، فهذا ما يقتضيه البراهين في المجازاة بالثواب والعقاب المقتضية لكونها ~~من لوازم الأعمال ونتائجها، لوجوب رجوع الروابط الوضعية الاعتبارية بالآخرة ~~إلى روابط حقيقية وجودية هذا. # ثم إن البراهين قائمة على أن الكمال الوجودي مختلف بحسب مراتب الكمال ~~والنقص والشدة والضعف وهو التشكيك خاصة في النور المجرد فلهذه النفوس مراتب ~~مختلفة في القرب والبعد من مبدإ الكمال ومنتهاه في سيرها الارتقائي وعودها ~~إلى ما بدأت منها وهي بعضها فوق بعض، وهذه شأن العلل الفاعلية بمعنى ما به ~~ووسائط الفيض، فلبعض النفوس وهي النفوس التامة الكاملة كنفوس الأنبياء ~~(عليهم السلام) وخاصة من هو في أرقى درجات الكمال والفعلية وساطة في زوال ~~الهيئات الشقية الردية القسرية من نفوس الضعفاء، ومن دونهم من السعداء إذا ~~لزمتها قسرا، وهذه هي الشفاعة الخاصة بأصحاب الذنوب. PageV01P104 ### |||| AUTO بحث اجتماعي # الذي تعطيه أصول الاجتماع أن المجتمع الإنساني لا يقدر على حفظ حياته ~~وإدامة وجوده إلا بقوانين موضوعة معتبرة بينهم، لها النظارة في حاله، ~~والحكومة في أعمال الأفراد وشئونهم، تنشأ عن فطرة المجتمع وغريزة الأفراد ~~المجتمعين ms0180 بحسب الشرائط الموجودة، فتسير بهدايتها جميع طبقات الاجتماع كل ~~على حسب ما يلائم شأنه ويناسب موقعه فيسير المجتمع بذلك سيرا حثيثا ويتولد ~~بتألف أطرافه وتفاعل متفرقاته العدل الاجتماعي وهي موضوعة على مصالح ومنافع ~~مادية يحتاج إليها ارتقاء الاجتماع المادي، وعلى كمالات معنوية كالأخلاق ~~الحسنة الفاضلة التي يدعو إليها صلاح الاجتماع كالصدق في القول والوفاء ~~بالعهد والنصح وغير ذلك، وحيث كانت القوانين والأحكام وضعية غير حقيقية ~~احتاجت إلى تتميم تأثيرها، بوضع أحكام مقررة أخرى في المجازاة لتكون هي ~~الحافظة لحماها عن تعدي الأفراد المتهوسين وتساهل آخرين، ولذلك كلما قويت ~~حكومة أي حكومة كانت على إجراء مقررات الجزاء لم يتوقف المجتمع في سيره ولا ~~ضل سائره عن طريقه ومقصده، وكلما ضعفت اشتد الهرج والمرج في داخله وانحرف ~~عن مسيره فمن التعاليم اللازمة تثبيتها في الاجتماع تلقين أمر الجزاء، ~~وإيجاد الإيمان به في نفوس الأفراد، ومن الواجب الاحتراز من أن يدخل في ~~نفوسهم رجاء التخلص عن حكم الجزاء، وتبعة المخالفة والعصيان، بشفاعة أو ~~رشوة أو بشيء من الحيل والدسائس المهلكة، ولذلك نقموا على الديانة المسيحية ~~ما وقع فيها أن المسيح فدى الناس في معاصيهم بصلبه، فالناس يتكلون عليه في ~~تخليصهم من يد القضاء يوم القيامة ويكون الدين إذ ذاك هادما للإنسانية، ~~مؤخرا للمدنية، راجعا بالإنسان القهقرى كما قيل. ### # وأن الإحصاء يدل من أن المتدينين أكثر كذبا وأبعد من العدل من غيرهم وليس ~~ذلك إلا أنهم يتكلون بحقية دينهم، وادخار الشفاعة في حقهم ليوم القيامة، ~~فلا يبالون ما يعملون بخلاف غيرهم، فإنهم خلوا وغرائزهم وفطرهم ولم يبطل ~~حكمها بما بطل به في المتدينين فحكمت بقبح التخلف عما يخالف حكم الإنسانية ~~والمدنية الفاضلة. # وبذلك عول جمع من الباحثين في تأويل ما ورد في خصوص الشفاعة في الإسلام ~~وقد نطق به الكتاب وتواترت عليه السنة. # ولعمري لا الإسلام تثبت الشفاعة بالمعنى الذي فسروها به، ولا الشفاعة ~~التي تثبتها تؤثر الأثر الذي زعموه لها، فمن الواجب أن يحصل الباحث في ~~المعارف الدينية وتطبيق ما شرعه الإسلام على ms0181 هيكل الاجتماع الصالح والمدنية ~~الفاضلة تمام ما رامه الإسلام من الأصول والقوانين المنطبقة على الاجتماع ~~كيفية ذلك التطبيق، ثم يحصل ما هي الشفاعة الموعودة وما هو محلها وموقعها ~~بين المعارف التي جاء بها. # فيعلم أولا: أن الذي يثبته القرآن من الشفاعة هو أن المؤمنين لا يخلدون ~~في النار يوم القيامة بشرط أن يلاقوا ربهم بالإيمان المرضي والدين الحق فهو ~~وعد وعده القرآن مشروطا ثم نطق بأن الإيمان من حيث بقائه على خطر عظيم من ~~جهة الذنوب ولا سيما الكبائر ولا سيما الإدمان منها والإمرار فيها، فهو شفا ~~جرف الهلاك الدائم، وبذلك يتحصل رجاء النجاة وخوف الهلاك، ويسلك نفس المؤمن ~~بين الخوف والرجاء فيعبد ربه رغبة ورهبة، ويسير في حياته سيرا معتدلا غير ~~منحرف لا إلى خمود القنوط ولا إلى كسل الوثوق. # وثانيا: أن الإسلام قد وضع من القوانين الاجتماعية من مادياتها ~~ومعنوياتها ما يستوعب جميع الحركات والسكنات الفردية والاجتماعية، ثم اعتبر ~~لكل مادة من موادها ما هو المناسب له من التبعة والجزاء من دية وحد وتعزير ~~إلى أن ينتهي إلى تحريم مزايا الاجتماع واللوم والذم والتقبيح، ثم تحفظ على ~~ذلك بعد تحكيم حكومة أولياء الأمر، بتسليط الكل على الكل بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ثم أحيا ذلك بنفخ روح الدعوة الدينية المضمنة بالإنذار ~~والتبشير بالعقاب والثواب في الآخرة، وبنى أساس تربيته بتلقين معارف المبدإ ~~والمعاد على هذا الترتيب. PageV01P105 # فهذا ما يرومه الإسلام بتعليمه، جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وصدقه التجارب الواقع في عهده وعهد من يليه حتى أثبت به أيدي الولاة في ~~السلطنة الأموية ومن شايعهم في استبدادهم ولعبهم بأحكام الدين وإبطالهم ~~الحدود والسياسات الدينية حتى آل الأمر إلى ما آل إليه اليوم وارتفعت أعلام ~~الحرية وظهرت المدنية الغربية ولم يبق من الدين بين المسلمين إلا كصبابة في ~~إناء فهذا الضعف البين في سياسة الدين وارتجاع المسلمين القهقرى هو الموجب ~~لتنزلهم في الفضائل والفواضل وانحطاطهم في الأخلاق والآداب الشريفة ~~وانغمارهم في الملاهي والشهوات وخوضهم في الفواحش والمنكرات، ms0182 هو الذي ~~أجرأهم على انتهاك كل حرمة واقتراف كل ما يستشنعه حتى غير المنتحل بالدين ~~لا ما يتخيله المعترض من استناد الفساد إلى بعض المعارف الدينية التي لا ~~غاية لها وفيها إلا سعادة الإنسان في آجله وعاجله والله المعين، والإحصاء ~~الذي ذكروها إنما وقع على جمعية المتدينين وليس عليهم قيم ولا حافظ قوي ~~وعلى جمعية غير المنتحلين، والتعليم والتربية الاجتماعيان قيمان عليهم ~~حافظان لصلاحهم الاجتماعي فلا يفيد فيما أراده شيئا PageV01P106 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 49 - 61 # وإذ نجينكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجينكم ~~وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون (50) وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظلمون (51) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ~~(52) وإذ ءاتينا موسى الكتب والفرقان لعلكم تهتدون (53) وإذ قال موسى لقومه ~~يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ~~ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) وإذ قلتم ~~يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون (55) ثم ~~بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم ~~المن والسلوى كلوا من طيبت ما رزقنكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~(57) وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا ~~قولا غير الذى قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون (59) * وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا ~~فى الأرض مفسدين (60) وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد فادع لنا ربك ~~يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال ~~أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت ~~عليهم ms0183 الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بئايت ~~الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ويستحيون نساءكم، أي يتركونهن أحياء للخدمة من غير أن ~~يقتلوهن كالأبناء فالاستحياء طلب الحياة ويمكن أن يكون المعنى ويفعلون ما ~~يوجب زوال حيائهن من المنكرات، ومعنى يسومونكم يولونكم. # قوله تعالى: وإذ فرقنا بكم الفرق مقابل الجمع كالفصل والوصل، والفرق في ~~البحر الشق والباء للسببية أو الملابسة أي فرقنا لإنجائكم البحر أو ~~لملابستكم دخول البحر. # قوله تعالى: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة وقص تعالى القصة في سورة ~~الأعراف بقوله: "وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة": الأعراف - 142، فعد المواعدة فيها أربعين ليلة إما للتغليب ~~أو لأنه كانت العشرة الأخيرة بمواعدة أخرى فالأربعون مجموع المواعدتين كما ~~وردت به الرواية. PageV01P107 # قوله تعالى: فتوبوا إلى بارئكم البارىء من الأسماء الحسنى كما قال تعالى: ~~"هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى": الحشر - 24، وقع في ~~ثلاث مواضع من كلامه تعالى: اثنان منها في هذه الآية ولعله خص بالذكر هاهنا ~~من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد لأنه قريب المعنى من الخالق والموجد، ~~من برأ يبرأ براء إذا فصل لأنه يفصل الخلق من العدم أو الإنسان من الأرض، ~~فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشق ما يكون من ~~الأوامر لكن الله الذي أمركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برأكم ~~فالذي أحب وجودكم وهو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم ~~وكيف لا يحب خيركم وقد برأكم، فاختيار لفظ البارىء بإضافته إليهم في قوله: ~~إلى بارئكم، وقوله عند بارئكم للإشعار بالاختصاص لإثارة المحبة. # قوله تعالى: ذلكم خير لكم عند بارئكم ظاهر الآية وما تقدمها أن هذه ~~الخطابات وما وقع فيها من عد أنواع تعدياتهم ومعاصيهم إنما نسبت إلى الكل ~~مع كونها صادرة عن البعض لكونهم جامعة ذات قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل ~~بعض، وينسب فعل بعضهم إلى آخرين. # لمكان الوحدة الموجودة ms0184 فيهم، فما كل بني إسرائيل عبدوا العجل، ولا كلهم ~~قتلوا الأنبياء إلى غير ذلك من معاصيهم وعلى هذا فقوله تعالى: فاقتلوا ~~أنفسكم، إنما يعني به قتل البعض وهم الذين عبدوا العجل كما يدل عليه أيضا ~~قوله تعالى: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، وقوله تعالى: ذلكم خير لكم ~~عند بارئكم تتمة الحكاية من قول موسى كما هو الظاهر، وقوله تعالى: فتاب ~~عليكم يدل على نزول التوبة وقبولها، وقد وردت الرواية أن التوبة نزلت ولما ~~يقتل جميع المجرمين منهم. # ومن هنا يظهر أن الأمر كان أمرا امتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا ~~إبراهيم (عليه السلام) وذبح إسماعيل "يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا": الصافات ~~- 105، فقد ذكر موسى (عليه السلام) فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم ~~خير لكم عند بارئكم، وأمضى الله سبحانه قوله (عليه السلام) وجعل قتل البعض ~~قتلا للكل وأنزل التوبة بقوله: فتاب عليكم. # قوله تعالى: رجزا من السماء، الرجز العذاب. # قوله تعالى: ولا تعثوا العيث والعثي أشد الفساد. # قوله تعالى: وقثائها وفومها، القثاء الخيار والفوم الثوم أو الحنطة. # قوله تعالى: وباءوا بغضب، أي رجعوا. # قوله تعالى: ذلك بأنهم كانوا يكفرون، تعليل لما تقدمه. # قوله تعالى: ذلك بما عصوا، تعليل للتعليل فعصيانهم ومداومتهم للاعتداء هو ~~الموجب لكفرهم بالآيات وقتلهم الأنبياء كما قال تعالى: "ثم كان عاقبة الذين ~~أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": الروم - 10، وفي ~~التعليل بالمعصية وجه سيأتي في البحث الآتي. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة" عن أبي ~~جعفر (عليه السلام) قال: كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة ثم بدا منه ~~فزاد عشرا فتم ميقات ربه الأول والآخر أربعين ليلة. # أقول: والرواية تؤيد ما مر أن الأربعين مجموع المواعدتين. # وفي الدر المنثور،: عن علي (عليه السلام): في قوله تعالى: وإذ قال موسى ~~لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم الآية، قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: ~~يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه والله ~~لا ms0185 يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا فأوحى الله إلى موسى مرهم ~~فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي. PageV01P108 # وفي تفسير القمي،: قال (عليه السلام): إن موسى لما خرج إلى الميقات ورجع ~~إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم موسى: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل - فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم - ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فقالوا له: كيف نقتل أنفسنا فقال لهم موسى: اغدوا كل واحد منكم إلى بيت ~~المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا ~~أنتم ملتثمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا" فاجتمعوا سبعين ألف ~~رجل ممن كان عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلى بهم موسى وصعد المنبر ~~أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرائيل فقال: قل لهم: يا موسى ارفعوا القتل ~~فقد تاب الله لكم، فقتل منهم عشرة آلاف وأنزل الله: ذلكم خير لكم عند ~~بارئكم - فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم. # أقول: والرواية كما ترى تدل على كون قوله تعالى: ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~مقولا لموسى ومقولا له سبحانه فيكون إمضاء لكلمة قالها موسى وكشفا عن كونها ~~تامة على خلاف ما يلوح من الظاهر من كونها ناقصة فإن الظاهر يعطي أن موسى ~~جعل قتل الجميع خيرا لهم عند بارئهم، وقد قتل منهم البعض دون الجميع فجعل ~~سبحانه ما وقع من القتل هو الخير الذي ذكره موسى (عليه السلام) كما مر. # وفي تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: وظللنا عليكم الغمام الآية أن بني ~~إسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا في مفازة فقالوا: يا موسى أهلكتنا ~~وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل، ولا شجر، ولا ماء. وكانت ~~تجيء بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على ~~النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على موائدهم ~~فإذا أكلوا وشربوا طار ومر وكان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضربه ~~بعصاه فتنفجر منها اثنتا ms0186 عشرة عينا كما حكى الله فيذهب إلى كل سبط في رحله ~~وكانوا اثني عشر سبطا. ### # وفي الكافي،: في قوله تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، عن ~~أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: إن الله أعز وأمنع من أن يظلم أو ينسب ~~نفسه إلى الظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته، ثم ~~أنزل الله بذلك قرآنا على نبيه فقال: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ~~قال الراوي: قلت: هذا تنزيل، قال: نعم:. أقول: وروي ما يقرب منه أيضا عن ~~الباقر (عليه السلام) وقوله (عليه السلام): أمنع من أن يظلم بالبناء ~~للمفعول تفسير لقوله تعالى: وما ظلمونا، وقوله: أو ينسب نفسه إلى الظلم ~~بالبناء للفاعل، وقوله: ولكنه خلطنا بنفسه أي خلطنا معاشر الأنبياء ~~والأوصياء والأئمة بنفسه، وقوله: قلت: هذا تنزيل قال: نعم وجهه أن النفي في ~~هذه الموارد وأمثالها إنما يصح فيما يصح فيه الإثبات أو يتوهم صحته، فلا ~~يقال للجدار، أنه لا يبصر أو لا يظلم إلا لنكتة وهو سبحانه أجل من أن يسلم ~~في كلامه توهم الظلم عليه، أو جاز وقوعه عليه فالنكتة في هذا النفي الخلط ~~المذكور لأن العظماء يتكلمون عن خدمهم وأعوانهم. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~الآية عن الصادق (عليه السلام) أنه قرأ هذه الآية: ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله - ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فقال: ~~والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها ~~فأخذوا عليها فقتلوا فكان قتلا واعتداء ومصيبة: أقول: وفي الكافي، عنه ~~(عليه السلام) مثله وكأنه (عليه السلام) استفاد ذلك من قوله تعالى: ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون فإن القتل وخاصة قتل الأنبياء والكفر بآيات الله لا ~~يعلل بالعصيان بل الأمر بالعكس على ما يوجبه الشدة والأهمية لكن العصيان ~~بمعنى عدم الكتمان والتحفظ مما يصح التعليل المذكور به. PageV01P109 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 62 # إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصرى والصبئين من ءامن بالله واليوم ~~الاخر وعمل ms0187 صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ### |||| AUTO بيان # تكرار الإيمان ثانيا وهو الاتصاف بحقيقته كما يعطيه السياق يفيد أن ~~المراد بالذين آمنوا في صدر الآية هم المتصفون بالإيمان ظاهرا المتسمون ~~بهذا الاسم فيكون محصل المعنى أن الأسماء والتسمي بها مثل المؤمنين واليهود ~~والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجرا ولا أمنا من العذاب ~~كقولهم: لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وإنما ملاك الأمر وسبب ~~الكرامة والسعادة حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ولذلك ~~لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلا يكون ~~تقريرا للفائدة في التسمي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى وهذا مما تكررت ~~فيه آيات القرآن أن السعادة والكرامة تدور مدار العبودية، فلا اسم من هذه ~~الأسماء ينفع لمتسميه شيئا، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه ~~إلا مع لزوم العبودية، الأنبياء ومن دونهم فيه سواء، فقد قال تعالى في ~~أنبيائه بعد ما وصفهم بكل وصف جميل: "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون": الأنعام - 88، وقال تعالى في أصحاب نبيه ومن آمن معه مع ما ذكر من ~~عظم شأنهم وعلو قدرهم: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ~~وأجرا عظيما": الفتح - 29، فأتى بكلمة منهم وقال في غيرهم ممن أوتي آيات ~~الله تعالى: "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه": ~~الأعراف - 176، إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الكرامة بالحقيقة دون ~~الظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: عن سلمان الفارسي قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: "إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا" الآية: أقول: وروي أيضا نزول الآية في أصحاب سلمان ~~بعدة طرق أخرى. # وفي المعاني، عن ابن فضال قال: قلت للرضا (عليه السلام) لم سمي النصارى ~~نصارى قال: لأنهم كانوا من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم ~~وعيسى بعد رجوعهما من مصر ms0188 أقول وفي الرواية بحث سنتعرض له في قصص عيسى ~~(عليه السلام) من سورة آل عمران إن شاء الله. # وفي الرواية: أن اليهود سموا باليهود لأنهم من ولد يهودا بن يعقوب. # وفي تفسير القمي،: قال: قال (عليه السلام): الصابئون قوم لا مجوس ولا ~~يهود ولا نصارى ولا مسلمون وهم يعبدون النجوم والكواكب. # أقول: وهي الوثنية، غير أن عبادة الأصنام غير مقصورة عليهم بل الذي يخصهم ~~عبادة أصنام الكواكب. ### |||| AUTO بحث تاريخي # ذكر أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية، ما لفظه: وأول المذكورين منهم ~~يعني المتنبئين يوذاسف وقد ظهر عند مضي سنة من ملك طهمورث بأرض الهند وأتى ~~بالكتابة الفارسية، ودعا إلى ملة الصابئين فاتبعه خلق كثير، وكانت الملوك ~~البيشدادية وبعض الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النيرين والكواكب ~~وكليات العناصر ويقدسونها إلى وقت ظهور زرادشت عند مضي ثلاثين سنة من ملك ~~بشتاسف، وبقايا أولئك الصابئين بحران ينسبون إلى موضعهم، فيقال لهم: ~~الحرانية وقد قيل: إنها نسبة إلى هادان بن ترخ أخي إبراهيم (عليه السلام) ~~وإنه كان من بين رؤسائهم أوغلهم في الدين وأشدهم تمسكا به، وحكى عنه ابن ~~سنكلا النصراني في كتابه الذي قصد فيه نقض نحلتهم، فحشاه بالكذب والأباطيل، ~~أنهم يقولون إن إبراهيم (عليه السلام) إنما خرج عن جملتهم لأنه خرج في ~~قلفته برص وإن من كان به ذلك فهو نجس لا يخالطونه فقطع قلفته بذلك السبب ~~يعني اختتن، ودخل إلى بيت من بيوت الأصنام فسمع صوتا من صنم يقول له: يا ~~إبراهيم خرجت من عندنا بعيب واحد، وجئتنا بعيبين، اخرج ولا تعاود المجيء ~~إلينا فحمله الغيظ على أن جعلها جذاذا، وخرج من جملتهم ثم إنه ندم بعد ما ~~فعله، وأراد ذبح ابنه لكوكب المشتري على عادتهم في ذبح أولادهم، زعم فلما ~~علم كوكب المشتري صدق توبته فداه بكبش. PageV01P110 # وحكى عبد المسيح بن إسحاق الكندي عنهم في جوابه عن كتاب عبد الله بن ~~إسماعيل الهاشمي، أنهم يعرفون بذبح الناس ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا ~~ونحن لا نعلم منهم إلا ms0189 أنهم أناس يوحدون الله، وينزهونه عن القبائح، ~~ويصفونه بالسلب لا الإيجاب كقولهم: لا يحد، ولا يرى، ولا يظلم، ولا يجور ~~ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازا، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة، وينسبون ~~التدبير إلى الفلك وأجرامه، ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها، ويعظمون ~~الأنوار، ومن آثارهم القبة التي فوق محراب عند المقصورة من جامع دمشق، وكان ~~مصلاهم، كان اليونانيون والروم على دينهم، ثم صارت في أيدي اليهود، فعملوها ~~كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى، فصيروها بيعة إلى أن جاء الإسلام وأهله ~~فاتخذوها مسجدا وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ~~ذكرها أبو معشر البلخي في كتابه في بيوت العبادات، مثل هيكل بعلبك كان لصنم ~~الشمس، وقران فإنها منسوبة إلى القمر، وبناؤها على صورته كالطيلسان وبقربها ~~قرية تسمى سلمسين، واسمها القديم صنمسين، أي صنم القمر، وقرية أخرى تسمى ~~ترععوز أي باب الزهرة ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا ~~من جملتهم، وأن اللات كان باسم زحل، والعزى باسم الزهرة ولهم أنبياء كثيرة ~~أكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصري وأغاذيمون وواليس وفيثاغورث وباباسوار جد ~~أفلاطون من جهة أمه وأمثالهم، ومنهم من حرم عليه السمك خوفا أن يكون رغاوة ~~والفرخ لأنه أبدا محموم، والثوم لأنه مصدع محرق للدم أو المني الذي منه ~~قوام العالم، والباقلاء لأنه يغلظ الذهن ويفسده، وأنه في أول الأمر إنما ~~نبت في جمجمة إنسان، ولهم ثلاث صلوات مكتوبات. # أولها: عند طلوع الشمس ثماني ركعات. # والثانية: عند زوال الشمس عن وسط السماء خمس ركعات، وفي كل ركعة من ~~صلاتهم ثلاث سجدات، ويتنفلون بصلاة في الساعة الثانية من النهار، وأخرى في ~~التاسعة من النهار. # والثالثة: في الساعة الثالثة من الليل، ويصلون على طهر ووضوء، ويغتسلون ~~من الجنابة ولا يختتنون إذ لم يؤمروا بذلك زعموا وأكثر أحكامهم في المناكح ~~والحدود مثل أحكام المسلمين، وفي التنجس عند مس الموتى، وأمثال ذلك شبيهة ~~بالتوراة، ولهم قرابين متعلقة بالكواكب وأصنامها وهياكلها وذبائح يتولاها ~~كهنتهم وفاتنوهم، ويستخرجون من ذلك علم ما عسى يكون المقرب وجواب ما يسأل ~~عنه، ms0190 وقد يسمى هرمس بإدريس الذي ذكر في التوراة أخنوخ، وبعضهم زعم أن ~~يوذاسف هو هرمس. # وقد قيل: إن هؤلاء الحرانية ليسوا هم الصابئة بالحقيقة، بل هم المسمون في ~~الكتب بالحنفاء والوثنية، فإن الصابئة هم الذين تخلفوا ببابل من جملة ~~الأسباط الناهضة في أيام كورش وأيام أرطحشست إلى بيت المقدس، ومالوا إلى ~~شرائع المجوس فصبوا إلى دين بخت نصر، فذهبوا مذهبا ممتزجا من المجوسية ~~واليهودية، كالسامرة بالشام، وقد توجد أكثرهم بواسط وسواد العراق بناحية ~~جعفر والجامدة ونهري الصلة منتمين إلى أنوش بن شيث، ومخالفين للحرانية، ~~عائبين مذاهبهم، لا يوافقونهم إلا في أشياء قليلة، حتى أنهم يتوجهون في ~~الصلاة إلى جهة القطب الشمالي والحرانية إلى الجنوبي، وزعم بعض أهل الكتاب ~~أنه كان لمتوشلخ ابن غير ملك يسمى صابي، وأن الصابئة سموا به، وكان الناس ~~قبل ظهور الشرائع وخروج يوذاسف شمينين سكان الجانب الشرقي من الأرض وكانوا ~~عبدة أوثان، وبقاياهم الآن بالهند والصين والتغزغز ويسميهم أهل خراسان ~~شمنان، وآثارهم وبهاراتهم وأصنامهم وفرخاراتهم ظاهرة في ثغور خراسان ~~المتصلة بالهند، ويقولون: بقدم الدهر، وتناسخ الأرواح، وهوي الفلك في خلإ ~~غير متناه، ولذلك يتحرك على استدارة فإن الشيء المستدير إذا أزيل ينزل مع ~~دوران، زعموا ومنهم من أقر بحدوث العالم، وزعم أن مدته ألف ألف سنة انتهى ~~موضع الحاجة. # أقول: وما نسبه إلى بعض من تفسير الصائبة بالمذهب الممتزج من المجوسية ~~واليهودية مع أشياء من الحرانية هو الأوفق بما في الآية فإن ظاهر السياق أن ~~التعداد لأهل الملة PageV01P111 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 63 - 74 # وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما ءاتينكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل الله عليكم ورحمته ~~لكنتم من الخسرين (64) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم ~~كونوا قردة خسئين (65) فجعلنها نكلا لما بين يديها وما خلفها وموعظة ~~للمتقين (66) وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين (67) قالوا ادع ms0191 لنا ربك ~~يبين لنا ما هى قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ~~فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول ~~إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر النظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما هى إن البقر تشبه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول ~~إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الئن ~~جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ~~ويريكم ءايته لعلكم تعقلون (73) ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو ~~أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغفل عما تعملون (74) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور، الطور هو الجبل كما بدله منه في قوله ~~تعالى: "وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة": الأعراف - 171، والنتق هو الجذب ~~والاقتلاع، وسياق الآية حيث ذكر أخذ الميثاق أولا والأمر بأخذ ما أوتوا ~~وذكر ما فيه أخيرا ووضع رفع الطور فوقهم بين الأمرين مع السكوت عن سبب ~~الرفع وغايتها يدل على أنه كان لإرهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون ~~لإجبارهم وإكراههم على العمل بما أوتوه وإلا لم يكن لأخذ الميثاق وجه، فما ~~ربما يقال: إن رفع الجبل فوقهم لو كان على ظاهره كان آية معجزة وأوجب ~~إجبارهم وإكراههم على العمل. # وقد قال سبحانه: "لا إكراه في الدين": البقرة - 256، وقال تعالى: "أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين": يونس - 99، غير وجيه فإن الآية كما مر لا ~~تدل على أزيد من الإخافة والإرهاب ولو كان مجرد رفع الجبل فوق بني إسرائيل ~~إكراها لهم على الإيمان أو العمل، لكان أغلب معجزات موسى موجبة للإكراه، ~~نعم هذا التأويل وصرف الآية عن ظاهرها، والقول بأن بني إسرائيل كانوا في ~~أصل الجبل فزلزل ms0192 وزعزع حتى أظل رأسه عليهم، فظنوا أنه واقع بهم فعبر عنها ~~برفعه فوقهم أو نتقه فوقهم، مبني على أصل إنكار المعجزات وخوارق العادات، ~~وقد مر الكلام فيها ولو جاز أمثال هذه التأويلات لم يبق للكلام ظهور، ولا ~~لبلاغة الكلام وفصاحته أصل تتكي عليه وتقوم به. # قوله تعالى: لعلكم تتقون. # لعل كلمة ترج واللازم في الترجي صحته في الكلام سواء كان قائما بنفس ~~المتكلم أو المخاطب أو بالمقام، كأن يكون المقام مقام رجاء وإن لم يكن ~~للمتكلم والمخاطب رجاء فيه وهو لا يخلو عن شوب جهل بعاقبة الأمر فالرجاء في ~~كلامه تعالى إما بملاحظة المخاطب أو بملاحظة المقام. # وأما هو تعالى فيستحيل نسبة الرجاء إليه لعلمه بعواقب الأمور، كما نبه ~~عليه الراغب في مفرداته. # قوله تعالى: كونوا قردة خاسئين أي صاغرين. # قوله تعالى: فجعلناها نكالا أي عبرة يعتبر بها، والنكال هو ما يفعل من ~~الإذلال والإهانة بواحد ليعتبر به آخرون. PageV01P112 # قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" إلخ، هذه ~~قصة بقرة بني إسرائيل، وبها سميت السورة سورة البقرة. # والأمر في بيان القرآن لهذه القصة عجيب فإن القصة فصل بعضها عن بعض حيث ~~قال تعالى: "وإذ قال موسى لقومه إلى آخره" ثم قال: "وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها" ثم إنه أخرج فصلا منها من وسطها وقدم أولا ووضع صدر القصة ~~وذيلها ثانيا، ثم إن الكلام كان مع بني إسرائيل في الآيات السابقة بنحو ~~الخطاب فانتقل بالالتفات إلى الغيبة حيث قال: وإذ قال موسى لقومه ثم التفت ~~إلى الخطاب ثانيا بقوله: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها. # أما الالتفات في قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة، ففيه صرف الخطاب عن بني إسرائيل، وتوجيهه إلى النبي في شطر من ~~القصة وهو أمر ذبح البقرة وتوصيفها ليكون كالمقدمة الموضحة للخطاب الذي ~~سيخاطب به بنو إسرائيل بقوله: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ms0193 ~~لعلكم تعقلون، الآيتان في سلك الخطابات السابقة فهذه الآيات الخمس من قوله: ~~وإذ قال موسى إلى قوله: وما كادوا يفعلون، كالمعترضة في الكلام تبين معنى ~~الخطاب التالي مع ما فيها من الدلالة على سوء أدبهم وإيذائهم لرسولهم، ~~برميه بفضول القول ولغو الكلام، مع ما فيه من تعنتهم وتشديدهم وإصرارهم في ~~الاستيضاح والاستفهام المستلزم لنسبة الإبهام إلى الأوامر الإلهية وبيانات ~~الأنبياء مع ما في كلامهم من شوب الإهانة والاستخفاف الظاهر بمقام الربوبية ~~فانظر إلى قول موسى (عليه السلام) لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، ~~وقولهم: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، وقولهم ثانيا: ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما لونها، وقولهم ثالثا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا، ~~فأتوا في الجميع بلفظ ربك من غير أن يقولوا ربنا ثم كرروا قولهم: ما هي ~~وقالوا إن البقر تشابه علينا فادعوا التشابه بعد البيان، ولم يقولوا: إن ~~البقرة تشابهت علينا بل قالوا: إن البقر تشابه علينا كأنهم يدعون أن جنس ~~البقر متشابه ولا يؤثر هذا الأثر إلا بعض أفراد هذا النوع وهذا المقدار من ~~البيان لا يجزي في تعيين الفرد المطلوب وتشخيصه، مع أن التأثير لله عز اسمه ~~لا للبقرة، وقد أمرهم أن يذبحوا بقرة فأطلق القول ولم يقيده بقيد، وكان لهم ~~أن يأخذوا بإطلاقه، ثم انظر إلى قولهم لنبيهم: أتتخذنا هزوا، المتضمن لرميه ~~(عليه السلام) بالجهالة واللغو حتى نفاه عن نفسه بقوله: أعوذ بالله أن أكون ~~من الجاهلين، وقولهم أخيرا بعد تمام البيان الإلهي: الآن جئت بالحق، الدال ~~على نفي الحق عن البيانات السابقة المستلزم لنسبة الباطل إلى طرز البيان ~~الإلهي والتبليغ النبوي. # وبالجملة فتقديم هذا الشطر من القصة لإبانة الأمر في الخطاب التالي كما ~~ذكر مضافا إلى نكتة أخرى، وهي أن قصة البقرة غير مذكورة في التوراة ~~الموجودة عند اليهود اليوم فكان من الحري أن لا يخاطبوا بهذه القصة أصلا أو ~~يخاطبوا به بعد بيان ما لعبت به أيديهم من التحريف، فأعرض عن خطابهم ms0194 أولا ~~بتوجيه الخطاب إلى النبي ثم بعد تثبيت الأصل، عاد إلى ما جرى عليه الكلام ~~من خطابهم المتسلسل، نعم في هذا المورد من التوراة حكم لا يخلو عن دلالة ما ~~على وقوع القصة وهاك عبارة التوراة. PageV01P113 # قال في الفصل الحادي والعشرين من سفر تثنية الاشتراع: إذا وجد قتيل في ~~الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعا في الحقل لا يعلم من قتله يخرج ~~شيوخك وقضاتك ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل فالمدينة القريبة من ~~القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تجر بالغير ~~وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه ولم ~~يزرع ويكسرون عنق العجلة في الوادي ثم يتقدم الكهنة بني لاوي لأنه إياهم ~~اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا باسم الرب وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ~~ضربة ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة ~~المكسورة العنق في الوادي ويصرخون ويقولون أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا ~~لم تبصر اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب ولا تجعل دم بريء في وسط شعبك ~~إسرائيل فيغفر لهم الدم انتهى. # إذا عرفت هذا على طوله علمت أن بيان هذه القصة على هذا النحو ليس من قبيل ~~فصل القصة، بل القصة مبينة على نحو الإجمال في الخطاب الذي في قوله: وإذ ~~قتلتم نفسا إلخ وشطر من القصة مأتية بها ببيان تفصيلي في صورة قصة أخرى ~~لنكتة دعت إليه. # فقوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وهو كلام في صورة قصة وإنما هي مقدمة توضيحية للخطاب التالي لم يذكر معها ~~السبب الباعث على هذا الأمر والغاية المقصودة منها بل أطلقت إطلاقا ليتنبه ~~بذلك نفس السامع وتقف موقف التجسس، وتنتشط إذا سمعت أصل القصة، ونالت ~~الارتباط بين الكلامين، ولذلك لما سمعت بنو إسرائيل قوله: إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة تعجبوا من ذلك ولم يحملوه إلا على أن نبي الله موسى يستهزء ~~بهم لعدم وجود ms0195 رابطة عندهم بين ذبح البقرة وما يسألونه من فصل الخصومة ~~والحصول على القاتل قالوا أتتخذنا هزوا وسخرية. # وإنما قالوا ذلك لفقدهم روح الإطاعة والسمع واستقرار ملكة الاستكبار ~~والعتو فيهم، وقولهم: إنا لا نحوم حول التقليد المذموم، وإنما نؤمن بما ~~نشاهده ونراه كما قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وإنما وقعوا ~~فيما وقعوا من جهة استقلالهم في الحكم والقضاء فيما لهم ذلك، وفيما ليس لهم ~~ذلك فحكموا بالمحسوس على المعقول فطالبوا معاينة الرب بالحس الباصر وقالوا: ~~"يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون": الأعراف - 138، ~~وزعموا أن نبيهم موسى مثلهم يتهوس كتهوسهم، ويلعب كلعبهم، فرموه بالاستهزاء ~~والسفه والجهالة حتى رد عليهم، وقال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وإنما ~~استعاذ بالله ولم يخبر عن نفسه بأنه ليس يجاهل لأن ذلك منه (عليه السلام) ~~أخذ بالعصمة الإلهية التي لا تتخلف لا الحكمة الخلقية التي ربما تتخلف. ### PageV01P114 وزعموا أن ليس للإنسان أن يقبل قولا إلا عن دليل، وهذا حق، لكنهم غلطوا في ~~زعمهم أن كل حكم يجب العثور على دليله تفصيلا ولا يكفي في ذلك الإجمال ومن ~~أجل ذلك طالبوا تفصيل أوصاف البقرة لحكمهم أن نوع البقر ليس فيه خاصة ~~الإحياء، فإن كان ولا بد فهو في فرد خاص منه يجب تعيينه بأوصاف كاملة ~~البيان ولذلك قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، وهذا تشديد منهم على ~~أنفسهم من غير جهة فشدد الله عليهم، وقال موسى إنه يقول إنها بقرة لا فارض، ~~أي ليست بمسنة انقطعت ولادتها ولا بكر أي لم تلد عوان بين ذلك، والعوان من ~~النساء والبهائم ما هو في منتصف السن أي واقعة في السن بين ما ذكر من ~~الفارض والبكر، ثم ترحم عليهم ربهم فوعظهم أن لا يلحوا في السؤال، ولا ~~يشددوا على أنفسهم ويقنعوا بما بين لهم فقال: فافعلوا ما تؤمرون، لكنهم لم ~~يرتدعوا بذلك بل قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول إنها ~~بقرة صفراء ms0196 فاقع شديد الصفرة في صفاء لونها تسر الناظرين وتم بذلك وصف ~~البقرة بيانا، واتضح أنها ما هي وما لونها وهم مع ذلك لم يرضوا به، وأعادوا ~~كلامهم الأول، من غير تحجب وانقباض وقالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن ~~البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون، فأجابهم ثانيا بتوضيح في ~~ماهيتها ولونها وقال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول أي غير مذللة بالحرث ~~والسقي تثير الأرض بالشيار ولا تسقي الحرث فلما تم عليهم البيان ولم يجدوا ~~ما يسألونه قالوا الآن جئت بالحق قول من يعترف بالحقيقة بالإلزام والحجة من ~~غير أن يجد إلى الرد سبيلا، فيعترف بالحق اضطرارا، ويعتذر عن المبادرة إلى ~~الإنكار بأن القول لم يكن مبينا من قبل، ولا بينا تاما. # والدليل على ذلك قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون. # قوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها، شروع في أصل القصة والتدارؤ ~~هو التدافع من الدرء بمعنى الدفع فقد كانوا قتلوا - نفسا - وكل طائفة منهم ~~يدفع الدم عن نفسها إلى غيرها - وأراد الله سبحانه إظهار ما كتموه. # قوله تعالى: فقلنا اضربوه ببعضها، أول الضميرين راجع إلى النفس باعتبار ~~أنه قتيل، وثانيهما إلى البقرة، وقد قيل: إن المراد بالقصة بيان أصل تشريع ~~الحكم حتى ينطبق على الحكم المذكور في التوراة الذي نقلناه، والمراد بإحياء ~~الموتى العثور بوسيلة تشريع هذا الحكم على دم المقتول، نظير ما ذكره تعالى ~~بقوله: "ولكم في القصاص حيوة": البقرة - 179، من دون أن يكون هناك إحياء ~~بنحو الإعجاز هذا، وأنت خبير بأن سياق الكلام وخاصة قوله تعالى: فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى، يأبى ذلك. # قوله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة القسوة ~~في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر وكلمة أو بمعنى بل، والمراد بكونها بمعنى ~~بل انطباق معناه على موردها، وقد بين شدة قسوة قلوبهم بقوله: وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وقوبل فيه بين الحجارة والماء لكون الحجارة ~~يضرب بها المثل في الصلابة ms0197 ككون الماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة ~~على كمال صلابتها يتفجر منها الأنهار على لين مائها وتشقق فيخرج منها الماء ~~على لينه وصلابتها، ولا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحق، ولا قول حق يلائم ~~الكمال الواقع. PageV01P115 # قوله تعالى: وإن منها لما يهبط من خشية الله، وهبوط الحجارة ما نشاهد من ~~انشقاق الصخور على قلل الجبال، وهبوط قطعات منها بواسطة الزلازل، وصيرورة ~~الجمد الذي يتخللها في فصل الشتاء ماء في فصل الربيع إلى غير ذلك، وعد هذا ~~الهبوط المستند إلى أسبابها الطبيعية هبوطا من خشية الله تعالى لأن جميع ~~الأسباب منتهية إلى الله سبحانه فانفعال الحجارة في هبوطها عن سببها الخاص ~~بها انفعال عن أمر الله سبحانه إياها بالهبوط، وهي شاعرة لأمر ربها شعورا ~~تكوينيا، كما قال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم": إسراء - 44، وقال تعالى: "كل له قانتون": البقرة - 116، ~~والانفعال الشعوري هو الخشية فهي هابطة من خشية الله تعالى، فالآية جارية ~~مجرى قوله تعالى: "ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته": الرعد - 13: ~~وقوله تعالى: "ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال": الرعد - 15، حيث عد صوت الرعد تسبيحا بالحمد وعد الظلال ساجدة ~~لله سبحانه إلى غير ذلك من الآيات التي جرى القول فيها مجرى التحليل كما لا يخفى. # وبالجملة فقوله: وإن منها لما يهبط، بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من ~~الحجارة فإن الحجارة تخشى الله تعالى، فتهبط من خشيته، وقلوبهم لا تخشى ~~الله تعالى ولا تهابه. ### |||| AUTO بحث روائي # في المحاسن: عن الصادق (عليه السلام): في قول الله: خذوا ما آتيناكم ~~بقوة، أقوة الأبدان أو قوة القلب؟ قال (عليه السلام): فيهما جميعا:. أقول: ~~ورواه العياشي أيضا في تفسيره. # وفي تفسير العياشي، عن الحلبي: في قوله تعالى: واذكروا ما فيه، قال: قال ~~اذكروا ما فيه واذكروا ما في تركه من العقوبة. # أقول: وقد استفيد ذلك من المقام من قوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور خذوا. # وفي الدر المنثور،: عن أبي هريرة قال: قال ms0198 رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لو لا أن بني إسرائيل قالوا وإنا إن شاء الله لمتهدون ما أعطوا أبدا ~~ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد ~~الله عليهم. # وفي تفسير القمي،: عن ابن فضال قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ~~إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وإنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها ~~فشدد الله عليهم. # وفي المعاني، وتفسير العياشي،: عن البزنطي قال: سمعت الرضا (عليه السلام) ~~يقول: إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل ~~سبط من أسباط بني إسرائيل ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى إن سبط آل فلان ~~قتلوا فلانا فأخبر من قتله قال: ائتوني ببقرة قالوا: أتتخذنا هزوا؟ قال: ~~أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن ~~شددوا فشدد الله عليهم، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ قال إنه يقول ~~إنها بقرة لا فارض ولا بكر يعني لا صغيرة ولا كبيرة عوان بين ذلك ولو أنهم ~~عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها - قال إنه يقول إنها بقرة صفراء - فاقع لونها تسر الناظرين ~~ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قالوا ادع لنا ~~ربك يبين لنا ما هي أن البقر تشابه علينا - وإنا إن شاء الله لمهتدون. قال: ~~إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض - ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها. قالوا الآن جئت بالحق فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال ~~لا أبيعها إلا بملء مسك ذهبا، فجاءوا إلى موسى وقالوا له ذلك قال اشتروها ~~فاشتروها وجاءوا بها فأمر بذبحها ثم أمر أن يضربوا الميت بذنبها فلما فعلوا ~~ذلك حيي المقتول وقال يا رسول الله إن ابن عمي قتلني، دون من أدعي عليه ~~قتلي، فعلموا بذلك قاتله فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه إن هذه البقرة ~~لها ms0199 نبأ فقال وما هو؟ قال إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه وأنه اشترى ~~بيعا فجاء إلى أبيه والأقاليد تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع ~~فاستيقظ أبوه فأخبره فقال أحسنت، هذه البقرة فهي لك عوضا مما فاتك فقال له ~~رسول الله موسى انظر إلى البر ما بلغ بأهله. # أقول: والروايات كما ترى منطبقة على إجمال ما استفدناه من الآيات ~~الشريفة. ### PageV01P116 ### |||| AUTO بحث فلسفي # السورة كما ترى مشتملة على عدة من الآيات المعجزة، في قصص بني إسرائيل ~~وغيرهم، كفرق البحر وإغراق آل فرعون في قوله تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر ~~فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون الآية، وأخذ الصاعقة بني إسرائيل وإحيائهم بعد ~~الموت في قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك الآية، وتظليل الغمام ~~وإنزال المن والسلوى عليهم في قوله تعالى: وظللنا عليكم الغمام الآية، ~~وانفجار العيون من الحجر في قوله تعالى: وإذ استسقى موسى لقومه الآية، ورفع ~~الطور فوقهم في قوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور الآية، ومسخ قوم منهم في ~~قوله تعالى: فقلنا لهم كونوا قردة الآية، وإحياء القتيل ببعض البقرة ~~المذبوحة في قوله: فقلنا اضربوه ببعضها الآية، وكإحياء قوم آخرين في قوله ~~ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم الآية، وكإحياء الذي مر على قرية خربة في ~~قوله: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها الآية، وكإحياء الطير بيد ~~إبراهيم في قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية، ~~فهذه اثنتا عشرة آية معجزة خارقة للعادة جرت أكثرها في بني إسرائيل ذكرها ~~القرآن - وقد بينا فيما مر إمكان وقوع المعجزة وأن خوارق العادات جائزة ~~الوقوع في الوجود وهي مع ذلك ليست ناقضة لقانون العلية والمعلولية الكلي، ~~وتبين به أن لا دليل على تأويل الآيات الظاهرة في وقوع الإعجاز، وصرفها عن ~~ظواهرها ما دامت الحادثة ممكنة، بخلاف المحالات كانقسام الثلاثة بمتساويين ~~وتولد مولود يكون أبا لنفسه، فإنه لا سبيل إلى جوازها. # نعم تختص بعض المعجزات كإحياء الموتى والمسخ ببحث آخر، فقد ms0200 قيل: إنه قد ~~ثبت في محله أن الموجود الذي له قوة الكمال والفعلية إذا خرج من القوة إلى ~~الفعل فإنه يستحيل بعد ذلك رجوعه إلى القوة ثانيا، وكذلك كل ما هو أكمل ~~وجودا فإنه لا يرجع في سيره الاستكمالي إلى ما هو أنقص وجودا منه من حيث هو كذلك. # والإنسان بموته يتجرد بنفسه عن المادة فيعود موجودا مجردا مثاليا أو ~~عقليا، وهاتان الرتبتان فوق مرتبة المادة، والوجود فيهما أقوى من الوجود ~~المادي، فمن المحال أن تتعلق النفس بعد موتها بالمادة ثانيا، وإلا لزم رجوع ~~الشيء إلى القوة بعد خروجه إلى الفعل، وهو محال، وأيضا الإنسان أقوى وجودا ~~من سائر أنواع الحيوان، فمن المحال أن يعود الإنسان شيئا من سائر أنواع ~~الحيوان بالمسخ. # أقول: ما ذكره من استحالة رجوع ما بالقوة بعد خروجه إلى الفعل إلى القوة ~~ثانيا حق لا ريب فيه، لكن عود الميت إلى حياته الدنيا ثانيا في الجملة وكذا ~~المسخ ليسا من مصاديقه. PageV01P117 # بيان ذلك: أن المحصل من الحس والبرهان أن الجوهر النباتي المادي إذا وقعت ~~في صراط الاستكمال الحيواني فإنه يتحرك إلى الحيوانية، فيتصور بالصورة ~~الحيوانية وهي صورة مجردة بالتجرد البرزخي، وحقيقتها إدراك الشيء نفسه ~~بإدراك جزئي خيالي وهذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتي وفعلية لهذه القوة ~~تلبس بها بالحركة الجوهرية ومن المحال أن ترجع يوما إلى الجوهر المادي ~~فتصير إياه إلا أن تفارق مادتها فتبقى المادة مع صورة مادية كالحيوان تموت ~~فيصير جسدا لا حراك به، ثم إن الصورة الحيوانية مبدأ لأفعال إدراكية تصدر ~~عنها، وأحوال علمية تترتب عليها، تنتقش النفس بكل واحد من تلك الأحوال ~~بصدورها منها، ولا يزال نقش عن نقش، وإذا تراكمت من هذه النقوش ما هي ~~متشاكلة متشابهة تحصل نقش واحد وصار صورة ثابتة غير قابلة للزوال، وملكة ~~راسخة، وهذه صورة نفسانية جديدة يمكن أن يتنوع بها نفس حيواني فتصير حيوانا ~~خاصا ذا صورة خاصة منوعة كصورة المكر والحقد والشهوة والوفاء والافتراس ~~وغير ذلك وإذا لم تحصل ملكة بقي النفس على مرتبتها ms0201 الساذجة السابقة، ~~كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهرية بقي نباتا ولم يخرج إلى الفعلية ~~الحيوانية، ولو أن النفس البرزخية تتكامل من جهة أحوالها وأفعالها بحصول ~~الصورة دفعة لانقطعت علقتها مع البدن في أول وجودها لكنها تتكامل بواسطة ~~أفعالها الإدراكية المتعلقة بالمادة شيئا فشيئا حتى تصير حيوانا خاصا إن ~~عمر العمر الطبيعي أو قدرا معتدا به، وإن حال بينه وبين استتمام العمر ~~الطبيعي أو القدر المعتد به مانع كالموت الاخترامي بقي على ما كان عليه من ~~سذاجة الحيوانية، ثم إن الحيوان إذا وقعت في صراط الإنسانية وهي الوجود ~~الذي يعقل ذاته تعقلا كليا مجردا عن المادة ولوازمها من المقادير والألوان ~~وغيرهما خرج بالحركة الجوهرية من فعلية المثال التي هي قوة العقل إلى فعلية ~~التجرد العقلي، وتحققت له صورة الإنسان بالفعل، ومن المحال أن تعود هذه ~~الفعلية إلى قوتها التي هي التجرد المثالي على حد ما ذكر في الحيوان. # ثم إن لهذه الصورة أيضا أفعالا وأحوالا تحصل بتراكمها التدريجي صورة خاصة ~~جديدة توجب تنوع النوعية الإنسانية على حد ما ذكر نظيره في النوعية ~~الحيوانية. # إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنا لو فرضنا إنسانا رجع بعد موته إلى الدنيا ~~وتجدد لنفسه التعلق بالمادة وخاصة المادة التي كانت متعلقة نفسه من قبل لم ~~يبطل بذلك أصل تجرد نفسه فقد كانت مجردة قبل انقطاع العلقة ومعها أيضا وهي ~~مع التعلق ثانيا حافظة لتجردها، والذي كان لها بالموت أن الأداة التي كانت ~~رابطة فعلها بالمادة صارت مفقودة لها فلا تقدر على فعل مادي كالصانع إذا ~~فقد آلات صنعته والأدوات اللازمة لها فإذا عادت النفس إلى تعلقها الفعلي ~~بالمادة أخذت في استعمال قواها وأدواتها البدنية ووضعت ما اكتسبتها من ~~الأحوال والملكات بواسطة الأفعال فوق ما كانت حاضرة وحاصلة لها من قبل ~~واستكملت بها استكمالا جديدا من غير أن يكون ذلك منه رجوعا قهقرى وسيرا ~~نزوليا من الكمال إلى النقص، ومن الفعل إلى القوة. # فإن قلت: هذا يوجب القول: بالقسر الدائم مع ضرورة بطلانه، فإن النفس ~~المجردة ms0202 المنقطعة عن البدن لو بقي في طباعها إمكان الاستكمال من جهة ~~الأفعال المادية بالتعلق بالمادة ثانيا كان بقاؤها على الحرمان من الكمال ~~إلى الأبد حرمانا عما تستدعيه بطباعها، فما كل نفس براجعة إلى الدنيا ~~بإعجاز أو خرق عادة، والحرمان المستمر قسر دائم. PageV01P118 # قلت: هذه النفوس التي خرجت من القوة إلى الفعل في الدنيا واتصلت إلى حد ~~وماتت عندها لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائما بل يستقر على ~~فعليتها الحاضرة بعد حين أو تخرج إلى الصورة العقلية المناسبة لذلك وتبقى ~~على ذلك، وتزول الإمكان المذكور بعد ذلك فالإنسان الذي مات وله نفس ساذجة ~~غير أنه فعل أفعالا وخلط عملا صالحا وآخر سيئا لو عاش حينا أمكن أن يكتسب ~~على نفسه الساذجة صورة سعيدة أو شقية وكذا لو عاد بعد الموت إلى الدنيا ~~وعاش أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورة خاصة جديدة وإذا لم يعد فهو في ~~البرزخ مثاب أو معذب بما كسبته من الأفعال حتى يتصور بصورة عقلية مناسبة ~~لصورته السابقة المثالية وعند ذلك يبطل الإمكان المذكور ويبقى إمكانات ~~الاستكمالات العقلية فإن عاد إلى الدنيا كالأنبياء والأولياء لو عادوا إلى ~~الدنيا بعد موتهم أمكن أن يحصل صورة أخرى عقلية من ناحية المادة والأفعال ~~المتعلقة بها ولو لم يعد فليس له إلا ما كسب من الكمال والصعود في مدارجه، ~~والسير في صراطه، هذا. # ومن المعلوم أن هذا ليس قسرا دائما ولو كان مجرد حرمان موجود عن كماله ~~الممكن له بواسطة عمل عوامل وتأثير علل مؤثرة قسرا دائما لكان أكثر حوادث ~~هذا العالم الذي هو دار التزاحم، وموطن التضاد أو جميعها قسرا دائما، فجميع ~~أجزاء هذا العالم الطبيعي مؤثرة في الجميع، وإنما القسر الدائم أن يجعل في ~~غريزة نوع من الأنواع اقتضاء كمال من الكمالات أو استعداد ثم لا يظهر أثر ~~ذلك دائما إما لأمر في داخل ذاته أو لأمر من خارج ذاته متوجه إلى إبطاله ~~بحسب الغريزة، فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعد للكمال تغريزا باطلا ~~وتجبيلا هباء لغوا فافهم ms0203 ذلك، وكذا لو فرضنا إنسانا تغيرت صورته إلى صورة ~~نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير فإنما هي صورة على صورة، فهو ~~إنسان خنزير أو إنسان قردة، لا إنسان بطلت إنسانيته، وخلت الصورة الخنزيرية ~~أو القردية محلها، فالإنسان إذا كسب صورة من صور الملكات تصورت نفسه بها ~~ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ~~ستظهر في الآخرة بعد الموت، وقد مر أن النفس الإنسانية في أول حدوثها على ~~السذاجة يمكن أن تتنوع بصورة خاصة تخصصها بعد الإبهام وتقيدها بعد الإطلاق ~~والقبول فالممسوخ من الإنسان إنسان ممسوخ لا أنه ممسوخ فاقد للإنسانية هذا، ~~ونحن نقرأ في المنشورات اليومية من أخبار المجامع العلمية بأوربا وأمريكا ~~ما يؤخذ جواز الحياة بعد الموت، وتبدل صورة الإنسان بصورة المسخ، وإن لم ~~نتكل في هذه المباحث على أمثال هذه الأخبار، لكن من الواجب على الباحثين من ~~المحصلين أن لا ينسوا اليوم ما يتلونه بالأمس. # فإن قلت: فعلى هذا فلا مانع من القول بالتناسخ. # قلت: كلا فإن التناسخ وهو تعلق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها ~~البدن ببدن آخر محال، فإن هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلق ~~نفسين ببدن واحد، وهو وحدة الكثير، وكثرة الواحد، وإن لم تكن ذا نفس استلزم ~~رجوع ما بالفعل إلى القوة، كرجوع الشيخ إلى الصبا، وكذلك يستحيل تعلق نفس ~~إنساني مستكملة مفارقة ببدن نباتي أو حيواني بما مر من البيان. ### ### |||| AUTO بحث علمي وأخلاقي # أكثر الأمم الماضية قصة في القرآن أمة بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء ذكرا ~~فيه موسى بن عمران (عليهما السلام)، فقد ذكر اسمه في القرآن، في مائة وستة ~~وثلاثين موضعا ضعف ما ذكر إبراهيم (عليه السلام) الذي هو أكثر الأنبياء ~~ذكرا بعد موسى، فقد ذكر في تسعة وستين موضعا على ما قيل فيهما، والوجه ~~الظاهر فيه أن الإسلام هو الدين الحنيف المبني على التوحيد الذي أسس أساسه ~~إبراهيم (عليه السلام) وأتمه الله سبحانه وأكمله لنبيه محمد (صلى الله عليه ms0204 ~~وآله وسلم) قال تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل": الحج ~~- 78، وبنو إسرائيل أكثر الأمم لجاجا وخصاما، وأبعدهم من الانقياد للحق، ~~كما أنه كان كفار العرب الذين ابتلي بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على هذه الصفة، فقد آل الأمر إلى أن نزل فيهم: "إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة - 6. PageV01P119 # ولا ترى رذيلة من رذائل بني إسرائيل في قسوتهم وجفوتهم مما ذكره القرآن إلا ~~وهو موجود فيهم، وكيف كان فأنت إذا تأملت قصص بني إسرائيل المذكورة في ~~القرآن، وأمعنت فيها، وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما ~~غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد ~~كانت هذه الأمة لا تؤمن بما وراء الحس، ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال ~~المادي، وهم اليوم كذلك. # وهذا الشأن هو الذي صير عقلهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة، لا ~~يعقلون إلا ما يجوزانه، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس ~~يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، وإن كان حقا وانقياد ~~المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي ~~جمال المادة، وزخرف الحياة وإن لم يكن حقا، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا ~~وفعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا ~~من حسهم، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظ الحياة، وإن كان مما لا ينبغي إذا ~~كان ملائما لهوساتهم المادية، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم عليه مكثهم ~~الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت استذلال المصريين، واسترقاقهم، وتعذيبهم، ~~يسومونهم سوء العذاب ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربهم عظيم. # وبالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبياؤهم، والربانيون ~~من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى وغيره ~~وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم. # وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية ms0205 بالمدنية المادية التي ~~أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة، فلا يقبل ~~دليل فيما بعد عن الحس ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ~~ذلك إبطال الغريزة الإنسانية في أحكامها، وارتحال المعارف العالية والأخلاق ~~الفاضلة من بيننا فصار يهدد الإنسانية بالانهدام، وجامعة البشر بأشد الفساد ~~وليعلمن نبأه بعد حين. # واستيفاء البحث في الأخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كل دليل بمطلوب، وما كل ~~تقليد بمذموم، بيان ذلك: أن النوع الإنساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى ~~كماله الحيوي بأفعاله الإرادية المتوقفة على الفكر والإرادة منه مستحيلة ~~التحقق إلا عن فكر، فالفكر هو الأساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال ~~الوجودي الضروري فلا بد للإنسان من تصديقات عملية أو نظرية يرتبط بها كماله ~~الوجودي ارتباطا بلا واسطة أو بواسطة، وهي القضايا التي نعلل بها أفعالنا ~~الفردية أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا، ثم نحصلها في الخارج ~~بأفعالنا، هذا. # ثم إن في غريزة الإنسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم إلى ~~ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في ~~الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علته الموجبة، ولا يقبل تصديقا نظريا إلا إذا ~~اتكىء على التصديق بعلته بنحو، وهذا شأن الإنسان لا يتخطاه البتة، ولو ~~عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمل والإمعان تنحل الشبهة، ~~ويظهر البحث عن العلة، والركون والطمأنينة إليها فطري، والفطرة لا تختلف ~~ولا يتخلف فعلها، وهذا يؤدي الإنسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري ~~والفعل المتفرع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي، بحيث لا يقدر الإنسان الواحد ~~إلى رفعه معتمدا على نفسه ومتكئا إلى قوة طبيعته الشخصية فاحتالت الفطرة ~~إلى بعثه نحو الاجتماع وهو المدينة والحضارة ووزعت أبواب الحاجة الحيوية ~~بين أفراد الاجتماع، ووكل بكل باب من أبوابها طائفة كأعضاء الحيوان في ~~تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها وعائدتها في نفسه، ولا تزال الحوائج ~~الإنسانية تزداد كمية واتساعا وتنشعب الفنون والصناعات والعلوم، ويتربى ms0206 عند ~~ذلك الأخصائيون من العلماء والصناع، فكثير من العلوم والصناعات كانت علما ~~أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، واليوم نرى كل باب من أبوابه ~~علما أو علوما أو صنعة أو صنائع، كالطب المعدود قديما فنا واحدا من فروع ~~الطبيعيات وهو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الأخصائيين بأزيد من ~~أمر فن واحد منها. PageV01P120 # وهذا يدعو الإنسان بالإلهام الفطري، أن يستقل بما يخصه من الشغل الإنساني ~~في البحث عن علته ويتبع في غيره من يعتمد على خبرته ومهارته. # فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة وحقيقة هذا ~~الاتباع، والتقليد المصطلح والركون إلى الدليل الإجمالي فيما ليس في وسع ~~الإنسان أن ينال دليل تفاصيله كما أنه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله ~~التفصيلي فيما يسعه أن ينال تفصيل علته ودليله، وملاك الأمر كله أن الإنسان ~~لا يركن إلى غير العلم، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد، وهو الاستقلال في ~~البحث عن العلة فيما يسعه ذلك والتقليد وهو الاتباع ورجوع الجاهل إلى ~~العالم فيما لا يسعه ذلك، ولما استحال أن يوجد فرد من هذا النوع الإنساني ~~مستقلا بنفسه قائما بجميع شئون الأصل الذي يتكي عليه الحياة استحال أن يوجد ~~فرد من الإنسان من غير اتباع وتقليد، ومن ادعى خلاف ذلك أو ظن من نفسه أنه ~~غير مقلد في حياته فقد سفه نفسه. # نعم: التقليد فيما للإنسان أن ينال علته وسببه كالاجتهاد فيما ليس له ~~الورود عليه والنيل منه، من الرذائل التي هي من مهلكات الاجتماع، ومفنيات ~~المدنية الفاضلة ولا يجوز الاتباع المحض إلا في الله سبحانه لأنه السبب ~~الذي إليه تنتهي الأسباب. PageV01P121 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 75 - 82 # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ~~أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ms0207 يعلنون (77) ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون ~~الكتب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيئته فأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون (81) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون (82) ### |||| AUTO بيان # السياق وخاصة ما في ذيل الآيات يفيد أن اليهود عند الكفار، وخاصة كفار ~~المدينة: لقرب دارهم منهم كانوا يعرفون قبل البعثة ظهيرا لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وعندهم علم الدين والكتاب، ولذلك كان الرجاء في ~~إيمانهم أكثر من غيرهم، وكان المتوقع أن يؤمنوا به أفواجا فيتأيد بذلك ~~ويظهر نوره، وينتشر دعوته، ولما هاجر النبي إلى المدينة وكان من أمرهم ما ~~كان تبدل الرجاء قنوطا، والطمع يأسا، ولذلك يقول سبحانه: أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم إلخ، يعني أن كتمان الحقائق وتحريف الكلام من شيمهم، فلا ينبغي ~~أن يستبعد نكولهم عما قالوا ونقضهم ما أبرموا. # قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، فيه التفات من خطاب بني إسرائيل إلى ~~خطاب النبي والذين آمنوا ووضعهم موضع الغيبة وكان الوجه فيه أنه لما قص قصة ~~البقرة وعدل فيها من خطاب بني إسرائيل إلى غيبتهم لمكان التحريف الواقع ~~فيها بحذفها من التوراة كما مر، أريد إتمام البيان بنحو الغيبة بالإشارة ~~إلى تحريفهم كتاب الله تعالى فصرف لذلك وجه الكلام إلى الغيبة. # قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا إلخ، لا تقابل ~~بين الشرطين وهما مدخولا إذا في الموضعين كما في قوله تعالى: "وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزءون": البقرة - 14، بل المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم ~~وجهالتهم. # أحدهما: أنهم ينافقون فيتظاهرون بالإيمان صونا لأنفسهم من الإيذاء والطعن ms0208 ~~والقتل. # وثانيهما: أنهم يريدون تعمية الأمر وإبهامه على الله سبحانه العالم بسرهم ~~وعلانيتهم وذلك أن العامة منهم، وهم أولوا بساطة النفس ربما كانوا ينبسطون ~~للمؤمنين، فيحدثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبي أو ما ينفع المؤمنين ~~في تصديق النبوة، كما يلوح من لحن الخطاب فكان أولياؤهم ينهونهم معللا بأن ~~ذلك مما فتح الله لهم، فلا ينبغي أن يفشى للمؤمنين، فيحاجوهم به عند ربهم ~~كأنهم لو لم يحاجوهم به عند ربهم لم يطلع الله عليه فلم يؤاخذهم بذلك ولازم ~~ذلك أن الله تعالى إنما يعلم علانية الأمر، دون سره وباطنه وهذا من الجهل ~~بمكان، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: "أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون" الآية فإن هذا النوع من العلم - وهو ما يتعلق بظاهر الأمر دون ~~باطنه - إنما هو العلم المنتهي إلى الحس الذي يفتقر إلى بدن مادي مجهز ~~بآلات مادية مقيد بقيود الزمان والمكان مولود لعلل أخرى مادية وما هو كذلك ~~مصنوع من العالم لا صانع العالم. PageV01P122 # وهذا أيضا من شواهد ما قدمناه آنفا أن بني إسرائيل لإذعانهم بأصالة المادة ~~كانوا يحكمون في الله سبحانه بما للمادة من الأحكام، فكانوا يظنونه موجودا ~~فعالا في المادة، مستعليا قاهرا عليه، ولكن بعين ما تفعل علة مادية وتستعلي ~~وتقهر على معلول مادي، وهذا أمر لا يختص به اليهود، بل هو شأن كل من يذعن ~~بأصالة المادة من المليين وغيرهم، فلا يحكمون في ساحة قدسه سبحانه إلا بما ~~يعقلون من أوصاف الماديات من الحياة والعلم والقدرة والاختيار والإرادة ~~والقضاء والحكم وتدبير الأمر وإبرام القضاء إلى غير ذلك، وهذا داء لا ينجع ~~معه دواء، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يعقلون، حتى آل الأمر إلى أن ~~استهزأ بهم من لا مسكة له في دينهم الحق ولا قدم له في معارفهم الحقة، ~~قائلا إن المسلمين يروون عن نبيهم أن الله خلق آدم على صورته وهم معاشر ~~أمته يخلقون الله على صورة آدم، فهؤلاء يدور أمرهم بين أن يثبتوا لربهم ~~جميع ms0209 أحكام المادة، كما يفعله المشبهة من المسلمين أو من يتلو تلوهم وإن لم ~~يعرف بالتشبيه، أو لا يفهموا شيئا من أوصاف جماله، فينفوا الجميع بإرجاعها ~~إلى السلوب قائلا إن ما يبين أوصافه تعالى من الألفاظ إنما يقع عليه ~~بالاشتراك اللفظي فلقولنا: إنه موجود ثابت عالم قادر حي معان لا نفهمها ولا ~~نعقلها، فاللازم إرجاع معانيها إلى النفي، فالمعنى مثلا أنه ليس بمعدوم، ~~ولا زائل، ولا جاهل، ولا عاجز ولا ميت فاعتبروا يا أولي الأبصار فهذا ~~بالاستلزام زعم منهم بأنهم يؤمنون بما لا يدرون، ويعبدون ما لا يفهمون، ~~ويدعون إلى ما لا يعقلون، ولا يعقله أحد من الناس، وقد كفتهم الدعوة ~~الدينية مئونة هذه الأباطيل بالحق فحكم على العامة أن يحفظوا حقيقة القول ~~ولب الحقيقة بين التشبيه والتنزيه فيقولوا: إن الله سبحانه شيء لا كالأشياء ~~وإن له علما لا كعلومنا، وقدرة لا كقدرتنا، وحياة لا كحياتنا، مريد لا ~~بهمامة، متكلم لا بشق فم، وعلى الخاصة أن يتدبروا في آياته ويتفقهوا في ~~دينه فقد قال الله سبحانه: "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما ~~يتذكر أولوا الألباب": الزمر - 9، والخاصة كما لا يساوون العامة في درجات ~~المعرفة، كذلك لا يساوونهم في التكاليف المتوجهة إليهم، فهذا هو التعليم ~~الديني النازل في حقهم لو أنهم كانوا يأخذون به. # قوله تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، الأمي من لا يقرأ ~~ولا يكتب منسوب إلى الأم لأن عطوفة الأم وشفقتها كانت تمنعها أن ترسل ولدها ~~إلى المعلم وتسلمه إلى تربيته، فكان يكتفي بتربية الأم، والأماني جمع ~~أمنية، وهي الأكاذيب، فمحصل المعنى أنهم بين من يقرأ الكتاب ويكتبه فيحرفه ~~وبين من لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم من الكتاب إلا أكاذيب المحرفين. # قوله تعالى: فويل للذين يكتبون، الويل هو الهلكة والعذاب الشديد والحزن ~~والخزي والهوان وكل ما يحذره الإنسان أشد الحذر والاشتراء هو الابتياع. # قوله تعالى: فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم إلخ، الضمائر إما راجعة ~~إلى بني إسرائيل أو لخصوص المحرفين منهم ولكل ms0210 وجه وعلى الأول يثبت الويل ~~للأميين منهم أيضا. # قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته إلخ، الخطيئة هي الحالة ~~الحاصلة للنفس من كسب السيئة، ولذلك أتى بإحاطة الخطيئة بعد ذكر كسب السيئة ~~وإحاطة الخطيئة توجب أن يكون الإنسان المحاط مقطوع الطريق إلى النجاة كان ~~الهداية لإحاطة الخطيئة به لا تجد إليه سبيلا فهو من أصحاب النار مخلدا ~~فيها ولو كان في قلبه شيء من الإيمان بالفعل، أو كان معه بعض ما لا يدفع ~~الحق من الأخلاق والملكات، كالإنصاف والخضوع للحق، أو ما يشابههما لكانت ~~الهداية والسعادة ممكنتي النفوذ إليه، فإحاطة الخطيئة لا تتحقق إلا بالشرك ~~الذي قال تعالى فيه: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء": النساء - 48، ومن جهة أخرى إلا بالكفر وتكذيب الآيات كما قال ~~سبحانه: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": ~~البقرة - 39، فكسب السيئة، وإحاطة الخطيئة كالكلمة الجامعة لما يوجب الخلود ~~في النار. PageV01P123 # واعلم أن هاتين الآيتين قريبتا المعنى من قوله تعالى: "إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين إلخ": البقرة - 62، وإنما الفرق أن ~~الآيتين أعني قوله: بلى من كسب سيئة، في مقام بيان أن الملاك في السعادة ~~إنما هو حقيقة الإيمان والعمل الصالح دون الدعاوي والآيتان المتقدمتان أعني ~~قوله: إن الذين آمنوا إلخ في مقام بيان أن الملاك فيها هو حقيقة الإيمان ~~والعمل الصالح دون التسمي بالأسماء. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله: وإذا لقوا الذين، الآية عن الباقر (عليه السلام) ~~قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين ~~حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهى كبراؤهم ~~عن ذلك وقالوا لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيحاجوهم به عند ربهم فنزلت هذه الآية وفي الكافي، عن أحدهما (عليهما ~~السلام): في قوله تعالى: بلى من كسب سيئة، قال: إذا جحدوا ولاية أمير ~~المؤمنين فأولئك أصحاب النار هم فيها ms0211 خالدون. # أقول: وروى قريبا من هذا المعنى الشيخ في أماليه عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، والروايتان من الجري والتطبيق على المصداق، وقد عد سبحانه ~~الولاية حسنة في قوله: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا": الشورى - 23، ويمكن أن يكون من التفسير لما ~~سيجيء في سورة المائدة أنها العمل بما يقتضيه التوحيد وإنما نسب إلى علي ~~(عليه السلام) لأنه أول فاتح من هذه الأمة لهذا الباب فانتظر. PageV01P124 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 83 - 88 # وإذ أخذنا ميثق بنى إسرءيل لا تعبدون إلا الله وبالولدين إحسانا وذى ~~القربى واليتمى والمسكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون ~~دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ديركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم ~~هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديرهم تظهرون عليهم بالاثم ~~والعدون وإن يأتوكم أسرى تفدوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحيوة الدنيا ~~ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما تعملون (85) أولئك ~~الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ~~(86) ولقد ءاتينا موسى الكتب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن مريم ~~البينت وأيدنه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون (88) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، الآية في بديع نظمها تبتدىء ~~أولا بالغيبة وتنتهي إلى الخطاب حيث تقول: ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم ~~معرضون، ثم إنها تذكر أولا الميثاق وهو أخذ للعهد، ولا يكون إلا بالقول، ثم ~~تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدىء، فيه بالخبر، حيث تقول: لا تعبدون إلا ~~الله، وتختتم بالإنشاء حيث تقول وقولوا للناس حسنا إلخ. # ولعل الوجه في ذلك كله أن الآيات المتعرضة لحال بني ms0212 إسرائيل لما بدئت ~~بالخطاب لمكان اشتمالها على التقريع والتوبيخ وجرت عليه كان سياق الكلام ~~فيها الخطاب ثم لما تبدل الخطاب بالغيبة بعد قصة البقرة لنكتة داعية إليها ~~كما مر حتى انتهت إلى هذه الآية، فبدئت أيضا بالغيبة لكن الميثاق حيث كان ~~بالقول وبني على حكايته حكي بالخطاب فقيل: لا تعبدون إلا الله إلخ، وهو نهي ~~في صورة الخبر. # وإنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به، كان الناهي لا يشك في عدم تحقق ~~ما نهى عنه في الخارج، ولا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ~~ينتهي عن نهيه، فلا يوقع الفعل قطعا وكذا قوله: وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين، كل ذلك أمر في صورة الخبر. # ثم إن الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل ~~الكلام، وهو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله: وأقيموا الصلوة وآتوا ~~الزكوة ثم توليتم إلخ وانتظم بذلك السياق. # قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا، أمر أو خبر بمعنى الأمر والتقدير وأحسنوا ~~بالوالدين إحسانا، وذي القربى واليتامى والمساكين، أو التقدير: وتحسنون ~~بالوالدين إحسانا، إلخ، وقد رتب موارد الإحسان أخذا من الأهم والأقرب إلى ~~المهم والأبعد فقرابة الإنسان أقرب إليه من غيرهم، والوالدان وهما الأصل ~~الذي تتكي عليه وتقوم به شجرة وجوده أقرب من غيرهما من الأرحام، وفي غير ~~القرابة أيضا اليتامى أحق بالإحسان لصغرهم وفقدهم من يقوم بأمرهم من ~~المساكين. # هذا وقوله: واليتامى، اليتيم من مات أبوه، ولا يقال لمن ماتت أمه يتيم. # وقيل اليتيم في الإنسان إنما تكون من جهة الأب وفي غير الإنسان من سائر ~~الحيوان من جهة الأم وقوله تعالى: والمساكين، جمع مسكين وهو الفقير العادم ~~الذليل. # وقوله تعالى: حسنا مصدر بمعنى الصفة جيء به للمبالغة. # وفي بعض القراءات حسنا، بفتح الحاء والسين صفة مشبهة. PageV01P125 # والمعنى قولوا للناس قولا حسنا، وهو كناية عن حسن المعاشرة مع الناس، ~~كافرهم، ومؤمنهم ولا ينافي حكم القتال حتى تكون آية القتال ناسخة له لأن ~~مورد القتال غير مورد المعاشرة فلا ينافي ms0213 الأمر بحسن المعاشرة كما أن القول ~~الخشن في مقام التأديب لا ينافي حسن المعاشرة. # قوله تعالى: لا تسفكون دماءكم، خبر في معنى الإنشاء نظير ما مر في قوله: ~~لا تعبدون إلا الله، والسفك الصب. # قوله تعالى: تظاهرون عليهم، التظاهر هو التعارف، والظهير العون مأخوذ من ~~الظهر لأن العون يلي ظهر الإنسان. # قوله تعالى: وهو محرم عليكم إخراجهم، الضمير للشأن والقصة كقوله تعالى: ~~قل هو الله أحد. # قوله تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب، أي ما هو الفرق بين الإخراج والفدية ~~حيث أخذتم بحكم الفدية وتركتم حكم الإخراج وهما جميعا في الكتاب، أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. # قوله تعالى: وقفينا التقفية الاتباع وإتيان الواحد قفا الواحد. # قوله تعالى: وآتينا عيسى بن مريم البينات، سيأتي الكلام فيه في سورة آل عمران. # قوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف جمع أغلف من الغلاف أي قلوبنا محفوظة تحت ~~لفائف وأستار وحجب، فهو نظير قوله تعالى: "وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه": حم سجدة - 5، وهو كناية عن عدم إمكان استماع ما يدعون إليه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: وقولوا للناس حسنا ~~الآية. قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم. # وفي الكافي، أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قولوا للناس ولا تقولوا ~~إلا خيرا حتى تعلموا ما هو. # وفي المعاني، عن الباقر (عليه السلام) قال: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن ~~يقال لكم، فإن الله عز وجل يبغض السباب اللعان الطعان على المؤمنين الفاحش ~~المفحش السائل ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف. # أقول: وروى مثل الحديث في الكافي، بطريق آخر عن الصادق (عليه السلام) ~~وكذا العياشي عنه (عليه السلام) ومثل الحديث الثاني في الكافي، عنه. # ومثل الحديث الثالث العياشي عن الباقر (عليه السلام) وكان هذه المعاني ~~استفيدت من إطلاق الحسن عند القائل وإطلاقه من حيث المورد. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله بعث محمدا (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بخمسة أسياف فسيف على أهل الذمة. قال الله: ms0214 وقولوا ~~للناس حسنا، نزلت في أهل الذمة ثم نسختها أخرى قوله: "قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون" الحديث. # أقول: وهو منه (عليه السلام) أخذ بإطلاق آخر للقول وهو شموله للكلام ~~ولمطلق التعرض. # يقال لا تقل له إلا حسنا وخيرا أي لا تتعرض له إلا بالخير والحسن، ولا ~~تمسسه إلا بالخير والحسن. # هذا إن كان النسخ في قوله (عليه السلام) هو النسخ بالمعنى الأخص وهو ~~المصطلح ويمكن أن يكون المراد هو النسخ بالمعنى الأعم، على ما سيجيء في ~~قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها": البقرة - 106، وهو الكثير في ~~كلامهم (عليهم السلام) لتكون هذه الآية وآية القتال غير متحدتين موردا. PageV01P126 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 89 - 93 # ولما جاءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكفرين (89) ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباءو بغضب على غضب وللكفرين عذاب مهين (90) وإذا قيل ~~لهم ءامنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو ~~الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) ~~* ولقد جاءكم موسى بالبينت ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظلمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما ءاتينكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا ~~وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمنكم إن كنتم ~~مؤمنين (93) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ولما جاءهم إلخ، السياق يدل على أن هذا الكتاب هو القرآن. # وقوله: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، على وقوع تعرض بهم من ~~كفار العرب، وأنهم كانوا يستفتحون أي يطلبون الفتح عليهم ببعثة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهجرته وأن ذلك الاستفتاح قد استمر منهم قبل الهجرة، ~~بحيث كان الكفار من العرب أيضا يعرفون ذلك منهم لمكان قوله: كانوا، وقوله: ~~فلما جاءهم ما عرفوا، أي عرفوا أنه هو بانطباق ms0215 ما كان عندهم من الأوصاف ~~عليه كفروا. # قوله تعالى: بئسما اشتروا بيان لسبب كفرهم بعد العلم وأن السبب الوحيد في ~~ذلك هو البغي والحسد، فقوله بغيا، مفعول مطلق نوعي. # وقوله أن ينزل الله" متعلق به، وقوله تعالى: فباءوا بغضب على غضب، أي ~~رجعوا بمصاحبته أو بتلبس غضب بسبب كفرهم بالقرآن على غضب بسبب كفرهم ~~بالتوراة من قبل، والمعنى أنهم كانوا قبل البعثة والهجرة ظهيرا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومستفتحا به وبالكتاب النازل عليه، ثم لما نزل بهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل عليه القرآن وعرفوا أنه هو الذي ~~كانوا يستفتحون به وينتظرون قدومه هاج بهم الحسد، وأخذهم الاستكبار، فكفروا ~~وأنكروا ما كانوا يذكرونه كما كانوا يكفرون بالتوراة من قبل، فكان ذلك منهم ~~كفرا على كفر. # قوله تعالى: ويكفرون بما وراءه، أي يظهرون الكفر بما وراءه، وإلا فهم ~~بالذي أنزل إليهم وهو التوراة أيضا كافرون. # قوله تعالى: قل فلم تقتلون، الفاء للتفريع. # والسؤال متفرع على قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، أي لو كان قولكم: نؤمن ~~بما أنزل علينا حقا وصدقا فلم تقتلون أنبياء الله، ولم كفرتم بموسى باتخاذ ~~العجل، ولم قلتم عند أخذ الميثاق ورفع الطور: سمعنا وعصينا. # قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل، الإشراب هو السقي، والمراد بالعجل ~~حب العجل، وضع موضعه للمبالغة كأنهم قد أشربوا نفس العجل وبه يتعلق قوله في ~~قلوبهم، ففي الكلام استعارتان أو استعارة ومجاز. # قوله تعالى: قل بئسما يأمركم به إيمانكم، بمنزلة أخذ النتيجة مما أورد ~~عليهم من قتل الأنبياء والكفر بموسى، والاستكبار بإعلام المعصية، وفيه معنى ~~الاستهزاء بهم. PageV01P127 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "ولما جاءهم ~~كتاب من عند الله مصدق" الآية قال (عليه السلام): كانت اليهود تجد في كتبهم ~~أن مهاجر محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين عير وأحد فخرجوا ~~يطلبون الموضع، فمروا بجبل يقال له حداد فقالوا حداد وأحد سواء، فتفرقوا ~~عنده، فنزل بعضهم بتيماء، وبعضهم بفدك، ms0216 وبعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء ~~إلى بعض إخوانهم، فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه، وقال لهم أمر بكم ما ~~بين عير وأحد، فقالوا له إذا مررت بهما فأذنا لهما، فلما توسط بهم أرض ~~المدينة، قال ذلك عير وهذا أحد فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا له قد أصبنا ~~بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك فاذهب حيث شئت وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك ~~وخيبر أنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا فكتبوا إليهم أنا قد استقرت بنا ~~الدار واتخذنا بها الأموال وما أقربنا منكم فإذا كان ذلك أسرعنا إليكم، ~~واتخذوا بأرض المدينة أموالا فلما كثرت أموالهم بلغ ذلك تبع فغزاهم فتحصنوا ~~منه فحاصرهم ثم آمنهم فنزلوا عليه فقال لهم إني قد استطبت بلادكم ولا أراني ~~إلا مقيما فيكم، فقالوا: ليس ذلك لك إنها مهاجر نبي، وليس ذلك لأحد حتى ~~يكون ذلك، فقال لهم فإني مخلف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره ~~فخلف حيين تراهم: الأوس والخزرج، فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال ~~اليهود، فكانت اليهود تقول لهم أما لو بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا فلما بعث الله محمدا آمنت به الأنصار وكفرت به ~~اليهود وهو قوله تعالى: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا إلى آخر الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس: أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس ~~والخزرج برسول الله قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما ~~كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن أبي البراء وداود بن سلمة ~~يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل ~~شرك وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير ~~ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله: ولما جاءهم ~~كتاب من عند الله الآية. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج أبو ms0217 نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك ~~عن ابن عباس قال: كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يستفتحون الله، يدعون على الذين كفروا ويقولون: اللهم ~~إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلا نصرتنا عليهم فينصرون فلما جاءهم ما عرفوا ~~يريد محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يشكوا فيه كفروا به. # أقول: وروى قريبا من هذين المعنيين بطرق أخرى أيضا. # قال بعض المفسرين بعد الإشارة إلى الرواية الأخيرة ونظائرها: إنها على ~~ضعف رواتها ومخالفتها للروايات المنقولة شاذة المعنى بجعل الاستفتاح دعاء ~~بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي بعض بحقه وهذا غير مشروع ولا حق ~~لأحد على الله فيدعى به انتهى. # وهذا ناش من عدم التأمل في معنى الحق وفي معنى القسم. # بيانه: أن القسم هو تقييد الخبر أو الإنشاء بشيء ذي شرافة وكرامة من حيث ~~إنه شريف أو كريم فتبطل شرافته أو كرامته ببطلان النسبة الكلامية، فإن كان ~~خبرا فببطلان صدقه وإن كان إنشاء أمرا أو نهيا فبعدم امتثال التكليف. # فإذا قلت: لعمري إن زيدا قائم فقد قيدت صدق كلامك بشرافة عمرك وحياتك ~~وعلقتها عليه بحيث لو كان حديثك كاذبا كان عمرك فاقدا للشرافة، وكذا إذا ~~قلت أفعل كذا وحياتي أو قلت أقسمك بحياتي أن تفعل كذا فقد قيدت أمرك بشرف ~~حياتك بحيث لو لم يأتمر مخاطبك لذهب بشرف حياتك وقيمة عمرك. # ومن هنا يظهر أولا: أن القسم أعلى مراتب التأكيد في الكلام كما ذكره أهل الأدب. # وثانيا: أن المقسم به يجب أن يكون أشرف من متعلقه فلا معنى لتأكيد الكلام ~~بما هو دونه في الشرف والكرامة. ### PageV01P128 وقد أقسم الله تعالى في كتابه باسم نفسه ووصفه كقوله: "والله ربنا" وكقوله: ~~"فوربك لنسألنهم" وقوله: "فبعزتك لأغوينهم" وأقسم بنبيه وملائكته وكتبه ~~وأقسم بمخلوقاته كالسماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار ~~واليوم والجبال والبحار والبلاد والإنسان والشجر والتين والزيتون. # وليس إلا أن لها شرافة حقة بتشريف الله وكرامة على الله من حيث إن ms0218 كلا ~~منها إما ذو صفة من أوصافه المقدسة الكريمة بكرامة ذاته المتعالية أو فعل ~~منسوب إلى منبع البهاء والقدس - والكل شريف بشرف ذاته الشريفة - فما المانع ~~للداعي منا إذا سأل الله شيئا أن يسأله بشيء منها من حيث إن الله سبحانه ~~شرفه وأقسم به؟ وما الذي هون الأمر في خصوص رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حتى أخرجه من هذه الكلية واستثناء من هذه الجملة؟. # ولعمري ليس رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهون عند الله من ~~تينة عراقية، أو زيتونة شامية، وقد أقسم الله بشخصه الكريم فقال: "لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون": الحجر - 72. # ثم إن الحق - ويقابله الباطل - هو الثابت الواقع في الخارج من حيث إنه ~~كذلك كالأرض والإنسان وكل أمر ثابت في حد نفسه ومنه الحق المالي وسائر ~~الحقوق الاجتماعية حيث إنها ثابتة بنظر الاجتماع وقد أبطل القرآن كل ما ~~يدعى حقا إلا ما حققه الله وأثبته سواء في الإيجاد أو في التشريع فالحق في ~~عالم التشريع وظرف الاجتماع الديني هو ما جعله الله حقا كالحقوق المالية ~~وحقوق الإخوان والوالدين على الولد وليس هو سبحانه محكوما بحكم أحد فيجعل ~~عليه تعالى ما يلزم به كما ربما يظهر من بعض الاستدلالات الاعتزالية غير ~~أنه من الممكن أن يجعل على نفسه حقا، جعلا بحسب لسان التشريع فيكون حقا ~~لغيره عليه تعالى كما قال تعالى: "وكان حقا علينا ننجي المؤمنين": يونس - ~~103، وقال تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. ~~وإن جندنا لهم الغالبون": الصافات - 171، 172، 173. # والنصر كما ترى مطلق، غير مقيد بشيء فالإنجاء حق للمؤمنين على الله، ~~والنصر حق للمرسل على الله تعالى وقد شرفه الله تعالى حيث جعله له فكان ~~فعلا منه منسوبا إليه مشرفا به فلا مانع من القسم به عليه تعالى وهو الجاعل ~~المشرف للحق والمقسم بكل أمر شريف. # إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن لا مانع من إقسام الله تعالى بنبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أو بحق نبيه وكذا إقسامه بأوليائه الطاهرين ms0219 أو بحقهم وقد ~~جعل لهم على نفسه حقا أن ينصرهم في صراط السعادة بكل نصر مرتبط بها كما عرفت. # وأما قول القائل: ليس لأحد على الله حق فكلام واه. # نعم ليس على الله حق يثبته عليه غيره فيكون محكوما بحكم غيره مقهورا بقهر سواه. # ولا كلام لأحد في ذلك ولا أن الداعي يدعوه بحق ألزمه به غيره بل بما جعله ~~هو تعالى بوعده الذي لا يخلف هذا. PageV01P129 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 94 - 99 # قل إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صدقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظلمين ~~(95) ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) قل من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى ~~وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله ~~عدو للكفرين (98) ولقد أنزلنا إليك ءايت بينت وما يكفر بها إلا الفسقون (99) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: قل إن كانت لكم إلخ، لما كان قولهم: لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة: وقولهم نؤمن بما أنزل علينا في جواب ما قيل لهم: آمنوا بما ~~أنزل الله يدلان بالالتزام على دعواهم أنهم ناجون في الآخرة دون غيرهم وأن ~~نجاتهم وسعادتهم فيها غير مشوبة بهلاك وشقاء لأنهم ليسوا بزعمهم بمعذبين ~~إلا أياما معدودة وهي أيام عبادتهم للعجل، قابلهم الله تعالى خطابا بما ~~يظهر به كذبهم في دعواهم وأنهم يعلمون ذلك من غير تردد وارتياب فقال تعالى ~~لنبيه: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة" أي سعادة تلك الدار فإن من ملك دارا ~~فإنما يتصرف فيها بما يستحسنه ويحبه ويحل منها بأجمل ما يمكن وأسعده وقوله ~~"عند الله" أي مستقرا عنده تعالى وبحكمه وإذنه، فهو كقوله تعالى: "إن الدين ~~عند الله الإسلام": آل عمران - 19 وقوله تعالى: "خالصة" أي غير مشوبة بما ~~تكرهونه من ms0220 عذاب أو هوان لزعمكم أنكم لا تعذبون فيها إلا أياما معدودة، ~~قوله تعالى: "من دون الناس" وذلك لزعمكم بطلان كل دين إلا دينكم، وقوله ~~تعالى: "فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" وهذا كقوله تعالى: "قل يا أيها الذين ~~هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين": الجمعة - 6 وهذه مؤاخذة بلازم فطري بين الأثر في الخارج بحيث لا ~~يقع فيه أدنى الشك وهو أن الإنسان بل كل موجود ذي شعور إذا خير بين الراحة ~~والتعب اختار الراحة من غير تردد وتذبذب وإذا خير بين حياة وعيشة مكدرة ~~مشوبة وأخرى خالصة صافية اختار الخالصة الهنيئة قطعا ولو فرض ابتلاؤه بما ~~كان يميل عنه إلى غيره من حياة شقية ردية أو عيشة منغصة لم يزل يتمنى ~~الأخرى الطيبة الهنيئة فلا ينفك عن التحسر له في قلبه وعن ذكره في لسانه ~~وعن السعي إليه في عمله. # فلو كانوا صادقين في دعواهم أن السعادة الخالصة الأخروية لهم دون غيرهم ~~من الناس وجب أن يتمنوه جنانا ولسانا وأركانا ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم من قتل الأنبياء والكفر بموسى ونقض المواثيق والله عليم بالظالمين. # قوله تعالى: بما قدمت أيديهم كناية عن العمل فإن معظم العمل عند الحس يقع ~~بواسطة اليد فيقدم بعد ذلك إلى من ينتفع به أو يطلبه ففيه عنايتان نسبة ~~التقديم إلى الأيدي دون أصحاب الأيدي وعد كل فعل عملا للأيدي. # وبالجملة أعمال الإنسان وخاصة ما يستمر صدوره منه أحسن دليل على ما طوى ~~عليه ضميره وارتكز في باطنه والأعمال الطالحة والأفعال الخبيثة لا يكشف إلا ~~عن طوية خبيثة تأبى أن تميل إلى لقاء الله والحلول في دار أوليائه. # قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، كالدليل المبين لقوله تعالى: ~~ولن يتمنوه أبدا أي ويشهد على أنهم لن يتمنوا الموت، إنهم أحرص الناس على ~~هذه الحياة الدنيا التي لا حاجب ولا مانع عن تمني الدار الآخرة إلا الحرص ~~عليها والإخلاد إليها، والتنكير في قوله تعالى: على حيوة للتحقير ms0221 كما قال ~~تعالى: "وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ~~لو كانوا يعلمون":. العنكبوت - 64. # قوله تعالى: ومن الذين أشركوا الظاهر أنه عطف على الناس والمعنى ولتجدنهم ~~أحرص من الذين أشركوا. PageV01P130 # قوله تعالى: وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، الظاهر أن ما نافية وضمير ~~هو إما للشأن والقصة وأن يعمر مبتدأ خبره قوله: بمزحزحه أي بمبعده، وإما ~~راجع إلى ما يدل عليه قوله: يود أحدهم، أي وما الذي يوده بمزحزحه من ~~العذاب. # وقوله تعالى: أن يعمر بيان له ومعنى الآية ولن يتمنوا الموت وأقسم ~~لتجدنهم أحرص الناس على هذه الحياة الحقيرة الردية الصارفة عن تلك الحياة ~~السعيدة الطيبة بل تجدهم أحرص على الحياة من الذين أشركوا الذين لا يرون ~~بعثا ولا نشورا يود أحدهم لو يعمر أطول العمر وليس أطول العمر بمبعده من ~~العذاب لأن العمر وهو عمر بالأخرة محدود منته إلى أمد وأجل. # قوله تعالى: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، أي أطول العمر وأكثره، فالألف ~~كناية عن الكثرة وهو آخر مراتب العدد بحسب الوضع الإفرادي عند العرب ~~والزائد عليه يعبر عنه بالتكرير والتركيب كعشرة آلاف ومائة ألف وألف ألف. # قوله تعالى: والله بصير بما يعملون، البصير من أسمائه الحسنى ومعناه ~~العلم بالمبصرات فهو من شعب اسم العليم. # قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك إلخ. # السياق يدل على أن الآية نزلت جوابا عما قالته اليهود وأنهم تابوا ~~واستنكفوا عن الإيمان بما أنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وعللوه بأنهم عدو لجبريل النازل بالوحي إليه. # والشاهد على ذلك أن الله سبحانه يجيبهم في القرآن وفي جبريل معا في ~~الآيتين وما ورد من شأن النزول يؤيد ذلك فأجاب عن قولهم: إنا لا نؤمن ~~بالقرآن لعداوتنا لجبريل النازل به أولا: أن جبريل إنما نزل به على قلبك ~~بإذن الله لا من عند نفسه فعداوتهم لجبريل لا ينبغي أن يوجب إعراضهم عن ~~كلام نازل بإذن الله، وثانيا: أن القرآن مصدق ms0222 لما في أيديهم من الكتاب الحق ~~ولا معنى للإيمان بأمر والكفر بما يصدقه. # وثالثا. # أن القرآن هدى للمؤمنين به، ورابعا أنه بشرى وكيف يصح لعاقل أن ينحرف عن ~~الهداية ويغمض عن البشرى ولو كان الآتي بذلك عدوا له. # وأجاب عن قولهم: إنا عدو جبريل أن جبريل ملك من الملائكة لا شأن له إلا ~~امتثال ما أمره به الله سبحانه كميكال وسائر الملائكة وهم عباد مكرمون لا ~~يعصون الله فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وكذلك رسل الله لا شأن لهم إلا ~~بالله ومن الله سبحانه فبغضهم واستعدائهم بغض واستعداء لله ومن كان عدوا ~~لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو لهم، وإلى هذين الجوابين ~~تشير الآيتان. # قوله تعالى: فإنه نزله على قلبك، فيه التفات من التكلم إلى الخطاب وكان ~~الظاهر أن يقال على قلبي، لكن بدل من الخطاب للدلالة على أن القرآن كما لا ~~شأن في إنزاله لجبريل وإنما هو مأمور مطيع كذلك لا شأن في تلقيه وتبليغه ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن قلبه وعاء للوحي لا يملك منه ~~شيئا وهو مأمور بالتبليغ. # واعلم أن هذه الآيات في أواخرها، أنواع الالتفات وإن كان الأساس فيها ~~الخطاب لبني إسرائيل، غير أن الخطاب إذا كان خطاب لوم وتوبيخ وطال الكلام ~~صار المقام مقام استملال للحديث مع المخاطب واستحقار لشأنه فكان من الحري ~~للمتكلم البليغ الإعراض عن المخاطبة تارة بعد أخرى بالالتفات بعد الالتفات ~~للدلالة على أنه لا يرضى بخطابهم لردائة سمعهم وخسة نفوسهم ولا يرضى بترك ~~خطابهم إظهارا لحق القضاء عليهم. # قوله تعالى: عدو للكافرين، فيه وضع الظاهر موضع المضمر والنكتة فيه ~~الدلالة على علة الحكم كأنه قيل: فإن الله عدو لهم لأنهم كافرون والله عدو ~~للكافرين. ### # قوله تعالى: وما يكفر بها إلا الفاسقون، فيه دلالة على علة الكفر وأنه ~~الفسق فهم لكفرهم فاسقون ولا يبعد أن يكون اللام في قوله: الفاسقون للعهد ~~الذكري ويكون ذلك إشارة إلى ما مر في أوائل السورة من قوله تعالى: وما يضل ms0223 ~~به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه الآية. # وأما الكلام في جبريل وكيفية تنزيله القرآن على قلب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وكذا الكلام في ميكال والملائكة فسيأتي فيما يناسبه من ~~المحل إن شاء الله. PageV01P131 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل الآيتان، قال ابن عباس ~~كان سبب نزول الآية ما روي أن ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك لما قدم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة سألوه فقالوا: يا محمد كيف نومك؟ ~~فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان. فقال تنام عيناي وقلبي ~~يقظان. قالوا: صدقت يا محمد فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ ~~فقال أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأما اللحم والدم والظفر والشعر ~~فمن المرأة. قالوا: صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه وليس له من شبه ~~أخواله شيء؟ أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال أيهما علا ~~ماؤه كان الشبه له قالوا صدقت يا محمد فأخبرنا عن ربك ما هو؟ فأنزل الله ~~سبحانه: قل هو الله أحد إلى آخر السورة. فقال له ابن صوريا خصلة واحدة إن ~~قلتها آمنت بك واتبعتك. أي ملك يأتيك بما ينزل الله عليك؟ قال: فقال ~~جبرئيل. قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب وميكائيل ينزل باليسر ~~والرخاء فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك. # أقول: قوله تنام عيناي وقلبي يقظان، قد استفاض الحديث من العامة والخاصة ~~أنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنام عينه ولا ينام قلبه ~~ومعناه أنه كان لا يغفل بالنوم عن نفسه فكان وهو في النوم يعلم أنه نائم ~~وأن ما يراه رؤيا يراها ليس باليقظة، وهذا أمر بما يتفق للصالحين أحيانا ~~عند طهارة نفوسهم واشتغالها بذكر مقام ربهم وذلك أن إشراف النفس على مقام ~~ربها لا يدعها غافلة عما لها من طور الحياة الدنيوية ونحو تعلقها بربها. # وهذا نحو مشاهدة ms0224 يبين للإنسان أنه في عالم الحياة الدنيا على حال النوم ~~سواء معه النوم الذي يراه الناس نوما فقط وكذا اليقظة التي يراها الناس ~~يقظة وأن الناس وهم معتكفون على باب الحس مخلدون إلى أرض الطبيعة، رقود وإن ~~عدوا أنفسهم أيقاظا. # فعن علي (عليه السلام): الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا الحديث. # وسيأتي زيادة استيفاء لهذا البحث وكذا الكلام في سائر فقرات هذا الحديث ~~في مواضع مناسبة من هذا الكتاب إن شاء الله. PageV01P132 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 100 - 101 # أوكلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم ~~رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: نبذه، النبذ الطرح. # قوله تعالى: ولما جاءهم رسول، المراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا كل رسول كان يأتيهم مصدقا لما معهم، لعدم دلالة قوله: ولما جاءهم ~~على الاستمرار بل إنما يدل على الدفعة، والآية تشير إلى مخالفتهم للحق من ~~حيث كتمانهم بشارة التوراة وعدم إيمانهم بمن يصدق ما معهم. PageV01P133 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 102 - 103 # واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن وما كفر سليمن ولكن الشيطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هروت ومروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الاخرة من خلق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة من ~~عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك، إلخ، قد اختلف المفسرون ~~في تفسير الآية اختلافا عجيبا لا يكاد يوجد نظيره في آية من آيات القرآن ~~المجيد، فاختلفوا في مرجع ضمير قوله: اتبعوا، أهم اليهود الذين كانوا في ~~عهد سليمان، ms0225 أو الذين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ~~الجميع؟ واختلفوا في قوله: تتلوا، هل هو بمعنى تتبع الشياطين وتعمل به أو ~~بمعنى تقرأ، أو بمعنى تكذب؟ واختلفوا في قوله: الشياطين، فقيل هم شياطين ~~الجن وقيل شياطين الإنس وقيل هما معا، واختلفوا في قوله: على ملك سليمان، ~~فقيل معناه في ملك سليمان، وقيل معناه في عهد ملك سليمان وقيل معناه على ~~ملك سليمان بحفظ ظاهر الاستعلاء في معنى على، وقيل معناه على عهد ملك ~~سليمان، واختلفوا في قوله: ولكن الشياطين كفروا، فقيل إنهم كفروا بما ~~استخرجوه من السحر إلى الناس وقيل إنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من ~~السحر، وقيل إنهم سحروا فعبر عن السحر بالكفر، واختلفوا في قوله: يعلمون ~~الناس السحر، فقيل إنهم ألقوا السحر إليهم فتعلموه، وقيل إنهم دلوا الناس ~~على استخراج السحر وكان مدفونا تحت كرسي سليمان فاستخرجوه وتعلموه، ~~واختلفوا في قوله: وما أنزل على الملكين فقيل ما موصولة والعطف على قوله: ~~ما تتلوا، وقيل ما موصولة والعطف على قوله: السحر أي يعلمونهم ما أنزل على ~~الملكين، وقيل ما نافية والواو استينافية أي ولم ينزل على الملكين سحر كما ~~يدعيه اليهود، واختلفوا في معنى الإنزال فقيل إنزال من السماء وقيل بل من ~~نجود الأرض وأعاليها، واختلفوا في قوله: الملكين، فقيل كانا من ملائكة ~~السماء، وقيل بل كانا إنسانين ملكين بكسر اللام إن قرأناه، بكسر اللام كما ~~قرىء كذلك في الشواذ، أو ملكين بفتح اللام أي صالحين، أو متظاهرين بالصلاح، ~~إن قرأناه على ما قرأ به المشهور واختلفوا في قوله: ببابل، فقيل هي بابل ~~العراق وقيل بابل دماوند، وقيل، من نصيبين إلى رأس العين، واختلفوا في ~~قوله: وما يعلمان، فقيل علم بمعناه الظاهر، وقيل علم بمعنى أعلم، واختلفوا ~~في قوله: فلا تكفر، فقيل، لا تكفر بالعمل بالسحر، وقيل لا تكفر بتعلمه، ~~وقيل بهما معا، واختلفوا في قوله: فيتعلمون منهما، فقيل أي من هاروت ~~وماروت، وقيل أي من السحر والكفر، وقيل بدلا مما علماه الملكان بالنهي ms0226 إلى ~~فعله، واختلفوا في قوله: ما يفرقون به بين المرء وزوجه، فقيل أي يوجدون به ~~حبا وبغضا بينهما، وقيل إنهم يغرون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك ~~فيفرق بينهما اختلاف الملة والنحلة وقيل إنهم يسعون بينهما بالنميمة ~~والوشاية فيئول إلى الفرقة، فهذه نبذة من الاختلاف في تفسير كلمات ما يشتمل ~~على القصة من الآية وجمله، وهناك اختلافات أخر في الخارج من القصة في ذيل ~~الآية وفي نفس القصة، وهل هي قصة واقعة أو بيان على سبيل التمثيل؟ أو غير ~~ذلك؟ وإذا ضربت بعض الأرقام التي ذكرناها من الاحتمالات في البعض الآخر، ~~ارتقى الاحتمالات إلى كمية عجيبة وهي ما يقرب من ألف ألف ومائتين وستين ألف ~~احتمال!. PageV01P134 # وهذا لعمر الله من عجائب نظم القرآن تتردد الآية بين مذاهب واحتمالات تدهش ~~العقول وتحير الألباب، والكلام بعد متك على أريكة حسنة متجمل في أجمل جماله ~~متحل بحلي بلاغته وفصاحته وسيمر بك نظيرة هذه الآية وهي قوله تعالى: "أفمن ~~كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة": هود - 17. # والذي ينبغي أن يقال: أن الآية بسياقها تتعرض لشأن آخر من شئون اليهود ~~وهو تداول السحر بينهم، وأنهم كانوا يستندون في أصله إلى قصة معروفة أو ~~قصتين معروفتين عندهم فيها ذكر من أمر سليمان النبي والملكين ببابل هاروت ~~وماروت، فالكلام معطوف على ما عندهم من القصة التي يزعمونها إلا أن اليهود ~~كما يذكره عنهم القرآن أهل تحريف وتغيير في المعارف والحقائق فلا يؤمنون ~~ولا يؤمن من أمرهم أن يأتوا بالقصص التاريخية محرفة مغيرة على ما هو دأبهم ~~في المعارف يميلون كل حين إلى ما يناسبه من منافعهم في القول والفعل وفيما ~~يلوح من مطاوي جمل الآية كفاية، وكيف كان فيلوح من الآية أن اليهود كانوا ~~يتناولون بينهم السحر ينسبونه إلى سليمان زعما منهم أن سليمان (عليه ~~السلام) إنما ملك الملك وسخر الجن والإنس والوحش والطير، وأتى بغرائب ~~الأمور وخوارقها بالسحر الذي هو بعض ما في أيديهم، وينسبون بعضه الآخر إلى ms0227 ~~الملكين ببابل هاروت وماروت فرد عليهم القرآن بأن سليمان (عليه السلام) لم ~~يكن يعمل بالسحر، كيف والسحر كفر بالله وتصرف في الكون على خلاف ما وضع ~~الله العادة عليه وأظهره على خيال الموجودات الحية وحواسها؟ ولم يكفر ~~سليمان (عليه السلام) وهو نبي معصوم، وهو قوله تعالى: "وما كفر سليمان ولكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر" وقوله تعالى: "ولقد علموا لمن اشتريه ~~ما له في الآخرة من خلاق" فسليمان (عليه السلام) أعلى كعبا وأقدس ساحة من ~~أن ينسب إليه السحر والكفر وقد استعظم الله قدره في مواضع من كلامه في عدة ~~من السور المكية النازلة قبل هذه السورة كسورة الأنعام والأنبياء والنمل ~~وسورة ص وفيها أنه كان عبدا صالحا ونبيا مرسلا آتاه الله العلم والحكمة ~~ووهب له من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده فلم يكن بساحر بل هو من القصص ~~الخرافية والأساطير التي وضعتها الشياطين وتلوها وقرءوها على أوليائهم من ~~الإنس وكفروا بإضلالهم الناس بتعليم السحر. # ورد عليهم القرآن في الملكين ببال هاروت وماروت بأنه وإن أنزل عليهما ذلك ~~ولا ضير في ذلك لأنه فتنة وامتحان إلهي كما ألهم قلوب بني آدم وجوه الشر ~~والفساد فتنة وامتحانا وهو من القدر، فهما وإن أنزل عليهما السحر إلا أنهما ~~ما كانا يعلمان من أحد إلا ويقولان له إنما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال ما ~~تتعلمه من السحر في غير مورده كإبطال السحر والكشف عن بغي أهله وهم مع ذلك ~~يتعلمون منهما ما يفسدون به أصلح ما وضعه الله في الطبيعة والعادة، فيفرقون ~~به بين المرء وزوجه ابتغاء للشر والفساد ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ~~فقوله تعالى: واتبعوا أي اتبعت اليهود الذين بعد عهد سليمان بتوارث الخلف ~~عن السلف ما تتلوا، أي تضع وتكذب الشياطين من الجن على ملك سليمان والدليل ~~على أن تتلوا بمعنى تكذب تعديه بعلى وعلى أن الشياطين هم الجن كون هؤلاء ~~تحت تسخير سليمان ومعذبين بعذابه، وبذلك كان (عليه السلام) يحبسهم عن ~~الإفساد، قال تعالى: "ومن الشياطين من ms0228 يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا ~~لهم حافظين": الأنبياء - 82، وقال تعالى: "فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين": سبأ - 14. # قوله تعالى: وما كفر سليمان، أي والحال أن سليمان لم يسحر حتى يكفر ولكن ~~الشياطين كفروا، والحال أنهم يضلون الناس ويعلمونهم السحر. # قوله تعالى: وما أنزل، أي واتبعت اليهود ما أنزل بالإخطار والإلهام على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت، والحال أنهما ما يعلمان السحر من أحد حتى ~~يحذراه العمل به ويقولا إنما نحن فتنة لكم وامتحان تمتحنون بنا بما نعلمكم ~~فلا تكفر باستعماله. # قوله تعالى: فيتعلمون منهما، أي من الملكين وهما هاروت وماروت، ما يفرقون ~~به أي سحرا يفرقون بعمله وتأثيره بين المرء وزوجه. PageV01P135 # قوله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، دفع لما يسبق إلى ~~الوهم أنهم بذلك يفسدون أمر الصنع والتكوين ويسبقون تقدير الله ويبطلون ~~أمره فدفعه بأن السحر نفسه من القدر لا يؤثر إلا بإذن الله فما هم بمعجزين، ~~وإنما قدم هذه الجملة على قوله: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، لأن هذه ~~الجملة أعني: ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وحدها مشتملة ~~على ذكر التأثير، فأردفت بأن هذا التأثير بإذن الله. # قوله تعالى: ولقد علموا لمن اشتريه ما له في الآخرة من خلاق، علموا ذلك ~~بعقولهم لأن العقل لا يرتاب في أن السحر أشأم منابع الفساد في الاجتماع ~~الإنساني وعلموا ذلك أيضا من قول موسى فإنه القائل: "ولا يفلح الساحر حيث ~~أتى": طه - 69. # قوله تعالى: ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، أي إنهم مع كونهم ~~عالمين بكونه شرا لهم مفسدا لآخرتهم غير عالمين بذلك حيث لم يعملوا بما ~~علموا فإن العلم إذا لم يهد حامله إلى مستقيم الصراط كان ضلالا وجهلا لا ~~علما، قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم": الجاثية - 23. # فهؤلاء مع علمهم بالأمر ينبغي أن يتمنى المتمني لهم العلم والهداية. # قوله تعالى: ولو أنهم آمنوا واتقوا، إلخ أي ms0229 اتبعوا الإيمان والتقوى، بدل ~~اتباع أساطير الشياطين، والكفر بالسحر، وفيه دليل على أن الكفر بالسحر كفر ~~في مرتبة العمل كترك الزكاة، لا كفر في مرتبة الاعتقاد، ولو كان السحر كفرا ~~في الاعتقاد لقال تعالى: ولو أنهم آمنوا لمثوبة، إلخ، واقتصر على الإيمان ~~ولم يذكر التقوى فاليهود آمنوا ولكن لما لم يتقوا ولم يرعوا محارم الله، لم ~~يعبأ بإيمانهم فكانوا كافرين. # قوله تعالى: لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون، أي من المثوبات ~~والمنافع التي يرومونها بالسحر ويقتنونها بالكفر هذا. ### ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، والقمي،: في قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين ~~على ملك سليمان عن الباقر (عليه السلام) في حديث: فلما هلك سليمان وضع ~~إبليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره، هذا ما وضع آصف بن برخيا ~~للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليعمل كذا ~~وكذا ثم دفنه تحت سريره ثم استتاره لهم فقرأه فقال الكافرون: ما كان يغلبنا ~~سليمان إلا بهذا، وقال المؤمنون: بل هو عبد الله ونبيه، فقال الله جل ذكره: ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان. # أقول: إسناد الوضع والكتابة والقراءة إلى إبليس لا ينافي استنادها إلى ~~سائر الشياطين من الجن والإنس لانتهاء الشر كله إليه وانتشاره منه لعنه ~~الله، إلى أوليائه بالوحي والوسوسة وذلك شائع في لسان الأخبار. # وظاهر الحديث أن كلمة تتلوه من التلاوة بمعنى القراءة وهذا لا ينافي ما ~~استظهرناه في البيان السابق: أن تتلو بمعنى يكذب لأن إفادة معنى الكذب من ~~جهة التضمين أو ما يشبهه، وتقدير قوله: تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~يقرءونه كاذبين على ملك سليمان والأصل في معنى تلا يتلو رجوعه إلى معنى ولى ~~يلي ولاية وهو أن يملك الشيء من حيث الترتيب ووقوع جزء منه عقيب جزء آخر، ~~وسيأتي الكلام فيه في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: "إنما وليكم ~~الله ورسوله": المائدة - 58. PageV01P136 # وفي العيون،: في حديث الرضا (عليه السلام) مع المأمون، وأما هاروت وماروت ms0230 ~~فكانا ملكين علما الناس السحر ليتحرزوا به عن سحر السحرة ويبطلوا كيدهم وما ~~علما أحدا من ذلك شيئا إلا قالا له إنما نحن فتنة فلا تكفر فكفر قوم ~~باستعمالهم لما أمروا بالاحتراز عنه وجعلوا يفرقون بما يعملونه بين المرء ~~وزوجه، قال الله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. وفي الدر ~~المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس، قال: كان سليمان إذا أراد أن يدخل ~~الخلاء أو يأتي شيئا من شأنه أعطى الجرادة وهي امرأته خاتمه فلما أراد الله ~~أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذلك اليوم خاتمه فجاء ~~الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي فأخذه ولبسه فلما لبسه دانت ~~له شياطين الجن والإنس فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي فقالت كذبت لست ~~سليمان فعرف أنه بلاء ابتلي به فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا ~~فيها سحر وكفر ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ثم أخرجوها فقرءوها على الناس ~~فقالوا إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب فبرىء الناس من سليمان ~~وأكفروه حتى بعث الله محمدا وأنزل عليه: وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا. # أقول: والقصة مروية في روايات أخرى وهي قصة طويلة من جملة القصص الواردة ~~في عثرات الأنبياء مذكورة في جملتها. # وفي الدر المنثور، أيضا وأخرج سعيد بن جرير والخطيب في تاريخه عن نافع ~~قال: سافرت مع ابن عمر فلما كان في آخر الليل، قال يا نافع: انظر هل طلعت ~~الحمراء؟ قلت لا، مرتين أو ثلاثا ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبا بها ولا ~~أهلا. قلت: سبحان الله نجم مسخر سامع مطيع. قال ما قلت لك إلا ما سمعت من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: إن الملائكة قالت: يا رب كيف ~~صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني أبليتهم وعافيتهم. قالوا لو ~~كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن ~~يختاروا فاختاروا هاروت وماروت فنزلا، فألقى الله عليهما الشبق. قلت: وما ~~الشبق؟ ms0231 قال: الشهوة فجاءت امرأة يقال لها الزهرة فوقعت في قلوبهما فجعل كل ~~واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه ثم قال أحدهما للآخر هل وقع في نفسك ~~ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطالباها لأنفسهما فقالت لا أمكنكما حتى تعلماني ~~الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان فأبيا ثم سألاها أيضا فأبت. ففعلا ~~فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتهما ثم سألا التوبة من ربهما ~~فخيرهما فقال إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم القيامة ~~عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما ~~كنتما عليه، فقال أحدهما لصاحبه إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول فاختارا عذاب ~~الدنيا على عذاب الآخرة فأوحى الله إليهما أن ائتيا بابل فانطلقا إلى بابل ~~فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض معذبان إلى يوم القيامة. # أقول: وقد روي قريب منه في بعض كتب الشيعة مرفوعا عن الباقر (عليه ~~السلام) وروى السيوطي فيما يقرب من هذا المعنى في أمر هاروت وماروت والزهرة ~~نيفا وعشرين حديثا، صرحوا بصحة طريق بعضها. # وفي منتهى إسنادها عدة من الصحابة كابن عباس وابن مسعود وعلي وأبي ~~الدرداء وعمر وعائشة وابن عمر. # وهذه قصة خرافية تنسب إلى الملائكة المكرمين الذين نص القرآن على نزاهة ~~ساحتهم وطهارة وجودهم عن الشرك والمعصية أغلظ الشرك وأقبح المعصية، وهو: ~~عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب الخمر وتنسب إلى كوكبة الزهرة أنها امرأة ~~زانية مسخت - وأنها أضحوكة - وهي كوكبة سماوية طاهرة في طليعتها وصنعها ~~أقسم الله تعالى عليها في قوله: "الجوار الكنس": التكوير - 16 على أن علم ~~الفلك أظهر اليوم هويتها وكشف عن عنصرها وكميتها وكيفيتها وسائر شئونها. # فهذه القصة كالتي قبلها المذكورة في الرواية السابقة تطابق ما عند اليهود ~~على ما قيل: من قصة هاروت وماروت، تلك القصة الخرافية التي تشبه خرافات ~~يونان في الكواكب والنجوم. PageV01P137 # ومن هاهنا يظهر للباحث المتأمل: أن هذه الأحاديث كغيرها الواردة في مطاعن ~~الأنبياء وعثراتهم لا تخلو من دس دسته اليهود فيها وتكشف عن ms0232 تسربهم الدقيق ~~ونفوذهم العميق بين أصحاب الحديث في الصدر الأول فقد لعبوا في رواياتهم بكل ~~ما شاءوا من الدس والخلط وأعانهم على ذلك قوم آخرون. # لكن الله عز اسمه جعل كتابه في محفظة إلهية من هوسات المتهوسين من أعدائه ~~كلما استرق السمع شيطان من شياطينهم أتبعه بشهاب مبين، فقال عز من قائل: ~~"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون": الحجر - 9، وقال "وإنه لكتاب عزيز ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد": فصلت - 42 ~~وقال: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا": إسراء - 82 فأطلق القول ولم يقيد، فما من خلط أو دس إلا ويدفعه ~~القرآن ويظهر خسار صاحبه بالكشف عن حاله وإقراء صفحة تاريخه، وقال رسول ~~الله فيما رواه الفريقان: ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاتركوه. # فأعطى ميزانا كليا يوزن به المعارف المنقولة منه ومن أوليائه، وبالجملة ~~فبالقرآن يدفع الباطل عن ساحة الحق ثم لا يلبث أن يظهر بطلانه ويمات عن ~~القلوب الحية كما أميت عن الأعيان. # قال تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه": الأنبياء - 18، وقال ~~تعالى: "ويريد الله أن يحق الحق بكلماته": الأنفال - 7، وقال تعالى: "ليحق ~~الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون": الأنفال - 8، ولا معنى لإحقاق الحق ~~ولا لإبطال الباطل إلا إظهار صفتهما. # وبعض الناس وخاصة من أهل عصرنا من المتوغلين في الأبحاث المادية ~~والمرعوبين من المدنية الغربية الحديثة استفادوا من هذه الحقيقة المذكورة ~~سوء وأخذوا بطرح جميع ما تضمنته سنة رسول الله واشتملت عليه جوامع الروايات ~~فسلكوا في ذلك مسلك التفريط، قبال ما سلكه بعض الأخباريين وأصحاب الحديث ~~والحرورية وغيرهم مسلك الإفراط والأخذ بكل رواية منقولة كيف كانت. # وكما أن القبول المطلق تكذيب للموازين المنصوبة في الدين لتميز الحق من ~~الباطل ونسبة الباطل واللغو من القول إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كذلك الطرح الكلي تكذيب لها وإلغاء وإبطال للكتاب العزيز الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القائل ms0233 جل ثناؤه: "ما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا": الحشر - 7 وقوله تعالى: "وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله": النساء - 64، إذ لو لم يكن لقول رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) حجية أو لما ينقل من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلينا ~~معاشر الغائبين في عصره أو الموجودين بعد ارتحاله من الدنيا حجية لما استقر ~~من الدين حجر على حجر، والركون على النقل والحديث مما يعتوره البشر ويقبله ~~في حياته الاجتماعية قبولا يضطر إليه بالبداهة ويهديه إلى ذلك الفطرة ~~الإنسانية لا غنى له عن ذلك، وأما وقوع الدس والخلط في المعارف المنقولة ~~الدينية فليس ببدع يختص بالدين كيف ورحى الاجتماع بجميع جهاتها وأركانها ~~تدور على الأخبار الدائرة اليومية العامة والخاصة، ووجوده الكذب والدس ~~والخلط فيها أزيد وأيدي السياسات الكلية والجزئية بها ألعب؟ ونحن على ~~فطرتنا الإنسانية لا نجري على مجرد قرع السمع في الأخبار المنقولة إلينا في ~~نادي الاجتماع بل نعرض كل واحد واحد منها على ما عندنا من الميزان الذي ~~يمكن أن يوزن به فإن وافقه وصدقه قبلناه وإن خالفه وكذبه طرحناه وإن لم ~~يتبين شيء من أمره ولم يتميز حقه من باطله وصدقه من كذبه توقفنا فيه من غير ~~قبول ولا رد على الاحتياط الذي جبلنا عليه في الشرور والمضار. ### # هذا كله بشرط الخبرة في نوع الخبر الذي نقل إلينا، وأما ما لا خبرة ~~للإنسان فيه من الأخبار بما يشتمل عليه من المضمون فسبيل العقلاء من أهل ~~الاجتماع فيه الرجوع إلى أهل خبرته والأخذ بما يرون فيه ويحكمون به هذا. PageV01P138 # فهذا ما عليه بناؤنا الفطري في الاجتماع الإنساني، والميزان الديني المضروب ~~لتمييز الحق من الباطل وكذا الصدق من الكذب، لا يغاير ذلك بل هو هو بعينه، ~~وهو العرض على كتاب الله فإن تبين منه شيء أخذ به وإن لم يتبين لشبهة ~~فالوقوف عند الشبهة، وعلى ذلك أخبار متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والأئمة من أهل بيته. # هذا كله في غير ms0234 المسائل الفقهية وأما هي فالمرجع في البحث عنها فن أصول الفقه. ### |||| AUTO بحث فلسفي # من المعلوم وقوع أفعال خارقة للعادة الجارية للمشاهدة والنقل، فقلما يوجد ~~منا من لم يشاهد شيئا من خوارق الأفعال أو لم ينقل إليه شيء من ذلك - قليل ~~أو كثير إلا أن البحث الدقيق في كثير منها يبين رجوعها إلى الأسباب ~~الطبيعية العادية، فكثير من هذه الأفعال الخارقة يتقوى بها أصحابها ~~بالاعتياد والتمرين كأكل السموم وحمل الأثقال والمشي على حبل ممدود في ~~الهواء إلى غير ذلك، وكثير منها تتكي على أسباب طبيعية مخفية على الناس ~~مجهولة لهم كمن يدخل النار ولا يحترق بها من جهة طلاية الطلق ببدنه أو يكتب ~~كتابا لا خط عليه ولا يقرؤه إلا صاحبه، وإنما كتب بمايع لا يظهر إلا إذا ~~عرض الكتاب على النار إلى غير ذلك. # وكثير منها يحصل بحركات سريعة تخفى على الحس لسرعتها فلا يرى الحس إلا ~~أنه وقع من غير سبب طبيعي كالخوارق التي يأتي بها أصحاب الشعبذة، فهذه كلها ~~مستندة إلى أسباب عادية مخفية علي حسنا أو غير مقدورة لنا لكن بعض هذه ~~الخوارق لا يحلل إلى الأسباب الطبيعية الجارية على العادة كالإخبار عن بعض ~~المغيبات وخاصة ما يقع منها في المستقبل وكأعمال الحب والبغض والعقد والحل ~~والتنويم والتمريض وعقد النوم والإحضار والتحريكات بالإرادة مما يقع من ~~أرباب الرياضات وهي أمور غير قابلة للإنكار، شاهدنا بعضا منها ونقل إلينا ~~بعض آخر نقلا لا يطعن فيه، وهو ذا يوجد اليوم من أصحابها بالهند وإيران ~~والغرب جماعة يشاهد منهم أنواع من هذه الخوارق والتأمل التام في طرق ~~الرياضات المعطية لهذه الخوارق والتجارب العملي في أعمالهم وإرادتهم يوجب ~~القول بأنها مستندة إلى قوة الإرادة والإيمان بالتاثير على تشتت أنواعها، ~~فالإرادة تابعة للعلم والإذعان السابق عليه، فربما توجد على إطلاقها وربما ~~توجد عند وجود شرائط خاصة ككتابة شيء خاص بمداد خاص في مكان خاص في بعض ~~أعمال الحب والبغض، أو نصب المرآة حيال وجه طفل خاص عند إحضار الروح أو ~~قراءة ms0235 عوذة خاصة إلى غير ذلك، فجميع ذلك شرائط لحصول الإرادة الفاعلة، ~~فالعلم إذا تم علما قاطعا أعطى للحواس مشاهدة ما قطع به، ويمكنك أن تختبر ~~صحة ذلك بأن تلقن نفسك أن شيئا كذا أو شخصا كذا حاضر عندك تشاهده بحاستك ثم ~~تتخيله بحيث لا تشك فيه ولا تلتفت إلى عدمه ولا إلى شيء غيره فإنك تجده ~~أمامك على ما تريد، وربما توجد في الآثار معالجة بعض الأطباء الأمراض ~~المهلكة بتلقين الصحة على المريض. # وإذا كان الأمر على هذا فلو قويت الإرادة أمكنها أن تؤثر في غير الإنسان ~~المريد نظير ما توجده في نفس الإنسان المريد إما من غير شرط وقيد أو مع شيء ~~من الشرائط. # ويتبين بما مر أمور: أحدها: أن الملاك في هذا التأثير تحقق العلم الجازم ~~من صاحب خرق العادة وأما مطابقة هذا العلم للخارج فغير لازم كما كان يعتقده ~~أصحاب تسخير الكواكب من الأرواح المتعلقة بالأجرام الفلكية، ويمكن أن يكون ~~من هذا القبيل الملائكة والشياطين الذين يستخرج أصحاب الدعوات والعزائم ~~أسماءهم ويدعون بها على طرق خاصة عندهم، وكذلك ما يعتقده أصحاب إحضار ~~الأرواح من حضور الروح فلا دليل لهم على أزيد من حضورها في خيالهم أو ~~حواسهم دون الخارج وإلا لرآه كل من حضر عندهم وللكل حس طبيعي، وبه تنحل ~~شبهة أخرى في إحضار روح من هو حي في حال اليقظة مشغول بأمره من غير أن يشعر ~~به والواحد من الإنسان ليس له إلا روح واحدة، وبه تنحل أيضا شبهة أخرى وهي ~~أن الروح جوهر مجرد لا نسبة له إلى زمان ومكان دون زمان ومكان، وبه تنحل ~~أيضا شبهة ثالثة، وهي: أن الروح الواحدة ربما تحضر عند أحد بغير الصورة ~~التي تحضر بها عند آخر. # وبه تنحل أيضا شبهة رابعة، وهي: أن الأرواح ربما تكذب عند الإحضار في ~~أخبارها وربما يكذب بعضها بعضا. PageV01P139 # فالجواب عن الجميع: أن الروح إنما تحضر في مشاعر الشخص المحضر لا في الخارج ~~منها على حد ما نحس بالأشياء المادية الطبيعية. # ثانيها: أن ms0236 صاحب هذه الإرادة المؤثرة ربما يعتمد في إرادته على قوة نفسه ~~وثبات إنيته كغالب أصحاب الرياضات في إرادتهم فتكون لا محالة محدودة القوة ~~مقيدة الأثر عند المريد وفي الخارج، وربما يعتمد فيه على ربه كالأنبياء ~~والأولياء من أصحاب العبودية لله وأرباب اليقين بالله فهم لا يريدون شيئا ~~إلا لربهم وبربهم، وهذه إرادة طاهرة لا استقلال للنفس التي تطلع هذه ~~الإرادة منها بوجه ولم تتلون بشيء من ألوان الميول النفسانية ولا اتكاء لها ~~إلا على الحق فهي إرادة ربانية غير محدودة ولا مقيدة. # والقسم الثاني: إن أثرت في مقام التحدي كغالب ما ينقل من الأنبياء سميت ~~آية معجزة وإن تحققت في غير مقام التحدي سميت كرامة أو استجابة دعوة إن ~~كانت مع دعاء، والقسم الأول إن كان بالاستخبار والاستنصار من جن أو روح أو ~~نحوه سمي كهانة وإن كان بدعوة أو عزيمة أو رقية أو نحو ذلك سمي سحرا. # ثالثها: أن الأمر حيث كان دائرا مدار الإرادة في قوتها وهي على مراتب من ~~القوة والضعف أمكن أن يبطل بعضها أثر البعض كتقابل السحر والمعجزة أو أن لا ~~يؤثر بعض النفوس في بعض إذا كانت مختلفة في مراتب القوة وهو مشهود في أعمال ~~التنويم والإحضار، هذا وسيأتي شطر من الكلام في ذلك. ### |||| AUTO بحث علمي # العلوم الباحثة عن غرائب التأثير كثيرة والقول الكلي في تقسيمها وضبطها ~~عسيرة جدا، وأعرف ما هو متداول بين أهلها ما نذكره: منها: السيمياء، وهو ~~العلم الباحث عن تمزيج القوى الإرادية مع القوى الخاصة المادية للحصول على ~~غرائب التصرف في الأمور الطبيعية، ومنه التصرف في الخيال المسمى بسحر ~~العيون وهذا الفن من أصدق مصاديق السحر، ومنها: الليمياء وهو العلم الباحث ~~عن كيفية التأثيرات الإرادية باتصالها بالأرواح القوية العالية كالأرواح ~~الموكلة بالكواكب والحوادث وغير ذلك بتسخيرها أو باتصالها واستمدادها من ~~الجن بتسخيرهم، وهو فن التسخيرات، ومنها: الهيمياء. # وهو العلم الباحث عن تركيب قوى العالم العلوي مع العناصر السفلية للحصول ~~على عجائب التأثير وهو الطلسمات، فإن للكواكب العلوية والأوضاع السماوية ms0237 ~~ارتباطات مع الحوادث المادية كما أن العناصر والمركبات وكيفياتها الطبيعية ~~كذلك، فلو ركبت الأشكال السماوية المناسبة لحادثة من الحوادث كموت فلان، ~~وحياة فلان، وبقاء فلان مثلا مع الصورة المادية المناسبة أنتج ذلك الحصول ~~على المراد وهذا معنى الطلسم، ومنها: الريمياء، وهو العلم الباحث عن ~~استخدام القوى المادية للحصول على آثارها بحيث يظهر للحس أنها آثار خارقة ~~بنحو من الأنحاء وهو الشعبذة، وهذه الفنون الأربعة مع فن خامس يتلوها وهو ~~الكيميا الباحث عن كيفية تبديل صور العناصر بعضها إلى بعض كانت تسمى عندهم ~~بالعلوم الخمسة الخفية، قال شيخنا البهائي: أحسن الكتب المصنفة التي في هذه ~~الفنون كتاب رأيته ببلدة هرات اسمه كلهسر وقد ركب اسمه من أوائل أسماء هذه ~~العلوم، الكيميا، والليميا، والهيميا، والسيميا، والريميا انتهى ملخص كلامه. # ومن الكتب المعتبرة فيها خلاصة كتب بليناس ورسائل الخسروشاهي والذخيرة ~~الإسكندرية والسر المكتوم للرازي والتسخيرات للسكاكي وأعمال الكواكب السبعة ~~للحكيم طمطم الهندي. # ومن العلوم الملحقة بما مر علم الأعداد والأوفاق وهو الباحث عن ارتباطات ~~الأعداد والحروف للمطالب ووضع العدد أو الحروف المناسبة للمطلوب في جداول ~~مثلثة أو مربعة أو غير ذلك على ترتيب مخصوص، ومنها: الخافية وهو تكسير حروف ~~المطلوب أو ما يناسب المطلوب من الأسماء واستخراج أسماء الملائكة أو ~~الشياطين الموكلة بالمطلوب والدعوة بالعزائم المؤلفة منها للنيل على ~~المطلوب ومن الكتب المعتبرة فيها عندهم كتب الشيخ أبي العباس التوني والسيد ~~حسين الأخلاطي وغيرهما. # ومن الفنون الملحقة بها الدائرة اليوم التنويم المغناطيسي وإحضار الأرواح ~~وهما كما مر من تأثير الإرادة والتصرف في الخيال وقد ألف فيها كتب ورسائل ~~كثيرة، واشتهار أمرها يغني عن الإشارة إليها هاهنا، والغرض مما ذكرنا على ~~طوله إيضاح انطباق ما ينطبق منها على السحر أو الكهانة. PageV01P140 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 104 - 105 # يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكفرين عذاب ~~أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم من ~~خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ms0238 (105) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا، أول مورد في القرآن ورد فيه خطاب ~~المؤمنين بلفظة يا أيها الذين آمنوا، وهو واقع في القرآن خطابا في نحو من ~~خمسة وثمانين موضعا والتعبير عن المؤمنين بلفظة الذين آمنوا بنحو الخطاب أو ~~بغير الخطاب مما يختص بهذه الأمة، وأما الأمم السابقة فيعبر عنهم بلفظة ~~القوم كقوله: "قوم نوح وقوم هود" وقوله: "قال يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة" الآية وقوله: "أصحاب مدين وأصحاب الرس، وبني إسرائيل، ويا بني ~~إسرائيل، فالتعبير بلفظة الذين آمنوا مما يختص التشرف به بهذه الأمة، غير ~~أن التدبر في كلامه تعالى يعطي أن التعبير بلفظة الذين آمنوا يراد به في ~~كلامه تعالى غير ما يراد بلفظة المؤمنين كقوله تعالى: "وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون": النور - 31، بحسب المصداق، قال تعالى: "الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ~~ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم": المؤمن - 7 8، فجعل استغفار الملائكة وحملة العرش ~~أولا للذين آمنوا ثم بدله ثانيا من قوله: للذين تابوا واتبعوا، والتوبة هي ~~الرجوع، ثم علق دعاءهم بالذين آمنوا وعطف عليهم آباءهم وذرياتهم ولو كان ~~هؤلاء المحكي عنهم بالذين آمنوا هم أهل الإيمان برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، كيف ما كانوا، كان الذين آمنوا شاملا للجميع من الآباء ~~والأبناء والأزواج ولم يبق للعطف والتفرقة محل وكان الجميع في عرض واحد ~~ووقعوا في صف واحد. # ويستفاد هذا المعنى أيضا من قوله تعالى: "إن الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب ~~رهين": الطور - 21، فلو كان ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان مصداقا للذين ~~آمنوا في كلامه تعالى لم يبق للإلحاق وجه، ولو كان قوله: "واتبعتهم ذريتهم" ~~قرينة على إرادة أشخاص خاصة من الذين آمنوا وهم كل جمع ms0239 من المؤمنين بالنسبة ~~إلى ذريتهم، المؤمنين لم يبق للإلحاق أيضا وجه، ولا لقوله، وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء، وجه صحيح إلا في الطبقة الأخيرة التي لا ذرية بعدهم يتبعونهم ~~بإيمان فهم يلحقون بآبائهم، وهذا وإن كان معنى معقولا إلا أن سياق الآية ~~وهو سياق التشريف يأبى ذلك لعود المعنى على ذلك التقدير إلى مثل معنى ~~قولنا: المؤمنون بعضهم من بعض أو بعضهم يلحق ببعض وهم جميعا في صف واحد من ~~غير شرافة للبعض على البعض ولا للمتقدم على المتأخر فإن الملاك هو الإيمان ~~وهو في الجميع واحد وهذا مخالف لسياق الآية الدال على نوع كرامة وتشريف ~~للسابق بإلحاق ذريته به، فقوله: واتبعتهم ذريتهم بإيمان، قرينة على إرادة ~~أشخاص خاصة بقوله: الذين آمنوا، وهم السابقون الأولون في الإيمان برسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار في يوم العسرة فكلمة ~~الذين آمنوا كلمة تشريف يراد بها هؤلاء، ويشعر بذلك أيضا قوله تعالى: ~~"للفقراء المهاجرين، إلى أن قال: والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، ~~إلى أن قال: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم": ~~الحشر - 10، فلو كان مصداق قوله: الذين آمنوا، عين مصداق قوله الذين سبقونا ~~بالإيمان، كان من وضع الظاهر موضع المضمر من غير وجه ظاهر. # ويشعر بما مر أيضا قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، إلى أن ~~قال: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما": ~~الفتح - 29. PageV01P141 # فقد تحصل أن الكلمة كلمة تشريف تختص بالسابقين الأولين من المؤمنين، ولا ~~يبعد جريان نظير الكلام في لفظة الذين كفروا فيراد به السابقون في الكفر ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مشركي مكة وأترابهم كما يشعر به ~~أمثال قوله تعالى: "إن الذين كفروا سواء عليهم، أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون": البقرة - 6. # فإن قلت: فعلى ما ms0240 مر يختص الخطاب بالذين آمنوا بعده خاصة من الحاضرين في ~~زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أن القوم ذكروا أن هذه خطابات ~~عامة لزمان الحضور وغيره والحاضرين الموجودين في عصر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وغيرهم وخاصة بناء على تقريب الخطاب بنحو القضية الحقيقية. # قلت: نعم هو خطاب تشريفي يختص بالبعض لكن ذلك لا يوجب اختصاص التكاليف ~~المتضمن لها الخطاب بهم فإن لسعة التكليف وضيقه أسبابا غير ما يوجب سعة ~~الخطاب وضيقه من الأسباب، كما أن التكاليف المجردة عن الخطاب عامة وسيعة من ~~غير خطاب، فعلى هذا يكون تصدير بعض التكاليف بخطاب يا أيها الذين آمنوا من ~~قبيل تصدير بعض آخر من الخطابات بلفظ يا أيها النبي، ويا أيها الرسول مبنيا ~~على التشريف، والتكليف عام، والمراد وسيع، ومع هذا كله لا يوجب ما ذكرناه ~~من الاختصاص التشريفي عدم إطلاق لفظة الذين آمنوا على غير هؤلاء المختصين ~~بالتشريف أصلا إذا كانت هناك قرينة تدل على ذلك كقوله تعالى: "إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم": ~~النساء - 137، وقوله تعالى: حكاية عن نوح: "وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ~~ملاقوا ربهم": هود - 29. # قوله تعالى: لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا، أي بدلوا قول راعنا من قول ~~انظرنا ولئن لم تفعلوا ذلك كان ذلك منكم كفرا وللكافرين عذاب أليم ففيه نهي ~~شديد عن قول راعنا وهذه كلمة ذكرتها آية أخرى وبينت معناها في الجملة وهي ~~قوله تعالى "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ~~واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين": النساء - 46، ومنه ~~يعلم أن اليهود كانت تريد بقولهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) راعنا ~~نحوا من معنى قوله: اسمع غير مسمع ولذلك ورد النهي عن خطاب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بذلك وحينئذ ينطبق على ما نقل: أن المسلمين كانوا ~~يخاطبون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك إذا ألقى إليهم كلاما يقولون ms0241 ~~راعنا يا رسول الله - يريدون أمهلنا وانظرنا حتى نفهم ما تقول - وكانت ~~اللفظة تفيد في لغة اليهود معنى الشتم فاغتنم اليهود ذلك فكانوا يخاطبون ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك يظهرون التأدب معه وهم يريدون الشتم ~~ومعناه عندهم اسمع لا أسمعت فنزل. # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا، الآية ونهى الله المؤمنين عن الكلمة وأمرهم أن يقولوا ما في ~~معناه وهو انظرنا فقال: لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا. # قوله تعالى: وللكافرين عذاب أليم، يريد المتمردين من هذا النهي وهذا أحد ~~الموارد التي أطلق فيها الكفر على ترك التكاليف الفرعية. # قوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب، لو كان المراد بأهل ~~الكتاب اليهود خاصة كما هو الظاهر لكون الخطابات السابقة مسوقة لهم ~~فتوصيفهم بأهل الكتاب يفيد الإشارة إلى العلة، وهو أنهم لكونهم أهل كتاب ما ~~يودون نزول الكتاب على المؤمنين لاستلزامه بطلان اختصاصهم بأهلية الكتاب مع ~~أن ذلك ضنة منهم بما لا يملكونه، ومعارضة مع الله سبحانه في سعة رحمته وعظم ~~فضله، ولو كان المراد عموم أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهو تعميم بعد ~~التخصيص لاشتراك الفريقين في بعض الخصائل، وهم على غيظ من الإسلام، وربما ~~يؤيد هذا الوجه بعض الآيات اللاحقة كقوله تعالى: "وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى": البقرة - 111، وقوله تعالى: "وقالت اليهود ليست ~~النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب": ~~البقرة - 113. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أنزل الله آية فيها، يا أيها الذين آمنوا ~~إلا وعلي رأسها وأميرها. PageV01P142 # أقول: والرواية تؤيد ما سننقله من الروايات الواردة في عدة من الآيات أنها ~~في علي أو في أهل البيت نظير ما في قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس": آل عمران - 110 وقوله تعالى: "لتكونوا شهداء على الناس": البقرة - ~~143، وقوله تعالى: ms0242 وكونوا مع الصادقين:، التوبة - 119. PageV01P143 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 106 - 107 # ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على ~~كل شىء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولى ولا نصير (107) ### |||| AUTO بيان # الآيتان في النسخ ومن المعلوم أن النسخ بالمعنى المعروف عند الفقهاء وهو ~~الإبانة عن انتهاء أمد الحكم وانقضاء أجله اصطلاح متفرع على الآية مأخوذ ~~منها ومن مصاديق ما يتحصل من الآية في معنى النسخ على ما هو ظاهر إطلاق الآية. # قوله تعالى: ما ننسخ، النسخ هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل إذا ~~أزالته وذهبت به، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان": الحج - 51، ومنه أيضا ~~قولهم: نسخت الكتاب إذا نقل من نسخة إلى أخرى فكأن الكتاب أذهب به وأبدل ~~مكانه ولذلك بدل لفظ النسخ من التبديل في قوله تعالى: "وإذا بدلنا آية مكان ~~آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون": النحل ~~- 101، وكيف كان فالنسخ لا يوجب زوال نفس الآية من الوجود وبطلان تحققها بل ~~الحكم حيث علق بالوصف وهو الآية والعلامة مع ما يلحق بها من التعليل في ~~الآية بقوله تعالى: ألم تعلم، إلخ أفاد ذلك أن المراد بالنسخ هو إذهاب أثر ~~الآية من حيث إنها آية، أعني إذهاب كون الشيء آية وعلامة مع حفظ أصله ~~فبالنسخ يزول أثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله وهذا هو المستفاد من ~~اقتران قوله: ننسها بقوله: ما ننسخ، والإنساء إفعال من النسيان وهو الإذهاب ~~عن العلم كما أن النسخ هو الإذهاب عن العين فيكون المعنى ما نذهب بآية عن ~~العين أو عن العلم نأت بخير منها أو مثلها. # ثم إن كون الشيء آية يختلف باختلاف الأشياء والحيثيات والجهات، فالبعض من ~~القرآن آية لله سبحانه باعتبار عجز البشر عن إتيان مثله، والأحكام ~~والتكاليف الإلهية آيات له ms0243 تعالى باعتبار حصول التقوى والقرب بها منه ~~تعالى، والموجودات العينية آيات له تعالى باعتبار كشفها بوجودها عن وجود ~~صانعها وبخصوصيات وجودها عن خصوصيات صفاته وأسمائه سبحانه، وأنبياء الله ~~وأولياؤه تعالى آيات له تعالى باعتبار دعوتهم إليه بالقول والفعل وهكذا، ~~ولذلك كانت الآية تقبل الشدة والضعف قال الله تعالى: "لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى": النجم - 18. # ومن جهة أخرى الآية ربما كانت في أنها آية ذات جهة واحدة وربما كانت ذات ~~جهات كثيرة، ونسخها وإزالتها كما يتصور بجهته الواحدة كإهلاكها كذلك يتصور ~~ببعض جهاتها دون بعض إذا كانت ذات جهات كثيرة، كالآية من القرآن تنسخ من ~~حيث حكمها الشرعي وتبقى من حيث بلاغتها وإعجازها ونحو ذلك. # وهذا الذي استظهرناه من عموم معنى النسخ هو الذي يفيده عموم التعليل ~~المستفاد من قوله تعالى: ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير، ألم تعلم أن ~~الله له ملك السموات والأرض، وذلك أن الإنكار المتوهم في المقام أو الإنكار ~~الواقع من اليهود على ما نقل في شأن نزول الآية بالنسبة إلى معنى النسخ ~~يتعلق به من وجهين: أحدهما: من جهة أن الآية إذا كانت من عند الله تعالى ~~كانت حافظة لمصلحة من المصالح الحقيقية لا تحفظها شيء دونها، فلو زالت ~~الآية فاتت المصلحة ولن تقوم مقامها شيء تحفظ به تلك المصلحة، ويستدرك به ~~ما فات منها من فائدة الخلقة ومصلحة العباد، وليس شأنه تعالى كشأن عباده ~~ولا علمه كعلمهم بحيث يتغير بتغير العوامل الخارجية فيتعلق يوما علمه ~~بمصلحة فيحكم بحكم ثم يتغير علمه غدا ويتعلق بمصلحة أخرى فاتت عنه بالأمس، ~~فيتغير الحكم، ويقضي ببطلان ما حكم سابقا، وإتيان آخر لاحقا، فيطلع كل يوم ~~حكم، ويظهر لون بعد لون، كما هو شأن العباد غير المحيطين بجهات الصلاح في ~~الأشياء، فكانت أحكامهم وأوضاعهم تتغير بتغير العلوم بالمصالح والمفاسد ~~زيادة ونقيصة وحدوثا وبقاء، ومرجع هذا الوجه إلى نفي عموم القدرة وإطلاقها. PageV01P144 # وثانيهما: أن القدرة وإن كانت مطلقة إلا أن تحقق الإيجاد وفعلية الوجود ~~يستحيل معه التغير، فإن ms0244 الشيء لا يتغير عما وقع عليه بالضرورة وهذا مثل ~~الإنسان في فعله الاختياري فإن الفعل اختياري للإنسان ما لم يصدر عنه فإذا ~~صدر كان ضروري الثبوت غير اختياري له، ومرجع هذا الوجه إلى نفي إطلاق ~~الملكية وعدم جواز بعض التصرفات بعد خروج الزمام ببعض آخر كما قالت اليهود: ~~يد الله مغلولة: فأشار سبحانه إلى الجواب عن الأول بقوله: ألم تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير أي فلا يعجز عن إقامة ما هو خير من الفائت أو إقامة ما هو ~~مثل الفائت مقامه وأشار إلى الجواب عن الثاني بقوله: ألم تعلم أن الله له ~~ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير، أي أن ملك ~~السموات والأرض لله سبحانه فله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وليس لغيره شيء ~~من الملك حتى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرفه سبحانه، أو يكون مانعا ~~دون تصرف من تصرفاته، فلا يملك شيء شيئا، لا ابتداء ولا بتمليكه تعالى، فإن ~~التمليك الذي يملكه غيره ليس كتمليك بعضنا بعضا شيئا بنحو يبطل ملك الأول ~~ويحصل ملك الثاني، بل هو مالك في عين ما يملك غيره ما يملك، فإذا نظرنا إلى ~~حقيقة الأمر كان الملك المطلق والتصرف المطلق له وحدة، وإذا نظرنا إلى ما ~~ملكنا بملكه من دون استقلال كان هو الولي لنا وإذا نظرنا إلى ما تفضل علينا ~~من ظاهر الاستقلال - وهو في الحقيقة فقر في صورة الغنى، وتبعية في صورة ~~الاستقلال - لم يمكن لنا أيضا أن ندبر أمورنا من دون إعانته ونصره كان هو ~~النصير لنا. # وهذا الذي ذكرناه هو الذي يقتضيه الحصر الظاهر من قوله تعالى: "إن الله ~~له ملك السموات والأرض فقوله تعالى: ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم ~~تعلم أن الله له ملك السموات والأرض"، مرتب على ترتيب ما يتوهم من ~~الاعتراضين، ومن الشاهد على كونهما اعتراضين اثنين الفصل بين الجملتين من ~~غير وصل، وقوله تعالى: وما لكم من دون الله من ولي ms0245 ولا نصير، مشتمل على ~~أمرين هما كالمتممين للجواب أي وإن لم تنظروا إلى ملكه المطلق بل نظرتم إلى ~~ما عندكم من الملك الموهوب فحيث كان ملكا موهوبا من غير انفصال واستقلال ~~فهو وحده وليكم، فله أن يتصرف فيكم وفي ما عندكم ما شاء من التصرف، وإن لم ~~تنظروا إلى عدم استقلالكم في الملك بل نظرتم إلى ظاهر ما عندكم من الملك ~~والاستقلال وانجمدتم على ذلك فحسب، فإنكم ترون أن ما عندكم من القدرة ~~والملك والاستقلال لا تتم وحدها، ولا تجعل مقاصدكم مطيعة لكم خاضعة لقصودكم ~~وإرادتكم وحدها بل لا بد معها من إعانة الله ونصره فهو النصير لكم فله أن ~~يتصرف من هذا الطريق فله سبحانه التصرف في أمركم من أي سبيل سلكتم هذا، ~~وقوله: وما لكم من دون الله، جيء فيه بالظاهر موضع المضمر نظرا إلى كون ~~الجملة بمنزلة المستقل من الكلام لتمامية الجواب دونه. # فقد ظهر مما مر: أولا، أن النسخ لا يختص بالأحكام الشرعية بل يعم ~~التكوينيات أيضا. # وثانيا: أن النسخ لا يتحقق من غير طرفين ناسخ ومنسوخ. # وثالثا: أن الناسخ يشتمل على ما في المنسوخ من كمال أو مصلحة. # ورابعا: أن الناسخ ينافي المنسوخ بحسب صورته وإنما يرتفع التناقض بينهما ~~من جهة اشتمال كليهما على المصلحة المشتركة فإذا توفي نبي وبعث نبي آخر ~~وهما آيتان من آيات الله تعالى أحدهما ناسخ للآخر كان ذلك جريانا على ما ~~يقتضيه ناموس الطبيعة من الحياة والموت والرزق والأجل وما يقتضيه اختلاف ~~مصالح العباد بحسب اختلاف الأعصار وتكامل الأفراد من الإنسان، وإذا نسخ حكم ~~ديني بحكم ديني كان الجميع مشتملا على مصلحة الدين وكل من الحكمين أطبق على ~~مصلحة الوقت، أصلح لحال المؤمنين كحكم العفو في أول الدعوة وليس للمسلمين ~~بعد عدة ولا عدة. # وحكم الجهاد بعد ذلك حينما قوي الإسلام وأعد فيهم ما استطاعوا من قوة ~~وركز الرعب في قلوب الكفار والمشركين. PageV01P145 # والآيات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إيماء وتلويح إلى النسخ كما في قوله ~~تعالى "فاعفوا واصفحوا ms0246 حتى يأتي الله بأمره": البقرة - 109، المنسوخ بآية ~~القتال وقوله تعالى: "فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا": النساء - 14 المنسوخ بآية الجلد فقوله: حتى يأتي الله بأمره ~~وقوله: "أو يجعل الله لهن سبيلا" لا يخلو عن إشعار بأن الحكم موقت مؤجل ~~سيلحقه نسخ. # وخامسا: أن النسبة التي بين الناسخ والمنسوخ غير النسبة التي بين العام ~~والخاص وبين المطلق والمقيد وبين المجمل والمبين، فإن الرافع للتنافي بين ~~الناسخ والمنسوخ بعد استقراره بينهما بحسب الظهور اللفظي هو الحكمة ~~والمصلحة الموجودة بينهما، بخلاف الرافع للتنافي بين العام والخاص والمطلق ~~والمقيد والمجمل والمبين فإنه قوة الظهور اللفظي الموجود في الخاص والمقيد ~~والمبين، المفسر للعام بالتخصيص، وللمطلق بالتقييد، وللمجمل بالتبيين على ~~ما بين في فن أصول الفقه، وكذلك في المحكم والمتشابه على ما سيجيء في قوله: ~~"منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات": آل عمران - 7. ### # قوله تعالى: أو ننسها، قرىء بضم النون وكسر السين من الإنساء بمعنى ~~الإذهاب عن العلم والذكر وقد مر توضيحه، وهو كلام مطلق أو عام غير مختص ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بل غير شامل له أصلا لقوله تعالى: ~~"سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله": الأعلى - 7، وهي آية مكية وآية النسخ ~~مدنية فلا يجوز عليه النسيان بعد قوله تعالى: فلا تنسى وأما اشتماله على ~~الاستثناء بقوله: إلا ما شاء الله فهو على حد الاستثناء الواقع في قوله ~~تعالى: "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير ~~مجذوذ": هود - 109، جيء بها لإثبات بقاء القدرة مع الفعل على تغيير الأمر، ~~ولو كان الاستثناء مسوقا لبيان الوقوع في الخارج لم يكن للامتنان بقوله: ~~فلا تنسى معنى، إذ كل ذي ذكر وحفظ من الإنسان وسائر الحيوان كذلك يذكر ~~وينسى وذكره ونسيانه كلاهما منه تعالى وبمشيته، وقد كان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كذلك قبل هذا الإقراء الامتناني الموعود بقوله: ~~سنقرئك يذكر بمشية الله وينسى بمشية الله تعالى فليس معنى الاستثناء إلا ms0247 ~~إثبات إطلاق القدرة أي سنقرئك فلا تنسى أبدا والله مع ذلك قادر على إنسائك هذا. # وقرىء قوله: ننساها بفتح النون والهمزة من نسيء نسيئا إذا أخر تأخيرا ~~فيكون المعنى على هذا: ما ننسخ من آية بإزالتها أو نؤخرها بتأخير إظهارها ~~نأت بخير منها أو مثلها ولا يوجب التصرف الإلهي بالتقديم والتأخير في آياته ~~فوت كمال أو مصلحة، والدليل على أن المراد بيان أن التصرف الإلهي يكون ~~دائما على الكمال والمصلحة هو قوله: بخير منها أو مثلها فإن الخيرية إنما ~~يكون في كمال شيء موجود أو مصلحة حكم مجعول ففي ذلك يكون موجود مماثلا لآخر ~~في الخيرية أو أزيد منه في ذلك فافهم. ### |||| AUTO بحث روائي # قد تكاثرت روايات الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة ~~وعن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن في القرآن ناسخا ومنسوخا. # وفي تفسير النعماني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): بعد ذكر عدة آيات ~~من الناسخ والمنسوخ: قال (عليه السلام) ونسخ قوله تعالى: وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون قوله عز وجل: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم أي للرحمة خلقهم. PageV01P146 # أقول: وفيها دلالة على أخذه (عليه السلام) النسخ في الآية أعم من النسخ ~~الواقع في التشريع فالآية الثانية تثبت حقيقة توجب تحديد الحقيقة التي ~~تثبتها الآية الأولى، وبعبارة واضحة: الآية الأولى تثبت للخلقة غاية وهي ~~العبادة، والله سبحانه غير مغلوب في الغاية التي يريدها في فعل من أفعاله ~~غير أنه سبحانه خلقهم على إمكان الاختلاف فلا يزالون مختلفين في الاهتداء ~~والضلال فلا يزالون مختلفين إلا من أخذته العناية الإلهية، وشملته رحمة ~~الهداية، ولذلك خلقهم أي ولهذه الرحمة خلقهم، فالآية الثانية تثبت للخلقة ~~غاية، وهو الرحمة المقارنة للعبادة والاهتداء ولا يكون إلا في البعض دون ~~الكل والآية الأولى كانت تثبت العبادة غاية للجميع فهذه العبادة جعلت غاية ~~الجميع من جهة كون البعض مخلوقا لأجل البعض الآخر وهذا البعض أيضا لآخر حتى ~~ينتهي إلى أهل العبادة وهم العابدون المخلوقون للعبادة فصح أن ms0248 العبادة غاية ~~للكل نظير بناء الحديقة وغرس الشجرة لثمرتها أو لمنافعها المالية فالآية ~~الثانية تنسخ إطلاق الآية الأولى، وفي تفسير النعماني، أيضا عنه (عليه ~~السلام): قال: ونسخ قوله تعالى: "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا" قوله: "الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون لا يسمعون ~~حسيسها - وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر". # أقول: وليست الآيتان من قبيل العام والخاص لقوله تعالى: كان على ربك حتما ~~مقضيا، والقضاء الحتم غير قابل الرفع ولا ممكن الإبطال ويظهر معنى هذا ~~النسخ مما سيجيء إن شاء الله في قوله: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون": الأنبياء - 101. # وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): أن من النسخ البداء المشتمل ~~عليه قوله تعالى: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ونجاة قوم يونس. # أقول: والوجه فيه واضح. # وفي بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت عد (عليه السلام) موت إمام وقيام إمام ~~آخر مقامه من النسخ. # أقول: وقد مر بيانه، والأخبار في هذه المعاني كثيرة مستفيضة. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن ~~قتادة قال: كانت الآية تنسخ الآية وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة وما ~~شاء الله من السورة ثم ترفع فينسيها الله نبيه فقال الله: يقص على نبيه ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها، يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها ~~أمر، فيها نهي. # أقول: وروى فيه أيضا في معنى الإنساء روايات عديدة وجميعها مطروحة ~~بمخالفة الكتاب كما مر في بيان قوله أو ننسها. PageV01P147 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 108 - 115 # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمن ~~فقد ضل سواء السبيل (108) ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم من بعد إيمنكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتى ~~الله بأمره إن الله على كل شىء قدير (109) وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ms0249 ~~وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) ~~وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى تلك أمانيهم قل هاتوا برهنكم ~~إن كنتم صدقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت ~~النصرى ليست اليهود على شىء وهم يتلون الكتب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ~~قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (113) ومن أظلم ~~ممن منع مسجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الاخرة عذاب عظيم (114) ولله ~~المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله وسع عليم (115) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: أم تريدون أن تسئلوا رسولكم، سياق الآية يدل على أن بعض ~~المسلمين - ممن آمن بالنبي - سأل النبي أمورا على حد سؤال اليهود نبيهم ~~موسى (عليه السلام) والله سبحانه وبخهم على ذلك في ضمن ما يوبخ اليهود بما ~~فعلوا مع موسى والنبيين من بعده، والنقل يدل على ذلك. # قوله تعالى: سواء السبيل أي مستوى الطريق. # قوله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب، نقل أنه حي بن الأخطب وبعض من معه من ~~متعصبي اليهود. # قوله تعالى: فاعفوا واصفحوا، قالوا: إنها آية منسوخة بآية القتال. # قوله تعالى: حتى يأتي الله بأمره، فيه كما مر إيماء إلى حكم سيشرعه الله ~~تعالى في حقهم، ونظيره قوله تعالى: في الآية الآتية "أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين"، مع قوله تعالى: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا": التوبة - 29، وسيأتي الكلام في معنى الأمر في قوله ~~تعالى: "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي": إسراء - 85. # قوله تعالى: وقالوا: لن يدخل الجنة، شروع في إلحاق النصارى باليهود ~~تصريحا وسوق الكلام في بيان جرائمهم معا. # قوله تعالى: بلى من أسلم وجهه لله، هذه كرة ثالثة عليهم في بيان ms0250 أن ~~السعادة لا تدور مدار الاسم ولا كرامة لأحد على الله إلا بحقيقة الإيمان ~~والعبودية، أولاها قوله: "إن الذين آمنوا والذين هادوا":، البقرة - 62، ~~وثانيتها، قوله تعالى: "بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته": البقرة - 81، ~~وثالثتها، هذه الآية ويستفاد من تطبيق الآيات تفسير الإيمان بإسلام الوجه ~~إلى الله وتفسير الإحسان بالعمل الصالح. # قوله تعالى: وهم يتلون الكتاب، أي وهم يعملون بما أوتوا من كتاب الله لا ~~ينبغي لهم أن يقولوا ذلك والكتاب يبين لهم الحق والدليل على ذلك قوله: ~~"كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم" فالمراد بالذين لا يعلمون غير أهل ~~الكتاب من الكفار ومشركي العرب قالوا: إن المسلمين ليسوا على شيء أو إن أهل ~~الكتاب ليسوا على شيء. # قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع، ظاهر السياق أن هؤلاء كفار مكة قبل الهجرة ~~فإن هذه الآيات نزلت في أوائل ورود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~المدينة. # قوله تعالى: أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، يدل على مضي ~~الواقعة وانقضائها لمكان قوله كان، فينطبق على كفار قريش وفعالهم بمكة كما ~~ورد به النقل أن المانعين كفار، مكة كانوا يمنعون المسلمين عن الصلاة في ~~المسجد الحرام والمساجد التي اتخذوها بفناء الكعبة. PageV01P148 # قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، المشرق ~~والمغرب وكل جهة من الجهات حيث كانت فهي لله بحقيقة الملك التي لا تقبل ~~التبدل والانتقال، لا كالملك الذي بيننا معاشر أهل الاجتماع، وحيث إن ملكه ~~تعالى مستقر على ذات الشيء محيط بنفسه وأثره، لا كملكنا المستقر على أثر ~~الأشياء ومنافعها، لا على ذاتها، والملك لا يقوم من جهة أنه ملك إلا بمالكه ~~فالله سبحانه قائم على هذه الجهات محيط بها وهو معها، فالمتوجه إلى شيء من ~~الجهات متوجه إليه تعالى. # ولما كان المشرق والمغرب جهتين إضافيتين شملتا سائر الجهات تقريبا إذ لا ~~يبقى خارجا منهما إلا نقطتا الجنوب والشمال الحقيقتان ولذلك لم يقيد إطلاق ~~قوله فأينما، بهما بأن يقال: أينما تولوا منهما فكأن الإنسان أينما ms0251 ولى ~~وجهه فهناك إما مشرق أو مغرب، فقوله: ولله المشرق والمغرب بمنزلة قولنا: ~~ولله الجهات جميعا وإنما أخذ بهما لأن الجهات التي يقصدها الإنسان بوجهه ~~إنما تتعين بشروق الشمس وغروبها وسائر الأجرام العلوية المنيرة. # قوله تعالى: فثم وجه الله، فيه وضع علة الحكم في الجزاء موضع الجزاء، ~~والتقدير - والله - أعلم فأينما تولوا جاز لكم ذلك فإن وجه الله هناك، ويدل ~~على هذا التقدير تعليل الحكم بقوله تعالى: إن الله واسع عليم، أي إن الله ~~واسع الملك والإحاطة عليم بقصودكم أينما توجهت، لا كالواحد من الإنسان أو ~~سائر الخلق الجسماني لا يتوجه إليه إلا إذا كان في جهة خاصة، ولا أنه يعلم ~~توجه القاصد إليه إلا من جهة خاصة كقدامه فقط، فالتوجه إلى كل جهة توجه إلى ~~الله، معلوم له سبحانه. # واعلم أن هذا توسعة في القبلة من حيث الجهة لا من حيث المكان، والدليل ~~عليه قوله: ولله المشرق والمغرب. ### |||| AUTO بحث روائي # في التهذيب، عن محمد بن الحصين قال: كتب إلى عبد صالح الرجل يصلي في يوم ~~غيم في فلات من الأرض ولا يعرف القبلة فيصلي حتى فرغ من صلاته بدت له الشمس ~~فإذا هو صلى لغير القبلة يعتد بصلاته أم يعيدها؟ فكتب يعيد ما لم يفت ~~الوقت، أولم يعلم أن الله يقول: وقوله الحق فأينما تولوا فثم وجه الله. # وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: ولله المشرق ~~والمغرب إلخ، قال (عليه السلام): أنزل الله هذه الآية في التطوع خاصة ~~فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم، وصلى رسول الله إيماء على ~~راحلته أينما توجهت به حين خرج إلى خيبر، وحين رجع من مكة، وجعل الكعبة خلف ظهره. # أقول: وروى العياشي أيضا قريبا من ذلك عن زرارة عن الصادق (عليه السلام)، ~~وكذا القمي والشيخ عن أبي الحسن (عليه السلام)، وكذا الصدوق عن الصادق ~~(عليه السلام). # واعلم أنك إذا تصفحت أخبار أئمة أهل البيت حق التصفح، في موارد العام ~~والخاص والمطلق والمقيد من القرآن وجدتها ms0252 كثيرا ما تستفيد من العام حكما، ~~ومن الخاص أعني العام مع المخصص حكما آخر، فمن العام مثلا الاستحباب كما هو ~~الغالب ومن الخاص الوجوب، وكذلك الحال في الكراهة والحرمة، وعلى هذا ~~القياس. # وهذا أحد أصول مفاتيح التفسير في الأخبار المنقولة عنهم، وعليه مدار جم ~~غفير من أحاديثهم. # ومن هنا يمكنك أن تستخرج منها في المعارف القرآنية قاعدتين: إحداهما: أن ~~كل جملة وحدها، وهي مع كل قيد من قيودها تحكي عن حقيقة ثابتة من الحقائق أو ~~حكم ثابت من الأحكام كقوله تعالى: "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون": ~~الأنعام - 91، ففيه معان أربع: الأول: قل الله، والثاني: قل الله ثم ذرهم، ~~والثالث: قل الله ثم ذرهم في خوضهم، والرابع: قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون. # واعتبر نظير ذلك في كل ما يمكن. # والثانية: أن القصتين أو المعنيين إذا اشتركا في جملة أو نحوها، فهما ~~راجعان إلى مرجع واحد. # وهذان سران تحتهما أسرار والله الهادي. PageV01P149 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 116 - 117 # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه بل له ما فى السموت والأرض كل له قنتون ~~(116) بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا يعطي السياق، أن المراد بالقائلين ~~بهذه المقالة هم اليهود والنصارى: إذ قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت ~~النصارى: المسيح ابن الله، فإن وجه الكلام مع أهل الكتاب، وإنما قال أهل ~~الكتاب هذه الكلمة أعني قولهم: اتخذ الله ولدا أول ما قالوها تشريفا ~~لأنبيائهم كما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ثم تلبست بلباس الجد والحقيقة ~~فرد الله سبحانه عليهم في هاتين الآيتين فأضرب عن قولهم بقوله: بل له ما في ~~السموات إلخ، ويشتمل على برهانين ينفي كل منهما الولادة وتحقق الولد منه ~~سبحانه، فإن اتخاذ الولد هو أن يجزي موجود طبيعي بعض أجزاء وجوده، ويفصله ~~عن نفسه فيصيره بتربية تدريجية فردا من نوعه مماثلا لنفسه، وهو سبحانه منزه ~~عن المثل، بل كل شيء مما في السموات والأرض مملوك ms0253 له، قائم الذات به، قانت ~~ذليل عنده ذلة وجودية، فكيف يكون شيء من الأشياء ولدا له مماثلا نوعيا ~~بالنسبة إليه؟ وهو سبحانه بديع السموات والأرض، إنما يخلق ما يخلق على غير ~~مثال سابق، فلا يشبه شيء من خلقه خلقا سابقا، ولا يشبه فعله فعل غيره في ~~التقليد والتشبيه ولا في التدريج، والتوصل بالأسباب إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون من غير مثال سابق ولا تدريج، فكيف يمكن أن ينسب إليه ~~اتخاذ الولد؟ وتحققه يحتاج إلى تربية وتدريج، فقوله: له ما في السموات ~~والأرض كل له قانتون برهان تام، وقوله: بديع السموات والأرض إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون برهان آخر تام، هذا. # ويستفاد من الآيتين: أولا: شمول حكم العبادة لجميع المخلوقات مما في ~~السموات والأرض. # وثانيا: أن فعله تعالى غير تدريجي، ويستدرج من هنا، أن كل موجود تدريجي ~~فله وجه غير تدريجي، به يصدر عنه تعالى كما قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون": يس - 82، وقال تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة ~~كلمح بالبصر": القمر - 50، وتفصيل القول في هذه الحقيقة القرآنية، سيأتي إن ~~شاء الله في ذيل قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا": يس - 82 فانتظر. # قوله تعالى: سبحانه مصدر بمعنى التسبيح وهو لا يستعمل إلا مضافا وهو ~~مفعول مطلق لفعل محذوف أي سبحته تسبيحا، فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى ~~الضمير المفعول وأقيم مقامه، وفي الكلمة تأديب إلهي بالتنزيه فيما يذكر فيه ~~ما لا يليق بساحة قدسه تعالى وتقدس. # قوله تعالى: كل له قانتون، القنوت العبادة والتذلل. # قوله تعالى: بديع السموات، بداعة الشيء كونه لا يماثل غيره مما يعرف ~~ويؤنس به. # قوله تعالى: فيكون، تفريع على قول كن وليس في مورد الجزاء حتى يجزم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، والبصائر، عن سدير الصيرفي، قال: سمعت عمران بن أعين يسأل أبا ~~جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: بديع السموات والأرض، فقال أبو جعفر ~~(عليه السلام): إن الله عز وجل ابتدع الأشياء كلها ms0254 بعلمه على غير مثال كان ~~قبله، فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون أما تسمع ~~لقوله: وكان عرشه على الماء؟. # أقول: وفي الرواية استفادة أخرى لطيفة، وهي أن المراد بالماء في قوله ~~تعالى: وكان عرشه على الماء غير المصداق الذي عندنا من الماء بدليل أن ~~الخلقة مستوية على البداعة وكانت السلطنة الإلهية قبل خلق هذه السماوات ~~والأرض مستقرة مستوية على الماء فهو غير الماء وسيجيء تتمة الكلام في قوله ~~تعالى: "وكان عرشه على الماء": هود - 7. ### |||| AUTO بحث علمي وفلسفي # دل التجارب على افتراق كل موجودين في الشخصيات وإن كانت متحدة في الكليات ~~حتى الموجودان اللذان لا يميز الحس جهة الفرقة بينهما فالحس المسلح يدرك ~~ذلك منهما، والبرهان الفلسفي أيضا يوجب ذلك، فإن المفروضين من الموجودين لو ~~لم يتميز أحدهما عن الآخر بشيء خارج عن ذاته، كان سبب الكثرة المفروضة غير ~~خارج من ذاتهما فيكون الذات صرفة غير مخلوطة، وصرف الشيء لا يتثنى ولا ~~يتكرر، فكان ما هو المفروض كثيرا واحدا غير كثير هذا خلف. PageV01P150 # فكل موجود مغاير الذات لموجود آخر، فكل موجود فهو بديع الوجود على غير مثال ~~سابق ولا معهود، والله سبحانه هو المبتدع بديع السماوات والأرض. PageV01P151 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 118 - 119 # وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا ءاية كذلك قال الذين ~~من قبلهم مثل قولهم تشبهت قلوبهم قد بينا الايت لقوم يوقنون (118) إنا ~~أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحب الجحيم (119) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: وقال الذين لا يعلمون هم المشركون غير أهل الكتاب ويدل عليه ~~المقابلة السابقة في قوله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب كذلك، قال الذين لا يعلمون ~~مثل قولهم الآية. # ففي تلك الآية ألحق أهل الكتاب في قولهم بالمشركين والكفار من العرب، وفي ~~هذه الآية ألحق المشركين والكفار بهم، فقال: وقال الذين لا يعلمون لو لا ~~يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين من قبلهم ms0255 - وهم أهل الكتاب ~~واليهود من بينهم - حيث اقترحوا بمثل هذه الأقاويل على نبي الله موسى (عليه ~~السلام)، فهم والكفار متشابهون في أفكارهم وآرائهم، يقول هؤلاء ما قاله ~~أولئك وبالعكس، تشابهت قلوبهم. # قوله تعالى: قد بينا الآيات لقوم يوقنون جواب عن قول الذين لا يعلمون ~~إلخ، والمراد أن الآيات التي يطالبون بها مأتية مبينة، ولكن لا ينتفع بها ~~إلا قوم يوقنون بآيات الله، وأما هؤلاء الذين لا يعلمون، فقلوبهم محجوبة ~~بحجاب الجهل، مئوفة بآفات العصبية والعناد، وما تغني الآيات عن قوم لا ~~يعلمون. # ومن هنا يظهر وجه توصيفهم بعدم العلم، ثم أيد ذلك بتوجيه الخطاب إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإشعار بأنه مرسل من عند الله بالحق ~~بشيرا ونذيرا، فلتطب به نفسه، وليعلم أن هؤلاء أصحاب الجحيم، مكتوب عليهم ~~ذلك، لا مطمع في هدايتهم ونجاتهم. # قوله تعالى: ولا تسئل عن أصحاب الجحيم، يجري مجرى قوله: "إن الذين كفروا ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة - 6. PageV01P152 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 120 - 123 # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير ~~(120) الذين ءاتينهم الكتب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخسرون (121) يبنى إسرءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى ~~فضلتكم على العلمين (122) واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها عدل ولا تنفعها شفعة ولا هم ينصرون (123) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى، رجوع إلى الطائفتين بعد ~~الالتفات إلى غيرهم، وهو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرقها وتشتتها، ~~فكأنه بعد هذه الخطابات والتوبيخات لهم يرجع إلى رسوله ويقول له: هؤلاء ~~ليسوا براضين عنك، حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم، ~~ثم أمره بالرد عليهم بقوله: قل إن هدى الله هو الهدى أي إن الاتباع إنما هو ~~لغرض الهدى ولا هدى إلا هدى ms0256 الله والحق الذي يجب أن يتبع وغيره - وهو ملتكم ~~- ليس بالهدى، فهي أهواؤكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها باسم الملة، ففي ~~قوله: قل إن هدى الله إلخ، جعل الهدى كناية عن القرآن النازل، ثم أضيف إلى ~~الله فأفاد صحة الحصر في قوله: إن هدى الله هو الهدى على طريق قصر القلب، ~~وأفاد ذلك خلو ملتهم عن الهدى، وأفاد ذلك كونها أهواء لهم، واستلزم ذلك كون ~~ما عند النبي علما، وكون ما عندهم جهلا، واتسع المكان لتعقيب الكلام بقوله: ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير، فانظر إلى ما في هذا الكلام من أصول البرهان العريقة، ووجوه البلاغة ~~على إيجازه، وسلاسة البيان وصفائه. # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يمكن أن تكون الجملة بقرينة الحصر ~~المفهوم من قوله: أولئك يؤمنون به جوابا للسؤال المقدر الذي يسوق الذهن ~~إليه قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى إلخ وهو أنهم إذا لم يكن ~~مطمع في إيمانهم، فمن ذا الذي يؤمن منهم؟ وهل توجيه الدعوة إليهم باطل لغو؟ ~~فأجيب بأن الذين آتيناهم الكتاب والحال أنهم يتلونه حق تلاوته، أولئك ~~يؤمنون بكتابهم فيؤمنون بك، أو أن أولئك يؤمنون بالكتاب، كتاب الله المنزل ~~أيا ما كان، أو أن أولئك يؤمنون بالكتاب الذي هو القرآن. # وعليهذا: فالقصر في قوله: أولئك يؤمنون به قصر إفراد والضمير في قوله: به ~~على بعض التقادير لا يخلو عن استخدام. # والمراد بالذين أوتوا الكتاب قوم من اليهود والنصارى ليسوا متبعين للهوى ~~من أهل الحق منهم، وبالكتاب التوراة والإنجيل، وإن كان المراد بهم المؤمنين ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالكتاب القرآن، فالمعنى. # إن الذين آتيناهم القرآن، وهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون بالقرآن، لا ~~هؤلاء المتبعون لأهوائهم، فالقصر حينئذ قصر قلب. # قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا، إلى آخر الآيتين إرجاع ختم الكلام ~~إلى بدئه، وآخره إلى أوله، وعنده يختتم شطر من خطابات بني إسرائيل. ### |||| AUTO بحث روائي # في إرشاد الديلمي، عن الصادق ms0257 (عليه السلام): في قوله: الذين آتيناهم ~~الكتاب يتلونه حق تلاوته، قال: يرتلون آياته ويتفقهون به ويعملون بأحكامه، ~~ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون ~~بنواهيه، ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سورة، ودرس أعشاره ~~وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه، ~~قال الله تعالى: كتاب أنزلناه إليك - مبارك ليدبروا آياته. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قول الله عز وجل: يتلونه ~~حق تلاوته قال (عليه السلام): الوقوف عند الجنة والنار. # أقول: والمراد به التدبر. # وفي الكافي، عنه (عليه السلام): في الآية قال (عليه السلام): هم الأئمة. # أقول: وهو من باب الجري والانطباق على المصداق الكامل. PageV01P153 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 124 # وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتى قال لا ينال عهدى الظلمين (124) ### |||| AUTO بيان # شروع بجمل من قصص إبراهيم (عليه السلام) وهو كالمقدمة والتوطئة لآيات ~~تغيير القبلة وآيات أحكام الحج، وما معها من بيان حقيقة الدين الحنيف ~~الإسلامي بمراتبها: من أصول المعارف، والأخلاق، والأحكام الفرعية الفقهية ~~جملا، والآيات مشتملة على قصة اختصاصه تعالى إياه بالإمامة وبنائه الكعبة ~~ودعوته بالبعثة. # فقوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه إلخ، إشارة إلى قصة إعطائه الإمامة ~~وحبائه بها، والقصة إنما وقعت في أواخر عهد إبراهيم (عليه السلام) بعد كبره ~~وتولد إسماعيل، وإسحاق له وإسكانه إسماعيل وأمه بمكة، كما تنبه به بعضهم ~~أيضا، والدليل على ذلك قوله (عليه السلام) على ما حكاه الله سبحانه بعد ~~قوله تعالى له: إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي، فإنه (عليه السلام) ~~قبل مجيء الملائكة ببشارة إسماعيل، وإسحاق، ما كان يعلم ولا يظن أن سيكون ~~له ذرية من بعده حتى أنه بعد ما بشرته الملائكة بالأولاد خاطبهم بما ظاهره ~~اليأس والقنوط كما قال تعالى: "ونبئهم عن ضيف إبراهيم، إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال: إنا منكم وجلون، قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، ~~قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون؟ قالوا، ms0258 بشرناك بالحق فلا تكن ~~من القانطين":، الحجر - 55، وكذلك زوجته على ما حكاه الله تعالى في قصة ~~بشارته أيضا إذ قال تعالى: "وامرأته قائمة فضحكت، فبشرناها بإسحق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب، قالت، يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء ~~عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه ~~حميد مجيد": هود - 73، وكلامهما كما ترى يلوح منه آثار اليأس والقنوط ولذلك ~~قابلته الملائكة بنوع كلام فيه تسليتهما وتطييب أنفسهما فما كان هو ولا ~~أهله يعلم أن سيرزق ذرية، وقوله (عليه السلام): ومن ذريتي، بعد قوله تعالى: ~~إني جاعلك للناس إماما، قول من يعتقد لنفسه ذرية، وكيف يسع من له أدنى دربة ~~بأدب الكلام وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربه الجليل أن ~~يتفوه بما لا علم له به؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول: ومن ذريتي إن ~~رزقتني ذرية أو ما يؤدي هذا المعنى فالقصة واقعة كما ذكرنا في أواخر عهد ~~إبراهيم بعد البشارة. # على أن قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك ~~للناس إماما، يدل على أن هذه الإمامة الموهوبة إنما كانت بعد ابتلائه بما ~~ابتلاه الله به من الامتحانات وليست هذه إلا أنواع البلاء التي ابتلي (عليه ~~السلام) بها في حياته، وقد نص القرآن على أن من أوضحها بلاء قضية ذبح ~~إسماعيل، قال تعالى: "قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك" إلى أن قال: ~~إن هذا لهو البلاء المبين": الصافات - 106. # والقضية إنما وقعت في كبر إبراهيم، كما حكى الله تعالى عنه من قوله: ~~"الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل، وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء": ~~إبراهيم - 41. # ولنرجع إلى ألفاظ الآية فقوله: وإذ ابتلى إبراهيم ربه، الابتلاء والبلاء ~~بمعنى واحد تقول: ابتليته وبلوته بكذا، أي امتحنته واختبرته، إذا قدمت إليه ~~أمرا أو أوقعته في حدث فاختبرته بذلك واستظهرت ما عنده من الصفات النفسانية ~~الكامنة عنده كالإطاعة والشجاعة والسخاء والعفة والعلم والوفاء أو ms0259 ~~مقابلاتها، ولذلك لا يكون الابتلاء إلا بعمل فإن الفعل هو الذي يظهر به ~~الصفات الكامنة من الإنسان دون القول الذي يحتمل الصدق والكذب قال تعالى: ~~"إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة": ن - 17، وقال تعالى: "إن الله ~~مبتليكم بنهر": البقرة - 249. PageV01P154 # فتعلق الابتلاء، في الآية بالكلمات إن كان المراد بها الأقوال إنما هو من ~~جهة تعلقها بالعمل وحكايتها عن العهود والأوامر المتعلقة بالفعل كقوله ~~تعالى "وقولوا للناس حسنا": البقرة - 83، أي عاشروهم معاشرة جميلة وقوله: ~~بكلمات فأتمهن، الكلمات وهي جمع كلمة وإن أطلقت في القرآن على العين ~~الخارجي دون اللفظ والقول، كقوله تعالى: "وكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن ~~مريم": آل عمران - 45، إلا أن ذلك بعناية إطلاق القول كما قال تعالى: "إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران - 59. # وجميع ما نسب إليه تعالى من الكلمة في القرآن أريد بها القول كقوله ~~تعالى: "ولا مبدل لكلمات الله":، الأنعام - 34، وقوله: "لا تبديل لكلمات ~~الله": يونس - 64، وقوله: "يحق الحق بكلماته": الأنفال - 7، وقوله: "إن ~~الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون": يونس - 96، وقوله: "ولكن حقت كلمة ~~العذاب": الزمر - 71، وقوله "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم ~~أصحاب النار": المؤمن - 6، وقوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ~~لقضي بينهم": الشورى - 14، وقوله: "وكلمة الله هي العليا": التوبة - 41، ~~وقوله: "قال فالحق، والحق أقول": ص - 84، وقوله: "إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون": النحل - 40، فهذه ونظائرها أريد بها القول ~~بعناية أن القول توجيه ما يريد المتكلم إعلامه المخاطب ما عنده كما في ~~الأخبار أو لغرض تحميله عليه كما في الإنشاء ولذلك ربما تتصف في كلامه ~~تعالى بالتمام كقوله تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته": ~~الأنعام - 115، وقوله تعالى: "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل": ~~الأعراف - 136، كأن الكلمة إذا صدرت عن قائلها فهي ناقصة بعد، لم تتم، حتى ~~تلبس لباس العمل وتعود صدقا. # وهذا لا ينافي كون قوله تعالى فعله، فإن الحقائق ms0260 الواقعية لها حكم، ~~وللعنايات الكلامية اللفظية حكم آخر، فما يريد الله سبحانه إظهاره لواحد من ~~أنبيائه، أو غيرهم بعد خفائه، أو يريد تحميله على أحد قول وكلام له ~~لاشتماله على غرض القول والكلام وتضمنه غاية الخبر والنبإ، والأمر والنهي، ~~وإطلاق القول والكلمة على مثل ذلك شائع في الاستعمال إذا اشتمل على ما ~~يؤديه القول والكلمة، تقول: لأفعلن كذا وكذا، لقول قلته وكلمة قدمتها، ولم ~~تقل قولا، ولا قدمت كلمة، وإنما عزمت عزيمة لا تنقضها شفاعة شفيع أو وهن ~~إرادة، ومنه قول عنترة: وقولي كلما جشأت وجاشت. # مكانك تحمدي أو تستريحي. # يريد بالقول توطين نفسه على الثبات والعزم، على لزومها مكانها لتفوز ~~بالحمد إن قتل، وبالاستراحة إن غلب. # إذا عرفت ذلك ظهر لك أن المراد بقوله تعالى: بكلمات، قضايا ابتلي بها ~~وعهود إلهية أريدت منه، كابتلائه بالكواكب والأصنام، والنار والهجرة ~~وتضحيته بابنه وغير ذلك ولم يبين في الكلام ما هي الكلمات لأن الغرض غير ~~متعلق بذلك، نعم قوله: قال إني جاعلك للناس إماما، من حيث ترتبه على ~~الكلمات تدل على أنها كانت أمورا تثبت بها لياقته، (عليه السلام) لمقام ~~الإمامة. # فهذه هي الكلمات وأما إتمامهن فإن كان الضمير في قوله تعالى: أتمهن راجعا ~~إلى إبراهيم كان معنى إتمامهن إتيانه (عليه السلام) ما أريد منه، وامتثاله ~~لما أمر به، وإن كان الضمير راجعا إليه تعالى كما هو الظاهر كان المراد ~~توفيقه لما أريد منه، ومساعدته على ذلك، وأما ما ذكره بعضهم: أن المراد ~~بالكلمات قوله تعالى: قال إني جاعلك للناس إماما، إلى آخر الآيات فمعنى لا ~~ينبغي الركون إليه إذ لم يعهد في القرآن إطلاق الكلمات على جمل الكلام. # قوله تعالى: إني جاعلك للناس إماما، أي مقتدى يقتدي بك الناس، ويتبعونك ~~في أقوالك وأفعالك، فالإمام هو الذي يقتدي ويأتم به الناس، ولذلك ذكر عدة ~~من المفسرين أن المراد به النبوة، لأن النبي يقتدي به أمته في دينهم، قال ~~تعالى: "وما أرسلنا من رسول، إلا ليطاع بإذن الله": النساء - 63، لكنه في ~~غاية السقوط. ms0261 PageV01P155 # أما أولا: فلأن قوله: إماما، مفعول ثان لعامله الذي هو قوله: جاعلك واسم ~~الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، وإنما يعمل إذا كان بمعنى الحال أو ~~الاستقبال فقوله، إني جاعلك للناس إماما، وعد له (عليه السلام) بالإمامة في ~~ما سيأتي، مع أنه وحي لا يكون إلا مع نبوة، فقد كان (عليه السلام) نبيا قبل ~~تقلده الإمامة، فليست الإمامة في الآية بمعنى النبوة ذكره بعض المفسرين. ### # وأما ثانيا: فلأنا بينا في صدر الكلام: أن قصة الإمامة، إنما كانت في ~~أواخر عهد إبراهيم (عليه السلام) بعد مجيء البشارة له بإسحق وإسماعيل، ~~وإنما جاءت الملائكة بالبشارة في مسيرهم إلى قوم لوط وإهلاكهم، وقد كان ~~إبراهيم حينئذ نبيا مرسلا، فقد كان نبيا قبل أن يكون إماما فإمامته غير نبوته. # ومنشأ هذا التفسير وما يشابهه الابتذال الطارىء على معاني الألفاظ ~~الواقعة في القرآن الشريف في أنظار الناس من تكرر الاستعمال بمرور الزمن ~~ومن جملة تلك الألفاظ لفظ الإمامة، ففسره قوم: بالنبوة والتقدم والمطاعية ~~مطلقا، وفسره آخرون بمعنى الخلافة أو الوصاية، أو الرئاسة في أمور الدين ~~والدنيا - وكل ذلك لم يكن - فإن النبوة معناها: تحمل النبإ من جانب الله ~~والرسالة معناها تحمل التبليغ، والمطاعية والإطاعة قبول الإنسان ما يراه أو ~~يأمره غيره وهو من لوازم النبوة والرسالة، والخلافة نحو من النيابة، وكذلك ~~والوصاية، والرئاسة نحو من المطاعية وهو مصدرية الحكم في الاجتماع وكل هذه ~~المعاني غير معنى الإمامة التي هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره بأن يطبق ~~أفعاله وأقواله على أفعاله وأقواله بنحو التبعية، ولا معنى لأن يقال لنبي ~~من الأنبياء مفترض الطاعة إني جاعلك للناس نبيا، أو مطاعا فيما تبلغه ~~بنبوتك، أو رئيسا تأمر وتنهى في الدين، أو وصيا، أو خليفة في الأرض تقضي ~~بين الناس في مرافعاتهم بحكم الله. # وليست الإمامة تخالف الكلمات السابقة وتختص بموردها بمجرد العناية ~~اللفظية فقط، إذ لا يصح أن يقال لنبي - من لوازم نبوته كونه مطاعا بعد ~~نبوته - إني جاعلك مطاعا للناس بعد ما جعلتك كذلك، ولا ms0262 يصح أن يقال له ما ~~يئول إليه معناه وإن اختلف بمجرد عناية لفظية، فإن المحذور هو المحذور، ~~وهذه المواهب الإلهية ليست مقصورة على مجرد المفاهيم اللفظية، بل دونها ~~حقائق من المعارف الحقيقية، فلمعنى الإمامة حقيقة وراء هذه الحقائق. # والذي نجده في كلامه تعالى: أنه كلما تعرض لمعنى الإمامة تعرض معها ~~للهداية تعرض التفسير، قال تعالى في قصص إبراهيم (عليه السلام): "ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا": ~~الأنبياء - 73، وقال سبحانه: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون": السجدة - 24، فوصفها بالهداية وصف تعريف، ثم قيدها ~~بالأمر، فبين أن الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر ~~الله، وهذا الأمر هو الذي بين حقيقته في قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس - 83، وقوله: "وما ~~أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر - 50، وسنبين في الآيتين أن الأمر ~~الإلهي وهو الذي تسميه الآية المذكورة بالملكوت وجه آخر للخلق، يواجهون به ~~الله سبحانه، طاهر مطهر من قيود الزمان والمكان خال من التغير والتبدل وهو ~~المراد بكلمة - كن - الذي ليس إلا وجود الشيء العيني، وهو قبال الخلق الذي ~~هو وجه آخر من وجهي الأشياء، فيه التغير والتدريج والانطباق على قوانين ~~الحركة والزمان، وليكن هذا عندك على إجماله حتى يأتيك تفصيله إن شاء الله ~~العزيز. PageV01P156 # وبالجملة فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فالإمامة بحسب الباطن نحو ~~ولاية للناس في أعمالهم، وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر الله دون ~~مجرد إراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى الله ~~سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء" ويهدي من يشاء": إبراهيم - 4، وقال ~~تعالى: في مؤمن آل فرعون، "وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل ~~الرشاد": مؤمن - 38، قال تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ms0263 لعلهم يحذرون": التوبة - 122، ~~وسيتضح لك هذا المعنى مزيد اتضاح. # ثم إنه تعالى بين سبب موهبة الإمامة بقوله: "لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون الآية" فبين أن الملاك في ذلك صبرهم في جنب الله - وقد أطلق الصبر - ~~فهو في كل ما يبتلي ويمتحن به عبد في عبوديته، وكونهم قبل ذلك موقنين، وقد ~~ذكر في جملة قصص إبراهيم (عليه السلام) قوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السموات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام - 75، والآية كما ترى تعطي ~~بظاهرها: أن إراءة الملكوت لإبراهيم كانت مقدمة لإفاضة اليقين عليه، ويتبين ~~به أن اليقين لا ينفك عن مشاهدة الملكوت كما هو ظاهر قوله تعالى: "كلا لو ~~تعلمون علم اليقين لترون الجحيم": التكاثر - 6 وقوله تعالى: كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون - إلى أن قال - ~~كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده ~~المقربون": المطففين - 21 وهذه الآيات تدل على أن المقربين هم الذين لا ~~يحجبون عن ربهم بحجاب قلبي وهو المعصية والجهل والريب والشك، فهم أهل ~~اليقين بالله، وهم يشهدون عليين كما يشهدون الجحيم. # وبالجملة فالإمام يجب أن يكون إنسانا ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت - ~~متحققا بكلمات من الله سبحانه - وقد مر أن الملكوت هو الأمر الذي هو الوجه ~~الباطن من وجهي هذا العالم، فقوله تعالى: يهدون بأمرنا، يدل دلالة واضحة ~~على أن كل ما يتعلق به أمر الهداية - وهو القلوب والأعمال - فالإمام باطنه ~~وحقيقته، ووجهه الأمري حاضر عنده غير غائب عنه، ومن المعلوم أن القلوب ~~والأعمال كسائر الأشياء في كونها ذات وجهين، فالإمام يحضر عنده ويلحق به ~~أعمال العباد، خيرها وشرها، وهو المهيمن على السبيلين جميعا، سبيل السعادة ~~وسبيل الشقاوة. # وقال تعالى أيضا: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم": الإسراء - 71 وسيجيء ~~تفسيره بالإمام الحق دون كتاب الأعمال، على ما يظن من ظاهرها، فالإمام هو ~~الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما أنه يسوقهم إليه في ~~ظاهر هذه الحياة الدنيا وباطنها، ms0264 والآية مع ذلك تفيد أن الإمام لا يخلو عنه ~~زمان من الأزمنة، وعصر من الأعصار، لمكان قوله تعالى: كل أناس، على ما ~~سيجيء في تفسير الآية من تقريبه. # ثم إن هذا المعنى أعني الإمامة، على شرافته وعظمته، لا يقوم إلا بمن كان ~~سعيد الذات بنفسه، إذ الذي ربما تلبس ذاته بالظلم والشقاء، فإنما سعادته ~~بهداية من غيره، وقد قال الله تعالى: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم ~~من لا يهدي إلا أن يهدى": يونس - 35. # وقد قوبل في الآية بين الهادي إلى الحق وبين غير المهتدي إلا بغيره، أعني ~~المهتدي بغيره، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الهادي إلى الحق مهتديا بنفسه، ~~وأن المهتدي بغيره لا يكون هاديا إلى الحق البتة. PageV01P157 # ويستنتج من هنا أمران: أحدهما: أن الإمام يجب أن يكون معصوما عن الضلال ~~والمعصية، وإلا كان غير مهتد بنفسه، كما مر كما، يدل عليه أيضا قوله تعالى: ~~"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة، ~~وإيتاء الزكوة وكانوا لنا عابدين": الأنبياء - 73 فأفعال الإمام خيرات ~~يهتدي إليها لا بهداية من غيره بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي، وتسديد ~~رباني والدليل عليه قوله تعالى: "فعل الخيرات" بناء على أن المصدر المضاف ~~يدل على الوقوع، ففرق بين مثل قولنا: وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات فلا ~~يدل على التحقق والوقوع، بخلاف قوله "وأوحينا إليهم فعل الخيرات" فهو يدل ~~على أن ما فعلوه من الخيرات إنما هو بوحي باطني وتأييد سماوي. # الثاني: عكس الأمر الأول وهو أن من ليس بمعصوم فلا يكون إماما هاديا إلى ~~الحق البتة. # وبهذا البيان يظهر: أن المراد بالظالمين في قوله تعالى، "قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين" مطلق من صدر عنه ظلم ما، من شرك أو معصية، وإن ~~كان منه في برهة من عمره، ثم تاب وصلح. # وقد سئل بعض أساتيذنا رحمة الله عليه: عن تقريب دلالة على عصمة الإمام. # فأجاب: أن الناس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: من كان ظالما في ~~جميع ms0265 عمره، ومن لم يكن ظالما في جميع عمره، ومن هو ظالم في أول عمره دون ~~آخره، ومن هو بالعكس هذا. # وإبراهيم (عليه السلام) أجل شأنا من أن يسأل الإمامة للقسم الأول والرابع ~~من ذريته، فبقي قسمان وقد نفى الله أحدهما، وهو الذي يكون ظالما في أول ~~عمره دون آخره، فبقي الآخر، وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره انتهى وقد ~~ظهر مما تقدم من البيان أمور: الأول: إن الإمامة لمجعولة. # الثاني: أن الإمام يجب أن يكون معصوما بعصمة إلهية. # الثالث: أن الأرض وفيه الناس، لا تخلو عن إمام حق. # الرابع: أن الإمام يجب أن يكون مؤيدا من عند الله تعالى. # الخامس: أن أعمال العباد غير محجوبة عن علم الإمام. # السادس: أنه يجب أن يكون عالما بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور معاشهم ~~ومعادهم. # السابع: أنه يستحيل أن يوجد فيهم من يفوقه في فضائل النفس. # فهذه سبع مسائل هي أمهات مسائل الإمامة: تعطيها الآية الشريفة بما ينضم ~~إليها من الآيات والله الهادي. ### # فإن قلت: لو كانت الإمامة هي الهداية بأمر الله تعالى: وهي الهداية إلى ~~الحق الملازم مع الاهتداء بالذات كما استفيد من قوله تعالى: "أفمن يهدي إلى ~~الحق أحق أن يتبع" الآية كان جميع الأنبياء أئمة قطعا، لوضوح أن نبوة النبي ~~لا يتم إلا باهتداء من جانب الله تعالى بالوحي، من غير أن يكون مكتسبا من ~~الغير، بتعليم أو إرشاد ونحوهما، وحينئذ فموهبة النبوة تستلزم موهبة ~~الإمامة، وعاد الإشكال إلى أنفسكم. PageV01P158 # قلت: الذي يتحصل من البيان السابق المستفاد من الآية أن الهداية بالحق وهي ~~الإمامة تستلزم الاهتداء بالحق، وأما العكس وهو أن يكون كل من اهتدى بالحق ~~هاديا لغيره بالحق، حتى يكون كل نبي لاهتدائه بالذات إماما، فلم يتبين بعد، ~~وقد ذكر سبحانه هذا الاهتداء بالحق، من غير أن يقرنه بهداية الغير بالحق في ~~قوله تعالى: "وهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل، ومن ~~ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ms0266 ~~ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين. ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط ~~مستقيم. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده": الأنعام - 90، وسياق الآيات كما ترى يعطي أن هذه الهداية أمر ليس ~~من شأنه أن يتغير ويتخلف، وأن هذه الهداية لن ترتفع بعد رسول الله عن أمته، ~~بل عن ذرية إبراهيم منهم خاصة، كما يدل عليه قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه لعلهم يرجعون": الزخرف - 28، فأعلم قومه ببراءته في الحال ~~وأخبرهم بهدايته في المستقبل، وهي الهداية بأمر الله حقا، لا الهداية التي ~~يعطيها النظر والاعتبار، فإنها كانت حاصلة مدلولا عليها بقوله: إنني براء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني، ثم أخبر الله: أنه جعل هذه الهداية كلمة باقية ~~في عقب إبراهيم، وهذا أحد الموارد التي أطلق القرآن الكلمة فيها على الأمر ~~الخارجي دون القول، كقوله تعالى: "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها": ~~الفتح - 26. # وقد تبين بما ذكر: أن الإمامة في ولد إبراهيم بعده، وفي قوله تعالى: "قال ~~ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين" إشارة إلى ذلك، فإن إبراهيم (عليه ~~السلام) إنما كان سأل الإمامة لبعض ذريته لا لجميعهم، فأجيب: بنفيها عن ~~الظالمين من ولده، وليس جميع ولده ظالمين بالضرورة حتى يكون نفيها عن ~~الظالمين نفيا لها عن الجميع، ففيه إجابة لما سأله مع بيان أنها عهد، وعهده ~~تعالى لا ينال الظالمين. # قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين، في التعبير إشارة إلى غاية بعد ~~الظالمين عن ساحة العهد الإلهي، فهي من الاستعارة بالكناية. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): أن الله عز وجل اتخذ إبراهيم عبدا ~~قبل أن يتخذه نبيا، وأن الله ms0267 اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وأن الله ~~اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما، ~~فلما جمع له الأشياء قال: "إني جاعلك للناس إماما" قال (عليه السلام): فمن ~~عظمها في عين إبراهيم قال: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال: لا ~~يكون السفيه إمام التقي. # أقول: وروي هذا المعنى أيضا عنه بطريق آخر وعن الباقر (عليه السلام) ~~بطريق آخر، ورواه المفيد عن الصادق (عليه السلام). # قوله: إن الله اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، يستفاد ذلك من قوله ~~تعالى: "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين - إلى قوله - من ~~الشاهدين": الأنبياء - 56، وهو اتخاذ بالعبودية في أول أمر إبراهيم. PageV01P159 # واعلم أن اتخاذه تعالى أحدا من الناس عبدا غير كونه في نفسه عبدا، فإن ~~العبدية من لوازم الإيجاد والخلقة، لا ينفك عن مخلوق ذي فهم وشعور، ولا ~~يقبل الجعل والاتخاذ وهو كون الإنسان مثلا مملوك الوجود لربه، مخلوقا ~~مصنوعا له، سواء جرى في حياته على ما يستدعيه مملوكيته الذاتية، واستسلم ~~لربوبية ربه العزيز، أو لم يجر على ذلك، قال تعالى: "إن كل من في السموات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا": مريم - 94، وإن كان إذا لم يجر على رسوم ~~العبودية وسنن الرقية استكبارا في الأرض وعتوا كان من الحري أن لا يسمى ~~عبدا بالنظر إلى الغايات، فإن العبد هو الذي أسلم وجهه لربه، وأعطاه تدبير ~~نفسه، فينبغي أن لا يسمى بالعبد إلا من كان عبدا في نفسه وعبدا في عمله، ~~فهو العبد حقيقة، قال تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا": ~~الفرقان - 63. # وعليهذا فاتخاذه تعالى إنسانا عبدا - وهو قبول كونه عبدا والإقبال عليه ~~بالربوبية - هو الولاية، وهو تولي أمره كما يتولى الرب أمر عبده، والعبودية ~~مفتاح للولاية، كما يدل عليه قوله تعالى: "قل إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب، وهو يتولى الصالحين": الأعراف - 196، أي اللائقين للولاية، فإنه ~~تعالى سمى النبي في آيات من كتابه بالعبد، قال تعالى: "الذي أنزل على عبده ms0268 ~~الكتاب": الكهف - 1، وقال تعالى: "ينزل على عبده آيات بينات": الحديد - 9 ~~وقال تعالى: "قام عبد الله يدعوه": الجن - 19، فقد ظهر أن الاتخاذ للعبودية ~~هو الولاية. # وقوله (عليه السلام): وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، الفرق بين ~~النبي والرسول على ما يظهر من الروايات المروية عن أئمة أهل البيت: أن ~~النبي هو الذي يرى في المنام ما يوحى به إليه، والرسول هو الذي يشاهد الملك ~~فيكلمه، والذي يظهر من قصص إبراهيم هو هذا الترتيب، قال تعالى: "واذكر في ~~الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا": مريم - 42، فظاهر الآية أنه (عليه ~~السلام) كان صديقا نبيا حين يخاطب أباه بذلك، فيكون هذا تصديقا لما أخبر به ~~إبراهيم (عليه السلام) في أول وروده على قومه: "إنني براء مما تعبدون إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين": الزخرف - 27، وقال تعالى: "ولقد جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام": هود - 69، والقصة - وهي تتضمن ~~مشاهدة الملك وتكليمه - واقعة في حال كبر إبراهيم (عليه السلام) بعد ما ~~فارق أباه وقومه. # وقوله (عليه السلام): إن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، يستفاد ~~ذلك من قوله تعالى: "واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا": ~~النساء - 125، فإن ظاهره أنه إنما اتخذه خليلا لهذه الملة الحنيفية التي ~~شرعها بأمر ربه إذ المقام مقام بيان شرف ملة إبراهيم الحنيف، التي تشرف ~~بسببها إبراهيم (عليه السلام) بالخلة والخليل أخص من الصديق فإن أحد ~~المتحابين يسمى صديقا إذا صدق في معاشرته ومصاحبته ثم يصير خليلا إذا قصر ~~حوائجه على صديقه، والخلة الفقر والحاجة. # وقوله (عليه السلام): وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما، إلخ يظهر ~~معناه مما تقدم من البيان. # وقوله: قال لا يكون السفيه إمام التقي إشارة إلى قوله تعالى، "ومن يرغب ~~عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت ms0269 لرب العالمين": البقرة - 131، ~~فقد سمى الله سبحانه الرغبة عن ملة إبراهيم وهو الظلم سفها، وقابلها ~~بالاصطفاء، وفسر الاصطفاء بالإسلام، كما يظهر بالتدبر في قوله: "إذ قال له ~~ربه أسلم" ثم جعل الإسلام والتقوى واحدا أو في مجرى واحد في قوله: "اتقوا ~~الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون": آل عمران - 102 فافهم ذلك. # وعن المفيد عن درست وهشام عنهم (عليهم السلام) قال: قد كان إبراهيم نبيا ~~وليس بإمام، حتى قال الله تبارك وتعالى: "إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي" فقال الله تبارك وتعالى: لا ينال عهدي الظالمين، من عبد صنما أو ~~وثنا أو مثالا، لا يكون إماما. # أقول: وقد ظهر معناه مما مر. PageV01P160 # وفي أمالي الشيخ، مسندا، وعن مناقب ابن المغازلي مرفوعا عن ابن مسعود عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في الآية عن قول الله لإبراهيم: من سجد ~~لصنم دوني لا أجعله إماما. قال (عليه السلام) وانتهت الدعوة إلي وإلى أخي ~~علي، لم يسجد أحدنا لصنم قط وفي الدر المنثور،: أخرج وكيع وابن مردويه عن ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي: في قوله: "لا ينال عهدي الظالمين" ~~قال: لا طاعة إلا في المعروف. # وفي الدر المنثور، أيضا: أخرج عبد بن حميد عن عمران بن حصين سمعت النبي ~~يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الله. # أقول: معانيها ظاهرة مما مر. # وفي تفسير العياشي، بأسانيد عن صفوان الجمال قال: كنا بمكة فجرى الحديث ~~في قول الله: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" قال: فأتمهن بمحمد ~~وعلي والأئمة من ولد علي في قول الله: "ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم". # أقول: والرواية مبنية على كون المراد بالكلمة الإمامة كما فسرت بها في ~~قوله تعالى: "فإنه سيهدين فجعلها كلمة باقية في عقبه" الآية فيكون معنى ~~الآية: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" هن إمامته، وإمامة إسحاق وذريته، ~~وأتمهن بإمامة محمد، والأئمة من أهل بيته من ولد إسمعيل ثم بين الأمر ~~بقوله: قال إني جاعلك للناس إماما إلى آخر ms0270 الآية. PageV01P161 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 125 - 129 # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبرهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبرهيم وإسمعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعكفين والركع السجود (125) ~~وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من الثمرت من ءامن منهم ~~بالله واليوم الاخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس ~~المصير (126) وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل منا إنك ~~أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ~~وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلوا عليهم ءايتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم (129) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا إشارة إلى تشريع الحج ~~والأمن في البيت، والمثابة هي المرجع، من ثاب يثوب إذا رجع. # قوله تعالى: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى كأنه عطف على قوله: جعلنا ~~البيت مثابة، بحسب المعنى، فإن قوله: جعلنا البيت مثابة، لما كان إشارة إلى ~~التشريع كان المعنى وإذ قلنا للناس ثوبوا إلى البيت وحجوا إليه، واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى، وربما قيل إن الكلام على تقدير القول، والتقدير: وقلنا ~~اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، والمصلى اسم مكان من الصلاة بمعنى الدعاء أي ~~اتخذوا من مقامه (عليه السلام) مكانا للدعاء والظاهر أن قوله: جعلنا البيت ~~مثابة إلخ بمنزلة التوطئة أشير به إلى مناط تشريع الصلاة ولذا لم يقل: ~~وصلوا، في مقام إبراهيم، بل قال: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فلم يعلق ~~الأمر بالصلاة في المقام، بل علق على اتخاذ المصلى منه. # قوله تعالى: وعهدنا إلى إبراهيم وإسمعيل أن طهرا، العهد هو الأمر ~~والتطهير إما تخليص البيت لعبادة الطائفين، والعاكفين، والمصلين، ونسكهم ~~فيكون من الاستعارة بالكناية، وأصل المعنى: أن خلصا بيتي لعبادة العباد، ~~وذلك تطهير وإما تنظيفه من الأقذار والكثافات الطارئة من عدم مبالات الناس، ~~والركع السجود جمعا راكع وساجد وكان المراد به المصلون. # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب ms0271 اجعل، هذا دعاء دعا به إبراهيم يسأل به ~~الأمن على أهل مكة والرزق وقد أجيبت دعوته، وحاشا لله سبحانه أن ينقل في ~~كلامه دعاء لا يستجيبه ولا يرده في كلامه الحق فيشتمل كلامه على هجاء لغو ~~لغا به لاغ جاهل، وقد قال تعالى: "والحق أقول": ص - 84، وقال تعالى: "إنه ~~لقول فصل وما هو بالهزل": الطارق - 14. # وقد نقل القرآن العظيم عن هذا النبي الكريم دعوات كثيرة دعا بها وسألها ~~ربه كدعائه لنفسه في بادىء أمره، ودعائه عند مهاجرته إلى سورية ودعائه ~~ومسألته بقاء الذكر الخير، ودعائه لنفسه وذريته ولوالديه وللمؤمنين ~~والمؤمنات، ودعائه لأهل مكة بعد بناء البيت، ودعائه ومسألته بعثة النبي من ذريته. # ومن دعواته ومسائله التي تجسم آماله وتشخص مجاهداته ومساعيه في جنب الله ~~وفضائل نفسه المقدسة، وبالجملة تعرف موقعه وزلفاه من الله عز اسمه، وسائر ~~قصصه وما مدحه به ربه، يستنبط شرح حياته الشريفة، وسنتعرض للميسور من ذلك ~~في سورة الأنعام. PageV01P162 # قوله تعالى: من آمن منهم، لما سأل (عليه السلام) لبلد مكة الأمن، ثم سأل ~~لأهله أن يرزقوا من الثمرات، استشعر: أن الأهل سيكون منهم مؤمنون، وكافرون ~~ودعاؤه للأهل بالرزق يعم الكافر والمؤمن، وقد تبرأ من الكافرين وما ~~يعبدونه، قال تعالى "فلما تبين له أنه عدو لله تبرء منه": التوبة - 114، ~~فشهد تعالى له: بالبراءة والتبري عن كل عدو لله، حتى أبيه، ولذلك لما ~~استشعر ما استشعره من عموم دعوته قيدها بقوله من آمن منهم - وهو يعلم أن ~~رزقهم من الثمرات لا يتم من دون شركة الكافرين على ما يحكم به ناموس الحياة ~~الدنيوية الاجتماعية - غير أنه خص مسألته - والله أعلم بما يحكم لسائر ~~عباده، ويريد في حقهم، فأجيب (عليه السلام) بما يشمل المؤمن والكافر، ووفيه ~~بيان أن المستجاب من دعوته ما يجري على حكم العادة وقانون الطبيعة من غير ~~خرق للعادة، وإبطال لظاهر حكم الطبيعة، ولم يقل: وارزق من آمن من أهله من ~~الثمرات لأن المطلوب استيهاب الكرامة للبلد لكرامة البيت المحرم، ولا ثمرة ~~تحصل في واد غير ذي ms0272 زرع، وقع فيه البيت، ولو لا ذلك لم يعمر البلد، ولا وجد ~~أهلا يسكنونه. # قوله تعالى: ومن كفر فأمتعه قليلا، قرىء فأمتعه من باب الإفعال والتفعيل ~~والإمتاع والتمتيع بمعنى واحد. # قوله تعالى: ثم اضطره إلى عذاب النار إلخ، فيه إشارة إلى مزيد إكرام ~~البيت وتطييب لنفس إبراهيم (عليه السلام)، كأنه قيل: ما سألته من إكرام ~~البيت برزق المؤمنين من أهل هذا البلد استجبته وزيادة، ولا يغتر الكافر ~~بذلك أن له كرامة على الله، وإنما ذلك إكرام لهذا البلد، وإجابة لدعوتك ~~بأزيد مما سألته، فسوف يضطر إلى عذاب النار، وبئس المصير. # قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل، القواعد جمع ~~قاعدة وهي ما قعد من البناء على الأرض، واستقر عليه الباقي، ورفع القواعد ~~من المجاز بعد ما يوضع عليها منها، ونسبة الرفع المتعلق بالمجموع إلى ~~القواعد وحدها. # وفي قوله تعالى: من البيت تلميح إلى هذه العناية المجازية. # قوله تعالى: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، دعاء لإبراهيم ~~وإسمعيل، وليس على تقدير القول، أو ما يشبهه، والمعنى يقولان: ربنا تقبل ~~منا إلخ، بل هو في الحقيقة حكاية المقول نفسه، فإن قوله: يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسمعيل حكاية الحال الماضية، فهما يمثلان بذلك تمثيلا ~~كأنهما يشاهدان وهما مشتغلان بالرفع، والسامع يراهما على حالهما ذلك ثم ~~يسمع دعاءهما بألفاظهما من غير وساطة المتكلم المشير إلى موقفهما وعملهما، ~~وهذا كثير في القرآن، وهو من أجمل السياقات القرآنية - وكلها جميل - وفيه ~~من تمثيل القصة وتقريبه إلى الحس ما لا يوجد ولا شيء من نوع بداعته في ~~التقبل بمثل القول ونحوه. # وفي عدم ذكر متعلق التقبل - وهو بناء البيت - تواضع في مقام العبودية، ~~واستحقار لما عملا به والمعنى ربنا تقبل منا هذا العمل اليسير إنك أنت ~~السميع لدعوتنا، العليم بما نويناه في قلوبنا. # قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، من ~~البديهي أن الإسلام على ما تداول بيننا من لفظه، ويتبادر إلى أذهاننا من ~~معناه أول مراتب العبودية، وبه ms0273 يمتاز المنتحل من غيره، وهو الأخذ بظاهر ~~الاعتقادات والأعمال الدينية، أعم من الإيمان والنفاق، وإبراهيم (عليه ~~السلام) - وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم، صاحب الملة الحنيفية - ~~أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين، وكذا ابنه ~~إسمعيل رسول الله وذبيحه، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك، أو يكونا ~~علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك، وهما في ما هما فيه من القربى والزلفى، ~~والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرم، وهما أعلم بمن يسألانه، وأنه ~~من هو، وما شأنه، على أن هذا الإسلام من الأمور الاختيارية التي يتعلق بها ~~الأمر والنهي كما قال تعالى: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين": ~~البقرة - 131، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه أو مسألة ما هو ~~فعل اختياري للإنسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصح معها ذلك. PageV01P163 # فهذا الإسلام المسئول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه، فإن الإسلام ~~مراتب والدليل على أنه ذو مراتب قوله تعالى: "إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت" الآية حيث يأمرهم إبراهيم بالإسلام وقد كان مسلما، فالمراد بهذا ~~الإسلام المطلوب غير ما كان عنده من الإسلام الموجود، ولهذا نظائر في ~~القرآن. # فهذا الإسلام هو الذي سنفسره من معناه، وهو تمام العبودية وتسليم العبد ~~كل ما له إلى ربه، وهو إن كان معنى اختياريا للإنسان من طريق مقدماته إلا ~~أنه إذا أضيف إلى الإنسان العادي وحاله القلبي المتعارف كان غير اختياري ~~بمعنى كونه غير ممكن النيل له - وحاله حاله - كسائر مقامات الولاية ومراحله ~~العالية، وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الإنسان المتعارف المتوسط ~~الحال بواسطة مقدماته الشاقة، ولهذا يمكن أن يعد أمرا إلهيا خارجا عن ~~اختيار الإنسان، ويسأل من الله سبحانه أن يفيض به، وأن يجعل الإنسان متصفا به. ### # على أن هنا نظرا أدق من ذلك، وهو أن الذي ينسب إلى الإنسان ويعد اختياريا ~~له، هو الأفعال، وأما الصفات والملكات الحاصلة من تكرر صدورها ms0274 فليست ~~اختيارية بحسب الحقيقة، فمن الجائز أو الواجب أن ينسب إليه تعالى، وخاصة ~~إذا كانت من الحسنات والخيرات التي نسبتها إليه تعالى، أولى من نسبتها إلى ~~الإنسان، وعلى ذلك جرى ديدن القرآن، كما في قوله تعالى: "رب اجعلني مقيم ~~الصلوة ومن ذريتي": إبراهيم - 40، وقوله تعالى: "وألحقني بالصالحين": ~~الشعراء - 83، وقوله تعالى: "رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي، وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضيه": النمل - 18، وقوله تعالى: "ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك" الآية، فقد ظهر أن المراد بالإسلام غير المعنى الذي يشير إليه ~~قوله تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم": الحجرات - 14، بل معنى أرقى وأعلى منه سيجيء بيانه. # قوله تعالى: وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، يدل على ما ~~مر من معنى الإسلام أيضا، فإن المناسك جمع منسك بمعنى العبادة، كما في قوله ~~تعالى: "ولكل أمة جعلنا منسكا": الحج - 34، أو بمعنى المتعبد، أعني الفعل ~~المأتي به عبادة وإضافة المصدر يفيد التحقق، فالمراد بمناسكنا هي الأفعال ~~العبادية الصادرة منهما والأعمال التي يعملانها دون الأفعال، والأعمال التي ~~يراد صدورها منهما، فليس قوله: أرنا بمعنى علمنا أو وفقنا، بل التسديد ~~بآرائه حقيقة الفعل الصادر منهما، كما أشرنا إليه في قوله تعالى: "وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة": الأنبياء - 73، وسنبينه ~~في محله: أن هذا الوحي تسديد في الفعل، لا تعليم للتكليف المطلوب، وكأنه ~~إليه الإشارة بقوله تعالى: "واذكر عبادنا إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، أولي ~~الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": ص - 46. # فقد تبين أن المراد بالإسلام والبصيرة في العبادة، غير المعنى الشائع ~~المتعارف، وكذلك المراد بقوله تعالى: وتب علينا، لأن إبراهيم وإسماعيل كانا ~~نبيين معصومين بعصمة الله تعالى، لا يصدر عنهما ذنب حتى يصح توبتهما منه، ~~كتوبتنا من المعاصي الصادرة عنا. PageV01P164 # فإن قلت: كل ما ذكر من معنى الإسلام وإراءة المناسك والتوبة مما يليق بشأن ~~إبراهيم وإسمعيل (عليهما السلام)، لا يلزم أن يكون هو مراده في حق ذريته ~~فإنه لم يشرك ذريته ms0275 معه ومع ابنه إسماعيل إلا في دعوة الإسلام وقد سأل لهم ~~الإسلام بلفظ آخر في جملة أخرى، فقال: ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ولم يقل: ~~واجعلنا ومن ذريتنا مسلمين، أو ما يؤدي معناه فما المانع أن يكون مراده من ~~الإسلام ما يعم جميع مراتبه حتى ظاهر الإسلام، فإن الظاهر من الإسلام أيضا ~~له آثار جميلة، وغايات نفيسة في المجتمع الإنساني، يصح أن يكون بذلك بغية ~~لإبراهيم (عليه السلام) يطلبها من ربه كما كان كذلك عند النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) حيث اكتفى (صلى الله عليه وآله وسلم) من الإسلام بظاهر ~~الشهادتين الذي به يحقن الدماء، ويجوز التزويج، ويملك الميراث، وعلى هذا ~~يكون المراد بالإسلام في قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك، ما يليق بشأن ~~إبراهيم وإسماعيل، وفي قوله: ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، ما هو اللائق بشأن ~~الأمة التي فيها المنافق، وضعيف الإيمان وقويه والجميع مسلمون. # قلت مقام: التشريع ومقام السؤال من الله مقامان مختلفان، لهما حكمان ~~متغايران لا ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر، فما اكتفى به النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من أمته بظاهر الشهادتين من الإسلام، إنما هو لحكمة توسعة ~~الشوكة والحفظ لظاهر النظام الصالح، ليكون ذلك كالقشر يحفظ به اللب الذي هو ~~حقيقة الإسلام، ويصان به عن مصادمة الآفات الطارئة. # وأما مقام الدعاء والسؤال من الله سبحانه فالسلطة فيها للحقائق، والغرض ~~متعلق هناك بحق الأمر، وصريح القرب والزلفى ولا هوى للأنبياء في الظاهر من ~~جهة ما هو ظاهر ولا هوى لإبراهيم (عليه السلام) في ذريته ولو كان له هوى ~~لبدأ فيه لأبيه قبل ذريته ولم يتبرأ منه لما تبين أنه عدو لله، ولم يقل في ~~ما حكى الله من دعائه "ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا ~~من أتى الله بقلب سليم": الشعراء - 89، ولم يقل "واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين": الشعراء - 84، بل اكتفى بلسان ذكر في الآخرين إلى غير ذلك. # فليس الإسلام الذي سأله لذريته إلا حقيقة الإسلام، وفي ms0276 قوله تعالى: أمة ~~مسلمة لك، إشارة إلى ذلك فلو كان المراد مجرد صدق اسم الإسلام على الذرية ~~لقيل: أمة مسلمة، وحذف قوله: لك، هذا. # قوله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم إلخ دعوة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "أنا دعوة إبراهيم ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الكناني:، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ~~أن يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم في طواف الحج والعمرة، فقال (عليه ~~السلام) إن كان بالبلد صلى الركعتين عند مقام إبراهيم، فإن الله عز وجل ~~يقول: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وإن كان قد ارتحل، فلا آمره أن يرجع. # أقول: وروى قريبا منه، الشيخ في التهذيب، والعياشي في تفسيره بعدة أسانيد ~~وخصوصيات الحكم - وهو الصلاة عند المقام أو خلفه، كما في بعض الروايات: ليس ~~لأحد أن يصلي ركعتي الطواف إلا خلف المقام، الحديث - مستفادة من لفظة من، ~~ومصلى من قوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى الآية. # وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: أن طهرا بيتي ~~للطائفين الآية يعني "نح عنه المشركين". # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل يقول في كتابه: ~~طهرا بيتي للطائفين والعاكفين، والركع السجود، فينبغي للعبد أن لا يدخل مكة ~~إلا وهو طاهر قد غسل عرقه، والأذى، وتطهر. # أقول: وهذا المعنى مروي في روايات أخر، واستفادة طهارة الوارد من طهارة ~~المورد، ربما تمت من آيات أخر، كقوله تعالى "الطيبات للطيبين، والطيبون ~~للطيبات": النور - 26 ونحوها. PageV01P165 # وفي المجمع، عن ابن عباس قال: لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر، فوضعهما ~~بمكة وأتت على ذلك مدة، ونزلها الجرهميون، وتزوج إسماعيل امرأة منهم، وماتت ~~هاجر، واستأذن إبراهيم سارة، فأذنت له" وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم ~~إبراهيم وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته أين صاحبك؟ ~~قالت له ليس هو هاهنا، ذهب يتصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم يتصيد ويرجع، ~~فقال لها إبراهيم: هل ms0277 عندك ضيافة؟ فقالت ليس عندي شيء، وما عندي أحد، فقال ~~لها إبراهيم: إذا جاء زوجك، فأقرئيه السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه ~~وذهب إبراهيم فجاء إسماعيل، ووجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ ~~قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، قال: فما قال لك؟ قالت: ~~قال لي: أقرئي زوجك السلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، فطلقها وتزوج ~~أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة: أن يزور إسماعيل ~~وأذنت له، واشترطت عليه: أن لا ينزل فجاء إبراهيم، حتى انتهى إلى باب ~~إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء ~~الله، فانزل، يرحمك الله، قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم فجاءت باللبن ~~واللحم، فدعا لها بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكان ~~أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا، فقالت له انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل ~~فجاءت بالمقام فوضعته على شقه فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه، فغسلت ~~شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي ~~أثر قدمه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد ~~استقامت عتبة بابك فلما جاء إسمعيل (عليه السلام) وجد ريح أبيه فقال ~~لامرأته هل جاءك أحد؟ قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، فقال لي ~~كذا وكذا وقلت له: كذا وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه على المقام، فقال ~~إسماعيل لها: ذاك إبراهيم. # أقول: وروى القمي، في تفسيره: ما يقرب منه. ### PageV01P166 وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن إبراهيم كان نازلا، في ~~بادية الشام فلما ولد له من هاجر إسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا، ~~لأنه لم يكن لها ولد، وكانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمه، فشكى إبراهيم ذلك ~~إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه: "مثل المرأة مثل الضلع العوجاء، إن ~~تركتها استمتعت بها، وإن أقمتها كسرتها" ثم أمره: أن يخرج إسماعيل وأمه، ~~فقال: يا ms0278 رب إلى أي مكان؟ فقال إلى حرمي وأمني، وأول بقعة خلقتها من الأرض، ~~وهي مكة فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم وكان ~~إبراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر وزرع ونخل إلا وقال إبراهيم: يا جبرئيل ~~إلى هاهنا، إلى هاهنا فيقول جبرئيل لا امض، امض، حتى وافى مكة فوضعه في ~~موضع البيت، وقد كان إبراهيم عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها، فلما ~~نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها، ~~فاستظلوا تحته، فلما سرحهم إبراهيم ووضعهم أراد الانصراف عنهم إلى سارة، ~~قالت له هاجر: يا إبراهيم أتدعنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع؟ ~~فقال إبراهيم: الله الذي أمرني، أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم ثم انصرف ~~عنهم، فلما بلغ كداء، وهو جبل بذي طوى التفت إبراهيم، فقال: رب إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلوة، فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون، ثم مضى ~~وبقيت هاجر، فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل، فقامت هاجر في موضع السعي ~~فصعدت على الصفا، ولمع لها السراب في الوادي، فظنت أنه ماء، فنزلت في بطن ~~الوادي، وسعت فلما بلغت المروة غاب عنها إسماعيل، عادت حتى بلغت الصفا، ~~فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع، وهي على المروة ~~نظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجليه فعادت حتى جمعت حوله رملا، ~~فإنه كان سائلا، فزمته بما جعلت حوله، فلذلك سميت زمزم وكانت جرهم نازلة ~~بذي المجاز وعرفات، فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء، ~~فنظرت جرهم إلى تعكف الطير والوحش على ذلك المكان فاتبعتها، حتى نظروا إلى ~~امرأة وصبي نازلين في ذلك الموضع، قد استظلا بشجرة، وقد ظهر الماء لهما، ~~فقالوا لهاجر: من أنت وما شأنك وشأن هذا الصبي؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم ~~خليل الرحمن، وهذا ابنه، أمره الله أن ينزلنا ms0279 هاهنا، فقالوا لها: أتأذنين ~~لنا أن نكون بالقرب منكم؟ فقالت لهم: حتى يأتي إبراهيم، فلما زارهم إبراهيم ~~في اليوم الثالث قالت هاجر: يا خليل الله إن هاهنا قوما من جرهم يسئلونك: ~~أن تأذن لهم، حتى يكونوا بالقرب منا، أفتأذن لهم في ذلك؟ قال إبراهيم: نعم، ~~فأذنت هاجر لهم، فنزلوا بالقرب منهم، وضربوا خيامهم، فأنست هاجر وإسماعيل ~~بهم، فلما زارهم إبراهيم في المرة الثانية نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر ~~بذلك سرورا شديدا، فلما تحرك إسماعيل وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كل واحد ~~منهم شاة، وشاتين فكانت هاجر وإسماعيل، يعيشان بها فلما بلغ إسماعيل مبلغ ~~الرجال، أمر الله إبراهيم: أن يبني البيت إلى أن قال: فلما أمر الله ~~إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أي مكان يبنيه، فبعث الله جبرئيل، وخط له ~~موضع البيت إلى أن قال فبنى إبراهيم البيت، ونقل إسماعيل من ذي طوى فرفعه ~~في السماء تسعة أذرع، ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم، ووضعه في ~~موضعه الذي هو فيه الآن، فلما بنى جعل له بابين بابا إلى الشرق، وبابا إلى ~~الغرب، والباب الذي إلى الغرب، يسمى المستجار، ثم ألقى عليه الشجر والإذخر، ~~وألقت هاجر على بابها كساء كان معها وكانوا يكونون تحته، فلما بنى وفرغ ~~منه، حج إبراهيم وإسماعيل، ونزل عليهما جبرئيل يوم التروية، لثمان من ذي ~~الحجة فقال: يا إبراهيم قم وارتو من الماء، لأنه لم يكن بمنى وعرفات ماء، ~~فسميت التروية لذلك ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم، فقال ~~إبراهيم لما فرغ من بناء البيت: "رب اجعل هذا بلدا آمنا، وارزق أهله من ~~الثمرات، من آمن منهم الآية، قال (عليه السلام): من ثمرات القلوب، أي حببهم ~~إلى الناس، ليستأنسوا بهم، ويعودوا إليهم. PageV01P167 # أقول: هذا الذي لخصناه من أخبار القصة هو الذي تشتمل عليه الروايات الواردة ~~في خلاصة القصة، وقد اشتملت عدة منها، وورد في أخبار أخرى: أن تاريخ بناء ~~البيت يتضمن أمورا خارقة للعادة، ففي بعض الأخبار، أن البيت ms0280 أول ما وضع كان ~~قبة من نور، نزلت على آدم، واستقرت في البقعة التي بنى إبراهيم عليها ~~البيت، ولم تزل حتى وقع طوفان نوح، فلما غرقت الدنيا رفعه الله تعالى، ولم ~~تغرق البقعة، فسمي لذلك البيت العتيق. # وفي بعض الأخبار: أن الله أنزل قواعد البيت من الجنة. # وفي بعضها: أن الحجر الأسود نزل من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج ~~فاسودت: لما مسته أيدي الكفار. # وفي الكافي، أيضا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن الله أمر إبراهيم ~~ببناء الكعبة، وأن يرفع قواعدها، ويري الناس مناسكهم، فبنى إبراهيم ~~وإسماعيل البيت كل يوم ساقا، حتى انتهى إلى موضع الحجر الأسود، وقال أبو ~~جعفر (عليه السلام): فنادى أبو قبيس: أن لك عندي وديعة، فأعطاه الحجر، ~~فوضعه موضعه. # وفي تفسير العياشي، عن الثوري عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن ~~الحجر، فقال: نزلت ثلاثة أحجار من الجنة، الحجر الأسود استودعه إبراهيم، ~~ومقام إبراهيم، وحجر بني إسرائيل. # وفي بعض الأخبار: أن الحجر الأسود كان ملكا من الملائكة. # أقول: ونظائر هذه المعاني كثيرة واردة في أخبار العامة والخاصة، وهي وإن ~~كانت آحادا غير بالغة حد التواتر لفظا، أو معنى، لكنها ليست بعادمة النظير ~~في أبواب المعارف الدينية ولا موجب لطرحها من رأس. # أما ما ورد من نزول القبة على آدم، وكذا سير إبراهيم إلى مكة بالبراق، ~~ونحو ذلك، مما هو كرامة خارقة لعادة الطبيعة، فهي أمور لا دليل على ~~استحالتها، مضافا إلى أن الله سبحانه خص أنبياءه بكثير من هذه الآيات ~~المعجزة، والكرامات الخارقة، والقرآن يثبت موارد كثيرة منها. # وأما ما ورد من نزول قواعد البيت من الجنة ونزول الحجر الأسود من الجنة، ~~ونزول حجر المقام - ويقال: إنه مدفون تحت البناء المعروف اليوم بمقام ~~إبراهيم - من الجنة وما أشبه ذلك، فذلك كما ذكرنا كثير النظائر، وقد ورد في ~~عدة من النباتات والفواكه وغيرها: أنها من الجنة، وكذا ما ورد: أنها من ~~جهنم، ومن فورة الجحيم، ومن هذا الباب أخبار الطينة القائلة: إن طينة ~~السعداء من ms0281 الجنة، وإن طينة الأشقياء من النار، أو هما من عليين، وسجين، ~~ومن هذا الباب أيضا ما ورد: أن جنة البرزخ في بعض الأماكن الأرضية، ونار ~~البرزخ في بعض آخر، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر ~~النار، إلى غير ذلك، مما يعثر عليه المتتبع البصير في مطاوي الأخبار، وهي ~~كما ذكرنا بالغة في الكثرة حدا ليس مجموعها من حيث المجموع بالذي يطرح أو ~~يناقش في صدوره أو صحة انتسابه وإنما هو من إلهيات المعارف التي سمح بها ~~القرآن الشريف، وانعطف إلى الجري على مسيرها الأخبار الذي يقضي به كلامه ~~تعالى: أن الأشياء التي في هذه النشأة الطبيعية المشهودة جميعا نازلة إليها ~~من عند الله سبحانه، فما كانت منها خيرا جميلا، أو وسيلة خير، أو وعاء ~~لخير، فهو من الجنة، وإليها تعود، وما كان منها شرا، أو وسيلة شر، أو وعاء ~~لشر، فهو من النار، وإليها ترجع، قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم: الحجر - 21، أفاد: أن كل شيء موجود عنده تعالى ~~وجودا غير محدود بحد، ولا مقدر بقدر، وعند التنزيل - وهو التدريج في النزول ~~- يتقدر بقدره ويتحدد بحده، فهذا على وجه العموم، وقد ورد بالخصوص أيضا ~~أمثال قوله تعالى: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر - 6، وقوله ~~تعالى: "وأنزلنا الحديد": الحديد - 25، وقوله تعالى: "وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون": الذاريات - 22، على ما سيجيء من توضيح معناها إن شاء الله العزيز، ~~فكل شيء نازل إلى الدنيا من عند الله سبحانه، وقد أفاد في كلامه: أن الكل ~~راجع إليه سبحانه، فقال: "وأن إلى ربك المنتهى": النجم - 42، وقال تعالى: ~~"إلى ربك الرجعى": العلق - 8، قال: "وإليه المصير": المؤمن - 3، وقال ~~تعالى: "ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى - 53، إلى غير ذلك من الآيات ~~الكثيرة. PageV01P168 # وأفاد: أن الأشياء - وهي بين بدئها وعودها - تجري على ما يستدعيه بدؤها، ~~ويحكم به حظها من السعادة والشقاء، والخير والشر، فقال تعالى: "كل يعمل على ~~شاكلته": إسراء - 84، وقال: "ولكل وجهة هو موليها": البقرة ms0282 - 148، وسيجيء ~~توضيح دلالتها جميعا، والغرض هاهنا مجرد الإشارة إلى ما يتم به البحث، وهو ~~أن هذه الأخبار الحاكية عن كون هذه الأشياء الطبيعية، من الجنة، أو من ~~النار، إذا كانت ملازمة لوجه السعادة أو الشقاوة لا تخلو عن وجه صحة، ~~لمطابقتها لأصول قرآنية ثابتة في الجملة، وإن لم يستلزم ذلك كون كل واحد ~~واحد صحيحا، يصح الركون إليه، فافهم المراد. # وربما قال القائل: إن قوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل" الآية ظاهر في أنهما، هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله ~~تعالى في تلك البلاد الوثنية، ولكن القصاصين ومن تبعهم من المفسرين، جاءونا ~~من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا، وتفننوا في رواياتهم، عن قدم البيت، ~~وعن حج آدم، وعن ارتفاعه إلى السماء وقت الطوفان، وعن كون الحجر الأسود من ~~أحجار الجنة، وقد أراد هؤلاء القصاصون أن يزينوا الدين ويرقشوه برواياتهم ~~هذه، وهذه التزيينات بزخارف القول، وإن أثرت أثرها في قلوب العامة، لكن ~~أرباب اللب والنظر من أهل العلم يعلمون أن الشرف المعنوي الذي أفاضه الله ~~سبحانه، بتكريم بعض الأشياء على بعض، فشرف البيت إنما هو بكونه بيتا لله، ~~منسوبا إليه، وشرف الحجر الأسود بكونه موردا للاستلام بمنزلة يد الله ~~سبحانه وأما كون الحجر في أصله ياقوتة، أو درة، أو غير ذلك، فلا يوجب مزية ~~فيه، وشرفا حقيقيا له، وما الفرق بين حجر أسود، وحجر أبيض، عند الله تعالى ~~في سوق الحقائق، فشرف هذا البيت بتسمية الله تعالى إياه بيته، وجعله موضعا ~~لضروب من عبادته، لا تكون في غيره - كما تقدم - لا بكون أحجاره تفضل سائر ~~الأحجار، ولا بكون موقعه تفضل سائر المواقع، ولا بكونه من السماء، وعالم ~~الضياء وكذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم، ولا ~~في ملابسهم، وإنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم، وتخصيصهم بالنبوة، التي هي ~~أمر معنوي، وقد كان أهل الدنيا أحسن زينة، وأكثر نعمة منهم. ### # قال: وهذه الروايات فاسدة، في تناقضها وتعارضها في نفسها، وفاسدة في عدم ms0283 ~~صحة أسانيدها، وفاسدة في مخالفتها لظاهر الكتاب. # قال: وهذه الروايات خرافات إسرائيلية، بثها زنادقة اليهود في المسلمين، ~~ليشوهوا عليهم دينهم، وينفروا أهل الكتاب منه. # أقول: ما ذكره لا يخلو من وجه في الجملة، إلا أنه أفرط في المناقشة، ~~فاعترضه من خبط القول ما هو أردى وأشنع. # أما قوله: إن هذه الروايات فاسدة أولا من جهة التناقض والتعارض وثانيا من ~~جهة مخالفة الكتاب، ففيه أن التناقض أو التعارض إنما يضر لو أخذ بكل واحد ~~واحد منها، وأما الأخذ بمجموعها من حيث المجموع بمعنى أن لا يطرح الجميع ~~لعدم اشتمالها على ما يستحيل عقلا أو يمنع نقلا فلا يضره التعارض الموجود ~~فيها وإنما نعني بذلك: الروايات الموصولة إلى مصادر العصمة، كالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والطاهرين من أهل بيته، وأما غيرهم من مفسري الصحابة، ~~والتابعين، فحالهم حال غيرهم من الناس وحال ما ورد من كلامهم الخالي عن ~~التناقض، حال كلامهم المشتمل على التناقض وبالجملة لا موجب لطرح رواية، أو ~~روايات، إلا إذا خالفت الكتاب أو السنة القطعية، أو لاحت منها لوائح الكذب ~~والجعل، كما لا حجية إلا للكتاب والسنة القطعية، في أصول المعارف الدينية ~~الإلهية. # فهناك ما هو لازم القبول، وهو الكتاب والسنة القطعية، وهناك ما هو لازم ~~الطرح، وهو ما يخالفهما من الآثار، وهناك ما لا دليل على رده، ولا على ~~قبوله، وهو ما لا دليل من جهة العقل على استحالته، ولا من جهة النقل أعني: ~~الكتاب والسنة القطعية على منعه. # وبه يظهر فساد إشكاله بعدم صحة أسانيدها فإن ذلك لا يوجب الطرح ما لم ~~يخالف العقل أو النقل الصحيح. PageV01P169 # وأما مخالفتها لظاهر قوله: وإذ يرفع إبراهيم القواعد الآية فليت شعري: أن ~~الآية الشريفة كيف تدل على نفي كون الحجر الأسود من الجنة؟ أم كيف تدل على ~~نفي نزول قبة على البقعة في زمن آدم، ثم ارتفاعها في زمن نوح؟ وهل الآية ~~تدل على أزيد من أن هذا البيت المبني من الحجر والطين بناء إبراهيم؟ وأي ~~ربط له إثباتا أو ms0284 نفيا بما تتضمنه الروايات التي أشرنا إليها، نعم لا ~~يستحسنه طبع هذا القائل، ولا يرتضيه رأيه لعصبية مذهبية توجب نفي معنويات ~~الحقائق عن الأنبياء، واتكاء الظواهر الدينية على أصول وأعراق معنوية، أو ~~لتبعية غير إرادية للعلوم الطبيعية المتقدمة اليوم، حيث تحكم: أن كل حادثة ~~من الحوادث الطبيعية، أو ما يرتبط بها أي ارتباط من المعنويات يجب أن يعلل ~~بتعليل مادي أو ما ينتهي إلى المادة، الحاكمة في جميع شئون الحوادث ~~كالتعليمات الاجتماعية. # وقد كان من الواجب: أن يتدبر في أن العلوم الطبيعية شأنها البحث عن خواص ~~المادة وتراكيبها وارتباط الآثار الطبيعية بموضوعاتها، ذاك الارتباط ~~الطبيعي وكذا العلوم الاجتماعية إنما تبحث عن الروابط الاجتماعية بين ~~الحوادث الاجتماعية فقط. # وأما الحقائق الخارجة عن حومة المادة وميدان عملها، المحيطة بالطبيعة ~~وخواصها وارتباطاتها المعنوية غير المادية مع الحوادث الكونية وما اشتمل ~~عليه عالمنا المحسوس فهي أمور خارجة عن بحث العلوم الطبيعية والاجتماعية، ~~ولا يسعها أن تتكلم فيها، أو تتعرض لإثباتها، أو تقضي بنفيها فالعلوم ~~الطبيعية إنما يمكنها أن تقضي أن البيت يحتاج في الطبيعة إلى أجزاء من ~~الطين والحجر، وإلى بان يبنيه ويعطيه بحركاته وأعماله هيئة البيت أو كيف ~~تتكون الحجرة من الأحجار السود وكذا الأبحاث الاجتماعية تعين الحوادث ~~الاجتماعية التي أنتجت بناء إبراهيم للبيت، وهي جمل من تاريخ حياته، وحياة ~~هاجر، وإسماعيل، وتاريخ، تهامة ونزول جرهم، إلى غير ذلك، وأما أنه ما نسبة ~~هذا الحجر مثلا إلى الجنة أو النار الموعودتين فليس من وظيفة هذه العلوم أن ~~تبحث عنه، أو تنفي ما قيل، أو يقال فيه، وقد عرفت: أن القرآن الشريف هو ~~الناطق بكون هذه الموجودات الطبيعية المادية نازلة إلى مقرها ومستقرها من ~~عند الله سبحانه ثم راجعة إليه متوجهة نحوه "أيما إلى جنة أيما إلى نار"، ~~وهو الناطق بكون الأعمال صاعدة إلى الله، مرفوعة نحوه، نائلة إياه، مع أنها ~~حركات وأوضاع طبيعية، تألفت تألفا اعتباريا اجتماعيا من غير حقيقة تكوينية، ~~قال تعالى: "ولكن يناله التقوى منكم": الحج - 37، والتقوى فعل، أو صفة ~~حاصلة ms0285 من فعل، وقال تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": ~~الفاطر - 10، فمن الواجب على الباحث الديني أن يتدبر في هذه الآيات فيعقل ~~أن المعارف الدينية لا مساس لها مع الطبيعيات والاجتماعيات من جهة النظر ~~الطبيعي والاجتماعي على الاستقامة وإنما اتكاؤها وركونها إلى حقائق ومعان ~~وراء ذلك. PageV01P170 # وأما قوله: إن شرف الأنبياء والمعاهد والأمور المنسوبة إليهم كالبيت والحجر ~~الأسود ليس شرفا ظاهريا بل شرف معنوي ناش عن التفضيل الإلهي فكلام حق، لكن ~~يجب أن يفهم منه حق المعنى الذي يشتمل عليه، فما هذا الأمر المعنوي الذي ~~يتضمن الشرافة؟ فإن كان من المعاني التي يعطيها الاحتياجات الاجتماعية ~~لموضوعاتها وموادها نظير الرتب والمقامات التي يتداولها الدول والملل ~~كالرئاسة والقيادة في الإنسان وغلاء القيمة في الذهب والفضة وكرامة ~~الوالدين وحرمة القوانين والنواميس فإنما هي معان يعتبرها الاجتماعات ~~لضرورة الاحتياج الدنيوي، لا أثر منها في خارج الوهم والاعتبار الاجتماعي، ~~ومن المعلوم أن الاجتماع الكذائي لا يتعدى عالم الاجتماع الذي صنعته الحاجة ~~الحيوية، والله عز سلطانه أقدس ساحة من أن يتطرق إليه هذه الحاجة الطارقة ~~على حياة الإنسان، ومع ذلك فإذا جاز أن يتشرف النبي بهذا الشرف غير الحقيقي ~~فليجز أن يتشرف بمثله بيت أو حجر، وإن كان هذا الشرف حقيقيا واقعيا من قبيل ~~النسبة بين النور والظلمة، والعلم والجهل، والعقل والسفه بأن كان حقيقة ~~وجود النبي غير حقيقة وجود غيره وإن كانت حواسنا الظاهرية لا تنال ذلك وهو ~~اللائق بساحة قدسه من الفعل والحكم، كما قال الله تعالى: "وما خلقنا ~~السموات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق، ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون": الدخان - 39 وسيجيء بيانه كان ذلك عائدا إلى نسبة حقيقية معنوية ~~غير مادية إلى ما وراء الطبيعة، فإذا جاز تحققها في الأنبياء بنحو فليجز ~~تحققها في غير الأنبياء كالبيت والحجر ونحوهما وإن وقع التعبير عن هذه ~~النسب الحقيقية المعنوية بما ظاهره المعاني المعروفة عند العامة التي ~~اصطلحت عليه أهل الاجتماع. # وليت شعري: ما ذا يصنعه هؤلاء في الآيات التي تنطق بتزيين ms0286 الجنة وتشريف ~~أهلها بالذهب والفضة، وهما فلزان ليس لهما من الشرف إلا غلاء القيمة ~~المستندة إلى عزة الوجود؟ فما ذا يراد من تشريف أهل الجنة بهما؟ وما الذي ~~يؤثره معنى الثروة في الجنة ولا معنى للاعتبار المالي في الخارج من ظرف ~~الاجتماع؟ فهل لهذه البيانات الإلهية والظواهر الدينية وجه غير أنها حجب من ~~الكلام وأستار وراءها أسرار؟ فلئن جاز أمثال هذه البيانات في أمور نشأة ~~الآخرة فليجز نظيرتها في بعض الأمور نشأة الدنيا. # وفي تفسير العياشي، عن الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت ~~له: أخبرني عن أمة محمد " (صلى الله عليه وآله وسلم)" من هم؟ قال أمة محمد ~~" (صلى الله عليه وآله وسلم)" بنو هاشم خاصة قلت: فما الحجة في أمة محمد ~~أنهم أهل بيته الذين ذكرت دون غيرهم؟ قال: قول الله: وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسمعيل - ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم - ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك ~~أنت التواب الرحيم، فلما أجاب الله إبراهيم وإسماعيل وجعل من ذريتهما أمة ~~مسلمة وبعث فيها رسولا منهم يعني من تلك الأمة يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وردف دعوته الأولى دعوته الأخرى فسأل لهم تطهيرا من ~~الشرك ومن عبادة الأصنام ليصح أمره فيهم ولا يتبعوا غيرهم، فقال: واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام - رب إنهن أضللن كثيرا من الناس، فمن تبعني فإنه مني ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ففي هذا دلالة على أنه لا يكون الأئمة والأمة ~~المسلمة التي بعث فيها محمدا إلا من ذرية إبراهيم لقوله: اجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام. PageV01P171 # أقول: استدلاله (عليه السلام) في غاية الظهور، فإن إبراهيم (عليه السلام) ~~إنما سأل أمة مسلمة من ذريته خاصة، ومن المعلوم من ذيل دعوته: ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم إه: أن هذه الأمة المسلمة هي أمة محمد " (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)" لكن لا أمة محمد بمعنى الذين بعث " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ~~إليهم ولا ms0287 أمة محمد بمعنى من آمن بنبوته فإن هذه الأمة أعم من ذرية إبراهيم ~~وإسماعيل بل أمة مسلمة هي من ذرية إبراهيم (عليه السلام) ثم سأل ربه أن ~~يجنب ويبعد ذريته وبنيه من الشرك والضلال وهي العصمة، ومن المعلوم أن ذرية ~~إبراهيم وإسماعيل - وهم عرب مضر أو قريش خاصة فيهم ضال ومشرك فمراده من ~~بنيه في قوله: وبني، أهل العصمة من ذريته خاصة، وهم النبي وعترته الطاهرة، ~~فهؤلاء هم أمة محمد " (صلى الله عليه وآله وسلم)" في دعوة إبراهيم (عليه ~~السلام)، ولعل هذه النكتة هي الموجبة للعدول عن لفظ الذرية إلى لفظ البنين، ~~ويؤيده قوله: فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم الآية. # حيث أتى بفاء التفريع وأثبت من تبعه جزءا من نفسه، وسكت عن غيرهم كأنه ~~ينكرهم ولا يعرفهم، هذا. ### # وقوله (عليه السلام): فسأل لهم تطهيرا من الشرك ومن عبادة الأصنام، إنما ~~سأل إبراهيم (عليه السلام) التطهير من عبادة الأصنام إلا أنه (عليه السلام) ~~علله بالضلال فأنتج سؤال التطهير من جميع الضلال من عبادة الأصنام ومن أي ~~شرك حتى المعاصي، فإن كل معصية شرك كما مر بيانه في قوله تعالى: "صراط ~~الذين أنعمت عليهم": فاتحة الكتاب - 6. وقوله (عليه السلام): وفي هذا دلالة ~~على أنه لا يكون الأئمة والأمة المسلمة، إلخ أي إنهما واحد، وهما من ذرية ~~إبراهيم كما مر بيانه. # فإن قلت: لو كان المراد بالأمة في هذه الآيات ونظائرها كقوله تعالى "كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس":، آل عمران - 110، عدة معدودة من الأمة دون الباقين ~~كان لازمه المجاز في الكلام من غير موجب يصحح ذلك ولا مجوز لنسبة ذلك إلى ~~كلامه تعالى، على أن كون خطابات القرآن متوجهة إلى جميع الأمة ممن آمن ~~بالنبي ضروري لا يحتاج إلى إقامة حجة. # قلت: إطلاق أمة محمد وإرادة جميع من آمن بدعوته من الاستعمالات المستحدثة ~~بعد نزول القرآن وانتشار الدعوة الإسلامية وإلا فالأمة بمعنى القوم كما قال ~~تعالى "على أمم ممن معك وأمم سنمتعهم": هود - 48، وربما أطلق على الواحدة ~~كقوله تعالى ms0288 "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله": النحل - 120، وعلى هذا ~~فمعناها من حيث السعة والضيق يتبع موردها الذي استعمل فيه لفظها، أو أريد ~~فيه معناها. # فقوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك الآية - ~~والمقام مقام الدعاء بالبيان الذي تقدم - لا يراد به إلا عدة معدودة ممن ~~آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~وهو في مقام الامتنان وتعظيم القدر وترفيع الشأن لا يشمل جميع الأمة، وكيف ~~يشمل فراعنة هذه الأمة ودجاجلتها الذين لم يجدوا للدين أثرا إلا عفوه ~~ومحوه، ولا لأوليائه عظما إلا كسروه وسيجيء تمام البيان في الآية إن شاء ~~الله فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل: "وأني فضلتكم على العالمين": ~~البقرة - 47، فإن منهم قارون ولا يشمله الآية قطعا، كما أن قوله تعالى: ~~"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا": الفرقان - 30، لا ~~يعم جميع هذه الأمة وفيهم أولياء القرآن ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله تعالى. # وأما قوله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم ولا تسئلون ~~عما كانوا يعملون": البقرة - 134، فالخطاب فيه متوجه إلى جميع الأمة ممن ~~آمن بالنبي، أو من بعث إليه. PageV01P172 ### |||| AUTO بحث علمي # إذا رجعنا إلى قصة إبراهيم (عليه السلام) وسيره بولده وحرمته إلى أرض ~~مكة، وإسكانهما هناك، وما جرى عليهما من الأمر، حتى آل الأمر، إلى ذبح ~~إسماعيل وفدائه من جانب الله وبنائهما البيت، وجدنا القصة دورة كاملة من ~~السير العبودي الذي يسير به العبد من موطن نفسه إلى قرب ربه، ومن أرض البعد ~~إلى حظيرة القرب بالإعراض عن زخارف الدنيا، وملاذها، وأمانيها من جاه، ~~ومال، ونساء وأولاد، والانقلاع والتخلص عن وسائس الشياطين، وتكديرهم صفو ~~الإخلاص والإقبال والتوجه إلى مقام الرب ودار الكبرياء. # فها هي وقائع متفرقة مترتبة تسلسلت وتألفت قصة تاريخية تحكي عن سير عبودي ~~من العبد إلى الله سبحانه وتشمل من أدب السير والطلب والحضور ورسوم الحب ~~والوله والإخلاص على ما ms0289 كلما زدت في تدبره إمعانا زادك استنارة ولمعانا. # ثم: إن الله سبحانه أمر خليله إبراهيم، أن يشرع للناس عمل الحج، كما قال ~~"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق إلى ~~آخر الآيات": الحج - 27، وما شرعه (عليه السلام) وإن لم يكن معلوما لنا ~~بجميع خصوصياته، لكنه كان شعارا دينيا عند العرب في الجاهلية إلى أن بعث ~~الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرع فيه ما شرع ولم يخالف فيه ما ~~شرعه إبراهيم إلا بالتكميل كما يدل عليه قوله تعالى: "قل إنني هداني ربي ~~إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا": الأنعام - 161، وقوله ~~تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى، وعيسى": الشورى - 13. # وكيف كان فما شرعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من نسك الحج المشتمل ~~على الإحرام والوقوف بعرفات ومبيت المشعر والتضحية ورمي الجمرات والسعي بين ~~الصفا والمروة والطواف والصلاة بالمقام تحكي قصة إبراهيم، وتمثل مواقفه ~~ومواقف أهله ومشاهدهم ويا لها من مواقف طاهرة إلهية القائد إليها جذبة ~~الربوبية والسائق نحوها ذلة العبودية. # والعبادات المشروعة - على مشرعيها أفضل السلام - صور لمواقف الكملين من ~~الأنبياء من ربهم، وتماثيل تحكي عن مواردهم ومصادرهم في مسيرهم إلى مقام ~~القرب والزلفى، كما قال تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة": ~~الأحزاب - 21 وهذا أصل. # وفي الأخبار المبينة لحكم العبادات وأسرار جعلها وتشريعها شواهد كثيرة ~~على هذا المعنى، يعثر عليها المتتبع البصير. PageV01P173 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 130 - 134 # ومن يرغب عن ملة إبرهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفينه فى الدنيا وإنه فى ~~الاخرة لمن الصلحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العلمين (131) ~~ووصى بها إبرهيم بنيه ويعقوب يبنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله ءابائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق إلها ~~وحدا ms0290 ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (134) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، الرغبة إذا عديت ~~بعن أفادت معنى الإعراض والنفرة، وإذا عديت بفي أفادت: معنى الشوق والميل، ~~وسفه يأتي متعديا ولازما، ولذلك ذكر بعضهم أن قوله: نفسه مفعول لقوله: سفه، ~~وذكر آخرون أنه تمييز لا مفعول، والمعنى على أي حال: أن الإعراض عن ملة ~~إبراهيم من حماقة النفس، وعدم تمييزها ما ينفعها مما يضرها ومن هذه الآية ~~يستفاد معنى ما ورد في الحديث: أن العقل ما عبد به الرحمن. # قوله تعالى: ولقد اصطفيناه في الدنيا، الاصطفاء أخذ صفوة الشيء وتمييزه ~~عن غيره إذا اختلطا، وينطبق هذا المعنى بالنظر إلى مقامات الولاية على خلوص ~~العبودية وهو أن يجري العبد في جميع شئونه على ما يقتضيه مملوكيته وعبوديته ~~من التسليم الصرف لربه، وهو التحقق بالدين في جميع الشئون فإن الدين لا ~~يشتمل إلا على مواد العبودية في أمور الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضاه الله ~~لعبده في جميع أموره كما قال الله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل ~~عمران - 19، فظهر: أن مقام الاصطفاء هو مقام الإسلام بعينه ويشهد بذلك قوله ~~تعالى: "إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين" الآية فإن الظاهر أن ~~الظرف متعلق بقوله: اصطفيناه، فيكون المعنى أن اصطفاءه إنما كان حين قال له ~~ربه: أسلم، فأسلم لله رب العالمين فقوله تعالى: إذ قال له ربه أسلم، قال ~~أسلمت لرب العالمين، بمنزلة التفسير لقوله: اصطفيناه. # وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: إذ قال له ربه أسلم، ~~ولم يقل إذ قلنا له أسلم، والتفات آخر من الخطاب إلى الغيبة في المحكي من ~~قول إبراهيم: قال أسلمت لرب العالمين، ولم يقل: قال أسلمت لك أما الأول، ~~فالنكتة فيه الإشارة إلى أنه كان سرا استسر به ربه إذ أسره إليه فيما خلى ~~به معه فإن للسامع المخاطب اتصالا بالمتكلم فإذا ms0291 غاب المتكلم عن صفة حضوره ~~انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلم من الشأن والقصة ستر ~~مضروب، فأفاد أن القصة من مسامرات الأنس وخصائص الخلوة. # وأما الثاني فلأن قوله تعالى: إذ قال له ربه، يفيد معنى الاختصاص باللطف ~~والاسترسال في المسارة لكن أدب الحضور كان يقتضي من إبراهيم وهو عبد عليه ~~طابع الذلة والتواضع أن لا يسترسل، ولا يعد نفسه مختصا بكرامة القرب متشرفا ~~بحظيرة الأنس، بل يراها واحدا من العبيد الأذلاء المربوبين، فيسلم لرب ~~يستكين إليه جميع العالمين فيقول: أسلمت لرب العالمين. # والإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد، من السلم، وأحد الشيئين إذا ~~كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلم واستسلم له، ~~قال تعالى "بلى من أسلم وجهه لله": البقرة - 112، وقال تعالى: "وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما": الأنعام - 79، ووجه الشيء ما يواجهك ~~به، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام وجود الشيء، فإسلام الإنسان له تعالى هو ~~وصف الانقياد والقبول منه لما يرد عليه من الله سبحانه من حكم تكويني، من ~~قدر وقضاء، أو تشريعي من أمر أو نهي أو غير ذلك، ومن هنا كان له مراتب بحسب ~~ترتب الواردات بمراتبها. PageV01P174 # الأولى: من مراتب الإسلام، القبول لظواهر الأوامر والنواهي بتلقي الشهادتين ~~لسانا، سواء وافقه القلب، أو خالفه، قال تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم": الحجرات - 14، ~~ويتعقب الإسلام بهذا المعنى أول مراتب الإيمان وهو الإذعان القلبي بمضمون ~~الشهادتين إجمالا ويلزمه العمل في غالب الفروع. # الثانية: ما يلي الإيمان بالمرتبة الأولى، وهو التسليم والانقياد القلبي ~~لجل الاعتقادات الحقة التفصيلية وما يتبعها من الأعمال الصالحة وإن أمكن ~~التخطي في بعض الموارد، قال الله تعالى في وصف المتقين: "الذين آمنوا ~~بآياتنا وكانوا مسلمين": الزخرف - 69، وقال أيضا: "يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم كافة": البقرة - 208، فمن الإسلام ما يتأخر عن الإيمان ~~محققا فهو غير المرتبة الأولى من الإسلام، ويتعقب هذا الإسلام المرتبة ~~الثانية من الإيمان وهو الاعتقاد ms0292 التفصيلي بالحقائق الدينية، قال تعالى: ~~"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم أولئك هم الصادقون": الحجرات - 15، وقال أيضا: "يا ~~أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ~~ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم": الصف - 11، وفيه إرشاد ~~المؤمنين إلى الإيمان، فالإيمان غير الإيمان. # الثالثة: ما يلي الإيمان بالمرتبة الثانية فإن النفس إذا أنست بالإيمان ~~المذكور وتخلقت بأخلاقه تمكنت منها وانقادت لها سائر القوى البهيمية ~~والسبعية، وبالجملة القوى المائلة إلى هوسات الدنيا وزخارفها الفانية ~~الداثرة، وصار الإنسان يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، ~~ولم يجد في باطنه وسره ما لا ينقاد إلى أمره ونهيه أو يسخط من قضائه وقدره، ~~قال الله سبحانه: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما": النساء - 65، ويتعقب هذه ~~المرتبة من الإسلام المرتبة الثالثة من الإيمان، قال الله تعالى "قد أفلح ~~المؤمنون" إلى أن قال: "والذين هم عن اللغو معرضون": المؤمنون - 3، ومنه ~~قوله تعالى: "إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين" إلى غير ذلك، ~~وربما عدت المرتبتان الثانية والثالثة مرتبة واحدة. # والأخلاق الفاضلة من الرضاء والتسليم، والحسبة والصبر في الله، وتمام ~~الزهد والورع، والحب والبغض في الله، من لوازم هذه المرتبة. # الرابعة: ما يلي، المرتبة الثالثة من الإيمان فإن حال الإنسان وهو في ~~المرتبة السابقة مع ربه حال العبد المملوك مع مولاه، إذ كان قائما بوظيفة ~~عبوديته حق القيام، وهو التسليم الصرف لما يريده المولى أو يحبه ويرتضيه، ~~والأمر في ملك رب العالمين لخلقه أعظم من ذلك وأعظم وإنه حقيقة الملك الذي ~~لا استقلال دونه لشيء من الأشياء لا ذاتا ولا صفة، ولا فعلا على ما يليق ~~بكبريائه جلت كبرياؤه. PageV01P175 # فالإنسان - وهو في المرتبة السابقة من التسليم - ربما أخذته العناية ~~الربانية فأشهدت له أن الملك لله وحده لا يملك شيء سواه لنفسه شيئا إلا به ~~لا ms0293 رب سواه، وهذا معنى وهبي، وإفاضة إلهية لا تأثير لإرادة الإنسان فيه، ~~ولعل قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا ~~مناسكنا، الآية، إشارة إلى هذه المرتبة من الإسلام فإن قوله تعالى: إذ قال ~~له ربه أسلم، قال، أسلمت لرب العالمين الآية ظاهره أنه أمر تشريعي لا ~~تكويني، فإبراهيم كان مسلما باختياره، إجابة لدعوة ربه وامتثالا لأمره، وقد ~~كان هذا من الأوامر المتوجهة إليه (عليه السلام) في مبادىء حاله، فسؤاله في ~~أواخر عمره مع ابنه إسماعيل الإسلام وإراءة المناسك سؤال لأمر ليس زمامه ~~بيده أو سؤال لثبات على أمر ليس بيده فالإسلام المسئول في الآية هو هذه ~~المرتبة من الإسلام ويتعقب الإسلام بهذا المعنى المرتبة الرابعة من الإيمان ~~وهو استيعاب هذا الحال لجميع الأحوال والأفعال، قال تعالى: "ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون": يونس - 62، ~~فإن هؤلاء المؤمنين المذكورين في الآية يجب أن يكونوا على يقين من أن لا ~~استقلال لشيء دون الله، ولا تأثير لسبب إلا بإذن الله حتى لا يحزنوا من ~~مكروه واقع، ولا يخافوا محذورا محتملا، وإلا فلا معنى لكونهم بحيث، لا ~~يخوفهم شيء، ولا يحزنهم أمر، فهذا النوع من الإيمان بعد الإسلام المذكور فافهم. # قوله تعالى: وإنه في الآخرة لمن الصالحين، الصلاح، وهو اللياقة بوجه ربما ~~نسب في كلامه إلى عمل الإنسان وربما نسب إلى نفسه وذاته، قال تعالى: ~~"فليعمل عملا صالحا": الكهف - 110، وقال تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم": النور - 32. # وصلاح العمل وإن لم يرد به تفسير بين من كلامه تعالى غير أنه نسب إليه من ~~الآثار ما يتضح به معناه. # فمنها: أنه صالح لوجه الله، قال تعالى: "صبروا ابتغاء وجه ربهم": الرعد - ~~22، وقال تعالى: "وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله": البقرة - 272. # ومنها: أنه صالح لأن يثاب عليه، قال تعالى: "ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا": القصص - 80. ### # ومنها: أنه يرفع الكلم الطيب الصاعد إلى الله سبحانه قال تعالى: "إليه ~~يصعد الكلم ms0294 الطيب والعمل الصالح يرفعه": فاطر - 10، فيستفاد من هذه الآثار ~~المنسوبة إليه أن صلاح العمل معنى تهيؤه ولياقته لأن يلبس لباس الكرامة ~~ويكون عونا وممدا لصعود الكلام الطيب إليه تعالى، قال تعالى: "ولكن يناله ~~التقوى منكم": الحج - 37، وقال تعالى: "وكلا نمد هؤلاء، وهؤلاء من عطاء ~~ربك، وما كان عطاء ربك محظورا": الإسراء - 20، فعطاؤه تعالى بمنزلة الصورة، ~~وصلاح العمل بمنزلة المادة. # وأما صلاح النفس والذات فقد قال تعالى: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن ~~أولئك رفيقا": النساء - 69، وقال تعالى: "وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من ~~الصالحين": الأنبياء - 86، وقال تعالى حكاية عن سليمان: "وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين": النمل - 19، وقال تعالى: "ولوطا آتيناه حكما وعلما إلى ~~قوله وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين": الأنبياء - 75، وليس المراد ~~الصلاح لمطلق الرحمة العامة الإلهية الواسعة لكل شيء ولا الخاصة بالمؤمنين ~~على ما يفيده قوله تعالى: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون": ~~الأعراف - 156، إذ هؤلاء القوم وهم الصالحون، طائفة خاصة من المؤمنين ~~المتقين، ومن الرحمة ما يختص ببعض دون، بعض قال تعالى "يختص برحمته من ~~يشاء": البقرة - 105 وليس المراد أيضا مطلق كرامة، الولاية وهو تولي الحق ~~سبحانه أمر عبده، فإن الصالحين وإن شرفوا بذلك، وكانوا من الأولياء ~~المكرمين على ما بيناه سابقا في قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم": ~~فاتحة الكتاب - 6 وسيجيء في تفسير الآية لكن هذه أعني الولاية صفة مشتركة ~~بينهم وبين النبيين، والصديقين، والشهداء فلا يستقيم إذن عدهم طائفة خاصة ~~في قبالهم. PageV01P176 # نعم الأثر الخاص بالصلاح هو الإدخال في الرحمة، وهو الأمن العام من العذاب ~~كما ورد المعنيان معا في الجنة، قال تعالى: "فيدخلهم ربهم في رحمته": ~~الجاثية - 30، أي في الجنة، وقال تعالى: "يدعون فيها بكل فاكهة آمنين": ~~الدخان - 55 أي في الجنة. # وأنت إذا تدبرت قوله تعالى: "وأدخلناه في رحمتنا": الأنبياء - 75 وقوله: ~~"وكلا جعلنا صالحين": الأنبياء - 72 حيث نسب الفعل إلى نفسه تعالى لا إلى ~~العبد - ثم تأملت أنه تعالى قصر الأجر ms0295 والشكر على ما بحذاء العمل والسعي ~~قضيت بأن الصلاح الذاتي كرامة ليست بحذاء العمل والإرادة وربما تبين به ~~معنى قوله تعالى: "لهم ما يشاءون فيها" - وهو ما بالعمل - وقوله: "ولدينا ~~مزيد" - وهو أمر غير ما بالعمل على ما سيجيء بيانه إن شاء الله في تفسير ~~قوله تعالى: "لهم ما يشاءون فيها": ق - 35. # ثم إنك إذا تأملت حال إبراهيم ومكانته في أنه كان نبيا مرسلا وأحد أولي ~~العزم من الأنبياء، وأنه إمام، وأنه مقتدى عدة ممن بعده من الأنبياء ~~والمرسلين وأنه من الصالحين بنص قوله تعالى: "وكلا جعلنا صالحين": الأنبياء ~~- 72، الظاهر في الصلاح المعجل على أن من هو دونه في الفضل من الأنبياء ~~أكرم بهذا الصلاح المعجل وهو (عليه السلام) مع ذلك كله يسأل اللحوق ~~بالصالحين الظاهر في أن هناك قوما من الصالحين سبقوه وهو يسأل اللحوق بهم ~~فيما سبقوه إليه، وأجيب بذلك في الآخرة كما يحكيه الله تعالى في ثلاثة ~~مواضع من كلامه حيث قال تعالى: "ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين": البقرة - 130، وقال تعالى: "وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين": العنكبوت - 27، وقال تعالى: "وآتيناه في الدنيا حسنة ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين": النحل - 122، فإذا تأملت ذلك حق التأمل قضيت ~~بأن الصلاح ذو مراتب بعضها فوق بعض ولم تستبعد لو قرع سمعك أن إبراهيم ~~(عليه السلام) سأل اللحوق بمحمد " (صلى الله عليه وآله وسلم)" وآله ~~الطاهرين (عليهم السلام) فأجيب إلى ذلك في الآخرة لا في الدنيا فإنه (عليه ~~السلام) يسأل اللحوق بالصالحين، ومحمد " (صلى الله عليه وآله وسلم)" يدعيه لنفسه. # قال تعالى: "قل إن وليي الله الذي نزل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين": ~~الأعراف - 196 فإن ظاهر الآية أن رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ~~يدعي لنفسه الولاية فالظاهر منه أن رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ~~هو المتحقق بالصلاح الذي يدعيه بموجب الآية لنفسه وإبراهيم كان يسأل الله ~~اللحوق بعده من الصالحين يسبقونه في الصلاح فهو هو. # قوله تعالى: ووصى بها ms0296 إبراهيم بنيه، أي وصى بالملة. # قوله تعالى: فلا تموتن، النهي عن الموت وهو أمر غير اختياري للإنسان، ~~والتكليف إنما يتعلق بأمر اختياري إنما هو لرجوعه إلى أمر يتعلق بالاختيار، ~~والتقدير احذروا أن يغتالكم الموت في غير حال الإسلام، أي داوموا والزموا ~~الإسلام لئلا يقع موتكم إلا في هذا الحال، وفي الآية إشارة إلى أن الدين هو ~~الإسلام كما قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19. # قوله تعالى: وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق، في الكلام إطلاق لفظ الأب ~~على الجد والعم والوالد من غير مصحح للتغليب، وحجة فيما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى في خطاب إبراهيم لآزر بالأب. # قوله تعالى: إلها واحدا، في هذا الإيجاز بعد الإطناب بقوله: إلهك وإله ~~آبائك "إلخ" دفع لإمكان إبهام اللفظ أن يكون إلهه غير إله آبائه على نحو ما ~~يتخذه الوثنيون من الآلهة الكثيرة. # قوله تعالى: ونحن له مسلمون، بيان للعبادة وأنها ليست عبادة كيفما اتفقت ~~بل عبادة على نهج الإسلام وفي الكلام جملة أن دين إبراهيم هو الإسلام ~~والموروث منه في بني إبراهيم كإسحق ويعقوب وإسمعيل، وفي بني إسرائيل، وفي ~~بني إسمعيل من آل إبراهيم جميعا هو الإسلام لا غير، وهو الذي أتى به ~~إبراهيم من ربه فلا حجة لأحد في تركه والدعوة إلى غيره. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن سماعة عن الصادق (عليه السلام): الإيمان من الإسلام بمنزلة ~~الكعبة الحرام من الحرم قد يكون في الحرم ولا يكون في الكعبة ولا يكون في ~~الكعبة حتى يكون في الحرم. PageV01P177 # وفيه، عن سماعة أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: الإسلام شهادة أن لا إله ~~إلا الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث ~~وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة ~~الإسلام. # أقول: وفي هذا المضمون روايات أخر وهي تدل على ما مر بيانه من المرتبة ~~الأولى من الإسلام والإيمان. # وفيه، عن البرقي عن علي (عليه السلام): قال الإسلام هو التسليم والتسليم ~~هو اليقين، وفيه، ms0297 عن كاهل عن الصادق: لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك ~~له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان ثم قالوا ~~لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله إلا صنع بخلاف الذي صنع أو وجدوا ذلك في ~~قلوبهم لكانوا بذلك مشركين الحديث. # أقول: والحديثان يشيران إلى المرتبة الثالثة من الإسلام والإيمان. ### # وفي البحار، عن إرشاد الديلمي، وذكر سندين لهذا الحديث، وهو من أحاديث ~~المعراج وفيه: قال الله سبحانه: يا أحمد هل تدري أي عيش أهنى وأي حياة ~~أبقى؟ قال: اللهم لا، قال: أما العيش الهنيء فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ~~ذكري ولا ينسى نعمتي، ولا يجهل حقي، يطلب رضائي في ليله ونهاره، وأما ~~الحياة الباقية، فهي التي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا، وتصغر في عينه، ~~وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي، ويعظم حق نعمتي، ~~ويذكر عملي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة أو معصية، وينقي قلبه ~~عن كل ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا ~~وسبيلا، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبا حتى أجعل قلبه وفراغه واشتغاله وهمه ~~وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي وأفتح عين قلبه ~~وسمعه، حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي، وأضيق عليه الدنيا، ~~وأبغض إليه ما فيها من اللذات، وأحذره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي ~~على غنمه مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفر من الناس فرارا، وينقل من دار ~~الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن، يا أحمد ولأزيننه ~~بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين ~~فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال أعرفه شكرا لا يخالطه الجهل، وذكرا لا ~~يخالطه النسيان، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين، فإذا أحبني ~~أحببته وأفتح عين قلبه إلى جلالي، ولا أخفي عليه خاصة خلقي وأناجيه في ظلم ~~الليل ونور النهار، حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين، ومجالسته معهم، وأسمعه ~~كلامي وكلام ms0298 ملائكتي وأعرفه السر الذي سترته عن خلقي، وألبسه الحياء، حتى ~~يستحيي منه الخلق كلهم، ويمشي على الأرض مغفورا له، وأجعل قلبه واعيا ~~وبصيرا ولا أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار، وأعرفه ما يمر على الناس في ~~القيامة من الهول والشدة وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء، ~~وأنومه في قبره، وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتى يسألاه، ولا يرى غم الموت، ~~وظلمة القبر واللحد، وهول المطلع، ثم أنصب له ميزانه، وأنشر ديوانه، ثم أضع ~~كتابه في يمينه فيقرؤه منشورا، ثم لا أجعل بيني وبينه وترجمانا فهذه صفات ~~المحبين" يا أحمد اجعل همك هما واحدا واجعل لسانك لسانا واحدا واجعل بدنك ~~حيا لا يغفل أبدا من يغفل عني لم أبال في أي واد هلك. # وفي البحار، عن الكافي، والمعاني، ونوادر الراوندي، بأسانيد مختلفة عن ~~الصادق والكاظم (عليهما السلام) واللفظ المنقول هاهنا للكافي قال: استقبل ~~رسول الله: حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري فقال له: كيف أنت يا حارثة ~~بن مالك النعماني؟ فقال: يا رسول الله مؤمن حقا، فقال له رسول الله: لكل ~~شيء حقيقة فما حقيقة قولك؟ فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ~~ليلي، وأظمأت هواجري، وكأني أنظر إلى عرش ربي وقد وضع للحساب، وكأني أنظر ~~إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة وكأني أسمع عواء أهل النار في النار، فقال ~~رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)": عبد نور الله قلبه أبصرت فأثبت. PageV01P178 # أقول: والروايتان تحومان حوم المرتبة الرابعة من الإسلام والإيمان ~~المذكورتين وفي خصوصيات معناهما روايات كثيرة متفرقة سنورد جملة منها في ~~تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى والآيات تؤيدها على ما سيجيء بيانها، ~~واعلم أن لكل مرتبة من مراتب الإسلام والإيمان معنى من الكفر والشرك ~~يقابله، ومن المعلوم أيضا أن الإسلام والإيمان كلما دق معناهما ولطف ~~مسلكهما، صعب التخلص مما يقابلهما من معنى الكفر أو الشرك، ومن المعلوم ~~أيضا أن كل مرتبة من مراتب الإسلام والإيمان الدانية، لا ينافي الكفر أو ~~الشرك من المرتبة العالية، وظهور ms0299 آثارهما فيها، وهذان أصلان. # ويتفرع عليهما: أن للآيات القرآنية بواطن تنطبق على موارد لا تنطبق عليها ~~ظواهرها وليكن هذا عندك على إجماله حتى يأتيك تفصيله. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: ولدينا مزيد، قال (عليه السلام) النظر ~~إلى رحمة الله. # وفي المجمع، عن النبي " (صلى الله عليه وآله وسلم)": يقول الله: أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # أقول: والروايتان قد اتضح معناهما عند بيان معنى الصلاح، والله الهادي. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ~~الآية عن الباقر (عليه السلام) أنها جرت في القائم. # أقول قال: في الصافي:، لعل مراده أنها في قائم آل محمد فكل قائم منهم ~~يقول: ذلك حين موته لبنيه، ويجيبونه بما أجابوا به. PageV01P179 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 135 - 141 # وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا قل بل ملة إبرهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبرهيم ~~وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم ~~به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عبدون (138) قل ~~أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعملنا ولكم أعملكم ونحن له مخلصون ~~(139) أم تقولون إن إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصرى قل ء أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من الله وما الله ~~بغفل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (141) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، لما بين تعالى أن الدين ~~الحق الذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده كان هو ~~الإسلام الذي كان عليه إبراهيم حنيفا، استنتج من ذلك ms0300 أن الاختلافات ~~والانشعابات التي يدعو إليها فرق المنتحلين من اليهود والنصارى، أمور ~~اخترعتها هوساتهم، ولعبت بها أيديهم لكونهم في شقاق، فتقطعوا بذلك طوائف ~~وأحزابا دينية، وصبغوا دين الله سبحانه - وهو دين التوحيد ودين الوحدة، ~~بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، مع أن الدين واحد كما أن الإله المعبود ~~بالدين واحد وهو دين إبراهيم، وبه فليتمسك المسلمون وليتركوا شقاق أهل ~~الكتاب. # فإن من طبيعة هذه الحياة الأرضية الدنيوية التغير والتحول في عين الجري ~~والاستمرار كنفس الطبيعة التي هي كالمادة لها ويوجب ذلك أن تتغير الرسوم ~~والآداب والشعائر القومية بين طوائف الملل وشعباتها، وربما يوجب ذلك تغييرا ~~وانحرافا في المراسم الدينية، وربما يوجب دخول ما ليس من الدين في الدين، ~~أو خروج ما هو منه والأغراض والغايات الدنيوية ربما تحل محل الأغراض ~~الدينية الإلهية وهي بلية الدين، وعند ذلك ينصبغ الدين بصبغة القومية فيدعو ~~إلى هدف دون هدفه الأصلي ويؤدب الناس غير أدبه الحقيقي، فلا يلبث حتى يعود ~~المنكر وهو ما ليس من الدين معروفا يتعصب له الناس لموافقته هوساتهم ~~وشهواتهم والمعروف منكرا ليس له حام يحميه ولا واق يقيه ويئول الأمر إلى ما ~~نشاهده اليوم من... وبالجملة فقوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى، ~~إجمال تفصيل معناه وقالت اليهود كونوا هودا تهتدوا، وقالت النصارى كونوا ~~نصارى تهتدوا، كل ذلك لتشعبهم وشقاقهم. # قوله تعالى: قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، جواب عن قولهم ~~أي قل، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا فإنها الملة الواحدة التي كان عليها جميع ~~أنبيائكم، إبراهيم، فمن دونه، وما كان صاحب هذه الملة وهو إبراهيم من ~~المشركين ولو كان في ملته هذه الانشعابات، وهي الضمائم التي ضمها إليها ~~المبتدعون، من الاختلافات لكان مشركا بذلك، فإن ما ليس من دين الله لا يدعو ~~إلى الله سبحانه، بل إلى غيره وهو الشرك، فهذا دين التوحيد الذي لا يشتمل ~~على ما ليس من عند الله تعالى. # قوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، لما حكى ما يأمره به ~~اليهود والنصارى ms0301 من اتباع مذهبهم، ذكر ما هو عنده من الحق والحق يقول وهو ~~الشهادة على الإيمان بالله، والإيمان بما عند الأنبياء، من غير فرق بينهم، ~~وهو الإسلام وخص الإيمان بالله بالذكر وقدمه وأخرجه من بين ما أنزل على ~~الأنبياء لأن الإيمان بالله فطري، لا يحتاج إلى بينة النبوة، ودليل ~~الرسالة. PageV01P180 # ثم ذكر سبحانه ما أنزل إلينا وهو القرآن أو المعارف القرآنية وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر ما أوتي موسى وعيسى وخصهما بالذكر ~~لأن المخاطبة مع اليهود والنصارى وهم يدعون إليهما فقط ثم ذكر ما أوتي ~~النبيون من ربهم، ليشمل الشهادة جميع الأنبياء فيستقيم قوله بعد ذلك: لا ~~نفرق بين أحد منهم. # واختلاف التعبير في الكلام، حيث عبر عما عندنا وعند إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب بالإنزال وعما عند موسى وعيسى والنبيين بالإيتاء وهو الإعطاء، لعل ~~الوجه فيه أن الأصل في التعبير هو الإيتاء، كما قال تعالى بعد ذكر إبراهيم، ~~ومن بعده ومن قبله من الأنبياء في سورة الأنعام: "أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب والحكم والنبوة":، الأنعام - 89، لكن لفظ الإيتاء ليس بصريح في ~~الوحي والإنزال كما قال تعالى: "ولقد آتينا لقمان الحكمة": لقمان - 12، ~~وقال: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة": الجاثية - 16، ولما ~~كان كل من اليهود والنصارى يعدون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~من أهل ملتهم، فاليهود من اليهود، والنصارى من النصارى، واعتقادهم أن الملة ~~الحق من النصرانية، أو اليهودية، هي ما أوتيه موسى وعيسى، فلو كان قيل: وما ~~أوتي إبراهيم وإسماعيل لم يكن بصريح في كونهم بأشخاصهم صاحب ملة بالوحي ~~والإنزال واحتمل أن يكون ما أوتوه، هو الذي أوتيه موسى وعيسى (عليهما ~~السلام) نسب إليهم بحكم التبعية كما نسب إيتاؤه إلى بني إسرائيل فلذلك خص ~~إبراهيم ومن عطف عليه باستعمال لفظ الإنزال، وأما النبيون قبل إبراهيم فليس ~~لهم فيهم كلام حتى يوهم قوله: وما أوتي النبيون شيئا يجب دفعه. # قوله تعالى: والأسباط، الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل ~~والسبط كالقبيلة الجماعة يجتمعون على أب واحد، وقد كانوا ms0302 اثنتي عشرة أسباطا ~~أمما وكل واحدة منهم تنتهي إلى واحد من أولاد يعقوب وكانوا اثني عشر، فخلف ~~كل واحد منهم أمة من الناس. # فإن كان المراد بالأسباط الأمم والأقوام فنسبة الإنزال إليهم لاشتمالهم ~~على أنبياء من سبطهم، وإن كان المراد بالأسباط الأشخاص كانوا أنبياء أنزل ~~إليهم الوحي وليسوا بإخوة يوسف لعدم كونهم أنبياء، ونظير الآية قوله تعالى: ~~"وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى": النساء - 163. # قوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، الإتيان بلفظ المثل ~~مع كون أصل المعنى، فإن آمنوا بما آمنتم به، لقطع عرق الخصام والجدال، فإنه ~~لو قيل لهم أن آمنوا بما آمنا به أمكن أن يقولوا كما قالوا، بل نؤمن بما ~~أنزل علينا ونكفر بما وراءه، لكن لو قيل لهم، إنا آمنا بما لا يشتمل إلا ~~على الحق فآمنوا أنتم بما يشتمل على الحق مثله، لم يجدوا طريقا للمراء ~~والمكابرة، فإن الذي بيدهم لا يشتمل على صفوة الحق. # قوله تعالى: في شقاق، الشقاق النفاق والمنازعة والمشاجرة والافتراق. # قوله تعالى: فسيكفيكهم الله، وعد لرسول الله بالنصرة عليهم، وقد أنجز ~~وعده وسيتم هذه النعمة للأمة الإسلامية إذا شاء، واعلم: أن الآية معترضة ~~بين الآيتين السابقة واللاحقة. # قوله تعالى: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، الصبغة بناء نوع من الصبغ ~~أي هذا الإيمان المذكور صبغة إلهية لنا، وهي أحسن الصبغ لا صبغة اليهودية ~~والنصرانية بالتفرق في الدين، وعدم إقامته. # قوله تعالى: ونحن له عابدون، في موضع الحال، وهو كبيان العلة لقوله: صبغة ~~الله ومن أحسن. PageV01P181 # قوله تعالى: قل أتحاجوننا في الله، إنكار لمحاجة أهل الكتاب، المسلمين في ~~الله سبحانه وقد بين وجه الإنكار، وكون محاجتهم لغوا وباطلا، بقوله وهو ~~ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون، وبيانه: أن محاجة كل ~~تابعين في متبوعهما ومخاصمتهما فيه إنما تكون لأحد أمور ثلاثة: إما لاختصاص ~~كل من التابعين بمتبوع دون متبوع الآخر، فيريدان بالمحاجة كل تفضيل متبوعه ~~وربه على الآخر، كالمحاجة بين وثني ومسلم، وإما ms0303 لكون كل واحد منهما أو ~~أحدهما ويريد مزيد الاختصاص به، وإبطال نسبة رفيقه، أو قربه أو ما يشبه ~~ذلك، بعد كون المتبوع واحدا، وإما لكون أحدهما ذا خصائص وخصال لا ينبغي أن ~~ينتسب إلى هذا المتبوع وفعاله ذاك الفعال، وخصاله تلك الخصال لكونه موجبا، ~~لهتكه أو سقوطه أو غير، ذلك فهذه علل المحاجة والمخاصمة بين كل تابعين، ~~والمسلمون وأهل الكتاب إنما يعبدون إلها واحدا، وأعمال كل من الطائفتين لا ~~تزاحم الأخرى شيئا والمسلمون مخلصون في دينهم لله، فلا سبب يمكن أن يتشبث ~~به أهل الكتاب في محاجتهم، ولذلك أنكر عليهم محاجتهم أولا ثم نفى واحدا ~~واحدا من أسبابها الثلاثة، ثانيا. # قوله تعالى: أم تقولون إن إبراهيم إلى قوله كانوا هودا أو نصارى، وهو قول ~~كل من الفريقين، أن إبراهيم ومن ذكر بعده منهم، ولازم ذلك كونهم هودا أو ~~نصارى أو قولهم صريحا أنهم كانوا هودا أو نصارى، كما يفيده ظاهر قوله تعالى ~~"يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون": آل عمران - 65. ### # قوله تعالى: قل أأنتم أعلم أم الله، فإن الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب ~~أن موسى وعيسى وكتابيهما بعد إبراهيم ومن ذكر معه. # قوله تعالى: ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، أي كتم ما تحمل شهادة ~~أن الله أخبر بكون تشريع اليهودية أو النصرانية بعد إبراهيم ومن ذكر معه، ~~فالشهادة المذكورة في الآية، شهادة تحمل، أو المعنى كتم شهادة الله على كون ~~هؤلاء قبل التوراة والإنجيل، فالشهادة شهادة أداء، المتعين هو المعنى الأول. # قوله تعالى: تلك أمة قد خلت، أي أن الغور في الأشخاص وأنهم ممن كانوا لا ~~ينفع حالكم، ولا يضركم السكوت عن المحاجة والمجادلة فيهم، والواجب عليكم ~~الاشتغال بما تسألون غدا عنه، وتكرار الآية مرتين لكونهم يفرطون في هذه ~~المحاجة التي لا تنفع لحالهم شيئا، وخصوصا مع علمهم بأن إبراهيم كان قبل ~~اليهودية والنصرانية، وإلا فالبحث عن حال الأنبياء، والرسل بما ينفع البحث ~~فيه كمزايا رسالاتهم وفضائل ms0304 نفوسهم الشريفة مما ندب إليه القرآن حيث يقص ~~قصصهم ويأمر بالتدبر فيها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي،: في قوله تعالى قل: بل ملة إبراهيم حنيفا الآية، عن ~~الصادق (عليه السلام) قال إن الحنيفية في الإسلام. # وعن الباقر (عليه السلام): ما أبقت الحنيفية شيئا، حتى أن منها قص الشارب ~~وقلم الأظفار والختان. # وفي تفسير القمي،: أنزل الله على إبراهيم الحنيفية، وهي الطهارة، وهي ~~عشرة: خمسة في الرأس وخمسة في البدن، فأما التي في الرأس فأخذ الشارب ~~وإعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال، وما التي في البدن فأخذ الشعر من ~~البدن والختان وقلم الأظفار والغسل من الجنابة، والطهور بالماء وهي ~~الحنيفية الطاهرة التي جاء بها إبراهيم فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة. # أقول: طم الشعر جزه، وتوفيره وفي معنى الرواية أو ما يقرب منه أحاديث ~~كثيرة جدا روتها الفريقان في كتبهم. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى، ~~قولوا آمنا بالله الآية، قال إنما عنى بها عليا وفاطمة والحسن والحسين وجرت ~~بعدهم في الأئمة الحديث. # أقول: ويستفاد ذلك من وقوع الخطاب في ذيل دعوة إبراهيم ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك الآية ولا ينافي ذلك توجيه الخطاب إلى عامة المسلمين وكونهم ~~مكلفين بذلك، فإن لهذه الخطابات عموما وخصوصا بحسب مراتب معناها على ما مر ~~في الكلام على الإسلام والإيمان ومراتبهما. # وفي تفسير القمي، عن أحدهما، وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام): في ~~قوله تعالى صبغة الله الآية، قال الصبغة هي الإسلام. # أقول: وهو الظاهر من سياق الآيات. PageV01P182 # وفي الكافي، والمعاني، عن الصادق (عليه السلام) قال: صبغ المؤمنين بالولاية ~~في الميثاق. # أقول: وهو من باطن الآية على ما سنبين معناه ونبين أيضا معنى الولاية ~~ومعنى الميثاق إن شاء الله العزيز. PageV01P183 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 142 - 151 # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم (142) وكذلك جعلنكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ms0305 شهيدا وما جعلنا القبلة التى ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمنكم إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم (143) قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغفل عما يعملون (144) ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتب بكل ءاية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظلمين ~~(145) الذين ءاتينهم الكتب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ~~ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرت أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن ~~الله على كل شىء قدير (148) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغفل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى ولأتم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون ~~(150) كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ءايتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) ### |||| AUTO بيان # الآيات مترتبة متسقة منتظمة في سياقها على ما يعطيه التدبر فيها وهي ~~تنبىء عن جعل الكعبة قبلة للمسلمين فلا يصغى إلى قول من يقول إن فيها تقدما ~~وتأخرا أو إن فيها ناسخا ومنسوخا، وربما رووا فيها شيئا من الروايات، ولا ~~يعبأ بشيء منها بعد مخالفتها لظاهر الآيات. PageV01P184 # قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، ~~هذا تمهيد ثانيا لما سيأمر تعالى به من اتخاذ الكعبة قبلة وتعليم للجواب ~~عما سيعترض به السفهاء من الناس وهم اليهود تعصبا لقبلتهم التي هي بيت ~~المقدس ومشركوا العرب الراصدون لكل أمر جديد ms0306 يحتمل الجدال والخصام، وقد مهد ~~لذلك أولا بما ذكره الله تعالى من قصص إبراهيم وأنواع كرامته على الله ~~سبحانه وكرامة ابنه إسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكة وللنبي والأمة المسلمة ~~وبنائهما البيت والأمر بتطهيره للعبادة، ومن المعلوم أن تحويل القبلة من ~~بيت المقدس إلى الكعبة من أعظم الحوادث الدينية وأهم التشريعات التي قوبل ~~به الناس بعد هجرة النبي إلى المدينة وأخذ الإسلام في تحقيق أصوله ونشر ~~معارفه وبث حقائقه، فما كانت اليهود وغيرهم تسكت وتستريح في مقابل هذا ~~التشريع، لأنهم كانوا يرون أنه يبطل واحدا من أعظم مفاخرهم الدينية وهو ~~القبلة واتباع غيرهم لهم فيها وتقدمهم على من دونهم في هذا الشعار الديني، ~~على أن ذلك تقدم باهر في دين المسلمين، لجمعه وجوههم في عباداتهم ومناسكهم ~~الدينية إلى نقطة واحدة يخلصهم من تفرق الوجوه في الظاهر وشتات الكلمة في ~~الباطن واستقبال الكعبة أشد تأثيرا وأقوى من أمثال الطهارة والدعاء وغيرهما ~~في نفوس المسلمين، عند اليهود ومشركي العرب وخاصة عند اليهود كما يشهد به ~~قصصهم المقتصة في القرآن، فقد كانوا أمة لا يرون لغير المحسوس من عالم ~~الطبيعة أصالة ولا لغير الحس وقعا، إذا جاءهم حكم من أحكام الله معنوي ~~قبلوه من غير تكلم عليه وإذا جاءهم أمر من ربهم صوري متعلق بالمحسوس من ~~الطبيعة كالقتال والهجرة والسجدة وخضوع القول وغيرها قابلوه بالإنكار ~~وقاوموا عليه ودونه أشد المقاومة. # وبالجملة فقد أخبر الله سبحانه عما سيعترضون به على تحويل القبلة وعلم ~~رسوله ما ينبغي أن يجابوا ويقطع به قولهم. # أما اعتراضهم: فهو أن التحول عن قبلة شرعها الله سبحانه للماضين من ~~أنبيائه إلى بيت، ما كان به شيء من هذا الشرف الذاتي ما وجهه؟ فإن كان بأمر ~~من الله فإن الله هو الذي جعل بيت المقدس قبلة فكيف ينقض حكمه وينسخ ما ~~شرعه، واليهود ما كانت تعتقد النسخ كما تقدم في آية النسخ وإن كان بغير أمر ~~الله ففيه الانحراف عن مستقيم الصراط والخروج من الهداية إلى الضلال وهو ~~تعالى وإن لم يذكر في ms0307 كلامه هذا الاعتراض إلا أن ما أجاب به يلوح ذلك. # وأما الجواب: فهو أن جعل بيت من البيوت كالكعبة أو بناء من الأبنية أو ~~الأجسام كبيت المقدس، أو الحجر الواقع فيه قبلة ليس لاقتضاء ذاتي منه ~~يستحيل التعدي عنه أو عدم إجابة اقتضائه حتى يكون البيت المقدس في كونه ~~قبلة لا يتغير حكمه ولا يجوز إلغاؤه، بل جميع الأجسام والأبنية وجميع ~~الجهات التي يمكن أن يتوجه إليه الإنسان في أنها لا تقتضي حكما ولا يستوجب ~~تشريعا على السواء وكلها لله يحكم فيها ما يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء، وما ~~حكم به من حكم فهو لهداية الناس على حسب ما يريد من صلاحهم وكمالهم الفردي ~~والنوعي، فلا يحكم إلا ليهدي به ولا يهدي إلا إلى ما هو صراط مستقيم إلى ~~كمال القوم وصلاحهم. # قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس، أراد بهم اليهود والمشركين من العرب ~~ولذلك عبر عنهم بالناس وإنما سفههم لعدم استقامة فطرتهم وثقوب رأيهم في أمر ~~التشريع، والسفاهة عدم استقامة العقل وتزلزل الرأي. # قوله تعالى: ما وليهم، تولية الشيء أو المكان جعله قدام الوجه وأمامه ~~كالاستقبال، قال تعالى فلنولينك قبلة ترضيها، الآية والتولية عن الشيء صرف ~~الوجه عنه كالاستدبار ونحوه، والمعنى ما الذي صرفهم أو صرف وجههم عن القبلة ~~التي كانوا عليها وهو بيت المقدس الذي كان يصلي إليه النبي والمسلمون أيام ~~إقامته بمكة وعدة شهور بعد هجرته إلى المدينة وإنما نسبوا القبلة إلى ~~المسلمين مع أن اليهود أقدم في الصلاة إليها ليكون أوقع في إيجاد التعجب ~~وأوجب للاعتراض، وإنما قيل ما وليهم عن قبلتهم ولم يقل ما ولى النبي ~~والمسلمين لما ذكرنا من الوجه، فلو قيل ما ولى النبي والمسلمين عن قبلة ~~اليهود لم يكن التعجب واقعا موقعه وكان الجواب عنه ظاهرا لكل سامع بأدنى تنبه. PageV01P185 # قوله تعالى: قل لله المشرق والمغرب، اقتصر من بين الجهات بهاتين لكونهما ~~هما المعنيتين لسائر الجهات الأصلية والفرعية كالشمال والجنوب وما بين كل ~~جهتين من الجهات الأربعة الأصلية، والمشرق والمغرب جهتان إضافيتان ms0308 تتعينان ~~بشروق الشمس أو النجوم وغروبهما، يعمان جميع نقاط الأرض غير نقطتين ~~موهومتين هما نقطتا الشمال والجنوب الحقيقيتان، ولعل هذا هو الوجه في وضع ~~المشرق والمغرب موضع الجهات. # قوله تعالى: يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، تنكير الصراط لأن الصراط ~~يختلف باختلاف الأمم في استعداداتها للهداية إلى الكمال والسعادة. # قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا، الظاهر أن المراد كما سنحول القبلة لكم لنهديكم إلى ~~صراط مستقيم كذلك جعلناكم أمة وسطا، وقيل إن المعنى ومثل هذا الجعل العجيب ~~جعلناكم أمة وسطا وهو كما ترى، وأما المراد بكونهم أمة وسطا شهداء على ~~الناس فالوسط هو المتخلل بين الطرفين لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك الطرف، ~~وهذه الأمة بالنسبة إلى الناس - وهم أهل الكتاب والمشركون - على هذا الوصف ~~فإن بعضهم - وهم المشركون والوثنيون - إلى تقوية جانب الجسم محضا لا يريدون ~~إلا الحياة الدنيا والاستكمال بملاذها وزخارفها وزينتها، لا يرجون بعثا ولا ~~نشورا، ولا يعبئون بشيء من الفضائل المعنوية والروحية، وبعضهم كالنصارى إلى ~~تقوية جانب الروح لا يدعون إلا إلى الرهبانية ورفض الكمالات الجسمية التي ~~أظهرها الله تعالى في مظاهر هذه النشأة المادية لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ~~ما خلق لأجله الإنسان، فهؤلاء أصحاب الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها ~~وأولئك أصحاب الجسم أبطلوا النتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليها، لكن ~~الله سبحانه جعل هذه الأمة وسطا بأن جعل لهم دينا يهدي منتحليه إلى سواء ~~الطريق وسط الطرفين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل يقوي كلا من الجانبين - ~~جانب الجسم وجانب الروح - على ما يليق به ويندب إلى جمع الفضيلتين فإن ~~الإنسان مجموع الروح والجسم لا روح محضا ولا جسم محضا، ومحتاج في حياته ~~السعيدة إلى جمع كلا الكمالين والسعادتين المادية والمعنوية، فهذه الأمة هي ~~الوسط العدل الذي به يقاس ويوزن كل من طرفي الإفراط والتفريط فهي الشهيدة ~~على سائر الناس الواقعة في الأطراف والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~المثال الأكمل من هذه ms0309 الأمة - هو شهيد على نفس الأمة فهو (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ميزان يوزن به حال الآحاد من الأمة، والأمة ميزان يوزن به حال ~~الناس ومرجع يرجع إليه طرفا الإفراط والتفريط، هذا ما قرره بعض المفسرين في ~~معنى الآية، وهو في نفسه معنى صحيح لا يخلو عن دقة إلا أنه غير منطبق على ~~لفظ الآية فإن كون الأمة وسطا إنما يصحح كونها مرجعا يرجع إليه الطرفان، ~~وميزانا يوزن به الجانبان لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين، أو يشاهد ~~الطرفين، فلا تناسب بين الوسطية بذاك المعنى والشهادة وهو ظاهر، على أنه لا ~~وجه حينئذ للتعرض بكون رسول الله شهيدا على الأمة إذ لا يترتب شهادة الرسول ~~على الأمة على جعل الأمة وسطا، كما يترتب الغاية على المغيا والغرض على ذيه. PageV01P186 # على أن هذه الشهادة المذكورة في الآية، حقيقة من الحقائق القرآنية تكرر ~~ذكرها في كلامه سبحانه، واللائح من موارد ذكرها معنى غير هذا المعنى، قال ~~تعالى "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا": النساء - ~~41، وقال تعالى "ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون": النحل - 84 "وقال تعالى ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء": ~~الزمر - 69، والشهادة فيها مطلقة، وظاهر الجميع على إطلاقها هو الشهادة على ~~أعمال الأمم، وعلى تبليغ الرسل أيضا، كما يومىء إليه قوله تعالى "ولنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": الأعراف - 6، وهذه الشهادة وإن كانت ~~في الآخرة يوم القيامة لكن تحملها في الدنيا على ما يعطيه قوله تعالى - ~~حكاية عن عيسى (عليه السلام) - "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني ~~كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد": المائدة - 117 وقوله تعالى ~~"ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159، ومن الواضح أن هذه الحواس ~~العادية التي فينا، والقوى المتعلقة بها منا لا تتحمل إلا صور الأفعال ~~والأعمال فقط، وذلك التحمل أيضا إنما يكون في شيء يكون موجودا حاضرا عند ~~الحس لا معدوما ولا غائبا عنه وأما حقائق الأعمال ms0310 والمعاني النفسانية من ~~الكفر والإيمان والفوز والخسران، وبالجملة كل خفي عن الحس ومستبطن عند ~~الإنسان - وهي التي تكسب القلوب، وعليه يدور حساب رب العالمين يوم تبلى ~~السرائر كما قال تعالى "ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم": البقرة - 225 فهي ~~مما ليس في وسع الإنسان إحصاؤها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلا عن ~~الغائبين إلا رجل يتولى الله أمره ويكشف ذلك له بيده، ويمكن أن يستفاد ذلك ~~من قوله تعالى "ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون": الزخرف - 86، فإن عيسى داخل في المستثنى في هذه الآية قطعا - وقد ~~شهد الله تعالى في حقه بأنه من الشهداء - كما مر في الآيتين السابقتين، فهو ~~شهيد بالحق وعالم بالحقيقة. ### # والحاصل أن هذه الشهادة ليست هي كون الأمة على دين جامع للكمال الجسماني ~~والروحاني فإن ذلك على أنه ليس معنى الشهادة خلاف ظاهر الآيات الشريفة. # بل هي تحمل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء ورد وقبول، ~~وانقياد وتمرد، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله من كل شيء، حتى من ~~أعضاء الإنسان، يوم يقول الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا. # ومن المعلوم أن هذه الكرامة ليست تنالها جميع الأمة، إذ ليست إلا كرامة ~~خاصة للأولياء الطاهرين منهم، وأما من دونهم من المتوسطين في السعادة، ~~والعدول من أهل الإيمان فليس لهم ذلك، فضلا عن الأجلاف الجافية، والفراعنة ~~الطاغية من الأمة، وستعرف في قوله تعالى "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا": النساء - 69، إن أقل ما يتصف به الشهداء - وهم شهداء الأعمال - ~~أنهم تحت ولاية الله ونعمته وأصحاب الصراط المستقيم، وقد مر إجمالا في قوله ~~تعالى "صراط الذين أنعمت عليهم": فاتحة الكتاب - 7. # فالمراد بكون الأمة شهيدة أن هذه الشهادة فيهم، كما أن المراد بكون بني ~~إسرائيل فضلوا على العالمين، أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف به كل ~~واحد منهم، بل نسب وصف البعض ms0311 إلى الكل لكون البعض فيه ومنه، فكون الأمة ~~شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس ويشهد الرسول عليهم. # فإن قلت: قوله تعالى "والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~والشهداء عند ربهم": الحديد - 19، يدل على كون عامة المؤمنين شهداء. # قلت: قوله عند ربهم، يدل على أنه تعالى سيلحقهم بالشهداء يوم القيامة، ~~ولم ينالوه في الدنيا، نظير ذلك قوله تعالى "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم": الطور - 21، على أن الآية مطلقة تدل على كون ~~جميع المؤمنين من جميع الأمم شهداء عند الله من غير اختصاص بهذه الأمة فلا ~~ينفع المستدل شيئا. PageV01P187 # فإن قلت: جعل هذه الأمة أمة وسطا بهذا المعنى لا يستتبع كونهم أو كون بعضهم ~~شهداء على الأعمال ولا كون الرسول شهيدا على هؤلاء الشهداء فالإشكال وارد ~~على هذا التقريب كما كان واردا على التقريب السابق. # قلت: معنى الشهادة غاية متفرعة في الآية على جعل الأمة وسطا فلا محالة ~~تكون الوسطية معنى يستتبع الشهادة والشهداء، وقد قال الله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ~~وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سميكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واعتصموا بالله هو ~~موليكم، فنعم المولى ونعم النصير": الحج - 78، جعل تعالى كون الرسول شهيدا ~~عليهم وكونهم شهداء على الناس غاية متفرعة على الاجتباء ونفي الحرج عنهم في ~~الدين ثم عرف الدين بأنه هو الملة التي كانت لأبيكم إبراهيم الذي هو سماكم ~~المسلمين من قبل، وذلك حين دعا لكم ربه وقال: "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" ~~فاستجاب الله دعوته وجعلكم مسلمين، تسلمون له الحكم والأمر من غير عصيان ~~واستنكاف، ولذلك ارتفع الحرج عنكم في الدين، فلا يشق عليكم شيء منه ولا ~~يحرج، فأنتم المجتبون المهديون إلى الصراط، المسلمون لربهم الحكم والأمر، ~~وقد جعلناكم كذلك ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على ms0312 الناس، أي ~~تتوسطوا بين الرسول وبين الناس فتتصلوا من جهة إليهم، وعند ذلك يتحقق مصداق ~~دعائه (عليه السلام) فيكم وفي الرسول حيث قال "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم": البقرة - 129، فتكونون ~~أمة مسلمة أودع الرسول في قلوبكم علم الكتاب والحكمة، ومزكين بتزكيته، ~~والتزكية التطهير من قذرات القلوب، وتخليصها للعبودية، وهو معنى الإسلام ~~كما مر بيانه، فتكونون مسلمين خالصين في عبوديتكم، وللرسول في ذلك القدم ~~الأول والهداية والتربية، فله التقدم على الجميع، ولكم التوسط باللحوق به، ~~والناس في جانب، وفي أول الآية وآخرها قرائن تدل على المعنى الذي استفدناه ~~منها غير خفية على المتدبر فيها سنبينها في محله إن شاء الله. # فقد تبين بما قدمناه: أولا، أن كون الأمة وسطا مستتبع للغايتين جميعا، ~~وأن قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا الآية ~~جميعا لازم كونهم وسطا. # وثانيا: أن كون الأمة وسطا إنما هو بتخللها بين الرسول وبين الناس، لا ~~بتخللها بين طرفي الإفراط والتفريط، وجانبي تقوية الروح وتقوية الجسم في الناس. # وثالثا: أن الآية بحسب المعنى مرتبطة بآيات دعوة إبراهيم (عليه السلام) ~~وأن الشهادة من شئون الأمة المسلمة. # واعلم: أن الشهادة على الأعمال على ما يفيده كلامه تعالى لا يختص ~~بالشهداء من الناس، بل كل ما له تعلق ما بالعمل كالملائكة والزمان والمكان ~~والدين والكتاب والجوارح والحواس والقلب فله فيه شهادة. # ويستفاد منها أن الذي يحضر منها يوم القيامة هو الذي في هذه النشأة ~~الدنيوية وأن لها نحوا من الحياة الشاعرة بها، تتحمل بها خصوصيات الأعمال، ~~وترتسم هي فيها، وليس من اللازم أن تكون الحياة التي في كل شيء، سنخا واحدا ~~كحياة جنس الحيوان، ذات خواص وآثار كخواصها وآثارها، حتى تدفعه الضرورة فلا ~~دليل على انحصار أنحاء الحياة في نحو واحد، هذا إجمال القول في هذا المقام ~~وأما تفصيل القول في كل واحد واحد منها فموكول إلى محله اللائق به. # قوله تعالى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ms0313 الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه، المراد بقوله لنعلم: إما علم الرسل والأنبياء مثلا، ~~لأن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم، كقول الأمير، قتلنا فلانا وسجنا ~~فلانا، وإنما قتله وسجنه أتباعه لا نفسه، وإما العلم العيني الفعلي منه ~~تعالى الحاصل مع الخلقة والإيجاد، دون العلم قبل الإيجاد. PageV01P188 # والانقلاب على العقبين كناية عن الإعراض، فإن الإنسان - وهو منتصب على ~~عقبيه - إذا انقلب من جهة، إلى جهة انقلب على عقبيه، فجعل كناية عن الإعراض ~~نظير قوله "ومن يولهم يومئذ دبره": الأنفال - 16، وظاهر الآية أنه دفع لما ~~يختلج في صدور المؤمنين: من تغيير القبلة ونسخها، ومن جهة الصلوات التي ~~صلوها إلى القبلة، ما شأنها؟ ويظهر من ذلك أن المراد بالقبلة التي كان رسول ~~الله عليها، هو بيت المقدس الكعبة، فلا دليل على جعل بيت المقدس قبلة ~~مرتين، وجعل الكعبة قبلة مرتين، إذ لو كان المراد من القبلة في الآية ~~الكعبة كان لازم ذلك ما ذكر. # وبالجملة كان من المترقب أن يختلج في صدور المؤمنين: أولا، أنه لما كان ~~من المقدر أن يستقر القبلة بالآخرة على الكعبة فما هو السبب، أولا: في جعل ~~بيت المقدس قبلة؟ فبين سبحانه أن هذه الأحكام والتشريعات ليست إلا لأجل ~~مصالح تعود إلى تربية الناس وتكميلهم، وتمحيص المؤمنين من غيرهم، وتمييز ~~المطيعين من العاصين، والمنقادين من المتمردين، والسبب الداعي إلى جعل ~~القبلة السابقة في حقكم أيضا هذا السبب بعينه، فالمراد بقوله إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول، إلا لنميز من يتبعك، والعدول من لفظ الخطاب إلى الغيبة لدخالة ~~صفة الرسالة في هذا التميز، والمراد بجعل القبلة السابقة: جعلها في حق ~~المسلمين، وإن كان المراد أصل جعل بيت المقدس قبلة فالمراد مطلق الرسول، ~~والكلام على رسله من غير التفات، غير أنه بعيد من الكلام بعض البعد. ### # وثانيا: أن الصلوات التي كان المسلمون صلوها إلى بيت المقدس كيف حالها، ~~وقد صليت إلى غير القبلة؟ والجواب: أن القبلة قبلة ما لم تنسخ، وأن الله ~~سبحانه إذا نسخ حكما رفعه من حين النسخ، لا من أصله، ms0314 لرأفته ورحمته ~~بالمؤمنين، وهذا ما أشار إليه بقوله: وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله ~~بالناس لرءوف رحيم. # والفرق بين الرأفة والرحمة، بعد اشتراكهما في أصل المعنى، أن الرأفة يختص ~~بالمبتلى المفتاق، والرحمة أعم. # قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها، الآية تدل ~~على أن رسول الله قبل نزول آية القبلة - وهي هذه الآية - كان يقلب وجهه في ~~آفاق السماء، وأن ذلك كان انتظارا منه، أو توقعا لنزول الوحي في أمر ~~القبلة، لما كان يحب أن يكرمه الله تعالى بقبلة تختص به، لا أنه كان لا ~~يرتضي بيت المقدس قبلة، وحاشا رسول الله من ذلك، كما قال تعالى: فلنولينك ~~قبلة ترضيها، فإن الرضا بشيء لا يوجب السخط بخلافه بل اليهود على ما في ~~الروايات الواردة في شأن نزول الآية كانوا يعيرون المسلمين في تبعية ~~قبلتهم، ويتفاخرون بذلك عليهم، فحزن رسول الله ذلك، فخرج في سواد الليل ~~يقلب وجهه إلى السماء ينتظر الوحي من الله سبحانه، وكشف همه فنزلت الآية، ~~ولو نزلت على البقاء بالقبلة السابقة لكانت حجة له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على اليهود، وليس ولم يكن لرسول الله ولا للمسلمين عار في استقبال ~~قبلتهم، إذ ليس للعبد إلا الإطاعة والقبول، لكن نزلت بقبلة جديدة، فقطع ~~تعييرهم وتفاخرهم، مضافا إلى تعيين التكليف، فكانت حجة ورضى. # قوله تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره. # الشطر البعض، وشطر المسجد الحرام هو الكعبة، وفي قوله تعالى شطر المسجد ~~الحرام دون أن يقال: فول وجهك الكعبة، أو يقال: فول وجهك البيت الحرام، ~~محاذاة للحكم في القبلة السابقة، فإنها كانت شطر المسجد الأقصى، وهي الصخرة ~~المعروفة هناك، فبدلت من شطر المسجد الحرام - وهي الكعبة - على أن إضافة ~~الشطر إلى المسجد، وتوصيف المسجد بالحرام يعطي مزايا للحكم، تفوت لو قيل: ~~الكعبة أو البيت الحرام. PageV01P189 # وتخصيص رسول الله بالحكم أولا بقوله فول وجهك، ثم تعميم الحكم له ولغيره من ~~المؤمنين بقوله وحيث ما كنتم يؤيد أن القبلة ms0315 حولت، ورسول الله قائم يصلي في ~~المسجد - والمسلمون معه - فاختص الأمر به، أولا في شخص صلاته ثم عقب الحكم ~~العام الشامل له ولغيره، ولجميع الأوقات والأمكنة قوله تعالى: وإن الذين ~~أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وذلك لاشتمال كتابهم على صدق نبوة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو كون قبلة هذا النبي الصادق هو شطر ~~المسجد الحرام، وأيا ما كان فقوله: أوتوا الكتاب، يدل على اشتمال كتابهم ~~على حقية هذا التشريع، إما مطابقة أو تضمنا، وما الله بغافل عما يعملون من ~~كتمان الحق، واحتكار ما عندهم من العلم. # قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية، تقريع لهم بالعناد ~~واللجاج، وأن إباءهم عن القبول ليس لخفاء الحق عليهم، وعدم تبينه لهم، ~~فإنهم عالمون بأنه حق علما لا يخالطه شك، بل الباعث لهم على بث الاعتراض ~~وإثارة الفتنة عنادهم في الدين وجحودهم للحق، فلا ينفعهم حجة، ولا يقطع ~~إنكارهم آية، فلو أتيتهم بكل آية ما تبعوا قبلتك لعنادهم وجحودهم، وما أنت ~~بتابع قبلتهم، لأنك على بينة من ربك، ويمكن أن يكون قوله: وما أنت نهيا في ~~صورة خبر، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، وهم اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدس ~~أينما كانوا، والنصارى يستقبلون المشرق أينما كانوا، فلا هذا البعض يقبل ~~قبلة ذاك البعض، ولا ذاك يقبل قبلة هذا اتباعا للهوى. # قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم، تهديد للنبي، ~~والمعنى متوجه إلى أمته، وإشارة إلى أنهم في هذا التمرد إنما يتبعون ~~أهواءهم وأنهم بذلك ظالمون. # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الضمير في ~~قوله يعرفونه، راجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دون الكتاب، ~~والدليل عليه تشبيه هذه المعرفة بمعرفة الأبناء، فإن ذلك إنما يحسن في ~~الإنسان، ولا يقال في الكتاب، أن فلانا يعرفه أو يعلمه، كما يعرف ابنه، على ~~أن سياق الكلام - وهو في رسول الله، وما أوحي إليه من أمر القبلة، أجنبي عن ~~موضوع الكتاب الذي ms0316 أوتيه أهل الكتاب، فالمعنى أن أهل الكتاب يعرفون رسول ~~الله بما عندهم من بشارات الكتب كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون. # وعلى هذا ففي الكلام التفات من الحضور إلى الغيبة في قوله يعرفونه، فقد ~~أخذ رسول الله غائبا، ووجه الخطاب إلى المؤمنين بعد ما كان (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) حاضرا، والخطاب معه، وذلك لتوضيح: أن أمره (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) واضح ظاهر عند أهل الكتاب، ومثل هذا النظم كمثل كلام من يكلم جماعة ~~لكنه يخص واحدا منهم بالمخاطبة إظهارا لفضله، فيخاطبه ويسمع غيره، فإذا بلغ ~~إلى ما يخص شخص المخاطب من الفضل والكرامة، عدل عن خطابه إلى مخاطبة ~~الجماعة، ثم بعد الفراغ عن بيان فضله عدل ثانيا إلى ما كان فيه أولا من ~~توجيه الخطاب إليه وبهذا يظهر نكتة الالتفات. # قوله تعالى: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، تأكيد للبيان السابق ~~وتشديد في النهي عن الامتراء، وهو الشك والارتياب، وظاهر الخطاب لرسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعناه للأمة. # قوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، الوجهة ما يتوجه إليه ~~كالقبلة، وهذا رجوع إلى تلخيص البيان السابق، وتبديل له من بيان آخر يهدي ~~الناس إلى ترك تعقيب أمر القبلة، والإكثار من الكلام فيه، والمعنى أن كل ~~قوم فلهم قبلة مشرعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكما تكوينيا ذاتيا لا ~~يقبل التغيير والتحويل، فلا يهم لكم البحث والمشاجرة، فيه فاتركوا ذلك ~~واستبقوا الخيرات وسارعوا إليها بالاستباق، فإن الله سيجمعكم إلى يوم لا ~~ريب فيه، وأينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير. # واعلم أن الآية كما أنها قابلة الانطباق على أمر القبلة لوقوعها بين ~~آياتها كذلك تقبل الانطباق على أمر التكوين، وفيها إشارة إلى القدر ~~والقضاء، وجعل الأحكام والآداب لتحقيقها وسيجيء تمام بيانه فيما يخص به من ~~المقام إن شاء الله. PageV01P190 # قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، ذكر بعض المفسرين أن ~~المعنى ومن ms0317 أي مكان خرجت، وفي أي بقعة حللت فول وجهك وذكر بعضهم أن المعنى ~~ومن حيث خرجت من البلاد، ويمكن أن يكون المراد بقوله ومن حيث خرجت مكة، ~~التي خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منها كما قال تعالى "من ~~قريتك التي أخرجتك": محمد - 13 ويكون المعنى أن استقبال البيت حكم ثابت لك ~~في مكة وغيرها من البلاد والبقاع، وفي قوله وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون تأكيد وتشديد. # قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره، تكرار الجملة الأولى بلفظها لعله للدلالة على ثبوت حكمها على ~~أي حال، فهو كقول القائل، اتق الله إذا قمت واتق الله إذا قعدت، واتق الله ~~إذا نطقت، واتق الله إذا سكت، يريد: التزم التقوى عند كل واحدة من هذه ~~الأحوال ولتكن معك، ولو قيل اتق الله إذا قمت وإذا قعدت وإذا نطقت وإذا سكت ~~فاتت هذه النكتة، والمعنى استقبل شطر المسجد الحرام من التي خرجت منها وحيث ~~ما كنتم من الأرض فولوا وجوهكم شطره. # قوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ~~واخشوني، بيان لفوائد ثلاث في هذا الحكم الذي فيه أشد التأكيد على ملازمة ~~الامتثال والتحذر عن الخلاف: إحداها: أن اليهود كانوا يعلمون من كتبهم أن ~~النبي الموعود تكون قبلته الكعبة دون بيت المقدس، كما قال تعالى: وإن الذين ~~أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم الآية، وفي ترك هذا الحكم الحجة ~~لليهود على المسلمين بأن النبي ليس هو النبي الموعود لكن التزام هذا الحكم ~~والعمل به يقطع حجتهم إلا الذين ظلموا منهم، وهو استثناء منقطع، أي لكن ~~الذين ظلموا منهم باتباع الأهواء لا ينقطعون بذلك فلا تخشوهم لأنهم ظالمون ~~باتباع الأهواء، والله لا يهدي القوم الظالمين واخشوني. ### # وثانيتها: أن ملازمة هذا الحكم يسوق المسلمين إلى تمام النعمة عليهم ~~بكمال دينهم، وسنبين معنى تمام النعمة في الكلام على قوله تعالى "اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت ms0318 عليكم نعمتي": المائدة - 4. # وثالثتها: رجاء الاهتداء إلى الصراط المستقيم، وقد مر معنى الاهتداء في ~~الكلام على معنى قوله تعالى "اهدنا الصراط المستقيم": فاتحة الكتاب - 6. # وذكر بعض المفسرين أن اشتمال هذه الآية وهي آية - تحويل القبلة - على ~~قوله وليتم نعمته عليكم ولعلكم تهتدون، مع اشتمال قوله تعالى في سورة الفتح ~~في ذكر فتح مكة على هاتين الجملتين، إذ قال تعالى "إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما": الفتح - 2 يدل على كونها مشتملة على البشارة بفتح مكة. # بيان ذلك أن الكعبة كانت مشغولة في صدر الإسلام بأصنام المشركين وأوثانهم ~~وكان السلطان معهم، والإسلام لم يقو بعد بحيث يظهر قهره وقدرته، فهدى الله ~~رسوله إلى استقبال بيت المقدس، لكونه قبلة لليهود، الذين هم أقرب في دينهم ~~من المشركين إلى الإسلام، ثم لما ظهر أمر الإسلام بهجرة رسول الله إلى ~~المدينة، وقرب زمان الفتح وتوقع تطهير البيت من أرجاس الأصنام جاء الأمر ~~بتحويل القبلة وهي النعمة العظيمة التي اختص به المسلمون، ووعد في آية ~~التحويل إتمام النعمة والهداية وهو خلوص الكعبة من أدناس الأوثان، وتعينها ~~لأن تكون قبلة يعبد الله إليها، ويكون المسلمون هم المختصون بها، وهي ~~المختصة بهم، فهي بشارة بفتح مكة، ثم لما ذكر فتح مكة حين فتحت أشار إلى ما ~~وعدهم به من إتمام النعمة والبشارة بقوله ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما الآية. PageV01P191 # وهذا الكلام وإن كان بظاهره وجيها لكنه خال عن التدبر، فإن ظاهر الآيات لا ~~يساعد عليه، إذ الدال على وعد إتمام النعمة في هذه الآية: ولأتم نعمتي ~~عليكم ولعلكم تهتدون، الآية إنما هو لام الغاية، وآية سورة الفتح التي ~~أخذها إنجازا لهذا الوعد ومصداقا لهذه البشارة أعني قوله تعالى: ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، ~~مشتملة على هذه اللام بعينها، فالآيتان جميعا مشتملتان على الوعد الجميل ~~بإتمام النعمة، على أن آية الحج مشتملة على ms0319 وعد إتمام النعمة لجميع ~~المسلمين، وآية الفتح على ذلك لرسول الله خاصة فالسياق في الآيتين مختلف. # ولو كان هناك آية تحكي عن إنجاز الوعد الذي تشتمل عليه الآيتان لكان هو ~~قوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا": المائدة - 4، وسيجيء الكلام في معنى النعمة وتشخيص هذه النعمة التي ~~يمتن بها الله سبحانه في الآية. # ونظير هاتين الآيتين في الاشتمال على عدة إتمام النعمة قوله تعالى "ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون": المائدة - 6، وقوله تعالى ~~"كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون": النحل - 81، وسيجيء إن شاء الله شيء ~~من الكلام المناسب لهذا المقام في ذيل هذه الآيات. # قوله تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، ظاهر الآية أن الكاف للتشبيه ~~وما مصدرية، فالمعنى: أنعمنا عليكم بأن جعلنا لكم البيت الذي بناه إبراهيم، ~~ودعا له بما دعا من الخيرات والبركات قبلة كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلوا عليكم آياتنا ويعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم مستجيبين لدعوة ~~إبراهيم، إذ قال هو وابنه إسماعيل ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وفيهم امتنان عليهم بالإرسال ~~كالامتنان بجعل الكعبة قبلة، ومن هنا يظهر أن المخاطب بقوله فيكم رسولا ~~منكم، هو الأمة المسلمة، وهو أولياء الدين من الأمة خاصة بحسب الحقيقة، ~~والمسلمون جميعا من آل إسماعيل - وهم عرب مضر - بحسب الظاهر، وجميع العرب ~~بل جميع المسلمين بحسب الحكم. # قوله تعالى: يتلوا عليكم آياتنا، ظاهره آيات القرآن لمكان قوله يتلوا، ~~فإن العناية في التلاوة إلى اللفظ دون المعنى، والتزكية هي التطهير، وهو ~~إزالة الأدناس والقذارات، فيشمل إزالة الاعتقادات الفاسدة كالشرك والكفر، ~~وإزالة الملكات الرذيلة من الأخلاق كالكبر والشح، وإزالة الأعمال والأفعال ~~الشنيعة كالقتل والزنا وشرب الخمر وتعليم الكتاب والحكمة، وتعليم ما لم ~~يكونوا يعلمونه يشمل جميع المعارف الأصلية والفرعية. # واعلم: أن الآيات الشريفة تشتمل على موارد من الالتفات، فيه تعالى ~~بالغيبة والتكلم وحده ومع الغير، وفي غيره تعالى أيضا بالغيبة والخطاب ~~والتكلم، والنكتة فيها غير خفية على المتدبر ms0320 البصير. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن القمي: في تفسيره في قوله تعالى سيقول السفهاء الآية عن ~~الصادق (عليه السلام) قال تحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بمكة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس وبعد مهاجرته إلى ~~المدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة أشهر قال ثم وجهه الله إلى مكة وذلك أن ~~اليهود كانوا يعيرون على رسول الله يقولون أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا ~~فاغتم رسول الله من ذلك غما شديدا وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ~~ينتظر من الله في ذلك أمرا فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني ~~سالم وقد صلى من الظهر ركعتين فنزل جبرئيل فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة ~~وأنزل عليه قد نرى تقلب وجهك في السماء - فلنولينك قبلة ترضيها - فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام فكان قد صلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة ~~فقالت اليهود والسفهاء ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها أقول والروايات ~~الواردة من طرق العامة والخاصة كثيرة مودعة في جوامع الحديث قريبة المضامين ~~وقد اختلف في تاريخ الواقعة وأكثرها وهو الأصح أنها كانت في رجب السنة ~~الثانية من الهجرة الشهر السابع عشر منها وسيجيء بعض ما يتعلق بالمقام في ~~بحث على حدة إن شاء الله. PageV01P192 # وعن طرق أهل السنة والجماعة: في شهادة هذه الأمة على الناس وشهادة النبي ~~عليهم أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء ~~بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فتقول الأمم ~~من أين عرفتم فيقولون عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على ~~لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد ويسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ~~وذلك قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد. # أقول ما يشتمل عليه هذا الخبر وهو مؤيد بأخبار أخر نقلها السيوطي في الدر ~~المنثور، وغيره من تزكية رسول الله لأمته وتعديله إياهم لعله يراد به ~~تعديله لبعضهم دون جميعهم ms0321 وإلا فهو مدفوع بالضرورة الثابتة من الكتاب ~~والسنة وكيف تصحح أو تصوب هذه الفجائع التي لا تكاد، توجد ولا أنموذجة منها ~~في واحدة من الأمم الماضية؟ وكيف يزكي ويعدل فراعنة هذه الأمة وطواغيتها؟ ~~فهل ذلك إلا طعن في الدين الحنيف ولعب بحقائق هذه الملة البيضاء، على أن ~~الحديث مشتمل على إمضاء الشهادة النظرية دون شهادة التحمل. # وفي المناقب، في هذا المعنى عن الباقر (عليه السلام): ولا يكون شهداء على ~~الناس إلا الأئمة والرسل، وأما الأمة فغير جائز أن يستشهدها الله وفيهم من ~~لا تجوز شهادته على حزمة بقل. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: لتكونوا ~~شهداء على الناس - ويكون الرسول عليكم شهيدا الآية، فإن ظننت أن الله عنى ~~بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين أفترى أن من لا تجوز شهادته في ~~الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة ~~جميع الأمم الماضية؟ كلا! لم يعن الله مثل هذا من خلقه، يعني الأمة التي ~~وجبت لها دعوة إبراهيم كنتم خير أمة أخرجت للناس وهم الأمة الوسطى وهم خير ~~أمة أخرجت للناس. # أقول: وقد مر بيان ذلك في ذيل الآية بالاستفادة من الكتاب. # وفي قرب الإسناد، عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن النبي قال: مما ~~أعطى الله أمتي وفضلهم على سائر الأمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلا نبيا ~~إلى أن قال وكان إذا بعث نبيا جعله شهيدا على قومه، وإن الله تبارك وتعالى ~~جعل أمتي شهيدا على الخلق، حيث يقول ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس الحديث. # أقول: والحديث لا ينافي ما مر، فإن المراد بالأمة الأمة المسلمة التي ~~وجبت لها دعوة إبراهيم. ### # وفي تفسير العياشي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في حديث يصف فيه يوم ~~القيامة، قال (عليه السلام) يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق، فلا ~~يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقام الرسول فيسأل فذلك قوله ~~لمحمد فكيف إذا جئنا من كل ms0322 أمة بشهيد - وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، وهو ~~الشهيد على الشهداء، والشهداء هم الرسل وفي التهذيب، عن أبي بصير عن أحدهما ~~(عليهما السلام) قال،: قلت له أمره أن يصلي إلى بيت المقدس؟ قال نعم ألا ~~ترى أن الله تبارك وتعالى يقول وما جعلنا القبلة التي كنت عليها - إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه الآية. # أقول: مقتضى الحديث كون قوله تعالى التي كنت عليها وصفا للقبلة، والمراد ~~بها بيت المقدس، وأنه القبلة التي كان رسول الله عليها، وهو الذي يؤيده ~~سياق الآيات كما تقدم. # ومن هنا يتأيد ما في بعض الأخبار عن العسكري (عليه السلام): أن هوى أهل ~~مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبع محمد من مخالفيه باتباع القبلة ~~التي كرهها، ومحمد يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم ~~بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يتبع محمدا فيما يكرهه فهو مصدقه ~~وموافقه الحديث، وبه يتضح أيضا فساد ما قيل: إن قوله تعالى التي كنت عليها ~~مفعول ثان لجعلنا، والمعنى: وما جعلنا القبلة، هي الكعبة التي كنت عليها ~~قبل بيت المقدس، واستدل عليها بقوله تعالى إلا لنعلم من يتبع الرسول، وهو ~~فاسد، ظهر فساده مما تقدم. PageV01P193 # وفي تفسير العياشي، عن الزبيري عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له ألا ~~تخبرني عن الإيمان، أقول هو وعمل أم قول بلا عمل؟ فقال الإيمان عمل كله ~~والقول بعض ذلك العمل، مفروض من الله، مبين في كتابه، واضح نوره ثابت حجته، ~~يشهد له بها الكتاب ويدعو إليه، ولما أن صرف الله نبيه إلى الكعبة عن بيت ~~المقدس قال المسلمون: للنبي أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت المقدس، ما ~~حالنا فيها وما حال من مضى من أمواتنا، وهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس؟ ~~فأنزل الله وما كان الله ليضيع إيمانكم - إن الله بالناس لرءوف رحيم، فسمى ~~الصلاة إيمانا، فمن اتقى الله حافظا لجوارحه موفيا كل جارحة من جوارحه بما ~~فرض الله عليه لقي الله مستكملا لإيمانه ms0323 من أهل الجنة، ومن خان في شيء منها ~~أو تعدى ما أمر الله فيها لقي الله ناقص الإيمان: أقول: ورواه الكليني ~~أيضا، واشتماله على نزول قوله وما كان الله ليضيع إيمانكم الآية، بعد تغيير ~~القبلة لا ينافي ما تقدم من البيان. # وفي الفقيه،: أن النبي صلى إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة بمكة وتسعة عشر ~~شهرا بالمدينة، ثم عيرته اليهود فقالوا إنك تابع لقبلتنا، فاغتم لذلك غما ~~شديدا، فلما كان في بعض الليل خرج يقلب وجهه في آفاق السماء، فلما أصبح صلى ~~الغداة، فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء - فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية، ثم أخذ ~~بيد النبي فحول وجهه إلى الكعبة، وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام ~~النساء والنساء مقام الرجال، فكان أول صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى ~~الكعبة فبلغ الخبر مسجدا بالمدينة وقد صلى أهله من العصر ركعتين فحولوا نحو ~~القبلة، فكان أول صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة فسمي ذلك المسجد ~~مسجد القبلتين: أقول: وروى القمي نحوا من ذلك، وأن النبي كان في مسجد بني سالم. # وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام الآية، قال استقبل القبلة، ولا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد ~~صلاتك، فإن الله يقول لنبيه في الفريضة فول وجهك شطر المسجد الحرام - وحيث ~~ما كنتم فولوا وجوهكم شطره. # أقول: والأخبار في نزول الآية في الفريضة واختصاصها بها كثيرة مستفيضة. # وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه، الآية قال نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، يقول الله ~~تبارك وتعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه يعني يعرفون رسول الله كما ~~يعرفون أبناءهم لأن الله عز وجل قد أنزل عليهم في التوراة والإنجيل والزبور ~~صفة محمد وصفة أصحابه ومهاجرته، وهو قوله تعالى: محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار - رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا - يبتغون ms0324 فضلا من الله ~~ورضوانا - سيماهم في وجوههم من أثر السجود - ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم ~~في الإنجيل، وهذه صفة رسول الله في التوراة وصفة أصحابه، فلما بعثه الله عز ~~وجل عرفه أهل الكتاب كما قال جل جلاله: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به: ~~أقول: وروى نحوا منه في الكافي، عن علي (عليه السلام) وفي أخبار كثيرة من ~~طرق الشيعة: أن قوله تعالى، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا الآية في ~~أصحاب القائم، وفي بعضها أنه من التطبيق والجري. # وفي الحديث من طرق العامة: في قوله تعالى: ولأتم نعمتي عليكم، عن علي ~~تمام النعمة الموت على الإسلام. # وفي الحديث، من طرقهم أيضا: تمام النعمة دخول الجنة PageV01P194 ### |||| AUTO بحث علمي # تشريع القبلة في الإسلام، واعتبار الاستقبال في الصلاة - وهي عبادة عامة ~~بين المسلمين - وكذا في الذبائح، وغير ذلك مما يبتلي به عموم الناس أحوج ~~الناس إلى البحث عن جهة القبلة وتعيينها وقد كان ذلك منهم في أول الأمر ~~بالظن والحسبان ونوع من التخمين، ثم استنهض الحاجة العمومية الرياضيين من ~~علمائهم أن يقربوه من التحقيق، فاستفادوا من الجداول الموضوعة في الزيجات ~~لبيان عرض البلاد وطولها، واستخرجوا انحراف مكة عن نقطة الجنوب في البلد، ~~أي انحراف الخط الموصول بين البلد ومكة عن الخط الموصول بين البلد ونقطة ~~الجنوب خط نصف النهار بحساب الجيوب والمثلثات، ثم عينوا ذلك في كل بلدة من ~~بلاد الإسلام، بالدائرة الهندية المعروفة المعينة لخط نصف النهار، ثم درجات ~~الانحراف وخط القبلة. # ثم استعملوا لتسريع العمل وسهولته الآله المغناطيسية المعروفة بالحك، ~~فإنها بعقربتها تعين جهة الشمال والجنوب، فتنوب عن الدائرة الهندية في ~~تعيين نقطة الجنوب وبالعلم بدرجة انحراف البلد يمكن للمستعمل أن يشخص جهة ~~القبلة. # لكن هذا السعي منهم - شكر الله تعالى سعيهم - لم يخل من النقص والاشتباه ~~من الجهتين جميعا. # أما من جهة الأولى: فإن المتأخرين من الرياضيين عثروا على أن المتقدمين ~~اشتبه عليهم الأمر في تشخيص الطول، واختل بذلك حساب الانحراف فتشخيص جهة ~~الكعبة، وذلك أن طريقهم إلى تشخيص ms0325 عرض البلاد - وهو ضبط ارتفاع القطب ~~الشمالي - كان أقرب إلى التحقيق، بخلاف الطريق إلى تشخيص الطول، وهو ضبط ~~المسافة بين النقطتين المشتركتين في حادثة سماوية مشتركة كالخسوف بمقدار ~~سير الشمس حسا عندهم، وهو التقدير بالساعة، فقد كان هذا بالوسائل القديمة ~~عسيرا وعلى غير دقة لكن توفر الوسائل وقرب الروابط اليوم سهل الأمر كل ~~التسهيل، فلم تزل الحاجة قائمة على ساق، حتى قام الشيخ الفاضل البارع ~~الشهير بالسردار الكابلي - رحمة الله عليه - في هذه الأواخر بهذا الشأن، ~~فاستخرج الانحراف القبلي بالأصول الحديثة، وعمل فيه رسالته المعروفة بتحفة ~~الأجلة في معرفة القبلة وهي رسالة ظريفة بين فيها طريق عمل استخراج القبلة ~~بالبيان الرياضي ووضع فيها جداول لتعيين قبلة البلاد. # ومن ألطف ما وفق له في سعيه - شكر الله سعيه - ما أظهر به كرامة باهرة ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في محرابه المحفوظ في مسجد النبي بالمدينة ~~25 - 75 - 20 وذلك: أن المدينة على ما حاسبه القدماء كانت ذات عرض 25 درجة ~~وطول 75 درجة 20 دقيقة، وكانت لا توافقه قبلة محراب النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في مسجده، ولذلك كان العلماء لا يزالون باحثين في أمر قبلة ~~المحراب وربما ذكروا في انحرافه وجوها لا تصدقها حقيقة الأمر لكنه - رحمه ~~الله - أوضح أن المدينة على عرض 24 درجة 57 دقيقة وطول 39 درجة 59 دقيقة ~~وانحراف درجة 45 دقيقة تقريبا. ### # وانطبق على ذلك قبلة المحراب أحسن الانطباق وبدت بذلك كرامة باهرة للنبي ~~في قبلته التي وجه وجهه إليها وهو في الصلاة، وذكر أن جبرئيل أخذ بيده وحول ~~وجهه إلى الكعبة، صدق الله ورسوله. # ثم استخرج بعده المهندس الفاضل الزعيم عبد الرزاق البغائري رحمة الله ~~عليه قبلة أكثر بقاع الأرض ونشر فيها رسالة في معرفة القبلة، وهي جداول ~~يذكر فيها ألف وخمسمائة بقعة من بقاع الأرض، وبذلك تمت النعمة في تشخيص ~~القبلة. # وأما الجهة الثانية: وهي الجهة المغناطيسية، فإنهم وجدوا أن القطبين ~~المغناطيسيين في الكرة الأرضية، غير منطبقين على القطبين الجغرافيين منها، ms0326 ~~فإن القطب المغناطيسي الشمالي مثلا على أنه متغير بمرور الزمان، بينه وبين ~~القطب الجغرافيائي الشمالي ما يقرب من ألف ميل، وعلى هذا فالحك لا يشخص ~~القطب الجنوبي الجغرافي بعينه، بل ربما بلغ التفاوت إلى ما لا يتسامح فيه، ~~وقد أنهض هذا المهندس الرياضي الفاضل الزعيم حسين علي رزمآرا في هذه الأيام ~~وهي سنة 1332 هجرية شمسية على حل هذه المعضلة، واستخراج مقدار التفاوت بين ~~القطبين الجغرافي والمغناطيسي بحسب النقاط المختلفة، وتشخيص انحراف القبلة ~~من القطب المغناطيسي فيما يقرب من ألف بقعة من بقاع الأرض، واختراع حك ~~يتضمن التقريب القريب من التحقيق في تشخيص القبلة، وها هو اليوم دائر معمول ~~- شكر الله سعيه -. PageV01P195 ### |||| AUTO بحث اجتماعي # المتأمل في شئون الاجتماع الإنساني، والناظر في الخواص والآثار التي ~~يتعقبها هذا الأمر المسمى بالاجتماع من جهة أنه اجتماع لا يشك في أن هذا ~~الاجتماع إنما كونته ثم شعبته وبسطته إلى شعبه وأطرافه الطبيعة الإنسانية، ~~لما استشعرت بإلهام من الله سبحانه بجهات حاجتها في البقاء والاستكمال إلى ~~أفعال اجتماعية فتلتجىء إلى الاجتماع وتلزمها لتوفق إلى أفعالها وحركاتها ~~وسكناتها في مهد تربية الاجتماع وبمعونته. # ثم استشعرت وألهمت بعلوم صور ذهنية وإدراكات توقعها. # على المادة، وعلى حوائجها فيها وعلى أفعالها، وجهات أفعالها تكون هي ~~الوصلة والرابطة بينها وبين أفعالها وحوائجها كاعتقاد الحسن والقبح، وما ~~يجب، وما ينبغي، وسائر الأصول الاجتماعية من الرئاسة والمرءوسية والملك ~~والاختصاص، والمعاملات المشتركة والمختصة، وسائر القواعد والنواميس ~~العمومية والآداب والرسوم القومية التي لا تخلو عن التحول والاختلاف ~~باختلاف الأقوام والمناطق والأعصار، فجميع هذه المعاني والقواعد المستقرة ~~عليها من صنع الطبيعة الإنسانية بإلهام من الله سبحانه، تلطفت بها طبيعة ~~الإنسان، لتمثل بها ما تعتقدها وتريدها من المعاني في الخارج، ثم تتحرك ~~إليها بالعمل، والفعل والترك، والاستكمال. # والتوجه العبادي إلى الله سبحانه، وهو المنزه عن شئون المادة، والمقدس عن ~~تعلق الحس المادي إذا أريد أن يتجاوز حد القلب والضمير، وتنزل على موطن ~~الأفعال - وهي لا تدور إلا بين الماديات - لم يكن في ذلك بد ومخلص ms0327 من أن ~~يكون على سبيل التمثيل بأن يلاحظ التوجهات القلبية على اختلاف خصوصياتها، ~~ثم تمثل في الفعل بما يناسبها من هيئات الأفعال وأشكالها، كالسجدة يراد بها ~~التذلل، والركوع يراد به التعظيم، والطواف يراد به تفدية النفس، والقيام ~~يراد به التكبير، والوضوء والغسل يراد بهما الطهارة للحضور ونحو ذلك. # ولا شك أن التوجه إلى المعبود، واستقباله من العبد في عبوديته روح ~~عبادته، التي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة، وإلى تمثيله تحتاج ~~العبادة في كمالها وثباتها واستقرار تحققها. # وقد كان الوثنيون، وعبدة الكواكب وسائر الأجسام من الإنسان وغيره ~~يستقبلون معبوداتهم وآلهتهم، ويتوجهون إليهم بالأبدان في أمكنة متقاربة. # لكن دين الأنبياء ونخص بالذكر من بينها دين الإسلام الذي يصدقها جميعا ~~وضع الكعبة قبلة، وأمر باستقبالها في الصلاة، التي لا يعذر فيها مسلم، ~~أينما كان من أقطار الأرض وآفاقها، ونهى عن استقبالها واستدبارها في حالات ~~وندب إلى ذلك في أخرى فاحتفظ على قلب الإنسان بالتوجه إلى بيت الله، وأن لا ~~ينسى ربه في خلوته وجلوته، وقيامه وقعوده، ومنامه ويقظته، ونسكه وعبادته ~~حتى في أخس حالاته وأرداها فهذا بالنظر إلى الفرد. # وأما بالنظر إلى الاجتماع، فالأمر أعجب والأثر أجلى وأوقع فقد جمع الناس ~~على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجه إلى نقطة واحدة، يمثل بذلك وحدتهم ~~الفكرية وارتباط جامعتهم، والتيام قلوبهم، وهذا ألطف روح يمكن أن تنفذ في ~~جميع شئون الأفراد في حيويتها المادية والمعنوية، تعطي من الاجتماع أرقاه، ~~ومن الوحدة أوفاها وأقواها، خص الله تعالى بها عباده المسلمين، وحفظ به ~~وحدة دينهم، وشوكة جمعهم، حتى بعد أن تحزبوا أحزابا، وافترقوا مذاهب وطرائق ~~قددا، لا يجتمع منهم اثنان على رأي، نشكر الله تعالى على آلائه PageV01P196 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 152 # فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون (152) ### |||| AUTO بيان # لما امتن الله تعالى على النبي والمسلمين، بإرسال النبي الكريم منهم ~~إليهم نعمة لا تقدر بقدر ومنحة على منحة - وهو ذكر منه لهم - إذ لم ينسهم ~~في هدايتهم إلى مستقيم الصراط، وسوقهم إلى أقصى الكمال، وزيادة ms0328 على ذلك، ~~وهو جعل القبلة، الذي فيه كمال دينهم، وتوحيد عبادتهم، وتقويم فضيلتهم ~~الدينية والاجتماعية فرع على ذلك دعوتهم إلى ذكره وشكره، ليذكرهم بنعمته ~~على ذكرهم إياه بعبوديته وطاعته، ويزيدهم على شكرهم لنعمته وعدم كفرانهم، ~~وقد قال تعالى "واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا": الكهف - 24. # وقال تعالى "لإن شكرتم لأزيدنكم": إبراهيم - 7، والآيتان جميعا نازلتان ~~قبل آيات القبلة من سورة البقرة. # ثم إن الذكر ربما قابل الغفلة كقوله تعالى "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا": الكهف - 28. # وهي انتفاء العلم بالعلم، مع وجود أصل العلم، فالذكر خلافه، وهو العلم ~~بالعلم، وربما قابل النسيان وهو زوال صورة العلم عن خزانة الذهن، فالذكر ~~خلافه، ومنه قوله تعالى "واذكر ربك إذا نسيت" الآية. # وهو حينئذ كالنسيان معنى ذو آثار وخواص تتفرع عليه، ولذلك ربما أطلق ~~الذكر كالنسيان في موارد تتحقق فيها آثارهما وإن لم تتحقق أنفسهما، فإنك ~~إذا لم تنصر صديقك - وأنت تعلم حاجته إلى نصرك فقد نسيته، والحال أنك ~~تذكره، وكذلك الذكر. # والظاهر أن إطلاق الذكر على الذكر اللفظي من هذا القبيل، فإن التكلم عن ~~الشيء من آثار ذكره قلبا، قال تعالى "قل سأتلوا عليكم منه ذكرا": الكهف - 83. # ونظائره كثيرة، ولو كان الذكر اللفظي أيضا ذكرا حقيقة فهو من مراتب ~~الذكر، لأنه مقصور عليه ومنحصر فيه، وبالجملة: الذكر له مراتب كما قال ~~تعالى "ألا بذكر الله تطمئن القلوب": الرعد - 28، وقال "واذكر ربك في نفسك ~~تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول": الأعراف - 205، وقال تعالى "فاذكروا ~~الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا: البقرة - 200، فالشدة إنما يتصف به المعنى ~~دون اللفظ، وقال تعالى "واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من ~~هذا رشدا": الكهف - 24. # وذيل هذه الآية تدل على الأمر برجاء ما هو أعلى منزلة مما هو فيه، فيئول ~~المعنى إلى أنك إذا تنزلت من مرتبة من ذكره إلى مرتبة هي دونها، وهو ~~النسيان، فاذكر ربك وارج بذلك ما هو أقرب طريقا وأعلى منزلة، فينتج أن ms0329 ~~الذكر القلبي ذو مراتب في نفسه، وبذلك يتبين صحة قول القائل: إن الذكر حضور ~~المعنى عند النفس، فإن الحضور ذو مراتب. # ولو كان لقوله تعالى: فاذكروني - وهو فعل متعلق بياء المتكلم حقيقة من ~~دون تجوز أفاد ذلك، أن للإنسان سنخا آخر من العلم غير هذا العلم المعهود ~~عندنا الذي هو حصول صورة المعلوم ومفهومه عند العالم، إذ كلما فرض من هذا ~~القبيل فهو تحديد وتوصيف للمعلوم من العالم، وقد تقدست ساحته سبحانه عن ~~توصيف الواصفين، قال تعالى "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": ~~الصافات - 160، وقال: "ولا يحيطون به علما": طه - 110، وسيجيء بعض ما يتعلق ~~بالمقام في الكلام على الآيتين إن شاء الله. ### |||| AUTO بحث روائي # تكاثرت الأخبار في فضل الذكر من طرق العامة والخاصة، فقد روي: بطرق ~~مختلفة: أن ذكر الله حسن على كل حال. # وفي عدة الداعي، قال: وروي: أن رسول الله قد خرج على أصحابه، فقال: ~~ارتعوا في رياض الجنة، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: مجالس ~~الذكر اغدوا وروحوا واذكروا، ومن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر ~~كيف منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد حيث أنزل العبد الله من ~~نفسه، واعلموا: أن خير أعمالكم عند مليككم وأزكاها وأرفعها في درجاتكم، ~~وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله تعالى، فإنه تعالى أخبر عن نفسه فقال: ~~أنا جليس من ذكرني، وقال تعالى: فاذكروني أذكركم بنعمتي، اذكروني بالطاعة ~~والعبادة أذكركم بالنعم والإحسان والراحة والرضوان. # وفي المحاسن، ودعوات الراوندي، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله ~~تبارك وتعالى يقول: من شغل بذكري عن مسألتي، أعطيه أفضل ما أعطي من سألني. PageV01P197 # وفي المعاني، عن الحسين البزاز قال: قال: لي أبو عبد الله (عليه السلام) ~~ألا أحدثك بأشد ما فرض الله على خلقه؟ قلت: بلى قال، إنصاف الناس من نفسك، ~~ومواساتك لأخيك، وذكر الله في كل موطن، أما إني لا أقول: سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإن كان هذا من ms0330 ذاك، ولكن ذكر الله في كل ~~موطن، إذا هجمت على طاعته أو معصيته. # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق كثيرة عن النبي، وأهل بيته (عليهم السلام)، ~~وفي بعضها وهو قول الله: الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون الآية. # وفي عدة الداعي، عن النبي، قال: قال سبحانه: إذا علمت أن الغالب على عبدي ~~الاشتغال بي، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك وأراد أن ~~يسهو حلت بينه وبين أن يسهو، أولئك أوليائي حقا، أولئك الأبطال حقا، أولئك ~~الذين إذا أردت أن أهلك أهل الأرض عقوبة زويتها عنهم من أجل أولئك الأبطال. # وفي المحاسن، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال الله تعالى: ابن آدم ~~اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، ابن آدم اذكرني في خلاء أذكرك في خلاء، ~~اذكرني في ملإ أذكرك في ملإ خير من ملإك، وقال: ما من عبد يذكر الله في ملإ ~~من الناس إلا ذكره الله في ملإ من الملائكة. # أقول: وقد روي هذا المعنى بطرق كثيرة في كتب الفريقين. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~ابن مسعود قال: قال: رسول الله،: من أعطي أربعا أعطي أربعا، وتفسير ذلك في ~~كتاب الله من أعطي الذكر ذكره الله، لأن الله يقول: اذكروني أذكركم، ومن ~~أعطي الدعاء أعطي الإجابة، لأن الله يقول: ادعوني أستجب لكم، ومن أعطي ~~الشكر أعطي الزيادة، لأن الله يقول: لئن شكرتم لأزيدنكم، ومن أعطي ~~الاستغفار أعطي المغفرة لأن الله يقول: استغفروا ربكم إنه كان غفارا. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن خالد بن أبي عمران، قال: قال: رسول الله:، من أطاع الله فقد ذكر ~~الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله، ~~وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن. # أقول: في الحديث إشارة إلى أن المعصية لا تتحقق من العبد إلا بالغفلة ~~والنسيان فإن الإنسان لو ذكر ما حقيقة معصيته وما ms0331 لها من الأثر لم يقدم على ~~معصيته، حتى أن من يعصي الله ولا يبالي إذا ذكر عند ذلك بالله، ولا يعتني ~~بمقام ربه هو طاغ جاهل بمقام ربه وعلو كبريائه وكيفية إحاطته، وإلى ذلك ~~تشير أيضا رواية أخرى، رواها الدر المنثور، عن أبي هند الداري، عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): قال الله: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ومن ~~ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني وهو عاص فحق علي أن ~~أذكره بمقت الحديث، وما اشتمل عليه هذا الحديث من الذكر عند المعصية هو ~~الذي تسميه الآية وسائر الأخبار بالنسيان لعدم ترتب آثار الذكر عليه، ~~وللكلام بقايا سيجيء شطر منها. PageV01P198 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 153 - 157 # يأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلوة إن الله مع الصبرين (153) ~~ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموت بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) ~~ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأمول والأنفس والثمرت وبشر ~~الصبرين (155) الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه رجعون (156) ~~أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) ### |||| AUTO بيان # خمس آيات متحدة السياق، متسقة الجمل، ملتئمة المعاني، يسوق أولها إلى ~~آخرها ويرجع آخرها إلى أولها، وهذا يكشف عن كونها نازلة دفعة غير متفرقة، ~~وسياقها ينادي بأنها نزلت قبيل الأمر بالقتال وتشريع حكم الجهاد، ففيه ذكر ~~من بلاء سيقبل على المؤمنين، ومصيبة ستصيبهم، ولا كل بلاء ومصيبة، بل ~~البلاء العمومي الذي ليس بعادي الوقوع مستمر الحدوث، فإن نوع الإنسان كسائر ~~الأنواع الموجودة في هذه النشأة الطبيعية لا يخلو في أفراده من حوادث جزئية ~~يختل بها نظام الفرد في حياته الشخصية: من موت ومرض وخوف وجوع وغم وحرمان، ~~سنة الله التي جرت في عباده وخلقه، فالدار دار التزاحم، والنشأة نشأة ~~التبدل والتحول، ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا. # والبلاء الفردي وإن كان شاقا على الشخص المبتلى بذلك، مكروها، لكن ليس ~~مهولا مهيبا تلك المهابة التي تتراءى بها البلايا والمحن العامة، فإن الفرد ms0332 ~~يستمد في قوة تعقله وعزمه وثبات نفسه من قوى سائر الأفراد، وأما البلايا ~~العامة الشاملة فإنها تسلب الشعور العمومي وجملة الرأي والحزم والتدبير من ~~الهيأة المجتمعة، ويختل به نظام الحياة منهم، فيتضاعف الخوف وتتراكم الوحشة ~~ويضطرب عندها العقل والشعور وتبطل العزيمة والثبات، فالبلاء العام والمحنة ~~الشاملة أشق وأمر، وهو الذي تلوح له الآيات. # ولا كل بلاء عام كالوباء والقحط بل بلاء عام قربتهم منها أنفسهم، فإنهم ~~أخذوا دين التوحيد، وأجابوا دعوة الحق، وتخالفهم فيه الدنيا وخاصة قومهم، ~~وما لهؤلاء هم إلا إطفاء نور الله، واستيصال كلمة العدل، وإبطال دعوة الحق، ~~ولا وسيلة تحسم مادة النزاع وتقطع الخلاف غير القتال، فسائر الوسائل كإقامة ~~الحجة وبث الفتنة، وإلقاء الوسوسة والريبة وغيرها صارت بعد عقيمة غير ~~منتجة، فالحجة مع النبي والوسوسة والفتنة والدسيسة ما كانت تؤثر أثرا تطمئن ~~إليه أعداء الدين فلم يكن عندهم وسيلة إلا القتال والاستعانة به على سد ~~سبيل الحق، وإطفاء نور الدين اللامع المشرق. # هذا من جانب الكفر، والأمر من جانب الدين أوضح، فلم يكن إلى نشر كلمة ~~التوحيد، وبث دين الحق، وحكم العدل، وقطع دابر الباطل وسيلة إلا القتال، ~~فإن التجارب الممتدة من لدن كان الإنسان نازلا في هذه الدار يعطي أن الحق ~~إنما يؤثر إذا أميط الباطل، ولن يماط إلا بضرب من أعمال القدرة والقوة. # وبالجملة ففي الآيات تلويح إلى إقبال هذه المحنة بذكر القتل في سبيل ~~الله، وتوصيفه بوصف لا يبقى فيه معه جهة مكروهة، ولا صفة سوء، وهو أنه ليس ~~بموت بل حياة، وأي حياة! فالآيات تستنهض المؤمنين على القتال، وتخبرهم أن ~~أمامهم بلاء ومحنة لن تنالوا مدارج المعالي، وصلاة ربهم ورحمته، والاهتداء ~~بهدايته إلا بالصبر عليها، وتحمل مشاقها، ويعلمهم ما يستعينون به عليها، ~~وهو الصبر والصلاة، أما الصبر: فهو وحدة الوقاية من الجزع واختلال أمر ~~التدبير، وأما الصلاة: فهي توجه إلى الرب، وانقطاع إلى من بيده الأمر، وأن ~~القوة لله جميعا. PageV01P199 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلوة إن الله مع ~~الصابرين ms0333 الآية، قد تقدم جملة من الكلام في الصبر والصلاة في تفسير قوله: ~~"واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين": البقرة - 45 ~~والصبر من أعظم الملكات والأحوال التي يمدحها القرآن، ويكرر الأمر به حتى ~~بلغ قريبا من سبعين موضعا من القرآن حتى قيل فيه: "إن ذلك من عزم الأمور": ~~لقمان - 17، وقيل: "وما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذو حظ ~~عظيم": فصلت - 35، وقيل: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب": الزمر - 10. # والصلاة: من أعظم العبادات التي يحث عليها في القرآن حتى قيل فيها: "إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر": العنكبوت - 45، وما أوصى الله في كتابه ~~بوصايا إلا كانت الصلاة رأسها وأولها. # ثم وصف سبحانه الصبر بأن الله مع الصابرين المتصفين بالصبر، وإنما لم يصف ~~الصلاة، كما في قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة الآية، ~~لأن المقام في هذه الآيات، مقام ملاقات الأهوال، ومقارعة الأبطال، ~~فالاهتمام بأمر الصبر أنسب بخلاف الآية السابقة، فلذلك قيل: إن الله مع ~~الصابرين، وهذه المعية غير المعية التي يدل عليه قوله تعالى: "وهو معكم ~~أينما كنتم": الحديد - 4، فإنها معية الإحاطة والقيمومة، بخلاف المعية مع ~~الصابرين، فإنها معية إعانة فالصبر مفتاح الفرج. # قوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون الآية، ربما يقال: إن الخطاب مع المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ~~واليوم الآخر وأذعنوا بالحياة الآخرة، ولا يتصور منهم القول ببطلان الإنسان ~~بالموت، بعد ما أجابوا دعوة الحق وسمعوا شيئا كثيرا من الآيات الناطقة ~~بالمعاد، مضافا إلى أن الآية إنما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين، ~~وهم الشهداء المقتولون في سبيل الله، في مقابل غيرهم من المؤمنين، وجميع ~~الكفار، مع أن حكم الحياة بعد الموت عام شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء ~~الاسم، والذكر الجميل على مر الدهور، وبذلك فسره جمع من المفسرين. # ويرده أولا: أن كون هذه حياة إنما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة ~~تخيلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم، ومثل هذا الموضوع الوهمي ms0334 لا يليق ~~بكلامه، وهو تعالى يدعو إلى، الحق ويقول: "فما ذا بعد الحق إلا الضلال": ~~يونس - 32، وأما الذي سأله إبراهيم في قوله "واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين": الشعراء - 84، فإنما يريد به بقاء دعوته الحقة، ولسانه الصادق ~~بعده، لا حسن ثنائه وجميل ذكره بعده فحسب. # نعم هذا القول الباطل، والوهم الكاذب إنما يليق بحال الماديين، وأصحاب ~~الطبيعة، فإنهم اعتقدوا: مادية النفوس وبطلانها بالموت ونفوا الحياة الآخرة ~~ثم أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس وتأثرها بالسعادة ~~والشقاء، بعد موتها في معالي أمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية ~~والتضحية، لا سيما في عظائم العزائم التي يموت ويقتل فيها أقوام ليحيا ~~ويعيش آخرون، ولو كان كل من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان وخاصة إذا ~~اعتقد بالموت والفوت أن يبطل ذاته ليبقى ذات آخرين، ولا باعث له أن يحرم ~~على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتع آخرون بالعدل، ~~فالعاقل لا يعطي شيئا إلا ويأخذ بدله وأما الإعطاء من غير بدل، والترك من ~~غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، والحرمان في طريق تمتع الغير فالفطرة ~~الإنسانية تأباه، فلما استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه ~~الأوهام الكاذبة، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال وحظيرة الوهم، قالوا ~~إن الإنسان الحر من رق الأوهام والخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو ~~كل ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر وجميل الثناء، ويجب عليه ~~أن يحرم على نفسه بعض تمتعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر ~~الاجتماع والحضارة، ويتم العدل الاجتماعي فينال بذلك حياة الشرف والعلاء. # وليت شعري إذا لم يكن إنسان، وبطل هذا التركيب المادي، وبطل بذلك جميع ~~خواصه، ومن جملتها الحياة والشعور، فمن هو الذي ينال هذه الحياة وهذا ~~الشرف؟ ومن الذي يدركه ويلتذ به؟ فهل هذا إلا خرافة؟. PageV01P200 # وثانيا: أن ذيل الآية - وهو قوله تعالى: ولكن لا تشعرون، - لا يناسب هذا ~~المعنى، بل كان المناسب له أن يقال: بل ms0335 أحياء ببقاء ذكرهم الجميل، وثناء ~~الناس عليهم بعدهم، لأنه المناسب لمقام التسلية وتطييب النفس. # وثالثا: أن نظيرة هذه الآية - وهي تفسرها - وصف حياتهم بعد القتل بما ~~ينافي هذا المعنى، قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران - 196، إلى آخر الآيات ومعلوم أن هذه ~~الحياة حياة خارجية حقيقية ليست بتقديرية. # ورابعا: أن الجهل بهذه الحياة التي بعد الموت ليس بكل البعيد من بعض ~~المسلمين في أواسط عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن الذي هو نص ~~غير قابل للتأويل إنما هو البعث للقيامة، وأما ما بين الموت إلى الحشر - ~~وهي الحياة البرزخية - فهي وإن كانت من جملة ما بينه القرآن من المعارف ~~الحقة، لكنها ليست من ضروريات القرآن، والمسلمون غير مجمعين عليه بل ينكره ~~بعضهم حتى اليوم ممن يعتقد كون النفس غير مجردة عن المادة وأن الإنسان يبطل ~~وجوده بالموت وانحلال التركيب، ثم يبعثه الله إلى القضاء يوم القيامة، ~~فيمكن أن يكون المراد بيان حياة الشهداء في البرزخ لمكان جهل بعض المؤمنين ~~بذلك، وإن علم به آخرون. ### # وبالجملة: المراد بالحياة في الآية الحياة الحقيقية دون التقديرية، وقد ~~عد الله سبحانه حياة الكافر بعد موته هلاكا وبوارا في مواضع من كلامه، ~~كقوله تعالى: "وأحلوا قومهم دار البوار": إبراهيم - 28، إلى غير ذلك من ~~الآيات، فالحياة حياة السعادة، والإحياء بهذه الحياة المؤمنون خاصة كما ~~قال: "وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت - 64، ~~وإنما لم يعلموا، لأن حواسهم مقصورة على إدراك خواص الحياة في المادة ~~الدنيوية، وأما ما وراءها فإذا لم يدركوه لم يفرقوا بينه وبين الفناء ~~فتوهموه فناء، وما توهمه الوهم مشترك بين المؤمن والكافر في الدنيا، فلذلك ~~قال: في هذه الآية، بل أحياء ولكن لا تشعرون أي: بحواسكم، كما قال في الآية ~~الأخرى: لهي الحيوان لو كانوا يعلمون، أي باليقين كما قال تعالى: "كلا لو ~~تعلمون علم اليقين لترون الجحيم": التكاثر - 6. # فمعنى الآية - والله أعلم - ولا تقولوا لمن يقتل في ms0336 سبيل الله أموات، ولا ~~تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان كما يفيده لفظ الموت عندكم، ومقابلته مع ~~الحياة، وكما يعين على هذا القول حواسكم فليسوا بأموات بمعنى البطلان، بل ~~أحياء ولكن حواسكم لا تنال ذلك ولا تشعر به، وإلقاء هذا القول على المؤمنين ~~- مع أنهم جميعا أو أكثرهم عالمون ببقاء حياة الإنسان بعد الموت، وعدم ~~بطلان ذاته - إنما هو لإيقاظهم وتنبيههم بما هو معلوم عندهم، يرتفع ~~بالالتفات إليه الحرج عن صدورهم، والاضطراب والقلق عن قلوبهم إذا أصابتهم ~~مصيبة القتل، فإنه لا يبقى مع ذلك من آثار القتل عند أولياء القتيل إلا ~~مفارقة في أيام قلائل في الدنيا وهو هين في قبال مرضاة الله سبحانه وما ~~ناله القتيل من الحياة الطيبة، والنعمة المقيمة، ورضوان من الله أكبر، وهذا ~~نظير خطاب النبي بمثل قوله تعالى: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ~~الآية، مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أول الموقنين بآيات ربه، ولكنه ~~كلام كني به عن وضوح المطلب، وظهوره بحيث لا يقبل أي خطور نفساني لخلافه. # نشأة البرزخ # فالآية تدل دلالة واضحة على حياة الإنسان البرزخية، كالآية النظيرة لها ~~وهي قوله: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون": آل عمران - 169، والآيات في ذلك كثيرة. # ومن أعجب الأمر ما ذكره بعض الناس في الآية: أنها نزلت في شهداء بدر، فهي ~~مخصوصة بهم فقط، لا تتعداهم إلى غيرهم هذا، ولقد أحسن بعض المحققين: من ~~المفسرين في تفسير قوله: واستعينوا بالصبر والصلاة الآية، إذ سئل الله ~~تعالى الصبر على تحمل أمثال هذه الأقاويل. PageV01P201 # وليت شعري ما ذا يقصده هؤلاء بقولهم هذا؟ وعلى أي صفة يتصورون حياة شهداء ~~بدر بعد قتلهم مع قولهم: بانعدام الإنسان بعد الموت والقتل، وانحلال تركيبه ~~وبطلانه؟ أهو على سبيل الإعجاز: باختصاصهم من الله بكرامة لم يكرم بها ~~النبي الأكرم وسائر الأنبياء والمرسلين والأولياء المقربين، إذ خصهم الله ~~ببقاء وجودهم بعد الانعدام، فليس ذلك بإعجاز بل إيجاد محال ضروري ~~الاستحالة، ولا إعجاز في محال، ولو ms0337 جاز عند العقل إبطال هذا الحكم على ~~بداهتها لم يستقم حكم ضروري فما دونه؟ أم هو على نحو الاستثناء في حكم الحس ~~بأن يكون الحس مخطئا في أمر هؤلاء الشهداء؟ فهم أحياء يرزقون بالأكل والشرب ~~وسائر التمتعات - وهم غائبون عن الحس - وما ناله الحس من أمرهم بالقتل وقطع ~~الأعضاء وسقوط الحس وانحلال التركيب فقد أخطأ في ذلك من رأس، فلو جاز على ~~الحس أمثال هذه الأغلاط فيصيب في شيء ويغلط في آخر من غير مخصص بطل الوثوق ~~به على الإطلاق، ولو كان المخصص هو الإرادة الإلهية احتاج تعلقها إلى مخصص ~~آخر، والإشكال - وهو عدم الوثوق بالإدراك على حاله، فكان من الجائز أن نجد ~~ما ليس بواقع واقعا والواقع ليس بواقع، وكيف يرضى عاقل أن يتفوه بمثل ذلك؟ ~~وهل هو إلا سفسطة؟. # وقد سلك هؤلاء في قولهم هذا مسلك العامة من المحدثين، حيث يرون أن الأمور ~~الغائبة عن حواسنا مما يدل عليه الظواهر الدينية من الكتاب والسنة، ~~كالملائكة وأرواح المؤمنين وسائر ما هو من هذا القبيل موجودات مادية ~~طبيعية، وأجسام لطيفة تقبل الحلول والنفوذ في الأجسام الكثيفة، على صورة ~~الإنسان ونحوه، يفعل جميع الأفعال الإنسانية مثلا، ولها أمثال القوى التي ~~لنا غير أنها ليست محكومة بأحكام الطبيعة: من التغير والتبدل والتركيب ~~وانحلاله، والحياة والموت الطبيعيتين، فإذا شاء الله تعالى ظهورها ظهرت ~~لحواسنا، وإذا لم يشأ أو شاء أن لا تظهر لم تظهر، مشية خالصة من غير مخصص ~~في ناحية الحواس، أو تلك الأشياء. # وهذا القول منهم مبني على إنكار العلية والمعلولية بين الأشياء، ولو صحت ~~هذه الأمنية الكاذبة بطلت جميع الحقائق العقلية، والأحكام العلمية، فضلا عن ~~المعارف الدينية ولم تصل النوبة إلى أجسامهم اللطيفة المكرمة التي لا تصل ~~إليها يد التأثير والتأثر المادي الطبيعي، وهو ظاهر. # فقد تبين بما مر: أن الآية دالة على الحياة البرزخية، وهي المسماة بعالم ~~القبر، عالم متوسط بين الموت والقيامة، ينعم فيه الميت أو يعذب حتى تقوم ~~القيامة. # ومن الآيات الدالة عليه - وهي نظيرة لهذه الآية ms0338 الشريفة - قوله تعالى: ~~"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~فرحين بما آتيهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع ~~أجر المؤمنين": آل عمران - 171، وقد مر تقريب دلالة الآية على المطلوب، ولو ~~تدبر القائل باختصاص هذه الآيات بشهداء بدر في متن الآيات لوجد أن سياقها ~~يفيد اشتراك سائر المؤمنين معهم في الحياة، والتنعم بعد الموت. # ومن الآيات قوله تعالى: "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون": المؤمنون - 100، والآية ظاهرة الدلالة على أن هناك حياة متوسطة ~~بين حياتهم الدنيوية وحياتهم بعد البعث، وسيجيء تمام الكلام في الآية إن ~~شاء الله تعالى. # ومن الآيات قوله تعالى: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا نزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون ~~الملائكة" ومن المعلوم أن المراد به أول ما يرونهم وهو يوم الموت كما تدل ~~عليه آيات أخر "لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا. وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا. أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا. ويوم تشقق السماء بالغمام وهو يوم القيامة ونزل الملائكة تنزيلا. ~~الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا: الفرقان - 26، ~~ودلالتها ظاهرة. # وسيأتي تفصيل القول فيها في محله إن شاء الله تعالى. PageV01P202 # ومن الآيات قوله تعالى: "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل": المؤمن - 11، فهنا إلى يوم البعث - وهو يوم ~~قولهم هذا - إماتتان وإحيائان، ولن تستقيم المعنى إلا بإثبات البرزخ، فيكون ~~إماتة وإحياء في البرزخ وإحياء في يوم القيامة، ولو كان أحد الإحيائين في ~~الدنيا والآخر في الآخرة لم يكن هناك إلا إماتة واحدة من غير ثانية، وقد مر ~~كلام يتعلق بالمقام في قوله تعالى: "كيف تكفرون ms0339 بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم": البقرة - 28 فارجع. # ومن الآيات قوله تعالى: "وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار. يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب": المؤمن - 46، إذ ~~من المعلوم أن يوم القيامة لا بكرة فيه ولا عشي فهو يوم غير اليوم. # والآيات التي تستفاد منها هذه الحقيقة القرآنية، أو تومىء إليها كثيرة، ~~كقوله تعالى: "تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم": النحل - 63، إلى غير ذلك. ### # تجرد النفس # ويتبين بالتدبر في الآية، وسائر الآيات التي ذكرناها حقيقة أخرى أوسع من ~~ذلك، وهي تجرد النفس، بمعنى كونها أمرا وراء البدن وحكمها غير حكم البدن ~~وسائر التركيبات الجسمية، لها نحو اتحاد بالبدن تدبرها بالشعور والإرادة ~~وسائر الصفات الإدراكية، والتدبر في الآيات السابقة الذكر يجلي هذا المعنى ~~فإنها تفيد أن الإنسان بشخصه ليس بالبدن، لا يموت بموت البدن، ولا يفنى ~~بفنائه، وانحلال تركيبه وتبدد أجزائه، وأنه يبقى بعد فناء البدن في عيش ~~هنيء دائم، ونعيم مقيم، أو في شقاء لازم، وعذاب أليم، وأن سعادته في هذه ~~العيشة، وشقاءه فيها مرتبطة بسنخ ملكاته وأعماله، لا بالجهات الجسمانية ~~والأحكام الاجتماعية. # فهذه معان تعطيها هذه الآيات الشريفة، وواضح أنها أحكام تغاير الأحكام ~~الجسمانية، وتتنافى الخواص المادية الدنيوية من جميع جهاتها، فالنفس ~~الإنسانية غير البدن. # ومما يدل عليه من الآيات قوله تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي ~~لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى": الزمر - 42، ~~والتوفي والاستيفاء هو أخذ الحق بتمامه وكماله، وما تشتمل عليه الآية: من ~~الأخذ والإمساك والإرسال ظاهر في المغايرة بين النفس والبدن. # ومن الآيات قوله تعالى: "وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ~~بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون": السجدة - 11، ذكر سبحانه شبهة من شبهات الكفار المنكرين للمعاد، ~~وهو أنا بعد الموت وانحلال تركيب أبداننا تتفرق أعضاؤنا، وتبدد أجزاؤنا، ~~وتتبدل صورنا فنضل في ms0340 الأرض، ويفقدنا حواس المدركين، فكيف يمكن أن نقع ~~ثانيا في خلق جديد؟ وهذا استبعاد محض، وقد لقن تعالى على رسوله: الجواب ~~عنه، بقوله: قل: يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم الآية، وحاصل الجواب أن ~~هناك ملكا موكلا بكم هو يتوفاكم ويأخذكم، ولا يدعكم تضلوا وأنتم في قبضته ~~وحفاظته، وما تضل في الأرض إنما هو أبدانكم لا نفوسكم التي هي المدلول ~~عليها بلفظ كم فإنه يتوفاكم. # ومن الآيات قوله تعالى: "ونفخ فيه من روحه" الآية: السجدة - 9، ذكره في ~~خلق الإنسان ثم قال تعالى: "يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي": ~~الإسراء - 85، فأفاد أن الروح من سنخ أمره، ثم عرف الأمر في قوله تعالى: ~~"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل ~~شيء": يس - 83 فأفاد أن الروح من الملكوت، وأنها كلمة كن ثم عرف الأمر ~~بتوصيفه بوصف آخر بقوله: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر - 50، ~~والتعبير بقوله: كلمح بالبصر يعطي أن الأمر الذي هو كلمة كن موجود دفعي ~~الوجود غير تدريجية، فهو يوجد من غير اشتراط وجوده وتقييده بزمان أو مكان، ~~ومن هنا يتبين أن الأمر - ومنه الروح شيء غير جسماني ولا مادي فإن، ~~الموجودات المادية الجسمانية من أحكامها العامة أنها تدريجية الوجود، مقيدة ~~بالزمان والمكان، فالروح التي للإنسان ليست بمادية جسمانية، وإن كان لها ~~تعلق بها. PageV01P203 # وهناك آيات تكشف عن كيفية هذا التعلق، فقد قال تعالى: "منها خلقناكم": طه - ~~55، وقال تعالى: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار": الرحمن - 14 وقال تعالى ~~"وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين": السجدة - 8، ~~ثم قال: سبحانه وتعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة ~~في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين": ~~المؤمنون - 14، فأفاد أن الإنسان لم يكن إلا جسما طبيعيا يتوارد عليه صور ~~مختلفة متبدلة، ثم أنشأ الله هذا الذي ms0341 هو جسم جامد خامد خلقا آخر ذا شعور ~~وإرادة، يفعل أفعالا: من الشعور والإرادة والفكر والتصرف في الأكوان، ~~والتدبير في أمور العالم بالنقل والتبديل والتحويل إلى غير ذلك مما لا يصدر ~~عن الأجسام والجسمانيات، فلا هي جسمانية، ولا موضوعها الفاعل لها. # فالنفس بالنسبة إلى الجسم الذي ينتهي أمره إلى إنشائها - وهو البدن الذي ~~تنشأ منه النفس - بمنزلة الثمرة من الشجرة والضوء من الدهن بوجه بعيد، ~~وبهذا يتضح كيفية تعلقها بالبدن ابتداعا، ثم بالموت تنقطع العلقة، وتبطل ~~المسكة، فهي في أول وجودها عين البدن، ثم تمتاز بالإنشاء منه، ثم تستقل عنه ~~بالكلية فهذا ما تفيده الآيات الشريفة المذكورة بظهورها: وهناك آيات كثيرة ~~تفيد هذه الحقيقة بالإيماء والتلويح، يعثر عليها المتدبر البصير، والله ~~الهادي. # قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات، لما أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلاة، ونهاهم عن القول بموت ~~من يقتل منهم في سبيل الله بل هم أحياء بين لهم السبب الذي من أجله خاطبهم ~~بما خاطب، وهو أنهم سيبتلون بما لا يتمهد لهم المعالي ولا يصفو لهم الأمر ~~في الحياة الشريفة، والدين الحنيف إلا به، وهو الحرب والقتال، لا يدور رحى ~~النصر والظفر على مرادهم إلا أن يتحصنوا بهذين الحصنين ويتأيدوا بهاتين ~~القوتين، وهما الصبر والظفر، ويضيفوا إلى ذلك ثالثا وهو خصلة ما حفظها قوم ~~إلا ظفروا بأقصى مرادهم وحازوا الغاية القصوى من كمالهم، واشتد بأسهم وطابت ~~نفسهم، وهو الإيمان بأن القتيل منهم غير ميت ولا فقيد، وأن سعيهم بالمال ~~والنفس غير ضائع ولا باطل، فإن قتلوا عدوهم فهم على الحياة، وقد أبادوا ~~عدوهم وما كان يريده من حكومة الجور والباطل عليهم - وإن قتلهم عدوهم فهم ~~على الحياة - ولم يتحكم الجور والباطل عليهم، فلهم إحدى الحسنيين على أي حال. # وعامة الشدائد التي يأتي بها هو الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس ~~فذكرها الله تعالى، وأما الثمرات فالظاهر أنها الأولاد، فإن تأثير الحرب في ~~قلة النسل بموت الرجال والشبان أظهر من تأثيره في نقص ثمرات الأشجار، ms0342 وربما ~~قيل: إن المراد ثمرات النخيل، وهي التمر والمراد بالأموال غيرها وهي الدواب ~~من الإبل والغنم. # قوله تعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، أعاد ذكر الصابرين ليبشرهم أولا، ويبين كيفية الصبر بتعليم ما ~~هو الصبر الجميل ثانيا، ويظهر به حق الأمر الذي يقضي بوجوب الصبر - وهو ~~ملكه تعالى للإنسان - ثالثا، ويبين جزاءه العام - وهو الصلاة والرحمة ~~والاهتداء - رابعا فأمر تعالى نبيه أولا بتبشيرهم، ولم يذكر متعلق البشارة ~~لتفخيم أمره فإنها من الله سبحانه فلا تكون إلا خيرا وجميلا، وقد ضمنها رب ~~العزة، ثم بين أن الصابرين هم الذين يقولون: كذا وكذا عند إصابة المصيبة، ~~وهي الواقعة التي تصيب الإنسان، ولا يستعمل لفظ المصيبة إلا في النازلة ~~المكروهة، ومن المعلوم أن ليس المراد بالقول مجرد التلفظ بالجملة من غير ~~حضور معناها بالبال، ولا مجرد الإخطار من غير تحقق بحقيقة معناها، وهي أن ~~الإنسان مملوك لله بحقيقة الملك، وأن مرجعه إلى الله سبحانه وبه يتحقق أحسن ~~الصبر الذي يقطع منابت الجزع والأسف، ويغسل رين الغفلة. PageV01P204 # بيانه أن وجود الإنسان وجميع ما يتبع وجوده، من قواه وأفعاله قائم الذات ~~بالله الذي هو فاطره وموجده فهو قائم به مفتقر ومستند إليه في جميع أحواله ~~من حدوث وبقاء غير مستقل دونه، فلربه التصرف فيه كيف شاء وليس للإنسان من ~~الأمر شيء إذ لا استقلال له بوجه أصلا فله الملك في وجوده وقواه وأفعاله حقيقة. # ثم إنه تعالى ملكه بالإذن نسبة ذاته، ومن هناك يقال: للإنسان وجود، وكذا ~~نسبة قواه وأفعاله ومن هناك يقال: للإنسان قوى كالسمع والبصر، ويقال: ~~للإنسان أفعال كالمشي والنطق، والأكل والشرب، ولو لا الإذن الإلهي لم يملك ~~الإنسان ولا غيره من المخلوقات نسبة من هذه النسب الظاهرة، لعدم استقلال في ~~وجودها من دون الله أصلا. # وقد أخبر سبحانه: أن الأشياء سيعود إلى حالها قبل الإذن ولا يبقى ملك إلا ~~لله وحده، قال تعالى: "لمن الملك اليوم. لله الواحد القهار": المؤمن - 16، ~~وفيه رجوع الإنسان بجميع ما ms0343 له ومعه إلى الله سبحانه. # فهناك ملك حقيقي هو لله سبحانه لا شريك له فيه، لا الإنسان ولا غيره، ~~وملك ظاهري صوري كملك الإنسان نفسه وولده وماله وغير ذلك وهو لله سبحانه ~~حقيقة، وللإنسان بتمليكه تعالى في الظاهر مجازا، فإذا تذكر الإنسان حقيقة ~~ملكه تعالى، ونسبه إلى نفسه فوجد نفسه ملكا طلقا لربه، وتذكر أيضا أن الملك ~~الظاهري فيما بين الإنسان ومن جملتها ملك نفسه لنفسه وماله وولده سيبطل ~~فيعود راجعا إلى ربه وجد أنه بالآخرة لا يملك شيئا أصلا لا حقيقة ولا ~~مجازا، وإذا كان كذلك لم يكن معنى للتأثر عن المصائب الموجبة للتأثر عند ~~إصابتها، فإن التأثر إنما يكون من جهة فقد الإنسان شيئا مما يملكه، حتى ~~يفرح بوجدانه، ويحزن بفقدانه، وأما إذا أذعن واعتقد أنه لا يملك شيئا لم ~~يتأثر ولم يحزن، وكيف يتأثر من يؤمن بأن الله له الملك وحده يتصرف في ملكه ~~كيف يشاء؟. ### # الأخلاق # اعلم أن إصلاح أخلاق النفس وملكاتها في جانبي العلم والعمل، واكتساب ~~الأخلاق الفاضلة، وإزالة الأخلاق الرذيلة إنما هو بتكرار الأعمال الصالحة ~~المناسبة لها ومزاولتها، والمداومة عليها، حتى تثبت في النفس من الموارد ~~الجزئية علوم جزئية، وتتراكم وتنتقش في النفس انتقاشا متعذر الزوال أو ~~متعسرها، مثلا إذا أراد الإنسان إزالة صفة الجبن واقتناء ملكة الشجاعة كان ~~عليه أن يكرر الورود في الشدائد والمهاول التي تزلزل القلوب وتقلقل ~~الأحشاء، وكلما ورد في مورد منها وشاهد أنه كان يمكنه الورود فيه وأدرك لذة ~~الإقدام وشناعة الفرار والتحذر انتقشت نفسه بذلك انتقاشا بعد انتقاش حتى ~~تثبت فيها ملكة الشجاعة، وحصول هذه الملكة العلمية وإن لم يكن في نفسه ~~بالاختيار لكنه بالمقدمات الموصلة إليه كما عرفت اختياري كسبي. # إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة ~~منها أحد مسلكين: المسلك الأول: تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيوية، ~~والعلوم والآراء المحمودة عند الناس كما يقال: إن العفة وقناعة الإنسان بما ~~عنده والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في أعين الناس والجاه عند ~~العامة، ms0344 وإن الشره يوجب الخصاصة والفقر، وإن الطمع يوجب ذلة النفس المنيعة، ~~وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة والوجاهة والأنس عند الخاصة، وإن العلم ~~بصر يتقي به الإنسان كل مكروه، ويدرك كل محبوب وإن الجهل عمى، وإن العلم ~~يحفظك وأنت تحفظ المال، وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون والحمد من ~~الناس على أي تقدير سواء غلب الإنسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور، وإن ~~العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية، وهي الحياة بعد الموت ببقاء الاسم ~~وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبة في القلوب. # وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق، والمأثور من بحث ~~الأقدمين من يونان وغيرهم فيه. PageV01P205 # ولم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامة ~~الناس عن المذموم عندهم، والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه، نعم ~~ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب ~~أخروي كقوله تعالى: "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة": البقرة - 150 دعا سبحانه إلى العزم والثبات، وعلله بقوله: لئلا يكون، ~~وكقوله تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا": الأنفال - 46، ~~دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح ~~وجرأة العدو، وقوله تعالى "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور": الشورى - ~~43، دعا إلى الصبر والعفو، وعلله بالعزم والإعظام. # المسلك الثاني: الغايات الأخروية، وقد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله ~~سبحانه "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة": التوبة ~~- 111، وقوله تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب": الزمر - 10، ~~وقوله تعالى: "إن الظالمين لهم عذاب أليم": إبراهيم - 22، وقوله تعالى: ~~"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات": البقرة - 257، وأمثالها كثيرة على ~~اختلاف فنونها. # ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير" ms0345 ~~فإن الآية دعت إلى ترك الأسى والفرح بأن الذي أصابكم ما كان ليخطئكم وما ~~أخطأكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضي وقدر مقدر، فالأسى ~~والفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمة الأمور كما ~~يشير إليه قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه" فهذا القسم من الآيات أيضا نظير القسم السابق الذي يتسبب فيه إلى ~~إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الأخروية، وهي كمالات حقيقية غير ظنية ~~يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالمبادىء السابقة الحقيقية من القدر والقضاء ~~والتخلق بأخلاق الله والتذكر بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ونحو ذلك. # فإن قلت: التسبب بمثل القضاء والقدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة ~~الاختيارية، وفي ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة، واختلال نظام هذه النشأة ~~الطبيعية، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات وترك الفرح ~~والأسى كما استفيد من الآية السابقة إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ، ~~ومقضية بقضاء محتوم أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق، وكسب كل كمال ~~مطلوب، والاتقاء عن كل رذيلة خلقية وغير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب ~~الرزق، والدفاع عن الحق، ونحو ذلك بأن الذي سيقع منه مقضي مكتوب، وكذا يجوز ~~أن نترك السعي في كسب كل كمال، وترك كل نقص بالاستناد التي حتم القضاء ~~وحقيقة الكتاب، وفي ذلك بطلان كل كمال. # قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء، ما يتضح به الجواب عن هذا الإشكال، ~~فقد ذكرنا ثم أن الأفعال الإنسانية من أجزاء علل الحوادث، ومن المعلوم أن ~~المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها، فقول ~~القائل: إن الشبع إما مقضي الوجود، وإما مقضي العدم، وعلى كل حال فلا تأثير ~~للأكل غلط فاحش، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق ~~الأكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطإ أن يفرض الإنسان معلولا ~~من المعاليل، ثم يحكم بإلغاء علله أو شيء من أجزاء علله. # فغير ms0346 جائز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيوية، ~~وإليه تنتسب سعادته وشقاؤه، وهو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من ~~أفعاله أو الأحوال والملكات الحاصلة من أفعاله، غير أنه كما لا يجوز له ~~إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل، وإبطال حكمه في التأثير، كذلك لا ~~يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا، وعلة تامة إليه تستند الحوادث، ~~من غير أن يشاركه شيء آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في ~~رأسها الإرادة الإلهية فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب ~~والكبر والبخل، والفرح والأسى، والغم ونحو ذلك. PageV01P206 # يقول الجاهل: أنا الذي فعلت كذا وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره ~~أو يبخل بماله - وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص، وهي ~~ألوف وألوف لو لم يمهد له الأمر لم يسد اختياره شيئا، ولا أغنى عن شيء - ~~يقول الجاهل: لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا، أو لما فات عني كذا، وهو ~~جاهل بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية، أو ~~الحياة - إلى ألوف وألوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق الفوات ~~أو الموت - انعدام واحد منها، وإن كان اختياره موجودا، على أن نفس اختيار ~~الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان فالاختيار لا يكون ~~بالاختيار. # فإذا عرفت ما ذكرنا وهو حقيقة قرآنية يعطيها التعليم الإلهي كما مر، ثم ~~تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد وجدت أن القرآن يستند إلى القضاء ~~المحتوم والكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض. # فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات يوجب استنادها إلى القضاء والقدر ~~إبطال حكم الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كل الدفع كقوله ~~تعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون": الأعراف - 28. # وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان ~~في ms0347 التأثير، وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير، ومستغنيا عن غيره، فإنه ~~يثبت استناده إلى القضاء ويهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطىء ~~بسالكه، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء ~~كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلا، ولا يحزن بما فقده جهلا كما في قوله ~~تعالى: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم": النور - 33، فإنه يدعو إلى الجود ~~بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى، وكما في قوله تعالى: "ومما رزقناهم ~~ينفقون": البقرة - 3، فإنه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله ~~تعالى، وكما في قوله تعالى: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا": ~~الكهف - 7، نهى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن والغم استنادا ~~إلى أن كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه بل ما على الأرض من شيء أمور ~~مجعولة عليها للابتلاء والامتحان إلى غير ذلك. # وهذا المسلك أعني الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق طريقة الأنبياء، ومنه ~~شيء كثير في القرآن، وفيما ينقل إلينا من الكتب السماوية. ### # وهاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم لا يوجد في شيء مما نقل إلينا من ~~الكتب السماوية، وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين، ولا في ~~المعارف المأثورة من الحكماء الإلهيين، وهو تربية الإنسان وصفا وعلما ~~باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها موضوع الرذائل، وبعبارة أخرى إزالة ~~الأوصاف الرذيلة بالرفع لا بالدفع. # وذلك كما أن كل فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إما ~~عزة في المطلوب يطمع فيها، أو قوة يخاف منها ويحذر عنها، لكن الله سبحانه ~~يقول: "إن العزة لله جميعا": يونس - 65، ويقول: "إن القوة لله جميعا": ~~البقرة - 165، والتحقق بهذا العلم الحق لا يبقى موضوعا لرياء، ولا سمعة، ~~ولا خوف من غير الله ولا رجاء لغيره، ولا ركون إلى غيره، فهاتان القضيتان ~~إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان كل ذميمة وصفا أو فعلا عن الإنسان ~~وتحليان نفسه بحلية ms0348 ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهية من التقوى بالله، ~~والتعزز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهية ربانية. PageV01P207 # وأيضا قد تكرر في كلامه تعالى: أن الملك لله، وأن له ملك السماوات والأرض ~~وأن له ما في السماوات والأرض وقد مر بيانه مرارا، وحقيقة هذا الملك كما هو ~~ظاهر لا تبقى لشيء من الموجودات استقلالا دونه، واستغناء عنه بوجه من ~~الوجوه فلا شيء إلا وهو سبحانه المالك لذاته ولكل ما لذاته، وإيمان الإنسان ~~بهذا الملك وتحققه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتا ووصفا وفعلا عنده عن ~~درجة الاستقلال، فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى، ولا أن ~~يخضع لشيء، أو يخاف أو يرجو شيئا، أو يلتذ أو يبتهج بشيء، أو يركن إلى شيء ~~أو يتوكل على شيء أو يسلم لشيء أو يفوض إلى شيء، غير وجهه تعالى، وبالجملة ~~لا يريد ولا يطلب شيئا إلا وجهه الحق الباقي بعد فناء كل شيء، ولا يعرض ~~إعراضا ولا يهرب إلا عن الباطل الذي هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعا ولا ~~يعبأ به قبال الحق الذي هو وجود باريه جل شأنه. # وكذلك قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى": طه - 8، ~~وقوله: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء": الأنعام - 102، وقوله: ~~"الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة - 7، وقوله: "وعنت الوجوه للحي القيوم": ~~طه - 111 وقوله: "كل له قانتون": البقرة - 116، وقوله: "وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه": الإسراء - 23، وقوله: "أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد": فصلت - 53، وقوله: "ألا إنه بكل شيء محيط": فصلت - 54، وقوله: "وأن ~~إلى ربك المنتهى": النجم - 42. # ومن هذا الباب الآيات التي نحن فيها وهي قوله تعالى: "وبشر الصابرين ~~الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" إلى آخرها فإن ~~هذه الآيات وأمثالها مشتملة على معارف خاصة إلهية ذات نتائج خاصة حقيقية لا ~~تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم أخلاقي في فنه، ولا نوع ~~التربية التي سنها الأنبياء في شرائعهم، ms0349 فإن المسلك الأول كما عرفت مبني ~~على العقائد العامة الاجتماعية في الحسن والقبح والمسلك الثاني مبني على ~~العقائد العامة الدينية في التكاليف العبودية ومجازاتها، وهذا المسلك ~~الثالث مبني على التوحيد الخالص الكامل الذي يختص به الإسلام على مشرعه ~~وآله أفضل الصلاة هذا. # فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث ~~فيه عن تمدن الإسلام، وحاصله: أن الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن ~~شئون المدنية التي بسطتها الدعوة الدينية الإسلامية بين الناس من متبعيها، ~~والمزايا والخصائص التي خلفها وورثها فيهم من تقدم الحضارة وتعالي المدنية، ~~وأما المعارف الدينية التي يشتمل عليها الإسلام فهي مواد أخلاقية يشترك ~~فيها جميع النبوات، ويدعو إليها جميع الأنبياء هذا. # وأنت بالإحاطة بما قدمناه من البيان تعرف سقوط نظره، وخبط رأيه فإن ~~النتيجة فرع لمقدمتها، والآثار الخارجية المترتبة على التربية إنما هي ~~مواليد ونتائج لنوع العلوم والمعارف التي تلقاها المتعلم المتربي، وليسا ~~سواء قول يدعو إلى حق نازل وكمال متوسط وقول يدعو إلى محض الحق وأقصى ~~الكمال، وهذا حال هذا المسلك الثالث، فأول المسالك يدعو إلى الحق ~~الاجتماعي، وثانيها يدعو إلى الحق الواقعي والكمال الحقيقي الذي فيه سعادة ~~الإنسان في حياته الآخرة، وثالثها يدعو إلى الحق الذي هو الله، ويبني ~~تربيته على أن الله سبحانه واحد لا شريك له، وينتج العبودية المحضة، وكم ~~بين المسالك من فرق!. # وقد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الإنساني جما غفيرا من العباد ~~الصالحين، والعلماء الربانيين، والأولياء المقربين رجالا ونساء، وكفى بذلك ~~شرفا للدين. # على أن هذا المسلك ربما يفترق عن المسلكين الآخرين بحسب النتائج، فإن ~~بناءه على الحب العبودي، وإيثار جانب الرب على جانب العبد ومن المعلوم أن ~~الحب والوله والتيم ربما يدل الإنسان المحب على أمور لا يستصوبه العقل ~~الاجتماعي الذي هو ملاك الأخلاق الاجتماعية، أو الفهم العام العادي الذي هو ~~أساس التكاليف العامة الدينية، فللعقل أحكام، وللحب أحكام، وسيجيء توضيح ~~هذا المعنى في بعض الأبحاث الآتية إن شاء الله تعالى. # قوله ms0350 تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون الآية. PageV01P208 # التدبر في الآية يعطي أن الصلاة غير الرحمة بوجه، ويشهد به جمع الصلاة ~~وإفراد الرحمة، وقد قال تعالى: "هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما": الأحزاب - 43، والآية تفيد كون ~~قوله: وكان بالمؤمنين رحيما، في موقع العلة لقوله: هو الذي يصلي عليكم، ~~والمعنى أنه إنما يصلي عليكم، وكان من اللازم المترقب ذلك، لأن عادته جرت ~~على الرحمة بالمؤمنين، وأنتم مؤمنون فكان من شأنكم أن يصلي عليكم حتى ~~يرحمكم، فنسبة الصلاة إلى الرحمة نسبة المقدمة إلى ذيها وكالنسبة التي بين ~~الالتفات والنظر، والتي بين الإلقاء في النار والإحراق مثلا، وهذا يناسب ما ~~قيل في معنى الصلاة: إنها الانعطاف والميل، فالصلاة من الله سبحانه انعطاف ~~إلى العبد بالرحمة ومن الملائكة انعطاف إلى الإنسان بالتوسط في إيصال ~~الرحمة، ومن المؤمنين رجوع ودعاء بالعبودية وهذا لا ينافي كون الصلاة ~~بنفسها رحمة ومن مصاديقها، فإن الرحمة في القرآن على ما يعطيه التدبر في ~~مواردها هي العطية المطلقة الإلهية، والموهبة العامة الربانية، كما قال ~~تعالى: "ورحمتي وسعت كل شيء": الأعراف - 156، وقال تعالى: "وربك الغني ذو ~~الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ~~آخرين": الأنعام - 133، فالإذهاب لغناه والاستخلاف والإنشاء لرحمته، وهما ~~جميعا يستندان إلى رحمته كما يستندان إلى غناه فكل خلق وأمر رحمة، كما أن ~~كل خلق وأمر عطية تحتاج إلى غنى، قال تعالى: "وما كان عطاء ربك محظورا: ~~الإسراء - 20، ومن عطيته الصلاة فهي أيضا من الرحمة غير أنها رحمة خاصة، ~~ومن هنا يمكن أن يوجه جمع الصلاة وإفراد الرحمة في الآية. # قوله تعالى: وأولئك هم المهتدون، كأنه بمنزلة النتيجة لقوله: أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة، ولذلك جدد اهتداءهم جملة ثانية مفصولة عن الأولى، ولم ~~يقل: صلوات من ربهم ورحمة وهداية، ولم يقل: وأولئك هم المهديون بل ذكر ~~قبولهم للهداية بالتعبير بلفظ الاهتداء الذي هو فرع مترتب على الهداية، فقد ~~تبين أن الرحمة ms0351 هدايتهم إليه تعالى، والصلوات كالمقدمات لهذه الهداية ~~واهتداءهم نتيجة هذه الهداية، فكل من الصلاة والرحمة والاهتداء غير الآخر ~~وإن كان الجميع رحمة بنظر آخر. # فمثل هؤلاء المؤمنين في ما يخبره الله من كرامته عليهم مثل صديقك تلقاه ~~وهو يريد دارك، ويسأل عنها يريد النزول بك فتلقاه بالبشر والكرامة، فتورده ~~مستقيم الطريق وأنت معه تسيره، ولا تدعه يضل في مسيره حتى تورده نزلة من ~~دارك وتعاهده في الطريق بمأكله ومشربه، وركوبه وسيره، وحفظه من كل مكروه ~~يصيبه فجميع هذه الأمور إكرام واحد لأنك إنما تريد إكرامه، وكل تعاهد تعاهد ~~وإكرام خاص، والهداية غير الإكرام، وغير التعاهد، وهو مع ذلك إكرام فكل ~~منها تعاهد، وكل منها هداية وكل منها إكرام خاص، والجميع إكرام. # فالإكرام الواحد العام بمنزلة الرحمة، والتعاهدات في كل حين بمنزلة ~~الصلوات، والنزول في الدار بمنزلة الاهتداء. # والإتيان بالجملة الاسمية في قوله: وأولئك هم المهتدون، والابتداء باسم ~~الإشارة الدال على البعيد، وضمير الفصل ثانيا وتعريف الخبر بلام الموصول في ~~قوله: المهتدون كل ذلك لتعظيم أمرهم وتفخيمه - والله أعلم -. ### PageV01P209 ### |||| AUTO بحث روائي في البرزخ وحياة الروح بعد الموت # في تفسير القمي، عن سويد بن غفلة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن ~~ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة مثل له ماله ~~وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إني كنت عليك لحريصا شحيحا، فما ~~لي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك، ثم يلتفت إلى ولده فيقول: والله إني كنت لكم ~~لمحبا، وإني كنت عليكم لحاميا، فما ذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك ~~ونواريك فيها، ثم يلتفت إلى عمله فيقول: والله إني كنت فيك لزاهدا، وإنك ~~كنت علي لثقيلا، فما ذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم حشرك، حتى ~~أعرض أنا وأنت على ربك، فإن كان لله وليا أتاه أطيب الناس ريحا وأحسنهم ~~منظرا، وأزينهم رياشا، فيقول: بشر بروح من الله وريحان وجنة نعيم، قد قدمت ~~خير مقدم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك ms0352 الصالح أرتحل من الدنيا إلى ~~الجنة، وإنه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجله فإذا دخل قبره أتاه ملكان، ~~وهما فتانا القبر، يحبران أشعارهما، ويحبران الأرض بأنيابهما، وأصواتهما ~~كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربك، ومن نبيك؟ ~~وما دينك؟ فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والإسلام ديني، فيقولان: ثبتك الله ~~فيما تحب وترضى، وهو قول الله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا الآية، فيفسحان له في قبره مد بصره، ويفتحان له بابا إلى ~~الجنة ويقولان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم، وهو قوله: أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا. وإذا كان لربه عدوا فإنه يأتيه أقبح خلق ~~الله رياشا، وأنتنه ريحا، فيقول له أبشر بنزل من حميم، وتصلية جحيم، وإنه ~~ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يحبسه، فإذا أدخل قبره أتياه ممتحنا القبر، ~~فألقيا عنه أكفانه ثم قالا له، من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري ~~فيقولان له: ما دريت ولا هديت، فيضربانه بمرزبة ضربة ما خلق الله دابة إلا ~~وتذعر لها ما خلا الثقلان، ثم يفتحان له بابا إلى النار، ثم يقولان له: نم ~~بشر حال، فيبوء من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج، حتى أن دماغه يخرج من ~~بين ظفره ولحمه، ويسلط الله عليه حيات الأرض وعقاربها وهوامها تنهشه حتى ~~يبعثه الله من قبره، وإنه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر. # وفي منتخب البصائر، عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا فقلت له: ~~فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم. # وفي أمالي الشيخ عن ابن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ~~فقال: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين بعد موتهم؟ قلت: يقولون في حواصل ~~طيور خضر، فقال: سبحان الله، المؤمن أكرم على الله من ذلك! إذا كان ذلك ~~أتاه رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام)، ومعهم ملائكة ~~الله عز وجل المقربون، ms0353 فإن أنطق الله لسانه بالشهادة له بالتوحيد، وللنبي ~~بالنبوة والولاية لأهل البيت، شهد على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) والملائكة المقربون معهم ~~وإن اعتقل لسانه خص الله نبيه بعلم ما في قلبه من ذلك، فشهد به، وشهد على ~~شهادة النبي: علي وفاطمة والحسن والحسين على جماعتهم من الله أفضل السلام ~~ومن حضر معهم من الملائكة فإذا قبضه الله إليه صير تلك الروح إلى الجنة، في ~~صورة كصورته، فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة ~~التي كانت في الدنيا. # وفي المحاسن، عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر ~~الأرواح، أرواح المؤمنين فقال: يلتقون، قلت: يلتقون؟ قال: نعم يتساءلون ~~ويتعارفون حتى إذا رأيته قلت: فلان. # وفي الكافي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليزور أهله ~~فيرى ما يحب، ويستر عنه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله، فيرى ما يكره ~~ويستر عنه ما يحب، قال: منهم من يزور كل جمعة، ومنهم من يزور على قدر عمله. PageV01P210 # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): أن الأرواح في صفة الأجساد في شجر من ~~الجنة، تعارف وتساءل، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول: دعوها، فإنها قد ~~أقبلت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل فلان، وما فعل فلان فإن قالت لهم: ~~تركته حيا ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى. # أقول: والروايات في باب البرزخ كثيرة، وإنما نقلنا ما فيه جوامع معنى ~~البرزخ، وفي المعاني المنقولة روايات مستفيضة كثيرة، وفيها دلالة على نشأة ~~مجردة عن المادة. ### |||| AUTO بحث فلسفي # هل النفس مجردة عن المادة؟ ونعني بالنفس ما يحكي عنه كل واحد منا بقوله، ~~أنا وبتجردها عدم كونها أمرا ماديا ذا انقسام وزمان ومكان. # إنا لا نشك في أنا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: بأنا، ولا نشك أن ~~كل إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حينا من أحيان حياتنا ~~وشعورنا، ms0354 وليس هو شيئا من أعضائنا، وأجزاء بدننا التي نشعر بها بالحس أو ~~بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر ~~واللمس ونحو ذلك، وأعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحس والتجربة. # فإنا ربما نغفل عن كل واحد منها وعن كل مجموع منها حتى عن مجموعها التام ~~الذي نسميه بالبدن، ولا نغفل قط عن المشهود الذي نعبر عنه: بأنا، فهو غير ~~البدن وغير أجزائه. # وأيضا لو كان هو البدن أو شيئا من أعضائه أو أجزائه: أو خاصة من الخواص ~~الموجود فيها - وهي جميعا مادية، ومن حكم المادة التغير التدريجي وقبول ~~الانقسام والتجزي - لكان ماديا متغيرا وقابلا للانقسام وليس كذلك فإن كل ~~أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه، وذكر ما كان يجده ~~من هذه المشاهدة منذ أول شعوره بنفسه وجده معنى مشهودا واحدا باقيا على ~~حاله من غير أدنى تعدد وتغير، كما يجد بدنه، وأجزاء بدنه والخواص الموجودة ~~معها متغيرة متبدلة من كل جهة، في مادتها وشكلها، وسائر أحوالها وصورها، ~~وكذا وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام والتجزي، كما يجد البدن وأجزاءه ~~وخواصه - وكل مادة وأمر مادي كذلك - فليست النفس هي البدن، ولا جزءا من ~~أجزائه، ولا خاصة من خواصه، سواء أدركناه بشيء من الحواس أو بنحو من ~~الاستدلال، أو لم ندرك، فإنها جميعا مادية كيفما فرضت، ومن حكم المادة ~~التغير، وقبول الانقسام، والمفروض أن ليس في مشهودنا المسمى بالنفس شيء من ~~هذه الأحكام فليست النفس بمادية بوجه. # وأيضا هذا الذي نشاهده نشاهده أمرا واحدا بسيطا ليس فيه كثرة من الأجزاء ~~ولا خليط من خارج بل هو واحد صرف فكل إنسان يشاهد ذلك من نفسه ويرى أنه هو ~~وليس بغيره فهذا المشهود أمر مستقل في نفسه، لا ينطبق عليه حد المادة ولا ~~يوجد فيه شيء من أحكامها اللازمة، فهو جوهر مجرد عن المادة، متعلق بالبدن ~~نحو تعلق يوجب اتحادا ما له بالبدن وهو التعلق التدبيري وهو المطلوب. # وقد أنكر تجرد النفس جميع الماديين، وجمع من الإلهيين من المتكلمين، ~~والظاهريين ms0355 من المحدثين، واستدلوا على ذلك، وردوا ما ذكر من البرهان بما لا ~~يخلو عن تكلف من غير طائل. # قال الماديون: إن الأبحاث العلمية على تقدمها وبلوغها اليوم إلى غاية ~~الدقة في فحصها وتجسسها لم تجد خاصة من الخواص البدنية إلا وجدت علتها ~~المادية، ولم تجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتى تحكم ~~بسببها بوجود روح مجردة. PageV01P211 # قالوا: وسلسلة الأعصاب تؤدي الإدراكات إلى العضو المركزي وهو الجزء الدماغي ~~على التوالي وفي نهاية السرعة، ففيه مجموعة متحدة ذات وضع واحد لا يتميز ~~أجزاؤها ولا يدرك بطلان بعضها، وقيام الآخر مقامه، وهذا الواحد المتحصل هو ~~نفسنا التي نشاهدها، ونحكي عنها بأنا، فالذي نرى أنه غير جميع أعضائنا صحيح ~~إلا أنه لا يثبت أنه غير البدن وغير خواصه، بل هو مجموعة متحدة من جهة ~~التوالي والتوارد لا نغفل عنه، فإن لازم الغفلة عنه على ما تبين بطلان ~~الأعصاب ووقوفها عن أفعالها وهو الموت، والذي نرى أنه ثابت، صحيح لكنه لا ~~من جهة ثباته وعدم تغيره في نفسه بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي ~~الواردات الإدراكية وسرعة ورودها، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب ~~ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائما، فما فيه من الماء يجده الحس ~~واحدا ثابتا، وهو بحسب الواقع لا واحد ولا ثابت، وكذا يجد عكس الإنسان أو ~~الشجر أو غيرهما فيه واحدا ثابتا وليس واحدا ثابتا بل هو كثير متغير تدريجا ~~بالجريان التدريجي الذي لأجزاء الماء فيه، وعلى هذا النحو وجود الثبات ~~والوحدة والشخصية التي نرى في النفس. # قالوا: فالنفس التي يقام البرهان على تجردها من طريق المشاهدة الباطنية ~~هي في الحقيقة مجموعة من خواص طبيعية، وهي الإدراكات العصبية التي هي نتائج ~~حاصلة من التأثير والتأثر المتقابلين بين جزء المادة الخارجية، وجزء المركب ~~العصبي، ووحدتها وحدة اجتماعية لا وحدة واقعية حقيقية. ### # أقول: أما قولهم: إن الأبحاث العلمية المبتنية على الحس والتجربة لم تظفر ~~في سيرها الدقيق بالروح، ولا وجدت حكما من الأحكام غير قابل ms0356 التعليل إلا ~~بها فهو كلام حق لا ريب فيه لكنه لا ينتج انتفاء النفس المجردة التي أقيم ~~البرهان على وجودها، فإن العلوم الطبيعية الباحثة عن أحكام الطبيعة وخواص ~~المادة إنما تقدر على تحصيل خواص موضوعها الذي هو المادة، وإثبات ما هو من ~~سنخها، وكذا الخواص والأدوات المادية التي نستعملها لتتميم التجارب المادي ~~إنما لها أن تحكم في الأمور المادية، وأما ما وراء المادة والطبيعة، فليس ~~لها أن تحكم فيها نفيا ولا إثباتا، وغاية ما يشعر البحث المادي به هو عدم ~~الوجدان، وعدم الوجدان غير عدم الوجود، وليس من شأنه كما عرفت أن يجد ما ~~بين المادة التي هي موضوعها، ولا بين أحكام المادة وخواصها التي هي نتائج ~~بحثها أمرا مجردا خارجا عن سنخ المادة وحكم الطبيعة. # والذي جرأهم على هذا النفي زعمهم أن المثبتين لهذه النفس المجردة إنما ~~أثبتوها لعثورهم إلى أحكام حيوية من وظائف الأعضاء ولم يقدروا على تعليلها ~~العلمي، فأثبتوا النفس المجردة لتكون موضوعا مبدأ لهذه الأفاعيل، فلما حصل ~~العلم اليوم على عللها الطبيعية لم يبق وجه للقول بها، ونظير هذا الزعم ما ~~زعموه في باب إثبات الصانع. # وهو اشتباه فاسد فإن المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك ولم ~~يسندوا بعض الأفاعيل البدنية إلى البدن فيما علله ظاهرة، وبعضها إلى النفس ~~فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنية بلا واسطة وإلى ~~النفس بواسطتها، وإنما أسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن البتة ~~وهو علم الإنسان بنفسه ومشاهدته ذاته كما مر. PageV01P212 # وأما قولهم: إن الإنية المشهودة للإنسان على صفة الوحدة هي عدة من ~~الإدراكات العصبية الواردة على المركز على التوالي وفي نهاية السرعة - ولها ~~وحدة اجتماعية - فكلام لا محصل له ولا ينطبق عليه الشهود النفساني البتة، ~~وكأنهم ذهلوا عن شهودهم النفساني فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسية إلى ~~الدماغ واشتغلوا بالبحث عما يلزم ذلك من الآثار التالية وليت شعري إذا فرض ~~أن هناك أمورا كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها البتة، وهذه الأمور الكثيرة ms0357 ~~التي هي الإدراكات أمور مادية ليس وراءها شيء آخر إلا نفسها، وأن الأمر ~~المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة، فمن أين حصل ~~هذا الواحد الذي لا نشاهد غيره؟ ومن أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها ~~عيانا؟ والذي ذكروه من وحدتها الاجتماعية كلام أشبه بالهزل منه بالجد فإن ~~الواحد الاجتماعي هو كثير في الواقع من غير وحدة وإنما وحدتها في الحس أو ~~الخيال كالدار الواحدة والخط الواحد مثلا، لا في نفسه، والمفروض في محل ~~كلامنا أن الإدراكات والشعورات الكثيرة في نفسها هي شعور واحد عند نفسها، ~~فلازم قولهم إن هذه الإدراكات في نفسها كثيرة لا ترجع إلى وحدة أصلا، وهي ~~بعينها شعور واحد نفساني واقعا، وليس هناك أمر آخر له هذه الإدراكات ~~الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة كما يدرك الحاسة أو الخيال المحسوسات أو ~~المتخيلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعية، فإن المفروض أن ~~مجموع الإدراكات الكثيرة في نفسها نفس الإدراك النفساني الواحد في نفسه، ~~ولو قيل: إن المدرك هاهنا الجزء الدماغي يدرك الإدراكات الكثيرة على نعت ~~الوحدة كان الإشكال بحاله، فإن المفروض أن إدراك الجزء الدماغي نفس هذه ~~الإدراكات الكثيرة المتعاقبة بعينها، لا أن للجزء الدماغي قوة إدراك تتعلق ~~بهذه الإدراكات كتعلق القوى الحسية بمعلوماتها الخارجية وانتزاعها منها ~~صورا حسية، فافهم ذلك. # والكلام في كيفية حصول الثبات والبساطة في هذا المشهود الذي هو متغير ~~متجز في نفسه كالكلام في حصول وحدته. # مع أن هذا الفرض أيضا - أعني أن يكون الإدراكات الكثيرة المتوالية ~~المتعاقبة مشعورة بشعور دماغي على نعت الوحدة - نفسه فرض غير صحيح، فما شأن ~~الدماغ والقوة التي فيه، والشعور الذي لها، والمعلوم الذي عندها، وهي جميعا ~~أمور مادية، ومن شأن المادة والمادي الكثرة، والتغير، وقبول الانقسام، وليس ~~في هذه الصورة العلمية شيء من هذه الأوصاف والنعوت، وليس غير المادة ~~والمادي هناك شيء؟. # وقولهم: إن الأمر يشتبه على الحس أو القوة المدركة، فيدرك الكثير المتجزي ~~المتغير واحدا بسيطا ثابتا غلط واضح، فإن الغلط والاشتباه من الأمور ms0358 ~~النسبية التي تحصل بالمقايسة والنسبة، لا من الأمور النفسية، مثال ذلك أنا ~~نشاهد الأجرام العظيمة السماوية صغيرة كالنقاط البيض، ونغلط في مشاهدتنا ~~هذه، على ما تبينه البراهين العلمية، وكثير من مشاهدات حواسنا إلا أن هذه ~~الأغلاط إنما تحصل وتوجد إذا قايسنا ما عند الحس مما في الخارج من واقع هذه ~~المشهودات، وأما ما عند الحس في نفسه فهو أمر واقعي كنقطة بيضاء لا معنى ~~لكونه غلطا البتة. # والأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل فإن حواسنا وقوانا المدركة إذا وجدت ~~الأمور الكثيرة المتغيرة المتجزية على صفة الوحدة والثبات والبساطة كانت ~~القوى المدركة غالطة في إدراكها مشتبهة في معلومها بالقياس إلى المعلوم ~~الذي في الخارج وأما هذه الصورة العلمية الموجودة عند القوة فهي واحدة ~~ثابتة بسيطة في نفسها البتة، ولا يمكن أن يقال للأمر الذي هذا شأنه: أنه ~~مادي لفقده أوصاف المادة العامة. # فقد تحصل من جميع ما ذكرنا أن الحجة التي أوردها الماديون من طريق الحس ~~والتجربة إنما ينتج عدم الوجدان، وقد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود ~~وهو مدعاهم مكان عدم الوجدان، وما صوروه لتقرير الشهود النفساني المثبت ~~لوجود أمر واحد بسيط ثابت تصوير فاسد لا يوافق، لا الأصول المادية المسلمة ~~بالحس والتجربة، ولا واقع الأمر الذي هو عليه في نفسه. PageV01P213 # وأما ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد في أمر النفس وهو أنه الحالة ~~المتحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحية، من الإدراك والإرادة والرضا ~~والحب وغيرها المنتجة لحالة متحدة مؤلفة فلا كلام لنا فيه، فإن لكل باحث أن ~~يفترض موضوعا ويضعه موضوعا لبحثه، وإنما الكلام فيه من حيث وجوده وعدمه في ~~الخارج والواقع مع قطع النظر عن فرض الفارض وعدمه، وهو البحث الفلسفي كما ~~هو ظاهر على الخبير بجهات البحث. # وقال قوم آخرون من نفاة تجرد النفس من المليين: إن الذي يتحصل من الأمور ~~المربوطة بحياة الإنسان كالتشريح والفيزيولوجي أن هذه الخواص الروحية ~~الحيوية تستند إلى جراثيم الحياة والسلولات التي هي الأصول في حياة الإنسان ~~وسائر الحيوان، وتتعلق ms0359 بها، فالروح خاصة وأثر مخصوص فيها لكل واحد منها ~~أرواح متعددة فالذي يسميه الإنسان روحا لنفسه ويحكي عنه بأنا مجموعة متكونة ~~من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد والاجتماع، ومن المعلوم أن هذه ~~الكيفيات الحيوية والخواص الروحية تبطل بموت الجراثيم والسلولات وتفسد ~~بفسادها فلا معنى للروح الواحدة المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني ~~غاية الأمر أن الأصول المادية المكتشفة بالبحث العلمي لما لم تف بكشف رموز ~~الحياة كان لنا أن نقول: إن العلل الطبيعية لا تفي بإيجاد الروح فهي معلولة ~~لموجود آخر وراء الطبيعة، وأما الاستدلال على تجرد النفس من جهة العقل محضا ~~فشيء لا يقبله ولا يصغي إليه العلوم اليوم لعدم اعتمادها على غير الحس ~~والتجربة، هذا. # أقول: وأنت خبير بأن جميع ما أوردناه على حجة الماديين وارد على هذه ~~الحجة المختلقة من غير فرق ونزيدها أنها مخدوشة أولا: بأن عدم وفاء الأصول ~~العلمية المكتشفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح والحياة لا ينتج عدم وفائها ~~أبدا ولا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادية في نفس الأمر على جهل ~~منا، فهل هذا إلا مغالطة وضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم؟. # وثانيا: بأن استناد بعض حوادث العالم - وهي الحوادث المادية - إلى ~~المادة، وبعضها الآخر وهي الحوادث الحيوية إلى أمر وراء المادة - وهو ~~الصانع - قول بأصلين في الإيجاد، ولا يرتضيه المادي ولا الإلهي، وجميع أدلة ~~التوحيد يبطله. # وهنا إشكالات أخر أوردوها على تجرد النفس مذكورة في الكتب الفلسفية ~~والكلامية غير أن جميعها ناشئة عن عدم التأمل والإمعان فيما مر من البرهان، ~~وعدم التثبت في تعقل الغرض منه، ولذلك أضربنا عن إيرادها، والكلام عليها، ~~فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانها، والله الهادي. ### PageV01P214 ### |||| AUTO بحث أخلاقي # علم الأخلاق وهو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه ~~النباتية والحيوانية والإنسانية، وتميز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل ~~الإنسان التحلي والاتصاف بها سعادته العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب ~~الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الإنساني يظفر ببحثه أن الأخلاق ~~الإنسانية تنتهي ms0360 إلى قوى عامة ثلاثة فيه هي الباعثة للنفس على اتخاذ العلوم ~~العملية التي تستند وتنتهي إليها أفعال النوع وتهيئتها وتعبيتها عنده، وهي ~~القوى الثلاث: الشهوية والغضبية والنطقية الفكرية، فإن جميع الأعمال ~~والأفعال الصادرة عن الإنسان إما من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة ~~كالأكل والشرب واللبس وغيرها، وإما من الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرة ~~كدفاع الإنسان عن نفسه وعرضه وماله ونحو ذلك، وهذه الأفعال هي الصادرة عن ~~المبدأ الغضبي كما أن القسم السابق عليها صادر عن المبدأ الشهوي، وإما من ~~الأعمال المنسوبة إلى التصور والتصديق الفكري، كتأليف القياس وإقامة الحجة ~~وغير ذلك، وهذه الأفعال صادرة عن القوة النطقية الفكرية، ولما كانت ذات ~~الإنسان كالمؤلفة المركبة من هذه القوى الثلاث التي باتحادها وحصول الوحدة ~~التركيبية منها يصدر أفعال خاصة نوعية، ويبلغ الإنسان سعادته التي من أجلها ~~جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع أن لا يدع قوة من هذه القوى الثلاث ~~تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، وتميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة ~~والنقيصة، فإن في ذلك خروج جزء المركب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل ~~التركيب وفي ذلك خروج المركب عن كونه ذاك المركب ولازمه بطلان غاية التركيب ~~التي هي سعادة النوع. # وحد الاعتدال في القوة الشهوية - وهي استعمالها على ما ينبغي كما وكيفا - ~~يسمى عفة، والجانبان في الإفراط والتفريط الشره والخمود، وحد الاعتدال في ~~القوة الغضبية هي الشجاعة، والجانبان التهور والجبن، وحد الاعتدال في القوة ~~الفكرية تسمى حكمة، والجانبان الجربزة والبلادة، وتحصل في النفس من اجتماع ~~هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج، وهي التي تسمى عدالة، وهي ~~إعطاء كل ذي حق من القوى حقه، ووضعه في موضعه الذي ينبغي له، والجانبان ~~فيها الظلم والانظلام. # فهذه أصول الأخلاق الفاضلة أعني: العفة والشجاعة والحكمة والعدالة، ولكل ~~منها فروع ناشئة منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الأصول ~~المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود والسخاء، والقناعة والشكر، والصبر ~~والشهامة # والجرأة والحياء، والغيرة والنصيحة، والكرامة والتواضع، وغيرها، هي فروع ~~الأخلاق ms0361 الفاضلة المضبوطة في كتب الأخلاق وهاك شجرة تبين أصولها وتفرع ~~فروعها وعلم الأخلاق يبين حد كل واحد منها ويميزها من جانبيها في الإفراط ~~والتفريط، ثم يبين أنها حسنة جميلة ثم يشير إلى كيفية اتخاذها ملكة في ~~النفس من طريقي العلم والعمل أعني الإذعان بأنها حسنة جميلة، وتكرار العمل ~~بها حتى تصير هيئة راسخة في النفس. # مثاله أن يقال: إن الجبن إنما يحصل من تمكن الخوف من النفس، والخوف إنما ~~يكون من أمر ممكن الوقوع وعدم الوقوع، والمساوي الطرفين يقبح ترجيح أحد ~~طرفيه على الآخر من غير مرجح والإنسان العاقل لا ينبغي له ذلك فلا ينبغي ~~للإنسان أن يخاف. # فإذا لقن الإنسان نفسه هذا القول ثم كرر الإقدام والورود في المخاوف ~~والمهاول زالت عنه رذيلة الخوف، وهكذا الأمر في غيره من الرذائل والفضائل. # فهذا ما يقتضيه المسلك الأول على ما تقدم في البيان وخلاصته إصلاح النفس ~~وتعديل ملكاتها لغرض الصفة المحمودة والثناء الجميل. # ونظيره ما يقتضيه المسلك الثاني، وهو مسلك الأنبياء وأرباب الشرائع، ~~وإنما التفاوت من حيث الغرض والغاية، فإن غاية الاستكمال الخلقي في المسلك ~~الأول الفضيلة المحمودة عند الناس والثناء الجميل منهم، وغايته في المسلك ~~الثاني السعادة الحقيقية للإنسان وهو استكمال الإيمان بالله وآياته، والخبر ~~الأخروي وهي سعادة وكمال في الواقع لا عند الناس فقط، ومع ذلك فالمسلكان ~~يشتركان في أن الغاية القصوى والغرض فيها الفضيلة الإنسانية من حيث العمل. PageV01P215 # وأما المسلك الثالث المتقدم بيانه فيفارق الأولين بأن الغرض فيه ابتغاء وجه ~~الله لا اقتناء الفضيلة الإنسانية ولذلك ربما اختلف المقاصد التي فيه مع ما ~~في المسلكين الأولين فربما كان الاعتدال الخلقي فيه غير الاعتدال الذي ~~فيهما وعلى هذا القياس، بيان ذلك أن العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد ~~والإزدياد انجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربه، واستحضار أسمائه الحسنى، ~~وصفاته الجميلة المنزهة عن النقص والشين ولا تزال تزيد نفسه انجذابا، ~~وتترقى مراقبة حتى صار يعبد الله كأنه يراه وأن ربه يراه، ويتجلى له في ~~مجالي الجذبة والمراقبة والحب فيأخذ ms0362 الحب في الاشتداد لأن الإنسان مفطور ~~على حب الجميل، وقد قال تعالى: "والذين آمنوا أشد حبا لله": البقرة - 165، ~~وصار يتبع الرسول في جميع حركاته وسكناته لأن حب الشيء يوجب حب آثاره، ~~والرسول من آثاره وآياته كما أن العالم أيضا آثاره وآياته تعالى، ولا يزال ~~يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شيء، ولا يحب إلا ربه، ولا ~~يخضع قلبه إلا لوجهه فإن هذا العبد لا يعثر بشيء، ولا يقف على شيء وعنده ~~شيء من الجمال والحسن إلا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عنده من كمال لا ~~ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، وكل ~~ما كان لغيره فهو له، لأن كل ما سواه آية له ليس له إلا ذلك، والآية لا ~~نفسية لها، وإنما هي حكاية تحكي صاحبها وهذا العبد قد استولى سلطان الحب ~~على قلبه، ولا يزال يستولي، ولا ينظر إلى شيء إلا لأنه آية من آيات ربه، ~~وبالجملة فينقطع حبه عن كل شيء إلى ربه، فلا يحب شيئا إلا لله سبحانه وفي ~~الله سبحانه. # وحينئذ يتبدل نحو إدراكه وعمله فلا يرى شيئا إلا ويرى الله سبحانه قبله ~~ومعه، وتسقط الأشياء عنده من حيز الاستقلال فما عنده من صور العلم والإدراك ~~غير ما عند الناس لأنهم إنما ينظرون إلى كل شيء من وراء حجاب الاستقلال ~~بخلافه، هذا من جهة العلم، وكذلك الأمر من جهة العمل فإنه إذا كان لا يحب ~~إلا لله فلا يريد شيئا إلا لله وابتغاء وجهه الكريم، ولا يطلب ولا يقصد ولا ~~يرجو ولا يخاف، ولا يختار، ولا يترك، ولا ييأس، ولا يستوحش، ولا يرضى، ولا ~~يسخط إلا لله وفي الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض وتتبدل غاية ~~أفعاله فإنه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لأنه فضيلة ~~إنسانية، ويحذر الفعل أو الخلق لأنه رذيلة إنسانية. # وأما الآن فإنما يريد وجه ربه، ولا هم له في فضيلة ولا رذيلة، ولا شغل ms0363 له ~~بثناء جميل، وذكر محمود، ولا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار، ~~وإنما همه ربه، وزاده ذل عبوديته، ودليله حبه. # روت لي أحاديث الغرام صبابة. # بإسنادها عن جيرة العلم الفرد. # وحدثني مر النسيم عن الصبا. # عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد. # عن الدمع عن عيني القريح عن الجوى. # عن الحزن عن قلبي الجريح عن الوجد. # بأن غرامي والهوى قد تحالفا. # على تلفي حتى أوسد في لحدي. # وهذا البيان الذي أوردناه وإن آثرنا فيه الإجمال والاختصار لكنك إن أجدت ~~فيه التأمل وجدته كافيا في المطلوب وتبين أن هذا المسلك الثالث يرتفع فيه ~~موضوع الفضيلة والرذيلة، ويتبدل فيه الغاية والغرض أعني الفضيلة الإنسانية ~~إلى غرض واحد، وهو وجه الله، وربما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما ~~هو معدود في غيره فضيلة رذيلة فيه وبالعكس. ### # بقي هنا شيء وهو أن هاهنا نظرية أخرى في الأخلاق تغاير ما تقدم، وربما عد ~~مسلكا آخر، وهي أن الأخلاق تختلف أصولا وفروعا باختلاف الاجتماعات المدنية ~~لاختلاف الحسن والقبح من غير أن يرجع إلى أصل ثابت قائم على ساق، وقد ادعي ~~أنها نتيجة النظرية المعروفة بنظرية التحول والتكامل في المادة. PageV01P216 # قالوا: إن الاجتماع الإنساني مولود جميع الاحتياجات الوجودية التي يريد ~~الإنسان أن يرفعها بالاجتماع، ويتوسل بذلك، إلى بقاء وجود الاجتماع الذي ~~يراه بقاء وجود شخصه، وحيث إن الطبيعة محكومة لقانون التحول والتكامل كان ~~الاجتماع أيضا متغيرا في نفسه، ومتوجها في كل حين إلى ما هو أكمل وأرقى، ~~والحسن والقبح وهما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال وعدم موافقته ~~له - لا معنى لبقائهما على حال واحد، وجمودهما على نهج فارد، فلا حسن ~~مطلقا، ولا قبح مطلقا، بل هما دائما نسبيان مختلفان باختلاف الاجتماعات ~~بحسب الأمكنة والأزمنة، وإذا كان الحسن والقبح نسبيين متحولين وجب التغير ~~في الأخلاق، والتبدل في الفضائل والرذائل ومن هنا يستنتج أن الأخلاق تابعة ~~للمرام القومي الذي هو وسيلة إلى نيل الكمال المدني والغاية الاجتماعية، ~~لتبعية الحسن والقبح لذلك ms0364 فما كان به التقدم والوصول إلى الغاية والغرض كان ~~هو الفضيلة وفيه الحسن، وما كان يدعو إلى الوقوف والارتجاع كان هو الرذيلة، ~~وعلى هذا فربما كان الكذب والافتراء والفحشاء والشقاوة والقساوة والسرقة ~~والوقاحة حسنة وفضيلة إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعي، والصدق والعفة ~~والرحمة رذيلة قبيحة إذا أوجب الحرمان عن المطلوب، هذه خلاصة هذه النظرية ~~العجيبة التي ذهبت إليها الاشتراكيون من الماديين، والنظرية غير حديثة، على ~~ما زعموا، فقد كان الكلبيون من قدماء - اليونان - على ما ينقل على هذه ~~المسلك، وكذا المزدكيون وهم أتباع مزدك الذي ظهر بإيران على عهد كسرى ودعا ~~إلى الاشتراك كان عملهم على ذلك، ويعهد من بعض القبائل الوحشية بإفريقية ~~وغيرهم. # وكيف كان فهو مسلك فاسد والحجة التي أقيمت على هذه النظرية فاسدة من حيث ~~البناء والمبنى معا. # توضيح ذلك: أنا نجد كل موجود من هذه الموجودات العينية الخارجية يصحب ~~شخصية تلازمه، ويلزمها أن لا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر ويفارقه ~~في الوجود، كما أن وجود زيد يصحب شخصية ونوع وحدة لا يمكن معها أن يكون عين ~~عمرو، فزيد شخص واحد، وعمرو شخص آخر، وهما شخصان اثنان، لا شخص واحد، فهذه ~~حقيقة لا شك فيها وهذا غير ما نقول: إن عالم المادة موجود ذو حقيقة واحدة ~~شخصية فلا ينبغي أن يشتبه الأمر. # وينتج ذلك: أن الوجود الخارجي عين الشخصية، لكن المفاهيم الذهنية يخالف ~~الموجود الخارجي في هذا الحكم فإن المعنى كيف ما كان يجوز العقل أن يصدق ~~على أكثر من مصداق واحد كمفهوم الإنسان ومفهوم الإنسان الطويل، ومفهوم هذا ~~الإنسان القائم أمامنا، وأما تقسيم المنطقيين المفهوم إلى الكلي والجزئي، ~~وكذا تقسيمهم الجزئي إلى الإضافي والحقيقي فإنما هو تقسيم بالإضافة ~~والنسبة، إما نسبة أحد المفهومين إلى الآخر وإما نسبته إلى الخارج، وهذا ~~الوصف الذي في المفاهيم - وهو جواز الانطباق على أكثر من واحد - ربما نسميه ~~بالإطلاق كما نسمي مقابله بالشخصية أو الوحدة. # ثم الموجود الخارجي ونعني به الموجود المادي خاصة لما كان واقعا تحت ~~قانون التغير ms0365 والحركة العمومية كان لا محالة ذا امتداد منقسما إلى حدود ~~وقطعات، كل قطعة منها تغاير القطعة الأخرى مما تقدم عليها أو تأخر عنها، ~~ومع ذلك فهي مرتبطة بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغير والتبدل ~~لأن أحد شيئين إذا عدم من أصله، والآخر وجد من أصله لم يكن ذلك تبدل هذا من ~~ذاك، بل التبدل الذي يلازم كل حركة إنما يتحقق بوجود قدر مشترك في الحالين جميعا. # ومن هنا يظهر أن الحركة أمر واحد بشخصه يتكثر بحسب الإضافة إلى الحدود، ~~فيتعين بكل نسبة قطعة تغاير القطعة الأخرى، وأما نفس الحركة فسيلان وجريان ~~واحد شخصي، ونحن ربما سمينا هذا الوصف في الحركة إطلاقا في مقابل النسب ~~التي لها إلى كل حد حد، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها ~~إلى الحدود. # ومن هنا يظهر أن المطلق بالمعنى الثاني أمر واقعي موجود في الخارج، بخلاف ~~المطلق بالمعنى الأول فإن الإطلاق بهذا المعنى وصف ذهني لموجود ذهني، هذا. PageV01P217 # ثم إنا لا نشك أن الإنسان موجود طبيعي ذو أفراد وأحكام وخواص وأن الذي ~~توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الإنسان دون مجموع الأفراد أعني الاجتماع ~~الإنساني إلا أن الخلقة لما أحست بنقص وجوده، واحتياجه إلى استكمالات لا ~~تتم له وحدة، جهزه بأدوات وقوى تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع وضمن ~~الأفراد المجتمعين، فطبيعة الإنسان الفرد مقصود للخلقة أولا وبالذات ~~والاجتماع مقصود لها ثانيا وبالتبع. # وأما حقيقة أمر الإنساني مع هذا الاجتماع الذي تقتضيه وتتحرك إليه ~~الطبيعة الإنسانية إن صح إطلاق الاقتضاء والعلية والتحرك في مورد الاجتماع ~~حقيقة فإن الفرد من الإنسان موجود شخصي واحد بالمعنى الذي تقدم من شخصيته ~~ووحدته، وهو مع ذلك واقع في الحركة، متبدل متحول إلى الكمال، ومن هنا كان ~~كل قطعة من قطعات وجوده المتبدل مغايرة لغيرها من القطعات، وهو مع ذلك ذو ~~طبيعة سيالة مطلقة محفوظة في مراحل التغيرات واحدة شخصية، وهذه الطبيعة ~~الموجودة في الفرد محفوظة بالتوالد والتناسل واشتقاق الفرد من الفرد - وهي ~~التي ms0366 نعبر عنها بالطبيعة النوعية - فإنها محفوظة بالأفراد وإن تبدلت وعرض ~~لها الفساد والكون، بمثل البيان الذي مر في خصوص الطبيعة الفردية، فالطبيعة ~~الشخصية موجودة متوجهة إلى الكمال الفردي، والطبيعة النوعية موجودة مطلقة ~~متوجهة إلى الكمال. # وهذا الاستكمال النوعي لا شك في وجوده وتحققه في نظام الطبيعة، وهو الذي ~~نعتمد عليه في قولنا: إن النوع الإنساني مثلا متوجه إلى الكمال، وإن ~~الإنسان اليوم أكمل وجودا من الإنسان الأولى، وكذا ما تحكم به فرضية تحول ~~الأنواع، فلولا أن هناك طبيعة نوعية خارجية محفوظة في الأفراد أو الأنواع ~~مثلا لم يكن هذا الكلام إلا كلاما شعريا. # والكلام في الاجتماع الشخصي القائم بين أفراد قوم أو في عصر أو في محيط، ~~ونوع الاجتماع القائم بنوع الإنسان المستمر باستمراره والمتحول بتحوله لو ~~صح أن الاجتماع كالإنسان المجتمع حال خارجي لطبيعة خارجية! نظير القول في ~~طبيعة الإنسان الشخصية والنوعية في التقييد والإطلاق. # فالاجتماع متحرك متبدل بحركة الإنسان وتبدله وله وحدة من بادىء الحركة ~~إلى أين توجه بوجود مطلق - وهذا الواحد المتغير بواسطة نسبته وإضافته إلى ~~كل حد حد تصير قطعة قطعة، وكل قطعة شخص واحد من أشخاص الاجتماع، وأشخاص ~~الاجتماع مستندة في وجودها إلى أشخاص الإنسان، كما أن مطلق الاجتماع ~~بالمعنى الذي تقدم مستند إلى مطلق الطبيعة الإنسانية، فإن حكم الشخص شخص ~~الحكم وفرده، وحكم المطلق مطلق الحكم لا كلي الحكم، فلسنا نعني الإطلاق ~~المفهومي فلا تغفل ونحن لا نشك أن الفرد من الإنسان وهو واحد له حكم واحد ~~باق ببقائه، إلا أنه متبدل بتبدلات جزئية بتبع التبدلات الطارئة على موضوعه ~~الذي هو الإنسان فمن أحكام الإنسان الطبيعي أنه يتغذى ويفعل بالإرادة ويحس ~~ويتفكر - وهو موجود مع الإنسان وباق - ببقائه وإن تبدل طبق تبدله في نفسه، ~~وكذلك الكلام في أحكام مطلق الإنسان الموجود بوجود أفراده. # ولما كان الاجتماع من أحكام الطبيعة الإنسانية وخواصها فمطلق الاجتماع ~~نعني به الاجتماع المستمر الذي أوجدته الطبيعة الإنسانية المستمرة من حين ~~وجد الإنسان الفرد إلى يومنا هذا من خواص النوع الإنساني ms0367 المطلق، موجود معه ~~باق ببقائه، وأحكام الاجتماع التي أوجدها واقتضاها هي مع الاجتماع موجودة ~~بوجوده، باقية ببقائه، وإن تبدلت بتبدلات جزئية مع انحفاظ الأصل مثل نوعها، ~~وحينئذ صح لنا أن نقول: إن هناك أحكاما اجتماعية باقية غير متغيرة، كوجود ~~مطلق الحسن والقبح، كما أن نفس الاجتماع المطلق كذلك، بمعنى أن الاجتماع لا ~~ينقلب إلى غير الاجتماع كالانفراد وإن تبدل اجتماع خاص إلى آخر خاص، والحسن ~~المطلق والخاص كالاجتماع المطلق والخاص بعينه. ### PageV01P218 ثم إنا نرى أن الفرد من الإنسان يحتاج في وجوده وبقائه إلى كمالات ومنافع ~~يجب له أن يجتلبها ويضمها إلى نفسه، والدليل على هذا الوجوب احتياجه في ~~جهات وجوده وتجهيز الخلقة له بما يقوى به على ذلك، كجهاز التغذي وجهاز ~~التناسل مثلا، فعلى الإنسان أن يقدم عليه، وليس له أن لا يقدم قطعا ~~بالتفريط فإنه يناقض دليل الوجوب الذي ذكرناه، وليس له أن يقدم في باب من ~~أبواب الحاجة بما يزيد على اللازم بالإفراط، مثل أن يأكل حتى يموت، أو ~~يمرض، أو يتعطل عن سائر قواه الفعالة، بل عليه أن يتوسط في جلب كل كمال أو ~~منفعة، وهذا التوسط هي العفة، وطرفاه الشره والخمود، وكذلك نرى الفرد في ~~وجوده وبقائه متوسطا بين نواقص وأضداد ومضار لوجوده يجب عليه أن يدفعها، ~~والدليل عليه الاحتياج والتجهيز في نفسه فيجب عليه المقاومة والدفاع على ما ~~ينبغي من التوسط، من غير إفراط يضاد سائر تجهيزاته أو تفريط يضاد الاحتياج ~~والتجهيز المربوطين، وهذا التوسط هي الشجاعة، وطرفاها التهور والجبن ونظير ~~الكلام جار في العلم ومقابليه أعني الجربزة والبلادة، وفي العدالة ~~ومقابليها وهما الظلم والانظلام. # فهذه أربع ملكات وفضائل يستدعيه الطبيعة الفردية المجهزة بأدواتها: العفة ~~والشجاعة، والحكمة، والعدالة - وهي كلها حسنة - لأن معنى الحسن الملاءمة ~~لغاية الشيء وكماله وسعادته، وهي جميعا ملاءمة مناسبة لسعادة الفرد بالدليل ~~الذي تقدم ذكره، ومقابلاتها رذائل قبيحة، وإذا كان الفرد من الإنسان ~~بطبيعته وفي نفسه على هذا الوصف فهو في ظرف الاجتماع أيضا على هذا الوصف، ~~وكيف يمكن أن يبطل ms0368 الاجتماع - وهو من أحكام هذه الطبيعة - سائر أحكامها ~~الوجودية؟ وهل هو إلا تناقض الطبيعة الواحدة، وليس حقيقة الاجتماع إلا ~~تعاون الأفراد في تسهيل الطريق إلى استكمال طبائعهم وبلوغها إلى غاية ~~أمنيتها؟. # وإذا كان الفرد من الإنسان في نفسه وفي ظرف الاجتماع على هذا الوصف، فنوع ~~الإنسان في اجتماعه النوعي أيضا كذلك، فنوع الإنسان في اجتماعه يستكمل ~~بالدفاع بقدر ما لا يفسد الاجتماع وباجتلاب المنافع بقدر ما لا يفسد ~~الاجتماع، وبالعلم بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعدالة الاجتماعية - وهي ~~إعطاء كل ذي حق حقه، وبلوغه حظه الذي يليق به دون الظلم والانظلام - وكل ~~هذه الخصال الأربع فضائل بحكم الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الإنساني ~~بحسنها المطلق ويعد مقابلاتها رذائل ويقضي بقبحها. # فقد تبين بهذا البيان: أن في الاجتماع المستمر الإنساني حسنا وقبحا لا ~~يخلو عنهما قط وأن أصول الأخلاق الأربعة فضائل حسنة دائما، ومقابلاتها ~~رذائل قبيحة دائما، والطبيعة الإنسانية الاجتماعية تقضي بذلك، وإذا كان ~~الأمر في الأصول على هذا النحو فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها ~~في القبول ذلك، وإن كان ربما يقع اختلاف ما في مصاديقها من جهة الانطباق ~~على ما سنشير إليه. # إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الأخلاق ~~وهاك بيانه. # أما قولهم: إن الحسن والقبح المطلقين غير موجودين، بل الموجود منهما ~~النسبي من الحسن والقبح وهو متغير مختلف باختلاف المناطق والأزمنة ~~والاجتماعات، فهو مغالطة ناشئة من الخلط بين الإطلاق المفهومي بمعنى الكلية ~~والإطلاق الوجودي بمعنى استمرار الوجود، فالحسن والقبح المطلقان الكليان ~~غير موجودين في الخارج لوصف الكلية والإطلاق، لكنهما ليسا هما الموجبين لما ~~نقصده من النتيجة، وأما الحسن والقبح المطلقان المستمران بمعنى استمرارهما ~~حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمرا باستمرار الطبيعة فهما كذلك، فإن ~~غاية الاجتماع سعادة النوع، ولا يمكن موافقة جميع الأفعال الممكنة ~~والمفروضة للاجتماع كيف ما، فرض فهناك أفعال موافقة ومخالفة دائما فهناك ~~حسن وقبح دائما. PageV01P219 # وعلى هذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيف ما فرض ولا يعتقد أهله ms0369 أن من الواجب ~~أن يعطى كل ذي حق حقه أو أن جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب أو أن الدفاع ~~عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم أو أن العلم الذي يتميز به منافع ~~الإنسان من غيرها فضيلة حسنة؟ وهذه هي العدالة والعفة، والشجاعة، والحكمة ~~التي ذكرنا أن الاجتماع الإنساني كيف ما فرض لا يحكم إلا بحسنها وكونها ~~فضائل إنسانية، وكذا كيف يتيسر لاجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض ~~والانفعال عن التظاهر بالقبيح الشنيع، وهو الحياء من شعب العفة أو لا يحكم ~~بوجوب السخط وتغير النفس في هتك المقدسات وهضم الحقوق، وهو الغيرة من شعب ~~الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للإنسان من الحقوق الاجتماعية، ~~وهو القناعة أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعي من غير دحض ~~الناس وتحقيرهم بالاستكبار والبغي بغير الحق، وهو التواضع؟ وهكذا الأمر في ~~كل واحد واحد من فروع الفضائل. # وأما ما يزعمونه من اختلاف الأنظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص ~~الفضائل وصيرورة الخلق الواحد فضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين في أمثلة ~~جزئية فليس من جهة اختلاف النظر في الحكم الاجتماعي بأن يعتقد قوم بوجوب ~~اتباع الفضيلة الحسنة وآخرون بعدم وجوبه بل من جهة الاختلاف في انطباق ~~الحكم على المصداق وعدم انطباقه مثل أن الاجتماعات التي كانت تديرها ~~الحكومات المستبدة كانت ترى لعرش الملك الاختيار التام في أن يفعل ما يشاء، ~~ويحكم ما يريد، وليس ذلك لسوء ظنهم بالعدالة بل لاعتقادهم بأنه من حقوق ~~السلطنة والملك فلم يكن ذلك ظلما من مقام السلطنة بل إيفاء بحقوقه الحقة ~~بزعمهم. # ومثل أن العلم كان يعير به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملة ~~فرنسا في القرون الوسطى، ولم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أن ~~العلم بالسياسة وفنون إدارة الحكومة يضاد المشاغل السلطانية. # ومثل أن عفة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزوج، وكذا الحياء من النساء ~~وكذا الغيرة من رجالهن، وكذا عدة من الفضائل كالقناعة والتواضع أخلاق لا ~~يذعن بفضلها ms0370 في بعض الاجتماعات، لكن ذلك منهم لأن اجتماعهم الخاص لا يعدها ~~مصاديق للعفة والحياء والغيرة والقناعة والتواضع، لا لأن هذه الفضائل ليست ~~فضائل عندهم. # والدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفة الحاكم في حكمه ~~والقاضي في قضائه، ويمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، ويمدحون الغيرة ~~للدفاع عن الاستقلال والحضارة وعن جميع مقدساتهم، ويمدحون القناعة بما عينه ~~القانون من الحقوق لهم، ويمدحون التواضع لأئمتهم وهداتهم في الاجتماع. # وأما قولهم: بدوران الأخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام ~~الاجتماعي واستنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع ففيه ~~مغالطة واضحة فإن المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين ~~التي قررتها الطبيعة بين الأفراد المجتمعين ولا محالة تكون موصلة إلى ~~سعادتهم لو لا الإخلال بانتظامها وجريها، ولا محالة لها أحكام: من الحسن ~~والقبح والفضيلة والرذيلة، والمراد بالمرام مجموع الفرضيات التي وضعت ~~لإيجاد اجتماع على هيئة جديدة بتحميلها على الأفراد المجتمعين، أعني أن ~~الاجتماع والمرام الاجتماعي متغايران بالفعلية والقوة، والتحقق وفرض ~~التحقق، فكيف يصير حكم أحدهما عين حكم الآخر، وكيف يكون الحسن والقبح، ~~والفضيلة والرذيلة التي عينها الاجتماع العام باقتضاء من الطبيعة الإنسانية ~~متبدلة إلى ما حكم به المرام الذي ليس إلا فرضا من فارض؟. # ولو قيل: أن لا حكم للاجتماع العام الطبيعي من نفسه بل الحكم للمرام، ~~وخاصة إذا كانت فرضية متلائمة لسعادة الأفراد عاد الكلام السابق في الحسن ~~والقبح، والفضيلة والرذيلة، وأنها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاء مستمر من ~~الطبيعة. PageV01P220 # على أن هاهنا محذورا آخر وهو أن الحسن والقبح وسائر الأحكام الاجتماعية - ~~وهي التي تعتمد عليها الحجة الاجتماعية وتتألف منها الاستدلالات - لو كانت ~~تابعة للمرام، ومن الممكن بل الواقع تحقق مرامات مختلفة متناقضة متباينة ~~أدى ذلك إلى ارتفاع الحجة المشتركة المقبولة عند عامة الاجتماعات، ولم يكن ~~التقدم والنجاح حينئذ إلا للقدرة والتحكم، وكيف يمكن أن يقال: إن الطبيعة ~~الإنسانية ساقت أفرادها إلى حياة اجتماعية لا تفاهم بين أجزائها ولا حكم ~~يجمعها إلا حكم مبطل لنفس الاجتماع؟ وهل هذا إلا تناقض ms0371 شنيع في حكم الطبيعة ~~واقتضائها الوجودي؟. ### |||| AUTO بحث روائي آخر في متفرقات متعلقة بما تقدم # عن الباقر (عليه السلام) قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: إني راغب نشيط في الجهاد. قال: فجاهد في سبيل الله فإنك إن ~~تقتل كنت حيا عند الله مرزوقا وإن مت فقد وقع أجرك على الله الحديث. ### # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): وإن مت إلخ إشارة إلى قوله تعالى: "ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله": النساء - 100، وفيه دلالة على أن الخروج إلى الجهاد مهاجرة إلى الله ~~ورسوله. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في إسماعيل النبي الذي سماه الله ~~سبحانه صادق الوعد، قال (عليه السلام) إنما سمي صادق الوعد لأنه وعد رجلا ~~في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسماه الله عز وجل صادق الوعد، ثم إن ~~الرجل أتاه بعد ذلك الوقت فقال له إسماعيل: ما زلت منتظرا لك الحديث. # أقول: وهذا أمر ربما يحكم العقل العادي بكونه منحرفا عن جادة الاعتدال مع ~~أن الله سبحانه جعله منقبة له (عليه السلام) حتى عظم قدره ورفع ذكره بقوله: ~~"واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر ~~أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا": مريم - 55، فليس ذلك إلا أن ~~الميزان الذي وزن به هذا العمل غير الميزان الذي بيد العقل العادي، فللعقل ~~العادي تربية بتدبيره ولله سبحانه تربية لأوليائه بتأييده، وكلمة الله هي ~~العليا، ونظائر هذه القضية كثيرة مروية منقولة عن النبي والأئمة والأولياء. # فإن قلت: كيف يمكن مخالفة الشرع مع العقل في ما للعقل إليه سبيل. # قلت: أما حكم العقل في ما له إليه سبيل ففي محله، لكنه يحتاج إلى موضوع ~~يقع عليه حكمه، وقد عرفت في ما تقدم أن أمثال هذه العلوم في المسلك الثالث ~~الذي ذكرناه لا تبقي للعقل موضوعا يحكم فيه وعليه، وهذا سبيل المعارف ~~الإلهية والظاهر أن إسماعيل النبي (عليه السلام) كان ms0372 أطلق القول بوعده بأن ~~قال: أنتظرك هاهنا حتى تعود إلي ثم التزم على إطلاق قوله صونا لنفسه عن نقض ~~العهد والكذب في الوعد وحفظا لما ألقى الله في روعه وأجراه على لسانه، وقد ~~روي نظيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان عند المسجد الحرام ~~فوعده بعض أصحابه بالرجوع إليه ووعده النبي بانتظاره حتى يرجع فذهب في شأنه ~~ولم يرجع، فانتظره النبي ثلاثة أيام في مكانه الذي وعده حتى مر به الرجل ~~بعد الثلاثة، وهو جالس ينتظر والرجل قد نسي الوعد، الحديث. # وفي الخصائص، للسيد الرضي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وقد سمع ~~رجلا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون يا هذا إن قولنا: إنا لله إقرار منا ~~بالملك، وإنا إليه راجعون إقرار منا بالهلاك. أقول: وقد اتضح معناه بما ~~تقدم ورواه في الكافي، مفصلا. # وفي الكافي،: عن إسحاق بن عمار وعبد الله بن سنان، عن الصادق (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال الله عز وجل: ~~إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا فمن أقرضني فيها قرضا أعطيته بكل واحدة ~~عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن لم يقرضني قرضا وأخذت منه شيئا قسرا أعطيته ثلاث ~~خصال لو أعطيت واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها عني، ثم قال أبو عبد الله: قول ~~الله: الذين إذا أصابتهم مصيبة - قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم، فهذه واحدة من ثلاث خصال، ورحمة اثنتان، وأولئك هم ~~المهتدون ثلاث، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) هذا لمن أخذ الله منه ~~شيئا قسرا. PageV01P221 # أقول: والرواية مروية لطرق أخرى متقاربة وفي المعاني، عن الصادق (عليه ~~السلام): الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة التزكية، ومن الناس دعاء. # أقول: وفي معناه عدة روايات أخر، وبين هذه الرواية وما تقدمها تناف ظاهرا ~~حيث إن الرواية السابقة تعد الصلاة غير الرحمة، ويساعد عليه ظاهر قوله ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وهذه الرواية تعدها رحمة ويرتفع التنافي ~~بالرجوع إلى ما تقدم ms0373 من البيان. PageV01P222 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 158 # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) ### |||| AUTO بيان # الصفا والمروة موضعان بمكة يأتي الحجاج بينهما بعمل السعي، وهما جبلان ~~مسافة بينهما سبعمائة وستون ذراعا ونصف ذراع على ما قيل، وأصل الصفا في ~~اللغة الحجر الصلب الأملس، وأصل المروة الحجر الصلب، والشعائر جمع شعيرة، ~~وهي العلامة، ومنه المشعر، ومنه قولنا: أشعر، الهدي أي أعلمه، والحج هو ~~القصد بعد القصد، أي القصد المكرر، وهو في اصطلاح الشرع العمل المعهود بين ~~المسلمين، والاعتمار الزيارة وأصله العمارة لأن الديار تعمر بالزيارة، وهو ~~في اصطلاح الشرع زيارة البيت بالطريق المعهود، والجناح الميل عن الحق ~~والعدل، ويراد به الإثم، فيئول نفي الجناح إلى التجويز، والتطوف من الطواف، ~~وهو الدوران حول الشيء، وهو السير الذي ينتهي آخره إلى أوله، ومنه يعلم أن ~~ليس من اللازم كونه حول شيء، وإنما ذلك من مصاديقه الظاهرة وعلى هذا المعنى ~~أطلق التطوف في الآية، فإن المراد به السعي وهو قطع ما بين الصفا والمروة ~~من المسافة سبع مرات متوالية، والتطوع من الطوع بمعنى الطاعة، وقيل: إن ~~التطوع يفارق الإطاعة في أنه يستعمل في المندوب خاصة، بخلاف الإطاعة ولعل ~~ذلك - لو صح هذا القول - بعناية أن العمل الواجب لكونه إلزاميا كأنه ليس ~~بمأتي به طوعا، بخلاف المأتي من المندوب فإنه على الطوع من غير شائبة، وهذا ~~تلطف عنائي وإلا فأصل الطوع يقابل الكره ولا ينافي الأمر الإلزامي. # قال تعالى: "قال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها": فصلت - 11، وأصل باب ~~التفعل الأخذ لنفسه، كقولنا: تميز أي أخذ يميز، وتعلم الشيء أي أخذ يعلمه، ~~وتطوع خيرا أي أخذ يأتي بالخير بطوعه، فلا دليل من جهة اللغة على اختصاص ~~التطوع بالامتثال الندبي إلا أن توجبه العناية العرفية المذكورة. # فقوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى قوله: يطوف بهما يشير ~~إلى كون المكانين معلمين بعلامة الله سبحانه، يدلان بذلك ms0374 عليه، ويذكرانه ~~تعالى واختصاصهما بكونهما من الشعائر دون بقية الأشياء جميعا يدل على أن ~~المراد بالشعائر ليست الشعائر التكوينية بل هما شعيرتان بجعله تعالى إياهما ~~معبدين يعبد فيهما، فهما يذكران الله سبحانه، فكونهما شعيرتين يدل على أنه ~~تعالى قد شرع فيهما عبادة متعلقة بهما، وتفريع قوله: "فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" إنما هو للإيذان بأصل تشريع السعي بين ~~الصفا والمروة، لا لإفادة الندب، ولو كان المراد إفادة الندب كان الأنسب ~~بسياق الكلام أن يمدح التطوف، لا أن ينفي ذمه، فإن حاصل المعنى أنه لما كان ~~الصفا والمروة معبدين ومنسكين من معابد الله فلا يضركم أن تعبدوه فيهما، ~~وهذا لسان التشريع، ولو كان المراد إفادة الندب كان الأنسب أن يفاد أن ~~الصفا والمروة لما كانا من شعائر الله فإن الله يحب السعي بينهما - وهو ~~ظاهر - والتعبير بأمثال هذا القول الذي لا يفيد وحدة الإلزام في مقام ~~التشريع شائع في القرآن، وكقوله تعالى في الجهاد: "ذلكم خير لكم": الصف - ~~11، وفي الصوم "وأن تصوموا خير لكم": البقرة - 184، وفي القصر "فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلوة": النساء - 101. # قوله تعالى: ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم، إن كان معطوفا على مدخول ~~فاء التفريع في قوله تعالى: فمن حج البيت أو اعتمر، كان كالتعليل لتشريع ~~التطوف بمعنى آخر أعم من العلة الخاصة التي تبين بقوله: إن الصفا والمروة، ~~وكان المراد بالتطوع مطلق الإطاعة لا الإطاعة المندوبة، وإن كان استينافا ~~بالعطف إلى أول الآية كان مسوقا لإفادة محبوبية التطوف في نفسه إن كان ~~المراد بتطوع الخير هو التطوف أو مسوقا لإفادة محبوبية الحج والعمرة إن كان ~~هما المراد بتطوع الخير هذا. PageV01P223 # والشاكر والعليم اسمان من أسماء الله الحسنى، والشكر هو مقابلة من أحسن ~~إليه إحسان المحسن بإظهاره لسانا أو عملا كمن ينعم إليه المنعم بالمال ~~فيجازيه بالثناء الجميل الدال على نعمته أو باستعمال المال في ما يرتضيه، ~~ويكشف عن إنعامه، والله سبحانه وإن كان محسنا قديم الإحسان ومنه كل ms0375 الإحسان ~~لا يد لأحد عنده حتى يستوجبه الشكر إلا أنه جل ثناؤه عد الأعمال الصالحة ~~التي هي في الحقيقة إحسانه إلى عباده إحسانا من العبد إليه، فجازاه بالشكر ~~والإحسان وهو إحسان على إحسان قال تعالى: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان": ~~الرحمن - 60، وقال تعالى: "إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا": الدهر ~~- 22، فإطلاق الشاكر عليه تعالى على حقيقة معنى الكلمة من غير مجاز. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي،: عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام): سألته: عن ~~السعي بين الصفا والمروة فريضة هي أم سنة؟ قال: فريضة، قلت: أليس الله ~~يقول: فلا جناح عليه أن يطوف بهما؟ قال: كان ذلك في عمرة القضاء، وذلك أن ~~رسول الله كان شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام فتشاغل رجل من أصحابه حتى أعيدت ~~الأصنام قال: فأنزل الله، إن الصفا والمروة من شعائر الله - فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، أي والأصنام عليها: أقول: وعن ~~الكافي، ما يقرب منه. # وفي الكافي، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في حديث حج النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): بعد ما طاف بالبيت وصلى ركعتيه قال: (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدأ بما بدأ الله عز وجل، وإن ~~المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل ~~الله إن الصفا والمروة من شعائر الله - فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما. # أقول: ولا تنافي بين الروايتين في شأن النزول، وهو ظاهر، وقوله (عليه ~~السلام) في الرواية فابدأ بما بدأ الله ملاك التشريع، وقد مضى في حديث هاجر ~~وسعيها سبع مرات بين الصفا والمروة أن السنة جرت بذلك. # وفي الدر المنثور،: عن عامر الشعبي قال: كان وثن بالصفا يدعى إساف، ووثن ~~بالمروة يدعى نائلة فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ~~ويمسحون الوثنين فلما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا: يا ~~رسول الله إن الصفا والمروة إنما ms0376 كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس ~~الطواف بهما من الشعائر، فأنزل الله: إن الصفا والمروة الآية فذكر الصفا من ~~أجل الوثن الذي كان عليه، وأثبت المروة من جهة الصنم الذي كان عليه موثبا. # أقول: وقد روى الفريقان في المعاني السابقة روايات كثيرة. # ومقتضى جميع هذه الروايات أن الآية نزلت في تشريع السعي في سنة حج فيها ~~المسلمون، وسورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة، ومن هنا يستنتج أن الآية ~~غير متحدة السياق مع ما قبلها من آيات القبلة فإنها نزلت في السنة الثانية ~~من الهجرة كما تقدم، ومع الآيات التي في مفتتح السورة، فإنها نزلت في السنة ~~الأولى من الهجرة فللآيات سياقات متعددة كثيرة، لا سياق واحد. PageV01P224 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 159 - 162 # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينت والهدى من بعد ما بينه للناس فى ~~الكتب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملئكة والناس أجمعين (161) خلدين فيها ~~لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، الظاهر والله ~~أعلم - أن المراد بالهدى ما تضمنه الدين الإلهي من المعارف والأحكام الذي ~~يهدي تابعيه إلى السعادة، وبالبينات الآيات والحجج التي هي بينات وأدلة ~~وشواهد على الحق الذي هو الهدى، فالبينات في كلامه تعالى وصف خاص بالآيات ~~النازلة، وعلى هذا يكون المراد بالكتمان وهو الإخفاء - أعم من كتمان أصل ~~الآية، وعدم إظهاره للناس، أو كتمان دلالته بالتأويل أو صرف الدلالة ~~بالتوجيه، كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوة ذلك فما يجهله الناس لا ~~يظهرونه لهم، وما يعلم به الناس يؤولونه بصرفه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: من بعد ما بيناه للناس، أفاد أن كتمانهم إنما هو بعد البيان ~~والتبين للناس، لا لهم فقط، وذلك أن التبين لكل شخص شخص من أشخاص الناس أمر ~~لا يحتمله النظام الموجود المعهود في ms0377 هذا العالم، لا في الوحي فقط، بل في ~~كل إعلام عمومي وتبيين مطلق، بل إنما يكون باتصال الخبر إلى بعض الناس من ~~غير واسطة وإلى بعض آخرين بواسطتهم، بتبليغ الحاضر الغائب، والعالم الجاهل، ~~فالعالم يعد من وسائط البلوغ وأدواته، كاللسان والكلام: فإذا بين الخبر ~~للعالم المأخوذ عليه الميثاق بعلمه مع غيره من المشافهين فقد بين الناس، ~~فكتمان العالم علمه هذا كتمان العلم عن الناس بعد البيان لهم وهو السبب ~~الوحيد الذي عده الله سبحانه سببا لاختلاف الناس في الدين وتفرقهم في سبل ~~الهداية والضلالة، وإلا فالدين فطري تقبله الفطرة وتخضع له القوة المميزة ~~بعد ما بين لها، قال تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون": الروم - 30، فالدين فطري على الخلقة لا يدفعه الفطرة أبدا لو ظهر ~~لها ظهورا ما بالصفاء من القلب، كما في الأنبياء، أو ببيان قولي، ولا محالة ~~ينتهي هذا الثاني إلى ذلك الأول فافهم ذلك. # ولذلك جمع في الآية بين كون الدين فطريا على الخلقة وبين عدم العلم به ~~فقال: فطرة الله التي فطر الناس عليها، وقال: لكن أكثر الناس لا يعلمون، ~~وقال تعالى: "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم": ~~البقرة - 213، فأفاد أن الاختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب إنما هو ناش عن ~~بغي العلماء الحاملين له، فالاختلافات الدينية والانحراف عن جادة الصواب ~~معلول بغي العلماء بالإخفاء والتأويل والتحريف، وظلمهم، حتى أن الله عرف ~~الظلم بذلك يوم القيامة كما قال: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا": الأعراف - 44، والآيات ~~في هذا المعنى كثيرة. # فقد تبين أن الآية مبتنية على الآية أعني، أن قوله تعالى: إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~الآية، مبتنية على قوله تعالى: كان الناس أمة ms0378 واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم الآية، ~~ومشيرة إلى جزاء هذا البغي بذيلها وهو قوله: أولئك يلعنهم الله إلخ. PageV01P225 # قوله تعالى: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، بيان لجزاء بغي الكاتمين ~~لما أنزله الله من الآيات والهدى، وهو اللعن من الله، واللعن من كل لاعن، ~~وقد كرر اللعن لأن اللعن مختلف فإنه من الله التبعيد من الرحمة والسعادة ~~ومن اللاعنين سؤاله من الله، وقد أطلق اللعن منه ومن اللاعنين وأطلق ~~اللاعنين، وهو يدل على توجيه كل اللعن من كل لاعن إليهم والاعتبار يساعد ~~عليه فإن الذي يقصده لاعن بلعنه هو البعد عن السعادة، ولا سعادة بحسب ~~الحقيقة، إلا السعادة الحقيقية الدينية، وهذه السعادة لما كانت مبينة من ~~جانب الله، مقبولة عند الفطرة، فلا يحرم عنها محروم إلا بالرد والجحود، وكل ~~هذا الحرمان إنما هو لمن علم بها وجحدها عن علم دون من لا يعلم بها ولم ~~تبين له، وقد أخذ الميثاق على العلماء أن يبثوا علمهم وينشروا ما عندهم من ~~الآيات والهدى، فإذا كتموه وكفوا عن بثه فقد جحدوه فأولئك يلعنهم الله ~~ويلعنهم اللاعنون، ويشهد لما ذكرنا الآية الآتية: إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار - إلى قوله أجمعين الآية فإن الظاهر أن قوله: إن للتعليل أو ~~لتأكيد مضمون هذه الآية، بتكرار ما هو في مضمونها ومعناها وهو قوله: الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار. # قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا الآية استثناء من الآية ~~السابقة، والمراد بتقييد توبتهم بالتبين أن يتبين أمرهم ويتظاهروا بالتوبة، ~~ولازم ذلك أن يبينوا ما كتموه للناس وأنهم كانوا كاتمين وإلا فلم يتوبوا ~~بعد لأنهم كاتمون بعد بكتمان أنهم كانوا كاتمين. # قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، كناية عن إصرارهم على كفرهم ~~وعنادهم وتعنتهم في قبول الحق فإن من لا يدين بدين الحق لا لعناد واستكبار ~~بل لعدم تبينه له ليس بكافر ms0379 بحسب الحقيقة، بل مستضعف، أمره إلى الله، ويشهد ~~بذلك تقييد كفر الكافرين في غالب الآيات والتكذيب وخاصة في آيات هبوط آدم ~~المشتملة على أول تشريع شرع لنوع الإنسان، قال تعالى: "قلنا اهبطوا منها ~~جميعا فإما يأتينكم مني هدى" إلى قوله - "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة - 39، فالمراد بالذين كفروا في ~~الآية هم المكذبون المعاندون - وهم الكاتمون لما أنزل الله - وجازاهم الله ~~تعالى بقوله: أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وهذا حكم من ~~الله سبحانه أن يلحق بهم كل لعن لعن به ملك من الملائكة أو أحد من الناس ~~جميعا من غير استثناء، فهؤلاء سبيلهم سبيل الشيطان، إذ قال الله سبحانه ~~فيه: "وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين": الحجر - 35، فجعل جميع اللعن عليه ~~فهؤلاء - وهم العلماء الكاتمون لعلمهم - شركاء الشيطان في اللعن العام ~~المطلق ونظراؤه فيه، فما أشد لحن هذه الآية وأعظم أمرها! وسيجيء في الكلام ~~على قوله تعالى: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض ~~فيركمه جميعا فيجعله في جهنم": الأنفال - 37، ما يتعلق بهذا المقام إن شاء ~~الله العزيز. # قوله تعالى: خالدين فيها، أي في اللعنة وقوله: لا يخفف عنهم العذاب ولا ~~هم ينظرون، في تبديل السياق بوضع العذاب موضع اللعنة دلالة على أن اللعنة ~~تتبدل عليهم عذابا. # واعلم أن في هذه الآيات موارد من الالتفات، فقد التفت في الآية الأولى من ~~التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله: أولئك يلعنهم الله، لأن المقام مقام ~~تشديد السخط، والسخط يشتد إذا عظم اسم من ينسب إليه أو وصفه - ولا أعظم من ~~الله سبحانه - فنسب إليه اللعن ليبلغ في الشدة كل مبلغ، ثم التفت في الآية ~~الثانية من الغيبة إلى التكلم وحده بقوله: فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب ~~الرحيم، للدلالة على كمال الرحمة والرأفة، بإلقاء كل نعت وطرح كل صفة وتصدى ~~الأمر بنفسه تعالى وتقدس، فليست الرأفة والحنان المستفادة من هذه الجملة ~~كالتي يستفاد من قولنا مثلا: فأولئك يتوب الله عليهم أو يتوب ms0380 ربهم عليهم، ~~ثم التفت في الآية الثالثة من التكلم وحده إلى الغيبة بقوله: أولئك عليهم ~~لعنة الله، والوجه فيه نظير ما ذكرناه في الالتفات الواقع في الآية الأولى. PageV01P226 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: ~~أخبرني عن قول الله عز وجل: إن الذين يكتمون الآية، قال: نحن نعنى بها ~~والله المستعان إن الواحد منا إذا صارت إليه لم يكن له أو لم يسعه إلا أن ~~يبين للناس من يكون بعده. # وعن الباقر (عليه السلام)،: في الآية، قال: يعني بذلك نحن، والله ~~المستعان. # وعن محمد بن مسلم قال (عليه السلام): هم أهل الكتاب. # أقول: كل ذلك من قبيل الجري والانطباق، وإلا فالآية مطلقة. # وفي بعض الروايات عن علي (عليه السلام): تفسيره بالعلماء إذا فسدوا. # وفي المجمع، عن النبي: في الآية، قال: من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم ~~يوم القيامة بلجام من نار، وهو قوله: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. # أقول: والخبران يؤيدان ما قدمناه. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ويلعنهم ~~اللاعنون، قال: نحن هم، وقد قالوا: هوام الأرض. # أقول: هو إشارة إلى ما يفيده قوله تعالى: "ويقول الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين": هود - 18، فإنهم الأشهاد ~~المأذونون في الكلام يوم القيامة، والقائلون صوابا، وقوله: وقالوا: هوام ~~الأرض، هو منقول عن المفسرين كمجاهد وعكرمة وغيرهما، وربما نسب في بعض ~~الروايات إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): إن الذين يكتمون ما أنزلنا ~~من البينات والهدى، في علي. # أقول: وهو من قبيل الجري والانطباق. PageV01P227 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 163 - 167 # وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن فى خلق السموت ~~والأرض واختلف اليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما ~~أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ~~وتصريف الريح والسحاب المسخر ms0381 بين السماء والأرض لايت لقوم يعقلون (164) ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ءامنوا أشد حبا ~~لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد ~~العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت ~~بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا ~~منا كذلك يريهم الله أعملهم حسرت عليهم وما هم بخرجين من النار (167) ### |||| AUTO بيان # الآيات متحدة متسقة ذات نظم واحد - وهي تذكر التوحيد - وتقيم عليه ~~البرهان وتذكر الشرك وما ينتهي إليه أمره. # قوله تعالى: وإلهكم إله واحد، قد مر معنى الإله في الكلام على البسملة من ~~سورة الحمد في أول الكتاب، وأما الوحدة فمفهومها من المفاهيم البديهية التي ~~لا نحتاج في تصورها إلى معرف يدلنا عليها، والشيء ربما يتصف بالوحدة من حيث ~~وصف من أوصافه، كرجل واحد، وعالم واحد، وشاعر واحد، فيدل به على أن الصفة ~~التي فيه لا تقبل الشركة ولا تعرضها الكثرة، فإن الرجولية التي في زيد مثلا ~~- وهو رجل واحد - ليست منقسمة بينه وبين غيره، بخلاف ما في زيد وعمرو مثلا ~~- وهما رجلان - فإنه منقسم بين اثنين كثير بهما، فزيد من جهة هذه الصفة - ~~وهي الرجولية - واحد لا يقبل الكثرة، وإن كان من جهة هذه الصفة وغيرها من ~~الصفات كعلمه، وقدرته، وحياته، ونحوها ليس بواحد بل كثير حقيقة، والله ~~سبحانه واحد، من جهة أن الصفة التي لا يشاركه فيها غيره، كالألوهية فهو ~~واحد في الألوهية، لا يشاركه فيها غيره تعالى، والعلم والقدرة والحياة، فله ~~علم لا كالعلوم وقدرة وحياة لا كقدرة غيره وحياته، وواحد من جهة أن الصفات ~~التي له لا تتكثر ولا تتعدد إلا مفهوما فقط، فعلمه وقدرته وحياته جميعها ~~شيء واحد هو ذاته، ليس شيء منها غير الآخر بل هو تعالى يعلم بقدرته ويقدر ~~بحياته وحي بعلمه، لا كمثل غيره في تعدد الصفات عينا ومفهوما، وربما يتصف ~~الشيء بالوحدة من جهة ذاته، وهو عدم التكثر ms0382 والتجزي في الذات بذاته، فلا ~~تتجزى إلى جزء وجزء، وإلى ذات واسم وهكذا، وهذه الوحدة هي المسماة بأحدية ~~الذات، ويدل على هذا المعنى بلفظ أحد، الذي لا يقع في الكلام من غير تقييد ~~بالإضافة إلا إذا وقع في حيز النفي أو النهي أو ما في معناهما كقولنا ما ~~جاءني أحد، فيرتفع بذلك أصل الذات سواء كان واحدا أو كثيرا، لأن الوحدة ~~مأخوذة في أصل الذات لا في وصف من أوصافه بخلاف قولنا: ما جاءني واحد فإن ~~هذا القول لا يكذب بمجيء اثنين أو أزيد لأن الوحدة مأخوذة في صفة الجائي ~~وهو الرجولية في رجل واحد مثلا فاحتفظ بهذا الإجمال حتى نشرحه تمام الشرح ~~في قوله تعالى: "قل هو الله أحد": الإخلاص - 1، إن شاء الله تعالى. PageV01P228 # وبالجملة فقوله: وإلهكم إله واحد، تفيد بجملته اختصاص الألوهية بالله عز ~~اسمه، ووحدته فيها وحدة تليق بساحة قدسه تبارك وتعالى، وذلك أن لفظ الواحد ~~بحسب المتفاهم عند هؤلاء المخاطبين لا يدل على أزيد من مفهوم الوحدة العامة ~~التي تقبل الانطباق على أنواع مختلفة لا يليق بالله سبحانه إلا بعضها فهناك ~~وحدة عددية ووحدة نوعية ووحدة جنسية وغير ذلك، فيذهب وهم كل من المخاطبين ~~إلى ما يعتقده ويراه من المعنى، ولو كان قيل: والله إله واحد، لم يكن فيه ~~توحيد لأن أرباب الشرك يرون أنه تعالى إله واحد، كما أن كل واحد من آلهتهم ~~إله واحد، ولو كان قيل: وإلهكم واحد لم يكن فيه نص على التوحيد، لإمكان أن ~~يذهب الوهم إلى أنه واحد في النوع، وهو الألوهية، نظير ما يقال في تعداد ~~أنواع الحيوان: الفرس واحد، والبغل واحد، مع كون كل منهما متعددا في العدد، ~~لكن لما قيل: وإلهكم إله واحد فأثبت معنى إله واحد - وهو في مقابل إلهين ~~اثنين وآلهة كثيرة - على قوله: إلهكم كان نصا في التوحيد بقصر أصل الألوهية ~~على واحد من الآلهة التي اعتقدوا بها. # قوله تعالى: لا إله إلا هو، جيء به لتأكيد نصوصية الجملة السابقة في ~~التوحيد ونفي كل ms0383 توهم أو تأويل يمكن أن يتعلق بها، والنفي فيه نفي الجنس، ~~والمراد بالإله ما يصدق عليه الإله حقيقة وواقعا، وحينئذ فيصح أن يكون ~~الخبر المحذوف هو موجود أو كائن، أو نحوهما، والتقدير لا إله بالحقيقة ~~والحق بموجود، وحيث كان لفظة الجلالة مرفوعا لا منصوبا فلفظ إلا ليس ~~للاستثناء، بل وصف بمعنى غير، والمعنى لا إله غير الله بموجود. # فقد تبين أن الجملة أعني قوله: لا إله إلا هو، مسوقة لنفي غير الله من ~~الآلهة الموهومة المتخيلة لا لنفي غير الله وإثبات وجود الله سبحانه، كما ~~توهمه كثيرون، ويشهد بذلك أن المقام إنما يحتاج إلى النفي فقط، ليكون ~~تثبيتا لوحدته في الألوهية لا الإثبات والنفي معا، على أن القرآن الشريف ~~يعد أصل وجوده تبارك وتعالى بديهيا لا يتوقف في التصديق العقلي به، وإنما ~~يعني عنايته بإثبات الصفات، كالوحدة، والفاطرية، والعلم، والقدرة، وغير ذلك. # وربما يستشكل تقدير الخبر لفظ الموجود أو ما بمعناه أنه يثبت نفي وجود ~~إله غير الله لا نفي إمكانه، فيجاب عنه بأنه لا معنى لفرض موجود ممكن مساوي ~~الوجود والعدم ينتهي إليه وجود جميع الموجودات بالفعل وجميع شئونها، وربما ~~يجاب عنه بتقدير حق، والمعنى لا معبود حق إلا هو. # قوله تعالى: الرحمن الرحيم، قد مر الكلام في معناهما في تفسير البسملة من ~~سورة الفاتحة وبذكر الاسمين يتم معنى الربوبية، فإليه تعالى ينتهي كل عطية ~~عامة، بمقتضى رحمانيته، وكل عطية خاصة واقعة في طريق الهداية والسعادة ~~الأخروية بمقتضى رحيميته. # قوله تعالى: إن في خلق السموات والأرض إلى آخر الآية، السياق كما مر في ~~أول البيان يدل على أن الآية مسوقة للدلالة والبرهنة على ما تضمنته الآية ~~السابقة أعني قوله تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ~~الآية، فإن الآية تنحل بحسب المعنى إلى أن لكل شيء من هذه الأشياء إلها، ~~وأن إله الجميع واحد وأن هذا الإله الواحد هو إلهكم، وأنه رحمن مفيض للرحمة ~~العامة، وأنه رحيم يسوق إلى سعادة الغاية وهي سعادة الآخرة فهذه - حقائق ms0384 ~~حقة و، في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى آخر ما ذكر في ~~الآية آيات دالة عليها عند قوم يعقلون. # ولو كان المراد إقامة الحجة على وجود إله الإنسان أو أن إله الإنسان واحد ~~لما كان الجميع إلا آية واحدة دالة على ذلك من طريق اتصال التدبير، ولكان ~~حق الكلام في الآية السابقة أن يقال: وإلهكم واحد لا إله إلا هو، فالآية ~~مسوق للدلالة على الحجة على وجود الإله وعلى وحدته بمعنى أن إله غير ~~الإنسان من النظام الكبير واحد وأن ذلك بعينه إله الإنسان. # وإجمال الدلالة أن هذه السماوات التي قد علتنا وأظلتنا على ما فيها من ~~بدائع الخلقة، والأرض التي قد أقلتنا وحملتنا مع عجيب أمرها وسائر ما فيها ~~من غرائب التحولات والتقلبات كاختلاف الليل والنهار، والفلك الجارية، ~~والأمطار النازلة، والرياح المصرفة، والسحب المسخرة أمور مفتقرة في نفسها ~~إلى صانع موجد، فلكل منها إله موجد وهذا هو الحجة الأولى. PageV01P229 # ثم إن هذه الأجرام الجوية المختلفة بالصغر والكبر والبعد والقرب وقد وجد ~~الواحد في الصغر على ما بلغه الفحص العلمي ما يعادل:. # 0033 000 000 000 000 000 000 000 / 0 من سانتيمتر مكعب والواحد في الكبر ~~ما يعادل الملايين من حجم الأرض وهو كرة يعادل قطرها 9000 ميلا تقريبا، ~~واكتشف من المسافة بين جرمين علويين ما يقرب من ثلاثة ملايين سنة نورية، ~~والسنة النورية من المسافة تعدل:. # 365 * 24 * 60 * 60 * 300000 كيلومتر تقريبا، فانظر إلى هذه الأرقام التي ~~تدهش اللب وتبهت الفكر واقض ما أنت قاض في غرابة الأمر وبداعته تفعل البعض ~~منها في البعض، وتنفعل البعض منها عن البعض أينما كانت وكيفما كانت ~~بالجاذبة العامة، وإفاضة النور والحرارة وتحيا بذلك سنة الحركة العامة ~~والزمان العمومي، وهذا نظام عام دائم تحت قانون ثابت، حتى أن النسبية ~~العمومية القاضية بالتغير في قوانين الحركة في العالم الجسماني لا تتجافى ~~عن الاعتراف بأن التغيير العمومي أيضا محكوم قانون آخر ثابت في التغير ~~والتحول، ثم إن هذه الحركة والتحول العمومي ms0385 تتصور في كل جزء من أجزاء ~~العالم بصورة خاصة كما بين الشمس التي لعالمنا مع منظومتها ثم تزيد ضيقا في ~~الدائرة كما في أرضنا مع ما يختص بها من الحوادث والأجرام، كالقمر والليل ~~والنهار، والرياح والسحب والأمطار، ثم تتضيق الدائرة، كما في المكونات ~~الأرضية: من المعادن والنبات والحيوان وسائر التراكيب، ثم في كل نوع من ~~أنواعها، ثم تتضيق الدائرة حتى تصل النوبة إلى العناصر، ثم إلى الذرات، ثم ~~إلى أجزاء الذرات حتى تصل إلى آخر ما انتهى الفحص العلمي الميسور للإنسان ~~إلى هذا اليوم، وهي الإلكترون، والبروتون، ويوجد هناك نظير المنظومات ~~الشمسية جرم مركزي وأشياء يدور حولها دوران الكواكب على مداراتها التي حول ~~شمسها وسبحها في أفلاكها. ### # ففي أي موقف من هذه المواقف وقف الإنسان شاهد نظاما عجيبا ذا تحولات ~~وتغيرات، يحفظ بها أصل عالمه، وتحيا بها سنة إلهية لا تنفد عجائبه، ولا ~~تنتهي غرائبه، لا استثناء في جريها وإن كان واحدا، ولا اتفاق في طيها وإن ~~كان نادرا شاردا، لا يدرك ساحلها ولا يقطع مراحلها، وكلما ركبت عدة منها ~~أخذا من الدقيق إلى الجليل وجدتها لا تزيد على عالم واحد، ذا نظام واحد ~~وتدبير متصل حتى ينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه توسع العلم إلى اليوم بالحس ~~المسلح والأرصاد الدقيقة، وكلما حللتها وجزيتها راجعا من الكل إلى الجزء ~~حتى تنتهي إلى مثل المليكول وجدته لا تفقد من العالم الواحد شيئا ذا نظام ~~واحد وتدبير متصل، على أن كل اثنين من هذه الموجودات متغاير الواحدين ذاتا ~~وحكما شخصا. # فالعالم شيء واحد والتدبير متصل، وجميع الأجزاء مسخرة تحت نظام واحد وإن ~~كثرت واختلفت أحكامها، وعنت الوجوه للحي القيوم، فإله العالم الموجد له ~~والمدبر لأمره واحد وهذا هو البرهان الثاني. # ثم إن الإنسان الذي هو موجود أرضي يحيا في الأرض ويعيش في الأرض ثم يموت ~~ويرجع إلى الأرض لا يفتقر في شيء من وجوده وبقائه إلى أزيد من هذا النظام ~~الكلي الذي لمجموع هذا العالم المتصل تدبيره، الواحد نظامه، فهذه الأجرام ~~العلوية ms0386 في إنارتها وتسخينها، وهذه الأرض في اختلاف ليلها ونهارها ورياحها ~~وسحبها وأمطارها ومنافعها التي تجري من قطر إلى قطر من رزق ومتاع هي التي ~~يحتاج إليها الإنسان في حاجته المادية وتدبير وجوده وبقائه - والله من ~~ورائهم محيط - فإلهها الموجد لها المدبر لأمرها هو إله الإنسان الموجد له ~~والمدبر لأمره وهذا هو البرهان الثالث. # ثم إن هذا الإله هو الذي يعطي كلا ما يحتاج إليه في سعادته الوجودية وما ~~يحتاج إليه في سعادته في غايته وآخرته لو كان له سعادة أخروية غائية فإن ~~الآخرة عقبى هذه الدار، وكيف يمكن أن يدبر عاقبة الأمر غير الذي يدبر نفس ~~الأمر؟ وهذا هو البرهان على الاسمين الرحمن الرحيم. # وعند هذا تم تعليل الآية الأولى بالثانية وفي تصدير الآية بلفظة، إن ~~الدالة على التعليل إشارة إلى ذلك - والله العالم -. PageV01P230 # فقوله تعالى: إن في خلق السموات والأرض، إشارة إلى ذوات الأجرام العلوية ~~والأرض بما تشتمل عليه تراكيبها من بدائع الخلق وعجائب الصنع، من صور تقوم ~~بها أسماؤها، ومواد تتألف منها ذواتها، وتحول بعضها إلى بعض، ونقص أو زيادة ~~تطرؤها، وتركب أو تحلل يعرضها، كما قال: "أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها ~~من أطرافها": الرعد - 41، وقال: "أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي": الأنبياء - 30. # قوله تعالى: واختلاف الليل والنهار، وهو النقيصة والزيادة والطول والقصر ~~العارضان لهما من جهة اجتماع عاملين من العوامل الطبيعية، وهي الحركة ~~اليومية التي للأرض على مركزها وهي ترسم الليل والنهار بمواجهة نصف الكرة ~~وأزيد بقليل دائما مع الشمس فتكتسب النور وتمص الحرارة، ويسمى النهار، ~~واستتار الشمس عن النصف الآخر وأنقص بقليل فيدخل تحت الظل المخروطي وتبقى ~~مظلما وتسمى الليل، ولا يزالان يدوران حول الأرض، والعامل الآخر ميل سطح ~~الدائرة الإستوائية أو المعدل عن سطح المدار الأرضي في الحركة الانتقالية ~~إلى الشمال والجنوب، وهو الذي يوجب ميل الشمس من المعدل إلى الشمال أو ~~الجنوب الراسم للفصول، وهذا يوجب استواء الليل والنهار في منطقة خط ~~الإستواء ms0387 وفي القطبين، أما القطبان فلهما في كل سنة شمسية تامة يوم وليلة ~~واحدة كل منهما يعدل نصف السنة، والليل في قطب الشمال نهار في قطب الجنوب ~~وبالعكس، وأما النقطة الاستوائية فلها في كل سنة شمسية ثلاثمائة وخمس وستون ~~ليلا ونهارا تقريبا والنهار والليل فيها متساويان، وأما بقية المناطق ~~فيختلف النهار والليل فيها عددا وفي الطول والقصر بحسب القرب من النقطة ~~الاستوائية ومن القطبين، وهذا كله مشروح مبين في العلوم المربوطة بها. # وهذا الاختلاف هو الموجب لاختلاف ورود الضوء والحرارة، وهو الموجب ~~لاختلاف العوامل الموجبة لاختلاف حدوث التراكيب الأرضية والتحولات في ~~كينونتها مما ينتفع باختلافها الإنسان انتفاعات مختلفة. # قوله تعالى: والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، والفلك هو ~~السفينة يطلق على الواحد والجمع، والفلك والفلكة كالتمر والتمرة والمراد ~~بما ينفع الناس المتاع والرزق تنقلها من ساحل إلى ساحل ومن قطر من أقطار ~~الأرض إلى قطر آخر. # وفي عد الفلك في طي الموجودات والحوادث الطبيعية التي لا دخل لاختيار ~~الإنسان فيها كالسماء والأرض واختلاف الليل والنهار دلالة على أنها أيضا ~~تنتهي مثلها إلى صنع الله سبحانه في الطبيعة فإن نسبة الفعل إلى الإنسان ~~بحسب الدقة لا تزيد على نسبة الفعل إلى سبب من الأسباب الطبيعية، والاختيار ~~الذي يتبجح به الإنسان لا يجعله سببا تاما مستقلا غير مفتقر إلى إرادة الله ~~سبحانه ولا يجعله أقل احتياجا إليه تعالى بالنسبة إلى سائر الأسباب ~~الطبيعية، فلا فرق من حيث الاحتياج إلى إرادة الله سبحانه بين أن يفعل قوة ~~طبيعية في مادة، فتوجد بالفعل والانفعال والتحريك والتركيب والتحليل صورة ~~من الصور كصورة الحجارة مثلا وبين أن يفعل الإنسان، بالتحريك والتقريب ~~والتبعيد في المادة صورة من الصور كصورة السفينة مثلا في أن الجميع تنتهي ~~إلى صنع الله وإيجاده لا يستقل شيء مستغنيا عنه تعالى في ذاته وفعله. # فالفلك أيضا مثل سائر الموجودات الطبيعية تفتقر إلى الإله في وجودها ~~وتفتقر إلى الإله في تدبير أمرها من غير فرق، وقد أشار تعالى إلى هذه ~~الحقيقة بقوله: "والله ms0388 خلقكم وما تعملون": الصافات - 96، حيث حكاه من ~~إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام التي اتخذوها آلهة فإن من المعلوم ~~أن الصنم ليس إلا موجودا صناعيا كالفلك التي تجري في البحر، وقال تعالى: ~~"وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام": الرحمن - 24، فعدها ملكا لنفسه، ~~وقال تعالى: "وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بإذنه": إبراهيم - 32، فعد ~~تدبير أمرها راجعا إليه. # كلام في استناد مصنوعات الإنسان إلى الله سبحانه # فما أغفل هؤلاء الذين يعدون الصناعيات من الأشياء التي يعملها الإنسان ~~مصنوعة مخلوقة للإنسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عز اسمه مستندين إلى ~~أنها مخلوقة لإرادة الإنسان واختياره. PageV01P231 # فطائفة منهم - وهم أصحاب المادة من المنكرين لوجود الصانع - زعموا أن حجة ~~المليين في إثبات الصانع: أنهم وجدوا في الطبيعة حوادث وموجودات جهلوا ~~عللها المادية ولزمهم من جهة القول بعموم قانون العلية والمعلولية في ~~الأشياء والحوادث أن يحكموا بوجود عللها - وهي مجهولة لهم بعد - فأنتج ذلك ~~القول بأن لهذه الحوادث المجهولة العلة علة مجهولة الكنه هي وراء عالم ~~الطبيعة وهو الله سبحانه فالقول بأن الصانع موجود فرضية أوجب افتراضها ما ~~وجده الإنسان الأولي من الحوادث المادية المجهولة العلل كالحوادث الجوية ~~وكثير من الحوادث الأرضية المجهولة العلل، وما وجده من الحوادث والخواص ~~الروحية التي لم يكشف العلوم عن عللها المادية حتى اليوم. # قالوا: وقد وفق العلوم في تقدمها الحديث لحل المشكل في الحوادث المادية ~~وكشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضية أحد ركنيها وهو احتياج الحوادث ~~المادية المجهولة العلل إلى علل ورائها، وبقي الركن الآخر وهو احتياج ~~الحوادث الروحية إلى عللها، وانتهاؤها إلى علة مجردة، وتقدم البحث في ~~الكيمياء الآلي جديدا يعدنا وعدا حسنا أن سيطلع الإنسان على علل الروح ~~ويقدر على صنعه الجراثيم الحيوية وتركيب أي موجود روحي وإيجاد أي خاصة ~~روحية، وعند ذلك ينهدم أساس الفرضية المذكورة ويخلق الإنسان في الطبيعة أي ~~موجود شاء من الروحيات كما يخلق اليوم أي شيء شاء من الطبيعيات، وقد كان ~~قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلا إلى ms0389 علة مفروضة فيما وراء الطبيعة، ~~حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث، هذا ما ذكروه. # وهؤلاء المساكين لو أفاقوا قليلا من سكرة الغفلة والغرور لرأوا أن ~~الإلهيين من أول ما أذعنوا بوجود إله للعالم - ولن يوجد له أول - أثبتوا ~~هذه العلة الموجدة لجميع العالم، وبين أجزائه حوادث معلومة العلل - وفيها ~~حوادث مجهولة العلل - والمجموع من حيث المجموع مفتقر عندهم إلى علة خارجة، ~~فما يثبته أولئك غير ما ينفيه هؤلاء. # فالمثبتون - ولم يقدر البحث والتاريخ على تعيين مبدإ لظهورهم في تاريخ ~~حياة النوع الإنساني - أثبتوا لجميع العالم صانعا واحدا أو كثيرا وإن كان ~~القرآن يثبت تقدم دين التوحيد على الوثنية، وقد بين ذلك الدكتور ماكس موللر ~~الألماني المستشرق صاحب التقدم في حل الرموز السنسكريتية وهم حتى الإنسان ~~الأولي منهم يشاهدون العلل في بعض الحوادث المادية، فإثباتهم، إلها صانعا ~~لجميع العالم استنادا إلى قانون العلية العام ليس لأجل أن يستريحوا في مورد ~~الحوادث المجهولة العلل حتى ينتج ذلك القول باحتياج بعض العالم إلى الإله ~~واستغناء البعض الآخر عنه، بل لإذعانهم بأن هذا العالم المؤلف من سلسلة علل ~~ومعلولات طبيعية بمجموعها ووحدانيتها لا يستغني عن الحاجة إلى علة فوق ~~العلل تتكي عليها جميع التأثيرات والتأثرات الجارية بين أجزائه، فإثبات هذه ~~العلة العالية لا يبطل قانون العلية العام الجاري بين أجزاء العالم أنفسها، ~~ولا وجود العلل المادية في موارد المعلولات المادية تغني عن استناد الجميع ~~إلى علة عالية خارجة من سلسلتها، وليس معنى الخروج وقوف العلة في رأس ~~السلسلة، بل إحاطتها بها من كل جهة مفروضة. ### # ومن عجيب المناقضة في كلام هؤلاء أنهم قائلون في الحوادث - ومن جملتها ~~الأفعال الإنسانية - بالجبر المطلق فما من فعل ولا حادث غيره إلا وهو معلول ~~جبري لعلل عندهم، وهم مع ذلك يزعمون أن الإنسان لو خلق إنسانا آخر كان غير ~~منته إلى علة العالم لو فرض له علة. # وهذا المعنى الذي قلنا - على لطفه ودقته وإن لم يقدر على تقريره الفهم ~~العامي الساذج لكنه موجود على الإجمال في أذهانهم ms0390 حيث قالوا باستناد جميع ~~العالم بأجمعه إلى الإله الصانع - وفيه العلل والمعلولات فهذا - أولا. PageV01P232 # ثم إن البراهين العقلية التي أقامها الإلهيون من الحكماء الباحثين أقاموها ~~بعد إثبات عموم العلية وبنوا فيها على وجوب انتهاء العلل الممكنة إلى علة ~~واجبة الوجود، واستمروا على هذا المسلك من البحث منذ ألوف من السنين من ~~أقدم عهود الفلسفة إلى يومنا هذا، ولم يرتابوا في استناد المعلولات التي ~~معها عللها الطبيعية الممكنة إلى علة واجبة، فليس استنادهم إلى العلة ~~الواجبة لأجل الجهل بالعلة الطبيعية، وفي المعلولات المجهولة العلل كما ~~يتوهمه هؤلاء، وهذا ثانيا. # ثم إن القرآن المثبت لتوحيد الإله إنما يثبته مع تقرير جريان قانون ~~العلية العام بين أجزاء العالم، وتسليم استناد كل حادث إلى علة خاصة به، ~~وتصديق ما يحكم به العقل السليم في ذلك، فإنه يسند الأفعال الطبيعية إلى ~~موضوعاتها وفواعلها الطبيعية وينسب إلى الإنسان أفعاله الاختيارية في آيات ~~كثيرة لا حاجة إلى نقلها، ثم ينسب الجميع إلى الله سبحانه من غير استثناء، ~~قال تعالى: "الله خالق كل شيء": الزمر - 62، وقال تعالى: "ذلكم الله ربكم ~~خالق كل شيء لا إله إلا هو": المؤمن - 62، وقال تعالى: "ألا له الخلق ~~والأمر": الأعراف - 54، وقال تعالى: "له ما في السموات وما في الأرض": طه - ~~5، فكل ما صدق عليه اسم شيء فهو مخلوق لله منسوب إليه على ما يليق بساحة ~~قدسه وكماله، وقد جمع في آيات أخر بين الإثباتين جميعا فنسب الفعل إلى ~~فاعله وإلى الله سبحانه معا كقوله تعالى: "والله خلقكم وما تعملون": ~~الصافات - 96، فنسب أعمال الناس إليهم ونسب خلق أنفسهم وأعمالهم إليه ~~تعالى، وقال تعالى: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى": الأنفال - 17، فنسب ~~الرمي إلى رسول الله ونفاه عنه ونسبه إلى الله تعالى إلى غير ذلك. # ومن هذا الباب آيات أخر تجمع بين الإثباتين بطريق عام كقوله تعالى: "وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان - 2، وقال تعالى: "إنا كل شيء خلقناه بقدر - ~~إلى أن قال - وكل صغير وكبير مستطر": القمر - 53، وقال تعالى: "قد جعل الله ~~لكل ms0391 شيء قدرا": الطلاق - 3، وقال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - 21، فإن تقدير كل شيء هو جعله محدودا بحدود ~~العلل المادية والشرائط الزمانية والمكانية. # وبالجملة فكون إثبات وجود الإله الواحد في القرآن على أساس إثبات العلية ~~والمعلولية بين جميع أجزاء العالم، ثم استناد الجميع إلى الإله الفاطر ~~الصانع للكل مما لا يعتريه شك ولا ريب لا كما يزعمه هؤلاء من إسناد البعض ~~إلى الله وإسناد الآخر إلى علله المادية المعلومة، وهذا ثالثا. # نعم حملهم على هذا الزعم ما تلقوه: من جمع من أرباب النحل الباحثين عن ~~هذه المسألة وأمثالها في فلسفة عامية كانت تنشرها الكنيسة في القرون ~~الوسطى. # أو يعتمد عليها الضعفاء من متكلمي الأديان الأخرى وكانت مؤلفه من مسائل ~~محرفة ما هي بالمسائل، واحتجاجات واستدلالات واهية فاقدة لاستقامة النظر، ~~فهؤلاء لما أرادوا بيان دعواهم الحق الذي يقضي بصحته إجمالا عقولهم ونقله ~~من الإجمال إلى التفصيل دفعهم ضعف التعقل والفكر إلى غير الطريق فعمموا ~~الدعوى، وتوسعوا في الدليل، فحكموا باستناد كل معلول مجهول العلة إلى الله ~~سبحانه من غير واسطة، ونفوا حاجة الأفعال الاختيارية إلى علة موجبة، أو ~~احتياج الإنسان في صدور فعله الاختياري إلى الإله تعالى، واستقلاله في ~~فعله، وقد مر البحث عن قولهم في الكلام على قوله تعالى: "وما يضل به إلا ~~الفاسقين": البقرة - 26، ونورد هاهنا بعض ما فيه من الكلام. # وطائفة منهم - وهم بعض المحدثين والمتكلمين من ظاهريي المسلمين وجمع من ~~غيرهم - لم يقدروا أن يتعقلوا معنى صحيحا لإسناد أفعال الإنسان الاختيارية ~~إلى الله سبحانه على ما يليق بالمقام الربوبي فنفوا استناد مصنوعات الإنسان ~~إليه سبحانه، وبالخصوص فيما وضعه للمعصية خاصة كالخمر وآلات اللهو والقمار ~~وغير ذلك، وقد قال تعالى: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه": المائدة - 90. # ومعلوم أن ما عده الله سبحانه عملا للشيطان لا يجوز أن ينسب إليه. PageV01P233 # وقد مر فيما تقدم ما يظهر به بطلان هذا التوهم نقلا وعقلا، فالأفعال ~~الاختيارية كما أن لها ms0392 انتسابا إلى الله سبحانه على ما يليق به تعالى كذلك ~~نتائجها وهي الأمور الصناعية التي يصنعها الإنسان لداعي رفع الحوائج ~~الحيوية. # على أن الأنصاب الواقعة في الآية السابقة هي الأصنام والتماثيل المنصوبة ~~المعبودة التي ذكر الله سبحانه أنها مخلوقة له في قوله: "والله خلقكم وما ~~تعملون"، الآية ومن هاهنا يظهر أن فيها جهات مختلفة من النسب ينسب من بعضها ~~إلى الله سبحانه وهي طبيعة وجودها مع قطع النظر عن وصف المعصية المتعلق ~~بها، فإن الصنم ليس بحسب الحقيقة إلا حجرا أو فلزا عليه شكل خاص وليس فيه ~~ما يوجب نفي انتسابه إلى موجد كل شيء، وأما أنه صنم معبود دون الله سبحانه ~~فهذه هي الجهة التي يجب نفيها عنه تعالى ونسبتها إلى عمل غيره من شيطان أو ~~إنسان، وكذا حكم غيره من حيث انتسابه إليه تعالى وإلى غيره. # فقد تبين من جميع ما مر أن الأمور الصناعية منتسبة إلى الخلقة كاستناد ~~الأمور الطبيعية من غير فرق، نعم يدور الأمر في الانتساب إلى الخلقة مدار ~~حظ الشيء من الوجود فافهم ذلك. # قوله تعالى: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها ~~وبث فيها من كل دابة، فإن حقيقته عناصر مختلفة يحملها ماء البحار وغيره ثم ~~يتكاثف بخارا متصاعدا حاملا للحرارة حتى ينتهي إلى زمهرير الهواء فيتبدل ~~ماء متقاطرا على صورة المطر أو يجمد ثانيا فيصير ثلجا أو بردا فينزل لثقله ~~إلى الأرض فتشربه وتحيا به أو تخزنه فيخرج على صورة ينابيع في الأرض بها ~~حياة كل شيء فالماء النازل من السماء حادث من الحوادث الوجودية جار على ~~نظام متقن غاية الإتقان من غير انتقاض واستثناء ويستند إليه انتشاء النبات ~~وتكون الحيوان من كل نوع. # وهو من جهة تحدده بما يحفه من حوادث العالم طولا وعرضا تصير معها جميعا ~~شيئا واحدا لا يستغني عن موجد يوجده وعلة تظهره فله إله واحد، ومن جهة أنه ~~مما يستند إليه وجود الإنسان حدوثا وبقاء يدل على كون إلهه هو إله الإنسان. ms0393 # قوله تعالى: وتصريف الرياح، وهو توجيهها من جانب إلى جانب بعوامل طبيعية ~~مختلفة، والأغلب فيها أن الأشعة النورية الواقعة على الهواء من الشمس تتبدل ~~حرارة فيه فيعرضه اللطافة والخفة لأن الحرارة من عواملها فلا يقدر على حمل ~~ما يعلوه أو يجاوره من الهواء البارد الثقيل فينحدر عليه فيدفعه بشدة فيجري ~~الهواء اللطيف إلى خلاف سمت الدفع وهو الريح، ومن منافعه تلقيح النبات ودفع ~~الكثافات البخارية، والعفونات المتصاعدة، وسوق السحب الماطرة وغيرها، ففيه ~~حياة النبات والحيوان والإنسان. # وهو في وجوده يدل على الإله وفي التيامه مع سائر الموجودات واتحاده معها ~~كما مر يدل على إله واحد للعالم، وفي وقوعه طريقا إلى وجود الإنسان وبقائه ~~يدل على أن إله الإنسان وغيره واحد. # قوله تعالى: والسحاب المسخر بين السماء والأرض، السحاب البخار المتكاثف ~~الذي منه الأمطار وهو ضباب بالفتح ما لم ينفصل من الأرض فإذا انفصل وعلا ~~سمي سحابا وغيما وغماما وغير ذلك، والتسخير قهر الشيء وتذليله في عمله، ~~والسحاب مسخر مقهور في سيره وإمطاره بالريح والبرودة وغيرهما المسلطة عليه ~~بإذن الله، والكلام في كون السحاب آية نظير الكلام في غيره مما عد معه. ### # واعلم: أن اختلاف الليل والنهار والماء النازل من السماء والرياح المصرفة ~~والسحاب المسخر جمل الحوادث العامة التي منها يتألف نظام التكوين في ~~الأرضيات من المركبات النباتية والحيوانية وغيرهما فهذه الآية كالتفصيل ~~بوجه لإجمال قوله تعالى: "وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين": فصلت - 10. # قوله تعالى: لآيات لقوم يعقلون، العقل - وهو مصدر عقل يعقل إدراك الشيء ~~وفهمه التام، ومنه العقل اسم لما يميز به الإنسان بين الصلاح والفساد وبين ~~الحق والباطل والصدق والكذب وهو نفس الإنسان المدرك وليس بقوة من قواه التي ~~هي كالفروع للنفس كالقوة الحافظة والباصرة وغيرهما. PageV01P234 # قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا، الند كالمثل وزنا ~~ومعنى، ولم يقل من يتخذ لله أندادا كما عبر بذلك في سائر الموارد كقوله ~~تعالى: "فلا تجعلوا لله أندادا": البقرة - 22، وقوله تعالى: "وجعلوا لله ~~أندادا": ms0394 إبراهيم - 30، وغير ذلك لأن المقام مسبوق بالحصر في قوله: وإلهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو الآية، فكأن من اتخذ لله أندادا قد نقض الحصر من ~~غير مجوز واتخذ من يعلم أنه ليس بإله إلها اتباعا للهوى وتهوينا لحكم عقله ~~ولذلك نكره تحقيرا لشأنه، فقال ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا. # قوله تعالى: يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله، وفي التعبير ~~بلفظ يحبونهم دلالة على أن المراد بالأنداد ليس هو الأصنام فقط بل يشمل ~~الملائكة، وأفرادا من الإنسان الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى بل ~~يعم كل مطاع من دون الله من غير أن يأذن الله في إطاعته كما يشهد به ما في ~~ذيل الآيات من قوله: "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا": البقرة - ~~166، وكما قال تعالى: "ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله": آل عمران ~~- 64، وقال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله": التوبة - ~~31، وفي الآية دليل على أن الحب يتعلق بالله تعالى حقيقة خلافا لمن قال: إن ~~الحب - وهو وصف شهواني - يتعلق بالأجسام والجسمانيات، ولا يتعلق به سبحانه ~~حقيقة وإن معنى ما ورد من الحب له الإطاعة بالايتمار بالأمر والانتهاء عن ~~النهي تجوزا كقوله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله": ~~آل عمران - 31. # والآية حجة عليهم فإن قوله تعالى: أشد حبا لله يدل على أن حبه تعالى يقبل ~~الاشتداد، وهو في المؤمنين أشد منه في المتخذين لله أندادا، ولو كان المراد ~~بالحب هو الإطاعة مجازا كان المعنى والذين آمنوا أطوع لله ولم يستقم معنى ~~التفضيل لأن طاعة غيرهم ليست بطاعة عند الله سبحانه فالمراد بالحب معناه ~~الحقيقي. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم - إلى قوله - أحب ~~إليكم من الله ورسوله": التوبة - 25، فإنه ظاهر في أن الحب المتعلق بالله ~~والحب المتعلق برسوله والحب المتعلق بالآباء والأبناء والأموال وغيرها ~~جميعا من سنخ واحد لمكان قوله أحب إليكم، وأفعل التفضيل يقتضي اشتراك ~~المفضل والمفضل عليه في أصل ms0395 المعنى واختلافهما من حيث الزيادة والنقصان. # ثم إن الآية ذم المتخذين للأنداد بقوله: يحبونهم كحب الله ثم مدح ~~المؤمنين بأنهم أشد حبا لله سبحانه فدل التقابل بين الفريقين على أن ذمهم ~~إنما هو لتوزيعهم المحبة الإلهية بين الله وبين الأنداد الذين اتخذوهم ~~أندادا. # وهذا وإن كان بظاهره يمكن أن يستشعر منه أنهم لو وضعوا له سبحانه سهما ~~أكثر لم يذموا على ذلك لكن ذيل الآية ينفي ذلك فإن قوله: إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا، وقوله: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقوله: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، ~~يشهد بأن الذم لم يتوجه إلى الحب من حيث إنه حب بل من جهة لازمه الذي هو ~~الاتباع وكان هذا الاتباع منهم لهم لزعمهم أن لهم قوة يتقوون بها لجلب ~~محبوب أو دفع مكروه عن أنفسهم فتركوا بذلك اتباع الحق من أصله أو في بعض ~~الأمر، وليس من اتبع الله في بعض أمره دون بعض بمتبع له وحينئذ يندفع ~~الاستشعار المذكور، ويظهر أن هذا الحب يجب أن لا يكون لله فيه سهيم وإلا ~~فهو الشرك واشتداد هذا الحب ملازم لانحصار التبعية من أمر الله، ولذلك مدح ~~المؤمنين بذلك في قوله والذين آمنوا أشد حبا لله. PageV01P235 # وإذ كان هذا المدح والذم متعلقا بالحب من جهة أثره الذي هو الاتباع فلو كان ~~الحب للغير بتعقيب إطاعة الله تعالى في أمره ونهيه لكون الغير يدعو إلى ~~طاعته تعالى - ليس له شأن دون ذلك - لم يتوجه إليه ذم البتة كما قال تعالى: ~~"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم - إلى قوله - أحب إليكم من الله ورسوله": ~~التوبة - 24، فقرر لرسوله حبا كما قرره لنفسه لأن حبه (عليه السلام) حب ~~الله تعالى فإن أثره وهو الاتباع عين اتباع الله تعالى فإن الله سبحانه هو ~~الداعي إلى إطاعة رسوله والأمر باتباعه، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله": النساء - 64، وقال تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله" وكذلك ms0396 اتباع كل من يهتدي إلى الله باتباعه كعالم ~~يهدي بعلمه أو آية تعين بدلالته وقرآن يقرب بقراءته ونحو ذلك فإنها كلها ~~محبوبة بحب الله واتباعها طاعة تعد مقربة إليه. # فقد بان بهذا البيان أن من أحب شيئا من دون الله ابتغاء قوة فيه فاتبعه ~~في تسبيبه إلى حاجة ينالها منه أو اتبعه بإطاعته في شيء لم يأمر الله به ~~فقد اتخذ من دون الله أندادا وسيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وأن ~~المؤمنين هم الذين لا يحبون إلا الله ولا يبتغون قوة إلا من عند الله ولا ~~يتبعون غير ما هو من أمر الله ونهيه فأولئك هم المخلصون لله دينا. # وبان أيضا أن حب من حبه من حب الله واتباعه اتباع الله كالنبي وآله ~~والعلماء بالله، وكتاب الله وسنة نبيه وكل ما يذكر الله بوجه إخلاص لله ليس ~~من الشرك المذموم في شيء، والتقرب بحبه واتباعه تقرب إلى الله، وتعظيمه بما ~~يعد تعظيما من تقوى الله، قال تعالى: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب": الحج - 32 والشعائر هي العلامات الدالة، ولم يقيد بشيء مثل الصفا ~~والمروة وغير ذلك، فكل ما هو من شعائر الله وآياته وعلاماته المذكرة له ~~فتعظيمه من تقوى الله ويشمله جميع الآيات الآمرة بالتقوى. # نعم لا يخفى لذي مسكة أن إعطاء الاستقلال لهذه الشعائر والآيات في قبال ~~الله واعتقاد أنها تملك لنفسها أو غيرها نفعا أو ضرا أو موتا أو حياة أو ~~نشورا إخراج لها عن كونها شعائر وآيات وإدخال لها في حظيرة الألوهية وشرك ~~بالله العظيم، والعياذ بالله تعالى. # قوله تعالى: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن ~~الله شديد العقاب، ظاهر السياق أن قوله: إذ مفعول يرى، وأن قوله: إن القوة ~~لله إلى آخر الآية، بيان للعذاب، ولو للتمني. # والمعنى ليتهم يرون في الدنيا يوما يشاهدون فيه العذاب فيشاهدون أن القوة ~~لله جميعا وقد أخطئوا في إعطاء شيء منه لأندادهم وأن الله شديد في عذابه، ~~وإذاقته عاقبة هذا الخطأ ms0397 فالمراد بالعذاب في الآية - على ما يبينه ما يتلوه ~~- مشاهدتهم الخطأ في اتخاذهم أندادا يتوهم قوة فيه ومشاهدة عاقبة هذا الخطأ ~~ويؤيده الآيتان التاليتان: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا فلم يصل ~~من المتبوعين إلى تابعيهم نفع كانوا يتوقعونه ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب فلم يبق تأثير لشيء دون الله، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة، ~~وهو تمني الرجوع إلى الدنيا فنتبرأ منهم أي من الأنداد المتبوعين في الدنيا ~~كما تبرءوا منا في الآخرة، كذلك يريهم الله أي الذين ظلموا باتخاذ الأنداد ~~أعمالهم، وهي حبهم واتباعهم لهم في الدنيا حالكونها حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار. # قوله تعالى: وما هم بخارجين من النار، فيه حجة على القائلين بانقطاع ~~العذاب من طريق الظواهر. ### PageV01P236 ### |||| AUTO بحث روائي # في الخصال، والتوحيد، والمعاني، عن شريح بن هاني قال: إن أعرابيا قام يوم ~~الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين أتقول إن ~~الله واحد؟ قال فحمل الناس عليه، فقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير ~~المؤمنين من تقسم القلب؟ فقال أمير المؤمنين دعوه فإن الذي يريده الأعرابي ~~هو الذي نريده من القوم، ثم قال: (عليه السلام) يا أعرابي إن القول: في أن ~~الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله تعالى، ووجهان ~~يثبتان فيه فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب ~~الأعداد فهذا لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى ~~أنه كفر من قال إنه ثالث ثلاثة؟ وقول القائل هو واحد من الناس يريد به ~~النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه وجل ربنا وتعالى عن ذلك، وأما ~~الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ~~ربنا، وقول القائل إنه عز وجل أحدي المعنى يعني به: أنه لا ينقسم في وجود ~~ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا. # أقول: والوجهان اللذان أثبتهما (عليه السلام) كما ترى منطبق ms0398 على ما ~~ذكرناه في بيان قوله تعالى وإلهكم إله واحد الآية. # وقد تكرر في الخطب المروية عن علي (عليه السلام) والرضا (عليه السلام) ~~وغيرهما من أئمة أهل البيت: قولهم: إنه واحد لا بالعدد الخطبة، وهو ما مر ~~من معنى صرافة ذاته الآبية عن العدد، وفي دعاء الصحيفة الكاملة: لك وحدانية ~~العدد الدعاء، ويحمل على الملكية أي أنت تملك وحدانية العدد دون الاتصاف ~~فإن العقل والنقل ناهضان على أن وجوده سبحانه صرف لا يتثنى ولا يتكرر بذاته ~~وحقيقته. # وفي الكافي، والاختصاص، وتفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في ~~قوله: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا" الآية في حديث قال: هم والله ~~يا جابر أئمة الظلمة وأشياعهم، وفي رواية العياشي: والله يا جابر هم أئمة ~~الظلم وأشياعهم. # أقول: وقد اتضح معناه بما مر من البيان وتعبيره (عليه السلام) بأئمة ~~الظلم لمكان قوله تعالى: ولو يرى الذين ظلموا، فعد التابعين المتخذين ~~للأنداد ظلمة فيكون متبوعوهم أئمة الظلمة وأئمة الظلم. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: كذلك يريهم الله ~~أعمالهم حسرات عليهم الآية، قال: هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله ~~بخلا ثم يموت فيدعه لمن يعمل في طاعة الله أو في معصية الله فإن عمل به في ~~طاعة الله رآه في ميزان غيره فرآه حسرة وقد كان المال له وإن كان عمل به في ~~معصية الله قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية؟ الله. # أقول: وروى هذا المعنى العياشي والصدوق والمفيد والطبرسي عن الباقر ~~والصادق (عليهما السلام) وهو ناظر إلى التوسعة في معنى الأنداد وهو كذلك ~~كما تقدم. # بحث فلسفي # من المعاني الوجدانية التي عندنا معنى نسميه بالحب كما في موارد حب ~~الغذاء وحب النساء وحب المال وحب الجاه وحب العلم، هذه مصاديق خمسة لا نشك ~~في وجودها فينا، ولا نشك أنا نستعمل لفظ الحب فيها بمعنى واحد على سبيل ~~الاشتراك المعنوي دون اللفظي، ولا شك أن المصاديق مختلفة، فهل هو اختلاف ~~نوعي أو غير ms0399 ذلك. # إذا دققنا النظر في حب ما هو غذاء كالفاكهة مثلا وجدناه محبوبا عندنا ~~لتعلقه بفعل القوة الغاذية، ولو لا فعل هذه القوة وما يحوزه الإنسان بها من ~~الاستكمال البدني لم يكن محبوبا ولا تحقق حب، فالحب بحسب الحقيقة بين القوة ~~الغاذية وبين فعلها، وما تجده عند الفعل من اللذة، ولسنا نعني باللذة لذة ~~الذائقة فإنها من خوادم الغاذية وليست نفسها، بل الرضى الخاص الذي تجده ~~القوة بفعلها، ثم إذا اختبرنا حال حب النساء وجدنا الحب فيها يتعلق ~~بالحقيقة بالوقاع، وتعلقه بهن ثانيا وبالتبع، كما كان حب الغذاء متعلقا ~~بنفس الغذاء ثانيا وبالتبع، والوقاع أثر القوة المودعة في الحيوان، كما كان ~~التغذي كذلك أثرا لقوة فيه، ومن هنا يعلم أن هذين الحبين يرجعان إلى مرجع ~~واحد وهو تعلق وجودي بين هاتين القوتين وبين فعلهما أي كمالهما الفعلي. PageV01P237 # ومن المحتمل حينئذ أن يكون الحب هو التعلق الخاص بهذين الموردين ولا يوجد ~~في غير موردهما لكن الاختبار بالآثار يدفع ذلك، فإن لهذا التعلق المسمى حبا ~~أثرا في المتعلق اسم فاعل وهو حركة القوة وانجذابها نحو الفعل إذا فقدته ~~وتحرجها عن تركه إذا وجدته، وهاتان الخاصتان أو الخاصة الواحدة نجدها ~~موجودة في مورد جميع القوى الإدراكية التي لنا وأفعالها وإن قوتنا الباصرة ~~والسامعة والحافظة والمتخيلة وغيرها من القوى والحواس الظاهرية والباطنية ~~جميعها - سواء كانت فاعلة أو منفعلة - على هذه الصفة فجميعها تحب فعلها ~~وتنجذب إليها وليس إلا لكون أفعالها كمالات لها يتم بها نقصها وحاجتها ~~الطبيعية، وعند ذلك يتضح الأمر في حب المال وحب الجاه وحب العلم فإن ~~الإنسان يستكمل نوع استكمال بالمال والجاه والعلم. # ومن هنا يستنتج أن الحب تعلق خاص وانجذاب مخصوص شعوري بين الإنسان وبين ~~كماله، وقد أفاد التجارب الدقيقة بالآثار والخواص أنه يوجد في الحيوان غير ~~الإنسان، وقد تبين أن ذلك لكون المحب فاعلا أو منفعلا عما يحبه من الفعل ~~والأثر ومتعلقا بتبعه بكل ما يتعلق به كما مر في حديث الأكل والفاكهة، وغير ~~الحيوان أيضا كالحيوان إذا كان ms0400 هناك استكمال أو إفاضة لكمال مع الشعور. # ومن جهة أخرى لما كان الحب تعلقا وجوديا بين المحب والمحبوب كانت رابطة ~~قائمة بينهما فلو كان المعلول الذي يتعلق به حب علته موجودا ذا شعور وجد حب ~~علته في نفسه لو كان له نفس واستقلال جوهري. # ويستنتج من جميع ما مر: أولا أن الحب تعلق وجودي وانجذاب خاص بين العلة ~~المكملة أو ما يشبهها وبين المعلول المستكمل أو ما يشبهه، ومن هنا كنا نحب ~~أفعالنا لاستكمالنا بها ونحب ما يتعلق به أفعالنا كغذاء نتغذى به، أو زوج ~~نتمتع بها، أو مال نتصرف فيه، أو جاه نستفيد به، أو منعم ينعم علينا، أو ~~معلم يعلمنا، أو هاد يهدينا أو ناصر ينصرنا، أو متعلم يتعلم منا، أو خادم ~~يخدمنا، أو أي مطيع يطيعنا وينقاد لنا، وهذه أقسام من الحب بعضها طبيعي ~~وبعضها خيالي وبعضها عقلي. # وثانيا: أن الحب ذو مراتب مختلفة من الشدة والضعف فإنه رابطة وجودية - ~~والوجود مشكك في مراتبه - ومن المعلوم أن التعلق الوجودي بين العلة التامة ~~ومعلولها ليس كالتعلق الكائن بين العلل الناقصة ومعلولاتها، وأن الكمال ~~الذي يتعلق بواسطته الحب مختلف من حيث كونه ضروريا أو غير ضروري، ومن حيث ~~كونه ماديا كالتغذي أو غير مادي كالعلم، وبه يظهر بطلان القول باختصاصه ~~بالماديات حتى ذكر بعضهم: أن أصله حب الغذاء، وغيره ينحل إليه، وذكر آخرون: ~~أن الأصل في بابه حب الوقاع، وغيره راجع إليه. # وثالثا: أن الله سبحانه أهل للحب بأي جهة فرضت فإنه تعالى في نفسه موجود ~~ذو كمال غير متناه وأي كمال فرض غيره فهو متناه، والمتناهي متعلق الوجود ~~بغير المتناهي وهذا حب ذاتي مستحيل الارتفاع، وهو تعالى خالق لنا منعم ~~علينا بنعم غير متناهية العدة والمدة فنحبه كما نحب كل منعم لإنعامه. # ورابعا: أن الحب لما كانت رابطة وجودية - والروابط الوجودية غير خارجة ~~الوجود عن وجود موضوعها ومن تنزلاته - أنتج ذلك أن كل شيء فهو يحب ذاته، ~~وقد مر أنه يحب ما يتعلق بما يحبه فيحب آثار وجوده، ms0401 ومن هنا يظهر أن الله ~~سبحانه يحب خلقه لحب ذاته، ويحب خلقه لقبولهم إنعامه عليهم، ويحب خلقه ~~لقبولهم هدايته. # وخامسا: أن لزوم الشعور والعلم في مورد الحب إنما هو بحسب المصداق وإلا ~~فالتعلق الوجودي الذي هو حقيقة الحب لا يتوقف عليه من حيث هو، ومن هنا يظهر ~~أن القوى والمبادي الطبيعية غير الشاعرة لها حب بآثارها وأفعالها. # وسادسا: يستنتج مما مر أن الحب حقيقة سارية في الموجودات. ### ### |||| AUTO بحث فلسفي آخر # مسألة انقطاع العذاب والخلود مما اختلف فيه أنظار الباحثين من حيث النظر ~~العقلي ومن جهة الظواهر اللفظية. # والذي يمكن أن يقال: أما من جهة الظواهر، فالكتاب نص في الخلود، قال ~~تعالى: "وما هم بخارجين من النار" الآية والسنة من طرق أئمة أهل البيت ~~مستفيضة فيه، وقد ورد من غير طريقهم أخبار في الانقطاع ونفي الخلود، وهي ~~مطروحة بمخالفة الكتاب. PageV01P238 # وأما من جهة العقل فقد ذكرنا فيما تقدم من البحث في ذيل قوله تعالى: ~~"واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا": البقرة - 48، أن الاستدلال على ~~خصوصيات ما جاء به الشرع في المعاد بالمقدمات الكلية العقلية غير مقدور لنا ~~لأن العقل لا ينال الجزئيات، والسبيل فيه تصديق ما جاء به النبي الصادق من ~~طريق الوحي للبرهان على صدقه. # وأما النعمة والعذاب العقليان الطارئان على النفس من جهة تجردها وتخلقها ~~بأخلاق وملكات فاضلة أو ردية أو اكتسائها وتلبسها بأحوال حسنة جميلة أو ~~قبيحة فقد عرفت أن هذه الأحوال والملكات تظهر للنفس بما لها من صورة القبح ~~أو الحسن فتنعم بما هي حسنة منها إن كانت ذاتها سعيدة وتعذب بما هي قبيحة ~~مشوهة منها، سواء كانت ذاتها سعيدة أو شقية. # وأن ما كانت من هذه الصور صورا غير راسخة للنفس وغير ملائمة لذاتها فإنها ~~ستزول لأن القسر لا يكون دائميا ولا أكثريا، وهذه النفس هي النفس السعيدة ~~ذاتا وعليها هيآت شقية ردية ممكنة الزوال عنها كالنفس المؤمنة المجرمة، ~~وهذا كله ظاهر. # وأما الهيآت الردية التي رسخت في النفس حتى صارت صورا أو ms0402 كالصور الجديدة ~~تعطي للشيء نوعية جديدة كالإنسان البخيل الذي صار البخل صورة لإنسانيته كما ~~صار النطق لحيوانيته الصائرة به نوعا جديدا تحت الحيوان فالإنسان البخيل ~~أيضا نوع جديد تحت الإنسان، فمن المعلوم أن هذا النوع نوع مجرد في نفسه ~~دائمي الوجود، وجميع ما كان يصدر عنه بالقسر حال عدم الرسوخ فيعذب به ويذوق ~~وبال أمره فهي تصدر عن هذا النوع بإذن الله من غير قسر إلا أنها لما كانت ~~صادرة عن نوعيته من غير قسر فهي دائمة من غير زوال بخلاف ما لو كانت حاصلة ~~بالقسر، ومثل هذا الإنسان المعذب بلوازم ملكاته من وجه مثل من ابتلي بمرض ~~الماليخوليا أو الكابوس المستمر فإنه لا يزال يصدر عن قوة تخيله صور هائلة ~~أو مشوهة يعذب بها وهو نفسه هو الذي يوجدها من غير قسر قاسر ولو لم تكن ~~ملائمة لطبعه المريض ما أوجدها فهو وإن لم تكن متألما من حيث انتهاء الصدور ~~إليه نفسه لكنه معذب بها من حيث إن العذاب ما يفر منه الإنسان إذا لم يبتل ~~به بعد ويحب التخلص عنه إذا ابتلي به وهذا الحد يصدق على الأمور المشوهة ~~والصور غير الجميلة التي تستقبل الإنسان الشقي في دار آخرته، فقد بان أن ~~العذاب خالد غير منقطع عن الإنسان الشقي الذي لذاته شقوة لازمة. # وقد استشكل هاهنا بإشكالات واضحة السقوط بينة الفساد: مثل أن الله سبحانه ~~ذو رحمة واسعة غير متناهية فكيف يسع رحمته أن يخلق من مصيره إلى عذاب خالد ~~لا يقوم له شيء؟. # ومثل أن العذاب إنما يكون عذابا إذا لم يلائم الطبع فيكون قسرا ولا معنى ~~للقسر الدائم فكيف يصح وجود عذاب دائم؟. # ومثل أن العبد لم يذنب إلا ذنبا منقطع الآخر فكيف يجازى بعذاب دائم؟. # ومثل أن أهل الشقاء لا يقصر خدمتهم لنظام التكوين عن خدمات أهل السعادة. # ولولاهم لم تتحقق سعادة لسعيد فما هو الموجب لوقوعهم في عذاب مخلد؟. # ومثل أن العذاب للمتخلف عن أوامر الله ونواهيه انتقام ولا يكون الانتقام ~~إلا لجبر النقص ms0403 الذي أورده العاصي الظالم على المنتقم المقتدر، ولا يجوز ~~ذلك على الله تعالى فهو الغني المطلق فكيف يجوز منه العذاب وخاصة العذاب ~~المخلد؟. # فهذه وأمثالها وجوه من الإشكال أوردوها على خلود العذاب وعدم انقطاعه. # وأنت بالإحاطة بما بيناه من معنى خلود العذاب تعرف أنها ساقطة من رأس، ~~فإن العذاب الخالد أثر وخاصة لصورة الشقاء الذي لزمت الإنسان الشقي فتصور ~~ذاته بها بعد تمامية الاستعداد الشديد الذي حصل في ذاته القابلة لها بواسطة ~~الأحوال العارضة لها المنتهية إلى اختياره، واشتداد الاستعداد التام هو ~~الذي يوجب في جميع الحوادث إفاضة الصورة المناسبة لسنخ الاستعداد، فكما لا ~~يجوز السؤال عن علة تحقق الأفعال الإنسانية بعد ورود الصورة الإنسانية على ~~المادة لوجود العلة التي هي الصورة الإنسانية كذلك لا معنى للسؤال عن لمية ~~ترتب آثار الشقاء اللازم، ومنها العذاب المخلد بعد تحقق صورة الشقاء ~~اللازم، المنتهية إلى الاختيار فإنها آثارها وخواصها فبطلت السؤالات جميعا، ~~فهذا هو الجواب الإجمالي عنها. PageV01P239 # وأما تفصيلا: فالجواب عن الأول: أن الرحمة فيه تعالى ليس بمعنى رقة القلب ~~والإشفاق والتأثر الباطني فإنها تستلزم المادة - تعالى عن ذلك -، بل معناها ~~العطية والإفاضة لما يناسب الاستعداد التام الحاصل في القابل، فإن المستعد ~~بالاستعداد التام الشديد يحب ما يستعد له ويطلبه ويسأله بلسان استعداده ~~فيفاض عليه ما يطلبه ويسأله، والرحمة رحمتان: رحمة عامة، وهي إعطاء ما ~~يستعد له الشيء ويشتاقه في صراط الوجود والكينونة، ورحمة خاصة، وهي إعطاء ~~ما يستعد الشيء في صراط الهداية إلى التوحيد وسعادة القرب وإعطاء صورة ~~الشقاء اللازم الذي أثره العذاب الدائم للإنسان المستعد له باستعداده ~~الشديد لا ينافي الرحمة العامة بل هو منها، وأما الرحمة الخاصة فلا معنى ~~لشمولها لمن هو خارج عن صراطها، فقول القائل: إن العذاب الدائم ينافي ~~الرحمة إن أراد به الرحمة العامة فليس كذلك بل هو من الرحمة العامة، وإن ~~أراد به الرحمة الخاصة فليس كذلك لكونه ليس موردا لها، على أن الإشكال لو ~~تم لجرى في العذاب المنقطع أيضا حتى أنواع العذاب الدنيوي، ms0404 وهو ظاهر. # والجواب عن الثاني: أنه ينبغي أن يحرر معنى عدم ملاءمة الطبع فإنه تارة ~~بمعنى عدم السنخية بين الموضوع والأثر الموجود عنده وهو الفعل القسري الذي ~~يصدر عن قسر القاسر ويقابله الأثر الملائم الذي يصدر عن طبع الشيء إذا ~~اقترن به آفات ثم رسخت فيه فصارت صورة في الشيء وعاد الشيء يطلبه بهذا ~~الوجود وهو في عين الحال لا يحبه كما مثلنا فيه من مثال الماليخوليائي فهذه ~~الآثار ملائمة لذاته من حيث صدورها عن طبعه الشقي الخبيث، والآثار الصادرة ~~عن الطباع ملائمة، وهي بعينها عذاب لصدق حد العذاب عليها لكون الشيء لا ~~يرتضيها فهي غير مرضية من حيث الذوق والوجدان في عين كونها مرضية من حيث ~~الصدور. # والجواب عن الثالث: أن العذاب في الحقيقة ترتب أثر غير مرضي على موضوعه ~~الثابت حقيقة، وهو صورة الشقاء فهذا الأثر معلول الصورة الحاصلة بعد تحقق ~~علل معدة، وهي المخالفات المحدودة، وليس معلولا لتلك العلل المعدة المحدودة ~~حتى يلزم تأثير المتناهي أثرا غير متناه وهو محال، ونظيره أن عللا معدة ~~ومقربات معدودة محدودة أوجبت أن تتصور المادة بالصورة الإنسانية فيصير ~~إنسانا يصدر عنه آثار الإنسانية المعلولة للصورة المذكورة، ولا معنى لأن ~~يسأل ويقال: إن الآثار الإنسانية الصادرة عن الإنسان بعد الموت صدورا ~~دائميا سرمديا لحصول معدات محدودة مقطوعة الأمر للمادة فكيف صارت مجموع ~~منقطع الآخر من العلل سببا لصدور الآثار المذكورة وبقائها مع الإنسان دائما ~~لأن علتها الفاعلة - وهي الصورة الإنسانية - موجودة معها دائما على الفرض، ~~فكما لا معنى لهذا السؤال لا معنى لذلك أيضا. # والجواب عن الرابع: أن الخدمة والعبودية أيضا مثل الرحمة على قسمين: ~~عبودية عامة، وهو الخضوع والانفعال الوجودي عن مبدإ الوجود، وعبودية خاصة ~~وهو الخضوع والانقياد في صراط الهداية إلى التوحيد، ولكل من القسمين جزاء ~~يناسبه وأثر يترتب عليه ويخصه من الرحمة، فالعبودية العامة في نظام التكوين ~~جزاؤه الرحمة العامة، والنعمة الدائمة والعذاب الدائم كلاهما من الرحمة ~~العامة، والعبودية الخاصة جزاؤه الرحمة الخاصة، وهي النعمة والجنة وهو ~~ظاهر، على ms0405 أن هذا الإشكال لو تم لورد في مورد العذاب المنقطع الأخروي بل ~~الدنيوي أيضا. # والجواب عن الخامس: أن العذاب الدائم مستند إلى صورة الشقاء الذي في ~~الإنسان كما عرفت، وإلى الله سبحانه بالمعنى الذي يقال: في كل موجود: أنه ~~مستند إليه تعالى لا بمعنى الانتقام وتشفي الصدر المستحيل عليه تعالى، نعم ~~الانتقام بمعنى الجزاء الشاق والأثر السيىء الذي يجزي به المولى عبده في ~~مقابل تعديه عن طور العبودية، وخروجه عن ساحة الانقياد إلى عرصة التمرد ~~والمخالفة مما يصدق فيه تعالى لكن لا يستلزم كون العذاب انتقاما بهذا ~~المعنى إشكالا البتة. # على أن هذا الإشكال أيضا لو تم لورد في مورد العذاب الموقت المنقطع في ~~الآخرة بل في الدنيا أيضا. PageV01P240 ### |||| AUTO بحث قرآني وروائي متمم للبحث السابق # اعلم أن هذا الطريق من الاستدلال على رد الشبهة المذكورة مما استعمل في ~~الكتاب والسنة أيضا، قال تعالى: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ~~نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من ~~عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": إسراء - 20، فالآية كما ترى يجعل ~~العذاب والشكر كليهما من العطية والرحمة وتجعل تحقق كل منهما مرتبطة بإرادة ~~العبد وسعيه وهذا بعينه الطريق الذي سلكناه في أصل المسألة ودفع الإشكالات ~~عنها وهناك آيات أخر في هذا المعنى سنتكلم فيها في مواردها، إن شاء الله تعالى. PageV01P241 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 168 - 171 # يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حللا طيبا ولا تتبعوا خطوت الشيطن إنه لكم ~~عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه ءاباءنا أولو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون (171) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يا أيها الناس ms0406 كلوا مما في الأرض حلالا طيبا إلى آخر ~~الآيتين، الحلال مقابل الحرام الممنوع اقتحامه، والحل مقابل الحرمة، والحل ~~مقابل حرم، والحل مقابل العقد، وهو في جميع موارد استعماله يعطي معنى حرية ~~الشيء في فعله وأثره، والطيب - مقابل الخبيث - ما يلائم النفس والشيء، ~~كالطيب من القول لملاءمته السمع، والطيب من العطر يلائم الشامة، والطيب من ~~المكان يلائم حال المتمكن فيه. # والخطوات بضمتين جمع خطوة، وهي ما بين القدمين للماشي، وقرىء خطوات ~~بفتحتين وهي جمع خطوة وهي المرة، وخطوات الشيطان هي الأمور التي نسبته إلى ~~غرض الشيطان - وهو الإغواء بالشرك - نسبة خطوات الماشي إلى مقصده وغرضه، ~~فهي الأمور التي هي مقدمات للشرك والبعد من الله سبحانه، والأمر هو تحميل ~~الآمر إرادة نفسه على المأمور ليأتي ما يريده، والأمر من الشيطان وسوسته ~~وتحميله ما يريده من الإنسان عليه بإخطاره في قلبه وتزيينه في نظره والسوء ~~ما ينافره الإنسان ويستقبحه بنظر الاجتماع فإذا جاوز حده وتعدى طوره كان ~~فحشاء ولذلك سمي الزنا بالفحشاء وهو مصدر كالسراء والضراء. # وقد عمم تعالى الخطاب لجميع الناس لأن الحكم الذي يقرعه سمعهم ويبينه لهم ~~مما يبتلى به الكل، أما المشركون: فقد كان عندهم أمور مما حرموه على أنفسهم ~~افتراء على الله كما روي أن ثقيفا وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج ~~كانوا قد حرموا على أنفسهم أشياء من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة ~~والوصيلة، هذا في العرب، وفي غيرهم أيضا يوجد أشياء كثيرة من هذا القبيل، ~~وأما المؤمنون: فربما كان يبقى بعد الإسلام بينهم أمور خرافية طبق ناموس ~~توارث الأخلاق والآداب القومية والسنن المنسوخة بنواسخ غير تدريجية ~~كالأديان والقوانين وغيرهما فإن كل طريقة جديدة دينية أو دنيوية إذا نزلت ~~بدار قوم فإنما تتوجه أول ما تتوجه إلى أصول الطريقة القديمة وأعراقها ~~فتقطعه فإن دامت على حياتها وقوتها - وذلك بحسن التربية وحسن القبول - ~~أماتت الفروع وقطعت الأذناب وإلا فاختلطت بقايا من القديمة بالحديثة ~~والتأمت بها وصارت كالمركب النباتي، ما هو بهذا ولا ذاك. # فأمر تعالى الناس أن يأكلوا مما ms0407 في الأرض، والأكل هو البلع عن مضغ وربما ~~يكنى بالأكل عن مطلق التصرف في الأموال لكون الأكل هو الأصل في أفعال ~~الإنسان والركن في حياته كما قال تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض": النساء - 29، والآية لا تأبى الحمل على هذا ~~المعنى الوسيع لإطلاقها، والمعنى كلوا وتصرفوا وتمتعوا مما في الأرض من ~~النعم الإلهية التي هيأته لكم طبيعة الأرض بإذن الله وتسخيره أكلا حلالا ~~طيبا، أي لا يمنعكم عن أكله أو التصرف فيه مانع من قبل طبائعكم وطبيعة ~~الأرض، كالذي لا يقبل بطبعه الأكل، أو الطبع لا يقبل أكله، ولا تنفر ~~طبائعكم عن أكله مما يقبل الطبع أكله لكن ينافره ويأبى عنه السليقة كالأكل ~~الذي توسل إليه بوسيلة غير جائزة. PageV01P242 # فقوله تعالى: كلوا مما في الأرض حلالا طيبا، يفيد الإباحة العامة من غير ~~تقييد واشتراط فيه إلا أن قوله ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إلخ يفيد: أن ~~هاهنا أمورا تسمى خطوات الشيطان - متعلقة بهذا الأكل الحلال الطيب - إما كف ~~عن الأكل اتباعا للشيطان، وإما إقدام عليه اتباعا للشيطان، ثم ذكر ضابط ما ~~يتبع فيه الشيطان بأنه سوء وفحشاء، وقول ما لا يعلم على الله سبحانه وإذا ~~كان الكف غير جائز إلا برضى من الله تعالى فالفعل أيضا كذلك فليس الأكل مما ~~في الأرض حلالا طيبا إلا أن يأذن الله تعالى ويشرعه وقد شرعه بهذه الآية ~~ونظائرها ولا يمنع عنه بنهي أو ردع كما سيأتي من قوله تعالى: "إنما حرم ~~عليكم الميتة والدم" الآية فرجع معنى الآية - والله أعلم - إلى نحو قولنا ~~كلوا مما في الأرض من نعم الله المخلوقة لكم فقد جعله الله لكم حلالا طيبا ~~ولا تتركوا بعضا منها كفا وامتناعا فيكون سوء وفحشاء وقولا بغير علم أي ~~تشريعا ليس لكم ذلك وهو اتباع خطوات الشيطان. # فالآية تدل أولا: على عموم الحلية في جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل ~~فإن لله سبحانه المنع فيما له الإذن فيه. # وثانيا: على أن الامتناع مما أحله الله من ms0408 غير دليل علمي تشريع محرم. # وثالثا: على أن المراد من اتباع خطوات الشيطان التعبد لله بما لم يأذن في ~~التعبد بذلك فإنه لم ينه عن المشي والسلوك لكن عن المشي الذي يضع فيه ~~الإنسان قدمه موضع قدم الشيطان فينطبق مشيته على مشيته فيكون متبعا ~~لخطواته، ومن هنا يعلم أن عموم التعليل، وهو قوله إنما يأمركم "إلخ" وإن ~~اقتضى المنع عن الاقتحام في فعل بغير علم كما يقتضي المنع عن الامتناع بغير ~~علم لكنه ليس بمراد في الخطاب فإنه ليس من اتباع خطوات الشيطان وإن كان ~~اتباعا للشيطان. # قوله تعالى: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون، السوء والفحشاء يكونان في الفعل، وفي مقابله القول، وبذلك يظهر: أن ~~ما يأمر به الشيطان ينحصر في الفعل الذي هو سوء وفحشاء، والقول الذي هو قول ~~بغير علم. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا، ~~الإلفاء الوجدان أي وجدنا عليه آباءنا، والآية تشهد بما استفدناه من الآية ~~السابقة في معنى خطوات الشيطان. # قوله تعالى: أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، جواب عن قولهم، ~~وبيانه أنه قول بغير علم ولا تبين، وينافيه صريح العقل فإن قولهم: بل نتبع ~~ما ألفينا عليه آباءنا، قول مطلق أي نتبع آباءنا على أي حال وعلى أي وصف ~~كانوا، حتى لو لم يعلموا شيئا ولم يهتدوا ونقول ما فعلوه حق، وهذا هو القول ~~بغير علم، ويؤدي إلى القول بما لا يقول به عاقل لو تنبه له ولو كانوا ~~اتبعوا آباءهم فيما علموه واهتدوا فيه وهم يعلمون: أنهم علموا واهتدوا فيه ~~لم يكن من قبيل الاهتداء بغير علم. # ومن هنا: يعلم أن قوله تعالى: لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ليس واردا مورد ~~المبالغة نظرا إلى أن سلب مطلق العلم عن آبائهم مع كونهم يعلمون أشياء ~~كثيرة في حياتهم لا يحتمل إلا المبالغة. # وذلك أن الكلام مسوق سوق الفرض بإبداء تقدير لا يقول بجواز الاتباع فيه ~~قائل ليبطل به ms0409 إطلاق قولهم نتبع ما ألفينا عليه آباءنا وهو ظاهر. # قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء، المثل هو الكلام السائر والمثل هو الوصف كقوله تعالى: "انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا": الفرقان - 9، والنعيق صوت ~~الراعي لغنمه زجرا يقال: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقا إذا صاح بها زجرا، ~~والنداء مصدر نادى ينادي مناداة، وهو أخص من الدعاء ففيه معنى الجهر بالصوت ~~ونحوه بخلاف الدعاء، والمعنى - والله أعلم - ومثلك في دعاء الذين كفروا ~~كمثل الذي ينعق من البهائم بما لا يسمع من نعيقه إلا دعاء ونداء ما، فينزجر ~~بمجرد قرع الصوت سمعه من غير أن يعقل شيئا فهم صم لا يسمعون كلاما يفيدهم، ~~وبكم لا يتكلمون بما يفيد معنى، وعمي لا يبصرون شيئا فهم لا يعقلون شيئا ~~لأن الطرق المؤدية إلى التعقل مسدودة عليهم. PageV01P243 # ومن ذلك يظهر أن في الكلام قلبا أو عناية أخرى يعود إليه فإن المثل بالذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء مثل الذي يدعوهم إلى الهدى لا مثل ~~الكافرين المدعوين إلى الهدى إلا أن الأوصاف الثلاثة التي استنتج واستخرج ~~من المثل وذكرت بعده، وهي قوله: صم بكم عمي فهم لا يعقلون، لما كانت أوصافا ~~للذين كفروا لا لمن يدعوهم إلى الحق استوجب ذلك أن ينسب المثل إلى الذين ~~كفروا لا إلى رسول الله تعالى فأنتج ما أشبه القلب. ### |||| AUTO بحث روائي # في التهذيب، عن عبد الرحمن، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل حلف أن ينحر ~~ولده قال: ذلك من خطوات الشيطان. # وعن منصور بن حازم أيضا قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): أما ~~سمعت بطارق إن طارقا كان نخاسا بالمدينة فأتى أبا جعفر فقال يا أبا جعفر ~~إني حلفت بالطلاق والعتاق والنذر؟ فقال له يا طارق إن هذا من خطوات ~~الشيطان. ### # وفي تفسير العياشي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كل يمين بغير الله ~~فهو من خطوات الشيطان. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) ms0410 قال: إذا حلف الرجل على شيء والذي ~~حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير ولا كفارة له، وإنما ذلك من ~~خطوات الشيطان. # أقول: والأحاديث كما ترى مبنية على كون المراد من خطوات الشيطان الأعمال ~~التي يتقرب بها وليست بمقربة لعدم العبرة بها شرعا كما ذكرناه في البيان ~~السابق نعم في خصوص الطلاق ونحوه وجه آخر للبطلان وهو التعليق المنافي ~~للإنشاء، والمسألة فقهية، والمراد باليمين بغير الله هو اليمين الذي يترتب ~~عليه أثر اليمين الشرعي أو القسم بما لم يقسم به الله ولم يثبت له كرامة شيئا. # وفي المجمع، عن الباقر: في قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ~~الآية، قال: أي مثلهم في دعائك إياهم إلى الإيمان كمثل الناعق في دعائه ~~المنعوق به من البهائم التي لا تفهم وإنما تسمع الصوت. ### |||| AUTO بحث أخلاقي واجتماعي # الآراء والعقائد التي يتخذها الإنسان إما نظرية لا تعلق لها بالعمل من ~~غير واسطة كالمسائل المتعلقة بالرياضيات والطبيعيات وما وراء الطبيعة، وإما ~~عملية متعلقة بالعمل بلا واسطة كالمسائل المتعلقة بما ينبغي فعله وما لا ~~ينبغي، والسبيل في القسم الأول هو اتباع العلم واليقين المنتهي إلى برهان ~~أو حس، وفي القسم الثاني اتباع ما يوصل إلى الخير الذي فيه سعادة الإنسان ~~أو النافع فيها، واجتناب ما ينتهي إلى شقائه أو يضره في سعادته، وأما ~~الاعتقاد بما لا علم له بكونه حقا في القسم الأول، والاعتقاد بما لا يعلم ~~كونه خيرا أو شرا فهو اعتقاد خرافي. # والإنسان لما كانت آراؤه منتهية إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل ~~الأشياء والطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة فإنه لا ~~تخضع نفسه إلى الرأي الخرافي المأخوذ على العمياء وجهلا إلا أن العواطف ~~النفسانية والإحساسات الباطنية التي تثيرها الخيال - وعمدتها الخوف والرجاء ~~- ربما أوجبت له القول بالخرافة من جهة أن الخيال يصور له صورا يستصحب خوفا ~~أو رجاء فيحفظها إحساس الخوف أو الرجاء، ولا يدعها تغيب عن النفس الخائفة ~~أو الراجية، كما أن الإنسان إذا ms0411 أحل واديا - وهو وحده بلا أنيس والليل داج ~~مظلم والبصر حاسر عن الإدراك - فلا مؤمن يؤمنه بتميز المخاطر من غيرها ~~بضياء ونحوه فترى أن خياله يصور له كل شبح يتراءى له غولا مهيبا يقصده ~~بالإهلاك أو روحا من الأرواح، وربما صور له حركة وذهابا وإيابا وصعودا في ~~السماء ونزولا إلى الأرض، وأشكالا وتماثيل ثم لا يزال الخيال يكرر له هذا ~~الشبه المجعول كلما ذكره وحاله حاله من الخوف، ثم ربما نقله لغيره فأوجد ~~فيه حالا نظير حاله ولا يزال ينتشر - وهو موضوع خرافي لا ينتهي إلى حقيقة -. # وربما هيج الخيال حسن الدفاع من الإنسان أن يضع أعمالا لدفع شر هذا ~~الموجود الموهوم ويحث غيره على العمل بها للأمن من شره فيذهب سنة خرافية. # ولم يزل الإنسان منذ أقدم أعصار حياته مبتلى بآراء خرافية حتى اليوم وليس ~~كما يظن من أنها من خصائص الشرقيين فهي موجودة بين الغربيين مثلهم لو لم ~~يكونوا أحرص عليها منهم. PageV01P244 # ولا يزال الخواص من الإنسان - وهم العلماء - يحتالون في إمحاء رسوم هذه ~~الخرافات المتمكنة في نفوس العامة من الناس بلطائف حيلهم التي توجب تنبه ~~العامة وتيقظهم في أمرها، وقد أعيا الداء الطبيب فإن الإنسان لا يخلو من ~~التقليد والاتباع في الآراء النظرية والمعلومات الحقيقية من جانب، ومن ~~الإحساسات والعواطف النفسانية من جانب آخر، وناهيك في ذلك أن العلاج لم ~~ينجح إلى اليوم. # وأعجب من الجميع ما يراه في ذلك أهل الحضارة وعلماء الطبيعة اليوم! فقد ~~ذكروا أن العلم اليوم يبنى أساسه على الحس والتجربة ويدفع ما دون ذلك، ~~والمدنية والحضارة تبنى أساسه على استكمال الاجتماع في كل كمال ميسور ما ~~استيسر، وبنوا التربية على ذلك. # مع أن ذلك - وهو عجيب - نفسه من اتباع الخرافة فإن علوم الطبيعة إنما ~~تبحث عن خواص الطبيعة وتثبتها لموضوعاتها، وبعبارة أخرى هذه العلوم المادية ~~إنما تكشف دائما عن خبايا خواص المادة، وأما ما وراء ذلك فلا سبيل لها إلى ~~نفيه وإبطاله فالاعتقاد بانتفاء ما لا تناله الحس والتجربة من غير دليل ms0412 من ~~أظهر الخرافات. # وكذلك بناء المدنية على استكمال الاجتماع المذكور فإن هذا الاستكمال ~~والنيل بالسعادة الاجتماعية ربما يستلزم حرمان بعض الأفراد من سعادته ~~الحيوية الفردية كتحمل القتل والتفدية في الدفاع عن الوطن أو القانون أو ~~المرام، والمحرومية من سعادة الشخص لأجل وقاية حريم الاجتماع فهذه ~~الحرمانات لا يقدم فيها الإنسان إلا عن عقيدة الاستكمال، وأن يراها كمالات ~~- وليست كمالات لنفسه - بل عدم وحرمان لها، وإنما هي كمالات - لو كانت ~~كمالات - للمجتمع من حيث هو مجتمع وإنما يريد الإنسان الاجتماع لأجل نفسه ~~لا نفسه لأجل الاجتماع، ولذلك كله ما احتالت هذه الاجتماعات لأفرادها ~~فلقنوهم أن الإنسان يكتسب بالتفدية ذكرا جميلا واسما باقيا على الفخر دائما ~~وهو الحياة الدائمة، وهذه خرافة، وأي حياة بعد البطلان والفناء غير أنا ~~نسميه حياة، تسمية ليس وراءها شيء؟. # ومثلها القول: إن الإنسان يجب له تحمل مر القانون والصبر على الحرمان في ~~بعض ما يشتهيه نفسه ليتحفظ به الاجتماع فينال كماله في الباقي فيعتقد أن ~~كمال الاجتماع كماله، وهذه خرافة، فإن كمال الاجتماع إنما هو كماله فيما ~~يتطابق الكمالان وأما غير ذلك فلا فأي موجب على فرد بالنسبة إلى كماله أو ~~اجتماع قوم بالنسبة إلى اجتماع الدنيا إذا قدر على نيل ما يبتغيه من آماله ~~ولو بالجور وفاق في القوة والاستطاعة من غير مقاوم يقاومه أن يعتقد أن كمال ~~الاجتماع كماله والذكر الجميل فخارة؟ كما أن أقوياء الأمم لا يزالون على ~~الانتفاع من حياة الأمم الضعيفة، فلا يجدون منهم موطئا إلا وطئوه، ولا ~~منالا إلا نالوه، ولا نسمة إلا استرقوه واستعبدوه، وهل ذلك إلا علاجا لمزمن ~~الداء بالإفناء؟. # وأما ما سلكه القرآن في ذلك فهو أمره باتباع ما أنزل الله والنهي عن ~~القول بغير علم، هذا في النظر، وأما في العمل فأمره بابتغاء ما عند الله ~~فيه فإن كان مطابقا لما يشتهيه النفس كان فيه سعادة الدنيا والآخرة وإن كان ~~فيه حرمانها، فعند الله عظيم الأجر، وما عند الله خير وأبقى. # والذي يقوله أصحاب الحس: أن اتباع ms0413 الدين تقليد يمنع عنه العلم وأنه من ~~خرافات العهد الثاني من العهود الأربعة المارة على نوع الإنسان وهي عهد ~~الأساطير وعهد المذهب وعهد الفلسفة وعهد العلم، وهو الذي عليه البشر اليوم ~~من اتباع العلم ورفض الخرافات فهو قول بغير علم ورأي خرافي. # أما إن اتباع الدين تقليد فيبطله: أن الدين مجموع مركب من معارف المبدأ ~~والمعاد، ومن قوانين اجتماعية من العبادات والمعاملات مأخوذة من طريق الوحي ~~والنبوة الثابت صدقه بالبرهان والمجموعة من الأخبار التي أخبر بها الصادق ~~صادقة واتباعها اتباع للعلم لأن المفروض العلم بصدق مخبرها بالبرهان، وقد ~~مر في البحث التالي لقوله تعالى "وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة": البقرة - 67، كلام في التقليد فارجع. PageV01P245 # ومن العجيب أن هذا القول قول من ليس بيده في أصول الحياة وسنن الاجتماع: من ~~مأكله ومشربه وملبسه ومنكحه ومسكنه وغير ذلك إلا التقليد على العمى واتباع ~~الهوى من غير تثبت وتبين، نعم اختلقوا للتقليد اسما آخر وهو اتباع السنة ~~الذي ترتضيه الدنيا الراقية فصار التقليد بذلك ممحو الاسم ثابت الرسم، ~~مهجور اللفظ، مأنوس المعنى، وكان ألق دلوك في الدلاء شعارا علميا ورقيا ~~مدنيا وعاد ولا تتبع الهوى فيضلك تقليدا دينيا وقولا خرافيا. # وأما تقسيمهم سير الحياة الإنسانية إلى أربعة عهود فما بأيدينا من تاريخ ~~الدين والفلسفة يكذبه فإن طلوع دين إبراهيم إنما كان بعد عهد الفلسفة ~~بالهند ومصر وكلدان ودين عيسى بعد فلسفة يونان وكذا دين محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) - وهو الإسلام - كان بعد فلسفة يونان وإسكندرية، وبالجملة ~~غاية أوج الفلسفة كانت قبل بلوغ الدين أوجه. # وقد مر فيما مر أن دين التوحيد يتقدم في عهده على جميع الأديان الأخر. # والذي يرتضيه القرآن من تقسيم تاريخ الإنسان هو تقسيمه إلى عهد السذاجة ~~ووحدة الأمم وعهد الحس والمادة، وسيجيء بيانه في الكلام على قوله تعالى: ~~"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة - 213. PageV01P246 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 172 - 176 # يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبت ما رزقنكم واشكروا لله ms0414 إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) إن ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون ~~فى بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ~~(174) أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق وإن الذين اختلفوا فى الكتب لفى ~~شقاق بعيد (176) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، خطاب خاص ~~بالمؤمنين بعد الخطاب السابق للناس فهو من قبيل انتزاع الخطاب من الخطاب، ~~كأنه انصراف عن خطاب جماعة ممن لا يقبل النصح ولا يصغي إلى القول، والتفات ~~إلى من يستجيب الداعي لإيمانه به، والتفاوت الموجود بين الخطابين ناش من ~~تفاوت المخاطبين، فإن المؤمنين بالله لما كان يتوقع منهم القبول بدل قوله: ~~ما في الأرض حلالا طيبا من قوله: طيبات ما رزقناكم، وكان ذلك وسيلة إلى أن ~~يطلب منهم الشكر لله وحده لكونهم موحدين لا يعبدون إلا الله سبحانه، ولذلك ~~بعينه قيل: ما رزقناكم ولم يقل: ما رزقتم أو ما في الأرض ونحوه، لما فيه من ~~الإيماء أو الدلالة على كونه تعالى معروفا لهم قريبا منهم حنينا رءوفا بهم، ~~والظاهر أن يكون قوله: من طيبات ما رزقناكم، من قبيل إضافة الصفة إلى ~~الموصوف لا من قبيل قيام الصفة مقام الموصوف فإن المعنى على الأول كلوا من ~~رزقنا الذي كله طيب، وهو المناسب لمعنى التقرب والتحنن الذي يلوح من ~~المقام، والمعنى على الثاني كلوا من طيب الرزق لا من خبيثه، وهو بعيد ~~المناسبة عن المقام الذي هو مقام رفع الحظر، والنهي عن الامتناع عن بعض ما ~~رزقهم الله سبحانه تشريعا من عند أنفسهم وقولا بغير علم. # قوله تعالى: واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، لم يقل واشكروا لنا بل ~~اشكروا لله ليكون أدل على الأمر ms0415 بالتوحيد ولذلك أيضا قيل: إن كنتم إياه ~~تعبدون فدل على الحصر والقصر ولم يقل إن كنتم تعبدونه. # قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله، الإهلال لغير الله هو الذبح لغيره كالأصنام. # قوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، أي غير ظالم ولا متجاوز حده، وهما ~~حالان عاملهما الاضطرار فيكون المعنى فمن اضطر إلى أكل شيء مما ذكر من ~~المنهيات اضطرارا في حال عدم بغيه وعدم عدوه فلا ذنب له في الأكل، وأما لو ~~اضطر في حال البغي والعدو كأن يكونا هما الموجبين للاضطرار فلا يجوز له ~~ذلك، وقوله تعالى: إن الله غفور رحيم، دليل على أن التجوز تخفيف ورخصة منه ~~تعالى للمؤمنين وإلا فمناط النهي موجود في صورة الاضطرار أيضا. # قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، تعريض لأهل الكتاب ~~إذ عندهم شيء كثير من المحللات الطيبة التي حرمها كبراؤهم ورؤساؤهم في ~~العبادات وغيرها - وعندهم الكتاب الذي لا يقضي فيه بالتحريم - ولم يكتموا ~~ما كتموه إلا حفظا لما يدر عليهم من رزق الرئاسة وأبهة المقام والجاه ~~والمال. # وفي الآية من الدلالة على تجسم الأعمال وتحقق نتائجها ما لا يخفى فإنه ~~تعالى ذكر أولا أن اختيارهم الثمن القليل على ما أنزل الله هو أكل النار في ~~بطونهم ثم بدل اختيار الكتمان وأخذ الثمن على بيان ما أنزل الله في الآية ~~التالية من اختيار الضلالة على الهدى ثم من اختيار العذاب على المغفرة ثم ~~ختمها بقوله: فما أصبرهم على النار، والذي كان منهم ظاهرا هو الإدامة ~~للكتمان والبقاء عليها فافهم. PageV01P247 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد الآية، قال: الباغي باغي الصيد، والعادي السارق ليس لهما أن يأكلا ~~الميتة إذا اضطرا إليها، هي حرام عليهما ليس هي عليهما كما هي على المسلمين ~~وليس لهما أن يقصرا في الصلاة. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) قال: الباغي الظالم، والعادي ~~الغاصب. ms0416 # وعن حماد عنه (عليه السلام) قال: الباغي الخارج على الإمام والعادي اللص. # وفي المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام): غير ~~باغ على إمام المسلمين ولا عاد بالمعصية طريق المحقين. # أقول: والجميع من قبيل عد المصاديق، وهي تؤيد المعنى الذي استفدناه من ~~ظاهر اللفظ. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~فما أصبرهم على النار الآية، قال: ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم ~~إلى النار. # وفي المجمع، عن علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) قال: ما أجرأهم ~~على النار. # وعن الصادق (عليه السلام): ما أعملهم بأعمال أهل النار. # أقول: والروايات قريبة المعاني ففي الأولى تفسير الصبر على النار بالصبر ~~على سبب النار، وفي الثانية تفسير الصبر على النار بالجرأة عليها وهي لازمة ~~للصبر، وفي الثالثة تفسير الصبر على النار بالعمل بما يعمل به أهل النار ~~ومرجعه إلى معنى الرواية الأولى. PageV01P248 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 177 # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله ~~واليوم الاخر والملئكة والكتب والنبيين وءاتى المال على حبه ذوى القربى ~~واليتمى والمسكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلوة وءاتى ~~الزكوة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصبرين فى البأساء والضراء وحين البأس ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) ### |||| AUTO بيان # قيل: كثر الجدال والخصام بين الناس بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى ~~الكعبة وطالت المشاجرة فنزلت الآية. # قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، البر بالكسر ~~التوسع من الخير والإحسان، والبر بالفتح صفة مشبهة منه، والقبل بالكسر ~~فالفتح الجهة ومنه القبلة وهي النوع من الجهة، وذوو القربى الأقرباء، ~~واليتامى جمع يتيم وهو الذي لا والد له، والمساكين جمع مسكين وهو أسوأ حالا ~~من الفقير، وابن السبيل المنقطع عن أهله، والرقاب جمع رقبة وهي رقبة العبد، ~~والبأساء مصدر كالبؤس وهو الشدة والفقر، والضراء مصدر كالضر وهو أن يتضرر ~~الإنسان بمرض أو جرح أو ذهاب مال أو موت ولد، ms0417 والبأس شدة الحرب. # قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله، عدل عن تعريف البر بالكسر إلى تعريف ~~البر بالفتح ليكون بيانا وتعريفا للرجال مع تضمنه لشرح وصفهم وإيماء إلى ~~أنه لا أثر للمفهوم الخالي عن المصداق ولا فضل فيه، وهذا دأب القرآن في ~~جميع بياناته فإنه يبين المقامات ويشرح الأحوال بتعريف رجالها من غير أن ~~يقنع ببيان المفهوم فحسب. # وبالجملة قوله ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر، تعريف للأبرار وبيان ~~لحقيقة حالهم، وقد عرفهم أولا في جميع المراتب الثلاث من الاعتقاد والأعمال ~~والأخلاق بقوله: من آمن بالله وثانيا بقوله: أولئك الذين صدقوا وثالثا ~~بقوله: وأولئك هم المتقون. # فأما ما عرفهم به أولا فابتدأ فيه بقوله تعالى: من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وهذا جامع لجميع المعارف الحقة التي ~~يريد الله سبحانه من عباده الإيمان بها، والمراد بهذا الإيمان الإيمان ~~التام الذي لا يتخلف عنه أثره، لا في القلب بعروض شك أو اضطراب أو اعتراض ~~أو سخط في شيء مما يصيبه مما لا ترتضيه النفس، ولا في خلق ولا في عمل، ~~والدليل على أن المراد به ذلك قوله في ذيل الآية أولئك الذين صدقوا فقد ~~أطلق الصدق ولم يقيده بشيء من أعمال القلب والجوارح فهم مؤمنون حقا صادقون ~~في إيمانهم كما قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما: النساء 68 وحينئذ ~~ينطبق حالهم على المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان التي مر بيانها في ذيل ~~قوله تعالى إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت: البقرة 131. ثم ذكر تعالى نبذا ~~من أعمالهم بقوله: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكوة، فذكر الصلاة - وهي ~~حكم عبادي - وقد قال تعالى: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر": العنكبوت ~~- 45، وقال: "وأقم الصلوة لذكري": طه - 14، وذكر الزكاة - وهي حكم مالي فيه ~~صلاح المعاش - وذكر قبلهما إيتاء المال وهو بث الخير ms0418 ونشر الإحسان غير ~~الواجب لرفع حوائج المحتاجين وإقامة صلبهم. PageV01P249 # ثم ذكر سبحانه نبذا من جمل أخلاقهم بقوله: والموفون بعدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، فالعهد هو الالتزام بشيء والعقد ~~له - وقد أطلقه تعالى - وهو مع ذلك لا يشمل الإيمان والالتزام بأحكامه كما ~~توهمه بعضهم - لمكان قوله إذا عاهدوا، فإن الالتزام بالإيمان ولوازمه لا ~~يقبل التقيد بوقت دون وقت - كما هو ظاهر - ولكنه يشتمل بإطلاقه كل وعد وعده ~~الإنسان وكل قول قاله التزاما كقولنا: لأفعلن كذا ولأتركن، وكل عقد عقد به ~~في المعاملات والمعاشرات ونحوها، والصبر هو الثبات على الشدائد حين تهاجم ~~المصائب أو مقارعة الأقران، وهذان الخلقان وإن لم يستوفيا جميع الأخلاق ~~الفاضلة غير أنهما إذا تحققا تحقق ما دونهما، والوفاء بالعهد والصبر عند ~~الشدائد خلقان يتعلق أحدهما بالسكون والآخر بالحركة وهو الوفاء فالإتيان ~~بهذين الوصفين من أوصافهم بمنزلة أن يقال: إنهم إذا قالوا قولا أقدموا عليه ~~ولم يتجافوا عنه بالزوال. # وأما ما عرفهم به ثانيا بقوله: أولئك الذين صدقوا، فهو وصف جامع لجمل ~~فضائل العلم والعمل فإن الصدق خلق يصاحب جميع الأخلاق من العفة والشجاعة ~~والحكمة والعدالة وفروعها فإن الإنسان ليس له إلا الاعتقاد والقول والعمل، ~~وإذا صدق تطابقت الثلاثة فلا يفعل إلا ما يقول ولا يقول إلا ما يعتقد، ~~والإنسان مفطور على قبول الحق والخضوع له باطنا وإن أظهر خلافه ظاهرا فإذا ~~أذعن بالحق وصدق فيه قال ما يعتقده وفعل ما يقوله وعند ذلك تم له الإيمان ~~الخالص والخلق الفاضل والعمل الصالح، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين": التوبة - 120، والحصر في قوله أولئك الذين ~~صدقوا، يؤكد التعريف وبيان الحد، والمعنى - والله أعلم - إذا أردت الذين ~~صدقوا فأولئك هم الأبرار. # وأما ما عرفهم به ثالثا بقوله وأولئك هم المتقون، الحصر لبيان الكمال فإن ~~البر والصدق لو لم يتما لم يتم التقوى. # والذي بينه تعالى في هذه الآية من الأوصاف الأبرار هي التي ذكرها في غيرها. # قال تعالى: "إن الأبرار يشربون من ms0419 كأس كان مزاجها كافورا - عينا يشرب بها ~~عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا - ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا - إنما نطعمكم لوجه الله - ~~إلى أن قال - وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا:" الدهر - 12، فقد ذكر فيها ~~الإيمان بالله واليوم الآخر والإنفاق لوجه الله والوفاء بالعهد والصبر، ~~وقال تعالى أيضا: "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدريك ما عليون كتاب ~~مرقوم يشهده المقربون. إن الأبرار لفي نعيم - إلى أن قال - يسقون من رحيق ~~مختوم - إلى أن قال - عينا يشرب بها المقربون": المطففين - 28، بالتطبيق ~~بين هذه الآيات والآيات السابقة عليها يظهر حقيقة وصفهم ومآل أمرهم إذا ~~تدبرت فيها، وقد وصفتهم الآيات بأنهم عباد الله وأنهم المقربون، وقد وصف ~~الله سبحانه عباده فيما وصف بقوله: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان: الحجر - ~~42، ووصف المقربين بقوله: "والسابقون السابقون. أولئك المقربون في جنات ~~النعيم": الواقعة - 12، فهؤلاء هم السابقون في الدنيا إلى ربهم السابقون في ~~الآخرة إلى نعيمه، ولو أدمت البحث عن حالهم فيما تعطيه الآيات لوجدت عجبا. # وقد بان مما مر أن الأبرار أهل المرتبة العالية من الإيمان، وهي المرتبة ~~الرابعة على ما مر بيانه سابقا، قال تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام - 82. # قوله تعالى: والصابرين في البأساء، منصوب على المدح إعظاما لأمر الصبر، ~~وقد قيل إن الكلام إذا طال بذكر الوصف بعد الوصف فمذهبهم أن يعترضوا بين ~~الأوصاف بالمدح والذم، واختلاف الإعراب بالرفع والنصب. ### |||| AUTO بحث روائي # عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من عمل بهذه الآية فقد استكمل ~~الإيمان. PageV01P250 # أقول: ووجهه واضح بما بيناه، وقد نقل عن الزجاج والفراء أنهما قالا: إن ~~الآية مخصوصة بالأنبياء المعصومين لأن هذه الأشياء لا يأتيها بكليتها على ~~حق الواجب فيها إلا الأنبياء انتهى، وهو ناش من عدم التدبر فيما تفيده ~~الآيات والخلط بين المقامات المعنوية، وقد أنزلت آيات سورة الدهر في أهل ~~بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسماهم الله فيها ms0420 أبرارا وليسوا ~~بأنبياء. # نعم خطرهم عظيم، وقد وصف الله حال أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ثم ذكر مسألتهم أن ~~يلحقهم الله بالأبرار، قال: "وتوفنا مع الأبرار": آل عمران - 193. # وفي الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي عن أبي عامر الأشعري قال: قلت: يا ~~رسول الله ما تمام البر، قال أن تعمل في السر ما تعمل في العلانية. # وفي المجمع، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام): ذوي القربى قرابة النبي. # أقول: وكأنه من قبيل عد المصداق بالنظر إلى آية القربى. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): الفقير الذي لا يسأل الناس ~~والمسكين أجهد منه والبائس أجدهم. # وفي المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام): ابن السبيل، المنقطع به. # وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام): سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد ~~أدى بعضها، قال: (عليه السلام) يؤدي عنه من مال الصدقة فإن الله عز وجل ~~يقول: وفي الرقاب. # وفي تفسير القمي،: في قوله: والصابرين في البأساء والضراء قال: (عليه ~~السلام) في الجوع والعطش والخوف، وفي قوله وحين البأس قال: قال (عليه ~~السلام)، عند القتال PageV01P251 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 178 - 179 # يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسن ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ولكم فى ~~القصاص حيوة يأولى الألبب لعلكم تتقون (179) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، ~~في توجيه الخطاب إلى المؤمنين خاصة إشارة إلى كون الحكم خاصا بالمسلمين، ~~وأما غيرهم من أهل الذمة وغيرهم فالآية ساكتة عن ذلك. # ونسبة هذه الآية إلى قوله تعالى: "إن النفس بالنفس": المائدة - 48، نسبة ~~التفسير، فلا وجه لما ربما يقال، إن هذه الآية ناسخة لتلك الآية فلا يقتل ~~حر بعبد ولا رجل بمرأة. # وبالجملة القصاص مصدر قاص يقاص من قص أثره إذا تبعه ومنه ms0421 القصاص لمن يحدث ~~بالآثار والحكايات كأنه يتبع آثار الماضين فتسمية القصاص بالقصاص لما فيه ~~من متابعة الجاني في جنايته فيوقع عليه مثل ما أوقعه على غيره. # قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء، المراد بالموصول القاتل، والعفو ~~للقاتل إنما يكون في حق القصاص فالمراد بالشيء هو الحق، وفي تنكيره تعميم ~~للحكم أي أي حق كان سواء كان تمام الحق أو بعضه كما إذا تعدد أولياء الدم ~~فعفى بعضهم حقه للقاتل فلا قصاص حينئذ بل الدية، وفي التعبير عن ولي الدم ~~بالأخ إثارة لحس المحبة والرأفة وتلويح إلى أن العفو أحب. # قوله تعالى: فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، مبتدأ خبره محذوف أي ~~فعليه أن يتبع القاتل في مطالبة الدية بمصاحبة المعروف، من الاتباع وعلى ~~القاتل أن يؤدي الدية إلى أخيه ولي الدم بالإحسان من غير مماطلة فيها ~~إيذاؤه. # قوله تعالى: ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، أي الحكم بانتقال القصاص إلى الدية ~~تخفيف من ربكم فلا يتغير فليس لولي الدم أن يقتص بعد العفو فيكون اعتداء ~~فمن اعتدى فاقتص بعد العفو فله عذاب أليم. # قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون، إشارة إلى ~~حكمة التشريع، ودفع ما ربما يتوهم من تشريع العفو والدية وبيان المزية ~~والمصلحة التي في العفو وهو نشر الرحمة وإيثار الرأفة أن العفو أقرب إلى ~~مصلحة الناس، وحاصله أن العفو ولو كان فيه ما فيه من التخفيف والرحمة، لكن ~~المصلحة العامة قائمة بالقصاص فإن الحياة لا يضمنها إلا القصاص دون العفو ~~والدية ولا كل شيء مما عداهما، يحكم بذلك الإنسان إذا كان ذا لب وقوله ~~لعلكم تتقون، أي القتل وهو بمنزلة التعليل لتشريع القصاص. PageV01P252 # وقد ذكروا: أن الجملة، أعني قوله تعالى: ولكم في القصاص حيوة الآية على ~~اختصارها وإيجازها وقلة حروفها وسلاسة لفظها وصفاء تركيبها من أبلغ آيات ~~القرآن في بيانها، وأسماها في بلاغتها فهي جامعة بين قوة الاستدلال وجمال ~~المعنى ولطفه، ورقة الدلالة وظهور المدلول، وقد كان للبلغاء قبلها كلمات في ~~القتل والقصاص ms0422 تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ونظمها كقولهم: قتل البعض ~~إحياء للجميع وقولهم: أكثروا القتل ليقل القتل، وأعجب من الجميع عندهم ~~قولهم: القتل أنفى للقتل غير أن الآية أنست الجميع ونفت الكل: ولكم في ~~القصاص حيوة فإن الآية أقل حروفا وأسهل في التلفظ، وفيها تعريف القصاص ~~وتنكير الحياة ليدل على أن النتيجة أوسع من القصاص وأعظم وهي مشتملة على ~~بيان النتيجة وعلى بيان حقيقة المصلحة وهي الحياة، وهي متضمن حقيقة المعنى ~~المفيد للغاية فإن القصاص هو المؤدي إلى الحياة دون القتل فإن من القتل ما ~~يقع عدوانا ليس يؤدي إلى الحياة، وهي مشتملة على أشياء أخر غير القتل يؤدي ~~إلى الحياة وهي أقسام القصاص في غير القتل، وهي مشتملة على معنى زائد آخر، ~~وهو معنى المتابعة التي تدل عليها كلمة القصاص بخلاف قولهم القتل أنفى ~~للقتل، وهي مع ذلك متضمنة للحث والترغيب فإنها تدل على حياة مذخورة للناس ~~مغفول عنها يملكونها فعليهم أن يأخذوا بها نظير ما تقول: لك في مكان كذا أو ~~عند فلان مالا وثروة، وهي ذلك تشير إلى أن القائل لا يريد بقوله هذا إلا ~~حفظ منافعهم ورعاية مصلحتهم من غير عائد يعود إليه حيث قال: ولكم. # فهذه وجوه من لطائف ما تشتمل عليه هذه الآية، وربما ذكر بعضهم وجوها أخرى ~~يعثر عليه المراجع غير أن الآية كلما زدت فيه تدبرا زادتك في تجلياتها ~~بجمالها وغلبتك بهور نورها - وكلمة الله هي العليا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى الحر بالحر، ~~قال: لا يقتل الحر بالعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد وإن قتل ~~رجل امرأة فأراد أولياء المقتول أن يقتلوه أدوا نصف ديته إلى أولياء الرجل. # وفي الكافي، عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام): قال سألته عن قول الله ~~عز وجل فمن تصدق به فهو كفارة له، قال: يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا، ~~وسألته عن قوله عز وجل: فمن عفي له من أخيه شيء - فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان، ms0423 قال: ينبغي للذي له الحق أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه ~~على دية وينبغي للذي عليه الحق أن لا يمطل أداه إذا قدر على ما يعطيه ويؤدي ~~إليه بإحسان، وسألته عن قول الله عز وجل: فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ~~قال هو الرجل يقبل الدية أو يعفو أو يصالح ثم يعتدي فيقتل كما قال الله عز وجل. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة. ### |||| AUTO بحث علمي # كانت العرب أوان نزول آية القصاص وقبله تعتقد القصاص بالقتل لكنها ما ~~كانت تحده بحد وإنما يتبع ذلك قوة القبائل وضعفها فربما قتل الرجل بالرجل ~~والمرأة بالمرأة فسلك في القتل مسلك التساوي وربما قتل العشرة بالواحد ~~والحر بالعبد والرئيس بالمرءوس وربما أبادت قبيلة قبيلة أخرى لواحد قتل منها. # وكانت اليهود تعتقد القصاص كما ورد في الفصل الحادي والعشرين والثاني ~~والعشرين من الخروج والخامس والثلاثين من العدد، وقد حكاه القرآن حيث قال ~~تعالى: "وكتبنا لهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص": المائدة - 45. # وكانت النصارى على ما يحكى لا ترى في مورد القتل إلا العفو والدية، وسائر ~~الشعوب والأمم على اختلاف طبقاتهم ما كانت تخلو عن القصاص في القتل في ~~الجملة وإن لم يضبطه ضابط تام حتى القرون الأخيرة. # والإسلام سلك في ذلك مسلكا وسطا بين الإلغاء والإثبات فأثبت القصاص وألغى ~~تعينه بل أجاز العفو والدية ثم عدل القصاص بالمعادلة بين القاتل والمقتول، ~~فالحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. # وقد اعترض على القصاص مطلقا وعلى القصاص بالقتل خاصة بأن القوانين ~~المدنية التي وضعتها الملل الراقية لا ترى جوازها وإجراءها بين البشر اليوم. PageV01P253 # قالوا: إن القتل بالقتل مما يستهجنه الإنسان وينفر عنه طبعه ويمنع عنه ~~وجدانه إذا عرض عليه رحمة وخدمة للإنسانية، وقالوا: إذا كان القتل الأول ~~فقدا لفرد فالقتل الثاني فقد على فقد، وقالوا: إن القتل بالقصاص من القسوة ~~وحب الانتقام، وهذه صفة يجب أن تزاح عن الناس بالتربية العامة ويؤخذ في ~~القاتل أيضا ms0424 بعقوبة التربية، وذلك إنما يكون بما دون القتل من السجن ~~والأعمال الشاقة، وقالوا: إن المجرم إنما يكون مجرما إذا كان مريض العقل ~~فالواجب أن يوضع القاتل المجرم في المستشفيات العقلية ويعالج فيها، وقالوا: ~~إن القوانين المدنية تتبع الاجتماع الموجود، ولما كان الاجتماع غير ثابت ~~على حال واحد كانت القوانين كذلك فلا وجه لثبوت القصاص بين الاجتماع للأبد ~~حتى الاجتماعات الراقية اليوم، ومن اللازم أن يستفيد الاجتماع من وجود ~~أفرادها ما استيسر، ومن الممكن أن يعاقب المجرم بما دون القتل مما يعادل ~~القتل من حيث الثمرة والنتيجة كحبس الأبد أو حبس مدة سنين وفيه الجمع بين ~~الحقين حق المجتمع وحق أولياء الدم، فهذه الوجوه عمدة ما ذكره المنكرون ~~لتشريع القصاص بالقتل. ### # وقد أجاب القرآن عن جميع هذه الوجوه بكلمة واحدة، وهي قوله تعالى: من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا": المائدة - 32. # بيان ذلك: أن القوانين الجارية بين أفراد الإنسان وإن كانت وضعية ~~اعتبارية يراعى فيها مصالح الاجتماع الإنساني غير أن العلة العاملة فيها من ~~أصلها هي الطبيعة الخارجية الإنسانية الداعية إلى تكميل نقصها ورفع حوائجها ~~التكوينية، وهذه الواقعية الخارجية ليست هي العدد العارض على الإنسان ولا ~~الهيأة الواحدة الاجتماعية فإنها نفسها من صنع الوجود الكوني الإنساني بل ~~هي الإنسان وطبيعته وليس بين الواحد من الإنسان والألوف المجتمعة منه فرق ~~في أن الجميع إنسان ووزن الواحد والجميع واحد من حيث الوجود. # وهذه الطبيعة الوجودية تجهزت في نفسها بقوى وأدوات تدفع بها عن نفسها ~~العدم لكونها مفطورة على حب الوجود، وتطرد كل ما يسلب عنه الحياة بأي وسيلة ~~أمكنت وإلى أي غاية بلغت حتى القتل والإعدام، ولذا لا تجد إنسانا لا تقضي ~~فطرته بتجويز قتل من يريد قتله ولا ينتهي عنه إلا به، وهذه الأمم الراقية ~~أنفسهم لا يتوقفون عن الحرب دفاعا عن استقلالهم وحريتهم وقوميتهم، فكيف بمن ~~أراد قتل نفوسهم عن آخرها، ويدفعون عن بطلان القانون بالغا ما بلغ حتى ms0425 ~~بالقتل ويتوسلون إلى حفظ منافعهم بالحرب إذا لم يعالج الداء بغيرها، تلك ~~الحرب التي فيها فناء الدنيا وهلاك الحرث والنسل ولا يزال ملل يتقدمون ~~بالتسليحات وآخرون يتجهزون بما يجاوبهم، وليس ذلك كله إلا رعاية لحال ~~الاجتماع وحفظا لحياته وليس الاجتماع إلا صنيعة من صنائع الطبيعة فما بال ~~الطبيعة يجوز القتل الذريع والإفناء والإبادة لحفظ صنيعة من صنائعها، وهي ~~الاجتماع المدني ولا تجوزها لحفظ حياة نفسها؟ وما بالها تجوز قتل من يهم ~~بالقتل ولم يفعل ولا تجوزه فيمن هم وفعل؟ وما بال الطبيعة تقضي بالانعكاس ~~في الوقائع التاريخية، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره ولكل عمل عكس عمل في قانونها لكنها تعد القتل في مورد القتل ظلما ~~وتنقض حكم نفسها. # على أن الإسلام لا يرى في الدنيا قيمة للإنسان يقوم بها ولا وزنا يوزن به ~~إلا إذا كان على دين التوحيد فوزن الاجتماع الإنساني ووزن الموحد الواحد ~~عنده سيان، فمن الواجب أن يكون حكمهما عنده واحدا، فمن قتل مؤمنا كان كمن ~~قتل الناس جميعا من نظر إزرائه وهتكه لشرف الحقيقة كما أن من قتل نفسا كان ~~كمن قتل الناس جميعا من نظر الطبيعة الوجودية، وأما الملل المتمدنة فلا ~~يبالون بالدين ولو كانت شرافة الدين عندهم تعادل في قيمتها أو وزنها - فضلا ~~عن التفوق - الاجتماع المدني في الفضل لحكموا فيه بما حكموا في ذلك. PageV01P254 # على أن الإسلام يشرع للدنيا لا لقوم خاص وأمة معينة، والملل الراقية إنما ~~حكمت بما حكمت بعد ما أذعنت بتمام التربية في أفرادها وحسن صنيع حكوماتها ~~ودلالة الإحصاء في مورد الجنايات والفجائع على أن التربية الموجودة مؤثرة ~~وأن الأمة في أثر تربيتهم متنفرة عن القتل والفجيعة فلا تتفق بينهم إلا في ~~الشذوذ وإذا اتفقت فهي ترتضي المجازاة بما دون القتل، والإسلام لا يأبى عن ~~تجويز هذه التربية وأثرها الذي هو العفو مع قيام أصل القصاص على ساق. # ويلوح إليه قوله تعالى: في آية القصاص فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف ms0426 وأداء إليه بإحسان، فاللسان لسان التربية وإذا بلغ قوم إلى حيث ~~أذعنوا بأن الفخر العمومي في العفو لم ينحرفوا عنه إلى مسلك الانتقام. # وأما غير هؤلاء الأمم فالأمر فيها على خلاف ذلك والدليل عليه ما نشاهده ~~من حال الناس وأرباب الفجيعة والفساد فلا يخوفهم حبس ولا عمل شاق ولا بصدهم ~~وعظ ونصح، وما لهم من همة ولا ثبات على حق إنساني، والحياة المعدة لهم في ~~السجون أرفق وأعلى وأسنى مما لهم في أنفسهم من المعيشة الردية الشقية فلا ~~يوحشهم لوم ولا ذم، ولا يدهشهم سجن ولا ضرب، وما نشاهده أيضا من ازدياد عدد ~~الفجائع في الإحصاءات يوما فيوما فالحكم العام الشامل للفريقين - والأغلب ~~منهما الثاني - لا يكون إلا القصاص وجواز العفو فلو رقت الأمة وربيت تربية ~~ناجحة أخذت بالعفو والإسلام لا يألو جهده في التربية ولو لم يسلك إلا ~~الانحطاط أو كفرت بأنعم ربها وفسقت، أخذ فيهم بالقصاص ويجوز معه العفو. # وأما ما ذكروه من حديث الرحمة والرأفة بالإنسانية فما كل رأفة بمحمودة ~~ولا كل رحمة فضيلة، فاستعمال الرحمة في مورد الجاني القسي والعاصي المتخلف ~~المتمرد والمتعدي على النفس والعرض جفاء على صالح الأفراد، وفي استعمالها ~~المطلق اختلال النظام وهلاك الإنسانية وإبطال الفضيلة. # وأما ما ذكروه أنه من القسوة وحب الانتقام فالقول فيه كسابقه، فالانتقام ~~للمظلوم من ظالمه استظهارا للعدل والحق ليس بمذموم قبيح، ولا حب العدل من ~~رذائل الصفات، على أن تشريع القصاص بالقتل غير ممحض في الانتقام بل فيه ~~ملاك التربية العامة وسد باب الفساد. # وأما ما ذكروه من كون جناية القتل من الأمراض العقلية التي يجب أن يعالج ~~في المستشفيات فهو من الأعذار ونعم العذر الموجبة لشيوع القتل والفحشاء ~~ونماء الجناية في الجامعة الإنسانية، وأي إنسان منا يحب القتل والفساد علم ~~أن ذلك فيه مرض عقلي وعذر مسموع يجب على الحكومة أن يعالجه بعناية ورأفة ~~وأن القوة الحاكمة والتنفيذية تعتقد فيه ذلك لم يقدم معه كل يوم على قتل. # وأما ما ذكروه من لزوم الاستفادة من وجود ms0427 المجرمين بمثل الأعمال ~~الإجبارية ونحوها مع حبسهم ومنعهم عن الورود في الاجتماع فلو كان حقا متكئا ~~على حقيقة فما بالهم لا يقضون بمثله في موارد الإعدام القانوني التي توجد ~~في جميع القوانين الدائرة اليوم بين الأمم؟ وليس ذلك إلا للأهمية التي ~~يرونها للإعدام في موارده، وقد مر أن الفرد والمجتمع في نظر الطبيعة من حيث ~~الأهمية متساويان. PageV01P255 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 180 - 182 # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للولدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه إن الله سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم ~~فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية، لسان ~~الآية لسان الوجوب فإن الكتابة يستعمل في القرآن في مورد القطع واللزوم ~~ويؤيده ما في آخر الآية من قوله حقا، فإن الحق أيضا كالكتابة يقتضي معنى ~~اللزوم لكن تقييد الحق بقوله على المتقين، مما يوهن الدلالة على الوجوب ~~والعزيمة فإن الأنسب بالوجوب أن يقال: حقا على المؤمنين، وكيف كان فقد قيل ~~إن الآية منسوخة بآية الإرث، ولو كان كذلك فالمنسوخ هو الفرض دون الندب ~~وأصل المحبوبية ولعل تقييد الحق بالمتقين في الآية لإفادة هذا الغرض. # والمراد بالخير المال، وكأنه المال المعتد به، دون اليسير الذي لا يعبأ ~~به والمراد بالمعروف هو المعروف المتداول من الصنيعة والإحسان. # قوله تعالى: فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه، ضمير ~~إثمه راجع إلى التبديل، والباقي من الضمائر إلى الوصية بالمعروف، وهي مصدر ~~يجوز فيه الوجهان وإنما قال على الذين يبدلونه، ولم يقل عليهم ليكون فيه ~~دلالة على سبب الإثم وهو تبديل الوصية بالمعروف وليستقيم تفريع الآية ~~التالية عليه. # قوله تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه، ~~الجنف هو الميل والانحراف، وقيل: هو ميل القدمين إلى الخارج كما أن الحنف ~~بالحاء المهملة ms0428 انحرافهما إلى الداخل، والمراد على أي حال الميل إلى الإثم ~~بقرينة الإثم والآية تفريع على الآية السابقة عليها، والمعنى والله أعلم ~~فإنما إثم التبديل على الذين يبدلون الوصية بالمعروف، ويتفرع عليه: أن من ~~خاف من وصية الموصي أن يكون وصيته بالإثم أو مائلا إليه فأصلح بينهم برده ~~إلى ما لا إثم فيه فلا إثم عليه لأنه لم يبدل وصيته بالمعروف بل إنما بدل ~~ما فيه إثم أو جنف. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي الكافي، والتهذيب، وتفسير العياشي، واللفظ للأخير عن محمد بن مسلم عن ~~الصادق (عليه السلام): سألته عن الوصية تجوز للوارث؟ قال نعم ثم تلا هذه ~~الآية إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: من لم ~~يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في الآية قال: حق جعله ~~الله في أموال الناس لصاحب هذا الأمر، قال قلت: لذلك حد محدود، قال: نعم، ~~قلت: كم؟ قال: أدناه السدس وأكثره الثلث. # أقول: وروى هذا المعنى الصدوق أيضا في الفقيه، عنه (عليه السلام) وهو ~~استفادة لطيفة من الآية بضم قوله تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا": ~~الأحزاب - 6، فإن الآية هي الناسخة لحكم التوارث بالأخوة الذي كان في صدر ~~الإسلام فقد نفت التوارث بالأخوة وأثبتته للقرابة ثم استثني ما فعل من ~~معروف في حق الأولياء، وقد عدت النبي وليا والطاهرين من ذريته أولياء لهم، ~~وهذا المعروف المستثنى مورد قوله تعالى: إن ترك خيرا الوصية الآية - وهم ~~قربى - فافهم. # وفي تفسير العياشي، عن أحدهما (عليهما السلام): في قوله تعالى كتب عليكم ~~إذا حضر الآية، قال (عليه السلام) هي منسوخة نسختها آية الفرائض التي هي ~~المواريث. # أقول: مقتضى الجمع بين الروايات السابقة وبين هذه الرواية أن المنسوخ من ms0429 الآية. # هو الوجوب فقط فيبقى الاستحباب على حاله. # وفي المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما الآية، قال الجنف أن يكون على جهة الخطإ من حيث لا يدري أنه يجوز. PageV01P256 # وفي تفسير القمي، قال الصادق (عليه السلام): إذا الرجل أوصى بوصيته فلا ~~يجوز للوصي أن يغير وصية يوصيها بل يمضيها على ما أوصى إلا أن يوصي بغير ما ~~أمر الله فيعصي في الوصية ويظلم، فالموصى إليه جائز له أن يرده إلى الحق ~~مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كله لبعض ورثته ويحرم بعضا فالوصي جائز ~~له أن يرده إلى الحق وهو قوله جنفا أو إثما، والجنف الميل إلى بعض ورثته ~~دون بعض، والإثم أن يأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر فيحل للوصي أن ~~لا يعمل بشيء من ذلك. # أقول: وبما في الرواية من معنى الجنف يظهر معنى قوله تعالى فأصلح بينهم ~~فالمراد الإصلاح بين الورثة لوقوع النزاع بينهم من جهة جنف الموصي. # وفي الكافي، عن محمد بن سوقة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول ~~الله عز وجل: فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه، قال ~~نسختها التي بعدها قوله: فمن خاف من موص جنفا أو إثما - فأصلح بينهم فلا ~~إثم عليه، قال: يعني الموصى إليه إن خاف جنفا من الموصي في ولده فيما أوصى ~~به إليه فيما لا يرضى الله به من خلاف الحق فلا إثم عليه أي على الموصى ~~إليه أن يبدله إلى الحق وإلى ما يرضى الله به من سبيل الحق. # أقول: هذا من تفسير الآية بالآية فإطلاق النسخ عليه ليس على الاصطلاح وقد ~~مر أن النسخ في كلامهم ربما يطلق على غير ما اصطلح عليه الأصوليون. PageV01P257 ### || CHECK [تتميم سورة البقرة] # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الثاني PageV02P001 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 183 - 185 # يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) أياما معدودت فمن كان منكم مريضا ms0430 أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان الذى أنزل فيه القرءان هدى للناس ~~وبينت من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) ### |||| AUTO بيان # سياق الآيات الثلاث يدل أولا على أنها جميعا نازلة معا فإن قوله تعالى: ~~أياما معدودات، في أول الآية الثانية ظرف متعلق بقوله: الصيام في الآية ~~الأولى، وقوله تعالى: شهر رمضان، في الآية الثالثة إما خبر لمبتدإ محذوف ~~وهو الضمير الراجع إلى قوله: أياما معدودات، والتقدير هي شهر رمضان أو ~~مبتدأ لخبر محذوف، والتقدير شهر رمضان هو الذي كتب عليكم صيامه أو هو بدل ~~من الصيام في قوله: كتب عليكم الصيام، في الآية الأولى وعلى أي تقدير هو ~~بيان وإيضاح للأيام المعدودات التي كتب فيها الصيام فالآيات الثلاث جميعا ~~كلام واحد مسوق لغرض واحد وهو بيان فرض صوم شهر رمضان. # وسياق الآيات يدل ثانيا على أن شطرا من الكلام الموضوع في هذه الآيات ~~الثلاث بمنزلة التوطئة والتمهيد بالنسبة إلى شطر آخر، أعني: أن الآيتين ~~الأوليين سرد الكلام فيهما ليكون كالمقدمة التي تساق لتسكين طيش النفوس ~~والحصول على اطمينانها واستقرارها عن القلق والاضطراب، إذا كان غرض المتكلم ~~بيان ما لا يؤمن فيه التخلف والتأبي عن القبول، لكون ما يأتي من الحكم أو ~~الخبر ثقيلا شاقا بطبعه على المخاطب، ولذلك ترى الآيتين الأوليين تألف ~~فيهما الكلام من جمل لا يخلو واحدة منها عن هداية ذهن المخاطب إلى تشريع ~~صوم رمضان بإرفاق وملاءمة، بذكر ما يرتفع معه الاستيحاش والاضطراب، ويحصل ~~به تطيب النفس، وتنكسر به سورة الجماح والاستكبار، بالإشارة إلى أنواع من ~~التخفيف والتسهيل، روعيت في تشريع هذا الحكم مع ما فيه من الخير العاجل ~~والآجل. # ولذلك لما ذكر كتابة الصيام عليهم ms0431 بقوله: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام أردفه بقوله: كما كتب على الذين من قبلكم أي لا ينبغي لكم أن ~~تستثقلوه وتستوحشوا من تشريعه في حقكم وكتابته عليكم فليس هذا الحكم بمقصور ~~عليكم بل هو حكم مجعول في حق الأمم السابقة عليكم ولستم أنتم متفردين فيه، ~~على أن في العمل بهذا الحكم رجاء ما تبتغون وتطلبونه بإيمانكم وهو التقوى ~~التي هي خير زاد لمن آمن بالله واليوم الآخر، وأنتم المؤمنون وهو قوله تعالى. # لعلكم تتقون، على أن هذا العمل الذي فيه رجاء التقوى لكم ولمن كان قبلكم ~~لا يستوعب جميع أوقاتكم ولا أكثرها بل إنما هو في أيام قلائل معينة معدودة، ~~وهو قوله تعالى: أياما معدودات، فإن في تنكير، أياما، دلالة على التحقير، ~~وفي التوصيف بالعدل إشعار بهوان الأمر كما في قوله تعالى: وشروه بثمن بخس ~~دراهم معدودة: يوسف - 30، على أنا راعينا جانب من يشق عليه أصل الصيام كمن ~~يطيق الصيام، فعليه أن يبدله من فدية لا تشقه ولا يستثقلها، وهو طعام مسكين ~~وهو قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر إلى قوله، فدية طعام مسكين اه. # وإذا كان هذا العمل مشتملا على خيركم ومراعى فيه ما أمكن من التخفيف ~~والتسهيل عليكم كان خيركم أن تأتوا به بالطوع والرغبة من غير كره وتثاقل ~~وتثبط، فإن من تطوع خيرا فهو خير له من أن يأتي به عن كره وهو قوله تعالى. PageV02P002 # فمن تطوع خيرا فهو خير له إلخ، فالكلام الموضوع في الآيتين كما ترى توطئة ~~وتمهيد لقوله تعالى في الآية الثالثة: فمن شهد منكم الشهر فليصمه إلخ، وعلي ~~هذا فقوله تعالى في الآية الأولى: كتب عليكم الصيام، إخبار عن تحقق الكتابة ~~وليس بإنشاء للحكم كما في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الآية:" البقرة - 178، وقوله تعالى "كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين": البقرة - 180، فإن ~~بين القصاص في القتلى والوصية للوالدين والأقربين وبين الصيام فرقا، وهو أن ~~القصاص ms0432 في القتلى أمر يوافق حس الانتقام الثائر في نفوس أولياء المقتولين ~~ويلائم الشح الغريزي الذي في الطباع أن ترى القاتل حيا سالما يعيش ولا يعبأ ~~بما جنى من القتل، وكذلك حس الشفقة والرأفة بالرحم يدعو النفوس إلى الترحم ~~على الوالدين والأقربين، وخاصة عند الموت والفراق الدائم، فهذان أعني ~~القصاص، والوصية حكمان مقبولان بالطبع عند الطباع، موافقان لما تقتضيها فلا ~~يحتاج الإنباء عنها بإنشائها إلى تمهيد مقدمة وتوطئة بيان بخلاف حكم ~~الصيام، فإنه يلازم حرمان النفوس من أعظم مشتهياتها ومعظم ما تميل إليها ~~وهو الأكل والشرب والجماع، ولذلك فهو ثقيل على الطبع، كريه عند النفس، ~~يحتاج في توجيه حكمه إلى المخاطبين، وهم عامة الناس من المكلفين إلى تمهيد ~~وتوطئة تطيب بها نفوسهم وتحن بسببها إلى قبوله وأخذه طباعهم، ولهذا السبب ~~كان قوله: كتب عليكم القصاص اه، وقوله: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ~~إنشاء للحكم من غير حاجة إلى تمهيد مقدمة بخلاف قوله: كتب عليكم الصيام ~~فإنه إخبار عن الحكم وتمهيد لإنشائه بقوله: فمن شهد منكم، بمجموع ما في ~~الآيتين من الفقرات السبع. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اه، الإتيان بهذا الخطاب لتذكيرهم بوصف ~~فيهم وهو الإيمان، يجب عليهم إذا التفتوا إليه أن يقبلوا ما يواجههم ربهم ~~به من الحكم وإن كان على خلاف مشتهياتهم وعاداتهم، وقد صدرت آية القصاص ~~بذلك أيضا لما سمعت أن النصارى كانوا يرون العفو دون القصاص وإن كان سائر ~~الطوائف من المليين وغيرهم يرون القصاص. # قوله تعالى: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم اه، الكتابة ~~معروفة المعنى ويكنى به عن الفرض والعزيمة والقضاء الحتم كقوله: "كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي:" المجادلة - 21، وقوله تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم:" ~~يس - 12 وقوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس": المائدة - 45، ~~والصيام والصوم في اللغة مصدران بمعنى الكف عن الفعل: كالصيام عن الأكل ~~والشرب والمباشرة والكلام والمشي وغير ذلك، وربما يقال: إنه الكف عما ~~تشتهيه النفس وتتوق إليه خاصة ثم غلب استعماله في الشرع في ms0433 الكف عن أمور ~~مخصوصة، من طلوع الفجر إلى المغرب بالنية، والمراد بالذين من قبلكم الأمم ~~الماضية ممن سبق ظهور الإسلام من أمم الأنبياء كأمة موسى وعيسى وغيرهم، فإن ~~هذا المعنى هو المعهود من إطلاق هذه الكلمة في القرآن أينما أطلقت، وليس ~~قوله: كما كتب على الذين من قبلكم، في مقام الإطلاق من حيث الأشخاص ولا من ~~حيث التنظير فلا يدل على أن جميع أمم الأنبياء كان مكتوبا عليهم الصوم من ~~غير استثناء ولا على أن الصوم المكتوب عليهم هو الصوم الذي كتب علينا من ~~حيث الوقت والخصوصيات والأوصاف، فالتنظير في الآية إنما هو من حيث أصل ~~الصوم والكف لا من حيث خصوصياته. # والمراد بالذين من قبلكم، الأمم السابقة من المليين في الجملة، ولم يعين ~~القرآن من هم، غير أن ظاهر قوله: كما كتب، أن هؤلاء من أهل الملة وقد فرض ~~عليهم ذلك، ولا يوجد في التوراة والإنجيل الموجودين عند اليهود والنصارى ما ~~يدل على وجوب الصوم وفرضه، بل الكتابان إنما يمدحانه ويعظمان أمره، لكنهم ~~يصومون أياما معدودة في السنة إلى اليوم بأشكال مختلفة: كالصوم عن اللحم ~~والصوم عن اللبن والصوم عن الأكل والشرب، وفي القرآن قصة صوم زكريا عن ~~الكلام وكذا صوم مريم عن الكلام. # بل الصوم عبادة مأثورة عن غير المليين كما ينقل عن مصر القديم ويونان ~~القديم والرومانيين، والوثنيون من الهند يصومون حتى اليوم، بل كونه عبادة ~~قربية مما يهتدي إليه الإنسان بفطرته كما سيجيء. PageV02P003 # وربما يقال: إن المراد بالذين من قبلكم اليهود والنصارى أو السابقين من ~~الأنبياء استنادا إلى روايات لا تخلو عن ضعف. # قوله تعالى: لعلكم تتقون، كان أهل الأوثان يصومون لإرضاء آلهتهم أو ~~لإطفاء نائرة غضبها إذا أجرموا جرما أو عصوا معصية، وإذا أرادوا إنجاح حاجة ~~وهذا يجعل الصيام معاملة ومبادلة يعطي بها حاجة الرب ليقضي حاجة العبد أو ~~يستحصل رضاه ليستحصل رضا العبد، وأن الله سبحانه أمنع جانبا من أن يتصور في ~~حقه فقر أو حاجة أو تأثر أو أذى، وبالجملة هو سبحانه بريء ms0434 من كل نقص، فما ~~تعطيه العبادات من الأثر الجميل، أي عبادة كانت وأي أثر كان، إنما يرجع إلى ~~العبد دون الرب تعالى وتقدس، كما أن المعاصي أيضا كذلك، قال تعالى: "إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها:" الإسراء - 7، هذا هو الذي يشير ~~إليه القرآن الكريم في تعليمه بإرجاع آثار الطاعات والمعاصي إلى الإنسان ~~الذي لا شأن له إلا الفقر والحاجة، قال تعالى: "يا أيها الناس أنتم الفقراء ~~إلى الله والله هو الغني:" الفاطر - 15 ويشير إليه في خصوص الصيام بقوله ~~لعلكم تتقون وكون التقوى مرجو الحصول بالصيام مما لا ريب فيه فإن كل إنسان ~~يشعر بفطرته أن من أراد الاتصال بعالم الطهارة والرفعة، والارتقاء إلى ~~مدرجة الكمال والروحانية فأول ما يلزمه أن يتنزه عن الاسترسال في استيفاء ~~لذائذ الجسم وينقبض عن الجماح في شهوات البدن ويتقدس عن الإخلاد إلى الأرض، ~~وبالجملة أن يتقي ما يبعده الاشتغال به عن الرب تبارك وتعالى فهذه تقوى ~~إنما تحصل بالصوم والكف عن الشهوات، وأقرب من ذلك وأمس لحال عموم الناس من ~~أهل الدنيا وأهل الآخرة أن يتقي ما يعم به البلوى من المشتهيات المباحة ~~كالأكل والشرب والمباشرة حتى يحصل له التدرب على اتقاء المحرمات واجتنابها، ~~وتتربى على ذلك إرادته في الكف عن المعاصي والتقرب إلى الله سبحانه، فإن من ~~أجاب داعي الله في المشتهيات المباحة وسمع وأطاع فهو في محارم الله ومعاصيه ~~أسمع وأطوع. # قوله تعالى: أياما معدودات، منصوب على الظرفية بتقدير، في، ومتعلق بقوله: ~~الصيام، وقد مر أن تنكير أيام واتصافه بالعدد للدلالة على تحقير التكليف من ~~حيث الكلفة والمشقة تشجيعا للمكلف، وقد مر أن قوله: شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن "إلخ"، بيان للأيام فالمراد بالأيام المعدودات شهر رمضان. # وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالأيام المعدودات ثلاث أيام من كل شهر ~~وصوم يوم عاشوراء، وقال بعضهم: والثلاث الأيام هي الأيام البيض من كل شهر ~~وصوم يوم عاشوراء فقد كان رسول الله والمسلمون يصومونها ثم نزل قوله تعالى: ~~شهر رمضان الذي أنزل ms0435 فيه القرآن إلخ، فنسخ ذلك واستقر الفرض على صوم شهر ~~رمضان، واستندوا في ذلك إلى روايات كثيرة من طرق أهل السنة والجماعة لا ~~تخلو في نفسها عن اختلاف وتعارض. # والذي يظهر به بطلان هذا القول أولا: أن الصيام كما قيل: عبادة عامة ~~شاملة، ولو كان الأمر كما يقولون لضبطه التاريخ ولم يختلف في ثبوته ثم في ~~نسخة أحد وليس كذلك، على أن لحوق يوم عاشوراء بالأيام الثلاث من كل شهر في ~~وجوب الصوم أو استحبابه ككونه عيدا من الأعياد الإسلامية مما ابتدعه بنو ~~أمية لعنهم الله حيث أبادوا فيه ذرية رسول الله وأهل بيته بقتل رجالهم وسبي ~~نسائهم وذراريهم ونهب أموالهم في وقعة الطف ثم تبركوا باليوم فاتخذوه عيدا ~~وشرعوا صومه تبركا به ووضعوا له فضائل وبركات، ودسوا أحاديث تدل على أنه ~~كان عيدا إسلاميا بل من الأعياد العامة التي كانت تعرفه عرب الجاهلية ~~واليهود والنصارى منذ بعث موسى وعيسى، وكل ذلك لم يكن، وليس اليوم ذا شأن ~~ملي حتى يصير عيدا مليا قوميا مثل النيروز أو المهرجان عند الفرس، ولا وقعت ~~فيه واقعة فتح أو ظفر حتى يصير يوما إسلاميا كيوم المبعث ويوم مولد النبي، ~~ولا هو ذو جهة دينية حتى يصير عيدا دينيا كمثل عيد الفطر وعيد الأضحى فما ~~باله عزيزا بلا سبب؟. PageV02P004 # وثانيا: أن الآية الثالثة من الآيات أعني قوله: شهر رمضان إلخ، تأبى ~~بسياقها أن تكون نازلة وحدها وناسخا لما قبلها فإن ظاهر السياق أن قوله شهر ~~رمضان خبر لمبتدإ محذوف أو مبتدأ لخبر محذوف كما مر ذكره فيكون بيانا ~~للأيام المعدودات ويكون جميع الآيات الثلاث كلاما واحدا مسوقا لغرض واحد ~~وهو فرض صيام شهر رمضان، وأما جعل قوله: شهر رمضان مبتدأ خبره قوله: الذي ~~أنزل فيه القرآن فإنه وإن أوجب استقلال الآية وصلاحيتها لأن تنزل وحدها غير ~~أنها لا تصلح حينئذ لأن تكون ناسخة لما قبلها لعدم المنافات بينها وبين ~~سابقتها، مع أن النسخ مشروط بالتنافي والتباين. # وأضعف من هذا القول قول آخرين - على ما ms0436 يظهر منهم -: أن الآية الثانية ~~أعني قوله تعالى: أياما معدودات إلخ، ناسخة للآية الأولى أعني قوله تعالى: ~~كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلخ، وذلك أن الصوم كان ~~مكتوبا على النصارى ثم زادوا فيه ونقصوا بعد عيسى (عليه السلام) حتى استقر ~~على خمسين يوما، ثم شرعه الله في حق المسلمين بالآية الأولى فكان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس يصومونها في صدر الإسلام حتى نزل قوله ~~تعالى: أياما معدودات إلخ، فنسخ الحكم واستقر الحكم على غيره. # وهذا القول أوهن من سابقه وأظهر بطلانا، ويرد عليه جميع ما يرد على سابقه ~~من الإشكال، وكون الآية الثانية من متممات الآية الأولى أظهر وأجلى، وما ~~استند إليه القائل من الروايات أوضح مخالفة لظاهر القرآن وسياق الآية. # قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، الفاء ~~للتفريع والجملة متفرعة على قوله: كتب عليكم، وقوله: معدودات اه، أي إن ~~الصيام مكتوب مفروض، والعدد مأخوذ في الفرض، وكما لا يرفع اليد عن أصل ~~الفرض كذلك لا يرفع اليد عن العدد، فلو عرض عارض يوجب ارتفاع الحكم الفرض ~~عن الأيام المعدودات التي هي أيام شهر رمضان كعارض المرض والسفر، فإنه لا ~~يرفع اليد عن الصيام عدة من أيام أخر خارج شهر رمضان تساوي ما فات المكلف ~~من الصيام عددا، وهذا هو الذي أشار تعالى إليه في الآية الثالثة بقوله: ~~ولتكملوا العدة، فقوله تعالى: أياما معدودات، كما يفيد معنى التحقير كما مر ~~يفيد كون العدد ركنا مأخوذا في الفرض والحكم. # ثم إن المرض خلاف الصحة والسفر مأخوذ من السفر بمعنى الكشف كأن المسافر ~~ينكشف لسفره عن داره التي يأوي إليها ويكن فيها، وكان قوله تعالى: أو على ~~سفر، ولم يقل: مسافرا للإشارة إلى اعتبار فعليه التلبس حالا دون الماضي ~~والمستقبل. # وقد قال قوم - وهم المعظم من علماء أهل السنة والجماعة -: إن المدلول ~~عليه بقوله تعالى: ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، هو الرخصة ~~دون ms0437 العزيمة فالمريض والمسافر مخيران بين الصيام والإفطار، وقد عرفت أن ~~ظاهر قوله تعالى: فعدة من أيام أخر هو عزيمة الإفطار دون الرخصة، وهو ~~المروي عن أئمة أهل البيت، وهو مذهب جمع من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف ~~وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، فهم محجوجون، ~~بقوله تعالى: فعدة من أيام أخر. # وقد قدروا لذلك في الآية تقديرا فقالوا: إن التقدير فمن كان مريضا أو على ~~سفر فأفطر فعدة من أيام أخر. # ويرد عليه أولا أن التقدير كما صرحوا به خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا ~~بقرينة ولا قرينة من نفس الكلام عليه. # وثانيا: أن الكلام على تقدير تسليم التقدير لا يدل على الرخصة فإن المقام ~~كما ذكروه مقام التشريع، وقولنا: فمن كان مريضا أو على سفر فأفطر غاية ما ~~يدل عليه أن الإفطار لا يقع معصية بل جائزا بالجواز بالمعنى الأعم من ~~الوجوب والاستحباب والإباحة، وأما كونه جائزا بمعنى عدم كونه إلزاميا فلا ~~دليل عليه من الكلام البتة بل الدليل على خلافه فإن بناء الكلام في مقام ~~التشريع على عدم بيان ما يجب بيانه لا يليق بالمشرع الحكيم وهو ظاهر. PageV02P005 # قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، الإطاقة كما ذكره بعضهم ~~صرف تمام الطاقة في الفعل، ولازمه وقوع الفعل بجهد ومشقة، والفدية هي البدل ~~وهي هنا بدل مالي وهو طعام مسكين أي طعام يشبع مسكينا جائعا من أوسط ما ~~يطعم الإنسان، وحكم الفدية أيضا فرض كحكم القضاء في المريض والمسافر لمكان ~~قوله: وعلى الذين، الظاهر في الوجوب التعييني دون الرخصة والتخيير. # وقد ذكر بعضهم: أن الجملة تفيد الرخصة ثم فسخت فهو سبحانه وتعالى خير ~~المطيقين للصوم من الناس كلهم يعني القادرين على الصوم من الناس بين أن ~~يصوموا وبين أن يفطروا ويكفروا عن كل يوم بطعام مسكين، لأن الناس كانوا ~~يومئذ غير متعوذين بالصوم ثم نسخ ذلك بقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ~~وقد ذكر بعض هؤلاء: أنه نسخ حكم غير العاجزين، وأما ms0438 مثل الشيخ الهرم ~~والحامل والمرضع فبقي على حاله، من جواز الفدية. # ولعمري إنه ليس إلا لعبا بالقرآن وجعلا لآياته عضين، وأنت إذا تأملت ~~الآيات الثلاث وجدتها كلاما موضوعا على غرض واحد ذا سياق واحد متسق الجمل ~~رائق البيان، ثم إذا نزلت هذا الكلام على وحدته واتساقه على ما يراه هذا ~~القائل وجدته مختل السياق، متطارد الجمل يدفع بعضها بعضا، وينقض آخره أوله، ~~فتارة يقول كتب عليكم الصيام، وأخرى يقول: يجوز على القادرين منكم الإفطار ~~والفدية، وأخرى يقول: يجب عليكم جميعا الصيام إذا شهدتم الشهر، فينسخ حكم ~~الفدية عن القادرين ويبقى حكم غير القادرين على حاله، ولم يكن في الآية حكم ~~غير القادرين، اللهم إلا أن يقال: إن قوله: يطيقونه، كان دالا على القدرة ~~قبل النسخ فصار يدل بعد النسخ على عدم القدرة، وبالجملة يجب على هذا أن ~~يكون قوله: وعلى الذين يطيقونه في وسط الآيات ناسخا لقوله: كتب عليكم ~~الصيام، في أولها لمكان التنافي، ويبقى الكلام في وجهه تقييده بالإطاقة من ~~غير سبب ظاهر، ثم قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه في آخر الآيات ناسخا ~~لقوله: وعلى الذين يطيقونه في وسطها، ويبقى الكلام في وجه نسخه لحكم ~~القادرين على الصيام فقط دون العاجزين، مع كون الناسخ مطلقا شاملا للقادر ~~والعاجز جميعا، وكون المنسوخ غير شامل لحكم العاجز الذي يراد بقاؤه وهذا من ~~أفحش الفساد. # وإذا أضفت إلى هذا النسخ بعد النسخ ما ذكروه من نسخ قوله: شهر رمضان إلخ ~~لقوله: أياما معدودات إلخ، ونسخ قوله: أياما معدودات إلخ، لقوله: كتب عليكم ~~الصيام، وتأملت معنى الآيات شاهدت عجبا. # قوله تعالى: فمن تطوع خيرا فهو خير له، التطوع تفعل من الطوع مقابل الكره ~~وهو إتيان الفعل بالرضا والرغبة، ومعنى باب التفعل الأخذ والقبول فمعنى ~~التطوع التلبس في إتيان الفعل بالرضا والرغبة من غير كره واستثقال سواء كان ~~فعلا إلزاميا أو غير إلزامي، وأما اختصاص التطوع استعمالا بالمستحبات ~~والمندوبات فمما حدث بعد نزول القرآن بين المسلمين بعناية أن الفعل الذي ~~يؤتى به بالطوع ms0439 هو الندب وأما الواجب ففيه شوب كره لمكان الإلزام الذي فيه. # وبالجملة التطوع كما قيل: لا دلالة فيه مادة وهيئة على الندب وعلى هذا ~~فالفاء للتفريع والجملة متفرعة على المحصل من معنى الكلام السابق، والمعنى ~~والله أعلم: الصوم مكتوب عليكم مرعيا فيه خيركم وصلاحكم مع ما فيه من ~~استقراركم في صف الأمم التي قبلكم، والتخفيف والتسهيل لكم فأتوا به طوعا لا ~~كرها، فإن من أتى بالخير طوعا كان خيرا له من أن يأتي به كرها. # ومن هنا يظهر: أن قوله: فمن تطوع خيرا من قبيل وضع السبب موضع المسبب ~~أعني وضع كون التطوع بمطلق الخير خيرا مكان كون التطوع بالصوم خيرا نظير ~~قوله تعالى: "قد نعلم إنك ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون" أي فاصبر ولا تحزن فإنهم لا يكذبونك. # وربما يقال: إن الجملة أعني قوله تعالى: فمن تطوع خيرا فهو خير له، ~~مرتبطة بالجملة التي تتلوها أعني قوله: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين، والمعنى أن من تطوع خيرا من فدية طعام مسكين بأن يؤدي ما يزيد على ~~طعام مسكين واحد بما يعادل فديتين لمسكينين أو لمسكين واحد كان خيرا له. PageV02P006 # ويرد عليه: عدم الدليل على اختصاص التطوع بالمستحبات كما عرفت مع خفاء ~~النكتة في التفريع، فإنه لا يظهر لتفرع التطوع بالزيادة على حكم الفدية وجه ~~معقول، مع أن قوله: فمن تطوع خيرا، لا دلالة له على التطوع بالزيادة فإن ~~التطوع بالخير غير التطوع بالزيادة. # قوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، جملة متممة لسابقتها، ~~والمعنى بحسب التقدير - كما مر -: تطوعوا بالصوم المكتوب عليكم فإن التطوع ~~بالخير خير والصوم خير لكم، فالتطوع به خير على خير. # وربما: يقال إن الجملة أعني قوله: وأن تصوموا خير لكم، خطاب للمعذورين ~~دون عموم المؤمنين المخاطبين بالفرض والكتابة فإن ظاهرها رجحان فعل الصوم ~~غير المانع من الترك فيناسب الاستحباب دون الوجوب، ويحمل على رجحان الصوم ~~واستحبابه على أصحاب الرخصة: من المريض والمسافر فيستحب عليهم اختيار الصوم ms0440 ~~على الإفطار والقضاء. # ويرد عليه: عدم الدليل عليه أولا، واختلاف الجملتين أعني قوله: فمن كان ~~منكم إلخ، وقوله: وأن تصوموا خير لكم، بالغيبة والخطاب ثانيا، وأن الجملة ~~الأولى مسوقة لبيان الترخيص والتخيير، بل ظاهر قوله: فعدة من أيام أخر، ~~تعين الصوم في أيام أخر كما مر ثالثا، وأن الجملة الأولى على تقدير ورودها ~~لبيان الترخيص في حق المعذور لم يذكر الصوم والإفطار حتى يكون قوله: وأن ~~تصوموا خير لكم بيانا لأحد طرفي التخيير بل إنما ذكرت صوم شهر رمضان وصوم ~~عدة من أيام أخر وحينئذ لا سبيل إلى استفادة ترجيح صوم شهر رمضان على صوم ~~غيره من مجرد قوله: وأن تصوموا خير لكم، من غير قرينة ظاهرة رابعا، وأن ~~المقام ليس مقام بيان الحكم حتى ينافي ظهور الرجحان كون الحكم وجوبيا بل ~~المقام - كما مر سابقا - مقام ملاك التشريع وأن الحكم المشرع لا يخلو عن ~~المصلحة والخير والحسن كما في قوله: "فتوبوا إلى بارئكم واقتلوا أنفسكم ~~ذلكم خير لكم: البقرة - 54، وقوله تعالى: "فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون:" الجمعة - 9، وقوله تعالى "تؤمنون بالله ~~ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون:" الصف - 11، والآيات في ذلك كثيرة خامسا: قوله تعالى: شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى، شهر رمضان هو الشهر التاسع من الشهور القمرية ~~العربية بين شعبان وشوال ولم يذكر اسم شيء من الشهور في القرآن إلا شهر رمضان. # والنزول هو الورود على المحل من العلو، والفرق بين الإنزال والتنزيل أن ~~الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي، والقرآن اسم للكتاب المنزل على نبيه محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبار كونه مقروا كما قال تعالى: "إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف - 3، ويطلق على مجموع الكتاب وعلى ~~أبعاضه. # والآية تدل على نزول القرآن في شهر رمضان، وقد قال تعالى: "وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا:، الإسراء - 106، وهو ظاهر في ~~نزوله تدريجا في مجموع مدة الدعوة وهي ثلاث وعشرون ms0441 سنة تقريبا، والمتواتر ~~من التاريخ يدل على ذلك، ولذلك ربما استشكل عليه بالتنافي بين الآيتين. # وربما أجيب عنه: بأنه نزل دفعة على سماء الدنيا في شهر رمضان ثم نزل على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوما وعلى مكث في مدة ثلاث وعشرين ~~سنة - مجموع مدة الدعوة - وهذا جواب مأخوذ من الروايات التي سننقل بعضها في ~~البحث عن الروايات. # وقد أورد عليه: بأن تعقيب قوله تعالى: أنزل فيه القرآن بقوله: هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان، لا يساعد على ذلك إذ لا معنى لبقائه على وصف ~~الهداية والفرقان في السماء مدة سنين. # وأجيب: بأن كونه هاديا من شأنه أن يهدي من يحتاج إلى هدايته من الضلال، ~~وفارقا إذا التبس حق بباطل لا ينافي بقاءه مدة على حال الشأنية من غير ~~فعلية التأثير حتى يحل أجله ويحين حينه، ولهذا نظائر وأمثال في القوانين ~~المدنية المنتظمة التي كلما حان حين مادة من موادها أجريت وخرجت من القوة ~~إلى الفعل. PageV02P007 # والحق أن حكم القوانين والدساتير غير حكم الخطابات التي لا يستقيم أن تتقدم ~~على مقام التخاطب ولو زمانا يسيرا، وفي القرآن آيات كثيرة من هذا القبيل ~~كقوله تعالى: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما": المجادلة - 1، وقوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قائما": الجمعة - 11، وقوله تعالى: "رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا": ~~الأحزاب - 23، على أن في القرآن ناسخا ومنسوخا، ولا معنى لاجتماعهما في ~~زمان بحسب النزول. # وربما أجيب عن الإشكال: أن المراد من نزول القرآن في شهر رمضان أن أول ما ~~نزل منه نزل فيه، ويرد عليه: أن المشهور عندهم أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إنما بعث بالقرآن، وقد بعث اليوم السابع والعشرين من شهر رجب ~~وبينه وبين رمضان أكثر من ثلاثين يوما وكيف يخلو البعثة في هذه المدة من ~~نزول القرآن، على أن أول سورة اقرأ باسم ربك، ms0442 يشهد على أنها أول سورة نزلت ~~وأنها نزلت بمصاحبة البعثة، وكذا سورة المدثر تشهد أنها نزلت في أول الدعوة ~~وكيف كان فمن المستبعد جدا أن تكون أول آية نزلت في شهر رمضان، على أن قوله ~~تعالى: أنزل فيه القرآن، غير صريح الدلالة على أن المراد بالقرآن أول نازل ~~منه ولا قرينة تدل عليه في الكلام فحمله عليه تفسير من غير دليل، ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى: "والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين": الدخان - 3، وقوله: "إنا أنزلناه في ليلة القدر:" القدر - 1، فإن ~~ظاهر هذه الآيات لا يلائم كون المراد من إنزال القرآن أول إنزاله أو إنزال ~~أول بعض من أبعاضه ولا قرينة في الكلام تدل على ذلك. # والذي يعطيه التدبر في آيات الكتاب أمر آخر فإن الآيات الناطقة بنزول ~~القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنما عبرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدال ~~على الدفعة دون التنزيل كقوله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن:" ~~البقرة - 185 وقوله تعالى: "حم. والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة": الدخان - 3، وقوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر": القدر - ~~1، واعتبار الدفعة إما بلحاظ اعتبار المجموع في الكتاب أو البعض النازل منه ~~كقوله تعالى: "كماء أنزلناه من السماء": يونس - 24 فإن المطر إنما ينزل ~~تدريجا لكن النظر هاهنا معطوف إلى أخذه مجموعا واحدا، ولذلك عبر عنه ~~بالإنزال دون التنزيل، وكقوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ~~آياته": ص - 29، وإما لكون الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم ~~العادي الذي يقضى فيه بالتفرق والتفصيل والانبساط والتدريج هو المصحح لكونه ~~واحدا غير تدريجي ونازلا بالإنزال دون التنزيل... وهذا الاحتمال الثاني هو ~~اللائح من الآيات الكريمة كقوله تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير": هود - 1، فإن هذا الإحكام مقابل التفصيل، والتفصيل هو جعله ~~فصلا فصلا وقطعة قطعة فالإحكام كونه بحيث لا يتفصل فيه جزء من جزء ولا ~~يتميز بعض من بعض لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء ولا فصول ms0443 فيه، والآية ~~ناطقة بأن هذا التفصيل المشاهد في القرآن إنما طرأ عليه بعد كونه محكما غير مفصل. # وأوضح منه قوله تعالى: "ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق:" الأعراف - 53، وقوله تعالى: وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين - إلى أن قال: - بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله: يونس - 39 فإن الآيات الشريفة وخاصة ما في سورة يونس ظاهرة الدلالة ~~على أن التفصيل أمر طار على الكتاب فنفس الكتاب شيء والتفصيل الذي يعرضه ~~شيء آخر، وأنهم إنما كذبوا بالتفصيل من الكتاب لكونهم ناسين لشيء يئول إليه ~~هذا التفصيل وغافلين عنه، وسيظهر لهم يوم القيامة ويضطرون إلى علمه فلا ~~ينفعهم الندم ولات حين مناص وفيها إشعار بأن أصل الكتاب تأويل تفصيل ~~الكتاب. PageV02P008 # وأوضح منه قوله تعالى: حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم: الزخرف - 4 فإنه ظاهر في أن ~~هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروا عربيا، وإنما ألبس لباس القراءة ~~والعربية ليعقله الناس وإلا فإنه - وهو في أم الكتاب - عند الله، علي لا ~~يصعد إليه العقول، حكيم لا يوجد فيه فصل وفصل. # وفي الآية تعريف للكتاب المبين وأنه أصل القرآن العربي المبين، وفي هذا ~~المساق أيضا قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ~~إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين: ~~الواقعة - 80، فإنه ظاهر في أن للقرآن موقعا هو في الكتاب المكنون لا يمسه ~~هناك أحد إلا المطهرون من عباد الله وأن التنزيل بعده، وأما قبل التنزيل ~~فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار وهو الذي عبر عنه في آيات الزخرف، بأم ~~الكتاب، وفي سورة البروج، باللوح المحفوظ، حيث قال تعالى: بل هو قرآن ms0444 مجيد ~~في لوح محفوظ: البروج - 22، وهذا اللوح إنما كان محفوظا لحفظه من ورود ~~التغير عليه، ومن المعلوم أن القرآن المنزل تدريجا لا يخلو عن ناسخ ومنسوخ ~~وعن التدريج الذي هو نحو من التبدل، فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن ~~وحكمه الخالي عن التفصيل أمر وراء هذا المنزل، وإنما هذا بمنزلة اللباس لذاك. # ثم إن هذا المعنى أعني: كون القرآن في مرتبة التنزيل بالنسبة إلى الكتاب ~~المبين - ونحن نسميه بحقيقة الكتاب - بمنزلة اللباس من المتلبس وبمنزلة ~~المثال من الحقيقة وبمنزلة المثل من الغرض المقصود بالكلام هو المصحح لأن ~~يطلق القرآن أحيانا على أصل الكتاب كما في قوله تعالى: بل هو قرآن مجيد في ~~لوح محفوظ، إلى غير ذلك وهذا الذي ذكرنا هو الموجب لأن يحمل قوله: شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقوله: إنا أنزلناه في ليلة مباركة، وقوله. # إنا أنزلناه في ليلة القدر، على إنزال حقيقة الكتاب والكتاب المبين إلى ~~قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دفعة كما أنزل القرآن المفصل على ~~قلبه تدريجا في مدة الدعوة النبوية. # وهذا هو الذي يلوح من نحو قوله تعالى: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه": طه - 114، وقوله تعالى: "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا ~~جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه:" القيامة - 19، ~~فإن الآيات ظاهرة في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له علم ~~بما سينزل عليه فنهي عن الاستعجال بالقراءة قبل قضاء الوحي، وسيأتي توضيحه ~~في المقام اللائق به - إن شاء الله تعالى -. # وبالجملة فإن المتدبر في الآيات القرآنية لا يجد مناصا عن الاعتراف ~~بدلالتها: على كون هذا القرآن المنزل على النبي تدريجا متكئا على حقيقة ~~متعالية عن أن تدركها أبصار العقول العامة أو تناولها أيدي الأفكار ~~المتلوثة بألواث الهوسات وقذارات المادة، وأن تلك الحقيقة أنزلت على النبي ~~إنزالا فعلمه الله بذلك حقيقة ما عناه بكتابه، وسيجيء بعض من الكلام ~~المتعلق بهذا المعنى في البحث عن التأويل والتنزيل في ms0445 قوله تعالى: "هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات:" آل عمران - 7 فهذا ما يهدي إليه التدبر ~~ويدل عليه الآيات، نعم أرباب الحديث، والغالب من المتكلمين والحسيون من ~~باحثي هذا العصر لما أنكروا أصالة ما وراء المادة المحسوسة اضطروا إلى حمل ~~هذه الآيات ونظائرها كالدالة على كون القرآن هدى ورحمة ونورا وروحا ومواقع ~~النجوم وكتابا مبينا، وفي لوح محفوظ، ونازلا من عند الله، وفي صحف مطهرة ~~إلى غير ذلك من الحقائق على أقسام الاستعارة والمجاز فعاد بذلك القرآن شعرا ~~منثورا. # ولبعض الباحثين كلام في معنى نزول القرآن في شهر رمضان: قال ما محصله: ~~إنه لا ريب أن بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مقارنا لنزول أول ~~ما نزل من القرآن وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتبليغ والإنذار، ولا ~~ريب أن هذه الواقعة إنما وقعت بالليل لقوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة إنا كنا منذرين:" الدخان - 2، ولا ريب أن الليلة كانت من ليالي شهر ~~رمضان لقوله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن:" البقرة - 185. PageV02P009 # وجملة القرآن وإن لم تنزل في تلك الليلة لكن لما نزلت سورة الحمد فيها، وهي ~~تشتمل على جمل معارف القرآن فكان كأن القرآن نزل فيها جميعا فصح أن يقال: ~~أنزلناه في ليلة على أن القرآن يطلق على البعض كما يطلق على الكل بل يطلق ~~القرآن على سائر الكتب السماوية أيضا كالتوراة والإنجيل والزبور باصطلاح ~~القرآن قال: وذلك: أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقرأ باسم ربك إلخ، ~~نزل ليلة الخامس والعشرين من شهر رمضان، نزل والنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قاصد دار خديجة في وسط الوادي يشاهد جبرائيل فأوحى إليه: قوله تعالى: ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق إلخ، ولما تلقى الوحي خطر بباله أن يسأله: كيف يذكر ~~اسم ربه فتراءى له وعلمه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب ~~العالمين إلى آخر سورة الحمد، ثم علمه كيفية الصلاة ثم غاب عن نظره فصحا ~~النبي (صلى الله عليه وآله ms0446 وسلم) ولم يجد مما كان يشاهده أثرا إلا ما كان ~~عليه من التعب الذي عرضه من ضغطة جبرائيل حين الوحي فأخذ في طريقه وهو لا ~~يعلم أنه رسول من الله إلى الناس، مأمور بهدايتهم ثم لما دخل البيت نام ~~ليلته من شدة التعب فعاد إليه ملك الوحي صبيحة تلك الليلة وأوحى إليه قوله ~~تعالى: "يا أيها المدثر قم فأنذر الآيات:" المدثر - 2. # قال: فهذا هو معنى نزول القرآن في شهر رمضان ومصادفة بعثته لليلة القدر: ~~وأما ما يوجد في بعض كتب الشيعة من أن البعثة كانت يوم السابع والعشرين من ~~شهر رجب فهذه الأخبار على كونها لا توجد إلا في بعض كتب الشيعة التي لا ~~يسبق تاريخ تأليفها أوائل القرن الرابع من الهجرة مخالفة للكتاب كما عرفت. # قال "وهناك روايات أخرى في تأييد هذه الأخبار تدل على أن معنى نزول ~~القرآن في شهر رمضان: أنه نزل فيه قبل بعثة النبي من اللوح المحفوظ إلى ~~البيت المعمور وأملاه جبرائيل هناك على الملائكة حتى ينزل بعد البعثة على ~~رسول الله، وهذه أوهام خرافية دست في الأخبار مردودة أولا بمخالفة الكتاب، ~~وثانيا أن مراد القرآن باللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة وبالبيت المعمور هو ~~كرة الأرض لعمرانه بسكون الإنسان فيه، انتهى ملخصا. # ولست أدري أي جملة من جمل كلامه - على فساده بتمام أجزائه - تقبل الإصلاح ~~حتى تنطبق على الحق والحقية بوجه؟ فقد اتسع الخرق على الراتق. # ففيه أولا: أن هذا التقول العجيب الذي تقوله في البعثة ونزول القرآن أول ~~ما نزل وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل عليه: اقرأ باسم ربك، وهو في ~~الطريق، ثم نزلت عليه سورة الحمد ثم علم الصلاة، ثم دخل البيت ونام تعبانا، ~~ثم نزلت عليه سورة المدثر صبيحة الليلة فأمر بالتبليغ، كل ذلك تقول لا دليل ~~عليه لا آية محكمة ولا سنة قائمة، وإنما هي قصة تخيلية لا توافق الكتاب ولا ~~النقل على ما سيجيء. # وثانيا: أنه ذكر أن من المسلم أن البعثة ونزول القرآن والأمر بالتبليغ ~~مقارنة زمانا ms0447 ثم فسر ذلك بأن النبوة ابتدأت بنزول القرآن، وكان النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) نبيا غير رسول ليلة واحدة فقط ثم في صبيحة الليلة ~~أعطي الرسالة بنزول سورة المدثر، ولا يسعه، أن يستند في ذلك إلى كتاب ولا ~~سنة، وليس من المسلم ذلك. # أما السنة فلأن لازم ما طعن به في جوامع الشيعة بتأخر تأليفها عن وقوع ~~الواقعة عدم الاعتماد على شيء من جوامع الحديث مطلقا إذ لا شيء من كتب ~~الحديث مما ألفته العامة أو الخاصة إلا وتأليفه متأخر عن عصر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قرنين فصاعدا فهذا في السنة، والتاريخ - على خلوه من ~~هذه التفاصيل - حاله أسوأ والدس الذي رمي به الحديث متطرق إليه أيضا. PageV02P010 # وأما الكتاب فقصور دلالته على ما ذكره أوضح وأجلى بل دلالته على خلاف ما ~~ذكره وتكذيب ما تقوله ظاهرة فإن سورة اقرأ باسم ربك - وهي أول سورة نزلت ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما ذكره أهل النقل، ويشهد به ~~الآيات الخمس التي في صدرها ولم يذكر أحد أنها نزلت قطعات ولا أقل من ~~احتمال نزولها دفعة - مشتملة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي ~~بمرأى من القوم وأنه كان منهم من ينهاه عن الصلاة ويذكر أمره في نادي القوم ~~ولا ندري كيف كانت هذه الصلاة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يتقرب بها إلى ربه في بادىء أمره إلا ما تشتمل عليه هذه السورة من ~~أمر السجدة قال تعالى فيها: "أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان ~~على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا ~~لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع ~~الزبانية:" العلق - 18، فالآيات كما ترى ظاهرة في أنه كان هناك من ينهى ~~مصليا عن الصلاة، ويذكر أمره في النادي، ولا ينتهي عن فعاله، وقد كان هذا ~~المصلي هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله تعالى ms0448 بعد ذلك: "كلا ~~لا تطعه:" العلق - 19. # فقد دلت السورة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي قبل ~~نزول أول سورة من القرآن، وقد كان على الهدى وربما أمر بالتقوى، وهذا هو ~~النبوة ولم يسم أمره ذلك إنذارا، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيا وكان ~~يصلي ولما ينزل عليه قرآن ولا نزلت بعد عليه سورة الحمد ولما يؤمر ~~بالتبليغ. # وأما سورة الحمد فإنها نزلت بعد ذلك بزمان، ولو كان نزولها عقيب نزول ~~سورة العلق بلا فصل عن خطور في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كما ذكره هذا الباحث لكان حق الكلام أن يقال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. ~~الحمد لله رب العالمين إلخ، أو يقال: بسم الله الرحمن الرحيم قل: الحمد لله ~~رب العالمين إلخ ولكان من الواجب أن يختم الكلام في قوله تعالى: مالك يوم ~~الدين، لخروج بقية الآيات عن الغرض كما هو الأليق ببلاغة القرآن الشريف. # نعم وقع في سورة الحجر - وهي من السور المكية كما تدل عليه مضامين ~~آياتها، وسيجيء بيانه - قوله تعالى: "ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم:" الحجر - 87. # والمراد بالسبع المثاني سورة الحمد وقد قوبل بها القرآن العظيم وفيه تمام ~~التجليل لشأنها والتعظيم لخطرها لكنها لم تعد قرآنا بل سبعا من آيات القرآن ~~وجزءا منه بدليل قوله تعالى: "كتابا متشابها مثاني الآية:" الزمر - 23. # ومع ذلك فاشتمال السورة على ذكر سورة الحمد يدل على سبق نزولها نزول سورة ~~الحجر والسورة مشتملة أيضا على قوله تعالى: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين إنا كفيناك المستهزءين الآيات:" الحجر - 95، ويدل ذلك على أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد كف عن الإنذار مدة ثم أمر به ثانيا ~~بقوله تعالى: فاصدع. # وأما سورة المدثر وما تشتمل عليه من قوله: قم فأنذر: المدثر - 2، فإن ~~كانت السورة نازلة بتمامها دفعة كان حال هذه الآية قم فأنذر، حال قوله ~~تعالى: فاصدع بما تؤمر الآية، لاشتمال هذه السورة أيضا على قوله تعالى: ~~"ذرني ومن ms0449 خلقت وحيدا إلى آخر الآيات:" المدثر - 11، وهي قريبة المضمون من ~~قوله في سورة الحجر: وأعرض عن المشركين إلخ، وإن كانت السورة نازلة نجوما ~~فظاهر السياق أن صدرها قد نزل في بدء الرسالة. # وثالثا: أن قوله: إن الروايات الدالة على نزول القرآن في ليلة القدر من ~~اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور جملة واحدة قبل البعثة ثم نزول الآيات ~~نجوما على رسول الله أخبار مجعولة خرافية لمخالفتها الكتاب وعدم استقامة ~~مضمونها، وأن المراد باللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة وبالبيت المعمور كرة ~~الأرض خطأ وفرية. # أما أولا: فلأنه لا شيء من ظاهر الكتاب يخالف هذه الأخبار على ما عرفت. # وأما ثانيا: فلأن الأخبار خالية عن كون النزول الجملي قبل البعثة بل ~~الكلمة مما أضافها هو إلى مضمونها من غير تثبت. PageV02P011 # وأما ثالثا: فلأن قوله: إن اللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة تفسير شنيع - ~~وأنه أضحوكة - وليت شعري: ما هو الوجه المصحح على قوله - لتسمية عالم ~~الطبيعة في كلامه تعالى لوحا محفوظا؟ أذلك لكون هذا العالم محفوظا عن ~~التغير والتحول؟ فهو عالم الحركات، سيال الذات، متغير الصفات! أو لكونه ~~محفوظا عن الفساد تكوينا أو تشريعا؟ فالواقع خلافه! أو لكونه محفوظا عن ~~اطلاع غير أهله عليه؟ كما يدل عليه: قوله تعالى: إنه لقرآن كريم في كتاب ~~مكنون لا يمسه إلا المطهرون:" الواقعة - 79، فإدراك المدركين فيه على ~~السواء!. # وبعد اللتيا والتي: لم يأت هذا الباحث في توجيهه نزول القرآن في شهر ~~رمضان بوجه محصل يقبله لفظ الآية، فإن حاصل توجيهه: أن معنى: أنزل فيه ~~القرآن: كأنما أنزل فيه القرآن، ومعنى: إنا أنزلناه في ليلة: كأنا أنزلناه ~~في ليلة، وهذا شيء لا يحتمله اللغة والعرف لهذا السياق!. # ولو جاز لقائل أن يقول: نزل القرآن ليلة القدر على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لنزول سورة الفاتحة المشتملة على جمل معارف القرآن جاز أن ~~يقال: إن معنى نزول القرآن نزوله جملة واحدة، أي نزول إجمال معارفه على قلب ~~رسول الله من غير مانع يمنع كما مر بيانه سابقا. ms0450 # وفي كلامه جهات أخرى من الفساد تركنا البحث عنها لخروجه عن غرضنا في ~~المقام. # قوله تعالى: هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، الناس، وهم الطبقة ~~الدانية من الإنسان الذين سطح فهمهم المتوسط أنزل السطوح، يكثر إطلاق هذه ~~الكلمة في حقهم، كما قال تعالى: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون:" الروم - 30، ~~وقال تعالى: "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون:" ~~العنكبوت - 43، وهؤلاء أهل التقليد لا يسعهم تمييز الأمور المعنوية بالبينة ~~والبرهان، ولا فرق الحق من الباطل بالحجة إلا بمبين يبين لهم وهاد يهديهم، ~~والقرآن هدى لهم ونعم الهدى، وأما الخاصة المستكملون في ناحيتي العلم ~~والعمل، المستعدون للاقتباس من أنوار الهداية الإلهية والركون إلى فرقان ~~الحق فالقرآن بينات وشواهد من الهدى والفرقان في حقهم فهو يهديهم إليه ~~ويميز لهم الحق ويبين لهم كيف يميز، قال تعالى: "يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم:" ~~المائدة - 16. # ومن هنا يظهر وجه التقابل بين الهدى والبينات من الهدى، وهو التقابل بين ~~العام والخاص فالهدى لبعض والبينات من الهدى لبعض آخر. # قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، الشهادة هي الحضور مع تحمل العلم ~~من جهته، وشهادة الشهر إنما هو ببلوغه والعلم به، ويكون بالبعض كما يكون بالكل. # وأما كون المراد بشهود الشهر رؤية هلاله وكون الإنسان بالحضر مقابل السفر ~~فلا دليل عليه إلا من طريق الملازمة في بعض الأوقات بحسب القرائن، ولا ~~قرينة في الآية. # قوله تعالى: ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، إيراد هذه ~~الجملة في الآية ثانيا ليس من قبيل التكرار للتأكيد ونحوه لما عرفت أن ~~الآيتين السابقتين مع ما تشتملان عليه مسوقتان للتوطئة والتمهيد دون بيان ~~الحكم وأن الحكم هو الذي بين في الآية الثالثة فلا تكرار. # قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة، ~~كأنه بيان لمجموع حكم الاستثناء: وهو الإفطار في شهر رمضان لمكان نفي ~~العسر، وصيام عدة من أيام أخر لمكان وجوب ms0451 إكمال العدة، واللام في قوله: ~~لتكملوا العدة، للغاية، وهو عطف على قوله: يريد، لكونه مشتملا على معنى ~~الغاية، والتقدير وإنما أمرناكم بالإفطار والقضاء لنخفف عنكم ولتكملوا ~~العدة، ولعل إيراد قوله: ولتكملوا العدة هو الموجب لإسقاط معنى قوله: وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، عن هذه الآية مع تفهم حكمه بنفي العسر ~~وذكره في الآية السابقة. PageV02P012 # قوله تعالى: ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم تشكرون، ظاهر الجملتين على ~~ما يشعر به لام الغاية أنهما لبيان الغاية غاية أصل الصيام دون حكم ~~الاستثناء فإن تقييد قوله: شهر رمضان بقوله: الذي أنزل فيه القرآن إلى آخره ~~مشعر بنوع من العلية وارتباط فرض صيام شهر رمضان بنزول القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان فيعود معنى الغاية إلى أن التلبس بالصوم لإظهار ~~كبريائه تعالى بما نزل عليهم القرآن وأعلن ربوبيته وعبوديتهم، وشكر له بما ~~هداهم إلى الحق، وفرق لهم بكتابه بين الحق والباطل. # ولما كان الصوم إنما يتصف بكونه شكرا لنعمه إذا كان مشتملا على حقيقة ~~معنى الصوم وهو الإخلاص لله سبحانه في التنزه عن ألواث الطبيعة والكف عن ~~أعظم مشتهيات النفس بخلاف اتصافه بالتكبير لله فإن صورة الصوم والكف سواء ~~اشتمل على إخلاص النية أو لم يشتمل يدل على تكبيره تعالى وتعظيمه فرق بين ~~التكبير والشكر فقرن الشكر بكلمة الترجي دون التكبير فقال: ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون كما قال: في أول الآيات: لعلكم تتقون. ### |||| AUTO بحث روائي # في الحديث القدسي، قال الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به. # أقول: وقد رواه الفريقان على اختلاف يسير، والوجه في كون الصوم لله ~~سبحانه أنه هو العبادة الوحيدة التي تألفت من النفي، وغيره كالصلاة والحج ~~وغيرهما متألف من الإثبات أو لا يخلو من الإثبات، والفعل الوجودي لا يتمحض ~~في إظهار عبودية العبد ولا ربوبية الرب سبحانه، لأنه لا يخلو عن شوب النقص ~~المادي وآفة المحدودية وإثبات الإنية ويمكن أن يجعل لغيره تعالى نصيب فيه ~~كما في موارد الرياء والسمعة والسجدة لغيره بخلاف النفي ms0452 الذي يشتمل عليه ~~الصوم بالتعالى عن الإخلاد إلى الأرض والتنزه بالكف عن شهوات النفس فإن ~~النفي لا نصيب لغيره تعالى فيه لكونه أمرا بين العبد والرب لا يطلع عليه ~~بحسب الطبع غيره تعالى، وقوله أنا أجزي به، إن كان بصيغة المعلوم كان دالا ~~على أنه لا يوسط في إعطاء الأجر بينه وبين الصائم أحدا كما أن العبد يأتي ~~بما ليس بينه وبين ربه في الاطلاع عليه أحد نظير ما ورد: أن الصدقة إنما ~~يأخذها الله من غير توسيطه أحدا، قال تعالى؟ "ويأخذ الصدقات:" التوبة، - ~~104، وإن كان بصيغة المجهول كان كناية عن أن أجر الصائم القرب منه تعالى. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): كان رسول الله أول ما بعث يصوم حتى ~~يقال: ما يفطر، ويفطر حتى يقال ما يصوم، ثم ترك ذلك وصام يوما وأفطر يوما ~~وهو صوم داود، ثم ترك ذلك وصام الثلاثة الأيام الغر، ثم ترك ذلك وفرقها في ~~كل عشرة يوما خميسين بينهما أربعاء، فقبض (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~يعمل ذلك. وعن عنبسة العابد، قال: قبض رسول الله على صيام شعبان ورمضان ~~وثلاثة أيام من كل شهر. # أقول: والأخبار من طرق أهل البيت كثيرة في ذلك وهو الصوم المسنون الذي ~~كان يصومه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدا صوم رمضان. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، قال هي للمؤمنين خاصة. وعن جميل، قال: سألت ~~الصادق (عليه السلام) عن قول الله تعالى: كتب عليكم القتال، يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم الصيام. قال: فقال: هذه كلها يجمع الضلال والمنافقين وكل ~~من أقر بالدعوة الظاهرة. وفي الفقيه، عن حفص قال سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام)، يقول: إن شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا ~~فقلت له: فقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب ~~على الذين من قبلكم، قال إنما فرض الله شهر رمضان ms0453 على الأنبياء دون الأمم ~~ففضل الله هذه الأمة وجعل صيامه فرضا على رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وعلى أمته أقول: والرواية ضعيفة بإسماعيل بن محمد في سنده، وقد روي ~~هذا المعنى مرسلا عن العالم (عليه السلام) وكان الروايتين واحدة، وعلى أي ~~حال فهي من الآحاد وظاهر الآية لا يساعد على كون المراد من قوله تعالى كما ~~كتب على الذين من قبلكم، الأنبياء خاصة ولو كان كذلك، والمقام مقام التوطئة ~~والتمهيد والتحريص والترغيب، كان التصريح باسمهم أولى من الكناية وأوقع ~~والله العالم. PageV02P013 # وفي الكافي،: عمن سأل الصادق (عليه السلام) عن القرآن والفرقان أهما شيئان ~~أو شيء واحد؟ فقال: القرآن جملة الكتاب، والفرقان الحكم الواجب العمل به. # وفي الجوامع، عنه (عليه السلام): الفرقان كل آية محكمة في الكتاب. وفي ~~تفسيري العياشي، والقمي، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): الفرقان هو كل أمر ~~محكم في القرآن، والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدق فيه من كان قبله من ~~الأنبياء. # أقول: واللفظ يساعد على ذلك، وفي بعض الأخبار أن رمضان اسم من أسماء الله ~~تعالى فلا ينبغي أن يقال: جاء رمضان وذهب، بل شهر رمضان الحديث، وهو واحد ~~غريب في بابه، وقد نقل هذا الكلام عن قتادة أيضا من المفسرين. # والأخبار الواردة في عد أسمائه تعالى خال عن ذكر رمضان، على أن لفظ رمضان ~~من غير تصديره بلفظ شهر وكذا رمضانان بصيغة التثنية كثير الورود في ~~الروايات المنقولة عن النبي وعن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بحيث يستبعد ~~جدا نسبة التجريد إلى الراوي. # وفي تفسير العياشي، عن الصباح بن نباتة قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه ~~السلام) إن ابن أبي يعفور، أمرني أن أسألك عن مسائل فقال: وما هي؟ قلت: ~~يقول لك: إذا دخل شهر رمضان وأنا في منزلي ألي أن أسافر؟ قال: إن الله ~~يقول: فمن شهد منكم الشهر فليصمه فمن دخل عليه شهر رمضان وهو في أهله فليس ~~له أن يسافر إلا لحج أو عمرة أو في طلب مال يخاف تلفه. ms0454 # أقول: وهو استفادة لطيفة لحكم استحبابي بالأخذ بالإطلاق. # وفي الكافي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: فأما صوم السفر ~~والمرض فإن العامة قد اختلفت في ذلك فقال: قوم يصوم، وقال آخرون: لا يصوم، ~~وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأما نحن: فنقول: يفطر في الحالين ~~جميعا فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء فإن الله عز وجل ~~يقول: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر: أقول: ورواه ~~العياشي أيضا وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه قال (عليه السلام): ما أبينها لمن عقلها، قال: من شهد ~~رمضان فليصمه ومن سافر فيه فليفطر. # أقول: والأخبار عن أئمة أهل البيت في تعين الإفطار على المريض والمسافر ~~كثيرة ومذهبهم ذلك، وقد عرفت دلالة الآية عليه. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن أبي بصير قال: سألته عن قول الله: وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين، قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع والمريض. وفي ~~تفسيره أيضا عن الباقر (عليه السلام): في الآية، قال الشيخ الكبير والذي ~~يأخذه العطاش. # وفي تفسيره أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: المرأة تخاف على ولدها ~~والشيخ الكبير. # أقول: والروايات فيه كثيرة عنهم (عليهم السلام) والمراد بالمريض في رواية ~~أبي بصير المريض في سائر أيام السنة غير أيام شهر رمضان ممن لا يقدر على ~~عدة أيام أخر فإن المريض في قوله تعالى. # فمن كان منكم مريضا، لا يشمله وهو ظاهر، والعطاش مرض العطش. # وفي تفسيره أيضا عن سعيد عن الصادق (عليه السلام) قال: إن في الفطر ~~تكبيرا قلت: ما التكبير إلا في يوم النحر، قال: فيه تكبير ولكنه مسنون في ~~المغرب والعشاء والفجر والظهر والعصر وركعتي العيد. وفي الكافي، عن سعيد ~~النقاش قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لي في ليلة الفطر تكبيرة ولكنه ~~مسنون، قال: قلت: وأين هو؟ قال: في ليلة الفطر في المغرب والعشاء الآخرة ~~وفي صلاة الفجر وفي صلاة العيد ثم ms0455 يقطع، قال: قلت: كيف أقول! قال: تقول ~~الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله والله أكبر. الله أكبر على ما ~~هدانا. وهو قول الله ولتكملوا العدة يعني الصلاة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم والتكبير أن تقول: الله أكبر. لا إله إلا الله والله أكبر. ولله ~~الحمد، قال: وفي رواية التكبير الآخر أربع مرات. PageV02P014 # أقول: اختلاف الروايتين في إثبات الظهرين وعدمه يمكن أن يحمل على مراتب ~~الاستحباب، وقوله (عليه السلام): يعني الصلاة لعله يريد: أن المعنى ~~ولتكملوا العدة أي عدة أيام الصوم بصلاة العيد ولتكبروا الله مع الصلوات ~~على ما هديكم، وهو غير مناف لما ذكرناه من ظاهر معنى قوله: ولتكبروا الله ~~على ما هديكم، فإنه استفادة حكم استحبابي من مورد الوجوب نظير ما مر في ~~قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه، من استفادة كراهة الخروج إلى السفر ~~في الشهر لمن شهد الليلة الأولى منه هذا، واختلاف آخر التكبيرات في ~~الموضعين من الرواية الأخيرة يؤيد ما قيل: إن قوله: ولتكبروا الله على ما ~~هديكم، بتضمين التكبير معنى الحمد ولذلك عدي بعلى. # وفي تفسير العياشي، عن ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت ~~له، جعلت فداك ما يتحدث به عندنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صام ~~تسعة وعشرين أكثر مما صام ثلاثين أحق هذا؟ قال ما خلق الله من هذا حرفا فما ~~صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ثلاثين لأن الله يقول: ولتكملوا ~~العدة فكان رسول الله ينقصه. # أقول: قوله: فكان رسول الله في مقام الاستفهام الإنكاري، والرواية تدل ~~على ما قدمناه: أن ظاهر التكميل تكميل شهر رمضان. # وفي محاسن البرقي، عن بعض أصحابنا رفعه: في قوله: ولتكبروا الله على ما ~~هديكم قال: التكبير التعظيم، والهداية الولاية. # أقول: وقوله: والهداية الولاية من باب الجري وبيان المصداق: ويمكن أن ~~يكون من قبيل ما يسمى تأويلا كما ورد في بعض الروايات أن اليسر هو الولاية، ~~والعسر الخلاف وولاية أعداء الله. # وفي الكافي، عن حفص بن الغياث ms0456 عن أبي عبد الله، قال: سألته عن قول الله ~~عز وجل: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وإنما أنزل في عشرين بين أوله ~~وآخره فقال أبو عبد الله: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت ~~المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة، ثم قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين ~~من شهر رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان وأنزل القرآن في ~~ثلاث وعشرين من شهر رمضان:. أقول: ما رواه (عليه السلام) عن النبي رواه ~~السيوطي في الدر المنثور، بعدة طرق عن وائلة بن الأسقع عن النبي. وفي ~~الكافي، والفقيه، عن يعقوب قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عن ليلة القدر ~~فقال أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كل سنة؟ فقال أبو عبد الله ~~(عليه السلام) لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن. وفي الدر المنثور، عن ابن ~~عباس. قال: شهر رمضان والليلة المباركة وليلة القدر فإن ليلة القدر هي ~~الليلة المباركة وهي في رمضان نزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت ~~المعمور وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن ثم نزل على محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسلا رسلا. # أقول: وروي هذا المعنى عن غيره أيضا كسعيد بن جبير ويظهر من كلامه أنه ~~إنما استفاد ذلك من الآيات القرآنية كقوله تعالى: "والذكر الحكيم:" آل ~~عمران - 58 وفي قوله تعالى: "وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور ~~والسقف المرفوع:" الطور - 5، وقوله تعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون:" ~~الواقعة - 79، وقوله تعالى: "وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا": حم ~~السجدة - 12، وجميع ذلك ظاهر إلا ما ذكره في مواقع وأنه السماء الأولى ~~وموطن القرآن فإن فيه خفاء، والآيات من سورة الواقعة غير واضحة الدلالة على ~~ذلك، وقد ورد من ms0457 طرق أهل البيت أن البيت المعمور في السماء، وسيجيء الكلام ~~فيه في محله إن شاء الله تعالى، ومما يجب أن يعلم أن الحديث كمثل القرآن في ~~اشتماله على المحكم والمتشابه، والكلام على الإشارة والرمز شائع فيه، ولا ~~سيما في أمثال هذه الحقائق: من اللوح والقلم والحجب والسماء والبيت المعمور ~~والبحر المسجور فمما يجب للباحث أن يبذل جهده في الحصول على القرائن. PageV02P015 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 186 # وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى ~~وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون (186) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، ~~أحسن بيان لما اشتمل عليه من المضمون وأرق أسلوب وأجمله فقد وضع أساسه على ~~التكلم وحده دون الغيبة ونحوها، وفيه دلالة على كمال العناية بالأمر، ثم ~~قوله: عبادي، ولم يقل: الناس وما أشبهه يزيد في هذه العناية، ثم حذف ~~الواسطة في الجواب حيث قال: فإني قريب ولم يقل فقل إنه قريب، ثم التأكيد ~~بإن، ثم الإتيان بالصفة دون الفعل الدال على القرب ليدل على ثبوت القرب ~~ودوامه، ثم الدلالة على تجدد الإجابة واستمرارها حيث أتى بالفعل المضارع ~~الدال عليهما، ثم تقييده الجواب أعني قوله: أجيب دعوة الداع بقوله: إذا ~~دعان، وهذا القيد لا يزيد على قوله: دعوة الداع المقيد به شيئا بل هو عينه، ~~وفيه دلالة على أن دعوة الداع مجابة من غير شرط وقيد كقوله تعالى: "ادعوني ~~أستجب لكم": المؤمن - 60، فهذه سبع نكات في الآية تنبىء بالاهتمام في أمر ~~استجابة الدعاء والعناية بها، مع كون الآية قد كرر فيها - على إيجازها - ~~ضمير المتكلم سبع مرات، وهي الآية الوحيدة في القرآن على هذا الوصف. # والدعاء والدعوة توجيه نظر المدعو نحو الداعي، والسؤال جلب فائدة أو در ~~من المسئول يرفع به حاجة السائل بعد توجيه نظره، فالسؤال بمنزلة الغاية من ~~الدعاء وهو المعنى الجامع لجميع موارد السؤال كالسؤال لرفع الجهل والسؤال ~~بمعنى الحساب والسؤال بمعنى الاستدرار وغيره. # ثم إن العبودية كما مر سابقا ms0458 هي المملوكية ولا كل مملوكية بل مملوكية ~~الإنسان فالعبد هو من الإنسان أو كل ذي عقل وشعور كما في الملك المنسوب ~~إليه تعالى. # وملكه تعالى يغاير ملك غيره مغايرة الجد مع الدعوى والحقيقة مع المجاز ~~فإنه تعالى يملك عباده ملكا طلقا محيطا بهم لا يستقلون دونه في أنفسهم ولا ~~ما يتبع أنفسهم من الصفات والأفعال وسائر ما ينسب إليهم من الأزواج ~~والأولاد والمال والجاه وغيرها، فكل ما يملكونه من جهة إضافته إليهم بنحو ~~من الأنحاء كما في قولنا: نفسه، وبدنه، وسمعه، وبصره، وفعله، وأثره، وهي ~~أقسام الملك بالطبع والحقيقة وقولنا: زوجه وماله وجاهه وحقه، - وهي أقسام ~~الملك بالوضع والاعتبار - إنما يملكونه بإذنه تعالى في استقرار النسبة ~~بينهم وبين ما يملكون أيا ما كان وتمليكه فالله عز اسمه، هو الذي أضاف ~~نفوسهم وأعيانهم إليهم ولو لم يشاء لم يضف فلم يكونوا من رأس، وهو الذي جعل ~~لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهو الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا. # فهو سبحانه الحائل بين الشيء ونفسه، وهو الحائل بين الشيء وبين كل ما ~~يقارنه: من ولد أو زوج أو صديق أو مال أو جاه أو حق فهو أقرب إلى خلقه من ~~كل شيء مفروض فهو سبحانه قريب على الإطلاق كما قال تعالى: "ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون:" الواقعة - 85، وقال تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد": ق - 16، "وقال تعالى إن الله يحول بين المرء وقلبه": الأنفال - ~~24، والقلب هو النفس المدركة. # وبالجملة فملكه سبحانه لعباده ملكا حقيقيا وكونهم عبادا له هو الموجب ~~لكونه تعالى قريبا منهم على الإطلاق وأقرب إليهم من كل شيء عند القياس وهذا ~~الملك الموجب لجواز كل تصرف شاء كيفما شاء من غير دافع ولا مانع يقضي أن ~~لله سبحانه أن يجيب أي دعاء دعا به أحد من خلقه ويرفع بالإعطاء والتصرف ~~حاجته التي سأله فيها فإن الملك عام، والسلطان والإحاطة واقعتان على جميع ~~التقادير من غير تقيد بتقدير دون تقدير لا كما يقوله اليهود: إن الله لما ~~خلق الأشياء ms0459 وقدر التقادير تم الأمر، وخرج زمام التصرف الجديد من يده بما ~~حتمه من القضاء، فلا نسخ ولا بداء ولا استجابة لدعاء لأن الأمر مفروغ عنه، ~~ولا كما يقوله جماعة من هذه الأمة: أن لا صنع لله في أفعال عباده وهم ~~القدرية الذين سماهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجوس هذه الأمة ~~فيما رواه الفريقان من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): القدرية مجوس هذه الأمة. PageV02P016 # بل الملك لله سبحانه على الإطلاق ولا يملك شيء شيئا إلا بتمليك منه سبحانه ~~وإذن فما شاءه وملكه وأذن في وقوعه، يقع، وما لم يشأ ولم يملك ولم يأذن فيه ~~لا يقع وإن بذل في طريق وقوعه كل جهد وعناية، قال تعالى: "يا أيها الناس ~~أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني:" الفاطر - 15. # فقد تبين: أن قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان، كما يشتمل على الحكم أعني إجابة الدعاء كذلك يشتمل على علله فكون ~~الداعين عبادا لله تعالى هو الموجب لقربه منهم، وقربه منهم هو الموجب ~~لإجابته المطلقة لدعائهم وإطلاق الإجابة يستلزم إطلاق الدعاء فكل دعاء دعي ~~به فإنه مجيبه إلا أن هاهنا أمرا وهو أنه تعالى قيد قوله: أجيب دعوة الداع ~~بقوله إذا دعان، وهذا القيد غير الزائد على نفس المقيد بشيء يدل على اشتراط ~~الحقيقة دون التجوز والشبه، فإن قولنا: أصغ إلى قول الناصح إذا نصحك أو ~~أكرم العالم إذا كان عالما يدل على لزوم اتصافه بما يقتضيه حقيقة فالناصح ~~إذا قصد النصح بقوله فهو الذي يجب الإصغاء إلى قوله والعالم إذا تحقق بعلمه ~~وعمل بما علم كان هو الذي يجب إكرامه فقوله تعالى إذا دعان، يدل على أن وعد ~~الإجابة المطلقة، إنما هو إذا كان الداعي داعيا بحسب الحقيقة مريدا بحسب ~~العلم الفطري والغريزي مواطئا لسانه قلبه، فإن حقيقة الدعاء والسؤال هو ~~الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة، دون ما يأتي به اللسان الذي يدور ~~كيفما أدير صدقا أو كذبا جدا أو ms0460 هزلا حقيقة أو مجازا، ولذلك ترى أنه تعالى ~~عد ما لا عمل للسان فيه سؤالا، قال تعالى: "وآتاكم من كل ما سألتموه وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار:" إبراهيم - 34، فهم فيما ~~لا يحصونها من النعم داعون سائلون ولم يسألوها بلسانهم الظاهر، بل بلسان ~~فقرهم واستحقاقهم لسانا فطريا وجوديا، وقال تعالى: "يسأله من في السموات ~~والأرض كل يوم هو في شأن:" الرحمن - 29، ودلالته على ما ذكرنا أظهر وأوضح. # فالسؤال الفطري من الله سبحانه لا يتخطى الإجابة، فما لا يستجاب من ~~الدعاء ولا يصادف الإجابة فقد فقد أحد أمرين وهما اللذان ذكرهما بقوله: ~~دعوة الداع إذا دعان. # فإما أن يكون لم يتحقق هناك دعاء، وإنما التبس الأمر على الداعي التباسا ~~كان يدعو الإنسان فيسأل ما لا يكون وهو جاهل بذلك أو ما لا يريده لو انكشف ~~عليه حقيقة الأمر مثل أن يدعو ويسأل شفاء المريض لا إحياء الميت، ولو كان ~~استمكنه ودعا بحياته كما كان يسأله الأنبياء لأعيدت حياته ولكنه على يأس من ~~ذلك، أو يسأل ما لو علم بحقيقته لم يسأله فلا يستجاب له فيه. # وإما أن السؤال متحقق لكن لا من الله وحده كمن يسأل الله حاجة من حوائجه ~~وقلبه متعلق بالأسباب العادية أو بأمور وهمية توهمها كافية في أمره أو ~~مؤثرة في شأنه فلم يخلص الدعاء لله سبحانه فلم يسأل الله بالحقيقة فإن الله ~~الذي يجيب الدعوات هو الذي لا شريك له في أمره، لا من يعمل بشركة الأسباب ~~والأوهام، فهاتان الطائفتان من الدعاة السائلين لم يخلصوا الدعاء بالقلب ~~وإن أخلصوه بلسانهم. PageV02P017 # فهذا ملخص القول في الدعاء على ما تفيده الآية، وبه يظهر معاني سائر الآيات ~~النازلة في هذا الباب كقوله تعالى: "قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم": ~~الفرقان - 77 وقوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتيكم عذاب الله بغتة أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ~~إن شاء وتنسون ما كنتم تشركون:" الأنعام - 41، وقوله ms0461 تعالى: "قل من ينجيكم ~~في ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون: الأنعام - 64، ~~فالآيات دالة على أن للإنسان دعاء غريزيا وسؤالا فطريا يسأل به ربه، غير ~~أنه إذا كان في رخاء ورفاه تعلقت نفسه بالأسباب فأشركها لربه، فالتبس عليه ~~الأمر وزعم أنه لا يدعو ربه ولا يسأل عنه، مع أنه لا يسأل غيره فإنه على ~~الفطرة ولا تبديل لخلق الله تعالى، ولما وقع الشدة وطارت الأسباب عن ~~تأثيرها وفقدت الشركاء والشفعاء تبين له أن لا منجح لحاجته ولا مجيب ~~لمسألته إلا الله، فعاد إلى توحيده الفطري ونسي كل سبب من الأسباب، ووجه ~~وجهه نحو الرب الكريم فكشف شدته وقضى حاجته وأظله بالرخاء، ثم إذا تلبس به ~~ثانيا عاد إلى ما كان عليه أولا من الشرك والنسيان. # وكقوله تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين:" المؤمن - 60، والآية تدعو إلى الدعاء وتعد بالإجابة ~~وتزيد على ذلك حيث تسمي الدعاء عبادة بقولها: عن عبادتي أي عن دعائي، بل ~~تجعل مطلق العبادة دعاء حيث إنها تشتمل الوعيد على ترك الدعاء بالنار ~~والوعيد بالنار إنما هو على ترك العبادة رأسا لا على ترك بعض أقسامه دون ~~بعض فأصل العبادة دعاء فافهم ذلك. # وبذلك يظهر معنى آيات أخر من هذا الباب كقوله تعالى: "فادعوا الله مخلصين ~~له الدين": المؤمن - 14، وقوله تعالى: "وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين": الأعراف - 56، وقوله تعالى: "ويدعوننا رغبا ورهبا ~~وكانوا لنا خاشعين": الأنبياء - 90، وقوله تعالى: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~إنه لا يحب المعتدين": الأعراف - 55، وقوله تعالى: "إذ نادى ربه نداء خفيا، ~~إلى قوله، ولم أكن بدعائك رب شقيا": مريم - 4، وقوله تعالى: "ويستجيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله:" الشورى - 26، إلى غير ذلك من ~~الآيات المناسبة، وهي تشتمل على أركان الدعاء وآداب الداعي، وعمدتها ~~الإخلاص في دعائه تعالى وهو مواطاة القلب اللسان والانقطاع عن كل سبب ms0462 دون ~~الله والتعلق به تعالى، ويلحق به الخوف والطمع والرغبة والرهبة والخشوع ~~والتضرع والإصرار والذكر وصالح العمل والإيمان وأدب الحضور وغير ذلك مما ~~تشتمل عليه الروايات. # قوله تعالى: فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي، تفريع على ما يدل عليه الجملة ~~السابقة عليه بالالتزام: إن الله تعالى قريب من عباده، لا يحول بينه وبين ~~دعائهم شيء، وهو ذو عناية بهم وبما يسألونه منه، فهو يدعوهم إلى دعائه، ~~وصفته هذه الصفة، فليستجيبوا له في هذه الدعوة، وليقبلوا إليه، وليؤمنوا به ~~في هذا النعت، وليوقنوا بأنه قريب مجيب لعلهم يرشدون في دعائه. ### |||| AUTO بحث روائي # عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الفريقان: الدعاء سلاح ~~المؤمن، وفي عدة الداعي، في الحديث القدسي: يا موسى سلني كل ما تحتاج إليه ~~حتى علف شاتك وملح عجينك. وفي المكارم، عنه (عليه السلام): الدعاء أفضل من ~~قراءة القرآن لأن الله عز وجل قال: "قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم"،: ~~وروي ذلك عن الباقر والصادق (عليهما السلام). وفي عدة الداعي، في رواية ~~محمد بن عجلان عن محمد بن عبيد الله بن علي بن الحسين عن ابن عمه الصادق عن ~~آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أوحى الله إلى بعض أنبيائه ~~في بعض وحيه: وعزتي وجلالي لأقطعن أمل كل آمل أمل غيري بالإياس ولأكسونه ~~ثوب المذلة في الناس ولأبعدنه من فرجي وفضلي، أيأمل عبدي في الشدائد غيري، ~~والشدائد بيدي ويرجو سوائي وأنا الغني الجواد، بيدي مفاتيح الأبواب وهي ~~مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني الحديث. PageV02P018 # وفي عدة الداعي، أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قال الله: ~~ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض من ~~دونه فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي ~~إلا ضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن ~~استغفرني غفرت له. # أقول: وما اشتمل عليه الحديثان هو الإخلاص في الدعاء وليس إبطالا لسببية ms0463 ~~الأسباب الوجودية التي جعلها الله تعالى وسائل متوسطة بين الأشياء وبين ~~حوائجها الوجودية لا عللا فياضة مستقلة دون الله سبحانه، وللإنسان شعور ~~باطني بذلك فإنه يشعر بفطرته أن لحاجته سببا معطيا لا يتخلف عنه فعله، ~~ويشعر أيضا أن كل ما يتوجه إليه من الأسباب الظاهرية يمكن أن يتخلف عنه ~~أثره فهو يشعر بأن المبدأ الذي يبتدىء عنه كل أمر، والركن الذي يعتمد عليه ~~ويركن إليه كل حاجة في تحققها ووجودها غير هذه الأسباب ولازم ذلك أن لا ~~يركن الركون التام إلى شيء من هذه الأسباب بحيث ينقطع عن السبب الحقيقي ~~ويعتصم بذلك السبب الظاهري، والإنسان ينتقل إلى هذه الحقيقة بأدنى توجه ~~والتفات فإذا سأل أو طلب شيئا من حوائجه فوقع ما طلبه كشف ذلك أنه سأل ربه ~~واتصل حاجته، التي شعر بها بشعوره الباطني من طريق الأسباب إلى ربه فاستفاض ~~منه، وإذا طلب ذلك من سبب من الأسباب فليس ذلك من شعور فطري باطني وإنما هو ~~أمر صوره له تخيله لعلل أوجبت هذا التخيل من غير شعور باطني بالحاجة، وهذا ~~من الموارد التي يخالف فيها الباطن الظاهر. # ونظير ذلك: أن الإنسان كثيرا ما يحب شيئا ويهتم به حتى إذا وقع وجده ضارا ~~بما هو أنفع منه وأهم وأحب فترك الأول وأخذ بالثاني، وربما هرب من شيء حتى ~~إذا صادفه وجده أنفع وخيرا مما كان يتحفظ به فأخذ الأول وترك الثاني، ~~فالصبي المريض إذا عرض عليه الدواء المر امتنع من شربه وأخذ بالبكاء وهو ~~يريد الصحة، فهو بشعوره الباطني الفطري يسأل الصحة فيسأل الدواء وإن كان ~~بلسان قوله أو فعله يسأل خلافه، فللإنسان في حياته نظام بحسب الفهم الفطري ~~والشعور الباطني وله نظام آخر بحسب تخيله والنظام الفطري لا يقع فيه خطاء ~~ولا في سيره خبط، وأما النظام التخيلي فكثيرا ما يقع فيه الخطاء والسهو، ~~فربما سأل الإنسان أو طلب بحسب الصورة الخيالية شيئا، وهو بهذا السؤال ~~بعينه يسأل شيئا آخر أو خلافه، فعلى هذا ينبغي أن يقرر معنى الأحاديث، وهو ms0464 ~~اللائح من قول علي (عليه السلام) فيما سيأتي: أن العطية على قدر النية ~~الحديث. # وفي عدة الداعي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ادعوا الله وأنتم ~~موقنون بالإجابة. وفي الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلا ~~خيرا. أقول: وذلك أن الدعاء مع اليأس أو التردد يكشف عن عدم السؤال في ~~الحقيقة كما مر، وقد ورد المنع عن الدعاء بما لا يكون. # وفي العدة، أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): افزعوا إلى الله في ~~حوائجكم، والجئوا إليه في ملماتكم، وتضرعوا إليه وادعوه، فإن الدعاء مخ ~~العبادة، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب فإما أن يعجله له في الدنيا أو ~~يؤجل له في الآخرة، وإما أن يكفر له من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم. ~~وفي نهج البلاغة،: في وصية له (عليه السلام) لابنه الحسين (عليه السلام): ~~ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته فمتى شئت استفتحت ~~بالدعاء أبواب نعمه واستمطرت شئابيب رحمته، فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن ~~العطية على قدر النية، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، ~~وأجزل لعطاء الأمل، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو ~~آجلا أو صرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو ~~أوتيته، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، وينفي عنك وباله، والمال لا يبقى ~~لك ولا تبقى له. أقول: قوله: فإن العطية على قدر النية يريد (عليه السلام) ~~به: أن الاستجابة تطابق الدعوة فما سأله السائل منه تعالى على حسب ما عقد ~~عليه حقيقة ضميره وحمله ظهر قلبه هو الذي يؤتاه، لا ما كشف عنه قوله وأظهره ~~لفظه، فإن اللفظ ربما لا يطابق المعنى المطلوب كل المطابقة كما مر بيانه ~~فهي أحسن جملة وأجمع كلمة لبيان الارتباط بين المسألة والإجابة. PageV02P019 # وقد بين (عليه السلام) بها عدة من الموارد التي يتراءى فيها تخلف الاستجابة ~~عن الدعوة ظاهرا كالإبطاء في ms0465 الإجابة، وتبديل المسئول عنه في الدنيا بما هو ~~خير منه في الدنيا، أو بما هو خير منه في الآخرة، أو صرفه إلى شيء آخر أصلح ~~منه بحال السائل، فإن السائل ربما يسأل النعمة الهنيئة ولو أوتيها على ~~الفور لم تكن هنيئة وعلى الرغبة فتبطىء إجابتها لأن السائل سأل النعمة ~~الهنيئة فقد سأل الإجابة على بطء، وكذلك المؤمن المهتم بأمر دينه لو سأل ما ~~فيه هلاك دينه وهو لا يعلم بذلك ويزعم أن فيه سعادته وإنما سعادته في آخرته ~~فقد سأل في الحقيقة لآخرته لا دنياه فيستجاب لذلك فيها لا في الدنيا. # وفي عدة الداعي، عن الباقر (عليه السلام): ما بسط عبد يده إلى الله عز ~~وجل إلا استحيى الله أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضله ورحمته ما يشاء، ~~فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسح بها على رأسه ووجهه، وفي خبر آخر: على ~~وجهه وصدره. # أقول: وقد روي في الدر المنثور، ما يقرب من هذا المعنى عن عدة من الصحابة ~~كسلمان، وجابر، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وابن أبي مغيث عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في ثماني روايات، وفي جميعها رفع اليدين في ~~الدعاء فلا معنى لإنكار بعضهم رفع اليدين بالدعاء معللا بأنه من التجسم إذ ~~رفع اليدين إلى السماء إيماء إلى أنه تعالى فيها - تعالى عن ذلك وتقدس -. # وهو قول فاسد، فإن حقيقة جميع العبادات البدنية هي تنزيل المعنى القلبي ~~والتوجه الباطني إلى موطن الصورة، وإظهار الحقائق المتعالية عن المادة في ~~قالب التجسم، كما هو ظاهر في الصلاة والصوم والحج وغير ذلك وأجزائها ~~وشرائطها، ولو لا ذلك لم يستقم أمر العبادة البدنية، ومنها الدعاء، وهو ~~تمثيل التوجه القلبي والمسألة الباطنية بمثل السؤال الذي نعهده فيما بيننا ~~من سؤال الفقير المسكين الداني من الغني المتعزز العالي حيث يرفع يديه ~~بالبسط، ويسأل حاجته بالذلة والضراعة، وقد روى الشيخ في المجالس والأخبار ~~مسندا عن محمد وزيد ابني علي بن الحسين عن أبيهما عن جدهما الحسين ms0466 (عليهم ~~السلام) عن النبي، وفي عدة الداعي، مرسلا: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين. وفي البحار، ~~عن علي (عليه السلام): أنه سمع رجلا يقول اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، قال ~~(عليه السلام): أراك تتعوذ من مالك وولدك، يقول الله تعالى: "إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة" ولكن قل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. # أقول: وهذا باب آخر في تشخيص معنى اللفظ وله نظائر في الروايات، وفيها: ~~أن الحق في معنى كل لفظ هو الذي ورد منه في كلامه، ومن هذا الباب ما ورد في ~~الروايات في تفسير معنى الجزء والكثير وغير ذلك. # وفي عدة الداعي، عن الصادق (عليه السلام): أن الله لا يستجيب دعاء بظهر ~~قلب ساه. وفي العدة، أيضا عن علي (عليه السلام): لا يقبل الله دعاء قلب ~~لاه. أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر، والسر فيه عدم تحقق حقيقة الدعاء ~~والمسألة في السهو واللهو. # وفي دعوات الراوندي،: في التوراة يقول الله عز وجل للعبد: إنك متى ظلمت ~~تدعوني على عبد من عبيدي من أجل أنه ظلمك فلك من عبيدي من يدعو عليك من أجل ~~أنك ظلمته فإن شئت أجبتك وأجبته فيك، وإن شئت أخرتكما إلى يوم القيامة. # أقول: وذلك أن من سأل شيئا لنفسه فقد رضي به ورضي بعين هذا الرضا بكل ما ~~يماثله من جميع الجهات، فإذا دعا على من ظلمه بالانتقام فقد دعا عليه لأجل ~~ظلمه فهو راض بالانتقام من الظالم، وإذا كان هو نفسه ظالما لغيره فقد دعا ~~على نفسه بعين ما دعا لنفسه فإن رضي بالانتقام عن نفسه ولن يرضى أبدا عوقب ~~بما يريده على غيره، وإن لم يرض بذلك لم يتحقق منه الدعاء حقيقة، قال ~~تعالى: "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا": الإسراء - 11. PageV02P020 # وفي عدة الداعي،: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر: يا أبا ~~ذر ألا أعلمك كلمات ينفعك الله عز وجل بهن؟ قلت بلى ms0467 يا رسول الله، قال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): احفظ الله يحفظك الله، احفظ الله تجده أمامك، تعرف ~~إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت ~~فاستعن بالله، فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو أن الخلق ~~كلهم جهدوا على أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا عليه. # أقول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في ~~الشدة: يعني ادع الله في الرخاء ولا تنسه حتى يستجيب دعاءك في الشدة ولا ~~ينساك، وذلك أن من نسي ربه في الرخاء فقد أذعن باستقلال الأسباب في الرخاء، ~~ثم إذا دعا ربه في الشدة كان معنى عمله أنه يذعن بالربوبية في حال الشدة ~~وعلى تقديرها، وليس تعالى على هذه الصفة بل هو رب في كل حال وعلى جميع ~~التقادير، فهو لم يدع ربه، وقد ورد هذا المعنى في بعض الروايات بلسان آخر، ~~ففي مكارم الأخلاق، عن الصادق (عليه السلام): قال (عليه السلام): من تقدم ~~في الدعاء استجيب له إذا نزل البلاء، وقيل: صوت معروف، ولم يحجب عن السماء، ~~ومن لم يتقدم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل البلاء وقالت الملائكة: إن ذا ~~الصوت لا نعرفه الحديث، وهو المستفاد من إطلاق قوله تعالى: "نسوا الله ~~فنسيهم:" التوبة - 67، ولا ينافي هذا ما ورد أن الدعاء لا يرد مع الانقطاع، ~~فإن مطلق الشدة غير الانقطاع التام. # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت ~~فاستعن بالله، إرشاد إلى التعلق بالله في السؤال والاستعانة بحسب الحقيقة ~~فإن هذه الأسباب العادية التي بين أيدينا إنما سببيتها محدودة على ما قدر ~~الله لها من الحد لا على ما يتراءى من استقلالها في التأثير بل ليس لها إلا ~~الطريقية والوساطة في الإيصال، والأمر بيد الله تعالى، فإذن الواجب على ~~العبد أن يتوجه في حوائجه إلى جناب العزة وباب الكبرياء ولا يركن إلى سبب ~~بعد سبب، وإن كان أبى الله أن ms0468 يجري الأمور إلا بأسبابها وهذه دعوة إلى عدم ~~الاعتماد على الأسباب إلا بالله الذي أفاض عليها السببية لا أنها هداية إلى ~~إلغاء الأسباب والطلب من غير السبب فهو طمع فيما لا مطمع فيه، كيف والداعي ~~يريد ما يسأله بالقلب، ويسأل ما يريده باللسان ويستعين على ذلك بأركان ~~وجوده وكل ذلك أسباب؟. # واعتبر ذلك بالإنسان حيث يفعل ما يفعل بأدواته البدنية فيعطي ما يعطي ~~بيده ويرى ما يرى ببصره ويسمع ما يسمع بأذنه فمن يسأل ربه بإلغاء الأسباب ~~كان كمن سأل الإنسان أن يناوله شيئا من غير يد أو ينظر إليه من غير عين أو ~~يستمع من غير أذن، ومن ركن إلى سبب من دون الله سبحانه وتعالى كان كمن تعلق ~~قلبه بيد الإنسان في إعطائه أو بعينه في نظرها أو بأذنه في سمعها وهو غافل ~~معرض عن الإنسان الفاعل بذلك في الحقيقة فهو غافل مغفل، وليس ذلك تقييدا ~~للقدرة الإلهية غير المتناهية ولا سلبا للاختيار الواجبي، كما أن الانحصار ~~الذي ذكرناه في الإنسان لا يوجب سلب القدرة والاختيار عنه، لكون التحديد ~~راجعا بالحقيقة إلى الفعل لا إلى الفاعل، إذ من الضروري أن الإنسان قادر ~~على المناولة والرؤية والسمع لكن المناولة لا يكون إلا باليد، والرؤية ~~والسمع هما اللذان يكونان بالعين والأذن لا مطلقا، كذلك الواجب تعالى قادر ~~على الإطلاق غير أن خصوصية الفعل يتوقف على توسط الأسباب فزيد مثلا وهو فعل ~~لله هو الإنسان الذي ولده فلان وفلانة في زمان كذا ومكان كذا وعند وجود ~~شرائط كذا وارتفاع موانع كذا، لو تخلف واحد من هذه العلل والشرائط لم يكن ~~هو هو، فهو في إيجاده يتوقف على تحقق جميعها، والمتوقف هو الفعل دون الفاعل ~~فافهم ذلك. PageV02P021 # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة، تفريع على قوله: وإذا سألت فاسأل الله، من قبيل تعقيب المعلول ~~بالعلة فهو بيان علة قوله: وإذا سألت، وسببه، والمعنى أن الحوادث مكتوبة ~~مقدرة من عند الله تعالى لا تأثير ms0469 لسبب من الأسباب فيها حقيقة، فلا تسأل ~~غيره تعالى ولا تستعن بغيره تعالى، وأما هو تعالى: فسلطانه دائم وملكه ثابت ~~ومشيته نافذة وكل يوم هو في شأن، ولذلك عقب الجملة بقوله: ولو أن الخلق ~~كلهم جهدوا إلخ. # ومن أخبار الدعاء ما ورد عنهم مستفيضا: أن الدعاء من القدر. # أقول: وفيه جواب ما استشكله اليهود وغيرهم على الدعاء: أن الحاجة المدعو ~~لها إما أن تكون مقضية مقدرة أو لا، وهي على الأول واجبة وعلى الثاني ~~ممتنعة، وعلى أي حال لا معنى لتأثير الدعاء، والجواب: أن فرض تقدير وجود ~~الشيء لا يوجب استغناءه عن أسباب وجوده، والدعاء من أسباب وجود الشيء فمع ~~الدعاء يتحقق سبب من أسباب الوجود فيتحقق المسبب عن سببه، وهذا هو المراد ~~بقولهم: إن الدعاء من القدر، وفي هذا المعنى روايات أخر. # ففي البحار، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يرد القضاء إلا ~~الدعاء. وعن الصادق (عليه السلام): الدعاء يرد القضاء بعد ما أبرم إبراما. ~~وعن أبي الحسن موسى (عليه السلام): عليكم بالدعاء فإن الدعاء والطلب إلى ~~الله عز وجل يرد البلاء، وقد قدر وقضى فلم يبق إلا إمضاؤه فإذا دعي الله ~~وسئل صرف البلاء صرفا. وعن الصادق (عليه السلام): أن الدعاء يرد القضاء ~~المبرم وقد أبرم إبراما فأكثر من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة ونجاح كل حاجة ~~ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء فإنه ليس من باب يكثر قرعه إلا أوشك أن ~~يفتح لصاحبه. أقول: وفيها إشارة إلى الإصرار وهو من محققات الدعاء، فإن ~~كثرة الإتيان بالقصد يوجب صفاءه. # وعن إسماعيل بن همام عن أبي الحسن (عليه السلام): دعوة العبد سرا دعوة ~~واحدة تعدل سبعين دعوة علانية. # أقول: وفيها إشارة إلى إخفاء الدعاء وإسراره فإنه أحفظ لإخلاص الطلب. # وفي المكارم، عن الصادق (عليه السلام): لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلى ~~على محمد وآل محمد. # وعن الصادق (عليه السلام) أيضا:، من قدم أربعين من المؤمنين ثم دعا ~~استجيب له. # وعن الصادق (عليه السلام) أيضا: وقد قال ms0470 له رجل من أصحابه إني لأجد آيتين ~~في كتاب الله أطلبهما فلا أجدهما قال: فقال: وما هما قلت: ادعوني أستجب لكم ~~فندعوه فلا نرى إجابة، قال أفترى الله أخلف وعده؟ قلت: لا، قال فمه؟ قلت: ~~لا أدري قال: لكني أخبرك من أطاع الله فيما أمر به ثم دعاه من جهة الدعاء ~~أجابه، قلت: وما جهة الدعاء؟ قال: تبدأ فتحمد الله وتمجده وتذكر نعمه عليك ~~فتشكره ثم تصلي على محمد وآله ثم تذكر ذنوبك فتقر بها، ثم تستغفر منها فهذه ~~جهة الدعاء، ثم قال: وما الآية الأخرى؟ قلت: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ~~وأراني أنفق ولا أرى خلفا، قال: أفترى الله أخلف وعده؟ قلت: لا، قال: فمه؟ ~~قلت: لا أدري، قال: لو أن أحدكم اكتسب المال من حله وأنفق في حقه لم ينفق ~~درهما إلا أخلف الله عليه. # أقول: والوجه في هذه الأحاديث الواردة في آداب الدعاء ظاهرة فإنها تقرب ~~العبد من حقيقة الدعاء والمسألة. # وفي الدر المنثور، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن الله إذا أراد أن يستجيب لعبد أذن له في الدعاء. # وعن ابن عمر أيضا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): من فتح له منكم باب ~~الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وفي رواية: من فتح له في الدعاء منكم فتحت له ~~أبواب الجنة. # أقول: وهذه المعنى مروي من طرق أئمة أهل البيت أيضا: من أعطي الدعاء أعطي ~~الإجابة، ومعناه واضح مما مر. # وفي الدر المنثور، أيضا عن معاذ بن جبل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لو عرفتم الله حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال. PageV02P022 # أقول: وذلك أن الجهل بمقام الحق وسلطان الربوبية والركون إلى الأسباب يوجب ~~الإذعان بحقيقة التأثير للأسباب وقصر المعلولات على عللها المعهودة ~~وأسبابها العادية حتى أن الإنسان ربما زال عن الإذعان بحقيقة التأثير ~~للأسباب لكن يبقى الإذعان بتعين الطرق ووساطة الأسباب المتوسطة فإنا نرى أن ~~الحركة والسير يوجب الاقتراب من المقصد ثم إذا زال منا ms0471 الاعتقاد بحقيقة ~~تأثير السير في الاقتراب اعتقدنا بأن السير واسطة والله سبحانه وتعالى هو ~~المؤثر هناك لكن يبقى الاعتقاد بتعين الوساطة وأنه لو لا السير لم يكن قرب ~~ولا اقتراب، وبالجملة أن المسببات لا تتخلف عن أسبابها وإن لم يكن للأسباب ~~إلا الوساطة دون التأثير، وهذا هو الذي لا يصدقه العلم بمقام الله سبحانه ~~فإنه لا يلائم السلطنة التامة الإلهية، وهذا التوهم هو الذي أوجب أن نعتقد ~~استحالة تخلف المسببات عن أسبابها العادية كالثقل والانجذاب عن الجسم، ~~والقرب عن الحركة، والشبع عن الأكل، والري عن الشرب، وهكذا، وقد مر في ~~البحث عن الإعجاز أن ناموس العلية والمعلولية، وبعبارة أخرى توسط الأسباب ~~بين الله سبحانه وبين مسبباتها حق لا مناص عنه لكنه لا يوجب قصر الحوادث ~~على أسبابها العادية بل البحث العقلي النظري، والكتاب والسنة تثبت أصل ~~التوسط وتبطل الانحصار، نعم المحالات العقلية لا مطمع فيها. # إذا عرفت هذا علمت: أن العلم بالله يوجب الإذعان بأن ما ليس بمحال ذاتي ~~من كل ما تحيله العادة فإن الدعاء مستجاب فيه كما أن العمدة من معجزات ~~الأنبياء راجعة إلى استجابة الدعوة. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: فليستجيبوا ~~لي وليؤمنوا بي يعلمون أني أقدر أن أعطيهم ما يسألوني. # وفي المجمع، قال: وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال وليؤمنوا ~~بي أي وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه لعلهم يرشدون، أي لعلهم ~~يصيبون الحق، أي يهتدون إليه. PageV02P023 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 187 # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالئن بشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تبشروهن وأنتم عكفون فى المسجد تلك ~~حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله ءايته للناس لعلهم يتقون (187) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ms0472 نسائكم، الإحلال بمعنى ~~الإجازة، وأصله من الحل مقابل العقد، والرفث هو التصريح بما يكنى عنه مما ~~يستقبح ذكره، من الألفاظ التي لا تخلو عنها مباشرة النساء، وقد كني به ~~هاهنا عن عمل الجماع وهو من أدب القرآن الكريم وكذا سائر الألفاظ المستعملة ~~فيه في القرآن كالمباشرة والدخول والمس واللمس والإتيان والقرب كلها ألفاظ ~~مستعملة على طريق التكنية، وكذا لفظ الوطء والجماع وغيرهما المستعملة في ~~غير القرآن ألفاظ كنائية وإن أخرج كثرة الاستعمال بعضها من حد الكناية إلى ~~التصريح، كما أن ألفاظ الفرج والغائط بمعناهما المعروف اليوم من هذا ~~القبيل، وتعدية الرفث بإلى لتضمينه معنى الإفضاء على ما قيل. # قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، الظاهر من اللباس معناه المعروف ~~وهو ما يستر به الإنسان بدنه، والجملتان من قبيل الاستعارة فإن كلا من ~~الزوجين يمنع صاحبه عن اتباع الفجور وإشاعته بين أفراد النوع فكان كل منهما ~~لصاحبه لباسا يواري به سوأته ويستر به عورته. # وهذه استعارة لطيفة، وتزيد لطفا بانضمامها إلى قوله: أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم، فإن الإنسان يستر عورته عن غيره باللباس، وأما نفس ~~اللباس فلا ستر عنه فكذا كل من الزوجين يتقي به صاحبه عن الرفث إلى غيره، ~~وأما الرفث إليه فلا لأنه لباسه المتصل بنفسه المباشر له. # قوله تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم، ~~الاختيان والخيانة بمعنى، وفيه معنى النقص على ما قيل، وفي قوله: أنكم ~~تختانون، دلالة على معنى الاستمرار، فتدل الآية على أن هذه الخيانة كانت ~~دائرة مستمرة بين المسلمين منذ شرع حكم الصيام فكانوا يعصون الله تعالى سرا ~~بالخيانة لأنفسهم، ولو لم تكن هذه الخيانة منهم معصية لم ينزل التوبة ~~والعفو، وهما وإن لم يكونا صريحين في سبق المعصية لكنهما، وخاصة إذا ~~اجتمعا، ظاهران في ذلك. # وعلى هذا فالآية دالة على أن حكم الصيام كان قبل نزول الآية حرمة الجماع ~~في ليلة الصيام، والآية بنزولها شرعت الحلية ونسخت الحرمة كما ذكره جمع من ~~المفسرين، ويشعر ms0473 به أو يدل عليه قوله: أحل لكم، وقوله: كنتم تختانون، ~~وقوله: فتاب عليكم وعفا عنكم، وقوله: فالآن باشروهن، إذ لو لا حرمة سابقة ~~كان حق الكلام أن يقال: فلا جناح عليكم أن تباشروهن أو ما يؤدي هذا المعنى، ~~وهو ظاهر. PageV02P024 # وربما يقال: إن الآية ليست بناسخة لعدم وجود حكم تحريمي في آيات الصوم ~~بالنسبة إلى الجماع أو إلى الأكل والشرب، بل الظاهر كما يشعر به بعض ~~الروايات المروية من طرق أهل السنة والجماعة، أن المسلمين لما نزل حكم فرض ~~الصوم وسمعوا قوله تعالى: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~الآية، فهموا منه التساوي في الأحكام من جميع الجهات، وقد كانت النصارى كما ~~قيل: إنما ينكحون ويأكلون ويشربون في أول الليل ثم يمسكون بعد ذلك فأخذ ~~بذلك المسلمون، غير أن ذلك صعب عليهم، فكان الشبان منهم لا يكفون عن النكاح ~~سرا مع كونهم يرونه معصية وخيانة لأنفسهم، والشيوخ ربما أجهدهم الكف عن ~~الأكل والشرب بعد النوم، وربما أخذ بعضهم النوم فحرم عليه الأكل والشرب ~~بزعمه فنزلت الآية فبينت أن النكاح والأكل والشرب غير محرمة عليهم بالليل ~~في شهر رمضان، وظهر بذلك: أن مراد الآية بالتشبيه في قوله تعالى: كما كتب ~~على الذين من قبلكم، التشبيه في أصل فرض الصوم لا في خصوصياته، وأما قوله ~~تعالى: أحل لكم فلا يدل على سبق حكم تحريمي بل على مجرد تحقق الحلية كما في ~~قوله تعالى: "أحل لكم صيد البحر:" المائدة - 96، إذ من المعلوم أن صيد ~~البحر لم يكن محرما على المحرمين قبل نزول الآية، وكذا قوله تعالى: "علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم"، إنما يعني به أنهم كانوا يخونون بحسب ~~زعمهم وحسبانهم ذلك خيانة ومعصية، ولذا قال: تختانون أنفسكم ولم يقل: ~~تختانون الله كما قال: "لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم:" الأنفال ~~- 27، مع احتمال أن يراد بالاختيان النقص، والمعنى علم الله أنكم كنتم ~~تنقصون أنفسكم حظوظها من المشتهيات من نكاح وغيره، وكذا قوله تعالى: فتاب ~~عليكم وعفا عنكم، غير صريح في ms0474 كون النكاح معصية محرمة هذا. # وفيه ما عرفت: أن ذلك خلاف ظاهر الآية فإن قوله تعالى: أحل لكم، وقوله: ~~كنتم تختانون أنفسكم، وقوله: فتاب عليكم وعفا عنكم، وإن لم تكن صريحة في ~~النسخ غير أن لها كمال الظهور في ذلك، مضافا إلى قوله تعالى: فالآن باشروهن ~~"إلخ"، إذ لو لم يكن هناك إلا جواز مستمر قبل نزول الآية وبعدها لم يكن ~~لهذا التعبير وجه ظاهر، وأما عدم اشتمال آيات الصوم السابقة على هذه الآية ~~على حكم التحريم فلا ينافي كون الآية ناسخة فإنها لم تبين سائر أحكام الصوم ~~أيضا مثل حرمة النكاح والأكل والشرب في نهار الصيام، ومن المعلوم أن رسول ~~الله كان قد بينه للمسلمين قبل نزول هذه الآية فلعله كان قد بين هذا الحكم ~~فيما بينه من الأحكام، والآية تنسخ ما بينه الرسول وإن لم تشتمل كلامه ~~تعالى على ذلك. # فإن قلت: قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، يدل على سبب تشريع ~~جواز الرفث فلا بد أن لا يعم الناسخ والمنسوخ لبشاعة أن يعلل النسخ بما يعم ~~الناسخ والمنسوخ معا وإن قلنا: إن هذه التعليلات الواقعة في موارد الأحكام ~~حكم ومصالح لا علل، ولا يلزم في الحكمة أن تكون جامعة ومانعة كالعلل فلو ~~كان الرفث محرما قبل نزول الآية ثم نسخ بالآية المحللة لم يصلح تعليل نسخ ~~التحريم بأن الرجال لباس للنساء وهن لباس لهم. PageV02P025 # قلت: أولا إنه منقوض بتقييد قوله: أحل لكم بقوله: ليلة الصيام مع أن حكم ~~اللباس جار في النهار كالليل وهو محرم في النهار، وثانيا: أن القيود ~~المأخوذة في الآية من قوله: ليلة الصيام، وقوله: هن لباس لكم، وقوله: أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم، تدل على علل ثلاث مترتبة يترتب عليها الحكم المنسوخ ~~والناسخ فكون أحد الزوجين لباسا للآخر يوجب أن يجوز الرفث بينهما مطلقا، ثم ~~حكم الصيام المشار إليه بقوله: ليلة الصيام، والصيام هو الكف والإمساك عن ~~مشتهيات النفس من الأكل والشرب والنكاح يوجب تقييد جواز الرفث وصرفه إلى ~~غير مورد الصيام، ms0475 ثم صعوبة كف النفس عن النكاح شهرا كاملا عليهم ووقوعهم في ~~معصية مستمرة وخيانة جارية يوجب تسهيلا ما عليهم بالترخيص في ذلك ليلا، ~~وبذلك يعود إطلاق حكم اللباس المقيد بالصيام إلى بعض إطلاقه وهو أن يعمل به ~~ليلا لا نهارا، والمعنى والله أعلم: أن إطلاق حكم اللباس الذي قيدناه ~~بالصيام ليلا ونهارا وحرمناه عليكم حللناه لكم لما علمنا أنكم تختانون ~~أنفسكم فيه وأردنا التخفيف عنكم رأفة ورحمة، وأعدنا إطلاق ذلك الحكم عليه ~~في ليلة الصيام وقصرنا حكم الصيام على النهار فأتموا الصيام إلى الليل. # والحاصل: أن قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، وإن كان علة أو ~~حكمة لإحلال أصل الرفث إلا أن الغرض في الآية ليس متوجها إليه بل الغرض ~~فيها بيان حكمة جواز الرفث ليلة الصيام وهو مجموع قوله: هن لباس لكم إلى ~~قوله: وعفا عنكم، وهذه الحكمة مقصورة على الحكم الناسخ ولا يعم المنسوخ قطعا. # قوله تعالى: فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، أمر واقع بعد الحظر ~~فيدل على الجواز، وقد سبقه قوله تعالى: في أول الآية: أحل لكم والمعنى فمن ~~الآن تجوز لكم مباشرتهن، والابتغاء هو الطلب، والمراد بابتغاء ما كتب الله ~~هو طلب الولد الذي كتب الله سبحانه ذلك على النوع الإنساني من طريق ~~المباشرة، وفطرهم على طلبه بما أودع فيهم من شهوة النكاح والمباشرة، وسخرهم ~~بذلك على هذا العمل فهم يطلبون بذلك ما كتب الله لهم وإن لم يقصدوا ظاهرا ~~إلا ركوب الشهوة ونيل اللذة كما أنه تعالى كتب لهم بقاء الحياة والنمو ~~بالأكل والشرب وهو المطلوب الفطري وإن لم يقصدوا بالأكل والشرب إلا الحصول ~~على لذة الذوق والشبع والري، فإنما هو تسخير إلهي. # وأما ما قيل: إن المراد بما كتب الله لهم الحل والرخصة فإن الله يحب أن ~~يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه، فيبعده: أن الكتابة في كلامه غير ~~معهودة في مورد الحلية والرخصة. # قوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر، الفجر ms0476 فجران، فجر أول يسمى بالكاذب لبطلانه بعد مكث قليل وبذنب ~~السرحان لمشابهته ذنب الذئب إذا شاله، وعمود شعاعي يظهر في آخر الليل في ~~ناحية الأفق الشرقي إذا بلغت فاصلة الشمس من دائرة الأفق إلى ثمانية عشر ~~درجة تحت الأفق، ثم يبطل بالاعتراض فيكون معترضا مستطيلا على الأفق كالخيط ~~الأبيض الممدود عليه وهو الفجر الثاني، ويسمى الفجر الصادق لصدقه فيما ~~يحكيه ويخبر به من قدوم النهار واتصاله بطلوع الشمس. # ومن هنا يعلم أن المراد بالخيط الأبيض هو الفجر الصادق، وأن كلمة من، ~~بيانية وأن قوله تعالى: حتى يتبين لكم الخيط الأسود من قبيل الاستعارة ~~بتشبيه البياض المعترض على الأفق من الفجر، المجاور لما يمتد معترضا معه من ~~سواد الليل بخيط أبيض يتبين من الخيط الأسود. # ومن هنا يعلم أيضا: أن المراد هو التحديد بأول حين من طلوع الفجر الصادق ~~فإن ارتفاع شعاع بياض النهار يبطل الخيطين فلا خيط أبيض ولا خيط أسود. PageV02P026 # قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل، لما دل التحديد بالفجر على وجوب ~~الصيام إلى الليل بعد تبينه استغنى عن ذكره إيثارا للإيجاز بل تعرض لتحديده ~~بإتمامه إلى الليل، وفي قوله: أتموا دلالة على أنه واحد بسيط وعبادة واحدة ~~تامة من غير أن تكون مركبة من أمور عديدة كل واحد منها عبادة واحدة، وهذا ~~هو الفرق بين التمام والكمال حيث إن الأول انتهاء وجود ما لا يتألف من ~~أجزاء ذوات آثار والثاني انتهاء وجود ما لكل من أجزائه أثر مستقل وحده، قال ~~تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي:" المائدة - 3، فإن ~~الدين مجموع الصلاة والصوم والحج وغيرها التي لكل منها أثر يستقل به، بخلاف ~~النعمة على ما سيجيء بيانه إن شاء الله في الكلام على الآية. # قوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، العكوف والاعتكاف هو ~~اللزوم والاعتكاف بالمكان الإقامة فيه ملازما له. # والاعتكاف عبادة خاصة من أحكامها لزوم المسجد وعدم الخروج منه إلا لعذر ~~والصيام معه، ولذلك صح أن يتوهم جواز مباشرة النساء في ليالي الاعتكاف ms0477 في ~~المسجد بتشريع جواز الرفث ليلة الصيام فدفع هذا الدخل بقوله تعالى: ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد. # قوله تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها، أصل الحد هو المنع وإليه يرجع ~~جميع استعمالاته واشتقاقاته كحد السيف وحد الفجور وحد الدار والحديد إلى ~~غير ذلك، والنهي عن القرب من الحدود كناية عن عدم اقترافها والتعدي إليها، ~~أي لا تقترفوا هذه المعاصي التي هي الأكل والشرب والمباشرة أو لا تتعدوا عن ~~هذه الأحكام والحرمات الإلهية التي بينها لكم وهي أحكام الصوم بإضاعتها ~~وترك التقوى فيها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام) قال كان الأكل والنكاح محرمين ~~في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم ~~انتبه حرم عليه الإفطار، وكان النكاح حراما في الليل والنهار في شهر رمضان، ~~وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له خوات بن جبير الأنصاري، أخو عبد الله ~~بن جبير الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة ~~ففارقه أصحابه وبقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب، وكان أخوه هذا ~~خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا، وكان صائما مع رسول الله في الخندق، فجاء ~~إلى أهله حين أمسى فقال عندكم طعام؟ فقالوا: لا تنم حتى نصنع لك طعاما ~~فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم ~~علي الأكل في هذه الليلة فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرق له وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل ~~سرا في شهر رمضان فأنزل الله: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية، ~~فأحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل من شهر رمضان، والأكل بعد النوم إلى ~~طلوع الفجر لقوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ~~قال: هو بياض النهار من سواد الليل. # أقول: وقوله: يعني إلى قوله: وكان رجل، من كلام الراوي، وهذا المعنى مروي ms0478 ~~بروايات أخرى، رواها الكليني والعياشي وغيرهما، وفي جميعها أن سبب نزول ~~قوله: وكلوا واشربوا "إلخ"، إنما هو قصة خوات بن جبير الأنصاري وأن سبب ~~نزول قوله: أحل لكم "إلخ"، ما كان يفعله الشبان من المسلمين. # وفي الدر المنثور، عن عدة من أصحاب التفسير والرواية عن البراء بن عازب ~~قال كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان الرجل صائما فحضر ~~الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وأن قيس بن صرمة ~~الأنصاري كان صائما فكان يومه ذاك يعمل في أرضه فلما حضر الإفطار أتى ~~امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن انطلق فأطلب لك فغلبته عينه فنام ~~وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت: خيبة لك، أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي ~~عليه فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت هذه الآية أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث، إلى قوله: من الفجر ففرحوا بها فرحا شديدا: أقول: وروي ~~بطرق أخر القصة وفي بعضها أبو قبيس بن صرمة وفي بعضها صرمة بن مالك ~~الأنصاري على اختلاف ما في القصة. PageV02P027 # وفي الدر المنثور، أيضا: وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أن ~~المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى ~~مثلها من القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان ~~بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله فأنزل الله أحل ~~لكم ليلة الصيام، إلى قوله: فالآن باشروهن يعني انكحوهن. # أقول: والروايات من طرقهم في هذا المعنى كثيرة وفي أكثرها اسم من عمر، ~~وهي متحدة في أن حكم النكاح بالليل كحكم الأكل والشرب وأنها جميعا كانت ~~محللة قبل النوم محرمة بعده، وظاهر ما أوردناه من الرواية الأولى أن النكاح ~~كان محرما في شهر رمضان بالليل والنهار جميعا بخلاف الأكل والشرب فقد كانا ~~محللين في أول الليل قبل النوم محرمين بعده، وسياق الآية يساعده فإن النكاح ~~لو كان مثل الأكل والشرب محللا قبل النوم ms0479 محرما بعده كان الواجب في اللفظ ~~أن يقيد بالغاية كما صنع ذلك بقوله: كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض إلخ، وقد قال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث، ولم يأت بقيد يدل ~~على الغاية، وكذا ما اشتمل عليه بعض الروايات: أن الخيانة ما كانت تختص ~~بالنكاح بل كانوا يختانون في الأكل والشرب أيضا لا يوافق ما يشعر به سياق ~~الآية من وضع قوله: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم "إلخ"، قبل قوله: ~~كلوا واشربوا. # وفي الدر المنثور، أيضا: أن رسول الله قال الفجر فجران فأما الذي كأنه ~~ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه، وأما المستطيل الذي يأخذ الأفق ~~فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام. # أقول: والروايات في هذا المعنى مستفيضة من طرق العامة والخاصة وكذا ~~الروايات في الاعتكاف وحرمة الجماع فيه. PageV02P028 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 188 # ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أمول الناس بالاثم وأنتم تعلمون (188) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، المراد بالأكل الأخذ أو ~~مطلق التصرف مجازا، والمصحح لهذا الإطلاق المجازي كون الأكل أقرب الأفعال ~~الطبيعية التي يحتاج الإنسان إلى فعلها وأقدمها فالإنسان أول ما ينشأ. # وجوده يدرك حاجته إلى التغذي ثم ينتقل منه إلى غيره من الحوائج الطبيعية ~~كاللباس والمسكن والنكاح ونحو ذلك، فهو أول تصرف يستشعر به من نفسه، ولذلك ~~كان تسمية التصرف والأخذ، وخاصة في مورد الأموال، أكلا لا يختص باللغة ~~العربية بل يعم سائر اللغات. # والمال ما يتعلق به الرغبات من الملك، كأنه مأخوذ من الميل لكونه مما ~~يميل إليه القلب، والبين هو الفصل الذي يضاف إلى شيئين فأزيد، والباطل ~~يقابل الحق الذي هو الأمر الثابت بنحو من الثبوت. # وفي تقييد الحكم، أعني قوله: ولا تأكلوا أموالكم، بقوله: بينكم، دلالة ~~على أن جميع الأموال لجميع الناس وإنما قسمه الله تعالى بينهم تقسيما حقا ~~بوضع قوانين عادلة تعدل الملك تعديلا حقا يقطع منابت الفساد لا يتعداه تصرف ~~من متصرف إلا كان باطلا، فالآية ms0480 كالشارحة لإطلاق قوله تعالى: خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا وفي إضافته الأموال إلى الناس إمضاء منه لما استقر عليه بناء ~~المجتمع الإنساني من اعتبار أصل الملك واحترامه في الجملة من لدن استكن هذا ~~النوع على بسيط الأرض على ما يذكره النقل والتاريخ، وقد ذكر هذا الأصل في ~~القرآن بلفظ الملك والمال ولام الملك والاستخلاف وغيرها في أزيد من مائة ~~مورد ولا حاجة إلى إيرادها في هذا الموضع، وكذا بطريق الاستلزام في آيات ~~تدل على تشريع البيع والتجارة ونحوهما في بضعة مواضع كقوله تعالى: "وأحل ~~الله البيع:" البقرة - 275، وقوله تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض:" النساء - 29، وقوله تعالى: "تجارة ~~تخشون كسادها:" التوبة - 24، وغيرها، والسنة المتواترة تؤيده. # قوله تعالى: وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا، الإدلاء هو إرسال ~~الدلو في البئر لنزح الماء كني به عن مطلق تقريب المال إلى الحكام ليحكموا ~~كما يريده الراشي، وهو كناية لطيفة تشير إلى استبطان حكمهم المطلوب بالرشوة ~~الممثل لحال الماء الذي في البئر بالنسبة إلى من يريده، والفريق هو القطعة ~~المفروقة المعزولة من الشيء، والجملة معطوفة على قوله: تأكلوا، فالفعل ~~مجزوم بالنهي، ويمكن أن يكون الواو بمعنى مع والفعل منصوبا بأن المقدرة، ~~والتقدير مع أن تأكلوا فتكون الآية بجملتها كلاما واحدا مسوقا لغرض واحد، ~~وهو النهي عن تصالح الراشي والمرتشي على أكل أموال الناس بوضعها بينهما ~~وتقسيمها لأنفسهما بأخذ الحاكم ما أدلى به منها إليه وأخذ الراشي فريقا آخر ~~منها بالإثم وهما يعلمان أن ذلك باطل غير حق. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الصادق (عليه السلام) في الآية: كانت تقامر الرجل بأهله ~~وماله فنهاهم الله عن ذلك. # وفي الكافي، أيضا عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول ~~الله عز وجل في كتابه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام، قال يا أبا بصير إن الله عز وجل قد علم أن في الأمة حكاما يجورون، ~~أما أنه لم يعن حكام أهل العدل ms0481 ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد لو ~~كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى ~~حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن يحاكم إلى الطاغوت وهو قول الله عز وجل: ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت. # وفي المجمع، قال: روي عن أبي جعفر (عليه السلام) يعني بالباطل اليمين ~~الكاذبة يقطع بها الأموال. # أقول: وهذه مصاديق والآية مطلقة. PageV02P029 ### |||| AUTO بحث علمي اجتماعي # كل ما بين أيدينا من الموجودات المكونة، ومنها النبات والحيوان والإنسان، ~~فإنه يتصرف في الخارج عن دائرة وجوده مما يمكن أن ينتفع به في إبقاء وجوده ~~لحفظ وجوده وبقائه، فلا خبر في الوجود عن موجود غير فعال، ولا خبر عن فعل ~~يفعله فاعله لا لنفع يعود إليه، فهذه أنواع النبات تفعل ما تفعل لتنتفع به ~~لبقائها ونشوئها وتوليد مثلها، وكذلك أقسام الحيوان والإنسان تفعل ما تفعل ~~لتنتفع به بوجه ولو انتفاعا خياليا أو عقليا، فهذا مما لا شبهة فيه. # وهذه الفواعل التكوينية تدرك بالغريزة الطبيعية، والحيوان والإنسان ~~بالشعور الغريزي أن التصرف في المادة لرفع الحاجة الطبيعية والانتفاع في ~~حفظ الوجود والبقاء لا يتم للواحد منها إلا مع الاختصاص بمعنى أن الفعل ~~الواحد لا يقوم بفاعلين فهذا حاصل الأمر وملاكه ولذلك فالفاعل من الإنسان ~~أو ما ندرك ملاك أفعاله فإنه يمنع عن المداخلة في أمره والتصرف فيما يريد ~~هو التصرف فيه، وهذا أصل الاختصاص الذي لا يتوقف في اعتباره، إنسان وهو ~~معنى اللام الذي في قولنا لي هذا ولك ذلك، ولي أن أفعل كذا ولك أن تفعل كذا. # ويشهد به ما نشاهده من تنازع الحيوان فيما حازه من عش أو كن أو وكر أو ما ~~اصطاده أو وجده، مما يتغذى به أو ما ألفه من زوج ونحو ذلك، وما نشاهده من ~~تشاجر الأطفال فيما حازوه من غذاء ونحوه حتى الرضيع يشاجر الرضيع على ~~الثدي، ثم إن ورود ms0482 الإنسان في ساحة الاجتماع بحكم فطرته وقضاء غريزته لا ~~يستحكم به إلا ما أدركه بأصل الفطرة إجمالا، ولا يوجب إلا إصلاح ما كان ~~وضعه أولا وترتيبه وتعظيمه في صورة النواميس الاجتماعية الدائرة، وعند ذلك ~~يتنوع الاختصاص الإجمالي المذكور أنواعا متفرقة ذوات أسام مختلفة فيسمى ~~الاختصاص المالي بالملك وغيره بالحق وغير ذلك. # وهم وإن أمكن أن يختلفوا في تحقق الملك من جهة أسبابه كالوراثة والبيع ~~والشراء والغصب بقوة السلطان وغير ذلك، أو من جهة الموضوع الذي هو المالك ~~كالإنسان الذي هو بالغ أو صغير أو عاقل أو سفيه أو فرد أو جماعة إلى غير ~~ذلك من الجهات، فيزيدوا في بعض، وينقصوا من بعض، ويثبتوا لبعض وينفوا عن ~~بعض، لكن أصل الملك في الجملة مما لا مناص لهم عن اعتباره، ولذلك نرى أن ~~المخالفين للملك يسلبونه عن الفرد وينقلونه إلى المجتمع أو الدولة الحاكمة ~~عليهم وهم مع ذلك غير قادرين على سلبه عن الفرد من أصله ولن يقدروا على ذلك ~~فالحكم فطري، وفي بطلان الفطرة فناء الإنسان. # وسنبحث في ما يتعلق بهذا الأصل الثابت من حيث أسبابه كالتجارة والربح ~~والإرث والغنيمة والحيازة، ومن حيث الموضوع كالبالغ والصغير وغيرهما في ~~موارد يناسب ذلك إن شاء الله العزيز. PageV02P030 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 189 # يسئلونك عن الأهلة قل هى موقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوبها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يسئلونك إلى قوله: والحج، الأهلة جمع هلال ويسمى القمر هلالا ~~أول الشهر القمري إذا خرج من تحت شعاع الشمس الليلة الأولى والثانية كما ~~قيل، وقال بعضهم الليالي الثلاثة الأول، وقال بعضهم حتى يتحجر، والتحجر أن ~~يستدير بخطة دقيقة، وقال بعضهم: حتى يبهر نوره ظلمة الليل وذلك في الليلة ~~السابعة ثم يسمى قمرا ويسمى في الرابعة عشر بدرا، واسمه العام عند العرب ~~الزبرقان. # والهلال مأخوذ من استهل الصبي إذا بكى عند الولادة أو صاح، ومن قولهم: ~~أهل القوم بالحج إذا رفعوا ms0483 أصواتهم بالتلبية، سمي به لأن الناس يهلون بذكره ~~إذا رأوا. # والمواقيت جمع ميقات وهو الوقت المضروب للفعل، ويطلق أيضا: على المكان ~~المعين للفعل كميقات أهل الشام وميقات أهل اليمن، والمراد هاهنا الأول. # وفي قوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة، وإن لم يشرح أن السؤال في أمرها عما ~~ذا؟ عن حقيقة القمر وسبب تشكلاتها المختلفة في صور الهلال والقمر والبدر ~~كما قيل، أو عن حقيقة الهلال فقط، الظاهر بعد المحاق في أول الشهر القمري ~~كما ذكره بعضهم، أو عن غير ذلك. # ولكن إتيان الهلال في السؤال بصورة الجمع حيث قيل: يسئلونك عن الأهلة ~~دليل على أن السؤال لم يكن عن ماهية القمر واختلاف تشكلاته إذ لو كان كذلك ~~لكان الأنسب أن يقال: يسألونك عن القمر لا عن الأهلة، وأيضا لو كان السؤال ~~عن حقيقة الهلال وسبب تشكله الخاص كان الأنسب أن يقال: يسألونك عن الهلال ~~إذ لا غرض حينئذ يتعلق بالجمع، ففي إتيان الأهلة بصيغة الجمع دلالة على أن ~~السؤال إنما كان عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالا بعد هلال ورسمه ~~الشهور القمرية، وعبر عن ذلك بالأهلة لأنها هي المحققة لذلك فأجيب ~~بالفائدة. # ويستفاد ذلك من خصوص الجواب: قل هي مواقيت للناس والحج، فإن المواقيت وهي ~~الأزمان المضروبة للأفعال، والأعمال إنما هي الشهور دون الأهلة التي ليست ~~بأزمنة وإنما هي أشكال وصور في القمر. # وبالجملة قد تحصل أن الغرض في السؤال إنما كان متعلقا بشأن الشهور ~~القمرية من حيث السبب أو الفائدة فأجيب ببيان الفائدة وأنها أزمان وأوقات ~~مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم فإن الإنسان لا بد له من حيث الخلقة ~~من أن يقدر أفعاله وأعماله التي جميعها من سنخ الحركة بالزمان، ولازم ذلك ~~أن يتقطع الزمان الممتد الذي ينطبق عليه أمورهم قطعا صغارا وكبارا مثل ~~الليل والنهار واليوم والشهر والفصول والسنين بالعناية الإلهية التي تدبر ~~أمور خلقه وتهديهم إلى صلاح حياتهم، والتقطيع الظاهر الذي يستفيد منه ~~العالم والجاهل والبدوي والحضري ويسهل حفظه على الجميع إنما هو تقطيع ~~الأيام ms0484 بالشهور القمرية التي يدركه كل صحيح الإدراك مستقيم الحواس من الناس ~~دون الشهور الشمسية التي ما تنبه لشأنها ولم ينل دقيق حسابها الإنسان إلا ~~بعد قرون وأحقاب من بدء حياته في الأرض وهو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائما. # فالشهور القمرية أوقات مضروبة معينة للناس في أمور دينهم ودنياهم وللحج ~~خاصة فإنه أشهر معلومات، وكان اختصاص الحج بالذكر ثانيا تمهيد لما سيذكر في ~~الآيات التالية من اختصاصه ببعض الشهور. # قوله تعالى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إلى قوله: من أبوابها، ~~ثبت بالنقل أن جماعة من عرب الجاهلية كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا ~~بيوتهم عند الحاجة من الباب بل اتخذوا نقبا من ظهورها ودخلوا منه فنهى عن ~~ذلك الإسلام وأمرهم بدخول البيوت من أبوابها، ونزول الآية يقبل الانطباق ~~على هذا الشأن، وبذلك يصح الاعتماد على ما نقل من شأن نزول الآية على ما ~~سيأتي نقله. PageV02P031 # ولو لا ذلك لأمكن أن يقال: إن قوله: وليس البر إلى آخره، كناية عن النهي عن ~~امتثال الأوامر الإلهية والعمل بالأحكام المشرعة في الدين إلا على الوجه ~~الذي شرعت عليه، فلا يجوز الحج في غير أشهره، ولا الصيام في غير شهر رمضان ~~وهكذا وكانت الجملة على هذا متمما لأول الآية، وكان المعنى أن هذه الشهور ~~أوقات مضروبة لأعمال شرعت فيها ولا يجوز التعدي بها عنها إلى غيرها كالحج ~~في غير أشهره، والصوم في غير شهر رمضان وهكذا فكانت الآية مشتملة على بيان ~~حكم واحد. # وعلى التقدير الأول الذي يؤيده النقل فنفي البر عن إتيان البيوت من ~~ظهورها يدل على أن العمل المذكور لم يكن مما أمضاه الدين وإلا لم يكن معنى ~~لنفي كونه برا فإنما كان ذلك عادة سيئة جاهلية فنفى الله تعالى كونه من ~~البر، وأثبت أن البر هو التقوى، وكان الظاهر أن يقال: ولكن البر هو التقوى، ~~وإنما عدل إلى قوله: ولكن البر من اتقى، إشعارا بأن الكمال إنما هو في ~~الاتصاف بالتقوى وهو المقصود دون المفهوم الخالي كما ms0485 مر نظيره في قوله ~~تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن الآية. # والأمر في قوله تعالى: وأتوا البيوت من أبوابها، ليس أمرا مولويا وإنما ~~هو إرشاد إلى حسن إتيان البيوت من أبوابها لما فيه من الجري على العادة ~~المألوفة المستحسنة الموافقة للغرض العقلائي في بناء البيوت ووضع الباب ~~مدخلا ومخرجا فيها، فإن الكلام واقع موقع الردع عن عادة سيئة لا وجه لها ~~إلا خرق العادة الجارية الموافقة للغرض العقلائي، فلا يدل على أزيد من ~~الهداية إلى طريق الصواب من غير إيجاب، نعم الدخول من غير الباب بمقصد أنه ~~من الدين بدعة محرمة. # قوله تعالى: واتقوا الله لعلكم تفلحون، قد عرفت في أول السورة أن التقوى ~~من الصفات التي يجامع جميع مراتب الإيمان ومقامات الكمال، ومن المعلوم أن ~~جميع المقامات لا يستوجب الفلاح والسعادة كما يستوجبه المقامات الأخيرة ~~التي تنفي عن صاحبها الشرك والضلال وإنما تهدي إلى الفلاح وتبشر بالسعادة، ~~ولذلك قال تعالى: واتقوا الله لعلكم تفلحون، فأتى بكلمة الترجي، ويمكن أن ~~يكون المراد بالتقوى امتثال هذا الأمر الخاص الموجود في الآية وترك ما ذمه ~~من إتيان البيوت من ظهورها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل ~~الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأهلة فنزلت هذه الآية ~~"يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس" يعلمون بها أجل دينهم وعدة نسائهم ~~ووقت حجهم. # أقول: وروي هذا المعنى فيه بطرق أخر عن أبي العالية وقتادة وغيرهما، وروي ~~أيضا: أن بعضهم سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حالات القمر ~~المختلفة فنزلت الآية. # وهذا هو الذي ذكرنا آنفا أنه مخالف لظاهر الآية فلا عبرة به. # وفي الدر المنثور، أيضا: أخرج وكيع، والبخاري، وابن جرير عن البراء: ~~كانوا إذا أحرموا في الجاهلية دخلوا البيت من ظهره فأنزل الله: وليس البر ~~بأن تأتوا البيوت من ظهورها - ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها. # وفي الدر ms0486 المنثور، أيضا أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر قال: ~~كانت قريش تدعى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام وكانت الأنصار ~~وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام فبينا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في بستان إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري ~~فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر وأنه خرج معك من الباب فقال ~~له: ما حملك على ما فعلت قال: رأيتك فعلته ففعلته كما فعلت قال: إني رجل ~~أحمس قال فإن: ديني دينك فأنزل الله ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها. # أقول: وقد روي قريبا من هذا المعنى بطرق أخرى، والحمس جمع أحمس كحمر ~~وأحمر من الحماسة وهي الشدة سميت به قريش لشدتهم في أمر دينهم أو لصلابتهم ~~وشدة بأسهم. PageV02P032 # وظاهر الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أمضى قبل ~~الواقعة الدخول من ظهور البيوت لغير قريش ولذا عاتبه بقوله: ما حملك على ما ~~صنعت "إلخ"، وعلى هذا فتكون الآية من الآيات الناسخة، وهي تنسخ حكما مشرعا ~~من غير آية هذا، ولكنك قد عرفت أن الآية تنافيه حيث تقول: ليس البر بأن ~~تأتوا، وحاشا الله سبحانه أن يشرع هو أو رسوله بأمره حكما من الأحكام ثم ~~يذمه أو يقبحه وينسخه بعد ذلك وهو ظاهر. # وفي محاسن البرقي، عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: وأتوا البيوت ~~من أبوابها قال يعني أن يأتي الأمر من وجهه أي الأمور كان. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): الأوصياء هم أبواب الله التي منها ~~يؤتى ولو لا هم ما عرف الله عز وجل وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه. # أقول: الرواية من الجري وبيان لمصداق من مصاديق الآية بالمعنى الذي فسرت ~~به في الرواية الأولى، ولا شك أن الآية بحسب المعنى عامة وإن كانت بحسب ~~مورد النزول خاصة، وقوله (عليه السلام) ولو لا هم ما عرف الله، يعني البيان ~~الحق والدعوة التامة الذين معهم، ms0487 وله معنى آخر أدق لعلنا نشير إليه فيما ~~سيأتي إن شاء الله والروايات في معنى الروايتين كثيرة. PageV02P033 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 190 - 195 # وقتلوا فى سبيل الله الذين يقتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~(190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ~~ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكفرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدون إلا على الظلمين (193) ~~الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمت قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) وأنفقوا ~~فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) ### |||| AUTO بيان # سياق الآيات الشريفة يدل على أنها نازلة دفعة واحدة، وقد سيق الكلام فيها ~~لبيان غرض واحد وهو تشريع القتال لأول مرة مع مشركي مكة، فإن فيها تعرضا ~~لإخراجهم من حيث أخرجوا المؤمنين، وللفتنة، وللقصاص، والنهي عن مقاتلتهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوا عنده، وكل ذلك أمور مربوطة بمشركي مكة، على ~~أنه تعالى قيد القتال بالقتال في قوله: وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم، وليس معناه الاشتراط أي قاتلوهم إن قاتلوكم وهو ظاهر، ولا قيدا ~~احترازيا، والمعنى قاتلوا الرجال دون النساء والولدان الذين لا يقاتلونكم ~~كما ذكره بعضهم، إذ لا معنى لقتال من لا يقدر على القتال حتى ينهى عن ~~مقاتلته، ويقال: لا تقاتله بل إنما الصحيح النهي عن قتله دون قتاله. # بل الظاهر أن الفعل أعني يقاتلونكم، للحال والوصف للإشارة، والمراد به ~~الذين حالهم حال القتال مع المؤمنين وهم مشركوا مكة. # فمساق هذه الآيات مساق قوله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن ~~الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا ~~الله:" الحج - 40، إذن ابتدائي للقتال مع المشركين المقاتلين من غير شرط. # على أن الآيات الخمس جميعا متعرضة لبيان حكم واحد بحدوده وأطرافه ولوازمه ms0488 ~~فقوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله، لأصل الحكم، وقوله تعالى: لا تعتدوا ~~إلخ، تحديد له من حيث الانتظام، وقوله تعالى: واقتلوهم "إلخ"، تحديد له من ~~حيث التشديد، وقوله تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام "إلخ"، تحديد له ~~من حيث المكان، وقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "إلخ"، تحديد له من ~~حيث الأمد والزمان، وقوله تعالى: الشهر الحرام "إلخ"، بيان أن هذا الحكم ~~تشريع للقصاص في القتال والقتل ومعاملة بالمثل معهم، وقوله تعالى: وأنفقوا، ~~إيجاب لمقدمته المالية وهو الإنفاق للتجهيز والتجهز، فيقرب أن يكون نزول ~~مجموع الآيات الخمس لشأن واحد من غير أن ينسخ بعضها بعضا كما احتمله بعضهم، ~~ولا أن تكون نازلة في شئون متفرقة كما ذكره آخرون، بل الغرض منها واحد وهو ~~تشريع القتال مع مشركي مكة الذين كانوا يقاتلون المؤمنين. # قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، القتال محاولة الرجل ~~قتل من يحاول قتله، وكونه في سبيل الله إنما هو لكون الغرض منه إقامة الدين ~~وإعلاء كلمة التوحيد، فهو عبادة يقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على ~~أموال الناس وأعراضهم فإنما هو في الإسلام دفاع يحفظ به حق الإنسانية ~~المشروعة عند الفطرة السليمة كما سنبينه، فإن الدفاع محدود بالذات، والتعدي ~~خروج عن الحد، ولذلك عقبه بقوله تعالى: ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين. # قوله تعالى: ولا تعتدوا "إلخ" الاعتداء هو الخروج عن الحد، يقال عدا ~~واعتدى إذا جاوز وحده، والنهي عن الاعتداء مطلق يراد به كل ما يصدق عليه ~~أنه اعتداء كالقتال قبل أن يدعى إلى الحق، والابتداء بالقتال، وقتل النساء ~~والصبيان، وعدم الانتهاء إلى العدو، وغير ذلك مما بينه السنة النبوية. PageV02P034 # قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم إلى قوله: من القتل، يقال ثقف ثقافة أي ~~وجد وأدرك فمعنى الآية معنى قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:" التوبة ~~- 6، والفتنة هو ما يقع به اختبار حال الشيء، ولذلك يطلق على نفس الامتحان ~~والابتلاء وعلى ما يلازمه غالبا وهو الشدة والعذاب على ما يستعقبه كالضلال ~~والشرك، وقد استعمل ms0489 في القرآن الشريف في جميع هذه المعاني، والمراد به في ~~الآية الشرك بالله ورسوله بالزجر والعذاب كما كان يفعله المشركون بمكة ~~بالمؤمنين بعد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبلها. # فالمعنى شددوا على المشركين بمكة كل التشديد بقتلهم حيث وجدوا حتى ينجر ~~ذلك إلى خروجهم من ديارهم وجلائهم من أرضهم كما فعلوا بكم ذلك، وما فعلوه ~~أشد فإن ذلك منهم كان فتنة والفتنة أشد من القتل لأن في القتل انقطاع ~~الحياة الدنيا، وفي الفتنة انقطاع الحياتين وانهدام الدارين. # قوله تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه "إلخ"، فيه ~~نهي عن القتال عند المسجد الحرام حفظا لحرمته ما حفظوه، والضمير في قوله: ~~فيه راجع إلى المكان المدلول عليه بقوله عند المسجد. # قوله تعالى: فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، الانتهاء الامتناع والكف، ~~والمراد به الانتهاء عن مطلق القتال عند المسجد الحرام دون الانتهاء عن ~~مطلق القتال بطاعة الدين وقبول الإسلام فإن ذلك هو المراد بقوله ثانيا: فإن ~~انتهوا فلا عدوان، وأما هذا الانتهاء فهو قيد راجع إلى أقرب الجمل إليه وهو ~~قوله: ولا تقاتلوهم عند المسجد، وعلى هذا فكل من الجملتين أعني قوله تعالى: ~~فإن انتهوا فإن الله، وقوله تعالى: فإن انتهوا فلا عدوان، قيد لما يتصل به ~~من الكلام من غير تكرار. # وفي قوله تعالى: فإن الله غفور رحيم، وضع السبب موضع المسبب إعطاء لعلة ~~الحكم، والمعنى فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. # قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، تحديد لأمد ~~القتال كما مر ذكره، والفتنة في لسان هذه الآيات هو الشرك باتخاذ الأصنام ~~كما كان يفعله ويكره عليه المشركون بمكة، ويدل عليه قوله تعالى: ويكون ~~الدين لله، والآية نظيرة لقوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وإن ~~تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم النصير:" الأنفال - 40، وفي ~~الآية دلالة على وجوب الدعوة قبل القتال فإن قبلت فلا قتال وإن ردت فلا ~~ولاية إلا لله ونعم المولى ونعم النصير، ينصر عباده ms0490 المؤمنين، ومن المعلوم ~~أن القتال إنما هو ليكون الدين لله، ولا معنى لقتال هذا شأنه وغايته إلا عن ~~دعوة إلى الدين الحق وهو الدين الذي يستقر على التوحيد. # ويظهر من هذا الذي ذكرناه أن هذه الآية ليست بمنسوخة بقوله تعالى: ~~"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون:" التوبة - 30، بناء على أن دينهم لله سبحانه وتعالى، وذلك أن ~~الآية أعني قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، خاصة بالمشركين غير ~~شاملة لأهل الكتاب، فالمراد، بكون الدين لله سبحانه وتعالى هو أن لا يعبد ~~الأصنام ويقر بالتوحيد، وأهل الكتاب مقرون به، وإن كان ذلك كفرا منهم بالله ~~بحسب الحقيقة كما قال تعالى: إنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، لكن الإسلام قنع منهم بمجرد ~~التوحيد، وإنما أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية لإعلاء كلمة الحق على كلمتهم ~~وإظهار الإسلام على الدين كله. # قوله تعالى: فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين، أي فإن انتهوا عن ~~الفتنة وآمنوا بما آمنتم به فلا تقاتلوهم فلا عدوان إلا على الظالمين، فهو ~~من وضع السبب موضع المسبب كما مر نظيره في قوله تعالى: فإن انتهوا فإن الله ~~غفور رحيم الآية، فالآية كقوله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فإخوانكم في الدين:" التوبة - 12. PageV02P035 # قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، الحرمات جمع حرمة ~~وهي ما يحرم هتكه ويجب تعظيمه ورعاية جانبه، والحرمات: حرمة الشهر الحرام ~~وحرمة الحرم وحرمة المسجد الحرام، والمعنى أنهم لو هتكوا حرمة الشهر الحرام ~~بالقتال فيه، وقد هتكوا حين صدوا النبي وأصحابه عن الحج عام الحديبية ~~ورموهم بالسهام والحجارة جاز للمؤمنين أن يقاتلوهم فيه وليس بهتك، فإنما ~~يجاهدون في سبيل الله ويمتثلون أمره في إعلاء كلمته ولو هتكوا حرمة الحرم ~~والمسجد الحرام بالقتال فيه وعنده جاز للمؤمنين معاملتهم بالمثل، فقوله: ~~الشهر الحرام ms0491 بالشهر الحرام بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم ~~من هذا البيان العام قوله تعالى عقيبه: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم، فالمعنى أن الله سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام ~~لأنه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات لأنه شرع ~~جواز الاعتداء بالمثل. # ثم ندبهم إلى ملازمة طريقة الاحتياط في الاعتداء لأن فيه استعمالا للشدة ~~والبأس والسطوة وسائر القوى الداعية إلى الطغيان والانحراف عن جادة ~~الاعتدال والله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين، وهم أحوج إلى محبة الله ~~تعالى وولايته ونصره فقال تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين. # وأما أمره تعالى بالاعتداء مع أنه لا يحب المعتدين فإن الاعتداء مذموم ~~إذا لم يكن في مقابلة اعتداء وأما إذا كان في مقابلة الاعتداء فليس إلا ~~تعاليا عن ذل الهوان وارتقاء عن حضيض الاستعباد والظلم والضيم، كالتكبر مع ~~المتكبر، والجهر بالسوء لمن ظلم. # قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، أمر ~~بإنفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله والكلام في تقييد الإنفاق هاهنا ~~بكونه في سبيل الله نظير تقييد القتال في أول الآيات بكونه في سبيل الله، ~~كما مر، والباء في قوله: بأيديكم زائدة للتأكيد، والمعنى: ولا تلقوا أيديكم ~~إلى التهلكة كناية عن النهي عن إبطال القوة والاستطاعة والقدرة فإن اليد ~~مظهر لذلك، وربما يقال: إن الباء للسببية ومفعول لا تلقوا محذوف، والمعنى: ~~لا تلقوا أنفسكم بأيدي أنفسكم إلى التهلكة، والتهلكة والهلاك واحد وهو مصير ~~الإنسان بحيث لا يدري أين هو، وهو على وزن تفعلة بضم العين ليس في اللغة ~~مصدر على هذا الوزن غيره. # والكلام مطلق أريد به النهي عن كل ما يوجب الهلاك من إفراط وتفريط كما أن ~~البخل والإمساك عن إنفاق المال عند القتال يوجب بطلان القوة وذهاب القدرة، ~~وفيه هلاك العدة بظهور العدو عليهم، وكما أن التبذير بإنفاق جميع المال ~~يوجب الفقر والمسكنة المؤديين إلى انحطاط الحياة وبطلان المروة. # ثم ختم سبحانه وتعالى ms0492 الكلام بالإحسان فقال: وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين، وليس المراد بالإحسان الكف عن القتال أو الرأفة في قتل أعداء ~~الدين وما يشبههما بل الإحسان هو الإتيان بالفعل على وجه حسن بالقتال في ~~مورد القتال، والكف في مورد الكف، والشدة في مورد الشدة، والعفو في مورد ~~العفو، فدفع الظالم بما يستحقه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقها المشروع ~~لها، ودفاع عن الدين المصلح لشأنها كما أن الكف عن التجاوز في استيفاء الحق ~~المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر، ومحبة الله سبحانه وتعالى هو الغرض الأقصى ~~من الدين، وهو الواجب على كل متدين بالدين أن يجلبها من ربه بالإتباع، قال ~~تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله:" آل عمران - 31، وقد ~~بدأت الآيات الشريفة وهي آيات القتال بالنهي عن الاعتداء وإن الله لا يحب ~~المعتدين وختمت بالأمر بالإحسان وإن الله يحب المحسنين، وفي ذلك من وجوه ~~الحلاوة ما لا يخفى. # الجهاد الذي يأمر به القرآن: PageV02P036 # كان القرآن يأمر المسلمين بالكف عن القتال والصبر على كل أذى في سبيل الله ~~سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه وتعالى: "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد، إلى قوله: لكم دينكم ولي دين:" الكافرون - ~~6، وقال تعالى: "واصبر على ما يقولون:" المزمل - 10، وقال تعالى: "ألم تر ~~إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال:" النساء - 77، وكان هذه الآية تشير إلى قوله سبحانه وتعالى: "ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من ~~بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل ~~شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة:" البقرة - 110. # ثم نزلت آيات القتال فمنها آيات القتال مع مشركي مكة ومن معهم بالخصوص ~~كقوله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله:" الحج - 40، ومن ~~الممكن أن تكون هذه الآية نزلت في ms0493 الدفاع الذي أمر به في بدر وغيرها، وكذا ~~قوله: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله ~~بما تعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم ~~النصير:" الأنفال - 40، وكذا قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين:" البقرة - 190. # ومنها آيات القتال مع أهل الكتاب، قال تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون:" التوبة - 29. # ومنها آيات القتال مع المشركين عامة، وهم غير أهل الكتاب كقوله تعالى: ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:" التوبة - 5، وكقوله تعالى: "قاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة:" التوبة - 36. # ومنها ما يأمر بقتال مطلق الكفار كقوله تعالى: "قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة:" التوبة - 123. # وجملة الأمر أن القرآن يذكر أن الإسلام ودين التوحيد مبني على أساس ~~الفطرة وهو القيم على إصلاح الإنسانية في حياتها كما قال تعالى: "فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون:" الروم - 30، فإقامته والتحفظ عليه أهم ~~حقوق الإنسانية المشروعة كما قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه:" الشورى - 13، ثم يذكر أن الدفاع عن هذا الحق الفطري المشروع ~~حق آخر فطري، قال تعالى: "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن ~~الله لقوي عزيز:" الحج - 40، فبين أن قيام دين التوحيد على ساقه وحياة ذكره ~~منوط بالدفاع، ونظيره قوله تعالى: "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض:" البقرة - 251، وقال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال: ~~"ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون:" الأنفال - 8، ثم قال تعالى: ~~بعد عدة ms0494 آيات: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم:" الأنفال - 24، فسمى الجهاد والقتال الذي يدعى له المؤمنون محييا ~~لهم، ومعناه أن القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة ~~الإسلام أو كان قتالا ابتدائيا كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في ~~حياتها ففي الشرك بالله سبحانه هلاك الإنسانية وموت الفطرة، وفي القتال وهو ~~دفاع عن حقها إعادة لحياتها وإحياؤها بعد الموت. PageV02P037 # ومن هناك يستشعر الفطن اللبيب: أنه ينبغي أن يكون للإسلام حكم دفاعي في ~~تطهير الأرض من لوث مطلق الشرك وإخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى فإن هذا ~~القتال الذي تذكره الآيات المذكورة إنما هو لإماتة الشرك الظاهر من ~~الوثنية، أو لإعلاء كلمة الحق على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء ~~الجزية، مع أن آية القتال معهم تتضمن أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق فهم وإن كانوا على التوحيد لكنهم مشركون بالحقيقة مستبطنون ~~ذلك، والدفاع عن حق الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدين الحق. # والقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح لكنه يبوح بالوعد بيوم ~~للمؤمنين على أعدائهم لا يتم أمره إلا بإنجاز الأمر بهذه المرتبة من ~~القتال، وهو القتال لإقامة الإخلاص في التوحيد قال تعالى: "هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون:" الصف - 9، ~~وأظهر منه قوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون:" الأنبياء - 105، وأصرح منه قوله تعالى: "وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا:" النور - 55، فقوله تعالى: يعبدونني يعني به عبادة الإخلاص ~~بحقيقة الإيمان بقرينة قوله تعالى: لا يشركون بي شيئا، مع أنه تعالى يعد ~~بعض الإيمان شركا، قال تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:" ~~يوسف - 106، فهذا ما وعده تعالى من تصفية الأرض وتخليتها للمؤمنين يوم لا ~~يعبد فيه ms0495 غير الله حقا. # وربما يتوهم المتوهم أن ذلك وعد بنصر إلهي بمصلح غيبي من غير توسل ~~بالأسباب الظاهرة لكن ينافيه قوله: ليستخلفنهم في الأرض، فإن الاستخلاف ~~إنما هو بذهاب بعض وإزالتهم عن مكانهم ووضع آخرين مقامهم ففيه إيماء إلى ~~القتال. # على أن قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم:" المائدة - 54، - على ما سيجيء في محله - ~~يشير إلى دعوة حقة، ونهضة دينية ستقع عن أمر إلهي ويؤيد أن هذه الواقعة ~~الموعودة إنما تقع عن دعوة جهاد. # وبما مر من البيان يظهر الجواب عما ربما يورد على الإسلام في تشريعه ~~الجهاد بأنه خروج عن طور النهضات الدينية المأثورة عن الأنبياء السالفين ~~فإن دينهم إنما كان يعتمد في سيره وتقدمه على الدعوة، والهداية دون الإكراه ~~على الإيمان بالقتال المستتبع للقتل والسبي والغارات، ولذلك ربما سماه ~~بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف والدم وآخرون بدين الإجبار ~~والإكراه!. # وذلك أن القرآن يبين أن الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ~~ينبغي أن يرتاب أن كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه، ~~وهي تقضي بأن التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية ~~والاجتماعية عليه، وأن الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من ~~الهلاك والفساد حق مشروع للإنسانية يجب استيفاؤه بأي وسيلة ممكنة، وقد روعي ~~في ذلك طريق الاعتدال، فبدأ بالدعوة المجردة والصبر على الأذى في جنب الله، ~~ثم الدفاع عن بيضة الإسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، ثم القتال ~~الابتدائي الذي هو دفاع عن حق الإنسانية وكلمة التوحيد ولم يبدأ بشيء من ~~القتال إلا بعد إتمام الحجة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنة النبوية، ~~قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن:" النحل - 125، والآية مطلقة، وقال تعالى: "ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة:" الأنفال - 42. # وأما ما ms0496 ذكروه من استلزامه الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقف ~~إحياء الإنسانية على تحميل الحق المشروع على عدة من الأفراد بعد البيان ~~وإقامة الحجة البالغة عليهم، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول فإن ~~المتمرد المتخلف عن القوانين المدنية يدعى إلى تبعيتها ثم يحمل عليه بأي ~~وسيلة أمكنت ولو انجر إلى القتال حتى يطيع وينقاد طوعا أو كرها. PageV02P038 # على أن الكره إنما يعيش ويدوم في طبقة واحدة من النسل، ثم التعليم والتربية ~~الدينيان يصلحان الطبقات الآتية بإنشائها على الدين الفطري وكلمة التوحيد طوعا. # وأما ما ذكروه: أن سائر الأنبياء جروا على مجرد الدعوة والهداية فقط ~~فالتاريخ الموجود من حياتهم يدل على عدم اتساع نطاقهم بحيث يجوز لهم القيام ~~بالقتال كنوح وهود وصالح (عليهما السلام) فقد كان أحاط بهم القهر والسلطنة ~~من كل جانب، وكذلك كان عيسى (عليه السلام) أيام إقامته بين الناس واشتغاله ~~بالدعوة وإنما انتشرت دعوته وقبلت حجته في زمان طرو النسخ على شريعته وكان ~~ذلك أيام طلوع الإسلام. # على أن جمعا من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله تعالى كما تقصه التوراة، ~~والقرآن يذكر طرفا منه، قال تعالى: "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ~~وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين:" آل عمران - 147، وقال تعالى - يقص ~~دعوة موسى قومه إلى قتال العمالقة -: "وإذ قال موسى لقومه، إلى أن قال: يا ~~قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين إلى أن قال تعالى: قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون:" المائدة - 24، وقال ~~تعالى: "ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا ~~نقاتل في سبيل الله:" البقرة - 246، إلى آخر قصة طالوت وجالوت. # وقال تعالى في قصة سليمان وملكة سبإ: "ألا تعلوا علي ms0497 وأتوني مسلمين" - ~~إلى أن قال تعالى -: "ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منها أذلة وهم صاغرون:" النمل - 37، ولم يكن هذا الذي كان يهددهم بها ~~بقوله: فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها "إلخ"، إلا قتالا ابتدائيا عن دعوة ~~ابتدائية. ### |||| AUTO بحث اجتماعي # لا ريب أن الاجتماع أينما وجد كاجتماع نوع الإنسان وسائر الاجتماعات ~~المختلفة النوعية التي نشاهدها في أنواع من الحيوان فإنما هو مبني على أساس ~~الاحتياج الفطري الموجود فيها الذي يراد به حفظ الوجود والبقاء. # وكما أن الفطرة والجبلة أعطتها حق التصرف في كل ما تنتفع بها في حياتها ~~من حفظ الوجود والبقاء كالإنسان يتصرف في الجماد والنبات والحيوان حتى في ~~الإنسان بأي وسيلة ممكنة فيرى لنفسه حقا في ذلك وإن زاحم حقوق غيره من ~~الحيوان وكمال غيره من النبات والجماد، وكأنواع الحيوان في تصرفاتها في ~~غيرها وإذعانها بأن لها حقا في ذلك كذلك أعطتها حق الدفاع عن حقوقها ~~المشروعة لها بحسب فطرتها إذ كان لا يتم حق التصرف بدون حق الدفاع فالدار ~~دار التزاحم، والناموس ناموس التنازع في البقاء، فكل نوع يحفظ وجوده وبقاءه ~~بالشعور والحركة يرى لنفسه حق الدفاع عن حقوقه بالفطرة، ويذعن بأن ذلك مباح ~~له كما يذعن بإباحة تصرفه المذكور، ويدل على ذلك ما نشاهده في أنواع ~~الحيوان: من أنها تتوسل عند التنازع بأدواتها البدنية الصالحة لأن تستعمل ~~في الدفاع كالقرون والأنياب والمخالب والأظلاف والشوك والمنقار وغير ذلك، ~~وبعضها الذي لم يتسلح بشيء من هذه الأسلحة الطبيعية القوية تستريح إلى ~~الفرار أو الاستتار أو الخمود كبعض الصيد والسلحفاة وبعض الحشرات، وبعضها ~~الذي يقدر على إعمال الحيل والمكائد ربما أخذ بها في الدفاع كالقرد والدب ~~والثعلب وأمثالها. PageV02P039 # والإنسان من بين الحيوان مسلح بالشعور الفكري الذي يقدر به على استخدام ~~غيره في سبيل الدفاع كما يقدر عليه في سبيل التصرف للانتفاع، وله فطرة ~~كسائر الأنواع، ولفطرته قضاوة وحكم، ومن حكمها أن للإنسان حقا في التصرف، ~~وحقا في الدفاع عن حقه الفطري، وهذا الحق الذي يذعن ms0498 به الإنسان بفطرته هو ~~الذي يبعثه نحو المقاتلة والمقارعة في جميع الموارد التي يهم بها فيها في ~~الاجتماع الإنساني دون حكم الاستخدام الذي يحكم به حكما أوليا فطريا ~~فيستخدم به كل ما يمكنه أن يستخدمه في طريق منافعه الحيوية فإن هذا الحكم ~~معدل بالاجتماع إذ الإنسان إذا أحس بحاجته إلى استخدام غيره من بني نوعه ثم ~~علم بأن سائر الأفراد من نوعه أمثاله في الحاجة اضطر إلى المصالحة ~~والموافقة على التمدن والعدل الاجتماعي بأن يخدم غيره بمقدار ما يستخدم ~~غيره حسب ما يزنه الاحتياج بميزانه ويعدله الاجتماع بتعديله. # ومن هنا يعلم: أن الإنسان لا يستند في شيء من مقاتلاته إلى حكم الاستخدام ~~والاستعباد المطلق الذي يذعن به في أول أمره فإن هذا حكم مطلق نسخه الإنسان ~~بنفسه عند أول وروده في الاجتماع واعترف بأنه لا ينبغي أن يتصرف في منافع ~~غيره إلا بمقدار يؤتي غيره من منافع نفسه، بل إنما يستند في ذلك إلى حق ~~الدفاع عن حقوقه في منافعه فيفرض لنفسه حقا ثم يشاهد تضييعه فينهض إلى ~~الدفاع عنه. # فكل قتال دفاع في الحقيقة، حتى أن الفاتحين من الملوك والمتغلبين من ~~الدول يفرضون لأنفسهم نوعا من الحق كحق الحاكمية ولياقة التأمر على غيرهم ~~أو عسرة في المعاش أو مضيقة في الأرض أو غير ذلك فيعتذرون بذلك في مهاجمتهم ~~على الناس وسفك الدماء وفساد الأرض وإهلاك الحرث والنسل. # فقد تبين: أن الدفاع عن حقوق الإنسانية حق مشروع فطري مباح الاستيفاء ~~للإنسان نعم لما كان هذا حقا مطلوبا لغيره لا لنفسه يجب أن يوازن بما للغير ~~من الأهمية فلا يقدم على الدفاع إلا إذا كان ما يفوت الإنسان بالدفاع من ~~المنافع هو دون الحق الضائع المستنقذ في الأهمية الحيوية، وقد أثبت القرآن ~~أن أهم حقوق الإنسانية هو التوحيد والقوانين الدينية المبنية عليه كما أن ~~عقلاء الاجتماع الإنساني على أن أهم حقوقها هو حق الحياة تحت القوانين ~~الحاكمة على المجتمع الإنساني التي تحفظ منافع الأفراد في حياتهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، ms0499 عن ابن عباس: في قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الآية، ~~نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفا ~~وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام ~~فنحروا الهدي بالحديبية ثم صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه ويعود ~~العام القابل ويخلو له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء فرجع إلى ~~المدينة من فوره فلما كان العام المقبل تجهز النبي وأصحابه لعمرة القضاء ~~وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، ~~وكره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله هذه الآية. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، بطرق عن ابن عباس وغيره. # وفي المجمع، أيضا عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أول ~~آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله ويكف عمن كف ~~عنه حتى نزلت: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فنسخت هذه الآية. # أقول: وهذا اجتهاد منهما وقد عرفت أن الآية غير ناسخة للآية بل هو من ~~قبيل تعميم الحكم بعد خصوصه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم الآية نزلت في سبب ~~رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك ~~فبين الله سبحانه: أن الفتنة في الدين وهو الشرك أعظم من قتل المشركين في ~~الشهر الحرام وإن كان غير جائز. # أقول: وقد عرفت: أن ظاهر وحدة السياق في الآيات الشريفة أنها نزلت دفعة واحدة. PageV02P040 # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة الآية،: بطرق ~~عن قتادة، قال: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك ويكون الدين لله. قال: ~~حتى يقال: لا إله إلا الله عليها قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وإليها دعا، وذكر لنا: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ~~يقول: إن الله أمرني ms0500 أن أقاتل الناس حتى: يقولوا: لا إله إلا الله فإن ~~انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين، قال: وإن الظالم الذي أبى أن يقول لا ~~إله إلا الله يقاتل حتى يقول: لا إله إلا الله. # أقول: قوله وإن الظالم من قول قتادة، استفاد ذلك من قول النبي وهي ~~استفادة حسنة، وروي نظير ذلك عن عكرمة. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج البخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر: ~~أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر ~~وصاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن ~~الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة؟ قال: ~~قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون ~~فتنة ويكون الدين لغير الله. # أقول: وقد أخطأ في معنى الفتنة وأخطأ السائلان، وقد مر بيانه، وإنما ~~المورد من مصاديق الفساد في الأرض أو الاقتتال عن بغي ولا يجوز للمؤمنين أن ~~يسكتوا فيه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة الآية، قال أي ~~شرك، قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام:، عن ~~العلاء بن الفضيل، قال: سألته عن المشركين أيبتدئهم المسلمون بالقتال في ~~الشهر الحرام؟ قال إذا كان المشركون ابتدءوهم باستحلاهم، رأى المسلمون بما ~~أنهم يظهرون عليهم فيه، وذلك قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات ~~قصاص وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن جابر بن ~~عبد الله قال: لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يغزو في الشهر ~~الحرام حتى يغزى، ويغزو فإذا حضره أقام حتى ينسلخ. # وفي الكافي، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عن رجل قتل رجلا ~~في الحل ثم دخل الحرم فقال (عليه السلام) لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا ~~يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد قال ms0501 قلت: فما تقول في رجل قتل في ~~الحرم أو سرق؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) يقام عليه الحد في الحرم لأنه ~~لم ير للحرم حرمة، وقد قال الله: عز وجل: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم" فقال هذا هو في الحرم فقال لا عدوان إلا على الظالمين ~~وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة، قال: لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ~~ولا وفق، أليس الله يقول: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين، يعني المقتصدين! وروى الصدوق عن ثابت بن أنس، قال: قال رسول ~~الله: طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله، ودخل ~~في نهيه يقول الله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. # وفي الدر المنثور، بطرق كثيرة عن أسلم أبي عمران،: قال كنا بالقسطنطينية، ~~وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد فخرج صف عظيم من ~~الروم فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح ~~الناس فقالوا سبحان الله: يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب، صاحب ~~رسول الله: فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما ~~نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قال ~~بعضنا لبعض سرا دون رسول الله إن أموالنا قد ضاعت وأن الله قد أعز الإسلام ~~وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها فأنزل الله على ~~نبيه، يرد علينا ما قلنا: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. # أقول: واختلاف الروايات كما ترى في معنى الآية يؤيد ما ذكرناه: أن الآية ~~مطلقة تشمل جانبي الإفراط والتفريط في الإنفاق جميعا بل تعم الإنفاق وغيره. PageV02P041 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 196 - 203 # وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا ms0502 تحلقوا ~~رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدى فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) الحج أشهر معلومت فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال فى الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ~~واتقون يأولى الألبب (197) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا ~~أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هدام وإن كنتم ~~من قبله لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن ~~الله غفور رحيم (199) فإذا قضيتم منسككم فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو ~~أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا وما له فى الاخرة من خلق ~~(200) ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفى الاخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) * واذكروا ~~الله فى أيام معدودت فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) ### |||| AUTO بيان # نزلت الآيات في حجة الوداع، آخر حجة حجها رسول الله، وفيها تشريع حج ~~التمتع. # قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله، تمام الشيء هو الجزء الذي بانضمامه ~~إلى سائر أجزاء الشيء يكون الشيء هو هو، ويترتب عليه آثاره المطلوبة منه ~~فالإتمام هو ضم تمام الشيء إليه بعد الشروع في بعض أجزائه، والكمال هو حال ~~أو وصف أو أمر إذا وجده الشيء ترتب عليه من الأثر بعد تمامه ما لا يترتب ~~عليه لو لا الكمال، فانضمام أجزاء الإنسان بعضها إلى بعض هو تمامه، وكونه ~~إنسانا عالما أو شجاعا أو عفيفا كماله، وربما يستعمل التمام مقام الكمال ~~بالاستعارة بدعوى كون الوصف ms0503 الزائد على الشيء داخلا فيه اهتماما بأمره ~~وشأنه، والمراد بإتمام الحج والعمرة هو المعنى الأول الحقيقي، والدليل عليه ~~قوله تعالى بعده: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، فإن ذلك تفريع على ~~التمام بمعنى إيصال العمل إلى آخر أجزائه وضمه إلى أجزائه المأتي بها بعد ~~الشروع ولا معنى يصحح تفريعه على الإتمام بمعنى الإكمال وهو ظاهر. # والحج هو العمل المعروف بين المسلمين الذي شرعه إبراهيم الخليل (عليه ~~السلام) وكان بعده بين العرب ثم أمضاه الله سبحانه لهذه الأمة شريعة باقية ~~إلى يوم القيامة. # ويبتدى هذا العمل بالإحرام والوقوف في العرفات ثم المشعر الحرام، وفيها ~~التضحية بمنى ورمي الجمرات الثلاث والطواف وصلاته والسعي بين الصفا ~~والمروة، وفيها أمور مفروضة أخر، وهو على ثلاثة أقسام: حج الإفراد، وحج ~~القران، وحج التمتع الذي شرعه الله في آخر عهد رسول الله. # والعمرة عمل آخر وهو زيارة البيت بالإحرام من أحد المواقيت والطواف ~~وصلاته والسعي بين الصفا والمروة والتقصير، وهما أعني الحج، والعمرة ~~عبادتان لا يتمان إلا لوجه الله ويدل عليه قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة ~~لله الآية. PageV02P042 # قوله تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم "إلخ"، ~~الإحصار هو الحبس والمنع، والمراد الممنوعية عن الإتمام بسبب مرض أو عدو ~~بعد الشروع بالإحرام والاستيسار صيرورة الشيء يسيرا غير عسير كأنه يجلب ~~اليسر لنفسه، والهدي هو ما يقدمه الإنسان من النعم إلى غيره أو إلى محل ~~للتقرب به، وأصله من الهدية بمعنى التحفة أو من الهدى بمعنى الهداية التي ~~هي السوق إلى المقصود، والهدي والهدية كالتمر والتمرة، والمراد به ما يسوقه ~~الإنسان للتضحية به في حجه من النعم. # قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه "إلخ" الفاء للتفريع، ~~وتفريع هذا الحكم على النهي عن حلق الرأس يدل على أن المراد بالمرض هو خصوص ~~المرض الذي يتضرر فيه من ترك الشعر على الرأس من غير حلق، والإتيان بقوله: ~~أو به أذى من رأسه بلفظة أو الترديد يدل على أن المراد بالأذى ما ms0504 كان من ~~غير طريق المرض كالهوام فهو كناية عن التأذي من الهوام كالقمل على الرأس، ~~فهذان الأمران يجوزان الحلق مع الفدية بشيء من الخصال الثلاث: التي هي ~~الصيام، والصدقة، والنسك. # وقد وردت السنة أن الصيام ثلاثة أيام، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين، وأن ~~النسك شاة. # قوله تعالى: فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، تفريع على الإحصار، ~~أي إذا أمنتم المانع من مرض أو عدو أو غير ذلك فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، ~~أي تمتع بسبب العمرة من حيث ختمها والإحلال إلى زمان الإهلال بالحج فما ~~استيسر من الهدي، فالباء للسببية، وسببية العمرة للتمتع بما كان لا يجوز له ~~في حال الإحرام كالنساء والصيد ونحوهما من جهة تمامها بالإحلال. # قوله تعالى: فما استيسر من الهدي، ظاهر الآية أن ذلك نسك، لا جبران لما ~~فات منه من الإهلال بالحج من الميقات فإن ذلك أمر يحتاج إلى زيادة مئونة في ~~فهمه من الآية كما هو ظاهر. # فإن قيل: إن ترتب قوله: فما استيسر من الهدي، على قوله: فمن تمتع ترتب ~~الجزاء على الشرط مع أن اشتمال الشرط على لفظ التمتع مشعر بأن الهدي واقع ~~بإزاء التمتع الذي هو نوع تسهيل شرع له تخفيفا فهو جبران لذلك. # قلت: يدفعه قوله تعالى: بالعمرة، فإن ذلك يناسب التجويز للتمتع في أثناء ~~عمل واحد، ولا معنى للتسهيل حيث لا إحرام لتمام العمرة وعدم الإهلال بالحج ~~بعد، على أن هذا الاستشعار لو صح فإنما يتم به كون تشريع الهدي من أجل ~~تشريع التمتع بالعمرة إلى الحج لا كون الهدي جبرانا لما فاته من الإهلال ~~بالحج من الميقات دون مكة، وظاهر الآية كون قوله: فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي إخبارا عن تشريع التمتع لا إنشاء للتشريع فإنه ~~يجعل التمتع مفروغا عنه ثم يبنى عليه تشريع الهدي، ففرق بين قولنا: من تمتع ~~فعليه هدي وقولنا تمتعوا وسوقوا الهدي، وأما إنشاء تشريع التمتع فإنما ~~يتضمنه قوله: تعالى في ذيل الآية ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ms0505 المسجد الحرام. # قوله تعالى: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، جعل ~~الحج ظرفا للصيام باعتبار اتحاده مع زمان الاشتغال به ومكانه، فالزمان الذي ~~يعد زمانا للحج، وهو من زمان إحرام الحج إلى الرجوع، زمان الصيام ثلاثة ~~أيام، ولذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت أن وقت الصيام قبل يوم الأضحى ~~أو بعد أيام التشريق لمن لم يقدر على الصيام قبله وإلا فعند الرجوع إلى ~~وطنه، وظرف السبعة إنما هو بعد الرجوع فإن ذلك هو الظاهر من قوله: إذا ~~رجعتم، ولم يقل حين الرجوع على أن الالتفات من الغيبة إلى الحضور في قوله ~~إذا رجعتم لا يخلو عن إشعار بذلك. # قوله تعالى: تلك عشرة كاملة، أي الثلاثة والسبعة عشرة كاملة وفي جعل ~~السبعة مكملة للعشرة لا متممة دلالة على أن لكل من الثلاثة والسبعة حكما ~~مستقلا آخر على ما مر من معنى التمام والكمال في أول الآية فالثلاثة عمل ~~تام في نفسه، وإنما تتوقف على السبعة في كمالها لا تمامها. # قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، أي الحكم المتقدم ~~ذكره وهو التمتع بالعمرة إلى الحج لغير الحاضر، وهو الذي بينه وبين المسجد ~~الحرام. PageV02P043 # أكثر من اثني عشر ميلا على ما فسرته السنة، وأهل الرجل خاصته: من زوجته ~~وعياله، والتعبير عن النائي البعيد بأن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام ~~من ألطف التعبيرات، وفيه إيماء إلى حكمة التشريع وهو التخفيف والتسهيل، فإن ~~المسافر من البلاد النائية للحج، وهو عمل لا يخلو من الكد ومقاسات التعب ~~ووعثاء الطريق، لا يخلو عن الحاجة إلى السكن والراحة، والإنسان إنما يسكن ~~ويستريح عند أهله، وليس للنائي أهل عند المسجد الحرام، فبدله الله سبحانه ~~من التمتع بالعمرة إلى الحج والإهلال بالحج من المسجد الحرام من غير أن ~~يسير ثانيا إلى الميقات. # وقد عرفت: أن الجملة الدالة على تشريع المتعة إنما هي هذه الجملة أعني ~~قوله: ذلك لمن لم يكن "إلخ"، دون قوله: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، وهو ms0506 ~~كلام مطلق غير مقيد بوقت دون وقت ولا شخص دون شخص ولا حال دون حال. # قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب، التشديد البالغ في ~~هذا التذليل مع أن صدر الكلام لم يشتمل على أزيد من تشريع حكم في الحج ~~ينبىء عن أن المخاطبين كان المترقب من حالهم إنكار الحكم أو التوقف في ~~قبوله وكذلك كان الأمر فإن الحج خاصة من بين الأحكام المشرعة في الدين كان ~~موجودا بينهم من عصر إبراهيم الخليل معروفا عندهم معمولا به فيهم قد أنسته ~~نفوسهم وألفته قلوبهم وقد أمضاه الإسلام على ما كان تقريبا إلى آخر عهد ~~النبي فلم يكن تغيير وضعه أمرا هينا سهل القبول عندهم ولذلك قابلوه ~~بالإنكار وكان ذلك غير واقع في نفوس كثير منهم على ما يظهر من الروايات، ~~ولذلك اضطر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يخطبهم فيبين لهم أن ~~الحكم لله يحكم ما يشاء، وأنه حكم عام لا يستثني فيه أحد من نبي أو أمة ~~فهذا هو الموجب للتشديد الذي في آخر الآية بالأمر بالتقوى والتحذير عن عقاب ~~الله سبحانه. # قوله تعالى: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج إلى قوله: في الحج، أي ~~زمان الحج أشهر معلومات عند القوم وقد بينته السنة وهي: شوال وذو القعدة ~~وذو الحجة. # وكون زمان الحج من ذي الحجة بعض هذا الشهر دون كله لا ينافي عده شهرا ~~للحج فإنه من قبيل قولنا: زمان مجيئي إليك يوم الجمعة مع أن المجيء إنما هو ~~في بعضه دون جميعه. # وفي تكرار لفظ الحج ثلاث مرات في الآية على أنه من قبيل وضع الظاهر موضع ~~المضمر لطف الإيجاز فإن المراد بالحج الأول زمان الحج وبالحج الثاني نفس ~~العمل وبالثالث زمانه ومكانه، ولو لا الإظهار لم يكن بد من إطناب غير لازم ~~كما قيل. # وفرض الحج جعله فرضا على نفسه بالشروع فيه لقوله تعالى: وأتموا الحج ~~والعمرة لله الآية، والرفث كما مر مطلق التصريح بما يكنى عنه، والفسوق هو ~~الخروج عن الطاعة، ms0507 والجدال المراء في الكلام، لكن السنة فسرت الرفث ~~بالجماع، والفسوق بالكذب، والجدال بقول لا والله وبلى والله. # قوله تعالى: وما تفعلوا من خير يعلمه الله، تذكرة بأن الأعمال غير غائبة ~~عنه تعالى، ودعوة إلى التقوى لئلا يفقد المشتغل بطاعة الله روح الحضور ~~ومعنى العمل، وهذا دأب القرآن يبين أصول المعارف ويقص القصص ويذكر الشرائع ~~ويشفع البيان في جميعها بالعظة والوصية لئلا يفارق العلم العمل، فإن العلم ~~من غير عمل لا قيمة له في الإسلام، ولذلك ختم هذه الدعوة بقوله: واتقوني يا ~~أولي الألباب، بالعدول من الغيبة إلى التكلم الذي يدل على كمال الاهتمام ~~والاقتراب والتعين. # قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، هو نظير قوله تعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع" إلى أن قال: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله:" الجمعة - 10، فبدل البيع بالابتغاء من فضل الله فهو هو، ولذلك ~~فسرت السنة الابتغاء من الفضل في هذه الآية من البيع فدلت الآية على إباحة ~~البيع أثناء الحج. # قوله تعالى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ~~الإفاضة هي الصدور عن المكان جماعة فهي تدل على وقوف عرفات كما تدل على ~~الوقوف بالمشعر الحرام، وهي المزدلفة. # قوله تعالى: واذكروه كما هديكم "إلخ" أي واذكروه ذكرا يماثل هدايته إياكم ~~وأنكم كنتم من قبل هدايته إياكم لمن الضالين. PageV02P044 # قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ظاهره إيجاب الإفاضة على ما كان ~~من دأب الناس وإلحاق المخاطبين في هذا الشأن بهم فينطبق على ما نقل أن ~~قريشا وحلفاءها وهم الحمس كانوا لا يقفون بعرفات بل بالمزدلفة وكانوا ~~يقولون: نحن أهل حرم الله لا نفارق الحرم فأمرهم الله سبحانه بالإفاضه من ~~حيث أفاض الناس وهو عرفات. # وعلى هذا فذكر هذا الحكم بعد قوله: فإذا أفضتم من عرفات، بثم الدالة على ~~التأخير اعتبار للترتيب الذكري، والكلام بمنزلة الاستدراك، والمعنى أن ~~أحكام الحج هي التي ذكرت ms0508 غير أنه يجب عليكم في الإفاضة أن تفيضوا من عرفات ~~لا من المزدلفة، وربما قيل: إن في الآيتين تقديما وتأخيرا في التأليف، ~~والترتيب: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس. فإذا أفضتم من عرفات. # قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم إلى قوله: ذكرا، دعوة إلى ذكر الله ~~والبلاغ فيه بأن يذكره الناسك كذكره آباءه وأشد منه لأن نعمته في حقه وهي ~~نعمة الهداية كما ذكره بقوله تعالى: "واذكروه كما هديكم" أعظم من حق آبائه ~~عليه، وقد قيل: إن العرب كانت في الجاهلية إذا فرغت من الحج مكثت حينا في ~~منى فكانوا يتفاخرون بالآباء بالنظم والنثر فبدله الله تعالى من ذكره ~~كذكرهم أو أشد من ذكرهم، وأو في قوله أو أشد ذكرا، للإضراب فتفيد معنى بل، ~~وقد وصف الذكر بالشدة وهو أمر يقبل الشدة في الكيفية كما يقبل الكثرة في ~~الكمية قال تعالى: "واذكروا الله ذكرا كثيرا:" الأحزاب - 41، وقال تعالى: ~~"والذاكرين الله كثيرا:" الأحزاب - 35، فإن الذكر بحسب الحقيقة ليس مقصورا ~~في اللفظ، بل هو أمر يتعلق بالحضور القلبي واللفظ حاك عنه، فيمكن أن يتصف ~~بالكثرة من حيث الموارد بأن يذكر الله سبحانه في غالب الحالات كما قال ~~تعالى: "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم:" آل عمران - 191، وأن ~~يتصف بالشدة في مورد من الموارد، ولما كان المورد المستفاد من قوله تعالى: ~~فإذا قضيتم مناسككم، موردا يستوجب التلهي عنه تعالى ونسيانه كان الأنسب ~~توصيف الذكر الذي أمر به فيه بالشدة دون الكثرة كما هو ظاهر. # قوله تعالى: فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا "إلخ" تفريع على قوله ~~تعالى: فاذكروا الله كذكركم آباءكم، والناس مطلق، فالمراد به أفراد الإنسان ~~أعم من الكافر الذي لا يذكر إلا آباءه أي لا يبتغي إلا المفاخر الدنيوية ~~ولا يطلب إلا الدنيا ولا شغل له بالآخرة، ومن المؤمن الذي لا يريد إلا ما ~~عند الله سبحانه، ولو أراد من الدنيا شيئا لم يرد إلا ما يرتضيه له ربه، ~~وعلى هذا فالمراد بالقول والدعاء ما هو سؤال بلسان الحال ms0509 دون المقال، ويكون ~~معنى الآية أن من الناس من لا يريد إلا الدنيا ولا نصيب له في الآخرة ومنهم ~~من لا يريد إلا ما يرتضيه له ربه سواء في الدنيا أو في الآخرة ولهؤلاء نصيب ~~في الآخرة. # ومن هنا يظهر: وجه ذكر الحسنة في قول أهل الآخرة دون أهل الدنيا، وذلك أن ~~من يريد الدنيا لا يقيده بأن يكون حسنا عند الله سبحانه بل الدنيا وما هو ~~يتمتع به في الحياة الأرضية كلها حسنة عنده موافقة لهوى نفسه، وهذا بخلاف ~~من يريد ما عند الله سبحانه فإن ما في الدنيا وما في الآخرة ينقسم عنده إلى ~~حسنة وسيئة ولا يريد ولا يسأل ربه إلا الحسنة دون السيئة. # والمقابلة بين قوله: وما له في الآخرة من خلاق، وقوله: أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا، تعطي أن أعمال الطائفة الأولى باطلة حابطة بخلاف الثانية كما ~~قال تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا:" الفرقان - ~~23، وقال تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها": الأحقاف - 20، وقال تعالى: "فلا نقيم لهم ~~يوم القيمة وزنا": الكهف - 105. # قوله تعالى: والله سريع الحساب، اسم من أسماء الله الحسنى، وإطلاقه يدل ~~على شموله للدنيا والآخرة معا، فالحساب جار، كلما عمل عبد شيئا من الحسنات ~~أو غيرها آتاه الله الجزاء جزاء وفاقا. PageV02P045 # فالمحصل من معنى قوله: فمن الناس من يقول إلى آخر الآيات، أن اذكروا الله ~~تعالى فإن الناس على طائفتين: منهم من يريد الدنيا فلا يذكر غيرها ولا نصيب ~~له في الآخرة، ومنهم من يريد ما عند الله مما يرتضيه له وله نصيب من الآخرة ~~والله سريع الحساب يسرع في حساب ما يريده عبده فيعطيه كما يريد، فكونوا من ~~أهل النصيب بذكر الله ولا تكونوا ممن لا خلاق له بتركه ذكر ربه فتكونوا ~~قانطين آيسين. # قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات، الأيام المعدودات هي أيام ~~التشريق وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ~~والدليل على ms0510 أن هذه الأيام بعد العشرة من ذي الحجة ذكر الحكم بعد الفراغ عن ~~ذكر أعمال الحج، والدليل على كونها ثلاثة أيام قوله تعالى: فمن تعجل في ~~يومين "إلخ"، فإن التعجل في يومين إنما يكون إذا كانت الأيام ثلاثة، يوم ~~ينفر فيه، ويومان يتعجل فيهما فهي ثلاثة، وقد فسرت في الروايات بذلك أيضا. # قوله تعالى: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن ~~اتقى، لا نافية للجنس فقوله: لا إثم عليه في الموضعين ينفي جنس الإثم عن ~~الحاج ولم يقيد بشيء أصلا، ولو كان المراد لا إثم عليه في التعجل أو في ~~التأخر لكان من اللازم تقييده به، فالمعنى أن من أتم عمل الحج فهو مغفور لا ~~ذنب له سواء تعجل في يومين أو تأخر، ومن هنا يظهر: أن الآية ليست في مقام ~~بيان التخيير بين التأخر والتعجل للناسك، بل المراد بيان كون الذنوب مغفورة ~~للناسك على أي حال. # وأما قوله: لمن اتقى، فليس بيانا للتعجل والتأخر وإلا لكان حق الكلام أن ~~يقال: على من اتقى، بل الظاهر أن قوله: لمن اتقى نظير قوله تعالى: ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام الآية، والمراد أن هذا الحكم لمن اتقى ~~وأما من لم يتق فليس له، ومن اللازم أن يكون هذه التقوى تقوى مما نهى الله ~~سبحانه عنه في الحج واختصه به فيئول المعنى أن الحكم إنما هو لمن اتقى تروك ~~الإحرام أو بعضها أما من لم يتق فيجب أن يقيم بمنى ويذكر الله في أيام ~~معدودات، وقد ورد هذا المعنى في بعض ما روي عن أئمة أهل البيت كما سيجيء إن ~~شاء الله. # قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون، أمر بالتقوى في خاتمة ~~الكلام وتذكير بالحشر والبعث فإن التقوى لا تتم والمعصية لا تجتنب إلا مع ~~ذكر يوم الجزاء، قال تعالى: "إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب:" ص - 26. # وفي اختيار لفظ الحشر في قوله تعالى: أنكم ms0511 إليه تحشرون، مع ما في نسك ~~الحج من حشر الناس وجمعهم لطف ظاهر، وإشعار بأن الناسك ينبغي أن يذكر بهذا ~~الجمع والإفاضة يوما يحشر الله سبحانه الناس لا يغادر منهم أحدا. ### |||| AUTO بحث روائي # في التهذيب، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~وأتموا الحج والعمرة لله، قال: هما مفروضان. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام) قالوا: سألناهما عن قوله: وأتموا الحج والعمرة لله، ~~قالا: فإن تمام الحج أن لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: يعني بتمامهما ~~أداءهما، واتقاء ما يتقي المحرم فيهما. # أقول: والروايات غير منافية لما قدمناه من معنى الإتمام فإن فرضهما ~~وأداءهما هو إتمامهما. PageV02P046 # وفي الكافي، عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حين حج حجة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة ~~حتى أتى الشجرة وصلى بها ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهل ~~بالحج وساق مائة بدنة وأحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة ولا يدرون ما ~~المتعة، حتى إذا قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة طاف بالبيت ~~وطاف الناس معه ثم صلى ركعتين عند المقام واستلم الحجر، ثم قال: أبدأ بما ~~بدأ الله عز وجل به فأتى الصفا فبدأ بها ثم طاف بين الصفا والمروة سبعا، ~~فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيبا وأمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة، وهو ~~شيء أمر الله عز وجل به فأحل الناس، وقال رسول الله: لو كنت استقبلت من ~~أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم، ولم يكن يستطيع من أجل الهدي الذي معه، ~~إن الله عز وجل يقول: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، قال سراقة بن ~~جعثم الكناني: علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم، أرأيت هذا الذي أمرتنا به ~~لعامنا أو لكل عام؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ms0512 بل ~~للأبد، وإن رجلا قام فقال: يا رسول الله نخرج حجاجا ورءوسنا تقطر من ~~نسائنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنك لن تؤمن بها أبدا، ~~قال: (عليه السلام): وأقبل علي (عليه السلام) من اليمن حتى وافى الحج فوجد ~~فاطمة قد أحلت ووجد ريح الطيب فانطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مستفتيا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي بأي شيء ~~أهللت؟ فقال بما أهل به النبي، فقال: لا تحل أنت فأشركه في الهدي وجعل له ~~سبعا وثلاثين ونحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا وستين فنحرها ~~بيده ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر واحد ثم أمر به فطبخ فأكل منه ~~وحصا من المرق وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أكلنا الآن منه جميعا ~~والمتعة خير من القارن السائق وخير من الحاج المفرد، قال: وسألته: ليلا ~~أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أم نهارا؟ فقال نهارا، فقلت: أي ~~ساعة؟ قال: صلاة الظهر. # أقول: وقد روي هذا المعنى في المجمع وغيره. # وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام) قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فليس لأحد إلا أن ~~يتمتع لأن الله أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنة من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفي الكافي، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: فما استيسر من ~~الهدي شاة. # وفي الكافي، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في المتمتع لا يجد الشاة، ~~قال: يصوم قبل التروية بيوم التروية ويوم عرفة، قيل: فإنه قد قدم يوم ~~التروية؟ قال: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق، قيل: لم يقم عليه جماله؟ قال: ~~يصوم يوم الحصبة وبعده يومين، قيل: وما الحصبة؟ قال يوم نفرة، قيل يصوم وهو ~~مسافر؟ قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا؟ إنا أهل بيت نقول بذلك، يقول ~~الله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في الحج، يقول: ms0513 في ذي الحجة. # وروى الشيخ عن الصادق (عليه السلام) قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو ~~حاضري المسجد الحرام، وليس له متعة. # أقول: يعني أن ما دون المواقيت فساكنه يصدق عليه أنه من حاضري المسجد ~~الحرام وليس له متعة، والروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق أئمة أهل البيت. # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: الحج أشهر معلومات، ~~قال: الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وذو الحجة ليس لأحد أن يحج فيما سواهن. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: فمن فرض فيهن "إلخ"، ~~الفرض التلبية والإشعار والتقليد فأي ذلك فعل فقد فرض الحج. # وفي الكافي، عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: فلا رفث "إلخ"، الرفث ~~الجماع، والفسوق الكذب والسباب، والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: لا جناح ~~عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم الآية يعني الرزق فإذا أحل الرجل من إحرامه ~~وقضى فليشتر وليبع في الموسم. # أقول: ويقال: إنهم كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج فرفع الله ذلك بالآية. PageV02P047 # وفي المجمع، وقيل: معناه لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربكم، رواه ~~جابر عن أبي جعفر (عليه السلام). # أقول: وفيه تمسك بإطلاق الفضل وتطبيقه بأفضل الأفراد. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس الآية، قال: إن أهل الحرم كانوا يقفون على المشعر الحرام ~~ويقف الناس بعرفة ولا يفيضون حتى يطلع عليهم أهل عرفة، وكان رجل يكنى أبا ~~سيار وكان له حمار فاره، وكان يسبق أهل عرفة، فإذا طلع عليهم قالوا: هذا ~~أبو سيار ثم أفاضوا فأمرهم الله أن يقفوا بعرفة وأن يفيضوا منه. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، قال: رضوان الله والجنة في الآخرة، والسعة ~~في الرزق وحسن الخلق في الدنيا. # وعنه (عليه السلام) قال: رضوان الله ms0514 والتوسعة في المعيشة وحسن الصحبة، ~~وفي الآخرة الجنة. # وعن علي (عليه السلام): في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، ~~وعذاب النار امرأة السوء. # أقول: والروايات من قبيل عد المصداق والآية مطلقة، ولما كان رضوان الله ~~تعالى مما يمكن حصوله في الدنيا وظهوره التام في الآخرة صح أن يعد من حسنات ~~الدنيا كما في الرواية الأولى أو الآخرة كما في الرواية الثانية. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: واذكروا الله في ~~أيام معدودات الآية، قال: وهي أيام التشريق، وكانوا إذا أقاموا بمنى بعد ~~النحر تفاخروا فقال الرجل منهم: كان أبي يفعل كذا وكذا، فقال الله جل شأنه: ~~فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا، قال: ~~والتكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، ~~الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام. # وفيه، عنه (عليه السلام) قال: والتكبير في أيام التشريق من صلاة الظهر ~~يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث، وفي الأمصار يكبر عقيب عشر صلوات. # وفي الفقيه،: في قوله تعالى: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه الآية، سئل الصادق (عليه السلام) في هذه الآية فقال: ليس هو ~~على أن ذلك واسع إن شاء صنع ذا، لكنه يرجع مغفورا له لا ذنب له. # وفي تفسير العياشي، عنه (عليه السلام) قال: يرجع مغفورا له لا ذنب له لمن اتقى. # وفي الفقيه، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: لمن اتقى الآية، ~~قال: يتقي الصيد حتى ينفر أهل منى. # وعن الباقر (عليه السلام): لمن اتقى الرفث والفسوق والجدال وما حرم الله ~~في إحرامه. # وعنه أيضا: لمن اتقى الله عز وجل. # وعن الصادق (عليه السلام): لمن اتقى الكبائر. # أقول: قد عرفت ما يدل عليه الآية، ويمكن التمسك بعموم التقوى كما في ~~الروايتين الأخيرتين. ### |||| AUTO بحث روائي آخر # في الدر المنثور، أخرج البخاري والبيهقي عن ابن عباس: أنه سئل عن متعة ~~الحج ms0515 فقال أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا ~~والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى ~~يبلغ الهدي ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك ~~جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله: ~~فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~إلى أمصاركم والشاة تجزي فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله ~~أنزله في كتابه وسنة نبيه وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وأشهر الحج التي ذكر الله: شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم، والرفث الجماع، ~~والفسوق المعاصي، والجدال المراء. PageV02P048 # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر، قال: تمتع رسول ~~الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، ~~وبدأ رسول الله فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم ~~من لم يهد، فلما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة قال للناس: من ~~كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى ~~فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد ~~هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد وعطاء عن جابر: ~~قال: كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجا حتى إذا لم يكن بيننا وبين أن نحل ~~إلا ليال قلائل أمرنا بالإحلال، قلنا: أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر ~~منيا؟ ms0516 فبلغ ذلك رسول الله فقام خطيبا فقال: أبالله تعلمون أيها الناس؟ فأنا ~~والله أعلمكم بالله وأتقاكم له ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا ~~ولحللت كما أحلوا، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجع إلى أهله، ومن وجد هديا فلينحر فكنا ننحر الجزور عن سبعة، قال عطاء: ~~قال ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم يومئذ في أصحابه ~~غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عمران بن ~~حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنه حتى مات، ~~قال رجل برأيه ما شاء. # أقول: وقد رويت الرواية بألفاظ أخرى قريبة المعنى مما نقله في الدر ~~المنثور. # وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن النسائي، عن مطرف، قال: بعث إلي عمران ~~بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ~~ينفعك بها بعدي فإن عشت فاكتم علي وإن مت فحدث بها عني إني قد سلم علي ~~وأعلم أن نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمع بين حج وعمرة ثم لم ~~ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنه نبي الله، قال رجل فيها برأيه ما شاء. # وفي صحيح الترمذي، أيضا وزاد المعاد، لابن القيم: سئل عبد الله بن عمر عن ~~متعة الحج، قال: هي حلال فقال له السائل: إن أباك قد نهى عنها فقال: أرأيت ~~إن كان أبي نهى وصنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أأمر أبي تتبع ~~أم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال الرجل: بل أمر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لقد صنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي صحيح الترمذي، وسنن النسائي، وسنن البيهقي، وموطأ مالك، وكتاب ms0517 الأم ~~للشافعي، عن محمد بن عبد الله: أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام ~~حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك: ~~لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد بئسما قلت يا بن أخي، قال ~~الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك قال سعد: قد صنعها رسول الله ~~وصنعناها معه. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى، قال: قدمت ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بالبطحاء فقال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أهللت؟ قلت: أهللت بإهلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا، قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل فطفت ~~بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني رأسي وغسلت رأسي ~~فكنت أفتي الناس في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني ~~رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك فقلت: أيها ~~الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فيه ~~فأتموا فلما قدم قلت: ما ذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ قال: أن نأخذ بكتاب ~~الله فإن الله قال: وأتموا الحج والعمرة لله، وأن نأخذ بسنة نبينا (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لم يحل حتى نحر الهدي. PageV02P049 # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج مسلم عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر ~~بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها فذكر ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على ~~يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما قام ~~عمر قال: إن الله كان يحل لرسول الله ما شاء مما شاء وإن القرآن نزل منازله ~~فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم ~~وأتم لعمرتكم. # وفي مسند أحمد، عن أبي موسى أن عمر قال: هي سنة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يعني المتعة ولكني أخشى أن ms0518 يعرسوا بهن تحت الأراك ثم يروحوا بهن حجاجا. # وفي جمع الجوامع للسيوطي، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب نهى عن ~~المتعة في أشهر الحج وقال: فعلتها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأنا أنهى عنها وذلك أن أحدكم يأتي من أفق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا في ~~أشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ~~ويلبس ويتطيب ويقع على أهله إن كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهل ~~بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجه لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوما ~~والحج أفضل من العمرة، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الأراك مع أن ~~أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم. # وفي سنن البيهقي، عن مسلم عن أبي نضرة عن جابر، قال: قلت: إن ابن الزبير ~~ينهى عن المتعة وابن عباس يأمر به، قال على يدي جرى الحديث، تمتعنا مع رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع أبي بكر فلما ولي عمر خطب الناس، فقال: ~~إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الرسول والقرآن هذا القرآن ~~وأنهما كانتا متعتين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا ~~أنهى عنهما وأعاقب عليهما إحداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة ~~إلى أجل إلا غيبته بالحجارة والأخرى متعة الحج. # وفي سنن النسائي، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: والله إني لأنهاكم عن ~~المتعة وإنها لفي كتاب الله ولقد فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، يعني العمرة في الحج. # وفي الدر المنثور، أخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: كان عثمان ينهى ~~عن المتعة وكان علي يأمر بها فقال عثمان لعلي كلمة فقال علي (عليه السلام): ~~لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: ولكنا ~~كنا خائفين. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي ذر: كانت ms0519 المتعة ~~في الحج لأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج مسلم عن أبي ذر قال: لا تصلح المتعتان إلا ~~لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا لكنا اقتصرنا منها على ما له ~~دخل في غرضنا وهو البحث التفسيري عن نهيه، فإن هذا النهي ربما يبحث فيه من ~~جهة كون ناهيه محقا أو معذورا فيه وعدم كونه كذلك، وهو بحث كلامي خارج عن ~~غرضنا في هذا الكتاب. # وربما يبحث فيه من جهة اشتمال الروايات على الاستدلال على هذا المعنى بما ~~له تعلق بالكتاب أو السنة فترتبط بدلالة ظاهر الكتاب والسنة، وهو سنخ بحثنا ~~في هذا الكتاب. # فنقول: أما الاستدلال على النهي عن التمتع بأنه هو الذي يدل عليه قوله ~~تعالى وأتموا الحج والعمرة لله الآية وأن التمتع مما كان مختصا برسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدل عليه ما في رواية أبي نضرة عن جابر: أن ~~الله كان يحل لرسوله ما شاء مما شاء وأن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج ~~والعمرة كما أمركم الله، فقد عرفت: أن قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله ~~الآية لا يدل على أزيد من وجوب إتمام الحج والعمرة بعد فرضهما. # والدليل عليه قوله تعالى: فإن أحصرتم "إلخ"، وأما كون الآية دالة على ~~الإتمام بمعنى فصل العمرة من الحج، وأن عدم الفصل كان أمرا خاصا برسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة، أو به وبمن معه في تلك الحجة حجة الوداع ~~فدون إثباته خرط القتاد. # وفيه مع ذلك اعتراف بأن التمتع كان سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما في رواية النسائي عن ابن عباس من قوله والله إني لأنهاكم عن ~~المتعة إلى قوله: ولقد فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV02P050 # وأما الاستدلال عليه بأن في النهي أخذا بالكتاب أو السنة كما في رواية أبي ~~موسى من قوله: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله قال: وأتموا ms0520 الحج والعمرة لله ~~وإن نأخذ بسنة نبينا لم يحل حتى نحر الهدي انتهى، فقد عرفت أن الكتاب يدل ~~على خلافه، وأما إن ترك التمتع سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكونه ~~لم يحل حتى نحر الهدي ففيه: أولا: أنه مناقض لما نص به نفسه على ما يثبته ~~الروايات الأخر التي مر بعضها آنفا. # وثانيا: أن الروايات ناصة على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~صنعها، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بالعمرة وأهل ثانيا بالحج، وأنه ~~خطب وقال: أبالله تعلمون أيها الناس، ومن عجيب الدعوى في هذا المقام ما ~~ادعاه ابن تيمية أن حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حج قران ~~وأن المتعة كانت تطلق على حج القران!. # وثالثا: أن مجرد عدم حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله ليس إحراما للحج ولا ~~يثبت به ذلك، والآية أيضا تدل على أن سائق الهدي الذي حكمه عدم الحلق، إذا ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فهو متمتع لا محالة. # ورابعا: هب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بغير التمتع لكنه ~~أمر جميع أصحابه ومن معه بالتمتع، وكيف يمكن أن يعد ما شأنه هذا سنته؟ وهل ~~يمكن أن يتحقق أمر خص به رسول الله نفسه ويأمر أمته بغيره وينزل به الكتاب ~~ثم يكون بعد سنة متبعة بين الناس؟!. # وأما الاستدلال عليه بأن التمتع يوجب هيئة لا تلائم وضع الحاج ويورده ~~مورد الاستلذاذ بإتيان النساء واستعمال الطيب ولبس الفاخر من الثياب كما ~~يدل عليه ما في رواية أحمد عن أبي موسى: من قوله: ولكني أخشى أن يعرسوا بهن ~~تحت الأراك ثم يروحوا بهن حجاجا انتهى، وكما في بعض الروايات: قد علمت أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعله وأصحابه ولكني كرهت أن يعرسوا بهن في ~~الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم انتهى، ففيه أنه اجتهاد في مقابل ~~النص وقد نص الله ورسوله على الحكم، والله ورسوله أعلم بأن هذا الحكم يمكن ~~أن ms0521 يؤدي إلى ما كان يخشاه ويكرهه! ومن أعجب الأمر أن الآية التي تشرع هذا ~~الحكم يأتي في بيانها بعين المعنى الذي أظهر أنه يخشاه ويكرهه فقد قال ~~تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فهل التمتع إلا استيفاء الحظ من المتاع ~~والالتذاذ بطيبات النكاح واللباس وغيرهما؟ وهو الذي كان يخشاه ويكرهه!. # وأعجب منه: أن الأصحاب قد اعترضوا على الله ورسوله حين نزول الآية! وأمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمتع بعين ما جعله سببا للنهي حين ~~قالوا كما في رواية الدر المنثور، عن الحاكم عن جابر قلنا: أيروح أحدنا إلى ~~عرفة وفرجه يقطر منيا انتهى فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام ~~خطيبا ورد عليهم قولهم وأمرهم ثانيا بالتمتع كما فرضه عليهم أولا. # وأما الاستدلال عليه بأن التمتع يوجب تعطل أسواق مكة كما في رواية ~~السيوطي، عن سعيد بن المسيب: من قوله: مع أن أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع ~~وإنما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم انتهى. # ففيه أيضا: أنه اجتهاد في مقابل النص، على أن الله سبحانه يرد عليه في ~~نظير المسألة بقوله: "يا أيها الذين آمنوا إن المشركين نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شاء إن الله عليم حكيم:" التوبة - 28. # وأما الاستدلال عليه بأن تشريع التمتع لمكان الخوف فلا تمتع في غير حال ~~الخوف كما في رواية الدر المنثور، عن مسلم عن عبد الله بن شقيق: من قول ~~عثمان لعلي (عليه السلام) ولكنا كنا خائفين انتهى، وقد روي نظيره عن ابن ~~الزبير كما رواه في الدر المنثور، قال أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن الزبير أنه خطب فقال: يا أيها الناس والله ما التمتع بالعمرة ~~إلى الحج كما تصنعون، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحضره عدو أو مرض أو ~~كسر، أو يحبسه أمر حتى يذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة فيتمتع تحلة إلى ~~العام المقبل ثم يحج ويهدي هديا فهذا ms0522 التمتع بالعمرة إلى الحج الحديث. PageV02P051 # ففيه: أن الآية مطلقة تشمل الخائف وغيره فقد عرفت أن الجملة الدالة على ~~تشريع حكم التمتع هي قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~الآية دون قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية. # على أن جميع الروايات ناصة في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى ~~بحجه تمتعا، وأنه أهل بإهلالين للعمرة والحج. # وأما الاستدلال عليه: بأن التمتع كان مختصا بأصحاب النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كما في روايتي الدر المنثور، عن أبي ذر، فإن كان المراد ما ذكر ~~من استدلال عثمان وابن الزبير فقد عرفت جوابه، وإن كان المراد أنه كان حكما ~~خاصا لأصحاب النبي لا يشمل غيرهم، ففيه أنه مدفوع بإطلاق قوله تعالى: ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام الآية. # على أن إنكار بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الحكم ~~وتركهم له كعمر وعثمان وابن الزبير وأبي موسى ومعاوية وروي أن منهم أبا بكر ~~ينافي ذلك!. # وأما الاستدلال عليه بالولاية وأنه إنما نهى عنه بحق ولايته الأمر وقد ~~فرض الله طاعة أولي الأمر إذ قال "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم" الآية: النساء - 54، ففيه أن الولاية التي جعلها القرآن لأهلها لا ~~يشمل المورد. # بيان ذلك: أن الآيات قد تكاثرت على وجوب اتباع ما أنزله الله على رسوله ~~كقوله تعالى: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم:" الأعراف - 3، وما بينه رسول ~~الله مما شرعه هو بإذن الله تعالى كما يلوح من قوله تعالى: "ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله": التوبة - 29، وقوله تعالى: "ما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا:" الحشر - 7، فالمراد بالإيتاء الأمر بقرينة مقابلته ~~بقوله: وما نهيكم عنه، فيجب إطاعة الله ورسوله بامتثال الأوامر وانتهاء ~~النواهي، وكذلك الحكم والقضاء كما قال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون:" المائدة - 45، وفي موضع آخر "فأولئك هم الفاسقون:" ~~المائدة - 47، وفي موضع آخر "فأولئك هم الكافرون:" المائدة - 44، وقال ~~تعالى: "وما كان لمؤمن ms0523 ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا:" الأحزاب - 36، ~~وقال: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة:" القصص - 68، فإن ~~المراد بالاختيار هو القضاء والتشريع أو ما يعم ذلك، وقد نص القرآن على أنه ~~كتاب غير منسوخ وأن الأحكام باقية على ما هي عليها إلى يوم القيامة، قال ~~تعالى: "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد:" فصلت - 42، فالآية مطلقة تشمل نسخ الحكم فما شرعه الله ورسوله ~~أو قضى به الله ورسوله يجب اتباعه على الأمة، أولي الأمر فمن دونهم. # ومن هنا يظهر: أن قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم إنما يجعل لأولي الأمر حق الطاعة في غير الأحكام فهم ومن دونهم من ~~الأمة سواء في أنه يجب عليهم التحفظ لأحكام الله ورسوله بل هو عليهم أوجب، ~~فالذي يجب فيه طاعة أولي الأمر إنما هو ما يأمرون به وينهون عنه فيما يرون ~~صلاح الأمة فيه، من فعل أو ترك مع حفظ حكم الله في الواقعة. # فكما أن الواحد من الناس له أن يتغذى يوم كذا أو لا يتغذى مع جواز الأكل ~~له من مال نفسه وله أن يبيع ويشتري يوم كذا أو يمسك عنه مع كون البيع ~~حلالا، وله أن يترافع إلى الحاكم إذا نازعه أحد في ملكه، وله أن يعرض عن ~~الدفاع مع جواز الترافع، كل ذلك إذا رأى صلاح نفسه في ذلك مع بقاء الأحكام ~~على حالها، وليس له أن يشرب الخمر، ولا له أن يأخذ الربا، ولا له أن يغصب ~~مال غيره بإبطال ملكه وإن رأى صلاح نفسه في ذلك لأن ذلك كله يزاحم حكم الله ~~تعالى، هذا كله في التصرف الشخصي، كذلك ولي الأمر له أن يتصرف في الأمور ~~العامة على طبق المصالح الكلية مع حفظ الأحكام الإلهية على ما هي عليها، ~~فيدافع عن ثغور الإسلام حينا، ويمسك عن ذلك حينا، ms0524 على حسب ما يشخصه من ~~المصالح العامة، أو يأمر بالتعطيل العمومي أو الإنفاق العمومي يوما إلى غير ~~ذلك بحسب ما يراه من المصلحة. PageV02P052 # وبالجملة كل ما للواحد من المسلمين أن يتصرف فيه بحسب صلاح شخصه مع التحفظ ~~على حكم الله سبحانه في الواقعة فلوالي الأمر من قبل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يتصرف فيه بحسب الصلاح العام العائد إلى حال المسلمين ~~مع التحفظ بحكم الله سبحانه في الواقعة. # ولو جاز لولي الأمر أن يتصرف في الحكم التشريعي تكليفا أو وضعا بحسب ما ~~يراه من صلاح الوقت لم يقم حكم على ساق، ولم يكن لاستمرار الشريعة إلى يوم ~~القيامة معنى البتة، فما الفرق بين أن يقول قائل: إن حكم التمتع من طيبات ~~الحياة لا يلائم هيئة النسك والعبادة من الناسك فيلزم تركه، وبين أن يقول ~~القائل: إن إباحة الاسترقاق لا تناسب وضع الدنيا الحاضرة القاضية بالحرية ~~العامة فيلزم إهمالها، أو إن إجراء الحدود مما لا تهضمه الإنسانية الراقية ~~اليوم، والقوانين الجارية في العالم اليوم لا تقبله فيجب تعطيله؟! وقد يفهم ~~هذا المعنى من بعض الروايات في الباب كما في الدر المنثور،: أخرج إسحاق بن ~~راعويه في مسنده، وأحمد عن الحسن: أن عمر بن الخطاب هم أن ينهى عن متعة ~~الحج فقام إليه أبي بن كعب، فقال: ليس ذلك لك قد نزل بها كتاب الله ~~واعتمرنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزل عمر. PageV02P053 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 204 - 207 # ومن الناس من يعجبك قوله فى الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه ~~جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله ~~رءوف بالعباد (207) ### |||| AUTO بيان # تشتمل الآيات على تقسيم آخر للناس من حيث نتائج صفاتهم كما أن الآيات ~~السابقة أعني قوله تعالى: فمن الناس من يقول ms0525 ربنا آتنا في الدنيا "إلخ"، ~~تشتمل على تقسيم لهم غير أن تلك الآيات تقسمهم من حيث طلب الدنيا أو ~~الآخرة، وهذه الآيات تقسمهم من حيث النفاق والخلوص في الإيمان فمناسبة ~~الآيات مع آيات حج التمتع ظاهرة. # قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا "إلخ"، أعجبه ~~الشيء - أي راقه وسره، وقوله: في الحياة الدنيا، متعلق بقوله: يعجبك، أي إن ~~الإعجاب في الدنيا من جهة أن هذه الحياة نوع حياة لا تحكم إلا على الظاهر، ~~وأما الباطن والسريرة فتحت الستر ووراء الحجاب، لا يشاهده الإنسان وهو ~~متعلق الحياة بالدنيا إلا أن يستكشف شيئا من أمر الباطن من طريق الآثار ~~ويناسبه ما يتلوه: من قوله تعالى: ويشهد الله على ما في قلبه، والمعنى أنه ~~يتكلم بما يعجبك كلامه، من ما يشير به إلى رعاية جانب الحق، والعناية بصلاح ~~الخلق، وتقدم الدين والأمة وهو أشد الخصماء للحق خصومة وقوله: ألد، أفعل ~~التفضيل من لد لدودا إذا اشتد خصومة، والخصام جمع خصم كصعب وصعاب وكعب ~~وكعاب، وقيل: الخصام مصدر، ومعنى ألد الخصام أشد خصومة. # قوله تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها "إلخ"، التولي هو تملك ~~الولاية والسلطان، ويؤيده قوله تعالى في الآية التالية: أخذته العزة ~~بالإثم، الدال على أن له عزة مكتسبة بالإثم الذي يأثم به قلبه غير الموافق ~~للسانه، والسعي هو العمل والإسراع في المشي، فالمعنى وإذا تمكن هذا المنافق ~~الشديد الخصومة من العمل وأوتي سلطانا وتولى أمر الناس سعى في الأرض ليفسد ~~فيها، ويمكن أن يكون التولي بمعنى الإعراض عن المخاطبة والمواجهة، أي إذا ~~خرج من عندك كانت غيبته مخالفة لحضوره، وتبدل ما كان يظهره من طلب الصلاح ~~والخير إلى السعي في الأرض لأجل الفساد والإفساد. # قوله تعالى: ويهلك الحرث والنسل، ظاهره أنه بيان لقوله تعالى: ليفسد فيها ~~أي يفسد فيها بإهلاك الحرث والنسل، ولما كان قوام النوع الإنساني من حيث ~~الحياة والبقاء بالتغذي والتوليد فهما الركنان القويمان اللذان لا غناء ~~عنهما للنوع في حال: أما التوليد فظاهر، ms0526 وأما التغذي فإنما يركن الإنسان ~~فيه إلى الحيوان والنبات، والحيوان يركن إلى النبات، فالنبات هو الأصل ~~ويستحفظ بالحرث وهو تربية النبات، فلذلك علق الفساد على الحرث والنسل ~~فالمعنى أنه يفسد في الأرض بإفناء الإنسان وإبادة هذا النوع بإهلاك الحرث ~~والنسل. # قوله تعالى: والله لا يحب الفساد المراد، بالفساد ليس ما هو فساد في ~~الكون والوجود الفساد التكويني فإن النشأة نشأة الكون والفساد، وعالم ~~التنازع في البقاء ولا كون إلا بفساد، ولا حياة إلا بموت، وهما متعانقان في ~~هذا الوجود الطبيعي في النشأة الطبيعية، وحاشا أن يبغض الله سبحانه ما هو ~~مقدره وقاضيه. # وإنما هو الفساد المتعلق بالتشريع فإن الله إنما شرع ما شرعه من الدين ~~ليصلح به أعمال عباده فيصلح أخلاقهم وملكات نفوسهم فيعتدل بذلك حال ~~الإنسانية والجامعة البشرية، وعند ذلك تسعد حياتهم في الدنيا وحياتهم في ~~الآخرة على ما سيجيء بيانه في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة. PageV02P054 # فهذا الذي يخالف ظاهر قوله باطن قلبه إذا سعى في الأرض بالفساد فإنما يفسد ~~بما ظاهره الإصلاح بتحريف الكلمة عن موضعها، وتغيير حكم الله عما هو عليه، ~~والتصرف في التعاليم الدينية، بما يؤدي إلى فساد الأخلاق واختلاف الكلمة، ~~وفي ذلك موت الدين، وفناء الإنسانية، وفساد الدنيا، وقد صدق هذه الآيات ما ~~جرى عليه التاريخ من ولاية رجال وركوبهم أكتاف هذه الأمة الإسلامية، ~~وتصرفهم في أمر الدين والدنيا بما لم يستعقب للدين إلا وبالا، وللمسلمين ~~إلا انحطاطا، وللأمة إلا اختلافا، فلم يلبث الدين حتى صار لعبة لكل لاعب، ~~ولا الإنسانية إلا خطفة لكل خاطف، فنتيجة هذا السعي فساد الأرض، وذلك بهلاك ~~الدين أولا، وهلاك الإنسانية ثانيا، ولهذا فسر قوله ويهلك الحرث والنسل في ~~بعض الروايات بهلاك الدين والإنسانية كما سيأتي إن شاء الله. # قوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد، العزة معروفة، والمهاد الوطاء، والظاهر أن قوله: بالإثم متعلق ~~بالعزة، والمعنى أنه إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة الظاهرة التي اكتسبها ~~بالإثم والنفاق المستبطن في ms0527 نفسه، وذلك أن العزة المطلقة إنما هي من الله ~~سبحانه كما قال تعالى: "تعز من تشاء وتذل من تشاء:" آل عمران - 26، وقال ~~تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين:" المنافقين - 8، وقال تعالى: ~~"أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا:" النساء - 139. # وحاشا أن ينسب تعالى شيئا إلى نفسه ويختصه بإعطائه ثم يستعقب إثما أو شرا ~~فهذه العزة إنما هي عزة يحسبها الجاهل بحقيقة الأمر عزة بحسب ظاهر الحياة ~~الدنيا لا عزة حقيقية أعطاها الله سبحانه لصاحبها. # ومن هنا يظهر أن قوله: بالإثم ليس متعلقا بقوله: أخذته، بأن يكون الباء ~~للتعدية، والمعنى حملته العزة على الإثم ورد الأمر بالتقوى، وتجيبه الأمر ~~بما يسوؤه من القول، أو يكون الباء للسببية، والمعنى ظهرت فيه العزة ~~والمناعة بسبب الإثم الذي اكتسبه، وذلك أن إطلاق العزة على هذه الحالة ~~النفسانية وتسميته بالعزة يستلزم إمضاءها والتصديق منه تعالى بأنها عزة ~~حقيقية وليست بها، بخلاف ما لو سميت عزة بالإثم. # وأما قوله تعالى: "بل الذين كفروا في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن فنادوا ولات حين مناص:" ص - 2، فليس من قبيل التسمية والإمضاء لكون ~~العزة نكرة مع تعقيب الآية بقوله: كم أهلكنا من قبلهم "إلخ"، فهي هناك عزة ~~صورية غير باقية ولا أصيلة. PageV02P055 # قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "إلخ"، مقابلته مع ~~قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله "إلخ"، يفيد أن الوصف مقابل الوصف أي ~~كما أن المراد من قوله: ومن الناس من يعجبك، بيان أن هناك رجلا معتزا بإثمه ~~معجبا بنفسه متظاهرا بالإصلاح مضمرا للنفاق لا يعود منه إلى حال الدين ~~والإنسانية إلا الفساد والهلاك كذلك المراد من قوله: ومن الناس من يشري ~~نفسه "إلخ"، بيان أن هناك رجلا آخر باع نفسه من الله سبحانه لا يريد إلا ما ~~أراده الله تعالى لا هوى له في نفسه ولا اعتزاز له إلا بربه ولا ابتغاء له ~~إلا لمرضاة الله تعالى، فيصلح به أمر الدين والدنيا، ويحيى به الحق، ويطيب ~~به عيش الإنسانية، ويدر ms0528 به ضرع الإسلام، وبذلك يظهر ارتباط الذيل بالصدر ~~أعني قوله تعالى: والله رءوف بالعباد، بما قبله، فإن وجود إنسان هذه صفته ~~من رأفة الله سبحانه بعباده إذ لو لا رجال هذه صفاتهم بين الناس في مقابل ~~رجال آخرين صفتهم ما ذكر من النفاق والإفساد لانهدمت أركان الدين، ولم ~~تستقر من بناء الصلاح والرشاد لبنة على لبنة، لكن الله سبحانه لا يزال يزهق ~~ذاك الباطل بهذا الحق ويتدارك إفساد أعدائه بإصلاح أوليائه كما قال تعالى: ~~"ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض:" البقرة - 251، وقال ~~تعالى: "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ~~يذكر فيها اسم الله كثيرا:" الحج - 40، وقال تعالى: "فإن يكفر بها هؤلاء ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين:" الأنعام - 89، فالفساد الطارىء على ~~الدين والدنيا من قبل عدة ممن لا هوى له إلا في نفسه لا يمكن سد ثلمته إلا ~~بالصلاح الفائض من قبل آخرين ممن باع نفسه من الله سبحانه، ولا هوى له إلا ~~في ربه، وإصلاح الأرض ومن عليها، وقد ذكر هذه المعاملة الرابية عند الله ~~بقوله تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به:" التوبة ~~- 111، إلى غير ذلك من الآيات. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، عن السدي: في قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك الآية، ~~أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف لبني زهرة، أقبل إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) المدينة وقال: جئت أريد الإسلام ويعلم الله إني لصادق ~~فأعجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك منه فذلك قوله تعالى: ويشهد ~~الله على ما في قلبه، ثم خرج من عند النبي فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر ~~فأحرق الزرع وعقر الحمر فأنزل الله: وإذا تولى سعى في الأرض الآية. # وفي المجمع، عن ابن عباس: نزلت الآيات الثلاثة في ms0529 المرائي لأنه يظهر خلاف ~~ما يبطن، قال: وهو المروي عن الصادق (عليه السلام). # أقول: ولكنه غير منطبق على ظاهر الآيات. # وفي بعض الروايات عن أئمة أهل البيت أنها من الآيات النازلة في أعدائهم. # وفي المجمع، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ويهلك الحرث ~~والنسل: أن المراد بالحرث هاهنا الدين، والنسل الإنسان. # أقول: وقد مر بيانه، وقد روي: أن المراد بالحرث الذرية والزرع، والأمر في ~~التطبيق سهل. # وفي أمالي الشيخ، عن علي بن الحسين (عليهما السلام): في قوله تعالى: ومن ~~الناس من يشري نفسه الآية، قال: نزلت في علي (عليه السلام) حين بات على ~~فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أقول: وقد تكاثرت الروايات من ~~طرق الفريقين أنها نزلت في شأن ليلة الفراش، ورواه في تفسير البرهان، بخمس ~~طرق عن الثعلبي وغيره. PageV02P056 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا ولا ~~مال لك وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت ~~لكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم فدفعت إليهم مالي فخلوا عني فخرجت حتى قدمت ~~المدينة فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ربح البيع صهيب ~~مرتين: أقول: ورواه بطرق أخرى في بعضها ونزلت: ومن الناس من يشري نفسه ~~الآية، وفي بعضها نزلت في صهيب وأبي ذر بشرائهما أنفسهما بأموالهما وقد مر ~~أن الآية لا تلائم كون المراد بالشراء الاشتراء. # وفي المجمع، عن علي (عليه السلام): أن المراد بالآية الرجل يقتل على ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # أقول: وهو بيان لعموم الآية ولا ينافي كون النزول لشأن خاص. PageV02P057 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 208 - 210 # يأيها الذين ءامنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوت الشيطن إنه لكم ~~عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينت فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم (209) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ms0530 والملئكة وقضى ~~الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) ### |||| AUTO بيان # هذه الآيات وهي قوله: يا أيها الذين آمنوا إلى قوله: ألا إن نصر الله ~~قريب الآية سبع آيات كاملة تبين طريق التحفظ على الوحدة الدينية في الجامعة ~~الإنسانية وهو الدخول في السلم والقصر على ما ذكره الله من القول وما أراه ~~من طريق العمل، وأنه لم ينفصم وحدة الدين، ولا ارتحلت سعادة الدارين، ولا ~~حلت الهلكة دار قوم إلا بالخروج عن السلم، والتصرف في آيات الله تعالى ~~بتغييرها ووضعها في غير موضعها، شوهد ذلك في بني إسرائيل وغيرهم من الأمم ~~الغابرة وسيجري نظيرها في هذه الأمة لكن الله يعدهم بالنصر: ألا إن نصر ~~الله قريب. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، السلم والإسلام ~~والتسليم واحدة، وكافة كلمة تأكيد بمعنى جميعا، ولما كان الخطاب للمؤمنين ~~وقد أمروا بالدخول في السلم كافة، فهو أمر متعلق بالمجموع وبكل واحد من ~~أجزائه، فيجب ذلك على كل مؤمن، ويجب على الجميع أيضا أن لا يختلفوا في ذلك ~~ويسلموا الأمر لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأيضا الخطاب ~~للمؤمنين خاصة فالسلم المدعو إليه هو التسليم لله سبحانه بعد الإيمان به ~~فيجب على المؤمنين أن يسلموا الأمر إليه، ولا يذعنوا لأنفسهم صلاحا ~~باستبداد من الرأي، ولا يضعوا لأنفسهم من عند أنفسهم طريقا يسلكونه من دون ~~أن يبينه الله ورسوله، فما هلك قوم إلا باتباع الهوى والقول بغير العلم، ~~ولم يسلب حق الحياة وسعادة الجد عن قوم إلا عن اختلاف. # ومن هنا ظهر: أن المراد من اتباع خطوات الشيطان ليس اتباعه في جميع ما ~~يدعو إليه من الباطل بل اتباعه فيما يدعو إليه من أمر الدين بأن يزين شيئا ~~من طرق الباطل بزينة الحق ويسمي ما ليس من الدين باسم الدين فيأخذ به ~~الإنسان من غير علم، وعلامة ذلك عدم ذكر الله ورسوله إياه في ضمن التعاليم ~~الدينية. # وخصوصيات سياق الكلام وقيوده تدل على ذلك أيضا: فإن الخطوات إنما تكون في ~~طريق مسلوك، وإذا ms0531 كان سالكه هو المؤمن، وطريقه إنما هو طريق الإيمان فهو ~~طريق شيطاني في الإيمان، وإذا كان الواجب على المؤمن هو الدخول في السلم ~~فالطريق الذي يسلكه من غير سلم من خطوات الشيطان، واتباعه اتباع خطوات ~~الشيطان. # فالآية نظيرة قوله تعالى: "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون:" البقرة - 169 وقد مر الكلام في الآية، ~~وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات ~~الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر:" النور - 21، وقوله تعالى: كلوا مما ~~رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين:" الأنعام - 142، ~~والفرق بين هذه الآية وبين تلك أن الدعوة في هذه موجهة إلى الجماعة لمكان ~~قوله تعالى: كافة بخلاف تلك الآيات فهي عامة، فهذه الآية في معنى قوله ~~تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا:" آل عمران - 103، وقوله ~~تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله:" الأنعام - 153، ويستفاد من الآية أن الإسلام متكفل لجميع ما يحتاج ~~إليه الناس من الأحكام والمعارف التي فيه صلاح الناس. # قوله تعالى: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات، الزلة هي العثرة، ~~والمعنى فإن لم تدخلوا في السلم كافة وزللتم والزلة هي اتباع خطوات الشيطان ~~فاعلموا أن الله عزيز غير مغلوب في أمره، حكيم لا يتعدى عما تقتضيه حكمته ~~من القضاء في شأنكم فيقضي فيكم ما تقتضيه حكمته، ويجريه فيكم من غير أن ~~يمنع عنه مانع. PageV02P058 # قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "إلخ"، الظلل ~~جمع ظلة وهي ما يستظل به، وظاهر الآية أن الملائكة عطف على لفظ الجلالة، ~~وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة وتبديل خطابهم بخطاب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالإعراض عن مخاطبتهم بأن هؤلاء حالهم حال من ينتظر ~~ما أوعدناهم به من القضاء على طبق ما يختارونه من اتباع خطوات ms0532 الشيطان ~~والاختلاف والتمزق، وذلك بأن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ~~ويقضي الأمر من حيث لا يشعرون، أو بحيث لا يعبأ بهم وبما يقعون فيه من ~~الهلاك، وإلى الله ترجع الأمور، فلا مفر من حكمه وقضائه، فالسياق يقتضي أن ~~يكون قوله: هل ينظرون، هو الوعيد الذي أوعدهم به في قوله تعالى في الآية ~~السابقة فاعلموا أن الله عزيز حكيم. # ثم إن من الضروري الثابت بالضرورة من الكتاب والسنة أن الله سبحانه ~~وتعالى لا يوصف بصفة الأجسام، ولا ينعت بنعوت الممكنات مما يقضي بالحدوث، ~~ويلازم الفقر والحاجة والنقص، فقد قال تعالى: "ليس كمثله شيء:" الشورى - ~~11، وقال تعالى: "والله هو الغني:" الفاطر - 15، وقال تعالى: "الله خالق كل ~~شيء:" الزمر - 62، إلى غير ذلك من الآيات، وهي آيات محكمات ترجع إليها ~~متشابهات القرآن، فما ورد من الآيات وظاهرها إسناد شيء من الصفات أو ~~الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها، ويفهم منها معنى من ~~المعاني لا ينافي صفاته العليا وأسماءه الحسنى تبارك وتعالى، فالآيات ~~المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه تعالى كقوله تعالى: "وجاء ربك ~~والملك صفا صفا:" الفجر - 22، وقوله تعالى: "فأتيهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا:" الحشر - 2، وقوله تعالى: "فأتى الله بنيانهم من القواعد:" النحل ~~- 26، كل ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدست أسماؤه كالإحاطة ونحوها ~~ولو مجازا، وعلى هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى: إن يأتيهم الله ~~الإحاطة بهم للقضاء في حقهم. # على أنا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النسب ~~وفعلا من الأفعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط فربما نسبها إلى نفسه ~~وربما نسبها إلى أمره كقوله تعالى: "الله يتوفى الأنفس:" الزمر - 42، وقوله ~~تعالى: "يتوفيكم ملك الموت:" السجدة - 11، وقوله تعالى: "توفته رسلنا:" ~~الأنعام - 61، فنسب التوفي تارة إلى نفسه، وتارة إلى الملائكة ثم قال ~~تعالى: في أمر الملائكة: "بأمره يعملون:" الأنبياء - 27، وكذلك قوله تعالى: ~~إن ربك يقضي بينهم:" يونس - 93، وقوله تعالى: "فإذا جاء أمر الله قضي ~~بالحق:" المؤمن - 78، وكما في هذه الآية: أن ms0533 يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~الآية، وقوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك:" ~~النحل - 33. # وهذا يوجب صحة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم ~~كبرياء ذاته تعالى نظير: جاء ربك، ويأتيهم الله، فالتقدير جاء أمر ربك ~~ويأتيهم أمر الله. # فهذا هو الذي يوجبه البحث الساذج في معنى هذه النسب على ما يراه جمهور ~~المفسرين لكن التدبر في كلامه تعالى يعطي لهذه النسب معنى أرق وألطف من ~~ذلك، وذلك أن أمثال قوله تعالى: "والله هو الغني:" الفاطر - 15، وقوله ~~تعالى: "العزيز الوهاب:" ص - 9، وقوله "تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:" طه ~~- 50، تفيد أنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشئونها وأطوارها، مليء بما ~~يهبه ويجود به وإن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادة وأحكامها ~~الجسمانية يصعب عليها تصور كيفية اتصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من ~~الصفات ونسبته إليه تعالى، لكن هذه المعاني إذا جردت عن قيود المادة وأوصاف ~~الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور فالنقص والحاجة هو الملاك في سلب ~~معنى من المعاني عنه تعالى، فإذا لم يصاحب المعنى نقصا وحاجة لتجريده عنه ~~صح إسناده إليه تعالى بل وجب ذلك لأن كل ما يقع عليه اسم شيء فهو منه تعالى ~~بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته. PageV02P059 # فالمجيء والإتيان الذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة ~~واقترابه منه إذا جرد عن خصوصية المادة كان هو حصول القرب، وارتفاع المانع ~~والحاجز بين شيئين من جهة من الجهات، وحينئذ صح إسناده إليه تعالى حقيقة من ~~غير مجاز: فإتيانه تعالى إليهم ارتفاع الموانع بينهم وبين قضائه فيهم، وهذه ~~من الحقائق القرآنية التي لم يوفق الأبحاث البرهانية لنيله إلا بعد إمعان ~~في السير، وركوبها كل سهل ووعر، وإثبات التشكيك في الحقيقة الوجودية ~~الأصيلة. # وكيف كان فهذه الآية تتضمن الوعيد الذي ينبىء عنه قوله سبحانه في الآية ~~السابقة: إن الله عزيز حكيم، ومن الممكن أن يكون وعيدا بما سيستقبل ms0534 القوم ~~في الآخرة يوم القيامة كما هو ظاهر قوله تعالى في نظير الآية: "هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك:" النحل - 33، ومن الممكن أن يكون ~~وعيدا بأمر متوقع الحصول في الدنيا كما يظهر بالرجوع إلى ما في سورة يونس ~~بعد قوله تعالى: "ولكل أمة رسول:" يونس - 47، وما في سورة الروم بعد قوله ~~تعالى: "وأقم وجهك للدين حنيفا:" الروم - 30، وما في سورة الأنبياء وغيرها ~~على أن الآخرة آجلة هذه العاجلة وظهور تام لما في هذه الدنيا، ومن الممكن ~~أيضا أن يكون وعيدا بما سيقع في الدنيا والآخرة معا، وكيف كان فقوله في ظلل ~~من الغمام يشتمل من المعنى على ما يناسب مورده. # قوله تعالى: وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور، السكوت عن ذكر فاعل ~~القضاء، وهو الله سبحانه كما يدل عليه قوله: وإلى الله ترجع الأمور، لإظهار ~~الكبرياء على ما يفعله الأعاظم في الأخبار عن وقوع أحكامهم وصدور أوامرهم ~~وهو كثير في القرآن. ### |||| AUTO بحث روائي # قد تقدم في قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~الآية عدة روايات تؤيد ما ذكرناه من معنى اتباع خطوات الشيطان فارجع، وفي ~~بعض الروايات أن السلم هو الولاية وهو من الجري على ما مر مرارا في نظائره. # وفي التوحيد، والمعاني، عن الرضا (عليه السلام): في قوله تعالى: "هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" قال: يقول: هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام وهكذا نزلت، وعن قول الله عز وجل. ~~"وجاء ربك والملك" صفا صفا قال: إن الله عز وجل لا يوصف بالمجيء والذهاب، ~~تعالى عن الانتقال وإنما يعني به وجاء أمر ربك والملك صفا صفا. # أقول: قوله (عليه السلام) يقول هل ينظرون، معناه يريد هل ينظرون فهو ~~تفسير للآية وليس من قبيل القراءة. # والمعنى الذي ذكره هو بعينه ما قربناه من كون المراد بإتيانه تعالى إتيان ~~أمره فإن الملائكة إنما تعمل ما تعمل وتنزل حين تنزل بالأمر، قال تعالى: ms0535 ~~"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون:" الأنبياء - 27، وقال ~~تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره:" النحل - 2. # وهاهنا معنى آخر احتمله بعضهم وهو أن يكون الاستفهام الإنكاري في قوله: ~~هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله "إلخ"، لإنكار مجموع الجملة لا لإنكار ~~المدخول فقط، والمعنى أن هؤلاء لا ينتظرون إلا أمرا محالا وهو: أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام كما يأتي الجسم إلى الجسم ويأتي معه الملائكة ~~فيأمرهم وينهاهم وهو محال، فهو كناية عن استحالة تقويمهم بهذه المواعظ ~~والتنبيهات، وفيه: أنه لا يلائم ما مر: أن الآيات ذات سياق واحد ولازمه أن ~~يكون الكلام متوجها إلى حال المؤمنين، والمؤمنون لا يلائم حالهم مثل هذا ~~البيان، على أن الكلام لو كان مسوقا لإفادة ذلك لم يخل من الرد عليهم كما ~~هو دأب القرآن في أمثال ذلك كقوله تعالى: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو ~~لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا ~~كبيرا: الفرقان - 21، وقوله تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه:" ~~الأنبياء - 26. # على أنه لم يكن حينئذ وجه لقوله تعالى: في ظلل من الغمام، ولا نكتة ظاهرة ~~لبقية الكلام وهو ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي آخر # اعلم أنه ورد عن أئمة أهل البيت تفسير الآية بيوم القيامة كما في تفسير ~~العياشي، عن الباقر (عليه السلام)، وتفسيرها بالرجعة كما رواه الصدوق عن ~~الصادق (عليه السلام)، وتفسيرها بظهور المهدي (عليه السلام) كما رواه ~~العياشي في تفسيره، عن الباقر (عليه السلام) بطريقين. PageV02P060 # ونظائره كثيرة فإذا تصفحت وجدت شيئا كثيرا من الآيات ورد تفسيرها عن أئمة ~~أهل البيت تارة بالقيامة وأخرى بالرجعة وثالثة بالظهور، وليس ذلك إلا لوحدة ~~وسنخية بين هذه المعاني، والناس لما لم يبحثوا عن حقيقة يوم القيامة ولم ~~يستفرغوا الوسع في الكشف عما يعطيه القرآن من هوية هذا اليوم العظيم تفرقوا ~~في أمر هذه الروايات، فمنهم من طرح هذه الروايات، وهي مات وربما زادت على ~~خمسمائة رواية في أبواب متفرقة، ومنهم من أولها على ظهورها وصراحتها، ومنهم ms0536 ~~- وهم أمثل طريقة - من ينقلها ويقف عليها من غير بحث. # وغير الشيعة وهم عامة المسلمين وإن أذعنوا بظهور المهدي ورووه بطرق ~~متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنهم أنكروا الرجعة وعدوا ~~القول بها من مختصات الشيعة، وربما لحق بهم في هذه الأعصار بعض المنتسبين ~~إلى الشيعة، وعد ذلك من الدس الذي عمله اليهود وبعض المتظاهرين بالإسلام ~~كعبد الله بن سبإ وأصحابه، وبعضهم رام إبطال الرجعة بما زعمه من الدليل ~~العقلي فقال: ما حاصله: "أن الموت بحسب العناية الإلهية لا يطرأ على حي حتى ~~يستكمل كمال الحياة ويخرج من القوة إلى الفعل في كل ما له من الكمال فرجوعه ~~إلى الدنيا بعد موته رجوع إلى القوة وهو بالفعل، هذا محال إلا أن يخبر به ~~مخبر صادق وهو الله سبحانه أو خليفة من خلفائه كما أخبر به في قصص موسى ~~وعيسى وإبراهيم (عليهما السلام) وغيرهم. # ولم يرد منه تعالى ولا منهم في أمر الرجعة شيء وما يتمسك به المثبتون غير ~~تام، ثم أخذ في تضعيف الروايات فلم يدع منها صحيحة ولا سقيمة، هذا. # ولم يدر هذا المسكين أن دليله هذا لو تم دليلا عقليا أبطل صدره ذيله فما ~~كان محالا ذاتيا لم يقبل استثناء ولم ينقلب بإخبار المخبر الصادق ممكنا، ~~وأن المخبر بوقوع المحال لا يكون صادقا ولو فرض صدقه في إخباره أوجب ذلك ~~اضطرارا تأويل كلامه إلى ما يكون ممكنا كما لو أخبر بأن الواحد ليس نصف ~~الاثنين، وأن كل صادق فهو بعينه كاذب. # وما ذكره من امتناع عود ما خرج من القوة إلى الفعل إلى القوة ثانيا حق ~~لكن الصغرى ممنوعة فإنه إنما يلزم المحال المذكور في إحياء الموتى ورجوعهم ~~إلى الدنيا بعد الخروج عنها إذا كان ذلك بعد الموت الطبيعي الذي افترضوه، ~~وهو أن تفارق النفس البدن بعد خروجها من القوة إلى الفعل خروجا تاما ثم ~~مفارقتها البدن بطباعها. # وأما الموت الاخترامي الذي يكون بقسر قاسر كقتل أو مرض فلا يستلزم الرجوع ~~إلى الدنيا بعده محذورا، فإن ms0537 من الجائز أن يستعد الإنسان لكمال موجود في ~~زمان بعد زمان حياته الدنيوية الأولى فيموت ثم يحيى لحيازة الكمال المعد له ~~في الزمان الثاني، أو يستعد لكمال مشروط بتخلل حياة ما في البرزخ فيعود إلى ~~الدنيا بعد استيفاء الشرط، فيجوز على أحد الفرضين الرجعة إلى الدنيا من غير ~~محذور المحال وتمام الكلام موكول إلى غير هذا المقام. # وأما ما ناقشه في كل واحد من الروايات ففيه: أن الروايات متواترة معنى عن ~~أئمة أهل البيت، حتى عد القول بالرجعة عند المخالفين من مختصات الشيعة ~~وأئمتهم من لدن الصدر الأول، والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة ~~والمناقشة، على أن عدة من الآيات النازلة فيها، والروايات الواردة فيها ~~تامة الدلالة قابلة الاعتماد، وسيجيء التعرض لها في الموارد المناسبة لها ~~كقوله تعالى: "ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا:" النمل: 83 ~~وغيره من الآيات. # على أن الآيات بنحو الإجمال دالة عليها كقوله تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم:" البقرة - 214، ومن الحوادث ~~الواقعة قبلنا ما وقع من إحياء الأموات كما قصه القرآن من قصص إبراهيم ~~وموسى وعيسى وعزير وأرميا وغيرهم، وقد قال رسول الله فيما رواه الفريقان: ~~"والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ~~لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنن بني إسرائيل". # على أن هذه القضايا التي أخبرنا بها أئمة أهل البيت من الملاحم المتعلقة ~~بآخر الزمان، وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة ~~تأليفا وكتابة على الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطر منها من ~~غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها. PageV02P061 # ولنرجع إلى بدء الكلام الذي كنا فيه وهو ورود تفسير آية واحدة بيوم القيامة ~~تارة، وبالرجعة أو الظهور تارة أخرى، فنقول: الذي يتحصل من كلامه تعالى ~~فيما ذكره تعالى من أوصاف يوم القيامة ونعوته أنه يوم لا يحجب فيه سبب من ~~الأسباب ولا شاغل من الشواغل عنه سبحانه فيفنى ms0538 فيه جميع الأوهام ويظهر فيه ~~آياته كمال الظهور وهذا يوم لا يبطل وجوده وتحققه تحقق هذا النشأة ~~الجسمانية ووجودها فلا شيء يدل على ذلك من كتاب وسنة بل الأمر على خلاف ذلك ~~غير أن الظاهر من الكتاب والسنة أن البشر أعني هذا النسل الذي أنهاه الله ~~سبحانه إلى آدم وزوجته سينقرض عن الدنيا قبل طلوع هذا اليوم لهم. # ولا مزاحمة بين النشأتين أعني نشأة الدنيا ونشأة البعث، حتى يدفع بعضها ~~بعضا كما أن النشأة البرزخية وهي ثابتة الآن للأموات منا لا تدفع الدنيا، ~~ولا الدنيا تدفعها قال تعالى: "تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم:" النحل - 63. # فهذه حقيقة يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم هم بارزون لا ~~يخفى على الله منهم شيء، ولذلك ربما سمي يوم الموت بالقيامة لارتفاع حجب ~~الأسباب عن توهم الميت، فعن علي (عليه السلام): "من مات قامت قيامته"، ~~وسيجيء بيان الجميع إن شاء الله. # والروايات المثبتة للرجعة وإن كانت مختلفة الآحاد إلا أنها على كثرتها ~~متحدة في معنى واحد وهو أن سير النظام الدنيوي متوجه إلى يوم تظهر فيه آيات ~~الله كل الظهور، فلا يعصى فيه سبحانه وتعالى بل يعبد عبادة خالصة، لا ~~يشوبها هوى نفس، ولا يعتريه إغواء الشيطان، ويعود فيه بعض الأموات من ~~أولياء الله تعالى وأعدائه إلى الدنيا، ويفصل الحق من الباطل. # وهذا يفيد: أن يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة، وإن كان دونه في الظهور ~~لإمكان الشر والفساد فيه في الجملة دون يوم القيامة، ولذلك ربما ألحق به ~~يوم ظهور المهدي (عليه السلام) أيضا لظهور الحق فيه أيضا تمام الظهور وإن ~~كان هو أيضا دون الرجعة، وقد ورد عن أئمة أهل البيت: "أيام الله ثلاثة: يوم ~~الظهور ويوم الكرة ويوم القيامة"، وفي بعضها: "أيام الله ثلاثة: يوم الموت ~~ويوم الكرة ويوم القيامة"، وهذا المعنى أعني الاتحاد بحسب الحقيقة، ~~والاختلاف بحسب المراتب هو الموجب لما ورد من تفسيرهم (عليهم السلام) بعض ms0539 ~~الآيات بالقيامة تارة وبالرجعة أخرى وبالظهور ثالثة، وقد عرفت مما تقدم من ~~الكلام أن هذا اليوم ممكن في نفسه بل واقع، ولا دليل مع المنكر يدل على نفيه. PageV02P062 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 211 - 212 # سل بنى إسرءيل كم ءاتينهم من ءاية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) زين للذين كفروا الحيوة الدنيا ويسخرون ~~من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير ~~حساب (212) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية "إلخ" تثبيت وتأكيد واشتمل ~~عليه قوله تعالى: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم، الآية من الوعيد بأخذ المخالفين أخذ عزيز مقتدر. # يقول: هذه بنو إسرائيل في مرءاكم ومنظركم وهي الأمة التي آتاهم الله ~~الكتاب والحكم والنبوة والملك، ورزقهم من الطيبات، وفضلهم على العالمين، ~~سلهم كم آتيناهم من آية بينة؟ وانظر في أمرهم من أين بدءوا وإلى أين كان ~~مصيرهم؟ حرفوا الكلم عن مواضعه، ووضعوا في قبال الله وكتابه وآياته أمورا ~~من عند أنفسهم بغيا بعد العلم، فعاقبهم الله أشد العقاب بما حل فيهم من ~~اتخاذ الأنداد، والاختلاف وتشتت الآراء، وأكل بعضهم بعضا، وذهاب السؤدد، ~~وفناء السعادة، وعذاب الذلة والمسكنة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ~~ينصرون. # وهذه هي السنة الجارية من الله سبحانه: من يبدل نعمة وأخرجها إلى غير ~~مجراها فإن الله يعاقبه، والله شديد العقاب، وعلى هذا فقوله: ومن يبدل نعمة ~~الله إلى قوله العقاب من قبيل وضع الكلي موضع الجزئي للدلالة على الحكم، ~~سنة جارية. # قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا، في موضع التعليل لما مر، وأن ~~الملاك في ذلك تزين الحياة الدنيا لهم فإنها إذا زينت لإنسان دعته إلى هوى ~~النفس وشهواتها، وأنست كل حق وحقيقة، فلا يريد الإنسان إلا نيلها: من جاه ~~ومقام ومال وزينة، فلا يلبث دون أن يستخدم كل شيء لأجلها وفي سبيلها، ومن ~~ذلك الدين فيأخذ الدين وسيلة يتوسل بها ms0540 إلى التميزات والتعينات، فينقلب ~~الدين إلى تميز الزعماء والرؤساء وما يلائم سوددهم ورئاستهم، وتقرب التبعة ~~والمقلدة المرءوسين وما يجلب به تمايل رؤسائهم وساداتهم كما نشاهده في ~~أمتنا اليوم، وكنا شاهدناه في بني إسرائيل من قبل، وظاهر الكفر في القرآن ~~هو الستر أعم من أن يكون كفرا اصطلاحيا أو كفرا مطلقا في مقابل الإيمان ~~المطلق فتزين الحياة الدنيا لا يختص بالكفار اصطلاحا بل كل من ستر حقيقة من ~~الحقائق الدينية، وغير نعمة دينية فهو كافر زينت له الحياة الدنيا فليتهيأ ~~لشديد العقاب. # قوله تعالى: والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة إلخ، تبديل الإيمان بالتقوى ~~في هذه الجملة لكون الإيمان لا ينفع وحده لو لا العمل. PageV02P063 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 213 # كان الناس أمة وحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينت بغيا بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم (213) ### |||| AUTO بيان # الآية تبين السبب في تشريع أصل الدين وتكليف النوع الإنساني به، وسبب ~~وقوع الاختلاف فيه ببيان: أن الإنسان - وهو نوع مفطور على الاجتماع ~~والتعاون - كان في أول اجتماعه أمة واحدة، ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف ~~في اقتناء المزايا الحيوية، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات ~~الطارئة، والمشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين، ~~وشفعت بالتبشير والإنذار: بالثواب والعقاب، وأصلحت بالعبادات المندوبة ~~إليها ببعث النبيين، وإرسال المرسلين، ثم اختلفوا في معارف الدين أو أمور ~~المبدإ والمعاد، فاختل بذلك أمر الوحدة الدينية، وظهرت الشعوب والأحزاب، ~~وتبع ذلك الاختلاف في غيره، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيا من الذين ~~أوتوا الكتاب، وظلما وعتوا منهم بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه، وتمت عليهم ~~الحجة، فالاختلاف اختلافان: اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون ~~فطرتهم وغريزتهم، واختلاف في أمر الدنيا وهو فطري وسبب لتشريع الدين، ثم ~~هدى الله سبحانه المؤمنين ms0541 إلى الحق المختلف فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم. # فالدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني، والمصلح لأمر ~~حياته، يصلح الفطرة بالفطرة ويعدل قواها المختلفة عند طغيانها، وينظم ~~للإنسان سلك حياته الدنيوية والأخروية، والمادية والمعنوية، فهذا إجمال ~~تاريخ حياة هذا النوع الحياة الاجتماعية والدينية على ما تعطيه هذه الآية ~~الشريفة. # وقد اكتفت في تفصيل ذلك بما تفيده متفرقات الآيات القرآنية النازلة في ~~شئون مختلفة. # بدء تكوين الإنسان # ومحصل ما تبينه تلك الآيات على تفرقها أن النوع الإنساني ولا كل نوع ~~إنساني بل هذا النسل الموجود من الإنسان ليس نوعا مشتقا من نوع آخر حيواني ~~أو غيره: حولته إليه الطبيعة المتحولة المتكاملة، بل هو نوع أبدعه الله ~~تعالى من الأرض، فقد كانت الأرض وما عليها والسماء ولا إنسان ثم خلق زوجان ~~اثنان من هذا النوع وإليهما ينتهي هذا النسل الموجود، قال تعالى: "إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل:" الحجرات - 13، وقال تعالى: ~~"خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها:" الأعراف - 189، وقال تعالى: "كمثل ~~آدم خلقه من تراب:" آل عمران - 59، وأما ما افترضه علماء الطبيعة من تحول ~~الأنواع وأن الإنسان مشتق من القرد، وعليه مدار البحث الطبيعي اليوم أو ~~متحول من السمك على ما احتمله بعض فإنما هي فرضية، والفرضية غير مستند إلى ~~العلم اليقيني وإنما توضع لتصحيح التعليلات والبيانات العلمية، ولا ينافي ~~اعتبارها اعتبار الحقائق اليقينية، بل حتى الإمكانات الذهنية، إذ لا اعتبار ~~لها أزيد من تعليل الآثار والأحكام المربوطة بموضوع البحث، وسنستوعب هذا ~~البحث إن شاء الله في سورة آل عمران في قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب:" آل عمران - 59. # تركبه من روح وبدن PageV02P064 وقد أنشأ الله سبحانه هذا النوع، حين ما أنشأ مركبا من جزءين ومؤلفا من ~~جوهرين، مادة بدنية، وجوهر مجرد هي النفس والروح، وهما متلازمان ومتصاحبان ~~ما دامت الحياة الدنيوية، ثم يموت البدن ويفارقه الروح الحية، ثم يرجع ~~الإنسان إلى الله سبحانه قال تعالى: "ولقد ms0542 خلقنا الإنسان من سلالة من طين ~~ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله ~~أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون:" ~~المؤمنون - 16، انظر إلى موضع قوله ثم أنشأناه خلقا آخر، وفي هذا المعنى ~~قوله تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين:" ص - 72، ~~وأوضح من الجميع قوله سبحانه "وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق ~~جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ~~ربكم ترجعون:" السجدة - 11، فإنه تعالى أجاب عن إشكالهم بتفرق الأعضاء ~~والأجزاء واستهلاكها في الأرض بعد الموت فلا تصلح للبعث بأن ملك الموت ~~يتوفاهم ويضبطهم فلا يدعهم، فهم غير أبدانهم! فأبدانهم تضل في الأرض لكنهم ~~أي نفوسهم غير ضالة ولا فائتة ولا مستهلكة، وسيجيء إن شاء الله استيفاء ~~البحث عما يعطيه القرآن في حقيقة الروح الإنساني في المحل المناسب له. # شعوره الحقيقي وارتباطه بالأشياء # وقد خلق الله سبحانه هذا النوع، وأودع فيه الشعور، وركب فيه السمع والبصر ~~والفؤاد ففيه قوة الإدراك والفكر، بها يستحضر ما هو ظاهر عنده من الحوادث ~~وما هو موجود في الحال وما كان وما سيكون ويئول إليه أمر الحدوث والوقوع، ~~فله إحاطة ما بجميع الحوادث، قال تعالى: "علم الإنسان ما لم يعلم:" العلق ~~5، وقال تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة:" النحل - 78، وقال تعالى "وعلم آدم الأسماء ~~كلها:" البقرة - 31، وقد اختار تعالى لهذا النوع سنخ وجود يقبل الارتباط ~~بكل شيء، ويستطيع الانتفاع من كل أمر، أعم من الاتصال أو التوسل به إلى ~~غيره بجعله آلة وأداة للاستفادة من غيره، كما نشاهده من عجيب احتيالاته ~~الصناعية، وسلوكه في مسالكه الفكرية، قال تعالى: "خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا": البقرة - 29، وقال تعالى: "وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا ~~منه:" الجاثية - 13، إلى غير ذلك من الآيات الناطقة ms0543 بكون الأشياء مسخرة ~~للإنسان. # علومه العملية # وأنتجت هاتان العنايتان: أعني قوة الفكر والإدراك ورابطة التسخير عناية ~~ثالثة عجيبة وهي أن يهيىء لنفسه علوما وإدراكات يعتبرها اعتبارا للورود في ~~مرحلة التصرف في الأشياء وفعلية التأثير والفعل في الموجودات الخارجة عنه ~~للانتفاع بذلك في حفظ وجوده وبقائه. # توضيح ذلك: أنك إذا خليت ذهنك وأقبلت به على الإنسان، هذا الموجود الأرضي ~~الفعال بالفكر والإرادة، واعتبرت نفسك كأنك أول ما تشاهده وتقبل عليه وجدت ~~الفرد الواحد منه أنه في أفعاله الحيوية يوسط إدراكات وأفكار جمة غير ~~محصورة يكاد يدهش من كثرتها واتساع أطرافها وتشتت جهاتها العقل، وهي علوم ~~كانت العوامل في حصولها واجتماعها وتجزيها وتركبها الحواس الظاهرة والباطنة ~~من الإنسان، أو تصرف القوة الفكرية فيها تصرفا ابتدائيا أو تصرفا بعد تصرف، ~~وهذا أمر واضح يجده كل إنسان من نفسه ومن غيره لا يحتاج في ذلك إلى أزيد من ~~تنبيه وإيقاظ. # ثم إذا كررت النظر في هذه العلوم والإدراكات وجدت شطرا منها لا يصلح لأن ~~يتوسط بين الإنسان وبين أفعاله الإرادية كمفاهيم الأرض والسماء والماء ~~والهواء والإنسان والفرس ونحو ذلك من التصورات، وكمعاني قولنا: الأربعة ~~زوج، والماء جسم سيال والتفاح أحد الثمرات، وغير ذلك من التصديقات، وهي ~~علوم وإدراكات تحققت عندنا من الفعل والانفعال الحاصل بين المادة الخارجية ~~وبين حواسنا وأدواتنا الإدراكية، ونظيرها علمنا الحاصل لنا من مشاهدة ~~نفوسنا وحضورها لدينا ما نحكي عنه بلفظ أنا، والكليات الآخر المعقولة، فهذه ~~العلوم والإدراكات لا يوجب حصولها لنا تحقق إرادة ولا صدور فعل، بل إنما ~~تحكي عن الخارج حكاية. PageV02P065 # وهناك شطر آخر بالعكس من الشطر السابق كقولنا: إن هناك حسنا وقبحا وما ~~ينبغي أن يفعل وما يجب أن يترك، والخير يجب رعايته، والعدل حسن، والظلم ~~قبيح ومثل مفاهيم الرئاسة والمرءوسية، والعبدية والمولوية فهذه سلسلة من ~~الأفكار والإدراكات لا هم لنا إلا أن نشتغل بها ونستعملها ولا يتم فعل من ~~الأفعال الإرادية إلا بتوسيطها والتوسل بها لاقتناء الكمال وحيازة مزايا ~~الحياة. # وهي مع ذلك لا تحكي عن أمور ms0544 خارجية ثابتة في الخارج مستقلة عنا وعن ~~أفهامنا كما كان الأمر كذلك في القسم الأول فهي علوم وإدراكات غير خارجة عن ~~محوطة العمل ولا حاصلة فينا عن تأثير العوامل الخارجية، بل هي مما هيأناه ~~نحن وألهمناه من قبل إحساسات باطنية حصلت فينا من جهة اقتضاء قوانا ~~الفعالة، وجهازاتنا العاملة للفعل والعمل، فقوانا الغاذية أو المولدة للمثل ~~بنزوعها نحو العمل، ونفورها عما لا يلائمها يوجب حدوث صور من الإحساسات: ~~كالحب والبغض، والشوق والميل والرغبة، ثم هذه الصور الإحساسية تبعثنا إلى ~~اعتبار هذه العلوم والإدراكات من معنى الحسن والقبح، وينبغي ولا ينبغي، ~~ويجب ويجوز، إلى غير ذلك، ثم بتوسطها بيننا وبين المادة الخارجية وفعلنا ~~المتعلق بها يتم لنا الأمر، فقد تبين أن لنا علوما وإدراكات لا قيمة لها ~~إلا العمل، وهي المسماة بالعلوم العملية ولاستيفاء البحث عنها محل آخر. # والله سبحانه ألهمها الإنسان ليجهزه للورود في مرحلة العمل، والأخذ ~~بالتصرف في الكون، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، قال تعالى: "الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى:" طه - 50، وقال تعالى: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى:" ~~الأعلى - 3، وهذه هداية عامة لكل موجود مخلوق إلى ما هو كمال وجوده، وسوق ~~له إلى الفعل والعمل لحفظ وجوده وبقائه، سواء كان ذا شعور أو فاقدا للشعور. # وقال تعالى في الإنسان خاصة: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقويها:" ~~الشمس - 8، فأفاد أن الفجور والتقوى معلومان للإنسان بإلهام فطري منه ~~تعالى، وهما ما ينبغي أن يفعله أو يراعيه وما لا ينبغي، وهي العلوم العملية ~~التي لا اعتبار لها خارجة عن النفس الإنسانية، ولعله إليه الإشارة بإضافة ~~الفجور والتقوى إلى النفس. # وقال تعالى: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون:" العنكبوت - 64، فإن اللعب لا حقيقة له إلا ~~الخيال فقط، كذا الحياة الدنيا: من جاه ومال وتقدم وتأخر ورئاسة ومرءوسية ~~وغير ذلك إنما هي أمور خيالية لا واقع لها في الخارج عن ذهن الذاهن، بمعنى ~~أن الذي في الخارج إنما هو حركات طبيعية ms0545 يتصرف بها الإنسان في المادة من ~~غير فرق في ذلك بين أفراد الإنسان وأحواله. # فالموجود بحسب الواقع من "الإنسان الرئيس" إنسانيته، وأما رئاسته فإنما ~~هي في الوهم، ومن "الثوب المملوك" الثوب مثلا، وأما إنه مملوك فأمر خيالي ~~لا يتجاوز حد الذهن، وعلى هذا القياس. # جريه على استخدام غيره انتفاعا # فهذه السلسلة من العلوم والإدراكات هي التي تربط الإنسان بالعمل في ~~المادة، ومن جملة هذه الأفكار والتصديقات تصديق الإنسان بأنه يجب أن يستخدم ~~كل ما يمكنه استخدامه في طريق كماله، وبعبارة أخرى إذعانه بأنه ينبغي أن ~~ينتفع لنفسه، ويستبقي حياته بأي سبب أمكن وبذلك يأخذ في التصرف في المادة، ~~ويعمل آلات من المادة، يتصرف بها في المادة كاستخدام السكين للقطع، ~~واستخدام الإبرة للخياطة، واستخدام الإناء لحبس المائعات، واستخدام السلم ~~للصعود، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، ولا يحد من حيث التركيب والتفصيل، ~~وأنواع الصناعات والفنون المتخذة لبلوغ المقاصد والأغراض المنظور فيها. # وبذلك يأخذ الإنسان أيضا في التصرف في النبات بأنواع التصرف، فيستخدم ~~أنواع النبات بالتصرف فيها في طريق الغذاء واللباس والسكنى وغير ذلك، وبذلك ~~يستخدم أيضا أنواع الحيوان في سبيل منافع حياته، فينتفع من لحمها ودمها ~~وجلدها وشعرها ووبرها وقرنها وروثها ولبنها ونتاجها وجميع أفعالها، ولا ~~يقتصر على سائر الحيوان دون أن يستخدم سائر أفراد نوعه من الآدميين، ~~فيستخدمها كل استخدام ممكن، ويتصرف في وجودها وأفعالها بما يتيسر له من ~~التصرف، كل ذلك مما لا ريب فيه. # كونه مدنيا بالطبع PageV02P066 غير أن الإنسان لما وجد سائر الأفراد من نوعه، وهم أمثاله، يريدون منه ما ~~يريده منهم، صالحهم ورضي منهم أن ينتفعوا منه وزان ما ينتفع منهم، وهذا ~~حكمه بوجوب اتخاذ المدنية، والاجتماع التعاوني، ويلزمه الحكم بلزوم استقرار ~~الاجتماع بنحو ينال كل ذي حق حقه، ويتعادل النسب والروابط، وهو العدل ~~الاجتماعي. # فهذا الحكم أعني حكمه بالاجتماع المدني، والعدل الاجتماعي إنما هو حكم ~~دعا إليه الاضطرار، ولو لا الاضطرار المذكور لم يقض به الإنسان أبدا، وهذا ~~معنى ما يقال: إن الإنسان مدني ms0546 بالطبع، وإنه يحكم بالعدل الاجتماعي، فإن ~~ذلك أمر ولده حكم الاستخدام المذكور اضطرارا على ما مر بيانه، ولذلك كلما ~~قوي إنسان على آخر ضعف حكم الاجتماع التعاوني وحكم العدل الاجتماعي أثرا ~~فلا يراعيه القوي في حق الضعيف ونحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم ~~القوية، وعلى ذلك جرى التاريخ أيضا إلى هذا اليوم الذي يدعى أنه عصر ~~الحضارة والحرية. # وهو الذي يستفاد من كلامه تعالى كقوله تعالى: "إنه كان ظلوما جهولا:" ~~الأحزاب - 72، وقوله تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعا:" المعارج - 19، وقوله ~~تعالى: "إن الإنسان لظلوم كفار:" إبراهيم - 34، وقوله تعالى: "إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى:" العلق - 7. # ولو كان العدل الاجتماعي مما يقتضيه طباع الإنسان اقتضاء أوليا لكان ~~الغالب على الاجتماعات في شئونها هو العدل، وحسن تشريك المساعي، ومراعاة ~~التساوي، مع أن المشهود دائما خلاف ذلك، وإعمال القدرة والغلبة وتحميل ~~القوي العزيز مطالبه الضعيف، واستدلال الغالب للمغلوب واستعباده في طريق ~~مقاصده ومطامعه. # حدوث الاختلاف بين أفراد الإنسان # ومن هنا يعلم أن قريحة الاستخدام في الإنسان بانضمامها إلى الاختلاف ~~الضروري بين الأفراد من حيث الخلقة ومنطقة الحياة والعادات والأخلاق ~~المستندة إلى ذلك، وإنتاج ذلك للاختلاف الضروري من حيث القوة والضعف يؤدي ~~إلى الاختلاف والانحراف عن ما يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل الاجتماعي، ~~فيستفيد القوي من الضعيف أكثر مما يفيده، وينتفع الغالب من المغلوب من غير ~~أن ينفعه ويقابله الضعيف المغلوب ما دام ضعيفا مغلوبا بالحيلة والمكيدة ~~والخدعة، فإذا قوي وغلب قابل ظالمه بأشد الانتقام، فكان بروز الاختلاف ~~مؤديا إلى الهرج والمرج، وداعيا إلى هلاك الإنسانية، وفناء الفطرة، وبطلان ~~السعادة. # وإلى ذلك يشير تعالى بقوله: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا:" ~~يونس - 19، وقوله تعالى: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم:" ~~هود - 119، وقوله تعالى في الآية المبحوث عنها: "ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه" الآية. # وهذا الاختلاف كما عرفت ضروري الوقوع بين أفراد المجتمعين من الإنسان ~~لاختلاف الخلقة باختلاف المواد، وإن كان الجميع إنسانا بحسب الصورة ~~الإنسانية الواحدة، والوحدة في ms0547 الصورة تقتضي الوحدة من حيث الأفكار ~~والأفعال بوجه، واختلاف المواد يؤدي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات ~~والأحوال في عين أنها متحدة بنحو، واختلافها يؤدي إلى اختلاف الأغراض ~~والمقاصد والآمال، واختلافها يؤدي إلى اختلاف الأفعال، وهو المؤدي إلى ~~اختلال نظام الاجتماع. # وظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع، وهو جعل قوانين كلية يوجب ~~العمل بها ارتفاع الاختلاف، ونيل كل ذي حق حقه، وتحميلها الناس. # والطريق المتخذ اليوم لتحميل القوانين المصلحة لاجتماع الإنسان أحد ~~طريقين الأول: إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين الموضوعة لتشريك الناس في ~~حق الحياة وتسويتهم في الحقوق، بمعنى أن ينال كل من الأفراد ما يليق به من ~~كمال الحياة، مع إلغاء المعارف الدينية: من التوحيد والأخلاق الفاضلة، وذلك ~~بجعل التوحيد ملغى غير منظور إليه ولا مرعي، وجعل الأخلاق تابعة للاجتماع ~~وتحوله، فما وافق حال الاجتماع من الأخلاق فهو الخلق الفاضل، فيوما العفة، ~~ويوما الخلاعة، ويوما الصدق، ويوما الكذب، ويوما الأمانة، ويوما الخيانة، وهكذا. # والثاني: إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين بتربية ما يناسبها من الأخلاق ~~واحترامها مع إلغاء المعارف الدينية في التربية الاجتماعية. PageV02P067 # وهذان طريقان مسلوكان في رفع الاختلافات الاجتماعية وتوحيد الأمة المجتمعة ~~من الإنسان: أحدهما بالقوة المجبرة والقدرة المتسلطة من الإنسان فقط، ~~وثانيهما بالقوة والتربية الخلقية، لكنهما على ما يتلوهما من المفاسد ~~مبنيان على أساس الجهل، فيه بوار هذا النوع وهلاك الحقيقة الإنسانية، فإن ~~هذا الإنسان موجود مخلوق لله متعلق الوجود بصانعه، بدأ من عنده وسيعود ~~إليه، فله حياة باقية بعد الارتحال من هذه النشأة الدنيوية، حياة طويلة ~~الذيل، غير منقطع الأمد، وهي مرتبة على هذه الحياة الدنيوية، وكيفية سلوك ~~الإنسان فيها، واكتسابه الأحوال والملكات المناسبة للتوحيد الذي هو كونه ~~عبدا لله سبحانه، بادئا منه عائدا إليه، وإذا بنى الإنسان حياته في هذه ~~الدنيا على نسيان توحيده، وستر حقيقة الأمر فقد أهلك نفسه، وأباد حقيقته. # فمثل الناس في سلوك هذين الطريقين كمثل قافلة أخذت في سلوك الطريق إلى ~~بلد ناء معها ما يكفيها من الزاد ولوازم السير، ثم نزلت في ms0548 أحد المنازل في ~~أثناء الطريق فلم يلبث هنيئة حتى أخذت في الاختلاف: من قتل، وضرب و، هتك ~~عرض، وأخذ مال وغصب مكان وغير ذلك، ثم اجتمعوا يتشاورون بينهم على اتخاذ ~~طريقة يحفظونها لصون أنفسهم وأموالهم. # فقال قائل منهم: عليكم بالاشتراك في الانتفاع من هذه الأعراض والأمتعة، ~~والتمتع على حسب ما لكل من الوزن الاجتماعي، فليس إلا هذا المنزل والمتخلف ~~عن ذلك يؤخذ بالقوة والسياسة. # وقال قائل منهم: ينبغي أن تضعوا القانون المصلح لهذا الاختلاف على أساس ~~الشخصيات الموجودة الذي جئتم بها من بلدكم الذي خرجتم منه، فيتأدب كل بما ~~له من الشخصية الخلقية، ويأخذ بالرحمة لرفقائه، والعطوفة والشهامة ~~والفضيلة، ثم تشتركوا مع ذلك في الانتفاع عن هذه الأمتعة الموجودة، فليست ~~إلا لكم ولمنزلكم هذا. # وقد أخطأ القائلان جميعا، وسهيا عن أن القافلة جميعا على جناح سفر، ومن ~~الواجب على المسافر أن يراعي في جميع أحواله حال وطنه وحال غاية سفره التي ~~يريدها فلو نسي شيئا من ذلك لم يكن يستقبله إلا الضلال والغي والهلاك. # والقائل المصيب بينهم هو من يقول: تمتعوا من هذه الأمتعة على حسب ما ~~يكفيكم لهذه الليلة، وخذوا من ذلك زادا لما هو أمامكم من الطريق، وما أريد ~~منكم في وطنكم، وما تريدونه لمقصدكم. # رفع الاختلاف بالدين # ولذلك شرع الله سبحانه ما شرعه من الشرائع والقوانين واضعا ذلك على أساس ~~التوحيد، والاعتقاد والأخلاق والأفعال، وبعبارة أخرى وضع التشريع مبني على ~~أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم، وأنهم ~~يجب أن يسلكوا في هذه الدنيا حياة تنفعهم في غد، ويعملوا في العاجل ما ~~يعيشون به في الآجل، فالتشريع الديني والتقنين الإلهي هو الذي بني على ~~العلم فقط دون غيره، قال تعالى: "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ~~ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون: يوسف - 40، وقال تعالى في هذه ~~الآية المبحوث عنها: "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" الآية، فقارن بعثة ms0549 الأنبياء بالتبشير ~~والإنذار بإنزال الكتاب المشتمل على الأحكام والشرائع الرافعة لاختلافهم. # ومن هذا الباب قوله تعالى: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون:" الجاثية - 24، ~~فإنهم إنما كانوا يصرون على قولهم ذلك، لا لدفع القول بالمعاد فحسب، بل لأن ~~القول بالمعاد والدعوة إليه كان يستتبع تطبيق الحياة الدنيوية على الحياة ~~بنحو العبودية، وطاعة قوانين دينية مشتملة على مواد وأحكام تشريعية: من ~~العبادات والمعاملات والسياسات. # وبالجملة القول بالمعاد كان يستلزم التدين بالدين، واتباع أحكامه في ~~الحياة، ومراقبة البعث والمعاد في جميع الأحوال والأعمال، فردوا ذلك ببناء ~~الحياة الاجتماعية على مجرد الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما ورائها. PageV02P068 # وكذا قوله تعالى: "إن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ~~ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم:" النجم - 30، فبين تعالى ~~أنهم يبنون الحياة على الظن والجهل، والله سبحانه يدعو إلى دار السلام، ~~ويبني دينه على الحق والعلم، والرسول يدعو الناس إلى ما يحييهم، قال تعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم:" الأنفال ~~- 24، وهذه الحياة هي التي يشير إليها قوله تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:" ~~الأنعام - 122، وقال تعالى: "أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب:" الرعد - 19، وقال تعالى: "قل هذه سبيلي ~~أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين:" يوسف - 108، وقال تعالى: "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب:" الزمر - 9، وقال تعالى: "يعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم:" البقرة - 129، إلى غير ذلك، والقرآن مشحون بمدح العلم ~~والدعوة إليه والحث به، وناهيك فيه أنه يسمي العهد السابق على ظهور الإسلام ~~عهد الجاهلية كما قيل. # فما أبعد من الإنصاف قول من يقول: إن الدين مبني على التقليد والجهل مضاد ~~للعلم ومباهت ms0550 له، وهؤلاء القائلون أناس اشتغلوا بالعلوم الطبيعية ~~والاجتماعية فلم يجدوا فيها ما يثبت شيئا مما وراء الطبيعة، فظنوا عدم ~~الإثبات إثباتا للعدم، وقد أخطئوا في ظنهم، وخبطوا في حكمهم، ثم نظروا إلى ~~ما في أيدي أمثالهم من الناس المتهوسين من أمور يسمونه باسم الدين، ولا ~~حقيقة لها غير الشرك، والله بريء من المشركين ورسوله، ثم نظروا إلى الدعوة ~~الدينية بالتعبد والطاعة فحسبوها تقليدا وقد أخطئوا في حسبانهم، والدين أجل ~~شأنا من أن يدعو إلى الجهل والتقليد، وأمنع جانبا من أن يهدي إلى عمل لا ~~علم معه، أو يرشد إلى قول بغير هدى ولا كتاب منير، ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه. # الاختلاف في نفس الدين # وبالجملة فهو تعالى يخبرنا أن الاختلاف في المعاش وأمور الحياة إنما رفع ~~أول ما رفع بالدين، فلو كانت هناك قوانين غير دينية فهي مأخوذة بالتقليد من الدين. # ثم إنه تعالى يخبرنا أن الاختلاف نشأ بين النوع في نفس الدين وإنما أوجده ~~حملة الدين ممن أوتي الكتاب المبين: من العلماء بكتاب الله بغيا بينهم ~~وظلما وعتوا، قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، ~~إلى أن قال، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة ~~سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم:" الشورى - 14، وقال تعالى: "وما كان ~~الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه ~~يختلفون:" يونس - 19، والكلمة المشار إليها في الآيتين هو قوله تعالى: ~~"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:" الأعراف - 24 فالاختلاف في الدين ~~مستند إلى البغي دون الفطرة، فإن الدين فطري وما كان كذلك لا تضل فيه ~~الخلقة ولا يتبدل فيه حكمها كما قال تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم:" الروم - ~~30 فهذه جمل ms0551 ما بني عليه الكلام في هذه الآية الشريفة. # الإنسان بعد الدنيا PageV02P069 ثم إنه يخبرنا أن الإنسان سيرتحل من الدنيا التي فيه حياته الاجتماعية ~~وينزل دارا أخرى سماها البرزخ، ثم دارا أخرى سماها الآخرة غير أن حياته بعد ~~هذه الدنيا حياة انفرادية، ومعنى كون الحياة انفرادية، أنها لا ترتبط ~~بالاجتماع التعاوني، والتشارك والتناصر، بل السلطنة هناك في جميع أحكام ~~الحياة لوجود نفسه لا يؤثر فيه وجود غيره بالتعاون والتناصر أصلا، ولو كان ~~هناك هذا النظام الطبيعي المشهود في المادة لم يكن بد عن حكومة التعاون ~~والتشارك، لكن الإنسان خلفه وراء ظهره، وأقبل إلى ربه، وبطل عنه جميع علومه ~~العملية، فلا يرى لزوم الاستخدام والتصرف والمدنية والاجتماع التعاوني ولا ~~سائر أحكامه التي يحكم بها في الدنيا، وليس له إلا صحابة عمله ونتيجة ~~حسناته وسيئاته، ولا يظهر له إلا حقيقة الأمر ويبدو له النبأ العظيم الذي ~~هم فيه مختلفون، قال تعالى: "ونرثه ما يقول ويأتينا فردا:" مريم - 80، وقال ~~تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون:" الأنعام - 94، وقال تعالى: "هنالك تبلوا كل نفس ~~ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون:" يونس - ~~30، وقال تعالى: "ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون:" الصافات - 26، ~~وقال تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد ~~القهار:" إبراهيم - 48، وقال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه ~~سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى:" النجم - 41، إلى غير ذلك من الآيات، فهذه ~~الآيات كما ترى تدل على أن الإنسان يبدل بعد الموت نحو حياته فلا يحيا حياة ~~اجتماعية مبنية على التعاون والتناصر، ولا يستعمل ما أبدعه في هذه الحياة ~~من العلوم العملية، ولا يجني إلا ثمرة عمله ونتيجة سعيه ظهر له ظهورا فيجزي ~~به جزاء. # قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة، الناس معروف وهو الأفراد المجتمعون من ~~الإنسان، والأمة هي ms0552 الجماعة من الناس، وربما يطلق على الواحد كما في قوله ~~تعالى: "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله:" النحل - 120، وربما يطلق على زمان ~~معتد به كقوله تعالى: "وادكر بعد أمة:" يوسف - 45، أي بعد سنين وقوله ~~تعالى: "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة:" هود - 8، وربما يطلق على ~~الملة والدين كما قال بعضهم في قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاتقون:" المؤمنون - 52، وفي قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاعبدون:" الأنبياء - 92، وأصل الكلمة من أم يأم إذا قصد فأطلق ~~لذلك على الجماعة لكن لا على كل جماعة، بل على جماعة كانت ذات مقصد واحد ~~وبغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، وهو المصحح لإطلاقها على الواحد وعلى ~~سائر معانيها إذا أطلقت. # وكيف كان فظاهر الآية يدل على أن هذا النوع قد مر عليهم في حياتهم زمان ~~كانوا على الاتحاد والاتفاق، وعلى السذاجة والبساطة، لا اختلاف بينهم ~~بالمشاجرة والمدافعة في أمور الحياة، ولا اختلاف في المذاهب والآراء، ~~والدليل على نفي الاختلاف قوله تعالى: "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، فقد رتب بعثة الأنبياء ~~وحكم الكتاب في مورد الاختلاف على كونهم أمة واحدة فالاختلاف في أمور ~~الحياة ناش بعد الاتحاد والوحدة، والدليل على نفي الاختلاف الثاني قوله ~~تعالى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم فالاختلاف في الدين إنما ~~نشأ من قبل حملة الكتاب بعد إنزاله بالبغي. PageV02P070 # وهذا هو الذي يساعد عليه الاعتبار، فإنا نشاهد النوع الإنساني لا يزال يرقى ~~في العلم والفكر، ويتقدم في طريق المعرفة والثقافة، عاما بعد عام، وجيلا ~~بعد جيل، وبذلك يستحكم أركان اجتماعه يوما بعد يوم، ويقوم على رفع دقائق ~~الاحتياج، والمقاومة قبال مزاحمات الطبيعة، والاستفادة من مزايا الحياة، ~~وكلما رجعنا في ذلك القهقرى وجدناه أقل عرفانا برموز الحياة، وأسرار ~~الطبيعة، وينتهي بنا هذا السلوك إلى الإنسان الأولي الذي لا يوجد عنده إلا ~~النزر القليل من المعرفة بشئون الحياة وحدود العيش، كأنهم ليس عندهم إلا ~~البديهيات ms0553 ويسير من النظريات الفكرية التي تهيىء لهم وسائل البقاء بأبسط ما ~~يكون، كالتغذي بالنبات أو شيء من الصيد والإيواء إلى الكهوف والدفاع ~~بالحجارة والأخشاب ونحو ذلك، فهذا حال الإنسان في أقدم عهوده، ومن المعلوم ~~أن قوما حالهم هذا الحال لا يظهر فيهم الاختلاف ظهورا يعتد به، ولا يبدو ~~فيهم الفساد بدوا مؤثرا، كالقطيع من الغنم لا هم لأفراده إلا الاهتداء لبعض ~~ما اهتدى إليه بعض آخر، والتجمع في المسكن والمعلف والمشرب. # غير أن الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه كما أشرنا إليه فيما مر لا ~~يحبسه هذا الاجتماع القهري من حيث التعاون على رفع البعض حوائج البعض عن ~~الاختلاف والتغالب والتغلب، وهو كل يوم يزداد علما وقوة على طرق الاستفادة، ~~ويتنبه بمزايا جديدة، ويتيقظ لطرق دقيقة في الانتفاع، وفيهم الأقوياء ~~وأولوا السطوة وأرباب القدرة، وفيهم الضعفاء ومن في رتبتهم، وهو منشأ ظهور ~~الاختلاف، الاختلاف الفطري الذي دعت إليه قريحة الاستخدام، كما دعت هذه ~~القريحة بعينها إلى الاجتماع والمدنية. # ولا ضير في تزاحم حكمين فطريين، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما، ويعدل ~~أمرهما، ويصلح شأنهما، وذلك كالإنسان تتسابق قواه في أفعالها، ويؤدي ذلك ~~إلى التزاحم، كما أن جاذبة التغذي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة ولا ~~تسعه المعدة، وهناك عقل يعدل بينهما، ويقضي لكل بما يناسبه، ويقدر فعل كل ~~واحدة من هذه القوى الفعالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها. # والتنافي بين حكمين فطريين فما نحن فيه من هذا القبيل، فسلوك فطرة ~~الإنسان إلى المدنية ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤديان إلى التنافي، ولكن الله ~~يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير والإنذار، ~~وإنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. # وبهذا البيان يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن المراد بالآية أن الناس كانوا ~~أمة واحدة على الهداية، لأن الاختلاف إنما ظهر بعد نزول الكتاب بغيا بينهم، ~~والبغي من حملة الكتاب، وقد غفل هذا القائل عن أن الآية تثبت اختلافين ~~اثنين لا اختلافا واحدا، وقد مر بيانه، وعن أن الناس لو ms0554 كانوا على الهداية ~~فإنها واحدة من غير اختلاف، فما هو الموجب بل ما هو المجوز لبعث الأنبياء ~~وإنزال الكتاب وحملهم على البغي بالاختلاف، وإشاعة الفساد، وإثارة غرائز ~~الكفر والفجور ومهلكات الأخلاق مع استبطانها؟. # ويظهر به أيضا: فساد ما ذكره آخرون أن المراد بها أن الناس كانوا أمة ~~واحدة على الضلالة، إذ لولاها لم يكن وجه لترتب قوله تعالى: فبعث الله ~~النبيين "إلخ"، وقد غفل هذا القائل عن أن الله سبحانه يذكر أن هذا الضلال ~~الذي ذكره وهو الذي أشار إليه بقوله سبحانه: فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه، إنما نشأ عن سوء سريرة حملة الكتاب وعلماء ~~الدين بعد نزول الكتاب، وبيان آياته للناس، فلو كانوا على الضلالة قبل ~~البعث والإنزال وهي ضلالة الكفر والنفاق والفجور والمعاصي فما المصحح لنسبة ~~ذلك إلى حملة الكتاب وعلماء الدين؟. # ويظهر به أيضا ما في قول آخرين إن المراد بالناس بنو إسرائيل حيث إن الله ~~يذكر أنهم اختلفوا في الكتاب بغيا بينهم، قال تعالى: "فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:" الجاثية - 16، وذلك أنه تفسير من غير ~~دليل، ومجرد اتصاف قوم بصفة لا يوجب انحصارها فيهم. # وأفسد من ذلك قول من قال: إن المراد بالناس في الآية هو آدم (عليه ~~السلام)، والمعنى أن آدم (عليه السلام) كان أمة واحدة على الهداية ثم اختلف ~~ذريته، فبعث الله النبيين "إلخ"، والآية بجملها لا تطابق هذا القول لا كله ~~ولا بعضه. PageV02P071 # ويظهر به أيضا فساد قول بعضهم: إن كان في الآية منسلخ عن الدلالة على ~~الزمان كما في قوله تعالى: "وكان الله عزيزا حكيما:" الفتح - 7، فهو دال ~~على الثبوت، والمعنى: أن الناس أمة واحدة من حيث كونهم مدنيين طبعا فإن ~~الإنسان مدني بالطبع لا يتم حياة الفرد الواحد منه وحده، لكثرة حوائجه ~~الوجودية، واتساع دائرة لوازم حياته، بحيث لا يتم له الكمال إلا بالاجتماع ~~والتعاون بين الأفراد والمبادلة في المساعي، فيأخذ كل من نتائج عمله ما ~~يستحقه من هذه النتيجة ويعطي ms0555 الباقي غيره، ويأخذ بدله بقية ما يحتاج إليه ~~ويستحقه في وجوده، فهذا حال الإنسان لا يستغني عن الاجتماع والتعاون وقتا ~~من الأوقات، يدل عليه ما وصل إلينا من تاريخ هذا النوع الاجتماعي المدني ~~وكونه اجتماعيا مدنيا لم يزل على ذلك فهو مقتضى فطرته وخلقته غير أن ذلك ~~يؤدي إلى الاختلاف، واختلال نظام الاجتماع، فشرع الله سبحانه بعنايته ~~البالغة شرائع ترفع هذا الاختلاف، وبلغها إليهم ببعث النبيين مبشرين ~~ومنذرين، وإنزال الكتاب الحاكم معهم للحكم في موارد الاختلاف. # فمحصل المعنى أن الناس أمة واحدة مدنية بالطبع لا غنى لهم عن الاجتماع ~~وهو يوجب الاختلاف فلذلك بعث الله الأنبياء وأنزل الكتاب. # ويرد عليه أولا: أنه أخذ المدنية طبعا أوليا للإنسان، والاجتماع ~~والاشتراك في الحياة لازما ذاتيا لهذا النوع، وقد عرفت فيما مر أن الأمر ~~ليس كذلك، بل أمر تصالحي اضطراري، وأن القرآن أيضا يدل على خلافه. # وثانيا: أن تفريع بعث الأنبياء وإنزال الكتب على مجرد كون الإنسان مدنيا ~~بالطبع غير مستقيم إلا بعد تقييد هذه المدنية بالطبع بكونها مؤدية إلى ~~الاختلاف، وظهور الفساد، فيحتاج الكلام إلى التقدير وهو خلاف الظاهر، ~~والقائل مع ذلك لا يرضى بتقدير الاختلاف في الكلام. # وثالثا: أنه مبني على أخذ الاختلاف الذي تذكره الآية وتتعرض به اختلافا ~~واحدا، والآية كالنص في كون الاختلاف اختلافين اثنين، حيث تقول: وأنزل معهم ~~الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فهو اختلاف سابق على الكتاب ~~والمختلفون بهذا الاختلاف هم الناس، ثم تقول وما اختلف فيه أي في الكتاب ~~إلا الذين أوتوه أي علموا الكتاب وحملوه بغيا بينهم، وهذا الاختلاف لاحق ~~بالكتاب متأخر عن نزوله، والمختلفون بهذا الاختلاف علماء الكتاب وحملته دون ~~جميع الناس، فأحد الاختلافين غير الآخر: أحدهما اختلاف عن بغي وعلم، والآخر ~~بخلافه. # قوله تعالى: فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين "إلخ"، عبر تعالى بالبعث ~~دون الإرسال وما في معناه لأن هذه الوحدة المخبر عنها من حال الإنسان ~~الأولي حال خمود وسكوت، وهو يناسب البعث الذي هو الإقامة عن نوم أو قطون ~~ونحو ms0556 ذلك، وهذه النكتة لعلها هي الموجبة للتعبير عن هؤلاء المبعوثين ~~بالنبيين دون أن يعبر بالمرسلين أو الرسل، على أن البعث وإنزال الكتاب كما ~~تقدم بيانه حقيقتهما بيان الحق للناس وتنبيههم بحقيقة أمر وجودهم وحياتهم، ~~وإنبائهم أنهم مخلوقون لربهم، وهو الله الذي لا إله إلا هو، وأنهم سالكون ~~كادحون إلى الله مبعوثون ليوم عظيم، واقفون في منزل من منازل السير، لا ~~حقيقة له إلا اللعب والغرور، فيجب أن يراعوا ذلك في هذه الحياة وأفعالها، ~~وأن يجعلوا نصب أعينهم أنهم من أين، وفي أين، وإلى أين، وهذا المعنى أنسب ~~بلفظ النبي الذي معناه: من استقر عنده النبأ دون الرسول، ولذلك عبر ~~بالنبيين، وفي إسناد بعث النبيين إلى الله سبحانه دلالة على عصمة الأنبياء ~~في تلقيهم الوحي وتبليغهم الرسالة إلى الناس وسيجيء زيادة توضيح لهذا في ~~آخر البيان، وأما التبشير والإنذار أي الوعد برحمة الله من رضوانه والجنة ~~لمن آمن واتقى، والوعيد بعذاب الله سبحانه من سخطه والنار لمن كذب وعصى ~~فهما أمس مراتب الدعوة بحال الإنسان المتوسط الحال، وإن كان بعض الصالحين ~~من عباده وأوليائه لا تتعلق نفوسهم بغير ربهم من ثواب أو عقاب. PageV02P072 # قوله تعالى: وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، الكتاب ~~فعال بمعنى المكتوب، والكتاب بحسب المتعارف من إطلاقه وإن استلزم كتابه ~~بالقلم لكن لكون العهود والفرامين المفترضة إنما يبرم بالكتابة غالبا شاع ~~إطلاقه على كل حكم مفروض واجب الاتباع أو كل بيان بل كل معنى لا يقبل النقض ~~في إبرامه، وقد كثر استعماله بهذا المعنى في القرآن، وبهذا المعنى سمي ~~القرآن كتابا وهو كلام إلهي، قال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك:" ص - ~~29، وقال تعالى: "إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا:" النساء - ~~103، وفي قوله تعالى فيما اختلفوا فيه، دلالة على أن المعنى: كان الناس أمة ~~واحدة فاختلفوا فبعث الله "إلخ"، كما مر. # واللام في الكتاب إما للجنس وإما للعهد الذهني والمراد به كتاب نوح (عليه ~~السلام) لقوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ms0557 والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى:" الشورى - 13، فإن الآية في مقام ~~الامتنان وتبين أن الشريعة النازلة على هذه الأمة جامعة لمتفرقات جميع ~~الشرائع السابقة النازلة على الأنبياء السالفين مع ما يختص بوحيه النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فالشريعة مختصة بهؤلاء الأنبياء العظام: نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # ولما كان قوله تعالى: وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه الآية يدل على أن الشرع إنما كان بالكتاب دلت الآيتان بالانضمام أولا: ~~على أن لنوح (عليه السلام) كتابا متضمنا لشريعة، وأنه المراد بقوله تعالى: ~~وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، إما وحده أو مع غيره ~~من الكتب بناء على كون اللام للعهد أو الجنس. # وثانيا: أن كتاب نوح أول كتاب سماوي متضمن للشريعة، إذ لو كان قبله كتاب ~~لكان قبله شريعة حاكمة ولذكرها الله تعالى في قوله: شرع لكم الآية. # وثالثا: أن هذا العهد الذي يشير تعالى إليه بقوله: كان الناس أمة واحدة ~~الآية كان قبل بعثة نوح (عليه السلام) وقد حكم فيه كتابه (عليه السلام). # قوله تعالى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم، قد مر أن المراد ~~به الاختلاف الواقع في نفس الدين من حملته، وحيث كان الدين من الفطرة كما ~~يدل عليه قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها:" الروم - 30، نسب الله سبحانه الاختلاف الواقع فيه إلى البغي. # وفي قوله تعالى: إلا الذين أوتوه، دلالة على أن المراد بالجملة هو ~~الإشارة إلى الأصل في ظهور الاختلاف الديني في الكتاب لا أن كل من انحرف عن ~~الصراط المستقيم أو تدين بغير الدين يكون باغيا وإن كان ضالا عن الصراط ~~السوي، فإن الله سبحانه لا يعذر الباغي، وقد عذر من اشتبه عليه الأمر ولم ~~يجد حيلة ولم يهتد سبيلا، قال تعالى: "إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ~~ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم:" الشورى - 42، وقال تعالى: ~~"وآخرون اعترفوا ms0558 بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم - إلى أن قال -: وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم:" التوبة - 106، وقال تعالى: "إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا:" النساء - 99. # على أن الفطرة لا تنافي الغفلة والشبهة، ولكن تنافي التعمد والبغي، ولذلك ~~خص البغي بالعلماء ومن استبانت له الآيات الإلهية، قال تعالى: "والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:" البقرة - 39، ~~والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد قيد الكفر في جميعها بتكذيب آيات الله ثم ~~أوقع عليه الوعيد، وبالجملة فالمراد بالآية أن هذا الاختلاف ينتهي إلى بغي ~~حملة الكتاب من بعد علم. PageV02P073 # قوله تعالى: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بيان لما اختلف ~~فيه وهو الحق الذي كان الكتاب نزل بمصاحبته، كما دل عليه قوله تعالى: وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق، وعند ذلك عنت الهداية الإلهية بشأن الاختلافين معا: ~~الاختلاف في شأن الحياة، والاختلاف في الحق والمعارف الإلهية الذي كان ~~عامله الأصلي بغي حملة الكتاب، وفي تقييد الهداية بقوله تعالى: بإذنه دلالة ~~على أن هداية الله تعالى لهؤلاء المؤمنين لم تكن إلزاما منهم، وإيجابا على ~~الله تعالى أن يهديهم لإيمانهم، فإن الله سبحانه لا يحكم عليه حاكم، ولا ~~يوجب عليه موجب إلا ما أوجبه على نفسه، بل كانت الهداية بإذنه تعالى ولو ~~شاء لم يأذن ولم يهد، وعلى هذا فقوله تعالى: والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم بمنزلة التعليل لقوله بإذنه، والمعنى إنما هداهم الله بإذنه لأن له ~~أن يهديهم وليس مضطرا موجبا على الهداية في مورد أحد، بل يهدي من يشاء، وقد ~~شاء أن يهدي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. # وقد تبين من الآية أولا: حد الدين ومعرفه، وهو أنه نحو سلوك في الحياة ~~الدنيا يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، والحياة الدائمة ~~الحقيقية عند الله سبحانه، ms0559 فلا بد في الشريعة من قوانين تتعرض لحال المعاش ~~على قدر الاحتياج. # وثانيا: أن الدين أول ما ظهر ظهر رافعا للاختلاف الناشىء عن الفطرة ثم ~~استكمل رافعا للاختلاف الفطري وغير الفطري معا. # وثالثا: أن الدين لا يزال يستكمل حتى يستوعب قوانينه جهات الاحتياج في ~~الحياة، فإذا استوعبها ختم ختما فلا دين بعده، وبالعكس إذا كان دين من ~~الأديان خاتما كان مستوعبا لرفع جميع جهات الاحتياج، قال تعالى: "ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين:" الأحزاب - 40، وقال ~~تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء:" النحل - 89، وقال تعالى: ~~"وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:" حم تنزيل - 42. # ورابعا: أن كل شريعة لاحقة أكمل من سابقتها. # وخامسا: السبب في بعث الأنبياء وإنزال الكتب، وبعبارة أخرى العلة في ~~الدعوة الدينية، وهو أن الإنسان بحسب طبعه وفطرته سائر نحو الاختلاف كما ~~أنه سالك نحو الاجتماع المدني، وإذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف ~~لم تتمكن من رفع الاختلاف، وكيف يدفع شيء ما يجذبه إليه نفسه، فرفع الله ~~سبحانه هذا الاختلاف بالنبوة والتشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق ~~بحالهم المصلح لشأنهم، وهذا الكمال كمال حقيقي داخل في الصنع والإيجاد فما ~~هو مقدمته كذلك، وقد قال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:" طه - 50، ~~فبين أن من شأنه وأمره تعالى أن يهدي كل شيء إلى ما يتم به خلقه، ومن تمام ~~خلقه الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا والآخرة، وقد قال تعالى ~~أيضا: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا:" ~~الإسراء - 20، وهذه الآية تفيد أن شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء: يمد كل ~~من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته ووجوده، ويعطيه ما يستحقه، وأن عطاءه ~~غير محظور ولا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظ نفسه، من ~~قبل نفسه لا من قبله تعالى. # ومن المعلوم أن الإنسان غير متمكن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه ms0560 فإن ~~فطرته هي المؤدية إلى هذه النقيصة فكيف يقدر على تتميمها وتسوية طريق ~~السعادة والكمال في حياته الاجتماعية؟. # وإذا كانت الطبيعة الإنسانية هي المؤدية إلى هذا الاختلاف العائق للإنسان ~~عن الوصول إلى كماله الحري به وهي قاصرة عن تدارك ما أدت إليه وإصلاح ما ~~أفسدته، فالإصلاح لو كان يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة، وهي الجهة ~~الإلهية التي هي النبوة بالوحي، ولذا عبر تعالى عن قيام الأنبياء بهذا ~~الإصلاح ورفع الاختلاف بالبعث ولم ينسبه في القرآن كله إلا إلى نفسه مع أن ~~قيام الأنبياء كسائر الأمور له ارتباطات بالمادة بالروابط الزمانية ~~والمكانية. PageV02P074 # فالنبوة حالة إلهية وإن شئت قل غيبية نسبتها إلى هذه الحالة العمومية من ~~الإدراك والفعل نسبة اليقظة إلى النوم بها يدرك الإنسان المعارف التي بها ~~يرتفع الاختلاف والتناقض في حياة الإنسان، وهذا الإدراك والتلقي من الغيب ~~هو المسمى في لسان القرآن بالوحي، والحالة التي يتخذها الإنسان منه لنفسه ~~بالنبوة. # ومن هناك يظهر أن هذا أعني تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدني من جهة وإلى ~~الاختلاف من جهة أخرى، وعنايته تعالى بالهداية إلى تمام الخلقة مبدأ حجة ~~على وجود النبوة، وبعبارة أخرى دليل النبوة العامة. # تقريره: أن نوع الإنسان مستخدم بالطبع، وهذا الاستخدام الفطري يؤديه إلى ~~الاجتماع المدني وإلى الاختلاف والفساد في جميع شئون حياته الذي يقضي ~~التكوين والإيجاد برفعه ولا يرتفع إلا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعية برفع ~~الاختلاف عنها، وهداية الإنسان إلى كماله وسعادته بأحد أمرين: إما بفطرته ~~وإما بأمر وراءه لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلى الاختلاف فكيف ~~ترفعها؟ فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة، وهو التفهيم ~~الإلهي غير الطبيعي المسمى بالنبوة والوحي، وهذه الحجة مؤلفة من مقدمات ~~مصرح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدم، وكل واحدة من هذه ~~المقدمات تجربية، بينتها التجربة للإنسان في تاريخ حياته واجتماعاته ~~المتنوعة التي ظهرت وانقرضت في طي القرون المتراكمة الماضية، إلى أقدم ~~أعصار الحياة الإنسانية التي يذكرها التاريخ. # فلا الإنسان انصرف ms0561 في حين من أحيان حياته عن حكم الاستخدام، ولا استخدامه ~~لم يؤد إلى الاجتماع وقضى بحياة فردية، ولا اجتماعه المكون خلا عن ~~الاختلاف، ولا الاختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعية، ولا أن فطرته وعقله ~~الذي يعده عقلا سليما قدرت على وضع قوانين تقطع منابت الاختلاف وتقلع مادة ~~الفساد، وناهيك في ذلك: ما تشاهده من جريان الحوادث الاجتماعية، وما هو نصب ~~عينيك من انحطاط الأخلاق وفساد عالم الإنسانية، والحروب المهلكة للحرث ~~والنسل، والمقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس، وسلطان التحكم ~~ونفوذ الاستعباد في نفوس البشر وأعراضهم وأموالهم في هذا القرن الذي يسمى ~~عصر المدنية والرقى والثقافة والعلم، فما ظنك بالقرون الخالية، أعصار الجهل ~~والظلمة؟. # وأما إن الصنع والإيجاد يسوق كل موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في ~~كل موجود بحسب التجربة والبحث، وكذا كون الخلقة والتكوين إذا اقتضى أثرا لم ~~يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث، وأما إن التعليم والتربية ~~الدينيين الصادرين من مصدر النبوة والوحي يقدران على دفع هذا الاختلاف ~~والفساد فأمر يصدقه البحث والتجربة معا: أما البحث: فلأن الدين يدعو إلى ~~حقائق المعارف وفواضل الأخلاق ومحاسن الأفعال فصلاح العالم الإنساني مفروض ~~فيه، وأما التجربة: فالإسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم ~~فيه على الاجتماع بين المسلمين هو الدين، وأثبت ذلك بتربية أفراد من ~~الإنسان صلحت نفوسهم، وأصلحوا نفوس غيرهم من الناس، على أن جهات الكمال ~~والعروق النابضة في هيكل الاجتماع المدني اليوم التي تضمن حياة الحضارة ~~والرقي مرهونة التقدم الإسلامي وسريانه في العالم الدنيوي على ما يعطيه ~~التجزية والتحليل من غير شك، وسنستوفي البحث عنه إن شاء الله في محل آخر ~~أليق به. # وسادسا: أن الدين الذي هو خاتم الأديان يقضي بوقوف الاستكمال الإنساني، ~~قضاء القرآن بختم النبوة وعدم نسخ الدين وثبات الشريعة يستوجب أن الاستكمال ~~الفردي والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره القرآن في بيانه ~~وتشريعه. # وهذا من ملاحم القرآن التي صدقها جريان تاريخ الإنسان منذ نزول القرآن ~~إلى يومنا هذا ms0562 في زمان يقارب أربعة عشر قرنا تقدم فيها النوع في الجهات ~~الطبيعي من اجتماعه تقدما باهرا، وقطع بعدا شاسعا غير أنه وقف من جهة ~~معارفه الحقيقية، وأخلاقه الفاضلة موقفه الذي كان عليه، ولم يتقدم حتى قدما ~~واحدا، أو رجع أقداما خلفه القهقرى، فلم يتكامل في مجموع كماله من حيث ~~المجموع أعني الكمال الروحي والجسمي معا. PageV02P075 # وقد اشتبه الأمر على من يقول: إن جعل القوانين العامة لما كان لصلاح حال ~~البشر وإصلاح شأنه وجب أن تتبدل بتبدل الاجتماعيات في نفسها وارتقائها ~~وصعودها مدارج الكمال، ولا شك أن النسبة بيننا وبين عصر نزول القرآن، ~~وتشريع قوانين الإسلام أعظم بكثير من النسبة بين ذلك العصر وعصر بعثة عيسى ~~(عليه السلام) وموسى (عليه السلام) فكان تفاوت النسبة بين هذا العصر وعصر ~~النبي موجبا لنسخ شرائع الإسلام ووضع قوانين أخر قابلة الانطباق على ~~مقتضيات العصر الحاضر. # والجواب عنه: أن الدين كما مر لم يعتبر في تشريعه مجرد الكمال المادي ~~الطبيعي للإنسان، بل اعتبر حقيقة الوجود الإنساني، وبنى أساسه على الكمال ~~الروحي والجسمي معا، وابتغى السعادة المادية والمعنوية جميعا، ولازم ذلك أن ~~يعتبر فيه حال الفرد الاجتماعي المتكامل بالتكامل الديني دون الفرد ~~الاجتماعي المتكامل بالصنعة والسياسة، وقد اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين ~~فإنهم لولوعهم في الأبحاث الاجتماعية المادية والمادة متحولة متكاملة ~~كالاجتماع المبني عليها حسبوا أن الاجتماع الذي اعتبره الدين نظير الاجتماع ~~الذي اعتبروه اجتماع مادي جسماني، فحكموا عليه بالتغير والنسخ حسب تحول ~~الاجتماع المادي، وقد عرفت أن الدين لا يبني تشريعه على أساس الجسم فقط، بل ~~الجسم والروح جميعا، وعلى هذا يجب أن يفرض فرد ديني أو اجتماع ديني جامع ~~للتربية الدينية والحياة المادية التي سمحت به دنيا اليوم ثم لينظر هل يوجد ~~عنده شيء من النقص المفتقر إلى التتميم، والوهن المحتاج إلى التقوية؟. # وسابعا: أن الأنبياء (عليهم السلام) معصومون عن الخطإ. # كلام في عصمة الأنبياء # توضيح هذه النتيجة: أن العصمة على ثلاثة أقسام: العصمة عن الخطإ في تلقي ~~الوحي، والعصمة عن الخطإ في التبليغ ms0563 والرسالة، والعصمة عن المعصية وهي ما ~~فيه هتك حرمة العبودية ومخالفة مولوية، ويرجع بالآخرة إلى قول أو فعل ينافي ~~العبودية منافاة ما، ونعني بالعصمة وجود أمر في الإنسان المعصوم يصونه عن ~~الوقوع فيما لا يجوز من الخطإ أو المعصية. # وأما الخطأ في غير باب المعصية وتلقي الوحي والتبليغ، وبعبارة أخرى في ~~غير باب أخذ الوحي وتبليغه والعمل به كالخطإ في الأمور الخارجية نظير ~~الأغلاط الواقعة للإنسان في الحواس وإدراكاتها أو الاعتباريات من العلوم، ~~ونظير الخطإ في تشخيص الأمور التكوينية من حيث الصلاح والفساد والنفع ~~والضرر ونحوها فالكلام فيها خارج عن هذا المبحث. # وكيف كان فالقرآن يدل على عصمتهم (عليهم السلام) في جميع الجهات الثلاث: ~~أما العصمة عن الخطإ في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة: فيدل عليه قوله تعالى ~~في الآية "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه" فإنه ظاهر في أن الله سبحانه إنما بعثهم بالتبشير والإنذار وإنزال ~~الكتاب وهذا هو الوحي ليبينوا للناس الحق في الاعتقاد والحق في العمل، ~~وبعبارة أخرى لهداية الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل، وهذا هو غرضه سبحانه ~~في بعثهم، وقد قال تعالى: "لا يضل ربي ولا ينسى:" طه - 52، فبين أنه لا يضل ~~في فعله ولا يخطىء في شأنه فإذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل ~~إليه من غير خطإ، وإذا سلك بفعل إلى غاية فلا يضل في سلوكه، وكيف لا وبيده ~~الخلق والأمر وله الملك والحكم، وقد بعث الأنبياء بالوحي إليهم وتفهيمهم ~~معارف الدين ولا بد أن يكون، وبالرسالة لتبليغها للناس ولا بد أن يكون! ~~وقال تعالى أيضا: "إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا:" الطلاق - ~~3، وقال أيضا: "والله غالب على أمره:" يوسف - 21. PageV02P076 # ويدل على العصمة عن الخطإ أيضا قوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ms0564 ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن ~~قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا:" الجن - 28، ~~فظاهره أنه سبحانه يختص رسله بالوحي فيظهرهم ويؤيدهم على الغيب بمراقبة ما ~~بين أيديهم وما خلفهم، والإحاطة بما لديهم لحفظ الوحي عن الزوال والتغير ~~بتغيير الشياطين وكل مغير غيرهم، ليتحقق إبلاغهم رسالات ربهم، ونظيره قوله ~~تعالى حكاية عن قول ملائكة الوحي "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا:" مريم - 64، دلت الآيات على أن ~~الوحي من حين شروعه في النزول إلى بلوغه النبي إلى تبليغه للناس محفوظ مصون ~~عن تغيير أي مغير يغيره. # وهذان الوجهان من الاستدلال وإن كانا ناهضين على عصمة الأنبياء (عليهم ~~السلام) في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة فقط دون العصمة عن المعصية في العمل ~~على ما قررنا، لكن يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضا بأن ~~الفعل دال كالقول عند العقلاء فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسنا ~~جائزا كما لو قال: إن الفعل الفلاني حسن جائز فلو تحققت معصية من النبي وهو ~~يأمر بخلافها لكان ذلك تناقضا منه فإن فعله يناقض حينئذ قوله فيكون حينئذ ~~مبلغا لكلا المتناقضين وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ للحق فإن المخبر ~~بالمتناقضين لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلا للآخر، فعصمة النبي في ~~تبليغ رسالته لا تتم إلا مع عصمته عن المعصية وصونه عن المخالفة كما لا يخفى. # ويدل على عصمتهم مطلقا قوله تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده:" الأنعام - 90، فجميعهم (عليهم السلام) كتب عليهم الهداية، وقد قال ~~تعالى: "ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهدي الله فما له من مضل:" الزمر - 37. # وقال تعالى: "من يهد الله فهو المهتد:" الكهف - 17، فنفى عن المهتدين ~~بهدايته كل مضل يؤثر فيهم بضلال، فلا يوجد فيهم ضلال، وكل معصية ضلال كما ~~يشير إليه قوله تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه ms0565 لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا:" ~~يس - 62، فعد كل معصية ضلالا حاصلا بإضلال الشيطان بعد ما عدها عبادة ~~للشيطان فإثبات هدايته تعالى في حق الأنبياء (عليهم السلام) ثم نفى الضلال ~~عمن اهتدى بهداه ثم عد كل معصية ضلالا تبرئة منه تعالى لساحة أنبيائه عن ~~صدور المعصية منهم وكذا عن وقوع الخطإ في فهمهم الوحي وإبلاغهم إياه. # ويدل عليها أيضا قوله تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا:" ~~النساء - 68، وقال أيضا: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين:" الحمد - 7، فوصف هؤلاء الذين أنعم عليهم ~~من النبيين بأنهم ليسوا بضالين، ولو صدر عنهم معصية لكانوا بذلك ضالين وكذا ~~لو صدر عنهم خطأ في الفهم أو التبليغ، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى فيما ~~يصف به الأنبياء: "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات وسوف يلقون غيا:" مريم - 59، فجمع في الأنبياء أولا الخصلتين: أعني ~~الإنعام والهداية حيث أتى بمن البيانية في قوله وممن هدينا واجتبينا بعد ~~قوله: أنعم الله عليهم، ووصفهم بما فيه غاية التذلل في العبودية، ثم وصف ~~الخلف بما وصف من أوصاف الذم، والفريق الثاني غير الأول لأن الفريق الأول ~~رجال ممدوحون مشكورون دون الثاني، وإذ وصف الفريق الثاني وعرفهم بأنهم ~~اتبعوا الشهوات وسوف يلقون غيا فالفريق الأول وهم الأنبياء ما كانوا يتبعون ~~الشهوات ولا يلحقهم غي، ومن البديهي أن من كان هذا شأنه لم يجز صدور ~~المعصية عنه حتى أنهم لو كانوا قبل نبوتهم ممن يتبع الشهوات لكانوا بذلك ~~ممن يلحقهم الغي لمكان الإطلاق في قوله: أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~وسوف يلقون غيا. PageV02P077 # وهذا الوجه قريب من قول من استدل على عصمة الأنبياء من طريق العقل بأن ~~إرسال ms0566 الرسل وإجراء المعجزات على أيديهم تصديق لقولهم. # فلا يصدر عنهم كذب وكذا تصديق لأهليتهم للتبليغ، والعقل لا يعد إنسانا ~~يصدر منه المعاصي والأفعال المنافية لمرام ومقصد كيف كان أهلا للدعوة إلى ~~ذلك المرام فإجراء المعجزات على أيديهم يتضمن تصديق عدم خطائهم في تلقي ~~الوحي وفي تبليغ الرسالة وفي امتثالهم للتكاليف المتوجه إليهم بالطاعة. # ولا يرد عليه: أن الناس وهم عقلاء يتسببون في أنواع تبليغاتهم وأقسام ~~أغراضهم الاجتماعية بالتبليغ ممن لا يخلو عن بعض القصور والتقصير في ~~التبليغ، فإن ذلك منهم لأحد أمرين لا يجوز فيما نحن فيه، إما لمكان ~~المسامحة منهم في اليسير من القصور والتقصير، وإما لأن مقصودهم هو البلوغ ~~إلى ما تيسر من الأمر المطلوب، والقبض على اليسير والغض عن الكثير وشيء من ~~الأمرين لا يليق بساحته تعالى. # ولا يرد عليه أيضا: ظاهر قوله تعالى: "فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون:" التوبة - ~~123، فإن الآية وإن كانت في حق العامة من المسلمين ممن ليس بمعصوم لكنه أذن ~~لهم في تبليغ ما تعلموا من الدين وتفقهوا فيه، لا تصديق لهم فيما أنذروا به ~~وجعل حجية لقولهم على الناس والمحذور إنما هو في الثاني دون الأول. # ومما يدل على عصمتهم (عليهم السلام) قوله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله:" النساء - 64، حيث جعل كون الرسول مطاعا غاية للإرسال، ~~وقصر الغاية فيه، وذلك يستدعي بالملازمة البينة تعلق إرادته تعالى بكل ما ~~يطاع فيه الرسول وهو قوله أو فعله لأن كلا منهما وسيلة معمولة متداولة في ~~التبليغ، فلو تحقق من الرسول خطأ في فهم الوحي أو في التبليغ كان ذلك إرادة ~~منه تعالى للباطل والله سبحانه لا يريد إلا الحق. # وكذا لو صدر عن الرسول معصية قولا أو فعلا والمعصية مبغوضة منهي عنها ~~لكان بعينه متعلق إرادته تعالى فيكون بعينه طاعة محبوبة فيكون تعالى مريدا ~~غير مريد، آمرا وناهيا، محبا ومبغضا بالنسبة إلى فعل واحد بعينه تعالى عن ~~تناقض ms0567 الصفات والأفعال علوا كبيرا وهو باطل وإن قلنا بجواز تكليف ما لا ~~يطاق على ما قال به بعضهم، فإن تكليف ما لا يطاق تكليف بالمحال وما نحن فيه ~~تكليف نفسه محال لأنه تكليف ولا تكليف وإرادة ولا إرادة وحب ولا حب ومدح ~~وذم بالنسبة إلى فعل واحد!. # ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل:" النساء - 165، فإن الآية ظاهرة في أن الله سبحانه ~~يريد قطع عذر الناس في ما فيه المخالفة والمعصية وأن لا قاطع للعذر إلا ~~الرسل (عليهم السلام)، ومن المعلوم أن قطع الرسل عذر الناس ورفعهم لحجتهم ~~إنما يصح إذا لم يتحقق في ناحيتهم ما لا يوافق إرادة الله ورضاه: من قول أو ~~فعل، وخطإ أو معصية وإلا كان للناس أن يتمسكوا به ويحتجوا على ربهم سبحانه ~~وهو نقض لغرضه تعالى. # فإن قلت: الذي يدل عليه ما مر من الآيات الكريمة هو أن الأنبياء (عليهم ~~السلام) لا يقع منهم خطأ ولا يصدر عنهم معصية وليس ذلك من العصمة في شيء ~~فإن العصمة على ما ذكره القوم قوة تمنع الإنسان عن الوقوع في الخطإ، وتردعه ~~عن فعل المعصية واقتراف الخطيئة، وليست القوة مجرد صدور الفعل أو عدم صدوره ~~وإنما هي مبدأ نفساني تصدر عنه الفعل كما تصدر الأفعال عن الملكات ~~النفسانية. # قلت: نعم لكن الذي يحتاج إليه في الأبحاث السابقة هو عدم تحقق الخطإ ~~والمعصية من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يضر في ذلك عدم ثبوت قوة ~~تصدر عنها الفعل صوابا أو طاعة وهو ظاهر. PageV02P078 # ومع ذلك يمكن الاستدلال على كون العصمة مستندة إلى قوة رادعة بما مر في ~~البحث عن الإعجاز من دلالة قوله تعالى: "إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا:" الطلاق - 3، وكذا قوله تعالى: "إن ربي على صراط مستقيم:" هود - ~~56، على أن كلا من الحوادث يحتاج إلى مبدإ يصدر عنه وسبب يتحقق به، فهذه ~~الأفعال الصادرة عن النبي (صلى الله عليه ms0568 وآله وسلم) على وتيرة واحدة صوابا ~~وطاعة تنتهي إلى سبب مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي نفسه وهي ~~القوة الرادعة وتوضيحه: أن أفعال النبي المفروض صدورها طاعة أفعال اختيارية ~~من نوع الأفعال الاختيارية الصادرة عنا التي بعضها طاعة وبعضها معصية، ولا ~~شك أن الفعل الاختياري إنما هو اختياري بصدوره عن العلم والمشية، وإنما ~~يختلف الفعل طاعة ومعصية باختلاف الصورة العلمية التي يصدر عنها، فإن كان ~~المقصود هو الجري على العبودية بامتثال الأمر مثلا تحققت الطاعة، وإن كان ~~المطلوب - أعني الصورة العلمية التي يضاف إليها المشية - اتباع الهوى ~~واقتراف ما نهى الله عنه تحققت المعصية، فاختلاف أفعالنا طاعة ومعصية ~~لاختلاف علمنا الذي يصدر عنه الفعل، ولو دام أحد العلمين أعني الحكم بوجوب ~~الجري على العبودية وامتثال الأمر الإلهي لما صدر إلا الطاعة، ولو دام ~~العلم الآخر الصادر عنه المعصية والعياذ بالله لم يتحقق إلا المعصية، وعلى ~~هذا فصدور الأفعال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوصف الطاعة دائما ~~ليس إلا لأن العلم الذي يصدر عنه فعله بالمشية صورة علمية صالحة غير ~~متغيرة، وهو الإذعان بوجوب العبودية دائما، ومن المعلوم أن الصورة العلمية ~~والهيئة النفسانية الراسخة غير الزائلة هي الملكة النفسانية كملكة العفة ~~والشجاعة والعدالة ونحوها، ففي النبي ملكة نفسانية يصدر عنها أفعاله على ~~الطاعة والانقياد وهي القوة الرادعة عن المعصية. # ومن جهة أخرى النبي لا يخطىء في تلقي الوحي ولا في تبليغ الرسالة ففيه ~~هيئة نفسانية لا تخطىء في تلقي المعارف وتبليغها ولا تعصي في العمل ولو ~~فرضنا أن هذه الأفعال وهي على وتيرة واحدة ليس فيها إلا الصواب والطاعة ~~تحققت منه من غير توسط سبب من الأسباب يكون معه، ولا انضمام من شيء إلى نفس ~~النبي كان معنى ذلك أن تصدر أفعاله الاختيارية على تلك الصفة بإرادة من ~~الله سبحانه من غير دخالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه، ولازم ذلك ~~إبطال علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإرادته في تأثيرها في أفعاله ~~وفي ذلك ms0569 خروج الأفعال الاختيارية عن كونها اختيارية، وهو ينافي افتراض كونه ~~فردا من أفراد الإنسان الفاعل بالعلم والإرادة، فالعصمة من الله سبحانه ~~إنما هي بإيجاد سبب في الإنسان النبي يصدر عنه أفعاله الاختيارية صوابا ~~وطاعة وهو نوع من العلم الراسخ وهو الملكة كما مر. # كلام في النبوة # والله سبحانه بعد ما ذكر هذه الحقيقة وهي وصف إرشاد الناس بالوحي في ~~كلامه كثيرا عبر عن رجالها بتعبيرين مختلفين فيه تقسيمهم إلى قسمين أو ~~كالتقسيم: وهما الرسول والنبي، قال تعالى: "وجيء بالنبيين والشهداء:" الزمر ~~- 69، وقال تعالى: "يوم يجمع الله الرسل ما ذا أجبتم:" المائدة - 109، ~~ومعنى الرسول حامل الرسالة، ومعنى النبي حامل النبإ، فللرسول شرف الوساطة ~~بين الله سبحانه وبين خلقه وللنبي شرف العلم بالله وبما عنده. # وقد قيل إن الفرق بين النبي والرسول بالعموم والخصوص المطلق فالرسول هو ~~الذي يبعث فيؤمر بالتبليغ ويحمل الرسالة، والنبي هو الذي يبعث سواء أمر ~~بالتبليغ أم لم يؤمر. # لكن هذا الفرق لا يؤيده كلامه تعالى كقوله تعالى: "واذكر في الكتاب موسى ~~إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا:" مريم - 51، والآية في مقام المدح والتعظيم ~~ولا يناسب هذا المقام التدرج من الخاص إلى العام كما لا يخفى. PageV02P079 # وكذا قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي:" الحج - 51، حيث ~~جمع في الكلام بين الرسول والنبي ثم جعل كلا منهما مرسلا لكن قوله تعالى: ~~"ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء:" الزمر - 69، وكذا قوله تعالى: "ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين:" الأحزاب - 40، وكذا ما في الآية المبحوث عنها من ~~قوله تعالى: "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" إلى غير ذلك من الآيات ~~يعطي ظاهرها أن كل مبعوث من الله بالإرسال إلى الناس نبي ولا ينافي ذلك ما ~~مر من قوله تعالى: وكان رسولا نبيا الآية، فإن اللفظين قصد بهما معناهما من ~~غير أن يصيرا اسمين مهجوري المعنى فالمعنى وكان رسولا خبيرا بآيات الله ~~ومعارفه، وكذا قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الآية ~~لإمكان أن يقال: إن النبي والرسول كليهما ms0570 مرسلان إلى الناس، غير أن النبي ~~بعث لينبىء الناس بما عنده من نبإ الغيب لكونه خبيرا بما عند الله، والرسول ~~هو المرسل برسالة خاصة زائدة على أصل نبإ النبوة كما يشعر به أمثال قوله ~~تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالحق:" يونس - 47، وقوله ~~تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا:" الإسراء - 15، وعلى هذا فالنبي هو ~~الذي يبين للناس صلاح معاشهم ومعادهم من أصول الدين وفروعه على ما اقتضته ~~عناية الله من هداية الناس إلى سعادتهم، والرسول هو الحامل لرسالة خاصة ~~مشتملة على إتمام حجة يستتبع مخالفته هلاكه أو عذابا أو نحو ذلك قال تعالى: ~~"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل:" النساء - 165، ولا يظهر من ~~كلامه تعالى في الفرق بينهما أزيد مما يفيده لفظاهما بحسب المفهوم، ولازمه ~~هو الذي أشرنا إليه من أن للرسول شرف الوساطة بين الله تعالى وبين عباده ~~وللنبي شرف العلم بالله وبما عنده وسيأتي ما روي عن أئمة أهل البيت " ~~(عليهم السلام)" من الفرق بينهما. # ثم إن القرآن صريح في أن الأنبياء كثيرون وإن الله سبحانه لم يقصص الجميع ~~في كتابه، قال تعالى: "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم ~~من لم نقصص عليك:" المؤمن - 78، إلى غير ذلك والذين قصهم الله تعالى في ~~كتابه بالاسم بضعة وعشرون نبيا وهم: آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، ~~وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، واليسع، وذو الكفل، وإلياس، ويونس، وإسحاق، ~~ويعقوب، ويوسف، وشعيب، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وأيوب، وزكريا، ~~ويحيى، وإسماعيل صادق الوعد، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم أجمعين. # وهناك عدة لم يذكروا بأسمائهم بل بالتوصيف والكناية، قال سبحانه: ألم تر ~~إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا:" ~~البقرة - 246 وقال تعالى: "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها:" ~~البقرة - 259، وقال تعالى: "إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث:" ~~يس - 14، وقال تعالى: "فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه من لدنا علما:" الكهف - ~~65، وقال تعالى: "والأسباط:" البقرة - 136، وهناك ms0571 من لم يتضح كونه نبيا ~~كفتى موسى في قوله تعالى: "وإذ قال موسى لفتاه:" الكهف - 60، ومثل ذي ~~القرنين وعمران أبي مريم وعزير من المصرح بأسمائهم. # وبالجملة لم يذكر في القرآن لهم عدد يقفون عنده والذي يشتمل من الروايات ~~على بيان عدتهم آحاد مختلفة المتون وأشهرها رواية أبي ذر عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أن الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، والمرسلون ~~منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيا. # واعلم: أن سادات الأنبياء هم أولوا العزم منهم وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى ~~وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: "فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل:" الأحقاف - 35، وسيجيء أن معنى العزم فيهم الثبات على ~~العهد الأول المأخوذ منهم وعدم نسيانه، قال تعالى: "وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأخذنا منهم ميثاقا غليظا:" ~~الأحزاب - 7، وقال تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما:" طه - 115. PageV02P080 # وكل واحد من هؤلاء الخمسة صاحب شرع وكتاب، قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى:" الشورى ~~- 13، وقال تعالى: "إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى:" الأعلى - ~~19، وقال تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى يحكم بها النبيون، إلى أن ~~قال: "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور - إلى أن قال - وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم ~~أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم:" المائدة - 48. # والآيات تبين أن لهم شرائع وأن لإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كتبا، وأما كتاب نوح فقد عرفت أن الآية أعني قوله تعالى: ~~كان الناس أمة واحدة "إلخ"، بانضمامه إلى قوله تعالى شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا الآية تدل عليه، وهذا ms0572 الذي ذكرناه لا ينافي نزول الكتاب على ~~داود (عليه السلام)، قال تعالى: "وآتينا داود زبورا:" النساء - 163، ولا ما ~~في الروايات من نسبة كتب إلى آدم، وشيث، وإدريس، فإنها كتب لا تشتمل على ~~الأحكام والشرائع. # واعلم أن من لوازم النبوة الوحي وهو نوع تكليم إلهي تتوقف عليه النبوة ~~قال تعالى: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده:" النساء ~~- 163، وسيجيء استيفاء البحث عن معناه في سورة الشورى إن شاء الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: كان الناس قبل نوح أمة ~~واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضالين فبعث الله النبيين. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) في الآية قال: وكان ذلك قبل ~~نوح فقيل: فعلى هدى كانوا؟ قال بل كانوا ضلالا، وذلك أنه لما انقرض آدم ~~وصالح ذريته، وبقي شيث وصيه لا يقدر على إظهار دين الله الذي كان عليه آدم ~~وصالح ذريته وذلك أن قابيل كان يواعده بالقتل كما قتل أخاه هابيل، فصار ~~فيهم بالتقية والكتمان فازدادوا كل يوم ضلالة حتى لم يبق على الأرض معهم ~~إلا من هو سلف، ولحق الوصي بجزيرة من البحر ليعبد الله فبدا لله تبارك ~~وتعالى أن يبعث الرسل، ولو سئل هؤلاء الجهال لقالوا قد فرغ من الأمر، ~~وكذبوا، إنما هو شيء يحكم الله في كل عام ثم قرأ: فيها يفرق كل أمر حكيم، ~~فيحكم الله تبارك وتعالى: ما يكون في تلك السنة من شدة أو رخاء أو مطر أو ~~غير ذلك، قلت أفضلالا كانوا قبل النبيين أم على هدى؟ قال: لم يكونوا على ~~هدى، كانوا على فطرة الله التي فطرهم عليها، لا تبديل لخلق الله، ولم ~~يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم الله، أما تسمع بقول إبراهيم: لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين أي ناسيا للميثاق. # أقول: قوله: لم يكونوا على هدى كانوا على فطرة الله، يفسر معنى كونهم ~~ضلالا المذكور في أول الحديث، وأنهم إنما خلوا عن الهداية التفصيلية إلى ~~المعارف الإلهية، وأما ms0573 الهداية الإجمالية فهي تجامع الضلال بمعنى الجهل ~~بالتفاصيل كما يشير إليه قوله (عليه السلام) في رواية المجمع، المنقولة ~~آنفا: على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالا. # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي ناسيا للميثاق، تفسير للضلال ~~فالهداية هي ذكر الميثاق حقيقة كما في الكمل من المؤمنين أو الجري على حال ~~من هو ذاكر للميثاق وإن لم يكن ذاكرا له حقيقة وهو حال سائر المؤمنين ولا ~~يخلو إطلاق الهداية عليه من عناية. PageV02P081 # وفي التوحيد، عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد الله ~~فقال: من أين أثبت أنبياء ورسلا؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا لما ~~أثبتنا: أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع ~~حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه ~~ويحاجهم ويحاجوه، فثبت أن له سفراء في خلقه يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم ~~وما فيه بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون الناهون عن الحكيم العليم ~~في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء ~~مؤدبون بالحكمة مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم، على مشاركتهم ~~لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل ~~والبراهين والشواهد، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص فلا يخلو أرض ~~الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته. # أقول: والحديث كما ترى مشتمل على حجج ثلاث في مسائل ثلاث من النبوة. # إحداها: الحجة على النبوة العامة وبالتأمل فيما ذكره (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) تجد أنه منطبق على ما استفدنا من قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة الآية. # وثانيتها: الحجة على لزوم تأييد النبي بالمعجزة، وما ذكره (عليه السلام) ~~منطبق على ما ذكرناه في البحث عن الإعجاز في بيان قوله تعالى: "وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله:" البقرة - 23. # وثالثتها: مسألة عدم خلو الأرض عن الحجة وسيأتي بيانه إن شاء الله. # وفي المعاني، ms0574 والخصال، عن عتبة الليثي عن أبي ذر رحمه الله قال: قلت يا ~~رسول الله كم النبيون؟ قال: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، قلت: كم المرسلون ~~منهم؟ قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا، قلت من كان أول الأنبياء؟ قال: ~~آدم، قلت: وكان من الأنبياء مرسلا؟ قال: نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من ~~روحه، ثم قال يا أبا ذر أربعة من الأنبياء سريانيون: آدم وشيث، وأخنوخ وهو ~~إدريس وهو أول من خط بالقلم، ونوح، وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ~~ونبيك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأول نبي من بني إسرائيل موسى ~~وآخرهم عيسى وستمائة نبي، قلت: يا رسول الله! كم أنزل الله تعالى من كتاب؟ ~~قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ~~ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وأنزل التوراة، والإنجيل، ~~والزبور، والفرقان. # أقول: والرواية وخاصة صدرها المتعرض لعدد الأنبياء والمرسلين من ~~المشهورات روتها الخاصة والعامة في كتبهم، وروى هذا المعنى الصدوق في ~~الخصال، والأمالي، عن الرضا عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وعن زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ورواه ابن قولويه ~~في كامل الزيارة، والسيد في الإقبال، عن السجاد (عليه السلام)، وفي ~~البصائر، عن الباقر (عليه السلام). # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: وكان رسولا نبيا ~~الآية قال: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول ~~الذي يسمع الصوت ولا يرى في المنام ويعاين. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر، ومن الممكن أن يستفاد ذلك من مثل قوله ~~تعالى: "فأرسل إلى هارون:" الشعراء - 13، وليس معناها أن معنى الرسول هو ~~المرسل إليه ملك الوحي بل المقصود أن النبوة والرسالة مقامان خاصة أحدهما ~~الرؤيا وخاصة الآخر مشاهدة ملك الوحي، وربما اجتمع المقامان في واحد ~~فاجتمعت الخاصتان، وربما كانت نبوة من غير رسالة، فيكون الرسالة أخص من ~~النبوة مصداقا لا مفهوما كما يصرح به الحديث السابق عن أبي ذر حيث يقول: ms0575 ~~قلت: كم المرسلون منهم؟ فقد تبين أن كل رسول نبي ولا عكس. # وبذلك يظهر الجواب عما اعترضه بعضهم على دلالة قوله تعالى: "ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين:" الأحزاب - 40، إنه إنما يدل على ختم النبوة دون ختم ~~الرسالة مستدلا بهذه الرواية ونظائرها. # والجواب: أن النبوة أعم مصداقا من الرسالة وارتفاع الأعم يستلزم ارتفاع ~~الأخص ولا دلالة في الروايات كما عرفت على العموم من وجه بين الرسالة ~~والنبوة بل الروايات صريحة في العموم المطلق. PageV02P082 # وفي العيون، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إنما سمي أولو العزم ~~أولي العزم لأنهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع، وذلك أن كل نبي كان بعد ~~نوح كان على شريعته ومنهاجه وتابعا لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل، وكل نبي ~~كان في أيام إبراهيم كان على شريعة إبراهيم ومنهاجه وتابعا لكتابه إلى زمن ~~موسى، وكل نبي كان في زمن موسى كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعا لكتابه ~~إلى أيام عيسى وكل نبي كان في أيام عيسى وبعده كان على شريعة عيسى ومنهاجه ~~وتابعا لكتابه إلى زمن نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهؤلاء الخمسة ~~أولو العزم، وهم أفضل الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وشريعة محمد لا تنسخ ~~إلى يوم القيامة، ولا نبي بعده إلى يوم القيامة فمن ادعى بعده النبوة أو ~~أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه. # أقول: وروى هذا المعنى صاحب قصص الأنبياء، عن الصادق (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~الآية، وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم (عليهما السلام)، ومعنى ~~أولي العزم أنهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار بالله وأقروا بكل نبي كان ~~قبلهم وبعدهم: وعزموا على الصبر مع التكذيب لهم والأذى. # أقول: وروي من طرق أهل السنة والجماعة عن ابن عباس وقتادة: أن أولي العزم ~~من الأنبياء خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما رويناه من طرق أهل البيت، وهناك أقوال أخر منسوبة إلى بعضهم: ~~فذهب بعضهم ms0576 إلى أنهم ستة: نوح، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، ~~وذهب بعضهم إلى أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال وأظهروا المكاشفة وجاهدوا ~~في الدين، وذهب بعضهم إلى أنهم أربعة: إبراهيم، ونوح، وهود، ورابعهم محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه أقوال خالية عن الحجة وقد ذكرنا الوجه في ذلك. # وفي تفسير العياشي، عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:؟ كان ما ~~بين آدم وبين نوح من الأنبياء مستخفين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم ~~يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء الحديث. # أقول: وروي هذا المعنى عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) بطرق كثيرة. # وفي الصافي، عن المجمع عن علي (عليه السلام): بعث الله نبيا أسود لم يقص ~~علينا قصته وفي النهج، قال (عليه السلام): في خطبة له يذكر فيها آدم (عليه ~~السلام): فأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية، واصطفى سبحانه من ولده ~~أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر ~~خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين ~~عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ~~ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ~~ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة: من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد ~~تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع ~~عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة ~~أو محجة قائمة، رسل لا يقصر بهم قلة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم: من سابق ~~سمي له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، ~~وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء، إلى أن بعث الله سبحانه محمدا لإنجاز عدته، ~~وتمام نبوته الخطبة. # أقول: قوله: اجتالتهم أي حملتهم على الجولان إلى كل جانب، وقوله: واتر ~~إليهم، أي أرسل واحدا بعد واحد، والأوصاب جمع وصب وهو المرض، والأحداث جمع ~~الحدث وهو النازلة، وقوله نسلت القرون أي مضت، وإنجاز العدة تصديق الوعد، ~~والمراد به الوعد الذي وعده الله ms0577 سبحانه بإرسال رسوله محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وبشر به عيسى (عليه السلام) وغيره من الأنبياء (عليهم السلام)، ~~قال تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا:" الأنعام - 115. PageV02P083 # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن الوليد قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): قال الله تعالى لموسى (عليه السلام): وكتبنا له في الألواح من كل ~~شيء فعلمنا أنه لم يكتب لموسى الشيء كله، وقال تعالى لعيسى: لأبين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه، وقال الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): وجئنا ~~بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء. # أقول: وروي في بصائر الدرجات، هذا المعنى عن عبد الله بن الوليد بطريقين، ~~وقوله (عليه السلام) قال الله لموسى "إلخ"، إشارة إلى أن قوله تعالى في ~~الألواح من كل شيء يفسر قوله تعالى في حق التوراة: "وتفصيل كل شيء" إذ لو ~~كان المراد به استيعاب البيان لجميع جهات كل شيء لم يصح قوله: في الألواح ~~من كل شيء فهذا الكلام شاهد على أن المراد من تفصيل كل شيء تفصيله بوجه لا ~~من جميع الجهات فافهم. ### |||| AUTO بحث فلسفي # مسألة النبوة العامة بالنظر إلى كون النبوة نحو تبليغ للأحكام وقوانين ~~مجعولة مشرعة وهي أمور اعتبارية غير حقيقية، وإن كانت مسألة كلامية غير ~~فلسفية فإن البحث الفلسفي إنما ينال الأشياء من حيث وجوداتها الخارجية ~~وحقائقها العينية ولا يتناول الأمور المجعولة الاعتبارية. # لكنها بالنظر إلى جهة أخرى مسألة فلسفية وبحث حقيقي، وذلك أن المواد ~~الدينية: من المعارف الأصلية والأحكام الخلقية والعملية لها ارتباط بالنفس ~~الإنسانية من جهة أنها تثبت فيها علوما راسخة أو أحوالا تؤدي إلى ملكات ~~راسخة، وهذه العلوم والملكات تكون صورا للنفس الإنسانية تعين طريقها إلى ~~السعادة والشقاوة، والقرب والبعد من الله سبحانه، فإن الإنسان بواسطة ~~الأعمال الصالحة والاعتقادات الحقة الصادقة يكتسب لنفسه كمالات لا تتعلق ~~إلا بما هي له عند الله سبحانه من القرب والزلفى، والرضوان والجنان وبواسطة ~~الأعمال الطالحة والعقائد السخيفة الباطلة يكتسب لنفسه صورا لا تتعلق إلا ms0578 ~~بالدنيا الداثرة وزخارفها الفانية ويؤديها ذلك أن ترد بعد مفارقة الدنيا ~~وانقطاع الاختيار إلى دار البوار ومهاد النار وهذا سير حقيقي. # وعلى هذا فالمسألة حقيقية والحجة التي ذكرناها في البيان السابق ~~واستفدناها من الكتاب العزيز حجة برهانية. # توضيح ذلك: أن هذه الصور للنفس الإنسانية الواقعة في طريق الاستكمال، ~~والإنسان نوع حقيقي بمعنى أنه موجود حقيقي مبدأ لآثار وجودية عينية، والعلل ~~الفياضة للموجودات أعطتها قابلية النيل إلى كمالها الأخير في وجودها بشهادة ~~التجربة والبرهان، والواجب تعالى تام الإفاضة فيجب أن يكون هناك إفاضة لكل ~~نفس مستعدة بما يلائم استعدادها من الكمال، ويتبدل به قوتها إلى الفعلية، ~~من الكمال الذي يسمى سعادة إن كانت ذات صفات حسنة وملكات فاضلة معتدلة أو ~~الذي يسمى شقاوة إن كانت ذات رذائل وهيئات ردية. # وإذ كانت هذه الملكات والصور حاصلة لها من طريق الأفعال الاختيارية ~~المنبعثة عن اعتقاد الصلاح والفساد، والخوف والرجاء، والرغبة إلى المنافع، ~~والرهبة من المضار، وجب أن تكون هذه الإفاضة أيضا متعلقه بالدعوة الدينية ~~بالتبشير والإنذار والتخويف والتطميع لتكون شفاء للمؤمنين فيكملوا به في ~~سعادتهم، وخسارا للظالمين فيكملوا به في شقاوتهم، والدعوة تحتاج إلى داع ~~يقدم بها وهو النبي المبعوث من عنده تعالى. # فإن قلت: كفى في الدعوة ما يدعو إليه العقل من اتباع الإنسان للحق في ~~الاعتقاد والعمل، وسلوكه طريق الفضيلة والتقوى، فأي حاجة إلى بعث الأنبياء. # قلت: العقل الذي يدعو إلى ذلك، ويأمر به هو العقل العملي الحاكم بالحسن ~~والقبح، دون العقل النظري المدرك لحقائق الأشياء كما مر بيانه سابقا، ~~والعقل العملي يأخذ مقدمات حكمه من الإحساسات الباطنة، والإحساسات التي هي ~~بالفعل في الإنسان في بادي حاله هي إحساسات القوى الشهوية والغضبية، وأما ~~القوة الناطقة القدسية فهي بالقوة، وقد مر أن هذا الإحساس الفطري يدعو إلى ~~الاختلاف، فهذه التي بالفعل لا تدع الإنسان يخرج من القوة إلى الفعل كما هو ~~مشهود من حال الإنسان فكل قوم أو فرد فقد التربية الصالحة عاد عما قليل إلى ~~التوحش والبربرية مع وجود العقل فيهم ms0579 وحكم الفطرة عليهم، فلا غناء عن تأييد ~~إلهي بنبوة تؤيد العقل. PageV02P084 ### |||| AUTO بحث اجتماعي # فإن قلت: هب أن العقل لا يستقل بالعمل في كل فرد أو في كل قوم في جميع ~~التقادير ولكن الطبيعة تميل دائما إلى ما فيه صلاحها والاجتماع التابع لها ~~مثلها يهدي إلى صلاح أفراده فهو يستقر بالآخرة على هيئة صالحة فيها سعادة ~~أفراد المجتمعين وهو الأصل المعروف بتبعية المحيط فالتفاعل بين الجهات ~~المتضادة يؤدي بالآخرة إلى اجتماع صالح مناسب لمحيط الحياة الإنسانية جالب ~~لسعادة النوع المجتمع الأفراد، ويشهد به ما نشاهده ويؤيده التاريخ أن ~~الاجتماعات لا تزال تميل إلى التكامل وتتمنى الصلاح وتتوجه إلى السعادة ~~اللذيذة عند الإنسان، فمنها ما بلغ مبتغاه وأمنيته كما في بعض الأمم مثل ~~سويسرة، ومنها ما هو في الطريق ولما يتم له شرائط الكمال وهي قريبة أو ~~بعيدة كما في سائر الدول. # قلت: تمايل الطبيعة إلى كمالها وسعادتها مما لا يسع أحدا إنكاره، ~~والاجتماع المنتهي إلى الطبيعة حاله حال الطبيعة في التوجه إلى الكمال لكن ~~الذي ينبغي الإمعان فيه أن هذا التمايل والتوجه لا يستوجب فعلية الكمال ~~والسعادة الحقيقية، لما ذكرنا من فعلية الكمال الشهوي والغضبي في الإنسان ~~وكون مبادىء السعادة الحقيقية فيه بالقوة، والشاهد عليه عين ما استشهد به ~~في الاعتراض من كون الاجتماعات المدنية المنقرضة والحاضرة متوجهة إلى ~~الكمال، ونيل بعضها إلى المدنية الفاضلة السعيدة، وقرب البعض الآخر أو ~~بعده، فإن الذي نجده عند هؤلاء من الكمال والسعادة هو الكمال الجسمي وليس ~~الكمال الجسمي هو كمال الإنسان، فإن الإنسان ليس هو الجسم بل هو مركب من ~~جسم وروح، مؤلف من جهتين مادية ومعنوية له حياة في البدن وحياة بعد مفارقته ~~من غير فناء وزوال، يحتاج إلى كمال وسعادة تستند إليها في حياته الآخرة، ~~فليس من الصحيح أن يعد كماله الجسمي الموضوع على أساس الحياة الطبيعية ~~كمالا له وسعادة بالنسبة إليه، وحقيقته هذه الحقيقة. # فتبين أن الاجتماع بحسب التجربة إنما يتوجه بالفعل إلى فعلية الكمال ~~الجسماني دون فعلية الكمال الإنساني، ms0580 وإن كان في قصدها هداية الإنسان إلى ~~كمال حقيقته لا كمال جسمه الذي في تقوية جانبه هلاك الإنسانية وانحلال ~~تركيبه، وضلاله عن صراطه المستقيم، فهذا الكمال لا يتم له إلا بتأييد من ~~النبوة، والهداية الإلهية. # فإن قلت: لو صحت هذه الدعوة النبوية ولها ارتباط بالهداية التكوينية لكان ~~لازمها فعلية التأثير في الاجتماعات الإنسانية، كما أن هداية الإنسان بل كل ~~موجود مخلوق إلى منافع وجوده أمر فعلي جار في الخلقة والتكوين، فكان من ~~اللازم أن يتلبس به الاجتماعات، ويجري في ما بين الناس مجرى سائر الغرائز ~~الجارية، وليس كذلك، فكيف يكون إصلاحا حقيقيا ولا تقبله الاجتماعات ~~الإنسانية؟ فليست الدعوة الدينية في رفعها اختلافات الحياة إلا فرضية غير ~~قابلة الانطباق على الحقيقة. # قلت: أولا أثر الدعوة الدينية مشهود معاين، لا يرتاب فيه إلا مكابر، ~~فإنها في جميع أعصار وجودها منذ ظهرت، ربت ألوفا وألوفا من الأفراد في جانب ~~السعادة، وأضعاف ذلك وأضعاف أضعافهم في جانب الشقاء بالقبول والرد ~~والانقياد والاستكبار، والإيمان والكفر، مضافا إلى بعض الاجتماعات الدينية ~~المنعقدة أحيانا من الزمان، على أن الدنيا لم تقض عمرها بعد، ولما ينقرض ~~العالم الإنساني، ومن الممكن أن يتحول الاجتماع الإنساني يوما إلى اجتماع ~~ديني صالح، فيه حياة الإنسانية الحقيقية وسعادة الفضائل والأخلاق الراقية ~~يوم لا يعبد فيه إلا الله سبحانه، ويسار فيه بالعدالة والفضيلة، وليس من ~~الجائز أن نعد مثل هذا التأثير العظيم هينا لا يعبأ به. # وثانيا: أن الأبحاث الاجتماعية وكذا علم النفس وعلم الأخلاق تثبت أن ~~الأفعال المتحققة في الخارج لها ارتباط بالأحوال والملكات من الأخلاق ترتضع ~~من ثدي الصفات النفسانية، ولها تأثير في النفوس، فالأفعال آثار النفوس ~~وصفاتها، ولها آثار في النفوس في صفاتها، ويستنتج من هناك أصلان: أصل سراية ~~الصفات والأخلاق، وأصل وراثتها، فهي تتسع وجودا بالسراية عرضا، وتتسع ببقاء ~~وجودها بالوراثة طولا. PageV02P085 # فهذه الدعوة العظيمة وهي تصاحب الاجتماعات الإنسانية من أقدم عهودها، في ~~تاريخها المضبوط وقبل ضبط التاريخ لا بد أن تكون ذات أثر عميق في حياة ~~الإنسان الاجتماعية ms0581 من حيث الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة الكريمة، ~~فللدعوة الدينية آثار في النفوس وإن لم تجبها ولم تؤمن بها. # بل حقيقة الأمر: أن ما نشاهد في الاجتماعات الحاضرة من الملل والأمم ~~الحية من آثار النبوة والدين، وقد ملكوها بالوراثة أو التقليد، فإن الدين ~~منذ ظهر بين هذا النوع حملته وانتحلت به أمم وجماعات هامة، وهو الداعي ~~الوحيد الذي يدعو إلى الإيمان، والأخلاق الفاضلة والعدل والصلاح، فالموجود ~~من الخصائل الحميدة بين الناس اليوم وإن كان قليلا بقايا من آثاره ونتائجه، ~~فإن التدابير العامة في الاجتماعات المتكونة ثلاثة لا رابع لها: أحدها ~~تدبير الاستبداد وهو يدعو إلى الرقية في جميع الشئون الإنسانية، وثانيها ~~القوانين المدنية وهي تجري وتحكم في الأفعال فحسب، وتدعو إلى الحرية فيما ~~وراء ذلك من الأخلاق وغيرها، وثالثها الدين وهو يحكم في الاعتقادات ~~والأخلاق والأفعال جميعا ويدعو إلى إصلاح الجميع. # فلو كان في الدنيا خير مرجو أو سعادة لوجب أن ينسب إلى الدين وتربيته. # ويشهد بذلك ما نشاهده من أمر الأمم التي بنت اجتماعها على كمال الطبيعة، ~~وأهملت أمر الدين والأخلاق، فإنهم لم يلبثوا دون أن افتقدوا الصلاح والرحمة ~~والمحبة وصفاء القلب وسائر الفضائل الخلقية والفطرية مع وجود أصل الفطرة ~~فيهم، ولو كانت أصل الفطرة كافية، ولم تكن هذه الصفات بين البشر من البقايا ~~الموروثة من الدين لما افتقدوا شيئا من ذلك. # على أن التاريخ أصدق شاهد على الاقتباسات التي عملتها الأمم المسيحية بعد ~~الحروب الصليبية، فاقتبسوا مهمات النكات من القوانين العامة الإسلامية ~~فتقلدوها وتقدموا بها، والحال أن المسلمين اتخذوها وراءهم ظهريا، فتأخر ~~هؤلاء وتقدم أولئك، والكلام طويل الذيل. # وبالجملة الأصلان المذكوران، أعني السراية والوراثة، وهما التقليد ~~الغريزي في الإنسان والتحفظ على السيرة المألوفة يوجبان نفوذ الروح الديني ~~في الاجتماعات كما يوجبان في غيره ذلك وهو تأثير فعلي. # فإن قلت: فعلى هذه فما فائدة الفطرة فإنها لا تغني طائلا وإنما أمر ~~السعادة بيد النبوة؟ وما فائدة بناء التشريع على أساس الفطرة على ما تدعيه ~~النبوة؟. # قلت: ما قدمناه في بيان ms0582 ما للفطرة من الارتباط بسعادة الإنسان وكماله ~~يكفي في حل هذه الشبهة، فإن السعادة والكمال الذي تجلبه النبوة إلى الإنسان ~~ليس أمرا خارجا عن هذا النوع، ولا غريبا عن الفطرة، فإن الفطرة هي التي ~~تهتدي إليه، لكن هذا الاهتداء لا يتم لها بالفعل وحدها من غير معين يعينها ~~على ذلك، وهذا المعين الذي يعينها على ذلك وهو حقيقة النبوة ليس أيضا أمرا ~~خارجا عن الإنسانية وكمالها، منضما إلى الإنسان كالحجر الموضوع في جنب ~~الإنسان مثلا، وإلا كان ما يعود منه إلى الإنسان أمرا غير كماله وسعادته ~~كالثقل الذي يضيفه الحجر إلى ثقل الإنسان في وزنه، بل هو أيضا كمال فطري ~~للإنسان مذخور في هذا النوع، وهو شعور خاص وإدراك مخصوص مكمون في حقيقته لا ~~يهتدي إليه بالفعل إلا آحاد من النوع أخذتهم العناية الإلهية، كما أن ~~للبالغ من الإنسان شعورا خاصا بلذة النكاح، لا تهتدي إليه بالفعل بقية ~~الأفراد غير البالغين بالفعل، وإن كان الجميع من البالغ وغير البالغ ~~مشتركين في الفطرة الإنسانية، والشعور شعور مرتبط بالفطرة. # وبالجملة لا حقيقة النبوة أمر زائد على إنسانية الإنسان الذي يسمى نبيا، ~~وخارج عن فطرته، ولا السعادة التي تهتدي سائر الأمة إليها أمر خارج عن ~~إنسانيتهم وفطرتهم، غريب عما يستأنسه وجودهم الإنساني، وإلا لم تكن كمالا ~~وسعادة بالنسبة إليهم. # فإن قلت: فيعود الإشكال على هذا التقرير إلى النبوة، فإن الفطرة على هذا ~~كافية وحدها والنبوة غير خارجة عن الفطرة. PageV02P086 # فإن المتحصل من هذا الكلام، هو أن النوع الإنساني المتمدن بفطرته والمختلف ~~في اجتماعه يتميز من بين أفراده آحاد من الصلحاء فطرتهم مستقيمة، وعقولهم ~~سليمة عن الأوهام والتهوسات ورذائل الصفات، فيهتدون باستقامة فطرتهم، ~~وسلامة عقولهم إلى ما فيه صلاح الاجتماع، وسعادة الإنسان، فيضعون قوانين ~~فيها مصلحة الناس، وعمران الدنيا والآخرة، فإن النبي هو الإنسان الصالح ~~الذي له نبوغ اجتماعي. # قلت: كلا! وإنما هو تفسير لا ينطبق على حقيقة النبوة، ولا ما تستتبعه. # أما أولا: فلأن ذلك فرض افترضه بعض علماء الاجتماع ممن لا قدم ms0583 له في ~~البحث الديني، والفحص عن حقائق المبدإ والمعاد. # فذكر أن النبوة نبوغ خاص اجتماعي استتبعته استقامة الفطرة وسلامة العقل، ~~وهذا النبوغ يدعو إلى الفكر في حال الاجتماع، وما يصلح به هذا الاجتماع ~~المختل، وما يسعد به الإنسان الاجتماعي. # فهذا النابغة الاجتماعي هو النبي، والفكر الصالح المترشح من قواه الفكرية ~~هو الوحي، والقوانين التي يجعلها لصلاح الاجتماع هو الدين، وروحه الطاهر ~~الذي يفيض هذه الأفكار إلى قواه الفكرية ولا يخون العالم الإنساني باتباع ~~الهوى هو الروح الأمين وهو جبرائيل، والموحي الحقيقي هو الله سبحانه، ~~والكتاب الذي يتضمن أفكاره العالية الطاهرة هو الكتاب السماوي، والملائكة ~~هي القوى الطبيعية أو الجهات الداعية إلى الخير، والشيطان هي النفس الأمارة ~~بالسوء أو القوى أو الجهات الداعية إلى الشر والفساد، وعلى هذا القياس. # وهذا فرض فاسد، وقد مر في البحث عن الإعجاز، إن النبوة بهذا المعنى لأن ~~تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوة إلهية. # وقد تقدم أن هذا الفكر الذي يسمي هؤلاء الباحثون نبوغه الخاص نبوة من ~~خواص العقل العملي، الذي يميز بين خير الأفعال وشرها بالمصلحة والمفسدة وهو ~~أمر مشترك بين العقلاء من أفراد الإنسان ومن هدايا الفطرة المشتركة، وتقدم ~~أيضا أن هذا العقل بعينه هو الداعي إلى الاختلاف، وإذا كان هذا شأنه لم ~~يقدر من حيث هو كذلك على رفع الاختلاف، واحتاج فيه إلى متمم يتمم أمره، وقد ~~عرفت أنه يجب أن يكون هذا المتمم نوعا خاصا من الشعور يختص به بحسب الفعلية ~~بعض الآحاد من الإنسان وتهتدي به الفطرة إلى سعادة الإنسان الحقيقية في ~~معاشه ومعاده. # ومن هنا يظهر أن هذا الشعور من غير سنخ الشعور الفكري، بمعنى أن ما يجده ~~الإنسان من النتائج الفكرية من طريق مقدماتها العقلية غير ما يجده من طريق ~~الشعور النبوي، والطريق غير الطريق. # ولا يشك الباحثون في خواص النفس في أن في الإنسان شعورا نفسيا باطنيا، ~~ربما يظهر في بعض الآحاد من أفراده، يفتح له بابا إلى عالم وراء هذا ~~العالم، ويعطيه عجائب ms0584 من المعارف والمعلومات، وراء ما يناله العقل والفكر، ~~صرح به جميع علماء النفس من قدمائنا وجمع من علماء النفس من أوروبا مثل جمز ~~الإنجليزي وغيره. # فقد تحصل أن باب الوحي النبوي غير باب الفكر العقلي، وأن النبوة وكذا ~~الشريعة والدين والكتاب والملك والشيطان لا ينطبق عليها ما اختلقوه من ~~المعاني. # وأما ثانيا: فلأن المأثور من كلام هؤلاء الأنبياء المدعين لمقام النبوة ~~والوحي مثل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح " ~~(عليهما السلام)" وغيرهم - وبعضهم يصدق بعضا - وكذا الموجود من كتبهم ~~كالقرآن، صريح في خلاف هذا الذي فسروا به النبوة والوحي ونزول الكتاب ~~والملك وغير ذلك من الحقائق. # فإن صريح الكتاب والسنة وما نقل من الأنبياء العظام (عليهم السلام) أن ~~هذه الحقائق وآثارها أمور خارجة عن سنخ الطبيعة، ونشأة المادة، وحكم الحس، ~~بحيث لا يعد إرجاعها إلى الطبيعة وحكمها إلا تأويلا بما لا يقبله طبع ~~الكلام، ولا يرتضيه ذوق التخاطب. # وقد تبين بما ذكرنا أن الأمر الذي يرفع فساد الاختلاف عن الاجتماع ~~الإنساني وهو الشعور الباطني الذي يدرك صلاح الاجتماع أعني القوة التي ~~يمتاز بها النبي من غيره أمر وراء الشعور الفكري الذي يشترك فيه جميع أفراد ~~الإنسان. PageV02P087 # فإن قلت: فعلى هذا يكون هذا الشعور الباطني أمرا خارقا للعادة فإنه أمر لا ~~يعرفه أفراد الإنسان من أنفسهم وإنما هو أمر يدعيه الشاذ النادر منهم، فكيف ~~يمكن أن يسوق الجميع إلى إصلاح شأنهم ويهدي النوع إلى سعادته الحقيقية؟! ~~وقد مر سابقا أن كل ما فرض هاديا للإنسان إلى سعادته وكماله النوعي وجب أن ~~يهديه بالارتباط والاتحاد مع فطرته، لا بنحو الانضمام كانضمام الحجر ~~الموضوع في جنب الإنسان إليه. # قلت: كون هذا الأمر خارقا للعادة مما لا ريب فيه، وكذا كونه أمرا من قبيل ~~الإدراكات الباطنية ونحو شعور مستور عن الحواس الظاهرية مما لا ريب فيه، ~~لكن العقل لا يدفع الأمر الخارق للعادة ولا الأمر المستور عن الحواس ~~الظاهرة وإنما يدفع المحال، وللعقل طريق إلى تصديق الأمور الخارقة للعادة ~~المستورة ms0585 عن الحواس الظاهرة فإن له أن يستدل على الشيء من طريق علله وهو ~~الاستدلال اللمي، أو من لوازمه أو آثاره وهو الاستدلال الإني فيثبت بذلك ~~وجوده، والنبوة بالمعنى الذي ذكرنا يمكن أن يستدل عليها بأحد طريقين: فتارة ~~من طريق آثاره وتبعاته وهو اشتمال الدين الذي يأتي به النبي على سعادة ~~الإنسان في دنياه وآخرته، وتارة من جهة اللوازم وهو أن النبوة لما كانت ~~أمرا خارقا للعادة فدعواها ممن يدعيها هي دعوى أن الذي وراء الطبيعة وهو ~~إلهها الذي يهديها إلى سعادتها ويهدي النوع الإنساني منها إلى كماله ~~وسعادته يتصرف في بعض أفراد النوع تصرفا خارقا للعادة وهو التصرف بالوحي، ~~ولو كان هذا التصرف الخارق للعادة جائزا جاز غيره من خوارق العادة، لأن حكم ~~الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، فلو كانت دعوى النبوة من النبي حقا ~~وكان النبي واجدا لها لكان من الجائز أن يأتي بأمر آخر خارق للعادة مرتبطة ~~بنبوته نحو ارتباط يوجب تصديق العقل الشاك في نبوة هذا المدعي للنبوة، وهذا ~~الأمر الخارق للعادة هي الآية المعجزة وقد تكلمنا في الإعجاز في تفسير قوله ~~تعالى: "وإن كنتم في شك مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله الآية:" ~~البقرة - 23. # فإن قلت: هب أن هذا الاختلاف ارتفع بهذا الشعور الباطني المسمى بوحي ~~النبوة وأثبتها النبي بالإعجاز، وكان على الناس أن يأخذوا بآثاره وهو الدين ~~المشرع الذي جاء به النبي، لكن ما المؤمن عن الغلط؟ وما الذي يصون النبي عن ~~الوقوع في الخطإ في تشريعه وهو إنسان طبعه طبع سائر الأفراد في جواز الوقوع ~~في الخطإ. # ومن المعلوم أن وقوع الخطإ في هذه المرحلة أعني مرحلة الدين ورفع ~~الاختلاف عن الاجتماع يعادل نفس الاختلاف الاجتماعي في سد طريق استكمال ~~النوع الإنساني، وإضلاله هذا النوع في سيره إلى سعادته، فيعود المحذور من رأس!. # قلت: الأبحاث السابقة تكفي مئونة حل هذه العقدة، فإن الذي ساق هذا النوع ~~نحو هذه الفعلية أعني الأمر الروحي الذي يرفع الاختلاف إنما هو الناموس ~~التكويني الذي ms0586 هو الإيصال التكويني لكل نوع من الأنواع الوجودية إلى كماله ~~الوجودي وسعادته الحقيقية، فإن السبب الذي أوجب وجود الإنسان في الخارج ~~وجودا حقيقيا كسائر الأنواع الخارجية هو الذي يهديه هداية تكوينية خارجية ~~إلى سعادته، ومن المعلوم أن الأمور الخارجية من حيث إنها خارجية لا تعرضها ~~الخطأ والغلط، أعني الوجود الخارجي لا يوجد فيه الخطأ والغلط لوضوح أن ما ~~في الخارج هو ما في الخارج! وإنما يعرض الخطأ والغلط في العلوم التصديقية ~~والأمور الفكرية من جهة تطبيقها على الخارج فإن الصدق والكذب من خواص ~~القضايا، تعرضها من حيث مطابقتها للخارج وعدمها، وإذا فرض أن الذي يهدي هذا ~~النوع إلى سعادته ورفع اختلافه العارض على اجتماعه هو الإيجاد والتكوين لزم ~~أن لا يعرضه غلط ولا خطأ في هدايته، ولا في وسيلة هدايته التي هي روح ~~النبوة وشعور الوحي، فلا التكوين يغلط في وضعه هذا الروح والشعور في وجود ~~النبي، ولا هذا الشعور الذي وضعه يغلط في تشخيصه مصالح النوع عن مفاسده ~~وسعادته عن شقائه، ولو فرضنا له غلطا وخطأ في أمره وجب أن يتداركه بأمر آخر ~~مصون عن الغلط والخطإ، فمن الواجب أن يقف أمر التكوين على صواب لا خطأ فيه ~~ولا غلط. PageV02P088 # فظهر: أن هذا الروح النبوي لا يحل محلا إلا بمصاحبة العصمة، وهي المصونية ~~عن الخطإ في أمر الدين والشريعة المشرعة، وهذه العصمة غير العصمة عن ~~المعصية كما أشرنا إليه سابقا، فإن هذه عصمة في تلقي الوحي من الله سبحانه، ~~وتلك عصمة في مقام العمل والعبودية، وهناك مرحلة ثالثة من العصمة وهي ~~العصمة في تبليغ الوحي، فإن كلتيهما واقعتان في طريق سعادة الإنسان ~~التكوينية وقوعا تكوينيا، ولا خطأ ولا غلط في التكوين. # وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن إشكال آخر في المقام وهو: أنه لم لا يجوز أن ~~يكون هذا الشعور الباطني مثل الشعور الفطري المشترك أعني الشعور الفكري في ~~نحو الوجود بأن يكون محكوما بحكم التغير والتأثر؟ فإن الشعور الفطري وإن ~~كان أمرا غير مادي، ومن الأمور القائمة بالنفس ms0587 المجردة عن المادة إلا أنه ~~من جهة ارتباطه بالمادة يقبل الشدة والضعف والبقاء والبطلان كما في مورد ~~الجنون والسفاهة والبلاهة والغباوة وضعف الشيب وسائر الآفات الواردة على ~~القوى المدركة، فكذلك هذا الشعور الباطني أمر متعلق بالبدن المادي نحوا من ~~التعلق، وإن سلم أنه غير مادي في ذاته فيجب أن يكون حاله حال الشعور الفكري ~~في قبول التغير والفساد، ومع إمكان عروض التغير والفساد فيه يعود الإشكالات ~~السابقة البتة. # والجواب: إنا بينا أن هذا السوق أعني سوق النوع الإنساني نحو سعادته ~~الحقيقية إنما يتحقق بيد الصنع والإيجاد الخارجي دون العقل الفكري، ولا ~~معنى لتحقق الخطإ في الوجود الخارجي. # وأما كون هذا الشعور الباطني في معرض التغير والفساد لكونه متعلقا نحو ~~تعلق بالبدن فلا نسلم كون كل شعور متعلق بالبدن معرضا للتغير والفساد، ~~وإنما القدر المسلم من ذلك هذا الشعور الفكري وقد مر أن الشعور النبوي ليس ~~من قبيل الشعور الفكري وذلك أن من الشعور شعور الإنسان بنفسه، وهو لا يقبل ~~البطلان والفساد والتغير والخطأ فإنه علم حضوري معلومه عين المعلوم ~~الخارجي، وتتمة هذا الكلام موكول إلى محله. # فقد تبين مما مر أمور: أحدها: انسياق الاجتماع الإنساني إلى التمدن ~~والاختلاف. # ثانيها: أن هذا الاختلاف القاطع لطريق سعادة النوع لا يرتفع ولن يرتفع ~~بما يضعه العقل الفكري من القوانين المقررة. # ثالثها: أن رافع هذا الاختلاف إنما هو الشعور النبوي الذي يوجده الله ~~سبحانه في بعض آحاد الإنسان لا غير. # رابعها: أن سنخ هذا الشعور الباطني الموجود في الأنبياء غير سنخ الشعور ~~الفكري المشترك بين العقلاء من أفراد الإنسان. # خامسها: أن هذا الشعور الباطني لا يغلط في إدراكه الاعتقادات والقوانين ~~المصلحة لحال النوع الإنساني في سعادته الحقيقية. # سادسها: أن هذه النتائج ويهمنا من بينها الثلاثة الأخيرة أعني: لزوم بعثة ~~الأنبياء، وكون شعور الوحي غير الشعور الفكري سنخا، وكون النبي معصوما غير ~~غالط في تلقي الوحي نتائج ينتجها الناموس العام المشاهد في هذه العالم ~~الطبيعي، وهو سير كل واحد من الأنواع المشهودة فيه نحو سعادته ms0588 بهداية العلل ~~الوجودية التي جهزتها بوسائل السير نحو سعادته والوصول إليها والتلبس بها، ~~والإنسان أحد هذه الأنواع، وهو مجهز بما يمكنه به أن يعتقد الاعتقاد الحق ~~ويتلبس بالملكات الفاضلة، ويعمل عملا صالحا في مدينة صالحة فاضلة، فلا بد ~~أن يكون الوجود يهيىء له هذه السعادة يوما في الخارج ويهديه إليه هداية ~~تكوينية ليس فيها غلط ولا خطأ على ما مر بيانه. PageV02P089 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 214 # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) ### |||| AUTO بيان # قد مر أن هذه الآيات آخذة من قوله تعالى: يا أيها آمنوا ادخلوا في السلم ~~كافة إلى آخر هذه الآية، ذات سياق واحد يربط بعضها ببعض. # قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، تثبيت لما تدل عليه الآيات ~~السابقة، وهو أن الدين نوع هداية من الله سبحانه للناس إلى ما فيه سعادتهم ~~في الدنيا والآخرة، ونعمة حباهم الله بها، فمن الواجب أن يسلموا له ولا ~~يتبعوا خطوات الشيطان، ولا يلقوا فيه الاختلاف، ولا يجعلوا الدواء داء، ولا ~~يبدلوا نعمة الله سبحانه كفرا ونقمة من اتباع الهوى، وابتغاء زخرف الدنيا ~~وحطامها فيحل عليهم غضب من ربهم كما حل ببني إسرائيل حيث بدلوا نعمة الله ~~من بعد ما جاءتهم، فإن المحنة دائمة، والفتنة قائمة، ولن ينال أحد من الناس ~~سعادة الدين وقرب رب العالمين إلا بالثبات والتسليم. # وفي الآية التفات إلى خطاب المؤمنين بعد تنزيلهم في الآيات السابقة منزلة ~~الغيبة، فإن أصل الخطاب كان معهم ووجه الكلام إليهم في قوله: يا أيها الذين ~~آمنوا ادخلوا في السلم كافة، وإنما عدل عن ذلك إلى غيره لعناية كلامية ~~أوجبت ذلك، وبعد انقضاء الوطر عاد إلى خطابهم ثانيا... وكلمة أم منقطعة ~~تفيد الإضراب، والمعنى على ما قيل: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة "إلخ"، ~~والخلاف في أم المنقطعة معروف، والحق أن أم لإفادة الترديد، وأن الدلالة ~~على معنى ms0589 الإضراب من حيث انطباق معنى الإضراب على المورد، لا أنها دلالة ~~وضعية، فالمعنى في المورد مثلا: هل انقطعتم بما أمرناكم من التسليم بعد ~~الإيمان والثبات على نعمة الدين، والاتفاق والاتحاد فيه أم لا بل حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة "إلخ". # قوله تعالى: ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، المثل بكسر الميم فسكون ~~الثاء، والمثل بفتح الميم والثاء كالشبه، والشبه والمراد به ما يمثل الشيء ~~ويحضره ويشخصه عند السامع، ومنه المثل بفتحتين، وهو الجملة أو القصة التي ~~تفيد استحضار معنى مطلوب في ذهن السامع بنحو الاستعارة التمثيلية كما قال ~~تعالى: "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا:" ~~الجمعة - 5، ومنه أيضا المثل بمعنى الصفة كقوله تعالى: "انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال:" الفرقان - 9، وإنما قالوا له (صلى الله عليه وآله وسلم): مجنون ~~وساحر وكذاب ونحو ذلك، وحيث إنه تعالى يبين المثل الذي ذكره بقوله: مستهم ~~البأساء والضراء إلخ فالمراد به المعنى الأول. # قوله تعالى: مستهم البأساء والضراء إلى آخره لما اشتد شوق المخاطب ليفهم ~~تفصيل الإجمال الذي دل عليه بقوله: ولما يأتكم مثل الذين، بين ذلك بقوله: ~~مستهم البأساء والضراء والبأساء هو الشدة المتوجهة إلى الإنسان في خارج ~~نفسه كالمال والجاه والأهل والأمن الذي يحتاج إليه في حياته، والضراء هي ~~الشدة التي تصيب الإنسان في نفسه كالجرح والقتل والمرض، والزلزلة والزلزال ~~معروف وأصله من زل بمعنى عثر، كررت اللفظة للدلالة على التكرار كان الأرض ~~مثلا تحدث لها بالزلزلة عثرة بعد عثرة، وهو كصر وصرصر، وصل وصلصل، وكب ~~وكبكب، والزلزال في الآية كناية عن الاضطراب والإدهاش. # قوله تعالى: حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه، قرىء بنصب يقول، والجملة ~~على هذا في محل الغاية لما سبقها، وقرىء برفع يقول والجملة على هذا لحكاية ~~الحال الماضية، والمعنيان وإن كانا جميعا صحيحين لكن الثاني أنسب للسياق، ~~فإن كون الجملة غاية يعلل بها قوله: وزلزلوا لا يناسب السياق كل المناسبة. PageV02P090 # قوله تعالى: متى نصر الله، الظاهر أنه مقول قول الرسول والذين آمنوا معه ~~جميعا، ms0590 ولا ضير في أن يتفوه الرسول بمثل هذا الكلام استدعاء وطلبا للنصر ~~الذي وعد به الله سبحانه رسله والمؤمنين بهم كما قال تعالى: "ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون:" الصافات - 172، وقال تعالى: ~~"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي:" المجادلة - 21، وقد قال تعالى أيضا: "حتى إذا ~~استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا:" يوسف - 110، وهو أشد لحنا ~~من هذه الآية. # والظاهر أيضا أن قوله تعالى: ألا إن نصر الله قريب مقول له تعالى لا تتمة ~~لقول الرسول والذين آمنوا معه... والآية كما مرت إليه الإشارة سابقا تدل ~~على دوام أمر الابتلاء والامتحان وجريانه في هذه الأمة كما جرى في الأمم ~~السابقة. # وتدل أيضا على اتحاد الوصف والمثل بتكرر الحوادث الماضية غابرا، وهو الذي ~~يسمى بتكرر التاريخ وعوده. PageV02P091 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 215 # يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللولدين والأقربين واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يسئلونك ما ذا ينفقون، قل: ما أنفقتم من خير، قالوا: إن ~~الآية واقعة على أسلوب الحكمة، فإنهم إنما سألوا عن جنس ما ينفقون ونوعه، ~~وكان هذا السؤال كاللغو لمكان ظهور ما يقع به الإنفاق وهو المال على ~~أقسامه، وكان الأحق بالسؤال إنما هو من ينفق له: صرف الجواب إلى التعرض ~~بحاله وبيان أنواعه ليكون تنبيها لهم بحق السؤال. # والذي ذكروه وجه بليغ غير أنهم تركوا شيئا، وهو أن الآية مع ذلك متعرضة ~~لبيان جنس ما ينفقونه، فإنها تعرضت لذلك: أولا بقولها: من خير، إجمالا، ~~وثانيا بقولها: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم، ففي الآية دلالة على ~~أن الذي ينفق به هو المال كائنا ما كان، من قليل أو كثير، وأن ذلك فعل خير ~~والله به عليم، لكنهم كان عليهم أن يسألوا عمن ينفقون لهم ويعرفوه، وهم: ~~الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل. # ومن غريب القول ما ذكره بعض المفسرين: أن المراد بما في قوله تعالى: ما ~~ذا ينفقون ms0591 ليس هو السؤال عن الماهية فإنه اصطلاح منطقي لا ينبغي أن ينزل ~~عليه الكلام العربي ولا سيما أفصح الكلام وأبلغه، بل هو السؤال عن الكيفية، ~~وأنهم كيف ينفقونه، وفي أي موضع يضعونه، فأجيب بالصرف في المذكورين في ~~الآية، فالجواب مطابق للسؤال لا كما ذكره علماء البلاغة!. # ومثله وهو أغرب منه ما ذكره بعض آخر: أن السؤال وإن كان بلفظ ما إلا أن ~~المقصود هو السؤال عن الكيفية فإن من المعلوم أن الذي ينفق به هو المال، ~~وإذا كان هذا معلوما لم يذهب إليه الوهم، وتعين أن السؤال عن الكيفية، نظير ~~قوله تعالى: "قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا": ~~البقرة - 70، فكان من المعلوم أن البقرة بهيمة نشأتها وصفتها كذا وكذا، فلا ~~وجه لحمل قوله: ما هي على طلب الماهية، فكان من المتعين أن يكون سؤالا عن ~~الصفة التي بها تمتاز البقرة من غيرها، ولذلك أجيب بالمطابقة بقوله تعالى: ~~"إنها بقرة لا ذلول:" الآية البقرة - 71. # وقد اشتبه الأمر على هؤلاء، فإن ما وإن لم تكن موضوعة في اللغة لطلب ~~الماهية التي اصطلح عليها المنطق، وهي الحد المؤلف من الجنس والفصل ~~القريبين، لكنه لا يستلزم أن تكون حينئذ موضوعة للسؤال عن الكيفية، حتى يصح ~~لقائل أن يقول عند السؤال عن المستحقين للإنفاق: ما ذا أنفق: أي على من ~~أنفق؟ فيجاب عنه بقوله: للوالدين والأقربين، فإن ذلك من أوضح اللحن. # بل ما موضوعة للسؤال عما يعرف الشيء سواء كان معرفا بالحد والماهية، أو ~~معرفا بالخواص والأوصاف، فهي أعم مما اصطلح عليه في المنطق لا أنها مغايرة ~~له وموضوعة للسؤال عن كيفية الشيء، ومنه يعلم أن قوله تعالى: "يبين لنا ما ~~هي" وقوله تعالى: "إنها بقرة لا ذلول"، سؤال وجواب جاريان على أصل اللغة، ~~وهو السؤال عما يعرف الشيء ويخصه والجواب بذلك. # وأما قول القائل: إن الماهية لما كانت معلومة تعين حمل ما على السؤال عن ~~الكيفية دون الماهية فهو من أوضح الخطإ، فإن ذلك لا يوجب تغير معنى ms0592 الكلمة ~~مما وضع له إلى غيره. # ويتلوهما في الغرابة قول من يقول: إن السؤال كان عن الأمرين جميعا: ما ~~ينفقون؟ وأين ينفقون فذكر أحد السؤالين وحذف الآخر، وهو السؤال الثاني ~~لدلالة الجواب عليه! وهو كما ترى. PageV02P092 # وكيف كان لا ينبغي الشك في أن في الآية تحويلا ما للجواب إلى جواب آخر ~~تنبيها على أن الأحق هو السؤال عن من ينفق عليهم، وإلا فكون الإنفاق من ~~الخير والمال ظاهر، والتحول من معنى إلى آخر للتنبيه على ما ينبغي التحول ~~إليه والاشتغال به كثير الورود في القرآن، وهو من ألطف الصنائع المختصة به ~~كقوله تعالى: "ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء:" البقرة - 171 وقوله تعالى: "مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا ~~كمثل ريح فيها صر:" آل عمران - 117 وقوله تعالى: "مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل:" البقرة - 261، وقوله تعالى: "يوم ~~لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم:" الشعراء - 89، وقوله ~~تعالى: "قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا:" ~~الفرقان - 57، وقوله تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله ~~المخلصين:" الصافات - 160، إلى غير ذلك من كرائم الآيات. # قوله تعالى: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم، في تبديل الإنفاق من ~~فعل الخير هاهنا كتبديل المال من الخير في أول الآية إيماء إلى أن الإنفاق ~~وإن كان مندوبا إليه من قليل المال وكثيره، غير أنه ينبغي أن يكون خيرا ~~يتعلق به الرغبة وتقع عليه المحبة كما قال تعالى: "لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون:" آل عمران - 92، وكما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه:" البقرة - 267. # وإيماء إلى أن الإنفاق ينبغي أن لا يكون على نحو الشر كالإنفاق بالمن ~~والأذى كما قال تعالى: "ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا ms0593 أذى:" البقرة - ~~262، وقوله تعالى: "ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو:" البقرة - 219. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب ~~محمد ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: ~~يسئلونك عن الخمر والميسر، ويسألونك عن الشهر الحرام، ويسئلونك عن اليتامى، ~~ويسئلونك عن المحيض، ويسئلونك عن الأنفال، ويسئلونك ما ذا ينفقون، ما كانوا ~~يسألون إلا عما كان ينفعهم. # في المجمع،: في الآية نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا ذا مال ~~كثير، فقال: يا رسول الله بما ذا أتصدق؟ وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله هذه ~~الآية: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن المنذر عن ابن حيان، وقد ~~استضعفوا الرواية، وهي مع ذلك غير منطبق على الآية حيث لم يوضع في الآية ~~إلا السؤال عما يتصدق به دون من يتصدق عليه. # ونظيرها في عدم الانطباق ما رواه أيضا عن ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~جريح قال: سأل المؤمنون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أين يضعون ~~أموالهم؟ فنزلت يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير، فذلك النفقة في ~~التطوع، والزكاة سوى ذلك كله. # ونظيرها في ذلك أيضا ما رواه عن السدي، قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن ~~زكاة، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها ~~الزكاة. # أقول: وليست النسبة بين آية الزكاة: "خذ من أموالهم صدقة:" التوبة - 104، ~~وبين هذه الآية نسبة النسخ وهو ظاهر إلا أن يعني بالنسخ معنى آخر. PageV02P093 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 216 - 218 # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) يسئلونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ~~وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقتلونكم ~~حتى يردوكم عن دينكم إن استطعوا ومن ms0594 يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعملهم فى الدنيا والاخرة وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ~~(217) إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم، الكتابة كما مر مرارا ظاهرة ~~في الفرض إذا كان الكلام مسوقا لبيان التشريع، وفي القضاء الحتم إذا كان في ~~التكوين فالآية تدل على فرض القتال على كافة المؤمنين لكون الخطاب متوجها ~~إليهم إلا من أخرجه الدليل مثل قوله تعالى: "ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج:" النور - 61، وغير ذلك من الآيات والأدلة. # ولم يظهر فاعل كتب لكون الجملة مذيلة بقوله: "وهو كره لكم" وهو لا يناسب ~~إظهار الفاعل صونا لمقامه عن الهتك، وحفظا لاسمه عن الاستخفاف أن يقع ~~الكتابة المنسوبة إليه صريحا موردا لكراهة المؤمنين. # والكره بضم الكاف المشقة التي يدركها الإنسان من نفسه طبعا أو غير ذلك، ~~والكره بفتح الكاف: المشقة التي تحمل عليه من خارج كان يجبره إنسان آخر على ~~فعل ما يكرهه قال تعالى: "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها:" النساء - 19، ~~وقال تعالى: "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها:" فصلت - 11، وكون القتال ~~المكتوب كرها للمؤمنين إما لأن القتال لكونه متضمنا لفناء النفوس وتعب ~~الأبدان والمضار المالية وارتفاع الأمن والرخص والرفاهية، وغير ذلك مما ~~يستكرهه الإنسان في حياته الاجتماعية لا محالة كان كرها وشاقا للمؤمنين ~~بالطبع، فإن الله سبحانه وإن مدح المؤمنين في كتابه بما مدح، وذكر أن فيهم ~~رجالا صادقين في إيمانهم مفلحين في سعيهم، لكنه مع ذلك عاتب طائفة منهم بما ~~في قلوبهم من الزيغ والزلل، وهو ظاهر بالرجوع إلى الآيات النازلة في غزوة ~~بدر وأحد والخندق وغيرها، ومعلوم أن من الجائز أن ينسب الكراهة والتثاقل ~~إلى قوم فيهم كاره وغير كاره وأكثرهم كارهون، فهذا وجه. # وإما لأن المؤمنين كانوا يرون أن القتال مع الكفار مع ما لهم من العدة ~~والقوة لا يتم على ms0595 صلاح الإسلام والمسلمين، وأن الحزم في تأخيره حتى يتم ~~لهم الاستعداد بزيادة النفوس وكثرة الأموال ورسوخ الاستطاعة، ولذلك كانوا ~~يكرهون الإقدام على القتال والاستعجال في النزال، فبين تعالى أنهم مخطئون ~~في هذا الرأي والنظر، فإن لله أمرا في هذا الأمر هو بالغه، وهو العالم ~~بحقيقة الأمر وهم لا يعلمون إلا ظاهره وهذا وجه آخر. # وإما لأن المؤمنين لكونهم متربين بتربية القرآن تعرق فيهم خلق الشفقة على ~~خلق الله، وملكة الرحمة والرأفة فكانوا يكرهون القتال مع الكفار لكونه ~~مؤديا إلى فناء نفوس منهم في المعارك على الكفر، ولم يكونوا راضين بذلك بل ~~كانوا يحبون أن يداروهم ويخالطوهم بالعشرة الجميلة، والدعوة الحسنة لعلهم ~~يسترشدوا بذلك، ويدخلوا تحت لواء الإيمان فيحفظ نفوس المؤمنين من الفناء، ~~ونفوس الكفار من الهلاك الأبدي والبوار الدائم، فبين ذلك أنهم مخطئون في ~~ذلك، فإن الله - وهو المشرع لحكم القتال - يعلم أن الدعوة غير مؤثرة في تلك ~~النفوس الشقية الخاسرة، وأنه لا يعود من كثير منهم عائد إلى الدين ينتفع به ~~في دنيا أو آخرة، فهم في الجامعة الإنسانية كالعضو الفاسد الساري فساده إلى ~~سائر الأعضاء، الذي لا ينجع فيه علاج دون أن يقطع ويرمى به، وهذا أيضا وجه. PageV02P094 # فهذه وجوه يوجه بها قوله تعالى: وهو كره لكم إلا أن الأول أنسب نظرا إلى ما ~~أشير إليه من آيات العتاب، على أن التعبير في قوله: كتب عليكم القتال، ~~بصيغة المجهول على ما مر من الوجه يؤيد ذلك. # قوله تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، قد مر فيما مر أن أمثال ~~عسى ولعل في كلامه تعالى مستعمل في معنى الترجي، وليس من الواجب قيام صفة ~~الرجاء بنفس المتكلم بل يكفي قيامها بالمخاطب أو بمقام التخاطب، فالله ~~سبحانه إنما يقول: عسى أن يكون كذا لا لأنه يرجوه، تعالى عن ذلك، بل ليرجوه ~~المخاطب أو السامع. # وتكرار عسى في الآية لكون المؤمنين كارهين للحرب، محبين للسلم، فأرشدهم ~~الله سبحانه على خطئهم في الأمرين جميعا، بيان ذلك: أنه لو قيل: عسى ms0596 أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم أو تحبوا شيئا وهو شر لكم، كان معناه أنه لا عبرة ~~بكرهكم وحبكم فإنهما ربما يخطئان الواقع، ومثل هذا الكلام إنما يلقى إلى من ~~أخطأ خطأ واحدا كمن يكره لقاء زيد فقط، وأما من أخطأ خطاءين كان يكره ~~المعاشرة والمخالطة ويحب الاعتزال، فالذي تقتضيه البلاغة أن يشار إلى خطئه ~~في الأمرين جميعا، فيقال له: لا في كرهك أصبت، ولا في حبك اهتديت، عسى أن ~~تكره شيئا وهو خير لك وعسى أن تحب شيئا وهو شر لك لأنك جاهل لا تقدر أن ~~تهتدي بنفسك إلى حقيقة الأمر، ولما كان المؤمنون مع كرههم للقتال محبين ~~للسلم كما يشعر به أيضا قوله تعالى سابقا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، نبههم الله بالخطاءين بالجملتين المستقلتين ~~وهما: عسى أن تكرهوا، وعسى أن تحبوا. # قوله تعالى: والله يعلم وأنتم لا تعلمون، تتميم لبيان خطئهم، فإنه تعالى ~~تدرج في بيان ذلك إرفاقا بأذهانهم، فأخذ أولا بإبداء احتمال خطئهم في ~~كراهتهم للقتال بقوله: عسى أن تكرهوا، فلما اعتدلت أذهانهم بحصول الشك ~~فيها، وزوال صفة الجهل المركب كر عليهم ثانيا بأن هذا الحكم الذي كرهتموه ~~أنتم إنما شرعه الله الذي لا يجهل شيئا من حقائق الأمور، والذي ترونه مستند ~~إلى نفوسكم التي لا تعلم شيئا إلا ما علمها الله إياه وكشف عن حقيقته، ~~فعليكم أن تسلموا إليه سبحانه الأمر. # والآية في إثباته العلم له تعالى على الإطلاق ونفي العلم عن غيره على ~~الإطلاق تطابق سائر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى: "إن الله لا ~~يخفى عليه شيء": آل عمران - 5، وقوله تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء:" البقرة - 255، وقد سبق بعض الكلام في القتال في قوله: "وقاتلوا ~~في سبيل الله:" البقرة - 190. # قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، الآية تشتمل على المنع عن ~~القتال في الشهر الحرام وذمه بأنه صد عن سبيل الله وكفر، واشتمالها مع ذلك ~~على أن إخراج أهل المسجد ms0597 الحرام منه أكبر عند الله، وأن الفتنة أكبر من ~~القتل، يؤذن بوقوع حادثة هي الموجبة للسؤال وأن هناك قتلا، وأنه إنما وقع ~~خطأ لقوله تعالى في آخر الآيات: "إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم" الآية، فهذه قرائن على ~~وقوع قتل في الكفار خطأ من المؤمنين في الشهر الحرام في قتال واقع بينهم، ~~وطعن الكفار به، ففيه تصديق لما ورد في الروايات من قصة عبد الله بن جحش ~~وأصحابه. # قوله تعالى: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام، ~~الصد هو المنع والصرف، والمراد بسبيل الله العبادة والنسك وخاصة الحج، ~~والظاهر أن ضمير به راجع إلى السبيل فيكون كفرا في العمل دون الاعتقاد، ~~والمسجد الحرام عطف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. # والآية تدل على حرمة القتال في الشهر الحرام، وقد قيل: إنها منسوخة بقوله ~~تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:" التوبة - 6، وليس بصواب، وقد مر ~~بعض الكلام في ذلك في تفسير آيات القتال. PageV02P095 # قوله تعالى: وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل، أي ~~والذي فعله المشركون من إخراج رسول الله والمؤمنين من المهاجرين، وهم أهل ~~المسجد الحرام، منه أكبر من القتال، وما فتنوا به المؤمنين من الزجر ~~والدعوة إلى الكفر أكبر من القتل، فلا يحق للمشركين أن يطعنوا المؤمنين وقد ~~فعلوا ما هو أكبر مما طعنوا به، ولم يكن المؤمنون فيما أصابوه منهم إلا ~~راجين رحمة الله والله غفور رحيم. # قوله تعالى: ولا يزالون يقاتلونكم إلى آخر الآية حتى للتعليل أي ليردوكم. # قوله تعالى: ومن يرتدد منكم عن دينه "إلخ"، تهديد للمرتد بحبط العمل ~~وخلود النار. # كلام في الحبط # والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره، ولم ينسب في القرآن إلا إلى العمل ~~كقوله تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين:" الزمر - 65، ~~وقوله تعالى: "إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما ~~تبين لهم الهدى ms0598 لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم، يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم:" محمد - 33، وذيل الآية ~~يدل بالمقابلة على أن الحبط بمعنى بطلان العمل كما هو ظاهر قوله تعالى: ~~"وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون:" هود - 16، ويقرب منه قوله ~~تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا:" الفرقان - 23. # وبالجملة الحبط هو بطلان العمل وسقوطه عن التأثير، وقد قيل: إن أصله من ~~الحبط بالتحريك وهو أن يكثر الحيوان من الأكل فينتفخ بطنه وربما أدى إلى هلاكه. # والذي ذكره تعالى من أثر الحبط بطلان الأعمال في الدنيا والآخرة معا، ~~فللحبط تعلق بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة، فإن الإيمان يطيب ~~الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة، قال تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون:" ~~النحل - 97، وخسران سعي الكافر، وخاصة من ارتد إلى الكفر بعد الإيمان، وحبط ~~عمله في الدنيا ظاهر لا غبار عليه، فإن قلبه غير متعلق بأمر ثابت، وهو الله ~~سبحانه، يبتهج به عند النعمة، ويتسلى به عند المصيبة، ويرجع إليه عند ~~الحاجة، قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:" الأنعام - 122، تبين الآية أن ~~للمؤمن في الدنيا حياة ونورا في أفعاله، وليس للكافر، ومثله قوله تعالى، ~~"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيمة أعمى:" طه - 124، حيث يبين أن معيشة الكافر وحياته في ~~الدنيا ضنك ضيقة متعبة، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة. # وقد جمع الجميع ودل على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى: "ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم:" محمد - 11. # فظهر مما قربناه أن المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان بها ~~سعادة الحياة، لا خصوص الأعمال العبادية، والأفعال القربية التي كان المرتد ~~عملها وأتى بها حال الإيمان، مضافا إلى ms0599 أن الحبط وارد في مورد الذين لا عمل ~~عبادي، ولا فعل قربي لهم كالكفار والمنافقين كقوله تعالى: "يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل ~~أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم:" محمد - 9، وقوله ~~تعالى: "إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين:" آل عمران - 22، إلى غير ذلك من الآيات. # فمحصل الآية كسائر آيات الحبط هو أن الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن ~~أن يؤثر في سعادة الحياة، كما أن الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها ~~أثرها في السعادة، فإن آمن الإنسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السعادة ~~بعد كونها محبطة باطلة، وإن ارتد بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا وحبطت، فلا ~~تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أخروية، لكن يرجى له ذلك أن هو لم يمت على ~~الردة وإن مات على الردة حتم له الحبط وكتب عليه الشقاء. PageV02P096 # ومن هنا يظهر بطلان النزاع في بقاء أعمال المرتد إلى حين الموت والحبط عنده ~~أو عدمه. # توضيح ذلك: أنه ذهب بعضهم إلى أن أعمال المرتد السابقة على ردته باقية ~~إلى حين الموت، فإن لم يرجع إلى الإيمان بطلت بالحبط عند ذلك، واستدل عليه ~~بقوله تعالى "ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة" الآية وربما أيده قوله تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا:" الفرقان - 23، فإن الآية تبين حال الكفار عند الموت، ~~ويتفرع عليه أنه لو رجع إلى الإيمان تملك أعماله الصالحة السابقة على ~~الارتداد. # وذهب آخرون إلى أن الردة تحبط الأعمال من أصلها فلا تعود إليه وإن آمن من ~~بعد الارتداد، نعم له ما عمله من الأعمال بعد الإيمان ثانيا إلى حين الموت، ~~وأما الآية فإنما أخذت قيد الموت لكونها في مقام بيان جميع أعماله وأفعاله ~~التي عملها في الدنيا! ms0600 وأنت بالتدبر فيما ذكرناه تعرف، أن لا وجه لهذا ~~النزاع أصلا، وأن الآية بصدد بيان بطلان جميع أعماله وأفعاله من حيث ~~التأثير في سعادته!. # وهنا مسألة أخرى كالمتفرعة على هذه المسألة وهي مسألة الإحباط والتكفير، ~~وهي أن الأعمال هل تبطل بعضها بعضا أو لا تبطل بل للحسنة حكمها وللسيئة ~~حكمها، نعم الحسنات ربما كفرت السيئات بنص القرآن. # ذهب بعضهم إلى التباطل والتحابط بين الأعمال وقد اختلف هؤلاء بينهم، فمن ~~قائل بأن كل لاحق من السيئة تبطل الحسنة السابقة كالعكس، ولازمه أن لا يكون ~~عند الإنسان من عمله إلا حسنة فقط، أو سيئة فقط ومن قائل بالموازنة وهو أن ~~ينقص من الأكثر بمقدار الأقل ويبقى الباقي سليما عن المنافي، ولازم القولين ~~جميعا أن لا يكون عند الإنسان من أعماله إلا نوع واحد حسنة أو سيئة لو كان ~~عنده شيء منهما. # ويردهما أولا قوله تعالى: "وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم والله غفور رحيم:" التوبة - 102، فإن الآية ~~ظاهرة في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أن تلحقها توبة من الله ~~سبحانه، وهو ينافي التحابط بأي وجه تصوروه. # وثانيا: أنه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء ~~في الاجتماع الإنساني من طريق المجازاة، وهو الجزاء على الحسنة على حدة ~~وعلى السيئة على حدة إلا في بعض السيئات من المعاصي التي تقطع رابطة ~~المولوية والعبودية من أصلها فهو مورد الإحباط، والآيات في هذه الطريقة ~~كثيرة غنية عن الإيراد. # وذهب آخرون إلى أن نوع الأعمال محفوظة، ولكل عمل أثره سواء في ذلك الحسنة ~~والسيئة. # نعم الحسنة ربما كفرت السيئة كما قال تعالى: "يا أيها آمنوا إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم:" الأنفال - 29، وقال تعالى: "فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه الآية:" البقرة - 203، وقال تعالى: "إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:" النساء - 31، بل بعض الأعمال يبدل ~~السيئة حسنة كما قال تعالى: "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ms0601 فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات:" الفرقان - 70. # وهنا مسألة أخرى هي كالأصل لهاتين المسألتين، وهي البحث عن وقت استحقاق ~~الجزاء وموطنه، فقيل: إنه وقت العمل، وقيل: حين الموت، وقيل: الآخرة، وقيل: ~~وقت العمل بالموافاة بمعنى أنه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين ~~الموت وموافاته لم يستحق ذلك إلا أن يعلم الله ما يئول إليه حاله ويستقر ~~عليه، فيكتب ما يستحقه حال العمل. # وقد استدل أصحاب كل قول بما يناسبه من الآيات، فإن فيها ما يناسب كلا من ~~هذه الأوقات بحسب الانطباق، وربما استدل ببعض وجوه عقلية ملفقة. PageV02P097 # والذي ينبغي أن يقال: إنا لو سلكنا في باب الثواب والعقاب والحبط والتكفير ~~وما يجري مجراها مسلك نتائج الأعمال على ما بيناه في تفسير قوله تعالى: "إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها:" الآية - 26، كان لازم ~~ذلك كون النفس الإنسانية ما دامت متعلقة بالبدن جوهرا متحولا قابلا للتحول ~~في ذاته وفي آثار ذاته من الصور التي تصدر عنها وتقوم بها نتائج وآثار ~~سعيدة أو شقية، فإذا صدر منه حسنة حصل في ذاته صورة معنوية مقتضية لاتصافه ~~بالثواب، وإذا صدر منه معصية فصوره معنوية تقوم بها صورة العقاب، غير أن ~~الذات لما كانت في معرض التحول والتغير بحسب ما يطرؤها من الحسنات والسيئات ~~كان من الممكن أن تبطل الصورة الموجودة الحاضرة بتبدلها إلى غيرها، وهذا ~~شأنها حتى يعرضها الموت فتفارق البدن وتقف الحركة ويبطل التحول واستعداده، ~~فعند ذلك يثبت لها الصور وآثارها ثبوتا لا يقبل التحول والتغير إلا ~~بالمغفرة أو الشفاعة على النحو الذي بيناه سابقا. # وكذا لو سلكنا في الثواب والعقاب مسلك المجازاة على ما بيناه فيما مر كان ~~حال الإنسان من حيث اكتساب الحسنة والمعصية بالنسبة إلى التكاليف الإلهية ~~وترتب الثواب والعقاب عليها حاله من حيث الإطاعة والمعصية في التكاليف ~~الاجتماعية وترتب المدح والذم عليها، والعقلاء يأخذون في مدح المطيع ~~والمحسن وذم العاصي والمسيء بمجرد صدور الفعل عن فاعله، غير أنهم يرون ما ~~يجازونه ms0602 به من المدح والذم قابلا للتغير والتحول لكونهم يرون الفاعل ممكن ~~التغير والزوال عما هو عليه من الانقياد والتمرد، فلحوق المدح والذم على ~~فاعل الفعل فعلي عندهم بتحقق الفعل غير أنه موقوف البقاء على عدم تحقق ما ~~ينافيه، وأما ثبوت المدح والذم ولزومهما بحيث لا يبطلان قط فإنما يكون إذا ~~ثبت حاله بحيث لا يتغير قط بموت أو بطلان استعداد في الحياة. # ومن هنا يعلم: أن في جميع الأقوال السابقة في المسائل المذكورة انحرافا ~~عن الحق لبنائهم البحث على غير ما ينبغي أن يبنى عليه. # وأن الحق أولا: أن الإنسان يلحقه الثواب والعقاب من حيث الاستحقاق بمجرد ~~صدور الفعل الموجب له لكنه قابل للتحول والتغير بعد، وإنما يثبت من غير ~~زوال بالموت كما ذكرناه. # وثانيا: أن حبط الأعمال بكفر ونحوه نظير استحقاق الأجر يتحقق عند صدور ~~المعصية ويتحتم عند الموت. # وثالثا: أن الحبط كما يتعلق بالأعمال الأخروية كذلك يتعلق بالأعمال ~~الدنيوية. # ورابعا: أن التحابط بين الأعمال باطل بخلاف التكفير ونحوه. # كلام في أحكام الأعمال من حيث الجزاء # من أحكام الأعمال: # أن من المعاصي ما يحبط حسنات الدنيا والآخرة كالارتداد. # قال تعالى: "ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة" الآية، وكالكفر بآيات الله والعناد فيه. # قال تعالى: "إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة:" آل عمران - 22، وكذا من الطاعات ما يكفر سيئات الدنيا ~~والآخرة كالإسلام والتوبة، قال تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم:" الزمر - 55، وقال تعالى: "فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى:" طه - 124. # وأيضا: من المعاصي ما ms0603 يحبط بعض الحسنات كالمشاقة مع الرسول، قال تعالى: ~~"إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم:" سورة محمد - 33، فإن المقابلة بين ~~الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النهي عن المشاقة، وإبطال ~~العمل هو الإحباط، وكرفع الصوت فوق صوت النبي، قال تعالى: "يا أيها الذين ~~آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون:" الحجرات - 2. PageV02P098 # وكذا من الطاعات ما يكفر بعض السيئات كالصلوات المفروضة، قال تعالى: "وأقم ~~الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات:" هود - 114، ~~وكالحج، قال تعالى: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه:" البقرة - 203، وكاجتناب الكبائر، قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:" النساء - 31، وقال تعالى: "الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة:" النجم - 32. # وأيضا: من المعاصي ما ينقل حسنات فاعلها إلى غيره كالقتل، قال تعالى: ~~"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك:" المائدة - 29، وقد ورد هذا المعنى في ~~الغيبة والبهتان وغيرهما في الروايات المأثورة عن النبي وأئمة أهل البيت، ~~وكذا من الطاعات ما ينقل السيئات إلى الغير كما سيجيء. # وأيضا: من المعاصي ما ينقل مثل سيئات الغير إلى الإنسان لا عينها، قال ~~تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم:" النحل - 25، وقال: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم: العنكبوت - ~~13، وكذا من الطاعات ما ينقل مثل حسنات الغير إلى الإنسان لا عينها، قال ~~تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم:" يس - 12. # وأيضا: من المعاصي ما يوجب تضاعف العذاب، قال تعالى: "إذا لأذقناك ضعف ~~الحيوة وضعف الممات:" الإسراء - 75، وقال تعالى: "يضاعف لها العذاب ضعفين:" ~~الأحزاب - 30، وكذا من الطاعات ما يوجب الضعف كالإنفاق في سبيل الله، قال ~~تعالى: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت ms0604 سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة:" البقرة - 261، ومثله ما في قوله تعالى: "أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين:" القصص - 54، وما في قوله تعالى: "يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم:" الحديد - 28، على أن الحسنة مضاعفة ~~عند الله مطلقا، قال تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها:" الأنعام - 160. # وأيضا: من الحسنات ما يبدل السيئات إلى الحسنات، قال تعالى: "إلا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات:" الفرقان - 70. # وأيضا: من الحسنات ما يوجب لحوق مثلها بالغير، قال تعالى: "الذين آمنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل ~~امرىء بما كسب رهين:" الطور - 21، ويمكن الحصول على مثلها في السيئات كظلم ~~أيتام الناس حيث يوجب نزول مثله على الأيتام من نسل الظالم قال تعالى: ~~"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم:" النساء - 9. # وأيضا: من الحسنات ما يدفع سيئات صاحبها إلى غيره، ويجذب حسنات الغير ~~إليه، كما أن من السيئات ما يدفع حسنات صاحبها إلى الغير، ويجذب سيئاته ~~إليه، وهذا من عجيب الأمر في باب الجزاء والاستحقاق، سيجيء البحث عنه في ~~قوله تعالى: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا فيجعله في جهنم:" الأنفال - 37. # وفي موارد هذه الآيات روايات كثيرة متنوعة سنورد كلا منها عند الكلام ~~فيما يناسبه من الآيات إن شاء الله العزيز. PageV02P099 # وبالتأمل في الآيات السابقة والتدبر فيها يظهر: أن في الأعمال من حيث ~~المجازاة أي من حيث تأثيرها في السعادة والشقاوة نظاما يخالف النظام ~~الموجود بينها من حيث طبعها في هذا العالم، وذلك أن فعل الأكل مثلا من حيث ~~إنه مجموع حركات جسمانية فعلية وانفعالية، إنما يقوم بفاعله نحو قيام يعطيه ~~الشبع مثلا ولا يتخطاه إلى غيره، ولا ينتقل عنه إلى شخص آخر دونه، وكذا ~~يقوم نحو قيام بالغذاء المأكول يستتبع تبدله من صورة إلى صورة أخرى مثلا، ~~ولا يتعداه إلى غيره، ولا يتبدل بغيره، ولا ينقلب عن هويته وذاته، وكذا ms0605 إذا ~~ضرب زيد عمرا كانت الحركة الخاصة ضربا لا غير وكان زيد ضاربا لا غير، وكان ~~عمرو مضروبا لا غير إلى غير ذلك من الأمثلة، لكن هذه الأفعال بحسب نشأة ~~السعادة والشقاوة على غير هذه الأحكام كما قال تعالى: "وما ظلمونا ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون:" البقرة - 57، وقال تعالى: "ولا يحيق المكر السيىء ~~إلا بأهله:" الفاطر - 43، وقال تعالى: "انظر كيف كذبوا على أنفسهم:" ~~الأنعام - 24، وقال تعالى: "ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين:" ~~المؤمن - 74. # وبالجملة: عالم المجازاة ربما بدل الفعل من غير نفسه، وربما نقل الفعل ~~وأسنده إلى غير فاعله، وربما أعطى للفعل غير حكمه إلى غير ذلك من الآثار ~~المخالفة لنظام هذا العالم الجسماني. # ولا ينبغي لمتوهم أن يتوهم أن هذا يبطل حجة العقول في مورد الأعمال ~~وآثارها ويفسد الحكم العقلي فلا يستقر شيء منه على شيء، وذلك أنا نرى أن ~~الله سبحانه وتعالى فيما حكاه في كتابه يستدل هو أو ملائكته الموكلة على ~~الأمور على المجرمين في حال الموت والبرزخ، وكذا في القيامة والنار والجنة ~~بحجج عقلية تعرفها العقول قال تعالى: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ~~والأرض إلا ما شاء الله ونفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض ~~بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا ~~يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون:" الزمر - 70، وقد تكرر ~~في القرآن الإخبار بأن الله سيحكم بين الناس بالحق يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون، وكفى في هذا الباب ما حكاه الله عن الشيطان بقوله تعالى: ~~"وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم الآية:" إبراهيم - 22. # ومن هنا نعلم: أن حجة العقول غير باطلة في نشأة الأعمال ودار الجزاء مع ~~ما بين النشأتين أعني نشأة الطبيعة ms0606 ونشأة الجزاء من الاختلاف البين على ما ~~أشرنا إليه. # والذي يحل به هذه العقدة: أن الله تكلم مع الناس في دعوتهم وإرشادهم ~~بلسان أنفسهم وجرى في مخاطباته إياهم وبياناته لهم مجرى العقول الاجتماعية، ~~وتمسك بالأصول والقوانين الدائرة في عالم العبودية، والمولوية فعد نفسه ~~مولى والناس عبيدا والأنبياء رسلا إليهم، وواصلهم بالأمر والنهي والبعث ~~والزجر، والتبشير والإنذار، والوعد والوعيد، وسائر ما يلحق بهذا الطريق من ~~عذاب ومغفرة وغير ذلك. # وهذه طريقة القرآن الكريم في تكليمه للناس، فهو يصرح أن الأمر أعظم مما ~~يتوهمه الناس أو يخيل إليهم، غير أنه شيء لا تسعه حواصلهم وحقائق لا تحيط ~~بها أفهامهم ولذلك نزل منزلة قريبة من أفق إدراكهم لينالوا ما شاء الله أن ~~ينالوه من تأويل هذا الكتاب العزيز كما قال تعالى: "والكتاب المبين إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم:" ~~الزخرف - 4. PageV02P100 # فالقرآن الكريم يعتمد في خصوصيات ما نبأ به من أحكام الجزاء وما يرتبط بها ~~على الأحكام الكلية العقلائية الدائرة بين العقلاء المبتنية على المصالح ~~والمفاسد، ومن لطيف الأمر: أن هذه الحقائق المستورة عن سطح الأفهام العادية ~~قابلة التطبيق على الأحكام العقلائية المذكورة، ممكنة التوجيه بها، فإن ~~العقل العملي الاجتماعي لا يأبى مثلا: التشديد على بعض المفسدين بمؤاخذته ~~بجميع ما يترتب على عمله من المضار والمفاسد الاجتماعية كان يؤاخذ القاتل ~~بجميع الحقوق الاجتماعية الفائتة بسبب موت المقتول، أو يؤاخذ من سنن سنة ~~سيئة بجميع المخالفات الجارية على وفق سنته، ففي المثال الأول يقضي بأن ~~المعاصي التي كانت ترى ظاهرا أفعالا للمقتول فاعلها هو القاتل بحسب ~~الاعتبار العقلائي، وفي المثال الثاني بأن السيئات التي عملها التابعون ~~لتلك السنة السيئة أفعال فعلها أول من سن تلك السنة المتبوعة، في عين أنها ~~أفعال للتابعين فيها، فهي أفعال لهم معا، فلذلك يؤاخذ بها كما يؤخذون. # وكذلك يمكن أن يقضي بكون الفاعل لفعل غير فاعل له، أو الفعل المعين ~~المحدود غير ذلك الفعل، أو حسنات الغير حسنات للإنسان، أو للإنسان أمثال ~~تلك ms0607 الحسنات، كل ذلك باقتضاء من المصالح الموجودة. # فالقرآن الكريم يعلل هذه الأحكام العجيبة الموجودة في الجزاء كمجازاة ~~الإنسان بفعل غيره خيرا أو شرا، وإسناد الفعل إلى غير فاعله، وجعل الفعل ~~غير نفسه، إلى غير ذلك، ويوضحها بالقوانين العقلائية الموجودة في ظرف ~~الاجتماع وفي سطح الأفهام العامة، وإن كانت بحسب الحقيقة ذات نظام غير نظام ~~الحس، وكانت الأحكام الاجتماعية العقلائية محصورة مقصورة على الحياة ~~الدنيا، وسينكشف على الإنسان ما هو مستور عنه اليوم يوم تبلى السرائر كما ~~قال تعالى: "ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق:" الأعراف - 53، وقال تعالى: "وما كان هذا القرآن أن يفترى من ~~دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين إلى أن قال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله:" ~~يونس - 39. # وبهذا الذي ذكرناه يرتفع الاختلاف المترائي بين هذه الآيات المشتملة على ~~هذه الأحكام العجيبة وبين أمثال قوله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره:" الزلزال - 8، وقوله تعالى: "لا تزر وازرة وزر ~~أخرى:" الأنعام - 164، وقوله تعالى: "كل امرىء بما كسب رهين:" الطور - 21، ~~وقوله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى:" النجم - 39، وقوله تعالى: "إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا:" يونس - 44، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # وذلك أن الآيات السابقة تحكم بأن معاصي المقتول المظلوم إنما فعلها ~~القاتل الظالم فمؤاخذته له بفعل نفسه لا بفعل غيره، وكذا تحكم بأن من اتبع ~~سنة سيئة ففعل معصية على الاتباع لم يفعلها التابع وحده بل فعله هو وفعله ~~المتبوع، فالمعصية معصيتان، وكذا تحكم بأن من أعان ظالما على ظلمه أو اقتدى ~~بإمام ضلال فهو شريك معصيته، وفاعل كمثله، فهؤلاء وأمثالهم من مصاديق قوله ~~تعالى: "لا تزر وازرة وزر أخرى" الآية ونظائرها من حيث الجزاء، لا أنهم ~~خارجون عن حكمها بالاستثناء أو بالنقض. PageV02P101 # وإلى ذلك يشير ms0608 قوله تعالى: "وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ~~ما عملت وهو أعلم بما يفعلون:" الزمر - 70، فقوله: وهو أعلم بما يفعلون، ~~يدل أو يشعر بأن توفية كل نفس ما عملت إنما هي على حسب ما يعلمه الله ~~سبحانه ويحاسبه من أفعالهم لا على حسب ما يحاسبونه من عند أنفسهم من غير ~~علم ولا عقل، فإن الله قد سلب عنهم العقل في الدنيا حيث قال تعالى حكاية عن ~~أصحاب السعير "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير:" الملك - 10، ~~وفي الآخرة أيضا حيث قال "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا:" الإسراء - 72، وقال تعالى: "نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة:" الهمزة - 7، وقال تعالى في تصديق هذا السلب: "قالت أخريهم ~~لأوليهم ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون:" الأعراف - 38، فأثبت لكل من المتبوعين وتابعيهم الضعف من العذاب، ~~أما المتبوعين فلضلالهم وإضلالهم، وأما التابعين فلضلالهم وإقامتهم أمر ~~متبوعيهم بالتبعية ثم ذكر أنهم جميعا لا يعلمون. # فإن قلت: ظاهر هذه الآيات التي تسلب العلم عن المجرمين في الدنيا والآخرة ~~ينافي آيات أخر تثبت لهم العلم كقوله تعالى: "كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا ~~لقوم يعلمون:" فصلت - 3، وكالآيات التي تحتج عليهم ولا معنى للاحتجاج على ~~من لا علم له ولا فقه للاستدلال، على أن نفس هذه الآيات مشتملة على أقسام ~~من الاحتجاج عليهم في الآخرة ولا مناص من إثبات العقل والإدراك لهم فيه، ~~على أن هاهنا آيات تثبت لهم العلم واليقين في خصوص الآخرة كقوله تعالى: ~~"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد:" ق - 22، ~~وقوله تعالى: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون:" السجدة - 12. # قلت: مرجع نفي العلم عنهم في الدنيا نفي اتباع ما عندهم من العلم، ومعنى ~~نفيه عنهم في الآخرة لزوم ما جروا عليه من الجهالة في الدنيا لهم حين البعث ~~وعدم انفكاك الأعمال ms0609 عنهم كما قال تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقيه منشورا:" الإسراء - 13، وقوله تعالى: ~~"قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين:" الزخرف - 38، إلى غير ~~ذلك من الآيات، وسيجيء استيفاء هذا البحث في تفسير قوله تعالى: "يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تعقلون:" البقرة - 242. # وقد أجاب الإمام الغزالي عن إشكال انتقال الأعمال بجواب آخر ذكره في بعض ~~رسائله فقال ما حاصله: أن نقل الحسنات والسيئات بسبب الظلم واقع في الدنيا ~~وقت جريان الظلم لكن ينكشف ذلك يوم القيامة، فيرى الظالم مثلا طاعات نفسه ~~في ديوان غيره، ولم تنقل في ذلك الوقت بل في الدنيا كما قال تعالى: "لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار"، أخبر عن ثبوت الملك له تعالى في الآخرة ~~وهو لم يحدث له تعالى هناك بل هو مالك دائما إلا أن حقيقته لا تنكشف لكافة ~~الخلائق إلا يوم القيامة، وما لا يعلمه الإنسان فليس بموجود له وإن كان ~~موجودا في نفسه، فإذا علمه صار موجودا له كأنه وجد الآن في حقه. # فقد سقط بهذا قول من قال: إن المعدوم كيف ينقل والعرض كيف ينقل؟. # فنقول: المنقول ثواب الطاعة، لا نفس الطاعة ولكن لما كانت الطاعة يراد ~~لثوابها عبر عن نقل أثرها بنقل نفسها، وأثر الطاعة ليس أمرا خارجا عن ~~الإنسان لاحقا به حتى يشكل بأن نقله في الدنيا من قبيل انتقال العرض ~~المحال، ونقله في الآخرة بعد انعدامه من قبيل إعادة المعدوم الممتنعة، وإن ~~كان جوهرا فما هذا الجوهر؟! بل المراد بأثر الطاعة أثره في القلب بالتنوير ~~فإن للطاعات تأثيرا في القلب بالتنوير وللمعاصي تأثيرا فيه بالقسوة ~~والظلمة، وبأنوار الطاعة تستحكم مناسبة القلب مع عالم النور والمعرفة ~~والمشاهدة، وبالظلم والقسوة يستعد القلب للحجاب والبعد، وبين آثار الطاعات ~~والمعاصي تعاقب وتضاد كما قال تعالى: "إن الحسنات يذهبن السيئات" وقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "أتبع السيئة الحسنة تمحقها" والآثام ~~تمحيصات للذنوب، ولذلك قال (عليه السلام): إن الرجل ليثاب حتى بالشوكة تصيب ~~رجله، ms0610 وقال (عليه السلام): الحدود كفارات. PageV02P102 # فالظالم يتبع ظلمه ظلمة في قلبه وقسوة توجب انمحاء أثر النور الذي كان في ~~قلبه من الطاعات التي كان عملها والمظلوم يتألم فينكسر شهوته ويمحو عن قلبه ~~أثر السيئات التي أورثت ظلمة في قلبه فيتنور قلبه نوع تنور، فقد دار ما في ~~قلب الظالم من النور إلى قلب المظلوم، وما في قلب المظلوم من الظلمة إلى ~~قلب الظالم وهذا معنى نقل الحسنات والسيئات. # فإن قال قائل: ليس هذا نقلا حقيقيا إذ حاصله بطلان النور من قلب الظالم ~~وحدوث نور آخر في قلب المظلوم، وبطلان الظلمة من قلب المظلوم وحدوث ظلمة ~~أخرى في قلب الظالم وليس هذا نقلا حقيقة. # قلنا اسم النقل قد يطلق على مثل هذا الأمر على سبيل الاستعارة كما يقال: ~~انتقل الظل من موضع إلى موضع آخر، وانتقل نور الشمس أو السراج من الأرض إلى ~~الحائط إلى غير ذلك فهذا معنى نقل الطاعات، فليس فيه إلا أنه كني بالطاعة ~~عن ثوابها كما يكنى بالسبب عن المسبب، وسمي إثبات الوصف في محل وإبطال مثله ~~في محل آخر بالنقل، وكل ذلك شائع في اللسان، معلوم بالبرهان لو لم يرد ~~الشرع به فكيف إذا ورد، انتهى ملخصا. # أقول: محصل ما أفاده أن إطلاق النقل على ما يعامله الله سبحانه في حق أي ~~القاتل والمقتول استعارة في استعارة أعني: استعارة اسم الطاعة لأثر الطاعة ~~في القلب واستعارة اسم النقل لإمحاء شيء وإثبات شيء آخر في محل آخر، وإذا ~~اطرد هذا الوجه في سائر أحكام الأعمال المذكورة عادت جميع هذه الأحكام ~~مجازات، وقد عرفت أنه سبحانه قرر هذه الأحكام على ما يراه العقل العملي ~~الاجتماعي، ويبني عليه أحكامه من المصالح والمفاسد، ولا ريب أن هذه الأحكام ~~العقلية إنما تصدر من العقل باعتقاد الحقيقة، فيؤاخذ القاتل مثلا بجرم ~~المقتول أو يتحف المقتول أو ورثته بحسنة القاتل وما يشبه ذلك باعتقاد أن ~~الجرم عين الجرم والحسنة عين الحسنة وهكذا. # هذا حال هذه الأحكام في ظرف الاجتماع الذي هو موطن أحكام ms0611 العقل العملي، ~~وأما بالنسبة إلى غير هذا الظرف وهو ظرف الحقائق فالجميع مجازات إلا بحسب ~~التحليل بمعنى أن نفس هذه المفاهيم لما كانت مفاهيم اعتبارية مأخوذة من ~~الحقائق المأخوذة على نحو الدعوى والتشبيه كانت جميعها مجازات إذا قيست إلى ~~تلك الحقائق المأخوذة منها فافهم ذلك. # ومن أحكام الأعمال: أنها محفوظة مكتوبة متجسمة # كما قال تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ~~تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا:" آل عمران - 30، وقال تعالى: "وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقيه منشورا:" الإسراء ~~- 13، وقال تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين:" ~~يس - 12، وقال تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد:" ق - 22، وقد مر البحث عن تجسم الأعمال. # ومن أحكام الأعمال: أن بينها وبين الحوادث الخارجية ارتباطا، # ونعني بالأعمال الحسنات والسيئات التي هي عناوين الحركات الخارجية، دون ~~الحركات والسكنات التي هي آثار الأجسام الطبيعية فقد قال تعالى: "وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير:" الشورى - 30، وقال ~~تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له:" الرعد - 11، وقال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:" الأنفال - 53، والآيات ظاهرة ~~في أن بين الأعمال والحوادث ارتباطا ما شرا أو خيرا. # ويجمع جملة الأمر آيتان من كتاب الله تعالى وهما قوله تعالى: "ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون:" الأعراف - 96، وقوله تعالى: "ظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون:" ~~الروم - 41. PageV02P103 # فالحوادث الكونية تتبع الأعمال بعض التبعية، فجرى النوع الإنساني على طاعة ~~الله سبحانه وسلوكه الطريق الذي يرتضيه يستتبع نزول الخيرات، وانفتاح أبواب ~~البركات، وانحراف هذا النوع عن صراط العبودية، وتماديه في الغي والضلالة، ~~وفساد النيات، ms0612 وشناعة الأعمال يوجب ظهور الفساد في البر والبحر وهلاك الأمم ~~بفشو الظلم وارتفاع الأمن وبروز الحروب وسائر الشرور الراجعة إلى الإنسان ~~وأعماله، وكذا ظهور المصائب والحوادث المبيدة الكونية كالسيل والزلزلة ~~والصاعقة والطوفان وغير ذلك، وقد عد الله سبحانه سيل العرم وطوفان نوح ~~وصاعقة ثمود وصرصر عاد من هذا القبيل. # فالأمة الطالحة إذا انغمرت في الرذائل والسيئات أذاقها الله وبال أمرها ~~وآل ذلك إلى إهلاكها وإبادتها، قال تعالى: "أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ~~فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق:" المؤمن - 21، وقال ~~تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا:" الإسراء - 16، وقال تعالى: "ثم أرسلنا رسلنا تترى ~~كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم ~~لا يؤمنون:" المؤمنون - 44، هذا كله في الأمة الطالحة، والأمة الصالحة على ~~خلاف ذلك. # والفرد كالأمة يؤخذ بالحسنة والسيئة والنقم والمثلات غير أن الفرد ربما ~~ينعم بنعمة أسلافه كما أنه يؤخذ بمظالم غيره كآبائه وأجداده، قال تعالى ~~حكاية عن يوسف (عليه السلام): قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه ~~من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين:" يوسف - 90، والمراد به ما ~~أنعم الله عليه من الملك والعزة وغيرهما، وقال تعالى: "فخسفنا به وبداره ~~الأرض:" القصص - 81، وقال تعالى: "وجعلنا له لسان صدق عليا:" مريم - 50، ~~وكأنه الذرية الصالحة المنعمة كما قال تعالى: "جعلنا كلمة باقية في عقبه:" ~~الزخرف - 28، وقال تعالى: "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ~~وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما:" الكهف - 82، وقال تعالى: "فليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم:" النساء - 9، والمراد بذلك الخلف المظلوم يبتلي بظلم سلفه. # وبالجملة إذا أفاض الله نعمة على أمة أو على فرد من أفراد الإنسان فإن ~~كان المنعم عليه صالحا كان ذلك نعمة أنعمها عليه وامتحانا ms0613 يمتحنه بذلك كما ~~حكى الله تعالى عن سليمان إذ يقول: "قال هذا من فضل ربي ليبلوني ء أشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم:" النمل - 40، ~~وقال تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد:" إبراهيم - 7، ~~والآية كسابقتها تدل على أن نفس الشكر من الأعمال الصالحة التي تستتبع النعم. # وإن كان المنعم عليه طالحا كانت النعمة مكرا في حقه واستدراجا وإملاء ~~يملى عليه كما قال تعالى: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين:" ~~الأنفال - 30، وقال تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي ~~متين:" القلم - 45، وقال تعالى: "ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون:" الدخان - 17. # وإذا أنزلت النوازل وكرت المصائب والبلايا على قوم أو على فرد فإن كان ~~المصاب صالحا كان ذلك فتنة ومحنة يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من ~~الطيب، وكان مثله مع البلاء مثل الذهب مع البوتقة والمحك، قال تعالى: "أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا ساء ما يحكمون:" العنكبوت - 4 وقال تعالى: "وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء:" آل عمران - 140. # وإن كان المصاب طالحا كان ذلك أخذا بالنقمة وعقابا بالأعمال، والآيات ~~السابقة دالة على ذلك. PageV02P104 # فهذا حكم العمل يظهر في الكون ويعود إلى عامله، وأما قوله تعالى: "ولو لا ~~أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك ~~لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين:" الزخرف - 35، فغير ناظر ~~إلى هذا الباب بل المراد به والله أعلم ذم الدنيا ومتاعها وأنها لا قدر لها ~~ولمتاعها عند الله سبحانه، ولذلك يؤثر للكافر، وأن القدر للآخرة ولو لا أن ~~أفراد الإنسان أمثال والمساعي واحدة متشاكلة متشابهة لخصها الله بالكافر. # فإن قيل: الحوادث العامة والخاصة كالسيول والزلازل والأمراض المسرية ms0614 ~~والحروب والأجداب لها علل طبيعية مطردة إذا تحققت تحققت معاليها سواء صلحت ~~النفوس أو طلحت، وعليه فلا محل للتعليل بالأعمال الحسنة والسيئة بل هو ~~فرضية دينية، وتقدير لا يطابق الواقع. # قلت: هذا إشكال فلسفي غير مناف لما نحن فيه من البحث التفسيري المتعلق ~~بما يستفاد من كلامه تعالى وسنتعرض له تفصيلا في بحث فلسفي على حدة في ~~تفسير قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء:" الأعراف - 64. # وجملة القول فيه: أن الشبهة ناشئة عن سوء الفهم وعدم التنبه لمقاصد ~~القرآن وأهله، فهم لا يريدون بقولهم: "إن الأعمال حسنة كانت أو سيئة ~~مستتبعة لحوادث يناسبها خيرا أو شرا" إبطال العلل الطبيعية وإنكار تأثيرها، ~~ولا تشريك الأعمال مع العوامل المادية، كما أن الإلهيين لا يريدون بإثبات ~~الصانع إبطال قانون العلية والمعلولية العام وإثبات الاتفاق والمجازفة في ~~الوجود، أو تشريك الصانع مع العلل الطبيعية واستناد بعض الأمور إليه والبعض ~~الآخر إليها، بل مرادهم إثبات علة في طول علة، وعامل معنوي فوق العوامل ~~المادية، وإسناد التأثير إلى كلتا العلتين لكن بالترتيب: أولا وثانيا، نظير ~~الكتابة المنسوبة إلى الإنسان وإلى يده. # ومغزى الكلام: هو أن سائق التكوين يسوق الإنسان إلى سعادته الوجودية ~~وكماله الحيوي كما مر الكلام فيه في البحث عن النبوة العامة، ومن المعلوم ~~أن من جملة منازل هذا النوع في مسيره إلى السعادة منزل الأعمال، فإذا عرض ~~لهذا السير عائق مانع يوجب توقفه أو إشراف سائره إلى الهلاك والبوار قوبل ~~ذلك بما يدفع العائق المذكور أو يهلك الجزء الفاسد، نظير المزاج البدني ~~يعارض العاهة العارضة للبدن أو لعضو من أعضائه فإن وفق له أصلح المحل وإن ~~عجز عنه تركه مفلجا لا يستفاد به. # وقد دلت المشاهدة والتجربة على أن الصنع والتكوين جهز كل موجود نوعي بما ~~يدفع به الآفات والفسادات المتوجه إليه، ولا معنى لاستثناء الإنسان في نوعه ~~وفرده عن هذه الكلية! ودلتا أيضا على أن التكوين يعارض كل موجود نوعي بأمور ~~غير ملائمة تدعوه إلى إعمال قواه ms0615 الوجودية ليكمل بذلك في وجوده ويوصله ~~غايته وسعادته التي هيأها له فما بال الإنسان لا يعتني في شأنه بذلك؟. PageV02P105 # وهذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ~~لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون:" الدخان - 39، وقوله ~~تعالى: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا:" ص ~~- 27، فكما أن صانعا من الصناع إذا صنع شيئا لعبا ومن غير غاية مثلا انقطعت ~~الرابطة بينه وبين مصنوعه بمجرد إيجاده، ولم يبال: إلى ما يئول أمره؟ وما ~~ذا يصادفه من الفساد والآفة؟ لكنه لو صنعه لغاية كان مراقبا لأمره شاهدا ~~على رأسه، إذا عرضه عارض يعوقه عن الغاية التي صنعه لأجلها وركب أجزاءه ~~للوصول إليها أصلح حاله وتعرض لشأنه بزيادة ونقيصة أو بإبطاله من رأس ~~وتحليل تركيبه والعود إلى صنعة جديدة، كذلك الحال في خلق السموات والأرض ~~وما بينهما ومن جملتها الإنسان، لم يخلق الله سبحانه ما خلقه عبثا، ولم ~~يوجده هباء، بل للرجوع إليه كما قال تعالى: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون:" المؤمنون - 115، وقال تعالى: "وأن إلى ربك ~~المنتهى:" النجم - 42، ومن الضروري حينئذ أن تتعلق العناية الربانية إلى ~~إيصال الإنسان كسائر ما خلق من خلق إلى غايته بالدعوة والإرشاد، ثم ~~بالامتحان والابتلاء، ثم بإهلاك من بطل في حقه غاية الخلقة وسقطت عنه ~~الهداية، فإن في ذلك إتقانا للصنع في الفرد والنوع وختما للأمر في أمة ~~وإراحة الآخرين، قال تعالى: "وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف ~~من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين:" الأنعام - 133، انظر إلى ~~موضع قوله تعالى: وربك الغني ذو الرحمة. # وهذه السنة الربانية أعني سنة الابتلاء والانتقام هي التي أخبر الله عنها ~~أنها سنة غير مغلوبة ولا مقهورة، بل غالبة منصورة كما قال تعالى: "وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير:" الشورى - 31، وقال تعالى: ~~"ولقد سبقت ms0616 كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون:" الصافات - 173. # ومن أحكام الأعمال من حيث السعادة والشقاء: أن قبيل السعادة فائقة على ~~قبيل الشقاء، ومن خواص قبيل السعادة كل صفة وخاصة جميلة كالفتح والظفر ~~والثبات والاستقرار والأمن والتأصل والبقاء، كما أن مقابلاتها من الزهاق ~~والبطلان والتزلزل والخوف والزوال والمغلوبية وما يشاكلها من خواص قبيل ~~الشقاء. # والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة متكثرة، ويكفي في ذلك ما ضربه الله ~~تعالى مثلا: "كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها ~~كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء:" إبراهيم - 27، وقوله تعالى: "ليحق الحق ويبطل الباطل:" الأنفال - ~~8، وقوله تعالى: "والعاقبة للتقوى:" طه - 132، وقوله تعالى: "ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:" ~~الصافات - 173، وقوله تعالى: "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون:" يوسف - 21، إلى غير ذلك من الآيات. # وتذييل الكلام في هذه الآية الأخيرة بقوله: ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ~~مشعر بأن هذه الغلبة من الله سبحانه ليست بحيث يفقهها جميع الناس بل أكثرهم ~~جاهلون بها، ولو كانت هي الغلبة الحسية التي يعرفها كل أحد لم يجهلها ~~الأكثرون، وإنما جهلها من جهلها، وأنكرها من أنكرها من جهتين:. PageV02P106 # الأولى: أن الإنسان محدود فكره، مقصور نظره على ما بين يديه مما يشهده ولا ~~يغيب عنه، يتكلم عن الحال ويغفل عن المستقبل، ويحسب دولة يوم دولة، ويعد ~~غلبة ساعة غلبة، ويأخذ عمره القصير ومتاعه القليل مقياسا يحكم به على عامة ~~الوجود، لكن الله سبحانه وهو المحيط بالزمان والمكان، والحاكم على الدنيا ~~والآخرة والقيوم على كل شيء إذا حكم حكم فصلا، وإذا قضى قضى حقا، والأولى، ~~والعقبى بالنسبة إليه واحدة، لا يخاف فوتا، ولا يعجل في أمر، فمن الممكن بل ~~الواقع ذلك أن يقدر ms0617 فساد يوم مقدمة يتوسل بها إلى إصلاح دهر، أو حرمان فرد ~~ذريعة إلى فلاح أمة، فيظن الجاهل أن الأمر أعجزه تعالى وأن الله سبحانه ~~مسبوق مغلوب ساء ما يحكمون لكن الله سبحانه يرى سلسلة الزمان كما يرى ~~القطعة منه، ويحكم على جميع خلقه كما يحكم على الواحد منهم لا يشغله شأن عن ~~شأن ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم، قال تعالى: "لا يغرنك تقلب الذين ~~كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأويهم جهنم وبئس المهاد:" آل عمران - 196. # والثانية: أن غلبة المعنويات غير غلبة الجسمانيات، فإن غلبة الجسمانيات ~~وقهرها أن تتسلط على الأفعال فتجعلها منقادة مطيعة للقاهر الغالب عليها ~~بسلب حرية الاختيار، وبسط الكره والإجبار كما كان ذلك دأب المتغلبين من ~~ملوك الاستبداد، فكانوا يقتلون فريقا، ويأسرون آخرين، ويفعلون ما يشاءون ~~بالتحكم والتهكم، وقد دل التجارب وحكم البرهان على أن الكره والقسر لا ~~يدوم، وأن سلطة الأجانب لا يستقر على الأمم الحية استقرارا مؤبدا، وإنما هي ~~رهينة أيام قلائل. # وأما غلبة المعنويات فبأن توجد لها قلوب تستكنها، وبأن تربي أفرادا ~~تعتقدها وتؤمن بها، فليس فوق الإيمان التام درجة ولا كإحكامه حصن، فإذا ~~استقر الإيمان بمعنى من المعاني فإنه سوف يظهر دهرا وإن استخفى يوما أو ~~برهة، ولذلك نجد أن الدول المعظمة والمجامع الحية اليوم تعتني بشأن التبليغ ~~أكثر مما تعتني بشأن العدة والقوة فسلاح المعنى أشد بأسا. # هذا في المعنويات الصورية الوهمية التي بين الناس في شئونهم الاجتماعية ~~التي لا تتجاوز حد الخيال والوهم، وأما المعنى الحق الذي يدعو إليه سبحانه ~~فإن أمره أوضح وأبين. # فالحق من حيث نفسه لا يقابل إلا الضلال والباطل، وما ذا بعد الحق إلا ~~الضلال، ومن المعلوم أن الباطل لا يقاوم الحق فالغلبة لحجة الحق على ~~الباطل. # والحق من حيث تأثيره وإيصاله إلى الغاية أيضا غير مختلف ولا متخلف، فإن ~~المؤمن لو غلب على عدو الحق في ظاهر الحياة كان فائزا مأجورا، وإن غلب عليه ~~عدو الحق، فإن أجبره على ما لا يرتضيه الله سبحانه كانت ms0618 وظيفته الجري على ~~الكره والاضطرار، ووافق ذلك رضاه تعالى، قال تعالى: "إلا أن تتقوا منهم ~~تقية:" آل عمران - 28، وإن قتله كان ذلك له حياة طيبة لا موتا، قال تعالى: ~~"ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون:" البقرة - 154. # فالمؤمن منصور غير مغلوب أبدا، إما ظاهرا وباطنا، وإما باطنا فقط، قال ~~تعالى: "قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين:" التوبة - 52. # ومن هنا يظهر: أن الحق هو الغالب في الدنيا ظاهرا وباطنا معا، أما ظاهرا: ~~فإن الكون كما عرفت يهدي النوع الإنساني هداية تكوينية إلى الحق والسعادة، ~~وسوف يبلغ غايته، فإن الظهور المتراءى من الباطل جولة بعد جولة لا عبرة به، ~~وإنما هو مقدمة لظهور الحق ولما ينقض سلسلة الزمان ولما يفن الدهر، والنظام ~~الكوني غير مغلوب البتة، وأما باطنا: فلما عرفت أن الغلبة لحجة الحق. PageV02P107 # وأما إن لحق القول والفعل كل صفة جميلة كالثبات والبقاء والحسن، ولباطل ~~القول والفعل كل صفة ذميمة كالتزلزل والزوال والقبح والسوء فوجهه ما أشرنا ~~إليه في سابق الأبحاث: أن المستفاد من قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم خالق ~~كلشيء:" المؤمن - 62، وقوله تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه:" الم السجدة - ~~7، وقوله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك:" ~~النساء - 79، أن السيئات أعدام وبطلانات غير مستندة إلى الله سبحانه الذي ~~هو الخالق الفاطر المفيض للوجود بخلاف الحسنات، ولذلك كان القول الحسن ~~والفعل الحسن منشأ كل جمال وحسن، ومنبع كل خير وسعادة كالثبات والبقاء، ~~والبركة والنفع دون السيىء من القول والفعل، قال تعالى: "أنزل من السماء ~~ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض:" الرعد - 17. # ومن أحكام الأعمال: # أن الحسنات من الأقوال والأفعال مطابقة لحكم العقل بخلاف السيئات من ~~الأفعال والأقوال، وقد مر أن الله سبحانه وضع ما بينه للناس على أساس ms0619 العقل ~~ونعني بالعقل ما يدرك به الإنسان الحق والباطل، ويميز به الحسن من السيىء. # ولذلك أوصى باتباعه ونهى عن كل ما يوجب اختلال حكومته كشرب الخمر والقمار ~~واللهو والغش والغرر في المعاملات، وكذا نهى عن الكذب والافتراء والبهتان ~~والخيانة والفتك وجميع ما يوجب خروج العقل عن سلامة الحكم فإن هذه الأفعال ~~والأعمال توجب خبط العقل الإنساني في عمله وقد ابتنيت الحياة الإنسانية على ~~سلامة الإدراك والفكر في جميع شئون الحياة الفردية والاجتماعية. # وأنت إذا حللت المفاسد الاجتماعية والفردية حتى في المفاسد المسلمة التي ~~لا ينكرها منكر وجدت أن الأساس فيها هي الأعمال التي يبطل بها حكومة العقل، ~~وأن بقية المفاسد وإن كثرت وعظمت مبنية عليها، ولتوضيح الأمر في هذا المقام ~~محل آخر سيأتي إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان ~~خلاف هواك فإن ذلك مثبت في كتاب الله، قلت: يا رسول الله فأين وقد قرأت ~~القرآن؟ قال وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم - وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ~~لكم - والله يعلم وأنتم لا تعلمون أقول: وفي الرواية إشعار بأن التقدير يعم ~~التشريع والتكوين وإنما يختلف باختلاف الاعتبار، وأما كون عسى بمعنى الوجوب ~~فلا دلالة لها عليه، وقد مر أن عسى في القرآن بمعناه اللغوي وهو الترجي فلا ~~عبرة بما نقل عن بعض المفسرين: كل شيء في القرآن عسى فإن عسى من الله واجب! ~~وأعجب منه ما نقل عن بعض آخر: أن كل شيء من القرآن عسى فهو واجب إلا حرفين: ~~حرف في التحريم: عسى ربه إن طلقكن، وفي بني إسرائيل عسى ربكم أن يرحمكم. PageV02P108 # وفي الدر المنثور، أيضا: أخرج ابن جرير من طريق السدي: أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بعث سرية وفيهم سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش ~~الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو ms0620 حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي ~~وقاص، وعتبة بن صفوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهل بن بيضاء، وعامر بن ~~فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش ~~كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل ملل فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب فإذا ~~فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص ~~فإني موص وماض لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسار وتخلف عنه ~~سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلة لهما، وسار ابن جحش فإذا هم ~~بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة بن عثمان، وعمرو الحضرمي فاقتتلوا ~~فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة وانفلت المغيرة، وقتل عمرو ~~الحضرمي قتله واقد بن عبد الله فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، ~~قال المشركون محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام ~~فأنزل الله: "يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه - قل قتال فيه كبير"، لا ~~يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين ~~كفرتم بالله وصددتم عنه محمدا، والفتنة وهي الشرك أعظم عند الله من القتل ~~في الشهر الحرام فذلك قوله: وصد عن سبيل الله وكفر به. PageV02P109 # أقول: والروايات في هذا المعنى وما يقرب منه كثيرة من طرقهم، وروي هذا ~~المعنى أيضا في المجمع، وفي بعض الروايات: أن السرية كانت ثمانية تاسعهم ~~أميرهم، وفي الدر المنثور، أيضا: أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من ~~أخبار قريش ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابا قبل أن ~~يعلمه أنه يسير، فقال: اخرج أنت وأصحابك حتى ms0621 إذا سرت يومين فافتح كتابك ~~وانظر فيه، فما أمرتك به فامض له، ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على الذهاب ~~معك، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من ~~أخبار قريش بما اتصل إليك منهم، فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعا وطاعة، ~~من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فإني ماض لأمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله قد نهاني أن ~~أستكره منكم أحدا فمضى معه القوم، حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي ~~وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا عليه يطلبانه، ومضى ~~القوم حتى نزلوا نخلة، فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان ~~والمغيرة بن عبد الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف: أدم وزيت، فلما ~~رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقا، ~~قال عمار: ليس عليكم منه بأس، وائتمر القوم بهم أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وهو آخر يوم من جمادى فقالوا: لئن قتلتموهم أنكم لتقتلونهم ~~في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة مكة الحرام فليمتنعن ~~منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن ~~الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وهرب ~~المغيرة فأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، فقال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأوقف رسول ~~الله الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئا، فلما قال لهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ما قال سقط في أيديهم وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم ~~إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم ~~الحرام وأخذ المال، وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام، فأنزل الله في ذلك: ~~يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية، فلما نزل ذلك أخذ رسول الله (صلى ms0622 ~~الله عليه وآله وسلم) العير وفدى الأسيرين فقال المسلمون: يا رسول الله! ~~أتطمع أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل الله: إن الذين آمنوا والذين هاجروا - ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع ~~عبد الله بن جحش. # أقول: وفي كون قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا الآية، نازلة في ~~أمر أصحاب عبد الله بن جحش روايات أخر، والآية تدل على عذر من فعل فعلا ~~قربيا فأخطأ الواقع فلا ذنب مع الخطاء، وتدل أيضا على جواز تعلق المغفرة ~~بغير مورد الذنب. # وفي الروايات إشارة إلى أن المراد بالسائلين في قوله تعالى يسئلونك، هم ~~المؤمنون دون المشركين الطاعنين في فعل المؤمنين، ويؤيده أيضا ما مر من ~~رواية ابن عباس في البحث الروائي السابق: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب ~~محمد ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~كلهن في القرآن: منهن يسألونك عن الخمر والميسر، ويسألونك عن الشهر الحرام ~~الرواية، ويؤيد ذلك أن الخطاب في الآية إنما هو للمؤمنين حيث يقول تعالى: ~~ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم. PageV02P110 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 219 - 220 # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنفع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الايت لعلكم ~~تتفكرون (219) فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتمى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخونكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم (220) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر، الخمر على ما يستفاد من اللغة هو ~~كل مائع معمول للسكر، والأصل في معناه الستر، وسمي به لأنه يستر العقل ولا ~~يدعه يميز الحسن من القبح والخير من الشر، ويقال: لما تغطي به المرأة رأسها ~~الخمار، ويقال: خمرت الإناء إذا غطيت رأسها، ويقال: أخمرت العجين إذا أدخلت ~~فيه الخمير، وسميت الخميرة خميرة لأنها تعجن أولا ثم تغطى وتخمر من قبل، ~~وقد كانت العرب لا ms0623 تعرف من أقسامه إلا الخمر المعمول من العنب والتمر ~~والشعير، ثم زاد الناس في أقسامه تدريجا فصارت اليوم أنواعا كثيرة ذات ~~مراتب بحسب درجات السكر، والجميع خمر. # والميسر لغة هو القمار ويسمى المقامر ياسرا والأصل في معناه السهولة سمي ~~به لسهولة اقتناء مال الغير به من غير تعب الكسب والعمل، وقد كان أكثر ~~استعماله عند العرب في نوع خاص من القمار، وهو الضرب بالقداح وهي السهام، ~~وتسمى أيضا: الأزلام والأقلام. # وأما كيفيته فهي أنهم كانوا يشترون جزورا وينحرونه، ثم يجزءونه ثمانية ~~وعشرين جزءا، ثم يضعون عند ذلك عشر سهام وهي الفذ، والتوأم، والرقيب، ~~والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى، والمنيح، والسنيح، والرغد، فللفذ جزء ~~من الثمانية والعشرين جزءا، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء، وللحلس ~~أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وهو أكثر القداح نصيبا، ~~وأما الثلاثة الأخيرة وهي المنيح والسنيح والرغد فلا نصيب لها، فمن خرج أحد ~~القداح السبعة باسمه أخذ نصيبه من الأجزاء المفروضة، وصاحبوا القداح ~~الثلاثة الأخيرة يغرمون قيمة الجزور، ويتم هذا العمل بين عشرة رجال بنحو ~~القرعة في الأنصباء والسهام. # قوله تعالى: قل فيهما إثم كبير، وقرىء إثم كثير بالثاء المثلثة، والإثم ~~يقارب الذنب وما يشبهه معنى وهو حال في الشيء أو في العقل يبطىء الإنسان عن ~~نيل الخيرات فهو الذنب الذي يستتبع الشقاء والحرمان في أمور أخرى ويفسد ~~سعادة الحياة في جهاتها الأخرى وهذان على هذه الصفة. # أما شرب الخمر فمضراته الطبية وآثاره السيئة في المعدة والأمعاء والكبد ~~والرئة وسلسلة الأعصاب والشرايين والقلب والحواس كالباصرة والذائقة وغيرها ~~مما ألف فيه تأليفات من حذاق الأطباء قديما وحديثا، ولهم في ذلك إحصاءات ~~عجيبة تكشف عن كثرة المبتلين بأنواع الأمراض المهلكة التي يستتبعها هذا ~~السم المهلك. # وأما مضراته الخلقية: من تشويه الخلق وتأديته الإنسان إلى الفحش، ~~والإضرار والجنايات، والقتل، وإفشاء السر، وهتك الحرمات، وإبطال جميع ~~القوانين والنواميس الإنسانية التي بنيت عليها أساس سعادة الحياة، وخاصة ~~ناموس العفة في الأعراض والنفوس والأموال، فلا عاصم من سكران لا يدري ما ~~يقول ولا ms0624 يشعر بما يفعل، وقل ما يتفق جناية من هذه الجنايات التي قد ملأت ~~الدنيا ونغصت عيشة الإنسان إلا وللخمر فيها صنع مستقيما أو غير مستقيم. # وأما مضرته في الإدراك وسلبه العقل وتصرفه الغير المنتظم في أفكار ~~الإنسان وتغييره مجرى الإدراك حين السكر وبعد الصحو فمما لا ينكره منكر ~~وذلك أعظم ما فيه من الإثم والفساد، ومنه ينشأ جميع المفاسد الآخر. # والشريعة الإسلامية كما مرت إليه الإشارة وضعت أساس أحكامها على التحفظ ~~على العقل السليم، ونهت عن الفعل المبطل لعمل العقل أشد النهي كالخمر، ~~والميسر، والغش، والكذب، وغير ذلك، ومن أشد الأفعال المبطلة لحكومة العقل ~~على سلامة هو شرب الخمر من بين الأفعال وقول الكذب والزور من بين الأقوال. PageV02P111 # فهذه الأعمال أعني: الأعمال المبطلة لحكومة العقل وعلى رأسها السياسات ~~المبتنية على السكر والكذب هي التي تهدد الإنسانية، وتهدم بنيان السعادة ~~ولا تأتي بثمرة عامة إلا وهي أمر من سابقتها، وكلما زاد الحمل ثقلا وأعجز ~~حامله زيد في الثقل رجاء المقدرة، فخاب السعي، وخسر العمل، ولو لم يكن لهذه ~~المحجة البيضاء والشريعة الغراء إلا البناء على العقل والمنع عما يفسده من ~~اتباع الهوى لكفاها فخرا، وللكلام تتمة سنتعرض لها في سورة المائدة إن شاء الله. # ولم يزل الناس بقريحتهم الحيوانية يميلون إلى لذائذ الشهوة فيشبع بينهم ~~الأعمال الشهوانية أسرع من شيوع الحق والحقيقة، وانعقدت العادات على ~~تناولها وشق تركها والجري على نواميس السعادة الإنسانية، ولذلك أن الله ~~سبحانه شرع فيهم ما شرع من الأحكام على سبيل التدريج، وكلفهم بالرفق ~~والإمهال. # ومن جملة تلك العادات الشائعة السيئة شرب الخمر فقد أخذ في تحريمه ~~بالتدريج على ما يعطيه التدبر في الآيات المربوطة به فقد نزلت أربع مرات: ~~إحداها: قوله تعالى: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق:" الأعراف - 33، والآية مكية حرم فيها الإثم صريحا، وفي ~~الخمر إثم غير أنه لم يبين أن الإثم ما هو وأن في الخمر إثما كبيرا. # ولعل ذلك إنما كان نوعا من الإرفاق ms0625 والتسهيل لما في السكوت عن البيان من ~~الإغماض كما يشعر به أيضا قوله تعالى: "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون ~~منه سكرا ورزقا حسنا:" النحل - 67، والآية أيضا مكية، وكان الناس لم يكونوا ~~متنبهين بما فيه من الحرمة الكبيرة حتى نزلت قوله تعالى: "يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى:" النساء - 43، والآية مدنية وهي تمنع ~~الناس بعض المنع عن الشرب والسكر في أفضل الحالات وفي أفضل الأماكن وهي ~~الصلاة في المسجد. # والاعتبار وسياق الآية الشريفة يأبى أن تنزل بعد آية البقرة وآيتي ~~المائدة فإنهما تدلان على النهي المطلق، ولا معنى للنهي الخاص بعد ورود ~~النهي المطلق، على أنه ينافي التدريج المفهوم من هذه الآيات فإن التدريج ~~سلوك من الأسهل إلى الأشق لا بالعكس. # ثم نزلت آية البقرة أعني قوله تعالى: "ويسئلونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" وهذه الآية بعد آية ~~النساء كما مر بيانه وتشتمل الآية على التحريم لدلالتها القطعية على الإثم ~~في الخمر "فيهما إثم كبير" وتقدم نزول آية الأعراف المكية الصريحة في تحريم الإثم. # ومن هنا يظهر: فساد ما ذكره بعض المفسرين: أن آية البقرة ما كانت صريحة ~~في الحرمة فإن قوله تعالى: "قل فيهما إثم كبير" لا يدل على أزيد من أن فيه ~~إثما والإثم هو الضرر، وتحريم كل ضار لا يدل على تحريم ما فيه مضرة من جهة ~~ومنفعة من جهة أخرى، ولذلك كانت هذه الآية موضعا لاجتهاد الصحابة، فترك لها ~~الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون، كأنهم رأوا أنهم يتيسر لهم أن ينتفعوا ~~بها مع اجتناب ضررها فكان ذلك تمهيدا للقطع بتحريمها فنزل قوله تعالى: ~~"إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان إلى قوله تعالى: ~~فهل أنتم منتهون". # وجه الفساد أما أولا: فإنه أخذ الإثم بمعنى الضرر مطلقا وليس الإثم هو ~~الضرر ومجرد مقابلته في الكلام مع المنفعة لا يستدعي كونه بمعنى الضرر ~~المقابل للنفع، وكيف يمكن أخذ الإثم بمعنى الضرر في قوله تعالى: "ومن ms0626 يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما:" النساء - 47، وقوله تعالى: "فإنه آثم قلبه:" ~~البقرة - 283، وقوله تعالى: "أن تبوء بإثمي وإثمك:" المائدة - 29، وقوله ~~تعالى: "لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم:" النور - 11، وقوله تعالى: "ومن ~~يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه:" النساء - 111، إلى غير ذلك من الآيات. # وأما ثانيا: فإن الآية لم تعلل الحكم بالضرر، ولو سلم ذلك فإنها تعلله ~~بغلبة الضرر على المنفعة، ولفظها صريح في ذلك حيث يقول "وإثمهما أكبر من ~~نفعهما" وإرجاعها مع ذلك إلى الاجتهاد، اجتهاد في مقابل النص. PageV02P112 # وأما ثالثا: فهب أن الآية في نفسها قاصرة الدلالة على الحرمة لكنها صريحة ~~الدلالة على الإثم وهي مدنية قد سبقتها في النزول آية الأعراف المحرمة ~~للإثم صريحا فما عذر من سمع التحريم في آية مكية حتى يجتهد في آية مدنية!. # على أن آية الأعراف تدل على تحريم مطلق الإثم وهذه الآية قيدت الإثم ~~بالكبر ولا يبقى مع ذلك ريب لذي ريب في أن الخمر فرد تام ومصداق كامل للإثم ~~لا ينبغي الشك في كونه من الإثم المحرم، وقد وصف القرآن القتل وكتمان ~~الشهادة والافتراء وغير ذلك بالإثم ولم يصف الإثم في شيء من ذلك بالكبر إلا ~~في الخمر وفي الشرك حيث وصفه بالعظم في قوله تعالى: "ومن يشرك بالله فقد ~~افترى إثما عظيما:" النساء - 48، وبالجملة لا شك في دلالة الآية على ~~التحريم. # ثم نزلت آيتا المائدة: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلوة فهل أنتم منتهون:" المائدة - 91، وذيل الكلام يدل على أن المسلمين ~~لم يكونوا منتهين بعد نزول آية البقرة عن شرب الخمر ولم ينتزعوا عنه ~~بالكلية حتى نزلت الآية فقيل: فهل أنتم منتهون، هذا كله في الخمر. # وأما الميسر: فمفاسده الاجتماعية وهدمه لبنيان الحياة أمر مشهود معاين، ~~والعيان يغني عن البيان، وسنتعرض لشأنه في سورة المائدة إن شاء الله. # ولنرجع إلى ما ms0627 كنا فيه من البحث في مفردات الآية فقوله تعالى: قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس، قد مر الكلام في معنى الإثم، وأما الكبر فهو في ~~الأحجام بمنزلة الكثرة في الأعداد، والكبر يقابل الصغر كما أن الكثرة تقابل ~~القلة، فهما وصفان إضافيان بمعنى أن الجسم أو الحجم يكون كبيرا بالنسبة إلى ~~آخر أصغر منه وهو بعينه صغير بالنسبة إلى آخر أكبر منه، ولو لا المقايسة ~~والإضافة لم يكن كبر ولا صغر كما لا يكون كثرة ولا قلة، ويشبه أن يكون أول ~~ما تنبه الناس لمعنى الكبر إنما تنبهوا له في الأحجام التي هي من الكميات ~~المتصلة وهي جسمانية، ثم انتقلوا من الصور إلى المعاني فاستطردوا معنى ~~الكبر والصغر فيها، قال تعالى: "إنها لإحدى الكبر:" المدثر - 35، وقال ~~تعالى: "كبرت كلمة تخرج من أفواههم:" الكهف - 5، وقال تعالى: "كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه:" الشورى - 13، والعظم في معناه كالكبر، غير أن ~~الظاهر أن العظمة مأخوذة من العظم الذي هو أحد أجزاء البدن من الحيوان فإن ~~كبر جسم الحيوان كان راجعا إلى كبر العظام المركبة المؤلفة في داخله ~~فاستعير العظم للكبر ثم تأصل فاشتق منه كالمواد الأصلية. # والنفع خلاف الضرر ويطلقان على الأمور المطلوبة لغيرها أو المكروهة ~~لغيرها كما أن الخير والشر يطلقان على الأمور المطلوبة لذاتها أو المكروهة ~~لذاتها، والمراد بالمنافع فيهما ما يقصده الناس بهما من الاستفادات المالية ~~بالبيع والشرى والعمل والتفكه والتلهي، ولما قوبل ثانيا بين الإثم والمنافع ~~بالكبر أوجب ذلك إفراد المنافع وإلغاء جهة الكثرة فيها فإن العدد لا تأثير ~~له في الكبر فقيل: وإثمهما أكبر من نفعهما ولم يقل من منافعهما. # قوله تعالى: ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو، العفو على ما ذكره الراغب ~~قصد الشيء لتناوله ثم أوجب لحوق العنايات المختلفة الكلامية به مجيئه ~~لمعاني مختلفة كالعفو بمعنى المغفرة والعفو بمعنى إمحاء الأثر والعفو بمعنى ~~التوسط في الإنفاق، وهذا هو المقصود في المقام، والله العالم. # والكلام في مطابقة الجواب للسؤال في هذه الآية نظير ما مر في قوله تعالى: ms0628 ~~يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين الآية. # قوله تعالى: يبين الله لكم إلى قوله: في الدنيا والآخرة، الظرف أعني قوله ~~تعالى: في الدنيا والآخرة، متعلق بقوله: تتفكرون وليس بظرف له، والمعنى ~~لعلكم تتفكرون في أمر الدارين وما يرتبط بكم من حقيقتهما، وأن الدنيا دار ~~خلقها الله لكم لتحيوا فيها وتكسبوا ما ينفعكم في مقركم وهو الدار الآخرة ~~التي ترجعون فيه إلى ربكم فيجازيكم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا. PageV02P113 # وفي الآية أولا: حث على البحث عن حقائق الوجود ومعارف المبدإ والمعاد ~~وأسرار الطبيعة، والتفكر في طبيعة الاجتماع ونواميس الأخلاق وقوانين الحياة ~~الفردية والاجتماعية، وبالجملة جميع العلوم الباحثة عن المبدإ والمعاد وما ~~بينهما المرتبطة بسعادة الإنسان وشقاوته. # وثانيا: أن القرآن وإن كان يدعو إلى الإطاعة المطلقة لله ورسوله من غير ~~أي شرط وقيد، غير أنه لا يرضى أن يؤخذ الأحكام والمعارف التي يعطيها على ~~العمى والجمود المحض من غير تفكر وتعقل يكشف عن حقيقة الأمر، وتنور يستضاء ~~به الطريق في هذا السير والسري. # وكان المراد بالتبيين هو الكشف عن علل الأحكام والقوانين، وإيضاح أصول ~~المعارف والعلوم. # قوله تعالى: ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، في الآية إشعار بل ~~دلالة على نوع من التخفيف والتسهيل حيث أجازت المخالطة لليتامى، ثم قيل ولو ~~شاء الله لأعنتكم، وهذا يكشف عن تشديد سابق من الله تعالى في أمر اليتامى ~~يوجب التشويش والاضطراب في قلوب المسلمين حتى دعاهم على السؤال عن أمر ~~اليتامى، والأمر على ذلك، فإن هاهنا آيات شديدة اللحن في أمر اليتامى كقوله ~~"تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا:" النساء - 10، وقوله تعالى: "وآتوا اليتامى أموالهم ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا ~~كبيرا:" النساء - 2، فالظاهر أن الآية نازلة بعد آيات سورة النساء، وبذلك ~~يتأيد ما سننقله من سبب نزول الآية في البحث الروائي، وفي قوله تعالى: قل ~~إصلاح لهم خير، حيث نكر الإصلاح، دلالة على أن ms0629 المرضي عند الله سبحانه نوع ~~من الإصلاح لا كل إصلاح ولو كان إصلاحا في ظاهر الأمر فقط، فالتنكير في ~~قوله تعالى: إصلاح لإفادة التنويع فالمراد به الإصلاح بحسب الحقيقة لا بحسب ~~الصورة، ويشعر به قوله تعالى - ذيلا -: والله يعلم المفسد من المصلح. # قوله تعالى: وإن تخالطوهم فإخوانكم، إشارة إلى المساواة المجعولة بين ~~المؤمنين جميعا بإلغاء جميع الصفات المميزة التي هي المصادر لبروز أنواع ~~الفساد بين الناس في اجتماعهم من الاستعباد والاستضعاف والاستذلال ~~والاستكبار وأنواع البغي والظلم، وبذلك يحصل التوازن بين أثقال الاجتماع، ~~والمعادلة بين اليتيم الضعيف والولي القوي، وبين الغني المثري والفقير ~~المعدم، وكذا كل ناقص وتام، وقد قال تعالى: "إنما المؤمنون إخوة:" الحجرات - 10. # فالذي تجوزه الآية في مخالطة الولي لليتيم أن يكون كالمخالطة بين الأخوين ~~المتساويين في الحقوق الاجتماعية بين الناس يكون المأخوذ من ماله كالمعطى ~~له، فالآية تحاذي قوله تعالى: "وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا:" النساء - 2، ~~وهذه المحاذاة من الشواهد على أن في الآية نوعا من التخفيف والتسهيل كما ~~يدل عليه أيضا ذيلها، وكما يدل عليه أيضا بعض الدلالة قوله تعالى: والله ~~يعلم المفسد من المصلح، فالمعنى: أن المخالطة إن كانت وهذا هو التخفيف ~~فلتكن كمخالطة الأخوين، على التساوي في الحقوق، ولا ينبغي عند ذلك الخوف ~~والخشية فإن ذلك لو كان بغرض الإصلاح حقيقة لا صورة كان من الخير، ولا يخفى ~~حقيقة الأمر على الله سبحانه حتى يؤاخذكم بمجرد المخالطة فإن الله سبحانه ~~يميز المفسد من المصلح. # قوله تعالى: والله يعلم المفسد من المصلح إلى آخر الآية، تعدية يعلم بمن ~~كأنها لمكان تضمينه معنى يميز، والعنت هو الكلفة والمشقة. PageV02P114 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن علي بن يقطين: قال: سأل المهدي أبا الحسن (عليه السلام) عن ~~الخمر: هل هي محرمة في كتاب الله عز وجل؟ فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ~~ولا يعرفون تحريمها فقال له أبو الحسن (عليه السلام): بل هي محرمة فقال: في ~~أي موضع ms0630 هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا أبا الحسن؟ فقال: قول الله تعالى: ~~إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق إلى ~~أن قال: فأما الإثم فإنها الخمر بعينها وقد قال الله تعالى في موضع آخر: ~~يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما، فأما الإثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر وإثمهما أكبر من نفعهما ~~كما قال الله تعالى، فقال المهدي: يا علي بن يقطين هذه فتوى هاشمية، فقلت ~~له: صدقت يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل ~~البيت، قال: فوالله ما صبر المهدي إن قال لي: صدقت يا رافضي. # أقول: وقد مر ما يتبين به معنى هذه الرواية. # وفي الكافي، أيضا عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن الله ~~جعل للمعصية بيتا، ثم جعل للبيت بابا، ثم جعل للباب غلقا، ثم جعل للغلق ~~مفتاحا، فمفتاح المعصية الخمر. # وفيه، أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال، قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن الخمر رأس كل إثم. # وفيه، عن إسماعيل قال: أقبل أبو جعفر (عليه السلام) في المسجد الحرام ~~فنظر إليه قوم من قريش فقالوا: هذا إله أهل العراق فقال بعضهم: لو بعثتم ~~إليه بعضكم، فأتاه شاب منهم فقال: يا عم ما أكبر الكبائر؟ قال (عليه ~~السلام): شرب الخمر. # وفيه، أيضا عن أبي البلاد عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ما عصي الله ~~بشيء أشد من شرب المسكر، إن أحدهم يدع الصلاة الفريضة ويثب على أمه وابنته، ~~وأخته وهو لا يعقل. # وفي الإحتجاج،: سأل زنديق أبا عبد الله (عليه السلام): لم حرم الله الخمر ~~ولا لذة أفضل منها؟ قال: حرمها لأنها أم الخبائث ورأس كل شر، يأتي على ~~شاربها ساعة يسلب لبه فلا يعرف ربه ولا يترك معصية إلا ركبها الحديث. # أقول: والروايات تفسر بعضها بعضا، والتجارب والاعتبار يساعدانها. # وفي الكافي، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) ms0631 قال: لعن رسول الله في ~~الخمر عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها وشاربها، وساقيها، وحاملها، ~~والمحمولة إليه، وبايعها، ومشتريها وآكل ثمنها. # وفي الكافي، والمحاسن، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر. # أقول: وتصديق الروايتين قوله تعالى: "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان:" ~~المائدة - 3. # وفي الخصال، بإسناده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاق، ومنان، ومكذب ~~بالقدر، ومدمن خمر. # وفي الأمالي لابن الشيخ، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: أقسم ربي جل جلاله لا يشرب عبد لي خمرا في ~~الدنيا إلا سقيته يوم القيامة مثل ما شرب منها من الحميم معذبا بعد أو ~~مغفورا له. ثم قال: إن شارب الخمر يجيء يوم القيامة مسودا وجهه، مزرقة ~~عيناه، مائلا شدقه، سائلا لعابه، والغا لسانه من قفاه. # وفي تفسير القمي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: حق على الله أن يسقي من ~~يشرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات، والمومسات الزواني يخرج من فروجهن ~~صديد، والصديد قيح ودم غليظ يؤذي أهل النار حره ونتنه. # أقول: ربما تأيدت هذه الروايات بقوله تعالى: "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ~~كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا ~~فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم:" الدخان - 49، وفي جميع ~~المعاني السابقة روايات كثيرة. # وفي الكافي، عن الوشاء عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ~~الميسر هو القمار. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة لا غبار عليها. PageV02P115 # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: ويسألونك ما ذا ينفقون الآية: عن ابن ~~عباس: أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي ~~فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق ~~منها؟ فأنزل الله ويسألونك ما ذا ينفقون قل العفو وكان قبل ms0632 ذلك ينفق ماله ~~حتى ما يجد ما يتصدق به ولا مالا يأكل حتى يتصدق به وفي الدر المنثور، أيضا ~~عن يحيى: أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقالا: يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا؟ ~~فأنزل الله: ويسألونك ما ذا ينفقون. قل العفو. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): العفو الوسط. # وفي تفسير العياشي، عن الباقر والصادق (عليهما السلام): الكفاف. # وفي رواية أبي بصير: القصد. # وفيه، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في الآية: الذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا - وكان بين ذلك قواما، قال: هذه بعد هذه، هي الوسط. # وفي المجمع، عن الباقر (عليه السلام): العفو ما فضل عن قوت السنة. # أقول: والروايات متوافقة، والأخيرة من قبيل بيان المصداق. # والروايات في فضل الصدقة وكيفيتها وموردها وكميتها فوق حد الإحصاء، سيأتي ~~بعضها في موارد تناسبها إن شاء الله. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: ويسألونك عن اليتامى: عن الصادق (عليه ~~السلام) قال: إنه لما نزلت: إن الذين يأكلون أموال اليتامى - ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا، أخرج كل من كان عنده يتيم، وسألوا ~~رسول الله في إخراجهم فأنزل الله: يسألونك عن اليتامى - قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم - فإخوانكم في الدين - والله يعلم المفسد من المصلح. # وفي الدر المنثور، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: ولا تقربوا مال ~~اليتيم - إلا بالتي هي أحسن، وإن الذين يأكلون أموال اليتامى الآية انطلق ~~من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل له الشيء ~~من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فيرمي به، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: ويسألونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير - وإن تخالطوهم فإخوانكم، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم ~~بشرابهم. # أقول: وروي هذا المعنى عن سعيد بن جبير وعطاء وقتادة PageV02P116 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 221 # ولا تنكحوا المشركت ms0633 حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين ءايته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، قال الراغب في المفردات،: أصل ~~النكاح للعقد ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير ~~للعقد لأن أسماء الجماع، كلها كنايات، لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ~~ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه، انتهى، ~~وهو جيد غير أنه يجب أن يراد بالعقد علقة الزوجية دون العقد اللفظي ~~المعهود. # والمشركات اسم فاعل من الإشراك بمعنى اتخاذ الشريك لله سبحانه، ومن ~~المعلوم أنه ذو مراتب مختلفة بحسب الظهور والخفاء نظير الكفر والإيمان، ~~فالقول بتعدد الإله واتخاذ الأصنام والشفعاء شرك ظاهر، وأخفى منه ما عليه ~~أهل الكتاب من الكفر بالنبوة - وخاصة - أنهم قالوا: عزير ابن الله أو ~~المسيح ابن الله، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وهو شرك، وأخفى منه القول ~~باستقلال الأسباب والركون إليها وهو شرك، إلى أن ينتهي إلى ما لا ينجو منه ~~إلا المخلصون وهو الغفلة عن الله والالتفات إلى غير الله عزت ساحته، فكل ~~ذلك من الشرك، غير أن إطلاق الفعل غير إطلاق الوصف والتسمية به، كما أن من ~~ترك من المؤمنين شيئا من الفرائض فقد كفر به لكنه لا يسمى كافرا، قال ~~تعالى: "ولله على الناس حج البيت إلى أن قال ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين:" آل عمران - 97، وليس تارك الحج كافرا بل هو فاسق كفر بفريضة ~~واحدة، ولو أطلق عليه الكافر قيل كافر بالحج، وكذا سائر الصفات المستعملة ~~في القرآن كالصالحين والقانتين والشاكرين والمتطهرين، وكالفاسقين والظالمين ~~إلى غير ذلك لا تعادل الأفعال المشاركة لها في مادتها، وهو ظاهر فللتوصيف ~~والتسمية حكم، ولإسناد الفعل حكم آخر. # على أن لفظ المشركين في القرآن غير ظاهر الإطلاق على أهل الكتاب بخلاف ~~لفظ الكافرين بل إنما أطلق فيما ms0634 يعلم مصداقه على غيرهم من الكفار كقوله ~~تعالى: "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة:" البينة - 1، وقوله تعالى: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام:" التوبة - 28، وقوله تعالى: "كيف يكون للمشركين عهد:" التوبة - 7، ~~وقوله تعالى: "وقاتلوا المشركين كافة:" التوبة 36، وقوله تعالى: "فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم:" التوبة - 5، إلى غير ذلك من الموارد. # وأما قوله تعالى: "وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين:" البقرة - 135، فليس المراد بالمشركين في الآية ~~اليهود والنصارى ليكون تعريضا لهم بل الظاهر أنهم غيرهم بقرينة قوله تعالى: ~~"ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين:" آل عمران - 67، ففي إثبات الحنف له (عليه السلام) تعريض لأهل ~~الكتاب، وتبرئة لساحة إبراهيم عن الميل عن حاق الوسط إلى مادية اليهود محضا ~~أو إلى مثنوية النصارى محضا بل هو (عليه السلام) غير يهودي ولا نصراني ~~ومسلم لله غير متبع له يكن المشركين عبدة الأوثان. # وكذا قوله تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:" يوسف - 106، ~~وقوله تعالى: "وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة:" فصلت - 7، وقوله ~~تعالى: "إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون:" النحل - 100، ~~فإن هذه الآيات ليست في مقام التسمية بحيث يعد المورد الذي يصدق وصف الشرك ~~عليه مشركا غير مؤمن، والشاهد على ذلك صدقه على بعض طبقات المؤمنين، بل على ~~جميعهم غير النادر الشاذ منهم وهم الأولياء المقربون من صالحي عباد الله. # فقد ظهر من هذا البيان على طوله: أن ظاهر الآية أعني قوله تعالى: ولا ~~تنكحوا المشركات، قصر التحريم على المشركات والمشركين من الوثنيين دون أهل ~~الكتاب. PageV02P117 # ومن هنا يظهر: فساد القول بأن الآية ناسخة لآية المائدة وهي قوله تعالى: ~~"اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" الآية: ~~المائدة - 6. # أو أن الآية أعني قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات، وآية الممتحنة أعني ms0635 ~~قوله تعالى: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر:" الممتحنة - 10، ناسختان لآية ~~المائدة، وكذا القول بأن آية المائدة ناسخة لآيتي البقرة والممتحنة. # وجه الفساد: أن هذه الآية أعني آية البقرة بظاهرها لا تشمل أهل الكتاب ~~وآية المائدة لا تشمل إلا الكتابية فلا نسبة بين الآيتين بالتنافي حتى تكون ~~آية البقرة ناسخة لآية المائدة أو منسوخة بها، وكذا آية الممتحنة وإن أخذ ~~فيها عنوان الكوافر وهو أعم من المشركات ويشمل أهل الكتاب، فإن الظاهر أن ~~إطلاق الكافر يشمل الكتابي بحسب التسمية بحيث يوجب صدقه عليه انتفاء صدق ~~المؤمن عليه كما يشهد به قوله تعالى "من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين:" البقرة - 98 إلا أن ظاهر الآية كما ~~سيأتي إن شاء الله العزيز أن من آمن من الرجال وتحته زوجة كافرة يحرم عليه ~~الإمساك بعصمتها أي إبقاؤها على الزوجية السابقة إلا أن تؤمن فتمسك ~~بعصمتها، فلا دلالة لها على النكاح الابتدائي للكتابية. # ولو سلم دلالة الآيتين أعني: آية البقرة وآية الممتحنة على تحريم نكاح ~~الكتابية ابتداء لم تكونا بحسب السياق ناسختين لآية المائدة، وذلك لأن آية ~~المائدة واردة مورد الامتنان والتخفيف، على ما يعطيه التدبر في سياقها، فهي ~~آبية عن المنسوخية بل التخفيف المفهوم منها هو الحاكم على التشديد المفهوم ~~من آية البقرة، فلو بني على النسخ كانت آية المائدة هي الناسخة. # على أن سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة بعد الهجرة، وسورة الممتحنة ~~نزلت بالمدينة قبل فتح مكة وسورة المائدة آخر سورة نزلت على رسول الله ~~ناسخة غير منسوخة ولا معنى لنسخ السابق اللاحق. # قوله تعالى: ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، الظاهر أن المراد ~~بالأمة المؤمنة المملوكة التي تقابل الحرة وقد كان الناس يستذلون الإماء ~~ويعيرون من تزوج بهن، فتقييد الأمة بكونها مؤمنة، وإطلاق المشركة مع ما كان ~~عليه الناس من استحقار أمر الإماء واستذلالهن، والتحرز عن التزوج بهن يدل ~~على أن المراد أن المؤمنة وإن كانت أمة خير من المشركة وإن كانت حرة ذات ~~حسب ms0636 ونسب ومال مما يعجب الإنسان بحسب العادة. # وقيل: إن المراد بالأمة كالعبد في الجملة التالية أمة الله وعبده وهو بعيد. # قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن "إلخ"، الكلام ~~فيه كالكلام في الجملة السابقة. # قوله تعالى: أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، ~~إشارة إلى حكمة الحكم بالتحريم، وهو أن المشركين لاعتقادهم بالباطل، ~~وسلوكهم سبيل الضلال رسخت فيهم الملكات الرذيلة المزينة للكفر والفسوق، ~~والمعمية عن إبصار طريق الحق والحقيقة فأثبتت في قولهم وفي فعلهم الدعوة ~~إلى الشرك، والدلالة إلى البوار، والسلوك بالآخرة إلى النار فهم يدعون إلى ~~النار، والمؤمنون - بخلافهم - بسلوكهم سبيل الإيمان، وتلبسهم بلباس التقوى ~~يدعون بقولهم وفعلهم إلى الجنة والمغفرة بإذن الله حيث أذن في دعوتهم إلى ~~الإيمان، واهتدائهم إلى الفوز والصلاح المؤدي إلى الجنة والمغفرة. # وكان حق الكلام أن يقال: وهؤلاء يدعون إلى الجنة "إلخ"، ففيه استخلاف عن ~~المؤمنين ودلالة على أن المؤمنين في دعوتهم بل في مطلق شئونهم الوجودية إلى ~~ربهم، لا يستقلون في شيء من الأمور دون ربهم تبارك وتعالى وهو وليهم كما ~~قال سبحانه: "والله ولي المؤمنين:" آل عمران - 68. PageV02P118 # وفي الآية وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالدعوة إلى الجنة والمغفرة هو ~~الحكم المشرع في صدر الآية بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~"إلخ"، فإن جعل الحكم لغرض ردع المؤمنين عن الاختلاط في العشرة مع من لا ~~يزيد القرب منه والأنس به إلا البعد من الله سبحانه، وحثهم بمخالطة من في ~~مخالطته التقرب من الله سبحانه وذكر آياته ومراقبة أمره ونهيه دعوة من الله ~~إلى الجنة، ويؤيد هذا الوجه تذييل هذه الجملة بقوله تعالى: ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون، ويمكن أن يراد بالدعوة الأعم من الوجهين، ولا يخلو ~~حينئذ السياق عن لطف فافهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في الآية: نزلت في مرئد بن أبي مرئد الغنوي بعثه رسول الله ~~إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان قويا شجاعا، فدعه امرأة يقال ~~لها: عناق إلى نفسها فأبى ms0637 وكانت بينهما خلة في الجاهلية، فقالت: هل لك أن ~~تتزوج بي؟ فقال: حتى استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما رجع ~~استأذن في التزوج بها. # أقول: وروى هذا المعنى السيوطي في الدر المنثور، عن ابن عباس. # وفي الدر المنثور:، أخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ~~في هذه الآية: ولأمة مؤمنة خير من مشركة، قال: نزلت في عبد الله بن رواحة ~~وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فأخبره خبرها، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسوله فقال يا عبد الله هذه مؤمنة فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق ~~لأعتقها ولأتزوجها، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة وكانوا ~~يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم فأنزل الله فيهم: ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة. # وفيه، أيضا عن مقاتل: في الآية ولأمة مؤمنة، قال بلغنا أنها كانت أمة ~~لحذيفة فأعتقها وتزوجها حذيفة. # أقول: لا تنافي بين هذه الروايات الواردة في أسباب النزول لجواز وقوع عدة ~~حوادث تنزل بعدها آية تشتمل على حكم جميعها، وهنا روايات متعارضة مروية في ~~كون قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، الآية ناسخا لقوله تعالى: ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، أو منسوخا به، ستمر بك في تفسير ~~الآية من سورة المائدة. PageV02P119 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 222 - 223 # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوبين ويحب ~~المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملقوه وبشر المؤمنين (223) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى "إلخ"، المحيض مصدر كالحيض، ~~يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا إذا نزفت طبيعتها الدم ms0638 المعروف ذا ~~الصفات المعهودة المختصة بالنساء، ولذلك يقال هي حائض كما يقال: هي حامل. # والأذى هو الضرر على ما قيل، لكنه لا يخلو عن نظر، فإنه لو كان هو الضرر ~~بعينه لصح مقابلته مع النفع كما أن الضرر مقابل النفع وليس بصحيح، يقال: ~~دواء مضر وضار، ولو قيل دواء موذ أفاد معنى آخر، وأيضا قال تعالى: "لن ~~يضروكم إلا أذى:" آل عمران - 111، ولو قيل لن يضروكم إلا ضررا لفسد الكلام، ~~وأيضا كونه بمعنى الضرر غير ظاهر في أمثال قوله تعالى: "إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله:" الأحزاب - 57، وقوله تعالى: "لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم:" الصف - 5، فالظاهر أن الأذى هو الطارىء على الشيء غير الملائم ~~لطبعه فينطبق عليه معنى الضرر بوجه. # وتسمية المحيض أذى على هذا المعنى لكون هذا الدم المستند إلى عادة النساء ~~حاصلا من عمل خاص من طبعها يؤثر به في مزاج الدم الطبيعي الذي يحصله جهاز ~~التغذية فيفسد مقدارا منه عن الحال الطبيعي وينزله إلى الرحم لتطهيره أو ~~لتغذية الجنين أو لتهيئة اللبن للإرضاع، وأما على قولهم: إن الأذى هو الضرر ~~فقد قيل: إن المراد بالمحيض إتيان النساء في حال الحيض، والمعنى: يسألونك ~~عن إتيانهن في هذه الحال فأجيب بأنه ضرر وهو كذلك فقد ذكر الأطباء أن ~~الطبيعة مشتغلة في حال الطمث بتطهير الرحم وإعداده للحمل، والوقاع يختل به ~~نظام هذا العمل فيضر بنتائج هذا العمل الطبيعي من الحمل وغيره. # قوله تعالى: فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن، الاعتزال هو أخذ ~~العزلة التجنب عن المخالطة والمعاشرة، يقال: عزلت نصيبه إذا ميزته ووضعته ~~في جانب بالتفريق بينه وبين سائر الأنصباء، والقرب مقابل البعد يتعدى بنفسه ~~وبمن، والمراد بالاعتزال ترك الإتيان من محل الدم على ما سنبين. # وقد كان للناس في أمر المحيض مذاهب شتى: فكانت اليهود تشدد في أمره، ~~ويفارق النساء في المحيض في المأكل والمشرب والمجلس والمضجع، وفي التوراة ~~أحكام شديدة في أمرهن في المحيض، وأمر من قرب منهن في المجلس والمضجع والمس ~~وغيره ذلك، وأما ms0639 النصارى فلم يكن عندهم ما يمنع الاجتماع بهن أو الاقتراب ~~منهن بوجه، وأما المشركون من العرب فلم يكن عندهم شيء من ذلك غير أن العرب ~~القاطنين بالمدينة وحواليها سرى فيهم بعض آداب اليهود في أمر المحيض ~~والتشديد في أمر معاشرتهن في هذا الحال، وغيرهم ربما كانوا يستحبون إتيان ~~النساء في المحيض ويعتقدون أن الولد المرزوق حينئذ يصير سفاحا ولوعا في سفك ~~الدماء وذلك من الصفات المستحسنة عند العشائر من البدويين. # وكيف كان فقوله تعالى: فاعتزلوا النساء في المحيض، وإن كان ظاهره الأمر ~~بمطلق الاعتزال على ما قالت به اليهود، ويؤكده قوله تعالى ثانيا: ولا ~~تقربوهن، إلا أن قوله تعالى أخيرا فأتوهن من حيث أمركم الله - ومن المعلوم ~~أنه محل الدم - قرينة على أن قوله: فاعتزلوا ولا تقربوا، واقعان موقع ~~الكناية لا التصريح. # والمراد به الإتيان من محل الدم فقط لا مطلق المخالطة والمعاشرة ولا مطلق ~~التمتع والاستلذاذ. # فالإسلام قد أخذ في أمر المحيض طريقا وسطا بين التشديد التام الذي عليه ~~اليهود والأعمال المطلق الذي عليه النصارى، وهو المنع عن إتيان محل الدم ~~والإذن فيما دونه وفي قوله تعالى في المحيض، وضع الظاهر موضع المضمر وكان ~~الظاهر أن يقال: فاعتزلوا النساء فيه والوجه فيه أن المحيض الأول أريد به ~~المعنى المصدري والثاني زمان الحيض فالثاني غير الأول، ولا يفيد معناه ~~تبديله من الضمير الراجع إلى غير معناه. PageV02P120 # قوله تعالى: حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، الطهارة ~~وتقابلها النجاسة - من المعاني الدائرة في ملة الإسلام ذات أحكام وخواص ~~مجعولة فيها تشتمل على شطر عظيم من المسائل الدينية، وقد صار اللفظان بكثرة ~~الاستعمال من الحقائق الشرعية أو المتشرعة على ما اصطلح عليه في فن الأصول. # وأصل الطهارة بحسب المعنى مما يعرفه الناس على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، ~~ومن هنا يعلم أنها من المعاني التي يعرفها الإنسان في خلال حياته من غير ~~اختصاص بقوم دون قوم أو عصر دون عصر. # فإن أساس الحياة مبني على التصرف في الماديات والبلوغ بها إلى مقاصد ms0640 ~~الحياة والاستفادة منها لمآرب العيش فالإنسان يقصد كل شيء بالطبع لما فيه ~~من الفائدة والخاصية والجدوى، ويرغب فيه لذلك، وأوسع هذه الفوائد الفوائد ~~المربوطة بالتغذي والتوليد. # وربما عرض للشيء عارض يوجب تغيره عما كان عليه من الصفات الموجبة لرغبة ~~الطبع فيه، وعمدة ذلك الطعم والرائحة واللون، فأوجب ذلك تنفر الطبع وانسلاب ~~رغبته عنه، وهذا هو المسمى بالنجاسة وبها يستقذر الإنسان الشيء فيجتنبه، ~~وما يقابله وهو كون الشيء على حاله الأولى من الفائدة والجدوى الذي به يرغب ~~فيه الطبع هو الطهارة، فالطهارة والنجاسة وصفان وجوديان في الأشياء من حيث ~~وجدانها صفة توجب الرغبة فيها، أو صفة توجب كراهتها واستقذارها. # وقد كان أول ما تنبه الإنسان بهذين المعنيين انتقل بهما في المحسوسات ثم ~~أخذ في تعميمها للأمور المعقولة غير المحسوسة لوجود أصل معنى الرغبة ~~والنفرة فيها كالأنساب والأفعال والأخلاق والعقائد والأقوال. # هذا ملخص القول في معنى الطهارة والنجاسة عند الناس، وأما النظافة ~~والنزاهة والقدس والسبحان فألفاظ قريبة المعنى من الطهارة غير أن النظافة ~~هي الطهارة العائدة إلى الشيء بعد قذارة سابقة ويختص استعمالها بالمحسوسات، ~~والنزاهة أصلها البعد، وأصل إطلاقها على الطهارة من باب الاستعارة، والقدس ~~والسبحان يختصان بالمعقولات والمعنويات، وأما القذارة والرجس فلفظان قريبا ~~المعنى من النجاسة، لكن الأصل في القذارة معنى البعد، يقال: ناقة قذور تترك ~~ناحية من الإبل وتستبعد ويقال: رجل قاذورة لا يخال الناس لسوء خلقه ولا ~~ينازلهم، ورجل مقذر بالفتح يجتنبه الناس، ويقال: قذرت الشيء بالكسر وتقذرته ~~واستقذرته إذا كرهته، وعلى هذا يكون أصل استعمال القذارة بمعنى النجاسة من ~~باب الاستعارة لاستلزام نجاسة الشيء تبعد الإنسان عنه، وكذلك الرجس والرجز ~~بكسر الراء، وكان الأصل في معناه الهول والوحشة فدلالته على النجاسة ~~استعارية. # وقد اعتبر الإسلام معنى الطهارة والنجاسة، وعممهما في المحسوس والمعقول، ~~وطردهما في المعارف الكلية، وفي القوانين الموضوعة، قال تعالى: "ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن" الآية، وهو النقاء من الحيض وانقطاع الدم، وقال تعالى: ~~"وثيابك فطهر:" المدثر - 4، وقال تعالى: "ولكن يريد ليطهركم:" المائدة - 6، ~~وقال تعالى: "أولئك الذين لم ms0641 يرد الله أن يطهر قلوبهم:" المائدة - 41، وقال ~~تعالى:، لا يمسه إلا المطهرون:" الواقعة - 79. # وقد عدت الشريعة الإسلامية عدة أشياء نجسة كالدم والبول والغائط والمني ~~من الإنسان وبعض الحيوان والميتة والخنزير أعيانا نجسة، وحكم بوجوب ~~الاجتناب عنها في الصلاة وفي الأكل وفي الشرب، وقد عد من الطهارة أمورا ~~كالطهارة الخبثية المزيلة للنجاسة الحاصلة بملاقات الأعيان النجسة، ~~وكالطهارة الحدثية المزيلة للحدث الحاصلة بالوضوء والغسل على الطرق المقررة ~~شرعا المشروحة في كتب الفقه. # وقد مر بيان أن الإسلام دين التوحيد فهو يرجع الفروع إلى أصل واحد هو ~~التوحيد، وينشر الأصل الواحد في فروعه. # ومن هنا يظهر: أن أصل التوحيد هي الطهارة الكبرى عند الله سبحانه، وبعد ~~هذه الطهارة بقية المعارف الكلية طهارات للإنسان، وبعد ذلك أصول الأخلاق ~~الفاضلة، وبعد ذلك الأحكام الموضوعة لصلاح الدنيا والآخرة، وعلى هذا الأصل ~~تنطبق الآيات السابقة المذكورة آنفا كقوله تعالى: "يريد ليطهركم:" المائدة ~~- 6، وقوله تعالى: "ويطهركم تطهيرا:" الأحزاب - 33، إلى غير ذلك من الآيات ~~الواردة في معنى الطهارة. PageV02P121 # ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله تعالى: حتى يطهرن، أي ينقطع عنهن الدم، وهو ~~الطهر بعد الحيض وقوله تعالى: فإذا تطهرن أي، يغسلن محل الدم أو يغتسلن، ~~قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله، أمر يفيد الجواز لوقوعه بعد الحظر، ~~وهو كناية عن الأمر بالجماع على ما يليق بالقرآن الشريف من الأدب الإلهي ~~البارع، وتقييد الأمر بالإتيان بقوله أمركم الله، لتتميم هذا التأدب فإن ~~الجماع مما يعد بحسب بادي النظر لغوا ولهوا فقيده بكونه مما أمر الله به ~~أمرا تكوينيا للدلالة على أنه مما يتم به نظام النوع الإنساني في حياته ~~وبقائه فلا ينبغي عده من اللغو واللهو بل هو من أصول النواميس التكوينية. # وهذه الآية أعني قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله، تماثل قوله ~~تعالى: "فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم:" البقرة - 187، وقوله ~~تعالى: "فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم:" البقرة - 223، من حيث ~~السياق، فالظاهر أن المراد بالأمر بالإتيان في الآية هو الأمر التكويني ~~المدلول عليه بتجهيز الإنسان ms0642 بالأعضاء والقوى الهادية إلى التوليد، كما أن ~~المراد بالكتابة في قوله تعالى: وابتغوا ما كتب الله لكم أيضا ذلك، وهو ~~ظاهر، ويمكن أن يكون المراد بالأمر هو الإيجاب الكفائي المتعلق بالأزواج ~~والتناكح نظير سائر الواجبات الكفائية التي لا تتم حياة النوع إلا به لكنه بعيد. # وقد استدل بعض المفسرين بهذه الآية على حرمة إتيان النساء من أدبارهن، ~~وهو من أوهن الاستدلال وأرداه، فإنه مبني: إما على الاستدلال بمفهوم قوله ~~تعالى: فأتوهن وهو من مفهوم اللقب المقطوع عدم حجيته، وإما على الاستدلال ~~بدلالة الأمر على النهي عن الضد الخاص وهو مقطوع الضعف. # على أن الاستدلال لو كان بالأمر في قوله تعالى: فأتوهن فهو واقع عقيب ~~الحظر لا يدل على الوجوب ولو كان بالأمر في قوله تعالى: من حيث أمركم الله، ~~فهو إن كان أمرا تكوينيا كان خارجا عن الدلالة اللفظية، وإن كان أمرا ~~تشريعيا كان للإيجاب الكفائي، والدلالة على النهي عن الضد على تقدير ~~التسليم إنما هي للأمر الإيجابي العيني المولوي. # قوله تعالى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوبة هي الرجوع إلى ~~الله سبحانه والتطهر هو الأخذ بالطهارة وقبولها فهو انقلاع عن القذارة ~~ورجوع إلى الأصل الذي هو الطهارة فالمعنيان يتصادقان في مورد أوامر الله ~~سبحانه ونواهيه، وخاصة في مورد الطهارة والنجاسة فالايتمار بأمر من أوامره ~~تعالى والانتهاء عن كل ما نهى عنه تطهر عن قذارة المخالفة والمفسدة، وتوبة ~~ورجوع إليه عز شأنه، ولمكان هذه المناسبة علل تعالى ما ذكره من الحكم ~~بقوله: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فإن من اللازم أن ينطبق ما ~~ذكره من العلة على كل ما ذكره من الحكم، أعني قوله تعالى: فاعتزلوا النساء ~~في المحيض، وقوله: فأتوهن من حيث أمركم الله، والآية أعني قوله: إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين، مطلقة غير مقيدة فتشمل جميع مراتب التوبة ~~والطهارة كما مر بيانه، ولا يبعد استفادة المبالغة من قوله تعالى: ~~المتطهرين، كما جيء بصيغة المبالغة في قوله: التوابين، فينتج استفادة ~~الكثرة في التوبة والطهارة من حيث ms0643 النوع ومن حيث العدد جميعا، أعني: أن ~~الله يحب جميع أنواع التوبة سواء كانت بالاستغفار أو بامتثال كل أمر ونهي ~~من تكاليفه أو باتخاذ كل اعتقاد من الاعتقادات الحقة، ويحب جميع أنواع ~~التطهر سواء كان بالاغتسال والوضوء والغسل أو التطهر بالأعمال الصالحة أو ~~العلوم الحقة، ويحب تكرار التوبة وتكرار التطهر. # قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، الحرث مصدر بمعنى ~~الزراعة ويطلق كالزراعة على الأرض التي يعمل فيها الحرث والزراعة، وأنى من ~~أسماء الشرط يستعمل في الزمان كمتى، وربما استعمل في المكان أيضا قال ~~تعالى: "يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله:" آل عمران - 37، فإن كان ~~بمعنى المكان كان المعنى من أي محل شئتم، وإن كان بمعنى الزمان كان المعنى ~~في أي زمان شئتم، وكيف كان يفيد الإطلاق بحسب معناه وخاصة من حيث تقييده ~~بقوله: شئتم، وهذا هو الذي يمنع الأمر أعني قوله تعالى: فأتوا حرثكم، أن ~~يدل على الوجوب إذ لا معنى لإيجاب فعل مع إرجاعه إلى اختيار المكلف ومشيته. PageV02P122 # ثم إن تقديم قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم، على هذا الحكم وكذا التعبير عن ~~النساء ثانيا بالحرث لا يخلو عن الدلالة على أن المراد التوسعة في إتيان ~~النساء من حيث المكان أو الزمان الذي يقصدن منه دون المكان الذي يقصد منهن، ~~فإن كان الإطلاق من حيث المكان فلا تعرض للآية للإطلاق الزماني ولا تعارض ~~له مع قوله تعالى في الآية السابقة: فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن الآية، وإن كان من حيث الزمان فهو مقيد بآية المحيض، والدليل ~~عليه اشتمال آية المحيض على ما يأبى معه أن ينسخه آية الحرث، وهو دلالة آية ~~المحيض على أن المحيض أذى وأنه السبب لتشريع حرمة إتيانهن في المحيض ~~والمحيض أذى دائما، ودلالتها أيضا على أن تحريم الإتيان في المحيض نوع ~~تطهير من القذارة والله سبحانه يحب التطهر دائما، ويمتن على عباده بتطهيرهم ~~كما قال تعالى: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ms0644 ويتم ~~نعمته عليكم:" المائدة - 6. # ومن المعلوم أن هذا اللسان لا يقبل التقييد بمثل قوله تعالى: نساؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، المشتمل أولا على التوسعة، وهو سبب كان موجودا ~~مع سبب التحريم وعند تشريعه ولم يؤثر شيئا فلا يتصور تأثيره بعد استقرار ~~التشريع وثانيا على مثل التذييل الذي هو قوله تعالى: وقدموا لأنفسكم واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين، ومن هذا البيان يظهر: أن آية ~~الحرث لا تصلح لنسخ آية المحيض سواء تقدمت عليها نزولا أو تأخرت. # فمحصل معنى الآية: أن نسبة النساء إلى المجتمع الإنساني نسبة الحرث إلى ~~الإنسان فكما أن الحرث يحتاج إليه لإبقاء البذور وتحصيل ما يتغذى به من ~~الزاد لحفظ الحياة وإبقائها كذلك النساء يحتاج إليهن النوع في بقاء النسل ~~ودوام النوع لأن الله سبحانه جعل تكون الإنسان وتصور مادته بصورته في طباع ~~أرحامهن، ثم جعل طبيعة الرجال وفيهم بعض المادة الأصلية مائلة منعطفة ~~إليهن، وجعل بين الفريقين مودة ورحمة، وإذا كان كذلك كان الغرض التكويني من ~~هذا الجعل هو تقديم الوسيلة لبقاء النوع فلا معنى لتقييد هذا العمل بوقت ~~دون وقت، أو محل دون محل إذا كان مما يؤدي إلى ذلك الغرض ولم يزاحم أمرا ~~آخر واجبا في نفسه لا يجوز إهماله وبما ذكرنا يظهر معنى قوله تعالى وقدموا ~~لأنفسكم. # ومن غريب التفسير الاستدلال بقوله تعالى: نساؤكم حرث لكم الآية، على جواز ~~العزل عند الجماع والآية غير ناظرة إلى هذا النوع من الإطلاق، ونظيره تفسير ~~قوله تعالى وقدموا لأنفسكم، بالتسمية قبل الجماع. # قوله تعالى: وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين، قد ظهر: أن المراد من قوله: قدموا لأنفسكم وخطاب الرجال أو مجموع ~~الرجال والنساء بذلك الحث على إبقاء النوع بالتناكح والتناسل، والله سبحانه ~~لا يريد من نوع الإنسان وبقائه إلا حياة دينه وظهور توحيده وعبادته بتقويهم ~~العام، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون:" الذاريات - 56، فلو ~~أمرهم بشيء مما يرتبط بحياتهم وبقائهم فإنما يريد توصلهم بذلك إلى عبادة ~~ربهم ms0645 لا إخلادهم إلى الأرض وانهماكهم في شهوات البطن والفرج، وتيههم في ~~أودية الغي والغفلة. # فالمراد بقوله: قدموا لأنفسكم وإن كان هو الاستيلاد وتقدمه أفراد جديدي ~~الوجود والتكون إلى المجتمع الإنساني الذي لا يزال يفقد أفرادا بالموت ~~والفناء، وينقص عدده بمرور الدهر لكن لا لمطلوبيتهم في نفسه بل للتوصل به ~~إلى إبقاء ذكر الله سبحانه ببقاء النسل وحدوث أفراد صالحين ذوي أعمال صالحة ~~تعود مثوباتها وخيراتها إلى أنفسهم وإلى صالحي آبائهم المتسببين إليهم كما ~~قال تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم:" يس - 12. PageV02P123 # وبهذا الذي ذكرنا يتأيد: أن المراد بتقديمهم لأنفسهم تقديم العمل الصالح ~~ليوم القيامة كما قال تعالى: "يوم ينظر المرء ما قدمت يداه:" النبأ - 40، ~~وقال تعالى أيضا: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم ~~أجرا:" المزمل - 20، فقوله تعالى: "وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه "إلخ"، مماثل السياق لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون:" الحشر ~~- 18، فالمراد والله أعلم بقوله تعالى: وقدموا لأنفسكم تقديم العمل الصالح، ~~ومنه تقديم الأولاد برجاء صلاحهم للمجتمع، وبقوله تعالى: واتقوا الله، ~~التقوى بالأعمال الصالحة في إتيان الحرث وعدم التعدي عن حدود الله والتفريط ~~في جنب الله وانتهاك محارم الله، وبقوله تعالى: واعلموا أنكم ملاقوه "إلخ"، ~~الأمر بتقوى الله بمعنى الخوف من يوم اللقاء وسوء الحساب كما أن المراد ~~بقوله تعالى في آية الحشر واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون الآية، ~~التقوى بمعنى الخوف، وإطلاق الأمر بالعلم وإرادة لازمه وهو المراقبة ~~والتحفظ والاتقاء شائع في الكلام، قال تعالى: "واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه:" الأنفال - 24، أي اتقوا حيلولته بينكم وبين قلوبكم ولما كان ~~العمل الصالح وخوف يوم الحساب من اللوازم الخاصة بالإيمان ذيل تعالى كلامه ~~بقوله: وبشر المؤمنين، كما صدر آية الحشر بقوله: يا أيها الذين آمنوا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: أخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى ms0646 وابن المنذر وأبو حاتم والنحاس في ~~ناسخه وأبو حيان والبيهقي في سننه عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة ~~منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، ~~فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فأنزل الله: ويسألونك عن ~~المحيض قل هو أذى - فاعتزلوا النساء في المحيض الآية، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ~~ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، ~~فجاء أسيد بن خضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت: كذا ~~وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ~~ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فأرسل في أثرهما فسقاهما فعرفا أنه لم يحد عليهما. # وفي الدر المنثور، عن السدي: في قوله: ويسألونك عن المحيض، قال: الذي سأل ~~عن ذلك ثابت بن الدحداح: أقول: وروي مثله عن مقاتل أيضا. # وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: في قوله تعالى: فأتوهن من ~~حيث أمركم الله الآية، قال (عليه السلام): هذا في طلب الولد فاطلبوا الولد ~~من حيث أمركم الله. # وفي الكافي،: سئل عن الصادق (عليه السلام): ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ ~~فقال (عليه السلام): كل شيء ما عدا القبل بعينه. # وفيه، أيضا عنه (عليه السلام): في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر ~~أيامها، قال (عليه السلام): إذا أصاب زوجها شبق فليأمر فلتغسل فرجها ثم ~~يمسها إن شاء، قبل أن تغتسل، وفي رواية: والغسل أحب إلي. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة جدا وهي تؤيد قراءة يطهرن بالتخفيف ~~وهو انقطاع الدم كما قيل: إن الفرق بين يطهرن ويتطهرن أن الثاني قبول ~~الطهارة، ففيه معنى الاختيار فيناسب الاغتسال، بخلاف الأول فإنه حصول ~~الطهارة، فليس فيه معنى الاختيار فيناسب الطهارة بانقطاع الدم، والمراد ~~بالتطهر إن ms0647 كان هو الغسل بفتح الغين أفاد استحباب ذلك، وإن كان هو الغسل ~~بضم الغين أفاد استحباب الإتيان بعد الغسل كما أفاده (عليه السلام) بقوله: ~~والغسل أحب إلي، لا حرمة الإتيان قبله أعني فيما بين الطهارة والتطهر ~~لمنافاته كون يطهرن غاية مضروبة للنهي، فافهم ذلك. PageV02P124 # وفي الكافي، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين، قال: كان الناس يستنجون بالكرسف والأحجار ثم أحدث ~~الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنعه ~~فأنزل الله في كتابه: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. # أقول: والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفي بعضها: أن أول من استنجى بالماء ~~براء بن عازب فنزلت الآية وجرت به السنة. # وفيه، عن سلام بن المستنير، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل ~~عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر ~~(عليه السلام): أخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك: إنا نأتيك فما نخرج من ~~عندك حتى يرق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وهون علينا ما في أيدي الناس ~~من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا ~~الدنيا، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما هي القلوب، مرة تصعب ومرة ~~تسهل ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) أما إن أصحاب محمد قالوا: يا رسول الله ~~نخاف علينا من النفاق؟ قال: فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ولم تخافون ~~ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى ~~كنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه ~~البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحول عن الحالة التي ~~كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون ذلك ~~نفاقا؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلا إن هذه خطوات ~~الشيطان فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم ~~بها لصافحتكم ms0648 الملائكة، ومشيتم على الماء، ولو لا أنكم تذنبون فتستغفرون ~~الله تعالى لخلق خلقا حتى يذنبوا فيستغفروا الله تعالى فيغفر لهم، إن ~~المؤمن مفتن تواب أما سمعت قول الله عز وجل: إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين، وقال تعالى: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه: أقول: وروى مثله ~~العياشي في تفسيره، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو تدومون على الحالة، ~~إشارة إلى مقام الولاية وهو الانصراف عن الدنيا والإشراف على ما عند الله ~~سبحانه، وقد مر شطر من الكلام فيها في البحث عن قوله تعالى: "الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة": البقرة - 156. # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لا أنكم تذنبون "إلخ"، إشارة إلى سر ~~القدر، وهو انسحاب حكم أسمائه تعالى إلى مرتبة الأفعال وجزئيات الحوادث ~~بحسب ما لمفاهيم الأسماء من الاقتضاءات، وسيجيء الكلام فيه في ذيل قوله ~~تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - ~~21، وسائر آيات القدر، وقوله أما سمعت قول الله عز وجل: إن الله يحب ~~التوابين "إلخ"، من كلام أبي جعفر (عليه السلام)، والخطاب لحمران، وفيه ~~تفسير التوبة والتطهر بالرجوع إلى الله تعالى من المعاصي وإزالة قذارات ~~الذنوب عن النفس، ورينها عن القلب، وهذا من استفادة مراتب الحكم من حكم بعض ~~المراتب، نظير ما ورد في قوله تعالى: "لا يمسه إلا المطهرون:" الواقعة - ~~79، من الاستدلال به على أن علم الكتاب عند المطهرين من أهل البيت، ~~والاستدلال على حرمة مس كتابة القرآن على غير طهارة. # وكما أن الخلقة تتنزل آخذة من الخزائن التي عند الله تعالى حتى تنتهي إلى ~~آخر عالم المقادير على ما قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم:" الحجر - 21، كذلك أحكام المقادير لا تتنزل إلا ~~بالمرور من منازل الحقائق فافهم ذلك، وسيجيء له زيادة توضيح في البحث عن ~~قوله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الآية:" آل عمران - 7. # ومن هنا يستأنس ما مرت إليه الإشارة: أن المراد بالتوبة والتطهر في الآية ~~على ms0649 ظاهر التنزيل هو الغسل بالماء فهو إرجاع البدن إلى الله سبحانه بإزالة ~~القذر عنه. PageV02P125 # ويظهر أيضا: معنى ما تقدم نقله عن تفسير القمي، من قوله (عليه السلام): ~~أنزل الله على إبراهيم (عليه السلام) الحنيفية، وهي الطهارة، وهي عشرة ~~أشياء: خمسة في الرأس وخمسة في البدن، فأما التي في الرأس: فأخذ الشارب، ~~وإعفاء اللحى، وطم الشعر، والسواك، والخلال، وأما التي في البدن: فأخذ ~~الشعر من البدن، والختان، وقلم الأظفار، والغسل من الجنابة والطهور بالماء، ~~وهي الحنيفية الطاهرة التي جاء بها إبراهيم فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم ~~القيامة الحديث، والأخبار في كون هذه الأمور من الطهارة كثيرة، وفيها: أن ~~النورة طهور. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم الآية،: عن معمر بن ~~خلاد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال: أي شيء تقولون في إتيان ~~النساء في أعجازهن؟ قلت بلغني أن أهل المدينة لا يرون به بأسا، قال (عليه ~~السلام): إن اليهود كانت تقول إذا أتى الرجل من خلفها خرج ولده أحول فأنزل ~~الله: نساؤكم حرث لكم - فأتوا حرثكم أنى شئتم، يعني من خلف أو قدام، خلافا ~~لقول اليهود في أدبارهن. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): في الآية فقال (عليه السلام): من قدامها ~~ومن خلفها في القبل. # وفيه، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل ~~يأتي أهله في دبرها فكره ذلك وقال: وإياكم ومحاش النساء، وقال: إنما معنى ~~نساؤكم حرث لكم - فأتوا حرثكم أنى شئتم، أي ساعة شئتم. # وفيه، عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) في ~~مثله، فورد الجواب سألت عمن أتى جارية في دبرها والمرأة لعبة لا تؤذى وهي ~~حرث كما قال الله. # أقول: والروايات في هذه المعاني عن أئمة أهل البيت كثيرة، مروية في ~~الكافي، والتهذيب، وتفسيري العياشي، والقمي، وهي تدل جميعا: أن الآية لا ~~تدل على أزيد من الإتيان من قدامهن، وعلى ذلك يمكن أن يحمل قول الصادق ~~(عليه السلام) في رواية العياشي عن ms0650 عبد الله بن أبي يعفور، قال: سألت أبا ~~عبد الله (عليه السلام) عن إتيان النساء في أعجازهن قال: لا بأس ثم تلا هذه ~~الآية: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم. # أقول: الظاهر أن المراد بالإتيان في أعجازهن هو الإتيان من الخلف في ~~الفرج، والاستدلال بالآية على ذلك كما يشهد به خبر معمر بن خلاد المتقدم. # وفي الدر المنثور،: أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله، قال: كانت ~~الأنصار تأتي نساءها مضاجعة، وكانت قريش تشرح شرحا كثيرا فتزوج رجل من قريش ~~امرأة من الأنصار فأراد أن يأتيها فقالت: لا إلا كما يفعل فأخبر بذلك رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل: "فأتوا حرثكم أنى شئتم" أي قائما ~~وقاعدا ومضطجعا بعد أن يكون في صمام واحد. # أقول: وقد روي في هذا المعنى بعدة طرق عن الصحابة في سبب نزول الآية، وقد ~~مرت الرواية فيه عن الرضا (عليه السلام). # وقوله: في صمام واحد أي في مسلك واحد، كناية عن كون الإتيان في الفرج ~~فقط، فإن الروايات متكاثرة من طرقهم في حرمة الإتيان من أدبار النساء، ~~رووها بطرق كثيرة عن عدة من الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وقول أئمة أهل البيت وإن كان هو الجواز على كراهة شديدة على ما روته ~~أصحابنا بطرقهم الموصولة إليهم (عليهم السلام) إلا أنهم (عليهم السلام) لم ~~يتمسكوا فيه بقوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم الآية، كما ~~مر بيانه بل استدلوا عليه بقوله تعالى حكاية عن لوط: قال: "إن هؤلاء بناتي ~~إن كنتم فاعلين:" الحجر - 71، حيث عرض " (عليه السلام)" عليهم بناته وهو ~~يعلم أنهم لا يريدون الفروج ولم ينسخ الحكم بشيء من القرآن. # والحكم مع ذلك غير متفق عليه فيما رووه من الصحابة، فقد روي عن عبد الله ~~بن عمر ومالك بن أنس وأبي سعيد الخدري وغيرهم: أنهم كانوا لا يرون به بأسا ~~وكانوا يستدلون على جوازه بقوله تعالى: نساؤكم حرث لكم الآية حتى إن ~~المنقول عن ابن عمر أن ms0651 الآية إنما نزلت لبيان جوازه. PageV02P126 # ففي الدر المنثور، عن الدارقطني في غرائب مالك مسندا عن نافع قال: قال لي ~~ابن عمر: أمسك على المصحف يا نافع! فقرأ حتى أتى على، نساؤكم حرث لكم - ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم، قال لي: تدري يا نافع فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا، ~~قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك، فأنزل ~~الله "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم" الآية، قلت له: من دبرها في ~~قبلها قال لا إلا في دبرها. # أقول: وروي في هذا المعنى عن ابن عمر بطرق كثيرة، قال: وقال ابن عبد ~~البر: الرواية بهذا المعنى عن ابن عمر صحيحة معروفة عنه مشهورة. # وفي الدر المنثور، أيضا: أخرج ابن راهويه وأبو يعلى وابن جرير والطحاوي ~~في مشكل الآثار وابن مردويه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا أصاب ~~امرأته في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزلت نساؤكم حرث لكم - فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم، الآية. # وفيه، أيضا أخرج الخطيب في رواة مالك عن أبي سليمان الجوزجاني، قال: سألت ~~مالك بن أنس عن وطي الحلائل في الدبر. فقال لي: الساعة غسلت رأسي عنه. # وفيه، أيضا: أخرج الطحاوي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الله بن القاسم، ~~قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال يعني: وطي المرأة في ~~دبرها ثم قرأ: نساؤكم حرث لكم، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ وفي سنن أبي ~~داود، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر والله يغفر له أوهم أنما كان هذا الحي ~~من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكان يرون لهم ~~فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب ~~أن لا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أثر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي ~~من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء ~~شرحا منكرا، ويتلذذون ms0652 مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة ~~تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه فقالت: ~~إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني فسرى أمرهما فبلغ ذلك رسول ~~الله، فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم - فأتوا حرثكم أنى شئتم، أي ~~مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد: أقول: ورواه السيوطي في ~~الدر المنثور، بطرق أخرى أيضا عن مجاهد، عن ابن عباس. # وفيه، أيضا: أخرج ابن عبد الحكم: أن الشافعي ناظر محمد بن الحسن في ذلك، ~~فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج فقال له: فيكون ما سوى ~~الفرج محرما فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها ~~الأعكان جمع. عكنة بضم العين: ما انطوى وثنى من لحم البطن أفي ذلك حرث: ~~قال: لا، قال، أفيحرم؟ قال: لا قال: فكيف تحتج بما لا تقولون به؟ وفيه، ~~أيضا: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: بينا أنا ومجاهد ~~جالسان عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية المحيض؟ قال: بلى ~~فاقرأ: ويسألونك عن المحيض إلى قوله: فأتوهن من حيث أمركم الله فقال: ابن ~~عباس: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال: كيف بالآية نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم؟ فقال: أي، ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول ~~حقا كان المحيض منسوخا إذا شغل من هاهنا جئت من هاهنا، ولكن أنى شئتم من ~~الليل والنهار. # أقول: واستدلاله كما ترى مدخول، فإن آية المحيض لا تدل على أزيد من حرمة ~~الإتيان من محل الدم عند المحيض فلو دلت آية الحرث على جواز إتيان الأدبار ~~لم يكن بينها نسبة التنافي أصلا حتى يوجب نسخ حكم آية المحيض؟ على أنك قد ~~عرفت أن آية الحرث أيضا لا تدل على ما راموه من جواز إتيان الأدبار، نعم ~~يوجد في بعض الروايات المروية عن ابن عباس: الاستدلال على حرمة الإتيان من ~~محاشيهن ms0653 بالأمر الذي في قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله الآية، وقد ~~عرفت فيما مر من البيان أنه من أفسد الاستدلال، وأن الآية تدل على حرمة ~~الإتيان من محل الدم ما لم يطهرن وهي ساكتة عما دونه، وأن آية الحرث أيضا ~~غير دالة إلا على التوسعة من حيث الحرث، والمسألة فقهية إنما اشتغلنا ~~بالبحث عنها بمقدار ما تتعلق بدلالة الآيات. PageV02P127 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 224 - 227 # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم والله غفور حليم (225) للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن ~~فاءو فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلق فإن الله سميع عليم (227) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا إلى آخر الآية، ~~العرضة بالضم من العرض وهو كإرائة الشيء للشيء حتى يرى صلوحه لما يريده ~~ويقصده كعرض المال للبيع وعرض المنزل للنزول وعرض الغذاء للأكل، ومنه ما ~~يقال للهدف: أنه عرضة للسهام، وللفتاة الصالحة للازدواج أنها عرضة للنكاح، ~~وللدابة المعدة للسفر أنها عرضة للسفر وهذا هو الأصل في معناها، وأما ~~العرضة بمعنى المانع المعرض في الطريق وكذا العرضة بمعنى ما ينصب ليكون ~~معرضا لتوارد الواردات وتواليها في الورود كالهدف للسهام حتى يفيد كثرة ~~العوارض إلى غير ذلك من معانيها فهي مما لحقها من موارد استعمالها غير ~~دخيلة في أصل المعنى. # والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف مأخوذة من اليمين بمعنى الجارحة لكونهم ~~يضربون بها في الحلف والعهد والبيعة ونحو ذلك فاشتق من آلة العمل اسم ~~للعمل، للملازمة بينها كما يشتق من العمل اسم لآلة العمل كالسبابة للإصبع ~~التي يسب بها. # ومعنى الآية والله أعلم: ولا تجعلوا الله عرضة تتعلق بها أيمانكم التي ~~عقدتموها بحلفكم أن لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فإن الله سبحانه لا ~~يرضى أن يجعل اسمه ذريعة للامتناع عما أمر به من البر والتقوى والإصلاح بين ~~الناس، ويؤيد هذا المعنى ما ورد ms0654 من سبب نزول الآية على ما سننقله في البحث ~~الروائي إن شاء الله. # وعلى هذا يصير قوله تعالى: أن تبروا "إلخ"، بتقدير، لا، أي أن لا تبروا، ~~وهو شائع مع أن المصدرية كقوله تعالى "يبين الله لكم أن تضلوا:" النساء - ~~17، أي أن لا تضلوا أو كراهة أن تضلوا، ويمكن أن لا يكون بتقدير، لا، وقوله ~~تعالى: أن تبروا، متعلقا بما يدل عليه قوله تعالى: ولا تجعلوا، من النهي أي ~~ينهاكم الله عن الحلف الكذائي أو يبين لكم حكمه الكذائي أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس، ويمكن أن يكون العرضة بمعنى ما يكثر عليه العرض فيكون ~~نهيا عن الإكثار من الحلف بالله سبحانه، والمعنى لا تكثروا من الحلف بالله ~~فإنكم إن فعلتم ذلك أداكم إلى أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، ~~فإن الحلاف المكثر من اليمين لا يستعظم ما حلف به ويصغر أمر ما أقسم به ~~لكثرة تناوله فلا يبالي الكذب فيكثر منه هذا عند نفسه، وكذا يهون خطبه ~~وينزل قدره عند الناس لاستشعارهم أنه لا يرى لنفسه عند الناس قدم صدق ~~ويعتقد أنهم لا يصدقونه فيما يقول، ولا أنه يوقر نفسه بالاعتماد عليها، ~~فيكون على حد قوله تعالى: "ولا تطع كل حلاف مهين:" القلم - 10، والأنسب على ~~هذا المعنى أيضا عدم تقدير لا في الكلام بل قوله تعالى: أن تبروا منصوب ~~بنزع الخافض أو مفعول له لما يدل عليه النهي في قوله ولا تجعلوا، كما مر. # وفي قوله تعالى: والله سميع عليم نوع تهديد على جميع المعاني غير أن ~~المعنى الأول أظهرها كما لا يخفى. # قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إلى آخر الآية، اللغو من ~~الأفعال ما لا يستتبع أثرا، وأثر الشيء يختلف باختلاف جهاته ومتعلقاته، ~~فلليمين أثر من حيث إنه لفظ، وأثر من حيث إنه مؤكد للكلام، وأثر من حيث إنه ~~عقد وأثر من حيث حنثه ومخالفة مؤداه، وهكذا إلا أن المقابلة في الآية بين ~~عدم المؤاخذة على لغو اليمين وبين المؤاخذة على ما ms0655 كسبته القلوب وخاصة من ~~حيث اليمين تدل على أن المراد بلغو اليمين ما لا يؤثر في قصد الحالف، وهو ~~اليمين الذي لا يعقد صاحبه على شيء من قول: لا والله وبلى والله. PageV02P128 # والكسب هو اجتلاب المنافع بالعمل بصنعة أو حرفة أو نحوهما وأصله في اقتناء ~~ما يرتفع به حوائج الإنسان المادية ثم استعير لكل ما يجتلبه الإنسان بعمل ~~من أعماله من خير أو شر ككسب المدح والفخر وحسن الذكر بحسن الخلق والخدمات ~~النوعية وكسب الخلق الحسن والعلم النافع والفضيلة بالأعمال المناسبة لها، ~~وكسب اللوم والذم، واللعن والطعن، والذنوب والآثام، ونحوها بالأعمال ~~المستتبعة لذلك، فهذا هو معنى الكسب والاكتساب، وقد قيل في الفرق بينهما إن ~~الاكتساب اجتلاب الإنسان المنفعة لنفسه، والكسب أعم مما يكون لنفسه أو غيره ~~مثل كسب العبد لسيده وكسب الولي للمولى عليه ونحو ذلك. # وكيف كان فالكاسب والمكتسب هو الإنسان لا غير. # كلام في معنى القلب في القرآن # وهذا من الشواهد على أن المراد بالقلب هو الإنسان بمعنى النفس والروح، ~~فإن التعقل والتفكر والحب والبغض والخوف وأمثال ذلك وإن أمكن أن ينسبه أحد ~~إلى القلب باعتقاد أنه العضو المدرك في البدن على ما ربما يعتقده العامة ~~كما ينسب السمع إلى الأذن والإبصار إلى العين والذوق إلى اللسان، لكن الكسب ~~والاكتساب مما لا ينسب إلا إلى الإنسان البتة. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: "فإنه آثم قلبه:" البقرة - 283، وقوله ~~تعالى: "وجاء بقلب منيب:" ق - 33. # والظاهر: أن الإنسان لما شاهد نفسه وسائر أصناف الحيوان وتأمل فيها ورأى ~~أن الشعور والإدراك ربما بطل أو غاب عن الحيوان بإغماء أو صرع أو نحوهما، ~~والحياة المدلول عليها بحركة القلب ونبضانه باقية بخلاف القلب قطع على أن ~~مبدأ الحياة هو القلب، أي أن الروح التي يعتقدها في الحيوان أول تعلقها ~~بالقلب وإن سرت منه إلى جميع أعضاء الحياة، وأن الآثار والخواص الروحية ~~كالإحساسات الوجدانية مثل الشعور والإرادة والحب والبغض والرجاء والخوف ~~وأمثال ذلك كلها للقلب بعناية أنه أول متعلق للروح، وهذا لا ينافي كون كل ms0656 ~~عضو من الأعضاء مبدأ لفعله الذي يختص به كالدماغ للفكر والعين للإبصار ~~والسمع للوعي والرئة للتنفس ونحو ذلك، فإنها جميعا بمنزلة الآلات التي يفعل ~~بها الأفعال المحتاجة إلى توسيط الآلة. # وربما يؤيد هذا النظر: ما وجده التجارب العلمي أن الطيور لا تموت بفقد ~~الدماغ إلا أنها تفقد الإدراك ولا تشعر بشيء وتبقى على تلك الحال حتى تموت ~~بفقد المواد الغذائية ووقوف القلب عن ضربانه. # وربما أيده أيضا: أن الأبحاث العلمية الطبيعية لم توفق حتى اليوم لتشخيص ~~المصدر الذي يصدر عنه الأحكام البدنية أعني عرش الأوامر التي يمتثلها ~~الأعضاء الفعالة في البدن الإنساني، إذ لا ريب أنها في عين التشتت والتفرق ~~من حيث أنفسها وأفعالها مجتمعة تحت لواء واحد منقادة لأمير واحد وحدة ~~حقيقية. # ولا ينبغي أن يتوهم أن ذلك كان ناشئا عن الغفلة عن أمر الدماغ وما يخصه ~~من الفعل الإدراكي، فإن الإنسان قد تنبه لما عليه الرأس من الأهمية منذ ~~أقدم الأزمنة، والشاهد عليه ما نرى في جميع الأمم والملل على اختلاف ~~ألسنتهم من تسمية مبدإ الحكم والأمر بالرأس، واشتقاق اللغات المختلفة منه، ~~كالرأس والرئيس والرئاسة، ورأس الخيط، ورأس المدة، ورأس المسافة، ورأس ~~الكلام، ورأس الجبل، والرأس من الدواب والأنعام، ورئاس السيف. # فهذا - على ما يظهر - هو السبب في إسنادهم الإدراك والشعور وما لا يخلو ~~عن شوب إدراك مثل الحب والبغض والرجاء والخوف والقصد والحسد والعفة ~~والشجاعة والجرأة ونحو ذلك إلى القلب، ومرادهم به الروح المتعلقة بالبدن أو ~~السارية فيه بواسطته، فينسبونها إليه كما ينسبونها إلى الروح وكما ينسبونها ~~إلى أنفسهم، يقال: أحببته وأحبته روحي وأحبته نفسي وأحبه قلبي ثم استقر ~~التجوز في الاستعمال فأطلق القلب وأريد به النفس مجازا كما ربما تعدوا عنه ~~إلى الصدر فجعلوه لاشتماله على القلب مكانا لأنحاء الإدراك والأفعال ~~والصفات الروحية. PageV02P129 # وفي القرآن شيء كثير من هذا الباب، قال تعالى: "يشرح صدره للإسلام:" ~~الأنعام - 125، وقال تعالى: "إنك يضيق صدرك": الحجر - 97، وقال تعالى: ~~"وبلغت القلوب الحناجر:" الأحزاب - 10، وهو كناية عن ضيق الصدر، وقال ~~تعالى: "إن ms0657 الله عليم بذات الصدور:" المائدة - 7، وليس من البعيد أن تكون ~~هذه الإطلاقات في كتابه تعالى إشارة إلى تحقيق هذا النظر وإن لم يتضح كل ~~الاتضاح بعد. # وقد رجح الشيخ أبو علي بن سينا كون الإدراك للقلب بمعنى أن دخالة الدماغ ~~فيه دخالة الآلة فللقلب الإدراك وللدماغ الوساطة. # ولنرجع إلى الآية ولا يخلو قوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، عن ~~مجاز عقلي فإن ظاهر الإضراب عن المؤاخذة في بعض أقسام اليمين وهو اللغو إلى ~~بعض آخر أن تتعلق بنفسه ولكن عدل عنه إلى تعليقه بأثره وهو الإثم المترتب ~~عليه عند الحنث ففيه مجاز عقلي وإضراب في إضراب للإشارة إلى أن الله سبحانه ~~لا شغل له إلا بالقلب كما قال تعالى: "إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله:" البقرة - 284، وقال تعالى: "ولكن يناله التقوى منكم:" ~~الحج - 37. # وفي قوله تعالى: والله غفور حليم، إشارة إلى كراهة اللغو من اليمين، فإنه ~~مما لا ينبغي صدوره من المؤمن. # وقد قال تعالى: "وقد أفلح المؤمنون إلى أن قال والذين هم عن اللغو ~~معرضون:" المؤمنون - 3. # قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم "إلخ"، الإيلاء من الألية بمعنى ~~الحلف، وغلب في الشرع في حلف الزوج أن لا يأتي زوجته غضبا وإضرارا، وهو ~~المراد في الآية، والتربص هو الانتظار، والفيء هو الرجوع. # والظاهر أن تعدية الإيلاء بمن لتضمينه معنى الابتعاد ونحوه فيفيد وقوع ~~الحلف على الاجتناب عن المباشرة، ويشعر به تحديد التربص بالأربعة أشهر ~~فإنها الأمد المضروب للمباشرة الواجبة شرعا، ومنه يعلم أن المراد بالعزم ~~على الطلاق العزم مع إيقاعه، ويشعر به أيضا تذييله بقوله تعالى: فإن الله ~~سميع عليم، فإن السمع إنما يتعلق بالطلاق الواقع لا بالعزم عليه. # وفي قوله تعالى: فإن الله غفور رحيم، دلالة على أن الإيلاء لا عقاب عليه ~~على تقدير الفيء. # وأما الكفارة فهي حكم شرعي لا يقبل المغفرة، قال تعالى: "لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين الآية:" المائدة - 89. # فالمعنى أن من ms0658 آلى من امرأته يتربص له الحاكم أربعة أشهر فإن رجع إلى حق ~~الزوجية وهو المباشرة وكفر وباشر فلا عقاب عليه وإن عزم الطلاق وأوقعه فهو ~~المخلص الآخر، والله سميع عليم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم الآية، قال (عليه السلام): هو قول الرجل: لا والله وبلى ~~والله وفيه، أيضا عن الباقر والصادق (عليهما السلام): في الآية يعني الرجل ~~يحلف أن لا يكلم أخاه وما أشبه ذلك أو لا يكلم أمه. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في الآية، قال: إذا دعيت لتصلح بين ~~اثنين فلا تقل علي يمين أن لا أفعل. # أقول: والرواية الأولى كما ترى تفسر الآية بأحد المعنيين، والثانية ~~والثالثة بالمعنى الآخر، ويقرب منهما ما في تفسير العياشي أيضا عن الباقر ~~والصادق (عليهما السلام) قالا: هو الرجل يصلح بين الرجل فيحمل ما بينهما من ~~الإثم الحديث، فكان المراد أنه ينبغي أن لا يحلف بل يصلح ويحمل الإثم والله ~~يغفر له، فيكون مصداقا للعامل بالآية. # وفي الكافي، عن مسعدة عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية، قال: اللغو قول الرجل: لا والله ~~وبلى والله ولا يعقد على شيء. # أقول: وهذا المعنى مروي في الكافي، عنه (عليه السلام) من غير الطريق، وفي ~~المجمع، عنه وعن الباقر (عليه السلام). PageV02P130 # وفي الكافي، أيضا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: إذا آلى ~~الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قول ولا حق في الأربعة أشهر، ولا إثم ~~عليه في الكف عنها في الأربعة أشهر، فإن مضت الأربعة أشهر قبل أن يمسها فما ~~سكتت ورضيت فهو في حل وسعة، فإن رفعت أمرها قيل له: إما أن تفيء فتمسها ~~وإما أن تطلق، وعزم الطلاق أن يخلي عنها، فإذا حاضت وطهرت طلقها، وهو أحق ~~برجعتها ما لم يمض ثلاثة قروء، فهذا الإيلاء الذي أنزل الله في كتابه وسنة ~~رسول الله. # وفيه، أيضا عن الصادق (عليه السلام) ms0659 في حديث: والإيلاء أن يقول: والله لا ~~أجامعك كذا وكذا أو يقول: والله لأغيظنك ثم يغاظها، الحديث. # أقول: وفي خصوصيات الإيلاء وبعض ما يتعلق به خلاف بين العامة والخاصة، ~~والبحث فقهي مذكور في الفقه. PageV02P131 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 228 - 242 # والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك إن ~~أرادوا إصلحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظلمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ءايت الله هزوا واذكروا نعمت الله ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بكل شىء عليم (231) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزوجهن إذا ترضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ~~واليوم الاخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) * ~~والولدت يرضعن أولدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار ولدة بولدها ولا ~~مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما ~~ءاتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (233) والذين ~~يتوفون ms0660 منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن ~~فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير (234) ~~ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم فى أنفسكم علم الله ~~أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا ~~عقدة النكاح حتى يبلغ الكتب أجله واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم ~~فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~متعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة ~~النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون ~~بصير (237) حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى وقوموا لله قنتين (238) فإن ~~خفتم فرجالا أو # ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (239) ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لأزوجهم متعا إلى الحول غير إخراج ~~فإن خرجن فلا جناح عليكم فى ما فعلن فى أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم ~~(240) وللمطلقت متع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم ~~ءايته لعلكم تعقلون (242) PageV02P132 ### |||| AUTO بيان # الآيات في أحكام الطلاق والعدة وإرضاع المطلقة ولدها، وفي خلالها شيء من ~~أحكام الصلاة. # قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أصل الطلاق التخلية عن ~~وثاق وتقييد ثم استعير لتخلية المرأة عن حبالة النكاح وقيد الزوجية ثم صار ~~حقيقة في ذلك بكثرة الاستعمال. # والتربص هو الانتظار والحبس، وقد قيد بقوله تعالى: بأنفسهن، ليدل على ~~معنى التمكين من الرجال فيفيد معنى العدة أعني عدة الطلاق، وهو حبس المرأة ~~نفسها عن الإزدواج تحذرا عن اختلاط المياه، ويزيد على معنى العدة الإشارة ~~إلى حكمة التشريع، وهو التحفظ عن اختلاط المياه وفساد الأنساب، ولا يلزم ~~اطراد الحكمة في جميع الموارد فإن القوانين والأحكام إنما تدور مدار ~~المصالح والحكم الغالبة ms0661 دون العامة، فقوله تعالى يتربصن بأنفسهن بمنزله ~~قولنا: يعتددن احترازا من اختلاط المياه وفساد النسل بتمكين الرجال من ~~أنفسهن، والجملة خبر أريد به الإنشاء تأكيدا. # والقروء جمع القرء، وهو لفظ يطلق على الطهر والحيض معا، فهو على ما قيل ~~من الأضداد، غير أن الأصل في مادة قرء هو الجمع لكن لا كل جمع بل الجمع ~~الذي يتلوه الصرف والتحويل ونحوه، وعلى هذا فالأظهر أن يكون معناه الطهر ~~لكونه حالة جمع الدم ثم استعمل في الحيض لكونه حالة قذفه بعد الجمع، وبهذه ~~العناية أطلق على الجمع بين الحروف للدلالة على معنى القراءة، وقد صرح أهل ~~اللغة بكون معناه هو الجمع، ويشعر بأن الأصل في مادة قرء الجمع، قوله ~~تعالى: "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأناه ~~فاتبع قرءانه": القيامة - 18، وقوله تعالى: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على ~~الناس على مكث:" بني إسرائيل - 106، حيث عبر تعالى في الآيتين بالقرآن، ولم ~~يعبر بالكتاب أو الفرقان أو ما يشبههما، وبه سمي القرآن قرآنا. # قال الراغب في مفرداته: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر ~~ولما كان اسما جامع للأمرين: الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد لأن ~~كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة ~~للخوان والطعام، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به، وليس القرء اسما ~~للطهر مجردا ولا للحيض مجردا، بدليل أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال ~~لها: ذات قرء، وكذا الحائض التي استمر بها الدم لا يقال لها: ذلك، انتهى. # قوله تعالى: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن ~~بالله واليوم الآخر، المراد به تحريم كتمان المطلقة الدم أو الولد استعجالا ~~في خروج العدة أو إضرارا بالزوج في رجوعه ونحو ذلك وفي تقييده بقوله: إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر مع عدم اشتراط أصل الحكم بالإيمان نوع ترغيب وحث ~~لمطاوعة الحكم والتثبت عليه لما في هذا التقييد من الإشارة إلى ms0662 أن هذا ~~الحكم من لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر الذي عليه بناء الشريعة ~~الإسلامية فلا استغناء في الإسلام عن هذا الحكم، وهذا نظير قولنا: أحسن ~~معاشرة الناس إن أردت خيرا، وقولنا للمريض: عليك بالحمية إن أردت الشفاء ~~والبرء. # قوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا، البعولة جمع ~~البعل وهو الذكر من الزوجين ما داما زوجين وقد استشعر منه معنى الاستعلاء ~~والقوة والثبات في الشدائد لما أن الرجل كذلك بالنسبة إلى المرأة ثم جعل ~~أصلا يشتق منه الألفاظ بهذا المعنى فقيل لراكب الدابة بعلها، وللأرض ~~المستعلية بعل، وللصنم بعل، وللنخل إذا عظم بعل ونحو ذلك. PageV02P133 # والضمير في بعولتهن للمطلقات إلا أن الحكم خاص بالرجعيات دون مطلق المطلقات ~~الأعم منها ومن البائنات، والمشار إليه بذلك التربص الذي هو بمعنى العدة، ~~والتقييد بقوله إن أرادوا إصلاحا، للدلالة على وجوب أن يكون الرجوع لغرض ~~الإصلاح لا لغرض الإضرار المنهي عنه بعد بقوله: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، الآية. # ولفظ أحق اسم تفضيل حقه أن يتحقق معناه دائما مع مفضل عليه كأن يكون ~~للزوج الأول حق في المطلقة ولسائر الخطاب حق، والزوج الأول أحق بها لسبق ~~الزوجية، غير أن الرد المذكور لا يتحقق معناه إلا مع الزوج الأول. # ومن هنا يظهر: أن في الآية تقديرا لطيفا بحسب المعنى، والمعنى وبعولتهن ~~أحق بهن من غيرهم، ويحصل ذلك بالرد والرجوع في أيام العدة، وهذه الأحقية ~~إنما تتحقق في الرجعيات دون البائنات التي لا رجوع فيها، وهذه هي القرينة ~~على أن الحكم مخصوص بالرجعيات، لا أن ضمير بعولتهن راجع إلى بعض المطلقات ~~بنحو الاستخدام أو ما أشبه ذلك، والآية خاصة بحكم المدخول بهن من ذوات ~~الحيض غير الحوامل، وأما غير المدخول بها والصغيرة واليائسة والحامل ~~فلحكمها آيات أخر. # قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة، المعروف ~~هو الذي يعرفه الناس بالذوق المكتسب من نوع الحياة الاجتماعية المتداولة ~~بينهم، وقد كرر سبحانه المعروف في هذه الآيات فذكره في اثني عشر موضعا ~~اهتماما بأن يجري ms0663 هذا العمل أعني الطلاق وما يلحق به على سنن الفطرة ~~والسلامة، فالمعروف تتضمن هداية العقل، وحكم الشرع، وفضيلة الخلق الحسن ~~وسنن الأدب. # وحيث بنى الإسلام شريعته على أساس الفطرة والخلقة كان المعروف عنده هو ~~الذي يعرفه الناس إذا سلكوا مسلك الفترة ولم يتعدوا طور الخلقة، ومن أحكام ~~الاجتماع المبني على أساس الفطرة أن يتساوى في الحكم أفراده وأجزاؤه فيكون ~~ما عليهم مثل ما لهم إلا أن ذلك التساوي إنما هو مع حفظ ما لكل من الأفراد ~~من الوزن في الاجتماع والتأثير والكمال في شئون الحياة فيحفظ للحاكم ~~حكومته، وللمحكوم محكوميته، وللعالم علمه، وللجاهل حاله، وللقوي من حيث ~~العمل قوته، وللضعيف ضعفه ثم يبسط التساوي بينها بإعطاء كل ذي حق حقه، وعلى ~~هذا جرى الإسلام في الأحكام المجعولة للمرأة وعلى المرأة فجعل لها مثل ما ~~جعل عليها مع حفظ ما لها من الوزن في الحياة الاجتماعية في اجتماعها مع ~~الرجل للتناكح والتناسل. # والإسلام يرى في ذلك أن للرجال عليهن درجة، والدرجة المنزلة. # ومن هنا يظهر: أن قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة، قيد متمم للجملة ~~السابقة، والمراد بالجميع معنى واحد وهو: أن النساء أو المطلقات قد سوى ~~الله بينهن وبين الرجال مع حفظ ما للرجال من الدرجة عليهن فجعل لهن مثل ما ~~عليهن، من الحكم، وسنعود إلى هذه المسألة بزيادة توضيح في بحث علمي مخصوص بها. # قوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، المرة بمعنى ~~الدفعة مأخوذة من المرور للدلالة على الواحد من الفعل كما أن الدفعة والكرة ~~والنزلة مثلها وزنا ومعنى واعتبارا. # والتسريح أصله الإطلاق في الرعي مأخوذ من سرحت الإبل وهو أن ترعيه السرح، ~~وهو شجر له ثمر يرعاه الإبل، وقد استعير في الآية لإطلاق المطلقة بمعنى عدم ~~الرجوع إليها في العدة، والتخلية عنها حتى تنقضي عدتها على ما سيجيء. # والمراد بالطلاق في قوله تعالى: الطلاق مرتان، الطلاق الذي يجوز فيه ~~الرجعة ولذا أردفه بقوله بعد: فإمساك "إلخ"، وأما الثالث فالطلاق الذي يدل ~~عليه قوله تعالى: فإن طلقها ms0664 فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره الآية. # والمراد بتسريحها بإحسان ظاهرا التخلية بينها وبين البينونة وتركها بعد ~~كل من التطليقتين الأوليين حتى تبين بانقضاء العدة وإن كان الأظهر أنه ~~التطليقة الثالثة كما هو ظاهر الإطلاق في تفريع قوله: فإمساك "إلخ"، وعلى ~~هذا فيكون قوله تعالى بعد: فإن طلقها "إلخ"، بيانا تفصيليا للتسريح بعد ~~البيان الإجمالي. PageV02P134 # وفي تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان من لطيف العناية ما لا يخفى، ~~فإن الإمساك والرد إلى حبالة الزوجية ربما كان للإضرار بها وهو منكر غير ~~معروف، كمن يطلق امرأته ثم يخليها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلق ثم ~~يرجع كذلك، يريد بذلك إيذاءها والإضرار بها وهو إضرار منكر غير معروف في ~~هذه الشريعة منهي عنه، بل الإمساك الذي يجوزه الشرع أن يرجع إليها بنوع من ~~أنواع الالتيام، ويتم به الأنس وسكون النفس الذي جعله الله تعالى بين الرجل ~~والمرأة. # وكذلك التسريح ربما كان على وجه منكر غير معروف يعمل فيه عوامل السخط ~~والغضب، ويتصور بصورة الانتقام، والذي يجوزه هذه الشريعة أن يكون تسريحا ~~بنوع يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، وهو التسريح بالمعروف كما قال تعالى ~~في الآية الآتية فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، وهذا التعبير هو الأصل ~~في إفادة المطلوب الذي ذكرناه، وأما ما في هذه الآية أو تسريح بإحسان، حيث ~~قيد التسريح بالإحسان وهو معنى زائد على المعروف فذلك لكون الجملة ملحوقة ~~بما يوجب ذلك أعني قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. # بيانه: أن التقييد بالمعروف والإحسان لنفي ما يوجب فساد الحكم المشرع ~~المقصود، والمطلوب بتقييد الإمساك بالمعروف نفي الإمساك الواقع على نحو ~~المضارة كما قال تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، والمطلوب في مورد ~~التسريح نفي أن يأخذ الزوج بعض ما آتاه للزوجة من المهر، ولا يكفي فيه ~~تقييد التسريح بالمعروف كما فعل في الآية الآتية فإن مطالبة الزوج بعض ما ~~آتاه زوجته وأخذه ربما لم ينكره التعارف الدائر بين الناس فزيد في تقييده ~~بالإحسان في ms0665 هذه الآية دون الآية الآتية ليستقيم قوله تعالى: ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا، وليتدارك بذلك ما يفوت المرأة من مزية الحياة ~~التي في الزوجية والالتيام النكاحي، ولو قيل: أو تسريح بمعروف ولا يحل لكم ~~"إلخ"، فاتت النكتة. # قوله تعالى: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، الخوف هو الغلبة على ~~ظنهما أن لا يقيما حدود الله، وهي أوامره ونواهيه من الواجبات والمحرمات في ~~الدين، وذلك إنما يكون بتباعد أخلاقهما وما يستوجبه حوائجهما والتباغض ~~المتولد بينهما من ذلك. # قوله تعالى: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به، العدول عن التثنية إلى الجمع في قوله: خفتم، كأنه للإشارة إلى لزوم أن ~~يكون الخوف خوفا يعرفه العرف والعادة، لا ما ربما يحصل بالتهوس والتلهي أو ~~بالوسوسة ونحوها، ولذلك عدل أيضا عن الإضمار فقيل ألا يقيما حدود الله، ولم ~~يقل فإن خفتم ذلك لمكان اللبس. # وأما نفي الجناح عنهما مع أن النهي في قوله: ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~"إلخ"، إنما تعلق بالزوج فلأن حرمة الأخذ على الزوج توجب حرمة الإعطاء على ~~الزوجة من باب الإعانة على الإثم والعدوان إلا في طلاق الخلع فيجوز ~~توافقهما على الطلاق مع الفدية، فلا جناح على الزوج أن يأخذ الفدية، ولا ~~جناح على الزوجة أن تعطي الفدية وتعين على الأخذ فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به. # قوله تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله "إلخ"، المشار ~~إليه هي المعارف المذكورة في الآيتين وهي أحكام فقهية مشوبة بمسائل ~~أخلاقية، وأخرى علمية مبتنية على معارف أصلية، والاعتداء والتعدي هو ~~التجاوز. # وربما استشعر من الآية عدم جواز التفرقة بين الأحكام الفقهية والأصول ~~الأخلاقية، والاقتصار في العمل بمجرد الأحكام الفقهية والجمود على الظواهر ~~والتقشف فيها، فإن في ذلك إبطالا لمصالح التشريع وإماتة لغرض الدين وسعادة ~~الحياة الإنسانية فإن الإسلام كما مر مرارا دين الفعل دون القول، وشريعة ~~العمل دون الفرض، ولم يبلغ المسلمون إلى ما بلغوا من الانحطاط والسقوط إلا ~~بالاقتصار ms0666 على أجساد الأحكام والإعراض عن روحها وباطن أمرها، ويدل على ذلك ~~ما سيأتي من قوله تعالى: "ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه الآية:" البقرة - 231. PageV02P135 # وفي الآية التفات عن خطاب الجمع في قوله: ولا يحل لكم، وقوله: فإن خفتم إلى ~~خطاب المفرد في قوله: تلك حدود الله، ثم إلى الجمع في قوله: فلا تعتدوها، ~~ثم إلى المفرد في قوله: فأولئك هم الظالمون، فيفيد تنشيط ذهن المخاطب ~~وتنبيهه للتيقظ ورفع الكسل في الإصغاء. # قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره إلى آخر ~~الآية، بيان لحكم التطليقة الثالثة وهو الحرمة حتى تنكح زوجا غيره، وقد نفى ~~الحل عن نفس الزوجة مع أن المحرم إنما هو عقدها أو وطؤها ليدل به على تعلق ~~الحرمة بهما جميعا، وليشعر قوله تعالى: حتى تنكح زوجا غيره، على العقد ~~والوطء جميعا، فإن طلقها الزوج الثاني فلا جناح عليهما أي على المرأة ~~والزوج الأول أن يتراجعا إلى الزوجية بالعقد بالتوافق من الجانبين، وهو ~~التراجع، وليس بالرجوع الذي كان حقا للزوج في التطليقتين الأوليين، وذلك إن ~~ظنا أن يقيما حدود الله. # ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله تعالى: وتلك حدود الله، لأن المراد ~~بالحدود غير الحدود. # وفي الآية من عجيب الإيجاز ما يبهت العقل، فإن الكلام على قصره مشتمل على ~~أربعة عشر ضميرا مع اختلاف مراجعها واختلاطها من غير أن يوجب تعقيدا في ~~الكلام، ولا إغلاقا في الفهم. # وقد اشتملت هذه الآية والتي قبلها على عدد كثير من الأسماء المنكرة ~~والكنايات من غير رداءة في السياق كقوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان، أربعة أسماء منكرة، وقوله تعالى: مما آتيتموهن شيئا كنى به عن ~~المهر، وقوله تعالى: فإن خفتم، كنى به عن وجوب كون الخوف جاريا على مجرى ~~العادة المعروفة، وقوله تعالى: فيما افتدت به، كنى به عن مال الخلع، وقوله ~~تعالى: فإن طلقها، أريد به التطليقة الثالثة، وقوله تعالى: فلا تحل له، ~~أريد به تحريم العقد والوطء، وقوله تعالى: حتى تنكح زوجا غيره، ms0667 أريد به ~~العقد والوطء معا كناية مؤدبة، وقوله تعالى: أن يتراجعا، كنى به عن العقد. # وفي الآيتين حسن المقابلة بين الإمساك والتسريح، وبين قوله إن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله وبين قوله: إن ظنا أن يقيما حدود الله، والتفنن في التعبير ~~في قوله: فلا تعتدوها وقوله: ومن يتعد. # قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن إلى قوله: لتعتدوا، المراد ~~ببلوغ الأجل الإشراف على انقضاء العدة فإن البلوغ كما يستعمل في الوصول إلى ~~الغاية كذلك يستعمل في الاقتراب منها، والدليل على أن المراد به ذلك قوله ~~تعالى: فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، إذ لا معنى للإمساك ولا التسريح ~~بعد انقضاء العدة وفي قوله تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، نهى عن ~~الرجوع بقصد المضارة كما نهى عن التسريح بالأخذ من المهر في غير الخلع. # قوله تعالى: ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه إلى آخر الآية إشارة إلى حكمة ~~النهي عن الإمساك للمضارة فإن التزوج لتتميم سعادة الحياة، ولا يتم ذلك إلا ~~بسكون كل من الزوجين إلى الآخر وإعانته في رفع حوائج الغرائز، والإمساك ~~خاصة رجوع إلى الاتصال والاجتماع بعد الانفصال والافتراق، وفيه جمع الشمل ~~بعد شتاته، وأين ذلك من الرجوع بقصد المضارة. # فمن يفعل ذلك أي أمسك ضرارا فقد ظلم نفسه حيث حملها على الانحراف عن ~~الطريقة التي تهدي إليها فطرته الإنسانية. # على أنه اتخذ آيات الله هزوا يستهزىء بها فإن الله سبحانه لم يشرع ما ~~شرعه لهم من الأحكام تشريعا جامدا يقتصر فيه على أجرام الأفعال أخذا وإعطاء ~~وإمساكا وتسريحا وغير ذلك، بل بناها على مصالح عامة يصلح بها فاسد ~~الاجتماع، ويتم بها سعادة الحياة الإنسانية، وخلطها بأخلاق فاضلة تتربى بها ~~النفوس، وتطهر بها الأرواح، وتصفو بها المعارف العالية: من التوحيد ~~والولاية وسائر الاعتقادات الزاكية، فمن اقتصر في دينه على ظواهر الأحكام ~~ونبذ غيرها وراء ظهره فقد اتخذ آيات الله هزوا. # والمراد بالنعمة في قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم، نعمة الدين أو ~~حقيقة الدين وهي السعادة التي تنال بالعمل بشرائع ms0668 الدين كسعادة الحياة ~~المختصة بتألف الزوجين، فإن الله تعالى سمى السعادة الدينية نعمة كما في ~~قوله تعالى: "وأتممت عليكم نعمتي:" المائدة - 3، وقوله تعالى: "وليتم نعمته ~~عليكم:" المائدة - 6، وقوله تعالى: "فأصبحتم بنعمته إخوانا:" آل عمران - 103. PageV02P136 # وعلى هذا يكون قوله تعالى بعده: وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به، كالمفسر لهذه النعمة، ويكون المراد بالكتاب والحكمة ظاهر الشريعة ~~وباطنها أعني أحكامها وحكمها. # ويمكن أن يكون المراد بالنعمة مطلق النعم الإلهية، التكوينية وغيرها ~~فيكون المعنى: اذكروا حقيقة معنى حياتكم وخاصة المزايا ومحاسن التألف ~~والسكونة بين الزوجين وما بينه الله تعالى لكم بلسان الوعظ من المعارف ~~المتعلقة بها في ظاهر الأحكام وحكمها فإنكم إن تأملتم ذلك أوشك أن تلزموا ~~صراط السعادة، ولا تفسدوا كمال حياتكم ونعمة وجودكم، واتقوا الله ولتتوجه ~~نفوسكم إلى أن الله بكل شيء عليم، حتى لا يخالف ظاهركم باطنكم، ولا تجترءوا ~~على الله بهدم باطن الدين في صورة تعمير ظاهره. # قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ~~إذا تراضوا بينهم بالمعروف، العضل المنع، والظاهر أن الخطاب في قوله: فلا ~~تعضلوهن، لأوليائهن ومن يجري مجراهم ممن لا يسعهن مخالفته، والمراد ~~بأزواجهن، الأزواج قبل الطلاق، فالآية تدل على نهي الأولياء ومن يجري ~~مجراهم عن منع المرأة أن تنكح زوجها ثانيا بعد انقضاء العدة سخطا ولجاجا ~~كما يتفق كثيرا، ولا دلالة في ذلك على أن العقد لا يصح إلا بولي. # أما أولا: فلأن قوله: فلا تعضلوهن، لو لم يدل على عدم تأثير الولاية في ~~ذلك لم يدل على تأثيره. # وأما ثانيا: فلأن اختصاص الخطاب بالأولياء فقط لا دليل عليه بل الظاهر ~~أنه أعم منهم، وأن النهي نهي إرشادي إلى ما يترتب على هذا الرجوع من ~~المصالح والمنافع كما قال تعالى: ذلكم أزكى لكم وأطهر. # وربما قيل: إن الخطاب للأزواج جريا على ما جرى به قوله: وإذا طلقتم ~~النساء، والمعنى: وإذا طلقتم النساء يا أيها الأزواج فانقضت عدتهن فلا ~~تمنعوهن أن ينكحن أزواجا يكونون أزواجهن، وذلك بأن يخفى عنهن ms0669 الطلاق لتضار ~~بطول العدة ونحو ذلك. # وهذا الوجه لا يلائم قوله تعالى: أزواجهن، فإن التعبير المناسب لهذا ~~المعنى أن يقال: أن ينكحن أو أن ينكحن أزواجا وهو ظاهر. # والمراد بقوله تعالى: فبلغن أجلهن، انقضاء العدة، فإن العدة لو لم تنقض ~~لم يكن لأحد من الأولياء وغيرهم أن يمنع ذلك وبعولتهن أحق بردهن في ذلك. # على أن قوله تعالى: أن ينكحن، دون أن يقال: يرجعن ونحوه ينافي ذلك. # قوله تعالى: ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، هذا كقوله ~~فيما مر: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر الآية، وإنما خص الموردان من بين الموارد بالتقييد بالإيمان ~~بالله واليوم الآخر، وهو التوحيد، لأن دين التوحيد يدعو إلى الاتحاد دون ~~الافتراق، ويقضي بالوصل دون الفصل. # وفي قوله تعالى: ذلك يوعظ به من كان منكم التفات إلى خطاب المفرد عن خطاب ~~الجمع ثم التفات عن خطاب المفرد إلى خطاب الجمع، والأصل في هذا الكلام خطاب ~~المجموع أعني خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته جميعا لكن ~~ربما التفت إلى خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده في غير جهات ~~الأحكام كقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها، وقوله فأولئك هم الظالمون، ~~وقوله: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك، وقوله: ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله، حفظا لقوام الخطاب، ورعاية لحال من هو ركن في هذه المخاطبة وهو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه هو المخاطب بالكلام من غير واسطة، ~~وغيره فمخاطب بوساطته، وأما الخطابات المشتملة على الأحكام فجميعها موجهة ~~نحو المجموع، ويرجع حقيقة هذا النوع من الالتفات الكلامي إلى توسعة الخطاب ~~بعد تضييقه وتضييقه بعد توسعته فليتدبر فيه. # قوله تعالى: ذلكم أزكى لكم وأطهر، الزكاة هو النمو الصالح الطيب، وقد مر ~~الكلام في معنى الطهارة، والمشار إليه بقوله: ذلكم عدم المنع عن رجوعهن إلى ~~أزواجهن، أو نفس رجوعهن إلى أزواجهن، والمآل واحد، وذلك أن فيه رجوعا ms0670 من ~~الانثلام والانفصال إلى الالتيام والاتصال، وتقوية لغريزة التوحيد في ~~النفوس فينمو على ذلك جميع الفضائل الدينية، وفيه تربية لملكة العفة ~~والحياء فيهن وهو أستر لهن وأطهر لنفوسهن، ومن جهة أخرى فيه حفظ قلوبهن عن ~~الوقوع على الأجانب إذا منعن عن نكاح أزواجهن. PageV02P137 # والإسلام دين الزكاة والطهارة والعلم، قال تعالى: "ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة:" آل عمران - 164، وقال تعالى: "ولكن يريد ليطهركم:" المائدة - 7. # قوله تعالى: والله يعلم وأنتم لا تعلمون، أي إلا ما يعلمكم كما قال تعالى. # "ويعلمهم الكتاب والحكمة": آل عمران - 164، وقال تعالى: "ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء،: البقرة - 255، فلا تنافي بين هذه الآية وبين قوله ~~تعالى: وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون الآية أي يعلمون بتعليم الله. # قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة. # الوالدات هن الأمهات، وإنما عدل عن الأمهات إلى الوالدات لأن الأم أعم من ~~الوالدة كما أن الأب أعم من الوالد والابن أعم من الولد، والحكم في الآية ~~مشروع في خصوص مورد الوالدة والولد والمولود له، وأما تبديل الوالد ~~بالمولود له، ففيه إشارة إلى حكمة التشريع فإن الوالد لما كان مولودا ~~للوالد ملحقا به في معظم أحكام حياته لا في جميعها كما سيجيء بيانها في آية ~~التحريم من سورة النساء إن شاء الله كان عليه أن يقوم بمصالح حياته ولوازم ~~تربيته، ومنها كسوة أمه التي ترضعه، ونفقتها، وكان على أمه أن لا تضار ~~والدة لأن الولد مولود له. # ومن أعجب الكلام ما ذكر بعض المفسرين: أنه إنما قيل: المولود له دون ~~الوالد: ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهن لأن الأولاد للآباء ولذلك ينسبون ~~إليهم لا إلى الأمهات، وأنشد المأمون بن الرشيد: وإنما أمهات الناس أوعية. # مستودعات وللآباء أبناء. # انتهى ملخصا، وكأنه ذهل عن صدر الآية وذيلها حيث يقول تعالى: أولادهن ~~ويقول: بولدها، وأما ما أنشده من شعر المأمون فهو وأمثاله أنزل قدرا من أن ~~يتأيد بكلامه كلام الله تعالى وتقدس. # وقد اختلط على كثير من علماء الأدب أمر ms0671 اللغة، وأمر التشريع، حكم ~~الاجتماع وأمر التكوين فربما استشهدوا باللغة على حكم اجتماعي، أو حقيقة ~~تكوينية. # وجملة الأمر في الولد أن التكوين يلحقه بالوالدين معا لاستناده في وجوده ~~إليهما معا، والاعتبار الاجتماعي فيه مختلف بين الأمم: فبعض الأمم يلحقه ~~بالوالدة، وبعضهم بالوالد والآية تقرر قول هذا البعض، وتشير إليه بقوله: ~~المولود له كما تقدم، والإرضاع إفعال من الرضاعة والرضع وهو مص الثدي بشرب ~~اللبن منه، والحول هو السنة سميت به لأنها تحول وإنما وصف بالكمال لأن ~~الحول والسنة لكونه ذا أجزاء كثيرة ربما يسامح فيه فيطلق على الناقص ~~كالكامل، فكثيرا ما يقال: أقمت هناك حولا أو حولين إذا أقيم مدة تنقص منه أياما. # وفي قوله تعالى: لمن أراد أن يتم الرضاعة، دلالة على أن الحضانة والإرضاع ~~حق للوالدة المطلقة موكول إلى اختيارها والبلوغ إلى آخر المدة أيضا من حقها ~~فإن شاءت إرضاعه حولين كاملين فلها ذلك وإن لم تشأ التكميل فلها ذلك، وأما ~~الزوج فليس له في ذلك حق إلا إذا وافقت عليه الزوجة بتراض منهما كما يشير ~~إليه قوله تعالى فإن أرادا فصالا "إلخ". # قوله تعالى: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا ~~وسعها، المراد بالمولود له هو الوالد كما مر، والرزق والكسوة هما النفقة ~~واللباس، وقد نزلهما الله تعالى على المعروف وهو المتعارف من حالهما، وقد ~~علل ذلك بحكم عام آخر رافع للحرج، وهو قوله تعالى: لا تكلف نفس إلا وسعها، ~~وقد فرع عليه حكمين آخرين، أحدهما: حق الحضانة والإرضاع الذي للزوجة وما ~~أشبهه فلا يحق للزوج أن يحول بين الوالدة وولدها بمنعها عن حضانته أو رؤيته ~~أو ما أشبه ذلك فإن ذلك مضارة وحرج عليها، وثانيهما: نفي مضارة الزوجة ~~للزوج بولده بأن تمنعه عن الرؤية ونحو ذلك، وذلك قوله تعالى: لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده، والنكتة في وضع الظاهر موضع الضمير أعني في قوله. # بولده دون أن يقول به رفع التناقض المتوهم، فإنه لو قيل: ولا مولود له به ~~رجع الضمير ms0672 إلى قوله ولدها وكان ظاهر المعنى: ولا مولود له بولد المرأة ~~فأوهم التناقض لأن إسناد الولادة إلى الرجل يناقض إسنادها إلى المرأة، ففي ~~الجملة مراعاة لحكم التشريع والتكوين معا أي أن الولد لهما معا تكوينا فهو ~~ولده وولدها وله فحسب تشريعا لأنه مولود له. PageV02P138 # قوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذلك، ظاهر الآية: أن الذي جعل على الوالد من ~~الكسوة والنفقة فهو مجعول على وارثه إن مات، وقد قيل في معنى الآية أشياء ~~أخر لا يوافق ظاهرها، وقد تركنا ذكرها لأنها بالبحث الفقهي أمس فلتطلب من ~~هناك، والذي ذكرناه هو الموافق لمذهب أئمة أهل البيت فيما نقل عنهم من ~~الأخبار، وهو الموافق أيضا لظاهر الآية. # قوله تعالى: فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور إلى آخر الآية، الفصال ~~الفطام، والتشاور: الاجتماع على المشورة، والكلام تفريع على الحق المجعول ~~للزوجة ونفي الحرج عن البين، فالحضانة والرضاع ليس واجبا عليها غير قابل ~~التغيير، بل هو حق يمكنها أن تتركه. # فمن الجائز أن يتراضيا بالتشاور على فصال الولد من غير جناح عليهما ولا ~~بأس، وكذا من الجائز أن يسترضع الزوج لولده من غير الزوجة الوالدة إذا ردت ~~الولد إليه بالامتناع عن إرضاعه، أو لعلة أخرى من انقطاع لبن أو مرض ونحوه ~~إذا سلم لها ما تستحقها تسليما بالمعروف بحيث لا يزاحم في جميع ذلك حقها، ~~وهو قوله تعالى: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ~~ما آتيتم بالمعروف. # قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير، أمر بالتقوى ~~وأن يكون هذا التقوى بإصلاح صورة هذه الأعمال، فإنها أمور مرتبطة بالظاهر ~~من الصورة ولذلك قال تعالى: واعلموا أن الله بما تعملون بصير، وهذا بخلاف ~~ما في ذيل قوله تعالى السابق: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن الآية من قوله ~~تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم، فإن تلك الآية مشتملة ~~على قوله تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، والمضارة ربما عادت إلى النية ~~من غير ظهور في صورة العمل إلا ms0673 بحسب الأثر بعد. # قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا، التوفي هو الإماتة، يقال: توفاه الله إذا أماته فهو متوفى بصيغة اسم ~~المفعول، ويذرون مثل يدعون بمعنى يتركون ولا ماضي لهما من مادتهما، والمراد ~~بالعشر الأيام حذفت لدلالة الكلام عليه. # قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف المراد ببلوغ الأجل انقضاء العدة، وقوله: فلا جناح "إلخ" كناية عن ~~إعطاء الاختيار لهن في أفعالهن فإن اخترن لأنفسهن الازدواج فلهن ذلك، وليس ~~لقرابة الميت منعهن عن شيء من ذلك استنادا إلى بعض العادات المبنية على ~~الجهالة والعمى أو الشح والحسد فإن لهن حقا في ذلك معروفا في الشرع وليس ~~لأحد أن ينهى عن المعروف. # وقد كانت الأمم على أهواء شتى في المتوفى عنها زوجها، بين من يحكم بإحراق ~~الزوجة الحية مع زوجها الميت أو إلحادها وإقبارها معه، وبين من يقضي بعدم ~~جواز ازدواجها ما بقيت بعده إلى آخر عمرها كالنصارى، وبين من يوجب اعتزالها ~~عن الرجال إلى سنة من حين الوفاة كالعرب الجاهلي، أو ما يقرب من السنة ~~كتسعة أشهر كما هو كذلك عند بعض الملل الراقية، وبين من يعتقد أن للزوج ~~المتوفى حقا على الزوجة في الكف عن الازدواج حينا من غير تعيين للمدة، كل ~~ذلك لما يجدونه من أنفسهم أن الازدواج للاشتراك في الحياة والامتزاج فيها، ~~وهو مبني على أساس الأنس والألفة، وللحب حرمة يجب رعايتها، وهذا وإن كان ~~معنى قائما بالطرفين، ومرتبطا بالزوج والزوجة معا فكل منهما أخذته الوفاة ~~كان على الآخر رعاية هذه الحرمة بعد صاحبه، غير أن هذه المراعاة على المرأة ~~أوجب وألزم، لما يجب عليها من مراعاة جانب الحياة والاحتجاب والعفة، فلا ~~ينبغي لها أن تبتذل فتكون كالسلعة المبتذلة الدائرة تعتورها الأيدي واحدة ~~بعد واحدة، فهذا هو الموجب لما حكم به هذه الأقوام المختلفة في المتوفى ~~عنها زوجها، وقد عين الإسلام هذا التربص بما يقرب من ثلث سنة، أعني أربعة ~~أشهر وعشرا. # قوله تعالى: والله ms0674 بما تعملون خبير، لما كان الكلام مشتملا على تشريع عدة ~~الوفاة وعلى تشريع حق الازدواج لهن بعدها، وكان كل ذلك تشخيصا للأعمال ~~مستندا إلى الخبرة الإلهية كان الأنسب تعليله بأن الله خبير بالأعمال مشخص ~~للمحظور منها عن المباح، فعليهن أن يتربصن في مورد وأن يخترن ما شئن ~~لأنفسهن في مورد آخر، ولذا ذيل الكلام بقوله: والله بما تعملون خبير. PageV02P139 # قوله تعالى: لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم التعريض هو الميل بالكلام إلى جانب ليفهم المخاطب أمرا مقصودا ~~للمتكلم لا يريد التصريح به، من العرض بمعنى الجانب فهو خلاف التصريح. # والفرق بين التعريض والكناية أن للكلام الذي فيه التعريض معنى مقصودا غير ~~ما اعترض به كقول المخاطب للمرأة: إني حسن المعاشرة وأحب النساء، أي لو ~~تزوجت بي سعدت بطيب العيش وصرت محبوبة، بخلاف الكناية إذ لا يقصد في ~~الكناية غير المكنى عنه كقولك: فلان كثير الرماد تريد أنه سخي. # والخطبة بكسر الخاء من الخطب بمعنى التكلم والمراجعة في الكلام، يقال: ~~خطب المرأة خطبة بالكسر إذا كلمها في أمر التزوج بها فهو خاطب ولا يقال: ~~خطيب ويقال خطب القوم خطبة بضم الخاء إذا كلمهم، وخاصة في الوعظ فهو خاطب ~~من الخطاب وخطيب من الخطباء. # والإكنان من الكن بالفتح بمعنى الستر لكن يختص الإكنان بما يستر في النفس ~~كما قال: أو أكننتم في أنفسكم، والكن بما يستر بشيء من الأجسام كمحفظة أو ~~ثوب أو بيت، قال تعالى: "كأنهن بيض مكنون:" الصافات - 49، وقال تعالى: ~~"كأمثال اللؤلؤ المكنون:" الواقعة - 23، والمراد بالآية نفي البأس عن ~~التعريض في الخطبة أو إخفاء أمور في القلب في أمرها. # قوله تعالى: علم الله أنكم ستذكرونهن، في مورد التعليل لنفي الجناح عن ~~الخطبة والتعريض فيها، والمعنى: أن ذكركم إياهن أمر مطبوع في طباعكم والله ~~لا ينهى عن أمر تقضي به غريزتكم الفطرية ونوع خلقتكم، بل يجوزه، وهذا من ~~الموارد الظاهرة في أن دين الإسلام مبني على أساس الفطرة. # قوله تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح ms0675 حتى يبلغ الكتاب أجله، العزم عقد ~~القلب على الفعل وتثبيت الحكم بحيث لا يبقى فيه وهن في تأثيره إلا أن يبطل ~~من رأس، والعقدة من العقد بمعنى الشد. # وفي الكلام تشبيه علقة الزوجية بالعقدة التي يعقد بها أحد الخيطين بالآخر ~~بحيث يصيران واحدا بالاتصال، كان حبالة النكاح تصير الزوجين واحدا متصلا، ~~ثم في تعليق عقدة النكاح بالعزم الذي هو أمر قلبي إشارة إلى أن سنخ هذه ~~العقدة والعلقة أمر قائم بالنية والاعتقاد فإنها من الاعتبارات العقلائية ~~التي لا موطن لها إلا ظرف الاعتقاد والإدراك، نظير الملك وسائر الحقوق ~~الاجتماعية العقلائية كما مر بيانه في ذيل قوله تعالى: "كان الناس أمة ~~واحدة الآية:" البقرة - 213، ففي الآية استعارة وكناية، والمراد بالكتاب هو ~~المكتوب أي المفروض من الحكم وهو التربص الذي فرضه الله على المعتدات. # فمعنى الآية: ولا تجروا عقد النكاح حتى تنقضي عدتهن، وهذه الآية تكشف أن ~~الكلام فيها وفي الآية السابقة عليها أعني قوله تعالى: لا جناح عليكم فيما ~~عرضتم به من خطبة النساء الآية إنما هو في خطبة المعتدات وفي عقدهن، وعلى ~~هذا فاللام في قوله: النساء للعهد دون الجنس وغيره. # قوله تعالى: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم "إلخ" إيراد ما ذكر من ~~صفاته تعالى في الآية، أعني العلم والمغفرة والحكم يدل على أن الأمور ~~المذكورة في الآيتين وهي خطبة المعتدات والتعريض لهن ومواعدتهن سرا من ~~موارد الهلكات لا يرتضيها الله سبحانه كل الارتضاء وإن كان قد أجاز ما ~~أجازه منها. # قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة، المس كناية عن المواقعة، والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر، ~~والمعنى: أن عدم مس الزوجة لا يمنع عن صحة الطلاق وكذا عدم ذكر المهر. # قوله تعالى: ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف، ~~التمتيع إعطاء ما يتمتع به، والمتاع والمتعة ما يتمتع به، ومتاعا مفعول ~~مطلق لقوله تعالى: ومتعوهن، اعترض بينهما قوله تعالى: على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره، والموسع اسم ms0676 فاعل من أوسع إذا كان على سعة من المال وكأنه من ~~الأفعال المتعدية التي كثر استعمالها مع حذف المفعول اختصارا حتى صار يفيد ~~ثبوت أصل المعنى فصار لازما والمقتر اسم فاعل من أقتر إذا كان على ضيق من ~~المعاش، والقدر بفتح الدال وسكونها بمعنى واحد. PageV02P140 # ومعنى الآية: يجب عليكم أن تمتعوا المطلقات عن غير فرض فريضة متاعا ~~بالمعروف وإنما يجب على الموسع قدره أي ما يناسب حاله ويتقدر به وضعه من ~~التمتيع، وعلى المقتر قدره من التمتيع، وهذا يختص بالمطلقة غير المفروضة ~~لها التي لم يسم مهرها، والدليل على أن هذا التمتيع المذكور مختص بها ولا ~~يعم المطلقة المفروضة لها التي لم يدخل بها ما في الآية التالية من بيان حكمها. # قوله تعالى: حقا على المحسنين، أي حق الحكم حقا على المحسنين، وظاهر ~~الجملة وإن كان كون الوصف أعني الإحسان دخيلا في الحكم، وحيث ليس الإحسان ~~واجبا استلزم كون الحكم استحبابيا غير وجوبي، إلا أن النصوص من طرق أهل ~~البيت تفسر الحكم بالوجوب، ولعل الوجه فيه ما مر من قوله تعالى: الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان الآية فأوجب الإحسان على المسرحين وهم ~~المطلقون فهم - المحسنون، وقد حق الحكم في هذه الآية على المحسنين وهم ~~المطلقون، والله أعلم. # قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن "إلخ"، أي وإن أوقعتم الطلاق ~~قبل الدخول بهن وقد فرضتم لهن فريضة وسميتم المهر فيجب عليكم تأدية نصف ما ~~فرضتم من المهر إلى أن يعفون هؤلاء المطلقات أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ~~من وليهن فيسقط النصف المذكور أيضا، أو الزوج فإن عقدة النكاح بيده أيضا، ~~فلا يجب على الزوجة المطلقة رد نصف المهر الذي أخذت، والعفو على أي حال ~~أقرب للتقوى لأن من أعرض عن حقه الثابت شرعا فهو عن الإعراض عما ليس له بحق ~~من محارم الله سبحانه أقوى وأقدر. # قوله تعالى: ولا تنسوا الفضل بينكم "إلخ"، الفضل هو الزيادة كالفضول غير ~~أن الفضل هو الزيادة في المكارم والمحامد والفضول هو ms0677 الزيادة غير المحمودة ~~على ما قيل، وفي الكلام ذكر الفضل الذي ينبغي أن يؤثره الإنسان في مجتمع ~~الحياة فيتفاضل به البعض على بعض، والمراد به الترغيب في الإحسان والفضل ~~بالعفو عن الحقوق والتسهيل والتخفيف من الزوج للزوجة وبالعكس، والنكتة في ~~قوله تعالى: إن الله بما تعملون بصير، كالنكتة فيما مر في ذيل قوله تعالى: ~~والوالدات يرضعن أولادهن الآية. # قوله تعالى: حافظوا على الصلوات إلى آخر الآية، حفظ الشيء ضبطه وهو في ~~المعاني أعني حفظ النفس لما تستحضره أو تدركه من المعاني أغلب، والوسطى ~~مؤنث الأوسط، والصلاة الوسطى هي الواقعة في وسطها، ولا يظهر من كلامه تعالى ~~ما هو المراد من الصلاة الوسطى، وإنما تفسيره السنة، وسيجيء ما ورد من ~~الروايات في تعيينه. # واللام في قوله تعالى: قوموا لله، للغاية والقيام بأمر كناية عن تقلده ~~والتلبس بفعله، والقنوت هو الخضوع بالطاعة، قال تعالى: "كل له قانتون:" ~~البقرة - 116، وقال تعالى: "ومن يقنت منكن لله ولرسوله:" الأحزاب - 31، ~~فمحصل المعنى: تلبسوا بطاعة الله سبحانه بالخضوع مخلصين له ولأجله. # قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا إلى آخر الآية، عطف الشرط على ~~الجملة السابقة يدل على تقدير شرط محذوف أي حافظوا إن لم تخافوا، وإن خفتم ~~فقدروا المحافظة بقدر ما يمكن من الصلاة راجلين وقوفا أو مشيا أو راكبين، ~~والرجال جمع راجل والركبان جمع راكب، وهذه صلاة الخوف. # والفاء في قوله تعالى: فإذا أمنتم، للتفريع أي إن المحافظة على الصلاة ~~أمر غير ساقط من أصله بل إن لم تخافوا شيئا وأمكنت لكم وجبت عليكم وإن تعسر ~~عليكم فقدروها بقدر ما يمكن لكم، وإن زال عنكم الخوف بتجدد الأمن ثانيا عاد ~~الوجوب ووجب عليكم ذكر الله سبحانه. # والكاف في قوله تعالى: كما علمكم، للتشبيه وقوله: ما لم تكونوا تعلمون من ~~قبيل وضع العام موضع الخاص دلالة على الامتنان بسعة النعمة والتعليم، ~~والمعنى على هذا: فاذكروا الله ذكرا يماثل ما علمكم من الصلاة المفروضة ~~المكتوبة في حال الأمن في ضمن ما علمكم من شرائع الدين. # قوله تعالى: ms0678 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم. # وصية مفعول مطلق لمقدر، والتقدير ليوصوا وصية ينتفع به أزواجهم ويتمتعن ~~متاعا إلى الحول بعد التوفي. PageV02P141 # وتعريف الحول باللام لا يخلو عن دلالة على كون الآية نازلة قبل تشريع عدة ~~الوفاة، أعني الأربعة أشهر وعشرة أيام فإن عرب الجاهلية كانت نساؤهم يقعدن ~~بعد موت أزواجهن حولا كاملا، فالآية توصي بأن يوصي الأزواج لهن بمال يتمتعن ~~به إلى تمام الحول من غير إخراجهن من بيوتهن، غير أن هذا لما كان حقا لهن ~~والحق يجوز تركه كان لهن أن يطالبن به، وأن يتركنه فإن خرجن فلا جناح ~~للورثة ومن يجري مجراهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف، وهذا نظير ما أوصى ~~الله به من حضره الموت أن يوصي للوالدين والأقربين بالمعروف، قال تعالى: ~~"كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين:" البقرة - 180. # ومما ذكرنا يظهر أن الآية منسوخة بآية عدة الوفاة وآية الميراث بالربع ~~والثمن. # قوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين، الآية في حق مطلق ~~المطلقات، وتعليق ثبوت الحكم بوصف التقوى مشعر بالاستحباب. # قوله تعالى: كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون، الأصل في معنى العقل ~~العقد والإمساك وبه سمي إدراك الإنسان إدراكا يعقد عليه عقلا، وما أدركه ~~عقلا، والقوة التي يزعم أنها إحدى القوى التي يتصرف بها الإنسان يميز بها ~~بين الخير والشر والحق والباطل عقلا، ويقابله الجنون والسفه والحمق والجهل ~~باعتبارات مختلفة. # والألفاظ المستعملة في القرآن الكريم في أنواع الإدراك كثيرة ربما بلغت ~~العشرين، كالظن، والحسبان، والشعور، والذكر، والعرفان، والفهم، والفقه، ~~والدراية، واليقين، والفكر، والرأي، والزعم، والحفظ، والحكمة، والخبرة، ~~والشهادة، والعقل، ويلحق بها مثل القول، والفتوى، والبصيرة ونحو ذلك. # والظن هو التصديق الراجح وإن لم يبلغ حد الجزم والقطع، وكذا الحسبان، غير ~~أن الحسبان كان استعماله في الإدراك الظني استعمال استعاري، كالعد بمعنى ~~الظن وأصله من نحو قولنا: عد زيدا من الأبطال وحسبه منهم أي ألحقه بهم في ~~العد والحساب. # والشعور هو الإدراك الدقيق ms0679 مأخوذ من الشعر لدقته، ويغلب استعماله في ~~المحسوس دون المعقول، ومنه إطلاق المشاعر للحواس. # والذكر هو استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبته عن الإدراك أو ~~حفظه من أن يغيب عن الإدراك. # والعرفان والمعرفة تطبيق الصورة الحاصلة في المدركة على ما هو مخزون في ~~الذهن ولذا قيل: إنه إدراك بعد علم سابق. # والفهم: نوع انفعال للذهن عن الخارج عنه بانتقاش الصورة فيه. # والفقه: هو التثبت في هذه الصورة المنتقشة فيه والاستقرار في التصديق. # والدراية: هو التوغل في ذلك التثبت والاستقرار حتى يدرك خصوصية المعلوم ~~وخباياه ومزاياه، ولذا يستعمل في مقام تفخيم الأمر وتعظيمه، قال تعالى: ~~"الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة:" الحاقة - 2، وقال تعالى: إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر:" القدر - 2. # واليقين: هو اشتداد الإدراك الذهني بحيث لا يقبل الزوال والوهن. # والفكر نحو سير ومرور على المعلومات الموجودة الحاضرة لتحصيل ما يلازمها ~~من المجهولات. # والرأي: هو التصديق الحاصل من الفكر والتروي، غير أنه يغلب استعماله في ~~العلوم العملية مما ينبغي فعله وما لا ينبغي دون العلوم النظرية الراجعة ~~إلى الأمور التكوينية، ويقرب منه البصيرة، والإفتاء، والقول، غير أن ~~استعمال القول كأنه استعمال استعاري من قبيل وضع اللازم موضع الملزوم لأن ~~القول في شيء يستلزم الاعتقاد بما يدل عليه. # والزعم: هو التصديق من حيث إنه صورة في الذهن سواء كان تصديقا راجحا أو ~~جازما قاطعا. # والعلم كما مر: هو الإدراك المانع من النقيض. # و- الحفظ -: ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق إليه التغيير والزوال. # والحكمة: هي الصورة العلمية من حيث إحكامها وإتقانها. # و- الخبرة -: هو ظهور الصورة العلمية بحيث لا يخفى على العالم ترتب أي ~~نتيجة على مقدماتها. # والشهادة: هو نيل نفس الشيء وعينه إما بحس ظاهر كما في المحسوسات أو باطن ~~كما في الوجدانيات نحو العلم والإرادة والحب والبغض وما يضاهي ذلك. PageV02P142 # والألفاظ السابقة على ما عرفت من معانيها لا تخلو عن ملابسة المادة والحركة ~~والتغير، ولذلك لا تستعمل في مورده تعالى غير الخمسة الأخيرة منها أعني ms0680 ~~العلم والحفظ والحكمة والخبرة والشهادة، فلا يقال فيه تعالى: إنه يظن أو ~~يحسب أو يزعم أو يفهم أو يفقه أو غير ذلك. # وأما الألفاظ الخمسة الأخيرة فلعدم استلزامها للنقص والفقدان تستعمل في ~~مورده تعالى، قال سبحانه: "والله بكل شيء عليم:" النساء - 15، وقال تعالى: ~~"وربك على كل شيء حفيظ:" سبأ - 21، وقال تعالى: "والله بما تعملون خبير": ~~البقرة - 234، وقال تعالى: "هو العليم الحكيم:" يوسف - 83، وقال تعالى: ~~"إنه على كل شيء شهيد:" فصلت - 53. # ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: لفظ العقل على ما عرفت يطلق على الإدراك من ~~حيث إن فيه عقد القلب بالتصديق، على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من ~~إدراك الحق والباطل في النظريات، والخير والشر والمنافع والمضار في ~~العمليات حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في أول وجوده، ثم جهزه بحواس ~~ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء، وبأخرى باطنه يدرك معاني روحية بها ترتبط ~~نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة، والحب والبغض، والرجاء، والخوف، ~~ونحو ذلك، ثم يتصرف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم، فيقضي فيها ~~في النظريات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاء نظريا، وفي العمليات ~~والأمور المربوطة بالعمل قضاء عمليا، كل ذلك جريا على المجرى الذي تشخصه له ~~فطرته الأصلية، وهذا هو العقل. # لكن ربما تسلط بعض القوى على الإنسان بغلبته على سائر القوى كالشهوة ~~والغضب فأبطل حكم الباقي أو ضعفه، فخرج الإنسان بها عن صراط الاعتدال إلى ~~أودية الإفراط والتفريط، فلم يعمل هذا العامل العقلي فيه على سلامته، ~~كالقاضي الذي يقضي بمدارك أو شهادات كاذبة منحرفة محرفة، فإنه يحيد في ~~قضائه عن الحق وإن قضى غير قاصد للباطل، فهو قاض وليس بقاض، كذلك الإنسان ~~يقضي في مواطن المعلومات الباطلة بما يقضي، وأنه وإن سمى عمله ذلك عقلا ~~بنحو من المسامحة، لكنه ليس بعقل حقيقة لخروج الإنسان عند ذلك عن سلامة ~~الفطرة وسنن الصواب. # وعلى هذا جرى كلامه تعالى، فإنه يعرف العقل بما ينتفع به الإنسان في دينه ~~ويركب به هداه إلى حقائق المعارف وصالح العمل، وإذا لم ms0681 يجر على هذا المجرى ~~فلا يسمى عقلا، وإن عمل في الخير والشر الدنيوي فقط، قال تعالى "وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير:" الملك - 10. # وقال تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور:" الحج - 46. # فالآيات كما ترى تستعمل العقل في العلم الذي يستقل الإنسان بالقيام عليه ~~بنفسه، والسمع في الإدراك الذي يستعين فيه بغيره مع سلامة الفطرة في جميع ~~ذلك، وقال تعالى: "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه:" البقرة - ~~130، وقد مر أن الآية بمنزلة عكس النقيض لقوله (عليه السلام): العقل ما عبد ~~به الرحمن الحديث. # فقد تبين من جميع ما ذكرنا: أن المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الإدراك ~~الذي يتم للإنسان مع سلامة فطرته، وبه يظهر معنى قوله سبحانه: كذلك يبين ~~الله لكم آياته لعلكم تعقلون، فبالبيان يتم العلم، والعلم مقدمة للعقل ~~ووسيلة إليه كما قال تعالى: "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون:" العنكبوت - 43. ### |||| AUTO بحث روائي # في سنن أبي داود، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت: طلقت على ~~عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل حين ~~طلقت العدة للطلاق: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" فكانت أول من ~~أنزلت فيها العدة للطلاق. PageV02P143 # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء،: ~~عن زرارة، قال: سمعت ربيعة الرأي وهو يقول: إن من رأيي أن الأقراء التي سمى ~~الله في القرآن إنما هي الطهر فيما بين الحيضتين وليس بالحيض، قال فدخلت ~~على أبي جعفر (عليه السلام) فحدثته بما قال ربيعة فقال: ولم يقل برأيه إنما ~~بلغه عن علي (عليه السلام) فقلت: أصلحك الله أكان علي (عليه السلام) يقول ~~ذلك؟ قال: نعم، كان يقول: إنما القرء الطهر، تقرأ فيه الدم فتجمعه فإذا ~~جاءت دفعته، قلت: أصلحك الله رجل طلق امرأته طاهرا من غير جماع بشهادة ~~عدلين؟ قال: ms0682 إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج، ~~الحديث. # أقول: هذا المعنى مروي بعدة طرق عنه (عليه السلام)، وقوله: قلت: أصلحك ~~الله أكان علي (عليه السلام) يقول ذلك إنما استفهم ذلك بعد قوله (عليه ~~السلام): إنما بلغه عن علي، لما اشتهر بين العامة عن علي أنه كان يقول إن ~~القروء في الآية هي الحيض دون الأطهار كما في الدر المنثور، عن الشافعي ~~وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: ~~تحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل للأزواج، لكن ~~أئمة أهل البيت ينكرون ذلك وينسبون إليه (عليه السلام): أن الأقراء الأطهار ~~دون الحيض كما مرت في الرواية، وقد نسبوا هذا القول إلى عدة أخرى من ~~الصحابة غيره (عليه السلام) كزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة ورووه عنهم. # وفي المجمع، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن الآية: الحبل والحيض. # وفي تفسير القمي،: وقد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الطهر والحيض ~~والحبل. # وفي تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة، قال: قال ~~(عليه السلام) حق الرجال على النساء أفضل من حق النساء على الرجال. # أقول: وهذا لا ينافي التساوي من حيث وضع الحقوق كما مر وفي تفسير ~~العياشي،: في قوله تعالى: الطلاق مرتان - فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ~~عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إن الله يقول الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان والتسريح بالإحسان هو التطليقة الثالثة. # وفي التهذيب، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: طلاق السنة يطلقها تطليقة ~~يعني على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها فإذا ~~مضت أقراؤها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب: إن شاءت نكحته، وإن شاءت ~~فلا، وإن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضي أقراؤها، فتكون عنده ~~على التطليقة الماضية، الحديث. # وفي الفقيه، عن الحسن بن فضال، قال: سألت ms0683 الرضا عن العلة التي من أجلها ~~لا تحل المطلقة لعدة لزوجها حتى تنكح زوجا غيره فقال (عليه السلام): إن ~~الله عز وجل إنما أذن في الطلاق مرتين فقال عز وجل: الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان، يعني في التطليقة الثالثة، ولدخوله فيما كره الله ~~عز وجل من الطلاق الذي حرمها عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره لئلا يوقع ~~الناس في الاستخفاف بالطلاق ولا تضار النساء، الحديث. # أقول: مذهب أئمة أهل البيت: أن الطلاق بلفظ واحد أو في مجلس واحد لا يقع ~~إلا تطليقة واحدة، وإن قال طلقتك ثلاثا على ما روته الشيعة، وأما أهل السنة ~~والجماعة فرواياتهم فيه مختلفة: بعضها يدل على وقوعه طلاقا واحدا، وبعضها ~~يدل على وقوع الثلاثة، وربما رووا ذلك عن علي وجعفر بن محمد (عليهما ~~السلام)، لكن يظهر من بعض رواياتهم التي رواها أرباب الصحاح كمسلم والنسائي ~~وأبي داود وغيرهم: أن وقوع الثلاث بلفظ واحد مما أجازه عمر بعد مضي سنتين ~~أو ثلاثة من خلافته، ففي الدر المنثور:، أخرج عبد الرزاق ومسلم وأبو داود ~~والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر. طلاق الثلاث ~~واحدا فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة ~~فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم. PageV02P144 # وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة ونكح ~~امرأة من مزينة فجاءت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: ما يغني عني ~~إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه فأخذت ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حمية فدعا بركانه وإخوته ثم قال لجلسائه: ~~أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا وفلان منه كذا وكذا قالوا نعم، قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لعبد يزيد: طلقها ففعل، قال: راجع امرأتك أم ~~ركانة فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: قد ms0684 علمت أرجعها وتلا: يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن. # وفي الدر المنثور، عن البيهقي عن ابن عباس، قال: طلق ركانة امرأة ثلاثا ~~في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كيف طلقتها؟ قال طلقتها ثلاثا في مجلس واحد، قال: نعم فإنما تلك ~~واحدة فارجعها إن شئت فراجعها فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر ~~فتلك السنة التي أمر الله بها: فطلقوهن لعدتهن. # أقول: وهذا المعنى مروي في روايات أخرى أيضا والكلام على هذه الإجازة ~~نظير الكلام المتقدم في متعة الحج. # وقد استدل على عدم وقوع الثلاث بلفظ واحد بقوله تعالى: الطلاق مرتان فإن ~~المرتين والثلاث لا يصدق على ما أنشىء بلفظ واحد كما في مورد اللعان بإجماع ~~الكل، وفي المجمع،: في قوله تعالى: أو تسريح بإحسان، قال: فيه قولان، ~~أحدهما: أنه الطلقة الثالثة، والثاني أنه يترك المعتدة حتى تبين بانقضاء ~~العدة،: عن السدي والضحاك، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). # أقول: والأخبار كما ترى تختلف في معنى قوله: أو تسريح بإحسان. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا - إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله الآية،: عن الصادق (عليه السلام) ~~قال: الخلع لا يكون إلا أن تقول المرأة لزوجها: لا أبر لك قسما، ولأخرجن ~~بغير إذنك، ولأوطئن فراشك غيرك ولا أغتسل لك من جنابة، أو تقول: لا أطيع لك ~~أمرا أو تطلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها وكل ~~ما قدر عليه مما تعطيه من مالها، فإذا تراضيا على ذلك طلقها على طهر بشهود ~~فقد بانت منه بواحدة، وهو خاطب من الخطاب، فإن شاءت زوجته نفسها، وإن شاءت ~~لم تفعل، فإن زوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين وينبغي له أن يشترط عليها ~~كما اشترط صاحب المباراة فإذا ارتجعت في شيء مما أعطيتني فأنا أملك ببضعك، ~~وقال (عليه السلام): لا خلع ولا مباراة ms0685 ولا تخيير إلا على طهر من غير جماع ~~بشهادة شاهدين عدلين، والمختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها يحل للأول أن ~~يتزوج بها، وقال: لا رجعة للزوج على المختلعة ولا على المباراة إلا أن يبدو ~~للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها. # وفي الفقيه، عن الباقر (عليه السلام) قال: إذا قالت المرأة لزوجها جملة: ~~لا أطيع لك أمرا مفسرة أو غير مفسرة حل له أن يأخذ منها، وليس له عليها ~~رجعة. وفي الدر المنثور،: أخرج أحمد عن سهل بن أبي حثمة، قال: كانت حبيبة ~~ابنة سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس فكرهته، وكان رجلا دميما فجاءت وقالت: يا ~~رسول الله إني لا أراه، فلو لا مخافة الله لبزقت في وجهه فقال لها: أتردين ~~عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم فردت عليه حديقته وفرق بينهما، فكان ذلك ~~أول خلع كان في الإسلام. # وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في قول الله تبارك وتعالى: ~~وتلك حدود الله فلا تعتدوها الآية فقال إن الله غضب على الزاني فجعل له ~~مائة جلدة فمن غضب عليه فزاد فأنا إلى الله منه بريء فذلك قوله تعالى: تلك ~~حدود الله فلا تعتدوها وفي الكافي، عن أبي بصير قال: المرأة التي لا تحل ~~لزوجها حتى تنكح زوجا غيره، قال: هي التي تطلق ثم تراجع ثم تطلق الثالثة، ~~وهي التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ويذوق عسيلتها. # أقول: العسيلة الجماع، قال في الصحاح،: وفي الجماع العسيلة شبهت تلك ~~اللذة بالعسل، وصغرت بالهاء لأن الغالب في العسل التأنيث ويقال: إنما أنث ~~لأنه أريد به العسلة وهي القطعة منه كما يقال للقطعة من الذهب: ذهبة، انتهى. PageV02P145 # وقوله (عليه السلام): ويذوق عسيلتها، كالاقتباس من كلمة رسول الله لا حتى ~~تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك، في قصة رفاعة. # ففي الدر المنثور،: عن البزاز والطبراني والبيهقي: أن رفاعة بن سموال طلق ~~امرأته فأتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله قد ~~تزوجني عبد الرحمن وما معه إلا مثل هذه، ms0686 وأومأت إلى هدبة من ثوبها، فجعل ~~رسول الله يعرض عن كلامها ثم قال لها: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة: لا حتى ~~تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. # أقول: والرواية من المشهورات، رواها جمع كثير من الرواة من أرباب الصحاح ~~وغيرهم من طرق أهل السنة، والجماعة وبعض الخاصة، وألفاظ الروايات وإن كانت ~~مختلفة لكن أكثرها تشتمل على هذه اللفظة. # وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام): عن تزويج المتعة أيحلل؟ قال: لا ~~لأن الله يقول فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره - فإن طلقها ~~فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمتعة ليس فيه طلاق. # وفيه، أيضا عن محمد بن مضارب قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الخصي ~~يحلل؟ قال: لا يحلل. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن إلى ~~قوله ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا الآية، قال: قال (عليه السلام): إذا طلقها ~~لم يجز له أن يراجعها إن لم يردها. # وفي الفقيه، عن الصادق (عليه السلام) قال: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته ~~ثم يراجعها، وليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى الله عنه، ~~إلا أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإمساك. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: ولا تتخذوا آيات الله هزوا الآية،: ~~عن عمر بن الجميع رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث، قال: ومن ~~قرأ القرآن من هذه الأمة ثم دخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا، ~~الحديث. # في صحيح البخاري،: في قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، الآية ~~أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل ~~فنزلت: فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عنه وعن عدة من أرباب الصحاح ~~كالنسائي وابن ماجة والترمذي وابن داود وغيرهم. # وفي الدر المنثور، أيضا عن السدي، قال: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد ~~الله الأنصاري كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة وانقضت عدتها فأراد ~~مراجعتها فأبى جابر ms0687 فقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية وكانت ~~المرأة تريد زوجها فأنزل الله وإذا طلقتم النساء، الآية. # أقول: لا ولاية للأخ ولا لابن العم على مذهب أئمة أهل البيت فلو سلمت ~~إحدى الروايتين كان النهي في الآية غير مسوق لتحديد ولاية، ولا لجعل حكم ~~وضعي بل للإرشاد إلى قبح الحيلولة بين الزوجين أو لكراهة أو حرمة تكليفية ~~متعلقة بكل من يعضلهن عن النكاح لا غير. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن، الآية: عن ~~الصادق (عليه السلام)، قال: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، قال: ما ~~دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية فإذا فطم فالوالد أحق به من ~~العصبة وإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم، وقالت الأم: لا أرضعه إلا ~~بخمسة دراهم فإن له أن ينزعه منها، إلا أن ذلك أجبر له وأقدم وأرفق به أن ~~يترك مع أمه. # وفيه، أيضا عنه: في قوله تعالى: لا تضار والدة الآية، قال (عليه السلام): ~~كانت المرأة ممن ترفع يدها إلى الرجل إذا أراد مجامعتها فتقول: لا أدعك، ~~إني أخاف أن أحمل على ولدي، ويقول الرجل للمرأة: لا أجامعك إني أخاف أن ~~تعلقي فأقتل ولدي، فنهى الله أن يضار الرجل المرأة والمرأة الرجل. # وفيه، أيضا عن أحدهما (عليهما السلام): في قوله تعالى: وعلى الوارث مثل ~~ذلك قال: هو في النفقة: على الوارث مثل ما على الوالد. # وفيه، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في الآية، قال لا ينبغي للوارث أيضا ~~أن يضار المرأة فيقول: لا أدع ولدها يأتيها، ويضار ولدها إن كان لهم عنده ~~شيء، ولا ينبغي له أن يقتر عليه. # وفيه، أيضا عن حماد عن الصادق (عليه السلام) قال: لا رضاع بعد فطام، قال: ~~قلت له: جعلت فداك وما الفطام؟ قال: الحولين الذي قال الله عز وجل. # أقول: قوله: الحولين، حكاية لما في لفظ الآية ولذا وصفه (عليه السلام) ~~بقوله: الذي قال الله. PageV02P146 # وفي الدر المنثور،: أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن عدي عن جابر بن عبد ms0688 ~~الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يتم بعد حلم، ولا ~~رضاع بعد فصال، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في ~~معصية، ولا نفقة في المعصية، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا تعرب بعد الهجرة، ~~ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لزوجة مع زوج، ولا يمين لولد مع والد، ولا ~~يمين لمملوك مع سيده، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بكر الحضرمي عن الصادق (عليه السلام) قال: لما ~~نزلت هذه الآية: والذين يتوفون منكم - ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا جئن النساء يخاصمن رسول الله وقلن: لا نصبر، فقال لهن رسول ~~الله: كانت إحداكن إذا مات زوجها أخذت بعرة فألقتها خلفها في دبرها في ~~خدرها ثم قعدت فإذا كان مثل ذلك اليوم من الحول أخذتها ففتقتها، ثم اكتحلت ~~بها، ثم تزوجت فوضع الله عنكن ثمانية أشهر. # وفي التهذيب، عن الباقر (عليه السلام): كل النكاح إذا مات الزوج فعلى ~~المرأة حرة كانت أو أمة، وعلى أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك ~~يمين فالعدة أربعة أشهر وعشرا. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت ~~له: جعلت فداك كيف صارت عدة المطلقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر وصارت عدة ~~المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا؟ فقال: أما عدة المطلقة ثلاث قروء ~~فلأجل استبراء الرحم من الولد، وأما عدة المتوفى عنها زوجها فإن الله شرط ~~للنساء شرطا وشرط عليهن: وأما ما شرط لهن ففي الإيلاء أربعة أشهر إذ يقول: ~~للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فلن يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر ~~لعلمه تبارك وتعالى أنها غاية صبر المرأة من الرجل، وأما ما شرط عليهن فإنه ~~أمرها أن تعتد إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشرا فأخذ له منها عند موته ما ~~أخذ لها منه في حياته. # أقول: وهذا المعنى مروي أيضا عن الرضا والهادي (عليهما ms0689 السلام) بطرق أخرى ~~وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ولا جناح ~~عليكم - فيما عرضتم به من خطبة النساء، الآية: المرأة في عدتها تقول لها ~~قولا جميلا ترغبها في نفسك، ولا تقول: إني أصنع كذا أو كذا أو أصنع كذا ~~القبيح من الأمر في البضع وكل أمر قبيح، وفي رواية أخرى تقول لها وهي في ~~عدتها: يا هذه لا أحب إلا ما أسرك ولو قد مضى عدتك لا تفوتيني إن شاء الله، ~~ولا تستبقي بنفسك، وهذا كله من غير أن يعزموا عقدة النكاح. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر عنهم (عليهم السلام). # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء، ~~الآية،: عن الصادق (عليه السلام)، قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل ~~بها فلها نصف مهرها وإن لم يكن سمى لها مهرا فمتاع بالمعروف على الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره وليس لها عدة وتزوج من شاءت من ساعتها. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها ~~قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على ~~نحو ما يمتع مثلها من النساء. # أقول: وفيه تفسير المتاع بالمعروف. # وفي الكافي، والتهذيب، وتفسير العياشي، وغيرها عن الباقر والصادق (عليهما ~~السلام): في قوله تعالى: الذي بيده عقدة النكاح، قالا: هو الولي. # أقول: والروايات فيه كثيرة، وقد ورد في بعض الروايات من طرق أهل السنة ~~والجماعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام): أن الذي ~~بيده عقدة النكاح الزوج. # في الكافي، والفقيه، وتفسير العياشي، والقمي،: في قوله تعالى: حافظوا على ~~الصلوات والصلوة الوسطى الآية بطرق كثيرة عن الباقر والصادق (عليهما ~~السلام): أن الصلاة الوسطى هي الظهر. # أقول: هذا هو المأثور عن أئمة أهل البيت في الروايات المروية عنهم لسانا واحدا. PageV02P147 # نعم في بعضها أنها الجمعة إلا أن المستفاد منها أنهم أخذوا الظهر والجمعة ~~نوعا واحدا لا نوعين اثنين كما رواه في ms0690 الكافي، وتفسير العياشي، عن زرارة ~~عن أبي جعفر (عليه السلام) واللفظ لما في الكافي: قال الله تعالى: حافظوا ~~على الصلوات والصلوة الوسطى، وهي صلاة الظهر أول صلاة صلاها رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وهي وسط النهار، ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة ~~وصلاة العصر، قال: ونزلت هذه الآية ورسول الله في سفره فقنت فيها رسول الله ~~وتركها على حالها في السفر والحضر وأضاف للمقيم ركعتين، وإنما وضعت ~~الركعتان اللتان أضافهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الجمعة ~~للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها ~~أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام، الحديث، والرواية كما ترى تعد ~~الظهر والجمعة صلاة واحدة وتحكم بأنها هي الصلاة الوسطى ولكن معظم الروايات ~~مقطوعة، وما كان منها مسندا فمتنه لا يخلو عن تشويش كرواية الكافي، وهي مع ~~ذلك غير واضحة الانطباق على الآية، والله العالم. # وفي الدر المنثور،: أخرج أحمد وابن المنيع والنسائي وابن جرير والشاشي ~~والضياء من طريق الزبرقان: أن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون ~~فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى فقال: هي الظهر، ثم ~~انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه فقال: هي الظهر، إن رسول الله كان يصلي ~~الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم ~~وتجارتهم فأنزل الله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله ~~قانتين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لينتهين رجال أو لأحرقن ~~بيوتهن. # أقول: وروي هذا السبب عن زيد بن ثابت وغيره بطرق أخرى. # واعلم: أن الأقوال في تفسير الصلاة الوسطى مختلفة معظمها ناش من اختلاف ~~روايات القوم: فقيل إنها صلاة الصبح ورووه عن علي (عليه السلام) وبعض ~~الصحابة، وقيل: إنها صلاة الظهر ورووه عن النبي وعدة من الصحابة، وقيل: ~~إنها صلاة العصر ورووه عن النبي وعدة من الصحابة، وقد روى السيوطي في الدر ~~المنثور، فيه بضعا وخمسين رواية، وقيل: إنها صلاة المغرب، وقيل إنها مخفية ~~بين الصلوات ms0691 كليلة القدر بين الليالي، وروي فيهما روايات عن الصحابة، وقيل: ~~إنها صلاة العشاء وقيل: إنها الجمعة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: وقوموا لله قانتين، قال: هو الدعاء في ~~الصلاة حال القيام،: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وروي ذلك عن بعض الصحابة. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في الآية: إقبال الرجل على ~~صلاته ومحافظته على وقتها حتى لا يلهيه عنها ولا يشغله شيء. # أقول: ولا منافاة بين الروايتين وهو ظاهر. # في الكافي، عن الصادق: في قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا الآية، ~~إذا خاف من سبع أو لص يكبر ويومىء إيماء. # وفي الفقيه، عنه (عليه السلام): في صلاة الزحف، قال: تكبير وتهليل ثم تلا الآية. # وفيه، عنه (عليه السلام): إن كنت في أرض مخوفة فخشيت لصا أو سبعا فصل ~~الفريضة وأنت على دابتك. # وفيه، عن الباقر (عليه السلام): الذي يخاف اللصوص يصلي إيماء على دابته. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير قال: سألته عن قول الله: والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا - وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج، قال (عليه ~~السلام): هي منسوخة، قلت: وكيف كانت؟ قال: كان الرجل إذا مات أنفق على ~~امرأته من صلب المال حولا ثم أخرجت بلا ميراث ثم نسختها آية الربع والثمن، ~~فالمرأة ينفق عليها من نصيبها. # وفيه، عن معاوية بن عمار قال: سألته عن قول الله: والذين يتوفون "إلخ"، ~~قال: منسوخة نسختها آية يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا، ونسختها آية ~~الميراث. # وفي الكافي، وتفسير العياشي،: سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يطلق ~~امرأته يمتعها؟ قال: نعم، أما يحب أن يكون من المحسنين أما يحب أن يكون من ~~المتقين؟ PageV02P148 ### |||| AUTO بحث علمي # من المعلوم أن الإسلام - والذي شرعه هو الله عز اسمه - لم يبن شرائعه على ~~أصل التجارب كما بنيت عليه سائر القوانين لكنا في قضاء العقل في شرائعه ~~ربما احتجنا إلى التأمل في الأحكام والقوانين والرسوم الدائرة بين الأمم ~~الحاضرة ms0692 والقرون الخالية، ثم البحث عن السعادة الإنسانية وتطبيق النتيجة ~~على المحصل من مذاهبهم ومسالكهم حتى نزن به مكانته ومكانتها، ونميز به روحه ~~الحية الشاعرة من أرواحها، وهذا هو الموجب للرجوع إلى تواريخ الملل وسيرها، ~~واستحضار ما عند الموجودين منهم من الخصائل والمذاهب في الحياة. # ولذلك فإنا نحتاج في البحث عما يراه الإسلام ويعتقده في. # 1 - هوية المرأة والمقايسة بينها وبين هوية الرجل. # 2 - وزنها في الاجتماع حتى يعلم مقدار تأثيرها في حياة العالم الإنساني. # 3 - حقوقها والأحكام التي شرعت لأجلها. # 4 - الأساس الذي بنيت عليه الأحكام المربوطة بها. # إلى استحضار ما جرى عليه التاريخ في حياتها قبل طلوع الإسلام وما كانت ~~الأمم غير المسلمة يعاملها عليه حتى اليوم من المتمدنة وغيرها، والاستقصاء ~~في ذلك وإن كان خارجا عن طوق الكتاب، لكنا نذكر طرفا منه: # حياة المرأة في الأمم غير المتمدنة # كانت حياة النساء في الأمم والقبائل الوحشية كالأمم القاطنين بإفريقيا ~~وأستراليا والجزائر المسكونة بالأوقيانوسية وأمريكا القديمة وغيرها بالنسبة ~~إلى حياة الرجال كحياة الحيوانات الأهلية من الأنعام وغيرها بالنسبة إلى ~~حياة الإنسان. # فكما أن الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه يرى لنفسه حقا أن يمتلك ~~الأنعام وسائر الحيوانات الأهلية ويتصرف فيها كيفما شاء وفي أي حاجة من ~~حوائجه شاء، يستفيد من شعرها ووبرها ولحمها وعظمها ودمها وجلدها وحليبها ~~وحفظها وحراستها وسفادها ونتاجها ونمائها، وفي حمل الأثقال، وفي الحرث، وفي ~~الصيد، إلى غير ذلك من الأغراض التي لا تحصى كثرة. # وليس لهؤلاء العجم من الحيوانات من مبتغيات الحياة وآمال القلوب في ~~المأكل والمشرب والمسكن والسفاد والراحة إلا ما رضي به الإنسان الذي ~~امتلكها ولن يرض إلا بما لا ينافي أغراضه في تسخيرها وله فيه نفع في ~~الحياة، وربما أدى ذلك إلى تهكمات عجيبة ومجازفات غريبة في نظر الحيوان ~~المستخدم لو كان هو الناظر في أمر نفسه: فمن مظلوم من غير أي جرم كان ~~أجرمه، ومستغيث وليس له أي مغيث يغيثه، ومن ظالم من غير مانع يمنعه، ومن ~~سعيد من غير استحقاق كفحل الضراب ms0693 يعيش في أنعم عيش وألذه عنده، ومن شقي من ~~غير استحقاق كحمار الحمل وفرس الطاحونة. # وليس لها من حقوق الحياة إلا ما رآه الإنسان المالك لها حقا لنفسه فمن ~~تعدى إليها لا يؤاخذ إلا لأنه تعدى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان في ~~نفسه، كل ذلك لأن الإنسان يرى وجودها تبعا لوجود نفسه وحياتها فرعا لحياته ~~ومكانتها مكانة الطفيلي. # كذلك كانت حياة النساء عند الرجال في هذه الأمم والقبائل حياة تبعية، ~~وكانت النساء مخلوقة عندهم "لأجل الرجال" بقول مطلق: كانت النساء تابعة ~~الوجود والحياة لهم من غير استقلال في حياة، ولا في حق فكان آباؤهن ما لم ~~ينكحن، وبعولتهن بعد النكاح أولياء لهن على الإطلاق. # كان للرجل أن يبيع المرأة ممن شاء وكان له أن يهبها لغيره، وكان له أن ~~يقرضها لمن استقرضها للفراش أو الاستيلاد أو الخدمة أو غير ذلك، وكان له أن ~~يسوسها حتى بالقتل، وكان له أن يخلي عنها، ماتت أو عاشت، وكان له أن يقتلها ~~ويرتزق بلحمها كالبهيمة وخاصة في المجاعة وفي المآدب، وكان له ما للمرأة من ~~المال والحق وخاصة من حيث إيقاع المعاملات من بيع وشرى وأخذ ورد. PageV02P149 # وكان على المرأة أن تطيع الرجل، أباها أو زوجها، في ما يأمر به طوعا أو ~~كرها، وكان عليها أن لا تستقل عنه في أمر يرجع إليه أو إليها، وكان عليها ~~أن تلي أمور البيت والأولاد وجميع ما يحتاج إليه حياة الرجل فيه، وكان ~~عليها أن تتحمل من الأشغال أشقها كحمل الأثقال وعمل الطين وما يجري مجراهما ~~ومن الحرف والصناعات أرداها وسفسافها، وقد بلغ عجيب الأمر إلى حيث إن ~~المرأة الحامل في بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج ~~البيت، ونام الرجل على فراشها أياما يتمرض ويداوي نفسه، هذه كليات ما له ~~وعليها، ولكل جيل من هذه الأجيال الوحشية خصائل وخصائص من السنن والآداب ~~القومية باختلاف عاداتها الموروثة مناطق حياتها والأجواء المحيطة بها يطلع ~~عليه من راجع الكتب المؤلفة في هذه الشئون. # حياة ms0694 المرأة في الأمم المتمدنة قبل الإسلام # نعني بهم الأمم التي كانت تعيش تحت الرسوم الملية المحفوظة بالعادات ~~الموروثة من غير استناد إلى كتاب أو قانون كالصين والهند ومصر القديم ~~وإيران ونحوها. # تشترك جميع هؤلاء الأمم: في أن المرأة عندهم ما كانت ذات استقلال وحرية، ~~لا في إرادتها ولا في أعمالها، بل كانت تحت الولاية والقيمومة، لا تنجز ~~شيئا من قبل نفسها ولا كان لها حق المداخلة في الشئون الاجتماعية من حكومة ~~أو قضاء أو غيرهما. # وكان عليها: أن تشارك الرجل في جميع أعمال الحياة من كسب وغير ذلك. # وكان عليها: أن تختص بأمور البيت والأولاد، وكان عليها أن تطيع الرجل في ~~جميع ما يأمرها ويريد منها. # وكانت المرأة عند هؤلاء أرفه حالا بالنسبة إليها في الأمم غير المتمدنة، ~~فلم تكن تقتل وتؤكل لحمها، ولم تحرم من تملك المال بالكلية بل كانت تتملك ~~في الجملة من إرث أو ازدواج أو غير ذلك وإن لم تكن لها أن تتصرف فيها ~~بالاستقلال، وكان للرجل أن يتخذ زوجات متعددة من غير تحديد وكان لها تطليق ~~من شاء منهن، وكان للزوج أن يتزوج بعد موت الزوجة ولا عكس غالبا وكانت ~~ممنوعة عن معاشرة خارج البيت غالبا. # ولكل أمة من هذه الأمم مختصات بحسب اقتضاء المناطق والأوضاع: كما أن ~~تمايز الطبقات في إيران ربما أوجب تميزا لنساء الطبقات العالية من المداخلة ~~في الملك والحكومة أو نيل السلطنة ونحو ذلك أو الازدواج بالمحارم من أم أو ~~بنت أو أخت أو غيرها. # وكما أنه كان بالصين الازدواج بالمرأة نوعا من اشتراء نفسها ومملوكيتها، ~~وكانت هي ممنوعة من الإرث ومن أن تشارك الرجال حتى أبنائها في التغذي، وكان ~~للرجال أن يتشارك أكثر من واحد منهم في الازدواج بمرأة واحدة يشتركون في ~~التمتع بها، والانتفاع من أعمالها، ويلحق الأولاد بأقوى الأزواج غالبا. # وكما أن النساء كانت بالهند من تبعات أزواجهن لا يحل لهن الازدواج بعد ~~توفي أزواجهن أبدا، بل إما أن يحرقن بالنار مع جسد أزواجهن أو يعشن مذللات، ~~وهن ms0695 في أيام الحيض أنجاس خبيثات لازمة الاجتناب وكذا ثيابها وكل ما لامستها ~~بالبشرة. # ويمكن أن يلخص شأنها في هذه الأمم: أنها كالبرزخ بين الحيوان والإنسان ~~يستفاد منها استفادة الإنسان المتوسط الضعيف الذي لا يحق له إلا أن يمد ~~الإنسان المتوسط في أمور حياته كالولد الصغير بالنسبة إلى وليه غير أنها ~~تحت الولاية والقيمومة دائما. # وهاهنا أمم أخرى # كانت الأمم المذكورة آنفا أمما تجري معظم آدابهم ورسومهم الخاصة على أساس ~~اقتضاء المناطق والعادات الموروثة ونحوها من غير أن تعتمد على كتاب أو ~~قانون ظاهرا لكن هناك أمم أخرى كانت تعيش تحت سيطرة القانون أو الكتاب، مثل ~~الكلدة والروم واليونان. # أما الكلدة والآشور فقد حكم فيهم شرع "حامورابي" بتبعية المرأة لزوجها ~~وسقوط استقلالها في الإرادة والعمل، حتى أن الزوجة لو لم تطع زوجها في شيء ~~من أمور المعاشرة أو استقل بشيء فيها كان له أن يخرجها من بيته، أو يتزوج ~~عليها ويعامل معها بعد ذلك معاملة ملك اليمين محضا، ولو أخطأت في تدبير ~~البيت بإسراف أو تبذير كان له أن يرفع أمرها إلى القاضي ثم يغرقها في الماء ~~بعد إثبات الجرم. PageV02P150 # وأما الروم فهي أيضا من أقدم الأمم وضعا للقوانين المدنية، وضع القانون ~~فيها أول ما وضع في حدود سنة أربعمائة قبل الميلاد ثم أخذوا في تكميله ~~تدريجا، وهو يعطي للبيت نوع استقلال في إجراء الأوامر المختصة به، ولرب ~~البيت وهو زوج المرأة وأبو أولادها نوع ربوبية كان يعبده لذلك أهل البيت ~~كما كان يعبد هو من تقدمه من آبائه السابقين عليه في تأسيس البيت، وكان له ~~الاختيار التام والمشية النافذة في جميع ما يريده ويأمر به على أهل البيت ~~من زوجة وأولاد حتى القتل لو رأى أن الصلاح فيه، ولا يعارضه في ذلك معارض، ~~وكانت النساء نساء البيت كالزوجة والبنت والأخت أردأ حالا من الرجال حتى ~~الأبناء التابعين محضا لرب البيت، فإنهن لم يكن أجزاء للاجتماع المدني فلا ~~تسمع لهن شكاية، ولا ينفذ منهن معاملة، ولا تصح منهن في الأمور الاجتماعية ms0696 ~~مداخلة لكن الرجال أعني الإخوة والذكور من الأولاد حتى الأدعياء فإن التبني ~~وإلحاق الولد بغير أبيه كان معمولا شائعا عندهم وكذا في يونان وإيران ~~والعرب كان من الجائز أن يأذن لهم رب البيت في الاستقلال بأمور الحياة ~~مطلقا لأنفسهم. # ولم يكن أجزاء أصيلة في البيت بل كان أهل البيت هم الرجال، وأما النساء ~~فتبع، فكانت القرابة الاجتماعية الرسمية المؤثرة في التوارث ونحوها مختصة ~~بما بين الرجال، وأما النساء فلا قرابة بينهن أنفسهن كالأم مع البنت والأخت ~~مع الأخت، ولا بينهن وبين الرجال كالزوجين أو الأم مع الابن أو الأخت مع ~~الأخ أو البنت مع الأب ولا توارث فيما لا قرابة رسمية، نعم القرابة ~~الطبيعية وهي التي يوجبها الاتصال في الولادة كانت موجودة بينهم، وربما ~~يظهر أثرها في نحو الازدواج بالمحارم، وولاية رئيس البيت وربه لها. # وبالجملة كانت المرأة عندهم طفيلية الوجود تابعة الحياة في المجتمع ~~المجتمع المدني والبيتي زمام حياتها وإرادتها بيد رب البيت من أبيها إن ~~كانت في بيت الأب أو زوجها إن كانت في بيت الزوج أو غيرهما، يفعل بها ربها ~~ما يشاء ويحكم فيها ما يريد، فربما باعها، وربما وهبها، وربما أقرضها ~~للتمتع، وربما أعطاها في حق يراد استيفاؤه منه كدين وخراج ونحوهما، وربما ~~ساسها بقتل أو ضرب أو غيرهما، وبيده تدبير مالها إن ملكت شيئا بالازدواج أو ~~الكسب مع إذن وليها لا بالإرث لأنها كانت محرومة منه، وبيد أبيها أو واحد ~~من سراة قومها تزويجها وبيد زوجها تطليقها. # وأما اليونان فالأمر عندهم في تكون البيوت وربوبية أربابها فيها كان قريب ~~الوضع من وضع الروم. # فقد كان الاجتماع المدني وكذا الاجتماع البيتي عندهم متقوما بالرجال، ~~والنساء تبع لهم، ولذا لم يكن لها استقلال في إرادة ولا فعل إلا تحت ولاية ~~الرجال، لكنهم. # جميعا ناقضوا أنفسهم بحسب الحقيقة في ذلك، فإن قوانينهم الموضوعة كانت ~~تحكم عليهن بالاستقلال ولا تحكم لهن إلا بالتبع إذا وافق نفع الرجال، فكانت ~~المرأة عندهم تعاقب بجميع جرائمها بالاستقلال، ولا تثاب لحسناتها ولا تراعى ms0697 ~~جانبها إلا بالتبع وتحت ولاية الرجل. # وهذا بعينه من الشواهد الدالة على أن جميع هذه القوانين ما كانت تراها ~~جزءا ضعيفا من المجتمع الإنساني ذات شخصية تبعية، بل كانت تقدر أنها ~~كالجراثيم المضرة مفسدة لمزاج الاجتماع مضرة بصحتها غير أن للمجتمع حاجة ~~ضرورية إليها من حيث بقاء النسل، فيجب أن يعتنى بشأنها، وتذاق وبال أمرها ~~إذا جنت أو أجرمت، ويحتلب الرجال درها إذا أحسنت أو نفعت، ولا تترك على ~~حيال إرادتها صونا من شرها كالعدو القوي الذي يغلب فيؤخذ أسيرا مسترقا يعيش ~~طول حياته تحت القهر، أن جاء بالسيئة يؤاخذ بها وإن جاء بالحسنة لم يشكر لها. PageV02P151 # وهذا الذي سمعته: أن الاجتماع كان متقوما عندهم بالرجال هو الذي ألزمهم أن ~~يعتقدوا أن الأولاد بالحقيقة هم الذكور، وأن بقاء النسل ببقائهم، وهذا هو ~~منشأ ظهور عمل التبني والإلحاق بينهم، فإن البيت الذي ليس لربه ولد ذكر كان ~~محكوما بالخراب، والنسل مكتوبا عليه الفناء والانقراض، فاضطر هؤلاء إلى ~~اتخاذ أبناء صونا عن الانقراض وموت الذكر، فدعوا غير أبنائهم لأصلابهم ~~أبناء لأنفسهم فكانوا أبناء رسما يرثون ويورثون ويرتب عليهم آثار الأبناء ~~الصلبيين، وكان الرجل منهم إذا زعم أنه عاقر لا يولد منه ولد عمد إلى بعض ~~أقاربه كأخيه وابن أخيه فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولدا يدعوه لنفسه، ~~ويقوم بقاء بيته. # وكان الأمر في التزويج والتطليق في اليونان قريبا منهما في الروم، وكان ~~من الجائز عندهم تعدد الزوجات غير أن الزوجة إذا زادت على الواحدة كانت ~~واحدة منهن زوجة رسمية والباقية غير رسمية. # حال المرأة عند العرب ومحيط حياتهم محيط نزول القرآن # وقد كانت العرب قاطنين في شبه الجزيرة وهي منطقة حارة جدبة الأرض، ~~والمعظم من أمتهم قبائل بدوية بعيدة عن الحضارة والمدنية، يعيشون بشن ~~الغارات، وهم متصلون بإيران من جانب وبالروم من جانب وببلاد الحبشة ~~والسودان من آخر. # ولذلك كانت العمدة من رسومهم رسوم التوحش، وربما وجد خلالها شيء من عادات ~~الروم وإيران، ومن عادات الهند ومصر القديم أحيانا. # كانت العرب ms0698 لا ترى للمرأة استقلالا في الحياة ولا حرمة ولا شرافة إلا ~~حرمة البيت وشرافته، وكانت لا تورث النساء، وكانت تجوز تعدد الزوجات من غير ~~تحديد بعدد معين كاليهود، وكذا في الطلاق، وكانت تئد البنات، ابتدأ بذلك ~~بنو تميم لوقعة كانت لهم مع النعمان بن المنذر، أسرت فيه عدة من بناتهم، ~~والقصة معروفة فأغضبهم ذلك فابتدروا به، ثم سرت السجية في غيرهم، وكانت ~~العرب تتشأم إذا ولدت للرجل منهم بنت يعدها عارا لنفسه، يتوارى من القوم من ~~سوء ما بشر به، لكن يسره الابن مهما كثر ولو بالدعاء والإلحاق حتى أنهم ~~كانوا يتبنون الولد لزنا محصنة ارتكبوه، وربما نازع رجال من صناديدهم وأولي ~~الطول منهم في ولد ادعاه كل لنفسه. # وربما لاح في بعض البيوت استقلال لنسائهم وخاصة للبنات في أمر الازدواج ~~فكان يراعي فيه رضى المرأة وانتخابها، فيشبه ذلك منهم دأب الأشراف بإيران ~~الجاري على تمايز الطبقات. # وكيف كان فمعاملتهم مع النساء كانت معاملة مركبة من معاملة أهل المدنية ~~من الروم وإيران كتحريم الاستقلال في الحقوق، والشركة في الأمور العامة ~~الاجتماعية كالحكم والحرب وأمر الازدواج إلا استثناء، ومن معاملة أهل ~~التوحش والبربرية، فلم يكن حرمانهن مستندا إلى تقديس رؤساء البيوت ~~وعبادتهم، بل من باب غلبة القوي واستخدامه للضعيف. # وأما العبادة فكانوا يعبدون جميعا رجالا ونساء أصناما يشبه أمرها أمر ~~الأصنام عند الصابئين أصحاب الكواكب وأرباب الأنواع، وتتميز أصنامهم بحسب ~~تميز القبائل وأهوائها المختلفة، فيعبدون الكواكب والملائكة وهم بنات الله ~~سبحانه بزعمهم ويتخذونها على صور صورتها لهم أوهامهم، ومن أشياء مختلفة ~~كالحجارة والخشب، وقد بلغ هواهم في ذلك إلى مثل ما نقل عن بني حنيفة أنهم ~~اتخذوا لهم صنما من الحيس فعبدوه دهرا طويلا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقيل ~~فيهم: أكلت حنيفة ربها. # زمن التقحم والمجاعة. # لم يحذروا من ربهم. # سوء العواقب والتباعة. # وربما عبدوا حجرا حتى إذا وجدوا حجرا أحسن منه طرحوا الأول وأخذوا ~~بالثاني، وإذا لم يجدوا شيئا جمعوا حفنة من تراب ثم جاءوا بغنم فحلبوه ~~عليها ثم طافوا ms0699 بها يعبدونها. # وقد أودعت هذا الحرمان والشقاء في نفوس النساء ضعفا في الفكرة يصور لها ~~أوهاما وخرافات عجيبة في الحوادث والوقائع المختلفة ضبطتها كتب السير ~~والتاريخ. PageV02P152 # فهذه جمل من أحوال المرأة في المجتمع الإنساني من أدواره المختلفة قبل ~~الإسلام وزمن ظهوره، آثرنا فيها الاختصار التام، ويستنتج من جميع ذلك: ~~أولا: أنهم كانوا يرونها إنسانا في أفق الحيوان العجم، أو إنسانا ضعيف ~~الإنسانية منحطا لا يؤمن شره وفساده لو أطلق من قيد التبعية، واكتسب الحرية ~~في حياته، والنظر الأول أنسب لسيرة الأمم الوحشية والثاني لغيرهم، وثانيا: ~~أنهم كانوا يرون في وزنها الاجتماعي أنها خارجة من هيكل المجتمع المركب غير ~~داخلة فيه، وإنما هي من شرائطه التي لا غناء عنها كالمسكن لا غناء عن ~~الالتجاء إليه، أو أنها كالأسير المسترق الذي هي من توابع المجتمع الغالب، ~~ينتفع من عمله ولا يؤمن كيده على اختلاف المسلكين، وثالثا: أنهم كانوا يرون ~~حرمانها في عامة الحقوق التي أمكن انتفاعها منها إلا بمقدار يرجع انتفاعها ~~إلى انتفاع الرجال القيمين بأمرها، ورابعا: أن أساس معاملتهم معها فيما ~~عاملوا هو غلبة القوي على الضعيف وبعبارة أخرى قريحة الاستخدام، هذا في ~~الأمم غير المتمدنة، وأما الأمم المتمدنة فيضاف عندهم إلى ذلك ما كانوا ~~يعتقدونه في أمرها: أنها إنسان ضعيف الخلقة لا تقدر على الاستقلال بأمرها، ~~ولا يؤمن شرها، وربما اختلط الأمر اختلاطا باختلاف الأمم والأجيال. # ما ذا أبدعه الإسلام في أمرها # لا زالت بأجمعها ترى في أمر المرأة ما قصصناه عليك، وتحبسها في سجن الذلة ~~والهوان حتى صار الضعف والصغار طبيعة ثانية لها، عليها نبتت لحمها وعظمها ~~وعليها كانت تحيا وتموت، وعادت ألفاظ المرأة والضعف والهوان كاللغات ~~المترادفة بعد ما وضعت متباينة، لا عند الرجال فقط بل وعند النساء - ومن ~~العجب ذلك - ولا ترى أمة من الأمم وحشيها ومدنيها إلا وعندهم أمثال سائرة ~~في ضعفها وهوان أمرها، وفي لغاتهم على اختلاف أصولها وسياقاتها وألحانها ~~أنواع من الاستعارة والكناية والتشبيه مربوطة بهذه اللفظة المرأة يقرع بها ~~الجبان، ويؤنب بها الضعيف، ms0700 ويلام بها المخذول المستهان والمستذل المنظلم، ~~ويوجد من نحو قول القائل: وما أدري وليت أخال أدري. # أقوم آل حصن أم نساء. # مئات وألوف من النظم والنثر في كل لغة. # وهذا في نفسه كاف في أن يحصل للباحث ما كانت تعتقده الجامعة الإنسانية في ~~أمر المرأة وإن لم يكن هناك ما جمعته كتب السير والتواريخ من مذاهب الأمم ~~والملل في أمرها، فإن الخصائل الروحية والجهات الوجودية في كل أمة تتجلى في ~~لغتها وآدابها. # ولم يورث من السابقين ما يعتني بشأنها ويهم بأمرها إلا بعض ما في التوراة ~~وما وصى به عيسى بن مريم (عليهما السلام) من لزوم التسهيل عليها والإرفاق بها. # وأما الإسلام أعني الدين الحنيف النازل به القرآن فإنه أبدع في حقها أمرا ~~ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطن بها قاطنوها، وخالفهم جميعا في بناء بنية ~~فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، وألغى ما كانت ~~تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملا. # أما هويتها: فإنه بين أن المرأة كالرجل إنسان وأن كل إنسان ذكرا أو أنثى ~~فإنه إنسان يشترك في مادته وعنصره إنسانان ذكر وأنثى ولا فضل لأحد على أحد ~~إلا بالتقوى، قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم:" الحجرات - 13، فجعل ~~تعالى كل إنسان مأخوذا مؤلفا من إنسانين ذكر وأنثى هما معا وبنسبة واحدة ~~مادة كونه ووجوده، وهو سواء كان ذكرا أو أنثى مجموع المادة المأخوذة منهما، ~~ولم يقل تعالى: مثل ما قاله القائل. # وإنما أمهات الناس أوعية. # ولا قال مثل ما قاله الآخر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا. # بنوهن أبناء الرجال الأباعد. # بل جعل تعالى كلا مخلوقا مؤلفا من كل. # فعاد الكل أمثالا، ولا بيان أتم ولا أبلغ من هذا البيان، ثم جعل الفضل في ~~التقوى. # وقال تعالى: "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض:" ~~آل عمران - 195، فصرح أن السعي غير خائب والعمل غير ms0701 مضيع عند الله وعلل ذلك ~~بقوله: بعضكم من بعض فعبر صريحا بما هو نتيجة قوله في الآية السابقة: إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى، وهو أن الرجل والمرأة جميعا من نوع واحد من غير فرق ~~في الأصل والسنخ. PageV02P153 # ثم بين بذلك أن عمل كل واحد من هذين الصنفين غير مضيع عند الله لا يبطل في ~~نفسه، ولا يعدوه إلى غيره، كل نفس بما كسبت رهينة، لا كما كان يقوله الناس: ~~إن عليهن سيئاتهن، وللرجال حسناتهن من منافع وجودهن، وسيجيء لهذا الكلام ~~مزيد توضيح. # وإذا كان لكل منهما ما عمل ولا كرامة إلا بالتقوى، ومن التقوى الأخلاق ~~الفاضلة كالإيمان بدرجاته، والعلم النافع، والعقل الرزين، والخلق الحسن، ~~والصبر، والحلم فالمرأة المؤمنة بدرجات الإيمان، أو المليئة علما، أو ~~الرزينة عقلا، أو الحسنة خلقا أكرم ذاتا وأسمى درجة ممن لا يعادلها في ذلك ~~من الرجال في الإسلام، كان من كان، فلا كرامة إلا للتقوى والفضيلة. # وفي معنى الآية السابقة وأوضح منها قوله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون": ~~النحل - 97، وقوله تعالى: "ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب:" المؤمن - 40، وقوله تعالى: "ومن يعمل ~~من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~نقيرا": النساء - 124. # وقد ذم الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات بمثل قوله وهو من أبلغ الذم: ~~"وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون": النحل - 59، ~~ولم يكن تواريهم إلا لعدهم ولادتها عارا على المولود له، وعمدة ذلك أنهم ~~كانوا يتصورون أنها ستكبر فتصير لعبة لغيرها يتمتع بها، وذلك نوع غلبة من ~~الزوج عليها في أمر مستهجن، فيعود عاره إلى بيتها وأبيها، ولذلك كانوا ~~يئدون البنات وقد سمعت السبب الأول فيه فيما مر وقد بالغ الله سبحانه في ~~التشديد ms0702 عليه حيث قال: "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت": التكوير - 9. # وقد بقي من هذه الخرافات بقايا عند المسلمين ورثوها من أسلافهم، ولم يغسل ~~رينها من قلوبهم المربون، فتراهم يعدون الزنا عارا لازما على المرأة وبيتها ~~وإن تابت دون الزاني وإن أصر، مع أن الإسلام قد جمع العار والقبح كله في ~~المعصية، والزاني والزانية سواء فيها. # وأما وزنها الاجتماعي: فإن الإسلام ساوى بينها وبين الرجل من حيث تدبير ~~شئون الحياة بالإرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما ~~تحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لوازم البقاء، وقد ~~قال تعالى: "بعضكم من بعض:" آل عمران - 195، فلها أن تستقل بالإرادة ولها ~~أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجهما كما للرجل ذلك من غير فرق، "لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت". # فهما سواء فيما يراه الإسلام ويحقه القرآن والله يحق الحق بكلماته غير ~~أنه قرر فيها خصلتين ميزها بهما الصنع الإلهي: إحداهما: أنها بمنزلة الحرث ~~في تكون النوع ونمائه فعليها يعتمد النوع في بقائه فتختص من الأحكام بمثل ~~ما يختص به الحرث، وتمتاز بذلك من الرجل. # والثانية أن وجودها مبني على لطافة البنية ورقة الشعور، ولذلك أيضا تأثير ~~في أحوالها والوظائف الاجتماعية المحولة إليها. # فهذا وزنها الاجتماعي، وبذلك يظهر وزن الرجل في المجتمع، وإليه تنحل جميع ~~الأحكام المشتركة بينهما وما يختص به أحدهما في الإسلام، قال تعالى: "ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب ~~مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما:" النساء - 32، ~~يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما ~~اختص به من الفضل، وأن من هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل ~~الرجل على المرأة في سهم الإرث، وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، ~~فلا ينبغي أن يتمناه متمن، ومنه ما لم يتعين إلا بعمل العامل كائنا من كان ~~كفضل الإيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنها الدين، ms0703 ~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واسألوا الله من فضله، والدليل على هذا الذي ~~ذكرنا قوله تعالى بعده: الرجال قوامون، على ما سيجيء بيانه. PageV02P154 # وأما الأحكام المشتركة والمختصة: فهي تشارك الرجل في جميع الأحكام العبادية ~~والحقوق الاجتماعية فلها أن تستقل فيما يستقل به الرجل من غير فرق في إرث ~~ولا كسب ولا معاملة ولا تعليم وتعلم ولا اقتناء حق ولا دفاع عن حق وغير ذلك ~~إلا في موارد يقتضي طباعها ذلك. # وعمدة هذه المورد: أنها لا تتولى الحكومة والقضاء، ولا تتولى القتال ~~بمعنى المقارعة لا مطلق الحضور والإعانة على الأمر كمداواة الجرحى مثلا، ~~ولها نصف سهم الرجل في الإرث، وعليها: الحجاب وستر مواضع الزينة، وعليها: ~~أن تطيع زوجها فيما يرجع إلى التمتع منها، وتدورك ما فاتها بأن نفقتها في ~~الحياة على الرجل: الأب أو الزوج، وأن عليه أن يحمي عنها منتهى ما يستطيعه، ~~وأن لها حق تربية الولد وحضانته. # وقد سهل الله لها أنها محمية النفس والعرض حتى عن سوء الذكر، وأن العبادة ~~موضوعة عنها أيام عادتها ونفاسها، وأنها لازمة الإرفاق في جميع الأحوال. # والمتحصل من جميع ذلك: أنها لا يجب عليها في جانب العلم إلا العلم بأصول ~~المعارف والعلم بالفروع الدينية أحكام العبادات والقوانين الجارية في ~~الاجتماع، وأما في جانب العمل فأحكام الدين وطاعة الزوج فيما يتمتع به ~~منها، وأما تنظيم الحياة - الفردية بعمل أو كسب بحرفة أو صناعة وكذا الورود ~~فيما يقوم به نظام البيت وكذا - المداخلة في ما يصلح المجتمع العام كتعلم ~~العلوم واتخاذ الصناعات والحرف المفيدة - للعامة والنافعة في الاجتماعات مع ~~حفظ الحدود الموضوعة فيها فلا يجب عليها شيء من ذلك، ولازمه أن يكون الورود ~~في جميع هذه الموارد من علم أو كسب أو شغل أو تربية ونحو ذلك كلها فضلا لها ~~تتفاضل به، وفخرا لها تتفاخر به، وقد جوز الإسلام بل ندب إلى التفاخر ~~بينهن، مع أن الرجال نهوا عن التفاخر في غير حال الحرب. # والسنة النبوية تؤيد ما ذكرناه، ولو لا بلوغ الكلام في ms0704 طوله إلى ما لا ~~يسعه هذا المقام لذكرنا طرفا من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مع زوجته خديجة ومع بنته سيدة النساء فاطمة (عليها السلام) ومع نسائه ومع ~~نساء قومه وما وصى به في أمر النساء والمأثور من طريقة أئمة أهل البيت ~~ونسائهم كزينب بنت علي وفاطمة وسكينة بنتي الحسين وغيرهن على جماعتهم ~~السلام، ووصاياهم في أمر النساء. # ولعلنا نوفق لنقل شطر منها في الأبحاث الروائية المتعلقة بآيات النساء ~~فليرجع المراجع إليها. # وأما الأساس الذي بنيت عليه هذه الأحكام والحقوق فهو الفطرة، وقد علم من ~~الكلام في وزنها الاجتماعي كيفية هذا البناء ونزيده هاهنا إيضاحا فنقول: لا ~~ينبغي أن يرتاب الباحث عن أحكام الاجتماع وما يتصل بها من المباحث العلمية ~~أن الوظائف الاجتماعية والتكاليف الاعتبارية المتفرعة عليها يجب انتهاؤها ~~بالأخرة إلى الطبيعة، فخصوصية البنية الطبيعية الإنسانية هي التي هدت ~~الإنسان إلى هذا الاجتماع النوعي الذي لا يكاد يوجد النوع خاليا عنه في ~~زمان، وإن أمكن أن يعرض لهذا الاجتماع المستند إلى اقتضاء الطبيعة ما يخرجه ~~عن مجرى الصحة إلى مجرى الفساد كما يمكن أن يعرض للبدن الطبيعي ما يخرجه عن ~~تمامه الطبيعي إلى نقص الخلقة، أو عن صحته الطبيعية إلى السقم والعاهة. # فالاجتماع بجميع شئونه وجهاته سواء كان اجتماعا فاضلا أو اجتماعا فاسدا ~~ينتهي بالأخرة إلى الطبيعة وإن اختلف القسمان من حيث إن الاجتماع الفاسد ~~يصادف في طريق الانتهاء ما يفسده في آثاره بخلاف الاجتماع الفاضل. # فهذه حقيقة، وقد أشار إليها تصريحا أو تلويحا الباحثون عن هذه المباحث ~~وقد سبقهم إلى بيانه الكتاب الإلهي فبينه بأبدع البيان قال تعالى: "الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:" طه - 50، وقال تعالى: "الذي خلق فسوى والذي قدر ~~فهدى: الأعلى - 3، وقال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقويها": ~~الشمس - 8، إلى غير ذلك من آيات القدر. PageV02P155 # فالأشياء ومن جملتها الإنسان إنما تهتدي في وجودها وحياتها إلى ما خلقت له ~~وجهزت بما يكفيه ويصلح له من الخلقة، والحياة القيمة بسعادة الإنسان هي ~~التي ms0705 تنطبق أعمالها على الخلقة والفطرة انطباقا تاما، وتنتهي وظائفها ~~وتكاليفها إلى الطبيعة انتهاء صحيحا، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ~~"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم:" الروم - 30. # والذي تقتضيه الفطرة في أمر الوظائف والحقوق الاجتماعية بين الأفراد - ~~على أن الجميع إنسان ذو فطرة بشرية - أن يساوي بينهم في الحقوق والوظائف من ~~غير أن يحبا بعض ويضطهد آخرون بإبطال حقوقهم، لكن ليس مقتضى هذه التسوية ~~التي يحكم بها العدل الاجتماعي أن يبذل كل مقام اجتماعي لكل فرد من أفراد ~~المجتمع، فيتقلد الصبي مثلا على صباوته والسفيه على سفاهته ما يتقلده ~~الإنسان العاقل المجرب، أو يتناول الضعيف العاجز ما يتناوله القوي المتقدر ~~من الشئون والدرجات، فإن في تسوية حال الصالح وغير الصالح إفسادا لحالهما معا. # بل الذي يقتضيه العدل الاجتماعي ويفسر به معنى التسوية أن يعطى كل ذي حق ~~حقه وينزل منزلته، فالتساوي بين الأفراد والطبقات إنما هو في نيل كل ذي حق ~~خصوص حقه من غير أن يزاحم حق حقا، أو يهمل أو يبطل حق بغيا أو تحكما ونحو ~~ذلك، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة الآية، كما مر بيانه، فإن الآية تصرح بالتساوي في عين ~~تقرير الاختلاف بينهن وبين الرجال. # ثم إن اشتراك القبيلين أعني الرجال والنساء في أصول المواهب الوجودية ~~أعني، الفكر والإرادة المولدتين للاختيار يستدعي اشتراكها مع الرجل في حرية ~~الفكر والإرادة أعني الاختيار، فلها الاستقلال بالتصرف في جميع شئون حياتها ~~الفردية والاجتماعية عدا ما منع عنه مانع وقد أعطاها الإسلام هذا الاستقلال ~~والحرية على أتم الوجوه كما سمعت فيما تقدم، فصارت بنعمة الله سبحانه ~~مستقلة بنفسها منفكة الإرادة والعمل عن الرجال وولايتهم وقيمومتهم، واجدة ~~لما لم يسمح لها به الدنيا في جميع أدوارها وخلت عنه صحائف تاريخ وجودها، ~~قال تعالى: "فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف" الآية،: البقرة - 234. # لكنها مع وجود العوامل المشتركة المذكورة ms0706 في وجودها تختلف مع الرجال من ~~جهة أخرى، فإن المتوسطة من النساء تتأخر عن المتوسط من الرجال في الخصوصيات ~~الكمالية من بنيتها كالدماغ والقلب والشرائين والأعصاب والقامة والوزن على ~~ما شرحه فن وظائف الأعضاء، واستوجب ذلك أن جسمها ألطف وأنعم كما أن جسم ~~الرجل أخشن وأصلب، وأن الإحساسات اللطيفة كالحب ورقة القلب والميل إلى ~~الجمال والزينة أغلب عليها من الرجل كما أن التعقل أغلب عليه من المرأة، ~~فحياتها حياة إحساسية كما أن حياة الرجل حياة تعقلية. # ولذلك فرق الإسلام بينهما في الوظائف والتكاليف العامة الاجتماعية التي ~~يرتبط قوامها بأحد الأمرين أعني التعقل، والإحساس، فخص مثل الولاية والقضاء ~~والقتال بالرجال لاحتياجها المبرم إلى التعقل والحياة التعقلية إنما هي ~~للرجل دون المرأة، وخص مثل حضانة الأولاد وتربيتها وتدبير المنزل بالمرأة، ~~وجعل نفقتها على الرجل، وجبر ذلك له بالسهمين في الإرث وهو في الحقيقة ~~بمنزلة أن يقتسما الميراث نصفين ثم تعطى المرأة ثلث سهمها للرجل في مقابل ~~نفقتها أي للانتفاع بنصف ما في يده فيرجع بالحقيقة إلى أن ثلثي المال في ~~الدنيا للرجال ملكا وعينا وثلثيها للنساء انتفاعا فالتدبير الغالب إنما هو ~~للرجال لغلبة تعقلهم، والانتفاع والتمتع الغالب للنساء لغلبة إحساسهن. # وسنزيده إيضاحا في الكلام على آيات الإرث إن شاء الله تعالى ثم تمم ذلك ~~بتسهيلات وتخفيفات في حق المرأة مرت الإشارة إليها. # فإن قلت: ما ذكر من الإرفاق البالغ للمرأة في الإسلام يوجب انعطالها في ~~العمل فإن ارتفاع الحاجة الضرورية إلى لوازم الحياة بتخديرها، وكفاية ~~مئونتها بإيجاب الإنفاق على الرجل يوجب إهمالها وكسلها وتثاقلها عن تحمل ~~مشاق الأعمال والأشغال فتنمو على ذلك نماء رديا وتنبت نباتا سيئا غير صالح ~~لتكامل الاجتماع، وقد أيدت التجربة ذلك. PageV02P156 # قلت: وضع القوانين المصلحة لحال البشر أمر، وإجراء ذلك بالسيرة الصالحة ~~والتربية الحسنة التي تنبت الإنسان نباتا حسنا أمر آخر، والذي أصيب به ~~الإسلام في مدة سيرها الماضي هو فقد الأولياء الصالحين والقوام المجاهدين ~~فارتدت بذلك أنفاس الأحكام، وتوقفت التربية ثم رجعت القهقرى. # ومن أوضح ما أفاده ms0707 التجارب القطعي: أن مجرد النظر والاعتقاد لا يثمر أثره ~~ما لم يثبت في النفس بالتبليغ والتربية الصالحين، والمسلمون في غير برهة ~~يسيرة لم يستفيدوا من الأولياء المتظاهرين بولايتهم القيمين بأمورهم تربية ~~صالحة يجتمع فيها العلم والعمل، فهذا معاوية، يقول على منبر العراق حين غلب ~~على أمر الخلافة ما حاصله: إني ما كنت أقاتلكم لتصلوا أو تصوموا فذلك إليكم ~~وإنما كنت أقاتلكم لأتأمر عليكم وقد فعلت، وهذا غيره من الأمويين ~~والعباسيين فمن دونهم. # ولو لا استضاءة هذا الدين بنور الله الذي لا يطفأ والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون لقضي عليه منذ عهد قديم. # حرية المرأة في المدنية الغربية # لا شك أن الإسلام له التقدم الباهر في إطلاقها عن قيد الإسارة، وإعطائها ~~الاستقلال في الإرادة والعمل، وأن أمم الغرب فيما صنعوا من أمرها إنما ~~قلدوا الإسلام - وإن أساءوا التقليد والمحاذاة - فإن سيرة الإسلام حلقة ~~بارزة مؤثرة أتم التأثير في سلسلة السير الاجتماعية وهي متوسطة متخللة، ومن ~~المحال أن يتصل ذيل السلسلة بصدرها دونها. # وبالجملة فهؤلاء بنوا على المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الحقوق ~~في هذه الأزمنة بعد أن اجتهدوا في ذلك سنين مع ما في المرأة من التأخر ~~الكمالي بالنسبة إلى الرجل كما سمعت إجماله. # والرأي العام عندهم تقريبا: أن تأخر المرأة في الكمال والفضيلة مستند إلى ~~سوء التربية التي دامت عليها ومكثت قرونا لعلها تعادل عمر الدنيا مع تساوي ~~طباعها طباع الرجل. # ويتوجه عليه: أن الاجتماع منذ أقدم عهود تكونه قضى على تأخرها عن الرجل ~~في الجملة، ولو كان الطباعان متساويين لظهر خلافه ولو في بعض الأحيان ~~ولتغيرت خلقة أعضائها الرئيسة وغيرها إلى مثل ما في الرجل. # ويؤيد ذلك أن المدنية الغربية مع غاية عنايتها في تقديم المرأة ما قدرت ~~بعد على إيجاد التساوي بينهما، ولم يزل الإحصاءات في جميع ما قدم الإسلام ~~فيه الرجل على المرأة كالولاية والقضاء والقتال تقدم الرجال وتؤخر النساء، ~~وأما ما الذي أورثته هذه التسوية في هيكل الاجتماع الحاضر فسنشرح ما تيسر ~~لنا منه ms0708 في محله إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث علمي آخر # عمل النكاح من أصول الأعمال الاجتماعية، والبشر منذ أول تكونه وتكثره حتى ~~اليوم لم يخل عن هذا العمل الاجتماعي، وقد عرفت أن هذه الأعمال لا بد لها ~~من أصل طبيعي ترجع إليه ابتداء أو بالأخرة. # وقد وضع الإسلام هذا العمل عند تقنينه على أساس خلقه الفحولة والأناس إذ ~~من البين أن هذا التجهيز المتقابل الموجود في الرجل والمرأة - وهو تجهيز ~~دقيق يستوعب جميع بدن الذكور والإناث - لم يوضع هباء باطلا، ومن البين عند ~~كل من أجاد التأمل أن طبيعة الإنسان الذكور في تجهيزها لا تريد إلا الإناث ~~وكذا العكس، وأن هذا التجهيز لا غاية له إلا توليد المثل وإبقاء النوع ~~بذلك، فعمل النكاح يبتني على هذه الحقيقة وجميع الأحكام المتعلقة به تدور ~~مدارها، ولذلك وضع التشريع على ذلك أي على البضع، ووضع عليه أحكام العفة ~~والمواقعة واختصاص الزوجة بالزوج وأحكام الطلاق والعدة والأولاد والإرث ~~ونحو ذلك. # وأما القوانين الآخر الحاضرة فقد وضعت أساس النكاح على تشريك الزوجين ~~مساعيهما في الحياة، فالنكاح نوع اشتراك في العيش هو أضيق دائرة من ~~الاجتماع البلدي ونحو ذلك، ولذلك لا ترى القوانين الحاضرة متعرضة لشيء مما ~~تعرض له الإسلام من أحكام العفة ونحو ذلك. PageV02P157 # وهذا البناء على ما يتفرع عليه من أنواع المشكلات والمحاذير الاجتماعية على ~~ما سنبين إن شاء الله العزيز لا ينطبق على أساس الخلقة والفطرة أصلا، فإن ~~غاية ما نجده في الإنسان من الداعي الطبيعي إلى الاجتماع وتشريك المساعي هو ~~أن بنيته في سعادة حياته تحتاج إلى أمور كثيرة وأعمال شتى لا يمكنه وحده أن ~~يقوم بها جميعا إلا بالاجتماع والتعاون فالجميع يقوم بالجميع، والأشواق ~~الخاصة المتعلق كل واحد منها بشغل من الأشغال ونحو من أنحاء الأعمال متفرقة ~~في الأفراد يحصل من مجموعها مجموع الأشغال والأعمال. # وهذا الداعي إنما يدعو إلى الاجتماع والتعاون بين الفرد والفرد أيا ما ~~كانا، وأما الاجتماع الكائن من رجل وامرأة فلا دعوة من هذا الداعي بالنسبة ~~إليه، ms0709 فبناء - الازدواج على أساس التعاون الحيوي انحراف عن صراط الاقتضاء ~~الطبيعي للتناسل والتوالد إلى غيره مما لا دعوة من الطبيعة والفطرة بالنسبة إليه. # ولو كان الأمر على هذا، أعني وضع الازدواج على أساس التعاون والاشتراك في ~~الحياة كان من اللازم أن لا يختص أمر الازدواج من الأحكام الاجتماعية بشيء ~~أصلا إلا الأحكام العامة الموضوعة لمطلق الشركة والتعاون، وفي ذلك إبطال ~~فضيلة العفة رأسا وإبطال أحكام الأنساب والمواريث كما التزمته الشيوعية، ~~وفي ذلك إبطال جميع الغرائز الفطرية التي جهز بها الذكور والإناث من ~~الإنسان، وسنزيده إيضاحا في محل يناسبه إن شاء الله، هذا إجمال الكلام في ~~النكاح، وأما الطلاق فهو من مفاخر هذه الشريعة الإسلامية، وقد وضع جوازه ~~على الفطرة إذ لا دليل من الفطرة يدل على المنع عنه، وأما خصوصيات القيود ~~المأخوذة في تشريعه فسيجيء الكلام فيها في سورة الطلاق إن شاء الله العزيز. # وقد اضطرت الملل المعظمة اليوم إلى إدخاله في قوانينهم المدنية بعد ما لم يكن. PageV02P158 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 243 # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ~~ثم أحيهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (243) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، ~~الرؤية هاهنا بمعنى العلم، عبر بذلك لدعوى ظهوره بحيث يعد فيه العلم رؤية ~~فهو كقوله تعالى: "ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق": إبراهيم - ~~19، وقوله تعالى: "ألم تر كيف خلق الله سبع سموات طباقا:" نوح - 15. # وقد ذكر الزمخشري أن لفظ ألم تر جرى مجرى المثل، يؤتى به في مقام التعجيب ~~فقولنا: ألم تر كذا وكذا معناه ألا تعجب لكذا وكذا، وحذر الموت مفعول له، ~~ويمكن أن يكون مفعولا مطلقا والتقدير يحذرون الموت حذرا. # قوله تعالى: فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، الأمر تكويني ولا ينافي كون ~~موتهم واقعا عن مجرى طبيعي كما ورد في الروايات: أن ذلك كان بالطاعون، ~~وإنما عبر بالأمر، دون ms0710 أن يقال: فأماتهم الله ثم أحياهم ليكون أدل على نفوذ ~~القدرة وغلبة الأمر، فإن التعبير بالإنشاء في التكوينيات أقوى وآكد من ~~التعبير بالإخبار كما أن التعبير بصورة الإخبار الدال على الوقوع في ~~التشريعيات أقوى وآكد من الإنشاء، ولا يخلو قوله تعالى: ثم أحياهم عن ~~الدلالة على أن الله أحياهم ليعيشوا فعاشوا بعد حياتهم، إذ لو كان إحياؤهم ~~لعبرة يعتبر بها غيرهم أو لإتمام حجة أو لبيان حقيقة لذكر ذلك على ما هو ~~دأب القرآن في بلاغته كما في قصة أصحاب الكهف، على أن قوله تعالى بعد: إن ~~الله لذو فضل على الناس، يشعر بذلك أيضا. # قوله تعالى: ولكن أكثر الناس لا يشكرون، الإظهار في موضع الإضمار أعني ~~تكرار لفظ الناس ثانيا لما فيه من الدلالة على انخفاض سطح أفكارهم، على أن ~~هؤلاء الذين تفضل الله عليهم بالإحياء طائفة خاصة، وليس المراد كون الأكثر ~~منهم بعينهم غير شاكرين بل الأكثر من جميع الناس، وهذه الآية لا تخلو عن ~~مناسبة ما مع ما بعدها من الآيات المتعرضة لفرض القتال، لما في الجهاد من ~~إحياء الملة بعد موتها. # وقد ذكر بعض المفسرين أن الآية مثل ضربه الله لحال الأمة في تأخرها ~~وموتها باستخزاء الأجانب إياها ببسط السلطة والسيطرة عليها، ثم حياتها ~~بنهضتها ودفاعها عن حقوقها الحيوية واستقلالها في حكومتها على نفسها. # قال ما حاصله: إن الآية لو كانت مسوقة لبيان قصة من قصص بني إسرائيل كما ~~يدل عليه أكثر الروايات أو غيرهم كما في بعضها لكان من الواجب الإشارة إلى ~~كونهم من بني إسرائيل، وإلى النبي الذي أحياهم كما هو دأب القرآن في سائر ~~قصصه مع أن الآية خالية عن ذلك على أن التوراة أيضا لم تتعرض لذلك في قصص ~~حزقيل النبي على نبينا وآله وعليه السلام فليست الروايات إلا من ~~الإسرائيليات التي دستها اليهود، مع أن الموت والحياة الدنيويتين ليستا إلا ~~موتا واحدا أو حياة واحدة كما يدل عليه قوله تعالى: "لا يذوقون فيها الموت ~~إلا الموتة الأولى:" الدخان - 56، وقوله تعالى: "وأحييتنا ms0711 اثنتين": المؤمن ~~- 11، فلا معنى لحياتين في الدنيا هذا، فالآية مسوقة سوق المثل، والمراد ~~بها قوم هجم عليهم أولوا القدرة والقوة من أعدائهم باستذلالهم واستخزائهم ~~وبسط السلطة فيهم والتحكم عليهم فلم يدافعوا عن استقلالهم، وخرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف لهم كثرة وعزيمة حذر الموت، فقال لهم الله موتوا موت الخزي ~~والجهل، فإن الجهل والخمود موت كما أن العلم وإباء الضيم حياة، قال تعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم:" الأنفال ~~- 24، وقال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:" الأنعام - 122. PageV02P159 # وبالجملة فهؤلاء يموتون بالخزي وتمكن الأعداء منهم ويبقون أمواتا، ثم ~~أحياهم الله بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحق فيهم، فقاموا بحقوق أنفسهم ~~واستقلوا في أمرهم، وهؤلاء الذين أحياهم الله وإن كانوا بحسب الأشخاص غير ~~الذين أماتهم الله إلا أن الجميع أمة واحدة ماتت في حين وحييت في حين بعد ~~حين، وقد عد الله تعالى القوم واحدا مع اختلاف الأشخاص كقوله تعالى في بني ~~إسرائيل: "أنجيناكم من آل فرعون": الأعراف - 141، وقوله تعالى: "ثم بعثناكم ~~من بعد موتكم": البقرة - 56، ولو لا ما ذكرناه من كون الآية مسوقا للتمثيل ~~لم يستقم ارتباط الآية بما يتلوها من آيات القتال وهو ظاهر، انتهى ما ذكره ملخصا. # وهذا الكلام كما ترى مبني أولا: على إنكار المعجزات وخوارق العادات أو ~~بعضها كإحياء الموتى وقد مر إثباتها، على أن ظهور القرآن في إثبات خرق ~~العادة بإحياء الموتى ونحو ذلك مما لا يمكن إنكاره ولو لم يسع لنا إثبات ~~صحته من طريق العقل. # وثانيا: على دعوى أن القرآن يدل على امتناع أكثر من حياة واحدة في الدنيا ~~كما استدل بمثل قوله تعالى: "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى:" ~~الدخان - 56، وقوله تعالى: "أحييتنا اثنتين": المؤمن - 11. # وفيه أن جميع الآيات الدالة على إحياء الموتى كما في قصص إبراهيم وموسى ~~وعيسى وعزير، بحيث لا تدفع دلالتها، يكفي في رد ما ذكره، على أن الحياة ~~الدنيا لا ms0712 تصير بتخلل الموت حياتين كما يستفاد أحسن الاستفادة من قصة عزير، ~~حيث لم يتنبه لموته الممتد، والمراد بما أورده من الآيات الدالة على نوع ~~الحياة. # وثالثا: على أن الآية لو كانت مسوقة لبيان القصة لتعرضت لتعيين قومهم ~~وتشخيص النبي الذي أحياهم. # وأنت تعلم أن مذاهب البلاغة مختلفة متشتتة، والكلام كما ربما يجري مجرى ~~الإطناب كذلك يجري مجرى الإيجاز، وللآية نظائر في القرآن كقوله تعالى: "قتل ~~أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود": البروج - 7، وقوله تعالى: "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون": الأعراف - 181. # ورابعا: على أن الآية لو لم تحمل على التمثيل لم ترتبط بما بعدها من ~~الآيات بحسب المعنى، وأنت تعلم أن نزول القرآن نجوما يغني عن كل تكلف بارد ~~في ربط الآيات بعضها ببعض إلا ما كان منها ظاهر الارتباط، بين الاتصال على ~~ما هو شأن الكلام البليغ. # فالحق أن الآية كما هو ظاهرها مسوقة لبيان القصة، وليت شعري أي بلاغة في ~~أن يلقي الله سبحانه للناس كلاما لا يرى أكثر الناظرين فيه إلا أنه قصة من ~~قصص الماضين، وهو في الحقيقة تمثيل مبني على التخييل من غير حقيقة. # مع أن دأب كلامه تعالى على تمييز المثل عن غيره في جميع الأمثال الموضوعة ~~فيه بنحو قوله: "مثلهم كمثل الذي": البقرة - 17، وقوله: "إنما مثل الحياة ~~الدنيا": يونس - 24، وقوله: "مثل الذين حملوا": الجمعة - 5، إلى غير ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في الإحتجاج، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام): أحيا ~~الله قوما خرجوا من أوطانهم هاربين من الطاعون، لا يحصى عددهم، فأماتهم ~~الله دهرا طويلا حتى بليت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، وصاروا ترابا، فبعث الله ~~في وقت أحب أن يرى خلقه نبيا يقال له: حزقيل، فدعاهم فاجتمعت أبدانهم، ~~ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم ماتوا، لا يفتقدون في أعدادهم رجلا ~~فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا. # أقول: وروى هذا المعنى الكليني والعياشي بنحو أبسط، وفي آخره: وفيهم نزلت ~~هذه الآية. PageV02P160 ### ||| AUTO 2 سورة ms0713 البقرة - 244 - 252 # وقتلوا فى سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا الذى يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ~~(245) ألم تر إلى الملا من بنى إسرءيل من بعد موسى إذ قالوا لنبى لهم ابعث ~~لنا ملكا نقتل فى سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديرنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظلمين (246) وقال لهم ~~نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة ~~فى العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله وسع عليم (247) وقال لهم ~~نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك ءال ~~موسى وءال هرون تحمله الملئكة إن فى ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين (248) ~~فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن ~~لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما ~~جاوزه هو والذين ءامنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصبرين (249) ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل ~~داود جالوت وءاتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولو لا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العلمين (251) تلك ءايت ~~الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) PageV02P161 ### |||| AUTO بيان # الاتصال البين بين الآيات أعني الارتباط الظاهر بين فرض القتال، والترغيب ~~في القرض الحسن، والمعنى المحصل من قصة طالوت وداود وجالوت يعطي أن هذه ~~الآيات نزلت دفعة واحدة، والمراد بيان ما ms0714 للقتال من شئون الحياة، والروح ~~الذي به تقدم الأمة في حياتهم الدينية، والدنيوية، وسعادتهم الحقيقية، يبين ~~سبحانه فيها فرض الجهاد، ويدعو إلى الإنفاق والبذل في تجهيز المؤمنين ~~وتهيئة العدة والقوة، وسماه إقراضا لله لكونه في سبيله، مع ما فيه من كمال ~~الاسترسال والإيذان بالقرب، ثم يقص قصة طالوت وجالوت وداود ليعتبر بها ~~هؤلاء المؤمنون المأمورون بالقتال مع أعداء الدين ويعلموا أن الحكومة ~~والغلبة للإيمان والتقوى وإن قل حاملوهما، والخزي والفناء للنفاق والفسق ~~وإن كثر جمعهما، فإن بني إسرائيل، وهم أصحاب القصة، كانوا أذلاء مخزيين ما ~~داموا على الخمود والكسل والتواني، فلما قاموا لله وقاتلوا في سبيل الله ~~واستظهروا بكلمة الحق وإن كان الصادق منهم في قوله القليل منهم، وتولى ~~أكثرهم عند إنجاز القتال أولا، وبالاعتراض على طالوت ثانيا، وبالشرب من ~~النهر ثالثا، وبقولهم: لا طاقة لنا بجالوت وجنوده رابعا، نصرهم الله تعالى ~~على عدوهم فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت واستقر الملك فيهم، وعادت ~~الحياة إليهم، ورجع إليهم سؤددهم وقوتهم، ولم يكن ذلك كله إلا لكلمة أجراها ~~الإيمان والتقوى على لسانهم لما برزوا لجالوت وجنوده، وهي قولهم: ربنا أفرغ ~~علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فكذلك ينبغي للمؤمنين ~~أن يسيروا بسيرة الصالحين من الماضين، فهم الأعلون إن كانوا مؤمنين. # قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الآية، فرض وإيجاب للجهاد، وقد قيده ~~تعالى هاهنا وسائر المواضع من كلامه بكونه في سبيل الله لئلا يسبق إلى ~~الوهم ولا يستقر في الخيال أن هذه الوظيفة الدينية المهمة لإيجاد السلطة ~~الدنيوية الجافة، وتوسعة المملكة الصورية، كما تخيله الباحثون اليوم في ~~التقدم الإسلامي من الاجتماعيين وغيرهم، بل هو لتوسعة سلطة الدين التي فيها ~~صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم. # وفي قوله تعالى: واعلموا أن الله سميع عليم، تحذير للمؤمنين في سيرهم هذا ~~السير أن لا يخالفوا بالقول إذا أمر الله ورسوله بشيء، ولا يضمروا نفاقا ~~كما كان ذلك من بني إسرائيل حيث تكلموا في أمر طالوت فقالوا: أنى يكون له ~~الملك علينا "إلخ"، وحيث ms0715 قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وحيث ~~فشلوا وتولوا لما كتب عليهم القتال وحيث شربوا من النهر بعد ما نهاهم طالوت ~~عن شربه. # قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا إلى قوله أضعافا كثيرة، ~~القرض معروف وقد عد الله سبحانه ما ينفقونه في سبيله قرضا لنفسه لما مر أنه ~~للترغيب، ولأنه إنفاق في سبيله، ولأنه مما سيرد إليهم أضعافا مضاعفة. # وقد غير سياق الخطاب من الأمر إلى الاستفهام فقيل بعد قوله: وقاتلوا في ~~سبيل الله: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا، ولم يقل: قاتلوا في سبيل الله ~~وأقرضوا، لينشط بذلك ذهن المخاطب بالخروج من حيز الأمر غير الخالي من كلفة ~~التكليف إلى حيز الدعوة والندب فيستريح بذلك ويتهيج. # قوله تعالى: والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون، - القبض - الأخذ بالشيء إليك ~~ويقابله البسط، و- البصط - هو البسط قلب سينه صادا لمجاورته حرف الإطباق ~~والتفخيم وهو الطاء. # وإيراد صفاته الثلاثة أعني: كونه قابضا وباسطا ومرجعا يرجعون إليه ~~للإشعار بأن ما أنفقوه بإقراضه تعالى لا يعود باطلا ولا يستبعد تضعيفه ~~أضعافا كثيرة فإن الله هو القابض الباسط، ينقص ما شاء، ويزيد ما شاء، وإليه ~~يرجعون فيوفيهم ما أقرضوه أحسن التوفية. # قوله تعالى: ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل إلى قوله: في سبيل الله، - ~~الملأ - كما قيل: الجماعة من الناس على رأي واحد، سميت بالملإ لكونها تملأ ~~العيون عظمة وأبهة. PageV02P162 # وقولهم لنبيهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، على ما يعطيه السياق يدل ~~على أن الملك المسمى بجالوت كان قد تملكهم، وسار فيهم بما افتقدوا به جميع ~~شئون حياتهم المستقلة من الديار والأولاد بعد ما كان الله أنجاهم من آل ~~فرعون، يسومونهم سوء العذاب ببعثة موسى وولايته وولاية من بعده من أوصيائه، ~~وبلغ من اشتداد الأمر عليهم ما انتبه به الخامد من قواهم الباطنة، وعاد إلى ~~أنفسهم العصبية الزائلة المضعفة فعند ذلك سأل الملأ منهم نبيهم أن يبعث لهم ~~ملكا ليرتفع به اختلاف الكلمة من بينهم وتجتمع به قواهم المتفرقة ms0716 الساقطة ~~عن التأثير، ويقاتلوا تحت أمره في سبيل الله. # قوله تعالى: قال: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، كان بنو ~~إسرائيل سألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله وليس ذلك ~~للنبي بل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه، ولذلك أرجع نبيهم الأمر في القتال ~~وبعث الملك إلى الله تعالى، ولم يصرح باسمه تعظيما لأن الذي أجابهم به هو ~~السؤال عن مخالفتهم وكانت مرجوة منهم ظاهرة من حالهم بوحيه تعالى فنزه اسمه ~~تعالى من التصريح به بل إنما أشار إلى أن الأمر منه وإليه تعالى بقوله: إن ~~كتب، و- الكتابة - وهي الفرض إنما تكون من الله تعالى. # وقد كانت المخالفة والتولي عن القتال مرجوا منهم لكنه أورده بطريق ~~الاستفهام ليتم الحجة عليهم بإنكارهم فيما سيجيبون به من قولهم: وما لنا أن ~~لا نقاتل في سبيل الله. # قوله تعالى: قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا، - ~~الإخراج - من البلاد لما كان ملازما للتفرقة بينهم وبين أوطانهم المألوفة، ~~ومنعهم عن التصرف فيها والتمتع بها، كني به عن مطلق التصرف والتمتع، ولذلك ~~نسب الإخراج إلى الأبناء أيضا كما نسب إلى البلاد. # قوله تعالى: فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم ~~بالظالمين، تفريع على قول نبيهم: هل عسيتم "إلخ"، وقولهم: وما لنا أن لا ~~نقاتل، وفي قوله تعالى: والله عليم بالظالمين، دلالة على أن قول نبيهم لهم: ~~هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، إنما كان لوحي من الله سبحانه: ~~أنهم سيتولون عن القتال. # قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث إلى قوله: من المال في جوابه ~~(عليه السلام) هذا حيث نسب بعث الملك إلى الله تنبيه بما فات منهم إذ قالوا ~~لنبيهم ابعث لنا ملكا نقاتل ولم يقولوا: اسأل الله أن يبعث لنا ملكا ويكتب ~~لنا القتال. # وبالجملة التصريح باسم طالوت هو الذي أوجب منهم الاعتراض على ملكه وذلك ~~لوجود صفتين فيه كانتا تنافيان عندهم الملك، وهما ما حكاهما ms0717 الله تعالى من ~~قولهم أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ومن المعلوم أن قولهم ~~هذا لنبيهم، ولم يستدلوا على كونهم أحق بالملك منه بشيء يدل على أن دليله ~~كان أمرا بينا لا يحتاج إلى الذكر، وليس إلا أن بيت النبوة وبيت الملك في ~~بني إسرائيل وهما بيتان مفتخران بموهبة النبوة والملك كانتا غير البيت الذي ~~كان منه طالوت، وبعبارة أخرى لم يكن طالوت من بيت الملك ولا من بيت النبوة ~~ولذلك اعترضوا على ملكه بأنى، وهم أهل بيت الملك أو الملك والنبوة معا، أحق ~~بالملك منه لأن الله جعل الملك فينا فكيف يقبل الانتقال إلى غيرنا، وهذا ~~الكلام منهم من فروع قولهم بنفي البداء وعدم جواز النسخ والتغيير حيث ~~قالوا: يد الله مغلولة غلت أيديهم، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: إن الله ~~اصطفاه عليكم فهذه إحدى الصفتين المنافيتين للملك عندهم، والصفة الثانية ما ~~في قولهم: ولم يؤت سعة من المال وقد كان طالوت فقيرا، وقد أجاب عنه نبيهم ~~بقوله: وزاده بسطة في العلم والجسم "إلخ". # قوله تعالى: قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، ~~الاصطفاء والاستصفاء - الاختيار وأصله الصفو، و- البسطة - هي السعة ~~والقدرة، وهذان جوابان عن اعتراضهم. # أما اعتراضهم بكونهم أحق بالملك من طالوت لشرف بيتهم، فجوابه: أن هذه ~~مزية كان الله سبحانه خص بيتهم بها وإذا اصطفى عليهم غيرهم كان أحق بالملك ~~منهم، وكان الشرف والتقدم لبيته على بيوتهم ولشخصه على أشخاصهم، فإنما ~~الفضل يتبع تفضيله تعالى. PageV02P163 # وأما اعتراضهم بأنه لم يؤت سعة من المال، فجوابه: أن الملك وهو استقرار ~~السلطة على مجتمع من الناس حيث كان الغرض الوحيد منه أن يتلاءم الإرادات ~~المتفرقة من الناس وتجتمع تحت إرادة واحدة وتتحد الأزمة باتصالها بزمام ~~واحد فيسير بذلك كل فرد من أفراد المجتمع طريق كماله اللائق به فلا يزاحم ~~بذلك فرد فردا، ولا يتقدم فرد من غير حق، ولا يتأخر فرد من غير حق. # وبالجملة الغرض من الملك أن يدبر صاحبه المجتمع تدبيرا يوصل ms0718 كل فرد من ~~أفراده إلى كماله اللائق به، ويدفع كل ما يمانع ذلك، والذي يلزم وجوده في ~~نيل هذا المطلوب أمران: أحدهما: العلم بجميع مصالح حياة الناس ومفاسدها، ~~وثانيهما: القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة، وهما اللذان ~~يشير إليهما قوله تعالى: وزاده بسطة في العلم والجسم، وأما سعة المال فعده ~~من مقومات الملك من الجهل. # ثم جمع الجميع تحت حجة واحدة ذكرها بقوله تعالى: والله يؤتي ملكه من ~~يشاء، وهو أن الملك لله وحده ليس لأحد فيه نصيب إلا ما آتاه الله سبحانه ~~منه وهو مع ذلك لله كما يفيده الإضافة في قوله تعالى، يؤتي ملكه، وإذا كان ~~كذلك فله تعالى التصرف في ملكه كيف شاء وأراد، ليس لأحد أن يقول: لما ذا أو ~~بما ذا أي أن يسأل عن علة التصرف لأن الله تعالى هو السبب المطلق، ولا عن ~~متمم العلية وأداة الفعل لأن الله تعالى تام لا يحتاج إلى متمم فلا ينبغي ~~السؤال عن نقل الملك من بيت إلى بيت، أو تقليده أحدا ليس له أسبابه الظاهرة ~~من الجمع والمال. # والإيتاء والإفاضة الإلهية وإن كانت كيف شاء ولمن شاء غير أنها مع ذلك لا ~~تقع جزافا خالية عن الحكم والمصالح، فإن المقصود من قولنا: إنه تعالى يفعل ~~ما يشاء، ويؤتي الملك من يشاء ونظائر ذلك ليس أن الله سبحانه لا يراعي في ~~فعله جانب المصلحة أو أنه يفعل فعلا فإن اتفق أن صادف المصلحة فقد صادف وإن ~~لم يصادف فقد صار جزافا ولا محذور لأن الملك له فله أن يفعل ما يشاء هذا، ~~فإن هذا مما يبطله الظواهر الدينية والبراهين العقلية. # بل المقصود بذلك: أن الله سبحانه حيث ينتهي إليه كل خلق وأمر فالمصالح ~~وجهات الخير مثل سائر الأشياء مخلوقة له تعالى، وإذا كان كذلك لم يكن الله ~~سبحانه في فعله مقهورا لمصلحة من المصالح محكوما بحكمها، كما أننا في ~~أفعالنا كذلك، فإذا فعل سبحانه فعلا أو خلق خلقا ولا يفعل إلا الجميل، ولا ~~يخلق ms0719 إلا الحسن كان فعله ذا مصلحة مرعيا فيه صلاح العباد غير أنه تعالى غير ~~محكوم ولا مقهور للمصلحة. # ومن هنا صح اجتماع هذا التعليل مع ما تقدمه، أعني اجتماع قوله تعالى: ~~والله يؤتي ملكه من يشاء، مع قوله تعالى: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة ~~في العلم والجسم، فإن الحجة الأولى مشتملة على التعليل بالمصالح والأسباب، ~~والحجة الثانية على إطلاق الملك الذي يفعل ما يشاء، ولو لا أن إطلاق الملك ~~وكونه تعالى يفعل ما يشاء لا ينافي كون أفعاله مقارنة للمصالح والحكم لم ~~يصح الجمع بين الكلامين فضلا عن تأييد أحدهما أو تتميمه بالآخر. # وقد أوضح هذا المعنى أحسن الإيضاح تذييل الآية بقوله تعالى: والله واسع ~~عليم فإن الواسع يدل على عدم ممنوعيته تعالى عن فعل وإيتاء أصلا والعليم ~~يدل على أن فعله تعالى فعل يقع عن علم ثابت غير مخطىء فهو سبحانه يفعل كل ~~ما يشاء ولا يفعل إلا فعلا ذا مصلحة. # و- الوسعة والسعة - في الأصل حال في الجسم به يقبل أشياء أخر من حيث ~~التمكن كسعة الإناء لما يصب فيه، والصندوق لما يوضع فيه، والدار لمن يحل ~~فيها ثم استعير للغني ولكن لا كل غني ومن كل جهة، بل من جهة إمكان البذل ~~معه كان المال يسع بذل ما أريد بذله وبهذا المعنى يطلق عليه سبحانه، فهو ~~سبحانه واسع أي غني لا يعجزه بذل ما أراد بذله بل يقدر على ذلك. # قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ~~ربكم، التابوت - هو الصندوق، وهو على ما قيل فعلوت من التوب بمعنى الرجوع ~~لأن الإنسان يرجع إلى الصندوق رجوعا بعد رجوع. # كلام في معنى السكينة PageV02P164 والسكينة من السكون خلاف الحركة وتستعمل في سكون القلب وهو استقرار الإنسان ~~وعدم اضطراب باطنه في تصميم إرادته على ما هو حال الإنسان الحكيم من الحكمة ~~باصطلاح فن الأخلاق صاحب العزيمة في أفعاله، والله سبحانه جعلها من خواص ~~الإيمان في مرتبة كماله، وعدها من مواهبه السامية. # بيان ذلك: ms0720 أن الإنسان بغريزته الفطرية يصدر أفعاله عن التعقل، وهو تنظيم ~~مقدمات عقلية مشتملة على مصالح: الأفعال، وتأثيرها في سعادته في حياته ~~والخير المطلوب في اجتماعه، ثم استنتاج ما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن يتركه. # وهذا العمل الفكري إذا جرى الإنسان على أسلوب فطرته ولم يقصد إلا ما ~~ينفعه نفعا حقيقيا في سعادته يجري على قرار من النفس وسكون من الفكر من غير ~~اضطراب وتزلزل، وأما إذا أخلد الإنسان في حياته إلى الأرض واتبع الهوى ~~اختلط عليه الأمر، وداخل الخيال بتزييناته وتنميقاته في أفكاره وعزائمه ~~فأورث ذلك انحرافه عن سنن الصواب تارة، وتردده واضطرابه في عزمه وتصميم ~~إرادته وإقدامه على شدائد الأمور وهزاهزها أخرى. # والمؤمن بإيمانه بالله تعالى مستند إلى سناد لا يتحرك وركن لا ينهدم. # بانيا أموره على معارف حقة لا تقبل الشك والريب، مقدما في أعماله عن ~~تكليف إلهي لا يرتاب فيها، ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته، أو يحزن ~~لفقده، أو يضطرب في تشخيص خيره من شره. # وأما غير المؤمن فلا ولي له يتولى أمره، بل خيره وشره يرجعان إليه نفسه ~~فهو واقع في ظلمات هذه الأفكار التي تهجم عليه من كل جانب من طريق الهوى ~~والخيال والإحساسات المشئومة، قال تعالى: "والله ولي المؤمنين": آل عمران - ~~68، وقال تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم:" محمد - 11، وقال تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات:" ~~البقرة - 257، وقال تعالى: "إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون:" ~~الأعراف - 27، وقال تعالى: "ذلكم الشيطان يخوف أولياءه:" آل عمران - 175، ~~وقال تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة:" ~~البقرة - 268، وقال تعالى: "ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر ~~خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا - إلى أن قال - ~~وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا:" النساء - 122، وقال تعالى: "ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون:" يونس ms0721 - 62، والآيات كما ترى تضع ~~كل خوف وحزن واضطراب وغرور في جانب الكفر، وما يقابلها من الصفات في جانب ~~الإيمان. # وقد بين الأمر أوضح من ذلك بقوله تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:" الأنعام - ~~122، فدل على أن خبط الكافر في مشيه لكونه واقعا في الظلمات لا يبصر شيئا، ~~لكن المؤمن له نور إلهي يبصر به طريقه، ويدرك به خيره وشره، وذلك لأن الله ~~أفاض عليه حياة جديدة على حياته التي يشاركه فيها الكافر، وتلك الحياة هي ~~المستتبعة لهذا النور الذي يستنير به، وفي معناه قوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ويغفر لكم": الحديد - 28. # ثم قال تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه:" المجادلة - 22، فأفاد أن هذه الحياة ~~إنما هي بروح منه، وتلازم لزوم الإيمان واستقراره في القلب فهؤلاء المؤمنون ~~مؤيدون بروح من الله تستتبع استقرار الإيمان في قلوبهم، والحياة الجديدة في ~~قوالبهم، والنور المضيء قدامهم. PageV02P165 # وهذه الآية كما ترى قريبة الانطباق على قوله تعالى: "هو الذي أنزل السكينة ~~في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض ~~وكان الله عليما حكيما:" الفتح - 4، فالسكينة في هذه الآية تنطبق على الروح ~~في الآية السابقة وازدياد الإيمان على الإيمان في هذه على كتابة الإيمان في ~~تلك، ويؤيد هذا التطبيق قوله تعالى في ذيل الآية: ولله جنود السموات ~~والأرض، فإن القرآن يطلق الجند على مثل الملائكة والروح. # ويقرب من هذه الآية سياقا قوله تعالى: "فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها:" الفتح - 26، وكذا ~~قوله تعالى: "فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها:" التوبة - 40. # وقد ظهر مما مر أنه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالى أن السكينة ms0722 روح إلهي ~~أو تستلزم روحا إلهيا من أمر الله تعالى يوجب سكينة القلب واستقرار النفس ~~وربط الجأش، ومن المعلوم أن ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر ~~واستعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب وعدم اضطرابه في الروح الإلهي، ~~وبهذا المعنى ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات. # قوله تعالى: وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة "إلخ"، آل ~~الرجل خاصته من أهله ويدخل فيهم نفسه إذا أطلق، فآل موسى وآل هارون هم موسى ~~وهارون وخاصتهما من أهلهما، وقوله: تحمله الملائكة، حال عن التابوت، وفي ~~قوله تعالى: إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين، كسياق صدر الآية دلالة على ~~أنهم سألوا نبيهم آية على صدق ما أخبر به: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا. # قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر إلى قوله ~~منهم، الفصل هاهنا مفارقة المكان كما في قوله تعالى: "فلما فصلت العير:" ~~يوسف - 94، وربما استعمل بمعنى القطع وهو إيجاد المفارقة بين الشيئين كما ~~قال تعالى: "وهو خير الفاصلين": الأنعام - 57، فالكلمة مما يتعدى ولا يتعدى. # والجند المجتمع الغليظ من كل شيء وسمي العسكر جندا لتراكم الأشخاص فيه ~~وغلظتهم، وفي جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد ~~يعتنى به وخاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر وتفرق الناس، ~~ونظير هذه النكتة موجود في قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود. # وفي مجموع الكلام إشارة إلى حق الأمر في شأن بني إسرائيل وإيفائهم بميثاق ~~الله، فإنهم سألوا بعث الملك جميعا وشدوا الميثاق، وقد كانوا من الكثرة ~~بحيث لما تولوا إلا قليلا منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنودا وهذه ~~الجنود، أيضا لم تغن عنهم شيئا بل تخلفوا بشرب النهر ولم يبق إلا القليل من ~~القليل مع شائبة فشل ونفاق بينهم من جهة المغترفين، ومع ذلك كان النصر ~~للذين آمنوا وصبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة. # والابتلاء الامتحان، والنهر مجرى الماء ms0723 الفائض، والاغتراف والغرف رفع ~~الشيء وتناوله، يقال: غرف الماء غرفة واغترفه غرفة إذا رفعه ليتناوله ~~ويشربه. PageV02P166 # وفي استثناء قوله تعالى: إلا من اغترف غرفة بيده عن مطلق الشرب دلالة على ~~أنه كان المنهي عنه هو الشرب على حالة خاصة، وقد كان الظاهر أن يقال: فمن ~~شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده غير أن وضع قوله تعالى: ومن لم ~~يطعمه فإنه مني، في الكلام مع تبديل الشرب بالطعم ومعناه الذوق أوجب تحولا ~~في الكلام من جهة المعنى إذ لو لم تضف الجملة الثانية كان مفاد الكلام أن ~~جميع الجنود كانوا من طالوت، والشرب يوجب انقطاع جمع منه والاغتراف يوجب ~~الانقطاع من المنقطع أي الاتصال وأما لو أضيفت الجملة الثانية، أعني قوله ~~تعالى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلى الجملة الأولى كان مفاد الكلام أن الأمر ~~غير مستقر بحسب الحقيقة بعد إلا بحسب الظاهر فالجنود في الظاهر مع طالوت ~~لكن لم يتحقق بعد أن الذين هم مع طالوت من هم، ثم النهر الذي سيبتليهم الله ~~به سيحقق كلا الفريقين ويشخصهما فيعين به من ليس منه وهو من شرب من النهر، ~~ويتعين به من هو منه وهو من لم يطعمه، وإذا كان هذا هو المفاد من الكلام لم ~~يفد قوله في الاستثناء إلا من اغترف غرفة بيده كون المغترفين من طالوت لأن ~~ذلك إنما كان مفادا لو كان المذكور هناك الجملة الأولى فقط، وأما مع وجود ~~الجملتين فيتعين الطائفتان: أعني الذين ليسوا منه وهم الشاربون، والذين هم ~~منه وهم غير الطاعمين، ومن المعلوم أن الإخراج من الطائفة الأولى إنما يوجب ~~الخروج منها لا الدخول في الثانية، ولازم ذلك أن الكلام يوجب وجود ثلاث ~~طوائف: الذين ليسوا منه، والذين هم منه، والمغترفون، وعلى هذا فالباقون معه ~~بعد الجواز طائفتان: الذين هم منه، والذين ليسوا من الخارجين، فجاز أن ~~يختلف حالهم في الصبر والجزع والاعتماد بالله والقلق والاضطراب. # قوله تعالى: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه إلى آخر الآية، الفئة القطعة ~~من ms0724 الناس، والتدبر في الآيات يعطي أن يكون القائلون: لا طاقة لنا، هم ~~المغترفون، والمجيبون لهم هم الذين لم يطعموه أصلا، والظن بلقاء الله إما ~~بمعنى اليقين به وإما كناية عن الخشوع. # ولم يقولوا: يمكن أن تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله، بل ~~قالوا: كم من فئة "إلخ"، أخذا بالواقع في الاحتجاج بآرائه المصداق ليكون ~~أقنع للخصم. # قوله تعالى: ولما برزوا لجالوت وجنوده "إلخ"، البروز هو الظهور، ومنه ~~البراز وهو الظهور للحرب، والإفراغ صب نحو المادة السيالة في القالب ~~والمراد إفاضة الله سبحانه الصبر عليهم على قدر ظرفيتهم فهو استعارة ~~بالكناية لطيفة، وكذا تثبيت الأقدام كناية عن الثبات وعدم الفرار. # قوله تعالى: فهزموهم بإذن الله "إلخ"، الهزم الدفع. # قوله تعالى: ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض إلى آخر الآية، من المعلوم ~~أن المراد بفساد الأرض فساد من على الأرض أي فساد الاجتماع الإنساني ولو ~~استتبع فساد الاجتماع فسادا في أديم الأرض فإنما هو داخل في الغرض بالتبع ~~لا بالذات، وهذه حقيقة من الحقائق العلمية ينبه لها القرآن. # بيان ذلك: أن سعادة هذه النوع لا تتم إلا بالاجتماع والتعاون. # ومن المعلوم أن هذا الأمر لا يتم إلا مع حصول وحدة ما في هيكل الاجتماع ~~بها تتحد أعضاء الاجتماع وأجزاؤه بعضها مع بعض بحيث يعود الجميع كالفرد ~~الواحد يفعل وينفعل عن نفس واحدة وبدن واحد، والوحدة الاجتماعية ومركبها ~~الذي هو اجتماع أفراد النوع حالهما شبيه حال الوحدة الاجتماعية التي في ~~الكون ومركبها الذي هو اجتماع أجزاء هذا العالم المشهود، ومن المعلوم أن ~~وحدة هذا النظام أعني نظام التكوين إنما هي نتيجة التأثير والتأثر ~~الموجودين بين أجزاء العالم فلو لا المغالبة بين الأسباب التكوينية وغلبة ~~بعضها على بعض واندفاع بعضها الآخر عنه ومغلوبيتها له لم يرتبط أجزاء ~~النظام بعضها ببعض بل بقي كل على فعليته التي هي له، وعند ذلك بطل الحركات ~~فبطل عالم الوجود. PageV02P167 # كذلك نظام الاجتماع الإنساني لو لم يقم على أساس التأثير والتأثر، والدفع ~~والغلبة لم يرتبط أجزاء النظام ms0725 بعضها ببعض، ولم يتحقق حينئذ نظام وبطلت ~~سعادة النوع، فإنا لو فرضنا ارتفاع الدفع بهذا المعنى، وهو الغلبة وتحميل ~~الإرادة من البين كان كل فرد من أفراد الاجتماع فعل فعلا ينافي منافع الآخر ~~سواء منافعه المشروعة أو غيرها لم يكن للآخر إرجاعه إلى ما يوافق منافعه ~~ويلائمها وهكذا، وبذلك تنقطع الوحدة من بين الأجزاء وبطل الاجتماع، وهذا ~~البحث هو الذي بحثنا عنه فيما مر: أن الأصل الأول الفطري للإنسان المكون ~~للاجتماع هو الاستخدام، وأما التعاون والمدنية فمتفرع عليه وأصل ثانوي، وقد ~~مر تفصيل الكلام في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة": البقرة - 213. # وفي الحقيقة معنى الدفع والغلبة معنى عام سار في جميع شئون الاجتماع ~~الإنساني وحقيقته حمل الغير بأي وجه أمكن على ما يريده الإنسان، ودفعه عما ~~يزاحمه ويمانعه عليه، وهذا معنى عام موجود في الحرب والسلم معا، وفي الشدة ~~والرخاء، والراحة والعناء جميعا، وبين جميع الأفراد في جميع شعوب الاجتماع، ~~نعم إنما يتنبه الإنسان له عند ظهور المخالفة ومزاحمة بعض الأفراد بعضهم في ~~حقوق الحياة أو في الشهوات والميول ونحوها، فيشرع الإنسان في دفع الإنسان ~~المزاحم الممانع عن حقه أو عن مشتهاه ومعلوم أن هذا على مراتب ضعيفة ~~وشديدة، والقتال والحرب إحدى مراتبه. # وأنت تعلم أن هذه الحقيقة أعني كون الدفع والغلبة من الأصول الفطرية عند ~~الإنسان أصل فطري أعم من أن يكون هذا الدفع دفعا بالعدل عن حق مشروع أو ~~بغير ذلك، إذ لو لم يكن في فطرة الإنسان أصل مسلم على هذه الوتيرة لم يتحقق ~~منه، لا دفاع مشروع على الحق لا غيره، فإن أعمال الإنسان تستند إلى فطرته ~~كما مر بيانه سابقا فلو لا اشتراك الفطرة بين المؤمن والكافر لم يمكن أن ~~يختص المؤمن بفطرة يبني عليها أعماله. # وهذا الأصل الفطري ينتفع به الإنسان في إيجاد أصل الاجتماع على ما مر من ~~البيان، ثم ينتفع به في تحميل إرادته على غيره وتمالك ما بيده تغلبا وبغيا، ~~وينتفع به في دفعه واسترداد ما تملكه تغلبا وبغيا، ms0726 وينتفع به في إحياء الحق ~~بعد موته جهلا بين الناس وتحميل سعادتهم عليهم، فهو أصل فطري ينتفع به ~~الإنسان أكثر مما يستضر به. # وهذا الذي ذكرناه "لعله" هو المراد بقوله تعالى: ولو لا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ويؤيد ذلك تذييله بقوله تعالى: "ولكن الله ذو فضل ~~على العالمين". # وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالدفع في الآية دفع الله الكافرين ~~بالمؤمنين كما أن المورد أيضا كذلك وربما أيده أيضا قوله تعالى: "ولو لا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله:" الحج - 40. # وفيه أنه في نفسه معنى صحيح لكن ظاهر الآية أن المراد بصلاح الأرض مطلق ~~الصلاح الدائم المبقي للاجتماع دون الصلاح الخاص الموجود في أحيان يسيرة ~~كقصة طالوت وقصص أخرى يسيرة معدودة. # وربما ذكر آخرون: أن المراد بها دفع الله العذاب والهلاك عن الفاجر بسبب ~~البر، وقد وردت فيه من طرق العامة والخاصة روايات كما في المجمع، والدر ~~المنثور، عن جابر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله ~~يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا ~~يزالون في حفظ الله ما دام فيهم، وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق ~~(عليه السلام)، قال: إن الله ليدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من ~~شيعتنا ولو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن يزكي من ~~شيعتنا عمن لا يزكي ولو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن ~~يحج من شيعتنا عمن لا يحج ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا الحديث، ومثلهما ~~غيرهما. # وفيه: أن عدم انطباق الآيتين على معنى الحديثين مما لا يخفى إلا أن تنطبق ~~عليهما من جهة أن موردهما أيضا من مصاديق دفع الناس. # وربما ذكر بعضهم: أن المراد دفع الله الظالمين بالظالمين، وهو كما ترى. # قوله تعالى: تلك آيات الله "إلخ"، كالخاتمة يختم بها الكلام والقصة غير ~~أن آخر الآية: وإنك لمن المرسلين، لا يخلو عن ms0727 ارتباط بالآية التالية. PageV02P168 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور:، أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم، قال: لما ~~نزلت من الذي يقرض الله قرضا حسنا الآية، جاء أبو الدحداح إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال: يا نبي الله، ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا ~~لأنفسنا وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت ~~خيرهما صدقة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: كم من عذق مذلل ~~لأبي الدحداح في الجنة. # أقول: والرواية مروية بطرق كثيرة. # وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام): لما نزلت هذه الآية: من جاء ~~بالحسنة فله خير منها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم زدني ~~فأنزل الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): اللهم زدني فأنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له أضعافا كثيرة، فعلم رسول الله أن الكثير من الله لا يحصى وليس له منتهى. # أقول: وروى الطبرسي في المجمع، والعياشي في تفسيره نظيره وروي قريب منه ~~من طرق أهل السنة أيضا، قوله (عليه السلام): فعلم رسول الله، يومىء إليه ~~آخر الآية: والله يقبض ويبصط، إذ لا حد يحد عطاءه تعالى، وقد قال: "وما كان ~~عطاء ربك محظورا:" الإسراء - 20. # وفي تفسير العياشي، عن أبي الحسن (عليه السلام): في الآية، قال: هي صلة ~~الإمام: أقول: وروي مثله في الكافي، عن الصادق (عليه السلام) وهو من باب عد ~~المصداق. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: إذ قالوا: لنبي لهم الآية هو إشموئيل، وهو ~~بالعربية إسماعيل. # أقول: وهو مروي من طرق أهل السنة أيضا: وشموئيل هو الذي يوجد في العهدين ~~بلفظ صموئيل. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن هارون بن ~~خارجة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): أن بني إسرائيل بعد موت موسى ~~عملوا بالمعاصي، وغيروا دين الله، وعتوا عن أمر ربهم، وكان فيهم نبي يأمرهم ~~وينهاهم فلم يطيعوه، ms0728 وروي أنه أرميا النبي على نبينا وآله وعليه السلام ~~فسلط الله عليهم جالوت وهو من القبط، فأذلهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم ~~وأموالهم، واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم، وقالوا: سل الله أن يبعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك ~~والسلطان في بيت آخر، ولم يجمع الله النبوة والملك في بيت واحد، فمن أجل ~~ذلك قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، فقال لهم نبيهم: هل ~~عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا؟ فقالوا: وما لنا أن لا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فكان كما قال الله: فلما كتب ~~عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم - والله عليم بالظالمين، فقال لهم ~~نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، فغضبوا من ذلك وقالوا: أنى يكون له ~~الملك علينا؟ ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، وكانت النبوة في ~~بيت لاوي، والملك في بيت يوسف، وكان طالوت من ولد إبنيامين أخي يوسف لأمه ~~وأبيه، ولم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيهم: إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله ~~واسع عليم، وكان أعظمهم جسما وكان قويا وكان أعلمهم، إلا أنه كان فقيرا ~~فعابوه بالفقر، فقالوا لم يؤت سعة من المال، فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه ~~أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~تحمله الملائكة، وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه أمه ~~وألقته في اليم فكان في بني إسرائيل يتبركون به، فلما حضر موسى الوفاة وضع ~~فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة، وأودعه عند يوشع وصيه، ولم ~~يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم ~~يزل بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم، فلما عملوا بالمعاصي ~~واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلما سألوا ms0729 النبي بعث الله عليهم طالوت ~~ملكا فقاتل معهم فرد الله عليهم التابوت كما قال: إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت - فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون - تحمله ~~الملائكة، قال: البقية ذرية الأنبياء. PageV02P169 # أقول: قوله: وروي أنه أرميا النبي، رواية معترضة في رواية، قوله (عليه ~~السلام): فكان كما قال الله "إلخ"، أي تولى الكثيرون ولم يبق على تسليم حكم ~~القتال إلا قليل منهم، وفي بعض الأخبار أن هذا القليل كانوا ستين ألفا، روى ~~ذلك القمي في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام)، ~~ورواه العياشي عن الباقر (عليه السلام). # وقوله: وكانت النبوة في بيت لاوي، والملك في بيت يوسف، وقد قيل: إن الملك ~~كان في بيت يهوذا وقد اعترض عليه أن لم يكن بينهم ملك قبل طالوت وداود ~~وسليمان حتى يكون في بيت يهوذا، وهذا يؤيد ما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت ~~أن الملك كان في بيت يوسف فإن كون يوسف ملكا مما لا ينكر. # وقوله: قال: والبقية ذرية الأنبياء، وهم من الراوي، وإنما فسر (عليه ~~السلام) بقوله: ذرية الأنبياء قوله: آل موسى وآل عمران، ويؤيد ما ذكرناه ما ~~في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): أنه سئل عن قول الله: وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة، فقال: ذرية الأنبياء. # وفي الكافي، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن خالد، والحسين ~~بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي ~~بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: وقال الله: إن الله مبتليكم بنهر ~~- فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني فشربوا منه إلا ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا، منهم من اغترف، ومنهم من لم يشرب، فلما برزوا لجالوت قال ~~الذين اغترفوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وقال الذين لم يغترفوا: ~~كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. # أقول: وأما ms0730 كون الباقين مع طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا بعدد أهل بدر ~~فقد كثر فيه الروايات من طرق الخاصة والعامة، وأما كون القائلين: لا طاقة ~~لنا، هم المغترفين، وكون القائلين كم من فئة "إلخ"، هم الذين لم يشربوا ~~أصلا فيمكن استفادته من نحو الاستثناء في الآية على ما بيناه: من معنى ~~الاستثناء. # وفي الكافي، بإسناده عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيوب ~~عن يحيى الحلبي عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: إن آية ملكه إلى قوله تحمله الملائكة قال: كانت تحمله في صورة ~~البقرة. # واعلم أن الوجه في ذكر سند هذا الحديث مع أنه ليس من دأب الكتاب ذلك لأن ~~إسقاط الأسانيد فيه إنما هو لمكان موافقة القرآن ومعه لا حاجة إلى ذكر سند ~~الحديث، أما فيما لا يطرد فيه الموافقة ولا يتأتى التطبيق فلا بد من ذكر ~~الإسناد، ونحن مع ذلك نختار للإيراد روايات صحيحة الإسناد أو مؤيدة ~~بالقرائن. PageV02P170 # وفي تفسير العياشي، عن محمد الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: كان داود ~~وإخوة له أربعة، ومعهم أبوهم شيخ كبير، وتخلف داود في غنم لأبيه، ففصل ~~طالوت بالجنود فدعاه أبو داود وهو أصغرهم، فقال: يا بني اذهب إلى إخوتك ~~بهذا الذي صنعناه لهم يتقووا به على عدوهم وكان رجلا قصيرا أزرق قليل الشعر ~~طاهر القلب، فخرج وقد تقارب القوم بعضهم من بعض فذكر عن أبي بصير، قال ~~سمعته يقول: فمر داود على حجر فقال الحجر: يا داود خذني واقتل بي جالوت ~~فإني إنما خلقت لقتله، فأخذه فوضعه في مخلاته التي تكون فيها حجارته التي ~~يرمي بها عن غنمه بمقذافه، فلما دخل العسكر سمعهم يتعظمون أمر جالوت، فقال ~~لهم داود ما تعظمون من أمره فوالله لئن عاينته لأقتلنه فحدثوا بخبره حتى ~~أدخل على طالوت، فقال يا فتى وما عندك من القوة؟ وما جربت من نفسك؟ قال: ~~كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه فآخذ برأسه فأفك لحييه منها ~~فآخذها ms0731 من فيه قال: فقال: ادع لي بدرع سابغة فأتي بدرع فقذفها في عنقه ~~فتملأ منها حتى راع طالوت ومن حضره من بني إسرائيل، فقال طالوت: والله لعسى ~~الله أن يقتله به، قال: فلما أن أصبحوا ورجعوا إلى طالوت والتقى الناس قال ~~داود: أروني جالوت فلما رآه أخذ الحجر فجعله في مقذافه فرماه فصك به بين ~~عينيه فدمغه ونكس عن دابته، وقال الناس: قتل داود جالوت، وملكه الناس حتى ~~لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت بنو إسرائيل على داود، وأنزل الله عليه ~~الزبور، وعلمه صنعة الحديد فلينه له، وأمر الجبال والطير يسبحن معه، قال: ~~ولم يعط أحد مثل صوته، فأقام داود في بني إسرائيل مستخفيا، وأعطي قوة في عبادة. # أقول: المقذاف المقلاع الذي يكون للرعاة يرمون به الأحجار، وقد اتفقت ~~ألسنة الأخبار من طرق الفريقين أن داود قتل جالوت بالحجر. # في المجمع، قال: إن السكينة التي كانت فيه ريح هفافة من الجنة لها وجه ~~كوجه الإنسان: عن علي (عليه السلام). # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن سفيان بن عيينة وابن جرير من ~~طريق سلمة بن كهيل عن علي (عليه السلام) وكذا عن عبد الرزاق وأبي عبيد وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، وصححه وابن عساكر ~~والبيهقي في الدلائل، من طريق أبي الأحوص عن علي (عليه السلام) مثله. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن علي بن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه ~~السلام): السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الإنسان. # أقول: وروى هذا المعنى أيضا الصدوق في المعاني، والعياشي في تفسيره عن ~~الرضا (عليه السلام)، وهذه الأخبار الواردة في معنى السكينة وإن كانت آحادا ~~إلا أنها قابلة التوجيه والتقريب إلى معنى الآية، فإن المراد بها على تقدير ~~صحتها: أن السكينة مرتبة من مراتب النفس في الكمال توجب سكون النفس ~~وطمأنينتها إلى أمر الله، وأمثال هذه التعبيرات المشتملة على التمثيل كثيرة ~~في كلام الأئمة، فينطبق حينئذ على روح الإيمان، وقد عرفت في البيان السابق ~~أن ms0732 السكينة منطبقة على روح الإيمان. # وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل ما في المعاني، عن أبي الحسن (عليه ~~السلام): في السكينة، قال (عليه السلام): روح الله يتكلم، كانوا إذا ~~اختلفوا في شيء كلمهم وأخبرهم، الحديث فإنما هو روح الإيمان يهدي المؤمن ~~إلى الحق المختلف فيه. ### |||| AUTO بحث علمي واجتماعي # ذكر علماء الطبيعة أن التجارب العلمي ينتج أن هذه الموجودات الطبيعية ~~المجبولة على حفظ وجودها وبقائها، والفعالة بقواها المقتضية لما يناسبها من ~~الأفعال ينازع بعضها البعض في البقاء، وحيث كانت هذه المنازعة من جهة بسط ~~التأثير في الغير والتأثر المتقابل من الغير وبالعكس كانت الغلبة للأقوى ~~منهما والأكمل وجودا، ويستنتج من ذلك أن الطبيعة لا تزال تنتخب من بين ~~الأفراد من نوع أو نوعين أكملها وأمثلها فيتوحد للبقاء، ويفنى سائر الأفراد ~~وينقرض تدريجا، فهناك قاعدتان طبيعيتان: إحداهما: تنازع البقاء، والثانية: ~~الانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل. # وحيث كان الاجتماع متكئا في وجوده على الطبيعة جرى فيه أيضا نظير ~~القانونين: أعني: قانوني تنازع البقاء، والانتخاب وبقاء الأمثل. PageV02P171 # فالاجتماع الكامل وهو الاجتماع المبني على أساس الاتحاد الكامل المحكم ~~المرعى فيه حقوق الأفراد: الفردية والاجتماعية أحق بالبقاء، وغيره أحق ~~بالفناء والانقراض، والتجارب قاض ببقاء الأمم الحية المراقبة لوظائفها ~~الاجتماعية المحافظة على سلوك صراطها الاجتماعي، وانقراض الأمم بتفرق ~~القلوب، وفشو النفاق وشيوع الظلم والفساد وإتراف الكبراء وانهدام بنيان ~~الجد فيهم، والاجتماع يحاكي في ذلك الطبيعة كما ذكر. # فالبحث في الآثار الأرضية يوصلنا إلى وجود أنواع من الحيوان في العهود ~~الأولية الأرضية هي اليوم من الحيوانات المنقرضة الأنواع كالحيوان المسمى ~~برونتوساروس أو التي لم يبق من أنواعها إلا أنموذجات يسيرة كالتمساح ~~والضفدع ولم يعمل في إفنائها وانفراضها إلا تنازع البقاء، والانتخاب ~~الطبيعي وبقاء الأمثل، وكذلك الأنواع الموجودة اليوم لا تزال تتغير تحت ~~عوامل التنازع والانتخاب، ولا يصلح منها للبقاء إلا الأمثل والأقوى وجودا، ~~ثم يجره حكم الوراثة إلى استمرار الوجود وبقاء النوع، وعلى هذه الوتيرة ~~كانت الأنواع والتراكيب الموجودة في أصل تكونها فإنما هي أجزاء المادة ~~المنبثة في ms0733 الجو حدثت بتراكمها وتجمعها الكرات والأنواع الحادثة فيها، فما ~~كان منها صالحا للبقاء بقي ثم توارث الوجود، وما كان منها غير صالح لذلك ~~لمنازعة ما هو أقوى منه معه فسد وانقرض، فهذا ما ذكره علماء الطبيعة ~~والاجتماع... وقد ناقضه المتأخرون بكثير من الأنواع الضعيفة الوجود الباقية ~~بين الأنواع حتى اليوم، وبكثير من أصناف الأنواع النباتية والحيوانية، فإن ~~وقوع التربية بتأهيل كثير من أنواع النبات والحيوان وإخراجها من البرية ~~والوحشية، وسيرها بالتربية إلى جودة الجنس وكمال النوع مع بقاء البري ~~والوحشي منها على الرداءة، وسيرهما إلى الضعف يوما فيوما، واستقرار التوارث ~~فيها على تلك الصفة، كل ذلك يقضي بعدم اطراد القاعدتين أعني تنازع البقاء ~~والانتخاب الطبيعي. # ولذلك علل بعضهم هذه الصفة الموجودة بين الطبيعيات بفرضية أخرى، وهي ~~تبعية المحيط فالمحيط الموجود وهو مجموع العوامل الطبيعية تحت شرائط خاصة ~~زمانية ومكانية يستدعي تبعية الموجود في جهات وجوده له، وكذلك الطبيعة ~~الموجودة في الفرد توجب تطبيق وجوده بالخصوصيات الموجودة في محيط حياته، ~~ولذلك كانت لكل نوع من الأنواع التي تعيش في البر أو البحر أو في مختلف ~~المناطق الأرضية القطبية أو الإستوائية وغير ذلك، من الأعضاء والأدوات ~~والقوى ما يناسب منطقة حياته وعيشته، فمحيط الحياة هو الذي يوجب البقاء عند ~~انطباق وجود الموجود بمقتضياته والزوال والفناء عند عدم انطباقه بمقتضياته، ~~فالقاعدتان ينبغي أن تنتزعا من هذا القانون أعني: أن الأصل في قانوني تنازع ~~البقاء والانتخاب الطبيعي هو تبعية المحيط، ففيما لا اطراد للقاعدتين لا ~~محيط مؤثر يوجب التأثير، ولكن لقاعدة تبعية المحيط من النقض في اطرادها ~~نظير ما للقاعدتين، وقد فصلوها في مظانها. # ولو كان تبعية المحيط تامة في تأثيرها ومطردة في حكمها كان من الواجب أن ~~لا يوجد نوع أو فرد غير تابع، ولا أن يتغير محيط في نفسه كما أن القاعدتين ~~لو كانتا تامتين مطردتين في حكمهما وجب أن لا يبقى شيء من الموجودات ~~الضعيفة الوجود مع القوية منها ولا أن يجري حكم التوارث في الأصناف الردية ~~من النبات والحيوان. # فالحق ms0734 كما ربما اعترفت به الأبحاث العلمية أن هذه القواعد على ما فيها من ~~الصحة في الجملة غير مطردة. PageV02P172 # والنظر الفلسفي الكلي في هذا الباب: أن أمر حدوث الحوادث المادية سواء كان ~~من حيث أصل وجودها أو التبدلات والتغيرات الحادثة في أطراف وجودها يدور ~~مدار قانون العلية والمعلولية، فكل موجود من الموجودات المادية بما لها من ~~الصورة الفعالة لنفع وجوده يوجه أثره إلى غيره ليوجد فيه صورة تناسب صورة ~~نفسه، وهذه حقيقة لا محيص عن الاعتراف بها عند التأمل في حال الموجودات ~~بعضها مع بعض، ويستوجب ذلك أن ينقص كل من كل لنفع وجود نفسه فيضم ما نقصه ~~إلى وجود نفسه بنحو، ولازم ذلك أن يكون كل موجود فعالا لإبقاء وجوده ~~وحياته، وعلى هذا صح أن يقال: إن بين الموجودات تنازعا في البقاء، وكذلك ~~لازم التأثير العلي أن يتصرف الأقوى في الأضعف بإفنائه لنفع نفسه أو ~~بتغييره بنحو ينتفع به لنفسه، وبذلك يمكن أن يوجه القانونان أعني: الانتخاب ~~الطبيعي وتبعية المحيط، فإن النوع لما كان تحت تأثير العوامل المضادة فإنما ~~يمكنه أن يقاومها إذا كان قوي الوجود قادرا على الدفاع عن نفسه، وكذلك ~~الحال في أفراد نوع واحد، إنما يصلح للبقاء منها ما قوي وجوده قبال ~~المنافيات والأضداد التي تتوجه إليه، وهذا هو الانتخاب الطبيعي وبقاء ~~الأمثل، وكذا إذا اجتمعت عدة كثيرة من العوامل ثم اتحدت أكثرها أو تقاربت ~~من حيث العمل فلا بد أن يتأثر منها الموجود الذي توسط بينها الأثر الذي ~~يناسب عملها، وهذا هو تبعية المحيط. # ومما يجب أن يعلم: أن أمثال هذه النواميس أعني: تبعية المحيط وغيرها إنما ~~يؤثر فيما صح أن يؤثر، في عوارض وجود الشيء ولواحقه، وأما نفس الذات بأن ~~يصير نوعا آخر فلا، لكن القوم حيث كانوا لا يقولون بوجود الذات الجوهري بل ~~يبنون البحث على أن كل موجود مجموع من العوارض المجتمعة الطارئة على ~~المادة، وبذلك يمتاز نوع من نوع، وبالحقيقة لا نوع جوهري يباين نوعا جوهريا ~~آخر، بل جميع الأنواع تتحلل إلى ms0735 المادة الواحدة نوعا المختلفة بحسب ~~التراكيب المتنوعة، ومن هنا تراهم يحكمون بتبدل الأنواع وبتبعية المحيط أو ~~تأثير سائر العوامل الطبيعية ولا يبالون بتبدل الذات فيها، وللبحث ذيل ممتد ~~سيمر بك إن شاء الله تفصيل القول فيه. # ونرجع إلى أول الكلام فنقول: ذكر بعض المفسرين: أن قوله تعالى، ولو لا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ~~الآية إشارة إلى قانوني تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي. # قال: ويقرر ذلك قوله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على ~~نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو ~~لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم ~~في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور": الحج - 41، فهذا إرشاد إلى تنازع البقاء والدفاع عن الحق، ~~وأنه ينتهي ببقاء الأمثل وحفظ الأفضل. # ومما يدل على هذه القاعدة من القرآن المجيد قوله تعالى: "أنزل من السماء ~~ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال:" ~~الرعد - 17، فهو يفيد أن سيول الحوادث وميزان التنازع تقذف زبد الباطل ~~الضار في الاجتماع وتدفعه وتبقى إبليز الحق النافع الذي ينمو فيه العمران، ~~وإبريز المصلحة التي يتحلى به الإنسان، انتهى. PageV02P173 # أقول: أما إن قاعدة تنازع البقاء وكذا قاعدة الانتخاب الطبيعي بالمعنى الذي ~~مر بيانه حق في الجملة، وأن القرآن يعتني بهما فلا كلام فيه، لكن هذين ~~الصنفين الذين أوردهما من الآيات غير مسوقين لبيان شيء من القاعدتين، فإن ~~الصنف الأول من الآيات مسوق لبيان أن الله سبحانه غير مغلوب في إرادته، وأن ~~الحق وهو الذي يرتضيه الله من المعارف الدينية غير مغلوب، وأن حامله إذا ms0736 ~~حمله على الحق والصدق لم يكن مغلوبا البتة، وعلى ذلك يدل قوله تعالى أولا: ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، وقوله تعالى ثانيا: الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، فإن الجملتين في مقام بيان أن ~~المؤمنين سيغلبون أعداءهم لا لمكان التنازع وبقاء الأمثل الأقوى، فإن ~~الأمثل والأقوى عند الطبيعة هو الفرد القوي في تجهيزه الطبيعي دون القوي من ~~حيث الحق والأمثل بحسب المعنى، بل سيغلبون لأنهم مظلومون ظلموا على قول ~~الحق والله سبحانه حق وينصر الحق في نفسه، بمعنى أن الباطل لا يقدر على أن ~~يدحض حجة الحق إذا تقابلا، وينصر حامل الحق إذا كان صادقا في حمله كما ذكره ~~الله بقوله: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة "إلخ"، أي هم صادقون في قولهم الحق وحملهم إياه ثم ختم ~~الكلام بقوله تعالى: ولله عاقبة الأمور، يشير به إلى عدة آيات تفيد أن ~~الكون يسير في طريق كماله إلى الحق والصدق والسعادة الحقيقية، ولا ريب أيضا ~~في دلالة القرآن على أن الغلبة لله ولجنده البتة كما يدل عليه قوله: "كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي": المجادلة - 21، وقوله تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:" الصافات - ~~173، وقوله تعالى: "والله غالب على أمره": يوسف - 21. وكذا الآية الثانية ~~التي أوردها أعني قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~"إلخ"، مسوقة لبيان بقاء الحق وزهوق الباطل سواء كان على نحو التنازع كما ~~في الحق والباطل الذين هما معا من سنخ الماديات والبقاء بينهما بنحو ~~التنازع، أو لم يكن على نحو التنازع والمضادة كما في الحق والباطل الذين ~~هما بين الماديات والمعنويات فإن المعنى، ونعني به الموجود المجرد عن ~~المادة، مقدم على المادة غير مغلوب في حال أصلا، فالتقدم والبقاء للمعنى ~~على الصورة من غير تنازع، وكما في الحق والباطل الذين هما معا من سنخ ~~المعنويات والمجردات، وقد قال تعالى: "وعنت الوجوه للحي القيوم": ms0737 طه - 111، ~~وقال تعالى: "له ما في السموات والأرض كل له قانتون:" البقرة - 116، وقال ~~تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى:" النجم - 42، فهو تعالى، غالب على كل شيء، ~~وهو الواحد القهار. # وأما الآية التي نحن فيها أعني قوله تعالى: ولو لا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض الآية، فقد عرفت أنها في مقام الإشارة إلى حقيقة يتكي ~~عليه الاجتماع الإنساني الذي به عمارة الأرض، وباختلاله يختل العمران وتفسد ~~الأرض، وهي غريزة الاستخدام الذي جبل عليه الإنسان، وتأديتها إلى التصالح ~~في المنافع أعني التمدن والاجتماع التعاوني، وهذا المعنى وإن كان بعض ~~أعراقه وأصوله التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي، لكنه مع ذلك هو السبب ~~القريب الذي يقوم عليه عمارة الأرض ومصونيتها عن الفساد، فينبغي أن تحمل ~~الآية التي تريد إعطاء السبب في عدم طروق الفساد على الأرض عليه لا على ما ~~ذكر من القاعدتين. PageV02P174 # وبعبارة أخرى واضحة: القاعدتان وهما التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي ~~توجبان انحلال الكثرة وعودتها إلى الواحدة فإن كلا من المتنازعين يريد ~~بالنزاع إفناء الآخر وضم ما له من الوجود ومزاياه إلى نفسه، والطبيعة ~~بالانتخاب تريد أن يكون الواحد الذي هو الباقي منهما أقواهما وأمثلهما ~~فنتيجة جريان القاعدتين فساد الكثرة وبطلانها وتبدلها إلى واحد أمثل، وهذا ~~أمر ينافي الاجتماع والتعاون والاشتراك في الحياة الذي يطلبه الإنسان ~~بفطرته ويهتدي إليه بغريزته وبه عمارة الأرض بهذا النوع، لا إفناء قوم منه ~~قوما، وأكل بعضهم بعضا، والدفع الذي تعمر به الأرض ويصان عن الفساد هو ~~الدفع الذي يدعو إلى الاجتماع والاتحاد المستقر على الكثرة والجماعة دون ~~الدفع الذي يدعو إلى إبطال الاجتماع وإيجاد الوحدة المفنية للكثرة، فالقتال ~~سبب لعمارة الأرض وعدم فسادها من حيث إنه يحيا به حقوق اجتماعية حيوية لقوم ~~مستهلكين مستذلين لا من حيث يتشتت به الجمع ويهلك به العين ويمحى به الأثر فافهم. ### |||| AUTO بحث في التاريخ وما يعتني به القرآن منه # التاريخ النقلي ونعني به ضبط الحوادث الكلية والجزئية بالنقل والحديث مما ~~لم يزل الإنسان من أقدم عهود حياته وأزمان ms0738 وجوده في الأرض مهتما به، ففي كل ~~عصر من الأعصار على ما نعلمه عدة من حفظته أو كتابه والمؤلفين فيه، وآخرون ~~يعتورون ما ضبطه أولئك ويأخذون ما أتحفوهم به، والإنسان ينتفع به في جهات ~~شتى من حياته كالاجتماع والاعتبار والقص والحديث والتفكه وأمور أخرى سياسية ~~أو اقتصادية أو صناعية وغير ذلك. # وأنه على شرافته وكثرة منافعه لم يزل ولا يزال يعمل فيه عاملان بالفساد ~~يوجبان انحرافه عن صحة الطبع وصدق البيان إلى الباطل والكذب: أحدهما: أنه ~~لا يزال في كل عصر محكوما للحكومة الحاضرة التي بيدها القوة والقدرة يميل ~~إلى إظهار ما ينفعها ويغمض عما يضرها ويفسد الأمر عليها، وليس ذلك إلا ما ~~لا نشك فيه أن الحكومات المقتدرة في كل عصر تهتم بإفشاء ما تنتفع به من ~~الحقائق وستر ما تستضر به أو تلبيسها بلباس تنتفع به أو تصوير الباطل ~~والكذب بصورة الحق والصدق، فإن الفرد من الإنسان والمجتمع منه مفطوران على ~~جلب النفع ودفع الضرر بأي نحو أمكن، وهذا أمر لا يشك فيه من له أدنى شعور ~~يشعر به الأوضاع العامة الحاضرة في زمان حياته ويتأمل به في تاريخ الأمم ~~الماضية والبعيدة. # وثانيهما: أن المتحملين للأخبار والناقلين لها والمؤلفين فيها جميعهم لا ~~يخلون من إعمال الإحساسات الباطنية والعصبيات القومية فيما يتحملون منها أو ~~يقضون فيها، فإن جملة الأخبار في الماضين، والحكومة في أعصارهم حكومة ~~الدين، كانوا منتحلين بنحلة ومتدينين كل بدين، وكانت الإحساسات المذهبية ~~فيهم قوية والعصبيات القومية شديدة فلا محالة كانت تداخل الأخبار التاريخية ~~من حيث اشتمالها على أحكام وأقضية كما أن العصبية المادية والإحساسات ~~القوية اليوم للحرية على الدين وللهوى على العقل يوجب مداخلات من أهل ~~الأخبار اليوم نظير مداخلات القدماء فيما ضبطوه أو نقلوه، ومن هنا أنك لا ~~ترى أهل دين ونحلة فيما ألف أو جمع من الأخبار أودع شيئا يخالف مذهبه فما ~~ضبطه أهل كل مذهب موافق لأصول مذهبه، وكذا الأمر في النقل اليوم لا ترى ~~كلمة تاريخية عملته أيديهم إلا وفيه بعض التأييد ms0739 للمذهب المادي. PageV02P175 # على أن هاهنا عوامل أخرى تستدعي فساد التاريخ، وهو فقدان وسائل الضبط ~~والأخذ والتحمل والنقل والتأليف والحفظ عن التغير والفقدان سابقا وهذه ~~النقيصة وإن ارتفعت اليوم بتقارب البلاد وتراكم وسائل الاتصال وسهولة نقل ~~الأخبار والانتقال والتحول لكن عمت البلية من جهة أخرى وهي: أن السياسة ~~داخلت جميع شئون الإنسان في حياته، فالدنيا اليوم تدور مدار السياسة ~~الفنية، وبحسب تحولها تتحول الأخبار من حال إلى حال، وهذا مما يوجب سوء ~~الظن بالتاريخ حتى كاد أن يورده مورد السقوط، ووجود هذه النواقص أو النواقض ~~في التاريخ النقلي هو السبب أو عمدة السبب في إعراض العلماء اليوم عنه إلى ~~تأسيس القضايا التاريخية على أساس الآثار الأرضية، وهذا وإن سلمت عن بعض ~~الإشكالات المذكورة كالأول مثلا، لكنها غير خالية عن الباقي، وعمدته مداخلة ~~المؤرخ بما عنده من الإحساس والعصبية في الأقضية، وتصرف السياسة فيها إفشاء ~~وكتمانا وتغييرا وتبديلا، فهذا حال التاريخ وما معه من جهات الفساد الذي لا ~~يقبل الإصلاح أبدا. # ومن هنا يظهر: أن القرآن الشريف لا يعارض في قصصه بالتاريخ إذا خالفه، ~~فإنه وحي إلهي منزه عن الخطإ مبرأ عن الكذب، فلا يعارضه من التاريخ ما لا ~~مؤمن له يؤمنه من الكذب والخطإ، فأغلب القصص القرآنية كنفس هذه القصة قصة ~~طالوت يخالف ما يوجد في كتب العهدين، ولا ضير فيه فإن كتب العهدين لا تزيد ~~على التواريخ المعمولة التي قد علمت كيفية تلاعب الأيدي فيها وبها، على أن ~~مؤلف هذه القصة وهي قصة صموئيل وشارل بلسان العهدين، غير معلوم الشخص أصلا، ~~وكيف كان فلا نبالي بمخالفة القرآن لما يوجد منافيا له في التواريخ وخاصة ~~في كتب العهدين، فالقرآن هو الكلام الحق من الحق عز اسمه. # على أن القرآن ليس بكتاب تاريخ ولا أنه يريد في قصصه بيان التاريخ على حد ~~ما يرومه كتاب التاريخ، وإنما هو كلام إلهي مفرغ في قالب الوحي يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ولذلك لا تراه يقص قصة بتمام أطرافها ~~وجهات وقوعها، وإنما ms0740 يأخذ من القصة نكات متفرقة يوجب الإمعان والتأمل فيها ~~حصول الغاية من عبرة أو حكمة أو موعظة أو غيرها. # كما هو مشهود في هذه القصة قصة طالوت وجالوت حيث يقول تعالى: ألم تر إلى ~~الملإ من بني إسرائيل، ثم يقول: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا "إلخ"، ثم يقول: وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه، ثم يقول: فلما فصل ~~طالوت "إلخ"، ثم يقول ولما برزوا لجالوت، ومن المعلوم أن اتصال هذه الجمل ~~بعضها إلى بعض في تمام الكلام يحتاج إلى قصة طويلة، وقد نبهناك بمثله فيما ~~مر من قصة البقرة، وهو مطرد في جميع القصص المقتصة في القرآن، لا يختص ~~بالذكر منها إلا مواضع الحاجة فيها: من عبرة وموعظة وحكمة أو سنة إلهية في ~~الأيام الخالية والأمم الدارجة، قال تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب": يوسف - 111، وقال تعالى: "يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين ~~من قبلكم:" النساء - 26، وقال تعالى: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين:" آل ~~عمران - 138، إلى غير ذلك من الآيات. PageV02P176 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 253 - 254 # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجت وءاتينا ~~عيسى ابن مريم البينت وأيدنه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينت ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يأيها الذين ءامنوا ~~أنفقوا مما رزقنكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة ~~والكفرون هم الظلمون (254) ### |||| AUTO بيان # سياق هاتين الآيتين لا يبعد كل البعد من سياق الآيات السابقة التي كانت ~~تأمر بالجهاد وتندب إلى الإنفاق ثم تقص قصة قتال طالوت ليعتبر به المؤمنون، ~~وقد ختمت القصة بقوله تعالى: وإنك لمن المرسلين الآية، وافتتحت هاتان ~~الآيتان بقوله: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، ثم ترجع ms0741 إلى شأن قتال أمم ~~الأنبياء بعدهم، وقد قال في القصة السابقة أعني: قصة طالوت: ألم تر إلى ~~الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى، فأتى بقوله: من بعد موسى، قيدا، ثم ترجع ~~إلى الدعوة إلى الإنفاق من قبل أن يأتي يوم، فهذا كله يؤيد أن يكون هاتان ~~الآيتان ذيل الآيات السابقة، والجميع نازلة معا. # وبالجملة الآية في مقام دفع ما ربما يتوهم: أن الرسالة وخاصة من حيث ~~كونها مشفوعة بالآيات البينات الدالة على حقية الرسالة ينبغي أن يختم بها ~~بلية القتال: إما من جهة أن الله سبحانه لما أراد هداية الناس إلى سعادتهم ~~الدنيوية والأخروية بإرسال الرسل وإيتاء الآيات البينات كان من الحري أن ~~يصرفهم عن القتال بعد، ويجمع كلمتهم على الهداية فما هذه الحروب والمشاجرات ~~بعد الأنبياء في أممهم وخاصة بعد انتشار دعوة الإسلام الذي يعد الاتحاد ~~والاتفاق من أركان أحكامه وأصول قوانينه؟ وإما من جهة أن إرسال الرسل ~~وإيتاء بينات الآيات للدعوة إلى الحق لغرض الحصول على إيمان القلوب، ~~والإيمان من الصفات القلبية التي لا توجد في القلب عنوة وقهرا فما ذا يفيده ~~القتال بعد استقرار النبوة؟ وهذا هو الإشكال الذي تقدم تقريره والجواب عنه ~~في الكلام على آيات القتال. # والذي يجيب تعالى به: أن القتال معلول الاختلاف الذي بين الأمم إذ لو لا ~~وجود الاختلاف لم ينجر أمر الجماعة إلى الاقتتال، فعلة الاقتتال الاختلاف ~~الحاصل بينهم ولو شاء الله لم يوجد اختلاف فلم يكن اقتتال رأسا، ولو شاء ~~لأعقم هذا السبب بعد وجوده لكن الله سبحانه يفعل ما يريد، وقد أراد جري ~~الأمور على سنة الأسباب، فوجد الاختلاف فوجد القتال فهذا إجمال ما تفيده الآية. # قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، إشارة إلى فخامة أمر الرسل ~~وعلو مقامهم ولذلك جيء في الإشارة بكلمة تلك الدالة على الإشارة إلى بعيد، ~~وفيه دلالة على التفضيل الإلهي الواقع بين الأنبياء (عليهم السلام) ففيهم ~~من هو أفضل وفيهم من هو مفضل عليه، وللجميع فضل فإن الرسالة في نفسها فضيلة ms0742 ~~وهي مشتركة بين الجميع، ففيما بين الرسل أيضا اختلاف في المقامات وتفاوت في ~~الدرجات كما أن بين الذين بعدهم اختلافا على ما يدل عليه ذيل الآية إلا أن ~~بين الاختلافين فرقا، فإن الاختلاف بين الأنبياء اختلاف في المقامات وتفاضل ~~في الدرجات مع اتحادهم في أصل الفضل وهو الرسالة، واجتماعهم في مجمع الكمال ~~وهو التوحيد، وهذا بخلاف الاختلاف الموجود بين أمم الأنبياء بعدهم فإنه ~~اختلاف بالإيمان والكفر، والنفي والإثبات، ومن المعلوم أن لا جامع في هذا ~~النحو من الاختلاف، ولذلك فرق تعالى بينهما من حيث التعبير فسمى ما ~~للأنبياء تفضيلا ونسبه إلى نفسه، وسمى ما عند الناس بالاختلاف ونسبه إلى ~~أنفسهم، فقال في مورد الرسل فضلنا، وفي مورد أممهم اختلفوا. PageV02P177 # ولما كان ذيل الآية متعرضا لمسألة القتال مرتبطا بها والآيات المتقدمة على ~~الآية أيضا راجعة إلى القتال بالأمر به والاقتصاص فيه لم يكن مناص من كون ~~هذه القطعة من الكلام أعني قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا إلى قوله بروح ~~القدس مقدمة لتبيين ما في ذيل الآية من قوله: ولو شاء الله ما اقتتل الذين ~~من بعدهم إلى قوله تعالى: ولكن الله يفعل ما يريد. # وعلى هذا فصدر الآية لبيان أن مقام الرسالة على اشتراكه بين الرسل (عليهم ~~السلام) مقام تنمو فيه الخيرات والبركات، وتنبع فيه الكمال والسعادة ودرجات ~~القربى والزلفى كالتكليم الإلهي وإيتاء البينات والتأييد بروح القدس، وهذا ~~المقام على ما فيه من الخير والكمال لم يوجب ارتفاع القتال لاستناده إلى ~~اختلاف الناس أنفسهم. # وبعبارة أخرى محصل معنى الآية أن الرسالة على ما هي عليه من الفضيلة مقام ~~تنمو فيه الخيرات كلما انعطفت إلى جانب منه وجدت فضلا جديدا، وكلما ملت إلى ~~نحو من أنحائه ألفيت غضا طريا، وهذا المقام على ما فيه من البهاء والسناء ~~والإتيان بالآيات البينات لا يتم به رفع الاختلاف بين الناس بالكفر ~~والإيمان، فإن هذا الاختلاف إنما يستند إلى أنفسهم فهم أنفسهم أوجدوا هذا ~~الاختلاف كما قال تعالى في موضع آخر: "إن الدين عند الله الإسلام ms0743 وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:" آل عمران - 19، ~~وقد مر بيانه في قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة:" البقرة - 213. # ولو شاء الله لمنع من هذا القتال الواقع بعدهم منعا تكوينيا، لكنهم ~~اختلفوا فيما بينهم بغيا وقد أجرى الله في سنة الإيجاد سببية ومسببية بين ~~الأشياء والاختلاف من علل التنازع، ولو شاء الله تعالى لمنع من هذا القتال ~~منعا تشريعيا أو لم يأمر به؟ ولكنه تعالى أمر به وأراد بأمره البلاء ~~والامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~الكاذبين. # وبالجملة القتال بين أمم الأنبياء بعدهم لا مناص عنه لمكان الاختلاف عن ~~بغي، والرسالة وبيناتها إنما تدحض الباطل وتزيل الشبه. # وأما البغي واللجاج وما يشابههما من الرذائل فلا سبيل إلى تصفية الأرض ~~منها، وإصلاح النوع فيها إلا القتال، فإن التجارب يعطي أن الحجة لم تنجح ~~وحدها قط إلا إذا شفع بالسيف، ولذلك كان كلما اقتضت المصلحة أمر الله ~~سبحانه بالقيام للحق والجهاد في سبيل الله كما في عهد إبراهيم وبني ~~إسرائيل، وبعد بعثة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد مر بعض ~~الكلام في هذا المعنى في تفسير آيات القتال سابقا. # قوله تعالى: منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، في الجملتين التفات من ~~الحضور إلى الغيبة، والوجه فيه والله أعلم - أن الصفات الفاضلة على قسمين: ~~منها ما هو بحسب نفس مدلول الاسم يدل على الفضيلة كالآيات البينات، ~~وكالتأييد بروح القدس كما ذكر لعيسى (عليه السلام) فإن هذه الخصال بنفسها ~~غالية سامية، ومنها: ما ليس كذلك، وإنما يدل على الفضيلة ويستلزم المنقبة ~~بواسطة الإضافة كالتكليم، فإنه لا يعد في نفسه منقبة وفضيلة إلا أن يضاف ~~إلى شيء فيكتسب منه البهاء والفضل كإضافته إلى الله عز اسمه، وكذا رفع ~~الدرجات لا فضيلة فيه بنفسه إلا أن يقال: رفع الله الدرجات مثلا فينسب ~~الرفع إلى الله، إذا عرفت هذا علمت: أن هذا هو الوجه في الالتفات من الحضور ~~إلى الغيبة في اثنتين ms0744 من الجمل الثلاث حيث قال تعالى: فمنهم من كلم الله ~~ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات، فحول وجه الكلام من التكلم ~~إلى الغيبة في الجملتين الأوليين حتى إذا استوفى الغرض عاد إلى وجه الكلام ~~الأول وهو التكلم فقال تعالى: وآتينا عيسى بن مريم. PageV02P178 # وقد اختلف المفسرون في المراد من الجملتين من هو؟ فقيل المراد بمن كلم ~~الله: موسى (عليه السلام) لقوله تعالى: "وكلم الله موسى تكليما:" النساء - ~~164، وغيره من الآيات، وقيل المراد به رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لما كلمه الله تعالى ليلة المعراج حيث قربه إليه تقريبا سقطت به ~~الوسائط جملة فكلمه بالوحي من غير واسطة، قال تعالى: "ثم دنا فتدلى فكان ~~قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى:" النجم - 10، وقيل المراد به ~~الوحي مطلقا لأن الوحي تكليم خفي، وقد سماه الله تعالى تكليما حيث قال: ~~"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب:" الآية الشورى - ~~51، وهذا الوجه لا يلائم من التبعيضية التي في قوله تعالى: منهم من كلم الله. # والأوفق بالمقام كون المراد به موسى (عليه السلام) لأن تكليمه هو المعهود ~~من كلامه تعالى النازل قبل هذه السورة المدنية، قال تعالى: "ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه إلى أن قال: قال يا موسى: إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي: الأعراف - 143، وهي آية مكية فقد كان كون موسى مكلما ~~معهودا عند نزول هذه الآية. # وكذا في قوله: ورفع بعضهم درجات، قيل المراد به محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لأن الله رفع درجته في تفضيله على جميع الرسل ببعثته إلى كافة الخلق ~~كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس: السبأ - 28، وبجعله رحمة ~~للعالمين كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين: الأنبياء - 107، ~~وبجعله خاتما للنبوة كما قال تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين: الأحزاب ~~- 40، وبإيتائه قرآنا مهيمنا على جميع الكتب وتبيانا لكل شيء ومحفوظا من ~~تحريف المبطلين، ومعجزا باقيا ببقاء الدنيا كما قال تعالى: وأنزلنا إليك ~~الكتاب ms0745 بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه: المائدة - 48، ~~وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء: النحل - 89، وقال تعالى: ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: الحجر - 6 وقال تعالى: قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا: الإسراء - 88، وباختصاصه بدين قيم يقوم على جميع مصالح الدنيا ~~والآخرة، قال تعالى: فأقم وجهك للدين القيم: الروم - 43، وقيل المراد به ما ~~رفع الله من درجة غير واحد من الأنبياء كما يدل عليه قوله تعالى في نوح: ~~سلام على نوح في العالمين: الصافات - 79، وقوله تعالى في إبراهيم (عليه ~~السلام): وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما: ~~البقرة - 124، وقوله تعالى فيه واجعل لي لسان صدق في الآخرين: الشعراء - ~~84، وقوله تعالى في إدريس (عليه السلام) ورفعناه مكانا عليا: مريم - 57، ~~وقوله تعالى في يوسف: نرفع درجات من نشاء: يوسف - 76، وقوله في داود (عليه ~~السلام): وآتينا داود زبورا: النساء - 163، إلى غير ذلك من مختصات ~~الأنبياء. # وكذا قيل: إن المراد بالرسل في الآية هم الذين اختصوا بالذكر في سورة ~~البقرة كإبراهيم وموسى وعيسى وعزير وأرميا وشموئيل وداود ومحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وقد ذكر موسى وعيسى من بينهم وبقي الباقون، فالبعض ~~المرفوع الدرجة هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة إلى الباقين، ~~وقيل: لما كان المراد بالرسل في الآية هم الذين ذكرهم الله قبيل الآية في ~~القصة وهم موسى وداود وشموئيل ومحمد، وقد ذكر ما اختص به موسى من التكليم ~~ثم ذكر رفع الدرجات وليس له إلا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن أن ~~يوجه التصريح باسم عيسى على هذا القول: بأن يقال: إن الوجه فيه عدم سبق ~~ذكره (عليه السلام) فيمن ذكر من الأنبياء في هذه الآيات. # والذي ينبغي أن يقال: إنه لا شك أن ما رفع الله به درجة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مقصود في الآية غير أنه لا وجه لتخصيص الآية به، ولا ms0746 بمن ~~ذكر في هذه الآيات أعني أرميا وشموئيل وداود ومحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ولا بمن ذكر في هذه السورة من الأنبياء فإن كل ذلك تحكم من غير وجه ~~ظاهر، بل الظاهر من إطلاق الآية شمول الرسل لجميع الرسل (عليهم السلام) ~~وشمول البعض في قوله تعالى: ورفع بعضهم درجات، لكل من أنعم الله عليه منهم ~~برفع الدرجة. PageV02P179 # وما قيل: إن الأسلوب يقتضي كون المراد به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لأن السياق في بيان العبرة للأمم التي تقتتل بعد رسلهم مع كون دينهم دينا ~~واحدا، والموجود منهم اليهود والنصارى والمسلمون فالمناسب تخصيص رسلهم ~~بالذكر، وقد ذكر منهم موسى وعيسى بالتفصيل في الآية، فتعين أن يكون البعض ~~الباقي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم). # فيه: أن القرآن يقضي بكون جميع الرسل رسلا إلى جميع الناس، قال تعالى: ~~"لا نفرق بين أحد منهم:" البقرة - 136، فإتيان الرسل جميعا بالآيات البينات ~~كان ينبغي أن يقطع دابر الفساد والقتال بين الذين بعدهم لكن اختلفوا بغيا ~~بينهم فكان ذلك أصلا يتفرع عليه القتال فأمر الله تعالى به حين تقتضيه ~~المصلحة ليحق الحق بكلماته ويقطع دابر المبطلين، فالعموم وجيه في الآية. # كلام في الكلام # ثم إن قوله تعالى: منهم من كلم الله، يدل على وقوع التكليم منه لبعض ~~الناس في الجملة أي أنه يدل على وقوع أمر حقيقي من غير مجاز وتمثيل وقد ~~سماه الله في كتابه بالكلام، سواء كان هذا الإطلاق إطلاقا حقيقيا أو إطلاقا ~~مجازيا، فالبحث في المقام من جهتين: الجهة الأولى: أن كلامه تعالى يدل على ~~أن ما خص الله تعالى به أنبياءه ورسله من النعم التي تخفى على إدراك غيرهم ~~من الناس مثل الوحي والتكليم ونزول الروح والملائكة ومشاهدة الآيات الإلهية ~~الكبرى، أو أخبرهم به كالملك والشيطان واللوح والقلم وسائر الآيات الخفية ~~على حواس الناس، كل ذلك أمور حقيقية واقعية من غير مجاز في دعاويهم مثل أن ~~يسموا القوى العقلية الداعية إلى الخير ملائكة، وما تلقيه هذه القوى إلى ~~إدراك الإنسان ms0747 بالوحي، والمرتبة العالية من هذه القوى وهي التي تترشح منها ~~الأفكار الطاهرة المصلحة للاجتماع الإنساني بروح القدس والروح الأمين، ~~والقوى الشهوية والغضبية النفسانية الداعية إلى الشر والفساد بالشياطين ~~والجن، والأفكار الرديئة المفسدة للاجتماع الصالح أو الموقعة لسيىء العمل ~~بالوسوسة والنزعة، وهكذا. # فإن الآيات القرآنية وكذا ما نقل إلينا من بيانات الأنبياء الماضين ظاهرة ~~في كونهم لم يريدوا بها المجاز والتمثيل، بحيث لا يشك فيه إلا مكابر متعسف ~~ولا كلام لنا معه، ولو جاز حمل هذه البيانات إلى أمثال هذه التجوزات جاز ~~تأويل جميع ما أخبروا به من الحقائق الإلهية من غير استثناء إلى المادية ~~المحضة النافية لكل ما وراء المادة، وقد مر بعض الكلام في المقام في بحث ~~الإعجاز. # ففي مورد التكليم الإلهي لا محالة أمر حقيقي متحقق يترتب عليه من الآثار ~~ما يترتب على التكلمات الموجودة فيما بيننا. # توضيح ذلك: أنه سبحانه عبر عن بعض أفعاله بالكلام والتكليم كقوله تعالى: ~~"وكلم الله موسى تكليما": النساء - 163، وقوله تعالى: "منهم من كلم الله ~~الآية، وقد فسر تعالى هذا الإطلاق المبهم الذي في هاتين الآيتين وما ~~يشبههما بقوله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء:" الشورى - 51، فإن الاستثناء في ~~قوله تعالى: إلا وحيا "إلخ"، لا يتم إلا إذا كان التكليم المدلول عليه ~~بقوله: أن يكلمه الله، تكليما حقيقة، فتكليم الله تعالى للبشر تكليم لكن ~~بنحو خاص، فحد أصل التكليم حقيقة غير منفي عنه. # والذي عندنا من حقيقة الكلام: هو أن الإنسان لمكان احتياجه إلى الاجتماع ~~والمدنية يحتاج بالفطرة إلى جميع ما يحتاج إليه هذا الاجتماع التعاوني، ~~ومنها التكلم وقد ألجأت الفطرة الإنسان أن يسلك إلى الدلالة على الضمير من ~~طريق الصوت المعتمد على مخارج الحروف من الفم، ويجعل الأصوات المؤلفة ~~والمختلطة أمارات دالة على المعاني المكنونة في الضمير التي لا طريق إليها ~~إلا من جهة العلائم الاعتبارية الوضعية، فالإنسان محتاج إلى التكلم من جهة ~~أنه لا طريق له إلى ms0748 التفهيم والتفهم إلا جعل الألفاظ والأصوات المؤتلفة ~~علائم جعلية وأمارات وضعية، ولذلك كانت اللغات في وسعتها دائرة مدار ~~الاحتياجات الموجودة، أعني: الاحتياجات التي تنبه لها الإنسان في حياته ~~الحاضرة، ولذلك أيضا كانت اللغات لا تزال تزيد وتتسع بحسب تقدم الاجتماع في ~~صراطه، وتكثر الحوائج الإنسانية في حياته الاجتماعية. PageV02P180 # ومن هنا يظهر: أن الكلام أعني تفهيم ما في الضمير بالأصوات المؤتلفة الدالة ~~عليه بالوضع والاعتبار إنما يتم في الإنسان وهو واقع في ظرف الاجتماع، ~~وربما لحق به بعض أنواع الحيوان مما لنوعه نحو اجتماع وله شيء من جنس ~~الصوت، على ما نحسب وأما الإنسان في غير ظرف الاجتماع التعاوني فلا تحقق ~~للكلام معه، فلو كان ثم إنسان واحد من غير أي اجتماع فرض لم تمس الحاجة إلى ~~التكلم قطعا لعدم مساس الحاجة إلى التفهيم والتفهم، وكذلك غير الإنسان مما ~~لا يحتاج في وجوده إلى التعاون الاجتماعي والحياة المدنية كالملك والشيطان مثلا. # فالكلام لا يصدر منه تعالى على حد ما يصدر الكلام منا أعني بنحو خروج ~~الصوت من الحنجرة واعتماده على مقاطع النفس من الفم المنضمة إليه، الدلالة ~~الاعتبارية الوضعية، فإنه تعالى أجل شأنا وأنزه ساحة أن يتجهز بالتجهيزات ~~الجسمانية، أو يستكمل بالدعاوي الوهمية الاعتبارية وقد قال تعالى: "ليس ~~كمثله شيء:" الشورى - 11. # لكنه سبحانه فيما مر من قوله: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب:" الشورى - 51، يثبت لشأنه وفعله المذكور حقيقة التكليم وإن ~~نفي عنه المعنى العادي المعهود بين الناس، فالكلام بحده الاعتباري المعهود ~~مسلوب عن الكلام الإلهي لكنه بخواصه وآثاره ثابت له، ومع بقاء الأثر ~~والغاية يبقى المحدود في الأمور الاعتبارية الدائرة في اجتماع الإنسان نظير ~~الذرع والميزان والمكيال والسراج والسلاح ونحو ذلك، وقد تقدم بيانه. # فقد: ظهر أن ما يكشف به الله سبحانه عن معنى مقصود إفهامه للنبي كلام ~~حقيقة، وهو سبحانه وإن بين لنا إجمالا أنه كلام حقيقة على غير الصفة التي ~~نعدها من الكلام الذي نستعمله، لكنه تعالى لم يبين لنا ولا نحن ms0749 تنبهنا من ~~كلامه أن هذا الذي يسميه كلاما يكلم به أنبياءه ما حقيقته؟ وكيف يتحقق؟ غير ~~أنه على أي حال لا يسلب عنه خواص الكلام المعهود عندنا ويثبت عليه آثاره ~~وهي تفهيم المعاني المقصودة وإلقاؤها في ذهن السامع. # وعلى هذا فالكلام منه تعالى كالإحياء والإماتة والرزق والهداية والتوبة ~~وغيرها فعل من أفعاله تعالى يحتاج في تحققه إلى تمامية الذات قبله لا كمثل ~~العلم والقدرة والحياة مما لا تمام للذات الواجبة بدونه من الصفات التي هي ~~عين الذات، كيف ولا فرق بينه وبين سائر أفعاله التي تصدر عنه بعد فرض تمام ~~الذات! وربما قبل الانطباق على الزمان قال تعالى: "ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني:" الأعراف - 143، وقال تعالى ~~"وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا:" مريم - 9، وقال تعالى: "فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم:" البقرة - 243، وقال تعالى: "نحن نرزقكم وإياهم:" الأنعام ~~- 151، وقال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه - 50، وقال تعالى: ~~"ثم تاب عليهم ليتوبوا:" التوبة - 118، فالآيات كما ترى تفيد زمانية الكلام ~~كما تفيد زمانية غيره من الأفعال كالخلق والإماتة والإحياء والرزق والهداية ~~والتوبة على حد سواء. # فهذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى، والبحث التفسيري المقصور على ~~الآيات القرآنية في معنى الكلام، أما ما يقتضيه البحث الكلامي على ما اشتغل ~~به السلف من المتكلمين أو البحث الفلسفي فسيأتيك نبأه. # واعلم: أن الكلام أو التكليم مما لم يستعلمه تعالى في غير مورد الإنسان، ~~نعم الكلمة أو الكلمات قد استعملت في غير مورده، قال تعالى: "وكلمته ألقاها ~~إلى مريم:" النساء - 171، أريد به نفس الإنسان، وقال تعالى: "وكلمة الله هي ~~العليا": التوبة - 40، وقال تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا": الأنعام - ~~155، وقال تعالى: "ما نفدت كلمات الله:" لقمان - 27، وقد أريد بها القضاء ~~أو نوع من الخلق على ما سيجيء الإشارة إليه. PageV02P181 # وأما لفظ القول فقد عم في كلامه تعالى الإنسان وغيره فقال تعالى في مورد ~~الإنسان: "فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ms0750 ولزوجك:" طه - 117، وقال تعالى في ~~مورد الملائكة: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة:" البقرة - ~~30، وقال أيضا: "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين:" ص - 71، وقال ~~في مورد إبليس "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي:" ص - 75، وقال ~~تعالى في غير مورد أولي العقل: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين:" فصلت - 11، وقال تعالى: ~~"قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم:" الأنبياء - 69، وقال تعالى: ~~وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي: هود - 44، ويجمع الجميع على كثرة ~~مواردها وتشتتها قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون: ~~يس - 82، وقوله تعالى: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون: مريم - 35. # والذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى حيث يستعمل القول في الموارد المذكورة ~~مما له سمع وإدراك بالمعنى المعهود عندنا كالإنسان مثلا، ومما سبيله ~~التكوين وليس له سمع وإدراك بالمعنى المعهود عندنا كالأرض والسماء، وحيث إن ~~الآيتين الأخيرتين بمنزلة التفسير لما يتقدمهما من الآيات أن القول منه ~~تعالى إيجاد أمر يدل على المعنى المقصود. # فأما في التكوينيات فنفس الشيء الذي أوجده تعالى وخلقه هو شيء مخلوق ~~موجود، وهو بعينه قول له تعالى لدلالته بوجوده على خصوص إرادته سبحانه فإن ~~من المعلوم أنه إذا أراد شيئا فقال له كن فكان ليس هناك لفظ متوسط بينه ~~تعالى وبين الشيء، وليس هناك غير نفس وجود الشيء، فهو بعينه مخلوق وهو ~~بعينه قوله، كن، فقوله في التكوينيات نفس الفعل وهو الإيجاد وهو الوجود وهو ~~نفس الشيء. # وأما في غير التكوينيات كمورد الإنسان مثلا فبإيجاده تعالى أمرا يوجب ~~علما باطنيا في الإنسان بأن كذا كذا، وذلك إما بإيجاد صوت عند جسم من ~~الأجسام، أو بنحو آخر لا ندركه، أو لا ندرك كيفية تأثيره في نفس النبي بحيث ~~يوجد معه علم في نفسه بأن كذا كذا على حد ما مر في الكلام. # وكذلك القول في قوله تعالى ms0751 للملائكة أو الشيطان، لكن يختص هذان النوعان ~~وما شابههما لو كان لهما شبيه بخصوصية، وهي أن الكلام والقول المعهود فيما ~~بيننا إنما هو باستخدام الصوت أو الإشارة بضميمة الاعتبار الوضعي الذي ~~يستوجبه فينا فطرتنا الحيوانية الاجتماعية، ومن المعلوم على ما يعطيه كلامه ~~تعالى أن الملك والشيطان ليس وجودهما من سنخ وجودنا الحيواني الاجتماعي ~~وليس في وجودهما هذا التكامل التدريجي العلمي الذي يستدعي وضع الأمور ~~الاعتبارية. # ويظهر من ذلك: أن ليس فيما بين الملائكة ولا فيما بين الشياطين هذا النوع ~~من التفهيم والتفهم الذهني المستخدم فيه الاعتبار اللغوي والأصوات المؤلفة ~~الموضوعة للمعاني، وعلى هذا فلا يكون تحقق القول فيما بينهم أنفسهم نظير ~~تحققه فيما بيننا أفراد الإنسان بصدور صوت مؤلف تأليفا لفظيا وضعيا من فم ~~مشقوق ينضم إليه أعضاء فعالة للصوت من واحد، والتأثر من ذلك بإحساس أذن ~~مشقوق ينضم إليها أعضاء آخذة للصوت المقروع من واحد آخر وهو ظاهر، لكن ~~حقيقة القول موجودة فيما بين نوعيهما بحيث يترتب عليه أثر القول وخاصته وهو ~~فهم المعنى المقصود وإدراكه فبين الملائكة أو الشياطين قول لا كنحو قولنا، ~~وكذا بين الله سبحانه وبينهم قول لا بنحو إيجاد الصوت واللفظ الموضوع ~~وإسماعه لهم كما سمعت. # وكذلك القول في ما ينسب إلى نوع الحيوانات العجم من القول في القرآن ~~الكريم كقوله تعالى: قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم: النمل - 18، ~~وقال تعالى فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين: النمل - 22، ~~وكذا ما يذكر فيه من قول الله تعالى ووحيه إليهم كقوله تعالى: وأوحى ربك ~~إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون: النحل - 68. PageV02P182 # وهناك ألفاظ أخر ربما استعمل في معنى القول والكلام أو ما يقرب من معناهما ~~كالوحي، قال تعالى: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى الذين من قبلك:" ~~النساء - 163، والإلهام، قال تعالى: ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها: الشمس - 8، والنبأ، قال تعالى: قال نبأني العليم الخبير: التحريم ~~- 3، والقص، قال تعالى: يقص الحق: الأنعام - 57، والقول في جميع هذه ms0752 ~~الألفاظ من حيث حقيقة المعنى هو الذي قلناه في أول الكلام من لزوم تحقق أمر ~~حقيقي معه يترتب عليه أثر القول وخاصته سواء علمنا بحقيقة هذا الأمر ~~الحقيقي المتحقق بالضرورة أو لم نعلم بحقيقته تفصيلا، وفي الوحي خاصة كلام ~~سيأتي التعرض له في سورة الشورى إن شاء الله. # وأما اختصاص بعض الموارد ببعض هذه الألفاظ مع كون المعنى المشترك المذكور ~~موجودا في الجميع كتسمية بعضها كلاما وبعضها قولا وبعضها وحيا مثلا لا غير ~~فهو يدور مدار ظهور انطباق العناية اللفظية على المورد، فالقول يسمى كلاما ~~نظرا إلى السبب الذي يفيد وقوع المعنى في الذهن ولذلك سمي هذا الفعل الإلهي ~~في مورد بيان تفضيل الأنبياء وتشريفهم كلاما لأن العناية هناك إنما هو ~~بالمخاطبة والتكليم، ويسمى قولا بالنظر إلى المعنى المقصود إلقاؤه وتفهيمه ~~ولذلك سمي هذا الأمر الإلهي في مورد القضاء والقدر والحكم والتشريع ونحو ~~ذلك قولا كقوله تعالى: قال الحق والحق أقول لأملأن: ص - 85، ويسمى وحيا ~~بعناية كونه خفيا عن غير الأنبياء ولذلك عبر في موردهم (عليهم السلام) ~~بالوحي كقوله: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى الذين من قبلك الآية: النساء - 163. # الجهة الثانية: وهي البحث من جهة كيفية الاستعمال فقد عرفت أن مفردات ~~اللغة إنما انتقل الإنسان إلى معانيها ووضع الألفاظ بحذائها واستعملها فيها ~~في المحسوسات من الأمور الجسمانية ابتداء ثم انتقل تدريجا إلى المعنويات، ~~وهذا وإن أوجب كون استعمال اللفظ الموضوع للمعنى المحسوس في المعنى المعقول ~~استعمالا مجازيا ابتداء لكنه سيعود حقيقة بعد استقرار الاستعمال وحصول ~~التبادر، وكذلك ترقي الاجتماع وتقدم الإنسان في المدنية والحضارة يوجب ~~التغير في الوسائل التي ترفع حاجته الحيوية، والتبدل فيها دائما مع بقاء ~~الأسماء فالأسماء لا تزال تتبدل مصاديق معانيها مع بقاء الأغراض المرتبة، ~~وذلك كما أن السراج في أول ما تنبه الإنسان لإمكان رفع بعض الحوائج به كان ~~مثلا شيئا من الدهن أو الدهنيات مع فتيله متصلة بها في ظرف يحفظها فكانت ~~تشتعل الفتيلة للاستضاءة بالليل، فركبته الصناعة على هذه الهيئة أولا وسماه ~~الإنسان ms0753 بالسراج، ثم لم يزل يتحول طورا بعد طور، ويركب طبقا عن طبق، حتى ~~انتهت إلى هذه السرج الكهربائية التي لا يوجد فيها ومعها شيء من أجزاء ~~السراج المصنوع أولا، الموضوع بحذائه لفظ السراج من دهن وفتيلة وقصعة خزفية ~~أو فلزية، ومع ذلك نحن نطلق لفظ السراج عليها وعلى سائر أقسام السراج على ~~حد سواء، ومن غير عناية، وليس ذلك إلا أن الغاية والغرض من السراج أعني ~~الأثر المقصود منه المترتب على المصنوع أولا يترتب بعينه على المصنوع أخيرا ~~من غير تفاوت، وهو الاستضاءة، ونحن لا نقصد شيئا من وسائل الحياة ولا ~~نعرفها إلا بغايتها في الحياة وأثرها المترتب، فحقيقة السراج ما يستضاء ~~بضوئه بالليل، ومع بقاء هذه الخاصة والأثر يبقى حقيقة السراج ويبقى اسم ~~السراج على حقيقة معناه من غير تغير وتبدل، وإن تغير الشكل أحيانا أو ~~الكيفية أو الكمية أو أصل أجزاء الذات كما عرفت في المثال، وعلى هذا ~~فالملاك في بقاء المعنى الحقيقي وعدم بقائه بقاء الأثر المطلوب من الشيء ~~على ما كان من غير تغير، وقلما يوجد اليوم في الأمور المصنوعة ووسائل ~~الحياة - وهي ألوف وألوف - شيء لم يتغير ذاته عما حدث عليه أولا، غير أن ~~بقاء الأثر والخاصة أبقى لكل واحد منها اسمه الأول الذي وضع له. # وفي اللغات شيء كثير من القسم الأول وهو اللفظ المنقول من معنى محسوس إلى ~~معنى معقول يعثر عليه المتتبع البصير. # فقد تحصل أن استعمال الكلام والقول فيما مر مع فرض بقاء الأثر والخاصة ~~استعمال حقيقي لا مجازي. PageV02P183 # فظهر من جميع ما بيناه: أن إطلاق الكلام والقول في مورده تعالى يحكي عن أمر ~~حقيقي واقعي، وأنه من مراتب المعنى الحقيقي لهاتين اللفظتين وإن اختلف من ~~حيث المصداق مع ما عندنا من مصداق الكلام، كما أن سائر الألفاظ المشتركة ~~الاستعمال بيننا وبينه تعالى كالحياة والعلم والإرادة والإعطاء كذلك. # واعلم: أن القول في معنى رفع الدرجات من قوله تعالى: ورفع بعضهم درجات، ~~من حيث اشتماله على أمر حقيقي واقعي غير اعتباري كالقول ms0754 في معنى الكلام ~~بعينه فقد توهم أكثر الباحثين في المعارف الدينية: أن ما اشتملت عليه هذه ~~البيانات أمور اعتبارية ومعاني وهمية نظير ما يوجد بيننا معاشر أهل ~~الاجتماع من الإنسان من مقامات الرئاسة والزعامة والفضيلة والتقدم والتصدر ~~ونحو ذلك، فلزمهم أن يجعلوا ما يرتبط بها من الحقائق كمقامات الآخرة من جنة ~~ونار وسؤال وغير ذلك مرتبطة مترتبة نظير ترتب الآثار الخارجية على هذه ~~المقامات الاجتماعية الاعتبارية، أي أن الرابطة بين المقامات المعنوية ~~المذكورة وبين النتائج المرتبة عليها رابطة الاعتبار والوضع، ولزمهم - ~~اضطرارا - كون جاعل هذه الروابط وهو الله تعالى وتقدس، محكوما بالآراء ~~الاعتبارية ومبعوثا عن الشعور الوهمي كالإنسان الواقع في عالم المادة، ~~والنازل في منزل الحركة والاستكمال، ولذلك تراهم يستنكفون عن القول باختصاص ~~المقربين من أنبيائه وأوليائه بالكمالات الحقيقية المعنوية التي تثبتها لهم ~~ظواهر الكتاب والسنة إلا أن تنسلخ عن حقيقتها وترجع إلى نحو من ~~الاعتباريات. # قوله تعالى: وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس، رجوع إلى ~~أصل السياق وهو التكلم دون الغيبة كما مر. # والوجه في التصريح باسم عيسى مع عدم ذكر غيره من الرسل في الآية: أن ما ~~ذكره له (عليه السلام) من جهات التفضيل وهو إيتاء البينات، والتأييد بروح ~~القدس مشترك بين الرسل جميعا ليس مما يختص ببعضهم دون بعض، قال تعالى: "لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات:" الحديد - 25، وقال تعالى: "ينزل الملائكة بالروح ~~من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا": النمل - 2، لكنهما في عيسى بنحو ~~خاص فجميع آياته كإحياء الموتى وخلق الطير بالنفخ وإبراء الأكمه والأبرص، ~~والإخبار عن المغيبات كانت أمورا متكئة على الحياة مترشحة عن الروح، فلذلك ~~نسبها إلى عيسى (عليه السلام) وصرح باسمه إذ لو لا التصريح لم يدل على كونه ~~فضيلة خاصة كما لو قيل: وآتينا بعضهم البينات وأيدناه بروح القدس، إذ ~~البينات وروح القدس كما عرفت مشتركة غير مختصة، فلا يستقيم نسبتها إلى ~~البعض بالاختصاص إلا مع التصريح باسمه ليعلم أنها فيه بنحو خاص غير مشترك ~~تقريبا، على أن في اسم ms0755 عيسى (عليه السلام) خاصة أخرى وآية بينة وهي أنه ابن ~~مريم لا أب له، قال تعالى: "وجعلناها وابنها آية للعالمين:" الأنبياء - 91، ~~فمجموع الابن والأم آية بينة إلهية وفضيلة اختصاصية أخرى. # قوله تعالى: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم ~~البينات، العدول إلى الغيبة ثانيا لأن المقام مقام إظهار أن المشية ~~والإرادة الربانية غير مغلوبة، والقدرة غير باطلة، فجميع الحوادث على طرفي ~~إثباتها ونفيها غير خارجة عن السلطنة الإلهية، وبالجملة وصف الألوهية هي ~~التي تنافي تقيد القدرة وتوجب إطلاق تعلقها بطرفي الإيجاب والسلب فمست حاجة ~~المقام إلى إظهار هذه الصفة المتعالية أعني الألوهية للذكر فقيل: ولو شاء ~~الله ما اقتتل، ولم يقل: ولو شئنا ما اقتتل، وهذا هو الوجه أيضا في قوله ~~تعالى في ذيل الآية: ولو شاء الله ما اقتتلوا، وقوله: ولكن الله يفعل ما ~~يريد، وهو الوجه أيضا في العدول عن الإضمار إلى الإظهار. # قوله تعالى: ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، نسب الاختلاف إليهم ~~لا إلى نفسه لأنه تعالى ذكر في مواضع من كلامه: أن الاختلاف بالإيمان ~~والكفر وسائر المعارف الأصلية المبينة في كتب الله النازلة على أنبيائه ~~إنما حدث بين الناس بالبغي، وحاشا أن ينتسب إليه سبحانه بغي أو ظلم. PageV02P184 # قوله تعالى: ولو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد، أي ولو شاء الله ~~لم يؤثر الاختلاف في استدعاء القتال ولكن الله يفعل ما يريد وقد أراد أن ~~يؤثر هذا الاختلاف في سوقه الناس إلى الاقتتال جريا على سنة الأسباب. # ومحصل معنى الآية والله العالم: أن الرسل التي أرسلوا إلى الناس عباد لله ~~مقربون عند ربهم، مرتفع عن الناس أفقهم وهم مفضل بعضهم على بعض على ما لهم ~~من الأصل الواحد والمقام المشترك، فهذا حال الرسل وقد أتوا للناس بآيات ~~بينات أظهروا بها الحق كل الإظهار وبينوا طريق الهداية أتم البيان، وكان ~~لازمه أن لا ينساق الناس بعدهم إلا إلى الوحدة والألفة والمحبة في دين الله ~~من غير اختلاف ms0756 وقتال لكن كان هناك سبب آخر أعقم هذا السبب، وهو الاختلاف عن ~~بغي منهم وانشعابهم إلى مؤمن وكافر، ثم التفرق بعد ذلك في سائر شئون الحياة ~~والسعادة، ولو شاء الله لأعقم هذا السبب أعني الاختلاف فلم يوجب الاقتتال ~~وما اقتتلوا، ولكن لم يشأ وأجرى هذا السبب كسائر الأسباب والعلل على سنة ~~الأسباب التي أرادها الله في عالم الصنع والإيجاد، والله يفعل ما يريد. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا "إلخ"، معناه واضح وفي ذيل الآية ~~دلالة على أن الاستنكاف عن الإنفاق كفر وظلم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا ~~"إلخ"، في هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد قد اختلفوا من بعده فمنهم من ~~آمن ومنهم من كفر. # وفي تفسير العياشي، عن أصبغ بن نباتة، قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال: ~~يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا، وهلل القوم وهللنا، وصلى القوم وصلينا، ~~فعلى ما نقاتلهم؟! فقال (عليه السلام): على هذه الآية "تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض - منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات - وآتينا عيسى بن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس - ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم فنحن ~~الذين من بعدهم ولكن اختلفوا فمنهم من آمن - ومنهم من كفر ولو شاء الله ما ~~اقتتلوا - ولكن الله يفعل ما يريد" فنحن الذين آمنا وهم الذين كفروا فقال ~~الرجل: كفر القوم ورب الكعبة ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. # أقول: وروى هذه القصة المفيد والشيخ في أماليهما، والقمي في تفسيره، ~~والرواية تدل على أنه (عليه السلام) أخذ الكفر في الآية بالمعنى الأعم من ~~الكفر الخاص المصطلح الذي له أحكام خاصة في الدين، فإن النقل المستفيض وكذا ~~التاريخ يشهدان أنه (عليه السلام) ما كان يعامل مع مخالفيه من أصحاب الجمل ~~وأصحاب صفين والخوارج معاملة الكفار من غير أهل الكتاب ولا معاملة أهل ms0757 ~~الكتاب ولا معاملة أهل الردة من الدين، فليس إلا أنه عدهم كافرين على ~~الباطن دون الظاهر، وقد كان (عليه السلام) يقول: أقاتلهم على التأويل دون ~~التنزيل. # وظاهر الآية يساعد هذا المعنى، فإنه يدل على أن البينات التي جاءت بها ~~الرسل لم تنفع في رفع الاقتتال من الذين من بعدهم لمكان الاختلاف المستند ~~إليهم أنفسهم فوقوع الاختلاف مما لا تنفع فيه البينات من الرسل بل هو مما ~~يؤدي إليه الاجتماع الإنساني الذي لا يخلو عن البغي والظلم، فالآية في مساق ~~قوله تعالى: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ~~ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون:" يونس: 19، وقوله تعالى: "كان الناس أمة ~~واحدة - إلى أن قال -: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه:" ~~البقرة - 213، وقوله تعالى: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك:" هود - ~~119، كل ذلك يدل على أن الاختلاف في الكتاب - وهو الاختلاف في الدين - بين ~~أتباع الأنبياء بعدهم مما لا مناص عنه، وقد قال تعالى في خصوص هذه الأمة: ~~"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم:" البقرة - ~~214، وقال تعالى حكاية عن رسوله ليوم القيامة: "وقال الرسول يا رب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا:" الفرقان - 30، وفي مطاوى الآيات تصريحات ~~وتلويحات بذلك. PageV02P185 # وأما إن ذيل هذا الاختلاف منسحب إلى زمان الصحابة بعد الرحلة فالمعتمد من ~~التاريخ والمستفيض أو المتواتر من الأخبار يدل على أن الصحابة أنفسهم كان ~~يعامل بعضهم مع بعض في الفتن والاختلافات الواقعة بعد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) هذه المعاملة، من غير أن يستثنوا أنفسهم من ذلك استنادا ~~إلى عصمة أو بشارة أو اجتهاد أو استثناء من الله ورسوله، والزائد على هذا ~~المقدار من البحث لا يناسب وضع هذا الكتاب. # وفي أمالي المفيد، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: لم يزل الله جل اسمه عالما ms0758 بذاته ولا معلوم، ولم يزل قادرا بذاته ولا ~~مقدور، قلت: جعلت فداك فلم يزل متكلما؟ قال: الكلام محدث، كان الله عز وجل ~~وليس بمتكلم ثم أحدث الكلام. # وفي الإحتجاج، عن صفوان بن يحيى، قال: سأل أبو قرة المحدث عن الرضا (عليه ~~السلام) فقال: أخبرني جعلت فداك عن كلام الله لموسى فقال: الله أعلم بأي ~~لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك ~~عن هذا اللسان فقال أبو الحسن (عليه السلام): سبحان الله عما تقول ومعاذ ~~الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون ولكنه سبحانه ليس كمثله شيء ~~ولا كمثله قائل فاعل، قال: كيف؟ قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام ~~المخلوق، لمخلوق ولا يلفظ بشق فم ولسان، ولكن يقول له كن فكان، بمشيته ما ~~خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردد في نفس الخبر. # وفي نهج البلاغة، في خطبة له (عليه السلام): متكلم لا بروية، مريد لا ~~بهمة، الخطبة. # وفي النهج، أيضا في خطبة له (عليه السلام): الذي كلم موسى تكليما، وأراه ~~من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات، الخطبة. # أقول: والأخبار المروية عن أئمة أهل البيت في هذا المعنى كثيرة، وهي ~~مطبقة على أن كلامه تعالى الذي يسميه الكتاب والسنة كلاما صفة فعل لا صفة ذات. ### |||| AUTO بحث فلسفي # ذكر الحكماء: أن ما يسمى عند الناس قولا وكلاما وهو نقل الإنسان المتكلم ~~ما في ذهنه من المعنى بواسطة أصوات مؤلفة موضوعة لمعنى فإذا قرع سمع ~~المخاطب أو السامع نقل المعنى الموضوع له الذي في ذهن المتكلم إلى ذهن ~~المخاطب أو السامع، فحصل بذلك الغرض منه وهو التفهيم والتفهم، قالوا: ~~وحقيقة الكلام متقومة بما يدل على معنى خفي مضمر، وأما بقية الخصوصيات ~~ككونه بالصوت الحادث في صدر الإنسان ومروره من طريق الحنجرة واعتماده على ~~مقاطع الفم وكونه بحيث يقبل أن يقع مسموعا لا أزيد عددا أو أقل مما ركبت ~~عليه أسماعنا فهذه خصوصيات تابعة للمصاديق وليست بدخيلة في ms0759 حقيقة المعنى ~~الذي يتقوم بها الكلام. # فالكلام اللفظي الموضوع الدال على ما في الضمير كلام، وكذا الإشارة ~~الوافية لإراءة المعنى كلام كما أن إشارتك بيدك: أن اقعد أو تعال ونحو ذلك ~~أمر وقول، وكذا الوجودات الخارجية لما كانت معلولة لعللها، ووجود المعلول ~~لمسانخته وجود علته وكونه رابطا متنزلا له يحكي بوجوده وجود علته، ويدل ~~بذاته على خصوصيات ذات علته الكاملة في نفسها لو لا دلالة المعلول عليها. # فكل معلول بخصوصيات وجوده كلام لعلته تتكلم به عن نفسها وكمالاتها، ~~ومجموع تلك الخصوصيات بطور اللف كلمة من كلمات علته، فكل واحد من الموجودات ~~بما أن وجوده مثال لكمال علته الفياضة، وكل مجموع منها، ومجموع العالم ~~الإمكاني كلام الله سبحانه يتكلم به فيظهر المكنون من كمال أسمائه وصفاته، ~~فكما أنه تعالى خالق للعالم والعالم مخلوقه كذلك هو تعالى متكلم بالعالم ~~مظهر به خبايا الأسماء والصفات والعالم كلامه. # بل الدقة في معنى الدلالة على المعنى يوجب القول بكون الذات بنفسه دالا ~~على نفسه فإن الدلالة بالآخرة شأن وجودي ليس ولا يكون لشيء بنحو الأصالة ~~إلا لله وبالله سبحانه، فكل شيء دلالته على بارئه وموجده فرع دلالة ما منه ~~على نفسه ودلالته لله بالحقيقة، فالله سبحانه هو الدال على نفس هذا الشيء ~~الدال، وعلى دلالته لغيره. PageV02P186 # فهو سبحانه هو الدال على ذاته بذاته وهو الدال على جميع مصنوعاته فيصدق على ~~مرتبة الذات الكلام كما يصدق على مرتبة الفعل الكلام بالتقريب المتقدم، فقد ~~تحصل بهذا البيان أن من الكلام ما هو صفة الذات وهو الذات من حيث دلالته ~~على الذات، ومنه ما هو صفة الفعل، وهو الخلق والإيجاد من حيث دلالة الموجود ~~على ما عند موجده من الكمال. # أقول: ما نقلنا عنهم على تقدير صحته لا يساعد عليه اللفظ اللغوي، فإن ~~الذي أثبته الكتاب والسنة هو أمثال قوله تعالى: منهم من كلم الله وقوله: ~~وكلم الله موسى تكليما. # وقوله: قال الله يا عيسى، وقوله: وقلنا يا آدم، وقوله: إنا أوحينا إليك، ~~وقوله: نبأني العليم الخبير، ومن ms0760 المعلوم أن الكلام والقول بمعنى عين الذات ~~لا ينطبق على شيء من هذه الموارد. # واعلم أن بحث الكلام من أقدم الأبحاث العلمية التي اشتغلت به الباحثون من ~~المسلمين وبذلك سمي علم الكلام به وهي أن كلام الله سبحانه هل هو قديم أو ~~حادث؟ ذهبت الأشاعرة إلى القدم غير أنهم فسروا الكلام بأن المراد بالكلام ~~هو المعاني الذهنية التي يدل عليه الكلام اللفظي، وتلك المعاني علوم الله ~~سبحانه قائمة بذاته قديمة بقدمها، وأما الكلام اللفظي وهو الأصوات والنغمات ~~فهي حادثة زائدة على الذات بالضرورة. # وذهبت المعتزلة إلى الحدوث غير أنهم فسروا الكلام بالألفاظ الدالة على ~~المعنى التام دلالة وضعية فهذا هو الكلام عند العرف، قالوا: وأما المعاني ~~النفسية التي تسميه الأشاعرة كلاما نفسيا فهي صور علمية وليست بالكلام. # وبعبارة أخرى: إنا لا نجد في نفوسنا عند التكلم بكلام غير المفاهيم ~~الذهنية التي هي صور علمية فإن أريد بالكلام النفسي ذلك كان علما لا كلاما، ~~وإن أريد به أمر آخر وراء الصورة العلمية فإنا لا نجد وراءها شيئا بالوجدان هذا. # وربما أمكن أن يورد عليه بجواز أن يكون شيء واحد بجهتين أو باعتبارين ~~مصداقا لصفتين أو أزيد وهو ظاهر، فلم لا يجوز أن تكون الصورة الذهنية علما ~~من جهة كونه انكشافا للواقع، وكلاما من جهة كونه علما يمكن إفاضته للغير؟. # أقول: والذي يحسم مادة هذا النزاع من أصله أن وصف العلم في الله سبحانه ~~بأي معنى أخذناه أي سواء أخذ علما تفصيليا بالذات وإجماليا بالغير، أو أخذ ~~علما تفصيليا بالذات وبالغير في مقام الذات، وهذان المعنيان من العلم الذي ~~هو عين الذات، أو أخذ علما تفصيليا قبل الإيجاد بعد الذات أو أخذ علما ~~تفصيليا بعد الإيجاد وبعد الذات جميعا، فالعلم الواجبي على جميع تصاويره ~~علم حضوري غير حصولي. # والذي ذكروه وتنازعوا عليه إنما هو من قبيل العلم الحصولي الذي يرجع إلى ~~وجود مفاهيم ذهنية مأخوذة من الخارج بحيث لا يترتب عليها آثارها الخارجية ~~فقد أقمنا البرهان في محله: أن المفاهيم والماهيات لا ms0761 تتحقق إلا في ذهن ~~الإنسان أو ما قاربه جنسا من أنواع الحيوان التي تعمل الأعمال الحيوية ~~بالحواس الظاهرة والإحساسات الباطنة. # وبالجملة فالله سبحانه أجل من أن يكون له ذهن يذهن به المفاهيم والماهيات ~~الاعتبارية مما لا ملاك لتحقيقه إلا الوهم فقط نظير مفهوم العدم والمفاهيم ~~الاعتبارية في ظرف الاجتماع، ولو كان كذلك لكان ذاته المقدسة محلا للتركيب، ~~ومعرضا لحدوث الحوادث، وكلامه محتملا للصدق والكذب إلى غير ذلك من وجوه ~~الفساد تعالى عنها وتقدس. # وأما معنى علمه بهذه المفاهيم الواقعة تحت الألفاظ فسيجيء إن شاء الله ~~بيانه في موضع يليق به PageV02P187 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 255 # الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما فى السموت ~~وما فى الأرض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموت والأرض ولا يئوده ~~حفظهما وهو العلى العظيم (255) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، قد تقدم في سورة الحمد بعض ~~الكلام في لفظ الجلالة، وأنه سواء أخذ من أله الرجل بمعنى تاه ووله أو من ~~أله بمعنى عبد فلازم معناه الذات المستجمع لجميع صفات الكمال على سبيل ~~التلميح. # وقد تقدم بعض الكلام في قوله تعالى: لا إله إلا هو، في قوله تعالى: ~~"وإلهكم إله واحد:" البقرة - 163، وضمير هو وإن رجع إلى اسم الجلالة لكن ~~اسم الجلالة لما كان علما بالغلبة يدل على نفس الذات من حيث إنه ذات وإن ~~كان مشتملا على بعض المعاني الوصفية التي يلمح باللام أو بالإطلاق إليها، ~~فقوله: لا إله إلا هو، يدل على نفي حق الثبوت عن الآلهة التي تثبت من دون الله. # وأما اسم الحي فمعناه ذو الحياة الثابتة على وزان سائر الصفات المشبهة في ~~دلالتها على الدوام والثبات. # والناس في بادىء مطالعتهم لحال الموجودات وجدوها على قسمين: قسم منها لا ~~يختلف حاله عند الحس ما دام وجوده ثابتا كالأحجار وسائر الجمادات، ms0762 وقسم ~~منها ربما تغيرت حاله وتعطلت قواه وأفعاله مع بقاء وجودها على ما كان عليه ~~عند الحس، وذلك كالإنسان وسائر أقسام الحيوان والنبات فإنا ربما نجدها ~~تعطلت قواها ومشاعرها وأفعالها ثم يطرأ عليها الفساد تدريجا، وبذلك أذعن ~~الإنسان بأن هناك وراء الحواس أمرا آخر هو المبدأ للإحساسات والإدراكات ~~العلمية والأفعال المبتنية على العلم والإرادة وهو المسمى بالحياة ويسمى ~~بطلانه بالموت، فالحياة نحو وجود يترشح عنه العلم والقدرة. # وقد ذكر الله سبحانه هذه الحياة في كلامه ذكر تقرير لها، قال تعالى: ~~"اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها:" الحديد - 17، وقال تعالى: "إنك ترى ~~الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي ~~الموتى:" فصلت - 39، وقال تعالى: "وما يستوي الأحياء ولا الأموات:" الفاطر ~~- 22، وقال تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي:" الأنبياء - 30، فهذه تشمل ~~حياة أقسام الحي من الإنسان والحيوان والنبات. # وكذلك القول في أقسام الحياة، قال تعالى: "ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها": يونس - 7، وقال تعالى: "ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين:" المؤمن ~~- 11، والإحياءان المذكوران يشتملان على حياتين: إحداهما: الحياة البرزخية، ~~والثانية: الحياة الآخرة، فللحياة أقسام كما للحي أقسام. # والله سبحانه مع ما يقرر هذه الحياة الدنيا يعدها في مواضع كثيرة من ~~كلامه شيئا رديا هينا لا يعبأ بشأنه كقوله تعالى: "وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع:" الرعد - 26، وقوله تعالى: "تبتغون عرض الحياة الدنيا:" ~~النساء - 94، وقوله تعالى: "تريد زينة الحياة الدنيا:" الكهف - 28، وقوله ~~تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو:" الأنعام - 32، وقوله تعالى: "وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور:" الحديد - 20، فوصف الحياة الدنيا بهذه ~~الأوصاف فعدها متاعا والمتاع ما يقصد لغيره، وعدها عرضا والعرض ما يتعرض ثم ~~يزول، وعدها زينة و- الزينة - هو الجمال الذي يضم على الشيء ليقصد الشيء ~~لأجله فيقع غير ما قصد ويقصد غير ما وقع، وعدها لهوا و- اللهو - ما يلهيك ~~ويشغلك بنفسه عما يهمك، وعدها لعبا واللعب هو الفعل الذي يصدر لغاية خيالية ~~لا حقيقية، وعدها متاع الغرور وهو ما يغر به الإنسان. PageV02P188 # ويفسر جميع هذه ms0763 الآيات ويوضحها قوله تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون:" العنكبوت - 64، يبين ~~أن الحياة الدنيا إنما تسلب عنها حقيقة الحياة أي كمالها في مقابل ما تثبت ~~للحياة الآخرة حقيقة الحياة وكمالها، وهي الحياة التي لا موت بعدها، قال ~~تعالى: "آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى:" الدخان - 56، وقال ~~تعالى: لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد:" ق - 35، فلهم في حياتهم الآخرة أن ~~لا يعتريهم الموت، ولا يعترضهم نقص في العيش وتنغص، لكن الأول من الوصفين ~~أعني الأمن هو الخاصة الحقيقة للحياة الضرورية له. # فالحياة الأخروية هي الحياة بحسب الحقيقة لعدم إمكان طرو الموت عليها ~~بخلاف الحياة الدنيا، لكن الله سبحانه مع ذلك أفاد في آيات أخر كثيرة أنه ~~تعالى هو المفيض للحياة الحقيقية الأخروية والمحيي للإنسان في الآخرة، ~~وبيده تعالى أزمة الأمور، فأفاد ذلك أن الحياة الأخروية أيضا مملوكة لا ~~مالكة ومسخرة لا مطلقة أعني أنها إنما ملكت خاصتها المذكورة بالله لا ~~بنفسها. # ومن هنا يظهر أن الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت ~~عليها لذاتها ولا يتصور ذلك إلا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها ~~ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته، قال تعالى: "وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت:" الفرقان - 58، وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة، وهي ~~كون وجوده بحيث يعلم ويقدر بالذات. # ومن هنا يعلم: أن القصر في قوله تعالى: "هو الحي لا إله إلا هو" قصر ~~حقيقي غير إضافي، وأن حقيقة الحياة التي لا يشوبها موت ولا يعتريها فناء ~~وزوال هي حياته تعالى. # فالأوفق فيما نحن فيه من قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~الآية، وكذا في قوله تعالى: "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم:" آل ~~عمران - 1 أن يكون لفظ الحي خبرا بعد خبر فيفيد الحصر لأن التقدير، الله ~~الحي فالآية تفيد أن الحياة لله محضا إلا ما أفاضه لغيره. # وأما اسم القيوم فهو على ما قيل: فيعول ms0764 كالقيام فيعال من القيام وصف يدل ~~على المبالغة و- القيام - هو حفظ الشيء وفعله وتدبيره وتربيته والمراقبة ~~عليه والقدرة عليه، كل ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب للملازمة ~~العادية بين الانتصاب وبين كل منها. # وقد أثبت الله تعالى أصل القيام بأمور خلقه لنفسه في كلامه حيث قال ~~تعالى: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت:" الرعد - 33، وقال تعالى وهو ~~أشمل من الآية السابقة -: "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم:" آل عمران - 18، فأفاد ~~أنه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطي ولا يمنع شيئا في الوجود وليس ~~الوجود إلا الإعطاء والمنع إلا بالعدل بإعطاء كل شيء ما يستحقه ثم بين أن ~~هذا القيام بالعدل مقتضى اسميه الكريمين: العزيز الحكيم فبعزته يقوم على كل ~~شيء وبحكمته يعدل فيه. # وبالجملة لما كان تعالى هو المبدىء الذي يبتدي منه وجود كل شيء وأوصافه ~~وآثاره لا مبدأ سواه إلا وهو ينتهي إليه، فهو القائم على كل شيء من كل جهة ~~بحقيقة القيام الذي لا يشوبه فتور وخلل، وليس ذلك لغيره قط إلا بإذنه بوجه، ~~فليس له تعالى إلا القيام من غير ضعف وفتور، وليس لغيره إلا أن يقوم به، ~~فهناك حصران: حصر القيام عليه، وحصره على القيام، وأول الحصرين هو الذي يدل ~~عليه كون القيوم في الآية خبرا بعد خبر لله الله القيوم، والحصر الثاني هو ~~الذي تدل عليه الجملة التالية أعني قوله: لا تأخذه سنة ولا نوم. # وقد ظهر من هذا البيان أن اسم القيوم أم الأسماء الإضافية الثابتة له ~~تعالى جميعا وهي الأسماء التي تدل على معان خارجة عن الذات بوجه كالخالق ~~والرازق والمبدىء والمعيد والمحيي والمميت والغفور والرحيم والودود وغيرها. # قوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم، السنة بكسر السين الفتور الذي يأخذ ~~الحيوان في أول النوم، والنوم هو الركود الذي يأخذ حواس الحيوان لعوامل ~~طبيعية تحدث في بدنه، والرؤيا غيره وهي ما يشاهده النائم في منامه. PageV02P189 # وقد أورد على قوله: ms0765 سنة ولا نوم إنه على خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة ~~فإن المقام مقام الترقي، والترقي في الإثبات إنما هو من الأضعف إلى الأقوى ~~كقولنا: فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين، وفلان يجود بالمئات بل ~~بالألوف وفي النفي بالعكس كما نقول: لا يقدر فلان على حمل عشرين ولا عشرة، ~~ولا يجود بالألوف ولا بالمئات، فكان ينبغي أن يقال: لا تأخذه نوم ولا سنة. # والجواب: أن الترتيب المذكور لا يدور مدار الإثبات والنفي دائما كما ~~يقال: فلان يجهده حمل عشرين بل عشرة ولا يصح العكس، بل المراد هو صحة ~~الترقي وهي مختلفة بحسب الموارد، ولما كان أخذ النوم أقوى تأثيرا وأضر على ~~القيومية من السنة كان مقتضى ذلك أن ينفي تأثير السنة وأخذها أولا ثم يترقى ~~إلى نفي تأثير ما هو أقوى منه تأثيرا، ويعود معنى لا تأخذه سنة ولا نوم إلى ~~مثل قولنا: لا يؤثر فيه هذا العامل الضعيف بالفتور في أمره ولا ما هو أقوى منه. # قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه لما كانت القيومية التامة التي له تعالى لا تتم إلا بأن يملك ~~السماوات والأرض وما فيهما بحقيقة الملك ذكره بعدهما، كما أن التوحيد التام ~~في الألوهية لا يتم إلا بالقيومية، ولذلك ألحقها بها أيضا. # وهاتان جملتان كل واحدة منهما مقيدة أو كالمقيدة بقيد في معنى دفع الدخل، ~~أعني قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض، مع قوله تعالى: من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه، وقوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، مع ~~قوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. # فأما قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض، فقد عرفت معنى ملكه ~~تعالى بالكسر للموجودات وملكه تعالى بالضم لها، والملك بكسر الميم وهو قيام ~~ذوات الموجودات وما يتبعها من الأوصاف والآثار بالله سبحانه هو الذي يدل ~~عليه قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض، فالجملة تدل ms0766 على ملك ~~الذات وما يتبع الذات من نظام الآثار. # وقد تم بقوله: القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في ~~الأرض إن السلطان المطلق في الوجود لله سبحانه لا تصرف إلا وهو له ومنه، ~~فيقع من ذلك في الوهم أنه إذا كان الأمر على ذلك فهذه الأسباب والعلل ~~الموجودة في العالم ما شأنها؟ وكيف يتصور فيها ومنها التأثير ولا تأثير إلا ~~لله سبحانه؟ فأجيب بأن تصرف هذه العلل والأسباب في هذه الموجودات المعلولة ~~توسط في التصرف، وبعبارة أخرى شفاعة في موارد المسببات بإذن الله سبحانه، ~~فإنما هي شفعاء، والشفاعة - وهي بنحو توسط في إيصال الخير أو دفع الشر، ~~وتصرف ما من الشفيع في أمر المستشفع - إنما تنافي السلطان الإلهي والتصرف ~~الربوبي المطلق إذا لم ينته إلى إذن الله، ولم يعتمد على مشية الله تعالى ~~بل كانت مستقلة غير مرتبطة وما من سبب من الأسباب ولا علة من العلل إلا ~~وتأثيره بالله ونحو تصرفه بإذن الله، فتأثيره وتصرفه نحو من تأثيره وتصرفه ~~تعالى فلا سلطان في الوجود إلا سلطانه ولا قيومية إلا قيوميته المطلقة عز ~~سلطانه. # وعلى ما بيناه فالشفاعة هي التوسط المطلق في عالم الأسباب والوسائط أعم ~~من الشفاعة التكوينية وهي توسط الأسباب في التكوين، والشفاعة التشريعية ~~أعني التوسط في مرحلة المجازاة التي تثبتها الكتاب والسنة في يوم القيامة ~~على ما تقدم البحث عنها في قوله تعالى: "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا:" البقرة - 48، وذلك أن الجملة أعني قوله تعالى: من ذا الذي يشفع ~~عنده، مسبوقة بحديث القيومية والملك المطلق الشاملين للتكوين والتشريع معا، ~~بل المتماسين بالتكوين ظاهرا فلا موجب لتقييدهما بالقيومية والسلطنة ~~التشريعيتين حتى يستقيم تذييل الكلام بالشفاعة المخصوصة بيوم القيامة. PageV02P190 # فمساق هذه الآية في عموم الشفاعة مساق قوله تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا ~~من بعد إذنه": يونس - 3، وقوله تعالى: "الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما ms0767 في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع:" ~~الم السجدة - 4، وقد عرفت في البحث عن الشفاعة أن حدها كما ينطبق على ~~الشفاعة التشريعية كذلك ينطبق على السببية التكوينية، فكل سبب من الأسباب ~~يشفع عند الله لمسببه بالتمسك بصفات فضله وجوده ورحمته لإيصال نعمة الوجود ~~إلى مسببه، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام الشفاعة كما ينطبق على نظام ~~الدعاء والمسألة، قال تعالى: "يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في ~~شأن:" الرحمن - 29، وقال تعالى: "وآتيكم من كل ما سألتموه:" إبراهيم - 34، ~~وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني": البقرة - 186. # قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء، سياق الجملة مع مسبوقيتها بأمر الشفاعة يقرب من سياق قوله تعالى: ~~بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون:" الأنبياء - 28، ~~فالظاهر أن ضمير الجمع الغائب راجع إلى الشفعاء الذي تدل عليه الجملة ~~السابقة معنى فعلمه تعالى بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن كمال إحاطته ~~بهم، فلا يقدرون بواسطة هذه الشفاعة والتوسط المأذون فيه على إنفاذ أمر لا ~~يريده الله سبحانه ولا يرضى به في ملكه، ولا يقدر غيرهم أيضا أن يستفيد ~~سوءا من شفاعتهم ووساطتهم فيداخل في ملكه تعالى فيفعل فيه ما لم يقدره. # وإلى نظير هذا المعنى يدل قوله تعالى: "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا:" مريم - 64، وقوله تعالى: ~~"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى ~~كل شيء عددا": الجن - 28، فإن الآيات تبين إحاطته تعالى بالملائكة ~~والأنبياء لئلا يقع منهم ما لم يرده، ولا يتنزلوا إلا بأمره، ولا يبلغوا ~~إلا ما يشاؤه. ms0768 # وعلى ما بيناه فالمراد بما بين أيديهم: ما هو حاضر مشهود معهم، وبما ~~خلفهم: ما هو غائب عنهم بعيد منهم كالمستقبل من حالهم، ويؤول المعنى إلى ~~الشهادة والغيب. # وبالجملة قوله: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كناية عن إحاطته تعالى بما ~~هو حاضر معهم موجود عندهم وبما هو غائب عنهم آت خلفهم، ولذلك عقبه بقوله ~~تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، تبيينا لتمام الإحاطة ~~الربوبية والسلطة الإلهية أي أنه تعالى عالم محيط بهم وبعلمهم وهم لا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. # ولا ينافي إرجاع ضمير الجمع المذكر العاقل وهو قوله "هم" في المواضع ~~الثلاث إلى الشفعاء ما قدمناه من أن الشفاعة أعم من السببية التكوينية ~~والتشريعية، وأن الشفعاء هم مطلق العلل والأسباب، وذلك لأن الشفاعة ~~والوساطة والتسبيح والتحميد لما كان المعهود من حالها أنها من أعمال أرباب ~~الشعور والعقل شاع التعبير عنها بما يخص أولي العقل من العبارة. # وعلى ذلك جرى ديدن القرآن في بياناته كقوله تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم:" الإسراء - 44، وقوله تعالى: "ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": ~~فصلت - 11، إلى غير ذلك من الآيات. # وبالجملة قوله: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، يفيد معنى تمام ~~التدبير وكماله، فإن من كمال التدبير أن يجهل المدبر بالفتح بما يريده ~~المدبر بالكسر من شأنه ومستقبل أمره لئلا يحتال في التخلص عما يكرهه من أمر ~~التدبير فيفسد على المدبر بالكسر تدبيره، كجماعة مسيرين على خلاف مشتهاهم ~~ومرادهم فيبالغ في التعمية عليهم حتى لا يدروا من أين سيروا، وفي أين ~~نزلوا، وإلى أين يقصد بهم. PageV02P191 # فيبين تعالى بهذه الجملة أن التدبير له وبعلمه بروابط الأشياء التي هو ~~الجاعل لها، وبقية الأسباب والعلل وخاصة أولوا العلم منها وإن كان لها تصرف ~~وعلم لكن ما عندهم من العلم الذي ينتفعون به ويستفيدون منه فإنما هو من ~~علمه تعالى وبمشيته وإرادته، فهو من ms0769 شئون العلم الإلهي، وما تصرفوا به فهو ~~من شئون التصرف الإلهي وأنحاء تدبيره، فلا يسع لمقدم منهم أن يقدم على خلاف ~~ما يريده الله سبحانه من التدبير الجاري في مملكته إلا وهو بعض التدبير. # وفي قوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، على تقدير أن يراد ~~بالعلم المعنى المصدري أو معنى اسم المصدر لا المعلوم دلالة على أن العلم ~~كله لله ولا يوجد من العلم عند عالم إلا وهو شيء من علمه تعالى، ونظيره ما ~~يظهر من كلامه تعالى من اختصاص القدرة والعزة والحياة بالله تعالى، قال ~~تعالى: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا:" البقرة - ~~165، وقال تعالى: "أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا:" النساء - ~~139، وقال تعالى: "هو الحي لا إله إلا هو": المؤمن - 65، ويمكن أن يستدل ~~على ما ذكرناه من انحصار العلم بالله تعالى بقوله: "إنه هو العليم الحكيم:" ~~يوسف - 83، وقوله تعالى: "والله يعلم وأنتم لا تعلمون:" آل عمران - 66، إلى ~~غير ذلك من الآيات، وفي تبديل العلم بالإحاطة في قوله: ولا يحيطون بشيء من ~~علمه، لطف ظاهر. # قوله تعالى: وسع كرسيه السموات والأرض، الكرسي معروف وسمي به لتراكم بعض ~~أجزائه بالصناعة على بعض، وربما كني بالكرسي عن الملك فيقال كرسي الملك، ~~ويراد منطقة نفوذه ومتسع قدرته. # وكيف كان فالجمل السابقة على هذه الجملة أعني قوله: له ما في السموات وما ~~في الأرض "إلخ"، تفيد أن المراد بسعة الكرسي إحاطة مقام السلطنة الإلهية، ~~فيتعين للكرسي من المعنى: أنه المقام الربوبي الذي يقوم به ما في السماوات ~~والأرض من حيث إنها مملوكة مدبرة معلومة، فهو من مراتب العلم، ويتعين للسعة ~~من المعنى: أنها حفظ كل شيء مما في السماوات والأرض بذاته وآثاره، ولذلك ~~ذيله بقوله: ولا يؤوده حفظهما. # قوله تعالى: ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم، يقال: آده يؤوده أودا ~~إذا ثقل عليه وأجهده وأتعبه، والظاهر أن مرجع الضمير في يؤوده، هو الكرسي ~~وإن جاز رجوعه إليه تعالى، ونفي الأود والتعب عن حفظ ms0770 السماوات والأرض في ~~ذيل الكلام ليناسب ما افتتح به من نفي السنة والنوم في القيومية على ما في ~~السماوات والأرض. # ومحصل ما تفيده الآية من المعنى: أن الله لا إله إلا هو له كل الحياة وله ~~القيومية المطلقة من غير ضعف ولا فتور، ولذلك وقع التعليل بالاسمين ~~الكريمين: العلي العظيم فإنه تعالى لعلوه لا تناله أيدي المخلوقات فيوجبوا ~~بذلك ضعفا في وجوده وفتورا في أمره، ولعظمته لا يجهده كثرة الخلق ولا يطيقه ~~عظمة السماوات والأرض، وجملة: وهو العلي العظيم، لا تخلو عن الدلالة على ~~الحصر، وهذا الحصر إما حقيقي كما هو الحق، فإن العلو والعظمة من الكمال ~~وحقيقة كل كمال له تعالى، وأما دعوى لمسيس الحاجة إليه في مقام التعليل ~~ليختص العلو والعظمة به تعالى دعوى، فيسقط السماوات والأرض عن العلو ~~والعظمة في قبال علوه وعظمته تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أبو ذر: يا رسول ~~الله ما أفضل ما أنزل عليك؟ قال: آية الكرسي، ما السماوات السبع والأرضون ~~السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ثم قال: وإن فضل العرش على ~~الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة: أقول: وروى صدر الرواية السيوطي في الدر ~~المنثور، عن ابن راهويه في مسنده عن عوف بن مالك عن أبي ذر، ورواه أيضا عن ~~أحمد وابن الضريس والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة، قال: قلت: يا رسول ~~الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، آية ~~الكرسي: أقول: وروي فيه هذا المعنى أيضا عن الخطيب البغدادي في تاريخه عن ~~أنس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV02P192 # وفيه، أيضا عن الدارمي عن أيفع بن عبد الله الكلاغي، قال: قال رجل: يا رسول ~~الله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم، الحديث. # أقول: تسمية هذه الآية بآية الكرسي مما قد اشتهرت في ms0771 صدر الإسلام حتى في ~~زمان حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى في لسانه كما تفيده ~~الروايات المنقولة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) وعن الصحابة. # وليس إلا للاعتناء التام بها وتعظيم أمرها، وليس إلا لشرافة ما تدل عليه ~~من المعنى ورقته ولطفه، وهو التوحيد الخالص المدلول عليه بقوله: الله لا ~~إله إلا هو، ومعنى القيومية المطلقة التي يرجع إليه جميع الأسماء الحسنى ما ~~عدا أسماء الذات على ما مر بيانه، وتفصيل جريان القيومية في ما دق وجل من ~~الموجودات من صدرها إلى ذيلها ببيان أن ما خرج منها من السلطنة الإلهية فهو ~~من حيث إنه خارج منها داخل فيها، ولذلك ورد فيها أنها أعظم آية في كتاب ~~الله، وهو كذلك من حيث اشتمالها على تفصيل البيان، فإن مثل قوله تعالى: ~~"الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى:" طه - 8، وإن اشتملت على ما تشتمل ~~عليه آية الكرسي غير أنها مشتملة على إجمال المعنى دون تفصيله، ولذا ورد في ~~بعض الأخبار: أن آية الكرسي سيدة آي القرآن: رواها في الدر المنثور، عن أبي ~~هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وورد في بعضها: أن لكل شيء ذروة ~~وذروة القرآن آية الكرسي:، رواها العياشي في تفسيره عن عبد الله بن سنان عن ~~الصادق (عليه السلام). # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن أبي أمامة الباهلي: أنه سمع علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) يقول: ما أرى رجلا أدرك عقله الإسلام أو ولد في الإسلام يبيت ~~ليلة سوادها. قلت: وما سوادها؟ قال: جميعها حتى يقرأ هذه الآية: الله لا ~~إله إلا هو - الحي القيوم فقرأ الآية إلى قوله: ولا يؤوده حفظهما - وهو ~~العلي العظيم. قال: فلو تعلمون ما هي أو قال: ما فيها ما تركتموها على حال: ~~إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أعطيت آية الكرسي من كنز تحت ~~العرش، ولم يؤتها نبي كان قبلي، قال علي فما بت ليلة قط منذ سمعتها ms0772 من رسول ~~الله إلا قرأتها، الحديث. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن عبيد وابن أبي شيبة والدارمي ~~ومحمد بن نصر وابن الضريس عنه (عليه السلام)، ورواه أيضا عن الديلمي عنه ~~(عليه السلام)، والروايات من طرق الشيعة وأهل السنة في فضلها كثيرة، وقوله ~~(عليه السلام): إن رسول الله قال: أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، روي ~~في هذا المعنى أيضا في الدر المنثور، عن البخاري في تاريخه، وابن الضريس عن ~~أنس أن النبي قال: أعطيت آية الكرسي من تحت العرش، فيه إشارة إلى كون ~~الكرسي تحت العرش ومحاطا له وسيأتي الكلام في بيانه. # وفي الكافي، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله ~~عز وجل: وسع كرسيه السموات والأرض، السماوات والأرض وسعن الكرسي أو الكرسي ~~وسع السماوات والأرض؟ فقال (عليه السلام): إن كل شيء في الكرسي. # أقول: وهذا المعنى مروي عنهم في عدة روايات بما يقرب من هذا السؤال ~~والجواب وهو بظاهره غريب، إذ لم يرو قراءة كرسيه بالنصب والسماوات والأرض ~~بالرفع حتى يستصح بها هذا السؤال، والظاهر أنه مبني على ما يتوهمه الأفهام ~~العامية أن الكرسي جسم مخصوص موضوع فوق السماوات أو السماء السابعة أعني ~~فوق عالم الأجسام منه يصدر أحكام العالم الجسماني، فيكون السماوات والأرض ~~وسعته إذ كان موضوعا عليها كهيئة الكرسي على الأرض، فيكون معنى السؤال أن ~~الأنسب أن السماوات والأرض وسعت الكرسي فما معنى سعته لها؟، وقد قيل بنظير ~~ذلك في خصوص العرش فأجيب بأن الوسعة من غير سنخ سعة بعض الأجسام لبعض... ~~وفي المعاني، عن حفص بن الغياث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: وسع كرسيه السموات والأرض، قال: علمه. # وفيه، أيضا عنه (عليه السلام): في الآية: السموات والأرض وما بينهما في ~~الكرسي، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره. # أقول: ويظهر من الروايتين: أن الكرسي من مراتب علمه تعالى كما مر ~~استظهاره، وفي معناهما روايات أخرى. PageV02P193 # وكذا يظهر منهما ومما سيجيء: ms0773 أن في الوجود مرتبة من العلم غير محدودة أعني ~~أن فوق هذا العالم الذي نحن من أجزائها عالما آخر موجوداتها أمور غير ~~محدودة في وجودها بهذه الحدود الجسمانية، والتعينات الوجودية التي ~~لوجوداتنا، وهي في عين أنها غير محدودة معلومة لله سبحانه أي أن وجودها عين ~~العلم، كما أن الموجودات المحدودة التي في الوجود معلومة لله سبحانه في ~~مرتبة وجودها أي أن وجودها نفس علمه تعالى بها وحضورها عنده، ولعلنا نوفق ~~لبيان هذا العلم المسمى بالعلم الفعلي فيما سيأتي من قوله تعالى: "وما يعزب ~~عن ربك من مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض:" يونس - 61. # وما ذكرناه من علم غير محدود هو الذي يرشد إليه قوله (عليه السلام) في ~~الرواية، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره، ومن المعلوم أن عدم ~~التقدير والتحديد ليس من حيث كثرة معلومات هذا العلم عددا، لاستحالة وجود ~~عدد غير متناه، وكل عدد يدخل الوجود فهو متناه، لكونه أقل مما يزيد عليه ~~بواحد، ولو كان عدم تناهي العلم أعني العرش لعدم تناهي معلوماته كثرة لكان ~~الكرسي بعض العرش لكونه أيضا علما وإن كان محدودا، بل عدم التناهي والتقدير ~~إنما هو من جهة كمال الوجود أي إن الحدود والقيود الوجودية يوجب التكثر ~~والتميز والتمايز بين موجودات عالمنا المادي، فتوجب انقسام الأنواع ~~بالأصناف والأفراد، والأفراد بالحالات، والإضافات غير موجودة فينطبق على ~~قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:" ~~الحجر - 21، وسيجيء تمام الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # وهذه الموجودات كما أنها معلومة بعلم غير مقدر أي موجودة في ظرف العلم ~~وجودا غير مقدر كذلك هي معلومة بحدودها، موجودة في ظرف العلم بأقدارها وهذا ~~هو الكرسي على ما يستظهر. # وربما لوح إليه أيضا قوله تعالى فيها: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، حيث ~~جعل المعلوم: ما بين أيديهم وما خلفهم، وهما أعني ما بين الأيدي وما هو خلف ~~غير مجتمع الوجود في هذا العالم المادي، فهناك مقام يجتمع فيه جميع ~~المتفرقات الزمانية ms0774 ونحوها، وليست هذه الوجودات وجودات غير متناهية الكمال ~~غير محدودة ولا مقدرة وإلا لم يصح الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى: ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فلا محالة هو مقام يمكن لهم الإحاطة ببعض ~~ما فيه، فهو مرحلة العلم بالمحدودات والمقدرات من حيث هي محدودة مقدرة ~~والله أعلم. # وفي التوحيد، عن حنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العرش ~~والكرسي فقال (عليه السلام) إن للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب وصنع ~~في القرآن صفة على حدة، فقوله: رب العرش العظيم يقول: رب الملك العظيم، ~~وقوله: الرحمن على العرش استوى، يقول: على الملك احتوى، وهذا علم الكيفوفية ~~في الأشياء، ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي، لأنهما بابان من أكبر أبواب ~~الغيوب، وهما جميعا غيبان، وهما في الغيب مقرونان، لأن الكرسي هو الباب ~~الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلها، والعرش هو الباب ~~الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والمشية وصفة الإرادة ~~وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء، فهما في العلم بابان ~~مقرونان، لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك ~~قال: رب العرش العظيم، أي صفته أعظم من صفة الكرسي، وهما في ذلك مقرونان: ~~قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي، قال (عليه السلام): إنه صار ~~جارها لأن علم الكيفوفية فيه وفيه، الظاهر من أبواب البداء وإنيتها وحد ~~رتقها وفتقها، فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الظرف، وبمثل صرف العلماء، ~~وليستدلوا على صدق دعواهما لأنه يختص برحمته من يشاء وهو القوي العزيز. PageV02P194 # أقول: قوله (عليه السلام): لأن الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب، قد عرفت ~~الوجه فيه إجمالا، فمرتبة العلم المقدر المحدود أقرب إلى عالمنا الجسماني ~~المقدر المحدود مما لا قدر له ولا حد، وسيجيء شرح فقرات الرواية في الكلام ~~على قوله تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق السموات:" الأعراف - 54، وقوله ~~(عليه السلام): وبمثل صرف العلماء، إشارة إلى أن ms0775 هذه الألفاظ من العرش ~~والكرسي ونظائرها أمثال مصرفة مضروبة للناس وما يعقلها إلا العالمون. # وفي الإحتجاج، عن الصادق (عليه السلام): في حديث: كل شيء خلق الله في جوف ~~الكرسي خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي. # أقول: وقد تقدم توضيح معناه، وهو الموافق لسائر الروايات، فما وقع في بعض ~~الأخبار أن العرش هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله، والكرسي هو ~~العلم الذي لم يطلع عليه أحدا كما رواه الصدوق عن المفضل عن الصادق (عليه ~~السلام) كأنه من وهم الراوي بتبديل موضعي اللفظين أعني العرش والكرسي، أو ~~أنه مطروح كالرواية المنسوبة إلى زينب العطارة. # وفي تفسير العياشي، عن علي (عليه السلام) قال: إن السماء والأرض وما ~~بينهما من خلق مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بأمر الله، ~~أقول: ورواه الصدوق عن الأصبغ بن نباتة عنه (عليه السلام)، ولم يرو عنهم ~~(عليهم السلام) للكرسي حملة إلا في هذه الرواية، بل الأخبار إنما تثبت ~~الحملة للعرش وفقا لكتاب الله تعالى كما قال: "الذين يحملون العرش ومن حوله ~~الآية:" المؤمن - 7، وقال تعالى، "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية:" ~~الحاقة - 17، ويمكن أن يصحح الخبر بأن الكرسي - كما سيجيء بيانه - يتحد مع ~~العرش بوجه اتحاد ظاهر الشيء بباطنه. # وبذلك يصح عد حملة أحدهما حملة للآخر. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: ~~قلت: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه قال: نحن أولئك الشافعون. # أقول: ورواه البرقي أيضا في المحاسن، وقد عرفت أن الشفاعة في الآية مطلقة ~~تشمل الشفاعة التكوينية والتشريعية معا، فتشمل شفاعتهم (عليهم السلام)، ~~فالرواية من باب الجري PageV02P195 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 256 - 257 # لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) الله ولى ~~الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمت إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمت أولئك أصحب النار هم فيها خلدون ms0776 (257) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، الإكراه هو ~~الإجبار والحمل على الفعل من غير رضى، والرشد بالضم والضمتين: إصابة وجه ~~الأمر ومحجة الطريق ويقابله الغي، فهما أعم من الهدى والضلال، فإنهما إصابة ~~الطريق الموصل وعدمها على ما قيل، والظاهر أن استعمال الرشد في إصابة محجة ~~الطريق من باب الانطباق على المصداق، فإن إصابة وجه الأمر من سالك الطريق ~~أن يركب المحجة وسواء السبيل، فلزومه الطريق من مصاديق إصابة وجه الأمر، ~~فالحق أن معنى الرشد والهدى معنيان مختلفان ينطبق أحدهما بعناية خاصة على ~~مصاديق الآخر وهو ظاهر، قال تعالى: "فإن آنستم منهم رشدا": النساء - 6، ~~وقال تعالى: "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل:" الأنبياء - 51، وكذلك القول ~~في الغي والضلال، ولذلك ذكرنا سابقا: أن الضلال هو العدول عن الطريق مع ذكر ~~الغاية والمقصد، والغي هو العدول مع نسيان الغاية فلا يدري الإنسان الغوي ~~ما ذا يريد وما ذا يقصد. # وفي قوله تعالى: لا إكراه في الدين، نفى الدين الإجباري، لما أن الدين ~~وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها ~~اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه ~~والإجبار، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات ~~البدنية المادية، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ ~~الاعتقاد والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علما، أو تولد المقدمات غير ~~العلمية تصديقا علميا، فقوله: لا إكراه في الدين، إن كان قضية إخبارية ~~حاكية عن حال التكوين أنتج حكما دينيا بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد، ~~وإن كان حكما إنشائيا تشريعيا كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله: قد تبين ~~الرشد من الغي، كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرها، وهو نهي متك ~~على حقيقة تكوينية، وهي التي مر بيانها أن الإكراه إنما يعمل ويؤثر في ~~مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية. # وقد بين تعالى هذا الحكم بقوله: قد تبين الرشد من الغي، وهو في مقام ~~التعليل فإن ms0777 الإكراه والإجبار إنما يركن إليه الأمر الحكيم والمربي العاقل ~~في الأمور المهمة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحق فيها لبساطة فهم المأمور ~~ورداءة ذهن المحكوم، أو لأسباب وجهات أخرى، فيتسبب الحاكم في حكمه بالإكراه ~~أو الأمر بالتقليد ونحوه، وأما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير والشر ~~فيها، وقرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها وتركها فلا حاجة فيها إلى الإكراه، ~~بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل وعاقبتي الثواب والعقاب، ~~والدين لما انكشفت حقائقه واتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة ~~النبوية فقد تبين أن الدين رشد والرشد في اتباعه، والغي في تركه والرغبة ~~عنه، وعلى هذا لا موجب لأن يكره أحد أحدا على الدين. # وهذه إحدى الآيات الدالة على أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم، ولم ~~يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين ~~وغيرهم أن الإسلام دين السيف استدلوا عليه: بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين. # وقد تقدم الجواب عنه في ضمن البحث عن آيات القتال وذكرنا هناك أن القتال ~~الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدم وبسط الدين بالقوة والإكراه، ~~بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد،، وأما بعد انبساط ~~التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر فلا نزاع لمسلم ~~مع موحد ولا جدال، فالإشكال ناش عن عدم التدبر. # ويظهر مما تقدم أن الآية أعني قوله: لا إكراه في الدين غير منسوخة بآية ~~السيف كما ذكره بعضهم. PageV02P196 # ومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها أعني قوله: قد تبين ~~الرشد من الغي، فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم، فإن ~~الحكم باق ببقاء سببه، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر ~~غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف، فإن قوله: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم مثلا، أو قوله: وقاتلوا في سبيل الله الآية لا يؤثران في ظهور ~~حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا الظهور. ms0778 # وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله: لا إكراه في الدين بظهور الحق: وهو معنى ~~لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله، فهو ثابت على كل حال، فهو ~~غير منسوخ. # قوله تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~"إلخ"، الطاغوت هو الطغيان والتجاوز عن الحد ولا يخلو عن مبالغة في المعنى ~~كالملكوت والجبروت، ويستعمل فيما يحصل به الطغيان كأقسام المعبودات من دون ~~الله كالأصنام والشياطين والجن وأئمة الضلال من الإنسان وكل متبوع لا يرضى ~~الله سبحانه باتباعه، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع. # وإنما قدم الكفر على الإيمان في قوله: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، ~~ليوافق الترتيب الذي يناسبه الفعل الواقع في الجزاء أعني الاستمساك بالعروة ~~الوثقى، لأن الاستمساك بشيء إنما يكون بترك كل شيء والأخذ بالعروة، فهناك ~~ترك ثم أخذ، فقدم الكفر وهو ترك على الإيمان وهو أخذ ليوافق ذلك، ~~والاستمساك هو الأخذ والإمساك بشدة، والعروة: ما يؤخذ به من الشيء كعروة ~~الدلو وعروة الإناء، والعروة هي كل ما له أصل من النبات وما لا يسقط ورقه، ~~وأصل الباب التعلق يقال: عراه واعتراه أي تعلق به. # والكلام أعني قوله: فقد استمسك بالعروة الوثقى، موضوع على الاستعارة ~~للدلالة على أن الإيمان بالنسبة إلى السعادة بمنزلة عروة الإناء بالنسبة ~~إلى الإناء وما فيه، فكما لا يكون الأخذ أخذا مطمئنا حتى يقبض على العروة ~~كذلك السعادة الحقيقية لا يستقر أمرها ولا يرجى نيلها إلا أن يؤمن الإنسان ~~بالله ويكفر بالطاغوت. # قوله تعالى: لا انفصام لها والله سميع عليم، الانفصام: الانقطاع ~~والانكسار، والجملة في موضع الحال من العروة تؤكد معنى العروة الوثقى، ثم ~~عقبه بقوله: والله سميع عليم، لكون الإيمان والكفر متعلقا بالقلب واللسان. # قوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم إلى آخر الآية، قد مر شطر من ~~الكلام في معنى إخراجه من النور إلى الظلمات، وقد بينا هناك أن هذا الإخراج ~~وما يشاكله من المعاني أمور حقيقية غير مجازية خلافا لما توهمه كثير من ~~المفسرين وسائر الباحثين أنها ms0779 معان مجازية يراد بها الأعمال الظاهرية من ~~الحركات والسكنات البدنية، وما يترتب عليها من الغايات الحسنة والسيئة، ~~فالنور مثلا هو الاعتقاد الحق بما يرتفع به ظلمة الجهل وحيرة الشك واضطراب ~~القلب، والنور هو صالح العمل من حيث إن رشده بين، وأثره في السعادة جلي، ~~كما أن النور الحقيقي على هذه الصفات. # والظلمة هو الجهل في الاعتقاد والشبهة والريبة وطالح العمل، كل ذلك ~~بالاستعارة. # والإخراج من الظلمة إلى النور الذي ينسب إلى الله تعالى كالإخراج من ~~النور إلى الظلمات الذي ينسب إلى الطاغوت نفس هذه الأعمال والعقائد فليس ~~وراء هذه الأعمال والعقائد، لا فعل من الله تعالى وغيره كالإخراج مثلا ولا ~~أثر لفعل الله تعالى وغيره كالنور والظلمة وغيرهما، هذا ما ذكره قوم من ~~المفسرين والباحثين. PageV02P197 # وذكر آخرون: أن الله يفعل فعلا كالإخراج من الظلمات إلى النور وإعطاء ~~الحياة والسعة والرحمة وما يشاكلها ويترتب على فعله تعالى آثار كالنور ~~والظلمة والروح والرحمة ونزول الملائكة، لا ينالها أفهامنا ولا يسعها ~~مشاعرنا، غير أنا نؤمن بحسب ما أخبر به الله - وهو يقول الحق - بأن هذه ~~الأمور موجودة وأنها أفعال له تعالى وإن لم نحط بها خبرا، ولازم هذا القول ~~أيضا كالقول السابق أن يكون هذه الألفاظ أعني أمثال النور والظلمة والإخراج ~~ونحوها مستعملة على المجاز بالاستعارة، وإنما الفرق بين القولين أن مصاديق ~~النور والظلمة ونحوهما على القول الأول نفس أعمالنا وعقائدنا، وعلى القول ~~الثاني أمور خارجة عن أعمالنا وعقائدنا لا سبيل لنا إلى فهمها، ولا طريق ~~إلى نيلها والوقوف عليها. # والقولان جميعا خارجان عن صراط الاستقامة كالمفرط والمفرط، والحق في ذلك ~~أن هذه الأمور التي أخبر الله سبحانه بإيجادها وفعلها عند الطاعة والمعصية ~~إنما هي أمور حقيقية واقعية من غير تجوز غير أنها لا تفارق أعمالنا ~~وعقائدنا بل هي لوازمها التي في باطنها، وقد مر الكلام في ذلك، وهذا لا ~~ينافي كون قوله تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور، وقوله تعالى: يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات، كنايتين عن هداية الله سبحانه وإضلال الطاغوت، ms0780 لما ~~تقدم في بحث الكلام أن النزاع في مقامين: أحدهما كون النور والظلمة وما ~~شابههما ذا حقيقة في هذه النشأة أو مجرد تشبيه لا حقيقة له، وثانيهما: أنه ~~على تقدير تسليم أن لها حقائق وواقعيات هل استعمال اللفظ كالنور مثلا في ~~الحقيقة التي هي حقيقة الهداية حقيقة أو مجاز؟ وعلى أي حال فالجملتان أعني: ~~قوله تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور، وقوله تعالى: يخرجونهم من النور ~~إلى الظلمات، كنايتان عن الهداية والإضلال وإلا لزم أن يكون لكل من المؤمن ~~والكافر نور وظلمة معا، فإن لازم إخراج المؤمن من الظلمة إلى النور أن يكون ~~قبل الإيمان في ظلمة وبالعكس في الكافر، فعامة المؤمنين والكفار - وهم ~~الذين عاشوا مؤمنين فقط أو عاشوا كفارا فقط - إذا بلغوا مقام التكليف فإن ~~آمنوا خرجوا من الظلمات إلى النور، وإن كفروا خرجوا من النور إلى الظلمات، ~~فهم قبل ذلك في نور وظلمة معا وهذا كما ترى. # لكن يمكن أن يقال: إن الإنسان بحسب خلقته على نور الفطرة، هو نور إجمالي ~~يقبل التفصيل، وأما بالنسبة إلى المعارف الحقة والأعمال الصالحة تفصيلا فهو ~~في ظلمة بعد لعدم تبين أمره، والنور والظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان ولا ~~يمتنع اجتماعهما، والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف ~~والطاعات تفصيلا، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر ~~والمعاصي التفصيلية، والإتيان بالنور مفردا وبالظلمات جمعا في قوله تعالى: ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور، وقوله تعالى: يخرجونهم من النور إلى الظلمات، ~~للإشارة إلى أن الحق واحد لا اختلاف فيه كما أن الباطل متشتت مختلف لا وحدة ~~فيه، قال تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم:" الأنعام - 153. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والنحاس في ناسخه وابن منده في غرائب شعبه وابن حبان وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون ~~مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل ms0781 على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، ~~فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا ~~فأنزل الله لا إكراه في الدين. # أقول: وروي أيضا هذا المعنى بطرق أخرى عن سعيد بن جبير وعن الشعبي. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كانت النضير ~~أرضعت رجالا من الأوس، فلما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإجلائهم، ~~قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم ولندينن دينهم، فمنعهم أهلوهم وأكرهوهم ~~على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية لا إكراه في الدين. # أقول: وهذا المعنى أيضا مروي بغير هذا الطريق، وهو لا ينافي ما تقدم من ~~نذر النساء اللاتي ما كان يعيش أولادها أن يهودنهم. PageV02P198 # وفيه، أيضا: أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس: في قوله: لا إكراه في ~~الدين قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين كان ~~له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): قال: النور آل محمد والظلمات ~~أعداؤهم. # أقول: وهو من قبيل الجري أو من باب الباطن أو التأويل PageV02P199 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 258 - 260 # ألم تر إلى الذى حاج إبرهيم فى ربه أن ءاتاه الله الملك إذ قال إبرهيم ~~ربى الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت قال إبرهيم فإن الله يأتى بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظلمين (258) ~~أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل ~~لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشربك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك ~~ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال ~~أعلم ms0782 أن الله على كل شىء قدير (259) وإذ قال إبرهيم رب أرنى كيف تحى الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز ~~حكيم (260) ### |||| AUTO بيان # الآيات مشتملة على معنى التوحيد ولذلك كانت غير خالية عن الارتباط بما ~~قبلها من الآيات فمن المحتمل أن تكون نازلة معها. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، المحاجة إلقاء الحجة ~~قبال الحجة لإثبات المدعى أو لإبطال ما يقابله، وأصل الحجة هو القصد، غلب ~~استعماله فيما يقصد به إثبات دعوى من الدعاوي، وقوله: في ربه متعلق بحاج، ~~والضمير لإبراهيم كما يشعر به قوله تعالى فيما بعد: قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت، وهذا الذي حاج إبراهيم (عليه السلام) في ربه هو الملك الذي كان ~~يعاصره وهو نمرود من ملوك بابل على ما يذكره التاريخ والرواية. # وبالتأمل في سياق الآية، والذي جرى عليه الأمر عند الناس ولا يزال يجري ~~عليه يعلم معنى هذه المحاجة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، والموضوع ~~الذي وقعت فيه محاجتهما. # بيان ذلك: أن الإنسان لا يزال خاضعا بحسب الفطرة للقوى المستعلية عليه، ~~المؤثرة فيه، وهذا مما لا يرتاب فيه الباحث عن أطوار الأمم الخالية المتأمل ~~في حال الموجودين من الطوائف المختلفة وقد بينا ذلك فيما مر من المباحث. # وهو بفطرته يثبت للعالم صانعا مؤثرا فيه بحسب التكوين والتدبير، وقد مر ~~أيضا بيانه، وهذا أمر لا يختلف في القضاء عليه حال الإنسان سواء قال ~~بالتوحيد كما يبتني عليه دين الأنبياء وتعتمد عليه دعوتهم أو ذهب إلى تعدد ~~الآلهة كما عليه الوثنيون أو نفي الصانع كما عليه الدهريون والماديون، فإن ~~الفطرة لا تقبل البطلان ما دام الإنسان إنسانا وإن قبلت الغفلة والذهول. # لكن الإنسان الأولي الساذج لما كان يقيس الأشياء إلى نفسه، وكان يرى من ~~نفسه أن أفعاله المختلفة تستند إلى قواه وأعضائه المختلفة، وكذا الأفعال ~~المختلفة ms0783 الاجتماعية تستند إلى أشخاص مختلفة في الاجتماع، وكذا الحوادث ~~المختلفة إلى علل قريبة مختلفة وإن كانت جميع الأزمة تجتمع عند الصانع الذي ~~يستند إليه مجموع عالم الوجود لا جرم أثبت لأنواع الحوادث المختلفة أربابا ~~مختلفة دون الله سبحانه فتارة كان يثبت ذلك باسم أرباب الأنواع كرب الأرض ~~ورب البحار ورب النار ورب الهواء والأرياح وغير ذلك، وتارة كان يثبته باسم ~~الكواكب وخاصة السيارات التي كان يثبت لها على اختلافها تأثيرات مختلفة في ~~عالم العناصر والمواليد كما نقل عن الصابئين ثم كان يعمل صورا وتماثيل لتلك ~~الأرباب فيعبدها لتكون وسيلة الشفاعة عند صاحب الصنم ويكون صاحب الصنم ~~شفيعا له عند الله العظيم سبحانه، ينال بذلك سعادة الحياة والممات. # ولذلك كانت الأصنام مختلفة بحسب اختلاف الأمم والأجيال لأن الآراء كانت ~~مختلفة في تشخيص الأنواع المختلفة وتخيل صور أرباب الأنواع المحكية ~~بأصنامها، وربما لحقت بذلك أميال وتهوسات أخرى. PageV02P200 # وربما انجر الأمر تدريجا إلى التشبث بالأصنام ونسيان أربابها حتى رب ~~الأرباب لأن الحس والخيال كان يزين ما ناله لهم، وكان يذكرها وينسى ما ~~وراءها، فكان يوجب ذلك غلبة جانبها على جانب الله سبحانه، كل ذلك إنما كان ~~منهم لأنهم كانوا يرون لهذه الأرباب تأثيرا في شئون حياتهم بحيث تغلب ~~إرادتها إرادتهم، وتستعلي تدبيرها على تدبيرهم. # وربما كان يستفيد بعض أولي القوة والسطوة والسلطة من جبابرة الملوك من ~~اعتقادهم ذلك ونفوذ أمره في شئون حياتهم المختلفة، فيطمع في المقام ويدعي ~~الألوهية كما ينقل عن فرعون ونمرود وغيرهما، فيسلك نفسه في سلك الأرباب وإن ~~كان هو نفسه يعبد الأصنام كعبادتهم، وهذا وإن كان في بادىء الأمر على هذه ~~الوتيرة لكن ظهور تأثيره ونفوذ أمره عند الحس كان يوجب تقدمه عند عباده على ~~سائر الأرباب وغلبة جانبه على جانبها، وقد تقدمت الإشارة إليه آنفا كما ~~يحكيه الله تعالى من قول فرعون لقومه: "أنا ربكم الأعلى:" النازعات - 24، ~~فقد كان يدعي أنه أعلى الأرباب مع كونه ممن يتخذ الأرباب كما قال تعالى: ~~"ويذرك وآلهتك:" الأعراف - 127، وكذلك كان يدعي نمرود ms0784 على ما يستفاد من ~~قوله: أنا أحيي وأميت، في هذه الآية على ما سنبين. # وينكشف بهذا البيان معنى هذه المحاجة الواقعة بين إبراهيم (عليه السلام) ~~ونمرود، فإن نمرود كان يرى لله سبحانه ألوهية، ولو لا ذلك لم يسلم لإبراهيم ~~(عليه السلام) قوله: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، ولم ~~يبهت عند ذلك بل يمكنه أن يقول: أنا آتي بها من المشرق دون من زعمت أو أن ~~بعض الآلهة الأخرى يأتي بها من المشرق، وكان يرى أن هناك آلهة أخرى دون ~~الله سبحانه، وكذلك قومه كانوا يرون ذلك كما يدل عليه عامة قصص إبراهيم ~~(عليه السلام) كقصة الكوكب والقمر والشمس وما كلم به أباه في أمر الأصنام ~~وما خاطب به قومه وجعله الأصنام جذاذا إلا كبيرا لهم وغير ذلك، فقد كان يرى ~~لله تعالى ألوهية، وأن معه آلهة أخرى لكنه كان يرى لنفسه ألوهية، وأنه أعلى ~~الآلهة، ولذلك استدل على ربوبيته عند ما حاج إبراهيم (عليه السلام) في ربه، ~~ولم يذكر من أمر الآلهة الأخرى شيئا. # ومن هنا يستنتج أن المحاجة التي وقعت بينه وبين إبراهيم (عليه السلام) ~~هي، أن إبراهيم (عليه السلام) كان يدعي أن ربه الله لا غير ونمرود كان يدعي ~~أنه رب إبراهيم وغيره ولذلك لما احتج إبراهيم (عليه السلام) على دعواه ~~بقوله: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، فادعى أنه متصف بما وصف ~~به إبراهيم ربه فهو ربه الذي يجب عليه أن يخضع له ويشتغل بعبادته دون الله ~~سبحانه ودون الأصنام، ولم يقل: وأنا أحيي وأميت لأن لازم العطف أن يشارك ~~الله في ربوبيته ولم يكن مطلوبه ذلك بل كان مطلوبه التعين بالتفوق كما ~~عرفت، ولم يقل أيضا: والآلهة تحيي وتميت. PageV02P201 # ولم يعارض إبراهيم (عليه السلام) بالحق، بل بالتمويه والمغالطة وتلبيس ~~الأمر على من حضر، فإن إبراهيم (عليه السلام) إنما أراد بقوله: ربي الذي ~~يحيي ويميت، الحياة والموت المشهودين في هذه الموجودات الحية الشاعرة ~~المريدة فإن هذه الحياة المجهولة لكنه لا ms0785 يستطيع أن يوجدها إلا من هو واجد ~~لها فلا يمكن أن يعلل بالطبيعة الجامدة الفاقدة لها، ولا بشيء من هذه ~~الموجودات الحية، فإن حياتها هي وجودها، وموتها عدمها، والشيء لا يقوى لا ~~على إيجاد نفسه ولا على إعدام نفسه، ولو كان نمرود أخذ هذا الكلام بالمعنى ~~الذي له لم يمكنه معارضته بشيء لكنه غالط فأخذ الحياة والموت بمعناهما ~~المجازي أو الأعم من معناهما الحقيقي والمجازي فإن الإحياء كما يقال على ~~جعل الحياة في شيء كالجنين إذا نفخت فيه الحياة كذلك يقال: على تلخيص إنسان ~~من ورطة الهلاك، وكذا الإماتة تطلق على التوفي وهو فعل الله وعلى مثل القتل ~~بآلة قتالة، وعند ذلك أمر بإحضار رجلين من السجن فأمر بقتل أحدهما وإطلاق ~~الآخر فقتل هذا وأطلق ذاك فقال: أنا أحيي وأميت، ولبس الأمر على الحاضرين ~~فصدقوه فيه، ولم يستطع لذلك إبراهيم (عليه السلام) أن يبين له وجه ~~المغالطة، وأنه لم يرد بالإحياء والإماتة هذا المعنى المجازي، وأن الحجة لا ~~تعارض الحجة، ولو كان في وسعه (عليه السلام) ذلك لبينه، ولم يكن ذلك إلا ~~لأنه شاهد حال نمرود في تمويهه، وحال الحضار في تصديقهم لقوله الباطل على ~~العمياء، فوجد أنه لو بين وجه المغالطة لم يصدقه أحد، فعدل إلى حجة أخرى لا ~~يدع المكابر أن يعارضه بشيء فقال إبراهيم (عليه السلام): إن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، وذلك أن الشمس وإن كانت من جملة ~~الآلهة عندهم أو عند بعضهم كما يظهر من ما يرجع إلى الكوكب والقمر من قصته ~~(عليه السلام) لكنها وما يلحق وجودها من الأفعال كالطلوع والغروب مما يستند ~~بالآخرة إلى الله الذي كانوا يرونه رب الأرباب، والفاعل الإرادي إذا اختار ~~فعلا بالإرادة كان له أن يختار خلافه كما اختار نفسه فإن الأمر يدور مدار ~~الإرادة، وبالجملة لما قال إبراهيم ذلك بهت نمرود، إذ ما كان يسعه أن يقول: ~~إن هذا الأمر المستمر الجاري على وتيرة واحدة وهو طلوعها من المشرق دائما ~~أمر اتفاقي لا يحتاج ms0786 إلى سبب، ولا كان يسعه أن يقول: إنه فعل مستند إليها ~~غير مستند إلى الله فقد كان يسلم خلاف ذلك، ولا كان يسعه أن يقول: إني أنا ~~الذي آتيها من المشرق وإلا طولب بإتيانها من المغرب، فألقمه الله حجرا ~~وبهته، والله لا يهدي القوم الظالمين. # قوله تعالى: أن آتيه الله الملك، ظاهر السياق: أنه من قبيل قول القائل: ~~أساء إلي فلان لأني أحسنت إليه يريد: أن إحساني إليه كان يستدعي أن يحسن ~~إلي لكنه بدل الإحسان من الإساءة فأساء إلي، وقولهم: واتق شر من أحسنت ~~إليه، قال الشاعر: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر. # وحسن فعل كما يجزى سنمار. # فالجملة أعني قوله: أن آتيه الله الملك بتقدير لام التعليل وهي من قبيل ~~وضع الشيء موضع ضده للشكوى والاستعداء ونحوه، فإن عدوان نمرود وطغيانه في ~~هذه المحاجة كان ينبغي أن يعلل بضد إنعام الله عليه بالملك، لكن لما لم ~~يتحقق من الله في حقه إلا الإحسان إليه وإيتاؤه الملك فوضع في موضع العلة ~~فدل على كفرانه لنعمة الله فهو بوجه كقوله تعالى: "فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا:" القصص - 8، فهذه نكتة في ذكر إيتائه الملك. # وهناك نكتة أخرى وهي: الدلالة على رداءة دعواه من رأس، وذلك أنه إنما كان ~~يدعي هذه الدعوى لملك آتاه الله تعالى من غير أن يملكه لنفسه، فهو إنما كان ~~نمرود الملك ذا السلطة والسطوة بنعمة من ربه، وأما هو في نفسه فلم يكن إلا ~~واحدا من سواد الناس لا يعرف له وصف، ولا يشار إليه بنعت، ولهذا لم يذكر ~~اسمه وعبر عنه بقوله: الذي حاج إبراهيم في ربه، دلالة على حقارة شخصه وخسة أمره. PageV02P202 # وأما نسبة ملكه إلى إيتاء الله تعالى فقد مر في المباحث السابقة: أنه لا ~~محذور فيه، فإن الملك وهو نوع سلطنة منبسطة على الأمة كسائر أنواع السلطنة ~~والقدرة نعمة من الله وفضل يؤتيه من يشاء، وقد أودع في فطرة الإنسان ~~معرفته، والرغبة فيه، فإن وضعه في موضعه كان نعمة وسعادة، قال ms0787 تعالى: ~~"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة:" القصص - 77، وإن عدا طوره وانحرف به ~~عن الصراط كان في حقه نقمة وبوارا، قال تعالى: "ألم تر إلى الذين بدلوا ~~نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار:" إبراهيم - 28، وقد مر بيان أن ~~لكل نسبة إليه تعالى على ما يليق بساحة قدسه تعالى وتقدس من جهة الحسن الذي ~~فيه دون جهة القبح والمساءة. # ومن هنا يظهر سقوط ما ذكره بعض المفسرين: أن الضمير في قوله أن آتيه الله ~~الملك، يعود إلى إبراهيم (عليه السلام)، والمراد بالملك ملك إبراهيم كما ~~قال تعالى: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما:" النساء - 54، لا ملك نمرود ~~لكونه ملك جور ومعصية لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه. # ففيه أولا: أن القرآن ينسب هذا الملك وما في معناه كثيرا إليه تعالى ~~كقوله حكاية عن مؤمن آل فرعون: "يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض:" ~~المؤمن - 29 و، قوله تعالى حكاية عن فرعون - وقد أمضاه بالحكاية -: "يا قوم ~~أليس لي ملك مصر:" الزخرف - 51، وقد قال تعالى: "له الملك:" التغابن - 1، ~~فقصر كل الملك لنفسه فما من ملك إلا وهو منه تعالى، وقال تعالى حكاية عن ~~موسى (عليه السلام): "ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة:" يونس - 88، وقال ~~تعالى في قارون: "وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي ~~القوة:" القصص - 76، وقال تعالى خطابا لنبيه: "ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت ~~له مالا ممدودا" - إلى أن قال -: "ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد:" ~~المدثر - 15، إلى غير ذلك. # وثانيا: أن ذلك لا يلائم ظاهر الآية فإن ظاهرها أن نمرود كان ينازع ~~إبراهيم في توحيده وإيمانه لا أنه كان ينازعه ويحاجه في ملكه فإن ملك ~~الظاهر كان لنمرود، وما كان يرى لإبراهيم ملكا حتى يشاجره فيه. # وثالثا: أن لكل شيء نسبة إلى الله سبحانه والملك من جملة الأشياء ولا ~~محذور في نسبته إليه تعالى وقد مر تفصيل بيانه. # قوله تعالى: قال إبراهيم ربي ms0788 الذي يحيي ويميت، الحياة والموت وإن كانا ~~يوجدان في غير جنس الحيوان أيضا كالنبات، وقد صدقه القرآن كما مر بيانه في ~~تفسير آية الكرسي، لكن مراده (عليه السلام) منهما إما خصوص الحياة والممات ~~الحيوانيين أو الأعم الشامل له لإطلاق اللفظ، والدليل على ذلك قول نمرود: ~~أنا أحيي وأميت، فإن هذا الذي ادعاه لنفسه لم يكن من قبيل إحياء النبات ~~بالحرث والغرس مثلا، ولا إحياء الحيوان بالسفاد والتوليد مثلا، فإن ذلك ~~وأشباهه كان لا يختص به بل يوجد في غيره من أفراد الإنسان، وهذا يؤيد ما ~~وردت به الروايات: أنه أمر بإحضار رجلين ممن كان في سجنه فأطلق أحدهما وقتل ~~الآخر، وقال عند ذلك: أنا أحيي وأميت. # وإنما أخذ (عليه السلام) في حجته الإحياء والإماتة لأنهما أمران ليس ~~للطبيعة الفاقدة للحياة فيهما صنع، وخاصة الحياة التي في الحيوان حيث ~~تستتبع الشعور والإرادة وهما أمران غير ماديين قطعا، وكذا الموت المقابل ~~لها، والحجة على ما فيها من السطوع والوضوح لم تنجح في حقهم، لأن انحطاطهم ~~في الفكر وخبطهم في التعقل كان فوق ما كان يظنه (عليه السلام) في حقهم، فلم ~~يفهموا من الإحياء والإماتة إلا المعنى المجازي الشامل لمثل الإطلاق ~~والقتل، فقال نمرود: أنا أحيي وأميت وصدقه من حضره، ومن سياق هذه المحاجة ~~يمكن أن يحدس المتأمل ما بلغ إليه الانحطاط الفكري يومئذ في المعارف ~~والمعنويات، ولا ينافي ذلك الارتقاء الحضاري والتقدم المدني الذي يدل عليه ~~الآثار والرسوم الباقية من بابل كلدة ومصر الفراعنة وغيرهما، فإن المدنية ~~المادية أمر والتقدم في معنويات المعارف أمر آخر، وفي ارتقاء الدنيا ~~الحاضرة في مدنيتها وانحطاطها في الأخلاق والمعارف المعنوية ما تسقط به هذه ~~الشبهة. PageV02P203 # ومن هنا يظهر: وجه عدم أخذه (عليه السلام) في حجته مسألة احتياج العالم ~~بأسره إلى الصانع الفاطر للسماوات والأرض كما أخذ به في استبصار نفسه في ~~بادي أمره على ما يحكيه الله عنه بقوله: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين:" الأنعام - 79، فإن القوم على اعترافهم ms0789 ~~بذلك بفطرتهم إجمالا كانوا أنزل سطحا من أن يعقلوه على ما ينبغي أن يعقل ~~عليه بحيث ينجح احتجاجه ويتضح مراده (عليه السلام)، وناهيك في ذلك ما فهموه ~~من قوله: ربي الذي يحيي ويميت. # قوله تعالى: قال أنا أحيي وأميت، أي فأنا ربك الذي وصفته بأنه يحيي ويميت. # قوله تعالى: قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر، لما أيس (عليه السلام) من مضي احتجاجه بأن ربه الذي ~~يحيي ويميت، لسوء فهم الخصم وتمويهه وتلبيسه الأمر على من حضر عندهما عدل ~~عن بيان ما هو مراده من الإحياء والإماتة إلى حجة أخرى، إلا أنه بنى هذه ~~الحجة الثانية على دعوى الخصم في الحجة الأولى كما يدل عليه التفريع بالفاء ~~في قوله: فإن الله "إلخ"، والمعنى: إن كان الأمر كما تقول: إنك ربي ومن شأن ~~الرب أن يتصرف في تدبير أمر هذا النظام الكوني فالله سبحانه يتصرف في الشمس ~~بإتيانها من المشرق فتصرف أنت بإتيانها من المغرب حتى يتضح أنك رب كما أن ~~الله رب كل شيء أو أنك الرب فوق الأرباب فبهت الذي كفر، وإنما فرع الحجة ~~على ما تقدمها لئلا يظن أن الحجة الأولى تمت لنمرود وأنتجت ما ادعاه، ولذلك ~~أيضا قال: فإن الله ولم يقل: فإن ربي لأن الخصم استفاد من قوله: ربي سوءا ~~وطبقه على نفسه بالمغالطة فأتى (عليه السلام) ثانيا بلفظة الجلالة ليكون ~~مصونا عن مثل التطبيق السابق! وقد مر بيان أن نمرود ما كان يسعه أن يتفوه ~~في مقابل هذه الحجة بشيء دون أن يبهت فيسكت. # قوله تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين، ظاهر السياق أنه تعليل لقوله ~~فبهت الذي كفر فبهته هو عدم هداية الله سبحانه إياه لا كفره، وبعبارة أخرى ~~معناه أن الله لم يهده فبهت لذلك ولو هداه لغلب على إبراهيم في الحجة لا ~~أنه لم يهده فكفر لذلك وذلك لأن العناية في المقام متوجهة إلى محاجته ~~إبراهيم (عليه السلام) لا إلى كفره وهو ظاهر. # ومن ms0790 هنا يظهر: أن في الوصف إشعارا بالعلية أعني: أن السبب لعدم هداية ~~الله الظالمين هو ظلمهم كما هو كذلك في سائر موارد هذه الجملة من كلامه ~~تعالى كقول: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله لا يهدي القوم الظالمين:" الصف - 7، وقوله: "مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات ~~الله والله لا يهدي القوم الظالمين:" الجمعة - 5، ونظير الظلم الفسق في ~~قوله تعالى: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين:" ~~الصف - 5. # وبالجملة الظلم وهو الانحراف عن صراط العدل والعدول عما ينبغي من العمل ~~إلى غير ما ينبغي موجب لعدم الاهتداء إلى الغاية المقصودة، ومؤد إلى الخيبة ~~والخسران بالأخرة، وهذه من الحقائق الناصعة التي ذكرها القرآن الشريف وأكد ~~القول فيها في آيات كثيرة. # كلام في الإحسان وهدايته والظلم وإضلاله # هذه حقيقة ثابتة بينها القرآن الكريم كما ذكرناه آنفا وهي كلية لا تقبل ~~الاستثناء وقد ذكرها بالسنة مختلفة، وبنى عليها حقائق كثيرة من معارفه، قال ~~تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:" طه - 50، دل على أن كل شيء بعد ~~تمام خلقه يهتدي بهداية من الله سبحانه إلى مقاصد وجوده وكمالات ذاته، وليس ~~ذلك إلا بارتباطه مع غيره من الأشياء واستفادته منها بالفعل والانفعال ~~بالاجتماع والافتراق والاتصال والانفصال والقرب والبعد والأخذ والترك ونحو ~~ذلك، ومن المعلوم أن الأمور التكوينية لا تغلط في آثارها، والقصود الواقعية ~~لا تخطي ولا تخبط في تشخيص غاياتها ومقاصدها، فالنار في مسها الحطب مثلا ~~وهي حارة لا تريد تبريده، والنامي كالنبات مثلا وهو نام لا يقصد إلا عظم ~~الحجم دون صغره وهكذا، وقد قال تعالى: "إن ربي على صراط مستقيم:" هود - 56، ~~فلا تخلف ولا اختلاف في الوجود. PageV02P204 # ولازم هاتين المقدمتين أعني عموم الهداية وانتفاء الخطإ في التكوين أن يكون ~~لكل شيء روابط حقيقية مع غيره، وأن يكون بين كل شيء وبين الآثار والغايات ~~التي يقصد لها طريق أو طرق مخصوصة هي المسلوكة ms0791 للبلوغ إلى غايته والأثر ~~المخصوص المقصود منه، وكذلك الغايات والمقاصد الوجودية إنما تنال إذا سلك ~~إليها من الطرق الخاصة بها والسبل الموصلة إليها، فالبذرة إنما تنبت الشجرة ~~التي في قوتها إنباتها مع سلوك الطريق المؤدي إليها بأسبابها وشرائطها ~~الخاصة، وكذلك الشجرة إنما تثمر الثمرة التي من شأنها أثمارها، فما كل سبب ~~يؤدي إلى كل مسبب، قال تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث ~~لا يخرج إلا نكدا:" الأعراف - 58، والعقل والحس يشهدان بذلك وإلا اختل ~~قانون العلية العام. # وإذا كان كذلك فالصنع والإيجاد يهدي كل شيء إلى غاية خاصة، ولا يهديه إلى ~~غيرها، ويهدي إلى كل غاية من طريق خاص لا يهدي إليها من غيره، صنع الله ~~التي أتقن كل شيء، فكل سلسلة من هذه السلاسل الوجودية الموصلة إلى غاية ~~وأثر إذا فرضنا تبدل حلقة من حلقاتها أوجب ذلك تبدل أثرها لا محالة، هذا في ~~الأمور التكوينية. # والأمور غير التكوينية من الاعتبارات الاجتماعية وغيرها على هذا الوصف ~~أيضا من حيث إنها نتائج الفطرة المتكئة على التكوين، فالشئون الاجتماعية ~~والمقامات التي فيه والأفعال التي تصدر عنها كل منها مرتبط بآثار وغايات لا ~~تتولد منه إلا تلك الآثار والغايات ولا تتولد هي إلا منه، فالتربية الصالحة ~~لا تتحقق إلا من مرب صالح والمربي الفاسد لا يترتب على تربيته إلا الأثر ~~الفاسد ذاك الفساد المكمون في نفسه وإن تظاهر بالصلاح ولازم الطريق ~~المستقيم في تربيته، وضرب على الفساد المطوي في نفسه بمائة ستر واحتجب دونه ~~بألف حجاب، وكذلك الحاكم المتغلب في حكومته، والقاضي الواثب على مسند ~~القضاء بغير لياقة في قضائه، وكل من تقلد منصبا اجتماعيا من غير طريقه ~~المشروع، وكذلك كل فعل باطل بوجه من وجوه البطلان إذا تشبه بالحق وحل بذلك ~~محل الفعل الحق، والقول الباطل إذا وضع موضع القول الحق كالخيانة موضع ~~الأمانة والإساءة موضع الإحسان والمكر موضع النصح والكذب موضع الصدق فكل ~~ذلك سيظهر أثرها ويقطع دابرها وإن اشتبه أمرها أياما، وتلبس بلباس الصدق ~~والحق أحيانا، سنة الله ms0792 التي جرت في خلقه ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا. # فالحق لا يموت ولا يتزلزل أثره، وإن خفي على إدراك المدركين أويقات، ~~والباطل لا يثبت ولا يبقى أثره، وإن كان ربما اشتبه أمره ووباله، قال ~~تعالى: "ليحق الحق ويبطل الباطل:" الأنفال: - 8، من تحقيق الحق تثبيت أثره، ~~ومن إبطال الباطل ظهور فساده وانتزاع ما تلبس به من لباس الحق بالتشبه ~~والتمويه، وقال تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء:" إبراهيم - 27، ~~وقد أطلق الظالمين فالله يضلهم في شأنهم، ولا شأن لهم إلا أنهم يريدون آثار ~~الحق من غير طريقها أعني: من طريق الباطل كما قال تعالى - حكاية عن يوسف ~~الصديق: "قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون:" يوسف - ~~23، فالظالم لا يفلح في ظلمه، ولا أن ظلمه يهديه إلى ما يهتدي إليه المحسن ~~بإحسانه والمتقي بتقواه، قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت - 69، وقال تعالى: "والعاقبة للتقوى:" طه - 132. # والآيات القرآنية في هذه المعاني كثيرة على اختلافها في مضامينها ~~المتفرقة، ومن أجمعها وأتمها بيانا فيه قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال:" ~~الرعد - 17. PageV02P205 # وقد مرت الإشارة إلى أن العقل يؤيده، فإن ذلك لازم كلية قانون العلية ~~والمعلولية الجارية بين أجزاء العالم وإن التجربة القطعية الحاصلة من تكرر ~~الحس تشهد به، فما منا من أحد إلا وفي ذكره أخبار محفوظة من عاقبة أمر ms0793 ~~الظالمين وانقطاع دابرهم. # قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، الخاوية هي ~~الخالية يقال: خوت الدار تخوي خواء إذا خلت، والعروش جمع العرش وهو ما يعمل ~~مثل السقف للكرم قائما على أعمدة، قال تعالى: "جنات معروشات وغير معروشات:" ~~الأنعام - 141، ومن هنا أطلق على سقف البيت العرش، لكن بينهما فرقا، فإن ~~السقف هو ما يقوم من السطح على الجدران والعرش هو السقف مع الأركان التي ~~يعتمد عليها كهيئة عرش الكرم، ولذا صح أن يقال في الديار إنها خالية على ~~عروشها ولا يصح أن يقال: خالية على سقفها. # وقد ذكر المفسرون وجوها في توجيه العطف في قوله تعالى: أو كالذي، فقيل: ~~إنه عطف على قوله في الآية السابقة: الذي حاج إبراهيم، والكاف اسمية، ~~والمعنى أو هل رأيت مثل الذي مر على قرية "إلخ"، وقد جيء بهذا الكاف ~~للتنبيه على تعدد الشواهد، وقيل: بل الكاف زائدة، والمعنى: ألم تر إلى الذي ~~حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية "إلخ"، وقيل: إنه عطف محمول على المعنى، ~~والمعنى: ألم تر كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية، وقيل: إنه من ~~كلام إبراهيم جوابا عن دعوى الخصم أنه يحيي ويميت، والتقدير: وإن كنت تحيي ~~فأحي كإحياء الذي مر على قرية "إلخ" فهذه وجوه ذكروه في الآية لتوجيه العطف ~~لكن الجميع كما ترى. # وأظن - والله أعلم - أن العطف على المعنى كما مر في الوجه الثالث إلا أن ~~التقدير غير التقدير، توضيحه: أن الله سبحانه لما ذكر قوله: الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات، تحصل من ذلك: أنه يهدي المؤمنين إلى الحق ولا يهدي ~~الكافر في كفره بل يضله أولياؤه الذين اتخذته من دون الله أولياء، ثم ذكر ~~لذلك شواهد ثلاث يبين بها أقسام هدايته تعالى، وهي مراتب ثلاث مترتبة: ~~أولاها: الهداية إلى الحق بالبرهان والاستدلال كما في قصة الذي حاج إبراهيم ~~في ربه، حيث هدى إبراهيم إلى حق القول، ولم ms0794 يهد الذي حاجه بل أبهته وأضله ~~كفره، وإنما لم يصرح بهداية إبراهيم بل وضع عمدة الكلام في أمر خصمه ليدل ~~على فائدة جديدة يدل عليها قوله: والله لا يهدي القوم الظالمين. # والثانية: الهداية إلى الحق بالإراءة والإشهاد كما في قصة الذي مر على ~~قرية وهي خاوية على عروشها فإنه بين له ما أشكل عليه من أمر الإحياء ~~بإماتته وإحيائه وسائر ما ذكره في الآية، كل ذلك بالإراءة والإشهاد. # الثالثة: الهداية إلى الحق وبيان الواقعة بإشهاد الحقيقة والعلة التي ~~تترشح منه الحادثة، وبعبارة أخرى بإراءة السبب والمسبب معا، وهذا أقوى ~~مراتب الهداية والبيان وأعلاها وأسناها كما أن من كان لم ير الجبن مثلا ~~وارتاب في أمره تزاح شبهته تارة بالاستشهاد بمن شاهده وأكل منه وذاق طعمه. # وتارة بإراءته قطعة من الجبن وإذاقته طعمه وتارة بإحضار الحليب وعصارة ~~الإنفحة وخلط مقدار منها به حتى يجمد ثم إذاقته شيئا منه وهي أنفى المراتب ~~للشبهة. # إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن المقام في الآيات الثلاث - وهو مقام ~~الاستشهاد - يصح فيه جميع السياقات الثلاث في إلقاء المراد إلى المخاطب بأن ~~يقال: إن الله يهدي المؤمنين إلى الحق: ألم تر إلى قصة إبراهيم ونمرود، أو ~~لم تر إلى قصة الذي مر على قرية، أو لم تر إلى قصة إبراهيم والطير، أو يقال ~~إن الله يهدي المؤمنين إلى الحق: إما كما هدى إبراهيم في قصة المحاجة وهي ~~نوع من الهداية، أو كالذي مر على قرية وهي نوع آخر، أو كما في قصة إبراهيم ~~والطير وهي نوع آخر، أو يقال: إن الله يهدي المؤمنين إلى الحق وأذكرك ما ~~يشهد بذلك فاذكر قصة المحاجة، واذكر الذي مر على قرية، واذكر إذ قال ~~إبراهيم رب أرني. # فهذا ما يقبله الآيات الثلاث من السياق بحسب المقام، غير أن الله سبحانه ~~أخذ بالتفنن في البيان وخص كل واحدة من الآيات الثلاث بواحد من السياقات ~~الثلاث تنشيطا لذهن المخاطب واستيفاء لجميع الفوائد السياقية الممكنة ~~الاستيفاء. PageV02P206 # ومن هنا يظهر: أن قوله تعالى: أو كالذي، ms0795 معطوف على مقدر يدل عليه الآية ~~السابقة، والتقدير: إما كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية، ويظهر ~~أيضا أن قوله في الآية التالية: وإذ قال إبراهيم، معطوف على مقدر مدلول ~~عليه بالآية السابقة والتقدير: اذكر قصة المحاجة وقصة الذي مر على قرية، ~~واذكر إذ قال إبراهيم رب أرني "إلخ". # وقد أبهم الله سبحانه اسم هذا الذي مر على قرية واسم القرية والقوم الذين ~~كانوا يسكنونها، والقوم الذين بعث هذا المار آية لهم كما يدل عليه قوله ~~ولنجعلك آية للناس، مع أن الأنسب في مقام الاستشهاد الإشارة إلى أسمائهم ~~ليكون أنفى للشبهة. # لكن الآية وهي الإحياء بعد الموت وكذا أمر الهداية بهذا النحو من الصنع ~~لما كانت أمرا عظيما، وقد وقعت موقع الاستبعاد والاستعظام، كان مقتضى ~~البلاغة أن يعبر عنها المتكلم الحكيم القدير بلحن الاستهانة والاستصغار ~~لكسر سورة استبعاد المخاطب والسامعين كما أن العظماء يتكلمون عن عظماء ~~الرجال وعظائم الأمور بالتصغير والتهوين تعظيما لمقام أنفسهم، ولذلك أبهم ~~في الآية كثير من جهات القصة مما لا يتقوم به أصلها ليدل على هوان أمرها ~~على الله، ولذلك أيضا أبهم خصم إبراهيم في الآية السابقة وأبهم جهات القصة ~~من أسماء الطيور وأسماء الجبال وعدد الأجزاء وغيرها في الآية اللاحقة. # وأما التصريح باسم إبراهيم (عليه السلام) فإن للقرآن عناية تشريف به ~~(عليه السلام)، قال تعالى: "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه:" الأنعام ~~- 83، وقال تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين:" الأنعام - 75، ففي ذكره (عليه السلام) بالاسم عناية خاصة. # ولما ذكرناه من النكتة ترى أنه تعالى يذكر أمر الإحياء والإماتة في غالب ~~الموارد من كلامه بما لا يخلو من الاستهانة والاستصغار، قال تعالى: "وهو ~~الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم:" الروم - 27، وقال تعالى: "قال رب أنى يكون لي ~~غلام - إلى قوله: - قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا:" ~~مريم - 9. # قوله تعالى: قال أنى يحيي هذه الله، ms0796 أي أنى يحيي الله أهل هذه القرية ~~ففيه مجاز كما في قوله تعالى: "واسأل القرية": يوسف - 82. # وإنما قال هذا القول استعظاما للأمر ولقدرة الله سبحانه من غير استبعاد ~~يؤدي إلى الإنكار أو ينشأ منه، والدليل على ذلك قوله على ما حكى الله تعالى ~~عنه في آخر القصة: أعلم أن الله على كل شيء قدير ولم يقل: الآن كما في ما ~~يماثله من قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: "الآن حصحص الحق": يوسف - 51، ~~وسيجيء توضيحه قريبا. # على أن الرجل نبي مكلم وآية مبعوثة إلى الناس والأنبياء معصومون حاشاهم ~~عن الشك والارتياب في البعث الذي هو أحد أصول الدين. # قوله تعالى: فأماته الله مائة عام ثم بعثه، ظاهره توفيه بقبض روحه ~~وإبقاؤه على هذا الحال مائة عام ثم إحياؤه برد روحه إليه. # وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالموت هو الحال المسمى عند الأطباء ~~بالسبات وهو أن يفقد الموجود الحي الحس والشعور مع بقاء أصل الحياة مدة من ~~الزمان، أياما أو شهورا أو سنين، كما أنه الظاهر من قصة أصحاب الكهف ~~ورقودهم ثلاثمائة وتسع سنين ثم بعثهم عن الرقدة واحتجاجه تعالى به على ~~البعث فالقصة تشبه القصة. # قال: والذي وجد من موارد اتفاقه لا يزيد على سنين معدودة فسبات مائة سنة ~~أمر غير مألوف وخارق للعادة لكن القادر على توفي الإنسان بالسبات زمانا ~~كعدة سنين قادر على إلقاء السبات مائة سنة، ولا يشترط عندنا في التسليم بما ~~تواتر به النص من آيات الله تعالى وأخذها على ظاهرها إلا أن تكون من ~~الممكنات دون المستحيلات، فقد احتج الله بهذا السبات ورجوع الحس والشعور ~~إليه ثانيا بعد سلبه مائة سنة على إمكان رجوع الحياة إلى الأموات بعد سلبها ~~عنهم ألوفا من السنين، هذا ملخص ما ذكره. PageV02P207 # وليت شعري كيف يصح الحكم بكون الإماتة المذكورة في الآية من قبيل السبات من ~~جهة كون قصة أصحاب الكهف من قبيل السبات "على تقدير تسليمه" بمجرد شباهة ما ~~بين القصتين مع ظهور قوله تعالى: فأماته الله، في الموت ms0797 المعهود دون السبات ~~الذي اختلقه للآية؟ وهل هو إلا قياس فيما لم يقل بالقياس فيه أحد، وهو أمر ~~الدلالة؟ وإذا جاز أن يلقي الله على رجل سبات مائة سنة مع كونه خرقا للعادة ~~فليجز له إماتته مائة سنة ثم إحياؤه، فلا فرق عنده تعالى بين خارق وخارق ~~إلا أن هذا القائل يرى إحياء الموتى في الدنيا محالا من غير دليل يدل عليه، ~~وقد تأول لذلك أيضا قوله تعالى في ذيل الآية: وانظر إلى العظام كيف ننشزها ~~ثم نكسوها لحما، وسيجيء التعرض له. # وبالجملة دلالة قوله تعالى: فأماته الله مائة عام، من حيث ظهور اللفظ ~~وبالنظر إلى قوله قبله: أنى يحيي هذه الله، وقوله بعده: فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك وقوله: وانظر إلى العظام، مما لا ريب فيه. # قوله تعالى: قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام، ~~اللبث هو المكث وترديد الجواب بين اليوم وبعض اليوم يدل على اختلاف وقت ~~إماتته وإحيائه كأوائل النهار وأواخره، فحسب الموت والحياة نوما وانتباها، ~~ثم شاهد اختلاف وقتيهما فتردد في تخلل الليلة بين الوقتين وعدم تخللها فقال ~~يوما لو تخللت الليلة أو بعض يوم لو لم تتخلل قال: بل لبثت مائة عام. # قوله تعالى: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه إلى قوله لحما، سياق هذه ~~الجمل في أمره عجيب فقد كرر فيها قوله: انظر ثلاث مرات وكان الظاهر أن ~~يكتفي بواحد منها، وذكر فيها أمر الطعام والشراب والحمار والظاهر السابق ~~إلى الذهن أنه لم يكن إلى ذكرها حاجة، وجيء بقوله: ولنجعلك متخللا في ~~الكلام وكان الظاهر أن يتأخر عن جملة: وانظر إلى العظام، على أن بيان ما ~~استعظمه هذا المار بالقرية - وهو إحياء الموتى بعد طول المدة وعروض كل تغير ~~عليها - قد حصل بإحيائه نفسه بعد الموت فما الموجب لأن يؤمر ثانيا بالنظر ~~إلى العظام؟ لكن التدبر في أطراف الآية الشريفة يوضح خصوصيات القصة إيضاحا ~~ينحل به العقدة وتنجلي به الشبهة المذكورة. # القصة # التدبر ms0798 في الآية يعطي أن الرجل كان من صالحي عباد الله، عالما بمقام ربه، ~~مراقبا لأمره، بل نبيا مكلما فإن ظاهر قوله: أعلم أن الله، أنه بعد تبين ~~الأمر له رجع إلى ما لم يزل يعلمه من قدرة الله المطلقة، وظاهر قوله تعالى: ~~ثم بعثه قال كم لبثت، إنه كان مأنوسا بالوحي والتكليم، وأن هذا لم يكن أول ~~وحي يوحى إليه وإلا كان حق الكلام أن يقال: فلما بعثه قال "إلخ" أو ما ~~يشبهه كقوله تعالى في موسى (عليه السلام): "فلما أتيها نودي يا موسى إني ~~أنا ربك": طه - 12، وقوله تعالى فيه أيضا: "فلما أتيها نودي من شاطىء ~~الوادي الأيمن:" القصص - 30. # وكيف كان فقد كان (عليه السلام) خرج من داره قاصدا مكانا بعيدا عن قريته ~~التي كان بها، والدليل عليه خروجه مع حمار يركبه، وحمله طعاما وشرابا يتغذى ~~بهما، فلما سار إلى ما كان يقصده مر بالقرية التي ذكر الله تعالى أنها كانت ~~خاوية على عروشها، ولم يكن قاصدا نفس القرية، وإنما مر بها مرورا ثم وقف ~~معتبرا بما يشاهده من أمر القرية الخربة التي كان قد أبيد أهلها وشملتهم ~~نازلة الموت وعظامهم الرميمة بمرأى ومنظر منه (عليه السلام)، فإنه يشير إلى ~~الموتى بقوله: أنى يحيي هذه الله، ولو كان مراده بذلك عمران نفس القرية بعد ~~خرابها والإشارة إلى نفس القرية لكان حق الكلام أن يقال: أنى يعمر هذه الله. # على أن القرية الخربة ليس من المترقب عمرانها بعد خرابها، ولا أن عمرانها ~~بعد الخراب مما يستعظم عادة، ولو كانت الأموات المشار إليهم مقبورين وقد ~~اعتبر بمقابرهم لكان من اللازم ذكره والصفح عن ذكر نفس القرية على ما يليق ~~بأبلغ الكلام. PageV02P208 # ثم إنه تعمق في الاعتبار فهاله ما شاهده منها فاستعظم طول مدة مكثها مع ما ~~يصاحبه من تحولها من حال إلى حال، وتطورها من صورة إلى صورة بحيث يصير ~~الأصل نسيا منسيا، وعند ذلك قال: أنى يحيي هذه الله، وقد كان هذا الكلام ~~ينحل إلى جهتين: "إحداهما": استعظام طول المدة ms0799 والإحياء مع ذلك، ~~"والثانية": استعظام رجوع الأجزاء إلى صورتها الأولى الفانية بعد عروض هذه ~~التغيرات غير المحصورة، فبين الله له الأمر من الجهتين جميعا: أما من الجهة ~~الأولى فبإماتته ثم إحيائه وسؤاله وأما من الجهة الثانية فبإحياء العظام ~~بمنظر ومرأى منه. # فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد كان الإماتة والإحياء في وقتين ~~مختلفين من النهار كما مر ذكره، قال كم لبثت، قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~نظرا إلى اختلاف الوقتين، وقد كان موته في الطرف المقدم من النهار وبعثه في ~~الطرف المؤخر منه ولو كان بالعكس من ذلك لقال: لبثت يوما من غير ترديد، فرد ~~الله سبحانه عليه وقال: بل لبثت مائة عام، فرأى من نفسه أنه شاهد مائة سنة ~~كيوم أو بعض يوم، فكان فيه جواب ما استعظمه من طول المكث. # ثم استشهد تعالى على قوله: بل لبثت مائة عام بقوله: فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك! وذلك: أن قوله: لبثت يوما أو بعض يوم يدل ~~على أنه لم يحس بشيء من طول المدة وقصره، وإنما استدل على ما ذكره بما شاهد ~~من حال النهار من شمس أو ظل ونحوهما، فلما أجيب بقوله تعالى: بل لبثت مائة ~~عام كان الجواب في مظنة أن يرتاب فيه من جهة ما كان يشاهد نفسه ولم يتغير ~~شيء من هيئة بدنه، والإنسان إذا مات ومضى عليه مائة سنة على طولها تغير لا ~~محالة بدنه عما هو عليه من النضارة والطراوة وكان ترابا وعظاما رميمة، فدفع ~~الله تعالى هذا الذي يمكن أن يخطر بباله بأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه لم ~~يتغير شيء منهما عما كان عليه وأن ينظر إلى الحمار وقد صار عظاما رميمة، ~~فحال الحمار يدل على طول مدة المكث وحال الطعام والشراب يدل على إمكان أن ~~يبقى طول هذه المدة على حال واحد من غير أن يتغير شيء من هيئته عما هي عليه. # ومن هنا يظهر أن الحمار أيضا قد أميت وكان رميما وكان السكوت عن ms0800 ذكر ~~إماتته معه لما عليه القرآن من الأدب البارع. # وبالجملة تم عند ذلك البيان الإلهي: أن استعظامه طول المدة قد كان في غير ~~محله حيث أخذ الله منه الاعتراف بأن مائة سنة - مدة لبثه - كيوم أو بعض يوم ~~كما يأخذ اعتراف أهل الجمع يوم القيامة بمثل ما اعترف به، فبين له أن تخلل ~~الزمان بين الإماتة والإحياء بالطول والقصر لا يؤثر في قدرته الحاكمة على ~~كل شيء، فليست قدرة مادية زمانية حتى يتخلف حالها بعروض تغيرات أقل أو أزيد ~~على المحل، فيكون إحياء الموتى القديمة أصعب عليه من إحياء الموتى الجديدة، ~~بل البعيد عنده كالقريب من غير فرق كما قال تعالى: "إنهم يرونه بعيدا ونريه ~~قريبا": المعارج - 7، وقال تعالى: "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر:" النحل - 77. # ثم قال تعالى: ولنجعلك آية للناس، عطف الغاية يدل على أن هناك غيرها من ~~الغايات، والمعنى أنا فعلنا بك ما فعلنا لنبين لك كذا وكذا ولنجعلك آية ~~للناس فبين أن الغرض الإلهي لم يكن في ذلك منحصرا في بيان الأمر له نفسه بل ~~هناك غاية أخرى وهي جعله آية للناس، فالغرض من قوله: وانظر إلى العظام ~~"إلخ" بيان الأمر له فقط ومن إماتته وإحيائه بيان الأمر له وجعله آية ~~للناس، ولذلك قدم قوله: ولنجعلك "إلخ" على قوله: وانظر إلى العظام "إلخ". # ومما بينا يظهر وجه تكرار قوله انظر، ثلاث مرات في الآية، فلكل واحد من ~~الموارد الثلاث غرض خاص به لا يشاركه فيه غيره. # وكان في إماتته وإحيائه وبيان ذلك له بيان ما يجده الميت من نفسه إذا ~~أحياه الله ليوم البعث كما قال تعالى: "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما ~~لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد ~~لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون:" ~~الروم - 56. PageV02P209 # ثم بين الله له الجهة الثانية التي يشتمل عليه قوله: أنى يحيي هذه الله ~~وهو: أنه كيف يعود الأجزاء إلى صورتها بعد كل هذه التغيرات والتحولات ms0801 ~~الطارئة عليها واستلفت نظره إلى العظام فقال: وانظر إلى العظام كيف ننشزها ~~والإنشاز الإنماء، وظاهر الآية أن المراد بالعظام عظام الحمار إذ لو كانت ~~عظام أهل القرية لم تكن الآية منحصرة فيه كما هو ظاهر قوله: ولنجعلك آية بل ~~شاركه فيه الموتى الذين أحياهم الله تعالى!. # ومن الغريب ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالعظام العظام التي في ~~الأبدان الحية فإنها في نمائها واكتسائها باللحم من آيات البعث، فإن الذي ~~أعطاها الرشد والنماء بالحياة لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير، وقد احتج ~~الله على البعث بمثلها وهو الأرض الميتة التي يحييها الله بالإنبات، وهذا ~~كما ترى تكلف من غير موجب. # وقد تبين من جميع ما مر أن جميع ما تشتمل عليه الآية من قوله: فأماته ~~الله إلى آخر الآية جواب واحد غير مكرر لقوله: أنى يحيي هذه الله. # قوله تعالى: فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير، رجوع منه ~~بعد التبين إلى علمه الذي كان معه قبل التبين، كأنه (عليه السلام) لما خطر ~~بباله الخاطر الذي ذكره بقوله: أنى يحيي هذه الله أقنع نفسه بما عنده من ~~العلم بالقدرة المطلقة ثم لما بين الله له الأمر بيان إشهاد وعيان رجع إلى ~~نفسه وصدق ما اعتمد عليه من العلم، وقال لم تزل تنصح لي ولا تخونني في ~~هدايتك وتقويمك وليس ما لا تزال نفسي تعتمد عليه من كون القدرة مطلقة جهلا، ~~بل علم يليق بالاعتماد عليه. # وهذا أمر كثير النظائر فكثيرا ما يكون للإنسان علم بشيء ثم يخطر بباله ~~ويهجس في نفسه خاطر ينافيه، لا للشك وبطلان العلم، بل لأسباب وعوامل أخرى ~~فيقنع نفسه حتى تنكشف الشبهة ثم يعود فيقول أعلم أن كذا كذا وليس كذا كذا ~~فيقرر بذلك علمه ويطيب نفسه!. # وليس معنى الكلام: أنه لما تبين له الأمر حصل له العلم وقد كان شاكا قبل ~~ذلك فقال أعلم "إلخ" كما مرت الإشارة إليه لأن الرجل كان نبيا مكلما وساحة ~~الأنبياء منزه عن الجهل بالله ms0802 وخاصة في مثل صفة القدرة التي هي من صفات ~~الذات أولا: ولأن حق الكلام حينئذ أن يقال: علمت أو ما يؤدي معناه ثانيا: ~~ولأن حصول العلم بتعلق القدرة بإحياء الموتى لا يوجب حصول العلم بتعلقها ~~بكل شيء وقد قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، نعم ربما يحصل الحدس بذلك ~~في بعض النفوس كمن يستعظم أمر الإحياء في القدرة فإذا شاهدها له ما شاهده ~~وذهلت نفسه عن سائر الأمور فحكم بأن الذي يحيي الموتى يقدر على كل ما يريد ~~أو أريد منه، لكنه اعتقاد حدسي معلول الروع والاستعظام النفسانيين ~~المذكورين، يزول بزوالهما ولا يوجد لمن لم يشاهد ذلك، وعلى أي حال لا يستحق ~~التعويل والاعتماد عليه، وحاشا أن يعد الكلام الإلهي مثل هذا الاعتقاد ~~والقول نتيجة حسنة ممدوحة لبيان إلهي كما هو ظاهر قوله تعالى بعد سرد ~~القصة: فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، على أنه خطأ في ~~القول لا يليق بساحة الأنبياء ثالثا. # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى، قد مر أنه معطوف ~~على مقدر والتقدير: واذكر إذ قال "إلخ" وهو العامل في الظرف، وقد احتمل ~~بعضهم أن يكون عامل الظرف هو قوله: قال أولم تؤمن، وترتيب الكلام: أولم ~~تؤمن إذ قال إبراهيم رب أرني "إلخ" وليس بشيء. # وفي قوله: أرني كيف تحيي الموتى، دلالة: أولا على أنه (عليه السلام) إنما ~~سأل الرؤية دون البيان الاستدلالي، فإن الأنبياء وخاصة مثل النبي الجليل ~~إبراهيم الخليل أرفع قدرا من أن يعتقد البعث ولا حجة له عليه، والاعتقاد ~~النظري من غير حجة عليه إما اعتقاد تقليدي أو ناش عن اختلال فكري وشيء ~~منهما لا ينطبق على إبراهيم (عليه السلام)، على أنه (عليه السلام) إنما سأل ~~ما سأل بلفظ كيف، وإنما يستفهم بكيف عن خصوصية وجود الشيء لا عن أصل وجوده ~~فإنك إذا قلت: أرأيت زيدا كان معناه السؤال عن تحقق أصل الرؤية، وإذا قلت: ~~كيف رأيت زيدا كان أصل الرؤية مفروغا عنه ms0803 وإنما السؤال عن خصوصيات الرؤية، ~~فظهر أنه (عليه السلام) إنما سأل البيان بالإراءة والإشهاد لا بالاحتجاج ~~والاستدلال. PageV02P210 # وثانيا: على أن إبراهيم (عليه السلام) إنما سأل أن يشاهد كيفية الإحياء لا ~~أصل الإحياء كما أنه ظاهر قوله: كيف تحيي الموتى، وهذا السؤال متصور على ~~وجهين: الوجه الأول: أن يكون سؤالا عن كيفية قبول الأجزاء المادية الحياة، ~~وتجمعها بعد التفرق والتبدد، وتصورها بصورة الحي، ويرجع محصله إلى تعلق ~~القدرة بالإحياء بعد الموت والفناء. # الوجه الثاني: أن يكون عن كيفية إفاضة الله الحياة على الأموات وفعله ~~بأجزائها الذي به تلبس الحياة، ويرجع محصله إلى السؤال عن السبب وكيفية ~~تأثيره، وهذا بوجه هو الذي يسميه الله سبحانه بملكوت الأشياء في قوله عز من ~~قائل: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء:" يس - 83. # وإنما سأل إبراهيم (عليه السلام) عن الكيفية بالمعنى الثاني دون المعنى ~~الأول: أما أولا: فلأنه قال: كيف تحيي الموتى، بضم التاء من الإحياء فسأل ~~عن كيفية الإحياء الذي هو فعل ناعت لله تعالى وهو سبب حياة الحي بأمره، ولم ~~يقل: كيف تحيي الموتى، بفتح التاء من الحياة حتى يكون سؤالا عن كيفية تجمع ~~الأجزاء وعودها إلى صورتها الأولى وقبولها الحياة، ولو كان السؤال عن ~~الكيفية بالمعنى الثاني لكان من الواجب أن يرد على الصورة الثانية، وأما ~~ثانيا: فلأنه لو كان سؤاله عن كيفية قبول الأجزاء للحياة لم يكن لإجراء ~~الأمر بيد إبراهيم وجه، ولكفى في ذلك أن يريد الله إحياء شيء من الحيوان ~~بعد موته، وأما ثالثا: فلأنه كان اللازم على ذلك أن يختم الكلام بمثل أن ~~يقال: وأعلم أن الله على كل شيء قدير لا بقوله: واعلم أن الله عزيز حكيم، ~~على ما هو المعهود من دأب القرآن الكريم فإن المناسب للسؤال المذكور هو صفة ~~القدرة دون صفتي العزة والحكمة فإن العزة والحكمة - وهما وجدان الذات كل ما ~~تفقده وتستحقه الأشياء وإحكامه في أمره - إنما ترتبطان بإفاضة الحياة لا ~~استفاضة المادة لها ms0804 فافهم ذلك. # ومما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين: أن إبراهيم (عليه السلام) ~~إنما سأل بقوله: رب أرني حصول العلم بكيفية حصول الإحياء دون مشاهدة كيفية ~~الإحياء، وأن الذي أجيب به في الآية لا يدل على أزيد من ذلك، قال: ما ~~محصله: أنه ليس في الكلام ما يدل على أن الله سبحانه أمره بالإحياء، ولا أن ~~إبراهيم (عليه السلام) فعل ما أمره به، فما كل أمر يقصد به الامتثال، فإن ~~من الخبر ما يأتي بصورة الإنشاء كما إذا سألك سائل كيف يصنع الحبر مثلا؟ ~~فتقول: خذ كذا وكذا وأفعل به كذا وكذا يكن حبرا تريد أن هذه كيفيته، ولا ~~تريد به أن تأمره أن يصنع الحبر بالفعل. # قال: وفي القرآن شيء كثير مما ورد فيه الخبر في صورة الأمر، والكلام ~~هاهنا مثل لإحياء الموتى، ومعناه خذ أربعة من الطير فضمها إليك وآنسها بك ~~حتى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك إذا دعوتها فإن الطيور من أشد الحيوان ~~استعدادا لذلك ثم اجعل كل واحد منها على جبل ثم ادعها فإنها تسرع إليك من ~~غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها، كذلك أمر ربك إذا أراد إحياء الموتى ~~يدعوهم بكلمة التكوين: كونوا أحياء، فيكونون أحياء كما كان شأنه في بدء ~~الخلقة، ذلك إذ قال للسماوات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا: أتينا ~~طائعين. # قال: والدليل على ذلك من الآية قوله تعالى: فصرهن، فإن معناه أملهن أي ~~أوجد ميلها إليك وأنسها بك، ويشهد به تعديته بإلى فإن صار إذا تعدى بإلى ~~كان بمعنى الإمالة، وما ذكره المفسرون من كونه بمعنى التقطيع أي قطعهن ~~أجزاء بعد الذبح لا يساعد عليه تعديته بإلى، وأما ما قيل: إن قوله: إليك ~~متعلق بقوله: فخذ دون قوله: فصرهن والمعنى: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن ~~فخلاف ظاهر الكلام. # وثانيا: أن الظاهر: أن ضمائر فصرهن ومنهن وادعهن ويأتينك جميعا راجعة إلى ~~الطير، ويلزم على قولهم: إن المراد تقطيعها وتفريق أجزائها، ووضع كل جزء ~~منها على جبل ثم دعوتهن أن يفرق ms0805 بين الضمائر فيعود الأولان إلى الطيور، ~~والثالث والرابع إلى الأجزاء وهو خلاف الظاهر. # وأضاف إلى ذلك بعض من وافقه في معنى الآية وجوها أخرى نتبعها بها. PageV02P211 # وثالثا: أن إراءة كيفية الخلقة إن كان بمعنى مشاهدة كيفية تجمع أجزائها ~~وتغير صورها إلى الصورة الأولى الحية فهي مما لا تحصل على ما ذكروه من ~~تقطيعه الأجزاء ومزجه إياها ووضعه على جبل بعيد، جزءا منها فكيف يتصور على ~~هذا مشاهدة ما يعرض ذرات الأجزاء من الحركات المختلفة والتغيرات المتنوعة، ~~وإن كان المراد إراءة كيفية الإحياء بمعنى الإحاطة على كنه كلمة التكوين ~~التي هي الإرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشيء وحقيقة نطقها بالأشياء فظاهر ~~القرآن وهو ما عليه المسلمون أن هذا غير ممكن للبشر، فصفات الله منزهة عن ~~الكيفية. # ورابعا: أن قوله: ثم اجعل، يدل على التراخي الذي هو المناسب لمعنى ~~التأنيس وكذلك قوله: فصرهن بخلاف ما ذكروه من معنى الذبح والتقطيع. # وخامسا: أنه لو كان كما يقولون لكان الأنسب هو ختم الآية باسم القدير دون ~~الاسمين: العزيز الحكيم فإن العزيز هو الغالب الذي لا ينال، هذا ما ذكروه. # وأنت بالتأمل في ما قدمناه من البيان تعرف سقوط ما ذكروه، فإن اشتمال ~~الآية على السؤال بلفظ أرني وقوله: كيف تحيي وإجراء الأمر بيد إبراهيم على ~~ما مر بيانها كل ذلك ينافي هذا المعنى، على أن الجزء في قوله تعالى: ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ظاهره جزء الطير لا واحد من الطيور. # وأما الوجوه التي ذكروها فالجواب عن الأول: أن معنى صرهن قطعهن، وتعديته ~~بإلى لمكان تضمينه معنى الإمالة كما في قوله تعالى: "الرفث إلى نسائكم": ~~البقرة - 187، حيث ضمن معنى الإفضاء. # وعن الثاني: أن جميع الضمائر الأربع راجعة إلى الطيور، والوجه في رجوع ~~ضمير ادعهن ويأتينك إليها مع أنها غير موجودة بأجزائها وصورها بل هي موجودة ~~بأجزائها فقط هو الوجه في رجوع الضمير إلى السماء مع عدم وجودها إلا ~~بمادتها في قوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا ms0806 أو كرها قالتا أتينا طائعين:" فصلت - 10، وقوله تعالى: "إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن:" يس - 82، وحقيقة الأمر: أن الخطاب ~~اللفظي فرع وجود المخاطب قبل الخطاب، وأما الخطاب التكويني فالأمر فيه ~~بالعكس، والمخاطب فيه فرع الخطاب، فإن الخطاب فيه هو الإيجاد ومن المعلوم ~~أن الوجود فرع الإيجاد، كما يشير إليه قوله تعالى: أن نقول له كن فيكون ~~الآية فقوله فيكون إشارة إلى وجود الشيء المتفرع على قوله كن وهو خطاب الأمر. # وعن الثالث: أنا نختار الشق الثاني وأن السؤال إنما هو عن كيفية فعل الله ~~سبحانه وإحيائه لا عن كيفية قبول المادة وحياتها، وقوله: إن البشر لا يمكنه ~~أن ينال كنه الإرادة الإلهية التي هي من صفاته كما يدل ظاهر القرآن وعليه ~~المسلمون. # قلنا: إن الإرادة من صفات الفعل المنتزعة منه كالخلق والإحياء ونحوهما، ~~والذي لا سبيل إليه هو الذات المتعالية كما قال تعالى: "ولا يحيطون به ~~علما:" طه - 110. # فالإراده منتزعة من الفعل، وهو الإيجاد المتحد مع وجود الشيء، وهو كلمة ~~كن في قوله تعالى: أن نقول له كن فيكون، وقد ذكر الله في تالي الآية أن هذه ~~الكلمة - كلمة كن - هي ملكوت كل شيء إذ قال: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ~~الآية، وقد ذكر الله تعالى أنه أرى إبراهيم ملكوت خلقه إذ قال: "وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين:" الأنعام - 75، ومن ~~الملكوت إحياء الطيور المذكورة في الآية. # ومنشأ هذه الشبهة ونظائرها من هؤلاء الباحثين أنهم يظنون أن دعوة إبراهيم ~~(عليه السلام) للطيور في إحيائها، وقول عيسى (عليه السلام) لميت عند ~~إحيائه: قم بإذن الله وجريان الريح بأمر سليمان وغيرها مما يشتمل عليه ~~الكتاب والسنة إنما هو لأثر وضعه الله تعالى في ألفاظهم المؤلفة من حروف ~~الهجاء، أو في إدراكهم التخيلي الذي تدل عليه ألفاظهم نظير النسبة التي بين ~~ألفاظنا العادية ومعانيها وقد خفي عليهم أن ذلك إنما هو عن اتصال باطني ~~بقوة إلهية غير مغلوبة وقدرة غير متناهية هي المؤثرة الفاعلة بالحقيقة. # وعن ms0807 الرابع: أن التراخي المدلول عليه بقوله: ثم كما يناسب معنى التربية ~~والتأنيس كما ذكروه يناسب معنى التقطيع وتفريق الأجزاء ووضعها على الجبال ~~كما هو ظاهر. PageV02P212 # وعن الخامس: أن الإشكال مقلوب عليهم فإن الذي ذكروه هو أن الله إنما بين ~~كيفية الإحياء لإبراهيم بالبيان العلمي النظري دون الشهودي، فيرد عليهم أن ~~المناسب حينئذ ختم الآية بصفة القدرة دون العزة والحكمة، وقد عرفت مما ~~قدمنا أن الأنسب على ما بيناه من معنى الآية هو الختم بالاسمين: العزيز ~~الحكيم كما في الآية. # ويظهر مما ذكرنا أيضا فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين: أن المراد ~~بالسؤال في الآية إنما هو السؤال عن إشهاد كيفية الإحياء بمعنى كيفية قبول ~~الأجزاء صورة الحياة. # قال: ما محصله: أن السؤال لم يكن في أمر ديني - والعياذ بالله - ولكنه ~~سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علما بها، وكيفية الإحياء لا يشترط في الإيمان ~~الإحاطة بصورتها فإبراهيم (عليه السلام) طلب علم لا يتوقف الإيمان على ~~علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة كيف، وموضوعها السؤال عن الحال، ~~ونظير هذا أن يقول القائل كيف يحكم زيد في الناس، فهو لا يشك أنه يحكم ~~فيهم، ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته، ولو كان سائلا عن ثبوت ذلك ~~لقال: أيحكم زيد في الناس، وإنما جاء التقرير أعني قوله، أولم تؤمن، بعده ~~لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا ~~أنها قد تستعمل أيضا في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع: أنه يحمل ثقلا من ~~الأثقال وأنت تعلم بعجزه عن حمله فتقول له: أرني كيف تحمل هذا تريد أنك ~~عاجز عن حمله، والله سبحانه لما علم براءة إبراهيم (عليه السلام) عن الحوم ~~حول هذا الحمى أراد أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي ~~في العبارة الأولى لكون إيمانه مخلصا بعبارة تنص عليه بحيث يفهمها كل من ~~سمعها فهما لا يتخالجه فيه شك، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن ~~الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير ms0808 المشاهد، وعدم حصول هذه ~~الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل ~~الوجودة، ورؤية الكيفية لم يزد في إيمانه المطلوب منه شيئا، وإنما أفادت ~~أمرا لا يجب الإيمان به. # ثم قال بعد كلام له طويل: إن الآية تدل على فضل إبراهيم (عليه السلام) ~~حيث أراه الله سبحانه ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه، وأرى ~~عزيرا ما أراه بعد ما أماته مائة عام. # وأنت بالتدبر في الآية والتأمل فيما قدمناه من البيان تعرف سقوط ما ذكره ~~فإن السؤال إنما وقع عن كيفية إحيائه تعالى لا عن كيفية قبول الأجزاء ~~الحياة ثانيا فقد قيل: كيف تحيي، بضم التاء لا بفتحها، على أن إجراء الأمر ~~على يد إبراهيم (عليه السلام) يدل على ذلك ولو كان السؤال عن كيفية القبول ~~لكفى في ذلك إراءة شيء من الموتى يحييه الله كما في قصة المار على القرية ~~الخاوية في الآية السابقة حيث قال تعالى: وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم ~~نكسوها لحما، ولم تكن حاجة إلى إجراء الإحياء على يد إبراهيم (عليه ~~السلام)، وهذا هو الذي أشرنا إليه آنفا: أنهم يقيسون نفوس الأنبياء في ~~تلقيهم المعارف الإلهية ومصدريتهم للأمور الخارقة بنفوسهم العادية فينتج ~~ذلك مثلا: أن لا فرق بين تكون الحياة بيد إبراهيم وتكونه في الخارج بالنسبة ~~إلى حال إبراهيم، وهذا أمر لا يخطر على بال الباحث عن الحقائق الخبير بها، ~~لكن هؤلاء لإهمالهم أمر الحقائق وقعوا فيما وقعوا فيه من الفساد، وكلما ~~أمعنوا في البحث زادوا بعدا عن الحق. # ألا ترى أنه فسر الطمأنينة بارتفاع الخطورات في الصور المحتملة في التكون ~~والأشكال المتصورة مع أن هذا التردد الفكري من اللغو الذي لا سبيل له إلى ~~ساحة مثل إبراهيم (عليه السلام)، مع أن الجواب المنقول في الآية لم يأت في ~~ذلك بشيء فإن إبراهيم (عليه السلام) قال: كيف تحيي الموتى؟ فأطلق الموتى ~~وهو يريد موتى الإنسان أو الأعم منه ومن غيره والله سبحانه ما أراه إلا ~~تكون الحياة في ms0809 أربعة من الطير. # ثم ذكر فضل إبراهيم (عليه السلام) على عزير يريد به صاحب القصة في الآية ~~السابقة بما ذكر فأخذ القصة في الآيتين من نوع واحد وهو السؤال عن الكيفية ~~التي فسرها بما فسرها والجواب عنها، فاختلط عليه معنى الآيتين جميعا، مع أن ~~الآيتين جميعا - على ما فيهما من غرر البيان ودقائق المعاني - أجنبيتان عن ~~الكيفية بالمعنى الذي ذكره كل ذلك واضح بالرجوع إلى ما مر فيهما. PageV02P213 # على أن المناسب لبيان الكيفية ختم الآية بصفة القدرة لا بصفتي العزة ~~والحكمة كما في قوله تعالى: "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير:" ~~فصلت - 39، فالآية كما ترى في مقام بيان الكيفية وقد ختمت بصفة القدرة ~~المطلقة، ونظيره قوله تعالى: "أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ~~ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير:" ~~الأحقاف - 33، ففيه أيضا بيان الكيفية بإراءة الأمثال ثم ختم الكلام بصفة ~~القدرة. # قوله تعالى: قال: أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، بلى كلمة يرد به ~~النفي ولذلك ينقلب به النفي إثباتا كقوله تعالى: "ألست بربكم قالوا بلى:" ~~الأعراف - 172، ولو قالوا نعم لكان كفرا، والطمأنينة والاطمينان سكون النفس ~~بعد انزعاجها واضطرابها، وهو مأخوذ من قولهم: اطمأنت الأرض وأرض مطمئنة إذا ~~كانت فيه انخفاض يستقر فيها الماء إذا سال إليها والحجر إذا هبط إليها. # وقد قال تعالى: أولم تؤمن، ولم يقل: ألم تؤمن للإشعار بأن للسؤال والطلب ~~محلا لكنه لا ينبغي أن يقارن عدم الإيمان بالإحياء: ولو قيل: ألم تؤمن دل ~~على أن المتكلم تلقى السؤال منبعثا عن عدم الإيمان، فكان عتابا وردعا عن ~~مثل هذا السؤال، وذلك أن الواو للجميع، فكان الاستفهام معه استفهاما عن أن ~~هذا السؤال هل يقارنه عدم الإيمان، لا استفهاما عن وجه السؤال حتى ينتج ~~عتابا وردعا. # والإيمان مطلق في كلامه تعالى، وفيه دلالة على أن الإيمان بالله سبحانه ~~لا يتحقق ms0810 مع الشك في أمر الإحياء والبعث، ولا ينافي ذلك اختصاص المورد ~~بالإحياء لأن المورد لا يوجب تخصيص عموم اللفظ ولا تقييد إطلاقه. # وكذا قوله تعالى حكاية عنه (عليه السلام): ليطمئن قلبي، مطلق يدل على كون ~~مطلوبه (عليه السلام) من هذا السؤال حصول الاطمينان المطلق وقطع منابت كل ~~خطور قلبي وأعراقه، فإن الوهم في إدراكاتها الجزئية وأحكامها لما كانت ~~معتكفة على باب الحس وكان جل أحكامها وتصديقاتها في المدركات التي تتلقاها ~~من طريق الحواس فهي تنقبض عن مطاوعة ما صدقه العقل، وإن كانت النفس مؤمنة ~~موقنة به، كما في الأحكام الكلية العقلية الحقة من الأمور الخارجة عن ~~المادة الغائبة عن الحس فإنها تستنكف عن قبولها وإن سلمت مقدماتها المنتجة ~~لها، فتخطر بالبال أحكاما مناقضة لها، ثم تثير الأحوال النفسانية المناسبة ~~لاستنكافها فتقوى وتتأيد بذلك في تأثيرها المخالف، وإن كانت النفس من جهة ~~عقلها موقنة بالحكم مؤمنة بالأمر فلا تضرها إلا أذى، كما أن من بات في دار ~~مظلمة فيها جسد ميت فإنه يعلم: أن الميت جماد من غير شعور وإرادة فلا يضر ~~شيئا، لكن الوهم تستنكف عن هذه النتيجة وتستدعي من المتخيلة أن تصور للنفس ~~صورا هائلة موحشة من أمر الميت ثم تهيج صفة الخوف فتتسلط على النفس، وربما ~~بلغ إلى حيث يزول العقل أو تفارق النفس. # فقد ظهر: أن وجود الخطورات المنافية للعقائد اليقينية لا ينافي الإيمان ~~والتصديق دائما، غير أنها تؤذي النفس، وتسلب السكون والقرار منها، ولا يزول ~~وجود هذه الخواطر إلا بالحس أو المشاهدة، ولذلك قيل: إن للمعاينة أثرا لا ~~يوجد مع العلم، وقد أخبر الله تعالى موسى في الميقات بضلال قومه بعبادة ~~العجل فلم يوجب ذلك ظهور غضبه حتى إذا جاءهم وشاهدهم وعاين أمرهم غضب وألقى ~~الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه. # وقد ظهر من هنا ومما مر سابقا أن إبراهيم (عليه السلام) ما كان يسأل ~~المشاهدة بالحس الذي يتعلق بقبول أجزاء الموتى الحياة بعد فقدها، بل إنما ~~كان يسأل مشاهدة فعل الله سبحانه وأمره في إحياء ms0811 الموتى، وليس ذلك بمحسوس ~~وإن كان لا ينفك عن الأمر المحسوس الذي هو قبول الأجزاء المادية للحياة ~~بالاجتماع والتصور بصورة الحي، فهو (عليه السلام) إنما كان يسأل حق اليقين. # قوله تعالى: قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا. # صرهن بضم الصاد على إحدى القراءتين من صار يصور إذا قطع أو أمال، أو بكسر ~~الصاد على القراءة الأخرى من صار يصير بأحد المعنيين، وقرائن الكلام يدل ~~على إرادة معنى القطع، وتعديته بإلى تدل على تضمين معنى الإمالة. PageV02P214 # فالمعنى: أقطعهن مميلا إليك أو أملهن إليك قاطعا إياهن على الخلاف في ~~التضمين من حيث التقدير. # وكيف كان فقوله تعالى: خذ أربعة من الطير "إلخ"، جواب عن ما سأله إبراهيم ~~(عليه السلام) بقوله: رب أرني كيف تحيي الموتى، ومن المعلوم وجوب مطابقة ~~الجواب للسؤال، فبلاغة الكلام وحكمة المتكلم يمنعان عن اشتمال الكلام على ~~ما هو لغو زائد لا يترتب على وجوده فائدة عائدة إلى الغرض المقصود من ~~الكلام وخاصة القرآن الذي هو خير كلام ألقاه خير متكلم إلى خير سامع واع، ~~وليست القصة على تلك البساطة التي تتراءى منها في بادي النظر، ولو كان كذلك ~~لتم الجواب بإحياء ميت ما كيف كان، ولكان الزائد على ذلك لغوا مستغنى عنه ~~وليس كذلك، ولقد أخذ فيها قيود وخصوصيات زائدة على أصل المعنى، فاعتبر في ~~ما أريد إحياؤه أن يكون طيرا، وأن يكون حيا، وأن يكون ذا عدد أربعة، وأن ~~يقتل ويخلط ويمزج أجزاؤها، وأن يفرق الأجزاء المختلطة أبعاضا ثم يوضع كل ~~بعض في مكان بعيد من الآخر كقلة هذا الجبل وذاك الحبل، وأن يكون الإحياء ~~بيد إبراهيم (عليه السلام) نفس السائل بدعوته إياهن، وأن يجتمع الجميع عنده. # فهذه كما ترى خصوصيات زائدة في القصة، هي لا محالة دخيلة في المعنى ~~المقصود إفادته، وقد ذكروا لها وجوها من النكات لا تزيد الباحث إلا عجبا ~~يعلم صحة ما ذكرناه بالرجوع إلى مفصلات التفاسير. # وكيف كان فهذه الخصوصيات ms0812 لا بد أن تكون مرتبطة بالسؤال، والذي يوجد في ~~السؤال - وهو قوله: رب أرني كيف تحيي الموتى - أمران. # أحدهما: ما اشتمل عليه قوله: تحيي وهو أن المسئول مشاهدة الإحياء من حيث ~~إنه وصف لله سبحانه لا من حيث إنه وصف لأجزاء المادة الحاملة للحياة. # وثانيهما: ما اشتمل عليه لفظ الموتى من معنى الجمع فإنه خصوصية زائدة. # أما الأول: فيرتبط به في الجواب إجراء هذا الأمر بيد إبراهيم نفسه حيث ~~يقول: فخذ، فصرهن، ثم اجعل، بصيغة الأمر ويقول ثم ادعهن يأتينك، فإنه تعالى ~~جعل إتيانهن سعيا وهو الحياة مرتبطا متفرعا على الدعوة، فهذه الدعوة هي ~~السبب الذي يفيض عنه حياة ما أريد إحياؤه، ولا إحياء إلا بأمر الله، فدعوة ~~إبراهيم إياهن بأمر الله، قد كانت متصلة نحو اتصال بأمر الله الذي منه ~~تترشح حياة الأحياء، وعند ذلك شاهده إبراهيم ورأى كيفية فيضان الأمر ~~بالحياة، ولو كانت دعوة إبراهيم إياهن غير متصلة بأمر الله الذي هو أن يقول ~~لشيء أراده: كن فيكون، كمثل أقوالنا غير المتصلة إلا بالتخيل كان هو أيضا ~~كمثلنا إذ قلنا لشيء كن فلا يكون، فلا تأثير جزافي في الوجود. # وأما الثاني: فقوله كيف تحيي الموتى تدل على أن لكثرة الأموات وتعددها ~~دخلا في السؤال، وليس إلا أن الأجساد بموتها وتبدد أجزائها وتغير صورها ~~وتحول أحوالها تفقد حالة التميز والارتباط الذي بينها فتضل في ظلمة الفناء ~~والبوار، وتصير كالأحاديث المنسية لا خبر عنها في خارج ولا ذهن فكيف تحيط ~~بها القوة المحيية ولا محاط في الواقع. # وهذا هو الذي أورده فرعون على موسى (عليه السلام) وأجاب عنه موسى بالعلم ~~كما حكاه الله تعالى بقوله: "قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي ~~في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى:" طه - 51. PageV02P215 # وبالجملة فأجابه الله تعالى بأن أمره بأن يأخذ أربعة من الطير ولعل اختيار ~~الطير لكون هذا العمل فيها أسهل وأقل زمانا فيشاهد حياتها ويرى اختلاف ~~أشخاصها وصورها، ويعرفها معرفة تامة أولا، ثم يقتلها ويخلط أجزاءها خلطا ~~دقيقا ثم ms0813 يجعل ذلك أبعاضا، وكل بعض منها على جبل لتفقد التميز والتشخص، ~~وتزول المعرفة، ثم يدعوهن يأتينه سعيا، فإنه يشاهد حينئذ أن التميز والتصور ~~بصورة الحياة كل ذلك تابع للدعوة التي تتعلق بأنفسها، أي إن أجسادها تابعة ~~لأنفسها لا بالعكس فإن البدن فرع تابع للروح لا بالعكس، بل نسبة البدن إلى ~~الروح بوجه نسبة الظل إلى الشاخص، فإذا وجد الشاخص تبع وجوده وجود الظل ~~وإلى أي حال تحول الشاخص أو أجزاؤه تبعه فيه الظل حتى إذا انعدم تبعه في ~~الانعدام، والله سبحانه إذا أوجد حيا من الأحياء، أو أعاد الحياة إلى أجزاء ~~مسبوقة بالحياة فإنما يتعلق إيجاده بالروح الواجدة للحياة أولا ثم يتبعه ~~أجزاء المادة بروابط محفوظة عند الله سبحانه لا نحيط بها علما فيتعين الجسد ~~بتعين الروح من غير فصل ولا مانع وبذلك يشعر قوله تعالى: ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا أي مسرعات مستعجلات. # وهذا هو الذي يستفاد من قوله تعالى: "وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا ~~لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ~~ثم إلى ربكم ترجعون:" السجدة - 11، وقد مر بعض الكلام في الآية في البحث عن ~~تجرد النفس، وسيأتي تفصيل الكلام في محله إن شاء الله. # فقوله تعالى: فخذ أربعة من الطير إنما أمر بذلك ليعرفها فلا يشك فيها عند ~~إعادة الحياة إليها ولا ينكرها، وأما هي عليه من الاختلاف والتميز أولا ~~وزوالهما ثانيا، وقوله: فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا أي اذبحهن ~~وبدد أجزاءهن واخلطها ثم فرقها على الجبال الموجودة هناك لتتباعد الأجزاء ~~وهي غير متميزة، وهذا من الشواهد على أن القصة إنما وقعت بعد مهاجرة ~~إبراهيم من أرض بابل إلى سورية فإن أرض بابل لا جبل بها، وقوله ثم ادعهن، ~~أي ادع الطيور يا طاووس ويا فلان ويا فلان، ويمكن أن يستفاد ذلك مضافا إلى ~~دلالة ضمير "هن" الراجعة إلى الطيور من قوله: ادعهن، فإن الدعوة لو كانت ~~لأجزاء الطيور دون أنفسها كان الأنسب أن يقال: ms0814 ثم نادهن فإنها كانت على ~~جبال بعيدة عن موقفه (عليه السلام) واللفظ المستعمل في البعيد خاصة هو ~~النداء دون الدعاء، وقوله: يأتينك سعيا، أي يتجسدن واتصفن بالإتيان ~~والإسراع إليك. # قوله تعالى: واعلم أن الله عزيز حكيم، أي عزيز لا يفقد شيئا بزواله عنه، ~~حكيم لا يفعل شيئا إلا من طريقه اللائق به، فيوجد الأجساد بإحضار الأرواح ~~وإيجادها دون العكس. # وفي قوله تعالى: واعلم أن "إلخ"، دون أن يقال إن الله "إلخ"، دلالة على ~~أن الخطور القلبي الذي كان إبراهيم يسأل ربه المشاهدة ليطمئن قلبه من ~~ناحيته كان راجعا إلى حقيقة معنى الاسمين: العزيز الحكيم، فأفاده الله ~~سبحانه بهذا الجواب العلم بحقيقتهما. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ~~الآية:، أخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الذي حاج ~~إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان. # وفي تفسير البرهان،: أبو علي الطبرسي قال: اختلف في وقت هذه المحاجة فقيل ~~عند كسر الأصنام قبل إلقائه في النار، عن مقاتل، وقيل بعد إلقائه في النار ~~وجعلها عليه بردا وسلاما، عن الصادق (عليه السلام). # أقول: الآية وإن لم تتعرض لكونها قبل أو بعد لكن الاعتبار يساعد كونها ~~بعد الإلقاء في النار، فإن قصصه المذكورة في القرآن في بدو أمره من محاجته ~~أباه وقومه وكسره الأصنام تعطي أن أول ما لاقى إبراهيم (عليه السلام) نمرود ~~وكان حين رفع أمره إليه في قضية كسر الأصنام مجرما عندهم، فحكم عليه ~~بالإحراق، وكان القضاء عليه في جرمه شاغلا عن تكليمه في أمر ربه: أهو الله ~~أو نمرود؟ ولو حاجه نمرود حينئذ لحاجه في أمر الله وأمر الأصنام دون أمر ~~الله وأمر نفسه!. PageV02P216 # وفي عدة من الروايات التي روتها العامة والخاصة في قوله تعالى: أو كالذي مر ~~على قرية وهي خاوية على عروشها الآية أن صاحب القصة أرميا النبي، وفي عدة ~~منها: أنها عزير، إلا أنها آحاد غير واجبة القبول، وفي أسانيدها بعض الضعف، ~~ولا ms0815 شاهد لها من ظاهر الآيات، والقصة غير مذكورة في التوراة، والتي في ~~الروايات من القصة طويلة فيها بعض الاختلاف لكنها خارجة عن غرضنا من أرادها ~~فليرجع إلى مظانها. # وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم ~~رب أرني كيف تحيي الموتى الآية: في حديث قال (عليه السلام): وهذه آية ~~متشابهة، ومعناها أنه سأل عن الكيفية والكيفية من فعل الله عز وجل، متى لم ~~يعلمها العالم لم يلحقه عيب، ولا عرض في توحيده نقص، الحديث. # أقول: وقد اتضح معنى الحديث مما مر. # وفي تفسير العياشي، عن علي بن أسباط: أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ~~سئل عن قول الله: قال بلى ولكن ليطمئن قلبي أكان في قلبه شك قال لا ولكن ~~أراد من الله الزيادة، الحديث. # أقول: وروي هذا المعنى في الكافي، عن الصادق وعن العبد الصالح (عليه ~~السلام) وقد مر بيانه. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن ~~الصادق (عليه السلام)، قال: إن إبراهيم نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكلها ~~سباع البحر، ثم يثب السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها، بعضا فتعجب إبراهيم ~~فقال: يا رب أرني كيف تحيي الموتى؟ فقال الله: أولم تؤمن؟ قال بلى - ولكن ~~ليطمئن قلبي قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك - ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن - يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم، فأخذ إبراهيم ~~الطاووس والديك والحمام والغراب، فقال الله عز وجل: فصرهن إليك أي قطعهن ثم ~~اخلط لحمهن، وفرقهن على عشرة جبال، ثم دعاهن فقال: أحيي بإذن الله فكانت ~~تجتمع وتتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه، فطارت إلى إبراهيم، فعند ذلك قال ~~إبراهيم إن الله عزيز حكيم. # أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره، عن أبي بصير عن الصادق (عليه ~~السلام)، وروي من طرق أهل السنة عن ابن عباس. # قوله: إن إبراهيم نظر إلى جيفة إلى قوله فقال: يا رب أرني إلخ، بيان ~~للشبهة ms0816 التي دعته إلى السؤال وهي تفرق أجزاء الجسد بعد الموت تفرقا يؤدي ~~إلى تغيرها وانتقالها إلى أمكنة مختلفة وحالات متنوعة لا يبقى معها من ~~الأصل شيء. # فإن قلت: ظاهر الرواية: أن الشبهة كانت هي شبهة الآكل والمأكول، حيث ~~اشتملت على وثوب بعضها على بعض، وأكل بعضها بعضا، ثم فرعت على ذلك تعجب ~~إبراهيم وسؤاله. # قلت: الشبهة شبهتان - إحداهما - تفرق أجزاء الجسد وفناء أصلها من الصور ~~والأعراض وبالجملة عدم بقائها حتى تتميز وتركبها الحياة - وثانيتهما - ~~صيرورة أجزاء بعض الحيوان جزءا من بدن بعض آخر فيؤدي إلى استحالة إحياء ~~الحيوانين ببدنيهما تامين معا لأن المفروض أن بعض بدن أحدهما بعينه بعض ~~لبدن الآخر، فكل واحد منهما أعيد تاما بقي الآخر ناقصا لا يقبل الإعادة، ~~وهذه هي شبهة الآكل والمأكول. # وما أجاب الله سبحانه به - وهو تبعية البدن للروح - وإن كان وافيا لدفع ~~الشبهتين جميعا، إلا أن الذي أمر به إبراهيم على ما تحكيه الآية لا يتضمن ~~مادة شبهة الآكل والمأكول، وهو أكل بعض الحيوان بعضا، بل إنما تشتمل على ~~تفرق الأجزاء واختلاطها وتغير صورها وحالاتها، وهذه مادة الشبهة الأولى، ~~فالآية إنما تتعرض لدفعها وإن كانت الشبهتان مشتركتين في الاندفاع بما أجيب ~~به في الآية كما مر، وما اشتملت عليه الرواية من أكل البعض للبعض غير مقصود ~~في تفسير الآية. PageV02P217 # قوله (عليه السلام) فأخذ إبراهيم الطاووس والديك والحمام والغراب، وفي بعض ~~الروايات أن الطيور كانت هي النسر والبط والطاووس والديك، رواه الصدوق في ~~العيون، عن الرضا (عليه السلام) ونقل عن مجاهد وابن جريح وعطاء وابن زيد، ~~وفي بعضها أنها الهدهد والصرد والطاووس والغراب، رواه العياشي عن صالح بن ~~سهل عن الصادق (عليه السلام) وفي بعضها: أنها النعامة والطاووس والوزة ~~والديك": رواه العياشي عن معروف بن خربوذ عن الباقر (عليه السلام) ونقل عن ~~ابن عباس، وروي من طرق أهل السنة عن ابن عباس أيضا: أنها الغرنوق والطاووس ~~والديك والحمامة، والذي تشترك فيه جميع الروايات والأقوال: الطاووس. # قوله (عليه السلام): وفرقهن على عشرة جبال، كون ms0817 الجبال عشرة مما اتفقت ~~عليه الأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت وقيل إنها كانت أربعة، وقيل سبعة. # وفي العيون، مسندا عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده ~~الرضا علي بن موسى فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك: إن ~~الأنبياء معصومون؟ قال: بلى فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله أن ~~قال له فأخبرني عن قول الله: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى - ولكن ليطمئن قلبي، قال الرضا: إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى ~~إبراهيم: إني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أجبته فوقع في قلب ~~إبراهيم أنه ذلك الخليل فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي بالخلة، الحديث. # أقول: وقد تقدم في أخبار جنة آدم كلام في علي بن محمد بن الجهم وفي هذه ~~الرواية التي رواها عن الرضا (عليه السلام) فارجع. # واعلم: أن الرواية لا تخلو عن دلالة ما على أن مقام الخلة يستلزم استجابة ~~الدعاء، واللفظ يساعد عليه فإن الخلة هي الحاجة، والخليل إنما يسمى خليلا ~~لأن الصداقة إذا كملت رفع الصديق حوائجه إلى صديقه، ولا معنى لرفعها مع عدم ~~الكفاية والقضاء. PageV02P218 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 261 - 274 # مثل الذين ينفقون أمولهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشاء والله وسع عليم (261) الذين ينفقون ~~أمولهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) * قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى والله غنى حليم (263) يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم ~~بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر ~~فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شىء مما ~~كسبوا والله لا يهدى القوم الكفرين (264) ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغاء ~~مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ms0818 كمثل جنة بربوة أصابها وابل فئاتت أكلها ~~ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن ~~تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهر له فيها من كل الثمرت ~~وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله ~~لكم الايات لعلكم تتفكرون (266) يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم ~~بئاخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غنى حميد (267) الشيطن يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله وسع عليم (268) ~~يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولوا الألبب (269) وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما ~~للظلمين من أنصار (270) إن تبدوا الصدقت فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) * ~~ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيمهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أمولهم باليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) PageV02P219 ### |||| AUTO بيان # سياق الآيات من حيث اتحادها في بيان أمر الإنفاق، ورجوع مضامينها ~~وأغراضها بعضها إلى بعض يعطي أنها نزلت دفعه واحدة، وهي تحث المؤمنين على ~~الإنفاق في سبيل الله تعالى، فتضرب أولا مثلا لزيادته ونموه عند الله ~~سبحانه: واحد بسبعمائة، وربما زاد على ذلك بإذن الله، وثانيا مثلا لكونه لا ~~يتخلف عن شأنه على أي حال وتنهى عن الرياء في الإنفاق وتضرب مثلا للإنفاق ~~رياء لا لوجه الله، وأنه لا ينمو نماء ولا يثمر أثرا، وتنهى عن الإنفاق ~~بالمن ms0819 والأذى إذ يبطلان أثره ويحبطان عظيم أجره، ثم تأمر بأن يكون الإنفاق ~~من طيب المال لا من خبيثه بخلا وشحا، ثم تعين المورد الذي توضع فيه هذه ~~الصنيعة وهو الفقراء المحضرون في سبيل الله، ثم تذكر ما لهذا الإنفاق من ~~عظيم الأجر عند الله. # وبالجملة الآيات تدعو إلى الإنفاق، وتبين أولا وجهه وغرضه وهو أن يكون ~~لله لا للناس، وثانيا صورة عمله وكيفيته وهو أن لا يتعقبه المن والأذى، ~~وثالثا وصف مال الإنفاق وهو أن يكون طيبا لا خبيثا، ورابعا نعت مورد ~~الإنفاق وهو أن يكون فقيرا أحصر في سبيل الله، وخامسا ما له من عظيم الأجر ~~عاجلا وآجلا. # كلام في الإنفاق # الإنفاق من أعظم ما يهتم بأمره الإسلام في أحد ركنيه وهو حقوق الناس وقد ~~توسل إليه بأنحاء التوسل إيجابا وندبا من طريق الزكاة والخمس والكفارات ~~المالية وأقسام الفدية والإنفاقات الواجبة والصدقات المندوبة، ومن طريق ~~الوقف والسكنى والعمرى والوصايا والهبة وغير ذلك. # وإنما يريد بذلك ارتفاع سطح معيشة الطبقة السافلة التي لا تستطيع رفع ~~حوائج الحياة من غير إمداد مالي من غيرهم، ليقرب أفقهم من أفق أهل النعمة ~~والثروة، ومن جانب آخر قد منع من تظاهر أهل الطبقة العالية بالجمال والزينة ~~في مظاهر الحياة بما لا يقرب من المعروف ولا تناله أيدي النمط الأوسط من ~~الناس، بالنهي عن الإسراف والتبذير ونحو ذلك. # وكان الغرض من ذلك كله إيجاد حياة نوعية متوسطة متقاربة الأجزاء متشابهة ~~الأبعاض، تحيي ناموس الوحدة والمعاضدة، وتميت الإرادات المتضادة وأضغان ~~القلوب ومنابت الأحقاد، فإن القرآن يرى أن شأن الدين الحق هو تنظيم الحياة ~~بشئونها، وترتيبها ترتيبا يتضمن سعادة الإنسان في العاجل والآجل، ويعيش به ~~الإنسان في معارف حقة، وأخلاق فاضلة، وعيشة طيبة يتنعم فيها بما أنعم الله ~~عليه من النعم في الدنيا، ويدفع بها عن نفسه المكاره والنوائب ونواقص ~~المادة. # ولا يتم ذلك إلا بالحياة الطيبة النوعية المتشابهة في طيبها وصفائها، ولا ~~يكون ذلك إلا بإصلاح حال النوع برفع حوائجها في الحياة، ولا يكمل ذلك إلا ms0820 ~~بالجهات المالية والثروة والقنية، والطريق إلى ذلك إنفاق الأفراد مما ~~اقتنوه بكد اليمين وعرق الجبين، فإنما المؤمنون إخوة، والأرض لله، والمال ماله. # وهذه حقيقة أثبتت السيرة النبوية على سائرها أفضل التحية صحتها ~~واستقامتها في القرار والنماء والنتيجة في برهة من الزمان وهي زمان حياته ~~(عليه السلام) ونفوذ أمره. # : وهي التي يتأسف عليها ويشكو انحراف مجراها أمير المؤمنين علي (عليه ~~السلام) إذ يقول: وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، والشر ~~فيه إلا إقبالا، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، فهذا أوان قويت عدته ~~وعمت مكيدته وأمكنت فريسته، اضرب بطرفك حيث شئت هل تبصر إلا فقيرا يكابد ~~فقرا؟ أو غنيا بدل نعمة الله كفرا؟ أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا أو ~~متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا؟ نهج البلاغة،. # وقد كشف توالي الأيام عن صدق القرآن في نظريته هذه - وهي تقريب الطبقات ~~بإمداد الدانية بالإنفاق ومنع العالية عن الإتراف والتظاهر بالجمال - حيث ~~إن الناس بعد ظهور المدنية الغربية استرسلوا في الإخلاد إلى الأرض، ~~والإفراط في استقصاء المشتهيات الحيوانية. PageV02P220 # واستيفاء الهوسات النفسانية، وأعدوا له ما استطاعوا من قوة، فأوجب ذلك عكوف ~~الثروة وصفوة لذائذ الحياة على أبواب أولي القوة والثروة، ولم يبق بأيدي ~~النمط الأسفل إلا الحرمان، ولم يزل النمط الأعلى يأكل بعضه بعضا حتى تفرد ~~بسعادة الحياة المادية نزر قليل من الناس وسلب حق الحياة من الأكثرين وهم ~~سواد الناس، وأثار ذلك جميع الرذائل الخلقية من الطرفين، كل يعمل على ~~شاكلته لا يبقى ولا يذر، فأنتج ذلك التقابل بين الطائفتين، واشتباك النزاع ~~والنزال بين الفريقين والتفاني بين الغني والفقير والمنعم والمحروم والواجد ~~والفاقد، ونشبت الحرب العالمية الكبرى، وظهرت الشيوعية، وهجرت الحقيقة ~~والفضيلة، وارتحلت السكن والطمأنينة وطيب الحياة من بين النوع و، هذا ما ~~نشاهده اليوم من فساد العالم الإنساني، وما يهدد النوع بما يستقبله أعظم وأفظع. # ومن أعظم العوامل في هذا الفساد انسداد باب الإنفاق وانفتاح أبواب الرباء ~~الذي سيشرح الله تعالى أمره الفظيع في سبع ms0821 آيات تالية لهذه الآيات أعني ~~آيات الإنفاق، ويذكر أن في رواجه فساد الدنيا وهو من ملاحم القرآن الكريم، ~~وقد كان جنينا أيام نزول القرآن فوضعته حامل الدنيا في هذه الأيام. # وإن شئت تصديق ما ذكرناه فتدبر فيما ذكره سبحانه في سورة الروم إذ قال: ~~"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا ~~الصلوة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ~~بما لديهم فرحون وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ~~إلى أن قال: فأت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولئك هم المفلحون وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا ~~يربوا عند الله وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون - ~~إلى أن قال -: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبل كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله يومئذ يصدعون الآيات": الروم - 30 - 43، وللآيات نظائر في سور هود ~~ويونس والإسراء والأنبياء وغيرها تنبىء عن هذا الشأن، سيأتي بيانها إن شاء الله. # وبالجملة هذا هو السبب فيما يتراءى من هذه الآيات أعني آيات الإنفاق من ~~الحث الشديد والتأكيد البالغ في أمره. # قوله تعالى: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة "إلخ"، المراد بسبيل ~~الله كل أمر ينتهي إلى مرضاته سبحانه لغرض ديني فعل الفعل لأجله، فإن ~~الكلمة في الآية مطلقة، وإن كانت الآية مسبوقة بآيات ذكر فيها القتال في ~~سبيل الله، وكانت كلمة، في سبيل الله، مقارنة للجهاد في غير واحد من ~~الآيات، فإن ذلك لا يوجب التخصيص وهو ظاهر. # وقد ms0822 ذكروا أن قوله تعالى: كمثل حبة أنبتت "إلخ"، على تقدير قولنا كمثل من ~~زرع حبة أنبتت "إلخ"، فإن الحبة المنبتة لسبع سنابل مثل المال الذي أنفق في ~~سبيل الله لا مثل من أنفق وهو ظاهر. # وهذا الكلام وإن كان وجيها في نفسه لكن التدبر يعطي خلاف ذلك فإن جل ~~الأمثال المضروبة في القرآن حالها هذا الحال فهو صناعة شائعة في القرآن ~~كقوله تعالى: "مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء:" البقرة - 171، فإنه مثل من يدعو الكفار لا مثل الكفار، وقوله ~~تعالى: إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه" الآية: يونس - 24، وقوله ~~تعالى: "مثل نوره كمشكوة:" النور - 35، وقوله تعالى في الآيات التالية لهذه ~~الآية: فمثله كمثل صفوان الآية، وقوله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة الآية إلى غير ذلك من ~~الموارد الكثيرة. # وهذه الأمثال المضروبة في الآيات تشترك جميعا في أنها اقتصر فيها على ~~مادة التمثيل الذي يتقوم بها المثل مع الإعراض عن باقي أجزاء الكلام ~~للإيجاز. PageV02P221 # توضيحه: أن المثل في الحقيقة قصة محققة أو مفروضة مشابهة لأخرى في جهاتها ~~يؤتى بها لينتقل ذهن المخاطب من تصورها إلى كمال تصور الممثل كقولهم: لا ~~ناقة لي ولا جمل، وقولهم: في الصيف ضيعت اللبن من الأمثال التي لها قصص ~~محققة يقصد بالتمثيل تذكر السامع لها وتطبيقها لمورد الكلام للاستيضاح، ~~ولذا قيل: إن الأمثال لا تتغير، وكقولنا: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل من زرع حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وهي قصة ~~مفروضة خيالية. # والمعنى الذي يشتمل عليه المثل ويكون هو الميزان الذي يوزن به حال الممثل ~~ربما كان تمام القصة التي هي المثل كما في قوله تعالى: "ومثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة:" الآية: إبراهيم - 26، وقوله تعالى: "مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا:" الجمعة - 5، وربما كان بعض القصة ~~مما يتقوم به غرض التمثيل وهو الذي نسميه مادة التمثيل، وإنما جيء بالبعض ms0823 ~~الآخر لتتميم القصة كما في المثال الأخير مثال الإنفاق والحبة فإن مادة ~~التمثيل إنما هي الحبة المنبتة لسبعمائة حبة وإنما ضممنا إليها الذي زرع ~~لتتميم القصة. # وما كان من أمثال القرآن مادة التمثيل فيه تمام المثل فإنه وضع على ما هو ~~عليه، وما كان منها مادة التمثيل فيه بعض القصة فإنه اقتصر على مادة ~~التمثيل فوضعت موضع تمام القصة لأن الغرض من التمثيل حاصل بذلك، على ما فيه ~~من تنشيط ذهن السامع بفقده أمرا ووجدانه أمرا آخر مقامه يفي بالغرض منه، ~~فهو هو بوجه وليس به بوجه، فهذا من الإيجاز بالقلب على وجه لطيف يستعمله ~~القرآن. # قوله تعالى: أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، السنبل معروف وهو على ~~فنعل، قيل الأصل في معنى مادته الستر سمي به لأنه يستر الحبات التي تشتمل ~~عليها في الأغلفة. # ومن أسخف الإشكال ما أورد على الآية أنه تمثيل بما لا تحقق له في الخارج ~~وهو اشتمال السنبلة على مائة حبة، وفيه أن المثل كما عرفت لا يشترط فيه ~~تحقق مضمونه في الخارج فالأمثال التخيلية أكثر من أن تعد وتحصى، على أن ~~اشتمال السنبلة على مائة حبة وإنبات الحبة الواحدة سبعماة حبة ليس بعزيز ~~الوجود. # قوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، أي يزيد على سبعمائة ~~لمن يشاء فهو الواسع لا مانع من جوده ولا محدد لفضله كما قال تعالى: "من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة:" البقرة - 245، فأطلق ~~الكثرة ولم يقيدها بعدد معين. # وقيل: إن معناه أن الله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء فالمضاعفة إلى ~~سبعمائة ضعف غاية ما تدل عليه الآية، وفيه أن الجملة على هذا يقع موقع ~~التعليل، وحق الكلام فيه حينئذ أن يصدر بأن كقوله تعالى: "الله الذي جعل ~~لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس:" المؤمن - ~~61، وأمثال ذلك. PageV02P222 # ولم يقيد ما ضربه الله من المثل بالآخرة بل الكلام مطلق يشمل الدنيا ~~كالآخرة وهو كذلك والاعتبار يساعده، فالمنفق ms0824 بشيء من ماله وإن كان يخطر ~~بباله ابتداء أن المال قد فات عنه ولم يخلف بدلا، لكنه لو تأمل قليلا وجد ~~أن المجتمع الإنساني بمنزلة شخص واحد ذو أعضاء مختلفة بحسب الأسماء ~~والأشكال لكنها جميعا متحدة في غرض الحياة، مرتبطة من حيث الأثر والفائدة، ~~فإذا فقد واحد منها نعمة الصحة والاستقامة، وعي في فعله أوجب ذلك كلال ~~الجميع في فعلها، وخسرانها في أغراضها فالعين واليد وإن كانا عضوين اثنين ~~من حيث الاسم والفعل ظاهرا، لكن الخلقة إنما جهز الإنسان بالبصر ليميز به ~~الأشياء ضوءا ولونا وقربا وبعدا فتتناول اليد ما يجب أن يجلبه الإنسان ~~لنفسه، وتدفع ما يجب أن يدفعه عن نفسه، فإذا سقطت اليد عن التأثير وجب أن ~~يتدارك الإنسان ما يفوته من عامة فوائدها بسائر أعضائه فيقاسي أولا كدا ~~وتعبا لا يتحمل عادة، وينقص من أفعال سائر الأعضاء بمقدار ما يستعملها في ~~موضع العضو الساقط عن التأثير، وأما لو أصلح حال يده الفاسدة بفضل ما ادخره ~~لبعض الأعضاء الآخر كان في ذلك إصلاح حال الجميع، وعاد إليه من الفائدة ~~الحقيقية أضعاف ما فاته من الفضل المفيد أضعافا ربما زاد على المئات ~~والألوف بما يورث من إصلاح حال الغير، ودفع الرذائل التي يمكنها الفقر ~~والحاجة في نفسه، وإيجاد المحبة في قلبه، وحسن الذكر في لسانه، والنشاط في ~~عمله، والمجتمع يربط جميع ذلك ويرجعه إلى المنفق لا محالة، ولا سيما إذا ~~كان الإنفاق لدفع الحوائج النوعية كالتعليم والتربية ونحو ذلك، فهذا حال ~~الإنفاق. # وإذا كان الإنفاق في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله كان النماء والزيادة ~~من لوازمه من غير تخلف، فإن الإنفاق لو لم يكن لوجه الله لم يكن إلا لفائدة ~~عائدة إلى نفس المنفق كإنفاق الغني للفقير لدفع شره، أو إنفاق المثري ~~الموسر للمعسر ليدفع حاجته ويعتدل حال المجتمع فيصفو للمثري المنفق عيشه، ~~وهذا نوع استخدام للفقير واستثمار منه لنفع نفسه، ربما أورث في نفس الفقير ~~أثرا سيئا، وربما تراكمت الآثار وظهرت فكانت بلوى، لكن الإنفاق الذي لا ~~يراد ms0825 به إلا وجه الله ولا يبتغي فيه إلا مرضاته خال عن هذه النواقص لا يؤثر ~~إلا الجميل ولا يتعقبه إلا الخير. # قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى "إلخ"، الاتباع اللحوق والإلحاق، قال تعالى: "فأتبعوهم ~~مشرقين:" الشعراء - 60، أي لحقوهم، وقال تعالى: "فأتبعناهم في هذه الدنيا ~~لعنة:" القصص - 42، أي ألحقناهم. # والمن هو ذكر ما ينغص المعروف كقول المنعم للمنعم عليه: أنعمت عليك بكذا ~~وكذا ونحو ذلك، والأصل في معناه على ما قيل القطع، ومنه قوله تعالى: "لهم ~~أجر غير ممنون": فصلت - 8، أي غير مقطوع، والأذى الضرر العاجل أو الضرر ~~اليسير، والخوف توقع الضرر، والحزن الغم الذي يغلظ على النفس من مكروه واقع ~~أو كالواقع. # قوله تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة "إلخ" المعروف من القول ما لا ~~ينكره الناس بحسب العادة، ويختلف باختلاف الموارد، والأصل في معنى المغفرة ~~هو الستر، والغنى مقابل الحاجة والفقر، والحلم السكوت عند المكروه من قول ~~أو فعل. # وترجيح القول المعروف والمغفرة على صدقة يتبعها أذى ثم المقابلة يشهد بأن ~~المراد بالقول المعروف الدعاء أو لفظ آخر جميل عند رد السائل إذا لم يتكلم ~~بما يسوء المسئول عنه، والستر والصفح إذا شفع سؤاله بما يسوؤه وهما خير من ~~صدقة يتبعها أذى، فإن أذى المنفق للمنفق عليه يدل على عظم إنفاقه والمال ~~الذي أنفقه في عينه، وتأثره عما يسوؤه من السؤال، وهما علتان يجب أن تزاحا ~~عن نفس المؤمن، فإن المؤمن متخلق بأخلاق الله، والله سبحانه غني لا يكبر ~~عنده ما أنعم وجاد به، حليم لا يتعجل في المؤاخذة على السيئة، ولا يغضب عند ~~كل جهالة، وهذا معنى ختم الآية بقوله: والله غني حليم. PageV02P223 # قوله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم "إلخ"، تدل الآية على ~~حبط الصدقة بلحوق المن والأذى، وربما يستدل بها على حبط كل معصية أو ~~الكبيرة خاصة لما يسبقها من الطاعات، ولا دلالة في الآية على غير المن ~~والأذى بالنسبة إلى الصدقة وقد ms0826 تقدم إشباع الكلام في الحبط. # قوله تعالى: كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، ~~لما كان الخطاب للمؤمنين، والمرائي غير مؤمن كما ذكره الله سبحانه لأنه لا ~~يقصد بأعماله وجه الله لم يعلق النهي بالرئاء كما علقه على المن والأذى، بل ~~إنما شبه المتصدق الذي يتبع صدقته بالمن والأذى بالمرائي في بطلان الصدقة، ~~مع أن عمل المرائي باطل من رأس وعمل المان والمؤذي وقع أولا صحيحا ثم عرضه ~~البطلان. # واتحاد سياق الأفعال في قوله: ينفق ماله، وقوله: ولا يؤمن من دون أن ~~يقال: ولم يؤمن يدل على أن المراد من عدم إيمان المرائي في الإنفاق بالله ~~واليوم الآخر عدم إيمانه بدعوة الإنفاق الذي يدعو إليها الله سبحانه، ويعد ~~عليه جزيل الثواب، إذ لو كان يؤمن بالداعي في دعوته هذه، وبيوم القيامة ~~الظاهر فيه الجزاء لقصد في فعله وجه الله، وأحب واختار جزيل الثواب، ولم ~~يقصد به رئاء الناس، فليس المراد من عدم إيمان المرائي عدم إيمانه بالله ~~سبحانه رأسا. # ويظهر من الآية أن الرياء في عمل يستلزم عدم الإيمان بالله واليوم الآخر فيه. # قوله تعالى: فمثله كمثل صفوان عليه تراب إلى آخر الآية الضمير في قوله: ~~فمثله راجع إلى الذي ينفق ماله رئاء الناس والمثل له، والصفوان والصفا ~~الحجر الأملس وكذا الصلد، والوابل: المطر الغزير الشديد الوقع. # والضمير في قوله: لا يقدرون راجع إلى الذي ينفق رئاء لأنه في معنى الجمع، ~~والجملة تبين وجه الشبه وهو الجامع بين المشبه والمشبه به، وقوله تعالى: ~~والله لا يهدي القوم الكافرين بيان للحكم بوجه عام وهو أن المرائي في ريائه ~~من مصاديق الكافر، والله لا يهدي القوم الكافرين، ولذلك أفاد معنى التعليل. # وخلاصة معنى المثل: أن حال المرائي في إنفاقه رئاء وفي ترتب الثواب عليه ~~كحال الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب إذا أنزل عليه وابل المطر، فإن ~~المطر وخاصة وابله هو السبب البارز لحياة الأرض واخضرارها وتزينها بزينة ~~النبات، إلا أن التراب إذا وقع على الصفوان الصلد لا ms0827 يستقر في مكانه عند ~~نزول الوابل بل يغسله الوابل ويبقى الصلد الذي لا يجذب الماء، ولا يتربى ~~فيه بذر لنبات، فالوابل وإن كان من أظهر أسباب الحياة والنمو وكذا التراب ~~لكن كون المحل صلدا يبطل عمل هذين السببين من غير أن يكون النقص والقصور من ~~جانبهما فهذا حال الصلد. # وهذا حال المرائي فإنه لما لم يقصد من عمله وجه الله لم يترتب على عمله ~~ثواب وإن كان العمل كالإنفاق في سبيل الله من الأسباب البارزة لترتب ~~الثواب، فإنه مسلوب الاستعداد لا يقبل قلبه الرحمة والكرامة. # وقد ظهر من الآية: أن قبول العمل يحتاج إلى نية الإخلاص وقصد وجه الله، ~~وقد روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: إنما ~~الأعمال بالنيات. # قول تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم، ابتغاء المرضاة هو طلب الرضاء، ويعود إلى إرادة وجه الله، فإن وجه ~~الشيء هو ما يواجهك ويستقبلك به، ووجهه تعالى بالنسبة إلى عبده الذي أمره ~~بشيء وأراده منه هو رضاؤه عن فعله وامتثاله، فإن الأمر يستقبل المأمور أولا ~~بالأمر فإذا امتثل استقبله بالرضاء عنه، فمرضاة الله عن العبد المكلف ~~بتكليف هو وجهه إليه، فابتغاء مرضاة الله هو إرادة وجهه عز وجل. # وأما قوله: وتثبيتا من أنفسهم فقد قيل: إن المراد التصديق واليقين. # وقيل: هو التثبت أي يتثبتون أين يضعون أموالهم، وقيل: هو التثبت في ~~الإنفاق فإن كان لله أمضى، وإن كان خالطه شيء من الرياء أمسك، وقيل: ~~التثبيت توطين النفس على طاعة الله تعالى، وقيل: هو تمكين النفس في منازل ~~الإيمان بتعويدها على بذل المال لوجه الله. # وأنت خبير بأن شيئا من الأقوال لا ينطبق على الآية إلا بتكلف. PageV02P224 # والذي ينبغي أن يقال - والله العالم - في المقام: هو أن الله سبحانه لما ~~أطلق القول أولا في مدح الإنفاق في سبيل الله، وأن له عند الله عظيم الأجر ~~اعترضه أن استثنى منه نوعين من الإنفاق لا يرتضيهما الله سبحانه، ولا يترتب ~~عليهما الثواب، وهما الإنفاق ms0828 رياء الموجب لعدم صحة العمل من رأس والإنفاق ~~الذي يتبعه من أو أذى فإنه يبطل بهما وإن انعقد أولا صحيحا، وليس يعرض ~~البطلان. # لهذين النوعين إلا من جهة عدم ابتغاء مرضاة الله فيه من رأس، أو لزوال ~~النفس عن هذه النية أعني ابتغاء المرضاة ثانيا بعد ما كانت عليها أولا، ~~فأراد في هذه الآية بيان حال الخاصة من أهل الإنفاق الخالصة بعد استثناء ~~المرائين وأهل المن والأذى، وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله ثم ~~يقرون أنفسهم على الثبات على هذه النية الطاهرة النامية من غير أن يتبعوها ~~بما يبطل العمل ويفسده. # ومن هنا يظهر أن المراد بابتغاء مرضاة الله أن لا يقصد بالعمل رئاء ونحوه ~~مما يجعل النية غير خالصة لوجه الله، وبقوله تثبيتا من أنفسهم تثبيت ~~الإنسان نفسه على ما نواه من النية الخالصة، وهو تثبيت ناش من النفس واقع ~~على النفس. # فقوله تثبيتا تميز وكلمة من نشوية وقوله أنفسهم في معنى الفاعل، وما في ~~معنى المفعول مقدر. # والتقدير تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم، أو مفعول مطلق لفعل من مادته. # قوله تعالى: كمثل جنة بربوة أصابها وابل إلى آخر الآية، الأصل في مادة ~~ربا الزيادة، والربوة بالحركات الثلاث في الراء الأرض الجيدة التي تزيد ~~وتعلو في نموها، والأكل بضمتين ما يؤكل من الشيء والواحدة أكلة. # والطل أضعف المطر القليل الأثر. # والغرض من المثل أن الإنفاق الذي أريد به وجه الله لا يتخلف عن أثرها ~~الحسن البتة، فإن العناية الإلهية واقعة عليه متعلقة به لانحفاظ اتصاله ~~بالله سبحانه وإن كانت مراتب العناية مختلفة لاختلاف درجات النية في ~~الخلوص، واختلاف وزن الأعمال باختلافها، كما أن الجنة التي في الربوة إذا ~~أصابها المطر لم تلبث دون أن تؤتي أكلها إيتاء جيدا البتة وإن كان إيتاؤها ~~مختلفا في الجودة باختلاف المطر النازل عليه من وابل وطل. # ولوجود هذا الاختلاف ذيل الكلام بقوله: والله بما تعملون بصير أي لا ~~يشتبه عليه أمر الثواب، ولا يختلط عليه ثواب الأعمال المختلفة فيعطي ثواب ~~هذا لذاك وثواب ms0829 ذاك لهذا. # قوله تعالى: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب "إلخ"، الود هو ~~الحب وفيه معنى التمني، والجنة: الشجر الكثير الملتف كالبستان سميت بذلك ~~لأنها تجن الأرض وتسترها وتقيها من ضوء الشمس ونحوه، ولذلك صح أن يقال: ~~تجري من تحتها الأنهار، ولو كانت هي الأرض بما لها من الشجر مثلا لم يصح ~~ذلك لإفادته خلاف المقصود، ولذلك قال تعالى في مثل الربوة وهي الأرض ~~المعمورة: "ربوة ذات قرار ومعين:" المؤمنون - 50، وكرر في كلامه قوله: جنات ~~تجري من تحتها الأنهار فجعل المعين وهو الماء فيها لا جاريا تحتها. # ومن في قوله: من نخيل وأعناب للتبيين ويفيد معنى الغلبة دون الاستيعاب، ~~فإن الجنة والبستان وما هو من هذا القبيل إنما يضاف إلى الجنس الغالب فيقال ~~جنة العنب أو جنة من أعناب إذا كان الغالب فيها الكرم وهي لا تخلو مع ذلك ~~من شجر شتى، ولذلك قال تعالى ثانيا: له فيها من كل الثمرات. PageV02P225 # والكبر كبر السن وهو الشيخوخة، والذرية الأولاد، والضعفاء جمع الضعيف، وقد ~~جمع تعالى في المثل بين إصابة الكبر ووجود الذرية الضعفاء لتثبيت مسيس ~~الحاجة القطعية إلى الجنة المذكورة مع فقدان باقي الأسباب التي يتوصل إليها ~~في حفظ سعادة الحياة وتأمين المعيشة، فإن صاحب الجنة لو فرض شابا قويا ~~لأمكنه أن يستريح إلى قوة يمينه لو أصيبت جنته بمصيبة، ولو فرض شيخا هرما ~~من غير ذرية ضعفاء لم يسوء حاله تلك المساءة لأنه لا يرى لنفسه إلا أياما ~~قلائل لا يبطىء عليه زوالها وانقضاؤها، ولو فرض ذا كبر وله أولاد أقوياء ~~يقدرون على العمل واكتساب المعيشة أمكنهم أن يقتاتوا بما يكتسبونه، وأن ~~يستغنوا عنها بوجه! لكن إذا اجتمع هناك الكبر والذرية الضعفاء، واحترقت ~~الجنة انقطعت الأسباب عنهم عند ذلك، فلا صاحب الجنة يمكنه أن يعيد لنفسه ~~الشباب والقوة أو الأيام الخالية حتى يهيىء لنفسه نظير ما كان قد هيأها، ~~ولا لذريته قوة على ذلك، ولا لهم رجاء أن ترجع الجنة بعد الاحتراق إلى ما ~~كانت عليه من ms0830 النضارة والأثمار. # والإعصار الغبار الذي يلتف على نفسه بين السماء والأرض كما يلتف الثوب ~~على نفسه عند العصر. # وهذا مثل ضربه الله للذين ينفقون أموالهم ثم يتبعونه منا وأذى فيحبط ~~عملهم ولا سبيل لهم إلى إعادة العمل الباطل إلى حال صحته واستقامته، ~~وانطباق المثل على الممثل ظاهر، ورجا منهم التفكر لأن أمثال هذه الأفاعيل ~~المفسدة للأعمال إنما تصدر من الناس ومعهم حالات نفسانية كحب المال والجاه ~~والكبر والعجب والشح، لا تدع للإنسان مجال التثبت والتفكر وتميز النافع من ~~الضار، ولو تفكروا لتبصروا. # قوله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم إلخ، التيمم ~~هو القصد والتعمد، والخبيث ضد الطيب، وقوله: منه، متعلق بالخبيث، وقوله: ~~تنفقون حال من فاعل لا تيمموا، وقوله: ولستم بآخذيه حال من فاعل تنفقون، ~~وعامله الفعل، وقوله أن تغمضوا فيه في تأويل المصدر، واللام مقدر على ما ~~قيل والتقدير إلا لإغماضكم فيه، أو المقدر باء المصاحبة والتقدير إلا ~~بمصاحبة الإغماض. # ومعنى الآية ظاهر، وإنما بين تعالى كيفية مال الإنفاق، وأنه ينبغي أن ~~يكون من طيب المال لا من خبيثه الذي لا يأخذه المنفق إلا بإغماض، فإنه لا ~~يتصف بوصف الجود والسخاء، بل يتصور بصورة التخلص، فلا يفيد حبا للصنيعة ~~والمعروف ولا كمالا للنفس، ولذلك ختمها بقوله: واعلموا أن الله غني حميد أي ~~راقبوا في إنفاقكم غناه وحمده فهو في عين غناه يحمد إنفاقكم الحسن فأنفقوا ~~من طيب المال، أو أنه غني محمود لا ينبغي أن تواجهوه بما لا يليق بجلاله جل جلاله. # قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء إقامة للحجة على أن ~~اختيار خبيث المال للإنفاق ليس بخير للمنفقين بخلاف اختيار طيبه فإنه خير ~~لهم، ففي النهي مصلحة أمرهم كما أن في المنهي عنه مفسدة لهم، وليس إمساكهم ~~عن إنفاق طيب المال وبذله إلا لما يرونه مؤثرا في قوام المال والثروة ~~فتنقبض نفوسهم عن الإقدام إلى بذله بخلاف خبيثه فإنه لا قيمة له يعنى بها ~~فلا بأس بإنفاقه، وهذا من تسويل الشيطان يخوف أولياءه ms0831 من الفقر، مع أن ~~البذل وذهاب المال والإنفاق في سبيل الله وابتغاء مرضاته مثل البذل في ~~المعاملات لا يخلو عن العوض والربح كما مر، مع أن الذي يغني ويقني هو الله ~~سبحانه دون المال، قال تعالى: "وأنه هو أغنى وأقنى:" النجم - 48. # وبالجملة لما كان إمساكهم عن بذل طيب المال خوفا من الفقر خطأ نبه عليه ~~بقوله: الشيطان يعدكم الفقر، غير أنه وضع السبب موضع المسبب، أعني أنه وضع ~~وعد الشيطان موضع خوف أنفسهم ليدل على أنه خوف مضر لهم فإن الشيطان لا يأمر ~~إلا بالباطل والضلال إما ابتداء ومن غير واسطة، وإما بالآخرة وبواسطة ما ~~يظهر منه أنه حق. PageV02P226 # ولما كان من الممكن أن يتوهم أن هذا الخوف حق وإن كان من ناحية الشيطان دفع ~~ذلك باتباع قوله: الشيطان يعدكم الفقر بقوله: ويأمركم بالفحشاء أولا، فإن ~~هذا الإمساك والتثاقل منهم يهيىء في نفوسهم ملكة الإمساك وسجية البخل، ~~فيؤدي إلى رد أوامر الله المتعلقة بأموالهم وهو الكفر بالله العظيم، ويؤدي ~~إلى إلقاء أرباب الحاجة في تهلكة الإعسار والفقر والمسكنة التي فيه تلف ~~النفوس وانهتاك الأعراض وكل جناية وفحشاء، قال تعالى: "ومنهم من عاهد الله ~~لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ~~ما وعدوه وبما كانوا يكذبون إلى أن قال: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ~~في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم ~~عذاب أليم:" التوبة - 79. # ثم بإتباعه بقوله: والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ثانيا، ~~فإن الله قد بين للمؤمنين: أن هناك حقا وضلالا لا ثالث لهما، وأن الحق وهو ~~الطريق المستقيم هو من الله سبحانه، وأن الضلال من الشيطان، قال تعالى: ~~"فما ذا بعد الحق إلا الضلال": يونس - 32، وقال تعالى: "قل الله يهدي ~~للحق:" يونس - 35، وقال تعالى في الشيطان: "إنه عدو مضل مبين:" القصص - 15، ~~والآيات جميعا مكية، وبالجملة نبه تعالى بقوله: والله يعدكم، ms0832 بأن هذا ~~الخاطر الذي يخطر ببالكم من جهة الخوف ضلال من الفكر فإن مغفرة الله ~~والزيادة التي ذكرها في الآيات السابقة إنما هما في البذل من طيبات المال. # فقوله تعالى: والله يعدكم "إلخ"، نظير قوله: الشيطان يعدكم "إلخ"، من ~~قبيل وضع السبب موضع المسبب، وفيه إلقاء المقابلة بين وعد الله سبحانه ~~الواسع العليم ووعد الشيطان، لينظر المنفقون في أمر الوعدين ويختاروا ما هو ~~أصلح لبالهم منهما. # فحاصل حجة الآية: أن اختياركم الخبيث على الطيب إنما هو لخوف الفقر، ~~والجهل بما يستتبعه هذا الإنفاق، أما خوف الفقر فهو إلقاء، شيطاني، ولا ~~يريد الشيطان بكم إلا الضلال والفحشاء فلا يجوز أن تتبعوه، وأما ما يستتبعه ~~هذا الإنفاق فهو الزيادة والمغفرة اللتان ذكرتا لكم في الآيات السابقة، وهو ~~استتباع بالحق لأن الذي يعدكم استتباع الإنفاق لهذه المغفرة والزيادة هو ~~الله سبحانه ووعده حق، وهو واسع يسعه أن يعطي ما وعده من المغفرة والزيادة ~~وعليم لا يجهل شيئا ولا حالا من شيء فوعده وعد عن علم. # قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء، الإيتاء هو الإعطاء، والحكمة بكسر ~~الحاء على فعلة بناء نوع يدل على نوع المعنى فمعناه النوع من الإحكام ~~والإتقان أو نوع من الأمر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور، ~~وغلب استعماله في المعلومات العقلية الحقة الصادقة التي لا تقبل البطلان ~~والكذب البتة. # والجملة تدل على أن البيان الذي بين الله به حال الإنفاق بجمع علله ~~وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالح في حقيقة حياة الإنسان هو من الحكمة، ~~فالحكمة هي القضايا الحقة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة ~~الإنسان كالمعارف الحقة الإلهية في المبدإ والمعاد، والمعارف التي تشرح ~~حقائق العالم الطبيعي من جهة مساسها بسعادة الإنسان كالحقائق الفطرية التي ~~هي أساس التشريعات الدينية. # قوله تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، المعنى ظاهر، وقد أبهم ~~فاعل الإيتاء مع أن الجملة السابقة عليه تدل على أنه الله تبارك وتعالى ~~ليدل الكلام على أن الحكمة بنفسها منشأ الخير ms0833 الكثير فالتلبس بها يتضمن ~~الخير الكثير، لا من جهة انتساب إتيانه إليه تعالى، فإن مجرد انتساب ~~الإتيان لا يوجب ذلك كإيتاء المال، قال تعالى في قارون "وآتيناه من الكنوز ~~ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إلى آخر الآيات:" القصص - 76، وإنما ~~نسب إليها الخير الكثير دون الخير مطلقا، مع ما عليه الحكمة من ارتفاع ~~الشأن ونفاسة الأمر لأن الأمر مختوم بعناية الله وتوفيقه، وأمر السعادة ~~مراعى بالعاقبة والخاتمة. PageV02P227 # قوله تعالى: وما يذكر إلا أولوا الألباب، اللب هو العقل لأنه في الإنسان ~~بمنزلة اللب من القشر، وعلى هذا المعنى استعمل في القرآن، وكان لفظ العقل ~~بمعناه المعروف اليوم من الأسماء المستحدثة بالغلبة ولذلك لم يستعمل في ~~القرآن وإنما استعمل منه الأفعال مثل يعقلون. # والتذكر هو الانتقال من النتيجة إلى مقدماتها، أو من الشيء إلى نتائجها، ~~والآية تدل على أن اقتناص الحكمة يتوقف على التذكر، وأن التذكر يتوقف على ~~العقل، فلا حكمة لمن لا عقل له. # وقد مر بعض الكلام في العقل عند البحث عن ألفاظ الإدراك المستعملة في ~~القرآن الكريم. # قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، أي ما ~~دعاكم الله سبحانه إليه أو دعوتم أنفسكم إليه بإيجابه عليها بالنذر من بذل ~~المال فلا يخفى على الله يثيب من أطاعه ويؤاخذ من ظلم، ففيه إيماء إلى ~~التهديد، ويؤكده قوله تعالى: وما للظالمين من أنصار. # وفي هذه الجملة أعني قوله: وما للظالمين من أنصار، دلالة أولا: على أن ~~المراد بالظلم هو الظلم على الفقراء والمساكين في الإمساك عن الإنفاق ~~عليهم، وحبس حقوقهم المالية، لا الظلم بمعنى مطلق المعصية فإن في مطلق ~~المعصية أنصارا ومكفرات وشفعاء كالتوبة، والاجتناب عن الكبائر، وشفعاء يوم ~~القيامة إذا كان من حقوق الله تعالى، قال تعالى: "لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إلى أن قال: وأنيبوا إلى ربكم:" الزمر - 54، ~~وقال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:" النساء - ~~31، وقال تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى:" ms0834 الأنبياء - 28، ومن هنا يظهر: ~~وجه إتيان الأنصار بصيغة الجمع فإن في مورد مطلق الظلم أنصارا. # وثانيا: أن هذا الظلم وهو ترك الإنفاق لا يقبل التكفير ولو كان من ~~الصغائر لقبله فهو من الكبائر، وأنه لا يقبل التوبة، ويتأيد بذلك ما وردت ~~به الروايات: أن التوبة في حقوق الناس غير مقبولة إلا برد الحق إلى مستحقه، ~~وأنه لا يقبل الشفاعة يوم القيامة كما يدل عليه قوله تعالى: "إلا أصحاب ~~اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من ~~المصلين ولم نك نطعم المسكين إلى أن قال: فما تنفعهم شفاعة الشافعين:" ~~المدثر - 48. # وثالثا: أن هذا الظالم غير مرتضى عند الله إذ لا شفاعة إلا لمن ارتضى ~~الله دينه كما مر بيانه في بحث الشفاعة، ومن هنا تظهر النكتة في قوله ~~تعالى: ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، حيث أتى بالمرضاة ولم يقل ابتغاء ~~وجه الله. # ورابعا: أن الامتناع من أصل إنفاق المال على الفقراء مع وجودهم واحتياجهم ~~من الكبائر الموبقة، وقد عد تعالى الامتناع عن بعض أقسامه كالزكاة شركا ~~بالله وكفرا بالآخرة، قال تعالى: "ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة وهم ~~بالآخرة هم كافرون:" فصلت - 7، والسورة مكية ولم تكن شرعت الزكاة المعروفة ~~عند نزولها. # قوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي "إلخ"، الإبداء هو الإظهار، ~~والصدقات جمع صدقة، وهي مطلق الإنفاق في سبيل الله أعم من الواجب والمندوب ~~وربما يقال: إن الأصل في معناها الإنفاق المندوب. # وقد مدح الله سبحانه كلا من شقي الترديد، لكون كل واحد من الشقين ذا آثار ~~صالحة، فأما إظهار الصدقة فإن فيه دعوة عملية إلى المعروف، وتشويقا للناس ~~إلى البذل والإنفاق، وتطييبا لنفوس الفقراء والمساكين حيث يشاهدون أن في ~~المجتمع رجالا رحماء بحالهم، وأموالا موضوعة لرفع حوائجهم، مدخرة ليوم ~~بؤسهم فيؤدي إلى زوال اليأس والقنوط عن نفوسهم، وحصول النشاط لهم في ~~أعمالهم، واعتقاد وحدة العمل والكسب بينهم وبين الأغنياء المثرين، وفي ذلك ~~كل الخير، وأما إخفاؤها فإنه حينئذ يكون أبعد من الرياء والمن ms0835 والأذى، وفيه ~~حفظ لنفوس المحتاجين عن الخزي والمذلة، وصون لماء وجوههم عن الابتذال، ~~وكلاءة لظاهر كرامتهم، فصدقة العلن أكثر نتاجا، وصدقة السر أخلص طهارة. # ولما كان بناء الدين على الإخلاص وكان العمل كلما قرب من الإخلاص كان ~~أقرب من الفضيلة رجح سبحانه جانب صدقة السر فقال: وإن تخفوها وتعطوها ~~الفقراء فهو خير لكم فإن كلمة خير أفعل التفضيل، والله تعالى خبير بأعمال ~~عباده لا يخطىء في تمييز الخير من غيره، وهو قوله تعالى: والله بما تعملون خبير. PageV02P228 # قوله تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، في الكلام التفات عن ~~خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ما كان ~~يشاهده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من فعال المؤمنين في صدقاتهم ~~من اختلاف السجايا بالإخلاص من بعضهم والمن والأذى والتثاقل في إنفاق طيب ~~المال من بعض مع كونهم مؤمنين أوجد في نفسه الشريفة وجدا وحزنا فسلاه الله ~~تعالى بالتنبيه على أن أمر هذا الإيمان الموجود فيهم والهدى الذي لهم إنما ~~هو إلى الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإيمان وإلى درجاته، وليس يستند إلى ~~النبي لا وجوده ولا بقاؤه حتى يكون عليه حفظه، ويشنق من زواله أو ضعفه، أو ~~يسوؤه ما آل إليه الكلام في هذه الآيات من التهديد والإيعاد والخشونة. # والشاهد على ما ذكرناه قوله تعالى:، هداهم، بالتعبير بالمصدر المضاف ~~الظاهر في تحقق التلبس. # على أن هذا المعنى أعني نفي استناد الهداية إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وإسناده إلى الله سبحانه حيث وقع في القرآن وقع في مقام تسلية ~~النبي وتطييب قلبه. # فالجملة أعني قوله: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء جملة معترضة ~~اعترضت في الكلام لتطييب قلب النبي بقطع خطاب المؤمنين والإقبال عليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، نظير الاعتراض الواقع في قوله تعالى: "لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه الآيات:" القيامة - 17. # فلما تم الاعتراض عاد إلى الأصل في الكلام من خطاب المؤمنين. ms0836 # قوله تعالى: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ~~"إلى آخر" الآية رجوع إلى خطاب المؤمنين بسياق خال عن التبشير والإنذار ~~والتحنن والتغيظ معا، فإن ذلك مقتضى معنى قوله تعالى: ولكن الله يهدي من ~~يشاء كما لا يخفى. # فقصر الكلام على الدعوة الخالية بالدلالة على أن ساحة المتكلم الداعي ~~منزهة عن الانتفاع بما يتعقب هذه الدعوة من المنافع، وإنما يعود نفعه إلى ~~المدعوين، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم لكن لا مطلقا بل في حال لا تنفقون ~~إلا ابتغاء وجه الله، فقوله: وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله حال، من ضمير ~~الخطاب وعامله متعلق الظرف أعني قوله: فلأنفسكم. # ولما أمكن أن يتوهم أن هذا النفع العائد إلى أنفسهم ببذل المال مجرد اسم ~~لا مسمى له في الخارج، وليس حقيقته إلا تبديل الحقيقة من الوهم عقب الكلام ~~بقوله: وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون، فبين أن نفع هذا ~~الإنفاق المندوب وهو ما يترتب عليه من مثوبة الدنيا والآخرة ليس أمرا ~~وهميا، بل هو أمر حقيقي واقعي سيوفيه الله تعالى إليكم من غير أن يظلكم ~~بفقد أو نقص. # وإبهام الفاعل في قوله: يوف إليكم، لما تقدم أن السياق سياق الدعوة فطوي، ~~ذكر الفاعل ليكون الكلام أبلغ في النصح وانتفاء غرض الانتفاع من الفاعل ~~كأنه كلام لا متكلم له، فلو كان هناك نفع فلسامعه لا غير. # قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله إلى آخر الآية، الحصر هو ~~المنع والحبس، والأصل في معناه التضييق، قال الراغب في المفردات،: والحصر ~~والإحصار المنع من طريق البيت، فالإحصار يقال: في المنع الظاهر كالعدو، ~~والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال، إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: ~~فإن أحصرتم فمحمول على الأمرين وكذلك قوله: للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله، وقوله عز وجل: أو جاءوكم حصرت صدورهم، أي ضاقت بالبخل والجبن، انتهى. # والتعفف التلبس بالعفة، والسيماء العلامة، والإلحاف هو الإلحاح في ~~السؤال. # وفي الآية بيان مصرف الصدقات، وهو أفضل المصرف، وهم ms0837 الفقراء الذين منعوا ~~في سبيل الله وحبسوا فيه بتأدية عوامل وأسباب إلى ذلك: إما عدو أخذ ما لهم ~~من الستر واللباس أو منعهم التعيش بالخروج إلى الاكتساب أو مرض أو اشتغال ~~بما لا يسعهم معه الاشتغال بالكسب كطالب العلم وغير ذلك. # وفي قوله تعالى يحسبهم الجاهل أي الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف دلالة ~~على أنهم غير متظاهرين بالفقر إلا ما لا سبيل لهم إلى ستره من علائم الفقر ~~والمسكنة من بشرة أو لباس خلق أو نحوهما. PageV02P229 # ومن هنا يظهر: أن المراد بقوله: لا يسألون الناس إلحافا أنهم لا يسألون ~~الناس أصلا حتى ينجر إلى الإلحاف والإصرار في السؤال، فإن السؤال أول مرة ~~يجوز للنفس الجزع من مرارة الفقر فيسرع إليها أن لا تصبر وتهم بالسؤال في ~~كل موقف، والإلحاف على كل أحد، كذا قيل، ولا يبعد أن يكون المراد نفي ~~الإلحاف لا أصل السؤال، ويكون المراد بالإلحاف ما يزيد على القدر الواجب من ~~إظهار الحاجة، فإن مسمى الإظهار عند الحاجة المبرمة لا بأس به بل ربما صار ~~واجبا، والزائد عليه وهو الإلحاف هو المذموم. # وفي قوله تعالى: تعرفهم بسيماهم دون أن يقال تعرفونهم نوع صون لجاههم ~~وحفظ لسترهم الذي تستروا به تعففا من الانهتاك فإن كونهم معروفين بالفقر ~~عند كل أحد لا يخلو من هوان أمرهم وظهور ذلهم. # وأما معرفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحالهم بتوسمه من ~~سيماهم، وهو نبيهم المبعوث إليهم الرءوف الحنين بهم فليس فيه كسر لشأنهم، ~~ولا ذهاب كرامتهم، وهذا - والله أعلم - هو السر في الالتفات عن خطاب ~~المجموع إلى خطاب المفرد. # قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار إلى آخر الآية، السر ~~والعلانية متقابلان وهما حالان من ينفقون والتقدير مسرين ومعلنين، واستيفاء ~~الأزمة والأحوال في الإنفاق للدلالة على اهتمام هؤلاء المنفقين في استيفاء ~~الثواب، وإمعانهم في ابتغاء مرضاة الله، وإرادة وجهه، ولذلك تدلى الله ~~سبحانه منهم فوعدهم وعدا حسنا بلسان الرأفة والتلطف فقال: لهم أجرهم عند ~~ربهم إلخ. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر ms0838 المنثور، في قوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء الآية:، أخرج ابن ~~ماجة عن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة ~~الباهلي وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن ~~رسول الله أنه قال: ح، وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أرسل بنفقة في سبيل الله ~~وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله ~~وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه ~~الآية: والله يضاعف لمن يشاء. # وفي تفسير العياشي، ورواه البرقي أيضا عن الصادق (عليه السلام): إذا أحسن ~~المؤمن عمله ضاعف الله عمله بكل حسنة سبعمائة ضعف، وذلك قول الله: والله ~~يضاعف لمن يشاء فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله. # وفي تفسير العياشي، عن عمر بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: إذا أحسن المؤمن عمله ضاعف الله عمله بكل حسنة سبعمائة ضعف فذلك قول ~~الله: والله يضاعف لمن يشاء فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله، ~~قلت: وما الإحسان؟ قال: إذ صليت فأحسن ركوعك وسجودك، وإذا صمت فتوق ما فيه ~~فساد صومك، وإذا حججت فتوق كل ما يحرم عليك في حجتك وعمرتك، قال: وكل عمل ~~تعمله فليكن نقيا من الدنس. # وفيه، عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أرأيت المؤمن له ~~فضل على المسلم في شيء من المواريث والقضايا والأحكام حتى يكون للمؤمن أكثر ~~مما يكون للمسلم في المواريث أو غير ذلك؟ قال: لا هما يجريان في ذلك مجرى ~~واحدا إذا حكم الإمام عليهما، ولكن للمؤمن فضلا على المسلم في أعمالهما، ~~قال: فقلت: أليس الله يقول: من جاء بالحسنة فله عشر: أمثالها، وزعمت أنهم ~~مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن؟ قال: فقال: أليس الله ~~قد قال: والله يضاعف لمن يشاء أضعافا كثيرة؟ فالمؤمنون هم ms0839 الذين يضاعف لهم ~~الحسنات، لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا من فضيلتهم، ويزيد الله المؤمن في ~~حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا مضاعفة كثيرة ويفعل الله بالمؤمن ما يشاء. PageV02P230 # أقول: وفي هذا المعنى أخبار أخر وهي مبتنية جميعا على الأخذ بإطلاق قوله ~~تعالى: والله يضاعف لمن يشاء بالنسبة إلى غير المنفقين، والأمر على ذلك إذ ~~لا دليل على التقييد بالمنفقين غير المورد، ولا يكون المورد مخصصا ولا ~~مقيدا، وإذا كانت الآية مطلقة كذلك كان قوله: يضاعف مطلقا بالنسبة إلى ~~الزائد عن العدد وغيره، ويكون المعنى: والله يضاعف العمل كيفما شاء على من ~~شاء، يضاعف لكل محسن على قدر إحسانه سبعمائة ضعف أو أزيد أو أقل كما يزيد ~~للمنفقين على سبعمائة إذا شاء، ولا ينافي هذا ما تقدم في البيان من نفي كون ~~المراد والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء لأن الذي نفينا هناك إنما هو ~~تقييده بالمنفقين، والمعنى الذي تدل عليه الرواية نفي التقييد. # وقوله (عليه السلام): أليس الله قد قال: والله يضاعف لمن يشاء أضعافا ~~كثيرة اه نقل بالمعنى مأخوذ من مجموع: آيتين إحداهما: هذه الآية من سورة ~~البقرة، والأخرى: قوله تعالى: "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة:" البقرة - 245، ومما يستفاد من الرواية إمكان قبول أعمال غير ~~المؤمنين من سائر فرق المسلمين وترتب الثواب عليها، وسيجيء البحث عنها في ~~قوله تعالى: "إلا المستضعفين من الرجال الآية:" النساء - 98. # وفي المجمع، قال: والآية عامة في النفقة في جميع ذلك يشير إلى الجهاد ~~وغيره من أبواب البر: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق في المصنف عن أيوب قال: أشرف على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من رأس تل، فقالوا: ما أجلد هذا الرجل ~~لو كان جلده في سبيل الله فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أوليس في ~~سبيل الله إلا من قتل؟ ثم قال: من خرج في الأرض يطلب حلالا يكف به والديه ~~فهو في سبيل الله، ms0840 ومن خرج يطلب حلالا يكف به أهله فهو في سبيل الله، ومن ~~خرج يطلب حلالا يكف به نفسه فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب التكاثر فهو في ~~سبيل الشيطان. # وفيه، أيضا أخرج ابن المنذر والحاكم وصححه: إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) سأل البراء بن عازب فقال: يا براء كيف نفقتك على أمك؟ وكان ~~موسعا على أهله فقال: يا رسول الله ما أحسنها؟ قال: فإن نفقتك على أهلك ~~وولدك وخادمك صدقة فلا تتبع ذلك منا ولا أذى. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق الفريقين، وفيها أن كل عمل ~~يرتضيه الله سبحانه فهو في سبيل الله، وكل نفقة في سبيل الله فهي صدقة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~الآية: عن الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~من أسدى إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد أبطل صدقته إلى أن ~~قال الصادق (عليه السلام): والصفوان هي الصخرة الكبيرة التي تكون في ~~المفازة إلى أن قال في قوله تعالى: كمثل جنة بربوة الآية وابل أي مطر، ~~والطل ما يقع بالليل على الشجر والنبات، وقال في قوله تعالى: إعصار فيه نار ~~الآية الأعصار الرياح. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ~~الآية: أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب: في قوله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، قال: من الذهب والفضة ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض، قال: يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة. PageV02P231 # وفيه،: أيضا أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في ~~سننه عن البراء بن عازب: في قوله، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، قال: نزلت ~~فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل كان الرجل يأتي من نخلة على قدر كثرته ~~وقلته، وكان الرجل يأتي ms0841 بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد وكان أهل الصفة ~~ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر ~~والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص ~~والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم - ومما أخرجنا لكم من الأرض - ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون - ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه" قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ~~ما أعطي لم يأخذه إلا عن إغماض وحياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ~~ما عنده. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قول الله: يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا من طيبات ما كسبتم - ومما أخرجنا لكم من الأرض - ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أمر بالنخل ~~أن يزكى يجيء قوم بألوان من التمر وهو من أردإ التمر، يؤدونه عن زكاتهم تمر ~~يقال له الجعرور والمعىفأرة قليلة اللحى عظيمة النوى، وكان بعضهم يجيء بها ~~عن التمر الجيد فقال رسول الله لا تخرصوا هاتين النخلتين ولا تجيئوا منها ~~بشيء وفي ذلك نزل: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون - ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه، والإغماض أن تأخذ هاتين التمرتين، وفي رواية أخرى عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قوله تعالى: أنفقوا من طيبات ما كسبتم فقال: كان ~~القوم كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية فلما أسلموا أرادوا أن يخرجوها من ~~أموالهم ليتصدقوا بها، فأبى الله تبارك وتعالى إلا أن يخرجوا من أطيب ما كسبوا. # أقول: وفي هذا المعنى أخبار كثيرة من طرق الفريقين. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر الآية، قال: قال: ~~إن الشيطان يقول لا تنفقوا فإنكم تفتقرون والله يعدكم مغفرة منه وفضلا أي ~~يغفر لكم إن أنفقتم لله وفضلا يخلف عليكم. # وفي الدر المنثور، أخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود ms0842 قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة: فأما ~~لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك فإيعاد بالخير ~~وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى ~~فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء الآية. # وفي تفسير العياشي، أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا قال: المعرفة. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): أن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في الآية، قال: طاعة الله ومعرفة ~~الإمام. # أقول: وفي معناه روايات أخر وهي من قبيل عد المصداق. # وفي الكافي، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن بعض أصحابنا ~~رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما قسم الله للعباد ~~شيئا أفضل من العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل ~~من شخوص الجاهل، ولا بعث الله نبيا ولا رسولا حتى يستكمل العقل ويكون عقله ~~أفضل من جميع عقول أمته، وما يضمر النبي في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، ~~وما أدى العبد فرائض الله حتى عقل عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل ~~عبادتهم ما بلغ العاقل، والعقلاء هم أولوا الألباب، قال الله تبارك وتعالى: ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب. # وعن الصادق (عليه السلام) قال: الحكمة ضياء المعرفة وميزان التقوى وثمرة ~~الصدق ولو قلت: ما أنعم الله على عبده بنعمة أعظم وأرفع وأجزل وأبهى من ~~الحكمة لقلت، قال الله عز وجل: يؤتي الحكمة من يشاء - ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا - وما يذكر إلا أولوا الألباب. PageV02P232 # أقول: وفي قوله تعالى: وما أنفقتم الآية في الصدقة والنذر والظلم أخبار ~~كثيرة سنوردها في مواردها إن شاء الله. # وفي الدر المنثور، بعدة طرق عن ابن عباس وابن جبير وأسماء بنت أبي بكر ~~وغيرهم: أن رسول الله كان يمنع عن الصدقة على غير أهل الإسلام ms0843 وأن المسلمين ~~كانوا يكرهون الإنفاق على قرابتهم من الكفار فأنزل الله: ليس عليك هداهم ~~الآية فأجاز ذلك. # أقول: قد مر أن قوله: هداهم إنما يصلح لأن يراد به هدى المسلمين الموجود ~~فيهم دون الكفار فالآية أجنبية عما في الروايات من قصة النزول، على أن ~~تعيين المورد في قوله: للفقراء الذين أحصروا الآية لا يلائمه كثير ملاءمة، ~~وأما مسألة الإنفاق على غير المسلم إذا كان في سبيل الله وابتغاء مرضاة ~~الله فيكفي فيه إطلاق الآيات. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قول الله عز وجل: وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء - فهو خير لكم فقال: هي سوى الزكاة، أن الزكاة علانية غير سر. # وفيه، عنه (عليه السلام): كل ما فرض الله عليك فإعلانه أفضل من إسراره ~~وما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه. # أقول: وفي معنى الحديثين أحاديث أخرى وقد تقدم ما يتضح به معناها. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله الآية: ~~قال قال أبو جعفر (عليه السلام): نزلت الآية في أصحاب الصفة. # قال: وكذلك رواه الكلبي عن ابن عباس:، وهم نحو من أربعمائة رجل لم يكن ~~لهم مساكن بالمدينة، ولا عشائر يأوون إليهم فجعلوا أنفسهم في المسجد، ~~وقالوا نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله، فحث الله الناس عليهم فكان الرجل ~~إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى. # وفي تفسير العياشي، عن أبي جعفر (عليه السلام): أن الله يبغض الملحف. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار الآية، ~~قال: سبب النزول عن ابن عباس نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) كانت معه أربعة دراهم، فتصدق بواحد ليلا وبواحد نهارا وبواحد سرا ~~وبواحد علانية فنزل: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية،: ~~قال الطبرسي: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره، والمفيد في الاختصاص، والصدوق ~~في العيون،. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن ms0844 المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه ~~عن ابن عباس: في قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم - بالليل والنهار سرا ~~وعلانية، قال: نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) كانت له أربعة دراهم ~~فأنفق بالليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب في المناقب عن ابن عباس والسدي ومجاهد ~~والكلبي وأبي صالح والواحدي والطوسي والثعلبي والطبرسي والماوردي والقشيري ~~والثمالي والنقاش والفتال وعبد الله بن الحسين وعلي بن حرب الطائي في ~~تفاسيرهم: أنه كان عند ابن أبي طالب دراهم فضة فتصدق بواحد ليلا وبواحد ~~نهارا وبواحد سرا وبواحد علانية فنزل: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية فسمى كل درهم مالا وبشره بالقبول. # وفي بعض التفاسير: أن الآية نزلت في أبي بكر تصدق بأربعين ألف دينار عشرة ~~بالليل وعشرة بالنهار وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية. # أقول: ذكر الآلوسي في تفسيره، في ذيل هذا الحديث: أن الإمام السيوطي ~~تعقبه بأن خبر تصدقه بأربعين ألف دينار إنما رواه ابن عساكر في تاريخه، عن ~~عائشة وليس فيه ذكر من نزول الآية، وكان من ادعى ذلك فهمه مما أخرجه ابن ~~المنذر عن ابن إسحاق قال: لما قبض أبو بكر واستخلف عمر خطب الناس فحمد الله ~~وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إن بعض الطمع فقر، وإن بعض ~~اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون، واعلموا أن ~~بعض الشح شعبة من النفاق، فأنفقوا خيرا لأنفسكم، فأين أصحاب هذه الآية، ~~وقرأ الآية الكريمة وأنت تعلم أنها لا دلالة فيها على نزولها في حقه انتهى. # وفي الدر المنثور، بعدة طرق عن أبي أمامة وأبي الدرداء وابن عباس وغيرهم ~~أن الآية نزلت في أصحاب الخيل. PageV02P233 # أقول: والمراد بهم المرابطون الذين ينفقون على الخيل ليلا ونهارا، لكن لفظ ~~الآية أعني قوله: سرا وعلانية لا ينطبق عليه إذ لا معنى لهذا التعميم ~~والترديد في الإنفاق على الخيل أصلا. # وفي الدر المنثور، ms0845 أيضا أخرج المسيب: الذين ينفقون الآية كلها في عبد ~~الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة. # أقول: والإشكال فيه من حيث عدم الانطباق نظير الإشكال في سابقه. PageV02P234 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 275 - 281 # الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطن من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا وأحل الله البيع وحرم الربوا فمن ~~جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحب ~~النار هم فيها خلدون (275) يمحق الله الربوا ويربى الصدقت والله لا يحب كل ~~كفار أثيم (276) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وءاتوا ~~الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أمولكم لا تظلمون ~~ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (281) ### |||| AUTO بيان # الآيات مسوقة لتأكيد حرمة الربا والتشديد على المرابين وليست مسوقة ~~للتشريع الابتدائي، كيف ولسانها غير لسان التشريع: وإنما الذي يصلح لهذا ~~الشأن قوله تعالى في سورة آل عمران: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا ~~أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون:" آل عمران - 130، نعم تشتمل هذه ~~الآيات على مثل قوله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين، وسياق الآية يدل على أن المسلمين ما كانوا ينتهون عن ~~النهي السابق عن الربا، بل كانوا يتداولونها بينهم بعض التداول فأمرهم الله ~~بالكف عن ذلك، وترك ما للغرماء في ذمة المدينين من الربا، ومن هنا يظهر ~~معنى قوله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله الآية ~~على ما سيجيء بيانه. # وقد تقدم على ما في سورة آل عمران ms0846 من النهي قوله تعالى في سورة الروم وهي ~~مكية: "وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون:" الروم - 39، ومن هنا ~~يظهر أن الربا كان أمرا مرغوبا عنه من أوائل عهد رسول الله قبل الهجرة حتى ~~تم أمر النهي عنه في سورة آل عمران، ثم اشتد أمره في سورة البقرة بهذه ~~الآيات السبع التي يدل سياقها على تقدم نزول النهي عليها، ومن هنا يظهر: أن ~~هذه الآيات إنما نزلت بعد سورة آل عمران. # على أن حرمة الربا في مذهب اليهود على ما يذكره الله تعالى في قوله: ~~"وأخذهم الربا وقد نهوا عنه:" النساء - 161، ويشعر به قوله: - حكاية عنهم - ~~"ليس علينا في الأميين سبيل:" آل عمران - 75، مع تصديق القرآن لكتابهم وعدم ~~نسخ ظاهر كانت تدل على حرمته في الإسلام. # والآيات أعني آيات الربا لا تخلو عن ارتباط بما قبلها من آيات الإنفاق في ~~سبيل الله كما يشير إليه قوله تعالى في ضمنها: يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات، وقوله: وأن تصدقوا خير لكم، وكذا ما وقع من ذكره في سورة الروم ~~وفي سورة آل عمران مقارنا لذكر الإنفاق والصدقة والحث عليه والترغيب فيه. # على أن الاعتبار أيضا يساعد الارتباط بينهما بالتضاد والمقابلة، فإن ~~الربا أخذ بلا عوض كما أن الصدقة إعطاء بلا عوض، والآثار السيئة المترتبة ~~على الربا تقابل الآثار الحسنة المترتبة على الصدقة وتحاذيها على الكلية من ~~غير تخلف واستثناء، فكل مفسدة منه يحاذيها خلافها من المصلحة منها لنشر ~~الرحمة والمحبة، وإقامة أصلاب المساكين والمحتاجين، ونماء المال، وانتظام ~~الأمر واستقرار النظام والأمن في الصدقة وخلاف ذلك في الربا. PageV02P235 # وقد شدد الله سبحانه في هذه الآيات في أمر الربا بما لم يشدد بمثله في شيء ~~من فروع الدين إلا في تولي أعداء الدين، فإن التشديد فيه يضاهي تشديد ~~الربا، وأما سائر الكبائر فإن القرآن وإن أعلن مخالفتها وشدد القول فيها ~~فإن لحن القول في تحريمها دون ما في هذين ms0847 الأمرين، حتى الزنا وشرب الخمر ~~والقمار والظلم، وما هو أعظم منها كقتل النفس التي حرم الله والفساد، فجميع ~~ذلك دون الربا وتولي أعداء الدين. # وليس ذلك إلا لأن تلك المعاصي لا تتعدى الفرد أو الأفراد في بسط آثارها ~~المشئومة، ولا تسري إلا إلى بعض جهات النفوس، ولا تحكم إلا في الأعمال ~~والأفعال بخلاف هاتين المعصيتين فإن لهما من سوء التأثير ما ينهدم به بنيان ~~الدين ويعفي أثره، ويفسد به نظام حياة النوع، ويضرب الستر على الفطرة ~~الإنسانية ويسقط حكمها فيصير نسيا منسيا على ما سيتضح إن شاء الله العزيز ~~بعض الاتضاح. # وقد صدق جريان التاريخ كتاب الله فيما كان يشدد في أمرهما حيث أهبطت ~~المداهنة والتولي والتحاب والتمايل إلى أعداء الدين الأمم الإسلامية في ~~مهبط من الهلكة صاروا فيها نهبا منهوبا لغيرهم: لا يملكون مالا ولا عرضا ~~ولا نفسا، ولا يستحقون موتا ولا حياة، فلا يؤذن لهم فيموتوا، ولا يغمض عنهم ~~فيستفيدوا من موهبة الحياة، وهجرهم الدين، وارتحلت عنهم عامة الفضائل. # وحيث ساق أكل الربا إلى ادخار الكنوز وتراكم الثروة والسؤدد فجر ذلك إلى ~~الحروب العالمية العامة، وانقسام الناس إلى قسمي المثري السعيد والمعدم ~~الشقي، وبان البين، فكان بلوى يدكدك الجبال، ويزلزل الأرض، ويهدد الإنسانية ~~بالانهدام، والدنيا بالخراب، ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى. # وسيظهر لك إن شاء الله تعالى أن ما ذكره الله تعالى من أمر الربا وتولي ~~أعداء الدين من ملاحم القرآن الكريم. # قوله تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس، الخبط هو المشي على غير استواء، يقال خبط البعير إذا اختل ~~جهة مشيه، وللإنسان في حياته طريق مستقيم لا ينحرف عنه، فإنه لا محالة ذو ~~أفعال وحركات في طريق حياته بحسب المحيط الذي يعيش فيه، وهذه الأفعال ~~محفوظة النظام بأحكام اعتقادية عقلائية وضعها ونظمها الإنسان ثم طبق عليها ~~أفعاله الانفرادية والاجتماعية، فهو يقصد الأكل إذا جاع، ويقصد الشرب إذا ~~عطش، والفراش إذا اشتهى النكاح، والاستراحة إذا تعب، والاستظلال إذا أراد ms0848 ~~السكن وهكذا، وينبسط لأمور وينقبض عن أخرى في معاشرته، ويريد كل مقدمة عند ~~إرادة ذيها، وإذا طلب مسببا مال إلى جهة سببه. # وهذه الأفعال على هذه الاعتقادات مرتبطة متحدة نحو اتحاد متلائمة غير ~~متناقضة ومجموعها طريق حياته. # وإنما اهتدى الإنسان إلى هذا الطريق المستقيم بقوة مودوعة فيه هي القوة ~~المميزة بين الخير والشر والنافع والضار والحسن والقبيح وقد مر بعض الكلام ~~في ذلك. # وأما الإنسان الممسوس وهو الذي اختلت قوته المميزة فهو لا يفرق بين الحسن ~~والقبيح والنافع والضار والخير والشر، فيجري حكم كل مورد فيما يقابله من ~~الموارد، لكن لا لأنه ناس لمعنى الحسن والقبح وغيرهما فإنه بالأخرة إنسان ~~ذو إرادة، ومن المحال أن يصدر عن الإنسان غير الأفعال الإنسانية بل لأنه ~~يرى القبيح حسنا والحسن قبيحا والخير والنافع شرا وضارا وبالعكس فهو خابط ~~في تطبيق الأحكام وتعيين الموارد. # وهو مع ذلك لا يجعل الفعل غير العادي عاديا دون العكس فإن لازم ذلك أن ~~يكون عنده آراء وأفكار منتظمة ربما طبقها على غير موردها من غير عكس، بل قد ~~اختل عنده حكم العادة وغيره وصار ما يتخيله ويريده هو المتبع عنده، فالعادي ~~وغير العادي عنده على حد سواء كالناقة تخبط وتضرب على غير استواء، فهو في ~~خلاف العادة لا يرى العادة إلا مثل خلاف العادة من غير مزية لها عليه، فلا ~~ينجذب من خلاف العادة إلى العادة فافهم ذلك. PageV02P236 # وهذا حال المرابي في أخذه الربا إعطاء الشيء وأخذ ما يماثله وزيادة بالأجل ~~فإن الذي تدعو إليه الفطرة ويقوم عليه أساس حياة الإنسان الاجتماعية أن ~~يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه مما عند غيره من المال ~~الذي يحتاج إليه، وأما إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة فهذا شيء ~~ينهدم به قضاء الفطرة وأساس المعيشة، فإن ذلك ينجر من جانب المرابي إلى ~~اختلاس المال من يد المدين وتجمعه وتراكمه عند المرابي، فإن هذا المال لا ~~يزال ينمو ويزيد، ولا ينمو إلا من مال الغير، فهو بالانتفاص ms0849 والانفصال من ~~جانب، والزيادة والانضمام إلى جانب آخر. # وينجر من جانب المدين المؤدي للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايدا ~~لا يتداركه شيء مع تزايد الحاجة وكلما زاد المصرف أي نمى الربا بالتصاعد ~~زادت الحاجة من غير أمر يجبر النقص ويتداركه، وفي ذلك انهدام حياة المدين. # فالربا يضاد التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا ~~الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية. # وهذا هو الخبط الذي يبتلي به المرابي كخبط الممسوس، فإن المراباة يضطره ~~أن يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرق بين البيع والربا، فإذا دعي ~~إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع أجاب إن البيع مثل الربا لا يزيد على الربا ~~بمزية، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع، ولذلك استدل تعالى على خبط ~~المرابين بما حكاه من قولهم: إنما البيع مثل الربا. # ومن هذا البيان يظهر: أولا: أن المراد بالقيام في قوله تعالى: لا يقومون ~~إلا كما يقوم، هو الاستواء على الحياة والقيام بأمر المعيشة فإنه معنى من ~~معاني القيام يعرفه أهل اللسان في استعمالاتهم، قال تعالى: "ليقوم الناس ~~بالقسط:" الحديد - 25، وقال تعالى: "أن تقوم السماء والأرض بأمره:" الروم - ~~25، وقال تعالى: "وأن تقوموا لليتامى بالقسط:" النساء - 127، وأما كون ~~المراد به المعنى المقابل للقعود فمما لا يناسب المورد، ولا يستقيم عليه ~~معنى الآية. # وثانيا: أن المراد بخبط الممسوس في قيامه ليس هو الحركات التي يظهر من ~~الممسوس حال الصرع أو عقيب هذا الحال على ما يظهر من كلام المفسرين، فإن ~~ذلك لا يلائم الغرض المسوق لبيانه الكلام، وهو ما يعتقده المرابي من عدم ~~الفرق بين البيع والربا، وبناء عمله عليه، ومحصله أفعال اختيارية صادرة عن ~~اعتقاد خابط، وكم من فرق بينهما وبين الحركات الصادرة عن المصروع حال ~~الصرع، فالمصير إلى ما ذكرناه من كون المراد قيام الربوي في حياته بأمر ~~المعاش كقيام الممسوس الخابط في أمر الحياة!. # وثالثا: النكتة في قياس البيع بالربا دون العكس في قوله تعالى: ذلك بأنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا، ولم يقل: إنما ms0850 الربا مثل البيع كما هو السابق ~~إلى الذهن وسيجيء توضيحه. # ورابعا: أن التشبيه أعني قوله: الذي يتخبطه الشيطان من المس لا يخلو عن ~~إشعار بجواز تحقق ذلك في مورد الجنون في الجملة، فإن الآية وإن لم تدل على ~~أن كل جنون هو من مس الشيطان لكنها لا تخلو عن إشعار بأن من الجنون ما هو ~~بمس الشيطان، وكذلك الآية وإن لم تدل على أن هذا المس من فعل إبليس نفسه ~~فإن الشيطان بمعنى الشرير، يطلق على إبليس وعلى شرار الجن وشرار الإنس، ~~وإبليس من الجن، فالمتيقن من إشعار الآية أن للجن شأنا في بعض الممسوسين إن ~~لم يكن في كلهم. # وما ذكره بعض المفسرين أن هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامة الناس في ~~بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين، ولا ضير ~~في ذلك لأنه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأ غير مطابق للواقع، ~~فحقيقة معنى الآية، أن هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس، وأما كون الجنون مستندا إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن لأن ~~الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن. # ففيه: أنه تعالى أجل من أن يستند في كلامه إلى الباطل ولغو القول بأي نحو ~~كان من الاستناد إلا مع بيان بطلانه ورده على قائله، وقد قال تعالى: في وصف ~~كلامه "كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:" فصلت - 42، ~~وقال تعالى: "إنه لقول فصل وما هو بالهزل:" الطارق - 14. PageV02P237 # وأما إن استناد الجنون إلى تصرف الشيطان بإذهاب العقل ينافي عدله تعالى، ~~ففيه أن الإشكال بعينه مقلوب عليهم في إسنادهم ذهاب العقل إلى الأسباب ~~الطبيعية، فإنها أيضا مستندة بالأخرة إلى الله تعالى مع إذهابها العقل. # على أنه في الحقيقة ليس في ذهاب العقل بإذهاب الله إياه إشكال. # لأن التكليف يرتفع حينئذ بارتفاع الموضوع، وإنما الإشكال في أن ينحرف ~~الإدراك العقلي عن مجرى الحق وسنن الاستقامة مع بقاء موضوع ms0851 العقل على حاله، ~~كان يشاهد الإنسان العاقل الحسن قبيحا وبالعكس، أو يرى الحق باطلا وبالعكس ~~جزافا بتصرف من الشيطان، فهذا هو الذي لا يجوز نسبته إليه تعالى، وأما ذهاب ~~القوة المميزة وفساد حكمها تبعا لذهاب نفسها فلا محذور فيه سواء أسند إلى ~~الطبيعة أو إلى الشيطان. # على أن استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة ~~بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها ~~الشيطان، كما أن أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية ~~في البين، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب (عليه السلام) إذ قال: ~~"إني مسني الشيطان بنصب وعذاب:" ص - 41، وإذ قال: "إني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين:" الأنبياء - 83، والضر هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في ~~البدن، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان. # وهذا وما يشبهه، من الآراء المادية التي دبت في أذهان عدة من أهل البحث ~~من حيث لم يشعروا بها حيث إن أصحاب المادة لما سمعوا الإلهيين يسندون ~~الحوادث إلى الله سبحانه، أو يسندون بعضها إلى الروح أو الملك أو الشيطان ~~اشتبه عليهم الأمر فحسبوا أن ذلك إبطال للعلل الطبيعية وإقامة لما وراء ~~الطبيعة مقامها، ولم يفقهوا أن المراد به تعليل في طول تعليل لا في عرض ~~تعليل، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة مرارا. # وخامسا: فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين: أن المراد بالتشبيه بيان حال ~~آكلي الربا يوم القيامة وأنهم سيقومون عن قبورهم يوم القيامة كالصريع الذي ~~يتخبطه الجنون. # ووجه الفساد أن ظاهر الآية على ما بينا لا يساعد هذا المعنى، والرواية لا ~~تجعل للآية ظهورا فيما ليست بظاهرة فيه، وإنما تبين حال آكل الربا يوم ~~القيامة. # قال في تفسير المنار:، وأما قيام آكل الربا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس فقد قال ابن عطية في تفسيره،: المراد تشبيه المرابي في الدنيا ~~بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة: قد جن. # أقول: وهذا ms0852 هو المتبادر ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه وقالوا: إن المراد ~~بالقيام القيام من القبر عند البعث، وإن الله تعالى جعل من علامة المرابين ~~يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود بل ~~روى الطبراني من حديث عوف بن مالك مرفوعا: إياك والذنوب التي لا تغفر: ~~الغلول فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة، والربا فمن أكل الربا بعث يوم ~~القيامة مجنونا يتخبط. # ثم قال: والمتبادر إلى جميع الأفهام ما قاله ابن عطية لأنه إذا ذكر ~~القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال، ولا قرينة تدل على أن المراد ~~به البعث، وهذه الروايات لا يسلم منها شيء من قول في سنده، وهي لم تنزل مع ~~القرآن، ولا جاء المرفوع منها مفسرا للآية، ولولاها لما قال أحد بغير ~~المتبادر الذي قال به ابن عطية إلا من لم يظهر له صحته في الواقع. # ثم قال: وكان الوضاعون الذين يختلقون الروايات يتحرون في بعضها ما أشكل ~~عليهم ظاهره من القرآن فيضعون لهم رواية يفسرونه بها، وقلما يصح في التفسير ~~شيء، انتهى ما ذكره. # ولقد أصاب فيما ذكره من خطإهم لكنه أخطأ في تقرير معنى التشبيه الواقع في ~~الآية حيث قال: أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر في نفسه فإن أولئك الذين ~~فتنهم المال واستعبدهم حتى ضربت نفوسهم بجمعه، وجعلوه مقصودا لذاته، وتركوا ~~لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعي تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه ~~أكثر الناس، ويظهر ذلك في حركاتهم وتقلبهم في أعمالهم كما تراه في حركات ~~المولعين بأعمال البورصة والمغرمين بالقمار، يزيد فيهم النشاط والانهماك في ~~أعمالهم، حتى يكون خفة تعقبها حركات غير منتظمة. PageV02P238 # وهذا هو وجه الشبه بين حركاتهم وبين تخبط الممسوس فإن التخبط من الخبط وهو ~~ضرب غير منتظم وكخبط العشواء، انتهى. # فإن ما ذكره من خروج حركاتهم عن الاعتدال والانتظام وإن كان في نفسه ~~صحيحا لكن لا هو معلول أكل الربا محضا، ولا هو المقصود من التشبيه الواقع ~~في الآية: أما الأول فإنما ذلك ms0853 لانقطاعهم عن معنى العبودية وإخلادهم إلى ~~لذائذ المادة، ذلك مبلغهم من العلم، فسلبوا بذلك العفة الدينية والوقار ~~النفساني، وتأثرت نفوسهم عن كل لذة يسيرة مترائية من المادة، وتعقب ذلك ~~اضطراب حركاتهم، وهذا مشاهد محسوس من كل من حاله الحال الذي ذكرنا وإن لم ~~يمس الربا طول حياته. # وأما الثاني فلأن الاحتجاج الواقع في الآية على كونهم خابطين لا يلائم ما ~~ذكره من وجه الشبه، فإن الله سبحانه يحتج على كونهم خابطين في قيامهم ~~بقوله: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، ولو كان كما يقول كان الأنسب ~~الاحتجاج على ذلك بما ذكره من اختلال حركاتهم وفساد النظم في أعمالهم. # فالمصير إلى ما قدمناه. # قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا، قد تقدم الوجه في ~~تشبيه البيع بالربا دون العكس بأن يقال: إنما الربا مثل البيع فإن من استقر ~~به الخبط والاختلال كان واقفا في موقف خارج عن العادة المستقيمة، والمعروف ~~عند العقلاء والمنكر عندهم سيان عنده، فإذا أمرته بترك ما يأتيه من المنكر ~~والرجوع إلى المعروف أجابك - لو أجاب - إن الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه ~~لا مزية له عليه، ولو قال: إن الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به كان عاقلا ~~غير مختل الإدراك فإن معنى هذا القول: أنه يسلم أن الذي يؤمر به أصل ذو ~~مزية يجب اتباعه لكنه يدعي أن الذي ينهى عنه ذو مزية مثله، ولم يكن معنى ~~كلامه إبطال المزية وإهماله كما يراه الممسوس، وهذا هو قول المرابي المستقر ~~في نفسه الخبط: إنما البيع مثل الربا، ولو أنه قال: إن الربا مثل البيع ~~لكان رادا على الله جاحدا للشريعة لا خابطا كالممسوس. # والظاهر أن قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا حكاية ~~لحالهم الناطق بذلك وإن لم يكونوا قالوا ذلك بألسنتهم، وهذا السياق أعني ~~حكاية الحال بالقول، معروف عند الناس. # وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن المراد بقولهم: إنما البيع مثل الربوا ~~نظمهما في سلك واحد، وإنما قلبوا التشبيه وجعلوا الربا ms0854 أصلا وشبهوا به ~~البيع للمبالغة كما في قوله: ومهمة مغبرة أرجاؤه. # كأن لون أرضه سماؤه. # وكذا فساد ما ذكره آخرون: أنه يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناء على ~~ما فهموه: أن البيع إنما حل لأجل الكسب والفائدة، وذلك في الربا متحقق وفي ~~غيره موهوم. # ووجه الفساد ظاهر مما تقدم. # قوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربوا، جملة مستأنفة بناء على أن ~~الجملة الفعلية المصدرة بالماضي لو كانت حالا لوجب تصديرها بقد. # يقال: جاءني زيد وقد ضرب عمرا، ولا يلائم كونها حالا ما يفيده أول الكلام ~~من المعنى، فإن الحال قيد لزمان عامله وظرف لتحققه، فلو كانت حالا لأفادت: ~~أن تخبطهم لقولهم إنما البيع مثل الربا إنما هو في حال أحل الله البيع وحرم ~~الربا عليهم، مع أن الأمر على خلافه فهم خابطون بعد تشريع هذه الحلية ~~والحرمة وقبل تشريعهما، فالجملة ليست حالية وإنما هي مستأنفة. # وهذه المستأنفة غير متضمنة للتشريع الابتدائي على ما تقدم أن الآيات ~~ظاهرة في سبق أصل تشريع الحرمة، بل بانية على ما تدل عليها آية آل عمران: ~~"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون:" آل عمران - 130، فالجملة أعني قوله: وأحل الله "إلخ" لا تدل على ~~إنشاء الحكم، بل على الإخبار عن حكم سابق وتوطئة لتفرع قوله بعدها: فمن ~~جاءه موعظة من ربه إلخ، هذا ما ينساق إليه ظاهر الآية الشريفة. # وقد قيل: إن قوله: وأحل الله البيع وحرم الربوا مسوق لإبطال قولهم: إنما ~~البيع مثل الربوا، والمعنى لو كان كما يقولون لما اختلف حكمهما عند أحكم ~~الحاكمين مع أن الله أحل أحدهما وحرم الآخر. # وفيه أنه وإن كان استدلالا صحيحا في نفسه لكنه لا ينطبق على لفظ الآية ~~فإنه معنى كون الجملة، وأحل الله "إلخ"، حالية وليست بحال. PageV02P239 # وأضعف منه ما ذكره آخرون: أن معنى قوله: وأحل الله "إلخ" إنه ليست الزيادة ~~في وجه البيع نظير الزيادة في وجه الربا، لأني أحللت البيع وحرمت الربا، ~~والأمر أمري، والخلق خلقي، ms0855 أقضي فيهم بما أشاء، وأستعبدهم بما أريد، ليس ~~لأحد منهم أن يعترض في حكمي. # وفيه: أنه أيضا مبني على أخذ الجملة حالية لا مستأنفة، على أنه مبني على ~~إنكار ارتباط الأحكام بالمصالح والمفاسد ارتباط السببية والمسببية، وبعبارة ~~أخرى على نفي العلية والمعلولية بين الأشياء وإسناد الجميع إلى الله سبحانه ~~من غير واسطة، والضرورة تبطله، على أنه خلاف ما هو دأب القرآن من تعليل ~~أحكامه وشرائعه بمصالح خاصة أو عامة، على أن قوله في ضمن هذه الآيات: وذروا ~~ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين الآية، وقوله: لا تظلمون الآية، وقوله: ~~الذين يأكلون الربوا إلى قوله مثل الربوا، تدل على نوع تعليل لإحلال البيع ~~بكونه جاريا على سنة الفطرة والخلقة ولتحريم الربا بكونه خارجا عن سنن ~~الاستقامة في الحياة، وكونه منافيا غير ملائم للإيمان بالله تعالى، وكونه ظلما. # قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ~~تفريع على قوله: وأحل الله البيع "إلخ"، والكلام غير مقيد بالربا، فهو حكم ~~كلي وضع في مورد جزئي للدلالة على كونه مصداقا من مصاديقه يلحقه حكمه، ~~والمعنى: أن ما ذكرناه لكم في أمر الربا موعظة جاءتكم من ربكم ومن جاءه ~~موعظة "إلخ" فإن انتهيتم فلكم ما سلف وأمركم إلى الله. # ومن هنا يظهر: أن المراد من مجيء الموعظة بلوغ الحكم الذي شرعه الله ~~تعالى، ومن الانتهاء التوبة وترك الفعل المنهي عنه انتهاء عن نهيه تعالى، ~~ومن كون ما سلف لهم عدم انعطاف الحكم وشموله لما قبل زمان بلوغه، ومن قوله: ~~فله ما سلف وأمره إلى الله، إنه لا يتحتم عليهم العذاب الخالد الذي يدل ~~عليه قوله: ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فهم منتفعون فيما ~~أسلفوا بالتخلص من هذه المهلكة، ويبقى عليهم: أن أمرهم إلى الله فربما ~~أطلقهم في بعض الأحكام، وربما وضع عليهم ما يتدارك به ما فوتوه. # واعلم: أن أمر الآية عجيب، فإن قوله: فمن جاءه موعظة إلى آخر الآية مع ما ~~يشتمل عليه من ms0856 التسهيل والتشديد حكم غير خاص بالربا، بل عام يشمل جميع ~~الكبائر الموبقة، والقوم قد قصروا في البحث عن معناها حيث اقتصروا بالبحث ~~عن مورد الربا خاصة من حيث العفو عما سلف منه، ورجوع الأمر إلى الله فيمن ~~انتهى، وخلود العذاب لمن عاد إليه بعد مجيء الموعظة، هذا كله مع ما تراه من ~~العموم في الآية. # إذا علمت هذا ظهر لك: أن قوله: فله ما سلف وأمره إلى الله لا يفيد إلا ~~معنى مبهما يتعين بتعين المعصية التي جاء فيها الموعظة ويختلف باختلافها، ~~فالمعنى: أن من انتهى عن موعظة جاءته فالذي تقدم منه من المعصية سواء كان ~~في حقوق الله أو في حقوق الناس فإنه لا يؤاخذ بعينها لكنه لا يوجب تخلصه من ~~تبعاته أيضا كما تخلص من أصله من حيث صدوره، بل أمره فيه إلى الله، إن شاء ~~وضع فيها تبعة كقضاء الصلاة الفائتة والصوم المنقوض وموارد الحدود ~~والتعزيرات ورد المال المحفوظ المأخوذ غصبا أو ربا وغير ذلك مع العفو عن ~~أصل الجرائم بالتوبة والانتهاء، وإن شاء عفا عن الذنب ولم يضع عليه تبعة ~~بعد التوبة كالمشرك إذا تاب عن شركه ومن عصى بنحو شرب الخمر واللهو فيما ~~بينه وبين الله ونحو ذلك، فإن قوله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، مطلق ~~يشمل الكافرين والمؤمنين في أول التشريع وغيرهم من التابعين وأهل الأعصار ~~اللاحقة. # وأما قوله: ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فوقوع العود في ~~هذه الجملة في مقابل الانتهاء الواقع في الجملة السابقة يدل على أن المراد ~~به العود الذي يجامع عدم الانتهاء، ويلازم ذلك الإصرار على الذنب وعدم ~~القبول للحكم وهذا هو الكفر أو الردة باطنا ولو لم يتلفظ في لسانه بما يدل ~~على ذلك، فإن من عاد إلى ذنب ولم ينته عنه ولو بالندم فهو غير مسلم للحكم ~~تحقيقا ولا يفلح أبدا. # فالترديد في الآية بحسب الحقيقة بين تسليم الحكم الذي لا يخلو عن البناء ~~على عدم المخالفة وبين الإصرار الذي لا يخلو غالبا عن ms0857 عدم التسليم المستوجب ~~للخلود على ما عرفت. PageV02P240 # ومن هنا يظهر الجواب عن استدلال المعتزلة بالآية على خلود مرتكب الكبيرة في ~~العذاب. # فإن الآية وإن دلت على خلود مرتكب الكبيرة بل مطلق من اقترف المعصية في ~~العذاب لكن دلالتها مقصورة على الارتكاب مع عدم تسليم الحكم ولا محذور فيه. # وقد ذكر في قوله تعالى: فله ما سلف، وفي قوله: وأمره إلى الله، وقوله: ~~ومن عاد "إلخ" وجوه من المعاني والاحتمالات على أساس ما فهمه الجمهور من ~~الآية على ما تقدم لكنا تركنا إيرادها لعدم الجدوى فيها بعد فساد المنشإ. # قوله تعالى: يمحق الله الربوا ويربي الصدقات "إلخ"، المحق نقصان الشيء ~~حالا بعد حال، ووقوعه في طريق الفناء والزوال تدريجا، والإرباء الإنماء، ~~والأثيم الحامل للإثم، وقد مر معنى الإثم. # وقد قوبل في الآية بين إرباء الصدقات ومحق الربا، وقد تقدم أن إرباء ~~الصدقات وإنمائها لا يختص بالآخرة بل هي خاصة لها عامة تشمل الدنيا كما ~~تشمل الآخرة فمحق الربا أيضا كذلك لا محالة. # فكما أن من خاصة الصدقات أنها تنمي المال إنماء يلزمها ذلك لزوما قهريا ~~لا ينفك عنها من حيث إنها تنشر الرحمة وتورث المحبة وحسن التفاهم وتألف ~~القلوب وتبسط الأمن والحفظ، وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس ~~والإفساد والسرقة، وتدعو إلى الاتحاد والمساعدة والمعاونة، وتنسد بذلك أغلب ~~طرق الفساد والفناء الطارئة على المال، ويعين جميع ذلك على نماء المال ودره ~~أضعافا مضاعفة. # كذلك الربا من خاصته أنه يمحق المال ويفنيه تدريجا من حيث إنه ينشر ~~القسوة والخسارة، ويورث البغض والعداوة وسوء الظن، ويفسد الأمن والحفظ، ~~ويهيج النفوس على الانتقام بأي وسيلة أمكنت من قول أو فعل مباشرة أو ~~تسبيبا، وتدعو إلى التفرق والاختلاف، وتنفتح بذلك أغلب طرق الفساد وأبواب ~~الزوال على المال وقلما يسلم المال عن آفة تصيبه، أو بلية تعمه. # وكل ذلك لأن هذين الأمرين أعني الصدقة والربا مربوطان مماسان بحياة طبقة ~~الفقراء والمعوزين وقد هاجت بسبب الحاجة الضرورية إحساساتهم الباطنية، ~~واستعدت للدفاع عن حقوق الحياة نفوسهم المنكوبة ms0858 المستذلة، وهموا بالمقابلة ~~بالغا ما بلغت، فإن أحسن إليهم بالصنيعة والمعروف بلا عوض - والحال هذه - ~~وقعت إحساساتهم على المقابلة بالإحسان وحسن النية وأثرت الأثر الجميل، وإن ~~أسيء إليهم بإعمال القسوة والخشونة وإذهاب المال والعرض والنفس قابلوها ~~بالانتقام والنكاية بأي وسيلة، وقلما يسلم من تبعات هذه الهمم المهلكة أحد ~~من المرابين على ما يذكره كل أحد مما شاهد من أخبار آكلي الربا من ذهاب ~~أموالهم وخراب بيوتهم وخسران مساعيهم. # ويجب عليك: أن تعلم أولا: أن العلل والأسباب التي تبنى عليها الأمور ~~والحوادث الاجتماعية أمور أغلبية الوجود والتأثير، فإنا إنما نريد بأفعالنا ~~غاياتها ونتائجها التي يغلب تحققها، ونوجد عند إرادتها أسبابها التي لا ~~تنفك عنها مسبباتها على الأغلب لا على الدوام، ونلحق الشاذ النادر ~~بالمعدوم، وأما العلل التامة التي يستحيل انفكاك معلولاتها عنها في الوجود ~~فهي مختصة بالتكوين يتناولها العلوم الحقيقية الباحثة عن الحقائق الخارجية. # والتدبر في آيات الأحكام التي ذكر فيها مصالح الأفعال والأعمال ومفاسدها ~~مما يؤدي إلى السعادة والشقاوة يعطي أن القرآن في بناء آثار الأعمال على ~~الأعمال وبناء الأعمال على عللها يسلك هذا المسلك ويضع الغالب موضع الدائم ~~كما عليه بناء العقلاء. # وثانيا: أن المجتمع كالفرد والأمر الاجتماعي كالأمر الانفرادي متماثلان ~~في الأحوال على ما يناسب كلا منهما بحسب الوجود، فكما أن للفرد حياة وعمرا ~~وموتا مؤجلا وأفعالا وآثارا فكذلك المجتمع في حياته وموته وعمره وأفعاله ~~وآثاره. # وبذلك ينطق القرآن كقوله تعالى: "وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ~~ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون:" الحجر - 5. # وعلى هذا فلو تبدل وصف أمر من الأمور من الفردية إلى الاجتماعية تبدل نحو ~~بقائه وزواله وأثره. PageV02P241 # فالعفة والخلاعة الفردية حالكونهما فرديين لهما نوع من التأثير في الحياة ~~فإن ركوب الفحشاء مثلا يوجب نفرة الناس عن الإنسان والاجتناب عن ازدواجه ~~وعن مجالسته وزوال الوثوق بأمانته هذا إذا كان أمرا فرديا والمجتمع على ~~خلافه، وأما إذا صار اجتماعيا معروفا عند العامة ذهبت بذلك تلك المحاذير ~~لأنها كانت تبعات الإنكار العمومي والاستهجان العام ms0859 للفعل وقد أذهبه ~~التداول والشياع لكن المفاسد الطبيعية كانقطاع النسل والأمراض التناسلية ~~والمفاسد الآخر الاجتماعية التي لا ترضى به الفطرة كبطلان الأنساب ~~واختلالها وفساد الانشعابات القومية والفوائد الاجتماعية المترتبة على ذلك ~~مترتبة عليه لا محالة. # وكذا يختلف ظهور الآثار في الفرد فيما كان فرديا مع ظهورها في المجتمع ~~إذا كان اجتماعيا من حيث السرعة والبطء. # إذا عرفت ذلك علمت: أن محقه تعالى للربا في مقابل إربائه للصدقات يختلف ~~لا محالة بين ما كان الفعل فعلا انفراديا كالربا القائم بالشخص فإنه يهلك ~~صاحبه غالبا، وقل ما يسلم منه مراب لوجود أسباب وعوامل خاصة تدفع عن ساحة ~~حياته الفناء والمذلة، وبين ما كان فعلا اجتماعيا كالربا الدائر اليوم الذي ~~يعرفه الملل والدول بالرسمية، ووضعت عليها القوانين، وأسست عليها البنوج ~~فإنه يفقد بعض صفاته الفردية لرضى الجامعة بما شاع فيها وتعارف بينها ~~وانصراف النفوس عن التفكر في معائبه لكن آثاره اللازمة كتجمع الثروة ~~العمومية وتراكمها في جانب، وحلول الفقر والحرمان العمومي في جانب آخر، ~~وظهور الانفصال والبينونة التامة بين القبيلين: الموسرين والمعسرين مما لا ~~ينفك عن هذا الربا وسوف يؤثر أثره السيىء المشئوم، وهذا النوع من الظهور ~~والبروز وإن كنا نستبطئه بالنظر الفردي، وربما لم نعتن به لإلحاقه من جهة ~~طول الأمد بالعدم، لكنه معجل بالنظر الاجتماعي، فإن العمر الاجتماعي غير ~~العمر الفردي، واليوم الاجتماعي ربما عادل دهرا في نظر الفرد. # قال تعالى: "وتلك الأيام نداولها بين الناس:" آل عمران - 140، وهذا اليوم ~~يراد به العصر الذي ظهر فيه ناس، على ناس وطائفة، على طائفة وحكومة على ~~حكومة، وأمة، على أمة، وظاهر أن سعادة الإنسان كما يجب أن يعتنى بشأنها من ~~حيث الفرد يجب الاعتناء بأمرها من حيث النوع المجتمع. # والقرآن ليس يتكلم عن الفرد ولا في الفرد وإن لم يسكت عنه، بل هو كتاب ~~أنزله الله تعالى قيما على سعادة الإنسان: نوعه وفرده، ومهيمنا على سعادة ~~الدنيا: حاضرها وغابرها. # فقوله تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات يبين حال الربا والصدقة في ~~أثرهما سواء ms0860 كانا نوعيين أو فرديين، والمحق من لوازم الربا لا ينفك عنه كما ~~أن الإرباء من لوازم الصدقة لا ينفك عنها، فالربا ممحوق وإن سمي ربا ~~والصدقة ربا رابية وإن لم تسم ربا، وإلى ذلك يشير تعالى: يمحق الله الربا ~~ويربي الصدقات بإعطاء وصف الربا للصدقات بأقسامها، وتوصيف الربا بوصف يضاد ~~اسمه بحسب المعنى وهو الانمحاق. # وبما مر من البيان يظهر ضعف ما ذكره بعضهم: أن محق الربا ليس بمعنى إبطال ~~السعي وخسران العمل بذهاب المال الربوي، فإن المشاهدة والعيان يكذبه، وإنما ~~المراد بالمحق إبطال السعي من حيث الغايات المقصودة بهذا النوع من ~~المعاملة، فإن المرابي يقصد بجمع المال من هذا السبيل لذة اليسر وطيب ~~الحياة وهناء العيش، لكن يشغله عن ذلك الوله بجمع المال ووضع درهم على ~~درهم، ومبارزة من يريد به أو بماله أو بأرباحه سوءا، والهموم المتهاجمة على ~~نفسه من عداوة الناس وبغض المعوزين له، ووجه ضعفه ظاهر. # وكذا ما ذكره آخرون: أن المراد به محق الآخرة وثواب الأعمال التي يعرض ~~عنها المرابي باشتغاله بالربا، أو التي يبطلها التصرف في مال الربا كأنواع ~~العبادات، وجه الضعف: أنه لا شك أن ما ذكروه من المحق لكنه لا دليل على ~~انحصاره في ذلك. # وكذا ضعف ما استدل به المعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النار بقوله ~~تعالى: ومن عاد "إلخ"، وقد مر ما يظهر به تقرير الاستدلال والدفع جميعا. PageV02P242 # قوله تعالى: والله لا يحب كل كفار أثيم، تعليل لمحق الربا بوجه كلي، ~~والمعنى أن آكل الربا كثير الكفر لكفره بنعم كثيرة من نعم الله لستره على ~~الطرق الفطرية في الحياة الإنسانية، وهي طرق المعاملات الفطرية، وكفره ~~بأحكام كثيرة في العبادات والمعاملات المشروعة، فإنه بصرف مال الربا في ~~مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه يبطل كثيرا من عباداته بفقدان شرائط مأخوذة ~~فيها، وباستعماله فيما بيده من المال الربوي يبطل كثيرا من معاملاته، ويضمن ~~غيره، ويغصب مال غيره في موارد كثيرة، وباستعمال الطمع والحرص في أموال ~~الناس والخشونة والقسوة في استيفاء ما يعده لنفسه ms0861 حقا يفسد كثيرا من أصول ~~الأخلاق والفضائل وفروعها، وهو أثيم مستقر في نفسه الإثم فالله سبحانه لا ~~يحبه لأن الله لا يحب كل كفار أثيم. # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات "إلخ"، تعليل يبين به ثواب ~~المتصدقين والمنتهين عما نهى الله عنه من أكل الربا بوجه عام ينطبق على ~~المورد انطباقا. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين خطاب للمؤمنين وأمر لهم بتقوى الله وهو توطئة لما يتعقبه من ~~الأمر بقوله وذروا ما بقي من الربا، وهو يدل على أنه كان من المؤمنين في ~~عهد نزول الآيات من يأخذ الربا، وله بقايا منه في ذمة الناس من الربا فأمر ~~بتركها، وهدد في ذلك بما سيأتي من قوله: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله الآية. # وهذا يؤيد ما سننقله من الرواية في سبب نزول الآية في البحث الروائي الآتي. # وفي تقييد الكلام بقوله: إن كنتم مؤمنين إشارة إلى أن تركه من لوازم ~~الإيمان، وتأكيد لما تقدم من قوله: ومن عاد "إلخ"، وقوله: والله لا يحب كل ~~كفار "إلخ". # قوله تعالى: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، الإذن كالعلم ~~وزنا ومعنى، وقرىء فآذنوا بالأمر من الإيذان، والباء في قوله بحرب لتضمينه ~~معنى اليقين ونحوه، والمعنى: أيقنوا بحرب أو أعلموا أنفسكم باليقين بحرب من ~~الله ورسوله، وتنكير الحرب لإفادة التعظيم أو التنويع، ونسبة الحرب إلى ~~الله ورسوله لكونه مرتبطا بالحكم الذي لله سبحانه فيه سهم بالجعل والتشريع ~~ولرسوله فيه سهم بالتبليغ، ولو كان لله وحده لكان أمرا تكوينيا، وأما رسوله ~~فلا يستقل في أمر دون الله سبحانه قال تعالى: "ليس لك من الأمر شيء": آل ~~عمران - 128. # والحرب من الله ورسوله في حكم من الأحكام مع من لا يسلمه هو تحميل الحكم ~~على من رده من المسلمين بالقتال كما يدل عليه قوله تعالى: "فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله:" الحجرات - 9، على أن لله تعالى صنعا آخر في ~~الدفاع ms0862 عن حكمه وهو محاربته إياهم من طريق الفطرة وهو تهييج الفطرة العامة ~~على خلافهم، وهي التي تقطع أنفاسهم، وتخرب ديارهم، وتعفي آثارهم، قال ~~تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا:" الإسراء - 16. # قوله تعالى: وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، كلمة وإن ~~تبتم، تؤيد ما مر أن الخطاب في الآية لبعض المؤمنين ممن كان يأخذ الربا وله ~~بقايا على مدينيه ومعامليه، وقوله: فلكم رءوس أموالكم أي أصول أموالكم ~~الخالصة من الربا لا تظلمون بأخذ الربا ولا تظلمون بالتعدي إلى رءوس ~~أموالكم، وفي الآية دلالة على إمضاء أصل الملك أولا: وعلى كون أخذ الربا ~~ظلما كما تقدم ثانيا: وعلى إمضاء أصناف المعاملات حيث عبر بقوله رءوس ~~أموالكم والمال إنما يكون رأسا إذا صرف في وجوه المعاملات وأصناف الكسب ثالثا. # قوله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، لفظة كان تامة أي إذا وجد ~~ذو عسرة، والنظرة المهلة، والميسرة اليسار، والتمكن مقابل العسرة أي إذا ~~وجد غريم من غرمائكم لا يتمكن من أداء دينه الحال فانظروه وأمهلوه حتى يكون ~~متمكنا ذا يسار فيؤدي دينه. # والآية وإن كانت مطلقة غير مقيدة لكنها منطبقة على مورد الربا، فإنهم ~~كانوا إذا حل أجل الدين يطالبونه من المدين فيقول المدين لغريمه زد في أجلي ~~كذا مدة أزيدك في الثمن بنسبة كذا، والآية تنهى عن هذه الزيادة الربوية ~~ويأمر بالإنظار. PageV02P243 # قوله تعالى: وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون، أي وإن تضعوا الدين عن ~~المعسر فتتصدقوا به عليه فهو خير لكم إن كنتم تعلمون فإنكم حينئذ قد بدلتم ~~ما تقصدونه من الزيادة من طريق الربا الممحوق من الزيادة من طريق الصدقة ~~الرابية حقا. # قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله "إلخ"، فيه تذييل لآيات ~~الربا بما تشتمل عليه من الحكم والجزاء بتذكير عام بيوم القيامة ببعض ~~أوصافه الذي يناسب المقام، ويهيىء ذكره النفوس لتقوى الله تعالى والورع عن ~~محارمه في حقوق الناس التي تتكي عليه ms0863 الحياة، وهو أن أمامكم يوما ترجعون ~~فيه إلى الله فتوفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. # وأما معنى هذا الرجوع مع كوننا غير غائبين عن الله، ومعنى هذه التوفية ~~فسيجيء الكلام فيه في تفسير سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. # وقد قيل: إن هذه الآية: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون، آخر آية نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وسيجيء ما يدل عليه من الروايات في البحث الروائي التالي. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: الذين يأكلون الربا الآية، عن الصادق ~~(عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لما أسري بي ~~إلى السماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه، ~~فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وإذا هم بسبيل آل فرعون: يعرضون على ~~النار غدوا وعشيا، ويقولون ربنا متى تقوم الساعة. # أقول: وهو مثال برزخي وتصديق لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كما ~~تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون. # وفي الدر المنثور، أخرج الأصبهاني في ترغيبه عن أنس قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلا يجر شقيه، ~~ثم قرأ: لا يقومون - إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. # أقول: وقد ورد في عقاب الربا روايات كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة، وفي ~~بعضها أنه يعدل سبعين زنية يزنيها المرابي مع أمه. # وفي التهذيب، بإسناده عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: قلت لأبي عبد ~~الله (عليه السلام): جعلت فداك إن الناس زعموا أن الربح على المضطر حرام ~~فقال: وهل رأيت أحدا اشترى غنيا أو فقيرا إلا من ضرورة؟ يا عمر قد أحل الله ~~البيع وحرم الربا، فاربح ولا ترب. قلت: وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين ~~بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل. # وفي ms0864 الفقيه، بإسناده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن. # أقول: وقد اختلف فيما يقع فيه الربا على أقوال والذي هو مذهب أهل البيت ~~(عليهم السلام)؟ أنه إنما يكون في النقدين وما يكال أو يوزن، والمسألة ~~فقهية لا يتعلق منها غرضنا إلا بهذا المقدار. # وفي الكافي، عن أحدهما وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى الآية، قال الموعظة التوبة. # وفي التهذيب، عن محمد بن مسلم قال: دخل رجل على أبي عبد الله (عليه ~~السلام) من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله ثم إنه سأل الفقهاء ~~فقالوا ليس يقبل منك شيء حتى ترده إلى أصحابه، فجاء إلى أبي جعفر (عليه ~~السلام) فقص عليه قصته، فقال أبو جعفر (عليه السلام) مخرجك من كتاب الله عز ~~وجل: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى - فله ما سلف وأمره إلى الله. قال: ~~الموعظة التوبة. # وفي الكافي، والفقيه، عن الصادق (عليه السلام): كل ربا أكله الناس بجهالة ~~ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة: وقال لو أن رجلا ورث من أبيه ~~مالا وقد عرف أن في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغيره فإنه له ~~حلال فليأكله وإن عرف منه شيئا معروفا فليأخذ رأس ماله وليرد الزيادة. # وفي الفقيه، والعيون، عن الرضا (عليه السلام): هي كبيرة بعد البيان. قال: ~~والاستخفاف بذلك دخول في الكفر. # وفي الكافي،: أنه سئل عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنه حلال قال: لا يضره ~~حتى يصيبه متعمدا، فإذا أصابه متعمدا فهو بالمنزلة التي قال الله عز وجل. PageV02P244 # وفي الكافي، والفقيه، عن الصادق (عليه السلام): وقد سئل عن قوله تعالى: ~~يمحق الله الربا ويربي الصدقات الآية، وقيل: قد أرى من يأكل الربا يربو ~~ماله قال: فأي محق أمحق من درهم الربا يمحق الدين وإن تاب منه ذهب ماله ~~وافتقر. # أقول: والرواية كما ترى تفسر المحق بالمحق ms0865 التشريعي أعني: عدم اعتبار ~~الملكية والتحريم وتقابله الصدقة في شأنه، وهي لا تنافي ما مر من عموم المحق. # وفي المجمع، عن علي (عليه السلام): أنه قال: لعن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في الربا خمسة: آكله وموكله وشاهديه وكاتبه أقول: وروي هذا ~~المعنى في الدر المنثور، بطرق عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام) قال: قال الله تعالى: أنا ~~خالق كل شيء وكلت بالأشياء غيري إلا الصدقة فإني أقبضها بيدي حتى أن الرجل ~~والمرأة يتصدق بشق التمرة فأربيها له كما يربي الرجل منكم فصيله وفلوه حتى ~~أتركه يوم القيامة أعظم من أحد. # وفيه، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: إن الله ليربي لأحدكم الصدقة كما يربي أحدكم ولده حتى يلقاه يوم ~~القيامة وهو مثل أحد. # أقول: وقد روي هذا المعنى من طرق أهل السنة عن عدة من الصحابة كأبي هريرة ~~وعائشة وابن عمر وأبي برزة الأسلمي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: أنه لما أنزل الله: الذين يأكلون الربا الآية، قام ~~خالد بن الوليد إلى رسول الله وقال يا رسول الله ربا أبي في ثقيف وقد ~~أوصاني عند موته بأخذه فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله - وذروا ~~ما بقي من الربا الآية. # أقول: وروي قريبا منه في المجمع، عن الباقر (عليه السلام). # وفي المجمع، أيضا عن السدي وعكرمة قالا: نزلت في بقية من الربا كانت ~~للعباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني ~~عمرو بن عمير: ناس من ثقيف فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل ~~الله هذه الآية فقال النبي: ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا ~~أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكل دم في الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ~~ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مرضعا في بني ليث فقتله هذيل. # أقول: ورواه في ms0866 الدر المنثور، عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~السدي: إلا أن فيه ونزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص: أنه شهد حجة الوداع مع رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، ~~لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة، والمتحصل من روايات الخاصة ~~والعامة أن الآية نزلت في أموال من الربا كانت لبني المغيرة على ثقيف، ~~وكانوا يربونهم في الجاهلية، فلما جاء الإسلام طالبوهم ببقايا كانت لهم ~~عليهم فأبوا التأدية لوضع الإسلام ذلك فرفع أمرهم إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فنزلت الآية. # وهذا يؤيد ما قدمناه في البيان: أن الربا كان محرما في الإسلام قبل نزول ~~هذه الآيات ومبينا للناس، وأن هذه إنما تؤكد التحريم وتقرره، فلا يعبأ ببعض ~~ما روي أن حرمة الربا إنما نزلت في آخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأنه قبض ولم يبين للناس أمر الربا كما في الدر المنثور، عن ابن جرير ~~وابن مردويه عن عمر بن الخطاب: أنه خطب فقال: من آخر القرآن نزولا آية ~~الربا، وأنه قد مات رسول الله ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا ~~يريبكم. # على أن من مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن الله تعالى لم يقبض ~~نبيه حتى شرع كل ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم وبين ذلك للناس نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، بطرق عديدة عن ابن عباس والسدي وعطية العوفي وأبي صالح ~~وسعيد بن جبير: أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى آخر الآية وفي المجمع، عن الصادق (عليه السلام): إنما شدد في تحريم ~~الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا أو رفدا. PageV02P245 # وفي المجمع، ms0867 أيضا عن علي (عليه السلام): إذا أراد الله بقرية هلاكا ظهر ~~فيهم الربا. # أقول: وقد مر في البيان السابق ما يتبين به معنى هذه الروايات. # وفيه،: في قوله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة الآية قال: ~~واختلف في حد الإعسار فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: هو إذا ~~لم يقدر على ما يفضل من قوته وقوت عياله على الاقتصاد. # وفيه،: أنه أي إنظار المعسر واجب في كل دين: عن ابن عباس والضحاك والحسن ~~وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # وفيه،! قال الباقر (عليه السلام): إلى ميسرة معناه إذا بلغ خبره الإمام ~~فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في المعروف. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) قال: صعد رسول الله المنبر ذات يوم ~~فحمد الله وأثنى عليه وصلى على أنبيائه ثم قال: أيها الناس ليبلغ الشاهد ~~منكم الغائب، ألا ومن أنظر معسرا كان له على الله في كل يوم صدقة بمثل ماله ~~حتى يستوفيه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): وإن كان ذو عسرة فنظرة ~~إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون أنه معسر فتصدقوا عليه بمالكم ~~فهو خير لكم. # أقول: والرواية تشتمل على تفسير قوله: إن كنتم تعلمون، وقد مر له معنى ~~آخر، والروايات في هذه المعاني وما يلحق بها كثيرة والمرجع فيها كتاب الدين ~~من الفقه. ### |||| AUTO بحث علمي # تقدم مرارا في المباحث السابقة: أن لا هم للإنسان في حياته إلا أن يأتي ~~بما يأتي من أعماله لاقتناء كمالاته الوجودية، وبعبارة أخرى لرفع حوائجه ~~المادية، فهو يعمل عملا متعلقا بالمادة بوجه، ويرفع به حاجته الحيوية، فهو ~~مالك لعمله وما عمله والعمل في هذا الباب أعم من الفعل والانفعال وكان نسبة ~~ورابطة يرتب عليه الأثر عند أهل الاجتماع أي أنه يخص ما عمل فيه من المادة ~~لنفسه، ويعده ملكا جائز التصرف لشخصه، والعقلاء من أهل الاجتماع يجيزون له ~~ذلك فافهم. # لكنه لما كان لا يسعه أن ms0868 يرفع جميع حوائجه بعمل نفسه وحدة دعي ذلك إلى ~~الاجتماع التعاوني وأن ينتفع كل بعمل غيره وما حازه وملكه غيره بعمله، فأدى ~~ذلك إلى المعاوضة بينهم، واستقر ذلك بأن يعمل الإنسان في باب واحد أو في ~~أبواب معدودة من أبواب العمل ويملك بذلك أشياء ثم يأخذ مقدار ما يرفع به ~~حاجته، ويعوض ما يزيد على حاجته مما ليس عنده من مال الغير، وهذا أصل ~~المعاملة والمعاوضة. # غير أن التباين التام بين الأموال والأمتعة من حيث النوع، ومن حيث شدة ~~الحاجة وضعفها، ومن حيث كثرة الوجود وقلته يولد الإشكال في المعاوضة، فإن ~~الفاكهة لغرض الأكل، والحمار لغرض الحمل، والماء لغرض الشرب، والجوهرة ~~الثمينة للتقلد والتختم مثلا لها أوزان وقيم مختلفة في حاجة الحياة، ونسب ~~مختلفة لبعضها إلى بعض. # فمست الحاجة إلى اعتبار القيمة بوضع الفلوس والدرهم والدينار، وكان الأصل ~~في وضعه: أنهم جعلوا شيئا من الأمتعة العزيزة الوجود كالذهب مثلا أصلا يرجع ~~إليه بقية الأمتعة والسلعات فكان كالواحد التام من النوع يجعل مقياسا لبقية ~~أفراده كالمثاقيل والمكائيل وغيرهما، فكان الواحد من وجه النقد يقدر به ~~القيمة العامة ويقوم به كل شيء من الأمتعة فيتعين به نسبة كل واحد منها ~~بالنسبة إليه ونسبة بعضها إلى بعض. # ثم إنهم لتعميم الفائدة وضعوا آحاد المقاييس للأشياء كواحد الطول من ~~الذراع ونحوه، وواحد الحجم وهو الكيل، وواحد الثقل والوزن كالمن ونحوه، ~~وعند ذلك تعينت النسب وارتفع اللبس، وبان مثلا أن القيراط من الألماس يعدل ~~أربعة من الدنانير والمن من دقيق الحنطة عشر دينار واحد، وتبين بذلك أن ~~القيراط من الألماس يعدل أربعين منا من دقيق الحنطة مثلا وعلى هذا القياس. # ثم توسعوا في وضع نقود أخر من أجناس شتى نفيسة أو رخيصة للتسهيل والتوسعة ~~كنقود الفضة والنحاس والبرنز والورق والنوط على ما يشرحه كتب الاقتصاد. # ثم افتتح باب الكسب والتجارة بعد رواج البيع والشراء بأن تعين البعض من ~~الأفراد بتخصيص عمله وشغله بالتعويض وتبديل نوع من المتاع بنوع آخر لابتغاء ~~الربح الذي هو نوع زيادة ms0869 فيما يأخذه قبال ما يعطيه من المتاع. PageV02P246 # فهذه أعمال قدمها الإنسان بين يديه لرفع حوائجه في الحياة، واستقر الأمر ~~بالآخرة على أن الحاجة العمومية كأنها عكفت على باب الدرهم والدينار، فكان ~~وجه القيمة كأنه هو المال كله، وكأنه كل متاع يحتاج إليه الإنسان لأنه الذي ~~يقدر الإنسان بالحصول عليه على الحصول بكل ما يريده ويحتاج إليه مما يتمتع ~~به في الحياة، وربما جعل سلعة فاكتسب عليه كما يكتسب على سائر السلع ~~والأمتعة وهو الصرف. # وقد ظهر بما مر: أن أصل المعاملة والمعاوضة قد استقر على تبديل متاع من ~~متاع آخر مغاير له لمسيس الحاجة بالبدل منه كما في أصل المعاوضة، أو لمسيس ~~الحاجة إلى الربح الذي هو زيادة في المبدل منه من حيث القيمة، وهذا أعني ~~المغايرة هو الأصل الذي يعتمد عليه حياة المجتمع، وأما المعاملة بتبديل ~~السلعة من ما يماثله في النوع أو ما يماثله مثلا فإن كان من غير زيادة كقرض ~~المثل بالمثل مثلا فربما اعتبره العقلاء لمسيس الحاجة به وهو مما يقيم أود ~~الاجتماع، ويرفع حاجة المحتاج ولا فساد يترتب عليه، وإن كان مع زيادة في ~~المبدل منه وهي الربح فذلك هو الربا، فلننظر ما ذا نتيجة الربا؟ الربا - ~~ونعني به تبديل المثل بالمثل وزيادة كإعطاء عشرة إلى أجل، أو إعطاء سلعة ~~بعشرة إلى أجل وأخذ اثنتي عشرة عند حلول الأجل وما أشبه ذلك - إنما يكون ~~عند اضطرار المشتري أو المقترض إلى ما يأخذه بالإعسار والإعواز بأن يزيد ~~قدر حاجته على قدر ما يكتسبه من المال كأن يكتسب ليومه في أوسط حاله عشرة ~~وهو يحتاج إلى عشرين فيقرض العشر الباقي باثني عشر لغد ولازمه أن له في غده ~~ثمانية وهو يحتاج إلى عشرين، فيشرع من هناك معدل معيشته وحياته في الانمحاق ~~والانتقاص ولا يلبث زمانا طويلا حتى تفنى تمام ما يكتسبه ويبقى تمام ما ~~يقترضه، فيطالب بالعشرين وليس له ولا واحد 20 - 0 = المال وهو الهلاك وفناء ~~السعي في الحياة. # وأما المرابي فيجتمع عنده العشرة التي لنفسه ms0870 والعشرة التي للمقترض، وذلك ~~تمام العشرين، فيجتمع جميع المالين في جانب ويخلو الجانب الآخر من المال، ~~وليس إلا لكون الزيادة مأخوذة من غير عوض مالي، فالربا يؤدي إلى فناء طبقة ~~المعسرين وانجرار المال إلى طبقة الموسرين، ويؤدي ذلك إلى تأمر المثرين من ~~المرابين، وتحكمهم في أموال الناس وأعراضهم ونفوسهم في سبيل جميع ما يشتهون ~~ويتهوسون لما في الإنسان من قريحة التعالي والاستخدام، وإلى دفاع أولئك ~~المستخدمين المستذلين عن أنفسهم فيما وقعوا فيه من مر الحياة بكل ما ~~يستطيعونه من طرق الدفاع والانتقام، وهذا هو الهرج والمرج وفساد النظام ~~الذي فيه هلاك الإنسانية وفناء المدنية. # هذا مع ما يتفق عليه كثيرا من ذهاب المال الربوي من رأس فما كل مدين ~~تراكمت عليه القروض يقدر على أداء ديونه أو يريد ذلك. # هذا في الربا المتداول بين الأغنياء وأهل العسرة، وأما الذي بين غيرهم ~~كالربا التجاري الذي يجري عليه أمر البنوك وغيرها كالربا على القرض ~~والاتجار به فأقل ما فيه أنه يوجب انجرار المال تدريجا إلى المال الموضوع ~~للربا من جانب، ويوجب ازدياد رءوس أموال التجارة واقتدارها أزيد مما هي ~~عليها بحسب الواقع، ووقوع التطاول بينها وأكل بعضها، بعضا وانهضام بعضها في ~~بعض، وفناء كل في ما هو أقوى منه فلا يزال يزيد في عدد المحتاجين بالإعسار، ~~ويجتمع الثروة بانحصارها عند الأقلين، وعاد المحذور الذي ذكرناه آنفا. PageV02P247 # ولا يشك الباحث في مباحث الاقتصاد أن السبب الوحيد في شيوع الشيوعية، وتقدم ~~مرام الاشتراك هو التراكم الفاحش في الثروة عند أفراد، وتقدمهم البارز في ~~مزايا الحياة، وحرمان آخرين وهم الأكثرون من أوجب واجباتهم، وقد كانت ~~الطبقة المقتدرة غروا هؤلاء الضعفاء بما قرعوا به أسماعهم من ألفاظ المدنية ~~والعدالة والحرية والتساوي في حقوق الإنسانية، وكانوا يقولون بأفواههم ما ~~ليس في قلوبهم، ويعنون بها معاني هي في الحقيقة أضداد معانيها، وكانوا ~~يحسبون أنها يسعدهم في ما يريدونه من الإتراف واستذلال الطبقة السافلة ~~والتعالي عليهم، والتحكم المطلق بما شاءوا، وأنها الوسيلة الوحيدة لسعادتهم ~~في الحياة لكنهم لم يلبثوا ms0871 دون أن صار ما حسبوه لهم عليهم، ورجع كيدهم ~~ومكرهم إلى أنفسهم، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين، وكان عاقبة الذين ~~أساءوا السوآى، والله سبحانه أعلم بما تصير إليه هذه النشأة الإنسانية في ~~مستقبل أيامها، ومن مفاسد الربا المشئومة تسهيله الطريق إلى كنز الأموال، ~~وحبس الألوف والملايين في مخازن البنوك عن الجريان في البيع والشرى، وجلوس ~~قوم على أريكة البطالة والإتراف، وحرمان آخرين من المشروع الذي تهدي إليه ~~الفطرة وهو اتكاء الإنسان في حياته على العمل، فلا يعيش بالعمل عدة ~~لإترافهم، ولا يعيش به آخرون لحرمانهم. ### |||| AUTO بحث آخر علمي # قال الغزالي في كتاب الشكر من الإحياء:، من نعم الله تعالى خلق الدراهم ~~والدنانير وبهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر ~~الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه ~~وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه، كمن يملك ~~الزعفران وهو محتاج إلى جمل يركبه ومن يملك الجمل وربما يستغني عنه ويحتاج ~~إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة، ولا بد في مقدار العوض من تقدير إذ ~~لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين الزعفران ~~والجمل حتى يقال: يعطى مثله في الوزن أو الصورة، وكذا من يشتري دارا بثياب ~~أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تناسب فيها، فلا يدري أن الجمل ~~كم يسوي بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا، فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة ~~المتباعدة إلى متوسط بينهما يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ~~ومنزلته حتى إذا تقررت المراتب، وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير ~~المساوي، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين الأموال ~~حتى تقدر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا المقدار من ~~الزعفران يسوي مائة، فهما من حيث إنهما متساويان لشيء واحد متساويان، وإنما ~~أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما، ولو كان في أعيانهما غرض ~~ربما اقتضى خصوص ذلك ms0872 الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا ولم يقتض ذلك في حق من ~~لا غرض له فلا ينتظم الأمر، فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي، ~~ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل. # ولحكمة أخرى وهي: التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في ~~أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ~~ملكهما فكأنه ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب، فلو ~~احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه في دابة مثلا، ~~فاحتيج إلى شيء آخر هو في صورته كأنه ليس بشيء وهو في معناه كأنه كل ~~الأشياء، والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذ لم تكن له صورة خاصة ~~يفيدها بخصوصها، كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون فكذلك النقد لا غرض فيه ~~وهو وسيلة إلى كل غرض، وكالحرف لا معنى له في نفسه وتظهر به المعاني في ~~غيره، فهذه هي الحكمة الثانية. # وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها. # ثم قال ما محصله: إنهما لما كانا من نعم الله تعالى من جهة هذه الحكم ~~المترتبة عليهما كان من عمل فيهما بعمل ينافي الحكم المقصودة منهما فقد كفر ~~بنعمة الله. # وفرع على ذلك حرمة كنزهما فإنه ظلم وإبطال لحكمتهما، إذ كنزهما كحبس ~~الحاكم بين الناس في سجن ومنعه عن الحكم بين الناس وإلقاء الهرج بين الناس ~~من غير وجود من يرجعون إليه بالعدل. PageV02P248 # وفرع عليه حرمة اتخاذ آنية الذهب والفضة فإن فيه قصدهما بالاستقلال وهما ~~مقصودان لغيرهما، وذلك ظلم كمن اتخذ حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال ~~التي يقوم بها أخساء الناس. # وفرع عليه أيضا حرمة معاملة الربا على الدراهم والدنانير فإنه كفر ~~بالنعمة وظلم، فعنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما، إذ لا غرض يتعلق بأعيانهما. # وقد اشتبه عليه الأمر في اعتبار أصلهما والفروع التي فرعها على ذلك: أما ~~أولا: فإنه ذكر أن لا غرض يتعلق بهما في أنفسهما، ولو كان كذلك لم يمكن أن ~~يقدرا غيرهما من الأمتعة والحوائج، وكيف يجوز ms0873 أن يقدر شيء شيئا بما ليس ~~فيه؟ وهل يمكن أن يقدر الذراع طول شيء إلا بالطول الذي له؟ أو يقدر المن ~~ثقل شيء إلا بثقله الذي فيه؟. # على أن اعترافه بكونهما عزيزين في نفسهما لا يستقيم إلا بكونهما مقصودين ~~لأنفسهما، وكيف يتصور عزة وكرامة من غير مطلوبية. # على أنها لو لم يكونا إلا مقصودين لغيرهما بالخلقة لم يكن فرق بين ~~الدينار والدرهم أعني الذهب والفضة في الاعتبار، والواقع يكذب ذلك، ولكان ~~جميع أنواع النقود متساوية القيم، ولم يقع الاعتبار على غيرهما من الأمتعة ~~كالجلد والملح وغيرهما. # وأما ثانيا: فلأن الحكمة المقتضية لحرمة الكنز ليس هي إعطاء المقصودية ~~بالاستقلال لهما، بل ما يظهر من قوله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله الآية:" التوبة - 34، من تحريم الفقراء عن ~~الارتزاق بهما مع قيام الحاجة إلى العمل والمبادلة دائما كما سيجيء بيان ~~ذلك في تفسير الآية. # وأما ثالثا: فلأن ما ذكره من الوجه في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة ~~وكونه ظلما وكفرا موجود في اتخاذ الحلي منهما، وكذا في بيع الصرف، ولم يعدا ~~في الشرع ظلما وكفرا ولا حراما. # وأما رابعا: فلأن ما ذكر من المفسدة لو كان موجبا لما ذكره من الظلم ~~والكفر بالنعمة لجرى في مطلق الصرف كما يجري في المعاملة الربوية بالنسيئة ~~والقرض، ولم يجر في الربا الذي في المكيل والموزون مع أن الحكم واحد، فما ~~ذكره غير تام جمعا ومنعا. # والذي ذكره تعالى في حكمة التحريم منطبق على ما قدمناه من أخذ الزيادة من ~~غير عوض. # قال تعالى: "وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ~~وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون:" الروم - 39، فجعل ~~الربا رابيا في أموال الناس وذلك أنه ينمو بضم أجزاء من أموال الناس إلى ~~نفسه كما أن البذر من النبات ينمو بالتغذي من الأرض وضم أجزائها إلى نفسه، ~~فلا يزال الربا ينمو ويزيد هو وينقص أموال الناس حتى يأتي إلى آخرها، وهذا ~~هو الذي ms0874 ذكرناه فيما تقدم، وبذلك يظهر أن المراد بقوله تعالى: وإن تبتم ~~فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون الآية يعني به لا تظلمون الناس ولا ~~تظلمون من قبلهم أو من قبل الله سبحانه فالربا ظلم على الناس. PageV02P249 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 282 - 283 # يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهدة وأدنى ألا ~~ترتابوا إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم (282) * وإن كنتم على سفر ~~ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمنته ~~وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهدة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما ~~تعملون عليم (283) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: إذا تداينتم "إلخ"، التداين، مداينة بعضهم بعضا، والإملال ~~والإملاء إلقاء الرجل للكاتب ما يكتبه، والبخس هو النقص والحيف والسأمة هي ~~الملال، والمضارة مفاعلة من الضرر ويستعمل لما بين الاثنين وغيره. # والفسوق هو الخروج عن الطاعة. # والرهان، وقرىء فرهن بضمتين وكلاهما جمع الرهن بمعنى المرهون. # والإظهار الواقع في موقع الإضمار في قوله تعالى: فإن كان الذي عليه الحق، ~~لرفع اللبس برجوع الضمير إلى الكاتب السابق ذكره. # والضمير البارز في قوله: أن يمل هو فليملل وليه، فائدته تشريك من عليه ~~الحق مع وليه، فإن هذه الصورة تغاير الصورتين الأوليين بأن الولي في ~~الصورتين الأوليين هو ms0875 المسئول بالأمر المستقل فيه بخلاف هذه الصورة فإن ~~الذي عليه الحق يشارك الولي في العمل فكأنه قيل: ما يستطيعه من العمل فعليه ~~ذلك وما لا يستطيعه هو فعلى وليه. # وقوله: أن تضل إحداهما، على تقدير حذر أن تضل إحداهما، وفي قوله: إحداهما ~~الأخرى وضع الظاهر موضع المضمر، والنكتة فيه اختلاف معنى اللفظ في ~~الموضعين، فالمراد من الأول إحداهما لا على التعيين، ومن الثاني إحداهما ~~بعد ضلال الأخرى، فالمعنيان مختلفان. # وقوله واتقوا أمر بالتقوى فيما ساقه الله إليهم في هذه الآية من الأمر ~~والنهي، وأما قوله: ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم، فكلام مستأنف مسوق في ~~مقام الامتنان كقوله تعالى في آية الإرث: "يبين الله لكم أن تضلوا:" النساء ~~- 176، فالمراد به الامتنان بتعليم شرائع الدين ومسائل الحلال والحرام. # وما قيل: إن قوله: واتقوا الله ويعلمكم الله يدل على أن التقوى سبب ~~للتعليم الإلهي، فيه أنه وإن كان حقا يدل عليه الكتاب والسنة، لكن هذه ~~الآية بمعزل عن الدلالة عليه لمكان واو العطف على أن هذا المعنى لا يلائم ~~سياق الآية وارتباط ذيلها بصدرها. # ويؤيد ما ذكرنا تكرار لفظ الجلالة ثانيا فإنه لو لا كون قوله ويعلمكم ~~الله، كلاما مستأنفا كان مقتضى السياق أن يقال: يعلمكم بإضمار الفاعل، ففي ~~قوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم، أظهر الاسم أولا ~~وثانيا لوقوعه في كلامين مستقلين، وأظهر ثالثا ليدل به على التعليل، كأنه ~~قيل: هو بكل شيء عليم لأنه الله. # واعلم: أن الآيتين تدلان على ما يقرب من عشرين حكما من أصول أحكام الدين ~~والرهن وغيرهما، والأخبار فيها وفيما يتعلق بها كثيرة لكن البحث عنها راجع ~~إلى الفقه، ولذلك آثرنا الإغماض عن ذلك فمن أراد البحث عنها فعليه بمظانه ~~من الفقه. PageV02P250 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 284 # لله ما فى السموت وما فى الأرض وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شىء قدير (284) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: لله ما في ms0876 السموات وما في الأرض، كلام يدل على ملكه تعالى ~~لعالم الخلق مما في السماوات والأرض، وهو توطئة لقوله بعده: وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، أي إن له ما في السماوات والأرض ومن ~~جملتها أنتم وأعمالكم وما اكتسبتها نفوسكم، فهو محيط بكم مهيمن على أعمالكم ~~لا يتفاوت عنده كون أعمالكم بادية ظاهرة، أو خافية مستورة فيحاسبكم عليها. # وربما استظهر من الآية: كون السماء مسانخا لأعمال القلوب وصفات النفس فما ~~في النفوس هو مما في السماوات، ولله ما في السماوات كما أن ما في النفوس ~~إذا أبدي بعمل الجوارح كان مما في الأرض، ولله ما في الأرض فما انطوى في ~~النفوس سواء أبدي أو أظهر مملوك لله محاط له سيتصرف فيه بالمحاسبة. # قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، الإبداء ~~هو الإظهار مقابل الإخفاء، ومعنى ما في أنفسكم ما استقر في أنفسكم على ما ~~يعرفه أهل العرف واللغة من معناه، ولا مستقر في النفس إلا الملكات والصفات ~~من الفضائل والرذائل كالإيمان والكفر والحب والبغض والعزم وغيرها فإنها هي ~~التي تقبل الإظهار والإخفاء. # أما إظهارها فإنما تتم بأفعال مناسبة لها تصدر من طريق الجوارح يدركها ~~الحس ويحكم العقل بوجود تلك المصادر النفسية المسانخة لها، إذ لو لا تلك ~~الصفات والملكات النفسانية من إرادة وكراهة وإيمان وكفر وحب وبغض وغير ذلك ~~لم تصدر هذه الأفعال، فبصدور الأفعال يظهر للعقل وجود ما هو منشؤها. # وأما إخفاؤها فبالكف عن فعل ما يدل على وجودها في النفس. # وبالجملة ظاهر قوله: ما في أنفسكم، الثبوت والاستقرار في النفس، ولا يعني ~~بهذا الاستقرار التمكن في النفس بحيث يمتنع الزوال كالملكات الراسخة، بل ~~ثبوتا تاما يعتد به في صدور الفعل كما يشعر به قوله: إن تبدوا وقوله: أو ~~تخفوه فإن الوصفين يدلان على أن ما في النفس بحيث يمكن أن يكون منشأ للظهور ~~أو غير منشإ له وهو الخفاء، وهذه الصفات يمكن أن تكون كذلك سواء كانت ~~أحوالا أو ملكات، ms0877 وأما الخطورات والهواجس النفسانية الطارقة على النفس من ~~غير إرادة من الإنسان وكذلك التصورات الساذجة التي لا تصديق معها كتصور صور ~~المعاصي من غير نزوع وعزم فلفظ الآية غير شامل لها البتة لأنها كما عرفت ~~غير مستقرة في النفس، ولا منشأ لصدور الأفعال. # فتحصل: أن الآية إنما تدل على الأحوال والملكات النفسانية التي هي مصادر ~~الأفعال من الطاعات والمعاصي، وأن الله سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان بها، ~~فتكون الآية في مساق قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم:" البقرة - 225، وقوله تعالى: "فإنه آثم قلبه": ~~البقرة - 283، وقوله تعالى: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسئولا:" الإسراء - 36، فجميع هذه الآيات دالة على أن للقلوب وهي النفوس ~~أحوالا وأوصافا يحاسب الإنسان بها، وكذا قوله تعالى: "إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة:" النور - 9، ~~فإنها ظاهرة في أن العذاب إنما هو على الحب الذي هو أمر قلبي، هذا. # فهذا ظاهر الآية ويجب أن يعلم: أن الآية إنما تدل على المحاسبة بما في ~~النفوس سواء أظهر أو أخفى، وأما كون الجزاء في صورتي الإخفاء والإظهار على ~~حد سواء، وبعبارة أخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم سواء فعل أو لم يفعل ~~وسواء صادف الفعل الواقع المقصود أو لم يصادف كما في صورة التجري مثلا ~~فالآية غير ناظرة إلى ذلك. # وقد أخذ القوم في معنى الآية مسالك شتى لما توهموا أنها تدل على المؤاخذة ~~على كل خاطر نفساني مستقر في النفس أو غيره وليس إلا تكليفا بما لا يطاق، ~~فمن ملتزم بذلك ومن مؤول يريد به التخلص. # فمنهم من قال: إن الآية تدل على المحاسبة بكل ما يرد القلب، وهو تكليف ~~بما لا يطاق، لكن الآية منسوخة بما يتلوها من قوله تعالى: لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها الآية. PageV02P251 # وفيه: أن الآية غير ظاهرة في هذا العموم كما مر. # على أن التكليف بما لا يطاق غير جائز بلا ريب. # على أنه تعالى ms0878 يخبر بقوله: "وما جعل عليكم في الدين من حرج:" الحج - 78، ~~بعدم تشريعه في الدين ما لا يطاق. # ومنهم من قال: إن الآية مخصوصة بكتمان الشهادة ومرتبطة بما تقدمتها من ~~آية الدين المذكورة فيها وهو مدفوع بإطلاق الآية كقول من قال: إنها مخصوصة ~~بالكفار. # ومنهم من قال: إن المعنى أن تبدوا بأعمالكم ما في أنفسكم من السوء بأن ~~تتجاهروا وتعلنوا بالعمل أو تخفوه بأن تأتوا الفعل خفية يحاسبكم به الله. # ومنهم من قال: إن المراد بالآية مطلق الخواطر إلا أن المراد بالمحاسبة ~~الأخبار أي جميع ما يخطر ببالكم سواء أظهرتموها أو أخفيتموها فإن الله ~~يخبركم به يوم القيامة فهو في مساق قوله تعالى: "فينبؤكم بما كنتم تعملون:" ~~المائدة - 105، ويدفع هذا وما قبله؟ بمخالفة ظاهر الآية كما تقدم. # قوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير، ~~الترديد في التفريع بين المغفرة والعذاب لا يخلو من الإشعار بأن المراد بما ~~في النفوس هي الصفات والأحوال النفسانية السيئة، وإن كانت المغفرة ربما ~~استعملت في القرآن في غير مورد المعاصي أيضا لكنه استعمال كالنادر يحتاج ~~إلى مئونة القرائن الخاصة. # وقوله: والله تعليل راجع إلى مضمون الجملة الأخيرة، أو إلى مدلول الآية ~~بتمامها. ### |||| AUTO بحث روائي # في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لله ما في السموات وما في الأرض - وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جثوا على الركب فقالوا ~~يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد ~~أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل ~~قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم وذلت ~~بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: آمن ms0879 الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها إلى آخرها: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن أحمد ومسلم ~~وأبي داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، ~~وروي قريبا منه بعدة من الطرق عن ابن عباس. # وروى النسخ أيضا بعدة طرق عن غيرهما كابن مسعود وعائشة. # وروي عن الربيع بن أنس: أن الآية محكمة غير منسوخة وإنما المراد ~~بالمحاسبة ما يخبر الله العبد به يوم القيامة بأعماله التي عملها في ~~الدنيا. # وروي عن ابن عباس بطرق: أن الآية مخصوصة بكتمان الشهادة وأدائها. فهي ~~محكمة غير منسوخة. # وروي عن عائشة أيضا: أن المراد بالمحاسبة ما يصيب الرجل من الغم والحزن ~~إذا هم بالمعصية ولم يفعلها، فالآية أيضا محكمة غير منسوخة. # وروي من طريق علي عن ابن عباس: في قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه: فذلك سرائرك وعلانيتك يحاسبكم به الله فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا ~~جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم ~~تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم ~~وهو قوله: يحاسبكم به الله يقول يخبركم. وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما ~~أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم. # أقول: والروايات على اختلافها في مضامينها مشتركة في أنها مخالفة لظاهر ~~القرآن على ما تقدم أن ظاهر الآية هو: أن المحاسبة إنما تقع على ما كسبته ~~القلوب إما في نفسها وإما من طريق الجوارح، وليس في الخطور النفساني كسب، ~~ولا يتفاوت في ذلك الشهادة وغيرها ولا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر، ~~وظاهر المحاسبة هو المحاسبة بالجزاء دون الإخبار بالخطورات والهمم ~~النفسانية، فهذا ما تدل عليه الآية وتؤيده سائر الآيات على ما تقدم. # وأما حديث النسخ خاصة ففيه وجوه من الخلل يوجب سقوطه عن الحجية: أولها: ~~مخالفته لظاهر الكتاب على ما تقدم بيانه. # ثانيها: اشتماله على جواز ms0880 تكليف ما لا يطاق وهو مما لا يرتاب العقل في ~~بطلانه. PageV02P252 # ولا سيما منه تعالى، ولا ينفع في ذلك النسخ كما لا يخفى، بل ربما زاد ~~إشكالا على إشكال فإن ظاهر قوله في الرواية: فلما اقترأها القوم "إلخ" أن ~~النسخ إنما وقع قبل العمل وهو محذور. # ثالثها: أنك ستقف في الكلام على الآيتين التاليتين: أن قوله: لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها، لا يصلح لأن يكون ناسخا لشيء، وإنما يدل على أن كل ~~نفس إنما يستقبلها ما كسبته سواء شق ذلك عليها أو سهل، فلو حمل عليها ما لا ~~تطيقه، أو حمل عليها إصر كما حمل على الذين من قبلنا فإنما هو أمر كسبته ~~النفس بسوء اختيارها فلا تلومن إلا نفسها فالجملة أعني قوله: لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها، كالمعترضة لدفع الدخل. # رابعها: أنه سيجيء أيضا: أن وجه الكلام في الآيتين ليس إلى أمر الخطورات ~~النفسانية أصلا، ومواجهة الناسخ للمنسوخ مما لا بد منه في باب النسخ. # بل قوله تعالى: آمن الرسول إلى آخر الآيتين مسوق لبيان غرض غير الغرض ~~الذي سيق لبيانه قوله تعالى: لله ما في السموات وما في الأرض إلى آخر الآية ~~على ما سيأتي إن شاء الله. PageV02P253 ### ||| AUTO 2 سورة البقرة - 285 - 286 # ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكفرين (286) ### |||| AUTO بيان # الكلام في الآيتين كالفذلكة يحصل بها إجمال ما اشتملت عليه السورة من ~~التفاصيل المبينة لغرضها، وقد مر في ما مر أن غرض السورة بيان أن من حق ~~عبادة الله تعالى: أن يؤمن بجميع ما ms0881 أنزل على عباده بلسان رسله من غير ~~تفرقة بين رسله، وهذا هو الذي تشتمل عليه الآية الأولى من قوله، آمن الرسول ~~إلى قوله: من رسله، وفي السورة قصص تقص ما أنعم الله به على بني إسرائيل من ~~أنواع نعمه من الكتاب والنبوة والملك وغيرها وما قابلوه من العصيان والتمرد ~~ونقض المواثق والكفر، وهذا هو الذي يشير إليه وإلى الالتجاء بالله في ~~التجنب عند ذيل الآية الأولى وتمام الآية الثانية، فالآيتين يرد آخر الكلام ~~في السورة إلى أوله وختمه إلى بدئه. # ومن هنا يظهر خصوصية مقام البيان في هاتين الآيتين، توضيحه: أن الله ~~سبحانه افتتح هذه السورة بالوصف الذي يجب أن يتصف به أهل التقوى، أعني ما ~~يجب على العبد من إيفاء حق الربوبية، فذكر أن المتقين من عباده يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون من رزق الله ويؤمنون بما أنزل الله على ~~رسوله وعلى الرسل من قبله ويوقنون بالآخرة، فلا جرم أنعم الله عليهم بهداية ~~القرآن، وبين بالمقابلة حال الكفار والمنافقين. # ثم فصل القول في أمر أهل الكتاب وخاصة اليهود وذكر أنه من عليهم بلطائف ~~الهداية، وأكرمهم بأنواع النعم، وعظائم الحباء، فلم يقابلوه إلا بالعتو ~~وعصيان الأمر وكفر النعمة، والرد على الله وعلى رسله، ومعاداة ملائكته، ~~والتفريق بين رسل الله وكتبه. # فقابلهم الله بحمل الإصر الشاق من الأحكام عليهم كقتلهم أنفسهم وتحميلهم ~~ما لا طاقة لهم به كالمسخ ونزول الصاعقة والرجز من السماء عليهم. # ثم عاد في خاتمة البيان إلى وصف حال الرسول ومن تبعه من المؤمنين فذكر ~~أنهم على خلاف أهل الكتاب ما قابلوا ربهم فيما أنعم عليهم بالهداية ~~والإرشاد إلا بأنعم القبول والسمع والطاعة، مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله، غير مفرقين بين أحد من رسله، وهم في ذلك حافظون لحكم موقفهم الذي ~~أحاطت به ذلة العبودية وعزة الربوبية، فإنهم مع إجابتهم المطلقة لداعي الحق ~~اعترفوا بعجزهم عن إيفاء حق الإجابة. # لأن وجودهم مبني على الضعف والجهل فربما قصروا عن التحفظ بوظائف المراقبة ~~بنسيان أو خطإ، أو قصروا في القيام ms0882 بواجب العبودية فخانتهم أنفسهم بارتكاب ~~سيئة يوردهم مورد السخط والمؤاخذة كما أورد أهل الكتاب من قبلهم، فالتجئوا ~~إلى جناب العزة ومنبع الرحمة أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، ولا يحمل ~~عليهم إصرا، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، وأن يعفو عنهم ويغفر لهم ~~وينصرهم على القوم الكافرين. # فهذا هو المقام الذي يعتمد عليه البيان في الآيتين الكريمتين، وهو ~~الموافق كما ترى للغرض المحصل من السورة، لا ما ذكروه: أن الآيتين متعلقتا ~~المضمون بقوله في الآية السابقة: أن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله الآية الدال على التكليف بما لا يطاق، وأن الآية الأولى: آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون الآية، حكاية لقبول الأصحاب تكليف ~~ما لا يطاق، والآية الثانية ناسخة لذلك!. PageV02P254 # وما ذكرناه هو المناسب لما ذكروا في سبب النزول: أن البقرة أول سورة نزلت ~~بالمدينة فإن هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة واستقراره ~~فيها لما قارن الاستقبال التام من مؤمني الأنصار للدين الإلهي وقيامهم ~~لنصرة رسول الله بالأموال والأنفس، وترك المؤمنين من المهاجرين الأهلين ~~والبنين والأموال والأوطان في جنب الله ولحوقهم برسوله كان هو الموقع الذي ~~يناسب أن يقع فيه حمد من الله سبحانه لإجابتهم دعوة نبيه بالسمع والقبول، ~~وشكر منه لهم، هذا، ويدل عليه بعض الدلالة آخر الآية: أنت مولانا فانصرنا ~~على القوم الكافرين فإن الجملة يومىء إلى أن سؤالهم هذا كان في أوائل ظهور ~~الإسلام. # وفي الآية من الإجمال والتفصيل، والإيجاز ثم الإطناب، وأدب العبودية وجمع ~~مجامع الكمال والسعادة عجائب. # قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، تصديق لإيمان ~~الرسول والمؤمنين، وإنما أفرد رسول الله عنهم بالإيمان بما أنزل إليه من ~~ربه ثم ألحقهم به تشريفا له، وهذا دأب القرآن في الموارد التي تناسب ~~التشريف أن يكرم النبي بإفراده وتقديم ذكره ثم اتباع ذلك بذكر المؤمنين ~~كقوله تعالى: "فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:" الفتح - 26، ~~وقوله تعالى: "يوم لا يخزي الله النبي والذين ms0883 آمنوا:" التحريم - 8. # قوله تعالى: كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، تفصيل للإجمال الذي تدل ~~عليه الجملة السابقة، فإن ما أنزل إلى رسول الله يدعو إلى الإيمان وتصديق ~~الكتب والرسل والملائكة الذين هم عباد مكرمون، فمن آمن بما أنزل على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد آمن بجميع ذلك، كل على ما يليق به. # قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله، حكاية لقولهم من دون توسيط لفظ ~~القول، وقد مر في قوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم:" البقرة - 127، النكتة العامة في هذا ~~النحو من الحكاية، وأنه من أجمل السياقات القرآنية، والنكتة المختصة ~~بالمقام مضافا إلى أن فيه تمثيلا لحالهم وقالهم أن هذا الكلام إنما هو كلام ~~منتزع من خصوص حالهم في الإيمان بما أنزل الله تعالى، فهم لم يقولوه إلا ~~بلسان حالهم، وإن كانوا قالوه فقد قاله كل منهم وحده وفي نفسه، وأما تكلمهم ~~به لسانا واحدا فليس إلا بلسان الحال. # ومن عجيب أمر السياق في هذه الآية ما جمع بين قولين محكيين منهم مع ~~التفرقة في نحو الحكاية أعني قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا ~~سمعنا وأطعنا "إلخ"، حيث حكى البعض من غير توسيط القول والبعض الآخر ~~بتوسيطه، وهما جميعا من قول المؤمنين في إجابة دعوة الداعي. # والوجه في هذه التفرقة أن قولهم: لا نفرق "إلخ" مقول لهم بلسان حالهم ~~بخلاف قولهم: سمعنا وأطعنا. # وقد بدأ تعالى بالإخبار عن حال كل واحد منهم على نعت الأفراد فقال: كل ~~آمن بالله ثم عدل إلى الجمع فقال: لا نفرق بين أحد إلى آخر الآيتين، لأن ~~الذي جرى من هذه الأمور في أهل الكتاب كان على نعت الجمع كما أن اليهود ~~فرقت بين موسى وبين عيسى ومحمد، والنصارى فرقت بين موسى وعيسى، وبين محمد ~~فانشعبوا شعبا وتحزبوا أحزابا وقد كان الله تعالى خلقهم أمة واحدة على ~~الفطرة، وكذلك المؤاخذة والحمل والتحميل الواقع عليهم إنما وقعت على ~~جماعتهم، ms0884 وكذلك ما وقع في آخر الآية من سؤال النصرة على الكافرين، كل ذلك ~~أمر مرتبط بالجماعة دون الفرد، بخلاف الإيمان فإنه أمر قائم بالفرد حقيقة. # قوله تعالى: وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، قولهم سمعنا ~~وأطعنا، إنشاء وليس بإخبار وهو كناية عن الإجابة إيمانا بالقلب وعملا ~~بالجوارح، فإن السمع يكنى به لغة عن القبول والإذعان. # والإطاعة تستعمل في الانقياد بالعمل فمجموع السمع والإطاعة يتم به أمر ~~الإيمان. # وقولهم سمعنا وأطعنا إيفاء لتمام ما على العبد من حق الربوبية في دعوتها. PageV02P255 # وهذا تمام الحق الذي جعله الله سبحانه لنفسه على عبده: أن يسمع ليطيع، وهو ~~العبادة كما قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون:" الذاريات - 57، وقال تعالى: "ألم أعهد إليكم يا ~~بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني:" يس - 61. # وقد جعل سبحانه في قبال هذا الحق الذي جعله لنفسه على عبده حقا آخر لعبده ~~على نفسه وهو المغفرة التي لا يستغني عنه في سعادة نفسه أحد: الأنبياء ~~والرسل فمن دونهم فوعدهم أن يغفر لهم إن أطاعوه بالعبودية كما ذكره أول ما ~~شرع الشريعة لآدم وولده فقال: "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون:" البقرة - 38، وليس إلا ~~المغفرة. # والقوم لما قالوا: سمعنا وأطعنا وهو الإجابة بالسمع والطاعة المطلقين من ~~غير تقييد فأوفوا الربوبية حقها سألوه تعالى حقهم الذي جعله لهم وهو ~~المغفرة فقالوا عقيب قولهم سمعنا وأطعنا: غفرانك ربنا وإليك المصير، ~~والمغفرة والغفران: الستر، ويرجع مغفرته تعالى إلى دفع العذاب وهو ستر على ~~نواقص مرحلة العبودية، ويظهر عند مصير العبد إلى ربه، ولذلك عقبوا قولهم: ~~غفرانك ربنا بقولهم: وإليك المصير. # قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ~~الوسع هو الجدة والطاقة، والأصل في الوسع هو السعة المكانية ثم يتخيل لقدرة ~~الإنسان شبه الظرفية لما يصدر عنه من الأفعال الاختيارية، ms0885 فما يقدر عليه ~~الإنسان من الأعمال كأنه تسعه قدرته، وما لا يقدر عليه لا تسعه فانطبق عليه ~~معنى الطاقة، ثم سميت الطاقة وسعا فقيل: وسع الإنسان أي طاقته وظرفية قدرته. # وقد عرفت: أن تمام حق الله تعالى على عبده: أن يسمع ويطيع، ومن البين أن ~~الإنسان إنما يقول: "سمعا" فيما يمكن أن تقبله نفسه بالفهم، وأما ما لا ~~يقبل الفهم فلا معنى لإجابته بالسمع والقبول. # ومن البين أيضا أن الإنسان إنما يقول: "طاعة" فيما يقبل مطاوعة الجوارح ~~وأدوات العمل، فإن الإطاعة هي مطاوعة الإنسان وتأثر قواه وأعضائه عن تأثير ~~الأمر المؤثر مثلا، وأما ما لا يقبل المطاوعة كأن يؤمر الإنسان أن يسمع ~~ببصره، أو يحل بجسمه أزيد من مكان واحد، أو يتولد من أبويه مرة ثانية فلا ~~يقبل إطاعة ولا يتعلق بذلك تكليف مولوي، فأجابه داعي الحق بالسمع والطاعة ~~لا تتحقق إلا في ما هو اختياري للإنسان تتعلق به قدرته، وهو الذي يكسب به ~~الإنسان لنفسه ما ينفعه أو يضره، فالكسب نعم الدليل على أن ما كسبه الإنسان ~~إنما وجده وتلبس به من طريق الوسع والطاقة. # فظهر مما ذكرنا أن قوله: لا يكلف الله، كلام جار على سنة الله الجارية ~~بين عباده: أن لا يكلفهم ما ليس في وسعهم من الإيمان بما هو فوق فهمهم ~~والإطاعة لما هو فوق طاقة قواهم، وهي أيضا السنة الجارية عند العقلاء وذوي ~~الشعور من خلقه، وهو كلام ينطبق معناه على ما يتضمنه قوله حكاية عن الرسول ~~والمؤمنين: سمعنا وأطعنا من غير زيادة ولا نقيصة. # والجملة أعني قوله: لا يكلف الله نفسا، متعلقة المضمون بما تقدمها وما ~~تأخر عنها من الجمل المسرودة في الآيتين. # أما بالنسبة إلى ما تقدمها فإنها تفيد: أن الله لا يكلف عباده بأزيد مما ~~يمكنهم فيه السمع والطاعة وهو ما في وسعهم أن يأتوا به. # وأما بالنسبة إلى ما تأخر عنها فإنها تفيد أن ما سأله النبي والمؤمنون من ~~عدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان، وعدم حمل الإصر عليهم، وعدم تحميلهم ما ms0886 ~~لا طاقة لهم به، كل ذلك وإن كانت أمورا حرجية لكنها ليست من التكليف بما ~~ليس في الوسع، فإن الذي يمكن أن يحمل عليهم مما لا طاقة لهم به ليس من قبيل ~~التكليف، بل من قبيل جزاء التمرد والمعصية، وأما المؤاخذة على الخطإ ~~والنسيان فإنهما وإن كانا بنفسهما غير اختياريين لكنهما اختياريان من طريق ~~مقدماتهما. PageV02P256 # فمن الممكن أن يمنع عنهما مانع بالمنع عن مقدماتهما أو بإيجاب التحفظ ~~عنهما، وخاصة إذا كان ابتلاء الإنسان بهما مستندا إلى سوء الاختيار، ومثله ~~الكلام في حمل الإصر فإنه إذا استند إلى التشديد على الإنسان جزاء لتمرده ~~عن التكاليف السهلة بتبديلها مما يشق عليه ويحترج منه، فإن ذلك ليس من ~~التكليف المنفي عنه تعالى غير الجائز عند العقل، لأنها مما اختاره الإنسان ~~لنفسه بسوء اختياره فلا محذور في توجيهه إليه. # قوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، لما قالوا في مقام ~~إجابة الدعوة سمعنا وأطعنا وهو قول ينبىء عن الإجابة المطلقة من غير تقييد ~~ثم التفتوا إلى ما عليه وجودهم من الضعف والفتور، والتفتوا أيضا إلى ما آل ~~إليه أمر الذين كانوا من قبلهم وقد كانوا أمما أمثالهم استرحموا ربهم ~~وسألوه أن لا يعاملهم معاملة من كان قبلهم من المؤاخذة والحمل والتحميل ~~لأنهم علموا بما علمهم الله أن لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن لا عاصم من ~~الله إلا رحمته. # والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان معصوما من الخطإ والنسيان لكنه ~~إنما يعتصم بعصمة الله ويصان به تعالى فصح له أن يسأل ربه ما لا يأمنه من ~~نفسه، ويدخل نفسه لذلك في زمرة المؤمنين. # قوله تعالى: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ~~الإصر هو الثقل على ما قيل، وقيل هو حبس الشيء بقهره، وهو قريب من المعنى ~~الأول فإن في الحبس حمل الشيء على ما يكرهه ويثقل عليه. # والمراد بالذين من قبلنا: هم أهل الكتاب وخاصة اليهود على ما تشير السورة ~~إلى كثير من قصصهم، ms0887 وعلى ما يشير إليه قوله تعالى: "ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم:" الأعراف - 157. # قوله تعالى: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، المراد بما لا طاقة لنا ~~به ليس هو التكليف الابتدائي بما لا يطاق، إذ قد عرفت أن العقل لا يجوزه ~~أبدا، وأن كلامه تعالى أعني ما حكاه بقوله: وقالوا سمعنا وأطعنا يدل على ~~خلافه بل المراد به جزاء السيئات الواصلة إليهم من تكليف شاق لا يتحمل ~~عادة، أو عذاب نازل، أو رجز مصيب كالمسخ ونحوه. # قوله تعالى: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، العفو محو أثر الشيء، والمغفرة ~~ستره، والرحمة معروفة، وأما بحسب المصداق فاعتبار المعاني اللغوية يوجب أن ~~يكون سوق الجمل الثلاث من قبيل التدرج من الفرع إلى الأصل، وبعبارة أخرى من ~~الأخص فائدة إلى الأعم، فعليها يكون العفو منه تعالى هو إذهاب أثر الذنب ~~وإمحاؤه كالعقاب المكتوب على المذنب، والمغفرة هي إذهاب ما في النفس من ~~هيئة الذنب والستر عليه، والرحمة هي العطية الإلهية التي هي الساترة على ~~الذنب وهيئته. # وعطف هذه الثلاثة أعني قوله: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا على قوله: ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا على ما للجميع من السياق والنظم يشعر: بأن ~~المراد من العفو والمغفرة والرحمة ما يتعلق بذنوبهم من جهة الخطإ والنسيان ~~ونحوها. # ومنه يظهر أن المراد بهذه المغفرة المسئولة هاهنا غير الغفران المذكور في ~~قوله: غفرانك ربنا فإنه مغفرة مطلقة في مقابلة الإجابة المطلقة على ما ~~تقدم، وهذه مغفرة خاصة في مقابل الذنب عن نسيان أو خطإ، فسؤال المغفرة غير مكرر. # وقد كرر لفظ الرب في هذه الأدعية أربع مرات لبعث صفة الرحمة بالإيماء ~~والتلويح إلى صفة العبودية فإن ذكر الربوبية يخطر بالبال صفة العبودية ~~والمذلة. # قوله تعالى: أنت مولينا فانصرنا على القوم الكافرين، استيناف ودعاء ~~مستقل، والمولى هو الناصر لكن لا كل ناصر بل الناصر الذي يتولى أمر المنصور ~~فإنه من الولاية بمعنى تولي الأمر، ولما كان تعالى وليا للمؤمنين فهو ~~مولاهم فيما يحتاجون فيه إلى ms0888 نصره، قال تعالى: "والله ولي المؤمنين:" آل ~~عمران - 68، وقال تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم:" محمد - 11. PageV02P257 # وهذا الدعاء منهم يدل على أنهم ما كان لهم بعد السمع والطاعة لأصل الدين هم ~~إلا في إقامته ونشره والجهاد لإعلان كلمة الحق، وتحصيل اتفاق كلمة الأمم ~~عليه، قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين:" يوسف - 108، فالدعوة إلى دين التوحيد هو ~~سبيل الدين وهو الذي يتعقب الجهاد والقتال والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وسائر أقسام الدعوة والإنذار، كل ذلك لحسم مادة الاختلاف من بين هذا ~~النوع، ويشير إلى ما به من الأهمية في نظر شارع الدين قوله تعالى: "شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه:" الشورى - 13، فقولهم أنت مولانا ~~فانصرنا يدل على جعلهم الدعوة العامة في الدين أول ما يسبق إلى أذهانهم بعد ~~عقد القلب على السمع والطاعة، والله أعلم. # والحمد لله PageV02P258 تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الثالث PageV03P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) الله لا إله إلا هو الحى القيوم (2) نزل ~~عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل (3) من قبل ~~هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بئايت الله لهم عذاب شديد والله ~~عزيز ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء (5) ~~هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة دعوة المؤمنين إلى توحيد الكلمة في الدين، والصبر والثبات في ~~حماية حماه بتنبيههم بما هم عليه من دقة الموقف لمواجهتهم أعداء كاليهود ~~والنصارى والمشركين وقد جمعوا جمعهم وعزموا عزمهم على إطفاء نور الله تعالى ~~بأيديهم وبأفواههم. # ويشبه أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة فإن آياتها وهي مائتا آية - ~~ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها ms0889 إلى آخرها، متناسبة آياتها، مرتبطة ~~أغراضها. # ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد استقر له الأمر بعض الاستقرار ولما يتم ~~استقراره، فإن فيها ذكر غزوة أحد، وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران وذكرا ~~من أمر اليهود، وحثا على المشركين، ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة، ~~وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى ~~الدين بعامة قواهم وجميع أركانهم، فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور ~~اللذين يدبان في داخل جماعتهم بفتنة اليهود والنصارى، ويحاجونهم ~~ويجاوبونهم، ومن جانب كانوا يقاتلون المشركين، ويعيشون في حال الحرب ~~وانسلاب الأمن، فقد كان الإسلام في هذه الأيام قد انتشر صيته فثارت الدنيا ~~عليه من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم. # والله سبحانه يذكر المؤمنين في هذه السورة من حقائق دينه الذي هداهم به ~~ما يطيب به نفوسهم، ويزول به رين الشبهات والوساوس الشيطانية وتسويلات أهل ~~الكتاب عن قلوبهم، ويبين لهم: أن الله سبحانه لم يغفل عن تدبير ملكه، ولم ~~يعجزه خلقه، وإنما اختار دينه وهدى جمعا من عباده إليه على طريقة العادة ~~الجارية، والسنة الدائمة، وهي سنة العلل والأسباب، فالمؤمن والكافر جاريان ~~على سنة الأسباب، فيوم للكافر ويوم للمؤمن، فالدار دار الامتحان، واليوم ~~يوم العمل، والجزاء غدا. # قوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم، قد مر الكلام فيه في تفسير ~~آية الكرسي، وتحصل من هناك أن المراد به بيان قيامه تعالى أتم القيام على ~~أمر الإيجاد والتدبير، فنظام الموجودات بأعيانها وآثارها تحت قيمومة الله ~~لا مجرد قيمومة التأثير كالقيمومة في الأسباب الطبيعية الفاقدة للشعور بل ~~قيمومة حياة تستلزم العلم والقدرة، فالعلم الإلهي نافذ فيها لا يخفى عليه ~~شيء منها والقدرة مهيمنة عليها لا يقع منها إلا ما شاء وقوعه وأذن فيه، ~~ولذلك عقبه بقوله بعد آيتين: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء. ms0890 PageV03P002 # ولما كانت هذه الآيات الست في أول السورة على طريق براعة الاستهلال مشتملة ~~على إجمال ما تحتويه السورة من التفصيل - وقد مر ذكر غرض السورة - كانت هذه ~~الآية بمنزلة تصدير الكلام بالبيان الكلي الذي يستنتج به الغرض، كما أن ~~الآيتين الأخيرتين أعني قوله: إن الله لا يخفى عليه "الخ" بمنزلة التعليل ~~بعد البيان، وعلى هذا فالكلام التي يتم به أمر براعة الاستهلال هما الآيتان ~~المتوسطتان أعني قوله: نزل عليك الكتاب إلى قوله عزيز ذو انتقام. وعلى هذا ~~فيعود المعنى إلى أنه يجب على المؤمنين أن يتذكروا أن الله الذي آمنوا به ~~واحد في ألوهيته قائم على الخلق والتدبير قيام حياة، لا يغلب في ملكه ولا ~~يكون إلا ما شاء وأذن فيه فإنهم إذا تذكروا ذلك علموا أنه هو المنزل للكتاب ~~الهادي إلى الحق، والفرقان المميز بين الحق والباطل، وأنه إنما جرى في ذلك ~~على ما أجري عليه عالم الأسباب، وظرف الاختيار، فمن آمن فله أجره، ومن كفر ~~فإن الله سيجزيه لأنه عزيز ذو انتقام، وذلك أنه الله الذي لا إله غيره حتى ~~يحكم في هذه الجهات، ولا يخفى عليه أمرهم، ولا يخرج عن إرادته ومشيئته ~~فعالهم وكفرهم. # قوله تعالى: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، قد مر أن التنزيل ~~يدل على التدريج كما أن الإنزال يدل على الدفعة. # وربما ينقض ذلك بقول: "لو لا نزل عليه القرءان جملة واحدة": الفرقان - ~~32، وبقوله تعالى: "أن ينزل علينا مائدة": المائدة - 112، وقوله تعالى: "لو ~~لا نزل عليه ءاية": الأنعام - 37، وقوله تعالى: "قل إن الله قادر على أن ~~ينزل ءاية": الأنعام - 37، ولذلك ذكر بعض المفسرين: أن الأولى أن يقال: إن ~~معنى نزل عليك الكتاب: أنزله إنزالا بعد إنزال دفعا للنقض. # والجواب: أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين ~~نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر بل الأشياء المركبة التي توجد ~~بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا ~~غير منقسم، والتعبير عنه ms0891 من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى: "أنزل من ~~السماء ماء": الرعد - 17 وهو الغيث. # ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد سواء تخلل بينهما زمان ~~معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج، والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى: "وهو ~~الذي ينزل الغيث": الشورى - 28. # ومن هنا يظهر: أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة - فإن المراد بقوله لو ~~لا نزل عليه القرءان جملة واحدة الآية: أن ينزل عليه القرآن آية بعد آية في ~~زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتد به كما كان عليه الأمر في نزول ~~القرآن في الشئون والحوادث والأوقات المختلفة، وبذلك يظهر الجواب عن بقية ~~الآيات المذكورة. # وأما ما ذكره البعض المزبور فهو على أنه استحسان غير جائز في اللغة ~~البتة، لا يدفع شيئا من النقض بالآيات المذكورة، بل هي بحالها وهو ظاهر. # وقد جرى كلامه تعالى أن يعبر عن إفاضة الكتاب على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بالتنزيل والنزول، والنزول يستلزم مقاما أو مكانا عاليا رفيعا ~~يخرج منه الشيء نوعا من الخروج ويقصد مقاما أو مكانا آخر أسفل فيستقر فيه، ~~وقد وصف نفسه تعالت ذاته بالعلو ورفعة الدرجات وقد وصف كتابه أنه من عنده، ~~قال تعالى: "إنه علي حكيم": الشورى - 51، وقال تعالى: "ولما جاءهم كتاب من ~~عند الله مصدق لما معهم": البقرة - 89، فصح بذلك استعمال لفظ النزول في ~~مورد استقرار الوحي في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكروا ~~أن الحق هو الخبر من حيث إن بحذائه خارجا ثابتا كما أن الصدق هو الخبر من ~~حيث إنه مطابق للخارج، وعلى هذا فإطلاق الحق على الأعيان الخارجية والأمور ~~الواقعية كما يطلق على الله سبحانه: أنه حق، وعلى الحقائق الخارجية أنها ~~حقة إنما هو من جهة أن كلا منها حق من جهة الخبر عنها، وكيف كان فالمراد ~~بالحق في الآية: الأمر الثابت الذي لا يقبل البطلان. # والظاهر أن الباء في قوله: بالحق للمصاحبة والمعنى: نزل عليك الكتاب ~~تنزيلا يصاحب الحق ولا يفارقه، فيوجب مصاحبة ms0892 الحق أن لا يطرأ عليه ولا ~~يخالطه باطل فهو في أمن من جهة ظهور الباطل عليه، ففي قوله: نزل عليك ~~الكتاب بالحق استعارة بالكناية، وقد قيل في معنى الباء وجوه أخر لا يخلو عن سقم. PageV03P003 # والتصديق من الصدق يقال صدقت مقالا كذا أي قررته على الصدق واعترفت بكونه ~~صدقا وصدقت فلانا أي اعترفت بصدقه فيما يخبر به. # والمراد مما بين يديه التوراة والإنجيل كما قال تعالى: "إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى إلى أن قال: وءاتيناه الإنجيل فيه هدى إلى أن قال: ~~وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب الآية:" المائدة - ~~48، والكلام لا يخلو عن دلالة على أن ما بأيدي اليهود والنصارى من التوراة ~~والإنجيل لا يخلو عن بعض ما أنزله الله على موسى وعيسى (عليهما السلام)، ~~وإن كانا لا يخلوان عن السقط والتحريف، فإن الدائر بينهم في عصر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) هو التوراة الموجودة اليوم والأناجيل الأربعة ~~المشهورة، فالقرآن يصدق التوراة والإنجيل الموجودين، لكن في الجملة لا ~~بالجملة لمكان الآيات الناطقة بالتحريف والسقط فيهما قال تعالى: "ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل إلى أن قال: وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به إلى أن قال: ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به الآية: المائدة - 14. # قوله تعالى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، التوراة كلمة ~~عبرانية بمعنى الشريعة، والإنجيل لفظ يوناني، وقيل فارسي الأصل معناه ~~البشارة، وسيجيء استيفاء البحث عن الكتابين في قوله تعالى: "إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور الآيات:" المائدة - 44. # ومما أصر عليه القرآن تسمية كتاب عيسى (عليه السلام) بالإنجيل بصيغة ~~الإفراد والقول بأنه نازل من عند الله سبحانه مع أن الأناجيل كثيرة، ~~والمعروفة منها أعني الأناجيل الأربعة كانت موجودة قبل نزول القرآن وفي ~~عهده، وهي التي ينسب تأليفها إلى لوقا ومرقس ومتى ويوحنا، ولا يخلو ما ~~ذكرناه من إفراد الاسم والتوصيف بالنزول عن دلالة على التحريف والإسقاط، ~~وكيف كان لا ms0893 يخلو ذكر التوراة والإنجيل في هذه الآية وفي أول السورة من ~~التعريض لليهود والنصارى على ما سيذكره من أمرهم وقصص تولد عيسى ونبوته ورفعه. # قوله تعالى: وأنزل الفرقان، الفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل على ما ~~في الصحاح، واللفظ بمادته يدل على الأعم من ذلك، وهو كل ما يفرق به بين شيء وشيء. # قال تعالى: "يوم الفرقان يوم التقى الجمعان:" الأنفال - 41، وقال تعالى: ~~"يجعل لكم فرقانا": الأنفال - 29. # وإذا كان الفرق المطلوب عند الله فيما يرجع إلى معنى الهداية هو الفرق ~~بين الحق والباطل في العقائد والمعارف وبين وظيفة العبد وما ليس بوظيفة له ~~بالنسبة إلى الأعمال الصادرة عنه في الحياة الدنيا انطبق معناه على مطلق ~~المعارف الأصلية والفرعية التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه بالوحي، أعم ~~من الكتاب وغيره. # قال تعالى: "ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان": الأنبياء - 48، وقال ~~تعالى: "وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان": البقرة - 53، وقال تعالى "تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا": الفرقان - 1. # وقد عبر تعالى عن هذا المعنى بالميزان في قوله: "لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط": الحديد - 25. # وهو في وزان قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه: البقرة - 213. # فالميزان كالفرقان هو الدين الذي يحكم بين الناس بالعدل مع ما ينضم إليه ~~من المعارف ووظائف العبودية، والله أعلم. # وقيل: المراد بالفرقان القرآن. # وقيل: الدلالة الفاصلة بين الحق والباطل. # وقيل: الحجة القاطعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على من حاجه ~~في أمر عيسى. # وقيل النصر. # وقيل: العقل. # والوجه ما قدمناه. PageV03P004 # قوله تعالى: إن الذين كفروا بآيات الله إلى قوله ذو انتقام، الانتقام على ~~ما قيل مجازاة المسيء على إساءته، وليس من لازم المعنى أن يكون للتشفي، فإن ~~ذلك من لوازم الانتقامات التي بيننا حيث إن إساءة المسيء يوجب منقصة وضررا ~~في جانبنا فنتدارك ذلك بالمجازاة الشديدة التي توجب تشفي قلوبنا، وأما هو ~~تعالى فأعز ساحة ms0894 من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده لكنه وعد - وله ~~الوعد الحق - أن سيقضي بين عباده بالحق إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. # قال تعالى: "والله يقضي بالحق": المؤمن - 20، وقال تعالى: "ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى": النجم - 31. # كيف وهو عزيز على الإطلاق منيع الجانب من أن ينتهك محارمه. # وقد قيل إن الأصل في معنى العزة الامتناع. # وقوله تعالى: إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، من حيث إطلاق ~~العذاب وعدم تقييده بالآخرة أو يوم القيامة ربما تضمن الوعيد بالعذاب في ~~الدنيا كما في الآخرة. # وهذا من الحقائق القرآنية التي ربما قصر الباحثون في استيفاء البحث عنه ~~وليس ذلك إلا لكوننا لا نعد شيئا عذابا إلا إذا اشتمل على شيء من الآلام ~~الجسمانية، أو نقص أو فساد في النعم المادية كذهاب الأموال وموت الأعزة ~~ونقاهة الأبدان، مع أن الذي يعطيه القرآن بتعليمه أمر وراء ذلك. # كلام في معنى العذاب في القرآن # القرآن يعد معيشة الناسي لربه ضنكا وإن اتسعت في أعيننا كل الاتساع. # قال تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا": طه - 124، ويعد ~~الأموال والأولاد عذابا وإن كنا نعدها نعمة هنيئة قال تعالى: "ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون": التوبة - 85. # وحقيقة الأمر كما مر إجمال بيانه في تفسير قوله تعالى: "وقلنا يا ءادم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة":، البقرة - 35، أن سرور الإنسان وغمه وفرحه وحزنه ~~ورغبته ورهبته وتعذبه وتنعمه كل ذلك يدور مدار ما يراه سعادة أو شقاوة، هذا أولا. # وأن النعمة والعذاب وما يقاربهما من الأمور تختلف باختلاف ما تنسب إليه ~~فللروح سعادة وشقاوة وللجسم سعادة وشقاوة وكذا للحيوان منهما شيء وللإنسان ~~منهما شيء وهكذا، وهذا ثانيا. # والإنسان المادي الدنيوي الذي لم يتخلق بأخلاق الله تعالى، ولم يتأدب ~~بأدبه يرى السعادة المادية هي السعادة ولا يعبأ بسعادة الروح وهي السعادة ~~المعنوية. # فيتولع في اقتناء المال والبنين والجاه وبسط السلطة والقدرة. # وهو وإن كان ms0895 يريد من قبل نفس هذا الذي ناله لكنه ما كان يريد إلا الخالص ~~من التنعم واللذة على ما صورته له خياله وإذا ناله رأى الواحد من اللذة ~~محفوفا بالألوف من الألم. # فما دام لم ينل ما يريده كان أمنية وحسرة وإذا ناله وجده غير ما كان ~~يريده لما يرى فيه من النواقص ويجد معه من الآلام وخذلان الأسباب التي ركن ~~إليها ولم يتعلق قلبه بأمر فوقها فيه طمأنينة القلب والسلوة عن كل فائتة ~~فكان أيضا حسرة فلا يزال فيما وجده متألما به معرضا عنه طالبا لما هو خير ~~منه لعله يشفي غليل صدره وفيما لم يجده متقلبا بين الآلام والحسرات. # فهذا حاله فيما وجده، وذاك حاله فيما فقده. # وأما القرآن فإنه يرى أن الإنسان أمر مؤلف من روح خالد وبدن مادي متحول ~~متغير، وهو على هذا الحال حتى يرجع إلى ربه فيتم له الخلود من غير زوال، ~~فما كان فيه سعادة الروح محضا كالعلم ونحو ذلك فهو من سعادته، وما كان فيه ~~سعادة جسمه وروحه معا كالمال والبنين إذا لم تكن شاغلة عن ذكر الله، وموجبة ~~للإخلاد إلى الأرض فهو أيضا من سعادته ونعمت السعادة. # وكذا ما كان فيه شقاء الجسم ونقص لما يتعلق بالبدن وسعادة الروح الخالد ~~كالقتل في سبيل الله وذهاب المال واليسار لله تعالى فهو أيضا من سعادته ~~بمنزلة التحمل لمر الدواء ساعة لحيازة الصحة دهرا. # وأما ما فيه سعادة الجسم وشقاء الروح فهو شقاء للإنسان وعذاب له والقرآن ~~يسمى سعادة الجسم فقط متاعا قليلا لا ينبغي أن يعبأ به قال تعالى: "لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأويهم جهنم وبئس المهاد": ~~آل عمران - 196 197. PageV03P005 # وكذا ما فيه شقاء الجسم والروح معا يعده القرآن عذابا كما يعدونه عذابا لكن ~~وجه النظر مختلف، فإنه عذاب عنده لما فيه من شقاء الروح وعذاب عندهم لما ~~فيه من شقاء الجسم، وذلك كأنواع العذاب النازلة على الأمم السالفة، قال ~~تعالى: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ms0896 ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في ~~البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد": ~~الفجر - 6 14. # والسعادة والشقاوة لذوي الشعور يتقومان بالشعور والإدراك فإنا لا نعد ~~الأمر اللذيذ الذي نلناه ولم نحس به سعادة لأنفسنا كما لا نعد الأمر المؤلم ~~غير المشعور به شقاء، ومن هنا يظهر أن هذا التعليم القرآني الذي يسلك في ~~السعادة والشقاوة غير مسلك المادة، والإنسان المولع بالمادة لا بد من أن ~~يستتبع نوع تربية يرى بها الإنسان السعادة الحقيقية التي يشخصها القرآن ~~سعادة والشقاوة الحقيقية شقاوة، وهو كذلك، فإنه يلقن على أهله: أن لا يتعلق ~~قلوبهم بغير الله، ويروا أن ربهم هو المالك الذي يملك كل شيء فلا يستقل شيء ~~إلا به، ولا يقصد شيء إلا له. # وهذا الإنسان لا يرى لنفسه في الدنيا إلا السعادة بين ما كان فيه سعادة ~~روحه وجسمه، وما كان فيه سعادة روحه محضا، وأما ما دون ذلك فإنه يراه عذابا ~~ونكالا، وأما الإنسان المتعلق بهوى النفس ومادة الدنيا فإنه وإن كان ربما ~~يرى ما اقتناه من زينة الدنيا سعادة لنفسه وخيرا ولذة فإنه سوف يطلع على ~~خبطه في مشيه، وانقلبت سعادته المظنونة بعينها شقاوة عليه قال تعالى: ~~"فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون: المعارج - 42، وقال ~~تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق - ~~22، وقال تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك ~~مبلغهم من العلم": النجم - 30، على أنهم لا يصفو لهم عيش إلا وهو منغص بما ~~يربو عليه من الغم والهم. # ومن هنا يظهر: أن الإدراك والفكر الموجود في أهل الله وخاصة القرآن ~~غيرهما في غيرهم مع كونهم جميعا من نوع واحد هو الإنسان، وبين الفريقين ~~وسائط من أهل الإيمان ممن لم يستكمل التعليم والتربية الإلهيين. # فهذا ما يتحصل من كلامه تعالى في معنى العذاب وكلامه تعالى مع ذلك لا ms0897 ~~يستنكف عن تسمية الشقاء الجسماني عذابا لكن نهايته أنه عذاب في مرحلة الجسم ~~دون الروح، قال تعالى حكاية عن أيوب (عليه السلام): "أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب": ص - 41، وقال تعالى: "وإذ أنجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم": ~~الأعراف - 141، فسمى ما يصنعون بهم بلاء وامتحانا من الله وعذابا في نفسه ~~لا منه سبحانه. # قوله تعالى: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء الخ، قد ~~علل تعالى عذاب الذين كفروا بآياته بأنه عزيز ذو انتقام لكن لما كان هذا ~~التعليل لا يخلو عن حاجة إلى ضميمة تنضم إليه ليتم المطلوب فإن العزيز ذا ~~الانتقام يمكن أن يخفى عليه كفر بعض من كفر بنعمته فلا يبادر بالعذاب ~~والانتقام، فعقب لذلك الكلام بقوله: إن الله لا يخفى عليه، فبين أنه عزيز ~~لا يخفى عليه شيء ظاهر على الحواس ولا غائب عنها، ومن الممكن أن يكون ~~المراد مما في الأرض وما في السماء الأعمال الظاهرة القائمة بالجوارح ~~والخفية الكامنة في القلوب على حد ما نبهنا عليه في قوله تعالى: "لله ما في ~~السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~الآية: البقرة - 284. # قوله تعالى: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، التصوير إلقاء الصورة ~~على الشيء والصورة تعم ما له ظل كالتمثال وما لا ظل له. # والأرحام جمع رحم وهو مستقر الجنين من الإناث. PageV03P006 # وهذه الآية في معنى الترقي بالنسبة إلى ما سبقها من الآيتين، فإن محصل ~~الآيتين: أن الله تعالى يعذب الذين كفروا بآياته لأنه العزيز المنتقم ~~العالم بالسر والعلانية فلا يغلب في أمره بل هو الغالب ومحصل هذه الآية أن ~~الأمر أعظم من ذلك، ومن يكفر بآياته ويخالف عن أمره أذل وأوضع من أن يكفر ~~باستقلال من نفسه واعتماد على قدرته من غير أن يأذن الله في ذلك فيغلب هو ~~على أمره تعالى، ويبطل النظام الأحسن الذي نظم الله سبحانه عليه الخلقة ms0898 ~~فتظهر إرادته على إرادة ربه بل الله سبحانه هو أذن له في ذلك، بمعنى أنه ~~نظم الأمور نوع نظم يؤدي إلى وجود الاختيار في الإنسان، وهو الوصف الذي ~~يمكنه به ركوب صراط الإيمان والطاعة أو التزام طريق الكفر والمعصية، ليتم ~~بذلك أمر الفتنة والامتحان، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وما يشاءون إلا ~~أن يشاء الله رب العالمين. # فما من كفر ولا إيمان ولا غيرهما إلا عن تقدير، وهو نظم الأشياء على نحو ~~يتيسر لكل شيء ما يتوجه إليه من مقاصده التي سوف يستوفيها بعمله بتصويره ~~بصورته الخاصة التي تمهد له السلوك إلى ما يسلك إليه. # فالله سبحانه هو الغالب على أمره القاهر في إرادته المهيمن على خلقه، يظن ~~الإنسان أنه يفعل ما يشاء ويتصرف فيما يريد، ويقطع بذلك النظم المتصل الذي ~~نظمه الله في الكون فيسبق التقدير، وهذا بعينه من القدر. # وهذا هو المراد بقوله: يصوركم في الأرحام كيف يشاء، أي ينظم أجزاء وجودكم ~~في بدء الأمر على نحو يؤدي إلى ما يشاؤه في ختمه مشية إذن لا مشية حتم. # وإنما خص الكلام بالتقدير الجاري في الإنسان ولم يذكر التقدير العام ~~الجاري في العالم كله لينطبق على المورد، ولما مر أن في الآيات تعريضا ~~للنصارى في قولهم في المسيح (عليه السلام) والآيات منتهية إلى ما هو الحق ~~من أمره، فإن النصارى لا ينكرون كينونته (عليه السلام) في الرحم وأنه لم ~~يكون نفسه. # والتعميم بعد التخصيص في الخطاب أعني قوله: يصوركم بعد قوله: نزل عليك، ~~للدلالة على أن إيمان المؤمنين أيضا ككفر الكافرين غير خارج عن حكم القدر، ~~فتطيب نفوسهم بالرحمة والموهبة الإلهية في حق أنفسهم، ويتسلوا بما سمعوه من ~~أمر القدر ومن أمر الانتقام فيما يعظم عليهم من كفر الكافرين. # قوله تعالى: لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فيه عود إلى ما بدىء به الكلام ~~في الآيات من التوحيد، وهو بمنزلة تلخيص الدليل للتأكيد. # فإن هذه الأمور المذكورة أعني هداية الخلق بعد إيجادهم، وإنزال الكتاب ~~والفرقان، وإتقان التدبير بتعذيب ms0899 الكافرين أمور لا بد أن تستند إلى إله ~~يدبرها وإذ لا إله إلا الله تعالى شأنه فهو الذي يهدي الناس وهو الذي ينزل ~~الكتاب والفرقان، وهو يعذب الكافرين بآياته، وإنما يفعل ما يفعل من الهداية ~~والإنزال والانتقام والتقدير بعزته وحكمته. PageV03P007 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن الكلبي ومحمد بن إسحاق والربيع بن أنس: نزلت أوائل السورة ~~إلى نيف وثمانين آية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة ~~عشر ثلاثة نفر يئول إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا ~~يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم، واسمه ~~الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد ~~شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس ~~لعلمه واجتهاده، فقدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة ~~ودخلوا مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب وأردية في جمال رجال ~~بلحرث بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فأقبلوا يضربون بالناقوس، ~~وقاموا فصلوا في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت الصحابة: ~~يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~دعوهم، فصلوا إلى المشرق، فكلم السيد والعاقب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أسلما، قالا: ~~قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ~~وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير. قالا إن لم يكن ولدا لله فمن أبوه؟ ~~وخاصموه جميعا في عيسى، فقال لهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ألستم ~~تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ~~ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتيه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ms0900 ~~ربنا قيم على كل شيء ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك ~~شيئا؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، ~~قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ~~قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته ~~كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ ~~قالوا: بلى، قال فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا فأنزل الله فيهم صدر سورة ~~آل عمران إلى بضع وثمانين آية. # أقول: وروى هذا المعنى السيوطي في الدر المنثور، عن أبي إسحاق وابن جرير ~~وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن ~~أبي أمامة، أما القصة فسيجيء نقلها، وأما نزول أول السورة في ذلك فكأنه ~~اجتهاد منهم وقد تقدم: أن ظاهر سياقها نزولها دفعة. # عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد ~~من سعد في بطن أمه. PageV03P008 # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام) قال: إن الله إذا أراد أن يخلق النطفة ~~التي هي مما أخذ عليه الميثاق من صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في ~~الرحم حرك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي ~~وقضائي النافذ وقدري، فتفتح بابها، فتصل النطفة إلى الرحم، فتردد فيه ~~أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير ~~لحما تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين يخلقان في الأرحام ~~ما يشاء الله، يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة، فيصلان إلى الرحم وفيها ~~الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فينفخان فيها روح ~~الحياة والبقاء ويشقان له السمع والبصر والجوارح وجميع ما في البطن بإذن ~~الله تعالى، ms0901 ثم يوحي الله إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمري ~~واشترطا لي البداء فيما تكتبان. فيقولان: يا رب ما نكتب؟ فيوحي الله عز وجل ~~إليهما: أن ارفعا رءوسكما إلى رأس أمه، فيرفعان رءوسهما فإذا اللوح يقرع ~~جبهة أمه، فينظران فيه، فيجدان في اللوح صورته وزينته وأجله وميثاقه سعيدا ~~أو شقيا وجميع شأنه، فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح ~~ويشترطان البداء فيما يكتبان، ثم يختمان الكتاب ويجعلانه بين عينيه، ثم ~~يقيمانه قائما في بطن أمه، قال: فربما عتا فانقلب، ولا يكون ذلك إلا في كل ~~عات أو مارد، وإذا بلغ أوان خروج الولد تاما أو غير تام أوحى الله إلى ~~الرحم: أن افتحي بابك حتى يخرج خلقي إلى أرضي وينفذ فيه أمري فقد بلغ أوان ~~خروجه، قال: فتفتح الرحم باب الولد فينقلب فتصير رجلاه فوق رأسه ورأسه في ~~أسفل البطن ليسهل الله على المرأة وعلى الولد الخروج، فبعث الله عز وجل ~~إليه ملكا يقال له: زاجر فيزجره زجرة فيفزع منها الولد فإذا احتبس زجره ~~الملك زجرة أخرى فيفزع منها، فيسقط الولد إلى الأرض باكيا فزعا من الزجرة. # أقول: قوله: إذا أراد أن يخلق النطفة، أي يجعلها بشرا تاما سويا، ~~وتقييدها بقوله: التي هي مما أخذ عليها الميثاق إشارة إلى ما سيجيء بيانه: ~~أن الإنسان الذي في هذه النشأة الدنيوية وأحواله مسبوقة الوجود بنشأة أخرى ~~سابقة عليه تجري هذه على صراط تلك، وهي المسماة في لسان الأخبار بعالم الذر ~~والميثاق، فما أخذ عليه الميثاق لا بد من أن يخلق في هذه النشأة الدنيوية، ~~وما يخلق في هذه النشأة هو مما أخذ عليه الميثاق من غير أن يقبل التغيير ~~والتبديل فذلك من القضاء المحتوم. # ولذلك ردد الكلام بينه وبين قوله: أو ما يبدو له فيه أي يبدو له البداء ~~في تمام خلقه، فلا يتم ويعود سقطا، فالقسم المقابل له لا بداء فيه كما ذكرنا. # وقوله ويجعلها في الرحم عطف على قوله: يخلق النطفة. # قوله (عليه السلام) يقتحمان في بطن ms0902 المرأة من فم المرأة، يمكن أن يكون ~~قوله من فم المرأة من كلام الراوي كما يؤيده وضع الظاهر موضع المضمر. # وعلى ظاهر الحال من كونه من كلام الإمام (عليه السلام) هو من الشواهد على ~~كون دخولهما واقتحامهما في بطن المرأة من غير سنخ دخول الجسم، في الجسم إذ ~~لا طريق إلى الرحم من غير الفرج إلا العروق، ومنها العرق الذي يدر منه دم ~~الحيض فينصب في الرحم، وليس هذا المنفذ بأسهل للدخول من جدران الرحم، ~~فللدخول من الفم سبب غير سهولة الطريق وهو ظاهر. # قوله (عليه السلام): وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء، كأنها الروح النباتية التي هي المبدأ للتغذي والتنمي. # قوله (عليه السلام): فينفخان فيها روح الحيوة والبقاء، ظاهره رجوع الضمير ~~إلى الروح القديمة، فروح الحيوة والبقاء منفوخة في الروح النباتية، ولو فرض ~~رجوعه إلى المضغة مثلا كانت منفوخة في المضغة الحية بالروح النباتية فتصير ~~المضغة النباتية منفوخة فيها، وعلى أي حال يفيد الكلام أن نفخ الروح ~~الإنساني إنما هو نوع ترق للروح النباتية بالاشتداد على ما يقتضيه القول ~~بالحركة الجوهرية. PageV03P009 # وبذلك يظهر معنى انتقال الروح القديمة في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ~~فالروح متحد الوجود مع البدن بوجه وهو النطفة وما يمدها من دم الحيض وهي ~~المتحدة مع بدني الأبوين وهما مع النطفة وهلم جرا، فما يجري على الإنسان ~~متعين في الجملة في وجود آبائه وأمهاته، مشهود في صور أشخاصهم، وهو بوجه ~~كالفهرس المأخوذ من الكتاب الموضوع قبله. # وبه يظهر معنى قوله (عليه السلام): فيوحي الله عز وجل إليهما أي إلى ~~الملكين أن ارفعا رءوسكما إلى رأس أمه، وذلك أن الذي لأبيه من شرح قضائه ~~وقدره قد انقطع عنه بانفصال النطفة، فما بقي متصلا به إلا أمه، وهو قوله ~~(عليه السلام): فإذا اللوح يقرع جبهة أمه والجبهة مجتمع حواس الإنسان ~~وطليعة وجهه فينتظران فيه فيجدان في اللوح صورته وزينته وأجله وميثاقه ~~سعيدا أو شقيا وجميع شأنه، فيملي أحدهما على صاحبه فنسبتهما شبيهة نسبة ~~الفاعل والقابل فيكتبان ms0903 جميع ما في اللوح. # قوله (عليه السلام): ويشترطان البداء فيما يكتبان، وذلك لعدم اشتمال ~~صورته على تمام علل حوادثه المستقبلة، فإن الصورة وإن كانت مبدأ لجميع ما ~~يجري على الإنسان من أحواله والحوادث المختصة به لكن ليست بالمبدإ كله بل ~~للأمور والحوادث الخارجة عنه دخالة في ذلك، ولذلك كان الذي يتراءى منها من ~~الحوادث غير حتمي الوقوع، فكانت مظنة للبداء. # واعلم: أن نسبة تفاصيل الولادة إلى تحريك الله سبحانه الرجل، ووحيه إلى ~~الرحم، وإرسال الملكين الخلاقين والملك الزاجر إلى غير ذلك لا ينافي استناد ~~هذه الحوادث ومنها الولادة إلى أسبابها الطبيعية، فإن هذين القبيلين من ~~الأسباب أعني الأسباب المعنوية والأسباب المادية واقعان أحدهما في طول ~~الآخر لا في عرضه حتى يبطل أحدهما الآخر، أو يتدافعا فيبطلا معا، أو يعود ~~الأمر إلى تركب العلة التامة من مجموع السببين، بل كل منهما علة تامة لكن ~~في مرتبته. # فمن أقامه الله سبحانه لهداية الناس إلى سعادتهم المعنوية وسلوكهم إلى ~~مرضاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) والطريق طريق الباطن - فإنما وظيفته أن ~~يكلم الناس بلسان يسلك بهم مسلك الباطن ويذكرهم مقام ربهم في جميع بياناته، ~~وهو توسيط الملائكة واستناد الحوادث إلى أعمالهم، ونسبة السعادة إلى ~~تأييدهم، ونسبة الشقاء بخصوصياته إلى الشياطين وتسويلهم، ونسبة الجميع إلى ~~الله سبحانه على ما يليق بساحة قدسه وحضرة ربوبيته، ليستنتج من ذلك صور ~~الهداية والضلال والربح والخسران، وبالجملة جميع شئون الحيوة الآخرة، وهم ~~مع ذلك لم يهملوا أمر الأسباب الطبيعية ولم يضيعوا حقها، فإنها أحد ركني ~~حيوة الإنسان والأساس الذي تستند إليه الحيوة الدنيا، ولا بد للإنسان أن ~~يعرف جملة أمرها كما لا بد له أن يعرف جملة الأمر في الأسباب المعنوية حتى ~~يتم له معرفة نفسه فيعرف ربه. PageV03P010 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 7 - 9 # هو الذى أنزل عليك الكتب منه ءايت محكمت هن أم الكتب وأخر متشبهت فأما ~~الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما ~~يعلم تأويله إلا الله والرسخون فى العلم ms0904 يقولون ءامنا به كل من عند ربنا ~~وما يذكر إلا أولوا الألبب (7) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ~~من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن ~~الله لا يخلف الميعاد (9) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب، عبر تعالى بالإنزال دون التنزيل ~~لأن المقصود بيان بعض أوصاف مجموع الكتاب النازل وخواصه، وهو أنه مشتمل على ~~آيات محكمة وأخر متشابهة ترجع إلى المحكمات وتبين بها، فالكتاب مأخوذ بهذا ~~النظر أمرا واحدا من غير نظر إلى تعدد وتكثر فناسب استعمال الإنزال دون ~~التنزيل. # قوله تعالى: منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، مادة حكم تفيد ~~معنى كون الشيء بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعضه أو يخل أمره عليه، ومنه ~~الإحكام والتحكيم، والحكم بمعنى القضاء، والحكمة بمعنى المعرفة التامة ~~والعلم الجازم النافع، والحكمة بفتح الحاء لزمام الفرس، ففي الجميع شيء من ~~معنى المنع والإتقان، وربما قيل: إن المادة تدل على معنى المنع مع إصلاح. # والمراد هاهنا من إحكام المحكمات إتقان هذه الآيات من حيث عدم وجود ~~التشابه فيها كالمتشابهات فإنه تعالى وإن وصف كتابه بإحكام الآيات في قوله: ~~"كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود - 1، لكن اشتمال الآية ~~على ذكر التفصيل بعد الإحكام دليل على أن المراد بالإحكام حال من حالات ~~الكتاب كان عليها قبل النزول وهي كونه واحدا لم يطرأ عليه التجزي والتبعض ~~بعد بتكثر الآيات، فهو إتقانه قبل وجود التبعض، فهذا الإحكام وصف لتمام ~~الكتاب، بخلاف وصف الإحكام والإتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر ~~من جهة امتناعها عن التشابه في المراد. # وبعبارة أخرى لما كان قوله منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~مشتملا على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي المحكم والمتشابه علمنا به أن ~~المراد بالإحكام غير الإحكام الذي وصف به جميع الكتاب في قوله: كتاب أحكمت ~~ءاياته الآية وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وصف به جميع ~~الكتاب ms0905 في قوله: "كتابا متشابها مثاني": الزمر - 23. # وقد وصف المحكمات بأنها أم الكتاب، والأم بحسب أصل معناه ما يرجع إليه ~~الشيء، وليس إلا أن الآيات المتشابهة ترجع إليها فالبعض من الكتاب وهي ~~المتشابهات ترجع إلى بعض آخر وهي المحكمات ومن هنا يظهر أن الإضافة في قوله ~~أم الكتاب ليست لامية كقولنا: أم الأطفال، بل هي بمعنى من، كقولنا نساء ~~القوم وقدماء الفقهاء ونحو ذلك، فالكتاب يشتمل على آيات هي أم آيات أخر، ~~وفي إفراد كلمة الأم من غير جمع دلالة على كون المحكمات غير مختلفة في ~~أنفسها بل هي متفقة مؤتلفة. PageV03P011 # وقد قوبلت المحكمات في الآية بقوله: وأخر متشابهات، والتشابه توافق أشياء ~~مختلفة واتحادها في بعض الأوصاف والكيفيات، وقد وصف الله سبحانه جميع ~~القرآن بهذا الوصف حيث قال: "كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم" الآية: الزمر - 23، والمراد به لا محالة كون آيات الكتاب ذات ~~نسق واحد من حيث جزالة النظم، وإتقان الأسلوب، وبيان الحقائق والحكم، ~~والهداية إلى صريح الحق كما تدل عليه القيود المأخوذة في الآية، فهذا ~~التشابه وصف لجميع الكتاب، وأما التشابه المذكور في هذه الآية، أعني قوله: ~~وأخر متشابهات، فمقابلته لقوله: منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وذكر اتباع ~~الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل، كل ذلك يدل على أن ~~المراد بالتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد ~~استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعين هي ~~معناها وتبينها بيانا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية ~~المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها، كما أن قوله: "الرحمن على العرش ~~استوى": طه - 5، يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فإذا رجع إلى ~~مثل قوله تعالى: "ليس كمثله شيء": الشورى - 11، استقر الذهن على أن المراد ~~به التسلط على الملك والإحاطة على الخلق دون التمكن والاعتماد على المكان ~~المستلزم للتجسم المستحيل على الله سبحانه، وكذا قوله تعالى: "إلى ربها ~~ناظرة": القيامة - 23، إذا أرجع إلى مثل قوله: "لا تدركه ms0906 الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار": الأنعام - 103، علم به أن المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسي، ~~وكذا إذا عرضت الآية المنسوخة على الآية الناسخة تبين أن المراد بها حكم ~~محدود بحد الحكم الناسخ وهكذا. # فهذا ما يتحصل من معنى المحكم والمتشابه، ويتلقاه الفهم الساذج من مجموع ~~قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات، فإن الآية محكمة بلا شك ولو فرض جميع القرآن غيرها متشابها. # ولو كانت هذه الآية متشابهة عادت جميع آيات القرآن متشابهة وفسد التقسيم ~~الذي يدل عليه قوله: منه آيات الخ، وبطل العلاج الذي يدل عليه قوله: هن أم ~~الكتاب، ولم يصدق قوله: "كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ~~ونذيرا": حم السجدة - 4، ولم يتم الاحتجاج الذي يشتمل عليه قوله: "أفلا ~~يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": ~~النساء - 82، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن نور وهدى وتبيان ~~وبيان ومبين وذكر ونحو ذلك. # على أن كل من يرعى نظره في آيات القرآن من أوله إلى آخره لا يشك في أن ~~ليس بينها آية لها مدلول وهي لا تنطق بمعناها وتضل في مرادها، بل ما من آية ~~إلا وفيها دلالة على المدلول: إما مدلول واحد لا يرتاب فيه العارف بالكلام، ~~أو مداليل يلتبس بعضها ببعض، وهذه المعاني الملتبسة لا تخلو عن حق المراد ~~بالضرورة وإلا بطلت الدلالة كما عرفت، وهذا المعنى الواحد الذي هو حق ~~المراد لا محالة لا يكون أجنبيا عن الأصول المسلمة في القرآن كوجود الصانع ~~وتوحيده وبعثة الأنبياء وتشريع الأحكام والمعاد ونحو ذلك، بل هو موافق لها ~~وهي تستلزمه وتنتجه وتعين المراد الحق من بين المداليل المتعددة المحتملة، ~~فالقرآن بعضه يبين بعضا، وبعضه أصل يرجع إليه البعض الآخر. # ثم إن هذا الناظر إذا عثر بعد هذه النظرة على قوله تعالى: منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، لم يشك في أن المراد بالمحكمات هي ~~الآيات المتضمنة للأصول المسلمة من القرآن ms0907 وبالمتشابهات الآيات التي تتعين ~~وتتضع معانيها بتلك الأصول. PageV03P012 # فإن قلت: رجوع الفروع إلى الأصول مما لا ريب فيه فيما كان هناك أصول متعرقة ~~وفروع متفرقة سواء فيه المعارف القرآنية وغيرها، لكن ذلك لا يستوجب حصول ~~التشابه، فما وجه ذلك؟ قلت: وجهه أحد أمرين، فإن المعارف التي يلقيها ~~القرآن على قسمين: فمنها معارف عالية خارجة عن حكم الحس والمادة، والأفهام ~~العادية لا تلبث دون أن تتردد فيها بين الحكم الجسماني الحسي وبين غيره ~~كقوله تعالى: "إن ربك لبالمرصاد": الفجر - 14 وقوله تعالى: "وجاء ربك": ~~الفجر - 22، فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الأحكام معان هي ~~من أوصاف الأجسام وخواصها، وتزول بالرجوع إلى الأصول التي تشتمل على نفي ~~حكم المادة والجسم عن المورد، وهذا مما يطرد في جميع المعارف والأبحاث غير ~~المادية والغائبة عن الحواس، ولا يختص بالقرآن الكريم بل يوجد في غيره من ~~الكتب السماوية بما تشتمل عليه من المعارف العالية من غير تحريف، ويوجد ~~أيضا في المباحث الإلهية من الفلسفة، وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان آخر ~~في قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها" الآية: الرعد - ~~17، وقوله:" إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم": الزخرف - 4 ومنها ما يتعلق بالنواميس الاجتماعية والأحكام ~~الفرعية، واشتمال هذا القسم من المعارف على الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ~~تغير المصالح المقتضية للتشريعات ونحوها من جهة، ونزول القرآن نجوما من جهة ~~أخرى يوجب ظهور التشابه في آياتها، ويرتفع التشابه بإرجاع المتشابه إلى ~~المحكم، والمنسوخ إلى الناسخ. # قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله، الزيغ هو الميل عن الاستقامة، ويلزمه اضطراب القلب ~~وقلقه بقرينة ما يقابله في ذيل الآية من قوله: والراسخون في العلم يقولون ~~ءامنا به كل من عند ربنا، فإن الآية تصف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن ~~بمحكمه ومتشابهه، وأن منهم من هو زائغ القلب ومائله ومضطربه فهو يتبع ~~المتشابه ابتغاء للفتنة والتأويل، ومنهم من هو راسخ ms0908 العلم مستقر القلب يأخذ ~~بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه، ويسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد ~~الهداية. # ومن هنا يظهر: أن المراد باتباع المتشابه اتباعه عملا لا إيمانا، وأن هذا ~~الاتباع المذموم اتباع للمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم، إذ على هذا ~~التقدير يصير الاتباع اتباعا للمحكم ولا ذم فيه. # والمراد بابتغاء الفتنة طلب إضلال الناس، فإن الفتنة تقارب الإضلال في ~~المعنى، يقول تعالى: يريدون باتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله ~~سبحانه، وأمرا آخر هو أعظم من ذلك، وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن ~~ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينتسخ بذلك ~~دين الله من أصله. # والتأويل من الأول وهو الرجوع فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه، ~~وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه. # وقد ذكر الله سبحانه لفظ التأويل في موارد من كلامه فقال سبحانه: "ولقد ~~جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق": الأعراف ~~- 53، أي بالحق فيما أخبروا به وأنبئوا أن الله هو مولاهم الحق، وأن ما ~~يدعون من دونه هو الباطل، وأن النبوة حق، وأن الدين حق، وأن الله يبعث من ~~في القبور، وبالجملة كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة ~~وأخبارها. # ومن هنا ما قيل: إن التأويل في الآية هو الخارج الذي يطابقه الخبر الصادق ~~كالأمور المشهودة يوم القيامة التي هي مطابقات اسم مفعول أخبار الأنبياء ~~والرسل والكتب. PageV03P013 # ويرده: أن التأويل على هذا يختص بالآيات المخبرة عن الصفات وبعض الأفعال ~~وعن ما سيقع يوم القيامة، وأما الآيات المتضمنة لتشريع الأحكام فإنها ~~لاشتمالها على الإنشاء لا مطابق لها في الخارج عنها، وكذا ما دل منها على ~~ما يحكم به صريح العقل كعدة من أحكام الأخلاق فإن تأويلها معها، وكذا ما دل ~~على قصص الأنبياء والأمم الماضية فإن تأويلها على هذا المعنى يتقدمها من ~~غير أن يتأخر إلى يوم القيامة ms0909 مع، أن ظاهر الآية يضيف التأويل إلى الكتاب ~~كله لا إلى قسم خاص من آياته. # ومثلها قوله تعالى: "وما كان هذا القرءان أن يفترى إلى أن قال: أم يقولون ~~افتريه إلى أن قال: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك ~~كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين": يونس - 39، والآيات كما ~~ترى تضيف التأويل إلى مجموع الكتاب. # ولذلك ذكر بعضهم أن التأويل هو الأمر العيني الخارجي الذي يعتمد عليه ~~الكلام، وهو في مورد الأخبار المخبر به الواقع في الخارج، إما سابقا كقصص ~~الأنبياء والأمم الماضية، وإما لاحقا كما في الآيات المخبرة عن صفات الله ~~وأسمائه ومواعيده وكل ما سيظهر يوم القيامة، وفي مورد الإنشاء كآيات ~~الأحكام المصالح المتحققة في الخارج كما في قوله تعالى: "وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا": إسراء - 35، فإن ~~تأويل إيفاء الكيل وإقامة الوزن هو المصلحة المترتبة عليهما في المجتمع وهو ~~استقامة أمر الاجتماع الإنساني. # وفيه أولا: أن ظاهر هذه الآية: أن التأويل أمر خارجي وأثر عيني مترتب على ~~فعلهم الخارجي الذي هو إيفاء الكيل وإقامة الوزن لا الأمر التشريعي الذي ~~يتضمنه قوله. # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا الآية، فالتأويل أمر خارجي هو مرجع ومآل ~~لأمر خارجي آخر فتوصيف آيات الكتاب بكونها ذات تأويل من جهة حكايتها عن ~~معان خارجية كما في الإخبار أو تعلقها بأفعال أو أمور خارجية كما في ~~الإنشاء لها تأويل، فالوصف وصف بحال متعلق الشيء لا بحال نفس الشيء. # وثانيا: أن التأويل وإن كان هو المرجع الذي يرجع ويئول إليه الشيء لكنه ~~رجوع خاص لا كل رجوع، فإن المرئوس يرجع إلى رئيسه وليس بتأويل له، والعدد ~~يرجع إلى الواحد وليس بتأويل له، فلا محالة هو مرجع بنحو خاص لا مطلقا. # يدل على ذلك قوله تعالى في قصة موسى والخضر (عليهما السلام): "سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا": الكهف - 78، وقوله تعالى: "ذلك تأويل ما لم ~~تسطع عليه صبرا": الكهف - 82، والذي نبأه لموسى صور وعناوين ms0910 لما فعله (عليه ~~السلام) في موارد ثلاث كان موسى (عليه السلام) قد غفل عن تلك الصور ~~والعناوين، وتلقى بدلها صورا وعناوين أخرى أوجبت اعتراضه بها عليه، ~~فالموارد الثلاث: هي قوله تعالى: "حتى إذا ركبا في السفينة خرقها": الكهف - ~~71، وقوله تعالى: "حتى إذا لقيا غلاما فقتله": الكهف - 74، وقوله تعالى: ~~"حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه": الكهف - 77. # والذي تلقاه موسى (عليه السلام) من صور هذه القضايا وعناوينها قوله: ~~"أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا": الكهف - 71، وقوله: "أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا": الكهف - 74، وقوله: "لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا": الكهف - 77. # والذي نبأ به الخضر من التأويل قوله: "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ~~في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام ~~فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكوة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، ~~وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك": الكهف - 82، ثم أجاب عن جميع ما اعترض عليه موسى ~~(عليه السلام) جملة بقوله: "وما فعلته عن أمري": الكهف - 82، فالذي أريد من ~~التأويل في هذه الآيات كما ترى هو رجوع الشيء إلى صورته وعنوانه نظير رجوع ~~الضرب إلى التأديب ورجوع الفصد إلى العلاج، لا نظير رجوع قولنا: جاء زيد ~~إلى مجيء زيد في الخارج. PageV03P014 # ويقرب من ذلك ما ورد من لفظ التأويل في عدة مواضع من قصة يوسف (عليه ~~السلام) كقوله تعالى: "إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين": يوسف - 4، وقوله تعالى: ورفع أبويه على ~~العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا": يوسف - 100، فرجوع ما رآه من الرؤيا إلى سجود أبويه وإخوته له وإن ~~كان رجوعا لكنه من قبيل رجوع المثال إلى الممثل، ms0911 وكذا قوله تعالى: "وقال ~~الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات، يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون، قالوا أضغاث ~~أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة ~~أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون ~~سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من ~~بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون": يوسف - 48. # وكذا قوله تعالى: "ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا، ~~وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا ~~نريك من المحسنين إلى أن قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا ~~وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان": يوسف - 41. # وكذا قوله تعالى: "ويعلمك من تأويل الأحاديث": يوسف - 61، وقوله تعالى: ~~"ولنعلمه من تأويل الأحاديث": يوسف - 21، وقوله تعالى: وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث": يوسف - 101، فقد استعمل التأويل في جميع هذه الموارد من قصة ~~يوسف (عليه السلام) فيما يرجع إليه الرؤيا من الحوادث، وهو الذي كان يراه ~~النائم فيما يناسبه من الصورة والمثال، فنسبة التأويل إلى ذي التأويل نسبة ~~المعنى إلى صورته التي يظهر بها، والحقيقة المتمثلة إلى مثالها الذي تتمثل ~~به، كما كان الأمر يجري هذا المجرى فيما أوردناه من الآيات في قصة موسى ~~والخضر (عليهما السلام)، وكذا في قوله تعالى: وأوفوا الكيل إذا كلتم إلى ~~قوله وأحسن تأويلا الآية: إسراء - 35. # والتدبر في آيات القيامة يعطي أن المراد هو ذلك أيضا في لفظة التأويل في ~~قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله الآية، وقوله ~~تعالى "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله"" الآية فإن أمثال قوله ~~تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق - ~~22، تدل على أن مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب وأنبأ ms0912 به الأنبياء يوم ~~القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسية التي نعهدها في الدنيا كما أن نفس ~~وقوعها والنظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه، وسيجيء مزيد بيان ~~له فرجوع أخبار الكتاب والنبوة إلى مضامينها الظاهرة يوم القيامة ليس من ~~قبيل رجوع الإخبار عن الأمور المستقبلة إلى تحقق مضامينها في المستقبل. # فقد تبين بما مر: أولا: أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها ~~متشابهة ترجع إلى آية محكمة. # وثانيا: أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل ~~فللآية المحكمة تأويل كما أن للمتشابهة تأويلا. # وثالثا: أن التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للألفاظ بل هو من ~~الأمور الخارجية العينية، واتصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف ~~بحال المتعلق، وأما إطلاق التأويل وإرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ، ~~فاستعمال مولد نشأ بعد نزول القرآن لا دليل أصلا على كونه هو المراد من ~~قوله تعالى: وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية، كما لا دليل ~~على أكثر المعاني المذكورة للتأويل مما سننقله عن قريب. # قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله، ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما ~~تشابه، لقربه كما هو الظاهر أيضا في قوله: وابتغاء تأويله، وقد عرفت أن ذلك ~~لا يستلزم كون التأويل مقصورا على الآيات المتشابهة. # ومن الممكن أيضا رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله: ما تشابه منه. PageV03P015 # وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه سبحانه وأما قوله: والراسخون ~~في العلم، فظاهر الكلام أن الواو للاستيناف بمعنى كونه طرفا للترديد الذي ~~يدل عليه قوله في صدر الآية: فأما الذين في قلوبهم زيغ، والمعنى: أن الناس ~~في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا ~~تشابه عليه شيء منه: ءامنا به كل من عند ربنا، وإنما اختلفا لاختلافهم من ~~جهة زيغ القلب ورسوخ العلم. # على أنه لو كان الواو للعطف وكان المراد بالعطف تشريك الراسخين في العلم ~~بالتأويل كان منهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ms0913 وهو أفضلهم وكيف ~~يتصور أن ينزل القرآن على قلبه وهو لا يدري ما أريد به ومن دأب القرآن إذا ~~ذكر الأمة أو وصف أمر جماعة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يفرده بالذكر أولا ويميزه بالشخص تشريفا له وتعظيما لأمره ثم يذكرهم جميعا ~~كقوله تعالى: "ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون": البقرة - 285، ~~وقوله تعالى: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين": التوبة - 26، ~~وقوله تعالى: "لكن الرسول والذين ءامنوا معه": التوبة - 88، وقوله تعالى: ~~"وهذا النبي والذين ءامنوا": آل عمران - 68، وقوله تعالى: "لا يخزي الله ~~النبي والذين ءامنوا معه": التحريم - 8، إلى غير ذلك، فلو كان المراد ~~بقوله: والراسخون في العلم، أنهم عالمون بالتأويل - ورسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) منهم قطعا - كان حق الكلام كما عرفت أن يقال: وما يعلم ~~تأويله إلا الله ورسوله والراسخون في العلم، هذا وإن أمكن أن يقال: إن قوله ~~في صدر الآية: هو الذي أنزل عليك الكتاب "الخ" يدل على كون النبي عالما ~~بالكتاب فلا حاجة إلى ذكره ثانيا. # فالظاهر أن العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى، ولا ينافي ذلك ~~ورود الاستثناء عليه كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى ~~مع ورود الاستثناء عليه كما في قوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول": الجن - 27، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى ~~الراسخين في العلم بعينهم، إذ لا منافاة بين أن تدل هذه الآية على شأن من ~~شئون الراسخين في العلم، وهو الوقوف عند الشبهة والإيمان والتسليم في مقابل ~~الزائغين قلبا وبين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة ~~القرآن وتأويل آياته على ما سيجيء بيانه. # قوله تعالى: والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، الرسوخ ~~هو أشد الثبات، ووقوع الراسخين في العلم في مقابلة الذين في قلوبهم زيغ ثم ~~توصيفهم بأنهم يقولون آمنا به كل من عند ربنا يدل على تمام تعريفهم، وهو أن ms0914 ~~لهم علما بالله وبآياته لا يدخله ريب وشك، فما حصل لهم من العلم بالمحكمات ~~ثابت لا يتزلزل، وهم يؤمنون به ويتبعونه أي يعلمون به وإذا وردت عليهم آية ~~متشابهة لم يوجب تشابهها اضطراب قلوبهم فيما عندهم من العلم الراسخ بل ~~آمنوا بها وتوقفوا عن اتباعها عملا وفي قولهم: ءامنا به كل من عند ربنا ذكر ~~الدليل والنتيجة معا فإن كون المحكم والمتشابه جميعا من عند الله تعالى ~~يوجب الإيمان بالكل: محكمه ومتشابهه، ووضوح المراد في المحكم يوجب اتباعه ~~عملا، والتوقف في المتشابه من غير رده لأنه من عند الله ولا يجوز اتباع ما ~~ينافي المحكم من معانيه المتشابهة لسطوع البيان في المحكم فيجب أن يتبع من ~~معانيه المحتملة ما يوافق معنى المحكم، وهذا بعينه إرجاع المتشابه إلى ~~المحكم فقوله: كل من عند ربنا بمنزلة الدليل على الأمرين جميعا، أعني: ~~الإيمان والعمل في المحكم، والإيمان فقط في المتشابه والرجوع في العمل إلى ~~المحكم. # قوله تعالى: وما يذكر إلا أولوا الألباب، التذكر هو الانتقال إلى دليل ~~الشيء لاستنتاجه، ولما كان قولهم: كل من عند ربنا كما مر استدلالا منهم ~~وانتقالا لما يدل على فعلهم سماه الله تعالى تذكرا ومدحهم به. PageV03P016 # والألباب جمع لب وهو العقل الزكي الخالص من الشوائب، وقد مدحهم الله تعالى ~~مدحا جميلا في موارد من كلامه، وعرفهم بأنهم أهل الإيمان بالله والإنابة ~~إليه واتباع أحسن القول ثم وصفهم بأنهم على ذكر من ربهم دائما فأعقب ذلك ~~أنهم أهل التذكر أي الانتقال إلى المعارف الحقة بالدليل وأهل الحكمة ~~والمعرفة، قال تعالى: "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله ~~لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر - 18، وقال تعالى: "إن في خلق ~~السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم": آل عمران - 191، وهذا الذكر الدائم وما ~~يتبعه من التذلل والخضوع هو الإنابة الموجبة لتذكرهم بآيات الله وانتقالهم ~~إلى المعارف الحقة كما قال تعالى: ms0915 "وما يتذكر إلا من ينيب": الغافر - 13، ~~وقد قال: "وما يذكر إلا أولوا الألباب": البقرة - 269 آل عمران - 7. # قوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب، وهذا من آثار رسوخهم في العلم فإنهم لما علموا بمقام ربهم، ~~وعقلوا عن الله سبحانه أيقنوا أن الملك لله وحده وأنهم لا يملكون لأنفسهم ~~شيئا فمن الجائز أن يزيغ قلوبهم بعد رسوخ العلم فالتجئوا إلى ربهم، وسألوه ~~أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وأن يهب لهم من لدنه رحمة تبقي لهم هذه ~~النعمة ويعينهم على السير في صراط الهداية والسلوك في مراتب القرب. # وأما سؤال أن يهبهم رحمة بعد سؤال أن لا يزيغ قلوبهم فلأن عدم إزاغة ~~القلب لا يستلزم بقاء الرسوخ في العلم فمن الجائز أن لا يزاغ قلوبهم وينتزع ~~عنها العلم فتبقى سدى مهملة لا سعداء بالعلم ولا أشقياء بالإزاغة بل في حال ~~الجهل والاستضعاف، وهم في حاجة مبرمة إلى ما هم عليه من العلم، ومع ذلك لا ~~تقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف بل هم سائروا طريق يحتاجون فيه إلى ~~أنواع من الرحمة لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله سبحانه، وهم مستشعرون ~~بحاجتهم هذه والدليل عليه قولهم بعد: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه. # فقولهم: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، استعاذة من نزول الزيغ إلى ~~قلوبهم وإزاحته العلم الراسخ الذي فيها وقولهم وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب استمطار لسحاب الرحمة حتى تدوم بها حياة قلوبهم وتنكير الرحمة، ~~وتوصيفها بكونها من لدنه إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرحمة، وأنها كيف ~~ينبغي أن تكون غير أنهم يعلمون أنه لو لا رحمة من ربهم ولو لا كونها من ~~لدنه لم يتم لهم أمر. # وفي الاستعاذة من الزيغ إلى الله محضا واستيهاب الرحمة من لدنه محضا ~~دلالة على أنهم يرون تمام الملك لله محضا من غير توجه إلى أمر الأسباب. # قوله تعالى: ربنا إنك جامع الناس ليوم ms0916 لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد، هذا منهم بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة وذلك لعلمهم بأن إقامة نظام ~~الخلقة ودعوة الدين وكدح الإنسان في مسير وجوده كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى ~~يوم القيامة الذي لا يغنى فيه ولا ينصر أحد إلا بالرحمة كما قال تعالى: "إن ~~يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون، ~~إلا من رحم الله": الدخان - 42 ولذلك سألوا رحمة من ربهم وفوضوا تعيينها ~~وتشخيصها إليه لينفعهم في أمرهم. # وقد وصفوا هذا اليوم بأنه لا ريب فيه ليتجه بذلك كمال اهتمامهم بالسؤال ~~والدعاء، وعللوا هذا التوصيف أيضا بقولهم: إن الله لا يخلف الميعاد لأن ~~شأنهم الرسوخ في العلم، ولا يرسخ العلم بشيء ولا يستقر تصديق إلا مع العلم ~~بعلته المنتجة، وعلة عدم ارتيابهم في تحقق هذا اليوم هو ميعاد الله سبحانه ~~به فذكروه. # ونظير هذا الوجه جار في تعليلهم قولهم وهب لنا من لدنك رحمة بقولهم: إنك ~~أنت الوهاب فكونه تعالى وهابا يعلل به سؤالهم الرحمة، وإتيانهم بلفظة أنت ~~وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر يعلل به قولهم: من لدنك، الدال على ~~الاختصاص، وكذا يجري مثل الوجه في قولهم: ربنا لا تزغ قلوبنا، حيث عقبوه ~~بما يجري مجرى العلة بالنسبة إليه، وهو قولهم: بعد إذ هديتنا، وقد مر آنفا ~~أن قولهم: ءامنا به، من حيث تعقيبه بقولهم: كل من عند ربنا، من هذا القبيل أيضا. PageV03P017 # فهؤلاء رجال آمنوا بربهم وثبتوا عليه فهداهم الله سبحانه، وكمل عقولهم فلا ~~يقولون إلا عن علم ولا يفعلون إلا عن علم فسماهم الله تعالى راسخين في ~~العلم، وكنى عنهم بأولى الألباب، وأنت إذا تدبرت ما عرف الله به أولي ~~الألباب وجدته منطبقا على ما ذكره من شأنهم في هذه الآيات، قال تعالى: ~~والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب": الزمر - 18. # فوصفهم بالإيمان واتباع أحسن القول، والإنابة إلى الله ms0917 سبحانه، وقد وصف ~~بهذه الأوصاف الراسخين في العلم في هذه الآيات. # وأما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله إن الله لا يخلف الميعاد ~~فلأن هذا الميعاد لا يختص بهم بل يعمهم وغيرهم فكان الأولى تبديل قولهم: ~~ربنا، إلى لفظة الجلالة لأن حكم الألوهية عام شامل لكل شيء. # كلام تفصيلي في المحكم والمتشابه والتأويل # هذا الذي أوردناه من الكلام في معنى المحكم والمتشابه والتأويل فيما مر ~~هو الذي يتحصل من تدبر كلامه سبحانه ويستفاد من المأثور عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) سيجيء في البحث الروائي. # لكن القوم اختلفوا في المقام، وقد شاع الخلاف واشتد الانحراف بينهم، ~~وينسحب ذيل النزاع والمشاجرة إلى الصدر الأول من مفسري الصحابة والتابعين، ~~وقلما يوجد في ما نقل إلينا من كلامهم ما يقرب مما مر من البيان فضلا عن أن ~~ينطبق عليه تمام الانطباق. # والسبب العمدة في ذلك الخلط بين البحث عن المحكم والمتشابه وبين البحث عن ~~معنى التأويل، فأوجب ذلك اختلالا عجيبا في عقد المسألة وكيفية البحث ~~والنتيجة المأخوذة منه، ونحن نورد تفصيل القول في كل واحد من أطراف هذه ~~الأبحاث وما قيل فيها وما هو المختار من الحق مع تمييز مورد البحث بما تيسر ~~في ضمن فصول # 1 - المحكم والمتشابه # الإحكام والتشابه من الألفاظ المبينة المفاهيم في اللغة، وقد وصف بهما ~~الكتاب كما في قوله تعالى: "كتاب أحكمت ءاياته": هود - 1، وقوله تعالى: ~~"كتابا متشابها مثاني": الزمر - 23، ولم يتصف بهما إلا جملة الكتاب من جهة ~~إتقانه في نظمه وبيانه ومن جهة تشابه نظمه وبيانه في البلوغ إلى غاية ~~الإتقان والإحكام. # لكن قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات الآية لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات ~~والمتشابهات علمنا أن المراد بالإحكام والتشابه هاهنا غير ما يتصف به تمام ~~الكتاب، وكان من الحري البحث عن معناهما وتشخيص مصداقهما من الآيات، وفيه ~~أقوال ربما تجاوزت العشرة: أحدها: أن المحكمات هو قوله تعالى في سورة ~~الأنعام: "قل ms0918 تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا إلى آخر ~~الآيات الثلاث": الأنعام - 152 والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، وهي ~~الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل الم والر وحم، ~~وذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء ~~هذه الأمة وعمرها فاشتبه عليهم الأمر. # نسب إلى ابن عباس من الصحابة. # وفيه: أنه قول من غير دليل ولو سلم فلا دليل على انحصارهما. # فيهما، على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم ولا متشابه مع أن ظاهر ~~الآية يدفعه. # لكن الحق أن النسبة في غير محلها، والذي نقل عن ابن عباس: أنه قال إن ~~الآيات الثلاث من المحكمات لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث، ففي الدر ~~المنثور، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~عبد الله بن قيس سمعت ابن عباس يقول: في قوله منه ءايات محكمات، قال: ~~الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات: قل تعالوا، والآيتان بعدها. # ويؤيد ذلك ما رواه عنه أيضا في قوله: آيات محكمات قال: من هاهنا: قل ~~تعالوا إلى آخر ثلاث آيات، ومن هاهنا: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إلى ~~آخر ثلاث آيات. فالروايتان تشهدان أنه إنما ذكر هذه الآيات مثالا لسائر ~~المحكمات لا أنه قصرها فيها. # وثانيها عكس الأول وهو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور ~~والمتشابهات غيرها. PageV03P018 # نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في قوله تعالى: هن أم الكتاب: إنهن فواتح ~~السور منها يستخرج القرآن: الم ذلك الكتاب، منها استخرجت البقرة والم الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم، منها استخرجت آل عمران وعن سعيد بن جبير مثله ~~في معنى قوله: هن أم الكتاب، قال: أصل الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب، انتهى. # ويدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها ألفاظ ~~الحروف بعناية أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف ~~منها الكلمات ms0919 والجمل، كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور. # وفيه: مضافا إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلا أعني تفسير الحروف ~~المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية فإن جميع ~~القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه، وقد ذم الله سبحانه اتباع ~~المتشابه، وعده من زيغ القلب مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب ~~الواجبات كقوله تعالى: "واتبعوا النور الذي أنزل معه": الأعراف - 157، ~~وغيره من الآيات. # وثالثها: أن المتشابه هو ما يسمى مجملا والمحكم هو المبين. # وفيه: أن ما بين من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل ~~والمبين. # بيان ذلك: أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض ~~فلا ينفصل الجهة المرادة عن غيرها، ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في ~~تشخيص المراد وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا ~~شأنه من الألفاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك ~~مبينا فيتبع فهذا حال المجمل مع مبينه، فلو كان المحكم والمتشابه هما ~~المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم، دون نفس ~~المحكم، وكان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم والتفاهم فلم يقدم على ~~مثله أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ولم يكن ~~اتباع المتشابه أمرا يلحقه الذم ويوجب زيغ القلب. # رابعها أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لأنها يؤمن بها ولا يعمل بها، ~~والمحكمات هي الآيات الناسخة لأنها يؤمن بها، ويعمل بها ونسب إلى ابن عباس ~~وابن مسعود وناس من الصحابة، ولذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل ~~القرآن. # وفيه: أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات ~~المنسوخة فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء التأويل جار في كثير من الآيات غير المنسوخة كآيات الصفات ~~والأفعال، على أن لازم هذا القول وجود ms0920 الواسطة بين المحكم والمتشابه. # وفيما نقل عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المحكم والمتشابه أعم مما ~~ينطبق على الناسخ والمنسوخ، وأنه إنما ذكرهما من باب المثال ففي الدر ~~المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ~~قال: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به، ~~والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل ~~به، انتهى. # خامسها: أن المحكمات ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية والقدرة ~~والحكمة، والمتشابهات ما يحتاج في معرفته إلى تأمل وتدبر. # وفيه: أنه إن كان المراد من كون الدليل واضحا لائحا أو محتاجا إلى التأمل ~~والتدبر كون مضمون الآية ذا دليل عقلي قريب من البداهة أو بديهي وعدم كونه ~~كذلك كان لازمه كون آيات الأحكام والفرائض ونحوها من المتشابه لفقدانها ~~الدليل العقلي اللائح الواضح، وحينئذ يكون اتباعها مذموما مع أنها واجبة ~~الاتباع، وإن كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب وعدم ~~كونه كذلك فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة، وكيف لا؟ وهو كتاب ~~متشابه مثاني، ونور، ومبين، ولازمه كون الجميع محكما وارتفاع المتشابه ~~المقابل له من الكتاب وهو خلف الفرض وخلاف النص. # سادسها: أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي، ~~والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ونحوه. PageV03P019 # وفيه: أن الإحكام والتشابه وصفان لآية الكتاب من حيث إنها آية أي دالة على ~~معرفة من المعارف الإلهية، والذي تدل عليه آية من آيات الكتاب ليس بعادم ~~للسبيل، ولا ممتنع الفهم إما بنفسه أو بضميمة غيره، وكيف يمكن أن يكون هناك ~~أمر مراد من لفظ الآية ولا يمكن نيله من جهة اللفظ؟ مع أنه وصف كتابه بأنه ~~هدى، وأنه نور، وأنه مبين، وأنه في معرض فهم الكافرين فضلا عن المؤمنين حيث ~~قال: "تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا لقوم يعلمون ~~بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون": ms0921 حم السجدة - 4، وقال تعالى: ~~"أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": ~~النساء - 82، فما تعرضت له آية من آيات الكتاب ليس بممتنع الفهم، ولا ~~الوقوف عليه مستحيل، وما لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت قيام الساعة وسائر ~~ما في الغيب المكنون لم يتعرض لبيانه آية من الآيات بلفظها حتى تسمى ~~متشابها. # على أن في هذا القول خلطا بين معنى المتشابه وتأويل الآية كما مر. # سابعها: أن المحكمات آيات الأحكام والمتشابهات غيرها مما يصرف بعضها ~~بعضا، نسب هذا القول إلى مجاهد وغيره. # وفيه: أن المراد بالصرف الذي ذكره إن كان مطلق ما يعين على تشخيص المراد ~~باللفظ حتى يشمل مثل التخصيص بالمخصص، والتقييد بالمقيد وسائر القرائن ~~المقامية كانت آيات الأحكام أيضا كغيرها متشابهات، وإن كان خصوص ما لا ~~إبهام في دلالته على المراد ولا كثرة في محتملاته حتى يتعين المراد به ~~بنفسه، ويتعين المراد بغيره بواسطته كان لازم كون ما سوى آيات الأحكام ~~متشابهة أن لا يحصل العلم بشيء من معارف القرآن غير الأحكام لأن المفروض ~~عدم وجود آية محكمة فيها ترجع إليها المتشابهات منها ويتبين بذلك معانيها. # ثامنها: أن المحكم من الآيات ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا ~~والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها كثيرة ونسب إلى الشافعي، وكان المراد ~~به أن المحكم ما لا ظهور له إلا في معنى واحد كالنص والظاهر القوي في ظهوره ~~والمتشابه خلافه. # وفيه: أنه لا يزيد على تبديل اللفظ باللفظ شيئا، فقد بدل لفظ المحكم بما ~~ليس له إلا معنى واحد، والمتشابه بما يحتمل معاني كثيرة، على أنه أخذ ~~التأويل بمعنى التفسير أي المعنى المراد باللفظ وقد عرفت أنه خطأ، ولو كان ~~التأويل هو التفسير بعينه لم يكن لاختصاص علمه بالله، أو بالله وبالراسخين ~~في العلم وجه فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، والمؤمن والكافر والراسخون في ~~العلم وأهل الزيغ في ذلك سواء. # تاسعها: أن المحكم ما أحكم وفصل فيه خبر الأنبياء مع أممهم، والمتشابه ما ~~اشتبهت ألفاظه ms0922 من قصصهم بالتكرير في سور متعددة، ولازم هذا القول اختصاص ~~التقسيم بآيات القصص. # وفيه: أنه لا دليل على هذا التخصيص أصلا، على أن الذي ذكره تعالى من خواص ~~المحكم والمتشابه وهو ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل في اتباع المتشابه دون ~~المحكم لا ينطبق عليه، فإن هذه الخاصة توجد في غير آيات القصص كما توجد ~~فيها، وتوجد في القصة الواحدة كقصة جعل الخلافة في الأرض كما توجد في القصص ~~المتكررة. # عاشرها: أن المتشابه ما يحتاج إلى بيان والمحكم خلافه، وهذا الوجه منسوب ~~إلى الإمام أحمد. # وفيه: أن آيات الأحكام محتاجة إلى بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مع أنها من المحكمات قطعا لما تقدم بيانه مرارا، وكذا الآيات المنسوخة من ~~المتشابه كما تقدم مع عدم احتياجها إلى بيان لكونها نظائر لسائر آيات ~~الأحكام. # الحادي عشر: أن المحكم ما يؤمن به ويعمل به والمتشابه ما يؤمن به ولا ~~يعمل به، ونسب إلى ابن تيمية، ولعل المراد به: أن الأخبار متشابهات ~~والإنشاءات محكمات كما استظهره بعضهم وإلا لم يكن قولا برأسه لصحة انطباقه ~~على عدة من الأقوال المتقدمة. # وفيه: أن لازمه كون غير آيات الأحكام متشابهات، ولازمه أن لا يمكن حصول ~~العلم بشيء من المعارف الإلهية في غير الأحكام إذ لا يتحقق فيها عمل مع عدم ~~وجود محكم فيها يرجع إليه ما تشابه منها، ومن جهة أخرى: الآيات المنسوخة ~~إنشاءات وليست بمحكمات قطعا. PageV03P020 # والظاهر أن مراده من الإيمان والعمل بالمحكم والإيمان من غير عمل بالمتشابه ~~ما يدل عليه لفظ الآية: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ~~والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، إلا أن الأمرين أعني ~~الإيمان والعمل معا في المحكم والإيمان فقط في المتشابه لما كانا وظيفتين ~~لكل من آمن بالكتاب كان عليه أن يشخص المحكم والمتشابه قبلا حتى يؤدي ~~وظيفته، وعلى هذا فلا يكفي معرفة المحكم والمتشابه بهما في تشخيص مصداقهما ~~وهو ظاهر. # الثاني عشر: إن المتشابهات هي آيات الصفات خاصة أعم من صفات ms0923 الله سبحانه ~~كالعليم والقدير والحكيم والخبير وصفات أنبيائه كقوله تعالى في عيسى بن ~~مريم (عليهما السلام): "وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء - 171، ~~وما يشبه ذلك، نسب إلى ابن تيمية. # وفيه: أنه مع تسليم كون آيات الصفات من المتشابهات لا دليل على انحصارها فيها. # والذي يظهر من بعض كلامه المنقول على طوله أنه يأخذ المحكم والمتشابه ~~بمعناهما اللغوي وهو ما أحكمت دلالته وما تشابهت احتمالاته والمعنيان ~~نسبيان فربما اشتبهت دلالة آية على قوم كالعامة وعلمها آخرون بالبحث وهم ~~العلماء، وهذا المعنى في آيات الصفات أظهر فإنها بحيث تشتبه مراداتها لغالب ~~الناس لكون أفهامهم قاصرة عن الارتقاء إلى ما وراء الحس، فيحسبون ما أثبته ~~الله تعالى لنفسه من العلم والقدرة والسمع والبصر والرضا والغضب واليد ~~والعين وغير ذلك أمورا جسمانية أو معاني ليست بالحق، وتقوم بذلك الفتن، ~~وتظهر البدع، وتنشأ المذاهب، فهذا معنى المحكم والمتشابه، وكلاهما مما يمكن ~~أن يحصل به العلم، والذي لا يمكن نيله والعلم به هو تأويل المتشابهات بمعنى ~~حقيقة المعاني التي تدل عليها أمثال آيات الصفات، فهب أنا علمنا معنى قوله: ~~إن الله على كل شيء قدير، وإن الله بكل شيء عليم ونحو ذلك لكنا لا ندري ~~حقيقة علمه وقدرته وسائر صفاته وكيفية أفعاله الخاصة به، فهذا هو تأويل ~~المتشابهات الذي لا يعلمها إلا الله تعالى، انتهى ملخصا، وسيأتي ما يتعلق ~~بكلامه من البحث عند ما نتكلم في التأويل إن شاء الله. # الثالث عشر: أن المحكم ما للعقل إليه سبيل والمتشابه بخلافه. # وفيه: أنه قول من غير دليل، والآيات القرآنية وإن انقسمت إلى ما للعقل ~~إليه سبيل وما ليس للعقل إليه سبيل، لكن ذلك لا يوجب كون المراد بالمحكم ~~والمتشابه في هذه الآية استيفاء هذا التقسيم، وشيء مما ذكر فيها من نعوت ~~المحكم والمتشابه لا ينطبق عليه انطباقا صحيحا، على أنه منقوض بآيات ~~الأحكام فإنها محكمة ولا سبيل للعقل إليها. # الرابع عشر: أن المحكم ما أريد به ظاهره والمتشابه ما أريد به خلاف ~~ظاهره، وهذا قول شائع ms0924 عند المتأخرين من أرباب البحث، وعليه يبتني اصطلاحهم ~~في التأويل: أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام وكأنه أيضا مراد من قال: إن ~~المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرك إلا بالتأويل. # وفيه: أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم والمتشابه ~~فإن المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده ومدلوله، وليس المراد ~~بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزا عن المحكم ~~بأن له تأويلا، بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية ~~من محكمها ومتشابهها كما مر بيانه. # على أنه ليس في القرآن آية أريد فيها ما يخالف ظاهرها، وما يوهم ذلك من ~~الآيات إنما أريد بها معان يعطيها لها آيات أخر محكمة، والقرآن يفسر بعضه ~~بعضا، ومن المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن متصلة أو منفصلة للفظ ليس ~~بخارج عن ظهوره وبالخصوص في كلام نص متكلمه على أن ديدنه أن يتكلم بما يتصل ~~بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض ويرتفع كل اختلاف وتناف مترائى بالتدبر فيه، ~~قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا": النساء - 82 الخامس عشر: ما عن الأصم: أن المحكم ما أجمع ~~على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه وكان المراد بالإجماع والاختلاف كون ~~مدلول الآية بحيث يختلف فيه الأنظار أو لا يختلف. PageV03P021 # وفيه: أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابها وينافيه التقسيم الذي في ~~الآية إذ ما من آية من آي الكتاب إلا وفيه اختلاف ما: إما لفظا أو معنى أو ~~في كونها ذات ظهور أو غيرها، حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه ~~مستدلا بقوله تعالى: "كتابا متشابها": الزمر - 23، غفلة عن أن هذا ~~الاستدلال منه يبتني على كون ما استدل به آية محكمة وهو يناقض قوله وذهب ~~آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له. # السادس عشر: أن المتشابه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره سواء كان الإشكال ~~من جهة اللفظ أو من جهة المعنى، ms0925 ذكره الراغب. # قال في مفردات القرآن: والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته ~~بغيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ~~ينبىء ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك: أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة ~~أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه. # فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من ~~جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما. # والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك ~~إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد ~~والعين، والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب ~~لاختصار الكلام نحو "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء" وضرب لبسط الكلام نحو ليس كمثله شيء لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان ~~أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام نحو "أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ~~قيما" تقديره الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا وقوله: ولو لا رجال مؤمنون إلى ~~قوله لو تزيلوا. # والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك ~~الصفات لا تتصور لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن ~~من جنس ما لم نحسه. # والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية ~~كالعموم والخصوص نحو اقتلوا المشركين، والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب ~~والندب نحو فانكحوا ما طاب لكم، والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ ~~نحو اتقوا الله حق تقاته، والرابع: من جهة المكان أو الأمور التي نزلت فيها ~~نحو وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، وقوله: إنما النسيء زيادة في ~~الكفر، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه ~~الآية، والخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلوة ~~والنكاح. # وهذه الجملة إذا تصورت علم: أن كل ما ذكره المفسرون في ms0926 تفسير المتشابه لا ~~يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه الم، وقول قتادة: المحكم ~~الناسخ والمتشابه المنسوخ، وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله ~~والمتشابه ما اختلف فيه. # ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة ~~وخروج دابة الأرض وكيفية الدابة ونحو ذلك. # وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة وضرب ~~متردد بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ~~ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله (عليه السلام) في علي رضي ~~الله عنه: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وقوله لابن عباس مثل ذلك، ~~انتهى كلامه وهو أعم الأقوال في معنى المتشابه جمع فيها بين عدة من الأقوال ~~المتقدمة. # وفيه: أولا: أن تعميمه المتشابه لموارد الشبهات اللفظية كغرابة اللفظ ~~وإغلاق التركيب والعموم والخصوص ونحوها لا يساعد عليه ظاهر الآية، فإن ~~الآية جعلت المحكمات مرجعا يرجع إليه المتشابهات، ومن المعلوم أن غرابة ~~اللفظ وأمثالها لا تنحل عقدتها من جهة دلالة المحكمات، بل لها مرجع آخر ~~ترجع إليه وتتضح به. # وأيضا: الآية تصف المتشابهات بأنها من شأنها أن تتبع لابتغاء الفتنة، ومن ~~المعلوم: أن اتباع العام من غير رجوع إلى مخصصه، والمطلق من غير رجوع إلى ~~مقيده وأخذ اللفظ الغريب مع الإعراض عما يفسره في اللغة مخالف لطريقة أهل ~~اللسان لا تجوزه قريحتهم فلا يكون بالطبع موجبا لإثارة الفتنة لعدم مساعدة ~~اللسان عليه. PageV03P022 # وثانيا: أن تقسيمه المتشابه بما يمكن فهمه لعامة الناس وما لا يمكن فهمه ~~لأحد وما يمكن فهمه لبعض دون بعض ظاهر في أنه يرى اختصاص التأويل ~~بالمتشابه، وقد عرفت خلافه. # هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه وتمييز مواردهما، ~~وقد عرفت ما فيها، وعرفت أيضا أن الذي يظهر من الآية على ظهورها وسطوع ~~نورها خلاف ذلك كله، وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه: أن تكون الآية ~~مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث يعالجه ms0927 ~~الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد ~~ونحو ذلك بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة لا ريب فيه ~~تبين حال المتشابهة. # ومن المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلا مع كون ما ~~يتبع من المعنى مألوفا مأنوسا عند الأفهام العامية تسرع الأذهان الساذجة ~~إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام ~~الضعيفة الإدراك والتعقل. # وأنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرف فيها الفرق ~~الإسلامية عن الحق القويم بعد زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء ~~كان في المعارف أو في الأحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه، ~~والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه. # ففرقة تتمسك من القرآن بآيات للتجسيم، وأخرى للجبر، وأخرى للتفويض وأخرى ~~لعثرة الأنبياء، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات، وأخرى للتشبيه الخالص ~~وزيادة الصفات، إلى غير ذلك، كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى ~~المحكم الحاكم فيه. # وطائفة ذكرت: أن الأحكام الدينية إنما شرعت لتكون طريقا إلى الوصول فلو ~~كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه فإنما المطلوب هو ~~الوصول بأي طريق اتفق وتيسر، وأخرى قالت إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال، ~~ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل. # وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ~~ومقامة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشذ منها شاذ ثم لم ~~تزل بعد ارتحاله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنقص وتسقط حكما فحكما، يوما ~~فيوما بيد الحكومات الإسلامية، ولم يبطل حكم أو حد إلا واعتذر المبطلون: أن ~~الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس، وما أحدثوه أصلح لحال الناس ~~اليوم، حتى آل الأمر إلى ما يقال: إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح ~~الدنيا بإجرائها، والدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية ولا تهضمها بل ~~تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم وإجراءها، وإلى ما ms0928 يقال إن التلبس ~~بالأعمال الدينية لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكرة والإرادة الصالحتين، ~~والقلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية، والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في ~~غنى عن التطهر بأمثال الوضوء والغسل والصلوة والصوم. # إذا تأملت في هذه وأمثالها وهي لا تحصى كثرة وتدبرت في قوله تعالى: فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~الآية، لم تشك في صحة ما ذكرناه، وقضيت بأن هذه الفتن والمحن التي غادرت ~~الإسلام والمسلمين لم تستقر قرارها إلا من طريق اتباع المتشابه، وابتغاء ~~تأويل القرآن. # وهذا والله أعلم هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب، وإصراره ~~البالغ على النهي عن اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل والإلحاد في ~~آيات الله والقول فيها بغير علم واتباع خطوات الشيطان فإن من دأب القرآن ~~أنه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين فتنهدم ~~به بنيته كالتشديد الواقع في تولي الكفار، ومودة ذوي القربى، وقرار أزواج ~~النبي، ومعاملة الربا، واتحاد الكلمة في الدين وغير ذلك. PageV03P023 # ولا يغسل رين الزيغ من القلوب ولا يسد طريق ابتغاء الفتنة اللذين منشؤهما ~~الركون إلى الدنيا والإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى إلا ذكر يوم الحساب كما ~~قال تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص - 26، ولذلك ترى الراسخين في ~~العلم المتأبين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة ~~مقالهم حيث يقولون: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد. # 2 - ما معنى كون المحكمات أم الكتاب # ذكر جماعة: أن كون الآيات المحكمة أم الكتاب كونها أصلا في الكتاب عليه ~~تبتني قواعد الدين وأركانها فيؤمن بها، ويعمل بها وليس الدين إلا مجموعا من ~~الاعتقاد والعمل، وأما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها وتشابه مدلولها ~~لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيمانا. # وأنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم أن هذا لازم بعض الأقوال ms0929 ~~المتقدمة، وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل ~~يتعذر الوصول إليه وفهمه، أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه ~~في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح ~~إليها في رفع الشبهات اللفظية. # وقال آخرون: إن معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها، وكلامهم ~~مختلف في تفسير هذا الرجوع فظاهر بعضهم: أن المراد بالرجوع هو قصر ~~المتشابهات على الإيمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة ~~يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة، وهذا القول لا يغاير القول ~~الأول كثير مغايرة، وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة ~~للمتشابهات، رافعة لتشابهها. # والحق هو المعنى الثالث، فإن معنى الأمومة الذي تدل عليه قوله: هن أم ~~الكتاب الآية يتضمن عناية زائدة وهو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الأم ~~في القول الأول، فإن في هذه اللفظة. # أعني لفظة الأم عناية بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعض، فلا تخلو ~~اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على ~~المحكمات، ولازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات. # على أن المتشابه إنما كان متشابها لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل، فإن ~~التأويل كما مر يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه، والقرآن يفسر بعضه بعضا، ~~فللمتشابه مفسر وليس إلا المحكم، مثال ذلك قوله تعالى: "إلى ربها ناظرة": ~~القيامة - 23، فإنه آية متشابهة، وبإرجاعها إلى قوله تعالى: "ليس كمثله ~~شيء": الشورى - 11، وقوله تعالى لا تدركه الأبصار": الأنعام - 103، يتبين: ~~أن المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي، وقد قال تعالى: "ما ~~كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى إلى أن قال لقد رأى من ءايات ربه ~~الكبرى": النجم - 18، فأثبت للقلب رؤية تخصه، وليس هو الفكر فإن الكفر إنما ~~يتعلق بالتصديق والمركب الذهني والرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني، فيتبين ~~بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسية المادية ولا بالعقلية الذهنية، والأمر ~~على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات. # 3 - ما معنى التأويل؟ # فسر قوم من المفسرين ms0930 التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام وإذ كان ~~المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة كان المراد بالتأويل على هذا من قوله ~~تعالى وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية هو المعنى المراد ~~بالآية، المتشابهة، فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابه على هذا القول ~~لغير الله سبحانه أو لغيره وغير الراسخين في العلم. # وقالت طائفة أخرى: إن المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ، ~~وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ ~~لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع. # وكيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الأول هو ~~الذي كان شائعا بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول: إن التأويل لا ~~يعلمه إلا الله، ومن كان يقول إن الراسخين في العلم أيضا يعلمونه كما نقل ~~عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله. PageV03P024 # وذهب طائفة أخرى: إلى أن التأويل معنى من معاني الآية لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر ~~اللفظ، فيرجع الأمر إلى أن للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض، ~~منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه لا يناله ~~إلا الله سبحانه أو هو تعالى والراسخون في العلم. # وقد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ فإن من المتيقن ~~أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليست في عرض واحد وإلا لزم استعمال اللفظ ~~في أكثر من معنى واحد وهو غير جائز على ما بين في محله، فهي لا محالة معان ~~مترتبة في الطول: فقيل: إنها لوازم معنى اللفظ إلا أنها لوازم مترتبة بحيث ~~يكون للفظ معنى مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا، وقيل: إنها معان ~~مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإرادة المعنى المعهود ~~المألوف إرادة لمعنى اللفظ وإرادة لباطنه بعين إرادته نفسه كما إنك إذا ~~قلت: اسقني فلا تطلب بذاك ms0931 إلا السقي وهو بعينه طلب للإرواء، وطلب لرفع ~~الحاجة الوجودية، وطلب للكمال الوجودي وليس هناك أربعة أوامر ومطالب، بل ~~الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الأمور التي بعضها في باطن ~~بعض والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها. # وهاهنا قول رابع: وهو أن التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ بل ~~هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام، فإن كان الكلام حكما إنشائيا ~~كالأمر والنهي فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله وتشريعه، ~~فتأويل قوله: أقيموا الصلاة مثلا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم ~~بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وإن كان الكلام خبريا ~~فإن كان إخبارا عن الحوادث الماضية كان تأويله نفس الحادثة الواقعة في ظرف ~~الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الأنبياء والأمم الماضية فتأويلها نفس ~~القضايا الواقعة في الماضي، وإن كان إخبارا عن الحوادث والأمور الحالية ~~والمستقبلة فهو على قسمين: فإما أن يكون المخبر به من الأمور التي تناله ~~الحواس أو تدركه العقول كان أيضا تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة ~~كقوله تعالى: "وفيكم سماعون لهم": التوبة - 47، وقوله تعالى: "غلبت الروم ~~في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين": الروم - 4 وإن كان ~~من الأمور المستقبلة الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك ~~حقيقتها عقولنا كالأمور المربوطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات ~~والجمع والسؤال والحساب وتطاير الكتب، أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان ~~وإدراك العقول كحقيقة صفاته وأفعاله تعالى فتأويلها أيضا نفس حقائقها ~~الخارجية. # والفرق بين هذا القسم أعني الآيات المبينة لحال صفات الله تعالى وأفعاله ~~وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة ونحوها وبين الأقسام الأخر أن الأقسام ~~الأخر يمكن حصول العلم بتأويلها بخلاف هذا القسم، فإنه لا يعلم حقيقة ~~تأويله إلا الله تعالى، نعم يمكن أن يناله الراسخون في العلم بتعليم الله ~~تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم، وأما حقيقة الأمر الذي هو حق ~~التأويل فهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه. # فهذا هو الذي ms0932 يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل، وهي أربعة. # وهاهنا أقوال أخر ذكروها هي في الحقيقة من شعب القول الأول وإن تحاشى ~~القائلون بها عن قبوله. # فمن جملتها أن التفسير أعم من التأويل وأكثر استعماله في الألفاظ ~~ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل ~~التأويل في الكتب الإلهية، ويستعمل التفسير فيها وفي غيرها. # ومن جملتها: أن التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا ~~والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا. # ومن جملتها: أن التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ والتأويل ترجيع أحد ~~المحتملات من المعاني غير المقطوع بها، وهو قريب من سابقه. # ومن جملتها: أن التفسير بيان دليل المراد والتأويل بيان حقيقة المراد، ~~مثاله: قوله تعالى: إن ربك لبالمرصاد فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: ~~رصد يرصد إذا راقب، وتأويله التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عنه. PageV03P025 # ومن جملتها: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ والتأويل بيان المعنى ~~المشكل. # ومن جملتها: أن التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية. # ومن جملتها: أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع والتأويل يتعلق ~~بالاستنباط والنظر. # فهذه سبعة أقوال هي في الحقيقة من شعب القول الأول الذي نقلناه، يرد ~~عليها ما يرد عليه وكيف كان فلا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة ~~وما ينشعب منها. # أما إجمالا: فلأنك قد عرفت: أن المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من ~~المفاهيم تدل عليه الآية سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا، بل هو من قبيل ~~الأمور الخارجية، ولا كل أمر خارجي حتى يكون المصداق الخارجي للخبر تأويلا ~~له، بل أمر خارجي مخصوص نسبته إلى الكلام نسبة الممثل إلى المثل بفتحتين ~~والباطن إلى الظاهر. # وأما تفصيلا فيرد على القول الأول: أن أقل ما يلزمه أن يكون بعض الآيات ~~القرآنية لا ينال تأويلها أي تفسيرها أي المراد من مداليلها اللفظية عامة ~~الأفهام، وليس في القرآن آيات كذلك بل القرآن ناطق بأنه إنما أنزل قرآنا ~~ليناله الأفهام، ولا مناص لصاحب هذا القول إلا أن يختار أن ms0933 الآيات ~~المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطعة حيث لا ينال معانيها عامة ~~الأفهام، ويرد عليه: أنه لا دليل عليه، ومجرد كون التأويل مشتملا على معنى ~~الرجوع وكون التفسير أيضا غير خال عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو ~~التفسير كما أن الأم مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم، والرئيس مرجع للمرءوس ~~وليس بتأويل له. # على أن ابتغاء الفتنة عد في الآية خاصة مستقلة للتشابه وهو يوجد في غير ~~فواتح السور فإن أكثر الفتن المحدثة في الإسلام إنما حدثت باتباع علل ~~الأحكام وآيات الصفات وغيرها. # وأما القول الثاني فيرد عليه: أن لازمه وجود آيات في القرآن أريد بها ~~معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدين بتنافيه مع المحكمات، ~~ومرجعه إلى أن في القرآن اختلافا بين الآيات لا يرتفع إلا بصرف بعضها عن ~~ظواهرها إلى معان لا يفهمها عامة الأفهام، وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله ~~تعالى: "أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا": النساء - 82، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بأن يقال: إنه ~~أريد بإحداهما أو بهما معا غير ما يدل عليه الظاهر بل معنى تأويلي ~~باصطلاحهم لا يعلمه إلا الله سبحانه مثلا لم تنجح حجة الآية، فإن انتفاء ~~الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام ولو كان لغير الله أمر ~~ممكن، ولا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر، إذ من الواضح أن كل كلام حتى ~~القطعي الكذب واللغو يمكن إرجاعه إلى الصدق والحق بالتأويل والصرف عن ~~ظاهره، فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام ~~من يتعالى عن اختلاف الأحوال، وتناقض الآراء، والسهو والنسيان والخطاء ~~والتكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية، فالآية بلسان ~~احتجاجها صريح في أن القرآن معرض لعامة الأفهام، ومسرح للبحث والتأمل ~~والتدبر، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي ولا أن فيه ~~أحجية وتعمية. # وأما القول الثالث فيرد عليه: أن اشتمال الآيات القرآنية على ms0934 معان مترتبة ~~بعضها فوق بعض وبعضها تحت بعض مما لا ينكره إلا من حرم نعمة التدبر، إلا ~~أنها جميعا - وخاصة لو قلنا إنها لوازم المعنى - مداليل لفظية مختلفة من ~~حيث الانفهام وذكاء السامع المتدبر وبلادته، وهذا لا يلائم قوله تعالى في ~~وصف التأويل: وما يعلم تأويله إلا الله، فإن المعارف العالية والمسائل ~~الدقيقة لا يختلف فيها الأذهان من حيث التقوى وطهارة النفس بل من حيث الحدة ~~وعدمها، وإن كانت التقوى وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة ~~الإلهية لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية كما هو ظاهر قوله وما يعلم ~~تأويله إلا الله. PageV03P026 # وأما القول الرابع فيرد عليه: أنه وإن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه ~~الآخر فإنه وإن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد لجميع ~~القرآن، وأن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه ~~الكلام لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق ~~الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة تأويلا للكلام، وفي حصر ~~المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة. # توضيحه: أن المراد حينئذ من التأويل في قوله تعالى: وابتغاء تأويله "الخ" ~~إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله: وما ~~يعلم تأويله إلا الله "الخ" فإن كثيرا من تأويل القرآن وهو تأويلات القصص ~~بل الأحكام أيضا وآيات الأخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى وغير الراسخين ~~في العلم من الناس حتى الزائغون قلبا على قوله فإن الحوادث التي تدل عليها ~~آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم، وكذا ~~الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات ~~والمعاملات وسائر الأمور المشرعة. # وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله: ~~وما يعلم تأويله إلا الله الخ، وأفاد أن غيره تعالى وغير الراسخين في العلم ~~مثلا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه، وهو يؤدي إلى الفتنة وإضلال ms0935 ~~الناس لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات ~~والقيامة فإن الفتنة والضلال كما يوجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من ~~آيات الأحكام والقصص وغيرهما كأن يقول القائل وقد قيل إن المراد من تشريع ~~الأحكام إحياء الاجتماع الإنساني بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح، فلو ~~فرض أن صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع، أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت ~~وجب اتباعه وإلغاء الحكم الديني المشرع. # وكأن يقول القائل وقد قيل إن المراد من كرامات الأنبياء المنقولة في ~~القرآن أمور عادية، وإنما نقل بألفاظ ظاهرها خلاف العادة لصلاح استمالة ~~قلوب العامة لانجذاب نفوسهم وخضوع قلوبهم لما يتخيلونه خارقا للعادة قاهرا ~~لقوانين الطبيعة. # ويوجد في المذاهب المنشعبة المحدثة في الإسلام شيء كثير من هذه الأقاويل، ~~وجميعها من التأويل في القرآن ابتغاء للفتنة بلا شك، فلا وجه لقصر المتشابه ~~على آيات الصفات وآيات القيامة. # إذا عرفت ما مر علمت: أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية ~~التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة، وأنه موجود ~~لجميع الآيات القرآنية: محكمها ومتشابهها، وأنه ليس من قبيل المفاهيم ~~المدلول عليها بالألفاظ بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها ~~شبكات الألفاظ، وإنما قيدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا ~~بعض التقريب فهي كالأمثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم ~~السامع كما قال تعالى: "والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف - 4 وفي القرآن تصريحات ~~وتلويحات بهذا المعنى. # على أنك قد عرفت فيما مر من البيان أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في ~~الموارد التي - استعملها وهي ستة عشر موردا على ما عدت - إلا في المعنى ~~الذي ذكرناه. # 4 - هل يعلم تأويل القرآن غير الله سبحانه # هذه المسألة أيضا من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين، ومنشؤه الخلاف ~~الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل ~~من ms0936 عند ربنا الآية، وأن الواو هل هو للعطف أو للاستيناف، فذهب بعض القدماء ~~والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف وأن الراسخين في ~~العلم يعلمون تأويل المتشابه من القرآن، وذهب معظم القدماء والحنفية من أهل ~~السنة إلى أنه للاستيناف وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله وهو مما ~~استأثر الله سبحانه بعلمه. # وقد استدلت الطائفة الأولى على مذهبها بوجوه كثيرة، وببعض الروايات. # والطائفة الثانية بوجوه أخر وعدة من الروايات الواردة في أن تأويل ~~المتشابهات مما استأثر الله سبحانه بعلمه وتمادت كل طائفة في مناقضة ~~صاحبتها والمعارضة مع حججها. PageV03P027 # والذين ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام أن المسألة لم تخل عن الخلط ~~والاشتباه من أول ما دارت بينهم ووقعت موردا للبحث والتنقير، فاختلط رجوع ~~المتشابه إلى المحكم. # وبعبارة أخرى المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبىء به ما ~~عنونا به المسألة وقررنا عليه الخلاف وقول كل من الطرفين آنفا. # ولذلك تركنا التعرض لنقل حجج الطرفين لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها ~~بعد ابتنائها على الخلط وأما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب فإن ~~الروايات المثبتة، أعني الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل ~~فإنها أخذت التأويل مرادفا للمعنى المراد من لفظ المتشابه ولا تأويل في ~~القرآن بهذا المعنى. # كما روي من طرق أهل السنة: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا لابن ~~عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وما روي من قول ابن عباس: ~~أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله، ومن قوله: إن المحكمات هي ~~الآيات الناسخة والمتشابهات هي المنسوخة فإن لازم هذه الروايات على ما ~~فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة وهو الذي أشرنا ~~إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظر الآية. # وأما الروايات النافية أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات ~~مثل ما روي: أن ابن عباس كان يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله ويقول ~~الراسخون في العلم آمنا به وكذلك كان يقرأ أبي ms0937 بن كعب. # وما روي أن ابن مسعود كان يقرأ: وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به، فهذه لا تصلح لإثبات شيء: أما أولا: فلأن هذه ~~القراءات لا حجية فيها وأما ثانيا: فلأن غاية دلالتها أن الآية لا تدل على ~~علم الراسخين في العلم بالتأويل وعدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على ~~عدمه كما هو المدعى فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر. # ومثل ما في الدر المنثور، عن الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال أن ~~يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن ~~يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به - كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب، وأن يكثر علمهم فيضيعونه ~~ولا يبالون به. # وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلا على نفيه عن مطلق ~~المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم ولا ينفع المستدل إلا الثاني. # ومثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه. # وعدم دلالتها على النفي مما لا يرتاب فيه. # ومثل ما في تفسير الآلوسي، عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن ~~على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العلماء، ~~ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب. # والحديث مع كونه مرفوعا ومعارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له وادعائه ~~العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد ~~بالمتشابه على ما عرفت فيما مر. # والذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى، ~~وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك. # أما الجهة الثانية فلما مر في البيان السابق: أن الآية بقرينة صدرها ~~وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى ~~المحكم والمتشابه، وتفرق الناس في الأخذ بها ms0938 فهم بين مائل إلى اتباع ~~المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في ~~علمه، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في ~~الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم، ~~والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ولا دليل على تشريكهم في العلم ~~بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة، إليها فيبقى الحصر ~~المدلول عليه بقوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله من غير ناقض ينقضه من ~~عطف واستثناء وغير ذلك. # فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به. PageV03P028 # لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في ~~نظائره مثل العلم بالغيب قال تعالى قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب ~~إلا الله": النمل - 65، وقال تعالى: "إنما الغيب لله: يونس - 20، وقال ~~تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو": الأنعام - 59، فدل جميع ذلك ~~على الحصر ثم قال تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~من رسول: الجن - 27، فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول، ~~ولذلك نظائر في القرآن. # وأما الجهة الأولى - وهي أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره ~~تعالى في الجملة - فبيانه: أن الآيات كما عرفت تدل على أن تأويل الآية أمر ~~خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل، فهو وإن لم يكن مدلولا ~~للآية بما لها من الدلالة لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية ~~والحفظ، نظير قولك: "في الصيف ضيعت اللبن" لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من ~~قبل، فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل وهو تضييع المرأة اللبن في الصيف ~~لا ينطبق شيء منه على المورد، وهو مع ذلك ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره ~~في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله. # كذلك أمر التأويل فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو ~~بيان ms0939 معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصة من القصص ~~القرآنية وإن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهي أو البيان ~~أو الواقعة الكذائية إلا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ~~ينتشي منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة كما ~~أن قول السيد لخادمه، اسقني ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الإنسانية لكمالها، ~~فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء، وهو يقتضي بدل ~~ما يتحلل من البدن، وهو يقتضي الغذاء اللازم، وهو يقتضي الري، وهو يقتضي ~~الأمر بالسقي مثلا، فتأويل قوله: اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية ~~الإنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه، ولو تبدلت هذه الحقيقة ~~الخارجية إلى شيء آخر يباين الأول مثلا لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي ~~إلى حكم آخر وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من ~~المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم إنما يرتضع من ~~ثدي الحسن والقبح الذي عندهم وهو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل ~~زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه ~~وتكرر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته، فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي ~~تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكية مضمنة ~~محفوظة بالفعل أو الترك، ولو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتي به من ~~الفعل أو الترك. # فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثة يتغير بتغير ~~التأويل لا محالة، ولذلك ترى أنه تعالى في قوله: فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله الآية، لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاء ~~للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له وليس إلا لأن ~~التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه ~~اتباعا حقا غير مذموم وتبدل ms0940 الأمر الذي يدل عليه المحكم وهو المراد من ~~المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتبعوه. # فقد تبين: أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في ~~معارفها وشرائعها وسائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شيء من تلك الحقائق ~~انقلب ما في الآيات من المضامين. PageV03P029 # وإذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى: والكتاب ~~المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي ~~حكيم": الزخرف - 4، فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند الله أمرا أعلى ~~وأحكم من أن يناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصل لكنه تعالى عناية بعباده ~~جعله كتابا مقررا وألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى ~~عقله ومعرفته ما دام في أم الكتاب، وأم الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله: ~~"يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": الرعد - 39، وبقوله: "بل هو ~~قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج - 22. # ويدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ~~من لدن حكيم خبير": هود - 1، فالإحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا ~~فصل، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وآية آية وتنزيله على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى: "وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء - 106، فقد كان ~~القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا وأوحي نجوما. # وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على حال الذي هو عليه ~~الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق وأنزل على النبي ~~نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرىء منا قطعات ثم ~~يعلمه ويقريه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه. # وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على ~~المتعلم فرقا بينا وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي (صلى ~~الله عليه ms0941 وآله وسلم) ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم ~~فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم ~~بعضها إلى بعض في زمان واحد، ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى: "فاعف ~~عنهم واصفح": المائدة - 13، وقوله تعالى: "قاتلوا الذين يلونكم من الكفار": ~~التوبة - 123، وقوله تعالى: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها": ~~المجادلة - 1، وقوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة": التوبة - 103، ونحو ذلك ~~فيلغى سبب النزول وزمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان ~~حيوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمراد بالقرآن في قوله: وقرآنا ~~فرقناه غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة. # وبالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرؤه ونعقله من القرآن ~~أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال - وهو الذي ~~يسميه تعالى بالكتاب الحكيم - وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن ~~المنزل ومضامينه، وليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول ~~عليها بها، وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق ~~أوصافه ونعوته عليه. # وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل، ويظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه ~~الأفهام العادية والنفوس غير المطهرة. # ثم إنه تعالى قال: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون": ~~الواقعة - 79، ولا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله هم ~~يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير، ومن ~~التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه وليس هذا المس إلا نيل الفهم ~~والعلم، ومن المعلوم أيضا: أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول ~~عليه بقوله: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وهو المذكور في ~~قوله: وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم. PageV03P030 # وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم، وليس ينزلها إلا الله سبحانه، فإنه ~~تعالى لم يذكرها إلا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى: "إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا": الأحزاب - 33، وقوله تعالى: ms0942 ~~"ولكن يريد ليطهركم": المائدة - 6، وما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية ~~إلا منسوبة إلى الله أو بإذنه، وليست الطهارة إلا زوال الرجس من القلب، ~~وليس القلب من الإنسان إلا ما يدرك به ويريد به، فطهارة القلب طهارة نفس ~~الإنسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين، ويرجع إلى ~~ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك ونوسان بين ~~الحق والباطل، وثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمايل إلى اتباع ~~الهوى ونقض ميثاق العلم وهذا هو الرسوخ في العلم فإن الله سبحانه ما وصف ~~الراسخين في العلم إلا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم ~~إلى ابتغاء الفتنة، فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم، هذا. # ولكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان، فإن المقدار ~~الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل، ولازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين ~~في علومهم، لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى الله وهو تعالى سبب غير مغلوب، ~~لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم أي إن الرسوخ في ~~العلم سبب للعلم، بالتأويل فإن الآية لا تثبت ذلك، بل ربما لاح من سياقها ~~جهلهم بالتأويل حيث قال تعالى: يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية، وقد ~~وصف الله تعالى رجالا من أهل الكتاب برسوخ العلم ومدحهم بذلك، وشكرهم على ~~الإيمان والعمل الصالح في قوله: "لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" الآية: النساء - 162، ولم يثبت مع ~~ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب. # وكذلك إن الآية أعني قوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون لم تثبت للمطهرين ~~إلا مس الكتاب في الجملة، وأما أنهم يعلمون كل التأويل ولا يجهلون شيئا منه ~~ولا في وقت فهي ساكتة عن ذلك، ولو ثبت لثبت بدليل منفصل. # 5 - ما هو السبب في اشتمال الكتاب على المتشابه؟ # ومن الاعتراضات التي أوردت على القرآن الكريم الاعتراض باشتماله على ~~المتشابهات وهو أنكم تدعون ms0943 أن تكاليف الخلق إلى يوم القيامة فيه، وأنه قول ~~فصل يميز بين الحق والباطل، ثم إنا نراه يتمسك به كل صاحب مذهب من المذاهب ~~المختلفة بين المسلمين لإثبات مذهبه، وليس ذلك إلا لوقوع التشابه في آياته، ~~أفليس أنه لو جعله جليا نقيا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى الغرض ~~المطلوب، وأقطع لمادة الخلاف والزيغ؟. # وأجيب عنه بوجوه من الجواب بعضها ظاهر السخافة كالجواب بأن وجود ~~المتشابهات يوجب صعوبة تحصيل الحق ومشقة البحث وذلك موجب لمزيد الأجر ~~والثواب! وكالجواب بأنه لو لم يشتمل إلا على صريح القول في مذهب لنفر ذلك ~~سائر أرباب المذاهب فلم ينظروا فيه، لكنه لوجود التشابه فيه أطمعهم في ~~النظر فيه وكان في ذلك رجاء أن يظفروا بالحق فيؤمنوا به! وكالجواب بأن ~~اشتماله على المتشابه أوجب الاستعانة بدلالة العقل، وفي ذلك خروج عن ظلمة ~~التقليد ودخول في ضوء النظر والاجتهاد! وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه ~~أوجب البحث عن طرق التأويلات المختلفة، وفي ذلك فائدة التضلع بالفنون ~~المختلفة كعلم اللغة والصرف والنحو وأصول الفقه!. # فهذه أجوبة سخيفة ظاهرة السخافة بأدنى نظر والذي يستحق الإيراد والبحث من ~~الأجوبة وجوه ثلاثة: الأول: أن اشتمال القرآن الكريم على المتشابهات لتمحيص ~~القلوب في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا ~~شبهة فيه عند أحد لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى ~~والتسليم لرسله. PageV03P031 # وفيه: أن الخضوع هو نوع انفعال وتأثر من الضعيف في مقابل القوي، والإنسان ~~إنما يخضع لما يدرك عظمته أو لما لا يدركه لعظمته وبهورة الإدراك كقدرة ~~الله غير المتناهية وعظمته غير المتناهية وسائر صفاته التي إذا واجهها ~~العقل رجع القهقرى لعجزه عن الإحاطة بها، وأما الأمور التي لا ينالها العقل ~~لكنه يغتر ويغادر باعتقاد أنه يدركها فما معنى خضوعه لها؟ كالآيات ~~المتشابهة التي يتشابه أمرها على العقل فيحسب أنه يعقلها وهو لا يعقل. # الثاني: أن اشتماله على المتشابه إنما هو لبعث العقل على البحث والتنقير، ~~لئلا يموت بإهماله بإلقاء ms0944 الواضحات التي لا يعمل فيها عامل الفكر، فإن ~~العقل أعز القوى الإنسانية التي يجب تربيتها بتربية الإنسان. # وفيه: أن الله تعالى أمر الناس بإعمال العقل والفكر في الآيات الآفاقية ~~والأنفسية إجمالا في موارد من كلامه، وتفصيلا في موارد أخرى كخلق السماوات ~~والأرض والجبال والشجر والدواب والإنسان واختلاف ألسنته وألوانه، وندب إلى ~~التعقل والتفكر والسير في الأرض والنظر في أحوال الماضين، وحرض على العقل ~~والفكر، ومدح العلم بأبلغ المدح وفي ذلك غنى عن البحث في أمور ليس إلا ~~مزالق للأقدام ومصارع للأفهام. # الثالث: أن الأنبياء بعثوا إلى الناس وفيهم العامة والخاصة، والذكي ~~والبليد والعالم والجاهل، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة ~~تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء، فالحري في أمثال ~~هذه المعاني أن تلقى بحيث يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر ~~العامة فيها بالتسليم وتفويض الأمر إلى الله تعالى. # وفيه: أن الكتاب كما يشتمل على المتشابهات كذلك يشتمل على المحكمات التي ~~تبين المتشابهات بالرجوع إليها، ولازم ذلك أن لا تتضمن المتشابهات أزيد مما ~~يكشف عنها المحكمات، وعند ذلك يبقى السؤال وهو أنه ما فائدة وجود ~~المتشابهات في الكتاب ولا حاجة إليها مع وجود المحكمات؟ على حاله، ومنشأ ~~الاشتباه أن المجيب أخذ المعاني نوعين متباينين: معان يفهمها جميع ~~المخاطبين من العامة والخاصة وهي مداليل المحكمات، ومعان سنخها بحيث لا ~~يتلقاها إلا الخاصة من المعارف العالية والحكم الدقيقة، فصار بذلك ~~المتشابهات لا ترجع معانيها إلى المحكمات، وقد مر أن ذلك مخالف لمنطوق ~~الآيات الدالة على أن القرآن يفسر بعضه بعضا وغير ذلك. # والذي ينبغي أن يقال: أن وجود المتشابه في القرآن ضروري ناش عن وجود ~~التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضا بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مر. # ويتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني والتعليم ~~الإلهي والأمور التي بنيت عليها معارفه والغرض الأقصى من ذلك وهي أمور: ~~منها: أن الله سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلا هو الذي تدور مداره المعارف ~~القرآنية والأحكام والقوانين ms0945 وسائر ما يتضمنه التعليم الإلهي، وأن هذا ~~التأويل الذي تستقبله وتتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر يقصر عن نيله ~~الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول إلا نفوس طهرهم الله وأزال عنهم ~~الرجس، فإن لهم خاصة أن يمسوه. # وهذا غاية ما يريده تعالى من الإنسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن ~~يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شيء، ومفتاحه التطهير الإلهي، وقد ~~قال تعالى: "ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم": ~~المائدة - 7، فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الإلهي. # وهذا الكمال الإنساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر بكمالها إلا ~~أفراد خاصة، وإن كانت الدعوة متعلقه بالجميع متوجهة إلى الكل، فتربية الناس ~~بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة وبعض التطهير في ~~آخرين، ويختلف ذلك باختلاف درجات الناس، كما أن الإسلام يدعو إلى حق التقوى ~~في العمل. PageV03P032 # قال تعالى: "اتقوا الله حق تقاته": آل عمران - 102، ولكن لا يحصل كماله إلا ~~في أفراد وفيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل، كل ذلك لاختلاف ~~الناس في طبائعهم وأفهامهم، وهكذا جميع الكمالات الاجتماعية من حيث التربية ~~والدعوة، يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم والصنعة ~~والثروة والراحة وغيرها لكن لا ينالها إلا البعض، ومن دونه ما دونها على ~~اختلاف مراتب الاستعدادات. # وبالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه. # ومنها: أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإنسان إلى هذه ~~الغاية الشريفة تعريف نفس الإنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم والعمل: ~~أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدإ والمعاد وما ~~بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبطه به من الواقعيات معرفة ~~حقيقية وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن ~~حيوته الاجتماعية، ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان، ثم بتحميل ~~تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه، وخلوص قلبه إلى ~~المبدإ والمعاد، وإشرافه ms0946 على عالم المعنى والطهارة، والتجنب عن قذارة ~~الماديات وثقلها. # وأنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه": الفاطر - 10، وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى: ~~ولكن يريد ليطهركم الآية، وإلى قوله تعالى: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم": المائدة - 105، وقوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة - 11، وما يشابهه من الآيات اتضح لك ~~الغرض الإلهي في تشريع الدين وهداية الإنسان إليه، والسبيل الذي سلكه لذلك فافهم. # ويتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام ~~مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها، والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة ~~بالله وبآياته، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية ~~من الإسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر ~~المعرفة. # وهذه النتيجة - على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضا: ~~فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شئون الدين الإسلامي بين هذه ~~الأمة وأمعنت النظر فيه: من أين شرع وفي أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من ~~الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف. # وقد ذكرناك فيما مر: أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها، ~~ولم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم. # ومنها: أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز ~~العلم بينهم ما استطيع، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة، وكيف ~~لا؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب، ولا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم ~~ويحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن والإسلام. # وهذا المعنى هو الموجب لأن يبين الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا، ~~وارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا، وبعبارة أخرى ~~أن يفهمه أنه موجود مخلوق لله تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته ~~وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها، وأنه سائر ~~إلى معاده وميعاده سيرا اضطراريا، وكادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم ms0947 يجزى جزاء ~~ما عمله، أيما إلى جنة، أيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف. # ثم يفهمه أن الأعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي، وما تؤديه إلى ~~شقوة النار ما هي؟ أي يبين له الأحكام العبادية والقوانين الاجتماعية، وهذه ~~طائفة أخرى. # ثم يبين له: أن هذه الأحكام والقوانين مؤدية إلى السعادة أي يفهمه: أن ~~هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الأولى، وأن تشريعها وجعلها للإنسان ~~إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الإنسان في الدنيا والآخرة، وهذه ~~طائفة ثالثة. # وظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة، والطائفة الأولى بمنزلة ~~النتيجة، والطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية بالأولى، ~~ودلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة ولا حاجة إلى ~~إيرادها. PageV03P033 # ومنها: أنه لما كانت عامة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم ~~إلى ما فوق عالم المادة والطبيعة، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات ~~العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكليات القواعد والقوانين يختلف أمره ~~باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني والكليات كان ذلك ~~موجبا لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس والمحسوس اختلافا ~~شديدا ذا عرض عريض على مراتب مختلفة، وهذا أمر لا ينكره أحد. # ولا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسان إلا من طريق معلوماته الذهنية ~~التي تهيأت عنده في خلال حيوته وعيشته، فإن كان مأنوسا بالحس فمن طريق ~~المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحس كما يمثل لذة النكاح للصبي ~~بحلاوة الحلواء، وإن كان نائلا للمعاني الكلية فبما نال، وعلى قدر ما نال ~~وهذا ينال المعاني من البيان الحسي والعقلي معا بخلاف المأنوس بالحس. # ثم إن الهداية الدينية لا تختص بطائفة دون طائفة من الناس بل تعم جميع ~~الطوائف وتشمل عامة الطبقات وهو ظاهر. # وهذا المعنى أعني اختلاف الأفهام وعموم أمر الهداية مع ما عرفت من وجود ~~التأويل للقرآن هو الموجب أن يساق البيانات مساق الأمثال، وهو أن يتخذ ما ~~يعرفه الإنسان ويعهده ذهنه من المعاني فيبين ms0948 به ما لا يعرفه لمناسبة ما ~~بينهما نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو ~~حجم أو نوع إلا ما بينهما من المناسبة وزنا. # والآيات القرآنية المذكورة سابقا كقوله تعالى: "إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف - 4، وما يشابهه ~~من الآيات وإن بينت هذا الأمر بطريق الإشارة والكناية، لكن القرآن لم يكتف ~~بذلك دون أن بينه بما ضربه مثلا في أمر الحق والباطل فقال تعالى: أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال": الرعد - 17، فبين أن حكم المثل جار في أفعاله تعالى كما هو جار ~~في أقواله، ففعله تعالى كقوله الحق إنما قصد منهما الحق الذي يحويانه ~~ويصاحب كلا منهما أمور غير مقصودة ولا نافعة يعلوهما ويربوهما لكنها ستزول ~~وتبطل، ويبقى الحق الذي ينفع الناس، وإنما يزول ويزهق بحق آخر هو مثله، ~~وهذا كالآية المتشابهة تتضمن من المعنى حقا مقصودا، ويصاحبه ويعلو عليه ~~بالاستباق إلى الذهن معنى آخر باطل غير مقصود، لكنه سيزول بحق آخر يظهر ~~الحق الأول على الباطل الذي كان يعلوه، ليحق الحق بكلماته ويبطل الباطل ولو ~~كره المجرمون، والكلام في انطباق هذا المثل على أفعاله الخارجية المتقررة ~~في عالم الكون كالكلام في أقواله عز من قائل. # وبالجملة: المتحصل من الآية الشريفة: أن المعارف الحقة الإلهية كالماء ~~الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب، من غير تقييد بكمية ~~ولا كيفية، ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث ~~السعة والضيق، وهذه الأقدار أمور ثابتة كل في محله كالحال في أصول المعارف ~~والأحكام التشريعية، ومصالح الأحكام التي ذكرنا فيما مر أنها روابط تربط ~~الأحكام بالمعارف الحقة. # وهذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي. # وهي ms0949 في مسيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهورا ثم يسرع في الزوال وذلك ~~كالأحكام المنسوخة التي تنسخه النواسخ من الآيات، فإن المنسوخ مقتضى ظاهر ~~طباعه أن يدوم لكن الحكم الناسخ يبطل دوامه ويضع مكانه حكما آخر. # هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها في وادي البيان ~~اللفظي. PageV03P034 # وأما المعارف الحقة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة فإنها ~~بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدر بأقدارها، تتشكل بأشكال المرادات ~~الكلامية بعد إطلاقها، وهذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلم بكلامه إلا ~~أنها مع ذلك أمثال يمثل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدر، ثم إنها ~~بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل، لأن ~~الأذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات والمألوفات تتصرف في المعاني الملقاة ~~إليها، وجل هذا التصرف إنما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الأصلية، ~~ومصالح الأحكام وملاكاتها كما مر، وأما الأحكام والقوانين فلا تصرف فيها مع ~~قطع النظر عن ملاكاتها فإنها مألوفة، ومن هنا يظهر أن المتشابهات إنما هي ~~الآيات من حيث اشتمالها على الملاكات والمعارف، دون متن الأحكام والقوانين ~~الدينية. # ومنها: أنه تحصل من البيان السابق أن البيانات اللفظية القرآنية أمثال ~~للمعارف الحقة الإلهية لأن البيان نزل في هذه الآيات إلى سطح الأفهام ~~العامة التي لا تدرك إلا الحسيات ولا تنال المعاني الكلية إلا في قالب ~~الجسمانيات، ولما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلية المجردة عن عوارض ~~الأجسام والجسمانيات أحد محذورين: فإن الأفهام في تلقيها المعارف المرادة ~~منها إن جمدت في مرتبة الحس والمحسوس انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ~~ممثلة، وفيه بطلان الحقائق وفوت المرادات والمقاصد وإن لم تجمد وانتقلت إلى ~~المعاني المجردة بتجريد الأمثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من ~~الزيادة والنقيصة. # نظير ذلك أنا لو ألقي إلينا المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السرى، ~~أو تمثل لنا بقول صخر: أهم بأمر الحزم لا أستطيعه. # وقد حيل بين العير والنزوان. # فإنا من جهة سبق عهد الذهن بالقصة ms0950 أو الأمر الممثل له نجرد المثل عن ~~الخصوصيات المكتنفة بالكلام كالصباح والقوم والسرى، ونفهم من ذلك أن ~~المراد: أن حسن تأثير عمل وتحسين فعله إنما يظهر إذا فرغ منه وبدا أثره، ~~وأما هو ما دام الإنسان مشتغلا به محسا تعب فعله فلا يقدر قدره، ويظهر ذلك ~~تجريد ما تمثل به من الشعر، وأما إذا لم نعهد الممثل وجمدنا على الشعر أو ~~المثل خفي عنا الممثل وعاد المثل خبرا من الأخبار، ولو لم نجمد وانتقلنا ~~إجمالا إلى أنه مثل لم يمكنا تشخيص المقدار الذي يجب طرحه بالتجريد وما يجب ~~حفظه للفهم وهو ظاهر. # ولا مخلص عن هذين المحذورين إلا بتفريق المعاني الممثل لها إلى أمثال ~~مختلفة، وتقليبها في قوالب متنوعة حتى يفسر بعضها بعضا، ويوضح بعضها أمر ~~بعض، فيعلم بالتدافع الذي بينها أولا: أن البيانات أمثال ولها في ما وراءها ~~حقائق ممثلة، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة ~~الحس والمحسوس وثانيا: بعد العلم بأنها أمثال: يعلم بذلك المقدار الذي يجب ~~طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام، وما يجب حفظه منها للحصول على المرام، ~~وإنما يحصل ذلك بأن هذا يتضمن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك. # وذاك نفي بعض ما في هذا. # وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعددة والأمثال ~~والأمثلة الكثيرة المتنوعة أمر دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص ~~بقوم دون قوم، ولغة دون لغة، وليس ذلك إلا لأن الإنسان يشعر بقريحة البيان ~~مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصة الواحدة أو ~~المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصة أخرى مناسبة أو مثل آخر مناسب. # فقد تبين أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة، وأن ~~يرفع التشابه الواقع في آية بالأحكام الواقع في آية أخرى، واندفع بذلك ~~الإشكال باشتمال القرآن على المتشابهات لكونها مخلة لغرض الهداية والبيان. # وقد ظهر من جميع ما تقدم من الأبحاث على طولها أمور: الأول: أن الآيات ~~القرآنية تنقسم إلى قسمين: محكم ومتشابه، وذلك من جهة ms0951 اشتمال الآية وحدها ~~على مدلول متشابه وعدم اشتمالها. # الثاني: أن لجميع القرآن محكمه ومتشابهه تأويلا. # وأن التأويل ليس من قبيل المفاهيم اللفظية بل من الأمور الخارجية نسبته ~~إلى المعارف والمقاصد المبينة نسبة الممثل إلى المثال، وأن جميع المعارف ~~القرآنية أمثال مضروبة للتأويل الذي عند الله. PageV03P035 # الثالث: أن التأويل يمكن أن يعلمه المطهرون وهم راسخون في العلم. # الرابع: أن البيانات القرآنية أمثال مضروبة لمعارفها ومقاصدها، وهذا ~~المعنى غير ما ذكرناه في الأمر الثاني من كون معارفه أمثالا وقد أوضحناه ~~فيما مر. # الخامس: أن من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات، كما أن من الواجب ~~أن يشتمل على المحكمات. # السادس: أن المحكمات أم الكتاب إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان. # السابع: أن الإحكام والتشابه وصفان يقبلان الإضافة والاختلاف بالجهات ~~بمعنى أن آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة، متشابهة من جهة أخرى فتكون ~~محكمة بالإضافة إلى آية ومتشابهة بالإضافة إلى أخرى. # ولا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن، ولا مانع من وجود محكم على ~~الإطلاق. # الثامن: أن من الواجب أن يفسر بعض القرآن بعضا. # التاسع: أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى، مترتبة طولا من غير أن تكون ~~الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، أو مثل عموم ~~المجاز، ولا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد، بل هي معان مطابقية ~~يدل على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام. # ولتوضيح ذلك نقول: قال الله تبارك وتعالى: "اتقوا الله حق تقاته": آل ~~عمران - 102، فأنبأ أن للتقوى الذي هو الانتهاء عما نهى الله عنه والايتمار ~~بما أمر الله به مرتبة هي حق التقوى، ويعلم بذلك أن هناك من التقوى ما هو ~~دون هذه المرتبة الحقة، فللتقوى الذي هو بوجه العمل الصالح مراتب ودرجات ~~بعضها فوق بعض. # وقال أيضا: "أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأويه جهنم وبئس ~~المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون": آل عمران - 163، فبين أن ~~العمل مطلقا سواء كان صالحا ms0952 أو طالحا درجات ومراتب، والدليل على أن المراد ~~بها درجات العمل قوله: والله بصير بما يعملون، ونظير الآية قوله تعالى: ~~"ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون": الأحقاف - 19، ~~وقوله تعالى: "ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون": الأنعام - ~~132، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفيها ما يدل على أن درجات الجنة ودركات ~~النار بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها. # ومن المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد ~~قلبي يناسبه، وقد استدل تعالى على كفر اليهود وعلى فساد ضمير المشركين وعلى ~~نفاق المنافقين من المسلمين وعلى إيمان عدة من الأنبياء والمؤمنين بأعمالهم ~~وأفعالهم في آيات كثيرة جدا يطول ذكرها، فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من ~~العلم ويدل عليه. # وبالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم ويحصله ويركزه في ~~النفس كما قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين": العنكبوت - 69، وقال تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين": ~~الحجر - 99، وقال أيضا: "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات ~~الله وكانوا بها يستهزئون": الروم - 10، وقال: "فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون": البراءة - ~~77، والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحا كان ~~أو طالحا يولد من أقسام المعارف والجهالات وهي العلوم المخالفة للحق ما ~~يناسبه. # وقال تعالى - وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح والعلم النافع -: ~~"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الفاطر - 10، فبين أن شأن ~~الكلم الطيب وهو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى الله تعالى ويقرب صاحبه منه، ~~وشأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد. # ومن المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك والريب ~~وكمال توجه النفس إليه وعدم تقسيم القلب فيه وفي غيره وهو مطلق الشرك فكلما ~~كمل خلوصه من الشك والخطوات اشتد صعوده وارتفاعه. PageV03P036 # ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك فإنها عبرت في الكلم الطيب ms0953 بالصعود ~~ووصف العمل بالرفع، والصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع، وهما ~~أعني الصعود والارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلو بنسبته ~~إلى الجانبين فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو واقترابه منه، ومرتفع من جهة ~~انفصاله من السفل وابتعاده منه، فالعمل يبعد الإنسان ويفصله من الدنيا ~~والإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التعلق بزخارفها الشاغلة والتشتت والتفرق ~~بهذه المعلومات الفانية غير الباقية وكلما زاد الرفع والارتفاع زاد صعود ~~الكلم الطيب، وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشكوك، ومن المعلوم ~~أيضا كما مر: أن العمل الصالح ذو مراتب ودرجات، فلكل درجة من العمل الصالح ~~رفع الكلم الطيب وتوليد العلوم والمعارف الحقة الإلهية على ما يناسب حالها. # والكلام في العمل الطالح ووضعه الإنسان نظير الكلام في العمل الصالح ~~ورفعه وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: "اهدنا الصراط ~~المستقيم": الحمد - 6. # فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل ~~والعلم، ولازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب والدرجات غير ما ~~يتلقاه أهل المرتبة والدرجة الأخرى التي فوق هذه أو تحتها، فقد تبين أن ~~للقرآن معاني مختلفة مترتبة. # وقد ذكر الله سبحانه أصنافا من عباده وخص كل صنف بنوع من العلم والمعرفة ~~لا يوجد في الصنف الآخر كالمخلصين وخص بهم العلم بأوصاف ربهم حق العلم، قال ~~تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات - 160، وخص ~~بهم أشياء أخر من المعرفة والعلم سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى، ~~وكالموقنين وخص بهم مشاهدة ملكوت السماوات والأرض قال تعالى: "وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام - 75، ~~وكالمنيبين وخص بهم التذكر، قال تعالى: "وما يتذكر إلا من ينيب": المؤمن - ~~13، وكالعالمين وخص بهم عقل أمثال القرآن، قال تعالى: "وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون": العنكبوت - 43، وكأنهم أولوا الألباب ~~والمتدبرون لقوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها": محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) - 24، ولقوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ms0954 ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": النساء - 82، فإن مؤدى ~~الآيات الثلاث يرجع إلى معنى واحد وهو العلم بمتشابه القرآن ورده إلى ~~محكمه، وكالمطهرين خصهم الله بعلم تأويل الكتاب قال تعالى: "إنه لقرآن كريم ~~في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة - 79، وكالأولياء وهم أهل ~~الوله والمحبة لله وخص بهم أنهم لا يلتفتون إلى شيء إلا الله سبحانه ولذلك ~~لا يخافون شيئا ولا يحزنون لشيء، قال تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون": يونس - 62، وكالمقربين والمجتبين والصديقين ~~والصالحين والمؤمنين ولكل منهم خواص من العلم والإدراك يختصون بها، سنبحث ~~عنها في المحال المناسبة لها. # ونظير هذه المقامات الحسنة مقامات سوء في مقابلها، ولها خواص رديئة في ~~باب العلم والمعرفة، ولها أصحاب كالكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين ~~وغيرهم، ولهم أنصباء من سوء الفهم ورداءة الإدراك لآيات الله ومعارفه ~~الحقة، طوينا ذكرها إيثارا للاختصار، وسنتعرض لها في خلال أبحاث هذا الكتاب ~~إن شاء الله. # العاشر: أن للقرآن اتساعا من حيث انطباقه على المصاديق وبيان حالها ~~فالآية منه لا يختص بمورد نزولها بل يجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ~~ملاكا كالأمثال التي لا تختص بمواردها الأول، بل تتعداها إلى ما يناسبها، ~~وهذا المعنى هو المسمى بجري القرآن، وقد مر بعض الكلام فيه في أوائل ~~الكتاب. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي،: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المحكم والمتشابه ~~قال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله. # أقول: وفيه تلويح إلى أن المتشابه مما يمكن العلم به. PageV03P037 # وفيه، أيضا عنه (عليه السلام): أن القرآن محكم ومتشابه: فأما المحكم فتؤمن ~~به وتعمل به وتدين، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به، وهو قول الله عز ~~وجل: وأما الذين في قلوبهم زيغ - فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة - ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به - كل من عند ربنا. والراسخون في العلم هم آل محمد. # أقول: وسيجيء كلام في ms0955 معنى قوله (عليه السلام): والراسخون في العلم هم آل محمد. # وفيه، أيضا عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه قال: الناسخ الثابت المعمول به، ~~والمنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه، والمتشابه ما اشتبه على جاهله. # قال: وفي رواية: الناسخ الثابت، والمنسوخ ما مضى، والمحكم ما يعمل به، ~~والمتشابه ما يشبه بعضه بعضا. # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام) في حديث قال: فالمنسوخات من ~~المتشابهات وفي العيون، عن الرضا (عليه السلام): من رد متشابه القرآن إلى ~~محكمه هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ~~فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا. # أقول: الأخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه، وهي تؤيد ما ذكرناه في ~~البيان السابق: أن التشابه يقبل الارتفاع، وأنه إنما يرتفع بتفسير المحكم له. # وأما كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدم ووجه تشابهها ما ~~يظهر منها من استمرار الحكم وبقائه، ويفسره الناسخ ببيان أن استمراره مقطوع. # وأما ما ذكره (عليه السلام) في خبر العيون: أن في أخبارنا متشابها ~~كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن، فقد وردت في هذا المعنى عنهم (عليهم ~~السلام) روايات مستفيضة، والاعتبار يساعده فإن الأخبار لا تشتمل إلا على ما ~~اشتمل عليه القرآن الشريف، ولا تبين إلا ما تعرض له وقد عرفت فيما مر: أن ~~التشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ وهو كونه بحيث يقبل الانطباق ~~على المقصود وعلى غيره لا من أوصاف اللفظ من حيث دلالته على المعنى نظير ~~الغرابة والإجمال، ولا من أوصاف أعم من اللفظ والمعنى. # وبعبارة أخرى: إنما عرض التشابه لما عرض عليه من الآيات لكون بياناتها ~~جارية مجرى الأمثال بالنسبة إلى المعارف الحقة الإلهية، وهذا المعنى بعينه ~~موجود في الأخبار ففيها متشابه ومحكم كما في القرآن، وقد ورد عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه قال: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر ~~عقولهم وفي تفسير العياشي، عن ms0956 جعفر بن محمد، عن أبيه (عليه السلام): أن ~~رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل تصف لنا ربنا نزداد له حبا ~~ومعرفة؟ فغضب وخطب الناس فقال فيما قال عليك يا عبد الله بما دلك عليه ~~القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسول من معرفته، واستضىء من نور هدايته فإنما ~~هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان ~~عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أمره فكل ~~علمه إلى الله، ولا تقدر عظمة الله واعلم يا عبد الله: أن الراسخين في ~~العلم الذين اختارهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا ~~الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا آمنا به كل من عند ~~ربنا، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى ~~تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا فاقتصر على ذلك ولا تقدر ~~عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين. # أقول: قوله (عليه السلام): واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم الخ ~~ظاهر في أنه (عليه السلام) أخذ الواو في قوله تعالى: والراسخون في العلم ~~يقولون، للاستيناف دون العطف كما استظهرناه من الآية ومقتضى ذلك أن ظهور ~~الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله، لا أنه يساعد ~~على عدم إمكان علمهم به، فلا ينافي وجود بيان آخر يدل عليه كما تقدم بيانه ~~وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت كما سيأتي. PageV03P038 # وقوله (عليه السلام): الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون ~~الغيوب، خبر أن، والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة ~~الراسخين في العلم بالاعتراف بالجهل فيما جهله فيكون منهم، وهذا دليل على ~~تفسيره (عليه السلام) الراسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه ولم يتعد إلى ~~ما جهله. # والمراد بالغيوب المحجوبة بالسدد: المعاني المرادة بالمتشابهات المخفية ~~عن الأفهام العامة ولذا أردفه بقوله ثانيا: فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا ms0957 ~~تفسيره، ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله فافهم. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم ~~تأويله. # أقول: والرواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى والراسخون في العلم، ~~معطوفا على المستثنى في قوله: وما يعلم تأويله إلا الله لكن هذا الظهور ~~يرتفع بما مر من البيان وما تقدم من الرواية، ولا يبعد كل البعد أن يكون ~~المراد بالتأويل هو المعنى المراد بالمتشابه فإن هذا المعنى من التأويل ~~المساوق لتفسير المتشابه كان شائعا في الصدر الأول بين الناس. # وأما قوله (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم، وقد تقدم في رواية ~~للعياشي عن الصادق (عليه السلام) قوله: والراسخون في العلم هم آل محمد، ~~وهذه الجملة مروية في روايات أخر أيضا فجميع ذلك من باب الجري والانطباق ~~كما يشهد بذلك ما تقدم ويأتي من الروايات. # وفي الكافي، أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر ~~(عليه السلام) إلى أن قال: يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: ~~ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا - وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ~~علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها، إنه لم يخف الله من لم يعقل ~~عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها ويجد ~~حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره ~~لعلانيته موافقا، لأن الله عز اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا ~~بظاهر منه وناطق عنه. # أقول: قوله (عليه السلام): لم يخف الله من لم يعقل عن الله، في معنى قوله ~~تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، وقوله (عليه السلام): ومن لم ~~يعقل عن الله "الخ" أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم لأن الأمر ما لم يعقل ~~حق التعقل لم ينسد طرق الاحتمالات فيه، ولم يزل القلب مضطربا في الإذعان به ~~وإذا تم التعقل وعقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ms0958 ما يخالفه من الهوى فكان ~~ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه وكان ما يقوله هو الذي يفعله، وقوله: ولا ~~يكون أحد كذلك الخ بيان لعلامة الرسوخ في العلم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي ~~أمامة ووائلة بن أسقف وأبي الدرداء: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سئل عن الراسخين في العلم فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام ~~قلبه، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم. # أقول: ويمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق. # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام): أن الراسخين في العلم من لا يختلف ~~في علمه. # أقول: وهو منطبق على الآية، فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله: ~~الذين في قلوبهم زيغ، فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم وارتيابه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني ~~وابن مردويه عن أم سلمة: أن رسول الله كان يكثر في دعائه أن يقول اللهم ~~مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلت: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟ قال ~~نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فإن ~~شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، الحديث. # أقول: وروي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدة من الصحابة كجابر ونواس بن ~~شمعان وعبد الله بن عمر وأبي هريرة، والمشهور في هذا الباب ما في حديث ~~نواس: قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن. # وقد روى اللفظة فيما أظن الشريف الرضي في المجازات النبوية. # وروي عن علي (عليه السلام): أنه قيل له. هل عندكم شيء من الوحي؟ قال: لا ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه. PageV03P039 # أقول: وهو من غرر الأحاديث، وأقل ما يدل عليه: أن ما نقل من أعاجيب المعارف ~~الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم. # والكافي، عن الصادق عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) ms0959 قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): يا أيها الناس إنكم في دار هدنة، وأنتم على ظهر ~~سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل ~~جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز، ~~قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ فقال: دار ~~بلاغ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن ~~فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ~~ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان ~~وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره ~~أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى ~~غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، ~~فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويخلص من نشب، فإن التفكر ~~حيوة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات، فعليكم بحسن التخلص، وقلة ~~التربص. # أقول: ورواه العياشي في تفسيره إلى قوله: فليجل جال. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، ~~واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ~~ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال ~~دينكم، وما عدل أحد من القرآن إلا إلى النار. # أقول: والروايات في هذا المساق كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام). # وفي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلا وله ~~حد ولكل حد مطلع، ما يعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله، ~~منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما ms0960 يجري الشمس والقمر، كلما جاء منه ~~شيء وقع، قال الله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، نحن نعلمه. # أقول: الرواية المنقولة في ضمن الرواية هي ما روته الجماعة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بألفاظ مختلفة وإن كان المعنى واحدا كما في تفسير ~~الصافي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ~~ومطلعا. # وفيه، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: أن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه ~~بطنا إلى سبعة أبطن. # وقوله (عليه السلام) منه ما مضى ومنه ما يأتي، ظاهره رجوع الضمير إلى ~~القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل والتأويل فقوله: يجري كما يجري الشمس ~~والقمر يجري فيهما معا، فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلح عليه ~~الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله: "يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين": التوبة - 120، على كل طائفة من ~~المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية، وهذا نوع من ~~الانطباق، وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس، وانطباق آيات المنافقين ~~على الفاسقين من المؤمنين، وهذا نوع آخر من الانطباق أدق من الأول، ~~وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في ~~تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى، وهذا نوع آخر أدق من ما تقدمه، ~~وكانطباقها عليهم في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية، وهذا نوع آخر أدق ~~من الجميع. # ومن هنا يظهر أولا: أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ~~ومقاماتهم، وقد صور الباحثون عن مقامات الإيمان والولاية من معانيه ما هو ~~أدق مما ذكرناه. # وثانيا: أن الظهر والبطن أمران نسبيان، فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره ~~وبالعكس كما يظهر من الرواية التالية. PageV03P040 # وفي تفسير العياشي، عن جابر قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شيء من ~~تفسير القرآن فأجابني ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت جعلت فداك ~~كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم! فقال: يا جابر إن للقرآن ~~بطنا وللبطن بطن، وظهرا وللظهر ظهر، ms0961 يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال ~~من تفسير القرآن، إن الآية تكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء ~~وهو كلام متصل ينصرف على وجوه. # وفيه، أيضا عنه (عليه السلام) في حديث قال: ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ~~ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري ~~أوله على آخره ما دامت السماوات والأرض ولكل قوم آية يتلونها هم منها من ~~خير أو شر. # وفي المعاني، عن حمران بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ظهر ~~القرآن وبطنه فقال: ظهره الذين نزل فيهم القرآن، وبطنه الذين عملوا ~~بأعمالهم، يجري فيهم ما نزل في أولئك وفي تفسير الصافي، عن علي (عليه ~~السلام): ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر ~~التلاوة، والباطن الفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد ~~الله من العبد بها. # أقول: المراد بالتلاوة ظاهر مدلول اللفظ بدليل أنه (عليه السلام) عده من ~~المعاني، فالمراد بالفهم في تفسيره الباطن ما هو في باطن الظاهر من المعنى، ~~والمراد بقوله: هو أحكام الحلال والحرام ظاهر المعارف المتلقاة من القرآن ~~في أوائل المراتب أو أواسطها في مقابل المطلع الذي هو المرتبة العليا، ~~والحد والمطلع نسبيان كما أن الظاهر والباطن نسبيان كما عرفت فيما تقدم، ~~فكل مرتبة عليا هي مطلع بالنسبة إلى السفلى. # والمطلع إما بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام اسم مكان من الاطلاع، أو ~~بفتح الميم واللام وسكون الطاء اسم مكان من الطلوع، وهو مراد الله من العبد ~~بها كما ذكره (عليه السلام). # وقد ورد هذه الأمور الأربعة في النبوي المعروف هكذا: إن القرآن أنزل على ~~سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكن حد مطلع. # وفي رواية: ولكل حد ومطلع. # ومعنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ولكل حد مطلع على ما في إحدى ~~الروايتين: أن لكل واحد من الظهر والبطن الذي هو حد مطلع يشرف عليه، هذا هو ~~الظاهر، ويمكن ms0962 أن يرجع إليه ما في الرواية الأخرى: ولكل حد ومطلع بأن يكون ~~المعنى: ولكل منهما حد هو نفسه ومطلع وهو ما ينتهي إليه الحد فيشرف على ~~التأويل، لكن هذا لا يلائم ظاهرا ما في رواية علي (عليه السلام): ما من آية ~~إلا ولها أربعة معان "الخ" إلا أن يراد أن لها أربعة اعتبارات من المعنى ~~وإن كان ربما انطبق بعضها على بعض. # وعلى هذا فالمتحصل من معاني الأمور الأربعة: أن الظهر هو المعنى الظاهر ~~البادىء من الآية، والباطن هو الذي تحت الظاهر سواء كان واحدا أو كثيرا، ~~قريبا منه أو بعيدا بينهما واسطة، والحد هو نفس المعنى سواء كان ظهرا أو ~~بطنا والمطلع هو المعنى الذي طلع منه الحد وهو بطنه متصلا به فافهم. # وفي الحديث المروي من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~أنزل القرآن على سبعة أحرف. # أقول: والحديث وإن كان مرويا باختلاف ما في لفظه، لكن معناها مروي ~~مستفيضا والروايات متقاربة معنى، روتها العامة والخاصة. # وقد اختلف في معنى الحديث اختلافا شديدا ربما أنهي إلى أربعين قولا، ~~والذي يهون الخطب أن في نفس الأخبار تفسيرا لهذه السبعة الأحرف، وعليه ~~التعويل. # ففي بعض الأخبار: نزل القرآن على سبعة أحرف أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ~~وقصص ومثل، وفي بعضها: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. # وعن علي (عليه السلام): أن الله أنزل القرآن على سبعة أقسام، كل منها كاف ~~شاف، وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص. # فالمتعين حمل السبعة الأحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان وهي سبعة على ~~وحدتها في الدعوة إلى الله وإلى صراطه المستقيم، ويمكن أن يستفاد من هذه ~~الرواية حصر أصول المعارف الإلهية في الأمثال فإن بقية السبعة لا تلائمها ~~إلا بنوع من العناية على ما لا يخفى. PageV03P041 ### |||| AUTO بحث آخر روائي # في الصافي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من فسر القرآن برأيه ~~فليتبوأ مقعده من النار أقول: وهذا المعنى رواه الفريقان، وفي معناه أحاديث ~~أخر رووه عن ms0963 النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام). # 75 - وفي منية المريد، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من قال ~~في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. # أقول: ورواه أبو داود في سننه. # 75 - وفيه، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من قال في القرآن بغير ~~علم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار. # 75 - وفيه، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من تكلم في القرآن برأيه ~~فأصاب فقد أخطأ. # أقول: ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. # 75 - وفيه، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أكثر ما أخاف على أمتي من ~~بعدي رجل يناول القرآن يضعه على غير مواضعه. # 75 - وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ فهو أبعد من السماء. # 75 - وفيه، عن يعقوب بن يزيد عن ياسر عن الرضا (عليه السلام) قال: الرأي ~~في كتاب الله كفر. # أقول: وفي معناها روايات أخر مروية في العيون والخصال وتفسير العياشي ~~وغيرها. # قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من فسر القرآن برأيه، الرأي هو الاعتقاد ~~عن اجتهاد وربما أطلق على القول عن الهوى والاستحسان وكيف كان لما ورد ~~قوله: برأيه مع الإضافة إلى الضمير علم منه أن ليس المراد به النهي عن ~~الاجتهاد المطلق في تفسير القرآن حتى يكون بالملازمة أمرا بالإتباع ~~والاقتصار بما ورد من الروايات في تفسير الآيات عن النبي وأهل بيته صلى ~~الله عليه وعليهم على ما يراه أهل الحديث، على أنه ينافي الآيات الكثيرة ~~الدالة على كون القرآن عربيا مبينا، والآمرة بالتدبر فيه، وكذا ينافي ~~الروايات الكثيرة الآمرة بالرجوع إلى القرآن وعرض الأخبار عليه. # بل الإضافة في قوله: برأيه تفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال بأن ~~يستقل المفسر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي، ~~فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس فإن قطعة من الكلام من أي متكلم إذا ورد ~~علينا ms0964 لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي ~~ونحكم بذلك: أنه أراد كذا كما نجري عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما، كل ~~ذلك لكون بياننا مبنيا على ما نعلمه من اللغة ونعهده من مصاديق الكلمات ~~حقيقة ومجازا. # والبيان القرآني غير جار هذا المجرى على ما تقدم بيانه في الأبحاث ~~السابقة بل هو كلام موصول بعضها ببعض في عين أنه مفصول ينطق بعضه ببعض ~~ويشهد بعضه على بعض كما قاله علي (عليه السلام) فلا يكفي ما يتحصل من آية ~~واحدة بإعمال القواعد المقررة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد ~~منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبر فيها كما ~~يظهر من قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا": النساء - 82، وقد مر بيانه في الكلام على الإيجاز وغيره. # فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف وبعبارة ~~أخرى إنما نهى (عليه السلام) عن تفهم كلامه على نحو ما يتفهم به كلام غيره ~~وإن كان هذا النحو من التفهم ربما صادف الواقع، والدليل على ذلك قوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في الرواية الأخرى: من تكلم في القرآن برأيه فأصاب ~~فقد أخطأ فإن الحكم بالخطإ مع فرض الإصابة ليس إلا لكون الخطإ في الطريق ~~وكذا قوله (عليه السلام) في حديث العياشي: إن أصاب لم يؤجر. # ويؤيده ما كان عليه الأمر في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن ~~القرآن لم يكن مؤلفا بعد ولم يكن منه إلا سور أو آيات متفرقة في أيدي الناس ~~فكان في تفسير كل قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد. # والمحصل: أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد ~~المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير ~~بالرجوع إليه، وهذا الغير لا محالة إما هو الكتاب أو السنة، وكونه هي السنة ~~ينافي القرآن ونفس السنة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الأخبار عليه، ms0965 فلا يبقى ~~للرجوع إليه والاستعداد منه في تفسير القرآن إلا نفس القرآن. PageV03P042 # ومن هنا يظهر حال ما فسروا به حديث التفسير بالرأي فقد تشتتوا في معناه على ~~أقوال: أحدها: أن المراد به التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها ~~التفسير، وهي خمسة عشر علما على ما أنهاه السيوطي في الإتقان: اللغة، ~~والنحو، والتصريف، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءة، وأصول ~~الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول وكذا القصص، والناسخ والمنسوخ، والفقه، ~~والأحاديث المبينة لتفسير المجملات والمبهمات، وعلم الموهبة، ويعني بالأخير ~~ما أشار إليه الحديث النبوي: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. # الثاني: أن المراد به تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. # الثالث: التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير ~~تبعا فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفا. # الرابع: التفسير بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل. # الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى: وهذه الوجوه الخمسة نقلها ابن النقيب ~~على ما ذكره السيوطي في الإتقان، وهنا وجوه أخر نتبعها بها. # السادس: أن المراد به هو القول في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب ~~الأوائل من الصحابة والتابعين ففيه تعرض لسخط الله تعالى. # السابع: القول في القرآن بما يعلم أن الحق غيره، نقلهما ابن الأنباري. # الثامن: أن المراد به القول في القرآن بغير علم وتثبت، سواء علم أن الحق ~~خلافه أم لا. # التاسع: هو الأخذ بظاهر القرآن بناء على أنه لا ظهور له بل يتبع في مورد ~~الآية النص الوارد عن المعصوم، وليس ذلك تفسيرا للآية بل اتباعا للنص، ~~ويكون التفسير على هذا من الشئون الموقوفة على المعصوم. # العاشر: أنه الأخذ بظاهر القرآن بناء على أن له ظهورا لا نفهمه بل المتبع ~~في تفسير الآية هو النص عن المعصوم. # فهذه وجوه عشرة، وربما أمكن إرجاع بعضها إلى بعض، وكيف كان فهي وجوه ~~خالية عن الدليل، على أن بعضها ظاهر البطلان أو يظهر بطلانه بما تقدم في ~~المباحث السابقة، فلا نطيل بالتكرار. # وبالجملة فالمتحصل ms0966 من الروايات والآيات التي تؤيدها كقوله تعالى: أفلا ~~يتدبرون القرآن الآية، وقوله تعالى: "الذين جعلوا القرآن عضين": الحجر - ~~91، وقوله تعالى: "إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في ~~النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة" الآية: حم السجدة - 40، وقوله ~~تعالى: "يحرفون الكلم عن مواضعه،: النساء - 46، وقوله تعالى: "ولا تقف ما ~~ليس لك به علم": إسراء - 36، إلى غير ذلك أن النهي في الروايات إنما هو ~~متوجه إلى الطريق وهو أن يسلك في تفسير كلامه تعالى الطريق المسلوك في ~~تفسير كلام غيره من المخلوقين. # وليس اختلاف كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الألفاظ وسرد الجمل ~~وإعمال الصناعات اللفظية فإنما هو كلام عربي روعي فيه جميع ما يراعى في ~~كلام عربي وقد قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم": ~~إبراهيم - 4، وقال تعالى: "وهذا لسان عربي مبين: النحل - 103، وقال تعالى: ~~"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف - 3. # وإنما الاختلاف من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام. # توضيح ذلك أنا من جهة تعلق وجودنا بالطبيعة الجسمانية وقطوننا المعجل في ~~الدنيا المادية ألفنا من كل معنى مصداقه المادي، واعتدنا بالأجسام ~~والجسمانيات فإذا سمعنا كلام واحد من الناس الذين هم أمثالنا يحكي عن حال ~~أمر من الأمور وفهمنا منه معناه حملناه على ما هو المعهود عندنا من المصداق ~~والنظام الحاكم فيه لعلمنا بأنه لا يعني إلا ذلك لكونه مثلنا لا يشعر إلا ~~بذلك، وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم فربما خصص ~~به العام أو عمم به الخاص أو تصرف في المفهوم بأي تصرف آخر وهو الذي نسميه ~~بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية. PageV03P043 # مثال ذلك أنا إذا سمعنا عزيزا من أعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول: وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه، وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة ~~التطبيق على المصداق: أن له أبنية محصورة حصينة تسع شيئا كثيرا من ~~المظروفات فإن الخزانة هكذا تتخذ إذا اتخذت، وأن له فيها مقدارا ms0967 وفرا من ~~الذهب والفضة والورق والأثاث والزينة والسلاح، فإن هذه الأمور هي التي يمكن ~~أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا، وأما الأرض والسماء والبر والبحر والكوكب ~~والإنسان فهي وإن كانت أشياء لكنها لا تخزن ولا تتراكم، ولذلك نحكم بأن ~~المراد من الشيء بعض من أفراده غير المحصورة، وكذا من الخزائن قليل من كثير ~~فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أن كثيرا من الأشياء لا يخزن، وأن ~~ما يختزن منها إنما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة أوجب ~~تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشيء والخزائن. # ثم إذا سمعنا الله تعالى ينزل على رسوله قوله: "وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه": الحجر - 21، فإن لم يرق أذهاننا عن مستواها الساذج الأولي فسرنا ~~كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس مع أنه لا دليل لنا على ذلك ~~البتة فهو تفسير بما نراه من غير علم. # وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلا، وأذعنا بأنه تعالى لا يخزن المال وخاصة ~~إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية: وما ننزله إلا بقدر معلوم، ويقول ~~أيضا: "وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها": الجاثية ~~- 5، حكمنا بأن المراد بالشيء الرزق من الخبز والماء وأن المراد بنزوله ~~نزول المطر لأنا لا نشعر بشيء ينزل من السماء غير المطر فاختزان كل شيء عند ~~الله ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ونزوله لتهيئة المواد ~~الغذائية. # وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم إذا لا مستند له إلا أنا لا نعلم ~~شيئا ينزل من السماء غير المطر، والذي بأيدينا هاهنا عدم العلم دون العلم ~~بالعدم. # وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضا واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن ~~بغير علم وأبقينا الكلام على إطلاقه التام، وحكمنا أن قوله: "وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه، يبين أمر الخلقة غير أنا لما كنا لا نشك في أن ما نجده ~~من الأشياء المتجددة بالخلقة كالإنسان والحيوان والنبات وغيرها لا تنزل من ~~السماء، وإنما تحدث حدوثا ms0968 في الأرض حكمنا بأن قوله: وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه، كناية عن مطاوعة الأشياء في وجودها لإرادة الله تعالى، وأن الإرادة ~~بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الأشياء المخلوقة وإنما يخرج منه وينزل من عنده ~~تعالى ما يتعلق به مشيته تعالى، وهذا أيضا كما ترى تفسير للآية بما نراه من ~~غير علم، إذ لا مستند لنا فيه سوى أنا نجد الأشياء غير نازلة من عند الله ~~بالمعنى الذي نعهده من النزول، ولا علم لنا بغيره. # وإذا تأملت ما وصفه الله تعالى في كتابه من أسماء ذاته وصفاته وأفعاله ~~وملائكته وكتبه ورسله والقيامة وما يتعلق بها، وحكم أحكامه وملاكاتها، ~~وتأملت ما نرومه في تفسيرها من إعمال القرائن العقلية وجدت أن ذلك كله من ~~قبيل التفسير بالرأي من غير علم، وتحريف لكلمه عن مواضعها. # وقد تقدم في الفصل الخامس من البحث في المحكم والمتشابه أن البيانات ~~القرآنية بالنسبة إلى المعارف الإلهية كالأمثال أو هي أمثال بالنسبة إلى ~~ممثلاتها. # وقد فرقت في الآيات المتفرقة، وبينت ببيانات مختلفة ليتبين ببعض الآيات ~~ما يمكن أن يختفي معناه في بعض، ولذلك كان بعضها شاهدا على البعض، والآية ~~مفسرة للآية، ولو لا ذلك لاختل أمر المعارف الإلهية في حقائقها، ولم يمكن ~~التخلص في تفسير الآية من القول بغير علم على ما تقدم بيانه. # ومن هنا يظهر: أن التفسير بالرأي كما بيناه لا يخلو عن القول بغير علم ~~كما يشير الحديث النبوي السابق: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده ~~من النار. # ومن هنا يظهر أيضا أن ذلك يؤدي إلى ظهور التنافي بين الآيات القرآنية من ~~حيث إبطاله الترتيب المعنوي الموجود في مضامينها فيؤدي إلى وقوع الآية في ~~غير موقعها، ووضع الكلمة في غير موضعها. PageV03P044 # ويلزمها تأويل بعض القرآن أو أكثر آياتها بصرفها عن ظاهرها كما يتأول ~~المجبرة آيات الاختيار والمفوضة آيات القدر، وغالب المذاهب في الإسلام لا ~~يخلو عن التأول في الآيات القرآنية وهي الآيات التي لا يوافق ظاهرها ~~مذهبهم، فيتشبثون في ذلك بذيل التأويل استنادا ms0969 إلى القرينة العقلية، وهو ~~قولهم: إن الظاهر الفلاني قد ثبت خلافه عند العقل فيجب صرف الكلام عنه. # وبالجملة يؤدي ذلك إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها، ودفع ~~مقاصد بعضها ببعض، ويبطل بذلك المرادان جميعا إذ لا اختلاف في القرآن فظهور ~~الاختلاف بين الآيات - بعضها مع بعض - ليس إلا لاختلال الأمر واختلاط ~~المراد فيهما معا. # وهذا هو الذي ورد التعبير عنه في الروايات بضرب بعض القرآن ببعض كما في ~~الروايات التالية: في الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق عن أبيه (عليه ~~السلام) قال: ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلا كفر. # وفي المعاني، والمحاسن، مسندا وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه ~~السلام): ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلا كفر. # قال الصدوق: سألت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث فقال: هو أن تجيب الرجل ~~في تفسير آية بتفسير آية أخرى. # أقول: ما أجاب به لا يخلو عن إبهام، فإن أراد به الخلط المذكور وما هو ~~المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية وتأويل البعض ~~بالتمسك بالبعض فحق، وإن أراد به تفسير الآية بالآية والاستشهاد بالبعض ~~للبعض فخطأ، والروايتان التاليتان تدفعانه. # وفي تفسير النعماني، بإسناده إلى إسماعيل بن جابر قال سمعت أبا عبد الله ~~جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا ~~فختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب ~~بعده، أحل فيه حلالا وحرم حراما، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام ~~إلى يوم القيامة، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم، وجعله النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) علما باقيا في أوصيائه، فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل ~~كل زمان، وعدلوا عنهم ثم قتلوهم، واتبعوا غيرهم ثم أخلصوا لهم الطاعة حتى ~~عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم، قال الله سبحانه: "فنسوا حظا ~~مما ذكروا به - ولا تزال تطلع على خائنة منهم"، وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ~~ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا ms0970 بالمتشابه وهم يرون ~~أنه المحكم، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام، واحتجوا بأول الآية ~~وتركوا السبب في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ~~ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا. واعلموا ~~رحمكم الله: أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص ~~من العام، والمحكم من المتشابه، والرخص من العزائم، والمكي والمدني وأسباب ~~التنزيل، والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة، وما فيه من علم ~~القضاء والقدر، والتقديم والتأخير، والمبين والعميق، والظاهر والباطن، ~~والابتداء والانتهاء، والسؤال والجواب، والقطع والوصل، والمستثنى منه ~~والجار فيه، والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد، والمؤكد منه والمفصل، ~~وعزائمه ورخصه، ومواضع فرائضه وأحكامه، ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه ~~الملحدون، والموصول من الألفاظ، والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس ~~بعالم بالقرآن ولا هو من أهله. ومتى ما ادعى معرفة هذه الأقسام مدع بغير ~~دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير. PageV03P045 # وفي نهج البلاغة، والإحتجاج، قال (عليه السلام): ترد على أحدهم القضية في ~~حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم ~~فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب ~~آراءهم جميعا وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد فأمرهم الله سبحانه ~~بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان ~~بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل ~~الله دينا تاما فقصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تبليغه وأدائه؟ ~~والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان كل شيء، وذكر أن ~~الكتاب يصدق بعضه بعضا، وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: ولو كان من عند ~~غير الله - لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وأن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق ~~لا تحصى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به. # أقول: والرواية كما ترى ms0971 ناصة على أن كل نظر ديني يجب أن ينتهي إلى ~~القرآن، وقوله: فيه تبيان، نقل للآية بالمعنى. # وفي الدر المنثور، وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج ~~على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال: بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم ~~على أنبيائهم، وضرب الكتاب بعضه ببعض. قال: وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه ~~بعضا ولكن نزل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم فاعملوا به، وما تشابه عليكم ~~فآمنوا به. # وفيه، أيضا وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: سمع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوما يتدارءون فقال: إنما هلك من كان ~~قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه ~~بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه. # أقول: والروايات كما ترى يعد ضرب القرآن بعضه ببعض مقابلا لتصديق بعض ~~القرآن بعضا، وهو الخلط بين الآيات من حيث مقامات معانيها، والإخلال بترتيب ~~مقاصدها كأخذ المحكم متشابها والمتشابه محكما ونحو ذلك. # فالتكلم في القرآن بالرأي، والقول في القرآن بغير علم كما هو موضوع ~~الروايات المنقولة سابقا، وضرب القرآن بعضه ببعضه كما هو مضمون الروايات ~~المنقولة آنفا يحوم الجميع حول معنى واحد وهو الاستمداد في تفسير القرآن بغيره. # فإن قلت: لا ريب أن القرآن إنما نزل ليعقله الناس ويفهموه كما قال تعالى: ~~"إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس": الزمر - 41، وقال تعالى: "هذا بيان ~~للناس،: آل عمران - 138، إلى غير ذلك من الآيات، ولا ريب أن مبينه هو ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال تعالى "وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم": النحل - 44، وقد بينه للصحابة، ثم أخذ عنهم التابعون ~~فما نقلوه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلينا فهو بيان نبوي لا يجوز ~~التجافي والإغماض عنه بنص القرآن، وما تكلموا فيه من غير إسناده إلى ms0972 النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو وإن لم يجر مجرى النبويات في حجيتها لكن ~~القلب إليه أسكن فإن ما ذكروه في تفسير الآيات إما مسموع من النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو شيء هداهم إليه الذوق المكتسب من بيانه وتعليمه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذا ما ذكره تلامذتهم من التابعين ومن يتلوهم، ~~وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تعرقهم في العربية، وسعيهم في تلقيها من ~~مصدر الرسالة، واجتهادهم البالغ في فقه الدين على ما يقصه التاريخ من مساعي ~~رجال الدين في صدر الإسلام. # ومن هنا يظهر: أن العدول عن طريقتهم وسنتهم، والخروج من جماعتهم، وتفسير ~~آية من الآيات بما لا يوجد بين أقوالهم وآرائهم بدعة، والسكوت عما سكتوا ~~عنه واجب. # وفي ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب الله تعالى، فإنه يبلغ زهاء ~~ألوف من الروايات، وقد ذكر السيوطي أنه أنهاه إلى سبعة عشر ألف رواية عن ~~النبي وعن الصحابة والتابعين. PageV03P046 # قلت: قد مر فيما تقدم أن الآيات التي تدعو الناس عامة من كافر أو مؤمن ممن ~~شاهد عصر النزول أو غاب عنه إلى تعقل القرآن وتأمله والتدبر فيه وخاصة قوله ~~تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا": النساء - 82، تدل دلالة واضحة على أن المعارف القرآنية يمكن أن ~~ينالها الباحث بالتدبر والبحث، ويرتفع به ما يتراءى من الاختلاف بين ~~الآيات، والآية في مقام التحدي، ولا معنى لإرجاع فهم معاني الآيات - ~~والمقام هذا المقام - إلى فهم الصحابة وتلامذتهم من التابعين حتى إلى بيان ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن ما بينه إما أن يكون معنى يوافق ظاهر ~~الكلام فهو مما يؤدي إليه اللفظ ولو بعد التدبر والتأمل والبحث، وإما أن ~~يكون معنى لا يوافق الظاهر ولا أن الكلام يؤدي إليه فهو مما لا يلائم ~~التحدي ولا تتم به الحجة وهو ظاهر. # نعم تفاصيل الأحكام مما لا سبيل إلى تلقيه من غير بيان النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كما ms0973 أرجعها القرآن إليه في قوله تعالى: "وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا": الحشر - 7 وما في معناه من الآيات، وكذا ~~تفاصيل القصص والمعاد مثلا. # ومن هنا يظهر أن شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المقام هو ~~التعليم فحسب والتعليم إنما هو هداية المعلم الخبير ذهن المتعلم وإرشاده ~~إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم، ~~فإنما التعليم تسهيل للطريق وتقريب للمقصد، لا إيجاد للطريق وخلق للمقصد، ~~والمعلم في تعليمه إنما يروم ترتيب المطالب العلمية ونضدها على نحو يستسهله ~~ذهن المتعلم ويأنس به فلا يقع في جهد الترتيب وكد التنظيم فيتلف العمر ~~وموهبة القوة أو يشرف على الغلط في المعرفة. # وهذا هو الذي يدل عليه أمثال قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم" الآية: النحل - 44، وقوله تعالى: "ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة": الجمعة - 2، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما يعلم الناس ~~ويبين لهم ما يدل عليه القرآن بنفسه، ويبينه الله سبحانه بكلامه، ويمكن ~~للناس الحصول عليه بالأخرة لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يبين لهم معاني ~~لا طريق إلى فهمها من كلام الله تعالى فإن ذلك لا ينطبق البتة على مثل قوله ~~تعالى: "كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون": حم السجدة - 3، وقوله ~~تعالى: "وهذا لسان عربي مبين": النحل - 103. # على أن الأخبار المتواترة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) المتضمنة لوصيته ~~بالتمسك بالقرآن والأخذ به وعرض الروايات المنقولة عنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على كتاب الله لا يستقيم معناها إلا مع كون جميع ما نقل عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) مما يمكن استفادته من الكتاب، ولو توقف ذلك على ~~بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من الدور الباطل وهو ظاهر. # على أن ما ورد به النقل من كلام الصحابة مع قطع النظر عن طرقه لا يخلو عن ~~الاختلاف فيما بين الصحابة أنفسهم بل عن الاختلاف فيما نقل عن الواحد منهم ~~على ما ms0974 لا يخفى على المتتبع المتأمل في أخبارهم، والقول بأن الواجب حينئذ ~~أن يختاروا أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية، ويجتنب عن خرق ~~إجماعهم، والخروج عن جماعتهم مردود بأنهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق، ولم ~~يستلزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم فكيف يجب على غيرهم أن ~~يقفوا على ما قالوا به ولم يختصوا بحجية قولهم على غيرهم ولا بتحريم الخلاف ~~على غيرهم دونهم. PageV03P047 # على أن هذا الطريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسري صدر الإسلام من ~~الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنية يوجب توقف العلم في سيره، ~~وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل والكتب ~~المؤلفة في التفسير في القرون الأولى من الإسلام، ولم ينقل منهم في التفسير ~~إلا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمق البحث وتدقيق النظر فأين ما يشير إليه ~~قوله تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل - 89، من دقائق ~~المعارف في القرآن؟ وأما استبعاد أن يختفي عليهم معاني القرآن مع ما هم ~~عليه من الفهم والجد والاجتهاد فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني ~~كثير من الآيات والتناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم إذ لا يتصور ~~اختلاف ولا تناقض إلا مع فرض خفاء الحق واختلاط طريقه بغيره. # فالحق أن الطريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود، وأن البيان الإلهي ~~والذكر الحكيم بنفسه هو الطريق الهادي إلى نفسه، أي إنه لا يحتاج في تبيين ~~مقاصده إلى طريق، فكيف يتصور أن يكون الكتاب الذي عرفه الله تعالى بأنه هدى ~~وأنه نور وأنه تبيان لكل شيء مفتقرا إلى هاد غيره ومستنيرا بنور غيره ~~ومبينا بأمر غيره؟ فإن قلت: قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~قال في آخر خطبة خطبها: إني تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر والثقل ~~الأصغر: فأما الأكبر فكتاب ربي، وأما الأصغر فعترتي أهل بيتي فاحفظوني ~~فيهما فلن تضلوا ما تمسكتم بهما رواه الفريقان بطرق متواترة عن جم غفير من ~~أصحاب رسول الله (صلى الله ms0975 عليه وآله وسلم) عنه، أنهى علماء الحديث عدتهم ~~إلى خمس وثلاثين صحابيا، وفي بعض الطرق: لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ~~والحديث دال على حجية قول أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن ووجوب اتباع ~~ما ورد عنهم في تفسيره والاقتصار على ذلك وإلا لزم التفرقة بينهم وبينه. # قلت: ما ذكرناه في معنى اتباع بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آنفا ~~جار هاهنا بعينه، والحديث غير مسوق لإبطال حجية ظاهر القرآن وقصر الحجية ~~على ظاهر بيان أهل البيت (عليهم السلام). # كيف وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لن يفترقا، فيجعل الحجية لهما ~~معا فللقرآن الدلالة على معانيه والكشف عن المعارف الإلهية، ولأهل البيت ~~الدلالة على الطريق وهداية الناس إلى أغراضه ومقاصده. # على أن نظير ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوة الناس ~~إلى الأخذ بالقرآن والتدبر فيه وعرض ما نقل عنه عليه وارد عن أهل البيت ~~(عليهم السلام). # على أن جما غفيرا من الروايات التفسيرية الواردة عنهم (عليهم السلام) ~~مشتملة على الاستدلال بآية على آية، والاستشهاد بمعنى على معنى، ولا يستقيم ~~ذلك إلا بكون المعنى مما يمكن أن يناله المخاطب ويستقل به ذهنه لوروده من ~~طريقه المتعين له. # على أن هاهنا روايات عنهم (عليهم السلام) تدل على ذلك بالمطابقة كما رواه ~~في المحاسن، بإسناده عن أبي لبيد البحراني عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~حديث قال: فمن زعم أن كتاب الله مبهم فقد هلك وأهلك. # ويقرب منه ما فيه، وفي الإحتجاج، عنه (عليه السلام) قال: إذا حدثتكم بشيء ~~فاسألوني عنه من كتاب الله الحديث. # وبما مر من البيان يجمع بين أمثال هذه الأحاديث الدالة على إمكان نيل ~~المعارف القرآنية منه وعدم احتجابها من العقول وبين ما ظاهره خلافه كما في ~~تفسير العياشي، عن جابر قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن للقرآن ~~بطنا وللبطن ظهرا، ثم قال: يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه إن ~~الآية لتنزل أولها في شيء وأوسطها في ms0976 شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل ~~ينصرف على وجوه، وهذا المعنى وارد في عدة روايات. # وقد رويت الجملة أعني قوله: وليس شيء أبعد "الخ" في بعضها عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وقد روي عن علي (عليه السلام): أن القرآن حمال ذو ~~وجوه الحديث، فالذي ندب إليه تفسيره من طريقه والذي نهي عنه تفسيره من غير ~~طريقه وقد تبين أن المتعين في التفسير الاستمداد بالقرآن على فهمه وتفسير ~~الآية بالآية وذلك بالتدرب بالآثار المنقولة عن النبي وأهل بيته صلى الله ~~عليه وعليهم وتهيئة ذوق مكتسب منها ثم الورود، والله الهادي. PageV03P048 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 10 - 18 # إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بئايتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب (11) قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ~~وبئس المهاد (12) قد كان لكم ءاية فى فئتين التقتا فئة تقتل فى سبيل الله ~~وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذلك ~~لعبرة لأولى الأبصر (13) زين للناس حب الشهوت من النساء والبنين والقنطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعم والحرث ذلك متع الحيوة ~~الدنيا والله عنده حسن المئاب (14) * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها وأزوج مطهرة ورضون من الله ~~والله بصير بالعباد (15) الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وقنا عذاب النار (16) الصبرين والصدقين والقنتين والمنفقين والمستغفرين ~~بالأسحار (17) شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) ### |||| AUTO بيان # قد تقدم: أن المسلمين عند نزول السورة كانوا مبتلين في داخل جماعتهم ~~بالمنافقين وآخرين سماعين لهم ولما يلقيه إليهم أعداء الإسلام من النزاعات ~~والوساوس لتقليب الأمور عليهم وإفساد دعوتهم، ومبتلين في خارج جمعهم بثوران ~~الدنيا عليهم وانتهاض المشركين واليهود والنصارى لإبطال دعوتهم وإخماد ~~نارهم وإطفاء نورهم بأي وسيلة ms0977 أمكنت من لسان أو يد. # وأن غرض السورة دعوتهم إلى توحيد الكلمة وإلى الصبر والثبات ليصلح بذلك ~~أمرهم وينقطع ما نشأ من الفساد في داخل جوهم، وما يطرأ ويهجم عليهم منه من خارجه. # وقد كانت الآيات السابقة أعني قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى ~~قوله تعالى: إن الله لا يخلف الميعاد تعريضا للمنافقين والزائقين قلبا ~~ودعوة للمسلمين إلى التثبت فيما فهموه من معارف الدين، والتسليم والإيمان ~~فيما اشتبه لهم ولم يفتهموه من كنهه وحقيقته بالتنبيه على أن شر ما يفسد ~~أمر الدين ويجر المسلمين إلى الفتنة واختلال نظام السعادة هو اتباع ~~المتشابهات وابتغاء التأويل فيتحول بذلك الهداية الدينية إلى الغي والضلال ~~ويتبدل به الاجتماع افتراقا، والشمل شتاتا. # ثم وقع التعرض في هذه الآيات لحال الكفار والمشركين وأنهم سيغلبون وليسوا ~~بمعجزين لله سبحانه ولا ناجحين في عتوهم بالتنبيه على أن الذي أوجب ضلالهم ~~والالتباس عليهم هو ما زين لهم من مشتهيات الدنيا فزعموا بما رزقوا من ~~مالها وولدها أن ذلك مغن لهم من الله سبحانه شيئا وقد أخطئوا في زعمهم ~~فالله سبحانه هو الغالب في أمره، ولو كان المال والأولاد وما أشبهها مغنية ~~من الله شيئا لأغنت آل فرعون ومن قبلهم من الأمم الظالمة أولي الشوكة ~~والقدرة لكنها لم تغن عنهم شيئا وأخذهم الله بذنوبهم فكذلك هؤلاء سيغلبون ~~ويؤخذون فمن الواجب على المؤمنين أن يتقوا الله في هذه المشتهيات حتى ~~ينالوا بذلك سعادة الدنيا وثواب الآخرة ورضوان ربهم سبحانه. # فالآيات كما تعطيه مضامينها متعرضة لحال الكفار كما أن الآيات التالية ~~لهذه الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب من اليهود والنصارى على ما سيأتي. PageV03P049 # قوله تعالى: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا، أغنى عنه ماله من فلان أي أعطاه الغنى ورفع حاجته فلا حاجة به إليه، ~~والإنسان في بادي تكونه وشعوره يرى نفسه محتاجة إلى الخارج منه، وهذا أول ~~علمه الفطري إلى احتياجه إلى الصانع المدبر ثم إنه لما توسط في الأسباب ~~وأحس بحوائجه بدأ ms0978 بإحساس الحاجة إلى كماله البدني النباتي وهو الغذاء ~~والولد، ثم عرفت له نفسه سائر الكمالات الحيوانية، وهي التي يزينوا له ~~الخيال من زخارف الدنيا من زينة الملبس والمسكن والمنكح وغير ذلك، وعندئذ ~~يتبدل طلب الغذاء إلى طلب المال الذي يظنه مفتاحا لحل جميع مشكلات الحيوة ~~لأن العادة الغالبة تجري على ذلك فيظن أن سعادة حيوته في المال والولد بعد ~~ما كان يظن أن ضامن سعادته هو الغذاء والولد، ثم انكباب نفسه على مشتهياته، ~~وقصر همه على الأسباب يوجب أن يقف قلبه عند الأسباب، ويعطي لها الاستقلال، ~~وحينئذ ينسى ربه، ويتشبث بذيل المال والولد، وفي هذا الجهل هلاكه فإنه يستر ~~به آيات ربه ويكفر بها، وقد التبس عليه الأمر فإن ربه هو الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم لا يستغني عنه شيء بحال ولا يغني عنه شيء بحال. # وبهذا البيان يظهر وجه تقديم الأموال على الأولاد في الآية فإن الركون ~~إلى المال - وقد عرفت أن الأصل فيه الغذاء - أقدم عند الإنسان من الركون ~~إلى الأولاد وأعرف منه وإن كان حب الولد ربما غلب عند الإنسان على حب المال. # وفي الآية إيجاز شبيه دفع الدخل، والتقدير: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا ~~وزعموا أن أموالهم وأولادهم تغنيهم من الله، وقد أخطئوا فلا غنى من الله ~~سبحانه في وقت ولا في شيء، على ما تدل عليه الآية التالية. # قوله تعالى: وأولئك هم وقود النار، الوقود بفتح الواو ما توقد به النار ~~وتشتعل، والآية جارية مجرى قوله تعالى: "فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة": البقرة - 24، وقوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم": الأنبياء - 98، وقد مر بعض الكلام في معنى ذلك في سورة البقرة. # والإتيان بالجملة الاسمية، والابتداء باسم الإشارة، وكونه دالا على البعد ~~وتوسيط ضمير الفصل، وإضافة الوقود إلى النار دون أن يقال وقود، كل ذلك يؤكد ~~ظهور الكلام في الحصر، ولازمه كون المكذبين من الكفار هم الأصل في عذاب ~~النار وإيقاد جهنم، وأن غيرهم إنما يحترقون بنارهم، ويتأيد بذلك ما ms0979 سيأتي ~~بيانه في قوله تعالى: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض" الآية: الأنفال - 37. # قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم إلى آخر الآية: الدأب على ما ~~ذكروه هو السير المستمر قال تعالى: "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين": ~~إبراهيم - 33 ومنه تسمية العادة دأبا لأنه سير مستمر، وهذا المعنى هو ~~المراد في الآية. # وقوله: كدأب، متعلق بمقدر يدل عليه قوله في الآية السابقة: لن تغني عنهم، ~~ويفسر الدأب قوله: كذبوا بآياتنا وهو في موضع الحال، وتقدير الكلام كما مرت ~~إليه الإشارة: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا واستمروا عليها دائبين فزعموا ~~أن في أموالهم وأولادهم غنى لهم من الله كدأب آل فرعون ومن قبلهم وقد كذبوا ~~بآياتنا. # وقوله: فأخذهم الله بذنوبهم، ظاهر الباء أنها تفيد السببية، يقال: أخذته ~~بذنبه أي بسبب ذنبه لكن مقتضى المحاذاة التي بين الآيتين، وقياسه حال هؤلاء ~~الذين كفروا في دأبهم على آل فرعون والذين من قبلهم في دأبهم أن يكون ~~البناء للآلة، فإنه ذكر في الذين كفروا أنهم وقود النار تشتعل عليهم أنفسهم ~~ويعذبون بها فكذلك آل فرعون ومن قبلهم إنما أخذوا بذنوبهم وكان العذاب الذي ~~حل بساحتهم هو عين الذنوب التي أذنبوها، وكان مكرهم هو الحائق بهم، وظلمهم ~~عائدا إليهم، قال تعالى: ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله": الفاطر - 43، ~~وقال تعالى: "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون": البقرة - 57. PageV03P050 # ومن هنا يتبين معنى كونه شديد العقاب، فإن عقابه تعالى لا يقصد الإنسان ولا ~~يتوجه إليه من جهة دون جهة، وفي محل دون محل، وعلى شرط دون شرط كما أن عقاب ~~غيره كذلك فإن الشر الذي يوجهه إلى الإنسان مثله مثلا إنما يتوجه إليه من ~~بعض الجهات دون بعض كفوق وتحت، وفي بعض الأماكن دون بعض فيدفع بالفرار ~~والتوقي والالتجاء مثلا وهذا بخلاف عقابه تعالى فإنه يأخذ الإنسان بعمله ~~وذنبه وهو مع الإنسان في باطنه وظاهره من غير أن ينفك عنه، ويجعل الإنسان ~~وقودا لنار أحاط به سرداقها، ولا ينفعه فرار ولا قرار، ms0980 ولا يوجد منه مناص ~~ولا خلاص، فهو شديد العقاب. # وفي قوله تعالى: كذبوا بآياتنا فأخذهم الله، التفات من الغيبة إلى الحضور ~~أولا ثم من الحضور إلى الغيبة ثانيا، أما قوله: كذبوا بآياتنا ففيه تنشيط ~~لذهن السامع وتقريب للخبر إلى الصدق فإنه بمنزلة أن يقول القائل: إن فلانا ~~بذي فحاش سيىء المحاضرة وقد ابتليت به فيجب الاجتناب عن معاشرته، فجملة وقد ~~ابتليت به تصحيح للخبر وإثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية ونحو من الشهادة. # فالمعنى - والله أعلم - أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين ~~كفروا في الكفر وتكذيب الآيات، ولا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين ~~شاهدين وقد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم. # وأما قوله: فأخذهم الله، فهو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الأصل في ~~الكلام وهو أسلوب الغيبة، وفيه مع ذلك إرجاع الحكم إلى مقام الألوهية ~~القائمة بجميع شئون العالم والمهيمنة على كل ما دق وجل، ولذلك كرر لفظ ~~الجلالة ثانيا في قوله والله شديد العقاب، ولم يقل وهو شديد العقاب للدلالة ~~على أن كفرهم وتكذيبهم هذا منازعة ومحاربة مع من له جلال الألوهية ويهون ~~عليه أخذ المذنب بذنبه، وهو شديد العقاب لأنه الله جل اسمه. # قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى آخر الآية، الحشر هو ~~إخراج الجماعة عن مقرهم بالإزعاج، ولا يستعمل في الواحد، قال تعالى: ~~"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا": الكهف - 47، والمهاد هو الفراش، وظاهر ~~السياق أن المراد بالذين كفروا هم المشركون كما أنه ظاهر الآية السابقة: إن ~~الذين كفروا لن تغني عنهم "الخ" دون اليهود، وهذا هو الأنسب لاتصال الآيتين ~~حيث تذكر هذه الآية الغلبة عليهم وحشرهم إلى جهنم وقد أشارت الآية السابقة ~~إلى تقويهم وتعززهم بالأموال والأولاد. # قوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا، ظاهر السياق أن يكون الخطاب ~~للذين كفروا، والكلام من تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~ستغلبون وتحشرون "الخ" ومن الممكن أن يكون خطابا للمؤمنين بدعوتهم إلى ~~الاعتبار والتفكر بما من الله عليهم يوم بدر حيث ms0981 أيدهم بنصره تأييدا عجيبا ~~بالتصرف في أبصار العيون، وعلى هذا يكون الكلام مشتملا على نوع من الالتفات ~~بتوسعة خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: "قل للذين" ~~بتوجيهه إليه وإلى من معه من المؤمنين، لكن السياق، كما عرفت، للأول أنسب. # والآية - بما تشتمل عليه من قصة التقاء الفئتين ونصرة تعالى للفئة ~~المقاتلة في سبيل الله - وإن لم تتعرض بتشخيص القصة وتسمية الوقعة غير أنها ~~قابلة الانطباق على وقعة بدر، والسورة نازلة بعدها بل وبعد أحد. # على أن الآية ظاهرة في أن هذه القصة كانت معهودة عند المخاطبين بهذه ~~الخصوصية وهم على ذكر منها حيث يقول: قد كان لكم آية "الخ" ولم يقص تعالى ~~قصة يذكر فيها التصرف في أبصار المقاتلين غير قصة بدر، والذي ذكره في قصة ~~بدر في سورة الأنفال من قوله تعالى: "وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم ~~قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور": الأنفال - 44، وإن كان هو التقليل دون التكثير لكن لا يبعد أن ~~يكون قد قلل فيها المؤمنين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم ولا يتولوا عن ~~المقارعة ثم كثرهم في أعينهم بعد التلاقي والاختلاط لينهزموا بذلك. # وكيف كان فالمعتمد ما كان في ذكرهم من التكثير في العيون فعلى تقدير أن ~~يكون الخطاب في الآية متوجها إلى المشركين لا تنطبق الآية على غير وقعة ~~بدر، على أن قراءة ترونهم بالتاء أيضا تؤيد ما ذكرناه. PageV03P051 # فمحصل معنى الآية: أنكم أيها المشركون لو كنتم من أولي الأبصار والبصائر ~~لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق وأن الله يؤيد بنصره من ~~يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد ما رأيتموه يوم بدر فقد كان المؤمنون مقاتلين ~~في سبيل الله سبحانه، وقد كانوا فئة قليلة مستذلين لا يبلغون ثلث الفئة ~~الكافرة، ولا يقاسون بهم قوة، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس لهم إلا ~~ستة أدرع وثمانية سيوف وفرسان، وكان جيش المشركين قريبا من ألف مقاتل لهم ~~من العدة والقوة والخيل والجمال ms0982 والهيئة ما لا يقدر بقدر، فنصر الله ~~المؤمنين على قلتهم وذلتهم على أعدائه وكثرهم في أعينهم فكانوا يرونهم ~~مثليهم رأي العين، وأيدهم الملائكة فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به ~~من أموال وأولاد ولم يغنهم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من الله شيئا. # وقد ذكر الله سبحانه دأب آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيب آيات الله ~~وأخذهم بذنوبهم في سورة الأنفال عند ذكر القصة مرتين ما ذكره هاهنا بعينه. # وفي موعظتهم بتذكير وقعة بدر إيماء إلى أن المراد بالغلبة في الآيات ~~السابقة الغلبة بالقتل والإبادة ففي آياته تهديد بالقتال. # قوله تعالى: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، لم يقل وأخرى في سبيل ~~الشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين ~~السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى وأن الغلبة له فالمقابلة ~~بالحقيقة بين الإيمان بالله والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى. # والظاهر من السياق أن الضميرين في قوله يرونهم مثليهم راجعان إلى قوله: ~~فئة تقاتل، أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلي المؤمنين فهم يرونهم ~~ستمائة وستة وعشرين ولقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وأما احتمال ~~اختلاف الضميرين مرجعا بأن يكون المعنى: يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين ~~فبعيد عن اللفظ، وهو ظاهر. # وربما احتمل أن يكون الضميران راجعين إلى الفئة الكافرة، ويكون المعنى: ~~يرى الكافرون أنفسهم مضاعفة مثلي عددهم يرون الألف ألفين ولازمه تقليلهم ~~المؤمنين في النسبة فكانوا يرونهم سدس أنفسهم عددا مع كونهم ثلثا لهم في ~~النسبة وذلك ليطابق ما ذكره في هذه الآية قوله تعالى في قصة بدر: "وإذ ~~يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم": الأنفال - 44، ~~فإن الآية تنافي الآية. # وأجيب بأن ذلك يؤدي إلى اللبس غير اللائق بأبلغ الكلام بل كان من اللازم ~~على هذا أن يقال: يرون أنفسهم مثليهم أو ما يؤدي ذلك. # وأما التنافي بين الآيتين فإنما يتحقق مع اتحاد الموقف والمقام، ولا دليل ~~على ذلك لإمكان أن يقلل الله سبحانه كلا من الطائفتين ms0983 في عين صاحبتها في ~~بدء التلاقي لتشد بذلك قلوبهم وتزيد جرأتهم حتى إذا نشبت المقارعة وحمي ~~الوطيس رأى الكافرون المؤمنين مثلي عددهم فانهزموا بذلك وولوا الأدبار، ~~وهذا نظير قوله تعالى في وصف يوم القيامة: "لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان": ~~الرحمن - 39، مع قوله: "وقفوهم إنهم مسئولون": الصافات - 24، وليس إلا أن ~~الموقف غير الموقف. # وفي شأن الضميرين أعني في قوله: يرونهم مثليهم، احتمالات أخر ذكروها غير ~~أن الجميع تشترك في كونها خلاف ظاهر اللفظ، ولذلك تركنا ذكرها، والله ~~العالم. PageV03P052 # قوله تعالى: والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، ~~التأييد من الأيد وهو القوة، والمراد بالأبصار قيل: هو العيون الظاهرية ~~لكون الآية مشتملة على التصرف في رؤية العيون، وقيل: هو البصائر لأن العبرة ~~إنما تكون بالبصيرة القلبية دون البصر الظاهري، والأمر هين، فإن الله ~~سبحانه في كلامه يعد من لا يعتبر بالعبر والمثلات أعمى، ويذكر أن العين يجب ~~أن تبصر وتميز الحق من الباطل وفي ذلك دعوى أن الحق الذي يدعو إليه ظاهر ~~متجسد محسوس يجب أن يبصره البصر الظاهر، وأن البصيرة والبصر في مورد ~~المعارف الإلهية واحد بنوع من الاستعارة لنهاية ظهورها ووضوحها، والآيات في ~~ذلك كثيرة جدا، ومن أحسنها دلالة على ما ذكرنا قوله تعالى: "فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور": الحج - 46، أي إن الأبصار إنما ~~هي في القلوب دون الرءوس، وقوله تعالى: "ولهم أعين لا يبصرون بها": الأعراف ~~- 179، والآية في مقام التعجيب، وقوله تعالى: وجعل على بصره غشاوة": ~~الجاثية - 23، إلى غير ذلك من الآيات، فالمراد بالأبصار فيما نحن فيه هو ~~العيون الظاهرية بدعوى أنها هي التي تعتبر وتفهم فهو من الاستعارة ~~بالكناية، والنكتة فيه ظهور المعنى كأنه بالغ حد الحس، ويزيد في لطفه أن ~~المورد يتضمن التصرف في رؤية العين الظاهرة. # وظاهر قوله: إن في ذلك "الخ" أنه تتمة لكلامه تعالى الذي يخاطب به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس تتمة لقول النبي المدلول عليه بقوله: قل ~~للذين كفروا ms0984 "الخ"، والدليل عليه الكاف في قوله: ذلك، فإنه خطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وفي هذا العدول إلى الخطاب الخاص بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إيماء إلى قلة فهمهم وعمى قلوبهم أن يعتبروا بأمثال هذه العبر. # قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء "الخ"، الآية وما يتلوها ~~بمنزلة البيان وشرح حقيقة الحال لما تقدم من قوله تعالى آنفا: إن الذين ~~كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا "الخ" إذ يظهر منه ~~أنهم يعتقدون الاستغناء بالأموال والأولاد من الله سبحانه فالآية تبين أن ~~سبب ذلك أنهم انكبوا على حب هذه المشتهيات وانقطعوا إليها عن ما يهمهم من ~~أمر الآخرة، وقد اشتبه عليهم الأمر فإن ذلك متاع الحيوة الدنيا، ليس لها ~~إلا أنها مقدمة لنيل ما عند الله من حسن المآب مع أنهم غير مبدعين في هذا ~~الحب والاشتهاء ولا مبتكرون بل مسخرون بالتسخير الإلهي بتغريز أصل هذا الحب ~~فيهم ليتم لهم الحيوة الأرضية فلو لا ذلك لم يستقم أمر النوع الإنساني في ~~حيوته وبقائه بحسب ما قدره الله سبحانه من أمرهم حيث قال: "ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين: البقرة - 36. # وإنما قدر لهم ذلك ليتخذوها وسيلة إلى الدار الآخرة ويأخذوا من متاع هذه ~~ما يتمتعون به في تلك لا لينظروا إلى ما في الدنيا من زخرفها وزينتها بعين ~~الاستقلال وينسوا بها ما وراءها، ويأخذوا الطريق مكان المقصد في عين أنهم ~~سائرون إلى ربهم، قال تعالى: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": الكهف - 8. # إلا أن هؤلاء المغفلين أخذوا هذه الوسائل الظاهرة الإلهية التي هي مقدمات ~~وذرائع إلى رضوان الله سبحانه أمورا مستقلة في نفسها محبوبة لذاتها وزعموا ~~أنها تغني عنهم من الله شيئا فصارت نقمة عليهم بعد ما كانت نعمة ووبالا بعد ~~ما كانت مثوبة مقربة. PageV03P053 # قال تعالى: "إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام ms0985 حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس إلى أن قال: ويوم يحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم إلى أن قال: وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما ~~كان يفترون": يونس - 30 تشير الآيات إلى أمر الحيوة وزينتها بيده تعالى لا ~~ولي لها دونه لكن الإنسان باغتراره بظاهرها يظن أن أمرها إليه، وأنه قادر ~~على تدبيرها وتنظيمها فيتخذ لنفسه فيها شركاء - كالأصنام وما بمعناها من ~~المال والولد وغيرهما، إن الله سيوقفه على زلته فيذهب هذه الزينة، ويزيل ~~الروابط التي بينه وبين شركائه، وعند ذلك يضل عن الإنسان ما افتراه على ~~الله من شريك في التأثير ويظهر له معنى ما علمه في الدنيا وحقيقته، ورد إلى ~~الله مولاه الحق. # وهذا التزين أعني: ظهور الدنيا للإنسان بزينة الاستقلال وجمال الغاية ~~والمقصد لا يستند إلى الله سبحانه فإن الرب العليم الحكيم أمنع ساحة من أن ~~يدبر خلقه بتدبير لا يبلغ به غايته الصالحة، وقد قال تعالى: "إن الله بالغ ~~أمره": الطلاق - 3، وقال تعالى: "والله غالب على أمره": يوسف - 21، بل إن ~~استند فإنما يستند إلى الشيطان قال تعالى: "وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون": الأنعام - 43، وقال تعالى: "وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم": ~~الأنفال - 48. # نعم لله سبحانه الإذن في ذلك ليتم أمر الفتنة، وتستقيم التربية كما قال ~~تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين ~~يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون: العنكبوت - 4، وعلى هذا الإذن ~~يمكن أن يحمل قوله تعالى: "كذلك زينا لكل أمة عملهم: الأنعام - 108، وإن ~~أمكن أيضا أن يحمل على ما مر من معنى التزيين المنسوب إليه تعالى في قوله ~~تعالى: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا: الكهف - 7. # وبالجملة التزيين تزيينان: تزيين للتوسل بالدنيا إلى الآخرة وابتغاء ~~مرضاته في مواقف ms0986 الحياة المتنوعة بالأعمال المختلفة المتعلقة بالمال والجاه ~~والأولاد والنفوس، وهو سلوك إلهي حسن، نسبه الله تعالى إلى نفسه كما مر من ~~قوله: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها الآيات، وكقوله تعالى: "قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق": الأعراف - 32. # وتزيين لجلب القلوب وإيقافها على الزينة وإلهائها عن ذكر الله وهو تصرف ~~شيطاني مذموم، نسبه الله سبحانه إلى الشيطان، وحذر عباده عنه كما مر من ~~قوله تعالى: "وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون" الآية، وقوله تعالى فيما ~~يحكيه من قول الشيطان: "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين": الحجر - 39، وقوله تعالى: زين لهم سوء أعمالهم": التوبة - 37، إلى ~~غير ذلك من الآيات. # وهذا القسم ربما نسب إليه تعالى من حيث إن الشيطان وكل سبب من أسباب ~~الخير أو الشر إنما يعمل ما يعمل ويتصرف في ملكه ما يتصرف بإذنه لينفذ ما ~~أراده وشاءه، وينتظم بذلك أمر الصنع والإيجاد، ويفوز الفائزون بحسن إرادتهم ~~واختيارهم، ويمتاز المجرمون. # وبما مر من البيان يظهر أن المراد من فاعل التزيين المبهم في قوله: زين ~~للناس حب الشهوات "الخ" ليس هو الله سبحانه فإن التزيين المذكور وإن كان له ~~نسبة إليه تعالى سواء كان تزيينا صالحا لأن يدعو إلى عبادته تعالى وهو ~~المنسوب إليه بالاستقامة أو تزيينا ملهيا عن ذكره تعالى وهو المنسوب إليه ~~بالإذن، لكن لاشتمال الآية على ما لا ينسب إليه مستقيما كما يجيء بيانه كان ~~الأليق بأدب القرآن أن ينسب إلى غيره تعالى كالشيطان أو النفس. # ومن هنا يظهر صحة ما ذكره بعض المفسرين: أن فاعل زين هو الشيطان لأن حب ~~الشهوات أمر مذموم، وكذا حب كثرة المال مذموم، وقد خص تعالى بنفسه ما ذكره ~~في آخر الآية وفي ما يتلوها. PageV03P054 # ويظهر به فساد ما ذكره بعضهم: أن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشىء فيها ~~ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال وإنما يسند إليه ما هو قبيل الوسوسة التي ~~تزين للإنسان عملا قبيحا. # قال: ولذلك لم يسند ms0987 إليه القرآن إلا تزيين الأعمال، قال تعالى: "وإذ زين ~~لهم الشيطان أعمالهم"، وقال "وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون"، وأما ~~الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له، ~~قال عز وجل: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" ~~وقال: كذلك زينا لكل أمة عملهم" فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع، انتهى. # وجه الفساد: أنه وإن أصاب في قوله: إن الحقائق وطبائع الأشياء لا تسند ~~إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له لكنه أخطأ في قوله: إن الكلام في ~~طبيعة البشر وما ينشأ منها بحسب الطبع، وذلك أن السورة كما علمت في مقام ~~بيان أن الله سبحانه هو القيوم على خلقه في جميع ما هم عليه من الخلق ~~والتدبير والإيمان والكفر والإطاعة والعصيان، خلق الخلق وهداهم إلى ~~سعادتهم، وأن الذين نافقوا في دينه من المنافقين أو كفروا بآياته من ~~الكافرين أو بغوا بالاختلاف في كتابه من أهل الكتاب، وبالجملة الذين أطاعوا ~~الشيطان واتبعوا الهوى ليسوا بمعجزين لله غالبين عليه مفسدين لقيمومته بل ~~الجميع راجع إلى قدره وتدبيره أمر خلقه في تحكيم ناموس الأسباب لتقوم بذلك ~~سنة الامتحان فهو الخالق للطبائع وقواها وميولها وأفعالها لتسلك بها إلى ~~جوار ربها جوار القرب والكرامة، وهو الذي أذن لإبليس ولم يمنعه من الوسوسة ~~والنزعة ولم يمنع الإنسان من اتباعه باتباع الهوى ليتم أمر الامتحان وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء، وإنما بين ذلك في هذه السورة ليتسلي ~~بذلك نفوس المؤمنين، ويطيب بذلك قلوبهم بما هم عليه عند نزول السورة من ~~العسرة والشدة والابتلاء من الداخل بنفاق المنافقين وجهالة الذين في قلوبهم ~~مرض بإفساد الأمور وتقليبها عليهم، والتقصير في طاعة الله ورسوله، ومن ~~الخارج بالدعوة الشاقة الدينية، ووثوب الكفار من العرب عليهم من جانب، وأهل ~~الكتاب واليهود منهم خاصة من جانب آخر، وتهديد الكفار كالروم والعجم بالقوة ~~والعدة من جانب آخر، وهؤلاء الكافرون ومن يحذو حذوهم اشتبه عليهم الأمر في ~~الركون إلى الدنيا وزخارفها ms0988 حيث أخذوها غاية وهي مقدمة والغاية أمامها. # فالسورة كما ترى تبحث عن طبائع الأمم لكن بنحو وسيع يشمل جهات خلقهم ~~وتكوينهم وجميع ما يتعقب ذلك في مسير حيوتهم من الخصائل وأعمال السعادة ~~والشقاوة والطاعة والمعصية فتبين أن ذلك كله تحت قيمومته تعالى لا يقهر في ~~قدرته، ولا يغلب في أمره لا في الدنيا ولا في الآخرة أما في الدنيا فإنما ~~هو إذن وامتحان، وأما في الآخرة فإنما هو الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # وكذلك الآيات أعني قوله: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم إلى تمام تسع آيات في مقام بيان أن الكفار وإن كذبوا آيات ربهم ~~وبدلوا نعم الله التي أنعمها عليهم ليتوسلوا بها إلى رضوانه وجنته فركنوا ~~واعتمدوا عليها واستغنوا بها عن ربهم، ونسوا مقامه ليسوا بمعجزين ولا ~~غالبين فسيأخذهم الله بنفس أعمالهم، ويؤيد عباده المؤمنين عليهم وسيحشرهم ~~إلى جهنم وبئس المهاد، وهم مع ذلك غالطون في الركون إلى ما ليس إلا متاعا ~~في الحياة الدنيا وعند الله حسن المآب، فالآيات أيضا تبحث عن طبيعة الكفار ~~لكن بنحو وسيع يشمل الصالح والطالح من أعمالهم. # على أن الآية التي ذكرها هذا القائل مستشهدا بها على أن الحقائق لا تسند ~~إلا إلى الله وإنما يسند إلى الشيطان الأعمال أعني قوله تعالى: "كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم" يدل بما حف عليه من القرائن على خلاف ذلك ويؤيد ما ذكرناه ~~وهو قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا ~~يعملون": الأنعام - 108، وهو ظاهر. PageV03P055 # وكذا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن التزيين على قسمين محمود ومذموم والأعمال ~~نوعان حسنة وسيئة، وإنما يسند إلى الله سبحانه ما هو منها محمود ممدوح حسن، ~~والباقي للشيطان وهو وإن كان حقا من وجه ولكنه إنما يصح في النسبة ~~المستقيمة التي يعبر عنه بالفعل ونحوه فالله سبحانه لا يفعل إلا الجميل، ~~ولا يأمر بالسوء والفحشاء، وأما ms0989 النسبة غير المستقيمة وبالواسطة التي يعبر ~~عنه بالإذن ونحوه فلا مانع عنها، ولو لا ذلك لم يستقم ربوبيته لكل شيء، ~~وخلقه لكل شيء، وملكه لكل شيء، وانتفاء الشريك عنه على الإطلاق، والقرآن ~~مشحون من هذه النسبة كقوله تعالى: "يضل من يشاء": الرعد - 27، وقوله: "أزاغ ~~الله قلوبهم": الصف - 5، وقوله: "الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم: ~~البقرة - 15، وقوله: "أمرنا مترفيها ففسقوا": الإسراء - 16، إلى غير ذلك من ~~الآيات، ولم ينشأ خطؤهم هذا إلا من جهة ما قصروا في البحث عن روابط الأشياء ~~وآثارها وأفعالها فحسبوا كل واحد من هذه الأمور الموجودة أمرا مستقل الوجود ~~منقطع الذات عما يحتف به من مجموعة الأشياء وقبيل المصنوعات وما يتقدم ~~عليها وما يتأخر عنها. # ولزم ذلك أن يضعوا الحوادث التي هي نتائج تفاعل الأسباب والعلل على ما ~~فطرها الله عليه في مسير السببية متقطعة متفرقة غير متصلة ولا مرتبطة فكانت ~~كل حادثة حدثت عن أسبابها وكل فعل فعله فاعله منقطع الوجود عن غيره مملوكا ~~لصاحبه ليس لغير سببه المتصل به فيه نصيب ولا في حدوثه حظ، فأجرام تدور، ~~وبحر تسري وفلك تجري، وأرض تقل، ونبات ينبت، وحيوان يدب، وإنسان يعيش ويكدح ~~لا التيام روحي معنوي يجمعها ولا وحدة جسمية من المادة وقوتها: توحدها. # ثم تعقب ذلك أن يظنوا نظير هذا الانفصال والتلاشي بين عناوين الأعمال ~~وصور الأفعال من خير وشر، وسعادة وشقاوة، وهدى وضلال، وطاعة ومعصية وإحسان ~~وإساءة، وعدل وظلم، وغير ذلك فكانت غير مرتبطة الوجود ولا متشابكة التحقق. # وقد ذهلوا عن أن هذا العالم بما يشتمل عليه من أعيان الموجودات وأنواع ~~المخلوقات مرتبط الأجزاء متلائم الأبعاض، يتبدل جزء منه إلى جزء، ويتحول ~~بعضه إلى بعض، فيوما إنسان، ويوما نبات، ويوما جماد، ويوما جمع، ويوما فرق، ~~وحيوة البعض بعينها ممات الآخر، وكون الجديد منه فساد للقديم بعينه. # وكذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة أي وضع فرض لواحدة ~~منها مؤثر في أوضاع ما يقارنها وما يتقدمها إلى أقدم العهود المفروضة ~~للعالم الطبيعي كالسلسلة التي تنجر بجر الحلقة ms0990 منها جميع الحلقات وهو ~~السلسلة فأدنى تغير مفروض في ذرة من ذرات هذا العالم يوجب تغير الحال في ~~الجميع، وإن عزب عن علمنا وإدراكنا أو خفي عن إحساسنا فعدم العلم لا يستلزم ~~عدم الوجود، فهذا مما بينت في الأبحاث العلمية منذ القديم، وأوضحته الأبحاث ~~الطبيعية والرياضية اليوم أتم إيضاح، ولقد كان القرآن ينبئنا بذلك أحسن ~~الإنباء قبل أن نأخذ في هذه الأبحاث من فلسفيها وطبيعيها ورياضيها بالنقل ~~عن كتب الآخرين ثم بالاستقلال في البحث، وذلك بما يذكر من اتصال التدبير في ~~الآيات السماوية والأرضية، وارتباط ما بينها، ونفع بعضها في بعض، واشتراك ~~الجميع في إقامة غرض الخلقة، ونفوذ القدر في جميعها والسلوك إلى المعاد، ~~وأن إلى ربك المنتهى. # وكذلك أوصاف الأفعال وعناوين الأعمال مرتبطة الأطراف كارتباط الأمور ~~المتقابلة المتعاندة فلو لا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر كما نشاهده ~~من أمر الصنع والإيجاد أن تكون شيء ما يحتاج إلى فساد آخر، وسبق أمر يتوقف ~~على لحوق آخر. # ولو لم يتحقق أحد الطرفين من أوصاف الأعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره ~~المطلوبة منه في الاجتماع الإنساني الطبيعي، ولا في الاجتماع الإلهي الذي ~~هو الدين الحق، فإن الإطاعة مثلا حسنة لأن المعصية سيئة، والحسنة موجبة ~~للثواب، لأن السيئة موجبة للعقاب، والثواب لذيذ للعامل لأن العقاب مولم له، ~~واللذة سعادة مرغوب فيها لأن الألم شقاوة مهروب عنها، والسعادة هي التي ~~يتوجه وجوده بحسب الخلقة إليها والشقاوة هي التي يتوجه عنها، ولو لا هذه ~~الحركة الوجودية لبطل الوجود. PageV03P056 # فالإطاعة ثم الحسنة ثم الثواب ثم اللذة ثم السعادة هي بحيال المعصية ~~فالعقاب فالألم فالشقاء وإنما يظهر كل منها بخفاء ما يقابله ويحيى بموته، ~~وكيف يمكن أن تقع دعوة إلى شيء من غير تحذير عما يخالفه؟ وكيف يمكن أن يكون ~~خلافه ممكنا دون أن يكون واقعا بما يدعو إليه من الأغراض والميول؟. # فقد تبين من ما ذكرناه: أن الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم على ~~الفساد كما يشتمل على الصلاح وعلى المعصية كما يشتمل ms0991 على الطاعة على ما ~~قدره الله في نظام صنعه وخلقه غير أن الكون والفساد في غير الأعمال ~~وأوصافها ينسبان إلى الله سبحانه لأن الخلق والأمر له. # لا شريك له وقبيل السعادة من الأعمال تنسب إليه بالهداية نسبة مستقيمة ~~وقبيل الشقاوة منها كوسوسة الشيطان وتسليط الهوى على الإنسان وتأمير ~~الظالمين على الناس ونحو ذلك ينسب إليه تعالى بالإضلال والإخزاء والخذلان ~~ونحوها نسبة غير مستقيمة، وهي التي يعبر عنها بالإذن فيقال: إنه تعالى أذن ~~للشيطان أن ينزع بالوسوسة والتسويل، ولم يمنع الإنسان أن يتبع الهوى، ولم ~~يضرب بين الظالم وما يريده من الظلم بحجاب لأن السعادة والشقاوة مبنيتان ~~على الاختيار، فمن سعد فباختياره، ومن شقي فباختياره، ولو لا ذلك لم تتم ~~الحجة، ولم تجر سنة الاختيار والامتحان. # ولم يمنع هؤلاء الباحثين عن الاسترسال في هذه المباحث إلا استيحاشهم من ~~وخيم نتائجها بزعمهم، فأما المجبرة منهم فزعموا أن لو قالوا بارتباط ~~الأشياء وضرورة تأثير الأسباب واعترفوا بذلك لزمهم الإيجاب في جانب الصانع ~~تعالى وسلب قدرته المطلقة على التصرف في مصنوعاته. # وأما غيرهم فزعموا أن لو أذعنوا بذلك في مرحلة الأعمال وأسندوها إلى ~~إرادته وقدره تعالى لزمهم القول بالإيجاب والإجبار في جانب المصنوع وهو ~~الإنسان، وببطلان الاختيار يبطل الثواب والعقاب، والتكليف والتشريع. # مع أنهم كان يسعهم أن يستأنسوا من غير استيحاش بكلامه تعالى حيث يقول: ~~"والله غالب على أمره": يوسف - 21 ويقول: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف - ~~54 ويقول: "لله ما في السموات والأرض": يونس - 55، على أنها وما يماثلها ~~آيات تعطي البرهان في ذلك، وقد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على قوله ~~تعالى "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": البقرة - 26. # ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات ~~فنقول: الظاهر أن فاعل زين غيره تعالى وهو الشيطان أو النفس: أما أولا فلأن ~~المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد ~~واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة ~~عن ms0992 الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى. # وأما ثانيا: فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى لكان المراد ~~به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور فكان الأنسب في التعبير أن ~~يقال: زين للإنسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين": التين - 5، وقوله تعالى: "ولقد كرمنا ~~بني آدم وحملناهم في البر والبحر الآية: الأسرى - 70، وأما لفظ الناس ~~فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة ~~الشخص ودناءة الفكر نحو قوله: "فأبى أكثر الناس إلا كفورا": الأسرى - 89، ~~وقوله: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى": الحجرات - 13 وغير ذلك. # وأما ثالثا: فلأن الأمور التي عدها تعالى بيانا لهذه الشهوات لا تناسب ~~التزيين الفطري إذ كان الأنسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي معنى مطلق ~~الزوجية، ولفظ البنين بالأولاد، ولفظ القناطير المقنطرة، بالأموال فإن الحب ~~الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو موجود في الرجال ~~بالنسبة إلى النساء، وكذا هو مغروز في الإنسان بالنسبة إلى مطلق الأولاد ~~ومطلق الأموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة، ولذلك اضطر القائل ~~بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول: إن المراد حب مطلق الزوجية ومطلق ~~الأولاد ومطلق الأموال وإنما ذكرت النساء والبنين والقناطير لكونها أقوى ~~الأفراد وأعرفها ثم تكلف في بيان ذلك بما لا موجب له. PageV03P057 # وأما رابعا: فلأن كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله ~~تعالى في آخر الآية: ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب قل ~~أأنبئكم بخير من ذلكم، فإن ظاهره أنه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات ~~الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله من الجنان والأزواج والرضوان، ولا ~~معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة فإن في ذلك مناقضة ظاهرة وإبطالا ~~للأمرين معا كالذي يريد الشبع ويمتنع عن الأكل. # فإن قلت: الآية أعني قوله: زين للناس حب الشهوات "الخ" بحسب الملخص من ~~معناها ms0993 مساوقة لقوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة": ~~الأعراف - 32، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضا ~~هو الله سبحانه. # قلت: بين الآيتين فرق من حيث المقام: فإن المقام فيما نحن فيه: مقام ذم ~~هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند الله، وحثهم ~~على الإعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه بخلاف تلك الآية فإنها ~~مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا ~~بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة، ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ ~~العباد. # وعدت هذه الزينة رزقا طيبا. # وإن قلت: إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات، ومن ~~المعلوم أن تزيين الحب للإنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه أمر طبيعي وخاصة ~~ذاتية له فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق ~~الحب في قلوبهم، ولا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه فهو الفاعل في قوله: زين. # قلت: لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب ~~بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره فإن الزينة هي الأمر المطلوب ~~الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه ~~كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها ~~الرجل بها فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي ~~المرأة، وبالجملة فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث ~~يؤدي إلى التوله فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو ~~الظاهر من معنى قوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا": مريم - 59، ويؤيد هذا المعنى ما سيأتي من الكلام ~~في العد الواقع في قوله: من النساء والبنين والقناطير، على أن لفظ الشهوات ~~ربما لم يخل عن الدلالة بالشغف والولوع وإن كان ms0994 بمعنى المشتهيات. # قوله تعالى: من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~"الخ"، النساء جمع لا واحد له من لفظه، والبنين جمع ابن وهو ذكور الأولاد ~~بواسطة أو بلا واسطة، والقناطير جمع قنطار وهو ملء مسك ذهبا أو هو المسك ~~المملوء، والمقنطرة اسم مفعول مشتق من القنطار وهو جامد، وهذا من دأبهم ~~يعتبرون في الجوامد شيئا من النسب يكسب بها معنى مصدريا ثم يشتقون منه ~~المشتقات كالباقل والتامر والعطار لبائع البقل والتمر والعطر، وفائدة توصيف ~~الشيء بالوصف المأخوذ من لفظه تثبيت معناه له، والتلميح إلى أنه واجد لمعنى ~~لفظه غير فاقدة كما يقال: دنانير مدنرة ودواوين مدونة، ويقال: حجاب محجوب ~~وستر مستور، والخيل: هو الأفراس، والمسومة مأخوذة من سامت الإبل سوما بمعنى ~~ذهبت لترعى فهي سائمة، أو من سمت الإبل في المرعى وأسمتها وسومتها بمعنى ~~أعلمتها. # فالخيل المسومة إما المرسلة للرعي أو المعلمة، والأنعام جمع نعم بفتحتين ~~وهو الإبل والبقر والغنم، والبهائم أعم منه ويطلق على غير الوحش والطير ~~والحشرات، والحرث هو الزرع وفيه معنى الكسب وهو تربية النبات أو النبات ~~المربى للانتفاع به في المعاش. # وبناء التعداد في الآية ليس على تكثر حب الشهوات بحسب تكثر المشتهيات ~~أعني متعلقات الشهوة بمعنى أن الإنسان بحسب طبعه يميل إلى الأزواج والأولاد ~~والمال حتى يتكلف في توجيه التعبيرات الواقعة في الآية كالتعبير عن الإنسان ~~بالناس والتعبير عن الأولاد بخصوص البنين، والتعبير عن المال بالقناطير ~~المقنطرة "الخ" بما تكلف به جمع من المفسرين. PageV03P058 # بل على كون الناس أصنافا في الشغف والولوع بمشتهيات الدنيا فمن شهواني لا ~~هم له إلا التعشق بالنساء وغرامهن والتقرب إليهن والأنس بصحبتهن، ويستصحب ~~ذلك أذنابا من وجوه الفساد ومعاصي الله سبحانه كاتخاذ المعازف والأغاني ~~وشرب المسكرات وأمور أخر غيرهما، وهذا مما يختص بالرجال عادة، ولا يوجد في ~~النساء إلا في غاية الشذوذ، ومن محب للبنين والتكاثر والتقوي بهم كما يوجد ~~غالبا في أهل البدو، ويختص أيضا بالبنين دون البنات، ومن مغرم بالمال أكبر ~~همه أن يقنطر القناطير، ويملأ المخازن ms0995 من وجوه النقد، وظهور هذا الجنون ~~أيضا في جمع المال إنما هو في وجوه النقد من الذهب والفضة أو ما يتقوم بهما ~~دون أمثال الأثاث إلا أن يراد لأجلهما بوجه، ويوجد غالبا في الحاضر دون ~~البادي، أو أن المختار عنده اتخاذ الخيل المسومة كالمغرمين بالفروسة ~~وأمثالهم أو اتخاذ الماشية من الأنعام، أو يستحب الحرث، وربما يجتمع البعض ~~من هذه الثلاثة الأخيرة مع البعض وربما تفترق. # وهذه أقسام الشهوات التي ينسل الناس إليها صنفا صنفا بالتعلق بواحد منها ~~وجعله أصلا في اقتناء مزايا الحيوة، وجعل غيره فرعا مقصودا بالقصد الثاني، ~~وقلما يوجد أو لا يوجد أصلا في الناس من ساوى بين جميعها، وقصد الجميع قصدا ~~أولا معتدلا. # وأما مثل الجاه والمقام والصدارة ونحوها فهي جميعا أمور وهمية بالحقيقة ~~إنما تتعلق الرغبة إليها بالقصد الثاني لا يعد الالتذاذ بها التذاذا شهويا، ~~على أن الآية ليست في مقام حصر الشهوات. # ومن هنا يتأيد ما تقدمت الإشارة إليه من أن المراد بحب الشهوات التوغل ~~والانغمار في حبها وهو المنسوب إلى الشيطان دون أصل الحب المودع في الفطرة ~~وهو المنسوب إلى الله سبحانه. # قوله تعالى: ذلك متاع الحياة الدنيا، أي هذه الشهوات أمور يتمتع بها ~~لإقامة هذه الحيوة التي هي أقرب الحيوتين منكم وهما الحيوة الدنيا والحيوة ~~الأخرى، والحيوة الدنيا وكذا المتاع الذي يتمتع به لها أمر فان داثر ليس ~~لها عاقبة باقية صالحة، وصلاح العقبى وحسن المآب إنما هو عند الله سبحانه ~~وهو قوله تعالى: والله عنده حسن المآب. # قوله تعالى: قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات إلى آخر ~~الآية، الآية مسوقة لبيان قوله: والله عنده حسن المآب وقد وضع فيها محل هذه ~~الشهوات الفانية الباطلة أمور هي خير للإنسان لكونها باقية وحسنة حقيقة من ~~غير بطلان، وهي أمور مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الإنسان من خواصها ~~وآثارها غير أنها خالية عن القبح والفساد غير صارفة للإنسان عن ما هو خير ~~منها، وهي الجنة ومطهرات الأزواج ورضوان الله تعالى. ms0996 # وقد اختصت الأزواج بالذكر مع كون ذكر الجنة كالمشتمل عليها لكون الوقاع ~~أعظم اللذائذ الجسمية عند الإنسان، ولذلك أيضا قدم ذكر النساء في قوله: من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة "الخ". # وأما الرضوان بكسر الراء وضمها فهو الرضا وهو أن يلائم الأمر الواقع نفس ~~صاحبه من غير أن يمتنع منه ويدافعه، ويقابله السخط. # وقد تكرر في القرآن ذكر رضى الله سبحانه، وهو منه تعالى كما يتصور ~~بالنسبة إلى فعل عباده في باب الطاعة كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب ~~الطاعة كالأوصاف والأحوال وغير ذلك إلا أن جل الموارد التي ذكر فيها أو ~~كلها من قبيل الرضا بالطاعة، ولذلك ربما قوبل بينه وبين رضا العبد فرضاه عن ~~عبده لطاعته، ورضى العبد عنه لجزائه الحسن أو لحكمة كقوله تعالى: "رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه: البينة - 8، وقوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية": الفجر - 28، وقوله تعالى: "والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد ~~لهم جنات" الآية: البراءة - 100. # وذكر الرضوان هاهنا أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحيوة ~~الدنيا يدل على أنه نفسه من مشتهيات الإنسان أو يستلزم أمرا هو كذلك عنى ~~بذكره في مقابل الجنات والأزواج في هذه الآية، وكذا في مقابل الفضل والرحمة ~~في قوله: "فضلا من ربهم ورضوانا": المائدة - 2، وقوله: "ومغفرة من الله ~~ورضوان": الحديد - 29، وقوله: "برحمة منه ورضوان": البراءة - 21. PageV03P059 # ولعل الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية هو التدبر في المعنى الذي ~~ذكرناه وفي قوله تعالى: رضي الله عنهم الآية وقوله: راضية مرضية الآية حيث ~~علق رضاه بأنفسهم، والرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم فيعود المعنى إلى ~~أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيئول إلى معنى قوله "لهم ما يشاءون ~~فيها": ق - 35، ففي رضوان الله عن الإنسان المشية المطلقة للإنسان. # ومن هنا يظهر: أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في ~~الآية السابقة أن الإنسان يحسب أنه لو اقتناها وخاصة القناطير ms0997 المقنطرة من ~~بينها أفادته إطلاق المشية وأعطته سعة القدرة فله ما يشاء، وعنده ما يريد. # وقد اشتبه عليه الأمر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شيء. # قوله تعالى: والله بصير بالعباد. # لما تحصل من هذه الآية والتي قبلها: أن الله أعد للإنسان في كلتا الدارين ~~الدنيا والآخرة نعما يتنعم بها ومآرب أخرى مما تلتذ به نفسه كالأزواج، وما ~~يؤكل ويشرب، والملك ونحوها، وهي متشابهة في الدارين غير أن ما في الدنيا ~~مشترك بين الكافر والمؤمن مبذول لهما معا وما في الآخرة مختص بالمؤمن لا ~~يشاركه فيها الكفار كان المقام مظنة سؤال الفرق في ذلك، وبلفظ آخر سؤال وجه ~~المصلحة في اختصاص المؤمن بنعم الآخرة أجاب عنه بقوله: والله بصير بالعباد، ~~ومعناه: أن هذا الفرق الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر ليس مبنيا على ~~العبث والجزاف تعالى عن ذلك بل إن في الفريقين أمرا هو المستدعي لهذا الفرق ~~والله بصير بهم يرى ما فيهم من الفرق وهو التقوى في المؤمن دون الكافر، وقد ~~وصف هذا التقوى وعرفه بما يلحق بهذه الآية من قوله: الذين يقولون ربنا إلى ~~آخر الآيتين وملخصه: أنهم يظهرون فاقتهم إلى ربهم وعدم استغنائهم عنه، ~~ويصدقون ذلك بالعمل الصالح ولكن الكافر يستغني عن ربه بشهوات الدنيا وينسى ~~آخرته وعاقبة أمره. # ومن ألطف ما يستفاد من الآيتين أعني قوله تعالى: ذلك متاع الحيوة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب قل أأنبئكم بخير من ذلكم إلى آخر الآية وما في ~~معناهما من الآيات كقوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون،: الأعراف - 32، الجواب عن إشكال استوجهه ~~كثير من الباحثين على ظواهر الآيات الواصفة لنعم الجنة. # أما الإشكال فهو أن المتأمل في أطوار وجود هذه الموجودات المشهودة في هذا ~~العالم لا يشك في أن الأفعال الصادرة منها وأعمالها التي يعملها إنما هي ~~متفرعة على القوى والأدوات التي جهز ms0998 بها كل واحد منها ليدفع بها عن وجوده ~~ويحفظ بها بقاءه كما يحققه البحث عن الغايات الوجودية وأن الوجود لا يستند ~~إلى اتفاق أو جزاف أو عبث. # فهو ذا الإنسان مجهز في جميع بدنه بجهاز دقيق في غاية الدقة يتمشى به أمر ~~تغذيه، وإنما يتغذى لتهيئة بدل ما يتحلل من أجزائه وإنما يفعل ذلك ليمد ~~وجوده للبقاء، وأيضا هو مجهز بجهاز التناسل على ما فيه من الأدوات والقوى ~~الفعالة والمترتبة ليحفظ بقاء نوعه والأمر في وجود النبات والحيوان نظير ~~الأمر في تجهيز الإنسان. # ثم إن الخلقة احتالت في تسخيرها وخاصة في تسخير ذوات الشعور منها وهي ~~الحيوان والإنسان بإبداع لذائذ في أفعالها وإيداعها في القوى لتتسابق إلى ~~الأفعال لأجل هذه اللذائذ وهي لا تشعر أن الخلقة تريد منها غايتها وهي بقاء ~~الوجود وتغرها بتطميعها باللذة التي تزينها لها فيحصل بذلك ما يريده ~~الخلقة، ويلتذ الفاعل بهذه الزينة التي تغرها ويلعب بها، فلو لا ما في ~~الغذاء والنكاح مثلا من اللذة لما قصدهما الإنسان مثلا لمجرد كونهما مقدمة ~~للبقاء، وبطل بذلك غرض الخلقة لكن الله سبحانه أودع فيه لذة الغذاء ولذة ~~النكاح لا يستريح الإنسان في طريق النيل إليهما دون أن يتحمل كل تعب وعناء ~~ويقاسي كل مصيبة وبلاء، وهو في اقتناء هذه الشهوات مختال فخور بما ليس فيه ~~إلا الغرور، وأما الصنع والخلقة فينال بغيته ويبلغ أمنيته فإنه ما كان يريد ~~بهذا التدبير إلا بقاء وجود الفرد وقد حصل بالتغذي، وإلا بقاء وجود النوع ~~وقد حصل بالنكاح والسفاد ولم يبق للإنسان مثلا فيما كان يريده إلا الخيال. PageV03P060 # وإذا كان هذه اللذائذ الدنيوية مقصودة في الخلقة لأجل غرض محدود معجل فلا ~~معنى لتحققها في ما لا تحقق هناك لذلك الغرض، فلذة الأكل والشرب وجميع ~~اللذائذ الراجعة إلى التغذي مقصودة في الطبيعة لأجل حفظ البدن عن آفة ~~التحلل وفساد التركيب وهو الموت، ولذة النكاح وجميع اللذائذ المرتبطة به ~~وهي أمور جمة إنما تقصدها الخلقة لأجل حفظ النوع من الفناء والاضمحلال، فلو ~~فرض ms0999 للإنسان وجود لا يلحقه موت ولا فناء وحيوة مأمونة من كل شر ومكروه فأي ~~فائدة تترتب على وجود القوى البدنية التي تعمل لأجل تحصيل بقاء الشخص أو ~~النوع؟ وأي ثمرة يثمرها تجهيزات البدن وأعضاؤه كالكلي والمثانة والطحال ~~والكبد وغيرها وجميعها إنما أوجدت لأعمال تنفع في البقاء المعجل المحدود ~~دون البقاء المخلد المؤبد؟. # وأما الجواب فهو أن الله سبحانه إنما خلق ما خلق من لذائذ الدنيا والنعم ~~التي تتعلق بها هذه اللذائذ زينة في الأرض ليقصدها الإنسان فينجذب إلى ~~الحيوة ويتعلق بها كما قال: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها": الكهف - 7، ~~وقال "المال والبنون زينة الحيوة الدنيا": الكهف - 46، وقال: "تبتغون عرض ~~الحيوة الدنيا": النساء - 94، وقال - وهو أجمع للغرض -: "ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى": طه - 131، وقال أيضا: "وما أوتيتم من شيء فمتاع الحيوة الدنيا ~~وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون": القصص - 60، إلى غير ذلك من ~~الآيات، وجميعها تبين أن هذه النعم الموجودة في الدنيا، واللذائذ المتعلقة ~~بها أمور مقصودة لأجل الحيوة وأمتعة يتمتع بها لأجل الحيوة هذه الحيوة ~~المحدودة التي لا تتعدى أياما قلائل، فلو لا الحيوة لما كانت هي مقصودة ولا ~~مخلوقة، وهذا هو حق الأمر!. # لكن يجب أن يعلم أن وجود الإنسان الباقي ليس إلا هذا الوجود الذي يمكث ~~هاهنا برهة من الزمان بتحوله من طور إلى طور، وليس ذلك إلا روحا كائنا من ~~بدن وعلى بدن هو مجموع هذه الأجزاء المأخوذة من هذه العناصر والقوى الفعالة ~~فيها، ولو فرض ارتفاع هذه الأمور التي نعدها مقدمات مقصودة للبقاء لم يبق ~~وجود ولا بقاء أعني أن فرض عدمها هو فرض عدم الإنسان رأسا لا فرض عدم ~~استمرار وجود الإنسان فافهم ذلك. # فالإنسان في الحقيقة هو الذي ينشعب أفرادا ويأكل ويشرب وينكح ويتصرف في ~~كل شيء بالأخذ والإعطاء ويحس ويتخيل ويعقل ويسر ويفرح ويبتهج وهكذا، كل ذلك ~~ملائم لذاته الذي هو كالمجموع منها وبعضها مقدمة لبعضها، ms1000 وهو السائر الدائر ~~في مثل مسافة دورية. # فإذا نقله الله من دار الفناء إلى دار البقاء وكتب عليه الخلود والدوام ~~إما بثواب دائم أو بعقاب دائم لم يكن ذلك بإبطال وجوده وإيجاد وجود باق بل ~~بإثبات وجوده بعد ما كان متغيرا في معرض الزوال فهو لا محالة إما متنعم ~~بنعم من سنخ نعم الدنيا لكنها باقية أو نقم ومصائب من سنخ نقم الدنيا ~~ومصائبها. # وكل ذلك منكوح أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مسكون أو قرين أو سرور أو ~~نحو ذلك. # فالإنسان هو الإنسان وما يحتاج إليه ويستكمل به هو الذي كان يحتاج إليه ~~ويستكمل به من مطالبه ومقاصده وإنما الفرق هو اختلاف الدارين بالبقاء وما ~~يلحق به. # هذا هو الذي يظهر من كلامه سبحانه حيث يبين حقيقة البنية الإنسانية ~~فيقول: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ~~ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون": المؤمنون - 16، انظر إلى موضع ~~قوله: ولقد خلقنا، والخلق هو الجمع والتركيب، وإلى موضع قوله: ثم أنشأناه، ~~الدال على تبديل نحو الخلق والإيجاد، وإلى موضع قوله: ثم إنكم يوم القيامة، ~~والمخاطب به هو الذي أنشىء خلقا آخر. # ويقول أيضا: "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون": الأعراف - 25 ~~فيفيد أن حيوة الإنسان حيوة أرضية مؤلفة من نعمها ومن نقمها. # وتقدم بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة ~~واحدة الآية: البقرة - 213. PageV03P061 # وقد قال تعالى في هذه النعم الأرضية: "ذلك متاع الحيوة الدنيا" ثم قال: ~~"وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع: الرعد - 26، فجعل نفس الحيوة ~~الدنيا متاعا في الآخرة يتمتع به، وهذا من أبدع البيان، وباب ينفتح به ~~للمتدبر ألف باب، وفيه تصديق قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كما ~~تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون. # وبالجملة الحيوة الدنيا هي ms1001 الوجود الدنيوي بما كسب من حسنة أو سيئة وهو ~~الذي يتمتع به في الآخرة من حيث سعادته وشقائه أي ما يراه فوزا وفلاحا ~~لنفسه وما يراه خيبة وخسرانا فيعطى سعادته بإعطاء لذائذه أو يحرم من نيلها ~~وهما نعيم الجنة وعذاب النار. # وبعبارة أخرى واضحة، للإنسان مثلا سعادة بحسب الطبيعة وشقاء بحسبها في ~~بقائه شخصا ونوعا وهما منوطتان بفعله الطبيعي من الأكل والشرب والنكاح وقد ~~زينت له بلذائذ مقدمية وهذا بحسب الطبيعة ثم إذا أخذ الإنسان في الاستكمال ~~وأخذ في الفعالية بالشعور والإرادة صار نوعا كماله هو الذي يختاره شعوره ~~وإرادته فما لا يشعر به ولا يشاؤه ليس كمالا لهذا الموجود الشاعر المريد ~~وإن كان كمالا طبيعيا وكذا العكس كما نرى أنا لا نلتذ بما لا نشعر به وإن ~~كان من سعادة الطبيعة كصحة البدن والمال والولد، ونلتذ بما نشعر به من ~~اللذائذ وإن لم يطابق الخارج كالمريض المعتقد للصحة ونظائر ذلك فهذه ~~اللذائذ المقدمية تصير كمالا حقيقيا لهذا الإنسان وإن كانت كمالات مقدمية ~~للطبيعة فإذا أبقى الله سبحانه هذا الإنسان بقاء مخلدا كانت سعادته هي التي ~~يشاؤها من اللذائذ، وشقاؤه هو الذي لا يشاؤه سواء كانت بحسب الطبيعة مقدمة ~~أو لم يكن، إذ من البديهي أن خير الشخص أو القوة الشاعرة المريدة هو فيما ~~يعلم به ويشاؤه، وشره فيما يعلم به ولا يريده. # فقد تحصل أن سعادة الإنسان أن ينال في الآخرة ما كان يريده من لذائذ ~~الحيوة في الدنيا من الأكل والشرب والنكاح وما فوق ذلك وهو الجنة، وشقاؤه ~~أن لا ينال ذلك وهو النار. # قال تعالى: "لهم فيها ما يشاءون": النحل - 31. # قوله تعالى: الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار وصف للمتقين المدلول عليهم بقوله في الآية السابقة: للذين اتقوا، ~~فوصفهم أنهم يقولون ربنا وفيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية ~~واسترحام منه تعالى فيما يسألونه بقولهم: إننا آمنا، والجملة ليست في مقام ~~الامتنان عليه تعالى فإن المن منه تعالى بالإيمان كما قال تعالى: "بل ms1002 الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان": الحجرات - 17 بل استنجاز لما وعد الله تعالى ~~عباده أنه يغفر لمن آمن منهم، قال تعالى: "وآمنوا به يغفر لكم": الأحقاف - ~~31، ولذلك فرعوا عليه قولهم: فاغفر لنا ذنوبنا، بفاء التفريع. # وفي تأكيد قولهم بأن دلالة على صدقهم وثباتهم في إيمانهم. # والمغفرة للذنوب لا يستلزم التخلص من العذاب بمعنى أن الوقاية من عذاب ~~النار فضل من الله سبحانه بالنسبة إلى من آمن به وعبده من غير استحقاق من ~~العبد يثبت له حقا على الله سبحانه أن يجيره من عذاب النار، أو ينعمه ~~بالجنة فإن الإيمان والإطاعة أيضا من نعمه ولا يملك غيره تعالى منه شيئا ~~إلا ما جعله على نفسه من حق، ومن الحق الذي جعل على نفسه لعباده أن يغفر ~~لهم ويقيهم عذاب النار إن آمنوا به، قال تعالى: "وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم": الأحقاف - 31. # وربما استفيد من بعض الآيات أن الوقاية من عذاب النار هو المغفرة والجنة ~~كقوله تعالى: "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر ~~لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن": ~~الصف - 12، فإن في الآيتين الأخيرتين تفصيل لما أجمل في الآية الأولى من ~~قوله: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، وهذا معنى دقيق سنشرحه في ~~مورد يناسبه إن وفقنا له. # قوله تعالى: الصابرين والصادقين إلى آخر الآية وصفهم بخمس خصال لا يشذ ~~منها تقوى من متق، فالصبر لسبقه على بقية الخصال وإطلاقه يشمل أقسام الصبر، ~~وهي ثلاث: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر عند المصيبة. PageV03P062 # والصدق وإن كان بحسب تحليل حقيقته هو مطابقة ظاهر الإنسان من قول وفعل ~~لباطنه لكنه بهذا المعنى يشتمل جميع الفضائل الباقية كالصبر والقنوت ~~وغيرهما وليس بمراد فالمراد به والله أعلم الصدق في القول فحسب. # والقنوت هو الخضوع لله سبحانه ويشمل العبادات وأقسام النسك والإنفاق هو ms1003 ~~بذل المال لمن يستحق البذل والاستغفار بالأسحار يستلزم قيام آخر الليل ~~والاستغفار فيه، والسنة تفسره بصلوة الليل والاستغفار في قنوت الوتر، وقد ~~ذكر الله أنه سبيل الإنسان إلى ربه كما في سورتي المزمل والدهر من قوله ~~تعالى بعد ذكر قيام الليل والتهجد به: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا": المزمل - 19 الدهر - 29. # قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط، أصل الشهادة هو المعاينة أعني تحمل العلم عن حضور وحس ثم استعمل في ~~أدائها وإظهار الشاهد ما تحمله من العلم ثم صار كالمشترك بين التحمل ~~والتأدية بعناية وحدة الغرض فإن التحمل يكون غالبا لحفظ الحق والواقع من أن ~~يبطل بنزاع أو تغلب أو نسيان أو خفاء فكانت الشهادة تحفظا على الحق ~~والواقع، فبهذه العناية كان التحمل والتأدية كلاهما شهادة أي حفظا وإقامة ~~للحق والقسط هو العدل. # ولما كانت الآيات السابقة أعني قوله: إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، إلى قوله: والمستغفرين بالأسحار، تبين: ~~أن الله سبحانه لا إله غيره ولا يغني عنه شيء، وأن ما يحسبه الإنسان مغنيا ~~عنه ويركن إليه في حيوته ليس إلا زينة وإلا متاعا خلقه الله ليتمتع به في ~~سبيل ما هو خير منه ولا ينال إلا بتقوى الله تعالى، وبعبارة أخرى: هذه ~~النعم التي يحن إليها الإنسان مشتركة في الدنيا بين الكافر والمؤمن مختصة ~~في الآخرة بالمؤمن أقام الشهادة في هذه الآية على أن هذا الذي بينته الآيات ~~حق لا ينبغي أن يرتاب فيه. # فشهد وهو الله عز اسمه على أنه لا إله إلا هو وإذ ليس هناك إله غيره فليس ~~هناك أحد يغني منه شيئا من مال أو ولد أو غير ذلك من زينة الحيوة أو أي سبب ~~من الأسباب إذ لو أغنى شيء من هذه منه شيئا لكان إلها دونه أو معتمدا إلى ~~إله دونه منتهيا إليه ولا إله غيره. # شهد بهذه الشهادة وهو قائم بالقسط في فعله، ms1004 حاكم بالعدل في خلقه إذ دبر ~~أمر العالم بخلق الأسباب والمسببات وإلقاء الروابط بينها، وجعل الكل راجعا ~~إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب طبق، عن طبق ووضع في مسير هذا المقصد ~~نعما لينتفع منها الإنسان في عاجله لأجله وفي طريقه لمقصده لا ليركن إليه ~~ويستقر عنده فالله يشهد بذلك وهو شاهد عدل. # ومن لطيف الأمر أن عدله يشهد على نفسه وعلى وحدته في ألوهيته أي إن عدله ~~ثابت بنفسه ومثبت لوحدانيته، بيان ذلك: أنا إنما نعتبر في الشاهد العدالة ~~ليكون جاريا على مستوى طريق الحيوة ملازما لصراط الفطرة من غير أن يميل إلى ~~إفراط أو تفريط فيضع الفعل في غير موضعه فتكون شهادته مأمونة عن الكذب ~~والزور فملازمة الصدق والمجاراة مع صراط التكوين يوجب عدالة الإنسان فنفس ~~النظام الحاكم في العالم والجاري بين أجزائه الذي هو فعله سبحانه هو العدل محضا. # ونحن في جميع الوقائع التي لا ترضى بها نفوسنا من الحوادث الكونية أو ~~نجدها على خلاف ما نميل إليه ونطمع فيه ثم نعترض عليها ونناقش فيها إنما ~~نذكر في الاعتراض عليه ما يظهر لنا من حكم عقولنا أو تميل إليه غرائزنا، ~~وجميع ذلك مأخوذة من نظام الكون ثم نبحث عنها فيظهر سبب الحادثة فتسقط ~~الشبهة أو نعجز عن الحصول على السبب فلا يقع في أيدينا إلا الجهل بالسبب أي ~~عدم العلم دون العلم بالعدم، فنظام الكون وهو فعل الله سبحانه هو العدل ~~فافهم ذلك. # ولو كان هناك إله يغني منه في شيء من الأمور لم يكن نظام التكوين عدلا ~~مطلقا بل كان فعل كل إله عدلا بالنسبة إليه وفي دائرة قضائه وعمله. # وبالجملة فالله سبحانه يشهد، وهو شاهد عدل، على أنه لا إله إلا هو يشهد ~~لذلك بكلامه وهو قوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو، على ما هو ظاهر الآية ~~الشريفة، فالآية في اشتمالها على شهادته تعالى للتوحيد نظيرة قوله تعالى: ~~"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا": النساء - 166. PageV03P063 # والملائكة يشهدون بأنه ms1005 لا إله إلا هو، فإن الله يخبر في آيات مكية نازلة ~~قبل هذه الآيات بأنهم عباد مكرمون لا يعصون ربهم ويعملون بأمره ويسبحونه ~~وفي تسبيحهم شهادة أن لا إله غيره، قال تعالى: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء - 27، وقال تعالى: "والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم": الشورى - 5 وأولوا العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو يشاهدون من ~~آياته الآفاقية والأنفسية وقد ملأت مشاعرهم ورسخت في عقولهم. # وقد ظهر مما تقدم أولا أن المراد بالشهادة شهادة القول على ما هو ظاهر ~~الآية الشريفة دون شهادة الفعل وإن كانت صحيحة حقة في نفسها فإن عالم ~~الوجود يشهد على وحدانيته في الألوهية بالنظام الواحد المتصل الجاري فيه، ~~وبكل جزء من أجزائه التي هي أعيان الموجودات. # وثانيا: أن قوله تعالى: قائما بالقسط حال من فاعل قوله: شهد الله، ~~والعامل فيه شهد، وبعبارة أخرى قيامه بالقسط ليس بمشهود له لا له تعالى ولا ~~للملائكة وأولي العلم بل الله سبحانه حال كونه قائما بالقسط يشهد أن لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولوا العلم يشهدون بالوحدانية كما هو ظاهر الآية حيث ~~فرقت بين قوله: لا إله إلا هو، وقوله: قائما بالقسط: بتوسيط قوله: ~~والملائكة وأولوا العلم، ولو كان القيام بالقسط من أجزاء الشهادة لكان حق ~~الكلام أن يقال: إنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة، ومن ذلك يظهر ~~ما فيما ذكره عدة من المفسرين في تفسير الآية من الجهتين جميعا كما لا يخفى ~~على من راجع ما ذكروه في المقام. # ومن أردإ الإشكال ما ذكره بعضهم: أن حمل الشهادة على الشهادة الكلامية ~~كما مر يوجب الاستناد في أمر التوحيد إلى النقل دون العقل مع كونه حينئذ ~~متوقفا على صحة الوحي فإن صدق هذه الشهادة يتوقف على كون القرآن وحيا حقا ~~وهو متوقف عليه فيكون بيانا دوريا، ومن هنا ذكر بعضهم أن المراد بالشهادة ~~هنا معنى استعاري بدعوى أن دلالة جميع ما خلقه الله من خلق على ما فيها من ~~وحدة الحاجة واتصال النظام ms1006 على وحدة صانعها بمنزلة نطقه وإخباره تعالى بأنه ~~واحد لا إله غيره وكذا عبادة ملائكته له وإطاعتهم لأمره، وكذا ما يشاهده ~~أولوا العلم من أفراد الإنسان من آيات وحدانيته بمنزلة شهادتهم على ~~وحدانيته تعالى. # والجواب: أن فيه خلطا ومغالطة فإن النقل إنما لا يعتمد عليه فيما للعقل ~~أو الحس إليه سبيل لكونه لا يفيد العلم فيما يجب فيه تحصيل العلم، أما لو ~~فرض إفادته من العلم ما يفيد العقل مثلا أو أقوى منه كان في الاعتبار مثل ~~العقل أو أقوى منه كما أن المتواتر من الخبر أقوى أثرا وأجلى صدقا من ~~القضية التي أقيم عليها برهان مؤلف من مقدمات عقلية نظرية وإن كانت يقينية ~~وأنتجت اليقين. # فإذا كان الشاهد المفروض يمتنع عليه الكذب والزور بصريح البرهان كانت ~~شهادته تفيد ما يفيده البرهان من اليقين، والله سبحانه وهو الله الذي لا ~~سبيل للنقص والباطل إليه لا يتصور في حقه الكذب فشهادته على وحدانية نفسه ~~شهادة حق كما أن إخباره عن شهادة الملائكة وأولي العلم يثبت شهادتهم. PageV03P064 # على أن من أثبت له شركاء كالأصنام وأربابها فإنما يثبتها بعنوان أنها شفعاء ~~عند الله ووسائط بينه وبين خلقه كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: "ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى": الزمر - 3، وكذا من اتخذ له شريكا بالشرك ~~الخفي من هوى أو رئيس مطاع أو مال أو ولد إنما يتخذه سببا من الله غير أنه ~~مستقل بالتأثير بعد حصوله له، وبالجملة ما اتخذ له من شريك فإنما يشاركه ~~فيما يشاركه بتشريكه لا بنفسه، وإذا شهد الله على أنه لم يتخذ لنفسه شريكا ~~أبطل ذلك دعوى من يدعي له شريكا، وجرى الكلام مجرى قوله: "قل أتنبئون الله ~~بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض": يونس - 18، فإنه إبطال لدعوى وجود ~~الشريك بأن الله لا يعلم به في السموات والأرض ولا يخفى عليه شيء، ~~وبالحقيقة هو خبر مثل سائر الأخبار الصادرة عن مصدر الربوبية والعظمة ~~كقوله: "سبحانه وتعالى عما يشركون": يونس - 18، ونحو ذلك، غير أنه لوحظ ms1007 فيه ~~انطباق معنى الشهادة عليه لكونه خبرا في مورد دعوى، والمخبر به قائم بالقسط ~~فكان شهادة فعبر بلفظ الشهادة تفننا في الكلام، فيئول المعنى إلى أنه لو ~~كان في الوجود أرباب من دون الله مؤثرون في الخلق والتدبير شركاء أو شفعاء ~~في ذلك لعلمه الله وشهد به لكنه يخبر أنه ليس يعلم لنفسه شريكا فلا شريك ~~له، ولعلم واعترف به الملائكة الكرام الذين هم الوسائط المجرون للأمر في ~~الخلق والتدبير لكنهم يشهدون أن لا شريك له، ولعلم به وشهد أثره أولوا ~~العلم لكنهم يشهدون بما شاهدوا من الآيات أن لا شريك له. # فالكلام نظير قولنا: لو كان في المملكة الفلانية ملك مؤثر في شئون ~~المملكة وإدارة أمورها غير الملك الذي نعرفه لعلم به الملك وعرفه لأنه من ~~المحال أن لا يحس بوجوده وهو يشاركه، ولعلم به القوى المجرية والعمال ~~المتوسطون بين العرش والرعية وكيف يمكن أن لا يشعروا بوجوده وهم يحملون ~~أوامره ويجرون أحكامه بين ما في أيديهم من الأحكام والأوامر ولعلم به ~~العقلاء من عامة أهل المملكة وكيف لا وهم يطيعون أوامره وعهوده ويعيشون في ~~ملكه لكن الملك ينكر وجوده، وعمال الدولة لا يعرفونه، وعقلاء الرعية لا ~~يشاهدون ما يدل على وجوده؟ فليس. # قوله تعالى: لا إله إلا هو العزيز الحكيم، الجملة كالمعترضة الدخيلة في ~~الكلام لاستيفاء حق معترض يفوت لو لا ذكره مع عدم كونه مقصودا في الكلام ~~أصالة، ومن أدب القرآن أن يظهر تعظيم الله جل شأنه في موارد يذكر أمره ذكرا ~~يخطر منه بالبال ما لا يليق بساحة كبريائه كقوله تعالى: "قالوا اتخذ الله ~~ولدا سبحانه": يونس - 68، فقوله: سبحانه قصد به التعظيم في مقام يحكى فيه ~~قول لا يلائم حقه تعالى، ونظيره بوجه قوله تعالى: "وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم" الآية: المائدة - 64. # وبالجملة لما اشتمل أول الآية على شهادة الله والملائكة وأولي العلم - ~~بنفي الشريك كان من حق الله سبحانه على من يحكي ويخبر عن هذه الشهادة أعني ~~المتكلم وهو في الآية هو الله ms1008 سبحانه وعلى من يسمع ذلك أن يوحد الله بنفي ~~الشريك عنه فيقول: لا إله إلا هو. # نظير ذلك قوله تعالى في قصة الإفك: "ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم": النور - 16، فإن من حقه تعالى عليهم ~~أن إذا سمعوا بهتانا وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزهوا الله قبله فإنه ~~تعالى أحق من يجب تنزيهه. # فموضع قوله: لا إله إلا هو العزيز الحكيم موضع الثناء عليه تعالى ~~لاستيفاء حق تعظيمه ولذا تمم بالاسمين العزيز الحكيم، ولو كان في محل ~~النتيجة من الشهادة لكان حق الكلام أن يتمم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط، ~~فهو تعالى حقيق بالتوحيد إذا ذكرت الشهادة المذكورة على وحدانيته لأنه ~~المتفرد بالعزة التي يمنع جانبه أن يستذل بوجود شريك له في مقام الألوهية، ~~والمتوحد بالحكمة التي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه أو ينفذ في خلال ~~تدبيره وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده. # وقد تبين بما مر من البيان وجه تكرار كلمة التوحيد في الآية، وكذا وجه ~~تتميمها بالاسمين: العزيز الحكيم، والله العالم. PageV03P065 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون الآية روى محمد بن ~~إسحاق عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا ~~ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا ~~من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم وقد ~~عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت ~~قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لو قاتلناك لعرفت ~~أنا نحن الناس فأنزل الله هذه الآية: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن ~~إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، وروى ما يقرب منه القمي ~~في تفسيره، وقد عرفت مما تقدم: أن سياق الآيات لا يلائم نزولها في حق ~~اليهود كل ms1009 الملاءمة، وأن الأنسب بسياقها أن تكون نازلة بعد غزوة أحد، والله أعلم. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): ما تلذذ الناس في ~~الدنيا والآخرة بلذة أكبر لهم من لذة النساء، وهو قوله: زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين الآية ثم قال: وإن أهل الجنة ما يتلذذون بشيء من ~~الجنة أشهى عندهم من النكاح، لا طعام ولا شراب. # أقول: وقد استفيد ذلك من الترتيب المجعول في الآية للشهوات ثم تقديم ~~النساء على باقي المشتهيات ثم جعل هذه الشهوات متاع الدنيا وشهوات الجنة ~~خيرا منها. # ومراده (عليه السلام) من الحصر في كون النكاح أكبر لذائذ الناس إنما هو ~~الحصر الإضافي أي إن النكاح أكبر لذة بالنسبة إلى هذه الشهوات المتعلقة ~~بجسم الإنسان، وأما غيرها كالتذاذ الإنسان بوجود نفسه أو التذاذ ولي من ~~أولياء الله تعالى بقرب ربه ومشاهدة آياته الكبرى ولطائف رضوانه وإكرامه ~~وغيرهما فذلك خارج عن مورد كلامه (عليه السلام)، وقد قامت البراهين العلمية ~~على أن أعظم اللذائذ التذاذ الشيء بنعمة وجوده، وأخرى على أن التذاذ ~~الأشياء بوجود ربها أعظم من التذاذها بنفسها. # وهناك روايات كثيرة دالة على أن التذاذ العبد بلذة الحضور والقرب منه ~~تعالى أكبر عنده من كل لذة، وقد روي في الكافي، عن الباقر (عليه السلام): ~~كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إنه يسخى نفسي في سرعة الموت ~~والقتل فينا قول الله تعالى: "أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" ~~وهو ذهاب العلماء، وسيجيء عدة من هذه الروايات في المواضع المناسبة لها من ~~هذا الكتاب. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: القناطير المقنطرة عن الباقر والصادق ~~(عليهما السلام) القنطار ملء مسك ثور ذهبا. # وفي تفسير القمي، قال (عليه السلام): الخيل المسومة المرعية. # وفي الفقيه، والخصال، عن الصادق (عليه السلام): من قال في وتره إذا أوتر: ~~أستغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة وهو قائم فواظب على ذلك حتى تمضي سنة ~~كتبه الله عنده من المستغفرين بالأسحار، ووجبت له المغفرة من الله تعالى. # أقول: وهذا المعنى ms1010 مروي في روايات أخر عن أئمة أهل البيت، وهو من سنن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وروي ما يقرب منه في الدر المنثور، أيضا ~~عن ابن جرير عن جعفر بن محمد قال: من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل ~~سبعين مرة كتب من المستغفرين، وقوله (عليه السلام): ووجبت له المغفرة من ~~الله، مستفاد من قوله تعالى حكاية عنهم: فاغفر لنا ذنوبنا، فإن في الحكاية ~~لدعائهم من غير رد إمضاء للاستجابة. PageV03P066 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 19 - 25 # إن الدين عند الله الاسلم وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بئايت الله فإن الله سريع الحساب (19) فإن ~~حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتب والأميين ء ~~أسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ والله بصير ~~بالعباد (20) إن الذين يكفرون بئايت الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت ~~أعملهم فى الدنيا والاخرة وما لهم من نصرين (22) ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتب يدعون إلى كتب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم ~~معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودت وغرهم فى ~~دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعنهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون (25) ### |||| AUTO بيان # الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب وهم آخر الفرق الثلاث التي تقدم أنها عرضة ~~للكلام في هذه السورة، وأهمهم بحسب قصد الكلام أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى، ففيهم وفي أمرهم نزل معظم السورة وإليهم يعود. # قوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام، قد مر معنى الإسلام بحسب اللغة ~~وكان هذا المعنى هو المراد هاهنا بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد ~~العلم بغيا بينهم فيكون المعنى: أن الدين عند الله سبحانه واحد لا اختلاف ~~فيه لم يأمر عباده إلا به، ولم يبين لهم فيما أنزله من ms1011 الكتاب على أنبيائه ~~إلا إياه، ولم ينصب الآيات الدالة إلا له وهو الإسلام الذي هو التسليم للحق ~~الذي هو حق الاعتقاد وحق العمل، وبعبارة أخرى هو التسليم للبيان الصادر عن ~~مقام الربوبية في المعارف والأحكام، وهو وإن اختلف كما وكيفا في شرائع ~~أنبيائه ورسله على ما يحكيه الله سبحانه في كتابه غير أنه ليس في الحقيقة ~~إلا أمرا واحدا وإنما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي، ~~والتفاضل بينها بالدرجات، ويجمع الجميع أنها تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما ~~يريده من عباده على لسان رسله. # فهذا هو الدين الذي أراده الله من عباده وبينه لهم، ولازمه أن يأخذ ~~الإنسان بما تبين له من معارفه حق التبين، ويقف عند الشبهات وقوف التسليم ~~من غير تصرف فيها من عند نفسه وأما اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~في الدين مع نزول الكتاب الإلهي عليهم، وبيانه تعالى لما هو عنده دين وهو ~~الإسلام له فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر وكون الدين واحدا بل كانوا ~~عالمين بذلك، وإنما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر وذلك كفر منهم ~~بآيات الله المبينة لهم حق الأمر وحقيقته لا بالله فإنهم يعترفون به، ومن ~~يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته: أما ~~في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحيوة عنه، وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار. # والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين: ~~أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين. # ومما تقدم يظهر أولا: أن المراد بكون الدين عند الله وحضوره لديه سبحانه ~~هو الحضور التشريعي بمعنى كونه شرعا واحدا لا يختلف إلا بالدرجات وبحسب ~~استعدادات الأمم المختلفة دون كونه واحدا بحسب التكوين بمعنى كونه واحدا ~~مودعا في الفطرة الإنسانية على وتيرة واحدة. # وثانيا: أن المراد بالآيات هو آيات الوحي، والبيانات الإلهية التي ألقاها ~~إلى أنبيائه دون الآيات التكوينية الدالة على الوحدانية وما يزاملها من ~~المعارف الإلهية. PageV03P067 # والآية تشتمل على تهديد أهل الكتاب ms1012 بما يستدل عليه بالبغي وهو الانتقام، ~~كما يشتمل قوله تعالى في الآيات السابقة: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ~~إلى جهنم الآية على تهديد المشركين والكفار، ولعل هذا هو السبب في أنه جمع ~~أهل الكتاب والمشركين معا في الآية التالية في الخطاب بقوله: قل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم "الخ"، وفيه إشعار بالتهديد أيضا. # قوله تعالى: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، الضمير في حاجوك ~~راجع إلى أهل الكتاب وهو ظاهر والمراد به محاجتهم في أمر الاختلاف بأن ~~يقولوا: إن اختلافنا ليس لبغي منا بعد البيان بل إنما هو شيء ساقنا إليه ~~عقولنا وأفهامنا واجتهادنا في تحصيل العلم بحقائق الدين من غير أن ندع ~~التسليم لجانب الحق سبحانه وأن ما تراه وتدعو إليه يا محمد من هذا القبيل، ~~أو يقولوا ما يشابه ذلك، والدليل على ذلك قوله: فقل: أسلمت وجهي لله، ~~وقوله: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن الجملتين حجة سيقت ~~لقطع خصامهم وحجاجهم لا إعراض عن المحاجة معهم. # ومعناها مع حفظ ارتباطها بما قبلها: إن الدين عند الله الإسلام لا يختلف ~~فيه كتب الله ولا يرتاب فيه سليم العقل، ويتفرع عليه أن لا حجة عليك في ~~إسلامك وأنت مسلم، فإن حاجوك في أمر الدين فقل: أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ~~فهذا هو الدين ولا حجة بعد الدين في أمر الدين ثم سلهم: أأسلموا فإن أسلموا ~~فقد اهتدوا وليقبلوا ما أنزل الله عليك وعلى من قبلك ولا حجة عليهم ولا ~~مخاصمة بعد ذلك بينكم، وإن تولوا فلا تخاصمهم ولا تحاجهم فلا ينبغي الخصام ~~في أمر ضروري، وهو أن الدين هو التسليم لله سبحانه، وما عليك إلا البلاغ. # وقد أشرك سبحانه في الآية بين أهل الكتاب والأميين بقوله: وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، لكون الدين مشتركا بينهم وإن اختلفوا في ~~التوحيد والتشريك. # وقد علق الإسلام على الوجه - وهو ما يستقبلك من الشيء أو الوجه بالمعنى ~~الأخص لكون إسلام الوجه لاشتماله على معظم الحواس والمشاعر إسلاما لجميع ~~البدن - ليدل ms1013 على معنى الإقبال والخضوع لأمر الرب تعالى، وعطف قوله: ومن ~~اتبعن حفظا لمقام التبعية وتشريفا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم إلى آخر الآية، ~~المراد بالأميين المشركين سموا بذلك لتسمية من وضع في مقابلهم بأهل الكتاب، ~~وكذا كان أهل الكتاب يسمونهم كما حكاه تعالى من قوله: "ليس علينا في ~~الأميين سبيل": آل عمران - 75 والأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ. # وفي قوله تعالى: وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد دلالة ~~أولا: على النهي عن المراء والإلحاح في المحاجة فإن المحاجة مع من ينكر ~~الضروري لا تكون إلا مراء ولجاجا في البحث. # وثانيا: على أن الحكم في حق الناس والأمر مطلقا إلى الله سبحانه، وليس ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال ~~تعالى: "ليس لك من الأمر شيء": آل عمران - 128، وقال تعالى: "لست عليهم ~~بمصيطر: الغاشية - 23. # وثالثا: على تهديد أهل الكتاب والمشركين فإن ختم الكلام بقوله: والله ~~بصير بالعباد، بعد قوله: فإنما عليك البلاغ لا يخلو من ذلك ويدل على ذلك ما ~~وقع من التهديد في نظير الآية، وهو قوله تعالى: "قولوا آمنا بالله إلى أن ~~قال: ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم": البقرة - 137، تذكر ~~الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الإسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم ~~بما يسلي به النبي ويطيب نفسه، فالآية أعني قوله: "وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ، كناية عن الأمر بتخلية ما بينهم وبين ربهم، وإرجاع أمرهم إليه، وهو ~~بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم ويسأله لسان استعدادهم. # ومن هنا يظهر: أن ما ذكره بعض المفسرين، أن في الآية دليلا على حرية ~~الاعتقاد في أمر الدين وأن لا إكراه فيه ليس بوجيه فإن الآية كما عرفت ~~مسوقة لغير ذلك. PageV03P068 # وفي قوله: بصير بالعباد حيث أخذ عنوان العبودية ولم يقل: ms1014 بصير بهم أو بصير ~~بالناس ونحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماض عليهم فإنهم عباده ومربوبون ~~له أسلموا أو تولوا. # قوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله إلى آخر الآية، الكلام في الآية ~~وإن كان مسوقا سوق الاستيناف لكنه مع ذلك لا يخلو عن إشعار وبيان للتهديد ~~الذي يشعر به آخر الآية السابقة فإن مضمونها منطبق على أهل الكتاب وخاصة ~~اليهود. # وقوله: يكفرون، ويقتلون، في موضعين للاستمرار ويدلان على كون الكفر بآيات ~~الله وهو الكفر بعد البيان بغيا، وقتل الأنبياء وهو قتل من غير حق، وقتل ~~الذين يدعون إلى القسط والعدل وينهون عن الظلم والبغي دأبا وعادة جارية ~~فيما بينهم كما يشتمل عليه تاريخ اليهود، فقد قتلوا جمعا كثيرا وجما غفيرا ~~من أنبيائهم وعبادهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وكذا النصارى ~~جروا مجراهم. # وقوله: فبشرهم بعذاب أليم تصريح بشمول الغضب ونزول السخط، وليس هو العذاب ~~الأخروي فحسب بدليل قوله تعالى عقيب الآية: أولئك الذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة "الخ" فهم مبشرون بالعذاب الدنيوي والأخروي معا، أما ~~الأخروي فأليم عذاب النار، وأما الدنيوي فهو ما لقوه من التقتيل والإجلاء ~~وذهاب الأموال والأنفس، وما سخط الله عليهم بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم ~~إلى يوم القيامة على ما تصرح به آيات الكتاب العزيز. # وفي قوله تعالى: أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين، دلالة أولا: على حبط عمل من قتل رجلا من جهة أمره بالمعروف أو نهيه ~~عن المنكر. # وثانيا على عدم شمول الشفاعة له يوم القيامة لقوله: وما لهم من ناصرين. # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب إلى آخر الآية يومىء ~~إلى تسجيل البغي على أهل الكتاب حسب ما نسبه الله تعالى إليهم وأنهم يبغون ~~باتخاذ الخلاف وإيجاد اختلاف الكلمة في الدين فإنها إذا دعوا إلى حكم ~~الكتاب كتاب الله بينهم لم يسلموا له وتولوا وأعرضوا عنه وليس ذلك إلا ~~باغترارهم بقولهم لن تمسنا "الخ" وبما افتروه على الله في دينهم. # والمراد بالذين ms1015 أوتوا نصيبا من الكتاب أهل الكتاب وإنما لم يقل: أوتوا ~~الكتاب، وقيل: أوتوا نصيبا من الكتاب ليدل على أن الذي في أيديهم من الكتاب ~~ليس إلا نصيبا منه دون جميعه لأن تحريفهم له وتغييرهم وتصرفهم في كتاب الله ~~أذهب كثيرا من أجزائه كما يومىء إليه قوله في آخر الآية التالية: وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون، وكيف كان فالمراد - والله أعلم - أنهم يتولون عن ~~حكم كتاب الله اعتزازا بما قالوا واغترارا بما وضعوه من عند أنفسهم ~~واستغناء به عن الكتاب. # قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار "الخ" معناه واضح، واغترارهم ~~بفريتهم التي افترتها أنفسهم مع أن الإنسان لا ينخدع عن نفسه مع العلم ~~بأنها خدعة باطلة إنما هو لكون المغرورين غير المفترين، وعلى هذا فنسبة ~~الافتراء الذي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين لكونهم ~~أمة واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض. # وإما لأن الاغترار بغرور النفس والغرور بالفرية الباطلة مع العلم بكونها ~~فرية باطلة وذكر المغرور أنه هو الذي افترى ما يغتر به من الفرية ليس من ~~أهل الكتاب ومن اليهود خاصة ببعيد وقد حكى الله عنهم مثله بل ما هو أعجب من ~~ذلك حيث قال تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلى بعضهم إلى ~~بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ~~أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون": البقرة - 77. # على أن الإنسان يجري في أعماله وأفعاله على ما تحصل عنده من الأحوال أو ~~الملكات النفسانية، والصور التي زينتها ونمقتها له نفسه دون الذي حصل له ~~العلم به كما أن المعتاد باستعمال المضرات كالبنج والدخان وأكل التراب ~~ونحوها يستعملها وهو يعلم أنها مضرة، وأن استعمال المضر مما لا ينبغي إلا ~~أن الهيئة الحاصلة في نفسه ملذة له جاذبة إياه إلى الاستعمال لا تدع له ~~مجالا للتفكر والاجتناب، ونظائر ذلك كثيرة. PageV03P069 # فهم لاستحكام الكبر والبغي وحب الشهوات في أنفسهم يجرون على طبق ما تدعوهم ~~إليه فريتهم فكانت فريتهم ms1016 هي الغارة لهم في دينهم، وهم مع ذلك كرروا ذكر ما ~~افتروه على الله سبحانه ولم يزالوا يكررونه ويلقنونه أنفسهم حتى أذعنوا به ~~أي اطمأنوا وركنوا إليه بالتلقين الذي يؤثر أثر العلم كما بينه علماء النفس ~~فصارت الفرية الباطلة بالتكرار والتلقين تغرهم في دينهم وتمنعهم عن التسليم ~~لله والخضوع للحق الذي أنزله في كتابه. # قوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه إلى آخر الآية، مدخول كيف ~~مقدر يدل عليه الكلام مثل يصنعون ونحوه، وفي الآية إيعاد لهؤلاء الذين ~~تولوا إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم وهم معرضون غير أنه لما أريد ~~بيان أنهم غير معجزين لله سبحانه أخذ في الكلام من حالهم يوم القيامة وهم ~~مستسلمون يومئذ ما يضاهي حالهم في الدنيا عند الدعوة إلى حكم كتاب الله وهم ~~غير مسلمين له مستكبرون عنه، ولهذا أخذ بالمحاذاة بين الكلامين، وعبر عن ما ~~يجري عليهم يوم القيامة بمثل قوله: إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه "الخ" دون ~~أن يقال: إذا أحييناهم أو بعثناهم أو ما يماثل ذلك. # والمعنى - والله أعلم - أنهم يتولون ويعرضون إذا دعوا إلى كتاب الله ~~ليحكم بينهم اغترارا بما افتروه في دينهم واستكبارا عن الحق فكيف يصنعون ~~إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم القضاء الفصل، والحكم الحق ووفيت كل ~~نفس ما كسبت والحكم حكم عدل وهم لا يظلمون، وإذا كان كذلك كان الواجب عليهم ~~أن لا يتولوا ويعرضوا مظهرين بذلك أنهم معجزون لله غالبون على أمره فإن ~~القدرة كله لله وما هي إلا أيام مهلة وفتنة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن قوله إن الدين عند الله ~~الإسلام فقال: الذي فيه الإيمان. # وعن ابن شهرآشوب عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: إن الدين عند ~~الله الإسلام الآية قال التسليم: لعلي بن أبي طالب بالولاية. # أقول: وهو من الجري، ولعل ذلك هو المراد أيضا من الرواية السابقة. # وعنه أيضا عن علي (عليه السلام) قال: لأنسبن الإسلام ms1017 نسبة لم ينسبها أحد ~~قبلي، ولا ينسبها أحد بعدي الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، ~~واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو ~~العمل، المؤمن أخذ دينه عن ربه، إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر ~~يعرف كفره بإنكاره. أيها الناس! دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة ~~في غيره إن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل. # أقول: قوله (عليه السلام): لأنسبن الإسلام نسبة، المراد بالنسبة التعريف ~~كما سميت سورة التوحيد في الأخبار بنسبة الرب والذي عرف به تعريف باللازم ~~في غير الأول أعني قوله: الإسلام هو التسليم فإنه تعريف لفظي عرف فيه اللفظ ~~بلفظ آخر أوضح منه، ويمكن أن يراد بالإسلام المعنى الاصطلاحي له وهو هذا ~~الدين الذي أتى به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إشارة إلى قوله تعالى: ~~إن الدين عند الله الإسلام، وبالتسليم الخضوع والانقياد ذاتا وفعلا فيعود ~~الجميع إلى التعريف باللازم. # والمعنى: أن هذا الدين المسمى بالإسلام يستتبع خضوع الإنسان لله سبحانه ~~ذاتا وفعلا، ووضعه نفسه وأعماله تحت أمره وإرادته وهو التسليم والتسليم، ~~لله يستتبع أو يلزم اليقين بالله وارتفاع الريب فيه واليقين يستتبع التصديق ~~وإظهار صدق الدين، والتصديق يستتبع الإقرار وهو الإذعان بقراره وكونه ثابتا ~~لا يتزلزل في مقره ولا يزول عن مكانه، وإقراره يستتبع أداءه وأداؤه يستتبع العمل. # وقوله (عليه السلام): وإن الحسنة في غيره لا تقبل المراد بعدم القبول عدم ~~الثواب بإزائه في الآخرة، أو عدم الأثر الجميل المحمود عند الله في الدنيا ~~بسعادة الحيوة وفي الآخرة بنعيم الجنة فلا ينافي ما ورد أن الكفار يوجرون ~~في مقابل حسناتهم بشيء من حسنات الدنيا، قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره": الزلزال - 7. PageV03P070 # وفي المجمع، عن أبي عبيدة الجراح قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد ~~عذابا يوم القيامة؟ قال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر ثم ~~قرأ: الذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ms1018 ~~ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا في ساعة فقام ~~مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ~~ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا آخر النهار من ذلك اليوم وهو الذي ذكره الله. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~أبي عبيدة. # وفي الدر المنثور،: أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت المدراس على ~~جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو وحرث بن زيد على أي ~~دين أنت يا محمد قال: على ملة إبراهيم ودينه، قالا: فإن إبراهيم كان ~~يهوديا، فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فهلما إلى التوراة ~~فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم إلى قوله: وغرهم في دينهم ما كانوا ~~يفترون. # أقول: وروى بعضهم: أن قوله تعالى: ألم تر نزل في قصة الرجم وسيجيء ذكرها ~~في ذيل الكلام على قوله تعالى: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب الآية: المائدة - 15، والروايتان من الآحاد ~~وليستا بتلك القوة. PageV03P071 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 26 - 28 # قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير (26) تولج اليل فى ~~النهار وتولج النهار فى اليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى ~~وترزق من تشاء بغير حساب (27) ### |||| AUTO بيان # الآيتان لا تخلوان عن ارتباط ما بما تقدمهما من الكلام في شأن أهل الكتاب ~~وخاصة اليهود لاشتماله على وعيدهم وتهديدهم بعذاب الدنيا والآخرة ومن ~~العذاب ما سلب الله عنهم الملك وضرب عليهم الذل والمسكنة إلى يوم القيامة ~~وأخذ أنفاسهم وذهب باستقلالهم في السؤدد. # على أن غرض السورة ms1019 كما مر بيان أن الله سبحانه هو القائم على خلق العالم ~~وتدبيره فهو مالك الملك يملك من يشاء ويعز من يشاء وبالجملة هو المعطي ~~للخير لمن يشاء وهو الآخذ النازع للملك والعزة ولكل خير عمن يشاء فمضمون ~~الآيتين غير خارج عن غرض السورة. # قوله تعالى قل اللهم مالك الملك أمر بالالتجاء إلى الله تعالى الذي بيده ~~الخير على الإطلاق وله القدرة المطلقة ليتخلص من هذه الدعاوي الوهمية التي ~~نشبت في قلوب المنافقين والمتمردين من الحق من المشركين وأهل الكتاب فضلوا ~~وهلكوا بما قدروه لأنفسهم من الملك والعزة والغنى من الله سبحانه ويعرض ~~الملتجىء نفسه على إفاضة مفيض الخير والرازق لمن يشاء بغير حساب. # والملك بكسر الميم مما نعرفه فيما بيننا ونعهده من غير ارتياب في أصله ~~فمن الملك بكسر الميم ما هو حقيقي وهو كون شيء كالإنسان مثلا بحيث يصح له ~~أن يتصرف في شيء أي تصرف أمكن بحسب التكوين والوجود كما يمكن للإنسان أن ~~يتصرف في باصرته بإعمالها وإهمالها بأي نحو شاء وأراد وكذا في يده بالقبض ~~والبسط، والأخذ بها والترك ونحو ذلك ولا محالة بين المالك وملكه بهذا ~~المعنى رابطة حقيقية غير قابلة التغير يوجب قيام المملوك بالمالك نحو قيام ~~لا يستغني عنه ولا يفارقه إلا بالبطلان كالبصر واليد إذا فارقا الإنسان ومن ~~هذا القبيل ملكه تعالى بكسر الميم للعالم ولجميع أجزائه وشئونه على ~~الإطلاق، فله أن يتصرف فيما شاء كيفما شاء. # ومن الملك بكسر الميم ما هو وضعي اعتباري وهو كون الشيء كالإنسان بحيث ~~يصح له أن يتصرف في شيء كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل ~~الاجتماع لغرض نيل الغايات والأغراض الاجتماعية، وإنما هو محاذاة منهم لما ~~عرفوه في الوجود من الملك الحقيقي وآثاره فاعتبروا مثله في ظرف اجتماعهم ~~بالوضع والدعوى لينالوا بذلك من هذه الأعيان والأمتعة فوائد نظير ما يناله ~~المالك الحقيقي من ملكه الحقيقي التكويني. # ولكون الرابطة بين المالك والمملوك في هذا النوع من الملك بالوضع ~~والاعتبار نرى ما نرى فيه من ms1020 جواز التغير والتحول فمن الجائز أن ينتقل هذا ~~النوع من الملك من إنسان إلى آخر بالبيع والهبة وسائر أسباب النقل. # وأما الملك بالضم فهو وإن كان من سنخ الملك بالكسر إلا أنه ملك لما يملكه ~~جماعة الناس فإن المليك مالك لما يملكه رعاياه، له أن يتصرف فيما يملكونه ~~من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه، ولا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ~~ملك على ملك، وهو ما نصطلح عليه بالملك الطولي كملك المولى للعبد وما في ~~يده، ولهذا كان للملك بالضم من الأقسام ما ذكرناه للملك بالكسر. # والله سبحانه مالك كل شيء ملكا مطلقا أما أنه مالك لكل شيء على الإطلاق ~~فلأن له الربوبية المطلقة والقيمومة المطلقة على كل شيء فإنه خالق كل شيء ~~وإله كل شيء، قال تعالى: "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو": ~~المؤمن - 62 وقال تعالى: "له ما في السموات وما في الأرض": البقرة - 255، ~~إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئا فهو قائم الذات به ~~مفتقر الذات إليه لا يستقل دونه فلا يمنعه فيما أراده منها وفيها شيء وهذا ~~هو الملك بالكسر كما مر. PageV03P072 # وأما أنه مليك على الإطلاق فهو لازم إطلاق كونه مالكا للموجودات فإن ~~الموجودات أنفسها يملك بعضها بعضا كالأسباب حيث تملك مسبباتها، والأشياء ~~تملك قواها الفعالة، والقوى الفعالة تملك أفعالها كالإنسان يملك اعضاءه ~~وقواه الفعالة من سمع وبصر وغير ذلك، وهي تملك أفعالها، وإذ كان الله ~~سبحانه يملك كل شيء فهو يملك كل من يملك منها شيئا، ويملك ما يملكه، وهذا ~~هو الملك بالضم فهو مليك على الإطلاق، قال تعالى: "له الملك وله الحمد": ~~التغابن - 1، وقال تعالى: "عند مليك مقتدر": القمر - 55، إلى غير ذلك من ~~الآيات، هذا هو الحقيقي من الملك والملك. # وأما الاعتباري منها فإنه تعالى مالك لأنه هو المعطي لكل من يملك شيئا من ~~المال، ولو لم يملك لم يصح منه ذلك ولكان معطيا لما لا يملك لمن لا يملك، ~~قال تعالى: "وآتوهم ms1021 من مال الله الذي آتاكم": النور - 33. # وهو تعالى مليك يملك ما في أيدي الناس لأنه شارع حاكم يتصرف بحكمه فيما ~~يملكه الناس كما يتصرف الملوك فيما عند رعاياهم من المال، قال تعالى: "قل ~~أعوذ برب الناس ملك الناس": الناس - 2، وقال تعالى: "وآتاكم من كل ما ~~سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم - 34، وقال تعالى: ~~"وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه": الحديد - 7، وقال تعالى: "وما لكم ألا ~~تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض": الحديد - 10، وقال تعالى: ~~"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن - 16، فهو تعالى يملك ما في ~~أيدينا قبلنا ويملكه معنا وسيراه بعدنا عز ملكه. # ومن التأمل فيما تقدم يظهر أن قوله تعالى: اللهم مالك الملك، مسوق: أولا: ~~لبيان ملكه تعالى بالكسر لكل ملك بالضم ومالكية الملك بالضم هو الملك على ~~الملك بالضم فيهما فهو ملك الملوك، الذي هو المعطي لكل ملك ملكه كما قال ~~تعالى: "أن آتاه الله الملك": البقرة - 258، وقال تعالى: "وآتيناهم ملكا ~~عظيما": النساء - 54. # وثانيا: يدل بتقديم لفظ الجلالة على بيان السبب فهو تعالى مالك الملك ~~لأنه الله جلت كبرياؤه وهو ظاهر. # وثالثا: أن المراد بالملك في الآية الشريفة والله أعلم ما هو أعم من ~~الحقيقي والاعتباري فإن ما ذكر من أمره تعالى في الآية الأولى أعني قوله: ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء على ما ~~سنوضحه من شئون الملك الاعتباري وما ذكره في الآية الثانية من شئون الملك ~~الحقيقي فهو مالك الملك مطلقا. # قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، الملك بإطلاقه ~~شامل لكل ملك حقا أو باطلا عدلا أو جورا فإن الملك كما تقدم بيانه في قوله: ~~"أن آتاه الله الملك "الآية": البقرة - 258 في نفسه موهبة من مواهب الله ~~ونعمة يصلح لأن يترتب عليه آثار حسنة في المجتمع الإنساني وقد جبل الله ~~النفوس على حبه والرغبة فيه، والملك الذي تقلده غير أهله ليس بمذموم من حيث ~~إنه ملك، وإنما المذموم إما ms1022 تقلد من لا يليق بتقلده كمن تقلده جورا وغصبا، ~~وإما سيرته الخبيثة مع قدرته على حسن السيرة، ويرجع هذا الثاني أيضا بوجه ~~إلى الأول. # وبوجه آخر يكون الملك بالنسبة إلى من هو أهله نعمة من الله سبحانه إليه، ~~وبالنسبة إلى غير أهله نقمة وهو على كل حال منسوب إلى الله سبحانه وفتنة ~~يمتحن به عباده. # وقد تقدم: أن التعليق على المشية في أفعاله تعالى كما في هذه الآية ليس ~~معناه وقوع الفعل جزافا تعالى عن ذلك بل المراد عدم كونه تعالى مجبرا في ~~فعله ملزما عليه فهو تعالى يفعل ما يفعل بمشيته المطلقة من غير أن يجبره ~~أحد أو يكرهه وإن جرى فعله على المصلحة دائما. # قوله تعالى: وتعز من تشاء وتذل من تشاء، العز كون الشيء بحيث يصعب مناله، ~~ولذا يقال للشيء النادر الوجود إنه عزيز الوجود أي صعب المنال، ويقال عزيز ~~القوم لمن يصعب قهره والغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر والغلبة، ~~وصعب المنال من حيث مقامه فيهم ووجدانه كل ما لهم من غير عكس ثم استعمل في ~~كل صعوبة كما يقال: يعز علي كذا. # قال تعالى: "عزيز عليه ما عنتم": التوبة - 128، أي صعب عليه. # واستعمل في كل غلبة كما يقال. # من عز بز أي من غلب سلب، قال تعالى: "وعزني في الخطاب": (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) - 23، أي غلبني والأصل في معناه ما مر. PageV03P073 # ويقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر محقق أو مفروض قال تعالى: "ضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة": البقرة - 61، وقال تعالى: "واخفض لهما جناح الذل": ~~الإسراء - 24، وقال تعالى أذلة على المؤمنين": المائدة - 54. # والعزة من لوازم الملك على الإطلاق وكل من سواه إذا تملك شيئا فهو تعالى ~~خوله ذلك وملكه، وإن ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى ~~محضا وما عند غيره منها فإنما هو بإيتائه وإفضاله. # قال تعالى: "أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا": النساء - 139 ~~وقال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين": المنافقون - 8 وهذه هي العزة ~~الحقيقية وأما ms1023 غيرها فإنما هي ذل في صورة عز. # قال تعالى: "بل الذين كفروا في عزة وشقاق": ص - 2 ولذا أردفه بقوله "كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص": ص - 3. # وللذل بالمقابلة ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه ~~إلا من أعزه الله تعالى تعز من تشاء وتذل من تشاء. # قوله تعالى: بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، الأصل في معنى الخير هو ~~الانتخاب وإنما نسمي الشيء خيرا لأنا نقيسه إلى شيء آخر نريد أن نختار ~~أحدهما فننتخبه فهو خير ولا نختاره إلا لكونه متضمنا لما نريده ونقصده فما ~~نريده هو الخير بالحقيقة، وإن كنا أردناه أيضا لشيء آخر فذلك الآخر هو ~~الخير بالحقيقة، وغيره خير من جهته، فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه يسمى ~~خيرا لكونه هو المطلوب إذا قيس إلى غيره، وهو المنتخب من بين الأشياء إذا ~~أردنا واحدا منها وترددنا في اختياره من بينها. # فالشيء كما عرفت إنما يسمى خيرا لكونه منتخبا إذا قيس إلى شيء آخر مؤثرا ~~بالنسبة إلى ذلك الآخر ففي معناه نسبة إلى الغير ولذا قيل: إنه صيغة ~~التفضيل وأصله أخير. # وليس بأفعل التفضيل، وإنما يقبل انطباق معنى التفضيل على مورده فيتعلق ~~بغيره كما يتعلق أفعل التفضيل، يقال: زيد أفضل من عمرو، وزيد أفضلهما، ~~ويقال: زيد خير من عمرو، وزيد خيرهما. # ولو كان خير صيغة التفضيل لجرى فيه ما يجري عليه، ويقال أفضل وأفاضل ~~وفضلى وفضليات، ولا يجري ذلك في خير بل يقال: خير وخيرة وأخيار وخيرات كما ~~يقال: شيخ وشيخة وأشياخ وشيخات فهو صفة مشبهة. # ومما يؤيده استعماله في موارد لا يستقيم فيه معنى أفعل التفضيل كقوله ~~تعالى: "قل ما عند الله خير من اللهو": الجمعة - 11، فلا خير في اللهو حتى ~~يستقيم معنى أفعل، وقد اعتذروا عنه وعن أمثاله بأنه منسلخ فيها عن معنى ~~التفضيل، وهو كما ترى. # فالحق أن الخير إنما يفيد معنى الانتخاب، واشتمال ما يقابله من المقيس ~~عليه على شيء من الخير من الخصوصيات ms1024 الغالبة في الموارد. # ويظهر مما تقدم أن الله سبحانه هو الخير على الإطلاق لأنه الذي ينتهي ~~إليه كل شيء، ويرجع إليه كل شيء، ويطلبه ويقصده كل شيء لكن القرآن الكريم ~~لا يطلق عليه سبحانه الخير إطلاق الاسم كسائر أسمائه الحسنى جلت أسماؤه، ~~وإنما يطلقه عليه إطلاق التوصيف كقوله تعالى: "والله خير وأبقى": طه - 73، ~~وكقوله تعالى: "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار": يوسف - 39. # نعم وقع الإطلاق على نحو التسمية بالإضافة كقوله تعالى: "والله خير ~~الرازقين": الجمعة - 11، وقوله: "وهو خير الحاكمين": الأعراف - 87، وقوله ~~"وهو خير الفاصلين": الأنعام - 57، وقوله: "وهو خير الناصرين": آل عمران - ~~150، وقوله "والله خير الماكرين": آل عمران - 54، وقوله: "وأنت خير ~~الفاتحين": الأعراف - 89، وقوله: "وأنت خير الغافرين": الأعراف - 155، ~~وقوله: "وأنت خير الوارثين": الأنبياء - 89، وقوله: "وأنت خير المنزلين": ~~المؤمنين - 29، وقوله: "وأنت خير الراحمين": المؤمنون - 109. # ولعل الوجه في جميع ذلك اعتبار ما في مادة الخير من معنى الانتخاب فلم ~~يطلق إطلاق الاسم عليه تعالى صونا لساحته تعالى أن يقاس إلى غيره بنحو ~~الإطلاق وقد عنت الوجوه لجنابه، وأما التسمية عند الإضافة والنسبة، وكذا ~~التوصيف في الموارد المقتضية لذلك فلا محذور فيه. # والجملة أعني قوله تعالى: بيدك الخير تدل على حصر الخير فيه تعالى لمكان ~~اللام وتقديم الظرف الذي هو الخبر، والمعنى أن أمر كل خير مطلوب إليك، وأنت ~~المعطي المفيض إياه. PageV03P074 # فالجملة في موضع التعليل لما تقدمت عليها من الجمل أعني قوله: تؤتي الملك ~~من تشاء "الخ" من قبيل تعليل الخاص بما يعمه وغيره أعني أن الخير الذي ~~يؤتيه تعالى أعم من الملك والعزة، وهو ظاهر. # وكما يصح تعليل إيتاء الملك والإعزاز بالخير الذي بيده تعالى كذلك يصح ~~تعليل نزع الملك والإذلال فإنهما وإن كانا شرين لكن ليس الشر إلا عدم الخير ~~فنزع الملك ليس إلا عدم الإعزاز فانتهاء كل خير إليه تعالى هو الموجب ~~لانتهاء كل حرمان من الخير بنحو إليه تعالى نعم الذي يجب انتفاؤه عنه تعالى ~~هو الاتصاف بما لا يليق بساحة قدسه من نواقص أفعال العباد وقبائح المعاصي ms1025 ~~إلا بنحو الخذلان وعدم التوفيق كما مر البحث عن ذلك. # وبالجملة هناك خير وشر تكوينيان كالملك والعزة ونزع الملك والذلة، والخير ~~التكويني أمر وجودي من إيتاء الله تعالى، والشر التكويني إنما هو عدم إيتاء ~~الخير ولا ضير في انتسابه إلى الله سبحانه فإنه هو المالك للخير لا يملكه ~~غيره، فإذا أعطي غيره شيئا من الخير فله الأمر وله الحمد، وإن لم يعط أو ~~منع فلا حق لغيره عليه حتى يلزمه عليه فيكون امتناعه من الإعطاء ظلما، على ~~أن إعطاءه ومنعه كليهما مقارنان للمصالح العامة الدخيلة في صلاح النظام ~~الدائر بين أجزاء العالم. # وهناك خير وشر تشريعيان وهما أقسام الطاعات والمعاصي، وهما الأفعال ~~الصادرة عن الإنسان من حيث انتسابها إلى اختياره، ولا تستند من هذه الجهة ~~إلى غير الإنسان قطعا، وهذه النسبة هي الملاك لحسنها وقبحها ولو لا فرض ~~اختيار في صدورها لم تتصف بحسن ولا قبح، وهي من هذه الجهة لا تنتسب إليه ~~تعالى إلا من حيث توفيقه تعالى وعدم توفيقه لمصالح تقتضي ذلك. # فقد تبين: أن الخير كله بيد الله وبذلك ينتظم أمر العالم في اشتماله على ~~كل وجدان وحرمان وخير وشر. # وقد ذكر بعض المفسرين: أن في قوله: بيدك الخير إيجازا بالحذف، والتقدير: ~~بيدك الخير والشر كما قيل نظير ذلك في قوله تعالى: "وجعل لكم سرابيل تقيكم ~~الحر": النحل - 81، أي والبرد. # وكان السبب في ذلك الفرار عن الاعتزال لقول المعتزلة بعدم استناد الشرور ~~إليه تعالى: وهو من عجيب الاجتراء على كلامه تعالى، والمعتزلة وإن أخطئوا ~~في نفي الانتساب نفيا مطلقا حتى بالواسطة لكنه لا يجوز هذا التقدير الغريب، ~~وقد تقدم البحث عن ذلك وبيان حقيقة الأمر. # قوله تعالى: إنك على كل شيء قدير في مقام التعليل لكون الخير بيده تعالى ~~فإن القدرة المطلقة على كل شيء توجب أن لا يقدر أحد على شيء إلا بإقداره ~~تعالى إياه على ذلك، ولو قدر أحد على شيء من غير أن تستند قدرته إلى إقداره ~~تعالى كان مقدوره من هذه الجهة خارجا ms1026 عن سعة قدرته تعالى فلم يكن قديرا على ~~كل شيء، وإذا كانت لقدرته هذه السعة كان كل خير مفروض مقدورا عليه له ~~تعالى، وكان أيضا كل خير إفاضة غيره منسوبا إليه مفاضا عن يديه فهو له أيضا ~~فجنس الخير الذي لا يشذ منه شاذ بيده، وهذا هو الحصر الذي يدل عليه قوله ~~تعالى: بيدك الخير. # قوله تعالى: تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، الولوج هو ~~الدخول، والظاهر كما ذكروه أن المراد من إيلاج الليل في النهار، وإيلاج ~~النهار في الليل ما هو المشاهد من اختلاف الليل والنهار في عرض السنة بحسب ~~اختلاف عروض البقاع والأمكنة على بسيط الأرض، واختلاف ميول الشمس فتأخذ ~~الأيام في الطول والليالي في القصر وهو ولوج النهار في الليل بعد انتهاء ~~الليالي في الطول من أول الشتاء إلى أول الصيف، ثم يأخذ الليالي في الطول ~~والأيام في القصر وهو ولوج الليل في النهار بعد انتهاء النهار في الطول من ~~أول الصيف إلى أول الشتاء، كل ذلك في البقاع الشمالية، والأمر في البقاع ~~الجنوبية على عكس الشمالية منها، فالطول في جانب قصر في الجانب الآخر فهو ~~تعالى يولج الليل في النهار والنهار في الليل دائما، أما الاستواء في خط ~~الإستواء والقطبين فإنما هو بحسب الحس وأما في الحقيقة فحكم التغيير دائم وشامل. PageV03P075 # قوله تعالى: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وذلك إخراج المؤمن من ~~صلب الكافر، وإخراج الكافر من صلب المؤمن فإنه تعالى سمى الإيمان حيوة ~~ونورا والكفر موتا وظلمة كما قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام - ~~122، ويمكن أن يراد الأعم من ذلك ومن خلق الأحياء كالنبات والحيوان من ~~الأرض العديمة الشعور وإعادة الأحياء إلى الأرض بإماتتها فإن كلامه تعالى ~~كالصريح في أنه يبدل الميت إلى الحي والحي إلى الميت، قال تعالى: "ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون": ~~المؤمنون - 15، إلى غيرها ms1027 من الآيات. # وأما ما ذهب إليه بعض علماء الطبيعة: أن الحيوة التي تنتهي إلى جراثيمها ~~تسلك فيها سلوكا من جرثومة حية إلى أخرى مثلها من غير أن تنتهي إلى المادة ~~الفاقدة للشعور، وذلك لإنكاره الكون الحادث، فيبطله الموت المحسوس الذي ~~تثبته التجربة في جراثيم الحيوة فتبدل الحيوة إلى الموت يكشف عن الربط ~~بينهما، ولبقية الكلام مقام آخر. # والآية أعني قوله تعالى "تولج" الليل في النهار الخ تصف تصرفه تعالى في ~~الملك الحقيقي التكويني كما أن الآية السابقة أعني قوله: تؤتي الملك من ~~تشاء "الخ" تصف تصرفه في الملك الاعتباري الوضعي وتوابعه. # وقد وضع في كل من الآيتين أربعة أنحاء من التصرف بنحو التقابل فوضع في ~~الأولى إيتاء الملك ونزعه وبحذائهما في الثانية إيلاج الليل في النهار ~~وعكسه، ووضع الإعزاز والإذلال وبحذائهما إخراج الحي من الميت وعكسه، وفي ~~ذلك من عجيب اللطف ولطيف المناسبة ما لا يخفى فإن إيتاء الملك نوع تسليط ~~لبعض أفراد الناس على الباقين بإعفاء قدر من حريتهم وإطلاقهم الغريزي ~~وإذهابها كتسليط الليل على النهار بإذهاب الليل بعض ما كان يظهره النهار، ~~ونزع الملك بالعكس من ذلك، وكذا إعطاء العزة نوع إحياء لمن كان خامد الذكر ~~خفي الأثر لولاها، نظير إخراج الحي من الميت، والإذلال بالعكس من ذلك، وفي ~~العزة حيوة وفي الذلة ممات. # وهنا وجه آخر: وهو أن الله عد النهار في كلامه آية مبصرة والليل آية ~~ممحوة قال تعالى: "فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة": الإسراء - ~~12، ومظهر هذا الإثبات والإمحاء في المجتمع الإنساني ظهور الملك والسلطنة ~~وزواله، وعد الحيوة والموت مصدرين للآثار من العلم والقدرة كما قال تعالى: ~~"أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون: النحل - 21، وخص العزة لنفسه ~~ولرسوله وللمؤمنين حيث قال: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين": المنافقون - ~~8، وهم الذين يذكرهم بالحيوة فصارت العزة والذلة مظهرين في المجتمع ~~الإنساني للحياة والموت، ولهذا قابل ما ذكره في الآية الأولى من إيتاء ~~الملك ونزعه والإعزاز والإذلال بما في الآية الثانية من إيلاج الليل في ~~النهار وعكسه وإخراج ms1028 الحي من الميت وعكسه. # ثم وقعت المقابلة بين ما ذكره في الآية الثانية: وترزق من تشاء بغير ~~حساب، وما ذكره في الآية الأولى: بيدك الخير، كما سيجيء بيانه. # قوله تعالى: وترزق من تشاء بغير حساب، المقابلة المذكورة آنفا تعطي أن ~~يكون قوله: وترزق "الخ" بيانا لما سبقه من إيتاء الملك والعز والإيلاج ~~وغيره، فالعطف عطف تفسير فيكون من قبيل بيان الخاص من الحكم بما هو أعم منه ~~كما أن قوله: بيدك الخير، بالنسبة إلى ما سبقه من هذا القبيل، والمعنى: أنك ~~متصرف في خلقك بهذه التصرفات لأنك ترزق من تشاء بغير حساب. ### |||| AUTO معنى الرزق في القرآن # الرزق معروف والذي يتحصل من موارد استعماله أن فيه شوبا من معنى العطاء ~~كرزق الملك الجندي ويقال لما قرره الملك لجنديه مما يؤتاه جملة: رزقه، وكان ~~يختص بما يتغذى به لا غير كما قال تعالى: "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف،: البقرة - 233، فلم يعد الكسوة رزقا. PageV03P076 # ثم توسع في معناه فعد كل ما يصل الإنسان من الغذاء رزقا كأنه عطية بحسب ~~الحظ والجد وإن لم يعلم معطيه، ثم عمم فسمي كل ما يصل إلى الشيء مما ينتفع ~~به رزقا وإن لم يكن غذاء كسائر مزايا الحيوة من مال وجاه وعشيرة وأعضاد ~~وجمال وعلم وغير ذلك، قال تعالى: "تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير ~~الرازقين": المؤمنون - 72، وقال فيما يحكي عن شعيب "قال يا قوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا: هود - 88، والمراد به النبوة ~~والعلم، إلى غير ذلك من الآيات. # والمتحصل من قوله تعالى: "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين": الذاريات ~~- 58، والمقام مقام الحصر: أولا: أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه ~~فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدقه أمثال قوله تعالى: "والله خير ~~الرازقين": الجمعة - 11، حيث أثبت رازقين وعده تعالى خيرهم، وقوله: ~~"وارزقوهم فيها واكسوهم": النساء - 5، كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن ~~الملك والعزة لله تعالى لذاته ولغيره بإعطائه وإذنه فهو ms1029 الرزاق لا غير. # وثانيا: أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم ~~والله رازقه، ويدل على ذلك - مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها - آيات كثيرة ~~أخر كالآيات الدالة على أن الخلق والأمر والحكم والملك بكسر الميم والمشية ~~والتدبير والخير لله محضا عز سلطانه. # وثالثا: أن ما ينتفع به الإنسان انتفاعا محرما لكونه سببا للمعصية لا ~~ينسب إليه تعالى لأنه تعالى نفى نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع. # قال تعالى: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون": ~~الأعراف - 28، وقال تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى أن قال: ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر": النحل - 90 وحاشاه سبحانه أن ينهى عن شيء ثم ~~يأمر به أو ينهى عنه ثم يحصر رزقه فيه. # ولا منافاة بين عدم كون نفع محرم رزقا بحسب التشريع وكونه رزقا بحسب ~~التكوين إذ لا تكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحا، وما بينه القرآن من ~~عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين، وليس البيان الإلهي بموقوف على ~~الأفهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحا عن التعرض للمعارف الحقيقية، وفي ~~القرآن شفاء لجميع القلوب لا يستضر به إلا الخاسرون. # قال تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا": الإسراء - 82. # على أن الآيات تنسب الملك الذي لأمثال نمرود وفرعون والأموال والزخارف ~~التي بيد أمثال قارون إلى إيتاء الله سبحانه فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله ~~آتاهم ذلك امتحانا وإتماما للحجة وخذلانا واستدراجا ونحو ذلك وهذا كله نسب ~~تشريعية، وإذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح فصحة النسبة ~~التكوينية التي لا مجال للحسن والقبح العقلائيين فيها أوضح. # ثم إنه تعالى ذكر أن كل شيء فهو مخلوق له منزل من عنده من خزائن رحمته ~~كما قال: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - ~~21، وذكر أيضا أن ما عنده فهو خير. # قال تعالى: "وما عند الله خير": القصص - 60، وانضمام الآيتين ms1030 وما في ~~معناهما من الآيات يعطي أن كل ما يناله شيء في العالم ويتلبس به مدى وجوده ~~فهو من الله سبحانه وهو خير له ينتفع به ويتنعم بسببه كما يفيده أيضا قوله ~~تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة - 7، مع قوله تعالى: "ذلكم ~~الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو": المؤمن - 64. # وأما كون بعض ما ينال الأشياء من المواهب الإلهية شرا يستضر به فإنما ~~شريته وإضراره نسبي متحقق بالنسبة إلى ما يصيبه خاصة مع كونه خيرا نافعا ~~بالنسبة إلى آخرين وبالنسبة إلى علله وأسبابه في نظام الكون كما مر يشير ~~إليه قوله تعالى: "وما أصابك من سيئة فمن نفسك": النساء - 79، وقد مر البحث ~~عن هذا المعنى فيما مر. # وبالجملة جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير وكله خير ينتفع به يكون ~~رزقا بحسب انطباق المعنى إذ ليس الرزق إلا العطية التي ينتفع بها الشيء ~~المرزوق، وربما أشار إليه قوله تعالى ورزق ربك خير": طه - 131. PageV03P077 # ومن هنا يظهر أن الرزق والخير والخلق بحسب المصداق على ما يبينه القرآن ~~أمور متساوية فكل رزق خير ومخلوق، وكل خلق رزق وخير، وإنما الفرق: أن الرزق ~~يحتاج إلى فرض مرزوق يرتزق به فالغذاء رزق للقوة الغاذية لاحتياجها إليه، ~~والغاذية رزق للواحد من الإنسان لاحتياجه إليها، والواحد من الإنسان رزق ~~لوالديه لانتفاعهما به، وكذا وجود الإنسان خير للإنسان بفرضه عاريا عن هذه ~~النعمة الإلهية، قال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه:" طه - 50. # والخير يحتاج إلى فرض محتاج طالب يختار من بين ما يواجهه ما هو مطلوبه ~~فالغذاء خير للقوة الغاذية بفرضها محتاجة إليه طالبة له تنتخبه وتختاره إذا ~~أصابته، والقوة الغاذية خير للإنسان، ووجود الإنسان خير له بفرضه محتاجا طالبا. # وأما الخلق والإيجاد فلا يحتاج من حيث تحقق معناه إلى شيء ثابت أو مفروض ~~فالغذاء مثلا مخلوق موجد في نفسه، وكذا القوة الغاذية مخلوقة، والإنسان مخلوق. # ولما كان كل رزق لله، وكل خير لله محضا فما يعطيه تعالى من عطية، وما ~~أفاضه ms1031 من خير وما يرزقه من رزق فهو واقع من غير عوض، وبلا شيء مأخوذ في ~~مقابله إذ كل ما فرضنا من شيء فهو له تعالى حقا، ولا استحقاق هناك إذ لا حق ~~لأحد عليه تعالى إلا ما جعل هو على نفسه من الحق كما جعله في مورد الرزق، ~~قال تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها": هود - 6، وقال: ~~"فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون": الذاريات - 23. # فالرزق مع كونه حقا على الله لكونه حقا مجعولا من قبله عطية منه من غير ~~استحقاق للمرزوق من جهة نفسه بل من جهة ما جعله على نفسه من الحق. # ومن هنا يظهر أن للإنسان المرتزق بالمحرمات رزقا مقدرا من الحلال بنظر ~~التشريع فإن ساحته تعالى منزهة من أن يجعل رزق إنسان حقا ثابتا على نفسه ثم ~~يرزقه من وجه الحرام ثم ينهاه عن التصرف فيه ويعاقبه عليه. # وتوضيحه ببيان آخر أن الرزق لما كان هو العطية الإلهية بالخير كان هو ~~الرحمة التي له على خلقه، وكما أن الرحمة رحمتان: رحمة عامة تشمل جميع ~~الخلق من مؤمن وكافر، ومتق وفاجر، وإنسان وغير إنسان، ورحمة خاصة وهي ~~الرحمة الواقعة في طريق السعادة كالإيمان والتقوى والجنة، كذلك الرزق منه ~~ما هو رزق عام، وهو العطية الإلهية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده، ~~ومنه ما هو رزق خاص، وهو الواقع في مجرى الحل. # وكما أن الرحمة العامة والرزق العام مكتوبان مقدران، قال تعالى وخلق كل ~~شيء فقدره تقديرا": الفرقان - 2، كذلك الرحمة الخاصة والرزق الخاص مكتوبان ~~مقدران، وكما أن الهدى - وهو رحمة خاصة - مكتوب مقدر تقديرا تشريعيا لكل ~~إنسان مؤمنا كان أو كافرا، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، قال تعالى: "وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين": الذاريات - 58، وقال تعالى: "وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه": الإسراء - 23، فالعبادة وهي تستلزم الهدى وتتوقف ~~عليه مقضية مقدرة تشريعا، كذلك الرزق ms1032 الخاص - وهو الذي عن مجرى الحل - مقضي ~~مقدر، قال تعالى: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما ~~رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين": الأنعام - 140، ~~وقال تعالى "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم ~~على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء": النحل - 71، والآيتان كما ترى ذواتا ~~إطلاق قطعي يشمل الكافر والمؤمن ومن يرتزق بالحلال ومن يرتزق بالحرام. # ومن الواجب أن يعلم: أن الرزق كما مر من معناه هو الذي ينتفع به من ~~العطية على قدر ما ينتفع فمن أوتي الكثير من المال وهو لا يأكل إلا القليل ~~منه فإنما رزقه هو الذي أكله والزائد الباقي ليس من الرزق إلا من جهة ~~الإيتاء دون الأكل فسعة الرزق وضيقه غير كثرة المال مثلا وقلته، وللكلام في ~~الرزق تتمة ستمر بك في قوله تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين": هود - 6. PageV03P078 # ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: وترزق من تشاء بغير حساب ~~فنقول توصيف الرزق بكونه بغير حساب إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر ~~إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق لكون ما عندهم من استدعاء أو طلب أو ~~غير ذلك مملوكا له تعالى محضا فلا يقابل عطيته منهم شيء فلا حساب لرزقه تعالى. # وأما كون نفي الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود ولا مقدر ~~فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى: "إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر - 49، ~~وقوله: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق - 3، ~~فالرزق منه تعالى عطية بلا عوض لكنه مقدر على ما يريده تعالى. # وقد تحصل من الآيتين أولا أن الملك بضم الميم كله لله كما أن الملك بكسر ~~الميم كله لله. # وثانيا: أن الخير كله بيده ومنه تعالى. # وثالثا: أن الرزق ms1033 عطية منه تعالى بلا عوض واستحقاق. # ورابعا أن الملك والعزة وكل خير اعتباري من خيرات الاجتماع كالمال والجاه ~~والقوة وغير ذلك كل ذلك من الرزق المرزوق. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قلت له: قل اللهم مالك الملك - تؤتي الملك من تشاء - وتنزع الملك ممن ~~تشاء أليس قد آتى الله بني أمية الملك؟ قال: ليس حيث تذهب، إن الله عز وجل ~~آتانا الملك، وأخذته بني أمية بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر ~~فليس هو للذي أخذه: أقول: وروى مثله العياشي عن داود بن فرقد عنه (عليه ~~السلام): وإيتاء الملك على ما تقدم بيانه يكون على وجهين إيتاء تكويني، وهو ~~انبساط السلطنة على الناس، ونفوذ القدرة فيهم، سواء كان ذلك بالعدل أو ~~بالظلم كما قال تعالى في نمرود: "أن آتاه الله الملك" وأثره نفوذ الكلمة ~~ومضي الأمر والإرادة، وسنبحث عن معنى كونه تكوينيا، وإيتاء تشريعي، وهو ~~القضاء بكونه ملكا مفترض الطاعة كما قال تعالى: "إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا": البقرة - 247، وأثره افتراض الطاعة، وثبوت الولاية، ولا يكون إلا ~~العدل، وهو مقام محمود عند الله سبحانه، والذي كان لبني أمية من الملك هو ~~المعنى الأول وأثره وقد اشتبه الأمر على راوي الحديث فأخذ ملكهم بالمعنى ~~الأول وأخذ معه أثر المعنى الثاني وهو المقام الشرعي، والحمد الديني فنبهه ~~(عليه السلام) أن الملك بهذا المعنى ليس لبني أمية بل هو لهم ولهم أثره، ~~وبعبارة أخرى: الملك الذي لبني أمية إنما يكون محمودا إذا كان في أيديهم ~~(عليهم السلام)، وأما في أيدي بني أمية فليس إلا مذموما لأنه مغصوب وعلى ~~هذا فلا ينسب إلى إيتاء الله إلا بنحو المكر والاستدراج كما في ملك نمرود ~~وفرعون. # وقد اشتبه الأمر على هؤلاء أنفسهم أعني بني أمية في هذه الآية ففي ~~الإرشاد، في قصة إشخاص يزيد بن معاوية رءوس شهداء الطف قال المفيد: ولما ~~وضعت الرءوس وفيها رأس الحسين (عليه السلام) قال يزيد: ms1034 نفلق هاما من رجال أعزة. # علينا وهم كانوا أعق وأظلما. # قال: ثم أقبل على أهل مجلسه فقال: إن هذا كان يفخر علي ويقول: أبي خير من ~~أب يزيد، وأمي خير من أمه، وجدي خير من جده، وأنا خير منه فهذا الذي قتله ~~فأما قوله بأن أبي خير من أب يزيد فلقد حاج أبي أباه فقضى الله لأبي على ~~أبيه، وأما قوله بأن أمي خير من أم يزيد فلعمري لقد صدق إن فاطمة بنت رسول ~~الله خير من أمي، وأما قوله: جدي خير من جده فليس لأحد يؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن يقول بأنه خير من محمد، وأما قوله بأنه خير مني فلعله لم يقرأ هذه ~~الآية: قل اللهم مالك الملك الآية. PageV03P079 # وردت زينب بنت علي (عليه السلام) عليه قوله بمثل ما ذكره الصادق (عليه ~~السلام) في الرواية السابقة على ما رواه السيد بن طاووس وغيره: فقالت فيما ~~خاطبته: أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا ~~نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة، وإن ذلك لعظم ~~خطرك عنده فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك ~~مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، مهلا مهلا، أنسيت قول ~~الله: ولا يحسبن الذين كفروا - أنما نملي لهم خير لأنفسهم - إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين الخطبة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: وتخرج الحي من الميت الآية، قيل معناه: ~~وتخرج المؤمن من الكافر وتخرج الكافر من المؤمن، قال: وروي ذلك عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وروى قريبا منه الصدوق عن العسكري (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن ~~مسعود أو عن سلمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي قال: المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وفيه، أيضا ~~بالطريق السابق عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله (صلى الله ms1035 عليه وآله ~~وسلم): لما خلق الله آدم (عليه السلام) أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال: ~~هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي، وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل رديء فقال. ~~هؤلاء أهل النار ولا أبالي فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن ويخرج ~~المؤمن من الكافر فذلك قوله: تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي. # أقول: وروي هذا المعنى عن عدة من أصحاب التفسير عن سلمان أيضا مقطوعا، ~~والرواية من أخبار الذر والميثاق، وسيجيء بيانها في موضع يليق بها إن شاء الله. # وفي الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد وعدة من أصحابنا عن سهل بن ~~زياد عن ابن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع: ألا إن الروح الأمين ~~نفث في روعي: أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في ~~الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله فإن ~~الله تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا، ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله ~~وصبر أتاه رزقه من حله، ومن هتك حجاب ستر الله عز وجل وأخذه من غير حله قص ~~به من رزقه الحلال، وحوسب عليه. # وفي النهج، قال (عليه السلام): الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك فإن ~~لم تأته أتاك فلا تحمل هم سنتك يومك، كفاك كل يوم ما فيه فإن تكن السنة من ~~عمرك فإن الله تعالى جده سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنة ~~من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس لك، ولن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك ~~عليه غالب، ولن يبطىء عنك ما قد قدر لك. # وفي قرب الإسناد:، ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الرزق لينزل من السماء ~~إلى الأرض على عدد قطر المطر إلى كل نفس بما قدر لها، ms1036 ولكن لله فضول ~~فاسألوا الله من فضله. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة، وسيجيء استيفاء البحث عن أخبار ~~الرزق في سورة هود إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث علمي # قد تقدم في بعض ما مر من الأبحاث السابقة: أن اعتبار أصل الملك بالكسر من ~~الاعتبارات الضرورية التي لا غنى للبشر عنها في حال سواء كان منفردا أو ~~مجتمعا، وأن أصله ينتهي إلى اعتبار الاختصاص فهذا حال الملك بالكسر. PageV03P080 # وأما الملك بالضم وهو السلطنة على الأفراد فهو أيضا من الاعتبارات الضرورية ~~التي لا غنى للإنسان عنها لكن الذي يحتاج إليه ابتداء هو الاجتماع من حيث ~~تألفه من أجزاء كثيرة مختلفة المقاصد متباينة الإرادات دون الفرد من حيث ~~إنه فرد فإن الأفراد المجتمعين لتباين إراداتهم واختلاف مقاصدهم لا يلبثون ~~دون أن يقع الاختلاف بينهم فيتغلب كل على الآخرين في أخذ ما بأيديهم، ~~والتعدي على حومة حدودهم وهضم حقوقهم فيقع الهرج والمرج، ويصير الاجتماع ~~الذي اتخذوه وسيلة إلى سعادة الحيوة ذريعة إلى الشقاء والهلاك، ويعود ~~الدواء داء، ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارية إلا بجعل قوة قاهرة على ~~سائر القوى مسيطرة على جميع الأفراد المجتمعين حتى تعيد القوى الطاغية ~~المستعلية إلى حاق الوسط، وترفع الدانية المستهلكة إليه أيضا فتتحد جميع ~~القوى من حيث المستوى ثم تضع كل واحدة منها في محلها الخاص وتعطي كل ذي حق حقه. # ولما لم تكن الإنسانية في حين من الأحيان خالية الذهن عن فكر الاستخدام ~~كما مر بيانه سالفا لم يكن الاجتماعات في الأعصار السالفة خالية عن رجال ~~متغلبين على الملك مستعلين على سائر الأفراد المجتمعين ببسط الرقية والتملك ~~على النفوس والأموال، وكانت بعض فوائد الملك الذي ذكرناه - وهو وجود من ~~يمنع عن طغيان بعض الأفراد على بعض - يترتب على وجود هذا الصنف من ~~المتغلبين المستعلين المتظاهرين باسم الملك في الجملة وإن كانوا هم أنفسهم ~~وأعضادهم وجلاوزتهم قوى طاغية من غير حق مرضي، وذلك لكونهم مضطرين إلى حفظ ~~الأفراد في حال الذلة والاضطهاد حتى لا يتقوى من ms1037 يثب على حقوق بعض الأفراد ~~فيثب يوما عليهم أنفسهم كما أنهم أنفسهم وثبوا على ما في أيدي غيرهم. # وبالجملة بقاء جل الأفراد على حال التسالم خوفا من الملوك المسيطرين ~~عليهم كان يصرف الناس عن الفكر في اعتبار الملك الاجتماعي وإنما يشتغلون ~~بحمد سيرة هؤلاء المتغلبين إذا لم يبلغ تعديهم مبلغ جهدهم ويتظلمون ويشتكون ~~إذا بلغ بهم الجهد، وحمل عليهم من التعدي ما يفوق طاقتهم. # نعم ربما فقدوا بعض هؤلاء المتسمين بالملوك والرؤساء بهلاك أو قتل أو نحو ~~ذلك، وأحسوا بالفتنة والفساد، وهددهم اختلال النظم ووقوع الهرج فبادروا إلى ~~تقديم بعض أولي الطول والقوة منهم، وألقوا إليه زمام الملك فصار ملكا يملك ~~أزمة الأمور ثم يعود الأمر على ما كان عليه من التعدي والتحميل. # ولم تزل الاجتماعات على هذه الحال برهة بعد برهة حتى تضجرت من سوء سير ~~هؤلاء المتسمين بالملوك في مظالمهم باستبدادهم في الرأي وإطلاقهم فيما ~~يشاءون فوضعت قوانين تعين وظائف الحكومة الجارية بين الأمم وأجبرت الملوك ~~باتباعها وصار الملك ملكا مشروطا بعد ما كان مطلقا، واتحد الناس على التحفظ ~~على ذلك، وكان الملك موروثا. # ثم أحست اجتماعات ببغي ملوكهم وسوء سيرهم ولا سبيل إليهم بعد ركوب أريكة ~~الملك، وتثبيتهم كون الملك موهبة غير متغيرة موروثة فبدلوا الملك برئاسة ~~الجمهور فانقلب الملك المؤبد المشروط إلى ملك مؤجل مشروط، وربما وجد في ~~الأقوام والأمم المختلفة أنواع من الملك دعاهم إلى وضعه الفرار عن المظالم ~~التي شاهدوها ممن بيده زمام أمرهم، وربما حدث في مستقبل الأيام ما لم ينتقل ~~أفهامنا إليه إلى هذا الآن. # لكن الذي يتحصل من جميع هذه المساعي التي بذلتها الاجتماعات في سبيل ~~إصلاح هذا الأمر أعني إلقاء زمام الأمة إلى من يدبر أمرها، ويجمع شتات ~~إراداتها المتضادة وقواها المتنافية: أن لا غنى للمجتمع الإنساني عن هذا ~~المقام وهو مقام الملك وإن تغيرت أسماؤه، وتبدلت شرائطه بحسب اختلاف الأمم، ~~ومرور الأيام فإن طروق الهرج والمرج، واختلال أمر الحياة الاجتماعية على ~~جميع التقادير من لوازم عدم اجتماع أزمة الإرادات ms1038 والمقاصد في إرادة واحدة ~~لإنسان واحد أو مقام واحد. # وهذا هو الذي تقدم في أول الكلام أن الملك من الاعتبارات الضرورية في ~~الاجتماع الإنساني. # وهو مثل سائر الموضوعات الاعتبارية التي لم يزل الاجتماع بصدد تكميلها ~~وإصلاحها ورفع نواقصها وآثارها المضادة لسعادة الإنسانية. PageV03P081 # وللنبوة في هذا الإصلاح السهم الأوفى فإن من المسلم في علم الاجتماع: أن ~~انتشار قول ما من الأقوال بين العامة وخاصة إذا كان مما يرتبط بالغريزة، ~~ويستحسنه القريحة، ويطمئن إليه النفوس المتوقعة أقوى سبب لتوحيد الميول ~~المتفرقة وجعل الجماعات المتشتتة يدا واحدا تقبض وتبسط بإرادة واحدة لا ~~يقوم لها شيء. # ومن الضروري: أن النبوة منذ أقدم عهود ظهورها تدعو الناس إلى العدل، ~~وتمنعهم عن الظلم، وتندبهم إلى عبادة الله والتسليم له، وتنهاهم عن اتباع ~~الفراعنة الطاغين، والنماردة المستكبرين المتغلبين، ولم تزل هذه الدعوة بين ~~الأمم منذ قرون متراكمة جيلا بعد جيل، وأمة بعد أمة وإن اختلفت بحسب السعة ~~والضيق باختلاف الأمم والأزمنة، ومن المحال أن يلبث مثل هذا العامل القوي ~~بين الاجتماعات الإنسانية قرونا متمادية وهو منعزل عن الأثر خال عن الفعل. # وقد حكى القرآن الكريم في ذلك شيئا كثيرا من الوحي المنزل على الأنبياء ~~(عليهم السلام) كما حكى عن نوح فيما يشكوه لربه: "رب إنهم عصوني واتبعوا من ~~لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم": ~~نوح - 23، وكذا ما وقع بينه وبين عظماء قومه من الجدال على ما يحكيه ~~القرآن، قال تعالى: "قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما ~~كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون": الشعراء - 113، وقول هود ~~(عليه السلام) لقومه: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين": الشعراء - 130، وقول صالح (عليه السلام) ~~لقومه: "فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون": الشعراء - 152. # ولقد قام موسى (عليه السلام) للدفاع عن بني إسرائيل ومعارضة فرعون في ~~سيرته الجائرة الظالمة، وانتهض قبله إبراهيم (عليه السلام) لمعارضة نمرود ~~ومن ms1039 بعده عيسى بن مريم (عليهما السلام) وسائر أنبياء بني إسرائيل في معارضة ~~مترفي أعصارهم من الملوك والعظماء، وتقبيح سيرهم الظالمة، ودعوة الناس إلى ~~رفض طاعة المفسدين واتباع الطاغين. # وأما القرآن فاستنهاضه الناس على الامتناع عن طاعة الإفساد والإباء عن ~~الضيم، وإنباؤه عن عواقب الظلم والفساد والعدوان والطغيان مما لا يخفى قال ~~تعالى: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في ~~البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد": ~~الفجر - 14، إلى غير ذلك من الآيات. # وأما أن الملك بالضم من ضروريات المجتمع الإنساني فيكفي في بيانه أتم ~~بيان قوله تعالى بعد سرد قصة طالوت: "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين": البقرة - 251، وقد مر بيان ~~كيفية دلالة الآية بوجه عام. # وفي القرآن آيات كثيرة تتعرض للملك والولاية وافتراض الطاعة ونحو ذلك، ~~وأخرى تعده نعمة وموهبة كقوله تعالى: "وآتيناهم ملكا عظيما": النساء - 54، ~~وقوله تعالى: "وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين": المائدة - ~~20، وقوله تعالى: "والله يؤتي ملكه من يشاء": البقرة - 247، إلى غير ذلك من ~~الآيات. # غير أن القرآن إنما يعده كرامة إذا اجتمع مع التقوى لحصره الكرامة على ~~التقوى من بين جميع ما ربما يتخيل فيه شيء من الكرامة من مزايا الحيوة، قال ~~تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات - 13، والتقوى حسابه على ~~الله ليس لأحد أن يستعلي به على أحد فلا فخر لأحد على أحد بشيء لأنه إن كان ~~أمرا دنيويا فلا مزية لأمر دنيوي، ولا قدر إلا للدين وإن كان أمرا أخرويا ~~فأمره إلى الله سبحانه، وعلى الجملة لا يبقى للإنسان المتلبس بهذه النعمة ~~أعني الملك في نظر رجل مسلم إلا تحمل الجهد ومشقة التقلد والأعباء نعم له ~~عند ربه عظيم الأجر ومزيد الثواب إن لازم ms1040 صراط العدل والتقوى. PageV03P082 # وهذا هو روح السيرة الصالحة التي لازمها أولياء الدين، وسنشبع إن شاء الله ~~العزيز هذا المعنى في بحث مستقل في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والطاهرين من آله الثابتة بالآثار الصحيحة، وأنهم لم ينالوا من ملكهم ~~إلا أن يثوروا على الجبابرة في فسادهم في الأرض ويعارضوهم في طغيانهم ~~واستكبارهم. # ولذلك لم يدع القرآن الناس إلى الاجتماع على تأسيس الملك، وتشييد بنيان ~~القيصرية والكسروية، وإنما تلقى الملك شأنا من الشئون اللازمة المراعاة في ~~المجتمع الإنساني نظير التعليم أو إعداد القوة لإرهاب الكفار. # بل إنما دعا الناس إلى الاجتماع والاتحاد والاتفاق على الدين، ونهاهم عن ~~التفرق والشقاق فيه، وجعله هو الأصل، فقال تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام - 153، وقال تعالى: ~~"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون": آل عمران - 64، فالقرآن - كما ترى - لا يدعو الناس ~~إلا إلى التسليم لله وحده ويعتبر من المجتمع المجتمع الديني، ويدحض ما دون ~~ذلك من عبادة الأنداد، والخضوع لكل قصر مشيد، ومنتدى رفيع وملك قيصري ~~وكسروي والتفرق بإفراز الحدود وتفريق الأوطان وغير ذلك. ### |||| AUTO بحث فلسفي # لا ريب أن الواجب تعالى هو الذي تنتهي إليه سلسلة العلية في العالم، وإن ~~الرابطة بينه وبين العالم جزءا وكلا هي رابطة العلية، وقد تبين في أبحاث ~~العلة والمعلول أن العلية إنما هي في الوجود بمعنى أن الوجود الحقيقي في ~~المعلول هو المترشح من وجود علته، وأما غيره كالماهية فهو بمعزل عن الترشح ~~والصدور والافتقار إلى العلة، وينعكس بعكس النقيض إلى أن ما لا وجود حقيقي ~~له فليس بمعلول ولا منته إلى الواجب تعالى. # ويشكل الأمر في استناد الأمور الاعتبارية المحضة إليه تعالى إذ لا وجود ~~حقيقي لها أصلا، وإنما وجودها وثبوتها ثبوت اعتباري لا يتعدى ظرف الاعتبار ~~والوضع وحيطة الفرض، ms1041 وما يشتمل عليه الشريعة من الأمر والنهي والأحكام ~~والأوضاع كلها أمور اعتبارية فيشكل نسبتها إليه تعالى، وكذا أمثال الملك ~~والعز والرزق وغير ذلك. # والذي تحل به العقدة أنها وإن كانت عارية عن الوجود الحقيقي إلا أن لها ~~آثارا هي الحافظة لأسمائها كما مر مرارا، وهذه الآثار أمور حقيقية مقصودة ~~بالاعتبار ولها نسبة إليه تعالى فهذه النسبة هي المصححة لنسبتها فالملك ~~الذي بيننا أهل الاجتماع وإن كان أمرا اعتباريا وضعيا لا نصيب لمعناه من ~~الوجود الحقيقي، وإنما هو معنى متوهم لنا جعلناه وسيلة إلى البلوغ إلى آثار ~~خارجية لم يكن يمكننا البلوغ إليها لو لا فرض هذا المعنى الموهوم وتقديره، ~~وهي قهر المتغلبين وأولي السطوة والقوة من أفراد الاجتماع الواثبين على ~~حقوق الضعفاء والخاملين، ووضع كل من الأفراد في مقامه الذي له، وإعطاء كل ~~ذي حق حقه، وغير ذلك. # لكن لما كان حقيقة معنى الملك واسمه باقيا ما دامت هذه الآثار الخارجية ~~باقية مترتبة عليه فاستناد هذه الآثار الخارجية إلى عللها الخارجية هو عين ~~استناد الملك إليه، وكذلك القول في العزة الاعتبارية، وآثارها الخارجية ~~واستنادها إلى عللها الحقيقة، وكذلك الأمر في غيرها كالأمر والنهي والحكم ~~والوضع ونحو ذلك. # ومن هنا يتبين: أن لها جميعا استنادا إلى الواجب تعالى باستناد آثارها ~~إليه على حسب ما يليق بساحة قدسه وعزه. PageV03P083 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 28 - 32 # لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى السموت وما ~~فى الأرض والله على كل شىء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله ~~رءوف بالعباد (30) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن ms1042 الله لا ~~يحب الكفرين (32) ### |||| AUTO بيان # الآيات غير خالية عن الارتباط بما تقدمها بناء على ما ذكرناه في الآيات ~~السابقة: أن المقام مقام التعرض لحال أهل الكتاب والمشركين والتعريض لهم، ~~فالمراد بالكافرين إن كان يعم أهل الكتاب فهذه الآيات تنهى عن توليهم ~~والامتزاج الروحي بالمشركين وبهم جميعا، وإن كان المراد بهم المشركين فحسب ~~فالآيات متعرضة لهم ودعوة إلى تركهم والاتصال بحزب الله، وحب الله وطاعة رسوله. # قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، الأولياء ~~جمع الولي من الولاية وهي في الأصل ملك تدبير أمر الشيء فولي الصغير أو ~~المجنون أو المعتوه هو الذي يملك تدبير أمورهم وأمور أموالهم فالمال لهم ~~وتدبير أمره لوليهم، ثم استعمل وكثر استعماله في مورد الحب لكونه يستلزم ~~غالبا تصرف كل من المتحابين في أمور الآخر لإفضائه إلى التقرب والتأثر عن ~~إرادة المحبوب وسائر شئونه الروحية فلا يخلو الحب عن تصرف المحبوب في أمور ~~المحب في حيوته. # فاتخاذ الكافرين أولياء هو الامتزاج الروحي بهم بحيث يؤدي إلى مطاوعتهم ~~والتأثر منهم في الأخلاق وسائر شئون الحيوة وتصرفهم في ذلك، ويدل على ذلك ~~تقييد هذا النهي بقوله: من دون المؤمنين، فإن فيه دلالة على إيثار حبهم على ~~حب المؤمنين، وإلقاء أزمة الحيوة إليهم دون المؤمنين، وفيه الركون إليهم ~~والاتصال بهم والانفصال عن المؤمنين. # وقد تكرر ورود النهي في الآيات الكريمة عن تولي الكافرين واليهود ~~والنصارى واتخاذهم أولياء لكن موارد النهي مشتملة على ما يفسر معنى التولي ~~المنهي عنه، ويعرف كيفية الولاية المنهي عنها كاشتمال هذه الآية على قوله: ~~من دون المؤمنين بعد قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء، واشتمال قوله ~~تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" الآية: ~~المائدة - 51، على قوله: بعضهم أولياء بعض، وتعقب قوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" الآية: الممتحنة - 1، بقوله: لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين إلى آخر الآيات. # وعلى هذا فأخذ هذه الأوصاف في قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين ms1043 أولياء من ~~دون المؤمنين للدلالة على سبب الحكم وعلته، وهو أن صفتي الكفر والإيمان مع ~~ما فيهما من البعد والبينونة ولا محالة يسري ذلك إلى من اتصف بهما فيفرق ~~بينهما في المعارف والأخلاق وطريق السلوك إلى الله تعالى وسائر شئون الحيوة ~~لا يلائم حالهما مع الولاية فإن الولاية يوجب الاتحاد والامتزاج، وهاتان ~~الصفتان توجبان التفرق والبينونة، وإذا قويت الولاية كما إذا كان من دون ~~المؤمنين أوجب ذلك فساد خواص الإيمان وآثاره ثم فساد أصله، ولذلك عقبه ~~بقوله: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، ثم عقبه أيضا بقوله: إلا أن ~~تتقوا منهم تقية، فاستثنى التقية فإن التقية إنما توجب صورة الولاية في ~~الظاهر دون حقيقتها. # ودون في قوله: من دون المؤمنين كأنه ظرف يفيد معنى عند مع شوب من معنى ~~السفالة والقصور، والمعنى: مبتدئا من مكان دون مكان المؤمنين فإنهم أعلى مكانا. PageV03P084 # والظاهر أن ذلك هو الأصل في معنى دون فكان في الأصل يفيد معنى الدنو مع ~~خصوصية الانخفاض فقولهم دونك زيد أي هو في مكان يدنو من مكانك وأخفض منه ~~كالدرجة دون الدرجة ثم استعمل بمعنى غير كقوله: "إلهين من دون الله": ~~المائدة - 116، وقوله: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء - 48، أي ما ~~سوى ذلك أو ما هو أدون من ذلك وأهون، كذا استعمل اسم فعل كقولهم: دونك زيدا ~~أي الزمه، كل ذلك من جهة الانطباق على المورد دون الاشتراك اللفظي. # قوله تعالى: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، أي ومن يتخذهم أولياء من ~~دون المؤمنين، وإنما بدل من لفظ عام للإشعار بنهاية نفرة المتكلم منه حتى ~~أنه لا يتلفظ به إلا بلفظ عام كالتكنية عن القبائح، وهو شائع في اللسان، ~~ولذلك أيضا لم يقل: ومن يفعل ذلك من المؤمنين كأن فيه صونا للمؤمنين من أن ~~ينسب إليهم مثل هذا الفعل. # ومن في قوله: من الله، للابتداء، ويفيد في أمثال هذا المقام معنى التحزب ~~أي ليس من حزب الله في شيء كما قال تعالى: "ومن يتول ms1044 الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون": المائدة - 56، وكما فيما حكاه عن إبراهيم ~~(عليه السلام) من قوله: "فمن تبعني فإنه مني": إبراهيم - 36، أي من حزبي، ~~وكيف كان فالمعنى والله أعلم: ليس من حزب الله مستقرا في شيء من الأحوال ~~والآثار. # قوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقية، الاتقاء في الأصل أخذ الوقاية للخوف ~~ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا للمسبب في مورد السبب ولعل التقية في ~~المورد من هذا القبيل. # والاستثناء منقطع فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من ~~غير عقد القلب على الحب والولاية ليس من التولي في شيء لأن الخوف والحب ~~أمران قلبيان متباينان ومتنافيان أثرا في القلب فكيف يمكن اتحادهما؟ ~~فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع. # وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر ~~وسمية وهي قوله تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم": النحل - 106. # وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة، والاعتبار العقلي ~~يؤكده إذ لا بغية للدين، ولا هم لشارعه إلا ظهور الحق وحياته، وربما يترتب ~~على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين ~~وحيوة الحق ما لا يترتب على تركها، وإنكار ذلك مكابرة وتعسف، وسنستوفي ~~الكلام فيها في البحث الروائي التالي، وفي الكلام على قوله تعالى: "من كفر ~~بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان": النحل - 106. # قوله تعالى: ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير، التحذير تفعيل من الحذر ~~وهو الاحتراز من أمر مخيف وقد حذر الله عباده من عذابه كما قال تعالى: "إن ~~عذاب ربك كان محذورا": إسراء - 57، وحذر من المنافقين وفتنة الكفار فقال: ~~"هم العدو فاحذرهم": المنافقين - 4، وقال: "واحذرهم أن يفتنوك": المائدة - ~~49، وحذرهم من نفسه كما في هذه الآية وما يأتي بعد آيتين، وليس ذلك ms1045 إلا ~~للدلالة على أن الله سبحانه نفسه هو المخوف الواجب الاحتراز في هذه ~~المعصية، أي ليس بين هذا المجرم وبينه تعالى شيء مخوف آخر حتى يتقى عنه ~~بشيء أو يتحصن منه بحصن، وإنما هو الله الذي لا عاصم منه، ولا أن بينه وبين ~~الله سبحانه أمر مرجو في دفع الشر عنه من ولي ولا شفيع، ففي الكلام أشد ~~التهديد، ويزيد في اشتداده تكراره مرتين في مقام واحد ويؤكده تذييله أولا ~~بقوله: وإلى الله المصير، وثانيا بقوله: والله رءوف بالعباد على ما سيجيء ~~من بيانه. PageV03P085 # ومن جهة أخرى: يظهر من مطاوي هذه الآية وسائر الآيات الناهية عن اتخاذ غير ~~المؤمنين أولياء أنه خروج عن زي العبودية، ورفض لولاية الله سبحانه، ودخول ~~في حزب أعدائه لإفساد أمر الدين، وبالجملة هو طغيان وإفساد لنظام الدين ~~الذي هو أشد وأضر بحال الدين من كفر الكافرين وشرك المشركين فإن العدو ~~الظاهر عدواته المبائن طريقته مدفوع عن الحومة سهل الاتقاء والحذر، وأما ~~الصديق والحميم إذا استأنس مع الأعداء ودب فيه أخلاقهم وسننهم فلا يلبث ~~فعاله إلا أن يذهب بالحومة وأهلها من حيث لا يشعرون، وهو الهلاك الذي لا ~~رجاء للحياة والبقاء معه. # وبالجملة هو طغيان، وأمر الطاغي في طغيانه إلى الله سبحانه نفسه، قال ~~تعالى: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في ~~البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد": ~~الفجر - 14، فالطغيان يسلك بالطاغي مسلكا يورده المرصاد الذي ليس به إلا ~~الله جلت عظمته فيصب عليه سوط عذاب ولا مانع. # ومن هنا يظهر: أن التهديد بالتحذير من الله نفسه في قوله: ويحذركم الله ~~نفسه، لكون المورد من مصاديق الطغيان على الله بإبطال دينه وإفساده. # ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ~~إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من ~~دون ms1046 الله من أولياء ثم لا تنصرون": هود - 113، وهذه آية ذكر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أنها شيبته - على ما في الرواية - فإن الآيتين - كما ~~هو ظاهر للمتدبر - ظاهرتان في أن الركون إلى الظالمين من الكافرين طغيان ~~يستتبع مس النار استتباعا لا ناصر معه، وهو الانتقام الإلهي لا عاصم منه ~~ولا دافع له كما تقدم بيانه. # ومن هنا يظهر أيضا: أن في قوله: ويحذركم الله نفسه، دلالة على أن التهديد ~~إنما هو بعذاب مقضي قضاء حتما من حيث تعليق التحذير بالله نفسه الدال على ~~عدم حائل يحول في البين، ولا عاصم من الله سبحانه وقد أوعد بالعذاب فينتج ~~قطعية الوقوع كما يدل على مثله قوله في آيتي سورة هود: فتمسكم النار وما ~~لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. # وفي قوله: وإلى الله المصير دلالة على أن لا مفر لكم منه ولا صارف له، ~~ففيه تأكيد التهديد السابق عليه. # والآيات أعني قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء الآية وما ~~يتبعها من الآيات من ملاحم القرآن، وسيجيء بيانه إن شاء الله في سورة ~~المائدة. # قوله تعالى: قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، الآية نظيرة ~~قوله تعالى: "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة - ~~284، غير أنه لما كان الأنسب بحال العلم أن يتعلق بالمخفي بخلاف الحساب فإن ~~الأنسب له أن يتعلق بالبادي الظاهر قدم ذكر الإخفاء في هذه الآية على ذكر ~~الإبداء، وجرى بالعكس منه في آية البقرة كما قيل. # وقد أمر في الآية رسوله بإبلاغ هذه الحقيقة - وهو علمه بما تخفيه أنفسهم ~~أو تبديه - من دون أن يباشره بنفسه كسابق الكلام، وليس ذلك إلا ترفعا عن ~~مخاطبة من يستشعر من حاله أنه سيخالف ما وصاه كما مر ما يشبه ذلك في قوله: ~~ومن يفعل ذلك. # وفي قوله تعالى: ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ~~مضاهاة لما مر من آية البقرة وقد مر الكلام ms1047 فيه. PageV03P086 # قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء، الظاهر ~~من اتصال السياق أنه من تتمة القول في الآية السابقة الذي أمر به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، والظرف متعلق بمقدر أي واذكر يوم تجد، أو متعلق ~~بقوله: يعلمه الله ويعلم، ولا ضير في تعليق علمه تعالى بما سنشاهده من ~~أحوال يوم القيامة فإن هذا اليوم ظرف لعلمه تعالى بالنسبة إلى ظهور الأمر ~~لنا لا بالنسبة إلى تحققه منه تعالى، وذلك كظهور ملكه وقدرته وقوته في ~~اليوم، قال تعالى: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار": المؤمن - 16، وقال: "لا عاصم اليوم من الله": ~~هود - 43، وقال: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا": ~~البقرة - 165، وقال: "والأمر يومئذ لله": الانفطار - 19، إذ من المعلوم أن ~~الله سبحانه له كل الملك والقدرة والقوة والأمر دائما - قبل القيامة وفيها ~~وبعدها - وإنما اختص يوم القيامة بظهور هذه الأمور لنا معاشر الخلائق ظهورا ~~لا ريب فيه. # ومن ذلك يظهر أن تعلق الظرف بقوله: يعلمه الله، لا يفيد تأخر علمه تعالى ~~بسرائر عباده من خير أو شر إلى يوم القيامة. # على أن في قوله تعالى: محضرا، دون أن يقول: حاضرا دلالة على ذلك فإن ~~الإحضار إنما يتم فيما هو موجود غائب فالأعمال موجودة محفوظة عن البطلان ~~يحضرها الله تعالى لخلقه يوم القيامة، ولا حافظ لها إلا الله سبحانه، قال ~~تعالى: "وربك على كل شيء حفيظ": سبأ - 21 وقال: "وعندنا كتاب حفيظ": ق - 4. # وقوله: تجد، من الوجدان خلاف الفقدان، ومن في قوله: من خير ومن سوء ~~للبيان، والتنكير للتعميم، أي تجد كل ما عملت من الخير وإن قل وكذا من ~~السوء وقوله: وما عملت من سوء، معطوف على قوله ما عملت من خير على ما هو ~~ظاهر السياق والآية من الآيات الدالة على تجسم الأعمال، وقد مر البحث عنها ~~في سورة البقرة. # قوله تعالى: تود لو أن بينها وبينه ms1048 أمدا بعيدا، الظاهر أنه خبر لمبتدإ ~~محذوف وهو الضمير الراجع إلى النفس، ولو للتمني، وقد كثر دخوله في القرآن ~~على أن المفتوحة المشددة، فلا يعبأ بما قيل من عدم جوازه وتأويل ما ورد فيه ~~ذلك من الموارد. # والأمد يفيد معنى الفاصلة الزمانية، قال الراغب في مفردات القرآن: الأمد ~~والأبد يتقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود، ~~ولا يتقيد، لا يقال: أبد كذا، والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر ~~نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمان كذا، والفرق بين الزمان والأمد، أن ~~الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدإ والغاية، ولذا قال ~~بعضهم: الأمد والمدى يتقاربان، انتهى. # وفي قوله: تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، دلالة على أن حضور سيىء ~~العمل يسوء النفس كما يشعر بالمقابلة بأن حضور خير العمل يسرها، وإنما تود ~~الفاصلة الزمانية بينها وبينه دون أن تود أنه لم يكن من أصله لما يشاهد من ~~بقائه بحفظ الله فلا يسعها إلا أن تحب بعده وعدم حضوره في أشق الأحوال، ~~وعند أعظم الأهوال كما يقول لقرين السوء نظير ذلك، قال تعالى: "نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين إلى أن قال: حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين": الزخرف - 38. # قوله تعالى: ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ذكر التحذير ثانيا ~~يعطي من أهمية المطلب والبلوغ في التهديد ما لا يخفى، ويمكن أن يكون هذا ~~التحذير الثاني ناظرا إلى عواقب المعصية في الآخرة كما هو مورد نظر هذه ~~الآية، والتحذير الأول ناظرا إلى وبالها في الدنيا أو في الأعم من الدنيا ~~والآخرة. # وأما قوله: والله رءوف بالعباد فهو - على كونه حاكيا عن رأفته وحنانه ~~تعالى المتعلق بعباده كما يحكي عن ذلك الإتيان بوصف العبودية والرقية - ~~دليل آخر على تشديد التهديد إذ أمثال هذا التعبير في موارد التخويف ~~والتحذير إنما يؤتى بها لتثبيت التخويف وإيجاد الإذعان بأن المتكلم ناصح لا ~~يريد إلا الخير والصلاح، تقول: إياك ms1049 أن تتعرض لي في أمر كذا فإني آليت أن ~~لا أسامح مع من تعرض لي فيه، إنما أخبرك بهذا رأفة بك وشفقة. PageV03P087 # فيئول المعنى - والله أعلم - إلى مثل أن يقال: إن الله لرأفته بعباده ~~ينهاهم قبلا أن يتعرضوا لمثل هذه المعصية التي وبال أمرها واقع لا محالة من ~~غير أن يؤثر فيه شفاعة شافع ولا دفع دافع. # قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، قد تقدم كلام ~~في معنى الحب، وأنه يتعلق بحقيقة معناه بالله سبحانه كما يتعلق بغيره في ~~تفسير قوله تعالى: "والذين آمنوا أشد حبا لله" الآية: البقرة - 165. # ونزيد عليه هاهنا: أنه لا ريب أن الله سبحانه - على ما ينادي به كلامه - ~~إنما يدعو عبده إلى الإيمان به وعبادته بالإخلاص له والاجتناب عن الشرك كما ~~قال تعالى: "ألا لله الدين الخالص": الزمر - 3، وقال تعالى: "وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين": البينة - 5، وقال تعالى: "فادعوا الله ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون": المؤمن - 14، إلى غير ذلك من الآيات. # ولا شك أن الإخلاص في الدين إنما يتم على الحقيقة إذا لم يتعلق قلب ~~الإنسان - الذي لا يريد شيئا ولا يقصد أمرا إلا عن حب نفسي وتعلق قلبي - ~~بغيره تعالى من معبود أو مطلوب كصنم أو ند أو غاية دنيوية بل ولا مطلوب ~~أخروي كفوز بالجنة أو خلاص من النار وإنما يكون متعلق قلبه هو الله تعالى ~~في معبوديته، فالإخلاص لله في دينه إنما يكون بحبه تعالى. # ثم الحب الذي هو بحسب الحقيقة الوسيلة الوحيدة لارتباط كل طالب بمطلوبه ~~وكل مريد بمراده إنما يجذب المحب إلى محبوبه ليجده ويتم بالمحبوب ما للمحب ~~من النقص ولا بشرى للمحب أعظم من أن يبشر أن محبوبه يحبه، وعند ذلك يتلاقى ~~حبان، ويتعاكس دلالان. # فالإنسان إنما يحب الغذاء وينجذب ليجده ويتم به ما يجده في نفسه من النقص ~~الذي آتيه الجوع، وكذا يحب النكاح ليجد ما تطلبه منه نفسه الذي علامته ~~الشبق وكذا يريد لقاء الصديق ليجده ويملك لنفسه الأنس ms1050 وله يضيق صدره، وكذا ~~العبد يحب مولاه والخادم ربما يتوله لمخدومه ليكون مولى له حق المولوية، ~~ومخدوما له حق المخدومية، ولو تأملت موارد التعلق والحب أو قرأت قصص العشاق ~~والمتولهين على اختلافهم لم تشك في صدق ما ذكرناه. # فالعبد المخلص لله بالحب لا بغية له إلا أن يحبه الله سبحانه كما أنه يحب ~~الله ويكون الله له كما يكون هو لله عز اسمه فهذا هو حقيقة الأمر غير أن ~~الله سبحانه لا يعد في كلامه كل حب له حبا والحب في الحقيقة هو العلقة ~~الرابطة التي تربط أحد الشيئين بالآخر على ما يقضي به ناموس الحب الحاكم في ~~الوجود فإن حب الشيء يقتضي حب جميع ما يتعلق به، ويوجب الخضوع والتسليم لكل ~~ما هو في جانبه، والله سبحانه هو الله الواحد الأحد الذي يعتمد عليه كل شيء ~~في جميع شئون وجوده ويبتغي إليه الوسيلة ويصير إليه كل ما دق وجل، فمن ~~الواجب أن يكون حبه والإخلاص له بالتدين له بدين التوحيد وطريق الإسلام على ~~قدر ما يطيقه إدراك الإنسان وشعوره، وإن الدين عند الله الإسلام، وهذا هو ~~الدين الذي يندب إليه سفراؤه، ويدعو إليه أنبياؤه ورسله، وخاصة دين الإسلام ~~الذي فيه من الإخلاص ما لا إخلاص فوقه، وهو الدين الفطري الذي يختم به ~~الشرائع وطرق النبوة كما يختم بصادعه الأنبياء (عليهم السلام)، وهذا الذي ~~ذكرناه مما لا يرتاب فيه المتدبر في كلامه تعالى. # وقد عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبيله الذي سلكه بسبيل التوحيد، ~~وطريقة الإخلاص على ما أمره الله سبحانه حيث قال: "قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين": يوسف - ~~108، فذكر أن سبيله الدعوة إلى الله على بصيرة والإخلاص لله من غير شرك ~~فسبيله دعوة وإخلاص، واتباعه واقتفاء أثره إنما هو في ذلك فهو صفة من اتبعه. PageV03P088 # ثم ذكر الله سبحانه أن الشريعة التي شرعها له (صلى الله عليه وآله وسلم) هي ~~الممثلة لهذا السبيل سبيل الدعوة ms1051 والإخلاص فقال: "ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فاتبعها": الجاثية - 18، وذكر أيضا أنه إسلام لله حيث قال: "فإن ~~حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن": آل عمران - 20، ثم نسبه إلى نفسه ~~وبين أنه صراطه المستقيم فقال: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه": الأنعام - ~~153، فتبين بذلك كله أن الإسلام وهو الشريعة المشرعة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الذي هو مجموع المعارف الأصلية والخلقية والعملية وسيرته في ~~الحيوة هو سبيل الإخلاص عند الله سبحانه الذي يعتمد ويبتني على الحب، فهو ~~دين الإخلاص، وهو دين الحب. # ومن جميع ما تقدم على طوله يظهر معنى الآية التي نحن بصدد تفسيرها، أعني ~~قوله: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فالمراد - والله أعلم - ~~إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالبناء على الحب حقيقة فاتبعوا ~~هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب الذي ممثله الإخلاص والإسلام وهو صراط ~~الله المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى، فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه ~~هذا الشأن أحبكم الله وهو أعظم البشارة للمحب، وعند ذلك تجدون ما تريدون، ~~وهذا هو الذي يبتغيه محب بحبه، هذا هو الذي تقتضيه الآية الكريمة بإطلاقها. # وأما بالنظر إلى وقوعها بعد الآيات الناهية عن اتخاذ الكفار أولياء ~~وارتباطها بما قبلها فهذه الولاية لكونها تستدعي في تحققها تحقق الحب بين ~~الإنسان وبين من يتولى كما تقدم كانت الآية ناظرة إلى دعوتهم إلى اتباع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن كانوا صادقين في دعواهم ولاية الله ~~وأنهم من حزبه فإن ولاية الله لا يتم باتباع الكافرين في أهوائهم ولا ولاية ~~إلا باتباع وابتغاء ما عندهم من مطامع الدنيا من عز ومال بل تحتاج إلى ~~اتباع نبيه في دينه كما قال تعالى: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين": الجاثية - 19، انظر إلى ~~الانتقال من معنى الاتباع إلى معنى الولاية في الآية الثانية. # فمن الواجب ms1052 على من يدعي ولاية الله بحبه أن يتبع الرسول حتى ينتهي ذلك ~~إلى ولاية الله له بحبه. # وإنما ذكر حب الله دون ولايته لأنه الأساس الذي تبتني عليه الولاية، ~~وإنما اقتصر على ذكر حب الله تعالى فحسب لأن ولاية النبي والمؤمنين تئول ~~بالحقيقة إلى ولاية الله. # قوله تعالى: ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم، الرحمة الواسعة الإلهية ~~وما عنده من الفيوضات المعنوية والصورية غير المتناهية غير موقوفة على شخص ~~أو صنف من أشخاص عباده وأصنافهم، ولا استثناء هناك يحكم على إطلاق إفاضته، ~~ولا سبيل يلزمه على الإمساك إلا حرمان من جهة عدم استعداد المستفيض المحروم ~~أو مانع أبداه بسوء اختياره، قال تعالى: "وما كان عطاء ربك محظورا": إسراء - 20. # والذنوب هي المانعة من نيل ما عنده من كرامة القرب والزلفى وجميع الأمور ~~التي هي من توابعها كالجنة وما فيها، وإزالة رينها عن قلب الإنسان ومغفرتها ~~وسترها عليه هي المفتاح الوحيد لانفتاح باب السعادة والدخول في دار ~~الكرامة، ولذلك عقب قوله: يحببكم الله بقوله: ويغفر لكم ذنوبكم، فإن الحب ~~كما تقدم يجذب المحب إلى المحبوب، وكما كان حب العبد لربه يستدعي منه ~~التقرب بالإخلاص له وقصر العبودية فيه كذلك حبه تعالى لعبده يستدعي قربه من ~~العبد، وكشفه حجب البعد وسبحات الغيبة، ولا حجاب إلا الذنب فيستدعي ذلك ~~مغفرة الذنوب، وأما ما بعده من الكرامة والإفاضة فالجود كاف فيه كما تقدم آنفا. # والتأمل في قوله تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين - 15 مع قوله تعالى في هذه الآية: ~~"يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" كاف في تأييد ما ذكرناه. PageV03P089 # قوله تعالى: قل أطيعوا الله والرسول، الخ لما كانت الآية السابقة تدعو إلى ~~اتباع الرسول، والاتباع وهو اقتفاء الأثر لا يتم إلا مع كون المتبع اسم ~~مفعول سالك سبيل، والسبيل الذي يسلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما ~~هو الصراط المستقيم الذي هو لله سبحانه، وهو الشريعة التي شرعها لنبيه ~~وافترض طاعته فيه كرر ms1053 ثانيا في هذه الآية معنى اتباع النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في قالب الإطاعة إشعارا بأن سبيل الإخلاص الذي هو سبيل النبي هو ~~بعينه مجموع أوامر ونواه ودعوة وإرشاد فيكون اتباع الرسول في سلوك سبيله هو ~~إطاعة الله ورسوله في الشريعة المشرعة. # ولعل ذكره تعالى مع الرسول للإشعار بأن الأمر واحد، وذكر الرسول معه ~~سبحانه لأن الكلام في اتباعه. # ومن هنا يظهر عدم استقامة ما ذكره بعضهم في الآية: أن المعنى: أطيعوا ~~الله في كتابه والرسول في سنته. # وذلك أنه مناف لما يلوح من المقام من أن قوله: قل أطيعوا الله والرسول ~~"الخ" كالمبين لقوله: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني"، على أن الآية ~~مشعرة بكون إطاعة الله وإطاعة الرسول واحدة، ولذا لم يكرر الأمر، ولو كان ~~مورد الإطاعة مختلفا في الله ورسوله لكان الأنسب أن يقال: أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول كما في قوله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم": النساء - 59، كما لا يخفى. # واعلم أن الكلام في هذه الآية من حيث إطلاقها ومن حيث انطباقها على ~~المورد نظير الكلام في الآية السابقة. # قوله تعالى: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين، فيه دلالة على كفر ~~المتولي عن هذا الأمر كما يدل على ذلك سائر آيات النهي عن تولي الكفار وفيه ~~أيضا إشعار بكون هذه الآية كالمبينة لسابقتها حيث ختمت بنفي الحب عن ~~الكافرين بأمر الإطاعة، وقد كانت الآية الأولى متضمنة لإثبات الحب للمؤمنين ~~المنقادين لأمر الاتباع فافهم ذلك. # وقد تبين من الكلام في هذه الآيات الكريمة أمور: أحدها: الرخصة في التقية ~~في الجملة. # وثانيها: أن مؤاخذة تولي الكفار والتمرد عن النهي فيه لا يتخلف البتة، ~~وهي من القضاء الحتم. # وثالثها: أن الشريعة الإلهية ممثلة للإخلاص لله والإخلاص له ممثل لحب ~~الله سبحانه، وبعبارة أخرى الدين الذي هو مجموع المعارف الإلهية والأمور ~~الخلقية والأحكام العملية على ما فيها من العرض العريض لا ينتهي بحسب ~~التحليل إلا إلى الإخلاص فقط، وهو وضع الإنسان ذاته وصفات ذاته وهي الأخلاق ms1054 ~~وأعمال ذاته وأفعاله على أساس أنها لله الواحد القهار، والإخلاص المذكور لا ~~يحلل إلا إلى الحب، هذا من جهة التحليل. # ومن جهة التركيب ينتهي الحب إلى الإخلاص، والإخلاص إلى مجموع الشريعة، ~~كما أن الدين بنظر آخر ينحل إلى التسليم والتسليم إلى التوحيد. # ورابعها: أن تولي الكافرين كفر والمراد به الكفر في الفروع دون الأصول ~~ككفر مانع الزكوة وتارك الصلوة ويمكن أن يكون كفر المتولي بعناية ما ينجر ~~إليه أمر التولي على ما مر بيانه، وسيأتي في سورة المائدة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ~~الآية، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان ~~الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وقد بطنوا ~~بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير ~~وسعد بن خثيمة لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم ~~لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر فأنزل الله: لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين إلى قوله: والله على كل شيء قدير. # أقول: الرواية لا تلائم ظاهر الآية لما تقدم أن الكافرين في القرآن غير ~~معلوم الإطلاق على أهل الكتاب، فأولى بالقصة أن تكون سببا لنزول الآيات ~~الناهية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء دون هذه الآيات. PageV03P090 # وفي الصافي،: في قوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقية الآية، عن كتاب ~~الاحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: وأمرك أن تستعمل التقية ~~في دينك فإن الله يقول: وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك، وأن تترك التقية ~~التي أمرتك بها فإنك شائط بدمك ودماء إخوانك، معرض لزوال نعمك ونعمهم، ~~مذلهم في أيدي أعداء دين الله وقد أمرك الله بإعزازهم وفي تفسير العياشي، ~~عن الصادق (عليه السلام) قال: كان رسول الله يقول: لا دين لمن لا تقية له، ~~ويقول: قال الله: إلا أن تتقوا منهم تقية. # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام): التقية في كل شيء يضطر إليه ms1055 ابن ~~آدم وقد أحل الله له. # أقول: والأخبار في مشروعية التقية من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا ربما ~~بلغت حد التواتر، وقد عرفت دلالة الآية عليها دلالة غير قابلة للدفع. # وفي معاني الأخبار، عن سعيد بن يسار قال: قال لي أبو عبد الله: هل الدين ~~إلا الحب؟ إن الله عز وجل يقول: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله. أقول: ورواه في الكافي، عن الباقر (عليه السلام) وكذا القمي والعياشي ~~في تفسيريهما، عن الحذاء عنه (عليه السلام): وكذا العياشي في تفسيره، عن ~~بريد عنه (عليه السلام)، وعن ربعي عن الصادق (عليه السلام)، والرواية تؤيد ~~ما أوضحناه في البيان المتقدم. # وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام) قال: ما أحب الله من عصاه ثم تمثل ~~بقوله: تعصي الإله وأنت تظهر حبه. هذا لعمري في الفعال بديع. لو كان حبك ~~صادقا لأطعته. إن المحب لمن يحب مطيع وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) ~~في حديث قال: ومن سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ~~ألم يسمع قول الله عز وجل لنبيه: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله - ويغفر لكم ذنوبكم الحديث. # أقول: وسيأتي بيان كون اتباعهم اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الكلام على قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم" الآية: النساء - 59. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): من رغب عن سنتي فليس مني ثم تلا هذه الآية: قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله إلى آخر الآية. # وفيه، أيضا أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن عائشة ~~قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الشرك أخفى من دبيب الذر ~~على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من الجور، ويبغض على ~~شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض في الله؟ قال الله تعالى: قل إن ms1056 ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". # وفيه، أيضا أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن ~~أبي رافع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا ألقين أحدكم متكئا ~~على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما ~~وجدنا في كتاب الله اتبعناه. PageV03P091 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 33 - 34 # إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبرهيم وءال عمرن على العلمين (33) ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم (34) ### |||| AUTO بيان # افتتاح لقصص عيسى بن مريم وما يلحق بها وذكر حق القول فيها، والاحتجاج ~~على أهل الكتاب فيها، وبالآيتين يرتبط ما بعدهما بما قبلهما من الآيات ~~المتعرضة لحال أهل الكتاب. # قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا إلى آخر الآية الاصطفاء كما مر ~~بيانه في قوله تعالى: "لقد اصطفيناه في الدنيا": البقرة - 130، أخذ صفوة ~~الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار، وينطبق من مقامات ~~الولاية على مقام الإسلام، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه ~~فيما يرتضيه له. # لكن ذلك غير الاصطفاء على العالمين، ولو كان المراد بالاصطفاء هنا ذاك ~~الاصطفاء لكان الأنسب أن يقال: من العالمين، وأفاد اختصاص الإسلام بهم ~~واختل معنى الكلام، فالاصطفاء على العالمين، نوع اختيار وتقديم لهم عليهم ~~في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم. # ومن الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى: "وإذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين: آل ~~عمران - 42، حيث فرق بين الاصطفاءين فالاصطفاء غير الاصطفاء. # وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحا، فأما آدم فقد اصطفى على ~~العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض، قال ~~تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة": البقرة - 30، وأول ~~من فتح به باب التوبة. # قال تعالى: "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى": طه - 122، وأول من شرع له ~~الدين، قال تعالى: "فإما يأتينكم مني ms1057 هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~الآيات": طه - 123، فهذه أمور لا يشاركه فيها غيره، ويا لها من منقبة له ~~(عليه السلام). # وأما نوح فهو أول الخمسة أولي العزم صاحب الكتاب والشريعة كما مر بيانه ~~في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة - ~~213، وهو الأب الثاني لهذا النوع، وقد سلم الله تعالى عليه في العالمين، ~~قال تعالى: "وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح ~~في العالمين": الصافات - 79. # ثم ذكر سبحانه آل إبراهيم وآل عمران من هؤلاء المصطفين، والآل خاصة ~~الشيء، قال الراغب في المفردات: الآل قيل مقلوب عن الأهل، ويصغر على أهيل ~~إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة ~~والأمكنة، يقال آل فلان ولا يقال: آل رجل وآل زمان كذا، أو موضع كذا، ولا ~~يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف الأفضل، يقال آل الله وآل السلطان، ~~والأهل يضاف إلى الكل، يقال: أهل الله وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا ~~وبلد كذا، وقيل هو في الأصل اسم الشخص ويصغر أويلا، ويستعمل فيمن يختص ~~بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة قريبة أو بموالاة انتهى موضع الحاجة، ~~فالمراد بآل إبراهيم وآل عمران خاصتهما من أهلهما والملحقين بهما على ما عرفت. # فأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل ~~والأنبياء من بني إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته، وسيدهم محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، والملحقون بهم في مقامات الولاية إلا أن ذكر آل ~~عمران مع آل إبراهيم يدل على أنه لم يستعمل على تلك السعة فإن عمران هذا ~~إما هو أبو مريم أو أبو موسى (عليه السلام)، وعلى أي تقدير هو من ذرية ~~إبراهيم وكذا آله وقد أخرجوا من آل إبراهيم فالمراد بآل إبراهيم بعض ذريته ~~الطاهرين لا جميعهم. # وقد قال الله تعالى فيما قال: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما": النساء - ~~54، والآية في مقام ms1058 الإنكار على بني إسرائيل وذمهم كما يتضح بالرجوع إلى ~~سياقها وما يحتف بها من الآيات، ومن ذلك يظهر أن المراد من آل إبراهيم فيها ~~غير بني إسرائيل أعني غير إسحاق ويعقوب وذرية يعقوب وهم أي ذرية يعقوب بنو ~~إسرائيل فلم يبق لآل إبراهيم إلا الطاهرون من ذريته من طريق إسماعيل، وفيهم ~~النبي وآله. PageV03P092 # على أنا سنبين إن شاء الله أن المراد بالناس في الآية هو رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وأنه داخل في آل إبراهيم بدلالة الآية. # على أنه يشعر به قوله تعالى في ذيل هذه الآيات: "إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا" الآية: آل عمران - 68، وقوله تعالى: ~~"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا إلى ~~أن قال: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم الآيات": البقرة - 129. # فالمراد بآل إبراهيم الطاهرون من ذريته من طريق إسماعيل، والآية ليست في ~~مقام الحصر فلا تنافي بين عدم تعرضها لاصطفاء نفس إبراهيم واصطفاء موسى ~~وسائر الأنبياء الطاهرين من ذريته من طريق إسحاق وبين ما تثبتها آيات كثيرة ~~من مناقبهم وسمو شأنهم وعلو مقامهم، وهي آيات متكثرة جدا لا حاجة إلى ~~إيرادها، فإن إثبات الشيء لا يستلزم نفي ما عداه. # وكذا لا ينافي مثل ما ورد في بني إسرائيل من قوله تعالى: "ولقد آتينا بني ~~إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~العالمين": الجاثية - 16، كل ذلك ظاهر. # ولا أن تفضيلهم على العالمين ينافي تفضيل غيرهم على العالمين، ولا تفضيل ~~غيرهم عليهم فإن تفضيل قوم واحد أو أقوام مختلفين على غيرهم إنما يستلزم ~~تقدمهم في فضيلة دنيوية أو أخروية على من دونهم من الناس، ولو نافى تفضيلهم ~~على الناس تفضيل غيرهم أو نافى تفضيل هؤلاء المذكورين في الآية أعني آدم ~~ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين تفضيل غيرهم على العالمين لاستلزم ~~ذلك التنافي ms1059 بين هؤلاء المذكورين في الآية أنفسهم، وهو ظاهر. # ولا أن تفضيل هؤلاء على غيرهم ينافي وقوع التفاضل فيما بينهم أنفسهم فقد ~~فضل الله النبيين على سائر العالمين وفضل بعضهم على بعض، قال تعالى: "وكلا ~~فضلنا على العالمين": الأنعام - 86، وقال أيضا: "ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض": إسراء - 55. # وأما آل عمران فالظاهر أن المراد بعمران أبو مريم كما يشعر به تعقيب ~~هاتين الآيتين بالآيات التي تذكر قصة امرأة عمران ومريم ابنة عمران، وقد ~~تكرر ذكر عمران أبي مريم باسمه في القرآن الكريم، ولم يرد ذكر عمران أبي ~~موسى حتى في موضع واحد يتعين فيه كونه هو المراد بعينه، وهذا يؤيد كون ~~المراد بعمران في الآية أبا مريم (عليها السلام) وعلى هذا فالمراد بآل ~~عمران هو مريم وعيسى (عليهما السلام) أو هما وزوجة عمران. # وأما ما يذكر أن النصارى غير معترفين بكون اسم أبي مريم عمران فالقرآن ~~غير تابع لهواهم. # قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض، الذرية - في الأصل صغار الأولاد على ما ~~ذكروا ثم استعملت في مطلق الأولاد وهو المعنى المراد في الآية، وهي منصوبة ~~عطف بيان. # وفي قوله: بعضها من بعض دلالة على أن كل بعض فرض منها يبتدىء وينتهي من ~~البعض الآخر وإليه. # ولازمه كون المجموع متشابه الأجزاء لا يفترق البعض من البعض في أوصافه ~~وحالاته، وإذا كان الكلام في اصطفائهم أفاد ذلك أنهم ذرية لا يفترقون في ~~صفات الفضيلة التي اصطفاهم الله لأجلها على العالمين إذ لا جزاف ولا لعب في ~~الأفعال الإلهية، ومنها الاصطفاء الذي هو منشأ خيرات هامة في العالم. # قوله تعالى: والله سميع عليم، أي سميع بأقوالهم الدالة على باطن ضمائرهم، ~~عليم بباطن ضمائرهم وما في قلوبهم فالجملة بمنزلة التعليل لاصطفائهم، كما ~~أن قوله: ذرية بعضها من بعض، بمنزلة التعليل لشمول موهبة الاصطفاء لهؤلاء ~~الجماعة، فالمحصل من الكلام: أن الله اصطفى هؤلاء على العالمين، وإنما سرى ~~الاصطفاء إلى جميعهم لأنهم ذرية متشابهة الأفراد، بعضهم يرجع إلى البعض في ~~تسليم القلوب وثبات القول بالحق، وإنما أنعم ms1060 عليهم بالاصطفاء على العالمين ~~لأنه سميع عليم يسمع أقوالهم ويعلم ما في قلوبهم. PageV03P093 ### |||| AUTO بحث روائي # في العيون، في حديث الرضا مع المأمون: فقال المأمون هل فضل الله العترة ~~على سائر الناس؟ فقال أبو الحسن: إن الله أبان فضل العترة على سائر الناس ~~في محكم كتابه، فقال المأمون: أين ذلك في كتاب الله؟ فقال له الرضا (عليه ~~السلام) في قوله: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم - وآل عمران على ~~العالمين ذرية بعضها من بعض الحديث. # وفي تفسير العياشي، عن أحمد بن محمد عن الرضا عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~من زعم أنه فرغ من الأمر فقد كذب لأن المشية لله في خلقه، يريد ما يشاء ~~ويفعل ما يريد، قال الله: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، آخرها من ~~أولها وأولها من آخرها فإذا أخبرتم بشيء منها بعينه أنه كائن وكان في غيره ~~منه فقد وقع الخبر على ما أخبرتم عنه. # أقول: وفيه دلالة على ما تقدم في البيان السابق من معنى قوله: ذرية بعضها ~~من بعض الآية. # وفيه، أيضا عن الباقر (عليه السلام): أنه تلا هذه الآية فقال: نحن منهم ~~ونحن بقية تلك العترة. # أقول: قوله (عليه السلام): ونحن بقية تلك العترة، العترة بحسب الأصل في ~~معناها الأصل الذي يعتمد عليه الشيء، ومنه العترة للأولاد والأقارب الأدنين ~~ممن مضى، وبعبارة أخرى العمود المحفوظ في العشيرة، ومنه يظهر أنه (عليه ~~السلام) استفاد من قوله تعالى ذرية بعضها من بعض، أنها عترة محفوظة آخذة من ~~آدم إلى نوح إلى آل إبراهيم وآل عمران، ومن هنا يظهر النكتة في ذكر آدم ~~ونوح مع آل إبراهيم وعمران فهي إشارة إلى اتصال السلسلة في الاصطفاء. PageV03P094 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 35 - 41 # إذ قالت امرأت عمرن رب إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا فتقبل منى إنك أنت ~~السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما ~~وضعت وليس الذكر كالأنثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطن ms1061 الرجيم (36) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها ~~زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا ~~قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) هنالك دعا زكريا ~~ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) فنادته الملئكة ~~وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصلحين (39) قال رب أنى يكون لى غلم وقد بلغنى الكبر ~~وامرأتى عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40) قال رب اجعل لى ءاية قال ~~ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى ~~والابكر (41) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم، النذر إيجاب الإنسان على نفسه ما ليس بواجب. # والتحرير هو الإطلاق عن وثاق، ومنه تحرير العبد عن الرقية، وتحرير الكتاب ~~كأنه إطلاق للمعاني عن محفظة الذهن والفكر. # والتقبل هو القبول عن رغبة ورضى كتقبل الهدية وتقبل الدعاء ونحو ذلك. # وفي قوله: قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني، دلالة على أنها ~~إنما قالت هذا القول حينما كانت حاملا، وأن حملها كان من عمران، ولا يخلو ~~الكلام من إشعار بأن زوجها عمران لم يكن حيا عندئذ وإلا لم يكن لها أن ~~تستقل بتحرير ما في بطنها هذا الاستقلال كما يدل عليه أيضا ما سيأتي من ~~قوله تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم" الآية: آل ~~عمران - 44، على ما سيجيء من البيان. # ومن المعلوم أن تحرير الأب أو الأم للولد ليس تحريرا عن الرقية وإنما هو ~~تحرير عن قيد الولاية التي للوالدين على الولد من حيث تربيته واستعماله في ~~مقاصدهما وافتراض طاعتهما فبالتحرير يخرج من تسلط أبويه عليه في استخدامه، ~~وإذا كان التحرير منذورا لله سبحانه يدخل في ولاية الله يعبده ويخدمه، أي ~~يخدم في البيع والكنائس ms1062 والأماكن المختصة بعبادته تعالى في زمان كان فيه ~~تحت ولاية الأبوين لو لا التحرير، وقد قيل: إنهم كانوا يحررون الولد لله ~~فكان الأبوان لا يستعملانه في منافعهما: ولا يصرفانه في حوائجهما بل كان ~~يجعل في الكنيسة يكنسها ويخدمها لا يبرح حتى يبلغ الحلم ثم يخير بين ~~الإقامة والرواح فإن أحب أن يقيم أقام، وإن أحب الرواح ذهب لشأنه. # وفي الكلام دلالة على أنها كانت تعتقد أن ما في بطنها ذكر لا إناث حيث ~~إنها تناجي ربها عن جزم وقطع من غير اشتراط وتعليق حيث تقول: نذرت لك ما في ~~بطني محررا من غير أن تقول مثلا إن كان ذكرا ونحو ذلك. # وليس تذكير قوله: محررا، من جهة كونه حالا عن ما الموصولة التي يستوي فيه ~~المذكر والمؤنث إذ لو كانت نذرت تحرير ما في بطنها سواء كان ذكرا أو أنثى ~~لم يكن وجه لما قالتها تحزنا وتحسرا لما وضعتها رب إني وضعتها أنثى، ولا ~~وجه ظاهر لقوله تعالى: والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى، على ما ~~سيجيء بيانه. PageV03P095 # وفي حكايته تعالى لما قالتها عن جزم دلالة على أن اعتقادها ذلك لم يكن عن ~~جزاف أو اعتمادا على بعض القرائن الحدسية التي تسبق إلى أذهان النسوان ~~بتجارب ونحوه فكل ذلك ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، وكلامه تعالى لا ~~يشتمل على باطل إلا مع إبطاله، وقد قال تعالى: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى ~~وما تغيض الأرحام وما تزداد": الرعد - 8، وقال تعالى: "عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام": لقمان - 34، فجعل العلم بما في الأرحام ~~من الغيب المختص به تعالى، وقال تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى": الجن - 27، فجعل علم غيره بالغيب منتهيا إلى الوحي فحكايته ~~عنها الجزم في القول فيما يختص علمه بالله سبحانه يدل على أن علمها بذكورة ~~ما في بطنها كان ينتهي بوجه إلى الوحي، ولذلك لما تبينت أن الولد أنثى لم ~~تيأس عن ولد ذكر فقالت ثانيا عن ms1063 جزم وقطع: وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم الآية فأثبتت لها ذرية ولا سبيل إلى العلم به ظاهرا. # ومفعول قولها: فتقبل مني، وإن كان محذوفا محتملا لأن يكون هو. # نذرها من حيث إنه عمل صالح أو يكون هو ولدها المحرر لكن قوله تعالى: ~~فتقبلها ربها بقبول حسن، لا يخلو عن إشعار أو دلالة على كون مرادها هو قبول ~~الولد المحرر. # قوله تعالى: فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى، في وضع الضمير المؤنث ~~موضع ما في بطنها إيجاز لطيف، والمعنى فلما وضعت ما في بطنها وتبينت أنه ~~أنثى قالت: رب إني وضعتها أنثى، وهو خبر أريد به التحسر والتحزن دون ~~الإخبار وهو ظاهر. # قوله تعالى: والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى، جملتان معترضتان ~~وهما جميعا مقولتان له تعالى لا لامرأة عمران، ولا أن الثانية مقولة لها ~~والأولى مقولة لله. # أما الأولى فهي ظاهرة لكن لما كانت قولها رب إني وضعتها أنثى، مسوقا ~~لإظهار التحسر كان ظاهر قوله: والله أعلم بما وضعت، أنه مسوق لبيان أنا ~~نعلم أنها أنثى لكنا أردنا بذلك إنجاز ما كانت تتمناه بأحسن وجه وأرضى ~~طريق، ولو كانت تعلم ما أردناه من جعل ما في بطنها أنثى لم تتحسر ولم تحزن ~~ذاك التحسر والتحزن والحال أن الذكر الذي كانت ترجوه لم يكن ممكنا أن يصير ~~مثل هذا الأنثى التي وهبناها لها، ويترتب عليه ما يترتب على خلق هذه الأنثى ~~فإن غاية أمره أن يصير مثل عيسى نبيا مبرئا للأكمه والأبرص ومحييا للموتى ~~لكن هذه الأنثى ستتم به كلمة الله وتلد ولدا بغير أب، وتجعل هي وابنها آية ~~للعالمين، ويكلم الناس في المهد، ويكون روحا وكلمة من الله، مثله عند الله ~~كمثل آدم إلى غير ذلك من الآيات الباهرات في خلق هذه الأنثى الطاهرة ~~المباركة وخلق ابنها عيسى (عليه السلام). # ومن هنا يظهر: أن قوله: وليس الذكر كالأنثى، مقول له تعالى لا لامرأة ~~عمران، ولو كان مقولا لها لكان حق الكلام أن يقال: وليس الأنثى كالذكر ms1064 لا ~~بالعكس وهو ظاهر فإن من كان يرجو شيئا شريفا أو مقاما عاليا ثم رزق ما هو ~~أخس منه وأردأ إنما يقول عند التحسر: ليس هذا الذي وجدته هو الذي كنت أطلبه ~~وأبتغيه، أو ليس ما رزقته كالذي كنت أرجوه، ولا يقول: ليس ما كنت أرجوه ~~كهذا الذي رزقته البتة، وظهر من ذلك أن اللام في الذكر والأنثى معا أو في ~~الأنثى فقط للعهد. # وقد أخذ أكثر المفسرين قوله: وليس الذكر كالأنثى، تتمة قول امرأة عمران، ~~وتكلفوا في توجيه تقديم الذكر على الأنثى بما لا يرجع إلى محصل، من أراده ~~فليرجع إلى كتبهم. # قوله تعالى: وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ~~معنى مريم في لغتهم العابدة والخادمة على ما قيل، ومنه يعلم وجه مبادرتها ~~إلى تسمية المولودة عند الوضع، ووجه ذكره تعالى لتسميتها بذلك فإنها لما ~~أيست من كون الولد ذكرا محررا للعبادة وخدمة الكنيسة بادرت إلى هذه التسمية ~~وأعدتها بالتسمية للعبادة والخدمة. # فقولها: وإني سميتها مريم بمنزلة أن تقول: إني جعلت ما وضعتها محررة لك، ~~والدليل على كون هذا القول منها في معنى النذر قوله تعالى: فتقبلها ربها ~~بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا الآية. # ثم أعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم ليستقيم لها العبادة والخدمة ~~ويطابق اسمها المسمى. PageV03P096 # والكلام في قولها: وذريتها، من حيث إنه قول مطلق من شرط وقيد لا يصح انتفوه ~~به في حضرة التخاطب ممن لا علم له به مع أن مستقبل حال الإنسان من الغيب ~~الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه، نظير الكلام في قولها رب إني نذرت لك ما في ~~بطني محررا، على ما تقدم بيانه فليس إلا أنها كانت تعلم أن سترزق من عمران ~~ولدا ذكرا صالحا ثم لما حملت وتوفي عمران لم تشك أن ما في بطنها هو ذلك ~~الولد الموعود، ثم لما وضعتها وبان لها خطأ حدسها أيقنت أنها سترزق ذلك ~~الولد من نسل هذه البنت المولودة فحولت نذرها من الابن إلى البنت، وسمتها ~~مريم العابدة، الخادمة ms1065 وأعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم هذا ما ~~يعطيه التدبر في كلامه تعالى. # قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا، القبول إذا قيد ~~بالحسن كان بحسب المعنى هو التقبل الذي معناه القبول عن الرضا، فالكلام في ~~معنى قولنا: فتقبلها ربها تقبلا فإنما حلل التقبل إلى القبول الحسن ليدل ~~على أن حسن القبول مقصود في الكلام، ولما في التصريح بحسن القبول من ~~التشريف البارز. # وحيث قوبل بهاتين الجملتين أعني قوله: فتقبلها إلى قوله: حسنا، الجملتان ~~في قولها: وإني سميتها إلى قولها: الرجيم كان مقتضى الانطباق أن يكون قوله: ~~فتقبلها ربها بقبول حسن، قبولا لقولها وإني سميتها مريم، وقوله: وأنبتها ~~نباتا حسنا، قبولا وإجابة لقولها: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم، فالمراد بتقبلها بقبول حسن ليس هو القبول بمعنى قبول تقرب امرأة ~~عمران بالنذر، وإعطاء الثواب الأخروي لعملها فإن القبول إنما نسب إلى مريم ~~لا إلى النذر وهو ظاهر بل قبول البنت بما أنها مسماة بمريم ومحررة فيعود ~~معناه إلى اصطفائها وقد مر أن معنى الاصطفاء هو التسليم التام لله سبحانه ~~فافهم ذلك. # والمراد بإنباتها نباتا حسنا إعطاء الرشد والزكاة لها ولذريتها، وإفاضة ~~الحيوة لها ولمن ينمو منها من الذرية حيوة لا يمسها نفث الشيطان ورجس ~~تسويله ووسوسته، وهو الطهارة. # وهذان أعني القبول الحسن الراجع إلى الاصطفاء، والنبات الحسن الراجع إلى ~~التطهير هما اللذان يشير إليهما قوله تعالى في ذيل هذه الآية: وإذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك الآية وسنوضحه بيانا إن شاء الله ~~العزيز. # فقد تبين أن اصطفاء مريم وتطهيرها إنما هما استجابة لدعوة أمها كما أن ~~اصطفاءها على نساء العالمين في ولادة عيسى، وكونها وابنها آية للعالمين ~~تصديق لقوله تعالى: وليس الذكر كالأنثى. # قوله تعالى: وكفلها زكريا، وإنما كفلها بإصابة القرعة حيث اختصموا في ~~تكفلها ثم تراضوا بينهم بالقرعة فأصابت القرعة زكريا كما يدل عليه قوله ~~تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون، الآية. # قوله تعالى: ms1066 كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا "الخ" المحراب ~~المكان المخصوص بالعبادة من المسجد والبيت، قال الراغب: ومحراب المسجد، ~~قيل: سمي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان والهوى، وقيل: سمي بذلك لكون حق ~~الإنسان فيه أن يكون حريبا أي سليبا من أشغال الدنيا ومن توزع الخاطر، وقيل ~~الأصل فيه أن محراب البيت صدر المجلس ثم اتخذت المساجد فسمي صدره به وقيل: ~~بل المحراب أصله في المسجد وهو اسم خص به صدر المجلس فسمي صدر البيت محرابا ~~تشبيها بمحراب المسجد، وكان هذا أصح، قال عز وجل: يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل، انتهى. # وذكر بعضهم أن المحراب هنا هو ما يعبر عنه أهل الكتاب بالمذبح، وهو ~~مقصورة في مقدم المعبد، لها باب يصعد إليه بسلم ذي درجات قليلة، ويكون من ~~فيه محجوبا عمن في المعبد. # أقول: وإليه ينتهي اتخاذ المقصورة في الإسلام. # وفي تنكير قوله: رزقا، إشعار بكونه رزقا غير معهود كما قيل: إنه كان يجد ~~عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويؤيده أنه لو كان ~~من الرزق المعهود، وكان تنكيره يفيد أنه ما كان يجد محرابها خاليا من الرزق ~~بل كان عندها رزق ما دائما لم يقنع زكريا بقولها: هو من عند الله إن الله ~~يرزق "الخ" في جواب قوله: يا مريم أنى لك هذا، لإمكان أن يكون يأتيها بعض ~~الناس ممن كان يختلف إلى المسجد لغرض حسن أو سيىء. PageV03P097 # على أن قوله تعالى: هنالك دعا زكريا ربه "الخ"، يدل على أن زكريا تلقى وجود ~~هذا الرزق عندها كرامة إلهية خارقة فأوجب ذلك أن يسأل الله أن يهب له من ~~لدنه ذرية طيبة، فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده على كونه كرامة من الله ~~سبحانه لمريم الطاهرة، ومما يشعر بذلك قوله تعالى: قال يا مريم "الخ" على ~~ما سيجيء من البيان. # وقوله: قال يا مريم أنى لك "الخ" فصل الكلام من غير أن يعطف على قوله: ~~وجد عندها رزقا، يدل على أنه (عليه السلام) إنما قال ms1067 لها ذلك مرة واحدة ~~فأجابت بما قنع به واستيقن أن ذلك كرامة لها وهنالك دعا وسأل ربه ذرية طيبة. # قوله تعالى: هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة "الخ"، ~~طيب الشيء ملاءمته لصاحبه فيما يريده لأجله فالبلد الطيب ما يلائم حيوة ~~أهله من حيث الماء والهواء والرزق ونحو ذلك، قال تعالى: "والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه": الأعراف - 58، والعيشة الطيبة والحيوة الطيبة ما يلائم ~~بعض أجزائها بعضا ويسكن إليها قلب صاحبها ومنه الطيب للعطر الزكي فالذرية ~~الطيبة هو الولد الصالح لأبيه مثلا الذي يلائم من حيث صفاته وأفعاله ما عند ~~أبيه من الرجاء والأمنية فقول زكريا (عليه السلام): رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة، لما كان الباعث له عليه ما شاهد من أمر مريم وخصوص كرامتها على الله ~~وامتلاء قلبه من شأنها لم يملك من نفسه دون أن يسأل الله أن يهب له مثلها ~~خطرا وكرامة، فكون ذريته طيبة أن يكون لها ما لمريم من الكرامة عند الله ~~والشخصية في نفسها، ولذلك استجيب في عين ما سأله من الله، ووهب له يحيى وهو ~~أشبه الأنبياء بعيسى (عليه السلام)، وأجمع الناس لما عند عيسى وأمه مريم ~~الصديقة من صفات الكمال والكرامة، ومن هنا ما سماه تعالى بيحيى وجعله مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين، وهذه أقرب ما يمكن أن يشابه ~~بها إنسان مريم وابنها عيسى (عليه السلام) على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك ~~بيحيى إلى آخر الآية، ضمائر الغيبة والخطاب لزكريا، والبشرى والإبشار ~~والتبشير الإخبار بما يفرح الإنسان بوجوده. # وقوله: إن الله يبشرك بيحيى، دليل على أن تسميته بيحيى إنما هو من جانب ~~الله سبحانه كما تدل عليه نظائر هذه الآيات في سورة مريم، قال تعالى: "يا ~~زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا": مريم - 7. # وتسميته بيحيى وكون التسمية من عند الله سبحانه في ms1068 بدء ما بشر به زكريا ~~قبل تولد يحيى وخلقه يؤيد ما ذكرناه آنفا: أن الذي طلبه زكريا من ربه أن ~~يرزقه ولدا يكون شأنه شأن مريم، وقد كانت مريم هي وابنها عيسى (عليه ~~السلام) آية واحدة كما قال تعالى: "وجعلناها وابنها آية للعالمين": ~~الأنبياء - 91. # فروعي في يحيى ما روعي فيهما من عند الله سبحانه، وقد روعي في عيسى كمال ~~ما روعي في مريم، فالمرعي في يحيى هو الشبه التام والمحاذاة الكاملة مع ~~عيسى (عليه السلام) فيما يمكن ذلك، ولعيسى في ذلك كله التقدم التام لأن ~~وجوده كان مقدرا قبل استجابة دعوة زكريا في حق يحيى، ولذلك سبقه عيسى في ~~كونه من أولي العزم صاحب شريعة وكتاب وغير ذلك لكنهما تشابها وتشابه أمرهما ~~فيما يمكن. PageV03P098 # وإن شئت تصديق ما ذكرناه فتدبر فيما ذكر الله تعالى من قصتهما في سورة مريم ~~فقال في يحيى: "يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ~~إلى أن قال: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا ~~وزكوة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث حيا": مريم - 15، وقال في عيسى (عليه السلام): "فأرسلنا ~~إليها روحنا إلى أن قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا - إلى أن ~~قال -: قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا - إلى أن قال -: ~~فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة ما ~~دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا": مريم - 33، ويقرب منها من حيث الدلالة على تقارب ~~أمرهما آيات هذه السورة التي نحن فيها عند التطبيق. # وبالجملة فقد سماه الله سبحانه يحيى وسمى ابن مريم عيسى وهو بمعنى "يعيش" ~~على ما قيل وجعله مصدقا بكلمة منه وهو عيسى كما قال تعالى: "بكلمة منه ms1069 اسمه ~~المسيح عيسى" وآتاه الحكم وعلمه الكتاب صبيا كما فعل بعيسى، وعده حنانا من ~~لدنه وزكاة وبرا بوالديه غير جبار كما كان عيسى كذلك، وسلم عليه في المواطن ~~الثلاث كعيسى وعده سيدا كما جعل عيسى وجيها عنده، وجعله حصورا ونبيا ومن ~~الصالحين مثل عيسى، كل ذلك استجابة لمسألة زكريا ودعوته حيث سأل ذرية طيبة ~~ووليا رضيا عند ما امتلأ قلبه بما شاهد من أمر مريم وعجيب شأنها وكرامتها ~~على الله كما مر بيانه. # وفي قوله: مصدقا بكلمة من الله دلالة على كونه من دعاة عيسى فالكلمة هو ~~عيسى المسيح كما ذكره تعالى في ذيل هذه الآيات في بشارة الروح لمريم. # والسيد هو الذي يتولى أمر سواد الناس وجماعتهم في أمر حيوتهم ومعاشهم أو ~~فضيلة من الفضائل المحمودة عندهم ثم غلب استعماله في شريف القوم لما أن ~~التولي المذكور يستلزم شرفا بالحكم أو المال أو فضيلة أخرى. # والحصور هو الذي لا يأتي النساء والمراد بذلك في الآية بقرينة السياق ~~الممتنع عن ذلك للإعراض عن مشتهيات النفس زهدا. # قوله تعالى: قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ~~استفهام تعجيب واستعلام لحقيقة الحال لا استبعاد واستعظام مع تصريح البشارة ~~بذلك وأن الله سبحانه سيرزقه ما سأله من الولد مع أنه ذكر هذين الوصفين ~~اللذين جعلهما منشأ للتعجب والاستعلام في ضمن مسألته على ما في سورة مريم ~~حيث قال: "رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ~~وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا": مريم - 5. # لكن المقام يمثل معنى آخر فكأنه (عليه السلام) لما انقلب حالا من مشاهدة ~~أمر مريم وتذكر انقطاع عقبه لم يشعر إلا وقد سأل ربه ما سأل وقد ذكر في ~~دعائه ما له سهم وافر في تأثره وتحزنه وهو بلوغ الكبر، وكون امرأته عاقرا، ~~فلما استجيبت دعوته وبشر بالولد كأنه صحا وأفاق مما كان عليه من الحال، ~~وأخذ يتعجب من ذلك وهو بالغ الكبر وامرأته ms1070 عاقر، فصار ما كان يثير على وجهه ~~غبار اليأس وسيماء الحزن يغيره إلى نظرة التعجب المشوب بالسرور. # على أن ذكر نواقص الأمر بعد البشارة بقضاء أصل الحاجة واستعلام كيفية رفع ~~واحد واحد منها إنما هو طلب تفهم خصوصيات الإفاضة والإنعام التذاذا بالنعمة ~~الفائضة بعد النعمة نظير ما وقع في بشرى إبراهيم بالذرية قال تعالى: ونبئهم ~~عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا ~~توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتمون على أن مسني الكبر فبم تبشرون ~~قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون": الحجر - 56، فذكر في جواب نهي الملائكة إياه عن القنوط أن ~~استفهامه لم يكن عن قنوط كيف وهو غير ضال والقنوط ضلالة، بل السيد إذا أقبل ~~على عبده إقبالا يؤذن بالقرب والأنس والكرامة أوجب ذلك انبساطا من العبد ~~وابتهاجا يستدعي تلذذه من كل حديث وتمتعه في كل باب. PageV03P099 # وفي قوله: وقد بلغني الكبر من مراعاة الأدب ما لا يخفى فإنه كناية عن أنه ~~لا يجد من نفسه شهوة النكاح لبلوغ الشيخوخة والهرم. # وقد اجتمعت في امرأته الكبر والعقر معا فإن ذلك ظاهر قوله: وكانت امرأتي ~~عاقرا، ولم يقل: وامرأتي عاقر. # قوله تعالى: قال كذلك الله يفعل ما يشاء، فاعل قال وإن كان هو الله ~~سبحانه سواء كان من غير وساطة الملائكة وحيا أو بواسطة الملائكة الذين ~~كانوا ينادونه فالقول على أي حال قوله تعالى لكن الظاهر أنه منسوب إليه ~~تعالى بواسطة الملك فالقائل هو الملك وقد نسب إليه تعالى لأنه بأمره، ~~والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة مريم في القصة: "قال كذلك قال ربك هو ~~علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا": مريم - 9. # ومنه يظهر أولا: أنه سمع الصوت من حيث كان يسمعه أولا. # وثانيا: أن قوله: كذلك، خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك أي الذي ~~بشرت به من الموهبة هو كذلك كائن لا محالة، وفيه إشارة إلى كونه من القضاء ms1071 ~~المحتوم الذي لا ريب في وقوعه نظير ما ذكره الروح في جواب مريم على ما حكاه ~~الله تعالى: "قال كذلك قال ربك هو علي هين إلى أن قال -: وكان أمرا مقضيا": ~~مريم - 21، وثالثا: أن قوله: الله يفعل ما يشاء كلام مفصول في مقام التعليل ~~لمضمون قوله: كذلك اه. # قوله تعالى: قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا إلى آخر الآية، قال في المجمع، الرمز الإيماء بالشفتين، وقد ~~يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد، والأول أغلب، انتهى، والعشي الطرف ~~المؤخر من النهار، وكأنه مأخوذ من العشوة وهي الظلمة الطارئة في العين ~~المانعة عن الإبصار فأخذوا ذلك وصفا للوقت لرواحه إلى الظلمة، والإبكار صدر ~~النهار والطرف المقدم منه، والأصل في معناه الاستعجال. # ووقوع هذه الآية في ولادة يحيى من وجوه المضاهاة بينه وبين عيسى فإنها ~~تضاهي قول عيسى لمريم بعد تولده: "فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا": مريم - 26. # وسؤاله (عليه السلام) من ربه أن يجعل له آية والآية هي العلامة الدالة ~~على الشيء - هل هو ليستدل به على أن البشارة إنما هي من قبل ربه، وبعبارة ~~أخرى هو خطاب رحماني ملكي لا شيطاني؟ أو لأنه أراد أن يستدل بها على حمل ~~امرأته، ويعلم وقت الحمل، خلاف بين المفسرين. # والوجه الثاني لا يخلو عن بعد من سياق الآيات وجريان القصة لكن الذي أوجب ~~تحاشي القوم عن الذهاب إلى أول الوجهين أعني كون سؤال الآية لتمييز أن ~~الخطاب رحماني هو ما ذكروه: أن الأنبياء لعصمتهم لا بد أن يعرفوا الفرق بين ~~كلام الملك ووسوسة الشيطان، ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط ~~عليهم طريق الإفهام. # وهو كلام حق لكن يجب أن يعلم أن تعرفهم إنما هو بتعريف الله تعالى لهم لا ~~من قبل أنفسهم واستقلال ذواتهم، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يتعرف زكريا ~~من ربه أن يجعل له آية يعرف به ذلك؟ وأي محذور في ms1072 ذلك؟ نعم لو لم يستجب ~~دعاءه ولم يجعل الله له آية كان الإشكال في محله. # على أن خصوصية نفس الآية - وهي عدم التكليم ثلاثة أيام - تؤيد بل تدل على ~~ذلك فإن الشيطان وإن أمكن أن يمس الأنبياء في أجسامهم أو بتخريب أو إفساد ~~في ما يرجونه من نتائج أعمالهم في رواج الدين واستقبال الناس أو تضعيف ~~أعداء الدين كما يدل عليه قوله تعالى: "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب": ص - 41، وقوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته" الآية: الحج - 52، وقوله تعالى: "فإني نسيت ~~الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان: الكهف - 63. # لكن هذه وأمثالها من مس الشيطان وتعرضه لا تنتج إلا إيذاء النبي وأما مسه ~~الأنبياء في نفوسهم فالأنبياء معصومون من ذلك وقد مر في ما تقدم من المباحث ~~إثبات عصمتهم (عليهم السلام). PageV03P100 # والذي جعله الله تعالى آية لزكريا على ما يدل عليه قوله آيتك أن لا تكلم ~~الناس ثلثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار هو أنه كان ~~لا يقدر ثلاثة أيام على تكليم أحد ويعتقل لسانه إلا بذكر الله وتسبيحه، ~~وهذه آية واقعة على نفس النبي ولسانه وتصرف خاص فيه لا يقدر عليه الشيطان ~~لمكان العصمة فليس إلا رحمانيا وهذه الآية كما ترى متناسبة مع الوجه الأول ~~دون الوجه الثاني. # فإن قلت لو كان الأمر كذلك فما معنى قوله قال رب أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك يفعل الله ما يشاء الآية فإن ظاهره أنه ~~خاطب ربه وسأله ما سأل ثم أجيب بما أجيب فما معنى هذه المخاطبة لو كان شاكا ~~في أمر النداء؟ ولو لم يكن شاكا عندئذ فما معنى سؤال التمييز؟. # قلت: مراتب الركون والاعتقاد مختلفة فمن الممكن أن يكون قد اطمأنت نفسه ~~على كون النداء رحمانيا من جانب الله ثم يسأل ربه من كيفية الولادة ms1073 التي ~~كانت تتعجب منه نفسه الشريفة كما مر فيجاب بنداء آخر ملكي تطمئن إليه نفسه ~~ثم يسأل ربه آية توجب اليقين بأنه كان رحمانيا فيزيد بذلك وثوقا وطمأنينة. # ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: فنادته الملائكة، فإن النداء إنما يكون من ~~بعيد ولذلك كثر إطلاق النداء في مورد الجهر بالقول لكونه عندنا من لوازم ~~البعد، وليس بلازم بحسب أصل معنى الكلمة كما يشهد به قوله تعالى في ما حكى ~~فيه دعاء زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا: مريم - 3 فقد أطلق عليه النداء ~~بعناية تذلل زكريا: وتواضعه قبال تعزز الله سبحانه وترفعه وتعاليه، ثم وصف ~~النداء بالخفاء فالكلام لا يخلو عن إشعار بكون زكريا لم ير الملك نفسه، ~~وإنما سمع صوتا يهتف به هاتف. # وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد من جعله تعالى عدم التكليم آية نهيه عن ~~تكليم الناس ثلاثة أيام، والانقطاع فيها إلى ذكر الله وتسبيحه دون اعتقال ~~لسانه، قال: الصواب أن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه ~~الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه ويبشر أهله فسأل عن ~~الكيفية، ولما أجيب بما أجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره، ~~ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ~~ثلاثة أيام بل ينقطع إلى الذكر والتسبيح مساء صباحا مدة ثلاثة أيام فإذا ~~احتاج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، على هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي ~~الثلاث الليال، انتهى. # وأنت خبير بأنه ليس لما ذكره من مسألته عبادة تكون شكرا للمنحة، ~~وانتهائها إلى حصول المقصود، وكون انتهائها هو الآية، وكون قوله: أن لا ~~تكلم مسوقا للنهي التشريعي وكذا إرادته بشارة أهله في الآية عين ولا أثر. # كلام في الخواطر الملكية والشيطانية وما يلحق بها من التكليم # قد مر كرارا أن الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث اشتمالها على الأغراض ~~المقصودة منها، وأن القول أو الكلام مثلا إنما يسمى به الصوت لإفادته معنى ~~مقصودا يصح السكوت عليه، فما يفاد به ms1074 ذلك، كلام وقول سواء كان مفيدة صوتا ~~واحدا أو أصواتا متعددة مؤلفة أو غير صوت كالإيماء والرمز، والناس لا ~~يتوقفون في تسمية الصوت المفيد فائدة تامة كلاما وإن لم يخرج عن شق فم، ~~وكذلك في تسمية الإيماء قولا وكلاما وإن لم يشتمل على صوت. # والقرآن أيضا يسمي المعاني الملقاة في القلوب من الشيطان كلاما له وقولا ~~منه، قال تعالى حكاية عن الشيطان: "ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام": النساء ~~- 119 وقال: "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر": الحشر - 16، وقال: "يوسوس ~~في صدور الناس": الناس - 5، وقال "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول": الأنعام ~~- 112 وقال أيضا حكاية عن إبليس: "إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم": ~~إبراهيم - 22 وقال: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا": البقرة - 269، ومن الواضح أن هذه هي الخواطر الواردة على ~~القلوب، نسبت إلى الشيطان، وسميت بالأمر والقول والوسوسة والوحي والوعد، ~~وجميعها قول وكلام ولم تخرج عن شق فم ولا تحريك لسان. PageV03P101 # ومن هنا يعلم: أن ما تشتمل عليه الآية الأخيرة من وعده تعالى بالمغفرة ~~والفضل قبال وعد الشيطان هو الكلام الملكي في قبال الوسوسة من الشيطان، وقد ~~سماه تعالى الحكمة، ومثلها قوله تعالى: "ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد ~~- 28، وقوله: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السموات والأرض": الفتح - 4، وقد مر بيانها في الكلام ~~على السكينة في ذيل قوله تعالى: "فيه سكينة من ربكم": البقرة - 248، وكذا ~~قوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون": الأنعام - 125، وقد سمى الوسوسة رجزا فقال: "رجز الشيطان": ~~الأنفال - 11، فمن جميع ذلك يظهر أن الشياطين والملائكة يكلمون الإنسان ~~بإلقاء المعاني في قلبه. # وهنا قسم آخر من التكليم يختص به تعالى كما ذكره بقوله: "وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا ms1075 وحيا أو من وراء حجاب" الآية: الشورى - 51، فسماه تكليما ~~وقسمه إلى الوحي، وهو الذي لا حجاب فيه بينه وبين العبد المكلم، وإلى ~~التكليم من وراء حجاب، هذه أقسام من الكلام لله سبحانه وللملائكة ~~والشياطين. # أما كلام الله سبحانه المسمى بالوحي فهو متميز متعين بذاته فإن الله ~~سبحانه ألقى التقابل بينه وبين التكليم من وراء حجاب فهو تكليم حيث لا حجاب ~~بين الإنسان وبين ربه، ومن المحال أن يقع هناك لبس، وهو ظاهر، وأما غيره ~~فيحتاج إلى تسديد ينتهي إلى الوحي. # وأما الكلام الملكي والشيطاني فالآيات المذكورة آنفا تكفي في التمييز ~~بينها فإن الخاطر الملكي يصاحب انشراح الصدر، ويدعو إلى المغفرة والفضل، ~~وينتهي بالأخرة إلى ما يطابق دين الله المبين في كتابه وسنة نبيه، والخاطر ~~الشيطاني يلازم تضيق الصدر، وشح النفس ويدعو إلى متابعة الهوى، ويعد الفقر، ~~ويأمر بالفحشاء، وبالأخرة ينتهي إلى ما لا يطابق الكتاب والسنة، ويخالف ~~الفطرة. # ثم إن الأنبياء ومن يتلوهم ربما تيسر لهم مشاهدة الملك والشيطان ~~ومعرفتهما كما حكى الله تعالى عن آدم وإبراهيم ولوط فأغنى ذلك عن استعمال ~~المميز، وأما مع عدم المشاهدة فلا بد من استعماله كسائر المؤمنين، وينتهي ~~بالأخرة إلى تمييز الوحي وهو ظاهر. # 0340 3 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: إذ قالت امرأة عمران الآية، عن الصادق ~~(عليه السلام) قال: إن الله أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرا سويا مباركا ~~يبرىء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني ~~إسرائيل، فحدث عمران امرأته حنة بذلك وهي أم مريم فلما حملت كان حملها بها ~~عند نفسها غلاما فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى ~~لا تكون البنت رسولا، يقول الله: والله أعلم بما وضعت فلما وهب الله لمريم ~~عيسى كان هو الذي بشر به عمران ووعده إياه فإذا قلنا في الرجل منا شيئا ~~وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك. # أقول: وروي قريبا منه في الكافي، عنه (عليه السلام) وفي تفسير العياشي، ms1076 ~~عن الباقر (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، في الآية عن الصادق (عليه السلام): أن المحرر يكون في ~~الكنيسة لا يخرج منها فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر ~~كالأنثى، إن الأنثى تحيض فتخرج من المسجد، والمحرر لا يخرج من المسجد. # وفيه، عن أحدهما: نذرت ما في بطنها للكنيسة أن يخدم العباد، وليس الذكر ~~كالأنثى في الخدمة، قال فشبت وكانت تخدمهم وتناولهم حتى بلغت فأمر زكريا أن ~~تتخذ لها حجابا دون العباد. # أقول: والروايات كما ترى تنطبق على ما قدمناه في البيان السابق إلا أن ~~ظاهرها: أن قوله: وليس الذكر كالأنثى، كلام لامرأة عمران لا له تعالى، ~~ويبقى عليه وجه تقديم الذكر على الأنثى في الجملة، مع أن مقتضى القواعد ~~العربية خلافه، وكذا يبقى عليه وجه تسميتها بمريم، وقد مر أنه في معنى ~~التحرير إلا أن يفرق بين التحرير وجعلها خادمة فليتأمل. # وفي الرواية الأولى دلالة على كون عمران نبيا يوحى إليه، ويدل عليه ما في ~~البحار، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن عمران أكان نبيا؟ ~~فقال نعم كان نبيا مرسلا إلى قومه، الحديث. PageV03P102 # وتدل الرواية أيضا على كون اسم امرأة عمران: حنة، وهو المشهور، وفي بعض ~~الروايات: مرثار، ولا يهمنا البحث عن ذلك. # وفي تفسير القمي،: في ذيل الرواية السابقة: فلما بلغت مريم صارت في ~~المحراب، وأرخت على نفسها سترا، وكان لا يراها أحد، وكان يدخل عليها زكريا ~~المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فكان ~~يقول: أنى لك هذا فتقول: هو من عند الله - إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن زكريا لما دعا ربه ~~أن يهب له ولدا فنادته الملائكة بما نادته به أحب أن يعلم أن ذلك الصوت من ~~الله فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام فلما أمسك ~~لسانه ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وذلك قول الله ms1077 رب اجعل ~~لي آية. # أقول: وروى قريبا منه القمي في تفسيره، وقد عرفت فيما تقدم أن سياق ~~الآيات لا يأبى عن ذلك. # وبعض المفسرين شدد النكير على ما تضمنته هذه الروايات كالوحي إلى عمران ~~ووجود الفاكهة في محراب مريم في غير وقتها، وكون سؤال زكريا للآية للتمييز ~~فقال: إن هذه أمور لا طريق إلى إثباتها فلا هو سبحانه ذكرها، ولا رسوله ~~قالها، ولا هي مما يعرف بالرأي ولم يثبتها تاريخ يعتد به، وليس هناك إلا ~~روايات إسرائيلية وغير إسرائيلية، ولا موجب للتكلف في تحصيل معنى القرآن ~~وحمله على أمثال هذه الوجوه البعيدة عن الأفهام. # وهو منه كلام من غير حجة، والروايات وإن كانت آحادا غير خالية عن ضعف ~~الطريق لا يجب على الباحث الأخذ بها، والاحتجاج بما فيها لكن التدبر في ~~الآيات يقرب الذهن منها، والذي نقل منها عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ~~لا يشتمل على أمر غير جائز عند العقل. # نعم في بعض ما نقل عن قدماء المفسرين أمور غير معقولة كما نقل عن قتادة ~~وعكرمة: أن الشيطان جاء إلى زكريا وشككه في كون البشارة من الله تعالى، ~~وقال: لو كانت من الله لأخفى لك في ندائه كما أخفيت له في ندائك إلى غير ~~ذلك فهي معان لا مجوز لتسليمها كما ورد في إنجيل لوقا: أن جبرئيل قال ~~لزكريا "وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا ~~لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته" إنجيل لوقا 1 - 20. ### |||| AUTO بحث روائي آخر # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): ما من قلب إلا وله أذنان على ~~إحداهما ملك مرشد، وعلى الأخرى شيطان مفتن: هذا يأمره، وهذا يزجره، الشيطان ~~يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وذلك قول الله عز وجل: ما يلفظ من قول ~~- إلا لديه رقيب عتيد عن اليمين وعن الشمال قعيد. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة سيأتي شطر منها، وتطبيقه (عليه ~~السلام) الآية على الملك والشيطان في هذه الرواية لا ينافي تطبيقه ms1078 إياها ~~على الملكين الكاتبين للحسنات والسيئات في رواية أخرى فإن الآية لا تدل على ~~أزيد من وجود رقيب عتيد عند الإنسان يرقبه في جميع ما يتكلم به، وأنه متعدد ~~عن يمين الإنسان وشماله، وأما أنه من الملائكة محضا أو ملك وشيطان فالآية ~~غير صريحة في ذلك قابلة للانطباق على كل من المحتملين. # وفيه، أيضا عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرسول وعن ~~النبي وعن المحدث، قال: الرسول الذي يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربه ~~يقول: يأمرك كذا وكذا، والرسول يكون نبيا مع الرسالة، والنبي لا يعاين ~~الملك ينزل عليه الشيء النبأ على قلبه فيكون كالمغمى عليه فيرى في منامه، ~~قلت فما علمه أن الذي في منامه حق؟ قال: يبينه الله حتى يعلم أن ذلك حق، ~~ولا يعاين الملك، الحديث. # أقول: قوله: والرسول يكون نبيا إشارة إلى إمكان اجتماع الوصفين وقد تقدم ~~الكلام في معنى الرسالة والنبوة في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله" الآية: البقرة - 213. # وقوله: فيكون كالمغمى عليه تفسير معنى رؤيته في المنام، وأن معناه الغيبة ~~عن الحس دون المنام المعروف، وقوله: يبينه الله "الخ" إشارة إلى التمييز ~~بين الإلقاء الملكي والشيطاني بما بينه الله من الحق. PageV03P103 # وفي البصائر، عن بريد عن الباقر والصادق (عليهما السلام) في حديث قال بريد: ~~فما الرسول والنبي والمحدث؟ قال الرسول الذي يظهر الملك فيكلمه، والنبي يرى ~~في المنام، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد، والمحدث الذي يسمع الصوت ~~ولا يرى الصورة، قال: قلت: أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى في المنام هو ~~الحق وأنه من الملك؟ قال: يوفق لذلك حتى يعرفه لقد ختم الله بكتابكم الكتب ~~وبنبيكم الأنبياء، الحديث. # أقول: وهو في مساق الحديث السابق، وبيانه (عليه السلام) واف بتمييز ~~المحدث ما يسمعه من صوت الهاتف، وفي قوله: لقد ختم الله "الخ" إشارة إلى ~~ذلك، وسيأتي الكلام في المحدث في ذيل الآيات التالية. PageV03P104 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 42 - 60 # وإذ قالت الملئكة يمريم إن الله ms1079 اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العلمين ~~(42) يمريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الركعين (43) ذلك من أنباء الغيب ~~نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون (44) إذ قالت الملئكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والاخرة ومن المقربين (45) ويكلم الناس فى ~~المهد وكهلا ومن الصلحين (46) قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال ~~كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) ويعلمه ~~الكتب والحكمة والتوراة والانجيل (48) ورسولا إلى بنى إسرءيل أنى قد جئتكم ~~بئاية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا ~~بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون فى بيوتكم إن فى ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين (49) ومصدقا لما ~~بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم وجئتكم بئاية من ربكم ~~فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) ~~* فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا ءامنا بما أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشهدين (53) ومكروا ومكر الله والله خير ~~المكرين (54) إذ قال الله يعيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلى مرجعكم ~~فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا ~~شديدا فى الدنيا والاخرة وما لهم من نصرين (56) وأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظلمين (57) ذلك نتلوه عليك من الايت ~~والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفيك وطهرك، الجملة ~~معطوفة على قوله: إذ قالت امرأة عمران، فتكون ms1080 شرحا مثله لاصطفاء آل عمران ~~المشتمل عليه قوله تعالى: إن الله اصطفى، الآية. # وفي الآية دليل على كون مريم محدثة تكلمها الملائكة وهي تسمع كلامهم كما ~~يدل عليه أيضا قوله في سورة مريم: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ~~إلى آخر الآيات، وسيأتي الكلام في المحدث. # وقد تقدم في قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن الآية: أن ذلك بيان ~~لاستجابة دعوة أم مريم: وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم، الآية وأن قول الملائكة لمريم: إن الله اصطفيك وطهرك إخبار ~~لها بما لها عند الله سبحانه من الكرامة والمنزلة فارجع إلى هناك. # فاصطفاؤها تقبلها لعبادة الله، وتطهيرها اعتصامها بعصمة الله فهي مصطفاة ~~معصومة، وربما قيل: إن المراد من تطهيرها جعلها بتولا لا تحيض فيتهيأ لها ~~بذلك أن لا تضطر إلى الخروج من الكنيسة، ولا بأس به غير أن الذي ذكرناه هو ~~الأوفق بسياق الآيات. PageV03P105 # قوله تعالى: واصطفاك على نساء العالمين قد تقدم في قوله تعالى: إن الله ~~اصطفى إلى قوله: على العالمين أن الاصطفاء المتعدي بعلى يفيد معنى التقدم، ~~وأنه غير الاصطفاء المطلق الذي يفيد معنى التسليم، وعلى هذا فاصطفاؤها على ~~نساء العالمين تقديم لها عليهن. # وهل هذا التقديم تقديم من جميع الجهات أو من بعضها؟ ظاهر قوله تعالى فيما ~~بعد الآية: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك الآية، وقوله تعالى: ~~"والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين": ~~الأنبياء - 91 وقوله تعالى: "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه ~~من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين": التحريم - 12، حيث ~~لم تشتمل مما تختص بها من بين النساء إلا على شأنها العجيب في ولادة المسيح ~~(عليه السلام) أن هذا هو وجه اصطفائها وتقديمها على النساء من العالمين. # وأما ما اشتملت عليه الآيات في قصتها من التطهير والتصديق بكلمات الله ~~وكتبه، والقنوت وكونها محدثة فهي أمور لا تختص بها بل يوجد في غيرها، وأما ~~ما قيل: إنها مصطفاة على نساء ms1081 عالمي عصرها فإطلاق الآية يدفعه. # قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين، القنوت هو ~~لزوم الطاعة عن خضوع على ما قيل، والسجدة معروفة. # والركوع هو الانحناء أو مطلق التذلل. # ولما كان النداء يوجب تلفيت نظر المنادى اسم مفعول وتوجيه فهمه نحو ~~المنادي اسم فاعل كان تكرار النداء في المقام بمنزلة أن يقال لها: إن لك ~~عندنا نبأ بعد نبإ فاستمعي لهما وأصغي إليهما: أحدهما ما أكرمك الله به من ~~منزلة وهو ما لك عند الله، والثاني ما يلزمك من وظيفة العبودية بالمحاذاة، ~~وهو ما لله سبحانه عندك، فيكون هذا إيفاء للعبودية وشكرا للمنزلة فيئول ~~معنى الكلام إلى كون قوله: يا مريم اقنتي "الخ" بمنزلة التفريع لقوله: يا ~~مريم إن الله اصطفيك "الخ" أي إذا كان كذلك فاقنتي واسجدي واركعي مع ~~الراكعين، ولا يبعد أن يكون كل واحدة من الخصال الثلاث المذكورة في هذه ~~الآية فرعا لواحدة من الخصال الثلاث المذكورة في الآية السابقة، وإن لم يخل ~~عن خفاء فليتأمل. # قوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، عده من أنباء الغيب نظير ما ~~عدت قصة يوسف (عليه السلام) من أنباء الغيب التي توحى إلى رسول الله، قال ~~تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون": يوسف - 102، وأما ما يوجد من ذلك عند أهل الكتاب فلا عبرة به لعدم ~~سلامته من تحريف المحرفين كما أن كثيرا من الخصوصيات المقتصة في قصص زكريا ~~غير موجودة في كتب العهدين على ما وصفه الله في القرآن. # ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى في ذيل الآية: وما كنت لديهم إذ يلقون "الخ". # على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه كانوا أميين غير عالمين ~~بهذه القصص ولا أنهم قرءوها في الكتب كما ذكره تعالى بعد سرد قصة نوح: "تلك ~~من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا": هود - ~~49، والوجه الأول أوفق بسياق الآية. # قوله تعالى: وما كنت لديهم إذ ms1082 يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم "الخ"، القلم ~~بفتحتين القدح الذي يضرب به القرعة، ويسمى سهما أيضا، وجمعه أقلام، فقوله: ~~يلقون أقلامهم أي يضربون بسهامهم ليعينوا بالقرعة أيهم يكفل مريم. # وفي هذه الجملة دلالة على أن الاختصام الذي يدل عليه قوله: وما كنت لديهم ~~إذ يختصمون إنما هو اختصامهم وتشاحهم في كفالة مريم، وأنهم لم يتناهوا حتى ~~تراضوا بالاقتراع بينهم فضربوا بالقرعة فخرج السهم لزكريا فكفلها بدليل ~~قوله: وكفلها زكريا، الآية. # وربما احتمل بعضهم أن هذا الاختصام والاقتراع بعد كبرها وعجز زكريا عن ~~كفالتها، وكان منشؤه ذكر هذا الاقتراع والاختصام بعد تمام قصة ولادتها ~~واصطفائها وذكر كفالة زكريا في أثنائها، فيكونان واقعتين اثنتين. # وفيه أنه لا ضير في إعادة بعض خصوصيات القصة أو ما هو بمنزلة الإعادة ~~لتثبيت الدعوى كما وقع نظيره في قصة يوسف حيث قال تعالى بعد تمام القصة -: ~~"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون": يوسف - 102 يشير بذلك إلى معنى قوله تعالى في أوائل القصة. PageV03P106 # "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة - إلى أن قال: لا ~~تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين": ~~يوسف - 10. # قوله تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك "الخ"، الظاهر أن ~~هذه البشارة هي التي يشتمل عليها قوله تعالى في موضع آخر: "فأرسلنا إليها ~~روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا الآيات": مريم - 19، فتكون البشارة ~~المنسوبة إلى الملائكة هاهنا هي المنسوبة إلى الروح فقط هناك. # وقد قيل في وجهه إن المراد بالملائكة هو جبرئيل، عبر بالجمع عن الواحد ~~تعظيما لأمره كما يقال: سافر فلان فركب الدواب وركب السفن، وإنما ركب دابة ~~واحدة وسفينة واحدة، ويقال: قال له الناس كذا، وإنما قاله واحد وهكذا، ~~ونظير الآية قوله في قصة زكريا السابقة: فنادته الملائكة ثم قوله: قال كذلك ~~الله يفعل ما يشاء الآية. ms1083 # وربما قيل: إن جبرئيل كان معه غيره فاشتركوا في ندائها. # والذي يعطيه التدبر في الآيات التي تذكر شأن الملائكة أن بين الملائكة ~~تقدما وتأخرا من حيث مقام القرب، وأن للمتأخر التبعية المحضة لأوامر ~~المتقدم بحيث يكون فعل المتأخر رتبة، عين فعل المتقدم، وقوله عين قوله نظير ~~ما نشاهده ونذعن به من كون أفعال قوانا وأعضائنا عين أفعالنا من غير تعدد ~~فيه تقول: رأته عيناي وسمعته أذناي، ورأيته وسمعته، ويقال فعلته جوارحي ~~وكتبته يدي ورسمته أناملي وفعلته أنا وكتبته أنا، وكذلك فعل المتبوع من ~~الملائكة فعل التابعين له المؤتمرين لأمره بعينه، وقوله قولهم من غير ~~اختلاف، وبالعكس كما أن فعل الجميع فعل الله سبحانه وقولهم قوله، كما قال ~~تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين موتها": الزمر - 42، فنسب التوفي إلى نفسه، ~~وقال: "قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة - 11، فنسبه إلى ملك ~~الموت وقال: "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا": الأنعام - 61، فنسبه ~~إلى جمع من الملائكة. # ونظيره قوله تعالى: "إنا أوحينا إليك": النساء - 163، وقوله: نزل به ~~الروح الأمين على قلبك": الشعراء - 194، وقوله: من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك": البقرة - 97، وقوله: كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": عبس - 16. # فظهر أن بشارة جبرئيل هي عين بشارة من هو تحت أمره من جماعة الملائكة وهو ~~من سادات الملائكة ومقربيهم على ما يدل عليه قوله تعالى: "إنه لقول رسول ~~كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير - 21، وسيأتي زيادة ~~توضيح لهذا الكلام في سورة فاطر إن شاء الله تعالى. # ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى في الآية التالية: قال كذلك الله يخلق ما ~~يشاء، فإن ظاهره أن القائل هو الله سبحانه مع أنه نسب هذا القول في سورة ~~مريم في القصة إلى الروح، قال تعالى: "قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ~~زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك ~~هو علي هين ms1084 الآيات": مريم - 21. # وفي تكلم الملائكة والروح مع مريم دلالة على كونها محدثة بل قوله تعالى ~~في سورة مريم في القصة بعينها: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا": ~~مريم - 17، يدل على معاينتها الملك زيادة على سماعها صوته، وسيجيء تمام ~~الكلام في المعنى في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. # قوله تعالى: بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم، قد مر البحث في معنى ~~كلامه تعالى في تفسير قوله: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض": البقرة - 253. # والكلمة والكلم كالتمرة والتمر جنس وفرد وتطلق الكلمة على اللفظ الواحد ~~الدال على المعنى، وعلى الجملة سواء صح السكوت عليها مثل زيد قائم أو لم ~~يصح مثل إن كان زيد قائما، هذا بحسب اللغة، وأما بحسب ما يصطلح عليه القرآن ~~أعني الكلمة المنسوبة إلى الله تعالى فهي الذي يظهر به ما أراده الله تعالى ~~من أمر نحو كلمة الإيجاد وهو قوله تعالى لشيء أراده: كن، أو كلمة الوحي ~~والإلهام ونحو ذلك. PageV03P107 # وأما المراد بالكلمة فقد قيل: إن المراد به المسيح (عليه السلام) من جهة أن ~~من أسبقه من الأنبياء أو خصوص أنبياء بني إسرائيل بشروا به بعنوان أنه منجي ~~بني إسرائيل، يقال في نظير المورد هذه كلمتي التي كنت أقولها، ونظيره قوله ~~تعالى في ظهور موسى (عليه السلام): "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل ~~بما صبروا": الأعراف - 137، وفيه أن ذلك وإن كان ربما ساعده كتب العهدين ~~لكن القرآن الكريم خال عن ذلك بل القرآن يعد عيسى بن مريم مبشرا لا مبشرا ~~به، على أن سياق قوله: اسمه المسيح لا يناسبه فإن الكلمة على هذا ظهور عيسى ~~المخبر به قبلا لا نفس عيسى، وظاهر قوله: اسمه المسيح، أن المسيح اسم ~~الكلمة لا اسم من تقدمت في حقه الكلمة. # وربما قيل: إن المراد به عيسى (عليه السلام) لإيضاحه مراده تعالى ~~بالتوراة، وبيانه تحريفات اليهود وما اختلفوا فيه من أمور الدين كما حكى ~~الله تعالى عنه ذلك فيما يخاطب به بني إسرائيل: "ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون ms1085 فيه": الزخرف - 63، وفيه أنه نكتة تصحح هذا التعبير لكنها خالية ~~عما يساعدها من القرائن. # وربما قيل: إن المراد بكلمة منه البشارة نفسها، وهي الإخبار بحملها بعيسى ~~وولادته فمعنى قوله: يبشرك بكلمة منه: يبشرك ببشارة هي أنك ستلدين عيسى من ~~غير مس بشر، وفيه أن سياق الذيل أعني قوله: اسمه المسيح لا يلائمه وهو ظاهر. # وربما قيل: إن المراد به عيسى (عليه السلام) من جهة كونه كلمة الإيجاد ~~أعني قوله: كن وإنما اختص عيسى (عليه السلام) بذلك مع كون كل إنسان بل كل ~~شيء موجودا بكلمة كن التكوينية لأن سائر الأفراد من الإنسان يجري ولادتهم ~~على مجرى الأسباب العادية المألوفة في العلوق من ورود ماء الرجل على نطفة ~~الإناث، وعمل العوامل المقارنة في ذلك، ولذلك يسند العلوق إليه كما يسند ~~سائر المسببات إلى أسبابها، ولما لم يجر علوق عيسى هذا المجرى وفقد بعض ~~الأسباب العادية التدريجية كان وجوده بمجرد كلمة التكوين من غير تخلل ~~الأسباب العادية فكان نفس الكلمة كما يؤيده قوله تعالى: "وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه": النساء - 171، وقوله تعالى في آخر هذه الآيات: "إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" الآية، وهذا أحسن ~~الوجوه. # والمسيح هو الممسوح سمي به عيسى (عليه السلام) لأنه كان مسيحا باليمن ~~والبركة أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب، أو مسح بدهن زيت بورك فيه وكانت ~~الأنبياء يمسحون به أو لأن جبرائيل مسحه بجناحه حين ولادته ليكون عوذة من ~~الشيطان، أو لأنه كان يمسح رءوس اليتامى، أو لأنه كان يمسح عين الأعمى بيده ~~فيبصر، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برأ، فهذه وجوه ذكروها في ~~تسميته بالمسيح. # لكن الذي يمكن أن يعول عليه أن هذا اللفظ كان واقعا في ضمن البشارة التي ~~بشر بها جبرائيل مريم (عليهما السلام) على ما يحكيه تعالى بقوله: إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم"، وهذا اللفظ بعينه معرب "مشيحا" ~~الواقع في كتب العهدين. # والذي ms1086 يستفاد منها أن بني إسرائيل كان من دأبهم أن الملك منهم إذا قام ~~بأمر الملك مسحته الكهنة بالدهن المقدس ليبارك له في ملكه فكان يسمى مشيحا ~~فمعناه: إما الملك وإما المبارك. # وقد يظهر من كتبهم أنه (عليه السلام) إنما سمي مشيحا من جهة كون بشارته ~~متضمنا لملكه، وأنه سيظهر في بني إسرائيل ملكا عليهم منجيا لهم كما يلوح ~~ذلك من إنجيل لوقا في بشارة مريم، قال: فلما دخل إليها الملك قال السلام لك ~~يا ممتلية نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء، فلما رأته اضطربت من كلامه ~~وفكرت ما هذا السلام، فقال لها الملك لا تخافي يا مريم فقد ظفرت بنعمة من ~~عند الله، وأنت تحبلين وتلدين ابنا وتدعين اسمه يسوع، هذا يكون عظيما وابن ~~العلي يدعى ويعطيه الرب له كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ~~ولا يكون لملكه انقضاء" لوقا 1 - 34. # ولذلك تتعلل اليهود عن قبول نبوته بأن البشارة لاشتمالها على ملكه لا ~~تنطبق على عيسى (عليه السلام) لأنه لم ينل الملك أيام دعوته وفي حيوته، ~~ولذلك أيضا ربما وجهته النصارى وتبعه بعض المفسرين من المسلمين بأن المراد ~~بملكه الملك المعنوي دون الصوري. PageV03P108 # أقول: وليس من البعيد أن يقال: إن تسميته بالمسيح في البشارة بمعنى كونه ~~مباركا فإن التدهين عندهم إنما كان للتبريك، ويؤيده قوله تعالى: "قال إني ~~عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت": مريم - 31. # وعيسى أصله يشوع، فسروه بالمخلص وهو المنجي، وفي بعض الأخبار تفسيره ~~بيعيش وهو أنسب من جهة تسمية ابن زكريا بيحيى على ما مر من المشابهة التامة ~~بين هذين النبيين. # وتقييد عيسى بابن مريم مع كون الخطاب في الآية لمريم للتنبيه على أنه ~~مخلوق من غير أب، ويكون معروفا بهذا النعت، وأن مريم شريكته في هذه الآية ~~كما قال تعالى: "وجعلناها وابنها آية للعالمين": الأنبياء - 91. # قوله تعالى: وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، الوجاهة هي ~~المقبولية، وكونه (عليه السلام) مقبولا في الدنيا مما لا خفاء فيه، وكذا في ms1087 ~~الآخرة بنص القرآن. # ومعنى المقربين ظاهر فهو مقرب عند الله داخل في صف الأولياء والمقربين من ~~الملائكة من حيث التقريب كما ذكره تعالى بقوله: "لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون": النساء - 172، وقد عرف تعالى معنى ~~التقريب بقوله: "إذا وقعت الواقعة - إلى أن قال - وكنتم أزواجا ثلثة - إلى ~~أن قال: والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة - 11، والآية كما ترى ~~تدل على أن هذا التقرب وهو تقرب إلى الله سبحانه حقيقته سبق الإنسان سائر ~~أفراد نوعه في سلوك طريق العود إلى الله الذي سلوكه مكتوب على كل إنسان بل ~~كل شيء، قال تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": ~~الانشقاق - 6، وقال تعالى: ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى - 53. # وأنت إذا تأملت كون المقربين صفة الأفراد من الإنسان وصفة الأفراد من ~~الملائكة علمت أنه لا يلزم أن يكون مقاما اكتسابيا فإن الملائكة لا يحرزون ~~ما أحرزوه من المقام عند الله سبحانه بالكسب فلعله مقام تناله المقربون من ~~الملائكة بهبة إلهية والمقربون من الإنسان بالعمل. # وقوله وجيها في الدنيا والآخرة، حال، وكذا ما عطف عليه من قوله: ومن ~~المقربين، ويكلم اه، ومن الصالحين، ويكلمه اه، رسولا اه. # قوله تعالى: ويكلم الناس في المهد وكهلا، المهد ما يهيأ للصبي من الفراش، ~~والكهل من الكهولة وهو ما بين الشباب والشيخوخة، وهو ما يكون الإنسان فيه ~~رجلا تاما قويا، ولذا قيل: الكهل من وخطه الشيب أي خالطه، وربما قيل: إن ~~الكهل من بلغ أربعا وثلاثين. # وكيف كان ففيه دلالة على أنه سيعيش حتى يبلغ سن الكهولة ففيه بشارة أخرى لمريم. # وفي التصريح بذلك مع دلالة الأناجيل على أنه لم يعش في الأرض أكثر من ~~ثلاث وثلاثين سنة نظر ينبغي أن يمعن فيه ولذا ربما قيل: إن تكليمه للناس ~~كهلا إنما هو بعد نزوله من السماء فإنه لم يمكث في الأرض ما يبلغ به سن ~~الكهولة، وربما قيل: إن الذي يعطيه التاريخ بعد التثبت أن عيسى (عليه ~~السلام) عاش نحوا من أربع ms1088 وستين سنة خلافا لما يظهر من الأناجيل. # والذي يظهر من سياق قوله: في المهد وكهلا، أنه لا يبلغ سن الشيخوخة، ~~وإنما ينتهي إلى سن الكهولة، وعلى هذا فقد أخذ في البيان كلامه في طرفي ~~عمره: الصبا والكهولة. # والمعهود من وضع الصبي في المهد أن يوضع فيه أوائل عمره ما دام في القماط ~~قبل أن يدرج ويمشي وهو في السنة الثانية فما دونها غالبا، وهو سن الكلام ~~فكلام الصبي في المهد وإن لم يكن في نفسه من خوارق العادة لكن ظاهر الآية ~~أنه يكلم الناس في المهد كلاما تاما يعتني به العقلاء من الناس كما يعتنون ~~بكلام الكهل، وبعبارة أخرى يكلمهم في المهد كما يكلمهم كهلا، والكلام من ~~الصبي بهذه الصفة آية خارقة. # على أن القصة في سورة مريم تبين أن تكليمه الناس إنما كان لأول ساعة أتت ~~به مريم إلى الناس بعد وضعه وكلام الصبي لأول يوم ولادته آية خارقة لا ~~محالة، قال تعالى: "فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ~~يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف ~~نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~وجعلني مباركا أينما كنت الآيات": مريم - 31. PageV03P109 # قوله تعالى: قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، خطابها لربها مع كون ~~المكلم إياها الروح المتمثل بناء على ما تقدم أن خطاب الملائكة وخطاب الروح ~~وكلامهم كلام الله سبحانه فقد كانت تعلم أن الذي يكلمها هو الله سبحانه وإن ~~كان الخطاب متوجها إليها من جهة الروح المتمثل أو الملائكة ولذلك خاطبت ~~ربها ويمكن أن يكون الكلام من قبيل قوله تعالى: "قال رب ارجعون": المؤمنون ~~- 99، فهو من الاستغاثة المعترضة في الكلام. # قوله سبحانه: قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون قد مرت الإشارة إلى أن تطبيق هذا الجواب بما في سورة مريم من قوله: ~~"قال كذلك قال ربك هو علي ms1089 هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا": مريم - 21، يفيد أن يكون قوله هاهنا: كذلك كلاما تاما تقديره: ~~الأمر كذلك ومعناه أن الذي بشرت به أمر مقضي لا مرد له. # وأما التعجب من هذا الأمر فإنما يصح لو كان هذا الأمر مما لا يقدر عليه ~~الله سبحانه أو يشق أما القدرة فإن قدرته غير محدودة يفعل ما يشاء وأما ~~صعوبته ومشقته فإن العسر والصعوبة إنما يتصور إذا كان الأمر مما يتوسل إليه ~~بالأسباب فكلما كثرت المقدمات والأسباب وعزت وبعد منالها اشتد الأمر صعوبة، ~~والله سبحانه لا يخلق ما يخلق بالأسباب بل إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. # فقد ظهر أن قوله كذلك كلام تام أريد به رفع اضطراب مريم وتردد نفسها، ~~وقوله: الله يخلق ما يشاء، رفع العجز الذي يوهمه التعجب، وقوله: إذا قضى، ~~رفع لتوهم العسر والصعوبة. # قوله تعالى: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل اللام في الكتاب ~~والحكمة للجنس. # وقد مر أن الكتاب هو الوحي الرافع لاختلافات الناس، والحكمة هي المعرفة ~~النافعة المتعلقة بالاعتقاد أو العمل، وعلى هذا فعطف التوراة والإنجيل على ~~الكتاب والحكمة مع كونهما كتابين مشتملين على الحكمة من قبيل ذكر الفرد بعد ~~الجنس لأهمية في اختصاصه بالذكر، وليست لام الكتاب للاستغراق لقوله تعالى: ~~"ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون ~~فيه فاتقوا الله وأطيعون": الزخرف - 63، وقد مر بيانه. # وأما التوراة فالذي يريده القرآن منها هو الذي نزله الله على موسى (عليه ~~السلام) في الميقات في ألواح على ما يقصه الله سبحانه في سورة الأعراف، ~~وأما الذي عند اليهود من الأسفار فهم معترفون بانقطاع اتصال السند ما بين ~~بخت نصر من ملوك بابل وكورش من ملوك الفرس، غير أن القرآن يصدق أن التوراة ~~الموجود بأيديهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مخالفة ~~للتوراة الأصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف، ودلالة آيات القرآن على ~~ذلك واضحة. # وأما الإنجيل ومعناه البشارة فالقرآن يدل على أنه كان ms1090 كتابا واحدا نازلا ~~على عيسى فهو الوحي المختص به، قال تعالى "وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ~~هدى للناس": آل عمران - 4، وأما هذه الأناجيل المنسوبة إلى متى ومرقس ولوقا ~~ويوحنا فهي كتب مؤلفة بعده (عليه السلام). # ويدل أيضا على أن الأحكام إنما هي في التوراة، وأن الإنجيل لا تشتمل إلا ~~على بعض النواسخ كقوله في هذه الآيات: مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم الآية، وقوله: "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ~~ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل ~~بما أنزل الله فيه": المائدة - 47، ولا يبعد أن يستفاد من الآية أن فيه بعض ~~الأحكام الإثباتية. # ويدل أيضا على أن الإنجيل مشتمل على البشارة بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كالتوراة قال، تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف - 157. # قوله تعالى: ورسولا إلى بني إسرائيل، ظاهره أنه (عليه السلام) كان مبعوثا ~~إلى بني إسرائيل خاصة كما هو اللائح من الآيات في حق موسى (عليه السلام)، ~~وقد مر في الكلام على النبوة في ذيل قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين" الآية: البقرة - 213، أن عيسى (عليه السلام) كموسى من أولي ~~العزم وهم مبعوثون إلى أهل الدنيا كافة. PageV03P110 # لكن العقدة تنحل بما ذكرناه هناك في الفرق بين الرسول والنبي أن النبوة هي ~~منصب البعث والتبليغ، والرسالة هي السفارة الخاصة التي تستتبع الحكم ~~والقضاء بالحق بين الناس، إما بالبقاء والنعمة، أو بالهلاك كما يفيده قوله ~~تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط": يونس - 47. # وبعبارة أخرى النبي هو الإنسان المبعوث لبيان الدين للناس، والرسول هو ~~المبعوث لأداء بيان خاص يستتبع رده الهلاك وقبوله البقاء والسعادة كما ~~يؤيده بل يدل عليه ما حكاه الله سبحانه من مخاطبات الرسل لأممهم كنوح وهود ~~وصالح وشعيب وغيرهم (عليهم السلام). # وإذا كان كذلك لم يستلزم الرسالة إلى قوم خاص البعثة إليهم، وكان من ~~الممكن أن يكون الرسول إلى قوم خاص ms1091 نبيا مبعوثا إليهم وإلى غيرهم كموسى ~~وعيسى (عليهما السلام). # وعلى ذلك شواهد من القرآن الكريم كرسالة موسى إلى فرعون، قال تعالى: ~~"اذهب إلى فرعون إنه طغى": طه - 24، وإيمان السحرة لموسى وظهور قبول ~~إيمانهم ولم يكونوا من بني إسرائيل، قال تعالى: "قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى": طه - 70، ودعوة قوم فرعون، قال تعالى: "ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ~~وجاءهم رسول كريم": الدخان - 17، ونظير ذلك ما كان من أمر إيمان الناس ~~بعيسى فلقد آمن به (عليه السلام) قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~الروم وأمم عظيمة من الغربيين كالإفرنج والنمسا والبروس وإنجلترا وأمم من ~~الشرقيين كنجران وهم جميعهم ليسوا من بني إسرائيل، والقرآن لم يخص - فيما ~~يذكر فيه النصارى - نصارى بني إسرائيل خاصة بالذكر بل يعمم مدحه أو ذمه ~~الجميع. # قوله تعالى: أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين - إلى قوله ~~-: وأحيي الموتى بإذن الله، الخلق جمع أجزاء الشيء، وفيه نسبة الخلق إلى ~~غيره تعالى كما يشعر به أيضا قوله تعالى: "فتبارك الله أحسن الخالقين": ~~المؤمنون - 14. # والأكمه هو الذي يولد مطموس العين، وقد يقال لمن تذهب عينه قال: كمهت ~~عيناه حتى ابيضتا، قاله الراغب، والأبرص من كان به برص وهو مرض جلدي معروف. # وفي قوله: وأحيي الموتى حيث علق الإحياء بالموتى وهو جمع دلالة ولا أقل ~~من الإشعار بالكثرة والتعدد. # وكذا قوله: بإذن الله، سيق للدلالة على أن صدور هذه الآيات المعجزة منه ~~(عليه السلام) مستند إلى الله تعالى من غير أن يستقل عيسى (عليه السلام) ~~بشيء من ذلك، وإنما كرر تكرارا يشعر بالإصرار لما كان من المترقب أن يضل ~~فيه الناس فيعتقدوا بألوهيته استدلالا بالآيات المعجزة الصادرة عنه (عليه ~~السلام)، ولذا كان يقيد كل آية يخبر بها عن نفسه مما يمكن أن يضلوا به ~~كالخلق وإحياء الموتى بإذن الله ثم ختم الكلام بقوله: إن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم. # وظاهر قوله: أني أخلق لكم "الخ" أن هذه الآيات كانت تصدر عنه صدورا ~~خارجيا لا ms1092 أن الكلام مسوق لمجرد الاحتجاج والتحدي، ولو كان مجرد قول لقطع ~~العذر وإتمام الحجة لكان من حق الكلام أن يقيد بقيد يفيد ذلك كقولنا: إن ~~سألتم أو أردتم أو نحو ذلك. # على أن ما يحكيه الله سبحانه من مشافهته لعيسى يوم القيامة يدل على وقوع ~~هذه الآيات أتم الدلالة، قال: "إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي ~~عليك وعلى والدتك - إلى أن قال -: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى" ~~الآية: المائدة - 110. # ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قصارى ما تدل عليه الآية أن الله ~~سبحانه جعل في عيسى بن مريم هذا السر، وأنه احتج على الناس بذلك، وأتم ~~الحجة عليهم بحيث لو سألوه شيئا من ذلك لأتى به، أما أن كلها أو بعضها وقع ~~فلا دلالة فيها على ذلك. # قوله تعالى: وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، وهذا إخبار بالغيب ~~المختص بالله تعالى، ومن خصه من رسله بالوحي، وهو آية أخرى وإخبار بغيب ~~صريح التحقق لا يتطرق إليه الشك والريب فإن الإنسان لا يشك عادة فيما أكله ~~ولا فيما ادخره في بيته. PageV03P111 # وإنما لم يقيد هذه الآية بإذن الله مع أن الآية لا تتحقق إلا بإذن منه ~~تعالى كما قال: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله": المؤمن - 78، ~~لأن هذه الآية عبر عنها بالإنباء وهو كلام قائم بعيسى (عليه السلام) يعد ~~فعلا له فلا يليق أن يسند إلى ساحة القدس بخلاف الآيتين السابقتين أعني ~~الخلق والإحياء فإنها فعل الله بالحقيقة ولا ينسبان إلى غيره إلا بإذنه. # على أن الآيتين المذكورتين ليستا كالإنباء فإن الضلال إلى الناس فيهما ~~أسرع منه في الإنباء فإن القلوب الساذجة تقبل ألوهية خالق الطير ومحيي ~~الموتى بأدنى وسوسة ومغلطة بخلاف ألوهية من يخبر بالمغيبات فإنها لا تذعن ~~باختصاص الغيب بالله سبحانه بل تعتقده أمرا مبتذلا جائز النيل لكل مرتاض أو ~~كاهن مشعبذ فكان من الواجب عند ms1093 مخاطبتهم أن يقيد الآيتين المذكورتين بالإذن ~~دون الأخيرة، وكذا الإبراء فيكفي فيها مجرد ذكر أنها آية من الله، وخاصة ~~إذا ألقي الخطاب إلى قوم يدعون أنهم مؤمنون، ولذلك ذيل الكلام بقوله: إن في ~~ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان. # قوله تعالى: ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم، عطف على قوله: ورسولا إلى بني إسرائيل، وكون المعطوف مبنيا على ~~التكلم مع كون المعطوف عليه مبنيا على الغيبة أعني كون عيسى (عليه السلام) ~~في قوله: ومصدقا لما بين يدي، متكلما وفي قوله: ورسولا إلى بني إسرائيل، ~~غائبا ليس مما يضر بالعطف بعد تفسير قوله: ورسولا إلى بني إسرائيل، بقول ~~عيسى: أني قد جئتكم، فإن وجه الكلام يتبدل بذلك من الغيبة إلى الحضور ~~فيستقيم به العطف. # وتصديقه للتوراة التي بين يديه إنما هو تصديق لما علمه الله من التوراة ~~على ما تفيده الآية السابقة، وهو التوراة الأصل النازلة على موسى (عليه ~~السلام) فلا دلالة لكونه مصدقا للتوراة التي في زمانه على كونها غير محرفة ~~كما لا دلالة لتصديق نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) للتوراة التي ~~بين يديه على كونها غير محرفة. # قوله تعالى: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، فإن الله تعالى كان حرم عليهم ~~بعض الطيبات، قال تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم" الآية: النساء - 160. # والكلام لا يخلو عن دلالة على إمضائه (عليه السلام) لأحكام التوراة إلا ~~ما نسخه الله تعالى بيده من الأحكام الشاقة المكتوبة على اليهود، ولذا قيل: ~~إن الإنجيل غير مشتمل على الشريعة، وقوله: ولأحل، معطوف على قوله: بآية من ~~ربكم، واللام للغاية، والمعنى: قد جئتكم لأنسخ بعض الأحكام المحرمة ~~المكتوبة عليكم. # قوله تعالى: وجئتكم بآية من ربكم، الظاهر أنه لبيان أن قوله: فاتقوا الله ~~وأطيعون، متفرع على إتيان الآية لا على إحلال المحرمات فهو لدفع الوهم، ~~ويمكن أن يكون هو مراد من قال: إن إعادة الجملة للتفرقة بين ما ms1094 قبلها وما ~~بعدها فإن مجرد التفرقة ليست من المزايا في الكلام. # قوله تعالى: إن الله ربي وربكم فاعبدوه، فيه قطع لعذر من اعتقد ألوهيته ~~لتفرسه (عليه السلام) ذلك منهم أو لعلمه بذلك بالوحي كما ذكرنا نظير ذلك في ~~تقييد قوله: فيكون طيرا، وقوله وأحيي الموتى، بقوله: بإذن الله لكن الظاهر ~~من قوله تعالى فيما يحكي قول عيسى (عليه السلام): "ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم": المائدة - 117، إن ذلك كان بأمر من ~~ربه ووحي منه. # قوله تعالى: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله، لما كانت ~~البشارة التي بشر بها مريم مشتملة على جمل قصص عيسى (عليه السلام) من حين ~~حمله إلى حين رسالته ودعوته اقتصر عليها اقتصاصا إيجازا في الكلام وفرع ~~عليها تتمة الجملة من قصته وهو انتخابه حوارييه ومكر قومه به ومكر الله بهم ~~في تطهيره منهم وتوفيه ورفعه إليه، وهو تمام القصة. # وقد اعتبر في القصة المقدار الذي يهم إلقاؤه إلى النصارى حين نزول ~~الآيات، وهم نصارى نجران: الوفد الذين أتوا المدينة للبحث والاحتجاج، ولذلك ~~أسقط منها بعض الخصوصيات التي تشتمل عليه قصصه المذكورة في سائر السور ~~القرآنية كسورة النساء والمائدة والأنبياء والزخرف والصف. PageV03P112 # وفي استعمال لفظ الإحساس في مورد الكفر مع كونه أمرا قلبيا إشعار بظهوره ~~منهم حتى تعلق به الإحساس أو أنهم هموا بإيذائه وقتله بسبب كفرهم فأحس به ~~فقوله: فلما أحس عيسى أي استشعر واستظهر منهم أي من بني إسرائيل المذكور ~~اسمهم في البشارة الكفر قال من أنصاري إلى الله؟ وإنما أراد بهذا الاستفهام ~~أن يتميز عدة من رجال قومه فيتمحضوا للحق فتستقر فيهم عدة الدين، وتتمركز ~~فيهم قوته ثم تنتشر من عندهم دعوته، وهذا شأن كل قوة من القوى الطبيعية ~~والاجتماعية وغيرها، أنها إذا شرعت في الفعل ونشر التأثير وبث العمل كان من ~~اللازم أن تتخذ لنفسها كانونا تجتمع فيه وتعتمد عليه وتستمد منه ولو لا ذلك ~~لم تستقر على عمل، وذهبت سدى لا تجدي ms1095 نفعا. # ونظير ذلك في دعوة الإسلام بيعة العقبة وبيعة الشجرة أراد بها رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ركوز القدرة وتجمع القوة ليستقيم به أمر الدعوة. # فلما أيقن عيسى (عليه السلام) أن دعوته غير ناجحة في بني إسرائيل كلهم أو ~~جلهم، وأنهم كافرون به لا محالة، وأنهم لو أخمدوا أنفاسه بطلت الدعوة ~~واشتدت المحنة مهد لبقاء دعوته هذا التمهيد فاستنصر منهم للسلوك إلى الله ~~سبحانه فأجابه الحواريون على ذلك فتميزوا من سائر القوم بالإيمان فكان ذلك ~~أساسا لتميز الإيمان من الكفر وظهوره عليه بنشر الدعوة وإقامة الحجة كما ~~قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين": ~~الصف - 14. # وقد قيد الأنصار في قوله: من أنصاري بقوله: إلى الله ليتم به معنى ~~التشويق والتحريص الذي سيق لأجله هذا الاستفهام نظير قوله تعالى: "من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا": البقرة - 245. # والظرف متعلق بقوله: أنصاري، بتضمين النصرة معنى السلوك والذهاب أو ما ~~يشابههما كما حكى عن إبراهيم (عليه السلام) من قوله: "إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين": الصافات - 99. # وأما ما احتمله بعض المفسرين من كون إلى بمعنى مع فلا دليل عليه ولا ~~يساعد أدب القرآن أن يجعله تعالى في عداد غيره فيعد غير الله ناصرا كما ~~يعده ناصرا، ولا يساعد عليه أدب عيسى (عليه السلام) اللائح مما يحكيه ~~القرآن من قوله، على أن قوله تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله، أيضا لا ~~يساعد عليه إذ كان من اللازم على ذلك أن يقولوا: نحن أنصارك مع الله ~~فليتأمل. # قوله تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، ~~حواري الإنسان من اختص به من الناس، وقيل أصله من الحور وهو شدة البياض، ~~ولم يستعمل القرآن هذا اللفظ إلا في خواص عيسى (عليه السلام) من أصحابه. # وقولهم: آمنا بالله، بمنزل التفسير لقولهم: نحن ms1096 أنصار الله وهذا مما يؤيد ~~كون قوله: أنصاري إلى الله جاريا مجرى التضمين كما مر فإنه يفيد معنى ~~السلوك في الطريق إلى الله، والإيمان طريق. # وهل هذا أول إيمانهم بعيسى (عليه السلام)؟ ربما استفيد من قوله تعالى: ~~"كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله فآمنت طائفة": الصف - 14، أنه إيمان، بعد إيمان ولا ضير فيه كما ~~يظهر بالرجوع إلى ما أوضحناه من كون الإيمان والإسلام ذوي مراتب مختلفة ~~بعضها فوق بعض. # بل ربما دل قوله تعالى: "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون": المائدة - 111، أن إجابتهم إنما كانت بوحي ~~من الله تعالى إليهم، وأنهم كانوا أنبياء فيكون الإيمان الذي أجابوه به هو ~~الإيمان بعد الإيمان. PageV03P113 # على أن قولهم: واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول، وهذا ~~الإسلام هو التسليم المطلق لجميع ما يريده الله تعالى منهم وفيهم - يدل ~~أيضا على ذلك فإن هذا الإسلام لا يتأتى إلا من خلص المؤمنين لا من كل من ~~شهد بالتوحيد والنبوة مجرد شهادة، بيان ذلك أنه قد مر في البحث عن مراتب ~~الإيمان والإسلام: أن كل مرتبة من الإيمان تسبقها مرتبة من مراتب الإسلام ~~كما يدل عليه قولهم: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، حيث أتوا في الإيمان ~~بالفعل وفي الإسلام بالصفة فأول مراتب الإسلام هو التسليم والشهادة على أصل ~~الدين إجمالا، ويتلوه الإذعان القلبي بهذه الشهادة الصورية في الجملة، ~~ويتلوه وهو المرتبة الثانية من الإسلام التسليم القلبي لمعنى الإيمان ~~وينقطع عنده السخط والاعتراض الباطني بالنسبة إلى جميع ما يأمر به الله ~~ورسوله وهو الاتباع العملي في الدين، ويتلوه وهو المرتبة الثانية من ~~الإيمان خلوص العمل واستقرار وصف العبودية في جميع الأعمال والأفعال، ~~ويتلوه وهو المرتبة الثالثة من الإسلام التسليم لمحبة الله وإرادته تعالى ~~فلا يحب ولا يريد شيئا إلا بالله، ولا يقع هناك إلا ما أحبه الله وأراده ~~ولا خبر عن محبة العبد وإرادته في نفسه، ويتلوه وهو المرتبة ms1097 الثالثة من ~~الإيمان شيوع هذا التسليم العبودي في جميع الأعمال. # فإذا تذكرت هذا الذي ذكرناه، وتأملت في قوله (عليه السلام) فيما نقل من ~~دعوته: فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ~~الآية، وجدت أنه (عليه السلام) أمر أولا بتقوى الله وإطاعة نفسه ثم علل ذلك ~~بقوله: إن الله ربي وربكم، أي إن الله ربكم معشر الأمة ورب رسوله الذي ~~أرسله إليكم، فيجب عليكم أن تتقوه بالإيمان، وأن تطيعوني بالاتباع، ~~وبالجملة يجب عليكم أن تعبدوه بالتقوى وطاعة الرسول أي الإيمان والاتباع، ~~فهذا هو المستفاد من هذا الكلام، ولذا بدل التقوى والإطاعة في التعليل من ~~قوله: فاعبدوه وإنما فعل ذلك ليتضح ارتباط الأمر بالله لظهور الارتباط به ~~في العبودية ثم ذكر أن هذه العبادة صراط مستقيم فجعله سبيلا ينتهي بسالكه ~~إلى الله سبحانه. # ثم لما أحس منهم الكفر ولاحت أسباب اليأس من إيمان عامتهم قال من أنصاري ~~إلى الله فطلب أنصارا لسلوك هذا الصراط المستقيم الذي كان يندب إليه، وهو ~~العبودية أعني التقوى والإطاعة فأجابه الحواريون بعين ما طلبه فقالوا: نحن ~~أنصار الله، ثم ذكروا ما هو كالتفسير له فقالوا: آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون، ومرادهم بالإسلام إطاعته وتبعيته، ولذا لما خاطبوا ربهم خطاب تذلل ~~والتجاء، وذكروا له ما وعدوا به عيسى (عليه السلام) قالوا: ربنا آمنا بما ~~أنزلت واتبعنا الرسول، فبدلوا الإسلام من الاتباع، ووسعوا في الإيمان ~~بتقييده بجميع ما أنزل الله. # فأفاد ذلك أنهم آمنوا بجميع ما أنزل الله مما علمه عيسى بن مريم من ~~الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، واتبعوا الرسول في ذلك، وهذا كما ترى ~~ليس أول درجة من الإيمان بل من أعلى درجاته وأسماها. # وإنما استشهدوا عيسى (عليه السلام) في إسلامهم واتباعهم ولم يقولوا: آمنا ~~بالله وإنا مسلمون أو ما يفيد معناه ليكونوا على حجة في عرضهم حالهم على ~~ربهم إذ قالوا: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول، فكأنهم قالوا: ربنا ~~حالنا هذا الحال، ويشهد بذلك رسولك. # قوله تعالى: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا ms1098 الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، ~~مقول قول الحواريين حذف القول من اللفظ للدلالة على حكاية نفس الواقعة وهو ~~من الأساليب اللطيفة في القرآن الكريم، وقد مر بيانه، وقد سألوا ربهم أن ~~يكتبهم من الشاهدين، وفرعوا ذلك على إيمانهم وإسلامهم جميعا لأن تبليغ ~~الرسول رسالته إنما يتحقق ببيانه ما أنزله الله عليه قولا وفعلا، أي ~~بتعليمه معالم الدين وعمله بها، فالشهادة على التبليغ إنما يكون بتعلمها من ~~الرسول واتباعه عملا حتى يشاهد أنه عامل بما يدعو إليه لا يتخطاه ولا ~~يتعداه. PageV03P114 # والظاهر أن هذه الشهادة هي التي يومىء إليها قوله تعالى: "فلنسألن الذين ~~أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": الأعراف - 6، وهي الشهادة على التبليغ، وأما ~~قوله تعالى: "وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين": المائدة - 83، فهو ~~شهادة على حقية رسالة الرسول دون التبليغ، والله أعلم. # وربما أمكن أن يستفاد من قولهم: فاكتبنا مع الشاهدين بعد استشهادهم ~~الرسول على إسلامهم أن المسئول: أن يكتبهم الله من شهداء الأعمال كما يلوح ~~ذلك مما حكاه الله تعالى في دعاء إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام): "ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا": البقرة - 128، ~~وليرجع إلى ما ذكرناه في ذيل الآية. # قوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين، الماكرون هم بنو ~~إسرائيل، بقرينة قوله: فلما أحس عيسى منهم الكفر، وقد مر الكلام في معنى ~~المكر المنسوب إليه تعالى في ذيل قوله: "وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة - 26. # قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك، التوفي أخذ الشيء أخذا ~~تاما، ولذا يستعمل في الموت لأن الله يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه ~~قال تعالى: "توفته رسلنا": الأنعام - 61، أي أماتته، وقال تعالى: "وقالوا ~~أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد - إلى أن قال -: قل يتوفيكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم": السجدة - 11، وقال تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ms1099 الأخرى": ~~الزمر - 42، والتأمل في الآيتين الأخيرتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في ~~القرآن بمعنى الموت بل بعناية الأخذ والحفظ، وبعبارة أخرى إنما استعمل ~~التوفي بما في حين الموت من الأخذ للدلالة على أن نفس الإنسان لا يبطل ولا ~~يفنى بالموت الذي يظن الجاهل أنه فناء وبطلان بل الله تعالى يحفظها حتى ~~يبعثها للرجوع إليه، وإلا فهو سبحانه يعبر في الموارد التي لا تجري فيه هذه ~~العناية بلفظ الموت دون التوفي كما في قوله تعالى: "وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم": آل عمران - 144، ~~وقوله تعالى: "لا يقضى عليهم فيموتوا": الفاطر - 36، إلى غير ذلك من الآيات ~~الكثيرة جدا حتى ما ورد في عيسى (عليه السلام) بنفسه كقوله: "والسلام علي ~~يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا": مريم - 33، وقوله: "وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159، فمن ~~هذه الجهة لا صراحة للتوفي في الموت. # على أن قوله تعالى في رد دعوى اليهود: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه ~~لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله ~~إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم ~~القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159، يؤيد ذلك فإن اليهود كانت تدعي ~~أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) وكذلك كانت تظن النصارى أن ~~اليهود قتلت عيسى بن مريم (عليهما السلام) بالصلب غير أنهم كانوا يزعمون أن ~~الله سبحانه رفعه بعد قتله من قبره إلى السماء على ما في الأناجيل، والآيات ~~كما ترى تكذب قصة القتل والصلب صريحا. # والذي يعطيه ظاهر قوله: وإن من أهل الكتاب الآية أنه حي عند الله ولن ~~يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب، على هذا فيكون توفيه (عليه السلام) أخذه من ~~بين اليهود لكن الآية مع ms1100 ذلك غير صريحة فيه وإنما هو الظهور، وسيجيء تمام ~~الكلام في ذلك في آخر سورة النساء. # قوله تعالى: ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، الرفع خلاف الوضع، ~~والطهارة خلاف القذارة، وقد مر الكلام في معنى الطهارة. PageV03P115 # وحيث قيد الرفع بقوله: إلى، أفاد ذلك أن المراد بالرفع الرفع المعنوي دون ~~الرفع الصوري إذ لا مكان له تعالى من سنخ الأمكنة الجسمانية التي تتعاورها ~~الأجسام والجسمانيات بالحلول فيها، والقرب والبعد منها، فهو من قبيل قوله ~~تعالى في ذيل الآية: ثم إلي مرجعكم، وخاصة لو كان المراد بالتوفي هو القبض ~~لظهور أن المراد حينئذ هو رفع الدرجة والقرب من الله سبحانه، نظير ما ذكره ~~تعالى في حق المقتولين في سبيله: "أحياء عند ربهم": آل عمران - 169، وما ~~ذكره في حق إدريس (عليه السلام): "ورفعناه مكانا عليا": مريم - 57. # وربما يقال: إن المراد برفعه إليه رفعه بروحه وجسده حيا إلى السماء على ~~ما يشعر به ظاهر القرآن الشريف أن السماء أي الجسمانية هي مقام القرب من ~~الله سبحانه، ومحل نزول البركات، ومسكن الملائكة المكرمين، ولعلنا نوفق ~~للبحث عن معنى السماء فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. # والتطهير من الكافرين حيث أتبع به الرفع إلى الله سبحانه أفاد معنى ~~التطهير المعنوي دون الظاهري الصوري فهو إبعاده من الكفار وصونه عن ~~مخالطتهم والوقوع في مجتمعهم المتقذر بقذارة الكفر والجحود. # قوله تعالى: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وعد ~~منه تعالى له (عليه السلام) أنه سيفوق متبعي عيسى (عليه السلام) على ~~مخالفيه الكافرين بنبوته، وأن تفوقهم هذا سيدوم إلى يوم القيامة وإنما ذكر ~~تعالى في تعريف هؤلاء الفائقين على غيرهم أن الفائقين هم الذين اتبعوه وأن ~~غيرهم هم الذين كفروا من غير أن يقول هم بنو إسرائيل أو اليهود المنتحلون ~~بشريعة موسى (عليه السلام) أو غير ذلك. # غير أنه تعالى لما أخذ الكفر في تعريف مخالفيه ظهر منه أن المراد باتباعه ~~هو الاتباع على الحق أعني الاتباع المرضي لله سبحانه فيكون الذين اتبعوه هم ~~أتباعه المستقيمون ms1101 من النصارى قبل ظهور الإسلام ونسخه دين عيسى، والمسلمون ~~بعد ظهور الإسلام فإنهم هم أتباعه على الحق، وعلى هذا فالمراد بالتفوق هو ~~التفوق بحسب الحجة دون السلطنة والسيطرة، فمحصل معنى الجملة: أن متبعيك من ~~النصارى والمسلمين ستفوق حجتهم على حجة الكافرين بك من اليهود إلى يوم ~~القيامة، هذا ما ذكره وارتضاه المفسرون في معنى الآية. # والذي أراه أن الآية لا تساعد عليه لا بلفظها ولا بمعناها فإن ظاهر قوله ~~إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك، أنه ~~إخبار عن المستقبل وأنه سيتحقق فيما يستقبل حال التكلم توف ورفع وتطهير ~~وجعل على أن قوله: وجاعل الذين اتبعوك، وعد حسن وبشرى، وما هذا شأنه لا ~~يكون إلا في ما سيأتي، ومن المعلوم أن ليست حجة متبعي عيسى (عليه السلام) ~~إلا حجة عيسى نفسه، وهي التي ذكرها الله تعالى في ضمن آيات البشارة أعني ~~بشارة مريم، وهذه الحجج حجج فائقة حين حضور عيسى قبل الرفع، وبعد رفع عيسى ~~بل كانت قبل رفعه (عليه السلام) أقطع لعذر الكفار ومنبت خصومتهم، وأوضح في ~~رفع شبههم، فما معنى وعده (عليه السلام) أنه ستفوق حجة متبعيه على حجة ~~مخالفيه ثم ما معنى تقييد هذه الغلبة والتفوق بقوله: إلى يوم القيامة، مع ~~أن الحجة في غلبتها لا تقبل التقييد بوقت ولا يوم على أن تفوق الحجة على ~~الحجة باق على حاله يوم القيامة على ما يخبر به القرآن في ضمن أخبار ~~القيامة. # فإن قلت: لعل المراد من تفوق الحجة تفوقها من جهة المقبولية بأن يكون ~~الناس أسمع لحجة المتبعين وأطوع لها فيكونوا بذلك أكثر جمعا وأوثق ركنا ~~وأشد قوة. PageV03P116 # قلت: مرجع ذلك إما إلى تفوق متبعيه الحقيقيين من حيث السلطنة والقوة ~~والواقع خلافه، واحتمال أن يكون إخبارا عن ظهور للمتبعين وتفوق منهم سيتحقق ~~في آخر الزمان لا يساعد عليه لفظ الآية، وإما إلى كثرة العدد بأن يراد أن ~~متبعيه (عليه السلام) سيفوقون الكافرين أي يكون أهل الحق بعد عيسى أكثر ~~جمعا من أهل الباطل، ms1102 ففيه مضافا إلى أن الواقع لا يساعد عليه فلم يزل أهل ~~الباطل يربو ويزيد جمعهم على أهل الحق من زمن عيسى إلى يومنا هذا وقد بلغ ~~الفصل عشرين قرنا أن لفظ الآية لا يساعد عليه فإن الفوقية في الآية وخاصة ~~من جهة كون المقام مقام الإنباء عن نزول السخط الإلهي على اليهود وشمول ~~الغضب عليهم إنما يناسب القهر والاستعلاء إما من حيث الحجة البالغة أو من ~~حيث السلطة والقوة وأما من حيث كثرة العدد فلا يناسب المقام كما هو ظاهر. # والذي ينبغي أن يقال أن الذي أخذ في الآية معرفا للفرقتين هو قوله: الذين ~~اتبعوك، وقوله الذين كفروا، والفعل إنما يدل على التحقق والحدوث دون التلبس ~~الذي يدل عليه الوصف كالمتبعين والكافرين، ومجرد صدور فعل من بعض أفراد أمة ~~مع رضاء الباقين به وسلوك اللاحقين مسلك السابقين وجريهم على طريقتهم كاف ~~في نسبة ذلك الفعل إليهم، كما أن القرآن يؤنب اليهود ويوبخهم على كثير من ~~أفعال سلفهم كقتل الأنبياء وإيذائهم والاستكبار عن امتثال أوامر الله ~~سبحانه ورسله وتحريف آيات الكتاب، وغير ذلك. # وعلى هذا صح أن يراد بالذين كفروا اليهود، وبالذين اتبعوا النصارى لما ~~صدر من صدرهم وسلفهم من الإيمان بعيسى (عليه السلام) واتباعه - وقد كان ~~إيمانا مرضيا واتباعا حقا - وإن كان الله سبحانه لم يرتض اتباعهم له (عليه ~~السلام) بعد ظهور الإسلام، ولا اتباع أهل التثليث منهم قبل ظهور الدعوة ~~الإسلامية. # فالمراد جعل النصارى - وهم الذين اتبع أسلافهم عيسى (عليه السلام) - فوق ~~اليهود وهم الذين كفروا بعيسى (عليه السلام) ومكروا به، والغرض في المقام ~~بيان نزول السخط الإلهي على اليهود، وحلول المكر بهم، وتشديد العذاب على ~~أمتهم، ولا ينافي ما ذكرناه كون المراد بالاتباع هو الاتباع على الحق كما ~~استظهرناه في أول الكلام كما لا يخفى. # ويؤيد هذا المعنى تغيير الأسلوب في الآية الآتية أعني قوله: وأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، إذ لو كان المراد بالذين اتبعوا هم أهل الحق ~~والنجاة من النصارى والمسلمين فقط كان الأنسب أن يقال: ms1103 وأما الذين اتبعوك ~~فيوفيهم أجورهم من غير تغيير للسياق كما لا يخفى. # وهاهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالذين اتبعوا هم النصارى والمسلمون ~~قاطبة وتكون الآية مخبرة عن كون اليهود تحت إذلال من يذعن لزوم اتباع عيسى ~~إلى يوم القيامة، والتقريب عين التقريب، وهذا أحسن الوجوه في توجيه الآية ~~عند التدبر. # قوله تعالى: ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وقد جمع ~~سبحانه في هذا الخطاب بين عيسى وبين الذين اتبعوه والذين كفروا به وهذا مآل ~~أمرهم يوم القيامة، وبذلك يختتم أمر عيسى وخبره من حين البشارة به إلى آخر ~~أمره ونبإه. # قوله تعالى: فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة، ~~ظاهره أنه متفرع على قوله: فأحكم بينكم، تفرع التفصيل على الإجمال فيكون ~~بيانا للحكم الإلهي في يوم القيامة بالعذاب لليهود الذين كفروا وتوفيه ~~الأجر للمؤمنين. # لكن اشتمال التفريع على قوله: في الدنيا، يدل على كونه متفرعا على مجموع ~~قوله: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ثم إلي مرجعكم "الخ" فيدل على أن ~~نتيجة هذا الجعل والرجوع تشديد العذاب عليهم في الدنيا بيد الذين فوقهم ~~الله تعالى عليهم، وفي الآخرة بالنار، وما لهم في ذلك من ناصرين. # وهذا أحد الشواهد على أن المراد بالتفويق في الآية السابقة هو التسليط ~~بالسيطرة والقوة دون التأييد بالحجة. # وفي قوله: وما لهم من ناصرين دلالة على نفي الشفاعة المانعة عن حلول ~~العذاب بساحتهم، وهو حتم القضاء كما تقدم. PageV03P117 # قوله تعالى: وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم، وهذا وعد ~~حسن بالجزاء الخير للذين اتبعوا إلا أن مجرد صدق الاتباع لما لم يستلزم ~~استحقاق جزيل الثواب لأن الاتباع كما عرفت وصف صادق على الأمة بمجرد تحققه ~~وصدوره عن عدة من أفرادها وحينئذ إنما يؤثر الأثر الجميل والثواب الجزيل ~~بالنسبة إلى من تلبس به شخصا دون من انتسب إليه اسما فلذلك بدل الذين ~~اتبعوك من مثل قوله: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ليستقيم المعنى فإن ~~السعادة والعاقبة الحسنى تدور مدار الحقيقة دون ms1104 الاسم كما يدل عليه قوله ~~تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ~~"البقرة - 62. # فهذا أجر الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الذين اتبعوا عيسى (عليه ~~السلام) أن الله يوفيهم أجورهم، وأما غيرهم فليس لهم من ذلك شيء، وقد أشير ~~إلى ذلك في الآية بقوله: والله لا يحب الظالمين. # ومن هنا يظهر السر في ختم الآية - وهي آية الرحمة والجنة - بمثل قوله: ~~والله لا يحب الظالمين مع أن المعهود في آيات الرحمة والنعمة أن تختتم ~~بأسماء الرحمة والمغفرة أو بمدح حال من نزلت في حقه الآية نظير قوله تعالى: ~~"وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير": الحديد - 10، وقوله تعالى: ~~"إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم": التغابن ~~- 17، وقوله تعالى: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم": التغابن - ~~9، وقوله تعالى: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ~~ذلك هو الفوز المبين": الجاثية - 30، إلى غير ذلك من الآيات. # فقوله: والله لا يحب الظالمين مسوق لبيان حال الطائفة الأخرى ممن انتسب ~~إلى عيسى (عليه السلام) بالاتباع وهم غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات. # قوله تعالى: ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إشارة إلى اختتام القصة. # والمراد بالذكر الحكيم القرآن الذي هو ذكر لله محكم من حيث آياته ~~وبياناته، لا يدخله باطل، ولا يلج فيه هزل. # قوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون، تلخيص لموضع الحاجة مما ذكره من قصة عيسى في تولده تفصيلا، والإيجاز ~~بعد الإطناب - وخاصة في مورد الاحتجاج والاستدلال - من مزايا الكلام، ~~والآيات نازلة في الاحتجاج ومتعرضة لشأن وفد النصارى نصارى نجران فكان من ~~الأنسب أن يوجز البيان في خلقته بعد الإطناب في قصته ليدل على أن كيفية ~~ولادته لا تدل على أزيد من ms1105 كونه بشرا مخلوقا نظير آدم (عليه السلام) فليس ~~من الجائز أن يقال فيه أزيد وأعظم مما قيل في آدم، وهو أنه بشر خلقه الله ~~من غير أب. # فمعنى الآية: إن مثل عيسى عند الله أي وصفه الحاصل عنده تعالى أي ما ~~يعلمه الله تعالى من كيفية خلق عيسى الجاري بيده أن كيفية خلقه يضاهي كيفية ~~خلق آدم، وكيفية خلقه أنه جمع أجزاءه من تراب ثم قال له كن فتكون تكونا ~~بشريا من غير أب. # فالبيان بحسب الحقيقة منحل إلى حجتين تفي كل واحدة منهما على وحدتها بنفي ~~الألوهية عن المسيح (عليه السلام). # إحداهما: أن عيسى مخلوق لله - على ما يعلمه الله ولا يضل في علمه - خلقة ~~بشر وإن فقد الأب ومن كان كذلك كان عبدا لا ربا. # وثانيهما: أن خلقته لا تزيد على خلقة آدم فلو اقتضى سنخ خلقه أن يقال ~~بألوهيته بوجه لاقتضى خلق آدم ذلك مع أنهم لا يقولون بها فيه فوجب أن لا ~~يقولوا بها في عيسى (عليه السلام) أيضا لمكان المماثلة. # ويظهر من الآية أن خلقة عيسى كخلقة آدم خلقة طبيعية كونية وإن كانت خارقة ~~للسنة الجارية في النسل وهي حاجة الولد في تكونه إلى والد. # والظاهر أن قوله: فيكون، أريد به حكاية الحال الماضية، ولا ينافي ذلك ~~دلالة قوله: ثم قال له كن على انتفاء التدريج فإن النسبة مختلفة فهذه ~~الموجودات بأجمعها أعم من التدريجي الوجود وغيره مخلوقة لله سبحانه موجودة ~~بأمره الذي هو كلمة كن كما قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون": يس - 82، وكثير منها تدريجية الوجود إذا قيست حالها إلى أسبابها ~~التدريجية. PageV03P118 # وأما إذا لوحظ بالقياس إليه تعالى فلا تدريج هناك ولا مهلة كما قال تعالى: ~~"وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر - 50، وسيجيء زيادة توضيح لهذا ~~المعنى إن شاء الله تعالى في محله المناسب له. # على أن عمدة ما سيق لبيانه قوله: ثم قال له كن إنه تعالى لا يحتاج في خلق ~~شيء إلى الأسباب حتى ms1106 يختلف حال ما يريد خلقه من الأشياء بالنسبة إليه تعالى ~~بالإمكان والاستحالة، والهوان والعسر، والقرب والبعد، باختلاف أحوال ~~الأسباب الدخيلة في وجوده فما أراده وقال له كن، كان من غير حاجة إلى ~~الأسباب الدخيلة عادة. # قوله تعالى: الحق من ربك فلا تكن من الممترين تأكيد لمضمون الآية السابقة ~~بعد تأكيده بأن ونحوه نظير تأكيد تفصيل القصة بقوله: ذلك نتلوه عليك من ~~الآيات والذكر الحكيم الآية، وفيه تطييب لنفس رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بأنه على الحق، وتشجيع له في المحاجة. # وهذا أعني قوله: الحق من ربك من أبدع البيانات القرآنية حيث قيد الحق بمن ~~الدالة على الابتداء دون غيره بأن يقال: الحق مع ربك لما فيه من شائبة ~~الشرك ونسبة العجز إليه تعالى بحسب الحقيقة. # وذلك أن هذه الأقاويل الحقة والقضايا النفس الأمرية الثابتة كائنة ما ~~كانت وإن كانت ضرورية غير ممكنة التغير عما هي عليه كقولنا: الأربعة زوج، ~~والواحد نصف الاثنين، ونحو ذلك إلا أن الإنسان إنما يقتنصها من الخارج ~~الواقع في الوجود والوجود كله منه تعالى، فالحق كله منه تعالى كما أن الخير ~~كله منه، ولذلك كان تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فإن فعل غيره إنما ~~يصاحب الحق إذا كان حقا، وأما فعله تعالى فهو الوجود الذي ليس الحق إلا ~~صورته العلمية. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: يا مريم إن الله اصطفيك - وطهرك واصطفيك ~~على نساء العالمين قال: قال (عليه السلام) اصطفاها مرتين: أما الأولى ~~فاصطفاها أي اختارها، وأما الثانية فإنها حملت من غير فحل فاصطفاها بذلك ~~على نساء العالمين وفي المجمع، قال أبو جعفر (عليه السلام): معنى الآية ~~اصطفاك لذرية الأنبياء، وطهرك من السفاح واصطفيك لولادة عيسى من غير فحل. # أقول: معنى قوله: اصطفاك لذرية الأنبياء اختارك لتكوني ذرية صالحة جديرة ~~للانتساب إلى الأنبياء، ومعنى قوله: وطهرك من السفاح أعطاك العصمة منه، وهو ~~العمدة في موردها لكونها ولدت عيسى من غير فحل، فالكلام مسوق لبيان بعض ~~لوازم اصطفائها وتطهيرها، ms1107 فالروايتان غير متعارضتين كما هو ظاهر، وقد مر ~~دلالة الآية على ذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان ~~والحاكم عن أنس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: حسبك من نساء ~~العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وآسية امرأة فرعون: قال السيوطي وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن ~~مرسلا: وفيه، أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أفضل نساء العالمين خديجة وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن الحسن قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعة: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت ~~عمران، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن فاطمة رضي الله عنها قالت: قال لي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت سيدة نساء أهل الجنة لا مريم ~~البتول. # وفيه، أخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ~~امرأة فرعون وفيه، أخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أربع نسوة سادات عالمهن. مريم بنت ~~عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وأفضلهن عالما فاطمة. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران، ~~وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنة خويلد. PageV03P119 # وفي الخصال، بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أربع خطوط ثم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران وخديجة ~~بنت خويلد وفاطمة بنت ms1108 محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. # وفيه، أيضا بإسناده عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله عز وجل اختار من النساء أربعا: مريم ~~وآسية وخديجة وفاطمة، الخبر. # أقول: والروايات فيما يقرب من هذا المضمون من طرق الفريقين كثيرة، وكون ~~هؤلاء سيدات النساء لا ينافي وجود التفاضل بينهن أنفسهن كما يظهر من الخبر ~~السادس المنقول من الدر المنثور وأخبار أخرى، وقد مر نظير هذا البحث في ~~تفسير قوله تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحا" الآية: آل عمران - 33. # ومما ينبغي أن يتنبه له أن الواقع في الآية هو الاصطفاء، وقد مر أنه ~~الاختيار، والذي وقع في الأخبار هو السيادة، وبينهما فرق بحسب المعنى ~~فالثاني من مراتب كمال الأول. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، عن ~~الباقر (عليه السلام): يقرعون بها حين أيتمت من أبيها. # وفي تفسير القمي،: وإذ قالت الملائكة يا مريم - إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نساء العالمين، قال: اصطفاها مرتين: أما الأولى فاصطفاها أي ~~اختارها، وأما الثانية فإنها حملت من غير فحل فاصطفاها بذلك على نساء ~~العالمين إلى أن قال القمي ثم قال الله لنبيه: ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك يا محمد وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم ~~إذ يختصمون، قال لما ولدت اختصموا آل عمران فيها وكلهم قالوا: نحن نكفلها ~~فخرجوا وضربوا بالسهام بينهم فخرج سهم زكريا، الخبر. # أقول: وقد مر من البيان ما يؤيد هذا الخبر وما قبلها. # واعلم أن هناك روايات كثيرة في بشارة مريم وولادة عيسى (عليه السلام) ~~ودعوته ومعجزاته لكن ما وقع في الآيات الشريفة من جمل قصصه كاف فيما هو ~~المهم من البحث التفسيري، ولذلك تركنا ذكرها إلا ما يهم ذكره منها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: وأنبئكم بما تأكلون الآية، عن الباقر ~~(عليه السلام) أن عيسى كان يقول لبني إسرائيل إني رسول الله إليكم، وإني ~~أخلق لكم من ms1109 الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء ~~الأكمه والأبرص، والأكمه هو الأعمى: قالوا: ما نرى الذي تصنع إلا سحرا ~~فأرنا آية نعلم أنك صادق قال: أرأيتكم إن أخبرتكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم يقول: ما أكلتم في بيوتكم قبل أن تخرجوا وما ادخرتم بالليل تعلمون ~~أني صادق؟ قالوا: نعم فكان يقول: أنت أكلت كذا وكذا وشربت كذا وكذا ورفعت ~~كذا وكذا فمنهم من يقبل منه فيؤمن، ومنهم من يكفر، وكان لهم في ذلك آية إن ~~كانوا مؤمنين. # أقول: وتغيير سياق الآية في حكاية ما ذكره (عليه السلام) من الآيات أولا ~~وآخرا يؤيد هذه الرواية، وقد مرت الإشارة إليه. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل ~~لكم الآية، عن الصادق (عليه السلام) قال: كان بين داود وعيسى أربعمائة سنة، ~~وكانت شريعة عيسى أنه بعث بالتوحيد والإخلاص وبما أوصى به نوح وإبراهيم ~~وموسى، وأنزل عليه الإنجيل، وأخذ عليه الميثاق الذي أخذ على النبيين، وشرع ~~له في الكتاب: إقام الصلوة مع الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأنزل عليه في الإنجيل مواعظ وأمثال وحدود ~~ليس فيها قصاص، ولا أحكام حدود، ولا فرض مواريث، وأنزل عليه تخفيف ما كان ~~على موسى في التوراة، وهو قول الله في الذي قال عيسى لبني إسرائيل: ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم، وأمر عيسى من معه ممن اتبعه من المؤمنين أن يؤمنوا ~~بشريعة التوراة والإنجيل. # أقول: وروي الرواية في قصص الأنبياء، مفصلة عن الصادق (عليه السلام) ~~وفيها: كان بين داود وعيسى أربعمائة سنة، وثمانون سنة ولا يوافق شيء منهما ~~تاريخ أهل الكتاب. PageV03P120 # وفي العيون، عن الرضا (عليه السلام): أنه سئل لم سمي الحواريون الحواريين؟ ~~قال: أما عند الناس فإنهم سموا حواريين لأنهم كانوا قصارين يخلصون الثياب ~~من الوسخ بالغسل، وهو اسم مشتق من الخبز الحوار. وأما عندنا فسمي الحواريون ~~الحواريين لأنهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين غيرهم من أوساخ الذنوب ~~بالوعظ والتذكير. # وفي التوحيد، ms1110 عنه (عليه السلام): أنهم كانوا اثنا عشر رجلا وكان أفضلهم ~~وأعلمهم لوقا. # وفي الإكمال، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: بعث الله عيسى بن مريم، ~~واستودعه النور والعلم والحكم وجميع علوم الأنبياء قبله، وزاده الإنجيل، ~~وبعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى كتابه وحكمته، وإلى ~~الإيمان بالله ورسوله فأبى أكثرهم إلا طغيانا وكفرا، فلما لم يؤمنوا دعا ~~ربه وعزم عليه فمسخ منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا فلم يزدهم ذلك إلا ~~طغيانا وكفرا فأتى بيت المقدس فمكث يدعوهم ويرغبهم فيما عند الله ثلاثة ~~وثلاثين سنة حتى طلبته اليهود وادعت أنها عذبته ودفنته في الأرض حيا، وادعى ~~بعضهم أنهم قتلوه وصلبوه، وما كان الله ليجعل لهم سلطانا عليه، وإنما شبه ~~لهم، وما قدروا على عذابه وقتله ولا على قتله وصلبه لأنهم لو قدروا على ذلك ~~لكان تكذيبا لقوله: ولكن رفعه الله بعد أن توفاه. # أقول: قوله (عليه السلام): فمسخ منهم شياطين أي مسخ جمعا من شرارهم. # وقوله (عليه السلام): فمكث يدعوهم "الخ" لعله إشارة إلى مدة عمره على ما ~~هو المشهور فإنه (عليه السلام) كان يكلمهم من المهد إلى الكهولة وكان نبيا ~~من صباه على ما يدل عليه قوله على ما حكاه الله عنه: "فأشارت إليه قالوا ~~كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا": مريم - 30. # وقوله (عليه السلام) لكان تكذيبا لقوله: ولكن رفعه الله بعد أن توفاه، ~~نقل بالمعنى لقوله تعالى: ولكن رفعه الله الآية، وقوله تعالى: إني متوفيك ~~ورافعك إلي الآية، وقد استفاد من تقديم التوفي على الرفع في اللفظ الترتيب ~~بينهما في الوجود. # وفي تفسير القمي، عن الباقر (عليه السلام) قال: إن عيسى وعد أصحابه ليلة ~~رفعه الله إليه فاجتمعوا إليه عند المساء وهم اثنا عشر رجلا فأدخلهم بيتا ~~ثم خرج إليهم من عين في زاوية البيت وهو ينفض رأسه عن الماء فقال: إن الله ~~أوحى إلي أنه رافعي إليه الساعة، ومطهري من اليهود فأيكم يلقى عليه شبحي ~~فيقتل ويصلب ms1111 ويكون معي في درجتي، فقال شاب منهم أنا يا روح الله، قال: فأنت ~~هو ذا فقال لهم عيسى: أما إن منكم من يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة، ~~فقال رجل منهم: أنا هو يا نبي الله! فقال له عيسى: أتحس بذلك في نفسك؟ ~~فلتكن هو، ثم قال لهم عيسى: أما إنكم ستفترقون بعدي ثلاث فرق: فرقتين ~~مفتريتين على الله في النار، وفرقة تتبع شمعون صادقة على الله في الجنة ثم ~~رفع الله عيسى إليه من زاوية البيت وهم ينظرون إليه. ثم قال: إن اليهود ~~جاءت في طلب عيسى من ليلتهم فأخذوا الرجل الذي قال له عيسى: إن منكم لمن ~~يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة، وأخذوا الشاب الذي ألقي عليه شبح ~~عيسى فقتل وصلب، وكفر الذي قال له عيسى: يكفر قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة. # أقول: وروي قريب منه عن ابن عباس وقتادة وغيرهما، وقال بعضهم: إن الذي ~~ألقي عليه شبح عيسى هو الذي دلهم ليقبضوا عليه ويقتلوه، وقيل غير ذلك، ~~والقرآن ساكت عن ذلك، وسيأتي استيفاء البحث عنه في الكلام على قوله تعالى: ~~"وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" الآية: النساء - 157. # وفي العيون، عن الرضا (عليه السلام) قال: إنه ما شبه أمر أحد من أنبياء ~~الله وحججه على الناس إلا أمر عيسى وحده لأنه رفع من الأرض حيا وقبض روحه ~~بين السماء والأرض ثم رفع إلى السماء، ورد عليه روحه، وذلك قوله عز وجل: إذ ~~قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك، وقال الله حكاية لقول عيسى ~~يوم القيامة وكنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم - فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم - وأنت على كل شيء شهيد وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) ~~قال: رفع عيسى بن مريم بمدرعة صوف من غزل مريم ومن نسج مريم ومن خياطة مريم ~~فلما انتهى إلى السماء نودي يا عيسى ألق عنك زينة الدنيا. PageV03P121 # أقول: وسيأتي توضيح معنى الروايتين في أواخر سورة النساء إن شاء ms1112 الله تعالى. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله الآية، أخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا: أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم ~~السيد والعاقب لقيا نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألاه عن عيسى ~~فقال: كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له فأنزل الله فيه هذه الآية: إن ~~مثل عيسى عند الله الآية. # أقول: وروي ما يقرب منه عن السدي وعكرمة وغيرهما، وروى القمي في تفسيره، ~~أيضا نزول الآية في المورد. ### |||| AUTO بحث روائي آخر في معنى المحدث # في البصائر، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرسول ~~وعن النبي وعن المحدث قال: الرسول الذي يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربه ~~يقول: يأمرك كذا وكذا، والرسول يكون نبيا مع الرسالة. والنبي لا يعاين ~~الملك ينزل عليه الشيء النبأ على قلبه فيكون كالمغمى عليه فيرى في منامه ~~قلت: فما علمه أن الذي رأى في منامه حق؟ قال يبينه الله حتى يعلم أن ذلك حق ~~ولا يعاين الملك. والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى شاهدا. # أقول: ورواه في الكافي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله: شاهدا أي ~~صائتا حاضرا. # ويمكن أن يكون حالا من فاعل لا يرى. # وفيه، أيضا عن بريد عن الباقر والصادق (عليهما السلام) في حديث قال بريد: ~~فما الرسول والنبي والمحدث؟ قال: الرسول الذي يظهر الملك فيكلمه، والنبي ~~يرى في المنام، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد، والمحدث الذي يسمع ~~الصوت ولا يرى الصورة قال: قلت أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى في المنام ~~هو الحق وأنه من الملك؟ قال: يوفق لذلك حتى يعرفه "لقد ختم الله بكتابكم ~~الكتب وبنبيكم الأنبياء، الحديث. # وفيه، عن محمد بن مسلم قال: ذكرت المحدث عند أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: فقال: إنه يسمع الصوت ولا يرى الصورة فقلت أصلحك الله كيف يعلم أنه ~~كلام الملك؟ قال: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه ملك. # وفيه، أيضا ms1113 عن أبي بصير عنه (عليه السلام) قال: كان علي محدثا وكان سلمان ~~محدثا، قال: قلت: فما آية المحدث؟ قال: يأتيه الملك فينكت في قلبه كيت وكيت ~~220 - وفيه، عن حمران بن أعين قال: أخبرني أبو جعفر (عليه السلام): أن عليا ~~كان محدثا فقال أصحابنا: ما صنعت شيئا ألا سألته من يحدثه؟ فقضي أني لقيت ~~أبا جعفر فقلت: ألست أخبرتني: أن عليا كان محدثا؟ قال: بلى قلت: من كان ~~يحدثه؟ قال: ملك، قلت: فأقول: إنه نبي أو رسول؟ قال: لا بل قل مثله مثل ~~صاحب سليمان وصاحب موسى، ومثله مثل ذي القرنين، أما سمعت أن عليا سئل عن ذي ~~القرنين أنبيا كان؟ قال لا ولكن كان عبدا أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه ~~فهذا مثله. # أقول: والروايات في معنى المحدث عن أئمة أهل البيت كثيرة جدا رواها في ~~البصائر والكافي والكنز والاختصاص وغيرها، ويوجد في روايات أهل السنة أيضا. # وأما الفرق الوارد في الأخبار المذكورة بين النبي والرسول والمحدث فقد مر ~~الكلام في الفرق بين الرسول والنبي، وأن الوحي بمعنى تكليم الله سبحانه ~~لعبده، فهو يوجب العلم اليقيني بنفس ذاته من غير حاجة إلى حجة، فمثله في ~~الإلقاءات الإلهية مثل العلوم البديهية التي لا تحتاج في حصولها للإنسان ~~إلى سبب تصديقي كالقياس ونحوه. # وأما المنام فالروايات كما ترى تفسره بمعنى غير المعنى المعهود منه أعني ~~الرؤيا يراها الإنسان في النوم العادي العارض له في يومه وليلته بل هو حال ~~يشبه الإغماء تسكن فيه حواس الإنسان النبي فيشاهد عند ذلك نظير ما نشاهده ~~في اليقظة ثم يسدده الله سبحانه بإفاضته على نفسه اليقين بأنه من جانب الله ~~سبحانه لا من تصرف الشيطان. # وأما التحديث فهو سماع صوت الملك غير أنه بسمع القلب دون سمع الحس، وليس ~~من قبيل الخطور الذهني الذي لا يسمى سمع صوت إلا بنحو من المجاز البعيد، ~~ولذلك ترى أن الروايات تجمع فيه بين سماع الصوت والنكت في القلب، وتسميه مع ~~ذلك تحديثا وتكليما فالمحدث يسمع صوت الملك في ms1114 تحديثه ويعيه بسمعه نظير ما ~~نسمعه ويسمعه من الكلام المعتاد والأصوات المسموعة في عالم المادة غير أنه ~~لا يشاركه في ما يسمعه من كلام الملك غيره، ولذا كان أمرا قلبيا. PageV03P122 # وأما علمه بأن ما حدث به من كلام الملك لا من نزغة الشيطان فذلك بتأييد من ~~الله سبحانه وتسديد كما يشير إليه ما في رواية محمد بن مسلم المتقدمة: أنه ~~يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه ملك، وذلك أن النزغة الشيطانية إما باطل ~~في صورته الباطلة عند الإنسان المؤمن فظاهر أنه ليس من حديث الملائكة ~~المكرمين الذين لا يعصون الله، وإما باطل في صورة حق وسيستتبع باطلا فالنور ~~الإلهي الذي يلازم العبد المؤمن يبين حاله، قال تعالى: "أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام - 122، والنزغة ~~والوسوسة مع ذلك كله لا تخلو عن اضطراب في النفس وتزلزل في القلب كما أن ~~ذكر الله وحديثه لا ينفك عن الوقار وطمأنينة الباطن، قال تعالى: "ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه": آل عمران - 175، وقال: "ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب": الرعد - 28، وقال: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون": الأعراف - 201، فالسكينة والطمأنينة عند ما يلقى ~~إلى الإنسان من حديث أو خاطر دليل كونه إلقاء رحمانيا كما أن الاضطراب ~~والقلق دليل على كونه إلقاء شيطانا ويلحق بذلك العجلة والجزع والخفة ~~ونحوها. # وأما ما في الروايات من أن المحدث يسمع الصوت ولا يعاين الملك فمحمول على ~~الجهة دون التمانع بين المعنيين بمعنى أن الملاك في كون الإنسان محدثا أن ~~يسمع الصوت من غير لزوم الرؤية فإن اتفق أن شاهد الملك حين ما يسمع الصوت ~~فليس ذلك لأنه محدث وذلك لأن الآيات صريحة في رؤية بعض المحدثين للملائكة ~~حين التحديث كقوله تعالى في مريم: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إني رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا الآيات": مريم - 19، وقوله تعالى - في زوجة إبراهيم في قصة ~~البشارة -: "ولقد جاءت رسلنا ms1115 إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام - إلى ~~أن قال -: وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب قالت يا ~~ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من ~~أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد": هود - 73. # وهاهنا وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالمعاينة المنفية معاينة حقيقة ~~الملك في نفسه دون مثاله الذي يتمثل به فإن الآيات لا تثبت أزيد من معاينة ~~المثال كما هو ظاهر. # وهاهنا وجه آخر ثالث احتمله بعضهم وهو أن المنفي من المعاينة الوحي ~~التشريعي بأن يظهر للمحدث فيلقي إليه حكما شرعيا وذلك صون من الله لمقام ~~المشرعين من أنبيائه ورسله ولا يخلو عن بعد. PageV03P123 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 61 - 63 # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكذبين ~~(61) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، الفاء للتفريع، وهو ~~تفريع المباهلة على التعليم الإلهي بالبيان البالغ في أمر عيسى بن مريم ~~(عليهما السلام) مع ما أكده في ختمه بقوله: الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين. # والضمير في قوله: فيه راجع إلى عيسى أو إلى الحق المذكور في الآية ~~السابقة. # وقد كان البيان السابق منه تعالى مع كونه بيانا إلهيا لا يرتاب فيه ~~مشتملا على البرهان الساطع الذي يدل عليه قوله: إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم الآية، فالعلم الحاصل فيه علم من جهة البرهان أيضا، ولذلك كان يشمل ~~أثره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من كل سامع فلو فرض تردد ~~من نفس السامع المحاج من جهة كون البيان وحيا إلهيا لم يجز الارتياب فيه من ~~جهة كونه برهانا يناله العقل السليم، ولعله لذلك قيل: من بعد ms1116 ما جاءك من ~~العلم ولم يقل: من بعد ما بيناه لهم. # وهاهنا نكتة أخرى وهي أن في تذكيره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعلم ~~تطييبا لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن الله، وأن ربه ناصره وغير خاذله البتة. # قوله تعالى: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم، المتكلم مع الغير في قوله: ندع، غيره في قوله: أبناءنا ونساءنا ~~وأنفسنا فإنه في الأول مجموع المتخاصمين من جانب الإسلام والنصرانية، وفي ~~الثاني وما يلحق به من جانب الإسلام، ولذا كان الكلام في معنى قولنا: ندع ~~الأبناء والنساء والأنفس فندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وتدعون أنتم ~~أبناءكم ونساءكم وأنفسكم، ففي الكلام إيجاز لطيف. # والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين رسول الله وبين ~~رجال النصارى لكن عممت الدعوة للأبناء والنساء ليكون أدل على اطمينان ~~الداعي بصدق دعواه وكونه على الحق لما أودعه الله سبحانه في قلب الإنسان من ~~محبتهم والشفقة عليهم فتراه يقيهم بنفسه، ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم، ~~وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذب عنهم، ولذلك بعينه قدم الأبناء على ~~النساء لأن محبة الإنسان بالنسبة إليهم أشد وأدوم. # ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين: أن المراد بقوله: ندع أبناءنا ~~وأبناءكم "الخ" ندع نحن أبناءكم ونساءكم وأنفسكم، وتدعوا أنتم أبناءنا ~~ونساءنا وأنفسنا. # وذلك لإبطاله ما ذكرناه من وجه تشريك الأبناء والنساء في المباهلة. # وفي تفصيل التعداد دلالة أخرى على اعتماد الداعي وركونه إلى الحق، كأنه ~~يقول: ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة الله على الكاذبين حتى يشمل ~~اللعن والعذاب الأبناء والنساء والأنفس فينقطع بذلك دابر المعاندين، وينبت ~~أصل المبطلين. # وبذلك يظهر أن الكلام لا يتوقف في صدقه على كثرة الأبناء ولا على كثرة ~~النساء ولا على كثرة الأنفس فإن المقصود الأخير أن يهلك أحد الطرفين بمن ~~عنده من صغير وكبير، وذكور وإناث، وقد أطبق المفسرون واتفقت الرواية وأيده ~~التاريخ: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حضر للمباهلة ولم يحضر ~~معه إلا علي وفاطمة والحسنان (عليه السلام) فلم يحضر ms1117 لها إلا نفسان وابنان ~~وامرأة واحدة وقد امتثل أمر الله سبحانه فيها. PageV03P124 # على أن المراد من لفظ الآية أمر، والمصداق الذي ينطبق عليه الحكم بحسب ~~الخارج أمر آخر، وقد كثر في القرآن الحكم أو الوعد والوعيد للجماعة، ~~ومصداقه بحسب شأن النزول واحد كقوله تعالى: "الذين يظاهرون منكم من نسائهم ~~ما هن أمهاتهم" الآية: المجادلة - 2، وقوله تعالى: "والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا": المجادلة - 3، وقوله تعالى: "لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء": آل عمران - 181، وقوله تعالى: ~~"ويسألونك ما ذا ينفقون قل العفو": البقرة - 219، إلى غير ذلك من الآيات ~~الكثيرة التي وردت بلفظ الجمع ومصداقها بحسب شأن النزول مفرد. # قوله تعالى: ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، - الابتهال - من ~~البهلة بالفتح والضم وهي اللعنة، هذا أصله ثم كثر استعماله في الدعاء ~~والمسألة إذا كان مع إصرار وإلحاح. # وقوله: فنجعل لعنة الله، كالبيان للابتهال، وقد قيل: فنجعل، ولم يقل، ~~فنسأل إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة حيث يمتاز بها الحق من الباطل على ~~طريق التوقف والابتناء. # وقوله: الكاذبين مسوق سوق العهد دون الاستغراق أو الجنس إذ ليس المراد ~~جعل اللعنة على كل كاذب أو على جنس الكاذب بل على الكاذبين الواقعين في أحد ~~طرفي المحاجة الواقعة بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين النصارى حيث قال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله لا إله غيره وإن عيسى عبده ورسوله، ~~وقالوا: إن عيسى هو الله أو إنه ابن الله أو إن الله ثالث ثلاثة. # وعلى هذا فمن الواضح أن لو كانت الدعوى والمباهلة عليها بين النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وبين النصارى أعني كون أحد الطرفين مفردا والطرف ~~الآخر جمعا كان من الواجب التعبير عنه بلفظ يقبل الانطباق على المفرد ~~والجمع معا كقولنا: فنجعل لعنة الله على من كان كاذبا فالكلام يدل على تحقق ~~كاذبين بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجة والمباهلة على أي حال: إما في جانب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms1118 وإما في جانب النصارى، وهذا يعطي أن يكون ~~الحاضرون للمباهلة شركاء في الدعوى فإن الكذب لا يكون إلا في دعوى فلمن حضر ~~مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم علي وفاطمة والحسنان (عليه ~~السلام) شركة في الدعوى والدعوة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وهذا من أفضل المناقب التي خص الله به أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما خصهم باسم الأنفس والنساء والأبناء لرسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من بين رجال الأمة ونسائهم وأبنائهم. # فإن قلت: قد مر أن القرآن يكثر إطلاق لفظ الجمع في مورد المفرد وأن إطلاق ~~النساء في الآية مع كون من حضرت منهن للمباهلة منحصرة في فاطمة (عليها ~~السلام) فما المانع من تصحيح استعمال لفظ الكاذبين بهذا النحو؟. # قلت: إن بين المقامين فارقا وهو أن إطلاق الآيات لفظ الجمع في مورد ~~المفرد إنما هو لكون الحقيقة التي تبينها أمرا جائز التحقق من كثيرين يقضي ~~ذلك بلحوقهم بمورد الآية في الحكم، وأما فيما لا يجوز ذلك لكون مورد الآية ~~مما لا يتعداه الحكم، ولا يشمل غيره الوصف فلا ريب في عدم جوازه نظير قوله ~~تعالى: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق ~~الله": الأحزاب - 37 وقوله تعالى: "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين": النحل - 103 وقوله تعالى: "إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن - إلى أن قال: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين": الأحزاب - 50. # وأمر المباهلة في الآية مما لا يتعدى مورده وهو مباهلة النبي مع النصارى ~~فلو لم يتحقق في المورد مدعون بوصف الجمع في كلا الطرفين لم يستقم قوله: ~~الكاذبين بصيغة الجمع البتة. PageV03P125 # فإن قلت: كما أن النصارى الوافدين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أصحاب دعوى وهي أن المسيح هو الله أو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة من غير فرق ~~بينهم أصلا ولا بين نسائهم ms1119 وبين رجالهم في ذلك كذلك الدعوى التي كانت في ~~جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي أن الله لا إله إلا هو وأن ~~عيسى بن مريم عبده ورسوله كان القائمون بها جميع المؤمنين من غير اختصاص ~~فيه بأحد من بينهم حتى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يكون لمن ~~أحضره فضل على غيره غير أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحضر من أحضر ~~منهم على سبيل الأنموذج لما اشتملت عليه الآية من الأبناء والنساء والأنفس، ~~على أن الدعوى غير الدعوة وقد ذكرت أنهم شركاء في الدعوة. # قلت: لو كان إتيانه بمن أتى به على سبيل الأنموذج لكان من اللازم أن يحضر ~~على الأقل رجلين ونسوة وأبناء ثلاثة فليس الإتيان بمن أتى به إلا للانحصار ~~وهو المصحح لصدق الامتثال بمعنى أنه لم يجد من يمتثل في الإتيان به أمره ~~تعالى إلا من أتى وهو رجل وامرأة وابنان. # وإنك لو تأملت القصة وجدت أن وفد نجران من النصارى إنما وفدوا على ~~المدينة ليعارضوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحاجوه في أمر عيسى ~~بن مريم فإن دعوى أنه عبد الله ورسوله إنما كانت قائمة به مستندة إلى الوحي ~~الذي كان يدعيه لنفسه، وأما الذين اتبعوه من المؤمنين فما كان للنصارى بهم ~~شغل ولا لهم في لقائهم هوى كما يدل على ذلك قوله تعالى في صدر الآية: فمن ~~حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل، وكذا قوله تعالى - قبل عدة آيات -: ~~فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن. # ومن هنا يظهر: أن إتيان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن أتى به ~~للمباهلة لم يكن إتيانا بنحو الأنموذج إذ لا نصيب للمؤمنين من حيث مجرد ~~إيمانهم في هذه المحاجة والمباهلة حتى يعرضوا للعن والعذاب المتردد بينهم ~~وبين خصمهم، وإنما أتى (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن أتى به من جهة أنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان طرف المحاجة والمداعاة فكان من حقه أن ms1120 يعرض ~~نفسه للبلاء المترقب على تقدير الكذب فلو لا أن الدعوى كانت قائمة بمن أتى ~~به منهم كقيامها بنفسه الشريفة لم يكن لإتيانه بهم وجه فإتيانه بهم من جهة ~~انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء والنساء والأنفس بهم لا من جهة ~~الإتيان بالأنموذج فقد صح أن الدعوى كانت قائمة بهم كما كانت قائمة به. # ثم إن النصارى إنما قصدوه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا لمجرد أنه كان ~~يرى أن عيسى بن مريم (عليهما السلام) عبد الله ورسوله ويعتقد ذلك بل لأنه ~~كان يدعيه ويدعوهم إليه فالدعوة هي السبب العمدة التي بعثهم على الوفود ~~والمحاجة فحضوره وحضور من حضر معه للمباهلة لمكان الدعوى والدعوة معا فقد ~~كانوا شركاءه في الدعوة الدينية كما شاركوه في الدعوى كما ذكرناه. # فإن قلت: هب أن إتيانه بهم لكونهم منه، وانحصار هذا الوصف بهم لكن الظاهر ~~- كما تعطيه العادة الجارية - أن إحضار الإنسان أحباءه وأفلاذ كبده من ~~النساء والصبيان في المخاطر والمهاول دليل على وثوقه بالسلامة والعافية ~~والوقاية فلا يدل إتيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم على أزيد من ذلك ~~وأما كونهم شركاء في الدعوة فهو بمعزل عن أن يدل عليه فعله. # قلت: نعم صدر الآية لا يدل على أزيد مما ذكر لكنك قد عرفت أن ذيلها أعني ~~قوله: على الكاذبين، يدل على تحقق كاذبين في أحد طرفي المحاجة والمباهلة ~~البتة، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون في كل واحد من الطرفين جماعة صاحبة دعوى ~~إما صادقة أو كاذبة فالذين أتى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مشاركون معه في الدعوى وفي الدعوة كما تقدم فقد ثبت أن الحاضرين كانوا ~~بأجمعهم صاحبي دعوى ودعوة معه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشركاء في ذلك. # فإن قلت: لازم ما ذكرته كونهم شركاء في النبوة. # قلت: كلا فقد تبين فيما أسلفناه من مباحث النبوة أن الدعوة والتبليغ ليسا ~~بعين النبوة والبعثة وإن كانا من شئونها ولوازمها، ومن المناصب والمقامات ~~الإلهية التي يتقلدها، وكذا تبين مما ms1121 تقدم من مبحث الإمامة أيضا أنهما ليسا ~~بعين الإمامة وإن كانا من لوازمها بوجه. PageV03P126 # قوله تعالى: إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله، هذا إشارة إلى ما ~~تقدم من قصص عيسى (عليه السلام)، والكلام مشتمل على قصر القلب أي ما قصصناه ~~هو الحق دون ما تدعيه النصارى من أمر عيسى. # وفي الإتيان بإن واللام وضمير الفصل تأكيد بالغ لتطييب نفس رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وتشجيعه في أمر المباهلة بإيقاظ صفة يقينه ~~وبصيرته ووثوقه بالوحي الذي أنزله الله سبحانه إليه، ويتعقبه التأكيد ~~الثاني بإيراد الحقيقة بلازمها وهو قوله: وما من إله إلا الله فإن هذه ~~الجملة لازمة كون القصص المذكور حقا. # قوله تعالى: وإن الله لهو العزيز الحكيم معطوف على أول الآية، وهو بما ~~فيه من التأكيد البالغ تطييب آخر وتشجيع لنفس النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إن الله لا يعجز عن نصرة الحق وتأييده، ولا أنه يغفل أو يلهو عن ذلك ~~بإهمال أو جهل فإنه هو العزيز فلا يعجز عما أراده الحكيم فلا يجهل ولا يهمل ~~لا ما عملته أوهام خصماء الحق من إله غير الله سبحانه. # ومن هنا يظهر وجه الآيتان بالاسمين: العزيز الحكيم، وأن الكلام مسوق لقصر ~~القلب أو الإفراد. # قوله تعالى: فإن الله عليم بالمفسدين، لما كان الغرض من المحاجة وكذا ~~المباهلة بحسب الحقيقة هو إظهار الحق لم يكن يعقل التولي عن الطريق لمريد ~~الغرض والمقصد فلو كانوا أرادوا بذلك إظهار الحق وهم يعلمون أن الله سبحانه ~~ولي الحق لا يرضى بزهوقه ودحوضه لم يتولوا عنها فإن تولوا فإنما هو لكونهم ~~لا يريدون بالمحاجة ظهور الحق بل الغلبة الظاهرية والاحتفاظ على ما في ~~أيديهم من حاضر الوضع، والسنة التي استحكمت عليه عادتهم، فهم إنما يريدون ~~ما تزينه لهم أهواؤهم وهوساتهم من شكل الحياة، لا الحياة الصالحة التي ~~تنطبق على الحق والسعادة فهم لا يريدون إصلاحا بل إفساد الدنيا بإفساد ~~الحياة السعيدة فإن تولوا فإنما هو لأنهم مفسدون. # ومن هنا يظهر ms1122 أن الجزاء وضع فيه السبب مكان المسبب أعني الإفساد مكان عدم ~~إرادة ظهور الحق. # وقد ضمن الجزاء وصف العلم حيث قيل فإن الله عليم ثم أكد بإن ليدل على أن ~~هذه الصفة متحققة في نفوسهم ناشبة في قلوبهم فيشعر بأنهم سيتولون عن ~~المباهلة لا محالة، وقد فعلوا وصدقوا قول الله بفعلهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام): أن نصارى نجران لما وفدوا على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان سيدهم الأهتم والعاقب والسيد، ~~وحضرت صلاتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلوا، فقال أصحاب رسول الله: يا رسول ~~الله هذا في مسجدك؟ فقال دعوهم فلما فرغوا دنوا من رسول الله فقالوا إلى ما ~~تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن عيسى عبد ~~مخلوق يأكل ويشرب ويحدث، قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال: قل لهم: ما تقولون في آدم، أكان عبدا مخلوقا ~~يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ فسألهم النبي، فقالوا نعم: قال فمن أبوه؟ فبهتوا ~~فأنزل الله: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب الآية، وقوله: فمن ~~حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم إلى قوله: فنجعل لعنة الله على الكاذبين ~~فقال رسول الله: فباهلوني فإن كنت صادقا أنزلت اللعنة عليكم، وإن كنت كاذبا ~~أنزلت علي فقالوا أنصفت فتواعدوا للمباهلة فلما رجعوا إلى منازلهم قال ~~رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبيا، وإن ~~باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله فإنه لا يقدم إلى أهل بيته إلا وهو صادق ~~فلما أصبحوا جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه أمير ~~المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) فقال النصارى: من هؤلاء؟ ~~فقيل لهم هذا ابن عمه ووصيه وختنه علي بن أبي طالب، وهذا ابنته فاطمة، وهذا ~~ابناه الحسن والحسين ففرقوا فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة فصالحهم رسول الله (صلى ms1123 الله عليه وآله ~~وسلم) على الجزية وانصرفوا. PageV03P127 # وفي العيون، بإسناده عن الريان بن الصلت عن الرضا (عليه السلام): في حديثه ~~مع المأمون والعلماء في الفرق بين العترة والأمة، وفضل العترة على الأمة، ~~وفيه قالت العلماء: هل فسر الله الاصطفاء في كتابه؟ فقال الرضا (عليه ~~السلام): فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا وذكر ~~المواضع من القرآن، وقال فيها: وأما الثالثة حين ميز الله الطاهرين من ~~خلقه، وأمر نبيه بالمباهلة بهم في آية الابتهال فقال عز وجل فمن حاجك فيه ~~من بعد ما جاءك من العلم - فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم - ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم، قالت العلماء: عنى به نفسه، قال أبو الحسن: غلطتم ~~إنما عنى به علي بن أبي طالب، ومما يدل على ذلك قول النبي: لينتهين بنو ~~وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي يعني علي بن أبي طالب، وعنى بالأبناء ~~الحسن والحسين، وعنى بالنساء فاطمة فهذه خصوصية لا يتقدمهم فيها أحد، وفضل ~~لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق إذ جعل نفس علي كنفسه، الحديث. # وعنه، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام): في حديث له مع الرشيد، ~~قال الرشيد له: كيف قلتم إنا ذرية النبي، والنبي لم يعقب، وإنما العقب ~~للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد البنت ولا يكون له عقب. فقلت: أسأله بحق ~~القرابة والقبر ومن فيه إلا ما أعفاني عن هذه المسألة، فقال: تخبرني بحجتكم ~~فيه يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا أنهي إلي، ولست ~~أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، وأنتم تدعون ~~معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء لا ألف ولا واو إلا تأويله عندكم، ~~واحتججتم بقوله عز وجل: ما فرطنا في الكتاب من شيء، وقد استغنيتم عن رأي ~~العلماء وقياسهم. فقلت: تأذن لي في الجواب؟ فقال: هات، قلت: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ~~ويوسف وموسى وهارون وكذلك ms1124 نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس، من أبو ~~عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس له أب فقلت: إنما ألحقه بذراري الأنبياء ~~من طريق مريم، وكذلك ألحقنا الله تعالى بذراري النبي من أمنا فاطمة، أزيدك ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: هات، قلت: قول الله عز وجل، فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم - فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم - ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم - ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، ولم يدع أحد أنه ~~أدخل النبي تحت الكساء عند المباهلة مع النصارى إلا علي بن أبي طالب وفاطمة ~~والحسن والحسين فكان تأويل قوله أبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة ~~وأنفسنا علي بن أبي طالب: وفي سؤالات المأمون عن الرضا (عليه السلام): قال ~~المأمون: ما الدليل على خلافة جدك علي بن أبي طالب؟ قال: آية أنفسنا قال: ~~لو لا نساءنا قال لو لا أبناءنا. # أقول: قوله: آية أنفسنا يريد أن الله جعل نفس علي كنفس نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وقوله: لو لا نساءنا معناه: أن كلمة نساءنا في الآية دليل ~~على أن المراد بالأنفس الرجال فلا فضيلة فيه حينئذ، وقوله: لو لا أبناءنا ~~معناه أن وجود أبناءنا فيها يدل على خلافه فإن المراد بالأنفس لو كان هو ~~الرجال لم يكن مورد لذكر الأبناء. # وفي تفسير العياشي، بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ~~إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن فضائله فذكر بعضها ثم قالوا له زدنا ~~فقال إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه حبران من أحبار النصارى ~~من أهل نجران فتكلما في أمر عيسى فأنزل الله هذه الآية: إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم إلى آخر الآية فدخل رسول الله فأخذ بيد علي والحسن والحسين ~~وفاطمة ثم خرج ورفع كفه إلى السماء، وفرج بين أصابعه، ودعاهم إلى المباهلة، ~~قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام) وكذلك المباهلة يشبك يده في يده يرفعهما ~~إلى السماء فلما رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: والله لئن كان نبيا ms1125 لنهلكن ~~وإن كان غير نبي كفانا قومه فكفا وانصرفا. PageV03P128 # أقول: وهذا المعنى أو ما يقرب منه مروي في روايات أخر من طرق الشيعة وفي ~~جميعها أن الذين أتى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة هم علي ~~وفاطمة والحسنان فقد رواه الشيخ في أماليه، بإسناده عن عامر بن سعد عن ~~أبيه، ورواه أيضا فيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق (عليه ~~السلام)، ورواه فيه، أيضا بإسناده عن سالم بن أبي الجعد يرفعه إلى أبي ذر ~~رضوان الله عليه، ورواه أيضا فيه، بإسناده عن ربيعة بن ناجد عن علي (عليه ~~السلام)، ورواه المفيد في كتاب الاختصاص، بإسناده عن محمد بن الزبرقان عن ~~موسى بن جعفر (عليه السلام)، ورواه أيضا فيه، عن محمد بن المنكدر عن أبيه ~~عن جده، ورواه العياشي في تفسيره، عن محمد بن سعيد الأردني عن موسى بن محمد ~~بن الرضا عن أخيه، ورواه أيضا عن أبي جعفر الأحول عن الصادق (عليه السلام) ~~ورواه أيضا فيه، في رواية أخرى عن الأحول عنه (عليه السلام)، وعن المنذر عن ~~علي (عليه السلام)، ورواه أيضا فيه، بإسناده عن عامر بن سعد، ورواه الفرات ~~في تفسيره، معنعنا عن أبي جعفر وعن أبي رافع والشعبي وعلي (عليه السلام) ~~وشهر بن حوشب، ورواه في روضة الواعظين، وفي إعلام الورى، وفي الخرائج، ~~وغيرها. # وفي تفسير الثعلبي، عن مجاهد والكلبي: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ~~دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ~~ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن ~~محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا ~~قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكن فإن أبيتم إلا ألف ~~دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. ~~فأتوا رسول الله وقد غدا محتضنا بالحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه، ~~وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال ms1126 أسقف نجران يا معشر ~~النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ~~فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ~~فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك ونثبت على ~~ديننا، قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما ~~عليهم فأبوا، قال: فإني أناجزكم، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن ~~نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تخيفنا، ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك ~~كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد ~~فصالحهم على ذلك. وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ~~ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستاصل الله ~~نجران وأهله حتى الطير على رءوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم ~~حتى يهلكوا. # أقول: وروي القصة: قريبا منه في كتاب المغازي، عن ابن إسحاق، ورواه أيضا ~~المالكي في الفصول المهمة، عن المفسرين قريبا منه، ورواه الحموي عن ابن ~~جريح قريبا منه. # وقوله: ألف في صفر المراد به المحرم وهو أول السنة عند العرب وقد كان ~~يسمى صفرا في الجاهلية فيقال صفر الأول وصفر الثاني وقد كانت العرب تنسىء ~~في الصفر الأول ثم أقر الإسلام الحرمة في الصفر الأول فسمي لذلك بشهر الله ~~المحرم ثم اشتهر بالمحرم. PageV03P129 # وفي صحيح مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي ~~سفيان سعدا فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب، قال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبه، لئن يكون لي واحدة منهن أحب ~~إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول حين خلفه ~~في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال ~~له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون مني ms1127 بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية ~~غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ~~ادعوا لي عليا فأتي به أرمد العين فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح ~~الله على يده. ولما نزلت هذه الآية: قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم - وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل، دعا رسول الله عليا وفاطمة ~~وحسنا وحسينا وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. # أقول: ورواه الترمذي في صحيحه، ورواه أبو المؤيد الموفق بن أحمد في كتاب ~~فضائل علي، ورواه أيضا أبو نعيم في الحلية، عن عامر بن سعد عن أبيه، ورواه ~~الحمويني في كتاب فرائد السمطين،. # وفي حلية الأولياء، لأبي نعيم بإسناده عن عامر بن أبي وقاص عن أبيه قال: ~~لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وفاطمة ~~وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وفيه، بإسناده عن الشعبي عن جابر ~~قال: قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العاقب والطيب فدعاهما ~~إلى الإسلام فقالا: أسلمنا يا محمد فقال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما ~~يمنعكما من الإسلام فقالا: فهات إلينا، قال: حب الصليب وشرب الخمر وأكل لحم ~~الخنزير، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه إلى أن يفداه بالغداة ~~فغدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ بيد علي والحسن والحسين ~~وفاطمة فأرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرا له، فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر عليهم الوادي نارا قال ~~جابر: فيهم نزلت: ندع أبناءنا وأبناءكم، قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول ~~الله وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة. # أقول: ورواه ابن المغازلي في مناقبه، بإسناده عن الشعبي عن جابر، ورواه ~~أيضا الحمويني في فرائد السمطين، بإسناده عنه، ورواه المالكي في الفصول ~~المهمة، مرسلا عنه، ورواه أيضا عن أبي داود الطيالسي عن شعبة الشعبي مرسلا، ~~ورواه في الدر المنثور، عن الحاكم وصححه وعن ابن مردويه وأبي نعيم في ms1128 ~~الدلائل، عن جابر. PageV03P130 # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس: أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم السيد وهو الكبير، والعاقب ~~وهو الذي يكون بعده وصاحب رأيهم ثم ساق القصة نحوا مما مر وفيه، أيضا أخرج ~~البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده: أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: ~~بسم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل ~~نجران إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد ~~فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية من الله من ~~ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب والسلام، ~~فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل نجران ~~يقال له: شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقرأه، فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل. قد علمت ما وعد الله إبراهيم ~~في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل؟ ليس لي في النبوة ~~رأي، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه، وجهدت لك، فبعث الأسقف إلى ~~واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قالوا مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على ~~أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم ~~بخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فانطلق الوفد حتى أتوا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألهم وسألوه فلم نزل به وبهم المسألة حتى ~~قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال في عيسى صبح ms1129 ~~الغد، فأنزل الله هذه الآية: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~إلى قوله: فنجعل لعنة الله على الكاذبين، فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا ~~على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة، وله يومئذ ~~عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمرا مقبلا إن كان هذا الرجل نبيا ~~مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما ~~رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له: أنت ~~وذلك، فتلقى شرحبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إني قد رأيت ~~خيرا من ملاعنتك، قال: وما هو؟ قال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح ~~فمهما حكمت فينا فهو جائز، فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ~~يلاعنهم وصالحهم على الجزية: وفيه، أخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر ~~اليشكري، قال: لما نزلت هذه الآية، قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم الآية، ~~أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن ~~والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدتم ~~بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا فانتهوا. # أقول: والرواية تؤيد أن يكون الضمير في قوله تعالى: فمن حاجك فيه، راجعا ~~إلى الحق في قوله: الحق من ربك، فيتم بذلك حكم المباهلة لغير خصوص عيسى بن ~~مريم (عليهما السلام)، وتكون حينئذ هذه قصة أخرى واقعة بعد قصة دعوة وفد ~~نجران إلى المباهلة على ما تقصه الأخبار الكثيرة المتظافرة المنقولة أكثرها ~~فيما تقدم. # وقال ابن طاووس في كتاب سعد السعود، رأيت في كتاب تفسير ما نزل من القرآن ~~في النبي وأهل بيته تأليف محمد بن العباس بن مروان: أنه روى خبر المباهلة ~~من أحد وخمسين طريقا عمن سماه من الصحابة وغيرهم، وعد منهم الحسن بن علي ~~(عليهما السلام) وعثمان بن ms1130 عفان وسعد بن أبي وقاص وبكر بن سمال وطلحة ~~والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس وأبا رافع مولى النبي وجابر ~~بن عبد الله والبراء بن عازب وأنس بن مالك. # وروي ذلك في المناقب، عن عدة من الرواة والمفسرين وكذا السيوطي في الدر ~~المنثور،. PageV03P131 # ومن عجيب الكلام ما ذكره بعض المفسرين حيث قال: إن الروايات متفقة على أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديهما، ~~ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة، وكلمة أنفسنا على علي فقط، ومصادر هذه ~~الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا ~~حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية ~~فإن كلمة نسائنا لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ~~ولا يفهم هذا من لغتهم. # وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي، ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن ~~الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم، وكل ما يفهم من الآية أمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن يدعوا المحاجين والمجادلين في عيسى من ~~أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا ونساء وأطفالا ويجمع هو المؤمنين رجالا ~~ونساء وأطفالا، ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى. # وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول كما يدل امتناع من ~~دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم ~~في حجاجهم ومما رأتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير ~~بينة ولا يقين، وإني لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع هذا الجمع من الناس ~~المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله في طلب لعنه وإبعاده من ~~رحمته وأي جرأة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟. # قال: أما كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين كانوا على يقين ~~مما يعتقدون في عيسى (عليه السلام) فحسبنا في بيانه قوله تعالى: من بعد ما ~~جاءك ms1131 من العلم، فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين، ~~وفي قوله: ندع أبناءنا وأبناءكم "الخ" وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو ~~الآخر فأنتم تدعون أبناءنا، ونحن ندعو أبناءكم، وهكذا الباقي. # وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمون ندعو أبناءنا ونساءنا ~~وأنفسنا، وأنتم كذلك. # ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، وإنما الإشكال فيه على ~~قول الشيعة، ومن شايعهم على القول بالتخصيص، انتهى. # أقول: وهذا الكلام - وأحسب أن الناظر فيه يكاد يتهمنا في نسبته إلى مثله، ~~واللبيب لا يرضى بإيداعه وأمثاله في الزبر العلمية - إنما أوردناه على وهنه ~~وسقوطه ليعلم أن النزعة والعصبية إلى أين يورد صاحبه من سقوط الفهم ورداءة ~~النظر فيهدم كل ما بنى عليه ويبني كل ما هدمه ولا يبالي، ولأن الشر يجب أن ~~يعلم ليجتنب عنه. # والكلام في مقامين أحدهما: دلالة الآية على أفضلية علي (عليه السلام)، ~~وهو بحث كلامي خارج عن الغرض الموضوع له هذا الكتاب، وهو النظر في معاني ~~الآيات القرآنية. # وثانيهما: البحث عما ذكره هذا القائل من حيث تعلقه بمدلول آية المباهلة، ~~والروايات الواردة في ما جرى بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين وفد ~~نجران، وهذا بحث تفسيري داخل في غرضنا. # وقد عرفت ما تدل عليه الآية، وأن الذي نقلناه من الأخبار المتكثرة ~~المتظافرة هو الذي يطابق مدلول الآية، وبالتأمل في ذلك يتضح وجوه الفساد في ~~هذه الحجة المختلقة والنظر الواهي الذي لا يرجع إلى محصل، وهاك تفصيلها: ~~منها: أن قوله: ومصادر هذه الروايات الشيعة - إلى قوله: وقد اجتهدوا في ~~ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، بعد قوله: إن ~~الروايات متفقة، ليت شعري أي روايات يعني بهذا القول؟ أمراده هذه الروايات ~~المتظافرة التي أجمعت على نقلها وعدم طرحها المحدثون، وليست بالواحدة ~~والاثنتين والثلاث أطبق على نقلها وتلقيها بالقبول أهل الحديث، وأثبتها ~~أرباب الجوامع في جوامعهم، ومنهم مسلم في صحيحه والترمذي في صحيحه وأيدها ~~أهل التاريخ. PageV03P132 # ثم أطبق المفسرون على إيرادها وإيداعها ms1132 في تفاسيرهم من غير اعتراض أو ~~ارتياب، وفيهم جمع من أهل الحديث والتاريخ كالطبري وأبي الفداء بن كثير ~~والسيوطي وغيرهم ثم من الذي يعنيه من الشيعة المصادر لهذه الروايات؟ أيريد ~~بهم الذين تنتهي إليهم سلاسل الأسناد في الروايات أعني سعد بن أبي وقاص ~~وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة؟ أو التابعين الذين ~~نقلوا عنهم بالأخذ والرواية كأبي صالح والكلبي والسدي والشعبي وغيرهم، ~~وأنهم تشيعوا لنقلهم ما لا يرتضيه بهواه فهؤلاء وأمثالهم ونظراؤهم هم ~~الوسائط في نقل السنة، ومع رفضهم لا تبقى سنة مذكورة ولا سيرة مأثورة، وكيف ~~يسع لمسلم أو باحث حتى ممن لا ينتحل بالإسلام أن يبطل السنة ثم يروم أن ~~يطلع على تفاصيل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تعليم ~~وتشريع والقرآن ناطق بحجية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته، ~~وناطق ببقاء الدين على حيوته، ولو جاز بطلان السنة من رأس لم يبق للقرآن ~~أثر ولا لإنزاله ثمر. # أو أنه يريد أن الشيعة دسوا هذه الأحاديث في جوامع الحديث وكتب التاريخ، ~~فيعود محذور سقوط السنة، وبطلان الشريعة بل يكون البلوى أعم والفساد أتم. # ومنها: قوله: ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة، وكلمة أنفسنا على علي فقط، ~~مراده به أنهم يقولون بأن كلمة نساءنا أطلقت وأريدت بها فاطمة وكذا المراد ~~بكلمة أنفسنا علي فقط، وكأنه فهمه مما يشتمل عليه بعض الروايات السابقة: ~~قال جابر: نساءنا فاطمة وأنفسنا علي الخبر، وقد أساء الفهم فليس المراد في ~~الآية بلفظ نسائنا فاطمة، وبلفظ أنفسنا علي بل المراد أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إذ لم يأت في مقام الامتثال إلا بها وبه كشف ذلك أنها هي ~~المصداق الفرد لنسائنا، وأنه هو المصداق الوحيد لأنفسنا وأنهما مصداق ~~أبنائنا، وكان المراد بالأبناء والنساء والأنفس في الآية هو الأهل فهم أهل ~~بيت رسول الله وخاصته كما ورد في بعض الروايات بعد ذكر إتيانه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بهم إنه قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي ms1133 فإن معنى الجملة أني لم ~~أجد من أدعوه غير هؤلاء. # ويدل على ما ذكرناه من المراد ما وقع في بعض الروايات: أنفسنا وأنفسكم ~~رسول الله وعلي، فإن اللفظ صريح في أن المقصود بيان المصداق دون معنى اللفظ. # ومنها: قوله: ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة نساءنا ~~لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ولا يفهم هذا من ~~لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي، وهذا المعنى العجيب الذي توهمه ~~هو الذي أوجب أن يطرح هذه الروايات على كثرتها ثم يطعن على رواتها وكل من ~~تلقاها بالقبول، ويرميهم بما ذكره وقد كان من الواجب عليه أن يتنبه لموقفه ~~من تفسير الكتاب، ويذكر هؤلاء الجم الغفير من أئمة البلاغة وأساتيذ البيان، ~~وقد أوردوها في تفسيرهم وسائر مؤلفاتهم من غير أي تردد أو اعتراض. # فهذا صاحب الكشاف - وهو الذي ربما خطأ أئمة القراءة في قراءتهم - يقول في ~~ذيل تفسير الآية: وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم ~~السلام) وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف: أنهم أجابوا إلى ذلك، انتهى. # فكيف خفي على هؤلاء العظماء أبطال البلاغة وفرسان الأدب أن هذه الأخبار ~~على كثرتها وتكررها في جوامع الحديث تنسب إلى القرآن أنه يغلط في بيانه ~~فيطلق النساء وهو جمع في مورد نفس واحدة؟. # لا وعمري، وإنما التبس الأمر على هذا القائل واشتبه عنده المفهوم ~~بالمصداق فتوهم: أن الله عز اسمه لو قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~"الخ" وصح أن المحاجين عند نزول الآية وفد نجران وهم أربعة عشر رجلا على ما ~~في بعض الروايات ليس عندهم نساء ولا أبناء، وصح أيضا أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) خرج إلى مباهلتهم وليس معه إلا علي وفاطمة والحسنان ~~كان لازم ذلك ms1134 أن معنى من حاج وفد نجران، ومعنى نسائنا المرأة الواحدة، ~~ومعنى أنفسنا النفس الواحدة، وبقي نساؤكم وأبناؤكم لا معنى لهما إذ لم يكن ~~مع الوفد نساء ولا أبناء!. PageV03P133 # وكان عليه أن يضيف إلى ذلك لزوم استعمال الأبناء وهو جمع في التثنية وهو ~~أشنع من استعمال الجمع في المفرد فإن استعمال الجمع في المفرد ربما وجد في ~~كلام المولدين وإن لم يوجد في العربية الأصيلة إلا في التكلم لغرض التعظيم ~~لكن استعمال الجمع في المثنى مما لا مجوز له أصلا. # فهذا هو الذي دعاه إلى طرح الروايات ورماها بالوضع، وليس الأمر كما توهمه. # توضيح ذلك أن الكلام البليغ إنما يتبع فيه ما يقتضيه المقام من كشف ما ~~يهم كشفه فربما كان المقام مقام التخاطب بين متخاطبين أو قبيلين ينكر أو ~~يجهل كل منهما حال صاحبه فيوضع الكلام على ما يقتضيه الطبع والعادة فيؤتى ~~في التعبير بما يناسب ذلك فأحد القبيلين المتخاصمين إذا أراد أن يخبر صاحبه ~~أن الخصومة والدفاع قائمة بجميع أشخاص قبيله من ذكور وإناث وصغير وكبير ~~فإنما يقول: نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والظعائن والأولاد فيضع الكلام على ~~ما تقتضيه الطبع والعادة فإن العادة تقتضي أن يكون للقبيل من الناس نساء ~~وأولاد والغرض متعلق بأن يبين للخصم أنهم يد واحدة على من يخاصمهم ~~ويخاصمونه، ولو قيل: نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والنساء وابنين لنا كان ~~إخبارا بأمر زائد على مقتضى المقام محتاجا إلى عناية زائدة وتعرفا إلى ~~الخصم لنكتة زائدة. # وأما عند المتعارفين والأصدقاء والأخلة فربما يوضع الكلام على مقتضى ~~الطبع والعادة فيقال في الدعوة للضيافة والاحتفال: سنقرئكم بأنفسنا ونسائنا ~~وأطفالنا، وربما يسترسل في التعرف فيقال: سنخدمكم بالرجال والبنت والسبطين ~~الصبيين، ونحو ذلك. # فللطبع والعادة وظاهر الحال حكم، ولواقع الأمر وخارج العين حكم، وربما ~~يختلفان، فمن بنى كلامه على حكاية ما يعلم من ظاهر حاله، ويقضي به الطبع ~~والعادة فيه ثم بدا حقيقة حاله وواقع أمره على خلاف ما حكاه من ظاهر حاله ~~لم يكن غالطا في كلامه، ولا كاذبا في ms1135 خبره، ولا لاغيا هازلا في قوله. # والآية جارية على هذا المجرى فقوله: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم "الخ" أريد به على ما تقدم: ادعهم إلى أن ~~تحضر أنت وخاصتك من أهلك الذين يشاركونك في الدعوى والعلم، ويحضروا بخاصتهم ~~من أهليهم، ثم وضع الكلام على ما يعطيه ظاهر الحال أن لرسول الله في أهله ~~رجالا ونساء وأبناء ولهم في أهليهم رجال ونساء وأبناء فهذا مقتضى ظاهر ~~الحال، وحكم الطبع والعادة فيه وفيهم، أما واقع الأمر وحقيقته فهو أنه لم ~~يكن له (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرجال والنساء والبنين إلا نفس وبنت ~~وابنان، ولم يكن لهم إلا رجال من غير نساء ولا أبناء، ولذلك لما أتاهم برجل ~~وامرأة وولدين لم يجبهوه بالتلحين والتكذيب، ولا أنهم اعتذروا عن الحضور ~~بأنك أمرت بإحضار النساء والأبناء وليس عندنا نساء ولا أبناء، ولا أن من ~~قصت عليه القصة رماها بالوضع والتمويه. # ومن هنا يظهر فساد ما أورده بقوله ثم وفد نجران الذين قالوا إن الآية ~~نزلت فيهم لم يكن معهم نساء ولا أبناء. # ومنها: قوله وكل ما يفهم من الآية أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا ~~ونساء وأطفالا، ويجمع هو المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا، ويبتهلون إلى الله ~~بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى - إلى قوله -: وأنى لمن يؤمن بالله أن ~~يرضى أن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد ~~متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟ وأي جرأة على الله ~~واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟. # وملخصه أن الآية تدعو الفريقين إلى الاجتماع بأنفسهم ونسائهم وذراريهم في ~~صعيد واحد ثم الابتهال بالملاعنة، وينبغي أن يستبان ما هذا الاجتماع المدعو ~~إليه؟ أهو اجتماع الفريقين كافة أعني المؤمنين بأجمعهم وهم يومئذ عرب ربيعة ~~ومضر جلهم أو كلهم من اليمن والحجاز والعراق وغيرها، والنصارى وهم أهل ~~نجران من اليمن ونصارى الشام وسواحل ms1136 البحر الأبيض وأهل الروم والإفرنج ~~والإنجليز والنمسا وغيرهم. PageV03P134 # وهؤلاء الجماهير في مشارق الأرض ومغاربها تربو نفوسهم بالرجال والنساء ~~والذراري يومئذ على الملائين بعد الملائين ولا يشك ذو لب أن من المتعذر ~~اجتماعهم في صعيد واحد فالأسباب العادية تأبى ذلك بجميع أركانها، ولازم ذلك ~~أن يندب القرآن الناس إلى المحال، وينيط ظهور حجته، وتبين الحق الذي يدعيه ~~على ما لا يكون البتة، وكان ذلك عذرا ونعم العذر للنصارى في عدم إجابتهم ~~دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المباهلة، وكان ذلك أضر لدعواه ~~منه لدعواهم. # أم هو اجتماع الحاضرين من الفريقين ومن في حكمهم أعني المؤمنين من أهل ~~المدينة وما والاها، وأهل نجران ومن والاهم، وهذا وإن كان أقل وأخف شناعة ~~من الوجه السابق لكنه من حيث استحالة التحقق وامتناع الوقوع كسابقه فمن ~~الذي كان يسعه يومئذ أن يجمع أهل المدينة ونجران قاطبة حتى النساء والذراري ~~منهم في صعيد للملاعنة، وهل هذه الدعوة إلا تعليقا بالمحال، واعترافا بأن ~~الحق متعذر الظهور. # أم هو اجتماع المتلبسين بالخصام والجدال من الفريقين أعني النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والحاضرين عنده من المؤمنين، ووفد نجران من النصارى، ~~ويرد عليه حينئذ ما أورده بقوله: "ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية ~~نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم، وكان ذلك وقوعا فيما ذكره من ~~المحذور". # ومنها: قوله: أما كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين كانوا ~~على يقين مما يعتقدون في عيسى (عليه السلام) فحسبنا في بيانه قوله تعالى: ~~من بعد ما جاءك من العلم فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا ~~اليقين. # أقول: أما كون العلم فيها بمعنى اليقين فهو حق وأما كون الآية دالة على ~~كون المؤمنين على يقين من أمر عيسى (عليه السلام) فليت شعري من أين له ~~إثبات ذلك؟ والآية غير متعرضة بلفظها فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك "الخ" ~~إلا لشأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومقام التخاطب أيضا لا يشمل ~~غيره ms1137 (صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين فإن الوفد من النصارى ما كان ~~لهم هم إلا المحاجة والخصام مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن ~~لهم هوى في لقاء المؤمنين، ولا كلموهم بكلمة، ولا كلمهم المؤمنون بكلمة. # نعم لو دلت الآية على حصول العلم لأحد غير النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لدل فيمن جيء به للمباهلة على ما استفدناه من قوله تعالى: على ~~الكاذبين فيما تقدم. # بل القرآن يدل على عدم عموم العلم واليقين لجميع المؤمنين حيث يقول ~~تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف - 106، فوصفهم بالشرك ~~وكيف يجتمع الشرك مع اليقين، ويقول تعالى: "وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا": الأحزاب - 12، ويقول تعالى: ~~"ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت، ~~فأولى لهم طاعة وقول معروف، فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم - إلى أن قال -: ~~أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم": محمد - 23، فاليقين لا ~~يتحقق به إلا بعض أولي البصيرة من متبعي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~قال تعالى: "فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن": آل عمران - 20، وقال ~~تعالى: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني": يوسف - 108. # ومنها: قوله وفي قوله ندع أبناءنا وأبناءكم "الخ" وجهان: أحدهما: أن كل ~~فريق يدعو الآخر الخ قد عرفت فساد وجهه الأول وعدم انطباقه على لفظ الآية ~~إذ قد عرفت أن الغرض كان مستوفى حاصلا لو قيل: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين، وإنما زيد عليه قوله: ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم، ليدل على لزوم إحضار كل من الفريقين عند المباهلة ~~أعز الأشياء عنده وأحبها إليه وهو الأبناء والنساء والأنفس الأهل والخاصة، ~~وهذا إنما يتم لو كان معنى الآية: ندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وتدعون ~~أنتم أبناءكم ونساءكم وأنفسكم، ثم نبتهل، وأما لو ms1138 كان المعنى ندعو نحن ~~أبناءكم ونساءكم وأنفسكم وتدعون أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ثم نبتهل بطل ~~الغرض المذكور. PageV03P135 # على أن هذا المعنى في نفسه مما لا يرتضيه الطبع السليم فما معنى تسليط رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النصارى على أبنائه ونسائه، وسؤاله أن ~~يسلطوه على ذراريهم ونسائهم ليتداعوا فيتم الحضور والمباهلة مع تأتي ذلك ~~بدعوة كل فريق أهل نفسه لها؟. # على أن هذا المعنى يحتاج في فهمه من الآية إلى فهم معنى التسليط وما ~~يشابهه - كما تقدم منها، وأنى لنا فهمه؟ فالحق أن هذا الوجه ساقط، وأن ~~الوجه الآخر وهو أن يكون المراد دعوة كل أهل نفسه هو المتعين. # ومنها: قوله: ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، وإنما ~~الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص، يريد بالإشكال ~~ما أورد على الآية من لزوم دعوة الإنسان نفسه، وهذا الإشكال غير مرتبط بشيء ~~من الوجهين أصلا وإنما هو إشكال على القول بكون المراد بأنفسنا هو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يحكى عن بعض المناظرات المذهبية حيث ~~ادعى أحد الخصمين أن المراد بأنفسنا، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فأورد عليه بلزوم دعوة الإنسان نفسه وهو باطل تشير إليه الرواية الثانية ~~المنقولة عن العيون فيما تقدم. # ومن هنا يظهر سقوط قوله: إنما الإشكال فيه على قول الشيعة فإن قولهم على ~~ما قدمنا: أن المراد بأنفسنا هو الرجال من أهل بيت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وهم بحسب المصداق رسول الله وعلي (عليه السلام)، ولا ~~إشكال في دعوة بعضهم بعضا. # فلا إشكال عليهم حتى على ما نسبه إليهم بزعمه: أن معنى أنفسنا علي فإنه ~~لا إشكال في دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام). # وقال تلميذه في المنار، بعد الإشارة إلى الروايات: وأخرج ابن عساكر عن ~~جعفر بن محمد عن أبيه: "قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم" الآية، قال: فجاء ~~بأبي بكر وولده، وعمر وولده، وعثمان وولده. # قال: ms1139 والظاهر أن الكلام في جماعة المؤمنين. # ثم قال بعد نقل كلام أستاذه المنقول سابقا: وفي الآية ما ترى من الحكم ~~بمشاركة النساء للرجال في الاجتماع للمباراة القومية والمناضلة الدينية، ~~وهو مبني على اعتبار المرأة كالرجل حتى في الأمور العامة إلا ما استثني ~~منها إلى آخر ما أطنب به من الكلام. # أقول: أما ما ذكره من الرواية فهي رواية شاذة تخالف جميع روايات الآية ~~على كثرتها واشتهارها وقد أعرض عن هذه الرواية المفسرون، وهي مع ذلك تشتمل ~~على ما لا يطابق الواقع وهو جعله لكل من المذكورين فيه ولدا. # ولا ولد يومئذ لجميعهم البتة. # وكأنه يريد بقوله: والظاهر أن الكلام في جماعة المؤمنين، أن يستظهر من ~~الرواية الدلالة على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحضر جميع ~~المؤمنين وأولادهم فيكون قوله: فجاء بأبي بكر وولده "الخ" كناية عن إحضاره ~~عامة المؤمنين، وكأنه يريد به تأييد شيخه فيما ذكره من المعنى. # وأنت ترى ما عليه الرواية من الشذوذ والإعراض والمتن ثم في الدلالة على ~~ما ذكره من المعنى. # وأما ما ذكره من دلالة الآية على مشاركة النساء الرجال في الحقوق العامة ~~فلو تم ما ذكره دل على مشاركة الأطفال أيضا، وفي هذا وحده كفاية في بطلان ~~ما ذكره. # وقد قدمنا الكلام في اشتراكهن معهم عند الكلام على آيات الطلاق في الجزء ~~الثاني من الكتاب وسيأتي شطر في ما يناسبه من المورد من غير حاجة إلى مثل ~~ما استفاده من الآية. PageV03P136 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 64 - 78 # قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا ~~نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون (64) يأهل الكتب لم تحاجون فى إبرهيم وما أنزلت التوراة ~~والانجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) هأنتم هؤلاء حججتم فيما لكم به علم ~~فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان ~~إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ms1140 حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) ~~إن أولى الناس بإبرهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين ءامنوا والله ولى ~~المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل الكتب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون (69) يأهل الكتب لم تكفرون بئايت الله وأنتم تشهدون (70) يأهل الكتب ~~لم تلبسون الحق بالبطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) وقالت طائفة من أهل ~~الكتب ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره لعلهم ~~يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله وسع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) * ومن ~~أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله ~~يحب المتقين (76) إن الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا قليلا أولئك لا ~~خلق لهم فى الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم (77) وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتب لتحسبوه من الكتب ~~وما هو من الكتب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون (78) ### |||| AUTO بيان # شروع في المرحلة الثانية من البيان المتعرض لحال أهل الكتاب عامة ~~والنصارى خاصة وما يلحق بذلك. # فقد كانت الآيات فيما مر تعرضت لحال أهل الكتاب عامة بقوله: "إن الدين ~~عند الله الإسلام": آل عمران - 19، وبقوله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب": آل عمران - 23، ثم انعطف البيان إلى شأن النصارى خاصة بقوله: "إن ~~الله اصطفى آدم ونوحا الخ: آل عمران - 33، وتعرضت في أثنائها لولاية ~~المؤمنين للكافرين بقوله: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء": آل عمران - ~~28، فهذا في المرحلة البادئة. # ثم عادت إلى بيان ما ذكرته ثانيا بلسان آخر ونظم دون ms1141 النظم السابق فتعرضت ~~لحال أهل الكتاب عامة في هذه الآيات المنقولة آنفا، وما سيلحق بذلك من ~~متفرقات بحسب مساس خصوصيات البيانات بذلك كقوله: "قل يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله الخ: آل عمران - 98، وقوله: "قل يا أهل الكتاب لم تصدون ~~عن سبيل الله الخ: آل عمران - 99، وتعرضت لحال النصارى وما تدعيه في أمر ~~عيسى (عليه السلام) بقوله: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الخ": آل ~~عمران - 79، وتعرضت لأمور ترجع إلى المؤمنين من دعوتهم إلى الإسلام ~~والاتحاد والاتقاء من ولاية الكفار واتخاذ البطانة من دون المؤمنين في آيات ~~كثيرة متفرقة. PageV03P137 # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، الخطاب ~~لعامة أهل الكتاب، والدعوة في قوله: تعالوا إلى كلمة "الخ" بالحقيقة إنما ~~هي إلى الاجتماع على معنى الكلمة بالعمل به، وإنما تنسب إلى الكلمة لتدل ~~على كونها دائرة بألسنتهم كقولنا اتفقت كلمة القوم على كذا فيفيد معنى ~~الإذعان والاعتراف والنشر والإشاعة. # فالمعنى: تعالوا نأخذ بهذه الكلمة متعاونين متعاضدين في نشرها والعمل بما توجبه. # والسواء في الأصل مصدر، ويستعمل وصفا بمعنى مساوي الطرفين، وسواء بيننا ~~وبينكم أي مساو من حيث الأخذ والعمل بما توجبه، وعلى هذا فتوصيف الكلمة ~~بالسواء توصيف بحال المتعلق وهو الأخذ والعمل، وقد عرفت أن العمل إنما ~~يتعلق بمعنى الكلمة لا نفسها كما أن تعليق الاجتماع أيضا على المعنى لا ~~يخلو من عناية مجازية ففي الكلام وجوه من لطائف العنايات: نسبة الاجتماع ~~إلى المعنى ثم وضع الكلمة مكان المعنى ثم توصيف الكلمة بالسواء!. # وربما قيل: إن معنى كون الكلمة سواء أن القرآن والتوراة والإنجيل متفقة ~~في الدعوة إليها، وهي كلمة التوحيد، ولو كان المراد به ذلك كان قوله تعالى: ~~ألا نعبد إلا الله "الخ" من قبيل وضع التفسير الحق موضع الكلمة المتفق ~~عليها، والإعراض عما لعبت به أيديهم من تفسيره غير المرضي الذي تنطبق ~~الكلمة بذلك على أهوائهم من الحلول واتخاذ الابن والتثليث وعبادة الأحبار ~~والقسيسين والأساقفة ويكون محصل المعنى: تعالوا إلى كلمة سواء ms1142 بيننا وبينكم ~~وهي التوحيد، ولازم التوحيد رفض الشركاء وعدم اتخاذ الأرباب من دون الله ~~سبحانه. # والذي تختتم به الآية من قوله: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون يؤيد ~~المعنى الأول فإن محصل المعنى بالنظر إليه أنه يدعو إلى هذه الكلمة وهي أن ~~لا نعبد إلا الله "الخ" لأنها مقتضى الإسلام لله الذي هو الدين عند الله، ~~وإن كان الإسلام أيضا لازما من لوازم التوحيد لكن الدعوة في الآية إنما هي ~~إلى التوحيد العملي وهو ترك عبادة غير الله سبحانه دون اعتقاد الوحدة، ~~فافهم ذلك. # قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله، تفسير للكلمة السواء، وهي التي يوجبها الإسلام لله. # والمراد بقوله: ألا نعبد إلا الله، نفي عبادة غير الله لا إثبات عبادة ~~الله تعالى على ما مرت الإشارة إليه في معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله: ~~أن لازم كون إلا الله، بدلا لا استثناء كون الكلام مسوقا لبيان نفي الشريك ~~دون إثبات الإله، فإن القرآن يأخذ إثبات وجود الإله وحقيته مفروغا عنه. # ولما كان الكلام مسوقا لنفي الشريك في العبادة ولا ينحسم به مادة الشرك ~~اللازم من اعتقاد البنوة والتثليث ونحو ذلك أردفه بقوله: ولا نشرك به شيئا ~~ولا يتخذ "الخ" فإن تسمية العبادة بعبادة الله لا تصير العبادة عبادة لله ~~سبحانه ما لم يخلص الاعتقاد ولم يتجرد الضمير من الاعتقادات والآراء ~~المولودة من أصل الشرك لأن العبادة حينئذ إنما تكون عبادة إله له شريك ~~والعبادة التي يعبد بها أحد الشريكين وإن خص باسمه ووجه نحوه ليست إلا ~~نابتة منبت التشريك لأنها لا تعدو أن تكون سهما يسهم له وحظا يقسم له من ~~بين الشريكين أو الشركاء ففيها بعينها نحو عبادة للغير. # وهذا الذي يدعو إليه النبي بأمر الله سبحانه، وهو الذي يدل عليه قوله: ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله، هو الذي يجمع غرض النبوة في السيرة ms1143 التي كانت الأنبياء تدعو إليها ~~وتبسطها على المجتمع الإنساني. # فقد تقدم عند الكلام على قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة": البقرة - ~~213 أن النبوة انبعاث إلهي ونهضة حقيقية يراد بها بسط كلمة الدين وأن حقيقة ~~الدين تعديل المجتمع الإنساني في سيره الحيوي، ويتبعه تعديل حيوة الإنسان ~~الفرد فينزل بذلك الكل منزلته التي نزله عليها الفطرة والخلقة فيعطي به ~~المجتمع موهبة الحرية وسعادة التكامل الفطري على وجه العدل والقسط، وكذلك ~~الفرد فهو فيه حر مطلق في الانتفاع من جهات الحيوة فيما يهديه إليه فكره ~~وإرادته إلا ما يضر بحيوة المجتمع وقد قيد جميع ذلك بالعبودية والإسلام لله ~~سبحانه، والخضوع لسيطرة الغيب وسلطنته. PageV03P138 # وخلاصة ذلك أن الذي كانت تندب إليه جماعة الأنبياء (عليهم السلام) أن يسير ~~النوع الإنساني فرادى ومجتمعين على ما تنطق به فطرتهم من كلمة التوحيد التي ~~تقضي بوجوب تطبيق الأعمال الفردية والاجتماعية على الإسلام لله، وبسط القسط ~~والعدل، أعني بسط التساوي في حقوق الحيوة، والحرية في الإرادة الصالحة ~~والعمل الصالح. # ولا يتأتى ذلك إلا بقطع منابت الاختلاف والبغي بغير الحق واستخدام القوي ~~واستعباده للضعيف وتحكمه عليه، وتعبد الضعيف للقوي فلا إله إلا الله، ولا ~~رب إلا الله، ولا حكم إلا لله سبحانه. # وهذا هو الذي تدل عليه الآية: "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" الآية، وقال تعالى فيما يحكيه عن يوسف ~~(عليه السلام): "يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ~~ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف - ~~40، وقال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو": التوبة - 31، إلى ~~غير ذلك من الآيات. # وفيما حكاه القرآن عن الأنبياء السالفين كنوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب ~~وموسى وعيسى (عليهما السلام) مما كلموا به أممهم شيء ms1144 كثير من هذا القبيل ~~كقول نوح: "رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا": نوح - ~~21، وقول هود لقومه: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين": الشعراء - 130، وقول صالح لقومه: "ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين": الشعراء - 151، وقول إبراهيم لأبيه وقومه: "ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم ~~أنتم وآباؤكم في ضلال مبين": الأنبياء - 54، وقوله تعالى لموسى وأخيه: ~~"اذهبا إلى فرعون إنه طغى - إلى أن قال -: فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ~~فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم": طه - 47، وقول عيسى لقومه: "ولأبين ~~لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون": الزخرف - 63، فالدين ~~الفطري هو الذي ينفي البغي والفساد، وهذه المظالم والسلطات بغير الحق ~~الهادمة لأساس السعادة والمخربة لبنيان الحق والحقيقة، وإلى ذلك يشير قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع: وقد ذكره المسعودي في ~~حوادث سنة عشر من الهجرة في مروج الذهب، "ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته ~~يوم خلق الله السموات والأرض" وكأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد به ~~رجوع الناس إلى حكم الفطرة باستقرار سيرة الإسلام بينهم. # والكلام أعني قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله "الخ"، على كونه آخذا بمجامع ~~غرض النبوة مفصح عن سبب الحكم وملاكه. # أما قوله: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، فلأن الألوهية هي التي ~~يأله إليه ويتوله فيه كل شيء من كل وجه، وهو أن يكون منشأ لكل كمال في ~~الأشياء على كثرتها وارتباطها واتحادها في الحاجة، وفيه كل كمال يفتاق إليه ~~الأشياء، وهذا المعنى لا يستقيم إلا إذا كان واحدا غير كثير، ومالكا إليه ~~تدبير كل شيء، فمن الواجب أن يعبد الله لأنه إله واحد لا شريك له، ومن ~~الواجب أن لا يتخذ له شريك في عبادته، وبعبارة أخرى، هذا العالم وجميع ما ~~يحتوي عليه لا يصح ولا يجوز أن يخضع ويتصغر إلا لمقام واحد إذ هؤلاء ~~المربوبون لوحدة نظامهم وارتباط وجودهم ms1145 لا رب لهم إلا واحد إذ لا خالق لهم ~~إلا واحد. PageV03P139 # وأما قوله تعالى: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فمن حيث أفاد أن ~~المجتمع الإنساني على كثرة أفراده وتفرق أشخاصه أبعاض من حقيقة واحدة هي ~~حقيقة الإنسان ونوعه فما أودعته فيه يد الصنع والإيجاد من الاستحقاق ~~والاستعداد الموزع بينهم على حد سواء يقضي بتساويهم في حقوق الحياة ~~واستوائهم على مستوى واحد، وما تفاوت فيه أحوال الأفراد واستعدادهم في ~~اقتناء مزايا الحياة من مواهب الإنسانية العامة التي ظهرت في مظاهر خاصة من ~~هاهنا وهناك وهنالك يجب أن تعطاه الإنسانية لكن من حيث تسأله، كما أن ~~الازدواج والولادة والمعالجة مثلا من مسائل الإنسانية العامة لكن الذي يعطى ~~الازدواج هو الإنسان البالغ الذكر أو الأنثى، والولادة يعطاها الإنسان ~~الأنثى والعلاج يعطاه الإنسان المريض. # وبالجملة أفراد الإنسان المجتمع أبعاض متشابهة من حقيقة واحدة متشابهة ~~فلا ينبغي أن يحمل البعض إرادته وهواه على البعض إلا أن يتحمل ما يعادله، ~~وهو التعاون على اقتناء مزايا الحياة، وأما خضوع المجتمع أو الفرد لفرد ~~أعني الكل أو البعض لبعض بما يخرجه عن البعضية، ويرفعه عن التساوي ~~بالاستعلاء والتسيطر والتحكم بأن يؤخذ ربا متبع المشية، يحكم مطلق العنان، ~~ويطاع فيما يأمر وينهى ففيه إبطال الفطرة وهدم بنيان الإنسانية. # وأيضا من حيث إن الربوبية مما يختص بالله لا رب سواه فتمكين الإنسان مثله ~~من نفسه يتصرف فيه بما يريد من غير انعكاس، اتخاذ رب من دون الله لا يقدم ~~عليه من يسلم لله الأمر. # فقد تبين أن قوله: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله يفصح عن حجتين ~~فيما يفيده من المعنى: إحداهما كون الأفراد أبعاضا، والآخر كون الربوبية من ~~خصائص الألوهية. # قوله تعالى: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون استشهاد، بأنهم وهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن اتبعه على الدين المرضي عند الله ~~تعالى وهو الإسلام، قال: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19، ~~فينقطع بذلك خصامهم وحجاجهم إذ لا حجة على الحق ms1146 وأهله. # وفيه إشارة إلى أن التوحيد في العبادة من لوازم الإسلام. # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم إلى آخر الآية، الظاهر ~~أنه مقول القول الواقع في الآية السابقة، وكذا ما يأتي بعد أربع آيات فيكون ~~مقولا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان ظاهر سياق قوله: بعد ~~آيتين: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~الآية، أن يكون الخطاب من الله لا من رسوله بإذنه. # ومحاجتهم في إبراهيم (عليه السلام) بضم كل طائفة إياه إلى نفسها يشبه أن ~~تكون أولا بالمحاجة لإظهار المحقية كأن تقول اليهود: إن إبراهيم (عليه ~~السلام) الذي أثنى الله عليه في كتابه منا فتقول النصارى: إن إبراهيم كان ~~على الحق، وقد ظهر الحق بظهور عيسى معه، ثم تتبدل إلى اللجاج والعصبية ~~فتدعي اليهود أنه كان يهوديا، وتدعي النصارى أنه كان نصرانيا، ومن المعلوم ~~أن اليهودية والنصرانية إنما نشأتا جميعا بعد نزول التوراة والإنجيل وقد ~~نزلا جميعا بعد إبراهيم (عليه السلام) فكيف يمكن أن يكون (عليه السلام) ~~يهوديا بمعنى المنتحل بالدين الذي يختص بموسى (عليه السلام)، ولا نصرانيا ~~بمعنى المتعبد بشريعة عيسى (عليه السلام)، فلو قيل في إبراهيم شيء لوجب أن ~~يقال إنه كان على الحق حنيفا من الباطل إلى الحق مسلما لله سبحانه وهذه ~~الآيات في مساق قوله تعالى: "أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله": البقرة - 140. # قوله تعالى: ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به ~~علم الآية، الآية تثبت لهم علما في المحاجة التي وقعت بينهم وتنفي علما ~~وتثبته لله تعالى، ولذلك ذكر المفسرون: أن المعنى: أنكم حاججتم: في إبراهيم ~~(عليه السلام) ولكم به علم ما، كالعلم بوجوده ونبوته، فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم وهو كونه يهوديا أو نصرانيا والله يعلم وأنتم لا تعلمون، أو أن ~~المراد بالعلم علم ما بعيسى ms1147 وخبره، والمعنى أنكم تحاجون في عيسى ولكم بخبره ~~علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا، ~~هذا ما ذكروه. PageV03P140 # وأنت تعلم أن شيئا من الوجهين لا ينطبق على ظاهر سياق الآية: أما الأول ~~فلأنه لم تقع لهم محاجة في وجود إبراهيم ونبوته، وأما الثاني فلأن المحاجة ~~التي وقعت منهم في عيسى لم يكونوا فيها على الصواب بل كانوا مخطئين في خبره ~~كاذبين في دعواهم فيه فكيف يمكن أن يسمى محاجة فيما لهم به علم، وكلامه ~~تعالى على أي حال يثبت منهم محاجة فيما لهم به علم كما يثبت لهم محاجة فيما ~~ليس لهم به علم، فما هذه المحاجة التي هي فيما لهم به علم؟ على أن ظاهر ~~الآية أن هاتين إنما جرتا جميعا فيما بين أهل الكتاب أنفسهم لا بينهم وبين ~~المسلمين وإلا كان المسلمون على الباطل في الحجاج الذي أهل الكتاب فيه على ~~علم، وهو ظاهر. # والذي ينبغي أن يقال - والله العالم - أن من المعلوم أن المحاجة كانت ~~جارية بين اليهود والنصارى في جميع موارد الاختلاف التي كانت بينهم، وعمدة ~~ذلك نبوة عيسى (عليه السلام) وما كانت تقوله النصارى في حقه أنه الله، أو ~~ابنه أو التثليث فكانت النصارى تحاج اليهود في بعثته ونبوته وهم على علم ~~منه، وكانت اليهود تحاج النصارى، وتبطل ألوهيته ونبوته والتثليث وهم على ~~علم منه فهذه محاجتهم فيما لهم به علم، وأما محاجتهم فيما ليس لهم به علم ~~فمحاجتهم في أمر إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا. # وليس المراد بجهلهم به جهلهم بنزول التوراة والإنجيل بعده وهو ظاهر، ولا ~~ذهولهم عن أن السابق لا يكون تابعا لللاحق فإنه خلاف ما يدل عليه قوله ~~تعالى: أفلا تعقلون" فإنه يدل على أن الأمر يكفي فيه أدنى تنبيه، فهم ~~عالمون بأنه كان سابقا على التوراة والإنجيل لكنهم ذاهلون على مقتضى علمهم ~~وهو أنه لا يكون حينئذ يهوديا ولا نصرانيا بل على دين الله الذي هو الإسلام لله. # لكن اليهود مع ذلك ms1148 قالوا: إن الدين الحق لا يكون إلا واحدا وهو اليهودية ~~فلا محالة كان إبراهيم يهوديا، وقالت النصارى مثل ذلك فنصرت إبراهيم، وقد ~~جهلوا في ذلك أمرا وليس بذهول، وهو أن دين الله واحد، وهو الإسلام لله، وهو ~~واحد مستكمل بحسب مرور الزمان واستعداد الناس من حيث تدرجهم بالكمال، ~~واليهودية والنصرانية شعبتان من شعب كمال الإسلام الذي هو أصل الدين، ~~والأنبياء (عليهم السلام) بمنزلة بناة هذا البنيان، لكل منهم موقعه فيما ~~وضعه من الأساس ومما بنى عليه من هذا البنيان الرفيع. # وبالجملة فاليهود والنصارى جهلوا أنه لا يلزم من كون إبراهيم مؤسسا ~~للإسلام وهو الدين الأصيل الحق ثم ظهور دين حق باسم اليهودية أو النصرانية، ~~وهو اسم شعبة من شعب كماله ومراتب تمامه أن يكون إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا بل يكون مسلما حنيفا متلبسا باسم الإسلام الذي أسسه وهو أصل ~~اليهودية والنصرانية دون نفسهما، والأصل لا ينسب إلى فرعه بل ينبغي أن يعطف ~~الفرع عليه. # وتسمية إبراهيم مسلما لا يهوديا ولا نصرانيا غير عده تابعا لدين النبي ~~وشريعة القرآن ليرد الإشكال بأنه كما كان متقدما على نزول التوراة والإنجيل ~~فلا ينبغي أن يعد يهوديا أو نصرانيا كذلك كان متقدما على نزول القرآن وظهور ~~الإسلام فلا ينبغي أن يعد مسلما حذو النعل بالنعل. # وذلك أن الإسلام بمعنى شريعة القرآن من الاصطلاحات الحادثة بعد نزول ~~القرآن وانتشار صيت الدين المحمدي، والإسلام الذي وصف به إبراهيم هو أصل ~~التسليم لله سبحانه والخضوع لمقام ربوبيته فالإشكال غير متوجه من أصله. # ولعل هذا الذي ذكرناه من وجه جهلهم بمعنى الدين الأصيل، وكونه حقيقة ذات ~~مراتب مختلفة ومتدرجة في الاستكمال هو المراد بقوله تعالى: والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا "الخ" ويؤيده قوله: إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه الآية، وقوله تعالى في ذيل الآيات: "قل آمنا بالله ~~وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ms1149 ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" الآية: آل عمران - 85، على ما سيجيء ~~من البيان. PageV03P141 # قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا إلى آخر الآية، قد مر ~~تفسيره فيما مر، وقد قيل: إن اليهود والنصارى كما كانوا يدعون أن إبراهيم ~~(عليه السلام) منهم وعلى دينهم كذلك عرب الجاهلية من الوثنية كانت تدعي ~~أنهم على الدين الحنيف دين إبراهيم (عليه السلام) حتى كان أهل الكتاب ~~يسمونهم الحنفاء، ويدعون بالحنيفية الوثنية. # ولما وصف الله سبحانه إبراهيم (عليه السلام) بقوله: ولكن كان حنيفا، وجب ~~بيانه حتى لا يتوهم منه الوثنية فلذلك أردفه بقوله: مسلما وما كان من ~~المشركين، أي كان على الدين المرضي عند الله تعالى وهو الإسلام وما كان من ~~المشركين كعرب الجاهلية. # قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا الآية في موضع التعليل للكلام السابق وبيان للحق في المقام والمعنى - ~~والله العالم - أن هذا النبي المعظم إبراهيم لو أخذت النسبة بينه وبين من ~~بعده من المنتحلين وغيرهم لكان الحق أن لا يعد تابعا لمن بعده بل يعتبر ~~الأولوية به والأقربية منه، والأقرب من النبي الذي له شرع وكتاب هم الذين ~~يشاركونه في اتباع الحق، والتلبس بالدين الذي جاء به، والأولى بهذا المعنى ~~بإبراهيم (عليه السلام) هذا النبي والذين آمنوا لأنهم على الإسلام الذي ~~اصطفى الله به إبراهيم وكذا كل من اتبعه دون من يكفر بآيات الله ويلبس الحق ~~بالباطل. # وفي قوله: للذين اتبعوه تعريض لأهل الكتاب من اليهود والنصارى بنحو ~~الكناية أي لستم أولى بإبراهيم لعدم اتباعكم إياه في إسلامه لله. # وفي قوله: وهذا النبي والذين آمنوا إفراد للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومن اتبعه من المؤمنين من الذين اتبعوا إبراهيم إجلالا للنبي وصونا ~~لمقامه أن يطلق عليه الاتباع كما يستشعر ذلك - مثل قوله تعالى: "أولئك ~~الذين هدى الله فبهديهم اقتده": الأنعام - 90 حيث لم يقل: فبهم اقتده. # وقد تمم التعليل والبيان بقوله: والله ولي المؤمنين، فإن ولاية إبراهيم ~~ولي الله من ولاية ms1150 الله، والله ولي المؤمنين دون غيرهم الكافرين بآياته ~~اللابسين الحق بالباطل. # قوله تعالى: ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يشعرون، الطائفة الجماعة من الناس، وكان الأصل فيه أن الناس وخاصة ~~العرب كانوا أولا يعيشون شعوبا وقبائل بدويين يطوفون صيفا وشتاء بماشيتهم ~~في طلب الماء والكلإ، وكانوا يطوفون وهم جماعة تحذرا من الغيلة والغارة ~~فكان يقال لهم جماعة طائفة، ثم اقتصر على ذكر الوصف الطائفة للدلالة على ~~الجماعة. # وأما كون أهل الكتاب لا يضلون إلا أنفسهم فإن أول الفضائل الإنسانية ~~الميل إلى الحق واتباعه فحب صرف الناس عن الحق إلى الباطل من جهة أنه من ~~أحوال النفس وأخلاقها رذيلة نفسانية - وبئست الرذيلة - وإثم من آثامها ~~ومعاصيها وبغيها بغير حق، وما ذا بعد الحق إلا الضلال فحبهم لإضلال ~~المؤمنين وهم على الحق إضلال بعينه لأنفسهم من حيث لا يشعرون. # وكذا لو تمكنوا من بعضهم بإلقاء الشبهات فأضلوه بذلك فإنما يضلون أولا ~~أنفسهم لأن الإنسان لا يفعل شيئا من خير أو شر إلا لنفسه كما قال تعالى: ~~"من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد": حم السجدة - ~~46، وأما ضلال من ضل بإضلالهم فليس بتأثير منهم بل هو بسوء فعال الضال ~~الغاوي وشامة إرادته بإذن من الله، قال تعالى: "من كفر فعليه كفره ومن عمل ~~صالحا فلأنفسهم يمهدون": الروم - 44، وقال تعالى: "وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير": الشورى - 31، وقد مر شطر من الكلام في خواص الأعمال ~~في الكلام على قوله تعالى: "حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة": البقرة - ~~217، في الجزء الثاني من الكتاب. # وهذا الذي ذكرناه من المعارف القرآنية التي يفيدها التوحيد الأفعالي الذي ~~يتفرع على شمول حكم الربوبية والملك، وبه يوجه ما يفيده قوله تعالى: وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون، من الحصر. # وأما ما ذكره المفسرون من التوجيه لمعنى الآية فلا يغني في الحصر المذكور ~~طائلا ms1151 ولذلك أغمضنا عن نقله. PageV03P142 # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون، قد مر أن ~~الكفر بآيات الله غير الكفر بالله تعالى، وأن الكفر بالله هو الالتزام بنفي ~~التوحيد صريحا كالوثنية والدهرية، والكفر بآيات الله إنكار شيء من المعارف ~~الإلهية بعد ورود البيان ووضوح الحق، وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها ~~واحدا، وإنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة ~~عليهم وعلى غيرهم كنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكون عيسى عبدا ~~لله ورسولا منه، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني، وأن يد الله مبسوطة، ~~وأن الله غني، إلى غير ذلك، فأهل الكتاب في لسان القرآن كافرون بآيات الله ~~غير كافرين بالله، ولا ينافيه قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من ~~الذين أوتوا الكتاب": التوبة - 29، حيث نفى الإيمان عنهم صريحا، وليس إلا ~~الكفر وذلك أن ذكر عدم تحريمهم للحرام وعدم تدينهم بدين الحق في الآية يشهد ~~بأن المراد من توصيفهم بعدم الإيمان هو التوصيف بلازم الحال فلازم حالهم من ~~الكفر بآيات الله عدم الإيمان بالله واليوم الآخر وإن لم يشعروا به، وليس ~~بالكفر الصريح. # وفي قوله تعالى: وأنتم تشهدون - والشهادة هو الحضور والعلم عن حس - دلالة ~~على أن المراد بكفرهم بآيات الله إنكارهم كون النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة والإنجيل مع مشاهدتهم انطباق ~~الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه. # ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن لفظ الآيات عام شامل لجميع الآيات ~~ولا وجه لتخصيصه بآيات النبوة بل المراد كفرهم بجميع الآيات الحقة والوجه ~~في فساده ظاهر. # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل إلى آخر الآية، اللبس ~~بفتح اللام إلقاء الشبهة والتمويه أي تظهرون الحق في صورة الباطل. # وفي قوله: وأنتم تعلمون دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس والكتمان ما ~~هو في المعارف الدينية غير ما يشاهد ms1152 من الآيات كالآيات التي حرفوها أو ~~كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها. # وهاتان الآيتان أعني قوله يا أهل الكتاب لم تكفرون - إلى قوله: وأنتم ~~تعلمون - تتمة لقوله تعالى: ودت طائفة الآية، وعلى هذا فعتاب الجميع بفعال ~~البعض بنسبته إليهم من جهة اتحادهم في العنصر والنسل والصفة، ورضاء البعض ~~بفعال البعض وهو كثير الورود في القرآن. # قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل إلى آخر الآية، ~~المراد بوجه النهار بقرينة مقابلته بآخره هو أوله فإن وجه الشيء ما يبدو ~~ويظهر به لغيره وهو في النهار أوله، وسياق قولهم يكشف عن نزول وحي على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجه النهار يوافق ما عليه أهل الكتاب ~~وآخر في آخره يخالف ما هم عليه فإنما هو الذي دعاهم إلى أن يقولوا هذا القول. # وعلى هذا فقوله: بالذي أنزل على الذين آمنوا أريد به شيء خاص من وحي ~~القرآن يوافق ما عند أهل الكتاب، وقوله: وجه النهار منصوب على الظرفية ~~ومتعلق بقوله: أنزل، لا بقوله: آمنوا صيغة الأمر لأنه أقرب، وقوله: واكفروا ~~آخره في معنى واكفروا بما أنزل في آخره فيكون من وضع الظرف موضع المظروف ~~بالمجاز العقلي نظير قوله تعالى: "بل مكر الليل والنهار": سبأ - 33. # وبذلك يتأيد ما ورد في سبب النزول عن أئمة أهل البيت: أن هذه كلمة قالتها ~~اليهود حين تغيير القبلة حيث صلى رسول الله صلاة الصبح إلى بيت المقدس وهو ~~قبلة اليهود، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر نحو الكعبة فقالت طائفة من ~~اليهود: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يريدون استقبال بيت ~~المقدس، واكفروا آخره يريدون استقبال الكعبة. # ويؤيده قولهم بعده على ما حكاه الله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، أي ~~لا تثقوا بمن لا يتبع دينكم بالإيمان به فتفشوا عنده شيئا من أسراركم ~~والبشارات التي عندكم وكان من علائم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~يحول القبلة إلى الكعبة. PageV03P143 # وذكر بعضهم أن قوله: وجه النهار متعلق بقوله: ms1153 آمنوا بصيغة الأمر والمراد به ~~أول النهار، وقوله: آخره ظرف بتقدير في، ومتعلق بقوله واكفروا، والمراد ~~بقولهم: آمنوا بالذي أنزل "الخ" أن يظهر عدة منهم الإيمان بالقرآن ويلحقوا ~~بجماعة المؤمنين ثم يرتدوا في آخر النهار بإظهار أنهم إنما آمنوا أول ~~النهار لما كاد يلوح لهم من أمارات الصدق والحق من ظاهر الدعوة الإسلامية، ~~وإنما ارتدوا آخر النهار لما تبين لهم من شواهد البطلان وعدم انطباق ما ~~عندهم من بشارات النبوة وعلائم الحقانية على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيكون ذلك مكيدة تكاد بها المؤمنون فيرتابون في دينهم، ويهنون في ~~عزيمتهم فينكسر بذلك سورتهم وتبطل أحدوثتهم. # وهذا المعنى في نفسه غير بعيد وخاصة من اليهود الذين لم يألوا جهدا في ~~الكرة على الإسلام لإطفاء نوره من أي طريق ممكن غير أن لفظ الآية لا ينطبق ~~عليه، وسيأتي للكلام تتمة نتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله ~~العزيز. # وقال بعضهم: إن المراد آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار واكفروا به ~~آخره لعلهم يرجعون وقال آخرون: المعنى أظهروا الإيمان في صدر النهار بما ~~أقررتم به من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واكفروا آخره بإبداء أن ~~ما وصف به النبي الموعود لا ينطبق عليه لعلهم يرتابون بذلك فيرجعوا عن ~~دينهم، وهذان الوجهان لا شاهد عليهما. # وكيف كان المراد، لا إجمال في الآية. # قوله تعالى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "الخ"، الذي يعطيه السياق هو ~~أن تكون هذه الجملة من قول أهل الكتاب تتمة لقولهم: آمنوا بما أنزل على ~~الذين آمنوا، وكذا قوله تعالى: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم، ويكون قوله: "قل إن الهدى هدى الله" جملة معترضة هو جواب الله سبحانه ~~عن مجموع ما تقدم من كلامهم أعني قولهم: آمنوا بما أنزل إلى قوله دينكم، ~~على ما يفيده تغيير السياق، وكذا قوله تعالى قل إن الفضل بيد الله جوابه ~~تعالى عن قولهم: أن يؤتى أحد إلى آخره، هذا هو الذي يقتضيه ارتباط أجزاء ms1154 ~~الكلام واتساق المعاني في الآيتين أولا، وما تناظر الآيتين من الآيات ~~الحاكية لأقوال اليهود في الجدال والكيد ثانيا. # والمعنى - والله أعلم - أن طائفة من أهل الكتاب - وهم اليهود - قالت أي ~~قال بعضهم لبعض: صدقوا النبي والمؤمنين في صلاتهم وجه النهار إلى بيت ~~المقدس ولا تصدقوهم في صلاتهم إلى الكعبة آخر النهار، ولا تثقوا في الحديث ~~بغيركم فيخبروا المؤمنين أن من شواهد نبوة النبي الموعود تحويل القبلة إلى ~~الكعبة فإن في تصديقكم أمر الكعبة وإفشائكم ما تعلمونه من كونها من أمارات ~~صدق الدعوة محذور أن يؤتى المؤمنون مثل ما أوتيتم من القبلة فيذهب به ~~سوددكم ويبطل تقدمكم في أمر القبلة، ومحذور أن يقيموا عليكم الحجة عند ربكم ~~أنكم كنتم عالمين بأمر القلبة الجديدة شاهدين على حقيته ثم لم تؤمنوا. # فأجاب الله تعالى عن قولهم في الإيمان بما في وجه النهار والكفر في آخره ~~وأمرهم بكتمان أمر القبلة لئلا يهتدي المؤمنون إلى الحق بأن الهدى الذي ~~يحتاج إليه المؤمنون الذي هو حق الهدى إنما هو هدى الله دون هداكم، ~~فالمؤمنون في غنى عن ذلك فإن شئتم فاتبعوا وإن شئتم فاكفروا وإن شئتم ~~فأفشوا وإن شئتم فاكتموا. # وأجاب تعالى عما ذكروه من مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم عند ~~ربهم بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا بيدكم حتى تحبسوه لأنفسكم ~~وتمنعوا منه غيركم، وأما حديث الكتمان مخافة المحاجة فقد أعرض عن جوابه ~~لظهور بطلانه كما فعل كذلك في قوله تعالى في هذا المعنى بعينه: "وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون": البقرة - 77، فقوله: أولا يعلمون، إيذان بأن هذا القول ~~بعد ما علموا أن الله لا يتفاوت فيه السر والعلانية كلام منهم لا يستوي على ~~تعقل صحيح، وليس جوابا لمكان الواو في قوله: أولا يعلمون. # وعلى ما مر من المعنى فقوله تعالى: ولا تؤمنوا ms1155 معناه، لا تثقوا ولا ~~تصدقوا لهم الوثاقة وحفظ السر على حد قوله تعالى: "ويؤمن للمؤمنين": ~~البراءة - 61، والمراد بقوله لمن تبع، اليهود. PageV03P144 # والمراد بالجملة النهي عن إفشاء ما كان عندهم من حقية تحويل القبلة إلى ~~الكعبة كما مر في قوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام - إلى أن قال: ~~وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم - إلى أن قال: الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون": البقرة - 146. # وفي معنى الآية أقوال شتى دائرة بين المفسرين كقول بعضهم: إن قوله تعالى: ~~ولا تؤمنوا إلى آخر الآية كلام لله تعالى لا لليهود، وخطاب الجمع في قوله: ~~ولا تؤمنوا وقوله: ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم جميعا للمؤمنين، وخطاب ~~الإفراد في قوله: قل، في الموضعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقول ~~آخرين بمثله إلا أن خطاب الجمع في قوله: أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، ~~لليهود في الكلام عتاب وتقريع. # وقول آخرين إن قوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم من كلام اليهود، ~~وقوله: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد "الخ" كلام لله تعالى جوابا عما ~~قالته اليهود، وكذا الخلاف في معنى الفضل أن المراد به الدين أو النعمة ~~الدنيوية أو الغلبة أو غير ذلك. # وهذه الأقوال على كثرتها بعيدة عما يعطيه السياق كما قدمنا الإشارة إليه ~~ولذا لم نشتغل بها فضل اشتغال. # قوله تعالى: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، الفضل ~~هو الزائد عن الاقتصاد، ويستعمل في المحمود كما أن الفضول يستعمل في ~~المذموم، قال الراغب: وكل عطية لا تلزم من يعطي يقال لها فضل نحو قوله: ~~واسألوا الله من فضله - ذلك فضل الله - ذو الفضل العظيم، وعلى هذا قوله: قل ~~بفضل الله - ولو لا فضل الله انتهى. # وعلى هذا فقوله: إن الفضل بيد الله، من قبيل الإيجاز بالقناعة بكبرى ~~البيان القياسي، والتقدير: قل إن هذا الإنزال والإيتاء الإلهي الذي تحتالون ~~في تخصيصه بأنفسكم بالتظاهر على الإيمان ms1156 والكفر، والإيصاء بالكتمان أمر لا ~~نستوجبه معاشر الناس على الله تعالى بل هو من الفضل، والفضل بيد الله الذي ~~له الملك وله الحكم فله أن يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. # ففي الكلام نفي ما يدل عليه قولهم وفعلهم من تخصيص النعمة الإلهية ~~بأنفسهم بجميع جهاته المحتملة فإن تنعم بعض الناس بفضل الله تعالى دون ~~البعض كتنعم اليهود بنعمة الدين والقبلة، وحرمان غيرهم إما أن يكون لأن ~~الفضل منه تعالى يمكن أن يقع تحت تأثير الغير فيزاحم المشية الإلهية، ويحبس ~~فضله عن جانب، ويصرفه إلى آخر، وليس كذلك فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. # وإما أن يكون لأن الفضل قليل غير واف والمفضل عليهم كثيرون فيكون إيتاؤه ~~على البعض دون البعض يحتاج إلى انضمام مرجح فيحتال إلى إقامة مرجح لتخصيص ~~البعض الذي ينعم عليه، وليس كذلك فإن الله سبحانه واسع الفضل والمقدرة. # وإما أن يكون لأن الفضل وإن كان واسعا وبيد الله لكن يمكن أن يحتجب ~~المفضل عليه عنه تعالى بجهل منه فلا ينال الفضل فيحتال في حجبه وستر حاله ~~عنه تعالى حتى يحرم من فضله، وليس كذلك فإن الله سبحانه عليم لا يطرأ عليه جهل. # قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فلما كان الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء وكان واسعا عليما أمكن أن يختص بعض عباده ببعض نعمه ~~فإن له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وليس إذا لم يكن ممنوع التصرف في فضله ~~وإيتائه عباده أن يجب عليه أن يؤتي كل فضله كل أحد فإن هذا أيضا نوع ~~ممنوعية في التصرف بل له أن يختص بفضله من يشاء. # وقد ختم الكلام بقوله: والله ذو الفضل العظيم وهو بمنزلة التعليل لجميع ~~المعاني السابقة فإن لازم عظمة الفضل على الإطلاق أن يكون بيده يؤتيه من ~~يشاء، وأن يكون واسعا في فضله، وأن يكون عليما بحال عباده وما هو اللائق ~~بحالهم من الفضل، وأن يكون له أن يختص بفضله من يشاء. # وفي تبديل الفضل بالرحمة ms1157 في قوله: يختص برحمته من يشاء، دلالة على أن ~~الفضل وهو العطية غير الواجبة من شعب الرحمة، قال تعالى: "ورحمتي وسعت كل ~~شيء": الأعراف - 156، وقال: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا": النور - 21، وقال تعالى: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق": إسراء - 100. PageV03P145 # قوله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك - إلى قوله: سبيل ~~- إشارة إلى اختلافهم في حفظ الأمانات والعهود اختلافا فاحشا آخذا بطرفي ~~التضاد وأن هذا وإن كان في نفسه رذيلة قومية ضارة إلا أنه ناش بينهم فاش في ~~جماعتهم من رذيلة أخرى اعتقادية وهي ما يشتمل عليه قولهم: ليس علينا في ~~الأميين سبيل، فإنهم كانوا يسمون أنفسهم بأهل الكتاب، وغيرهم بالأميين ~~فقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل معناه نفي أن يكون لغير إسرائيلي على ~~إسرائيلي سبيل، وقد أسندوا الكلمة إلى الدين، والدليل عليه قوله تعالى: ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى "الخ". # فقد كانوا يزعمون - كما أنهم اليوم على زعمهم - أنهم هم المخصوصون ~~بالكرامة الإلهية لا تعدوهم إلى غيرهم بما أن الله سبحانه جعل فيهم نبوة ~~وكتابا وملكا فلهم السيادة والتقدم على غيرهم، واستنتجوا من ذلك أن الحقوق ~~المشرعة عندهم اللازمة المراعاة عليهم كحرمة أخذ الربا وأكل مال الغير: ~~وهضم حقوق الناس إنما هي بينهم معاشر أهل الكتاب فالمحرم هو أكل مال ~~الإسرائيلي على مثله، والمحظور هضم حقوق يهودي على أهل ملته، وبالجملة إنما ~~السبيل على أهل الكتاب لأهل الكتاب، وأما غير أهل الكتاب فلا سبيل له على ~~أهل الكتاب فلهم أن يحكموا في غيرهم ما شاءوا ويفعلوا في من دونهم ما ~~أرادوا، وهذا يؤدي إلى معاملتهم مع غيرهم معاملة الحيوان العجم كائنا من كان. # وهذا وإن لم يوجد فيما عندهم من الكتب المنسوبة إلى الوحي كالتوراة ~~وغيرها لكنه أمر أخذوه من أفواه أحبارهم فقلدوهم فيه ثم لما كان الدين ~~الموسوي لا يعدو بني إسرائيل إلى غيرهم جعلوه جنسية بينهم، وتولد من ذلك أن ms1158 ~~هذه الكرامة والسؤدد أمر جنسي خص بذلك بنو إسرائيل خاصة فالانتساب ~~الإسرائيلي هو مادة الشرف وعنصر السؤدد والمنتسب إلى إسرائيل له التقدم ~~المطلق على غيره، وهذه الروح الباغية إذا دبت في قالب قوم بعثتهم إلى إفساد ~~الأرض وأماته روح الإنسانية وآثارها الحاكمة في الجامعة البشرية. # نعم أصل هذه الكلمة - وهو سلب الحقوق العامة عن بعض الأفراد والجوامع - ~~مما لا مناص عنه في الجامعة الإنسانية لكن الذي يعتبره المجتمع الإنساني ~~الصالح هو سلب الحقوق عمن يريد إبطال الحقوق وهدم المجتمع، والذي يعتبره ~~الإسلام في ثبوت الحق هو دين التوحيد من الإسلام أو الذمة فمن لا إسلام له ~~ولا ذمة، فلا حق له من الحيوة وهو الذي ينطبق على الناموس الفطري الذي سمعت ~~أنه المعتبر إجمالا عند المجتمع الإنساني. # ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في الآية فقوله تعالى: ومن أهل الكتاب، ~~كان الظاهر أن يقال: ومنهم، فهو من وضع الظاهر موضع الضمير والوجه فيه دفع ~~أن يتوهم أن هؤلاء بعض من الطائفة المذكورة في الآيتين السابقتين التي ~~قالت: آمنوا بالذي أنزل "الخ" ولذلك لما اندفع التوهم المذكور قيل في الآية ~~الآتية: وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب الآية. # وهناك وجه آخر وهو أن ذكر الوصف - وهو كونهم من أهل الكتاب مشعر بنوع من ~~التعليل، وذلك أن صدور هذا القول والفعل منهم - أعني قولهم: ليس علينا في ~~الأميين سبيل، وأكلهم مال الناس بذلك لم يكن بذاك البعيد المستغرب لو كانوا ~~أميين لأخبر عندهم من النبوة والوحي لكنهم أهل الكتاب وعندهم الكتاب فيه ~~حكم الله، وهم يعلمون أن الكتاب لا يحكم لهم بذلك، ولا يبيح لهم مال غيرهم ~~لأنه غيرهم فهذا الذي قالوه ثم فعلوه. # وهم أهل الكتاب منهم أغرب وأبعد، والتوبيخ والتقبيح عليهم أوجه وألزم. # والقنطار والدينار معروفان والمقابلة بينهما - على ما فيها من المحسنات ~~البديعية - والمقام مقام يذكر فيه الأمانة تفيد أنه كنى بهما عن الكثير ~~والقليل، والمراد أن منهم من لا يخون الأمانة وإن كثرت وثقلت قيمتها، ومنهم ~~من ms1159 يخونها وإن قلت وخفت. # وكذا الخطاب الموضوع في الكلام بقوله: إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، غير ~~متوجه إلى مخاطب معين بل هو للتكنية عن أي مخاطب يمكن أن يخاطب بهذا الكلام ~~للإشعار بأن الحكم عام غير مقصور على واحد دون واحد، والكلام في معنى ~~قولنا: إن يأمنه مؤتمن أي مؤتمن كان بقنطار يؤده إليه. PageV03P146 # وما في قوله: إلا ما دمت عليه قائما، مصدرية على ما قيل، والتقدير إلا أن ~~تدوم قائما عليه، وذكر القيام عليه للدلالة على الإلحاح والاستعجال فإن ~~قيام المطالب على ساقه عند المطالبة من غير قعود دليل على ذلك وربما قيل: ~~إن ما ظرفية، وليس بشيء. # وقوله: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ظاهر السياق أن ذلك ~~إشارة إلى مجموع المضمون المأخوذ من سابق القول أي كون بعضهم يؤدي الأمانة ~~وإن كانت خطيرة مهمة، وبعضهم لا يؤديها وإن كانت حقيرة لا يعبأ بها إنما هو ~~لقولهم، ليس علينا في الأميين سبيل فأوجب ذلك اختلافا بينهم في الصفات ~~الروحية كحفظ الأمانات والاتقاء عن تضييع حقوق الناس، والاغترار بالكرامة ~~مع أنهم يعلمون أن الله لم يسن لهم ذلك في الكتاب ولا رضي بمثل هذه الأفعال منهم. # ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى حال الطائفة الثانية المذكورة بقوله: ومنهم ~~من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك، ويكون ذكر الطائفة الأولى الأمينة ~~لاستيفاء تمام الأقسام، والتحفظ على النصفة، ويجوز حينئذ أن تكون ضمائر ~~الجمع في قوله: ويقولون وفي قوله: وهم يعلمون راجعة إلى أهل الكتاب أو ~~راجعة إلى قوله: من إن تأمنه بدينار، بحسب المعنى وكذا يجوز على التقدير ~~الثاني أن يكون المراد بضمير التكلم في قوله: علينا، جميع أهل الكتاب أو ~~خصوص البعض، ويختلف المعنى باختلاف المحتملات إلا أن الجميع صحيحة مستقيمة، ~~وعليك بالتدبر فيها. # قوله تعالى: ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون إبطال لدعواهم أنه ليس ~~علينا في الأميين سبيل، ودليل على أنهم كانوا ينسبون ذلك إلى الوحي السماوي ~~والتشريع الديني كما مر. # قوله تعالى: بلى من ms1160 أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين، رد لكلامهم ~~وإثبات لما نفوه بقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، وإيفاء العهد تتميمه ~~بالتحفظ من العذر والنقص، والتوفية البذل والإعطاء وافيا، والاستيفاء الأخذ ~~والتناول وافيا. # والمراد بالعهد ما أخذ الله الميثاق عليه من عباده أن يؤمنوا به ويعبدوه ~~على ما يشعر به قوله في الآية التالية: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا، أو مطلق العهد الذي منه عهد الله تعالى. # وقوله: فإن الله يحب المتقين من قبيل وضع الكبرى موضع الصغرى إيثارا ~~للإيجاز، والتقدير فإن الله يحبه لأنه متق والله يحب المتقين، والمراد أن ~~كرامة الله لعباده المتقين حبه لهم لا ما زعمتموه من نفي السبيل. # فمفاد الكلام أن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ~~ينالها كل من انتسب إليه انتسابا أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية ~~أو قومية بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله وميثاقه والتقوى في الدين ~~فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة وهي المحبة والولاية الإلهية التي لا تعدو ~~عبادة المتقين، وأثرها النصرة الإلهية، والحيوة السعيدة التي تعمر الدنيا ~~وتصلح بال أهلها، وترفع درجات الآخرة. # فهذه هي الكرامة الإلهية لا أن يحمل قوما على أكتاف عباده من صالح وطالح ~~ويطلقهم ويخلي بينهم وبين ما يشاءون وما يعملون فيقولوا يوما: ليس علينا في ~~الأميين سبيل، ويوما نحن أولياء لله من دون الناس، ويوما: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه فيهديهم ذلك إلى إفساد الأرض، وإهلاك الحرث والنسل. # قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا تعليل للحكم ~~المذكور في الآية السابقة، والمعنى أن الكرامة الإلهية خاصة بمن أوفى بعهده ~~واتقى لأن غيرهم - وهم الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا - لا ~~كرامة لهم. # ولما كان نقض عهد الله وترك التقوى إنما هو للتمتع بزخارف الدنيا وإيثار ~~شهوات الأولى على الأخرى كان فيه وضع متاع الدنيا موضع إيفاء العهد ~~والتقوى، وتبديل العهد به، ولذلك شبه عملهم ذلك بالمعاملة فجعل عهد الله ~~مبيعا يشترى بالمتاع، وسمي ms1161 متاع الدنيا وهو قليل بالثمن القليل والاشتراء ~~هو البيع فقيل: يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أي يبدلون العهد ~~والأيمان من متاع الدنيا. PageV03P147 # قوله تعالى: أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله إلى آخر الآية، ~~الخلاق النصيب، والتزكية هي الإنماء نموا صالحا، ولما كان الوصف المأخوذ في ~~بيان هذه الطائفة من الناس مقابلا للوصف المأخوذ في الطائفة الأخرى ~~المذكورة في قوله: من أوفى بعهده واتقى، ثم كانت التبعات المذكورة لوصفهم ~~أمورا سلبية أفاد ذلك:. # أولا: أن الإتيان في الإشارة بلفظ أولئك الدال على البعد لإفادة بعد ~~هؤلاء من ساحة القرب كما أن الموفون بعهدهم المتقون مقربون لمكان حب الله ~~تعالى لهم. # وثانيا: أن آثار محبة الله سبحانه هي الخلاق في الآخرة، والتكليم والنظر ~~يوم القيامة، والتزكية والمغفرة، وهي رفع أليم العذاب. # والخصال التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء الناقضين لعهد الله وأيمانهم أمور ~~ثلاثة: أحدها: أنهم لا نصيب لهم في الآخرة، والمراد بالآخرة هي الدار ~~الآخرة من قيام الوصف مقام الموصوف ويعني بها الحياة التي بعد الموت كما أن ~~المراد بالدنيا هي الدار الدنيا وهي الحياة الدنيا قبل الموت. # ونفي النصيب عنهم في الآخرة لاختيارهم نصيب الدنيا عليه، ومن هنا يظهر أن ~~المراد بالثمن القليل هو الدنيا، وإنما فسرناه فيما تقدم بمتاع الدنيا ~~لمكان توصيفه تعالى إياه بالقليل، وقد وصف به متاع الدنيا في قوله - عز من ~~قائل -: "قل متاع الدنيا قليل": النساء - 77، على أن متاع الدنيا هو ~~الدنيا. # وثانيها: أن الله لا يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة، وقد حوذي به ~~المحبة - الإلهية للمتقين من حيث إن الحب يوجب تزود المحب من المحبوب ~~بالاسترسال بالنظر والتكليم عند الحضور والوصال، وإذ لا يحبهم الله فلا ~~يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة وهو يوم الإحضار والحضور، والتدرج من ~~التكليم إلى النظر لوجود القوة والضعف بينهما فإن الاسترسال في التكليم ~~أكثر منه في النظر فكأنه قيل: لا نشرفهم لا كثيرا ولا قليلا. # وثالثها: أن الله لا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وإطلاق ms1162 الكلام يفيد أن ~~المراد بهما ما يعم التزكية والعذاب في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب، اللي هو فتل الحبل، ولي الرأس واللسان إمالتهما. # قال تعالى: "لووا رءوسهم: المنافقون - 5، وقال تعالى: "ليا بألسنتهم": ~~النساء - 46، والظاهر أن المراد بذلك أنهم يقرءون ما افتروه من الحديث على ~~الله سبحانه بألحان يقرءون بها الكتاب تلبيسا على الناس ليحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب. # وتكرار لفظ الكتاب ثلاث مرات في الكلام لدفع اللبس فإن المراد بالكتاب ~~الأول هو الذي كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى الله سبحانه، وبالثاني الكتاب الذي ~~أنزله الله تعالى بالوحي، وبالثالث هو الثاني كرر لفظه لدفع اللبس وللإشارة ~~إلى أن الكتاب بما أنه كتاب الله أرفع منزلة من أن يشتمل على مثل تلك ~~المفتريات، وذلك لما في لفظ الكتاب من معنى الوصف المشعر بالعلية. # ونظيره تكرار لفظ الجلالة في قوله: ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله، فالمعنى وما هو من عند الله الذي هو إله حقا لا يقول إلا الحق قال ~~تعالى: "والحق أقول": ص - 84. # وأما قوله: ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون تكذيب بعد تكذيب لنسبتهم ~~ما اختلقوه من الوحي إلى الله سبحانه فإنهم كانوا يلبسون الأمر على الناس ~~بلحن القول فأبطله الله بقوله: وما هو من الكتاب ثم كانوا يقولون بألسنتهم ~~هو من عند الله فكذبهم الله: أولا بقوله: وما هو من عند الله، وثانيا ~~بقوله: ويقولون على الله الكذب، وزاد في الفائدة أولا أن الكذب من دأبهم ~~وديدنهم، وثانيا أن ذلك ليس كذبا صادرا عنهم بالتباس من الأمر عليهم بل هم ~~عالمون به متعمدون فيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~الآية أخرج يعني ابن جرير عن السدي، قال: ثم دعاهم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يعني الوفد من نصارى نجران فقال: يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء الآية. ms1163 PageV03P148 # أقول: وروي فيه هذا المعنى أيضا عن ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ~~وظاهر الرواية أن الآية نزلت فيهم، وقد قدمنا الرواية في أول السورة الدالة ~~على أن صدر السورة إلى نيف وثمانين آية نزلت في نصارى نجران، وهذه الآية ~~منها لوقوعها قبل تمام العدد. # وورد في بعض الروايات أن رسول الله دعا يهود المدينة إلى الكلمة السواء ~~حتى قبلوا الجزية، وذلك لا ينافي نزول الآية في وفد نجران. # وفي صحيح البخاري، بإسناده عن ابن عباس عن أبي سفيان في حديث طويل: يذكر ~~فيه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هرقل عظيم الروم، قال ~~أبو سفيان ثم دعا يعني هرقل بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقرأ فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم ~~الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم ~~تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء - بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله إلى ~~قوله: اشهدوا بأنا مسلمون الحديث. # أقول: ورواه أيضا مسلم في صحيحه، ورواه السيوطي في الدر المنثور، عن ~~النسائي وعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس. # وقد قيل إن كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مقوقس عظيم ~~القبط أيضا كان مشتملا على قوله تعالى: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم، وهناك نسخة منسوبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) مخطوطة ~~بالخط الكوفي تضاهي كتابه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هرقل وقد استنسخ ~~منها أخيرا بالتصوير الشمسي ما يوجد عند كثيرين. # وكيف كان فقد ذكر المؤرخون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما ~~كتب الكتب وأرسل الرسل إلى الملوك من قيصر وكسرى والنجاشي سنة ست من ~~الهجرة، ولازمه نزول الآية في سنة ست أو قبلها وقد ذكر المؤرخون كالطبري ~~وابن الأثير والمقريزي أن نصارى نجران إنما ms1164 وفدوا على رسول الله - (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) - سنة عشر من الهجرة، وذكر آخرون كأبي الفداء في ~~البداية والنهاية ونظيره في السيرة الحلبية أن ذلك كان في سنة تسع من ~~الهجرة، ولازم ذلك نزول هذه الآية في سنة تسع أو عشر. # وربما قيل: إن الآية مما نزلت أول الهجرة على ما تشعر به الروايات ~~الآتية، وربما قيل: إن الآية نزلت مرتين نقله الحافظ ابن حجر. # والذي يؤيده اتصال آيات السورة سياقا كما مرت الإشارة إليه في أول ~~السورة: أن الآية نزلت قبل سنة تسع، وأن قصة الوفد إنما وقعت في سنة ست من ~~الهجرة أو قبلها، ومن البعيد أن يكاتب (صلى الله عليه وآله وسلم) عظماء ~~الروم والقبط وفارس ويغمض عن نجران مع قرب الدار. # وفي الرواية نكتة أخرى وهي تصدير الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنه ~~يظهر ما في بعض ما نقلناه من الروايات في قصة وفد نجران كما عن البيهقي في ~~الدلائل،: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب إلى أهل نجران قبل ~~أن ينزل عليه طس سليمان: بسم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد رسول ~~الله إلى أسقف نجران إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وإلى ولاية ~~الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب ~~والسلام، الحديث. # وذلك أن سورة النمل من السور المكية ومضامين آياتها كالنص في أنها نزلت ~~قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف يجتمع ذلك مع قصة نجران على ~~أن الكتاب يشتمل على أمور أخر لا يمكن توجيهها كحديث الجزية والإيذان ~~بالحرب وغير ذلك، والله أعلم. PageV03P149 # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني عن ابن عباس: أن كتاب رسول الله إلى ~~الكفار: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية وفي الدر المنثور، أيضا: ~~في قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون الآية أخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~والبيهقي في الدلائل، عن ms1165 ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان ~~إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله ~~فيهم: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم - وما أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده إلى قوله والله ولي المؤمنين فقال أبو رافع القرظي أتريد منا ~~يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم فقال رجل من أهل نجران ~~أذلك تريد يا محمد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معاذ الله أن ~~أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني فأنزل الله في ~~ذلك من قولهما ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة - ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون ثم ذكر ما ~~أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم وإقرارهم به على ~~أنفسهم فقال وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله من الشاهدين. # أقول الآيات أعني قوله ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~إلى آخر الآيات أوفق سياقا وأسهل انطباقا على عيسى بن مريم (عليهما السلام) ~~منه برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما سيجيء في الكلام على ~~الآيات فلعل ما في الرواية من نزول الآيات في حق رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) استنباط وتطبيق من ابن عباس على أن المعهود من دأب القرآن ~~التعرض لهذا النوع من القول في صورة السؤال والجواب أو الحكاية والرد. # وفي تفسير الخازن، روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن ~~إسحاق عن ابن شهاب بإسناده حديث هجرة الحبشة قال لما هاجر جعفر بن أبي طالب ~~وأناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أرض الحبشة واستقرت ~~بهم الدار وهاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وكان من أمر ~~بدر ما كان اجتمعت قريش ms1166 في دار الندوة وقالوا إن لنا في الذين عند النجاشي ~~من أصحاب محمد ثارا ممن قتل منكم ببدر فاجمعوا مالا واهدوه إلى النجاشي ~~لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب إليه رجلان من ذوي رأيكم. # فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط معهم الهدايا الأدم وغيره فركبا ~~البحر حتى أتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له ~~إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولأصحابك محبون وإنهم بعثونا إليك لنحذر هؤلاء ~~الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه ~~أحد منا إلا السفهاء وإنا كنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب ~~بأرضنا لا يدخل عليهم أحد فقتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليه الأمر بعث ~~إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكم ~~قال وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي ~~يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك. # قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله ~~تعالى، فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه، ففعل جعفر فقال ~~النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته فنظر عمرو إلى صاحبه فقال: ألا ~~تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به الملك؟ فأساءهما ذلك. PageV03P150 # ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن ~~يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي ~~يحييني بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما ~~كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان فبعث الله فينا نبيا صادقا، فأمرنا ~~بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة فعرف النجاشي أن ذلك حق ~~وأنه في التوراة والإنجيل، قال: أيكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال ~~جعفر: أنا، قال: إنك ملك من ملوك الأرض من أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة ~~الكلام ولا الظلم، وإنما أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين ms1167 الرجلين فليتكلم ~~أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا فقال عمرو لجعفر: تكلم. # فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين، أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا ~~قد أبقنا من أربابنا فردنا عليهم. # فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال بل أحرار كرام، فقال النجاشي: ~~نجوا من العبودية فقال جعفر: سلهما: هل أرقنا دما بغير حق فيقتص منا؟ فقال ~~عمرو: لا ولا قطرة، قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا ~~قضاؤها، قال النجاشي: إن كان قنطارا فعلي قضاؤه، فقال عمرو لا ولا قيراط، ~~فقال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال: كنا وإياهم على دين واحد، على دين ~~آبائنا فتركوا ذلك، واتبعوا غيره فبعثنا قومنا لتدفعهم إلينا فقال النجاشي: ~~ما هذا الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه؟ فقال جعفر: أما الدين الذي كنا ~~عليه فهو دين الشيطان كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الذي تحولنا إليه ~~فهو دين الله الإسلام جاءنا به من عند الله رسول بكتاب مثل كتاب ابن مريم ~~موافقا له، فقال النجاشي يا جعفر تكلمت بأمر عظيم. # ثم أمر النجاشي بضرب الناقوس فضرب واجتمع إليه كل قسيس وراهب فلما ~~اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل ~~تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا؟ قالوا اللهم نعم قد بشرنا ~~فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي فقال النجاشي لجعفر ما ~~ذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ فقال يقرأ علينا ~~كتاب الله، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بحسن الجوار وصلة ~~الرحم وبر اليتيم، يأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له، فقال له: اقرأ علي ~~مما يقرأ عليكم فقرأ عليه سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه ~~من الدمع، وقالوا: زدنا من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فأراد ~~عمرو أن يغضب النجاشي فقال إنهم يشتمون عيسى وأمه فقال النجاشي: فما تقولون ~~في عيسى وأمه؟ فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى على ms1168 ذكر مريم وعيسى رفع ~~النجاشي من سواكه قدر ما يقذي العين، وقال: والله ما زاد المسيح على ما ~~تقولون هذا، ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول: ~~آمنون من سبكم وآذاكم غرم. # ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم فقال عمرو يا ~~نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن ~~اتبعهم فأنكر ذلك المشركون وادعوا دين إبراهيم ثم رد النجاشي على عمرو ~~وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إلي رشوة فاقبضوها فإن الله ~~ملكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر: فانصرفنا فكنا في خير جوار، وأنزل الله ~~عز وجل في ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خصومتهم في ~~إبراهيم وهو في المدينة: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين. # أقول: وهذه القصة مروية من طرق أخرى ومن طرق أهل البيت (عليهم السلام) ~~وإنما نقلناها على طولها لاشتمالها على فوائد هامة في بلاء المسلمين من ~~المهاجرين الأولين، وليست من سبب النزول في شيء. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، قال: قال أمير المؤمنين لا يهوديا يصلي إلى ~~المغرب، ولا نصرانيا يصلي إلى المشرق لكن كان حنيفا مسلما على دين محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). PageV03P151 # أقول: قد تقدم في البيان السابق معنى كونه على دين محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقد اعتبر في الرواية استقبال الكعبة وقد حولت القبلة إليها في ~~المدينة والكعبة في نقطة جنوبها تقريبا، وتأبى اليهود والنصارى عن قبولها ~~أوجب لهم الانحراف عنها إلى جهتي المغرب التي بها بيت المقدس، والمشرق التي ~~يستقبلها النصارى فعد ذلك من الطائفتين انحرافا عن حاق الوسط، وقد أيد هذه ~~العناية لفظ الآية وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية، وبالجملة فإنما هي عناية ~~لطيفة لا تزيد على ذلك. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): خالصا مخلصا ليس فيه شيء ms1169 من عبادة ~~الأوثان. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم الآية، قال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): إن أولى الناس بالأنبياء أعملهم بما جاءوا به ثم ~~تلا هذه الآية وقال: إن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو ~~محمد من عصى الله وإن قربت لحمته. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): هم الأئمة ومن ~~اتبعهم. # وفي تفسيري القمي، والعياشي، عن عمر بن أذينة عنه (عليه السلام) قال: ~~أنتم والله من آل محمد، فقلت: من أنفسهم جعلت فداك؟ قال: نعم والله من ~~أنفسهم ثلاثا، ثم نظر إلي ونظرت إليه، فقال: يا عمر إن الله يقول في كتابه: ~~إن أولى الناس الآية،. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ~~الآية، عن الباقر (عليه السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لما قدم المدينة وهو يصلي نحو بيت المقدس أعجب ذلك القوم فلما صرفه الله عن ~~بيت المقدس إلى بيت الله الحرام وجدت اليهود من ذلك، وكان صرف القبلة صلاة ~~الظهر، فقالوا صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا فآمنوا بالذي أنزل على محمد ~~وجه النهار واكفروا آخره يعنوه القبلة حين استقبل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) المسجد الحرام. # أقول: والرواية كما ترى تجعل قوله وجه النهار، ظرفا لقوله: أنزل، دون ~~قوله: آمنوا، وقد تقدم الكلام فيه في البيان السابق. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن ~~عباس: في قوله: وقالت طائفة الآية، قال: إن طائفة من اليهود قالت: إذا ~~لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم ~~يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم. # أقول: ورواه فيه أيضا عن السدي ومجاهد. # وفي الكافي،: في قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله الآية عن الباقر ~~(عليه السلام) قال: أنزل في العهد: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا - أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ms1170 ولا يكلمهم الله - ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم، والخلاق النصيب فمن لم يكن له نصيب في ~~الآخرة فبأي شيء يدخل الجنة. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن عدي بن عدي عن أبيه قال: اختصم امرؤ القيس ~~ورجل من حضرموت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أرض فقال: ألك ~~بينة؟ قال: لا، قال: فبيمينه، قال: إذن والله يذهب بأرضي، قال: إن ذهب ~~بأرضك بيمينه كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب ~~أليم، قال: ففزع الرجل وردها إليه. # أقول: والرواية كما ترى لا تدل على نزول الآية في مورد القصة، وقد روي من ~~طرق أهل السنة في عدة روايات أن الآية نزلت في هذا الشأن، وهي متعارضة من ~~حيث مورد القصة: ففي بعضها أن النزاع كان بين امرىء القيس ورجل من حضرموت ~~كما مر في الرواية السابقة، وفي بعضها أنه كان بين الأشعث بن القيس وبين ~~رجل من اليهود في أرض له، وفي بعضها أنها نزلت في رجل من الكفار وقد كان ~~أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع بها رجلا ~~من المسلمين فنزلت الآية. # وقد عرفت في البيان السابق أن ظاهر الآية أنها واقعة موقع التعليل لمضمون ~~الآية السابقة عليها: فالوجه حمل الروايات إن أمكن على بيان انطباق الآية ~~على مورد القصة دون النزول بالمعنى المعهود منه. PageV03P152 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 79 - 80 # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربنيين بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم ~~تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون (80) ### |||| AUTO بيان # وقوع الآيات عقيب الآيات المرتبطة بأمر عيسى (عليه السلام) يفيد أنها ~~بمنزلة الفصل الثاني من الاحتجاج على براءة ساحة المسيح مما يعتقده في حقه ~~أهل الكتاب من النصارى، والكلام بمنزلة قولنا: إنه ليس كما تزعمون فلا هو ms1171 ~~رب ولا أنه ادعى لنفسه الربوبية: أما الأول: فلأنه مخلوق بشري حملته أمه ~~ووضعته وربته في المهد غير أنه لا أب له كآدم (عليه السلام) فمثله عند الله ~~كمثل آدم، وأما الثاني: فلأنه كان نبيا أوتي الكتاب والحكم والنبوة والنبي ~~الذي هذا شأنه لا يعدو طور العبودية ولا يتعرى عن زي الرقية فكيف يتأتى أن ~~يقول للناس اتخذوني ربا وكونوا عبادا لي من دون الله، أو يجوز ذلك في حق ~~غيره من عباد الله من ملك أو نبي فيعطي لعبد من عباد الله ما ليس له بحق، ~~أو ينفي عن نبي من الأنبياء ما أثبت الله في حقه من الرسالة فيأخذ منه ما ~~هو له من الحق. # قوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله، البشر مرادف للإنسان، ويطلق على الواحد ~~والكثير فالإنسان الواحد بشر كما أن الجماعة منه بشر. # وقوله: ما كان لبشر، اللام للملك أي لا يملك ذلك أي ليس له بحق كقوله ~~تعالى: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا": النور - 16، وقوله: "وما كان لنبي أن ~~يغل": آل عمران - 161. # وقوله تعالى: أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، اسم كان إلا أنه ~~توطئة لما يتبعه من قوله: ثم يقول للناس، وذكر هذه التوطئة مع صحة المعنى ~~بدونها ظاهرا يفيد وجها آخر لمعنى قوله ما كان لبشر، فإنه لو قيل ما كان ~~لبشر أن يقول للناس، كان معناه أنه لم يشرع له هذا الحق وإن أمكن أن يقول ~~ذلك فسقا وعتوا، ولكنه إذا قيل: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة، ثم يقول: كان معناه أن إيتاء الله له العلم والفقه مما عنده ~~وتربيته له بتربية ربانية لا يدعه أن يعدو طور العبودية، ولا يوسع له أن ~~يتصرف فيما لا يملكه ولا يحق له كما يحكيه تعالى عن عيسى (عليه السلام) في ~~قوله: "وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ms1172 من ~~دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق": المائدة - 116. # ومن هنا تظهر النكتة في قوله: أن يؤتيه الله "الخ" دون أن يقال: ما كان ~~لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول "الخ" فإن العبارة الثانية ~~تفيد معنى أصل التشريع كما تقدم بخلاف قوله: أن يؤتيه الله "الخ" فإنه يفيد ~~أن ذلك غير ممكن البتة أي إن التربية الربانية والهداية الإلهية لا تتخلف ~~عن مقصدها كما قال تعالى: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن ~~يكفر بها هؤلاء يعني قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين": الأنعام - 89. # فمحصل المعنى أنه لا يسع لبشر أن يجمع بين هذه النعم الإلهية وبين دعوة ~~الناس إلى عبادة نفسه بأن يؤتى الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله، فالآية بحسب السياق بوجه كقوله تعالى: "لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون - إلى أن قال -: وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا": النساء - 173، فإن المستفاد من الآية: أن المسيح وكذا الملائكة ~~المقربون أجل شأنا وأرفع قدرا أن يستنكفوا عن عبادة الله فإن الاستنكاف عن ~~عبادته يستوجب أليم العذاب، وحاشا أن يعذب الله كرام أنبيائه ومقربي ~~ملائكته. # فإن قلت: الإتيان بثم الدالة على التراخي في قوله: ثم يقول للناس، ينافي ~~الجمع الذي ذكرته. PageV03P153 # قلت: ما ذكرناه من معنى الجمع محصل المعنى، وكما يصح اعتبار الاجتماع ~~والمعية بين المتحدين زمانا كذلك يصح اعتباره بين المترتبين والمتتاليين ~~فهو نوع من الجمع. # وأما قوله: كونوا عبادا لي من دون الله، فالعباد كالعبيد جمع عبد، والفرق ~~بينهما أن العباد يغلب استعماله فيما إذا نسب إلى الله سبحانه، يقال: عباد ~~الله، ولا يقال: غالبا عباد الناس، بل عبيد الناس وتقييد قوله: عبادا لي ~~بقوله: من دون الله تقييد قهري فإن الله سبحانه لا يقبل من العبادة إلا ما ~~هو خالص ms1173 لوجهه الكريم كما قال تعالى: "ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم ~~فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار": الزمر - 3، فرد ~~عبادة من يعبد مع عبادته غيره حتى بعنوان التقرب والتوسل والاستشفاع. # على أن حقيقة العبادة لا تتحقق إلا مع إعطاء استقلال ما للمعبود حتى في ~~صورة الإشراك فإن الشريك من حيث إنه شريك مساهم ذو استقلال ما، والله ~~سبحانه له الربوبية المطلقة فلا يتم ربوبيته ولا تستقيم عبادته إلا مع نفي ~~الاستقلال عن كل شيء من كل جهة فعبادة غير الله عبادة له من دون الله وإن ~~عبد الله معه. # قوله تعالى: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ~~الرباني منسوب إلى الرب، زيد عليه الألف والنون للدلالة على التفخيم كما ~~يقال لحياني لكثير اللحية ونحو ذلك، فمعنى الرباني شديد الاختصاص بالرب ~~وكثير الاشتغال بعبوديته وعبادته، والباء في قوله: بما كنتم، للسببية وما ~~مصدرية، والكلام بتقدير القول والمعنى، ولكن يقول: كونوا ربانيين بسبب ~~تعليمكم الكتاب للناس ودراستكم إياه فيما بينكم. # والدراسة أخص من التعليم فإنه يستعمل غالبا فيما يتعلم عن الكتاب بقراءته ~~قال الراغب: درس الدار بقي أثرها، وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه، ~~فلذلك فسر الدروس بالانمحاء، وكذا درس الكتاب، ودرست العلم تناولت أثره ~~بالحفظ، لما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالحفظ، ~~قال تعالى: ودرسوا ما فيه، وقال: بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، ~~وما آتيناهم من كتب يدرسونها انتهى. # ومحصل الكلام أن البشر الذي هذا شأنه إنما يدعوكم إلى التلبس بالإيمان ~~واليقين بما في الكتاب الذي تعلمونه وتدرسونه من أصول المعارف الإلهية، ~~والاتصاف والتحقق بالملكات والأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها، والعمل ~~بالصالحات التي تدعون الناس إليها حتى تنقطعوا بذلك إلى ربكم، وتكونوا به ~~علماء ربانيين. # وقوله: بما كنتم، حيث اشتمل على الماضي الدال على التحقق لا يخلو عن ~~دلالة ما على ms1174 أن الكلام في الآية مسوق للتعريض بالنصارى من أهل الكتاب في ~~قولهم: إن عيسى أخبرهم بأنه ابنه وكلمته على الخلاف في تفسير البنوة، وذلك ~~أن بني إسرائيل هم الذين كان في أيديهم كتاب سماوي يعلمونه ويدرسونه وقد ~~اختلفوا فيه اختلافا يصاحب التغيير والتحريف، وما بعث عيسى (عليه السلام) ~~إلا ليبين لهم بعض ما اختلفوا فيه، وليحل بعض الذي حرم عليهم، وبالجملة ~~ليدعوهم إلى القيام بالواجب من وظائف التعليم والتدريس وهو أن يكونوا ~~ربانيين في تعليمهم ودراستهم كتاب الله سبحانه. # والآية وإن لم تأب الانطباق على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بوجه فقد كانت لدعوته أيضا مساس بأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون ويدرسون ~~كتاب الله لكن عيسى (عليه السلام) أسبق انطباقا عليه، وكانت رسالته خاصة ~~ببني إسرائيل بخلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأما سائر الأنبياء العظام من أولي العزم والكتاب: كنوح وإبراهيم وموسى ~~فمضمون الآية لا ينطبق عليهم وهو ظاهر. # قوله تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا عطف على قوله ~~يقول: على القراءة المشهورة التي هي نصب يأمركم، وهذا كما كان طائفة من أهل ~~الكتاب كالصابئين يعبدون الملائكة ويسندون ذلك إلى الدعوة الدينية، وكعرب ~~الجاهلية حيث كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، وهم يدعون أنهم على دين ~~إبراهيم (عليه السلام) هذا في اتخاذ الملائكة أربابا. PageV03P154 # وأما اتخاذ النبيين أربابا فكقول اليهود: عزير بن الله على ما حكاه القرآن ~~ولم يجوز لهم موسى (عليه السلام) ذلك، ولا وقع في التوراة إلا توحيد الرب ~~ولو جوز لهم ذلك لكان آمرا به حاشاه من ذلك. # وقد اختلفت الآيتان: أعني قوله: ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله وقوله: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا من جهتين في ~~سياقهما: الأولى: أن المأمور في الأولى ثم يقول للناس الناس، وفي الثانية ~~هم المخاطبون بالآية، والثانية: أن المأمور به في الأولى العبودية له وفي ~~الثانية الاتخاذ أربابا. # أما الأولى فحيث كان الكلام مسوقا للتعريض بالنصارى في عبادتهم ms1175 لعيسى، ~~وقولهم بألوهيته صريحا مسندين ذلك إلى دعوته كان ذلك نسبة منهم إليه أنه ~~قال: كونوا عبادا لي بخلاف اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا بالمعنى الذي ~~قيل في غير عيسى فإنه يضاد الألوهية بلازمه لا بصريحه فلذلك قيل: أربابا، ~~ولم يقل: آلهة. # وأما الثانية فالوجه فيه أن التعبيرين كليهما كونوا عبادا لي - لا يأمركم ~~أن تتخذوا أمر لو تعلق بأحد تعلق بهؤلاء الذين يخاطبون بهذه الآيات من أهل ~~الكتاب والعرب لكن التعبير لما وقع في الآية الأولى بالقول، والقول يقضي ~~بالمشافهة ولم يكن الحاضرون في زمن نزول الآية حاضرين إذ ذاك لا جرم قيل: ~~ثم يقول للناس، ولم يقل: ثم يقول لكم، وهذا بخلاف لفظ الأمر المستعمل في ~~الآية الثانية فإنه لا يستلزم شفاها بل يتم مع الغيبة فإن الأمر المتعلق ~~بالأسلاف متعلق بالأخلاف مع حفظ الوحدة القومية، وأما القول فهو لإفادته ~~بحسب الانصراف إسماع الصوت يقضي بالمشافهة والحضور إلا أن يعني به مجرد ~~معنى التفهيم. # وعلى هذا فالأصل في سياق هذه الآيات الحضور وخطاب الجمع، كما جرى عليه ~~قوله تعالى ولا يأمركم إلى آخر الآية. # قوله تعالى: أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون، ظاهر الخطاب أنه متعلق ~~بجميع المنتحلين بالنبوة من أهل الكتاب أو المدعين للانتساب إلى الأنبياء ~~كما كانت عرب الجاهلية تزعم أنهم حنفاء والكلام موضوع على الفرض والتقدير ~~فالمعنى أنكم على تقدير إجابتكم هذا البشر الذي أوتي الكتاب والحكم والنبوة ~~تكونون مسلمين لله متحلين بحلية الإسلام مصبوغين بصبغته فكيف يمكنه أن ~~يأمركم بالكفر ويضلكم عن السبيل الذي هداكم إليه بإذن الله سبحانه. # ومن هنا يظهر أن المراد بالإسلام هو دين التوحيد الذي هو دين الله عند ~~جميع الأنبياء على ما يدل عليه أيضا احتفاف الآيات بهذا المعنى من الإسلام ~~أعني قوله تعالى من قبل: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19، ~~وقوله تعالى من بعد: "أفغير دين الله يبغون" - إلى أن قال -: "ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين": آل عمران - 85. # وقد ms1176 ذكر بعض المفسرين أن المراد بقوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~إلى آخر الآيتين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على ما روي في ~~سبب النزول وحاصله أن أبا رافع القرظي ورجلا من نصارى نجران قالا لرسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أتريد أن نعبدك يا محمد؟ فأنزل الله: ما ~~كان لبشر أن يؤتيه الله إلى آخر الآيتين الحديث ثم أيده بقوله في آخرهما ~~بعد إذ أنتم مسلمون فإن الإسلام هو الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وفيه أنه خلط بين الإسلام في عرف القرآن وهو دين التوحيد الذي بعث به ~~جميع الأنبياء وبين الإسلام بالاصطلاح الحادث بين المسلمين بعد عصر النزول، ~~وقد تقدم الكلام فيه. # خاتمة فيها فصول # 1 - ما هي قصة عيسى وأمه في القرآن؟ PageV03P155 # كانت أم المسيح مريم بنت عمران حملت بها أمها فنذرت أن تجعل ما في بطنها ~~إذا وضعته محررا يخدم المسجد وهي تزعم أن ما في بطنها ذكور فلما وضعتها ~~وبان لها أنها أنثى حزنت وتحسرت ثم سمتها مريم أي الخادمة وقد كان توفي ~~أبوها عمران قبل ولادتها فأتت بها المسجد تسلمها للكهنة وفيهم زكريا ~~فتشاجروا في كفالتها ثم اصطلحوا على القرعة وساهموا فخرج لزكريا فكفلها حتى ~~إذا أدركت ضرب لها من دونهم حجابا فكانت تعبد الله سبحانه فيها لا يدخل ~~عليها إلا زكريا وكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا ~~مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله، والله يرزق من يشاء بغير حساب، وقد ~~كانت (عليها السلام) صديقة، وكانت معصومة بعصمة الله، طاهرة مصطفاة محدثة ~~حدثها الملائكة: بأن الله اصطفاها وطهرها وكانت من القانتين ومن آيات الله ~~للعالمين سورة آل عمران آية 35 - 44، سورة مريم آية 16، سورة الأنبياء آية ~~91، سورة التحريم آية 12. # ثم إن الله تعالى أرسل إليها الروح وهي محتجبة فتمثل لها بشرا سويا، وذكر ~~لها أنه رسول من ربها ليهب لها بإذن الله ولدا من غير أب، ms1177 وبشرها بما سيظهر ~~من ولدها من المعجزات الباهرة، وأخبرها أن الله سيؤيده بروح القدس، ويعلمه ~~الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ورسولا إلى بني إسرائيل ذا الآيات ~~البينات، وأنبأها بشأنه وقصته ثم نفخ الروح فيها فحملت بها حمل المرأة ~~بولدها الآيات من آل عمران: 35 - 44. # ثم انتبذت مريم به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ~~ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك ~~تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري ~~عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ~~إنسيا فأتت به قومها تحمله سورة مريم آية 20 - 27، وكان حمله ووضعه وكلامه ~~وسائر شئون وجوده من سنخ ما عند سائر الأفراد من الإنسان. # فلما رآها قومها - والحال هذه - ثاروا عليها بالطعنة واللوم بما يشهد به ~~حال امرأة حملت ووضعت من غير بعل، وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت ~~هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا؟ قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني ~~مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا: سورة ~~مريم آية - 27 - 33 فكان هذا الكلام منه (عليه السلام) كبراعة الاستهلال ~~بالنسبة إلى ما سينهض على البغي والظلم وإحياء شريعة موسى (عليه السلام) ~~وتقويمه، وتجديد ما اندرس من معارفه، وبيان ما اختلفوا فيه من آياته. # ثم نشأ عيسى (عليه السلام) وشب وكان هو وأمه على العادة الجارية في ~~الحياة البشرية يأكلان ويشربان وفيهما ما في سائر الناس من عوارض الوجود ~~إلى آخر ما عاشا. # ثم إن عيسى (عليه السلام) أوتي الرسالة إلى بني إسرائيل فانبعث يدعوهم ~~إلى دين التوحيد، ويقول: إني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ ms1178 فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك لآية ~~لكم، إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه. # وكان يدعوهم إلى شريعته الجديدة وهو تصديق شريعة موسى (عليه السلام) إلا ~~أنه نسخ بعض ما حرم في التوراة تشديدا على اليهود، وكان يقول: قد جئتكم ~~بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، وكان يقول: يا بني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي ~~اسمه أحمد. # وأنجز (عليه السلام) ما ذكره لهم من المعجزات كخلق الطير وإحياء الموتى ~~وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار عن المغيبات بإذن الله. # ولم يزل يدعوهم إلى توحيد الله وشريعته الجديدة حتى أيس من إيمانهم لما ~~شاهد من عتو القوم وعنادهم واستكبار الكهنة والأحبار عن ذلك فانتخب من ~~الشرذمة التي آمنت به الحواريين أنصارا له إلى الله. PageV03P156 # ثم إن اليهود ثاروا عليه يريدون قتله فتوفاه الله ورفعه إليه، وشبه لليهود: ~~فمن زاعم أنهم قتلوه، ومن زاعم أنهم صلبوه، ولكن شبه لهم آل عمران آية 45 - ~~58، الزخرف آية 63 - 65، الصف آية 6 و14، المائدة آية 110 و111، النساء آية ~~157 و158 فهذه جمل ما قصه القرآن في عيسى بن مريم وأمه. # 2 - منزلة عيسى عند الله وموقفه في نفسه: # كان (عليه السلام) عبدا لله وكان نبيا سورة مريم آية 30 وكان رسولا إلى ~~بني إسرائيل آل عمران آية 49 وكان واحدا من الخمسة أولي العزم صاحب شرع ~~وكتاب وهو الإنجيل الأحزاب آية 7، الشورى آية 13، المائدة آية 46 وكان سماه ~~الله بالمسيح عيسى آل عمران آية 45 وكان كلمة لله وروحا منه النساء آية 171 ~~وكان إماما الأحزاب آية 7 وكان من شهداء الأعمال النساء آية 159، المائدة ~~آية 117 وكان مبشرا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصف آية 6 وكان ~~وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين آل عمران آية 45 وكان من المصطفين آل ~~عمران آية 33 وكان ms1179 من المجتبين، وكان من الصالحين الأنعام آية 85 - 87 وكان ~~مباركا أينما كان وكان زكيا وكان آية للناس ورحمة من الله وبرا بوالدته ~~وكان مسلما عليه مريم آية 19 33 وكان ممن علمه الله الكتاب والحكمة آل ~~عمران آية 48، فهذه اثنتان وعشرون خصلة من مقامات الولاية هي جمل ما وصف ~~الله به هذا النبي المكرم ورفع بها قدره، وهي على قسمين: اكتسابية ~~كالعبودية والقرب والصلاح، واختصاصية، وقد شرحنا كلا منها في الموضع ~~المناسب له من هذا الكتاب بما نطيق فهمه فليرجع فيها إلى مظانها منه. # 3 - ما الذي قاله عيسى (عليه السلام) # ؟ وما الذي قيل فيه؟ ذكر القرآن أن عيسى كان عبدا رسولا، وأنه لم يدع ~~لنفسه ما نسبوه إليه، ولا تكلم معهم إلا بالرسالة، كما قال تعالى: "وإذ قال ~~الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني ~~به: أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني ~~كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم": ~~المائدة - 116 119. # وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها، ويتضمن من بارع ~~الأدب على مجامعة يفصح عما كان يراه عيسى المسيح (عليه السلام) من موقفه ~~نفسه تلقاء ربوبية ربه، وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه ~~بالنسبة إلى ربه عبدا لا شأن له إلا الامتثال لا يرد إلا عن أمر، ولا يصدر ~~إلا عن أمر، ولم يؤمر إلا بالدعوة إلى عبادة الله وحده ولم يقل لهم إلا ما ~~أمر به: أن اعبدوا الله ربي وربكم. # ولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب، وأما ms1180 ما يفعله ~~الله فيهم وبهم يوم يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك، غفر أو عذب. # فإن قلت: فما معنى ما تقدم في الكلام على الشفاعة أن عيسى (عليه السلام) ~~من الشفعاء يوم القيامة يشفع فيشفع؟. # قلت: القرآن صريح أو كالصريح في ذلك، قال تعالى: "ولا يملك الذين يدعون ~~من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف - 86، وقد قال تعالى ~~فيه: "ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159، وقال تعالى: "وإذ ~~علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل: المائدة - 110، وقد تقدم إشباع ~~الكلام في معنى الشفاعة، وهذا غير التفدية التي يقول بها النصارى، وهي ~~إبطال الجزاء بالفدية والعوض فإنها تبطل السلطنة المطلقة الإلهية على ما ~~سيجيء من بيانه، والآية إنما تنفي ذلك، وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة ~~لأمرها لا إثباتا ولا نفيا فإنها لو كانت بصدد إثباتها - على منافاته ~~للمقام - لكان حق الكلام أن يقال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، ~~ولو كانت بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس وجه، وهذا إجمال ما ~~سيأتي في تفسير الآيات تفصيله إن شاء الله تعالى. PageV03P157 # وأما ما قاله الناس في عيسى (عليه السلام) فإنهم وإن تشتتوا في مذاهبهم ~~بعده، واختلفوا في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث كليات ما اختلفوا ~~فيه، وجزئيات المذاهب والآراء كثيرة جدا. # لكن القرآن إنما يهتم بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وأمه لمساسه بأساس ~~التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما يدعو إليه القرآن الكريم والدين الفطري ~~القويم، وأما بعض الجزئيات كمسألة التحريف ومسألة التفدية فلم يهتم به ذاك ~~الاهتمام. # والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبه إليهم ما في قوله تعالى: "وقالت ~~النصارى المسيح بن الله": التوبة - 30، وما في معناه، كقوله تعالى: "وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه": الأنبياء - 26، وما في قوله تعالى: "لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم": المائدة - 72، وما في قوله تعالى: ~~"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة": المائدة - 73، وما في قوله ~~تعالى: "ولا تقولوا ثلثة": النساء ms1181 - 171. # وهذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذوات مضامين ومعان ~~متفاوتة، ولذلك ربما حملت على اختلاف المذاهب في ذلك كمذهب الملكانية ~~القائلين بالبنوة الحقيقية، والنسطورية القائلين بأن النزول والبنوة من ~~قبيل إشراق النور على جسم شفاف كالبلور، واليعقوبية القائلين بأنه من ~~الانقلاب، وقد انقلب الإله سبحانه لحما ودما. # لكن الظاهر أن القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة، وإنما يهتم ~~بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعا وهو البنوة، وأن المسيح من سنخ الإله ~~سبحانه، وما يتفرع عليه من حديث التثليث وإن اختلفوا في تفسيرها اختلافا ~~كثيرا، وتعرقوا في المشاجرة والنزاع، والدليل على ذلك وحدة الاحتجاج الوارد ~~عليهم في القرآن لسانا. # بيان ذلك: أن التوراة والأناجيل الحاضرة جميعا تصرح بتوحيد الإله تعالى، ~~من جانب والإنجيل يصرح بالبنوة من جانب آخر، وصرح بأن الابن هو الأب لا غير. # ولم يحملوا البنوة الموجودة فيه على التشريف والتبريك مع ما في موارد منه ~~من التصريح بذلك كقوله: "وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم، وباركوا على لاعنيكم ~~وأحسنوا إلى من أبغضكم، وصلوا على من يطردكم ويعسفكم كيما تكونوا بني أبيكم ~~الذي في السماوات لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار والممطر على ~~الصديقين والظالمين، وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟ أليس العشارون ~~يفعلون كذلك؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل لكم؟ أليس كذلك يفعل ~~الوثنيون كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي فهو كامل" آخر الإصحاح الخامس من ~~إنجيل متى وقوله أيضا: فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ~~ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" إنجيل متى - الإصحاح الخامس. # وقوله أيضا: "لا تصنعوا جميع مراحمكم قدام الناس كي يروكم فليس لكم أجر ~~عند أبيكم الذي في السماوات". # وقوله أيضا في الصلوة: "وهكذا تصلون أنتم يا أبانا الذي في السماوات ~~يتقدس اسمك "الخ". # وقوله: أيضا "فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم" كل ~~ذلك في الإصحاح السادس من إنجيل متى. # وقوله: "وكونوا رحماء مثل أبيكم الرحيم" إنجيل لوقا - الإصحاح السادس. # وقوله لمريم المجدلية: "امضي إلى إخوتي وقولي لهم: ms1182 إني صاعد إلى أبي الذي ~~هو أبوكم وإلهي الذي هو إلهكم" إنجيل يوحنا - الإصحاح العشرون. # فهذه وأمثالها من فقرات الأناجيل تطلق لفظ الأب على الله تعالى وتقدس ~~بالنسبة إلى عيسى وغيره جميعا كما ترى بعناية التشريف ونحوه. # وإن كان ما في بعض الموارد منها يعطي أن هذه البنوة والأبوة نوع من ~~الاستكمال المؤدي إلى الاتحاد كقوله: "تكلم اليسوع بهذا ورفع عينيه إلى ~~السماء فقال: يا أبة قد حضرت الساعة فمجد ابنك ليمجدك ابنك ثم ذكر دعاءه ~~لرسله من تلامذته ثم قال: "ولست أسأل في هؤلاء فقط بل وفي الذين يؤمنون بي ~~بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحدا كما أنك يا أبة ثابت في وأنا أيضا فيك ~~ليكونوا أيضا فينا واحدا ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا أعطيتهم المجد الذي ~~أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن واحد أنا فيهم وأنت في ويكونوا كاملين لواحد ~~لكي يعلم العالم أنك أرسلتني وأنني أحببتهم كما أحببتني" إنجيل يوحنا - ~~الإصحاح السابع عشر. PageV03P158 # لكن وقع فيها أقاويل يتأبى ظواهرها عن تأويلها إلى التشريف ونحوه كقوله: ~~"قال له توما: يا سيد ما نعلم أين تذهب؟ وكيف نقدر أن نعرف الطريق؟ قال له ~~يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة لا يأتي أحد إلى أبي إلا بي لو كنتم ~~تعرفونني لعرفتم أبي أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه أيضا، قال له ~~فيلبس: يا سيد أرنا الأب وحسبنا، قال له يسوع: أنا معكم كل هذا الزمان ولم ~~تعرفني يا فيلبس؟ من رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت: أرنا الأب؟ أما تؤمن ~~أني في أبي وأبي في وهذا الكلام الذي أقوله لكم ليس هو من ذاتي وحدي بل أبي ~~الحال في هو يفعل هذه الأفعال آمنوا بي، أنا في أبي وأبي في" إنجيل يوحنا - ~~الإصحاح الرابع عشر. # وقوله: "لكني خرجت من الله وجئت ولم آت من عندي بل هو أرسلني" إنجيل - ~~يوحنا الإصحاح الثامن. # وقوله: أنا وأبي واحد نحن" إنجيل يوحنا - الإصحاح العاشر. # وقوله لتلامذته: "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن وروح ms1183 ~~القدس" إنجيل متى - الإصحاح الثامن والعشرون. # وقوله: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، والله كان الكلمة منذ ~~البدء كان هذا عند الله كل به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان به كانت ~~الحياة، والحياة كانت نور الناس" إنجيل يوحنا - الإصحاح الأول. # فهذه الكلمات وما يماثلها مما وقع في الإنجيل هي التي دعت النصارى إلى ~~القول بالتثليث في الوحدة. # والمراد به حفظ "أن المسيح بن الله" مع التحفظ على التوحيد الذي نص عليه ~~المسيح في تعليمه كما في قوله: "إن أول كل الوصايا: اسمع يا إسرائيل الرب ~~إلهك إله واحد هو" إنجيل مرقس - الإصحاح الثاني عشر. # ومحصل ما قالوا به وإن كان لا يرجع إلى محصل معقول: أن الذات جوهر واحد ~~له أقانيم ثلاث، والمراد بالأقنوم هو الصفة التي هي ظهور الشيء وبروزه ~~وتجليه لغيره وليست الصفة غير الموصوف،: والأقانيم الثلاث هي: أقنوم الوجود ~~وأقنوم العلم، وهو الكلمة، وأقنوم الحياة وهو الروح. # وهذه الأقانيم الثلاث هي: الأب والابن والروح القدس: والأول أقنوم ~~الوجود، والثاني أقنوم العلم والكلمة، والثالث أقنوم الحياة، فالابن وهو ~~الكلمة وأقنوم العلم نزل من عند أبيه وهو أقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس ~~وهو أقنوم الحيوة التي بها يستنير الأشياء. # ثم اختلفوا في تفسير هذا الإجمال اختلافا عظيما أوجب تشتتهم وانشعابهم ~~شعبا ومذاهب كثيرة تجاوز السبعين، وسيأتيك نبؤها على قدر ما يلائم حال هذا ~~الكتاب. # إذا تأملت ما قدمناه عرفت: أن ما يحكيه القرآن عنهم، أو ينسبه إليهم ~~بقوله: "وقالت النصارى المسيح بن الله،" الآية، وقوله: "لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح بن مريم،" الآية، وقوله: "لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة،" الآية، وقوله: "ولا تقولوا ثلثة انتهوا،" الآية، كل ذلك ~~يرجع إلى معنى واحد وهو تثليث الوحدة هو المشترك بين جميع المذاهب ~~المستحدثة في النصرانية، وهو الذي قدمناه في معنى تثليث الوحدة. # وإنما اقتصر فيه على هذا المعنى المشترك لأن الذي يرد على أقوالهم في ~~خصوص المسيح (عليه السلام) على كثرتها ms1184 وتشتتها مما يحتج به القرآن أمر واحد ~~يرد على وتيرة واحدة كما سيتضح. # 4 - احتجاج القرآن على مذهب التثليث # يرد القرآن في الاحتجاج، ويرد قول المثلثة من طريقين، أحدهما: الطريق ~~العام، وهو بيان استحالة الابن عليه تعالى في نفسه أي سواء كان عيسى هو ~~الابن أو غيره، الثاني: الطريق الخاص وهو بيان أن عيسى بن مريم ليس ابنا ~~إلها بل عبد مخلوق. PageV03P159 # أما الطريق الأول فتوضيحه أن حقيقة البنوة والتولد هو أن يجزىء واحد من هذه ~~الموجودات الحية المادية كالإنسان والحيوان بل النبات أيضا شيئا من مادة ~~نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فردا آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب ~~عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على المجزأ منه كالحيوان يفصل من نفسه ~~النطفة، والنبات يفصل من نفسه اللقاح ثم يأخذ في تربيته تدريجا حتى يصيره ~~حيوانا أو نباتا آخر مماثلا لنفسه، ومن المعلوم أن الله سبحانه يمتنع عليه ~~ذلك: أما أولا فلاستلزامه الجسمية المادية، والله سبحانه منزه من المادة ~~ولوازمها الافتقارية كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك، وأما ثانيا فلأن ~~الله سبحانه لإطلاق ألوهيته وربوبيته له القيومية المطلقة على ما سواه فكل ~~شيء سواه مفتقر الوجود إليه قائم الوجود به فكيف يمكن فرض شيء غيره يماثله ~~في النوعية يستقل عنه بنفسه، ويكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له من ~~غير افتقار إليه، وأما ثالثا فلأن جواز الإيلاد والاستيلاد عليه تعالى ~~يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه تعالى، وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة ~~والحركة وهو خلف بل ما يقع بإرادته ومشيته تعالى إنما يقع من غير مهلة ~~وتدريج. # وهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل ~~له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون": البقرة - 117، وعلى ما قربناه فقوله: سبحانه ~~برهان، وقوله: له ما في السموات والأرض كل له قانتون برهان آخر وقوله: بديع ~~السموات والأرض إذا قضى "الخ" برهان ثالث. # ويمكن أن يجعل ms1185 قوله: بديع السموات والأرض من قبيل إضافة الصفة إلى ~~فاعلها، ويستفاد منه أن خلقه تعالى على غير مثال سابق فلا يمكن منه الإيلاد ~~لأنه خلق على مثال نفسه لأن مفروضهم العينية فيكون هذه الفقرة وحدها برهانا آخر. # ولو فرض قولهم: اتخذ الله ولدا كلاما ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه ~~التوسع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شيء عن شيء يماثله في ~~الحقيقة من غير تجز مادي أو تدريج زماني وهذا هو الذي يرومه النصارى ~~بقولهم: المسيح بن الله بعد تنقيحه ليتخلص بذلك عن إشكال الجسمية والمادية ~~والتدريج بقي إشكال المماثلة. # توضيحه أن إثبات الابن والأب إثبات للعدد بالضرورة، وهو إثبات للكثرة ~~الحقيقية وإن فرضت الوحدة النوعية بين الأب والابن كالأب والابن من الإنسان ~~هما واحد في الحقيقة الإنسانية، وكثير من حيث إنهما فردان من الإنسان، وعلى ~~هذا فلو فرض وحدة الإله كان كل ما سواه ومن جملتها الابن غيرا له مملوكا ~~مفتقرا إليه فلا يكون الابن المفروض إلها مثله، ولو فرض ابن مماثل له غير ~~مفتقر إليه بل مستقل مثله بطل التوحيد في الإله عز اسمه. # وهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى: "ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا ~~لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في ~~الأرض، وكفى بالله وكيلا": النساء - 171. # وأما الطريق الثاني وهو بيان أن شخص عيسى بن مريم (عليهما السلام) ليس ~~ابنا لله مشاركا له في الحقيقة الإلهية فلما كان فيه من البشرية ولوازمها. # وتوضيحه أن المسيح (عليه السلام) حملت به مريم، وربته جنينا في رحمها، ثم ~~وضعته وضع المرأة ولدها، ثم ربته كما يتربى الولد في حضانة أمه، ثم أخذ في ~~النشوء وقطع مراحل الحيوة والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب ~~والكهولة، وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حيوته، يعرضه من ~~العوارض والحالات ما يعرض الإنسان: من جوع وشبع، وسرور ومساءة، ولذة وألم، ~~وأكل وشرب، ونوم ويقظة، وتعب وراحة، ms1186 وغير ذلك. PageV03P160 # فهذا ما شوهد من حال المسيح (عليه السلام) حين مكثه بين الناس، ولا يرتاب ~~ذو عقل أن من كان هذا شأنه فهو إنسان كسائر الأناسي من نوعه وإذا كان كذلك ~~فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه، وأما صدور الخوارق وتحقق المعجزات بيده ~~كإحياء الأموات وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص، وكذا تحقق الخوارق من ~~الآيات في وجوده كتكونه من غير أب فإنما هي أمور خارقة للعادة المألوفة ~~والسنة الجارية في الطبيعة فإنها نادرة الوجود لا مستحيلته فهذا آدم تذكر ~~الكتب السماوية أنه خلق من تراب ولا أب له، وهؤلاء أنبياء الله كصالح ~~وإبراهيم وموسى (عليهما السلام) جرت بأيديهم آيات معجزة كثيرة مذكورة في ~~مسفورات الوحي من غير أن تقتضي فيهم ألوهية، ولا خروجا عن طور الإنسانية. # وهذه الطريقة هي المسلوكة في قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد - إلى أن قال -: ما المسيح بن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون: المائدة - 75، وقد خص أكل الطعام من بين ~~جميع الأفعال بالذكر لكونه من أحسنها دلالة على المادية واستلزاما للحاجة ~~والفاقة المنافية للألوهية، فمن المعلوم أن من يجوع ويظمأ بطبعه ثم يشبع ~~بأكلة أو يرتوي بشربة ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلا ~~غيره، وما معنى ألوهية من هذا شأنه؟ فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في ~~رفعها إلى الخارج من نفسه فهو ناقص في نفسه مدبر بغيره، وليس بإله غني ~~بذاته بل هو مخلوق مدبر بربوبية من ينتهي إليه تدبيره. # وإلى هذا يمكن أن يرجع قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ~~والله على كل شيء قدير": المائدة - 17. # وكذا قوله ms1187 تعالى في ذيل الآية المنقولة سابقا آية 75 خطابا للنصارى: "قل ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم": ~~المائدة - 76. # فإن الملاك في هذا النوع من الاحتجاجات هو أن الذي شوهد من أمر المسيح ~~أنه كان يعيش على الناموس الجاري في حيوة الإنسان متصفا بجميع صفاته ~~وأفعاله وأحواله النوعية كالأكل والشرب وسائر الاحتياجات الإنسانية، ~~والخواص البشرية ولم يكن هذا التلبس والاتصاف بحسب ظاهر الحس أو تسويل ~~الخيال فحسب بل كان على الحقيقة وكان المسيح (عليه السلام) إنسانا ذا هذه ~~الأوصاف والأحوال والأفعال، والأناجيل مشحونة بتسميته نفسه إنسانا وابن ~~الإنسان، مملوءة بالقصص الناطقة بأكله وشربه ونومه ومشيه ومسافرته وتعبه ~~وتكلمه ونحو ذلك بحيث لا يقبل شيء منها صرفا ولا تأويلا، ومع تسليم هذه ~~الأمور يجري على المسيح ما يجري على غيره فهو لا يملك من غيره شيئا كغيره، ~~ويمكن أن يهلك كغيره. # وكذا حديث عبادته ودعائه بحيث لا يرتاب في أن ما كان يأتيه من عبادة ~~فإنما للتقرب من الله والخضوع لقدس ساحته لا لتعليم الناس أو لأغراض أخر ~~تشابه ذلك. # وإلى حديث العبادة والاحتجاج به يومىء قوله تعالى: "لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا": النساء - 172، فعبادة المسيح أول دليل على أنه ليس ~~بإله، وأن الألوهية لغيره لا نصيب له فيها، فأي معنى لنصب الشيء نفسه في ~~مقام العبودية والمملوكية لنفسه؟ وكون الشيء قائما بنفسه من عين الجهة التي ~~بها يقوم نفسه والأمر ظاهر وكذا عبادة الملائكة كاشفة عن أنها ليست ببنات ~~الله سبحانه ولا أن روح القدس إله بعد ما كانوا بأجمعهم عابدين لله طائعين ~~له كما قال تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون": الأنبياء - 28. # على أن الأناجيل مشحونة بأن الروح طائع لله ورسله مؤتمر للأمر محكوم ms1188 ~~بالحكم ولا معنى لأمر الشيء نفسه ولا لطاعته لذاته، ولا لانقياده وائتماره ~~لمخلوق نفسه. PageV03P161 # ونظير عبادة المسيح لله سبحانه في الدلالة على المغايرة دعوته الناس إلى ~~عبادة الله كما يشير إليه قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار": ~~المائدة - 72، وسبيل الآية واحتجاجها ظاهر. # والأناجيل أيضا مشحونة في دعوته إلى الله سبحانه، وهي وإن لم تشتمل على ~~هذا اللفظ الجامع اعبدوا الله ربي وربكم لكنها مشتملة على الدعوة إلى عبادة ~~الله، وعلى اعترافه بأنه ربه الذي بيده زمام أمره، وعلى اعترافه بأنه رب ~~الناس، ولا تتضمن دعوته إلى عبادة نفسه صريحا ولا مرة مع ما فيها من قوله: ~~أنا وأبي واحد نحن" إنجيل يوحنا - الإصحاح العاشر، فمن الواجب أن يحمل على ~~تقدير صحته على أن المراد: أن إطاعتي إطاعة الله كما قال تعالى في كتابه ~~الكريم: "من يطع الرسول فقد أطاع الله": النساء - 80. # 5 - المسيح من الشفعاء عند الله وليس بفاد: # زعمت النصارى: أن المسيح فداهم بدمه الكريم، ولذلك لقبوه بالفادي، قالوا: ~~إن آدم لما عصى الله بالأكل من الشجرة المنهية في الجنة أخطأ بذلك ولزمته ~~الخطيئة، وكذلك لزمت ذريته من بعده ما توالدوا وتناسلوا، وجزاء الخطيئة ~~العقاب في الآخرة والهلاك الأبدي الذي لا مخلص منه، وقد كان الله سبحانه ~~رحيما عادلا. # فبدا إذ ذاك إشكال عويص لا انحلال له، وهو أنه لو عاقب آدم وذريته ~~بخطيئتهم كان ذلك منافيا لرحمته التي لها خلقهم، ولو غفر لهم كان ذلك ~~منافيا لعدله فإن مقتضى العدل أن يعاقب المجرم الخاطىء بجرمه وخطيئته كما ~~أن مقتضاه أن يثاب المحسن المطيع بإحسانه وإساءته. # ولم تزل هذه العويصة على حالها حتى حلها ببركة المسيح، وذلك بأن حل ~~المسيح وهو ابن الله، وهو الله نفسه رحم واحدة من ذرية آدم وهو مريم البتول ~~وتولد منها كما يتولد إنسان ms1189 فكان بذلك إنسانا كاملا لأنه ابن إنسان، وإلها ~~كاملا لأنه ابن الله، وابن الله هو الله تعالى معصوما عن جميع الذنوب ~~والخطايا. # وبعد أن عاش بين الناس برهة يسيرة من الزمان يعاشرهم ويخالطهم، ويأكل ~~ويشرب معهم، ويكلمهم ويستأنس بهم، ويمشي فيهم تسخر لأعدائه ليقتلوه شر ~~قتلة، وهي قتلة الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الإلهي فاحتمل اللعن ~~والصلب بما فيه من الزجر والأذى والعذاب ففدى الناس بنفسه ليخلصوا بذلك من ~~عقاب الآخرة وهلاك السرمد وهو كفارة لخطايا المؤمنين به بل لخطايا كل ~~العالم هذا ما قالوه. # وقد جعلت النصارى هذه الكلمة أعني مسألة الصلب والفداء أساس دعوتهم فلا ~~يبدءون إلا بها، ولا يختمون إلا عليها كما أن القرآن يجعل أساس الدعوة ~~الإسلامية هو التوحيد كما قال الله مخاطبا لرسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله ~~وما أنا من المشركين": يوسف - 108، مع أن المسيح على ما يصرح به الأناجيل، ~~وقد تقدم نقله. # كان يجعل أول الوصايا هو التوحيد ومحبة الله سبحانه. # وقد ناقشهم غيرهم من المسلمين وسائر الباحثين فيما يشتمل عليه قولهم هذا ~~من وجوه الفساد والبطلان، وألفت فيها كتب ورسائل وملئت بها صحف وطوامير ~~ببيان منافاتها لضرورة العقل، ومناقضتها لكتب العهدين. # والذي يهمنا ويوافق الغرض الموضوع له هذا الكتاب بيان جهات منافاته لأصول ~~تعليم القرآن وختمه ببيان الفرق بين ما يثبته القرآن من الشفاعة وما ~~يثبتونه من الفداء. # على أن القرآن يذكر صراحة أنه إنما يخاطب الناس ويكلمهم ببيان ما يقرب من ~~أفق عقولهم، ويمكن بياناته من فقههم وفهمهم، وهو الأمر الذي به يميز ~~الإنسان الحق من الباطل فينقاد لهذا ويأبى ذاك، ويفرق بين الخير والشر ~~والنافع والضار فيأخذ بهذا ويترك ذاك، والذي ذكرناه من اعتبار القرآن في ~~بياناته حكم العقل السليم مما لا غبار عليه عند من راجع الكتاب العزيز. PageV03P162 # فأما ما ذكروه ففيه أولا: أنهم ذكروا معصية آدم (عليه السلام) بالأكل من ~~الشجرة المنهية، والقرآن يدفع ms1190 ذلك من جهتين: الأولى: أن النهي هناك كان ~~نهيا إرشاديا يقصد به صلاح المنهي ووجه الرشد في أمره لا إعمال المولوية ~~والأمر الذي هو من هذا القبيل لا يترتب على امتثاله ولا تركه ثواب ولا عقاب ~~مولوي كأوامر المشير ونواهيه لمن يستشيره، وأوامر الطبيب ونواهيه للمريض بل ~~إنما يترتب على امتثال التكليف الإرشادي الرشد المنظور لمصلحة المكلف، وعلى ~~مخالفته الوقوع في مفسدة المخالفة وضرر الفعل بما أنه فعل، وبالجملة لم ~~يلحق بآدم (عليه السلام) إلا أنه أخرج من الجنة وفاته راحة القرب وسرور ~~الرضا، وأما العقاب الأخروي فلا لأنه لم يعص معصية مولوية حتى يستتبع ~~عقابا، راجع تفسير الآيات 35 - 39، من سورة البقرة. # والثانية: أنه (عليه السلام) كان نبيا والقرآن ينزه ساحة الأنبياء (عليهم ~~السلام) ويبرىء نفوسهم الشريفة عن اقتراف المعاصي والفسق عن أمر الله ~~سبحانه، والبرهان العقلي أيضا يؤيد ذلك، راجع ما ذكرناه في البحث عن عصمة ~~الأنبياء في تفسير الآية 213 من سورة البقرة. # وثانيا: قولهم: إن الخطيئة لزمت آدم فإن القرآن يدفعه بقوله: "ثم اجتباه ~~ربه فتاب عليه وهدى": طه - 122، وقوله: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ~~إنه هو التواب الرحيم": البقرة - 37. # والاعتبار العقلي يؤيد ذلك بل يبينه فإن الخطيئة وتبعة الذنب إنما هو أمر ~~محذور مخوف منه يعتبره العقل أو المولى لازما للمخالفة والتمرد ليستحكم ~~بذلك أمر التكليف فلو لا العقاب والثواب لم يستقم أمر المولوية ولم يمتثل ~~أمر ولا نهي وكما أن من شئون المولوية بسط العقاب على المجرمين في جرائمهم ~~كالثواب على المطيعين في طاعاتهم كذلك من شئون المولوية إطلاق التصرف في ~~دائرة مولويته فللمولى أن يغمض عن خطيئة المخطئين ومعصية العاصين بالعفو ~~والمغفرة فإنه نوع تصرف وحكومة كما أن له أن يؤاخذ بها وهي نوع حكومة، وحسن ~~العفو والمغفرة عن الموالي وأولي القوة والسطوة في الجملة مما لا ريب فيه، ~~والعقلاء من الإنسان يستعملونه إلى هذا الحين فكون كل خطيئة صادرة من ~~الإنسان لازمة للإنسان مما لا وجه له البتة وإلا لم ms1191 يكن لأصل العفو ~~والمغفرة تحقق لأن المغفرة والعفو إنما يكون لإمحاء الخطيئة وإبطال أثر ~~الذنب، ومع فرض أن الخطيئة لازمة غير منفكة لا يبقى موضوع للعفو والمغفرة، ~~مع أن الوحي الإلهي مملو بحديث العفو والمغفرة، وكتب العهدين كذلك حتى أن ~~هذا الكلام المنقول منهم لا يخلو عنه، وبالجملة دعوى كون ذنب من الذنوب أو ~~خطيئة من الخطايا لازمة غير قابلة في نفسه للمغفرة والإمحاء حتى بالتوبة ~~والإنابة والرجوع والندم مما لا يقبله عقل سليم ولا طبع مستقيم. # وثالثا: أن قولهم: إن خطيئة آدم كما لزمته كذلك لزمت ذريته إلى يوم ~~القيامة يستلزم أن يشمل تبعة الذنب الصادر من واحد غيره أيضا ممن لم يذنب ~~في المعاصي المولوية. # وبعبارة أخرى أن يصدر فعل عن واحد ويعم عصيانه وتبعته غير فاعله كما يشمل ~~فاعله، وهذا غير أن يأتي قوم بالمعصية ويرضى به آخرون من أخلافهم فتحسب ~~المعصية على الجميع وبالجملة هو تحمل الوزر من غير صدور الذنب والقرآن يرد ~~ذلك كما في قوله: "ألا تزر وازرة وزر أخرى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى": ~~النجم - 39، والعقل يساعده عليه لقبح مؤاخذة من لم يذنب بذنب لم يصدر عنه. # راجع أبحاث الأفعال في تفسير آية 216 - 218 من سورة البقرة. PageV03P163 # ورابعا: أن كلامهم مبني على كون تبعة جميع الخطايا والذنوب هو الهلاك ~~الأبدي من غير فرق بينها، ولازمه أن لا يختلف الخطايا والذنوب من حيث الصغر ~~والكبر بل يكون جميعها كبائر موبقات، والذي يراه القرآن الكريم في تعليمه ~~أن الخطايا والمعاصي مختلفة فمنها كبائر، ومنها صغائر، ومنها ما تناله ~~المغفرة، ومنها ما لا تناله إلا بالتوبة كالشرك، قال تعالى: "إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم": النساء - 31، وقال تعالى: "إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء - 48، فجعل تعالى ~~من المحرمات المنهي عنها وهي الخطايا والذنوب ما هي كبائر، وما هي سيئات أي ~~صغائر بقرينة المقابلة، وجعل تعالى من الذنوب ما لا يقبل المغفرة، ومنها ما ms1192 ~~يقبلها فالذنوب على أي حال مختلفة، وليس كل ذنب بموجب للخلود في النار ~~والهلاك الأبدي. # على أن العقل يأبى عن نضد جميع الذنوب ونظمها في سلك واحد فاللطم غير ~~القتل والنظر المريب غير الزنا، وهكذا، والعقلاء من الإنسان في جميع ~~الأدوار لم يضعوا كل ذنب وخطإ موضع غيره، ويرون للمعاصي المختلفة تبعات ~~ومؤاخذات مختلفة فكيف يصح إجراء الجميع مجرى واحدا مع هذا الاختلاف الفاحش ~~بينها، وإذا فرض اختلافها لم يصح إلا جعل العقاب الخالد والهلاك الأبدي ~~لبعضها كالشرك بالله، كما يقول القرآن الكريم. # ومن المعلوم أن مخالفة نهي ما في الأكل من الشجرة ليس يحل محل الكفر ~~بالله العظيم وما يشابه ذلك فلا وجه لجعل عقابه وتبعته هو العذاب المؤبد ~~راجع بحث الأفعال السابق الذكر. # وخامسا: ما ذكروه من وقوع الإشكال، وحدوث التزاحم بين صفة الرحمة وصفة ~~العدل ثم الاحتيال إلى رفعه بنزول المسيح وصعوده بالوجه الذي ذكروه. # والمتأمل في هذا الكلام وما يستتبعه من اللوازم يجد أنهم يرون أن الله ~~تعالى وتقدس موجود خالق ينسب وينتهي إليه هذا العالم المخلوق بجميع أجزائه ~~غير أنه إنما يفعل بإرادة وعلم في نفسه، وإرادته في تحققها تتوقف إلى ترجيح ~~علمي كما أن الإنسان إنما يريد شيئا إذا رجحه بعلمه، فهناك مصالح ومفاسد ~~يطبق الله أفعاله عليها فيفعلها، وربما أخطأ في التطبيق فندم على الفعل، ~~وربما فكر في أمر ولم يهتد إلى طريق صلاحه، وربما جهل أمرا، وبالجملة هو ~~تعالى في أوصافه وأفعاله كالإنسان إنما يفعل ما يفعل بالتفكر والتروي ويروم ~~فيه تطبيق فعله على المصلحة فهو محكوم بحكم المصالح ومقهور بعملها فيه من ~~الخارج، ويمكن له الاهتداء إلى الصلاح ويمكن له الضلال والاشتباه والغفلة ~~فربما يعلم وربما يجهل، وربما يغلب وربما يغلب عليه فقدرته محدودة كعلمه، ~~وإذا جاز عليه هذا الذي ذكر جاز عليه سائر ما يطرأ الفاعل المتفكر المريد ~~في فعله من سرور وحزن وحمد وندم وابتهاج وانفعال وغير ذلك، والذي هذا شأنه ~~يكون موجودا ماديا جسمانيا واقعا تحت ناموس الحركة ms1193 والتغير والاستكمال، ~~والذي هو كذلك ممكن مخلوق بل إنسان مصنوع، وليس بالواجب تعالى، الخالق لكل شيء. # وأنت بالرجوع إلى كتب العهدين تجد صدق جميع ما نسبناه إليهم في الواجب ~~تعالى من جسميته واتصافه بجميع أوصاف الجسمانيات وخاصة الإنسان. # والقرآن في جميع هذه المعاني المذكورة ينزه الله تعالى عن هذه الأوهام ~~الخرافية، كما يقول تعالى: "سبحان الله عما يصفون": الصافات - 159، ~~والبراهين العقلية القاطعة قائمة على أنه تعالى ذات مستجمع لجميع صفات ~~الكمال فله الوجود من غير شائبة عدم، والقدرة المطلقة من غير عجز، والعلم ~~المطلق من غير طرو جهل، والحيوة المطلقة من غير إمكان موت وفناء، وإذا كان ~~كذلك لم يجز عليه تغير حال في وجوده أو علمه أو قدرته أو حيوته. # وإذا كان كذلك لم يكن جسما ولا جسمانيا لأن الأجسام والجسمانيات محاط ~~التغيرات والتحولات، ومحال الإمكانات والافتقارات والاحتياجات، وإذا لم يكن ~~جسما ولا جسمانيا لم يطرأ عليه الحالات المختلفة والطواري المتنوعة: من ~~غفلة وسهو وغلط وندم وتحير وتأثر وانفعال وهوان وصغر ومغلوبية ونحوها، وقد ~~استوفينا البحث البرهاني المتعلق بهذه المعاني في هذا الكتاب في موارد ~~يناسبها، يجدها المراجع إذا راجع. PageV03P164 # وعلى الناقد المتبصر والمتأمل المتدبر أن يقايس بين القولين: ما يقول به ~~القرآن الكريم في إله العالم فيثبت له كل صفة كمال، وينزهه عن كل صفة نقص، ~~وبالأخرة يعده أكبر وأعظم من أن يحكم فيه أفهامنا بما صحبته من عالم الحد ~~والتقدير، وبين ما يثبته العهدان في الباري تعالى بما لا يوجد إلا في ~~أساطير يونان، وخرافات هند القديم والصين، وأمور كان الإنسان الأولي ~~يتوهمها فيتأثر مما قدمه إليه وهمه. # وسادسا: قولهم إن الله أرسل ابنه المسيح وأمره أن يحل رحما من الأرحام ~~ليتولد إنسانا وهو إله، وهذا هو القول غير المعقول الذي انتهض لبيان بطلانه ~~القرآن الكريم على ما أوضحناه في البيان السابق فلا نعيد. # ومن المعلوم أن العقل أيضا لا يساعد عليه فإنك إذا تأملت فيما يجب من ~~الصفات أن يقال باتصاف الواجب تعالى بها كالثبات السرمدي، ms1194 وعدم التغير، ~~وعدم تحدد الوجود، والإحاطة بكل شيء، والتنزه عن الزمان والمكان وما ~~يتبعهما، وتأملت في تكون إنسان من حين كونه نطفة فجنينا في رحم سواء اعتبرت ~~في معناه تفسير الملكانيين لهذه الكلمة أو تفسير النسطوريين، أو تفسير ~~اليعقوبيين أو غيرهم إذ لا نسبة بين ما له الجسمية وجميع أوصاف الجسمية ~~وآثارها وبين ما ليس فيه جسمية ولا شيء مما يتصف به من زمان أو مكان أو ~~حركة أو غير ذلك فكيف يمكن تعقل الاتحاد بينهما بوجه. # وعدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما ~~يذكره بولس وغيره من رؤسائهم القديسين من تقبيح الفلسفة والإزراء بالأحكام ~~العقلية، يقول بولس: "قد كتب لأهلكن حكمة الحكماء ولأخالفن فهم الفقهاء أين ~~الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق؟ أوليس قد حمق الله حكمة هذا ~~العالم - إلى أن قال -: وإذ اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة ~~نكرز نحن بالمسيح مصلوب" رسالة بولس - الإصحاح الأول، ونظائر هذه الكلمات ~~كثيرة في كلامه وكلام غيره وليست إلا لسياسة النشر والإذاعة والتبليغ ~~والعظة، يوقن بذلك من أرعى نظره في هذه الرسائل والكتب وتعمق في طريق ~~تكليمها الناس وإلقاء بياناتها إليهم. # ومن ما مر يظهر ما في قولهم: إنه تعالى معصوم من الذنوب والخطايا فإن ~~الإله الذي صوروه غير مصون عن الخطإ أصلا بمعنى الغلط في الإدراك والغلط في ~~الفعل من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته. # وأما الذنب والمعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة والانقياد فهو غير ~~متصور في حقه تعالى فالعصمة أيضا غير متصورة في حقه سبحانه. # وسابعا: قولهم: إنه بعد أن صار إنسانا عاشر الناس معاشرة الإنسان للإنسان ~~حق تسخر لأعدائه فيه تجويز اتصاف الواجب بحقيقة من حقائق الممكنات حتى يكون ~~إلها وإنسانا في عرض واحد، فكان من الجائز أن يصير الواجب شيئا من مخلوقاته ~~أي يتصف بحقيقة كل نوع من هذه الأنواع الخارجية، فتارة يكون إنسانا من ~~الأناسي، وتارة فرسا، وتارة طائرا، وتارة حشرة، وتارة غير ذلك، وتارة ms1195 يكون ~~أزيد من نوع واحد من الأنواع كالإنسان والفرس والحشرة معا. # وهكذا يجوز أن يصدر عنه أي فعل فرض من أفعال الموجودات لجواز أن يصير هو ~~ذلك النوع فيفعل فعله المختص به، وكذا يجوز أن يصدر عنه أفعال متقابلة معا ~~كالعدل والظلم، وأن يتصف بصفات متقابلة كالعلم والجهل، والقدرة والعجز، ~~والحياة والموت والغنى والفقر، تعالى الملك الحق، وهذا غير المحذور المتقدم ~~في الأمر السادس. # وثامنا: قولهم: إنه تحمل الصلب واللعن أيضا لأن المصلوب ملعون، ما ذا ~~يريدون بقولهم: إنه تحمل اللعن؟ وما ذا يراد بهذا اللعن؟ أهو هذا اللعن ~~الذي يعرفه العرف واللغة وهو الإبعاد من الرحمة والكرامة أو غير ذلك؟ فإن ~~كان هو الذي نعرفه، وتعرفه اللغة فما معنى إبعاده تعالى نفسه من الرحمة أو ~~إبعاد غيره إياه من الرحمة؟ فهل الرحمة إلا الفيض الوجودي وموهبة النعمة ~~والاختصاص بمزايا الوجود فيرجع هذا الإبعاد واللعن بحسب المعنى إلى الفقر ~~في المال أو الجاه أو نحو ذلك في الدنيا أو الآخرة أو كلتيهما، وحينئذ فما ~~معنى لحوق اللعن بالله تعالى وتقدس بأي وجه تصوروه؟ مع أنه الغني بالذات ~~الذي هو يسد باب الفقر عن كل شيء. PageV03P165 # والتعليم القرآني على خلاف هذا التعليم العجيب بتمام معنى الكلمة، قال ~~تعالى: "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني": الفاطر - ~~15، والقرآن يسميه تعالى بأسماء ويصفه بصفات يستحيل معها عروض أي فقر وفاقة ~~وحاجة ونقيصة وفقد وعدم وسوء وقبح وذل وهوان إلى ساحة قدسه وكبريائه. # فإن قيل: إن اتصافه بالهوان، وحمله اللعن بواسطة اتحاده بالإنسان، وإلا ~~فهو تعالى في نفسه وحيال ذاته أجل من أن يعرضه ذلك. # قيل لهم: هل يوجب هذا الاتحاد حمله اللعن واتصافه بهذه الأمور الشاقة ~~حقيقة ومن غير مجاز أو لا؟ فإن كان الأول لزم المحذور الذي ذكرناه، وإن كان ~~الثاني عاد الإشكال، أعني أن تولد المسيح لم يوجب انحلال إشكال تزاحم ~~الرحمة والعدل، فإن تحمل غيره تعالى للمصائب وأقسام العذاب واللعن لا يتم ~~أمر الفدية أي صيرورة الله ms1196 فدية عن أفراد الإنسان، وهو ظاهر. # وتاسعا: قولهم: إن ذلك كفارة لخطايا المؤمنين بعيسى بل لخطايا كل العالم، ~~يدل ذلك على أنهم لم يحصلوا حقيقة معنى الذنوب والخطايا وكيفية استتباعها ~~للعقاب الأخروي وكيف يتحقق هذا العقاب، ولم يعرفوا حقيقة الارتباط بين هذه ~~الذنوب والخطايا وبين التشريع، وما هو موقف التشريع من ذلك؟ على ما يتكفله ~~البيان القرآني وتعليمه. # فقد بينا في المباحث السابقة في هذا الكتاب ومن جملتها ما في تفسير قوله ~~تعالى: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما": البقرة - 26، وفي ذيل قوله ~~تعالى: "كان الناس أمة واحدة: البقرة - 213، أن الأحكام والقوانين التي يقع ~~فيها المخالفة والتمرد ثم الذنب والخطيئة إنما هي أمور وضعية اعتبارية أريد ~~بوضعها واعتبارها أن يحفظ مصالح المجتمع الإنساني بالعمل بها والرقوب لها، ~~وأن العقاب المترتب على المعصية والمخالفة إنما هو تبعة سوء اعتبروه ووضعوه ~~ليكون ذلك صارفا للإنسان المكلف عن اقتراف المعصية والتمرد عن الطاعة، هذا ~~ما عند العقلاء البانين للمجتمع الإنساني. # لكن التعليم القرآني يعطي في هذا المعنى ما هو أرقى من ذلك وأرق ويؤيده ~~البحث العقلي على ما مر وهو أن الإنسان بانقياده للشرع المنصوب له من جانب ~~الله وعدم انقياده له تتهيأ في نفسه حقائق من الصفات الباطنة الحميدة ~~الفاضلة أو الرذيلة الخسيسة الخبيثة، وهذه هي التي تهيىء للإنسان نعمة ~~أخروية أو نقمة أخروية اللتين ممثلهما الجنة والنار وحقيقتهما القرب والبعد ~~من الله فالحسنات أو الخطايا تتكي وتنتهي إلى أمور حقيقية لها نظام حقيقي ~~غير اعتباري. # ومن البين أيضا أن التشريع الإلهي إنما هو تتمة للتكميل الإلهي في ~~الخلقة، وإنهاء الهداية التكوينية إلى غايتها وهدفها من الخلقة، وبعبارة ~~أخرى، شأنه تعالى إيصال كل نوع إلى كمال وجوده وهدف ذاته ومن كمال وجود ~~الإنسان النظام النوعي الصالح في الدنيا، والحيوة الناعمة السعيدة في ~~الآخرة، والطريق إلى ذلك الدين الذي يتكفل قوانين صالحة لإصلاح الاجتماع ~~وجهات من التقرب باسم العبادات يعمل بها الإنسان فينتظم بذلك معاشه ويتهيأ ~~في نفسه ويصلح في ذاته ms1197 وعمله للكرامة الإلهية في الدار الآخرة، كل ذلك من ~~جهة النور المجعول في قلبه والطهارة الحاصلة في نفسه هذا حق الأمر. # فللإنسان قرب وبعد من الله سبحانه هما الملاكان في سعادته وشقاوته ~~الدائمتين ولصلاح اجتماعه المدني في الدنيا، والدين هو العامل الوحيد في ~~إيجاد هذا القرب والبعد، وجميع ذلك أمور حقيقية غير مبتنية على اللغو ~~والجزاف. # وإذا فرضنا أن اقتراف معصية واحدة كالأكل من الشجرة المنهية من آدم أوجب ~~له الهلاك الدائم ولا له فحسب بل ولجميع ذريته ثم لم يكن هناك ما يعالج به ~~الداء ويفرج به الهم إلا فداء المسيح فما فائدة تشريع الدين قبل المسيح؟ ~~وما فائدة تشريعه معه؟ وما فائدة تشريعه بعده؟!. # وذلك أنه لما فرض أن الهلاك الدائم والعقاب الأخروي محتوم من جهة صدور ~~المعصية لا ينفع في صرفه عن الإنسان لا عمل ولا توبة إلا بنحو الفداء لم ~~يكن معنى لتشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل من عند الله سبحانه، ~~ولم يزل الوعد والوعيد والإنذار والتبشير خالية عن وجه الصحة فما ذا كاد ~~يصلحه هذا السعي بعد وجوب العذاب وحتم الفساد. PageV03P166 # وإذا فرض هناك من تكمل بالعمل بالشرائع السابقة وكم من الأنبياء والربانيين ~~من الأمم السالفة كذلك كالنبي المكرم إبراهيم وموسى (عليهما السلام) ~~وغيرهما وقد قضوا وماتوا قبل إدراك زمان الفداء فما ذا ترى أترى أنهم ختموا ~~الحيوة على الشقاء أو السعادة؟ وما الذي استقبلهم به الموت وعالم الآخرة؟ ~~استقبلهم بالعقاب والهلاك أم بالثواب والحيوة السعيدة؟. # مع أن المسيح يصرح بأنه إنما أرسل لتخليص المذنبين والمخطئين وأما ~~الصلحاء والأخيار فلا حاجة لهم إلى ذلك؟ وبالجملة فلا يبقى لتشريع الشرائع ~~الإلهية وجعل النواميس الدينية قبل فداء المسيح غرض صحيح يصونه عن العبث ~~واللغوية، ولا لهذا الفعل العجيب من الله تعالى وتقدس - محمل حق إلا أن ~~يقال، إنه تعالى كان يعلم أن لو لم يرفع محذور خطيئة آدم لم ينفعه شيء من ~~هذه التشريعات قط، وإنما شرع هذه الشرائع على سبيل الاحتياط برجاء أن سيوفق ~~يوما ms1198 لرفع المحذور ويجني ثمرة تشريعه بعد ذلك، ويبلغ غايته ويظفر بأمنيته ~~إذ ذاك فشرع ما شرع بكتمان الأمر عن الأنبياء والناس، وإخفاء أن هاهنا ~~محذورا لو لم يرتفع خابت مساعي الأنبياء والمؤمنين كافة، وذهبت الشرائع ~~سدى، وإظهار أن التشريع والدعوة على الجد والحقيقة. # فغر الناس وغر نفسه: أما غرور الناس فبإظهار أن العمل بالشرائع يضمن ~~مغفرتهم وسعادتهم، وأما غرور نفسه فلأن التشريع بعد رفع المحذور بالفداء ~~يعود لغوا لا أثر له في سعادة الناس كما أنه من غير رفع المحذور كان لا أثر ~~له فهذا، حال تشريع الدين قبل وصول أوان الفداء وتحققه!. # وأما في زمان الفداء وبعده فالأمر في صيرورة التشريع والدعوة الدينية ~~والهداية الإلهية لغوا أوضح وأبين، فما هي الفائدة في الإيمان بالمعارف ~~الحقة والإتيان بالأعمال الصالحة بعد ارتفاع محذور الخطيئة، واستيجاب نزول ~~المغفرة والرحمة على الناس مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، من غير فرق بين ~~أتقى الأتقياء وأشقى الأشقياء في أنهما يشتركان في الهلاك المؤبد مع بقاء ~~الخطيئة، وفي الرحمة اللازمة مع ارتفاعها بالفداء والمفروض أنه لا ينفع أي ~~عمل صالح في رفعها لو لا الفداء. # فإن قيل: إن الفداء إنما ينفع في حق من آمن بالمسيح فللدعوة ثمرة كما ~~يصرح به المسيح في بشارته. # قيل: مضافا إلى أنه مناقض لما تقدمت الإشارة إليه من كلام يوحنا في ~~رسالته، أنه هدم لجميع الأصول الماضية إذ لا يبقى من الناس - آدم فمن دونه ~~- في حظيرة النجاة والخلاص إلا شرذمة منهم وهم المؤمنون بالمسيح والروح بل ~~واحدة من طوائفهم المختلفة في الأصول وأما غيرهم فهم باقون على الهلاك ~~الدائم، فليت شعري إلى ما يئول أمر الأنبياء المكرمين قبل المسيح وأمر ~~المؤمنين من أممهم؟ وبما ذا يتصف الدعوة التي جاءوا بها من كتاب وحكم، ~~أبالصدق أم بالكذب؟ والأناجيل تصدق التوراة ودعوتها، وليس فيها دعوة إلى ~~قصة الروح والفداء! وهل هي تصدق ما هو صادق أو تصدق الكاذب. # فإن قيل: إن الكتب السماوية السابقة فيما نعلم تبشر بالمسيح، وهذه منهم ~~دعوة إجمالية ms1199 إلى المسيح وإن لم تفصل القول في كيفية نزوله وفدائه فلم يزل ~~الله يبشر أنبياءه بظهور المسيح ليؤمنوا به ويطيبوا نفسا بما سيصنعه. # قيل: أولا: إن القول به قبل موسى تخرص على الغيب، على أن البشارة لو كانت ~~فإنما هي بشارة بالخلاص وليست بدعوة إلى الإيمان والتدين به. # وثانيا: إن ذلك لا يدفع محذور لغوية الدعوة في فروع الدين من الأخلاق ~~والأفعال حتى من المسيح نفسه، والأناجيل مملوءة بذلك. # وثالثا: إن محذور الخطيئة وانتقاض الغرض الإلهي باق على حاله فإن الله ~~تعالى إنما خلقهم ليرحم جميعهم ويبسط النعمة والسعادة على كافتهم وقد آل ~~أمره إلى عقابهم والغضب عليهم وإهلاكهم للأبد إلا شرذمة منهم. # فهذه نبذة من وجوه فساده عند العقل، ويؤيده ويجري عليه القرآن الكريم، ~~قال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه - 50، فبين أن كل شيء مهدي ~~إلى غايته وما يبتغيه بوجوده، والهداية تعم التكوينية والتشريعية فالسنة ~~الإلهية جارية على بسط الهداية، ومنها هداية الإنسان هداية دينية. PageV03P167 # ثم قال تعالى وهو أول هداية دينية ألقاها إلى آدم ومن معه حين إهباطهم من ~~الجنة: "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون": البقرة - 39، وما يشتمل عليه بمنزلة التلخيص لتفاصيل الشرائع ~~إلى يوم القيامة ففيه تشريع ووعد ووعيد عليه من غير تردد وارتياب، وقد قال ~~تعالى: "الحق أقول": ص - 84، وقال تعالى: "ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد،: ق - 29، فبين أنه لا يتردد فيما جزم به من الأمر ولا ينقض ما ~~أنفذه من الأمر فما يقضيه، هو الذي يمضيه، وإنما يفعل ما قاله، فلا ينحرف ~~فعله عن المجرى الذي أراد عليه لا من جهة نفسه بأن يريد شيئا ثم يتردد في ~~فعله، أو يريده ثم يبدو له فلا يفعله ولا جهة غيره بأن يريد شيئا ويقطع به ~~ويعزم عليه ثم يمنعه مانع من العقل أو يبدو إشكال يعترض عليه ms1200 في طريق الفعل ~~فكل ذلك من قهر القاهر، وغلبة المانع الخارجي قال تعالى: "والله غالب على ~~أمره": يوسف - 21، وقال تعالى: "إن الله بالغ أمره": الطلاق - 3، وقال ~~تعالى حكاية عن موسى: "قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى": طه ~~- 52، وقال تعالى: "اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب: المؤمن - 17. # تدل هذه الآيات وما يشابهها على أنه تعالى إنما خلق الخلق ولم يغفل عن ~~أمره، ولم يجهل شيئا مما سيظهر منه ولم يندم على ما فعله، ثم شرع لهم ~~الشرائع تشريعا جديا فاصلا من غير هزل ولا خوف ولا رجاء، ثم إنه يجزي كل ذي ~~عمل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر من غير أن يغلبه تعالى غالب، أو يحكم ~~عليه حاكم من شريك أو فدية أو خلة أو شفاعة من دون إذنه فكل ذلك ينافي ملكه ~~المطلق لما سواه من خلقه. # وعاشرا: ما ذكروه من حديث الفداء وحقيقة الفداء أن يلزم الإنسان أو ما ~~يتعلق به من نفس أو مال أثر سيىء من قتل أو فناء فيعوض بغيره أي شيء كان ~~ليصان بذلك من لحوق ذلك الأثر به كما يفدي الإنسان الأسير بنفس أو مال وكما ~~تفدي الجرائم والجنايات بالأموال ويسمى البدل فدية وفداء، فالتفدية نوع ~~معاملة ينتزع بها حق صاحب الحق وسلطنته عن المفدي عنه إلى الفداء فيستنقذ ~~به المفدي عنه من أن يلحق به الشر. # ومن هنا يظهر أن الفداء غير معقول في ما يتعلق بالله سبحانه فإن السلطنة ~~الإلهية - على خلاف السلطنة الوضعية الاعتبارية الإنسانية - سلطنة حقيقية ~~واقعية غير جائزة التبديل مستحيلة الصرف، فالأشياء بأعيانها وآثارها موجودة ~~قائمة بالله سبحانه وكيف يتصور تغيير الواقع عما هو عليه فليس إلا أمرا لا ~~يمكن تعقله فضلا عن أن يمكن وقوعه وهذا بخلاف الملك والسلطنة والحق ~~وأمثالها الدائرة بيننا معاشر أبناء الاجتماع فإنها وأمثالها أمور وضعية ~~اعتبارية زمامها بأيدينا، نحن المجتمعين نبطلها مرة، ونبدلها أخرى على حسب ~~تغير مصالحنا في ms1201 الحيوة والمعاش راجع ما تقدم من البحث في تفسير قوله ~~تعالى: "ملك يوم الدين: الحمد - 4، وقوله تعالى: "قل اللهم مالك الملك ~~الآية: آل عمران - 26. PageV03P168 # وقد نفى الله سبحانه الفدية بالخصوص في قوله: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ~~ولا من الذين كفروا مأويكم النار": الحديد - 15، وقد تقدم فيما مر أن من ~~هذا القبيل قول المسيح فيما يحكيه الله تعالى عنه: "وإذ قال الله يا عيسى ~~بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون ~~لي أن أقول ما ليس لي بحق - إلى أن قال - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم": المائدة - 118 فإن قوله: وكنت عليهم "الخ" في ~~معنى أنه لم يكن لي شأن فيهم إلا ما أنت وظفته علي وعينته وهو تبليغ ~~الرسالة والشهادة على الأعمال ما دمت فيهم، وأما هلاكهم ونجاتهم وعذابهم ~~ومغفرتهم فإنما ذلك إليك من غير أن يرتبط بي شيء من ذلك أو يكون لي شأن فيه ~~فأملك لهم شيئا منك أخرجهم به من عذابك أو تسلطك عليهم، وفي ذلك نفي الفداء ~~إذ لو كان هناك فداء لم يصح تبريه من أعمالهم وإرجاع العذاب والمغفرة معا ~~إلى الله سبحانه بنفي ارتباطهما به أصلا. # وفي معنى هذه الآيات قوله تعالى: "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون": البقرة - 48، وكذا ~~قوله تعالى: "يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة - 254، وقوله ~~تعالى: "يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم": المؤمن - 33، فإن العدل ~~في الآية الأولى والبيع في الآية الثانية والعصمة من الله في الآية الثالثة ~~مما ينطبق عليه الفداء فنفيها نفي الفداء. # نعم أثبت القرآن الشريف في مورد المسيح الشفاعة بدل ما يثبتونه من ms1202 الفداء ~~والفرق بينهما أن الشفاعة كما تقدم البحث عنها في قوله تعالى: "واتقوا يوما ~~لا تجزي"،: البقرة - 48، نوع من ظهور قرب الشفيع ومكانته لدى المشفوع عنده ~~من غير أن يملك الشفيع منه شيئا أو يسلب عنه ملك أو سلطنة، أو يبطل حكمه ~~الذي خالفه المجرم أو يبطل قانون المجازاة بل إنما هو نوع دعاء واستدعاء من ~~الشفيع لتصرف المشفوع عنده وهو الرب ما يجوز له من التصرف في ملكه، وهذا ~~التصرف الجائز مع وجود الحق هو العفو الجائز للمولى مع كونه ذا حق أن يعذبه ~~لمكان المعصية وقانون العقوبة. # فالشفيع يحضه ويستدعي منه أن يعمل بالعفو والمغفرة في مورد استحقاق ~~العذاب للمعصية من غير أن يسلب من المولى ملك أو سلطان بخلاف الفداء فإنه ~~كما مر معاملة يتبدل به سلطنة من شيء إلى شيء آخر هو الفداء ويخرج المفدي ~~عنه عن سلطان القابل الآخذ للفداء. # ويدل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف - 86، فإنه صريح في وقوع ~~الشفاعة من المستثنى، والمسيح (عليه السلام) ممن كانوا يدعونهم من دون ~~الله، وقد نص القرآن بأن الله علمه الكتاب والحكمة، وبأنه من الشهداء يوم ~~القيامة، قال تعالى: "ويعلمه الكتاب والحكمة": آل عمران - 48، وقال تعالى ~~حكاية عنه: "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم": المائدة - 117، وقال تعالى: ~~"ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159، فالآيات كما ترى تدل على ~~كون المسيح (عليه السلام) من الشفعاء، وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعنى ~~في تفسير قوله تعالى: "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية: البقرة - 48. # 6 - من أين نشأ هذه الآراء؟ # القرآن ينفي أن يكون المسيح (عليه السلام) هو الملقي لهذه الآراء ~~والعقائد إليهم والمروج لها فيما بينهم بل إنهم تعبدوا لرؤسائهم في الدين ~~وسلموا الأمر إليهم وهم نقلوا إليهم عقائد الماضين من الوثنيين كما قال ~~تعالى: "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك ~~قولهم بأفواههم يضاهئون قول ms1203 الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون الآيات": التوبة - 31. PageV03P169 # وهؤلاء الكافرون الذين يشير تعالى إليهم بقوله: يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل، ليسوا هم عرب الجاهلية في وثنيتهم حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله ~~فإن قولهم بأن لله ابنا أقدم تاريخا من تماسهم مع العرب واختلاطهم بهم ~~وخاصة قول اليهود بذلك مع أن ظاهر قوله: من قبل، أنهم سابقون فيه على ~~اليهود والنصارى، على أن اتخاذ الأصنام في الجاهلية مما نقل إليهم من غيرهم ~~ولم يكونوا بمبتكرين في ذلك. # على أن الوثنية من الروم ويونان ومصر وسورية والهند كانوا أقرب إلى أهل ~~الكتاب القاطنين بفلسطين وحواليه، وانتقال العقائد والمزاعم الدينية إليهم ~~منهم أسهل، والأسباب بذلك أوفق. # فليس المراد بالذين كفروا الذين ضاهاهم أهل الكتاب في القول بالبنوة إلا ~~قدماء وثنية الهند والصين ووثنية الغرب من الروم ويونان وشمال إفريقا كما ~~أن التاريخ يحكي عنهم نظائر هذه المزاعم الموجودة في أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى من البنوة والأبوة والتثليث وحديث الصلب والفداء وغير ذلك، وهذا ~~من الحقائق التاريخية التي ينبه عليها القرآن الشريف. # ونظير الآيات السابقة في الدلالة على هذه الحقيقة قوله تعالى: "قل يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل": المائدة - 77، فإن الآية تبين أن ~~غلوهم في الدين بغير الحق إنما طرأ عليهم بالتقليد واتباع أهواء قوم ضالين ~~من قبلهم. # وليس المراد بهؤلاء القوم أحبارهم ورهبانهم، فإن الكلام مطلق غير مقيد ~~ولم يقل: قوم منكم، وأضلوا كثيرا منكم، وليس المراد بهم عرب الجاهلية كما ~~تقدم، على أنه وصف هؤلاء القوم بأنهم أضلوا كثيرا أي كانوا أئمة ضلال ~~مقلدين متبعين بصيغة المفعول فيهما ولم يكن العرب يومئذ إلا شرذمة مضطهدين ~~أميين ليس عندهم من العلم والحضارة والتقدم ما يتبعهم به وفيه ms1204 غيرهم من ~~الأمم كفارس والروم والهند وغيرهم. # فليس المراد بهؤلاء القوم المذكورين إلا وثنية الصين والهند والغرب كما تقدم. # 7 - ما هو الكتاب الذي ينتسب إليه أهل الكتاب وكيف هو؟ # الرواية وإن عدت المجوس من أهل الكتاب، ولازم ذلك أن يكون لهم كتاب خاص ~~أو ينتموا إلى واحد من الكتب التي يذكرها القرآن ككتاب، نوح وصحف إبراهيم، ~~وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود، لكن القرآن لا يذكر شأنهم، ولا يذكر ~~كتابا لهم، والذي عندهم من "أوستا" لا ذكر منه فيه، وليس عندهم من سائر ~~الكتب اسم. # وإنما يطلق القرآن "أهل الكتاب" فيما يطلق، ويريد بهم اليهود والنصارى ~~لكان الكتاب الذي أنزله الله عليهم. # والذي عند اليهود من الكتب المقدسة خمسة وثلاثون كتابا منها توراة موسى ~~مشتملة على خمسة أسفار، ومنها كتب المؤرخين اثنا عشر كتابا، ومنها كتاب ~~أيوب، ومنها زبور داود، ومنها ثلاثة كتب لسليمان، ومنها كتب النبوات سبعة ~~عشر كتابا. # ولم يذكر القرآن من بينها إلا توراة موسى وزبور داود (عليه السلام). # والذي عند النصارى من مقدسات الكتب، الأناجيل الأربعة: وهي إنجيل متى، ~~وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، ومنها كتاب أعمال الرسل، ومنها ~~عدة من الرسائل،. # ومنها رؤيا يوحنا. # ولم يذكر القرآن شيئا من هذه الكتب المقدسة المختصة بالنصارى إلا أنه ذكر ~~أن هناك كتابا سماويا أنزله الله على عيسى بن مريم يسمى بالإنجيل، وهو ~~إنجيل واحد ليس بالأناجيل، والنصارى وإن كانوا لا يعرفونه ولا يعترفون به ~~إلا أن في كلمات رؤسائهم لقيطات تتضمن الاعتراف بأنه كان للمسيح كتاب اسمه إنجيل. # والقرآن مع ذلك لا يخلو من إشعار بأن بعضا من التوراة الحقة موجود فيما ~~عند اليهود، وكذا بعض من الإنجيل الحق موجود في أيدي النصارى، قال تعالى: ~~"وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله": المائدة - 43، وقال تعالى: ~~"ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به": ~~المائدة - 14، والدلالة ظاهرة. ### |||| AUTO بحث تاريخي # 1 - قصة التوراة الحاضرة: # بنو إسرائيل هم الأسباط من آل يعقوب كانوا ms1205 يعيشون أولا عيشة القبائل ~~البدويين ثم أشخصهم الفراعنة إلى مصر وكانوا يعامل معهم معاملة الأسراء ~~المملوكين حتى نجاهم الله بموسى من فرعون وعمله. PageV03P170 # وكانوا في زمن موسى يسيرون مسير الحيوة بالإمام وهو موسى وبعده يوشع (عليه ~~السلام) ثم كانوا برهة من الزمان يدبر أمرهم القضاة مثل إيهود وجدعون ~~وغيرهما. # وبعد ذلك يشرع فيهم عصر الملك وأول الملوك فيهم شاءول وهو الذي يسميه ~~القرآن الشريف بطالوت ثم داود ثم سليمان. # ثم انقسمت المملكة وانشعبت القدرة ومع ذلك ملك فيهم ملوك كثيرون كرحبعام ~~وأبيام ويربعام ويهوشافاط ويهورام وغيرهم بضعة وثلاثون ملكا. # ولم تزل تضعف القدرة بعد الانقسام حتى تغلبت عليهم ملوك بابل وتصرفوا في ~~أورشليم وهو بيت المقدس، وذلك في حدود سنة ستمائة قبل المسيح، وملك بابل ~~يومئذ بخت نصر بنو كدنصر ثم تمردت اليهود عن طاعته فأرسل إليهم عساكره ~~فحاصروهم ثم فتحوا البلدة، ونهبوا خزائن الملك، وخزائن الهيكل المسجد ~~الأقصى وجمعوا من أغنيائهم وأقويائهم وصناعهم ما يقرب من عشرة آلاف نفسا ~~وساروا بهم إلى بابل، وما أبقوا في المحل إلا الضعفاء والصعاليك، ونصب بخت ~~نصر "صديقا" وهو آخر ملوك بني إسرائيل ملكا عليهم، وعليه الطاعة لبخت نصر. # وكان الأمر على ذلك قريبا من عشر سنين حتى وجد صدقيا بعض القوة والشدة، ~~واتصل بعض الاتصال بواحد من فراعنة مصر فاستكبر وتمرد عن طاعة بخت نصر. # فأغضب ذلك بخت نصر غضبا شديدا فساق إليهم الجيوش وحاصر بلادهم فتحصنوا ~~عنه بالحصون، وتمادى بهم التحصن قريبا من سنة ونصف حتى ظهر فيهم القحط ~~والوباء. # وأصر بخت نصر على المحاصرة حتى فتح الحصون، وذلك في سنة خمسمائة وست ~~وثمانين قبل المسيح، وقتل نفوسهم، وخرب ديارهم وخربوا بيت الله، وأفنوا كل ~~آية وعلامة دينية، وبدلوا هيكلهم تلا من تراب، وفقدت عند ذلك التوراة ~~والتابوت الذي كانت تجعل فيه. # وبقي الأمر على هذا الحال خمسين سنة تقريبا وهم قاطنون ببابل وليس من ~~كتابهم عين ولا أثر، ولا من مسجدهم وديارهم إلا تلال ورياع. # ثم لما جلس كورش من ms1206 ملوك فارس على سرير الملك، وكان من أمره مع البابليين ~~ما كان، وفتح بابل ودخله أطلق أسراء بابل من بني إسرائيل، وكان عزرا ~~المعروف من المقربين عنده فأمره عليهم، وأجاز له أن يكتب لهم كتابهم ~~التوراة، ويبني لهم الهيكل، ويعيدهم إلى سيرتهم الأولى وكان رجوع عزرا بهم ~~إلى بيت المقدس سنة أربعمائة وسبعة وخمسين قبل المسيح، وبعد ذلك جمع عزرا ~~كتب العهد العتيق وصححها، وهي التوراة الدائرة اليوم. # وأنت ترى بعد التدبر في القصة أن سنة التوراة الدائرة اليوم مقطوعة غير ~~متصلة بموسى (عليه السلام) إلا بواحد وهو عزرا، لا نعرفه أولا ولا نعرف ~~كيفية اطلاعه وتعمقه ثانيا، ولا نعرف مقدار أمانته ثالثا، ولا نعرف من أين ~~أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعا، ولا ندري بالاستناد إلى أي مستند صحح ~~الأغلاط الواقعة أو الدائرة خامسا. # وقد أعقبت هذه الحادثة المشئومة أثرا مشئوما آخر وهو إنكار عدة من باحثي ~~المؤرخين من الغربيين وجود موسى وما يتبعه، وقولهم: إنه شخص خيالي كما قيل ~~نظيره في المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام)، لكن ذلك لا يسع لمسلم فإن ~~القرآن الشريف يصرح بوجوده (عليه السلام) وينص عليه. # 2 - قصة المسيح والإنجيل: # اليهود مهتمون بتاريخ قوميتهم، وضبط الحوادث الظاهرة في الأعصار التي مرت ~~بهم، ومع ذلك فإنك لو تتبعت كتبهم ومسفوراتهم لم تعثر فيها على ذكر المسيح ~~عيسى بن مريم (عليهما السلام): لا على كيفية ولادته، ولا على ظهوره ودعوته ~~ولا على سيرته والآيات التي أظهرها الله على يديه، ولا على خاتمة حيوته من ~~موت أو قتل أو صلب أو غير ذلك، فما هو السبب في ذلك؟ وما هو الذي أوجب خفاء ~~أمره عليهم أو إخفاءهم أمره. # والقرآن يذكر عنهم أنهم قذفوا مريم ورموها بالبهتان في ولادة عيسى، وأنهم ~~ادعوا قتل عيسى، قال تعالى: "وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم ~~إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما ms1207 لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا": النساء - 157. PageV03P171 # فهل كانت دعواهم تلك مستندة إلى حديث دائر بينهم كانوا يذكرونه بين قصصهم ~~القومية من غير أن يكون مودعا في كتاب؟ وعند كل أمة أحاديث دائرة من ~~واقعيات وأساطير لا اعتبار بها ما لم تنته إلى مآخذ صحيحة قويمة. # أو أنهم سمعوا من النصارى الذكر المكرر من المسيح وولادته وظهوره ودعوته ~~أخذوا ذلك من أفواههم وباهتوا مريم وادعوا قتل المسيح؟ لا طريق إلى استبانة ~~شيء من ذلك غير أن القرآن - كما يظهر بالتدبر في الآية السابقة - لا ينسب ~~إليهم صريحا إلا دعوى القتل دون الصلب، ويذكر أنهم على ريب من الأمر، وأن ~~هناك اختلافا!. # وأما حقيقة ما عند النصارى من قصة المسيح وأمر الإنجيل والبشارة فهي أن ~~قصته (عليه السلام) وما يتعلق بها تنتهي عندهم إلى الكتب المقدسة عندهم وهي ~~الأناجيل الأربعة التي هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وكتاب أعمال ~~الرسل للوقا، وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا، واعتبار الجميع ~~ينتهي إلى اعتبار الأناجيل فلنشتغل بها: أما إنجيل متى فهو أقدم الأناجيل ~~في تصنيفه وانتشاره ذكر بعضهم أنه صنف سنة 38 الميلادية، وذكر آخرون أنه ~~كتب ما بين سنة 50 إلى سنة 60. # فهو مؤلف بعد المسيح. # والمحققون من قدمائهم ومتأخريهم على أنه كان أصله مكتوبا بالعبرانية ثم ~~ترجم إلى اليونانية وغيرها أما النسخة الأصلية العبرانية فمفقودة، وأما ~~الترجمة فلا يدرى حالها، ولا يعرف مترجمها. # وأما إنجيل مرقس: فمرقس هذا كان تلميذا لبطرس، ولم يكن من الحواريين ~~وربما ذكروا أنه إنما كتب إنجيله بإشارة بطرس وأمره، وكان لا يرى إلهية ~~المسيح، ولذلك ذكر بعضهم أنه إنما كتب إنجيله للعشائر وأهل القرى فعرف ~~المسيح تعريف رسول إلهي مبلغ لشرائع الله، وكيف كان فقد كتب إنجيله سنة 61 ~~ميلادية. # وأما إنجيل لوقا فلوقا هذا لم يكن حواريا ولا رأى المسيح وإنما تلقن ~~النصرانية من بولس، وبولس كان يهوديا متعصبا على النصرانية يؤذي المؤمنين ~~بالمسيح ويقلب الأمور عليهم، ثم اتفق مفاجأة ms1208 أن ادعى أنه صرع وفي حال الصرع ~~لمسه المسيح ولامه وزجره عن الإساءة إلى متبعيه وأنه آمن بالمسيح وأرسله ~~المسيح ليبشر بإنجيله. # وبولس هذا هو الذي شيد أركان النصرانية الحاضرة على ما هي عليها فبنى ~~التعليم على أن الإيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل، وأباح لهم أكل ~~الميتة ولحم الخنزير ونهى عن الختنة وكثيرا مما في التوراة مع أن الإنجيل ~~لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة، ولم يحلل إلا أشياء معدودة، ~~وبالجملة إنما جاء عيسى ليقوم شريعة التوراة ويرد إليها المنحرفين ~~والفاسقين لا ليبطل العمل ويقصر السعادة على الإيمان الخالي. # وقد كتب لوقا إنجيله بعد إنجيل مرقس. # وذلك بعد موت بطرس وبولس، وقد صرح جمع بأن إنجيله ليس كتابا إلهاميا ~~كسائر الأناجيل كما يدل عليه ما وقع في مبتدإ إنجيله. # وأما إنجيل يوحنا فقد ذكر كثير من النصارى أن يوحنا هذا هو يوحنا بن زبدي ~~الصياد أحد التلاميذ الاثنى عشر الحواريين الذي كان يحبه المسيح حبا شديدا. # وذكروا أن "شيرينطوس" و"أبيسون" وجماعتهما لما كانوا يرون أن المسيح ليس ~~إلا إنسانا مخلوقا لا يسبق وجوده وجود أمه اجتمعت أساقفة آسيا وغيرهم في ~~سنة 96 ميلادية عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب ما لم يكتبه الآخرون في ~~أناجيلهم، ويبين بنوع خصوصي لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم. # وقد اختلفت كلماتهم في السنة التي ألف فيها هذا الإنجيل فمن قائل إنها ~~سنة 65، وقائل إنها سنة 96، وقائل إنها سنة 98. PageV03P172 # وقال جمع منهم إنه ليس تأليف يوحنا التلميذ: فبعضهم على أنه تأليف طالب من ~~طلبة المدرسة الإسكندرية، وبعضهم على أن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ~~ليست من تصنيفه بل إنما صنفه بعضهم في ابتداء القرن الثاني، ونسبه إلى ~~يوحنا ليعتبره الناس، وبعضهم على أن إنجيل يوحنا كان في الأصل عشرين بابا ~~فألحقت كنيسة "أفاس" الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا، فهذه حال هذه ~~الأناجيل الأربعة، وإذا أخذنا بالقدر المتيقن من هذه الطرق انتهت إلى سبعة ~~رجال هم: ms1209 متى، مرقس، لوقا، يوحنا، بطرس، بولس، يهوذا، ينتهي ركونهم كله إلى ~~هذه الأناجيل الأربعة وينتهي الأربعة إلى واحد هو أقدمها وأسبقها وهو إنجيل ~~متى، وقد مر أنه ترجمة مفقود الأصل لا يدرى من الذي ترجمه؟ وكيف كان أصله ~~وعلى ما ذا كان يبني تعليمه، أبرسالة المسيح أم بألوهيته. # وهذا الإنجيل الموجود يترجم أنه ظهر في بني إسرائيل رجل يدعى عيسى بن ~~يوسف النجار وأقام الدعوة إلى الله، وكان يدعي أنه ابن الله مولود من غير ~~أب بشري وأن أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل، وأنه أحيا ~~الميت، وأبرأ الأكمه والأبرص، وشفى المجانين بإخراج الجن من أبدانهم، وأنه ~~كان له اثنا عشر تلميذا: أحدهم متى صاحب الإنجيل بارك لهم وأرسلهم للدعوة ~~وتبليغ الدين المسيحي "الخ". # فهذا ملخص ما تنتهي إليه الدعوة المسيحية على انبساطها على شرق الأرض ~~وغربها، وهو لا يزيد على خبر واحد مجهول الاسم والرسم، مبهم العين والوصف. # وهذا الوهن العجيب في مبدإ القصة هو الذي أوجب لبعض أحرار الباحثين من ~~أروبا أن ادعى أن المسيح عيسى بن مريم شخص خيالي صوره بعض النزعات الدينية ~~على حكومات الوقت أو لها وتأيد ذلك بموضوع خرافي آخر يشبهه كل الشبه في ~~جميع شئون القصة، وهو موضوع "كرشنا" الذي تدعي وثنية الهند القديمة أنه ابن ~~الله نزل عن لاهوته، وفدى الناس بنفسه صلبا ليخلصهم من الأوزار والخطايا ~~كما يدعى في عيسى المسيح حذو النعل بالنعل كما سيجيء ذكره. # وأوجب لآخرين من منتقدي الباحثين أن يذهبوا إلى أن هناك شخصين مسميين ~~بالمسيح: المسيح غير المصلوب، والمسيح المصلوب، وبينهما من الزمان ما يزيد ~~على خمسة قرون. # وأن التاريخ الميلاد الذي سنتنا هذه سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين منه لا ~~ينطبق على واحد منهما بل المسيح الأول غير المصلوب يتقدم عليه بما يزيد على ~~مائتين وخمسين سنة وقد عاش نحوا من ستين سنة، والمسيح الثاني المصلوب يتأخر ~~عنه بما يزيد على مائتين وتسعين سنة وقد عاش نحو من ثلاث وثلاثين سنة. # على ms1210 أن عدم انطباق التاريخ الميلاد على ميلاد المسيح في الجملة مما لم ~~يسع للنصارى إنكاره وهو سكتة تاريخية. # على أن هاهنا أمورا مريبة موهمة أخرى فقد ذكروا أنه كتب في القرنين ~~الأولين من الميلاد أناجيل كثيرة أخرى ربما أنهوها إلى نيف ومائة من ~~الأناجيل، والأناجيل الأربعة منها ثم حرمت الكنيسة جميع تلك الأناجيل إلا ~~الأناجيل الأربعة التي عرفت قانونية لموافقة متونها تعليم الكنيسة. # ومن جملة الأناجيل المتروكة إنجيل برنابا الذي ظهرت نسخة منها منذ سنين ~~فترجمت إلى العربية والفارسية وهو يوافق في عامة قصصه ما قصه القرآن في ~~المسيح عيسى بن مريم. # ومن العجيب أن المواد التاريخية المأثورة عن غير اليهود أيضا ساكتة عن ~~تفاصيل ما ينسبه الإنجيل إلى الدعوة المسيحية من حديث البنوة والفداء ~~وغيرهما ذكر المؤرخ الأمريكي الشهير هندريك ويلم وان لون في تأليفه في ~~تاريخ البشر كتابا كتبه الطبيب إسكولابيوس كولتلوس الرومي سنة 62 الميلادية ~~إلى ابن أخيه جلاديوسأنسا وكان جنديا في عسكر الروم بفلسطين يذكر فيه أنه ~~عاد مريضا برومية يسمى بولس فأعجبه كلامه وقد كان بولس كلمه بالدعوة ~~المسيحية وذكر له طرفا من أخبار المسيح ودعوته. # ثم يذكر أنه ترك بولس ولم يره حتى سمع بعد حين أنه قتل في طريق أوستى ثم ~~يسأل ابن أخيه أن يبحث عن أخبار هذا النبي الإسرائيلي الذي كان يذكره بولس ~~وعن أخبار بولس نفسه ويكتب إليه ما بلغه من ذلك. # فكتب إليه جلاديوسأنسا بعد ستة أسابيع من معسكر الروم بأورشليم أني سألت ~~عدة من شيوخ البلد ومعمريهم عن عيسى المسيح فوجدتهم لا يحسنون مجاوبتي فيما ~~أسألهم هذا والسنة سنة 62 ميلادية وهم شيوخ. PageV03P173 # حتى لقيت بياع زيتون فسألته هل يعرفه فأنعم لي في الجواب ثم دلني على رجل ~~اسمه يوسف وذكر أنه كان من أتباعه ومحبيه وأنه خبير بقصصه بصير بأخباره ~~يستطيع أن يجيبك فيما تسأله عنه. # فلقيت يوسف اليوم بعد ما تفحصت أياما فوجدته شيخا هرما وقد كان قديما ~~يصطاد السمك في بعض البحيرات من هذه الناحية. ms1211 # كان الرجل على كبر سنه صحيح المشاعر جيد الحافظة وقص لي جميع الأخبار ~~والقضايا الحادثة في ذلك الأوان أوان الاغتشاش والفتنة. # ذكر أن فونتيوس فيلاطوس كان حاكما على سامرا ويهودية في عهد القيصر ~~تيبريوس. # فاتفق أن وقع أيام حكومته فتنة في أورشليم فسافر فونتيوس فيلاطوس إليه ~~لإخماد ما فيه من نار الفتنة وكانت الفتنة هي ما شاع يومئذ أن ابن نجار من ~~أهل الناصرة يدعو الناس ويستنهضهم على الحكومة. # فلما تحققوا أمره تبين أن ابن النجار المتهم شاب عاقل متين لم يرتكب ما ~~يوجب عليه سياسة غير أن رؤساء المذهب من اليهود كانوا يخالفونه ويباغضونه ~~بأشد ما يكون وقد قالوا لفيلاطوس إن هذا الشاب الناصري يقول لو أن يونانيا ~~أو روميا أو فلسطينيا عامل الناس وعاشرهم بالعدالة والشفقة كان عند الله ~~كمن صرف عمره في مطالعة كتاب الله وتلاوة آياته. # وكان هذه التعرضات والاقتراحات لم تؤثر في فيلاطوس أثرها لكنه لما سمع ~~ازدحام الناس قبال المعبد وهم يريدون أن يقبضوا على عيسى وأصحابه ويقطعوهم ~~إربا إربا رأى أن الأصلح أن يقبض هو على هذا الشاب النجار ويسجنه حتى لا ~~يقتل بأيدي الناس في غوغائهم. # وكان فيلاطوس لم يتضح له سبب ما ينقمه الناس من عيسى كل الاتضاح وكلما ~~كلم الناس في أمره وسألهم واستوضحهم علت أصواتهم وتنادوا هو كافر هو ملحد ~~هو خائن فلم ينته الأمر إلى طائل. # حتى استقر رأي فيلاطوس أن يكلم عيسى بنفسه فأشخصه وكلمه وسأله عما يقصده ~~بما يبلغه من الدين فأجابه عيسى أنه لا يهتم بأمر الحكومة والسياسة ولا له ~~في ذلك غرض وأنه يهتم بالحياة الروحانية أكثر مما يهتم بأمر الحياة ~~الجسمانية وأنه يعتقد أن الإنسان يجب أن يحسن إلى الناس ويعبد الله الفرد ~~الواحد وحده الذي هو في حكم الأب لجميع أرباب الحياة من المخلوقات. # وكان فيلاطوس ذا خبرة في مذاهب الرواقيين وسائر فلاسفة يونان فكأنه لم ير ~~في ما كلمه به عيسى موضع غمضة ولا محل مؤاخذة ولذلك عزم ثانيا أن يخلص ms1212 هذا ~~النبي السليم المتين من شر اليهود وسوف في حكم قتله وإنجازه. # لكن اليهود لم يرضوا بذلك ولم يتركوه على حاله بل أشاعوا عليه أنه فتن ~~بأكاذيب عيسى وأقاويله وأن فيلاطوس يريد الخيانة على قيصر وأخذوا يستشهدون ~~عليه ويسجلون الطوامير على ذلك يريدون به عزله من الحكومة وقد كان برز قبل ~~ذلك فتن وانقلابات في فلسطين والقوى المؤمنة القيصرية قليلة العدة لا تقوى ~~على إسكات الناس فيها كل القوة. # وكان على الحكام وسائر المأمورين من ناحية قيصر أن لا يعاملوا الناس بما ~~يجلب شكواهم وعدم رضايتهم. # فلهذه الأسباب لم ير فيلاطوس بدا من أن يفدي هذا الشاب المسجون للأمن ~~العام ويجيب الناس فيما سألوه من قتله. # وأما عيسى فإنه لم يجزع من الموت بل استقبله على شهامة من نفسه وقد عفا ~~قبل موته عمن تسبب إلى قتله من اليهود ثم قضى به على الصليب والناس يسخرون ~~منه ويشتمونه ويسبونه. # قال جلاديوسأنسا هذا ما قص لي يوسف من قصة عيسى ودموعه تجري على خديه ~~وحين ودعني للمفارقة قدمت إليه شيئا من المسكوك الذهبي لكنه أبى أن يأخذه ~~وقال لي يوجد هاهنا من هو أفقر مني فأعطه إياه. # وسألته عن بولس رفيقك المعهود فما كان يعرفه معرفة تامة والقدر الذي تبين ~~من أمره أنه كان رجلا خياما ثم ترك شغله واشتغل بالتبليغ لهذا المذهب ~~الجديد مذهب الرب الرءوف الرحيم الإله الذي بينه وبين يهوه إله يهود الذي ~~لا نزال نسمعه من علماء اليهود من الفرق ما هو أبعد مما بين السماء والأرض. # والظاهر أن بولس سافر أولا إلى آسيا الصغرى ثم إلى يونان وأنه كان يقول ~~للعبيد والأرقاء إنهم جميعا أبناء لأب يحبهم ويرأف بهم وأن السعادة ليست ~~تخص بعض الناس دون بعض بل تعم جميع الناس من فقير وغني بشرط أن يعاشروا على ~~المؤاخاة ويعيشوا على الطهارة والصداقة انتهى ملخصا. # هذه عامة فقرات هذا الكتاب مما يرتبط بما نحن فيه من البحث. PageV03P174 # وبالتأمل في جمل مضامين هذا الكتاب يتحصل للمتأمل أن ms1213 ظهور الدعوة المسيحية ~~كيف كان في بني إسرائيل بعيد عيسى (عليه السلام) وأنه لم يكن إلا ظهور دعوة ~~نبوية بالرسالة من عند الله لا ظهور دعوة إلهية بظهور اللاهوت ونزولها ~~إليهم وتخليصهم بالفداء ثم إن عدة من تلامذة عيسى أو المنتسبين إليه كبولس ~~وتلامذة تلامذتهم سافروا بعد وقعة الصلب إلى مختلف أقطار الأرض من الهند ~~وإفريقية ورومية وغيرها وبسطوا الدعوة المسيحية لكنهم لم يلبثوا دون أن ~~اختلفوا في مسائل أصلية من التعليم كلاهوت المسيح وكفاية الإيمان بالمسيح ~~عن العمل بشريعة موسى وكون دين الإنجيل دينا أصيلا ناسخا لدين موسى أو كونه ~~تابعا لشريعة التوراة مكملا إياها فافترقوا عند ذلك فرقا. # والذي يجب الإمعان فيه أن الأمم التي بسطت الدعوة المسيحية وظهرت فيها ~~أول ظهورها كالروم والهند وغيرهما كانوا قبلها منتحلين بالوثنية الصابئة أو ~~البرهمنية أو البوذائية وفيها أصول من مذاق التصوف من جهة والفلسفة ~~البرهمنية من جهة وفيها جميعا شطر وافر من ظهور اللاهوت في مظهر الناسوت ~~على أن القول بتثليث الوحدة ونزول اللاهوت في لباس الناسوت وتحملها الصلب ~~والعذاب فداء كان دائرا بين القدماء من وثنية الهند والصين ومصر وكلدان ~~والآشور والفرس، وكذا قدماء وثنية الغرب كالرومان والإسكندناويين وغيرهم ~~على ما يوجد في الكتب المؤلفة في الأديان والمذاهب القديمة. # ذكر "دوان" في كتابه "خرافات التوراة وما يماثلها في الأديان الأخرى" إذا ~~رجعنا البصر إلى الهند نرى أن أعظم وأشهر عبادتهم اللاهوتية هو التثليث، ~~ويسمون هذا التعليم بلغتهم "ترىمورتى" وهي عبارة مركبة من كلمتين بلغتهم ~~السنسكريتية "ترى" ومعناها الثلاثة و"مورتى" ومعناها هيئات أو أقانيم، وهي ~~"برهما"، وفشنو، وسيفا" ثلاثة أقانيم متحدة لا ينفك عن الوحدة فهي إله واحد ~~بزعمهم. # ثم ذكر: أن برهما عندهم هو الأب وفشنو هو الابن وسيفا هو روح القدس. # ثم ذكر أنهم يدعون سيفا "كرشنا" الرب المخلص والروح العظيم الذي ولد منه ~~"فشنو" الإله الذي ظهر بالناسوت على الأرض ليخلص الناس فهو أحد الأقانيم ~~الثلاثة التي هي الإله الواحد. # وذكر أيضا: أنهم يرمزون للأقنوم الثالث بصورة ms1214 حمامة كما يقوله النصارى. # وقال مستر "فابر" في كتابه "أصل الوثنية" كما نجد عند الهنود ثالوثا ~~مؤلفا من "برهما" و"فشنو" و"سيفا" نجد عند البوذيين ثالوثا فإنهم يقولون: ~~إن "بوذ" إله له ثلاثة أقانيم، وكذلك بوذيو جينست يقولون: إن "جيفا" مثلث ~~الأقانيم. # قال: والصينيون يعبدون بوذه ويسمونه "فو" ويقولون إنه ثلاثة أقانيم كما ~~تقول الهنود. # وقال دوان في كتابه المتقدم ذكره: وكان قسيسوا هيكل منفيس بمصر يعبرون عن ~~الثالوث المقدس للمبتدئين بتعلم الدين بقولهم: إن الأول خلق الثاني والثاني ~~خلق الثالث، وبذلك تم الثالوث المقدس. # وسأل توليسو ملك مصر الكاهن تنيشوكى أن يخبره: هل كان قبله أحد أعظم منه؟ ~~وهل يكون بعده أحد أعظم منه؟ فأجابه الكاهن: نعم يوجد من هو أعظم وهو الله ~~قبل كل شيء ثم الكلمة ومعهما روح القدس، ولهذه الثلاثة طبيعة واحدة، وهم ~~واحد بالذات وعنهم صدرت القوة الأبدية، فاذهب يا فاني يا صاحب الحياة ~~القصيرة. # وقال بونويك في كتابه "عقائد قدماء المصريين" أغرب كلمة عم انتشارها في ~~ديانة المصريين هي قولهم بلاهوت الكلمة، وأن كل شيء حصل بواسطتها، وأنها ~~منبثقة من الله، وأنها هي الله، انتهى، وهذا عين العبارة التي يبتدي بها ~~إنجيل يوحنا. # وقال "هيجين" في كتاب "الإنكلوساكسون" كان الفرس يدعون متروسا الكلمة ~~والوسيط ومخلص الفرس. # ونقل عن كتاب سكان أوروبة الأولين: أنه كان الوثنيون القدماء يقولون: إن ~~الإله مثلث الأقانيم. # ونقل عن اليونان والرومان والفنلنديين والإسكندناويين قضية الثالوث ~~السابق الذكر، وكذا القول بالكلمة عن الكلدانيين والآشوريين والفينيقيين. PageV03P175 # وقال دوان في كتابه "خرافات التوراة وما يقابلها من الديانات الأخرى" ص 181 ~~182 ما ترجمته بالتلخيص: "إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة ~~فداء عن الخطيئة قديم العهد جدا عند الهنود الوثنيين وغيرهم" وذكر شواهد ~~على ذلك: منها قوله: يعتقد الهنود أن كرشنا المولود البكر - الذي هو نفس ~~الآلهة فشنو الذي لا ابتداء له ولا انتهاء على رأيهم - تحرك حنوا كي يخلص ~~الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلص الإنسان بتقديم ذبيحة عنه. # وذكر أن "مستر ms1215 مور" قد صور كرشنا مصلوبا كما هو مصور في كتب الهنود مثقوب ~~اليدين والرجلين، وعلى قميصه صورة قلب الإنسان معلقا، ووجدت له صورة مصلوبا ~~وعلى رأسه إكليل من الذهب، والنصارى تقول: إن يسوع صلب وعلى رأسه إكليل من الشوك. # وقال "هوك" في ص 326 من المجلد الأول من رحلته: ويعتقد الهنود الوثنيون ~~بتجسد بعض الآلهة، وتقديم ذبيحة فداء للناس من الخطيئة. # وقال "موريفورليمس" في ص 26 من كتابه الهنود ويعتقد الهنود الوثنيون ~~بالخطيئة الأصلية، ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم وتوسلاتهم التي ~~يتوسلون بها بعد "الكياتري" وهو، إني مذنب ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، ~~وحملتني أمي بالإثم فخلصني يا ذا العين الحندقوقية يا مخلص الخاطئين من ~~الآثام والذنوب. # وقال القس "جورجكوكس" في كتابه الديانات القديمة في سياق الكلام عن ~~الهنود: ويصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتا لأنه قدم شخصه ذبيحة. # ونقل "هيجين" عن "اندارادا الكروزوبوس" وهو أول أوروبي دخل بلاد التيبال ~~والتبت: أنه قال في الإله "اندرا" الذي يعبدونه: أنه سفك دمه بالصلب وثقب ~~المسامير لكي يخلص البشر من ذنوبهم، وأن صورة الصلب موجودة في كتبهم. # وفي كتاب "جورجيوس" الراهب صورة الإله "اندرا" هذا مصلوبا، وهو بشكل صليب ~~أضلاعه متساوية العرض متفاوتة الطول فالرأسي أقصرها - وفيه صورة وجهه - ~~والسفلي أطولها، ولو لا صورة الوجه لما خطر لمن يرى الصورة أنها تمثل شخصا، هذا. # وأما ما يروى عن البوذيين في بوذا فهو أكثر انطباقا على ما يرويه النصارى ~~عن المسيح من جميع الوجوه حتى أنهم يسمونه المسيح، والمولود الوحيد، ومخلص ~~العالم، ويقولون إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ~~ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم فلا يعاقبوا عليها، ويجعلهم ~~وارثين لملكوت السماوات، بين ذلك كثير من علماء الغرب: منهم "بيل" في ~~كتابه، و"هوك" في رحلته، و"موالر" في كتابه تاريخ الآداب السنسكريتية، ~~وغيرهم. # فهذه نبذة أو أنموذجة من عقيدة تلبس اللاهوت بالناسوت، وحديث الصلب ~~والفداء في الديانات القديمة التي كانت الأمم متمسكين بها منكبين عليها يوم ~~شرعت ms1216 الديانة النصرانية تنبسط على الأرض، وأخذت الدعوة المسيحية تأخذ ~~بمجامع القلوب في المناطق التي جال الدعاة المسيحيون فيها، فهل هذا إلا أن ~~الدعاة المسيحيين أخذوا أصول المسيحية وأفرغوها في قالب الوثنية واستمالوا ~~بذلك قلوب الناس في تقبل دعوتهم وهضم تعليمهم؟. # ويؤيد ذلك ما ترى في كلمات بولس وغيره من الطعن في حكمة الحكماء وفلسفتهم ~~والإزراء بطرق الاستدلالات العقلية، وأن الإله الرب يرجح بلاهة الأبله على ~~عقل العاقل. # وليس ذلك إلا لأنهم قابلوا بتعليمهم مكاتب التعقل والاستدلال فرده أهله ~~بأنه لا طريق إلى قبوله بل إلى تعقله الصحيح من جهة الاستدلال فوضعوا ~~الأساس على المكاشفة والامتلاء بالروح المقدس فشاكلوا بذلك ما يصر به جهلة ~~المتصوفة أن طريقتهم طور وراء طور العقل. # ثم إن الدعاة منهم ترهبوا وجالوا في البلاد على ما يحكيه كتاب أعمال ~~الرسل والتواريخ وبسطوا الدعوة المسيحية واستقبلتهم في ذلك العامة في شتات ~~البلاد، كان من سر موفقيتهم وخاصة في إمبراطورية الروم هي الضغطة الروحية ~~التي عمت البلاد من فشو الظلم والتعدي، وشمول أحكام الاسترقاق والاستعباد، ~~والبون البعيد في حيوة الطبقة الحاكمة والمحكومة والآمرة والمأمورة والفصل ~~الشاسع بين عيشة الأغنياء وأهل الإتراف والفقراء والمساكين والأرقاء. PageV03P176 # وقد كانت الدعاة تدعو إلى المؤاخاة والمحابة والتساوي والمعاشرة الجميلة ~~بين الناس، ورفض الدنيا وعيشتها الكدرة الفانية، والإقبال على الحيوة ~~الصافية السعيدة التي في ملكوت السماء، ولهذا بعينه ما كان يعني بحالهم ~~الطبقة الحاكمة من الملوك والقياصرة كل العناية، ولا يقصدونهم بالأذى ~~والسياسة والطرد. # فلم يزالوا يزيدون عددا من غير تظاهر وتنافس وينمون قوة وشدة حتى حصل لهم ~~جم غفير في إمبراطورية الروم وإفريقية والهند وغيرها من البلاد، ولم يزالوا ~~كلما بنوا كنيسة وفتحوا بابها على وجوه الناس هدموا بذلك واحدا من بيوت ~~الأوثان أغلقوا بابه. # وكانوا لا يعتنون بمزاحمة رؤساء الوثنية في هدم أساسهم، ولا بملوك الوقت ~~وحكامه في التعالي عن خضوعهم وفي مخالفة أحكامهم ودساتيرهم، وربما كان ذلك ~~يؤديهم إلى الهلاك والقتل والحبس والعذاب فكان لا تزال تقتل طائفة وتسجن ~~أخرى وتشرد ms1217 ثالثة. # وكان الأمر على هذه الصفة إلى أوان ملك القيصر "كنستانتين" فآمن بالملة ~~المسيحية وأعلن بها فأخذ التنصر بالرسمية وبنيت الكنائس في الروم وما يتبع ~~إمبراطوريته من الممالك، وذلك في النصف الأخير من القرن الرابع الميلادي. # تمركزت النصرانية يومئذ في كنيسة الروم وأخذت تبعث القسيسين إلى أكناف ~~الأرض من البلاد التابعة يبنون الكنائس والديرات ومدارس يدرسون بها التعليم ~~الإنجيلي. # والذي يجب إلفات النظر إليه أنهم وضعوا البحث على أصول مسلمة إنجيلية ~~فأخذوا التعاليم الإنجيلية كمسألة الأب والابن والروح، ومسألة الصلب ~~والفداء وغير ذلك أصولا مسلمة وبنوا البحث والتنقير عليها. # وهذا أول ما ورد على أبحاثهم الدينية من الوهن والوهاء فإن استحكام ~~البناء المبني وإن بلغ ما بلغ واستقامته لا يغني عن وهن الأساس المبني عليه ~~شيئا، وما بنوا عليه من مسألة تثليث الوحدة والصلب والفداء أمر غير معقول. # وقد اعترف عدة من باحثيهم في التثليث بأنه أمر غير معقول لكنهم اعتذروا ~~عنه بأنه من المسائل الدينية التي يجب أن تقبل تعبدا فكم في الأديان من ~~مسألة تعبدية تحيلها العقول. # وهو من الظنون الفاسدة المتفرعة على أصلهم الفاسد، وكيف يتصور وقوع مسألة ~~مستحيلة في دين حق؟ ونحن إنما نقبل الدين ونميز كونه دين حق بالعقل وكيف ~~يمكن عند العقل أن تشتمل العقيدة الحقة على أمر يبطله العقل ويحيله؟ وهل ~~هذا إلا تناقض صريح؟. # نعم يمكن أن يشتمل الدين على ممكن يخرق العادة الجارية، والسنة الطبيعية ~~القائمة، وأما المحال الذاتي فلا البتة. # وهذا الطريق المذكور من البحث هو الذي أوجب وقوع الخلاف والمشاجرة بين ~~الباحثين المتفكرين منهم في أوائل انتشار صيت النصرانية وانكباب المحصلين ~~على الأبحاث المذهبية في مدارس الروم والإسكندرية وغيرهما. # فكانت الكنيسة تزيد كل يوم في مراقبتها لوحدة الكلمة وتهيىء مجمعا مشكلا ~~عند ظهور كل قول حديث وبدعة جديدة من البطارقة والأساقفة لإقناعهم بالمذهب ~~العام وتكفيرهم ونفيهم وطردهم وقتلهم إذا لم يقنعوا. # وأول مجمع عقدوه مجمع نيقيه لما قال أريوس: إن أقنوم الابن غير مساو ~~لأقنوم الأب، وإن القديم هو ms1218 الله والمسيح مخلوق. # اجتمعت البطارقة والمطارفة والأساقفة في قسطنطينية بمحضر من القيصر ~~كنستانتين وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، واتفقوا على هذه الكلمة "نؤمن ~~بالله الواحد الأب مالك كل شيء، وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالإبن الواحد ~~يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، وليس بمصنوع، إله حق من ~~إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شيء، الذي من أجلنا ومن ~~أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وولد من مريم البتول، وصلب ~~أيام فيلاطوس، ودفن ثم قام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين ~~أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح ~~القدس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبمعمودية واحدة لغفران ~~الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية - جاثليقية، وبقيام أبداننا والحيوة ~~أبد الآبدين". PageV03P177 # هذا هو المجمع الأول وكم من مجمع بعد ذلك عقدوه للتبري عن المذاهب ~~المستحدثة كمذهب النسطورية واليعقوبية والأليانية واليليارسية والمقدانوسية ~~والسباليوسية والنوئتوسية والبولسية وغيرها. # ومع هذا كانت الكنيسة تقوم بالواجب من مراقبتها ولا تتوانى ولا تهن في ~~دعوتها وتزيد كل يوم في قوتها وسيطرتها حتى وفقت لجلب سائر دول أوروبا إلى ~~التنصر كفرنسا والإنجليز والنمسا والبروس والإسبانيا والبرتغال والبلجيك ~~وهولندا وغيرهم إلا الروسيا أواخر القرن الخامس الميلاد سنة 496. # ولم تزل تتقدم وترتقي الكنيسة من جانب ومن جانب آخر كانت تهاجم الأمم ~~الشمالية والعشائر البدوية على الروم والحروب والفتن تضعف سلطنة القياصرة ~~وآل الأمر إلى أن أجمعت أهل الروم والأمم المتغلبة على إلقاء زمام أمور ~~المملكة إلى الكنيسة كما كانت زمام أمور الدين بيدها فاجتمعت السلطنة ~~الروحانية والجسمانية لرئيس الكنيسة اليوم وهو البابا جريجوار وكان ذلك سنة ~~590 الميلادية. # وصارت كنيسة الروم لها الرئاسة المطلقة للعالم المسيحي غير أن الروم لما ~~كانت انشعبت إمبراطوريته إلى الروم الغربي الذي عاصمتها روما والروم الشرقي ~~الذي عاصمتها قسطنطينية كانت قياصرة الروم الشرقي يعدون أنفسهم رؤساء ~~دينيين لمملكتهم من غير أن يتبعوا كنيسة روما وهذا مبدأ انشعاب المسيحية ms1219 ~~إلى الكاثوليك أتباع كنيسة روما والأورثوذكس وهم غيرهم. # وكان الأمر على ذلك حتى إذا فتحت قسطنطينية بيد آل عثمان وقتل القيصر ~~بالياولوكوس وهو آخر قياصرة الروم الشرقي وقسيس الكنيسة اليوم قتل في كنيسة ~~أياصوفيا. # وادعى وراثة هذا المنصب الديني أعني رئاسة الكنيسة قياصرة روسيا لقرابة ~~سببية كانت بينهم وبين قياصرة الروم وكانت الروس تنصرت في القرن العاشر ~~الميلاد فصارت ملوك روسيا قسيسي كنيسة أرضهم غير تابعة لكنيسة روما وكان ~~ذلك سنة 1454 الميلادية. # وبقي الأمر على هذا الحال نحوا من خمسة قرون حتى قتل تزار نيكولا وهو آخر ~~قياصرة الروسيا قتل هو وجميع أهل بيته سنة 1918 الميلادية بيد الشيوعيين ~~فعادت كنيسة روما تقريبا إلى حالها قبل الانشعاب. # لكن الكنيسة في أثر ما كانت تحاول رؤساؤها السلطة على جميع جهات حيوة ~~الناس في القرون الوسطى التي كانت الكنيسة فيها في أوج ارتقائها وارتفاعها ~~ثار عليها جماهير من المتدينين تخلصا من القيود التي كانت تحملها عليهم ~~الكنيسة. # فخرجت طائفة عن تبعية أحكام رؤساء الكنيسة والباباوات وطاعتهم مع البقاء ~~على طاعة التعليم الإنجيلي على ما يفهمه مجامعهم ويقرره اتفاق علمائهم ~~وقسيسهم وهؤلاء هم الأورثوذكس. # وطائفة خرجت عن متابعة كنيسة روما أصلا فليسوا بتابعين في التعليم ~~الإنجيلي لكنيسة روما ولا معتنين للأوامر الصادرة منها وهؤلاء هم ~~البروتستانت. # فانشعب العالم المسيحي اليوم إلى ثلاث فرق الكاثوليك وهي التابعة لكنيسة ~~روما وتعليمها والأورثوذكس وهي التابعة لتعليم الكنيسة دون نفسها وقد حدثت ~~شعبتهم بحدوث الانشعاب في الكنيسة وخاصة بعد انتقال كنيسة قسطنطينية إلى ~~مسكو بروسيا كما تقدم والبروتستانت وهي الخارجة عن تبعية الكنيسة وتعليمها ~~جميعا وقد استقلت طريقتهم وتظاهرت في القرن الخامس عشر الميلاد. # هذا إجمال ما جرى عليه أمر الدعوة المسيحية في زمان يقرب من عشرين قرنا ~~والبصير بالغرض الموضوع له هذا الكتاب يعلم أن القصد من ذكر جمل تاريخهم ~~أولا أن يكون الباحث على بصيرة من التحولات التاريخية في مذهبهم والمعاني ~~التي يمكن أن تنتقل إلى عقائدهم الدينية بنحو التوارث أو السراية أو ~~الانفعال ms1220 بالامتزاج أو الألف والعادة من عقائد الوثنية والأفكار الموروثة ~~منهم أو المأخوذة عنهم. # وثانيا أن اقتدار الكنيسة وخاصة كنيسة روما بلغ بالتدريج في القرون ~~الوسطى الميلادية إلى نهاية أوجه حتى كانت لهم سيطرة الدين والدنيا وانقادت ~~لهم كراسي الملك بأوربا فكان لهم عزل من شاءوا ونصب من شاءوا. # يروى أن البابا مرة أمر إمبراطور ألمانيا أن يقف ثلاثة أيام حافيا على ~~باب قصره في فصل الشتاء لزلة صدرت منه يريد أن يغفرها له. # ورفس البابا مرة تاج الملك برجله حيث جاءه جاثيا يطلب المغفرة. PageV03P178 # وقد كانوا وصفوا المسلمين لأتباعهم وصفا لم يدعهم إلا أن يروا دين الإسلام ~~دين الوثنية يستفاد ذلك من الشعارات والأشعار التي نظموها في استنهاض ~~النصارى وتهييجهم على المسلمين في الحروب الصليبية التي نشبت بينهم وبين ~~المسلمين سنين متطاولة. # فإنهم كانوا يرون أن المسلمين يعبدون الأصنام وأن لهم آلهة ثلاثة أسماؤها ~~على الترتيب ماهوم ويسمى بافوميد وماهومند وهو أول الآلهة وهو محمد وبعده ~~ايلين وهو الثاني وبعده ترفاجان وهو الثالث وربما يظهر من بعض كلماتهم أن ~~للمسلمين إلهين آخرين وهما مارتوان وجوبين ولكنهما بعد الثلاثة المتقدمة ~~رتبة وكانوا يقولون إن محمدا بنى دعوته على دعوى الألوهية وربما قالوا إنه ~~كان اتخذ لنفسه صنما من ذهب. # وفي أشعار ريشار التي قالها لاستنهاض الإفرنج على المسلمين قوموا وقلبوا ~~ماهومند وترفاجان وألقوهما في النار تقربا من إلهكم. # وفي أشعار رولان في وصف ماهوم إله المسلمين أنه مصنوع تاما من الذهب ~~والفضة ولو رأيته أيقنت أنه لا يمكن لصانع أن يصور في خياله أجمل منه ثم ~~يصنعه عظيمة جثته جيدة صنعته وفي سيمائه آثار الجلالة ظاهرة ماهوم مصنوع من ~~الذهب والفضة يكاد سنا برقه يذهب بالبصر وقد أقعد على فيل هو من أحسن ~~المصنوعات وأجودها بطنه خال وربما أحس الناظر من بطنه ضوءا هو مرصعة ~~بالأحجار الثمينة المتلألئة يرى باطنه من ظاهره ولا يوجد له في جودة الصنعة نظير. # ولما كانت آلهة المسلمين يوحون إليهم في مواقع الشدة وقد انهزم المسلمون ms1221 ~~في بعض حروبهم بعث قائد القوم واحدا في طلب إلههم الذي كان بمكة يعني محمدا ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يروي بعض من شاهد الواقعة أن الإله يعني محمدا ~~جاءهم وقد أحاط به جم غفير من أتباعه وهم يضربون الطبول والعيدان والمزامير ~~والبوقات المعمولة من فضة ويتغنون ويرقصون حتى أتوا به إلى المعسكر بسرور ~~وترح ومرح وقد كان خليفته منتظرا لقدومه فلما رآه قام على ساقه واشتغل ~~بعبادته بخضوع وخشوع. # ويذكر "ريشار" أيضا في وصف وحي الإله ماهوم الذي سمعت وصفه فيقول: "إن ~~السحرة سخروا واحدا من الجن وجعلوه في بطن ذلك الصنم، وكان ذلك الجني يرعد ~~ويعربد أولا ثم يأخذ في تكليم المسلمين وهم ينصتون له". # وأمثال هذه الطرف توجد كثيرا 004 في بطن ذلك الصنم وكان ذلك الجني يرعد ~~ويعربد أولا ثم يأخذ في كتبهم المؤلفة في سني الحروب الصليبية أو المتعرضة ~~لشئونها وإن كان ربما أبهتت القارىء وأدهشته تعجبا وحيرة، وكاد أن لا يصدق ~~صحة النقل حين يحدث له أمور لم يشاهدها مسلم في يقظة ولا رآها في نومة أو نعسة. # وثالثا: أن يتحقق الباحث المتدبر كيفية طرق التطور على الدعوة المسيحية ~~في مسيرها خلال القرون الماضية حتى اليوم، فإن العقائد الوثنية وردت فيها ~~بخفي دبيبها أولا بالغلو في حق المسيح (عليه السلام) ثم تمكنت فأفرغت ~~الدعوة في قالب التثليث: الأب والابن والروح، والقول بالصلب والفداء، ~~واستلزم ذلك القول برفض العمل والاكتفاء بالاعتقاد. # وكان ذلك أولا في صورة الدين وكان يعقد أزمتهم بالكنيسة بإتيان أشياء من ~~صوم وصلاة وتعميد لكن لم يزل الإلحاد ينمو جسمه ويقوى روحه ويبرز ~~الانشعابات حتى ظهرت البروتستانت، وقامت القوانين الرسمية مقام الهرج ~~والمرج في السياسات مدونة على أساس الحرية في ما وراء القانون الأحكام ~~العملية المضمونة الإجراء فلم يزل التعليم الديني يضعف أثرا ويخيب سعيا حتى ~~انثلمت تدريجا أركان الأخلاق والفضائل الإنسانية عقيب شيوع المادية التي ~~استتبعتها الحرية التامة. # وظهرت الشيوعية والاشتراك بالبناء على فلسفة ماترياليسم ديالكتيك ورفض ~~القول باللاهوت والأخلاق الفاضلة ms1222 الثابتة والأعمال الدينية فانهدمت ~~الإنسانية المعنوية، وورثتها الحيوانية المادية مؤلفة من سبعية وبهيمية، ~~وانتهضت الدنيا تسير إليها سيرا حثيثا. # وأما النهضات الدينية التي عمت الدنيا أخيرا فليست إلا ملاعب سياسية يلعب ~~بها رجال السياسة للتوسل بها إلى غاياتهم وأمانيهم فالسياسة الفنية اليوم ~~تدق كل باب وتدب كل جحر وثقب. PageV03P179 # ذكر الدكتور جوزفشيتلر" أستاذ العلوم الدينية في كلية لوتران في شيكاغو: ~~"أن النهضة الدينية الجديدة في إمريكا ليست إلا تطبيق الدين على المجموعة ~~من شئون الحيوة في المدنية الحديثة، وتثبيت أن المدنية الحاضرة لا تضاد الدين. # وأن فيه خطر أن يعتقد عامة الناس أنهم متدينون بالدين الحق بما في أيديهم ~~من نتائج المدنية الحاضرة حتى يستغنوا عن الالتحاق إلى النهضة الحقيقية ~~الدينية لو ظهرت يوما بينهم فلا يلتفتوا إليها". # وذكر الدكتور جرجفلوروفسكى أكبر مدافع أرثوذكس روسيا بإمريكا أن ~~التعليمات الدينية بإمريكا ليست إلا سلوة كاذبة للقلوب لأنها لو كانت نهضة ~~حية حقيقية دينية لكان من الواجب أن تتكىء على تعليمات عميقة واقعية. # فانظر من أين خرج وفد الدين وفي أين نزل. # بدأت الدعوة باسم إحياء الدين العقيدة والأخلاق الملكات الحسنة والشريعة ~~الأعمال واختتمت بإلغاء الجميع ووضع التمتع الحيواني موضعها. # وليس ذلك كله إلا تطور الانحراف الأولى الواقع من بولس المدعو بالقديس، ~~بولس الحواري وأعضاده فلو أنهم سموا هذه المدنية الحاضرة التي تعترف الدنيا ~~بأنها تهدد الإنسانية بالفناء "مدنية بولسية" كان أحق بالتصديق من قولهم: ~~إن المسيح هو قائد الحضارة والمدنية الحاضرة وحامل لوائها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~الآية: إن عيسى لم يقل للناس: إني خلقتكم فكونوا عبادا لي من دون الله، ~~ولكن قال لهم: كونوا ربانيين أي علماء. # أقول: وقد مر في البيان السابق ما يؤيده من القرائن، وقوله: لم يقل ~~للناس: إني خلقتكم، بمنزلة الاحتجاج على عدم قوله ذلك أي لو كان قال لهم ~~ذلك لوجب أن يخبرهم بأنه خلقهم ولم يخبر ولم يفعل. # وفيه، أيضا: في قوله ms1223 تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا الآية، قال: كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النصارى زعموا أن ~~عيسى رب، واليهود قالوا: عزير ابن الله فقال الله: ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا. # أقول: وقد تقدم بيانه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت ~~الأحبار من اليهود، والنصارى من أهل نجران عند رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى ~~عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الرئيس: أوذاك تريد ~~منا يا محمد؟. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): معاذ الله أن ~~نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني، فأنزل ~~الله من قولهما: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب إلى قوله: بعد إذ أنتم ~~مسلمون. # وفيه، أيضا وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، قال: بلغني أن رجلا قال: يا رسول ~~الله يسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ولكن أكرموا ~~نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله فأنزل ~~الله ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون. # أقول وقد روي في سبب النزول غير هذين السببين والظاهر أن ذلك من ~~الاستنباط النظري وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك ومن الممكن أن تجتمع عدة ~~أسباب في نزول آية والله أعلم. PageV03P180 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 81 - 85 # وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ء أقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشهدين (81) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم ~~الفسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السموت والأرض طوعا ~~وكرها وإليه ms1224 يرجعون (83) قل ءامنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ~~إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الاسلم دينا ~~فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخسرين (85) ### |||| AUTO بيان # الآيات غير خالية عن الارتباط بما قبلها والسياق سياق واحد مستمر جار على ~~وحدته وكأنه تعالى لما بين أن أهل الكتاب لم يزالوا يبغون فيما حملوه من ~~علم الكتاب والدين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويستغشون بتلبيس الأمر على ~~الناس والتفرقة بين النبيين وإنكار آيات نبوة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، ونفي أن يكون نبي من الأنبياء كموسى وعيسى (عليهما السلام) ~~يأمرهم باتخاذ نفسه أو غيره من النبيين والملائكة أربابا على ما هو صريح ~~قول النصارى، وظاهر قول اليهود. # شدد النكير عليهم في ذلك بأنه كيف يتأتى ذلك وقد أخذ الله الميثاق من ~~النبيين أن يؤمنوا بكل نبي يأتيهم ممن تقدمهم أو تأخر عنهم وينصروه، وذلك ~~بتصديق كل منهم لمن تقدم عليه من الأنبياء، وتبشيره بمن تأخر عنه كتصديق ~~عيسى (عليه السلام) لموسى وشريعته، وتبشيره بمحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وكذا أخذه تعالى الميثاق منهم أن يأخذوا العهد على ذلك من أممهم ~~وأشهدهم عليهم، وبين أن هذا هو الإسلام الذي شمل حكمه من في السماوات ~~والأرض. # ثم أمر نبيه أن يجري على هذا الميثاق جري قبول وطاعة فيؤمن بالله وبجميع ~~ما أنزله على أنبيائه من غير تفرقة بينهم، وأن يسلم لله سبحانه، وأن يأتي ~~بذلك عن نفسه وعن أمته، وهو معنى أخذ الميثاق منه بلا واسطة ومن أمته ~~بواسطته كما سيجيء بيانه. # قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، الآية تنبىء عن ميثاق مأخوذ، ~~وقد أخذ الله هذا الميثاق للنبيين كما يدل عليه قوله تعالى: ثم جاءكم رسول ~~"الخ" كما أنه تعالى أخذه من النبيين على ما يدل عليه ms1225 قوله: أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري "الخ"، وقوله بعد: قل آمنا بالله إلى آخر الآية فالميثاق ~~ميثاق مأخوذ للنبيين ومأخوذ منهم وإن كان مأخوذا من غيرهم أيضا بواسطتهم. # وعلى هذا فمن الجائز أن يراد بقوله تعالى: ميثاق النبيين الميثاق المأخوذ ~~منهم أو المأخوذ لهم والميثاق واحد، وبعبارة أخرى يجوز أن يراد بالنبيين، ~~المأخوذ لهم الميثاق والمأخوذ منهم الميثاق إلا أن سياق قوله تعالى: ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله إلى آخر الآيتين في اتصاله بهذه الآية يؤيد كون المراد ~~بالنبيين هم الذين أخذ منهم الميثاق فإن وحدة السياق تعطي أن المراد: أن ~~النبيين بعد ما آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة لا يتأتى لهم أن يدعوا ~~إلى الشريك وكيف يتأتى لهم ذلك؟ وقد أخذ منهم الميثاق على الإيمان والنصرة ~~لغيرهم من النبيين الذين يدعون إلى توحيد الله سبحانه، فالأنسب أن يبدأ ~~بذكر الميثاق من حيث أخذه من النبيين. # وقوله: لما آتيتكم من كتاب وحكمة القراءة المشهورة، وهي قراءة غير حمزة ~~بفتح اللام والتخفيف في لما وعليها فما موصولة وآتيتكم، - وقرأ آتيناكم - ~~صلته، والضمير محذوف، يدل عليه قوله: من كتاب وحكمة، والموصول مبتدأ خبره ~~قوله: لتؤمنن به "الخ" واللام في لما ابتدائية، وفي لتؤمنن به لام القسم، ~~والمجموع بيان للميثاق المأخوذ، والمعنى: للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم آمنتم به ونصرتموه البتة. PageV03P181 # ويمكن أن يكون ما شرطية وجزاؤها قوله لتؤمنن به، والمعنى مهما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، وهذا أحسن لأن ~~دخول اللام المحذوف قسمها في الجزاء أشهر، والمعنى عليه أسلس وأوضح، والشرط ~~في موارد المواثيق أعرف، وأما قراءة كسر اللام في "لما" فاللام فيها ~~للتعليل وما موصولة، والترجيح لقراءة الفتح. # والخطاب في قوله: آتيتكم، وقوله: جاءكم، وإن كان بحسب النظر البدوي ~~للنبيين لكن قوله بعد: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قرينة على أن الخطاب ~~للنبيين وأممهم جميعا أي أن الخطاب مختص بهم وحكمه شامل لهم ولأممهم جميعا ~~فعلى ms1226 الأمم أن يؤمنوا وينصروا كما على النبيين أن يؤمنوا وينصروا. # وظاهر قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، التراخي الزماني أي إن على ~~النبي السابق أن يؤمن وينصر النبي اللاحق، وأما ما يظهر من قوله: قل آمنا ~~بالله "الخ" أن الميثاق مأخوذ من كل من السابق واللاحق للآخر، وأن على ~~اللاحق أن يؤمن وينصر السابق كالعكس فإنما هو أمر يشعر به فحوى الخطاب دون ~~لفظ الآية كما سيجيء إن شاء الله العزيز. # وقوله: لتؤمنن به ولتنصرنه، الضمير الأول وإن كان من الجائز أن يرجع إلى ~~الرسول كالضمير الثاني إذ لا ضير في إيمان نبي لنبي آخر، قال تعالى: "آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" ~~الآية: البقرة - 285، لكن الظاهر من قوله: قل آمنا بالله وما أنزل علينا ~~وما أنزل على إبراهيم "الخ"، رجوعه إلى ما أوتوا من كتاب وحكمة، ورجوع ~~الضمير الثاني إلى الرسول، والمعنى لتؤمنن بما آتيتكم من كتاب وحكمة ~~ولتنصرن الرسول الذي جاءكم مصدقا لما معكم. # قوله تعالى: قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا، الاستفهام ~~للتقرير، والإقرار معروف، و- الإصر - هو العهد، وهو مفعول أخذتم، وأخذ ~~العهد يستلزم مأخوذا منه غير الأخذ وليس إلا أمم الأنبياء، فالمعنى أأقررتم ~~أنتم بالميثاق، وأخذتم على ذلكم عهدي من أممكم قالوا: أقررنا. # وقيل: المراد بأخذ العهد قبول الأنبياء ذلك لأنفسهم فيكون قوله: وأخذتم ~~على ذلكم إصري عطف بيان لقوله أقررتم، ويؤيده قوله: قالوا أقررنا من غير أن ~~يذكر الأخذ في الجواب، وعلى هذا يكون الميثاق لا يتعدى الأنبياء إلى غيرهم ~~من الأمم ويبعده قوله: قال فاشهدوا، لظهور الشهادة في أنها على الغير، وكذا ~~قوله بعد: قل آمنا بالله "الخ" من غير أن يقول: قل آمنت فإن ظاهره أنه ~~إيمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل نفسه وأمته إلا أن ~~يقال: إن اشتراك الأمم مع الأنبياء إنما يستفاد من هاتين الجملتين: أعني ~~قوله: فاشهدوا، وقوله: قل آمنا بالله، من غير أن ms1227 يفيد قوله: وأخذتم، في ذلك شيئا. # قوله تعالى: قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، ظاهر الشهادة كما مر أن ~~يكون على الغير فهي شهادة من الأنبياء وأممهم جميعا، ويشهد لذلك كما مر ~~قوله: قل آمنا بالله، ويشهد لذلك السياق أيضا، فإن الآيات مسوقة للاحتجاج ~~على أهل الكتاب في تركهم إجابة دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كما أنها تحتج عليهم في ما نسبوه إلى عيسى وموسى (عليهما السلام) وغيرهما ~~كما يدل عليه قوله تعالى: أفغير دين الله يبغون، وغيره. # وربما يقال: إن المراد بقوله: فاشهدوا، شهادة بعض الأنبياء على بعض كما ~~ربما يقال: إن المخاطبين بقوله: فاشهدوا، هم الملائكة دون الأنبياء. # والمعنيان وإن كانا جائزين في نفسهما غير أن اللفظ غير ظاهر في شيء منهما ~~بغير قرينة، وقد عرفت أن القرينة على الخلاف. # ومن اللطائف الواقعة في الآية أن الميثاق مأخوذ من النبيين للرسل على ما ~~يعطيه قوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين - إلى قوله: - ثم جاءكم رسول، وقد ~~مر في ذيل قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة" الآية: البقرة - 213، الفرق ~~بين النبوة والرسالة وأن الرسول أخص مصداقا من النبي. # فعلى ظاهر ما يفيده اللفظ يكون الميثاق مأخوذا من مقام النبوة لمقام ~~الرسالة من غير دلالة على العكس. PageV03P182 # وبذلك يمكن المناقشة فيما ذكر بعضهم أن المحصل من معنى الآية أن الميثاق ~~مأخوذ من عامة النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، أي ~~إن الدين واحد يدعو إليه جميع الأنبياء، وهو ظاهر. # فمحصل معنى الآية على ما مر: أن الله أخذ الميثاق من الأنبياء وأممهم أن ~~لو آتاهم الله الكتاب والحكمة وجاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن بما آتاهم ~~وينصرن الرسول وذلك من الأنبياء تصديق من المتأخر للمتقدم والمعاصر، وبشارة ~~من المتقدم بالمتأخر وتوصية الأمة، ومن الأمة الإيمان والتصديق والنصرة، ~~ولازم ذلك وحدة الدين الإلهي. # وما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالآية أن الله أخذ الميثاق من النبيين ~~أن يصدقوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويبشروا ms1228 أممهم بمبعثه، فهو وإن ~~كان صحيحا إلا أنه أمر يدل عليه سياق الآيات كما مرت الإشارة إليه دون ~~الآية في نفسها لعموم اللفظ بل من حيث وقوع الآية ضمن الاحتجاج على أهل ~~الكتاب ولومهم وعتابهم على انكبابهم على تحريف كتبهم وكتمان آيات النبوة ~~والعناد والعتو مع صريح الحق. # قوله تعالى: فمن تولى بعد ذلك "الخ" تأكيد للميثاق المأخوذ المذكور، ~~والمعنى واضح. # قوله تعالى: أفغير دين الله يبغون وله أسلم، تفريع على الآية السابقة ~~المتضمنة لأخذ ميثاق النبيين، والمعنى فإذا كان دين الله واحدا وهو الذي ~~أخذ عليه الميثاق من عامة النبيين وأممهم وكان على المتقدم من الأنبياء ~~والأمم أن يبشروا بالرسول المتأخر ويؤمنوا بما عنده ويصدقوه فما ذا يقصده ~~هؤلاء معاشر أهل الكتاب وقد كفروا بك وظاهر حالهم أنهم يبغون الدين فهل ~~يبغون غير الإسلام الذي هو دين الله الوحيد؟ ولذلك لا يصدقونك ولا يتمسكون ~~بدين الإسلام مع أنه كان يجب عليهم الاعتصام بالإسلام لأنه الدين الذي ~~يبتني على الفطرة، وكذلك يجب أن يكون الدين، والدليل عليه أن من في ~~السماوات والأرض من أولي العقل والشعور مسلمون لله في مقام التكوين فيجب أن ~~يسلموا عليه في مقام التشريع. # قوله تعالى: وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها، هذا الإسلام الذي ~~يعم من في السماوات والأرض ومنهم أهل الكتاب الذين يذكر أنهم غير مسلمين، ~~ولفظ أسلم صيغة ماض ظاهره المضي والتحقق لا محالة وهو التسليم التكويني ~~لأمر الله دون الإسلام بمعنى الخضوع العبودي، ويؤيده أو يدل عليه قوله طوعا وكرها. # وعلى هذا فقوله: وله أسلم، من قبيل الاكتفاء بذكر الدليل والسبب عن ذكر ~~المدلول والمسبب، وتقدير الكلام: أفغير الإسلام يبغون؟ وهو دين الله لأن من ~~في السماوات والأرض مسلمون له منقادون لأمره، فإن رضوا به كان انقيادهم ~~طوعا من أنفسهم، وإن كرهوا ما شاءه وأرادوا غيره كان الأمر أمره وجرى عليهم ~~كرها من غير طوع. # ومن هنا يظهر أن الواو في قوله: طوعا وكرها، للتقسيم، وأن المراد بالطوع ~~والكره رضاهم ms1229 بما أراد الله فيهم مما يحبونه، وكراهتهم لما أراده فيهم مما ~~لا يحبونه كالموت والفقر والمرض ونحوها. # قوله تعالى: وإليه يرجعون هذا سبب آخر لوجوب ابتغاء الإسلام دينا فإن ~~مرجعهم إلى الله مولاهم الحق لا إلى ما يهديهم إليه كفرهم وشركهم. # قوله تعالى: قل آمنا بالله وما أنزل علينا، أمر النبي أن يجري على ~~الميثاق الذي أخذ منه ومن غيره فيقول عن نفسه وعن المؤمنين من أمته: آمنا ~~بالله وما أنزل علينا "الخ". # وهذا من الشواهد على أن الميثاق مأخوذ من الأنبياء وأممهم جميعا كما مرت ~~الإشارة إليه آنفا. # قوله تعالى: وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى آخر الآية، هؤلاء ~~المذكورون بأسمائهم هم الأنبياء من آل إبراهيم، ولا تخلو الآية من إشعار ~~بأن المراد بالأسباط هم الأنبياء من ذرية يعقوب أو من أسباط بني إسرائيل ~~كداود وسليمان ويونس وأيوب وغيرهم. # وقوله: والنبيون من ربهم، تعميم للكلام ليشمل آدم ونوحا ومن دونهما، ثم ~~جمع الجميع بقوله: لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. # قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه "الخ" نفي لغير مورد ~~الإثبات من الميثاق المأخوذ، وفيه تأكيد لوجوب الجري على الميثاق. PageV03P183 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن الله أخذ الميثاق على ~~الأنبياء قبل نبينا أن يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشروهم به ويأمروهم ~~بتصديقه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ~~لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا: وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة الآية. # أقول: والروايتان تفسران الآية بمجموع ما يدل عليه اللفظ والسياق كما مر. # وفي المجمع، والجوامع، عن الصادق (عليه السلام): في الآية معناه وإذ أخذ ~~الله ميثاق أمم النبيين كل أمة بتصديق نبيها، والعمل بما جاءهم به فما وفوا ~~به وتركوا كثيرا من شرائعهم ms1230 وحرفوا كثيرا. # أقول: وما ذكر في الرواية من قبيل ذكر المصداق المنطبقة عليه الآية فلا ~~ينافي شمول المراد بالآية الأنبياء وأممهم جميعا. # وفي المجمع، أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~أأقررتم وأخذتم الآية، قال: أأقررتم وأخذتم العهد بذلك على أممكم، قالوا أي ~~قال الأنبياء وأممهم: أقررنا بما أمرتنا بالإقرار به قال الله: فاشهدوا ~~بذلك على أممكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعلى أممكم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب: في قوله قال ~~فاشهدوا يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم ~~فمن تولى عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم فأولئك هم الفاسقون، هم ~~العاصون في الكفر. # أقول: وقد مر توجيه معنى الرواية. # وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام): قال لهم في الذر: أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري أي عهدي قالوا: أقررنا، قال الله للملائكة فاشهدوا. # أقول: لفظ الآية لا يأباه وإن كان لا يستفاد من ظاهره كما تقدم. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا الآية:، ~~أخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلوة فتقول: يا رب أنا ~~الصلوة فيقول: إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة فيقول: ~~إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: أنا الصيام فيقول: إنك على خير، ثم ~~تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله: إنك على خير، بك اليوم آخذ، وبك أعطي. قال ~~الله في كتابه: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه - وهو في الآخرة من ~~الخاسرين. وفي التوحيد، وتفسير العياشي،: في الآية عن الصادق (عليه ~~السلام): هو توحيدهم لله عز وجل. # أقول: التوحيد المذكور يلازم التسليم في جميع ما يريده الله تعالى من ~~عباده فيرجع إلى المعنى الذي قدمناه في البيان. # ولو أريد به مجرد نفي الشريك كان الطوع والكره هما الدلالة الاختيارية ~~والاضطرارية. # واعلم: أن ms1231 هاهنا عدة روايات أخر رواها العياشي والقمي في تفسيريهما، ~~وغيرهما في معنى قوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الآية، وفيها لتؤمنن ~~برسول الله، ولتنصرن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وظاهرها تفسير الآية ~~بإرجاع ضمير لتؤمنن به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضمير ~~ولتنصرنه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من غير دليل يدل عليه من اللفظ. # لكن في ما رواه العياشي ما رواه عن سلام بن المستنير عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: لقد تسموا باسم ما سمى الله به أحدا إلا علي بن أبي ~~طالب وما جاء تأويله. قلت: جعلت فداك متى يجيء تأويله؟ قال: إذا جاء جمع ~~الله أمامه النبيين والمؤمنين حتى ينصروه وهو قول الله: وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين - لما آتيتكم من كتاب وحكمة إلى قوله وأنا معكم من الشاهدين. # وبذلك يهون أمر الإشكال فإنه إنما يرد لو كانت الروايات واردة مورد ~~التفسير وأما التأويل فقد عرفت أنه ليس من قبيل المعنى، ولا مرتبطا باللفظ ~~في ما تقدم من تفسير قوله: "هو الذي أنزل عليك الكتاب" الآية: آل عمران - 7. PageV03P184 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 86 - 91 # كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمنهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينت ~~والله لا يهدى القوم الظلمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملئكة والناس أجمعين (87) خلدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ~~(88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) إن الذين ~~كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90) ~~إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من نصرين (91) ### |||| AUTO بيان # الآيات ممكنة الارتباط بما تقدمها من الكلام على أهل الكتاب وإن كان يمكن ~~أن تستقل بنفسها وتنفصل عما تقدمها، وهو ظاهر. # قوله تعالى: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم، الاستفهام يفيد ~~الاستبعاد والإنكار، والمراد به استحالة الهداية، وقد ختم الآية ms1232 بقوله: ~~والله لا يهدي القوم الظالمين، وقد مر في نظير هذه الجملة أن الوصف مشعر ~~بالعلية أي لا يهديهم مع وجود هذا الوصف فيهم، وذلك لا ينافي هدايته لهم ~~على تقدير رجوعهم وتوبتهم منه. # وأما قوله: وشهدوا أن الرسول حق، فإن كان المراد بهم أهل الكتاب فشهادتهم ~~هو مشاهدتهم أن آيات النبوة التي عندهم منطبقة على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كما يفيده قوله: وجاءهم البينات، وإن كان المراد بهم أهل ~~الردة من المسلمين فشهادتهم هي إقرارهم بالرسالة لا إقرارا صوريا مبنيا على ~~الجهالة والحمية ونحوهما بل إقرارا مستندا إلى ظهور الأمر كما يفيده قوله: ~~وجاءهم البينات. # وكيف كان الأمر فانضمام قوله: وشهدوا "الخ" إلى أول الكلام يفيد أن ~~المراد بالكفر هو الكفر بعد ظهور الحق وتمام الحجة فيكون كفرا عن عناد مع ~~الحق ولجاج مع أهله وهو البغي بغير الحق والظلم الذي لا يهتدي صاحبه إلى ~~النجاة والفلاح. # وقد قيل في قوله: وشهدوا "الخ" إنه معطوف على قوله: إيمانهم لما فيه من ~~معنى الفعل، والتقدير كفروا بعد أن آمنوا وشهدوا "الخ" أو أن الواو للحال، ~~والجملة حالية بتقدير "قد". # قوله تعالى: أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله - إلى قوله -: ولا هم ~~ينظرون، قد مر الكلام في معنى عود جميع اللعنة عليهم في تفسير قوله تعالى: ~~"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون": البقرة - 159. # قوله تعالى: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا "الخ" أي دخلوا في ~~الصلاح، والمراد به كون توبتهم نصوحا تغسل عنهم درن الكفر وتطهر باطنهم ~~بالإيمان، وأما الإتيان بالأعمال الصالحة فهو وإن كان مما يتفرع على ذلك ~~ويلزمه غير أنه ليس بمقوم لهذه التوبة ولا ركنا منها، ولا في الآية دلالة عليه. # وفي قوله: فإن الله غفور رحيم وضع العلة موضع المعلول والتقدير فيغفر ~~الله له ويرحمه فإن الله غفور رحيم. # قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا إلى آخر الآيتين ~~تعليل لما يشتمل عليه قوله أولا. # كيف يهدي الله قوما كفروا "الخ" ms1233 وهو من قبيل التعليل بتطبيق الكلي العام ~~على الفرد الخاص، والمعنى أن الذي يكفر بعد ظهور الحق وتمام الحجة عليه، ~~ولا يتوب بعده توبة مصلحة إنما هو أحد رجلين إما كافر يكفر ثم يزيد كفرا ~~فيطغى، ولا سبيل للصلاح إليه فهذا لا يهديه الله ولا يقبل توبته لأنه لا ~~يرجع بالحقيقة بل هو منغمر في الضلال، ولا مطمع في اهتدائه. # وإما كافر يموت على كفره وعناده من غير توبة يتوبها فلا يهديه الله في ~~الآخرة بأن يدخله الجنة إذ لم يرجع إلى ربه ولا بدل لذلك حتى يفتدي به، ولا ~~شفيع ولا ناصر حتى يشفع له أو ينصره. # ومن هنا يظهر أن قوله: وأولئك هم الضالون باشتماله على اسمية الجملة، ~~والإشارة البعيدة في أولئك، وضمير الفصل، والاسمية واللام في الخبر يدل على ~~تأكد الضلال فيهم بحيث لا ترجى هدايتهم. PageV03P185 # وكذا يظهر أن المراد بقوله: وما لهم من ناصرين نفي انتفاعهم بالشفعاء الذين ~~هم الناصرون يوم القيامة فإن الإتيان بصيغة الجمع يدل على تحقق ناصرين يوم ~~القيامة كما مر نظيره في الاستدلال على الشفاعة بقوله تعالى: فما لنا من ~~شافعين الآية في مبحث الشفاعة آية 48 من سورة البقرة فارجع إليه. # وقد اشتملت الآية الثانية على ذكر نفي الفداء والناصرين لكونهما كالبدل، ~~والبدل إنما يكون من فائت يفوت الإنسان وقد فاتتهم التوبة في الدنيا ولا ~~بدل لها يحل محلها في الآخرة. # ومن هنا يظهر أن قوله: وماتوا وهم كفار في معنى: وفاتتهم التوبة فلا ~~ينتقض هذا البيان الظاهر في الحصر بما ذكره الله تعالى في قوله: "وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما": النساء - 18 فإن ~~المراد بحضور الموت ظهور آثار الآخرة وانقطاع الدنيا وتفوت عند ذلك التوبة. # والملء في قوله: ملء الأرض ذهبا مقدار ما يسعه الإناء من شيء فاعتبر ~~الأرض إناء يملؤه الذهب فالجملة من قبيل الاستعارة التخييلية والاستعارة ~~بالكناية. ### |||| AUTO بحث ms1234 روائي # في المجمع،: في قوله تعالى كيف يهدي الله قوما الآية: قيل نزلت الآيات في ~~رجل من الأنصار يقال له حارث بن سويد بن الصامت، وكان قتل المجدر بن زياد ~~البلوي غدرا، وهرب وارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم ندم فأرسل إلى قومه أن ~~يسألوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هل لي من توبة؟ فسألوا فنزلت ~~الآية إلى قوله: إلا الذين تابوا، فحملها إليه رجل من قومه فقال: إني لأعلم ~~أنك لصدوق، ورسول الله أصدق منك، وإن الله أصدق الثلاثة، ورجع إلى المدينة ~~وتاب وحسن إسلامه:، عن مجاهد والسدي وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): وفي الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس: أن ~~الحارث بن سويد قتل المجدر بن زياد وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد ثم ~~لحق بقريش فكان بمكة ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه ~~فأنزل الله فيه: كيف يهدي الله قوما إلى آخر القصة. # أقول: وروي القصة بطرق أخرى وفيها اختلافات، ومن جملتها ما رواه عن ~~عكرمة: أنها نزلت في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن ~~الأسلت في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى ~~أهلهم هل لنا من توبة؟ فنزلت إلا الذين تابوا من بعد ذلك الآيات. # ومنها ما في المجمع،: في قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا الآية، أنها نزلت في أحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد لما رجع ~~الحارث قالوا نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا ~~فينزل فينا ما نزل في الحارث فلما افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته فنزل فيمن مات منهم ~~كافرا، إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار الآية، نسبها إلى بعضهم. # وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب، وقيل: إن قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا ms1235 كفرا الآية نزلت في اليهود خاصة حيث آمنوا ثم كفروا ~~بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل غير ذلك. # والتأمل في هذه الأقوال والروايات يعطي أن جميعها من الأنظار الاجتهادية ~~من سلف المفسرين كما تنبه له بعضهم. # وأما الرواية عن الصادق (عليه السلام) فمرسلة ضعيفة، على أن من الممكن أن ~~يتعدد أسباب النزول في آية أو آيات، والله أعلم. PageV03P186 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 92 - 95 # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم ~~(92) كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل إلا ما حرم إسرءيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صدقين (93) فمن افترى على ~~الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظلمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) ### |||| AUTO بيان # ارتباط الآية الأولى بما قبلها غير واضح ومن الممكن أن لا تكون نازلة في ~~ضمن بقية الآيات التي لا غبار على ارتباط بعضها ببعض، وقد عرفت نظير هذا ~~الإشكال في قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب تعالوا" الآية: آل عمران - 64، ~~من حيث تاريخ النزول. # وربما يقال: إن الخطاب في الآية موجه إلى بني إسرائيل، ولا يزال موجها ~~إليهم، ومحصل المعنى بعد ما مر من توبيخهم ولومهم على حب الدنيا وإيثار ~~المال والمنال على دين الله: أنكم كاذبون في دعواكم أنكم منسوبون إلى الله ~~سبحانه وأنبيائه وأنكم أهل البر والتقوى، فإنكم تحبون كرائم أموالكم ~~وتبخلون في بذلها ولا تنفقون منها إلا الردي الذي لا تتعلق به النفوس مما ~~لا يعبأ بزواله وفقده مع أنه لا ينال البر إلا بإنفاق الإنسان ما يحبه من ~~كرائم ماله، ولا يفوت الله سبحانه حفظه، هذا محصل ما قيل: وفيه تمحل ظاهر!. # وأما بقية الآيات فارتباطها بالبيانات السابقة ظاهر لا غبار عليه. # قوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، النيل هو الوصول، ~~والبر هو التوسع في فعل الخير، قال الراغب: البر ms1236 خلاف البحر، وتصور منه ~~التوسع فاشتق منه البر أي التوسع في فعل الخير، انتهى. # ومراده من فعل الخير أعم مما هو فعل القلب كالاعتقاد الحق والنية الطاهرة ~~أو فعل الجوارح كالعبادة لله والإنفاق في سبيل الله تعالى، وقد اشتمل على ~~القسمين جميعا قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ~~ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي ~~الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكوة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس" الآية: البقرة - 177. # ومن انضمام الآية إلى قوله: لن تنالوا البر الآية، يتبين أن المراد بها ~~أن إنفاق المال على حبه، أحد أركان البر التي لا يتم إلا باجتماعها نعم جعل ~~الإنفاق غاية لنيل البر لا يخلو عن العناية والاهتمام بأمر هذا الجزء ~~بخصوصه لما في غريزة الإنسان من التعلق القلبي بما جمعه من المال، وعده ~~كأنه جزء من نفسه إذا فقده فكأنه فقد جزء من حيوة نفسه بخلاف سائر العبادات ~~والأعمال التي لا يظهر معها فوت ولا زوال منه. # ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم إن البر هو الإنفاق مما تحبون، وكان هذا ~~القائل جعلها من قبيل قول القائل: لا تنجو من ألم الجوع حتى تأكل، ونحو ~~ذلك، لكنه محجوج بما مر من الآية. # ويتبين من آية البقرة المذكورة أيضا أن المراد بالبر هو ظاهر معناه ~~اللغوي أعني التوسع في الخير فإنها بينته بمجامع الخيرات الاعتقادية ~~والعملية، ومنه يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالبر هو إحسان الله ~~وإنعامه، وما في قول آخرين: إن المراد به الجنة. # قوله تعالى: وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم، تطييب لنفوس المنفقين ~~أن ما ينفقونه من المال المحبوب عندهم لا يذهب مهدورا من غير أجر فإن الله ~~الذي يأمرهم به عليم بإنفاقهم وما ينفقونه. PageV03P187 # قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن ms1237 تنزل التوراة، الطعام كل ما يطعم ويتغذى به وكان يطلق عند أهل ~~الحجاز على البر خاصة وينصرف إليه عندهم لدى الإطلاق، والحل مقابل الحرمة، ~~وكأنه مأخوذ من الحل مقابل العقد والعقل فيفيد معنى الإطلاق، وإسرائيل هو ~~يعقوب النبي (عليه السلام) سمي به لأنه كان مجاهدا في الله مظفرا به، ويقول ~~أهل الكتاب: إن معناه المظفر الغالب على الله سبحانه لأنه صارع الله في ~~موضع يسمى فنيئيل فغلبه على ما في التوراة وهو مما يكذبه القرآن ويحيله العقل. # وقوله: إلا ما حرم إسرائيل على نفسه استثناء من الطعام المذكور آنفا، ~~وقوله: من قبل أن تنزل التوراة متعلق بكان في الجملة الأولى، والمعنى لم ~~يحرم الله قبل نزول التوراة شيئا من الطعام على بني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه. # وفي قوله تعالى: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، دلالة على ~~أنهم كانوا ينكرون ذلك، أعني حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة، ويدل عليه ~~أنهم كانوا ينكرون النسخ في الشرائع ويحيلون ذلك كما مر ذكره في ذيل قوله ~~تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها" الآية: البقرة - 106، فهم كانوا ينكرون ~~بالطبع قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم": ~~النساء - 160. # وكذا يدل قوله تعالى بعد: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، أنهم ~~كانوا يجعلون ما ينكرونه من حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة، وكون ~~التحريم إنما نزل عليهم لظلمهم بنسخ الحل بالحرمة وسيلة إلى إلقاء الشبهة ~~على المسلمين، والاعتراض على ما كان يخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن ربه أن دينه هو ملة إبراهيم الحنيف، وهي ملة فطرية لا إفراط فيها ~~ولا تفريط، كيف؟ وهم كانوا يقولون: إن إبراهيم كان يهوديا على شريعة ~~التوراة، فكيف يمكن أن تشتمل ملته على حلية ما حرمتها التوراة، والنسخ غير جائز؟. # فقد تبين أن الآية إنما تتعرض لدفع شبهة أوردتها اليهود، ويظهر من عدم ~~تعرض الآية لنقل الشبهة عنهم كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد ms1238 كقوله ~~تعالى: "وقالت اليهود يد الله مغلولة": المائدة - 64، وقوله: "وقالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة": البقرة - 80، وقوله "وقالوا قلوبنا غلف": ~~البقرة - 88 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # وكذا قوله تعالى بعد عدة آيات: "قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ~~من آمن - إلى أن قال -: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين الآيات ": آل عمران" 98100. # وبالجملة يظهر من ذلك أنها كانت شبهة تلقيه اليهود لا على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بل على المؤمنين في ضمن ما كانوا يتلاقون ويتحاورون. # وحاصلها: أنه كيف يكون النبي صادقا وهو يخبر بالنسخ، وأن الله إنما حرم ~~الطيبات على بني إسرائيل لظلمهم، وهذا نسخ لحل سابق لا يجوز على الله ~~سبحانه بل المحرمات محرمة دائما من غير إمكان تغيير لحكم الله، وحاصل ~~الجواب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعليم من الله تعالى: أن ~~التوراة ناطقة بكون كل الطعام حلا قبل نزولها فأتوا بالتوراة واتلوها إن ~~كنتم صادقين في قولكم، وهو قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - ~~إلى قوله -: إن كنتم صادقين. # فإن أبيتم الإتيان بالتوراة وتلاوتها فاعترفوا بأنكم المفترون على الله ~~الكذب وأنكم الظالمون، وذلك قوله تعالى: فمن افترى - إلى قوله الظالمون. # وقد تبين بذلك أني صادق في دعوتي فاتبعوا ملتي وهي ملة إبراهيم حنيفا، ~~وذلك قوله تعالى: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم إلى آخر الآية. # وللمفسرين في توضيح معنى الآية بيانات مختلفة لكنهم على أي حال ذكروا أن ~~الآية متعرضة لبيان شبهة أوردتها اليهود مرتبطة بالنسخ كما مر. PageV03P188 # وأعجب ما قيل في المقام ما ذكره بعضهم: أن الآية متعرضة لجواب شبهة أوردتها ~~اليهود في النسخ، وتقريرها: أن اليهود كأنها قالت: إذا كنت يا محمد على ملة ~~إبراهيم والنبيين بعده - كما تدعي - فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم ~~كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك ~~مصدق ms1239 لهم، وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر فتقول: إني أولى به. # ومحصل الجواب: أن كل الطعام كان حلا لعامة الناس ومنهم بنو إسرائيل لكن ~~بني إسرائيل حرموا أشياء على أنفسهم بما ارتكبوا من المعاصي، والسيئات كما ~~قال تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" الآية: ~~النساء - 160، فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب ~~وحده، ومعنى تحريمهم ذلك على أنفسهم: أنهم ارتكبوا الظلم واجترحوا السيئات ~~فكانت سببا للتحريم، وقوله: من قبل أن تنزل التورية متعلق بقوله: حرم ~~إسرائيل، ولو كان المراد بقوله: إسرائيل هو يعقوب نفسه لكان قوله: من قبل ~~أن تنزل التورية لغوا زائدا من الكلام لبداهه أن يعقوب كان قبل التوراة ~~زمانا فلا وجه لذكره. # هذا محصل ما ذكره وذكر بعض آخر نظير ما ذكره إلا أنه قال: إن المراد من ~~تحريم بني إسرائيل على أنفسهم تحريمهم ذلك تشريعا من عند أنفسهم من غير أن ~~يستند إلى وحي من الله سبحانه إلى بعض أنبيائهم كما كانت عرب الجاهلية تفعل ~~ذلك على ما قصه الله تعالى في كتابه. # وقد ارتكبا جميعا من التكلف ما لا يرتضيه ذو خبرة فأخرجا الكلام من ~~مجراه، وعمدة ما حملهما على ذلك حملهما قوله تعالى: من قبل أن تنزل التورية ~~على أنه متعلق بقوله: حرم إسرائيل، مع كونه متعلقا بقوله: كان حلا، في صدر ~~الكلام وقوله إلا ما حرم، استثناء معترض. # ومن ذلك يظهر أن لا حاجة إلى أخذ إسرائيل بمعنى بني إسرائيل كما توهما ~~مستندين إلى عدم استقامة المعنى دونه. # على أن إطلاق إسرائيل وإرادة بني إسرائيل وإن كان جائزا على حد قولهم: ~~بكر وتغلب ونزار وعدنان يريدون بني بكر وبني تغلب وبني نزار وبني عدنان ~~لكنه في بني إسرائيل من حيث الوقوع استعمال غير معهود عند العرب في عهد ~~النزول، ولا أن القرآن سلك هذا المسلك في هذه الكلمة في غير هذا المورد ~~الذي يدعيانه مع أن بني إسرائيل مذكور فيه فيما يقرب من أربعين ms1240 موضعا، ومن ~~جملتها نفس هذه الآية: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل ~~على نفسه، فما هو الفرق على قولهما بين الموضعين في الآية؟ حيث عبر عنهم ~~أولا ببني إسرائيل، ثم أردف ذلك بقوله: إسرائيل، مع أن المقام من أوضح ~~مقامات الالتباس، وناهيك في ذلك أن الجم الغفير من المفسرين فهموا منه أن ~~المراد به يعقوب لا بنوه. # ومن أحسن الشواهد على أن المراد به يعقوب قوله تعالى: على نفسه بإرجاع ~~ضمير المفرد المذكر إلى إسرائيل ولو كان المراد به بني إسرائيل لكان من ~~اللازم أن يقال: على نفسها أو على أنفسهم. # قوله تعالى: قل فأتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين أي حتى يتبين أن ~~أي الفريقين على الحق، أنا أم أنتم، وهذا إلقاء جواب منه تعالى على نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون، ~~ظاهره أنه كلام لله سبحانه يخاطب به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى ~~هذا ففيه تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن أعداءه من اليهود ~~هم الظالمون بعد هذا البيان لافترائهم الكذب على الله، وتعريض لليهود، ~~والكلام يجري مجرى الكناية. # وأما احتمال كون الكلام من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فلا يلائمه ظاهر إفراد خطاب الإشارة في قوله: من بعد ذلك، وعلى هذا أيضا ~~يجري الكلام مجرى الكناية والستر على الخصم المغلوب ليقع الكلام موقعه من ~~القبول كما في قوله تعالى: "إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين": سبأ - ~~24، والمشار إليه بذلك هو البيان والحجة. # وإنما قال: من بعد ذلك مع أن المفتري ظالم على أي حال لأن الظلم لا يتحقق ~~قبل التبين كما قيل، والقصر في قوله: فأولئك هم الظالمون قصر قلب على أي حال. PageV03P189 # قوله تعالى: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا "الخ" أي فإذا كان الحق ~~معي فيما أخبرتكم به ودعوتكم إليه فاتبعوا ديني واعترفوا بحلية لحم الإبل ms1241 ~~وغيره من الطيبات التي أحلها الله، وإنما كان حرمها عليكم عقوبة لاعتدائكم ~~وظلمكم كما أخبر تعالى به. # فقوله: فاتبعوا "الخ" كالكناية عن اتباع دينه، وإنما لم يذكره بعينه ~~لأنهم كانوا معترفين بملة إبراهيم، ليكون إشارة إلى كون ما يدعو إليه من ~~الدين حنيفا فطريا لأن الفطرة لا تمنع الإنسان من أكل الطيبات من اللحوم ~~وسائر الرزق. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): أن إسرائيل كان إذا ~~أكل لحم الإبل هيج عليه وجع الخاصرة فحرم على نفسه لحم الإبل وذلك قبل أن ~~تنزل التوراة فلما نزلت التوراة لم يحرمه ولم يأكله. # أقول: وما يقرب منه مروي من طرق أهل السنة والجماعة. # وقوله في الرواية: لم يحرمه ولم يأكله ضميرا الفاعل راجعان إلى موسى ~~لدلالة المقام عليه، والمعنى لم يحرمه موسى ولم يأكله، ويحتمل أن يكون لم ~~يأكله من التأكيل بمعنى التمكين من الأكل، ويظهر من التاج، أن التفعيل ~~والمفاعلة فيه بمعنى واحد. PageV03P190 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 96 - 97 # إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعلمين (96) فيه ءايت بينت ~~مقام إبرهيم ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين (97) ### |||| AUTO بيان # الآيتان جواب عن شبهة أخرى كانت اليهود توردها على المؤمنين من جهة ~~النسخ، وهي ما حدث في أمر القبلة بتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد ~~مر في تفسير قوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام" الآية: البقرة - 144 ~~أن تحويل، القبلة كان من الأمور الهامة التي كانت له تأثيرات عميقة مادية ~~ومعنوية في حيوة أهل الكتاب - وخاصة اليهود - مضافا إلى كونه مخالفا ~~لمذهبهم من النسخ، ولذلك طالت المشاجرات والمشاغبات بينهم وبين المسلمين ~~بعد نزول حكم القبلة إلى أمد بعيد. # والمستفاد من الآية - إن أول بيت "الخ" - أنهم جمعوا في شبهتهم بين شبهة ~~النسخ وبين انتساب الحكم إلى ملة إبراهيم فيكون محصل الشبهة: أن الكعبة كيف ~~يمكن أن يكون قبلة ms1242 في ملة إبراهيم مع أن الله جعل بيت المقدس قبلة وهل هذا ~~إلا القول بحكم نسخي في ملة إبراهيم الحقة مع كون النسخ محالا باطلا؟. # والجواب: أن الكعبة موضوعة للعبادة قبل غيرها كبيت المقدس فلقد بناها ~~إبراهيم من غير شك ووضعها للعبادة، وفيها آيات بينات تدل على ذلك كمقام ~~إبراهيم، وأما بيت المقدس فبانيه سليمان وهو بعد إبراهيم بقرون. # قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة إلى آخر الآية، البيت معروف، ~~والمراد بوضع البيت للناس وضعه لعبادتهم وهو أن يجعلوه ذريعة يتوسل به إلى ~~عبادة الله سبحانه، ويستعان به فيها بأن يعبد الله فيه، وبقصده والمسير ~~إليه وغير ذلك، والدليل على ذلك ما يشتمل عليه الكلام من كونه مباركا وهدى ~~للعالمين وغير ذلك، ويشعر به التعبير عن الكعبة بالذي ببكة فإن فيه تلويحا ~~إلى ازدحام الناس عنده في الطواف والصلوة وغيرهما من العبادات والمناسك، ~~وأما كونه أول بيت بني على الأرض ووضع لينتفع به الناس فلا دلالة على ذلك ~~من جهة اللفظ. # والمراد ببكة أرض البيت سميت بكة لازدحام الناس فيها، وربما قيل إن بكة ~~هي مكة، وأنه من تبديل الميم باء كما في قولهم لازم ولازب وراتم وراتب ونحو ~~ذلك، وقيل: هو اسم للحرم، وقيل: المسجد، وقيل: المطاف. # والمباركة مفاعلة من البركة وهي الخير الكثير، فالمباركة إفاضة الخير ~~الكثير عليه وجعله فيه، وهي وإن كانت تشمل البركات الدنيوية والأخروية، إلا ~~أن ظاهر مقابلتها مع قوله: هدى للعالمين أن المراد بها إفاضة البركات ~~الدنيوية وعمدتها وفور الأرزاق وتوفر الهمم والدواعي إلى عمرانه بالحج إليه ~~والحضور عنده والاحترام له وإكرامه فيئول المعنى إلى ما يتضمنه قوله تعالى ~~في دعوة إبراهيم: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون": إبراهيم - 37. # وكونه هدى هو إراءته للناس سعادة آخرتهم، وإيصاله إياهم إلى الكرامة ~~والقرب والزلفى بما وضعه الله للعبادة، وبما شرع عنده من أقسام ms1243 الطاعات ~~والنسك ولم يزل منذ بناه إبراهيم مقصدا للقاصدين ومعبدا للعابدين. # وقد دل القرآن على أن الحج شرع أول ما شرع في زمن إبراهيم (عليه السلام) ~~بعد الفراغ من بنائه، قال تعالى: "وعهدنا إلى إبراهيم وإسمعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود": البقرة - 125، وقال: خطابا لإبراهيم: ~~"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق": الحج ~~- 27، والآية كما ترى تدل على أن هذا الأذان والدعوة سيقابل بتلبية عامة من ~~الناس الأقربين والأبعدين من العشائر والقبائل. # ودل أيضا على أن هذا الشعار الإلهي كان على استقراره ومعروفيته في زمن ~~شعيب عند الناس كما حكاه الله عنه في قوله لموسى (عليه السلام): "إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك": القصص - 27، فقد أراد بالحج سنة وليس إلا لكون السنين تعد بالحج ~~لتكررها بتكرره. PageV03P191 # وكذا في دعوة إبراهيم (عليه السلام) شيء كثير يدل على كون البيت لم يزل ~~معمورا بالعبادة آية في الهداية راجع سورة إبراهيم. # وكان عرب الجاهلية يعظمونه ويأتون بالحج بعنوان أنه من شرع إبراهيم، وقد ~~ذكر التاريخ أن سائر الناس أيضا كانوا يعظمونه، وهذا في نفسه نوع من ~~الهداية لما فيه من التوجه إلى الله سبحانه وذكره، وأما بعد ظهور الإسلام ~~فالأمر أوضح، وقد ملأ ذكره مشارق الأرض ومغاربها، وهو يعرض نفسه لأفهام ~~الناس وقلوبهم بنفسه وبذكره، وفي عبادات المسلمين وطاعاتهم وقيامهم وقعودهم ~~ومذابحهم وسائر شئونهم. # فهو هدى بجميع مراتب الهداية آخذة من الخطور الذهني إلى الانقطاع التام ~~الذي لا يمسه إلا المطهرون من عباد الله المخلصين. # على أنه يهدي عالم المسلمين إلى سعادتهم الدنيوية التي هي وحدة الكلمة ~~وائتلاف الأمة وشهادة منافعهم، ويهدي عالم غيرهم بإيقاظهم وتنبيههم إلى ~~ثمرات هذه الوحدة وائتلاف القوى المختلفة المتشتتة. # ومن هنا يظهر أولا: أنه هدى إلى سعادة الدنيا والآخرة كما أنه هدى بجميع ~~مراتب الهداية، فالهداية مطلقة. # وثانيا: أنه هدى للعالمين لا لعالم خاص وجماعة مخصوصة كآل إبراهيم ms1244 أو ~~العرب أو المسلمين وذلك لما فيه من سعة الهداية. # قوله تعالى: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، الآيات وإن وصفت بالبينات، ~~وأفاد ذلك تخصصا ما في الموصوف إلا أنها مع ذلك لا تخرج عن الإبهام، ~~والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ~~ولا يناسب ذلك إلا الإتيان ببيان واضح، والوصف بما لا غبار عليه بالإبهام ~~والإجمال، وهذا من الشواهد على كون قوله: مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ~~ولله على الناس إلى آخر الآية بيانا لقوله: آيات بينات فالآيات هي: مقام ~~إبراهيم، وتقرير الأمن فيه، وإيجاب حجة على الناس المستطيعين. # لكن لا كما يتراءى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلا أو عطف بيان ~~من قوله: آيات لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل ~~قولنا: هي مقام إبراهيم، والأمن لمن دخله، وحجة لمن استطاع إليه سبيلا، وفي ~~ذلك إرجاع قوله: ومن دخله، سواء كان إنشاء أو إخبارا إلى المفرد بتقدير أن ~~وإرجاع قوله: ولله على الناس، وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على ~~الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضا، وكل ذلك ~~مما لا يساعد عليه الكلام البتة. # وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله: مقام إبراهيم "الخ"، كل لغرض خاص ~~من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال: ~~فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه. # قوله تعالى: مقام إبراهيم مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم، ~~وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وقد استفاض ~~النقل بأن الحجر مدفون في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة ~~المطاف حيال الملتزم، وقد أشار إليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية: ~~وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة. # على قدميه حافيا غير ناعل. # وربما يفهم من قوله: مقام إبراهيم أن البيت أو في البيت موضع قيام ~~إبراهيم بعبادة الله سبحانه. PageV03P192 # ويمكن ms1245 أن يكون تقدير الكلام: هي مقام إبراهيم والأمن والحج ثم وضع قوله: ~~ومن دخله، وقوله: ولله على الناس، وهما جملتان مشتملتان على حكم إنشائي ~~موضع الخبرين، وهذا من أعاجيب أسلوب القرآن حيث يستخدم الكلام المسوق لغرض ~~في سبيل غرض آخر فيضعه موضعه لينتقل منه إليه فيفيد فائدتين، ويحفظ الجهتين ~~كحكاية الكلام في موضع الإخبار كقوله: "كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله": البقرة - 285، وكما مر في قوله تعالى "ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه" الآية: البقرة - 258، وقوله: "أو كالذي مر ~~على قرية" الآية: البقرة - 259، وقد بينا النكتة في ذلك في تفسير الثانية، ~~وكما في قوله تعالى: "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب ~~سليم": الشعراء - 89، وكما في قوله تعالى: "ولكن البر من آمن بالله الآية: ~~البقرة - 177، حيث وضع صاحب البر، مكان البر، وكما في قوله تعالى: "ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع" الآية: البقرة - 171 ومثله غالب ~~الأمثال الواردة في القرآن الكريم. # وعلى هذا فوزان قوله: فيه آيات بينات مقام إبراهيم - إلى قوله - عن ~~العالمين في التردد بين الإنشاء والإخبار، وزان قوله: "واذكر عبدنا أيوب إذ ~~نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ~~ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب": ص - 44. # وهذا الذي ذكرناه غير ما ذكره بعضهم من حديث البدلية، وإن كان بدلا ولا ~~بد فالأولى جعل قوله: مقام إبراهيم بدلا وجعل الجملتين التاليتين مستأنفتين ~~دالتين على بدلين محذوفين. # والتقدير فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن الداخل وحج المستطيع للبيت. # ولا ريب في كون كل واحد من هذه الأمور آية بينة دالة بوقوعها على الله ~~سبحانه مذكرة لمقامه إذ ليست الآية إلا العلامة الدالة على الشيء بوجه، وأي ~~علامة دالة عليه تعالى مذكرة لمقامه أعظم وأجلى في نظر أهل الدنيا من موقف ms1246 ~~إبراهيم ومن حرم آمن يأمن من دخله ومن مناسك وعبادات يأتي بها الألوف بعد ~~الألوف من الناس تتكرر بتكرر السنين، ولا تنسخ بانتساخ الليالي والأيام، ~~وأما كون كل آية أمرا خارقا للعادة ناقضا لسنة الطبيعة فليس من الواجب، ولا ~~لفظ الآية بمفهومه يدل عليه، ولا استعماله في القرآن ينحصر فيه. # قال تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها" الآية: البقرة - 106، وهي تشمل ~~الأحكام المنسوخة في الشرع قطعا، وقال تعالى: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون": ~~الشعراء - 128، إلى غير ذلك من الآيات. # ومن هنا يظهر ما في إصرار بعض المفسرين على توجيه كون المقام آية خارقة، ~~وكون الأمن والحج مذكورين لغير غرض بيان الآية. # وكذا إصرار آخرين على أن المراد بالآيات البينات أمور أخر من خواص الكعبة ~~وقد أغمضنا عن ذكرها، ومن أرادها فليراجع بعض مطولات التفاسير فإن ذلك مبني ~~على كون المراد من الآيات الآيات المعجزة وخوارق العادة، ولا دليل على ذلك ~~كما مر. # فالحق أن قوله: ومن دخله كان آمنا: مسوق لبيان حكم تشريعي لا خاصة ~~تكوينية غير أن الظاهر أن يكون الجملة إخبارية يخبر بها عن تشريع سابق ~~للأمن كما ربما استفيد ذلك من دعوة إبراهيم المذكورة في سورتي إبراهيم ~~والبقرة وقد كان هذا الحق محفوظا للبيت قبل البعثة بين عرب الجاهلية ويتصل ~~بزمن إبراهيم (عليه السلام). # وأما كون المراد من حديث الأمن هو الإخبار بأن الفتن والحوادث العظام لا ~~تقع ولا ينسحب ذيلها إلى الحرم فيدفعه وقوع ما وقع من الحروب والمقاتلات ~~واختلال الأمن فيه، وخاصة ما وقع منها قبل نزول هذه الآية، وقوله تعالى ~~"أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم": العنكبوت - 67، لا ~~يدل على أزيد من استقرار الأمن واستمراره في الحرم، وليس ذلك إلا لما يراه ~~الناس من حرمة هذا البيت ووجوب تعظيمه الثابت في شريعة إبراهيم (عليه ~~السلام) وينتهي بالأخرة إلى جعله سبحانه وتشريعه. PageV03P193 # وكذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى: "رب اجعل هذا البلد ~~آمنا": إبراهيم - 35، وقوله: "رب ms1247 اجعل هذا بلدا آمنا": البقرة - 126، حيث ~~سأل الأمن لبلد مكة فأجابه الله بتشريع الأمن وسوق الناس سوقا قلبيا إلى ~~تسليم ذلك وقبوله زمانا بعد زمان. # قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، الحج بالكسر ~~وقرىء بالفتح هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بينه ~~الشرع، وقوله: سبيلا تمييز من قوله: استطاع. # والآية تتضمن تشريع الحج إمضاء لما شرع لإبراهيم (عليه السلام) كما يدل ~~عليه قوله تعالى حكاية لما خوطب به إبراهيم: "وأذن في الناس بالحج" الآية: ~~الحج - 27، ومن هنا يظهر أن وزان قوله: ولله على الناس "الخ" وزان قوله ~~تعالى: ومن دخله كان آمنا في كونه إخبارا عن تشريع سابق وإن كان من الممكن ~~أن يكون إنشاء على نحو الإمضاء لكن الأظهر من السياق هو الأول كما لا يخفى. # قوله تعالى: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين، الكفر هاهنا من الكفر ~~بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك. # والكلام من قبيل وضع المسبب أو الأثر مقام السبب أو المنشإ كما أن قوله: ~~فإن الله غني "الخ" من قبيل وضع العلة موضع المعلول، والتقدير: ومن ترك ~~الحج فلا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين. ### |||| AUTO بحث روائي # عن ابن شهرآشوب عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في قوله تعالى: إن أول ~~بيت وضع للناس: الآية فقال له رجل أهو أول بيت؟ قال لا قد كان قبله بيوت، ~~ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا، فيه الهدى والرحمة والبركة. وأول من بناه ~~إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي ~~بن أبي طالب: في قوله "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة قال: كانت البيوت ~~قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. # أقول: ورواه أيضا عن ابن جرير عن مطر مثله، والروايات في هذه المعاني كثيرة. # وفي العلل، عن ms1248 الصادق (عليه السلام): موضع البيت بكة، والقرية مكة. # وفيه، أيضا عنه (عليه السلام): إنما سميت بكة بكة لأن الناس يبكون فيها. # أقول: يعني يزدحمون. # وفيه، عن الباقر (عليه السلام): إنما سميت مكة بكة لأنه يبك بها الرجال ~~والنساء، والمرأة تصلي بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك ومعك ولا بأس بذلك ~~إنما يكره ذلك في سائر البلدان. # وفيه، عن الباقر (عليه السلام) قال: لما أراد الله أن يخلق الأرض أمر ~~الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في ~~موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد ثم دحى الأرض من تحته وهو قول الله: إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا، فأول بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثم مدت ~~الأرض منها. # أقول: والأخبار في دحو الأرض من تحت الكعبة كثيرة، وليست مخالفة للكتاب، ~~ولا أن هناك برهانا يدفع ذلك غير ما كانت تزعمه القدماء من علماء الطبيعة ~~أن الأرض عنصر بسيط قديم، وقد بان بطلان هذا القول بما لا يحتاج إلى بيان. # وهذا تفسير ما ورد من الروايات في أن الكعبة أول بيت أي بقعة في الأرض ~~وإن كان الظاهر من الآية ما تشتمل عليه الروايتان الأوليان. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~فيه آيات بينات: أنه سئل ما هذه الآيات البينات؟ قال: مقام إبراهيم حيث قام ~~على الحجر فأثرت فيه قدماه، والحجر الأسود، ومنزل إسماعيل. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر، ولعل ذكره هذه الأمور من باب العد وإن ~~لم تشتمل على بعضها الآية. PageV03P194 # وفي تفسير العياشي، عن عبد الصمد، قال: طلب أبو جعفر أن يشتري من أهل مكة ~~بيوتهم أن يزيد في المسجد فأبوا فأرغبهم فامتنعوا فضاق بذلك فأتى أبا عبد ~~الله (عليه السلام) فقال له: إني سألت هؤلاء شيئا من منازلهم وأفنيتهم ~~لنزيد في المسجد وقد منعوا في ذلك فقد غمني غما شديدا، فقال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): لم يغمك ذلك وحجتك عليهم فيه ظاهرة، فقال: ms1249 وبما أحتج عليهم؟ ~~فقال: بكتاب الله، فقال: في أي موضع؟ فقال: قول الله: إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة، وقد أخبرك الله: أن أول بيت وضع للناس هو الذي ببكة فإن كانوا ~~هم تولوا قبل البيت فلهم أفنيتهم، وإن كان البيت قديما فيهم فله فناؤه، ~~فدعاهم أبو جعفر فاحتج عليهم بهذا فقالوا له: اصنع ما أحببت. # وفيه، عن الحسن بن علي بن النعمان، قال: لما بنى المهدي في المسجد الحرام ~~بقيت دار في تربيع المسجد فطلبها من أربابها فامتنعوا فسأل عن ذلك الفقهاء ~~فكل قال له: إنه لا ينبغي أن تدخل شيئا في المسجد الحرام غصبا، فقال له علي ~~بن يقطين: يا أمير المؤمنين إني أكتب إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) ~~لأخبرك بوجه الأمر في ذلك فكتب إلى والي المدينة أن يسأل موسى بن جعفر ~~(عليه السلام) عن دار أردنا أن ندخلها في المسجد الحرام فامتنع عليها ~~صاحبها، فكيف المخرج من ذلك؟. فقال ذلك لأبي الحسن (عليه السلام)، فقال أبو ~~الحسن (عليه السلام): فلا بد من الجواب في هذا؟ فقال له: الأمر لا بد منه، ~~فقال له: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس ~~فالناس أولى بفنائها، وإن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى ~~بفنائها. فلما أتى الكتاب إلى المهدي أخذ الكتاب فقبله ثم أمر بهدم الدار ~~فأتى أهل الدار أبا الحسن (عليه السلام) فسألوه أن يكتب إلى المهدي كتابا ~~في ثمن دارهم فكتب إليه أن أوضح لهم شيئا فأرضاهم. # أقول: والروايتان مشتملتان على استدلال لطيف، وكان أبو جعفر المنصور كان ~~هو البادىء بتوسعة المسجد الحرام ثم تم الأمر للمهدي. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ولله على الناس حج ~~البيت "الخ"، يعني به الحج والعمرة جميعا لأنهما مفروضان. # أقول: ورواه العياشي في تفسيره، وقد فسر الحج فيه بمعناه اللغوي وهو القصد. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): ومن كفر قال: ترك. # أقول: ورواه الشيخ في التهذيب، وقد ms1250 عرفت أن الكفر ذو مراتب كالإيمان، وأن ~~المراد منه الكفر بالفروع. # وفي الكافي، عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في حديث قال: ~~قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا، ولكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة، والكفر في الرواية بمعنى الرد، ~~والآية تحتمله، فالكفر فيها بمعناه اللغوي وهو الستر على الحق، وعلى حسب ~~الموارد تتعين له مصاديق. ### |||| AUTO بحث تاريخي # من المتواتر المقطوع به أن الذي بنى الكعبة إبراهيم الخليل (عليه السلام) ~~وكان القاطنون حولها يومئذ ابنه إسماعيل وجرهم من قبائل اليمن وهي بناء ~~مربع تقريبا وزواياها الأربع إلى الجهات الأربع تتكسر عليها الرياح ولا ~~تضرها مهما اشتدت. # ما زالت الكعبة على بناء إبراهيم حتى جددها العمالقة ثم بنو جرهم أو ~~بالعكس كما مر في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام). # ثم لما آل أمر الكعبة إلى قصي بن كلاب أحد أجداد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) القرن الثاني قبل الهجرة هدمها وبناها فأحكم بناءها، وسقفها ~~بخشب الدوم وجذوع النخل وبنى إلى جانبها دار الندوة، وكان في هذه الدار ~~حكومته وشوراه مع أصحابه، ثم قسم جهات الكعبة بين طوائف قريش فبنوا دورهم ~~على المطاف حول الكعبة، وفتحوا عليه أبواب دورهم. # وقبل البعثة بخمس سنين هدم السيل الكعبة فاقتسمت الطوائف العمل لبنائها ~~وكان الذي يبنيها ياقوم الرومي، ويساعده عليه نجار مصري، ولما انتهوا إلى ~~وضع الحجر الأسود تنازعوا بينهم في أن أيها يختص بشرف وضعه فرأوا أن يحكموا ~~محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسنه إذ ذاك خمس وثلاثون سنة لما عرفوا ~~من وفور عقله وسداد رأيه، فطلب رداء ووضع عليه الحجر، وأمر القبائل فأمسكوا ~~بأطرافه ورفعوه حتى إذا وصل إلى مكانه من البناء في الركن الشرقي أخذه هو ~~فوضعه بيده في موضعه. PageV03P195 # وكانت النفقة قد بهظتهم فقصروا بناءها على ما هي عليه الآن وقد بقي بعض ~~ساحته خارج البناء من طرف الحجر حجر إسماعيل لاستصغارهم البناء. # وكان ms1251 البناء على هذا الحال حتى تسلط عبد الله بن الزبير على الحجاز في ~~عهد يزيد بن معاوية فحاربه الحصين قائد يزيد بمكة، وأصاب الكعبة بالمنجنيق ~~فانهدمت وأحرقت كسوتها وبعض أخشابها، ثم انكشف عنها لموت يزيد، فرأى ابن ~~الزبير أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها فأتى لها بالجص النقي من اليمن، وبناها ~~به وأدخل الحجر في البيت، وألصق الباب بالأرض، وجعل قبالته بابا آخر ليدخل ~~الناس من باب ويخرجوا من آخر، وجعل ارتفاع البيت سبعة وعشرين ذراعا ولما ~~فرغ من بنائها ضمخها بالمسك والعبير داخلا وخارجا، وكساها بالديباج، وكان ~~فراغه من بنائها 17 رجب سنة 64 هجرية. # ثم لما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة بعث الحجاج بن يوسف قائده فحارب ~~ابن الزبير حتى غلبه فقتله، ودخل البيت فأخبر عبد الملك بما أحدثه ابن ~~الزبير في الكعبة، فأمره بإرجاعها إلى شكلها الأول، فهدم الحجاج من جانبها ~~الشمالي ستة أذرع وشبرا، وبنى ذلك الجدار على أساس قريش، ورفع الباب الشرقي ~~وسد الغربي ثم كبس أرضها بالحجارة التي فضلت منها. # ولما تولى السلطان سليمان العثماني الملك سنة ستين وتسعمائة غير سقفها، ~~ولما تولى السلطان أحمد العثماني سنة إحدى وعشرين بعد الألف أحدث فيها ~~ترميما ولما حدث السيل العظيم سنة تسع وثلاثين بعد الألف هدم بعض حوائطها ~~الشمالية والشرقية والغربية فأمر السلطان مراد الرابع من ملوك آل عثمان ~~بترميمها ولم يزل على ذلك حتى اليوم وهو سنة ألف وثلاث مائة وخمس وسبعين ~~هجرية قمرية وسنة ألف وثلاثمائة وثمانية وثلاثين هجرية شمسية. # شكل الكعبة: # شكل الكعبة مربع تقريبا وهي مبنية بالحجارة الزرقاء الصلبة ويبلغ ~~ارتفاعها ستة عشر مترا، وقد كانت في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أخفض منه بكثير على ما يستفاد من حديث رفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عليا (عليه السلام) على عاتقه يوم الفتح لأخذ الأصنام التي كانت على الكعبة ~~وكسرها. # وطول الضلع الذي فيه الميزاب والذي قبالته عشرة أمتار وعشرة سانتي مترات، ~~وطول الضلع الذي فيه الباب والذي قبالته ms1252 اثنا عشر مترا، والباب على ارتفاع ~~مترين من الأرض، وفي الركن الذي على يسار الباب للداخل، الحجر الأسود على ~~ارتفاع متر ونصف من أرض المطاف، والحجر الأسود حجر ثقيل بيضي الشكل غير ~~منتظم لونه أسود ضارب إلى الحمرة، وفيه نقط حمراء، وتعاريج صفراء، وهي أثر ~~لحام القطع التي كانت تكسرت منه، قطرة نحو ثلاثين سانتي مترا. # وتسمى زوايا الكعبة من قديم أيامها بالأركان فيسمى الشمالي بالركن ~~العراقي، والغربي بالشامي والجنوبي باليماني، والشرقي الذي فيه الحجر ~~الأسود بالأسود، وتسمى المسافة التي بين الباب وركن الحجر بالملتزم لالتزام ~~الطائف إياه في دعائه واستغاثته، وأما الميزاب على الحائط الشمالي ويسمى ~~ميزاب الرحمة فمما أحدثه الحجاج بن يوسف ثم غيره السلطان سليمان سنة 954 ~~إلى ميزاب من الفضة ثم أبدله السلطان أحمد سنة 1021 بآخر من فضة منقوشة ~~بالميناء الزرقاء يتخللها نقوش ذهبية، ثم أرسل السلطان عبد المجيد من آل ~~عثمان سنة 1273 ميزابا من الذهب فنصب مكانه وهو الموجود الآن. # وقبالة الميزاب حائط قوسي يسمى بالحطيم، وهو قوس من البناء طرفاه إلى ~~زاويتي البيت الشمالية والغربية، ويبعدان عنهما مقدار مترين وثلاثة سانتي ~~مترات، ويبلغ ارتفاعه مترا، وسمكه مترا ونصف متر، وهو مبطن بالرخام ~~المنقوش، والمسافة بين منتصف هذا القوس من داخله إلى منتصف ضلع الكعبة ~~ثمانية أمتار وأربعة وأربعون سانتي مترا. # والفضاء الواقع بين الحطيم وبين حائط البيت هو المسمى بحجر إسماعيل، وقد ~~كان يدخل منه ثلاثة أمتار تقريبا في الكعبة في بناء إبراهيم، والباقي كان ~~زريبة لغنم هاجر وولدها، ويقال: إن هاجر وإسماعيل مدفونان في الحجر. # وأما تفصيل ما وقع في داخل البيت من تغيير وترميم، وما للبيت من السنن ~~والتشريفات فلا يهمنا التعرض له. # كسوة الكعبة: PageV03P196 # قد تقدم في ما نقلناه من الروايات في سورة البقرة في قصة هاجر وإسماعيل ~~ونزولهما أرض مكة أن هاجر علق كساءها على باب الكعبة بعد تمام بنائها. # وأما كسوة البيت نفسه فيقال: إن أول من كساها تبع أبو بكر أسعد كساها ~~بالبرود المطرزة بأسلاك الفضة، ms1253 وتبعه خلفاؤه ثم أخذ الناس يكسونها بأردية ~~مختلفة فيضعونها بعضها على بعض، وكلما بلي منها ثوب وضع عليها آخر إلى زمن ~~قصي، ووضع قصي على العرب رفادة لكسوتها سنويا واستمر ذلك في بنيه وكان أبو ~~ربيعة بن المغيرة يكسوها سنة وقبائل قريش سنة. # وقد كساها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالثياب اليمانية، وكان على ~~ذلك حتى إذا حج الخليفة العباسي المهدي شكى إليه سدنة الكعبة من تراكم ~~الأكسية على سطح الكعبة، وذكروا أنه يخشى سقوطه فأمر برفع تلك الأكسية، ~~وإبدالها بكسوة واحدة كل سنة، وجرى العمل على ذلك حتى اليوم، وللكعبة كسوة ~~من داخل، وأول من كساها من داخل أم العباس بن عبد المطلب لنذر نذرته في ~~ابنها العباس. # منزلة الكعبة: # كانت الكعبة مقدسة معظمة عند الأمم المختلفة فكانت الهنود يعظمونها، ~~ويقولون: إن روح "سيفا" وهو الأقنوم الثالث عندهم حلت في الحجر الأسود حين ~~زار مع زوجته بلاد الحجاز. # وكانت الصابئة من الفرس والكلدانيين يعدونها أحد البيوت السبعة المعظمة، ~~وربما قيل: إنه بيت زحل لقدم عهده وطول بقائه. # وكانت الفرس يحترمون الكعبة أيضا زاعمين أن روح هرمز حلت فيها، وربما ~~حجوا إليها زائرين. # وكانت اليهود يعظمونها ويعبدون الله فيها على دين إبراهيم، وكان بها صور ~~وتماثيل منها تمثال إبراهيم وإسماعيل، وبأيديهما الأزلام، ومنها صورتا ~~العذراء والمسيح، ويشهد ذلك على تعظيم النصارى لأمرها أيضا كاليهود. # وكانت العرب أيضا تعظمها كل التعظيم، وتعدها بيتا لله تعالى، وكانوا ~~يحجون إليها من كل جهة وهم يعدون البيت بناء لإبراهيم، والحج من دينه ~~الباقي بينهم بالتوارث. # ولاية الكعبة: # كانت الولاية على الكعبة لإسماعيل ثم لولده من بعده حتى تغلبت عليهم جرهم ~~فقبضوا بولايتها ثم ملكتها العماليق وهم طائفة من بني كركر بعد حروب وقعت ~~بينهم، وقد كانوا ينزلون أسفل مكة كما أن جرهم كانت تنزل أعلى مكة وفيهم ~~ملوكهم. # ثم كانت الدائرة لجرهم على العماليق فعادت الولاية إليهم فتولوها نحو من ~~ثلاثمائة سنة، وزادوا في بناء البيت ورفعته على ما كان في بناء إبراهيم. ms1254 # ثم لما نشأت ولد إسماعيل وكثروا وصاروا ذوي قوة ومنعة وضاقت بهم الدار ~~حاربوا جرهم فغلبوهم وأخرجوهم من مكة ومقدم الإسماعيليين يومئذ عمرو بن ~~لحي، وهو كبير خزاعة فاستولى على مكة وتولى أمر البيت، وهو الذي وضع ~~الأصنام على الكعبة ودعى الناس إلى عبادتها، وأول صنم وضعه عليها هو "هبل"، ~~حمله معه من الشام إلى مكة ووضعه عليها ثم أتبعه بغيره حتى كثرت وشاعت ~~عبادتها بين العرب، وهجرت الحنيفية. # وفي ذلك يقول شحنة بن خلف الجرهمي يخاطب عمرو بن لحي. # {يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة --- شتى بمكة حول البيت أنصابا} # {وكان للبيت رب واحد أبدا --- فقد جعلت له في الناس أربابا} # لتعرفن بأن الله في مهل. # سيصطفي دونكم للبيت حجابا. # وكانت الولاية في خزاعة إلى زمن حليل الخزاعي فجعلها حليل من بعده لابنته ~~وكانت تحت قصي بن كلاب، وجعل فتح الباب وغلقها لرجل من خزاعة يسمى أبا ~~غبشان الخزاعي فباعه أبو غبشان من قصي بن كلاب ببعير وزق خمر، وفي ذلك يضرب ~~المثل السائر "أخسر ممن صفقة أبي غبشان". # فانتقلت الولاية إلى قريش، وجدد قصي بناء البيت كما قدمناه وكان الأمر ~~على ذلك حتى فتح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة، ودخل الكعبة وأمر ~~بالصور والتماثيل فمحيت، وأمر بالأصنام فهدمت وكسرت، وقد كان مقام إبراهيم ~~وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم موضوعا بمعجن في جوار الكعبة ثم دفن ~~في محله الذي يعرف به الآن، وهو قبة قائمة على أربعة أعمدة يقصدها الطائفون ~~للصلاة. # وأخبار الكعبة وما يتعلق بها من المعاهد الدينية كثيرة طويلة الذيل ~~اقتصرنا منها على ما تمسه حاجة الباحث المتدبر في آيات الحج والكعبة. # ومن خواص هذا البيت الذي بارك الله فيه وجعله هدى أنه لم يختلف في شأنه ~~أحد من طوائف الإسلام. PageV03P197 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 98 - 101 # قل يأهل الكتب لم تكفرون بئايت الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل ~~يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله من ءامن تبغونها عوجا وأنتم ms1255 شهداء وما ~~الله بغفل عما تعملون (99) يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~ءايت الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صرط مستقيم (101) ### |||| AUTO بيان # الآيات كما ترى باتصال السياق تدل على أن أهل الكتاب فريق منهم وهم ~~اليهود أو فريق من اليهود كانوا يكفرون بآيات الله، ويصدون المؤمنين عن ~~سبيل الله بإراءته إياهم عوجا غير مستقيم، وتمثيل سبيل الضلال المعوج ~~المنحرف سبيلا لله، وذلك بإلقاء شبهات إلى المؤمنين يرون بها الحق باطلا، ~~والباطل الذي يدعونهم إليه حقا، والآيات السابقة تدل على ما انحرفوا فيه من ~~إنكار حلية كل الطعام قبل التوراة، وإنكار نسخ استقبال بيت المقدس، فهذه ~~الآيات متممات للآيات السابقة المتعرضة لحل الطعام قبل التوراة، وكون ~~الكعبة أول بيت وضع للناس فهي تشتمل على الإنكار والتوبيخ لليهود في ~~إلقائهم الشبهات وتفتينهم المؤمنين في دينهم، وتحذير للمؤمنين أن يطيعوهم ~~فيما يدعون إليه فيكفروا بالدين، وترغيب وتحريص لهم أن يعتصموا بالله ~~فيهتدوا إلى صراط الإيمان وتدوم هدايتهم. # وقد ورد عن زيد بن أسلم كما رواه السيوطي في لباب النقول، على ما قيل: أن ~~شاش بن قيس وكان يهوديا مر على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون فغاظه ما رأى ~~من تألفهم بعد العداوة فأمر شابا معه من اليهود أن يجلس بينهم فيذكرهم يوم ~~بعاث ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان. أوس بن قرظي من الأوس، وجبار ~~بن صخر من الخزرج فتقاولا وغضب الفريقان، وتواثبوا للقتال فبلغ ذلك رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم فسمعوا وأطاعوا ~~فأنزل الله في أوس وجبار: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا - من الذين ~~أوتوا الكتاب الآية، وفي شاش بن قيس: يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله الآية. # والرواية مختصرة مستخرجة مما رواه في الدر المنثور، عن زيد بن أسلم مفصلا ~~وروي ما يقرب منها عن ابن عباس وغيره. # وكيف كان، الآيات أقرب انطباقا ms1256 على ما ذكرنا منها على الرواية كما هو ~~ظاهر، على أن الآيات يذكر الكفر والإيمان، وشهادة اليهود، وتلاوة آيات الله ~~على المؤمنين، ونحو ذلك، وكل ذلك لما ذكرناه أنسب، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ~~"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم" الآية: البقرة - 109 فالحق كما ذكرنا أن الآيات متممة لسابقتها. # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله "الخ"، المراد ~~بالآيات بقرينة وحدة السياق حلية الطعام قبل نزول التوراة، وكون القبلة هي ~~الكعبة في الإسلام. # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله إلى قوله: عوجا، ~~الصد الصرف، وقوله: تبغونها أي تطلبون السبيل، وقوله: عوجا: العوج المعطوف ~~المحرف، والمراد طلب سبيل الله معوجا من غير استقامة. # قوله تعالى: وأنتم شهداء، أي تعلمون أن الطعام كان حلا قبل نزول التوراة ~~وأن من خصائص النبوة تحويل القبلة إلى الكعبة، وقد حاذى في عدهم شهداء في ~~هذه الآية ما في الآية السابقة من عد نفسه تعالى شهيدا على فعلهم وكفرهم، ~~وفيه من اللطف ما لا يخفى فهم شهداء على حقيقة ما ينكرونه والله شهيد على ~~إنكارهم وكفرهم. # ولما نسب الشهادة إليهم في هذه الآية أبدل ما ذيل به الآية السابقة أعني ~~قوله: والله شهيد على ما تعملون من قوله في ذيل هذه الآية. وما الله بغافل ~~عما تعملون فأفاد ذلك أنهم شهداء على الحقية، والله سبحانه شهيد على ~~الجميع. PageV03P198 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا - إلى قوله: - وفيكم رسوله، المراد ~~بالفريق كما تقدم هم اليهود أو فريق منهم، وقوله تعالى: وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله أي يمكنكم أن تعتصموا بالحق الذي يظهر لكم بالإنصات ~~إلى آيات الله والتدبر فيها ثم الرجوع فيما خفي عليكم منها لقلة التدبر أو ~~الرجوع ابتداء إلى رسوله الذي هو فيكم غير محتجب عنكم ولا بعيد عنكم، ~~واستظهار الحق بالرجوع إليه ثم إبطال شبهة ألقتها اليهود إليكم والتمسك ~~بآيات الله وبرسوله والاعتصام بهما اعتصام ms1257 بالله، ومن يعتصم بالله فقد هدي ~~إلى صراط مستقيم. # فالمراد بالكفر في قوله: وكيف تكفرون، الكفر بعد الإيمان، وقوله: وأنتم ~~تتلى عليكم، كناية من إمكان الاعتصام في الاجتناب عن الكفر بآيات الله ~~وبرسوله، وقوله: ومن يعتصم بالله، بمنزلة الكبرى الكلية لذلك والمراد ~~بالهداية إلى صراط مستقيم الاهتداء إلى إيمان ثابت وهو الصراط الذي لا ~~يختلف ولا يتخلف أمره، ويجمع سالكيه في مستواه ولا يدعهم يخرجون عن الطريق ~~فيضلوا. # وفي تحقيق الماضي في قوله: فقد هدي، مع حذف الفاعل دلالة على تحقق الفعل ~~من غير شعور بفاعله. # ويتبين من الآية أن الكتاب والسنة كافيان في الدلالة على كل حق يمكن أن ~~يضل فيه. PageV03P199 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 102 - 110 # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون (103) ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت ~~وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خلدون (107) تلك ءايت الله نتلوها عليك ~~بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين (108) ولله ما فى السموت وما فى الأرض ~~وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو ءامن أهل الكتب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفسقون (110) ### |||| AUTO بيان # الآيات من تتمة ما خاطب به المؤمنين بالتحذير من أهل الكتاب وتفتينهم، ~~وأن عندهم ما يمكنهم أن يعتصموا به فلا يضلوا ولا يسقطوا في حفر المهالك، ~~وهي مع ذلك كلام اعتقبه كلام، ولا تغير السياق السابق أعني أن التعرض لحال ~~أهل الكتاب لم ms1258 يختتم بعد، والدليل على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآيات: لن ~~يضروكم إلا أذى "الخ". # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، قد مر فيما مر أن ~~التقوى وهو نوع من الاحتراز إذا كان تقوى الله سبحانه كان تجنبا وتحرزا من ~~عذابه كما قال تعالى: "فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة": البقرة - ~~24، وذلك إنما يتحقق بالجري على ما يريده ويرتضيه فهو امتثال أوامره تعالى، ~~والانتهاء عن نواهيه، والشكر لنعمه، والصبر عند بلائه، ويرجع الأخيران ~~جميعا إلى الشكر بمعنى وضع الشيء موضعه وبالجملة تقوى الله سبحانه أن يطاع ~~ولا يعصى ويخضع له فيما أعطى أو منع. # لكنه إذا أخذ التقوى حق التقوى الذي لا يشوبه باطل فاسد من سنخه كان محض ~~العبودية التي لا تشوبها إنية وغفلة وهي الطاعة من غير معصية، والشكر من ~~غير كفر، والذكر من غير نسيان، وهو الإسلام الحق أعني الدرجة العليا من ~~درجاته، وعلى هذا يرجع معنى قوله: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون إلى نحو ~~قولنا: ودوموا على هذه الحال حق التقوى حتى تموتوا. # وهذا المعنى غير ما يستفاد من قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم": ~~التغابن - 16، فإن هذه الآية في معنى أن لا تذروا التقوى في شيء مما ~~تستطيعونه غير أن الاستطاعة تختلف باختلاف قوى الأشخاص وأفهامهم وهممهم، ~~ولا ريب أن حق التقوى بالمعنى الذي ذكرناه ليس في وسع كثير من الناس، فإن ~~في هذا المسير الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلا العالمون، ودقائق ~~ولطائف لا يتنبه لها إلا المخلصون، فرب مرحلة من مراحل التقوى لا يصدق ~~الفهم العامي بكونها مما تستطيعه النفس الإنسانية فيجزم بكونها غير مستطاعة ~~وإن كان أهل التقوى الحقة خلفوها وراء ظهورهم، وأقبلوا بهممهم على ما هو ~~أشق وأصعب. PageV03P200 # فقوله: فاتقوا الله ما استطعتم الآية كلام يتلقاه الأفهام المختلفة بمعان ~~مختلفة على حسب ما يطبقه كل فهم على ما يستطيعه صاحبه ثم يكون ذلك وسيلة ~~ليفهم من هذه الآية أعني قوله، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ms1259 إلا وأنتم ~~مسلمون أن المراد أن يقعوا في صراط حق التقوى، ويقصدوا نيل هذا المقام ~~والشخوص والمثول فيه، وذلك نظير الاهتداء إلى الصراط المستقيم الذي لا ~~يتمكن منه إلا الأوحديون، ومع ذلك يدعى إليه جميع الناس، فيكون محصل ~~الآيتين: اتقوا الله حق تقاته - فاتقوا الله ما استطعتم أن يندب جميع الناس ~~ويدعوا إلى حق التقوى ثم يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا، ~~وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلا أنهم في مراحل مختلفة، وعلى ~~درجات مختلفة على طبق ما عندهم من الأفهام والهمم، وعلى ما يفاض عليهم من ~~توفيق الله وتأييده وتسديده، فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيتين. # ومنه يظهر: أن الآيتين غير مختلفتين بحسب المضمون، ولا أن الآية الأولى ~~أعني قوله: اتقوا الله حق تقاته الآية، أريد بها عين ما أريد من قوله: ~~فاتقوا الله ما استطعتم الآية، بل الآية الأولى تدعو إلى المقصد والثانية ~~تبين كيفية السلوك. # قوله تعالى: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون الموت من الأمور التكوينية التي ~~هي خارجة عن حومة اختيارنا، ولذلك يكون الأمر والنهي المتعلقان به وبأمثاله ~~أمرا ونهيا تكوينيين كقوله: "فقال لهم الله موتوا": البقرة - 243، وقوله: ~~"أن يقول له كن فيكون": يس - 82، إلا أنه ربما يجعل الأمر غير الاختياري ~~مضافا إلى أمر اختياري فيتركبان بنحو وينسب المركب إلى الاختيار فيتأتى ~~الأمر والنهي الاعتباري حينئذ كقوله تعالى: "فلا تكونن من الممترين": ~~البقرة - 147، وقوله: "ولا تكن مع الكافرين": هود - 42، وقوله: "وكونوا مع ~~الصادقين": التوبة - 119، وغير ذلك، فإن أصل الكون لازم تكويني للإنسان لا ~~أثر لاختياره فيه لكنه بارتباطه بأمر اختياري كالامتراء والكفر والتزام ~~الصدق مثلا يعد أمرا اختياريا فيؤمر به وينهى عنه أمرا ونهيا مولويين. # وبالجملة النهي عن الموت إلا مع الإسلام إنما هو لمكان عده اختياريا ~~ويرجع بالأخرة إلى الكناية عن لزوم التزام الإسلام في جميع الحالات حتى يقع ~~الموت في واحدة من هذه الحالات، فيكون الميت مات في حال الإسلام. # قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ms1260 ذكر سبحانه فيما مر من ~~قوله: وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله ~~الآية أن التمسك بآيات الله وبرسوله الكتاب والسنة اعتصام بالله مأمون معه ~~المتمسك المعتصم، مضمون له الهدى، والتمسك بذيل الرسول تمسك بذيل الكتاب ~~فإن الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا: الحشر - 7. # وقد بدل في هذه الآية الاعتصام المندوب إليه في تلك الآية بالاعتصام بحبل ~~الله فأنتج ذلك أن حبل الله هو الكتاب المنزل من عند الله، وهو الذي يصل ما ~~بين العبد والرب ويربط السماء بالأرض، وإن شئت قلت: إن حبل الله هو القرآن ~~والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد عرفت أن مآل الجميع واحد. # والقرآن وإن لم يدع إلا إلى حق التقوى والإسلام الثابت لكن غرض هذه الآية ~~غير غرض الآية السابقة الآمرة بحق التقوى والموت على الإسلام فإن الآية ~~السابقة تتعرض لحكم الفرد، وهذه الآية تتعرض لحكم الجماعة المجتمعة والدليل ~~عليه قوله: "جميعا" وقوله: "ولا تفرقوا فالآيات تأمر المجتمع الإسلامي ~~بالاعتصام بالكتاب والسنة كما تأمر الفرد بذلك. # قوله تعالى: "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا" جملة إذ كنتم، بيان لما ذكر من النعمة، وعليه يعطف ~~قوله: "وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. # والأمر بذكر هذه النعمة مبني على ما عليه دأب القرآن أن يضع تعليمه على ~~بيان العلل والأسباب، ويدعو إلى الخير والهدى من وجهه من غير أن يأمر ~~بالتقليد العامي المعمي، وحاشا التعليم الإلهي أن يهدي الناس إلى السعادة ~~وهي العلم النافع والعمل الصالح ثم يأمر بالوقوع في تيه التقليد وظلمة الجهل. PageV03P201 # لكن يجب أن لا يشتبه الأمر ولا يختلط الحال على المتدبر الباحث، فالله ~~سبحانه يعلم الناس حقيقة سعادتهم، ويعلم الوجه فيها ليتبصروا بارتباط ~~الحقائق بعضها ببعض، وأن الجميع فائضة من منبع التوحيد مع وجوب إسلامهم لله ~~لأنه الله رب العالمين واعتصامهم بحبله لأنه حبل الله رب العالمين ms1261 كما ~~يومىء إليه ما في آخر الآيات من قوله: تلك آيات الله نتلوها عليك، الآيتان. # وبالجملة هو أمرهم أن لا يقبلوا قولا، ولا يطيعوا أمرا إلا عن علم بوجهه، ~~ثم أمرهم بالتسليم المطلق لنفسه وبين وجهه أنه هو الله الذي يملكهم على ~~الإطلاق فليس لهم إلا ما أراده فيهم وتصرف فيه منهم، وأمرهم بالطاعة ~~المطلقة لما يبلغه رسوله وبين وجهه بأنه رسول لا شأن له إلا البلاغ، ثم ~~يكلمهم بحقائق المعارف، وبيان طرق السعادة، وبين الوجه العام في جميع ذلك ~~ليهتدوا إلى روابط المعارف وطرق السعادة فيتحققوا أصل التوحيد، وليتأدبوا ~~بهذا الأدب الإلهي فيتسلطوا على سبيل التفكر الصحيح، ويعرفوا طريق التكلم ~~الحق فيكونوا أحياء بالعلم أحرارا من التقليد، ونتيجة ذلك أنهم لو عرفوا ~~وجه الأمر في شيء من المعارف الثابتة الدينية أو ما يلحق بها أخذوا به، ولو ~~لم يعرفوا وقفوا عن الرد ورجعوا نيله بالبحث والتدبر من غير رد أو اعتراض ~~بعد ثبوته. # وهذا غير أن يقال: إن الدين موضوع على أن لا يقبل شيء حتى من الله ورسوله ~~إلا عن دليل فإن ذلك من أسفه الرأي وأردإ القول، ومرجعه إلى أن الله يريد ~~من عباده أن يطالبوا الدليل بعد وجوده فإن ربوبيته وملكه أصل كل دليل على ~~وجوب التسليم ونفوذ الحكم. # ورسالة رسوله هو الدليل على أن ما يؤديه عن الله سبحانه فافهم ذلك، أو ~~مرجعه إلى إلغاء ربوبيته فيما يتصرف فيه بربوبيته وليس إلا التناقض، ~~والحاصل أن المسلك الإسلامي والطريق النبوي ليس إلا الدعوة إلى العلم دون ~~التقليد على ما يزعمه هؤلاء المقلدة المتسمون بالناقدين. # ولعل الوجه في ذكر أن هذا المذكور نعمة نعمة الله عليكم هو الإشارة إلى ~~ما ذكرناه أي إن الدليل على ما ندبناكم إليه من الاتحاد والاجتماع هو ما ~~شاهدتموه من مرارة العداوة وحلاوة المحبة والألفة والأخوة والإشراف على ~~حفرة النار والتخلص منها، وإنما نذكركم بهذا الدليل لا لأن علينا أن نؤيد ~~قولنا بما لولاه لم يكن حقا فإنما قولنا حق سواء دللنا ms1262 عليه أو لا، بل لأن ~~تعلموا أن ذلك نعمة منا عليكم فتعرفوا أن في هذا الاجتماع كسائر ما نندبكم ~~إليه سعادتكم وراحتكم ومفازتكم. # وما ذكره تعالى من الدليلين أحدهما وهو قوله: إذ كنتم أعداء، مبتن على ~~أصل التجربة، والثاني وهو قوله: وكنتم على شفا حفرة، على طريقة البيان ~~العقلي كما هو ظاهر. # وفي قوله: فأصبحتم بنعمته إخوانا تكرار للامتنان الذي يدل عليه قوله: ~~واذكروا نعمة الله عليكم، والمراد بالنعمة هو التأليف فالمراد بالأخوة التي ~~توجده وتحققه هذه النعمة أيضا تألف القلوب فالأخوة هاهنا حقيقة ادعائية. # ويمكن أن يكون إشارة إلى ما يشتمل عليه قوله: "إنما المؤمنون إخوة" ~~الآية: الحجرات - 10، من تشريع الأخوة بينهم فإن بين المؤمنين أخوة مشرعة ~~تتعلق بها حقوق هامة. # قوله تعالى: وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، شفا الحفرة طرفها ~~الذي يشرف على السقوط فيها من كان به. # والمراد من النار إن كان نار الآخرة فالمراد بكونهم على شفا حفرتها أنهم ~~كانوا كافرين ليس بينهم وبين الوقوع فيها إلا الموت الذي هو أقرب إلى ~~الإنسان من سواد العين إلى بياضها فأنقذهم الله منها بالإيمان. # وإن كان المراد بيان حالهم في مجتمعهم الفاسد الذي كانوا فيه قبل إيمانهم ~~وتألف قلوبهم، وكان المراد بالنار هي الحروب والمنازعات - وهو من ~~الاستعمالات الشائعة بطريق الاستعارة - فالمقصود أن المجتمع الذي بني على ~~تشتت القلوب واختلاف المقاصد والأهواء، ولا محالة لا يسير مثل هذا المجتمع ~~بدليل واحد يهديهم إلى غاية واحدة بل بأدلة شتى تختلف باختلاف الميول ~~الشخصية والتحكمات الفردية اللاغية التي تهديهم إلى أشد الخلاف والاختلاف - ~~يشرفهم إلى أردإ التنازع، ويهددهم دائما بالقتال والنزال، ويعدهم الفناء ~~والزوال، وهي النار التي لا تبقى ولا تذر على حفرة الجهالة التي لا منجا ~~ولا مخلص للساقط فيها. PageV03P202 # فهؤلاء هم طائفة من المسلمين كانوا آمنوا قبل نزول الآية بعد كفرهم، وهم ~~المخاطبون الأقربون بهذه الآيات لم يكونوا يعيشون مدى حيوتهم قبل الإسلام ~~إلا في حال تهددهم الحروب والمقاتلات آنا بعد آن، فلا أمن ولا ms1263 راحة ولا ~~فراغ، ولم يكونوا يفقهون ما حقيقة الأمن العام الذي يعم المجتمع بجميع ~~جهاتها من جاه ومال وعرض ونفس وغير ذلك. # ثم لما اجتمعوا على الاعتصام بحبل الله، ولاحت لهم آيات السعادة، وذاقوا ~~شيئا من حلاوة النعم وجدوا صدق ما يذكرهم به الله من هنيء النعمة ولذيذ ~~السعادة فكان الخطاب أوقع في نفوسهم ونفوس غيرهم. # ولذلك بني الكلام ووضعت الدعوة على أساس المشاهدة والوجدان دون مجرد ~~التقدير والفرض فليس العيان كالبيان، ولا التجارب كالفرض والتقدير، ولذلك ~~بعينه أشار في التحذير الآتي في قوله: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~"الخ" إلى حال من قبلهم فإن مآل حالهم بمرأى ومسمع من المؤمنين فعليهم أن ~~يعتبروا بهم وبما آل إليه أمرهم فلا يجروا مجراهم ولا يسلكوا مسلكهم. # ثم نبههم الله على خصوصية هذا البيان فقال: كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تهتدون. # قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر "الخ"، التجربة القطعية تدل على أن المعلومات التي يهيئها الإنسان ~~لنفسه في حياته - ولا يهيىء ولا يدخر لنفسه إلا ما ينتفع به - من أي طريق ~~هيأها وبأي وجه ادخرها تزول عنه إذا لم يذكرها ولم يدم على تكرارها بالعمل، ~~ولا نشك أن العمل في جميع شئونه يدور مدار العلم يقوى بقوته، ويضعف بضعفه ~~ويصلح بصلاحه، ويفسد بفساده، وقد مثل الله سبحانه حالهما في قوله: "البلد ~~الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا،" الآية: الأعراف - 58. # ولا نشك أن العلم والعمل متعاكسان في التأثير فالعلم أقوى داع إلى العمل ~~والعمل الواقع المشهود أقوى معلم يعلم الإنسان. # وهذا الذي ذكر هو الذي يدعو المجتمع الصالح الذي عندهم العلم النافع ~~والعمل الصالح أن يتحفظوا على معرفتهم وثقافتهم، وأن يردوا المتخلف عن طريق ~~الخير المعروف عندهم إليه، وأن لا يدعوا المائل عن طريق الخير المعروف وهو ~~الواقع في مهبط الشر المنكر عندهم أن يقع في مهلكة الشر وينهوه عنه. # وهذه هي الدعوة بالتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ms1264 وهي التي ~~يذكرها الله في هذه الآية بقوله: يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر. # ومن هنا يظهر السر في تعبيره تعالى عن الخير والشر بالمعروف والمنكر فإن ~~الكلام مبني على ما في الآية السابقة من قوله: واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا الخ. # ومن المعلوم أن المجتمع الذي هذا شأنه يكون المعروف فيه هو الخير، ~~والمنكر فيه هو الشر، ولو لا العبرة بهذه النكتة لكان الوجه في تسمية الخير ~~والشر بالمعروف والمنكر كون الخير والشر معروفا ومنكرا بحسب نظر الدين لا ~~بحسب العمل الخارجي. # وأما قوله: "ولتكن منكم أمة، فقد قيل: "إن" من للتبعيض بناء على أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وكذا الدعوة من الواجبات الكفائية. # وربما قيل: إن "من" بيانية والمراد منه ولتكونوا بهذا الاجتماع الصالح ~~أمة يدعون إلى الخير فيجري الكلام على هذا مجرى قولنا: ليكن لي منك صديق أي ~~كن صديقا لي. # والظاهر أن المراد بكون "من" بيانية كونها نشوئية ابتدائية. # والذي ينبغي أن يقال: أن البحث في كون من تبعيضية أو بيانية لا يرجع إلى ~~ثمرة محصلة فإن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لو وجبت ~~لكانت بحسب طبعها واجبات كفائية إذ لا معنى للدعوة والأمر والنهي المذكورات ~~بعد حصول الغرض فلو فرضت الأمة بأجمعهم داعية إلى الخير آمرة بالمعروف ~~ناهية عن المنكر كان معناه أن فيهم من يقوم بهذه الوظائف فالأمر قائم ~~بالبعض على أي حال، والخطاب إن كان للبعض فهو ذاك، وإن كان للكل كان أيضا ~~باعتبار البعض، وبعبارة أخرى المسئول بها الكل والمثاب بها البعض، ولذلك ~~عقبه بقوله: وأولئك هم المفلحون فالظاهر أن من تبعيضية، وهو الظاهر من مثل ~~هذا التركيب في لسان المحاورين ولا يصار إلى غيره إلا بدليل. PageV03P203 # واعلم أن هذه الموضوعات الثلاثة أعني الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ذوات أبحاث تفسيرية طويلة عميقة سنتعرض لها في موضع آخر يناسبها إن ~~شاء الله تعالى. # وكذا ما يتعلق بها من الأبحاث العلمية والنفسية والاجتماعية. # قوله تعالى: ولا ms1265 تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات. # لا يبعد أن يكون قوله: من بعد ما جاءهم البينات متعلقا بقوله: واختلفوا ~~فقط وحينئذ كان المراد بالاختلاف التفرق من حيث الاعتقاد وبالتفرق الاختلاف ~~والتشتت من حيث الأبدان وقدم التفرق على الاختلاف لأنه كالمقدمة المؤدية ~~إليه لأن القوم مهما كانوا مجتمعين متواصلين اتصلت عقائد بعضهم ببعض واتحدت ~~بالتماس والتفاعل، وحفظهم ذلك من الاختلاف فإذا تفرقوا وانقطع بعضهم عن بعض ~~أداهم ذلك إلى اختلاف المشارب والمسالك، ولم يلبثوا دون أن يستقل أفكارهم ~~وآراؤهم بعضها عن بعض، وبرز فيهم الفرقة، وانشق عصا الوحدة فكأنه تعالى ~~يقول: ولا تكونوا كالذين تفرقوا بالأبدان أولا، وخرجوا من الجماعة، وأفضاهم ~~ذلك إلى اختلاف العقائد والآراء أخيرا. # وقد نسب تعالى هذا الاختلاف في موارد من كلامه إلى البغي. # قال تعالى: "وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم": البقرة - 213، مع أن ظهور الاختلاف في العقائد والآراء ضروري ~~بين الأفراد لاختلاف الأفهام لكن كما أن ظهور هذا الاختلاف ضروري كذلك دفع ~~الاجتماع لذلك، ورده المختلفين إلى ساحة الاتحاد أيضا ضروري فرفع الاختلاف ~~ممكن مقدور بالواسطة، وإعراض الأمة عن ذلك بغي منهم، وإلقاء لأنفسهم في ~~تهلكة الاختلاف. # وقد أكد القرآن الدعوة إلى الاتحاد، وبالغ في النهي عن الاختلاف، وليس ~~ذلك إلا لما كان يتفرس من أمر هذه الأمة، أنهم سيختلفون كالذين من قبلهم بل ~~يزيدون عليهم في ذلك، وقد تقدم مرارا أن من دأب القرآن أنه إذا بالغ في ~~التحذير عن شيء والنهي عن اقترافه كان ذلك آية وقوعه وارتكابه، وهذا أمر ~~أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا كما أخبر به القرآن، وأن ~~الاختلاف سيدب في أمته ثم يظهر في صورة الفرق المتنوعة، وأن أمته ستختلف ~~كما اختلفت اليهود والنصارى من قبل وسيجيء الرواية في البحث الروائي. # وقد صدق جريان الحوادث هذه الملحمة القرآنية فلم تلبث الأمة بعد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن تفرقوا شذر مدر، واختلفوا في ms1266 مذاهب ~~شتى بعضهم يكفر بعضا من لدن عصر الصحابة إلى يومنا هذا، وكلما رام أحد أن ~~يوفق بين مختلفين منها أولد ذلك مذهبا ثالثا. # والذي يهدينا إليه البحث بالتحليل والتجزية أن أصل هذا الاختلاف ينتهي ~~إلى المنافقين الذين يغلظ القرآن القول فيهم وعليهم ويستعظم مكرهم وكيدهم ~~فإنك لو تدبرت ما يذكره الله تعالى في حقهم في سور البقرة والتوبة والأحزاب ~~والمنافقين وغيرها لرأيت عجبا، وكان هذا حالهم في عهد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ولما ينقطع الوحي ثم لما توفاه الله غاب ذكرهم وسكنت ~~أجراسهم دفعة. # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا. # أنيس ولم يسمر بمكة سامر. # ولم يلبث الناس دون أن وجدوا أنفسهم وقد تفرقوا أيادي سبإ، وباعدت بينهم ~~شتى المذاهب، واستعبدتهم حكومات التحكم والاستبداد، وأبدلوا سعادة الحيوة ~~بشقاء الضلال والغي. # والله المستعان، والمرجو من فضل الله أن يوفقنا لاستيفاء هذا البحث في ~~تفسير سورة البراءة إن شاء الله. # قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه إلى آخر الآيتين، لما كان المقام ~~مقام الكفر بالنعمة وهو نظير الخيانة مما يوجب خسة الانفعال والخجل ذكر ~~سبحانه من بين أنواع عذاب الآخرة ما يناسبها بحسب التمثيل وهو سواد الوجه ~~الذي يكنى به في الدنيا عن الانفعال والخجل ونحوهما كما يشعر أو يدل على ~~ذلك قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم. # وكذا ذكر من ثواب الشاكرين لهذه النعمة ما يناسب الشكر وهو بياض الوجه ~~المكنى به في الدنيا عن الارتضاء والرضا. PageV03P204 # قوله تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، الظرف متعلق بقوله: نتلوها، ~~والمراد كون التلاوة تلاوة حق من غير أن يكون باطلا شيطانيا، أو متعلق ~~بالآيات باستشمام معنى الوصف فيه أو مستقر متعلق بمقدر، والمعنى أن هذه ~~الآيات الكاشفة عن ما يصنع الله بالطائفتين: الكافرين والشاكرين مصاحبة ~~للحق من غير أن تجري على نحو الباطل والظلم، وهذا الوجه أوفق لما يتعقبه من ~~قوله: وما الله يريد ظلما. # قوله تعالى: وما الله يريد ظلما للعالمين، تنكير ms1267 الظلم وهو في سياق النفي ~~يفيد الاستغراق، وظاهر قوله: للعالمين وهو جمع محلى باللام أن يفيد ~~الاستغراق، والمعنى على هذا أن الله لا يريد ظلما أي ظلم فرض لجميع ~~العالمين، وكافة الجماعات، وهو كذلك فإنما التفرق بين الناس أمر يعود أثره ~~المشئوم إلى جميع العالمين وكافة الناس. # قوله تعالى: ولله ما في السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور، لما ذكر ~~أن الله لا يريد الظلم علل ذلك بما يزول معه توهم صدور الظلم فذكر أن الله ~~تعالى يملك جميع الأشياء من جميع الجهات فله أن يتصرف فيها كيف يشاء فلا ~~يتصور في حقه التصرف فيما لا يملكه حتى يكون ظلما وتعديا. # على أن الشخص إنما ينحو الظلم إذا كان له حاجة لا يتمكن من رفعها إلا ~~بالتعدي على ما لا يملكه، والله الغني الذي له ما في السماوات والأرض هذا ~~ما قرره بعضهم لكنه لا يلائم ظاهر الآية فإن هذا الجواب يبتني بالحقيقة على ~~غناه تعالى دون ملكه، والمذكور في الآية هو الملك دون الغنى، وكيف كان ~~فملكه دليل أنه تعالى ليس بظالم. # وهناك دليل آخر وهو أن مرجع جميع الأمور أيا ما كانت إليه تعالى فليس ~~لغيره تعالى من الأمر شيء حتى يسلبه الله عنه وينتزعه من يده ويجري فيه ~~إرادة نفسه فيكون بذلك ظالما، وهذا هو الذي يشير إليه قوله: وإلى الله ترجع ~~الأمور. # والوجهان كما ترى متلازمان أحدهما مبني على أن كل شيء له تعالى والثاني ~~مبني على أن شيئا من الأمور ليس لغيره تعالى. # قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس، المراد بإخراج الأمة للناس والله ~~أعلم إظهارها لهم، ومزية هذه اللفظة الإخراج أن فيها إشعارا بالحدوث ~~والتكون قال تعالى: "الذي أخرج المرعى": الأعلى - 4، والخطاب للمؤمنين ~~فيكون قرينة على أن المراد بالناس عامة البشر والفعل أعني قوله: كنتم منسلخ ~~عن الزمان - على ما قيل - والأمة إنما تطلق على الجماعة والفرد لكونهم ذوي ~~هدف ومقصد يؤمرونه ويقصدونه، وذكر الإيمان بالله بعد الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر من ms1268 قبيل ذكر الكل بعد الجزء أو الأصل بعد الفرع. # فمعنى الآية أنكم معاشر المسلمين خير أمة أظهرها الله للناس بهدايتها ~~لأنكم على الجماعة تؤمنون بالله وتأتون بفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ومن المعلوم أن انبساط هذا التشريف على جميع الأمة لكون البعض ~~متصفين بحقيقة الإيمان والقيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا ~~محصل ما ذكروه في المقام. # والظاهر والله أعلم أن قوله: كنتم غير منسلخ عن الزمان والآية تمدح حال ~~المؤمنين في أول ظهور الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ~~والمراد بالإيمان هو الإيمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وعدم ~~التفرق فيه في مقابل الكفر به على ما يدل عليه قوله قبل: أكفرتم بعد ~~إيمانكم الآية، وكذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضا فيئول المعنى إلى ~~أنكم معاشر أمة الإسلام كنتم في أول ما تكونتم وظهرتم للناس خير أمة ظهرت ~~لكونكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتعتصمون بحبل الله متفقين متحدين ~~كنفس واحدة، ولو كان أهل الكتاب على هذا الوصف أيضا لكان خيرا لهم لكنهم ~~اختلفوا منهم أمة مؤمنون وأكثرهم فاسقون. # واعلم أن في الآيات موارد من التفات من الغيبة إلى الخطاب ومن خطاب الجمع ~~إلى خطاب المفرد وبالعكس، وفيها موارد من وضع الظاهر موضع الضمير كتكرر لفظ ~~الجلالة في عدة مواضع، والنكتة في الجميع ظاهرة للمتأمل. ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، وتفسير العياشي، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: اتقوا الله حق تقاته قال يطاع فلا يعصى، ويذكر ~~فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. PageV03P205 # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اتقوا الله حق تقاته أن يطاع فلا ~~يعصى، ويذكر فلا ينسى. # وفيه، أخرج الخطيب عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه ms1269 ~~لم يكن ليصيبه. # أقول: قد مر في البيان المتقدم كيفية استفادة معنى الحديثين الأولين من ~~الآية، وأما الحديث الثالث فإنما هو تفسير بلازم المعنى، وهو ظاهر. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن تفسير وكيع، عن عبد خير قال: سألت ~~علي بن أبي طالب عن قوله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال: ~~والله ما عمل بها غير بيت رسول الله نحن ذكرناه فلا ننساه، ونحن شكرناه فلن ~~نكفره، ونحن أطعناه فلم نعصه. فلما نزلت هذه الآية قال الصحابة لا نطيق ذلك ~~فأنزل الله: فاتقوا الله ما استطعتم قال وكيع: ما أطقتم الحديث. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله: اتقوا الله حق تقاته، قال: منسوخة، قلت وما نسختها؟ قال: قول ~~الله: فاتقوا الله ما استطعتم. # أقول: ويستفاد من رواية وكيع أن المراد بالنسخ في رواية العياشي بيان ~~مراتب التقوى، وأما النسخ بمعناه المصطلح كما نقل عن بعض المفسرين فهو معنى ~~يرده ظاهر الكتاب. # وفي المجمع، عن الصادق (عليه السلام): في الآية: وأنتم مسلمون بالتشديد. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا الآية: أخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم ~~فتمسكوا به فإنكم لن تزالوا ولن تضلوا بعده أبدا. # وفي المعاني، عن السجاد (عليه السلام) في حديث: وحبل الله هو القرآن. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخرى من طرق الفريقين. # وفي تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): آل محمد هم حبل الله الذي ~~أمر بالاعتصام به فقال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر، وقد تقدم في البيان ما يتأيد به ~~معناها، ms1270 ويؤيدها أيضا ما يأتي من الروايات. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إني لكم فرط، وإنكم واردون علي الحوض فانظروا كيف ~~تخلفوني في الثقلين؟ قيل: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر كتاب الله ~~عز وجل سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به لن تزالوا ولن تضلوا، ~~والأصغر عترتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وسألت لهما ذاك ربي ~~فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم. # أقول: وحديث الثقلين من المتواترات التي أجمع على روايتها الفريقان، وقد ~~تقدم في أول السورة أن بعض علماء الحديث أنهى رواته من الصحابة إلى خمس ~~وثلاثين راويا من الرجال والنساء، وقد رواه عنهم جم غفير من الرواة وأهل ~~الحديث. PageV03P206 # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن، أنس ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): افترقت بنو إسرائيل على ~~إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار ~~إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة، ثم قال: ~~اعتصموا بحبل الله جميعا: أقول: والرواية أيضا من المشهورات، وقد روتها ~~الشيعة بنحو آخر كما في الخصال، والمعاني، والاحتجاج، والأمالي، وكتاب سليم ~~بن قيس، وتفسير العياشي، واللفظ كما في الخصال، بإسناده إلى سليمان بن ~~مهران عن جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن أمة موسى افترقت بعده على ~~إحدى وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، وسبعون في النار، وافترقت أمة عيسى ~~بعده على اثنتين وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، وإحدى وسبعون في النار، وإن ~~أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، واثنتان وسبعون ~~في النار. # أقول: وهي الموافقة لما يأتي. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن ~~أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ms1271 وآله وسلم): افترقت اليهود ~~على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة. # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق أخرى عن معاوية وغيره. # وفيه، أخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو ~~كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي مثله إن بني إسرائيل افترقوا على ~~إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة ~~واحدة، فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي. # أقول وعن جامع الأصول، لابن الأثير عن الترمذي عن ابن عمرو بن العاص عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مثله وفي كمال الدين، بإسناده عن غياث بن ~~إبراهيم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): كل ما كان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثله ~~حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة. # وفي تفسير القمي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لتركبن سنة من كان ~~قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ، شبر ~~بشبر، وذراع بذراع، وباع بباع، حتى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضب ~~لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى تعني يا رسول الله؟ قال: فمن أعني؟ ~~لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فيكون أول ما تنقضون من دينكم الأمانة، وآخره ~~الصلوة. # وعن جامع الأصول، فيما استخرجه من الصحاح، وعن صحيح الترمذي، عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان ~~قبلكم وزاد رزين حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى إن كان فيهم من أتى ~~أمه يكون فيكم فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟. # أقول: وهذه الرواية أيضا من المشهورات، رواها أهل السنة في صحاحهم ~~وغيرهم، وروتها الشيعة في جوامعهم. # وفي الصحيحين، عن أنس: أن رسول الله (صلى الله عليه ms1272 وآله وسلم) قال: ~~ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا اختلجوا دوني، فلأقولن: أي ~~رب أصحابي فليقالن إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. # وفي الصحيحين، أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال من أمتي فيحلئون عن الحوض ~~فأقول: يا رب أصحابي فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك ارتدوا على أعقابهم ~~القهقرى فيحلئون. # أقول: وهذا الحديث أيضا من المشهورات، رواها الفريقان في صحاحهم وجوامعهم ~~عن عدة من الصحابة كابن مسعود وأنس وسهل بن ساعد وأبي هريرة وأبي سعيد ~~الخدري وعائشة وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر وغيرهم وعن بعض أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام). # والروايات على كثرتها وتفننها تصدق ما استفدناه من ظاهر الآيات الكريمة، ~~وتوالي الحوادث والفتن يصدق الروايات. PageV03P207 # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من ~~عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته ميتة جاهلية. # أقول: والرواية أيضا من المشهورات مضمونا، وقد روى الفريقان عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه قال: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة ~~جاهلية. # وعن جامع الأصول، من الترمذي وسنن أبي داود عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا تزال طائفة من أمتي على الحق. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: أكفرتم بعد إيمانكم الآية: عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): هم أهل البدع والأهواء والآراء الباطلة من هذه الأمة. # وفيه، وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~الآية: عن أبي عمرو الزبيري عن الصادق (عليه السلام) قال: يعني الأمة التي ~~وجبت لها دعوة إبراهيم، وهم الأمة التي بعث الله فيها ومنها وإليها، وهم ~~الأمة الوسطى، وهم خير أمة أخرجت للناس. # أقول: وقد مر الكلام في توضيح معنى الرواية في تفسير قوله تعالى: "ومن ~~ذريتنا أمة ms1273 مسلمة لك": البقرة - 128. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر: كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس قال: أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج أحمد بسند حسن عن علي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح ~~الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم. PageV03P208 ### ||| AUTO 3 سورة آل عمران - 111 - 120 # لن يضروكم إلا أذى وإن يقتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءو بغضب من ~~الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بئايت الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) * ليسوا سواء من أهل ~~الكتب أمة قائمة يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله ~~واليوم الاخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون فى الخيرت وأولئك ~~من الصلحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) ~~إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا وأولئك أصحب ~~النار هم فيها خلدون (116) مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح ~~فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون (117) يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفوههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا ~~لكم الايت إن كنتم تعقلون (118) هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون ~~بالكتب كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ~~قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما ~~يعملون محيط (120) ### |||| AUTO بيان # الآيات الكريمة - كما ترى - تنعطف إلى ما كان الكلام فيه قبل من التعرض ~~لحال أهل الكتاب وخاصة اليهود في كفرهم بآيات الله وإغوائهم ms1274 أنفسهم، وصدهم ~~المؤمنين عن سبيل الله، وإنما كانت الآيات العشر المتقدمة من قبيل الكلام ~~في طي الكلام، فاتصال الآيات على حاله. # قوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى "الخ" الأذى ما يصل إلى الحيوان من الضرر: ~~إما في نفسه أو جسمه أو تبعاته دنيويا كان أو أخرويا على ما ذكره الراغب ~~مفردات القرآن. # قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس، الذلة بناء نوع من الذل، والذل بالضم ما كان عن قهر، وبالكسر ما كان ~~عن تصعب وشماس على ما ذكره الراغب، ومعناه العام حال الانكسار والمطاوعة، ~~ويقابله العز وهو الامتناع. # وقوله: ثقفوا أي وجدوا، والحبل السبب الذي يوجب التمسك به العصمة، وقد ~~استعير لكل ما يوجب نوعا من الأمن والعصمة والوقاية كالعهد والذمة والأمان، ~~والمراد والله أعلم: أن الذلة مضروبة عليهم كضرب السكة على الفاز أو كضرب ~~الخيمة على الإنسان فهم مكتوب عليهم أو مسلط عليهم الذلة إلا بحبل وسبب من ~~الله، وحبل وسبب من الناس. # وقد كرر لفظ الحبل بإضافته إلى الله وإلى الناس لاختلاف المعنى بالإضافة ~~فإنه من الله القضاء والحكم تكوينا أو تشريعا، ومن الناس البناء والعمل. # والمراد بضرب الذلة عليهم القضاء التشريعي بذلتهم، والدليل على ذلك قوله: ~~أينما ثقفوا فإن ظاهر معناه أينما وجدهم المؤمنون أي تسلطوا عليهم، وهو ~~إنما يناسب الذلة التشريعية التي من آثارها الجزية. # فيئول معنى الآية إلى أنهم أذلاء بحسب حكم الشرع الإسلامي إلا أن يدخلوا ~~تحت الذمة أو أمان من الناس بنحو من الأنحاء. # وظاهر بعض المفسرين أن قوله: ضربت عليهم الذلة، ليس في مقام تشريع الحكم ~~بل إخبار عن ما جرى عليه أمرهم بقضاء من الله وقدر فإن الإسلام أدرك اليهود ~~وهم يؤدون الجزية إلى المجوس، وبعض شعبهم كانوا تحت سلطة النصارى. PageV03P209 # وهذا المعنى لا بأس به وربما أيده ذيل الكلام إلى آخر الآية فإنه ظاهر في ~~أن السبب في ضرب الذلة والمسكنة عليهم ما كسبته أيديهم من الكفر بآيات ~~الله، وقتل الأنبياء، ms1275 والاعتداء المستمر إلا أن لازم هذا المعنى اختصاص ~~الكلام في الآية باليهود ولا مخصص ظاهرا، وسيجيء في ذلك كلام في تفسير قوله ~~تعالى: "وألقينا بينهم العداوة والبغضاء": المائدة - 64. # قوله تعالى: وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة، باءوا أي اتخذوا ~~مباءة ومكانا، أو رجعوا، والمسكنة أشد الفقر، والظاهر أن المسكنة أن لا يجد ~~الإنسان سبيلا إلى النجاة والخلاص عما يهدده من فقر أو أي عدم، وعلى هذا ~~فيتلاءم معنى الآية صدرا وذيلا. # قوله تعالى: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والمعنى أنهم عصوا وكانوا قبل ~~ذلك يستمرون على الاعتداء. # قوله تعالى: ليسوا سواء - إلى قوله: - بالمتقين السواء مصدر أريد به معنى ~~الوصف أي ليسوا مستوين في الوصف والحكم فإن منهم أمة قائمة يتلون آيات الله ~~"الخ"، ومن هنا يظهر أن قوله: من أهل الكتاب "الخ" في مقام التعليل يبين به ~~وجه عدم استواء أهل الكتاب. # وقد اختلف في قوله: قائمة فقيل: أي ثابتة على أمر الله، وقيل: أي عادلة، ~~وقيل: أي ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة، والحق أن اللفظ مطلق يحتمل ~~الجميع غير أن ذكر الكتاب وذكر أعمالهم الصالحة يعين أن المراد هو القيام ~~على الإيمان والطاعة. # والآناء جمع إنى بكسر الهمزة أو فتحها، وقيل: إنو وهو الوقت. # والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة من السرعة قال في المجمع،: والفرق بين ~~السرعة والعجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، وهي محمودة ~~وضدها الإبطاء، وهو مذموم، والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه ~~وهي مذمومة، وضدها الأناة وهي محمودة، انتهى، والظاهر أن السرعة في الأصل ~~وصف للحركة، والعجلة وصف للمتحرك. # والخيرات مطلق الأعمال الصالحة من عبادة أو إنفاق أو عدل أو قضاء حاجة، ~~وهو جمع محلى باللام، ومعناه الاستغراق، ويكثر إطلاقه على الخيرات المالية ~~كما أن الخير يكثر إطلاقه على المال. # وقد عد الله سبحانه لهم جمل مهمات الصالحات، وهي الإيمان، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في كل خير، ثم وصفهم بأنهم صالحون ~~فهم أهل الصراط ms1276 المستقيم وزملاء النبيين والصديقين والشهداء لقوله تعالى: ~~"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين": الحمد - 7، وقوله تعالى: "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" الآية: النساء - 69، قيل: المراد ~~بهؤلاء الممدوحين عبد الله بن سلام وأصحابه. # قوله تعالى: وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، من الكفران مقابل الشكر أي ~~يشكر الله لهم فيرده إليهم من غير ضيعة كما قال تعالى: "ومن تطوع خيرا فإن ~~الله شاكر عليم": البقرة - 158، وقال: "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم - إلى ~~أن قال - وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون": البقرة - 272. # قوله تعالى: إن الذين كفروا لن تغني عنهم، ظاهر وحدة السياق أن المراد ~~بهؤلاء، الذين كفروا هم الطائفة الأخرى من أهل الكتاب الذين لم يستجيبوا ~~دعوة النبوة، وكانوا يوطئون على الإسلام، ولا يألون جهدا في إطفاء نوره. # وربما قيل: إن الآية ناظرة إلى حال المشركين فتكون التوطئة لما سيشير ~~إليه من قصة أحد لكن لا يلائمه ما سيأتي من قوله: وتؤمنون بالكتاب كله وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا "الخ" فإن ذلك بيان لحال اليهود مع المسلمين دون حال ~~المشركين، ومن هناك يظهر أن اتصال السياق لم ينقطع بعد. # وربما جمع بعض المفسرين بين حمل هذه الآية على المشركين وحمل تلك على ~~اليهود، وهو خطأ. # قوله تعالى: مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا الآية الصر البرد ~~الشديد، وإنما قيد الممثل بقوله: في هذه الحيوة الدنيا ليدل على أنهم ~~منقطعون عن الدار الآخرة فلا يتعلق إنفاقهم إلا بهذه الحيوة، وقيد حرث ~~القوم بقوله: ظلموا أنفسهم ليحسن ارتباطه بقوله بعده: وما ظلمهم الله. PageV03P210 # ومحصل الكلام أن إنفاقهم في هذه الحيوة وهم يريدون به إصلاح شأنهم ونيل ~~مقاصدهم الفاسدة لا يثمر لهم إلا الشقاء، وفساد ما يريدونه ويحسبونه سعادة ~~لأنفسهم كالريح التي فيها صر تهلك حرث الظالمين، وليس ذلك إلا ظلما منهم ~~لأنفسهم فإن العمل الفاسد لا يأتي إلا بالأثر الفاسد. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ms1277 بطانة من دونكم الآية سميت ~~الوليجة بطانة وهي ما يلي البدن من الثوب وهي خلاف الظهارة لكونها تطلع على ~~باطن الإنسان وما يضمره ويستسره، وقوله: لا يألونكم أي لا يقصرون فيكم، ~~وقوله: خبالا أي شرا وفسادا، ومنه الخبل للجنون لأنه فساد العقل، وقوله: ~~ودوا ما عنتم، ما مصدرية أي ودوا وأحبوا عنتكم وشدة ضرركم، وقوله: قد بدت ~~البغضاء من أفواههم أريد به ظهور البغضاء والعداوة من لحن قولهم وفلتات ~~لسانهم ففيه استعارة لطيفة وكناية، ولم يبين ما في صدورهم بل أبهم قوله: ~~وما تخفي صدورهم أكبر للإيماء إلى أنه لا يوصف لتنوعه وعظمته وبه يتأكد ~~قوله: أكبر. # قوله تعالى: ها أنتم أولاء تحبونهم الآية، الظاهر أن أولاء اسم إشارة ~~ولفظة ها للتنبيه، وقد تخلل لفظة أنتم بين ها وأولاء، والمعنى أنتم هؤلاء ~~على حد قولهم: زيد هذا وهند هذه كذا وكذا. # وقوله: وتؤمنون بالكتاب كله، اللام للجنس أي وأنتم تؤمنون بجميع الكتب ~~السماوية النازلة من عند الله: كتابهم وكتابكم، وهم لا يؤمنون بكتابكم، ~~وقوله، وإذا لقوكم قالوا آمنا، أي إنهم منافقون، وقوله: وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ العض هو الأخذ بالأسنان مع ضغط، والأنامل جمع أنملة ~~وهي طرف الإصبع. # والغيظ هو الحنق، وعض الأنامل على شيء مثل يضرب للتحسر والتأسف غضبا وحنقا. # وقوله: قل موتوا بغيظكم دعاء عليهم في صورة الأمر وبذلك تتصل الجملة ~~بقوله: إن الله عليم بذات الصدور أي اللهم أمتهم بغيظهم إنك عليم بذات ~~الصدور أي القلوب أي النفوس. # قوله تعالى: إن تمسسكم حسنة تسؤهم، المساءة خلاف السرور، وفي الآية دلالة ~~على أن الأمن من كيدهم مشروط بالصبر والتقوى. PageV03P211 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الرابع PageV04P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 1 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس وحدة ~~وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به ~~والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة كما يلوح إليه هذا الصدر بيان أحكام ms1278 الزواج كعدد الزوجات ~~ومحرمات النكاح وغير ذلك، وأحكام المواريث، وفيها أمور أخرى من أحكام ~~الصلاة والجهاد والشهادات والتجارة وغيرها، وتعرض لحال أهل الكتاب. # ومضامين آياتها تشهد أنها مدنية نزلت بعد الهجرة، وظاهرها أنها نزلت ~~نجوما لا دفعة واحدة وإن كانت أغلب آياتها غير فاقدة للارتباط فيما بينها. # وأما هذه الآية في نفسها فهي وعدة من الآيات التالية لها المتعرضة لحال ~~اليتامى والنساء كالتوطئة لما سيبين من أمر المواريث والمحارم وأما عدد ~~الزوجات الواقعة في الآية الثالثة فإنه وإن كان من مهمات السورة إلا أنه ~~ذكر في صورة التطفل بالاستفادة من الكلام المقدمي الذي وقع في الآية كما ~~سيجيء بيانه. # قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم" إلى قوله: "ونساء" يريد دعوتهم ~~إلى تقوى ربهم في أمر أنفسهم وهم ناس متحدون في الحقيقة الإنسانية من غير ~~اختلاف فيها بين الرجل منهم والمرأة والصغير والكبير والعاجز والقوي حتى لا ~~يجحف الرجل منهم بالمرأة ولا يظلم كبيرهم الصغير في مجتمعهم الذي هداهم ~~الله إليه لتتميم سعادتهم والأحكام والقوانين المعمولة بينهم التي ألهمهم ~~إياها لتسهيل طريق حياتهم، وحفظ وجودهم وبقائهم فرادى ومجتمعين. # ومن هناك تظهر نكتة توجيه الخطاب إلى الناس دون المؤمنين خاصة وكذا تعليق ~~التقوى بربهم دون أن يقال: اتقوا الله ونحوه فإن الوصف الذي ذكروا به أعني ~~قوله: الذي خلقكم من نفس واحدة "إلخ" يعم جميع الناس من غير أن يختص ~~بالمؤمنين، وهو من أوصاف الربوبية التي تتكفل أمر التدبير والتكميل لا من ~~شئون الألوهية. # وأما قوله تعالى: "الذي خلقكم من نفس واحدة" "إلخ" فالنفس على ما يستفاد ~~من اللغة عين الشيء يقال: جاءني فلان نفسه وعينه وإن كان منشأ تعين ~~الكلمتين - النفس والعين - لهذا المعنى ما به الشيء شيء مختلفا، ونفس ~~الإنسان هو ما به الإنسان إنسان، وهو مجموع روح الإنسان وجسمه في هذه ~~الحياة الدنيا والروح وحدها في الحياة البرزخية على ما تحقق فيما تقدم من ~~البحث في قوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات الآية: ~~"البقرة: ms1279 154". # وظاهر السياق أن المراد بالنفس الواحدة آدم (عليه السلام)، ومن زوجها ~~زوجته، وهما أبوا هذا النسل الموجود الذي نحن منه وإليهما ننتهي جميعا على ~~ما هو ظاهر القرآن الكريم كما في قوله تعالى: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل ~~منها زوجها: "الزمر: 6"، وقوله تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما ~~أخرج أبويكم من الجنة: "الأعراف: 27"، وقوله تعالى: حكاية عن إبليس: لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا: "إسراء: 62". # وأما ما احتمله بعض المفسرين أن المراد بالنفس الواحدة وزوجها في الآية ~~مطلق الذكور والإناث من الإنسان الزوجين اللذين عليهما مدار النسل فيئول ~~المعنى إلى نحو قولنا: خلق كل واحد منكم من أب وأم بشرين من غير فرق في ذلك ~~بينكم فيناظر قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم: "الحجرات: 13"، حيث إن ~~ظاهره نفي الفرق بين الأفراد من جهة تولد كل واحد منهم من زوجين من نوعه: ~~ذكر وأنثى. PageV04P002 # ففيه فساد ظاهر وقد فاته أن بين الآيتين أعني آية النساء وآية الحجرات فرقا ~~بينا فإن آية الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة ~~الإنسانية، ونفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكون كل واحد منهم إلى أب وأم ~~إنسانين فلا ينبغي أن يتكبر أحدهم على الآخرين ولا يتكرم إلا بالتقوى، وأما ~~آية النساء فهي في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة، وأنهم ~~على كثرتهم رجالا ونساء إنما اشتقوا من أصل واحد وتشعبوا من منشإ واحد ~~فصاروا كثيرا على ما هو ظاهر قوله: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، وهذا ~~المعنى كما ترى لا يناسب كون المراد من النفس الواحدة وزوجها مطلق الذكر ~~والأنثى الناسلين من الإنسان على أنه لا يناسب غرض السورة أيضا كما تقدم بيانه. # وأما قوله: وخلق منها زوجها فقد قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين ~~من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج، ولكل قرينين فيها وفي ~~غيرها: زوج كالخف والنعل، ms1280 ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج، إلى ~~أن قال: وزوجه لغة رديئة، انتهى. # وظاهر الجملة أعني قوله: وخلق منها زوجها أنها بيان لكون زوجها من نوعها ~~بالتماثل وأن هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعا إلى فردين متماثلين ~~متشابهين فلفظة من نشوئية والآية في مساق قوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم ~~من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة: - الروم 21، وقوله ~~تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة: - ~~النحل 72، وقوله تعالى: فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن ~~الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه: - الشورى 11، ونظيرها قوله: ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين: - الذاريات 49، فما في بعض التفاسير: أن المراد بالآية كون زوج هذه ~~النفس مشتقة منها وخلقها من بعضها وفاقا لما في بعض الأخبار: أن الله خلق ~~زوجة آدم من ضلع من أضلاعه مما لا دليل عليه من الآية. # وأما قوله: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، البث هو التفريق بالإثارة ~~ونحوها قال تعالى: فكانت هباء منبثا: - الواقعة 6، ومنه بث الغم ولذلك ربما ~~يطلق البث ويراد به الغم لأنه مبثوث يبثه الإنسان بالطبع، قال تعالى: قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله: - يوسف 86، أي غمي وحزني. # وظاهر الآية أن النسل الموجود من الإنسان ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن ~~يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، ولم يقل: منهما ~~ومن غيرهما، ويتفرع عليه أمران: أحدهما: أن المراد بقوله: رجالا كثيرا ~~ونساء أفراد البشر من ذريتهما بلا واسطة أو مع واسطة فكأنه قيل: وبثكم ~~منهما أيها الناس. # وثانيهما: أن الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم وزوجته أعني في أولادهما ~~بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة والأخوات ازدواج البنين بالبنات إذ الذكور ~~والإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ، ولا ضير فيه فإنه حكم تشريعي راجع إلى ~~الله سبحانه فله أن يبيحه يوما ويحرمه آخر، قال تعالى: والله يحكم لا معقب ~~لحكمه: - الرعد 41، وقال: إن الحكم إلا لله: - يوسف 40، وقال: ولا يشرك ms1281 في ~~حكمه أحدا: - الكهف 26، وقال: وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون: - القصص 70. # قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" المراد بالتساؤل ~~سؤال بعض الناس بعضا بالله، يقول أحدهم لصاحبه: أسألك بالله أن تفعل كذا ~~وكذا هو إقسام به تعالى، والتساؤل بالله كناية عن كونه تعالى معظما عندهم ~~محبوبا لديهم فإن الإنسان إنما يقسم بشيء يعظمه ويحبه. PageV04P003 # وأما قوله: والأرحام فظاهره أنه معطوف على لفظ الجلالة، والمعنى: واتقوا ~~الأرحام، وربما قيل: إنه معطوف على محل الضمير في قوله: به وهو النصب يقال: ~~مررت بزيد وعمرا، وربما أيدته قراءة حمزة: والأرحام بالجر عطفا على الضمير ~~المتصل المجرور - وإن ضعفه النحاة - فيصير المعنى: واتقوا الله الذي ~~تساءلون به وبالأرحام يقول أحدكم لصاحبه: أسألك بالله وأسألك بالرحم، هذا ~~ما قيل، لكن السياق ودأب القرآن في بياناته لا يلائمانه فإن قوله: والأرحام ~~إن جعل صلة مستقلة للذي، وكان تقدير الكلام: واتقوا الله الذي تساءلون ~~بالأرحام كان خاليا من الضمير وهو غير جائز، وإن كان المجموع منه ومما قبله ~~صلة واحدة للذي كان فيه تسوية بين الله عز اسمه وبين الأرحام في أمر العظمة ~~والعزة وهي تنافي أدب القرآن. # وأما نسبة التقوى إلى الأرحام كنسبته إليه تعالى فلا ضير فيها بعد انتهاء ~~الأرحام إلى صنعه وخلقه تعالى، وقد نسب التقوى في كلامه تعالى إلى غيره كما ~~في قوله: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله: "البقرة: 281"، وقوله: واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين: "آل عمران: 131"، وقوله: واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة: "الأنفال: 25". # وكيف كان فهذا الشطر من الكلام بمنزلة التقييد بعد الإطلاق والتضييق بعد ~~التوسعة بالنسبة إلى الشطر السابق عليه أعني قوله: يا أيها الناس اتقوا إلى ~~قوله: ونساء، فإن محصل معنى الشطر الأول: أن اتقوا الله من جهة ربوبيته ~~لكم، ومن جهة خلقه وجعله إياكم - معاشر أفراد الإنسان - من سنخ واحد محفوظ ~~فيكم ومادة محفوظة متكثرة بتكثركم، وذلك هو النوعية الجوهرية الإنسانية، ~~ومحصل معنى ms1282 هذا الشطر: أن اتقوا الله من جهة عظمته وعزته عندكم وذلك من ~~شئون الربوبية وفروعها واتقوا الوحدة الرحمية التي خلقها بينكم والرحم شعبة ~~من شعب الوحدة والسنخية السارية بين أفراد الإنسان. # ومن هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتقوى وإعادته ثانيا في الجملة الثانية ~~فإن الجملة الثانية في الحقيقة تكرار للجملة الأولى مع زيادة فائدة وهي ~~إفادة الاهتمام التام بأمر الأرحام. # والرحم في الأصل رحم المرأة وهي العضو الداخلي منها المعبأ لتربية النطفة ~~وليدا، ثم استعير للقرابة بعلاقة الظرف والمظروف لكون الأقرباء مشتركين في ~~الخروج من رحم واحدة، فالرحم هو القريب والأرحام الأقرباء، وقد اعتنى ~~القرآن الشريف بأمر الرحم كما اعتنى بأمر القوم والأمة، فإن الرحم مجتمع ~~صغير كما أن القوم مجتمع كبير، وقد اعتنى القرآن بأمر المجتمع وعده حقيقة ~~ذات خواص وآثار كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان وعده حقيقة ذات خواص وآثار ~~تستمد من الوجود، قال تعالى: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح ~~أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله ~~نسبا وصهرا وكان ربك قديرا: "الفرقان: 54"، وقال تعالى: وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا: "الحجرات: 13"، وقال تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله: "الأحزاب: 6"، وقال تعالى: فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم: "سورة محمد: 22"، وقال تعالى: وليخش ~~الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم الآية: "النساء: 9"، إلى ~~غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: "إن الله كان عليكم رقيبا" الرقيب الحفيظ والمراقبة ~~المحافظة، وكأنه مأخوذ من الرقبة بعناية أنهم كانوا يحفظون رقاب عبيدهم، أو ~~أن الرقيب كان يتطلع على من كان يرقبه برفع رقبته ومد عنقه، وليس الرقوب ~~مطلق الحفظ بل هو الحفظ على أعمال المرقوب من حركاته وسكناته لإصلاح موارد ~~الخلل والفساد أو ضبطها، فكأنه حفظ الشيء مع العناية به علما وشهودا ولذا ~~يستعمل بمعنى الحراسة والانتظار والمحاذرة والرصد، والله سبحانه رقيب لأنه ~~يحفظ على العباد أعمالهم ليجزيهم بها، قال تعالى: وربك على كل ms1283 شيء حفيظ: ~~"سبأ: 21"، وقال: الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل: "الشورى: 6"، وقال: ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد: "الفجر: 14". PageV04P004 # وفي تعليل الأمر بالتقوى في الوحدة الإنسانية السارية بين أفراده وحفظ ~~آثارها اللازمة لها، بكونه تعالى رقيبا أعظم التحذير والتخويف بالمخالفة، ~~وبالتدبر فيه يظهر ارتباط الآيات المتعرضة لأمر البغي والظلم والفساد في ~~الأرض والطغيان وغير ذلك، وما وقع فيها من التهديد والإنذار، بهذا الغرض ~~الإلهي وهو وقاية الوحدة الإنسانية من الفساد والسقوط. # كلام في عمر النوع الإنساني والإنسان الأولي # يذكر تاريخ اليهود أن عمر هذا النوع لا يزيد على ما يقرب من سبعة آلاف ~~سنة والاعتبار يساعده فإنا لو فرضنا ذكرا وأنثى زوجين اثنين من هذا النوع ~~وفرضناهما عائشين زمانا متوسطا من العمر في مزاج متوسط في وضع متوسط من ~~الأمن والخصب والرفاهية ومساعدة سائر العوامل والشرائط المؤثرة في حياة ~~الإنسان ثم فرضناهما وقد تزوجا وتناسلا وتوالدا في أوضاع متوسطة متناسبة ثم ~~جعلنا الفرض بعينه مطردا فيما أولدا من البنين والبنات على ما يعطيه متوسط ~~الحال في جميع ذلك وجدنا ما فرضناه من العدد أولا وهو اثنان فقط يتجاوز في ~~قرن واحد رأس المائة الألف أي إن كل نسمة يولد في المائة سنة ما يقرب من ~~خمس مائة نسمة. # ثم إذا اعتبرنا ما يتصدم به الإنسان من العوامل المضادة له في الوجود ~~والبلايا العامة لنوعه من الحر والبرد والطوفان والزلزلة والجدب والوباء ~~والطاعون والخسف والهدم والمقاتل الذريعة والمصائب الأخرى غير العامة، ~~وأعطيناها حظها من هذا النوع أوفر حظ، وبالغنا في ذلك حتى أخذنا الفناء يعم ~~الأفراد بنسبة تسعمائة وتسعة وتسعين إلى الألف، وأنه لا يبقى في كل مائة ~~سنة من الألف إلا واحد أي إن عامل التناسل في كل مائة سنة يزيد على كل ~~اثنين بواحد وهو واحد من ألف. # ثم إذا صعدنا بالعدد المفروض أولا بهذا الميزان إلى مدة سبعة آلاف سنة 70 ~~قرنا وجدناه تجاوز بليونين ونصفا، وهو عدد النفوس الإنسانية اليوم على ما ~~يذكره الإحصاء ms1284 العالمي. # فهذه الاعتبار يؤيد ما ذكر من عمر نوع الإنسان في الدنيا لكن علماء ~~الجيولوجي علم طبقات الأرض ذكروا أن عمر هذا النوع يزيد على مليونات من ~~السنين، وقد وجدوا من الفسيلات الإنسانية والأجساد والآثار ما يتقدم عهده ~~على خمس مائة ألف سنة على ما استظهروه، فهذا ما عندهم، غير أنه لا دليل ~~معهم يقنع الإنسان ويرضي النفس باتصال النسل بين هذه الأعقاب الخالية ~~والأمم الماضية من غير انقطاع، فمن الجائز أن يكون هذا النوع ظهر في هذه ~~الأرض ثم كثر ونما وعاش ثم انقرض ثم تكرر الظهور والانقراض ودار الأمر على ~~ذلك عدة أدوار، على أن يكون نسلنا الحاضر هو آخر هذه الأدوار. # وأما القرآن الكريم فإنه لم يتعرض تصريحا لبيان أن ظهور هذا النوع هل ~~ينحصر في هذه الدورة التي نحن فيها أو أن له أدوارا متعددة نحن في آخرها؟ ~~وإن كان ربما يستشم من قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء الآية: "البقرة: 30"، ~~سبق دورة إنسانية أخرى على هذه الدورة الحاضرة، وقد تقدمت الإشارة إليه في ~~تفسير الآية. # نعم في بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يثبت ~~للإنسانية أدوارا كثيرة قبل هذه الدورة وسيجيء في البحث الروائي. # كلام في أن النسل الحاضر ينتهي إلى آدم وزوجته # ربما قيل: إن اختلاف الألوان في أفراد الإنسان وعمدتها البياض كلون أهل ~~النقاط المعتدلة من آسيا وأوربا، والسواد كلون أهل إفريقيا الجنوبية، ~~والصفرة كلون أهل الصين واليابان، والحمرة كلون الهنود الأمريكيين يقضي ~~بانتهاء النسل في كل لون إلى غير ما ينتهي إليه نسل اللون الآخر لما في ~~اختلاف الألوان من اختلاف طبيعة الدماء وعلى هذا فالمبادي الأول لمجموع ~~الأفراد لا ينقصون من أربعة أزواج للألوان الأربعة. PageV04P005 # وربما يستدل عليه بأن قارة أمريكا انكشفت ولها أهل وهم منقطعون عن الإنسان ~~القاطن في نصف الكرة الشرقي بالبعد الشاسع الذي بينهما انقطاعا لا يرجى ولا ~~يحتمل معه أن ms1285 النسلين يتصلان بانتهائهما إلى أب واحد وأم واحدة، والدليلان ~~- كما ترى - مدخولان: أما مسألة اختلاف الدماء باختلاف الألوان فلأن ~~الأبحاث الطبيعية اليوم مبنية على فرضية التطور في الأنواع، ومع هذا البناء ~~كيف يطمأن بعدم استناد اختلاف الدماء فاختلاف الألوان إلى وقوع التطور في ~~هذا النوع وقد جزموا بوقوع تطورات في كثير من الأنواع الحيوانية كالفرس ~~والغنم والفيل وغيرها، وقد ظفر البحث والفحص بآثار أرضية كثيرة يكشف عن ~~ذلك؟ على أن العلماء اليوم لا يعتنون بهذا الاختلاف ذاك الاعتناء. # وأما مسألة وجود الإنسان في ما وراء البحار فإن العهد الإنساني على ما ~~يذكره علماء الطبيعة يزهو إلى ملايين من السنين، والذي يضبطه التاريخ ~~النقلي لا يزيد على ستة آلاف سنة، وإذا كان كذلك فما المانع من حدوث حوادث ~~فيما قبل التاريخ تجزي قارة أمريكا عن سائر القارات، وهناك آثار أرضية ~~كثيرة تدل على تغييرات هامة في سطح الأرض بمرور الدهور من تبدل بحر إلى بر ~~وبالعكس، وسهل إلى جبل وبالعكس، وما هو أعظم من ذلك كتبدل القطبين والمنطقة ~~على ما يشرحه علوم طبقات الأرض والهيئة والجغرافيا فلا يبقى لهذا المستدل ~~إلا الاستبعاد فقط هذا. # وأما القرآن فظاهره القريب من النص أن هذا النسل الحاضر المشهود من ~~الإنسان ينتهي بالارتقاء إلى ذكر وأنثى هما الأب والأم لجميع الأفراد أما ~~الأب فقد سماه الله تعالى في كتابه بآدم، وأما زوجته فلم يسمها في كتابه ~~ولكن الروايات تسميها حواء كما في التوراة الموجودة، قال تعالى: وبدأ خلق ~~الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين: "الم السجدة: 8" وقال ~~تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون: ~~"آل عمران: 59" وقال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها الآية: "البقرة: 31" وقال ~~تعالى: إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا ms1286 من طين فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين الآيات: "ص: 72" فإن الآيات - كما ترى - تشهد بأن سنة ~~الله في بقاء هذا النسل أن يتسبب إليه بالنطفة لكنه أظهره حينما أظهره ~~بخلقه من تراب، وأن آدم خلق من تراب وأن الناس بنوه، فظهور الآيات في ~~انتهاء هذا النسل إلى آدم وزوجته مما لا ريب فيه وإن لم تمتنع من التأويل. # وربما قيل: إن المراد بآدم في آيات الخلقة والسجدة آدم النوعي دون الشخصي ~~كان مطلق الإنسان من حيث انتهاء خلقه إلى الأرض ومن حيث قيامه بأمر النسل ~~والإيلاد سمي بآدم، وربما استظهر ذلك من قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: "الأعراف: 11" فإنه لا يخلو عن ~~إشعار بأن الملائكة إنما أمروا بالسجدة لمن هيأه الله لها بالخلق والتصوير ~~وقد ذكرت الآية أنه جميع الأفراد لا شخص إنساني واحد معين حيث قال: ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم، وهكذا قوله تعالى: قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي "إلى أن قال": قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين "إلى ~~أن قال": قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين: "ص: 83" حيث ~~أبدل ما ذكره مفردا أولا من الجمع ثانيا. # ويرده مضافا إلى كونه على خلاف ظاهر ما نقلناه من الآيات ظاهر قوله تعالى ~~- بعد سرد قصة آدم وسجدة الملائكة وإباء إبليس في سورة الأعراف: يا بني آدم ~~لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوءاتهما: "الأعراف: 27" فظهور الآية في شخصية آدم مما لا ينبغي أن يرتاب فيه. # وكذا قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ~~أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا: "إسراء: 62"، وكذا الآية المبحوث عنها: ~~يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء الآية، بالتقريب الذي مر بيانه. ms1287 PageV04P006 # فالآيات - كما ترى - تأبى أن يسمى الإنسان آدم باعتبار وابن آدم باعتبار ~~آخر، وكذا تأبى أن تنسب الخلقة إلى التراب باعتبار وإلى النطفة باعتبار آخر ~~وخاصة في مثل قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون" الآية، وإلا لم يستقم استدلال الآية على كون خلقة عيسى ~~خلقة استثنائية ناقضة للعادة الجارية. # فالقول بآدم النوعي في حد التفريط، والإفراط الذي يقابله قول بعضهم: إن ~~القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر. # ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنة. # كلام في أن الإنسان نوع مستقل غير متحول من نوع آخر # الآيات السابقة تكفي مئونة هذا البحث فإنها تنهي هذا النسل الجاري ~~بالنطفة إلى آدم وزوجته وتبين أنهما خلقا من تراب فالإنسانية تنتهي إليهما ~~وهما لا يتصلان بآخر يماثلهما أو يجانسهما وإنما حدثا حدوثا. # والشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان أن الإنسان الأول فرد تكامل ~~إنسانا وهذه الفرضية بخصوصها وإن لم يتسلمها الجميع تسلما يقطع الكلام ~~واعترضوا عليه بأمور كثيرة مذكورة في الكتب لكن أصل الفرضية وهي "أن ~~الإنسان حيوان تحول إنسانا" مما تسلموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان. # فإنهم فرضوا أن الأرض - وهي أحد الكواكب السيارة - قطعة من الشمس مشتقة ~~منها وقد كانت في حال الاشتعال والذوبان ثم أخذت في التبرد من تسلط عوامل ~~البرودة، وكانت تنزل عليها أمطار غزيرة وتجري عليها السيول وتتكون فيها ~~البحار ثم حدثت تراكيب مائية وأرضية فحدثت النباتات المائية ثم حدثت بتكامل ~~النبات واشتمالها على جراثيم الحياة السمك وسائر الحيوان المائي ثم السمك ~~الطائر ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإنسان، كل ذلك بتكامل عارض ~~للتركيب الأرضي الموجود في المرتبة السابقة يتحول به التركيب في صورته إلى ~~المرتبة اللاحقة فالنبات ثم الحيوان المائي ثم الحيوان ذو الحياتين ثم ~~الحيوان البري ثم الإنسان على الترتيب هذا كل ذلك لما يشاهد من الكمال ~~المنظم في بنيها نظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال ولما يعطيه ~~التجريب في ms1288 موارد جزئية التطور. # وهذه فرضية افترضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواص والآثار من غير ~~قيام دليل عليها بالخصوص ونفي ما عداها مع إمكان فرض هذه الأنواع متباينة ~~من غير اتصال بينها بالتطور وقصر التطور على حالات هذه الأنواع دون ذواتها ~~وهي التي جرى فيها التجارب فإن التجارب لم يتناول فردا من أفراد هذه ~~الأنواع تحول إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان وإنما يتناول بعض هذه ~~الأنواع من حيث خواصها ولوازمها وأعراضها. # واستقصاء هذا البحث يطلب من غير هذا الموضع، وإنما المقصود الإشارة إلى ~~أنه فرض افترضوه لتوجيه ما يرتبط به من المسائل من غير أن يقوم عليه دليل ~~قاطع فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعا مفصولا ~~عن سائر الأنواع غير معارضة بشيء علمي. # كلام في تناسل الطبقة الثانية من الإنسان # الطبقة الأولى من الإنسان وهي آدم وزوجته تناسلت بالازدواج فأولدت بنين ~~وبنات إخوة وأخوات فهل نسل هؤلاء بالازدواج بينهم وهم إخوة وأخوات أو بطريق ~~غير ذلك؟ ظاهر إطلاق قوله تعالى: وبث منهما رجالا كثيرا ونساء الآية على ما ~~تقدم من التقريب أن النسل الموجود من الإنسان إنما ينتهي إلى آدم وزوجته من ~~غير أن يشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو أنثى ولم يذكر القرآن للبث إلا ~~إياهما، ولو كان لغيرهما شركة في ذلك لقال: وبث منهما ومن غيرهما، أو ذكر ~~ذلك بما يناسبه من اللفظ، ومن المعلوم أن انحصار مبدإ النسل في آدم وزوجته ~~يقضي بازدواج بنيهما من بناتهما. # وأما الحكم بحرمته في الإسلام وكذا في الشرائع السابقة عليه على ما يحكى ~~فإنما هو حكم تشريعي يتبع المصالح والمفاسد لا تكويني غير قابل للتغيير، ~~وزمامه بيد الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فمن الجائز أن يبيحه ~~يوما لاستدعاء الضرورة ذلك ثم يحرمه بعد ذلك لارتفاع الحاجة واستيجابه ~~انتشار الفحشاء في المجتمع. PageV04P007 # والقول بأنه على خلاف الفطرة وما شرعه الله لأنبيائه دين فطري، قال تعالى ~~فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ms1289 الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم: "الروم: 30"، فاسد فإن الفطرة لا تنفيه ولا تدعو إلى ~~خلافه من جهة تنفرها عن هذا النوع من المباشرة مباشرة الأخ الأخت وإنما ~~تبغضه وتنفيه من جهة تأديته إلى شيوع الفحشاء والمنكر وبطلان غريزة العفة ~~بذلك وارتفاعها عن المجتمع الإنساني، ومن المعلوم أن هذا النوع من التماس ~~والمباشرة إنما ينطبق عليه عنوان الفجور والفحشاء في المجتمع العالمي ~~اليوم، وأما المجتمع يوم ليس هناك بحسب ما خلق الله سبحانه إلا الإخوة ~~والأخوات والمشية الإلهية متعلقه بتكثرهم وانبثاثهم فلا ينطبق عليه هذا ~~العنوان. # والدليل على أن الفطرة لا تنفيه من جهة النفرة الغريزية تداوله بين ~~المجوس أعصارا طويلة على ما يقصه التاريخ وشيوعه قانونيا في روسيا على ما ~~يحكى وكذا شيوعه سفاحا من غير طريق الازدواج القانوني في أوربا. # وربما يقال: إنه مخالف للقوانين الطبيعية وهي التي تجري في الإنسان قبل ~~عقده المجتمع الصالح لإسعاده فإن الاختلاط والاستيناس في المجتمع المنزلي ~~يبطل غريزة التعشق والميل الغريزي بين الإخوة والأخوات كما ذكره بعض علماء ~~الحقوق. # وفيه أنه ممنوع كما تقدم أولا، ومقصور في صورة عدم الحاجة الضرورية ~~ثانيا، ومخصوص بما لا تكون القوانين الوضعية غير الطبيعية حافظة للصلاح ~~الواجب الحفظ في المجتمع، ومتكفلة لسعادة المجتمعين وإلا فمعظم القوانين ~~المعمولة والأصول الدائرة في الحياة اليوم غير طبيعية. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: لعلك ترى أن الله لم ~~يخلق بشرا غيركم؟ بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك ~~الآدميين. # أقول: ونقل ابن ميثم في شرح نهج البلاغة عن الباقر (عليه السلام) ما في ~~معناه، ورواه الصدوق في الخصال أيضا. # وفي الخصال، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله تعالى خلق اثني عشر ~~ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن ~~الله عز وجل عالما غيرهم. # وفيه، عن أبي جعفر (عليه السلام): لقد خلق الله عز ms1290 وجل في الأرض منذ ~~خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها ~~واحدا بعد واحد مع عالمه ثم خلق الله عز وجل آدم أبا البشر وخلق ذريته منه، ~~الحديث. # وفي نهج البيان، للشيباني عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: سألت أبا ~~جعفر (عليه السلام): من أي شيء خلق الله حواء؟ فقال (عليه السلام): أي شيء ~~يقولون هذا الخلق؟ قلت يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال: ~~كذبوا أكان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟ فقلت: جعلت فداك من أي شيء ~~خلقها؟ فقال: أخبرني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه وكلتا يديه ~~يمين فخلق منها آدم، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء: أقول: ورواه ~~الصدوق عن عمرو مثله، وهناك روايات أخر تدل على أنها خلقت من خلف آدم وهو ~~أقصر أضلاعه من الجانب الأيسر، وكذا ورد في التوراة في الفصل الثاني من سفر ~~التكوين، وهذا المعنى وإن لم يستلزم في نفسه محالا إلا أن الآيات القرآنية ~~خالية عن الدلالة عليها كما تقدم. # وفي الإحتجاج، عن السجاد (عليه السلام) في حديث له مع قرشي يصف فيه تزويج ~~هابيل بلوزا أخت قابيل وتزويج قابيل بأقليما أخت هابيل، قال: فقال له ~~القرشي: فأولداهما؟ قال: نعم، فقال له القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: ~~فقال: إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله، ثم قال له: لا تنكر هذا ~~إنما هي شرائع الله جرت، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟ فكان ~~ذلك شريعة من شرائعهم ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك، الحديث. # أقول: وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب والاعتبار، وهناك ~~روايات أخر تعارضها وهي تدل على أنهم تزوجوا بمن نزل إليهم من الحور والجان ~~وقد عرفت الحق في ذلك. # وفي المجمع، في قوله تعالى: واتقوا الله الذي تساءلون ms1291 به والأرحام، عن ~~الباقر (عليه السلام): واتقوا الأرحام أن تقطعوها. # أقول: وبناؤه على قراءة النصب. PageV04P008 # وفي الكافي، وتفسير العياشي،: هي أرحام الناس إن الله عز وجل أمر بصلتها ~~وعظمها، ألا ترى أنه جعلها معه؟ أقول: قوله: ألا ترى "إلخ" بيان لوجه ~~التعظيم، والمراد بجعلها معه الاقتران الواقع في قوله تعالى: واتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: الذي تساءلون به ~~والأرحام قال: قال ابن عباس: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~يقول الله تعالى: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا وخير لكم في ~~آخرتكم. # أقول: قوله: فإنه أبقى لكم "إلخ"، إشارة إلى ما ورد مستفيضا: أن صلة ~~الرحم تزيد في العمر وقطعها بالعكس من ذلك، ويمكن أن يستأنس لوجهه بما ~~سيأتي في تفسير قوله تعالى: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ~~خافوا عليهم الآية: "النساء: 9". # ويمكن أن يكون المراد بكونه أبقى كون الصلة أبقى للحياة من حيث أثرها فإن ~~الصلة تحكم الوحدة السارية بين الأقارب فيتقوى بذلك الإنسان قبال العوامل ~~المخالفة لحياته المضادة لرفاهية عيشه من البلايا والمصائب والأعداء. # وفي تفسير العياشي، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) يقول: إن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل النار، فأيما رجل منكم غضب ~~على ذي رحمه فليدن منه فإن الرحم إذا مستها الرحم استقرت، وإنها متعلقة ~~بالعرش تنقضه انتقاض الحديد فتنادي: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وذلك ~~قول الله في كتابه: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان بكم ~~رقيبا، وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم الأرض من فوره فإنه يذهب رجز ~~الشيطان. # أقول: والرحم كما عرفت هي جهة الوحدة الموجودة بين أشخاص الإنسان من حيث ~~اتصال مادة وجودهم في الولادة من أب وأم أو أحدهما، وهي جهة حقيقية سائرة ~~بين أولي الأرحام لها آثار حقيقية خلقية وخلقية، وروحية وجسمية غير قابلة ~~الإنكار وإن كان ربما توجد معها ms1292 عوامل مخالفة تضعف أثرها أو تبطله بعض ~~الإبطال حتى يلحق بالعدم ولن يبطل من رأس. # وكيف كان فالرحم من أقوى أسباب الالتيام الطبيعي بين أفراد العشيرة، ~~مستعدة للتأثير أقوى الاستعداد، ولذلك كان ما ينتجه المعروف بين الأرحام ~~أقوى وأشد مما ينتجه ذلك بين الأجانب، وكذلك الإساءة في مورد الأقارب أشد ~~أثرا منها في مورد الأجانب. # وبذلك يظهر معنى قوله (عليه السلام): فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه ~~فليدن منه "إلخ"، فإن الدنو من ذي الرحم رعاية لحكمها وتقوية لجانبها ~~فتتنبه بسببه وتحرك لحكمها ويتجدد أثرها بظهور الرأفة والمحبة. # وكذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم ~~الأرض "إلخ"، فإن الغضب إذا كان عن طيش النفس ونزقها كان في ظهوره وغليانه ~~مستندا إلى هواها وإغفال الشيطان إياها وصرفها إلى أسباب واهية وهمية، وفي ~~تغيير الحال من القيام إلى القعود صرف النفس عن شأن إلى شأن جديد يمكنها ~~بذلك أن تشتغل بالسبب الجديد فتنصرف عن الغضب بذلك لأن نفس الإنسان بحسب ~~الفطرة أميل إلى الرحمة منها إلى الغضب ولذلك بعينه ورد في بعض الروايات ~~مطلق تغيير الحال في حال الغضب كما في المجالس، عن الصادق عن أبيه (عليه ~~السلام): أنه ذكر الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبدا، ويدخل بذلك ~~النار، فأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان ~~جالسا فليقم، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليقم إليه وليدن منه وليمسه فإن ~~الرحم إذا مست الرحم سكنت، أقول: وتأثيره محسوس مجرب. PageV04P009 # قوله (عليه السلام): وإنها متعلقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد "إلخ" أي ~~تحدث فيه صوتا مثل ما يحدث في الحديد بالنقر، وفي الصحاح: الإنقاض صويت مثل ~~النقر، وقد تقدم في الكلام على الكرسي إشارة إجمالية سيأتي تفصيلها في ~~الكلام على العرش: أن المراد بالعرش مقام العلم الإجمالي الفعلي بالحوادث ~~وهو من الوجود المرحلة التي تجتمع عندها شتات أزمة الحوادث ومتفرقات ~~الأسباب والعلل الكونية فهي تحرك وحدها سلاسل العلل ms1293 والأسباب المختلفة ~~المتفرقة أي تتعلق بروحها الساري فيها المحرك لها كما أن أزمة المملكة على ~~اختلاف جهاتها وشئونها وأشكالها تجتمع في عرش الملك والكلمة الواحدة ~~الصادرة منه تحرك سلاسل القوى والمقامات الفعالة في المملكة وتظهر في كل ~~مورد بما يناسبه من الشكل والأثر. # والرحم كما عرفت حقيقة هي كالروح السالب في قوالب الأشخاص الذين يجمعهم ~~جامع القرابة فهي من متعلقات العرش فإذا ظلمت واضطهدت لاذت بما تعلقت به ~~واستنصرت، وهو قوله (عليه السلام): تنقضه انتقاض الحديد، وهو من أبدع ~~التمثيلات شبه فيه ما يحدث في هذا الحال بالنقر الواقع على الحديد الذي ~~يحدث فيه رنينا يستوعب بالارتعاش والاهتزاز جميع جسامة الحديد كما في نقر ~~الأجراس والجامات وغيرها. # قوله (عليه السلام): فتنادي اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، حكاية ~~لفحوى التجائها واستنصارها، وفي الروايات الكثيرة أن صلة الرحم تزيد في ~~العمر وأن قطعها يقطعه وقد مر في البحث عن ارتباط الأعمال والحوادث ~~الخارجية من أحكام الأعمال في الجزء الثاني من الكتاب أن مدير هذا النظام ~~الكوني يسوقه نحو الأغراض والغايات الصالحة، ولن يهمل في ذلك، وإذا فسد جزء ~~أو أجزاء منه عالج ذلك إما بإصلاح أو بالحذف والإزالة، وقاطع الرحم يحارب ~~الله في تكوينه فإن لم يصلح بالاستصلاح بتر الله عمره وقطع دابره، وأما أن ~~الإنسان اليوم لا يحس بهذه الحقيقة وأمثالها فلا غرو لأن الأدواء قد أحاطت ~~بجثمان الإنسانية فاختلطت وتشابهت وأزمنت فالحس لا يجد فراغا يقوى به على ~~إدراك الألم والعذاب. PageV04P010 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 2 - 6 # وءاتوا اليتمى أمولهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أمولهم إلى ~~أمولكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلث وربع فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة أو ما ملكت ~~أيمنكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وءاتوا النساء صدقتهن نحلة فإن طبن لكم عن ~~شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4) ولا تؤتوا السفهاء أمولكم التى جعل ~~الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا ms1294 لهم قولا معروفا (5) وابتلوا ~~اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أمولهم ~~ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أمولهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (6) ### |||| AUTO بيان # الآيات تتمة التمهيد والتوطئة التي وضعت في أول السورة لبيان أحكام ~~المواريث وعمدة أحكام التزويج كعدد النساء وتعيين المحارم وهذان البابان من ~~أكبر أبواب القوانين الحاكمة في المجتمع الإنساني وأعظمها، ولهما أعظم ~~التأثير في تكون المجتمع وبقائه فإن النكاح يتعين به وضع المواليد من ~~الإنسان الذين هم أجزاء المجتمع والعوامل التي تكونه، والإرث يتعلق بتقسيم ~~الثروة الموجودة في الدنيا التي يبتنى عليها بنية المجتمع في عيشته وبقائه. # وقد تعرضت الآيات في ضمن بيانها للنهي عن الزنى والسفاح والنهي عن أكل ~~المال بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض وعند ذلك تأسس أساسان قيمان لأمر ~~المجتمع في أهم ما يشكله وهو أمر المواليد وأمر المال. # ومن هنا يظهر وجه العناية بالتمهيد المسوق لبيان هذه الأحكام التي تعلقت ~~بالاجتماع الإنساني ونشبت في أصوله وجذوره. # وصرف الناس عما اعتادت عليه جماعتهم، والتحمت عليه أفكارهم، ونبتت عليه ~~لحومهم، ومات عليه أسلافهم، ونشأ عليه أخلافهم عسير كل العسر. # وهذا شأن ما شرع في صدر هذه السورة من الأحكام المذكورة، يتضح ذلك بتأمل ~~إجمالي في وضع العالم الإنساني يومئذ بالعموم وفي وضع العالم العربي ودارهم ~~دار نزول القرآن وظهور الإسلام بالخصوص، وفي كيفية تدرج القرآن في نزوله ~~وظهور الأحكام الإسلامية في تشريعها. # كلام في الجاهلية الأولى # القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية، وليس إلا إشارة ~~منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم، والمسيطر عليهم في كل شيء ~~الباطل وسفر الرأي دون الحق، وكذلك كانوا على ما يقصه القرآن من شئونهم، ~~قال تعالى: يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية: آل عمران 154، وقال: أفحكم ~~الجاهلية يبغون: - المائدة 50، وقال: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~حمية الجاهلية: - الفتح 26، وقال: "ولا تبرجن تبرج ms1295 الجاهلية الأولى: - ~~الأحزاب 33. # كانت العرب يومئذ تجاور في جنوبها الحبشة وهي نصرانية، وفي مغربها ~~إمبراطورية الروم وهي نصرانية، وفي شمالها الفرس وهم مجوس، وفي غير ذلك ~~الهند ومصر وهما وثنيتان وفي أرضهم طوائف من اليهود، وهم أعني العرب مع ذلك ~~وثنيون يعيش أغلبهم عيشة القبائل، وهذا كله هو الذي أوجد لهم اجتماعا همجيا ~~بدويا فيه أخلاط من رسوم اليهودية والنصرانية والمجوسية وهم سكارى جهالتهم، ~~قال تعالى: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون: - الأنعام 116. # وقد كانت العشائر وهم البدو على ما لهم من خساسة العيش ودناءته يعيشون ~~بالغزوات وشن الغارات واختطاف كل ما في أيدي آخرين من متاع أو عرض فلا أمن ~~بينهم ولا أمانة، ولا سلم ولا سلامة، والأمر إلى من غلب والملك لمن وضع ~~عليه يده. PageV04P011 # أما الرجال فالفضيلة بينهم سفك الدماء والحمية الجاهلية والكبر والغرور ~~واتباع الظالمين وهضم حقوق المظلومين والتعادي والتنافس والقمار وشرب الخمر ~~والزنا وأكل الميتة والدم وحشف التمر. # وأما النساء فقد كن محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من ~~أنفسهن إرادة ولا من أعمالهن عملا ولا يملكن ميراثا ويتزوج بهن الرجال من ~~غير تحديد بحد كما عند اليهود وبعض الوثنية ومع ذلك فقد كن يتبرجن بالزينة ~~ويدعون من أحببن إلى أنفسهن وفشا فيهن الزنا والسفاح حتى في المحصنات ~~المزوجات منهن، ومن عجيب بروزهن أنهن ربما كن يأتين بالحج عاريات. # وأما الأولاد فكانوا ينسبون إلى الآباء لكنهم لا يورثون صغارا ويذهب ~~الكبار بالميراث ومن الميراث زوجة المتوفى، ويحرم الصغار ذكورا وإناثا ~~والنساء. # غير أن المتوفى لو ترك صغيرا ورثه لكن الأقوياء يتولون أمر اليتيم ~~ويأكلون ماله، ولو كان اليتيم بنتا تزوجوها وأكلوا مالها ثم طلقوها وخلوا ~~سبيلها فلا مال تقتات به ولا راغب في نكاحها ينفق عليها والابتلاء بأمر ~~الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لمكان دوام الحروب والغزوات ~~والغارات فبالطبع كان القتل شائعا بينهم. # وكان من شقاء أولادهم أن بلادهم الخربة ms1296 وأراضيهم القفر البائرة كان يسرع ~~الجدب والقحط إليها فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق "الأنعام آية ~~151"، وكانوا يئدون البنات "التكوير آية 8"، وكان من أبغض الأشياء عند ~~الرجل أن يبشر بالأنثى "الزخرف آية 17". # وأما وضع الحكومة بينهم فأطراف شبه الجزيرة وإن كانت ربما ملك فيها ملوك ~~تحت حماية أقوى الجيران وأقربها كإيران لنواحي الشمال والروم لنواحي الغرب ~~والحبشة لنواحي الجنوب إلا أن قرى الأوساط كمكة ويثرب والطائف وغيرها كانت ~~تعيش في وضع أشبه بالجمهورية وليس بها، والعشائر في البدو بل حتى في داخل ~~القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها وشيوخها وربما تبدل الوضع بالسلطنة. # فهذا هو الهرج العجيب الذي كان يبرز في كل عدة معدودة منهم بلون، ويظهر ~~في كل ناحية من أرض شبه الجزيرة في شكل مع الرسوم العجيبة والاعتقادات ~~الخرافية الدائرة بينهم، وأضف إلى ذلك بلاء الأمية وفقدان التعليم والتعلم ~~في بلادهم فضلا عن العشائر والقبائل. # وجميع ما ذكرناه من أحوالهم وأعمالهم والعادات والرسوم الدائرة بينهم مما ~~يستفاد من سياق الآيات القرآنية والخطابات التي تخاطبهم بها أوضح استفادة، ~~فتدبر في المقاصد التي ترومها الآيات والبيانات التي تلقيها إليهم بمكة ~~أولا ثم بعد ظهور الإسلام وقوته بالمدينة ثانيا، وفي الأوصاف التي تصفهم ~~بها، والأمور التي تذمها منهم وتلومهم عليها، والنواهي المتوجهة إليهم في ~~شدتها وضعفها، إذا تأملت كل ذلك تجد صحة ما تلوناه عليك. # على أن التاريخ يذكر جميع ذلك ويتعرض من تفاصيلها ما لم نذكره لإجمال ~~الآيات الكريمة وإيجازها القول فيه. # وأوجز كلمة وأوفاها لإفادة جمل هذه المعاني ما سمى القرآن هذا العهد بعهد ~~الجاهلية فقد أجمل في معناها جميع هذه التفاصيل. # هذا حال عالم العرب ذلك اليوم. # وأما العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الروم والفرس والحبشة والهند وغيرهم ~~فالقرآن يجمل القول فيه. # أما أهل الكتاب منهم أعني اليهود والنصارى ومن يلحق بهم فقد كانت ~~مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبدادية والتحكمات الفردية من الملوك والرؤساء ~~والحكام والعمال فكانت مقتسمة طبعا إلى طبقتين طبقة حاكمة فعالة لما تشاء ~~تعبث بالنفس والعرض ms1297 والمال، وطبقة محكومة مستعبدة مستذلة لا أمن لها في مال ~~وعرض ونفس، ولا حرية إرادة إلا ما وافق من يفوقها، وقد كانت الطبقة الحاكمة ~~استمالت علماء الدين وحملة الشرع وأتلفت بهم، وأخذت مجامع قلوب العامة ~~وأفكارهم بأيديهم فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس ودنياهم تحكم في ~~دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء وأقلامهم وفي دنياهم بالسوط والسيف. PageV04P012 # وقد اقتسمت الطبقة المحكومة أيضا على حسب قوتها في السطوة والجدة فيما ~~بينهم نظير الاقتسام الأول والناس على دين ملوكهم إلى طبقتي الأغنياء ~~المترفين والضعفاء والعجزة والعبيد، وكذا إلى رب البيت ومربوبيه من النساء ~~والأولاد، وكذا إلى الرجال المالكين لحرية الإرادة والعمل في جميع شئون ~~الحياة والنساء المحرومات من جميع ذلك التابعات للرجال محضا الخادمات لهم ~~في ما أرادوه منهن من غير استقلال ولو يسيرا. # وجوامع هذه الحقائق التاريخية ظاهرة من قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون: ~~"آل عمران: 64" وقد أدرجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه إلى ~~هرقل عظيم الروم، وقد قيل إنه كتب بها أيضا إلى عظيم مصر وعظيم الحبشة وملك ~~الفرس وإلى نجران. # وكذا قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم: "الحجرات: 13"، وقوله في ما ~~وصى به التزوج بالإماء والفتيات: بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن: ~~"النساء: 25، وقوله في النساء: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض: "آل عمران: 195"، إلى غير ذلك من الآيات. # وأما غير أهل الكتاب وهم يومئذ الوثنية ومن يلحق بهم فقد كان الوضع فيهم ~~أردأ وأشأم من وضع أهل الكتاب، والآيات النازلة في الاحتجاج عليهم تكشف عن ~~خيبة سعيهم وخسران صفقتهم في جميع شئون الحياة وضروب السعادة، قال تعالى: ~~ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن ms1298 الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في ~~هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قل إنما يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء: ~~"الأنبياء: 109"، وقال تعالى: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ: ~~"الأنعام: 19". # كيف ظهرت الدعوة الإسلامية؟ # كان وضع المجتمع الإنساني يومئذ عهد الجاهلية ما سمعته من إكباب الناس ~~على الباطل وسلطة الفساد والظلم عليهم في جميع شئون الحياة، وهو ذا دين ~~التوحيد وهو الدين الحق يريد أن يؤمر الحق ويوليه عليهم تولية مطلقة، ويطهر ~~قلوبهم من ألواث الشرك، ويزكي أعمالهم ويصلح مجتمعهم بعد ما تعرق الفساد في ~~جذوره وأغصانه وباطنه وظاهره. # وبالجملة يريد الله ليهديهم إلى الحق الصريح، وما يريد ليجعل عليهم من ~~حرج ولكن يريد ليطهرهم وليتم نعمته عليهم، فما هم عليه من الباطل وما يريد ~~منهم كلمة الحق في نقطتين متقابلتين وقطبين متخالفين، فهل كان يجب أن ~~يستمال منهم البعض ويصلح بهم الباقين من أهل الباطل، ثم بالبعض البعض حرصا ~~على ظهور الحق مهما كان وبأي وسيلة تيسر كما قيل: إن أهمية الغاية تبيح ~~المقدمة ولو كانت محظورة، وهذا هو السلوك السياسي الذي يستعمله أهل ~~السياسة. # وهذا النحو من السلوك إلى الغرض قلما يتخلف عن الإيصال إلى المقاصد في أي ~~باب جرى غير أنه لا يجري في باب الحق الصريح وهو الذي تؤمه الدعوة ~~الإسلامية فإن الغاية وليدة مقدماتها ووسائلها وكيف يمكن أن يلد الباطل حقا ~~وينتج السقيم صحيحا والوليد مجموعة مأخوذة من اللذين يلدانه؟. # وبغية السياسة وهواها أن تبلغ السلطة والسيطرة، وتحوز السبق والتصدر ~~والتعين والتمتع بأي نحو اتفق، وعلى أي وصف من أوصاف الخير والشر والحق ~~والباطل انطبق، ولا هوى لها في الحق، ولكن الدعوة الحقة لا تبتغي إلا الغرض ~~الحق، ولو توسلت إليه بباطل لكان ذلك منها إمضاء وإنفاذا للباطل فتصير دعوة ~~باطلة لا دعوة حقة. # ولهذه الحقيقة ظهورات بارزة في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والطاهرين من آله (عليه ms1299 السلام). PageV04P013 # وبذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه ونزل به القرآن في مواطن راودوه ~~فيها للمساهلة أو المداهنة ولو يسيرا في أمر الدين، قال تعالى: قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين: "سورة الكافرون: 61" وقال ~~تعالى وفيه لحن التهديد. ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ~~إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات: "الإسراء: 75" وقال تعالى: وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا: "الكهف: 51" وقال تعالى - وهو مثل وسيع المعنى -: ~~والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا: "الأعراف: 58". # وإذا كان الحق لا يمازج الباطل ولا يلتئم به فقد أمره الله سبحانه حينما ~~أعبأه ثقل الدعوة بالرفق والتدرج في أمرها بالنظر إلى نفس الدعوة والمدعو ~~والمدعو إليه من ثلاث جهات. # الأولى: من جهة ما اشتمل عليه الدين من المعارف الحقة والقوانين المشرعة ~~التي من شأنها إصلاح شئون المجتمع الإنساني، وقطع منابت الفساد فإن من ~~الصعب المستصعب تبديل عقائد الناس ولا سيما إذا كانت ناشبة في الأخلاق ~~والأعمال وقد استقرت عليها العادات، ودارت عليها القرون، وسارت عليها ~~الأسلاف، ونشأت عليها الأخلاف ولا سيما إذا عمت كلمة الدين ودعوته جميع ~~شئون الحياة، واستوعبت جميع الحركات الإنسانية وسكناتها في ظاهرها وباطنها ~~في جميع أزمنتها ولجميع أشخاصها وأفرادها ومجتمعاتها من غير استثناء كما ~~أنه شأن الإسلام فإن ذلك مما يدهش الفكرة تصوره أو هو محال عادي. # وصعوبة هذا الأمر ومشقته في الأعمال أزيد منها في الاعتقادات فإن استيناس ~~الإنسان واعتياده ومساسه بالعمل أقدم منه بالاعتقاد، وهو أظهر لحسه وآثر ~~عند شهواته وأهوائه، ولذلك أظهرت الدعوة الاعتقادات الحقة في أول أمرها ~~جملة لكن القوانين والشرائع الإلهية ظهرت بالتدريج حكما فحكما. # وبالجملة تدرجت الدعوة في إلقاء مضمراتها إلى الناس لئلا يشمس عن تلقيها ~~الطباع ولا تتزلزل النفوس في نضد بعض أجزاء الدعوة على بعض، وهذا الذي ~~ذكرناه ظاهر للمتدبر الباحث في ms1300 هذه الحقائق فإنه يجد الآيات القرآنية ~~مختلفة في إلقاء المعارف الإلهية والقوانين المشرعة في مكيتها ومدنيتها. # الآيات المكية تدعو إلى كليات أجمل فيها القول، والمدنية - ونعني بها ما ~~نزلت بعد الهجرة أينما نزلت - تفصل القول وتأتي بالتفاصيل من الأحكام التي ~~سبقت في المكية كلياتها ومجملاتها، قال تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه ~~استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على ~~الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى: "العلق: ~~14" والآيات نازلة في أول الرسالة بعد النبوة على ما مرت إليه الإشارة في ~~آيات الصوم من الجزء الثاني، وفيها إجمال التوحيد والمعاد، وإجمال أمر ~~التقوى والعبادة. # وقال تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر: "المدثر: 3" وهي أيضا من ~~الآيات النازلة في أول البعثة، وقال تعالى: ونفس وما سويها فألهمها فجورها ~~وتقواها قد أفلح من زكيها وقد خاب من دسيها: "الشمس: 10"، وقال تعالى: قد ~~أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى: "الأعلى: 15" وقوله تعالى: قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل ~~للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا ~~وعلموا الصالحات لهم أجر غير ممنون: "حم السجدة: 8" وهذه الآيات أيضا من ~~الآيات النازلة في أوائل البعثة. PageV04P014 # وقال تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا ~~قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون: "الأنعام: 153" فانظر إلى ms1301 سياق الآيات الشريفة كيف ~~أجمل القول فيها في النواهي الشرعية أولا، وفي الأوامر الشرعية ثانيا، ~~وإنما أجمل بجمع الجميع تحت وصف لا يستنكف حتى العقل العامي من قبوله فإن ~~الفواحش لا يتوقف في شناعتها ولزوم اجتنابها والكف عنها ذو مسكة، وكذا ~~الاجتماع على صراط مستقيم يؤمن به التفرق والضعف والوقوع في الهلكة والردى ~~لا يرتاب فيه أحد بحكم الغريزة فقد استمد في هذه الدعوة من غرائز المدعوين، ~~ولذلك بعينه ذكر ما ذكر من المحرمات بعنوان التفصيل كعقوق الوالدين ~~والإساءة إليهما، وقتل الأولاد من إملاق، وقتل النفس المحترمة، وأكل ما ~~اليتيم إلى آخر ما ذكر فإن العواطف الغريزية من الإنسان تؤيد الدعوة في ~~أمرها لاشمئزازها في حالها العادي عن ارتكاب هذه الجرائم والمعاصي، وهناك ~~آيات أخر يعثر عليها المتدبر ويرى أن الحال فيها نظير ما ذكرناه فيما نقلنا ~~من الآيات. # وكيف كان فالآيات المكية شأنها الدعوة إلى مجملات فصلتها بعد ذلك الآيات ~~المدنية، ومع ذلك فالآيات المدنية نفسها لا تخلو عن مثل هذا التدرج فما ~~جميع الأحكام والقوانين الدينية نزلت في المدينة دفعة واحدة بل تدريجا ~~ونجوما. # ويكفيك التدبر في أنموذج منها قد تقدمت الإشارة إليها وهي آيات حرمة ~~الخمر فقد قال تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا ~~حسنا: "النحل: 67"، والآية مكية ذكر فيها أمر الخمر وسكت عنه إلا ما في ~~قوله: ورزقا حسنا من الإيماء إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن ثم قال: قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم: "الأعراف: 33" والآية ~~أيضا مكية تحرم الإثم صريحا لكن لم تبين أن شرب الخمر إثم إرفاقا في الدعوة ~~إلى ترك عادة سيئة اجتذبتهم إليها شهواتهم ونبتت عليها لحومهم وشدت عظامهم، ~~ثم قال: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما": البقرة - 219، والآية مدنية تبين أن شرب الخمر من الإثم ~~الذي حرمته آية الأعراف، ولسان الآية - كما ترى - لسان رفق ونصح، ثم قال ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا ms1302 إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم ~~منتهون: "المائدة: 91"، والآية مدنية ختم بها أمر التحريم. # ونظيرها الإرث فقد آخى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا بين أصحابه ~~وورث أحد الأخوين الآخر في أول الأمر إعدادا لهم لما سيشرعه الله في أمر ~~الوراثة، ثم نزل قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ~~من المؤمنين والمهاجرين: "الأحزاب: 6" وعلى هذا النحو غالب الأحكام ~~المنسوخة والناسخة. PageV04P015 # ففي جميع هذه الموارد وأشباهها تدرجت الدعوة في إظهار الأحكام وإجرائها ~~أخذا بالإرفاق لحكمة الحفظ لسهولة التحميل وحسن التلقي بالقبول، قال تعالى: ~~وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا: "الإسراء: 106" ~~ولو كان القرآن نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) دفعة واحدة ثم بين ~~الرسول تفاصيل شرائعه على ما يوظفه عليه قوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم: "النحل: 44"، فأتى ببيان جميع معارفه الاعتقادية ~~والأخلاقية وكليات الأحكام العبادية والقوانين الجارية في المعاملات ~~والسياسات وهكذا لم تستطع الأفهام عندئذ تصورها وحملها فضلا عن قبول الناس ~~لها وعملهم بها وحكومتها على قلوبهم في إرادتها، وعلى جوارحهم وأبدانهم في ~~فعلها فتنزيله على مكث هو الذي هيأ للدين إمكان القبول والوقوع في القلوب ~~وقال تعالى: وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا: "الفرقان: 32" وفي الآية دلالة على أنه سبحانه ~~كان يرفق برسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في إنزال القرآن نجوما كما أرفق ~~بأمته فتدبر في ذلك وتأمله وفي ذيل الآية قوله: ورتلناه ترتيلا. # ومن الواجب أن يتذكر أن السلوك من الإجمال إلى التفصيل والتدرج في إلقاء ~~الأحكام إلى الناس من باب الإرفاق وحسن التربية ورعاية المصلحة غير ~~المداهنة والمساهلة وهو ظاهر. # الثانية: السلوك التدريجي من حيث انتخاب المدعوين وأخذ الترتيب فيهم فمن ~~المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله ms1303 وسلم) كان مبعوثا إلى كافة البشر من ~~غير اختصاص دعوته بقوم دون قوم، ولا بمكان دون مكان، ولا بزمان دون زمان ~~ومرجع الأخيرين إلى الأول في الحقيقة البتة قال تعالى: قل يا أيها الناس ~~إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض: "الأعراف: 158" ~~وقال تعالى: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ: "الأنعام: 19" وقال ~~تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين: "الأنبياء: 107". على أن التاريخ ~~يحكي دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود وهم من بني إسرائيل، والروم ~~والعجم والحبشة ومصر وليسوا من العرب، وقد آمن به من المشاهير سلمان وهو من ~~العجم ومؤذنه بلال وهو من الحبشة وصهيب وهو من الروم، فعموم نبوته (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في زمانه لا ريب فيه، والآيات السابقة تشمل بعمومها ~~الأزمان والأمكنة أيضا. # على أن قوله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد: "حم السجدة: 42" وقوله تعالى: ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين: "الأحزاب: 40" تدلان على عموم النبوة وشمولها للأمكنة ~~والأزمنة أيضا، والبحث التفصيلي عن هذه الآيات يطلب من تفسيرها في مواردها. # وكيف كان فالنبوة عامة، والمتأمل في سعة المعارف والقوانين الإسلامية وما ~~كان عليه الدنيا يوم ظهر الإسلام من ظلمة الجهل وقذارة الفساد والبغي لا ~~يرتاب في عدم إمكان مواجهة الدنيا ومكافحة الشرك والفساد حينئذ دفعة. PageV04P016 # بل كان من الواجب في الحكمة أن تبدأ الدعوة بالبعض وأن يكون ذلك البعض هو ~~قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يظهر بركوز الدين فيهم على ~~غيرهم وهكذا كان، قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم: ~~"إبراهيم: 4" وقال: ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به ~~مؤمنين: "الشعراء: 199" والآيات التي تدل على ارتباط الدعوة والإنذار ~~بالعرب لا تدل على أزيد من كونهم بعض من تعلقت بهم الدعوة والإنذار، وكذا ~~الآيات النازلة في التحدي بالقرآن لو كان فيها ما ينحصر تحديه بالبلاغة ~~فحسب إنما هي لكون ms1304 البلاغة إحدى جهات التحدي بالإعجاز، ولا دليل في ذلك على ~~كون الأمة العربية هي المقصودة بالدعوة فقط نعم اللسان مقصود بالاستقلال ~~للبيان كما مر من قوله: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~الآية، وقوله: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن: "يوسف: ~~3" وقوله: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين بلسان عربي مبين: "الشعراء: 195" فاللسان العربي هو المظهر ~~للمعاني والمقاصد الذهنية أتم إظهار، ولذلك اختاره الله سبحانه لكتابه ~~العزيز من بين الألسن وقال: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون: "الزخرف: 3". # وبالجملة أمره الله تعالى بعد القيام بأصل الدعوة أن يبدأ بعشيرته فقال: ~~وأنذر عشيرتك الأقربين: "الشعراء: 214" فامتثل أمره وجمع عشيرته ودعاهم إلى ~~ما بعث له ووعدهم أن أول من لباه فهو خليفته من بعده فأجابه إلى ذلك علي ~~(عليه السلام) فشكر له ذلك واستهزأ به الباقون على ما في صحاح الروايات ~~وكتب التاريخ والسير، ثم لحق به أناس من أهله كخديجة زوجته وعمه حمزة بن ~~عبد المطلب وعبيد وعمه أبي طالب على ما روته الشيعة وفي أشعاره تصريحات ~~وتلويحات بذلك وإنما لم يتظاهر بالإيمان ليتمكن من حمايته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # ثم أمره الله سبحانه أن يوسع الدعوة لقومه على ما يظهر من قوله: وكذلك ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها: "الشورى: 7" وقوله: ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون: "الم السجدة: 3" وقوله: ~~وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ، وهذه الآية من الشواهد على أن ~~الدعوة غير مقصورة عليهم، وإنما بدأ بهم حكمة ومصلحة. # ثم أمره الله سبحانه بتوسعة الدعوة للدنيا من جميع المليين وغيرهم كما ~~يدل عليه الآيات السابقة كقوله تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا" وقوله: "ولكن رسول الله وخاتم النبيين" وغيرهما مما تقدم. # الثالثة: الأخذ بالمراتب من حيث الدعوة والإرشاد والإجراء، وهي الدعوة ~~بالقول والدعوة السلبية والجهاد. # أما الدعوة بالقول فهي مما ms1305 يستفاد من جميع القرآن بالبداهة، وقد أمره ~~الله سبحانه برعاية الكرامات الإنسانية والأخلاق الحسنة في ذلك قال تعالى: ~~قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي: "الكهف: 110" وقال: واخفض جناحك للمؤمنين: ~~"الحجر: 88" وقال: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم: "حم السجدة: 34" وقال: ولا تمنن ~~تستكثر: "المدثر: 6" إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعمل جميع فنون البيان على حسب ~~اختلاف الأفهام واستعدادات الأشخاص، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن: "النحل: 125". PageV04P017 # وأما الدعوة السلبية فهو اعتزال المؤمنين الكافرين في دينهم وأعمالهم ~~وتكوين مجتمع إسلامي لا يمازجه دين غيرهم ممن لا يوحد الله سبحانه ولا ~~أعمال غير المسلمين من المعاصي وسائر الرذائل الأخلاقية إلا ما أوجبته ~~ضرورة الحياة من المخالطة، قال تعالى: لكم دينكم ولي دين: "الكافرون: 6" ~~وقال: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ~~تنصرون: "هود: 113" وقال: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ~~آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير: "الشورى: ~~15" وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق "إلى أن قال": لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ~~وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون: "الممتحنة: 9" والآيات في معنى التبري والاعتزال عن أعداء الدين ~~كثيرة، وهي - كما ترى - تشرح معنى هذا التبري وكيفيته وخصوصيته. # وأما الجهاد فقد تقدم الكلام فيه في ذيل آيات الجهاد من ms1306 سورة البقرة وهذه ~~المراتب الثلاث من مزايا الدين الإسلامي ومفاخره والمرتبة الأولى لازمة في ~~الأخيرتين وكذا الثانية في الثالثة، فقد كانت من سيرته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) الدعوة والموعظة في غزواته قبل الشروع فيها على ما أمره به ربه ~~سبحانه فقال: "فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء". # ومن أخنى القول ما نبذوا به الإسلام: أنه دين السيف دون الدعوة مع أن ~~الكتاب والسيرة والتاريخ تشهد به وتنوره ولكن من لم يجعل الله له نورا فما ~~له من نور. # وهؤلاء المنتقدون بعضهم من أهل الكنيسة التي كانت عقدت منذ قرون فيها ~~محكمة دينية تقضي على المنحرفين عن الدين بالنار تشبها بالمحكمة الإلهية ~~يوم القيامة فكان عمالها يجولون في البلاد فيجلبون إليها من الناس من ~~اتهموه بالردة ولو بالأقوال الحديثة في الطبيعيات والرياضيات مما لم يقل به ~~الفلسفة الإسكولاستيكية التي كانت الكنيسة تروجها. # فليت شعري هل بسط التوحيد وقطع منابت الوثنية وتطهير الدنيا من قذارة ~~الفساد أهم عند العقل السليم أو تخنيق من قال بمثل حركة الأرض أو نفي الفلك ~~البطليموسي ورد أنفاسه إلى صدره، والكنيسة هي التي أثارت العالم المسيحي ~~على المسلمين باسم الجهاد مع الوثنية فأقامت الحروب الصليبية على ساقها ~~مائتي سنة تقريبا وخربت البلاد وأفنت الملايين من النفوس وأباحت الأعراض. # وبعضهم من غير أهل الكنيسة من المدعين للتمدن والحرية!! وهؤلاء هم الذين ~~يوقدون نار الحروب العالمية ويقلبون الدنيا ظهر البطن كلما هتفت بهم ~~مزاعمهم توجه خطر يسير على بعض منافعهم المادية فهل استقرار الشرك في ~~الدنيا وانحطاط الأخلاق وموت الفضائل وإحاطة الشؤم والفساد على الأرض ومن ~~فيها أضر أم زوال السلطة على أشبار من الأرض أو الخسارة في دريهمات يسيرة؟! ~~نعم إن الإنسان لربه لكنود. PageV04P018 # ويعجبني نقل ما ذكره بعض المحققين الأعاظم في هذا الباب في بعض رسائله قال ~~رحمه الله: الوسائل المتبعة للإصلاح الاجتماعي وتحقيق العدل وتمزيق الظلم ~~ومقاومة الشر والفساد تكاد تنحصر في ثلاثة أنواع: 1 - وسائل الدعوة ~~والإرشاد بالخطب والمقالات والمؤلفات والنشرات، وهذه هي الخطة ms1307 الشريفة التي ~~أشار إليها الحق جل شأنه بقوله: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن، وقوله: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم وهذه هي الطريقة التي استعملها الإسلام في أول البعثة، ~~إلى أن قال: 2 - وسائل المقاومة السلمية والسلبية كالمظاهرات والإضرابات ~~والمقاطعة الاقتصادية وعدم التعاون مع الظالمين، وعدم الاشتراك في أعمالهم ~~وحكومتهم، وأصحاب هذه الطريقة لا يبيحون اتخاذ طريق الحرب والقتل والعنف، ~~وهي المشار إليها بقوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، ~~ولا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي ~~تشير إلى هذه الطريقة، وأشهر من دعا إلى هذه الطريقة وأكد عليها النبي ~~الهندي بوذا، والمسيح (عليه السلام)، والأديب الروسي "تولستوي" والزعيم ~~الهندي الروحي "غاندي". # 3 - الحرب والثورة والقتال. # والإسلام يتدرج في هذه الأساليب الثلاثة: "الأولى" الموعظة الحسنة ~~والدعوة السليمة فإن لم ينجح في دفع الظالمين ودرء فسادهم واستبدادهم ~~"فالثانية" المقاطعة السلمية أو السلبية وعدم التعاون والمشاركة معهم فإن ~~لم تجد وتنفع "فالثالثه" الثورة المسلحة فإن الله لا يرضى بالظلم أبدا بل ~~والراضي الساكت شريك الظالم. # الإسلام عقيدة، وقد غلط وركب الشطط من قال: إن الإسلام نشر دعوته بالسيف ~~والقتال فإن الإسلام إيمان وعقيدة، والعقيدة لا تحصل بالجبر والإكراه وإنما ~~تخضع للحجة والبرهان، والقرآن المجيد ينادي بذلك في عدة آيات منها "لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". # والإسلام إنما استعمل السيف وشهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا ~~بالآيات والبراهين استعمل القوة في سبيل من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة ~~إلى الحق، أجهز السلاح لدفع شر المعاندين لا إلى إدخالهم في حظيرة الإسلام ~~يقول جل شأنه: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة فالقتال إنما هو لدفع الفتنة لا ~~لاعتناق الدين والعقيدة. # فالإسلام لا يقاتل عبطة واختيارا وإنما يحرجه الأعداء فيلتجىء إليه ~~اضطرارا ولا يأخذ منه إلا بالوسائل الشريفة فيحرم في الحرب والسلم التخريب ~~والإحراق والسم وقطع الماء عن الأعداء كما يحرم ms1308 قتل النساء والأطفال وقتل ~~الأسرى ويوصي بالرفق بهم والإحسان إليهم مهما كانوا من العداء والبغضاء ~~للمسلمين ويحرم الاغتيال في الحرب والسلم ويحرم قتل الشيوخ والعجزة ومن لم ~~يبدأ بالحرب ويحرم الهجوم على العدو ليلا "فانبذ إليهم على سواء" ويحرم ~~القتل على الظنة والتهمة والعقاب قبل ارتكاب الجريمة إلى أمثال ذلك من ~~الأعمال التي يأباها الشرف والمروءة والتي تنبعث من الخسة والقسوة والدناءة ~~والوحشية. # كل تلك الأعمال التي أبى شرف الإسلام ارتكاب شيء منها مع الأعداء في كل ~~ما كان له من المعارك والحروب قد ارتكبتها بأفظع صورها وأهول أنواعها الدول ~~المتمدنة في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور نعم أباح عصر النور قتل ~~النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والتبييت ليلا والهجوم ليلا بالسلاح ~~والقنابل على العزل والمدنيين الآمنين، وأباح القتل بالجملة. # ألم يرسل الألمان في الحرب العالمية الثانية القنابل الصاروخية إلى لندن ~~فهدمت المباني وقتلت النساء والأطفال والسكان الآمنين؟! ألم يقتل الألمان ~~ألوف الأسرى؟! ألم يرسل الحلفاء في الحرب الماضية ألوف الطائرات إلى ~~ألمانيا لتخريب مدنها؟! ألم يرم الأمريكان القنابل الذرية على المدن ~~اليابانية؟!. # وبعد اختراع وسائل الدمار الحديثة كالصواريخ والقنابل الذرية ~~والهيدروجينية لا يعلم إلا الله ما ذا يحل بالأرض من عذاب وخراب ومآسي ~~وآلام إذا حدثت حرب عالمية ثالثة ولجأت الدول المتحاربة إلى استعمال تلك ~~الوسائل، أرشد الله الإنسان إلى طريق الصواب وهداه الصراط المستقيم، انتهى. PageV04P019 # قوله تعالى: "وآتوا اليتامى أموالهم" إلى آخر الآية، أمر بإيتاء اليتامى ~~أموالهم وهو توطئة للجملتين اللاحقتين: ولا تتبدلوا "إلخ" أو الجملتان ~~كالمفسر لهذه الجملة غير أن التعليل الذي في آخر الآية لكونه راجعا إلى ~~الجملتين أو الجملة الأخيرة يؤيد أن الجملة الأولى موضوعة في الكلام تمهيدا ~~للنهي الذي في الجملتين اللاحقتين. # وأصل النهي عن التصرف المضار في أموال اليتامى كما تقدم بيانه توطئة ~~وتمهيد لما سيذكر من أحكام الإرث، ولما سيذكر في الآية التالية من حكم ~~التزوج. # وأما قوله تعالى: "ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب" أي لا تتبدلوا الخبيث من ~~أموالكم من الطيب من ms1309 أموالهم بأن يكون لهم عندكم مال طيب فتعزلوه لأنفسكم ~~وتردوا إليهم ما يعادله من ردي أموالكم. # ويمكن أن يكون المراد: لا تتبدلوا أكل الحرام من أكل الحلال - كما قيل - ~~لكن المعنى الأول أظهر فإن الظاهر أن كلا من الجملتين أعني قوله: ولا ~~تتبدلوا إلخ وقوله: ولا تأكلوا إلخ بيان لنوع خاص من التصرف غير الجائز ~~وقوله: وآتوا اليتامى إلخ تمهيد لبيانهما معا، وأما قوله: إنه كان حوبا ~~كبيرا الحوب الإثم مصدر واسم مصدر. # قوله تعالى: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانحكوا ما طاب لكم من ~~النساء" قد مرت الإشارة فيما مر إلى أن أهل الجاهلية من العرب - وكانوا لا ~~يخلون في غالب الأوقات عن الحروب والمقاتل والغيلة والغارة وكان يكثر فيهم ~~حوادث القتل - كان يكثر فيهم الأيتام، وكانت الصناديد والأقوياء منهم ~~يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فيتزوجون بهن ويأكلون أموالهن إلى ~~أموالهم ثم لا يقسطون فيهن وربما أخرجوهن بعد أكل مالهن فيصرن عاطلات ذوات ~~مسكنة لا مال لهن يرتزقن به ولا راغب فيهن فيتزوج بهن وينفق عليهن، وقد شدد ~~القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث والظلم الفاحش، وأكد النهي عن ~~ظلم اليتامى وأكل أموالهم كقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا: "النساء: 10"، وقوله تعالى: ~~وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا الآية: "النساء: 2"، فأعقب ذلك أن المسلمين ~~أشفقوا على أنفسهم - كما قيل - وخافوا خوفا شديدا حتى أخرجوا اليتامى من ~~ديارهم خوفا من الابتلاء بأموالهم والتفريط في حقهم، ومن أمسك يتيما عنده ~~أفرز حظه من الطعام والشراب وكان إذا فضل من غذائهم شيء لم يدنوا منه حتى ~~يبقى ويفسد فأصبحوا متحرجين من ذلك وسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن ذلك وشكوا إليه فنزل: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم: "البقرة: 220"، فأجاز لهم ms1310 أن يأووهم ويمسكوهم إصلاحا ~~لشأنهم وأن يخالطوهم فإنهم إخوانهم فجلى عنهم وفرج همهم. # إذا تأملت في ذلك ثم رجعت إلى قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا "إلخ" وهو واقع عقيب قوله: وآتوا اليتامى أموالهم الآية ~~اتضح لك أن الآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في الآية ~~السابقة والمعنى - والله أعلم -: اتقوا أمر اليتامى، ولا تتبدلوا خبيث ~~أموالكم من طيب أموالهم، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى إنكم إن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتيمات منهم ولم تطب نفوسكم أن تنكحوهن وتتزوجوا بهن ~~فدعوهن وانكحوا نساء غيرهن ما طاب لكم مثنى وثلاث ورباع. # فالشرطية أعني قوله: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء، في معنى قولنا إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا ~~تنكحوهن وانكحوا نساء غيرهن فقوله: فانكحوا ساد مسد الجزاء الحقيقي، وقوله: ~~ما طاب لكم، يغني عن ذكر وصف النساء أعني لفظ غيرهن، وقد قيل: ما طاب لكم ~~ولم يقل: من طاب لكم إشارة إلى العدد الذي سيفصله بقوله: مثنى وثلاث إلخ ~~ووضع قوله: إن خفتم ألا تقسطوا موضع عدم طيب النفس من وضع السبب موضع ~~المسبب مع الإشعار بالمسبب في الجزاء بقوله: ما طاب لكم، هذا. PageV04P020 # وقد قيل في معنى الآية أمور أخر غير ما مر على ما ذكر في مطولات التفاسير ~~وهي كثيرة، منها: أنه كان الرجل منهم يتزوج بالأربع والخمس وأكثر ويقول: ما ~~يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان، فإذا فني ماله مال إلى مال اليتيم الذي في ~~حجره فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ظلما. # ومنها: أنهم كانوا يشددون في أمر اليتامى ولا يشددون في أمر النساء ~~فيتزوجون منهن عددا كثيرا ولا يعدلون بينهن، فقال تعالى: إن كنتم تخافون ~~أمر اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا منهن واحدة إلى أربع. # ومنها: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى وأكل أموالهم فقال سبحانه: ~~إن كنتم تحرجتم من ذلك فكذلك تحرجوا ms1311 من الزنا وانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء. # ومنها: أن المعنى إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجوركم ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قرباتكم مثنى وثلاث ورباع. # ومنها: أن المعنى إن كنتم تتحرجون عن مؤاكلة اليتامى فتحرجوا من الجمع ~~بين النساء وأن لا تعدلوا بينهن ولا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور، ~~فهذه وجوه ذكروها لكنك بصير بأن شيئا منها لا ينطبق على لفظ الآية ذاك ~~الانطباق فالمصير إلى ما قدمناه. # قوله تعالى: "مثنى وثلاث ورباع" بناء مفعل وفعال في الأعداد تدلان على ~~تكرار المادة فمعنى مثنى وثلاث ورباع اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا ~~أربعا، ولما كان الخطاب متوجها إلى أفراد الناس وقد جيء بواو التفصيل بين ~~مثنى وثلاث ورباع الدال على التخيير أفاد الكلام أن لكل واحد من المؤمنين ~~أن يتخذ لنفسه زوجتين أو ثلاثا أو أربعا فيصرن بالإضافة إلى الجميع مثنى ~~وثلاث ورباع. # وبذلك وبقرينة قوله بعده: وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ~~وكذا آية المحصنات بجميع ذلك يدفع أن يكون المراد بالآية أن تنكح الاثنتان ~~بعقد واحد أو الثلاث بعقد واحد مثلا، أو يكون المراد أن تنكح الاثنتان معا ~~ثم الاثنتان معا وهكذا، وكذا في الثلاث والأربع، أو يكون المراد اشتراك ~~أزيد من رجل واحد في الزوجة الواحدة مثلا فهذه محتملات لا تحتملها الآية. # على أن الضرورة قاضية أن الإسلام لا ينفذ الجمع بين أزيد من أربع نسوة أو ~~اشتراك أزيد من رجل في زوجة واحدة. # وكذا يدفع بذلك احتمال أن يكون الواو للجمع فيكون في الكلام تجويز الجمع ~~بين تسع نسوة لأن مجموع الاثنتين والثلاث والأربع تسع، وقد ذكر في المجمع: ~~أن الجمع بهذا المعنى غير محتمل البتة فإن من قال: دخل القوم البلد مثنى ~~وثلاث ورباع لم يلزم منه اجتماع الأعداد فيكون دخولهم تسعة تسعة، ولأن لهذا ~~العدد لفظا موضوعا وهو تسع فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع نوع من العي - ~~جل كلامه ms1312 عن ذلك وتقدس -. # قوله تعالى: "وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" أي فانكحوا واحدة لا أزيد، وقد ~~علقه تعالى على الخوف من ذلك دون العلم لأن العلم في هذه الأمور - ولتسويل ~~النفس فيها أثر بين - لا يحصل غالبا فتفوت المصلحة. # قوله تعالى: "أو ما ملكت أيمانكم" وهي الإماء فمن خاف ألا يقسط فيهن ~~فعليه أن ينكح واحدة، وإن أحب أن يزيد في العدد فعليه بالإماء إذ لم يشرع ~~القسم في الإماء. # ومن هنا يظهر أن ليس المراد التحضيض على الإماء بتجويز الظلم والتعدي ~~عليهن فإن الله لا يحب الظالمين وليس بظلام للعبيد بل لما لم يشرع القسم ~~فيهن فأمر العدل فيهن أسهل، ولهذه النكتة بعينها كان المراد بذكر ملك ~~اليمين الاكتفاء باتخاذهن وإتيانهن بملك اليمين دون نكاحهن بما يبلغ العدد ~~أو يكثر عليه فإن مسألة نكاحهن سيتعرض لها في ما سيجيء من قوله: ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات الآية: "النساء: 25". # قوله تعالى: "ذلك أدنى ألا تعولوا" العول هو الميل أي هذه الطريقة على ما ~~شرعت أقرب من ألا تميلوا عن العدل ولا تتعدوا عليهن في حقوقهن، وربما قيل: ~~إن العول بمعنى الثقل وهو بعيد لفظا ومعنى. # وفي ذكر هذه الجملة التي تتضمن حكمة التشريع دلالة على أن أساس التشريع ~~في أحكام النكاح على القسط ونفي العول والإجحاف في الحقوق. PageV04P021 # قوله تعالى: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة" الصدقة بضم الدال وفتحها والصداق ~~هو المهر، والنحلة هي العطية من غير مثامنة. # وفي إضافة الصدقات إلى ضمير هن دلالة على أن الحكم بوجوب الإيتاء مبني ~~على المتداول بين الناس في سنن الازدواج من تخصيص شيء من المال أو أي شيء ~~له قيمة مهرا لهن كأنه يقابل به البضع مقابلة الثمن المبيع فإن المتداول ~~بين الناس أن يكون الطالب الداعي للازدواج هو الرجل على ما سيأتي في البحث ~~العلمي التالي، وهو الخطبة كما أن المشتري يذهب بالثمن إلى البائع ليأخذ ~~سلعته، وكيف كان ففي الآية ms1313 إمضاء هذه العادة الجارية عند الناس. # ولعل إمكان توهم عدم جواز تصرف الزوج في المهر أصلا حتى برضا من الزوجة ~~هو الموجب للإتيان بالشرط في قوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا مع ما في اشتراط الأكل بطيب النفس من تأكيد الجملة السابقة ~~المشتملة على الحكم، والدلالة على أن الحكم وضعي لا تكليفي. # والهناء سهولة الهضم وقبول الطبع ويستعمل في الطعام، والمري من الري وهو ~~في الشراب كالهنيء في الطعام غير أن الهناء يستعمل في الطعام والشراب معا، ~~فإذا قيل: هنيئا مريئا اختص الهناء بالطعام والري بالشراب. # قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" السفه ~~خفة العقل، وكان الأصل في معناه مطلق الخفة فيما من شأنه أن لا يخف ومنه ~~الزمام السفيه أي كثير الاضطراب وثوب سفيه أي رديء النسج ثم غلب في خفة ~~النفس واختلف باختلاف الأغراض والمقاصد فقيل سفيه لخفيف الرأي في الأمور ~~الدنيوية وسفيه للفاسق غير المبالي في أمر دينه وهكذا. # وظاهر ما يتراءى من الآية أنه نهي عن الإكثار في الإنفاق على السفهاء ~~وإعطائهم من المال أزيد من حاجاتهم الضرورية في الارتزاق، غير أن وقوع ~~الآية في سياق الكلام في أموال اليتامى التي يتولى أمر إدارتها وإنمائها ~~الأولياء قرينة معينة على كون المراد بالسفهاء هم السفهاء من اليتامى، وأن ~~المراد بقوله: أموالكم، في الحقيقة أموالهم أضيف إلى الأولياء بنوع من ~~العناية كما يشهد به أيضا قوله بعد: وارزقوهم فيها واكسوهم، وإن كان ولا بد ~~من دلالة الآية على أمر سائر السفهاء غير اليتامى، فالمراد بالسفهاء ما يعم ~~اليتيم وغير اليتيم لكن الأول أرجح. # وكيف كان فلو كان المراد بالسفهاء سفهاء اليتامى، فالمراد بقوله: ~~أموالكم، أموال اليتامى وإنما أضيفت إلى الأولياء المخاطبين بعناية أن ~~مجموع المال والثروة الموجودة في الدنيا لمجموع أهلها وإنما اختص بعض أفراد ~~المجتمع ببعض منه وآخر بآخر للصلاح العام الذي يبتني عليه أصل الملك ~~والاختصاص فيجب أن يتحقق الناس بهذه الحقيقة ويعلموا أنهم مجتمع واحد ms1314 ~~والمال كله لمجتمعهم، وعلى كل واحد منهم أن يكلأه ويتحفظ به ولا يدعه يضيع ~~بتبذير نفوس سفيهة، وتدبير كل من لا يحسن التدبير كالصغير والمجنون، وهذا ~~من حيث الإضافة كقوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم: "النساء: 25"، ومن المعلوم أن ~~المراد بالفتيات ليس الإماء اللاتي يملكها من يريد النكاح. # ففي الآية دلالة على حكم عام موجه إلى المجتمع وهو أن المجتمع ذو شخصية ~~واحدة له كل المال الذي أقام الله به صلبه وجعله له معاشا فيلزم على ~~المجتمع أن يدبره ويصلحه ويعرضه معرض النماء ويرتزق به ارتزاقا معتدلا ~~مقتصدا ويحفظه عن الضيعة والفساد، ومن فروع هذا الأصل أنه يجب على الأولياء ~~أن يتولوا أمر السفهاء فلا يؤتوهم أموالهم فيضيعوها بوضعها في غير ما ينبغي ~~أن توضع فيه بل عليهم أن يحبسوها عنهم ويصلحوا شأنها، وينموها بالكسب ~~والاتجار والاسترباح ويرزقوا أولئك السفهاء من فوائدها ونمائها دون أصلها ~~حتى لا ينفد رويدا رويدا وينتهي إلى مسكنة صاحب المال وشقوته. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: وارزقوهم فيها واكسوهم، أن يرتزق السفيه ~~في المال بأن يعيش من نمائه ونتاجه وأرباحه لا من المال بأن يشرع في الأكل ~~من أصله على ركود منه من غير جريان ودوران فينفد عن آخره، وهذه هي النكتة ~~في قوله: "فيها" دون أن يقول: "منها" كما ذكره الزمخشري. PageV04P022 # ولا يبعد أن يستفاد من الآية عموم ولاية المحجور عليهم بمعنى أن الله لا ~~يرضى بإهمال أمر هؤلاء بل على المجتمع الإسلامي تولي أمرهم فإن كان هناك ~~واحد من الأولياء الأقربين كالأب والجد فعليه التولي والمباشرة، وإلا فعلى ~~الحكومة الشرعية أو على المؤمنين أن يقوموا بالأمر على التفصيل المذكور في الفقه. # كلام في أن جميع المال لجميع الناس # هذه حقيقة قرآنية هي أصل لأحكام وقوانين هامة في الإسلام أعني ما تفيده ~~هذه الآية: أن المال لله ملكا حقيقيا جعله قياما ومعاشا للمجتمع الإنساني ~~من غير أن يقفه على شخص دون شخص ms1315 وقفا لا يتغير ولا يتبدل وهبة تنسلب معها ~~قدرة التصرف التشريعي ثم أذن في اختصاصهم بهذا الذي خوله الجميع على طبق ~~نسب مشرعة كالوراثة والحيازة والتجارة وغير ذلك وشرط لتصرفهم أمورا كالعقل ~~والبلوغ ونحو ذلك. # والأصل الثابت الذي يراعى حاله ويتقدر به فروعه هو كون الجميع للجميع، ~~فإنما تراعى المصالح الخاصة على تقدير انحفاظ المصلحة العامة التي تعود إلى ~~المجتمع وعدم المزاحمة، وأما مع المزاحمة والمفاوتة فالمقدم هو صلاح ~~المجتمع من غير تردد. # ويتفرع على هذا الأصل الأصيل في الإسلام فروع كثيرة هامة كأحكام الإنفاق ~~ومعظم أحكام المعاملات وغير ذلك، وقد أيده الله تعالى في موارد من كتابه ~~كقوله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا: "البقرة: 29"، وقد أوردنا بعض ~~الكلام المتعلق بهذا المقام في البحث عن آيات الإنفاق من سورة البقرة ~~فليراجع هناك. # قوله تعالى: "وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا" قد تقدم ~~استيفاء الكلام في معنى الرزق في قوله تعالى: وترزق من تشاء بغير حساب: "آل ~~عمران: 27" وقوله: وارزقوهم فيها واكسوهم، كقوله: وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن: "البقرة: 233" فالمراد بالرزق هو الغذاء الذي يغتذي به الإنسان ~~والكسوة ما يلبسه مما يقيه الحر والبرد غير أن لفظ الرزق والكسوة في عرف ~~القرآن كالكسوة والنفقة في لساننا كالكناية يكنى بها عن مجموع ما ترتفع به ~~حوائج الإنسان المادية الحيوية فيدخل فيه سائر ما يحتاج إليه الإنسان ~~كالمسكن ونحوه كما أن الأكل ذو معنى خاص بحسب أصله ثم يكنى به عن مطلق ~~التصرفات كقوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا الآية. # وأما قوله: "وقولوا لهم قولا معروفا" فإنما هو كلمة أخلاقية يصلح بها أمر ~~الولاية فإن هؤلاء وإن كانوا سفهاء محجورين عن التصرف في أموالهم غير أنهم ~~ليسوا حيوانا أعجم ولا من الأنعام السائمة بل بشر يجب أن يعامل معهم معاملة ~~الإنسان فيكلموا بما يكلم به الإنسان لا بالمنكر من القول ويعاشروا بما ~~يعاشر به الإنسان. # ومن هنا يظهر أن من الممكن أن يكون قوله: وقولوا ms1316 لهم قولا معروفا. # كناية عن المعاملة الحسنة والمعاشرة الممدوحة غير المذمومة كما في قوله ~~تعالى: "وقولوا للناس حسنا": "البقرة: 83". # قوله تعالى: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم" إلى ~~قوله: "أموالهم" الابتلاء الامتحان والمراد من بلوغ النكاح بلوغ أوانه ففيه ~~مجاز عقلي والإيناس المشاهدة وفيه شوب من معنى الألفة فإن مادته الأنس، ~~والرشد خلاف الغي وهو الاهتداء إلى مقاصد الحياة، ودفع مال اليتيم إليه ~~كناية عن إعطائه إياه وإقباضه له كأن الولي يدفعه إليه ويبعده من نفسه فهو ~~على ابتذاله كناية لطيفة. # وقوله: حتى إذا بلغوا النكاح، متعلق بقوله: وابتلوا، ففيه دلالة ما على ~~الاستمرار بأن يشرع الولي في ابتلائه من أول ما يأخذ في التمييز ويصلح ~~للابتلاء حتى ينتهي إلى أوان النكاح ويبلغ مبلغ الرجال، ومن طبع هذا الحكم ~~ذلك فإن إيناس الرشد لا يحصل بابتلاء الصبي في واقعة أو واقعتين بل يجب ~~تكراره إلى أن يحصل الإيناس ويتمشى بالطبع في مدة مديدة حتى يبلغ الرهاق ثم ~~النكاح. PageV04P023 # وقوله: فإن آنستم إلخ تفريع على قوله: وابتلوا والمعنى: وامتحنوهم فإن ~~آنستم منهم الرشد فادفعوا إليهم أموالهم والكلام يؤذن بأن بلوغ النكاح ~~بمنزلة المقتضي لدفع المال إلى اليتيم واستقلاله بالتصرف في مال نفسه ~~والرشد شرط لنفوذ التصرف، وقد فصل الإسلام النظر في أمر البلوغ من الإنسان ~~فاكتفى في أمر العبادات وأمثال الحدود والديات بمجرد السن الشرعي الذي هو ~~سن النكاح واشترط في نفوذ التصرفات المالية والأقارير ونحوها مما تفصيل ~~بيانه في الفقه مع بلوغ النكاح الرشد، وذلك من لطائف سلوكه في مرحلة ~~التشريع فإن إهمال أمر الرشد وإلغاءه في التصرفات المالية ونحوها مما يختل ~~به نظام الحياة الاجتماعية في قبيل الأيتام ويكون نفوذ تصرفاتهم وأقاريرهم ~~مفضيا إلى غرور الأفراد الفاسدة إياهم وإخراج جميع وسائل الحياة من أيديهم ~~بأدنى وسيلة بالكلمات المزيفة والمواعيد الكاذبة والمعاملات الغررية إلى ~~ذلك فالرشد لا محيص من اشتراطه في هذا النوع من الأمور، وأما أمثال ~~العبادات فعدم الحاجة فيها إلى الاشتراط ظاهر، وكذا أمثال الحدود ms1317 والديات ~~فإن إدراك قبح هذه الجنايات والمعاصي وفهم وجوب الكف عنها لا يحتاج فيه إلى ~~الرشد بل الإنسان يقوى على تفهم ذلك قبله ولا يختلف حاله في ذلك قبل الرشد وبعده. # قوله تعالى: "ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا" اه الإسراف هو التعدي ~~عن الاعتدال في العمل، والبدار هو المبادرة إلى الشيء وقوله وبدارا أن ~~يكبروا في معنى حذر أن يكبروا فلا يدعوكم أن تأكلوا، وحذف النفي أو ما في ~~معناه قبل أن وأن قياسي على ما ذكره النحاة قال تعالى: يبين الله لكم أن ~~تضلوا: "النساء: 176" أي لئلا تضلوا أو حذر أن تضلوا. # والتقابل الواقع بين الأكل إسرافا والأكل بدارا أن يكبروا يعطي أن الأكل ~~إسرافا هو التعدي إلى أموالهم من غير حاجة ولا شائبة استحقاق بل إجحافا من ~~غير مبالاة والأكل بدارا أن يأكل الولي منها مثل ما يعد أجرة لعمله فيها ~~عادة غير أن اليتيم لو كبر أمكن أن يمنعه عن مثل هذا الأكل فالجميع ممنوع ~~إلا أن يكون الولي فقيرا لا محيص له من أن يشتغل بالاكتساب لسد جوعة أو ~~يعمل لليتيم ويسد حاجته الضرورية من ماله وهذا بالحقيقة يرجع إلى ما يأخذ ~~العامل للتجارة والبناية ونحوهما وهو الذي ذكره بقوله: من كان غنيا أي لا ~~يحتاج في معاشه إلى الأخذ من مال اليتيم فليستعفف أي ليطلب طريق العفة ~~وليلزمه فلا يأخذ من أموالهم ومن كان فقيرا فليأكل منها بالمعروف، وذكر بعض ~~المفسرين أن المعنى: فليأكل بالمعروف من مال نفسه لا من أموالهم وهو لا ~~يلائم التفصيل بين الغني والفقير. # وأما قوله تعالى: "فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم" فتشريع ~~للاستشهاد عند الدفع تحكيما للأمر ورفعا لغائلة الخلاف والنزاع فمن الممكن ~~أن يدعي اليتيم بعد الرشد وأخذ المال من الولي عليه، ثم ذيل الجميع بقوله ~~تعالى: وكفى بالله حسيبا ربطا للحكم بمنشئه الأصلي الأولي أعني محتد كل حكم ~~من أسمائه وصفاته تعالى فإنه تعالى لما كان حسيبا لم يكن ليخلي أحكام عباده ~~من غير حساب دقيق ms1318 وهو تشريعه المحكم، وتتميما للتربية الدينية الإسلامية ~~فإن الإسلام يأخذ في تربية الناس على أساس التوحيد إذ الإشهاد وإن كان ~~رافعا غالبا للخلاف والنزاع لكن ربما تخلف عنه لانحراف من الشهود في ~~عدالتهم أو غير ذلك من متفرقات العوامل لكن السبب المعنوي العالي القوي هو ~~تقوى الله الذي كفى به حسيبا فلو جعل الولي والشهود واليتيم الذي دفع إليه ~~المال هذا المعنى نصب أعينهم لم يقع هناك اختلاف ولا نزاع البتة. # فانظر إلى الآيتين كيف أبدعتا في البيان فقد بينتا أولا رءوس مسائل ~~الولاية على أموال اليتامى والمحجور عليهم ومهماتها: من كيفية الأخذ والحفظ ~~والإنماء والتصرف والرد ووقت الأخذ والدفع وتحكيم مبناه ببيان وجه المصلحة ~~العامة في ذلك كله وهو أن المال لله جعله قياما للإنسان على ما تقدم بيانه. # وثانيا الأصل الأخلاقي الذي يربي الإنسان على وفق هذه الشرائع وهو الذي ~~ذكره تعالى بقوله: وقولوا لهم قولا معروفا. PageV04P024 # وثالثا ببناء الجميع على أصل التوحيد الحاكم بوحدته في جميع الأحكام ~~العملية والأخلاقية والباقي على حسن تأثيره في جميع الموارد لو فرض ضعف ~~الأحكام العملية والدستورات الأخلاقية من حيث الأثر، وهو الذي ذكره بقوله: ~~وكفى بالله حسيبا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، في قوله تعالى: وآتوا اليتامى أموالهم الآية أخرج ابن ~~أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ ~~له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه فخاصمه إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فنزلت الآية: وآتوا اليتامى أموالهم، الحديث. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): لا يحل لماء الرجل أن يجري ~~في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر. # وفي الكافي، عنه (عليه السلام): إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن فلا ~~يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق. # أقول: والروايات في الباب كثيرة. # وفي العلل، بإسناده عن محمد بن سنان: أن الرضا (عليه السلام) كتب إليه ~~فيما كتب من جواب مسائله علة تزويج الرجل أربع نسوة وتحريم ms1319 أن تتزوج المرأة ~~أكثر من واحد لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوبا إليه، والمرأة ~~لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو؟ إذ هم مشتركون في ~~نكاحها وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف، قال محمد بن سنان: ومن ~~علل النساء الحرائر وتحليل أربع نسوة لرجل واحد أنهن أكثر من الرجال فلما ~~نظر والله أعلم يقول الله عز وجل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع، فذلك تقدير قدره الله تعالى ليتسع فيه الغني والفقير فيتزوج الرجل ~~على قدر طاقته، الحديث. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في حديث قال: والغيرة للرجال، ~~ولذلك حرم على المرأة إلا زوجها وأحل للرجل أربعا فإن الله أكرم من أن ~~يبتليهن بالغيرة ويحل للرجل معها ثلاثا. # أقول: ويوضح ذلك أن الغيرة هي إحدى الأخلاق الحميدة والملكات الفاضلة وهي ~~تغير الإنسان عن حاله المعتاد، ونزوعه إلى الدفاع والانتقام عند تعدي الغير ~~إلى بعض ما يحترمه لنفسه من دين أو عرض أو جاه ويعتقد كرامته عليه، وهذه ~~الصفة الغريزية لا يخلو عنها في الجملة إنسان أي إنسان فرض فهي من فطريات ~~الإنسان، والإسلام دين مبني على الفطرة تؤخذ فيه الأمور التي تقضي بها فطرة ~~الإنسان فتعدل بقصرها فيما هو صلاح الإنسان في حياته، ويحذف عنها ما لا ~~حاجة إليه فيها من وجوه الخلل والفساد كما في اقتناء المال والمأكل والمشرب ~~والملبس والمنكح وغير ذلك. # فإذا فرض أن الله سبحانه أحل للرجل مع المرأة الواحدة ثلاثا أخر - والدين ~~مبني على رعاية حكم الفطرة - كان لازم ذلك أن يكون ما يتراءى من حال النساء ~~وتغيرهن على الرجال في أمر الضرائر حسدا منهن لا غيرة وسيتضح مزيد اتضاح في ~~البحث الآتي عن تعدد الزوجات أن هذا الحال حال عرضي طار عليهن لا غريزي فطري. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يرجع ~~الرجل فيما يهب لامرأته، ولا المرأة فيما تهب لزوجها جيزت أو لم تجز أليس ms1320 ~~الله تبارك وتعالى يقول: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا؟ وقال: ~~فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا؟ وهذا يدخل في الصداق ~~والهبة. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن القداح عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه ~~السلام) قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير ~~المؤمنين بي وجع في بطني فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) ألك زوجة؟ ~~قال: نعم قال استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم ~~اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله يقول في كتابه: ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا، وقال: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء ~~للناس، وقال: فإن طبن لكم منه شيئا فكلوه هنيئا مريئا، شفيت إن شاء الله ~~تعالى، قال: ففعل ذلك فشفي: أقول: ورواه أيضا في الدر المنثور عن عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (عليه السلام) وهو نوع من الاستفادة ~~لطيف، وبناؤه على التوسعة في المعنى ويوجد له نظائر في الأخبار المأثورة عن ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام) سنورد بعضها في الموارد المناسبة له. PageV04P025 # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام): إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب ~~الله، ثم قال في بعض حديثه: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ~~القيل والقال، وفساد المال، وكثيرة السؤال، فقيل له: يا بن رسول الله أين ~~هذا من كتاب الله؟ قال: إن الله عز وجل يقول: لا خير في كثير من نجويهم - ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، وقال: ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما، وقال: ولا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. # وفي تفسير العياشي، عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم، قال: من لا تثق به. # وفيه، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا عبد الله (عليه ms1321 السلام) عن ~~هذه الآية ولا تؤتوا السفهاء أموالكم قال: كل من يشرب الخمر فهو سفيه. # وفيه، عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن ~~قول الله: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم قال: هم اليتامى لا تعطوهم أموالهم ~~حتى تعرفوا منهم الرشد فقلت: فكيف يكون أموالهم أموالنا؟ قال: إذا كنت أنت ~~الوارث لهم. # وفي تفسير القمي، عن الباقر (عليه السلام): في الآية: فالسفهاء النساء ~~والولد إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لم ينبغ له أن ~~يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعل الله له قياما يقول: معاشا الحديث. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة، وهي تؤيد ما قدمناه أن للسفه معنى ~~وسيع ذو مراتب كالسفيه المحجور عليه والصبي قبل أن يرشد والمرأة المتلهية ~~المتهوسة وشارب الخمر ومطلق من لا تثق به، وبحسب اختلاف هذه المصاديق يختلف ~~معنى إيتاء المال، وكذا معنى إضافة "أموالكم" وعليك بالتطبيق والاعتبار. # وقوله في رواية ابن أبي حمزة: إذا كنت أنت الوارث لهم إشارة إلى ما ~~قدمناه أن المال كله للمجتمع بحسب الأصل ثم لكل من الأشخاص ثانيا وللمصالح ~~الخاصة فإن اشتراك المجتمع في المال أولا هو الموجب لانتقاله من واحد إلى آخر. # وفي الفقيه، عن الصادق (عليه السلام): انقطاع يتم اليتيم الاحتلام وهو ~~أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشد وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله. # وفيه، عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: وابتلوا اليتامى الآية قال: ~~إيناس الرشد حفظ المال. # أقول: وقد تقدم وجه دلالة الآية عليه. # وفي التهذيب، عنه (عليه السلام): في قول الله: ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف قال: فذاك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا ~~كان يصلح لهم فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم ~~والنحاس في ناسخه عن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: ms1322 ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ~~ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك بماله. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) ~~وغيرهم، وهناك مباحث فقهية وأخبار ناظرة إليها من أرادها فعليه بجوامع ~~الحديث وكتب الفقه. # وفي تفسير العياشي، عن رفاعة عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: فليأكل ~~بالمعروف، قال (عليه السلام): كان أبي يقول: إنها منسوخة. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر ~~من طريق عطاء عن ابن عباس: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال: نسختها: إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية. # أقول: وكون الآية منسوخة لا يلائم ميزان النسخ إذ ليس بين الآيات الكريمة ~~ما نسبتها إلى هذه الآية نسبة الناسخة إلى المنسوخة، وأما قوله تعالى: إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية فهو لا ينافي بمضمونه مضمون هذه ~~الآية فإن الأكل في هذه الآية المجوزة مقيد بالمعروف، وفي تلك الآية ~~المحرمة بالظلم ولا تنافي بين تجويز الأكل بالمعروف وتحريم الأكل ظلما، ~~فالحق أن الآية غير منسوخة، والروايتان لا توافقان الكتاب على ما فيهما من الضعف. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن المغيرة عن جعفر بن محمد (عليهما ~~السلام): في قول الله: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم قال: ~~فقال: إذا رأيتموهم يحبون آل محمد فارفعوهم درجة. PageV04P026 # أقول: وهو من الجري من باطن التنزيل فإن أئمة الدين آباء المؤمنين ~~والمؤمنون أيتام المعارف عند انقطاعهم عنهم فإذا صح انتسابهم إليهم بالحب ~~فليرفعوا درجة بتعليم المعارف الحقة التي هي ميراث آبائهم. ### |||| AUTO بحث علمي في فصول ثلاثة # 1 - النكاح من مقاصد الطبيعة: # أصل التواصل بين الرجل والمرأة مما تبينه الطبيعة الإنسانية بل الحيوانية ~~بأبلغ بيانها، والإسلام دين الفطرة فهو مجوزه لا محالة. # وأمر الإيلاد والإفراخ الذي هو بغية الطبيعة وغرض الخلقة في هذا الاجتماع ~~هو السبب الوحيد والعامل الأصلي في تقليب هذا العمل في قالب الازدواج ~~وإخراجه من مطلق ms1323 الاختلاط للسفاد والمقاربة إلى شكل النكاح والملازمة ولهذا ~~ترى أن الحيوان الذي يشترك في تربيته الوالدان معا كالطيور في حضانة بيضها ~~وتغذية أفراخها وتربيتها وكالحيوان الذي يحتاج في الولادة والتربية إلى وكر ~~تحتاج الإناث منه في بنائه وحفظه إلى معاونة الذكور يختار لهذا الشأن ~~الازدواج وهو نوع من الملازمة والاختصاص بين الزوجين الذكور والإناث منه ~~فيتواصلان عندئذ ويتشاركان في حفظ بيض الإناث وتدبيرها وإخراج الأفراخ منها ~~وهكذا إلى آخر مدة تربية الأولاد ثم ينفصلان إن انفصلا ثم يتجدد الازدواج ~~وهكذا فعامل النكاح والازدواج هو الإيلاد وتربية الأولاد وأما إطفاء نائرة ~~الشهوة أو الاشتراك في الأعمال الحيوية كالكسب وجمع المال وتدبير الأكل ~~والشرب والأثاث وإدارة البيت فأمور خارجة عن مستوى غرض الطبيعة والخلقة ~~وإنما هي أمور مقدمية أو فوائد مترتبة. # ومن هنا يظهر أن الحرية والاسترسال من الزوجين بأن يتواصل كل من الزوجين ~~مع غير زوجه أينما أراد ومهما أراد من غير امتناع كالحيوان العجم الذي ينزو ~~الذكور منه على الإناث أينما وجدها على ما يكاد يكون هو السنة الجارية بين ~~الملل المتمدنة اليوم وكذا الزنا وخاصة زنا المحصنة منه. # وكذا تثبيت الازدواج الواقع وتحريم الطلاق والانفصال بين الزوجين، وترك ~~الزوج واتخاذ زوج آخر ما دامت الحياة تجمع بينهما. # وكذا إلغاء التوالد وتربية الأولاد وبناء الازدواج على أساس الاشتراك في ~~الحياة المنزلية على ما هو المتداول اليوم بين الملل الراقية ونظيره إرسال ~~المواليد إلى المعاهد العامة المعدة للرضاع والتربية كل ذلك على خلاف سنة ~~الطبيعة وقد جهز الإنسان بما ينافي هذه السنن الحديثة على ما مرت الإشارة إليه. # نعم الحيوان الذي لا حاجة في ولادته وتربيته إلى أزيد من حمل الأم إياه ~~وإرضاعها له وتربيته بمصاحبتها فلا حاجة طبيعية فيه إلى الازدواج والمصاحبة ~~والاختصاص فهذا النوع من الحيوان له حرية السفاد بمقدار ما لا يضر بغرض ~~الطبيعة من جهة حفظ النسل. # وإياك أن تتوهم أن الخروج عن سنة الخلقة وما تستدعيه الطبيعة لا بأس به ~~بعد تدارك النواقص الطارئة بالفكر والروية ms1324 مع ما فيه من لذائذ الحياة ~~والتنعم، فإن ذلك من أعظم الخبط فإن هذه البنيات الطبيعية التي منها البنية ~~الإنسانية مركبات مؤلفة من أجزاء كثيرة تستوجب بوقوع كل في موقعه الخاص على ~~شرائطه المخصوصة به وضعا هو الملائم لغرض الطبيعة والخلقة وهو المناسب ~~لكمال النوع كالمعاجين والمركبات من الأدوية التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف ~~ومقادير وأوزان وشرائط خاصة لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج ~~وانحراف سقط الأثر. # فالإنسان مثلا موجود طبيعي تكويني ذو أجزاء مركبة تركيبا خاصا يستتبع ~~أوصافا داخلية وخواص روحية تستعقب أفعالا وأعمالا فإذا حول بعض أفعاله ~~وأعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها يستتبع ذلك انحرافا وتغيرا في صفاته ~~وخواصه الروحية وانحرف بذلك جميع الخواص والصفات عن مستوى الطبيعة وصراط ~~الخلقة وبطل بذلك ارتباطه بكماله الطبيعي والغاية التي يبتغيها بحسب ~~الخلقة. PageV04P027 # وإذا بحثنا في المصائب العامة التي تستوعب اليوم الإنسانية وتحبط أعمال ~~الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة وتهدد الإنسانية بالسقوط ~~والانهدام وجدنا أن أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة التقوى وتمكن الخرق ~~والقسوة والشدة والشره من نفوس الجوامع البشرية وأعظم أسبابه وعلله الحرية ~~والاسترسال والإهمال في نواميس الطبيعة في أمر الزوجية وتربية الأولاد فإن ~~سنة الاجتماع المنزلي وتربية الأولاد اليوم تميت قرائح الرأفة والرحمة ~~والعفة والحياة والتواضع من الإنسان من أول حين يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش. # وأما تدارك هذه النواقص بالفكر والروية فهيهات ذلك فإنما الفكر كسائر ~~لوازم الحياة وسيلة تكوينية اتخذتها الطبيعة وسيلة لرد ما خرج وانحرف عن ~~صراط الطبيعة والتكوين إليه لا لإبطال سعي الطبيعة والخلقة وقتلها بنفس ~~السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشر عنها، ولو استعمل الفكر الذي هو أحد ~~وسائل الطبيعة في تأييد ما أفسد من شئون الطبيعة عادت هذه الوسيلة أيضا ~~فاسدة منحرفة كسائر الوسائل، ولذلك ترى أن الإنسان اليوم كلما أصلح بقوة ~~فكره واحدة من المفاسد العامة التي تهدد اجتماعه أنتج ذلك ما هو أمر وأدهى ~~وزاد البلاء والمصيبة شيوعا وشمولا. # نعم ربما قال القائل من ms1325 هؤلاء: إن الصفات الروحية التي تسمى فضائل ~~نفسانية هي بقايا من عهد الأساطير والتوحش لا تلائم حياة الإنسان الراقي ~~اليوم كالعفة والسخاء والحياء والرأفة والصدق فإن العفة تقييد لطبيعة النفس ~~فيما تشتهيه من غير وجه، والسخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال وما ~~قاساه من المحن في طريق اكتسابه على أنه تعويد للمسكين بالبطالة في ~~الاكتساب وبسط يده لذل السؤال، والحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه ~~وإظهار ما في ضميره، والرأفة تضعف القلب، والصدق لا يلائم الحياة اليومية، ~~وهذا الكلام بعينه من مصاديق الانحراف الذي ذكرناه. # ولم يدر هذا القائل إن هذه الفضائل في المجتمع الإنساني من الواجبات ~~الضرورية التي لو ارتفعت من أصلها لم يعش المجتمع بعدها في حال الاجتماع ~~ولا ساعة. # فلو ارتفعت هذه الخصال وتعدى كل فرد إلى ما لكل فرد من مختصات الحقوق ~~والأموال والأعراض، ولم يسخ أحد ببذل ما مست إليه حاجة المجتمع، ولم ينفعل ~~أحد من مخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين ولم يرأف أحد بالعجزة الذين ~~لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال ومن في تلوهم، وكذب كل أحد لكل أحد في جميع ~~ما يخبر به ويعده وهكذا تلاشى المجتمع الإنساني من حينه. # فينبغي لهذا القائل إن يعلم أن هذه الخصال لا ترتحل ولن ترتحل عن الدنيا، ~~وأن الطبيعة الإنسانية مستمسكة بها حافظة لحياتها ما دامت داعية للإنسان ~~إلى الاجتماع، وإنما الشأن كل الشأن في تنظيم هذه الصفات وتعديلها بحيث ~~توافق غرض الطبيعة والخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة، ولو كانت ~~الخصال الدائرة في المجتمع المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو ~~الحري من التعديل لما أوردت المجتمع مورد الفساد والهلكة ولأقر الناس في ~~مستقر أمن وراحة وسعادة. # ولنعد إلى ما كنا فيه من البحث فنقول: الإسلام وضع أمر الازدواج فيما ~~ذكرناه موضعه الطبيعي فأحل النكاح وحرم الزنا والسفاح، ووضع علقة الزوجية ~~على أساس جواز المفارقة وهو الطلاق، ووضع هذه العلقة على أساس الاختصاص في ~~الجملة على ما سنشرحه، ووضع عقد ms1326 هذا الاجتماع على أساس التوالد والتربية، ~~ومن الأحاديث النبوية المشهورة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): تناكحوا ~~تناسلوا تكثروا الحديث. # 2 - استيلاء الذكور على الإناث: PageV04P028 # ثم إن التأمل في سفاد الحيوانات يعطي أن للذكور منها شائبة استيلاء على ~~الإناث في هذا الباب فإنا نرى أن الذكر منها كأنه يرى نفسه مالكا للبضع ~~مسلطا على الأنثى، ولذلك ما ترى أن الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الإناث ~~من غير عكس فلا تثور الأنثى على مثلها إذا مال إليها الذكر بخلاف العكس، ~~وكذا ما يجري بينها مجرى الخطبة من الإنسان إنما يبدأ من ناحية الذكران دون ~~الإناث، وليس إلا أنها ترى بالغريزة أن الذكور في هذا العمل كالفاعل ~~المستعلي والإناث كالقابل الخاضع، وهذا المعنى غير ما يشاهد من نحو طوع من ~~الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه نفسها ويستلذه طبعها فإن ذلك راجع ~~إلى مراعاة جانب العشق والشهوة واستزادة اللذة، وأما نحو الاستيلاء ~~والاستعلاء المذكور فإنه عائد إلى قوة الفحولة وإجراء ما تأمر به الطبيعة. # وهذا المعنى أعني لزوم الشدة والبأس لقبيل الذكور واللين والانفعال لقبيل ~~الإناث مما يوجد الاعتقاد به قليلا أو كثيرا عند جميع الأمم حتى سرى إلى ~~مختلف اللغات فسمي كل ما هو شديد صعب الانقياد بالذكر وكل لين سهل الانفعال ~~بالأنثى يقال: حديد ذكر وسيف ذكر ونبت ذكر ومكان ذكر وهكذا. # وهذا الأمر جار في نوع الإنسان دائر بين المجتمعات المختلفة والأمم ~~المتنوعة في الجملة وإن كان ربما لم يخل من الاختلاف زيادة ونقيصة. # وقد اعتبره الإسلام في تشريعه قال الله تعالى: الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض: "النساء: 34" فشرع وجوب إجابتها له إذا دعاها ~~إلى المواقعة إن أمكنت لها. # 3 - تعدد الزوجات: # وأمر الوحدة والتعدد فيما نشاهده من أقسام الحيوان غير واضح ففيما كان ~~بينها اجتماع منزلي تتأحد الإناث وتختص بالذكور لما أن الذكور في شغل شاغل ~~في مشاركتها في تدبير المنزل وحضانة الأفراخ وتربيتها وربما تغير الوضع ~~الجاري بينها بالصناعة والتدبير والكفالة ms1327 أعني بالتأهيل والتربية كما يشاهد ~~من أمر الديك والدجاج والحمام ونحوها. # وأما الإنسان فاتخاذ الزوجات المتعددة كانت سنة جارية في غالب الأمم ~~القديمة كمصر والهند والصين والفرس بل والروم واليونان فإنهم كانوا ربما ~~يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدنا يصاحبونها بل وكان ذلك عند بعض ~~الأمم لا ينتهي إلى عدد يقف عليه كاليهود والعرب فكان الرجل منهم ربما تزوج ~~العشرة والعشرين وأزيد وقد ذكروا أن سليمان الملك تزوج مئات من النساء. # وأغلب ما كان يقع تعدد الزوجات إنما هو في القبائل ومن يحذو حذوهم من ~~سكان القرى والجبال فإن لرب البيت منهم حاجة شديدة إلى الجمع وكثرة الأعضاء ~~فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة الاستيلاد ليهون لهم أمر ~~الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم وليكون ذلك وسيلة يتوسلون بها إلى الترؤس ~~والسؤدد في قومهم على ما في كثرة الازدواج من تكثر الأقرباء بالمصاهرة. # وما ذكره بعض العلماء أن العامل في تعدد الزوجات في القبائل وأهل القرى ~~إنما هو كثرة المشاغل والأعمال فيهم كأعمال الحمل والنقل والرعي والزراعة ~~والسقاية والصيد والطبخ والنسج وغير ذلك فهو وإن كان حقا في الجملة إلا أن ~~التأمل في صفاتهم الروحية يعطي أن هذه الأعمال في الدرجة الثانية من ~~الأهمية عندهم، وما ذكرناه هو الذي يتعلق به قصد الإنسان البدوي أولا ~~وبالذات كما أن شيوع الادعاء والتبني أيضا بينهم سابقا كان من فروع هذا الغرض. # على أنه كان في هذه الأمم عامل أساسي آخر لتداول تعدد الزوجات بينهم وهو ~~زيادة عدة النساء على الرجال بما لا يتسامح فيه فإن هذه الأمم السائرة ~~بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات وقتل الفتك والغيلة فكان ~~القتل يفني الرجال، ويزيد عدد النساء على الرجال زيادة لا ترتفع حاجة ~~الطبيعة معها إلا بتعدد الزوجات - هذا. # والإسلام شرع الازدواج بواحدة، وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط التمكن من ~~القسط بينهن مع إصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد على ما سنشير ~~إليها قال الله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف: "البقرة: ms1328 228". PageV04P029 # وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات: أولا: أنه يضع آثارا سيئة في المجتمع ~~فإنه يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيب آمالهن ويسكن فورة الحب في قلوبهن ~~فينعكس حس الحب إلى حس الانتقام فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية ~~الأولاد ويقابلن الرجال بمثل ما أساءوا إليهن فيشيع الزنا والسفاح والخيانة ~~في المال والعرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت. # وثانيا: أن التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود المتراءى من عمل ~~الطبيعة فإن الإحصاء في الأمم والأجيال يفيد أن قبيلي الذكورة والإناث ~~متساويان عددا تقريبا فالذي هيأته الطبيعة هو واحدة لواحد، وخلاف ذلك خلاف ~~غرض الطبيعة. # وثالثا: أن في تشريع تعدد الزوجات ترغيبا للرجال إلى الشره والشهوة، ~~وتقوية لهذه القوة في المجتمع. # ورابعا: أن في ذلك حطا لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد ~~من الرجال وهو تقويم جائر حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوى فيه بين ~~مرأتين ورجل كما في الإرث والشهادة وغيرهما، ولازمه تجويز التزوج باثنتين ~~منهن لا أزيد ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه وهذه ~~الإشكالات مما اعترض بها النصارى على الإسلام أو من يوافقهم من المدنيين ~~المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع. # والجواب عن الأول ما تقدم غير مرة في المباحث المتقدمة أن الإسلام وضع ~~بنية المجتمع الإنساني على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية ~~فالمتبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الاجتماعية دون ما تهواه الإحساسات ~~وتنجذب إليه العواطف وليس في ذلك إماتة العواطف والإحساسات الرقيقة وإبطال ~~حكم المواهب الإلهية والغرائز الطبيعية فإن من المسلم في الأبحاث النفسية ~~أن الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة تختلف كما وكيفا باختلاف ~~التربية والعادة، كما أن كثيرا من الآداب والرسوم الممدوحة عند الشرقيين ~~مثلا مذمومة عند الغربيين وبالعكس، وكل أمة تختلف مع غيرها في بعضها. # والتربية الدينية في الإسلام تقيم المرأة الإسلامية مقاما لا تتألم ~~بأمثال ذلك عواطفها. # نعم المرأة الغربية حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة ولقنت ms1329 بذلك جيلا بعد جيل ~~استحكم في روحها عاطفة نفسانية تضاد التعدد. # ومن الدليل على ذلك الاسترسال الفظيع الذي شاعت بين الرجال والنساء في ~~الأمم المتمدنة! اليوم. # أليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة من كل من هووها وهوتهم من نسائهم من ~~محارم وغيرها ومن بكر أو ثيب ومن ذات بعل أو غيرها، حتى أن الإنسان لا يقدر ~~أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا سواء في ذلك الرجال والنساء ~~ولم يقنعوا بذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعا قل ما يسلم منه فرد حتى بلغ ~~الأمر مبلغا رفعوا قبيل سنة إلى برلمان بريطانيا العظمى أن يبيح لهم اللواط ~~سنة قانونية وذلك بعد شيوعه بينهم من غير رسمية، وأما النساء وخاصة الأبكار ~~وغير ذوات البعل من الفتيات فالأمر فيهن أغرب وأفظع. # فليت شعري كيف لا تأسف النساء هناك ولا يتحرجن ولا تنكسر قلوبهن ولا ~~تتألم عواطفهن حين يشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن؟ وكيف لا تتألم عواطف ~~الرجل وإحساساته حين يبني بفتاة ثم يجدها ثيبا فقدت بكارتها وافترشت لا ~~للواحد والاثنين من الرجال ثم لا يلبث حتى يباهي بين الأقران أن السيدة ممن ~~توفرت عليها رغبات الرجال وتنافس في القضاء منها العشرات والمئات!! وهل هذا ~~إلا أن هذه السيئات تكررت بينهم ونزعة الحرية تمكنت من أنفسهم حتى صارت ~~عادة عريقة مألوفة لا تمتنع منها العواطف والإحساسات ولا تستنكرها النفوس؟ ~~فليس إلا أن السنن الجارية تميل العواطف والإحساسات إلى ما يوافقها ولا ~~يخالفها. # وأما ما ذكروه من استلزام ذلك إهمالهن في تدبير البيت وتثاقلهن في تربية ~~الأولاد وشيوع الزنا والخيانة فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك فإن هذا الحكم ~~جرى في صدر الإسلام وليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتاريخ أن يدعي حصول ~~وقفة في أمر المجتمع من جهته بل كان الأمر بالعكس. PageV04P030 # على أن هذه النساء اللاتي يتزوج بهن على الزوجة الأولى في المجتمع الإسلامي ~~وسائر المجتمعات التي ترى ذلك أعني الزوجة الثانية والثالثة والرابعة إنما ~~يتزوج بهن عن رضاء ms1330 ورغبة منهن وهن من نساء هذه المجتمعات، ولم يسترققهن ~~الرجال من مجتمعات أخرى، ولا جلبوهن للنكاح من غير هذه الدنيا وإنما رغبن ~~في مثل هذا الازدواج لعلل اجتماعية، فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة ~~تعدد الزوجات، ولا قلوبهن تتألم منها بل لو كان شيء من ذلك فهو من لوازم أو ~~عوارض الزوجية الأولى أعني أن المرأة إذا توحدت للرجل لا تحب أن ترد عليها ~~وعلى بيتها أخرى لخوفها أن تميل عنها بعلها أو تترأس عليها غيرها أو يختلف ~~الأولاد ونحو ذلك فعدم الرضاء والتألم فيما كان إنما منشؤه حالة عرضية ~~التوحد بالبعل لا غريزة طبيعية. # والجواب عن الثاني أن الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في ~~العدد مختل من وجوه. # منها أن أمر الازدواج لا يتكي على هذا الذي ذكروه فحسب بل هناك عوامل ~~وشرائط أخرى لهذا الأمر فأولا الرشد الفكري والتهيؤ لأمر النكاح أسرع إلى ~~النساء منها إلى الرجال فالنساء وخاصة في المناطق الحارة إذا جزن التسع ~~صلحن للنكاح، والرجال لا يتهيئون لذلك غالبا قبل الست عشرة من السنين وهو ~~الذي اعتبره الإسلام للنكاح. # ومن الدليل على ذلك السنة الجارية في فتيات الأمم المتمدنة فمن الشاذ ~~النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سن البلوغ القانوني فليس إلا أن ~~الطبيعة هيأتها للنكاح قبل تهيئتها الرجال لذلك. # ولازم هذه الخاصة أن لو اعتبرنا مواليد ست عشرة سنة من قوم والفرض تساوي ~~عدد الذكور والإناث فيهم كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال ~~وهي سنة أول الصلوح مواليد سنة واحدة وهم مواليد السنة الأولى المفروضة، ~~والصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين وهي مواليد السنة الأولى إلى ~~السابعة، ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة وهي سن بلوغ الأشد من الرجال ~~حصل في السنة الخامسة والعشرين على الصلوح من الرجال مواليد عشرة سنين ومن ~~النساء مواليد خمس عشرة سنة، وإذا أخذنا بالنسبة الوسطى حصل لكل واحد من ~~الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة. # وثانيا أن الإحصاء كما ذكروه يبين ms1331 أن النساء أطول عمرا من الرجال ولازمه ~~أن تهيىء سنة الوفاة والموت عددا من النساء ليس بحذائهن رجال. # وثالثا: أن خاصة النسل والتوليد تدوم في الرجال أكثر من النساء فالأغلب ~~على النساء أن يئسن من الحمل في سن الخمسين ويمكث ذلك في الرجال سنين عديدة ~~بعد ذلك، وربما بقي قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي وهي ~~مائة سنة فيكون عمر صلاحية الرجال للتوليد وهو ثمانون سنة تقريبا ضعفه في ~~المرأة وهو أربعون تقريبا، وإذا ضم هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج أن ~~الطبيعة والخلقة أباح للرجال التعدي من الزوجة الواحدة إلى غيرها فلا معنى ~~لتهيئة قوة التوليد والمنع عن الاستيلاد من محل شأنه ذلك فإن ذلك مما تأباه ~~سنة العلل والأسباب الجارية. # ورابعا: أن الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتل وغيرهما ~~تحل بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس كما تقدم أنه كان أقوى ~~العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل فهذه الأرامل والنساء العزل لا محيص ~~لهن عن قبول التعدد أو الزنا أو خيبة القوة المودعة في طبائعهن وبطلانها. # ومما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في الألمان الغربي قبل عدة شهور من ~~كتابة هذه الأوراق: أظهرت جمعية النساء العزل تحرجها من فقدان البعولة ~~وسألت الحكومة أن يسمح لهن بسنة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوج من شاء ~~من الرجال بأزيد من واحدة ويرتفع بذلك غائلة الحرمان، غير أن الحكومة لم ~~تجبهن في ذلك وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد ~~النسل به. PageV04P031 # ومنها أن الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد مع ~~الغض عما تقدم إنما يستقيم فيما لو فرض أن يتزوج كل رجل في المجتمع بأكثر ~~من الواحدة إلى أربع من النساء لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال ~~لذلك ولا يسع ذلك بالطبع إلا لبعضهم دون جميعهم والإسلام لم يشرع تعدد ~~الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال بل إنما أباح ذلك لمن استطاع أن ~~يقيم القسط منهم، ومن أوضح الدليل ms1332 على عدم استلزام هذا التشريع حرجا ولا ~~فسادا أن سير هذه السنة بين المسلمين وكذا بين سائر الأمم الذين يرون ذلك ~~لم يستلزم حرجا من قحط النساء وإعوازهن على الرجال. # بل بالعكس من ذلك أعد تحريم التعدد في البلاد التي فيها ذلك ألوفا من ~~النساء حرمن الأزواج والاجتماع المنزلي واكتفين بالزنا. # ومنها أن الاستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنما يستقيم لو لم يصلح ~~هذا الحكم ولم يعدل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة فقد شرط ~~الإسلام على من يريد من الرجال التعدد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف ~~وفي القسم والفراش وفرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن ولا يتيسر الإنفاق ~~على أربع نسوة مثلا ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ~~ذلك إلا لبعض أولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم. # على أن هناك طرقا دينية شرعية يمكن أن تستريح إليها المرأة فتلزم الزوج ~~على الاقتصار عليها والإغماض عن التكثير. # والجواب عن الثالث: أنه مبني على عدم التدبر في نحو التربية الإسلامية ~~ومقاصد هذه الشريعة فإن التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي ~~يرتضيه الدين بالستر والعفاف والحياء وعدم الخرق تنمي المرأة وشهوة النكاح ~~فيها أقل منها في الرجل على الرغم مما شاع أن شهوة النكاح فيها أزيد وأكثر ~~واستدل عليه بتولعها المفرط بالزينة والجمال طبعا وهذا أمر لا يكاد يشك فيه ~~رجال المسلمين ممن تزوج بالنساء الناشئات على التربية الدينية فشهوة النكاح ~~في المتوسط من الرجال تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة بل والمرأتين ~~والثلاث. # ومن جهة أخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات ~~الطبع ومشتهيات النفس فاعتبر أن لا تختزن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها ~~فيدعوه ذلك إلى التعدي إلى الفجور والفحشاء والمرأة الواحدة ربما اعتذرت ~~فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة كأيام العادة وبعض أيام الحمل ~~والوضع والرضاع ونحو ذلك والإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم ما ~~تكرر منا في المباحث السابقة ms1333 من هذا الكتاب أن الإسلام يبني المجتمع على ~~أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية فبقاء الإنسان على حالة الإحساس ~~الداعية إلى الاسترسال في الأهواء والخواطر السوء كحال التعزب ونحوه من ~~أعظم المخاطر في نظر الإسلام. # ومن جهة أخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثر نسل المسلمين وعمارة ~~الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد. # فهذه الجهات وأمثالها هي التي اهتم بها الإسلام في تشريع تعدد الزوجات ~~دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الانكباب عليها ولو أنصف هؤلاء ~~المستشكلون كان هذه السنن الاجتماعية المعروفة بين هؤلاء البانين للاجتماع ~~على أساس التمتع المادي أولى بالرمي بترويج الفحشاء والترغيب إلى الشره من ~~الإسلام الباني للاجتماع على أساس السعادة الدينية. # على أن في تجويز تعدد الزوجات تسكينا لثورة الحرص التي هي من لوازم ~~الحرمان فكل محروم حريص، ولا هم للممنوع المحبوس إلا أن يهتك حجاب المنع ~~والحبس، فالمسلم وإن كان ذا زوجة واحدة فإنه على سكن وطيب نفس من أنه ليس ~~بممنوع عن التوسع في قضاء شهوته لو تحرجت نفسه يوما إليه، وهذا نوع تسكين ~~لطيش النفس، وإحصان لها عن الميل إلى الفحشاء وهتك الأعراض المحرمة. # وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال: لم يعمل في إشاعة الزنا ~~والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات. # والجواب عن الرابع أنه ممنوع فقد بينا في بعض المباحث السابقة عند الكلام ~~في حقوق. PageV04P032 # المرأة في الإسلام: أنه لم يحترم النساء ولم يراع حقوقهن كل المراعاة أي ~~سنة من السنن الدينية أو الدنيوية من قديمها وحديثها بمثل ما احترمهن ~~الإسلام وسنزيد في ذلك وضوحا. # وأما تجويز تعدد الزوجات للرجل فليس بمبني على ما ذكر من إبطال الوزن ~~الاجتماعي وإماتة حقوقهن والاستخفاف بموقفهن في الحياة وإنما هو مبني على ~~جهات من المصالح تقدم بيان بعضها. # وقد اعترف بحسن هذا التشريع الإسلامي وما في منعه من المفاسد الاجتماعية ~~والمحاذير الحيوية جمع من باحثي الغرب من الرجال والنساء من أراده فليراجع ~~إلى ms1334 مظانه. # وأقوى ما تشبث به مخالفوا سنة التعدد من علماء الغرب وزوقوه في أعين ~~الناظرين ما هو مشهود في بيوت المسلمين تلك البيوت المشتملة على زوجات ~~عديدة: ضرتان أو ضرائر فإن هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة ~~هنيئة، لا تلبث الضرتان من أول يوم حلتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد حتى ~~أنهم سموا الحسد بداء الضرائر، وعندئذ تنقلب جميع العواطف والإحساسات ~~الرقيقة التي جبلت عليها النساء من الحب ولين الجانب والرقة والرأفة ~~والشفقة والنصح وحفظ الغيب والوفاء والمودة والرحمة والإخلاص بالنسبة إلى ~~الزوج وأولاده من غير الزوجة وبيته وجميع ما يتعلق به إلى أضدادها، فينقلب ~~البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي وتألم الروح ~~والجسم من مشاق الأعمال والجهد في المكسب معركة قتال يستباح فيها النفس ~~والعرض والمال والجاه، لا يؤمن فيه من شيء لشيء، ويتكدر فيه صفو العيش ~~وترتحل لذة الحياة، ويحل محلها الضرب والشتم والسب واللعن والسعاية ~~والنميمة والرقابة والمكر والمكيدة، واختلاف الأولاد وتشاجرهم، وربما انجر ~~الأمر إلى هم الزوجة بإهلاك الزوج، وقتل بعض الأولاد بعضا أو أباهم، وتتبدل ~~القرابة بينهم إلى الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء وهلاك النسل ~~وفساد البيت، أضف إلى ذلك ما يسري من ذلك إلى المجتمع من الشقاء وفساد ~~الأخلاق والقسوة والظلم والبغي والفحشاء وانسلاب الأمن والوثوق وخاصة إذا ~~أضيف إلى ذلك جواز الطلاق فإباحة تعدد الزوجات والطلاق ينشئان في المجتمع ~~رجالا ذواقين مترفين لا هم لهم إلا اتباع الشهوات والحرص والتولع على أخذ ~~هذه وترك تلك، ورفع واحدة ووضع أخرى، وليس فيه إلا تضييع نصف المجتمع ~~وإشقاؤه وهو قبيل النساء، وبذلك يفسد النصف الآخر. # هذا محصل ما ذكروه، وهو حق غير أنه إنما يرد على المسلمين لا على الإسلام ~~وتعاليمه، ومتى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام حتى ~~يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم؟ وقد فقدوا منذ قرون الحكومة ~~الصالحة التي تربي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة بل كان أسبق الناس إلى ms1335 ~~هتك الأستار التي أسدلها الدين ونقض قوانينه وإبطال حدوده هي طبقة الحكام ~~والولاة على المسلمين، والناس على دين ملوكهم، ولو اشتغلنا بقص بعض السير ~~الجارية في بيوت الملوك والفضائح التي كان يأتي بها ملوك الإسلام وولاته ~~منذ أن تبدلت الحكومة الدينية بالملك والسلطنة المستبدة لجاء بحياله تأليفا ~~مستقلا، وبالجملة لو ورد الإشكال فهو وارد على المسلمين في اختيارهم ~~لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمن سعادة عيشتهم ونحو سياسة لا يقدرون على ~~إنفاذها بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط، والذنب في ذلك عائد إلى الرجال ~~دون النساء والأولاد وإن كان على كل نفس ما اكتسبت من إثم، وذلك أن سيرة ~~هؤلاء الرجال وتفديتهم سعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم وصفاء جو مجتمعهم في ~~سبيل شرهم وجهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد والمنبت لكل هذه الشقوة ~~المبيدة. PageV04P033 # وأما الإسلام فلم يشرع تعدد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كل رجل، ~~وإنما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة، واعتبر ~~الصلاح القاطع في ذلك كما مر تفصيله ثم استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره ~~وأحصاها فأباح عند ذلك التعدد حفظا لمصلحة المجتمع الإنساني، وقيده بما ~~يرتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة وهو وثوق الرجل بأنه سيقسط بينهن ويعدل ~~فمن وثق من نفسه بذلك ووفق له فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات، وأما ~~هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم ولا كرامة عندهم ~~إلا ترضية بطونهم وفروجهم، ولا مفهوم للمرأة عندهم إلا أنها مخلوقة في سبيل ~~شهوة الرجل ولذته فلا شأن للإسلام فيهم، ولا يجوز لهم إلا الازدواج بواحدة ~~لو جاز لهم ذلك والحال هذه. # على أن في أصل الإشكال خلطا بين جهتين مفرقتين في الإسلام، وهما جهتا ~~التشريع والولاية. # توضيح ذلك أن المدار في القضاء بالصلاح والفساد في القوانين الموضوعة ~~والسنن الجارية عند الباحثين اليوم هو الآثار والنتائج المرضية أو غير ~~المرضية الحاصلة من جريانها في الجوامع وقبول الجوامع لها بفعليتها ~~الموجودة وعدم قبولها، وما أظن أنهم على غفلة من أن المجتمع ms1336 ربما اشتمل على ~~بعض سنن وعادات وعوارض لا تلائم الحكم المبحوث عنه وأنه يجب تجهيز المجتمع ~~بما لا ينافي الحكم أو السنة المذكورة حتى يرى إلى ما يصير أمره؟ وما ذا ~~يبقى من الأثر خيرا أو شرا أو نفعا أو ضرا؟ إلا أنهم يعتبرون في القوانين ~~الموضوعة ما يريده ويستدعيه المجتمع بحاضر إرادته وظاهر فكرته كيفما كان، ~~فما وافق إرادتهم ومستدعياتهم فهو القانون الصالح وما خالف ذلك فهو القانون ~~غير الصالح. # ولذلك لما رأوا المسلمين تائهين في أودية الغي فاسدين في معاشهم ومعادهم ~~نسبوا ما يشاهدونه منهم من الكذب والخيانة والخنا وهضم الحقوق وفشو البغي ~~وفساد البيوت واختلال الاجتماع إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم زعما ~~منهم أن السنة الإسلامية في جريانها بين الناس وتأثيرها أثرها كسائر السنن ~~الاجتماعية التي تحمل على الناس عن إحساسات متراكمة بينهم، ويستنتجون من ~~ذلك أن الإسلام هو المولد لهذه المفاسد الاجتماعية ومنه ينشأ هذا البغي ~~والفساد وفيهم أبغى البغي وأخنى الخنا، وكل الصيد في جوف الفراء ولو كان ~~دينا واقعيا وكانت القوانين الموضوعة فيه جيدة متضمنة لصلاح الناس وسعادتهم ~~لأثرت فيهم الآثار المسعدة الجميلة، ولم ينقلب وبالا عليهم!. # ولكنهم خلطوا بين طبيعة الحكم الصالحة المصلحة، وبين طبيعة الناس الفاسدة ~~المفسدة، والإسلام مجموع معارف أصلية وأخلاقية وقوانين عملية متناسبة ~~الأطراف مرتبطة الأجزاء إذا أفسد بعض أجزائها أوجب ذلك فساد الجميع ~~وانحرافها في التأثير كالأدوية والمعاجين المركبة التي تحتاج في تأثيرها ~~الصحي إلى سلامة أجزائها وإلى محل معد مهيأ لورودها وعملها، ولو أفسد بعض ~~أجزائها أو لم يعتبر في الإنسان المستعمل لها شرائط الاستعمال بطل عنها وصف ~~التأثير، وربما أثرت ما يضاد أثرها المترقب منها. # هب أن السنة الإسلامية لم تقو على إصلاح الناس ومحق الذمائم والرذائل ~~العامة لضعف مبانيها التقنينية فما بال السنة الديمقراطية لا تنجع في ~~بلادنا الشرقية أثرها في البلاد الأوربية؟ وما بالنا كلما أمعنا في السير ~~والكدح بالغنا في الرجوع على أعقابنا القهقرى ولا يشك شاك أن الذمائم ~~والرذائل اليوم أشد تصلبا وتعرقا ms1337 فينا ونحن مدنيون متنورون منها قبل نصف ~~قرن ونحن همجيون، وليس لنا حظ من العدل الاجتماعي وحياة الحقوق البشرية ~~والمعارف العامة العالية وكل سعادة اجتماعية إلا أسماء نسميها وألفاظا ~~نسمعها. # فهل يمكن لمعتذر عن ذلك إلا بأن هذه السنن المرضية إنما لم تؤثر أثرها ~~لأنكم لا تعملون بها، ولا تهتمون بإجرائها فما بال هذا العذر يجري فيها ~~وينجع ولا يجري في الإسلام ولا ينجع؟. PageV04P034 # وهب أن الإسلام لوهن أساسها والعياذ بالله عجز عن التمكن في قلوب الناس ~~والنفوذ الكامل في أعماق المجتمع فلم تدم حكومته ولم يقدر على حفظ حياته في ~~المجتمع الإسلامي فلم يلبث دون أن عاد مهجورا فما بال السنة الديمقراطية ~~وكانت سنة مرضية عالمية ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الأولى عن روسيا ~~وانمحت آثارها وخلفتها السنة الشيوعية؟ وما بالها انقلبت إلى السنة ~~الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين ولتوني وإستوني ~~وليتواني ورومانيا والمجر ويوغوسلاوي وغيرها، وهي تهدد سائر الممالك وقد ~~نفذت فيها نفوذا؟. # وما بال السنة الشيوعية بعد ما عمرت ما يقرب من أربعين سنة، وانبسطت ~~وحكمت فيما يقرب من نصف المجتمع الإنساني ولم يزل دعاتها وأولياؤها يتباهون ~~في فضيلتها أنها المشرعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكم الاستبداد ~~ولا استثمار الديمقراطية وأن البلاد التي تعرقت فيها هي الجنة الموعودة ثم ~~لم يلبث هؤلاء الدعاة والأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح ~~حكومة قائدها الوحيد ستالين الذي كان يتولى إمامتها وقيادتها منذ ثلاثين ~~سنة، وأوضحوا أن حكومته كانت حكومة تحكم واستبداد واستعباد في صورة ~~الشيوعية، ولا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة ~~وإجرائها وسائر ما يتعلق بذلك فلم ينتش شيء من ذلك إلا عن إرادة مستبدة ~~مستعبدة وحكومة فردية تحيي ألوفا وتميت ألوفا وتسعد أقواما وتشقي آخرين. # والله يعلم من الذي يأتي بعد هؤلاء ويقضي عليهم بمثل ما قضوا به على من ~~كان قبلهم. # والسنن والآداب والرسوم الدائرة في المجتمعات أعم من الصحيحة والفاسدة ثم ~~المرتحلة عنها لعوامل متفرقة ms1338 أقواها خيانة أولياؤها وضعف إرادة الأفراد ~~المستنين بها كثيرة يعثر عليها من راجع كتب التواريخ. # فليت شعري ما الفارق بين الإسلام من حيث إنها سنة اجتماعية وبين هذه ~~السنن المتقلبة المتبدلة حيث يقبل العذر فيها ولا يقبل في الإسلام؟ نعم ~~كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية وجهالة تقليد شرقية فلا سماء ~~تظلها ولا أرض تقلها وعلى أي حال يجب أن يتنبه مما فصلناه أن تأثير سنة من ~~السنن أثرها في الناس وعدمه وكذا بقاؤها بين الناس وارتحالها لا يرتبط كل ~~الارتباط بصحتها وفسادها حتى يستدل عليه بذلك بل لسائر العلل والأسباب ~~تأثير في ذلك فما من سنة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار ~~والعهود إلا وهي تنتج يوما وتعقم آخر وتقيم بين الناس برهة من الزمان ~~وترتحل عنهم في أخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها، وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء. # وبالجملة القوانين الإسلامية والأحكام التي فيها، تخالف بحسب المبنى ~~والمشرب سائر القوانين الاجتماعية الدائرة بين الناس فإن القوانين ~~الاجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار وتتبدل بتبدل المصالح لكن ~~القوانين الإسلامية لا تحتمل الاختلاف والتبدل من واجب أو حرام أو مستحب أو ~~مكروه أو مباح غير أن الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها ~~وكل تصرف له أن يتصرف به أو يدعه فلوالي الأمر أن يأمر الناس بها أو ينهاهم ~~عنها ويتصرف في ذلك كأن المجتمع فرد والوالي نفسه المتفكرة المريدة. # فلو كان للإسلام وال أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها ~~باسم تعدد الزوجات وغير ذلك من غير أن يتغير الحكم الإلهي بإباحته، وإنما ~~هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدد الزوجات ~~لمصلحة يراها لا لتغيير في الحكم بل لأنه حكم إباحي له أن يعزم على تركه. ### |||| AUTO بحث علمي آخر ملحق به في تعدد أزواج النبي # ومما اعترضوا عليه تعدد زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا: إن ~~تعدد ms1339 الزوجات لا يخلو في نفسه عن الشره والانقياد لداعي الشهوة: وهو (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لم يقنع بما شرعه لأمته من الأربع حتى تعدى إلى التسع ~~من النسوة. # والمسألة ترتبط بآيات متفرقة كثيرة في القرآن، والبحث من كل جهة من ~~جهاتها يجب أن يستوفى عند الكلام على الآية المربوطة بها ولذلك أخرنا تفصيل ~~القول إلى محاله المناسبة له وإنما نشير هاهنا إلى ذلك إشارة إجمالية. PageV04P035 # فنقول: من الواجب أن يلفت نظر هذا المعترض المستشكل إلى أن قصة تعدد زوجات ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست على هذه السذاجة أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بالغ في حب النساء حتى أنهى عدة أزواجه إلى تسع نسوة بل كان ~~اختياره لمن اختارها منهن على نهج خاص في مدى حياته فهو (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان تزوج - أول ما تزوج - بخديجة رضي الله عنها وعاش معها ~~مقتصرا عليها نيفا وعشرين سنة وهي ثلثا عمره الشريف بعد الازدواج منها ثلاث ~~عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة ثم هاجر إلى المدينة وشرع في نشر ~~الدعوة وإعلاء كلمة الدين، وتزوج بعدها من النساء منهن البكر ومنهن الثيب ~~ومنهن الشابة ومنهن العجوز والمكتهلة وكان على ذلك ما يقرب من عشرة سنين ثم ~~حرم عليه النساء بعد ذلك إلا من هي في حبالة نكاحه، ومن المعلوم أن هذا ~~الفعال على هذه الخصوصيات لا يقبل التوجيه بمجرد حب النساء والولوع بهن ~~والوله بالقرب منهن فأول هذه السيرة وآخرها يناقضان ذلك. # على أنا لا نشك بحسب ما نشاهده من العادة الجارية أن المتولع بالنساء ~~المغرم بحبهن والخلاء بهن والصبوة إليهن مجذوب إلى الزينة عشيق للجمال ~~مفتون بالغنج والدلال حنين إلى الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة، وهذه ~~الخواص أيضا لا تنطبق على سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه بنى بالثيب ~~بعد البكر وبالعجوز بعد الفتاة الشابة فقد بنى بأم سلمة وهي مسنة، وبنى ~~بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يربو على خمسين بعد ما تزوج بمثل ms1340 عائشة وأم ~~حبيبة وهكذا. # وقد خير (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه بين التمتيع والسراح الجميل وهو ~~الطلاق إن كن يردن الدنيا وزينتها وبين الزهد في الدنيا وترك التزيين ~~والتجمل إن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة على ما يشهد به قوله تعالى ~~في القصة: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما: - الأحزاب 29، وهذا المعنى ~~أيضا - كما ترى - لا ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب إلى وصالهن. # فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمق إذا أنصف إلا أن يوجه كثرة ازدواجه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيما بين أول أمره وآخر أمره بعوامل أخر غير عامل ~~الشره والشبق والتلهي. # فقد تزوج (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض هؤلاء الأزواج اكتسابا للقوة ~~وازديادا للعضد والعشيرة، وببعض هؤلاء استمالة للقلوب وتوقيا من بعض ~~الشرور، وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة المعاش وليكون سنة ~~جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة، وببعضها ~~لتثبيت حكم مشروع وإجرائه عملا لكسر السنن المنحطة والبدع الباطلة الجارية ~~بين الناس كما في تزوجه بزينب بنت جحش وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم ~~طلقها زيد، وقد كان زيد هذا يدعى ابن رسول الله على نحو التبني وكانت زوجة ~~المدعو ابنا عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب فتزوج بها النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل فيها الآيات. # وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج لأول مرة بعد وفاة خديجة بسودة بنت ~~زمعة وقد توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، وكانت سودة ~~هذه مؤمنة مهاجرة ولو رجعت إلى أهلها وهم يومئذ كفار لفتنوها كما فتنوا ~~غيرها من المؤمنين والمؤمنات بالزجر والقتل والإكراه على الكفر. # وتزوج بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبد الله بن جحش في أحد وكانت من ~~السيدات الفضليات في الجاهلية تدعى أم المساكين لكثرة ms1341 برها للفقراء ~~والمساكين وعطوفتها بهم فصان بازدواجها ماء وجهها. # وتزوج بأم سلمة واسمها هند وكانت من قبل زوجة عبد الله أبي سلمة ابن عمة ~~النبي وأخيه من الرضاعة أول من هاجر إلى الحبشة وكانت زاهدة فاضلة ذات دين ~~ورأي فلما توفي عنها زوجها كانت مسنة ذات أيتام فتزوج بها النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وتزوج بصفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير قتل زوجها يوم خيبر وقتل ~~أبوها مع بني قريظة، وكانت في سبي خيبر فاصطفاها وأعتقها وتزوج بها فوقاها ~~بذلك من الذل ووصل سببه ببني إسرائيل. PageV04P036 # وتزوج بجويرية واسمها برة بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد وقعة بني المصطلق ~~وقد كان المسلمون أسروا منهم مائتي بيت بالنساء والذراري، فتزوج (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بها فقال المسلمون هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم ~~وأعتقوهم جميعا فأسلم بنو المصطلق بذلك، ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا ~~جما غفيرا وأثر ذلك أثرا حسنا في سائر العرب. # وتزوج بميمونة واسمها برة بنت الحارث الهلالية وهي التي وهبت نفسها للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى ~~فاستنكحها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتزوج بها وقد نزل فيها القرآن. # وتزوج بأم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان وكانت زوجة عبيد الله بن جحش ~~وهاجر معها إلى الحبشة الهجرة الثانية فتنصر عبيد الله هناك وثبتت هي على ~~الإسلام وأبوها أبو سفيان يجمع الجموع على الإسلام يومئذ فتزوج بها النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحصنها. # وتزوج بحفصة بنت عمر وقد قتل زوجها خنيس بن حذاقة ببدر وبقيت أرملة وتزوج ~~بعائشة بنت أبي بكر وهي بكر. # فالتأمل في هذه الخصوصيات مع ما تقدم في صدر الكلام من جمل سيرته في أول ~~أمره وآخره وما سار به من الزهد وترك الزينة وندبه نساءه إلى ذلك لا يبقى ~~للمتأمل موضع شك في أن ازدواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن تزوج بها من ~~النساء لم يكن على ms1342 حد غيره من عامة الناس، أضف إلى ذلك جمل صنائعه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في النساء، وإحياء ما كانت قرون الجاهلية وأعصار ~~الهمجية أماتت من حقوقهن في الحياة، وأخسرته من وزنهن في المجتمع الإنساني ~~حتى روي أن آخر ما تكلم به (صلى الله عليه وآله وسلم) هو توصيتهن لجامعة ~~الرجال قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم ~~لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم" ~~الحديث. # وكانت سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) في العدل بين نسائه وحسن معاشرتهن ~~ورعاية جانبهن مما يختص به (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما سيأتي شذرة ~~منه في الكلام على سيرته في مستقبل المباحث إن شاء الله وكان حكم الزيادة ~~على الأربع كصوم الوصال من مختصاته التي منعت عنها الأمة، وهذه الخصال ~~وظهورها على الناس هي التي منعت أعداءه من الاعتراض عليه بذلك مع تربصهم ~~الدوائر به. PageV04P037 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 7 - 10 # للرجال نصيب مما ترك الولدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الولدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى واليتمى والمسكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش ~~الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا ~~سديدا (9) إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا (10) ### |||| AUTO بيان # شروع في تشريع أحكام الإرث بعد تمهيد ما مهدت من المقدمات، وقد قدم بيان ~~جملي لحكم الإرث من قبيل ضرب القاعدة لإيذان أن لا حرمان في الإرث بعد ثبوت ~~الولادة أو القرابة حرمانا ثابتا لبعض الأرحام والقرابات كتحريم صغار ~~الورثة والنساء، وزيد مع ذلك في التحذير عن تحريم الأيتام من الوراثة فإنه ~~يستلزم أكل سائر الورثة أموالهم ظلما وقد شدد الله في النهي عنه. # وقد ذكر مع ذلك مسألة رزق أولي القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا قسمة ~~التركة ولم يكونوا ممن يرث تطفلا. # قوله تعالى: "للرجال نصيب مما ms1343 ترك الوالدان والأقربون" الآية، النصيب هو ~~الحظ والسهم، وأصله من النصب بمعنى الإقامة لأن كل سهم عند القسمة ينصب على ~~حدته حتى لا يختلط بغيره، والتركة ما بقي من مال الميت بعده كأنه يتركه ~~ويرتحل فاستعماله الأصلي استعمال استعاري ثم ابتذل، والأقربون هم القرابة ~~الأدنون، واختيار هذا اللفظ على مثل الأقرباء وأولي القربى ونحوهما لا يخلو ~~من دلالة على أن الملاك في الإرث أقربية الميت من الوارث على ما سيجيء ~~البحث عنه في قوله تعالى: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا: ~~"النساء: 11"، والفرض قطع الشيء الصلب وإفراز بعضه من بعض، ولذا يستعمل في ~~معنى الوجوب لكون إتيانه وامتثال الأمر به مقطوعا معينا من غير تردد، ~~والنصيب المفروض هو المقطوع المعين. # وفي الآية إعطاء للحكم الكلي وتشريع لسنة حديثة غير مألوفة في أذهان ~~المكلفين، فإن حكم الوراثة على النحو المشروع في الإسلام لم يكن قبل ذلك ~~مسبوقا بالمثل وقد كانت العادات والرسوم على تحريم عدة من الوراث عادت بين ~~الناس كالطبيعة الثانية تثير النفوس وتحرك العواطف الكاذبة لو قرع بخلافها ~~أسماعهم. # وقد مهد له في الإسلام أولا بتحكيم الحب في الله والإيثار الديني بين ~~المؤمنين فعقد الإخوة بين المؤمنين ثم جعل التوارث بين الأخوين، وانتسخ ~~بذلك الرسم السابق في التوارث، وانقلع المؤمنون من الأنفة والعصبية القديمة ~~ثم لما اشتد عظم الدين، وقام صلبه شرع التوارث بين أولي الأرحام في حين كان ~~هناك عدة كافية من المؤمنين يلبون لهذا التشريع أحسن التلبية. # وبهذه المقدمة يظهر أن المقام مقام التصريح ورفع كل لبس متوهم بضرب ~~القاعدة الكلية بقوله: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فالحكم ~~مطلق غير مقيد بحال أو وصف أو غير ذلك أصلا، كما أن موضوعه أعني الرجال عام ~~غير مخصص بشيء متصل فالصغار ذوو نصيب كالكبار. # ثم قال: وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وهو كسابقه عام من غير ~~شائبة تخصيص فيعم جميع النساء من غير تخصيص أو تقييد، وقد أظهر في قوله مما ~~ترك الوالدان والأقربون مع ms1344 أن المقام مقام الإضمار إيفاء لحق التصريح ~~والتنصيص، ثم قال: مما قل منه أو كثر زيادة في التوضيح وأن لا مجال ~~للمسامحة في شيء منه لقلة وحقارة، ثم قال: نصيبا "إلخ"، وهو حال من النصيب ~~لما فيه من المعنى المصدري، وهو بحسب المعنى تأكيد على تأكيد وزيادة في ~~التنصيص على أن السهام مقطوعة معينة لا تقبل الاختلاط والإبهام. # وقد استدل بالآية على عموم حكم الإرث لتركة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وغيره، وعلى بطلان التعصيب في الفرائض. # قوله تعالى: "وإذا حضر القسمة أولوا القربى" "إلخ" ظاهر الآية أن المراد ~~من حضورهم القسمة أن يشهدوا قسمة التركة حينما يأخذ الورثة في اقتسامها لا ~~ما ذكره بعضهم أن المراد حضورهم عند الميت حينما يوصي ونحو ذلك، وهو ظاهر. PageV04P038 # وعلى هذا فالمراد من أولي القربى الفقراء منهم، ويشهد بذلك أيضا ذكرهم مع ~~اليتامى والمساكين، ولحن قوله: فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا، ~~الظاهر في الاسترحام والاسترفاق، ويكون الخطاب حينئذ لأولياء الميت ~~والورثة. # وقد اختلف في أن الرزق المذكور في الآية على نحو الوجوب أو الندب، وهو ~~بحث فقهي خارج عن وضع هذا الكتاب، كما اختلف في أن الآية هل هي محكمة أو ~~منسوخة بآية المواريث؟ مع أن النسبة بين الآيتين ليست نسبة التناقض لأن آية ~~المواريث تعين فرائض الورثة، وهذه الآية تدل على غيرهم وجوبا أو ندبا في ~~الجملة من غير تعيين سهم فلا موجب للنسخ وخاصة بناء على كون الرزق مندوبا ~~كما أن الآية لا تخلو من ظهور فيه. # قوله تعالى: "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم" ~~الآية الخشية التأثر القلبي مما يخاف نزوله مع شائبة تعظيم وإكبار، وسداد ~~القول وسدده كونه صوابا مستقيما. # ولا يبعد أن تكون الآية متعلقة نحو تعلق بقوله: للرجال نصيب الآية ~~لاشتماله على إرث الأيتام الصغار بعمومه فتكون مسوقة سوق التهديد لمن يسلك ~~مسلك تحريم صغار الورثة من الإرث، ويكون حينئذ قوله: وليقولوا قولا سديدا ~~كناية عن اتخاذ طريقة التحريم والعمل بها ms1345 وهضم حقوق الأيتام الصغار، ~~والكناية بالقول عن الفعل للملازمة بينهما غالبا شائع في اللسان كقوله ~~تعالى: وقولوا للناس حسنا الآية: - البقرة 83، ويؤيده توصيف القول بالسديد ~~دون المعروف واللين ونحوهما فإن ظاهر السداد في القول كونه قابلا للاعتقاد ~~والعمل به لا قابلا لأن يحفظ به كرامة الناس وحرمتهم. # وكيف كان فظاهر قوله: الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~إنه تمثيل للرحمة والرأفة على الذرية الضعاف الذين لا ولي لهم يتكفل أمرهم ~~ويذود عنهم الذل والهوان، وليس التخويف والتهديد المستفاد من الآية مخصوصا ~~بمن له ذرية ضعفاء بالفعل لمكان لو في قوله: لو تركوا، ولم يقل: لو تركوا ~~ذريتهم الضعاف بل هو تمثيل يقصد به بيان الحال، والمراد الذين من صفتهم ~~أنهم كذا أي أن في قلوبهم رحمة إنسانية ورأفة وشفقة على ضعفاء الذرية الذين ~~مات عنهم آباؤهم وهم الأيتام والذين من صفتهم كذا هم الناس وخاصة المسلمون ~~المتأدبون بأدب الله المتخلقون بأخلاقه فيعود المعنى إلى مثل قولنا: وليخش ~~الناس وليتقوا الله في أمر اليتامى فإنهم كأيتام أنفسهم في أنهم ذرية ضعاف ~~يجب أن يخاف عليهم ويعتنى بشأنهم ولا يضطهدوا ولا يهضم حقوقهم فالكلام في ~~مساق قولنا: من خاف الذل والامتهان فليشتغل بالكسب وكل يخاف ذلك. # ولم يؤمر الناس في الآية بالترحم والترؤف ونحو ذلك بل بالخشية واتقاء ~~الله وليس إلا أنه تهديد بحلول ما أحلوا بأيتام الناس من إبطال حقوقهم وأكل ~~مالهم ظلما بأيتام أنفسهم بعدهم، وارتداد المصائب التي أوردوها عليهم إلى ~~ذريتهم بعدهم. # وأما قوله: وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا فقد تقدم أن الظاهر أن ~~المراد بالقول هو الجري العملي ومن الممكن أن يراد به الرأي. # كلام في انعكاس العمل إلى صاحبه # من ظلم يتيما في ماله فإن ظلمه سيعود إلى الأيتام من أعقابه، وهذا من ~~الحقائق العجيبة القرآنية، وهو من فروع ما يظهر من كلامه تعالى أن بين ~~الأعمال الحسنة والسيئة وبين الحوادث الخارجية ارتباطا، وقد تقدم بعض ~~الكلام فيه في البحث عن أحكام الأعمال في ms1346 الجزء الثاني من هذا الكتاب. # الناس يتسلمون في الجملة أن الإنسان إنما يجني ثمر عمله وأن المحسن الخير ~~من الناس يسعد في حياته، والظلوم الشرير لا يلبث دون أن يذوق وبال عمله، ~~وفي القرآن الكريم آيات تدل على ذلك بإطلاقها كقوله تعالى: من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها: - حم السجدة 46، وقوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره: - الزلزال: 8، وكذا قوله تعالى: قال أنا ~~يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين: - يوسف: 90، وقوله: له في الدنيا خزي: - الحج: 9، وقوله وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم الآية: - الشورى: 30، إلى غير ذلك من ~~الآيات الدالة على أن الخير والشر من العمل له نوع انعكاس وارتداد إلى ~~عامله في الدنيا. PageV04P039 # والسابق إلى أذهاننا - المأنوسة بالأفكار التجربية الدائرة في المجتمع - من ~~هذه الآيات أن هذا الانعكاس إنما هو من عمل الإنسان إلى نفسه إلا أن هناك ~~آيات دالة على أن الأمر أوسع من ذلك، وأن عمل الإنسان خيرا أو شرا ربما عاد ~~إليه في ذريته وأعقابه قال تعالى: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك: - الكهف: 82، فظاهر الآية أن لصلاح أبيهما ~~دخلا فيما أراده الله رحمة بهما، وقال تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا خافوا عليهم الآية. # وعلى هذا فأمر انعكاس العمل أوسع وأعم، والنعمة أو المصيبة ربما تحلان ~~بالإنسان بما كسبت يدا شخصه أو أيدي آبائه. # والتدبر في كلامه تعالى يهدي إلى حقيقة السبب في ذلك فقد تقدم في الكلام ~~على الدعاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب في قوله تعالى: وإذا سألك عبادي ~~عني: - البقرة: 186، دلالة كلامه تعالى على أن جميع ما يحل الإنسان من ~~جانبه تعالى إنما هو لمسألة سألها ربه، وأن ما مهده من مقدمة وداخله من ~~الأسباب سؤال منه لما ينتهي إليه ms1347 من الحوادث والمسببات قال تعالى: يسأله من ~~في السموات والأرض كل يوم هو في شأن: - الرحمن: 29، وقال تعالى: وآتاكم من ~~كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها: - إبراهيم: 34، ولم يقل: وإن ~~تعدوه لا تحصوه لأن فيما سألوه ما ليس بنعمة، والمقام مقام الامتنان بالنعم ~~واللوم على كفرها ولذا ذكر بعض ما سألوه وهو النعمة. # ثم إن ما يفعله الإنسان لنفسه ويوقعه على غيره من خير أو شر يرتضيه لمن ~~أوقع عليه وهو إنسان مثله فليس إلا أنه يرتضيه لنفسه ويسأله لشخصه فليس ~~هناك إلا الإنسانية ومن هاهنا يتضح للإنسان أنه إن أحسن لأحد فإنما سأل ~~الله ذلك الإحسان لنفسه دعاء مستجابا وسؤالا غير مردود، وإن أساء على أحد ~~أو ظلمه فإنما طلب ذلك لنفسه وارتضاه لها وما يرتضيه لأولاد الناس ويتاماهم ~~يرتضيه لأولاد نفسه ويسأله لهم من خير أو شر، قال تعالى: ولكل وجهة هو ~~موليها فاستبقوا الخيرات: - البقرة: 148، فإن معناه أن استبقوا الخيرات ~~لتكون وجهتكم خيرا. # والاشتراك في الدم ووحدة الرحم يجعل عمود النسب وهو العترة شيئا واحدا ~~فأي حال عرضت لجانب من جوانب هذا الواحد، وأي نازلة نزلت في طرف من أطرافها ~~فإنما عرضت ونزلت على متنه وهو في حساب جميع الأطراف، وقد مر شطر من الكلام ~~في الرحم في أول هذه السورة. # فقد ظهر بهذا البيان أن ما يعامل به الإنسان غيره أو ذرية غيره فلا محيص ~~من أن ينعكس إلى نفسه أو ينقلب إلى ذريته إلا أن يشاء الله، وإنما استثنينا ~~لأن في الوجود عوامل وجهات غير محصورة لا يحيط بجميعها إحصاء الإنسان، ومن ~~الممكن أن تجري هناك عوامل وأسباب لم نتنبه لها أو لم نطلع عليها توجب خلاف ~~ذلك كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير: "الشورى: 30". # قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا" الآية يقال: أكله وأكله في بطنه وهما بمعنى واحد غير أن التعبير ~~الثاني ms1348 أصرح والآية كسابقتها متعلقه للمضمون بقوله: للرجال نصيب الآية وهي ~~تخويف وردع للناس عن هضم حقوق اليتامى في الإرث. # والآية مما يدل على تجسم الأعمال على ما مر في الجزء الأول من هذا الكتاب ~~في قوله تعالى: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما: "البقرة: 26" ولعل هذا ~~مراد من قال من المفسرين إن قوله: إنما يأكلون في بطونهم نارا، كلام على ~~الحقيقة دون المجاز وعلى هذا لا يرد عليه ما أورده بعض المفسرين: أن قوله: ~~يأكلون أريد به الحال دون الاستقبال بقرينة عطف قوله: وسيصلون سعيرا عليه ~~وهو فعل دخل عليه حرف الاستقبال فلو كان المراد به حقيقة الأكل - ووقته يوم ~~القيامة - لكان من اللازم أن يقال: سيأكلون في بطونهم نارا ويصلون سعيرا ~~فالحق أن المراد به المعنى المجازي، وأنهم في أكل مال اليتيم كمن يأكل في ~~بطنه نارا انتهى ملخصا وهو غفلة عن معنى تجسم الأعمال. # وأما قوله: وسيصلون سعيرا فهو إشارة إلى العذاب الأخروي، والسعير من ~~أسماء نار الآخرة يقال صلى النار يصلاها صلى وصليا أي احترق بها وقاسى ~~عذابها. PageV04P040 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان الآية: اختلف ~~الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة، وهو المروي ~~عن الباقر (عليه السلام). # أقول: وعن تفسير علي بن إبراهيم أنها منسوخة بقوله تعالى: يوصيكم الله في ~~أولادكم الآية، ولا وجه له، وقد ظهر في البيان السابق أن الآية بيان كلي ~~لحكم المواريث ولا تنافي بينها وبين سائر آيات الإرث المحكمة حتى يقال ~~بانتساخها بها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة: في ~~الآية قال: نزلت في أم كلثوم وابنة أم كحلة أو أم كحلة وثعلبة بن أوس وسويد ~~وهم من الأنصار كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي ~~زوجي وتركني وابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب ~~فرسا ولا تنكي عدوا ويكسب ms1349 عليها ولا تكتسب، فنزلت: للرجال نصيب الآية. # أقول: وفي بعض الروايات عن ابن عباس أنها نزلت في رجل من الأنصار مات ~~وترك ابنتين فجاء ابنا عمه وهما عصبته فقالت امرأته تزوجا بهما - وكان بهما ~~دمامة فأبيا فرفعت الأمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت ~~آيات المواريث. # الرواية. # ولا بأس بتعدد هذه الأسباب كما مر مرارا. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: وإذا حضر القسمة أولوا القربى الآية: اختلف ~~الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة قال: وهو ~~المروي عن الباقر (عليه السلام): وفي نهج البيان، للشيباني: أنه مروي عن ~~الباقر والصادق (عليهما السلام). # أقول: وفي بعض الروايات أنها منسوخة بآية المواريث، وقد تقدم في البيان ~~المتقدم أنها غير صالحة للنسخ. # وفي تفسير العياشي، عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه السلام): أن الله ~~أوعد في مال اليتيم عقوبتين اثنتين: أما إحداهما فعقوبة الآخرة النار، وأما ~~الأخرى فعقوبة الدنيا قوله: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا - ~~خافوا عليهم وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا، قال: يعني بذلك ليخش أن ~~أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى: أقول: وروي مثله في الكافي عن ~~الصادق (عليه السلام)، وفي المعاني عن الباقر (عليه السلام). # وفيه، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله (عليه السلام) مبتدئا: ~~من ظلم سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه، قال: فذكرت في ~~نفسي فقلت: يظلم هو فيسلط على عقبه وعقب عقبه؟ فقال لي قبل أن أتكلم: إن ~~الله يقول: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا - خافوا عليهم ~~وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة ~~ايتمه ثم أوصى به، وابتلاه وابتلى به. # أقول: والأخبار في أكل مال اليتيم وأنها كبيرة موبقة من طرق الفريقين ~~كثيرة مستفيضة PageV04P041 ### ||| AUTO 4 ms1350 سورة النساء - 11 - 14 # يوصيكم الله فى أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت وحدة فلها النصف ولأبويه لكل وحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين ءاباؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) * ~~ولكم نصف ما ترك أزوجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما ~~تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن ~~كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل وحد منهما السدس فإن كانوا ~~أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية ~~من الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب مهين (14) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" الإيصاء ~~والتوصية هو العهد والأمر، وقال الراغب في مفردات القرآن: الوصية: التقدم ~~إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ، انتهى. # وفي العدول عن لفظ الأبناء إلى الأولاد دلالة على أن حكم السهم والسهمين ~~مخصوص بما ولده الميت بلا واسطة، وأما أولاد الأولاد فنازلا فحكمهم حكم من ~~يتصلون به فلبنت الابن سهمان ولابن البنت سهم واحد إذا لم يكن هناك من ~~يتقدم على مرتبتهم كما أن الحكم في أولاد الإخوة والأخوات حكم من يتصلون ~~به، وأما لفظ الابن فلا يقضي بنفي الواسطة كما أن الأب أعم من الوالد. # وأما قوله تعالى في ذيل الآية: "آباؤكم ms1351 وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا" فسيجيء أن هناك عناية خاصة تستوجب اختيار لفظ الأبناء على الأولاد. # وأما قوله: "للذكر مثل حظ الأنثيين" ففي انتخاب هذا التعبير إشعار بإبطال ~~ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء فكأنه جعل إرث الأنثى مقررا ~~معروفا وأخبر بأن للذكر مثله مرتين أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث ~~الذكر محمولا عليه يعرف بالإضافة إليه، ولو لا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ ~~الذكر وإذن لا يفيد هذا المعنى ولا يلتئم السياق معه - كما ترى - هذا ما ~~ذكره بعض العلماء ولا بأس به، وربما أيد ذلك بأن الآية لا تتعرض بنحو ~~التصريح مستقلا إلا لسهام النساء وإن صرحت بشيء من سهام الرجال فمع ذكر ~~سهامهن معه كما في الآية التالية والآية التي في آخر السورة. # وبالجملة قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين في محل التفسير لقوله: يوصيكم الله ~~في أولادكم، واللام في الذكر والأنثيين لتعريف الجنس أي إن جنس الذكر يعادل ~~في السهم أنثيين، وهذا إنما يكون إذا كان هناك في الوراث ذكر وأنثى معا ~~فللذكر ضعفا الأنثى سهما ولم يقل: للذكر مثل حظي الأنثى أو مثلا حظ الأنثى ~~ليدل الكلام على سهم الأنثيين إذا انفردتا بإيثار الإيجاز على ما سيجيء. # وعلى أي حال إذا تركبت الورثة من الذكور والإناث كان لكل ذكر سهمان ولكل ~~أنثى سهم إلى أي مبلغ بلغ عددهم. PageV04P042 # قوله تعالى: "فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك" ظاهر وقوع هذا ~~الكلام بعد قوله: "للذكر مثل حظ الأنثيين" إنه على تقدير معطوف عليه محذوف ~~كأنه قيل: هذا إذا كانوا نساء ورجالا فإن كن نساء "إلخ" وهو شائع في ~~الاستعمال ومنه قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر ~~من الهدي: "البقرة: 196" وقوله: أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر: "البقرة: 184". # والضمير في كن راجع إلى الأولاد في قوله: في أولادكم وتأنيث الضمير ~~لتأنيث الخبر، والضمير في قوله: ترك راجع إلى الميت ms1352 المعلوم من سياق ~~الكلام. # قوله تعالى: "وإن كانت واحدة فلها النصف" الضمير إلى الولد المفهوم من ~~السياق وتأنيثه باعتبار الخبر والمراد بالنصف نصف ما ترك فاللام عوض عن ~~المضاف إليه. # ولم يذكر سهم الأنثيين فإنه مفهوم من قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين فإن ~~ذكرا وأنثى إذا اجتمعا كان سهم الأنثى الثلث للآية وسهم الذكر الثلثين وهو ~~حظ الأنثيين فحظ الأنثيين الثلثان فهذا المقدار مفهوم من الكلام إجمالا ~~وليس في نفسه متعينا للفهم إذ لا ينافي ما لو كان قيل بعده: وإن كانتا ~~اثنتين فلهما النصف أو الجميع مثلا لكن يعينه السكوت عن ذكر هذا السهم ~~والتصريح الذي في قوله: فإن كن نساء فوق اثنتين، فإنه يشعر بالتعمد في ترك ~~ذكر حظ الأنثيين. # على أن كون حظهما الثلثين هو الذي عمل به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وجرى العمل عليه منذ عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عهدنا بين ~~علماء الأمة سوى ما نقل من الخلاف عن ابن عباس. # وهذا أحسن الوجوه في توجيه ترك التصريح بسهم الأنثيين، قال الكليني رحمه ~~الله في الكافي: إن الله جعل حظ الأنثيين الثلثين بقوله: للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وذلك أنه إذا ترك الرجل بنتا وابنا فللذكر مثل حظ الأنثيين وهو ~~الثلثان فحظ الأنثيين الثلثان، واكتفا بهذا البيان أن يكون ذكر الأنثيين ~~بالثلثين، انتهى، ونقل مثله عن أبي مسلم المفسر: أنه يستفاد من قوله تعالى: ~~للذكر مثل حظ الأنثيين وذلك أن الذكر مع الأنثى الواحدة يرث الثلثين فيكون ~~الثلثان هما حظ الأنثيين، انتهى وإن كان ما نقل عنهما لا يخلو من قصور ~~يحتاج في التتميم إلى ما أوضحناه آنفا فليتأمل فيه. # وهناك وجوه أخر سخيفة ذكروها في توجيه الآية كقول بعضهم: إن المراد بقوله ~~تعالى: فإن كن نساء فوق اثنتين، الاثنتان وما فوقهما فهذه الجملة تتضمن ~~بيان حظ الأنثيين، والنساء فوق اثنتين جميعا. # ومثل قول بعضهم: إن حكم البنتين هاهنا معلوم بالقياس إلى حكم الأختين في ~~آخر آية من السورة حيث ذكرت لهما ms1353 الثلثين إلى غير ذلك مما يجعل عن أمثالها ~~كلامه تعالى. # قوله تعالى: "ولأبويه لكل واحد منهما السدس" إلى قوله: "فلأمه السدس" في ~~عطف الأبوين في الحكم على الأولاد دلالة على أن الأبوين يشاركان الأولاد في ~~طبقتهم، وقوله: وورثه أبواه، أي انحصر الوارث فيهما، وفي قوله: فإن كان له ~~إخوة "إلخ" بعد قوله: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، دلالة على أن الإخوة ~~واقعة في طبقة ثانية لاحقة لطبقة الأبناء والبنات لا ترث مع وجودهم غير أن ~~الإخوة تحجب الأم عن الثلث. # قوله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أو دين" أما الوصية فهي التي تندب ~~إليها قوله: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية الآية: ~~"البقرة: 180" ولا ينافي تقدمها في الآية على الدين ما ورد في السنة أن ~~الدين مقدم على الوصية لأن الكلام ربما يقدم فيه غير الأهم على الأهم لأن ~~الأهم لمكانته وقوة ثبوته ربما لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من التأكيد ~~والتشديد، ومنه التقديم، وعلى هذا فقوله: أو دين في مقام الإضراب والترقي طبعا. # وبذلك يظهر وجه توصيف الوصية بقوله: يوصي بها ففيه دلالة على التأكيد، ~~ولا يخلو مع ذلك من الإشعار بلزوم إكرام الميت ومراعاة حرمته فيما وصى به ~~كما قال تعالى: فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه الآية: ~~"البقرة: 181". PageV04P043 # قوله تعالى: "آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا" الخطاب للورثة ~~أعني لعامة المكلفين من حيث إنهم يرثون أمواتهم، وهو كلام ملقى للإيماء إلى ~~سر اختلاف السهام في وراثة الآباء والأبناء ونوع تعليم لهم خوطبوا به بلسان ~~"لا تدرون" وأمثال هذه التعبيرات شائعة في اللسان. # على أنه لو كان الخطاب لغير الورثة أعني للناس من جهة أنهم سيموتون ~~ويورثون آباءهم وأبناءهم لم يكن وجه لقوله: أقرب لكم نفعا فإن الظاهر أن ~~المراد بالانتفاع هو الانتفاع بالمال الموروث وهو إنما يعود إلى الورثة دون الميت. # وتقديم الآباء على الأبناء يشعر بكون الآباء أقرب نفعا من الأبناء، ms1354 كما ~~في قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله: "البقرة: 158" وقد مرت ~~الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: أبدأ بما بدأ الله ~~الحديث. # والأمر على ذلك بالنظر إلى آثار الرحم واعتبار العواطف الإنسانية فإن ~~الإنسان أرأف بولده منه بوالديه وهو يرى بقاء ولده بقاء لنفسه دون بقاء ~~والديه فآباء الإنسان أقوى ارتباطا وأمس وجودا به من أبنائه، وإذا بني ~~الانتفاع الإرثي على هذا الأصل كان لازمه أن يذهب الإنسان إذا ورث أباه ~~مثلا بسهم أزيد منه إذا ورث ابنه مثلا وإن كان ربما يسبق إلى الذهن البدوي ~~أن يكون الأمر بالعكس. # وهذه الآية أعني قوله: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم، نفعا من ~~الشواهد على أنه تعالى بنى حكم الإرث على أساس تكويني خارجي كسائر الأحكام ~~الفطرية الإسلامية. # على أن الآيات المطلقة القرآنية الناظرة إلى أصل التشريع أيضا كقوله: ~~فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم: "الروم: 30" تدل على ذلك، وكيف يتصور مع وجود أمثال هذه ~~الآيات أن يرد في الشريعة أحكام إلزامية وفرائض غير متغيرة وليس لها أصل في ~~التكوين في الجملة. # وربما يمكن أن يستشم من الآية أعني قوله: آباؤكم وأبناؤكم إلخ، تقدم ~~أولاد الأولاد على الأجداد والجدات فإن الأجداد والجدات لا يرثون مع وجود ~~الأولاد وأولاد الأولاد. # قوله تعالى: "فريضة من الله" إلخ الظاهر أنه منصوب بفعل مقدر والتقدير ~~خذوا أو الزموا ونحو ذلك وتأكيد بالغ أن هذه السهام المذكورة قدمت إليكم ~~وهي مفرزة معينة لا تتغير عما وضعت عليه. # وهذه الآية متكفلة لبيان سهام الطبقة الأولى وهي الأولاد والأب والأم على ~~جميع تقاديرها إما تصريحا كسهم الأب والأم وهو السدس لكل واحد منهما مع ~~وجود الأولاد، والثلث أو السدس للأم مع عدمهم على ما ذكر في الآية وكسهم ~~البنت الواحدة وهو النصف، وسهم البنات إذا تفردن وهو الثلثان، وسهم البنين ~~والبنات إذا اجتمعوا وهو للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحلق بها ms1355 سهم البنتين وهو ~~الثلثان كما تقدم. # وإما تلويحا كسهم الابن الواحد فإنه يرث جميع المال لقوله: للذكر مثل حظ ~~الأنثيين وقوله في البنت: وإن كانت واحدة فلها النصف، وكذا الأبناء إذا ~~تفردوا لما يفهم من قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين، أن الأبناء متساوون في ~~السهام، وأمر الآية في إيجازها عجيب. # واعلم أيضا أن مقتضى إطلاق الآية عدم الفرق في إيراث المال ووإمتاع ~~الورثة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين سائر الناس وقد تقدم نظير ~~هذا الإطلاق أو العموم في قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب. # الآية، وما ربما قيل: إن خطابات القرآن العامة لا تشمل النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لجريانها على لسانه فهو مما لا ينبغي أن يصغي إليه. # نعم هاهنا نزاع بين أهل السنة والشيعة في أن النبي هل يورث أو أن ما تركه ~~صدقة ومنشؤه الرواية التي رواها أبو بكر في قصة فدك والبحث فيه خارج عن وضع ~~هذا الكتاب ولذلك نرى التعرض له هاهنا فضلا فليراجع محله المناسب له. PageV04P044 # قوله تعالى: "ولكم نصف ما ترك أزواجكم" إلى قوله: "توصون بها أو دين" ~~المعنى ظاهر، وقد استعمل النصف بالإضافة فقيل: نصف ما ترك، والربع بالقطع ~~فقيل: ولهن الربع مما تركتم فإن القطع عن الإضافة يستلزم التتميم بمن ظاهره ~~أو مقدرة، ومن هذه تفيد معنى الأخذ والشروع من الشيء وهذا المعنى يناسب كون ~~مدخول من كالجزء التابع من الشيء المبتدأ منه وكالمستهلك فيه، وهذا إنما ~~يناسب ما إذا كان المدخول قليلا أو ما هو كالقليل بالنسبة إلى المبتدأ منه ~~كالسدس والربع والثلث من المجموع دون مثل النصف والثلثين، ولذا قال تعالى: ~~السدس مما ترك، وقال: فلأمه الثلث، وقال: فلكم الربع بالقطع عن الإضافة في ~~جميع ذلك، وقال: ولكم نصف ما ترك، وقال: فلهن ثلثا ما ترك بالإضافة، وقال: ~~فلها النصف أي نصف ما ترك فاللام عوض عن المضاف إليه. # قوله تعالى: "وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة" إلى آخر الآية ms1356 أصل ~~الكلالة مصدر بمعنى الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس ومنه الكل - بضم ~~الكاف - لإحاطته بالأجزاء، ومنه الكل - بفتح الكاف - لنوع إحاطة منه ثقيلة ~~على من هو كل عليه، قال الراغب: الكلالة اسم لما عدا الولد والوالد من ~~الورثة، قال: وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن الكلالة ~~فقال: من مات وليس له ولد ولا والد فجعله اسما للميت، وكلا القولين صحيح ~~فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث جميعا، انتهى. # أقول: وعلى هذا فلا مانع من كون كان ناقصة ورجل اسمها ويورث وصفا للرجل ~~وكلالة خبرها والمعنى: وإن كان الميت كلالة للوارث ليس أبا له ولا ابنا. # ويمكن أن يكون كان تامة ورجل يورث فاعله وكلالة مصدرا وضع موضع الحال، ~~ويئول المعنى أيضا إلى كون الميت كلالة للورثة، وقال الزجاج على ما نقل ~~عنه: من قرأ يورث - بكسر الراء - فكلالة مفعول، ومن قرأ يورث - بفتح الراء ~~- فكلالة منصوب على الحال. # وقوله: غير مضار منصوب على الحال، والمضارة هو الإضرار وظاهره أن المراد ~~به الإضرار بالدين من قبل الميت كان يعتمل بالدين للإضرار بالورثة وتحريمهم ~~الإرث، أو المراد المضارة بالدين كما ذكروا بالوصية بما يزيد على ثلث المال. # قوله تعالى: "تلك حدود الله" إلى آخر الآيتين الحد هو الحاجز بين الشيئين ~~الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر وارتفاع التمايز بينهما كحد الدار ~~والبستان، والمراد بها أحكام الإرث والفرائض المبينة، وقد عظم الله أمرها ~~بما ذكر في الآيتين من الثواب على إطاعته وإطاعة رسوله فيها والعذاب الخالد ~~المهين على المعصية. # كلام في الإرث على وجه كلي # هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم إلى آخر الآيتين، ~~والآية التي في آخر السورة: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إلى آخر ~~الآية، مع قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان الآية، ومع قوله ~~تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله: "الأحزاب: 6، ~~الأنفال: 7"، خمس آيات أو ست هي الأصل القرآني للإرث في الإسلام والسنة ~~تفسرها أوضح تفسير وتفصيل. # والكليات المنتزعة ms1357 المستفادة منها التي هي الأصل في تفاصيل الأحكام أمور: ~~منها: ما تقدم في قوله: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا، ~~ويظهر منها أن للقرب والبعد من الميت تأثيرا في باب الإرث، وإذا ضمت الجملة ~~إلى بقية الآية أفادت أن ذلك مؤثر في زيادة السهم وقلته وعظمه وصغره، وإذا ~~ضمت إلى قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أفادت أن ~~الأقرب نسبا في باب الإرث يمنع الأبعد. # فأقرب الأقارب إلى الميت الأب والأم والابن والبنت إذ لا واسطة بينهم ~~وبين الميت، والابن والبنت يمنعان أولاد أنفسهما لأنهم يتصلون به بواسطتهم ~~فإذا فقدت واسطتهم فهم يقومون مقامها. # وتتلوها المرتبة الثانية وهم إخوة الميت وأخواته وجده وجدته فإنهم يتصلون ~~بالميت بواسطة واحدة وهي الأب أو الأم، وأولاد الأخ والأخت يقومون مقام ~~أبيهم وأمهم، وكل بطن يمنع من بعده من البطون كما مر. # وتتلو هذه المرتبة مرتبة أعمام الميت وأخواله وعماته وخالاته فإن بينهم ~~وبين الميت واسطتين وهما الجد أو الجدة والأب أو الأم، والأمر على قيام ما مر. PageV04P045 # ويظهر من مسألة القرب والبعد المذكورة أن ذا السببين مقدم على ذي السبب ~~الواحد، ومن ذلك تقدم كلالة الأبوين على كلالة الأب فلا ترث معها، وأما ~~كلالة الأم فلا تزاحمها كلالة الأبوين. # ومنها: أنه قد اعتبر في الوراث تقدم وتأخر من جهة أخرى فإن السهام ربما ~~اجتمعت فتزاحمت بالزيادة على أصل التركة فمنهم من عين له عند الزحام سهم ~~آخر كالزوج يذهب بالنصف فإذا زاحمه الولد عاد إلى الربع بعينه ومثله الزوجة ~~في ربعها وثمنها وكالأم تذهب بالثلث فإذا زاحمها ولد أو إخوة عادت إلى ~~السدس والأب لا يزول عن سدسه مع وجود الولد، ومنهم من عين له سهم ثم إذا ~~زاحمه آخر سكت عنه ولم يذكر له سهم بعينه كالبنت والبنات والأخت والأخوات ~~يذهبن بالنصف والثلثين وقد سكت عن سهامهم عند الزحام، ويستفاد منه أن أولئك ~~المقدمين لا يزاحمون ولا يرد عليهم نقص في صورة زيادة السهام على الأصل ms1358 ~~وإنما يرد ما يرد من النقص على الآخرين المسكوت عن سهامهم عند الزحام. # ومنها: أن السهام قد تزيد على المال كما إذا فرض زوج وأخوات من كلالة ~~الأبوين فهناك نصف وثلثان وهو زائد على مخرج المال، وكذا لو فرض أبوان ~~وبنتان وزوج فتزيد السهام على أصل التركة فإنها سدسان وثلثان وربع. # وكذلك قد تزيد التركة على الفريضة كما إذا كانت هناك بنت واحدة أو بنتان ~~فقط وهكذا، والسنة المأثورة التي لها شأن تفسير الكتاب على ما ورد من طرق ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنه في صورة زيادة السهام على أصل المال ~~يدخل النقص على هؤلاء الذين لم يعين لهم إلا سهم واحد وهم البنات والأخوات ~~دون غيرهم وهو الأم والزوج الذين عين الله فرائضهما بحسب تغير الفروض وكذا ~~في صورة زيادة أصل التركة على السهام يرد الزائد على من يدخل عليه النقص في ~~الصورة السابقة كما في بنت وأب فللأب السدس وللبنت نصف المال بالفريضة ~~والباقي بالرد. # وقد سن عمر بن الخطاب أيام خلافته في صورة زيادة السهام العول وعمل الناس ~~في الصدر الأول في صورة زيادة التركة بالتعصيب وسيجيء الكلام فيهما في ~~البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # ومنها: أن التأمل في سهام الرجال والنساء في الإرث يفيد أن سهم المرأة ~~ينقص عن سهم الرجل في الجملة إلا في الأبوين فإن سهم الأم قد يربو على سهم ~~الأب بحسب الفريضة ولعل تغليب جانب الأم على جانب الأب أو تسويتهما لكونها ~~في الإسلام أمس رحما بولدها ومقاساتها كل شديدة في حمله ووضعه وحضانته ~~وتربيته، قال تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته ~~كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا: "الأحقاف: 15" وخروج سهمها عن نصف ما للرجل ~~إلى حد المساواة أو الزيادة تغليب لجانبها قطعا. # وأما كون سهم الرجل في الجملة ضعف سهم المرأة فقد اعتبر فيه فضل الرجل ~~على المرأة بحسب تدبير الحياة عقلا وكون الإنفاق اللازم على عهدته، قال ~~تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ms1359 بعضهم على بعض وبما أنفقوا ~~من أموالهم: "النساء: 34" والقوام من القيام وهو إدارة المعاش، والمراد ~~بالفضل هو الزيادة في التعقل فإن حياته حياة تعقلية وحياة المرأة إحساسية ~~عاطفية، وإعطاء زمام المال يدا عاقلة مدبرة أقرب إلى الصلاح من إعطائه يدا ~~ذات إحساس عاطفي وهذا الإعطاء. # والتخصيص إذا قيس إلى الثروة الموجودة في الدنيا المنتقلة من الجيل ~~الحاضر إلى الجيل التالي يكون تدبير ثلثي الثروة الموجودة إلى الرجال ~~وتدبير ثلثها إلى النساء فيغلب تدبير التعقل على تدبير الإحساس والعواطف ~~فيصلح أمر المجتمع وتسعد الحياة. # وقد تدورك هذا الكسر الوارد على النساء بما أمر الله سبحانه الرجل بالعدل ~~في أمرها الموجب لاشتراكها مع الرجل فيما بيده من الثلثين فتذهب المرأة ~~بنصف هذين الثلثين من حيث المصرف، وعندها الثلث الذي تتملكه وبيدها أمر ~~ملكه ومصرفه. PageV04P046 # وحاصل هذا الوضع والتشريع العجيب أن الرجل والمرأة متعاكسان في الملك ~~والمصرف فللرجل ملك ثلثي ثروة الدنيا وله مصرف ثلثها، وللمرأة ملك ثلث ~~الثروة ولها مصرف ثلثيها، وقد لوحظ في ذلك غلبة روح التعقل على روح الإحساس ~~والعواطف في الرجل، والتدبير المالي بالحفظ والتبديل والإنتاج والاسترباح ~~أنسب وأمس بروح التعقل، وغلبة العواطف الرقيقة والإحساسات اللطيفة على روح ~~التعقل في المرأة، وذلك بالمصرف أمس وألصق فهذا هو السر في الفرق الذي ~~اعتبره الإسلام في باب الإرث والنفقات بين الرجال والنساء. # وينبغي أن يكون زيادة روح التعقل بحسب الطبع في الرجل ومزيته على المرأة ~~في هذا الشأن هو المراد بالفضل الذي ذكره الله سبحانه في قوله عز من قائل: ~~الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض الآية، دون الزيادة ~~في البأس والشدة والصلابة فإن الغلظة والخشونة في قبيل الرجال وإن كانت ~~مزية وجودية يمتاز بها الرجل من المرأة وتترتب عليها في المجتمع الإنساني ~~آثار عظيمة في أبواب الدفاع والحفظ والأعمال الشاقة وتحمل الشدائد والمحن ~~والثبات والسكينة في الهزاهز والأهوال، وهذه شئون ضرورية في الحياة لا يقوم ~~لها قبيل النساء بالطبع. # لكن النساء أيضا مجهزات بما يقابلها من ms1360 الإحساسات اللطيفة والعواطف ~~الرقيقة التي لا غنى للمجتمع عنها في حياته، ولها آثار هامة في أبواب الأنس ~~والمحبة والسكن والرحمة والرأفة وتحمل أثقال التناسل والحمل والوضع ~~والحضانة والتربية والتمريض وخدمة البيوت، ولا يصلح شأن الإنسان بالخشونة ~~والغلظة لو لا اللينة والرقة، ولا بالغضب لو لا الشهوة، ولا أمر الدنيا ~~بالدفع لو لا الجذب. # وبالجملة هذان تجهيزان متعادلان في الرجل والمرأة يتعادل بهما كفتا ~~الحياة في المجتمع المختلط المركب من القبيلين، وحاشاه سبحانه أن يحيف في ~~كلامه أو يظلم في حكمه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، ولا يظلم ربك أحدا ~~وهو القائل: بعضكم من بعض: "آل عمران: 195" وقد أشار إلى هذا الالتيام ~~والبعضية بقوله في الآية: بما فضل الله بعضهم على بعض. # وقال أيضا: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون: "الروم: 21" فانظر إلى عجيب بيان الآيتين حيث ~~وصف الإنسان وهو الرجل بقرينة المقابلة بالانتشار وهو السعي في طلب المعاش، ~~وإليه يعود جميع أعمال اقتناء لوازم الحياة بالتوسل إلى القوة والشدة حتى ~~ما في المغالبات والغزوات والغارات ولو كان للإنسان هذا الانتشار فحسب ~~لانقسم أفراده إلى واحد يكر وآخر يفر. # لكن الله سبحانه خلق النساء وجهزهن بما يوجب أن يسكن إليهن الرجال وجعل ~~بينهم مودة ورحمة فاجتذبن الرجال بالجمال والدلال والمودة والرحمة، فالنساء ~~هن الركن الأول والعامل الجوهري للاجتماع الإنساني. # ومن هنا ما جعل الإسلام الاجتماع المنزلي وهو الازدواج هو الأصل في هذا ~~الباب قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم: "الحجرات: 13"، فبدأ بأمر ~~ازدواج الذكر والأنثى وظهور التناسل بذلك ثم بنى عليه الاجتماع الكبير ~~المتكون من الشعوب والقبائل. # ومن ذيل الآية يظهر أن التفضيل المذكور في قوله: الرجال قوامون على ~~النساء بما فضل الله بعضهم على بعض الآية، إنما هو تفضيل في التجهيز ms1361 بما ~~ينتظم به أمر الحياة الدنيوية أعني المعاش أحسن تنظيم، ويصلح به حال ~~المجتمع إصلاحا جيدا، وليس المراد به الكرامة التي هي الفضيلة الحقيقية في ~~الإسلام وهي القربى والزلفى من الله سبحانه فإن الإسلام لا يعبأ بشيء من ~~الزيادات الجسمانية التي لا يستفاد منها إلا للحياة المادية وإنما هي وسائل ~~يتوسل بها لما عند الله. # فقد تحصل من جميع ما قدمنا أن الرجال فضلوا على النساء بروح التعقل الذي ~~أوجب تفاوتا في أمر الإرث وما يشبهه لكنها فضيلة بمعنى الزيادة وأما ~~الفضيلة بمعنى الكرامة التي يعتني بشأنها الإسلام فهي التقوى أينما كانت. PageV04P047 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه ~~من طرق جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ~~أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في ~~مالي يا رسول الله؟ فنزلت: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين. # أقول: قد تقدم مرارا أن أسباب النزول المروية لا تأبى أن تتعدد وتجتمع ~~عدة منها في آية، ولا تنافي عدم انحصار عناية الآية النازلة فيها ولا أن ~~يتصادف النزول فينطبق عليها مضمون الآية فلا يضر بالرواية ما فيها من قول ~~جابر: ما تأمرني أن أصنع بمالي يا رسول الله فنزلت "إلخ"، مع أن قسمة المال ~~لم يكن عليه حتى يجاب بالآية، وأعجب منه ما رواه أيضا عن عبد بن حميد ~~والحاكم عن جابر قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعودني وأنا ~~مريض فقلت: كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئا ونزلت: يوصيكم الله ~~في أولادكم. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان أهل الجاهلية لا ~~يورثون الجواري، ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث ms1362 الرجل من والده إلا من ~~أطاق القتال فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة له يقال لها: أم ~~كحة وترك خمس جوار فجاءت الورثة فأخذوا ماله فشكت أم كحة ذلك إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله هذه الآية: فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك - وإن كانت واحدة فلها النصف ثم قال في أم كحة: ولهن ~~الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد - فإن كان لكم ولد فلهن الثمن. # وفيه، أيضا عنهما عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله ~~فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: ~~تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، ~~وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة، وكانوا يفعلون ذلك في ~~الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر. # أقول: وكان منه التعصيب وهو إعطاء الميراث عصبة الأب إذا لم يترك الميت ~~ابنا كبيرا يطيق القتال، وقد عمل به أهل السنة في الزائد على الفريضة فيما ~~إذا لم يستوعب السهام التركة، وربما وجد شيء من ذلك في رواياتهم لكن وردت ~~الروايات من طرق أهل البيت (عليهم السلام) بنفي التعصيب، وأن الزائد على ~~الفرائض يرد على من ورد عليه النقص وهم الأولاد والإخوة من الأبوين أو ~~الأب، وإلى الأب في بعض الصور، والذي يستفاد من الآيات يوافق ذلك على ما مر. # وفيه، أخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: أول من أعال الفرائض عمر ~~تدافعت عليه وركب بعضها بعضا قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم؟ والله ما ~~أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ وما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن أقسمه ~~عليكم بالحصص! ثم قال ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر ~~الله ما عالت فريضة، فقيل له: وأيها قدم الله؟ قال: كل فريضة لم يهبطها ~~الله من فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم ms1363 الله، وكل فريضة إذا زالت عن ~~فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر الله فالذي قدم كالزوجين والأم، ~~والذي أخر كالأخوات والبنات فإذا اجتمع من قدم الله وأخر بدىء بمن قدم ~~فأعطي حقه كاملا فإن بقي شيء كان لهن، وإن لم يبق شيء فلا شيء لهن. # وفيه، أيضا أخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: أترون الذي أحصى رمل ~~عالج عددا جعل في المال نصفا وثلثا وربعا؟ إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث ~~وأربعة أرباع. # وفيه، أيضا عنه عن عطاء قال: قلت لابن عباس: إن الناس لا يأخذون بقولي ~~ولا بقولك ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثا على ما تقول قال: فليجتمعوا ~~فلنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ما حكم الله ~~بما قالوا. # أقول: وهذا المعنى منقول عن ابن عباس من طرق الشيعة أيضا كما يأتي. PageV04P048 # في الكافي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: جالست ابن ~~عباس فعرض ذكر الفرائض من المواريث فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم أترون ~~الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا؟! فهذان النصفان قد ~~ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العباس ~~فمن أول من أعال هذه الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لما التفت عنده الفرائض ~~ودفع بعضها بعضا قال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ وما أجد شيئا ~~أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص وأدخل على كل ذي حق حقه فأدخل عليه ~~من عول الفرائض وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت ~~الفريضة، فقال له زفر بن أوس: وأيها قدم وأيها أخر؟ فقال: كل فريضة لم ~~يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله، وأما ما أخر الله ~~فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر، فأما ~~التي قدم فالزوج ms1364 له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا ~~يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع فإذا زالت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، ~~والأم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء فهذه ~~الفرائض التي قدم الله عز وجل، وأما التي أخر ففريضة البنات والأخوات لها ~~النصف والثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلا ما بقي، فتلك ~~التي أخر الله، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدىء بما قدم الله فأعطي ~~حقه كاملا فإن بقي شيء كان لمن أخر وإن لم يبق شيء فلا شيء له، فقال له ~~زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هيبته. # أقول: وهذا القول من ابن عباس مسبوق بقول علي (عليه السلام) بنفي العول، ~~وهو مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما يأتي. # في الكافي، عن الباقر (عليه السلام) في حديث قال: كان أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) يقول: إن الذي أحصى رمل عالج ليعلم أن السهام لا تعول على ~~ستة لو تبصرون وجهها لم تجز ستة. # أقول: في الصحاح: أن عالج موضع بالبادية به رمل، وقوله (عليه السلام): إن ~~السهام لا تعول على ستة أي لا تميل على الستة حتى تغيرها إلى غيرها، والستة ~~هي السهام المصرح بها في الكتاب وهي: النصف والثلث والثلثان والربع والسدس ~~والثمن. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~الحمد لله الذي لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، ثم ضرب بإحدى يديه على ~~الأخرى، ثم قال: يا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدمتم من قدم ~~الله وأخرتم من أخر الله، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله ما عال ~~ولي الله، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا ~~تنازعت الأمة في شيء من أمر الله إلا وعند علي علمه من كتاب الله، فذوقوا ~~وبال أمركم وما فرطتم فيما قدمت أيديكم، وما الله بظلام ms1365 للعبيد، وسيعلم ~~الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون. # أقول: وتوضيح ورود النقص على حظوظ الورثة زيادة على ما مر أن الفرائض ~~المذكورة في كلامه تعالى ست: النصف، والثلثان، والثلث، والسدس، والربع، ~~والثمن، وهذه السهام قد يجتمع بعضها مع بعض بحيث يحصل التزاحم كما أنه قد ~~يجتمع النصف والسدسان والربع في الطبقة الأولى كبنت وأب وأم وزوج فتزيد ~~السهام على الأصل، وكذا الثلثان والسدسان والربع كبنتين وأبوين وزوج ~~فتتزاحم، وكذلك يجتمع النصف والثلث والربع والسدس في الطبقة الثانية كأخت ~~وجدين للأب والأم وزوجة، وكذا الثلثان والثلث والربع والسدس كأختين وجدين وزوج. # فإن أوردنا النقص على جميع السهام كان العول، وإن حفظنا فريضة الأبوين ~~والزوجين وكلالة الأم وهي الثلث والسدس والنصف والربع والثمن عن ورود النقص ~~عليها - لأن الله عين هذه السهام ولم يبهمها في حال بخلاف سهام البنت ~~الواحدة فما زادت والأخت الواحدة لأبوين أو لأب فما زادت وبخلاف سهام الذكر ~~والأنثى عند الوحدة والكثرة - ورد النقص دائما على الأولاد والإخوة ~~والأخوات لما مر. # وأما كيفية الرد فليراجع فيها إلى جوامع الحديث وكتب الفقه. PageV04P049 # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت: أنه كان ~~يحجب الأم بالأخوين فقالوا له: يا أبا سعيد إن الله يقول: فإن كان له إخوة ~~وأنت تحجبها بأخوين؟ فقال: إن العرب تسمي الأخوين إخوة. # أقول: وهو المروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وإن كان المعروف أن ~~الإخوة جمع الأخ ولا يطلق الجمع على ما دون الثلاثة. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يحجب الأم عن الثلث إلا ~~أخوان أو أربع أخوات لأب وأم أو لأب أقول: والأخبار في ذلك كثيرة وأما ~~الإخوة لأم فإنهم يتقربون بالأم وهي بوجودها تمنعهم، وفي أخبار الفريقين أن ~~الإخوة يحجبون الأم ولا يرثون لوجود من يتقدم عليهم في الميراث وهو الأبوان ~~فحجب الإخوة الأم مع عدم إرثهم إنما هو نوع مراعاة لحال الأب من حيث رد ~~الزائد على الفريضة إليه، ومنه يعلم وجه عدم حجب الإخوة ms1366 للأم فإنهم ليسوا ~~عالة للأب. # وفي المجمع، في قوله تعالى: من بعد وصية يوصي بها أو دين، عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): أنكم تقرءون في هذه الآية الوصية قبل الدين، وأن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى بالدين قبل الوصية: أقول: ورواه ~~السيوطي في الدر المنثور عن عدة من أرباب الجوامع والتفاسير. # وفي الكافي، في معنى الكلالة عن الصادق (عليه السلام): من ليس بوالد ولا ولد. # وفيه، عنه (عليه السلام) في قوله تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة الآية، ~~إنما عنى بذلك الإخوة والأخوات من الأم خاصة. # أقول: والأخبار في ذلك كثيرة وقد رواها أهل السنة، وقد استفاضت الروايات ~~بذلك وأن حكم كلالة الأب والأبوين هو المذكور في الآية الخاتمة للسورة: ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة الآية. # ومن الشواهد على ذلك أن الفرائض المذكورة للكلالة في آخر السورة تربو على ~~ما ذكر لهم في هذه الآية زيادة ضعف أو أزيد، ومن المستفاد من سياق الآيات ~~وذكر الفرائض أنه تعالى يرجح سهم الرجال على النساء في الجملة ترجيح ~~المثلين على المثل أو ما يقرب من ذلك مهما أمكن، والكلالة إنما يتقرب إلى ~~الميت من جهة الأم والأب أو أحدهما فالتفاوت المراعى في جانب الأب والأم ~~يسري إليهم فيترجح لا محالة فرائض كلالة الأبوين أو الأب على كلالة الأم ~~ويكشف بذلك أن القليل لكلالة الأم والكثير لغيره. # وفي المعاني، بإسناده إلى محمد بن سنان: أن أبا الحسن الرضا (عليه ~~السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله علة إعطاء النساء نصف ما يعطى ~~الرجال من الميراث: لأن المرأة إذا تزوجت أخذت والرجل يعطي فلذلك وفر على ~~الرجال وعلة أخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تعطى الأنثى لأن الأنثى من عيال ~~الذكر إن احتاجت، وعليه أن يعولها وعليه نفقتها، وليس على المرأة أن تعول ~~الرجل ولا تؤخذ بنفقته إن احتاج فوفر على الرجال لذلك، وذلك قول الله عز ~~وجل: الرجال قوامون على النساء - بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ms1367 أنفقوا ~~من أموالهم. # وفي الكافي، بإسناده عن الأحول قال: قال ابن أبي العوجاء: ما بال المرأة ~~المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا ويأخذ الرجال سهمين؟ فذكر ذلك بعض ~~أصحابنا لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إن المرأة ليس عليها جهاد، ولا ~~نفقة، ولا معقلة، فإنما ذلك على الرجال فلذلك جعل للمرأة سهما واحدا، ~~وللرجل سهمين. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة وقد مر دلالة الكتاب أيضا على ذلك. PageV04P050 ### |||| AUTO بحث علمي في فصول # 1 - ظهور الإرث: # كان الإرث أعني تملك بعض الأحياء المال الذي تركه الميت من أقدم السنن ~~الدائرة في المجتمع الإنساني، وقد خرج عن وسع ما بأيدينا من تواريخ الأمم ~~والملل الحصول على مبدإ حصوله، ومن طبيعة الأمر أيضا ذلك فإنا نعلم بالتأمل ~~في طبيعة الإنسان الاجتماعية أن المال وخاصة لو كان مما لا يد عليه يحن ~~إليه الإنسان ويتوق إليه نفسه لصرفه في حوائجه، وحيازته وخاصة فيما لا مانع ~~عنه من دءوبه الأولية القديمة، والإنسان في ما كونه من مجتمعة همجيا أو ~~مدنيا لا يستغني عن اعتبار القرب والولاية المنتجين للأقربية والأولوية بين ~~أفراد المجتمع الاعتبار الذي عليه المدار في تشكل البيت والبطن والعشيرة ~~والقبيلة ونحو ذلك، فلا مناص في المجتمع من كون بعض الأفراد أولى ببعض ~~كالولد بوالديه والرحم برحمه، والصديق بصديقه، والمولى بعبده، وأحد الزوجين ~~بالآخر، والرئيس بمرءوسه حتى القوي بالضعيف، وإن اختلفت المجتمعات في تشخيص ~~ذلك اختلافا شديدا يكاد لا تناله يد الضبط. # ولازم هذين الأمرين كون الإرث دائرا بينهم من أقدم العهود الاجتماعية. # 2 - تحول الإرث تدريجيا: # لم تزل هذه السنة كسائر السنن الجارية في المجتمعات الإنسانية تتحول من ~~حال إلى حال وتلعب بها يد التطور والتكامل منذ أول ظهورها غير أن الأمم ~~الهمجية لما لم تستقر على حال منتظم تعسر الحصول في تواريخهم على تحوله ~~المنتظم حصولا يفيد وثوقا به. # والقدر المتيقن من أمرهم أنهم كانوا يحرمون النساء والضعفاء الإرث، وإنما ~~كان يختص بالأقوياء وليس إلا لأنهم كانوا يعاملون مع النساء والضعفاء من ms1368 ~~العبيد والصغار معاملة الحيوان المسخر والسلع والأمتعة التي ليس لها إلا أن ~~ينتفع بها الإنسان دون أن تنتفع هي بالإنسان وما في يده أو تستفيد من ~~الحقوق الاجتماعية التي لا تتجاوز النوع الإنساني. # ومع ذلك كان يختلف مصداق القوي في هذا الباب برهة بعد برهة فتارة مصداقه ~~رئيس الطائفة أو العشيرة، وتارة رئيس البيت، وتارة أخرى أشجع القوم وأشدهم ~~بأسا، وكان ذلك يوجب طبعا تغير سنة الإرث تغيرا جوهريا. # ولكون هذه السنن الجارية لا تضمن ما تقترحه الفطرة الإنسانية من السعادة ~~المقترحة كان يسرع إليها التغير والتبدل حتى أن الملل المتمدنة التي كان ~~يحكم بينهم القوانين أو ما يجري مجراها من السنن المعتادة الملية كان شأنهم ~~ذلك كالروم واليونان، وما عمر قانون من قوانين الإرث الدائرة بين الأمم حتى ~~اليوم مثل ما عمرت سنة الإرث الإسلامية فقد حكمت في الأمم الإسلامية منذ ~~أول ظهورها إلى اليوم ما يقرب من أربعة عشر قرنا. # 3 - الوراثة بين الأمم المتمدنة: # من خواص الروم أنهم كانوا يرون للبيت في نفسه استقلالا مدنيا يفصله عن ~~المجتمع العام ويصونه عن نفوذ الحكومة العامة في جل ما يرتبط بأفراده من ~~الحقوق الاجتماعية، فكان يستقل في الأمر والنهي والجزاء والسياسة ونحو ذلك. # وكان رب البيت هو معبودا لأهله من زوجة وأولاد وعبيد، وكان هو المالك من ~~بينهم ولا يملك دونه أحد ما دام أحد أفراد البيت، وكان هو الولي عليهم ~~القيم بأمرهم باختياره المطلق النافذ فيهم، وكان هو يعبد رب البيت السابق ~~من أسلافه. # وإذا كان هناك مال يرثه البيت كما إذا مات بعض الأبناء فيما ملكه بإذن رب ~~البيت اكتسابا أو بعض البنات فيما ملكته بالازدواج صداقا وأذن لها رب البيت ~~أو بعض الأقارب فإنما كان يرثه رب البيت لأنه مقتضى ربوبيته وملكه المطلق ~~للبيت وأهله. # وإذا مات رب البيت فإنما كان يرثه أحد أبنائه أو إخوانه ممن في وسعه ذلك ~~وورثه الأبناء فإن انفصلوا وأسسوا بيوتا جديدة كانوا أربابها وإن بقوا في ~~بيتهم القديم كان نسبتهم ms1369 إلى الرب الجديد أخيهم مثلا هي النسبة السابقة إلى ~~أبيهم من الورود تحت قيمومته وولايته المطلقة. # وكذا كان يرثه الأدعياء لأن الادعاء والتبني كان دائرا عندهم كما بين ~~العرب في الجاهلية. PageV04P051 # وأما النساء كالزوجة والبنت والأم فلم يكن يرثن لئلا ينتقل مال البيت ~~بانتقالهن إلى بيوت أخرى بالازدواج فإنهم ما كانوا يرون جواز انتقال الثروة ~~من بيت إلى آخر، وهذا هو الذي ربما ذكره بعضهم فقال: إنهم كانوا يقولون ~~بالملكية الاشتراكية الاجتماعية دون الانفرادية الفردية وأظن أن مأخذه شيء ~~آخر غير الملك الاشتراكي فإن الأقوام الهمجية المتوحشة أيضا من أقدم ~~الأزمنة كانوا يمتنعون من مشاركة غيرهم من الطوائف البدوية فيما حازوه من ~~المراعي والأراضي الخصبة وحموه لأنفسهم وكانوا يحاربون عليه ويدفعون عن ~~محمياتهم وهذا نوع من الملك العام الاجتماعي الذي مالكه هيئة المجتمع ~~الإنساني دون أفراده، وهو مع ذلك لا ينفي أن يملك كل فرد من المجتمع شيئا ~~من هذا الملك العام اختصاصا. # وهذا ملك صحيح الاعتبار غير أنهم ما كانوا يحسنون تعديل أمره والاستدرار ~~منه، وقد احترمه الإسلام كما ذكرناه فيما تقدم، قال تعالى: خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا: "البقرة: 29" فالمجتمع الإنساني وهو المجتمع الإسلامي ومن هو ~~تحت ذمته هو المالك لثروة الأرض بهذا المعنى ثم المجتمع الإسلامي هو المالك ~~لما في يده من الثروة ولذلك لا يرى الإسلام إرث الكافر من المسلم. # ولهذا النظر آثار ونماذج في بعض الملل الحاضرة حيث لا يرون جواز تملك ~~الأجانب شيئا من الأراضي والأموال غير المنقولة من أوطانهم ونحو ذلك. # ولما كان البيت في الروم القديم ذا استقلال وتمام في نفسه كان قد استقر ~~فيه هذه العادة القديمة المستقرة في الطوائف والممالك المستقلة. # وكان قد أنتج استقرار هذه العادة أو السنة في بيوت الروم مع سنتهم في ~~التزويج من منع الازدواج بالمحارم أن القرابة انقسمت عندهم قسمين: أحدهما ~~القرابة الطبيعية وهي الاشتراك في الدم، وكان لازمها منع الازدواج في ~~المحارم وجوازه في غيرهم، والثاني القرابة الرسمية وهي القانونية ولازمها ~~الإرث وعدمه ms1370 والنفقة والولاية وغير ذلك فكان الأبناء أقرباء ذوي قرابة ~~طبيعية ورسمية معا بالنسبة إلى رب البيت ورئيسه وفي ما بينهم، أنفسهم وكانت ~~النساء جميعا ذوات قرابة طبيعية لا رسمية فكانت المرأة لا ترث والدها ولا ~~ولدها ولا أخاها ولا بعلها ولا غيرهم. # هذه سنة الروم القديم. # وأما اليونان فكان وضعهم القديم في تشكل البيوت قريبا من وضع الروم ~~القديم، وكان الميراث فيهم يرثه أرشد الأولاد الذكور، ويحرم النساء جميعا ~~من زوجة وبنت وأخت، ويحرم صغار الأولاد وغيرهم غير أنهم كالروميين ربما ~~كانوا يحتالون لإيراث الصغار من أبنائهم ومن أحبوها وأشفقوا عليها من ~~زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم بحبل متفرقة تسهل الطريق لامتاعهن بشيء من ~~الميراث قليل أو كثير بوصية أو نحوها وسيجيء الكلام في أمر الوصية. # وأما الهند ومصر والصين فكان أمر الميراث في حرمان النساء منه مطلقا ~~وحرمان ضعفاء الأولاد أو بقاؤهم تحت الولاية والقيمومة قريبا مما تقدم من ~~سنة الروم واليونان. # وأما الفرس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم وتعدد الزوجات كما تقدم ويرون ~~التبني، وكانت أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن بالادعاء وترث ~~كما يرث الابن والدعي بالسوية وكانت تحرم بقية الزوجات، والبنت المزوجة لا ~~ترث حذرا من انتقال المال إلى خارج البيت، والتي لم تزوج بعد ترث نصف سهم ~~الابن، فكانت الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوجة محرومات، وكانت الزوجة ~~الكبيرة والابن والدعي والبنت غير المزوجة بعد مرزوقين. # وأما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقا والصغار من البنين ويمتعون ~~أرشد الأولاد ممن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة، فإن لم يكن فالعصبة. # هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث، ذكرها وتعرض لها كثير من تواريخ ~~آداب الملل ورسومهم والرحلات وكتب الحقوق وأمثالها من أراد الاطلاع على ~~تفاصيل القول أمكنه أن يراجعها. # وقد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذ على ~~حرمان النساء بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا بعناوين أخرى ~~مختلفة، وعلى حرمان الصغار والأيتام إلا في بعض الموارد ms1371 تحت عنوان الولاية ~~والقيمومة الدائمة غير المنقطعة. # 4 - ما ذا صنع الإسلام والظرف هذا الظرف؟: PageV04P052 # قد تقدم مرارا أن الإسلام يرى أن الأساس الحق للأحكام والقوانين الإنسانية ~~هو الفطرة التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله، وقد بنى الإرث على ~~أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة، وقد ألغى إرث الأدعياء حيث ~~يقول تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق ~~وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم: "الأحزاب: 5". # ثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث وأفردها عنوانا مستقلا يعطى به ويؤخذ ~~وإن كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثا، وليس ذلك مجرد اختلاف في ~~التسمية فإن لكل من الوصية والإرث ملاكا آخر وأصلا فطريا مستقلا، فملاك ~~الإرث هو الرحم ولا نفوذ لإرادة المتوفى فيها أصلا، وملاك الوصية نفوذ ~~إرادة المتوفى بعد وفاته وإن شئت قل: حين ما يوصي في ما يملكه في حياته ~~واحترام مشيته، فلو أدخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية. # وأما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلا إرثا فلم يكن لاعتبارهم في ~~سنة الإرث أحد الأمرين، إما الرحم وإما احترام إرادة الميت بل حقيقة الأمر ~~أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة وهي إرادة الميت بقاء المال ~~الموروث في البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه أو إرادته انتقاله ~~بعد الموت إلى من يحبه الميت ويشفق عليه فكان الإرث على أي حال يبتني على ~~احترام الإرادة ولو كان مبتنيا على أصل الرحم واشتراك الدم لرزق من المال ~~كثير من المحرومين منه، وحرم كثير من المرزوقين. # ثم إنه بعد ذلك عمد إلى الإرث وعنده في ذلك أصلان جوهريان: أصل الرحم وهو ~~العنصر المشترك بين الإنسان وأقربائه لا يختلف فيه الذكور والإناث والكبار ~~والصغار حتى الأجنة في بطون أمهاتهم وإن كان مختلف الأثر في التقدم ~~والتأخر، ومنع البعض للبعض من جهة قوته وضعفه بالقرب من الإنسان والبعد ms1372 ~~منه، وانتفاء الوسائط وتحققها قليلا أو كثيرا كالولد والأخ والعم، وهذا ~~الأصل يقضي باستحقاق أصل الإرث مع حفظ الطبقات المتقدمة والمتأخرة. # وأصل اختلاف الذكر والأنثى في نحو وجود القرائح الناشئة عن الاختلاف في ~~تجهيزهما بالتعقل والإحساسات، فالرجل بحسب طبعه إنسان التعقل كما أن المرأة ~~مظهر العواطف والإحساسات اللطيفة الرقيقة، وهذا الفرق مؤثر في حياتيهما ~~التأثير البارز في تدبير المال المملوك، وصرفه في الحوائج، وهذا الأصل هو ~~الموجب للاختلاف في السهام في الرجل والمرأة وإن وقعا في طبقة واحدة كالابن ~~والبنت، والأخ والأخت في الجملة على ما سنبينه. # واستنتج من الأصل الأول ترتب الطبقات بحسب القرب والبعد من الميت لفقدان ~~الوسائط وقلتها وكثرتها فالطبقة الأولى هي التي تتقرب من الميت بلا واسطة ~~وهي الابن والبنت والأب والأم، والثانية الأخ والأخت والجد والجدة وهي ~~تتقرب من الميت بواسطة واحدة وهي الأب أو الأم أو هما معا، والثالثة العم ~~والعمة والخال والخالة، وهي تتقرب إلى الميت بواسطتين. # وهما أب الميت أو أمه وجده أو جدته، وعلى هذا القياس، والأولاد في كل ~~طبقة يقومون مقام آبائهم ويمنعون الطبقة اللاحقة وروعي حال الزوجين لاختلاط ~~دمائهما بالزواج مع جميع الطبقات فلا يمنعهما طبقة ولا يمنعان طبقة. # ثم استنتج من الأصل الثاني اختلاف الذكر والأنثى في غير الأم والكلالة ~~المتقربة بالأم بأن للذكر مثل حظ الأنثيين. # والسهام الستة المفروضة في الإسلام النصف والثلثان والثلث والربع والسدس ~~والثمن وإن اختلفت، وكذا المال الذي ينتهي إلى أحد الوراث وإن تخلف عن ~~فريضته غالبا بالرد أو النقص الوارد وكذا الأب والأم وكلالة الأم وإن تخلفت ~~فرائضهم عن قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" ولذلك يعسر البحث الكلي الجامع ~~في باب الإرث إلا أن الجميع بحسب اعتبار النوع في تخليف السابق للاحق يرجع ~~إلى استخلاف أحد الزوجين للآخر واستخلاف الطبقة المولدة وهم الآباء ~~والأمهات للطبقة المتولدة وهم الأولاد، والفريضة الإسلامية في كل من ~~القبيلين أعني الأزواج والأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين. PageV04P053 # وينتج هذا النظر الكلي أن الإسلام يرى اقتسام الثروة الموجودة في ms1373 الدنيا ~~بالثلث والثلثين فللأنثى ثلث وللذكر ثلثان هذا من حيث التملك لكنه لا يرى ~~نظير هذا الرأي في الصرف للحاجة فإنه يرى نفقة الزوجة على الزوج ويأمر ~~بالعدل المقتضي للتساوي في المصرف ويعطي للمرأة استقلال الإرادة والعمل ~~فيما تملكه من المال لا مداخلة للرجل فيه، وهذه الجهات الثلاث تنتج أن ~~للمرأة أن تتصرف في ثلثي ثروة الدنيا الثلث الذي تملكها ونصف الثلثين الذين ~~يملكهما الرجل وليس في قبال تصرف الرجل إلا الثلث. # 5 - علام استقر حال النساء واليتامى في الإسلام: # أما اليتامى فهم يرثون كالرجال الأقوياء، ويربون وينمي أموالهم تحت ولاية ~~الأولياء كالأب والجد أو عامة المؤمنين أو الحكومة الإسلامية حتى إذا بلغوا ~~النكاح وأونس منهم الرشد دفعت إليهم أموالهم واستووا على مستوى الحياة ~~المستقلة، وهذا أعدل السنن المتصورة في حقهم. # وأما النساء فإنهن بحسب النظر العام يملكن ثلث ثروة الدنيا ويتصرفن في ~~ثلثيها بما تقدم من البيان، وهن حرات مستقلات فيما يملكن لا يدخلن تحت ~~قيمومة دائمة ولا موقتة ولا جناح على الرجال فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف. # فالمرأة في الإسلام ذات شخصية تساوي شخصية الرجل في حرية الإرادة والعمل ~~من جميع الجهات، ولا تفارق حالها حال الرجل إلا في ما تقتضيه صفتها الروحية ~~الخاصة المخالفة لصفة الرجل الروحية وهي أن لها حياة إحساسية وحياة الرجل ~~تعقلية فاعتبر للرجل زيادة في الملك العام ليفوق تدبير التعقل في الدنيا ~~على تدبير الإحساس والعاطفة، وتدورك ما ورد عليها من النقص باعتبار غلبتها ~~في التصرف، وشرعت عليها وجوب إطاعة الزوج في أمر المباشرة وتدورك ذلك ~~بالصداق، وحرمت القضاء والحكومة والمباشرة للقتال لكونها أمورا يجب بناؤها ~~على التعقل دون الإحساس، وتدورك ذلك بوجوب حفظ حماهن والدفاع عن حريمهن على ~~الرجال، ووضع على عاتقهم أثقال طلب الرزق والإنفاق عليها وعلى الأولاد وعلى ~~الوالدين ولها حق حضانة الأولاد من غير إيجاب، وقد عدل جميع هذه الأحكام ~~بأمور أخرى دعين إليها كالتحجب وقلة مخالطة الرجال وتدبير المنزل وتربية ~~الأولاد. # وقد أوضح معنى امتناع الإسلام عن إعطاء ms1374 التدابير العامة الاجتماعية ~~كتدبير الدفاع والقضاء والحكومة للعاطفة والإحساس ووضع زمامها في يدها، ~~النتائج المرة التي يذوقها المجتمع البشري إثر غلبة الإحساس على التعقل في ~~عصرنا الحاضر، وأنت بالتأمل في الحروب العالمية الكبرى التي هي من هدايا ~~المدنية الحاضرة، وفي الأوضاع العامة الحاكمة على الدنيا، وعرض هذه الحوادث ~~على العقل والإحساس العاطفي تقف على تشخيص ما منه الإغراء وما إليه النصح ~~والله الهادي. # على أن الملل المتمدنة من الغربيين لم يألوا جهدا ولم يقصروا حرصا منذ ~~مئات السنين في تربية البنات مع الأبناء في صف واحد، وإخراج ما فيهن من ~~استعداد الكمال من القوة إلى الفعل، وأنت مع ذلك إذا نظرت في فهرس نوابغ ~~السياسة ورجال القضاء والتقنين وزعماء الحروب وقوادها وهي الخلال الثلاث ~~المذكورة: الحكومة، القضاء القتال لم تجد فيه شيئا يعتد به من أسماء النساء ~~ولا عددا يقبل المقايسة إلى المئات والألوف من الرجال، وهذا في نفسه أصدق ~~شاهد على أن طباع النساء لا تقبل الرشد والنماء في هذه الخلال التي لا ~~حكومة فيها بحسب الطبع إلا للتعقل وكلما زاد فيها دبيب العواطف زادت خيبة ~~وخسرانا. # وهذا وأمثاله من أقطع الأجوبة للنظرية المشهورة القائلة إن السبب الوحيد ~~في تأخر النساء عن الرجال في المجتمع الإنساني هو ضعف التربية الصالحة فيهن ~~منذ أقدم عهود الإنسانية، ولو دامت عليهن التربية الصالحة الجيدة مع ما ~~فيهن من الإحساسات والعواطف الرقيقة لحقن الرجال أو تقدمن عليهم في جهات ~~الكمال. PageV04P054 # وهذا الاستدلال أشبه بالاستدلال بما ينتج نقيض المطلوب فإن اختصاصهن ~~بالعواطف الرقيقة أو زيادتها فيهن هو الموجب لتأخرهن فيما يحتاج من الأمور ~~إلى قوة التعقل وتسلطه على العواطف الروحية الرقيقة كالحكومة والقضاء، ~~وتقدم من يزيد عليهن في ذلك وهم الرجال فإن التجارب القطعية تفيد أن من ~~اختص بقوة صفة من الصفات الروحية فإنما تنجح تربيته فيما يناسبها من ~~المقاصد والمآرب، ولازمه أن تنجح تربية الرجال في أمثال الحكومة والقضاء ~~ويمتازوا عنهن في نيل الكمال فيها، وأن تنجح تربيتهن فيما يناسب العواطف ~~الرقيقة ويرتبط ms1375 بها من الأمور كبعض شعب صناعة الطب والتصوير والموسيقى ~~والنسج والطبخ وتربية الأطفال وتمريض المرضى وأبواب الزينة ونحو ذلك، ~~ويتساوى القبيلان فيما سوى ذلك. # على أن تأخرهن فيما ذكر من الأمور لو كان مستندا إلى الاتفاق والصدفة كما ~~ذكر لانتقض في بعض هذه الأزمنة الطويلة التي عاش فيها المجتمع الإنساني وقد ~~خمنوها بملايين من السنين كما أن تأخر الرجال فيما يختص من الأمور المختصة ~~بالنساء كذلك ولو صح لنا أن نعد الأمور اللازمة للنوع غير المنفكة عن ~~مجتمعهم وخاصة إذا ناسبت أمورا داخلية في البنية الإنسانية من الاتفاقيات ~~لم يسع لنا أن نحصل على خلة طبيعية فطرية من خلال الإنسانية العامة كميل ~~طباعه إلى المدنية والحضارة، وحبه للعلم، وبحثه عن أسرار الحوادث ونحو ذلك ~~فإن هذه صفات لازمة لهذا النوع وفي بنية أفراده ما يناسبها من القرائح ~~نعدها لذلك صفات فطرية نظير ما نعد تقدم النساء في الأمور الكمالية ~~المستظرفة وتأخرهن في الأمور التعقلية والأمور الهائلة والصعبة الشديدة من ~~مقتضى قرائحهن، وكذلك تقدم الرجال وتأخرهم في عكس ذلك. # فلا يبقى بعد ذلك كله إلا انقباضهن من نسبة كمال التعقل إلى الرجال وكمال ~~الإحساس والتعطف إليهن، وليس في محله فإن التعقل والإحساس في نظر الإسلام ~~موهبتان إلهيتان مودعتان في بنية الإنسان لمآرب إلهية حقة في حياته لا مزية ~~لإحداهما على الأخرى ولا كرامة إلا للتقوى، وأما الكمالات الأخر كائنة ما ~~كانت فإنما تنمو وتربو إذا وقعت في صراطه وإلا لم تعد إلا أوزارا سيئة. # 6 - قوانين الإرث الحديثة: # هذه القوانين والسنن وإن خالفت قانون الإرث الإسلامي كما وكيفا على ما ~~سيمر بك إجمالها غير أنها استظهرت في ظهورها واستقرارها بالسنة الإسلامية ~~في الإرث فكم بين موقف الإسلام عند تشريع إرث النساء في الدنيا وبين موقفهن ~~من الفرق. # فقد كان الإسلام يظهر أمرا ما كانت الدنيا تعرفه ولا قرعت أسماع الناس ~~بمثله، ولا ذكرته أخلاف عن أسلافهم الماضين وآبائهم الأولين، وأما هذه ~~القوانين فإنها أبديت وكلف بها أمم حينما كانت استقرت سنة ms1376 الإسلام في الإرث ~~بين الأمم الإسلامية في معظم المعمورة بين مئات الملايين من الناس توارثها ~~الأخلاف من أسلافهم في أكثر من عشرة قرون، ومن البديهيات في أبحاث النفس أن ~~وقوع أمر من الأمور في الخارج ثم ثبوتها واستقرارها نعم العون في وقوع ما ~~يشابهها وكل سنة سابقة من السنن الاجتماعية مادة فكرية للسنن اللاحقة ~~المجانسة بل الأولى هي المادة المتحولة إلى الثانية فليس لباحث اجتماعي أن ~~ينكر استظهار القوانين الجديدة في الإرث بما تقدمها من الإرث الإسلامي ~~وتحوله إليها تحولا عادلا أو جائرا. # ومن أغرب الكلام ما ربما يقال - قاتل الله عصبية الجاهلية الأولى -: أن ~~القوانين الحديثة إنما استفادت في موادها من قانون الروم القديمة، وأنت قد ~~عرفت ما كانت عليه سنة الروم القديمة في الإرث، وما قدمته السنة الإسلامية ~~إلى المجتمع البشري وأن السنة الإسلامية متوسطة في الظهور والجريان العملي ~~بين القوانين الرومية القديمة وبين القوانين الغربية الحديثة وكانت متعرفة ~~متعمقة في مجتمع الملايين ومئات الملايين من النفوس الإنسانية قرونا ~~متوالية متطاولة، ومن المحال أن تبقى سدى وعلى جانب من التأثير في أفكار ~~هؤلاء المقننين. # وأغرب منه أن هؤلاء القائلين يذكرون أن الإرث الإسلامي مأخوذ من الإرث ~~الرومي القديم!. PageV04P055 # وبالجملة فالقوانين الحديثة الدائرة بين الملل الغربية وإن اختلفت في بعض ~~الخصوصيات غير أنها كالمطبقة على تساوي الرجال والنساء في سهم الإرث ~~فالبنات والبنون سواء، والأمهات والآباء سواء في السهام وهكذا. # وقد رتبت الطبقات في قانون فرنسا على هذا النحو: 1 البنون والبنات 2 ~~الآباء والأمهات والإخوة والأخوات 3 الأجداد والجدات 4 الأعمام والعمات ~~والأخوال والخالات، وقد أخرجوا علقة الزوجية من هذه الطبقات وبنوها على ~~أساس المحبة والعلقة القلبية ولا يهمنا التعرض لتفاصيل ذلك وتفاصيل الحال ~~في سائر الطبقات من أرادها فليرجع إلى محلها. # والذي يهمنا هو التأمل في نتيجة هذه السنة الجارية وهي اشتراك المرأة مع ~~الرجل في ثروة الدنيا الموجودة بحسب النظر العام الذي تقدم غير أنهم جعلوا ~~الزوجة تحت قيمومة الزوج لا حق لها في تصرف مالي ms1377 في شيء من أموالها ~~الموروثة إلا بإذن زوجها، وعاد بذلك المال منصفا بين الرجل والمرأة ملكا، ~~وتحت ولاية الرجل تدبيرا وإدارة! وهناك جمعيات منتهضة يبذلون مساعيهم ~~لإعطاء النساء الاستقلال وإخراجهن من تحت قيمومة الرجال في أموالهن ولو ~~وفقوا لما يريدون كانت الرجال والنساء متساويين من حيث الملك ومن حيث ولاية ~~التدبير والتصرف. # 7 - مقايسة هذه السنن بعضها إلى بعض: # ونحن بعد ما قدمنا خلاصة السنن الجارية بين الأمم الماضية وقرونها ~~الخالية إلى الباحث الناقد نحيل إليه قياس بعضها إلى البعض والقضاء على كل ~~منها بالتمام والنقص ونفعه للمجتمع الإنساني وضرره من حيث وقوعه في صراط ~~السعادة ثم قياس ما سنه شارع الإسلام إليها والقضاء بما يجب أن يقضى به. # والفرق الجوهري بين السنة الإسلامية والسنن غيرها في الغاية والغرض، فغرض ~~الإسلام أن تنال الدنيا صلاحها، وغرض غيره أن تنال ما تشتهيها، وعلى هذين ~~الأصلين يتفرع ما يتفرع من الروع قال تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون: "البقرة: ~~216"، وقال تعالى: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا: "النساء: 19". # 8 - الوصية: # قد تقدم أن الإسلام أخرج الوصية من تحت الوراثة وأفردها عنوانا مستقلا ~~لما فيها من الملاك المستقل وهو احترام إرادة المالك بالنسبة إلى ما يملكه ~~في حياته، وقد كانت الوصية بين الأمم المتقدمة من طرق الاحتيال لدفع الموصي ~~ماله أو بعض ماله إلى غير من تحكم السنة الجارية بإرثه كالأب ورئيس البيت ~~ولذلك كانوا لا يزالون يضعون من القوانين ما يحدها ويسد بنحو هذا الطريق ~~المؤدي إلى إبطال حكم الإرث ولا يزال يجري الأمر في تحديدها هذا المجرى حتى اليوم. # وقد حدها الإسلام بنفوذها إلى ثلث المال فهي غير نافذة في الزائد عليه، ~~وقد تبعته في ذلك بعض القوانين الحديثة كقانون فرنسا غير أن النظرين ~~مختلفان، ولذلك كان الإسلام يحث عليها والقوانين تردع عنها أو هي ساكتة. # والذي يفيده التدبر في ms1378 آيات الوصية والصدقات والزكاة والخمس ومطلق ~~الإنفاق أن في هذه التشريعات تسهيل طريق أن يوضع ما يقرب من نصف رقبة ~~الأموال والثلثان من منافعها للخيرات والمبرات وحوائج طبقة الفقراء ~~والمساكين لتقرب بذلك الطبقات المختلفة في المجتمع، ويرتفع الفواصل البعيدة ~~من بينهم، وتقام به أصلاب المساكين مع ما في القوانين الموضوعة بالنسبة إلى ~~كيفية تصرف المثرين في ثروتهم من تقريب طبقتهم من طبقة المساكين، ولتفصيل ~~هذا البحث محل آخر سيمر بك إن شاء الله تعالى. PageV04P056 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 15 - 16 # والتى يأتين الفحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) والذان ~~يأتينها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا ~~رحيما (16) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "واللاتي يأتين الفاحشة" إلى قوله: "منكم" يقال: أتاه وأتى ~~به أي فعله، والفاحشة من الفحش وهو الشناعة فهي الطريقة الشنيعة، وقد شاع ~~استعمالها في الزنا، وقد أطلقت في القرآن على اللواط أو عليه وعلى السحق ~~معا في قوله تعالى: إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين: ~~"العنكبوت: 28". # والظاهر أن المراد بها هاهنا الزنا على ما ذكره جمهور المفسرين، ورووا: ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر عند نزول آية الجلد أن الجلد هو ~~السبيل الذي جعله الله لهن إذا زنين، ويشهد بذلك ظهور الآية في أن هذا ~~الحكم سينسخ حيث يقول تعالى: أو يجعل الله لهن سبيلا، ولم ينقل إن السحق ~~نسخ حده بشيء آخر، ولا أن هذا الحد أجري على أحد من اللاتي يأتينه وقوله: ~~أربعة منكم، يشهد بأن العدد من الرجال. # قوله تعالى: "فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت" إلى آخر الآية رتب الإمساك ~~وهو الحبس المخلد على الشهادة لا على أصل تحقق الفاحشة وإن علم به إذا لم ~~يشهد عليه الشهود وهو من منن الله سبحانه على الأمة من حيث السماحة ~~والإغماض. # والحكم هو الحبس الدائم بقرينة الغاية المذكورة في الكلام أعني قوله: حتى ms1379 ~~يتوفاهن الموت، غير أنه لم يعبر عنه بالحبس والسجن بل بالإمساك لهن في ~~البيوت، وهذا أيضا من واضح التسهيل والسماحة بالإغماض، وقوله: حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا، أي طريقا إلى التخلص من الإمساك الدائم ~~والنجاة منه. # وفي الترديد إشعار بأن من المرجو أن ينسخ هذا الحكم، وهكذا كان فإن حكم ~~الجلد نسخه فإن من الضروري أن الحكم الجاري على الزانيات في أواخر عهد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعمول به بعده بين المسلمين هو الجلد ~~دون الإمساك في البيوت فالآية على تقدير دلالتها على حكم الزانيات منسوخة ~~بآية الجلد والسبيل المذكور فيها هو الجلد بلا ريب. # قوله تعالى: "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، الآيتان متناسبتان مضمونا ~~والضمير في قوله: يأتيانها، راجع إلى الفاحشة قطعا، وهذا يؤيد كون الآيتين ~~جميعا مسوقتين لبيان حكم الزنا، وعلى ذلك فالآية الثانية متممة الحكم في ~~الأولى فإن الأولى لم تتعرض إلا لما للنساء من الحكم، والثانية تبين الحكم ~~فيهما معا وهو الإيذاء فيتحصل من مجموع الآيتين حكم الزاني والزانية معا ~~وهو إيذاؤهما وإمساك النساء في البيوت. # لكن لا يلائم ذلك قوله تعالى بعد: فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، فإنه ~~لا يلائم الحبس المخلد فلا بد أن يقال: إن المراد بالإعراض الإعراض عن ~~الإيذاء دون الحبس فهو بحاله. # ولهذا ربما قيل تبعا لما ورد في بعض الروايات وسننقلها إن الآية الأولى ~~لبيان حكم الزنا في الثيب، والثانية مسوقة لحكم الأبكار وأن المراد ~~بالإيذاء هو الحبس في الأبكار ثم تخلية سبيلهن مع التوبة والإصلاح، لكن ~~يبقى أولا الوجه في تخصيص الأولى بالثيبات والثانية بالأبكار من غير دليل ~~يدل عليه من جهة اللفظ، وثانيا وجه تخصيص الزانية بالذكر في الآية الأولى، ~~وذكرهما معا في الآية الثانية: "واللذان يأتيانها منكم". # وقد عزي إلى أبي مسلم المفسر أن الآية الأولى لبيان حكم السحق بين ~~النساء، والآية الثانية تبين حكم اللواط بين الرجال، والآيتان غير ~~منسوختين. # وفساده ظاهر: أما في الآية الأولى فلما ذكرناه في الكلام على قوله: ms1380 ~~واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم، وأما في الآية الثانية فلما ثبت في السنة ~~من أن الحد في اللواط القتل، وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أنه قال: من عمل منكم عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول، وهذا إما حكم ~~ابتدائي غير منسوخ، وإما حكم ناسخ لحكم الآية، وعلى أي حال يبطل قوله. PageV04P057 # ومن الممكن: أن يقال في معنى الآيتين نظرا إلى الظاهر السابق إلى الذهن من ~~الآيتين، والقرائن المحفوف بها الكلام، وما تقدم من الإشكال فيما ذكروه من ~~المعنى - والله أعلم -: إن الآية متضمنة لبيان حكم زنا المحصنات ذوات ~~الأزواج، ويدل عليه تخصيص الآية النساء بالذكر دون الرجال، وإطلاق النساء ~~على الأزواج شائع في اللسان وخاصة إذا أضيفت إلى الرجال كما في قوله: ~~نسائكم، قال تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة: "النساء: 4" وقال تعالى: من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن: "النساء: 23". # وعلى هذا فقد كان الحكم الأولي المؤجل لهن الإمساك في البيوت ثم شرع لهن ~~الرجم، وليس نسخا للكتاب بالسنة على ما استدل به الجبائي فإن السنخ إنما هو ~~رفع الحكم الظاهر بحسب الدليل في التأبيد، وهذا حكم مقرون بما يشعر بأنه ~~مؤجل سينقطع بانقطاعه وهو قوله: أو يجعل الله لهن سبيلا لظهوره في أن هناك ~~حكما سيطلع عليهن، ولو سمي هذا نسخا لم يكن به بأس فإنه غير متضمن لما يلزم ~~نسخ الكتاب بالسنة من الفساد فإن القرآن نفسه مشعر بأن الحكم سيرتفع ~~بانقطاع أمده، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبين لمرادات القرآن ~~الكريم. # والآية الثانية متضمنة لحكم الزنا من غير إحصان وهو الإيذاء سواء كان ~~المراد به الحبس أو الضرب بالنعال أو التعيير بالقول أو غير ذلك، والآية ~~على هذا منسوخة بآية الجلد من سورة النور، وأما ما ورد من الرواية في كون ~~الآية متضمنة لحكم الأبكار فمن الآحاد وهي مع ذلك مرسلة ضعيفة بالإرسال، ~~والله أعلم هذا ولا يخلو مع ذلك من وهن. # قوله تعالى: "فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما" "إلخ" تقييد التوبة ~~بالإصلاح لتحقيق ms1381 حقيقة التوبة، وتبيين أنها ليست مجرد لفظ أو حالة مندفعة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الصافي، عن تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~واللاتي يأتين الفاحشة الآية هي منسوخة، والسبيل هي الحدود. # وفيه، عن الباقر (عليه السلام): سئل عن هذه الآية فقال: هي منسوخة، قيل: ~~كيف كانت؟ قال: كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود أدخلت بيتا ولم ~~تحدث، ولم تكلم، ولم تجالس، وأوتيت بطعامها وشرابها حتى تموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا، قال: جعل السبيل الجلد والرجم. قيل: قوله: واللذان يأتيانها ~~منكم؟ قال: يعني البكر إذا أتت الفاحشة التي أتتها هذه الثيب، فآذوهما؟ قال ~~تحبس. الحديث. # أقول: القصة أعني كون الحكم المجرى عليهن في صدر الإسلام الإمساك في ~~البيوت حتى الوفاة مما رويت بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس وقتادة ~~ومجاهد وغيرهم، ونقل عن السدي أن الحبس في البيوت كان حكما للثيبات، ~~والإيذاء الواقع في الآية الثانية كان حكما للجواري والفتيان الذين لم ~~ينكحوا، وقد عرفت ما ينبغي أن يقال في المقام PageV04P058 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 17 - 18 # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب فأولئك ~~يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الئن ولا الذين يموتون وهم ~~كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) ### |||| AUTO بيان # مضمون الآيتين لا يخلو عن ارتباط بما تقدمهما من الآيتين فإنه ما قد ~~اختتمتا بذكر التوبة فمن الممكن أن يكون هاتان نزلتا مع تينك، وهاتان ~~الآيتان مع ذلك متضمنتان لمعنى مستقل في نفسه، وهو إحدى الحقائق العالية ~~الإسلامية والتعاليم الراقية القرآنية، وهي حقيقة التوبة وشأنها وحكمها. # قوله تعالى: "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب" التوبة هي الرجوع، وهي رجوع من العبد إلى الله سبحانه بالندامة ~~والانصراف عن الإعراض عن العبودية، ورجوع من الله إلى العبد رحمة بتوفيقه ~~للرجوع إلى ربه أو بغفران ذنبه، وقد ms1382 مر مرارا أن توبة واحدة من العبد ~~محفوفة بتوبتين من الله سبحانه على ما يفيده القرآن الكريم. # وذلك أن التوبة من العبد حسنة تحتاج إلى قوة والحسنات من الله، والقوة ~~لله جميعا فمن الله توفيق الأسباب حتى يتمكن العبد من التوبة ويتمشى له ~~الانصراف عن التوغل في غمرات البعد والرجوع إلى ربه ثم إذا وفق للتوبة ~~والرجوع احتاج في التطهر من هذه الألواث، وزوال هذه القذارات، والورود ~~والاستقرار في ساحة القرب إلى رجوع آخر من ربه إليه بالرحمة والحنان والعفو ~~والمغفرة. # وهذان الرجوعان من الله سبحانه هما التوبتان الحافتان لتوبة العبد ورجوعه ~~قال تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا: "التوبة: 118" وهذه هي التوبة الأولى، ~~وقال تعالى: فأولئك أتوب عليهم: "البقرة: 160" وهذه هي التوبة الثانية، ~~وبين التوبتين منه تعالى توبة العبد كما سمعت. # وأما قوله: على الله للذين، لفظة على واللام تفيدان معنى النفع والضرر ~~كما في قولنا: دارت الدائرة لزيد على عمرو، وكان السباق لفلان على فلان، ~~ووجه إفادة على واللام معنى الضرر والنفع أن على تفيد معنى الاستعلاء، ~~واللام معنى الملك والاستحقاق، ولازم ذلك أن المعاني المتعلقة بطرفين ينتفع ~~بها أحدهما ويتضرر بها الآخر كالحرب والقتال والنزاع ونحوها فيكون أحدهما ~~الغالب والآخر المغلوب ينطبق على الغالب منهما معنى الملك وعلى المغلوب ~~معنى الاستعلاء، وكذا ما أشبه ذلك كمعنى التأثير بين المتأثر والمؤثر، ~~ومعنى العهد والوعد بين المتعهد والمتعهد له، والواعد والموعود له وهكذا، ~~فظهر أن كون على واللام لمعنى الضرر والنفع إنما هو أمر طار من ناحية مورد ~~الاستعمال لا من ناحية معنى اللفظ. # ولما كان نجاح التوبة إنما هو لوعد وعده الله عباده فأوجبها بحسبه على ~~نفسه لهم قال هاهنا: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة فيجب ~~عليه تعالى قبول التوبة لعباده لكن لا على أن لغيره أن يوجب عليه شيئا أو ~~يكلفه بتكليف سواء سمي ذلك الغير بالعقل أو نفس الأمر أو الواقع أو الحق أو ~~شيئا آخر، تعالى عن ذلك وتقدس بل على أنه تعالى ms1383 وعد عباده أن يقبل توبة ~~التائب منهم وهو لا يخلف الميعاد، فهذا معنى وجوب قبول التوبة على الله ~~فيما يجب، وهو أيضا معنى وجوب كل ما يجب على الله من الفعل. # وظاهر الآية أولا أنها لبيان أمر التوبة التي لله أعني رجوعه تعالى ~~بالرحمة إلى عبده دون توبة العبد وإن تبين بذلك أمر توبة العبد بطريق ~~اللزوم فإن توبة الله سبحانه إذا تمت شرائطها لم ينفك ذلك من تمام شرائط ~~توبة العبد، وهذا أعني كون الآية في مقام بيان توبة الله سبحانه لا يحتاج ~~إلى مزيد توضيح. PageV04P059 # وثانيا: أنها تبين أمر التوبة أعم مما إذا تاب العبد من الشرك والكفر ~~بالإيمان أو تاب من المعصية إلى الطاعة بعد الإيمان فإن القرآن يسمي ~~الأمرين جميعا بالتوبة قال تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك: "المؤمن: 7" يريد: للذين آمنوا بقرينة أول ~~الكلام فسمى الإيمان توبة، وقال تعالى: ثم تاب عليهم: "التوبة: 118". # والدليل على أن المراد هي التوبة أعم من أن تكون من الشرك أو المعصية ~~التعميم الموجود في الآية التالية: وليست التوبة "إلخ" فإنها تتعرض لحال ~~الكافر والمؤمن معا، وعلى هذا فالمراد بقوله: يعملون السوء ما يعم حال ~~المؤمن والكافر معا فالكافر كالمؤمن الفاسق ممن يعمل السوء بجهالة إما لأن ~~الكفر من عمل القلب، والعمل أعم من عمل القلب والجوارح، أو لأن الكفر لا ~~يخلو من أعمال سيئة من الجوارح فالمراد من الذين يعملون السوء بجهالة ~~الكافر والفاسق إذا لم يكونا معاندين في الكفر والمعصية. # وأما قوله تعالى: بجهالة فالجهل يقابل العلم بحسب الذات غير أن الناس لما ~~شاهدوا من أنفسهم أنهم يعملون كلا من أعمالهم الجارية عن علم وإرادة، وأن ~~الإرادة إنما تكون عن حب ما وشوق ما سواء كان الفعل مما ينبغي أن يفعل بحسب ~~نظر العقلاء في المجتمع أو مما لا ينبغي أن يفعل لكن من له عقل مميز في ~~المجتمع ms1384 عندهم لا يقدم على السيئة المذمومة عند العقلاء فأذعنوا بأن من ~~اقترف هذه السيئات المذمومة لهوى نفساني وداعية شهوية أو غضبية خفي عليه ~~وجه العلم، وغاب عنه عقله المميز الحاكم في الحسن والقبيح والممدوح ~~والمذموم، وظهر عليه الهوى وعندئذ يسمى حاله في علمه وإرادته "جهالة" في ~~عرفهم وإن كان بالنظر الدقيق نوعا من العلم لكن لما لم يؤثر ما عنده من ~~العلم بوجه قبح الفعل وذمه في ردعه عن الوقوع في القبح والشناعة ألحق ~~بالعدم فكان هو جاهلا عندهم حتى إنهم يسمون الإنسان الشاب الحدث السن قليل ~~التجربة جاهلا لغلبة الهوى وظهور العواطف والإحساسات النيئة على نفسه، ~~ولذلك أيضا تراهم لا يسمون حال مقترف السيئات إذا لم ينفعل في اقتراف ~~السيئة عن الهوى والعاطفة جهالة بل يسمونها عنادا وعمدا وغير ذلك. # فتبين بذلك أن الجهالة في باب الأعمال إتيان العمل عن الهوى وظهور الشهوة ~~والغضب من غير عناد مع الحق، ومن خواص هذا الفعل الصادر عن جهالة أن إذا ~~سكنت ثورة القوى وخمد لهيب الشهوة أو الغضب باقتراف للسيئة أو بحلول مانع ~~أو بمرور زمان أو ضعف القوى بشيب أو مزاج عاد الإنسان إلى العلم وزالت ~~الجهالة، وبانت الندامة بخلاف الفعل الصادر عن عناد وتعمد ونحو ذلك فإن سبب ~~صدوره لما لم يكن طغيان شيء من القوى والعواطف والأميال النفسانية بل أمرا ~~يسمى عندهم بخبث الذات ورداءة الفطرة لا يزول بزوال طغيان القوى والأميال ~~سريعا أو بطيئا بل دام نوعا بدوام الحياة من غير أن يلحقه ندامة من قريب ~~إلا أن يشاء الله. # نعم ربما يتفق أن يرجع المعاند اللجوج عن عناده ولجاجه واستعلائه على ~~الحق فيتواضع للحق ويدخل في ذل العبودية فيكشف ذلك عندهم عن أن عناده كان ~~عن جهالة، وفي الحقيقة كل معصية جهالة من الإنسان، وعلى هذا لا يبقى ~~للمعاند مصداق إلا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة والعافية. # ومن هنا يظهر معنى قوله تعالى: ثم يتوبون من قريب أي إن عامل السوء ms1385 ~~بجهالة لا يقيم عاكفا على طريقته ملازما لها مدى حياته من غير رجاء في ~~عدوله إلى التقوى والعمل الصالح كما يدوم عليه المعاند اللجوج بل يرجع عن ~~عمله من قريب فالمراد بالقريب العهد القريب أو الزمان القريب وهو قبل ظهور ~~آيات الآخرة وقدوم الموت. # وكل معاند لجوج في عمله إذا شاهد ما يسوؤه من جزاء عمله ووبال فعله ~~ألزمته نفسه على الندامة والتبري من فعله لكنه بحسب الحقيقة ليس بنادم عن ~~طبعه وهداية فطرته بل إنما هي حيلة يحتالها نفسه الشريرة للتخلص من وبال ~~الفعل، والدليل عليه أنه إذا اتفق تخلصه من الوبال المخصوص عاد ثانيا إلى ~~ما كان عليه من سيئات الأعمال قال تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون: "الأنعام: 28". PageV04P060 # والدليل على أن المراد بالقريب في الآية هو ما قبل ظهور آية الموت قوله ~~تعالى في الآية التالية: وليست التوبة إلى قوله: قال إني تبت الآن. # وعلى هذا يكون قوله: ثم يتوبون من قريب كناية عن المساهلة المفضية إلى ~~فوت الفرصة. # ويتبين مما مر أن القيدين جميعا أعني قوله: بجهالة، وقوله: ثم يتوبون من ~~قريب احترازيان يراد بالأول منهما أن لا يعمل السوء عن عناد واستعلاء على ~~الله، وبالثاني منهما أن لا يؤخر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلا ~~وتوانيا ومماطلة إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية فيكون ~~توبته تعالى أيضا قبول هذا الرجوع، ولا معنى للعبودية إلا مع الحياة ~~الدنيوية التي هي ظرف الاختيار وموطن الطاعة والمعصية، ومع طلوع آية الموت ~~لا اختيار تتمشى معه طاعة أو معصية، قال تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ~~ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: "الأنعام ~~158" وقال تعالى: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون: "المؤمن: 85" إلى غير ذلك من الآيات. # وبالجملة يعود المعنى إلى أن ms1386 الله سبحانه إنما يقبل توبة المذنب العاصي ~~إذا لم يقترف المعصية استكبارا على الله بحيث يبطل منه روح الرجوع والتذلل ~~لله، ولم يتساهل ويتسامح في أمر التوبة تساهلا يؤدي إلى فوت الفرصة بحضور الموت. # ويمكن أن يكون قوله: بجهالة قيدا توضيحيا، ويكون المعنى: للذين يعملون ~~السوء ولا يكون ذلك إلا عن جهل منهم فإنه مخاطرة بالنفس وتعرض لعذاب أليم، ~~أو لا يكون ذلك إلا عن جهل منهم بكنه المعصية وما يترتب عليها من المحذور، ~~ولازمه كون قوله: ثم يتوبون من قريب إشارة إلى ما قبل الموت لا كناية عن ~~المساهلة في أمر التوبة فإن من يأتي بالمعصية استكبارا ولا يخضع لسلطان ~~الربوبية يخرج على هذا الفرض بقوله: ثم يتوبون من قريب لا بقوله: بجهالة ~~وعلى هذا لا يمكن الكناية بقوله: ثم يتوبون عن التساهل والتواني فافهم ذلك، ~~ولعل الوجه الأول أوفق لظاهر الآية. # وقد ذكر بعضهم: أن المراد بقوله: ثم يتوبون من قريب أن تتحقق التوبة في ~~زمان قريب من وقت وقوع المعصية عرفا كزمان الفراغ من إتيان المعصية أو ما ~~يعد عرفا متصلا به لا أن يمتد إلى حين حضور الموت كما ذكر. # وهو فاسد لإفساده معنى الآية التالية فإن الآيتين في مقام بيان ضابط كلي ~~لتوبة الله سبحانه أي لقبول توبة العبد على ما يدل عليه الحصر الوارد في ~~قوله: إنما التوبة على الله للذين إلخ والآية الثانية تبين الموارد التي لا ~~تقبل فيها التوبة، ولم يذكر في الآية إلا موردان هما التوبة للمسيء ~~المتسامح في التوبة إلى حين حضور الموت، والتوبة للكافر بعد الموت، ولو كان ~~المقبول من التوبة هو ما يعد عرفا قريبا متصلا بزمان المعصية لكان للتوبة ~~غير المقبولة مصاديق أخر لم تذكر في الآية. # قوله تعالى: "فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما" الآيتان ~~باسم الإشارة الموضوع للبعيد لا يخلو من إشارة إلى ترفيع قدرهم وتعظيم ~~أمرهم كما يدل قوله: يعملون السوء بجهالة على المساهلة في إحصاء معاصيهم ~~على خلاف ما في الآية ms1387 الثانية: وليست التوبة للذين يعملون السيئات إلخ. # وقد اختير لختم الكلام قوله: وكان الله عليما حكيما دون أن يقال: وكان ~~الله غفورا رحيما للدلالة على أن فتح باب التوبة إنما هو لعلمه تعالى بحال ~~العباد وما يؤديهم إليه ضعفهم وجهالتهم، ولحكمته المقتضية لوضع ما يحتاج ~~إليه إتقان النظام وإصلاح الأمور وهو تعالى لعلمه وحكمته لا يغره ظواهر ~~الأحوال بل يختبر القلوب، ولا يستزله مكر ولا خديعة فعلى التائب من العباد ~~أن يتوب حق التوبة حتى يجيبه الله حق الإجابة. # قوله تعالى: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات" إلخ في عدم إعادة قوله: ~~على الله مع كونه مقصودا ما لا يخفى من التلويح إلى انقطاع الرحمة الخاصة ~~والعناية الإلهية عنهم كما أن إيراد السيئات بلفظ الجمع يدل على العناية ~~بإحصاء سيئاتهم وحفظها عليهم كما تقدمت الإشارة إليه. PageV04P061 # وتقييد قوله: يعملون السيئات بقوله: حتى إذا حضر أحدهم الموت المفيد ~~لاستمرار الفعل إما لأن المساهلة في المبادرة إلى التوبة وتسويفها في نفسه ~~معصية مستمرة متكررة، أو لأنه بمنزلة المداومة على الفعل، أو لأن المساهلة ~~في أمر التوبة لا تخلو غالبا عن تكرر معاص مجانسة للمعصية الصادرة أو ~~مشابهة لها. # وفي قوله: حتى إذا حضر أحدهم الموت دون أن يقال: حتى إذا جاءهم الموت ~~دلالة على الاستهانة بالأمر والاستحقار له أي حتى يكون أمر التوبة هينا هذا ~~الهوان سهلا هذه السهولة حتى يعمل الناس ما يهوونه ويختاروا ما يشاءونه ولا ~~يبالون وكلما عرض لأحدهم عارض الموت قال: إني تبت الآن فتندفع مخاطر الذنوب ~~ومهلكة مخالفة الأمر الإلهي بمجرد لفظ يردده ألسنتهم أو خطور يخطر ببالهم ~~في آخر الأمر. # ومن هنا يظهر معنى تقييد قوله: قال إني تبت بقوله: الآن فإنه يفيد أن ~~حضور الموت ومشاهدة هذا القائل سلطان الآخرة هما الموجبان له أن يقول تبت ~~سواء ذكره أو لم يذكره فالمعنى: إني تائب لما شاهدت الموت الحق والجزاء ~~الحق، وقد قال تعالى في نظيره حاكيا عن المجرمين يوم القيامة: ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رءوسهم ms1388 عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون: "السجدة: 12". # فهذه توبة لا تقبل من صاحبها لأن اليأس من الحياة الدنيا وهول المطلع هما ~~اللذان أجبراه على أن يندم على فعله ويعزم على الرجوع إلى ربه ولات حين ~~رجوع حيث لا حياة دنيوية ولا خيرة عملية. # قوله تعالى: "ولا الذين يموتون وهم كفار" هذا مصداق آخر لعدم قبول التوبة ~~وهو الإنسان يتمادى في الكفر ثم يموت وهو كافر فإن الله لا يتوب عليه فإن ~~إيمانه وهو توبته لا ينفعه يومئذ، وقد تكرر في القرآن الكريم أن الكفر لا ~~نجاة معه بعد الموت، وأنهم لا يجابون وإن سألوا، قال تعالى: إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون: البقرة: 162، وقال تعالى: إن ~~الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى ~~به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين: - آل عمران: 91، ونفي الناصرين ~~نفي للشفاعة في حقهم كما تقدم في الكلام على الآية في الجزء الثالث من ~~الكتاب. # وتقييد الجملة بقوله: وهم كفار يدل على التوبة للعاصي المؤمن إذا مات على ~~المعصية من غير استكبار ولا تساهل فإن التوبة من العبد بمعنى رجوعه إلى ~~عبودية اختيارية وإن ارتفع موضوعها بالموت كما تقدم لكن التوبة منه تعالى ~~بمعنى الرجوع بالمغفرة والرحمة يمكن أن يتحقق بعد الموت لشفاعة الشافعين، ~~وهذا في نفسه من الشواهد على أن المراد بالآيتين بيان حال توبة الله سبحانه ~~لعباده لا بيان حال توبة العبد إلى الله إلا بالتبع. # قوله تعالى: "أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما" اسم الإشارة يدل على بعدهم ~~من ساحة القرب والتشريف، والإعتاد: والإعداد أو الوعد. # كلام في التوبة # التوبة بتمام معناها الوارد في القرآن من التعاليم الحقيقية المختصة بهذا ~~الكتاب السماوي فإن التوبة بمعنى الإيمان عن كفر وشرك وإن كانت دائرة في ~~سائر ms1389 الأديان الإلهية كدين موسى وعيسى (عليهما السلام) لكن لا من جهة تحليل ~~حقيقة التوبة، وتسريتها إلى الإيمان بل باسم أن ذلك إيمان. # حتى أنه يلوح من الأصول التي بنوا عليها الديانة المسيحية المستقلة عدم ~~نفع التوبة واستحالة أن يستفيد منها الإنسان كما يظهر مما أوردوه في توجيه ~~الصلب والفداء، وقد تقدم نقله في الكلام على خلقة المسيح في الجزء الثالث ~~من هذا الكتاب. PageV04P062 # هذا وقد انجر أمر الكنيسة بعد إلى الإفراط في أمر التوبة إلى حيث كانت تبيع ~~أوراق المغفرة وتتجر بها، وكان أولياء الدين يغفرون ذنوب العاصين فيما ~~اعترفوا به عندهم! لكن القرآن حلل حال الإنسان بحسب وقوع الدعوة عليه وتعلق ~~الهداية به فوجده بالنظر إلى الكمال والكرامة والسعادة الواجبة له في حياته ~~الأخروية عند الله سبحانه التي لا غنى له عنها في سيره الاختياري إلى ربه ~~فقيرا كل الفقر في ذاته صفر الكف بحسب نفسه قال تعالى: يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله والله هو الغني: - فاطر: 15، وقال: ولا يملكون لأنفسهم ~~ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا: - الفرقان: 3. # فهو واقع في مهبط الشقاء ومنحط البعد ومنعزل المسكنة كما يشير إليه قوله ~~تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين: - التين: ~~5، وقوله: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا: - مريم: 72، وقوله: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى: ~~- طه 117. # وإذا كان كذلك فوروده منزلة الكرامة واستقراره في مستقر السعادة يتوقف ~~على انصرافه عما هو فيه من مهبط الشقاء ومنحط البعد وانقلاعه عنه برجوعه ~~إلى ربه، وهو توبته إليه في أصل السعادة وهو الإيمان، وفي كل سعادة فرعية ~~وهي كل عمل صالح أعني التوبة والرجوع عن أصل الشقاء وهو الشرك بالله ~~سبحانه، وعن فروعات الشقاء وهي سيئات الأعمال بعد الشرك، فالتوبة بمعنى ~~الرجوع إلى الله والانخلاع عن ألواث البعد والشقاء يتوقف عليها الاستقرار ~~في دار الكرامة بالإيمان، والتنعم بأقسام نعم الطاعات والقربات، وبعبارة ~~أخرى ms1390 يتوقف القرب من الله ودار كرامته على التوبة من الشرك ومن كل معصية، ~~قال تعالى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون: - النور: ~~31، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى الله تعم التوبتين جميعا بل تعمهما وغيرهما ~~على ما سيجيء إن شاء الله. # ثم إن الإنسان لما كان فقيرا في نفسه لا يملك لنفسه خيرا ولا سعادة قط ~~إلا بربه كان محتاجا في هذا الرجوع أيضا إلى عناية من ربه بأمره، وإعانة ~~منه له في شأنه فيحتاج رجوعه إلى ربه بالعبودية والمسكنة إلى رجوع من ربه ~~إليه بالتوفيق والإعانة، وهو توبة الله سبحانه لعبده المتقدمة على توبة ~~العبد إلى ربه كما قال تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا: - التوبة: 118، وكذلك ~~الرجوع إلى الله سبحانه يحتاج إلى قبوله بمغفرة الذنوب وتطهيره من القذارات ~~وألواث البعد، وهذه هي التوبة الثانية من الله سبحانه المتأخرة عن توبة ~~العبد إلى ربه كما قال تعالى: فأولئك يتوب الله عليهم الآية. # وإذا تأملت حق التأمل وجدت أن التعدد في توبة الله سبحانه إنما عرض لها ~~من حيث قياسها إلى توبة العبد، وإلا فهي توبة واحدة هي رجوع الله سبحانه ~~إلى عبده بالرحمة، ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعا إليه قبلها وبعدها، ~~وربما كان مع عدم توبة من العبد كما تقدم استفادة ذلك من قوله: ولا الذين ~~يموتون وهم كفار، وأن قبول الشفاعة في حق العبد المذنب يوم القيامة من ~~مصاديق التوبة ومن هذا الباب قوله تعالى: "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما". # وكذلك القرب والبعد لما كانا نسبيين أمكن أن يتحقق البعد في مقام القرب ~~بنسبة بعض مواقفه ومراحله إلى بعض، ويصدق حينئذ معنى التوبة على رجوع بعض ~~المقربين من عباد الله الصالحين من موقفه الذي هو فيه إلى موقف أرفع منه ~~وأقرب إلى ربه، كما يشهد به ما يحكيه تعالى من توبة الأنبياء وهم معصومون ~~بنص كلامه كقوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه: - البقرة: 37، ~~وقوله تعالى: وإذ يرفع ms1391 إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل - إلى قوله -: ~~وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم: - البقرة: 128، وقوله تعالى: حكاية عن ~~موسى (عليه السلام): سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين: - الأعراف: 143، ~~وقوله تعالى خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار: - المؤمن: 55، وقوله تعالى: ~~لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة: ~~- التوبة: 117. PageV04P063 # وهذه التوبة العامة من الله سبحانه هي التي يدل عليها إطلاق آيات كثيرة من ~~كلامه تعالى كقوله تعالى: غافر الذنب وقابل التوب: - المؤمن: 3، وقوله ~~تعالى: يقبل التوبة عن عباده: - الشورى: 25، إلى غير ذلك. # فتلخص مما مر أولا أن نشر الرحمة من الله سبحانه على عبده لمغفرة ذنوبه، ~~وإزالة ظلمة المعاصي عن قلبه - سواء في ذلك الشرك وما دونه - توبة منه ~~تعالى لعبده وأن رجوع العبد إلى ربه لمغفرة ذنوبه وإزالة معاصيه - سواء في ~~ذلك الشرك وغيره - توبة منه إلى ربه. # ويتبين به أن من الواجب في الدعوة الحقة أن تعتني بأمر المعاصي كما تعتني ~~بأصل الشرك، وتندب إلى مطلق التوبة الشامل للتوبة عن الشرك والتوبة عن ~~المعاصي. # وثانيا: أن التوبة من الله سبحانه لعبده أعم من المبتدئة واللاحقة فضل ~~منه كسائر النعم التي يتنعم بها خلقه من غير إلزام وإيجاب يرد عليه تعالى ~~من غيره، وليس معنى وجوب قبول التوبة عليه تعالى عقلا إلا ما يدل عليه ~~أمثال قوله تعالى: وقابل التوب: "غافر: 3" وقوله: وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون: "النور: 31" وقوله: إن الله يحب التوابين الآية: "البقرة: ~~222" وقوله: "فأولئك يتوب الله عليهم" الآية من الآيات المتضمنة لتوصيفه ~~تعالى بقبول التوبة، والنادبة إلى التوبة، الداعية إلى الاستغفار والإنابة ~~وغيرها المشتملة على وعد القبول بالمطابقة أو الالتزام، والله سبحانه لا ~~يخلف الميعاد. # ومن هنا يظهر أن الله سبحانه غير مجبور في قبول التوبة بل له الملك من ~~غير استثناء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فله أن يقبل ما يقبل من التوبة على ~~ما وعد ويرد ms1392 ما يرد منها كما هو ظاهر قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم : "آل عمران: 90" ويمكن أن يكون من ~~هذا الباب قوله تعالى: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا: "النساء: 137". # ومن عجيب ما قيل في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى في قصة غرق فرعون ~~وتوبته، حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين: "يونس: 91". # قال ما محصله: أن الآية لا تدل على رد توبته، وليس في القرآن أيضا ما يدل ~~على هلاكه الأبدي، وأنه من المستبعد عند من يتأمل سعة رحمة الله وسبقتها ~~غضبه أن يجوز عليه تعالى أنه يرد من التجأ إلى باب رحمته وكرامته متذللا ~~مستكينا بالخيبة واليأس، والواحد منا إذا أخذ بالأخلاق الإنسانية الفطرية ~~من الكرم والجود والرحمة ليرحم أمثال هذا الإنسان النادم حقيقة على ما قدم ~~من سوء الفعال فكيف بمن هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وغياث المستغيثين. # وهو مدفوع بقوله تعالى: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن" الآية، وقد تقدم أن الندامة حينئذ ندم كاذب ~~يسوق الإنسان إلى إظهاره مشاهدته وبال الذنب ونزول البلاء. # ولو كان كل ندم توبة وكل توبة مقبولة لدفع ذلك قوله تعالى حكاية لحال ~~المجرمين يوم القيامة: وأسروا الندامة لما رأوا العذاب: "سبأ: 33" إلى غير ~~ذلك من الآيات الكثيرة الحاكية لندمهم على ما فعلوا وسؤالهم الرجوع إلى ~~الدنيا ليعملوا صالحا، والرد عليهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون. PageV04P064 # وإياك أن تتوهم أن الذي سلكه القرآن الكريم من تحليل التوبة على ما تقدم ~~توضيحه تحليل ذهني لا عبرة به في سوق الحقائق، وذلك أن البحث في باب ~~السعادة والشقاء والصلاح والطلاح الإنسانيين لا ينتج غير ذلك فإنا إذا ~~اعتبرنا حال الإنسان العادي ms1393 في المجتمع على ما نراه من تأثير التعليم ~~والتربية في الإنسان وجدناه خاليا في نفسه عن الصلاح والطلاح الاجتماعيين ~~قابلا للأمرين جميعا ثم إذا أراد أن يتحلى بحلية الصلاح، ويتلبس بلباس ~~التقوى الاجتماعي لم يمكن له ذلك إلا بتوافق الأسباب على خروجه من الحال ~~الذي فيه، وذلك يحاذي التوبة الأولى من الله سبحانه في باب السعادة ~~المعنوية ثم انتزاعه وانصراف نفسه عما هو فيه من رثاث الحال وقيد التثبط ~~والإهمال وهو توبة بمنزلة التوبة من العبد فيما نحن فيه ثم زوال هيئة ~~الفساد ووصف الرذالة المستولية على قلبه حتى يستقر فيه وصف الكمال ونور ~~الصلاح فإن القلب لا يسع الصلاح والطلاح معا، وهذا يحاذي قبول التوبة ~~والمغفرة فيما نحن فيه وكذلك يجري في مرحلة الصلاح الاجتماعي الذي يسير فيه ~~الإنسان بفطرته جميع ما اعتبره الدين في باب التوبة من الأحكام والآثار ~~جريا على الفطرة التي فطر الله الناس عليها. # وثالثا: أن التوبة كما يستفاد من مجموع ما تقدم من الآيات المنقولة ~~وغيرها إنما هي حقيقة ذات تأثير في النفس الإنسانية من حيث إصلاحها ~~وإعدادها للصلاح الإنساني الذي فيه سعادة دنياه وآخرته وبعبارة أخرى التوبة ~~إنما تنفع - إذا نفعت - في إزالة السيئات النفسانية التي تجر إلى الإنسان ~~كل شقاء في حياته الأولى والأخرى وتمنعه من الاستقرار على أريكة السعادة، ~~وأما الأحكام الشرعية والقوانين الدينية فهي بحالها لا ترتفع عنه بتوبة كما ~~لا ترتفع عنه بمعصية. # نعم ربما ارتبط بعض الأحكام بها فارتفعت بالتوبة بحسب مصالح الجعل، وهذا ~~غير كون التوبة رافعة لحكم من الأحكام قال تعالى: واللذان يأتيانها منكم ~~فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما: "النساء: ~~16"، وقال تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم: "المائدة: ms1394 34" إلى غير ذلك. # ورابعا: أن الملاك الذي شرعت لأجله التوبة على ما تبين مما تقدم هو ~~التخلص من هلاك الذنب وبوار المعصية لكونها وسيلة الفلاح ومقدمة الفوز ~~بالسعادة كما يشير إليه قوله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون: "النور: 31"، ومن فوائدها مضافة إلى ذلك أن فيها حفظا لروح ~~الرجاء من الانخماد والركود فإن الإنسان لا يستقيم سيره الحيوي إلا بالخوف ~~والرجاء المتعادلين حتى يندفع عما يضره وينجذب إلى ما ينفعه، ولو لا ذلك ~~لهلك، قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم: ~~"الزمر: 54"، ولا يزال الإنسان على ما نعرف من غريزته على نشاط من الروح ~~الفعالة وجد في العزيمة والسعي ما لم تخسر صفقته في متجر الحياة، وإذا بدا ~~له ما يخسر عمله ويخيب سعيه ويبطل أمنيته استولى عليه اليأس وانسلت به ~~أركان عمله وربما انصرف بوجهه عن مسيره آيسا من النجاح خائبا من الفوز ~~والفلاح، والتوبة هي الدواء الوحيد الذي يعالج داءه، ويحيي به قلبه وقد ~~أشرف على الهلكة والردى. # ومن هنا يظهر سقوط ما ربما يتوهم أن في تشريع التوبة والدعوة إليها إغراء ~~بالمعصية، وتحريصا على ترك الطاعة، فإن الإنسان إذا أيقن أن الله يقبل ~~توبته إذا اقترف أي معصية من المعاصي لم يخلف ذلك في نفسه أثرا، دون أن ~~تزيد جرأته على هتك حرمات الله والانغمار في لجج المعاصي والذنوب، فيدق باب ~~كل معصية قاصدا أن يذنب ثم يتوب. PageV04P065 # وجه سقوطه: أن التوبة إنما شرعت مضافا إلى توقف التحلي بالكرامات على غفران ~~الذنوب: للتحفظ على صفة الرجاء وتأثيره حسن أثره، وأما ما ذكر من استلزامه ~~أن يقصد الإنسان كل معصية بنية أن يعصي ثم يتوب، فقد فاته أن التوبة بهذا ~~النعت لا يتحقق معها حقيقة التوبة فإنها انقلاع عن المعصية، ولا انقلاع في ~~هذا الذي يأتي به، والدليل عليه أنه كان عازما على ذلك قبل المعصية ms1395 ومع ~~المعصية وبعد المعصية، ولا معنى للندامة أعني التوبة قبل تحقق الفعل بل ~~مجموع الفعل والتوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلا واحدا مقصودا بقصد ~~واحد مكرا وخديعة يخدع بها رب العالمين، ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله. # وخامسا: أن المعصية وهي الموقف السوء من الإنسان ذو أثر سيىء في حياته لا ~~يتاب منها ولا يرجع عنها إلا مع العلم والإيقان بمساءتها، ولا ينفك ذلك عن ~~الندم على وقوعها أولا، والندم تأثر خاص باطني من فعل السيىء. # ويتوقف على استقرار هذا، الرجوع ببعض الأفعال الصالحة المنافية لتلك ~~السيئة الدالة على الرجوع والتوبة ثانيا. # وإلى هذا يرجع جميع ما اعتبر شرعا من آداب التوبة كالندم والاستغفار ~~والتلبس بالعمل الصالح، والانقلاع عن المعصية إلى غير ذلك مما وردت به ~~الأخبار، وتعرض له كتب الأخلاق. # وسادسا: أن التوبة وهي الرجوع الاختياري عن السيئة إلى الطاعة والعبودية ~~إنما تتحقق في ظرف الاختيار وهو الحياة الدنيا التي هي مستوى الاختيار، ~~وأما فيما لا اختيار للعبد هناك في انتخاب كل من طريقي الصلاح والطلاح ~~والسعادة والشقاوة فلا مسرح للتوبة فيه، وقد تقدم ما يتضح به ذلك. # ومن هذا الباب التوبة فيما يتعلق بحقوق الناس فإنها إنما تصلح ما يتعلق ~~بحقوق الله سبحانه، وأما ما يتعلق من السيئة بحقوق الناس مما يحتاج في ~~زواله إلى رضاهم فلا يتدارك بها البتة لأن الله سبحانه احترم الناس بحقوق ~~جعلها لهم في أموالهم وأعراضهم ونفوسهم، وعد التعدي إلى أحدهم في شيء من ~~ذلك ظلما وعدوانا، وحاشاه أن يسلبهم شيئا مما جعله لهم من غير جرم صدر ~~منهم، فيأتي هو نفسه بما ينهى عنه ويظلمهم بذلك، وقد قال عز من قائل: إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا: "يونس: 44". # إلا أن الإسلام وهو التوبة من الشرك يمحو كل سيئة سابقة وتبعة ماضية ~~متعلقة بالفروع كما يدل عليه قوله (عليه السلام): الإسلام يجب ما قبله، وبه ~~تفسر الآيات المطلقة الدالة على غفران السيئات جميعا كقوله تعالى: قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ms1396 لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له: - الزمر: 54. # ومن هذا الباب أيضا توبة من سن سنة سيئة أو أضل الناس عن سبيل الحق وقد ~~وردت أخبار أن عليه مثل أوزار من عمل بها أو ضل عن الحق فإن حقيقة الرجوع ~~لا تتحقق في أمثال هذه الموارد لأن العاصي أحدث فيها حدثا له آثار يبقى ~~ببقائها، ولا يتمكن من إزالتها كما في الموارد التي لا تتجاوز المعصية ما ~~بينه وبين ربه عز اسمه. # وسابعا: أن التوبة وإن كانت تمحو ما تمحوه من السيئات كما يدل عليه قوله ~~تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله: - البقرة: ~~275. على ما تقدم من البيان في الجزء الثاني من هذا الكتاب، بل ظاهر قوله ~~تعالى: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما ومن تاب وعمل عملا صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا: ~~- الفرقان: 71، وخاصة بملاحظة الآية الثانية أن التوبة بنفسها أو بضميمة ~~الإيمان والعمل الصالح توجب تبدل السيئات حسنات إلا أن اتقاء السيئة أفضل ~~من اقترافها ثم إمحائها بالتوبة فإن الله سبحانه أوضح في كتابه أن المعاصي ~~كيفما كانت إنما تنتهي إلى وساوس شيطانية نوع انتهاء ثم عبر عن المخلصين ~~المعصومين عن زلة المعاصي وعثرة السيئات بما لا يعادله كل مدح ورد في غيرهم ~~قال تعالى: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~الآيات: - الحجر: 42، وقال تعالى حكاية عن إبليس أيضا في القصة: ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين: - الأعراف: 17. PageV04P066 # فهؤلاء من الناس مختصون بمقام العبودية التشريفية اختصاصا لا يشاركهم فيه ~~غيرهم من الصالحين التائبين. ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر خطبة خطبها: ~~من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال: إن ms1397 السنة لكثيرة ومن تاب قبل ~~موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال: وإن الشهر لكثير ومن تاب قبل موته بيوم ~~تاب الله عليه، ثم قال: وإن اليوم لكثير ومن تاب قبل موته بساعة تاب الله ~~عليه، ثم قال: وإن الساعة لكثيرة من تاب وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده إلى ~~حلقه تاب الله عليه. # : وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل "وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات - حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن" قال: ذلك إذا ~~عاين أمر الآخرة. # أقول: الرواية الأولى رواها في الكافي مسندا عن الصادق (عليه السلام)، ~~وهي مروية من طرق أهل السنة وفي معناها روايات أخر. # والرواية الثانية تفسر الآية وتفسر الروايات الواردة في عدم قبول التوبة ~~عند حضور الموت بأن المراد من حضور الموت العلم به ومشاهدة آيات الآخرة ولا ~~توبة عندئذ، وأما الجاهل بالأمر فلا مانع من قبول توبته، ونظيرها بعض ما ~~يأتي من الروايات. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا بلغت ~~النفس هذه - وأهوى بيده إلى حنجرته لم يكن للعالم توبة، وكانت للجاهل توبة. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم وابن مردويه عن ~~أبي ذر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله يقبل توبة ~~عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب، قيل وما وقوع الحجاب؟ قال: تخرج ~~النفس وهي مشركة. # وفيه، أخرج ابن جرير عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما ~~دام فيه الروح فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أحول بينه وبين التوبة ما ~~دام الروح فيه. # وفي الكافي، عن علي الأحمسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله ما ~~ينجو من الذنوب إلا من أقر بها، قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): كفى ~~بالندم توبة. # وفيه، بطريقين عن ابن وهب قال: سمعت أبا عبد ms1398 الله (عليه السلام) يقول: ~~إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله تعالى فستر عليه فقلت: وكيف يستر عليه؟ ~~قال، ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه ثم يوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع ~~الأرض: أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء ~~من الذنوب. # وفيه، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا محمد بن مسلم ~~ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة ~~والمغفرة أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان. قلت: فإن عاد بعد التوبة ~~والاستغفار في الذنوب وعاد في التوبة؟ فقال يا محمد بن مسلم أترى العبد ~~المؤمن يندم على ذنبه فيستغفر الله منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته؟ قلت: ~~فإن فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب ويستغفر؟ فقال: كلما عاد المؤمن بالاستغفار ~~والتوبة عاد الله تعالى عليه بالمغفرة، وإن الله غفور رحيم يقبل التوبة، ~~ويعفو عن السيئات فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله. # وفي تفسير العياشي، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى قال: لهذه ~~الآية تفسير يدل على ذلك التفسير أن الله لا يقبل من عبد عملا إلا لمن لقيه ~~بالوفاء منه بذلك التفسير، وما اشترط فيه على المؤمنين وقال: إنما التوبة ~~على الله للذين يعملون السوء بجهالة يعني كل ذنب عمله العبد وإن كان به ~~عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه، وقد قال في ذلك يحكي قول يوسف ~~لإخوته "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون" فنسبهم إلى الجهل ~~لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله. # أقول: والرواية لا تخلو عن اضطراب في المتن والظاهر أن المراد بالصدر أن ~~العمل إنما يقبل إذا وفى به العبد ولم ينقضه فالتوبة إنما تقبل إذا كانت ~~زاجرة ناهية على الذنب ولو حينا. PageV04P067 # وقوله: وقال: إنما التوبة "إلخ" كلام مستأنف أراد به بيان أن قوله: ~~"بجهالة" ms1399 قيد توضيحي، وأن في مطلق المعصية جهالة على أحد التفسيرين ~~السابقين في ما تقدم، وقد روي هذا الذيل في المجمع أيضا عنه (عليه السلام). PageV04P068 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 19 - 22 # يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه ~~بهتنا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ~~ميثقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه ~~كان فحشة ومقتا وساء سبيلا (22) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى أمر النساء بذكر بعض آخر مما يتعلق بهن والآيات مع ذلك مشتملة ~~على قوله: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله ~~فيه خيرا كثيرا فإنه أصل قرآني لحياة المرأة الاجتماعية. # قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم" إلى قوله: "كرها" كان أهل ~~الجاهلية - على ما في التاريخ والرواية - يعدون نساء الموتى من التركة - ~~إذا لم تكن المرأة أما للوارث - فيرثونهن مع التركة فكان أحد الوراث يلقي ~~ثوبا على زوجة الميت ويرثها فإن شاء تزوج بها من غير مهر بل بالوراثة وإن ~~كره نكاحها حبسها عنده فإن شاء زوجها من غيره فانتفع بمهرها، وإن شاء عضلها ~~ومنعها النكاح وحبسها حتى تموت فيرثها إن كان لها مال. # والآية وإن كان ظاهرها أنها تنهى عن سنة دائرة بينهم، وهي التي ذكرناها ~~من إرث النساء فتكون مسوقة للردع عن هذه السنة السيئة على ما ذكره بعض ~~المفسرين إلا أن قوله في ذيل الجملة: "كرها" لا يلائم ذلك سواء أخذ قيدا ~~توضيحيا أو احترازيا. # فإنه لو كان قيدا توضيحيا أفاد أن هذه الوراثة تقع دائما على كره من ~~النساء وليس كذلك، وهو ظاهر، ولو كان قيدا احترازيا أفاد أن النهي إنما هو ~~إذا كانت الوراثة على كره ms1400 من النساء دون ما إذا كان على رضى منهن، وليس كذلك. # نعم الكره أمر متحقق في العضل عن الازدواج طمعا في ميراثهن دائما أو ~~غالبا بعد القبض عليهن بالإرث فالظاهر أن الآية في مقام الردع عن هذا الإرث ~~على كره وأما نكاحهن بالإرث فالمتعرض للنهي عنه قوله تعالى فيما سيأتي: ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية وأما تزويجهن من الغير والذهاب ~~بمهرهن فينهى عنه مثل قوله تعالى: وللنساء نصيب مما اكتسبن: "النساء: 32" ~~ويدل على الجميع قوله تعالى: فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف: ~~"البقرة: 234". # وأما قوله بعد: ولا تعضلوهن لتذهبوا "إلخ" فهو غير هذا العضل عن الازدواج ~~للذهاب بالمال إرثا لما في تذييله بقوله: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من ~~الدلالة على أن المراد به الذهاب ببعض المهر الذي آتاه الزوج العاضل دون ~~المال الذي امتلكته من غير طريق هذا المهر. # وبالجملة الآية تنهى عن وراثة أموال النساء كرها منهن دون وراثة أنفسهن ~~فإضافة الإرث إلى النساء إنما هي بتقدير الأموال أو يكون مجازا عقليا. # قوله تعالى: "ولا تعضلوهن لتذهبوا" إلى قوله: "مبينة" إما معطوف على ~~قوله: ترثوا والتقدير: ولا أن تعضلوهن وإما نهي معطوف على قوله: لا يحل لكم ~~لكونه في معنى النهي. # والعضل هو المنع والتضييق والتشديد. # والفاحشة الطريقة الشنيعة كثر استعمالها في الزنا. # والمبينة المتبينة، وقد نقل عن سيبويه أن أبان واستبان وبين وتبين بمعنى ~~واحد، تتعدى ولا تتعدى يقال: أبان الشيء واستبان وبين وتبين ويقال: أبنت ~~الشيء واستبنته وبينته وتبينته. PageV04P069 # والآية تنهى عن التضييق عليهن بشيء من وجوه التضييق ليضطررن إلى بذل شيء من ~~الصداق لفك عقدة النكاح والتخلص من ضيق العيشة فالتضييق بهذا القصد محرم ~~على الزوج إلا أن يأتي الزوجة بفاحشة مبينة فله حينئذ أن يعضلها ويضيق ~~عليها لتفارقه بالبذل، والآية لا تنافي الآية الأخرى في باب البذل: ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ms1401 عليهما فيما افتدت به: "البقرة: 229" ~~وإنما هو التخصيص. # تخصص هذه الآية آية البقرة بصورة إتيان الفاحشة، وأما البذل الذي في آية ~~البقرة فإنما هو واقع على تراض منهما فلا تخصص بها هذه الآية. # قوله تعالى: "وعاشروهن بالمعروف" إلى آخر الآية المعروف هو الأمر الذي ~~يعرفه الناس في مجتمعهم من غير أن ينكروه ويجهلوه، وحيث قيد به الأمر ~~بالمعاشرة كان المعنى الأمر بمعاشرتهن المعاشرة المعروفة بين هؤلاء ~~المأمورين. # والمعاشرة التي يعرفها الرجال ويتعارفونها بينهم أن الواحد منهم جزء مقوم ~~للمجتمع يساوي سائر الأجزاء في تكوينه المجتمع الإنساني لغرض التعاون ~~والتعاضد العمومي النوعي فيتوجه على كل منهم من التكليف أن يسعى بما في ~~وسعه من السعي فيما يحتاج إليه المجتمع فيقتني ما ينتفع به فيعطي ما يستغني ~~عنه ويأخذ ما يحتاج إليه فلو عومل واحد من أجزاء المجتمع غير هذه المعاملة ~~وليس إلا أن يضطهد بإبطال استقلاله في الجزئية فيؤخذ تابعا ينتفع به ولا ~~ينتفع هو بشيء يحاذيه، وهذا هو الاستثناء. # وقد بين الله تعالى في كتابه إن الناس جميعا - رجالا ونساء - فروع أصل ~~واحد إنساني، وأجزاء وأبعاض لطبيعة واحدة بشرية، والمجتمع في تكونه محتاج ~~إلى هؤلاء كما هو محتاج إلى أولئك على حد سواء كما قال تعالى: بعضكم من ~~بعض: النساء: 25". # ولا ينافي ذلك اختصاص كل من الطائفتين بخصلة تختص به كاختصاص الرجال ~~بالشدة والقوة نوعا، واختصاص النساء بالرقة والعاطفة طبعا فإن الطبيعة ~~الإنسانية في حياتها التكوينية والاجتماعية جميعا تحتاج إلى بروز الشدة ~~وظهور القوة كما تحتاج إلى سريان المودة والرحمة، والخصلتان جميعا مظهرا ~~الجذب والدفع العامين في المجتمع الإنساني. # فالطائفتان متعادلتان وزنا وأثرا كما أن أفراد طائفة الرجال متساوية في ~~الوزن والتأثير في هذه البنية المكونة مع اختلافهم في شئونهم الطبيعية ~~والاجتماعية من قوة وضعف، وعلم وجهل، وكياسة وبلادة، وصغر وكبر، ورئاسة ~~ومرءوسية، ومخدومية وخادمية، وشرف وخسة وغير ذلك. # فهذا هو الحكم الذي ينبعث من ذوق المجتمع المتوسط الجاري على سنة الفطرة ~~من غير انحراف، وقد قوم الإسلام أود الاجتماع ms1402 الإنساني وأقام عوجه فلا مناص ~~من أن يجري فيه حكم التسوية في المعاشرة وهو الذي نعبر عنه بالحرية ~~الاجتماعية، وحرية النساء كالرجال، وحقيقتها أن الإنسان بما هو إنسان ذو ~~فكر وإرادة له أن يختار ما ينفعه على ما يضره مستقلا في اختياره ثم إذا ورد ~~المجتمع كان له أن يختار ما يختار - ما لم يزاحم سعادة المجتمع الإنساني - ~~مستقلا في ذلك من غير أن يمنع عنه أو يتبع غيره من غير اختيار. # وهذا كما عرفت لا ينافي اختصاص بعض الطبقات أو بعض الأفراد من طبقة واحدة ~~بمزايا أو محروميته عن مزايا كاختصاص الرجال في الإسلام بالقضاء والحكومة ~~والجهاد ووجوب نفقتهن على الرجال وغير ذلك، وكحرمان الصبيان غير البالغين ~~عن نفوذ الإقرار والمعاملات وعدم توجه التكاليف إليهم ونحو ذلك فجميع ذلك ~~خصوصيات أحكام تعرض الطبقات وأشخاص المجتمع من حيث اختلاف أوزانهم في ~~المجتمع بعد اشتراكهم جميعا في أصل الوزن الإنساني الاجتماعي الذي ملاكه أن ~~الجميع إنسان ذو فكر وإرادة. # ولا تختص هذه المختصات بشريعة الإسلام المقدسة بل توجد في جميع القوانين ~~المدنية بل في جميع السنن الإنسانية حتى الهمجية قليلا أو كثيرا على ~~اختلافها، والكلمة الجامعة لجميع هذه المعاني هي قوله تعالى: وعاشروهن ~~بالمعروف على ما تبين. PageV04P070 # وأما قوله تعالى: "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا" فهو من قبيل إظهار الأمر المعلوم في صورة المشكوك المحتمل اتقاء من ~~تيقظ غريزة التعصب في المخاطب نظير قوله تعالى: قل من يرزقكم من السموات ~~والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما ~~أجرمنا ولا نسأل عما تعملون: "سبأ: 25". # فقد كان المجتمع الإنساني يومئذ عصر نزول القرآن لا يوقف النساء في ~~موقفها الإنساني الواقعي، ويكره ورودها في المجتمع ورود البعض المقوم بل ~~المجتمعات القائمة على ساقها يومئذ بين ما يعدهن طفيليات خارجة لاحقة ينتفع ~~بوجودها، وما يعدهن إنسانا ناقصا في الإنسانية كالصبيان والمجانين إلا أنهن ~~لا يبلغن الإنسانية أبدا فيجب أن يعشن ms1403 تحت الإتباع والاستيلاء دائما، ولعل ~~قوله تعالى: فإن كرهتموهن، حيث نسب الكراهة إلى أنفسهن دون نكاحهن إشارة ~~إلى ذلك. # قوله تعالى: "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج" إلى آخر الآية، الاستبدال ~~استفعال بمعنى طلب البدل، وكأنه بمعنى إقامة زوج مقام زوج أو هو من قبيل ~~التضمين بمعنى إقامة امرأة مقام أخرى بالاستبدال، ولذلك جمع بين قوله، ~~أردتم وبين قوله: استبدال إلخ مع كون الاستبدال مشتملا على معنى الإرادة ~~والطلب، وعلى هذا فالمعنى: وإن أردتم أن تقيموا زوجا مقام أخرى بالاستبدال. # والبهتان ما بهت الإنسان أي جعله متحيرا، ويغلب استعماله في الكذب من ~~القول وهو في الأصل مصدر، وقد استعمل في الآية في الفعل الذي هو الأخذ من ~~المهر، وهو في الآية حال من الأخذ وكذا قوله: إثما، والاستفهام إنكاري. # والمعنى: إن أردتم أن تطلقوا بعض أزواجكم وتتزوجوا بأخرى مكانها فلا ~~تأخذوا من الصداق الذي آتيتموها شيئا وإن كان ما آتيتموها مالا كثيرا، وما ~~تأخذونه قليلا جدا. # قوله تعالى: "وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض" إلى آخر الآية، ~~الاستفهام للتعجيب، والإفضاء هو الاتصال بالمماسة، وأصله الفضاء بمعنى السعة. # ولما كان هذا الأخذ إنما هو بالبغي والظلم، ومورده مورد الاتصال والاتحاد ~~أوجب ذلك صحة التعجب حيث إن الزوجين يصيران بسبب ما أوجبه الازدواج من ~~الإفضاء والاقتراب كشخص واحد، ومن العجيب أن يظلم شخص واحد نفسه ويؤذيها أو ~~يؤذي بعض أجزائه بعضا. # وأما قوله: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا" فالظاهر أن المراد بالميثاق الغليظ ~~هو العلقة التي أبرمها الرجل بالعقد ونحوه، ومن لوازمها الصداق الذي يسمى ~~عند النكاح وتستحقه المرأة من الرجل. # وربما قيل: إن المراد بالميثاق الغليظ العهد المأخوذ من الرجل للمرأة من ~~إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان على ما ذكره الله تعالى، وربما قيل: إن ~~المراد به حكم الحلية المجعول شرعا في النكاح، ولا يخفى بعد الوجهين جميعا ~~بالنسبة إلى لفظ الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن هاشم بن عبد الله عن السري البجلي قال: سألته عن ~~قوله: ولا ms1404 تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن قال: فحكى كلاما ثم قال: كما ~~يقول النبطية إذا طرح عليها الثوب عضلها فلا تستطيع تزويج غيره، وكان هذا ~~في الجاهلية. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، فإنه ~~كان في الجاهلية في أول ما أسلموا من قبائل العرب إذا مات حميم الرجل وله ~~امرأة ألقى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها يرث ~~نكاحها كما يرث ماله، فلما مات أبو قيس بن الأسلت ألقى محصن بن أبي قيس ~~ثوبه على امرأة أبيه، وهي كبيشة بنت معمر بن معبد فورث نكاحها، ثم تركها لا ~~يدخل بها ولا ينفق عليها، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: ~~يا رسول الله مات أبو قيس بن الأسلت فورث محصن ابنه نكاحي فلا يدخل علي، ~~ولا ينفق علي، ولا يخلي سبيلي فألحق بأهلي فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ارجعي إلى بيتك فإن يحدث الله في شأنك شيئا أعلمتك فنزل: ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا، فلحقت بأهلها، وكانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح ~~كبيشة غير أنه ورثهن من الأبناء فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا يحل ~~لكم أن ترثوا النساء كرها. PageV04P071 # أقول: آخر الرواية لا يخلو عن اضطراب في المعنى وقد وردت هذه القصة ونزول ~~الآيات فيها في عدة من روايات أهل السنة أيضا، غير أن الروايات أو معظمها ~~تذكر نزول قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا الآية في ~~القصة، وقد عرفت في البيان السابق عدم مساعدة السياق على ذلك. # ومع ذلك فتحقق القصة وارتباط الآيات بوجه بها وبالعادة الجارية فيما ~~بينهم عند النزول في الجملة لا ريب فيه، فالمعول في ذلك ما قدمناه في ~~البيان السابق. # وفي المجمع،: في قوله ms1405 تعالى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة الآية قال: ~~الأولى حمل الآية على كل معصية، قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام). # وفي تفسير البرهان، عن الشيباني: الفاحشة يعني الزنا، وذلك إذا اطلع ~~الرجل منها على فاحشة فله أخذ الفدية وهو المروي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف. # وفيه، أخرج ابن جرير عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، ~~ولا يعصينكم في معروف وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. # أقول: وقد تقدم ما يتبين به معنى هذه الروايات. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا قال: الميثاق الكلمة التي عقد بها النكاح الرواية. # وفي المجمع، قال: الميثاق الغليظ هو العقد المأخوذ على الزوج حالة العقد ~~من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام). # أقول: وهذا المعنى منقول عن عدة من مفسري السلف كابن عباس وقتادة وأبي ~~مليكة، والآية لا تأباه بالنظر إلى أن ذلك حكم يصدق عليه أنه ميثاق مأخوذ ~~على الرجال للنساء، وإن كان الأظهر أن يكون المراد هو العقد المجرى حين ~~الازدواج. # وفي الدر المنثور، أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب ~~قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت ~~الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك قال: ولم؟ قالت: لأن الله ~~يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ms1406 ورجل أخطأ: أقول: ~~ورواه أيضا عن عبد الرزاق وابن المنذر عن عبد الرحمن السلمي، وأيضا عن سعيد ~~بن منصور وأبي يعلى بسند جيد عن مسروق، وفيه أربعمائة درهم مكان أربعين ~~أوقية، وأيضا عن سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني، ~~والروايات متقاربة المعنى. # وفيه، أخرج ابن جرير عن عكرمة: في قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء، قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد بنت ضمرة كانت تحت ~~الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزى بن ~~عثمان بن عبد الدار وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب ~~بن أسد كانت عند أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية، وفي منظور بن رباب ~~وكان خلف على مليكة ابنة خارجة وكانت عند أبيه رباب بن سيار. # وفيه، أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: كان الرجل إذا توفي عن ~~امرأة كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه أو ينكحها من شاء، ~~فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ~~ولم يورثها من المال شيئا فأتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت ذلك ~~له، فقال: ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا فنزلت: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النساء الآية، ونزلت: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها. # أقول: وقد تقدم ما يدل على ذلك من روايات الشيعة. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية ~~يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين فأنزل الله: ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وأن تجمعوا بين الأختين: أقول: وفي معناه ~~أخبار أخر. PageV04P072 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 23 - 28 # حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم وأخوتكم وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~وأمهتكم التى أرضعنكم وأخوتكم من الرضعة وأمهت نسائكم وربئبكم التى ms1407 فى ~~حجوركم من نسائكم التى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ~~وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن ~~الله كان غفورا رحيما (23) * والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم كتب ~~الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأمولكم محصنين غير مسفحين فما ~~استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما ترضيتم به من ~~بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت والله أعلم بإيمنكم ~~بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف محصنت غير مسفحت ~~ولا متخذت أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفحشة فعليهن نصف ما على المحصنت من ~~العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) ~~يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوت أن تميلوا ~~ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسن ضعيفا (28) ### |||| AUTO بيان # آيات محكمة تعد محرمات النكاح وما أحل من نكاح النساء، والآية السابقة ~~عليها المبينة لحرمة نكاح ما نكح الآباء وإن كانت بحسب المضمون من جملتها ~~إلا أن ظاهر سياقها لما كان من تتمة السياق السابق أوردناها في جملة الآيات ~~السابقة مع كونها بحسب المعنى ملحقة بها. # وبالجملة جملة الآيات متضمنة لبيان كل محرم نكاحي من غير تخصيص أو تقييد، ~~وهو الظاهر من قوله تعالى بعد تعداد المحرمات: وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~الآية، ولذلك لم يختلف أهل العلم في الاستدلال بالآية على حرمة بنت الابن ~~والبنت وأم الأب أو الأم وكذا على حرمة زوجة الجد بقوله تعالى: ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم الآية، وبه يستفاد نظر القرآن في تشخيص الأبناء والبنات بحسب ~~التشريع على ما سيجيء إن شاء الله. # قوله تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ ms1408 وبنات الأخت" هؤلاء هن المحرمات بحسب النسب وهي سبعة أصناف، ~~والأم من اتصل إليها نسب الإنسان بالولادة كمن ولدته من غير واسطة أو ~~بواسطة، كوالدة الأب أو الأم فصاعدة، والبنت من اتصل نسبها بالإنسان بسبب ~~ولادتها منه كالمولودة من صلبه بلا واسطة، وكبنت الابن والبنت فنازلة ~~والأخت من اتصل نسبها بالإنسان من جهة ولادتهما معا من الأب أو الأم أو ~~منهما جميعا بلا واسطة، والعمة أخت الأب وكذا أخت الجد من جهة الأب أو ~~الأم، والخالة أخت الأم، وكذا أخت الجدة من جهة الأب أو الأم. # والمراد بتحريم الأمهات وما يتلوها من الأصناف حرمة نكاحهن على ما يفيده ~~الإطلاق من مناسبة الحكم والموضوع، كما في قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة ~~والدم: "المائدة: 3" أي أكلهما، وقوله تعالى: فإنها محرمة عليهم: "المائدة: ~~26" أي سكنى الأرض، وهذا مجاز عقلي شائع، هذا. # ولكنه لا يلائم ما سيأتي من قوله تعالى: "إلا ما ملكت أيمانكم" فإنه ~~استثناء من الوطء دون علقة النكاح على ما سيجيء، وكذا قوله تعالى: أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين على ما سيجيء، فالحق أن المقدر هو ما ~~يفيد معنى الوطء دون علقة النكاح، وإنما لم يصرح تأدبا وصونا للسان على ما ~~هو دأب كلامه تعالى. PageV04P073 # واختصاص الخطاب بالرجال دون أن يقال: حرم عليهن أبناؤهن "إلخ"، أو يقال ~~مثلا: لا نكاح بين المرأة وولدها "إلخ"، لما أن الطلب والخطبة بحسب الطبع ~~إنما يقع من جانب الرجال فحسب. # وتوجيه الخطاب إلى الجمع مع تعليق الحرمة بالجمع كالأمهات والبنات "إلخ"، ~~تفيد الاستغراق في التوزيع، أي حرمت على كل رجل منكم أمه وبنته، إذ لا معنى ~~لتحريم المجموع على المجموع، ولا لتحريم كل أم وبنت لكل رجل مثلا على كل ~~رجل لأوله إلى تحريم أصل النكاح، فمآل الآية إلى أن كل رجل يحرم عليه نكاح ~~أمه وبنته وأخته "إلخ". # قوله تعالى: "وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة" شروع في بيان ~~المحرمات بالسبب، وهي سبع ست منها ما في هذه الآية، وسابعتها ما يتضمنه ~~قوله: ms1409 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية. # والآية بسياقها تدل على جعل الأمومة والبنوة بين المرأة ومن أرضعته وكذا ~~الإخوة بين الرجل وأخته من الرضاعة حيث أرسل الكلام فيها إرسال المسلم ~~فالرضاعة تكون الروابط النسبية بحسب التشريع، وهذا مما يختص بالشريعة ~~الإسلامية على ما ستجيء الإشارة إليه. # وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الفريقان أنه قال: ~~إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب ولازمه أن تنتشر الحرمة بالرضاع ~~فيما يحاذي محرمات النسب من الأصناف، وهي الأم والبنت والأخت والعمة ~~والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، سبعة أصناف. # وأما ما به يتحقق الرضاع وما له في نشره الحرمة من الشرائط من حيث الكم ~~والكيف والمدة وما يلحق بها من الأحكام فهو مما يتبين في الفقه، والبحث فيه ~~خارج عن وضع هذا الكتاب، وأما قوله: وأخواتكم من الرضاعة فالمراد به ~~الأخوات الملحقة بالرجل من جهة إرضاع أمه إياها بلبن أبيه وهكذا. # قوله تعالى: "وأمهات نسائكم" سواء كانت النساء أي الأزواج مدخولا بهن أو ~~غير مدخول بهن فإن النساء إذا أضيفت إلى الرجال دلت على مطلق الأزواج، ~~والدليل على ذلك التقييد الآتي في قوله تعالى: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~فإن لم تكونوا دخلتم بهن الآية. # قوله تعالى: "وربائبكم اللاتي في حجوركم" إلى قوله: "فلا جناح عليكم" ~~الربائب جمع الربيبة وهي بنت زوجة الرجل من غيره لأن تدبير أمر من مع ~~المرأة من الولد إلى زوجها فهو الذي يربها ويربيها في العادة الغالبة وإن ~~لم يكن كذلك دائما. # وكذلك كون الربيبة في حجر الزوج أمر مبني على الغالب وإن لم يجر الأمر ~~عليه دائما، ولذلك قيل: إن قوله: اللاتي في حجوركم قيد مبني على الغالب ~~فالربيبة محرمة سواء كانت في حجر زوج أمها أو لم يكن، فالقيد توضيحي لا ~~احترازي. # ومن الممكن أن يقال: إن قوله: اللاتي في حجوركم، إشارة إلى ما يستفاد من ~~حكمة تشريع الحرمة في محرمات النسب والسبب على ما سيجيء البحث عنه، ms1410 وهو ~~الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل وبين هؤلاء الأصناف من النساء والمصاحبة ~~الغالبة بين هؤلاء في المنازل والبيوت فلو لا حكم الحرمة المؤبدة لم يمكن ~~الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنا على ما سيجيء بيانه. # فيكون قوله: "اللاتي في حجوركم" مشيرا إلى أن الربائب لكونهن غالبا في ~~حجوركم وفي صحابتكم تشارك سائر الأصناف في الاشتمال على ملاك التحريم ~~وحكمته. # وكيفما كان ليس قوله: اللاتي في حجوركم قيدا احترازيا يتقيد به التحريم ~~حتى تحل الربيبة لرابها إذا لم تكن في حجره كالبنت الكبيرة يتزوج الرجل ~~بأمها، والدليل على ذلك المفهوم المصرح به في قوله تعالى: "فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم" حيث ذكر فيه ارتفاع قيد الدخول لكون الدخول ~~دخيلا في التحريم، ولو كان الكون في الحجور مثله لكان من اللازم ذكره، وهو ظاهر. # وقوله: فلا جناح عليكم أي في أن تنكحوهن حذف إيثارا للاختصار لدلالة ~~السياق عليه. # قوله تعالى: "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم" الحلائل جمع حليلة قال في ~~المجمع: والحلائل جمع الحليلة، وهي بمعنى محللة مشتقة من الحلال والذكر ~~حليل، وجمعه أحلة كعزيز وأعزة سميا بذلك لأن كل واحدة منهما يحل له مباشرة ~~صاحبه، وقيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في ~~الفراش، انتهى. PageV04P074 # والمراد بالأبناء من اتصل بالإنسان بولادة سواء كان ذلك بلا واسطة أو ~~بواسطة ابن أو بنت، وتقييده بقوله: "الذين من أصلابكم" احتراز عن حليلة من ~~يدعى ابنا بالتبني دون الولادة. # قوله تعالى: "وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف" المراد به بيان ~~تحريم نكاح أخت الزوجة ما دامت الزوجة حية باقية تحت حبالة الزوجية فهو ~~أوجز عبارة وأحسنها في تأدية المراد، وإطلاق الكلام ينصرف إلى الجمع بينهما ~~في النكاح في زمان واحد، فلا مانع من أن ينكح الرجل إحدى الأختين ثم يتزوج ~~بالأخرى بعد طلاق الأولي أو موتها ومن الدليل عليه السيرة القطعية بين ~~المسلمين المتصلة بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأما قوله: ms1411 "إلا ما قد سلف" فهو كنظيره المتقدم في قوله: "ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف" ناظر إلى ما كان معمولا به بين عرب ~~الجاهلية من الجمع بين الأختين، والمراد به بيان العفو عما سلف من عملهم ~~بالجمع بين الأختين قبل نزول هذه الآية دون ما لو كان شيء من ذلك في زمان ~~النزول بنكاح سابق فإن الآية تدل على منعه لأنه جمع بين الأختين بالفعل كما ~~يدل عليه أيضا ما تقدم نقله من أسباب نزول قوله: "ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم" الآية حيث فرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية بين ~~الأبناء وبين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية. # ورفع التحريم - وهو الجواز - عن نكاح سالف لا يبتلى به بالفعل، والعفو ~~عنه من حيث نفس العمل المنقضي وإن كان لغوا لا أثر له لكنه لا يخلو عن ~~الفائدة من حيث آثار العمل الباقية بعده كطهارة المولد واعتبار القرابة مع ~~الاستيلاد ونحو ذلك. # وبعبارة أخرى لا معنى لتوجيه الحرمة أو الإباحة إلى نكاح سابق قد جمع بين ~~الأختين إذا ماتتا مثلا أو ماتت إحداهما أو حل الطلاق بهما أو بإحداهما لكن ~~يصح رفع الإلغاء والتحريم عن مثل هذا النكاح باعتبار ما استتبعه من الأولاد ~~من حيث الحكم بطهارة مولدهم، ووجود القرابة بينهم وبين آبائهم المولدين لهم ~~وسائر قرابات الآباء، المؤثر ذلك في الإرث والنكاح وغير ذلك. # وعلى هذا فقوله: "إلا ما قد سلف" استثناء من الحكم باعتبار آثاره الشرعية ~~لا باعتبار أصل تعلقه بعمل قد انقضى قبل التشريع ومن هنا يظهر أن الاستثناء ~~متصل لا منقطع كما ذكره المفسرون. # ويمكن أن يرجع الاستثناء إلى جميع الفقرات المذكورة في الآية من غير أن ~~يختص بقوله: "وأن تجمعوا بين الأختين" فإن العرب وإن كانت لا ترتكب من هذه ~~المحرمات إلا الجمع بين الأختين، ولم تكن تقترف نكاح الأمهات والبنات وسائر ~~ما ذكرت في الآية إلا أن هناك أمما كانت تنكح أقسام المحارم كالفرس ms1412 والروم ~~وسائر الأمم المتمدنة وغير المتمدنة يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه، ~~والإسلام يعتبر صحة نكاح الأمم غير المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم فيحكم ~~بطهارة مولدهم، ويعتبر صحة قرابتهم بعد الدخول في دين الحق، هذا، لكن الوجه ~~الأول أظهر. # قوله تعالى: "إن الله كان غفورا رحيما" تعليل راجع إلى الاستثناء، وهو من ~~الموارد التي تعلقت فيها المغفرة بآثار الأعمال في الخارج دون الذنوب ~~والمعاصي. # قوله تعالى: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" المحصنات بفتح ~~الصاد اسم مفعول من الإحصان وهو المنع، ومنه الحصن الحصين أي المنيع يقال: ~~أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور، قال تعالى: التي ~~أحصنت فرجها: "التحريم: 12" أي عفت ويقال: أحصنت المرأة - بالبناء للفاعل ~~والمفعول - إذا تزوجت فأحصن زوجها أو التزوج إياها من غير زوجها، ويقال: ~~أحصنت المرأة إذا كانت حرة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها أو منعها ~~ذلك من الزنا لأن ذلك كان فاشيا في الإماء. PageV04P075 # والظاهر أن المراد بالمحصنات في الآية هو المعنى الثاني أي المتزوجات دون ~~الأول والثالث لأن الممنوع المحرم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدودة في ~~الآيتين هو نكاح المزوجات فحسب فلا منع من غيرها من النساء سواء كانت عفيفة ~~أو غيرها، وسواء كانت حرة أو مملوكة فلا وجه لأن يراد بالمحصنات في الآية ~~العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف ثم يرتكب تقييد الآية بالتزويج، ~~أو حمل اللفظ على إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضا مثلهن ثم ~~ارتكاب التقييد بالتزويج فإن ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم. # فالمراد بالمحصنات من النساء المزوجات وهي التي تحت حبالة التزويج، وهو ~~عطف على موضع أمهاتكم، والمعنى: وحرمت عليكم كل مزوجة من النساء ما دامت ~~مزوجة ذات بعل. # وعلى هذا يكون قوله: "إلا ما ملكت أيمانكم" رفعا لحكم المنع عن محصنات ~~الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته ~~وزوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها. # وأما ما ذكره بعض ms1413 المفسرين أن المراد بقوله: "إلا ما ملكت أيمانكم" إلا ~~ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف فالمراد بالملك ملك ~~الاستمتاع والتسلط على المباشرة ففيه أولا أنه يتوقف على أن يراد بالمحصنات ~~العفائف دون المزوجات وقد عرفت ما فيه، وثانيا أن المعهود من القرآن إطلاق ~~هذه العبارة على غير هذا المعنى، وهو ملك الرقبة دون التسلط على الانتفاع ونحوه. # وكذا ما ذكره بعض آخر أن المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسبيات إذا ~~كن ذوات أزواج من الكفار، وأيد ذلك بما روي عن أبي سعيد الخدري: أن الآية ~~نزلت في سبي أوطاس حيث أصاب المسلمون نساء المشركين، وكانت لهن أزواج في ~~دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا ~~لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا غير الحبالى حتى يستبرأن. # وفيه مضافا إلى ضعف الرواية أن ذلك تخصيص للآية من غير مخصص، فالمصير إلى ~~ما ذكرناه. # قوله تعالى: "كتاب الله عليكم" أي الزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم ~~وقد ذكر المفسرون أن قوله: "كتاب الله عليكم" منصوب مفعولا مطلقا لفعل ~~مقدر، والتقدير: كتب الله كتابا عليكم ثم حذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعله ~~وأقيم مقامه، ولم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل لما ذكره النحويون أنه ضعيف ~~العمل لا يتقدم معموله عليه، هذا. # قوله تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم" ظاهر التعبير بما الظاهرة في غير ~~أولي العقل، وكذا الإشارة بذلكم الدال على المفرد المذكر، وكذا قوله بعده: ~~أن تبتغوا بأموالكم، أن يكون المراد بالموصول واسم الإشارة هو المقدر في ~~قوله: حرمت عليكم أمهاتكم، المتعلق به التحريم من الوطء والنيل أو ما هو من ~~هذا القبيل، والمعنى: وأحل لكم من نيلهن ما هو غير ما ذكر لكم، وهو النيل ~~بالنكاح في غير من عد من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين، وحينئذ يستقيم ~~بدلية قوله: أن تبتغوا بأموالكم، من قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم كل ~~الاستقامة. # وقد ورد عن المفسرين في هذه الجملة من الآية ms1414 تفاسير عجيبة كقول بعضهم: إن ~~معنى قوله: "وأحل لكم ما وراء ذلكم": أحل لكم ما وراء ذات المحارم من ~~أقاربكم، وقول بعض آخر: إن المراد: أحل لكم ما دون الخمس وهي الأربع فما ~~دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح، وقول بعض آخر: إن المعنى أحل لكم ~~ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، وقول بعض آخر: معناها أحل لكم ما وراء ذات ~~المحارم والزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين. # وهذه وجوه سخيفة لا دليل على شيء منها من قبل اللفظ في الآية، على أنها ~~تشترك في حمل لفظة ما في الآية على أولي العقل، ولا موجب له كما عرفت آنفا، ~~على أن الآية في مقام بيان المحرم من نيل النساء من حيث أصناف النساء لا من ~~حيث عدد الأزواج فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية، فالحق أن الجملة في ~~مقام بيان جواز نيل النساء فيما سوى الأصناف المعدودة منهن في الآيتين ~~السابقتين بالنكاح أو بملك اليمين. PageV04P076 # قوله تعالى: "أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين" بدل أو عطف بيان من ~~قوله: "ما وراء ذلكم" يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء ومباشرتهن، ~~وذلك أن الذي يشمله قوله: "وأحل لكم ما وراء ذلكم" من المصداق ثلاثة: ~~النكاح وملك اليمين والسفاح وهو الزنا فبين بقوله: "أن تبتغوا بأموالكم" ~~إلخ، المنع عن السفاح وقصر الحل في النكاح وملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء ~~بالأموال وهو في النكاح المهر والأجرة - ركن من أركانه - وفي ملك اليمين ~~الثمن - وهو الطريق الغالب في تملك الإماء - فيئول معنى الآية إلى مثل ~~قولنا: أحل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء ونيلهن ~~بإنفاق أموالكم في أجرة المنكوحات من النساء نكاحا من غير سفاح أو إنفاقها ~~في ثمن الجواري والإماء. # ومن هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله: "محصنين غير مسافحين" إحصان ~~العفة دون إحصان التزوج وإحصان الحرية فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية ~~أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين ولا دليل على ms1415 قصرها في النكاح حتى ~~يحمل الإحصان على إحصان التزوج، وليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن ~~مباشرة النساء حتى ينافي المورد بل ما يقابل السفاح أعني التعدي إلى ~~الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله، وكفها عما حرم الله من ~~الطرق العادية في التمتع المباشري الذي أودع النزوع إليه في جبلة الإنسان ~~وفطرته. # وبما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله "أن تبتغوا بأموالكم"، ~~بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها، والتقدير لتبتغوا، أو إرادة أن ~~تبتغوا. # وذلك أن مضمون قوله: أن تبتغوا، بوجه عين ما أريد بقوله: "ما وراء ذلكم" ~~لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله، وهو ظاهر. # وكذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء وصبه من ~~غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية ~~في الإنسان لأجلها، وهي غرض تكوين البيت وإيجاد النسل والولد، وبالمقابلة ~~يكون الإحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التوالد والتناسل، هذا. # وإني لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ~~ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه ~~الالتزام به من اللوازم. # وأحد البحثين وهو البحث عن الملاك عقلي، والآخر وهو البحث عن الحكم ~~الشرعي وما له من الموضوع والمتعلق والشرائط والموانع لفظي يتبع في السعة ~~والضيق البيان اللفظي من الشارع، وإنا لا نشك أن جميع الأحكام المشرعة تتبع ~~مصالح وملاكات حقيقية، وحكم النكاح الذي هو أيضا أحدها يتبع في تشريعه ~~مصلحة واقعية وملاكا حقيقيا، وهو التوالد والتناسل، ونعلم أن نظام الصنع ~~والإيجاد أراد من النوع الإنساني البقاء النوعي ببقاء الأفراد ما شاء الله، ~~ثم احتيل إلى هذا الغرض بتجهيز البنية الإنسانية بجهاز التناسل الذي يفصل ~~أجزاء منه فيربيه ويكونه إنسانا جديدا يخلف الإنسان القديم فتمتد به سلسلة ~~النوع من غير انقطاع، واحتيل إلى تسخير هذا الجهاز للعمل والإنتاج بإيداع ~~القوة الشهوانية التي يحن بها أحد القبيلين - الذكر ms1416 والأنثى - من الأفراد ~~إلى الآخر، وينجذب بها كل إلى صاحبه بالوقوع عليه والنيل، ثم كمل ذلك ~~بالعقل الذي يمنع من إفساد هذا السبيل الذي يندب إليه نظام الخلقة. # وفي عين أن نظام الخلقة بالغ أمره وواجد غرضه الذي هو بقاء النوع لسنا ~~نجد أفراد هذه الاتصالات المباشرية بين الذكر والأنثى ولا أصنافها موصلة ~~إلى غرض الخلقة دائما بل إنما هي مقدمة غالبية، فليس كل ازدواج مؤديا إلى ~~ظهور الولد، ولا كل عمل تناسلي كذلك، ولا كل ميل إلى هذا العمل يؤثر هذا ~~الأثر، ولا كل رجل أو كل امرأة، ولا كل ازدواج يهدي هداية اضطرارية إلى ~~الذواق فالاستيلاد، فالجميع أمور غالبية. # فالتجهز التكويني يدعو الإنسان إلى الازدواج طلبا للنسل من طريق الشهوة، ~~والعقل المودوع فيه يضيف إلى ذلك التحرز وحفظ النفس عن الفحشاء المفسد ~~لسعادة العيش، الهادم لأساس البيوت، القاطع للنسل. PageV04P077 # وهذه المصلحة المركبة أعني مصلحة الاستيلاد والأمن من دبيب الفحشاء هي ~~الملاك الغالبي الذي بني عليه تشريع النكاح في الإسلام غير أن الأغلبية من ~~أحكام الملاك، وأما الأحكام المشرعة لموضوعاتها فهي لا تقبل إلا الدوام. # فليس من الجائز أن يقال: إن النكاح أو المباشرة يتبعان في جوازهما الغرض ~~والملاك المذكور وجودا وعدما فلا يجوز نكاح إلا بنية التوالد، ولا يجوز ~~نكاح العقيم ولا نكاح العجوز التي لا ترى الحمرة، ولا يجوز نكاح الصغيرة، ~~ولا يجوز نكاح الزاني ولا يجوز مباشرة الحامل، ولا مباشرة من غير إنزال، ~~ولا نكاح من غير تأسيس بيت، ولا يجوز... ولا يجوز... بل النكاح سنة مشروعة ~~بين قبيلي الذكر والأنثى لها أحكام دائمية، وقد أريد بهذه السنة المشروعة ~~حفظ مصلحة عامة غالبية كما عرفت فلا معنى لجعل سنة مشروعة تابعة لتحقق ~~الملاك وجودا وعدما، والمنع عما لا يتحقق به الملاك من أفراده أو أحكامه. # قوله تعالى: "فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة" كان الضمير في ~~قوله: "به" راجع إلى ما يدل عليه قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم "وهو النيل ~~أو ما يؤدي معناه، ms1417 فيكون "ما" للتوقيت، وقوله "منهن" متعلقا بقوله: ~~"استمتعتم" والمعنى: مهما استمتعتم بالنيل منهن فآتوهن أجورهن فريضة. # ويمكن أن يكون ما موصولة، واستمتعتم صلة لها، وضمير به راجعا إلى الموصول ~~وقوله "منهن" بيانا للموصول، والمعنى: ومن استمتعتم به من النساء "إلخ". # والجملة أعني قوله: فما استمتعتم "إلخ" تفريع لما تقدمها من الكلام - ~~لمكان الفاء - تفريع البعض على الكل أو تفريع الجزئي على الكلي بلا شك فإن ~~ما تقدم من الكلام أعني قوله "أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين" كما ~~تقدم بيانه شامل لما في النكاح وملك اليمين، فتفريع قوله: فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن عليه يكون من تفريع الجزء على الكل أو تفريع بعض ~~الأقسام الجزئية على المقسم الكلي. # وهذا النوع من التفريع كثير الورود في كلامه تعالى كقوله عز من قائل: ~~أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية: "البقرة: 184" وقوله: ~~فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية: "البقرة: 196" وقوله لا إكراه ~~في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله الآية: ~~"البقرة: 256" إلى غير ذلك. # والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك فإن الآية مدنية ~~نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها، وهذا النكاح أعني نكاح ~~المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك - ~~وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك - سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم ~~يكن فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي ومسمع منه لا شك فيه، وكان اسمه هذا ~~الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ فلا مناص من كون قوله: "فما استمتعتم به ~~منهن" محمولا عليه مفهوما منه هذا المعنى كما أن سائر السنن والعادات ~~والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت ~~آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من تلك الأسماء بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي لم ~~يكن ms1418 بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن ~~تحمل على معانيها اللغوية الأصلية. # وذلك كالحج والبيع والربا والربح والغنيمة وسائر ما هو من هذا القبيل فلم ~~يمكن لأحد أن يدعي أن المراد بحج البيت قصده، وهكذا، وكذلك ما أتى به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من الموضوعات الشرعية ثم شاع الاستعمال حتى عرفت ~~بأساميها الشرعية كالصلاة والصوم والزكاة وحج التمتع وغير ذلك لا مجال بعد ~~تحقق التسمية لحمل ألفاظها الواقعة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية ~~الأصلية بعد تحقق الحقيقة الشرعية أو المتشرعية فيها. # فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه ~~بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب ~~أو سنة أو لم نقل فإنما هو أمر آخر. PageV04P078 # وجملة الأمر أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة، وهو المنقول عن القدماء ~~من مفسري الصحابة والتابعين كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة ~~ومجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم، وهو مذهب أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام). # ومنه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية أن المراد بالاستمتاع هو ~~النكاح فإن إيجاد علقة النكاح طلب للتمتع منها هذا، وربما ذكر بعضهم أن ~~السين والتاء في استمتعتم للتأكيد، والمعنى: تمتعتم. # وذلك لأن تداول نكاح المتعة بهذا الاسم ومعروفيته بينهم لا يدع مجالا ~~لخطور هذا المعنى اللغوي بذهن المستمعين. # على أن هذا المعنى على تقدير صحته وانطباق معنى الطلب على المورد أو كون ~~استمتعتم بمعنى تمتعتم، لا يلائم الجزاء المترتب عليه أعني قوله: "فآتوهن ~~أجورهن"، فإن المهر يجب بمجرد العقد، ولا يتوقف على نفس التمتع ولا على طلب ~~التمتع الصادق على الخطبة وإجراء العقد والملاعبة والمباشرة وغير ذلك، بل ~~يجب نصفه بالعقد ونصفه الآخر بالدخول. # على أن الآيات النازلة قبل هذه الآية قد استوفت بيان وجوب إيتاء المهر ~~على جميع تقاديره، فلا وجه لتكرار بيان الوجوب، وذلك كقوله تعالى: وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة الآية: "النساء ms1419 4"، وقوله تعالى: وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، الآيتان: "النساء: ~~20"، وقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره - إلى أن قال -: وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الآيتان: ~~"البقرة: 237". # وما احتمله بعضهم أن الآية أعني قوله: "فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة" مسوقة للتأكيد يرد عليه أن سياق ما نقل من الآيات وخاصة سياق ~~ذيل قوله: "وإن أردتم استبدال" الآيتين أشد وآكد لحنا من هذه الآية فلا وجه ~~لكون هذه مؤكدة لتلك. # وأما النسخ فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية المؤمنون: والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون: "المؤمنون: 7"، وقيل منسوخة بآية العدة: يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن: "الطلاق: 1"، والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية: "البقرة: 228"، حيث إن انفصال الزوجين ~~إنما هو بطلاق وعدة وليسا في نكاح المتعة، وقيل: منسوخة بآيات الميراث: ~~ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآية: "النساء: 12"، حيث لا إرث في نكاح المتعة، ~~وقيل منسوخة بآية التحريم: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم" الآية، فإنها في ~~النكاح، وقيل: منسوخة بآية العدد: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع الآية: "النساء: 3"، وقيل: منسوخة بالسنة نسخها رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عام خيبر، وقيل: عام الفتح، وقيل: في حجة الوداع، وقيل: ~~أبيحت متعة النساء ثم حرمت مرتين أو ثلاثا، وآخر ما وقع واستقر عليه من ~~الحكم الحرمة. # أما النسخ بآية المؤمنون، ففيه أنها لا تصلح للنسخ، فإنها مكية وآية ~~المتعة مدنية، ولا تصلح المكية لنسخ المدنية، على أن عدم كون المتعة نكاحا ~~والمتمتع بها زوجة ممنوع، وناهيك في ذلك ما وقع في الأخبار النبوية، وفي ~~كلمات السلف من الصحابة والتابعين من تسميتها نكاحا، والإشكال عليه بلزوم ~~التوارث والطلاق وغير ذلك سيأتي الجواب ms1420 عنه. # وأما النسخ بسائر الآيات كآية الميراث وآية الطلاق وآية العدد ففيه أن ~~النسبة بينها وبين آية المتعة ليست نسبة الناسخ والمنسوخ، بل نسبة العام ~~والمخصص أو المطلق والمقيد، فإن آية الميراث مثلا تعم الأزواج جميعا من كل ~~دائم ومنقطع والسنة تخصصها بإخراج بعض أفرادها، وهو المنقطع من تحت عمومها، ~~وكذلك القول في آية الطلاق وآية العدد، وهو ظاهر، ولعل القول بالنسخ ناش من ~~عدم التمييز بين النسبتين. # نعم ذهب بعض الأصوليين فيما إذا ورد خاص ثم عقبه عام يخالفه في الإثبات ~~والنفي إلى أن العام ناسخ للخاص. PageV04P079 # لكن هذا مع ضعفه على ما بين في محله غير منطبق على مورد الكلام، وذلك لوقوع ~~آيات الطلاق وهي العام في سورة البقرة، وهي أول سورة مدنية نزلت قبل سورة ~~النساء المشتملة على آية المتعة، وكذلك آية العدد واقعة في سورة النساء ~~متقدمة على آية المتعة، وكذلك آية الميراث واقعة قبل آية المتعة في سياق ~~واحد متصل في سورة واحدة فالخاص أعني آية المتعة متأخر عن العام على أي حال. # وأما النسخ بآية العدة فبطلانه أوضح فإن حكم العدة جار في المنقطعة ~~كالدائمة وإن اختلفتا مدة فيئول إلى التخصيص أيضا دون النسخ. # وأما النسخ بآية التحريم فهو من أعجب ما قيل في هذا المقام أما أولا فلأن ~~مجموع الكلام الدال على التحريم والدال على حكم نكاح المتعة كلام واحد ~~مسرود متسق الأجزاء متصل الأبعاض فكيف يمكن تصور تقدم ما يدل على المتعة ثم ~~نسخ ما في صدر الكلام لذيله؟، وأما ثانيا فلأن الآية غير صريحة ولا ظاهرة ~~في النهي عن الزوجية غير الدائمة بوجه من الوجوه، وإنما هي في مقام بيان ~~أصناف النساء المحرمة على الرجال ثم بيان جواز نيل غيرها بنكاح أو بملك ~~يمين، ونكاح المتعة نكاح على ما تقدم، فلا نسبة بين الأمرين بالمباينة حتى ~~يئول إلى النسخ. # نعم ربما قيل: إن قوله تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين" حيث قيد حلية النساء بالمهر ms1421 وبالإحصان من غير سفاح، ~~ولا إحصان في النكاح المنقطع - ولذلك لا يرجم الرجل المتمتع إذا زنا لعدم ~~كونه محصنا - يدفع كون المتعة مراده بالآية. # لكن يرد عليه ما تقدم أن المراد بالإحصان في قوله "محصنين غير مسافحين" ~~هو إحصان العفة دون إحصان التزوج لكون الكلام بعينه شاملا لملك اليمين ~~كشموله النكاح، ولو سلم أن المراد بالإحصان هو إحصان التزوج عاد الأمر إلى ~~تخصيص الرجم في زنا المحصن بزنا المتمتع المحصن بحسب السنة دون الكتاب فإن ~~حكم الرجم غير مذكور في الكتاب من أصله. # وأما النسخ بالسنة ففيه - مضافا إلى بطلان هذا القسم من النسخ من أصله ~~لكونه مخالفا للأخبار المتواترة الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب وطرح ما ~~خالفه، والرجوع إلى الكتاب - ما سيأتي في البحث الروائي. # قوله تعالى: "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات "، الطول ~~الغنى والزيادة في القدرة، وكلا المعنيين يلائمان الآية، والمراد بالمحصنات ~~الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات، وهذا بعينه يشهد على أن ليس المراد بها ~~العفائف، وإلا لم تقابل بالفتيات بل بها وبغير العفائف، وليس المراد بها ~~ذوات الأزواج إذ لا يقع عليها العقد ولا المسلمات وإلا لاستغنى عن التقييد ~~بالمؤمنات. # والمراد بقوله "فمما ملكت أيمانكم" ما ملكته أيمان المؤمنين غير من يريد ~~الازدواج وإلا فتزوج الإنسان بملك يمين نفسه باطل غير مشروع، وقد نسب ملك ~~اليمين إلى المؤمنين وفيهم المريد للتزوج بعد الجميع واحدا غير مختلف ~~لاتحادهم في الدين، واتحاد مصالحهم ومنافعهم كأنهم شخص واحد. # وفي تقييد المحصنات وكذا الفتيات بالمؤمنات إشارة إلى عدم جواز تزوج غير ~~المؤمنات من كتابية ومشركة، ولهذا الكلام تتمة ستمر بك إن شاء الله العزيز ~~في أوائل سورة المائدة. # ومحصل معنى الآية أن من لم يقدر منكم على أن ينكح الحرائر المؤمنات لعدم ~~قدرته على تحمل أثقال المهر والنفقة فله أن ينكح من الفتيات المؤمنات من ~~غير أن يتحرج من فقدان القدرة على الحرائر، ويعرض نفسه على خطرات الفحشاء ~~ومعترض الشقاء. # فالمراد بهذا النكاح هو النكاح الدائم، والآية في ms1422 سياق التنزل أي إن لم ~~يمكنكم كذا فيمكنكم كذا، وإنما قصر الكلام في صورة التنزل على بعض أفراد ~~المنزل عنه أعني على النكاح الدائم الذي هو بعض أفراد النكاح الجائز لكون ~~النكاح الدائم هو المتعارف المتعين بالطبع في نظر الإنسان المريد تأسيس ~~البيت وإيجاد النسل وتخليف الولد، ونكاح المتعة تسهيل ديني خفف الله به عن ~~عباده لمصلحة سد طريق الفحشاء، وقطع منابت الفساد. PageV04P080 # وسوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن وخاصة في ~~مقام تشريع الأحكام والقوانين كثير شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر: ~~"البقرة: 185"، مع أن العذر لا ينحصر في المرض والسفر، وقوله تعالى: وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا: "النساء: 43"، والأعذار وقيود الكلام كما ~~ترى مبنية على الغالب المعروف، إلى غير ذلك من الآيات. # هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم، ولا يوجب ذلك من حيث ~~اشتماله على معنى التنزل والتوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم، ~~وكون قوله: فما استمتعتم به منهن، غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما ~~توهمه بعضهم، لأن هذا التنزل والتوسعة واقع بطرفيه المنزل عنه والمنزل إليه ~~في نفس هذه الآية أعني قوله: فمن لم يستطع منكم طولا "إلخ". # على أن الآية بلفظها لا تأبى عن الحمل على مطلق النكاح الشامل للدائم ~~والمنقطع كما سيتضح بالكلام على بقية فقراتها. # قوله تعالى: "والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض" لما كان الإيمان المأخوذ ~~في متعلق الحكم أمرا قلبيا لا سبيل إلى العلم بحقيقته بحسب الأسباب، وربما ~~أوهم تعليقا بالمتعذر أو المتعسر، وأوجب تحرج المكلفين منه، بين تعالى أنه ~~هو العالم بإيمان عباده المؤمنين وهو كناية عن أنهم إنما كلفوا الجري على ~~الأسباب الظاهرية الدالة على الإيمان كالشهادتين والدخول في جماعة المسلمين ~~والإتيان بالوظائف العامة الدينية، فظاهر الإيمان هو الملاك دون باطنه. ms1423 # وفي هداية هؤلاء المكلفين غير المستطيعين إلى الازدواج بالإماء نقص وقصور ~~آخر في الوقوع موقع التأثير والقبول، وهو أن عامة الناس يرون لطبقة ~~المملوكين من العبيد والإماء هوانا في الأمر وخسة في الشأن ونوع ذلة ~~وانكسار فيوجب ذلك انقباضهم وجماح نفوسهم من الاختلاط بهم والمعاشرة معهم ~~وخاصة بالازدواج الذي هو اشتراك حيوي وامتزاج باللحم والدم. # فأشار سبحانه بقوله: "بعضكم من بعض" إلى حقيقة صريحة يندفع بالتأمل فيها ~~هذا التوهم الفاسد فالرقيق إنسان كما أن الحر إنسان لا يتميزان في ما به ~~يصير الإنسان واجدا لشئون الإنسانية، وإنما يفترقان بسلسلة من أحكام موضوعة ~~يستقيم بها المجتمع الإنساني في إنتاجه سعادة الناس، ولا عبرة بهذه ~~التميزات عند الله، والذي به العبرة هو التقوى الذي به الكرامة عند الله، ~~فلا ينبغي للمؤمنين أن ينفعلوا عن أمثال هذه الخطرات الوهمية التي تبعدهم ~~عن حقائق المعارف المتضمنة سعادتهم وفلاحهم، فإن الخروج عن مستوى الطريق ~~المستقيم، وإن كان حقيرا في بادي أمره لكنه لا يزال يبعد الإنسان من صراط ~~الهداية حتى يورده أودية الهلكة. # ومن هنا يظهر أن الترتيب الواقع في صدر الآية في صورة الاشتراط والتنزل، ~~أعني قوله: "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت ~~أيمانكم"، إنما هو جرى في الكلام على مجرى الطبع والعادة، وليس إلزاما ~~للمؤمنين على الترتيب بمعنى أن يتوقف جواز نكاح الأمة على فقدان الاستطاعة ~~على نكاح الحرة بل لكون الناس بحسب طباعهم سالكين هذا المسلك خاطبهم أن لو ~~لم يقدروا على نكاح الحرائر فلهم أن يقدموا على نكاح الفتيات من غير ~~انقباض، ونبه مع ذلك على أن الحر والرق من نوع واحد بعض أفراده يرجع إلى بعض. # ومن هنا يظهر أيضا فساد ما ذكره بعضهم في قوله تعالى في ذيل الآية: "وأن ~~تصبروا خير لكم" أن المعنى وصبركم عن نكاح الإماء مع العفة خير لكم من ~~نكاحهن لما فيه من الذل والمهانة والابتذال، هذا، فإن قوله: "بعضكم من بعض" ~~ينافي ذلك قطعا. # قوله تعالى: "فانكحوهن بإذن ms1424 أهلهن" إلى قوله: "أخدان" المراد بالمحصنات ~~العفائف فإن ذوات البعولة لا يقع عليهن نكاح، والمراد بالمسافحات ما يقابل ~~متخذات الأخدان، الأخدان جمع خدن بكسر الخاء وهو الصديق، يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث والمفرد والجمع، وإنما أتى به بصيغة الجمع للدلالة على الكثرة نصا، ~~فمن يأخذ صديقا للفحشاء لا يقنع بالواحد والاثنين فيه لأن النفس لا تقف على ~~حد إذا أطيعت فيما تهواه. PageV04P081 # وبالنظر إلى هذه المقابلة قال من قال: إن المراد بالسفاح الزنا جهرا ~~وباتخاذ الخدن الزنا سرا، وقد كان اتخاذ الخدن متداولا عند العرب حتى عند ~~الأحرار والحرائر لا يعاب به مع ذمهم زنا العلن لغير الإماء. # فقوله "فانكحوهن بإذن أهلهن" إرشاد إلى نكاح الفتيات مشروطا بأن يكون ~~بإذن مواليهن فإن زمام أمرهن إنما هو بيد الموالي لا غير، وإنما عبر عنهم ~~بقوله "أهلهن" جريا على ما يقتضيه قوله قبل: "بعضكم من بعض" فالفتاة واحدة ~~من أهل بيت مولاها ومولاها أهلها. # والمراد بإتيانهن أجورهن بالمعروف توفيتهن مهور نكاحهن وإتيان الأجور ~~إياهن إعطاؤها مواليهن، وقد أرشد إلى الإعطاء بالمعروف عن غير بخس ومماطلة ~~وإيذاء. # قوله تعالى: "فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب" قرىء أحصن بضم الهمزة بالبناء للمفعول وبفتح الهمزة بالبناء ~~للفاعل، وهو الأرجح. # الإحصان في الآية إن كان هو إحصان الازدواج كان أخذه في الشرط المجرد كون ~~مورد الكلام في ما تقدم ازدواجهن، وذلك أن الأمة تعذب نصف عذاب الحرة إذا ~~زنت سواء كانت محصنة بالازدواج أو لا من غير أن يؤثر الإحصان فيها شيئا زائدا. # وأما إذا كان إحصان الإسلام كما قيل - ويؤيده قراءة فتح الهمزة - تم ~~المعنى من غير مئونة زائدة، وكان عليهن إذا زنين نصف عذاب الحرائر سواء كن ~~ذوات بعولة أو لا. # والمراد بالعذاب هو الجلد دون الرجم لأن الرجم لا يقبل الانتصاف وهو ~~الشاهد على أن المراد بالمحصنات الحرائر غير ذوات الأزواج المذكورة في صدر الآية. # واللام للعهد فمعنى الآية بالجملة أن الفتيات المؤمنات إذا أتين بفاحشة ~~وهو الزنا ms1425 فعليهن نصف حد المحصنات غير ذوات الأزواج، وهو جلد خمسين سوطا. # ومن الممكن أن يكون المراد بالإحصان إحصان العفة، وتقريره أن الجواري ~~يومئذ لم يكن لهن الاشتغال بكل ما تهواه أنفسهن من الأعمال بما لهن من ~~اتباع أوامر مواليهن وخاصة في الفاحشة والفجور وكانت الفاحشة فيهن - لو ~~اتفقت - بأمر من مواليهن في سبيل الاستغلال بهن والاستدرار من عرضهن كما ~~يشعر به النهي الوارد في قوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا: "النور: 33" فالتماسهن الفجور واشتغالهن بالفحشاء باتخاذها ~~عادة ومكسبا كان فيما كان بأمر مواليهن من دون أن يسع لهن الاستنكاف ~~والتمرد، وإذا لم يكرههن الموالي على الفجور فالمؤمنات منهن على ظاهر تقوى ~~الإسلام، وعفة الإيمان، وحينئذ إن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب، وهو قوله تعالى: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة "إلخ". # ومن هنا يظهر أن لا مفهوم لهذه الشرطية على هذا المعنى وذلك أنهن إذا لم ~~يحصن ولم يعففن كن مكرهات من قبل مواليهن مؤتمرات لأمرهم كما لا مفهوم ~~لقوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا: "النور: - 33" ~~حيث إنهن إن لم يردن التحصن لم يكن موضوع لإكراههن من قبل الموالي لرضاهن ~~بذلك فافهم. # قوله تعالى: "ذلك لمن خشي العنت منكم" العنت الجهد والشدة والهلاك، وكان ~~المراد به الزنا الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقة الشبق وجهد شهوة ~~النكاح وفيه هلاك الإنسان. # والإشارة على ما قيل: إلى نكاح الجواري المذكور في الآية، وعليه فمعنى ~~قوله "وأن تصبروا خير لكم" أن تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم. # ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء أو وجوب مطلق النكاح لو ~~استفيد شيء منهما من سابق سياق الآية والله أعلم. # وكيف كان فكون الصبر خيرا إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء إنما هو ~~لما فيه من حقوق مواليهن وفي أولادهن على ما فصل في الفقه، وإن كان المراد ~~الصبر عن الزنا إنما هو لما في الصبر ms1426 من تهذيب النفس وتهيئة ملكة التقوى ~~فيها بترك اتباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه، والله غفور رحيم ~~يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء عن نفوس المتقين من عباده ويرحمهم برحمته. PageV04P082 # قوله تعالى: "يريد الله ليبين لكم" إلى آخر الآية، بيان وإشارة إلى غاية ~~تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث والمصالح التي تترتب عليها إذا ~~عمل بها فقوله: يريد الله ليبين لكم أي أحكام دينه مما فيه صلاح دنياكم ~~وعقباكم، وما في ذلك من المعارف والحكم وعلى هذا فمعمول قوله: يبين محذوف ~~للدلالة على فخامة أمره وعظم شأنه، ويمكن أن يكون قوله: يبين لكم، وقوله: ~~ويهديكم متنازعين في قوله، سنن الذين. # قوله تعالى: "ويهديكم سنن الذين من قبلكم" أي طرق حياة السابقين من ~~الأنبياء والأمم الصالحة، الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله، ~~الحائزين به سعادة الدنيا والآخرة، والمراد بسننهم على هذا المعنى سننهم في ~~الجملة لا سننهم بتفاصيلها وجميع خصوصياتها فلا يرد عليه أن من أحكامهم ما ~~تنسخه هذه الآيات بعينها كازدواج الإخوة بالأخوات في سنة آدم، والجمع بين ~~الأختين: في سنة يعقوب (عليه السلام)، وقد جمع (عليه السلام) بين الأختين ~~ليا أم يهودا وراحيل أم يوسف على ما في بعض الأخبار، هذا. # وهنا معنى آخر قيل به، وهو أن المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء ~~كانوا على الحق أو على الباطل، يعني أنا بينا لكم جميع السنن السابقة من حق ~~وباطل لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها وتدعوا الباطل. # وهذا معنى لا بأس به غير أن الهداية في القرآن غير مستعملة في هذا ~~المعنى، وإنما استعمل فيما استعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق ~~كقوله: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء: "القصص: 56" وقوله: ~~إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا: "الإنسان: 3" والأوفق بمذاق ~~القرآن أن يعبر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين والقصص ونحو ذلك. # نعم لو جعل قوله يبين وقوله: ويهديكم متنازعين في قوله: "سنن الذين من ~~قبلكم" ms1427 وقوله: ويتوب عليكم أيضا راجعا إليه، وآل المعنى إلى أن الله يبين ~~لكم سنن الذين من قبلكم، ويهديكم إلى الحق منها، ويتوب عليكم فيما ابتليتم ~~به من باطلها كان له وجه فإن الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين ~~والحق والباطل منها، والتوبة على ما قد سلف من السنن الباطلة. # قوله تعالى: "ويتوب عليكم والله عليم حكيم" التوبة المذكورة هو رجوعه إلى ~~عبده بالنعمة والرحمة، وتشريع الشريعة، وبيان الحقيقة، والهداية إلى طريق ~~الاستقامة كل ذلك توبة منه سبحانه كما أن قبول توبة العبد ورفع آثار ~~المعصية توبة. # وتذييل الكلام بقوله: والله عليم حكيم ليكون راجعا إلى جميع فقرات الآية، ~~ولو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهرا أن يقال: والله ~~غفور رحيم. # قوله تعالى: "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين" إلخ، كان تكرار ذكر ~~توبته للمؤمنين للدلالة على أن قوله: "ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما" إنما يقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة ~~الأخيرة فقط، إذ لو ضم قوله: ويريد الذين "إلخ" إلى الآية السابقة من غير ~~تكرار قوله: والله يريد "إلخ" أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات ولغا ~~المعنى قطعا. # والمراد بالميل العظيم هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات بإتيان ~~المحارم، وإلغاء تأثير الأنساب والأسباب، واستباحة الزنا والمنع عن الأخذ ~~بما سنة الله من السنة القويمة. # قوله تعالى: "يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا" كون الإنسان ~~ضعيفا لما ركب الله فيه القوى الشهوية التي لا تزال تنازعه في ما تتعلق به ~~من المشتهيات، وتبعثه إلى غشيانها فمن الله عليهم بتشريع حلية ما تنكسر به ~~سورة شهوتهم بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج حيث قال: "وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم" وهو النكاح وملك اليمين فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم، وزادهم ~~تخفيفا منه لهم لتشريع نكاح المتعة إذ ليس معه كلفة النكاح وما يستتبعه من ~~أثقال الوظائف من صداق ونفقة وغير ذلك. # وربما قيل: إن المراد به إباحة نكاح ms1428 الإماء عند الضرورة تخفيفا. PageV04P083 # وفيه: أن نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولا به بينهم قبل الإسلام على ~~كراهة وذم، والذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفي هذه الكراهة ~~والنفرة ببيان أن الأمة كالحرة إنسان لا تفاوت بينهما، وأن الرقية لا توجب ~~سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة والمعاشرة. # وظاهر الآيات - بما لا ينكر - أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين من هذه ~~الأمة فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الأمة، والمراد به ما ~~ذكرناه. # وعلى هذا فتعليل التخفيف بقوله: "وخلق الإنسان ضعيفا" مع كونه وصفا ~~مشتركا بين جميع الأمم - هذه الأمة والذين من قبلهم - وكون التخفيف مخصوصا ~~بهذه الأمة إنما هو من قبيل ذكر المقتضي العام والسكوت عما يتم به في ~~تأثيره فكأنه قيل: إنا خففنا عنكم لكون الضعف العام في نوع الإنسان سببا ~~مقتضيا للتخفيف لو لا المانع لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعلية التخفيف ~~وانبساط الرحمة في سائر الأمم حتى وصلت النوبة إليكم فعمتكم الرحمة، وظهرت ~~فيكم آثاره فبرز حكم السبب المذكور وشرع فيكم حكم التخفيف وقد حرمت الأمم ~~السابقة من ذلك كما يدل عليه قوله: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا: "البقرة: 286"، وقوله: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج: "الحج: 78". # ومن هنا يظهر أن النكتة في هذا التعليل العام بيان ظهور تمام النعم ~~الإنسانية في هذه الأمة. ### |||| AUTO بحث روائي # عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من ~~النسب، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): الرضاع لحمة كلحمة النسب. # وفي الدر المنثور، أخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت: كان فيما أنزل ~~من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وهن فيما يقرأ من القرآن. # أقول: وروي فيه عنها ما يقرب منه بطرق أخرى، وهي من روايات التحريف ~~مطروحة بمخالفة الكتاب. # وفيه أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي ms1429 في ~~سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل ~~بالإبنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج ~~الابنة. # أقول: وهذا المعنى مروي من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ~~وهو مذهبهم وهو المستفاد من الكتاب كما مر في البيان المتقدم وقد روي من ~~طرق أهل السنة عن علي (عليه السلام): أن أم الزوجة لا بأس بنكاحها قبل ~~الدخول بالبنت، وأنها بمنزلة الربيبة، وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج ~~أمها لم يحرم عليه نكاحها، وهذه أمور يدفعها المروي عنهم (عليهم السلام) من ~~طرق الشيعة. # وفي الكافي، بإسناده عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه ~~السلام) فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوج ~~بأمها؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قد فعله رجل منا فلم ير به بأسا، ~~فقلت جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي (عليه السلام) في هذا في ~~المشيخة التي أفتاه ابن مسعود أنه لا بأس به بذلك. ثم أتى عليا (عليه ~~السلام) فسأله فقال له علي (عليه السلام): من أين يأخذها؟ فقال من قول الله ~~عز وجل: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، فقال علي (عليه السلام): إن هذه مستثناة ~~وهذه مرسلة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للرجل: أما تسمع ما يروي هذا ~~عن علي (عليه السلام)؟. فلما قمت ندمت وقلت: أي شيء صنعت؟ يقول: قد فعله ~~رجل منا ولم ير به بأسا، وأقول أنا: قضى علي (عليه السلام) فيها! فلقيته ~~بعد ذلك وقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلة مني فما ~~تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن عليا (عليه السلام) قضى فيها، وتسألني ~~ما تقول فيها؟. ms1430 PageV04P084 # أقول: وقصة قضائه (عليه السلام) في فتوى ابن مسعود على ما رواه في الدر ~~المنثور، عن سنن البيهقي وغيره: أن رجلا من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل ~~بها ثم رأى أمها فأعجبته فاستفتى ابن مسعود فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها ~~ففعل وولدت له أولادا، ثم أتى ابن مسعود المدينة فقيل له لا تصلح فلما رجع ~~إلى الكوفة قال للرجل: أنها عليك حرام ففارقها. # لكن لم ينسب القول فيه إلى علي (عليه السلام) بل ذكر: أنه سأل عنه أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي لفظ: أنه سأل عنه عمر وفي بعض ~~الروايات: فأخبر أنه ليس كما قال، وأن الشرط في الربائب. # وفي الإستبصار، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه: أن عليا (عليه ~~السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي دخلتم بهن في ~~الحجور وغير الحجور سواء، والأمهات مبهمات دخل بالبنات أم لم يدخل، فحرموا ~~وأبهموا ما أبهم الله. # أقول: وقد عزي إليه (عليه السلام) في بعض الروايات من طرق أهل السنة ~~اشتراط الحجور في حرمة الربائب لكن الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) تدفعه، وهو الموافق لما يستفاد من الآية كما تقدم. # والمبهمات من البهمة وهي كون الشيء ذا لون واحد لا يختلط به لون آخر ولا ~~يختلف في لونه سمي به من طبقات النساء المحرمة من كانت حرمة نكاحها مرسلة ~~غير مشروطة، وهي الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ ~~وبنات الأخت وما كان من الرضاعة، وأمهات النساء، وحلائل الأبناء. # وفيه، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل ~~تكون له الجارية فيصيب منها، أله أن ينكح ابنتها؟ قال: لا هي كما قال الله ~~تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم. # وفي تفسير العياشي، عن أبي عون قال سمعت أبا صالح الحنفي قال: قال علي ~~(عليه السلام) ذات يوم: سلوني، فقال ابن الكوا أخبرني عن بنت الأخت من ~~الرضاعة، وعن المملوكتين الأختين، فقال: إنك لذاهب في التيه ms1431 سل عما يعنيك ~~أو ينفعك، فقال ابن الكوا إنما نسألك عما لا نعلم وأما ما نعلم فلا نسألك ~~عنه، ثم قال: أما الأختان المملوكتان أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولا أحله ~~ولا أحرمه، ولا أفعله أنا ولا واحد من أهل بيتي. # وفي التهذيب، بإسناده عن معمر بن يحيى بن سالم قال: سألنا أبا جعفر (عليه ~~السلام) عما يروي الناس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أشياء لم يكن ~~يأمر بها ولا ينهى إلا نفسه وولده فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: قد أحلتها آية ~~وحرمتها آية أخرى، فقلنا: الأول أن يكون إحداهما نسخت الأخرى أم هما ~~محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده، قلنا: ما ~~منعه أن يبين ذلك للناس؟ قال: خشي أن لا يطاع، فلو أن أمير المؤمنين ثبتت ~~قدماه أقام كتاب الله كله والحق كله. # أقول: والرواية المنقولة عنه (عليه السلام) هي التي نقلت عنه (عليه ~~السلام) من طرق أهل السنة كما رواه في الدر المنثور، عن البيهقي وغيره عن ~~علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين، أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ~~ولا آمر ولا أنهى، ولا أحل ولا أحرم، ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي. # وروي فيه، أيضا عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلا سأله (عليه السلام) عن ذلك ~~فقال: لو كان إلي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. # وفي التهذيب، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إذا كانت عند الإنسان الأختان المملوكتان فنكح إحداهما ثم ~~بدا له في الثانية فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتى تخرج الأولى من ملكه ~~يهبها أو يبيعها، فإن وهبها لولده يجزيه. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه ~~السلام) عن قوله عز وجل: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال: هو ~~أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها ثم ~~يحبسها عنه حتى ms1432 تحيض ثم يمسها فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح. PageV04P085 # وفي تفسير العياشي، عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام): ~~في قول الله: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال: هن ذوات ~~الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم إن كنت زوجت أمتك غلامك نزعتها منه إذا شئت، ~~فقلت أرأيت إن زوج غير غلامه؟ قال ليس له أن ينزع حتى تباع، فإن باعها صار ~~بضعها في يد غيره فإن شاء المشتري فرق، وإن شاء أقر. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة عن ~~فيروز الديلمي: أنه أدركه الإسلام وتحته أختان، فقال له النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): طلق أيتهما شئت. # وفيه، أخرج ابن عبد البر في الإستذكار عن إياس بن عامر قال: سألت علي بن ~~أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني اتخذت إحداهما سرية وولدت لي ~~أولادا ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ قال: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى. ~~ثم قال: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من ~~الحرائر إلا العدد أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك ~~في كتاب الله من النسب: أقول: ورواه بطرق أخر غير هذا الطريق عنه. # وفي صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها. # أقول: وهذا المعنى مروي بغير الطريقين من طرق أهل السنة، لكن المروي من ~~طرق أئمة أهل البيت خلاف ذلك، والكتاب يساعده. # وفي الدر المنثور، أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ~~وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطحاوي وابن حيان والبيهقي في سننه عن أبي ~~سعيد الخدري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث يوم حنين جيشا ~~إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا ms1433 لهم سبايا فكأن ناسا ~~من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحرجوا من غشيانهن من أجل ~~أزواجهن من المشركين فأنزل الله في ذلك: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم" يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن: أقول: وروي ~~ذلك عن الطبراني عن ابن عباس. # وفيه، أخرج عبد بن حميد عن عكرمة: أن هذه الآية التي في سورة النساء: ~~"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" نزلت في امرأة يقال لها معاذة، ~~وكانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له: شجاع بن الحارث، وكان معها ضرة لها قد ~~ولدت لشجاع أولادا رجالا، وأن شجاعا انطلق يمير أهله من هجر، فمر بمعاذة ~~ابن عم لها فقالت له: احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير، ~~فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله وأفضل العرب، إني خرجت أبغيها الطعام ~~في رجب، فتولت وألطت بالذنب، وهي شر غالب لمن غلب، رأت غلاما واركا على ~~قتب، لها وله أرب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): علي علي، فإن ~~كان الرجل كشف بها ثوبا فارجموها، وإلا فردوا إلى الشيخ امرأته، فانطلق ~~مالك بن شجاع وابن ضرتها فطلبها فجاء بها، ونزلت بيتها. # أقول: وقد مر مرارا أن أمثال هذه الأسباب المروية للنزول وخاصة فيما كانت ~~متعلقة بأبعاض الآيات وأجزائها تطبيقات من الرواة وليست بأسباب حقيقية. # في الفقيه، سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: والمحصنات من ~~النساء قال: هن ذوات الأزواج، فقيل: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم، قال هن العفائف: أقول: ورواه العياشي أيضا عنه (عليه السلام). # وفي المجمع، في قوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أي من لم يجد منكم ~~غنى قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام): وفي الكافي، عن الصادق ~~(عليه السلام) قال: لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك ~~حيث قال الله عز ms1434 وجل: ومن لم يستطع منكم طولا، والطول المهر، ومهر الحرة ~~اليوم مهر الأمة أو أقل. # أقول: الغنى أحد مصاديق الطول كما تقدم، والرواية لا تدل على أزيد من ~~الكراهة. # وفي التهذيب، بإسناده عن أبي العباس البقباق قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): يتزوج الرجل الأمة بغير علم أهلها؟ قال: هو زنا، إن الله ~~تعالى يقول: فانكحوهن بإذن أهلهن. PageV04P086 # وفيه، بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (عليه السلام) ~~يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم إن الله عز وجل يقول: فانكحوهن بإذن أهلهن. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ~~سألته عن قول الله في الإماء "فإذا أحصن" ما إحصانهن؟ قال: يدخل بهن، قلت: ~~فإن لم يدخل بهن ما عليهن حد؟ قال: بلى. # وفيه، عن حريز قال: سألته عن المحصن فقال: الذي عنده ما يغنيه. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) في العبيد والإماء إذا زنا أحدهم أن يجلد ~~خمسين جلدة إن كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا، ولا يرجم ولا ينفى. # وفيه، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن عبد ~~مملوك قذف حرا قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق ~~الله عز وجل فإنه يضرب نصف الحد. قلت: الذي من حقوق الله عز وجل ما هو؟ ~~قال: إذا زنا أو شرب خمرا، فهذا من الحقوق التي يضرب عليها نصف الحد. # وفي التهذيب، بإسناده عن بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~الأمة تزني قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: المسافحات المعلنات ~~بالزنا المتخذات أخدان ذات الخليل الواحد، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ~~ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما ~~خفي فلا بأس بذلك، فأنزل ms1435 الله: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. # أقول: والروايات فيما تقدم من المعاني كثيرة اقتصرنا منها على أنموذج يسير. ### |||| AUTO بحث آخر روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ~~المتعة، فقال: نزلت في القرآن: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة - ~~ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. # وفيه، بإسناده عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~قال: إنما نزلت: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة: ~~أقول: وروى هذه القراءة العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام)، ورواها الجمهور ~~بطرق عديدة عن أبي بن كعب وعبد الله بن عباس كما سيأتي: ولعل المراد بأمثال ~~هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول اللفظي. # وفيه، بإسناده عن زرارة قال: جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر ~~(عليه السلام) فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلها الله في كتابه ~~وعلى لسان نبيه فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا ~~وقد حرمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل. فقال: إني أعيذك بالله من ذلك ~~أن تحل شيئا حرمه عمر. قال: فقال له: فأنت على قول صاحبك، وأنا على قول ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهلم ألاعنك أن القول ما قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن الباطل ما قال صاحبك، فأقبل عبد الله ~~بن عمير فقال: أيسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن؟ قال: فأعرض ~~عنه أبو جعفر (عليه السلام) حين ذكر نساءه وبنات عمه. # وفيه، بإسناده عن أبي مريم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المتعة ~~نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل ~~أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة. فقال: أي المتعتين تسأل؟ ms1436 قال: سألتك ~~عن متعة الحج فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ فقال: سبحان الله أما قرأت ~~كتاب الله عز وجل: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة فقال: والله ~~كأنها آية لم أقرأها قط. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال ~~جابر بن عبد الله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم غزوا معه ~~فأحل لهم المتعة ولم يحرمها، وكان علي يقول: لو لا ما سبقني به ابن الخطاب ~~يعني عمر ما زنى إلا شقي. وكان ابن عباس يقول: فما استمتعتم به منهن إلى ~~أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة، وهؤلاء يكفرون بها، ورسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أحلها ولم يحرمها. PageV04P087 # وفيه، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتعة قال: نزلت هذه ~~الآية: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة - ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة. قال: لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل ~~فيما بينكما، يقول: استحللتك بأجل آخر برضى منها. ولا تحل لغيرك حتى تنقضي ~~عدتها، وعدتها حيضتان. # وعن الشيباني، في قوله تعالى: "ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة": عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) أنهما قالا: هو أن ~~يزيدها في الأجرة، وتزيده في الأجل. # أقول: والروايات في المعاني السابقة مستفيضة أو متواترة عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام)، وإنما أوردنا طرفا منها، وعلى من يريد الاطلاع عليها ~~جميعا أن يراجع جوامع الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان متعة النساء ~~في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته، ولا يحفظ ~~متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه، ~~وتصلح له ضيعته، وكان يقرأ: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى" نسختها: ~~محصنين غير مسافحين، وكان الإحصان بيد الرجل يمسك متى شاء، ويطلق متى شاء. # وفي مستدرك الحاكم، بإسناده ms1437 عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عباس: فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، قال ابن عباس: فما استمتعتم به منهن ~~إلى أجل مسمى، فقلت: ما نقرؤها كذلك فقال ابن عباس: والله لأنزلها الله ~~كذلك: أقول: ورواه في الدر المنثور، عنه وعن عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~الأنباري في المصاحف. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: في قراءة ~~أبي بن كعب: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. # وفي صحيح الترمذي، عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في ~~أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما ~~يرى أنه يقيم فيحفظ له متاعه ويصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية: "إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" قال ابن عباس فكل فرج سوى هذين فهو حرام. # أقول: ولازم الخبر أنها نسخت بمكة لأن الآية مكية. # وفي مستدرك الحاكم، عن عبد الله بن أبي مليكة: سألت عائشة رضي الله عنها ~~عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال: وقرأت هذه الآية: ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم - أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين، فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق ~~عطاء عن ابن عباس: في قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة قال: ~~نسختها: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء واللائي يئسن من المحيض من نسائكم - إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر. # وفيه، أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس والبيهقي عن سعيد بن ~~المسيب قال: نسخت آية الميراث المتعة. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: المتعة ~~منسوخة نسخها الطلاق والصدقة والعدة والميراث. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي قال: نسخ رمضان كل صوم، ونسخت ~~الزكاة كل صدقة، ونسخ ms1438 المتعة الطلاق والعدة والميراث، ونسخت الضحية كل ذبيحة. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: أذن لنا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام فتح مكة في متعة النساء فخرجت أنا ورجل ~~من قومي، ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد، ~~إما بردي فخلق، وإما برد ابن عمي فبرد جديد غض حتى إذا كنا بأعلى مكة ~~تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: ~~وما تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها ~~صاحبي قال: إن برد هذا خلق، وبردي جديد غض فتقول: وبرد هذا لا بأس به، ثم ~~استمتعت منها، فلم نخرج حتى حرمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV04P088 # وفيه، أخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال رخص لنا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم ~~نهى عنها بعدها. # وفي شرح ابن العربي، لصحيح الترمذي، عن إسماعيل عن أبيه عن الزهري: أن ~~سبرة روى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عنها في حجة الوداع، خرجه ~~أبو داود قال: وقد رواه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة ~~عن أبيه: فذكر فيه: أنه كان في حجة الوداع بعد الإحلال، وأنه كان بأجل ~~معلوم، وقد قال الحسن: إنها في عمرة القضاء. # وفيه، عن الزهري: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع المتعة في غزوة تبوك. # أقول: والروايات كما ترى تختلف في تشخيص زمان نهيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بين قائلة أنه كان قبل الهجرة، وقائلة بأنه بعد الهجرة بنزول آيات ~~النكاح ms1439 والطلاق والعدة والميراث أو بنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عام خيبر أو زمن عمرة القضاء أو عام أوطاس أو عام الفتح أو عام تبوك أو بعد ~~حجة الوداع، ولذا حمل على تكرر النهي عنها مرات عديدة، وإن كلا من الروايات ~~تحدث عن مرة منها لكن جلالة بعض رواتها كعلي وجابر وابن مسعود مع ملازمتهم ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخبرتهم بالخطير واليسير من سيرته تأبى أن ~~يخفى عليهم نواهيه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي عن علي قال: نهى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن المتعة وإنما كانت لمن لم يجد فلما نزل النكاح والطلاق ~~والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. # وفيه، أخرج النحاس عن علي بن أبي طالب: أنه قال لابن عباس: إنك رجل تائه ~~إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن المتعة. # وفيه، أخرج البيهقي عن أبي ذر قال: إنما أحلت لأصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وفي صحيح البخاري، عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص ~~فيها فقال له مولى له: إنما كان ذلك وفي النساء قلة والحال شديد، فقال ابن ~~عباس نعم. # وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي عن عمر: أنه خطب فقال: ما بال رجال ~~ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها لا ~~أوتي بأحد نكحها إلا رجمته. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال: رأيت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قائما بين الركن والباب وهو يقول: يا أيها الناس إني ~~كنت أذنت لكم في الاستمتاع ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة فمن كان ~~عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: والله ما كانت المتعة إلا ثلاثة ~~أيام أذن لهم رسول الله ms1440 (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها، ما كانت قبل ذلك ~~ولا بعد. # وفي تفسير الطبري، عن مجاهد: فما استمتعتم به منهن قال: يعني نكاح ~~المتعة. # وفيه، عن السدي: في الآية قال: هذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى ~~أجل مسمى فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن ~~تستبرىء ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه. # وفي صحيحي البخاري ومسلم، ورواه في الدر المنثور، عن عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة عن ابن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وليس معنا نساؤنا، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتزوج ~~المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن نافع: أن ابن عمر سئل عن المتعة ~~فقال: حرام فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها، قال فهلا ترمرم بها في زمان عمر. PageV04P089 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن ~~جبير قال: قلت لابن عباس: ما ذا صنعت؟ ذهب الركاب بفتياك، وقالت فيه ~~الشعراء، قال: وما قالوا: قلت: قالوا: أقول للشيخ لما طال مجلسه. يا صاح هل ~~لك في فتيا ابن عباس؟. هل لك في رخصة الأطراف آنسة. تكون مثواك حتى مصدر ~~الناس؟. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا ~~أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير. # وفيه، أخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن ~~المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: هي ~~المتعة كما قال الله، قلت: هل لها من عدة؟ قال: عدتها حيضة، قلت: هل ~~يتوارثان قال: لا. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر، من طريق عطاء عن ابن عباس قال: يرحم ms1441 ~~الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولو لا نهيه ~~عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي، قال: وهي التي في سورة النساء: فما ~~استمتعتم به منهن إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا، قال: وليس بينهما ~~وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرقا فنعم وليس ~~بينهما نكاح، وأخبر: أنه سمع ابن عباس: أنه يراها الآن حلالا. # وفي تفسير الطبري، ورواه في الدر المنثور، عن عبد الرزاق وأبي داود في ~~ناسخه عن الحكم: أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال: لا، وقال علي: لو لا ~~أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي. # وفي صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر ~~والدقيق الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر حتى ~~نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث: أقول: ونقل عن جامع الأصول، لابن الأثير ~~وزاد المعاد لابن القيم وفتح الباري لابن حجر وكنز العمال،. # وفي الدر المنثور، أخرج مالك وعبد الرزاق عن عروة بن الزبير أن خولة بنت ~~حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة ~~فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فزعا، فقال: هذه المتعة، ولو كنت ~~تقدمت فيها لرجمت: أقول: ونقل عن الشافعي في كتاب الأم والبيهقي في السنن ~~الكبرى. # وعن كنز العمال، عن سليمان بن يسار عن أم عبد الله ابنة أبي خيثمة: أن ~~رجلا قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إن العزبة قد اشتدت علي فابغيني امرأة ~~أتمتع معها، قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولا، فمكث ~~معها ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب، فأرسل ~~إلي فسألني أحق ما حدثت؟ قلت: نعم قال: فإذا قدم فآذنيني، فلما قدم أخبرته ~~فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول الله (صلى ~~الله ms1442 عليه وآله وسلم) ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله ثم مع أبي بكر فلم ~~ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهيا، فقال عمر: أما ~~والذي نفسي بيده لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك، بينوا حتى يعرف النكاح من ~~السفاح. # وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، عن عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه ~~في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: استمتعنا على عهد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر، وفي لفظ أحمد: حتى إذا ~~كان في آخر خلافة عمر رضي الله عنه. # وعن سنن البيهقي، عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنه سئل عن متعة النساء ~~فقال: حرام أما إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أخذ فيها أحدا لرجمه ~~بالحجارة. # وعن مرآة الزمان، لابن الجوزي: كان عمر رضي الله عنه يقول: والله لا أوتي ~~برجل أباح المتعة إلا رجمته. # وفي بداية المجتهد، لابن رشد عن جابر بن عبد الله: تمتعنا على عهد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها ~~عمر الناس. # وفي الإصابة، أخرج ابن الكلبي: أن سلمة بن أمية بن خلف الجمحي استمتع من ~~سلمى مولاة حكيم بن أمية بن الأوقص الأسلمي فولدت له فجحد ولدها، فبلغ ذلك ~~عمر فنهى عن المتعة. PageV04P090 # وعن زاد المعاد، عن أيوب: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في ~~المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم ~~يفعلا، فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحدثونا عن أبي بكر وعمر. # أقول: وأم عروة أسماء بنت أبي بكر تمتع منها الزبير بن العوام فولدت له ~~عبد الله بن الزبير، وعروة. # وفي المحاضرات، للراغب: عير عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله ~~المتعة فقال له: سل أمك كيف سطعت ms1443 المجامر بينها وبين أبيك؟ فسألها فقالت: ~~ما ولدتك إلا في المتعة. # وفي صحيح مسلم، عن مسلم القري قال: سألت ابن عباس عن المتعة فرخص فيها، ~~وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله رخص ~~فيها فادخلوا عليها فاسألوها، قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء ~~فقالت: قد رخص رسول الله فيها. # أقول: وشاهد الحال المحكي يشهد أن السؤال عنها كان في متعة النساء وتفسره ~~الروايات الأخر أيضا. # وفي صحيح مسلم، عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت ~~فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما: ~~أقول: ورواه البيهقي في السنن، على ما نقل، وروي هذا المعنى في صحيح مسلم، ~~في مواضع ثلاث بألفاظ مختلفة، وفي بعضها قال جابر: فلما قام عمر قال: إن ~~الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله، ~~وانتهوا عن نكاح هذه النساء، لا أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته. # وروى هذا المعنى البيهقي في سننه وفي أحكام القرآن، للجصاص وفي كنز ~~العمال، وفي الدر المنثور، وفي تفسير الرازي، ومسند الطيالسي، وفي تفسير ~~القرطبي، عن عمر: أنه قال في خطبة: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة ~~النساء. # أقول: وخطبته هذه مما تسالم عليه أهل النقل، وأرسلوه إرسال المسلمات كما ~~عن تفسير الرازي، والبيان والتبيين، وزاد المعاد، وأحكام القرآن، والطبري، ~~وابن عساكر وغيرهم. # وعن المستبين، للطبري عن عمر: أنه قال: ثلاث كن على عهد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنا محرمهن ومعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء، ~~وحي على خير العمل في الأذان. # وفي تاريخ الطبري، عن عمران بن سوادة قال: صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان ~~وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: ms1444 حاجة، قال: فالحق، قال: ~~فلحقت فلما دخل أذن لي فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، فقال: ~~مرحبا بالناصح غدوا وعشيا، قلت، عابت أمتك أربعا، قال: فوضع رأس درته في ~~ذقنه، ووضع أسفلها في فخذه، ثم قال: هات، قلت: ذكروا أنك حرمت العمرة في ~~أشهر الحج ولم يفعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أبو بكر ~~رضي الله عنه، وهي حلال، قال: هي حلال؟ لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها ~~مجزية من حجهم فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجهم، وهو بهاء من بهاء الله، ~~وقد أصبت. قلت: وذكروا أنك حرمت متعة النساء، وقد كانت رخصة من الله، ~~نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث، قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة، ثم لم أعلم أحدا من المسلمين ~~عمل بها ولا عاد إليها فالآن من شاء نكح بقبضة، وفارق عن ثلاث بطلاق. وقد ~~أصبت. قال: قلت: وأعتقت الأمة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها، قال: ~~ألحقت حرمة بحرمة، وما أردت إلا الخير، وأستغفر الله، قلت: وتشكو منك نهر ~~الرعية، وعنف السياق، قال: فشرع الدرة ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: ~~أنا زميل محمد وكان زامله في غزوة قرقرة الكدر فوالله إني لأرتع فأشبع، ~~وأسقي فأروي، وأنهز اللفوث، وأزجر العروض، وأذب قدري، وأسوق خطوي، وأضم ~~العنود، وألحق القطوف، وأكثر الزجر، وأقل الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد ~~لو لا ذلك لأعذرت. قال: فبلغ ذلك معاوية فقال: كان والله عالما برعيتهم: ~~أقول: ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، عن ابن قتيبة. PageV04P091 # هذه عدة من الروايات الواردة في أمر متعة النساء، والناظر المتأمل الباحث ~~يرى ما فيها من التباين والتضارب، ولا يتحصل للباحث في مضامينها غير أن عمر ~~بن الخطاب أيام خلافته حرمها ونهى عنها لرأي رآه في قصص عمرو بن حريث، ~~وربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، وأما حديث النسخ بالكتاب أو السنة فقد ms1445 عرفت ~~عدم رجوعه إلى محصل، على أن بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلا ~~في أن عمر بن الخطاب هو الناهي عنها المجري للمنع، المقرر حرمة العمل وحد ~~الرجم لمن فعل - هذا أولا -. # وأنها كانت سنة معمولا بها في زمن النبي في الجملة بتجويز منه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إما إمضاء وإما تأسيسا، وقد عمل بها من أصحابه من لا ~~يتوهم في حقه السفاح كجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، والزبير بن ~~العوام، وأسماء بنت أبي بكر، وقد ولدت بها عبد الله بن الزبير - وهذا ثانيا -. # وإن في الصحابة والتابعين من كان يرى إباحتها كابن مسعود وجابر وعمرو بن ~~حريث وغيرهم، ومجاهد والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم - وهذا ثالثا -. # وهذا الاختلاف الفاحش بين الروايات هو المفضي للعلماء من الجمهور بعد ~~الخلاف فيها من حيث أصل الجواز والحرمة أولا، إلى الخلاف في نحو حرمتها ~~وكيفية منعها ثانيا وذهابهم فيها إلى أقوال مختلفة عجيبة ربما أنهي إلى ~~خمسة عشر قولا. # وإن للمسألة جهات من البحث لا يهمنا إلا الورود من بعضها، فهناك بحث ~~كلامي دائر بين الطائفتين: أهل السنة والشيعة، وبحث آخر فقهي فرعي ينظر ~~فيها إلى حكم المسألة من حيث الجواز والحرمة، وبحث آخر تفسيري من حيث النظر ~~في قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة الآية: هل مفاده ~~تشريع نكاح المتعة؟ وهل هو بعد الفراغ عن دلالته على ذلك منسوخ بشيء من ~~الآيات كآية المؤمنون أو آيات النكاح والتحريم والطلاق والعدة والميراث؟ ~~وهل هو منسوخ بسنة نبوية؟ وهل هو على تقدير تشريعه يشرع حكما ابتدائيا أو ~~حكما إمضائيا؟ إلى غير ذلك. # وهذا النحو الثالث من البحث هو الذي نعقبه في هذا الكتاب، وقد تقدم خلاصة ~~القول في ذلك فيما تقدم من البيان، ونزيده الآن توضيحا بإلفات النظر إلى ~~بعض ما قيل في المقام على دلالة الآية على نكاح المتعة وتسنينها، ذلك بما ~~ينافي ما مر في البيان المتقدم. # قال بعضهم بعد إصراره على أن ms1446 الآية إنما سيقت لبيان إيفاء المهر في ~~النكاح الدائم: وذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية نكاح المتعة، وهو نكاح ~~المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر مثلا، واستدلوا على ذلك بقراءة ~~شاذة رويت عن أبي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وبالأخبار والآثار ~~التي رويت في المتعة. # قال: فأما القراءة فهي شاذة لم تثبت قرآنا، وقد تقدم أن ما صحت فيه ~~الرواية من مثل هذا آحادا فالزيادة فيه من قبيل التفسير، وهو فهم لصاحبه، ~~وفهم الصحابي ليس حجة في الدين لا سيما إذا كان النظم والأسلوب يأباه كما ~~هنا، فإن المتمتع بالنكاح الموقت لا يقصد الإحصان دون المسافحة بل يكون ~~قصده الأول المسافحة، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقل ~~في زمن الزنا، فإنه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي توجر نفسها كل ~~طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل: كرة حذفت بصوالجة. # فتلقاها رجل رجل. # أقول: أما قوله: إنهم استدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود وغيره فكل مراجع ~~يراجع كلامهم يرى أنهم لم يستدلوا بها استدلالهم بحجة معتبرة قاطعة كيف وهم ~~لا يرون حجية القراءات الشاذة حتى الشواذ المنقولة عن أئمتهم، فكيف يمكن أن ~~يستدلوا بما لا يرونه حجة على من لا يراه حجة؟ فهل هذا إلا أضحوكة؟!. # بل إنما هو استدلال بقول من قرأ بها من الصحابة بما أنه قول منهم بكون ~~المراد بالآية ذلك، سواء كان ذلك منهم قراءة مصطلحة، أو تفسيرا دالا على ~~أنهم فهموا من لفظ الآية ذلك. # وذلك ينفعهم من جهتين: إحداهما: أن عدة من الصحابة قالوا بما قال به ~~هؤلاء المستدلون، وقد قال به - على ما نقل - جم غفير من صحابة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والتابعين، ويمكن المراجع في الحصول على صحة ذلك أن ~~يراجع مظانه. PageV04P092 # والثانية: أن الآية دالة على ذلك ويدل على ذلك قراءة هؤلاء من الصحابة كما ~~يدل ما ورد عنهم في نسخ الآية أيضا أنهم تسلموا دلالتها ms1447 على نكاح المتعة ~~حتى رأوا نسخها أو رووا نسخها، وهي روايات كثيرة تقدمت عدة منها، فالشيعة ~~يستفيدون من روايات النسخ كما يستفيدون من القراءة الشاذة المذكورة على حد ~~سواء من دون أن يقولوا بحجية القراءة الشاذة كما لا يلزمهم القول بوقوع ~~النسخ، وإنما يستفيدون من الجميع من جهة الدلالة على أن هؤلاء القراء ~~والرواة كانوا يرون دلالة الآية على نكاح المتعة. # وأما قوله: لا سيما إذا كان النظم والأسلوب يأباه كما هنا، فكلامه يعطي ~~أنه جعل المراد من المسافحة مجرد سفح الماء وصبه - أخذا بالأصل اللغوي ~~المشتق منه - ثم جعله أمرا منوطا بالقصد، ولزمه أن الازدواج الموقت بقصد ~~قضاء الشهوة وصب الماء سفاح لا نكاح، وقد غفل عن أن الأصل اللغوي في النكاح ~~أيضا هو الوقاع، ففي لسان العرب: قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب ~~الوطء ولازم ما سلكه أن يكون النكاح أيضا سفاحا، ويختل به المقابلة بين ~~النكاح والسفاح. # على أن لازم القول بأن قصد صب الماء يجعل الازدواج الموقت سفاحا أن يكون ~~النكاح الدائم بقصد قضاء الشهوة وصب الماء سفاحا، وهل يرضى رجل مسلم أن ~~يفتي بذلك؟ فإن قال: بين النكاح الدائم والمؤجل في ذلك فرق، فإن النكاح ~~الدائم موضوع بطبعه على قصد الإحصان بالازدواج وإيجاد النسل، وتشكيل البيت ~~بخلاف النكاح المؤجل. # فهذا منه مكابرة، فإن جميع ما يترتب على النكاح الدائم من الفوائد كصون ~~النفس عن الزنا، والتوقي عن اختلال الأنساب، وإيجاد النسل والولد، وتأسيس ~~البيت يمكن أن يترتب على النكاح المؤجل، ويختص بأن فيه نوع تسهيل وتخفيف ~~على هذه الأمة، يصون به نفسه من لا يقدر على النكاح الدائم لفقره أو لعدم ~~قدرته على نفقة الزوجة، أو لغربة، أو لعوامل مختلفة أخر تمنعه عن النكاح ~~الدائم. # وكذا كل ما يترتب على النكاح المؤجل - مما عده ملاكا للسفاح - كقصد صب ~~الماء وقضاء الشهوة فإنه جائز الترتب على النكاح الدائم، ودعوى أن النكاح ~~الدائم بالطبع موضوع للفوائد السابقة، ونكاح المتعة موضوع بالطبع لهذه ~~المضار اللاحقة - على أن ms1448 تكون مضارا - دعوى واضحة الفساد. # وإن قال: إن نكاح المتعة لما كان سفاحا كان زنا يقابل النكاح رد عليه: ~~بأن السفاح الذي فسره بصب الماء أعم من الزنا، وربما شمل النكاح الدائم ولا ~~سيما إذا كان بقصد صب الماء. # وأما قوله: فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه إلخ، فمن عجيب الكلام، ~~وليت شعري ما الفرق الفارق بين الرجل والمرأة في ذلك حتى يكون الرجل ~~المتمتع يمكنه أن يحصن نفسه بنكاح المتعة من الزنا، وتكون المرأة لا يصح ~~منها هذا القصد؟ وهل هذا إلا مجازفة. # وأما ما أنشده من الشعر في بحث حقيقي يتعرض لكشف حقيقة من الحقائق ~~الدينية التي تتفرع عليها آثار هامة حيوية دنيوية وأخروية لا يستهان بها - ~~سواء كان نكاح المتعة محرما أو مباحا -. # فما ذا ينفع الشعر وهو نسيج خيالي، الباطل أعرف عنده من الحق، والغواية ~~أمس به من الهداية. # وهلا أنشده في ذيل ما مر من الروايات، ولا سيما في ذيل قول عمر في رواية ~~الطبري المتقدم: "فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق". # وهل لهذا الطعن غرض يتوجه إليه إلا الله ورسوله في أصل تشريع هذا النوع ~~من النكاح تأسيسا أو إمضاء وقد كان دائرا بين المسلمين في أول الإسلام ~~بمرأى من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومسمع بلا شك؟. # فإن قال: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما أذن فيه لقيام الضرورة عليه ~~من شمول الفقر وإكباب الفاقة على عامة المسلمين، وعروض الغزوات كما يظهر من ~~بعض الروايات المتقدمة. # قلنا: مع فرض تداوله في أول الإسلام بين الناس وشهرته باسم نكاح المتعة ~~والاستمتاع لا مناص من الاعتراف بدلالة الآية على جوازه مع إطلاقها، وعدم ~~صلاحية شيء من الآيات والروايات على نسخها فالقول بارتفاع إباحته تأول في ~~دلالة الآية من غير دليل. PageV04P093 # سلمنا أن إباحته كانت بإذن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمصلحة ~~الضرورة لكنا نسأل أن هذه الضرورة هل كانت في زمن النبي (صلى الله عليه ~~وآله ms1449 وسلم) أشد وأعظم منها بعده، ولا سيما في زمن الراشدين، وقد كان يسير ~~جيوش المسلمين إلى مشارق الأرض ومغاربها بالألوف بعد الألوف من الغزاة؟ وأي ~~فرق بين أوائل خلافة عمر وأواخرها من حيث تحول هذه الضرورة من فقر وغزوة ~~واغتراب في الأرض وغير ذلك؟ وما هو الفرق بين الضرورة والضرورة؟. # وهل الضرورة المبيحة اليوم وفي جو الإسلام الحاضر أشد وأعظم أو في زمن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والنصف الأول من عهد الراشدين؟ وقد أظل ~~الفقر العام على بلاد المسلمين، وقد مصت حكومات الاستعمار والدول القاهرة ~~المستعلية والفراعنة من أولياء أمور المسلمين كل لبن في ضرعهم، وحصدوا ~~الرطب من زرعهم واليابس. # وقد ظهرت الشهوات في مظاهرها، وازينت بأحسن زينتها وأجملها، ودعت إلى ~~اقترافها بأبلغ دعوتها ولا يزال الأمر يشتد، والبلية تعم البلاد والنفوس، ~~وشاعت الفحشاء بين طبقات الشبان من المتعلمين والجنديين وعملة المعامل، وهم ~~الذين يكونون المعظم من سواد الإنسانية، ونفوس المعمورة. # ولا يشك شاك ولن يشك في أن الضرورة الموقعة لهم في فحشاء الزنا واللواط ~~وكل انخلاع شهواني عمدتها العجز من تهيئة نفقة البيت، والمشاغل الموقتة ~~المؤجلة المانعة من اتخاذ المنزل والنكاح الدائم بغربة أو خدمة أو دراسة ~~ونحو ذلك. # فما بال هذه الضرورات تبيح في صدر الإسلام - وهي أقل وأهون عند القياس - ~~نكاح المتعة لكنها لا تقوم للإباحة في غير ذلك العهد وقد أحاطت البلية ~~وعظمت الفتنة؟. # ثم قال: ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن بمعنى هذا كقوله عز وجل في صفة ~~المؤمنين: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون: "المؤمنون: 7" أي ~~المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم، وهذه الآيات لا تعارض الآية ~~التي نفسرها يعني قوله: فما استمتعتم به الآية، بل هي بمعناها فلا نسخ، ~~والمرأة المتمتع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها ~~بالمعروف، كما قال الله تعالى: وقد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم ms1450 لا يعطونها ~~أحكام الزوجة ولوازمها، فلا يعدونها من الأربع اللواتي يحل للرجل أن يجمع ~~بينها مع عدم الخوف من الجور بل يجوزون للرجل أن يتمتع بالكثير من النساء، ~~ولا يقولون برجم الزاني المتمتع إذ لا يعدونه محصنا، وذلك قطع منهم بأنه لا ~~يصدق عليه قوله تعالى في المستمتعين: "محصنين غير مسافحين" وهذا تناقض صريح منهم. # ونقل عنهم بعض المفسرين: أن المرأة المتمتع بها ليس لها إرث ولا نفقة ولا ~~طلاق ولا عدة، والحاصل أن القرآن بعيد من هذا القول، ولا دليل في هذه الآية ~~ولا شبه دليل عليه البتة. # أقول: أما قوله: ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن بمعنى هذا "إلخ"، محصله: ~~أن آيات المؤمنون: والذين هم لفروجهم حافظون الآيات تقصر الحل في الأزواج، ~~والمتمتع بها ليست زوجة، فالآيات مانعة من حلية المتعة، أولا ومانعة من ~~شمول قوله: فما استمتعتم به منهن الآية لها ثانيا. # فأما أن الآيات تحرم المتعة، فقد أغمض فيه عن كون الآيات مكية، والمتعة ~~كانت دائرة بعد الهجرة في الجملة، فهل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يبيح ما حرمه القرآن بإجازته المتعة؟ وقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حجة بنص القرآن فيعود ذلك إلى التناقض في نفس القرآن، أو أن إباحته ~~كانت ناسخة لآيات الحرمة: "والذين هم" الآيات، ثم منع عنها القرآن أو النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فحييت بذلك الآيات بعد موتها، واستحكمت بعد ~~نسخها؟ وهذا أمر لا يقول به، ولا قال به أحد من المسلمين، ولا يمكن أن يقال به. # وهذا في نفسه نعم الشاهد على أن المتمتع بها زوجة، وأن المتعة نكاح، وأن ~~هذه الآيات تدل على كون التمتع تزوجا، وإلا لزم أن تنتسخ بترخيص النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، فالآيات حجة على جواز التمتع دون حرمته. PageV04P094 # وبتقرير آخر: آيات المؤمنون والمعارج: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم الآيات، أقوى دلالة على حلية المتعة من سائر الآيات، فمن المتفق ~~عليه بينهم أن هذه الآيات محكمة غير ms1451 منسوخة وهي مكية، ومن الضروري بحسب ~~النقل أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رخص في المتعة، ولو لا كون ~~المتمتع بها زوجة كان الترخيص بالضرورة ناسخا للآيات وهي غير منسوخة، ~~فالتمتع زوجية مشرعة فإذا تمت دلالة الآيات على تشريعه فما يدعى من نهي ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها فاسد أيضا لمنافاته الآيات، ~~واستلزامه نسخها، وقد عرفت أنها غير منسوخة بالاتفاق. # وكيف كان فالمتمتع بها على خلاف ما ذكره زوجة والمتعة نكاح، وناهيك في ~~ذلك ما وقع فيما نقلناه من الروايات من تسميته في لسان الصحابة والتابعين ~~بنكاح المتعة حتى في لسان عمر بن الخطاب في الروايات المشتملة على نهيه ~~كرواية البيهقي عن عمر في خطبته، ورواية مسلم عن أبي نضرة، حتى ما وقع من ~~لفظه في رواية كنز العمال عن سليمان بن يسار: "بينوا حتى يعرف النكاح من ~~السفاح" فإن معناه أن المتعة نكاح لا يتبين من السفاح، وأنه يجب عليكم أن ~~تبينوه منه فأتوا بنكاح يبين ويتميز منه، والدليل على ذلك قوله: بينوا. # وبالجملة كون المتعة نكاحا وكون المتمتع بها زوجة في عرف القرآن ولسان ~~السلف من الصحابة ومن تلاهم من التابعين مما لا ينبغي الارتياب فيه، وإنما ~~تعين اللفظان النكاح والتزويج في النكاح الدائم بعد نهي عمر، وانتساخ العمل ~~به بين الناس فلم يبق مورد لصدق اللفظين إلا النكاح الدائم، فصار هو ~~المتبادر من اللفظ إلى الذهن كسائر الحقائق المتشرعة. # ومن هنا يظهر سقوط ما ذكره بعد ذلك فإن قوله: وقد نقل عن الشيعة أنفسهم ~~أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة ولوازمها "إلخ"، يسأل عنه فيه: ما هو المراد ~~بالزوجة؟ أما الزوجة في عرف القرآن فإنهم يعطونها أحكامها من غير استثناء، ~~وأما الزوجة في عرف المتشرعة - كما ذكر - المعروفة في الفقه فإنهم لا ~~يعطونها أحكامها ولا محذور. # وأما قوله: وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه أي على الزاني المتمتع قوله ~~تعالى: "محصنين غير مسافحين" وهذا تناقض صريح منهم، ففيه أنا ذكرنا في ذيل ~~الآية فيما ms1452 تقدم أن ظاهرها من جهة شمولها ملك اليمين أن المراد بالإحصان ~~إحصان التعفف دون الازدواج، ولو سلم أن المراد بالإحصان إحصان الازدواج ~~فالآية شاملة لنكاح المتعة، وأما عدم رجم الزاني المتمتع مع أن الرجم ليس ~~حكما قرآنيا فإنما هو لبيان أو لتخصيص من السنة كسائر أحكام الزوجية من ~~الميراث والنفقة والطلاق والعدد. # وتوضيح ذلك أن آيات الأحكام إن كانت مسوقة على الإهمال لكونها واردة مورد ~~أصل التشريع فما يطرأ عليها من القيود بيانات من غير تخصيص ولا تقييد، وإن ~~كانت عمومات أو إطلاقات كانت البيانات الواردة في السنة مخصصات أو مقيدات ~~من غير محذور التناقض والمرجع في ذلك علم أصول الفقه. # وهذه الآيات أعني آيات الإرث والطلاق والنفقة كسائر الآيات لا تخلو من ~~التخصيص والتقييد كالإرث والطلاق في المرتدة والطلاق عند ظهور العيوب ~~المجوزة لفسخ العقد والنفقة عند النشوز فلتخصص بالمتعة، فالبيانات المخرجة ~~للمتعة عن حكم الميراث والطلاق والنفقة مخصصات أو مقيدات، وتعين ألفاظ ~~التزويج والنكاح والإحصان ونحو ذلك في الدوام من جهة الحقيقة المتشرعة دون ~~الحقيقة الشرعية فلا محذور أصلا كما توهمه فإذا قال الفقيه مثلا: الزاني ~~المحصن يجب رجمه، ولا رجم في الزاني المتمتع لعدم إحصانه فإنما ذلك لكونه ~~يصطلح بالإحصان على دوام النكاح ذي الآثار الكذائية، ولا ينافي ذلك كون ~~الإحصان في عرف القرآن موجودا في الدائمة والمنقطعة معا، وله في كل منهما ~~آثار خاصة. # وأما نقله عن بعضهم أن الشيعة لا تقول في المتعة بالعدة ففرية بينة فهذه ~~جوامع الشيعة، وهذه كتبهم الفقهية مملوءة بأن عدة المتمتع بها حيضتان، وقد ~~تقدم بعض الروايات في ذلك بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # ثم قال: وأما الأحاديث والآثار المروية في ذلك فمجموعها يدل على أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرخص لأصحابه فيها في بعض الغزوات ثم نهاهم ~~عنها ثم رخص فيها مرة أو مرتين ثم نهاهم عنها نهيا مؤبدا. PageV04P095 # وأن الرخصة كانت للعلم بمشقة اجتناب الزنا مع البعد من نسائهم فكانت من ~~قبيل ms1453 ارتكاب أخف الضررين فإن الرجل إذا عقد على امرأة خلية نكاحا موقتا، ~~وأقام معها ذلك الزمن الذي عينه فذلك أهون من تصديه للزنا بأية امرأة يمكنه ~~أن يستميلها. # أقول: ما ذكره أن مجموع الروايات تدل على الترخيص في بعض الغزوات ثم ~~النهي ثم الترخيص فيها مرة أو مرتين ثم النهي المؤبد لا ينطبق على ما تقدم ~~من الروايات على ما فيها من التدافع والتطارد فعليك بالرجوع إليها وقد تقدم ~~أكثرها حتى ترى أن مجموعها يكذب ما ذكره من وجه الجمع حرفا حرفا. # ثم قال: ويرى أهل السنة أن الرخصة في المتعة مرة أو مرتين يقرب من ~~التدريج في منع الزنا منعا باتا كما وقع التدريج في تحريم الخمر، وكلتا ~~الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية، ولكن فشو الزنا كان في الإماء دون ~~الحرائر. # أقول: أما قوله: إن الرخصة في المتعة نوع من التدرج في منع الزنا فمحصله ~~أن المتعة كانت عندهم من أنواع الزنا، وقد كانت كسائر الزنا فاشية في ~~الجاهلية فتدرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنع عن الزنا بالرفق ~~ليقع موقع القبول من الناس فمنع عن غير المتعة من أقسامه، وأبقى زنا المتعة ~~فرخص فيه ثم منع ثم رخص حتى تمكن من المنع البات فمنعه منعا مؤبدا. # ولعمري أنه من فضيح اللعب بالتشريعات الدينية الطاهرة التي لم يرد الله ~~بها إلا تطهير هذه الأمة، وإتمام النعمة عليهم. # ففيه أولا: ما تقدم أن نسبة المنع ثم الترخيص ثم المنع ثم الترخيص في ~~المتعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع فرض دلالة آيات سورتي ~~المعارج والمؤمنون: "والذين هم لفروجهم حافظون" الآيات - وهي مكية - على ~~حرمة المتعة على ما أصر عليه هذا القائل ليس إلا نسبة نسخ الآيات إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالترخيص ثم نسخ هذا النسخ وأحكام الآيات ثم نسخ ~~الآيات ثم إحكامها وهكذا، وهل هذا إلا نسبة اللعب بكتاب الله إليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وثانيا: أن الآيات الناهية عن الزنا في ms1454 كتاب الله تعالى هي قوله في سورة ~~الإسراء: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا: "الإسراء: 32" وأي ~~لسان أصرح من هذا اللسان، والآية مكية واقعة بين آيات المناهي، وكذا قوله: ~~قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم - إلى أن قال: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن: "الأنعام: 151"، كلمة الفواحش جمع محلى باللام واقعة في سياق ~~النهي مفيدة لاستغراق النهي كل فاحشة وزنا، والآية مكية، وكذا قوله: قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن: - الأعراف: 33"، والآية أيضا ~~مكية، وكذا قوله: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون: - ~~المؤمنون: 7، المعارج: 31، والسورتان مكيتان، والآيات تحرم المتعة على قول ~~هذا القائل كما تحرم سائر أقسام الزنا. # فهذه جل الآيات الناهية عن الزنا المحرمة للفاحشة، وجميعها مكية صريحة في ~~التحريم فأين ما ذكره من التدرج في التحريم والمنع؟ أو أنه يقول - كما هو ~~اللازم الصريح لقوله بدلالة آيات المؤمنون على الحرمة -: إن الله سبحانه ~~حرمها تحريما باتا، ثم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدرج في المنع عملا ~~بالرخصة بعد الرخصة مداهنة لمصلحة الإيقاع موقع القبول، وقد شدد الله تعالى ~~على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الخلة بعينها، قال تعالى: وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ~~ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا: "الإسراء: 75". # وثالثا: أن هذا الترخيص المنسوب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة ~~بعد مرة إن كان ترخيصا من غير تشريع للحل، والفرض كون المتعة زنا وفاحشة ~~كان ذلك مخالفة صريحة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) لربه لو كان من عند ~~نفسه، وهو معصوم بعصمة الله تعالى، ولو كان من عند ربه كان ذلك أمرا منه ~~تعالى بالفحشاء، وقد رده تعالى بصريح قوله خطابا لنبيه: ms1455 قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء الآية: "الأعراف: 28". PageV04P096 # وإن كان ترخيصا مع تشريع للحل لم تكن زنا وفاحشة فإنها سنة مشروعة محدودة ~~بحدود محكمة لا تجامع الطبقات المحرمة كالنكاح الدائم ومعها فريضة المهر ~~كالنكاح الدائم، والعدة المانعة عن اختلاط المياه واختلال الأنساب، ومعها ~~ضرورة حاجة الناس إليها فما معنى كونها فاحشة وليست الفاحشة إلا العمل ~~المنكر الذي يستقبحه المجتمع لخلاعته من الحدود وإخلاله بالمصلحة العامة ~~ومنعه عن القيام بحاجة المجتمع الضرورية في حياتهم. # ورابعا: أن القول بكون التمتع من أنواع الزنا الدائرة في الجاهلية اختلاق ~~في التاريخ، واصطناع لا يرجع إلى مدرك تاريخي، إذ لا عين منه في كتب ~~التاريخ ولا أثر بل هو سنة مبتكرة إسلامية وتسهيل من الله تعالى على هذه ~~الأمة لإقامة أودهم، ووقايتهم من انتشار الزنا وسائر الفواحش بينهم لو أنهم ~~كانوا وفقوا لإقامة هذه السنة وإذا لم تكن الحكومات الإسلامية تغمض في أمر ~~الزنا وسائر الفواحش هذا الإغماض الذي ألحقها تدريجا بالسنن القانونية، ~~وامتلأت بها الدنيا فسادا ووبالا. # وأما قوله: "وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية، ولكن فشو الزنا ~~كان في الإماء دون الحرائر" ظاهرة أن مراده بالفاحشتين الزنا وشرب الخمر، ~~وهو كذلك إلا أن كون الزنا فاشيا في الإماء دون الحرائر مما لا أصل له يركن ~~إليه فإن الشواهد التاريخية المختلفة المتفرقة تؤيد خلاف ذلك كالأشعار التي ~~قيلت في ذلك، وقد تقدم في رواية ابن عباس أن أهل الجاهلية لم تكن ترى ~~بالزنا بأسا إذا لم يكن علينا. # ويدل عليه أيضا مسألة الادعاء والتبني الدائر في الجاهلية فإن الادعاء لم ~~يكن بينهم مجرد تسمية ونسبة بل كان ذلك أمرا دائرا بينهم يبتغي به أقوياؤهم ~~تكثير العدة والقوة بالإلحاق، ويستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ~~ذوات الأزواج منهن، وأما الإماء فهم ولا سيما أقوياؤهم يعيبون الاختلاط ~~بهن، والمعاشقة والمغازلة معهن، وإنما كانت شأن الإماء في ذلك أن مواليهن ~~يقيمونهن ذلك المقام اكتسابا واسترباحا. # ومن الدليل على ما ذكرناه ما ورد من قصص الإلحاق ms1456 في السير والآثار كقصة ~~إلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان، وما شهد به شاهد ~~الأمر عند ذلك، وغيرها من القصص المنقولة. # نعم ربما يستشهد على عدم فشو الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند البيعة: وهل الحرة تزني؟ لكن الرجوع ~~إلى ديوان حسان، والتأمل فيما هجا به هندا بعد وقعتى بدر وأحد يرفع اللبس ~~ويكشف ما هو حقيقة الأمر. # ثم قال بعد كلام له في تنقيح معنى الأحاديث، ورفعه التدافع الواقع بينها ~~على زعمه: والعمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه: أولها: ما علمت من ~~منافاتها لظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدة إن لم نقل لنصوصه، ~~وثانيها: الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة - إلى أن ~~قال -: وثالثها: نهي عمر عنها وإشارته بتحريمها على المنبر، وإقرار الصحابة ~~له على ذلك وقد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر، وأنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ. # ثم اختار أن تحريمه لها لم يكن عن اجتهاد منه، وإنما كان استنادا إلى ~~التحريم الثابت بنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما يسند إليه ~~التحريم من جهة أنه مبين للحرمة أو منفذ لها كما يقال: حرم الشافعي النبيذ ~~وأحله أبو حنيفة. # أقول: أما الوجه الأول والثاني فقد عرفت آنفا وفي البيان المتقدم حقيقة ~~القول فيهما بما لا مزيد عليه، وأما الوجه الثالث فتحريم عمر لها سواء كان ~~ذلك باجتهاد منه أو باستناده إلى تحريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كما يدعيه هذا القائل، وسواء كان سكوت الصحابة عنه هيبة له وخوفا من ~~تهديده، أو إقرارا له في تحريمه كما ذكره، أو لعدم وقوعه موقع قبول الناس ~~منهم كما يدل عليه الروايات عن علي وجابر وابن مسعود وابن عباس فتحريمه ~~وحلفه على رجم مستحلها وفاعلها لا يؤثر في دلالة الآية عليها، وعدم انثلام ~~هذه الحلية بكتاب أو سنة فدلالة الآيات وأحكامها مما لا غبار عليه. PageV04P097 # وقد أغرب بعض الكتاب حيث ذكر ms1457 أن المتعة سنة جاهلية لم تدخل في الإسلام قط ~~حتى يحتاج إلى إخراجها منه وفي نسخها إلى كتاب أو سنة وما كان يعرفها ~~المسلمون ولا وقعت إلا في كتب الشيعة. # أقول: وهذا الكلام المبني على الصفح عما يدل عليه الكتاب والحديث ~~والإجماع والتاريخ يتم به تحول الأقوال في هذه المسألة تحولها العجيب فقد ~~كانت سنة قائمة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم نهي عنها في عهد ~~عمر ونفذ النهي عند عامة الناس، ووجه النهي بانتساخ آية الاستمتاع بآيات ~~أخرى أو بنهي النبي عنها وخالف في ذلك عدة من الأصحاب وجم غفير ممن تبعهم ~~من فقهاء الحجاز واليمن وغيرهم حتى مثل ابن جريح من أئمة الحديث "وكان ~~يبالغ في التمتع حتى تمتع بسبعين امرأة" ومثل مالك أحد أئمة الفقه الأربعة، ~~هذا، ثم أعرض المتأخرون من أهل التفسير عن دلالة آية الاستمتاع على المتعة، ~~وراموا تفسيرها بالنكاح الدائم، وذكروا أن المتعة كانت سنة من النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ثم نسخت بالحديث، ثم راموا في هذه الأواخر أنها كانت ~~من أنواع الزنا في الجاهلية رخص فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رخصة ~~بعد رخصة ثم نهى عنها نهيا مؤبدا إلى يوم القيامة، ثم ذكر هذا القائل ~~الأخير: أنها زنا جاهلي محض لا خبر عنها في الإسلام قط إلا ما وقع في كتب ~~الشيعة، والله أعلم بما يصير إليه حال المسألة في مستقبل الزمان. ### |||| AUTO بحث علمي # رابطة النسب - وهي الرابطة التي تربط الفرد من الإنسان بالفرد الآخر من ~~جهة الولادة وجامع الرحم - هي في الأصل رابطة طبيعية تكوينية تكون الشعوب ~~والقبائل، وتحمل الخصال المنبعثة عن الدم فتسريها حسب تسرية الدم، وهي ~~المبدأ للآداب والرسوم والسنن القومية بما تختلط وتمتزج بسائر الأسباب ~~والعلل المؤثرة. # وللمجتمعات الإنسانية المترقية وغير المترقية نوع اعتناء بها في السنن ~~والقوانين الاجتماعية في الجملة: في نكاح وإرث وغير ذلك، وهم مع ذلك لا ~~يزالون يتصرفون في هذه الرابطة النسبية توسعة وتضييقا بحسب المصالح ~~المنبعثة ms1458 عن خصوصيات مجتمعهم كما سمعت في المباحث السابقة أن غالب الأمم ~~السالفة كانوا لا يرون للمرأة قرابة رسما وكانوا يرون قرابة الدعي وبنوته، ~~وكما أن الإسلام ينفي القرابة بين الكافر المحارب والمسلم، ويلحق الولد ~~للفراش وغير ذلك. # ولما اعتبر الإسلام للنساء القرابة بما أعطاهن من الشركة التامة في ~~الأموال، والحرية التامة في الإرادة والعمل على ما سمعت في المباحث ~~السابقة، وصار بذلك الابن والبنت في درجة واحدة من القرابة والرحم الرسمي، ~~وكذلك الأب والأم، والأخ والأخت، والجد والجدة، والعم والعمة، والخال ~~والخالة، صار عمود النسب الرسمي متنزلا من ناحية البنات كما كان يتنزل من ~~ناحية البنين، فصار ابن البنت ابنا للإنسان كبنوة ابن الابن وهكذا ما نزل، ~~وكذا صار بنت الابن وبنت البنت بنتين للإنسان على حد سواء، وعلى ذلك جرت ~~الأحكام في المناكح والمواريث، وقد عرفت فيما تقدم أن آية التحريم "حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم" الآية دالة على ذلك. # وقد قصر السلف من باحثينا في هذه المسألة وأشباهها وهي مسألة اجتماعية ~~وحقوقية فحسبوها مسألة لغوية يستراح فيها إلى قضاء اللغة، فاشتد النزاع ~~بينهم فيما وضع له لفظ الابن مثلا، فمن معمم ومن مخصص، وكل ذلك من الخطإ. # وقد ذكر بعضهم: أن الذي تعرفه اللغة من البنوة ما يجري من ناحية الابن، ~~وأما ابن البنت وكل ما يجري من ناحيتها فللحوق هؤلاء بآبائهم لا بجدهم ~~الأمي لا يعدهم العرب أبناء للإنسان، وأما قول رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) للحسنين: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا وغير ذلك فهذا الإطلاق ~~إطلاق تشريفي، وأنشد في ذلك قول القائل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا. # بنوهن أبناء الرجال الأباعد. # ونظيره قول الآخر: وإنما أمهات الناس أوعية. # مستودعات وللأنساب آباء. PageV04P098 # أقول: وقد اختلط عليه طريق البحث فحسبه بحثا لغويا زعم فيه أن العرب لو ~~وضعت لفظ الابن لما يشمل ابن البنت تغيرت بذلك نتيجة البحث، وهو غفلة عن أن ~~الآثار والأحكام المترتبة في المجتمعات المختلفة البشرية على الأبوة ~~والبنوة ونحوهما لا تتبع اللغات، وإنما ms1459 تتبع نوع بنية المجتمع والسنن ~~الدائرة فيها، وربما تغيرت هذه الأحكام والآثار بتغيير السنة الاجتماعية في ~~المجتمع مع بقاء اللغة على حالها، وهذا يكشف عن كون البحث اجتماعيا أو ~~عائدا إليه لا لفظيا لغويا. # وأما ما أنشد من الشعر فليس يسوى الشعر في سوق الحقائق شيئا - وليس إلا ~~زخرفة خيالية وتزويقا وهميا - حتى يستدل بكل ما تقوله شاعر لاغ ولا سيما ~~فيما يداخله القرآن الذي هو قول فصل وليس بالهزل. # وأما مسألة لحوق الأبناء بآبائهم دون الأجداد من جانب الأمهات فهي على ~~أنها ليست مسألة لفظية لغوية ليست من فروع النسب حتى يستلزم لحوق الابن ~~والبنت بالأب انقطاع نسبهما من جهة الأم، بل من فروع قيمومة الرجل على ~~البيت من حيث الإنفاق، وتربية الأولاد ونحوها. # وبالجملة فالأم تنقل رابطة النسب إلى أولادها من ذكور أو إناث كما ينقلها ~~الأب، ومن آثاره البارزة في الإسلام الميراث وحرمة النكاح، نعم هناك أحكام ~~ومسائل أخر لها ملاكات خاصة كلحوق الولد والنفقة ومسألة سهم أولي القربى من ~~السادات وكل تتبع ملاكها الخاص بها. ### |||| AUTO بحث علمي آخر # النكاح والازدواج من السنن الاجتماعية التي لم تزل دائرة في المجتمعات ~~الإنسانية أي مجتمع كان على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم، ~~وهو في نفسه دليل على كونه سنة فطرية. # على أن من أقوى الدليل على ذلك كون الذكر والأنثى مجهزين بحسب البنية ~~الجسمانية بوسائل التناسل والتوالد كما ذكرناه مرارا، والطائفتان الذكر ~~والأنثى في ابتغاء ذلك شرع سواء وإن زيدت الأنثى بجهاز الإرضاع والعواطف ~~الفطرية الملائمة لتربية الأولاد. # ثم إن هناك غرائز إنسانية تنعطف إلى محبة الأولاد، وتقبل قضاء الطبيعة ~~بكون الإنسان باقيا ببقاء نسله، وتذعن بكون المرأة سكنا للرجل وبالعكس، ~~وتحترم أصل الوراثة بعد احترامها لأصل الملك والاختصاص، وتحترم لزوم تأسيس البيت. # والمجتمعات التي تحترم هذه الأصول والأحكام الفطرية في الجملة لا مناص ~~لها من الإذعان بسنة النكاح على نحو الاختصاص بوجه بمعنى أن لا يختلط ~~الرجال والنساء على نحو يبطل الأنساب وإن ms1460 فرض التحفظ عن فساد الصحة العامة ~~وقوة التوالد الذي يوجبه شيوع الزنا والفحشاء. # هذه أصول معتبرة عند جميع الأمم الجارية على سنة النكاح في الجملة سواء ~~خصوا الواحد بالواحد، أو جوزوا الكثير من النساء للواحد من الرجال أو ~~بالعكس أو الكثير منهم للكثير منهن على اختلاف هذه السنن بين الأمم فإنهم ~~مع ذلك يعتبرون النكاح بخاصته التي هي نوع ملازمة ومصاحبة بين الزوجين. # فالفحشاء والسفاح الذي يقطع النسل ويفسد الأنساب أول ما تبغضه الفطرة ~~الإنسانية القاضية بالنكاح، ولا تزال ترى لهذه المباغضة آثارا بين الأمم ~~المختلفة والمجتمعات المتنوعة حتى الأمم التي تعيش على الحرية التامة في ~~الرجال والنساء في المواصلات والمخالطات الشهوية فإنهم متوحشون من هذه ~~الخلاعات المسترسلة، وتراهم يعيشون بقوانين تحفظ لهم أحكام الأنساب بوجه. # والإنسان مع إذعانه بسنة النكاح لا يتقيد فيه بحسب الطبع، ولا يحرم على ~~نفسه ذا قرابة أو أجنبيا، ولا يجتنب الذكر من الإنسان أما ولا أختا ولا ~~بنتا ولا غيرهن، ولا الأنثى منه أبا ولا أخا ولا ابنا بحسب الداعية الشهوية ~~فالتاريخ والنقل يثبت نكاح الأمهات والأخوات والبنات وغيرهن في الأمم ~~العظيمة الراقية والمنحطة، والأخبار تحقق الزنا الفاشي في الملل المتمدنة ~~اليوم بين الإخوة والأخوات، والآباء والبنات وغيرهن فطاغية الشهوة لا يقوم ~~لها شيء، وما كان بين هذه الأمم من اجتناب نكاح الأمهات والأخوات والبنات ~~وما يلحق بهن فإنما هو سنة موروثة ربما انتهت إلى بعض الآداب والرسوم ~~القومية. PageV04P099 # وإنك إذا قايست القوانين المشرعة في الإسلام لتنظيم أمر الازدواج بسائر ~~القوانين والسنن الدائرة في الدنيا وتأملت فيها منصفا وجدتها أدق وأضمن ~~لجميع شئون الاحتياط في حفظ الأنساب وسائر المصالح الإنسانية الفطرية، ~~وجميع ما شرعه من الأحكام في أمر النكاح وما يلحق به يرجع إلى حفظ الأنساب ~~وسد سبيل الزنا. # فالذي روعي فيه مصلحة حفظ الأنساب من غير واسطة هو تحريم نكاح المحصنات ~~من النساء، وبذلك يتم إلغاء ازدواج المرأة بأكثر من زوج واحد في زمان واحد ~~فإن فيه فساد الأنساب كما أنه هو الملاك ms1461 في وضع عدة الطلاق بتربص المرأة ~~بنفسها ثلاثة قروء تحرزا من اختلاط المياه. # وأما سائر أصناف النساء المحرم نكاحها وهي أربعة عشر صنفا المعدودة في ~~آيات التحريم فإن الملاك في تحريم نكاحهن سد باب الزنا فإن الإنسان - وهو ~~في المجتمع المنزلي - أكثر ما يعاشر ويختلط ويسترسل ويديم في المصاحبة إنما ~~هو مع هذه الأصناف الأربعة عشر، ودوام المصاحبة ومساس الاسترسال يوجب كمال ~~توجه النفس وركوز الفكر فيهن بما يهدي إلى تنبه الميول والعواطف الحيوانية ~~وهيجان دواعي الشهوة، وبعثها الإنسان إلى ما يستلذه طبعه، وتتوق له نفسه، ~~ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه. # فكان من الواجب أن لا يقتصر على مجرد تحريم الزنا في هذه الموارد فإن ~~دوام المصاحبة، وتكرر هجوم الوساوس النفسانية وورود الهم بعد الهم لا يدع ~~للإنسان مجال التحفظ على نهي واحد من الزنا. # بل كان يجب أن تحرم هؤلاء تحريما مؤبدا، وتقع عليه التربية الدينية حتى ~~يستقر في القلوب اليأس التام من بلوغهن والنيل منهن، ويميت ذلك تعلق الشهوة ~~بهن ويقطع منبتها ويقلعها من أصلها، وهذا هو الذي نرى من كثير من المسلمين ~~حتى في المتوغلين في الفحشاء المسترسلين في المنكرات منهم أنهم لا يخطر ~~ببالهم الفحشاء بالمحارم، وهتك ستر الأمهات والبنات، ولو لا ذلك لم يكد ~~يخلو بيت من البيوت من فاحشة الزنا ونحوه. # وهذا كما أن الإسلام سد باب الزنا في غير المحارم بإيجاب الحجاب، والمنع ~~عن اختلاط الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ولو لا ذلك لم ينجح النهي عن ~~الزنا في الحجز بين الإنسان وبين هذا الفعال الشنيع فهناك أحد أمرين: إما ~~أن يمنع الاختلاط كما في طائفة، وإما أن يستقر اليأس من النيل بالمرة بحرمة ~~مؤبدة يتربى عليها الإنسان حتى يستوي على هذه العقيدة، لا يبصر مثاله فيما ~~يبصر، ولا يسمعه فيما يسمع فلا يخطر بباله أبدا. # وتصديق ذلك ما نجده من حال الأمم الغربية فإن هؤلاء معاشر النصارى كانت ~~ترى حرمة الزنا، وتعد تعدد الزوجات في تلو الزنا أباحت اختلاط النساء ms1462 ~~بالرجال فلم تلبث حتى فشا الفحشاء فيها فشوا لا يكاد يوجد في الألف منهم ~~واحد يسلم من هذا الداء، ولا في ألف من رجالهم واحد يستيقن بكون من ينتسب ~~إليه من أولاده من صلبه، ثم لم يمكث هذا الداء حتى سرى إلى الرجال مع ~~محارمهم من الأخوات والبنات والأمهات، ثم إلى ما بين الرجال والغلمان ثم ~~الشبان أنفسهم ثم... وثم... آل الأمر إلى أن صارت هذه الطائفة التي ما ~~خلقها الله سبحانه إلا سكنا للبشر، ونعمة يقيم بها صلب الإنسانية، ويطيب ~~بها عيشة النوع مصيدة يصطاد بها في كل شأن سياسي واقتصادي واجتماعي ووسيلة ~~للنيل إلى كل غرض يفسد حياة المجتمع والفرد، وعادت الحياة الإنسانية أمنية ~~تخيلية، ولعبا ولهوا بتمام معنى الكلمة، وقد اتسع الخرق على الراتق. # هذا هو الذي بنى عليه الإسلام مسألة تحريم المحرمات من المبهمات وغيرها ~~في باب النكاح إلا المحصنات من النساء على ما عرفت. # وتأثير هذا الحكم في المنع عن فشو الزنا وتسربه في المجتمع المنزلي ~~كتأثير حكم الحجاب في المنع عن ظهور الزنا وسريان الفساد في المجتمع المدني ~~على ما عرفت. PageV04P100 # وقد تقدم أن قوله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم الآية، لا تخلو عن ~~إشارة إلى هذه الحكمة، ويمكن أن تكون الإشارة إليه بقوله تعالى في آخر آيات ~~التحريم: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا: "النساء: 28" فإن ~~تحريم هذه الأصناف الأربعة عشر من الله سبحانه تحريما باتا يرفع عن كاهل ~~الإنسان ثقل الصبر على هواهن والميل إليهن والنيل منهن على إمكان من الأمر، ~~وقد خلق الإنسان ضعيفا في قبال الميول النفسانية، والدواعي الشهوانية، وقد ~~قال تعالى: إن كيدكن عظيم: "يوسف: 28" فإن من أمر الصبر أن يعيش الإنسان مع ~~واحدة أو أكثر من النساء الأجنبيات، ويصاحبهن في الخلوة والجلوة، ويتصل بهن ~~ليلا ونهارا ويمتلىء سمعه وبصره من لطيف إشاراتهن وحلو حركاتهن حينا بعد ~~حين ثم يصبر على ما يوسوسه نفسه في أمرهن ولا يجيبها في ما تتوق إليه، ~~والحاجة إحدى الحاجتين الغذاء والنكاح، ms1463 وما سواهما فضل يعود إليهما، وكأنه ~~هو الذي أشار إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "من تزوج أحرز نصف ~~دينه فليتق الله في النصف الآخر". PageV04P101 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 29 - 30 # يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة عن ~~تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك ~~عدونا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) ### |||| AUTO بيان # في الآية شبه اتصال بما سبقتها حيث إنها تتضمن النهي عن أكل المال ~~بالباطل وكانت الآيات السابقة متضمنة للنهي عن أكل مهور النساء بالعضل ~~والتعدي ففي الآية انتقال من الخصوص إلى العموم. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم" إلى قوله: "منكم" ~~الأكل معروف وهو إنفاد ما يمكن أن يتغذى به بالتقامه وبلعه مثلا، ولما فيه ~~من معنى التسلط والإنفاد يقال: أكلت النار الحطب شبه فيه إعدام النار الحطب ~~بإحراقه بإنفاد الأكل الغذاء بالتناول والبلع، ويقال أيضا: أكل فلان المال ~~أي تصرف فيه بالتسلط عليه، وذلك بعناية أن العمدة في تصرف الإنسان في ~~الأشياء هو التغذي بها لأنه أشد ما يحتاج إليه الإنسان في بقائه وأمسه منه، ~~ولذلك سمي التصرف أكلا لكن لا كل تصرف بل التصرف عن تسلط يقطع تسلط الغير ~~على المال بالتملك ونحوه كأنه ينفده ببسط سلطته عليه والتصرف فيه كما ينفد ~~الأكل الغذاء بالأكل. # والباطل من الأفعال ما لا يشتمل على غرض صحيح عقلائي، والتجارة هي التصرف ~~في رأس المال طلبا للربح على ما ذكره الراغب في مفرداته قال: وليس في ~~كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ انتهى، فتنطبق على المعاملة بالبيع ~~والشرى. # وفي تقييد قوله: "لا تأكلوا أموالكم" بقوله: "بينكم" الدال على نوع تجمع ~~منهم على المال ووقوعه في وسطهم إشعار أو دلالة بكون الأكل المنهي عنه بنحو ~~إدارته فيما بينهم ونقله من واحد إلى آخر بالتعاور والتداول، فتفيد الجملة ~~أعني قوله: لا تأكلوا أموالكم بينكم، بعد تقييدها بقوله: بالباطل النهي عن ms1464 ~~المعاملات الناقلة التي لا تسوق المجتمع إلى سعادته ونجاحه بل تضرها وتجرها ~~إلى الفساد والهلاك، وهي المعاملات الباطلة في نظر الدين كالربا والقمار ~~والبيوع الغررية كالبيع بالحصاة والنواة وما أشبه ذلك. # وعلى هذا فالاستثناء الواقع في قوله: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ~~استثناء منقطع جيء به لدفع الدخل فإنه لما نهى عن أكل المال بالباطل - ونوع ~~المعاملات الدائرة في المجتمع الفاسد التي يتحقق بها النقل والانتقال ~~المالي كالربويات والغرريات والقمار وأضرابها باطلة بنظر الشرع - كان من ~~الجائز أن يتوهم أن ذلك يوجب انهدام أركان المجتمع وتلاشي أجزائها وفيه ~~هلاك الناس فأجيب عن ذلك بذكر نوع معاملة في وسعها أن تنظم شتات المجتمع، ~~وتقيم صلبه، وتحفظه على استقامته، وهي التجارة عن تراض ومعاملة صحيحة رافعة ~~لحاجة المجتمع، وذلك نظير قوله تعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى ~~الله بقلب سليم: "الشعراء: 89" فإنه لما نفي النفع عن المال والبنين يوم ~~القيامة أمكن أن يتوهم أن لا نجاح يومئذ ولا فلاح فإن معظم ما ينتفع به ~~الإنسان إنما هو المال والبنون فإذا سقطا عن التأثير لم يبق إلا اليأس ~~والخيبة فأجيب أن هناك أمرا آخر نافعا كل النفع وإن لم يكن من جنس المال ~~والبنين وهو القلب السليم. # وهذا الذي ذكرناه من انقطاع الاستثناء هو الأوفق بسياق الآية وكون قوله: ~~بالباطل قيدا أصليا في الكلام نظير قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس الآية: ~~"البقرة: 188" وعلى هذا لا تخصص الآية بسائر المعاملات الصحيحة والأمور ~~المشروعة غير التجارة مما يوجب التملك ويبيح التصرف في المال كالهبة والصلح ~~والجعالة وكالأمهار والإرث ونحوها. PageV04P102 # وربما يقال: إن الاستثناء متصل وقوله: بالباطل قيد توضيحي جيء به لبيان حال ~~المستثنى منه بعد خروج المستثنى وتعلق النهي، والتقدير: لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فإنكم إن أكلتموها من غير طريق ~~التجارة كان أكلا بالباطل منهيا عنه كقولك: لا تضرب اليتيم ظلما ms1465 إلا ~~تأديبا، وهذا النحو من الاستعمال وإن كان جائزا معروفا عند أهل اللسان إلا ~~أنك قد عرفت أن الأوفق لسياق الآية هو انقطاع الاستثناء. # وربما قيل: إن المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله، ~~وبالتجارة صرفه فيما يرضاه. # وربما قيل: إن الآية كانت تنهى عن مطلق أكل مال الغير بغير عوض، وأنه كان ~~الرجل منهم يتحرج عن أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية حتى ~~نسخ ذلك بقوله في سورة النور: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم - إلى ~~قوله - أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا: "النور: 61" وقد عرفت أن الآية بمعزل عن ~~الدلالة على أمثال هذه المعاني. # ومن غريب التفسير ما رام به بعضهم توجيه اتصال الاستثناء مع أخذ قوله: ~~بالباطل قيدا احترازيا فقال ما حاصله: أن المراد بالباطل أكل المال بغير ~~عوض يعادله فالجملة المستثنى منها تدل على تحريم أخذ المال من الغير ~~بالباطل ومن غير عوض ثم استثنى من ذلك التجارة مع كون غالب مصاديقها غير ~~خالية عن الباطل فإن تقدير العوض بالقسطاس المستقيم بحيث يعادل المعوض عنه ~~في القيمة حقيقة متعسر جدا لو لم يكن متعذرا. # فالمراد بالاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر، وما ~~يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من ~~غير غش ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرا إلى غير ذلك من الأسباب. # وكل ذلك من باطل التجارة أباحته الشريعة مسامحة وتسهيلا لأهلها، ولو لم ~~يجز ذلك في الدين بالاستثناء لما رغب أحد من أهله في التجارة واختل نظام ~~المجتمع الديني. # انتهى ملخصا. # وفساده ظاهر مما قدمناه فإن الباطل على ما يعرفه أهل اللغة ما لا يترتب ~~عليه أثره المطلوب منه، وأثر البيع والتجارة تبدل المالين وتغير محل ~~الملكين لرفع حاجة كل واحد من البيعين إلى مال الآخر بأن يحصل كل منهما على ~~ما يرغب فيه وينال إربه بالمعادلة، وذلك كما يحصل بالتعادل في القيمتين ~~كذلك يحصل ms1466 بمقابلة القليل الكثير إذا انضم إلى القليل شيء من رغبة الطالب ~~أو رهبته أو مصلحة أخرى يعادل بانضمامها الكثير، والكاشف عن جميع ذلك وقوع ~~الرضا من الطرفين، ومع وقوع التراضي لا تعد المبادلة باطلة البتة. # على أن المستأنس بأسلوب القرآن الكريم في بياناته لا يرتاب في أن من ~~المحال أن يعد القرآن أمرا من الأمور باطلا ثم يأمر به ويهدي إليه وقد قال ~~تعالى في وصفه: يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم: - الأحقاف: 30، وكيف يهدي ~~إلى الحق ما يهدي إلى الباطل؟. # على أن لازم هذا التوجيه أن يهتدي الإنسان اهتداء حقا فطريا إلى حاجته ~~إلى المبادلة في الأموال ثم يهتدي اهتداء حقا فطريا إلى المبادلة بالموازنة ~~ثم لا يكون ما يهتدي إليه وافيا لرفع حاجته حقا حتى ينضم إليه شيء من ~~الباطل وكيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى أمر لا يكفي في رفع حاجتها، ولا يفي ~~إلا ببعض شأنها؟ وكيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى باطل وهل الفارق بين الحق ~~والباطل في الأعمال إلا اهتداء الفطرة وعدم اهتدائها؟ فلا مفر لمن يجعل ~~الاستثناء متصلا من أن يجعل قوله: بالباطل قيدا توضيحيا. # وأعجب من هذا التوجيه ما نقل عن بعضهم أن النكتة في هذا الاستثناء ~~المنقطع هي الإشارة إلى أن جميع ما في الدنيا من التجارة وما في معناها من ~~قبيل الباطل لأنه لا ثبات له ولا بقاء فينبغي أن لا يشتغل به العاقل عن ~~الاستعداد للدار الآخرة التي هي خير وأبقى انتهى. PageV04P103 # وهو خطأ فإنه على تقدير صحته نكتة للاستثناء المتصل لا الاستثناء المنقطع، ~~على أن هذه المعنويات من الحقائق إنما يصح أن يذكر لمثل قوله تعالى: "وما ~~هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان: - العنكبوت: ~~64" وقوله تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق: - النحل: 96، وقوله ~~تعالى: قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة: - الجمعة: 11، وأما ما ~~نحن فيه فجريان هذه النكتة توجب تشريع الباطل، ويجل القرآن عن الترخيص في ~~الباطل بأي وجه ms1467 كان. # قوله تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم" ظاهر الجملة أنها نهي عن قتل الإنسان ~~نفسه لكن مقارنتها قوله: لا تأكلوا أموالكم بينكم، حيث إن ظاهره أخذ مجموع ~~المؤمنين كنفس واحدة لها مال يجب أن تأكلها من غير طريق الباطل ربما أشعرت ~~أو دلت على أن المراد بالأنفس جميع نفوس المجتمع الديني المأخوذة كنفس ~~واحدة نفس كل بعض هي نفس الآخر فيكون في مثل هذا المجتمع نفس الإنسان نفسه ~~ونفس غيره أيضا نفسه فلو قتل نفسه أو غيره فقد قتل نفسه، وبهذه العناية ~~تكون الجملة أعني قوله: ولا تقتلوا أنفسكم مطلقة تشمل الانتحار - الذي هو ~~قتل الإنسان نفسه - وقتل الإنسان غيره من المؤمنين. # وربما أمكن أن يستفاد من ذيل الآية أعني قوله: إن الله كان بكم رحيما أن ~~المراد من قتل النفس المنهي عنه ما يشمل إلقاء الإنسان نفسه في مخاطرة ~~القتل والتسبيب إلى هلاك نفسه المؤدي إلى قتله، وذلك أن تعليل النهي عن قتل ~~النفس بالرحمة لهذا المعنى أوفق وأنسب كما لا يخفى، ويزيد على هذا معنى ~~الآية عموما واتساعا، وهذه الملاءمة بعينها تؤيد كون قوله: إن الله كان بكم ~~رحيما تعليلا لقوله: ولا تقتلوا أنفسكم فقط. # قوله تعالى: "ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما" الآية العدوان مطلق التجاوز ~~سواء كان جائزا ممدوحا أو محظورا مذموما قال تعالى: فلا عدوان إلا على ~~الظالمين: - البقرة: 193، وقال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان: - المائدة: 2، فهو أعم موردا من الظلم، ومعناه ~~في الآية تعدي الحدود التي حدها الله تعالى، والإصلاء بالنار الإحراق بها. # وفي الآية من حيث اشتمالها على قوله: "ذلك" التفات عن خطاب المؤمنين إلى ~~خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلويحا إلى أن من فعل ذلك منهم - ~~وهم نفس واحدة والنفس الواحدة لا ينبغي لها أن تريد هلاك نفسها - فليس من ~~المؤمنين، فلا يخاطب في مجازاته المؤمنون، وإنما يخاطب فيها الرسول المخاطب ~~في شأن المؤمنين وغيرهم، ولذلك بني الكلام على العموم فقيل: ومن يفعل ذلك ~~عدوانا وظلما ms1468 فسوف نصليه، ولم يقل: ومن يفعل ذلك منكم. # وذيل الآية أعني قوله. # وكان ذلك على الله يسيرا يؤيد أن يكون المشار إليه بقوله: ذلك هو النهي ~~عن قتل الأنفس بناء على كون قوله: إن الله كان بكم رحيما ناظرا إلى تعليل ~~النهي عن القتل فقط لما من المناسبة التامة بين الذيلين، فإن الظاهر أن ~~المعنى هو أن الله تعالى إنما ينهاكم عن قتل أنفسكم رحمة بكم ورأفة، وإلا ~~فمجازاته لمن قتل النفس بإصلائه النار عليه يسير غير عسير، ومع ذلك فعود ~~التعليل وكذا التهديد إلى مجموع الفقرتين في الآية الأولى أعني النهي عن ~~أكل المال بالباطل والنهي عن قتل النفس لا ضير فيه. # وأما قول بعضهم: إن التعليل والتهديد أو التهديد فقط راجع إلى جميع ما ~~ذكر من المناهي من أول السورة إلى هذه الآية، وكذا قول آخرين: إن ذلك إشارة ~~إلى جميع ما ذكر من المناهي من قوله: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها الآية: آية 19 من السورة إلى هنا لعدم ذكر جزاء للمناهي ~~الواقعة في هذه الآيات فمما لا دليل على اعتباره. # وتغيير السياق في قوله: فسوف نصليه نارا بالخصوص عن سياق الغيبة الواقع ~~في قوله: إن الله كان بكم رحيما إلى سياق التكلم تابع للالتفات الواقع في ~~قوله: "ذلك" عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول، ثم الرجوع إلى الغيبة في ~~قوله: وكان ذلك على الله يسيرا إشعار بالتعليل، أي وذلك عليه يسير لأنه هو ~~الله عز اسمه. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، في قوله تعالى: بالباطل قولان: أحدهما أنه الربا والقمار ~~والبخس والظلم، قال: وهو المروي عن الباقر (عليه السلام). PageV04P104 # وفي نهج البيان، عن الباقر والصادق (عليهما السلام): أنه القمار والسحت ~~والربا والأيمان. # وفي تفسير العياشي، عن أسباط بن سالم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه ~~السلام) فجاءه رجل فقال له: أخبرني عن قول الله: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، قال: عنى بذلك القمار، وأما قوله: ms1469 ولا ~~تقتلوا أنفسكم عنى بذلك الرجل من المسلمين يشد على المشركين وحده يجيء في ~~منازلهم فيقتل فنهاهم الله عن ذلك أقول: الآية عامة في الأكل بالباطل، وذكر ~~القمار وما أشبهه من قبيل عد المصاديق وكذا تفسير قتل النفس بما ذكر في ~~الرواية تعميم للآية لا تخصيص بما ذكر. # وفيه، عن إسحاق بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين قال: حدثني الحسن ~~بن زيد عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: سألت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها؟ وكيف ~~يغتسل إذا أجنب؟ قال: يجزيه المسح بالماء عليها في الجنابة والوضوء، قلت: ~~فإن كان في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده؟ فقرأ رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. # وفي الفقيه، قال الصادق (عليه السلام): من قتل نفسه متعمدا فهو في نار ~~جهنم خالدا فيها، قال الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ~~- ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما - فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا. # أقول: والروايات كما ترى تعمم معنى قوله: ولا تقتلوا أنفسكم الآية كما ~~استفدناه فيما تقدم، وفي معنى ما تقدم روايات أخر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن ماجة وابن المنذر عن ابن سعيد قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما البيع عن تراض. # وفيه، أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~باع رجلا ثم قال له: اختر فقال: قد اخترت فقال: هكذا البيع. # وفيه، أخرج البخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما ~~للآخر: اختر. # أقول: قوله: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا مروي من طرق الشيعة أيضا، ~~وقوله: أو يقول أحدهما للآخر: اختر لتحقيق معنى التراضي PageV04P105 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 31 # إن تجتنبوا كبائر ما ms1470 تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) ### |||| AUTO بيان # الآية غير عادمة الارتباط بما قبلها فإن فيما قبلها ذكرا من المعاصي ~~الكبيرة. # قوله تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه" - إلى قوله: - "سيئاتكم" ~~الاجتناب أصله من الجنب وهو الجارحة بني منها الفعل على الاستعارة، فإن ~~الإنسان إذا أراد شيئا استقبله بوجهه ومقاديم بدنه، وإذا أعرض عنه وتركه ~~وليه بجنبه فاجتنبه، فالاجتناب هو الترك، قال الراغب: وهو أبلغ من الترك، ~~انتهى، وليس إلا لأنه مبني على الاستعارة، ومن هذا الباب الجانب والجنيبة ~~والأجنبي. # والتكفير من الكفر وهو الستر وقد شاع استعماله في القرآن في العفو عن ~~السيئات والكبائر جمع كبيرة وصف وضع موضع الموصوف كالمعاصي ونحوها، والكبر ~~معنى إضافي لا يتحقق إلا بالقياس إلى صغر، ومن هنا كان المستفاد من قوله: ~~كبائر ما تنهون عنه أن هناك من المعاصي المنهي عنها ما هي صغيرة، فيتبين من ~~الآية: أولا: أن المعاصي قسمان: صغيرة وكبيرة، وثانيا: أن السيئات في الآية ~~هي الصغائر لما فيها من دلالة المقابلة على ذلك. # نعم العصيان والتمرد كيفما كان كبير وأمر عظيم بالنظر إلى ضعف المخلوق ~~المربوب في جنب الله عظم سلطانه غير أن القياس في هذا الاعتبار إنما هو بين ~~الإنسان وربه لا بين معصية ومعصية فلا منافاة بين كون كل معصية كبيرة ~~باعتبار وبين كون بعض المعاصي صغيرة باعتبار آخر. # وكبر المعصية إنما يتحقق بأهمية النهي عنها إذا قيس إلى النهي المتعلق ~~بغيرها ولا يخلو قوله تعالى: ما تنهون عنه، من إشعار أو دلالة على ذلك، ~~والدليل على أهمية النهي تشديد الخطاب بإصرار فيه أو تهديد بعذاب من النار ~~ونحو ذلك. # قوله تعالى: "وندخلكم مدخلا كريما" المدخل بضم الميم وفتح الخاء اسم مكان ~~والمراد منه الجنة أو مقام القرب من الله سبحانه وإن كان مرجعهما واحدا. # كلام في الكبائر والصغائر وتكفير السيئات # لا ريب في دلالة قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم، الآية على انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر سميت ms1471 في الآية ~~بالسيئات، ونظيرها في الدلالة قوله تعالى: ووضع الكتاب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها الآية: "الكهف: 49"، إذ إشفاقهم مما في الكتاب يدل على أن ~~المراد بالصغيرة والكبيرة صغائر الذنوب وكبائرها. # وأما السيئة فهي بحسب ما تعطيه مادة اللفظ وهيئته هي الحادثة أو العمل ~~الذي يحمل المساءة، ولذلك ربما يطلق لفظها على الأمور والمصائب التي يسوء ~~الإنسان وقوعها كقوله تعالى: وما أصابك من سيئة فمن نفسك الآية: "النساء: ~~79"، وقوله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة الآية: "الرعد: 6"، وربما أطلق على ~~نتائج المعاصي وآثارها الخارجية الدنيوية والأخروية كقوله تعالى: فأصابهم ~~سيئات ما عملوا، الآية: "النحل: 34"، وقوله تعالى: سيصيبهم سيئات ما كسبوا: ~~"الزمر: 51"، وهذا بحسب الحقيقة يرجع إلى المعنى السابق، وربما أطلق على ~~نفس المعصية كقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها الآية: "الشورى: 40"، ~~والسيئة بمعنى المعصية ربما أطلقت على مطلق المعاصي أعم من الصغائر ~~والكبائر كقوله تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون: "الجاثية: 21"، ~~إلى غير ذلك من الآيات. # وربما أطلقت على الصغائر خاصة كقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية، إذ مع فرض اجتناب الكبائر لا تبقى للسيئات ~~إلا الصغائر. # وبالجملة دلالة الآية على انقسام المعاصي إلى الصغائر والكبائر بحسب ~~القياس الدائر بين المعاصي أنفسها مما لا ينبغي أن يرتاب فيه. PageV04P106 # وكذا لا ريب أن الآية في مقام الامتنان، وهي تقرع أسماع المؤمنين بعناية ~~لطيفة إلهية أنهم إن اجتنبوا البعض من المعاصي كفر عنهم البعض الآخر، فليس ~~إغراء على ارتكاب المعاصي الصغار، فإن ذلك لا معنى له لأن الآية تدعو إلى ~~ترك الكبائر بلا شك، وارتكاب الصغيرة من جهة أنها صغيرة لا يعبأ بها ~~ويتهاون في أمرها يعود مصداقا من مصاديق الطغيان والاستهانة بأمر الله ~~سبحانه، وهذا من أكبر الكبائر بل الآية تعد تكفير السيئات من جهة أنها ~~سيئات لا يخلو الإنسان المخلوق على الضعف ms1472 المبني على الجهالة من ارتكابها ~~بغلبة الجهل والهوى عليه، فمساق هذه الآية مساق الآية الداعية إلى التوبة ~~التي تعد غفران الذنوب كقوله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ~~وأنيبوا إلى ربكم الآية: "الزمر: 54" فكما لا يصح أن يقال هناك: أن الآية ~~تغري إلى المعصية بفتح باب التوبة وتطييب النفوس بذلك فكذا هاهنا بل أمثال ~~هذه الخطابات إحياء للقلوب الآيسة بالرجاء. # ومن هنا يعلم أن الآية لا تمنع عن معرفة الكبائر بمعنى أن يكون المراد ~~بها اتقاء جميع المعاصي مخافة الوقوع في الكبائر والابتلاء بارتكابها فإن ~~ذلك معنى بعيد عن مساق الآية بل المستفاد من الآية أن المخاطبين هم يعرفون ~~الكبائر ويميزون هؤلاء الموبقات من النهي المتعلق بها، ولا أقل من أن يقال: ~~إن الآية تدعو إلى معرفة الكبائر حتى يهتم المكلفون في الاتقاء منها كل ~~الاهتمام من غير تهاون في جنب غيرها فإن ذلك التهاون كما عرفت إحدى الكبائر ~~الموبقة. # وذلك أن الإنسان إذا عرف الكبائر وميزها وشخصها عرف أنها حرمات لا يغمض ~~من هتكها بالتكفير إلا عن ندامة قاطعة وتوبة نصوح ونفس هذا العلم مما يوجب ~~تنبه الإنسان وانصرافه عن ارتكابها. # وأما الشفاعة فإنها وإن كانت حقة إلا أنك قد عرفت فيما تقدم من مباحثها ~~أنها لا تنفع من استهان بأمر الله سبحانه واستهزأ بالتوبة والندامة. # واقتراف المعصية بالاعتماد على الشفاعة تساهل وتهاون في أمر الله سبحانه ~~وهو من الكبائر الموبقة القاطعة لسبيل الشفاعة قطعا. # ومن هنا يتضح معنى ما تقدم أن كبر المعصية إنما يعلم من شدة النهي الواقع ~~عنها بإصرار أو تهديد بالعذاب كما تقدم. # ومما تقدم من الكلام يظهر حال سائر ما قيل في معنى الكبائر، وهي كثيرة: ~~منها ما قيل: إن الكبيرة كل ما أوعد الله عليه في الآخرة عقابا ووضع له في ~~الدنيا حدا. # وفيه أن الإصرار على الصغيرة كبيرة لقول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا ms1473 كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. # رواه الفريقان مع عدم وضع حد فيه شرعا، وكذا ولاية الكفار وأكل الربا مع ~~أنهما من كبائر ما نهي عنه في القرآن. # ومنها قول بعضهم: إن الكبيرة كل ما أوعد الله عليه بالنار في القرآن، ~~وربما أضاف إليه بعضهم السنة. # وفيه أنه لا دليل على انعكاسه كليا. # ومنها قول بعضهم: إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به ~~قال به إمام الحرمين واستحسنه الرازي. # وفيه أنه عنوان الطغيان والاعتداء وهي إحدى الكبائر وهناك ذنوب كبيرة ~~موبقة وإن لم تقترف بهذا العنوان كأكل مال اليتيم وزنا المحارم وقتل النفس ~~المؤمنة من غير حق. # ومنها قول بعضهم: إن الكبيرة ما حرمت لنفسها لا لعارض، وهذا كالمقابل ~~للقول السابق. # وفيه أن الطغيان والاستهانة ونحو ذلك من أكبر الكبائر وهي عناوين طارية، ~~وبطروها على معصية وعروضها لها تصير من الكبائر الموبقة. # ومنها قول بعضهم: إن الكبائر ما اشتملت عليه آيات سورة النساء من أول ~~السورة إلى تمام ثلاثين آية، وكان المراد أن قوله: إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه الآية إشارة إلى المعاصي المبينة في الآيات السابقة عليه كقطيعة ~~الرحم وأكل مال اليتيم والزنا ونحو ذلك. # وفيه أنه ينافي إطلاق الآية. PageV04P107 # ومنها قول بعضهم وينسب إلى ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، ولعله ~~لكون مخالفته تعالى أمرا عظيما، وفيه أنك قد عرفت أن انقسام المعصية إلى ~~الكبيرة والصغيرة إنما هو بقياس بعضها إلى بعض، وهذا الذي ذكره مبني على ~~قياس حال الإنسان في مخالفته - وهو عبد - إلى الله سبحانه - وهو رب كل شيء ~~- ومن الممكن أن يميل إلى هذا القول بعضهم بتوهم كون الإضافة في قوله ~~تعالى: كبائر ما تنهون عنه، بيانية لكنه فاسد لرجوع معنى الآية حينئذ إلى ~~قولنا: إن تجتنبوا المعاصي جميعا نكفر عنكم سيئاتكم ولا سيئة مع اجتناب ~~المعاصي، وإن أريد تكفير سيئات المؤمنين قبل نزول الآية اختصت الآية بأشخاص ~~من حضر عند النزول، وهو خلاف ظاهر الآية من العموم، ms1474 ولو عمت الآية عاد ~~المعنى إلى أنكم إن عزمتم على اجتناب جميع المعاصي واجتنبتموها كفرنا عنكم ~~سيئاتكم السابقة عليه، وهذا أمر نادر شاذ المصداق أو عديمه لا يحمل عليه ~~عموم الآية لأن نوع الإنسان لا يخلو عن السيئة واللمم إلا من عصمه الله ~~بعصمته فافهم ذلك. # ومنها: أن الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه، والكبيرة ما يكبر عقابه ~~عن ثوابه، نسب إلى المعتزلة وفيه أن ذلك أمر لا يدل عليه هذه الآية ولا ~~غيرها من آيات القرآن، نعم من الثابت بالقرآن وجود الحبط في بعض المعاصي في ~~الجملة لا في جميعها سواء كان على وفق ما ذكروه أو لا على وفقه، وقد مر ~~البحث عن معنى الحبط مستوفى في الجزء الثاني من هذا الكتاب. # وقالوا أيضا: يجب تكفير السيئات والصغائر عند اجتناب الكبائر ولا تحسن ~~المؤاخذة عليها، وهذا أيضا أمر لا تدل الآية عليه البتة. # ومنها: أن الكبر والصغر اعتباران يعرضان لكل معصية، فالمعصية التي ~~يقترفها الإنسان استهانة بأمر الربوبية واستهزاء أو عدم مبالاة به كبيرة، ~~وهي بعينها لو اقترفت من جهة استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة كانت ~~صغيرة مغفورة بشرط اجتناب الكبائر. # ولما كان هذه العناوين الطارية المذكورة يجمعها العناد والاعتداء على ~~الله أمكن أن يلخص الكلام بأن كل واحدة من المعاصي المنهي عنها في الدين إن ~~أتي بها عنادا واعتداء فهي كبيرة وإلا فهي صغيرة مغفورة بشرط اجتناب العناد ~~والاعتداء. # قال بعضهم: إن في كل سيئة وفي كل نهي خاطب الله به كبيرة أو كبائر وصغيرة ~~أو صغائر، وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والأمر واحترام ~~التكليف، ومنه الإصرار فإن المصر على الذنب لا يكون محترما ولا مباليا ~~بالأمر والنهي فالله تعالى يقول: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه أي الكبائر ~~التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم أي نكفر عنكم صغيره فلا ~~نؤاخذكم عليه. # وفيه: أن استلزام اقتران كل معصية مقترفة بما يوجب كونها طغيانا واستعلاء ~~على الله سبحانه ms1475 صيرورتها معصية كبيرة لا يوجب كون الكبر دائرا مدار هذا ~~الاعتبار حتى لا يكون بعض المعاصي كبيرة في نفسها مع عدم عروض شيء من هذه ~~العناوين عليه، فإن زنا المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية وقتل النفس ~~المحرمة ظلما بالنسبة إلى الضرب كبيرتان عرض لهما عارض من العناوين أم لم ~~يعرض، نعم كلما عرض شيء من هذه العناوين المهلكة اشتد النهي بحسبه وكبرت ~~المعصية وعظم الذنب فما الزنا عن هوى النفس وغلبة الشهوة والجهالة كالزنا ~~بالاستباحة. # على أن هذا المعنى أن تجتنبوا في كل معصية كبائرها نكفر عنكم صغائرها ~~معنى رديء لا يحتمله قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم الآية بحسب ما لها من السياق على ما لا يخفى لكل من استأنس قليل ~~استيناس بأساليب الكلام. # ومنها: ما يتراءى من ظاهر كلام الغزالي على ما نقل عنه من الجمع بين ~~الأقوال وهو أن بين المعاصي بقياس بعضها إلى بعض كبيرة وصغيرة كزنا المحصنة ~~من المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية وإن كانت بعض المعاصي يكبر ~~بانطباق بعض العناوين المهلكة الموبقة عليه كالإصرار على الصغائر، فبذلك ~~تصير المعصية كبيرة بعد ما لم تكن. PageV04P108 # فبهذا يظهر أن المعاصي تنقسم إلى صغيرة وكبيرة بحسب قياس البعض إلى البعض ~~بالنظر إلى نفس العمل وجرم الفعل، ثم هي مع ذلك تنقسم إلى القسمين بالنظر ~~إلى أثر الذنب ووباله في إحباطه للثواب بغلبته عليه أو نقصه منه إذا لم ~~يغلبه فيزول الذنب بزوال مقدار يعادله من الثواب فإن لكل طاعة تأثيرا حسنا ~~في النفس يوجب رفعه مقامها وتخلصها من قذارة البعد وظلمة الجهل كما أن لكل ~~معصية تأثيرا سيئا فيها يوجب خلاف ذلك من انحطاط محلها وسقوطها في هاوية ~~البعد وظلمة الجهل. # فإذا اقترف الإنسان شيئا من المعاصي وقد هيأ لنفسه شيئا من النور والصفاء ~~بالطاعة فلا بد من أن يتصادم ظلمة المعصية ونور الطاعة فإن غلبت ظلمة ~~المعصية ووبال الذنب نور الطاعة وظهرت عليه أحبطته، وهذه هي المعصية ~~الكبيرة، وإن ms1476 غلبت الطاعة بما لها من النور والصفاء أزالت ظلمة الجهل ~~وقذارة الذنب ببطلان مقدار يعادل ظلمة الذنب من نور الطاعة، ويبقى الباقي ~~من نورها وصفائها تتنور وتصفو به النفس، وهذا معنى التحابط، وهو بعينه معنى ~~غفران الذنوب الصغيرة وتكفير السيئات، وهذا النوع من المعاصي هي المعاصي ~~الصغيرة. # وأما تكافؤ السيئة والحسنة بما لهما من العقاب والثواب فهو وإن كان مما ~~يحتمله العقل في بادي النظر، ولازمه صحة فرض إنسان أعزل لا طاعة له ولا ~~معصية، ولا نور لنفسه ولا ظلمة لكن يبطله قوله تعالى: "فريق في الجنة وفريق ~~في السعير". # انتهى ملخصا. # وقد رده الرازي بأنه يبتنى على أصول المعتزلة الباطلة عندنا، وشدد النكير ~~على الرازي في المنار قائلا: وإذا كان هذا يعني انقسام المعصية إلى الصغيرة ~~والكبيرة في نفسها صريحا في القرآن فهل يعقل أن يصح عن ابن عباس إنكاره؟ لا ~~بل روى عبد الرزاق عنه أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين ~~أقرب، وروى ابن جبير: أنه قال: هي إلى السبعمائة أقرب، وإنما عزي القول ~~بإنكار تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر إلى الأشعرية. # وكأن القائلين بذلك منهم أرادوا أن يخالفوا به المعتزلة ولو بالتأويل كما ~~يعلم من كلام ابن فورك فإنه صحح كلام الأشعرية وقال: معاصي الله كلها ~~كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة وكبيرة بإضافة، وقالت المعتزلة: الذنوب ~~على ضربين: صغائر وكبائر، وهذا ليس بصحيح انتهى، وأول الآية تأويلا بعيدا. # وهل يئول الآيات والأحاديث لأجل أن يخالف المعتزلة ولو فيما أصابوا فيه؟ ~~لا يبعد ذلك فإن التعصب للمذاهب هو الذي صرف كثيرا من العلماء الأزكياء عن ~~إفادة أنفسهم وأمتهم بفطنتهم، وجعل كتبهم فتنة للمسلمين اشتغلوا بالجدل ~~فيها عن حقيقة الدين، وسترى ما ينقله الرازي عن الغزالي، ويرده لأجل ذلك، ~~وأين الرازي من الغزالي، وأين معاوية من علي. # انتهى. # ويشير في آخر كلامه إلى ما نقلناه عن الغزالي والرازي. # وكيف كان فما ذكره الغزالي وإن كان وجيها في الجملة لكنه لا يخلو عن خلل ~~من جهات. ms1477 # الأولى: أن ما ذكره من انقسام المعاصي إلى الصغائر والكبائر بحسب تحابط ~~الثواب والعقاب لا ينطبق دائما على ما ذكره من الانقسام بحسب نفس المعاصي ~~ومتون الذنوب في أول كلامه فإن غالب المعاصي الكبيرة المسلمة في نفسها يمكن ~~أن يصادف في فاعله ثوابا كبيرا يغلب عليها وكذا يمكن أن تفرض معصية صغيرة ~~تصادف من الثواب الباقي في النفس ما هو أصغر منها وأنقص، وبذلك يختلف ~~الصغيرة والكبيرة بحسب التقسيمين فمن المعاصي ما هي صغيرة على التقسيم ~~الأول كبيرة بحسب التقسيم الثاني، ومنها ما هي بالعكس فلا تطابق كليا بين ~~التقسيمين. # والثانية: أن التصادم بين آثار المعاصي والطاعات وإن كان ثابتا في الجملة ~~لكنه مما لم يثبت كليا من طريق الظواهر الدينية من الكتاب والسنة أبدا. # وأي دليل من طريق الكتاب والسنة يدل على تحقق التزايل والتحابط بنحو ~~الكلية بين عقاب المعاصي وثواب الطاعات؟. PageV04P109 # والذي أجرى تفصيل البحث فيه من الحالات الشريفة النورية النفسانية والحالات ~~الأخرى الخسيسة الظلمانية كذلك أيضا، فإنها وإن كانت تتصادم بحسب الغالب ~~وتتزايل وتتفانى لكن ذلك ليس على وجه كلي دائمي بل ربما يثبت كل من الفضيلة ~~والرذيلة في مقامها وتتصالح على البقاء، وتقتسم النفس كأن شيئا منها ~~للفضيلة خاصة، وشيئا منها للرذيلة خاصة، فترى الرجل المسلم مثلا يأكل الربا ~~ولا يلوي عن ابتلاع أموال الناس، ولا يصغي إلى استغاثة المطلوب المستأصل ~~المظلوم، ويجتهد في الصلوات المفروضة، ويبالغ في خضوعه وخشوعه، أو أنه لا ~~يبالي في إهراق الدماء وهتك الأعراض والإفساد في الأرض ويخلص لله أي إخلاص ~~في أمور من الطاعات والقربات، وهذا هو الذي يسميه علماء النفس اليوم ~~بازدواج الشخصية بعد تعددها وتنازعها، وهو أن تتنازع الميول المختلفة ~~النفسانية وتثور بعضها على بعض بالتزاحم والتعارض، ولا يزال الإنسان في تعب ~~داخلي من ذلك حتى تستقر الملكتان فتزدوجان وتتصالحان ويغيب كل عند ظهور ~~الأخرى وانتهاضها وإمساكها على فريستها كما عرفت من المثال المذكور آنفا. # والثالثة: أن لازم ما ذكره أن يلغو اعتبار الاجتناب في تكفير السيئات فإن ms1478 ~~من لا يأتي بالكبائر لا لأنه يكف نفسه عنها مع القدرة والتمايل النفساني ~~عليها بل لعدم قدرته عليها وعدم استطاعته منها فإن سيئاته تنحبط بالطاعات ~~لغلبة ثوابه على الفرض على ما له من العقاب وهو تكفير السيئات فلا يبقى ~~لاعتبار اجتناب الكبائر وجه مرضي. # قال الغزالي في الإحياء: اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها ~~مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع ~~فيقتصر على نظر أو لمس فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في ~~تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره، فإن كان عنينا ~~أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر ~~الآخرة فهذا لا يصلح للتكفير أصلا، وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح ~~له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع ~~الملاهي والأوتار نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة ~~عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما يمحو عن قلبه الظلمة ~~التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية، انتهى. # وقال أيضا في محل آخر: كل ظلمة ارتفعت إلى القلب لا يمحوها إلا نور يرتفع ~~إليها بحسنة تضادها، والمتضادات هي المتناسبات فلذلك ينبغي أن تمحى كل سيئة ~~بحسنة من جنسها لكي تضادها فإن البياض يزال بالسواد لا بالحرارة والبرودة ~~وهذا التدريج والتحقيق من التلطف في طريقة المحو، فالرجاء فيه أصدق والثقة ~~به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات وإن كان ذلك أيضا مؤثرا في ~~المحو، انتهى كلامه. # وكلامه كما ترى يدل على أن المحبط للسيئات هو الاجتناب الذي هو الكف مع ~~أنه غير لازم على هذا القول. # والكلام الجامع الذي يمكن أن يقال في المقام مستظهرا بالآيات الكريمة هو ~~أن الحسنات والسيئات متحابطة في الجملة غير أن تأثير كل سيئة في كل حسنة ~~وبالعكس بنحو النقص منه أو إفنائه مما لا دليل عليه، ويدل عليه ms1479 اعتبار حال ~~الأخلاق والحالات النفسانية التي هي نعم العون في فهم هذه الحقائق القرآنية ~~في باب الثواب والعقاب. # وأما الكبائر والصغائر من المعاصي فظاهر الآية كما عرفت هو أن المعاصي ~~بقياس بعضها إلى بعض كقتل النفس المحترمة ظلما بالقياس إلى النظر إلى ~~الأجنبية وشرب الخمر بالاستحلال بالقياس إلى شربها بهوى النفس بعضها كبيرة ~~وبعضها صغيرة من غير ظهور ارتباط ذلك بمسألة الإحباط والتكفير بالكلية. PageV04P110 # ثم إن الآية ظاهرة في أن الله سبحانه يعد لمن اجتنب الكبائر أن يكفر عنه ~~سيئاته جميعا ما تقدم منها وما تأخر على ما هو ظاهر إطلاق الآية، ومن ~~المعلوم أن الظاهر من هذا الاجتناب أن يأتي كل مؤمن بما يمكنه من اجتناب ~~الكبائر وما يصدق في مورده الاجتناب من الكبائر لا أن يجتنب كل كبيرة بالكف ~~عنها فإن الملتفت أدنى التفات إلى سلسلة الكبائر لا يرتاب في أنه لا يتحقق ~~في الوجود من يميل إلى جميعها ويقدر عليها عامة أو يندر ندرة ملحقة بالعدم، ~~وتنزيل الآية هذه المنزلة لا يرتضيها الطبع المستقيم. # فالمراد أن من اجتنب ما يقدر عليه من الكبائر وتتوق نفسه إليه منها وهي ~~الكبائر التي يمكنه أن يجتنبها كفر الله سيئاته سواء جانسها أو لم يجانسها. # وأما إن هذا التكفير للاجتناب بأن يكون الاجتناب في نفسه طاعة مكفرة ~~للسيئات كما أن التوبة كذلك أو أن الإنسان إذا لم يقترف الكبائر خلي ما ~~بينه وبين الصغائر والطاعات الحسنة فالحسنات يكفرن سيئاته، وقد قال الله ~~تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات: "هود: 114"، ظاهر الآية إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية أن للاجتناب دخلا في التكفير، وإلا ~~كان الأنسب بيان أن الطاعات يكفرن السيئات كما في قوله: إن الحسنات الآية، ~~أو إن الله سبحانه يغفر الصغائر مهما كانت من غير حاجة إلى سرد الكلام جملة شرطية. # والدليل على كبر المعصية هو شدة النهي الوارد عنها أو الإيعاد عليها ~~بالنار أو ما يقرب من ذلك سواء كان ذلك في كتاب أو سنة من ms1480 غير دليل على الحصر. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): الكبائر، التي أوجب الله عليها النار. # وفي الفقيه، وتفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في الكبائر قال: ~~كل ما أوعد الله عليها النار. # وفي ثواب الأعمال، عن الصادق (عليه السلام): من اجتنب ما أوعد الله عليه ~~النار إذا كان مؤمنا كفر الله عنه سيئاته ويدخله مدخلا كريما، والكبائر ~~السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرب ~~بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف. # أقول: والروايات من طرق الشيعة وأهل السنة في عد الكبائر كثيرة سيمر بك ~~بعضها وقد عد الشرك بالله فيما نذكر منها إحدى الكبائر السبع إلا في هذه ~~الرواية ولعله (عليه السلام) أخرجه من بينها لكونه أكبر الكبائر ويشير إليه ~~قوله: إذا كان مؤمنا. PageV04P111 # وفي المجمع،: روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر محمد بن علي ~~عن أبيه علي بن موسى الرضا عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: دخل عمرو بن ~~عبيد البصري على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، فلما سلم ~~وجلس تلا هذه الآية: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ثم أمسك، فقال أبو ~~عبد الله: ما أسكتك؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله، قال: نعم يا ~~عمرو أكبر الكبائر الشرك بالله لقول الله عز وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به، وقال: من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وبعده ~~اليأس من روح الله لأن الله يقول: ولا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون، ثم الأمن من مكر الله لأن الله يقول: ولا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون، ومنها عقوق الوالدين لأن الله تعالى جعل العاق جبارا شقيا ~~في قوله: وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا، ومنها قتل النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق لأنه يقول: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~الآية، وقذف المحصنات لأن الله يقول: إن الذين يرمون ms1481 المحصنات الغافلات ~~المؤمنات - لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، وأكل مال اليتيم ~~لقوله: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية، والفرار من الزحف لأن الله ~~يقول: ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فقد باء ~~بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، وأكل الربا لأن الله يقول: الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون - إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ~~ويقول: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، والسحر لأن الله يقول: ~~ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، والزنا لأن الله يقول: ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة - ويخلد فيه مهانا، ~~واليمين الغموس لأن الله يقول: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا - أولئك لا خلاق لهم في الآخرة الآية، والغلول قال الله: ومن يغلل ~~يأت بما غل يوم القيامة، ومنع الزكاة المفروضة لأن الله يقول: يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم - فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم الآية، وشهادة الزور ~~وكتمان الشهادة لأن الله يقول: ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، وشرب الخمر لأن ~~الله عدل بها عبادة الأوثان، وترك الصلاة متعمدا وشيئا مما فرض الله تعالى ~~لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من ترك الصلاة متعمدا فقد ~~برىء من ذمة الله وذمة رسوله، ونقض العهد وقطيعة الرحم لأن الله يقول: ~~أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار. قال: فخرج عمرو بن عبيد له صراخ من بكائه ~~وهو يقول: هلك من قال برأيه، ونازعكم في الفضل والعلم. # أقول: وقد روي من طرق أهل السنة ما يقرب منه عن ابن عباس، ويتبين ~~بالرواية أمران. # الأول: أن الكبيرة من المعاصي ما اشتد النهي عنها إما بالإصرار والبلوغ ~~في النهي أو بالإيعاد بالنار، من الكتاب أو السنة كما يظهر من موارد ~~استدلاله (عليه السلام)، ومنه يظهر معنى ما مر في حديث الكافي،: أن الكبيرة ~~ما أوجب الله عليها النار، وما مر في حديث الفقيه، وتفسير العياشي،: أن ~~الكبيرة ms1482 ما أوعد الله عليها النار، فالمراد بإيجابها وإيعادها أعم من ~~التصريح والتلويح في كلام الله أو حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأظن أن ما نقل في ذلك عن ابن عباس أيضا كذلك فمراده بالإيعاد بالنار أعم ~~من التصريح والتلويح في قرآن أو حديث، ويشهد بذلك ما في تفسير الطبري، عن ~~ابن عباس قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، ~~ويتبين بذلك أن ما نقل عنه أيضا في تفسير الطبري، وغيره: كل ما نهى الله ~~عنه فهو كبيرة ليس خلافا في معنى الكبيرة وإنما هو تكبير للمعاصي جميعا ~~بقياس حقارة الإنسان إلى عظمة ربه كما مر. # والثاني: أن حصر المعاصي الكبيرة في بعض ما تقدم وما يأتي من الروايات، ~~أو في ثمانية، أو في تسع كما في بعض الروايات النبوية المروية من طرق ~~السنة، أو في عشرين كما في هذه الرواية أو في سبعين كما في روايات أخرى كل ~~ذلك باعتبار اختلاف مراتب الكبر في المعصية كما يدل عليه ما في الرواية من ~~قوله عند تعداد الكبائر: وأكبر الكبائر الشرك بالله. PageV04P112 # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اجتنبوا السبع ~~الموبقات قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم ~~الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. # وفيه، أخرج ابن حيان وابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ~~أبيه عن جده قال: كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهل اليمن ~~كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم. قال: وكان في ~~الكتاب أن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله وقتل النفس ~~المؤمنة بغير حق، والفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم ~~السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم. # وفيه، أخرج ms1483 عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أنس: سمعت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يقول: ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ثم تلا ~~هذه الآية: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية. PageV04P113 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 32 - 35 # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شىء عليما ~~(32) ولكل جعلنا مولى مما ترك الولدان والأقربون والذين عقدت أيمنكم ~~فئاتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شىء شهيدا (33) الرجال قومون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أمولهم فالصلحت قنتت حفظت للغيب ~~بما حفظ الله والتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) وإن خفتم شقاق ~~بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلحا يوفق الله ~~بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) ### |||| AUTO بيان # الآيات مرتبطة بما تقدم من أحكام المواريث وأحكام النكاح يؤكد بها أمر ~~الأحكام السابقة، ويستنتج منها بعض الأحكام الكلية التي تصلح بعض الخلال ~~العارضة في المعاشرة بين الرجال والنساء. # قوله تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض" التمني قول ~~الإنسان: ليت كذا كان كذا، والظاهر أن التسمية القول بذلك من باب توصيف ~~اللفظ بصفة المعنى، وإنما التمني إنشاء نحو تعلق من النفس نظير تعلق الحب ~~بما تراه متعذرا أو كالمتعذر سواء أظهر ذلك بلفظ أو لم يظهر. # وظاهر الآية أنها مسوقة للنهي عن تمني فضل وزيادة موجودة ثابتة بين ~~الناس، وأنه ناش عن تلبس بعض طائفتي الرجال والنساء بهذا الفضل، وأنه ينبغي ~~الإعراض عن التعلق بمن له الفضل، والتعلق بالله بالسؤال من الفضل الذي عنده ~~تعالى، وبهذا يتعين أن المراد بالفضل هو المزية التي رزقها الله تعالى كلا ~~من طائفتي الرجال والنساء بتشريع الأحكام التي شرعت في خصوص ما يتعلق ~~بالطائفتين كلتيهما كمزية ms1484 الرجال على النساء في عدد الزوجات، وزيادة السهم ~~في الميراث، ومزية النساء على الرجال في وجوب جعل المهر لهن، ووجوب نفقتهن ~~على الرجال. # فالنهي عن تمني هذه المزية التي اختص بها صاحبها إنما هو لقطع شجرة الشر ~~والفساد من أصلها فإن هذه المزايا مما تتعلق به النفس الإنسانية لما أودعه ~~الله في النفوس من حبها والسعي لها لعمارة هذه الدار، فيظهر الأمر أولا في ~~صورة التمني فإذا تكرر تبدل حسدا مستبطنا فإذا أديم عليه فاستقر في القلب ~~سرى إلى مقام العمل والفعل الخارجي ثم إذا انضمت بعض هذه النفوس إلى بعض ~~كان ذلك بلوى يفسد الأرض، ويهلك الحرث والنسل. # ومن هنا يظهر أن النهي عن التمني نهي إرشادي يعود مصلحته إلى مصلحة حفظ ~~الأحكام المشرعة المذكورة، وليس بنهي مولوي. # وفي نسبة الفضل إلى فعل الله سبحانه، والتعبير بقوله: بعضكم على بعض ~~إيقاظ لصفة الخضوع لأمر الله بإيمانهم به، وغريزة الحب المثارة بالتنبه حتى ~~يتنبه المفضل عليه أن المفضل بعض منه غير مبان. # قوله تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" ذكر ~~الراغب: أن الاكتساب إنما يستعمل فيما استفاده الإنسان لنفسه، والكسب أعم ~~مما كان لنفسه أو لغيره، والبيان المتقدم ينتج أن يكون هذه الجملة مبينة ~~للنهي السابق عن التمني وبمنزلة التعليل له أي لا تتمنوا ذلك فإن هذه ~~المزية إنما وجدت عند من يختص بها لأنه اكتسبها بالنفسية التي له أو بعمل ~~بدنه فإن الرجال إنما اختصوا بجواز اتخاذ أربع نسوة مثلا وحرم ذلك على ~~النساء لأن موقعهم في المجتمع الإنساني موقع يستدعي ذلك دون موقع النساء، ~~وخصوا في الميراث بمثل حظ الأنثيين لذلك أيضا، وكذلك النساء خصصن بنصف سهم ~~الرجال وجعل نفقتهن على الرجال وخصصن بالمهر لاستدعاء موقعهن ذلك، وكذلك ما ~~اكتسبته إحدى الطائفتين من المال بتجارة أو طريق آخر هو الموجب للاختصاص، ~~وما الله يريد ظلما للعباد. PageV04P114 # ومن هنا يظهر أن المراد بالاكتساب هو نوع من الحيازة والاختصاص أعم من أن ~~يكون بعمل اختياري كالاكتساب بصنعة ms1485 أو حرفة أو لا يكون بذلك لكنه ينتهي إلى ~~تلبس صاحب الفضل بصفة توجب له ذلك كتلبس الإنسان بذكورية أو أنوثية توجب له ~~سهما ونصيبا كذا. # وأئمة اللغة وإن ذكروا في الكسب والاكتساب أنهما يختصان بما يحوزه ~~الإنسان بعمل اختياري كالطلب ونحوه لكنهم ذكروا أن الأصل في معنى الكسب هو ~~الجمع، وربما جاز أن يقال: اكتسب فلان بجماله الشهرة ونحو ذلك، وفسر ~~الاكتساب في الآية بذلك بعض المفسرين، وليس من البعيد أن يكون الاكتساب في ~~الآية مستعملا فيما ذكر من المعنى على سبيل التشبيه والاستعارة. # وأما كون المراد من الاكتساب في الآية ما يتحراه الإنسان بعمله، ويكون ~~المعنى: للرجال نصيب مما استفادوه لأنفسهم من المال بعملهم وكذا النساء ~~ويكون النهي عن التمني نهيا عن تمني ما بيد الناس من المال الذي استفادوه ~~بصنعة أو حرفة فهو وإن كان معنى صحيحا في نفسه لكنه يوجب تضييق دائرة معنى ~~الآية، وانقطاع رابطتها مع ما تقدم من آيات الإرث والنكاح. # وكيف كان فمعنى الآية على ما تقدم من المعنى: ولا تتمنوا الفضل والمزية ~~المالي وغير المالي الذي خص الله تعالى به أحد القبيلين من الرجال والنساء ~~ففضل به بعضكم على بعض فإن ذلك الفضل أمر خص به من خص به لأنه أحرزه ~~بنفسيته في المجتمع الإنساني أو بعمل يده بتجارة ونحوها، وله منه نصيب، ~~وإنما ينال كل نصيبه مما اكتسبه. # قوله تعالى: "واسألوا الله من فضله"، الإنعام على الغير بشيء مما عند ~~المنعم لما كان غالبا بما هو زائد لا حاجة للمنعم إليه سمي فضلا، ولما صرف ~~الله تعالى وجوه الناس عن العناية بما أوتي أرباب الفضل من الفضل والرغبة ~~فيه، وكان حب المزايا الحيوية بل التفرد بها والتقدم فيها والاستعلاء من ~~فطريات الإنسان لا يسلب عنه حينا صرفهم تعالى إلى نفسه، ووجه وجوههم نحو ~~فضله، وأمرهم أن يعرضوا عما في أيدي الناس، ويقبلوا إلى جنابه، ويسألوا من ~~فضله فإن الفضل بيد الله، وهو الذي أعطى كل ذي فضل فضله فله أن يعطيكم ms1486 ما ~~تزيدون به وتفضلون بذلك على غيركم ممن ترغبون فيما عنده، وتتمنون ما أعطيه. # وقد أبهم هذا الفضل الذي يجب أن يسأل منه بدخول لفظة "من" عليه، وفيه من ~~الفائدة أولا التعليم بأدب الدعاء والمسألة من جنابه تعالى فإن الأليق ~~بالإنسان المبني على الجهل بما ينفعه ويضره بحسب الواقع إذا سأل ربه العالم ~~بحقيقة ما ينفع خلقه وما يضرهم، القادر على كل شيء أن يسأله الخير فيما ~~تتوق نفسه إليه، ولا يطنب في تشخيص ما يسأله منه وتعيين الطريق إلى وصوله، ~~فكثيرا ما رأينا من كانت تتوق نفسه إلى حاجة من الحوائج الخاصة كمال أو ولد ~~أو جاه ومنزلة أو صحة وعافية وكان يلح في الدعاء والمسألة لأجلها لا يريد ~~سواها ثم لما استجيب دعاؤه، وأعطي مسألته كان في ذلك هلاكه وخيبة سعيه في ~~الحياة. # وثانيا: الإشارة إلى أن يكون المسئول ما لا يبطل به الحكمة الإلهية في ~~هذا الفضل الذي قرره الله تعالى بتشريع أو تكوين، فمن الواجب أن يسألوا ~~شيئا من فضل الله الذي اختص به غيرهم فلو سأل الرجال ما للنساء من الفضل أو ~~بالعكس ثم أعطاهم الله ذلك بطلت الحكمة وفسدت الأحكام والقوانين المشرعة فافهم. # فينبغي للإنسان إذا دعا الله سبحانه عند ما ضاقت نفسه لحاجة أن لا يسأله ~~ما في أيدي الناس مما يرفع حاجته بل يسأله مما عنده وإذا سأله مما عنده أن ~~لا يعلم لربه الخبير بحاله طريق الوصول إلى حاجته بل يسأله أن يرفع حاجته ~~بما يعلمه خيرا من عنده. # وأما قوله تعالى: "إن الله كان بكل شيء عليما" فتعليل للنهي في صدر الآية ~~أي لا تتمنوا ما أعطاه الله من فضله من أعطاه الله إن الله بكل شيء عليم لا ~~يجهل طريق المصلحة ولا يخطىء في حكمه. # كلام في حقيقة قرآنية # اختلاف القرائح والاستعدادات في اقتناء مزايا الحياة في أفراد الإنسان ~~مما ينتهي إلى أصول طبيعية تكوينية لا مناص عن تأثيرها في فعلية اختلاف ~~درجات الحياة وعلى ذلك جرى الحال في ms1487 المجتمعات الإنسانية من أقدم عهودها ~~إلى يومنا هذا فيما نعلم. PageV04P115 # فقد كانت الأفراد القوية من الإنسان يستعبدون الضعفاء ويستخدمونهم في سبيل ~~مشتهياتهم وهوى نفوسهم من غير قيد أو شرط، وكان لا يسع لأولئك الضعفاء ~~المساكين إلا الانقياد لأوامرهم، ولا يهتدون إلا إلى إجابتهم بما يشتهونه ~~ويريدونه منهم لكن القلوب ممتلئة غيظا وحنقا والنفوس متربصة ولا يزال الناس ~~على هذه السنة التي ابتدأت سنة شيوخية وانتهت إلى طريقة ملوكية ~~وإمبراطورية. # حتى إذا وفق النوع الإنساني بالنهضة بعد النهضة على هدم هذه البنية ~~المتغلبة وإلزام أولياء الحكومة والملك على اتباع الدساتير والقوانين ~~الموضوعة لصلاح المجتمع وسعادته فارتحلت بذلك حكومة الإرادات الجزافية، ~~وسيطرة السنن الاستبدادية ظاهرا وارتفع اختلاف طبقات الناس وانقسامهم إلى ~~مالك حاكم مطلق العنان ومملوك محكوم مأخوذ بزمامه غير أن شجرة الفساد أخذت ~~في النمو في أرض غير الأرض، ومنظر غير منظره السابق، والثمرة هي الثمرة، ~~وهو تمايز الصفات باختلاف الثروة بتراكم المال عند بعض، وصفارة الكف عند ~~آخر، وبعد ما بين القبيلين بعدا لا يتمالك به المثري الواجد من نفسه إلا أن ~~ينفذ بثروته في جميع شئون حياة المجتمع، ولا المسكين المعدم إلا أن ينهض ~~للبراز ويقاوم الاضطهاد. # فاستتبع ذلك سنة الشيوعية القائلة بالاشتراك في مواد الحياة وإلغاء ~~المالكية، وإبطال رءوس الأموال، وأن لكل فرد من المجتمع أن يتمتع بما عملته ~~يداه وهيأه كماله النفساني الذي اكتسبه فانقطع بذلك أصل الاختلاف بالثروة ~~والجدة غير أنه أورث من وجود الفساد ما لا يكاد تصيبه رمية السنة السابقة ~~وهو بطلان حرية إرادة الفرد، وانسلاب اختياره، والطبيعة تدفع ذلك، والخلقة ~~لا توافقه، وهيهات أن يعيش ما يرغم الطبيعة ويضطهد الخلقة. # على أن أصل الفساد مع ذلك مستقر على قراره فإن الطبيعة الإنسانية لا تنشط ~~إلا لعمل فيه إمكان التميز والسبق، ورجاء التقدم والفخر ومع إلغاء ~~التمايزات تبطل الأعمال، وفيه هلاك الإنسانية، وقد احتالوا لذلك بصرف هذه ~~التميزات إلى الغايات والمقاصد الافتخارية التشريفية غير المادية، وعاد ~~بذلك المحذور جذعا فإن الإنسان إن لم يذعن ms1488 بحقيقتها لم يخضع لها، وإن أذعن ~~بها كان حال التمايز بها حال التمايز المادي. # وقد احتالت الديمقراطية لدفع ما تسرب إليها من الفساد بإيضاح مفاسد هذه ~~السنة بتوسعة التبليغ وبضرب الضرائب الثقيلة التي تذهب بجانب عظيم من أرباح ~~المكاسب والمتاجر، ولما ينفعهم ذلك فظهور دبيب الفساد في سنة مخالفيهم لا ~~يسد طريق هجوم الشر على سنتهم أنفسهم ولا ذهاب جل الربح إلى بيت المال يمنع ~~المترفين عن إترافهم ومظالمهم، وهم يحيلون مساعيهم لمقاصدهم من تملك المال ~~إلى التسلط وتداول المال في أيديهم فالمال يستفاد من التسلط ووضع اليد عليه ~~وإدارته ما يستفاد من ملكه. # فلا هؤلاء عالجوا الداء ولا أولئك، ولا دواء بعد الكي، وليس إلا لأن الذي ~~جعله البشر غاية وبغية لمجتمعه، وهو التمتع بالحياة المادية بوصلة تهدي إلى ~~قطب الفساد، ولن تنقلب عن شأنها أينما حولت، ومهما نصبت. # والذي يراه الإسلام لقطع منابت هذا الفساد أن حرر الناس في جميع ما ~~يهديهم إليه الفطرة الإنسانية، ثم قرب ما بين الطبقتين برفع مستوى حياة ~~الفقراء بما وضع من الضرائب المالية ونحوها، وخفض مستوى حياة الأغنياء ~~بالمنع عن الإسراف والتبذير والتظاهر بما يبعدهم من حاق الوسط، وتعديل ذلك ~~بالتوحيد والأخلاق، وصرف الوجوه عن المزايا المادية إلى كرامة التقوى ~~وابتغاء ما عند الله من الفضل. # وهو الذي يشير إليه قوله تعالى: واسألوا الله من فضله الآية، وقوله: إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم: "الحجرات: 13"، وقوله: ففروا إلى الله: "الذاريات: ~~50"، وقد بينا فيما تقدم أن صرف وجوه الناس إلى الله سبحانه يستتبع ~~اعتناءهم بأمر الأسباب الحقيقية الواقعية في تحري مقاصدهم الحيوية من غير ~~أن يستتبع البطالة في اكتساب معيشة أو الكسل في ابتغاء سعادة فليس قول ~~القائل: إن الإسلام دين البطالة والخمود عن ابتغاء المقاصد الحيوية ~~الإنسانية إلا رمية من غير مرمى جهلا، هذا ملخص القول في هذا المقصد، وقد ~~تكرر الكلام في أطرافه تفصيلا فيما تقدم من مختلف المباحث من هذا الكتاب. PageV04P116 # قوله تعالى: "ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون" الآية، ms1489 الموالي ~~جمع مولى، وهو الولي وإن كثر استعماله في بعض المصاديق من الولاية كالمولى ~~لسيد العبد لولايته عليه، والمولى للناصر لولايته على أمر المنصور، والمولى ~~لابن العم لولايته على نكاح بنت عمه، ولا يبعد أن يكون في الأصل مصدرا ~~ميميا أو اسم مكان أريد به الشخص المتلبس به بوجه كما نطلق اليوم الحكومة ~~والمحكمة ونريد بهما الحاكم. # والعقد مقابل الحل، واليمين مقابل اليسار، واليمين اليد اليمنى، واليمين ~~الحلف وله غير ذلك من المعاني. # ووقوع الآية مع قوله قبل: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، في ~~سياق واحد، واشتمالها على التوصية بإعطاء كل ذي نصيب نصيبه، وأن الله جعل ~~لكل موالي مما ترك الوالدان والأقربون يؤيد أن تكون الآية أعني قوله: ولكل ~~جعلنا إلخ بضميمة الآية السابقة تلخيصا للأحكام والأوامر التي في آيات ~~الإرث، ووصية إجمالية لما فيها من الشرائع التفصيلية كما كان قوله قبل آيات ~~الإرث: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية تشريعا إجماليا كضرب ~~القاعدة في باب الإرث تعود إليه تفاصيل أحكام الإرث. # ولازم ذلك أن ينطبق من أجمل ذكره من الوراث والمورثين على من ذكر منهم ~~تفصيلا في آيات الإرث، فالمراد بالموالي جميع من ذكر وارثا فيها من الأولاد ~~والأبوين والإخوة والأخوات وغيرهم. # والمراد بالأصناف الثلاث المذكورين في الآية بقوله: الوالدان والأقربون ~~والذين عقدت أيمانكم الأصناف المذكورة في آيات الإرث، وهم ثلاثة: الوالدان ~~والأقربون والزوجان فينطبق قوله: الذين عقدت أيمانكم على الزوج والزوجة. # فقوله: "ولكل" أي ولكل واحد منكم ذكرا أو أنثى، جعلنا موالي أي أولياء في ~~الوراثة يرثون ما تركتم من المال، وقوله مما ترك، من فيه للابتداء متعلق ~~بالموالي كأن الولاية نشأت من المال، أو متعلق بمحذوف أي يرثون أو يؤتون ~~مما ترك، وما ترك هو المال الذي تركه الميت المورث الذي هو الوالدان ~~والأقربون نسبا والزوج والزوجة. # وإطلاق "الذين عقدت أيمانكم" على الزوج والزوجة إطلاق كنائي فقد كان ~~دأبهم في المعاقدات والمعاهدات أن يصافحوا فكأن أيمانهم التي يصافحون بها ~~هي التي ms1490 عقدت العقود، وأبرمت العهود فالمراد: الذين أوجدتم بالعقد سببية ~~الازدواج بينكم وبينهم. # وقوله: "فأتوهم نصيبهم" الضمير للموالي، والمراد بالنصيب ما بين في آيات ~~الإرث، والفاء للتفريع، والجملة متفرعة على قوله تعالى: ولكل جعلنا موالي، ~~ثم أكد حكمه بإيتاء نصيبهم بقوله: إن الله كان على كل شيء شهيدا. # وهذا الذي ذكرناه من معنى الآية أقرب المعاني التي ذكروها في تفسيرها، ~~وربما ذكروا أن المراد بالموالي العصبة دون الورثة الذين هم أولى بالميراث، ~~ولا دليل عليه من جهة اللفظ بخلاف الورثة. # وربما قيل: إن "من" في قوله مما ترك الوالدان والأقربون، بيانية والمراد ~~بما الورثة الأولياء، والمعنى: ولكل منكم جعلنا أولياء، يرثونه وهم الذين ~~تركهم وخلفهم الوالدان والأقربون. # وربما قيل: إن المراد ب الذين عقدت أيمانكم الحلفاء، فقد كان الرجل في ~~الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني ~~وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف. # وعلى هذا فالجملة مقطوعة عما قبلها، والمعنى: والحلفاء آتوهم سدسهم، ثم ~~نسخ ذلك بقوله: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض. # وقيل: إن المراد: آتوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى ~~هذه فلا نسخ في الآية. # وربما قيل: إن المراد بهم الذين آخا بينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في المدينة، وكانوا يتوارثون بذلك بينهم ثم نسخ ذلك بآية الميراث. # وربما قيل: أريد بهم الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية فأمروا ~~في الإسلام أن يوصوا لهم بوصية، وذلك قوله تعالى: فأتوهم نصيبهم. # وهذه معان لا يساعدها سياق الآية ولا لفظها على ما لا يخفى للباحث ~~المتأمل، ولذلك أضربنا عن الإطناب في البحث عما يرد عليها. # قوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم" القيم هو الذي يقوم بأمر غيره، والقوام والقيام مبالغة منه. PageV04P117 # والمراد بما فضل الله بعضهم على بعض هو ما يفضل ويزيد فيه الرجال بحسب ~~الطبع على النساء، وهو زيادة قوة التعقل فيهم، وما يتفرع عليه من ms1491 شدة البأس ~~والقوة والطاقة على الشدائد من الأعمال ونحوها فإن حياة النساء حياة ~~إحساسية عاطفية مبنية على الرقة واللطافة، والمراد بما أنفقوا من أموالهم ~~ما أنفقوه في مهورهن ونفقاتهن. # وعموم هذه العلة يعطي أن الحكم المبني عليها أعني قوله: "الرجال قوامون ~~على النساء" غير مقصور على الأزواج بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته بل ~~الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها ~~حياة القبيلين جميعا فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال ~~كجهتي الحكومة والقضاء مثلا اللتين يتوقف عليهما حياة المجتمع، إنما يقومان ~~بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء، وكذا الدفاع الحربي ~~الذي يرتبط بالشدة وقوة التعقل كل ذلك مما يقوم به الرجال على النساء. # وعلى هذا فقوله: الرجال قوامون على النساء ذو إطلاق تام، وأما قوله بعد: ~~فالصالحات قانتات "إلخ" الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل وزوجته على ما ~~سيأتي فهو فرع من فروع هذا الحكم المطلق وجزئي من جزئياته مستخرج منه من ~~غير أن يتقيد به إطلاقه. # قوله تعالى: "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله" المراد ~~بالصلاح معناه اللغوي، وهو ما يعبر عنه بلياقة النفس. # والقنوت هو دوام الطاعة والخضوع. # ومقابلتها لقوله: واللاتي تخافون نشوزهن إلخ، تفيد أن المراد بالصالحات ~~الزوجات الصالحات، وأن هذا الحكم مضروب على النساء في حال الازدواج لا ~~مطلقا، وأن قوله: قانتات حافظات - الذي هو إعطاء للأمر في صورة التوصيف أي ~~ليقنتن وليحفظن - حكم مربوط بشئون الزوجية والمعاشرة المنزلية، وهذا مع ذلك ~~حكم يتبع في سعته وضيقه علته أعني قيمومة الرجل على المرأة قيمومة زوجية ~~فعليها أن تقنت له وتحفظه فيما يرجع إلى ما بينهما من شئون الزوجية. # وبعبارة أخرى كما أن قيمومة قبيل الرجال على قبيل النساء في المجتمع إنما ~~تتعلق بالجهات العامة المشتركة بينهما المرتبطة بزيادة تعقل الرجل وشدته في ~~البأس وهي جهات الحكومة والقضاء والحرب من غير أن يبطل بذلك ما للمرأة من ~~الاستقلال في الإرادة الفردية وعمل نفسها بأن تريد ms1492 ما أحبت وتفعل ما شاءت ~~من غير أن يحق للرجل أن يعارضها في شيء من ذلك في غير المنكر فلا جناح ~~عليهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف كذلك قيمومة الرجل لزوجته ليست بأن لا ~~تنفذ للمرأة في ما تملكه إرادة ولا تصرف، ولا أن لا تستقل المرأة في حفظ ~~حقوقها الفردية والاجتماعية، والدفاع عنها، والتوسل إليها بالمقدمات ~~الموصلة إليها بل معناها أن الرجل إذ كان ينفق ما ينفق من ماله بإزاء ~~الاستمتاع فعليها أن تطاوعه وتطيعه في كل ما يرتبط بالاستمتاع والمباشرة ~~عند الحضور، وأن تحفظه في الغيب فلا تخونه عند غيبته بأن توطىء فراشه غيره، ~~وأن تمتع لغيره من نفسها ما ليس لغير الزوج التمتع منها بذلك، ولا تخونه ~~فيما وضعه تحت يدها من المال، وسلطها عليه في ظرف الازدواج والاشتراك في ~~الحياة المنزلية. # فقوله: فالصالحات قانتات أي ينبغي أن يتخذن لأنفسهن وصف الصلاح، وإذا كن ~~صالحات فهن لا محالة قانتات، أي يجب أن يقنتن ويطعن أزواجهن إطاعة دائمة ~~فيما أرادوا منهن مما له مساس بالتمتع، ويجب عليهن أن يحفظن جانبهم في جميع ~~ما لهم من الحقوق إذا غابوا. # وأما قوله: "بما حفظ الله" فالظاهر أن ما مصدرية، والباء للآلة والمعنى: ~~أنهن قانتات لأزواجهن حافظات للغيب بما حفظ الله لهم من الحقوق حيث شرع لهم ~~القيمومة، وأوجب عليهن الإطاعة وحفظ الغيب لهم. # ويمكن أن يكون الباء للمقابلة، والمعنى حينئذ: أنه يجب عليهن القنوت وحفظ ~~الغيب في مقابلة ما حفظ الله من حقوقهن حيث أحيا أمرهن في المجتمع البشري، ~~وأوجب على الرجال لهن المهر والنفقة، والمعنى الأول أظهر. # وهناك معان ذكروها في تفسير الآية أضربنا عن ذكرها لكون السياق لا يساعد ~~على شىء منها. PageV04P118 # قوله تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن"، النشوز العصيان والاستكبار عن ~~الطاعة، والمراد بخوف النشوز ظهور آياته وعلائمه، ولعل التفريع على خوف ~~النشوز دون نفسه لمراعاة حال العظة من بين العلاجات الثلاث المذكورة فإن ~~الوعظ كما أن له محلا مع تحقق العصيان كذلك له محل مع بدو ms1493 آثار العصيان ~~وعلائمه. # والأمور الثلاثة أعني ما يدل عليه قوله: "فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن" وإن ذكرت معا وعطف بعضها على بعض بالواو فهي أمور مترتبة ~~تدريجية: فالموعظة، فإن لم تنجح فالهجرة، فإن لم تنفع فالضرب، ويدل على كون ~~المراد بها التدرج فيها أنها بحسب الطبع وسائل للزجر مختلفة آخذة من الضعف ~~إلى الشدة بحسب الترتيب المأخوذ في الكلام، فالترتيب مفهوم من السياق دون الواو. # وظاهر قوله: واهجروهن في المضاجع أن تكون الهجرة مع حفظ المضاجعة ~~كالاستدبار وترك الملاعبة ونحوها، وإن أمكن أن يراد من مثل الكلام ترك ~~المضاجعة لكنه بعيد، وربما تأيد المعنى الأول بإتيان المضاجع بلفظ الجمع ~~فإن المعنى الثاني لا حاجة فيه إلى إفادة كثرة المضجع ظاهرا. # قوله تعالى: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" "إلخ" أي لا تتخذوا ~~عليهن علة تعتلون بها في إيذائهن مع إطاعتهن لكم، ثم علل هذا النهي بقوله: ~~إن الله كان عليا كبيرا، وهو إيذان لهم أن مقام ربهم علي كبير فلا يغرنهم ~~ما يجدونه من القوة والشدة في أنفسهم فيظلموهن بالاستعلاء والاستكبار عليهن. # قوله تعالى: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا"، الشقاق البينونة والعداوة، ~~وقد قرر الله سبحانه بعث الحكمين ليكون أبعد من الجور والتحكم، وقوله: "إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما" أي إن يرد الزوجان نوعا من الإصلاح من غير ~~عناد ولجاج في الاختلاف، فإن سلب الاختيار من أنفسهما وإلقاء زمام الأمر ~~إلى الحكمين المرضيين يوجب وفاق البين. # وأسند التوفيق إلى الله مع وجود السبب العادي الذي هو إرادتهما الإصلاح، ~~والمطاوعة لما حكم به الحكمان لأنه تعالى هو السبب الحقيقي الذي يربط ~~الأسباب بالمسببات وهو المعطي لكل ذي حق حقه، ثم تمم الكلام بقوله: إن الله ~~كان عليما خبيرا، ومناسبته ظاهرة. # كلام في معنى قيمومة الرجال على النساء # تقوية القرآن الكريم لجانب العقل الإنساني السليم، وترجيحه إياه على ~~الهوى واتباع الشهوات، والخضوع لحكم العواطف والإحساسات الحادة وحضه ~~وترغيبه في اتباعه، وتوصيته في حفظ هذه الوديعة الإلهية عن الضيعة مما لا ~~ستر ms1494 عليه، ولا حاجة إلى إيراد دليل كتابي يؤدي إليه فقد تضمن القرآن آيات ~~كثيرة متكثرة في الدلالة على ذلك تصريحا وتلويحا وبكل لسان وبيان. # ولم يهمل القرآن مع ذلك أمر العواطف الحسنة الطاهرة، ومهام آثارها ~~الجميلة التي يتربى بها الفرد، ويقوم بها صلب المجتمع كقوله: أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم: - الفتح 29، وقوله: لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة: - الروم 21، وقوله: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق: - الأعراف 32، لكنه عدلها بالموافقة لحكم العقل فصار اتباع حكم ~~هذه العواطف والميول اتباعا لحكم العقل. # وقد مر في بعض المباحث السابقة أن من حفظ الإسلام لجانب العقل وبنائه ~~أحكامه المشرعة على ذلك أن جميع الأعمال والأحوال والأخلاق التي تبطل ~~استقامة العقل في حكمه وتوجب خبطه في قضائه وتقويمه لشئون المجتمع كشرب ~~الخمر والقمار وأقسام المعاملات الغررية والكذب والبهتان والافتراء والغيبة ~~كل ذلك محرمة في الدين. # والباحث المتأمل يحدس من هذا المقدار أن من الواجب أن يفوض زمام الأمور ~~الكلية والجهات العامة الاجتماعية - التي ينبغي أن تدبرها قوة التعقل ~~ويجتنب فيها من حكومة العواطف والميول النفسانية كجهات الحكومة والقضاء ~~والحرب - إلى من يمتاز بمزيد العقل ويضعف فيه حكم العواطف، وهو قبيل الرجال ~~دون النساء. # وهو كذلك، قال الله تعالى: "الرجال قوامون على النساء" والسنة النبوية ~~التي هي ترجمان البيانات القرآنية بينت ذلك كذلك، وسيرته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) جرت على ذلك أيام حياته فلم يول امرأة على قوم ولا أعطى امرأة ~~منصب القضاء ولا دعاهن إلى غزاة بمعنى دعوتهن إلى أن يقاتلن. PageV04P119 # وأما غيرها من الجهات كجهات التعليم والتعلم والمكاسب والتمريض والعلاج ~~وغيرها مما لا ينافي نجاح العمل فيها مداخلة العواطف فلم تمنعهن السنة ذلك، ~~والسيرة النبوية تمضي كثيرا منها، والكتاب أيضا لا يخلو من دلالة على إجازة ~~ذلك في حقهن فإن ذلك لازم ما أعطين من حرية الإرادة والعمل في كثير من شئون ~~الحياة إذ لا معنى لإخراجهن من تحت ولاية الرجال، وجعل الملك لهن بحيالهن ~~ثم النهي ms1495 عن قيامهن بإصلاح ما ملكته أيديهن بأي نحو من الإصلاح، وكذا لا ~~معنى لجعل حق الدعوى أو الشهادة لهن ثم المنع عن حضورهن عند الوالي أو ~~القاضي وهكذا. # اللهم إلا فيما يزاحم حق الزوج فإن له عليها قيمومة الطاعة في الحضور، ~~والحفظ في الغيبة، ولا يمضي لها من شئونها الجائزة ما يزاحم ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، في قوله تعالى: ولا تتمنوا ما فضل الله الآية: أي لا يقل ~~أحدكم: ليت ما أعطي فلان من النعمة والمرأة الحسنى كان لي فإن ذلك يكون ~~حسدا، ولكن يجوز أن يقول: اللهم أعطني مثله، قال: وهو المروي عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام). أقول: وروى العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) مثله. # في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الباقر والصادق (عليهما السلام) في ~~قوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وفي قوله: ولا تتمنوا ما فضل الله ~~به بعضكم على بعض أنهما نزلتا في علي (عليه السلام). # أقول: والرواية من باب الجري والتطبيق. # وفي الكافي، وتفسير القمي، عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: ليس من نفس إلا وقد فرض الله لها رزقها حلالا يأتيها في ~~عافية، وعرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت شيئا من الحرام قاصها ~~به من الحلال الذي فرض لها وعند الله سواهما فضل كثير، وهو قول الله عز ~~وجل: واسألوا الله من فضله:. أقول: ورواه العياشي عن إسماعيل بن كثير رفعه ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وروي هذا المعنى أيضا عن أبي الهذيل ~~عن الصادق (عليه السلام)، وروى قريبا منه أيضا القمي في تفسيره عن الحسين ~~بن مسلم عن الباقر (عليه السلام). # وقد تقدم كلام في حقيقة الرزق وفرضه وانقسامه إلى الرزق الحلال والحرام ~~في ذيل قوله: والله يرزق من يشاء بغير حساب: "البقرة: 212"، في الجزء ~~الثاني فراجعه. # وفي صحيح الترمذي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): سلوا ms1496 الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سلوا الله من فضله فإن الله ~~يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج. # وفي التهذيب، بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: "ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون"، قال: عنى بذلك أولي ~~الأرحام في المواريث، ولم يعن أولياء النعمة فأولاهم بالميت أقربهم إليه من ~~الرحم التي تجره إليها. # وفيه، أيضا بإسناده عن إبراهيم بن محرز قال: سأل أبا جعفر (عليه السلام) ~~رجل وأنا عنده قال: فقال رجل لامرأته: أمرك بيدك، قال: أنى يكون هذا والله ~~يقول: الرجال قوامون على النساء؟ ليس هذا بشيء. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن ~~قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تستعدي على زوجها أنه ~~لطمها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): القصاص، فأنزل الله: ~~الرجال قوامون على النساء الآية فرجعت بغير قصاص: أقول: ورواه بطرق أخرى ~~عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي بعضها: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أردت أمرا وأراد الله غيره، ولعل المورد كان من موارد النشوز، ~~وإلا فذيل الآية: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" ينفي ذلك. PageV04P120 # وفي ظاهر الروايات إشكال آخر من حيث إن ظاهرها أن قوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): القصاص بيان للحكم عن استفتاء من السائل لا قضاء فيما لم يحضر طرفا ~~الدعوى، ولازمه أن يكون نزول الآية تخطئة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في حكمه وتشريعه وهو ينافي عصمته، وليس بنسخ فإنه رفع حكم قبل العمل به، ~~والله سبحانه وإن تصرف في بعض أحكام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وضعا ~~أو رفعا لكن ذلك إنما هو في حكمه ورأيه في موارد ولايته لا في حكمه فيما ~~شرعه ms1497 لأمته فإن ذلك تخطئة باطلة. # وفي تفسير القمي،: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: قانتات يقول: مطيعات. # وفي المجمع، في قوله تعالى: فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن الآية،: ~~عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يحول ظهره إليها، وفي معنى الضرب عن أبي ~~جعفر (عليه السلام): أنه الضرب بالسواك. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ~~"فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها" قال: الحكمان يشترطان إن شاءا فرقا، ~~وإن شاءا جمعا فإن فرقا فجائز، وإن جمعا فجائز. # أقول: وروي هذا المعنى وما يقرب منه بعدة طرق أخر فيه وفي تفسير ~~العياشي،. # وفي تفسير العياشي، عن ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في امرأة تزوجها رجل، وشرط عليها وعلى أهلها إن ~~تزوج عليها امرأة وهجرها أو أتى عليها سرية فإنها طالق، فقال: شرط الله قبل ~~شرطكم إن شاء وفى بشرطه، وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها وتسرى عليها ~~وهجرها إن أتت سبيل ذلك، قال الله في كتابه: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع" وقال: "أحل لكم مما ملكت أيمانكم" وقال: "واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن - واهجروهن في المضاجع واضربوهن - فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا". # وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي إني ~~وافدة النساء إليك، وأعلم نفسي لك الفداء أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا ~~غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي. إن الله بعثك بالحق إلى الرجال ~~والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقسورات، ~~قواعد بيوتكم، ومقضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم ~~علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، ~~وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا ms1498 أو معتمرا ~~أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أموالكم، فما ~~نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها ~~في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل ~~هذا، فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها ثم قال لها: انصرفي ~~أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء: أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها ~~مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر ~~استبشارا. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة مروية في جوامع الحديث من طرق ~~الشيعة وأهل السنة، ومن أجمل ما روي فيه ما رواه في الكافي، عن أبي إبراهيم ~~موسى بن جعفر (عليه السلام): "جهاد المرأة حسن التبعل"، ومن أجمع الكلمات ~~لهذا المعنى مع اشتماله على أس ما بني عليه التشريع ما في نهج البلاغة، ~~ورواه أيضا في الكافي، بإسناده عن عبد الله بن كثير عن الصادق (عليه ~~السلام) عن علي عليه أفضل السلام، وبإسناده أيضا عن الأصبغ بن نباتة عنه ~~(عليه السلام) في رسالته إلى ابنه: إن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة. PageV04P121 # وما روي في ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما المرأة لعبة من ~~اتخذها فلا يضيعها" وقد كان يتعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~كيف تعانق المرأة بيد ضربت بها، ففي الكافي، أيضا بإسناده عن أبي مريم عن ~~أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"أيضرب أحدكم المرأة ثم يظل معانقها؟!" وأمثال هذه البيانات كثيرة في ~~الأحاديث، ومن التأمل فيها يظهر رأي الإسلام فيها. # ولنرجع إلى ما كنا فيه من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية فنقول: يظهر من ~~التأمل فيه وفي نظائره الحاكية عن دخول النساء على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وتكليمهن إياه فيما يرجع إلى شرائع الدين، ومختلف ما قرره ~~الإسلام في ms1499 حقهن أنهن على احتجابهن واختصاصهن بالأمور المنزلية من شئون ~~الحياة غالبا لم يكن ممنوعات من المراودة إلى ولي الأمر، والسعي في حل ما ~~ربما كان يشكل عليهن، وهذه حرية الاعتقاد التي باحثنا فيها في ضمن الكلام ~~في المرابطة الإسلامية في آخر سورة آل عمران. # ويستفاد منه ومن نظائره أيضا أولا أن الطريقة المرضية في حياة المرأة في ~~الإسلام أن تشتغل بتدبير أمور المنزل الداخلية وتربية الأولاد، وهذه وإن ~~كانت سنة مسنونة غير مفروضة لكن الترغيب والتحريض الندبي - والظرف ظرف ~~الدين، والجو جو التقوى وابتغاء مرضاة الله، وإيثار مثوبة الآخرة على عرض ~~الدنيا والتربية على الأخلاق الصالحة للنساء كالعفة والحياء ومحبة الأولاد ~~والتعلق بالحياة المنزلية - كانت تحفظ هذه السنة. # وكان الاشتغال بهذه الشئون والاعتكاف على إحياء العواطف الطاهرة المودعة ~~في وجودهن يشغلهن عن الورود في مجامع الرجال، واختلاطهن بهم في حدود ما ~~أباح الله لهن، ويشهد بذلك بقاء هذه السنة بين المسلمين على ساقها قرونا ~~كثيرة بعد ذلك حتى نفذ فيهن الاسترسال الغربي المسمى بحرية النساء في ~~المجتمع فجرت إليهن وإليهم هلاك الأخلاق، وفساد الحياة وهم لا يشعرون، وسوف ~~يعلمون، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتح الله عليهم بركات من السماء، ~~وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولكن كذبوا فأخذوا. # وثانيا: أن من السنة المفروضة في الإسلام منع النساء من القيام بأمر ~~الجهاد كالقضاء والولاية. # وثالثا: أن الإسلام لم يهمل أمر هذه الحرمانات كحرمان المرأة من فضيلة ~~الجهاد في سبيل الله دون أن تداركها، وجبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا ~~وفضائل فيها مفاخر حقيقية كما أنه جعل حسن التبعل مثلا جهادا للمرأة، وهذه ~~الصنائع والمكارم أوشك أن لا يكون لها عندنا - وظرفنا هذا الظرف الحيوي ~~الفاسد - قدر لكن الظرف الإسلامي الذي يقوم الأمور بقيمها الحقيقية، ~~ويتنافس فيه في الفضائل الإنسانية المرضية عند الله سبحانه، وهو يقدرها حق ~~قدرها يقدر لسلوك كل إنسان مسلكه الذي ندب إليه، وللزومه الطريق الذي خط ~~له، من القيمة ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإنسانية وتتوازن ms1500 أعمالها فلا ~~فضل في الإسلام للشهادة في معركة القتال والسماحة بدماء المهج - على ما فيه ~~من الفضل - على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجية، وكذا لا فخار لوال يدير ~~رحى المجتمع الحيوي، ولا لقاض يتكي على مسند القضاء، وهما منصبان ليس ~~للمتقلد بهما في الدنيا لو عمل فيما عمل بالحق وجرى فيما جرى على الحق إلا ~~تحمل أثقال الولاية والقضاء، والتعرض لمهالك ومخاطر تهددهما حينا بعد حين ~~في حقوق من لا حامي له إلا رب العالمين وإن ربك لبالمرصاد - فأي فخر لهؤلاء ~~على من منعه الدين الورود موردهما، وخط له خطا وأشار إليه بلزومه وسلوكه. # فهذه المفاخر إنما يحييها ويقيم صلبها بإيثار الناس لها نوع المجتمع الذي ~~يربي أجزاءه على ما يندب إليه من غير تناقض، واختلاف الشئون الاجتماعية ~~والأعمال الإنسانية بحسب اختلاف المجتمعات في أجوائها مما لا يسع أحدا ~~إنكاره. PageV04P122 # هو ذا الجندي الذي يلقي بنفسه في أخطر المهالك، وهو الموت في منفجر القنابل ~~المبيدة ابتغاء ما يراه كرامة ومزيدا، وهو زعمه أن سيذكر اسمه في فهرس من ~~فدى بنفسه وطنه ويفتخر بذلك على كل ذي فخر في عين ما يعتقد بأن الموت فوت ~~وبطلان، وليس إلا بغية وهمية، وكرامة خرافية، وكذلك ما تؤثره هذه الكواكب ~~الظاهرة في سماء السينماءات ويعظم قدرهن بذلك الناس تعظيما لا يكاد يناله ~~رؤساء الحكومات السامية وقد كان ما يعتورنه من الشغل وما يعطين من أنفسهن ~~للملإ دهرا طويلا في المجتمعات الإنسانية أعظم ما يسقط به قدر النساء، ~~وأشنع ما يعيرن به، فليس ذلك كله إلا أن الظرف من ظروف الحياة يعين ما ~~يعينه على أن يقع من سواد الناس موقع القبول ويعظم الحقير، ويهون الخطير ~~فليس من المستبعد أن يعظم الإسلام أمورا نستحقرها ونحن في هذه الظروف ~~المضطربة، أو يحقر أمورا نستعظمها ونتنافس فيها فلم يكن الظرف في صدر ~~الإسلام إلا ظرف التقوى وإيثار الآخرة على الأولى PageV04P123 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 36 - 42 # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسنا وبذى القربى واليتمى ms1501 ~~والمسكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمنكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل ويكتمون ما ءاتاهم الله من فضله وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا ~~(37) والذين ينفقون أمولهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ~~ومن يكن الشيطن له قرينا فساء قرينا (38) وما ذا عليهم لو ءامنوا بالله ~~واليوم الاخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) ### |||| AUTO بيان # آيات سبع فيها حث على الإحسان والإنفاق في سبيل الله ووعد جميل عليه، وذم ~~على تركه إما بالبخل أو بالإنفاق مراءاة للناس. # قوله تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا" هذا هو التوحيد غير أن ~~المراد به التوحيد العملي، وهو إتيان الأعمال الحسنة - ومنها الإحسان الذي ~~هو مورد الكلام - طلبا لمرضاة الله وابتغاء لثواب الآخرة دون اتباع الهوى ~~والشرك به. # والدليل على ذلك أنه تعالى عقب هذا الكلام أعني قوله: واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا، وعلله بقوله: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، وذكر ~~أنه البخيل بماله والمنفق لرئاء الناس، فهم الذين يشركون بالله ولا يعبدونه ~~وحده، ثم قال: وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا، وظهر ~~بذلك أن شركهم عدم إيمانهم باليوم الآخر، وقال تعالى: ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب: "ص: 26" فبين أن الضلال باتباع الهوى - وكل شرك ضلال - إنما هو ~~بنسيان يوم الحساب، ثم قال: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم: ~~"الجاثية: 23" فبين أن اتباع الهوى عبادة له وشرك به. # فتبين بذلك كله أن التوحيد العملي أن يعمل الإنسان ابتغاء مثوبة الله ms1502 وهو ~~على ذكر من يوم الحساب الذي فيه ظهور المثوبات والعقوبات، وأن الشرك في ~~العمل أن ينسى اليوم الآخر - ولو آمن به لم ينسه - وأن يعمل عمله لا لطلب ~~مثوبة بل لما يزينه له هواه من التعلق بالمال أو حمد الناس ونحو ذلك، فقد ~~أشخص هذا الإنسان هواه تجاه ربه، وأشرك به. # فالمراد بعبادة الله والإخلاص له فيها أن يكون طلبا لمرضاته، وابتغاء ~~لمثوبته لا لاتباع الهوى. # قوله تعالى: "وبالوالدين إحسانا" إلى قوله: "أيمانكم" الظاهر أن قوله: ~~إحسانا مفعول مطلق لفعل مقدر، تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، والإحسان ~~يتعدى بالباء وإلى معا يقال: أحسنت به وأحسنت إليه، وقوله: وبذي القربى، هو ~~وما بعده معطوف على الوالدين، وذو القربى القرابة، وقوله: والجار ذي القربى ~~والجار الجنب قرينة المقابلة في الوصف تعطي أن يكون المراد بالجار ذي ~~القربى الجار القريب دارا، وبالجار الجنب - وهو الأجنبي - الجار البعيد ~~دارا، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تحديد الجوار بأربعين ~~ذراعا،: وفي رواية: أربعون دارا، ولعل الروايتين ناظرتان إلى الجار ذي ~~القربى والجار الجنب. PageV04P124 # وقوله: والصاحب بالجنب هو الذي يصاحبك ملازما لجنبك، وهو بمفهومه يعم مصاحب ~~السفر من رفقة الطريق ومصاحب الحضر والمنزل وغيرهم، وقوله: وابن السبيل هو ~~الذي لا يعرف من حاله إلا أنه سالك سبيل كأنه ليس له من ينتسب إليه إلا ~~السبيل فهو ابنه، وأما كونه فقيرا ذا مسكنة عادما لزاد أو راحلة فكأنه خارج ~~من مفهوم اللفظ، وقوله: وما ملكت أيمانكم المراد به العبيد والإماء بقرينة ~~عده في عداد من يحسن إليهم، وقد كثر التعبير عنهم بما ملكته الأيمان دون من ملكته. # قوله تعالى: "إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا" المختال التائه ~~المتبختر المسخر لخياله، ومنه الخيل للفرس لأنه يتبختر في مشيته، والفخور ~~كثير الفخر، والوصفان أعني الاختيال وكثرة الفخر من لوازم التعلق بالمال ~~والجاه، والإفراط في حبهما، ولذلك لم يكن الله ليحب المختال الفخور لتعلق ~~قلبه بغيره تعالى، وما ذكره تعالى في تفسيره بقوله: الذين يبخلون ms1503 إلخ ~~وقوله: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس إلخ يبين كون الطائفتين معروضتين ~~للخيلاء والفخر: فالطائفة الأولى متعلقة القلب بالمال، والثانية بالجاه وإن ~~كان بين الجاه والمال تلازم في الجملة. # وكان من طبع الكلام أن يشتغل بذكر أعمالهما من البخل والكتمان وغيرهما ~~لكن بدأ بالوصفين ليدل على السبب في عدم الحب كما لا يخفى. # قوله تعالى: "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل" الآية أمرهم الناس ~~بالبخل إنما هو بسيرتهم الفاسدة وعملهم به سواء أمروا به لفظا أو سكتوا فإن ~~هذه الطائفة لكونهم أولي ثروة ومال يتقرب إليهم الناس ويخضعون لهم لما في ~~طباع الناس من الطمع ففعلهم آمر وزاجر كقولهم، وأما كتمانهم ما آتاهم الله ~~من فضله فهو تظاهرهم بظاهر الفاقد المعدم للمال لتأذيهم من سؤال الناس ما ~~في أيديهم، وخوفهم على أنفسهم لو منعوا وخشيتهم من توجه النفوس إلى ~~أموالهم، والمراد بالكافرين الساترون لنعمة الله التي أنعم بها، ومنه ~~الكافر المعروف لستره على الحق بإنكاره. # قوله تعالى: "والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس"، إلخ أي لمراءاتهم، وفي ~~الآية دلالة على أن الرئاء في الإنفاق - أو هو مطلقا - شرك بالله كاشف عن ~~عدم الإيمان به لاعتماد المرائي على نفوس الناس واستحسانهم فعله، وشرك من ~~جهة العمل لأن المرائي لا يريد بعمله ثواب الآخرة، وإنما يريد ما يرجوه من ~~نتائج إنفاقه في الدنيا، وعلى أن المرائي قرين الشيطان وساء قرينا. # قوله تعالى: "وما ذا عليهم لو آمنوا" الآية، استفهام للتأسف أو التعجب، ~~وفي الآية دلالة على أن الاستنكاف عن الإنفاق في سبيل الله ناش من فقدان ~~التلبس بالإيمان بالله وباليوم الآخر حقيقة وإن تلبس به ظاهرا. # وقوله: "وكان الله بهم عليما" تمهيد لما في الآية التالية من البيان، ~~والأمس لهذه الجملة بحسب المعنى أن تكون حالا. # قوله تعالى: "إن الله لا يظلم مثقال ذرة" الآية. # المثقال هو الزنة، والذرة هو الصغير من النمل الأحمر، أو هو الواحد من ~~الهباء المبثوث في الهواء الذي لا يكاد يرى صغرا. # وقوله: مثقال ذرة نائب مناب المفعول المطلق ms1504 أي لا يظلم ظلما يعدل مثقال ~~ذرة وزنا. # وقوله: وإن تك حسنة، قرىء برفع حسنة وبنصبها فعلى تقدير الرفع كان تامة، ~~وعلى تقدير النصب تقديره: وإن تكن المثقال المذكور حسنة يضاعفها، وتأنيث ~~الضمير في قوله: إن تك إما من جهة تأنيث الخبر أو لكسب المثقال التأنيث ~~بالإضافة إلى ذرة. # والسياق يفيد أن تكون الآية بمنزلة التعليل للاستفهام السابق، والتقدير: ~~ومن الأسف عليهم أن لم يؤمنوا ولم ينفقوا فإنهم لو آمنوا وأنفقوا والله ~~عليم بهم لم يكن الله ليظلمهم في مثقال ذرة أنفقوها بالإهمال وترك الجزاء، ~~وإن تك حسنة يضاعفها. # والله أعلم. # قوله تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد" الآية. # قد تقدم بعض الكلام في معنى الشهادة على الأعمال في تفسير قوله تعالى: ~~لتكونوا شهداء على الناس: "البقرة: 143" من الجزء الأول من هذا الكتاب، ~~وسيجيء بعض آخر في محله المناسب له. # قوله تعالى: "يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول" الآية. PageV04P125 # نسبة المعصية إلى الرسول يشهد أن المراد بها معصية أوامره (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الصادرة عن مقام ولايته لا معصية الله تعالى في أحكام الشريعة، ~~وقوله: لو تسوى بهم الأرض كناية عن الموت بمعنى بطلان الوجود نظير قوله ~~تعالى: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا: "النبأ: 40". # وقوله: "ولا يكتمون الله حديثا" ظاهر السياق أنه معطوف على موضع قوله: ~~يود الذين كفروا وفائدته الدلالة بوجه على ما يعلل به تمنيهم الموت، وهو ~~أنهم بارزون يومئذ لله لا يخفى عليه منهم شيء لظهور حالهم عليه تعالى بحضور ~~أعمالهم، وشهادة أعضائهم وشهادة الأنبياء والملائكة وغيرهم عليهم، والله من ~~ورائهم محيط فيودون عند ذلك أن لو لم يكونوا وليس لهم أن يكتموه تعالى ~~حديثا مع ما يشاهدون من ظهور مساوي أعمالهم وقبائح أفعالهم. # وأما قوله تعالى: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم: ~~"المجادلة: 18" فسيجيء إن شاء الله تعالى أن ذلك إنما هو لإيجاب ملكة الكذب ~~التي حصلوها في الدنيا لا للإخفاء وكتمان الحديث يوم لا يخفى على الله منهم ms1505 شيء. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، في قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا الآية: عن سلام ~~الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي علي (عليه ~~السلام). # ثم قال: وروي مثل ذلك في حديث ابن جبلة. قال: قال: وروي عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أنا وعلي أبوا هذه الأمة. # أقول: وقال البحراني في تفسير البرهان، بعد نقل الحديث: قلت: وروى ذلك ~~صاحب الفائق. # وروى العياشي هذا المعنى عن أبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام)، ورواه ابن شهرآشوب عن أبان عن أبي جعفر (عليه السلام). # والذي تعرض له الخبر هو من بطن القرآن بالمعنى الذي بحثنا عنه في مبحث ~~المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، إذ الأب أو الوالد هو ~~المبدأ الإنساني لوجود الإنسان والمربي له، فمعلم الإنسان ومربيه للكمال ~~أبوه فمثل النبي والولي عليهما أفضل الصلاة أحق أن يكون أبا للمؤمن المهتدي ~~به، المقتبس من أنوار علومه ومعارفه من الأب الجسماني الذي لا شأن له إلا ~~المبدئية والتربية في الجسم فالنبي والولي أبوان، والآيات القرآنية التي ~~توصي الولد بوالديه تشملهما بحسب الباطن وإن كانت بحسب ظاهرها لا تعدو ~~الأبوين الجسمانيين. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن أبي صالح عن أبي العباس في قول الله: والجار ~~ذي القربى والجار الجنب قال: الذي ليس بينك وبينه قرابة، والصاحب بالجنب ~~قال: الصاحب في السفر. # أقول: قوله: الذي ليس بينك، تفسير الجار ذي القربى والجنب معا وإن أمكن ~~رجوعه إلى الجار الجنب فقط، وقوله: الصاحب في السفر لعله من قبيل ذكر بعض ~~المصاديق. # وفيه، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم على الأفواه فلا تكلم، ~~وتكلمت الأيدي، وشهدت الأرجل، وأنطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا. # واعلم، أن الأخبار كثيرة من طرق أهل السنة ms1506 في أن الآيات نازلة في حق ~~اليهود، وهي وإن كان يؤيدها ما ينتهي إليه ذيل الآيات من التعرض لحال أهل ~~الكتاب من اليهود في بخلهم وولعهم بجمع المال وادخاره وكذا وسوستهم ~~للمؤمنين وترغيبهم على الكف عن الإنفاق في سبيل الله وتفتينهم إياهم ~~وإخزائهم لهم، وإفساد الأمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن ~~الأخبار المذكورة مع ذلك أشبه بالتطبيق النظري منها بنقل السبب في النزول ~~كما هو الغالب في الأخبار الناقلة لأسباب النزول، ولذلك تركنا نقلها على ~~كثرتها. # واعلم أيضا أن الأخبار الواردة عن النبي وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في إحسان الوالدين وذي القربى واليتامى وغيرهم من الطوائف المذكورة في ~~الآية فوق حد الإحصاء على معروفيتها وشهرتها، وهو الموجب للإغماض عن ~~إيرادها هاهنا على أن لكل منها وحده مواقع خاصة في القرآن، ذكر ما يخصها من ~~الأخبار هناك أنسب. PageV04P126 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 43 # يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) ### |||| AUTO بيان # قد تقدم في الكلام على قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر: "البقرة: ~~219"، أن الآيات المتعرضة لأمر الخمر خمس طوائف، وإن ضم هذه الآيات بعضها ~~إلى بعض يفيد أن هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا" الآية نزلت ~~بعد قوله تعالى: تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا: "النحل: 67"، وقوله: قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم: "الأعراف: 33"، وقبل قوله ~~تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما: "البقرة: 219"، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه: "المائدة: ~~90"، وهذه آخر الآيات نزولا. # ويمكن بوجه أن يتصور الترتيب على خلاف هذا الذي ذكرناه فتكون النازلة ~~أولا ms1507 آية النحل ثم الأعراف ثم البقرة ثم النساء ثم المائدة فيكون ما يفيده ~~هذا الترتيب من قصة النهي القطعي عن شرب الخمر على خلاف ما يفيده الترتيب ~~السابق فيكون ما في سورة الأعراف نهيا من غير تفسير ثم الذي في سورة البقرة ~~نهيا باتا لكن المسلمين كانوا يتعللون في الاجتناب حتى نهوا عنها نهيا ~~جازما في حال الصلاة في سورة النساء، ثم نهيا مطلقا في جميع الحالات في ~~سورة المائدة ولعلك إن تدبرت في مضامين الآيات رجحت الترتيب السابق على هذا ~~الترتيب، ولم تجوز بعد النهي الصريح الذي في آية البقرة النهي الذي في آية ~~النساء المختص بحال الصلاة فهذه الآية قبل آية البقرة، إلا أن نقول إن ~~النهي عن الصلاة في حال السكر كناية عن الصلاة كسلان كما ورد في بعض ~~الروايات الآتية. # وأما وقوع الآية بين ما تقدمها وما تأخر عنها من الآيات فهي كالمتخللة ~~المعترضة إلا أن هاهنا احتمالا ربما صحح هذا النحو من التخلل والاعتراض - ~~وهو غير عزيز في القرآن - وهو جواز أن تتنزل عدة من الآيات ذات سياق واحد ~~متصل منسجم تدريجا في خلال أيام ثم تمس الحاجة إلى نزول آية أو آيات ولما ~~تمت الآيات النازلة على سياق واحد فتقع الآية بين الآيات كالمعترضة ~~المتخللة وليست بأجنبية بحسب الحقيقة وإنما هي كالكلام بين الكلام لرفع ~~توهم لازم الدفع، أو مس حاجة إلى إيراده نظير قوله تعالى: بل الإنسان على ~~نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه كلا بل تحبون العاجلة ~~الآيات: "القيامة: 20"، انظر إلى موضع قوله: لا تحرك إلى قوله: "بيانه". # وعلى هذا فلا حاجة إلى التكلف في بيان وجه ارتباط الآية بما قبلها، ~~وارتباط ما بعدها بها، على أن القرآن إنما نزل نجوما، ولا موجب لهذا ~~الارتباط إلا في السور النازلة دفعة أو الآيات الواضحة الاتصال الكاشف ذلك ~~عن الارتباط بينها. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" ms1508 إلى قوله: "ما تقولون" المراد بالصلاة ~~المسجد، والدليل عليه قوله: ولا جنبا إلا عابري سبيل، والمقتضي لهذا التجوز ~~قوله حتى تعلموا ما تقولون إذ لو قيل: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى لم ~~يستقم تعليله بقوله: "حتى تعلموا ما تقولون" أو أفاد التعليل معنى آخر غير ~~مقصود مع أن المقصود إفادة أنكم في حال الصلاة تواجهون مقام العظمة ~~والكبرياء وتخاطبون رب العالمين فلا يصلح لكم أن تسكروا وتبطلوا عقولكم ~~برجس الخمر فلا تعلموا ما تقولون، وهذا المعنى كما ترى - يناسب النهي عن ~~اقتراب الصلاة لكن الصلاة لما كانت أكثر ما تقع تقع في المسجد جماعة - على ~~السنة - وكان من القصد أن تذكر أحكام الجنب في دخوله المسجد أوجز في المقال ~~وسبك الكلام على ما ترى. PageV04P127 # وعلى هذا فقوله: حتى تعلموا ما تقولون في مقام التعليل للنهي عن شرب الخمر ~~بحيث يبقى سكرها إلى حال دخول الصلاة أي نهيناكم عنه لغاية أن تعلموا ما ~~تقولون وليس غاية للحكم بمعنى أن لا تقربوا إلى أن تعلموا ما تقولون فإذا ~~علمتم ما تقولون فلا بأس. # قوله تعالى: "ولا جنبا إلا عابري سبيل" إلى آخر الآية سيأتي الكلام في ~~الآية في تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة: ~~"المائدة: 6". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول ~~الله: "لا تقربوا الصلاة - وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" قال: هذا قبل ~~أن تحرم الخمر. # أقول: ينبغي أن تحمل الرواية على أن المراد بتحريم الخمر توضيح تحريمها، ~~وإلا فهي مخالفة للكتاب فإن آية الأعراف تحرم الخمر بعنوان أنه إثم صريحا، ~~وآية البقرة تصرح بأن في الخمر إثما كبيرا فقد حرمت الخمر في مكة قبل ~~الهجرة لكون سورة الأعراف مكية ولم يختلف أحد في أن هذه الآية آية النساء ~~مدنية، ومثل هذه الرواية عدة روايات من طرق أهل السنة تصرح بكون الآية ~~نازلة قبل تحريم الخمر، ويمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى كون المراد بالآية ms1509 ~~عن الصلاة كسلان. # وفيه، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تقم إلى الصلاة ~~متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا فإنها من خلل النفاق فإن الله نهى ~~المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى يعني من النوم. # أقول: قوله: فإنها من خلل النفاق استفاد (عليه السلام) ذلك من قوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا، فالمتمرد عن هذا الخطاب منافق غير مؤمن، ~~وقوله: يعني من النوم يحتمل أن يكون من كلام الراوي ويحتمل أن يكون من ~~كلامه (عليه السلام) ويكون تفسيرا للآية من قبيل بطن القرآن، ويمكن أن يكون ~~من الظهر. # وقد وردت روايات أخر في تفسيره بالنوم رواها العياشي في تفسيره عن الحلبي ~~في روايتين، والكليني في الكافي بإسناده عن زيد الشحام عن الصادق (عليه ~~السلام)، وبإسناده عن زرارة عن الباقر (عليه السلام)، وروى هذا المعنى أيضا ~~البخاري في صحيحه عن أنس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV04P128 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 44 - 58 # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يشترون الضللة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من ~~الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~ورعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع ~~وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ~~(46) يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ~~بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله ~~الكذب وكفى به إثما مبينا (50) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب ~~يؤمنون بالجبت والطغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا ~~سبيلا ms1510 (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم ~~لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما ~~ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال إبرهيم الكتب والحكمة وءاتينهم ملكا ~~عظيما (54) فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) إن ~~الذين كفروا بئايتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~سندخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا لهم فيها أزوج مطهرة ~~وندخلهم ظلا ظليلا (57) * إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا ~~بصيرا (58) ### |||| AUTO بيان # آيات متعرضة لحال أهل الكتاب، وتفصيل لمظالمهم وخياناتهم في دين الله، ~~وأوضح ما تنطبق على اليهود، وهي ذات سياق واحد متصل، والآية الأخيرة: "إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" الآية، وإن ذكر بعضهم أنها مكية، ~~واستثناها في آيتين من سورة النساء المدنية، وهي هذه الآية، وقوله تعالى: ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة الآية: "النساء: 176" على ما في المجمع ~~لكن الآية ظاهرة الارتباط بما قبلها من الآيات، وكذا آية الاستفتاء فإنها ~~في الإرث، وقد شرع في المدينة. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب" الآية، قد تقدم في ~~الكلام على الآيات 36 42 أنها مرتبطة بعض الارتباط بهذه الآيات، وقد سمعت ~~القول في نزول تلك الآيات في حق اليهود. # وبالجملة يلوح من هذه الآيات أن اليهود كانوا يلقون إلى المؤمنين المودة ~~ويظهرون لهم النصح فيفتنونهم بذلك، ويأمرونهم بالبخل والإمساك عن الإنفاق ~~ليمنعوا بذلك سعيهم عن النجاح، وجدهم في التقدم والتعالي، وهذا لازم كون ~~تلك الآيات نازلة في حق اليهود أو في حق من كان يسار اليهود ويصادقهم ثم ~~تنحرف عن الحق بتحريفهم، ويميل إلى حيث يميلونه فيبخل ثم يأمر بالبخل. # وهذا هو الذي يستفاد من قوله: ويريدون أن ms1511 تضلوا السبيل والله أعلم ~~بأعدائكم إلى آخر الآية. PageV04P129 # فمعنى الآيتين - والله أعلم - أن ما نبينه لكم تصديق ما بيناه لكم من حال ~~الممسك عن الإنفاق في سبيل الله بالاختيال والفخر والبخل والرئاء إنك ترى ~~اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أي حظا منه لا جميعه كما يدعون لأنفسهم ~~يشترون الضلالة ويختارونها على الهدى، ويريدون أن تضلوا السبيل فإنهم وإن ~~لقوكم ببشر الوجه، وظهروا لكم في زي الصلاح، واتصلوا بكم اتصال الأولياء ~~الناصرين فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم، واستصوبته قلوبكم لكنهم ما ~~يريدون إلا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة، والله أعلم منكم ~~بأعدائكم، وهم أعداؤكم فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم فإياكم أن ~~تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة وإلقاءاتهم المزخرفة وأنتم ~~تقدرون أنهم أولياؤكم وأنصاركم، فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة، ~~ونصرتهم المرجوة وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا، فأي حاجة مع ولايته ~~ونصرته إلى ولايتهم ونصرتهم. # قوله تعالى: "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه" إلى قوله: "في ~~الدين" "من" في قوله: من الذين، بيانيه، وهو بيان لقوله في الآية السابقة: ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، أو لقوله: بأعدائكم، وربما قيل: إن قوله: من ~~الذين هادوا خبر لمبتدإ محذوف وهو الموصوف المحذوف لقوله يحرفون الكلم، ~~والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون، أو من الذين هادوا من يحرفون، قالوا: ~~وحذف الموصوف شائع كقول ذي الرمة: فظلوا ومنهم دمعه سابق له. # وآخر يشني دمعة العين بالمهل. # يريد: ومنهم قوم دمعه أو ومنهم من دمعه وقد وصف الله تعالى هذه الطائفة ~~بتحريف الكلم عن مواضعه، وذلك إما بتغيير مواضع الألفاظ بالتقديم والتأخير ~~والإسقاط والزيادة كما ينسب إلى التوراة الموجودة، وإما بتفسير ما ورد عن ~~موسى (عليه السلام) في التوراة وعن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من ~~المعنى الحق كما أولوا ما ورد في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~بشارات التوراة، ومن قبل أولوا ما ورد في المسيح (عليه السلام) من البشارة، ~~وقالوا: إن ms1512 الموعود لم يجىء بعد، وهم ينتظرون قدومه إلى اليوم. # ومن الممكن أن يكون المراد بتحريف الكلم عن مواضعه ما سيذكره تعالى ~~بقوله: ويقولون سمعنا وعصينا، فتكون هذه الجمل معطوفة على قوله: يحرفون، ~~ويكون المراد حينئذ من تحريف الكلم عن مواضعه استعمال القول بوضعه في غير ~~المحل الذي ينبغي أن يوضع فيه، فقول القائل: سمعنا من حقه أن يوضع في موضع ~~الطاعة فيقال: سمعنا وأطعنا لا أن يقال: سمعنا وعصينا، أو يوضع: سمعنا موضع ~~التهكم والاستهزاء، وكذا قول القائل: اسمع ينبغي أن يقال فيه: اسمع أسمعك ~~الله لا أن يقال: اسمع غير مسمع أي لا أسمعك الله وراعنا، وهو يفيد في لغة ~~اليهود معنى اسمع غير مسمع. # وقوله: "ليا بألسنتهم وطعنا في الدين" أصل اللي الفتل أي يميلون بألسنتهم ~~فيظهرون الباطل من كلامهم في صورة الحق، والإزراء والإهانة في صور التأدب ~~والاحترام فإن المؤمنين كانوا يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~حين ما كانوا يكلمونه بقولهم: راعنا يا رسول الله، ومعناه: أنظرنا واسمع ~~منا حتى نوفي غرضنا من كلامنا، فاغتنمت اليهود ذلك فكانوا يخاطبون رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم: راعنا وهم يريدون به ما عندهم من ~~المعنى المستهجن غير الحري بمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) فذموا به في ~~هذه الآية، وهو قوله تعالى: "يحرفون الكلم عن مواضعه" ثم فسره بقوله: ~~"ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع" ثم عطف عليه كعطف التفسير قوله: ~~"وراعنا" ثم ذكر أن هذا الفعال المذموم منهم لي بالألسن، وطعن في الدين ~~فقال: "ليا بألسنتهم وطعنا في الدين" والمصدران في موضع الحال والتقدير: ~~لاوين بألسنتهم، وطاعنين في الدين. PageV04P130 # قوله تعالى: "ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم" كون هذا ~~القول منهم وهو مشتمل على أدب الدين، والخضوع للحق خيرا وأقوم مما قالوه مع ~~اشتماله على اللي والطعن المذمومين ولا خير فيه ولا قوام مبني على مقايسة ~~الأثر الحق الذي في هذا الكلام الحق على ما يظنونه من الأثر في كلامهم ms1513 وإن ~~لم يكن له ذلك بحسب الحقيقة، فالمقايسة بين الأثر الحق وبين الأثر المظنون ~~حقا، والمعنى: أنهم لو قالوا: سمعنا وأطعنا، لكان فيه من الخير والقوام ~~أكثر مما يقدرون في أنفسهم لهذا اللي والطعن فالكلام يجري مجرى قوله تعالى: ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من ~~اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين: - الجمعة: 11. # قوله تعالى: "ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا" تأييس ~~للسامعين من أن تقول اليهود سمعنا وأطعنا فإنه كلمة إيمان وهؤلاء ملعونون ~~لا يوفقون للإيمان، ولذلك قيل: لو أنهم قالوا، الدال على التمني المشعر ~~بالاستحالة. # والظاهر أن الباء في قوله: "بكفرهم" للسببية دون الآية، فإن الكفر يمكن ~~أن يزاح بالإيمان فهو لا يوجب بما هو كفر لعنة تمنع عن الإيمان منعا قاطعا ~~لكنهم لما كفروا وسيشرح الله تعالى في آخر السورة حال كفرهم لعنهم الله ~~بسبب ذلك لعنا ألزم الكفر عليهم إلزاما لا يؤمنون بذلك إلا قليلا فافهم ذلك. # وأما قوله: فلا يؤمنون إلا قليلا فقد قيل: إن "قليلا" حال، والتقدير: إلا ~~وهم قليل أي لا يؤمنون إلا في حال هم قليل، وربما قيل: إن "قليلا" صفة ~~لموصوف محذوف، والتقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، وهذا الوجه كسابقه ~~لا بأس به لكن يجب أن يزاد فيه أن اتصاف الإيمان بالقلة إنما هو من قبيل ~~الوصف بحال المتعلق أي إيمانا المؤمن به قليل. # وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد به قليل الإيمان في مقابل كامله، ~~وذكر أن المعنى: فلا يؤمنون إلا قليلا من الإيمان لا يعتد به إذ لا يصلح ~~عمل صاحبه، ولا يزكي نفسه، ولا يرقي عقله فقد أخطأ، فإن الإيمان إنما يتصف ~~بالمستقر والمستودع، والكامل والناقص في درجات ومراتب مختلفة، وأما القلة ~~وتقابلها الكثرة فلا يتصف بهما، وخاصة في مثل القرآن الذي هو أبلغ الكلام. # على أن المراد بالإيمان المذكور في الآية إما حقيقة الإيمان القلبي في ~~مقابل النفاق أو صورة الإيمان التي ربما يطلق عليها ms1514 الإسلام، واعتباره على ~~أي معنى من معانيه، والاعتناء به في الإسلام مما لا ريب فيه، والآيات ~~القرآنية ناصة فيه، قال تعالى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا: "النساء: 94"، مع أن الذي يستثني الله تعالى منه قوله: ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم، كان يكفي فيه أقل درجات الإيمان أو الإسلام الظاهري بحفظهم ~~الظاهر بقولهم: سمعنا وأطعنا كسائر المسلمين. # والذي أوقعه في هذا الخطإ ما توهمه أن لعنه تعالى إياهم بكفرهم لا يجوز ~~أن يتخلف عن التأثير بإيمان بعضهم فقدر أن القلة وصف الإيمان وهي ما لا ~~يعتد به من الإيمان حتى يستقيم قوله: "لعنهم الله بكفرهم"، وقد غفل عن أن ~~هذه الخطابات وما تشتمل عليه من صفات الذم والمؤاخذات والتوبيخات كل ذلك ~~متوجهة إلى المجتمعات من حيث الاجتماع، فالذي لحقه اللعن والغضب والمؤاخذات ~~العامة الأخرى إنما هو المجتمع اليهودي من حيث إنه مجتمع مكون فلا يؤمنون ~~ولا يسعدون ولا يفلحون، وهو كذلك إلى هذا اليوم وهم على ذلك إلى يوم ~~القيامة. # وأما الاستثناء فإنما هو بالنسبة إلى الأفراد، وخروج بعض الأفراد من ~~الحكم المحتوم على المجتمع ليس نقضا لذلك الحكم، والمحوج إلى هذا الاستثناء ~~أن الأفراد بوجه هم المجتمع فقوله: "فلا يؤمنون" حيث نفي فيه الإيمان عن ~~الأفراد - وإن كان ذلك نفيا عنهم من حيث جهة الاجتماع - وكان يمكن فيه أن ~~يتوهم أن الحكم شامل لكل واحد واحد منهم بحيث لا يتخلص منه أحد استثني ~~فقيل: إلا قليلا فالآية تجري مجرى قوله تعالى: ولو أنا كتبنا عليهم أن ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم: - النساء: 66. PageV04P131 # قوله تعالى: "يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا" إلخ الطمس محو ~~أثر الشيء، والوجه ما يستقبلك من الشيء ويظهر منه، وهو من الإنسان الجانب ~~المقدم الظاهر من الرأس وما يستقبلك منه، ويستعمل في الأمور المعنوية كما ~~يستعمل في الأمور الحسية، والأدبار جمع دبر بضمتين وهو القفا، والمراد ~~بأصحاب السبت قوم من اليهود كانوا يعدون في السبت فلعنهم الله ms1515 ومسخهم، قال ~~تعالى: واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم: - الأعراف: 163، ~~وقال تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها: - البقرة: 66. # وقد كانت الآيات السابقة - كما عرفت - متعرضة لحال اليهود أو لحال طائفة ~~من اليهود، وانجر القول إلى أنهم بإزاء ما خانوا الله ورسوله، وأفسدوا صالح ~~دينهم ابتلوا بلعنة من الله لحق جمعهم، وسلبهم التوفيق للإيمان إلا قليلا ~~فعم الخطاب لجميع أهل الكتاب - على ما يفيده قوله: يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب - ودعاهم إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم، وأوعدهم ~~بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من غير عذر من طمس أو لعن يتبعانهم ~~إتباعا لا ريب فيه. # وذلك ما ذكره بقوله: من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها، فطمس ~~الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدها الحيوية مما فيه ~~سعادة الإنسان المترقبة والمرجوة لكن لا المحو الذي يوجب فناء الوجوه ~~وزوالها وبطلان آثارها بل محوا يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها فهي ~~تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر عليها لكن لما كانت منصوبة إلى الأقفية ~~ومردودة على الأدبار لا تقصد إلا ما خلفته وراءها، ولا تمشي إليه إلا ~~القهقرى. # وهذا الإنسان - وهو بالطبع والفطرة متوجه نحو ما يراه خيرا وسعادة لنفسه ~~- كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه، وصلاحا لدينه أو لدنياه لم ينل إلا ~~شرا وفسادا، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر، وليس يفلح أبدا. # وأما لعنهم كلعن أصحاب السبت فظاهره المسخ على ما تقدم من آيات أصحاب ~~السبت التي تخبر عن مسخهم قردة. # وعلى هذا فلفظة "أو" في قوله: أو نلعنهم، على ظاهرها من إفادة الترديد، ~~والفرق بين الوعيدين أن الأول أعني الطمس يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم ~~من غير تغيير الخلقة إلا في بعض كيفياتها، والثاني أعني اللعن كلعن أصحاب ~~السبت يوجب ms1516 تغيير المقصد بتغيير الخلقة الإنسانية إلى خلقة حيوانية ~~كالقردة. # فهؤلاء إن تمردوا عن الامتثال - وسوف يتمردون على ما تفيده خاتمة الآية - ~~كان لهم إحدى سخطتين: إما طمس الوجوه، وأما اللعن كلعن أصحاب السبت لكن ~~الآية تدل على أن هذه السخطة لا تعمهم جميعهم حيث قال. # "وجوها" فأتى بالجمع المنكر، ولو كان المراد هو الجميع لم ينكر، ولتنكير ~~الوجوه وعدم تعيينه نكتة أخرى هي أن المقام لما كان مقام الإيعاد والتهديد، ~~وهو إيعاد للجماعة بشر لا يحلق إلا ببعضهم كان إبهام الأفراد الذين يقع ~~عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف لأن وصفهم على إبهامه يقبل ~~الانطباق على كل واحد واحد من القوم فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب ~~البئيس، وهذه الصناعة شائعة في اللسان في مقام التهديد والتخويف. # وفي قوله تعالى: أو نلعنهم، حيث أرجع فيه ضمير "هم" الموضوع لأولي العقل ~~إلى قوله: "وجوها" كما هو الظاهر تلويحا أو تصريحا بأن المراد بالوجوه ~~الأشخاص من حيث استقبالهم مقاصدهم، وبذلك يضعف احتمال أن يكون المراد بطمس ~~الوجوه وردها على أدبارها تحويل وجوه الأبدان إلى الأقفية كما قال به ~~بعضهم، ويقوى بذلك احتمال أن المراد من تحويل الوجوه إلى الأدبار تحويل ~~النفوس من حال استقامة الفكر، وإدراك الواقعيات على واقعيتها إلى حال ~~الاعوجاج والانحطاط الفكري بحيث لا يشاهد حقا إلا أعرض عنه واشمأز منه، ولا ~~باطلا إلا مال إليه وتولع به. # وهذا نوع من التصرف الإلهي مقتا ونقمة نظير ما يدل عليه قوله تعالى: ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون: "الأنعام: 110". PageV04P132 # فتبين مما مر أن المراد بطمس الوجوه في الآية نوع تصرف إلهي في النفوس يوجب ~~تغيير طباعها من مطاوعة الحق وتجنب الباطل إلى اتباع الباطل والاحتراز عن ~~الحق في باب الإيمان بالله وآياته كما يؤيده صدر الآية: آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس إلخ، وكذا تبين أن المراد باللعن المذكور ~~فيها المسخ. # وربما قيل: إن المراد بالطمس تحويل وجوه ms1517 قوم إلى أقفيتهم ويكون ذلك في ~~آخر الزمان أو يوم القيامة، وفيه: أن قوله: "أو نلعنهم" ينافي ذلك كما تقدم بيانه. # وربما قيل: إن المراد بالطمس الخذلان الدنيوي فلا يزالون على ذلة ونكبة ~~لا يقصدون غاية ذات سعادة إلا بدلها الله عليهم سرابا لا خير فيه، وفيه: ~~أنه وإن كان لا يبعد كل البعد لكن صدر الآية - كما تقدم - ينافيه. # وربما قيل: إن المراد به إجلاؤهم وردهم ثانيا إلى حيث خرجوا منه، وقد ~~أخرجوا من الحجاز إلى أرض الشام وفلسطين، وقد جاءوا منهما، وفيه أن صدر ~~الآية بسياقه يؤيد غير ذلك كما عرفته. # نعم من الممكن أن يقال: إن المراد به تقليب أفئدتهم، وطمس وجوه باطنهم من ~~الحق إلى نحو الباطل فلا يفلحون بالإيمان بالله وآياته، ثم إن الدين الحق ~~لما كان هو الصراط الذي لا ينجح إنسان في سعادة حياته الدنيا إلا بركوبه ~~والاستواء عليه، وليس للناكب عنه إلا الوقوع في كانون الفساد، والسقوط في ~~مهابط الهلاك، قال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا: "الروم: 41"، وقال تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم: ~~"الأعراف: 96" ولازم هذه الحقيقة أن طمس الوجوه عن المعارف الحقة الدينية ~~طمس لها عن حقائق سعادة الحياة الدنيا بجميع أقسامها فالمحروم من سعادة ~~الدين محروم من سعادة الدنيا من استقرار الحال وتمهد الأمن وسؤدد الاستقلال ~~والملك، وكل ما يطيب به العيش، ويدر به ضرع العمل اللهم إلا على قدر ما ~~نسرب المواد الدينية في مجتمعهم وعلى هذا فلا بأس بالجمع بين الوجوه ~~المذكورة جلها أو كلها. # قوله تعالى: "وكان أمر الله مفعولا" إشارة إلى أن الأمر لا محالة واقع، ~~وقد وقع على ما ذكره الله في كتابه من لعنهم وإنزال السخط عليهم، وإلقاء ~~العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، وغير ذلك في آيات كثيرة. # قوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" ms1518 ~~ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل للحكم المذكور في الآية السابقة أعني ~~قوله: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس إلخ، فيعود المعنى ~~إلى مثل قولنا: فإنكم إن لم تؤمنوا به كنتم بذلك مشركين، والله لا يغفر أن ~~يشرك به فيحل عليكم غضبه وعقوبته فيطمس وجوهكم بردها على أدبارها أو يلعنكم ~~فنتيجة عدم المغفرة هذه ترتب آثار الشرك الدنيوية من طمس أو لعن عليه. # وهذا هو الفرق بين مضمون هذه الآية، وقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا: ~~"النساء: 116"، فإن هذه الآية آية 48، تهدد بآثار الشرك الدنيوية، وتلك آية ~~116، تهدد بآثاره الأخروية، وذلك بحسب الانطباق على المورد وإن كانتا بحسب ~~الإطلاق كلتاهما شاملتين لجميع الآثار. # ومغفرته سبحانه وعدم مغفرته لا يقع شيء منهما وقوعا جزافيا بل على وفق ~~الحكمة، وهو العزيز الحكيم، فأما عدم مغفرته للشرك فإن الخلقة إنما تثبت ~~على ما فيها من الرحمة على أساس العبودية والربوبية، قال تعالى: وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون: "الذاريات: 56"، ولا عبودية مع شرك، وأما مغفرته ~~لسائر المعاصي والذنوب التي دون الشرك فلشفاعة من جعل له الشفاعة من ~~الأنبياء والأولياء والملائكة والأعمال الصالحة على ما مر تفصيله في بحث ~~الشفاعة في الجزء الأول من هذا الكتاب. # وأما التوبة فالآية غير متعرضة لشأنها من حيث خصوص مورد الآية لأن موردها ~~عدم الإيمان ولا توبة معه، على أن التوبة يغفر معها جميع الذنوب حتى الشرك، ~~قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم: "الزمر: 54". PageV04P133 # والمراد بالشرك في الآية ما يعم الكفر لا محالة فإن الكافر أيضا لا يغفر له ~~البتة وإن لم يصدق عليه المشرك بعنوان التسمية بناء على أن أهل الكتاب لا ~~يسمون في القرآن مشركين وإن كان كفرهم بالقرآن وبما جاء به النبي شركا منهم ms1519 ~~أشركوا به راجع تفسير آية 221 من البقرة، وإذا لم يؤمن أهل الكتاب بما نزل ~~الله مصدقا لما معهم فقد كفروا به، وأشركوا ما في أيديهم بالله سبحانه فإنه ~~شيء لا يريده الله على الصفة التي أخذوه بها فالمؤمن بموسى (عليه السلام) ~~إذا كفر بالمسيح (عليه السلام) فقد كفر بالله وأشرك به موسى، ولعل ما ~~ذكرناه هو النكتة لقوله تعالى: أن يشرك به دون أن يقول: المشرك أو ~~المشركين. # وقوله تعالى: "لمن يشاء" تقييد للكلام لدفع توهم أن لأحد من الناس تأثيرا ~~فيه تعالى يوجب به عليه المغفرة فيحكم عليه تعالى حاكم أو يقهره قاهر، ~~وتعليق الأمور الثابتة في القرآن على المشيئة كثير والوجه في كلها أو جلها ~~دفع ما ذكرناه من التوهم كقوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ: "هود: 108". # على أن من الحكمة ألا يغفر لكل مذنب ذنبه وإلا لغا الأمر والنهي، وبطل ~~التشريع، وفسد أمر التربية الإلهية، وإليه الإشارة بقوله: لمن يشاء، ومن ~~هنا يظهر أن كل واحد من المعاصي لا بد أن لا يغفر بعض أفراده وإلا لغا ~~النهي عنه، وهذا لا ينافي عموم لسان آيات أسباب المغفرة فإن الكلام في ~~الوقوع دون الوعد على وجه الإطلاق، ومن المعاصي ما يصدر عمن لا يغفر له ~~بشرك ونحوه. # فمعنى الآية أنه تعالى لا يغفر الشرك من كافر ولا مشرك، ويغفر سائر ~~الذنوب دون الشرك بشفاعة شافع من عباده أو عمل صالح، وليس هو تعالى مقهورا ~~أن يغفر كل ذنب من هذه الذنوب لكل مذنب بل له أن يغفر وله أن لا يغفر، كل ~~ذلك لحكمة. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" قال الراغب: أصل الزكاة ~~النمو الحاصل من بركة الله تعالى - إلى أن قال -: وتزكية الإنسان نفسه ~~ضربان: أحدهما: بالفعل وهو محمود، وإليه قصد بقوله: قد أفلح من تزكى، ~~والثاني بالقول كتزكيته لعدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد ~~نهى الله تعالى عنه فقال: لا ms1520 تزكوا أنفسكم، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح ~~الإنسان نفسه عقلا وشرعا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقا؟ ~~فقال: مدح الرجل نفسه، انتهى كلامه. # ولما كانت الآية في ضمن الآيات المسرودة للتعرض لحال أهل الكتاب كان ~~الظاهر أن هؤلاء المزكين لأنفسهم هم أهل الكتاب أو بعضهم، ولم يوصفوا بأهل ~~الكتاب لأن العلماء بالله وآياته لا ينبغي لهم أن يتلبسوا بأمثال هذه ~~الرذائل فالإصرار عليها انسلاخ عن الكتاب وعلمه. # ويؤيده ما حكاه الله تعالى عن اليهود من قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه: ~~"المائدة: 18"، وقولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة: "البقرة: 80" ~~وزعمهم الولاية كما في قوله تعالى: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أولياء لله من دون الناس: "الجمعة: 6"، فالآية تكني عن اليهود، وفيها ~~استشهاد لما تقدم ذكره في الآيات السابقة من استكبارهم عن الخضوع للحق ~~واتباعه، والإيمان بآيات الله سبحانه، واستقرار اللعن الإلهي فيهم، وأن ذلك ~~من لوازم إعجابهم بأنفسهم وتزكيتهم لها. # قوله تعالى: "بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا" إضراب عن تزكيتهم ~~لأنفسهم، ورد لهم فيما زكوه، وبيان أن ذلك من شئون الربوبية يختص به تعالى ~~فإن الإنسان وإن أمكن أن يتصف بفضائل، ويتلبس بأنواع الشرف والسؤدد المعنوي ~~غير أن اعتناءه بذلك واعتماده عليه لا يتم إلا بإعطائه لنفسه استغناء ~~واستقلالا وهو في معنى دعوى الألوهية والشركة مع رب العالمين، وأين الإنسان ~~الفقير الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة والاستغناء عن ~~الله سبحانه في خير أو فضيلة؟ والإنسان في نفسه وفي جميع شئون نفسه، والخير ~~الذي يزعم أنه يملكه، وجميع أسباب ذلك الخير، مملوك لله سبحانه محضا من غير ~~استثناء، فما ذا يبقى للإنسان؟. PageV04P134 # وهذا الغرور والإعجاب الذي يبعث الإنسان إلى تزكية نفسه هو العجب الذي هو ~~من أمهات الرذائل، ثم لا يلبث هذا الإنسان المغرور المعتمد على نفسه دون أن ~~يمس غيره فيتولد من رذيلته هذه رذيلة أخرى، وهي رذيلة التكبر ويتم تكبره في ~~صورة ms1521 الاستعلاء على غيره من عباد الله فيستعبد به عباد الله سبحانه، ويجري ~~به كل ظلم وبغي بغير حق وهتك محارم الله وبسط السلطة على دماء الناس ~~وأعراضهم وأموالهم. # وهذا كله إذا كان الوصف وصفا فرديا وأما إذا تعدى الفرد وصار خلقا ~~اجتماعيا وسيرة قومية فهو الخطر الذي فيه هلاك النوع وفساد الأرض، وهو الذي ~~يحكيه تعالى عن اليهود إذ قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل: "آل عمران: 75". # فما كان لبشر أن يذكر لنفسه من الفضيلة ما يمدحها به سواء كان صادقا فيما ~~يقول أو كاذبا لأنه لا يملك ذلك لنفسه لكن الله سبحانه لما كان هو المالك ~~لما ملكه، والمعطي الفضل لمن يشاء وكيف يشاء كان له أن يزكي من شاء تزكية ~~عملية بإعطاء الفضل وإفاضة النعمة، وأن يزكي من يشاء تزكية قولية يذكره بما ~~يمتدح به، ويشرفه بصفات الكمال كقوله في آدم ونوح: إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا: "آل عمران: 33"، وقوله في إبراهيم وإدريس: إنه كان صديقا نبيا: ~~"مريم: 41، 56"، وقوله في يعقوب: وإنه لذو علم لما علمناه: "يوسف: 68"، ~~وقوله في يوسف: إنه من عبادنا المخلصين: "يوسف: 24"، وقوله في حق موسى: إنه ~~كان مخلصا وكان رسولا نبيا: "مريم: 51"، وقوله في حق عيسى: وجيها في الدنيا ~~والآخرة ومن المقربين: "آل عمران: 45"، وقوله في سليمان وأيوب: نعم العبد ~~إنه أواب: "ص: 30، 44"، وقوله في محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): إن وليي ~~الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين: "الأعراف: 196"، وقوله: وإنك ~~لعلى خلق عظيم: "القلم: 4"، وكذا قوله تعالى في حق عدة من الأنبياء ذكرهم ~~في سور الأنعام ومريم والأنبياء والصافات وص وغيرها. # وبالجملة فالتزكية لله سبحانه حق لا يشاركه فيه غيره إذ لا يصدر عن غيره ~~إلا من ظلم وإلى ظلم، ولا يصدر عنه تعالى إلا حقا وعدلا يقدر بقدره لا يفرط ~~ولا يفرط، ولذا ذيل قوله: بل الله يزكي من يشاء بقوله - وهو في معنى ~~التعليل -: ولا يظلمون فتيلا. # وقد تبين مما مر أن تزكيته تعالى وإن كانت مطلقة تشمل التزكية ms1522 العملية ~~والتزكية القولية لكنها تنطبق بحسب مورد الكلام على التزكية القولية. # قوله تعالى: "ولا يظلمون فتيلا" الفتيل فعيل بمعنى المفعول من الفتل وهو ~~اللي قيل: المراد به ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما في بطن النواة، وقد ~~ورد في روايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أنه النقطة التي على ~~النواة، والنقير ما في ظهرها، والقطمير قشرها، وقيل: هو ما فتلته بين ~~إصبعيك من الوسخ، وكيف كان هو كناية عن الشيء الحقير الذي لا يعتد به. # وقد بان بالآية الشريفة أمران: أحدهما: أن ليس لصاحب الفضل أن يعجبه فضله ~~ويمدح نفسه بل هو مما يختص به تعالى فإن ظاهر الآية أن الله يختص به أن ~~يزكي كل من جاز أن يتلبس بالتزكية فليس لغير صاحب الفضل أيضا أن يزكيه إلا ~~بما زكاه الله به، وينتج ذلك أن الفضائل هي التي مدحها الله وزكاها فلا قدر ~~لفضل لا يعرفه الدين ولا يسميه فضلا، ولا يستلزم ذلك أن تبطل آثار الفضائل ~~عند الناس فلا يعرفوا لصاحب الفضل فضله، ولا يعظموا قدره بل هي شعائر الله ~~وعلائمه، وقد قال تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب: "الحج: ~~2" 3، فعلى الجاهل أن يخضع للعالم ويعرف له قدره فإنه من اتباع الحق وقد ~~قال تعالى: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون: "الزمر: 9"، وإن لم ~~يكن للعالم أن يتبجح بعلمه ويمدح نفسه، والأمر في جميع الفضائل الحقيقية ~~الإنسانية على هذا الحال. PageV04P135 # وثانيهما: أن ما ذكره بعض باحثينا، واتبعوا في ذلك ما ذكره المغاربة أن من ~~الفضائل الإنسانية الاعتماد بالنفس أمر لا يعرفه الدين، ولا يوافق مذاق ~~القرآن، والذي يراه القرآن في ذلك هو الاعتماد بالله والتعزز بالله قال ~~تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل: "آل عمران: 173"، وقال: إن القوة لله ~~جميعا: "البقرة: 165"، وقال: إن العزة لله جميعا: "يونس: 65"، إلى غير ذلك ~~من الآيات. # قوله تعالى: "انظر كيف يفترون على الله ms1523 الكذب"، إلخ فتزكيتهم أنفسهم ~~ببنوة الله وحبه وولايته ونحو ذلك افتراء على الله إذ لم يجعل الله لهم ~~ذلك، على أن أصل التزكية افتراء وإن كانت عن صدق فإنه - كما تقدم بيانه - ~~إسناد شريك إلى الله وليس له في ملكه شريك قال تعالى: ولم يكن له شريك في ~~الملك: "الإسراء: 111". # وقوله: وكفى به إثما مبينا أي لو لم يكن في التزكية إلا أنه افتراء على ~~الله لكفى في كونه إثما مبينا، والتعبير بالإثم وهو الفعل المذموم الذي ~~يمنع الإنسان من نيل الخيرات ويبطئها - هو المناسب لهذه المعصية لكونه من ~~إشراك الشرك وفروعه، يمنع نزول الرحمة، وكذا في شرك الكفر الذي يمنع ~~المغفرة كما وقع في الآية السابقة: ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ~~بعد قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت"، الجبت والجبس كل ما لا خير فيه، وقيل: وكل ما يعبد من دون الله ~~سبحانه، والطاغوت مصدر في الأصل كالطغيان يستعمل كثيرا بمعنى الفاعل، وقيل: ~~هو كل معبود من دون الله، والآية تكشف عن وقوع واقعة قضى فيها بعض أهل ~~الكتاب للذين كفروا على الذين آمنوا بأن سبيل المشركين أهدى من سبيل ~~المؤمنين، وليس عند المؤمنين إلا دين التوحيد المنزل في القرآن المصدق لما ~~عندهم، ولا عند المشركين إلا الإيمان بالجبت والطاغوت فهذا القضاء اعتراف ~~منهم بأن للمشركين نصيبا من الحق، وهو الإيمان بالجبت والطاغوت الذي نسبه ~~الله تعالى إليهم ثم لعنهم الله بقوله: أولئك الذين لعنهم الله الآية. # وهذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول أن مشركي مكة طلبوا من أهل الكتاب أن ~~يحكموا بينهم وبين المؤمنين فيما ينتحلونه من الدين فقضوا لهم على ~~المؤمنين، وسيأتي الرواية في ذلك في البحث الروائي الآتي. # وقد ذكر كونهم ذوي نصيب من الكتاب ليكون أوقع في وقوع الذم واللوم عليهم ~~فإن إيمان علماء الكتاب بالجبت والطاغوت وقد بين لهم الكتاب أمرهما أشنع وأفظع. # قوله تعالى: "أم ms1524 لهم نصيب من الملك" إلى قوله: "نقيرا" النقير فعيل بمعنى ~~المفعول وهو المقدار اليسير الذي يأخذه الطير من الأرض بنقر منقاره، وقد مر ~~له معنى آخر في قوله: ولا يظلمون فتيلا الآية. # وقد ذكروا أن "أم" في قوله: أم لهم نصيب من الملك، منقطعة والمعنى: بل ~~ألهم نصيب من الملك، والاستفهام إنكاري أي ليس لهم ذلك. # وقد جوز بعضهم أن تكون "أم" متصلة، وقال: إن التقدير: أهم أولى بالنبوة ~~أم لهم نصيب من الملك؟ ورد بأن حذف الهمزة إنما يجوز في ضرورة الشعر، ولا ~~ضرورة في القرآن، والظاهر أن أم متصلة وأن الشق المحذوف ما يدل عليه الآية ~~السابقة: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الآية، والتقدير: ألهم كل ~~ما حكموا به من حكم أم لهم نصيب من الملك أم يحسدون الناس؟ وعلى هذا تستقيم ~~الشقوق وتترتب، ويتصل الكلام في سوقه. # والمراد بالملك هو السلطنة على الأمور المادية والمعنوية فيشمل ملك ~~النبوة والولاية والهداية وملك الرقاب والثروة، وذلك أنه هو الظاهر من سياق ~~الجمل السابقة واللاحقة فإن الآية السابقة تومىء إلى دعواهم أنهم يملكون ~~القضاء والحكم على المؤمنين، وهو مسانخ للملك على الفضائل المعنوية وذيل ~~الآية: "فإذا لا يؤتون الناس نقيرا" يدل على ملك الماديات أو ما يشمل ذلك ~~فالمراد به الأعم من ملك الماديات والمعنويات. PageV04P136 # فيئول معنى الآية إلى نحو قولنا: أم لهم نصيب من الملك الذي أنعم الله به ~~على نبيه بالنبوة والولاية والهداية ونحوه، ولو كان لهم ذلك لم يؤتوا الناس ~~أقل القليل الذي لا يعتد به لبخلهم وسوء سريرتهم، فالآية قريبة المضمون من ~~قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق: - ~~الإسراء: 100. # قوله تعالى: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" وهذا آخر ~~الشقوق الثلاثة المذكورة، ووجه الكلام إلى اليهود جوابا عن قضائهم على ~~المؤمنين بأن دين المشركين أهدى من دينهم. # والمراد بالناس على ما يدل عليه هذا السياق هم الذين آمنوا، وبما آتاهم ~~الله من فضله ms1525 هو النبوة والكتاب والمعارف الدينية، غير أن ذيل الآية: فقد ~~آتينا آل إبراهيم "إلخ"، يدل على أن هذا الذي أطلق عليه الناس من آل ~~إبراهيم، فالمراد بالناس حينئذ هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ~~انبسط على غيره من هذا الفضل المذكور في الآية فهو من طريقه وببركاته ~~العالية، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم الآية: - آل عمران: 33"، إن آل إبراهيم هو النبي وآله. # وإطلاق الناس على المفرد لا ضير فيه فإنه على نحو الكناية كقولك لمن ~~يتعرض لك ويؤذيك: لا تتعرض للناس، وما لك وللناس؟ تريد نفسك أي لا تتعرض لي. # قوله تعالى: "فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة" الجملة إيئاس لهم في ~~حسدهم، وقطع لرجائهم زوال هذه النعمة، وانقطاع هذا الفضل بأن الله قد أعطى ~~آل إبراهيم من فضله ما أعطى، وآتاهم من رحمته ما آتى فليموتوا بغيظهم فلن ~~ينفعهم الحسد شيئا. # ومن هنا يظهر أن المراد بآل إبراهيم إما النبي وآله من أولاد إسماعيل أو ~~مطلق آل إبراهيم من أولاد إسماعيل وإسحاق حتى يشمل النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الذي هو المحسود عند اليهود بالحقيقة، وليس المراد بآل إبراهيم ~~بني إسرائيل من نسل إبراهيم فإن الكلام على هذا التقدير يعود تقريرا لليهود ~~في حسدهم النبي أو المؤمنين لمكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم ~~فيفسد معنى الجملة كما لا يخفى. # وقد ظهر أيضا كما تقدمت الإشارة إليه أن هذه الجملة: فقد آتينا آل ~~إبراهيم "إلخ" تدل على أن الناس المحسودين هم من آل إبراهيم، فيتأيد به أن ~~المراد بالناس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأما المؤمنون به فليسوا ~~جميعا من ذرية إبراهيم، ولا كرامة لذريته من المؤمنين على غيرهم حتى يحمل ~~الكلام عليهم، ولا يوجب مجرد الإيمان واتباع ملة إبراهيم تسمية المتبعين ~~بأنهم آل إبراهيم، وكذا قوله تعالى: "إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا الآية: "آل عمران: 68" لا يوجب تسمية الذين آمنوا ms1526 ~~بآل إبراهيم لمكان الأولوية فإن في الآية ذكرا من الذين اتبعوا إبراهيم، ~~وليسوا يسمون آل إبراهيم قطعا، فالمراد بآل إبراهيم النبي أو هو وآله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وإسماعيل جده ومن في حذوه. # قوله تعالى: "وآتيناهم ملكا عظيما" قد تقدم أن مقتضى السياق أن يكون ~~المراد بالملك ما يعم الملك المعنوي الذي منه النبوة والولاية الحقيقية على ~~هداية الناس وإرشادهم ويؤيده أن الله سبحانه لا يستعظم الملك الدنيوي لو لم ~~ينته إلى فضيلة معنوية ومنقبة دينية، ويؤيد ذلك أيضا أن الله سبحانه لم يعد ~~فيما عده من الفضل في حق آل إبراهيم النبوة والولاية إذ قال: فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة، فيقوى أن يكون النبوة والولاية مندرجتين في إطلاق ~~قوله: وآتيناهم ملكا عظيما. # قوله تعالى: "فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه" الصد الصرف وقد قوبل ~~الإيمان بالصد لأن اليهود ما كانوا ليقنعوا على مجرد عدم الإيمان بما أنزل ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يبذلوا مبلغ جهدهم في صد الناس ~~عن سبيل الله والإيمان بما نزله من الكتاب، وربما كان الصد بمعنى الإعراض ~~وحينئذ يتم التقابل من غير عناية زائدة. # قوله تعالى: "وكفى بجهنم سعيرا" تهديد لهم بسعير جهنم في مقابل ما صدوا ~~عن الإيمان بالكتاب وسعروا نار الفتنة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والذين آمنوا معه. PageV04P137 # ثم بين تعالى كفاية جهنم في أمرهم بقوله: إن الذين كفروا بآياتنا إلى آخر ~~الآية وهو بيان في صورة التعليل، ثم عقبه بقوله: والذين آمنوا وعلموا ~~الصالحات إلى آخر الآية ليتبين الفرق بين الطائفتين: من آمن به، ومن صد ~~عنه، ويظهر أنهما في قطبين متخالفين من سعادة الحياة الأخرى وشقائها: دخول ~~الجنات وظلها الظليل، وإحاطة سعير جهنم والاصطلاء بالنار - أعاذنا الله - ~~ومعنى الآيتين واضح. # قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم" ~~إلخ الفقرة الثانية من الآية: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" ~~ظاهره الارتباط بالآيات السابقة عليها فإن ms1527 البيان الإلهي فيها يدور حول حكم ~~اليهود للمشركين بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين، وقد وصفهم الله تعالى في ~~أول بيانه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب والذي في الكتاب هو تبيين آيات الله ~~والمعارف الإلهية، وهي أمانات مأخوذ عليها الميثاق أن تبين للناس، ولا تكتم ~~عن أهله. # وهذا الذي ذكر من القرائن يؤيد أن يكون المراد بالأمانات ما يعم الأمانات ~~المالية وغيرها من المعنويات كالعلوم والمعارف الحقة التي من حقها أن ~~يبلغها حاملوها أهلها من الناس. # وبالجملة لما خانت اليهود الأمانات الإلهية المودعة عندهم من العلم ~~بمعارف التوحيد وآيات نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكتموها ولم ~~يظهروها في واجب وقتها، ثم لم يقنعوا بذلك حتى جاروا في الحكم بين المؤمنين ~~والمشركين فحكموا للوثنية على التوحيد فآل أمرهم فيه إلى اللعن الإلهي وجر ~~ذلك إياهم إلى عذاب السعير فلما كان من أمرهم ما كان، غير سبحانه سياق ~~الكلام من التكلم إلى الغيبة فأمر الناس بتأدية الأمانات إلى أهلها، ~~وبالعدل في الحكم فقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا ~~حكمتم بين الناس "إلخ". # والذي وسعنا به معنى تأدية الأمانات والعدل في الحكم هو الذي يقضي به ~~السياق على ما عرفت، فلا يرد عليه أنه عدول عن ظاهر لفظ الأمانة والحكم فإن ~~المتبادر في مرحلة التشريع من مضمون الآية وجوب رد الأمانة المالية إلى ~~صاحبها، وعدل القاضي وهو الحكم في مورد القضاء الشرعي، وذلك أن التشريع ~~المطلق لا يتقيد بما يتقيد به موضوعات الأحكام الفرعية في الفقه بل القرآن ~~مثلا يبين وجوب رد الأمانة على الإطلاق، ووجوب العدل في الحكم على الإطلاق ~~فما كان من ذلك راجعا إلى الفقه من الأمانة المالية والقضاء في المرافعات ~~راجعه فيه الفقه، وما كان غير ذلك استفاد منه فن أصول المعارف، وهكذا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من ~~عظماء ms1528 اليهود إذا كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لوى لسانه، ~~وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله ~~فيه: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة إلى قوله: فلا ~~يؤمنون إلا قليلا. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: في قوله تعالى: يا أيها ~~الذين أوتوا الكتاب الآية قال: نزلت في مالك بن الصيف، ورفاعة بن زيد بن ~~التابوت من بني قينقاع. # وفيه، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤساء ~~من أحبار اليهود منهم عبد الله بن سوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر ~~اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون إن الذي جئتكم به لحق ~~فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله فيهم: يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا بما نزلنا الآية. # أقول: ظاهر الآيات الشريفة على ما تقدم في البيان السابق وإن كان نزولها ~~في اليهود من أهل الكتاب إلا أن ما نقلناه من سبب النزول لا يزيد على أنه ~~حكم تطبيقي كغالب نظائره من الأخبار الحاكية لأسباب النزول، والله أعلم. PageV04P138 # وفي تفسير البرهان، عن النعماني بإسناده عن جابر عن الباقر (عليه السلام) ~~في حديث طويل يصف فيه خروج السفياني، وفيه قال: وينزل أمير جيش السفياني ~~البيداء فينادي مناد من السماء: يا بيداء أبيدي بالقوم فيخسف بهم فلا يفلت ~~منهم إلا ثلاثة نفر يحول الله وجوههم إلى أقفيتهم، وهم من كلب، وفيهم نزلت ~~هذه الآية: يا أيها الذين أوتوا الكتاب - آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم - ~~من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها الآية: أقول: ورواه عن المفيد ~~أيضا بإسناده عن جابر عن الباقر (عليه السلام) في نظير الخبر في قصة ~~السفياني. # وفي الفقيه، بإسناده عن ثوير عن أبيه: أن عليا (عليه السلام) قال: ما في ~~القرآن آية أحب إلي من قوله عز ms1529 وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء: أقول: ورواه في الدر المنثور عن الفريابي والترمذي وحسنه ~~عن علي. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال لما نزلت: ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية فقام رجل فقال: والشرك يا نبي ~~الله؟ فكره ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به الآية. # وفيه، أخرج ابن المنذر عن أبي مجاز قال: لما نزلت هذه الآية: يا عبادي ~~الذين أسرفوا الآية قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على المنبر فتلاها ~~على الناس فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله؟ فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت ~~هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأثبتت ~~هذه في الزمر، وأثبتت هذه في النساء. # أقول: وقد عرفت فيما تقدم أن آية الزمر ظاهرة بحسب ما تتعقبه من الآيات ~~في المغفرة بالتوبة، ولا ريب أن التوبة يغفر معها كل ذنب حتى الشرك، وأن ~~آية النساء موردها غير مورد التوبة فلا تنافي بين الآيتين مضمونا حتى تكون ~~إحداهما ناسخة أو مخصصة للأخرى. # وفي المجمع، عن الكلبي: في الآية: نزلت في المشركين وحشي وأصحابه، وذلك ~~أنه لما قتل حمزة، وكان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك، فلما ~~قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أنا قد ندمنا على الذي صنعناه، وليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا ~~سمعناك تقول وأنت بمكة: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق - ولا يزنون الآيتان، وقد دعونا مع الله ~~إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلو لا هذه لاتبعناك فنزلت ~~الآية: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الآيتين فبعث بهما رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إلى وحشي وأصحابه، فلما قرأهما كتبوا ms1530 إليه: أن هذا ~~شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية فنزلت: إن ~~الله لا يغفر الآية فبعث بها إليهم فقرءوها فبعثوا إليه: أنا نخاف أن لا ~~نكون من أهل مشيئته فنزلت: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - لا تقنطوا ~~من رحمة الله - إن الله يغفر الذنوب جميعا فبعث بها إليهم فلما قرءوها دخل ~~هو وأصحابه في الإسلام، ورجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقبل منهم، ثم قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما أخبره قال: ويحك غيب ~~شخصك عني فلحق وحشي: بعد ذلك بالشام، وكان بها إلى أن مات: أقول: وقد ذكر ~~هذه الرواية الرازي في تفسيره عن ابن عباس والتأمل في موارد هذه الآيات ~~التي تذكر الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يراجع بها ~~وحشيا لا يدع للمتأمل شكا في أن الرواية موضوعة قد أراد واضعها أن يقدر أن ~~وحشيا وأصحابه مغفور لهم وإن ارتكبوا من المعاصي كل كبيرة وصغيرة فقد التقط ~~آيات كثيرة من مواضع مختلفة من القرآن فالاستثناء من موضع، والمستثنى من ~~موضع مع أن كلا منها واقعة في محل محفوفة بأطراف لها معها ارتباط واتصال، ~~وللمجموع سياق لا يحتمل التقطيع والتفصيل فقطعها ثم رتبها ونضدها نضدا ~~يناسب هذه المراجعة العجيبة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين وحشي. # ولقد أجاد بعض المفسرين حيث قال بعد الإشارة إلى الرواية: كأنهم يثبتون ~~أن الله سبحانه كان يداعب وحشيا. PageV04P139 # فواضع الرواية لم يرد إلا أن يشرف وحشيا بمغفرة محتومة مختومة لا يضره معها ~~أي ذنب أذنب وأي فظيعة أتى بها، وعقب ذلك ارتفاع المجازاة على المعاصي، ~~ولازمه ارتفاع التكاليف عن البشر على ما يراه النصرانية بل أشنع فإنهم إنما ~~رفعوا التكاليف بتفدية مثل عيسى المسيح، وهذا يرفعه اتباعا لهوى وحشي. # ووحشي هذا هو عبد لابن مطعم قتل حمزة بأحد ثم لحق مكة ثم أسلم بعد أخذ ~~الطائف، وقال له النبي (صلى الله عليه وآله ms1531 وسلم): غيب شخصك عني فلحق ~~بالشام وسكن حمصا واشتغل في عهد عمر بالكتابة في الديوان، ثم أخرج منه ~~لكونه يدمن الخمر، وقد جلد لذلك غير مرة، ثم مات في خلافة عثمان، قتله ~~الخمر على ما روي. # روى ابن عبد البر في الاستيعاب بإسناده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن ~~الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا ~~وعبد الله بن عدي بن الخيار فمررنا بحمص وبها وحشي، فقلنا: لو أتيناه ~~وسألناه عن قتله حمزة كيف قتله، فلقينا رجلا ونحن نسأل عنه فقال: إنه رجل ~~قد غلبت عليه الخمر فإن تجداه صاحيا تجداه رجلا عربيا يحدثكما ما شئتما من ~~حديث، وإن تجداه على غير ذلك فانصرفا عنه، قال: فأقبلنا حتى انتهينا إليه، ~~الحديث، وفيه ذكر كيفية قتله حمزة يوم أحد. # وفي المجمع، روى مطرف بن شخير عن عمر بن الخطاب قال: كنا على عهد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا بأنه من ~~أهل النار حتى نزلت الآية فأمسكنا عن الشهادات. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان ~~بن عتبة البارقي قال: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال: شهدت في المسجد قبل ~~الداء الأعظم فسمعتهم يقولون: من قتل مؤمنا إلى آخر الآية فقال المهاجرون ~~والأنصار: قد أوجب له النار فلما نزلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به - ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء قالوا: ما شاء الله، يصنع الله ما يشاء. # أقول: وروي ما يقرب من الروايتين عن ابن عمر بغير واحد من الطرق، وهذه ~~الروايات لا تخلو من شيء فلا نظن بعامة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يجهلوا أن هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به لا تزيد في ~~مضمونها على آيات الشفاعة شيئا كما تقدم بيانه، أو أن يغفلوا عن أن معظم ~~آيات الشفاعة مكية كقوله تعالى في سورة الزخرف: ولا يملك ms1532 الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون: "الزخرف: 86"، ومثلها آيات ~~الشفاعة الواقعة في سورة يونس، والأنبياء، وطه، وسبأ، والنجم، والمدثر كلها ~~آيات مكية تثبت الشفاعة على ما مر بيانه، وهي عامة لجميع الذنوب ومقيدة في ~~جانب المشفوع له بالدين المرضي وهو التوحيد ونفي الشريك وفي جانب الله ~~تعالى بالمشيئة، فمحصل مفادها شمول المغفرة لجميع الذنوب إلا الشرك على ~~مشيئة من الله، وهذا بعينه مفاد هذه الآية: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء". # وأما الآيات التي توعد قاتل النفس المحترمة بغير حق. # وآكل الربا، وقاطع الرحم بجزاء النار الخالد كقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها الآية: "النساء: 93"، وقوله في الربا: ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون: "البقرة: 275"، وقوله في قاطع ~~الرحم: أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار: "الرعد: 25"، وغير ذلك من الآيات ~~فهذه الآيات إنما توعد بالشر وتنبىء عن جزاء النار، وأما كونه جزاء محتوما ~~لا يقبل التغيير والارتفاع فلا صراحة لها فيه. # وبالجملة لا يترجح آية "إن الله لا يغفر" على آيات الشفاعة بأمر زائد في ~~مضمونها يمهد لهم ما ذكروه. # فليس يسعهم أن يفهموا من آيات الكبائر تحتم النار حتى يجوز لهم الشهادة ~~على مرتكبها بالنار، ولا يسعهم أن يفهموا من آية المغفرة إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به إلخ أمرا ليس يفتهم من آيات الشفاعة حتى يوجب لهم القول بنسخها ~~أو تخصيصها أو تقييدها آيات الكبائر. PageV04P140 # ويومىء إلى ذلك ما ورد في بعض هذه الروايات، وهو ما رواه في الدر المنثور، ~~عن ابن الضريس وأبي يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال: ~~كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن الله لا يغفر أن يشرك به - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ~~وقال: إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأمسكنا عن كثير مما ~~كان في أنفسنا ms1533 ثم نطقنا بعد ورجونا. # فظاهر الرواية أن الذي فهموه من آية المغفرة فهموا مثله من حديث الشفاعة ~~لكن يبقى عليه سؤال آخر، وهو أنه ما بالهم فهموا جواز مغفرة الكبائر من ~~حديث الشفاعة، ولم يكونوا يفهمونه من آيات الشفاعة المكية على كثرتها ~~ودلالتها وطول العهد؟ ما أدري!. # وفي الدر المنثور، في قوله: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب إلى ~~قوله: سبيلا: أخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد ~~الله قال: لما كان من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان اعتزل ~~كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان بها، وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله، فقيل له ~~بمكة: يا كعب أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خير وأقدم، ودين ~~محمد حديث، فنزلت فيه: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الآية. # أقول: وفي سبب نزول الآية روايات على وجوه مختلفة أسلمها ما أوردناه غير ~~أن الجميع تشترك في أصل القصة وهو أن بعضا من اليهود حكموا لقريش على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن دينهم خير من دينه. # وفي تفسير البرهان، في قوله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله الآية: عن الشيخ في أماليه، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله قال: نحن الناس. # وفي الكافي، بإسناده عن بريد عن الباقر (عليه السلام) في حديث: "أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" نحن الناس المحسودون، الحديث. # أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مستفيضا بطرق ~~كثيرة مودعة في جوامع الشيعة كالكافي، والتهذيب، والمعاني، والبصائر، ~~وتفسيري القمي والعياشي، وغيرها. # وفي معناها من طرق أهل السنة ما عن ابن المغازلي يرفعه إلى محمد بن علي ~~الباقر (عليهما السلام) في قوله تعالى": أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله ~~من فضله" قال: نحن الناس والله. # وما في الدر المنثور، عن ابن المنذر ms1534 والطبراني من طريق عطاء عن ابن عباس: ~~في قوله: "أم يحسدون الناس" قال: نحن الناس دون الناس:، وقد روي فيه أيضا ~~تفسير الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عكرمة ومجاهد ومقاتل ~~وأبي مالك، وقد مر فيما قدمناه من البيان: أن الظاهر كون المراد بالناس ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته ملحقون به. # وفي تفسير العياشي، عن حمران عن الباقر (عليه السلام) "فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب" قال: النبوة، "والحكمة" قال: الفهم والقضاء، "وملكا عظيما" ~~قال: الطاعة. # أقول: المراد بالطاعة الطاعة المفترضة على ما ورد في سائر الأحاديث، ~~والأخبار في هذه المعاني أيضا كثيرة، وفي بعضها تفسير الطاعة المفترضة ~~بالإمامة والخلافة كما في الكافي بإسناده عن بريد عن الباقر (عليه السلام). # وفي تفسير القمي، في قوله تعالى: إن الذين كفروا بآياتنا الآية قال: ~~الآيات أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام). # أقول: وهو من الجري. PageV04P141 # وفي مجالس الشيخ، بإسناده عن حفص بن غياث القاضي قال: كنت عند سيد الجعافرة ~~جعفر بن محمد (عليهما السلام) لما قدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ~~ملحدا فقال: ما تقول في هذه الآية: "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب"؟ هب هذه الجلود عصت فعذبت فما بال الغير؟ قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): ويحك هي هي وهي غيرها، قال: اعقلني هذا القول، فقال له: ~~أرأيت لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها ثم صب عليها الماء وجبلها ثم ردها ~~إلى هيئتها الأولى ألم تكن هي هي وهي غيرها؟ فقال: بلى أمتع الله بك: أقول: ~~ورواه في الإحتجاج، أيضا عن حفص بن غياث عنه (عليه السلام)، والقمي في ~~تفسيره مرسلا: ويعود حقيقة الجواب إلى أن وحدة المادة محفوظة بوحدة الصورة ~~فبدن الإنسان كأجزاء بدنه باق على وحدته ما دام الإنسان هو الإنسان وإن ~~تغير البدن بأي تغير حدث فيه. # وفي الفقيه، قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل لهم فيها ~~أزواج مطهرة قال: الأزواج المطهرة اللاتي لا ms1535 يحضن ولا يحدثن. # وفي تفسير البرهان، في قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~الآية: عن محمد بن إبراهيم النعماني بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر محمد بن ~~علي (عليهما السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها - وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل فقال: ~~أمر الله الإمام أن يؤدي الأمانة إلى الإمام الذي بعده، ليس له أن يزويها ~~عنه، ألا تسمع قوله: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل - إن الله ~~نعما يعظكم به" هم الحكام يا زرارة، أنه خاطب بها الحكام: أقول: وصدر ~~الحديث مروي بطرق كثيرة عنهم (عليهم السلام)، وذيله يدل على أنه من باب ~~الجري، وأن الآية نازلة في مطلق الحكم وإعطاء ذي الحق حقه فينطبق على مثل ~~ما تقدم سابقا. # وفي معناه ما في الدر المنثور، عن سعيد بن منصور والفريابي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: حق على الإمام أن يحكم ~~بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له ~~وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا PageV04P142 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 59 - 70 # يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن ~~تنزعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطن أن يضلهم ضللا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنفقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصبتهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسنا وتوفيقا ~~(62) أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى ~~أنفسهم قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ms1536 فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما (64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ديركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لاتينهم من لدنا أجرا ~~عظيما (67) ولهدينهم صرطا مستقيما (68) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصلحين وحسن أولئك ~~رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) ### |||| AUTO بيان # الآيات - كما ترى - غير عادمة الارتباط بما تقدمها من الآيات فإن آيات ~~السورة آخذة من قوله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، كأنها مسوقة ~~لترغيب الناس في الإنفاق في سبيل الله، وإقامة صلب طبقات المجتمع وأرباب ~~الحوائج من المؤمنين وذم الذين يصدون الناس عن القيام بهذا المشروع الواجب، ~~ثم الحث على إطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر، وقطع منابت الاختلاف ~~والتجنب عن التشاجر والتنازع، وإرجاعه إلى الله ورسوله لو اتفق، والتحرز عن ~~النفاق، ولزوم التسليم لأوامر الله ورسوله وهكذا إلى أن تنتهي إلى الآيات ~~النادبة إلى الجهاد المبينة لحكمه أو الآمرة بالنفر في سبيل الله، فجميع ~~هذه الآيات مجهزة للمؤمنين للجهاد في سبيل الله، ومنظمة لنظام أمورهم في ~~داخلهم، وربما تخللها آية أو آيتان بمنزلة الاعتراض في الكلام لا يخل ~~باتصال الكلام كما تقدم الإيماء إليه في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى: - الآية 43 من السورة. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم" لما فرغ من الندب إلى عبادة الله وحده لا شريك له وبث الإحسان ~~بين طبقات المؤمنين وذم من يعيب هذا الطريق المحمود أو صد عنه صدودا عاد ~~إلى أصل المقصود بلسان آخر يتفرع عليه فروع أخر، بها يستحكم أساس المجتمع ~~الإسلامي وهو التحضيض والترغيب في أخذهم بالائتلاف والاتفاق، ورفع كل تنازع ~~واقع بالرد ms1537 إلى الله ورسوله. # ولا ينبغي أن يرتاب في أن قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، جملة سيقت ~~تمهيدا وتوطئة للأمر برد الأمر إلى الله ورسوله عند ظهور التنازع، وإن كان ~~مضمون الجملة أساس جميع الشرائع والأحكام الإلهية. PageV04P143 # فإن ذلك ظاهر تفريع قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، ثم ~~العود بعد العود إلى هذا المعنى بقوله: ألم تر إلى الذين يزعمون إلخ، ~~وقوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله إلخ، وقوله: فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم إلخ. # ولا ينبغي أن يرتاب في أن الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلا إطاعته في ما ~~يوحيه إلينا من طريق رسوله من المعارف والشرائع، وأما رسوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فله حيثيتان: إحداهما: حيثية التشريع بما يوحيه إليه ربه من غير ~~كتاب، وهو ما يبينه للناس من تفاصيل ما يشتمل على إجماله الكتاب وما يتعلق ~~ويرتبط بها كما قال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم: - ~~النحل 44، والثانية: ما يراه من صواب الرأي وهو الذي يرتبط بولايته الحكومة ~~والقضاء قال تعالى: لتحكم بين الناس بما أراك الله: - النساء 105، وهذا هو ~~الرأي الذي كان يحكم به على ظواهر قوانين القضاء بين الناس، وهو الذي كان ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم به في عزائم الأمور، وكان الله سبحانه أمره ~~في اتخاذ الرأي بالمشاورة فقال: "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على ~~الله -: آل عمران 159، فأشركهم به في المشاورة ووحده في العزم. # إذا عرفت هذا علمت أن لإطاعة الرسول معنى ولإطاعة الله سبحانه معنى آخر ~~وإن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة لأن الله هو المشرع لوجوب إطاعته ~~كما قال: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" فعلى الناس أن يطيعوا ~~الرسول فيما يبينه بالوحي، وفيما يراه من الرأي. # وهذا المعنى والله أعلم هو الموجب لتكرار الأمر بالطاعة في قوله: وأطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول، لا ما ذكره المفسرون: أن التكرار للتأكيد فإن القصد ~~لو كان ms1538 متعلقا بالتأكيد كان ترك التكرار كما لو قيل: وأطيعوا الله والرسول ~~أدل عليه وأقرب منه فإنه كان يفيد أن إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه ~~وأن الإطاعتين واحدة، وما كل تكرار يفيد التأكيد. # وأما أولوا الأمر فهم - كائنين من كانوا - لا نصيب لهم من الوحي، وإنما ~~شأنهم الرأي الذي يستصوبونه فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم ~~وقولهم، ولذلك لما ذكر وجوب الرد والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص ~~الله والرسول فقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر، وذلك أن المخاطبين بهذا الرد هم المؤمنون ~~المخاطبون بقوله في صدر الآية: يا أيها الذين آمنوا، والتنازع تنازعهم بلا ~~ريب، ولا يجوز أن يفرض تنازعهم مع أولي الأمر مع افتراض طاعتهم بل هذا ~~التنازع هو ما يقع بين المؤمنين أنفسهم، وليس في أمر الرأي بل من حيث حكم ~~الله في القضية المتنازع فيها بقرينة الآيات التالية الذامة لمن يرجع إلى ~~حكم الطاغوت دون حكم الله ورسوله، وهذا الحكم يجب الرجوع فيه إلى أحكام ~~الدين المبينة المقررة في الكتاب والسنة، والكتاب والسنة حجتان قاطعتان في ~~الأمر لمن يسعه فهم الحكم منهما، وقول أولي الأمر في أن الكتاب والسنة ~~يحكمان بكذا أيضا حجة قاطعة فإن الآية تقرر افتراض الطاعة من غير أي قيد أو ~~شرط، والجميع راجع بالآخرة إلى الكتاب والسنة. # ومن هنا يظهر أن ليس لأولي الأمر هؤلاء - كائنين من كانوا - أن يضعوا ~~حكما جديدا، ولا أن ينسخوا حكما ثابتا في الكتاب والسنة، وإلا لم يكن لوجوب ~~إرجاع موارد التنازع إلى الكتاب والسنة والرد إلى الله والرسول معنى على ما ~~يدل عليه قوله: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا: - الأحزاب ~~36، فقضاء الله هو التشريع وقضاء رسوله إما ذلك وإما الأعم، وإنما الذي لهم ~~أن يروا رأيهم في موارد نفوذ الولاية، وأن يكشفوا عن حكم الله ms1539 ورسوله في ~~القضايا والموضوعات العامة. # وبالجملة لما لم يكن لأولي الأمر هؤلاء خيرة في الشرائع، ولا عندهم إلا ~~ما لله ورسوله من الحكم أعني الكتاب والسنة لم يذكرهم الله سبحانه ثانيا ~~عند ذكر الرد بقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، فلله ~~تعالى إطاعة واحدة، وللرسول وأولي الأمر إطاعة واحدة، ولذلك قال: أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. PageV04P144 # ولا ينبغي أن يرتاب في أن هذه الإطاعة المأمور بها في قوله: أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول، إطاعة مطلقة غير مشروطة بشرط، ولا مقيدة بقيد وهو الدليل ~~على أن الرسول لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء يخالف حكم الله في الواقعة ~~وإلا كان فرض طاعته تناقضا منه تعالى وتقدس ولا يتم ذلك إلا بعصمة فيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وهذا الكلام بعينه جار في أولي الأمر غير أن وجود قوة العصمة في الرسول ~~لما قامت عليه الحجج من جهة العقل والنقل في حد نفسه من غير جهة هذه الآية ~~دون أولي الأمر ظاهرا أمكن أن يتوهم متوهم أن أولي الأمر هؤلاء لا يجب فيهم ~~العصمة ولا يتوقف عليها الآية في استقامة معناها. # بيان ذلك أن الذي تقرره الآية حكم مجعول لمصلحة الأمة يحفظ به مجتمع ~~المسلمين من تسرب الخلاف والتشتت فيهم وشق عصاهم فلا يزيد على الولاية ~~المعهودة بين الأمم والمجتمعات، تعطي للواحد من الإنسان افتراض الطاعة ~~ونفوذ الكلمة، وهم يعلمون أنه ربما يعصي وربما يغلط في حكمه، لكن إذا علم ~~بمخالفته القانون في حكمه لا يطاع فيه، وينبه فيما أخطأ، وفيما يحتمل خطؤه ~~ينفذ حكمه وإن كان مخطئا في الواقع ولا يبالي بخطئه فإن مصلحة حفظ وحدة ~~المجتمع والتحرز من تشتت الكلمة مصلحة يتدارك بها أمثال هذه الأغلاط ~~والاشتباهات. # وهذا حال أولي الأمر الواقع في الآية في افتراض طاعتهم فرض الله طاعتهم، ~~على المؤمنين فإن أمروا بما يخالف الكتاب والسنة فلا يجوز ذلك منهم ولا ~~ينفذ حكمهم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا طاعة ms1540 لمخلوق في ~~معصية الخالق" وقد روى هذا المعنى الفريقان وبه يقيد إطلاق الآية، وأما ~~الخطأ والغلط فإن علم به رد إلى الحق وهو حكم الكتاب والسنة، وإن احتمل ~~خطؤه نفذ فيه حكمه كما فيما علم عدم خطإه، ولا بأس بوجوب القبول وافتراض ~~الطاعة فيما يخالف الواقع هذا النوع لأن مصلحة حفظ الوحدة في الأمة وبقاء ~~السؤدد والأبهة تتدارك بها هذه المخالفة، ويعود إلى مثل ما تقرر في أصول ~~الفقه من حجية الطرق الظاهرية مع بقاء الأحكام الواقعية على حالها، وعند ~~مخالفة مؤداها للواقع تتدارك المفسدة اللازمة بمصلحة الطريق. # وبالجملة طاعة أولي الأمر مفترضة وإن كانوا غير معصومين يجوز عليهم الفسق ~~والخطأ فإن فسقوا فلا طاعة لهم، وإن أخطئوا ردوا إلى الكتاب والسنة إن علم ~~منهم ذلك، ونفذ حكمهم فيما لم يعلم ذلك، ولا بأس بإنفاذ ما يخالف حكم الله ~~في الواقع دون الظاهر رعاية لمصلحة الإسلام والمسلمين، وحفظا لوحدة الكلمة. # وأنت بالتأمل فيما قدمناه من البيان تعرف سقوط هذه الشبهة من أصلها، وذلك ~~أن هذا التقريب من الممكن أن نساعده في تقييد إطلاق الآية في صورة الفسق ~~بما ذكر من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق" وما يؤدي هذا المعنى من الآيات القرآنية كقوله: إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء: "الأعراف: 28"، وما في هذا المعنى من الآيات. # وكذا من الممكن بل الواقع أن يجعل شرعا نظير هذه الحجية الظاهرية ~~المذكورة كفرض طاعة أمراء السرايا الذين كان ينصبهم عليهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وكذا الحكام الذين كان يوليهم على البلاد كمكة ~~واليمن أو يخلفهم بالمدينة إذا خرج إلى غزاة، وكحجية قول المجتهد على مقلده ~~وهكذا لكنه لا يوجب تقيد الآية فكون مسألة من المسائل صحيحة في نفسه أمر ~~وكونها مدلولا عليها بظاهر آية قرآنية أمر آخر. # فالآية تدل على افتراض طاعة أولي الأمر هؤلاء، ولم تقيده بقيد ولا شرط، ~~وليس في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله ms1541 ~~"وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" إلى مثل قولنا: وأطيعوا أولي الأمر منكم ~~فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة ~~عليكم، وإن علمتم خطأهم فقوموهم بالرد إلى الكتاب والسنة فما هذا معنى ~~قوله: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. PageV04P145 # مع أن الله سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة ~~المفترضة كقوله في الوالدين: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما الآية: "العنكبوت: 8" فما باله لم يظهر ~~شيئا من هذه القيود في آية تشتمل على أس أساس الدين، وإليها تنتهي عامة ~~أعراق السعادة الإنسانية. # على أن الآية جمع فيها بين الرسول وأولي الأمر، وذكر لهما معا طاعة واحدة ~~فقال: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، ولا يجوز على الرسول أن يأمر ~~بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شيء من ذلك على أولي الأمر لم يسع إلا أن ~~يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أي تقييد، ~~ولازمه اعتبار العصمة في جانب أولي الأمر كما اعتبر في جانب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من غير فرق. # ثم إن المراد بالأمر في أولي الأمر هو الشأن الراجع إلى دين المؤمنين ~~المخاطبين بهذا الخطاب أو دنياهم على ما يؤيده قوله تعالى: وشاورهم في ~~الأمر: "آل عمران: 159"، وقوله في مدح المتقين: وأمرهم شورى بينهم: ~~"الشورى: 38"، وإن كان من الجائز بوجه أن يراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه بعيد. # وقد قيد بقوله: "منكم" وظاهره كونه ظرفا مستقرا أي أولي الأمر كائنين ~~منكم وهو نظير قوله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم: "الجمعة: ~~2"، وقوله في دعوة إبراهيم: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم: "البقرة: 129"، ~~وقوله: رسلا منكم يقصون عليكم آياتي: "الأعراف: 35"، وبهذا يندفع ما ذكره ~~بعضهم: أن تقييد أولي الأمر بقوله: "منكم" يدل على أن الواحد منهم إنسان ~~عادي مثلنا وهم منا ونحن مؤمنون من غير مزية عصمة إلهية. # ثم إن ms1542 أولي الأمر لما كان اسم جمع يدل على كثرة جمعية في هؤلاء المسمين ~~بأولي الأمر فهذا لا شك فيه لكن يحتمل في بادىء النظر أن يكونوا آحادا يلي ~~الأمر ويتلبس بافتراض الطاعة واحد منهم بعد الواحد فينسب افتراض الطاعة إلى ~~جميعهم بحسب اللفظ، والأخذ بجامع المعنى، كقولنا: صل فرائضك وأطع سادتك ~~وكبراء قومك. # ومن عجيب الكلام ما ذكره الرازي: أن هذا المعنى يوجب حمل الجمع على ~~المفرد، وهو خلاف الظاهر، وقد غفل عن أن هذا استعمال شائع في اللغة، ~~والقرآن مليء به كقوله تعالى: فلا تطع المكذبين: "القلم: 8"، وقوله: فلا ~~تطع الكافرين: "الفرقان: 52"، وقوله: إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا: "الأحزاب: ~~67"، وقوله: ولا تطيعوا أمر المسرفين: "الشعراء: 151"، وقوله: حافظوا على ~~الصلوات: "البقرة: 238"، وقوله: واخفض جناحك للمؤمنين: "الحجر: 88"، إلى ~~غير ذلك من الموارد المختلفة بالإثبات والنفي، والإخبار والإنشاء. # والذي هو خلاف الظاهر من حمل الجمع على المفرد هو أن يطلق لفظ الجمع ~~ويراد به واحد من آحاده لا أن يوقع حكم على الجمع بحيث ينحل إلى أحكام ~~متعددة بتعدد الآحاد، كقولنا: أكرم علماء بلدك أي أكرم هذا العالم، وأكرم ~~ذاك العالم، وهكذا. # ويحتمل أيضا أن يكون المراد بأولي الأمر - هؤلاء الذين هم متعلق افتراض ~~الطاعة - الجمع من حيث هو جمع أي الهيئة الحاصلة من عدة معدودة كل واحد ~~منهم من أولي الأمر، وهو أن يكون صاحب نفوذ في الناس، وذا تأثير في أمورهم ~~كرؤساء الجنود والسرايا والعلماء وأولياء الدولة، وسراة القوم، بل كما ذكره ~~في المنار هم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في ~~الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعات والزراعة وكذا رؤساء العمال ~~والأحزاب، ومديرو الجرائد المحترمة، ورؤساء تحريرها! فهذا معنى كون أولي ~~الأمر هم أهل الحل والعقد، وهم الهيئة الاجتماعية من وجوه الأمة لكن الشأن ~~في تطبيق مضمون تمام الآية على هذا الاحتمال. # الآية دالة - كما عرفت - على عصمة أولي الأمر وقد اضطر إلى قبول ذلك ~~القائلون بهذا المعنى من المفسرين. PageV04P146 # فهل المتصف بهذه العصمة أفراد هذه الهيئة ms1543 فيكون كل واحد واحد منهم معصوما ~~فالجميع معصوم إذ ليس المجموع إلا الآحاد؟ لكن من البديهي أن لم يمر بهذه ~~الأمة يوم يجتمع فيه جماعة من أهل الحل والعقد كلهم معصومون على إنفاذ أمر ~~من أمور الأمة ومن المحال أن يأمر الله بشيء لا مصداق له في الخارج، أو أن ~~هذه العصمة - وهي صفة حقيقية - قائمة بتلك الهيئة قيام الصفة بموصوفها وإن ~~كانت الأجزاء والأفراد غير معصومين بل يجوز عليهم من الشرك والمعصية ما ~~يجوز على سائر أفراد الناس فالرأي الذي يراه الفرد يجوز فيه الخطأ وأن يكون ~~داعيا إلى الضلال والمعصية بخلاف ما إذا رأته الهيئة المذكورة لعصمتها؟ ~~وهذا أيضا محال وكيف يتصور اتصاف موضوع اعتباري بصفة حقيقية أعني اتصاف ~~الهيئة الاجتماعية بالعصمة. # أو أن عصمة هذه الهيئة ليست وصفا لأفرادها ولا لنفس الهيئة بل حقيقته أن ~~الله يصون هذه الهيئة أن تأمر بمعصية أو ترى رأيا فتخطىء فيه، كما أن الخبر ~~المتواتر مصون عن الكذب، ومع ذلك ليست هذه العصمة بوصف لكل واحد من ~~المخبرين ولا للهيئة الاجتماعية بل حقيقته أن العادة جارية على امتناع ~~الكذب فيه، وبعبارة أخرى هو تعالى يصون الخبر الذي هذا شأنه عن وقوع الخطإ ~~فيه وتسرب الكذب عليه، فيكون رأي أولي الأمر مما لا يقع فيه الخطأ البتة ~~وإن لم يكن آحادهم ولا هيئتهم متصفة بصفة زائدة بل هو كالخبر المتواتر مصون ~~عن الكذب والخطإ وليكن هذا معنى العصمة في أولي الأمر، والآية لا تدل على ~~أزيد من أن رأيهم غير خابط بل مصيب يوافق الكتاب والسنة، وهو من عناية الله ~~على الأمة، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لا تجتمع ~~أمتي على خطإ. # أما الرواية فهي أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الأمة ~~على خطإ، ولا تنفي اجتماع أهل الحل والعقد منهم على خطإ، وللأمة معنى ولأهل ~~الحل والعقد معنى آخر، ولا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الأول، وكذا ~~لا تنفي الخطأ ms1544 عن اجتماع الأمة بل تنفي الاجتماع على خطإ، وبينهما فرق. # ويعود معنى الرواية إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الأمة بل ~~يكون دائما فيهم من هو على الحق: إما كلهم أو بعضهم ولو معصوم واحد، فيوافق ~~ما دل من الآيات والروايات على أن دين الإسلام وملة الحق لا يرتفع من الأرض ~~بل هو باق إلى يوم القيامة، قال تعالى: فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ~~قوما ليسوا بها بكافرين: "الأنعام: 89" وقوله: وجعلها كلمة باقية في عقبه: ~~"الزخرف: 28" وقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: "الحجر: 9" ~~وقوله: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: "فصلت: ~~42" إلى غير ذلك من الآيات. # وليس يختص هذا بأمة محمد بل الصحيح من الروايات تدل على خلافه، وهي ~~الروايات الواردة من طرق شتى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدالة ~~على افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، ~~والمسلمين على ثلاث وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة، وقد نقلنا الرواية في ~~المبحث الروائي الموضوع في ذيل قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا: "آل ~~عمران: 103". # وبالجملة لا كلام على متن الرواية إن صح سندها فإنها أجنبية عن مورد ~~الكلام، وإنما الكلام في معنى عصمة أهل الحل والعقد من الأمة لو كان هو ~~المراد بقوله: وأولي الأمر منكم. PageV04P147 # ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من ~~الرأي؟ هذه العصابة التي شأنها الحل والعقد في الأمور غير مختصة بالأمة ~~المسلمة بل كل أمة من الأمم العظام بل الأمم الصغيرة بل القبائل والعشائر ~~لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الأمور ~~العامة، وأنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية وما في عصرنا من الأمم ~~والأجيال وجدت موارد كثيرة اجتمعت أهل الحل والعقد منهم في مهام الأمور ~~وعزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل، فربما أصابوا وربما أخطئوا، ~~فالخطأ وإن كان في الآراء الفردية أكثر ms1545 منه في الآراء الاجتماعية لكن ~~الآراء الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا فهذا التاريخ وهذه ~~المشاهدة يشهدان منه على مصاديق وموارد كثيرة جدا: فلو كان الرأي الاجتماعي ~~من أهل الحل والعقد في الإسلام مصونا عن الخطإ فإنما هو بعامل ليس من سنخ ~~العوامل العادية بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة، ويكون ~~حينئذ كرامة باهرة تختص بها هذه الأمة تقيم صلبهم، وتحفظ حماهم وتقيهم من ~~كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم وبالآخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن ~~الكريم، ويعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الأمة العملية نسبة القرآن ~~إلى حياتهم العلمية فكان من اللازم أن يبين القرآن حدوده وسعة دائرته، ~~ويمتن الله به كما أمتن بالقرآن وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويبين ~~لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما بين لنبيه ذلك، وأن يوصي به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أمته، ولا سيما أصحابه الكرام وهم الذين صاروا ~~بعده أهلا للحل والعقد، وتقلدوا ولاية أمور الأمة، وأن يبين أن هذه العصابة ~~المسماة بأولي الأمر ما حقيقتها، وما حدها وما سعة دائرة عملها، وهل يتشكل ~~هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الأمور العامة لجميع الأمة ~~الإسلامية؟ أو تنعقد في كل جمعية إسلامية جمعية أولي الأمر فيحكم في نفوسهم ~~وأعراضهم وأموالهم؟. # ولكان من اللازم أن يهتم به المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عنه ~~ويبحثوا فيه، وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة ~~كالأهلة، وما ذا ينفقون، والأنفال قال تعالى: "يسألونك عن الأهلة" ~~و"ويسألونك ما ذا ينفقون" و"يسألونك عن الأنفال" فما بالهم لم يسألوا؟ أو ~~أنهم سألوا ثم لعبت به الأيدي فخفي علينا؟ فليس الأمر مما يخالف هوى أكثرية ~~الأمة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالإعراض فالترك حتى ينسى. # ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات والفتن الواقعة بعد ارتحال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينا بعد حين، فما لهذه الحقيقة لا توجد ~~لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم، وقد ms1546 ضبطها النقلة بكلماتها ~~وحروفها، ولا توجد في خطاب ولا كتاب؟ ولم تظهر بين قدماء المفسرين من ~~الصحابة والتابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي وبعض من بعده!. # حتى أن الرازي أورد على هذا الوجه بعد ذكره: بأنه مخالف للإجماع المركب ~~فإن الأقوال في معنى أولي الأمر لا تجاوز أربعة: الخلفاء الراشدون، وأمراء ~~السرايا، والعلماء والأئمة المعصومون، فالقول الخامس خرق للإجماع، ثم أجاب ~~بأنه في الحقيقة راجع إلى القول الثالث فأفسد على نفسه ما كان أصلحه فهذا ~~كله يقضي بأن الأمر لم يكن بهذه المثابة، ولم يفهم منه أنه عطية شريفة ~~وموهبة عزيزة من معجزات الإسلام وكراماته الخارقة لأهل الحل والعقد من ~~المسلمين. # أو يقال: إن هذه العصمة لا تنتهي إلى عامل خارق للعادة بل الإسلام بنى ~~تربيته العامة على أصول دقيقة تنتج هذه النتيجة: أن أهل الحل والعقد من ~~الأمة لا يغلطون فيما اجتمعوا عليه، ولا يعرضهم الخطأ فيما رأوه. # وهذا الاحتمال مع كونه باطلا من جهة منافاته للناموس العام وهو أن إدراك ~~الكل هو مجموع إدراكات الأبعاض، وإذا جاز الخطأ على كل واحد واحد جاز على ~~الكل يرد عليه أن رأي أولي الأمر بهذا المعنى لو اعتمد في صحته وعصمته على ~~مثل هذا العامل غير المغلوب لم يتخلف عن أثره فإلى أين تنتهي هذه الأباطيل ~~والفسادات التي ملأت العالم الإسلامي؟. PageV04P148 # وكم من منتدى إسلامي بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتمع فيه ~~أهل الحل والعقد من المسلمين على ما اجتمعوا عليه ثم سلكوا طريقا يهديهم ~~إليه رأيهم فلم يزيدوا إلا ضلالا ولم يزد إسعادهم المسلمين إلا شقاء ولم ~~يمكث الاجتماع الديني بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن عاد إلى ~~إمبراطورية ظالمة حاطمة! فليبحث الباحث الناقد في الفتن الناشئة منذ قبض ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما استتبعته من دماء مسفوكة، وأعراض ~~مهتوكة، وأموال منهوبة، وأحكام عطلت وحدود أبطلت! ثم ليبحث في منشئها ~~ومحتدها، وأصولها وأعراقها هل تنتهي الأسباب العاملة فيها إلا ms1547 إلى ما رأته ~~أهل الحل والعقد من الأمة ثم حملوا ما رأوه على أكتاف الناس؟. # فهذا حال هذا الركن الركين الذي يعتمد عليه بناية الدين أعني رأي أهل ~~الحل والعقد لو كان هو المراد بأولي الأمر المعصومين في رأيهم. # فلا مناص على القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد من أن نقول ~~بجواز خطئهم وإنهم على حد سائر الناس يصيبون ويخطئون غير أنهم لما كانوا ~~عصابة فاضلة خبيرة بالأمور مدربين مجربين يقل خطؤهم جدا، وأن الأمر بوجوب ~~طاعتهم مع كونهم ربما يغلطون ويخطئون من باب المسامحة في موارد الخطإ نظرا ~~إلى المصلحة الغالبة في مداخلتهم فلو حكموا بما يغاير حكم الكتاب والسنة، ~~ويطابق ما شخصوه من مصلحة الأمة بتفسير حكم من أحكام الدين بغير ما كان ~~يفسر سابقا أو تغيير حكم بما يوافق صلاح الوقت أو طبع الأمة أو وضع حاضر ~~الدنيا كان هو المتبع، وهو الذي يرتضيه الدين لأنه لا يريد إلا سعادة ~~المجتمع ورقيه في اجتماعه كما هو الظاهر المتراءى من سير الحكومات ~~الإسلامية في صدر الإسلام ومن دونهم فلم يمنع حكم من الأحكام الدائرة في ~~زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقض على سيرة من سيره وسننه إلا ~~علل ذلك بأن الحكم السابق يزاحم حقا من حقوق الأمة، وأن صلاح حال الأمة في ~~إنفاذ حكم جديد يصلح شأنهم، أو سن سنة حديثة توافق آمالهم في سعادة الحياة، ~~وقد صرح بعض الباحثين أن الخليفة له أن يعمل بما يخالف صريح الدين حفظا ~~لصلاح الأمة. # وعلى هذا فيكون حال الملة الإسلامية حال سائر المجتمعات الفاضلة المدنية ~~في أن فيها جمعية منتخبة تحكم على قوانين المجتمع على حسب ما تراه وتشاهده ~~من مقتضيات الأحوال، وموجبات الأوضاع. # وهذا الوجه أو القول - كما ترى - قول من يرى أن الدين سنة اجتماعية سبكت ~~في قالب الدين، وظهرت في صورته فهو محكوم بما يحكم على متون الاجتماعات ~~البشرية وهياكلها بالتطور في أطوار الكمال التدريجي، ومثال عال لا ينطبق ~~إلا على حياة ms1548 الإنسان الذي كان يعيش في عصر النبوة وما يقاربه. # فهي حلقة متقضية من حلق هذه السلسلة المسماة بالمجتمع الإنساني لا ينبغي ~~أن يبحث عنها اليوم إلا كما يبحث علماء طبقات الأرض الجيولوجيا عن السلع ~~المستخرجة من تحت أطباق الأرض. # والذي يذهب إلى مثل هذا القول لا كلام لنا معه في هذه الآية: أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم الآية، فإن القول يبتني على أصل مؤثر في ~~جميع الأصول والسنن المأثورة من الدين من معارف أصلية ونواميس أخلاقية ~~وأحكام فرعية ولو حمل على هذا ما وقع من الصحابة في زمن النبي وفي مرض موته ~~ثم الاختلافات التي صدرت منهم وما وقع من تصرف الخلفاء في بعض الأحكام وبعض ~~سير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم في زمن معاوية ومن تلاه من ~~الأمويين ثم العباسيين ثم الذين يلونهم والجميع أمور متشابهة أنتج نتيجة باهتة. # ومن أعجب الكلام المتعلق بهذه الآية ما ذكره بعض المؤلفين أن قوله تعالى: ~~"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" لا يدل على شيء مما ذكره ~~المفسرون على اختلاف أقوالهم. # أما أولا فلأن فرض طاعة أولي الأمر كائنين من كانوا لا يدل على فضل ومزية ~~لهم على غيرهم أصلا كما أن طاعة الجبابرة والظلام واجبة علينا في حال ~~الاضطرار اتقاء من شرهم، ولن يكونوا بذلك أفضل منا عند الله سبحانه. PageV04P149 # وأما ثانيا فلأن الحكم المذكور في الآية لا يزيد على سائر الأحكام التي ~~تتوقف فعليتها على تحقق موضوعاتها نظير وجوب الإنفاق على الفقير وحرمة ~~إعانة الظالم فليس يجب علينا أن نوجد فقيرا حتى ننفق عليه أو ظالما حتى لا نعينه. # والوجهان اللذان ذكرهما ظاهرا الفساد، مضافا إلى أن هذا القائل قدر أن ~~المراد بأولي الأمر في الآية الحكام والسلاطين وقد تبين فساد هذا الاحتمال. # أما الوجه الأول فلأنه غفل عن أن القرآن مملوء من النهي عن طاعة الظالمين ~~والمسرفين والكافرين، ومن المحال أن يأمر الله مع ذلك بطاعتهم ثم يزيد على ~~ذلك فيقرن طاعتهم بطاعة نفسه ms1549 ورسوله، ولو فرض كون هذه الطاعة طاعة تقية ~~لعبر عنها بإذن ونحو ذلك كما قال تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة: "آل ~~عمران: 28"، لا بالأمر بطاعتهم صريحا حتى يستلزم كل محذور شنيع. # وأما الوجه الثاني فهو مبني على الوجه الأول من معنى الآية أما لو فرض ~~افتراض طاعتهم لكونهم ذا شأن في الدين كانوا معصومين لما تقدم تفصيلا، ~~ومحال أن يأمر الله بطاعة من لا مصداق له، أو له مصداق اتفاقي في آية تتضمن ~~أس أساس المصالح الدينية وحكما لا يستقيم بدونه حال المجتمع الإسلامي أصلا، ~~وقد عرفت أن الحاجة إلى أولي الأمر عين الحاجة إلى الرسول وهي الحاجة إلى ~~ولاية أمر الأمة وقد تكلمنا فيه في بحث المحكم والمتشابة. # ولنرجع إلى أول الكلام في الآية: ظهر لك من جميع ما قدمناه أن لا معنى ~~لحمل قوله تعالى: "وأولي الأمر منكم" على جماعة المجمعين من أهل الحل ~~والعقد، وهي الهيئة الاجتماعية بأي معنى من المعاني فسرناه فليس إلا أن ~~المراد بأولي الأمر آحاد من الأمة معصومون في أقوالهم مفترض طاعتهم فتحتاج ~~معرفتهم إلى تنصيص من جانب الله سبحانه من كلامه أو بلسان نبيه فينطبق على ~~ما روي من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم هم. # وأما ما قيل: إن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أو أمراء السرايا أو ~~العلماء المتبعون في أقوالهم وآرائهم فيدفع ذلك كله أولا: أن الآية تدل على ~~عصمتهم ولا عصمة في هؤلاء الطبقات بلا إشكال إلا ما تعتقده طائفة من ~~المسلمين في حق علي (عليه السلام)، وثانيا: أن كلا من الأقوال الثلاث قول ~~من غير دليل يدل عليه. # وأما ما أورد على كون المراد به أئمة أهل البيت المعصومين (عليهم ~~السلام): أولا: إن ذلك يحتاج إلى تعريف صريح من الله ورسوله، ولو كان ذلك ~~لم يختلف في أمرهم اثنان بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه: أن ذلك منصوص عليه في الكتاب والسنة كآية الولاية وآية التطهير ~~وغير ذلك، وسيأتي بسط الكلام فيها، ms1550 وكحديث السفينة: "مثل أهل بيتي كمثل ~~سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق" وحديث الثقلين: "إني تارك فيكم ~~الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا" ~~وقد مر في بحث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب، وكأحاديث أولي ~~الأمر المروية من طرق الشيعة وأهل السنة، وسيجيء بعضها في البحث الروائي ~~التالي. # وثانيا: أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم فإنها من دون معرفتهم تكليف بما لا ~~يطاق وإذا كانت مشروطة فالآية تدفعه لأنها مطلقة. # وفيه: أن الإشكال منقلب على المستشكل فإن الطاعة مشروطة بالمعرفة مطلقا، ~~وإنما الفرق أن أهل الحل والعقد يعرف مصداقهم على قوله من عند أنفسنا من ~~غير حاجة إلى بيان من الله ورسوله، والإمام المعصوم يحتاج معرفته إلى معرف ~~يعرفه، ولا فرق بين الشرط والشرط في منافاته الآية. # على أن المعرفة وإن عدت شرطا لكنها ليست من قبيل سائر الشروط فإنها راجعة ~~إلى تحقق بلوغ التكليف فلا تكليف من غير معرفة به وبموضوعه ومتعلقه، وليست ~~راجعة إلى التكليف والمكلف به، ولو كانت المعرفة في عداد سائر الشرائط ~~كالاستطاعة في الحج، ووجدان الماء في الوضوء مثلا لم يوجد تكليف مطلق أبدا ~~إذ لا معنى لتوجه التكليف إلى مكلف سواء علم به أو لم يعلم. # وثالثا: أنا في زماننا هذا عاجزون عن الوصول إلى الإمام المعصوم وتعلم ~~العلم والدين منه، فلا يكون هو الذي فرض الله طاعته على الأمة إذ لا سبيل إليه. PageV04P150 # وفيه: أن ذلك مستند إلى نفس الأمة في سوء فعالها وخيانتها على نفسها لا إلى ~~الله ورسوله فالتكليف غير مرتفع كما لو قتلت الأمة نبيها ثم اعتذرت أنها لا ~~تقدر على طاعته، على أن الإشكال مقلوب عليه فإنا لا نقدر اليوم على أمة ~~واحدة في الإسلام ينفذ فيها ما استصوبته لها أهل الحل والعقد منها. # ورابعا: أن الله تعالى يقول: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول"، ولو كان المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن ms1551 ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام. # وفيه: أن جوابه تقدم فيما مر من البيان، والمراد بالرد الرد إلى الإمام ~~بالتقريب الذي تقدم. # وخامسا: أن القائلين بالإمام المعصوم يقولون: إن فائدة اتباعه إنقاذ ~~الأمة من ظلمة الخلاف، وضرر التنازع والتفرق وظاهر الآية يبين حكم التنازع ~~مع وجود أولي الأمر، وطاعة الأمة لهم كأن يختلف أولو الأمر في حكم بعض ~~النوازل والوقائع، والخلاف والتنازع مع وجود الإمام المعصوم غير جائز عند ~~القائلين به لأنه عندهم مثل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يكون ~~لهذا الزيادة فائدة على رأيهم. # وفيه: أن جوابه ظاهر مما تقدم أيضا فإن التنازع المذكور في الآية إنما هو ~~تنازع المؤمنين في أحكام الكتاب والسنة دون أحكام الولاية الصادرة عن ~~الإمام في الوقائع والحوادث، وقد تقدم أن لا حكم إلا لله ورسوله فإن تمكن ~~المتنازعون من فهم الحكم من الكتاب والسنة كان لهم أن يستنبطوه منهما، أو ~~يسألوا الإمام عنه وهو معصوم في فهمه، وإن لم يتمكنوا من ذلك كان عليهم أن ~~يسألوا عنه الإمام، وذلك نظير ما كان لمن يعاصر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كانوا يتفقهون فيما يتمكنون منه أو يسألون عنه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ويسألونه فيما لا يتمكنون من فهمه بالاستنباط. # فحكم أولي الأمر في الطاعة حكم الرسول على ما يدل عليه الآية، وحكم ~~التنازع هو الذي ذكره في الآية سواء في ذلك حضور الرسول كما يدل عليه ~~الآيات التالية، وغيبته كما يدل عليه الأمر في الآية بإطلاقه، فالرد إلى ~~الله والرسول المذكور في الآية مختص بصورة تنازع المؤمنين كما يدل عليه ~~قوله: تنازعتم، ولم يقل: فإن تنازع أولو الأمر، ولا قال: فإن تنازعوا، ~~والرد إلى الله والرسول عند حضور الرسول هو سؤال الرسول عن حكم المسألة أو ~~استنباطه من الكتاب والسنة للمتمكن منه، وعند غيبته أن يسأل الإمام عنه أو ~~الاستنباط كما تقدم بيانه، فلا يكون قوله: فإن تنازعتم في شيء "إلخ" زائدا ~~من الكلام مستغنى عنه كما ms1552 ادعاه المستشكل. # فقد تبين من جميع ما تقدم: أن المراد بأولي الأمر في الآية رجال من الأمة ~~حكم الواحد منهم في العصمة وافتراض الطاعة حكم الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وهذا مع ذلك لا ينافي عموم مفهوم لفظ أولي الأمر بحسب اللغة، ~~وإرادته من اللفظ فإن قصد مفهوم من المفاهيم من اللفظ شيء وإرادة المصداق ~~الذي ينطبق عليه المفهوم شيء آخر، وذلك كما أن مفهوم الرسول معنى عام كلي ~~وهو المراد من اللفظ في الآية لكن المصداق المقصود هو الرسول محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" إلى آخر الآية ~~تفريع على الحصر المستفاد من المورد فإن قوله: أطيعوا الله "إلخ" حيث أوجب ~~طاعة الله ورسوله، وهذه الطاعة إنما هي في المواد الدينية التي تتكفل رفع ~~كل اختلاف مفروض، وكل حاجة ممكنة لم يبق مورد تمس الحاجة الرجوع إلى غير ~~الله ورسوله، وكان معنى الكلام: أطيعوا الله، ولا تطيعوا الطاغوت، وهو ما ~~ذكرناه من الحصر. # وتوجه الخطاب إلى المؤمنين كاشف عن أن المراد بالتنازع هو تنازعهم بينهم ~~لا تنازع مفروض بينهم وبين أولي الأمر، ولا تنازع مفروض بين أولي الأمر فإن ~~الأول أعني التنازع بينهم وبين أولي الأمر لا يلائم افتراض طاعة أولي الأمر ~~عليهم، وكذا الثاني أعني التنازع بين أولي الأمر فإن افتراض الطاعة لا ~~يلائم التنازع الذي أحد طرفيه على الباطل، على أنه لا يناسب كون الخطاب ~~متوجها إلى المؤمنين في قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه. PageV04P151 # ولفظ الشيء وإن كان يعم كل حكم وأمر من الله ورسوله وأولي الأمر كائنا ما ~~كان لكن قوله بعد ذلك: فردوه إلى الله والرسول يدل على أن المفروض هو ~~النزاع في شيء ليس لأولي الأمر الاستقلال والاستبداد فيه من أوامرهم في ~~دائرة ولايتهم كأمرهم بنفر أو حرب أو صلح أو غير ذلك، إذ لا معنى لإيجاب ~~الرد إلى الله والرسول في هذه الموارد مع فرض طاعتهم فيها. # فالآية تدل على وجوب ms1553 الرد في نفس الأحكام الدينية التي ليس لأحد أن يحكم ~~فيها بإنفاذ أو نسخ إلا الله ورسوله، والآية كالصريح في أنه ليس لأحد أن ~~يتصرف في حكم ديني شرعه الله ورسوله، وأولو الأمر ومن دونهم في ذلك سواء. # وقوله: إن كنتم تؤمنون بالله، تشديد في الحكم وإشارة إلى أن مخالفته إنما ~~تنتشىء من فساد في مرحلة الإيمان فالحكم يرتبط به ارتباطا فالمخالفة تكشف ~~عن التظاهر بصفة الإيمان بالله ورسوله، واستبطان للكفر، وهو النفاق كما يدل ~~عليه الآيات التالية. # وقوله: ذلك خير وأحسن تأويلا أي الرد عند التنازع أو إطاعة الله ورسوله ~~وأولي الأمر، والتأويل هو المصلحة الواقعية التي تنشأ منها الحكم ثم تترتب ~~على العمل وقد تقدم البحث عن معناه في ذيل قوله تعالى: وابتغاء تأويله وما ~~يعلم تأويله إلا الله الآية: "آل عمران: 7" في الجزء الثالث من الكتاب. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك" إلى آخر ~~الآية الزعم هو الاعتقاد بكذا سواء طابق الواقع أم لا، بخلاف العلم فإنه ~~الاعتقاد المطابق للواقع، ولكون الزعم يستعمل في الاعتقاد في موارد لا ~~يطابق الواقع ربما يظن أن عدم مطابقة الواقع مأخوذ في مفهومه وليس كذلك، ~~والطاغوت مصدر بمعنى الطغيان كالرهبوت والجبروت والملكوت غير أنه ربما يطلق ~~ويراد به اسم الفاعل مبالغة يقال: طغى الماء إذا تعدى ظرفه لوفوره وكثرته، ~~وكان استعماله في الإنسان أولا على نحو الاستعارة ثم ابتذل فلحق بالحقيقة ~~وهو خروج الإنسان عن طوره الذي حده له العقل أو الشرع، فالطاغوت هو الظالم ~~الجبار، والمتمرد عن وظائف عبودية الله استعلاء عليه تعالى وهكذا، وإليه ~~يعود ما قيل: إن الطاغوت كل معبود من دون الله. # وقوله: بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، بمنزلة أن يقال: بما أنزل الله ~~على رسله، ولم يقل: آمنوا بك وبالذين من قبلك لأن الكلام في وجوب الرد إلى ~~كتاب الله وحكمه وبذلك يظهر أن المراد بقوله: "وقد أمروا أن يكفروا به" ~~الأمر في الكتب السماوية والوحي النازل على ms1554 الأنبياء: محمد ومن قبله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وقوله: ألم تر إلخ، الكلام بمنزلة دفع الدخل كأنه قيل: ما وجه ذكر قوله: ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول "إلخ" فقيل: ألم تر إلى تخلفهم من الطاعة حيث ~~يريدون التحاكم إلى الطاغوت؟ والاستفهام للتأسف والمعنى: من الأسف ما رأيته ~~أن بعض الناس، وهم معتقدون أنهم مؤمنون بما أنزل إليك من الكتاب وإلى سائر ~~الأنبياء والكتب السماوية إنما أنزلت لتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ~~وقد بينه الله تعالى لهم بقوله: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه: ~~"البقرة: 213" يتحاكمون عند التنازع إلى الطاغوت وهم أهل الطغيان ~~والمتمردون عن دين الله المتعدون على الحق، وقد أمروا في هذه الكتب أن ~~يكفروا بالطاغوت، وكفى في منع التحاكم إليهم أنه إلغاء لكتب الله وإبطال ~~لشرائعه. # وفي قوله "ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا، دلالة على أن تحاكمهم ~~إنما هو بإلقاء الشيطان وإغوائه، والوجهة فيه الضلال البعيد. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا" إلى آخر الآية، تعالوا بحسب الأصل أمر ~~من التعالي وهو الارتفاع، وصد عنه يصد صدودا أي أعرض، وقوله: إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول، بمنزلة أن يقال: إلى حكم الله ومن يحكم به، وفي قوله: ~~يصدون عنك، إنما خص الرسول بالإعراض مع أن الذي دعوا إليه هو الكتاب ~~والرسول معا لا الرسول وحده لأن الأسف إنما هو من فعل الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل الله فهم ليسوا بكافرين حتى يتجاهروا بالإعراض عن كتاب الله ~~بل منافقون بالحقيقة يتظاهرون بالإيمان بما أنزل الله لكنهم يعرضون عن رسوله. PageV04P152 # ومن هنا يظهر أن الفرق بين الله ورسوله بتسليم حكم الله والتوقف في حكم ~~الرسول نفاق البتة. # قوله تعالى: "فكيف إذا أصابتهم مصيبة" إلخ إيذان بأن هذا الإعراض ~~والانصراف عن حكم الله ورسوله، والإقبال إلى غيره وهو حكم الطاغوت سيعقب ~~مصيبة تصيبهم لا سبب لها إلا هذا الإعراض عن حكم الله ورسوله، والتحاكم إلى ms1555 ~~الطاغوت، وقوله: ثم جاءوك يحلفون بالله، اه حكاية لمعذرتهم أنهم ما كانوا ~~يريدون بركونهم إلى حكم الطاغوت سوء، والمعنى - والله أعلم -: فإذا كان ~~حالهم هذا الحال كيف صنيعهم إذا أصابهم بفعالهم هذا وباله السيىء ثم جاءوك ~~يحلفون بالله قائلين ما أردنا بالتحاكم إلى غير الكتاب والرسول إلا الإحسان ~~والتوفيق وقطع المشاجرة بين الخصوم. # قوله تعالى: "أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم" إلخ تكذيب لقولهم فيما ~~اعتذروا به، ولم يذكر حال ما في قلوبهم، وأنه ضمير فاسد لدلالة قوله: ~~"فأعرض عنهم وعظهم" على ذلك إذ لو كان ما في قلوبهم غير فاسد كان قولهم ~~صدقا وحقا ولا يؤمر بالإعراض عمن يقول الحق ويصدق في قوله. # وقوله: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي قولا يبلغ في أنفسهم ما تريد أن ~~يقفوا عليه ويفقهوه من مفاسد هذا الصنيع، وأنه نفاق لو ظهر نزل بهم الويل ~~من سخط الله تعالى. # قوله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله"، رد مطلق لجميع ما ~~تقدمت حكايته من هؤلاء المنافقين من التحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن ~~الرسول، والحلف والاعتذار بالإحسان والتوفيق. # فكل ذلك مخالفة للرسول بوجه سواء كانت مصاحبة لعذر يعتذر به أم لا، وقد ~~أوجب الله طاعته من غير قيد وشرط فإنه لم يرسله إلا ليطاع بإذن الله، وليس ~~لأحد أن يتخيل أن المتبع من الطاعة طاعة الله، وإنما الرسول بشر ممن خلق ~~إنما يطاع لحيازة الصلاح فإذا أحرز صلاح من دون طاعته فلا بأس بالاستبداد ~~في إحرازه، وترك الرسول في جانب، وإلا كان إشراكا بالله، وعبادة لرسوله ~~معه، وربما كان يلوح ذلك في أمور يكلمون فيها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقول قائلهم له إذا عزم عليهم في مهمة: أبأمر من الله أم منك؟. # فذكر الله سبحانه أن وجوب طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجوب ~~مطلق، وليست إلا طاعة الله فإنها بإذنه نظير ما يفيده قوله تعالى: من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله الآية: "النساء: 80". # ثم ذكر ms1556 أنهم لو رجعوا إلى الله ورسوله بالتوبة حين ما خالفوا الرسول ~~بالإعراض لكان خيرا لهم من أن يحلفوا بالله، ويلفقوا أعذارا غير موجهة لا ~~تنفع ولا ترضي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الله سبحانه يخبره ~~بحقيقة الأمر، وذلك قوله: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك إلى آخر الآية. # قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك إلخ، الشجر - بسكون الجيم - ~~والشجور: الاختلاط يقال: شجر شجرا وشجورا أي اختلط، ومنه التشاجر والمشاجرة ~~كأن الدعاوي أو الأقوال اختلط بعضها مع بعض، ومنه قيل للشجر: شجر لاختلاط ~~غصونها بعضها مع بعض، والحرج الضيق. # وظاهر السياق في بدء النظر أنه رد لزعم المنافقين أنهم آمنوا بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) مع تحاكمهم إلى الطاغوت فالمعنى: فليس كما يزعمون ~~أنهم يؤمنون مع تحاكمهم إلى الطاغوت بل لا يؤمنون حتى يحكموك "إلخ". # لكن شمول حكم الغاية أعني قوله: حتى يحكموك "إلخ" لغير المنافقين، وكذا ~~قوله بعد ذلك: "ولو أنا كتبنا عليهم" إلى قوله: "ما فعلوه إلا قليل منهم" ~~يؤيد أن الرد لا يختص بالمنافقين بل يعمهم وغيرهم من جهة أن ظاهر حالهم ~~أنهم يزعمون أن مجرد تصديق ما أنزل من عند الله بما يتضمنه من المعارف ~~والأحكام إيمان بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه حقيقة، وليس كذلك بل ~~الإيمان تسليم تام باطنا وظاهرا فكيف يتأتى لمؤمن حقا أن لا يسلم للرسول ~~حكما في الظاهر بأن يعرض عنه ويخالفه، أو في باطن نفسه بأن يتحرج عن حكم ~~الرسول إذا خالف هوى نفسه، وقد قال الله تعالى لرسوله: لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله: "النساء: 105". # فلو تحرج متحرج بما قضى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن حكم الله ~~تحرج لأنه الذي شرفه بافتراض الطاعة ونفوذ الحكم. PageV04P153 # وإذا كانوا سلموا حكم الرسول، ولم يتحرج قلوبهم منه كانوا مسلمين لحكم الله ~~قطعا سواء في ذلك حكمه التشريعي والتكويني، وهذا موقف من مواقف الإيمان ~~يتلبس فيه المؤمن بعدة من صفات الفضيلة أوضحها: التسليم ms1557 لأمر الله، ويسقط ~~فيه التحرج والاعتراض والرد من لسان المؤمن وقلبه، وقد أطلق في الآية ~~التسليم إطلاقا. # ومن هنا يظهر أن قوله: فلا وربك إلى آخر الآية، وإن كان مقصورا على ~~التسليم لحكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب اللفظ لأن مورد الآيات ~~هو تحاكمهم إلى غير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع وجوب رجوعهم ~~إليه إلا أن المعنى عام لحكم الله ورسوله جميعا، ولحكم التشريع والتكوين ~~جميعا كما عرفت. # بل المعنى يعم الحكم بمعنى قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل ~~سيرة سار بها أو عمل عمل به لأن الأثر مشترك فكل ما ينسب بوجه إلى الله ~~ورسوله بأي نحو كان لا يتأتى لمؤمن بالله حق إيمانه أن يرده أو يعترض عليه ~~أو يمله أو يسوءه بوجه من وجوه المساءة فكل ذلك شرك على مراتبه، وقد قال ~~تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون: "يوسف: 106". # قوله تعالى: "ولو أنا كتبنا عليهم" إلى قوله: "ما فعلوه إلا قليل منهم" ~~قد تقدم في قوله: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا: "آية: 46 ~~من السورة" إن هذا التركيب يدل على أن الحكم للهيئة الاجتماعية من الأفراد ~~وهو المجتمع، وأن الاستثناء لدفع توهم استغراق الحكم واستيعابه لجميع ~~الأفراد، ولذلك كان هذا الاستثناء أشبه بالمنفصل منه بالمتصل أو هو برزخ ~~بين الاستثنائين: المتصل والمنفصل لكونه ذا جنبتين. # على هذا فقوله "ما فعلوه إلا قليل منهم" وارد مورد الإخبار عن حال الجملة ~~المجتمعة أنهم لا يمتثلون الأحكام والتكاليف الحرجية الشاقة التي تماس ما ~~يتعلق به قلوبهم تعلق الحب الشديد كنفوسهم وديارهم، واستثناء القليل لدفع ~~التوهم. # فالمعنى: ولو أنا كتبنا أي فرضنا عليهم قتل أنفسهم والخروج من ديارهم ~~وأوطانهم المألوفة لهم ما فعلوه أي لم يمتثلوا أمرنا، ثم لما استشعر أن ~~قوله: ما فعلوه يوهم أن ليس فيهم من هو مؤمن حقا مسلم لحكم الله حقيقة دفع ~~ذلك باستثناء القليل منهم، ولم يكن يشمله الحكم حقيقة لأن الإخبار ms1558 عن حال ~~المجتمع من حيث إنه مجتمع ولم تكن الأفراد داخلة فيه إلا بتبع الجملة. # ومن هنا يظهر أن المراد قتل الجملة الجملة وخروج الجملة وجلاؤهم من جملة ~~ديارهم كالبلدة والقرية دون قتل كل واحد نفسه، وخروجه من داره كما في قوله ~~تعالى: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم: "البقرة: 54"، فإن المقصود ~~بالخطاب هو الجماعة دون الأفراد. # قوله تعالى: "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا" في ~~تبديل الكتابة في قوله: ولو أنا كتبنا عليهم، بالوعظ في قوله: ما يوعظون به ~~إشارة إلى أن هذه الأحكام الظاهرة في صورة الأمر والفرض ليست إلا إشارات ~~إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم فهي في الحقيقة مواعظ ونصائح يراد بها خيرهم ~~وصلاحهم. # وقوله: لكان خيرا لهم أي في جميع ما يتعلق بهم من أولاهم وأخراهم، وذلك ~~أن خير الآخرة لا ينفك من خير الدنيا بل يستتبعه، وقوله: "وأشد تثبيتا" أي ~~لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان لأن الكلام فيه، قال تعالى: يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت الآية: "إبراهيم: 27". # قوله تعالى: "وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما" أي حين تثبتوا بالإيمان ~~الثابت، والكلام في إبهام قوله: "أجرا عظيما" كالكلام في إطلاق قوله: "لكان ~~خيرا لهم". # قوله تعالى: "ولهديناهم صراطا مستقيما" قد مضى الكلام في معنى الصراط ~~المستقيم في ذيل قوله: اهدنا الصراط المستقيم: "الحمد: 6" في الجزء الأول ~~من الكتاب. # قوله تعالى: "ومن يطع الله والرسول" إلى قوله: "حسن أولئك رفيقا" جمع بين ~~الله والرسول في هذا الوعد الحسن مع كون الآيات السابقة متعرضة لإطاعة ~~الرسول والتسليم لحكمه وقضائه، لتخلل ذكره تعالى بينها في قوله: ولو أنا ~~كتبنا عليهم "إلخ" فالطاعة المفترضة طاعته تعالى وطاعة رسوله، وقد بدأ ~~الكلام على هذا النحو في قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول الآية. PageV04P154 # وقوله: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم، يدل على اللحوق دون الصيرورة ~~فهؤلاء ملحقون بجماعة المنعم عليهم، وهم أصحاب الصراط المستقيم الذي لم ~~ينسب في كلامه تعالى إلى غيره إلا إلى هذه الجماعة في قوله تعالى: ms1559 اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم: "الحمد: 7"، وبالجملة فهم ملحقون ~~بهم غير صائرين منهم كما لا يخلو قوله: "وحسن أولئك رفيقا" من تلويح إليه، ~~وقد تقدم أن المراد بهذه النعمة هي الولاية. # وأما هؤلاء الطوائف الأربع أعني النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~فالنبيون هم أصحاب الوحي الذين عندهم نبأ الغيب، ولا خبرة لنا من حالهم ~~بأزيد من ذلك إلا من حيث الآثار، وقد تقدم أن المراد بالشهداء شهداء ~~الأعمال فيما يطلق من لفظ الشهيد في القرآن دون المستشهدين في معركة ~~القتال، وأن المراد بالصالحين هم أهل اللياقة بنعم الله. # وأما الصديقون فالذي يدل عليه لفظه هو أنه مبالغة من الصدق، ومن الصدق ما ~~هو في القول، ومنه ما هو في الفعل، وصدق الفعل هو مطابقته للقول لأنه حاك ~~عن الاعتقاد فإذا صدق في حكايته كان حاكيا لما في الضمير من غير تخلف، وصدق ~~القول مطابقته لما في الواقع، وحيث كان القول نفسه من الفعل بوجه كان ~~الصادق في فعله لا يخبر إلا عما يعلم صدقه وأنه حق، ففي قوله الصدق الخبري ~~والمخبري جميعا. # فالصديق الذي لا يكذب أصلا هو الذي لا يفعل إلا ما يراه حقا من غير اتباع ~~لهوى النفس، ولا يقول إلا ما يرى أنه حق، ولا يرى شيئا إلا ما هو حق فهو ~~يشاهد حقائق الأشياء، ويقول الحق، ويفعل الحق. # وعلى ذلك فيترتب المراتب فالنبيون وهم السادة، ثم الصديقون وهم شهداء ~~الحقائق والأعمال، والشهداء وهم شهداء الأعمال، والصالحون وهم المتهيئون ~~للكرامة الإلهية. # وقوله تعالى: "وحسن أولئك رفيقا" أي من حيث الرفاقة فهو تمييز، قيل: ~~ولذلك لم يجمع، وقيل: المعنى: حسن كل واحد منهم رفيقا، وهو حال نظير قوله: ~~ثم نخرجكم طفلا: "الحج: 5 ". # قوله تعالى: "ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما" تقديم "ذلك" وإتيانه ~~بصيغة الإشارة الدالة على البعيد ودخول اللام في الخبر يدل على تفخيم أمر ~~هذا الفضل كأنه كل الفضل، وختم الآية بالعلم لكون الكلام في درجات الإيمان ~~التي لا سبيل إلى تشخيصها إلا ms1560 العلم الإلهي. # واعلم أن في هذه الآيات الشريفة موارد عديدة من الالتفات الكلامي متشابك ~~بعضها مع بعض فقد أخذ المؤمنون في صدر الآيات مخاطبين ثم في قوله: "ولو أنا ~~كتبنا عليهم" كما مر غائبين، وكذلك أخذ تعالى نفسه في مقام الغيبة في صدر ~~الآيات في قوله: أطيعوا الله الآية، ثم في مقام المتكلم مع الغير في قوله: ~~وما أرسلنا من رسول الآية، ثم الغيبة في قوله: بإذن الله الآية، ثم المتكلم ~~مع الغير في قوله: ولو أنا كتبنا الآية، ثم الغيبة في قوله: ومن يطع الله ~~والرسول الآية. # وكذلك الرسول أخذ غائبا في صدر الآيات في قوله: وأطيعوا الرسول الآية، ثم ~~مخاطبا في قوله: ذلك خير الآية، ثم غائبا في قوله: واستغفر لهم الرسول ~~الآية، ثم مخاطبا في قوله: فلا وربك الآية، ثم غائبا في قوله: ومن يطع الله ~~والرسول الآية، ثم مخاطبا في قوله: وحسن أولئك الآية، فهذه عشر موارد من ~~الالتفات الكلامي والنكات المختصة بكل مورد مورد ظاهرة للمتدبر. PageV04P155 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري: ~~لما أنزل الله عز وجل على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول - وأولي الأمر منكم "قلت: يا رسول ~~الله عرفنا الله ورسوله فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي: ~~أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن ~~علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه مني ~~السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد ~~بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي محمد وكنيي حجة الله في ~~أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على ~~يديه مشارق الأرض ومغاربها، ms1561 ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت ~~فيه على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت له ~~يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته فقال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته ~~في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر ~~الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله. # أقول: وعن النعماني بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي (عليه السلام) ~~ما في معنى الرواية السابقة، ورواها علي بن إبراهيم بإسناده عن سليم عنه ~~(عليه السلام)، وهناك روايات أخر من طرق الشيعة وأهل السنة، وفيها ذكر ~~إمامتهم بأسمائهم من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى كتاب ينابيع ~~المودة وكتاب غاية المرام للبحراني وغيرهما. # وفي تفسير العياشي، عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ~~هذه الآية: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" قال: الأوصياء. # أقول: وفي تفسير العياشي، عن عمر بن سعيد عن أبي الحسن (عليه السلام) ~~مثله وفيه: علي بن أبي طالب والأوصياء من بعده. # وعن ابن شهرآشوب: سأل الحسن بن صالح عن الصادق (عليه السلام) عن ذلك ~~فقال: الأئمة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أقول: وروى ~~مثله الصدوق عن أبي بصير عن الباقر (عليه السلام) وفيه: قال: الأئمة من ولد ~~علي وفاطمة إلى أن تقوم الساعة. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي مسروق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قلت له: إنا نكلم أهل الكلام فنحتج عليهم بقول الله عز وجل: "أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" فيقولون: نزلت في المؤمنين، ونحتج عليهم ~~بقول الله عز وجل: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" فيقولون: ~~نزلت في قربى المسلمين قال: فلم أدع شيئا مما حضرني ذكره من هذا وشبهه إلا ~~ذكرته، فقال لي: إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة، قلت: وكيف أصنع؟ فقال: ~~أصلح نفسك ms1562 ثلاثا وأطبه، قال: وصم واغتسل وابرز أنت وهو إلى الجبال فتشبك ~~أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه ثم أنصفه، وابدأ بنفسك، وقل: اللهم رب ~~السموات السبع ورب الأرضين السبع عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم إن كان ~~أبو مسروق جحد حقا وادعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من السماء وعذابا أليما، ~~ثم رد الدعوة عليه فقل: وإن جحد حقا وادعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من ~~السماء وعذابا أليما. ثم قال لي: فإنك لا تلبث أن ترى ذلك فيه، فوالله ما ~~وجدت خلقا يجيبني إليه. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" قال: هي في علي وفي ~~الأئمة جعلهم الله مواضع الأنبياء غير أنهم لا يحلون شيئا ولا يحرمونه. # أقول: والاستثناء في الرواية هو الذي قدمنا في ذيل الكلام على الآية أنها ~~تدل على أن لا حكم تشريعا إلا لله ورسوله. # وفي الكافي، بإسناده عن بريد بن معاوية قال: تلا أبو جعفر (عليه السلام): ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن خفتم تنازعا في الأمر ~~فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم. قال: كيف يأمر بطاعتهم ~~ويرخص في منازعتهم إنما قال ذلك للمارقين الذين قيل لهم: أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول. PageV04P156 # أقول: الرواية لا تدل على أزيد من كون ما تلاه (عليه السلام) تفسير للآية ~~وبيانا للمراد منها، وقد تقدم في البيان السابق توضيح دلالتها على ذلك، ~~وليس المراد هو القراءة كما ربما يستشعر من قوله: تلا أبو جعفر (عليه ~~السلام). # ويدل على ذلك اختلاف اللفظ الموجود في الروايات كما في تفسير القمي، ~~بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت: "فإن تنازعتم في ~~شيء فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم". # وما في تفسير العياشي، عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام)" وهو ~~رواية الكافي، السابقة وفي الحديث: ثم قال للناس: "يا أيها الذين آمنوا" ~~فجمع المؤمنين إلى ms1563 يوم القيامة "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم" إيانا عنى خاصة "فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوا إلى الله وإلى ~~الرسول وأولي الأمر منكم" هكذا نزلت، وكيف يأمرهم بطاعة أولي الأمر ويرخص ~~لهم في منازعتهم إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: "أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. # وفي تفسير العياشي،: في رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~نزلت يعني آية أطيعوا الله، في علي بن أبي طالب (عليه السلام) قلت له: إن ~~الناس يقولون لنا: فما منعه أن يسمي عليا وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو ~~جعفر (عليه السلام): قولوا لهم: إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ~~ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسر ~~ذلك لهم وأنزل الحج ولم ينزل طوفوا أسبوعا حتى فسر ذلك لهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، والله أنزل: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم" تنزلت في علي والحسن والحسين (عليهما السلام)، وقال في علي من ~~كنت مولاه فعلي مولاه، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أوصيكم ~~بكتاب الله وأهل بيتي إني سألت الله أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي ~~الحوض فأعطاني ذلك، وقال: فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، إنهم لن يخرجوكم من ~~باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلال، ولو سكت رسول الله ولم يبين أهلها لادعى ~~آل عباس وآل عقيل وآل فلان، ولكن أنزل الله في كتابه: "إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا" فكان علي والحسن والحسين ~~وفاطمة (عليهما السلام) تأويل هذه الآية، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بيد علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) فأدخلهم تحت ~~الكساء في بيت أم سلمة وقال: اللهم إن لكل نبي ثقلا وأهلا فهؤلاء ثقلي ~~وأهلي، وقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ قال: إنك إلى خير، ولكن هؤلاء ثقلي ~~وأهلي، الحديث: أقول: وروي في الكافي، بإسناده عن أبي بصير ms1564 عنه (عليه ~~السلام) مثله مع اختلاف يسير في اللفظ. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن تفسير مجاهد: أنها نزلت في أمير ~~المؤمنين حين خلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة فقال: يا ~~رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما ترضى ~~أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ حين قال له: "اخلفني في قومي وأصلح" ~~فقال الله: وأولي الأمر منكم. قال: علي بن أبي طالب ولاه الله أمر الأمة ~~بعد محمد، وحين خلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة فأمر ~~الله العباد بطاعته وترك خلافه. # وفيه، عنه عن أبانة الفلكي: أنها نزلت حين شكا أبو بريدة من علي (عليه ~~السلام)، الخبر. PageV04P157 # وفي العبقات، عن كتاب ينابيع المودة، للشيخ سليمان بن إبراهيم البلخي عن ~~المناقب عن سليم بن قيس الهلالي عن علي في حديث قال: وأما أدنى ما يكون به ~~العبد ضالا أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى وشاهده على عباده، الذي أمر ~~الله عباده بطاعته، وفرض ولايته. قال سليم: قلت: يا أمير المؤمنين صفهم لي، ~~قال: الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: "يا أيها الذين آمنوا - أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" فقلت له: جعلني الله فداك أوضح لي، ~~فقال: الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواضع وفي آخر ~~خطبته يوم قبضه الله عز وجل إليه: إني تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن ~~تمسكتم بهما كتاب الله عز وجل، وعترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد ~~إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين وجمع بين مسبحتيه ولا أقول: ~~كهاتين وجمع مسبحته والوسطى فتمسكوا بهما ولا تقدموهم فتضلوا. # أقول: والروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في المعاني السابقة ~~كثيرة جدا وقد اقتصرنا فيما نقلناه على إيراد نموذج من كل صنف منها، وعلى ~~من يطلبها أن يراجع جوامع الحديث. # وأما الذي روي عن قدماء المفسرين فهي ثلاثة أقوال: الخلفاء الراشدون، ~~وأمراء السرايا والعلماء، ms1565 وما نقل عن الضحاك أنهم أصحاب النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فهو يرجع إلى القول الثالث فإن اللفظ المنقول منه: أنهم ~~أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هم الدعاة الرواة، وظاهره أنه ~~تعليل بالعلم فيرجع إلى التفسير بالعلماء. # واعلم أيضا أنه قد نقل في أسباب نزول هذه الآيات أمور كثيرة، وقصص مختلفة ~~شتى لكن التأمل فيها لا يدع ريبا في أنها جميعا من قبيل التطبيق النظري من ~~رواتها، ولذلك تركنا إيرادها لعدم الجدوى في نقلها، وإن شئت تصديق ذلك ~~فعليك بالرجوع إلى الدر المنثور، وتفسير الطبري، وأشباههما. # وفي محاسن البرقي، بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قول الله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون الآية، قال: التسليم، الرضا، والقنوع ~~بقضائه. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله الكاهلي قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا ~~الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان ثم قالوا الشيء صنعه الله وصنع ~~رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لم صنع هكذا وكذا، ولو صنع خلاف الذي ~~صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الآية: "فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم - ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما" ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم ~~بالتسليم. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: سمعته يقول: والله لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له ~~وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان ثم قالوا ~~لشيء صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لم صنع كذا وكذا؟ ووجدوا ~~ذلك في أنفسهم لكانوا بذلك مشركين، ثم قرأ: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم - ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضى محمد وآل محمد ~~ويسلموا تسليما. # أقول: وفي معنى الروايتين روايات أخر، والذي ذكره ms1566 (عليه السلام) تعميم في ~~الآية من جهة الملاك من جهتين: من جهة أن الحكم لا يفرق فيه بين أن يكون ~~حكما تشريعيا أو تكوينيا، ومن جهة أن الحاكم بالحكم لا يفرق فيه بين أن ~~يكون هو الله أو رسوله. # واعلم أن هناك روايات تطبق الآيات أعني قوله: فلا وربك لا يؤمنون إلى آخر ~~الآيات على ولاية علي (عليه السلام) أو على ولاية أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام)، وهو من مصاديق التطبيق على المصاديق، فإن الله سبحانه ورسوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) مصاديق الآيات ~~وهي جارية فيهم. PageV04P158 # وفي أمالي الشيخ، بإسناده إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: جاء رجل ~~من الأنصار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله ما ~~أستطيع فراقك، وإني لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي وأقبل حتى أنظر إليك ~~حبا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة فأدخلت الجنة فرفعت في أعلى عليين فكيف ~~لي بك يا نبي الله؟ فنزل: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم - من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - وحسن أولئك رفيقا" فدعا ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الرجل فقرأها عليه وبشره بذلك. # أقول: وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضا رواه في الدر المنثور، عن ~~الطبراني وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة ~~وحسنه عن عائشة، وعن الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس، وعن ~~سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي، وعن ابن جرير عن سعيد بن جبير. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن أنس بن مالك عمن سمى عن أبي صالح ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: "ومن يطع الله والرسول - فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين" يعني محمدا و"الصديقين" يعني عليا وكان أول من صدق ~~و"الشهداء" يعني عليا وجعفرا وحمزة والحسن والحسين (عليهما السلام). # أقول: وفي هذا المعنى أخبار أخر. # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام) ms1567 قال: أعينونا بالورع فإنه من لقي ~~الله بالورع كان له عند الله فرحا فإن الله عز وجل يقول: ومن يطع الله ~~والرسول، وتلا الآية ثم قال: فمنا النبي ومنا الصديق ومنا الشهداء ~~والصالحون. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): المؤمن مؤمنان: مؤمن وفى الله بشروطه ~~التي اشترطها عليه فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا، وذلك ممن يشفع ولا يشفع له، وذلك ممن لا يصيبه أهوال الدنيا ~~وولا أهوال الآخرة، ومؤمن زلت به قدم فذلك كخامة الزرع كيفما كفأته الريح ~~انكفأ، وذلك ممن يصيبه أهوال الدنيا وأهوال الآخرة ويشفع له، وهو على خير. # أقول: في الصحاح: الخامة: الغضة الرطبة من النبات انتهى، ويقال: كفأت ~~فلانا فانكفأ أي صرفته فانصرف ورجع، وهو (عليه السلام) يشير في الحديث إلى ~~ما تقدم في تفسير قوله: صراط الذين أنعمت عليهم: "الفاتحة: 7" أن المراد ~~بالنعمة الولاية فينطبق على قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون: "يونس: 63" ولا سبيل لأهوال ~~الحوادث إلى أولياء الله الذين ليس لهم إلا الله سبحانه. PageV04P159 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 71 - 76 # يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن ~~منكم لمن ليبطئن فإن أصبتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم ~~شهيدا (72) ولئن أصبكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ~~يليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) * فليقتل فى سبيل الله الذين يشرون ~~الحيوة الدنيا بالاخرة ومن يقتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما (74) وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدن الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين ءامنوا يقتلون ~~فى سبيل الله والذين كفروا يقتلون فى سبيل الطغوت فقتلوا أولياء الشيطن إن ~~كيد الشيطن كان ضعيفا (76) ### |||| AUTO بيان # الآيات بالنسبة إلى ما تقدمها - كما ترى - بمنزلة ذي المقدمة بالنسبة ms1568 إلى ~~المقدمة وهي تحث وتستنهض المؤمنين للجهاد في سبيل الله، وقد كانت المحنة ~~شديدة على المؤمنين أيام كانت تنزل هذه الآيات، وهي كأنها الربع الثاني من ~~زمن إقامة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة كانت العرب هاجت ~~عليهم من كل جانب لإطفاء نور الله، وهدم ما ارتفع من بناية الدين يغزو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشركي مكة وطواغيت قريش، ويسري السرايا إلى ~~أقطار الجزيرة، ويرفع قواعد الدين بين المؤمنين، وفي داخلهم جمع المنافقين ~~وهم ذو قوة وشوكة، وقد بان يوم أحد أن لهم عددا لا ينقص من نصف عدة ~~المؤمنين بكثير. # وكانوا يقلبون الأمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتربصون ~~به الدوائر، ويثبطون المؤمنين وفيهم مرضى القلوب سماعون لهم، وحولهم اليهود ~~يفتنون المؤمنين ويغزونهم وكانت عرب المدينة تحترمهم، وتعظم أمرهم من قديم ~~عهدهم فكانوا يلقون إليهم من باطل القول ومضلات الأحاديث ما يبطل به صادق ~~إرادتهم، وينتقض به مبرم جدهم، ومن جانب آخر كانوا يشجعون المشركين عليهم، ~~ويطيبون نفوسهم في مقاومتهم، والبقاء والثبات على كفرهم وجحودهم، وتفتين من ~~عندهم من المؤمنين. # فالآيات السابقة كالمسوقة لإبطال كيد اليهود للمسلمين، وإمحاء آثار ~~إلقاءاتهم على المؤمنين، وما في هذه الآيات من حديث المنافقين هو كتتميم ~~إرشاد المؤمنين، وتكميل تعريفهم حاضر الحال ليكونوا على بصيرة من أمرهم، ~~وعلى حذر من الداء المستكن الذي دب في داخلهم، ونفذ في جمعهم، وليبطل بذلك ~~كيد أعدائهم الخارجين المحيطين بهم، ويرتد أنفاسهم إلى صدورهم، وليتم نور ~~الدين في سطوعه، والله متم نوره ولو كره المشركون والكافرون. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا" الحذر بالكسر فالسكون ما يحذر به وهو آلة الحذر كالسلاح، وربما قيل: ~~إنه مصدر كالحذر بفتحتين، والنفر هو السير إلى جهة مقصودة، وأصله الفزع، ~~فالنفر من محل السير فزع عنه وإلى محل السير فزع إليه، والثبات جمع ثبة، ~~وهي الجماعة على تفرقة، فالثبات الجماعة بعد الجماعة بحيث تتفصل ثانية عن ~~أولى، ms1569 وثالثة عن ثانية، ويؤيد ذلك مقابلة قوله: "فانفروا ثبات" قوله: "أو ~~انفروا جميعا". # والتفريع في قوله: فانفروا ثبات، على قوله: خذوا حذركم، بظاهره يؤيد كون ~~المراد بالحذر ما به الحذر على أن يكون كناية عن التهيؤ التام للخروج إلى ~~الجهاد ويكون المعنى: خذوا أسلحتكم أي أعدوا للخروج واخرجوا إلى عدوكم فرقة ~~فرقة سرايا أو اخرجوا إليهم جميعا عسكرا. # ومن المعلوم أن التهيؤ والإعداد يختلف باختلاف عدة العدو وقوته فالترديد ~~في قوله: أو انفروا، ليس تخييرا في كيفية الخروج وإنما الترديد بحسب تردد ~~العدو من حيث العدة والقوة أي إذا كان عددهم قليلا فثبة، وإن كان كثيرا ~~فجميعا. PageV04P160 # فيئول المعنى - وخاصة بملاحظة الآية التالية: وإن منكم لمن ليبطئن، - إلى ~~نهيهم عن أن يضعوا أسلحتهم، وينسلخوا عن الجد وبذل الجهد في أمر الجهاد ~~فيموت عزمهم ويفتقد نشاطهم في إقامة أعلام الحق، ويتكاسلوا أو يتبطئوا أو ~~يتثبطوا في قتال أعداء الله، وتطهير الأرض من قذارتهم. # قوله تعالى: "وإن منكم لمن ليبطئن"، قيل: إن اللام الأولي لام الابتداء ~~لدخولها على اسم إن، واللام الثانية لام القسم لدخولها على الخبر وهي جملة ~~فعلية مؤكدة بنون التأكيد الثقيلة، والتبطئة والإبطاء بمعنى، وهو التأخير ~~في العمل. # وقوله: "وإن منكم"، يدل على أن هؤلاء من المؤمنين المخاطبين في صدر الآية ~~بقوله: يا أيها الذين آمنوا، على ما هو ظاهر كلمة "منكم" كما يدل عليه ما ~~سيأتي من قوله: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم، فإن الظاهر أن هؤلاء ~~أيضا كانوا من المؤمنين، مع قوله تعالى بعد ذلك: فلما كتب عليهم القتال إذا ~~فريق منهم يخشون الناس، وقوله: وإن تصبهم حسنة "إلخ" وكذا قوله: فليقاتل في ~~سبيل الله الذين، وقوله: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وقوله: الذين ~~آمنوا يقاتلون في سبيل الله، كل ذلك تحريض واستنهاض للمؤمنين وفيهم هؤلاء ~~المبطئون على ما يلوح إليه اتصال الآيات. # على أنه ليس في الآيات ما يدل بظاهره على أن هؤلاء المبطئين من المنافقين ~~الذين لم يؤمنوا إلا بظاهر ms1570 من القول، مع أن في بعض ما حكى الله عنهم دلالة ~~ما على إيمانهم في الجملة كقوله تعالى: فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله ~~علي، وقوله تعالى: ربنا لم كتبت علينا القتال "إلخ". # نعم ذكر المفسرون أن المراد بقوله: وإن منكم لمن، المنافقون، وأن معنى ~~كونهم منهم دخولهم في عددهم، أو اشتراكهم في النسب فهم منهم نسبا أو ~~اشتراكهم مع المؤمنين في ظاهر حكم الشريعة بحقن الدماء والإرث ونحو ذلك ~~لتظاهرهم بالشهادتين، وقد عرفت أن ذلك تصرف في ظاهر القرآن من غير وجه. # وإنما دعاهم إلى هذا التفسير حسن الظن بالمسلمين في صدر الإسلام كل من ~~لقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن به والبحث التحليلي فيما ضبطه ~~التاريخ من سيرتهم وحياتهم مع النبي وبعد يضعف هذا الظن، والخطابات ~~القرآنية الحادة في خصوصهم توهن هذا التقدير. # ولم تسمح الدنيا حتى اليوم بأمة أو عصابة طاهرة تألفت من أفراد طاهرة من ~~غير استثناء مؤمنة واقفة على قدم صدق من غير عثرة قط إلا ما نقل في حديث ~~الطف بل مؤمنو صدر الإسلام كسائر الجماعات البشرية فيهم المنافق والمريض ~~قلبه والمتبع هواه والطاهر سره. # والذي يمتاز به الصدر الأول من المسلمين هو أن مجتمعهم كان مجتمعا فاضلا ~~يقدمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويغشاهم نور الإيمان، ويحكم ~~فيهم سيطرة الدين، هذا حال مجتمعهم من حيث إنه مجتمع، وإن كان يوجد بينهم ~~من الأفراد الصالح والطالح جميعا، وفي صفاتهم الروحية الفضيلة والرذيلة معا ~~وكل لون من ألوان الأخلاق والملكات. # وهذا هو الذي يذكره القرآن من حالهم، ويبينه من صفاتهم قال تعالى: محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود - إلى أن قال -: وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما: "الفتح: 29"، ~~فقد بدأ تعالى بذكر صفاتهم وفضائلهم الاجتماعية مطلقة، وختم بذكر المغفرة ~~والأجر لأفرادهم مشروطة. # قوله تعالى: "فإن أصابتكم مصيبة" أي ms1571 من قتل أو جرح "قال قد أنعم الله علي ~~إذ لم أكن معهم شهيدا" حتى أبتلى بمثل ما ابتلي به المؤمنون. PageV04P161 # قوله تعالى: "ولئن أصابكم فضل من الله" من قبيل غنيمة الحرب ونحوها، والفضل ~~هو المال وما يماثله، وقوله: ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني ~~كنت معهم، تشبيه وتمثيل لحالهم فإنهم مؤمنون، والمسلمون يد واحدة يربط ~~بعضهم ببعض أقوى الروابط، وهو الإيمان بالله وآياته الذي يحكم على جميع ~~الروابط الأخر من نسب أو ولاية أو بيعة أو مودة لكنهم لضعف إيمانهم لا يرون ~~لأنفسهم أدنى ربط يربطهم بالمؤمنين فيتمنون الكون معهم والحضور في جهادهم ~~كما يتمنى الأجنبي فضلا ناله أجنبي فيقول أحدهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز ~~فوزا عظيما، ومن علائم ضعف إيمانهم إكبارهم أمر هذه الغنائم، وعدهم حيازة ~~الفضل والمال فوزا عظيما، وكل مصيبة أصابت المؤمنين في سبيل الله من قتل أو ~~جرح أو تعب نقمة. # قوله تعالى: "فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون"، قال في المجمع: يقال ~~شريت أي بعت، واشتريت أي ابتعت، فالمراد بقوله يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ~~أي يبيعون حياتهم الدنيا ويبدلونها بالآخرة. # والآية تفريع على ما تقدم من الحث على الجهاد، وذم من يبطىء في الخروج ~~إليه ففيها تجديد للحث على القتال في سبيل الله بتذكير أن هؤلاء جميعا ~~مؤمنون، قد شروا بإسلامهم لله تعالى الحياة الدنيا بالآخرة كما قال: إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: "التوبة: 111"، ثم ~~صرح على فائدة القتال الحسنة وأنها الأجر العظيم على أي حال بقوله: ومن ~~يقاتل في سبيل الله "إلخ". # فبين أن أمر المقاتل في سبيل الله ينتهي إلى إحدى عاقبتين محمودتين: أن ~~يقتل في سبيل الله، أو يغلب عدو الله، وله أي حال أجر عظيم، ولم يذكر ثالث ~~الاحتمالين - وهو الانهزام - تلويحا إلى أن المقاتل في سبيل الله لا ينهزم. # وقدم القتل على الغلبة لأن ثوابه أجزل وأثبت فإن المقاتل الغالب على عدو ~~الله وإن كان يكتب له الأجر العظيم إلا ms1572 أنه على خطر الحبط باقتراف بعض ~~الأعمال الموجبة لحبط الأعمال الصالحة، واستتباع السيئة بعد الحسنة بخلاف ~~القتل إذ لا حياة بعده إلا حياة الآخرة فالمقتول في سبيل الله يستوفي أجره ~~العظيم حتما، وأما الغالب في سبيل الله فأمره مراعى في استيفاء أجره. # قوله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين" "إلخ" عطف ~~على موضع لفظ الجلالة، والآية تشتمل على حث وتحريض آخر على القتال في لفظ ~~الاستفهام بتذكير أن قتالكم قتال في سبيل الله سبحانه، وهو الذي لا بغية ~~لكم في حياتكم السعيدة إلا رضوانه، ولا سعادة أسعد من قربه، وفي سبيل ~~المستضعفين من رجالكم ونسائكم وولدانكم. # ففي الآية استنهاض وتهييج لكافة المؤمنين وإغراء لهم: أما المؤمنون خالصو ~~الإيمان وطاهرو القلوب فيكفيهم ذكر الله جل ذكره في أن يقوموا على الحق ~~ويلبوا نداء ربهم ويجيبوا داعيه، وأما من دونهم من المؤمنين فإن لم يكفهم ~~ذلك فليكفهم أن قتالهم هذا على أنه قتال في سبيل الله قتال في سبيل من ~~استضعفه الكفار من رجالهم ونسائهم وذراريهم فليغيروا لهم وليتعصبوا. # والإسلام وإن أبطل كل نسب وسبب دون الإيمان إلا أنه أمضى بعد التلبس ~~بالإيمان الأنساب والأسباب القومية فعلى المسلم أن يفدي عن أخيه المسلم ~~المتصل به بالسبب الذي هو الإيمان، وعن أقربائه من رجاله ونسائه وذراريه ~~إذا كانوا على الإسلام فإن ذلك يعود بالآخرة إلى سبيل الله دون غيره. # وهؤلاء المستضعفون الذين هم أبعاضهم وأفلاذهم مؤمنون بالله سبحانه بدليل ~~قوله: الذين يقولون ربنا "إلخ"، وهم مع ذلك مذللون معذبون يستصرخون ~~ويستغيثون بقولهم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، وقد أطلق ~~الظلم، ولم يقل: الظالم أهلها على أنفسهم، وفيه إشعار بأنهم كانوا يظلمونهم ~~بأنواع التعذيب والإيذاء وكذلك كان الأمر. PageV04P162 # وقد عبر عن استغاثتهم واستنصارهم بأجمل لفظ وأحسن عبارة فلم يحك عنهم أنهم ~~يقولون: يا للرجال، يا للسراة، يا قوماه، يا عشيرتاه بل حكى أنهم يدعون ~~ربهم ويستغيثون بمولاهم الحق فيقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها ثم يشيرون إلى ms1573 النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى من معه من ~~المؤمنين المجاهدين بقولهم: واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا، فهم يتمنون وليا، ويتمنون نصيرا لكن لا يرضون دون أن يسألوا ربهم ~~الولي والنصير. # كلام في الغيرة والعصبية # انظر إلى هذا الأدب البارع الإلهي الذي أتى به الكتاب العزيز وقسه إلى ما ~~عندنا من ذلك بحسب قضاء الطبع ترى عجبا. # لا شك أن في البنية الإنسانية ما يبعثه إلى الدفاع عما يحترمه ويعظمه ~~كالذراري والنساء والجاه وكرامة المحتد ونحو ذلك وهو حكم توجبه الفطرة ~~الإنسانية وتلهمه إياه لكن هذا الدفاع ربما كان محمودا إذا كان حقا وللحق، ~~وربما كان مذموما يستتبع الشقاء وفساد أمور الحياة إذا كان باطلا وعلى الحق. # والإسلام يحفظ من هذا الحكم أصله وهو ما للفطرة، ويبطل تفاصيله أولا ثم ~~يوجهه إلى جهة الله سبحانه بصرفه عن كل شيء ثم يعود به إلى موارده الكثيرة ~~فيسبك الجميع في قالب التوحيد بالإيمان بالله فيندب الإنسان أن يتعصب ~~لرجاله ونسائه وذراريه ولكل حق بإرجاع الجميع إلى جانب الله فالإسلام يؤيد ~~حكم الفطرة، ويهذبه من شوب الأهواء والأماني الفاسدة ويصفي أمره في جميع ~~الموارد، ويجعلها جميعا شريعة إنسانية يسلكها الإنسان على الفطرة، ويخلصها ~~من ظلمة التناقض إلى نور التوافق والتسالم، فما يدعو إليه الإسلام ويشرعه ~~لا تناقض ولا تضاد بين أجزائه وأطرافه، يشترك جميعها في أنها من شئون ~~التوحيد، ويجتمع كلها في أنها اتباع للحق فيعود جميع الأحكام حينئذ كلية ~~ودائمة وثابتة من غير تخلف واختلاف. # قوله تعالى: "الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله" إلى قوله "الطاغوت" ~~مقايسة بين الذين آمنوا والذين كفروا من جهة وصف قتالهم، وبعبارة أخرى من ~~جهة نية كل من الطائفتين في قتالهم ليعلم بذلك شرف المؤمنين على الكفار في ~~طريقتهم وأن سبيل المؤمنين ينتهي إلى الله سبحانه ويعتمد عليه بخلاف سبيل ~~الكفار ليكون ذلك محرضا آخر للمؤمنين على قتالهم. # قوله تعالى: "فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا" الذين ~~كفروا لوقوعهم ms1574 في سبيل الطاغوت خارجون عن ولاية الله فلا مولى لهم إلا ولي ~~الشرك وعبادة غير الله تعالى، وهو الشيطان فهو وليهم، وهم أولياؤه. # وإنما استضعف كيد الشيطان لأنه سبيل الطاغوت الذي يقابل سبيل الله، ~~والقوة لله جميعا فلا يبقى لسبيل الطاغوت الذي هو مكيدة الشيطان إلا الضعف، ~~ولذلك حرض المؤمنين عليهم ببيان ضعف سبيلهم، وشجعهم على قتالهم، ولا ينافي ~~ضعف كيد الشيطان بالنسبة إلى سبيل الله قوته بالنسبة إلى من اتبع هواه، وهو ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم الآية، قال: ~~سمي الأسلحة حذرا لأنها الآلة التي بها يتقى الحذر: قال: وهو المروي عن أبي ~~جعفر (عليه السلام): قال: وروي عن أبي جعفر (عليه السلام): أن المراد ~~بالثبات السرايا، وبالجميع العسكر. # وفي تفسير العياشي، عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام): يا ~~أيها الذين آمنوا فسماهم مؤمنين وليس هم بمؤمنين ولا كرامة، قال: يا أيها ~~الذين آمنوا خذوا حذركم - فانفروا ثبات أو انفروا جميعا إلى قوله: فأفوز ~~فوزا عظيما، ولو أن أهل السماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكانوا بذلك مشركين، وإذا أصابهم ~~فضل من الله قال: يا ليتني كنت معهم فأقاتل في سبيل الله. # أقول: وروى هذا المعنى الطبرسي في المجمع، والقمي في تفسيره عنه (عليه ~~السلام) والمراد بالشرك في كلامه (عليه السلام) الشرك المعنوي لا الكفر ~~الذي يسلب ظاهر أحكام الإسلام عمن تلبس به، وقد تقدم بيانه. PageV04P163 # وفيه، عن حمران عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: والمستضعفين من ~~الرجال الآية قال: نحن أولئك: أقول: ورواه أيضا عن سماعة عن الصادق (عليه ~~السلام)، ولفظه: فأما قوله: والمستضعفين الآية، فأولئك نحن، الحديث، ~~والروايتان في مقام التطبيق والشكوى من بغي الباغين من هذه الأمة، وليستا ~~في مقام التفسير. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في سننه من طريق ms1575 عطاء عن ابن عباس: في سورة النساء "خذوا حذركم ~~فانفروا ثبات أو انفروا جميعا" عصبا وفرقا، قال: نسخها: "وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة" الآية. # أقول: الآيتان غير متنافيتين حتى يحكم بنسخ الثانية للأولى، وهو ظاهر بل ~~لو كان فإنما هو التخصيص أو التقييد. # والحمد لله. PageV04P164 ### || CHECK [تتميم سورة النساء] # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الخامس PageV05P001 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 77 - 80 # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب قل متع الدنيا قليل ~~والاخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو ~~كنتم فى بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما ل هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلنك ~~للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى ~~فما أرسلنك عليهم حفيظا (80) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها، وهي جميعا ذات سياق واحد، وهذه الآيات تشتمل على ~~الاستشهاد بأمر طائفة أخرى من المؤمنين ضعفاء الإيمان وفيها عظة وتذكير ~~بفناء الدنيا، وبقاء نعم الآخرة، وبيان لحقيقة قرآنية في خصوص الحسنات ~~والسيئات. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين قيل لهم - - إلى قوله - أو أشد خشية" كف ~~الأيدي كناية عن الإمساك عن القتال لكون القتل الذي يقع فيه من عمل الأيدي، ~~وهذا الكلام يدل على أن المؤمنين كانوا في ابتداء أمرهم يشق عليهم ما ~~يشاهدونه من تعدي الكفار وبغيهم عليهم فيصعب عليهم أن يصبروا على ذلك ولا ~~يقابلوه بسل السيوف فأمرهم الله بالكف عن ذلك، وإقامة شعائر الدين من صلاة ~~وزكاة ليشتد عظم الدين ويقوم صلبه فيأذن الله لهم في جهاد أعدائه، ولو لا ~~ذلك لانفسخ هيكل ms1576 الدين، وانهدمت أركانه، وتلاشت أجزاؤه. # ففي الآيات لومهم على أنهم هم الذين كانوا يستعجلون في قتال الكفار، ولا ~~يصبرون على الإمساك وتحمل الأذى حين لم يكن لهم من العدة والقوة ما يكفيهم ~~للقاء عدوهم فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون العدو وهم ناس ~~مثلهم كخشية الله أو أشد خشية. # قوله تعالى: "وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال:، ظاهره أنه عطف على قوله ~~إذا فريق منهم"، وخاصة بالنظر إلى تغيير السياق من الفعل المضارع يخشون ~~الناس إلى الماضي قالوا فالقائل بهذا القول هم الذين كانوا يتوقعون للقتال، ~~ويستصعبون الصبر فأمروا بكف أيديهم. # ومن الجائز أن يكون قولهم "ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى ~~أجل قريب" محكيا عن لسان حالهم كما من الجائز أن يكونوا قائلين ذلك بلسانهم ~~الظاهر فإن القرآن يستعمل من هذه العنايات كل نوع. # وتوصيف الأجل الذي هو أجل الموت حتف الأنف بالقريب ليس المراد به أن ~~يسألوا التخلص عن القتل، والعيش زمانا يسيرا بل ذلك تلويح منهم بأنهم لو ~~عاشوا من غير قتل حتى يموتوا حتف أنفهم لم يكن ذلك إلا عيشا يسيرا وأجلا ~~قريبا فما لله - سبحانه - لا يرضى لهم أن يعيشوا هذه العيشة اليسيرة حتى ~~يبتليهم بالقتل، ويعجل لهم الموت؟ وهذا الكلام صادر منهم لتعلق نفوسهم بهذه ~~الحياة الدنيا التي هي في تعليم القرآن متاع قليل يتمتع به ثم ينقضي سريعا ~~ويعفى أثره، ودونه الحياة الآخرة التي هي الحياة الباقية الحقيقية فهي خير، ~~ولذلك أجيب عنهم بقوله "قل" إلخ. # قوله تعالى: "قل متاع الدنيا قليل" إلخ أمر للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يجيب هؤلاء الضعفاء بما يوضح لهم خطأ رأيهم في ترجيح العيش ~~الدنيوي اليسير على كرامة الجهاد والقتل في سبيل الله تعالى، ومحصله أنهم ~~ينبغي أن يكونوا متقين في إيمانهم، والحياة الدنيا هي متاع يتمتع به قليل ~~إذا قيس إلى الآخرة، والآخرة خير لمن اتقى فينبغي لهم أن يختاروا الآخرة ~~التي هي خير على متاع الدنيا القليل لأنهم ms1577 مؤمنون وعلى صراط التقوى، ولا ~~يبقى لهم إلا أن يخافوا أن يحيف الله عليهم ويظلمهم فيختاروا لذلك ما ~~بأيديهم من المتاع على ما يوعدون من الخير، وليس لهم ذلك فإن الله لا ~~يظلمهم فتيلا. # وقد ظهر بهذا البيان أن قوله. PageV05P002 # "لمن اتقى" من قبيل وضع الصفة موضع الموصوف للدلالة على سبب الحكم، ودعوى ~~انطباقه على المورد، والتقدير - والله أعلم -: والآخرة خير لكم لأنكم ينبغي ~~أن تكونوا لإيمانكم أهل تقوى، والتقوى سبب للفوز بخير الآخرة فقوله "لمن ~~اتقى" كالكناية التي فيها تعريض. # قوله تعالى: "أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" البروج ~~جمع برج وهو البناء المعمول على الحصون، ويستحكم بنيانه ما قدر عليه لدفع ~~العدو به وعنه، وأصل معناه الظهور، ومنه التبرج بالزينة ونحوها، والتشييد ~~الرفع، وأصله من الشيد وهو الجص لأنه يحكم البناء ويرفعه ويزينه فالبروج ~~المشيدة الأبنية المحكمة المرتفعة التي على الحصون يأوي إليها الإنسان من ~~كل عدو قادم. # والكلام موضوع على التمثيل بذكر بعض ما يتقى به المكروه، وجعله مثلا لكل ~~ركن شديد تتقى به المكاره، ومحصل المعنى: أن الموت أمر لا يفوتكم إدراكه، ~~ولو لجأتم منه إلى أي ملجإ محكم متين فلا ينبغي لكم أن تتوهموا أنكم لو لم ~~تشهدوا القتال ولم يكتب لكم كنتم في مأمن من الموت، وفاته إدراككم فإن أجل ~~الله لآت. # قوله تعالى: "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله" إلى آخر الآية ~~جملتان أخريان من هفواتهم حكاهما الله تعالى عنهم، وأمر نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يجيبهم عنهما ببيان حقيقة الأمر فيما يصيب الإنسان من ~~حسنة وسيئة. # واتصال السياق يقضي بكون الضعفاء المتقدم ذكرهم من المؤمنين هم القائلون ~~ذلك قالوا ذلك بلسان حالهم أو مقالهم، ولا بدع في ذلك فإن موسى أيضا جبه ~~بمثل هذا المقال كما حكى الله سبحانه ذلك بقوله "فإذا جاءتهم الحسنة قالوا ~~لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون": الأعراف: ms1578 131 وهو مأثور عن سائر الأمم في خصوص ~~أنبيائهم، وهذه الأمة في معاملتهم نبيهم لا يقصرون عن سائر الأمم، وقد قال ~~تعالى: "تشابهت قلوبهم": البقرة: 118 وهم مع ذلك أشبه الأمم ببني إسرائيل، ~~وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنهم لا يدخلون جحر ضب إلا ~~دخلتموه" وقد تقدم نقل الروايات في ذلك من طرق الفريقين. # وقد تمحل في الآيات أكثر المفسرين بجعلها نازلة في خصوص اليهود أو ~~المنافقين أو الجميع من اليهود والمنافقين، وأنت ترى أن السياق يدفعه. # وكيف كان فالآية تشهد بسياقها على أن المراد بالحسنة والسيئة ما يمكن أن ~~يسند إلى الله سبحانه، وقد أسندوا قسما منه إلى الله تعالى وهو الحسنة، ~~وقسما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو السيئة فهذه الحسنات ~~والسيئات هي الحوادث التي كانت تستقبلهم بعد ما أتاهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأخذ في ترفيع مباني الدين ونشر دعوته وصيته بالجهاد، فهي الفتح ~~والظفر والغنيمة فيما غلبوا فيه من الحروب والمغازي، والقتل والجرح والبلوى ~~في غير ذلك، وإسنادهم السيئات إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في معنى ~~التطير به أو نسبة ضعف الرأي ورداءة التدبير إليه. # فأمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجيبهم بقوله "قل كل من ~~عند الله" فإنها حوادث ونوازل ينظمها ناظم النظام الكوني، وهو الله وحده لا ~~شريك له إذ الأشياء إنما تنقاد في وجودها وبقائها وجميع ما يستقبلها من ~~الحوادث له تعالى لا غير. # على ما يعطيه تعليم القرآن. # ثم استفهم استفهام متعجب من جمود فهمهم وخمود فطنتهم من فقه هذه الحقيقة ~~وفهمها فقال: "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا".: "قوله تعالى ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، لما ذكر أنهم لا ~~يكادون يفقهون حديثا ثم أراد بيان حقيقة الأمر، صرف الخطاب عنهم لسقوط ~~فهمهم، ووجه وجه الكلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبين حقيقة ~~ما يصيبه من حسنة أو سيئة ms1579 لذاك الشأن، وليس للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في نفسه خصوصية في هذه الحقيقة التي هي من الأحكام الوجودية الدائرة ~~بين جميع الموجودات، ولا أقل بين جميع الأفراد من الإنسان من مؤمن أو كافر، ~~أو صالح أو طالح، ونبي أو من دونه. PageV05P003 # فالحسنات وهي الأمور التي يستحسنها الإنسان بالطبع كالعافية والنعمة والأمن ~~والرفاهية كل ذلك من الله سبحانه، والسيئات وهي الأمور التي تسوء الإنسان ~~كالمرض والذلة والمسكنة والفتنة كل ذلك يعود إلى الإنسان لا إليه سبحانه ~~فالآية قريبة مضمونا من قوله تعالى "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم:" الأنفال: 53 ولا ينافي ~~ذلك رجوع جميع الحسنات والسيئات بنظر كلي آخر إليه تعالى كما سيجيء بيانه. # قوله تعالى: "وأرسلناك للناس رسولا"، أي لا سمة لك من عندنا إلا أنك رسول ~~وظيفتك البلاغ، وشأنك الرسالة لا شأن لك سواها وليس لك من الأمر شيء حتى ~~تؤثر في ميمنة أو مشأمة، أو تجر إلى الناس السيئات، وتدفع عنهم الحسنات، ~~وفيه رد تعريضي لقول أولئك المتطيرين في السيئات "هذه من عندك" تشؤما به ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أيد ذلك بقوله "وكفى بالله شهيدا". قوله ~~تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله"، استئناف فيه تأكيد وتثبيت لقوله في ~~الآية السابقة "وأرسلناك للناس رسولا"، وبمنزلة التعليل لحكمه أي ما أنت ~~إلا رسولا منا من يطعك بما أنت رسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا. # ومن هنا يظهر أن قوله "من يطع الرسول"، من قبيل وضع الصفة موضع الموصوف ~~للإشعار بعلة الحكم نظير ما تقدم في قوله "والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون ~~فتيلا" وعلى هذا فالسياق جار على استقامته من غير التفات من الخطاب في قوله ~~"وأرسلناك"، إلى الغيبة في قوله "من يطع الرسول"، ثم إلى الخطاب في قوله ~~"فما أرسلناك". # كلام في استناد الحسنات والسيئات إليه تعالى # يشبه أن يكون الإنسان أول ما تنبه على معنى الحسن ms1580 تنبه عليه من مشاهدة ~~الجمال في أبناء نوعه الذي هو اعتدال الخلقة، وتناسب نسب الأعضاء وخاصة في ~~الوجه ثم في سائر الأمور المحسوسة من الطبيعيات ويرجع بالآخرة إلى موافقة ~~الشيء لما يقصد من نوعه طبعا. # فحسن وجه الإنسان كون كل من العين والحاجب والأذن والأنف والفم وغيرها ~~على حال أو صفة ينبغي أن يركب في نفسه عليها، وكذا نسبة بعضها إلى بعض، ~~وحينئذ تنجذب النفس ويميل الطبع إليه، ويسمى كون الشيء على خلاف هذا الوصف ~~بالسوء والمساءة والقبح على اختلاف الاعتبارات الملحوظة فالمساءة معنى عدمي ~~كما أن الحسن معنى وجودي. # ثم عمم ذلك إلى الأفعال والمعاني الاعتبارية والعناوين المقصودة في ظرف ~~الاجتماع من حيث ملاءمتها لغرض الاجتماع وهو سعادة الحياة الإنسانية أو ~~التمتع من الحياة، وعدم ملاءمتها فالعدل حسن، والإحسان إلى مستحقه حسن، ~~والتعليم والتربية والنصح وما أشبه ذلك في مواردها حسنات، والظلم والعدوان ~~وما أشبه ذلك سيئات قبيحة لملاءمة القبيل الأول لسعادة الإنسان أو لتمتعه ~~التام في ظرف اجتماعه وعدم ملاءمة القبيل الثاني لذلك، وهذا القسم من الحسن ~~وما يقابله تابع للفعل الذي يتصف به من حيث ملاءمته لغرض الاجتماع فمن ~~الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع وغرضه كذلك ~~كالعدل، ومنها ما قبحه كذلك كالظلم. # ومن الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال والأوقات والأمكنة أو المجتمعات ~~فالضحك والدعابة حسن عند الخلان لا عند الأعاظم، وفي محافل السرور دون ~~المأتم، ودون المساجد والمعابد، والزنا وشرب الخمر حسن عند الغربيين دون ~~المسلمين. # ولا تصغ إلى قول من يقول: إن الحسن والقبح مختلفان متغيران مطلقا من غير ~~ثبات ولا دوام ولا كلية، ويستدل على ذلك في مثل العدل والظلم بأن ما هو عدل ~~عند أمة بإجراء أمور من مقررات اجتماعية غير ما هو عدل عند أمة أخرى بإنفاذ ~~مقررات أخرى اجتماعية فلا يستقر معنى العدل على شيء معين فالجلد للزاني عدل ~~في الإسلام وليس كذلك عند الغربيين، وهكذا. # وذلك أن هؤلاء قد اختلط عليهم الأمر، واشتبه المفهوم عندهم ms1581 بالمصداق، ولا ~~كلام لنا مع من هذا مبلغ فهمه. # والإنسان على حسب تحول العوامل المؤثرة في الاجتماعات يرضى بتغيير جميع ~~أحكامه الاجتماعية دفعة أو تدريجا ولا يرضى قط بأن يسلب عنه وصف العدل، ~~ويسمى ظالما، ولا بأن يجد ظلما لظالم إلا مع الاعتذار عنه، وللكلام ذيل ~~طويل يخرجنا الاشتغال به عن ما هو أهم منه. PageV05P004 # ثم عمم معنى الحسن والقبح لسائر الحوادث الخارجية التي تستقبل الإنسان مدى ~~حياته على حسب تأثير مختلف العوامل وهي الحوادث الفردية أو الاجتماعية التي ~~منها ما يوافق آمال الإنسان، ويلائم سعادته في حياته الفردية أو الاجتماعية ~~من عافية أو صحة أو رخاء، وتسمى حسنات، ومنها ما ينافي ذلك كالبلايا والمحن ~~من فقر أو مرض أو ذلة أو إسارة ونحو ذلك، وتسمى سيئات. # فقد ظهر مما تقدم أن الحسنة والسيئة يتصف بهما الأمور أو الأفعال من جهة ~~إضافتها إلى كمال نوع أو سعادة فرد أو غير ذلك فالحسن والقبح وصفان ~~إضافيان، وإن كانت الإضافة في بعض الموارد ثابتة لازمة، وفي بعضها متغيرة ~~كبذل المال الذي هو حسن بالنسبة إلى مستحقه وسيىء بالنسبة إلى غير المستحق. # وأن الحسن أمر ثبوتي دائما والمساءة والقبح معنى عدمي وهو فقدان الأمر ~~صفة الملاءمة والموافقة المذكورة، وإلا فمتن الشيء أو الفعل مع قطع النظر ~~عن الموافقة وعدم الموافقة المذكورين واحد من غير تفاوت فيه أصلا. # فالزلزلة والسيل الهادم إذا حلا ساحة قوم كانا نعمتين حسنتين لأعدائهم ~~وهما نازلتان سيئتان عليهم أنفسهم، وكل بلاء عام في نظر الدين سراء إذا نزل ~~بالكفار المفسدين في الأرض أو الفجار العتاة، وهو بعينه ضراء إذا نزل ~~بالأمة المؤمنة الصالحة. # وأكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، وهو بعينه سيئة محرمة ~~إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل ~~مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله، ~~والمباشرة بين الرجل والمرأة حسنة مباحة إذا كان عن ازدواج مثلا، وسيئة ~~محرمة إذا ms1582 كان سفاحا من غير نكاح لفقدانه موافقة التكليف الإلهي فالحسنات ~~عناوين وجودية في الأمور والأفعال، والسيئات عناوين عدمية فيهما، ومتن ~~الشيء المتصف بالحسن والسوء واحد. # والذي يراه القرآن الشريف أن كل ما يقع عليه اسم الشيء ما خلا الله - عز ~~اسمه - مخلوق لله قال تعالى: "الله خالق كل شيء": الزمر: 62 وقال تعالى: ~~"وخلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 2. والآيتان تثبتان الخلقة في كل ~~شيء، ثم قال تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة: 7 فأثبت الحسن لكل ~~مخلوق، وهو حسن لازم للخلقة غير منفك عنها يدور مدارها. # فكل شيء له حظ من الحسن على قدر حظه من الخلقة والوجود، والتأمل في معنى ~~الحسن على ما تقدم يوضح ذلك مزيد إيضاح فإن الحسن موافقة الشيء وملاءمته ~~للغرض المطلوب والغاية المقصودة منه، وأجزاء الوجود وأبعاض هذا النظام ~~الكوني متلائمة متوافقة، وحاشا رب العالمين أن يخلق ما تتنافى أجزاؤه، ~~ويبطل بعضه بعضا فيخل بالغرض المطلوب، أو يعجزه تعالى أو يبطل ما أراده من ~~هذا النظام العجيب الذي يبهت العقل ويحير الفكرة. # وقد قال تعالى: "هو الله الواحد القهار": الزمر: 4 وقال تعالى: "وهو ~~القاهر فوق عباده": الأنعام: - 18 وقال تعالى "وما كان الله ليعجزه من شيء ~~في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا": فاطر: 44 فهو تعالى لا ~~يقهره شيء ولا يعجزه شيء في ما يريده من خلقه ويشاؤه في عباده. # فكل نعمة حسنة في الوجود منسوبة إليه تعالى، وكذلك كل نازلة سيئة إلا ~~أنها في نفسها أي بحسب أصل النسبة الدائرة بين موجودات المخلوقة منسوبة ~~إليه تعالى وإن كانت بحسب نسبة أخرى سيئة، وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى: ~~"وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ~~قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا": النساء: - 78 ~~وقوله فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم ms1583 لا يعلمون": الأعراف: 131 إلى ~~غير ذلك من الآيات. PageV05P005 # وأما جهة السيئة فالقرآن الكريم يسندها في الإنسان إلى نفس الإنسان بقوله ~~تعالى في هذه السورة: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك:" الآية النساء: 79 وقوله تعالى "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30 وقوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم": " الرعد: 11، وقوله تعالى "ذلك بأن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53 وغيرها من ~~الآيات. # وتوضيح ذلك أن الآيات السابقة كما عرفت تجعل هذه النوازل السيئة كالحسنات ~~أمورا حسنة في خلقتها فلا يبقى لكونها سيئة إلا أنها لا تلائم طباع بعض ~~الأشياء التي تتضرر بها فيرجع الأمر بالآخرة إلى أن الله لم يجد لهذه ~~الأشياء المبتلاة المتضررة بما تطلبه وتشتاق إليه بحسب طباعها، فإمساك ~~الجود هذا هو الذي يعد بلية سيئة بالنسبة إلى هذه الأشياء المتضررة كما ~~يوضحه كل الإيضاح قوله تعالى: "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم": فاطر: 2. # ثم بين تعالى أن إمساك الجود عما أمسك عنه أو الزيادة والنقيصة في إفاضة ~~رحمته إنما يتبع أو يوافق مقدار ما يسعه ظرفه، وما يمكنه أن يستوفيه من ~~ذلك، قال تعالى فيما ضربه من المثل: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها": الرعد: 17 وقال: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم": الحجر: 21 فهو تعالى إنما يعطي على قدر ما يستحقه الشيء وعلى ما ~~يعلم من حاله، قال: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير": الملك: 14. # ومن المعلوم أن النعمة والنقمة والبلاء والرخاء بالنسبة إلى كل شيء ما ~~يناسب خصوص حاله كما يبينه قوله تعالى: "ولكل وجهة هو موليها": البقرة: 148 ~~فإنما يولي كل شيء ويطلب وجهته الخاصة به وغايته التي تناسب حاله. # ومن هنا يمكنك أن تحدس أن السراء ms1584 والضراء والنعمة والبلاء بالنسبة إلى ~~هذا الإنسان الذي يعيش في ظرف الاختيار في تعليم القرآن أمور مرتبطة ~~باختياره فإنه واقع في صراط ينتهي به بحسن السلوك وعدمه إلى سعادته وشقائه ~~كل ذلك من سنخ ما لاختياره فيه مدخل. # والقرآن الكريم يصدق هذا الحدس، قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53 فلما في أنفسهم ~~من النيات الطاهرة والأعمال الصالحة دخل في النعمة التي خصوا بها فإذا ~~غيروا غير الله بإمساك رحمته وقال: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير": الشورى -: 30 فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النوازل ~~ويصيبهم من المصائب، والله يعفو عن كثير منها. # وقال تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك": ~~الآية النساء: 79. # وإياك أن تظن أن الله سبحانه حين أوحى هذه الآية إلى نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نسي الحقيقة الباهرة التي أبانها بقوله: "الله خالق كل شيء": ~~الزمر: 62 وقوله: "الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة: 7 فعد كل شيء مخلوقا ~~لنفسه حسنا في نفسه وقد قال: "وما كان ربك نسيا": مريم: 64 وقال: "لا يضل ~~ربي ولا ينسى": طه: 52 فمعنى قوله "ما أصابك من حسنة" الآية أن ما أصابك من ~~حسنة - وكل ما أصابك حسنة - فمن الله، وما أصابك من سيئة فهي سيئة بالنسبة ~~إليك حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة فإنما جرتها ~~إليك نفسك باختيارها السيىء، واستدعتها كذلك من الله فالله أجل من أن يبدأك ~~بشر أو ضر. # والآية كما تقدم وإن كانت خصت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخطاب ~~لكن المعنى عام للجميع، وبعبارة أخرى هذه الآية كالآيتين الأخريين "ذلك بأن ~~الله لم يك مغيرا" الآية "وما أصابكم من مصيبة" الآية متكفلة للخطاب ~~الاجتماعي كتكفلها للخطاب الفردي. # فإن للمجتمع الإنساني كينونة إنسانية وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك. # فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها ms1585 الماضون والغابرون من أفراده، ويؤاخذ ~~متأخروهم بسيئات المتقدمين، والأموات بسيئات الأحياء، والفرد غير المقدم ~~بذنب المقترفين للذنوب وهكذا، وليس يصح ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه ~~أبدا، وقد تقدم شطر من هذا الكلام في بحث أحكام الأعمال في الجزء الثاني من ~~هذا الكتاب. PageV05P006 # فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصيب في غزوة أحد في وجهه ~~وثناياه، وأصيب المسلمون بما أصيبوا، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي ~~معصوم إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعه وقد خالفوا أمر الله ورسوله كان ذلك ~~مصيبة سيئة أصابته بما كسبت أيدي مجتمعة وهو فيهم، وإن أسند إلى شخصه ~~الشريف كان ذلك محنة إلهية أصابته في سبيل الله، وفي طريق دعوته الطاهرة ~~إلى الله على بصيرة فإنما هي نعمة رافعة للدرجات. # وكذا كل ما أصاب قوما من السيئات إنما تستند إلى أعمالهم على ما يراه ~~القرآن ولا يرى إلا الحق، وأما ما أصابهم من الحسنات فمن الله سبحانه. # نعم هاهنا آيات أخر ربما نسبت إليهم الحسنات بعض النسبة كقوله تعالى: ~~"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء": الأعراف: ~~96 وقوله: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون": السجدة: 24 وقوله: "وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين": ~~الأنبياء: 86 والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. # إلا إن الله سبحانه يذكر في كلامه أن شيئا من خلقه لا يقدر على شيء مما ~~يقصده من الغاية، ولا يهتدي إلى خير إلا بإقدار الله وهدايته قال تعالى: ~~"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 وقال تعالى: "ولو لا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21 ويتبين بهاتين الآيتين ~~وما تقدم معنى آخر لكون الحسنات لله عز اسمه، وهو أن الإنسان لا يملك حسنة ~~إلا بتمليك من الله وإيصال منه فالحسنات كلها لله والسيئات للإنسان، وبه ~~يظهر معنى قوله تعالى "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك" ms1586 الآية. # فلله سبحانه الحسنات بما أن كل حسن مخلوق له، والخلق والحسن لا ينفكان، ~~وله الحسنات بما أنها خيرات، وبيده الخير لا يملكه غيره إلا بتمليكه، ولا ~~ينسب إليه شيء من السيئات فإن السيئة من حيث إنها سيئة غير مخلوقة وشأنه ~~الخلق، وإنما السيئة فقدان الإنسان مثلا رحمة من لدنه تعالى أمسك عنها بما ~~قدمته أيدي الناس، وأما الحسنة والسيئة بمعنى الطاعة والمعصية فقد تقدم ~~الكلام في نسبتهما إلى الله سبحانه في الكلام على قوله تعالى "إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا": البقرة: 26 في الجزء الأول من هذا الكتاب. # وأنت لو راجعت التفاسير في هذا المقام، وجدت من شتات القول ومختلف الآراء ~~والأهواء وأقسام الإشكالات ما يبهتك، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية ~~للمتدبر في كلامه تعالى، وعليك في هذا البحث بتفكيك جهات البحث بعضها عن ~~بعض، وتفهم ما يتعارفه القرآن من معنى الحسنة والسيئة، والنعمة والنقمة، ~~والفرق بين شخصية المجتمع والفرد حتى يتضح لك مغزى الكلام. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا" ~~الآية: أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في ~~سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن ~~مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما ~~حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال فكفوا فأنزل الله: "ألم تر إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم" الآية. PageV05P007 # وفيه:، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: كان ~~أناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم يومئذ بمكة قبل ~~الهجرة، يسارعون إلى القتال فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ذرنا ~~نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين، وذكر لنا أن عبد الرحمن بن عوف كان فيمن ~~قال ذلك، فنهاهم نبي الله (صلى الله عليه ms1587 وآله وسلم) عن ذلك قال: لم أومر ~~بذلك، فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتل كره القوم ذلك، وصنعوا فيه ما تسمعون ~~قال الله تعالى، "قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون ~~فتيلا". وفي تفسير العياشي، عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) ~~قال: قال: الله تعالى: يا ابن آدم، بمشيتي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوتي ~~أديت إلي فريضتي، وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك ~~مني، وذاك أني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون. # أقول وقد تقدم نقل الرواية بلفظ آخر في الجزء الأول من هذا الكتاب في ذيل ~~قوله تعالى "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": البقرة: 26 وتقدم البحث عنها هناك. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: ذكر عند أبي عبد الله ~~(عليه السلام) البلاء وما يخص الله به المؤمن، فقال: سئل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من أشد الناس بلاء في الدنيا،؟ فقال النبيون ثم ~~الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله،: فمن صح ~~إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه. أقول: ~~ومن الروايات المشهورة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الدنيا سجن المؤمن ~~وجنة الكافر. وفيه، أيضا بعدة طرق عنهما (عليهما السلام): أن الله عز وجل ~~إذا أحب عبدا غثه بالبلاء غثا. 1 وفيه، أيضا عن الصادق (عليه السلام): إنما ~~المؤمن بمنزلة كفة الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه. وفيه، أيضا ~~عن الباقر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء، كما ~~يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب ~~المريض. وفيه، أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لا حاجة لله فيمن ليس له في ماله وبدنه نصيب. وفي العلل، ~~عن علي بن الحسين عن ms1588 أبيه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ولو كان المؤمن على جبل، لقيض الله عز وجل له من يؤذيه ليأجره ~~على ذلك. وفي كتاب التمحيص، عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تزال الهموم ~~والغموم بالمؤمن حتى لا تدع له ذنبا. وعنه (عليه السلام) قال: لا يمضي على ~~المؤمن أربعون ليلة، إلا عرض له أمر يحزنه يذكر ربه. وفي النهج، قال (عليه ~~السلام): لو أحبني جبل لتهافت وقال (عليه السلام): من أحبنا أهل البيت ~~فليستعد للبلاء جلبابا. أقول: قال ابن أبي الحديد في شرحه، قد ثبت أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق" ~~وقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن البلوى أسرع إلى ~~المؤمن من الماء إلى الحدور" هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة هي أنه ~~لو أحبه جبل لتهافت انتهى. # واعلم أن الأخبار في هذه المعاني كثيرة، وهي تؤيد ما قدمناه من البيان. # وفي الدر المنثور،: أخرج ابن المنذر والخطيب عن ابن عمر، قال: كنا عند ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من أصحابه، فقال: يا هؤلاء ~~ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم، قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن الله ~~أنزل في كتابه، أنه من أطاعني فقد أطاع الله،؟ قالوا: بلى نشهد أنه من ~~أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعته طاعتك، قال: فإن من طاعة الله أن ~~تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعودا فصلوا قعدوا ~~أجمعين. # أقول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): وإن صلوا إلخ كناية عن وجوب كمال ~~الاتباع. PageV05P008 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 81 - 84 # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) أفلا ~~يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا (82) ~~وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ms1589 ردوه إلى الرسول وإلى أولى ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطن إلا قليلا (83) فقتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض ~~المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) ### |||| AUTO بيان # الآيات لا تأبى عن الاتصال بما قبلها فكأنها من تتمة القول في ملامة ~~الضعفاء من المسلمين وفائدتها وعظهم بما يتبصرون به لو تدبروا واستبصروا. # قوله تعالى ويقولون طاعة إلخ طاعة مرفوع على الخبرية على ما قيل والتقدير ~~أمرنا طاعة أي نطيعك طاعة والبروز الظهور والخروج والتبييت من البيتوتة ~~ومعناه إحكام الأمر وتدبيره ليلا والضمير في تقول راجع إلى طائفة أو إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمعنى والله أعلم ويقول هؤلاء مجيبين لك فيما تدعوهم إليه من الجهاد ~~أمرنا طاعة فإذا أخرجوا من عندك دبروا ليلا أمرا غير ما أجابوك به وقالوا ~~لك أو غير ما قلته أنت لهم وهو كناية عن عقدهم النية على مخالفة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # ثم أمر الله رسوله بالإعراض عنهم والتوكل في الأمر والعزيمة فقال فأعرض ~~عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ولا دليل في الآية يدل على كون ~~المحكي عنهم هم المنافقين كما ذكره بعضهم بل الأمر بالنظر إلى اتصال السياق ~~على خلاف ذلك. # قوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن الآية تحضيض في صورة الاستفهام التدبير ~~هو أخذ الشيء بعد الشيء وهو في مورد الآية التأمل في الآية عقيب الآية أو ~~التأمل بعد التأمل في الآية لكن لما كان الغرض بيان أن القرآن لا اختلاف ~~فيه وذلك إنما يكون بين أزيد من آية واحدة كان المعنى الأول أعني التأمل في ~~الآية عقيب الآية هو العمدة وإن كان ذلك لا ينفي المعنى الثاني أيضا. # فالمراد ترغيبهم أن يتدبروا في الآيات القرآنية ويراجعوا في كل حكم نازل ~~أو حكمة مبينة أو قصة أو عظة أو غير ذلك جميع الآيات المرتبطة به مما نزلت ~~مكيتها ومدينتها ومحكمها ms1590 ومتشابهها ويضموا البعض إلى البعض حتى يظهر لهم ~~أنه لا اختلاف بينها فالآيات يصدق قديمها حديثها ويشهد بعضها على بعض من ~~غير أن يكون بينها أي اختلاف مفروض لا اختلاف التناقض بأن ينفي بعضها بعضا ~~أو يتدافعا ولا اختلاف التفاوت بأن يتفاوت الآيتان من حيث تشابه البيان أو ~~متانة المعاني والمقاصد بكون البعض أحكم بيانا وأشد ركنا من بعض كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه الجلود. # فارتفاع هذه الاختلافات من القرآن يهديهم إلى أنه كتاب منزل من الله وليس ~~من عند غيره إذ لو كان من عند غيره لم يسلم من كثرة الاختلاف وذلك أن غيره ~~تعالى من هذه الموجودات الكونية ولا سيما الإنسان الذي يرتاب أهل الريب أنه ~~من كلامه كلها موضوعة بحسب الكينونة الوجودية وطبيعة الكون على التحرك ~~والتغير والتكامل فما من واحد منها إلا أن امتداد زمان وجوده مختلف الأطراف ~~متفاوت الحالات. # ما من إنسان إلا وهو يرى كل يوم أنه أعقل من أمس وأن ما ينشئه من عمل أو ~~صنعة أو ما أشبه ذلك أو يدبره من رأي أو نظر أو نحوهما أخيرا أحكم وأمتن ~~مما أتى به أولا حتى العمل الواحد الذي فيه شيء من الامتداد الوجودي ~~كالكتاب يكتبه الكاتب والشعر يقوله الشاعر والخطبة يخطبها الخطيب وهكذا ~~يوجد عند الإمعان آخره خيرا من أوله وبعضه أفضل من بعض. PageV05P009 # فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه وما يأتي به من العمل من الاختلاف، ~~وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض بل الاختلاف الكثير، وهذا ~~ناموس كلي جار في الإنسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت سيطرة التحول ~~والتكامل العامين لا ترى واحدا من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على ~~حال واحد بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله. # ومن هنا يظهر وجه التقييد بالكثير في قوله: "اختلافا كثيرا" فالوصف وصف ~~توضيحي لا احترازي، والمعنى: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~وكان ذلك الاختلاف كثيرا على حد الاختلاف الكثير الذي في كل ما هو من عند ms1591 ~~غير الله، وليس المعنى أن المرفوع من القرآن هو الاختلاف الكثير دون ~~اليسير. # وبالجملة لا يلبث المتدبرون أن يشاهد أن القرآن كتاب يداخل جميع الشئون ~~المرتبطة بالإنسانية من معارف المبدأ والمعاد والخلق والإيجاد، ثم الفضائل ~~العامة الإنسانية، ثم القوانين الاجتماعية والفردية الحاكمة في النوع حكومة ~~لا يشذ منها دقيق ولا جليل، ثم القصص والعبر والمواعظ ببيان دعا إلى مثلها ~~أهل الدنيا، وبآيات نازلة نجوما في مدة تعدل ثلاثا وعشرين سنة على اختلاف ~~الأحوال من ليل ونهار، ومن حضر وسفر، ومن حرب وسلم، ومن ضراء وسراء، ومن ~~شدة ورخاء، فلم يختلف حاله في بلاغته الخارقة المعجزة، ولا في معارفه ~~العالية وحكمه السامية، ولا في قوانينه الاجتماعية والفردية، بل ينعطف آخره ~~إلى ما قر عليه أوله، وترجع تفاصيله وفروعه إلى ما ثبت فيه أعراقه وأصوله، ~~يعود تفاصيل شرائعه وحكمه بالتحليل إلى حاق التوحيد الخالص، وينقلب توحيده ~~الخالص بالتركيب إلى أعيان ما أفاده من التفاصيل، هذا شأن القرآن. # والإنسان المتدبر فيه هذا التدبر يقضي بشعوره الحي، وقضائه الجبلي أن ~~المتكلم بهذا الكلام ليس ممن يحكم فيه مرور الأيام والتحول والتكامل ~~العاملان في الأكوان بل هو الله الواحد القهار. # وقد تبين من الآية أولا: أن القرآن مما يناله الفهم العادي. # وثانيا: أن الآيات القرآنية يفسر بعضها بعضا. # وثالثا: أن القرآن كتاب لا يقبل نسخا ولا إبطالا ولا تكميلا ولا تهذيبا، ~~ولا أي حاكم يحكم عليه أبدا، وذلك أن ما يقبل شيئا منها لا مناص من كونه ~~يقبل نوعا من التحول والتغير بالضرورة، وإذ كان القرآن لا يقبل الاختلاف ~~فليس يقبل التحول والتغير فليس يقبل نسخا ولا إبطالا ولا غير ذلك، ولازم ~~ذلك أن الشريعة الإسلامية مستمرة إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به" الإذاعة هي ~~النشر والإشاعة، وفي الآية نوع ذم وتعيير لهم في شأن هذه الإذاعة، وفي قوله ~~في ذيل الآية "ولو لا فضل الله" إلخ دلالة على أن المؤمنين كانوا على خطر ~~الضلال من جهة ms1592 هذه الإذاعة، وليس إلا خطر مخالفة الرسول فإن الكلام في هذه ~~الآيات موضوع في ذلك، ويؤيد ذلك ما في الآية التالية من أمر الرسول بالقتال ~~ولو بقي وحده بلا ناصر. # ويظهر به أن الأمر الذي جاءهم من الأمن أو الخوف كان بعض الأراجيف التي ~~كانت تأتي بها أيدي الكفار ورسلهم المبعوثون لإيجاد النفاق والخلاف بين ~~المؤمنين فكان الضعفاء من المؤمنين يذيعونه من غير تدبر وتبصر فيوجب ذلك ~~وهنا في عزيمة المؤمنين، غير أن الله سبحانه وقاهم من اتباع هؤلاء الشياطين ~~الجائين بتلك الأخبار لإخزاء المؤمنين. # فتنطبق الآية على قصة بدر الصغرى، وقد تقدم الكلام فيها في سورة آل ~~عمران، والآيات هاهنا تشابه الآيات هناك مضمونا كما يظهر للمتدبر فيها، قال ~~تعالى في سورة آل عمران: "الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم ~~القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل - إلى قوله ~~- إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين": آل ~~عمران: - 175. # الآيات كما ترى تذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو ~~الناس بعد ما أصابهم القرح - وهو محنة - أحد - إلى الخروج إلى الكفار، وأن ~~أناسا كانوا يخزلون الناس ويخذلونهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ويخوفونهم جمع المشركين. PageV05P010 # ثم تذكر أن ذلك كله تخويفات من الشيطان يتكلم بها من أفواه أوليائه، وتعزم ~~على المؤمنين أن لا يخافوهم ويخافوا الله أن كانوا مؤمنين. # والمتدبر فيها وفي الآيات المبحوث عنها أعني قوله "وإذا جاءهم أمر من ~~الأمن أو الخوف أذاعوا به" الآية لا يرتاب في أن الله سبحانه في هذه الآية ~~يذكر قصة بدر - الصغرى ويعدها في جملة ما يعد من الخلال التي يلوم هؤلاء ~~الضعفاء عليها كقوله "فلما كتب عليهم القتال" الآية وقوله "وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال" الآية وقوله "وإن تصبهم حسنة" الآية وقوله "ويقولون ~~طاعة" الآية ثم يجري على هذا المجرى قوله ms1593 "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به" الآية. # قوله تعالى: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم" لم يذكر هاهنا الرد إلى الله كما ذكر في قوله "فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول": الآية النساء: 59 لأن الرد المذكور هناك ~~هو رد الحكم الشرعي المتنازع فيه، ولا صنع فيه لغير الله ورسوله. # وأما الرد المذكور هاهنا فهو رد الخبر الشائع بين الناس من أمن أو خوف، ~~ولا معنى لرده إلى الله وكتابه، بل الصنع فيه للرسول ولأولي الأمر منهم، لو ~~رد إليهم أمكنهم أن يستنبطوه ويذكروا للرادين صحته أو سقمه وصدقه أو كذبه. # فالمراد بالعلم التمييز تمييز الحق من الباطل، والصدق من الكذب على حد ~~قوله تعالى "ليعلم الله من يخافه بالغيب": المائدة: 94 "وقوله وليعلمن الله ~~الذين آمنوا وليعلمن المنافقين": العنكبوت. - 11. # والاستنباط استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة، ~~وأصله من النبط محركة، وهو أول ما يخرج من ماء البئر، وعلى هذا يمكن أن ~~يكون الاستنباط وصفا للرسول وأولي الأمر بمعنى أنهم يحققون الأمر فيحصلون ~~على الحق والصدق وأن يكون وصفا لهؤلاء الرادين لو ردوا فإنهم يعلمون حق ~~الأمر وصدقه بإنباء الرسول وأولي الأمر لهم. # فيعود معنى الآية إن كان المراد بالذين يستنبطونه منهم الرسول وأولي ~~الأمر كما هو الظاهر من الآية: لعلمه من أراد الاستنباط من الرسول وأولي ~~الأمر أي إذا استصوبه المسئولون ورأوه موافقا للصلاح، وإن كان المراد بهم ~~الرادين: لعلمه الذين يستفسرونه ويبالغون في الحصول على أصل الخبر من هؤلاء ~~الرادين. # وأما أولوا الأمر في قوله: وإلى أولي الأمر منهم "فالمراد بهم هو المراد ~~بأولي الأمر في قوله "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم": ~~النساء: 59 على ما تقدم من اختلاف المفسرين في تفسيره وقد تقدم أن أصول ~~الأقوال في ذلك ترجع إلى خمسة غير أن الذي استفدناه من المعنى أظهر في هذه الآية. # أما القول بأن أولي الأمر هم أمراء السرايا فإن هؤلاء ms1594 لم يكن لهم شأن إلا ~~الإمارة على سرية في واقعة خاصة لا تتجاوزها خبرتهم ودائرة عملهم، وأما ~~أمثال ما هو مورد الآية وهو الإخلال في الأمن وإيجاد الخوف والوحشة العامة ~~التي كان يتوسل إليها المشركون ببعث العيون وإرسال الرسل السرية الذين ~~يذيعون من الأخبار ما يخزلون به المؤمنين فلا شأن لأمراء السرايا في ذلك ~~حتى يمكنهم أن يبينوا وجه الحق فيه للناس إذا سألوهم عن أمثال تلك الأخبار. PageV05P011 # وأما القول بأن أولي الأمر هم العلماء فعدم مناسبته للآية أظهر، إذ العلماء ~~وهم يومئذ المحدثون والفقهاء والقراء والمتكلمون في أصول الدين - إنما ~~خبرتهم في الفقه والحديث ونحو ذلك، ومورد قوله "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف"، هي الأخبار التي لها أعراق سياسية ترتبط بأطراف شتى ربما أفضى ~~قبولها أو ردها أو الإهمال فيها من المفاسد الحيوية والمضار الاجتماعية إلى ~~ما يمكن أن لا يستصلح بأي مصلح آخر، أو يبطل مساعي أمة في طريق سعادتها، أو ~~يذهب بسؤددهم ويضرب بالذل والمسكنة والقتل والأسر عليهم، وأي خبرة للعلماء ~~من حيث إنهم محدثون أو فقهاء أو قراء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر ~~الله سبحانه بإرجاعها وردها إليهم؟ وأي رجاء في حل أمثال هذه المشكلات ~~بأيديهم؟ وأما القول بأن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أعني أبا بكر وعمر ~~وعثمان وعليا فمع كونه لا دليل عليه من كتاب أو سنة قطعية، يرد عليه أن حكم ~~الآية إما مختص بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عام يشمله وما ~~بعده، وعلى الأول كان من اللازم أن يكونوا معروفين بهذا الشأن بما أنهم ~~هؤلاء الأربعة من بين الناس ومن بين الصحابة خاصة، والحديث والتاريخ لا ~~يضبطان لهم بخصوصهم شأنا من هذا القبيل، وعلى الثاني كان لازمه انقطاع حكم ~~الآية بانقطاع زمان حياتهم، وكان لازمه أن تتصدى الآية لبيان ذلك كما في ~~جميع الأحكام الخاصة بشطر من الزمان المذكورة في القرآن كالأحكام الخاصة ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أثر في الآية من ذلك. ms1595 # وأما القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد، وهذا القائل لما رأى ~~أنه لم يكن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة مشخصة هم أهل ~~الحل والعقد على حد ما يوجد بين الأمم المتمدنة ذوات المجتمعات المتشكلة ~~كهيئة الوزراء، وجمعية المبعوثين إلى المنتدى وغير ذلك فإن الأمة لم يكن ~~يجري فيها إلا حكم الله ورسوله، اضطر إلى تفسيره بأهل الشورى من الصحابة ~~وخاصة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم. # وكيف كان، يرد عليه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجمع في ~~مشاورته المؤمنين والمنافقين كعبد الله بن أبي وأصحابه، وحديث مشاورته يوم ~~أحد معروف، وكيف يمكن أن يأمر الله سبحانه بالرد إلى أمثاله. # على أن ممن لا كلام في كونه ذا هذا الشأن عند النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وبعده عبد الرحمن بن عوف، وهذه الآيات المسرودة في ذم ضعفاء المؤمنين ~~وتعييرهم على ما وقع منهم إنما ابتدأت به وبأصحابه أعني قوله "ألم تر إلى ~~الذين قيل لهم كفوا" الآيات فقد ورد في الصحيح أنها نزلت في عبد الرحمن بن ~~عوف وأصحاب له، رواه النسائي في صحيحه ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ورواه ~~الطبري وغيره في تفاسيرهم، وقد مرت الرواية في البحث الروائي السابق. # وإذا كان الأمر على هذه الوتيرة فكيف يمكن أن يؤمر في الآية بإرجاع الأمر ~~ورده إلى مثل هؤلاء؟. # فالمتعين هو الذي رجحناه في قوله تعالى "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم" الآية. # قوله تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا" ~~قد تقدم أن الأظهر كون الآيات مشيرة إلى قصة بدر الصغرى، وبعث أبي سفيان ~~نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة لبسط الخوف والوحشة بين الناس وإخزائهم ~~في الخروج إلى بدر فالمراد باتباع الشيطان التصديق بما جاء به من النبإ، ~~واتباعه في التخلف عن الخروج إلى بدر. # وبذلك يظهر استقامة معنى الاستثناء من غير حاجة إلى تكلف أو تمحل فإن ~~نعيما كان يخبرهم أن أبا ms1596 سفيان جمع الجموع وجهز الجيوش فاخشوهم ولا تلقوا ~~بأنفسكم إلى حياض القتل الذريع، وقد أثر ذلك في قلوب الناس فتعللوا عن ~~الخروج إلى موعدهم ببدر، ولم يسلم من ذلك إلا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وبعض خاصته وهو المراد بقوله تعالى "إلا قليلا، فقد كان الناس ~~تزلزلوا إلا القليل منهم ثم لحقوا بذلك القليل وساروا. # وهذا الذي استظهرناه من معنى الاستثناء هو الذي يؤيده ما مر ذكره من ~~القرائن، على ما فيه من الاستقامة. PageV05P012 # وللمفسرين في أمر هذا الاستثناء مذاهب شتى لا يخلو شيء منها من فساد أو ~~تكلف، فقد قيل: المراد بالفضل والرحمة ما هداهم الله إليه من إيجاب طاعته ~~وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم، والمراد بالمستثنى هم المؤمنون أولو الفطرة ~~السليمة والقلوب الطاهرة، ومعنى الآية: ولو لا هذا الذي هداكم الله إليه من ~~وجوب الطاعة، وإرجاع الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر لاتبعتم الشيطان ~~جميعا بالوقوع في الضلال إلا قليلا منكم من أهل الفطرة السليمة فإنهم لا ~~يزيغون عن الحق والصلاح. # وفيه أنه تخصيص الفضل والرحمة بحكم خاص من غير دليل يدل عليه، وهو بعيد ~~من البيان القرآني، مع أن ظاهر الآية أنه امتنان في أمر ماض منقض. # وقيل، إن الآية على ظاهرها، والمؤمنون غير المخلصين يحتاجون إلى فضل ~~ورحمة زائدين وإن كان المخلصون أيضا لا يستغنون عن العناية الإلهية، وفيه ~~أن الذي يوهمه الظاهر حينئذ مما يجب في بلاغة القرآن دفعه ولم يدفع في الآية. # وقد قال تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": ~~النور: 21 وقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو خير الناس: ~~"ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذن لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات": الإسراء: 75. # وقيل: إن المراد بالفضل والرحمة القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقيل: المراد بهما الفتح والظفر، فيستقيم الاستثناء لأن الأكثرين إنما ~~يثبتون على الحق بما يستطاب به قلوبهم من فتح وظفر وما أشبههما من العنايات ms1597 ~~الظاهرية الإلهية، ولا يصبر على مر الحق إلا القليل من المؤمنين الذين هم ~~على بصيرة من أمرهم. # وقيل الاستثناء إنما هو من قوله "أذاعوا به"، وقيل الاستثناء من قوله ~~"الذين يستنبطونه"،. وقيل: إن الاستثناء إنما هو في اللفظ وهو دليل على ~~الجمع والإحاطة فمعنى الآية: ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ~~جميعا، وهذا نظير قوله تعالى "سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله": الأعلى: 7 ~~فاستثناء المشية يفيد عموم الحكم بنفي النسيان، وجميع هذه الوجوه لا تخلو ~~من تكلف ظاهر. # قوله تعالى: "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين"، ~~التكليف من الكلفة بمعنى المشقة لما فيه من تحميل المشقة على المكلف، ~~والتنكيل من النكال، وهو على ما في المجمع:، ما يمتنع به من الفساد خوفا من ~~مثله من العذاب فهو عقاب المتخلف لئلا يعود إلى مثله ولعيتبر به غيره من ~~المكلفين. # والفاء في قوله "فقاتل في سبيل الله"،. للتفريع والأمر بالقتال متفرع على ~~المتحصل من مضامين الآيات السابقة. # وهو تثاقل القوم في الخروج إلى العدو وتبطئتهم في ذلك، ويدل عليه ما ~~يتلوه من الجمل أعني قوله "لا تكلف إلا نفسك" إلخ فإن المعنى: فإذا كانوا ~~يتثاقلون في أمر الجهاد ويكرهون القتال فقاتل أنت يا رسول الله بنفسك، ولا ~~يشق عليك تثاقلهم ومخالفتهم لأمر الله سبحانه فإن تكليف غيرك لا يتوجه ~~إليك، وإنما يتوجه إليك تكليف نفسك لا تكليفهم، وإنما عليك في غيرك أن ~~تحرضهم فقاتل وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا. وقوله "لا ~~تكلف إلا نفسك" أي لا تكلف أنت شيئا إلا عمل نفسك فالاستثناء بتقدير مضاف. # وقوله "عسى الله أن يكف" إلخ قد تقدم أن "عسى" تدل على الرجاء أعم من أن ~~يكون ذلك الرجاء قائما بنفس المتكلم أو المخاطب أو بمقام التخاطب فلا حاجة ~~إلى ما ذكروه من أن "عسى" من الله حتم. # وفي الآية دلالة على زيادة تعيير من الله سبحانه للمتثاقلين من الناس حيث ~~أدى تثاقلهم إلى أن ms1598 أمر الله نبيه بالقيام بالقتال بنفسه، وأن يعرض عن ~~المتثاقلين ولا يلح عليهم بالإجابة ويخليهم وشأنهم، ولا يضيق بذلك صدره ~~فليس عليه إلا تكليف نفسه وتحريض المؤمنين أطاع من أطاع، وعصى من عصى. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إن الله عير أقواما بالإذاعة في قوله عز وجل: "وإذا جاءهم ~~أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به" فإياكم والإذاعة. PageV05P013 # وفيه، بإسناده عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قال الله عز وجل:، "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، ~~وقال "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم"، فرد أمر الناس إلى أولي الأمر منهم، الذين أمر بطاعتهم والرد إليهم. # أقول والرواية تؤيد ما قدمناه من أن المراد بأولي الأمر في الآية الثانية ~~هم المذكورون في الآية الأولى. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم" قال: هم الأئمة. # أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن عبد الله بن جندب عن الرضا (عليه السلام) ~~في كتاب كتبه إليه في أمر الواقفية، وروى هذا المعنى أيضا المفيد في ~~الاختصاص، عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام): في ~~قوله "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته"، قال: الفضل رسول الله، ورحمته أمير ~~المؤمنين. # وفيه، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، وحمران عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: "لو لا فضل الله عليكم ورحمته"، قال: فضل الله رسوله، ورحمته ~~ولاية الأئمة. وفيه، عن محمد بن الفضيل عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: ~~الرحمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والفضل علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام). # أقول: والروايات من باب الجري، والمراد النبوة والولاية فإنهما السببان ~~المتصلان اللذان أنقذنا ms1599 الله بهما من مهبط الضلال ومصيدة الشيطان، إحداهما: ~~سبب مبلغ، والأخرى: سبب مجر، والرواية الأخيرة أقرب من الاعتبار فإن الله ~~سمى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه بالرحمة حيث قال: "وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين": الآية الأنبياء: 107. # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن حديد عن مرازم قال قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إن الله كلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم يكلف به ~~أحدا من خلقه، ثم كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه، وإن لم يجد فئة ~~تقاتل معه، ولم يكلف هذا أحدا من خلقه لا قبله ولا بعده، ثم تلا هذه الآية: ~~"فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك". ثم قال: وجعل الله له أن يأخذ ما ~~أخذ لنفسه فقال عز وجل: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" وجعل الصلاة على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعشر حسنات وفي تفسير العياشي، عن ~~سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الناس لعلي (عليه ~~السلام)، إن كان له حق فما منعه أن يقوم به،؟ قال فقال إن الله لا يكلف هذا ~~لإنسان واحد إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: "فقاتل في سبيل ~~الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين" فليس هذا إلا للرسول، وقال لغيره: ~~"إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة" فلم يكن يومئذ فئة يعينونه على أمره. ~~وفيه، عن زيد الشحام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: ما سئل رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئا قط فقال: لا، إن كان عنده أعطاه، وإن ~~لم يكن عنده قال: يكون إن شاء الله، ولا كافي بالسيئة قط، وما لقي سرية مذ ~~نزلت عليه، "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك" إلا ولى بنفسه. # أقول: وفي هذه المعاني روايات أخر. PageV05P014 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 85 - 91 # من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفعة سيئة يكن له ms1600 كفل منها ~~وكان الله على كل شىء مقيتا (85) وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها إن الله كان على كل شىء حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى ~~يوم القيمة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) * فما لكم فى المنفقين ~~فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا (88) ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا ~~منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقتلوكم أو يقتلوا قومهم ولو ~~شاء الله لسلطهم عليكم فلقتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقتلوكم وألقوا إليكم ~~السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ~~إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم ~~عليهم سلطنا مبينا (91) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها من حيث تتعرض جميعا 85 - 91 لما يرتبط بأمر ~~القتال مع طائفة من المشركين وهم المنافقون منهم، ويظهر من التدبر فيها ~~أنها نزلت في قوم من المشركين أظهروا الإيمان للمؤمنين ثم عادوا إلى مقرهم ~~وشاركوا المشركين في شركهم فوقع الريب في قتالهم، واختلفت أنظار المسلمين ~~في أمرهم، فمن قائل يرى قتالهم، وآخر يمنع منه ويشفع لهم لتظاهرهم ~~بالإيمان، والله سبحانه يكتب عليهم إما المهاجرة أو القتال ويحذر المؤمنين ~~الشفاعة في حقهم. # ويلحق بهم قوم آخرون ثم آخرون يكتب عليهم إما إلقاء السلم أو القتال، ~~ويستهل لما في الآيات من المقاصد في صدر الكلام ببيان حال الشفاعة في آية، ~~وببيان حال التحية لمناسبتها إلقاء السلم في آية أخرى. # قوله تعالى: "من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها"، النصيب والكفل بمعنى ~~واحد، ولما كانت الشفاعة نوع توسط لترميم نقيصة أو لحيازة مزية ونحو ذلك ~~كانت لها نوع ms1601 سببية لإصلاح شأن فلها شيء من التبعة والمثوبة المتعلقتين بما ~~لأجله الشفاعة، وهو مقصد الشفيع والمشفوع له فالشفيع ذو نصيب من الخير أو ~~الشر المترتب على الشفاعة، وهو قوله تعالى "من يشفع شفاعة" إلخ. # وفي ذكر هذه الحقيقة تذكرة للمؤمنين، وتنبيه لهم أن يتيقظوا عند الشفاعة ~~لما يشفعون له، ويجتنبوها إن كان المشفوع لأجله مما فيه شر وفساد كالشفاعة ~~للمنافقين من المشركين أن لا يقاتلوا، فإن في ترك الفساد القليل على حاله، ~~وإمهاله في أن ينمو ويعظم فسادا معقبا لا يقوم له شيء، ويهلك به الحرث ~~والنسل فالآية في معنى النهي عن الشفاعة السيئة وهي شفاعة أهل الظلم ~~والطغيان والنفاق والشرك المفسدين في الأرض. # قوله تعالى: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها" الآية أمر بالتحية قبال ~~التحية بما يزيد عليها أو يماثلها، وهو حكم عام لكل تحية حيي بها، غير أن ~~مورد الآيات هو تحية السلم والصلح التي تلقى إلى المسلمين على ما يظهر من ~~الآيات التالية. # قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو ليجمعنكم" إلخ معنى الآية ظاهر، وهي ~~بمنزلة التعليل لما تشتمل عليه الآيتان السابقتان من المضمون كأنه قيل: ~~خذوا بما كلفكم الله في أمر الشفاعة الحسنة والسيئة، ولا تبطلوا تحية من ~~يحييكم بالإعراض والرد فإن أمامكم يوما يجمعكم الله فيه ويجازيكم على إجابة ~~ما دعاكم إليه ورده. PageV05P015 # قوله تعالى: "فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم" الآية الفئة ~~الطائفة، والإركاس الرد. # والآية بما لها من المضمون كأنها متفرعة على ما تقدم من التوطئة والتمهيد ~~أعني قوله "من يشفع شفاعة" الآية، والمعنى: فإذا كانت الشفاعة السيئة تعطي ~~لصاحبها كفلا من مساءتها فما لكم أيها المؤمنون تفرقتم في أمر المنافقين ~~فئتين، وتحزبتهم حزبين: فئة ترى قتالهم، وفئة تشفع لهم وتحرض على ترك ~~قتالهم، والإغماض عن شجرة الفساد التي تنمو بنمائهم، وتثمر برشدهم، والله ~~ردهم إلى الضلال بعد خروجهم منه جزاء بما كسبوا من سيئات الأعمال، أتريدون ~~بشفاعتكم أن تهدوا هؤلاء الذين أضلهم الله؟ ومن يضلل الله فما له من ms1602 سبيل ~~إلى الهدى. # وفي قوله "ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا" التفات من خطاب المؤمنين إلى ~~خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إشارة إلى أن من يشفع لهم من ~~المؤمنين لا يتفهم حقيقة هذا الكلام حق التفهم، ولو فقهه لم يشفع في حقهم ~~فأعرض عن مخاطبتهم به وألقى إلى من هو بين واضح عنده وهو النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" إلخ هو بمنزلة ~~البيان لقوله "والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله"، ~~والمعنى: أنهم كفروا وزادوا عليه أنهم ودوا وأحبوا أن تكفروا مثلهم ~~فتستووا. # ثم نهاهم عن ولايتهم إلا أن يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فليس عليكم ~~فيهم إلا أخذهم وقتلهم حيث وجدتموهم، والاجتناب عن ولايتهم ونصرتهم، وفي ~~قوله "فإن تولوا"،. دلالة على أن على المؤمنين أن يكلفوهم بالمهاجرة فإن ~~أجابوا فليوالوهم، وإن تولوا فيقتلوهم. # قوله تعالى: "إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت ~~صدورهم" استثنى الله سبحانه من قوله "فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم"، طائفتين: ~~إحداهما الذين يصلون إلخ أي بينهم وبين بعض أهل الميثاق ما يوصلهم بهم من ~~حلف ونحوه، والثانية الذين يتحرجون من مقاتلة المسلمين ومقاتلة قومهم ~~لقتلهم أو لعوامل أخر، فيعتزلون المؤمنين ويلقون إليهم السلم لا للمؤمنين ~~ولا عليهم بوجه، فهاتان الطائفتان مستثنون من الحكم المذكور، وقوله "حصرت ~~صدورهم"، أي ضاقت. # قوله تعالى: "ستجدون آخرين"، إخبار بأنه سيواجهكم قوم آخرون ربما شابهوا ~~الطائفة الثانية من الطائفتين المستثناتين حيث إنهم يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم غير أن الله سبحانه يخبر أنهم منافقون غير مأمونين في ~~مواعدتهم وموادعتهم، ولذا بدل الشرطين المثبتين في حق غيرهم أعني قوله "فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم" بالشرط المنفي أعني قوله "فإن ~~لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم" إلخ وهذا في معنى تنبيه ~~المؤمنين على أن يكونوا على حذر منهم ومعنى الآية ظاهر. # كلام في معنى التحية # الأمم والأقوام على ms1603 اختلافها في الحضارة والتوحش والتقدم والتأخر لا تخلو ~~في مجتمعاتهم من تحية يتعارفونها عند الملاقاة ملاقاة البعض البعض على ~~أقسامها وأنواعها من الإشارة بالرأس واليد ورفع القلانس وغير ذلك، وهي ~~مختلفة باختلاف العوامل المختلفة العاملة في مجتمعاتهم. # وأنت إذا تأملت هذه التحيات الدائرة بين الأمم على اختلافها وعلى ~~اختلافهم وجدتها حاكية مشيرة إلى نوع من الخضوع والهوان والتذلل يبديه ~~الداني للعالي، والوضيع للشريف، والمطيع لمطاعه، والعبد لمولاه، وبالجملة ~~تكشف عن رسم الاستعباد الذي لم يزل رائجا بين الأمم في أعصار الهمجية فما ~~دونها، وإن اختلفت ألوانه، ولذلك ما نرى أن هذه التحية تبدأ من المطيع ~~وتنتهي إلى المطاع، وتشرع من الداني الوضيع وتختتم في العالي الشريف، فهي ~~من ثمرات الوثنية التي ترتضع من ثدي الاستعباد. # والإسلام - كما تعلم - أكبر همه إمحاء الوثنية وكل رسم من الرسوم ينتهي ~~إليها، ويتولد، منها ولذلك أخذ لهذا الشأن طريقة سوية وسنة مقابلة لسنة ~~الوثنية ورسم الاستعباد، وهو إلقاء السلام الذي هو بنحو أمن المسلم عليه من ~~التعدي عليه، ودحض حريته الفطرية الإنسانية الموهوبة له فإن أول ما يحتاج ~~إليه الاجتماع التعاوني بين الأفراد هو أن يأمن بعضهم بعضا في نفسه وعرضه ~~وماله، وكل أمر يئول إلى أحد هذه الثلاثة. PageV05P016 # وهذا هو السلام الذي سن الله تعالى إلقاؤه عند كل تلاق من متلاقيين قال ~~تعالى: "فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة ~~طيبة": النور: 61 وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون": النور: ~~27 وقد أدب الله رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتسليم للمؤمنين وهو ~~سيدهم فقال: "وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة": الأنعام: 54 وأمره بالتسليم لغيرهم في قوله: "فاصفح عنهم وقل ~~سلام فسوف يعلمون": الزخرف: 89. # والتحية بإلقاء السلام كانت معمولا بها عند عرب الجاهلية على ما يشهد به ~~المأثور عنهم من شعر ونحوه، وفي لسان العرب: وكانت ms1604 العرب في الجاهلية يحيون ~~بأن يقول أحدهم لصاحبه: أنعم صباحا، وأبيت اللعن، ويقولون سلام عليكم فكأنه ~~علامة المسالمة، وأنه لا حرب هنالك. # ثم جاء الله بالإسلام فقصروا على السلام، وأمروا بإفشائه. # انتهى. # إلا أن الله سبحانه يحكيه في قصص إبراهيم عنه (عليه السلام) كثيرا: ولا ~~يخلو ذلك من شهادة على أنه كان من بقايا دين إبراهيم الحنيف عند العرب ~~كالحج ونحوه قال تعالى: حكاية عنه فيما يحاور أباه: "قال سلام عليك سأستغفر ~~لك ربي": مريم: 47 وقال تعالى "ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا ~~سلاما قال سلام": هود: 69 والقصة واقعة في غير مورد من القرآن الكريم. # ولقد أخذه الله سبحانه تحية لنفسه، واستعمله في موارد من كلامه، قال ~~تعالى: "سلام على نوح في العالمين": الصافات: 79 وقال: "سلام على إبراهيم:" ~~الصافات: 109 وقال: "سلام على موسى وهارون": الصافات: 120 وقال "سلام على ~~آل ياسين": الصافات: 130 وقال: "وسلام على المرسلين": الصافات: 181. # وذكر تعالى أنه تحية ملائكته المكرمين قال: "الذين تتوفاهم الملائكة ~~طيبين يقولون سلام عليكم": النحل: 32 وقال: "والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب سلام عليكم": الرعد: 24 وذكر أيضا أنه تحية أهل الجنة قال: "وتحيتهم ~~فيها سلام": يونس: 10، وقال تعالى: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا ~~قيلا سلاما سلاما": الواقعة: 26. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى "وإذا حييتم الآية: قال: ذكر علي بن إبراهيم ~~في تفسيره، عن الصادقين: أن المراد بالتحية في الآية السلام وغيره من البر. ~~وفي الكافي، بإسناده عن السكوني قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): السلام تطوع والرد فريضة. وفيه، بإسناده عن جراح المدائني عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) قال: يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، ~~والقليل على الكثير. وفيه، بإسناده عن عيينة عن مصعب عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: القليل يبدءون الكثير بالسلام، والراكب يبدأ الماشي، وأصحاب ~~البغال يبدءون أصحاب الحمير، وأصحاب الخيل يبدءون أصحاب البغال. وفيه، ~~بإسناده عن ابن بكير عن بعض أصحابه ms1605 عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سمعته يقول: يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، وإذا لقيت جماعة ~~سلم الأقل على الأكثر، وإذا لقي واحد جماعة سلم الواحد على الجماعة: أقول: ~~وروي ما يقرب منه في الدر المنثور، عن البيهقي عن زيد بن أسلم عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). وفيه، بالإسناد عنه (عليه السلام) قال: إذا مرت ~~الجماعة بقوم أجزأهم أن يسلم واحد منهم، وإذا سلم على القوم وهم جماعة، ~~أجزأهم أن يرد واحد منهم. # وفي التهذيب، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر (عليه ~~السلام) وهو في الصلاة فقلت: السلام عليك، فقال: السلام عليك، فقلت: كيف ~~أصبحت؟ فسكت، فلما انصرف قلت: أيرد السلام وهو في الصلاة؟ قال: نعم، مثل ما ~~قيل له. PageV05P017 # وفيه، بإسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا ~~سلم عليك الرجل وأنت تصلي، قال: ترد عليه خفيا كما قال وفي الفقيه، بإسناده ~~عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: لا تسلموا ~~على اليهود، ولا على النصارى، ولا على المجوس، ولا على عبدة الأوثان، ولا ~~على موائد شراب الخمر، ولا على صاحب الشطرنج والنرد، ولا على المخنث، ولا ~~على الشاعر الذي يقذف المحصنات، ولا على المصلي لأن المصلي لا يستطيع أن ~~يرد السلام، لأن التسليم من المسلم تطوع والرد فريضة، ولا على آكل الربا، ~~ولا على رجل جالس على غائط ولا على الذي في الحمام، ولا على الفاسق المعلن بفسقه. # أقول: والروايات في معنى ما تقدم كثيرة، والإحاطة بما تقدم من البيان ~~توضح معنى الروايات فالسلام تحية مؤذنة ببسط السلم، ونشر الأمن بين ~~المتلاقين على أساس المساواة والتعادل من استعلاء وإدحاض، وما في الروايات ~~من ابتداء الصغير بالتسليم للكبير، والقليل للكثير، والواحد للجمع لا ينافي ~~مسألة المساواة وإنما هو مبني على وجوب رعاية الحقوق فإن الإسلام لم يأمر ~~أهله بإلغاء الحقوق، وإهمال أمر الفضائل والمزايا بل أمر غير صاحب الفضل ms1606 أن ~~يراعي فضل ذي الفضل، وحق صاحب الحق، وإنما نهى صاحب الفضل أن يعجب بفضله، ~~ويتكبر على غيره فيبغي على الناس بغير حق فيبطل بذلك التوازن بين أطراف ~~المجتمع الإنساني. # وأما النهي الوارد عن التسليم على بعض الأفراد فإنما هو متفرع على النهي ~~عن توليهم والركون إليهم كما قال تعالى: "لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء": المائدة: 51 وقال: "لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء": الممتحنة: 1 ~~وقال ولا تركنوا إلى الذين ظلموا": هود: 113 إلى غير ذلك من الآيات. # نعم ربما اقتضت مصلحة التقرب من الظالمين لتبليغ الدين أو إسماعهم كلمة ~~الحق التسليم عليهم ليحصل به تمام الأنس وتمتزج النفوس كما أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بذلك في قوله "فاصفح عنهم وقل سلام": الزخرف: 89 وكما ~~في قوله يصف المؤمنين "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما": الفرقان: 63. # وتفسير الصافي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن رجلا قال له: ~~السلام عليك، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة ~~الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وقال آخر: السلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته، فقال: وعليك، فقال الرجل: نقصتني فأين ما قال الله "وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها" الآية فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك ~~لم تترك فضلا ورددت عليك مثله: أقول: وروي مثله في الدر المنثور، عن أحمد ~~في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ~~حسن عن سلمان الفارسي. # وفي الكافي، عن الباقر (عليه السلام) قال: مر أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بقوم فسلم عليهم فقالوا:، عليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ~~ورضوانه، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام):، لا تجاوزوا بنا مثل ما ~~قالت الملائكة لأبينا إبراهيم، قالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. ~~أقول: وفيه إشارة إلى أن السنة في التسليم التام، وهو قول المسلم "السلام ~~عليك ورحمة الله وبركاته" مأخوذة من حنيفية إبراهيم، (عليه السلام) وتأييد ~~لما تقدم أن التحية بالسلام من الدين الحنيف. # وفيه، عن الصادق ms1607 (عليه السلام): أن من تمام التحية للمقيم المصافحة، ~~وتمام التسليم على المسافر المعانقة. وفي الخصال، عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): إذا عطس أحدكم قولوا يرحمكم الله، وهو يقول: يغفر الله لكم ~~ويرحمكم، قال الله تعالى: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها" الآية وفي ~~المناقب: جاءت جارية للحسن (عليه السلام) بطاق ريحان، فقال لها، أنت حرة ~~لوجه الله، فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام):، أدبنا الله تعالى فقال:، ~~"إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها" الآية وكان أحسن منها إعتاقها. # أقول: والروايات كما ترى تعمم معنى التحية في الآية. PageV05P018 # وفي المجمع،: في قوله تعالى "فما لكم في المنافقين فئتين" الآية قال ~~اختلفوا في من نزلت هذه الآية فيه، فقيل،: نزلت في قوم قدموا المدينة من ~~مكة، فأظهروا للمسلمين الإسلام ثم رجعوا إلى مكة لأنهم استوخموا المدينة ~~فأظهروا الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة، فأراد المسلمون أن ~~يغزوهم فاختلفوا،: فقال بعضهم لا نفعل فإنهم مؤمنون، وقال آخرون: إنهم ~~مشركون، فأنزل الله فيهم الآية: قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام). # وفي تفسير القمي، في قوله تعالى "ودوا لو تكفرون كما كفروا" الآية أنها ~~نزلت في أشجع وبني ضمرة، وهما قبيلتان، وكان من خبرهم أنه لما خرج رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزاة الحديبية مر قريبا من بلادهم، وقد ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هادن بني ضمرة، وواعدهم قبل ذلك ~~فقال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله هذه بنو ~~ضمرة قريبا منا، ونخاف أن يخالفونا إلى المدينة أو يعينوا علينا قريشا فلو ~~بدأنا بهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا إنهم أبر العرب ~~بالوالدين، وأوصلهم للرحم، وأوفاهم بالعهد. # وكان أشجع بلادهم قريبا من بلاد بني ضمرة، وهم بطن من كنانة، وكانت أشجع ~~بينهم وبين بني ضمرة حلف بالمراعاة والأمان، فأجدبت بلاد أشجع وأخصبت بلاد ~~بني ضمرة فسارت أشجع إلى بلاد بني ضمرة فلما بلغ رسول الله (صلى ms1608 الله عليه ~~وآله وسلم) مسيرهم إلى بني ضمرة تهيأ للمسير إلى أشجع ليغزوهم للموادعة ~~التي كانت بينه وبين بني ضمرة فأنزل الله: "ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا ~~فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا. # ثم استثنى بأشجع فقال: "إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لك ~~عليهم سبيلا". # وكانت أشجع محالها البيضاء والحل والمستباح، وقد كانوا قربوا من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهابوا لقربهم من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يبعث إليهم من يغزوهم، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قد خافهم أن يصيبوا من أطرافه شيئا فهم بالمسير إليهم فبينما هو على ~~ذلك إذ جاءت أشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة، وهم سبعمائة فنزلوا شعب سلع، ~~وذلك في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة فدعا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أسيد بن حصين وقال له: اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما أقدم أشجع. # فخرج أسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم فقال: ما أقدمكم؟ فقام ~~إليه مسعود بن رجيلة وهو رئيس أشجع فسلم على أسيد وعلى أصحابه فقالوا: جئنا ~~لنوادع محمدا، فرجع أسيد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره، ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خاف القوم أن أغزوهم فأرادوا ~~الصلح بيني وبينهم. # ثم بعث إليهم بعشرة أحمال تمر فقدمها أمامه، ثم قال: نعم الشيء الهدية ~~أمام الحاجة، ثم أتاهم فقال: يا معشر أشجع ما أقدمكم؟ قالوا: قربت دارنا ~~منك، وليس في قومنا أقل عددا منا فضقنا لحربك لقرب دارنا منك، وضقنا لحرب ~~قومنا لقلتنا فيهم فجئنا لنوادعكم، فقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~منهم ووادعهم فأقاموا يومهم ms1609 ثم رجعوا إلى بلادهم، وفيهم نزلت هذه الآية ~~"إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق - إلى قوله - فما جعل الله ~~لكم عليهم سبيلا". PageV05P019 # وفي الكافي، بإسناده عن الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قول الله عز وجل "أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم" ~~قال: نزلت في بني مدلج، لأنهم جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقالوا،: إنا قد حصرت صدورنا أن نشهد إنك لرسول الله، فلسنا معكم ولا ~~مع قومنا عليك، قال: قلت: كيف صنع بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، قال: وادعهم إلى أن يفرغ من العرب، ثم يدعوهم فإن أجابوا، وإلا ~~قاتلهم. وفي تفسير العياشي، عن سيف بن عميرة قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) "أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم" قال: كان أبي يقول:، نزلت في بني مدلج اعتزلوا فلم يقاتلوا ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكونوا مع قومهم. قلت: فما صنع بهم،: ~~قال لم يقاتلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى فرغ من عدوه، ثم نبذ ~~إليهم على سواء. قال،: و"حصرت صدورهم" هو الضيق. وفي المجمع: المروي عن أبي ~~جعفر (عليه السلام) أنه قال: المراد بقوله تعالى "قوم بينكم وبينهم ميثاق" ~~هو هلال بن عويمر السلمي واثق عن قومه رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وقال في موادعته،: على أن لا نخيف يا محمد من أتانا ولا تخيف من ~~أتاك فنهى الله أن يتعرض لأحد عهد إليهم: أقول: وقد روي هذه المعاني وما ~~يقرب منها في الدر المنثور بطرق مختلفة عن ابن عباس وغيره. وفي الدر ~~المنثور، أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس: في قوله "إلا الذين يصلون إلى قوم"، الآية ~~قال: نسختها براءة،: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم". PageV05P020 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 92 - 94 # وما كان لمؤمن أن ms1610 يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خلدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل ~~الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة ~~الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا (94) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" الخطأ بفتحتين من غير ~~مد، ومع المد على فعال: خلاف الصواب، والمراد به هنا ما يقابل التعمد ~~لمقابلته بما في الآية التالية "ومن يقتل مؤمنا متعمدا". # والمراد بالنفي في قوله "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا"، نفي الاقتضاء أي ~~ليس ولا يوجد في المؤمن بعد دخوله في حريم الإيمان وحماه اقتضاء لقتل مؤمن ~~هو مثله في ذلك أي قتل كان إلا قتل الخطإ، والاستثناء متصل فيعود معنى ~~الكلام إلى أن المؤمن لا يريد قتل المؤمن بما هو مؤمن بأن يقصد قتله مع ~~العلم بأنه مؤمن، ونظير هذه الجملة في سوقها لنفي الاقتضاء قوله تعالى "وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله": الشورى: 51 وقوله "ما كان لكم أن تنبتوا شجرها": ~~النمل: 60 وقوله "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74 إلى ~~غير ذلك. # والآية مع ذلك مسوقة كناية عن التكليف بالنهي التشريعي بمعنى أن الله ~~تعالى لم يبح قط، ولا يبيح أبدا أن يقتل مؤمن مؤمنا وحرم ذلك إلا في قتل ~~الخطإ فإنه لما لم يقصد هناك قتل المؤمن إما لكون القتل غير مقصود أصلا أو ~~قصد ولكن بزعم أن المقتول كافر جائز القتل مثلا ms1611 فلا حرمة مجعولة هناك. # وقد ذكر جمع من المفسرين: أن الاستثناء في قوله "إلا خطأ" منقطع، قالوا: ~~وإنما لم يحمل قوله "إلا خطأ" على حقيقة الاستثناء لأن ذلك يؤدي إلى الأمر ~~بقتل الخطإ أو إباحته. # انتهى وقد عرفت أن ذلك لا يؤدي إلا إلى رفع الحرمة عن قتل الخطإ، أو عدم ~~وضع الحرمة فيه، ولا محذور فيه قطعا. # فالحق أن الاستثناء متصل. # قوله تعالى: "ومن قتل مؤمنا خطأ - إلى قوله - يصدقوا" التحرير جعل ~~المملوك حرا! والرقبة هي العنق شاع استعمالها في النفس المملوكة مجازا! ~~والدية ما يعطى من المال عوضا عن النفس أو العضو أو غيرهما، والمعنى: ومن ~~قتل مؤمنا بقتل الخطإ وجب عليه تحرير نفس مملوكة مؤمنة، وإعطاء دية يسلمها ~~إلى أهل المقتول إلا أن يتصدق أولياء القتيل الدية على معطيها ويعفوا عنها ~~فلا تجب الدية. # قوله تعالى: "فإن كان من قوم عدو لكم"، الضمير يرجع إلى المؤمن المقتول، ~~والقوم العدو هم الكفار المحاربون، والمعنى: إن كان المقتول خطأ مؤمنا ~~وأهله كفار محاربون لا يرثون وجب التحرير ولا دية إذ لا يرث الكافر المحارب ~~من المؤمن شيئا. # قوله تعالى: "وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق"، الضمير في "كان" يعود ~~إلى المؤمن المقتول أيضا على ما يفيده السياق، والميثاق مطلق العهد أعم من ~~الذمة وكل عهد، والمعنى: وإن كان المؤمن المقتول من قوم بينكم وبينهم عهد ~~وجبت الدية وتحرير الرقبة، وقد قدم ذكر الدية تأكيدا في مراعاة جانب ~~الميثاق. # قوله تعالى: "فمن لم يجد فصيام"، أي من لم يستطع التحرير - لأنه هو ~~الأقرب بحسب اللفظ - وجب عليه صيام شهرين متتابعين. PageV05P021 # قوله تعالى: "توبة من الله" إلخ أي هذا الحكم وهو إيجاب الصيام توبة وعطف ~~رحمة من الله لفاقد الرقبة، وينطبق على التخفيف فالحكم تخفيف من الله في حق ~~غير المستطيع، ويمكن أن يكون قوله "توبة" قيدا راجعا إلى جميع ما ذكر في ~~الآية من الكفارة أعني قوله "فتحرير رقبة" إلخ والمعنى: أن جعل الكفارة ~~للقاتل خطأ توبة وعناية من ms1612 الله للقاتل فيما لحقه من درن هذا الفعل قطعا. # وليتحفظ على نفسه في عدم المحاباة في المبادرة إلى القتل نظير قوله تعالى ~~"ولكم في القصاص حياة": البقرة: 179. # وكذا هو توبة من الله للمجتمع وعناية لهم حيث يزيد به في أحرارهم واحد ~~بعد ما فقدوا واحدا، ويرمم ما ورد على أهل المقتول من الضرر المالي بالدية ~~المسلمة. # ومن هنا يظهر أن الإسلام يرى الحرية حياة والاسترقاق نوعا من القتل، ويرى ~~المتوسط من منافع وجود الفرد هو الدية الكاملة. # وسنوضح هذا المعنى في ما سيأتي من المباحث. # وأما تشخيص معنى الخطإ والعمد والتحرير والدية وأهل القتيل والميثاق ~~وغيره المذكورات في الآية فعلى السنة. # من أراد الوقوف عليها فليراجع الفقه. # قوله تعالى: "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم"، التعمد هو القصد إلى ~~الفعل بعنوانه الذي له، وحيث إن الفعل الاختياري لا يخلو من قصد العنوان ~~وكان من الجائز أن يكون لفعل أكثر من عنوان واحد أمكن أن يكون فعل واحد ~~عمديا من جهة خطائيا من أخرى فالرامي إلى شبح وهو يزعم أنه من الصيد وهو في ~~الواقع إنسان إذا قتله كان متعمدا إلى الصيد خاطئا في قتل الإنسان، وكذا ~~إذا ضرب إنسانا بالعصا قاصدا تأديبه فقتلته الضربة كان القتل قتل خطإ، وعلى ~~هذا فمن يقتل مؤمنا متعمدا هو الذي يقصد بفعله قتل المؤمن عن علم بأنه قتل ~~وأن المقتول مؤمن. # وقد أغلظ الله سبحانه وتعالى في وعيد قاتل المؤمن متعمدا بالنار الخالدة ~~غير أنك عرفت في الكلام على قوله تعالى "إن الله لا يغفر أن يشرك به": ~~النساء: 48 أن تلك الآية، وكذا قوله تعالى "إن الله يغفر الذنوب جميعا": ~~الزمر: 53 تصلحان لتقييد هذه الآية فهذه الآية توعد بالنار الخالدة لكنها ~~ليست بصريحة في الحتم فيمكن العفو بتوبة أو شفاعة. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا" الضرب ~~هو السير في الأرض والمسافرة، وتقييده بسبيل الله يدل على أن المراد به هو ~~الخروج للجهاد، والتبين هو التمييز ms1613 والمراد به التمييز بين المؤمن والكافر ~~بقرينة قوله "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا" والمراد بإلقاء ~~السلام إلقاء التحية تحية أهل الإيمان، وقرىء: "لمن ألقى إليكم السلم" بفتح ~~اللام وهو الاستسلام. # والمراد بابتغاء عرض الحياة الدنيا طلب المال والغنيمة، وقوله "فعند الله ~~مغانم كثيرة" جمع مغنم وهو الغنيمة أي ما عند الله من المغانم أفضل من مغنم ~~الدنيا الذي يريدونه لكثرتها وبقائها فهي التي يجب عليكم أن تؤثروها. # قوله تعالى: "كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا" إلخ أي على هذا الوصف. # وهو ابتغاء عرض الحياة الدنيا - كنتم من قبل أن تؤمنوا فمن الله عليكم ~~بالإيمان الصارف لكم عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى ما عند الله من ~~المغانم الكثيرة فإذا كان كذلك فيجب عليكم أن تبينوا، وفي تكرار الأمر ~~بالتبين تأكيد في الحكم. # والآية مع اشتمالها على العظة ونوع من التوبيخ لا تصرح بكون هذا القتل ~~الذي ظاهرها وقوعه قتل مؤمن متعمدا، فالظاهر أنه كان قتل خطأ من بعض ~~المؤمنين لبعض من ألقى السلم من المشركين لعدم وثوق القاتل بكونه مؤمنا ~~حقيقة بزعم أنه إنما يظهر الإيمان خوفا على نفسه، والآية توبخه بأن الإسلام ~~إنما يعتبر بالظاهر، ويحل أمر القلوب إلى اللطيف الخبير. PageV05P022 # وعلى هذا فقوله "تبتغون عرض الحياة الدنيا" موضوع في الكلام على اقتضاء ~~الحال، أي حالكم في قتل من يظهر لكم الإيمان من غير اعتناء بأمره وتبين في ~~شأنه حال من يريد المال والغنيمة فيقتل المؤمن المتظاهر بالإيمان بأدنى ما ~~يعتذر به من غير أن يكون من موجه العذر، وهذا هو الحال الذي كان عليه ~~المؤمنون قبل إيمانهم لا يبتغون إلا الدنيا فإذا أنعم الله عليهم بالإيمان، ~~ومن عليهم بالإسلام كان الواجب عليهم أن يتبينوا فيما يصنعون ولا ينقادوا ~~لأخلاق الجاهلية وما بقي فيهم من إثارتها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" ~~الآية: أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد ms1614 بن نبيشة، من بني ~~عامر بن لؤي يعذب، عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجرا إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيه عياش بالحرة، فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه ~~كافر، ثم جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره فنزلت، "وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" الآية، فقرأها عليه، ثم قال له: قم فحرر. # أقول: وروي هذا المعنى بغيره من الطرق، وفي بعضها أنه قتله بمكة يوم ~~الفتح حين خرج عياش وكان في وثاق المشركين إلى ذلك اليوم وهم يعذبونه ولقي ~~حارثا وقد أسلم وعياش لا يعلم بإسلامه فقتله عياش إذ ذاك. # وما أثبتناه من رواية عكرمة أوفق بالاعتبار وأنسب لتاريخ نزول سورة ~~النساء. # وروى الطبري في تفسيره عن ابن زيد: أن الذي نزلت فيه الآية هو أبو ~~الدرداء، كان في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في ~~غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال لا إله إلا الله، فضربه ثم جاء بغنمه إلى ~~القوم، ثم وجد في نفسه شيئا فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخبره ~~فنزلت الآية وروي في الدر المنثور، أيضا عن الروياني وابن مندة وأبي نعيم ~~عن بكر بن حارثة الجهني: أنه هو الذي نزلت فيه الآية، لقصة نظيرة قصة أبي ~~الدرداء، والروايات على أي حال لا تزيد على التطبيق. # وفي التهذيب، بإسناده عن الحسين بن سعيد عن رجاله عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل العتق يجوز له ~~المولود إلا في كفارة القتل، فإن الله تعالى يقول: "فتحرير رقبة مؤمنة"، ~~يعني بذلك مقرة قد بلغت الحنث الحديث. # وفي تفسير العياشي، عن موسى بن جعفر (عليه السلام): سئل كيف تعرف ~~المؤمنة؟ قال: على الفطرة. وفي الفقيه، عن الصادق (عليه السلام): في رجل ~~مسلم في أرض الشرك، فقتله المسلمون ثم علم به الإمام بعد، فقال (عليه ~~السلام): يعتق مكانه رقبة مؤمنة وذلك قول الله عز وجل: ms1615 "فإن كان من قوم عدو ~~لكم".: أقول: وروى مثله العياشي. # وفي قوله "يعتق مكانه"، إشعار بأن حقيقة العتق إضافة واحد إلى أحرار ~~المسلمين حيث نقص واحد من عددهم كما تقدمت الإشارة إليه. # وربما استفيد من ذلك أن مصلحة مطلق العتق في الكفارات هو إضافة حر غير ~~عاص إلى عددهم حيث نقص واحد منهم بالمعصية. # فافهم ذلك. # وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام): إن كان على رجل صيام شهرين ~~متتابعين، فأفطر أو مرض في الشهر الأول فإن عليه أن يعيد الصيام، وإن صام ~~الشهر الأول، وصام من الشهر الثاني شيئا، ثم عرض له ما له فيه عذر فعليه أن ~~يقضي. أقول: أي يقضي ما بقي عليه كما قيل، وقد استفيد من التتابع. PageV05P023 # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عنه (عليه السلام): أنه سئل عن المؤمن يقتل ~~المؤمن متعمدا له توبة؟ فقال: إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان ~~قتله لغضب أو لسبب شيء من أشياء الدنيا، فإن توبته أن يقاد منه، وإن لم يكن ~~علم به انطلق إلى أولياء المقتول، فأقر عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه ~~فلم يقتلوه أعطاهم الدية، وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين، وأطعم ستين ~~مسكينا توبة إلى الله عز وجل. وفي التهذيب، بإسناده عن أبي السفاتج عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز وجل "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم" قال: جزاؤه جهنم إن جازاه:. أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، ~~عن الطبراني وغيره عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ~~والروايات كما ترى تشتمل على ما قدمناه من نكات الآيات، وفي باب القتل ~~والقود روايات كثيرة من أرادها فليراجع جوامع الحديث. # وفي المجمع،: في قوله تعالى "ومن يقتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم" الآية ~~قال، نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار، ~~فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسل معه قيس بن هلال ~~الفهري، وقال له: قل لبني النجار،: إن علمتم ms1616 قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ~~ليقتص منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته،. فبلغ الفهري الرسالة فأعطوه ~~الدية، فلما انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان، فقال: ما صنعت شيئا أخذت ~~دية أخيك فتكون سبة عليك، اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس والدية فضل، فرماه ~~بصخرة فقتله وركب بعيرا، ورجع إلى مكة كافرا، وأنشد يقول، قتلت به فهرا ~~وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع. فأدركت ثاري واضطجعت موسدا وكنت ~~إلى الأوثان أول راجع. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا أؤمنه في ~~حل ولا حرم: رواه الضحاك وجماعة من المفسرين انتهى. # أقول: وروي ما يقرب منه عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل ~~الله" الآية أنها نزلت لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~غزاة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود، في ناحية فدك ~~ليدعوهم إلى الإسلام، كان رجل يقال له مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، ~~فلما أحس بخيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، جمع أهله وماله في ~~ناحية الجبل فأقبل يقول، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~فمر به أسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أخبره بذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قتلت ~~رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله،؟ فقال: يا رسول الله إنما ~~قالها تعوذا من القتل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فلا كشفت ~~الغطاء عن قلبه، ولا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت. فحلف ~~أسامة بعد ذلك، أن لا يقتل أحدا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، فتخلف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه فأنزل في ذلك: "ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض ms1617 الحياة الدنيا" الآية: ~~أقول: وروى هذا المعنى الطبري في تفسيره عن السدي، وروي في الدر المنثور، ~~روايات كثيرة في سبب نزول الآية، في بعضها: أن القصة لمقداد بن الأسود وفي ~~بعضها لأبي الدرداء، وفي بعضها لمحلم بن جثامة، وفي بعضها لم يذكر اسم ~~للقاتل ولا المقتول وأبهمت القصة إبهاما، هذا، ولكن حلف أسامة بن زيد ~~واعتذاره إلى علي (عليه السلام) في تخلفه عن حروبه معروف مذكور في كتب ~~التاريخ والله أعلم. PageV05P024 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 95 - 100 # لا يستوى القعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجهدون فى سبيل الله ~~بأمولهم وأنفسهم فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على القعدين درجة وكلا ~~وعد الله الحسنى وفضل الله المجهدين على القعدين أجرا عظيما (95) درجت منه ~~ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) إن الذين توفاهم الملئكة ظالمى ~~أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله ~~وسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) * ومن يهاجر فى سبيل الله يجد ~~فى الأرض مرغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (100) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "لا يستوي القاعدون - إلى قوله - وأنفسهم" الضرر هو النقصان ~~في الوجود المانع من القيام بأمر الجهاد والقتال كالعمى والعرج والمرض، ~~والمراد بالجهاد بالأموال إنفاقها في سبيل الله للظفر على أعداء الدين، ~~وبالأنفس القتال. # وقوله "وكلا وعد الله الحسنى"، يدل على أن المراد بهؤلاء القاعدين هم ~~التاركون للخروج إلى القتال عند ما لا حاجة إلى خروجهم لخروج غيرهم على حد ~~الكفاية فالكلام مسوق لترغيب الناس وتحريضهم على القيام بأمر الجهاد ~~والتسابق فيه والمسارعة إليه. # ومن الدليل على ذلك أن الله سبحانه استثنى أولي الضرر ثم حكم بعدم ~~الاستواء مع أن أولي الضرر كالقاعدين في عدم مساواتهم المجاهدين في سبيل ms1618 ~~الله وإن قلنا: إن الله سبحانه يتدارك ضررهم بنياتهم الصالحة فلا شك أن ~~الجهاد والشهادة أو الغلبة على عدو الله من الفضائل التي فضل بها المجاهدون ~~في سبيل الله على غيرهم، وبالجملة ففي الكلام تحضيض للمؤمنين وتهييج لهم، ~~وإيقاظ لروح إيمانهم لاستباق الخير والفضيلة. # قوله تعالى: "فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة" ~~الجملة في مقام التعليل لقوله "لا يستوي"، ولذا لم توصل بعطف ونحوه، ~~والدرجة هي المنزلة، والدرجات المنزلة بعد المنزلة، وقوله "وكلا وعد الله ~~الحسنى" أي وعد الله كلا من القاعدين والمجاهدين، أو كلا من القاعدين غير ~~أولي الضرر والقاعدين أولي الضرر والمجاهدين الحسنى، والحسنى وصف محذوف ~~الموصوف أي العاقبة الحسنى أو المثوبة الحسنى أو ما يشابه ذلك، والجملة ~~مسوقة لدفع الدخل فإن القاعد من المؤمنين ربما أمكنه أن يتوهم من قوله "لا ~~يستوي - إلى قوله - درجة" إنه صفر الكف لا فائدة تعود إليه من إيمانه وسائر ~~أعماله فدفع ذلك بقوله "وكلا وعد الله الحسنى". # قوله تعالى: "وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ~~ومغفرة ورحمة" هذا التفضيل بمنزلة البيان والشرح لإجمال التفضيل المذكور ~~أولا، ويفيد مع ذلك فائدة أخرى، وهي الإشارة إلى أنه لا ينبغي للمؤمنين أن ~~يقنعوا بالوعد الحسن الذي يتضمنه قوله "وكلا وعد الله الحسنى" فيتكاسلوا في ~~الجهاد في سبيل الله والواجب من السعي في إعلاء كلمة الحق وإزهاق الباطل ~~فإن فضل المجاهدين على القاعدين بما لا يستهان به من درجات المغفرة ~~والرحمة. # وأمر الآية في سياقها عجيب، أما أولا: فلأنها قيدت المجاهدين أولا بقوله ~~"في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم" وثانيا بقوله "بأموالهم وأنفسهم" وثالثا ~~أوردته من غير تقييد. # وأما ثانيا: فلأنها ذكرت في التفضيل أولا أنها درجة، وثانيا أنها درجات منه. PageV05P025 # أما الأول فلأن الكلام في الآية مسوق لبيان فضل الجهاد على القعود، والفضل ~~إنما هو للجهاد إذا كان في سبيل الله لا في سبيل هوى النفس، وبالسماحة ~~والجود بأعز الأشياء عند الإنسان وهو المال، وبما هو أعز منه، وهو النفس، ms1619 ~~ولذلك قيل أولا: "والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم" ليتبين بذلك ~~الأمر كل التبين، ويرتفع به اللبس، ثم لما قيل: "وفضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"، لم تكن حاجة إلى ذكر القيود من هذه ~~الجهة لأن اللبس قد ارتفع بما تقدمه من البيان غير أن الجملة لما قارنت ~~قوله "وكلا وعد الله الحسنى" مست حاجة الكلام إلى بيان سبب الفضل، وهو ~~إنفاق المال وبذل النفس على حبهما فلذا اكتفي بذكرهما قيدا للمجاهدين فقيل: ~~"المجاهدين بأموالهم وأنفسهم" وأما قوله ثالثا "وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما" فلم يبق فيه حاجة إلى ذكر القيود أصلا لا جميعها ولا ~~بعضها ولذلك تركت كلا. # وأما الثاني فقوله "فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة" "درجة" منصوب على التمييز، وهو يدل على أن التفضيل من حيث الدرجة ~~والمنزلة من غير أن يعترض أن هذه الدرجة الموجبة للفضيلة واحدة أو أكثر، ~~وقوله "وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه" كان لفظة ~~"فضل" فيه مضمنة معنى الإعطاء أو ما يشابهه، وقوله "درجات منه" بدل أو عطف ~~بيان لقوله "أجرا عظيما" والمعنى: وأعطى الله المجاهدين أجرا عظيما مفضلا ~~إياهم على القاعدين معطيا أو مثيبا لهم أجرا عظيما وهو الدرجات من الله، ~~فالكلام يبين بأوله أن فضل المجاهدين على القاعدين بالمنزلة من الله مع ~~السكوت عن بيان أن هذه المنزلة واحدة أو كثيرة، ويبين بآخره أن هذه المنزلة ~~ليست منزلة واحدة بل منازل ودرجات كثيرة، وهي الأجر العظيم الذي يثاب به ~~المجاهدون. # ولعل ما ذكرنا يدفع به ما استشكلوه من إيهام التناقض في قوله أولا "درجة" ~~وثانيا "درجات منه"، وقد ذكر المفسرون للتخلص من الإشكال وجوها لا يخلو ~~جلها أو كلها من تكلف. # منها: أن المراد بالتفضيل في صدر الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين ~~أولي الضرر بدرجة وفي ذيل الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين غير أولي ~~الضرر بدرجات. # ومنها: أن المراد بالدرجة في صدر الآية المنزلة الدنيوية كالغنيمة وحسن ~~الذكر ونحوهما وبالدرجات في ms1620 آخر الآية المنازل الأخروية وهي أكثر بالنسبة ~~إلى الدنيا، قال تعالى. # "وللآخرة أكبر درجات": إسراء - 21. # ومنها: أن المراد بالدرجة في صدر الآية المنزلة عند الله، وهي أمر معنوي، ~~وبالدرجات في ذيل الآية منازل الجنة ودرجاتها الرفيعة وهي حسية، وأنت خبير ~~بأن هذه الأقوال لا دليل عليها من جهة اللفظ. # والضمير في قوله "منه" لعله راجع إلى الله سبحانه، ويؤيده "قوله ومغفرة ~~ورحمة" بناء على كونه بيانا للدرجات، والمغفرة والرحمة من الله، ويمكن رجوع ~~الضمير إلى الأجر المذكور قبلا. # وقوله "ومغفرة ورحمة" ظاهره كونه بيانا للدرجات فإن الدرجات وهي المنازل ~~من الله سبحانه أيا ما كانت فهي مصداق المغفرة والرحمة، وقد علمت في بعض ~~المباحث السابقة أن الرحمة - وهي الإفاضة الإلهية للنعمة - تتوقف على إزالة ~~الحاجب ورفع المانع من التلبس بها، وهي المغفرة، ولازمه أن كل مرتبة من ~~مراتب النعم، وكل درجة ومنزلة رفيعة مغفرة بالنسبة إلى المرتبة التي بعدها، ~~والدرجة التي فوقها، فصح بذلك أن الدرجات الأخروية كائنة ما كانت مغفرة ~~ورحمة من الله سبحانه، وغالب ما تذكر الرحمة وما يشابهها في القرآن تذكر ~~معها المغفرة كقوله "مغفرة وأجر عظيم": المائدة: 9 وقوله "ومغفرة ورزق ~~كريم": الأنفال: 4، وقوله "مغفرة وأجر كبير": هود: 11، وقوله "ومغفرة من ~~الله ورضوان": الحديد: 20، وقوله "واغفر لنا وارحمنا": البقرة: 286 إلى غير ~~ذلك من الآيات. # ثم ختم الآية بقوله: "وكان الله غفورا رحيما" ومناسبة الاسمين مع مضمون ~~الآية ظاهرة لا سيما بعد قوله في ذيلها "ومغفرة ورحمة". PageV05P026 # قوله تعالى: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" لفظ "توفاهم" صيغة ~~ماض أو صيغة مستقبل - والأصل تتوفاهم حذفت إحدى التاءين من اللفظ تخفيفا - ~~نظير قوله تعالى "الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا ~~نعمل من سوء": النحل: 28. # والمراد بالظلم كما تؤيده الآية النظيرة هو ظلمهم لأنفسهم بالإعراض عن ~~دين الله وترك إقامة شعائره من جهة الوقوع في بلاد الشرك والتوسط بين ~~الكافرين حيث لا وسيلة يتوسل بها إلى تعلم معارف الدين، والقيام بما تندب ~~إليه من وظائف ms1621 العبودية، وهذا هو الذي يدل عليه السياق في قوله "قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض" إلى آخر الآيات الثلاث. # وقد فسر الله سبحانه الظالمين إذا أطلق في قوله "لعنة الله على الظالمين ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا": الأعراف: 45، هود: 19، ومحصل ~~الآيتين تفسير الظلم بالإعراض عن دين الله وطلبه عوجا ومحرفا، وينطبق على ~~ما يظهر من الآية التي نحن فيها. # قوله تعالى: "قالوا فيم كنتم" أي فيما ذا كنتم من الدين، وكلمة "م" هي ما ~~الاستفهامية حذفت عنها الألف تخفيفا. # وفي الآية دلالة في الجملة على ما تسميه الأخبار بسؤال القبر، وهو سؤال ~~الملائكة عن دين الميت بعد حلول الموت كما يدل عليه أيضا قوله تعالى: ~~"الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى ~~إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى ~~المتكبرين وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا: "الآيات النحل: 30. # قوله تعالى: "قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها" كان سؤال الملائكة فيم كنتم سؤالا عن الحال الذي كانوا ~~يعيشون فيه من الدين، ولم يكن هؤلاء المسئولون على حال يعتد به من جهة ~~الدين فأجابوا بوضع السبب موضع المسبب وهو أنهم كانوا يعيشون في أرض لا ~~يتمكنون فيها من التلبس بالدين لكون أهل الأرض مشركين أقوياء فاستضعفوهم ~~فحالوا بينهم وبين الأخذ بشرائع الدين والعمل بها. # ولما كان هذا الذي ذكروه من الاستضعاف - لو كانوا صادقين فيه - إنما حل ~~بهم من حيث إخلادهم إلى أرض الشرك، وكان استضعافهم من جهة تسلط المشركين ~~على الأرض التي ذكروها، ولم تكن لهم سلطة على غيرها من الأرض فلم يكونوا ~~مستضعفين على أي حال بل في حال لهم أن يغيروه بالخروج والمهاجرة كذبتهم ~~الملائكة في دعوى الاستضعاف بأن الأرض أرض الله كانت أوسع مما وقعوا فيه ~~ولزموه، وكان يمكنهم أن يخرجوا من حومة الاستضعاف بالمهاجرة، فهم لم يكونوا ~~بمستضعفين حقيقة لوجود قدرتهم ms1622 على الخروج من قيد الاستضعاف، وإنما اختاروا ~~هذا الحال بسوء اختيارهم. # فقوله "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" الاستفهام فيه للتوبيخ كما ~~في قوله "فيم كنتم" ويمكن أن يكون أول الاستفهامين للتقرير كما هو ظاهر ما ~~مر نقله من آيات سورة النحل لكون السؤال فيها عن الظالمين والمتقين جميعا، ~~وثاني الاستفهامين للتوبيخ على أي حال. # وقد أضافت الملائكة الأرض إلى الله، ولا يخلو من إيماء إلى أن الله ~~سبحانه هيأ في أرضه سعة أولا ثم دعاهم إلى الإيمان والعمل كما يشعر به أيضا ~~قوله بعد آيتين "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة" الآية. # ووصف الأرض بالسعة هو الموجب للتعبير عن الهجرة بقوله "فتهاجروا فيها" أي ~~تهاجروا من بعضها إلى بعضها، ولو لا فرض السعة لكان يقال: فتهاجروا منها. # ثم حكم الله في حقهم بعد إيراد المساءلة بقوله "فأولئك مأواهم جهنم وساءت ~~مصيرا". # قوله تعالى: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان"، الاستثناء ~~منقطع، وفي إطلاق المستضعفين على هؤلاء بالتفسير الذي فسره به دلالة على أن ~~الظالمين المذكورين لم يكونوا مستضعفين لتمكنهم من رفع قيد الاستضعاف عن ~~أنفسهم وإنما الاستضعاف وصف هؤلاء المذكورين في هذه الآية، وفي تفصيل ~~بيانهم بالرجال والنساء والولدان إيضاح للحكم الإلهي ورفع للبس. PageV05P027 # وقوله "لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا" الحيلة كأنها بناء نوع من ~~الحيلولة ثم استعملت استعمال الآلة فهي ما يتوسل به إلى الحيلولة بين شيء ~~وشيء أو حال للحصول على شيء أو حال آخر، وغلب استعماله في ما يكون على خفية ~~وفي الأمور المذمومة، وفي مادتها على أي حال معنى التغير على ما ذكره ~~الراغب في مفرداته. # والمعنى: لا يستطيعون ولا يتمكنون أن يحتالوا لصرف ما يتوجه إليهم من ~~استضعاف المشركين عن أنفسهم، ولا يهتدون سبيلا يتخلصون بها عنهم فالمراد من ~~السبيل على ما يفيده السياق أعم من السبيل الحسي كطريق المدينة لمن يريد ~~المهاجرة إليها من مسلمي مكة، والسبيل المعنوي وهو كل ما يخلصهم من أيدي ~~المشركين، واستضعافهم ms1623 لهم بالعذاب والفتنة. # كلام في المستضعف # يتبين بالآية أن الجهل بمعارف الدين إذا كان عن قصور وضعف ليس فيه صنع ~~للإنسان الجاهل كان عذرا عند الله سبحانه. # توضيحه: أن الله سبحانه يعد الجهل بالدين وكل ممنوعية عن إقامة شعائر ~~الدين ظلما لا يناله العفو الإلهي، ثم يستثني من ذلك المستضعفين ويقبل منهم ~~معذرتهم بالاستضعاف ثم يعرفهم بما يعمهم وغيرهم من الوصف، وهو عدم تمكنهم ~~مما يدفعون به المحذور عن أنفسهم، وهذا المعنى كما يتحقق فيمن أحيط به في ~~أرض لا سبيل فيها إلى تلقي معارف الدين لعدم وجود عالم بها خبير بتفاصيلها، ~~أو لا سبيل إلى العمل بمقتضى تلك المعارف للتشديد فيه بما لا يطاق من ~~العذاب مع عدم الاستطاعة من الخروج والهجرة إلى دار الإسلام والالتحاق ~~بالمسلمين لضعف في الفكر أو لمرض أو نقص في البدن أو لفقر مالي ونحو ذلك ~~كذلك يتحقق فيمن لم ينتقل ذهنه إلى حق ثابت في المعارف الدينية ولم يهتد ~~فكره إليه مع كونه ممن لا يعاند الحق ولا يستكبر عنه أصلا بل لو ظهر عنده ~~حق اتبعه لكن خفي عنه الحق لشيء من العوامل المختلفة الموجبة لذلك. # فهذا مستضعف لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا لا لأنه أعيت به المذاهب ~~بكونه أحيط به من جهة أعداء الحق والدين بالسيف والسوط، بل إنما استضعفته ~~عوامل أخر سلطت عليه الغفلة، ولا قدرة مع الغفلة، ولا سبيل مع هذا الجهل. # هذا ما يقتضيه إطلاق البيان في الآية الذي هو في معنى عموم العلة، وهو ~~الذي يدل عليه غيرها من الآيات كقوله تعالى "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت": البقرة: 286 فالأمر المغفول عنه ليس في وسع ~~الإنسان كما أن الممنوع من الأمر بما يمتنع معه ليس في وسع الإنسان. # وهذه الآية أعني آية البقرة كما ترفع التكليف بارتفاع الوسع كذلك تعطي ~~ضابطا كليا في تشخيص مورد العذر وتمييزه من غيره، وهو أن لا يستند الفعل ~~إلى اكتساب الإنسان، ولا يكون ms1624 له في امتناع الأمر الذي امتنع عليه صنع، ~~فالجاهل بالدين جملة أو، بشيء من معارفه الحقة إذا استند جهله إلى ما قصر ~~فيه وأساء الاختيار استند إليه الترك وكان معصية، وإذا كان جهله غير مستند ~~إلى تقصيره فيه أو في شيء من مقدماته بل إلى عوامل خارجة عن اختياره أوجبت ~~له الجهل أو الغفلة أو ترك العمل لم يستند الترك إلى اختياره، ولم يعد ~~فاعلا للمعصية، متعمدا في المخالفة، مستكبرا عن الحق جاحدا له، فله ما كسب ~~وعليه ما اكتسب، وإذا لم يكسب فلا له ولا عليه. # ومن هنا يظهر أن المستضعف صفر الكف لا شيء له ولا عليه لعدم كسبه أمرا بل ~~أمره إلى ربه كما هو ظاهر قوله تعالى بعد آية المستضعفين "فأولئك عسى الله ~~أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا" وقوله تعالى "وآخرون مرجون لأمر الله ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم": براءة: 106 ورحمته سبقت غضبه. # قوله تعالى: "فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم"، هؤلاء وإن لم يكسبوا سيئة ~~لمعذوريتهم في جهلهم لكنا بينا سابقا أن أمر الإنسان يدور بين السعادة ~~والشقاوة وكفى في شقائه أن لا يجوز لنفسه سعادة، فالإنسان لا غنى له في ~~نفسه عن العفو الإلهي الذي يعفى به أثر الشقاء سواء كان صالحا أو طالحا أو ~~لم يكن، ولذلك ذكر الله سبحانه رجاء عفوهم. # وإنما اختير ذكر رجاء عفوهم ثم عقب ذلك بقوله "وكان الله عفوا غفورا" ~~اللائح منه شمول العفو لهم لكونهم مذكورين في صورة الاستثناء من الظالمين ~~الذين أوعدوا بأن مأواهم جهنم وساءت مصيرا. PageV05P028 # قوله تعالى: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة" قال ~~الراغب: الرغام بفتح الراء التراب الرقيق، ورغم أنف فلان رغما وقع في ~~الرغام، وأرغمه غيره، ويعبر بذلك عن السخط كقول الشاعر: إذا رغمت تلك ~~الأنوف لم أرضها ولم أطلب العتبي ولكن أزيدها. # فمقابلته بالإرضاء مما ينبه على دلالته على الإسخاط، وعلى هذا قيل: أرغم ~~الله أنفه، وأرغمه أسخطه، وراغمه ms1625 ساخطه، وتجاهدا على أن يرغم أحدهما الآخر ~~ثم يستعار المراغمة للمنازعة قال الله تعالى: "يجد في الأرض مراغما كثيرا" ~~أي مذهبا يذهب إليه إذا رأى منكرا يلزمه أن يغضب منه كقولك: غضبت إلى فلان ~~من كذا ورغمت إليه انتهى. # فالمعنى: ومن يهاجر في سبيل الله، أي طلبا لمرضاته في التلبس بالدين علما ~~وعملا يجد في الأرض مواضع كثيرة كلما منعه مانع في بعضها من إقامة دين الله ~~استراح إلى بعض آخر بالهجرة إليه لإرغام المانع وإسخاطه أو لمنازعته المانع ~~ومساخطته، ويجد سعة في الأرض. # وقد قال تعالى في سابق الآيات: "ألم تكن أرض الله واسعة"، ولازم التفريع ~~عليه أن يقال: ومن يهاجر يجد في الأرض سعة إلا أنه لما زيد قوله "مراغما ~~كثيرا" وهو من لوازم سعة الأرض لمن يريد سلوك سبيل الله قيدت المهاجرة أيضا ~~بكونها في سبيل الله لينطبق على الغرض من الكلام، وهو موعظة المؤمنين ~~القاطنين في دار الشرك وتهييجهم وتشجيعهم على المهاجرة وتطييب نفوسهم. # قوله تعالى: "ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله" إلخ المهاجرة إلى ~~الله ورسوله كناية عن المهاجرة إلى أرض الإسلام التي يتمكن فيها من العلم ~~بكتاب الله وسنة رسوله، والعمل به. # وإدراك الموت استعارة بالكناية عن وقوعه أو مفاجاته فإن الإدراك هو سعي ~~اللاحق بالسير إلى السابق ثم وصوله إليه، وكذا وقوع الأجر على الله استعارة ~~بالكناية عن لزوم الأجر والثواب له تعالى وأخذه ذلك في عهدته، فهناك أجر ~~جميل وثواب جزيل سيوافي به العبد لا محالة، والله سبحانه يوافيه بألوهيته ~~التي لا يعزها شيء ولا يعجزها شيء ولا يمتنع عليها ما أرادته، ولا تخلف ~~الميعاد. # وختم الكلام بقوله "وكان الله غفورا رحيما" تأكيدا للوعد الجميل بلزوم ~~توفيه الأجر والثواب. # وقد قسم الله سبحانه في هذه الآيات المؤمنين أعني المدعين للإيمان من جهة ~~الإقامة في دار الإيمان ودار الشرك إلى أقسام، وبين جزاء كل طائفة من هذه ~~الطوائف بما يلائم حالها ليكون عظة وتنبيها ثم ترغيبا في الهجرة إلى دار ~~الإيمان، ms1626 والاجتماع هناك، وتقوية المجتمع الإسلامي، والاتحاد والتعاون على ~~البر والتقوى وإعلاء كلمة الحق ورفع راية التوحيد وأعلام الدين. # فطائفة أقامت في دار الإسلام من مجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ~~وقاعدين غير أولي الضرر، وقاعدين أولي الضرر، وكلا وعد الله الحسنى وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين درجة. # وطائفة أقامت في دار الشرك، وهي ظالمة لا تهاجر في سبيل الله ومأواهم ~~جهنم وساءت مصيرا، وطائفة منهم مستضعفة غير ظالمة لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وطائفة منهم غير مستضعفة خرجت ~~من بيتها مهاجرة إلى الله ورسوله ثم أدركها الموت فقد وقع أجرها على الله. # والآيات تجري بمضامينها على المسلمين في جميع الأوقات والأزمنة وإن كان ~~سبب نزولها حال المسلمين في جزيرة العرب في عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بين هجرته إلى المدينة وفتح مكة وكانت الأرض منقسمة يومئذ إلى أرض ~~الإسلام وهي المدينة وما والاها فيها جماعة المسلمين أحرار في دينهم وجماعة ~~من المشركين وغيرهم لا يزاحمون في أمرهم لعهد ونحوه، وإلى أرض الشرك وهي ~~مكة وما والاها هي تحت سلطة المشركين مقيمين على وثنيتهم، ويزاحمون ~~المسلمين في أمر دينهم يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم لردهم عن دينهم. PageV05P029 # لكن الآيات تحكم على المسلمين بملاكها دائما فعلى المسلم أن يقيم حيث يتمكن ~~فيه من تعلم معالم الدين، ويستطيع إقامة شعائره والعمل بأحكامه، وأن يهجر ~~الأرض التي لا علم فيها بمعارف الدين، ولا سبيل إلى العمل بأحكامه من غير ~~فرق بين أن تسمى اليوم دار الإسلام أو دار شرك فإن الأسماء تغيرت اليوم ~~وهجرت مسمياتها وصار الدين جنسية، والإسلام مجرد تسم من غير أن يراعى في ~~تسميته الاعتقاد بمعارفه أو العمل بأحكامه. # والقرآن الكريم إنما يرتب الأثر على حقيقة الإسلام دون اسمه ويكلف الناس ~~من العمل ما فيه شيء من روحه لا ما هو صورته، قال تعالى: "ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ms1627 ~~نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون نقيرا": النساء: 124، وقال تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون": البقرة: 62. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا ~~يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، وقتل بعض، ~~فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت ~~هذه الآية،: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" إلى آخر الآية،. قال: ~~فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم فخرجوا ~~فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة فأنزلت فيهم هذه الآية، "ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله،" إلى آخر ~~الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا، وأيسوا من كل خير فنزلت فيهم، "ثم ~~إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا، فاخرجوا فخرجوا ~~فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. وفيه، أخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك: في الآية قال هم أناس من المنافقين، تخلفوا ~~عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، ~~وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم ~~هذه الآية. وفيه، أخرج ابن جرير عن ابن زيد: في الآية قال: لما بعث النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وظهر، ونبع الإيمان نبع النفاق معه، فأتى إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجال، فقالوا: يا رسول الله لو لا أنا ~~نخاف هؤلاء القوم يعذبونا، ويفعلون ويفعلون لأسلمنا، ولكن نشهد أن لا إله ~~إلا ms1628 الله، وأنك رسول الله فكانوا يقولون ذلك له، فلما كان يوم بدر قام ~~المشركون، فقالوا لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستبحنا ماله، فخرج ~~أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، معهم ~~فقتلت طائفة منهم، وأسرت طائفة. قال: فأما الذين قتلوا فهم الذين قال ~~الله:، إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"، الآية كلها، ألم تكن أرض ~~الله واسعة فتهاجروا فيها، وتتركوا، هؤلاء الذين يستضعفونكم، أولئك مأواهم ~~جهنم وساءت مصيرا"،. ثم عذر الله أهل الصدق فقال: "إلا المستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، يتوجهون له، ~~لو خرجوا لهلكوا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم" إقامتهم بين ظهري ~~المشركين،. وقال الذين أسروا: يا رسول الله، إنك تعلم أنا كنا نأتيك فنشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفا، ~~فقال الله: "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى، إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا، مما أخذ منكم ويغفر لكم صنيعكم الذي صنعتم، خروجكم ~~مع المشركين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن يريدوا خيانتك فقد ~~خانوا الله من قبل، خرجوا مع المشركين فأمكن منهم. PageV05P030 # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن عكرمة: في قوله "إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم - - إلى قوله وساءت ~~مصيرا"، قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن ~~الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن ~~أمية بن خلف،. قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم، لمنع أبي سفيان بن ~~حرب وعير قريش، من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، وأن ~~يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبان كارهين كانوا قد أسلموا، ~~واجتمعوا ببدر على غير موعد فقتلوا ببدر كفارا، ورجعوا عن الإسلام وهم ~~هؤلاء الذين سميناهم. # أقول: والروايات في ما يقرب من هذه المعاني ms1629 من طرق القوم كثيرة، وهي وإن ~~كان ظاهرها أشبه بالتطبيق لكنه تطبيق حسن. # ومن أهم ما يستفاد منها، وكذا من الآيات بعد التدبر وجود منافقين بمكة ~~قبل الهجرة وبعدها. # فإن لذلك تأثيرا في البحث عن حال المنافقين على ما سيأتي في سورة البراءة ~~إن شاء الله العزيز. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان ~~بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضا، فقال لأهله أخرجوني من مكة ~~فإني أجد الحر، فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو طريق المدينة، فخرجوا به ~~فمات على ميلين من مكة فنزلت هذه الآية، "ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت". # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة إلا أن فيها اختلافا شديدا في تسمية ~~هذا الذي أدركه الموت، ففي بعضها ضمرة بن جندب، وفي بعضها أكثم بن صيفي، ~~وفي بعضها أبو ضمرة بن العيص الزرقي، وفي بعضها ضمرة بن العيص من بني ليث، ~~وفي بعضها جندع بن ضمرة الجندعي، وفي بعضها أنها نزلت في خالد بن حزام خرج ~~مهاجرا إلى حبشة فنهشته حية في الطريق فمات. # وفي بعض الروايات عن ابن عباس: أنه أكثم بن صيفي. # قال الراوي: قلت فأين الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة. # أقول: يعني أنها نزلت في أكثم خاصة ثم جرت في غيره عامة، والمتحصل من ~~الروايات أن ثلاثة من المسلمين أدركهم الموت في سبيل الهجرة: أكثم بن صيفي، ~~وليثي، وخالد بن حزام، وأما نزول الآية في أي منهم فكأنه تطبيق من الراوي. PageV05P031 # وفي الكافي، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المستضعف، فقال: ~~هو الذي لا يستطيع حيلة إلى الكفر فيكفر، ولا يهتدي سبيلا إلى الإيمان، لا ~~يستطيع أن يؤمن، ولا يستطيع أن يكفر فمنهم الصبيان، ومن الرجال والنساء، ~~على مثل عقول الصبيان مرفوع عنهم القلم: أقول والحديث مستفيض عن زرارة، ~~رواه الكليني، والصدوق، والعياشي، بعدة طرق عنه. وفيه، بإسناده عن إسماعيل ~~الجعفي ms1630 قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الدين الذي لا يسع العباد ~~جهله،. قال: الدين واسع، ولكن الخوارج ضيقوا على أنفسهم من جهلهم، قلت: ~~جعلت فداك فأحدثك بديني الذي أنا عليه؟ فقال: نعم،. فقلت: أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله تعالى، ~~وأتولاكم، وأبرأ من أعدائكم ومن ركب رقابكم، وتأمر عليكم، وظلمكم حقكم. ~~فقال: والله ما جهلت شيئا، هو والله الذي نحن عليه،. فقلت: فهل يسلم أحد لا ~~يعرف هذا الأمر؟ فقال: إلا المستضعفين. قلت: من هم؟ قال نساؤكم وأولادكم،. ~~ثم قال: أرأيت أم أيمن؟، فإني أشهد أنها من أهل الجنة، وما كانت تعرف ما ~~أنتم عليه. وفي تفسير العياشي، عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: سألته عن المستضعفين. فقال: البلهاء في خدرها، والخادم تقول ~~لها:، صلي فتصلي لا تدري إلا ما قلت لها، والجليب الذي لا يدري إلا ما قلت ~~له، والكبير الفاني، والصبي، والصغير، هؤلاء المستضعفون، فأما رجل شديد ~~العنق جدل خصم يتولى الشراء والبيع، لا تستطيع أن تعينه في شيء تقول،: هذا ~~المستضعف؟ لا، ولا كرامة وفي المعاني، عن سليمان: عن الصادق (عليه السلام) ~~في الآية قال،: يا سليمان، في هؤلاء المستضعفين من هو أثخن رقبة منك، ~~المستضعفون قوم يصومون، ويصلون، تعف بطونهم وفروجهم، ولا يرون أن الحق في ~~غيرنا آخذين بأغصان الشجرة، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، إذا كانوا آخذين ~~بالأغصان، وأن يعرفوا أولئك فإن عفا الله عنهم فبرحمته، وإن عذبهم ~~فبضلالتهم. # أقول: قوله "لا يرون أن الحق في غيرنا"، يريد صورة النصب أو التقصير ~~المؤدي إليه كما يدل عليه الروايات الآتية. PageV05P032 # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): أنه ذكر أن المستضعفين ضروب يخالف بعضهم ~~بعضا، ومن لم يكن من أهل القبلة ناصبا فهو مستضعف وفيه، وفي تفسير ~~العياشي،: عن الصادق (عليه السلام) في الآية قال،: لا يستطيعون حيلة إلى ~~النصب فينصبون، ولا يهتدون سبيلا إلى الحق فيدخلون فيه، هؤلاء يدخلون الجنة ms1631 ~~بأعمال حسنة، وباجتناب المحارم التي نهى الله عنها، ولا ينالون منازل ~~الأبرار وفي تفسير القمي، عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قلت له: جعلت فداك ما حال الموحدين، المقرين بنبوة محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من المذنبين، الذين يموتون وليس لهم إمام، ولا يعرفون ولايتكم،؟ ~~فقال: أما هؤلاء فإنهم في حفرهم لا يخرجون منها،. فمن كان له عمل صالح، ولم ~~يظهر منه عداوة، فإنه يخد له خد إلى الجنة التي خلقها الله بالمغرب، فيدخل ~~عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة، حتى يلقى الله فيحاسبه بحسناته ~~وسيئاته، فإما إلى الجنة، وإما إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لأمر الله،. ~~قال وكذلك يفعل بالمستضعفين والبله، والأطفال وأولاد المسلمين الذين لم ~~يبلغوا الحلم. فأما النصاب من أهل القبلة، فإنه يخد لهم خد إلى النار التي ~~خلقها الله بالمشرق، فيدخل عليه اللهب والشرر والدخان، وفورة الحميم إلى ~~يوم القيامة ثم مصيرهم إلى الجحيم وفي الخصال، عن الصادق عن أبيه عن جده عن ~~علي (عليه السلام) قال: إن للجنة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون ~~والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ~~ومحبونا، إلى أن قال وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا ~~الله، ولم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت (عليهم السلام). وفي ~~المعاني، وتفسير العياشي، عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله "إلا المستضعفين"،، قال: هم أهل الولاية. قلت: أي ولاية،؟ قال: ~~أما إنها ليست بولاية في الدين، ولكنها الولاية في المناكحة والموارثة ~~والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفار، وهم المرجون لأمر الله عز وجل. # أقول: وهو إشارة إلى قوله تعالى "وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم": الآية التوبة: 106 وسيأتي ما يتعلق به من الكلام إن شاء الله. # وفي النهج، قال (عليه السلام): ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته ~~الحجة، فسمعتها أذنه، ووعاها قلبه. وفي الكافي، عن الكاظم (عليه ms1632 السلام): ~~أنه سئل عن الضعفاء، فكتب (عليه السلام): الضعيف من لم ترفع له حجة،. ولم ~~يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف وفيه، عن الصادق (عليه ~~السلام): أنه سئل: ما تقول في المستضعفين،؟ فقال شبيها بالفزع فتركتم أحدا ~~يكون مستضعفا،؟ وأين المستضعفون، فوالله لقد مشى بأمركم هذا العواتق، إلى ~~العواتق في خدورهن، وتحدثت به السقاءات في طريق المدينة وفي المعاني، عن ~~عمر بن إسحاق قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، ما حد المستضعف الذي ~~ذكره الله عز وجل،؟ قال: من لا يحسن سورة من سور القرآن، وقد خلقه الله عز ~~وجل خلقه ما ينبغي لأحد أن لا يحسن. # أقول: وهاهنا روايات أخر غير ما أوردناه لكن ما مر منها حاو لمجامع ما ~~فيها من المقاصد، والروايات وإن كانت بحسب بادىء النظر مختلفة لكنها مع قطع ~~النظر عن خصوصيات بياناتها بحسب خصوصيات مراتب الاستضعاف تتفق في مدلول ~~واحد هو مقتضى إطلاق الآية على ما قدمناه، وهو أن الاستضعاف عدم الاهتداء ~~إلى الحق من غير تقصير. PageV05P033 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 101 - 104 # وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكفرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~وحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ~~وخذوا حذركم إن الله أعد للكفرين عذابا مهينا (102) فإذا قضيتم الصلوة ~~فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة إن ~~الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا (103) ولا تهنوا فى ابتغاء القوم إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان ~~الله عليما حكيما (104) ### |||| AUTO بيان # الآيات تشرع صلاة الخوف والقصر في السفر، وتنتهي إلى ترغيب ms1633 المؤمنين في ~~تعقيب المشركين وابتغائهم، وهي مرتبطة بالآيات السابقة المتعرضة للجهاد وما ~~لها من مختلف الشئون. # قوله تعالى: "وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة" ~~الجناح الإثم والحرج والعدول، والقصر النقص من الصلاة، قال في المجمع:، في ~~قصر الصلاة ثلاث لغات: قصرت الصلاة أقصرها وهي لغة القرآن، وقصرتها تقصيرا، ~~أقصرتها إقصارا. # والمعنى: إذا سافرتم فلا مانع من حرج وإثم أن تنقصوا شيئا من الصلاة، ~~ونفي الجناح الظاهر وحده في الجواز لا ينافي وروده في السياق للوجوب كما في ~~قوله تعالى "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما": البقرة: 158 مع كون الطواف واجبا، وذلك أن المقام ~~مقام التشريع، ويكفي فيه مجرد الكشف عن جعل الحكم من غير حاجة إلى استيفاء ~~جميع جهات الحكم وخصوصياته، ونظير الآية بوجه قوله تعالى "وأن تصوموا خير ~~لكم" الآية: البقرة: 184. # قوله تعالى: "إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا"، الفتنة وإن كانت ذات معان ~~كثيرة مختلفة لكن المعهود من إطلاقها في القرآن في خصوص الكفار والمشركين ~~التعذيب من قتل أو ضرب ونحوهما، وقرائن الكلام أيضا تؤيد ذلك فالمعنى: إن ~~خفتم أن يعذبوكم بالحملة والقتل. # والجملة قيد لقوله "فليس عليكم"، جناح وتفيد أن بدء تشريع القصر في ~~الصلاة إنما كان عند خوف الفتنة، ولا ينافي ذلك أن يعم التشريع ثانيا جميع ~~صور السفر الشرعي وإن لم يجامع الخوف فإنما الكتاب بين قسما منه، والسنة ~~بينت شموله لجميع الصور كما سيأتي في الروايات. # قوله تعالى: "وإذا كنت فيهم - إلى قوله - وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم" ~~الآية، تذكر كيفية صلاة الخوف، وتوجه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بفرضه إماما في صلاة الخوف، وهذا من قبيل البيان بإيراد المثال ليكون ~~أوضح في عين أنه أوجز وأجمل. # فالمراد بقوله "أقمت لهم الصلاة" هو الصلاة جماعة، والمراد بقوله "فلتقم ~~طائفة منهم معك" قيامهم في الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنحو ~~الايتمام، وهم المأمورون بأخذ ms1634 الأسلحة، والمراد بقوله "فإذا سجدوا إلخ إذا ~~سجدوا وأتموا الصلاة ليكون هؤلاء بعد إتمام سجدتهم من وراء القوم، وكذا ~~المراد بقوله "وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم" أن تأخذ الطائفة الثانية المصلية ~~مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حذرهم وأسلحتهم. PageV05P034 # والمعنى - والله أعلم -: وإذا كنت أنت يا رسول الله فيهم والحال حال الخوف ~~فأقمت لهم الصلاة أي صليتهم جماعة فأممتهم فيها، فلا يدخلوا في الصلاة ~~جميعا بل لتقم طائفة منهم معك بالاقتداء بك وليأخذوا معهم أسلحتهم، ومن ~~المعلوم أن الطائفة الأخرى يحرسونهم وأمتعتهم فإذا سجد المصلون معك وفرغوا ~~من الصلاة فليكونوا وراءكم يحرسونكم والأمتعة ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك، وليأخذ هؤلاء المصلون أيضا كالطائفة الأولى المصلية حذرهم ~~وأسلحتهم. # وتوصيف الطائفة بالأخرى، وإرجاع ضمير الجمع المذكر إليها رعاية تارة ~~لجانب اللفظ وأخرى لجانب المعنى، كما قيل. # وفي قوله تعالى "وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم" نوع من الاستعارة لطيف، وهو ~~جعل الحذر آلة للدفاع نظير السلاح حيث نسب إليه الأخذ الذي نسب إلى ~~الأسلحة، كما قيل. # قوله تعالى: "ود الذين كفروا لو تغفلون - إلى قوله - واحدة" في مقام ~~التعليل للحكم المشرع، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "ولا جناح عليكم" إلى آخر الآية. # تخفيف آخر وهو أنهم إن كانوا يتأذون من مطر ينزل عليهم أو كان بعضهم مرضى ~~فلا مانع من أن يضعوا أسلحتهم لكن يجب عليهم مع ذلك أن يأخذوا حذرهم، ولا ~~يغفلوا عن الذين كفروا فهم مهتمون بهم. # قوله تعالى: "فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم" ~~والقيام والقعود جمعان أو مصدران، وهما حالان وكذا قوله "على جنوبكم" وهو ~~كناية عن الذكر المستمر المستوعب لجميع الأحوال. # قوله تعالى: "فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة" إلخ المراد بالاطمينان ~~الاستقرار، وحيث قوبل به قوله "وإذا ضربتم في الأرض"، على ما يؤيده السياق ~~كان الظاهر أن المراد به الرجوع إلى الأوطان، وعلى هذا فالمراد بإقامة ~~الصلاة إتمامها فإن التعبير عن صلاة الخوف بالقصر من الصلاة يلوح إلى ذلك. # قوله تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" ms1635 الكتابة كناية ~~عن الفرض والإيجاب كقوله تعالى "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم: البقرة: 183 والموقوت من وقت كذا أي جعلت له وقتا فظاهر اللفظ أن ~~الصلاة فريضة موقتة منجمة تؤدي في أوقاتها ونجومها. # والظاهر أن الوقت في الصلاة كناية عن الثبات وعدم التغير بإطلاق الملزوم ~~على لازمه فالمراد بكونها كتابا موقوتا أنها مفروضة ثابتة غير متغيرة أصلا ~~فالصلاة لا تسقط بحال، وذلك أن إبقاء لفظ الموقوت على بادىء ظهوره لا يلائم ~~ما سبقه من المضمون إذ لا حاجة تمس إلى التعرض لكون الصلاة عبادة ذات أوقات ~~معينة مع أن قوله "إن الصلاة"، في مقام التعليل لقوله "فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة" فالظاهر أن المراد بكونها موقوتة كونها ثابتة لا تسقط ~~بحال، ولا تتغير ولا تتبدل إلى شيء آخر كالصوم إلى الفدية مثلا. # قوله تعالى: "ولا تهنوا في ابتغاء القوم"، الوهن الضعف، والابتغاء الطلب، ~~والألم مقابل اللذة، وقوله "وترجون من الله ما لا يرجون" حال من ضمير الجمع ~~الغائب، والمعنى: أن حال الفريقين في أن كلا منهما يألم واحد، فلستم أسوأ ~~حالا من أعدائكم، بل أنتم أرفه منهم وأسعد حيث إن لكم رجاء الفتح والظفر ~~والمغفرة من ربكم الذي هو وليكم، وأما أعداؤكم فلا مولى لهم ولا رجاء لهم ~~من جانب يطيب نفوسهم، وينشطهم في عملهم. # ويسوقهم إلى مبتغاهم، وكان الله عليما بالمصالح، حكيما متقنا في أمره ونهيه. PageV05P035 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: نزلت يعني آية صلاة الخوف، لما خرج رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلى الحديبية يريد مكة، فلما وقع الخبر إلى قريش، بعثوا ~~خالد بن الوليد في مائتي فارس، ليستقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، فكان يعارض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجبال، فلما ~~كان في بعض الطريق، وحضرت صلاة الظهر أذن بلال، وصلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالناس، فقال خالد بن الوليد،: لو كنا حملنا عليهم وهم في ~~الصلاة لأصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ms1636 ولكن يجيء لهم الآن صلاة أخرى هي ~~أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم فنزل جبرائيل ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بصلاة الخوف في قوله "وإذا كنت ~~فيهم" وفي المجمع،: في قوله "ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر" الآية ~~أنها نزلت والنبي بعسفان والمشركون بضجنان فتواقفوا فصلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع والسجود فهم المشركون بأن ~~يغيروا عليهم، فقال بعضهم: إن لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه، يعنون صلاة ~~العصر، فأنزل الله عليه هذه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف، وكان ذلك سبب ~~إسلام خالد بن الوليد القصة. # وفيه:، ذكر أبو حمزة يعني الثمالي في تفسيره: أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) غزا محاربا ببني أنمار فهزمهم الله، وأحرزوا الذراري والمال، ~~فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون ولا يرون من العدو ~~واحدا فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقضي ~~حاجته، وقد وضع سلاحه فجعل بينه وبين أصحابه الوادي، فإلى أن يفرغ من ~~حاجته، وقد درأ الوادي، والسماء ترش فحال الوادي بين رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وبين أصحابه وجلس في ظل شجرة فبصر به الغورث بن الحارث ~~المحاربي فقال له أصحابه: يا غورث هذا محمد قد انقلع من أصحابه. فقال: ~~قتلني الله إن لم أقتله، وانحدر من الجبل ومعه السيف، ولم يشعر به رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله ~~من غمده، وقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): الله. فانكب عدو الله لوجهه فقام رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فأخذ سيفه، وقال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال. لا أحد. قال: ~~أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني عبد الله ورسوله؟ قال: لا، ولكني أعهد أن ~~لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا، ms1637 فأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سيفه، فقال له غورث: والله لأنت خير مني. قال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إني أحق بذلك. وخرج غورث إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك ~~قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه؟ قال: الله، أهويت له بالسيف لأضربه ~~فما أدري من زلجني بين كتفي؟ فخررت لوجهي، وخر سيفي، وسبقني إليه محمد ~~وأخذه، ولم يلبث الوادي أن سكن فقطع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم "إن كان بكم أذى من مطر" الآية كلها. # وفي الفقيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق (عليه ~~السلام) أنه قال: صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصحابه في غزاة ذات ~~الرقاع، ففرق أصحابه فرقتين، فأقام فرقة بإزاء العدو وفرقة خلفه، فكبر ~~وكبروا، فقرأ وأنصتوا، فركع وركعوا، فسجد وسجدوا، ثم استمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قائما فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض، ثم ~~خرجوا إلى أصحابهم فقاموا بإزاء العدو. وجاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فكبر وكبروا، وقرأ فأنصتوا، وركع فركعوا، وسجد ~~وسجدوا، ثم جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتشهد ثم سلم عليهم ~~فقاموا فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض، وقد قال تعالى لنبيه ~~"وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة إلى قوله كتابا موقوتا" فهذه صلاة الخوف ~~التي أمر الله عز وجل بها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال: من صلى ~~المغرب في خوف بالقوم صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعتين ~~الحديث. PageV05P036 # وفي التهذيب، بإسناده عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صلاة ~~الخوف وصلاة السفر تقصران جميعا؟ قال: نعم، وصلاة الخوف أحق أن تقصر من ~~صلاة السفر ليس فيه خوف وفي الفقيه، بإسناده عن زرارة ومحمد بن مسلم. أنهما ~~قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في صلاة السفر؟ كيف هي وكم ~~هي؟ فقال: إن ms1638 الله عز وجل يقول: "وإذا ضربتم في الأرض - فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة" فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التام في الحضر. ~~قالا: قلنا: إنما قال الله عز وجل "فليس عليكم جناح" ولم يقل: افعلوا، كيف ~~أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام): أوليس قد قال الله ~~"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما" ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض؟ لأن الله عز وجل ذكره في ~~كتابه، وصنعه نبيه، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ذكره الله تعالى في كتابه. قالا: فقلنا له: فمن صلى في السفر ~~أربعا أيعيد أم لا؟ قال: إن كان قد قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى ~~أربعا أعاد، وإن لم تكن قرئت عليه ولم يكن يعلمها فلا إعادة عليه. والصلوات ~~كلها في السفر الفريضة ركعتان كل صلاة إلا المغرب فإنها ثلاث ليس فيها ~~تقصير تركها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في السفر والحضر ثلاث ~~ركعات الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الجارود وابن خزيمة والطحاري وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان عن يعلى بن أمية ~~قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت: "ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا" وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر: عجبت مما عجبت ~~منه فسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال: صدقة تصدق ~~الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. وفيه، أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجة ~~وابن حبان والبيهقي في سننه عن أمية بن خالد بن أسد: أنه سأل ابن عمر: ~~أرأيت قصر الصلاة في السفر؟ إنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة ~~الخوف. فقال ابن عمر: يا ابن أخي إن الله أرسل ms1639 محمدا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يفعل وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). وفيه:، أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال: ~~صلينا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين مكة والمدينة ونحن آمنون ~~لا نخاف شيئا ركعتين. وفيه: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو ~~داود والترمذي والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: صليت مع النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين. ~~وفي الكافي، بإسناده عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): قوله تعالى "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"؟ قال: ~~كتابا ثابتا، وليس إن عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضع تلك ~~الإضاعة فإن الله عز وجل يقول. "أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا". # أقول: إشارة إلى أن الفرائض موسعة من جهة الوقت كما يدل عليه روايات أخر. PageV05P037 # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): قال في ~~صلاة المغرب في السفر: لا تترك إن تأخرت ساعة، ثم تصليها إن أحببت أن تصلي ~~العشاء الآخرة، وإن شئت مشيت ساعة إلى أن يغيب الشفق، أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) صلى صلاة الهاجرة والعصر جميعا، والمغرب والعشاء ~~الآخرة جميعا، وكان يؤخر ويقدم أن الله تعالى قال: "إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا" إنما عنى وجوبها على المؤمنين، لم يعن غيره، إنه لو ~~كان كما يقولون لم يصل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا، وكان ~~أعلم وأخبر وكان كما يقولون، ولو كان خيرا لأمر به محمد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). وقد فات الناس مع أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم ~~صفين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وأمرهم علي أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) فكبروا وهللوا ms1640 وسبحوا رجالا وركبانا لقول الله "فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا" فأمر علي (عليه السلام) فصنعوا ذلك. # أقول: والروايات كما ترى توافق ما قدمناه في البيان السابق والروايات في ~~المعاني السابقة وخاصة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة جدا، ~~وإنما أوردنا أنموذجا مما ورد منها. # واعلم أن هناك من طرق أهل السنة روايات أخرى تعارض ما تقدم، وهي مع ذلك ~~تتدافع في أنفسها، والنظر فيها وفي سائر الروايات الحاكية لكيفية صلاة ~~الخوف خاصة وصلاة القصر في السفر عامة مما هو راجع إلى الفقه. # وفي تفسير القمي، في قوله "ولا تهنوا في ابتغاء القوم" الآية إنه معطوف ~~على قوله في سورة آل عمران "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله". وقد ~~ذكرنا هناك سبب نزول الآية PageV05P038 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 105 - 126 # إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجدل ~~عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون ~~من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان ~~الله بما يعملون محيطا (108) هأنتم هؤلاء جدلتم عنهم فى الحيوة الدنيا فمن ~~يجدل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما ~~يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم ~~به بريئا فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا (112) ولو لا فضل الله عليك ورحمته ~~لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء وأنزل ~~الله عليك الكتب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ~~(113) * لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلح بين ~~الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) ومن ~~يشاقق الرسول من ms1641 بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضللا بعيدا (116) إن يدعون من دونه ~~إلا إنثا وإن يدعون إلا شيطنا مريدا (117) لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك ~~نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ولأمنينهم ولامرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم ~~ولامرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله فقد خسر ~~خسرانا مبينا (119) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطن إلا غرورا (120) أولئك ~~مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~سندخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق ~~من الله قيلا (122) ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتب من يعمل سوءا يجز به ~~ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصلحت من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبرهيم حنيفا واتخذ الله إبرهيم ~~خليلا (125) ولله ما فى السموت وما فى الأرض وكان الله بكل شىء محيطا (126) ### |||| AUTO بيان # الذي يفيده التدبر في الآيات أنها ذات سياق واحد تتعرض للتوصية بالعدل في ~~القضاء، والنهي عن أن يميل القاضي في قضائه، والحاكم في حكمه إلى المبطلين، ~~ويجور على المحقين كائنين من كانوا. # وذلك بالإشارة إلى بعض الحوادث الواقعة عند نزول الآيات، ثم البحث فيما ~~يتعلق بذلك من الحقائق الدينية والأمر بلزومها ورعايتها، وتنبيه المؤمنين ~~أن الدين إنما هو حقيقة لا اسم، وإنما ينفع التلبس به دون التسمي. PageV05P039 # والظاهر أن هذه القصة هي التي يشير إليها قوله تعالى "ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا" حيث يدل على أنه كان ~~هناك شيء من المعاصي التي تقبل الرمي كسرقة أو قتل أو إتلاف أو إضرار ~~ونحوها، وأنه كان من المتوقع أن يهتموا بإضلال النبي (صلى الله عليه ms1642 وآله ~~وسلم) في حكمه والله عاصمه. # والظاهر أن هذه القصة أيضا هي التي تشير إليها الآيات الأول كما في قوله ~~تعالى "ولا تكن للخائنين خصيما" الآية وقوله "يستخفون من الناس" الآية ~~وقوله "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم" إلخ فإن الخيانة وإن كان ظاهرها ما يكون ~~في الودائع والأمانات لكن سياق قوله "إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ~~يستخفون من الناس" كما سيجيء بيانه يعطي أن المراد بها ما يتحقق في سرقة ~~ونحوها بعناية أن المؤمنين كنفس واحدة، وما لبعضهم من المال مسئول عنه ~~البعض الآخر من حيث رعاية احترامه، والاهتمام بحفظه وحمايته، فتعدى بعضهم ~~إلى مال البعض خيانة منهم لأنفسهم. # فالتدبر يقرب أن القصة كأنها سرقة وقعت من بعضهم ثم رفع الأمر إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فرمى بها السارق غيره ممن هو بريء منها، ثم ألح ~~قوم السارق عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي لهم، وبالغوا في أن ~~يغيروه (صلى الله عليه وآله وسلم) على المتهم البريء فأنزلت الآيات وبرأه ~~الله مما قالوا. # فالآيات أشد انطباقا على ما روي في سبب النزول من قصة سرقة أبي طعمة بن ~~الأبيرق، وإن كانت أسباب النزول - كما سمعت مرارا - في أغلب ما رويت من ~~قبيل تطبيق القصص المأثورة على ما يناسبها من الآيات القرآنية. # ويستفاد من الآيات حجية قضائه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعصمته وحقائق ~~أخر سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله" ظاهر الحكم بين الناس هو القضاء بينهم في مخاصماتهم ومنازعاتهم مما ~~يرجع إلى الأمور القضائية ورفع الاختلافات بالحكم، وقد جعل الله تعالى ~~الحكم بين الناس غاية لإنزال الكتاب فينطبق مضمون الآية على ما يتضمنه قوله ~~تعالى "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": الآية البقرة: 213 وقد مر ~~تفصيل القول فيه. # فهذه الآية إنا أنزلنا إليك الكتاب إلخ ms1643 في خصوص موردها نظيرة تلك الآية ~~كان الناس أمة واحدة، في عمومها، وتزيد عليها في أنها تدل على جعل حق الحكم ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والحجية لرأيه ونظره فإن الحكم وهو ~~القطع في القضاء وفصل الخصومة لا ينفك عن إعمال نظر من القاضي الحاكم ~~وإظهار عقيدة منه مضافا إلى ما عنده من العلم بالأحكام العامة والقوانين ~~الكلية في موارد الخصومة فإن العلم بكليات الأحكام وحقوق الناس أمر، والقطع ~~والحكم بانطباق مورد النزاع على بعضها دون بعض أمر آخر. # فالمراد بالإراءة في قوله "لتحكم بين الناس بما أراك الله" إيجاد الرأي ~~وتعريف الحكم لا تعليم الأحكام والشرائع كما احتمله بعضهم. # ومضمون الآية على ما يعطيه السياق أن الله أنزل إليك الكتاب وعلمك أحكامه ~~وشرائعه وحكمه لتضيف إليها ما أوجد لك من الرأي وعرفك من الحكم فتحكم بين ~~الناس، وترفع بذلك اختلافاتهم. # قوله تعالى: "ولا تكن للخائنين خصيما" عطف على ما تقدمه من الجملة ~~الخبرية لكونها في معنى الإنشاء كأنه قيل: فاحكم بينهم ولا تكن للخائنين خصيما. # والخصيم هو الذي يدافع عن الدعوى وما في حكمها، وفيه نهيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عن أن يكون خصيما للخائنين على من يطالبهم بحقوقه فيدافع عن ~~الخائنين ويبطل حقوق المحقين من أهل الدعوى. # وربما أمكن أن يستفاد من عطف قوله "ولا تكن للخائنين"، على ما تقدمه وهو ~~أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرا مطلقا بالحكم أن المراد بالخيانة مطلق ~~التعدي على حقوق الغير ممن لا ينبغي منه ذلك لا خصوص الخيانة للودائع وإن ~~كان ربما عطف الخاص على العام لعناية ما بشأنه لكن المورد كالخالي عن ~~العناية، وسيجيء لهذا الكلام تتمة. PageV05P040 # قوله تعالى: "واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما" الظاهر أن الاستغفار ~~هاهنا هو أن يطلب من الله سبحانه الستر على ما في طبع الإنسان من إمكان هضم ~~الحقوق والميل إلى الهوى ومغفرة ذلك، وقد مر مرارا أن العفو والمغفرة ~~يستعملان في كلامه تعالى في شئون مختلفة يجمعها جامع ms1644 الذنب، وهو التباعد من ~~الحق بوجه. # فالمعنى - والله أعلم -: ولا تكن للخائنين خصيما ولا تمل إليهم، واطلب من ~~الله سبحانه أن يوفقك لذلك ويستر على نفسك أن تميل إلى الدفاع عن خيانتهم ~~ويتسلط عليك هوى النفس. # والدليل على إرادة ذلك ما في ذيل الآيات "الكريمة ولو لا فضل الله عليك ~~ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء" ~~فإن الآية تنص على أنهم لا يضرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن ~~بذلوا غاية جهدهم في تحريك عواطفه إلى إيثار الباطل وإظهاره على الحق ~~فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمن إلهي من الضرر، والله يعصمه فهو ~~لا يجور في حكمه ولا يميل إلى الجور، ولا يتبع الهوى، ومن الجور والميل إلى ~~الهوى المذموم أن يفرق في حكمه بين قوي وضعيف، أو صديق وعدو، أو مؤمن وكافر ~~ذمي، أو قريب وبعيد، فأمره بأن يستغفر ليس لصدور ذنب ذي وبال وتبعة منه، ~~ولا لإشرافه على ما لا يحمد منه بل ليسأل من الله أن يظهره على هوى النفس، ~~ولا ريب في حاجته في ذلك إلى ربه وعدم استغنائه عنه وإن كان على عصمة، فإن ~~لله سبحانه أن يفعل ما يشاء. # وهذه العصمة مدار عملها ما يعد طاعة ومعصية، وما يحمد أو يذم عليه من ~~الأعمال لا ما هو الواقع الخارجي، وبعبارة أخرى الآيات تدل على أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في أمن من اتباع الهوى، والميل إلى الباطل، وأما إن ~~الذي يحكم ويقضي به بما شرعه من القواعد وقوانين القضاء الظاهرية كقوله ~~"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" ونحو ذلك يصادف دائما ما هو الحق ~~في الواقع فينتج دائما غلبة المحق، ومغلوبية المبطل في دعواه، فالآيات لا ~~تدل على ذلك أصلا، ولا أن القوانين الظاهرية في استطاعتها أن تهدي إلى ذلك ~~قطعا فإنها أمارات مميزة بين الحق والباطل غالبا لا دائما، ولا معنى ~~لاستلزام الغالب الدائم وهو ظاهر. # ومما تقدم يظهر ما ms1645 في كلام بعض المفسرين حيث ذكر في قوله تعالى "واستغفر ~~الله، إنه أمر بالاستغفار عما هم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الدفاع والذب عن هذا الخائن المذكور في الآية، وقد سأله قومه أن يدفع عنه ~~ويكون خصيما له على يهودي. # وذلك أن هذا القدر أيضا تأثير منهم بأثر مذموم، وقد نفى الله سبحانه عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كل ضرر. # قوله تعالى "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم"، قيل: إن نسبة الخيانة ~~إلى النفس لكون وبالها راجعا إليها، أو يعد كل معصية خيانة للنفس كما عد ~~ظلما لها، وقد قال تعالى. # "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم": البقرة: 187. # ويمكن أن يستفاد من الآية بمعونة ما يدل عليه القرآن من أن المؤمنين كنفس ~~واحدة، وأن مال الواحد منهم مال لجميعهم يجب على الجميع حفظه وصونه عن ~~الضيعة والتلف، كون تعدي بعضهم على بعض بسرقة ونحوها اختيانا لأنفسهم. # وفي قوله تعالى "إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما" دلالة على استمرار ~~هؤلاء الخائنين في خيانتهم، ويؤكده قوله "أثيما" فإن الأثيم آكد في المعنى ~~من الإثم وهو صفة مشبهة تدل على الثبوت. # على أن قوله "يختانون أنفسهم" لا تخلو عن دلالة على الاستمرار، وكذا قوله ~~"للخائنين" حيث عبر بالوصف ولم يعبر بمثل قولنا: للذين خانوا، كما عبر بذلك ~~في قوله "فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم": الأنفال: 71. # فمن هذه القرائن وأمثالها يظهر أن معنى الآية - بالنظر إلى مورد النزول ~~-: ولا تكن خصيما لهؤلاء، ولا تجادل عنهم فإنهم مصرون على الخيانة مبالغون ~~فيها ثابتون على الإثم، والله لا يحب من كان خوانا أثيما. # وهذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول من نزول الآيات في أبي طعمة بن ~~الأبيرق. # كما سيجيء. PageV05P041 # ومعنى الآية - مع قطع النظر عن المورد -: ولا تدافع في قضائك عن المصرين ~~على الخيانة المستمرين عليها، فإن الله لا يحب الخوان الأثيم، وكما أنه ~~تعالى لا يحب كثير الخيانة لا يحب قليلها، ولو أمكن أن يحب قليلها ms1646 أمكن أن ~~يحب كثيرها وإذا كان كذلك فالله ينهى أن يدافع عن قليل الخيانة كما ينهى عن ~~أن يدافع عن كثيرها وأما من خان في أمر ثم نازع في أمر آخر وهو محق في ~~نزاعه، فالدفاع عنه دفاع غير محظور ولا ممنوع منه، ولا ينهى عنه قوله "ولا ~~تكن للخائنين خصيما" الآية. # قوله تعالى: "يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله"، وهذا أيضا من ~~الشواهد على ما قدمناه من أن الآيات 105 126 جميعا ذات سياق واحد، نازلة في ~~قصة واحدة، وهي التي يشير إليها قوله "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا" الآية، وذلك أن الاستخفاء إنما يناسب الأعمال التي يمكن أن يرمى بها ~~الغير كالسرقة وأمثال ذلك فيتأيد به أن الذي تشير إليه هذه الآية وما ~~تقدمها من الآيات هو الذي يشير إليه قوله "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم ~~به" الآية. # والاستخفاء من الله أمر غير مقدور إذ لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا ~~في السماء فطرفه المقابل له أعني عدم الاستخفاء أيضا أمر اضطراري غير ~~مقدور، وإذا كان غير مقدور لم يتعلق به لوم ولا تعيير كما هو ظاهر الآية. # لكن الظاهر أن الاستخفاء كناية عن الاستحياء ولذلك قيد قوله "ولا يستخفون ~~من الله" أولا بقوله "وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول" فدل على ~~أنهم كانوا يدبرون الحيلة ليلا للتبري من هذه الخيانة المذمومة، ويبيتون في ~~ذلك قولا لا يرضى به الله سبحانه ثم قيده ثانيا بقوله "وكان الله بما ~~يعملون محيطا" ودل على إحاطته تعالى بهم في جميع الأحوال ومنها حال الجرم ~~الذي أجرموه، والتقييد بهذين القيدين أعني قوله "وهو معهم"، وقوله "وكان ~~الله"، تقييد بالعام بعد الخاص، وهو في الحقيقة تعليل لعدم استخفائهم من ~~الله بعلة خاصة ثم بأخرى عامة. # قوله تعالى: "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا" الآية بيان ~~لعدم الجدوى في الجدال عنهم، وأنهم لا ينتفعون بذلك في صورة الاستفهام ~~والمراد أن ms1647 الجدال عنهم لو نفعهم فإنما ينفعهم في الحياة الدنيا، ولا قدر ~~لها عند الله، وأما الحياة الأخروية التي لها عظيم القدر عند الله أو ظرف ~~الدفاع فيها يوم القيامة فلا مدافع هناك عن الخائنين ولا مجادل عنهم بل لا ~~وكيل لهم يومئذ يتكفل تدبير أمورهم وإصلاح شئونهم. # قوله تعالى. "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه" الآية فيه ترغيب وحث لأولئك ~~الخائنين أن يرجعوا إلى ربهم بالاستغفار، والظاهر أن الترديد بين السوء ~~وظلم النفس والتدرج من السوء إلى الظلم لكون المراد بالسوء التعدي على ~~الغير، وبالظلم التعدي على النفس، أو أن السوء أهون من الظلم كالمعصية ~~الصغيرة بالنسبة إلى الكبيرة، والله أعلم. # وهذه الآية والآيتان بعدها جميعا كلام مسوق لغرض واحد، وهو بيان أمر ~~الإثم الذي يكسبه الإنسان بعمله، يتكفل كل واحدة من الآيات الثلاث بيان جهة ~~من جهاته، فالآية الأولى تبين أن المعصية التي يقترفها الإنسان فيتأثر ~~بتبعتها نفسه وتكتب في كتاب أعماله، للعبد أن يتوب إلى الله منها ويستغفره ~~فلو فعل ذلك وجد الله غفورا رحيما. # والآية الثانية تذكر الإنسان أن الإثم الذي يكسبه إنما يكسبه على نفسه ~~وليس بالذي يمكن أن يتخطاه ويلحق غيره برمي أو افتراء ونحو ذلك. # والآية الثالثة توضح أن الخطيئة أو الإثم الذي يكسبه الإنسان لو رمى به ~~بريئا غيره كان الرمي به إثما آخر وراء أصل الخطيئة أو الإثم. # قوله تعالى: "ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما" ~~قد تقدم أن الآية مرتبطة مضمونا بالآية التالية المتعرضة للرمي بالخطيئة ~~والإثم فهذه كالمقدمة لتلك، وعلى هذا فقوله "فإنما يكسبه على نفسه" مسوق ~~لقصر التعيين، وفي الآية عظة لمن يكسب الإثم ثم يرمي به بريئا غيره. PageV05P042 # والمعنى - والله أعلم -: أنه يجب على من يكسب إثما أن يتذكر أن ما يكسبه من ~~الإثم فإنما يكسبه على نفسه لا على غيره، وأنه هو الذي فعله لا غيره وإن ~~رماه به أو تعهد له هو أن يحمل إثمه وكان الله عليما يعلم أنه فعل ms1648 هذا ~~الكاسب، وأنه الذي فعله لا غيره المرمي به، حكيما لا يؤاخذ بالإثم إلا ~~آثمه، وبالوزر غير وازرتها كما قال تعالى: "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" ~~البقرة: 286، وقال: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" الأنعام: 164 وقال: "وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون" العنكبوت: 12. # قوله تعالى: "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا"، قال الراغب في المفردات،: إن من أراد شيئا فاتفق منه غيره ~~يقال: أخطأ وإن وقع منه كما أراده يقال أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا ~~يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ. # ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ. # وهذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن ~~يتأملها. # قال: والخطيئة والسيئة تتقاربان لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون ~~مقصودا إليه في نفسه بل يكون القصد سببا لتولد ذلك الفعل منه كمن يرمي صيدا ~~فأصاب إنسانا، أو شرب مسكرا فجنى جناية في سكره، والسبب سببان: سبب محظور ~~فعله كشرب المسكر وما يتولد عنه من الخطإ غير متجاف عنه، وسبب غير محظور ~~كرمي الصيد، قال تعالى:، ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم" وقال تعالى: "ومن يكسب خطيئة أو إثما" فالخطيئة هاهنا هي التي لا ~~تكون عن قصد إلى فعلها انتهى. # وأظن أن الخطيئة من الأوصاف التي استغني عن موصوفاتها بكثرة الاستعمال ~~كالمصيبة والرزية والسليقة ونحوها، ووزن فعيل يدل على اختزان الحدث ~~واستقراره، فالخطيئة هي العمل الذي اختزن واستقر فيه الخطأ والخطأ، الفعل ~~الواقع الذي لا يقصده الإنسان كقتل الخطإ، هذا في الأصل، ثم وسع إلى ما لا ~~ينبغي للإنسان أن يقصده لو كانت نفسه على سلامتها الفطرية، فكل معصية وأثر ~~معصية من مصاديق الخطإ على هذا التوسع، والخطيئة هي العمل أو أثر العمل ~~الذي لم يقصده الإنسان ولا يعد حينئذ معصية أو لم يكن ms1649 ينبغي أن يقصده ويعد ~~حينئذ معصية أو وبال معصية. # لكن الله سبحانه لما نسبها في قوله "ومن يكسب خطيئة" إلى الكسب كان ~~المراد بها الخطيئة التي هي المعصية، فالمراد بالخطيئة في الآية هي التي ~~تكون عن قصد إلى فعلها وإن كان من شأنها أن لا يقصد إليها. # وقد مر في قوله تعالى "قل فيهما إثم": البقرة: 219 أن الإثم هو العمل ~~الذي يوجب بوباله حرمان الإنسان عن خيرات كثيرة كشرب الخمر والقمار والسرقة ~~مما يصد الإنسان عن حيازة الخيرات الحيوية، ويوجب انحطاطا اجتماعيا يسقط ~~الإنسان عن وزنه الاجتماعي ويسلب عنه الاعتماد والثقة العامة. # وعلى هذا فاجتماع الخطيئة والإثم على نحو الترديد ونسبتهما جميعا إلى ~~الكسب في قوله "ومن يكسب خطيئة أو إثما" الآية يوجب اختصاص كل منهما بما ~~يختص به من المعنى، والمعنى - والله أعلم -: أن من يكسب معصية لا تتجاوز ~~موردها وبالا كترك بعض الواجبات كالصوم أو فعل بعض المحرمات كأكل الدم أو ~~يكسب معصية يستمر وبالها كقتل النفس من غير حق والسرقة ثم يرم بها بريئا ~~بنسبتها إليه فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا. # وفي تسمية نسبة العمل السيىء إلى الغير رميا - والرمي يستعمل في مورد ~~السهم - وكذا في إطلاق الاحتمال على قبول وزر البهتان استعارة لطيفة كان ~~المفتري يفتك بالمتهم البريء برميه بالسهم فيوجب له فتكه أن يتحمل حملا ~~يشغله عن كل خير مدى حياته من غير أن يفارقه. # ومن ما تقدم يظهر وجه اختلاف التعبير عن المعصية في الآيات الكريمة تارة ~~بالإثم وأخرى بالخطيئة والسوء والظلم والخيانة والضلال، فكل واحد من هذه ~~الألفاظ هو المناسب بمعناه لمحله الذي حل فيه. PageV05P043 # قوله تعالى: "ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت" إلى آخر الآية السياق يدل ~~على أن المراد بهمهم بإضلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو همهم أن ~~يرضوه بالدفاع عن الذين سماهم الله تعالى في صدر الآيات بالخائنين والجدال ~~عنهم وعلى هذا فالمراد بهذه الطائفة أيضا هم الذين عدل الله سبحانه إلى ~~خطابهم بقوله "ها أنتم ms1650 هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا" الآية وينطبق ~~على قوم أبي طعمة على ما سيجيء. # وأما قوله "وما يضلون إلا أنفسهم" فالمراد به بقرينة قوله بعده "وما ~~يضرونك من شيء"، إن إضلال هؤلاء لا يتعدى أنفسهم ولا يتجاوزهم إليك، فهم ~~الضالون بما هموا به لأنه معصية وكل معصية ضلال. # ولهذا الكلام معنى آخر تقدمت الإشارة إليه في الكلام على قوله "وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يشعرون: آل عمران: 69 في الجزء الثالث من هذا الكتاب، لكنه ~~لا يناسب هذا المقام. # وأما قوله "وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك"، ففيه نفي إضرارهم النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نفيا مطلقا غير أن ظاهر السياق أنه مقيد بقوله ~~"وأنزل الله عليك الكتاب"، على أن يكون جملة حالية عن الضمير في قوله ~~"يضرونك" وإن كان الأغلب مقارنة الجملة الفعلية المصدرة بالماضي بقد على ما ~~ذكره النحاة، وعلى هذا فالكلام مسوق لنفي إضرار الناس مطلقا بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في علم أو عمل. # قوله تعالى: "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم"، ~~ظاهر الكلام كما أشرنا إليه أنه في مقام التعليل لقوله "وما يضرونك من شيء" ~~أو لمجموع قوله "وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء" وكيف كان فهذا ~~الإنزال والتعليم هو المانع من تأثيرهم في إضلاله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، فهو الملاك في عصمته. # كلام في معنى العصمة # ظاهر الآية أن الأمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن ~~التلبس بالمعصية والخطإ، وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال، كما أن سائر ~~الأخلاق كالشجاعة والعفة والسخاء كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق ~~آثارها، مانعة عن التلبس بأضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره ~~والبخل والتبذير. # والعلم النافع والحكمة البالغة وإن كانا يوجبان تنزه صاحبهما عن الوقوع ~~في مهالك الرذائل، والتلوث بأقذار المعاصي، كما نشاهده في رجال العلم ~~والحكمة والفضلاء من أهل التقوى والدين، غير أن ذلك سبب غالبي كسائر ~~الأسباب الموجودة في ms1651 هذا العالم المادي الطبيعي فلا تكاد تجد متلبسا بكمال ~~يحجزه كماله من النواقص ويصونه عن الخطإ صونا دائميا من غير تخلف، سنة ~~جارية في جميع الأسباب التي نراها ونشاهدها. # والوجه في ذلك أن القوى الشعورية المختلفة في الإنسان يوجب بعضها ذهوله ~~عن حكم البعض الآخر أو ضعف التفاته إليه كما أن صاحب ملكة التقوى ما دام ~~شاعرا بفضيلة تقواه لا يميل إلى اتباع الشهوة غير المرضية، ويجري على مقتضى ~~تقواه، غير أن اشتعال نار الشهوة وانجذاب نفسه إلى هذا النحو من الشعور ~~ربما حجبه عن تذكر فضيلة التقوى أو ضعف شعور التقوى فلا يلبث دون أن يرتكب ~~ما لا يرتضيه التقوى ويختار سفساف الشره، وعلى هذا السبيل سائر الأسباب ~~الشعورية في الإنسان وإلا فالإنسان لا يحيد عن حكم سبب من هذه الأسباب ما ~~دام السبب قائما على ساق، ولا مانع يمنع من تأثيره، فجميع هذه التخلفات ~~تستند إلى مغالبة التقوى والأسباب، وتغلب بعضها على بعض. # ومن هنا يظهر أن هذه القوة المسماة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب ~~البتة، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك لتسرب إليها ~~التخلف، وخبطت في أثرها أحيانا، فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم ~~والإدراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب والتعلم. PageV05P044 # وقد أشار الله تعالى إليه في خطابه الذي خص به نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بقوله "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم" وهو ~~خطاب خاص لا نفقهه حقيقة الفقه إذ لا ذوق لنا في هذا النحو من العلم ~~والشعور غير أن الذي يظهر لنا من سائر كلامه تعالى بعض الظهور كقوله "قل من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة: 97 وقوله "نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 195 أن ~~الإنزال المذكور من سنخ العلم، ويظهر من جهة أخرى أن ذلك من قبيل الوحي ~~والتكليم كما يظهر من قوله "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ms1652 والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الآية الشورى: 13 وقوله "إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء: 163 وقوله "إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي": الأنعام: 50، وقوله "إنما أتبع ما يوحى إلي": ~~الأعراف: 203. # ويستفاد من الآيات على اختلافها أن المراد بالإنزال هو الوحي وحي الكتاب ~~والحكمة وهو نوع تعليم إلهي لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) غير أن الذي ~~يشير إليه بقوله "وعلمك ما لم تكن تعلم" ليس هو الذي علمه بوحي الكتاب ~~والحكمة فقط فإن مورد الآية قضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الحوادث الواقعة والدعاوي التي ترفع إليه برأيه الخاص، وليس ذلك من الكتاب ~~والحكمة بشيء وإن كان متوقفا عليهما بل رأيه ونظره الخاص به. # ومن هنا يظهر أن المراد بالإنزال والتعليم في قوله "وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم" نوعان اثنان من العلم، أحدهما ~~التعليم بالوحي ونزول الروح الأمين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و، ~~الآخر: التعليم بنوع من الإلقاء في القلب والإلهام الخفي الإلهي من غير ~~إنزال الملك وهذا هو الذي تؤيده الروايات الواردة في علم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وعلى هذا فالمراد بقوله "وعلمك ما لم تكن تعلم" آتاك نوعا من العلم لو لم ~~يؤتك إياه من لدنه لم يكفك في إيتائه الأسباب العادية التي تعلم الإنسان ما ~~يكتسبه من العلوم. # فقد بان من جميع ما قدمناه أن هذه الموهبة الإلهية التي نسميها قوة ~~العصمة نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في أنه غير مغلوب ~~لشيء من القوى الشعورية البتة بل هي الغالبة القاهرة عليها المستخدمة ~~إياها، ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقا، وقد ورد في ~~الروايات أن للنبي والإمام روحا تسمى روح القدس تسدده وتعصمه عن المعصية ~~والخطيئة، وهي التي يشير إليها قوله تعالى "وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ms1653 نشاء ~~من عبادنا": الشورى: 52 بتنزيل الآية على ظاهرها من إلقاء كلمة الروح ~~المعلمة الهادية إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونظيره قوله تعالى ~~"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين": الأنبياء: 73 بناء على ما سيجيء من بيان ~~معنى الآية إن شاء الله العزيز أن المراد به تسديد روح القدس الإمام بفعل ~~الخيرات وعبادة الله سبحانه. # وبان مما مر أيضا أن المراد بالكتاب في قوله "وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم" هو الوحي النازل لرفع اختلافات الناس على حد ~~قوله تعالى "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": الآية البقرة: 213 ~~وقد تقدم بيانه في الجزء الثاني من هذا الكتاب. # والمراد بالحكمة سائر المعارف الإلهية النازلة بالوحي، النافعة للدنيا ~~والآخرة، والمراد بقوله "وعلمك ما لم تكن تعلم" غير المعارف الكلية العامة ~~من الكتاب والحكمة. # وبذلك يظهر ما في كلمات بعض المفسرين في تفسير الآية. # فقد فسر بعضهم الكتاب بالقرآن، والحكمة بما فيه من الأحكام، و"ما لم تكن ~~تعلم" بالأحكام والغيب وفسر بعضهم الكتاب والحكمة بالقرآن والسنة، و"ما لم ~~تكن تعلم" بالشرائع وأنباء الرسل الأولين وغير ذلك من العلوم إلى غير ذلك ~~مما ذكروه، وقد تبين وجه ضعفها بما مر فلا نعيد. PageV05P045 # قوله تعالى: "وكان فضل الله عليك عظيما" امتنان على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) -. # قوله تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس" قال الراغب: وناجيته أي ساررته وأصله أن تخلو به في نجوة ~~من الأرض انتهى فالنجوى المسارة في الحديث، وربما أطلق على نفس المتناجين ~~قال تعالى: "وإذ هم نجوى": الإسراء: 47 أي متناجون. # وفي الكلام أعني قوله "لا خير في كثير من نجواهم" عود إلى ما تقدم من ~~قوله تعالى "إذ يبيتون ما لا يرضى من القول" الآية بناء على اتصال ms1654 الآيات ~~وقد عمم البيان لمطلق المسارة في القول سواء كان ذلك بطريق التبييت أو ~~بغيره لأن الحكم المذكور وهو انتفاء الخير فيه إنما هو لمطلق المسارة وإن ~~لم تكن على نحو التبييت، ونظيره قوله "ومن يشاقق"، دون أن يقول: ومن يناج ~~للمشاقة، لأن الحكم المذكور لمطلق المشاقة أعم من أن يكون نجوى أو لا. # وظاهر الاستثناء أنه منقطع، والمعنى: لكن من أمر بكذا وكذا فيه ففيما أمر ~~به شيء من الخير، وقد سمى دعوة النجوى إلى الخير أمرا وذلك من قبيل ~~الاستعارة، وقد عد تعالى هذا الخير الذي يأمر به النجوى ثلاثة: الصدقة، ~~والمعروف، والإصلاح بين الناس. # ولعل إفراد الصدقة عن المعروف مع كونها من أفراده لكونها الفرد الكامل في ~~الاحتياج إلى النجوى بالطبع، وهو كذلك غالبا. # قوله تعالى: "ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله"، تفصيل لحال النجوى ببيان ~~آخر من حيث التبعة من المثوبة والعقوبة ليتبين به وجه الخير فيما هو خير من ~~النجوى، وعدم الخير فيما ليس بخير منه. # ومحصله أن فاعل النجوى على قسمين: أحدهما من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، ~~ولا محالة ينطبق على ما يدعو إلى معروف أو إصلاح بين الناس تقربا إلى الله، ~~وسوف يثيبه الله سبحانه بعظيم الأجر، وثانيهما أن يفعل ذلك لمشاقة الرسول ~~واتخاذ طريق غير طريق المؤمنين وسبيلهم، وجزاؤه الإملاء والاستدراج الإلهي ~~ثم إصلاء جهنم وساءت مصيرا. # قوله تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين، المشاقة من الشق وهو القطعة المبانة من الشيء فالمشاقة والشقاق ~~كونك في شق غير شق صاحبك، وهو كناية عن المخالفة، فالمراد بمشاقة الرسول ~~بعد تبين الهدى مخالفته وعدم إطاعته، وعلى هذا فقوله "ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين" بيان آخر لمشاقة الرسول، والمراد بسبيل المؤمنين إطاعة الرسول ~~فإن طاعته طاعة الله قال تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" النساء: 80. # فسبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الإيمان هو الاجتماع على طاعة الله ~~ورسوله - وإن شئت فقل على طاعة رسوله - فإن ذلك ms1655 هو الحافظ لوحدة سبيلهم كما ~~قال تعالى: "وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم ~~بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا": آل ~~عمران: 103 وقد تقدم الكلام في الآية في الجزء الثالث من هذا الكتاب، وقال ~~تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" الأنعام: 153 وإذا كان سبيله سبيل ~~التقوى، والمؤمنون هم المدعوون إليه فسبيلهم مجتمعين سبيل التعاون على ~~التقوى كما قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان": المائدة: 2 والآية - كما ترى - تنهى عن معصية الله وشق عصا ~~الاجتماع الإسلامي، وهو ما ذكرناه من معنى سبيل المؤمنين. # فمعنى الآية أعني قوله "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين"، يعود إلى معنى قوله "يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ~~فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى": الآية ~~المجادلة: 9. # وقوله "نوله ما تولى"، أي نجره على ما جرى عليه، ونساعده على ما تلبس به ~~من اتباع غير سبيل المؤمنين كما قال تعالى: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الإسراء: 20. PageV05P046 # وقوله "ونصله جهنم وساءت مصيرا" عطفه بالواو يدل على أن الجميع أي توليته ~~ما تولى وإصلاءه جهنم أمر واحد إلهي بعض أجزائه دنيوي وهو توليته ما تولى، ~~وبعضها أخروي وهو إصلاؤه جهنم وساءت مصيرا. # قوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" إلى آخر الآية ظاهر الآية أنها ~~في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة "نوله ما تولى ونصله جهنم"، بناء ~~على اتصال الآيات فالآية تدل على أن مشاقة الرسول شرك بالله العظيم، وأن ~~الله لا يغفر أن يشرك به، وربما استفيد ذلك من قوله تعالى "إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ms1656 الهدى لن يضروا الله ~~شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم": محمد: 34 فإن ظاهر الآية الثالثة أنها تعليل لما في الآية ~~الثانية من الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله فيكون الخروج عن طاعة الله وطاعة ~~رسوله كفرا لا يغفر أبدا، وهو الشرك. # والمقام يعطي أن إلحاق قوله "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" بقوله "إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به" إنما هو لتتميم البيان، وإفادة عظمة هذه المعصية ~~المشئومة أعني مشاقة الرسول، وقد تقدم بعض الكلام في الآية في آخر الجزء ~~الرابع من هذا الكتاب. # قوله تعالى: "إن يدعون من دونه إلا إناثا" الإناث جمع أنثى يقال: أنث ~~الحديد أنثا أي انفعل ولان، وأنث المكان أسرع في الإنبات وجاد، ففيه معنى ~~الانفعال والتأثر، وبذلك سميت الأنثى من الحيوان أنثى وقد سميت الأصنام وكل ~~معبود من دون الله إناثا لكونها قابلات منفعلات ليس في وسعها أن تفعل شيئا ~~مما يتوقعه عبادها منها - كما قيل - قال تعالى: "إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز": الحج: ~~74 وقال: "واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا": الفرقان: 3. # فالظاهر أن المراد بالأنوثة الانفعال المحض الذي هو شأن المخلوق إذا قيس ~~إلى الخالق عز اسمه، وهذا الوجه أولى مما قيل: إن المراد هو اللات والعزى ~~ومنات الثالثة ونحوها، وقد كان لكل حي صنم يسمونه أنثى بني فلان إما لتأنيث ~~أسمائها أو لأنها كانت جمادات والجمادات تؤنث في اللفظ. # ووجه الأولوية أن ذلك لا يلائم الحصر الواقع في قوله "إن يدعون من دونه ~~إلا إناثا" كثير ملاءمة، وبين من يدعى من دون الله من هو ms1657 ذكر غير أنثى ~~كعيسى المسيح وبرهما وبوذا. # قوله تعالى: "وإن يدعون إلا شيطانا مريدا" المريد هو العاري من كل خير أو ~~مطلق العاري، قال البيضاوي: المارد والمريد الذي لا يعلق بخير، وأصل ~~التركيب للملامسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد، وشجرة مرداء للتي تناثر ~~ورقها انتهى. # والظاهر أن الجملة بيان للجملة السابقة فإن الدعوة كناية عن العبادة لكون ~~العبادة إنما نشأت بين الناس للدعوة على الحاجة، وقد سمى الله تعالى الطاعة ~~عبادة قال تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61 فيئول معنى الجملة إلى أن عبادتهم لكل معبود ~~من دون الله عبادة ودعوة منهم للشيطان المريد لكونها طاعة له. # قوله تعالى: "لعنه الله" اللعن هو الإبعاد عن الرحمة، وهو وصف ثان ~~للشيطان وبمنزلة التعليل للوصف الأول. # قوله تعالى: "وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا" كأنه إشارة إلى ما حكاه ~~الله تعالى عنه من قوله "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين": ~~ص: 83 وفي قوله "من عبادك" تقرير أنهم مع ذلك عباده لا ينسلخون عن هذا ~~الشأن، وهو ربهم يحكم فيهم بما شاء. # قوله تعالى: "ولأضلنهم ولأمنينهم" إلى آخر الآية التبتيل هو الشق، وينطبق ~~على ما نقل: أن عرب الجاهلية كانت تشق آذان البحائر والسوائب لتحريم ~~لحومها. PageV05P047 # وهذه الأمور المعدودة جميعها ضلال فذكر الإضلال معها من قبيل ذكر العام ثم ~~ذكر بعض أفراده لعناية خاصة به، يقول: لأضلنهم بالاشتغال بعبادة غير الله ~~واقتراف المعاصي، ولأغرنهم بالاشتغال بالآمال والأماني التي تصرفهم عن ~~الاشتغال بواجب شأنهم وما يهمهم من أمرهم، ولآمرنهم بشق آذان الأنعام ~~وتحريم ما أحل الله سبحانه، ولآمرنهم بتغيير خلق الله وينطبق على مثل ~~الإخصاء وأنواع المثلة واللواط والسحق. # وليس من البعيد أن يكون المراد بتغيير خلق الله الخروج عن حكم الفطرة ~~وترك الدين الحنيف، قال تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30. # ثم عد تعالى دعوة ms1658 الشيطان وهي طاعته فيما يأمر به اتخاذا له وليا فقال: ~~"ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا" ولم يقل: ومن ~~يكن الشيطان له وليا إشعارا بما تشعر به الآيات السابقة أن الولي هو الله، ~~ولا ولاية لغيره على شيء وإن اتخذ وليا. # قوله تعالى: "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" ظاهر السياق ~~أنه تعليل لقوله في الآية السابقة "فقد خسر خسرانا مبينا" وأي خسران أبين ~~من خسران من يبدل السعادة الحقيقية وكمال الخلقة بالمواعيد الكاذبة ~~والأماني الموهومة، قال تعالى: "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب": النور. # 39. # أما المواعيد فهي الوساوس الشيطانية بلا واسطة، وأما الأماني فهي ~~المتفرعة على وساوسه مما يستلذه الوهم من المتخيلات، ولذلك قال: "وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا" فعد الوعد غرورا دون التمنية على ما لا يخفى. # ثم بين عاقبة حالهم بقوله "أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا" أي ~~معدلا ومفرا من "حاص" إذا عدل. # ثم ذكر ما يقابل حالهم وهو حال المؤمنين تتميما للبيان فقال تعالى: ~~"والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات" إلى آخر الآية وفي الآيات ~~التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة، والوجه العام فيه الإيماء إلى ~~جلالة المقام وعظمته بوضع لفظ الجلالة موضع ضمير المتكلم مع الغير فيما ~~يحتاج إلى هذا الإشعار حتى إذا استوفى الغرض رجع إلى سابق السياق الذي كان ~~هو الأصل، وذلك في قوله "سندخلهم جنات"، وفي ذلك نكتة أخرى، وهي الإيماء ~~إلى قرب الحضور وعدم احتجابه تعالى عن عباده المؤمنين وهو وليهم. # قوله تعالى: "وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا" فيه مقابلة لما ذكر في ~~وعد الشيطان أنه ليس إلا غرورا فكان وعد الله حقا، وقوله صدقا. # قوله تعالى: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب" عود إلى بدء الكلام ~~وبمنزلة النتيجة المحصلة الملخصة من تفصيل الكلام، وذلك أنه يتحصل من ~~المحكي من أعمال بعض ms1659 المؤمنين وأقوالهم، وإلحاحهم على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يراعي جانبهم، ويعاضدهم ويساعدهم على غيرهم فيما يقع بينهم ~~من النزاع والمشاجرة أنهم يرون أن لهم بإيمانهم كرامة على الله سبحانه وحقا ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب به على الله ورسوله مراعاة ~~جانبهم، وتغليب جهتهم على غيرهم على الحق كانوا أو على الباطل، عدلا كان ~~الحكم أو ظلما على حد ما يراه اتباع أئمة الضلال، وحواشي رؤساء الجور ~~وبطائنهم وأذنابهم، فالواحد منهم يمتن على متبوعه ورئيسه في عين أنه يخضع ~~له ويطيعه، ويرى أن له عليه كرامة تلتزمه على مراعاة جانبه وتقديمه على ~~غيره تحكما. # وكذا كان يراه أهل الكتاب على ما حكاه الله تعالى في كتابه عنهم قال ~~تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه": المائدة: 18، وقال ~~تعالى: "وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا": البقرة: 135، وقال تعالى: ~~"قالوا ليس علينا في الأميين سبيل": آل عمران: 75. PageV05P048 # فرد الله على هذه الطائفة من المؤمنين في مزعمتهم، وأتبعهم بأهل الكتاب ~~وسمى هذه المزاعم بالأماني استعارة لأنها كالأماني ليست إلا صورا خيالية ~~ملذة لا أثر لها في الأعيان فقال: ليس بأمانيكم معاشر المسلمين أو معشر ~~طائفة من المسلمين ولا بأماني أهل الكتاب بل الأمر يدور مدار العمل إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر، وقدم ذكر السيئة على الحسنة لأن عمدة خطإهم كانت فيها. # قوله تعالى: "من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا" جيء في الكلام بالفصل من غير وصل لأنه في موضع الجواب عن سؤال مقدر، ~~تقديره إذا لم يكن الدخول في حمى الإسلام والإيمان يجر للإنسان كل خير، ~~ويحفظ منافعه في الحياة، وكذا اليهودية والنصرانية فما هو السبيل؟ وإلى ما ~~ذا ينجر حال الإنسان؟ فقيل: "من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات" إلخ. # وقوله "من يعمل سوءا يجز به" مطلق يشمل الجزاء الدنيوي الذي تقرره ~~الشريعة الإسلامية كالقصاص للجاني، ms1660 والقطع للسارق، والجلد أو الرجم للزاني ~~إلى غير ذلك من أحكام السياسات وغيرها ويشمل الجزاء الأخروي الذي أوعده ~~الله تعالى في كتابه وبلسان نبيه. # وهذا التعميم هو المناسب لمورد الآيات الكريمة والمنطبق عليه، وقد ورد في ~~سبب النزول أن الآيات نزلت في سرقة ارتكبها بعض، ورمى بها يهوديا أو مسلما ~~ثم ألحوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي على المتهم. # وقوله "ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا" يشمل الولي والنصير في ~~صرف الجزاء السيىء عنه في الدنيا كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ولي ~~الأمر وكالتقرب منهما وكرامة الإسلام والدين، فالجزاء المشرع من عند الله ~~لا يصرفه عن عامل السوء صارف، ويشمل الولي والنصير الصارف عنه سوء الجزاء ~~في الآخرة إلا ما تشمله الآية التالية. # قوله تعالى: "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" هذا هو الشق الثاني المتضمن لجزاء عامل ~~العمل الصالح وهو الجنة، غير أن الله سبحانه شرط فيه شرطا يوجب تضييقا في ~~فعلية الجزاء وعمم فيه من جهة أخرى توجب السعة. # فشرط في المجازاة بالجنة أن يكون الآتي بالعمل الصالح مؤمنا إذ الجزاء ~~الحسن إنما هو بإزاء العمل الصالح ولا عمل للكافر، قال تعالى: ولو أشركوا ~~لحبط عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: 88، وقال تعالى: "أولئك الذين كفروا ~~بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 105. # قال تعالى: "ومن يعمل من الصالحات" فأتى بمن التبعيضية، وهو توسعة في ~~الوعد بالجنة، ولو قيل: ومن يعمل الصالحات - والمقام مقام الدقة في الجزاء ~~- أفاد أن الجنة لمن آمن وعمل كل عمل صالح، لكن الفضل الإلهي عمم الجزاء ~~الحسن لمن آمن وأتى ببعض الصالحات فهو يتداركه فيما بقي من الصالحات أو ~~اقترف من المعاصي بتوبة أو شفاعة كما قال تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 116 وقد تقدم تفصيل الكلام في ~~التوبة وفي ms1661 قوله تعالى: "إنما التوبة على الله": النساء: 17 في الجزء ~~الرابع، وفي الشفاعة في قوله تعالى "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا": ~~البقرة: 48 في الجزء الأول من هذا الكتاب. # وقال تعالى: "من ذكر أو أنثى" فعمم الحكم للذكر والأنثى من غير فرق أصلا ~~خلافا لما كانت تزعمه القدماء من أهل الملل والنحل كالهند ومصر وسائر ~~الوثنيين أن النساء لا عمل لهن ولا ثواب لحسناتهن، وما كان يظهر من ~~اليهودية والنصرانية أن الكرامة والعزة للرجال، وأن النساء أذلاء عند الله ~~نواقص في الخلقة خاسرات في الأجر والمثوبة، والعرب لا تعدو فيهن هذه ~~العقائد فسوى الله تعالى بين القبيلين بقوله "من ذكر أو أنثى". # ولعل هذا هو السر في تعقيب قوله "فأولئك يدخلون الجنة" بقوله "ولا يظلمون ~~نقيرا" لتدل الجملة الأولى على أن النساء ذوات نصيب في المثوبة كالرجال، ~~والجملة الثانية على أن لا فرق بينهما فيها من حيث الزيادة والنقيصة كما ~~قال تعالى: "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض": آل عمران: 195. PageV05P049 # قوله تعالى: "ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن" إلى آخر الآية ~~كأنه دفع لدخل مقدر، تقديره: أنه إذا لم يكن لإسلام المسلم أو لإيمان أهل ~~الكتاب تأثير في جلب الخير إليه وحفظ منافعه وبالجملة إذا كان الإيمان ~~بالله وآياته لا يعدل شيئا ويستوي وجوده وعدمه فما هو كرامة الإسلام وما هي ~~مزية الإيمان؟. # فأجيب بأن كرامة الدين أمر لا يشوبه ريب، ولا يداخله شك ولا يخفى حسنه ~~على ذي لب وهو قوله "ومن أحسن دينا"، حيث قرر بالاستفهام على طريق إرسال ~~المسلم فإن الإنسان لا مناص له عن الدين، وأحسن الدين إسلام الوجه لله الذي ~~له ما في السماوات وما في الأرض، والخضوع له خضوع العبودية، والعمل بما ~~يقتضيه ملة إبراهيم حنيفا وهو الملة الفطرية، وقد اتخذ الله سبحانه إبراهيم ~~الذي هو أول من أسلم وجهه لله محسنا واتبع الملة الحنيفية خليلا. # لكن لا ms1662 ينبغي أن يتوهم أن الخلة الإلهية كالخلة الدائرة بين الناس ~~الحاكمة بينهم على كل حق وباطل التي يفتح لهم باب المجازفة والتحكم فالله ~~سبحانه مالك غير مملوك ومحيط غير محاط بخلاف الموالي والرؤساء والملوك من ~~الناس فإنهم لا يملكون من عبيدهم ورعاياهم شيئا إلا ويملكونهم من أنفسهم ~~شيئا بإزائه، ويقهرون البعض بالبعض، ويحكمون على طائفة بالأعضاد من طائفة ~~أخرى ولذلك لا يثبتون في مقامهم إذا خالفت إرادتهم إرادة الكل بل سقطوا عن ~~مقامهم وبان ضعفهم. # ومن هنا يظهر الوجه في تعقيب قوله "ومن أحسن دينا إلخ بقوله "ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: أن سبب نزولها يعني قوله تعالى "إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب" الآيات أن قوما من الأنصار من بني أبيرق إخوة ثلاثة كانوا منافقين: ~~بشير، وبشر، ومبشر. فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريا ~~وأخرجوا طعاما كان أعده لعياله وسيفا ودرعا. فشكا قتادة ذلك إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إن قوما نقبوا على عمي، ~~وأخذوا طعاما كان أعده لعياله وسيفا ودرعا، وهم أهل بيت سوء، وكان معهم في ~~الرأي رجل مؤمن يقال له: "لبيد بن سهل" فقال بنو أبيرق لقتادة هذا عمل لبيد ~~بن سهل، فبلغ ذلك لبيدا فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال: يا بني أبيرق أترمونني ~~بالسرقة؟ وأنتم أولى به مني، وأنتم المنافقون تهجون رسول الله، وتنسبون إلى ~~قريش، لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم، فداروه وقالوا له: ارجع يرحمك الله ~~فإنك بريء من ذلك. فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له: "أسيد بن ~~عروة" وكان منطقيا بليغا فمشى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال يا رسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف وحسب ~~ونسب فرماهم بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم فاغتم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لذلك، وجاءه قتادة فأقبل عليه رسول الله ms1663 (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة، وعاتبه ~~عتابا شديدا فاغتم قتادة من ذلك، ورجع إلى عمه وقال له: يا ليتني مت ولم ~~أكلم رسول الله فقد كلمني بما كرهته. فقال عمه: الله المستعان. فأنزل الله ~~في ذلك على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~- إلى أن قال إذ يبيتون ما لا يرضى من القول" قال القمي يعني الفعل فوقع ~~القول مقام الفعل "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا - إلى أن ~~قال - ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا" قال القمي لبيد بن سهل "فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا". PageV05P050 # وفي تفسير القمي: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): أن ~~إنسانا من رهط بشير الأدنين قالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وقالوا: نكلمه في صاحبنا أو نعذره أن صاحبنا بريء فلما ~~أنزل الله يستخفون من الله - إلى قوله - وكيلا" أقبلت رهط بشر فقالوا: يا ~~بشر استغفر الله وتب إليه من الذنوب. فقال: والذي أحلف به ما سرقها إلا ~~لبيد فنزلت "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا - فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا". ثم إن بشرا كفر ولحق بمكة، وأنزل الله في النفر الذين أعذروا ~~بشرا وأتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعذروه قوله "ولو لا فضل الله ~~عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك إلى قوله وكان فضل الله عليك عظيما". PageV05P051 # وفي الدر المنثور: أخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم ~~"بنو أبيرق"، بشر، وبشير، ومبشر. وكان بشر رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به ~~أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ينحله بعض العرب ثم يقول: ~~قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا، وإذا سمع أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله ms1664 وسلم) ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث ~~فقال: أوكلما قال الرجال قصيدة. أضموا فقالوا ابن الأبيرق قالها. قال: ~~وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم ~~بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام ~~من الدرمك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، أما العيال فإنما طعامهم التمر ~~والشعير. فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك ~~فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح له: درعان، وسيفاهما، وما يصلحهما. ~~فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني ~~عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت ~~مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا؟. قال: فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: ~~قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على ~~بعض طعامكم، قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما ~~نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلا منا له صلاح وإسلام فلما سمع ذلك لبيد ~~اخترط سيفه ثم أتى بنو أبيرق وقال: أنا أسرق؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف ~~أو لتبينن هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبها، ~~فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت ذلك له!. قال قتادة: فأتيت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل ~~جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه ~~فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): سأنظر في ذلك. فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلا ~~منهم يقال له "أسير بن عروة" فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار ~~فأتوا رسول الله (صلى الله ms1665 عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله إن قتادة ~~بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرميانهم بالسرقة من ~~غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من ~~غير بينة ولا ثبت؟. قال قتادة: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم ~~أكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال، ~~يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن "إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق - لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما - ~~بني أبيرق واستغفر الله - أي مما قلت لقتادة إن الله كان غفورا رحيما - ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إلى قوله ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما أي إنهم لو استغفروا الله لغفر لهم ومن يكسب خطيئة أو إثما - إلى ~~قوله فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا - قولهم للبيد ولو لا فضل الله عليك ~~ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك - يعني أسير بن عروة وأصحابه إلى قوله ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما" فلما نزل القرآن أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالسلاح فرده إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان ~~شيخا قد عسا في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال: ~~يا ابن أخي هو سبيل الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحا. فلما نزل القرآن لحق ~~بشر بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله: "ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى إلى قوله ~~ضلالا بعيدا" فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت ~~رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمت به في الأبطح ثم PageV05P052 قالت: أهديت لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير. # أقول: ms1666 وهذا المعنى مروي بطرق أخر. # وفيه: أخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: كان رجل سرق درعا من حديد ~~في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طرحه على يهودي: فقال اليهودي ~~والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت علي وكان الرجل الذي سرق جيران ~~يبرءونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون: يا رسول الله إن هذا اليهودي خبيث ~~يكفر بالله وبما جئت به حتى مال عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض ~~القول. فعاتبه الله في ذلك فقال: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق - لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما - واستغفر الله - مما قلت ~~لهذا اليهودي إن الله كان غفورا رحيما" ثم أقبل على جيرانه فقال: "ها أنتم ~~هؤلاء جادلتم عنهم إلى قوله وكيلا" ثم عرض التوبة فقال: "ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله - يجد الله غفورا رحيما - ومن يكسب إثما فإنما ~~يكسبه على نفسه" فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه ~~"ومن يكسب خطيئة أو إثما - ثم يرم به بريئا - وإن كان مشركا فقد احتمل ~~بهتانا - إلى قوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى" قال: أبى أن ~~يقبل التوبة التي عرض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة فنقب بيتا يسرقه ~~فهدمه الله عليه فقتله. # أقول: وهذا المعنى أيضا مروي بطرق كثيرة مع اختلاف يسير فيها. # وفي تفسير العياشي، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من عبد ~~أذنب ذنبا فقام وتوضأ واستغفر الله من ذنبه إلا كان حقيقا على الله أن يغفر ~~له لأنه يقول: "من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله - يجد الله غفورا ~~رحيما". وقال: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه، وقال ما كان ~~الله ليفتح باب الدعاء ويغلق باب الإجابة لأنه يقول: "ادعوني أستجب لكم" ~~وما كان ليفتح باب التوبة ويغلق باب المغفرة وهو يقول: "من يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه - ثم يستغفر الله يجد ms1667 الله غفورا رحيما". وفيه، عن عبد الله بن ~~حماد الأنصاري عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه مما قد ستره الله عليه، فأما إذا قلت ما ~~ليس فيه فذلك قول الله "فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا" وفي تفسير القمي،: ~~في قوله تعالى "لا خير في كثير من نجواهم" الآية: قال: حدثني أبي عن ابن ~~أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله ~~فرض التمحل في القرآن قلت: وما التمحل جعلت فداك؟ قال: أن يكون وجهك أعرض ~~من وجه أخيك فتمحل له، وهو قول الله "لا خير في كثير من نجواهم" وفي ~~الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر ~~(عليه السلام): إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب الله. ثم قال في بعض ~~حديثه: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن القيل والقال، وفساد ~~المال وكثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ قال: ~~إن الله عز وجل يقول: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة - أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس" وقال: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما" وقال: "لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". وفي تفسير ~~العياشي، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض المعتمدين عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة - أو معروف ~~أو إصلاح بين الناس" يعني بالمعروف القرض. # أقول: ورواه القمي أيضا في تفسيره بهذا الإسناد، وهذا المعنى مروي من طرق ~~أهل السنة أيضا، وعلى أي حال فهو من قبيل الجري وذكر بعض المصاديق. # وفي الدر المنثور: أخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ~~سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله مرني بأمر أعتصم به في ~~الإسلام قال: ms1668 قل: آمنت بالله ثم استقم، قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف ~~علي؟ قال: هذا، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بطرف لسان نفسه. # أقول: والأخبار في ذم كثرة الكلام ومدح الصمت والسكوت وما يتعلق بذلك ~~كثيرة جدا مروية في جوامع الشيعة وأهل السنة. PageV05P053 # وفيه: أخرج أبو نصر السجزي في "الإبانة" عن أنس قال: جاء أعرابي إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~الله أنزل علي في القرآن يا أعرابي "لا خير في كثير من نجواهم إلى قوله ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما" يا أعرابي الأجر العظيم الجنة. قال الأعرابي: الحمد ~~لله الذي هدانا للإسلام وفيه،: في قوله تعالى "ومن يشاقق الرسول" الآية: ~~أخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا ويد ~~الله على الجماعة فمن شذ شذ في النار وفيه: أخرج الترمذي والبيهقي عن ابن ~~عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يجمع الله أمتي أو قال ~~هذه: الأمة على الضلالة أبدا ويد الله على الجماعة. # أقول: الرواية من المشهورات وقد رواها الهادي (عليه السلام) عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في رسالته إلى أهل الأهواز على ما في ثالث ~~البحار، وقد تقدم الكلام في معنى الرواية في البيان السابق. # وفي تفسير العياشي، عن حريز عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) ~~قال: لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة أتاه الناس فقالوا: ~~اجعل لنا إماما يؤمنا في شهر رمضان. فقال: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه. فلما ~~أمسوا جعلوا يقولون: ابكوا في رمضان، وا رمضاناه، فأتاه الحارث الأعور في ~~أناس فقال: يا أمير المؤمنين ضج الناس وكرهوا قولك، فقال عند ذلك: دعوهم ~~وما يريدون ليصلي بهم من شاء وائتم قال: "فمن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى - ونصله جهنم وساءت مصيرا". وفي الدر المنثور،: ms1669 في قوله تعالى "ومن ~~أصدق من الله قيلا" الآية: أخرج البيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر في ~~حديث: خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك، وفيه فأصبح ~~بتبوك فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال. أما بعد فإن أصدق الحديث ~~كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن ~~سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور ~~عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل ~~الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما ~~اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى ~~خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ~~ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبرا ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ~~وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ~~ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب ~~من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثا جهنم، والكنز كي من ~~النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، ~~والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم، ~~والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى ~~موضع أربع أذرع، والأمر بآخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا ~~الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه ~~من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل على الله يكذبه، ومن يغفر ~~يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على ~~الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له ~~ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي قالها ثلاثا أستغفر الله لي ~~ولكم. وفي تفسير العياشي، عن محمد بن ms1670 يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) وعن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله "ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله" قال: أمر الله بما أمر به. وفيه، عن جابر عن أبي جعفر ~~(عليه السلام): في قول الله: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" قال: دين الله. # أقول: ومآل الروايتين واحد، وهو ما تقدم في البيان السابق أنه دين ~~الفطرة. PageV05P054 # وفي المجمع،: في قوله "فليبتكن ءاذان الأنعام" قال: ليقطعوا الأذان من ~~أصلها. قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفي تفسير العياشي،: ~~في قوله تعالى "ليس بأمانيكم" الآية: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: لما نزلت هذه الآية "من يعمل سوءا يجز به" قال بعض أصحاب رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أشدها من آية، فقال لهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أما تبتلون في أموالكم وأنفسكم وذراريكم؟ قالوا: بلى، ~~قال: مما يكتب الله لكم به الحسنات ويمحو به السيئات. # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق كثيرة في جوامع أهل السنة عن الصحابة. # وفي الدر المنثور: أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما يصيب المؤمن من نصب ولا ~~وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من ~~خطاياه. # أقول: وهذا المعنى مستفيض عن النبي وأئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وفي العيون، بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ~~قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه (عليه السلام) أنه قال: إنما اتخذ الله إبراهيم ~~خليلا لأنه لم يرد أحدا، ولم يسأل أحدا قط غير الله عز وجل. # أقول: وهذا أصح الروايات في تسميته (عليه السلام) بالخيل لموافقته لمعنى ~~اللفظ، وهو الحاجة فخليلك من رفع إليك حوائجه، وهناك وجوه أخر مروية PageV05P055 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 127 - 134 # ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتب فى ms1671 ~~يتمى النساء التى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من ~~الولدن وأن تقوموا لليتمى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ~~(127) وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا ~~رحيما (129) وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله وسعا حكيما (130) ~~ولله ما فى السموت وما فى الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما فى السموت وما فى الأرض وكان ~~الله غنيا حميدا (131) ولله ما فى السموت وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(132) إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بئاخرين وكان الله على ذلك قديرا ~~(133) من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاخرة وكان الله ~~سميعا بصيرا (134) ### |||| AUTO بيان # الكلام معطوف إلى ما في أول السورة من الآيات النازلة في أمر النساء من ~~آيات الازدواج والتحريم والإرث وغير ذلك، الذي يفيده السياق أن هذه الآيات ~~إنما نزلت بعد تلك الآيات، وأن الناس كلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في أمر النساء حيثما نزلت آيات أول السورة فأحيت ما أماته الناس من ~~حقوق النساء في الأموال والمعاشرات وغير ذلك. # فأمره الله سبحانه أن يجيبهم أن الذي قرره لهن على الرجال من الأحكام ~~إنما هو فتيا إلهية ليس له في ذلك من الأمر شيء، ولا ذاك وحده بل ما يتلى ~~عليهم في الكتاب في يتامى النساء أيضا حكم إلهي ليس لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فيه شيء من الأمر، ولا ذاك وحده بل الله يأمرهم أن يقوموا ~~في اليتامى بالقسط. # ثم ذكر شيئا من أحكام الاختلاف بين المرأة وبعلها يعم به البلوى. # قوله تعالى. "ويستفتونك في النساء قل ms1672 الله يفتيكم فيهن" قال الراغب: ~~الفتيا والفتوى الجواب عما يشكل من الأحكام، ويقال: استفتيته فأفتاني بكذا انتهى. # والمحصل من موارد استعماله أنه جواب الإنسان عن الأمور المشكلة بما يراه ~~باجتهاد من نظره أو هو نفس ما يراه فيما يشكل بحسب النظر البدائي الساذج ~~كما يفيده نسبة الفتوى إليه تعالى. # والآية وإن احتملت معاني شتى مختلفة بالنظر إلى ما ذكروه من مختلف الوجوه ~~في تركيب ما يتلوها من قوله "وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء" ~~إلخ إلا أن ضم الآية إلى الآيات الناظرة في أمر النساء في أول السورة يشهد ~~بأن هذه الآية إنما نزلت بعد تلك. # ولازم ذلك أن يكون استفتاؤهم في النساء في عامة ما أحدثه الإسلام وأبدعه ~~من أحكامهن مما لم يكن معهودا معروفا عندهم في الجاهلية وليس إلا ما يتعلق ~~بحقوق النساء في الإرث والازدواج دون أحكام يتاماهن وغير ذلك مما يختص ~~بطائفة منهن دون جميعهن فإن هذا المعنى إنما يتكفله قوله "وما يتلى عليكم ~~في الكتاب في يتامى النساء" إلخ فالاستفتاء إنما كان في ما يعم النساء بما ~~هن نساء من أحكام الإرث. # وعلى هذا فالمراد بما أفتاه الله فيهن في قوله "قل الله يفتيكم فيهن" ما ~~بينه تعالى في آيات أول السورة، ويفيد الكلام حينئذ إرجاع أمر الفتوى إلى ~~الله سبحانه وصرفه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: يسألونك أن ~~تفتيهم في أمرهن قل: الفتوى إلى الله وقد أفتاكم فيهن بما أفتى فيما أنزل ~~من آيات أول السورة. PageV05P056 # قوله تعالى: "وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء - إلى قوله - ~~والمستضعفين من الولدان" تقدم أن ظاهر السياق أن حكم يتامى النساء ~~والمستضعفين من الولدان أنما تعرض له لاتصاله بحكم النساء كما وقع في آيات ~~صدر السورة لا لكونه داخلا فيما استفتوا عنه وإنهم إنما استفتوا في النساء فحسب. # ولازمه أن يكون قوله "وما يتلى عليكم"، معطوفا على الضمير المجرور في ~~قوله "فيهن" على ما جوزه الفراء وإن منع عنه جمهور النحاة، ms1673 وعلى هذا يكون ~~المراد من قوله "ما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء" إلخ الأحكام ~~والمعاني التي تتضمنها الآيات النازلة في يتامى النساء والولدان، المودعة ~~في أول السورة. # والتلاوة كما يطلق على اللفظ يطلق على المعنى إذا كان تحت اللفظ، ~~والمعنى: قل الله يفتيكم في الأحكام التي تتلى عليكم في الكتاب في يتامى ~~النساء. # وربما يظهر من بعضهم أنه يعطف قوله "وما يتلى عليكم"، على موضع قوله ~~"فيهن" بعناية أن المراد بالإفتاء هو التبيين، والمعنى: قل الله يبين لكم ~~ما يتلى عليكم في الكتاب. # وربما ذكروا للكلام تراكيب أخر لا تخلو عن تعسف لا يرتكب في كلامه تعالى ~~مثله كقول بعضهم: إن قوله "وما يتلى عليكم" معطوف على موضع اسم الجلالة في ~~قوله "قل الله"، أو على ضمير المستكن في قوله "يفتيكم"، وقول بعضهم: إنه ~~معطوف على "النساء" في قوله "في النساء"، وقول بعضهم: إن الواو في قوله ~~"وما يتلى عليكم في الكتاب" للاستيناف، والجملة مستأنفة، وما يتلى عليكم" ~~مبتدأ خبره قوله "في الكتاب" والكلام مسوق للتعظيم، وقول بعضهم إن الواو في ~~قوله "وما يتلى عليكم" للقسم ويكون قوله في يتامى النساء" بدلا من قوله ~~"فيهن" والمعنى: قل الله يفتيكم - أقسم بما يتلى عليكم في الكتاب - في ~~يتامى النساء إلخ ولا يخفى ما في جميع هذه الوجوه من التعسف الظاهر. # وأما قوله "اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن" فوصف ~~ليتامى النساء، وفيه إشارة إلى نوع حرمانهن، الذي هو السبب لتشريع ما شرع ~~الله تعالى لهن من الأحكام فألغى السنة الجائرة الجارية عليهن، ورفع الحرج ~~بذلك عنهن، وذلك أنهم كانوا يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فإن كانت ~~ذات جمال وحسن تزوجوا بها فاستمتعوا من جمالها ومالها، وإن كانت شوهاء ~~دميمة لم يتزوجوا بها وعضلوها عن التزوج بالغير طمعا في مالها. # ومن هنا يظهر أولا. # أن المراد بقوله "ما كتب لهن" هو الكتابة التكوينية وهو التقدير الإلهي ~~فإن الصنع والإيجاد هو الذي يخد للإنسان سبيل الحياة فيعين له ms1674 أن يتزوج إذا ~~بلغ مبلغه، وأن يتصرف حرا في ماله من المال والقنية، فمنعه من الازدواج ~~والتصرف في مال نفسه منع له مما كتب الله له في خلقه هذه الخلقة. # وثانيا: أن الجار المحذوف في قوله "أن تنكحوهن" هو لفظة "عن" والمراد ~~الراغبة عن نكاحهن، والإعراض عنهن لا الرغبة في نكاحهن فإن التعرض لذكر ~~الرغبة عنهن هو الأنسب للإشارة إلى حرمانهن على ما يدل عليه قوله قبله "لا ~~تؤتونهن ما كتب لهن"، وقوله بعده "والمستضعفين من الولدان". # وأما قوله "والمستضعفين من الولدان" فمعطوف على قوله "يتامى النساء" وقد ~~كانوا يستضعفون الولدان من اليتامى، ويحرمونهم من الإرث معتذرين بأنهم لا ~~يركبون الخيل، ولا يدفعون عن الحريم. # قوله تعالى: "وأن تقوموا لليتامى بالقسط" معطوف على محل قوله "فيهن" ~~والمعنى: قل الله يفتيكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، وهذا بمنزلة الإضراب عن ~~الحكم الخاص إلى ما هو أعم منه أعني الانتقال من حكم بعض يتامى النساء ~~والولدان إلى حكم مطلق اليتيم في ماله وغير ماله. # قوله تعالى: "وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما" تذكرة لهم بأن ما ~~عزم الله عليهم في النساء وفي اليتامى من الأحكام فيه خيرهم، وأن الله عليم ~~به لتكون ترغيبا لهم في العمل به لأن خيرهم فيه، وتحذيرا عن مخالفته لأن ~~الله عليم بما يعملون. # قوله تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا"، حكم خارج عما ~~استفتوا فيه لكنه متصل به بالمناسبة نظير الحكم المذكور في الآية التالية ~~"ولن تستطيعوا أن تعدلوا". PageV05P057 # وإنما اعتبر خوف النشوز والإعراض دون نفس تحققهما لأن الصلح يتحقق موضوعه ~~من حين تحقق العلائم والآثار المعقبة للخوف، والسياق يدل على أن المراد ~~بالصلح هو الصلح بغض المرأة عن بعض حقوقها في الزوجية أو جميعها لجلب الأنس ~~والألفة والموافقة، والتحفظ عن وقوع المفارقة، والصلح خير. # وقوله، وأحضرت الأنفس الشح" الشح هو البخل، معناه: أن الشح من الغرائز ~~النفسانية التي جبلها الله عليها لتحفظ به منافعها، وتصونها عن الضيعة، فما ~~لكل نفس من ms1675 الشح هو حاضر عندها، فالمرأة تبخل بما لها من الحقوق في الزوجية ~~كالكسوة والنفقة والفراش والوقاع، والرجل يبخل بالموافقة والميل إذا أحب ~~المفارقة، وكره المعاشرة، ولا جناح عليهما حينئذ أن يصلحا ما بينهما بإغماض ~~أحدهما أو كليهما عن بعض حقوقه. # ثم قال تعالى: "وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا" وهو ~~موعظة للرجال أن لا يتعدوا طريق الإحسان والتقوى وليتذكروا أن الله خبير ~~بما يعملونه، ولا يحيفوا في المعاشرة، ولا يكرهوهن على إلغاء حقوقهن الحقة ~~وإن كان لهن ذلك. # قوله تعالى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" بيان الحكم ~~العدل بين النساء الذي شرع لهن على الرجال في قوله تعالى في أول السورة ~~"وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة": النساء: 3 وكذا يومىء إليه قوله في الآية ~~السابقة "وإن تحسنوا وتتقوا" إلخ فإنه لا يخلو من شوب تهديد، وهو يوجب ~~الحيرة في تشخيص حقيقة العدل بينهن، والعدل هو الوسط بين الإفراط والتفريط، ~~ومن الصعب المستصعب تشخيصه، وخاصة من حيث تعلق القلوب تعلق الحب بهن فإن ~~الحب القلبي مما لا يتطرق إليه الاختيار دائما. # فبين تعالى أن العدل بين النساء بحقيقة معناه، وهو اتخاذ حاق الوسط حقيقة ~~مما لا يستطاع للإنسان ولو حرص عليه، وإنما الذي يجب على الرجل أن لا يميل ~~كل الميل إلى أحد الطرفين وخاصة طرف التفريط فيذر المرأة كالمعلقة لا هي ~~ذات زوج فتستفيد من زوجها، ولا هي أرملة فتتزوج أو تذهب لشأنها. # فالواجب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوي بينهن عملا بإيتائهن ~~حقوقهن من غير تطرف، والمندوب عليه أن يحسن إليهن ولا يظهر الكراهة ~~لمعاشرتهن ولا يسيء إليهن خلقا، وكذا كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وهذا الذيل أعني قوله "فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة" هو الدليل ~~على أن ليس المراد بقوله "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" ~~نفى مطلق العدل حتى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى "وإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة" الآية إلغاء ms1676 تعدد الأزواج في الإسلام كما قيل. # وذلك أن الذيل يدل على أن المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرف ~~أصلا بلزوم حاق الوسط حقيقة، وأن المشرع هو العدل التقريبي عملا من غير تحرج. # على أن السنة النبوية ورواج الأمر بمرأى ومسمع من النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والسيرة المتصلة بين المسلمين يدفع هذا التوهم. # على أن صرف قوله تعالى في أول آية تعدد الأزواج "فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع": النساء: 3 إلى مجرد الفرض العقلي الخالي عن ~~المصداق ليس إلا تعمية يجل عنها كلامه سبحانه. # ثم قوله "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما" تأكيد وترغيب ~~للرجال في الإصلاح عند بروز أمارات الكراهة والخلاف ببيان أنه من التقوى، ~~والتقوى يستتبع المغفرة والرحمة، وهذا بعد قوله "والصلح خير"، وقوله "وإن ~~تحسنوا وتتقوا"، تأكيد على تأكيد. # قوله تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته"، أي وإن تفرق الرجل ~~والمرأة بطلاق يغن الله كلا منهما بسعته، والإغناء بقرينة المقام إغناء في ~~جميع ما يتعلق بالازدواج من الايتلاف والاستيناس والمس وكسوة الزوجة ~~ونفقتها فإن الله لم يخلق أحد هذين الزوجين للآخر حتى لو تفرقا لم يوجد ~~للواحد منهما زوج مدى حياته بل هذه السنة سنة فطرية فاشية بين أفراد هذا ~~النوع يميل إليها كل فرد بحسب فطرته. # وقوله "وكان الله واسعا حكيما ولله ما في السموات وما في الأرض" تعليل ~~للحكم المذكور في قوله "يغن الله كلا من سعته". PageV05P058 # قوله تعالى: "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا ~~الله"، تأكيد في دعوتهم إلى مراعاة صفة التقوى في جميع مراحل المعاشرة ~~الزوجية، وفي كل حال، وأن في تركه كفرا بنعمة الله بناء على أن التقوى الذي ~~يحصل بطاعة الله ليس إلا شكرا لأنعمه، أو أن ترك تقوى الله تعالى لا منشأ ~~له إلا الكفر إما كفر ظاهر كما في الكفار والمشركين، أو كفر مستكن مستبطن ~~كما في الفساق من المؤمنين. # وبهذا الذي بيناه يظهر ms1677 معنى قوله "وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما ~~في الأرض"، أي إن لم تحفظوا ما وصينا به إياكم والذين من قبلكم وأضعتم هذه ~~الوصية ولم تتقوا وهو كفر بالله، أو عن كفر بالله فإن ذلك لا يضر الله ~~سبحانه إذ لا حاجة له إليكم وإلى تقواكم، وله ما في السماوات والأرض، وكان ~~الله غنيا حميدا. # فإن قلت: ما وجه تكرار قوله "لله ما في السموات وما في الأرض"؟ فقد أورد ~~ثلاث مرات. # قلت: أما الأول فإنه تعليل لقوله "وكان الله واسعا حكيما"، وأما الثاني ~~فإنه واقع موقع جواب الشرط في قوله "وإن تكفروا"، والتقدير: وإن تكفروا ~~فإنه غني عنكم، وتعليل للجواب وقد ظهر في قوله "وكان الله غنيا حميدا". # وأما الثالث فإنه استيناف وتعليل بوجه لقوله "إن يشأ". # قوله تعالى: "ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا" قد مر ~~بيان معنى ملكه تعالى مكررا، وهو تعالى وكيل يقوم بأمور عباده وشئونهم وكفى ~~به وكيلا لا يحتاج فيه إلى اعتضاد وإسعاد، فلو لم يرتض أعمال قوم وأسخطه ~~جريان الأمر بأيديهم أمكنه أن يذهب بهم ويأتي بآخرين، أو يؤخرهم ويقدم ~~آخرين، وبهذا المعنى الذي يؤيده بل يدل عليه السياق يرتبط بما في هذه الآية ~~قوله في الآية التالية "إن يشأ يذهبكم أيها الناس. # قوله تعالى: "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين، السياق وهو الدعوة ~~إلى ملازمة التقوى الذي أوصى الله به هذه الأمة ومن قبلهم من أهل الكتاب ~~يدل على أن إظهار الاستغناء وعدم الحاجة المدلول عليه بقوله "إن يشأ"، إنما ~~هو في أمر التقوى. # والمعنى أن الله وصاكم جميعا بملازمة التقوى فاتقوه، وإن كفرتم فإنه غني ~~عنكم وهو المالك لكل شيء المتصرف فيه كيفما شاء ولما شاء إن يشأ أن يعبد ~~ويتقى ولم تقوموا بذلك حق القيام فهو قادر أن يؤخركم ويقدم آخرين يقومون ~~لما يحبه ويرتضيه، وكان الله على ذلك قديرا. # وعلى هذا فالآية ناظرة إلى تبديل الناس إن كانوا غير متقين بآخرين من ms1678 ~~الناس يتقون الله، وقد روي أن الآية لما نزلت ضرب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يده على ظهر سلمان وقال: إنهم قوم هذا. # وهو يؤيد هذا المعنى، وعليك بالتدبر فيه. # وأما ما احتمله بعض المفسرين. # أن المعنى: إن يشأ يفنكم ويوجد قوما آخرين مكانكم أو خلقا آخرين مكان ~~الإنس، فمعنى بعيد عن السياق. # نعم، لا بأس به في مثل قوله تعالى: "ألم تر أن الله خلق السموات والأرض ~~بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز": إبراهيم: 20. # قوله تعالى: "من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ~~وكان الله سميعا بصيرا" بيان آخر يوضح خطأ من يترك تقوى الله ويضيع وصيته ~~بأنه إن فعل ذلك ابتغاء ثواب الدنيا ومغنمها فقد اشتبه عليه الأمر فإن ثواب ~~الدنيا والآخرة معا عند الله وبيده، فما له يقصر نظره بأخس الأمرين ولا ~~يطلب أشرفهما أو إياهما جميعا؟ كذا قيل. # والأظهر أن يكون المراد - والله أعلم - أن ثواب الدنيا والآخرة وسعادتهما ~~معا إنما هو عند الله سبحانه فليتقرب إليه حتى من أراد ثواب الدنيا ~~وسعادتها فإن السعادة لا توجد للإنسان في غير تقوى الله الحاصل بدينه الذي ~~شرعه له فليس الدين إلا طريق السعادة الحقيقية، فكيف ينال نائل ثوابا من ~~غير إيتائه تعالى وإفاضته من عنده وكان الله سميعا بصيرا. PageV05P059 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان لا ~~يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، لا يرث الصغير ولا ~~المرأة شيئا فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا: ~~أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث ~~الرجل؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي ~~حدث قالوا لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد، ثم قالوا: سلوا فسألوا النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل ms1679 الله "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم ~~فيهن - وما يتلى عليكم في الكتاب - في أول السورة في يتامى النساء اللاتي ~~لا تؤتونهن ما كتب لهن - وترغبون أن تنكحوهن" الحديث. # وفيه: أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال: كانوا إذا ~~كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها، وحبسوها من التزويج حتى تموت ~~فيرثوها فأنزل الله هذا. # أقول: وهذه المعاني مروية بطرق كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة، وقد مر ~~بعضها في أوائل السورة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى "لا تؤتونهن ما كتب لهن" الآية. ما كتب لهن ~~من الميراث: قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام): وفي تفسير القمي،: ~~في قوله تعالى "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا"" الآية: نزلت في بنت محمد ~~بن مسلمة كانت امرأة رافع بن خديج، وكانت امرأة قد دخلت في السن، وتزوج ~~عليها امرأة شابة وكانت أعجب إليه من بنت محمد بن مسلمة فقالت له بنت محمد ~~بن مسلمة: ألا أراك معرضا عني مؤثرا علي؟ فقال رافع: هي امرأة شابة، وهي ~~أعجب إلي فإن شئت أقررت على أن لها يومين أو ثلاثا مني ولك يوم واحد فأبت ~~بنت محمد بن مسلمة أن ترضى فطلقها تطليقة ثم طلقها أخرى فقالت: لا والله لا ~~أرضى أو تسوي بيني وبينها يقول الله: "وأحضرت الأنفس الشح" وابنة محمد لم ~~تطلب نفسها بنصيبها، وشحت عليه، فأعرض عليها رافع إما أن ترضى، وإما أن ~~يطلقها الثالثة فشحت على زوجها ورضيت فصالحته على ما ذكرت فقال الله: ولا ~~جناح عليها أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير" فلما رضيت واستقرت لم يستطع ~~أن يعدل بينهما فنزلت. "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم - فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة" أن يأتي واحدة، ويذر الأخرى لا أيم ولا ~~ذات بعل وهذه السنة فيما كان كذلك إذا أقرت المرأة ورضيت على ما صالحها ~~عليه زوجها، فلا جناح على الزوج ولا على المرأة، وإن أبت هي طلقها أو تساوى ~~بينهما لا ms1680 يسعه إلا ذلك: أقول: ورواها في الدر المنثور، عن مالك وعبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه باختصار. وفي ~~الدر المنثور: أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب: أنه سئل عن هذه الآية فقال: ~~هو الرجل عنده امرأتان فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها ~~فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت ~~به نفسها فلا بأس به فإن رجعت سوى بينهما. وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل "وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا" فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها ~~فيقول لها: إني أريد أن أطلقك. فتقول له: لا تفعل إني أكره أن تشمت بي ولكن ~~انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت، وما كان سوى ذلك من شيء فهو لك، ودعني على ~~حالتي فهو قوله تبارك وتعالى "فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا وهذا ~~هو الصلح. أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر رواها في الكافي، وفي تفسير ~~العياشي. PageV05P060 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى "وأحضرت الأنفس الشح" قال: قال: أحضرت ~~الشح فمنها ما اختارته، ومنها ما لم تختره. وفي تفسير العياشي، عن هشام بن ~~سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله "ولن تستطيعوا أن تعدلوا ~~بين النساء ولو حرصتم" قال: في المودة. وفي الكافي، بإسناده عن نوح بن شعيب ~~ومحمد بن الحسن قال: سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم، قال له. أليس الله ~~حكيما؟ قال: بلى هو أحكم الحاكمين. قال: فأخبرني عن قوله "فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع - فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" أليس هذا ~~فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قوله "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة" أي حكيم يتكلم بهذا؟ ~~فلم ms1681 يكن عنده جواب. فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~فقال: في غير وقت حج ولا عمرة، قال: نعم جعلت فداك لأمر أهمني إن ابن أبي ~~العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء، قال: وما هي؟ قال: فأخبره ~~بالقصة. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) أما قوله عز وجل "فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع - فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة"" يعني ~~في النفقة، وأما قوله "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم - فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة" يعني في المودة. قال. فلما قدم عليه ~~هشام بهذا الجواب وأخبره قال: والله ما هذا من عندك أقول: وروي أيضا نظير ~~الحديث عن القمي،: أنه سأل بعض الزنادقة أبا جعفر الأحول عن المسألة بعينها ~~فسافر إلى المدينة فسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عنها، فأجابه بمثل ~~الجواب فرجع أبو جعفر إلى الرجل فأخبره فقال هذا حملته من الحجاز. وفي ~~المجمع،: في قوله تعالى "فتذروها كالمعلقة" أي تذرون التي لا تميلون إليها ~~كالتي هي لا ذات زوج ولا أيم: قال: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~(عليه السلام): وفيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان يقسم ~~بين نسائه ويقول: اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. ~~أقول: ورواه الجمهور بعدة طرق - والمراد بقوله "ما تملك ولا أملك" المحبة ~~القلبية لكن الرواية لا تخلو عن شيء فإن الله أجل من أن يلوم أحدا في ما لا ~~يملكه أصلا وقد قال تعالى. # "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها": الطلاق: 7. والنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أعرف بمقام ربه من أن يسأله أن يوجد ما هو موجود. # وفي الكافي، مسندا عن ابن أبي ليلى قال: حدثني عاصم بن حميد قال: كنت عند ~~أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه رجل فشكا إليه الحاجة فأمره بالتزويج ~~قال: فاشتدت به الحاجة فأتى أبا عبد الله (عليه السلام) فسأله عن ms1682 حاله ~~فقال: اشتدت بي الحاجة قال: فارق. ففارق قال: ثم أتاه فسأله عن حاله فقال: ~~أثريت وحسن حالي فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إني أمرتك بأمرين أمر ~~الله بهما قال الله عز وجل: "وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم إلى قوله - والله واسع عليم" وقال: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته". PageV05P061 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 135 # * يأيها الذين ءامنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الولدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" القسط ~~هو العدل، والقيام بالقسط العمل به والتحفظ له، فالمراد بالقوامين بالقسط ~~القائمون به أتم قيام وأكمله، من غير انعطاف وعدول عنه إلى خلافه لعامل من ~~هوى وعاطفة أو خوف أو طمع أو غير ذلك. # وهذه الصفة أقرب العوامل وأتم الأسباب لاتباع الحق وحفظه عن الضيعة، ومن ~~فروعها ملازمة الصدق في أداء الشهادة والقيام بها. # ومن هنا يظهر أن الابتداء بهذه الصفة في هذه الآية المسوقة لبيان حكم ~~الشهادة ثم ذكر صفة الشهادة من قبيل التدرج من الوصف العام إلى بعض ما هو ~~متفرع عليه كأنه قيل. # كونوا شهداء لله، ولا يتيسر لكم ذلك إلا بعد أن تكونوا قوامين بالقسط ~~فكونوا قوامين بالقسط حتى تكونوا شهداء لله. # وقوله "شهداء لله" اللام فيه للغاية أي كونوا شهداء تكون شهادتكم لله كما ~~قال تعالى: "وأقيموا الشهادة لله": الطلاق: 2 ومعنى كون الشهادة لله كونها ~~اتباعا للحق ولأجل إظهاره وإحيائه كما يوضحه قوله "فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا". قوله تعالى. # "ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين" أي ولو كانت على خلاف نفع أنفسكم ~~أو والديكم أو أقربائكم فلا يحملنكم حب منافع أنفسكم أو حب الوالدين ~~والأقربين أن تحرفوها أو تتركوها، فالمراد بكون الشهادة على النفس أو على ~~الوالدين والأقربين أن يكون ما تحمله من ms1683 الشهادة لو أدى مضرا بحاله أو بحال ~~والديه وأقربيه سواء كان المتضرر هو المشهود عليه بلا واسطة كما إذا تخاصم ~~أبوه وإنسان آخر فشهد له على أبيه، أو يكون التضرر مع الواسطة كما إذا ~~تخاصم اثنان وكان الشاهد متحملا لأحدهما ما لو أداه لتضرر به نفس الشاهد ~~أيضا - كالمتخاصم الآخر -. # قوله تعالى: "إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما" إرجاع ضمير التثنية ~~إلى الغني والفقير مع وجود "أو" الترديدية لكون المراد بالغني والفقير هو ~~المفروض المجهول الذي يتكرر بحسب وقوع الوقائع وتكررها فيكون غنيا في ~~واقعة، وفقيرا في أخرى، فالترديد بحسب فرض البيان وما في الخارج تعدد، كذا ~~ذكره بعضهم، فالمعنى أن الله أولى بالغني في غناه، وبالفقير في فقره: ~~والمراد - والله أعلم -: لا يحملنكم غنى الغني أن تميلوا عن الحق إليه، ولا ~~فقر الفقير أن تراعوا حاله بالعدول عن الحق بل أقيموا الشهادة لله سبحانه ~~ثم خلوا بينه وبين الغني والفقير فهو أولى بهما وأرحم بحالهما، ومن رحمته ~~أن جعل الحق هو المتبع واجب الاتباع، والقسط هو المندوب إلى إقامته، وفي ~~قيام القسط وظهور الحق سعادة النوع التي يقوم بها صلب الغني، ويصلح بها حال ~~الفقير. # والواحد منهما وإن انتفع بشهادة محرفة أو متروكة في شخص واقعة أو وقائع ~~لكن ذلك لا يلبث دون أن يضعف الحق ويميت العدل، وفي ذلك قوة الباطل وحياة ~~الجور والظلم، وفي ذلك الداء العضال وهلاك الإنسانية. # قوله تعالى: "ولا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"، أي مخافة أن تعدلوا عن الحق ~~والقسط باتباع الهوى وترك الشهادة لله فقوله "إن تعدلوا" مفعول لأجله ويمكن ~~أن يكون مجرورا بتقدير اللام متعلقا بالاتباع أي لأن تعدلوا. # قوله تعالى: "وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا" اللي ~~بالشهادة كناية عن تحريفها من لي اللسان. # والإعراض ترك الشهادة من رأس. # وقرىء "وإن تلوا" بضم اللام وإسكان الواو من ولي يلي ولاية، والمعنى: وإن ~~وليتم أمر الشهادة وأتيتم بها أو أعرضتم فإن الله خبير بأعمالكم يجازيكم بها. ms1684 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن للمؤمن على المؤمن ~~سبع حقوق، فأوجبها أن يقول الرجل حقا ولو كان على نفسه أو على والديه فلا ~~يميل لهم عن الحق، ثم قال: "فلا تتبعوا الهوى - أن تعدلوا وإن تلووا أو ~~تعرضوا" يعني عن الحق. PageV05P062 # أقول: وفيه تعميم معنى الشهادة لقول الحق مطلقا بمعرفة عموم قوله "كونوا ~~قوامين بالقسط". # وفي المجمع:، قيل: معناه إن تلووا أي تبدلوا الشهادة أو تعرضوا أي ~~تكتموها: قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) PageV05P063 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 136 - 147 # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتب الذى نزل على رسوله ~~والكتب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الاخر ~~فقد ضل ضللا بعيدا (136) إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنفقين ~~بأن لهم عذابا أليما (138) الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون المؤمنين ~~أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (139) وقد نزل عليكم فى الكتب أن ~~إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى ~~حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنفقين والكفرين فى جهنم جميعا ~~(140) الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن ~~كان للكفرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا (141) إن ~~المنافقين يخدعون الله وهو خدعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يراءون ~~الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يأيها الذين ءامنوا لا ~~تتخذوا الكفرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطنا ~~مبينا (144) إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك ms1685 مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا عليما (147) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل ~~على رسوله"، أمر المؤمنين بالإيمان ثانيا بقرينة التفصيل في متعلق الإيمان ~~الثاني أعني قوله "بالله ورسوله والكتاب" إلخ وأيضا بقرينة الإيعاد ~~والتهديد على ترك الإيمان بكل واحد من هذا التفاصيل إنما هو أمر ببسط ~~المؤمنين إجمال إيمانهم على تفاصيل هذه الحقائق فإنها معارف مرتبطة بعضها ~~ببعض، مستلزمة بعضها ببعض، فالله سبحانه لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ~~والصفات العليا، وهي الموجبة لأن يخلق خلقا ويهديهم إلى ما يرشدهم ويسعدهم ~~ثم يبعثهم ليوم الجزاء، ولا يتم ذلك إلا بإرسال رسل مبشرين ومنذرين، وإنزال ~~كتب تحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وتبين لهم معارف المبدأ والمعاد، وأصول ~~الشرائع والأحكام. # فالإيمان بواحد من حقائق هذه المعارف لا يتم إلا مع الإيمان بجميعها من ~~غير استثناء، والرد لبعضها مع الأخذ ببعض آخر كفر لو أظهر، ونفاق لو كتم ~~وأخفى، ومن النفاق أن يتخذ المؤمن مسيرا ينتهي به إلى رد بعض ذلك، كأن ~~يفارق مجتمع المؤمنين ويتقرب إلى مجتمع الكفار ويواليهم، ويصدقهم في بعض ما ~~يرمون به الإيمان وأهله، أو يعترضوا أو يستهزءون به الحق وخاصته، ولذلك عقب ~~تعالى هذه الآية بالتعرض لحال المنافقين ووعيدهم بالعذاب الأليم. # وما ذكرناه من المعنى هو الذي يقضي به ظاهر الآية وهو أوجه مما ذكره بعض ~~المفسرين أن المراد بقوله "يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا"،: يا أيها الذين ~~آمنوا في الظاهر بالإقرار بالله ورسوله آمنوا في الباطن ليوافق ظاهركم ~~باطنكم. PageV05P064 # وكذا ما ذكره بعضهم أن معنى "ءامنوا" اثبتوا على إيمانكم، وكذا ما ذكره ~~آخرون أن الخطاب لمؤمني أهل الكتاب أي يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب ~~آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله وهو القرآن. # وهذه المعاني وإن كانت في نفسها صحيحة لكن القرائن الكلامية ناهضة على ~~خلافها، وأردأ الوجوه آخرها. # قوله تعالى: "ومن ms1686 يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا بعيدا" لما كان الشطر الأول من الآية أعني قوله "يا أيها الذين ~~ءامنوا ءامنوا - إلى قوله - من قبل" دعوة إلى الجمع بين جميع ما ذكر فيه ~~بدعوى أن أجزاء هذا المجموع مرتبطة غير مفارق بعضها بعضا كان هذا التفصيل ~~ثانيا في معنى الترديد والمعنى: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله ~~أو اليوم الآخر أي من يكفر بشيء من أجزاء الإيمان فقد ضل ضلالا بعيدا. # وليس المراد بالعطف بالواو الجمع في الحكم ليتم الجميع موضوعا واحدا له ~~حكم واحد بمعنى أن الكفر بالمجموع من حيث إنه مجموع ضلال بعيد دون الكفر ~~بالبعض دون البعض. # على أن الآيات القرآنية ناطقة بكفر من كفر بكل واحد مما ذكر في الآية على ~~وجه التفصيل. # قوله تعالى: "إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا" الآية لو أخذت وحدها منقطعة ~~عما قبلها وما بعدها كانت دالة على ما يجازي به الله تعالى أهل الردة إذا ~~تكررت منهم الردة بأن آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~فالله سبحانه يوعدهم - وحالهم هذا الحال - بأنه لا يغفر لهم، ولا يهديهم ~~سبيلا، وليس من المرجو منه المتوقع من رحمته ذلك لعدم استقرارهم على إيمان، ~~وجعلهم أمر الله ملعبة يلعبون بها، ومن كان هذا حاله لم يثبت بالطبع على ~~إيمان جدي يقبل منه، وإن كانوا لو آمنوا إيمانا جديا شملتهم المغفرة ~~والهداية فإن التوبة بالإيمان بالله حقيقة مما لا يرده الله في حال على ما ~~وعد الله تعالى عباده، وقد تقدم الكلام فيه في قوله تعالى "إنما التوبة على ~~الله": الآية النساء: 17 في الجزء الرابع من هذا الكتاب. # فالآية تحكم بحرمانهم على ما يجري عليه الطبع والعادة، ولا تأبى ~~الاستثناء لو اتفق إيمان واستقامة عليه من هذه الطائفة نادرا كما يستفاد من ~~نظير الآية، قال تعالى: "كيف يهدي الله قوما ms1687 كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين إلى أن قال إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون": آل عمران: 90. # والآيات - كما ترى - تستثني ممن كفر بعد إيمانه، وقوبل بنفي المغفرة ~~والهداية، وهي مع ذلك تنفي قبول توبة من ازداد كفرا بعد الإيمان، صدر ~~الآيات فيمن كفر بعد الإيمان والشهادة بحقية الرسول وظهور الآيات البينات، ~~فهو ردة عنادا ولجاجا، والازدياد فيه لا يكون إلا مع استقرار العناد والعتو ~~في قلوبهم، وتمكن الطغيان والاستكبار في نفوسهم، ولا يتحقق الرجوع والتوبة ~~ممن هذا حاله عادة. # هذا ما يقتضيه سياق الآية لو أخذت وحدها كما تقدم، لكن الآيات جميعا لا ~~تخلو عن ظهور ما أو دلالة على كونها ذات سياق واحد متصلا بعضها ببعض، وعلى ~~هذا التقدير يكون قوله "إن الذين آمنوا ثم كفروا"، في مقام التعليل "لقوله ~~ومن يكفر بالله - إلى قوله - فقد ضل ضلالا بعيدا" ويكون الآيتان ذواتي ~~مصداق واحد أي إن من يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هو الذي ~~آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرا، ويكون أيضا هو من المنافقين الذين ~~تعرض تعالى لهم في قوله بعد "بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما" إلى آخر ~~الآيات. # وعلى هذا يختلف المعنى المراد بقوله "إن الذين آمنوا ثم كفروا" إلى آخر ~~الآيات بحسب ما فسر به قوله "يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله" ورسوله ~~على ما تقدم من تفاسيره المختلفة: فإن فسر بأن آمنوا بالله ورسوله في ~~الباطن كما آمنتم به في الظاهر كان معنى الإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم ~~الكفر ما يبتلى به المنافقون من اختلاف الحال دائما إذا لقوا المؤمنين وإذا ~~لقوا الكفار. PageV05P065 # وإن فسر بأن اثبتوا على الإيمان الذي تلبستم به كان المراد من الإيمان ثم ~~الكفر وهكذا هو الردة بعد الردة المعروفة. # وإن فسر بأن المراد دعوة ms1688 أهل الكتاب إلى الإيمان بالله ورسوله كان المراد ~~بالإيمان ثم الكفر وهكذا الإيمان بموسى ثم الكفر به بعبادة العجل ثم ~~الإيمان بعزير أو بعيسى ثم الكفر به ثم الازدياد فيه بالكفر بمحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وما جاء به من عند ربه، كما قيل. # وإن فسر بأن ابسطوا إجمال إيمانكم على تفاصيل الحقائق كما استظهرناه كان ~~قوله "إن الذين ءامنوا ثم كفروا"، تعليلا منطبقا على حال المنافقين ~~المذكورين فيما بعد، المفسرين بقوله "الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين" فإن من اتصل بالكفار منفصلا عن مجتمع المؤمنين لا يخلو عن الحضور ~~في محاضرهم والاستيناس بهم، والشركة في محاوراتهم، والتصديق لبعض ما ~~يتذاكرونه من الكلام الذي لا يرتضيه الله سبحانه، وينسبونه إلى الدين ~~وأوليائه من المطاعن والمساوىء ويستهزءون ويسخرون به. # فهو كلما لقي المؤمنين واشترك معهم في شيء من شعائر الدين آمن به، وكلما ~~لقي الكفار وأمضى بعض ما يتقولونه كفر، فلا يزال يؤمن زمانا ويكفر زمانا ~~حتى إذا استحكم فيه هذه السجية كان ذلك منه ازديادا في الكفر والله أعلم. # وإذ كان مبتلى باختلاف الحال وعدم استقراره فلا توبة له لأنه غير ثابت ~~على حال الندامة لو ندم على ما فعله، إلا أن يتوب ويستقر على توبته ~~استقرارا لا يزلزله اختلاف الأحوال، ولا تحركه عواصف الأهواء، ولذا قيد ~~الله سبحانه التوبة المقبولة من مثل هذا المنافق بقيود لا تبقي مجالا ~~للتغير والتحول فقال في الاستثناء الآتي: "إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله الآية. # قوله تعالى: "بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون" إلخ تهديد ~~للمنافقين، وقد وصفهم بموالاة الكافرين دون المؤمنين، وهذا وصف أعم مصداقا ~~من المنافقين الذين لم يؤمن قلوبهم، وإنما يتظاهرون بالإيمان فإن طائفة من ~~المؤمنين لا يزالون مبتلين بموالاة الكفار، والانقطاع عن جماعة المؤمنين، ~~والاتصال بهم باطنا واتخاذ الوليجة منهم حتى في زمن الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وهذا يؤيد بعض التأييد أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين طائفة من ~~المؤمنين يتخذون ms1689 الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويؤيده ظاهر قوله في ~~الآية اللاحقة "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم إلى قوله - إنكم إذا ~~مثلهم" فإن ذلك تقرير لتهديد المنافقين، والخطاب فيه للمؤمنين، ويؤيده أيضا ~~ما سيصف تعالى حالهم في نفاقهم بقوله "ولا يذكرون الله إلا قليلا" فأثبت ~~لهم شيئا من ذكر الله تعالى، وهو بعيد الانطباق على المنافقين الذين لم ~~يؤمنوا بقلوبهم قط. # قوله تعالى: "أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا" استفهام إنكاري ~~ثم جواب بما يقرر الإنكار فإن العزة من فروع الملك، والملك لله وحده، قال ~~تعالى "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز ~~من تشاء وتذل من تشاء": آل عمران: 26. # قوله تعالى: "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم - إلى قوله - مثلهم" ~~يريد ما نزله في سورة الأنعام: "وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين: الأنعام: 68 فإن سورة الأنعام مكية، وسورة النساء مدنية. # ويستفاد من إشارة الآية إلى آية الأنعام أن بعض الخطابات القرآنية وجه ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة، والمراد بها ما يعم الأمة. # وقوله "إنكم إذا مثلهم تعليل للنهي أي بما نهيناكم لأنكم إذا قعدتم معهم ~~- والحال هذه - تكونون مثلهم، وقوله "إن الله جامع المنافقين والكافرين في ~~جهنم". قوله تعالى: "الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله"، التربص: ~~الانتظار. PageV05P066 # والاستحواذ: الغلبة والتسلط، وهذا وصف آخر لهؤلاء المنافقين فإنهم إنما ~~حفظوا رابطة الاتصال بالفريقين جميعا: المؤمنين والكافرين، يستدرون ~~الطائفتين ويستفيدون ممن حسن حاله منهما، فإن كان للمؤمنين فتح قالوا: إنا ~~كنا معكم فليكن لنا سهم مما أوتيتموه من غنيمة ونحوها، وإن كان للكافرين ~~نصيب قالوا: ألم نغلبكم ونمنعكم من المؤمنين؟ أي من الإيمان بما آمنوا به ~~والاتصال بهم فلنا سهم مما أوتيتموه من النصيب أو منة عليكم حيث جررنا ~~إليكم النصيب. # قيل: عبر عما للمؤمنين بالفتح لأنه ms1690 هو الموعود لهم، وللكافرين بالنصيب ~~تحقيرا له فإنه لا يعبأ به بعد ما وعد الله المؤمنين أن لهم الفتح وأن الله ~~وليهم، ولعله لذلك نسب الفتح إلى الله دون النصيب. # قوله تعالى: "فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا" الخطاب للمؤمنين وإن كان ساريا إلى المنافقين والكافرين ~~جميعا، وأما قوله "ولن يجعل الله"، فمعناه أن الحكم يومئذ للمؤمنين على ~~الكافرين، ولن ينعكس الأمر أبدا، وفيه إياس للمنافقين، أي لييئس هؤلاء ~~المنافقون فالغلبة للمؤمنين على الكافرين بالآخرة. # ويمكن أن يكون نفي السبيل أعم من النشأتين: الدنيا والآخرة، فإن المؤمنين ~~غالبون بإذن الله دائما ما داموا ملتزمين بلوازم إيمانهم، قال تعالى: "ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 139. # قوله تعالى: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم" المخادعة هي الإكثار ~~أو التشديد في الخدعة بناء على أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني. # وقوله "وهو خادعهم" في موضع الحال أي يخادعون الله في حال هو يخدعهم ~~ويئول المعنى إلى أن هؤلاء يريدون بأعمالهم الصادرة عن النفاق من إظهار ~~الإيمان، والاقتراب من المؤمنين، والحضور في محاضرهم ومشاهدهم أن يخادعوا ~~الله أي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين فيستدروا منهم بظاهر ~~إيمانهم وأعمالهم من غير حقيقة، ولا يدرون أن هذا الذي خلى بينهم وبين هذه ~~الأعمال ولم يمنعهم منها هو الله سبحانه، وهو خدعة منه لهم ومجازاة لهم ~~بسوء نياتهم وخباثة أعمالهم فخدعتهم له بعينها خدعته لهم. # قوله تعالى: "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا" هذا وصف آخر من أوصافهم وهو القيام إلى الصلاة - إذا قاموا ~~إليها - كسالى يراءون الناس، والصلاة أفضل عبادة يذكر فيها الله، ولو كانت ~~قلوبهم متعلقه بربهم مؤمنة به لم يأخذهم الكسل والتواني في التوجه إليه ~~وذكره، ولم يعملوا عملهم لمراءاة الناس، ولذكروا الله تعالى كثيرا على ما ~~هو شأن تعلق القلب واشتغال البال. # قوله تعالى: "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ms1691 هؤلاء"، قال في ~~المجمع: يقال: ذبذبته فذبذب أي حركته فتحرك فهو كتحريك شيء معلق انتهى. # فكون الشيء مذبذبا أن يتردد بين جانبين من غير تعلق بشيء منهما، وهذا نعت ~~المنافقين، يتذبذبون بين ذلك - أي الذي ذكر من الإيمان والكفر - لا إلى ~~هؤلاء أي لا إلى المؤمنين فقط كالمؤمنين بالحقيقة، ولا إلى الكفار فقط ~~كالكافرين محضا. # وقوله "ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا" في مقام التعليل لما سبقه من ~~حديث الذبذبة، فسبب ترددهم بين الجانبين من غير تعلق بأحدهما أن الله أضلهم ~~عن السبيل فلا سبيل لهم يردونه. # ولهذه العلة بعينها قيل: "مذبذبين بين ذلك" ولم يقل: متذبذبين أي القهر ~~الإلهي هو الذي يجر لهم هذا النوع من التحريك الذي لا ينتهي إلى غاية ثابتة ~~مطمئنة. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء" إلى آخر ~~الآيتين السلطان هو الحجة. # والدرك بفتحتين - وقد يسكن الراء - قال الراغب: الدرك كالدرج لكن الدرج ~~يقال اعتبارا بالصعود، والدرك اعتبارا بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة ~~ودركات النار، ولتصور الحدور في النار سميت هاوية انتهى. # والآية - كما ترى - تنهى المؤمنين عن الاتصال بولاية الكفار وترك ولاية ~~المؤمنين، ثم الآية الثانية تعلل ذلك بالوعيد الشديد المتوجه إلى ~~المنافقين، وليس إلا أن الله سبحانه يعد هذا الصنيع نفاقا يحذر المؤمنين من ~~الوقوع فيه. PageV05P067 # والسياق يدل على أن قوله "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا"، كالنتيجة ~~المستنتجة مما تقدم أو الفرع المتفرع عليه، وهذا كالصريح في أن الآيات ~~السابقة إنما تتعرض لحال مرضى القلوب وضعفاء الإيمان من المؤمنين ويسميهم ~~المنافقين، ولا أقل من شمولها لهم ثم يعظ المؤمنين أن لا يقربوا هذا الحمى ~~ولا يتعرضوا لسخط الله، ولا يجعلوا الله تعالى على أنفسهم حجة واضحة فيضلهم ~~ويخدعهم ويذبذبهم في الحياة الدنيا، ثم يجمع بينهم وبين الكافرين في جهنم ~~جميعا، ثم يسكنهم في أسفل درك من النار، ويقطع بينهم وبين كل نصير ينصرهم، ~~وشفيع يشفع لهم. # ويظهر من الآيتين أولا: أن الإضلال والخدعة وكل سخط إلهي من ms1692 هذا القبيل ~~إنما عن حجة واضحة تعطيها أعمال العباد، فهي إخزاء على طريق المقابلة ~~والمجازاة، وحاشا الجناب الإلهي أن يبدأهم بالشر والشقوة من غير تقدم ما ~~يوجب ذلك من قبلهم، فقوله "أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا"؟ ~~يجري مجرى قوله "وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # وثانيا: أن في النار لأهلها مراتب تختلف في السفالة، ولا محالة يشتد ~~بحسبها عذابهم يسميها الله تعالى بالدركات. # قوله تعالى: "إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله" ~~استثناء من الوعيد الذي ذكر في المنافقين بقوله: "إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار" الآية ولازم ذلك خروجهم من جماعة المنافقين، ولحوقهم بصف ~~المؤمنين، ولذلك ذيل الاستثناء بذكر كونهم مع المؤمنين، وذكر ثواب المؤمنين ~~جميعا فقال تعالى: "فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما. # وقد وصف الله هؤلاء الذين استثناهم من المنافقين بأوصاف عديدة ثقيلة، ~~وليست تنبت أصول النفاق وأعراقه إلا بها، فذكر التوبة وهي الرجوع إلى الله ~~تعالى، ولا ينفع الرجوع والتوب وحده حتى يصلحوا كل ما فسد منهم من نفس ~~وعمل، ولا ينفع الإصلاح إلا أن يعتصموا بالله أي يتبعوا كتابه وسنة نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا سبيل إلى الله إلا ما عينه وما سوى ذلك ~~فهو سبيل الشيطان. # ولا ينفع الاعتصام المذكور إلا إذا أخلصوا دينهم - وهو الذي فيه الاعتصام ~~- لله، فإن الشرك ظلم لا يعفى عنه ولا يغفر، فإذا تابوا إلى الله وأصلحوا ~~كل فاسد منهم واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله كانوا عند ذلك مؤمنين لا ~~يشوب إيمانهم شرك، فآمنوا النفاق واهتدوا قال تعالى: "الذين ءامنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82. # ويظهر من سياق الآية أن المراد بالمؤمنين هم المؤمنون محضا المخلصون ~~للإيمان، وقد عرفهم الله تعالى بأنهم الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله، وهذه الصفات تتضمن تفاصيل جميع ما عده الله تعالى في ~~كتابه من صفاتهم ونعوتهم كقوله تعالى "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ms1693 ~~خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون" إلى آخر الآيات: المؤمنون: 3، وقوله ~~تعالى "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما" الآيات: الفرقان: 64، وقوله ~~"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما": النساء: 65. # فهذا هو مراد القرآن بالمؤمنين إذا أطلق اللفظ إطلاقا من غير قرينة تدل ~~على خلافه. # وقد قال تعالى: "فأولئك مع المؤمنين" ولم يقل: فأولئك من المؤمنين لأنهم ~~بتحقق هذه الأوصاف فيهم أول تحققها يلحقون بهم، ولن يكونوا منهم حتى تستمر ~~فيهم الأوصاف على استقرارها، فافهم ذلك. # قوله تعالى: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم"، ظاهره أنه خطاب ~~للمؤمنين، لأن الكلام جار على خطابهم وإنما يخاطبون بهذا الخطاب مع الغض عن ~~إيمانهم وفرضهم كالعاري عنه على ما هو شأن مثل هذا الخطاب. # وهو كناية عن عدم حاجته تعالى إلى عذابهم، وأنهم لو لم يستوجبوا العذاب ~~بتركهم الشكر والإيمان لم يكن من قبله تعالى ما يوجب عذابهم، لأنه لا ينتفع ~~بعذابهم حتى يؤثره، ولا يستضر بوجودهم حتى يدفعه عن نفسه بعذابهم، فالمعنى: ~~لا موجب لعذابكم إن شكرتم نعمة الله بأداء واجب حقه وآمنتم به وكان الله ~~شاكرا لمن شكره وآمن به، عليما لا يجهل مورده. PageV05P068 # وفي الآية دلالة على أن العذاب الشامل لأهله إنما هو من قبلهم لا من قبله، ~~وكذا كل ما يستوجب العذاب من ضلال أو شرك أو معصية، ولو كان شيء من ذلك من ~~قبله تعالى لكان العذاب الذي يستتبعه أيضا من قبله لأن المسبب يستند إلى من ~~استند إليه السبب. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم: عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام) في قول الله "إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا - ثم ~~كفروا ثم ازدادوا كفرا" قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح الذي بعثه عثمان ~~إلى مصر ثم ازداد كفرا حين لم يبق فيه ms1694 من الإيمان شيء وفيه، عن أبي بصير ~~قال: سمعته يقول: "إن الذين ءامنوا ثم كفروا" الآية من زعم أن الخمر حرام ~~ثم شربها، ومن زعم أن الزنا حرام ثم زنى، ومن زعم أن الزكاة حق ولم يؤدها. # أقول: فيه تعميم للآية على الكفر بجميع مراتبه، ومن مراتبه ترك الواجبات ~~وفعل المحرمات، وتأييد لما تقدم في البيان. # وفيه، عن محمد بن الفضيل: عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قول الله ~~"وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله - إلى قوله إنكم إذا ~~مثلهم" قال: إذا سمعت الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ~~ولا تقاعده. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر. # وفي العيون، بإسناده عن أبي الصلت الهروي: عن الرضا (عليه السلام) في قول ~~الله جل جلاله "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" قال: فإنه ~~يقول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين حجة، ولقد أخبر الله تعالى عن ~~كفار قتلوا نبيهم بغير الحق ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه ~~سبيلا. وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن علي: "ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا" قال: في الآخرة. # أقول: وقد تقدم أن ظاهر السياق هو الآخرة ولو عمم لغيرها بأخذ الجملة ~~وحدها شملت الحجة في الدنيا. # وفي العيون، بإسناده عن الحسن بن فضال قال: سألت علي بن موسى الرضا ~~(عليهما السلام) عن قوله "يخادعون الله وهو خادعهم" فقال الله تبارك ~~وتعالى: لا يخادع، ولكنه يجازيهم جزاء الخديعة. وفي تفسير العياشي، عن ~~مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سئل: فيما النجاة غدا؟ فقال: النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم فإنه ~~من يخادع الله يخدعه، ويخلع منه الإيمان ونفسه يخدع لو يشعر. فقيل: فكيف ~~يخادع الله؟ قال: يعمل بما أمر الله ثم يريد به غيره فاتقوا الرئاء فإنه ~~شرك بالله، إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، ms1695 ~~يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ~~ممن كنت تعمل له. وفي الكافي، بإسناده عن أبي المعزى الخصاف رفعه قال: قال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام): من ذكر الله عز وجل في السر فقد ذكر الله ~~كثيرا، إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية، ولا يذكرونه في السر فقال ~~الله عز وجل: "يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" أقول: وهذا معنى ~~آخر لقلة الذكر لطيف. # وفي الدر المنثور: أخرج ابن المنذر عن علي قال: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف ~~يقل ما يتقبل؟. # أقول: وهذا أيضا معنى لطيف، ومرجعه بالحقيقة إلى ما مر في الخبر السابق. # وفيه: أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في سننه عن أنس قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا ~~كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. # أقول: وهذا معنى آخر لقلة الذكر فإن لمثل هذا المصلي من الذكر مجرد ~~التوجه إلى الله بقيامه إلى الصلاة، وكان يمكنه أن يستغرق في ذكره بالحضور ~~والطمأنينة في صلاته. # والمراد بكون الشمس بين قرني الشيطان دنوها من أفق الغروب كأنه يجعل ~~النهار والليل قرنين للشيطان ينطح بهما ابن آدم أو يظهر لابن آدم. PageV05P069 # وفيه: أخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مثل المنافق مثل ~~الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لا تدري أيهما ~~تتبع وفيه: أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة وفيه: وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي ~~في زوائد الزهد وأبو الشيخ بن حبان عن مكحول قال: بلغني أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: ما أخلص عبد لله أربعين صباحا إلا ظهرت ينابيع الحكمة ~~من قلبه على لسانه. # أقول: والرواية ms1696 من المشهورات، وقد رويت بلفظها أو بمعناها بطرق أخرى. # وفيه: أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة، ~~قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن المحارم. # أقول: والرواية مستفيضة معنى وقد رويت بطرق مختلفة في جوامع أهل السنة ~~والشيعة عن النبي وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وسنورد عمدة ألفاظها ~~المنقولة في موضع يناسبها إن شاء الله تعالى. # وفي ذيل هذه الآيات روايات في أسباب النزول مختلفة متشتتة، تركنا إيرادها ~~لظهورها في الجري وتطبيق المصداق. # والله أعلم. PageV05P070 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 148 - 149 # * لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم"، قال الراغب ~~في مادة "جهر" يقال لظهور الشيء بإفراط لحاسة البصر أو حاسة السمع، أما ~~البصر فنحو رأيته جهارا، قال الله تعالى: "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" ~~"أرنا الله جهرة" - إلى أن قال - وأما السمع فمنه قوله تعالى: "سواء منكم ~~من أسر القول ومن جهر به". والسوء من القول كل كلام يسوء من قيل فيه ~~كالدعاء عليه، وشتمه بما فيه من المساوىء والعيوب وبما ليس فيه، فكل ذلك لا ~~يحب الله الجهر به وإظهاره، ومن المعلوم أنه تعالى منزه من الحب والبغض على ~~حد ما يوجد فينا معشر الإنسان وما يجانسنا من الحيوان، إلا أنه لما كان ~~الأمر والنهي عندنا بحسب الطبع صادرين عن حب وبغض كني بهما عن الإرادة ~~والكراهة وعن الأمر والنهي. # فقوله "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول" كناية عن الكراهة التشريعية ~~أعم من التحريم والإعانة. # وقوله "إلا من ظلم" استثناء منقطع أي لكن من ظلم لا بأس بأن يجهر بالسوء ~~من القول فيمن ظلمه من حيث ms1697 ظلم، وهذه هي القرينة على أنه إنما يجوز له ~~الجهر بالسوء من القول يبين فيه ما ظلمه، ويظهر مساوئه التي فيه مما ظلمه ~~به، وأما التعدي إلى غيره مما ليس فيه، أو ما لا يرتبط بظلمه فلا دليل على ~~جواز الجهر به من الآية. # والمفسرون وإن اختلفوا في تفسير السوء من القول فمن قائل إنه الدعاء ~~عليه، ومن قائل إنه ذكر ظلمه وما تعدى به عليه وغير ذلك إلا أن الجميع ~~مشمول لإطلاق الآية فلا موجب لتخصيص الكلام ببعضها. # وقوله "وكان الله سميعا عليما" في مقام التأكيد للنهي المستفاد من قوله ~~"لا يحب الله الجهر"، أي لا ينبغي الجهر بالسوء من القول من غير المظلوم ~~فإن الله سميع يسمع القول عليم يعلم به. # قوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا ~~قديرا" الآية لا تخلو عن ارتباط بما قبلها فإنها تشمل إظهار الخير من القول ~~شكرا لنعمة أنعمها منعم على الإنسان، وتشمل العفو عن السوء والظلم فلا يجهر ~~على الظالم بالسوء من القول. # فإبداء الخير إظهاره سواء كان فعلا كإظهار الإنفاق على مستحقه وكذا كل ~~معروف لما فيه من إعلاء كلمة الدين وتشويق الناس إلى المعروف، أو كان قولا ~~كإظهار الشكر على المنعم وذكره بجميل القول لما فيه من حسن التقدير وتشويق ~~أهل النعمة. # وإخفاء الخير منصرفه إخفاء فعل المعروف ليكون أبعد من الرئاء وأقرب إلى ~~الخلوص كما قال: "إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم": البقرة: 271. # والعفو عن السوء هو الستر عليه قولا بأن لا يذكر ظالمة بظلمه، ولا يذهب ~~بماء وجهه عند الناس، ولا يجهر عليه بالسوء من القول، وفعلا بأن لا يواجهه ~~بما يقابل ما أساء به، ولا ينتقم عنه فيما يجوز له ذلك كما قال تعالى: "فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله": البقرة: 194. # وقوله "فإن الله كان عفوا قديرا" سبب أقيم مقام المسبب والتقدير: إن ms1698 ~~تعفوا عن سوء فقد اتصفتم بصفة من صفات الله الكمالية - وهو العفو على قدرة ~~- فإن الله ذو عفو على قدرته، فالجزاء جزاء بالنسبة إلى بعض الشروط، وأما ~~إبداء الخير وإخفاؤه أي إيتاؤه على أي حال فهو أيضا من صفاته تعالى بما أنه ~~الله تعالى، ويمكن أن يلوح إليه الكلام. PageV05P071 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قال: لا يحب الله الشتم في الانتصار إلا من ظلم فلا بأس له أن ~~ينتصر ممن ظلم مما يجوز الانتصار في الدين: قال: وهو المروي عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) وفي تفسير العياشي، عن أبي الجارود عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: الجهر بالسوء من القول أن يذكر الرجل بما فيه. وفي تفسير ~~القمي: وفي حديث آخر في تفسير هذا قال: إن جاءك رجل وقال فيك ما ليس فيك من ~~الخير والثناء والعمل الصالح فلا تقبله منه وكذبه فقد ظلمك. وفي تفسير ~~العياشي، بإسناده عن الفضل بن أبي قرة: عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قول الله: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم" قال: من أضاف ~~قوما فأساء ضيافتهم فهو ممن ظلم فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه: أقول: ~~ورواه في المجمع، عنه (عليه السلام) مرسلا، وروي من طرق أهل السنة عن ~~مجاهد. والروايات على أي حال دالة على التعميم كما استفدناه من الآية. PageV05P072 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 150 - 152 # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم ~~الكفرون حقا وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا (151) والذين ءامنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) ### |||| AUTO بيان # انعطاف إلى حال أهل الكتاب، وبيان لحقيقة كفرهم، وشرح لعدة من مظالمهم، ~~ومعاصيهم ومفاسد أقوالهم. # قوله تعالى: "إن الذين يكفرون بالله ورسله"، هؤلاء أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى فاليهود تؤمن بموسى وتكفر بعيسى ومحمد، والنصارى تؤمن بموسى وعيسى ~~وتكفر بمحمد صلى ms1699 الله عليهم أجمعين، وهؤلاء على زعمهم لا يكفرون بالله ~~وببعض رسله، وإنما يكفرون ببعض الرسل، وقد أطلق الله عليهم أنهم كافرون ~~بالله ورسله جميعا ولذلك احتيج إلى بيان المراد من إطلاق قوله "إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله". ولذلك عطف على قوله "إن الذين يكفرون"، قوله "ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض" بعطف التفسير ونفس ~~المعطوف أيضا بعضه يفسر بعضه، فهم كافرون بالله ورسله لأنهم بقولهم: "نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض" يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله فيؤمنون بالله وبعض رسله ~~ويكفروا ببعض رسله مع كونه رسولا من الله، والرد عليه رد على الله تعالى. # ثم بين ذلك ببيان آخر بالعطف عليه عطف التفسير فقال: "ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا" أي سبيلا متوسطا بين الإيمان بالله ورسله جميعا، والكفر ~~بالله ورسله جميعا، وهو الإيمان ببعض والكفر ببعض، ولا سبيل إلى الله إلا ~~الإيمان به وبرسله جميعا فإن الرسول بما أنه رسول ليس له من نفسه شيء ولا ~~له من الأمر شيء، فالإيمان به إيمان بالله والكفر به كفر بالله محضا. # فالكفر بالبعض والإيمان بالبعض وبالله ليس إلا تفرقة بين الله وبين رسله، ~~وإعطاء الاستقلال للرسول فيكون الإيمان به غير مرتبط بالإيمان بالله، ~~والكفر به غير مرتبط بالكفر به فيكون طرفا لا وسطا، وكيف يصح فرض الرسالة ~~ممن لا يرتبط الإيمان به والكفر به بالإيمان بالله والكفر به. # فمن البين الذي لا مرية فيه أن الإيمان بمن هذا شأنه والخضوع له شرك ~~بالله العظيم، ولذلك ترى أنه تعالى بعد وصفهم بأنهم يريدون بالإيمان ببعض ~~الرسل والكفر بالبعض أن يفرقوا بين الله ورسله ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا ذكر أنهم كافرون بذلك حقا فقال: "أولئك هم الكافرون حقا" ثم أوعدهم ~~فقال: "واعتدنا للكافرين عذابا مهينا". # قوله تعالى: "والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم"، لما ~~كفر أولئك المفرقين بين الله ورسله، وذكر أنهم كافرون بالله ورسله ذكر من ~~يقابلهم بالإيمان بالله ورسله على سبيل عدم ms1700 التفرقة تتميما للأقسام. # وفي الآيات التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير في قوله "واعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا" ثم إلى الخطاب في قوله "أولئك سوف يؤتيهم أجورهم"، ~~ولعل الوجه فيه أن إسناد الجزاء إلى المتكلم أقرب من الوقوع بحسب لحن ~~الكلام من إسناده إلى الغائب. # ويفيد هذه الفائدة أيضا الالتفات الواقع في الآية الثانية فإن توجيه ~~الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الوعد الجميل وهو يعلم ~~بإنجازه تعالى يفيد القرب من الوقوع PageV05P073 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 153 - 169 # يسئلك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينت فعفونا عن ذلك وءاتينا موسى سلطنا مبينا (153) ورفعنا ~~فوقهم الطور بميثقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا فى ~~السبت وأخذنا منهم ميثقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثقهم وكفرهم بئايت الله ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتنا عظيما (156) وقولهم ~~إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من ~~أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا (159) ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ~~(160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أمول الناس بالبطل وأعتدنا ~~للكفرين منهم عذابا أليما (161) لكن الرسخون فى العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة ~~والمؤمنون بالله واليوم الاخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (162) * إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن وءاتينا داود زبورا ms1701 ~~(163) ورسلا قد قصصنهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملئكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~قد ضلوا ضللا بعيدا (167) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم خلدين فيها أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا (169) ### |||| AUTO بيان # الآيات تذكر سؤال أهل الكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنزيل ~~كتاب من السماء عليهم حيث لم يقنعوا بنزول القرآن بوحي الروح الأمين نجوما، ~~ونجيب عن مسألتهم. # قوله تعالى: "يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء"، أهل ~~الكتاب هم اليهود والنصارى على ما هو المعهود في عرف القرآن في أمثال هذه ~~الموارد وعليه فالسائل هو الطائفتان جميعا دون اليهود فحسب. # ولا ينافيه كون المظالم والجرائم المعدودة في ضمن الآيات مختصة باليهود ~~كسؤال الرؤية، واتخاذ العجل، ونقض الميثاق عند رفع الطور والأمر بالسجدة ~~والنهي عن العدو في السبت وغير ذلك. # فإن الطائفتين ترجعان إلى أصل واحد وهو شعب إسرائيل بعث إليهم موسى وعيسى ~~(عليهما السلام) وإن انتشرت دعوة عيسى بعد رفعه في غير بني إسرائيل كالروم ~~والعرب والحبشة ومصر وغيرهم، وما قوم عيسى بأقل ظلما لعيسى من اليهود لموسى ~~(عليه السلام). PageV05P074 # ولعد الطائفتين جميعا ذا أصل واحد يخص اليهود بالذكر فيما يخصهم من الجزاء ~~حيث قال: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" ولذلك أيضا عد ~~عيسى بين الرسل المذكورين بعد كما عد موسى (عليه السلام) بينهم ولو كان وجه ~~الكلام إلى اليهود فقط لم يصح ذلك، ولذلك أيضا قيل بعد هذه الآيات: "يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح" إلخ. # وبالجملة السائل هم أهل الكتاب جميعا ووجه الكلام معهم لاشتراكهم في ~~الخصيصة القومية وهو التحكم والقول بغير الحق ms1702 والمجازفة وعدم التقيد ~~بالعهود والمواثيق، والكلام جار معهم فيما اشتركوا فإذا اختص منهم طائفة ~~بشيء خص الكلام به. # والذي سألوه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أن ينزل عليهم كتابا ~~من السماء، ولم يسألوه ما سألوه قبل نزول القرآن وتلاوته عليهم كيف والقصة ~~إنما وقعت في المدينة وقد بلغهم من القرآن ما نزل بمكة وشطر مما نزل ~~بالمدينة؟ بل هم ما كانوا يقنعون به دليلا للنبوة، ولا يعدونه كتابا سماويا ~~مع أن القرآن نزل فيما نزل مشفعا بالتحدي ودعوى الإعجاز كما في سور: إسراء، ~~ويونس، وهود، والبقرة النازلة جميعا قبل سورة النساء. # فسؤالهم تنزيل الكتاب من السماء بعد ما كانوا يشاهدونه من أمر القرآن لم ~~يكن إلا سؤالا جزافيا لا يصدر إلا ممن لا يخضع للحق ولا ينقاد للحقيقة ~~وإنما يلغو ويهذو بما قدمته له أيدي الأهواء من غير أن يتقيد بقيد أو يثبت ~~على أساس، نظير ما كانت تتحكم به قريش مع نزول القرآن، وظهور دعوته فتقول ~~على ما حكاه الله سبحانه عنهم: "لو لا أنزل عليه آية من ربه": يونس: 20 "أو ~~ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه: إسراء: 93. # ولهذا الذي ذكرناه أجاب الله سبحانه عن مسألتهم أولا بأنهم قوم متمادون ~~في الجهالة والضلالة لا يأبون عن أنواع الظلم وإن عظمت، والكفر والجحود وإن ~~جاءت البينة، وعن نقض المواثيق وإن غلظت وغير ذلك من الكذب والبهتان وأي ~~ظلم، ومن هذا شأنه لا يصلح لإجابة ما سأله والإقبال على ما اقترحه. # وثانيا أن الكتاب الذي أنزله الله وهو القرآن مقارن لشهادة الله سبحانه ~~وملائكته وهو الذي يفصح عن التحدي بعد التحدي بآياته الكريمة. # فقال تعالى في جوابهم أولا: "فقد سألوا موسى أكبر من ذلك" أي مما سألوك ~~من تنزيل كتاب من السماء إليهم "فقالوا أرنا الله جهرة" أي إراءة عيان ~~نعاينه بأبصارنا، وهذه غاية ما يبلغه البشر من الجهالة والهذر والطغيان ~~"فأخذتهم الصاعقة بظلمهم" والقصة مذكورة في سورة البقرة آية: 55 - 56 ms1703 وسورة ~~الأعراف آية: 155. # ثم قال تعالى: "ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات" وهذه عبادة ~~الصنم بعد ظهور بطلانه أو بيان أن الله سبحانه منزه عن شائبة الجسمية ~~والحدوث، وهو من أفظع الجهالات البشرية "فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا ~~مبينا" وقد أمرهم موسى في ذلك أن يتوبوا إلى بارئهم فيقتلوا أنفسهم فأخذوا ~~فيه فعفا الله عنهم ولما يتم التقتيل ولما يقتل الجميع، وهو المراد بالعفو، ~~وآتى موسى (عليه السلام) سلطانا مبينا حيث سلطه عليهم وعلى السامري وعجله، ~~والقصة مذكورة في سورة البقرة آية: 54. # ثم قال تعالى: "ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم" وهو الميثاق الذي أخذه الله ~~منهم ثم رفع فوقهم الطور، والقصة مذكورة مرتين في سورة البقرة آية 63، 93. # ثم قال تعالى: "وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا" والقصتان مذكورتان في سورة البقرة آية: 58 - 65 ~~وسورة الأعراف 161 - 163 وليس من البعيد أن يكون الميثاق المذكور راجعا إلى ~~القصتين وإلى غيرهما فإن القرآن يذكر أخذ الميثاق منهم متكررا كقوله تعالى ~~وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله" الآية: البقرة: 83، وقوله ~~تعالى "وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ~~ثم أقررتم وأنتم تشهدون": البقرة: 84. PageV05P075 # قوله تعالى: "فبما نقضهم ميثاقهم"، الفاء للتفريع والمجرور متعلق بما سيأتي ~~بعد عدة آيات - يذكر فيها جرائمهم - من قوله "حرمنا عليهم" والآيات مسوقة ~~لبيان ما جازاهم الله به من وخيم الجزاء الدنيوي والأخروي، وفيها ذكر بعض ~~ما لم يذكر من سننهم السيئة أولا. # وقوله "فبما نقضهم ميثاقهم" تلخيص لما ذكر منهم من نقض المواثيق ولما لم ~~يذكر من المواثيق المأخوذة منهم. # وقوله "وكفرهم بآيات الله تلخص لأنواع من الكفر كفروا بها في زمن موسى ~~(عليه السلام) وبعده قص القرآن كثيرا منها، ومن جملتها الموردان المذكوران ~~في صدر الآيات أعني قوله فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله ~~جهرة"، وقوله "ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات" وإنما قدما ms1704 في ~~الصدر، وأخرا في هذه الآية لأن المقامين مختلفان فيختلف مقتضاهما فإن صدر ~~الآيات متعرض لسؤالهم تنزيل كتاب من السماء و، ذكر سؤالهم أكبر من ذلك ~~وعبادتهم العجل أنسب به وألصق، وهذه الآية وما بعدها متعرضة لمجازاتهم في ~~قبال أعمالهم بعد ما كانوا أجابوا دعوة الحق وذكر أسباب ذلك والابتداء بذكر ~~نقض الميثاق أنسب في هذا المقام وأقرب. # وقوله "وقتلهم الأنبياء بغير حق" يعني بهم زكريا ويحيى وغيرهما ممن ذكر ~~القرآن قتلهم إجمالا من غير تسمية. # وقوله "وقولهم قلوبنا غلف" جمع أغلف أي في أغشية تمنعها عن استماع الدعوة ~~النبوية، وقبول الحق لو دعيت إليه، وهذه كلمة ذكروها يريدون بها رد الدعوة، ~~وإسناد عدم إجابتهم للدعوة إلى الله سبحانه كأنهم كانوا يدعون أنهم خلقوا ~~غلف القلوب، أو أنهم جعلوا بالنسبة إلى دعوة غير موسى كذلك من غير استناد ~~ذلك إلى اختيارهم وصنعهم. # ولذلك رد الله سبحانه عليهم بقوله "بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا" فبين أن إباء قلوبهم عن استماع الدعوة الحقة مستند إلى صنع الله ~~لكن لا كما يدعون أنهم لا صنع لهم في ذلك بل إنما فعل ذلك بهم في مقابل ~~كفرهم وجحودهم للحق، وكان أثر ذلك أن هذا القوم لا يؤمنون إلا قليل منهم. # وقد تقدم الكلام في هذا الاستثناء، وأن هذه النقمة الإلهية إنما نزلت بهم ~~بقوميتهم ومجتمعهم، فالمجموع من حيث المجموع مكتوب عليهم النقمة، ومطبوع ~~على قلوبهم محال لهم أن يؤمنوا بأجمعهم، ولا ينافي ذلك إيمان البعض القليل منهم. # قوله تعالى: "بكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما" وهو قذفها (عليها ~~السلام) في ولادة عيسى بالزنا، وهو كفر وبهتان معا وقد كلمهم عيسى في أول ~~ولادته وقال: "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا": مريم. 30. # قوله تعالى: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه ~~وما صلبوه ولكن شبه لهم" قد تقدم في قصص عيسى (عليه السلام) في سورة آل ~~عمران أنهم اختلفوا في كيفية قتله صلبا وغير صلب فلعل ms1705 حكايته تعالى عنهم ~~دعوى قتله أولا ثم ذكر القتل والصلب معا في مقام الرد والنفي لبيان النفي ~~التام بحيث لا يشوبه ريب فإن الصلب لكونه نوعا خاصا في تعذيب المجرمين لا ~~يلازم القتل دائما، ولا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق القتل، وقد اختلف في ~~كيفية قتله فمجرد نفي القتل ربما أمكن أن يتأول فيه بأنهم ما قتلوه قتلا ~~عاديا، ولا ينافي ذلك أن يكونوا قتلوه صلبا فلذلك ذكر تعالى بعد قوله "وما ~~قتلوه" قوله "وما صلبوه" ليؤدي الكلام حقه من الصراحة، وينص على أنه (عليه ~~السلام) لم يتوف بأيديهم لا صلبا ولا غير مصلوب، بل شبه لهم أمره فأخذوا ~~غير المسيح (عليه السلام) مكان المسيح فقتلوه أو صلبوه، وليس من البعيد ~~عادة، فإن القتل في أمثال تلك الاجتماعات الهمجية والهجمة والغوغاء ربما ~~أخطأ المجرم الحقيقي إلى غيره وقد قتله الجنديون من الروميين، وليس لهم ~~معرفة بحاله على نحو الكمال فمن الممكن أن يأخذوا مكانه غيره، ومع ذلك فقد ~~وردت روايات أن الله تعالى ألقى شبهه على غيره فأخذ وقتل مكانه. PageV05P076 # وربما ذكر بعض محققي التاريخ أن القصص التاريخية المضبوطة فيه (عليه ~~السلام) والحوادث المربوطة بدعوته وقصص معاصريه من الحكام والدعاة تنطبق ~~على رجلين اثنين مسميين بالمسيح - وبينهما ما يزيد على خمسمائة سنة -: ~~المتقدم منهما محق غير مقتول، والمتأخر منهما مبطل مصلوب، وعلى هذا فما ~~يذكره القرآن من التشبيه هو تشبيه المسيح عيسى بن مريم رسول الله بالمسيح ~~المصلوب. # والله أعلم. # وقوله "وإن الذين اختلفوا فيه" أي اختلفوا في عيسى أو في قتله "لفي شك ~~منه" أي في جهل بالنسبة إلى أمره "ما لهم به من علم إلا اتباع الظن" وهو ~~التخمين أو رجحان ما بحسب ما أخذه بعضهم من أفواه بعض. # وقوله "وما قتلوه يقينا" أي ما قتلوه قتل يقين أو ما قتلوه أخبرك خبر ~~يقين، وربما قيل: إن الضمير في قوله "وما قتلوه" راجع إلى العلم أي ما ~~قتلوا العلم يقينا. # وقتل العلم لغة تمحيضه وتخليصه من الشك والريب، ms1706 وربما قيل: إن الضمير ~~يعود إلى الظن أي ما محضوا ظنهم وما تثبتوا فيه، وهذا المعنى على تقدير ~~ثبوته معنى غريب لا يحمل عليه لفظ القرآن. # قوله تعالى: "بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما" وقد قص الله ~~سبحانه هذه القصة في سورة آل عمران فقال: "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ~~ورافعك إلى": آل عمران: 55 فذكر التوفي ثم الرفع. # وهذه الآية بحسب السياق تنفي وقوع ما ادعوه من القتل والصلب عليه فقد سلم ~~من قتلهم وصلبهم، وظاهر الآية أيضا أن الذي ادعي إصابة القتل والصلب إياه، ~~وهو عيسى (عليه السلام) بشخصه البدني هو الذي رفعه الله إليه، وحفظه من ~~كيدهم فقد رفع عيسى بجسمه وروحه لا أنه توفي ثم رفع روحه إليه تعالى فهذا ~~مما لا يحتمله ظاهر الآية بمقتضى السياق فإن الإضراب الواقع في قوله "بل ~~رفعه الله إليه" لا يتم بمجرد رفع الروح بعد الموت الذي يصح أن يجامع القتل ~~والموت حتف الأنف. # فهذا الرفع نوع التخليص الذي خلصه الله به وأنجاه من أيديهم سواء كان ~~توفي عند ذلك بالموت حتف الأنف أو لم يتوف حتف الأنف ولا قتلا وصلبا بل ~~بنحو آخر لا نعرفه أو كان حيا باقيا بإبقاء الله بنحو لا نعرفه فكل ذلك محتمل. # وليس من المستحيل أن يتوفى الله المسيح ويرفعه إليه ويحفظه، أو يحفظ الله ~~حياته على نحو لا ينطبق على العادة الجارية عندنا فليس يقصر عن ذلك سائر ما ~~يقتصه القرآن الكريم من معجزات عيسى نفسه في ولادته وحياته بين قومه، وما ~~يحكيه من معجزات إبراهيم وموسى وصالح وغيرهم، فكل ذلك يجري مجرى واحدا يدل ~~الكتاب العزيز على ثبوتها دلالة لا مدفع لها إلا ما تكلفه بعض الناس من ~~التأويل تحذرا من لزوم خرق العادة وتعطل قانون العلية العام، وقد مر في ~~الجزء الأول من هذا الكتاب استيفاء البحث عن الإعجاز وخرق العادة. # وبعد ذلك كله فالآية التالية لا تخلو عن إشعار أو دلالة على حياته (عليه ~~السلام) ms1707 وعدم توفيه بعد. # قوله تعالى: "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا". "إن" نافية والمبتدأ محذوف يدل عليه الكلام في سياق ~~النفي، والتقدير: وإن أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن، والضمير في قوله "به" ~~وقوله "يكون" راجع إلى عيسى، وأما الضمير في قوله "قبل موته" ففيه خلاف. # فقد قال بعضهم: إن الضمير راجع إلى المقدر من المبتدأ وهو أحد، والمعنى: ~~وكل واحد من أهل الكتاب يؤمن قبل موته بعيسى أي يظهر له قبيل الموت عند ~~الاحتضار أن عيسى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبده حقا وإن ~~كان هذا الإيمان منه إيمانا لا ينتفع به، ويكون عيسى شهيدا عليهم جميعا يوم ~~القيامة سواء آمنوا به إيمانا ينتفع به أو إيمانا لا ينتفع به كمن آمن به ~~عند موته. # ويؤيده أن إرجاع ضمير "قبل موته" إلى عيسى يعود إلى ما ورد في بعض ~~الأخبار أن عيسى حي لم يمت، وأنه ينزل في آخر الزمان فيؤمن به أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى، وهذا يوجب تخصيص عموم قوله "وإن من أهل الكتاب" من غير ~~مخصص، فإن مقتضى الآية على هذا التقدير أن يكون يؤمن بعيسى عند ذلك النزول ~~من السماء الموجودون من أهل الكتاب دون المجموع منهم، ممن وقع بين رفع عيسى ~~ونزوله فمات ولم يدرك زمان نزوله، فهذا تخصيص لعموم الآية من غير مخصص ظاهر. PageV05P077 # وقد قال آخرون: إن الضمير راجع إلى عيسى (عليه السلام) والمراد به إيمانهم ~~به عند نزوله في آخر الزمان من السماء، استنادا إلى الرواية كما سمعت. # هذا ما ذكروه، والذي ينبغي التدبر والإمعان فيه هو أن وقوع قوله "ويوم ~~القيامة يكون عليهم شهيدا" في سياق قوله "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا" ظاهر في أن عيسى شهيد على جميعهم ~~يوم القيامة كما أن جميعهم يؤمنون به قبل الموت، وقد حكى سبحانه قول عيسى ~~في خصوص هذه الشهادة على وجه خاص، ms1708 فقال عنه: "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد": المائدة: 117. # فقصر (عليه السلام) شهادته في أيام حياته فيهم قبل توفيه، وهذه الآية ~~أعني قوله: "وإن من أهل الكتاب" إلخ تدل على شهادته على جميع من يؤمن به ~~فلو كان المؤمن به هو الجميع كان لازمه أن لا يتوفى إلا بعد الجميع، وهذا ~~ينتج المعنى الثاني، وهو كونه (عليه السلام) حيا بعد، ويعود إليهم ثانيا ~~حتى يؤمنوا به. # نهاية الأمر أن يقال: إن من لا يدرك منهم رجوعه إليهم ثانيا يؤمن به عند ~~موته، ومن أدرك ذلك آمن به إيمانا اضطرارا أو اختيارا. # على أن الأنسب بوقوع هذه الآية: "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به" فيما ~~وقع فيه من السياق أعني بعد قوله تعالى "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~- إلى أن قال - بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما" أن تكون الآية في ~~مقام بيان أنه لم يمت وأنه حي بعد إذ لا يتعلق ببيان إيمانهم الاضطراري ~~وشهادته عليهم في غير هذه الصورة غرض ظاهر. # فهذا الذي ذكرناه يؤيد كون المراد بإيمانهم به قبل الموت إيمانهم جميعا ~~به قبل موته (عليه السلام). # لكن هاهنا آيات أخر لا تخلو من إشعار بخلاف ذلك كقوله تعالى: "إذ قال ~~الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين ~~اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة": آل عمران: 55 حيث يدل على أن من ~~الكافرين بعيسى من هو باق إلى يوم القيامة، وكقوله تعالى: "وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا" حيث إن ظاهره أنه نقمة ~~مكتوبة عليهم، فلا يؤمن مجتمعهم بما هو مجتمع اليهود أو مجتمع أهل الكتاب ~~إلى يوم القيامة. # بل ظاهر ذيل قوله "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم" حيث إن ذيله يدل على أنهم باقون بعد توفي عيسى (عليه ~~السلام). # لكن الإنصاف ms1709 أن الآيات لا تنافي ما مر فإن قوله "وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة" لا يدل على بقائهم إلى يوم القيامة على نعت ~~أنهم أهل الكتاب. # وكذا قوله تعالى: "بل طبع الله عليها بكفرهم" الآية إنما يدل على أن ~~الإيمان لا يستوعبهم جميعا، ولو آمنوا في حين من الأحيان شمل الإيمان منهم ~~قليلا من كثير. # على أن قوله "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته" لو دل على ~~إيمانهم به قبل موته فإنما يدل على أصل الإيمان، وأما كونه إيمانا مقبولا ~~غير اضطراري فلا دلالة له على ذلك. # وكذا قوله "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" الآية مرجع الضمير فيه ~~إنما هو الناس دون أهل الكتاب أو النصارى بدليل قوله تعالى في صدر الكلام: ~~"وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله" الآية: المائدة: 116، ويدل على ذلك أيضا أنه (عليه السلام) من أولي ~~العزم من الرسل مبعوث إلى الناس كافة، وشهادته على أعمالهم تعم بني إسرائيل ~~والمؤمنين به وغيرهم. # وبالجملة، الذي يفيده التدبر في سياق الآيات وما ينضم إليها من الآيات ~~المربوطة بها هو أن عيسى (عليه السلام) لم يتوف بقتل أو صلب ولا بالموت حتف ~~الأنف على نحو ما نعرفه من مصداقه - كما تقدمت الإشارة إليه - وقد تكلمنا ~~بما تيسر لنا من الكلام في قوله تعالى "يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي": آل ~~عمران: 55 في الجزء الثالث من هذا الكتاب. # ومن غريب الكلام في هذا الباب ما ذكره الزمخشري في الكشاف: أنه يجوز أن ~~يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمنن به على أن الله يحييهم ~~في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله، وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ~~ينفعهم إيمانهم، وهذا قول بالرجعة. PageV05P078 # وفي معنى الآية بعض وجوه رديئة أخرى: منها: ما يظهر من الزجاج أن ضمير قوله ~~"قبل موته" يرجع إلى الكتابي وأن معنى قوله "وإن من أهل ms1710 الكتاب إلا ليؤمنن ~~به قبل موته" أن جميعهم يقولون: إن عيسى الذي يظهر في آخر الزمان نحن نؤمن به. # وهذا معنى سخيف فإن الآيات مسوقة لبيان دعواهم قتل عيسى (عليه السلام) ~~وصلبه والرد عليهم دون كفرهم به ولا يرتبط ذلك باعترافهم بظهور مسيح في آخر ~~الزمان يحيي أمر شعب إسرائيل حتى يذيل به الكلام. # على أنه لو كان المراد به ذلك لم يكن حاجة إلى ذكر قوله: "قبل موته" ~~لارتفاع الحاجة بدونه، وكذا قوله "ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا" لأنه على ~~هذا التقدير فضل من الكلام لا حاجة إليه. # ومنها: ما ذكره بعضهم أن المراد بالآية: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~بمحمد قبل موت ذلك الكتابي. # وهذا في السخافة كسابقه فإنه لم يجر لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر ~~في سابق الكلام حتى يعود إليه الضمير. # ولا أن المقام يدل على ذلك، فهو قول من غير دليل. # نعم، ورد هذا المعنى في بعض الروايات مما سيمر بك في البحث الروائي ~~التالي لكن ذلك من باب الجري كما سنشير إليه وهذا أمر كثير الوقوع في ~~الروايات كما لا يخفى على من تتبع فيها. # قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" الفاء ~~للتفريع، وقد نكر لفظ الظلم وكأنه للدلالة على تفخيم أمره أو للإبهام، إذ ~~لا يتعلق على تشخيصه غرض مهم وهو بدل مما تقدم ذكره من فجائعهم غير أنه ليس ~~بدل الكل من الكل كما ربما قيل، بل بدل البعض من الكل، فإنه تعالى جعل هذا ~~الظلم منهم سببا لتحريم الطيبات عليهم، ولم تحرم عليهم إلا في شريعة موسى ~~المنزلة في التوراة، وبها تختتم شريعة موسى، وقد ذكر فيما ذكر من فجائعهم ~~ومظالمهم أمور جرت ووقعت بعد ذلك كالبهتان على مريم وغير ذلك. # فالمراد بالظلم بعض ما ذكر من مظالمهم الفجيعة فهو السبب لتحريم ما حرم ~~عليهم من الطيبات بعد إحلالها. # ثم ضم إلى ذلك قوله "وبصدهم عن سبيل الله كثيرا" وهو إعراضهم المتكرر عن ms1711 ~~سبيل الله "وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل". قوله ~~تعالى: "واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما" معطوف على قوله "حرمنا عليهم ~~طيبات" فقد استوجبوا بمظالمهم من الله جزاءين: جزاء دنيوي عام وهو تحريم ~~الطيبات، وجزاء أخروي خاص بالكافرين منهم وهو العذاب الأليم. # قوله تعالى: "لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك" استثناء واستدراك من أهل الكتاب، والراسخون" وما عطف ~~عليه مبتدأ و"يؤمنون" خبره، وقوله "منهم" متعلق بالراسخون و"من" فيه ~~تبعيضية. # والظاهر أن "المؤمنون" يشارك "الراسخون" في تعلق قوله "منهم" به معنى ~~والمعنى: لكن الراسخون في العلم والمؤمنون بالحقيقة من أهل الكتاب يؤمنون ~~بك وبما أنزل من قبلك، ويؤيده التعليل الآتي في قوله "إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده" إلخ، فإن ظاهر الآية كما سيأتي بيان أنهم ~~آمنوا بك لما وجدوا أن نبوتك والوحي الذي أكرمناك به يماثل الوحي الذي ~~جاءهم به الماضون السابقون من أنبياء الله: نوح والنبيون من بعده، ~~والأنبياء من آل إبراهيم، وآل يعقوب، وآخرون ممن لم نقصصهم عليك من غير فرق. # وهذا المعنى - كما ترى - أنسب بالمؤمنين من أهل الكتاب أن يوصفوا به دون ~~المؤمنين من العرب الذين وصفهم الله سبحانه بقوله "لتنذر قوما ما أنذر ~~ءاباؤهم فهم غافلون": يس: 6. # وقوله "والمقيمين الصلاة" معطوف على "الراسخون" ومنصوب على المدح، ومثله ~~في العطف قوله "والمؤتون الزكاة" وقوله "والمؤمنون بالله واليوم الآخر" ~~مبتدأ خبره قوله "أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما" ولو كان قوله "والمقيمين ~~الصلاة" مرفوعا كما نقل عن مصحف ابن مسعود كان هو وما عطف عليه مبتدأ خبره ~~قوله "أولئك". PageV05P079 # قال في المجمع: اختلف في نصب المقيمين فذهب سيبويه والبصريون إلى أنه نصب ~~على المدح على تقدير أعني المقيمين الصلاة، قالوا: إذا قلت، مررت بزيد ~~الكريم وأنت تريد أن تعرف زيدا الكريم من زيد غير الكريم فالوجه الجر، وإذا ~~أردت المدح والثناء فإن شئت نصبت وقلت: مررت بزيد الكريم كأنك قلت: أذكر ~~الكريم، وإن شئت رفعت ms1712 فقلت: الكريم، على تقدير هو الكريم. # وقال الكسائي، موضع المقيمين جر، وهو معطوف "على" ما من قوله "بما أنزل ~~إليك" أي وبالمقيمين الصلاة. # وقال قوم: إنه معطوف على الهاء والميم من قوله "منهم" على معنى: لكن ~~الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقال آخرون: إنه معطوف على ~~الكاف من "قبلك" أي مما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة. # وقيل: إنه معطوف على الكاف في "إليك" أو الكاف في قبلك. # وهذه الأقوال الأخيرة لا تجوز عند البصريين لأنه لا يعطف بالظاهر على ~~الضمير المجرور من غير إعادة الجار. # قال: وأما ما روي عن عروة عن عائشة قال: سألتها عن قوله "والمقيمين ~~الصلاة" وعن قوله "والصابئين" وعن قوله "إن هذان" فقالت: يا ابن أختي هذا ~~عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب، وما روي عن بعضهم: أن في كتاب الله أشياء ~~ستصلحها العرب بألسنتها، قالوا: وفي مصحف ابن مسعود: "والمقيمون الصلاة" ~~فمما لا يلتفت إليه لأنه لو كان كذلك لم يكن ليعلمه الصحابة الناس على ~~الغلط وهم القدوة والذين أخذوه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انتهى. # وبالجملة قوله "لكن الراسخون في العلم" استثناء من أهل الكتاب من حيث ~~لازم سؤالهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينزل عليهم كتابا من ~~السماء كما تقدم أن لازم سؤالهم ذلك أن لا يكفي ما جاءهم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من الكتاب والحكمة المصدقين لما أنزل من قبله من آيات الله ~~على أنبيائه ورسله، في دعوتهم إلى الحق وإثباته، مع أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لم يأتهم إلا مثل ما أتاهم به من قبله من الأنبياء، ولم يعش ~~فيهم ولم يعاشرهم إلا بما عاشوا به وعاشروا به كما قال تعالى "قل ما كنت ~~بدعا من الرسل": الأحقاف: 9 وقال تعالى: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام وما كانوا خالدين - إلى أن قال - لقد أنزلنا إليكم كتابا ms1713 فيه ذكركم ~~أفلا تعقلون": الأنبياء: 10. # فذكر الله سبحانه في فصل من القول: أن هؤلاء السائلين وهم أهل الكتاب ~~ليست عندهم سجية اتباع الحق ولا ثبات ولا عزم ولا رأي، وكم من آية بينة ~~ظلموها، ودعوة حق صدوا عنها، إلا أن الراسخين في العلم منهم لما كان عندهم ~~ثبات على علمهم وما وضح من الحق لديهم، وكذا المؤمنون حقيقة منهم لما كان ~~عندهم سجية اتباع الحق يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك لما وجدوا أن ~~الذي نزل إليك من الوحي يماثل ما نزل من قبلك على سائر النبيين: نوح ومن بعده. # ومن هنا يظهر أولا وجه توصيف من اتبع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~أهل الكتاب بالراسخين في العلم والمؤمنين، فإن الآيات السابقة تقص عنهم ~~أنهم غير راسخين فيما علموا غير مستقرين على شيء من الحق وإن استوثق منهم ~~بأغلظ المواثيق، وأنهم غير مؤمنين بآيات الله صادون عنها وإن جاءتهم ~~البينات، فهؤلاء الذين استثناهم الله راسخون في العلم أو مؤمنون حقيقة. # وثانيا وجه ذكر ما أنزل قبلا مع القرآن في قوله "يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك لأن المقام مقام نفي الفرق بين القبيلين. # وثالثا أن قوله في الآية التالية: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا" إلخ في ~~مقام التعليل لإيمان هؤلاء المستثنين. # قوله تعالى: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده" في ~~مقام التعليل لقوله "يؤمنون بما أنزل إليك" كما عرفت آنفا. PageV05P080 # ومحصل المعنى - والله أعلم - أنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا لم نؤتك أمرا ~~مبتدعا يختص من الدعاوي والجهات بما لا يوجد عند غيرك من الأنبياء ~~السابقين، بل الأمر على نهج واحد لا اختلاف فيه، فإنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، ونوح أول نبي جاء بكتاب وشريعة، وكما ~~أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده من آله، وهم يعرفونهم ويعرفون كيفية بعثتهم ~~ودعوتهم، فمنهم من أوتي بكتاب كداود أوتي زبورا وهو وحي نبوي، وموسى أوتي ~~التكليم وهو وحي نبوي، ms1714 وغيرهما كإسماعيل وإسحاق ويعقوب أرسلوا بغير كتاب، ~~وذلك أيضا عن وحي نبوي. # ويجمع الجميع أنهم رسل مبشرون بثواب الله منذرون بعذابه، أرسلهم الله ~~لإتمام الحجة على الناس ببيان ما ينفعهم وما يضرهم في أخراهم ودنياهم لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. # قوله تعالى: "والأسباط" تقدم في قوله تعالى: "ويعقوب والأسباط": آل ~~عمران: 84 أنهم أنبياء من ذرية يعقوب أو من أسباط بني إسرائيل. # قوله تعالى: "وءاتينا داود زبورا" قيل إنه بمعنى المكتوب من قولهم: زبره ~~أي كتبه فالزبور بمعنى المزبور. # قوله تعالى: "رسلا مبشرين ومنذرين" أحوال ثلاثة أو الأول حال والأخيران ~~وصفان له. # وقد تقدم استيفاء البحث عن معنى إرسال الرسل وتمام الحجة من الله على ~~الناس، وأن العقل لا يغني وحده عن بعثة الأنبياء بالشرائع الإلهية في ~~الكلام على قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة": سورة البقرة: 213 في الجزء ~~الثاني من هذا الكتاب. # قوله تعالى: "وكان الله عزيزا حكيما" وإذا كانت له العزة المطلقة والحكمة ~~المطلقة استحال أن يغلبه أحد بحجة بل له الحجة البالغة، قال تعالى: "قل ~~فلله الحجة البالغة": الأنعام: 149. # قوله تعالى: "لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون"، استدراك آخر في معنى الاستثناء المنقطع من الرد المتعلق بسؤالهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنزيل كتاب إليهم من السماء، فإن الذي ذكر ~~الله تعالى في رد سؤالهم بقوله "فقد سألوا موسى أكبر من ذلك" إلى آخر ~~الآيات لازم معناه أن سؤالهم مردود إليهم، لأن ما جاء به النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بوحي من ربه لا يغاير نوعا ما جاء به سائر النبيين من ~~الوحي، فمن ادعى أنه مؤمن بما جاءوا به فعليه أن يؤمن بما جاء به من غير فرق. # ثم استدرك عنه بأن الله مع ذلك يشهد بما أنزل على نبيه والملائكة يشهدون ~~وكفى بالله شهيدا. # ومتن شهادته قوله "أنزله بعلمه" فإن مجرد النزول لا يكفي في المدعى، لأن ~~من أقسام النزول النزول بوحي من الشياطين، بأن ms1715 يفسد الشيطان أمر الهداية ~~الإلهية فيضع سبيلا باطلا مكان سبيل الله الحق، أو يخلط فيدخل شيئا من ~~الباطل في الوحي الإلهي الحق فيختلط الأمر، كما يشير إلى نفيه بقوله: "عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل ~~شيء عددا": الجن: 28 وقال تعالى: "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم": ~~الأنعام. 121. # وبالجملة فالشهادة على مجرد النزول أو الإنزال لا يخرج الدعوى عن حال ~~الإبهام لكن تقييده بقوله "بعلمه" يوضح المراد كل الوضوح، ويفيد أن الله ~~سبحانه أنزله إلى رسوله وهو يعلم ما ذا ينزل، ويحيط به ويحفظه من كيد ~~الشياطين. # وإذا كانت الشهادة على الإنزال والإنزال إنما هو بواسطة الملائكة كما يدل ~~عليه قوله تعالى: "من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة: 97 ~~وقال تعالى في وصف هذا الملك المكرم: "إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير: 21 فدل على أن تحت أمره ملائكة أخرى ~~وهم الذين ذكرهم إذ قال: "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة ~~مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": عبس: 16. # وبالجملة لكون الملائكة وسائط في الإنزال فهم أيضا شهداء كما أنه تعالى ~~شهيد وكفى بالله شهيدا. PageV05P081 # والدليل على شهادته تعالى ما أنزله في كتابه من آيات التحدي كقوله تعالى: ~~"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا": إسراء: 88 وقوله "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": النساء: 82، وقوله "فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله: يونس. 38. قوله تعالى: "إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا" لما ذكر تعالى الحجة ~~البالغة في رسالة نبيه ونزول كتابه من عند الله، وأنه من سنخ الوحي الذي ~~أوحي إلى النبيين من قبله وأنه مقرون ms1716 بشهادته وشهادة ملائكته وكفى به شهيدا ~~حقق ضلال من كفر به وأعرض عنه كائنا من كان من أهل الكتاب. # وفي الآية تبديل الكتاب الذي كان الكلام في نزوله من عند الله بسبيل الله ~~حيث قال: "وصدوا عن سبيل الله" وفيه إيجاز لطيف كأنه قيل: إن الذين كفروا ~~وصدوا عن هذا الكتاب والوحي الذي يتضمنه فقد كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~والذين كفروا وصدوا عن سبيل الله إلخ. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم" إلخ تحقيق ~~وتثبيت آخر مقامه التأكيد من الآية السابقة، وعلى هذا يكون المراد بالظلم ~~هو الصد عن سبيل الله كما هو ظاهر. # ويمكن أن يكون الآية في مقام التعليل بالنسبة إلى الآية السابقة، يبين ~~فيها وجه ضلالهم البعيد والمعنى ظاهر. PageV05P082 ### |||| AUTO بحث روائي # وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: "وقولهم على مريم بهتانا عظيما": عن ~~ابن بابويه بإسناده عن علقمة عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: ألم ~~ينسبوا مريم بنت عمران إلى أنها حملت بصبي من رجل نجار اسمه يوسف؟ وفي ~~تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإن من أهل الكتاب - إلا ليؤمنن به قبل ~~موته" الآية: قال: حدثني أبي، عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود ~~المنقري، عن أبي حمزة، عن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: يا شهر آية في كتاب ~~الله قد أعيتني فقلت: أيها الأمير أية آية هي؟ فقال: قوله "وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته" والله إني لأمر باليهودي والنصراني فيضرب ~~عنقه ثم أرمقه بعيني فما أراه يحرك شفتيه حتى يخمد، فقلت: أصلح الله الأمير ~~ليس على ما أولت قال: كيف هو: قلت: إن عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى ~~الدنيا، فلا يبقى أهل ملة يهودي ولا غيره إلا آمن به قبل موته، ويصلي خلف ~~المهدي قال: ويحك أنى لك هذا؟ ومن أين جئت به؟ فقلت: حدثني به محمد بن علي ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: والله جئت ms1717 بها من عين ~~صافية وفي الدر المنثور: أخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب قال: قال لي ~~الحجاج: يا شهر آية من كتاب الله ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال ~~الله: "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته" وإني أوتي بالأسارى ~~فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئا، فقلت: رفعت إليك على غير وجهها، إن ~~النصراني إذا خرجت روحه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره وقالوا: أي خبيث ~~إن المسيح الذي زعمت أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة عبد الله وروحه ~~وكلمته فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه، وإن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته ~~الملائكة من قبله ومن دبره، وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك ~~قتلته، عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان، فإذا كان عند نزول ~~عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم: فقال: من أين أخذتها؟ فقلت: من ~~محمد بن علي قال: لقد أخذتها من معدنها. قال شهر: وايم الله ما حدثنيه إلا ~~أم سلمة، ولكني أحببت أن أغيظه: أقول: ورواه أيضا ملخصا عن عبد بن حميد ~~وابن المنذر، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن علي بن أبي طالب وهو ابن الحنفية، ~~والظاهر أنه روى عن محمد بن علي، ثم اختلف الرواة في تشخيص ابن الحنفية أو ~~الباقر (عليه السلام)، والرواية - كما ترى - تؤيد ما قدمناه في بيان معنى ~~الآية وفيه، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم ~~وإمامكم منكم؟. وفيه: أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يقتل ~~الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويقبض المال، وتكون ~~السجدة واحدة لله رب العالمين، واقرءوا إن شئتم: "وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته" موت عيسى بن مريم. ثم يعيدها أبو هريرة ms1718 ثلاث مرات. # أقول: والروايات في نزول عيسى (عليه السلام) عند ظهور المهدي (عليه ~~السلام) مستفيضة من طرق أهل السنة، وكذا من طرق الشيعة عن النبي والأئمة من ~~أهل بيته عليهم الصلاة والسلام. # وفي تفسير العياشي، عن الحارث بن مغيرة: عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~في قول الله "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به - قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا" قال: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV05P083 # أقول: ظاهره وإن كان مخالفا لظاهر سياق الآيات المتعرضة لأمر عيسى (عليه ~~السلام) لكن يمكن أن يراد به بيان جري القرآن، بمعنى أنه بعد ما بعث رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاء بكتاب وشريعة ناسخة لشريعة عيسى كان ~~على كل كتابي أن يؤمن به ويؤمن بعيسى ومن قبله في ضمن الإيمان به، فلو ~~انكشف لكتابي عند الاحتضار مثلا حقية رسالة عيسى بعد بعثة رسول الله محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما ينكشف في ضمن انكشاف حقية رسالة محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، فإيمان كل كتابي لعيسى (عليه السلام) إنما يعد ~~إيمانا إذا آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أصالة وبعيسى (عليه ~~السلام) تبعا، فالذي يؤمن به كل كتابي حقيقة ويكون عليهم يوم القيامة شهيدا ~~هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد بعثته، وإن كان عيسى (عليه السلام) ~~كذلك أيضا فلا منافاة، والخبر التالي لا يخلو من ظهور ما في هذا المعنى. # وفيه، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله في عيسى: ~~"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به - قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا" فقال: إيمان أهل الكتاب إنما هو لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ~~وفيه، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله "وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به - قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا" قال: ليس من أحد من ~~جميع الأديان يموت إلا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ms1719 وأمير ~~المؤمنين (عليه السلام) حقا من الأولين والآخرين. # أقول: وكون الرواية من الجري أظهر. # على أن الرواية غير صريحة في كون ما ذكره (عليه السلام) ناظرا إلى تفسير ~~الآية وتطبيقها، فمن المحتمل أن يكون كلاما أورد في ذيل الكلام على الآية ~~ولذلك نظائر في الروايات. # وفيه، عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول ~~الله: "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، فقال: هذه نزلت فينا ~~خاصة، إنه ليس رجل من ولد فاطمة يموت ولا يخرج من الدنيا حتى يقر للإمام ~~وبإمامته، كما أقر ولد يعقوب ليوسف حين قالوا: "تالله لقد آثرك الله ~~علينا". # أقول: الرواية من الآحاد، وهي مرسلة، وفي معناها روايات مروية في ذيل ~~قوله تعالى: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير": فاطر: 32 ~~سنستوفي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. # وفيه،: في قوله تعالى: "إنا أوحينا إليك - كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده" الآية: عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: إني أوحيت إليك كما أوحيت إلى نوح والنبيين من بعده فجمع له كل وحي. # أقول: الظاهر أن المراد أنه لم يشذ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ ~~الوحي ما يوجب تفرق السبيل وتفاوت الدعوة، لا أن كل ما أوحي به إلى نبي على ~~خصوصياته فقد أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا مما لا ~~معنى له، ولا أن ما أوحي إليك جامع لجميع الشرائع السابقة، فإن الكلام في ~~الآية غير موضوع لإفادة هذا المعنى، ويؤيد ما ذكرناه من المعنى الخبر ~~التالي. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام): قال ~~الله لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده"، وأمر كل نبي بالسبيل والسنة. وفي تفسير العياشي، عن ~~الثمالي عن أبي ms1720 جعفر (عليه السلام) قال: وكان بين آدم وبين نوح من الأنبياء ~~مستخفين ومستعلنين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن ~~من الأنبياء، وهو قول الله عز وجل: "ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما" يعني لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء. أقول: ~~ورواه في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد ~~بن الفضيل، عن أبي حمزة عنه (عليه السلام)، وفيه: من الأنبياء مستخفين، ~~ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء، وهو ~~قول الله عز وجل. "رسلا قد قصصناهم عليك" من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك يعني ~~لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء الحديث. PageV05P084 # والمراد بالرواية على أي حال أن الله تعالى لم يذكر قصة المستخفين أصلا ولا ~~سماهم، كما قص بعض قصص المستعلنين وسمى من سمى منهم. # ومن الجائز أن يكون قوله: "يعني لم أسم" إلخ من كلام الراوي. # وفي تفسير العياشي، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه ~~السلام) يقول: لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا. # أقول: وروى هذا المعنى القمي في تفسيره مسندا عن أبي بصير عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) وهو من قبيل الجري والتطبيق فإن من القرآن ما نزل في ~~ولايته (عليه السلام)، وليس المراد به تحريف الكتاب ولا هو قراءة منه (عليه ~~السلام). # ونظيره ما رواه في الكافي، وتفسير العياشي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، ~~والقمي في تفسيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن الذين كفروا وظلموا ~~آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم الآية وما رواه في المجمع، عن أبي جعفر ~~(عليه السلام): في قوله "قد جاءكم الرسول بالحق" أي بولاية من أمر الله ~~بولايته. PageV05P085 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 170 - 175 # يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فئامنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما فى السموت ms1721 والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يأهل الكتب لا ~~تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فئامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله وحد سبحنه أن يكون له ولد له ما فى ~~السموت وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملئكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ~~جميعا (172) فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (173) يأيها الناس قد جاءكم برهن من ربكم وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى ~~رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صرطا مستقيما (175) ### |||| AUTO بيان # بعد ما أجاب عما اقترحه أهل الكتاب من سؤالهم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تنزيل كتاب من السماء ببيان أن رسوله إنما جاء بالحق من عند ~~ربه، وأن الكتاب الذي جاء به من عند ربه حجة قاطعة لا ريب فيها استنتج منه ~~صحة دعوة الناس كافة إلى نبيه وكتابه. # وقد كان بين فيما بين أن جميع رسله وأنبيائه - وقد ذكر فيهم عيسى - على ~~سنة واحدة متشابهة الأجزاء والأطراف، وهي سنة الوحي من الله فاستنتج منه ~~صحة دعوة النصارى وهم أهل كتاب ووحي إلى أن لا يغلوا في دينهم، وأن يلحقوا ~~بسائر الموحدين من المؤمنين، ويقروا في عيسى بما أقروا به هم وغيرهم في ~~سائر الأنبياء أنهم عباد الله ورسله إلى خلقه. # فأخذ تعالى يدعو الناس كافة إلى الإيمان برسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لأن المبين أولا هو صدق نبوته في قوله "إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده" الآيات. # ثم دعا إلى عدم الغلو في حق عيسى (عليه السلام) لأنه المتبين ثانيا في ~~ضمن الآيات المذكورة ثم دعا إلى اتباع كتابه وهو القرآن الكريم ms1722 لأنه المبين ~~أخيرا في قوله تعالى: "لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه" الآية. # قوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا ~~لكم"، خطاب عام لأهل الكتاب وغيرهم من الناس كافة، متفرع على ما مر من ~~البيان لأهل الكتاب، وإنما عمم الخطاب لصلاحية المدعو إليه وهو الإيمان ~~بالرسول كذلك لعموم الرسالة. # وقوله "خيرا لكم" حال من الإيمان وهي حال لازمة أي حال كون الإيمان من ~~صفته اللازمة أنه خير لكم. # وقوله "وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض"، أي إن تكفروا لم يزد ~~كفركم عليكم شيئا، ولا ينقص من الله سبحانه شيئا، فإن كل شيء مما في ~~السماوات والأرض لله فمن المحال أن يسلب منه تعالى شيء من ملكه فإن في طباع ~~كل شيء مما في السماوات والأرض أنه لله لا شريك له فكونه موجودا وكونه ~~مملوكا شيء واحد بعينه، فكيف يمكن أن ينزع من ملكه تعالى شيء وهو شيء؟. # والآية من الكلمات الجامعة التي كلما أمعنت في تدبرها أفادت زيادة لطف في ~~معناها وسعة عجيبة في تبيانها، فإحاطة ملكه تعالى على الأشياء وآثارها تعطي ~~في الكفر والإيمان والطاعة والمعصية معاني لطيفة، فعليك بزيادة التدبر فيها. PageV05P086 # قوله تعالى: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق"، ظاهر الخطاب بقرينة ما يذكر فيه من أمر المسيح (عليه السلام) أنه ~~خطاب للنصارى، وإنما خوطبوا بأهل الكتاب - وهو وصف مشترك - إشعارا بأن ~~تسميهم بأهل الكتاب يقتضي أن لا يتجاوزوا حدود ما أنزله الله وبينه في ~~كتبه، ومما بينه أن لا يقولوا عليه إلا الحق. # وربما أمكن أن يكون خطابا لليهود والنصارى جميعا، فإن اليهود أيضا ~~كالنصارى في غلوهم في الدين، وقولهم على الله غير الحق، كما قال تعالى: ~~"وقالت اليهود عزير ابن الله: التوبة: 30، وقال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله": التوبة: 31، وقال تعالى: "قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم - إلى أن قال - ولا يتخذ ms1723 بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله": آل عمران: 64. # وعلى هذا فقوله: "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله" إلخ تخصيص في ~~الخطاب بعد التعميم أخذا بتكليف طائفة من المخاطبين بما يخص بهم. # هذا، لكن يبعده أن ظاهر السياق كون قوله: "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول ~~الله"، تعليلا لقوله: "لا تغلوا في دينكم"، ولازمه اختصاص الخطاب بالنصارى ~~وقوله "إنما المسيح" أي المبارك "عيسى بن مريم" تصريح بالاسم واسم الأم ~~ليكون أبعد من التفسير والتأويل بأي معنى مغاير، وليكون دليلا على كونه ~~إنسانا مخلوقا كأي إنسان ذي أم. # "وكلمته ألقاها إلى مريم" تفسير لمعنى الكلمة، فإنه كلمة "كن" التي ألقيت ~~إلى مريم البتول، لم يعمل في تكونه الأسباب العادية كالنكاح والأب، قال ~~تعالى: "إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون": آل عمران: 47 فكل شيء كلمة ~~له تعالى غير أن سائر الأشياء مختلطة بالأسباب العادية، والذي اختص لأجله ~~عيسى (عليه السلام) بوقوع اسم الكلمة هو فقدانه بعض الأسباب العادية في ~~تولده "وروح منه" والروح من الأمر، قال تعالى: "قل الروح من أمر ربي": ~~إسراء: 85 ولما كان عيسى (عليه السلام) كلمة "كن" التكوينية وهي أمر فهو روح. # وقد تقدم البحث عن الآية في الكلام على خلقة المسيح في الجزء الثالث من ~~هذا الكتاب. # قوله تعالى: "فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما ~~الله إله واحد" تفريع على صدر الكلام بما أنه معلل بقوله: "إنما المسيح" ~~إلخ أي فإذا كان كذلك وجب عليكم الإيمان على هذا النحو، وهو أن يكون إيمانا ~~بالله بالربوبية ولرسله - ومنهم عيسى - بالرسالة، ولا تقولوا ثلاثة انتهوا ~~حال كون الانتهاء أو حال كون الإيمان بالله ورسله ونفي الثلاثة خيرا لكم. # والثلاثة هم الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وقد تقدم البحث ~~عن ذلك في الآيات النازلة في أمر المسيح (عليه السلام) من سورة آل عمران. # قوله تعالى: "سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض"، ~~السبحان مفعول مطلق مقدر الفعل، ms1724 يتعلق به قوله: "أن يكون"، وهو منصوب بنزع ~~الخافض، والتقدير: أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها من أن يكون له ولد، والجملة ~~اعتراض مأتي به للتعظيم. # وقوله "له ما في السموات وما في الأرض" حال أو جملة استيناف، وهو على أي ~~حال احتجاج على نفي الولد عنه سبحانه، فإن الولد كيفما فرض هو الذي يماثل ~~المولد في سنخ ذاته متكونا منه، وإذا كان كل ما في السماوات والأرض مملوكا ~~في أصل ذاته وآثاره لله تعالى وهو القيوم لكل شيء وحده فلا يماثله شيء من ~~هذه الأشياء فلا ولد له. # والمقام مقام التعميم لكل ما في الوجود غير الله عز اسمه ولازم هذا أن ~~يكون قوله "ما في السموات وما في الأرض" تعبيرا كنائيا عن جميع ما سوى الله ~~سبحانه إذ نفس السماوات والأرض مشمولة لهذه الحجة، وليست مما في السماوات ~~والأرض بل هي نفسها. # ثم لما كان ما في الآية من أمر ونهي هداية عامة لهم إلى ما هو خير لهم في ~~دنياهم وأخراهم ذيل الكلام بقوله "وكفى بالله وكيلا" أي وليا لشئونكم، ~~مدبرا لأموركم، يهديكم إلى ما هو خير لكم ويدعوكم إلى صراط مستقيم. PageV05P087 # قوله تعالى: "لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون" ~~احتجاج آخر على نفي ألوهية المسيح (عليه السلام) مطلقا سواء فرض كونه ولدا ~~أو أنه ثالث ثلاثة، فإن المسيح عبد لله لن يستنكف أبدا عن عبادته، وهذا مما ~~لا ينكره النصارى، والأناجيل الدائرة عندهم صريحة في أنه كان يعبد الله ~~تعالى، ولا معنى لعبادة الولد الذي هو سنخ إله ولا لعبادة الشيء لنفسه ولا ~~لعبادة أحد الثلاثة لثالثها الذي ينطبق وجوده على كل منها، وقد تقدم الكلام ~~على هذا البرهان في مباحث المسيح (عليه السلام). # وقوله "ولا الملائكة المقربون" تعميم للكلام على الملائكة لجريان الحجة ~~بعينها فيهم وقد قال جماعة من المشركين - كمشركي العرب -: بكونهم بنات الله ~~فالجملة استطرادية. # والتعبير في الآية أعني قوله "لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون" عن ms1725 عيسى (عليه السلام) بالمسيح، وكذا توصيف الملائكة ~~بالمقربين مشعر بالعلية لما فيهما من معنى الوصف، أي إن عيسى لن يستنكف عن ~~عبادته وكيف يستنكف وهو مسيح مبارك؟ ولا الملائكة وهم مقربون؟ ولو رجي فيهم ~~أن يستنكفوا لم يبارك الله في هذا ولا قرب هؤلاء، وقد وصف الله المسيح أيضا ~~بأنه مقرب في قوله: "وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين": آل عمران: 45. # قوله تعالى: "ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا" حال. # من المسيح والملائكة وهو في موضع التعليل أي وكيف يستنكف المسيح ~~والملائكة المقربون عن عبادته والحال أن الذين يستنكفون عن عبادته ~~ويستكبرون من عباده من الإنس والجن والملائكة يحشرون إليه جميعا، فيجزون ~~حسب أعمالهم، والمسيح والملائكة يعلمون ذلك ويؤمنون به ويتقونه. # ومن الدليل على أن قوله: "ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر" إلخ في معنى أن ~~المسيح والملائكة المقربين عالمون بأن المستنكفين يحشرون إليه قوله ~~"ويستكبر" إنما قيد به قوله "ومن يستنكف" لأن مجرد الاستنكاف لا يوجب السخط ~~الإلهي إذا لم يكن عن استكبار كما في الجهلاء والمستضعفين، وأما المسيح ~~والملائكة فإن استنكافهم لا يكون إلا عن استكبار لكونهم عالمين بمقام ربهم، ~~ولذلك اكتفى بذكر الاستنكاف فحسب فيهم، فيكون معنى تعليل هذا بقوله: "ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر"، أنهم عالمون بأن من يستنكف عن عبادته إلخ". # وقوله "جميعا" أي صالحا وطالحا وهذا هو المصحح للتفضيل الذي يتلوه من ~~قوله: "فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات" إلخ. # قوله تعالى: "ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا" التعرض لنفي ~~الولي والنصير مقابلة لما قيل به من ألوهية المسيح والملائكة. # قوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا قال الراغب: البرهان بيان للحجة، وهو فعلان مثل الرجحان والثنيان. # وقال بعضهم: هو مصدر بره يبره إذا ابيض. # انتهى، فهو على أي حال مصدر. # وربما استعمل بمعنى الفاعل كما إذا أطلق على نفس الدليل والحجة. # والمراد بالنور هو القرآن لا محالة بقرينة قوله "وأنزلنا إليكم" ويمكن أن ms1726 ~~يراد بالبرهان أيضا ذلك، والجملتان إذا تؤكد إحداهما الأخرى. # ويمكن أن يراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويؤيده وقوع الآية في ~~ذيل الآيات المبينة لصدق النبي في رسالته، ونزول القرآن من عند الله تعالى، ~~وكون الآية تفريعا لذلك ويؤيده أيضا قوله تعالى في الآية التالية. # "واعتصموا به" لما تقدم في الكلام على قوله "ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم": آل عمران. 101 إن المراد بالاعتصام الأخذ بكتاب الله ~~والاتباع لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به"، بيان لثواب من اتبع ~~برهان ربه والنور النازل من عنده. # والآية كأنها منتزعة من الآية السابقة المبينة لثواب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أعني قوله "فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله"، ولعله لذلك لم يذكر هاهنا جزاء المتخلف من تبعية البرهان ~~والنور، لأنه بعينه ما ذكر في الآية السابقة، فلا حاجة إلى تكراره ثانيا ~~بعد الإشعار بأن جزاء المتبعين هاهنا جزاء المتبعين هنالك، وليس هناك إلا ~~فريقان: المتبعون والمتخلفون. PageV05P088 # وعلى هذا فقوله في هذه الآية: "فسيدخلهم في رحمة منه" يحاذي قوله في تلك ~~الآية: "فيوفيهم أجورهم" وهو الجنة، وأيضا قوله في هذه الآية: "وفضل" يحاذي ~~قوله في تلك الآية: "ويزيدهم من فضله" وأما قوله "ويهديهم إليه صراطا ~~مستقيما" فهو من آثار ما ذكر فيها من الاعتصام بالله كما في قوله: "ومن ~~يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم: آل عمران: 101. PageV05P089 ### ||| AUTO 4 سورة النساء - 176 # يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكللة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شىء عليم (176) ### |||| AUTO بيان # آية تبين فرائض الكلالة من جهة الأبوين أو الأب على ما يفسرها به السنة، ~~كما أن ما ذكر من سهام الكلالة في أول ms1727 السورة سهام كلالة الأم بحسب البيان ~~النبوي، ومن الدليل على ذلك أن الفرائض المذكورة هاهنا أكثر مما ذكر هناك، ~~ومن المستفاد من الآيات أن سهام الذكور أكثر من سهام الإناث. # قوله تعالى: "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ~~ولد"، قد تقدم الكلام في معنى الاستفتاء والإفتاء ومعنى الكلالة في الآيات ~~السابقة من السورة. # وقوله "ليس له ولد" ظاهره الأعم من الذكر والأنثى على ما يفيده إطلاق ~~الولد وحده. # وقال في المجمع:، فمعناه: ليس له ولد ولا والد، وإنما أضمرنا فيه الوالد ~~للإجماع، انتهى. # ولو كان لأحد الأبوين وجود لم تخل الآية من ذكر سهمه فالمفروض عدمهما. # وقوله "وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد" سهم الأخت ~~من أخيها، والأخ من أخته، ومنه يظهر سهم الأخت من أختها والأخ من أخيه، ولو ~~كان للفرضين الأخيرين فريضة أخرى لذكرت. # على أن قوله "وهو يرثها" في معنى قولنا لو انعكس الأمر - أي كان الأخ ~~مكان الأخت - لذهب بالجميع، وعلى أن قوله "فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين" وهو سهم ~~الأختين، وسهم الإخوة لم يقيد فيهما الميت بكونه رجلا أو امرأة فلا دخل ~~لذكور الميت وأنوثته في السهام. # والذي صرحت به الآية من السهام سهم الأخت الواحدة، والأخ الواحد، ~~والأختين، والإخوة المختلطة من الرجال والنساء، ومن ذلك يعلم سهام باقي ~~الفروض: منها: الأخوان يذهبان بجميع المال ويقتسمان بالسوية يعلم ذلك من ~~ذهاب الأخ الواحد بالجميع، ومنها الأخ الواحد مع أخت واحدة، ويصدق عليهما ~~الإخوة كما تقدم في أول السورة فيشمله "وإن كانوا إخوة" على أن السنة مبينة ~~لجميع ذلك. # والسهام المذكورة تختص بما إذا كان هناك كلالة الأب وحده، أو كلالة ~~الأبوين وحده، وأما إذا اجتمعا كالأخت لأبوين مع الأخت لأب. # لم ترث الأخت لأب وقد تقدم ذكره في الكلام على آيات أول السورة. # قوله تعالى: "يبين الله لكم أن تضلوا"، أي حذر ms1728 أن تضلوا، أو لئلا تضلوا ~~وهو شائع في الكلام، قال عمرو بن كلثوم. # "فعجلنا القرى أن تشتمونا". ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: اشتكيت وعندي تسعة أخوات ~~لي أو سبع فدخل علي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنفخ في وجهي فأفقت، ~~فقلت: يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: أحسن، قلت: الشطر؟ قال ~~أحسن، ثم خرج وتركني ورجع إلي فقال: يا جابر إني لا أراك ميتا من وجعك هذا، ~~وإن الله قد أنزل في الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين. قالوا: وكانوا جابر ~~يقول: أنزلت هذه الآية في. # أقول: وروي ما يقرب عنه في الدر المنثور،. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي ~~وابن ضريس وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء قال: آخر ~~سورة نزلت كاملة: براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة. # أقول: وروي فيه عدة روايات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والصحابة كانوا يسمون الآية بآية الصيف، قال في المجمع: وذلك أن الله تعالى ~~أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول هذه السورة، ~~وأخرى في الصيف، وهي هذه الآية. PageV05P090 # وفيه، أخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء قال: سئل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن الكلالة فقال: ما خلا الولد والوالد. وفي تفسير القمي، ~~قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بكير، عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: إذا مات الرجل وله أخت لها نصف ما ترك من الميراث ~~بالآية كما تأخذ البنت لو كانت، والنصف الباقي يرد عليها بالرحم إذا لم يكن ~~للميت وارث أقرب منها، فإن كان موضع الأخت أخ أخذ الميراث كله لقول الله ~~"وهو يرثها إن لم يكن لها ولد" فإن كانتا أختين أخذتا الثلثين بالآية، ~~والثلث الباقي بالرحم، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين، ~~وذلك كله إذا ms1729 لم يكن للميت ولد أو أبوان أو زوجة. # أقول: وروى العياشي في تفسيره ذيل الرواية في عدة أخبار عن أبي جعفر وأبي ~~عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن بكير قال: دخل رجل على أبي جعفر (عليه السلام) ~~فسأله عن امرأة تركت زوجها وإخوتها لأمها وأختا لأب، قال: للزوج النصف: ~~ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأم الثلث: سهمان، وللأخت للأب سهم. فقال الرجل: ~~فإن فرائض زيد وابن مسعود وفرائض العامة والقضاة على غير ذا، يا أبا جعفر! ~~يقولون: للأخت للأب والأم ثلاثة أسهم نصيب من ستة يقول: إلى ثمانية. فقال ~~أبو جعفر: ولم قالوا ذلك؟ قال لأن الله قال: "وله أخت فلها نصف ما ترك" ~~فقال أبو جعفر (عليه السلام): فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجون بأمر ~~الله؟ فإن الله سمى لها النصف، وإن الله سمى للأخ الكل فالكل أكثر من النصف ~~فإنه تعالى قال: "فلها النصف" وقال للأخ: "وهو يرثها" يعني جميع المال "إن ~~لم يكن لها ولد" فلا تعطون الذي جعل الله له الجميع في بعض فرائضكم شيئا ~~وتعطون الذي جعل الله له النصف تاما؟. وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق ~~وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل توفي وترك ابنته ~~وأخته لأبيه وأمه فقال: للبنت النصف وليس للأخت شيء، وما بقي فلعصبته فقيل: ~~إن عمر جعل للأخت النصف فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم الله؟ قال الله: "إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك" فقلتم أنتم: لها النصف وإن ~~كان له ولد. # : أقول: وفي المعاني السابقة روايات أخر PageV05P091 ### || AUTO ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 1 - 3 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة ~~الأنعم إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ~~(1) يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعئر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا ~~القلئد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضونا وإذا حللتم ms1730 ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدون واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلم ذلكم فسق اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتى ورضيت لكم الاسلم دينا فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله ~~غفور رحيم (3) ### |||| AUTO بيان # الغرض الجامع في السورة على ما يعطيه التدبر في مفتتحها ومختتمها، وعامة ~~الآيات الواقعة فيها، والأحكام والمواعظ والقصص التي تضمنتها هو الدعوة إلى ~~الوفاء بالعهود وحفظ المواثيق الحقة كائنة ما كانت، والتحذير البالغ عن ~~نقضها وعدم الاعتناء بأمرها، وأن عادته تعالى جرت بالرحمة والتسهيل ~~والتخفيف على من اتقى وآمن ثم اتقى وأحسن والتشديد على من بغى واعتدى وطغا ~~بالخروج عن ربقة العهد بالطاعة، وتعدى حدود المواثيق المأخوذة عليه في الدين. # ولذلك ترى السورة تشتمل على كثير من أحكام الحدود والقصاص، وعلى مثل قصة ~~المائدة، وسؤال المسيح، وقصة ابني آدم، وعلى الإشارة إلى كثير من مظالم بني ~~إسرائيل ونقضهم المواثيق المأخوذة منهم، وعلى كثير من الآيات التي يمتن ~~الله تعالى فيها على الناس بأمور كإكمال الدين، وإتمام النعمة، وإحلال ~~الطيبات، وتشريع ما يطهر الناس من غير أن يريد بهم الحرج والعسر. # وهذا هو المناسب لزمان نزول السورة إذ لم يختلف أهل النقل أنها آخر سورة ~~مفصلة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أواخر أيام حياته ~~وقد ورد في روايات الفريقين: أنها ناسخة غير منسوخة، والمناسب لذلك تأكيد ~~الوصية بحفظ المواثيق المأخوذة لله تعالى على عباده وللتثبت فيها. # قوله تعالى. # "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" العقود جمع عقد وهو شد أحد شيئين ~~بالآخر نوع شد يصعب معه انفصال أحدهما عن الآخر، كعقد الحبل والخيط بآخر من ~~مثله، ms1731 ولازمه التزام أحدهما الآخر، وعدم انفكاكه عنه، وقد كان معتبرا عندهم ~~في الأمور المحسوسة أولا ثم استعير فعمم للأمور المعنوية كعقود المعاملات ~~الدائرة بينهم من بيع أو إجارة أو غير ذلك، وكجميع العهود والمواثيق فأطلقت ~~عليها الكلمة لثبوت أثر المعنى الذي عرفت أنه اللزوم والالتزام فيها. # ولما كان العقد - وهو العهد - يقع على جميع المواثيق الدينية التي أخذها ~~الله من عباده من أركان وأجزاء كالتوحيد وسائر المعارف الأصلية والأعمال ~~العبادية والأحكام المشروعة تأسيسا أو إمضاء، ومنها عقود المعاملات وغير ~~ذلك، وكان لفظ العقود أيضا جمعا محلى باللام لا جرم كان الأوجه حمل العقود ~~في الآية على ما يعم كل ما يصدق عليه أنه عقد. # وبذلك يظهر ضعف ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالعقود العقود التي ~~يتعاقدها الناس بينهم كعقد البيع والنكاح والعهد، أو يعقدها الإنسان على ~~نفسه كعقد اليمين. # وكذا ما ذكره بعض آخر: أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد ~~بعضهم بعضا فيها على النصرة والمؤازرة على من يقصدهم بسوء أو يبغي عليهم، ~~وهذا هو الحلف الدائر بينهم. PageV05P092 # وكذا ما ذكره آخرون: أن المراد بها المواثيق المأخوذة من أهل الكتاب بالعمل ~~بما في التوراة والإنجيل فهذه وجوه لا دليل على شيء منها من جهة اللفظ. # على أن ظاهر الجمع المحلى باللام وإطلاق العقد عرفا بالنسبة إلى كل عقد ~~وحكم لا يلائمها، فالحمل على العموم هو الأوجه. # كلام في معنى العقد # يدل الكتاب كما ترى من ظاهر قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" على الأمر ~~بالوفاء بالعقود، وهو بظاهره عام يشمل كل ما يصدق عليه العقد عرفا مما ~~يلائم الوفاء. # والعقد هو كل فعل أو قول يمثل معنى العقد اللغوي، وهو نوع ربط شيء بشيء ~~آخر بحيث يلزمه ولا ينفك عنه كعقد البيع الذي هو ربط المبيع بالمشتري ملكا ~~بحيث كان له أن يتصرف فيه ما شاء، وليس للبائع بعد العقد ملك ولا تصرف، ~~وكعقد النكاح الذي يربط المرأة بالرجل بحيث له أن يتمتع منها تمتع النكاح، ~~وليس للمرأة ms1732 أن تمتع غيره من نفسها، وكالعهد الذي يمكن فيه العاهد المعهود ~~له من نفسه فيما عهده وليس له أن ينقضه. # وقد أكد القرآن في الوفاء بالعقد والعهد جميع معانيه وفي جميع معانيه وفي ~~جميع مصاديقه وشدد فيه كل التشديد، وذم الناقضين للمواثيق ذما بالغا، ~~وأوعدهم إيعادا عنيفا ومدح الموفين بعهدهم إذا عاهدوا في آيات كثيرة لا ~~حاجة إلى نقلها. # وقد أرسلت الآيات القول فيه إرسالا يدل على أن ذلك مما يناله الناس ~~بعقولهم الفطرية، وهو كذلك. # وليس ذلك إلا لأن العهد والوفاء به مما لا غنى للإنسان في حياته عنه ~~أبدا، والفرد والمجتمع في ذلك سيان، وإنا لو تأملنا الحياة الاجتماعية التي ~~للإنسان وجدنا جميع المزايا التي نستفيد منها وجميع الحقوق الحيوية ~~الاجتماعية التي نطمئن إليها مبنية على أساس العقد الاجتماعي العام والعقود ~~والعهود الفرعية التي تترتب عليه، فلا نملك من أنفسنا للمجتمعين شيئا ولا ~~نملك منهم شيئا إلا عن عقد عملي وإن لم نأت بقول فإنما القول لحاجة البيان، ~~ولو صح للإنسان أن ينقض ما عقده وعهد به اختيارا لتمكنه منه بقوة أو سلطة ~~أو بطش أو لعذر يعتذر به كان أول ما انتقض بنقضه هو العدل الاجتماعي، وهو ~~الركن الذي يلوذ به ويأوي إليه الإنسان من إسارة الاستخدام والاستثمار. # ولذلك أكد الله سبحانه في حفظ العهد والوفاء به قال تعالى: "وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسئولا": إسراء: 34 والآية تشمل العهد الفردي الذي ~~يعاهد به الفرد الفرد مثل غالب الآيات المادحة للوفاء بالعهد والذامة لنقضه ~~كما تشمل العهد الاجتماعي الدائر بين قوم وقوم وأمة وأمة، بل الوفاء به في ~~نظر الدين أهم منه بالعهد الفردي لأن العدل عنده أتم والبلية في نقضه أعم. # ولذلك أتى الكتاب العزيز في أدق موارده وأهونها نقضا بالمنع عن النقض ~~بأصرح القول وأوضح البيان قال تعالى: "براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله ms1733 إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد": براءة: 5 والآيات كما ~~يدل سياقها نزلت بعد فتح مكة وقد أذل الله رقاب المشركين، وأفنى قوتهم ~~وأذهب شوكتهم، وهي تعزم على المسلمين أن يطهروا الأرض التي ملكوها وظهروا ~~عليها من قذارة الشرك، وتهدر دماء المشركين من دون أي قيد وشرط إلا أن ~~يؤمنوا، ومع ذلك تستثني قوما من المشركين بينهم وبين المسلمين عهد عدم ~~التعرض، ولا تجيز للمسلمين أن يمسوهم بسوء حينما استضعفوا واستذلوا فلا ~~مانع من ناحيتهم يمنع ولا دافع يدفع، كل ذلك احتراما للعهد ومراعاة لجانب ~~التقوى. PageV05P093 # نعم على ناقض العهد بعد عقده أن ينقض العهد الذي نقضه ويتلقى هباء باطلا، ~~اعتداء عليه بمثل ما اعتدى به، قال تعالى: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا ~~لهم إن الله يحب المتقين - إلى أن قال - لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ~~وأولئك هم المعتدون فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون": براءة: 12، ~~وقال تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا ~~الله": البقرة: 149، وقال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان واتقوا الله": المائدة: 2. # وجملة الأمر أن الإسلام يرى حرمة العهد ووجوب الوفاء به على الإطلاق سواء ~~انتفع به العاهد أو تضرر بعد ما أوثق الميثاق فإن رعاية جانب العدل ~~الاجتماعي ms1734 ألزم وأوجب من رعاية أي نفع خاص أو شخصي إلا أن ينقض أحد ~~المتعاهدين عهده فللمتعاهد الآخر نقضه بمثل ما نقضه والاعتداء عليه بمثل ما ~~اعتدى عليه، فإن في ذلك خروجا عن رقية الاستخدام والاستعلاء المذمومة التي ~~ما نهض ناهض الدين إلا لإماطتها. # ولعمري إن ذلك أحد التعاليم العالية التي أتى بها دين الإسلام لهداية ~~الناس إلى رعاية الفطرة الإنسانية في حكمها والتحفظ على العدل الاجتماعي ~~الذي لا ينتظم سلك الاجتماع الإنساني إلا على أساسه وإماطة مظلمة الاستخدام ~~والاستثمار، وقد صرح به الكتاب العزيز وسار به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في سيرته الشريفة، ولو لا أن البحث بحث قرآني لذكرنا لك طرفا من قصصه ~~عليه أفضل الصلاة والسلام في ذلك، وعليك بالرجوع إلى الكتب المؤلفة في ~~سيرته وتاريخ حياته. # وإذا قايست بين ما جرت عليه سنة الإسلام من احترام العهد وما جرت عليه ~~سنن الأمم المتمدنة وغير المتمدنة ولا سيما ما نسمعه ونشاهده كل يوم من ~~معاملة الأمم القوية مع الضعيفة في معاهداتهم ومعاقداتهم وحفظها لها ما درت ~~لهم أو استوجبته مصالح دولتهم ونقضها بما يسمى عذرا وجدت الفرق بين السنتين ~~في رعاية الحق وخدمة الحقيقة. # ومن الحري بالدين ذاك وبسننهم ذلك فإنما هناك منطقان: منطق يقول: إن الحق ~~تجب رعايته كيفما كان وفي رعايته منافع المجتمع، ومنطق يقول: إن منافع ~~الأمة تجب رعايتها بأي وسيلة اتفقت وإن دحضت الحق، وأول المنطقين منطق ~~الدين، وثانيهما منطق جميع السنن الاجتماعية الهمجية أو المتمدنة من السنن ~~الاستبدادية والديموقراطية والشيوعية وغيرها. # وقد عرفت مع ذلك أن الإسلام في عزيمته في ذلك لا يقتصر على العهد المصطلح ~~بل يعمم حكمه إلى كل ما بني عليه بناء ويوصي برعايته ولهذا البحث أذيال ~~ستعثر عليها في مستقبل الكلام إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم" إلخ الإحلال هو ~~الإباحة والبهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر على ما في المجمع، ~~وعلى هذا فإضافة البهيمة إلى ms1735 الأنعام من قبيل إضافة النوع إلى أصنافه ~~كقولنا: نوع الإنسان وجنس الحيوان، وقيل: البهيمة جنين الأنعام، وعليه ~~فالإضافة لامية. # وكيف كان فقوله "أحلت لكم بهيمة الأنعام" أي الأزواج الثمانية أي أكل ~~لحومها، وقوله "إلا ما يتلى عليكم" إشارة إلى ما سيأتي من قوله: "حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به" الآية. # وقوله "غير محلي الصيد وأنتم حرم" حال من ضمير الخطاب في قوله "أحلت لكم" ~~ومفاده حرمة هذا الذي أحل إذا كان اصطياده في حال الإحرام، كالوحشي من ~~الظباء والبقرة والحمر إذا صيدت، وربما قيل: إنه حال من قوله "أوفوا" أو ~~حال من ضمير الخطاب في قوله "يتلى عليكم" والصيد مصدر بمعنى المفعول، كما ~~أن الحرم بضمتين جمع الحرام بمعنى المحرم اسم فاعل. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ~~ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا" ~~خطاب مجدد للمؤمنين يفيد شدة العناية بحرمات الله تعالى. PageV05P094 # والإحلال هو الإباحة الملازمة لعدم المبالاة بالحرمة والمنزلة، ويتعين ~~معناه بحسب ما أضيف إليه: فإحلال شعائر الله عدم احترامها وتركها، وإحلال ~~الشهر الحرام عدم حفظ حرمته والقتال فيه، وهكذا. # والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، وكان المراد بها أعلام الحج ومناسكه. # والشهر الحرام ما حرمه الله من شهور السنة القمرية وهي: المحرم ورجب وذو ~~القعدة وذو الحجة. # والهدي ما يساق للحج من الغنم والبقر والإبل. # والقلائد جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدي في عنقه من نعل ونحوه ليعلم ~~أنه هدي للحج فلا يتعرض له. # والآمين جمع آم اسم فاعل من أم إذا قصد، والمراد به القاصدون لزيارة ~~البيت الحرام. # وقوله "يبتغون فضلا"، حال من "آمين" والفضل هو المال، أو الربح المالي ~~فقد أطلق عليه في قوله تعالى "فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء": ~~آل عمران: 147 وغير ذلك أو هو الأجر الأخروي أو الأعم من المال والأجر. # وقد اختلفوا في تفسير الشعائر والقلائد وغيرهما من مفردات ms1736 الآية على ~~أقوال شتى، والذي آثرنا ذكره هو الأنسب لسياق الآية، ولا جدوى في التعرض ~~لتفاصيل الأقوال. # قوله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا" أمر واقع بعد الحظر لا يدل على أزيد ~~من الإباحة بمعنى عدم المنع، والحل والإحلال - مجردا ومزيدا فيه - بمعنى ~~وهو الخروج من الإحرام. # قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا" ~~يقال: جرمه يجرمه أي حمله، ومنه الجريمة للمعصية لأنها محمولة من حيث ~~وبالها، وللعقوبة المالية وغيرها لأنها محمولة على المجرم. # وذكر الراغب أن الأصل في معناها القطع. # والشنآن العداوة والبغض. # وقوله "أن صدوكم" أي منعوكم بدل أو عطف بيان من الشنآن، ومحصل معنى ~~الآية: ولا يحملنكم عداوة قوم وهو أن منعوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~عليهم بعد ما أظهركم الله عليهم. # قوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" ~~المعنى واضح، وهذا أساس السنة الإسلامية، وقد فسر الله سبحانه البر في ~~كلامه بالإيمان والإحسان في العبادات والمعاملات، كما مر في قوله تعالى: ~~"ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر" الآية: البقرة: 177 وقد تقدم الكلام فيه. # والتقوى مراقبة أمر الله ونهيه، فيعود معنى التعاون على البر والتقوى إلى ~~الاجتماع على الإيمان والعمل الصالح على أساس تقوى الله، وهو الصلاح ~~والتقوى الاجتماعيان، ويقابله التعاون على الإثم الذي هو العمل السيىء ~~المستتبع للتأخر في أمور الحياة السعيدة، وعلى العدوان وهو التعدي على حقوق ~~الناس الحقة بسلب الأمن من نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وقد مر شطر من ~~الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا" الآية: آل عمران: 200 في الجزء الرابع من هذا الكتاب. # ثم أكد سبحانه نهيه عن الاجتماع على الإثم والعدوان بقوله: "واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب" وهو في الحقيقة تأكيد على تأكيد. # قوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به" هذه الأربعة مذكورة فيما نزل من القرآن قبل هذه السورة كسورتي الأنعام ~~والنحل ms1737 وهما مكيتان، وسورة البقرة وهي أول سورة مفصلة نازلة بالمدينة قال ~~تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم": الأنعام: 154 وقال تعالى: "إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم": البقرة: 137. # والآيات جميعا - كما ترى - تحرم هذه الأربعة المذكورة في صدر هذه الآية ~~وتماثل الآية أيضا في الاستثناء الواقع في ذيلها بقوله: "فمن اضطر في مخمصة ~~غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم" فآية المائدة بالنسبة إلى هذه المعاني ~~المشتركة بينها وبين تلك مؤكدة لتلك الآيات. PageV05P095 # بل النهي عنها وخاصة عن الثلاثة الأول أعني الميتة والدم ولحم الخنزير أسبق ~~تشريعا من نزول سورتي الأنعام والنحل المكيتين، فإن آية الأنعام تعلل تحريم ~~الثلاثة أو خصوص لحم الخنزير بأنه رجس، فتدل على تحريم أكل الرجز، وقد قال ~~تعالى في سورة المدثر - وهي من السور النازلة في أول البعثة -: "والرجز ~~فاهجر": المدثر: 5. # وكذلك ما عده تعالى بقوله "والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع" جميعا من مصاديق الميتة بدليل قوله "إلا ما ذكيتم" فإنما ذكرت ~~في الآية لنوع عناية بتوضيح أفراد الميتة ومزيد بيان للمحرمات من الأطعمة ~~من غير أن تتضمن الآية فيها على تشريع حديث. # وكذلك ما عده الله تعالى بقوله "وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ~~ذلكم فسق" فإنهما وإن كانا أول ما ذكرا في هذه السورة لكنه تعالى علل ~~تحريمهما أو تحريم الثاني منهما - على احتمال ضعيف - بالفسق، وقد حرم الفسق ~~في آية الأنعام، وكذا قوله "غير متجانف لإثم" يدل على تحريم ما ذكر في ~~الآية لكونه إثما، وقد دلت آية البقرة على تحريم الإثم، وقال تعالى أيضا: ~~"وذروا ظاهر الإثم وباطنه": الأنعام: 102، وقال تعالى: قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ms1738 ما ظهر منها وما بطن والإثم": الأعراف: 33. # فقد اتضح وبان أن الآية لا تشتمل فيما عدته من المحرمات على أمر جديد غير ~~مسبوق بالتحريم فيما تقدم عليها من الآيات المكية أو المدنية المتضمنة ~~تعداد محرمات الأطعمة من اللحوم ونحوها. # قوله تعالى: "والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ~~ما ذكيتم" المنخنقة هي البهيمة التي تموت بالخنق، وهو أعم من أن يكون عن ~~اتفاق أو بعمل عامل اختيارا، ومن أن يكون بأي آلة ووسيلة كانت كحبل يشد على ~~عنقها ويسد بضغطة مجرى تنفسها، أو بإدخال رأسها بين خشبتين، كما كانت هذه ~~الطريقة وأمثالها دائرة بينهم في الجاهلية. # والموقوذة هي التي تضرب حتى تموت، والمتردية هي التي تردت أي سقطت من ~~مكان عال كشاهق جبل أو بئر ونحوهما. # والنطيحة هي التي ماتت عن نطح نطحها به غيرها، وما أكل السبع هي التي ~~أكلها أي أكل من لحمها السبع فإن الأكل يتعلق بالمأكول سواء أفنى جميعه أو ~~بعضه والسبع هو الوحش الضاري كالأسد والذئب والنمر ونحوها. # وقوله "إلا ما ذكيتم" استثناء لما يقبل التذكية بمعنى فري الأوداج ~~الأربعة منها كما إذا كانت فيها بقية من الحياة يدل عليها مثل حركة ذنب أو ~~أثر تنفس ونحو ذلك والاستثناء كما ذكرنا آنفا متعلق بجميع ما يقبله من ~~المعدودات من دون أن يتقيد بالتعلق بالأخير من غير دليل عليه. # وهذه الأمور الخمسة أعني المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع كل ذلك من أفراد الميتة ومصاديقها، بمعنى أن المتردية أو النطيحة ~~مثلا إنما تحرمان إذا ماتتا بالتردي والنطح، والدليل على ذلك قوله: "إلا ما ~~ذكيتم" فإن من البديهي أنهما لا تؤكلان ما دامت الروح في جثمانهما، وإنما ~~تؤكلان بعد زهوقها وحينئذ فإما أن تذكيا أو لا، وقد استثنى الله سبحانه ~~التذكية فلم يبق للحرمة إلا إذا ماتتا عن ترد أو نطح من غير تذكية، وأما لو ~~تردت شاة - مثلا - في بئر ثم أخرجت سليمة مستقيمة الحال فعاشت قليلا أو ~~كثيرا ثم ماتت حتف أنفها أو ms1739 ذكيت بذبح فلا تطلق عليها المتردية، يدل على ~~ذلك السياق فإن المذكورات فيها ما إذا هلكت، واستند هلاكها إلى الوصف الذي ~~ذكر لها كالانخناق والوقذ والتردي والنطح. # والوجه في تخصيص هذه المصاديق من الميتة بالذكر رفع ما ربما يسبق إلى ~~الوهم أنها ليست ميتة بناء على أنها أفراد نادرة منها والذهن يسبق غالبا ~~إلى الفرد الشائع، وهو ما إذا ماتت بمرض ونحوه من غير أن يكون لمفاجاة سبب ~~من خارج، فصرح تعالى بهذه الأفراد والمصاديق النادرة بأسمائها حتى يرتفع ~~اللبس وتتضح الحرمة. # قوله تعالى: "وما ذبح على النصب" قال الراغب في المفردات:، نصب الشيء ~~وضعه وضعا ناتئا كنصب الرمح والبناء والحجر، والنصيب الحجارة تنصب على ~~الشيء، وجمعه نصائب ونصب، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها قال: "كأنهم ~~إلى نصب يوفضون"، قال: "وما ذبح على النصب" وقد يقال في جمعه: أنصاب قال ~~والأنصاب والأزلام". والنصب والنصب: التعب. PageV05P096 # فالمراد من النهي عن أكل لحوم ما ذبح على النصب أن يستن بسنن الجاهلية في ~~ذلك فإنهم كانوا نصبوا حول الكعبة أحجارا يقدسونها ويذبحون عليها، وكان من ~~سنن الوثنية. # قوله تعالى: "وأن تستقسموا بالأزلام" والأزلام هي القداح، والاستقسام ~~بالقداح أن يؤخذ جزور - أو بهيمة أخرى - على سهام ثم يضرب بالقداح في تشخيص ~~من له سهم ممن لا سهم له، وفي تشخيص نفس السهام المختلفة وهو الميسر، وقد ~~مر شرحه عند قوله تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر" الآية: البقرة: 291 في ~~الجزء الثاني من هذا الكتاب. # قال الراغب: القسم إفراز النصيب يقال: قسمت كذا قسما وقسمة، وقسمة ~~الميراث وقسمة الغنيمة تفريقهما على أربابهما، قال: "لكل باب منهم جزء ~~مقسوم" "ونبئهم أن الماء قسمة بينهم" واستقسمته سألته أن يقسم، ثم قد ~~يستعمل في معنى قسم قال: "وأن تستقسموا بالأزلام"، وما ذكره من كون استقسم ~~بمعنى قسم إنما هو بحسب الانطباق مصداقا، والمعنى بالحقيقة طلب القسمة ~~بالأزلام التي هي آلات هذا الفعل، فاستعمال الآلة طلب لحصول الفعل المترتب ~~عليها فيصدق الاستفعال. # فالمراد بالاستقسام بالأزلام المنهي عنه على ms1740 ظاهر السياق هو ضرب القداح ~~على الجزور ونحوه للذهاب بما في لحمه من النصيب. # وأما ما ذكره بعضهم أن المراد بالاستقسام بالأزلام الضرب بالقداح ~~لاستعلام الخير والشر في الأفعال، وتمييز النافع منها من الضار كمن يريد ~~سفرا أو ازدواجا أو شروعا في عمل أو غير ذلك فيضرب بالقداح لتشخيص ما فيه ~~الخير منها مما لا خير فيه قالوا: وكان ذلك دائرا بين عرب الجاهلية، وذلك ~~نوع من الطيرة، وسيأتي زيادة شرح له في البحث الروائي التالي - ففيه: أن ~~سياق الآية يأبى عن حمل اللفظ على الاستقسام بهذا المعنى، وذلك أن الآية - ~~وهي مقام عد محرمات الأطعمة، وقد أشير إليها قبلا في قوله: "إلا ما يتلى ~~عليكم" - تعد من محرماتها عشرا، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ~~ذبح على النصب، ثم تذكر الاستقسام بالأزلام الذي من معناه قسمة اللحم ~~بالمقامرة، ومن معناه استعلام الخير والشر في الأمور، فكيف يشك بعد ذلك ~~السياق الواضح والقرائن المتوالية في تعين حمل اللفظ على استقسام اللحم ~~قمارا وهل يرتاب عارف بالكلام في ذلك. # نظير ذلك أن العمرة مصدر بمعنى العمارة، ولها معنى آخر وهو زيارة البيت ~~الحرام، فإذا أضيف إلى البيت صح كل من المعنيين لكن لا يحتمل في قوله ~~تعالى: "وأتموا الحج والعمرة لله": البقرة: 191. إلا المعنى الأول، ~~والأمثلة في ذلك كثيرة. # وقوله: "ذلكم فسق" يحتمل الإشارة إلى جميع المذكورات، والإشارة إلى ~~الأخيرين المذكورين بعد قوله: "إلا ما ذكيتم" لحيلولة الاستثناء، والإشارة ~~إلى الأخير ولعل الأوسط خير الثلاثة. # قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون" أمر ~~الآية في حلولها محلها ثم في دلالتها عجيب، فإنك إذا تأملت صدر الآية أعني ~~قوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة والدم - إلى قوله: - ذلكم فسق" وأضفت إليه ~~ذيلها أعني قوله: "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم" ~~وجدته كلاما تاما غير متوقف في تمام معناه وإفادة المراد منه إلى ms1741 شيء من ~~قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" إلخ أصلا، وألفيته آية كاملة ~~مماثلة لما تقدم عليها في النزول من الآيات الواقعة في سورة الأنعام والنحل ~~والبقرة المبينة لمحرمات الطعام، ففي سورة البقرة: "إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ~~عليه إن الله غفور رحيم" ويماثله ما في سورتي الأنعام والنحل. # وينتج ذلك أن قوله: "اليوم يئس الذين كفروا" إلخ كلام معترض موضوع في وسط ~~هذه الآية غير متوقف عليه لفظ الآية في دلالتها وبيانها، سواء قلنا: إن ~~الآية نازلة في وسط الآية فتخللت بينها من أول ما نزلت، أو قلنا إن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أمر كتاب الوحي بوضع الآية في هذا ~~الموضع مع انفصال الآيتين واختلافهما نزولا. PageV05P097 # أو قلنا: إنها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند التأليف من غير أن تصاحبها ~~نزولا، فإن شيئا من هذه الاحتمالات لا يؤثر أثرا فيما ذكرناه من كون هذا ~~الكلام المتخلل معترضا إذا قيس إلى صدر الآية وذيلها. # ويؤيد ذلك أن جل الروايات الواردة في سبب النزول - لو لم يكن كلها، وهي ~~أخبار جمة - يخص قوله: "اليوم يئس الذين كفروا" إلخ بالذكر من غير أن يتعرض ~~لأصل الآية أعني قوله: "حرمت عليكم الميتة"، أصلا، وهذا يؤيد أيضا نزول ~~قوله: "اليوم يئس" إلخ نزولا مستقلا منفصلا عن الصدر والذيل، وإن وقوع ~~الآية في وسط الآية مستند إلى تأليف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ~~إلى تأليف المؤلفين بعده. # ويؤيده ما رواه في الدر المنثور، عن عبد بن حميد عن الشعبي قال: نزل على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية وهو بعرفة: "اليوم أكملت لكم ~~دينكم" وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة، قال: وكان جبرئيل يعلمه كيف ينسك. # ثم إن هاتين الجملتين أعني قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" ~~وقوله: "اليوم أكملت لكم دينكم متقاربتان مضمونا، مرتبطتان مفهوما بلا ريب، ms1742 ~~لظهور ما بين يأس الكفار من دين المسلمين وبين إكمال دين المسلمين من ~~الارتباط القريب، وقبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركبا مضمونا واحدا مرتبط ~~الأجزاء، متصل الأطراف بعضها ببعض، مضافا إلى ما بين الجملتين من الاتحاد ~~في السياق. # ويؤيد ذلك ما نرى أن السلف والخلف من مفسري الصحابة والتابعين والمتأخرين ~~إلى يومنا هذا أخذوا الجملتين متصلتين يتم بعضهما، بعضا وليس ذلك إلا لأنهم ~~فهموا من هاتين الجملتين ذلك، وبنوا على نزولهما معا، واجتماعهما من حيث ~~الدلالة على مدلول واحد. # وينتج ذلك أن هذه الآية المعترضة أعني قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم - إلى قوله: - ورضيت لكم الإسلام دينا" كلام واحد متصل بعض أجزائه ~~ببعض مسوق لغرض واحد قائم بمجموع الجملتين من غير تشتت سواء قلنا بارتباطه ~~بالآية المحيطة بها أو لم نقل، فإن ذلك لا يؤثر البتة في كون هذا المجموع ~~كلاما واحدا معترضا لا كلامين ذوي غرضين، وإن اليوم المتكرر في قوله: ~~"اليوم يئس الذين كفروا"، وفي قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم"، أريد به يوم ~~واحد يئس فيه الكفار وأكمل فيه الدين. # ثم ما المراد بهذا اليوم الواقع في قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا ~~من دينكم فلا تخشوهم"؟ فهل المراد به زمان ظهور الإسلام ببعثة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ودعوته فيكون المراد أن الله أنزل إليكم الإسلام، ~~وأكمل لكم الدين وأتم عليكم النعمة وأيأس منكم الكفار؟. # لا سبيل إلى ذلك لأن ظاهر السياق أنه كان لهم دين كان الكفار يطمعون في ~~إبطاله أو تغييره، وكان المسلمون يخشونهم على دينهم فأيأس الله الكافرين ~~مما طمعوا فيه وآمن المسلمين وأنه كان ناقصا فأكمله الله وأتم نعمته عليهم ~~ولم يكن لهم قبل الإسلام دين حتى يطمع فيه الكفار أو يكمله الله ويتم نعمته عليهم. # على أن لازم ما ذكر من المعنى أن يتقدم قوله: "اليوم أكملت"، على قوله: ~~"اليوم يئس الذين كفروا"، حتى يستقيم الكلام في نظمه. # أو أن المراد باليوم هو ما بعد فتح مكة حيث أبطل الله ms1743 فيه كيد مشركي قريش ~~وأذهب شوكتهم، وهدم فيه بنيان دينهم، وكسر أصنامهم فانقطع رجاؤهم أن يقوموا ~~على ساق، ويضادوا الإسلام ويمانعوا نفوذ أمره وانتشار صيته. # لا سبيل إلى ذلك أيضا فإن الآية تدل على إكمال الدين وإتمام النعمة ولما ~~يكمل الدين بفتح مكة - وكان في السنة الثامنة من الهجرة - فكم من فريضة ~~نزلت بعد ذلك، وكم من حلال أو حرام شرع فيما بينه وبين رحلة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # على أن قوله: "الذين كفروا يعم جميع مشركي العرب ولم يكونوا جميعا آيسين ~~من دين المسلمين، ومن الدليل عليه أن كثيرا من المعارضات والمواثيق على عدم ~~التعرض كانت باقية بعد على اعتبارها واحترامها، وكانوا يحجون حجة الجاهلية ~~على سنن المشركين، وكانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة حتى بعث رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) بآيات البراءة فأبطل ~~بقايا رسوم الجاهلية. PageV05P098 # أو أن المراد باليوم ما بعد نزول البراءة من الزمان حيث انبسط الإسلام على ~~جزيرة العرب تقريبا، وعفت آثار الشرك، وماتت سنن الجاهلية فما كان المسلمون ~~يرون في معاهد الدين ومناسك الحج أحدا من المشركين، وصفا لهم الأمر، ~~وأبدلهم الله بعد خوفهم أمنا يعبدونه ولا يشركون به شيئا. # لا سبيل إلى ذلك فإن مشركي العرب وإن أيسوا من دين المسلمين بعد نزول ~~آيات البراءة وطي بساط الشرك من الجزيرة وإعفاء رسوم الجاهلية إلا أن الدين ~~لم يكمل بعد وقد نزلت فرائض وأحكام بعد ذلك ومنها ما في هذه السورة: سورة ~~المائدة، وقد اتفقوا على نزولها في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وفيها شيء كثير من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص. # فتحصل أنه لا سبيل إلى احتمال أن يكون المراد باليوم في الآية معناه ~~الوسيع مما يناسب مفاد الآية بحسب بادىء النظر كزمان ظهور الدعوة الإسلامية ~~أو ما بعد فتح مكة من الزمان، أو ما بعد نزول آيات البراءة فلا سبيل إلا أن ~~يقال: إن المراد باليوم يوم نزول الآية نفسها، وهو يوم ms1744 نزول السورة إن كان ~~قوله: "اليوم يئس الذين كفروا"، معترضا مرتبطا بحسب المعنى بالآية المحيطة ~~بها، أو بعد نزول سورة المائدة في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وذلك لمكان قوله تعالى: "اليوم أكملت". # فهل المراد باليوم يوم فتح مكة بعينه؟ أو يوم نزول البراءة بعينه؟ يكفي ~~في فساده ما تقدم من الإشكالات الواردة على الاحتمال الثاني والثالث ~~المتقدمين. # أو أن المراد باليوم هو يوم عرفة من حجة الوداع كما ذكره كثير من ~~المفسرين وبه ورد بعض الروايات؟ فما المراد من يأس الذين كفروا يومئذ من ~~دين المسلمين فإن كان المراد باليأس من الدين يأس مشركي قريش من الظهور على ~~دين المسلمين فقد كان ذلك يوم الفتح عام ثمانية لا يوم عرفة من السنة ~~العاشرة، وإن كان المراد يأس مشركي العرب من ذلك فقد كان ذلك عند نزول ~~البراءة وهو في السنة التاسعة من الهجرة، وإن كان المراد به يأس جميع ~~الكفار الشامل لليهود والنصارى والمجوس وغيرهم - وذلك الذي يقتضيه إطلاق ~~قوله: "الذين كفروا" - فهؤلاء لم يكونوا آيسين من الظهور على المسلمين بعد، ~~ولما يظهر للإسلام قوة وشوكة وغلبة في خارج جزيرة العرب اليوم. # ومن جهة أخرى يجب أن نتأمل فيما لهذا اليوم - وهو يوم عرفة تاسع ذي الحجة ~~سنة عشر من الهجرة - من الشأن الذي يناسب قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي" في الآية. # فربما أمكن أن يقال: إن المراد به إكمال أمر الحج بحضور النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بنفسه فيه، وتعليمه الناس تعليما عمليا مشفوعا بالقول. # لكن فيه أن مجرد تعليمه الناس مناسك حجهم - وقد أمرهم بحج التمتع ولم ~~يلبث دون أن صار مهجورا، وقد تقدمه تشريع أركان الدين من صلاة وصوم وحج ~~وزكاة وجهاد وغير ذلك - لا يصح أن يسمى إكمالا للدين، وكيف يصح أن يسمى ~~تعليم شيء من واجبات الدين إكمالا لذلك الواجب فضلا عن أن يسمى تعليم واجب ~~من واجبات الدين لمجموع الدين. # على أن هذا الاحتمال يوجب انقطاع ms1745 رابطة الفقرة الأولى أعني قوله: "اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم بهذه الفقرة أعني قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" ~~وأي ربط ليأس الكفار عن الدين بتعليم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~حج التمتع للناس. # وربما أمكن أن يقال إن المراد به إكمال الدين بنزول بقايا الحلال والحرام ~~في هذا اليوم في سورة المائدة، فلا حلال بعده ولا حرام، وبإكمال الدين ~~استولى اليأس على قلوب الكفار، ولاحت آثاره على وجوههم. # لكن يجب أن نتبصر في تمييز هؤلاء الكفار الذين عبر عنهم في الآية بقوله: ~~"الذين كفروا" على هذا التقدير وأنهم من هم؟ فإن أريد بهم كفار العرب فقد ~~كان الإسلام عمهم يومئذ ولم يكن فيهم من يتظاهر بغير الإسلام وهو الإسلام ~~حقيقة، فمن هم الكفار الآيسون؟. # وإن أريد بهم الكفار من غيرهم كسائر العرب من الأمم والأجيال فقد عرفت ~~آنفا أنهم لم يكونوا آيسين يومئذ من الظهور على المسلمين. PageV05P099 # ثم نتبصر في أمر انسداد باب التشريع بنزول سورة المائدة وانقضاء يوم عرفة ~~فقد وردت روايات كثيرة لا يستهان بها عددا بنزول أحكام وفرائض بعد اليوم ~~كما في آية الصيف وآيات الربا، حتى أنه روي عن عمر أنه قال في خطبة خطبها: ~~من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه مات رسول الله ولم يبينه لنا، فدعوا ~~ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، الحديث وروى البخاري في الصحيح، عن ابن عباس ~~قال: آخر آية نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية الربا، إلى غير ~~ذلك من الروايات. # وليس للباحث أن يضعف الروايات فيقدم الآية عليها، لأن الآية ليست بصريحة ~~ولا ظاهرة في كون المراد باليوم فيها هذا اليوم بعينه وإنما هو وجه محتمل ~~يتوقف في تعينه على انتفاء كل احتمال ينافيه، وهذه الأخبار لا تقصر عن ~~الاحتمال المجرد عن السند. # أو يقال: إن المراد بإكمال الدين خلوص البيت الحرام لهم، وإجلاء المشركين ~~عنه حتى حجه المسلمون وهم لا يخالطهم المشركون. # وفيه: أنه قد كان صفا الأمر للمسلمين فيما ذكر ms1746 قبل ذلك بسنة، فما معنى ~~تقييده باليوم في قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم"؟ على أنه لو سلم كون هذا ~~الخلوص إتماما للنعمة لم يسلم كونه إكمالا للدين، وأي معنى لتسمية خلوص ~~البيت إكمالا للدين، وليس الدين إلا مجموعة من عقائد وأحكام، وليس إكماله ~~إلا أن يضاف إلى عدد أجزائها وأبعاضها عدد؟ وأما صفاء الجو لإجرائها، ~~وارتفاع الموانع والمزاحمات عن العمل بها فليس يسمى إكمالا للدين البتة. # على أن إشكال يأس الكفار عن الدين على حاله. # ويمكن أن يقال: إن المراد من إكمال الدين بيان هذه المحرمات بيانا ~~تفصيليا ليأخذ به المسلمون، ويجتنبوها ولا يخشوا الكفار في ذلك لأنهم قد ~~يئسوا من دينهم بإعزاز الله المسلمين، وإظهار دينهم وتغليبهم على الكفار. # توضيح ذلك أن حكمة الاكتفاء في صدر الإسلام بذكر المحرمات الأربعة أعني ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به الواقعة في بعض السور ~~المكية وترك تفصيل ما يندرج فيها مما كرهه الإسلام للمسلمين من سائر ما ذكر ~~في هذه الآية إلى ما بعد فتح مكة إنما هي التدرج في تحريم هذه الخبائث ~~والتشديد فيها كما كان التدريج في تحريم الخمر لئلا ينفر العرب من الإسلام، ~~ولا يروا فيه حرجا يرجون به رجوع من آمن من فقرائهم وهم أكثر السابقين ~~الأولين. # جاء هذا التفصيل للمحرمات بعد قوة الإسلام، وتوسعة الله على أهله ~~وإعزازهم وبعد أن يئس المشركون بذلك من نفور أهله منه، وزال طمعهم في ~~الظهور عليهم، وإزالة دينهم بالقوة القاهرة، فكان المؤمنون أجدر بهم أن لا ~~يبالوهم بالمداراة، ولا يخافوهم على دينهم وعلى أنفسهم. # فالمراد باليوم يوم عرفة من عام حجة الوداع، وهو اليوم الذي نزلت فيه هذه ~~الآية المبينة لما بقي من الأحكام التي أبطل بها الإسلام بقايا مهانة ~~الجاهلية وخبائثها وأوهامها، والمبشرة بظهور المسلمين على المشركين ظهورا ~~تاما لا مطمع لهم في زواله، ولا حاجة معه إلى شيء من مداراتهم أو الخوف من ~~عاقبة أمرهم. # فالله سبحانه يخبرهم في الآية أن الكفار أنفسهم قد يئسوا من ms1747 زوال دينهم ~~وأنه ينبغي لهم - وقد بدلهم بضعفهم قوة، وبخوفهم أمنا، وبفقرهم غنى - أن لا ~~يخشوا غيره تعالى، وينتهوا عن تفاصيل ما نهى الله عنه في الآية ففيها كمال دينهم. # كذا ذكره بعضهم بتلخيص ما في النقل. # وفيه: أن هذا القائل أراد الجمع بين عدة من الاحتمالات المذكورة ليدفع ~~بكل احتمال ما يتوجه إلى الاحتمال الآخر من الإشكال فتورط بين المحاذير ~~برمتها وأفسد لفظ الآية ومعناها جميعا. # فذهل عن أن المراد باليأس إن كان هو اليأس المستند إلى ظهور الإسلام ~~وقوته وهو ما كان بفتح مكة أو بنزول آيات البراءة لم يصح أن يقال يوم عرفة ~~من السنة العاشرة: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" وقد كانوا يئسوا قبل ~~ذلك بسنة أو سنتين، وإنما اللفظ الوافي له أن يقال: قد يئسوا كما عبر به ~~القائل نفسه في كلامه في توضيح المعنى أو يقال: إنهم آيسون. PageV05P100 # وذهل عن أن هذا التدرج الذي ذكره في محرمات الطعام، وقاس تحريمها بتحريم ~~الخمر إن أريد به التدرج من حيث تحريم بعض الأفراد بعد بعض فقد عرفت أن ~~الآية لا تشتمل على أزيد مما تشتمل عليه آيات التحريم السابقة نزولا على ~~هذه الآية أعني آيات البقرة والأنعام والنحل، وأن المنخنقة والموقوذة إلخ ~~من أفراد ما ذكر فيها. # وإن أريد به التدرج من حيث البيان الإجمالي والتفصيلي خوفا من امتناع ~~الناس من القبول ففي غير محله، فإن ما ذكر بالتصريح في السور السابقة على ~~المائدة أعني الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به أغلب مصداقا، ~~وأكثر ابتلاء، وأوقع في قلوب الناس من أمثال المنخنقة والموقوذة وغيرها، ~~وهي أمور نادرة التحقق وشاذة الوجود، فما بال تلك الأربعة وهي أهم وأوقع ~~وأكثر يصرح بتحريمها من غير خوف من ذلك ثم يتقي من ذكرها ما لا يعبأ بأمره ~~بالإضافة إليها فيتدرج في بيان حرمتها، ويخاف من التصريح بها. # على أن ذلك لو سلم لم يكن إكمالا للدين، وهل يصح أن يسمى تشريع الأحكام ~~دينا وإبلاغها وبيانها إكمالا ms1748 للدين؟ ولو سلم فإنما ذلك إكمال لبعض الدين ~~وإتمام لبعض النعمة لا للكل والجميع، وقد قال تعالى: "اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي" فأطلق القول من غير تقييد. # على أنه تعالى قد بين أحكاما كثيرة في أيام كثيرة، فما بال هذا الحكم في ~~هذا اليوم خص بالمزية فسماه الله أو سمى بيانه تفصيلا بإشمال الدين وإتمام ~~النعمة. # أو أن المراد بإكمال الدين إكماله بسد باب التشريع بعد هذه الآية المبينة ~~لتفصيل محرمات الطعام، فما شأن الأحكام النازلة ما بين نزول المائدة ورحلة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ بل ما شأن سائر الأحكام النازلة بعد هذه ~~الآية في سورة المائدة؟ تأمل فيه. # وبعد ذلك كله ما معنى قوله تعالى: "ورضيت لكم الإسلام دينا" - وتقديره: ~~اليوم رضيت إلخ - لو كان المراد بالكلام الامتنان بما ذكر في الآية من ~~المحرمات يوم عرفة من السنة العاشرة؟ وما وجه اختصاص هذا اليوم بأن الله ~~سبحانه رضي فيه الإسلام دينا، ولا أمر يختص به اليوم مما يناسب هذا الرضا؟. # وبعد ذلك كله يرد على هذا الوجه أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه ~~السابقة أو ما يقرب منها مما تقدم بيانه ولا نطيل بالإعادة. # أو أن المراد باليوم واحد من الأيام التي بين عرفة وبين ورود النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) المدينة على بعض الوجوه المذكورة في معنى يأس الكفار ~~ومعنى إكمال الدين. # وفيه من الإشكال ما يرد على غيره على التفصيل المتقدم. # فهذا شطر من البحث عن الآية بحسب السير فيما قيل أو يمكن أن يقال في ~~توجيه معناها، ولنبحث عنها من طريق آخر يناسب طريق البحث الخاص بهذا ~~الكتاب. # قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم" - واليأس يقابل ~~الرجاء، والدين إنما نزل من عند الله تدريجا - يدل على أن الكفار قد كان ~~لهم مطمع في دين المسلمين وهو الإسلام، وكانوا يرجون زواله بنحو منذ عهد ~~وزمان، وإن أمرهم ذلك كان يهدد الإسلام حينا بعد حين، وكان الدين منهم على ~~خطر يوما ms1749 بعد يوم، وإن ذلك كان من حقه أن يحذر منه ويخشاه المؤمنون. # فقوله: "فلا تخشوهم"، تأمين منه سبحانه للمؤمنين مما كانوا منه على خطر، ~~ومن تسر به على خشية، قال تعالى: "ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم": آل ~~عمران: 69، وقال تعالى: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم ومن بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى ~~يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير": البقرة: 190. # والكفار لم يكونوا يتربصون الدوائر بالمسلمين إلا لدينهم، ولم يكن يضيق ~~صدورهم وينصدع قلوبهم إلا من جهة أن الدين كان يذهب بسؤددهم وشرفهم ~~واسترسالهم في اقتراف كل ما تهواه طباعهم، وتألفه وتعتاد به نفوسهم، ويختم ~~على تمتعهم بكل ما يشتهون بلا قيد وشرط. PageV05P101 # فقد كان الدين هو المبغوض عندهم دون أهل الدين إلا من جهة دينهم الحق فلم ~~يكن في قصدهم إبادة المسلمين وإفناء جمعهم بل إطفاء نور الله وتحكيم أركان ~~الشرك المتزلزلة المضطربة به، ورد المؤمنين كفارا كما مر في قوله: "لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا" الآية قال تعالى: "يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون": الصف: 9. # وقال تعالى: "فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون": المؤمن: 14. # ولذلك لم يكن لهم هم إلا أن يقطعوا هذه الشجرة الطيبة من أصلها، ويهدموا ~~هذا البنيان الرفيع من أسه بتفتين المؤمنين وتسرية النفاق في جماعتهم وبث ~~الشبه والخرافات بينهم لإفساد دينهم. # وقد كانوا يأخذون بادىء الأمر يفترون عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ويستمحقون همته في الدعوة الدينية بالمال والجاه، كما يشير إليه قوله ~~تعالى: "وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد": ~~ص: 6 أو بمخالطة أو مداهنة، كما يشير إليه قوله: "ودوا لو تدهن فيدهنون": ~~القلم: 9، وقوله: "ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا": ~~إسراء: 74، وقوله: ms1750 "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد": الكافرون: 3 على ما ورد في أسباب النزول. # وكان آخر ما يرجونه في زوال الدين، وموت الدعوة المحقة، أنه سيموت بموت ~~هذا القائم بأمره ولا عقب له، فإنهم كانوا يرون أنه ملك في صورة النبوة، ~~وسلطنة في لباس الدعوة والرسالة، فلو مات أو قتل لانقطع أثره ومات ذكره ~~وذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين والجبابرة أنهم مهما بلغ ~~أمرهم من التعالي والتجبر وركوب رقاب الناس فإن ذكرهم يموت بموتهم، وسننهم ~~وقوانينهم الحاكمة بين الناس وعليهم تدفن معهم في قبورهم، يشير إلى رجائهم ~~هذا قوله تعالى: "إن شانئك هو الأبتر:" الكوثر: 3 على ما ورد في أسباب ~~النزول. # فقد كان هذه وأمثالها أماني تمكن الرجاء من نفوسهم، وتطمعهم في إطفاء نور ~~الدين، وتزين لأوهامهم أن هذه الدعوة الطاهرة ليست إلا أحدوثة ستكذبه ~~المقادير ويقضي عليها ويعفو أثرها مرور الأيام والليالي، لكن ظهور الإسلام ~~تدريجا على كل ما نازله من دين وأهله، وانتشار صيته، واعتلاء كلمته بالشوكة ~~والقوة قضى على هذه الأماني فيئسوا من إفساد عزيمة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وإيقاف همته عند بعض ما كان يريده، وتطميعه بمال أو جاه. # قوة الإسلام وشوكته أيأستهم من جميع تلك الأسباب أسباب: - الرجاء - إلا ~~واحدا، وهو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقطوع العقب لا ولد له تخلفه في ~~أمره، ويقوم على ما قام عليه من الدعوة الدينية فسيموت دينه بموته، وذلك أن ~~من البديهي أن كمال الدين من جهة أحكامه ومعارفه - وإن بلغ ما بلغ - لا ~~يقوى بنفسه على حفظ نفسه، وأن سنة من السنن المحدثة والأديان المتبعة لا ~~تبقى على نضارتها وصفائها لا بنفسها ولا بانتشار صيتها ولا بكثرة المنتحلين ~~بها، كما أنها لا تنمحي ولا تنطمس بقهر أو جبر أو تهديد أو فتنة أو عذاب أو ~~غير ذلك إلا بموت حملتها وحفظتها والقائمين بتدبير أمرها. # ومن جميع ما تقدم يظهر أن تمام ms1751 يأس الكفار إنما كان يتحقق عند الاعتبار ~~الصحيح بأن ينصب الله لهذا الدين من يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في حفظه وتدبير أمره، وإرشاد الأمة القائمة به فيتعقب ذلك يأس الذين ~~كفروا من دين المسلمين لما شاهدوا خروج الدين عن مرحلة القيام بالحامل ~~الشخصي إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي، ويكون ذلك إكمالا للدين بتحويله ~~من صفة الحدوث إلى صفة البقاء، وإتماما لهذه النعمة، وليس يبعد أن يكون ~~قوله تعالى: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ~~إن الله على كل شيء قدير": البقرة: 190 باشتماله على قوله: "حتى يأتي"، ~~إشارة إلى هذا المعنى. PageV05P102 # وهذا يؤيد ما ورد من الروايات أن الآية نزلت يوم غدير خم، وهو اليوم الثامن ~~عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة في أمر ولاية علي (عليه السلام)، وعلى ~~هذا فيرتبط الفقرتان أوضح الارتباط، ولا يرد عليه شيء من الإشكالات ~~المتقدمة. # ثم إنك بعد ما عرفت معنى اليأس في الآية تعرف أن اليوم: "في قوله اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم ظرف متعلق بقوله: "يئس" وإن التقديم للدلالة على ~~تفخيم أمر اليوم، وتعظيم شأنه، لما فيه من خروج الدين من مرحلة القيام ~~بالقيم الشخصي إلى مرحلة القيام بالقيم النوعي، ومن صفة الظهور والحدوث إلى ~~صفة البقاء والدوام. # ولا يقاس الآية بما سيأتي من قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات" الآية فإن ~~سياق الآيتين مختلف فقوله: "اليوم يئس"، في سياق الاعتراض، وقوله: "اليوم ~~أحل"، في سياق الاستيناف، والحكمان مختلفان: فحكم الآية الأولى تكويني ~~مشتمل على البشرى من وجه والتحذير من وجه آخر، وحكم الثانية تشريعي منبىء ~~عن الامتنان. # فقوله: "اليوم يئس"، يدل على تعظيم أمر اليوم لاشتماله على خير عظيم ~~الجدوى وهو يأس الذين كفروا من دين المؤمنين، والمراد بالذين كفروا - كما ~~تقدمت الإشارة إليه - مطلق الكفار من الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم ~~لمكان الإطلاق. # وأما ms1752 قوله: "فلا تخشوهم واخشون" فالنهي إرشادي لا مولوي، معناه أن لا ~~موجب للخشية بعد يأس الذين كنتم في معرض الخطر من قبلهم - ومن المعلوم أن ~~الإنسان لا يهم بأمر بعد تمام اليأس من الحصول عليه ولا يسعى إلى ما يعلم ~~ضلال سعيه فيه - فأنتم في أمن من ناحية الكفار، ولا ينبغي لكم مع ذلك ~~الخشية منهم على دينكم فلا تخشوهم واخشوني. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "واخشون" بمقتضى السياق أن اخشوني فيما ~~كان عليكم أن تخشوهم فيه لو لا يأسهم وهو الدين ونزعه من أيديكم، وهذا نوع ~~تهديد للمسلمين كما هو ظاهر، ولهذا لم نحمل الآية على الامتنان. # ويؤيد ما ذكرنا أن الخشية من الله سبحانه واجب على أي تقدير من غير أن ~~يتعلق بوضع دون وضع، وشرط دون شرط، فلا وجه للإضراب من قوله: "فلا تخشوهم" ~~إلى قوله: "واخشون" لو لا أنها خشية خاصة في مورد خاص. # ولا تقاس الآية بقوله تعالى: "فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين": آل ~~عمران: 157 لأن الأمر بالخوف من الله في تلك الآية مشروط بالإيمان، والخطاب ~~مولوي، ومفاده أنه لا يجوز للمؤمنين أن يخافوا الكفار على أنفسهم بل يجب أن ~~يخافوا الله سبحانه وحده. # فالآية تنهاهم عما ليس لهم بحق وهو الخوف منهم على أنفسهم سواء أمروا ~~بالخوف من الله أم لا، ولذلك يعلل ثانيا الأمر بالخوف من الله بقيد مشعر ~~بالتعليل، وهو قوله: "إن كنتم مؤمنين" وهذا بخلاف قوله: "فلا تخشوهم ~~واخشون" فإن خشيتهم هذه خشية منهم على دينهم، وليست بمبغوضة لله سبحانه ~~لرجوعها إلى ابتغاء مرضاته بالحقيقة، بل إنما النهي عنها لكون السبب الداعي ~~إليها - وهو عدم يأس الكفار منه - قد ارتفع وسقط أثره فالنهي عنه إرشادي، ~~فكذا الأمر بخشية الله نفسه، ومفاد الكلام أن من الواجب أن تخشوا في أمر ~~الدين، لكن سبب الخشية كان إلى اليوم مع الكفار فكنتم تخشونهم لرجائهم في ~~دينكم وقد يئسوا اليوم وانتقل السبب إلى ما عند الله فاخشوه وحده فافهم ذلك. # فالآية لمكان ms1753 قوله: "فلا تخشوهم واخشون" لا تخلو عن تهديد وتحذير، لأن ~~فيه أمرا بخشية خاصة دون الخشية العامة التي تجب على المؤمن على كل تقدير ~~وفي جميع الأحوال فلننظر في خصوصية هذه الخشية، وأنه ما هو السبب الموجب ~~لوجوبها والأمر بها؟. # لا إشكال في أن الفقرتين أعني قوله. # "اليوم يئس"، وقوله: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، في ~~الآية مرتبطان مسوقتان لغرض واحد، وقد تقدم بيانه فالدين الذي أكمله الله ~~اليوم، والنعمة التي أتمها اليوم - وهما أمر واحد بحسب الحقيقة - هو الذي ~~كان يطمع فيه الكفار ويخشاهم فيه المؤمنون فأيأسهم الله منه وأكمله وأتمه ~~ونهاهم عن أن يخشوهم فيه، فالذي أمرهم بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه ~~وهو أن ينزع الله الدين من أيديهم، ويسلبهم هذه النعمة الموهوبة. PageV05P103 # وقد بين الله سبحانه أن لا سبب لسلب النعمة إلا الكفر بها، وهدد الكفور أشد ~~التهديد، قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم": الأنفال: 53 وقال تعالى: "ومن يبدل ~~نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب": البقرة: 211 وضرب مثلا ~~كليا لنعمه وما يئول إليه أمر الكفر بها فقال و"ضرب الله مثلا قرية كانت ~~ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون": النحل: 121. # فالآية أعني قوله: "اليوم يئس - إلى قوله - دينا" تؤذن بأن دين المسلمين ~~في أمن من جهة الكفار، مصون من الخطر المتوجه من قبلهم، وأنه لا يتسرب إليه ~~شيء من طوارق الفساد والهلاك إلا من قبل المسلمين أنفسهم، وإن ذلك إنما ~~يكون بكفرهم بهذه النعمة التامة، ورفضهم هذا الدين الكامل المرضي، ويومئذ ~~يسلبهم الله نعمته ويغيرها إلى النقمة، ويذيقهم لباس الجوع والخوف، وقد ~~فعلوا وفعل. # ومن أراد الوقوف على مبلغ صدق هذه الآية في ملحمتها المستفادة من قوله: ~~"فلا تخشوهم واخشون" فعليه أن يتأمل فيما استقر عليه حال العالم الإسلامي ~~اليوم ثم ms1754 يرجع القهقرى بتحليل الحوادث التاريخية حتى يحصل على أصول القضايا ~~وأعراقها. # ولآيات الولاية في القرآن ارتباط تام بما في هذه الآية من التحذير ~~والإيعاد ولم يحذر الله العباد عن نفسه في كتابه إلا في باب الولاية، فقال ~~فيها مرة بعد مرة: "ويحذركم الله نفسه": آل عمران: 0382 وتعقيب هذا البحث ~~أزيد من هذا خروج عن طور الكتاب. # قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا" الإكمال والإتمام متقاربا المعنى، قال الراغب: كمال الشيء ~~حصول ما هو الغرض منه. # وقال: تمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه. # والناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه. # ولك أن تحصل على تشخيص معنى اللفظين من طريق آخر، وهو أن آثار الأشياء ~~التي لها آثار على ضربين. # فضرب منها ما يترتب على الشيء عند وجود جميع أجزائه - إن كان له أجزاء - ~~بحيث لو فقد شيئا من أجزائه أو شرائطه لم يترتب عليه ذلك الأمر كالصوم فإنه ~~يفسد إذا أخل بالإمساك في بعض النهار، ويسمى كون الشيء على هذا الوصف ~~بالتمام، قال تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل": البقرة: 178 وقال: "وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا": الأنعام: 151. # وضرب آخر: الأثر الذي يترتب على الشيء من غير توقف على حصول جميع أجزائه، ~~بل أثر المجموع كمجموع آثار الأجزاء، فكلما وجد جزء ترتب عليه من الأثر ما ~~هو بحسبه، ولو وجد الجميع ترتب عليه كل الأثر المطلوب منه، قال تعالى: "فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة": البقرة: ~~169 وقال: "ولتكملوا العدة": البقرة: 158 فإن هذا العدد يترتب الأثر على ~~بعضه كما يترتب على كله، ويقال: تم لفلان أمره وكمل عقله: ولا يقال تم عقله ~~وكمل أمره. # وأما الفرق بين الإكمال والتكميل، وكذا بين الإتمام والتتميم فإنما هو ~~الفرق بين بابي الإفعال والتفعيل، وهو أن الإفعال بحسب الأصل يدل على ~~الدفعة والتفعيل على التدريج، وإن كان التوسع الكلامي أو التطور اللغوي ~~ربما ms1755 يتصرف في البابين بتحويلهما إلى ما يبعد من مجرى المجرد أو من أصلهما ~~كالإحسان والتحسين، والإصداق والتصديق، والإمداد والتمديد والإفراط ~~والتفريط، وغير ذلك، فإنما هي معان طرأت بحسب خصوصيات الموارد ثم تمكنت في ~~اللفظ بالاستعمال. # وينتج ما تقدم أن قوله: "أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" يفيد أن ~~المراد بالدين هو مجموع المعارف والأحكام المشرعة وقد أضيف إلى عددها اليوم ~~شيء وإن النعمة أيا ما كانت أمر معنوي واحد كأنه كان ناقصا غير ذي أثر فتمم ~~وترتب عليه الأثر المتوقع منه. # والنعمة بناء نوع وهي ما يلائم طبع الشيء من غير امتناعه منه، والأشياء ~~وإن كانت بحسب وقوعها في نظام التدبير متصلة مرتبطة متلائما بعضها مع بعض، ~~وأكثرها أو جميعها نعم إذا أضيفت إلى بعض آخر مفروض كما قال تعالى: "وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34 وقال: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة": لقمان: 20. PageV05P104 # إلا أنه تعالى وصف بعضها بالشر والخسة واللعب واللهو وأوصاف أخر غير ممدوحة ~~كما قال: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين": آل عمران: 187، وقال: "وما هذه الحيوة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان": العنكبوت: 64، وقال: ~~"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس ~~المهاد": آل عمران: 179 إلى غير ذلك. # والآيات تدل على أن هذه الأشياء المعدودة نعما إنما تكون نعمة إذا وافقت ~~الغرض الإلهي من خلقتها لأجل الإنسان فإنها إنما خلقت لتكون إمدادا إلهيا ~~للإنسان يتصرف فيها في سبيل سعادته الحقيقية، وهي القرب منه سبحانه ~~بالعبودية والخضوع للربوبية، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون": الذاريات: 56. # فكل ما تصرف فيه الإنسان للسلوك به إلى حضرة القرب من الله وابتغاء ~~مرضاته فهو نعمة، وإن انعكس الأمر عاد نقمة في حقه، فالأشياء في نفسها عزل، ~~وإنما هي نعمة لاشتمالها على روح العبودية، ودخولها من حيث التصرف المذكور ~~تحت ولاية الله التي هي تدبير الربوبية لشئون العبد، ms1756 ولازمه أن النعمة ~~بالحقيقة هي الولاية الإلهية، وأن الشيء إنما يصير نعمة إذا كان مشتملا على ~~شيء منها، قال تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور": ~~البقرة: 275، وقال تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم": محمد: 11 وقال في حق رسوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما": ~~النساء: 65 إلى غير ذلك. # فالإسلام وهو مجموع ما نزل من عند الله سبحانه ليعبده به عباده دين، وهو ~~من جهة اشتماله - من حيث العمل به - على ولاية الله وولاية رسوله وأولياء ~~الأمر بعده نعمة. # ولا يتم ولاية الله سبحانه أي تدبيره بالدين لأمور عباده إلا بولاية ~~رسوله، ولا ولاية رسوله إلا بولاية أولي الأمر من بعده، وهي تدبيرهم لأمور ~~الأمة الدينية بإذن من الله قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم": النساء: 59 وقد مر الكلام في معنى ~~الآية، وقال: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ~~ويؤتون الزكوة وهم راكعون": المائدة: 55 وسيجيء الكلام في معنى الآية إن ~~شاء الله تعالى. # فمحصل معنى الآية: اليوم - وهو اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من دينكم ~~- أكملت لكم مجموع المعارف الدينية التي أنزلتها إليكم بفرض الولاية، ~~وأتممت عليكم نعمتي وهي الولاية التي هي إدارة أمور الدين وتدبيرها تدبيرا ~~إلهيا، فإنها كانت إلى اليوم ولاية الله ورسوله، وهي أنما تكفي ما دام ~~الوحي ينزل، ولا تكفي لما بعد ذلك من زمان انقطاع الوحي، ولا رسول بين ~~الناس يحمي دين الله ويذب عنه بل من الواجب أن ينصب من يقوم بذلك، وهو ولي ~~الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القيم على أمور الدين ~~والأمة. # فالولاية مشروعة واحدة، كانت ناقصة غير تامة حتى إذا تمت بنصب ولي الأمر ~~بعد النبي. # وإذا كمل الدين في تشريعه، وتمت نعمة الولاية فقد رضيت لكم من حيث الدين ms1757 ~~الإسلام الذي هو دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا الله ولا يطاع فيه - ~~والطاعة عبادة - إلا الله ومن أمر بطاعته من رسول أو ولي. # فالآية تنبىء عن أن المؤمنين اليوم في أمن بعد خوفهم، وأن الله رضي لهم ~~أن يتدينوا بالإسلام الذي هو دين التوحيد فعليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا بطاعة غير الله أو من أمر بطاعته. # وإذا تدبرت قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر ~~بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون": النور: 55 ثم طبقت فقرات الآية على فقرات ~~قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" إلخ وجدت آية سورة المائدة ~~من مصاديق إنجاز الوعد الذي يشتمل عليه آية سورة النور على أن يكون قوله: ~~"يعبدونني لا يشركون بي شيئا" مسوقا سوق الغاية كما ربما يشعر به قوله: ~~"ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون". PageV05P105 # وسورة النور قبل المائدة نزولا كما يدل عليه اشتمالها على قصة الإفك وآية ~~الجد وآية الحجاب وغير ذلك. # قوله تعالى: "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم" ~~المخمصة هي المجاعة، والتجانف هو التمايل من الجنف بالجيم وهو ميل القدمين ~~إلى الخارج مقابل الحنف بالحاء الذي هو ميلهما إلى الداخل. # وفي سياق الآية دلالة أولا على أن الحكم حكم ثانوي اضطراري، وثانيا على ~~أن التجويز والإباحة مقدر بمقدار يرتفع به الاضطرار ويسكن به ألم الجوع، ~~وثالثا على أن صفة المغفرة ومثلها الرحمة كما تتعلق بالمعاصي المستوجبة ~~للعقاب كذلك يصح أن تتعلق بمنشئها، وهو الحكم الذي يستتبع مخالفته تحقق ~~عنوان المعصية الذي يستتبع العقاب. ### |||| AUTO بحث علمي في فصول ثلاثة # 1 - العقائد في أكل اللحم: # لا ريب أن الإنسان كسائر الحيوان والنبات مجهز بجهاز التغذي يجذب به إلى ~~نفسه من الأجزاء المادية ما يمكنه أن يعمل فيه ما ينضم بذلك إلى ms1758 بدنه ~~وينحفظ به بقاؤه، فلا مانع له بحسب الطبع من أكل ما يقبل الإزدراد والبلع ~~إلا أن يمتنع منه لتضرر أو تنفر. # أما التضرر فهو كان يجد المأكول يضر ببدنه ضرا جسمانيا لمسمومية ونحوها ~~فيمتنع عندئذ عن الأكل، أو يجد الأكل يضر ضرا معنويا كالمحرمات التي في ~~الأديان والشرائع المختلفة، وهذا القسم امتناع عن الأكل فكري. # وأما التنفر فهو الاستقذار الذي يمتنع معه الطبع عن القرب منه كما أن ~~الإنسان لا يأكل مدفوع نفسه لاستقذاره إياه، وقد شوهد ذلك في بعض الأطفال ~~والمجانين، ويلحق بذلك ما يستند إلى عوامل اعتقادية كالمذهب أو السنن ~~المختلفة الرائجة في المجتمعات المتنوعة مثل أن المسلمين يستقذرون لحم ~~الخنزير، والنصارى يستطيبونه، ويتغذى الغربيون من أنواع الحيوانات أجناسا ~~كثيرة يستقذرها الشرقيون كالسرطان والضفدع والفأر وغيرها، وهذا النوع من ~~الامتناع امتناع بالطبع الثاني والقريحة المكتسبة. # فتبين أن الإنسان في التغذي باللحوم على طرائق مختلفة ذات عرض عريض من ~~الاسترسال المطلق إلى الامتناع، وأن استباحته ما استباح منها اتباع للطبع ~~كما أن امتناعه عما يمتنع عنه أنما هو عن فكر أو طبع ثانوي. # وقد حرمت سنة بوذا أكل لحوم الحيوانات عامة، وهذا تفريط يقابله في جانب ~~الإفراط ما كان دائرا بين أقوام متوحشين من إفريقية وغيرها إنهم كانوا ~~يأكلون أنواع اللحوم حتى لحم الإنسان. # وقد كانت العرب تأكل لحوم الأنعام وغيرها من الحيوان حتى أمثال الفأر ~~والوزغ، وتأكل من الأنعام ما قتلته بذبح ونحوه، وتأكل غير ذلك كالميتة ~~بجميع أقسامها كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وكان ~~القائل منهم يقول: ما لكم تأكلون مما قتلتموه ولا تأكلون مما قتله الله؟! ~~كما ربما يتفوه بمثله اليوم كثيرون؟ يقول قائلهم: ما الفارق بين اللحم ~~واللحم إذا لم يتضرر به بدن الإنسان ولو بعلاج طبي فنى فجهاز التغذي لا ~~يفرق بين هذا وذاك. # وكانت العرب أيضا تأكل الدم، كانوا يملئون المعى من الدم ويشوونه ~~ويطعمونه الضيف، وكانوا إذا أجدبوا جرحوا إبلهم بالنصال وشربوا ما ينزل من ~~الدم، وأكل الدم رائج ms1759 اليوم بين كثير من الأمم غير المسلمة. # وأهل الصين من الوثنية أوسع منهم سنة، فهم - على ما ينقل - يأكلون أصناف ~~الحيوان حتى الكلب والهر وحتى الديدان والأصداف وسائر الحشرات. # وقد أخذ الإسلام في ذلك طريقا وسطا فأباح من اللحوم ما تستطيعه الطباع ~~المعتدلة من الإنسان، ثم فسره في ذوات الأربع بالبهائم كالضأن والمعز ~~والبقر والإبل على كراهية في بعضها كالفرس والحمار، وفي الطير - بغير ~~الجوارح - مما له حوصلة ودفيف ولا مخلب له، وفي حيوان البحر ببعض أنواع ~~السمك على التفصيل المذكور في كتب الفقه. # ثم حرم دماءها وكل ميتة منها وما لم يذك بالإهلال به لله عز اسمه، والغرض ~~في ذلك أن تحيا سنة الفطرة، وهي إقبال الإنسان على أصل أكل اللحم، ويحترم ~~الفكر الصحيح والطبع المستقيم اللذين يمتنعان من تجويز ما فيه الضرر نوعا، ~~وتجويز ما يستقذر ويتنفر منه. # 2 - كيف أمر بقتل الحيوان والرحمة تأباه؟ PageV05P106 # ربما يسأل السائل فيقول إن الحيوان ذو روح شاعرة بما يشعر به الإنسان من ~~ألم العذاب ومرارة الفناء والموت وغريزة حب الذات التي تبعثنا إلى الحذر من ~~كل مكروه والفرار من ألم العذاب والموت تستدعي الرحمة لغيرنا من أفراد ~~النوع لأنه يؤلمهم ما يؤلمنا، ويشق عليهم ما يشق علينا، والنفوس سواء. # وهذا القياس جار بعينه في سائر أنواع الحيوان، فكيف يسوغ لنا أن نعذبهم ~~بما نتعذب به، ونبدل لهم حلاوة الحياة من مرارة الموت، ونحرمهم نعمة البقاء ~~التي هي أشرف نعمة؟ والله سبحانه أرحم الراحمين فكيف يسع رحمته أن يأمر ~~بقتل حيوان ليلتذ به إنسان وهما جميعا في أنهما خلقه سواء؟. # والجواب عنه أنه من تحكيم العواطف على الحقائق والتشريع إنما يتبع ~~المصالح الحقيقية دون العواطف الوهمية. # توضيح ذلك أنك إذا تتبعت الموجودات التي تحت مشاهدتك بالميسور مما عندك ~~وجدتها في تكونها وبقائها تابعة لناموس التحول، فما من شيء إلا وفي إمكانه ~~أن يتحول إلى آخر، وأن يتحول الآخر إليه بغير واسطة أو بواسطة، لا يوجد ~~واحد إلا ويعدم آخر، ولا يبقى هذا ms1760 إلا ويفني ذاك، فعالم المادة عالم ~~التبديل، والتبدل وإن شئت فقل: عالم الآكل والمأكول. # فالمركبات الأرضية تأكل الأرض بضمها إلى أنفسها وتصويرها بصورة تناسبها ~~أو تختص بها ثم الأرض تأكلها وتفنيها. # ثم النبات يتغذى بالأرض ويستنشق الهواء ثم الأرض تأكله وتجزئه إلى أجزائه ~~الأصلية وعناصره الأولية، ولا يزال أحدهما يراجع الآخر. # ثم الحيوان يتغذى بالنبات والماء ويستنشق الهواء، وبعض أنواعه يتغذى ببعض ~~كالسباع تأكل لحوم غيرها بالاصطياد، وجوارح الطير تأكل أمثال الحمام ~~والعصافير لا يسعها بحسب جهاز التغذي الذي يخصها إلا ذلك، وهي تتغذى ~~بالحبوب وأمثال الذباب والبق والبعوض وهي تتغذى بدم الإنسان وسائر الحيوان ~~ونحوه، ثم الأرض تأكل الجميع. # فنظام التكوين وناموس الخلقة الذي له الحكومة المطلقة المتبعة على ~~الموجودات هو الذي وضع حكم التغذي باللحوم ونحوها، ثم هدى أجزاء الوجود إلى ~~ذلك، وهو الذي سوى الإنسان تسوية صالحة للتغذي بالحيوان والنبات جميعا. # وفي مقدم جهازه الغذائي أسنانه المنضودة نضدا صالحا للقطع والكسر والنهش ~~والطحن من ثنايا ورباعيات وأنياب وطواحن، فلا هو مثل الغنم والبقر من ~~الأنعام لا تستطيع قطعا ونهشا، ولا هو كالسباع لا تستطيع طحنا ومضغا. # ثم القوة الذائقة المعدة في فمه التي تستلذ طعم اللحوم ثم الشهوة المودعة ~~في سائر أعضاء هضمه جميع هذه تستطيب اللحوم وتشتهيها. # كل ذلك هداية تكوينية وإباحة من مؤتمن الخلقة، وهل يمكن الفرق بين ~~الهداية التكوينية، وإباحة العمل المهدي إليه بتسليم أحدهما وإنكار الآخر؟. # والإسلام دين فطري لا هم له إلا إحياء آثار الفطرة التي أعفتها الجهالة ~~الإنسانية، فلا مناص من أن يستباح به ما تهدي إليه الخلقة وتقضي به الفطرة. # وهو كما يحيي بالتشريع هذا الحكم الفطري يحيي أحكاما أخرى وضعها واضع ~~التكوين، وهو ما تقدم ذكره من الموانع من الاسترسال في حكم التغذي أعني حكم ~~العقل بوجوب اجتناب ما فيه ضرر جسماني أو معنوي من اللحوم، وحكم الإحساسات ~~والعواطف الباطنية بالتحذر والامتناع عما يستقذره ويتنفر منه الطباع ~~المستقيمة، وهذان الحكمان أيضا ينتهي أصولهما إلى تصرف من التكوين، وقد ~~اعتبرهما ms1761 الإسلام فحرم ما يضر نماء الجسم، وحرم ما يضر بمصالح المجتمع ~~الإنساني، مثل ما أهل به لغير الله، وما اكتسب من طريق الميسر والاستقسام ~~بالأزلام ونحو ذلك، وحرم الخبائث التي تستقذرها الطباع. # وأما حديث الرحمة المانعة من التعذيب والقتل فلا شك أن الرحمة موهبة ~~لطيفة تكوينية أودعت في فطرة الإنسان وكثير مما اعتبرنا حاله من الحيوان، ~~إلا أن التكوين لم يوجدها لتحكم في الأمور حكومة مطلقة وتطاع طاعة مطلقة، ~~فالتكوين نفسه لا يستعمل الرحمة استعمالا مطلقا، ولو كان ذلك لم يوجد في ~~دار الوجود أثر من الآلام والأسقام والمصائب وأنواع العذاب. # ثم الرحمة الإنسانية في نفسها ليست خلقا فاضلا على الإطلاق كالعدل، ولو ~~كان كذلك لم يحسن أن نؤاخذ ظالما على ظلمه أو نجازي مجرما على جرمه ولا أن ~~نقابل عدوانا بعدوان وفيه هلاك الأرض ومن عليها. PageV05P107 # ومع ذلك لم يهمل الإسلام أمر الرحمة بما أنها من مواهب التكوين، فأمر بنشر ~~الرحمة عموما، ونهى عن زجر الحيوان في القتل، ونهى عن قطع أعضاء الحيوان ~~المذبوح وسلخه قبل زهاق روحه - ومن هذا الباب تحريم المنخنقة والموقوذة - ~~ونهى عن قتل الحيوان وآخر ينظر إليه، ووضع للتذكية أرفق الأحكام بالحيوان ~~المذبوح وأمر بعرض الماء عليه ونحو ذلك مما يوجد تفصيله في كتب الفقه. # ومع ذلك كله الإسلام دين التعقل لا دين العاطفة فلا يقدم حكم العاطفة على ~~الأحكام المصلحة لنظام المجتمع الإنساني ولا يعتبر منه إلا ما اعتبره ~~العقل، ومرجع ذلك إلى اتباع حكم العقل. # وأما حديث الرحمة الإلهية وأنه تعالى أرحم الراحمين، فهو تعالى غير متصف ~~بالرحمة بمعنى رقة القلب أو التأثر الشعوري الخاص الباعث للراحم على التلطف ~~بالمرحوم، فإن ذلك صفة جسمانية مادية تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل معناها ~~إفاضته تعالى الخير على مستحقه بمقدار ما يستحقه، ولذلك ربما كان ما نعده ~~عذابا رحمة منه تعالى وبالعكس، فليس من الجائز في الحكمة أن يبطل مصلحة من ~~مصالح التدبير في التشريع اتباعا لما تقترحه عاطفة الرحمة الكاذبة التي ~~فينا، أو يساهل ms1762 في جعل الشرائع محاذية للواقعيات. # فتبين من جميع ما مر أن الإسلام يحاكي في تجويز أكل اللحوم وفي القيود ~~التي قيد بها الإباحة والشرائط التي اشترطها جميعا أمر الفطرة: فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم!. # 3 - لما ذا بني الإسلام على التذكية؟ # وهذا سؤال آخر يتفرع على السؤال المتقدم، وهو أنا سلمنا أن أكل اللحوم ~~مما تبيحه الفطرة والخلقة فهلا اقتصر في ذلك بما يحصل على الصدفة ونحوها ~~بأن يقتصر في اللحوم بما يهيئه الموت العارض حتف الأنف، فيجمع في ذلك بين ~~حكم التكوين بالجواز، وحكم الرحمة بالإمساك عن تعذيب الحيوان وزجره بالقتل ~~أو الذبح من غير أن يعدل عن ذلك إلى التذكية والذبح؟. # وقد تبين الجواب عنه مما تقدم في الفصل الثاني، فإن الرحمة بهذا المعنى ~~غير واجب الاتباع بل اتباعه يفضي إلى إبطال أحكام الحقائق. # وقد عرفت أن الإسلام مع ذلك لم يأل جهدا في الأمر بإعمال الرحمة قدر ما ~~يمكن في هذا الباب حفظا لهذه الملكة اللطيفة بين النوع. # على أن الاقتصار على إباحة الميتة وأمثالها مما لا ينتج التغذي به إلا ~~فساد المزاج ومضار الأبدان هو بنفسه خلاف الرحمة، وبعد ذلك كله لا يخلو عن ~~الحرج العام الواجب نفيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت آية: "يا أيها ~~الذين آمنوا" إلا وعلي شريفها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير:. أقول: وروي في ~~تفسير البرهان، عن موفق بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس: مثله إلى قوله: ~~وأميرها. ورواه أيضا العياشي عن عكرمة. # وقد نقلنا الحديث سابقا عن الدر المنثور. # وفي بعض الروايات عن الرضا (عليه السلام) قال: ليس في القرآن "يا أيها ~~الذين آمنوا" إلا في حقنا وهو من الجري أو من باطن التنزيل. # وفيه، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ms1763 قول ~~الله: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود قال: العهود:. أقول: ورواه ~~القمي، أيضا في تفسيره عنه. وفي التهذيب، مسندا عن محمد بن مسلم قال: سألت ~~أحدهما (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل: "أحلت لكم بهيمة الأنعام" ~~فقال: الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه الذي عنى الله ~~تعالى:. أقول: والحديث مروي في الكافي، والفقيه، عنه عن أحدهما، وروى هذا ~~المعنى العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عن أحدهما، وعن زرارة عن الصادق ~~(عليه السلام)، ورواه القمي في تفسيره، ورواه في المجمع، عن أبي جعفر وأبي ~~عبد الله (عليه السلام). PageV05P108 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر ~~الله" الآية الشعائر: الإحرام والطواف والصلاة في مقام إبراهيم والسعي بين ~~الصفا والمروة، والمناسك كلها من شعائر الله، ومن الشعائر إذا ساق الرجل ~~بدنة في حج ثم أشعرها أي قطع سنامها أو جلدها أو قلدها ليعلم الناس أنها ~~هدي فلا يتعرض لها أحد. وإنما سميت الشعائر ليشعر الناس بها فيعرفوها، ~~وقوله: "ولا الشهر الحرام" وهو ذو الحجة وهو من الأشهر الحرم، وقوله: "ولا ~~الهدي" وهو الذي يسوقه إذا أحرم المحرم، وقوله: "ولا القلائد" قال: يقلدها ~~النعل التي قد صلى فيها. قوله: "ولا آمين البيت الحرام" قال: الذين يحجون ~~البيت وفي المجمع، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): نزلت هذه الآية في ~~رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم. قال: وقال السدي: أقبل الحطم بن هند ~~البكري حتى أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده وخلف خيله خارج ~~المدينة فقال: إلى ما تدعو؟ وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ~~لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما أجابه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال؟ أنظرني لعلي أسلم ولي من أشاوره، ~~فخرج من عنده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد دخل بوجه ~~كافر، وخرج بعقب غادر، فمر بسرح من سروح المدينة فساقه ms1764 وانطلق به وهو يرتجز ~~ويقول: قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم. ولا بجزار على ظهر ~~وضم باتوا نياما وابن هند لم ينم. بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين ~~ممسوح القدم. ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا فأراد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية: "ولا آمين البيت ~~الحرام". قال: وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من ~~المشركين يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل ~~هؤلاء دعنا نغير عليهم فأنزل الله تعالى الآية. # أقول: روى الطبري القصة عن السدي وعكرمة، والقصة الثانية عن ابن زيد وروي ~~في الدر المنثور، القصة الثانية عن ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم وفيه: أنه ~~كان يوم الحديبية. # والقصتان جميعا لا توافقان ما هو كالمتسلم عليه عند المفسرين وأهل النقل ~~أن سورة المائدة نزلت في حجة الوداع، إذ لو كان كذلك كان قوله: "إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا": البراءة: 28، ~~وقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم": البراءة: 5 الآيتان جميعا نازلتين ~~قبل قوله: "ولا آمين البيت الحرام" ولا محل حينئذ للنهي عن التعرض للمشركين ~~إذا قصدوا البيت الحرام. # ولعل شيئا من هاتين القصتين أو ما يشابههما هو السبب لما نقل عن ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والضحاك: أن قوله: "ولا آمين البيت الحرام" منسوب بقوله: ~~"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" الآية وقوله: "إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام" الآية، وقد وقع حديث النسخ في تفسير القمي، وظاهره ~~أنه رواية. # ومع ذلك كله تأخر سورة المائدة نزولا يدفع ذلك كله، وقد ورد من طرق أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) أنها ناسخة غير منسوخة على أن قوله تعالى فيها: ~~"اليوم أكملت لكم دينكم" الآية يأبى أن يطرء على بعض آيها نسخ وعلى هذا ~~يكون مفاد قوله: "ولا آمين البيت الحرام" كالمفسر بقوله بعد: "ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا"، ms1765 أي لا تذهبوا بحرمة البيت ~~بالتعرض لقاصديه لتعرض منهم لكم قبل هذا، ولا غير هؤلاء ممن صدوكم قبلا عن ~~المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم بإثم كالقتل أو عدوان كالذي دون القتل من ~~الظلم بل تعاونوا على البر والتقوى. PageV05P109 # وفي الدر المنثور،: أخرج أحمد وعبد بن حميد: في هذه الآية يعني قوله: ~~"وتعاونوا على البر" الآية: والبخاري في تاريخه، عن وابصة قال: أتيت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا لا أريد أن أدع شيئا من البر والإثم ~~إلا سألته عنه فقال لي: يا وابصة أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسأل؟ قلت: يا ~~رسول الله أخبرني قال: جئت لتسأل عن البر والإثم، ثم جمع أصابعه الثلاث ~~فجعل ينكت بها في صدري ويقول: يا وابصة استفت قبلك استفت نفسك البر ما ~~اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في ~~الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك. وفيه:، أخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان ~~والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة: أن رجلا سأل النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن الإثم فقال: ما حاك في نفسك فدعه. قال: فما ~~الإيمان؟ قال: من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن. وفيه: أخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن ~~النواس بن سمعان قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البر ~~والإثم فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس. # أقول: الروايات - كما ترى - تبتني على قوله تعالى: "ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 وتؤيد ما تقدم من معنى الإثم. # وفي المجمع: واختلف في هذا يعني قوله: ولا آمين البيت الحرام فقيل: منسوخ ~~بقوله: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" عن أكثر المفسرين، وقيل: ما نسخ من ~~هذه السورة شيء، ولا من هذه الآية، لأنه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في ~~الأشهر الحرم بالقتال إلا إذا قاتلوا: ثم قال وهو المروي عن أبي ms1766 جعفر (عليه ~~السلام) وفي الفقيه، بإسناده عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر محمد بن علي ~~الباقر (عليه السلام) أنه قال: الميتة والدم ولحم الخنزير معروف، وما أهل ~~لغير الله به يعني ما ذبح على الأصنام، وأما المنخنقة فإن المجوس كانوا لا ~~يأكلون الذبائح ويأكلون الميتة، وكانوا يخنقون البقر والغنم فإذا خنقت ~~وماتت أكلوها، والموقوذة كانوا يشدون أرجلها ويضربونها حتى تموت فإذا ماتت ~~أكلوها، والمتردية كانوا يشدون عينها ويلقونها عن السطح فإذا ماتت أكلوها، ~~والنطيحة كانوا يتناطحون بالكباش فإذا مات أحدهما أكلوه، وما أكل السبع إلا ~~ما ذكيتم فكانوا يأكلون ما يقتله الذئب والأسد والدب فحرم الله عز وجل ذلك، ~~وما ذبح على النصب كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر ~~والصخر فيذبحون لهما، وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق قال: كانوا يعمدون ~~إلى جزور فيجتزون عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها إلى ~~رجل والسهام عشرة، وهي: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها. فالتي لها ~~أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى، فالفذ له ~~سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، ~~والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم. والتي لا ~~أنصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد وثمن الجزور على من لم يخرج له من ~~الأنصباء شيء وهو القمار فحرمه الله. # أقول: وما ذكر في الرواية في تفسير المنخنقة والموقوذة والمتردية من قبيل ~~البيان بالمثال كما يظهر من الرواية التالية، وكذا ذكر قوله:، إلا ما ذكيتم ~~مع قوله: "وما أكل السبع" وقوله: "ذلكم فسق مع قوله وأن تستقسموا بالأزلام" ~~لا دلالة فيه على التقييد. PageV05P110 # وفي تفسير العياشي، عن عيوق بن قسوط: عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول ~~الله: "المنخنقة" قال: التي تنخنق في رباطها "والموقوذة" المريضة التي لا ~~تجد ألم الذبح ولا تضطرب ولا تخرج لها دم و"المتردية" التي تردى من فوق بيت ~~أو نحوه "والنطيحة" التي تنطح صاحبها. وفيه، عن الحسن بن علي الوشاء عن ms1767 أبي ~~الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: المتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع أن أدركت ذكاته فكله. وفيه، عن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابه قال: ~~قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك لم حرم الله الميتة والدم ولحم ~~الخنزير؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم ما ~~سواه من رغبة منه تبارك وتعالى فيما حرم عليهم، ولا زهد فيما أحل لهم، ~~ولكنه خلق الخلق، وعلم ما يقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله وأباحه تفضلا ~~منه عليهم لمصلحتهم، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم ثم أباحه للمضطر ~~وأحله لهم في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمره أن ينال منه بقدر ~~البلغة لا غير ذلك. ثم قال: أما الميتة فإنه لا يدنو منها أحد ولا يأكلها ~~إلا ضعف بدنه، ونحل جسمه، ووهنت قوته، وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة ~~إلا فجأة. وأما الدم فإنه يورث الكلب، وقسوة القلب، وقلة الرأفة والرحمة، ~~لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه، ولا يؤمن على حميمه، ولا يؤمن على من صحبه. ~~وأما لحم الخنزير فإن الله مسخ قوما في صور شتى شبه الخنزير والقرد والدب ~~وما كان من الأمساخ ثم نهى عن أكل مثله لكي لا ينقع بها ولا يستخف بعقوبته. ~~وأما الخمر فإنه حرمها لفعلها وفسادها، وقال. إن مدمن الخمر كعابد وثن ~~ويورثه ارتعاشا ويذهب بنوره، وينهدم مروته، ويحمله على أن يكسب على المحارم ~~من سفك الدماء وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر أن يثبت على حرمة وهو لا يعقل ~~ذلك، والخمر لم يؤد شاربها إلا إلى كل شر. ### |||| AUTO بحث روائي آخر # في غاية المرام، عن أبي المؤيد موفق بن أحمد في كتاب فضائل علي، قال: ~~أخبرني سيد الحفاظ شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي فيما كتب إلي من ~~همدان، أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني كتابة، حدثنا ~~عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا الحسين بن عليل الغنوي، حدثنا محمد ms1768 بن عبد ~~الرحمن الزراع، حدثنا قيس بن حفص، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو هريرة عن ~~أبي سعيد الخدري: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم دعا الناس إلى ~~غدير خم أمر بما تحت الشجرة من شوك فقم، وذلك يوم الخميس يوم دعا الناس إلى ~~علي وأخذ بضبعه ثم رفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه ثم لم يفترقا حتى ~~نزلت هذه الآية: "اليوم أكملت لكم دينكم - وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر على ~~إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي، ثم قال: اللهم ~~وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. وقال حسان بن ~~ثابت: أتأذن لي يا رسول الله أن أقول أبياتا؟ قال: قل ينزله الله تعالى، ~~فقال حسان بن ثابت: يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالنبي مناديا. ~~بأني مولاكم نعم ووليكم فقالوا ولم يبدو هناك التعاميا. إلهك مولانا وأنت ~~ولينا ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا. فقال له قم يا علي فإنني رضيتك من ~~بعدي إماما وهاديا وعن كتاب نزول القرآن، في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~للحافظ أبي نعيم رفعه إلى قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد ~~الخدري: مثله، وقال في آخر الأبيات: فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له ~~أنصار صدق مواليا. هناك دعا اللهم وال وليه وكن للذي عادى عليا معاديا وعن ~~نزول القرآن، أيضا يرفعه إلى علي بن عامر عن أبي الحجاف عن الأعمش عن عضة ~~قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي بن ~~أبي طالب: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك" وقد قال الله تعالى: "اليوم ~~أكملت لكم دينكم - وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". PageV05P111 # وعن إبراهيم بن محمد الحمويني قال: أنبأني الشيخ تاج الدين أبو طالب علي بن ~~الحسين بن عثمان بن عبد الله الخازن، قال: أنبأنا الإمام ms1769 برهان الدين ناصر ~~بن أبي المكارم المطرزي إجازة، قال: أنبأنا الإمام أخطب خوارزم أبو المؤيد ~~موفق بن أحمد المكي الخوارزمي، قال: أنبأني سيد الحفاظ في ما كتب إلي من ~~همدان، أنبأنا الرئيس أبو الفتح كتابة، حدثنا عبد الله بن إسحاق البغوي، ~~نبأنا الحسن بن عقيل الغنوي، نبأنا محمد بن عبد الله الزراع، نبأنا قيس بن ~~حفص قال: حدثني علي بن الحسين العبدي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد ~~الخدري، وذكر مثل الحديث الأول. # وعن الحمويني أيضا عن سيد الحفاظ وأبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار ~~الديلمي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرىء الحافظ عن ~~أحمد بن عبد الله بن أحمد، قال: نبأنا محمد بن أحمد بن علي، قال: نبأنا ~~محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: نبأنا يحيى الحماني، قال: حدثنا قيس بن ~~الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، وذكر مثل الحديث الأول. # قال: قال الحمويني عقيب هذا الحديث: هذا حديث له طرق كثيرة إلى أبي سعيد ~~سعد بن مالك الخدري الأنصاري. # وعن المناقب الفاخرة، للسيد الرضي رحمه الله عن محمد بن إسحاق، عن أبي ~~جعفر، عن أبيه عن جده قال: لما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من حجة الوداع نزل أرضا يقال له: ضوجان، فنزلت هذه الآية: "يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من ~~الناس" فلما نزلت عصمته من الناس نادى: الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه، ~~وقال: من أولى منكم بأنفسكم: فضجوا بأجمعهم فقالوا: الله ورسوله فأخذ بيد ~~علي بن أبي طالب، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ~~من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله لأنه مني وأنا منه، وهو مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وكانت آخر فريضة فرضها الله تعالى على ~~أمة محمد ثم أنزل الله تعالى على نبيه: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم ms1770 نعمتي - ورضيت لكم الإسلام دينا". قال أبو جعفر: فقبلوا من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كل ما أمرهم الله من الفرائض في الصلاة والصوم ~~والزكاة والحج، وصدقوه على ذلك. قال ابن إسحاق: قلت لأبي جعفر: ما كان ذلك؟ ~~قال لتسع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة عشرة عند منصرفه من حجة الوداع، ~~وكان بين ذلك وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة يوم وكان سمع رسول ~~الله بغدير خم اثنا عشر. وعن المناقب، لابن المغازلي يرفعه إلى أبي هريرة ~~قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيامه ستين شهرا، وهو ~~يوم غدير خم، بها أخذ النبي بيعة علي بن أبي طالب، وقال: من كنت مولاه فعلي ~~مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، فقال له عمر بن ~~الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل ~~الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت". # وعن المناقب، لابن مردويه وكتاب سرقات الشعر، للمرزباني عن أبي سعيد ~~الخدري مثل ما تقدم عن الخطيب. # أقول: وروى الحديثين في الدر المنثور، عن أبي سعيد وأبي هريرة ووصف ~~سنديهما بالضعف. # وقد روي بطرق كثيرة تنتهي من الصحابة لو دقق فيها إلى عمر بن الخطاب وعلي ~~بن أبي طالب ومعاوية وسمرة: أن الآية نزلت يوم عرفة من حجة الوداع وكان يوم ~~الجمعة، والمعتمد منها ما روي عن عمر فقد رواه عن الحميدي وعبد بن حميد ~~وأحمد البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان ~~والبيهقي في سننه عن طارق بن شهاب عن عمر، وعن ابن راهويه في مسنده وعبد بن ~~حميد عن أبي العالية عن عمر، وعن ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب عن عمر، ~~وعن البزاز عن ابن عباس، والظاهر أنه يروي عن عمر. # ثم أقول: أما ما ذكره من ضعف سندي الحديثين فلا يجديه في ضعف المتن شيئا ~~فقد أوضحنا في البيان المتقدم ms1771 إن مفاد الآية الكريمة لا يلائم غير ذلك من ~~جميع الاحتمالات والمعاني المذكورة فيها، فهاتان الروايتان وما في معناهما ~~هي الموافقة للكتاب من بين جميع الروايات فهي المتعينة للأخذ. PageV05P112 # على أن هذه الأحاديث الدالة على نزول الآية في مسألة الولاية - وهي تزيد ~~على عشرين حديثا من طرق أهل السنة والشيعة - مرتبطة بما ورد في سبب نزول ~~قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك": الآية المائدة: 67 ~~وهي تربو على خمسة عشر حديثا رواها الفريقان، والجميع مرتبط بحديث الغدير: ~~"من كنت مولاه فعلي مولاه" وهو حديث متواتر مروي عن جم غفير من الصحابة، ~~اعترف بتواتره جمع كثير من علماء الفريقين. # ومن المتفق عليه أن ذلك كان في منصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من مكة إلى المدينة. # وهذه الولاية لو لم تحمل على الهزل والتهكم فريضة من الفرائض كالتولي ~~والتبري اللذين نص عليهما القرآن في آيات كثيرة، وإذا كان كذلك لم يجز أن ~~يتأخر جعلها نزول الآية أعني قوله: "اليوم أكملت"، فالآية إنما نزلت بعد ~~فرضها من الله سبحانه، ولا اعتماد على ما ينافي ذلك من الروايات لو كانت ~~منافية. # وأما ما رواه من الرواية فقد عرفت ما ينبغي أن يقال فيها غير أن هاهنا ~~أمرا يجب التنبه له، وهو أن التدبر في الآيتين الكريمتين: "يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" الآية على ما سيجيء ~~من بيان معناه، وقوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" الآية والأحاديث الواردة من ~~طرق الفريقين فيهما وروايات الغدير المتواترة، وكذا دراسة أوضاع المجتمع ~~الإسلامي الداخلية في أواخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والبحث العميق فيها يفيد القطع بأن أمر الولاية كان نازلا قبل يوم الغدير ~~بأيام، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتقي الناس في إظهاره، ويخاف ~~أن لا يتلقوه بالقبول أو يسيئوا القصد إليه فيختل أمر الدعوة، فكان لا يزال ~~يؤخر تبليغه الناس من يوم إلى غد ms1772 حتى نزل قوله: "يا أيها الرسول بلغ" الآية ~~فلم يمهل في ذلك. # وعلى هذا فمن الجائز أن ينزل الله سبحانه معظم السورة وفيه قوله: "اليوم ~~أكملت لكم دينكم" الآية وينزل معه أمر الولاية كل ذلك يوم عرفة فأخر النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بيان الولاية إلى غدير خم، وقد كان تلا آيتها ~~يوم عرفة وأما اشتمال بعض الروايات على # نزولها يوم الغدير فليس من المستبعد أن يكون ذلك لتلاوته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الآية مقارنة لتبليغ أمر الولاية لكونها في شأنها. # وعلى هذا فلا تنافي بين الروايات أعني ما دل على نزول الآية في أمر ~~الولاية، وما دل على نزولها يوم عرفة كما روي عن عمر وعلي ومعاوية وسمرة، ~~فإن التنافي إنما كان يتحقق لو دل أحد القبيلين على النزول يوم غدير خم، ~~والآخر على النزول على يوم عرفة. # وأما ما في القبيل الثاني من الروايات أن الآية تدل على كمال الدين بالحج ~~وما أشبهه فهو من فهم الراوي لا ينطبق به الكتاب ولا بيان من النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يعتمد عليه. # وربما استفيد هذا الذي ذكرناه مما رواه العياشي في تفسيره، عن جعفر بن ~~محمد بن محمد الخزاعي عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ~~لما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عرفات يوم الجمعة أتاه جبرئيل ~~فقال له: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: قل لأمتك: اليوم أكملت دينكم ~~بولاية علي بن أبي طالب وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ولست ~~أنزل عليكم بعد هذا، قد أنزلت عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي ~~الخامسة، ولست أقبل عليكم بعد هذه الأربعة إلا بها. PageV05P113 # على أن فيما نقل عن عمر من نزول الآية يوم عرفة إشكالا آخر، وهو أنها جميعا ~~تذكر أن بعض أهل الكتاب وفي بعضها: أنه كعب قال لعمر: إن في القرآن آية لو ~~نزلت مثلها علينا معشر اليهود لاتخذنا اليوم الذي نزلت فيه عيدا، وهي قوله: ~~"اليوم ms1773 أكملت لكم دينكم" الآية فقال له عمر: والله إني لأعلم اليوم وهو يوم ~~عرفة من حجة الوداع. ولفظ ما رواه ابن راهويه وعبد بن حميد عن أبي العالية ~~هكذا: قال كانوا عند عمر فذكروا هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب: لو ~~علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا، فقال عمر الحمد لله الذي جعله ~~لنا عيدا واليوم الثاني، نزلت يوم عرفة واليوم الثاني يوم النحر فأكمل لنا ~~الأمر فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص. وما يتضمنه آخر الرواية مروي ~~بشكل آخر ففي الدر المنثور: عن ابن أبي شيبة وابن جرير عن عنترة قال: لما ~~نزلت "اليوم أكملت لكم دينكم" وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ~~ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال: صدقت. # ونظيره الرواية بوجه رواية أخرى رواها أيضا في الدر المنثور، عن أحمد عن ~~علقمة بن عبد الله المزني قال: حدثني رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب ~~فقال عمر لرجل من القوم: كيف سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ينعت الإسلام؟ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن ~~الإسلام بدىء جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سدسيا ثم بازلا. قال عمر: فما بعد ~~البزول إلا النقصان. # فهذه الروايات - كما ترى - تروم بيان أن معنى نزول الآية يوم عرفة إلفات ~~نظر الناس إلى ما كانوا يشاهدونه من ظهور أمر الدين واستقلاله بمكة في ~~الموسم، وتفسير إكمال الدين وإتمام النعمة بصفاء جو مكة ومحوضة الأمر ~~للمسلمين يومئذ فلا دين يعبد به يومئذ هناك إلا دينهم من غير أن يخشوا ~~أعداءهم ويتحذروا منهم. # وبعبارة أخرى المراد بكمال الدين وتمام النعمة كمال ما بأيديهم يعملون به ~~من غير أن يختلط بهم أعداؤهم أو يكلفوا بالتحذر منهم دون الدين بمعنى ~~الشريعة المجعولة عند الله من المعارف والأحكام، وكذا المراد بالإسلام ms1774 ظاهر ~~الإسلام الموجود بأيديهم في مقام العمل. # وإن شئت فقل: المراد بالدين صورة الدين المشهودة من أعمالهم، وكذا في ~~الإسلام، فإن هذا المعنى هو الذي يقبل الانتقاص بعد الإزدياد. # وأما كليات المعارف والأحكام المشرعة من الله فلا يقبل الانتقاص بعد ~~الإزدياد الذي يشير إليه قوله في الرواية: "أنه لم يكمل شيء قط إلا نقص" ~~فإن ذلك سنة كونية تجري أيضا في التاريخ والاجتماع بتبع الكون، وأما الدين ~~فإنه غير محكوم بأمثال هذه السنن والنواميس إلا عند من قال: إن الدين سنة ~~اجتماعية متطورة متغيرة كسائر السنن الاجتماعية. # إذا عرفت ذلك علمت أنه يرد عليه أولا: أن ما ذكر من معنى كمال الدين لا ~~يصدق عليه قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم" وقد مر بيانه. # وثانيا: أنه كيف يمكن أن يعد الله سبحانه الدين بصورته التي كان يتراءى ~~عليها كاملا وينسبه إلى نفسه امتنانا بمجرد خلو الأرض من ظاهر المشركين، ~~وكون المجتمع على ظاهر الإسلام فارغا من أعدائهم المشركين، وفيهم من هو أشد ~~من المشركين إضرارا وإفسادا، وهم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات ~~السرية والتسرب في داخل المسلمين، وإفساد الحال، وتقليب الأمور، والدس في ~~الدين، وإلقاء الشبه، فقد كان لهم نبأ عظيم تعرض لذلك آيات جمة من القرآن ~~كسورة المنافقين وما في سور البقرة والنساء والمائدة والأنفال والبراءة ~~والأحزاب وغيرها. # فليت شعري أين صار جمعهم؟ وكيف خمدت أنفاسهم؟ وعلى أي طريق بطل كيدهم ~~وزهق باطلهم؟ وكيف يصح مع وجودهم أن يمتن الله يومئذ على المسلمين بإكمال ~~ظاهر دينهم، وإتمام ظاهر النعمة عليهم، والرضا بظاهر الإسلام بمجرد أن دفع ~~من مكة أعداءهم من المسلمين، والمنافقون أعدى منهم وأعظم خطرا وأمر أثرا! ~~وتصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيه فيهم: "هم العدو فاحذرهم": المنافقون: 4. PageV05P114 # وكيف يمتن الله سبحانه ويصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه، أو يذكر نعمه ~~بالتمام وهي مشوبة بالنقمة، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه! وقد قال ~~تعالى: "وما كنت متخذ المضلين عضدا": الكهف: 51. وقال في المنافقين: - ولم ~~يرد ms1775 إلا دينهم - "فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين": ~~البراءة: 96. والآية بعد هذا كله مطلقة لم تقيد شيئا من الإكمال والإتمام ~~والرضا ولا الدين والإسلام والنعمة بجهة دون جهة. # فإن قلت: الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - إنجاز للوعد الذي يشتمل عليه ~~قوله تعالى: "وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا": الآية النور: 55. # فالآية كما ترى - تعدهم بتمكين دينهم المرضي لهم، ويحاذي ذلك من هذه ~~الآية قوله: "أكملت لكم دينكم" وقوله: "ورضيت لكم الإسلام دينا" فالمراد ~~بإكمال دينهم المرضي تمكينه لهم أي تخليصه من مزاحمة المشركين، وأما ~~المنافقون فشأنهم شأن آخر غير المزاحمة، وهذا هو المعنى الذي تشير إليه ~~روايات نزولها يوم عرفة، ويذكر القوم أن المراد به تخليص الأعمال الدينية ~~والعاملين بها من المسلمين من مزاحمة المشركين. # قلت كون آية: "اليوم أكملت"، من مصاديق إنجاز ما وعد في قوله: "وعد الله ~~الذين ءامنوا" الآية وكذا كون قوله في هذه الآية: "أكملت لكم دينكم"، ~~محاذيا لقوله: "وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم"، في تلك الآية ومفيدا ~~معناه كل ذلك لا ريب فيه. # إلا أن آية سورة النور تبدأ بقوله: "وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا ~~الصالحات" وهم طائفة خاصة من المسلمين ظاهر أعمالهم يوافق باطنها، وما في ~~مرتبة أعمالهم من الدين يحاذي وينطبق على ما عند الله سبحانه من الدين ~~المشرع، فتمكين دينهم المرضي لله سبحانه لهم إكمال ما في علم الله وإرادته ~~من الدين المرضي بإفراغه في قالب التشريع، وجمع أجزائه عندهم بالإنزال ~~ليعبدوه بذلك بعد إياس الذين كفروا من دينهم. # وهذا ما ذكرناه: أن معنى إكماله الدين إكماله من حيث تشريع الفرائض فلا ~~فريضة مشرعة بعد نزول الآية لا تخليص أعمالهم وخاصة حجهم من أعمال المشركين ~~وحجهم، بحيث لا تختلط أعمالهم بأعمالهم. # وبعبارة أخرى يكون معنى إكمال الدين رفعه إلى أعلى مدارج ms1776 الترقي حتى لا ~~يقبل الانتقاص بعد الإزدياد. # وفي تفسير القمي، قال: حدثني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء، عن محمد ~~بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: آخر فريضة أنزلها الولاية ثم لم ~~ينزل بعدها فريضة ثم أنزل: "اليوم أكملت لكم دينكم" بكراع الغميم، فأقامها ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجحفة فلم ينزل بعدها فريضة. # أقول: وروى هذا المعنى الطبرسي في المجمع، عن الإمامين: الباقر والصادق ~~(عليهما السلام) ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة عن الباقر (عليه ~~السلام). # وفي أمالي الشيخ، بإسناده، عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه أبي عبد ~~الله (عليه السلام)، عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: بناء الإسلام على خمس خصال: على ~~الشهادتين، والقرينتين. قيل له: أما الشهادتان فقد عرفنا فما القرينتان؟ ~~قال: الصلاة والزكاة فإنه لا تقبل إحداهما إلا بالأخرى، والصيام وحج بيت ~~الله من استطاع إليه سبيلا، وختم ذلك بالولاية فأنزل الله عز وجل: "اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي - ورضيت لكم الإسلام دينا". # وفي روضة الواعظين، للفتال، ابن الفارسي عن أبي جعفر (عليه السلام) وذكر ~~قصة خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحج ثم نصبه عليا للولاية عند ~~منصرفه إلى المدينة ونزول الآية، وفيه خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يوم الغدير وهي خطبة طويلة جدا. PageV05P115 # أقول: روى مثله الطبرسي في الإحتجاج، بإسناد متصل عن الحضرمي عن أبي جعفر ~~الباقر (عليه السلام)، وروى نزول الآية في الولاية أيضا الكليني في الكافي، ~~والصدوق في العيون، جميعا مسندا عن عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (عليه ~~السلام)، وروى نزولها فيها أيضا الشيخ في أماليه بإسناده عن ابن أبي عمير ~~عن المفضل بن عمر عن الصادق عن جده أمير المؤمنين (عليه السلام)، وروى ذلك ~~أيضا الطبرسي في المجمع، بإسناده عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، ~~وروى ذلك الشيخ في أماليه، بإسناده عن إسحاق بن إسماعيل ms1777 النيسابوري عن ~~الصادق عن آبائه عن الحسن بن علي (عليهما السلام) وقد تركنا إيراد الروايات ~~على طولها إيثارا للاختصار فمن أرادها فليراجع محالها والله الهادي. PageV05P116 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 4 - 5 # يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبت وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) اليوم أحل لكم الطيبت وطعام الذين ~~أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنت من المؤمنت والمحصنت من الذين ~~أوتوا الكتب من قبلكم إذا ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسفحين ولا متخذى ~~أخدان ومن يكفر بالايمن فقد حبط عمله وهو فى الاخرة من الخسرين (5) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات" سؤال مطلق أوجب ~~عنه بجواب عام مطلق فيه إعطاء الضابط الكلي الذي يميز الحلال من الحرام، ~~وهو أن يكون ما يقصد التصرف فيه بما يعهد في مثله من التصرفات أمرا طيبا، ~~وإطلاق الطيب أيضا من غير تقييده بشيء يوجب أن يكون المعتبر في تشخيص طيبه ~~استطابة الأفهام المتعارفة ذلك فما يستطاب عند الأفهام العادية فهو طيب، ~~وجميع ما هو طيب حلال. # وإنما نزلنا الحلية والطيب على المتعارف المعهود لمكان أن الإطلاق لا ~~يشمل غيره على ما بين في فن الأصول. # قوله تعالى: "وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ~~مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه" قيل: إن الكلام معطوف على موضع ~~الطيبات أي وأحل لكم ما علمتم من الجوارح أي صيد ما علمتم من الجوارح، ~~فالكلام بتقدير مضاف محذوف اختصارا لدلالة السياق عليه. # والظاهر أن الجملة معطوفة على موضع الجملة الأولى. # و"ما" في قوله: "وما علمتم" شرطية وجزاؤها قوله "فكلوا مما أمسكن عليكم" ~~من غير حاجة إلى تكلف التقدير. # والجوارح جمع جارحة وهي التي تكسب الصيد من الطير والسباع كالصقر والبازي ~~والكلاب والفهود، وقوله: "مكلبين" حال، وأصل التكليب تعليم الكلاب وتربيتها ~~للصيد أو اتخاذ كلاب الصيد وإرسالها ms1778 لذلك، وتقييد الجملة بالتكليب لا يخلو ~~من دلالة على كون الحكم مختصا بكلب الصيد لا يعدوه إلى غيره من الجوارح. # وقوله: "مما أمسكن عليكم" التقييد بالظرف للدلالة على أن الحل محدود ~~بصورة صيدها لصاحبها لا لنفسها. # وقوله: "واذكروا اسم الله عليه" تتميم لشرائط الحل وأن يكون الصيد مع ~~كونه مصطادا بالجوارح ومن طريق التكليب والإمساك على الصائد مذكورا عليه ~~اسم الله تعالى. # ومحصل المعنى أن الجوارح المعلمة بالتكليب - أي كلاب الصيد - إذا كانت ~~معلمة واصطادت لكم شيئا من الوحش الذي يحل أكله بالتذكية وقد سميتم عليه ~~فكلوا منه إذا قتلته دون أن تصلوا إليه فذلك تذكية له، وأما دون القتل ~~فالتذكية بالذبح والإهلال به لله يغني عن هذا الحكم. # ثم ذيل الكلام بقوله: "واتقوا الله إن الله سريع الحساب" إشعارا بلزوم ~~اتقاء الله فيه حتى لا يكون الاصطياد إسرافا في القتل، ولا عن تله وتجبر ~~كما في صيد اللهو ونحوه فإن الله سريع الحساب يجازي سيئة الظلم والعدوان في ~~الدنيا قبل الآخرة، ولا يسلك أمثال هذه المظالم والعدوانات بالاغتيال والفك ~~بالحيوان العجم إلا إلى عاقبة سوأى على ما شاهدنا كثيرا. # قوله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم" إعادة ذكر حل الطيبات مع ذكره في الآية السابقة، وتصديره ~~بقوله: "اليوم" للدلالة على الامتنان منه تعالى على المؤمنين بإحلال طعام ~~أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم للمؤمنين. # وكان ضم قوله: "أحل لكم الطيبات" إلى قوله: "وطعام الذين أوتوا الكتاب" ~~إلخ من قبيل ضم المقطوع به إلى المشكوك فيه لإيجاد الطمأنينة في نفس ~~المخاطب وإزالة ما فيه من القلق والاضطراب كقول السيد لخادمه: لك جميع ما ~~ملكتكه وزيادة هي كذا وكذا فإنه إذا ارتاب في تحقق ما يعده سيده من الإعطاء ~~شفع ما يشك فيه بما يقطع به ليزول عن نفسه أذى الريب إلى راحة العلم، ومن ~~هذا الباب يوجه قوله تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة": يونس: 26 وقوله ~~تعالى: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ms1779 ق: 35. PageV05P117 # فكان نفوس المؤمنين لا تسكن عن اضطراب الريب في أمر حل طعام أهل الكتاب لهم ~~بعد ما كانوا يشاهدون التشديد التام في معاشرتهم ومخالطتهم ومساسهم ~~وولايتهم حتى ضم إلى حديث حل طعامهم أمر حل الطيبات بقول مطلق ففهموا منه ~~أن طعامهم من سنخ سائر الطيبات المحللة فسكن بذلك طيش نفوسهم، واطمأنت ~~قلوبهم وكذلك القول في قوله: "والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم". وأما قوله: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم" فالظاهر أنه كلام واحد ذو مفاد واحد، إذ من المعلوم أن ~~قوله: "وطعامكم حل لهم" ليس في مقام تشريع حكم الحل لأهل الكتاب، وتوجيه ~~التكليف إليهم وإن قلنا بكون الكفار مكلفين بالفروع الدينية كالأصول، فإنهم ~~غير مؤمنين بالله ورسوله وبما جاء به رسوله ولا هم يسمعون ولا هم يقبلون، ~~وليس من دأب القرآن أن يوجه خطابا أو يذكر حكما إذا استظهر من المقام أن ~~الخطاب معه يكون لغوا والتكليم معه يذهب سدى. # اللهم إلا إذا أصلح ذلك بشيء من فنون التكليم كالالتفات من خطاب الناس ~~إلى خطاب النبي ونحو ذلك كقوله: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم": آل عمران: 64 وقوله: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": ~~إسراء: 93 إلى غير ذلك من الآيات. # وبالجملة ليس المراد بقوله: "وطعام الذين"، بيان حل طعام أهل الكتاب ~~للمسلمين حكما مستقلا وحل طعام المسلمين لأهل الكتاب حكما مستقلا آخر، بل ~~بيان حكم واحد وهو ثبوت الحل وارتفاع الحرمة عن الطعام، فلا منع في البين ~~حتى يتعلق بأحد الطرفين نظير قوله تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن": الممتحنة: 10 أي لا حل في ~~البين حتى يتعلق بأحد الطرفين. # ثم إن الطعام بحسب أصل اللغة كل ما يقتات به ويطعم لكن قيل: إن المراد به ~~البر وسائر الحبوب ففي لسان العرب: وأهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام ~~عنوا به البر خاصة. ms1780 # قال: وقال الخليل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة، انتهى. # وهو الذي يظهر من كلام ابن الأثير في النهاية، ولهذا ورد في أكثر ~~الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن المراد بالطعام في ~~الآية هو البر وسائر الحبوب إلا ما في بعض الروايات مما يظهر به معنى آخر ~~وسيجيء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي. # وعلى أي حال لا يشمل هذا الحل ما لا يقبل التذكية من طعامهم كلحم ~~الخنزير، أو يقبلها من ذبائحهم لكنهم لم يذكوها كالذي لم يهل به لله، ولم ~~يذك تذكية إسلامية فإن الله سبحانه عد هذه المحرمات المذكورة في آيات ~~التحريم - وهي الآي الأربع التي في سور البقرة والمائدة والأنعام والنحل - ~~رجسا وفسقا وإثما كما بيناه فيما مر، وحاشاه سبحانه أن يحل ما سماه رجسا أو ~~فسقا أو إثما امتنانا بمثل قوله "اليوم أحل لكم الطيبات". # على أن هذه المحرمات بعينها واقعة قبيل هذه الآية في نفس السورة، وليس ~~لأحد أن يقول في مثل المورد بالنسخ وهو ظاهر، وخاصة في مثل سورة المائدة ~~التي ورد فيها أنها ناسخة غير منسوخة. # قوله تعالى: "والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم"، الإتيان في متعلق الحكم بالوصف أعني ما في قوله: "الذين أوتوا ~~الكتاب" من غير أن يقال: من اليهود والنصارى مثلا أو يقال: من أهل الكتاب، ~~لا يخلو من إشعار بالعلية واللسان لسان الامتنان، والمقام مقام التخفيف ~~والتسهيل، فالمعنى: أنا نمتن عليكم بالتخفيف والتسهيل في رفع حرمة الازدواج ~~بين رجالكم والمحصنات من نساء أهل الكتاب لكونهم أقرب إليكم من سائر ~~الطوائف غير المسلمة، وهم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتوحيد والرسالة بخلاف ~~المشركين والوثنيين المنكرين للنبوة، ويشعر بما ذكرنا أيضا تقييد قوله: ~~"أوتوا الكتاب" بقوله: "من قبلكم" فإن فيه إشعارا واضحا بالخطط والمزج ~~والتشريك. # وكيف كان لما كانت الآية واقعة موقع الامتنان والتخفيف لم تقبل النسخ ~~بمثل قوله تعالى: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن": البقرة: 212 وقوله ~~تعالى: "ولا تمسكوا بعصم ms1781 الكوافر": الممتحنة: 10 وهو ظاهر. PageV05P118 # على أن الآية الأولى واقعة في سورة البقرة، وهي أول سورة مفصلة نزلت ~~بالمدينة قبل المائدة: وكذا الآية الثانية واقعة في سورة الممتحنة، وقد ~~نزلت بالمدينة قبل الفتح، فهي أيضا قبل المائدة نزولا، ولا وجه لنسخ السابق ~~للاحق مضافا إلى ما ورد: أن المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فنسخت ما قبلها، ولم ينسخها شيء. # على أنك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى: "ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن": الآية البقرة: 212 في الجزء الثاني من الكتاب أن الآيتين أعني آية ~~البقرة وآية الممتحنة أجنبيتان من الدلالة على حرمة نكاح الكتابية. # ولو قيل بدلالة آية الممتحنة بوجه على التحريم كما يدل على سبق المنع ~~الشرعي ورود آية المائدة في مقام الامتنان والتخفيف - ولا امتنان ولا تخفيف ~~لو لم يسبق منع - كانت آية المائدة هي الناسخة لآية الممتحنة لا بالعكس لأن ~~النسخ شأن المتأخر، وسيأتي في البحث الروائي كلام في الآية الثانية. # ثم المراد بالمحصنات في الآية: العفائف وهو أحد معان الإحصان، وذلك أن ~~قوله: "والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، يدل على أن ~~المراد بالمحصنات غير ذوات الأزواج وهو ظاهر، ثم الجمع بين المحصنات من أهل ~~الكتاب والمؤمنات على ما مر من توضيح معناها يقضي بأن المراد بالمحصنات في ~~الموضعين معنى واحد، وليس هو الإحصان بمعنى الإسلام لمكان قوله: والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب، وليس المراد بالمحصنات الحرائر فإن الامتنان ~~المفهوم من الآية لا يلائم تخصيص الحل بالحرائر دون الإماء، فلم يبق من ~~معاني الإحصان إلا العفة فتعين أن المراد بالمحصنات العفائف. # وبعد ذلك كله إنما تصرح الآية بتشريع حل المحصنات من أهل الكتاب للمؤمنين ~~من غير تقييد بدوام أو انقطاع إلا ما ذكره من اشتراط الأجر وكون التمتع ~~بنحو الإحصان لا بنحو المسافحة واتخاذ الأخدان، فينتج أن الذي أحل للمؤمنين ~~منهن أن يكون على طريق النكاح عن مهر وأجر دون السفاح، من غير شرط آخر من ~~نكاح ms1782 دوام أو انقطاع، وقد تقدم في قوله تعالى: "فما استمتعتم به منهن ~~فأتوهن": الآية النساء: 24 في الجزء الرابع من الكتاب أن المتعة نكاح ~~كالنكاح الدائم، وللبحث بقايا تطلب من علم الفقه. # قوله تعالى: "إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان" ~~الآية في مساق قوله تعالى في آيات محرمات النكاح: "وأحل لكم ما وراء ذلك أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين": النساء: 24. والجملة قرينة على كون ~~المراد بالآية بيان حلية التزوج بالمحصنات من أهل الكتاب من غير شمول منها ~~لملك اليمين. # قوله تعالى: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين" ~~الكفر في الأصل هو الستر فتحقق مفهومه يتوقف على أمر ثابت يقع عليه الستر ~~كما أن الحجاب لا يكون حجابا إلا إذا كان هناك محجوب فالكفر يستدعي مكفورا ~~به ثابتا كالكفر بنعمة الله والكفر بآيات الله والكفر بالله ورسوله واليوم الآخر. # فالكفر بالإيمان يقتضي وجود إيمان ثابت، وليس المراد به المعنى المصدري ~~من الإيمان بل معنى اسم المصدر وهو الأثر الحاصل والصفة الثابتة في قلب ~~المؤمن أعني الاعتقادات الحقة التي هي منشأ الأعمال الصالحة، فيئول معنى ~~الكفر بالإيمان إلى ترك العمل بما يعلم أنه حق كتولي المشركين، والاختلاط ~~بهم، والشركة في أعمالهم مع العلم بحقية الإسلام، وترك الأركان الدينية من ~~الصلاة والزكاة والصوم والحج مع العلم بثبوتها أركانا للدين. # فهذا هو المراد من الكفر بالإيمان لكن هاهنا نكتة وهي أن الكفر لما كان ~~سترا وستر الأمور الثابتة لا يصدق بحسب ما يسبق إلى الذهن إلا مع المداومة ~~والمزاولة فالكفر بالإيمان إنما يصدق إذا ترك الإنسان العمل بما يقتضيه ~~إيمانه، ويتعلق به علمه، ودام عليه، وأما إذا ستر مرة أو مرتين من غير أن ~~يدوم عليه فلا يصدق عليه الكفر وإنما هو فسق أتى به. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "ومن يكفر بالإيمان" هو المداومة ~~والاستمرار عليه وإن كان عبر بالفعل دون الوصف. # فتارك الاتباع لما حق عنده من الحق، وثبت عنده من أركان ms1783 الدين كافر ~~بالإيمان، حابط العمل كما قال تعالى: "فقد حبط عمله". PageV05P119 # فالآية تنطبق على قوله تعالى: "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ~~والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون": الأعراف: 174 فوصفهم باتخاذ سبيل الغي وترك سبيل الرشد بعد ~~رؤيتهما وهي العلم بهما ثم بدل ذلك بتوصيفهم بتكذيب الآيات، والآية إنما ~~تكون آية بعد العلم بدلالتها، ثم فسره بتكذيب الآخرة لما أن الآخرة لو لم ~~تكذب منع العلم بها عن ترك الحق، ثم أخبر بحبط أعمالهم. # ونظير ذلك قوله تعالى: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 150 وانطباق ~~الآيات على مورد الكفر بالإيمان بالمعنى الذي تقدم بيانه ظاهر. # وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر وجه اتصال الجملة أعني قوله: "ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله"، بما قبله فالجملة متممة للبيان السابق، وهي في ~~مقام التحذير عن الخطر الذي يمكن أن يتوجه إلى المؤمنين بالتساهل في أمر ~~الله، والاسترسال مع الكفار فإن الله سبحانه إنما أحل طعام أهل الكتاب ~~والمحصنات من نسائهم للمؤمنين ليكون ذلك تسهيلا وتخفيفا منه لهم، وذريعة ~~إلى انتشار كلمة التقوى، وسراية الأخلاق الطاهرة الإسلامية من المسلمين ~~المتخلقين بها إلى غيرهم، فيكون داعية إلى العلم النافع، وباعثة نحو العمل ~~الصالح. # فهذا هو الغرض من التشريع لا لأن يتخذ ذلك وسيلة إلى السقوط في مهابط ~~الهوى، والإصعاد في أودية الهوسات، والاسترسال في حبهن والغرام بهن، ~~والتوله في جمالهن، فيكن قدوة تتسلط بذلك أخلاقهن وأخلاق قومهن على أخلاق ~~المسلمين، ويغلب فسادهن على صلاحهم، ثم يكون البلوى ويرجع المؤمنون إلى ~~أعقابهم القهقرى، ومآل ذلك عود هذه المنة الإلهية فتنة ومحنة مهلكة، ~~وصيرورة هذا التخفيف الذي هو نعمة نقمة. # فحذر الله المؤمنين بعد بيان حلية طعامهم والمحصنات من نسائهم ms1784 أن لا ~~يسترسلوا في التنعم بهذه النعمة استرسالا يؤدي إلى الكفر بالإيمان، وترك ~~أركان الدين، والإعراض عن الحق فإن ذلك يوجب حبط العمل، وينجر إلى خسران ~~السعي في الآخرة. # واعلم أن للمفسرين في هذه الآية أعني قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات" إلى ~~آخر الآية خوضا عظيما ردهم إلى تفاسير عجيبة لا يحتملها ظاهر اللفظ، ~~وينافيها سياق الآية كقول بعضهم: إن قوله: "أحل لكم الطيبات" يعني من ~~الطعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وقول بعضهم: إن قوله: "وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم" أي بمقتضى الأصل الأولي لم يحرمه الله عليكم ~~قط، وإن اللحوم من الحل وإن لم يذكوها إلا بما عندهم من التذكية، وقول ~~بعضهم: إن المراد بقوله: "وطعام الذين" هو مؤاكلتهم، وقول بعضهم: إن المراد ~~بقوله: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" ~~بيان الحلية بحسب الأصل من غير أن يكون محرما قبل ذلك بل قوله تعالى: "وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم": النساء: 24 كاف في إحلالهن، وقول بعضهم: إن المراد ~~بقوله: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" التحذير عن رد ما في صدر الآية من ~~قضية حل طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم. # فهذه وأمثالها معان احتملوها، وهي بين ما لا يخلو من مجازفة وتحكم كتقييد ~~قوله: "اليوم أحل"، بما تقدم من غير دليل عليه وبين ما يدفعه ظاهر السياق ~~من التقييد باليوم والامتنان والتخفيف وغير ذلك مما تقدم بيانه والبيان ~~السابق الذي استظهرنا فيه باعتبار ظواهر الآيات الكريمة كاف في إبطالها ~~وإبانة وجه الفساد فيها. # وأما كون آية: "وأحل لكم ما وراء ذلكم" دالة على حل نكاح الكتابية فظاهر ~~البطلان لظهور كون الآية في مقام بيان محرمات النساء ومحللاتهن بحسب طبقات ~~النسب والسبب لا بحسب طبقات الأديان والمذاهب. PageV05P120 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "يسألونك ما ذا أحل لهم" الآية: أخرج ~~ابن جرير عن عكرمة: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا رافع في ~~قتل الكلاب فقتل حتى بلغ العوالي، ms1785 فدخل عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ~~ساعدة فقالوا: ما ذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت: "يسألونك ما ذا أحل لهم" الآية. # وفيه، أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: لما أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله ما ذا أحل لنا من هذه ~~الأمة؟ فنزلت: "يسألونك ما ذا أحل لهم" الآية. # أقول: الروايتان يشرح بعضهما بعضا فالمراد السؤال عما يحل لهم من الكلاب ~~من حيث اتخاذها واستعمالها في مآرب مختلفة كالصيد ونحوه، وقوله تعالى: ~~"يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات" لا يلائم هذا المعنى لتقيدها ~~وإطلاق الآية. # على أن ظاهر الروايتين والرواية الآتية إن قوله: "وما علمتم من الجوارح" ~~معطوف على موضع الطيبات، والمعنى: وأحل لكم ما علمتم، ولذلك التزم جمع من ~~المفسرين على تقدير ما فيه كما تقدم، وقد تقدم أن الظاهر كون قوله: "وما ~~علمتم" شرطا جزاؤه قوله: "فكلوا مما أمسكن عليكم. # والمراد بالأمة المسئول عنها في الرواية نوع الكلاب على ما تفسره الرواية ~~الآتية. # وفيه، أخرج الفاريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي رافع قال: جاء جبرئيل إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ فأخذ رداءه فخرج ~~فقال: قد أذنا لك قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة فنظروا ~~فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ~~ففعلت، وجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما ذا يحل لنا من هذه الأمة التي ~~أمرت بقتلها؟ فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: "يسألونك ~~ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات - وما علمتم من الجوارح مكلبين" فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا أرسل الرجل كلبه وذكر اسم الله ~~فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل. # أقول ما ذكر في الرواية من كيفية نزول جبرئيل غريب في ms1786 بابه على أن ~~الرواية لا تخلو عن اضطراب حيث تدل على إمساك جبرائيل عن الدخول على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لوجود جرو في بعض بيوتهم على أنها لا تنطبق على ~~ظاهر الآية من إطلاق السؤال والجواب والعطف الذي في قوله وما علمتم من ~~الجوارح فالرواية أشبه بالموضوعة. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عامر: أن عدي بن حاتم الطائي أتى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله عن صيد الكلاب فلم يدر ما يقول ~~له حتى أنزل الله عليه هذه الآية في المائدة تعلمونهن مما علمكم الله. # أقول وفي معناه غيره من الأخبار والإشكال المتقدم آت فيه والظاهر أن هذه ~~الروايات وما في معناها من تطبيق الحوادث على الآية غير أنه تطبيق غير تام ~~والظاهر أنهم ذكروا له (صلى الله عليه وآله وسلم) صيد الكلاب ثم سألوه عن ~~ضابط كلي في تمييز الحلال من الحرام فذكر في الآية سؤالهم ثم أجيب بإعطاء ~~الضابط الكلي بقوله يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ثم أجيبوا في ~~خصوص ما تذاكروا فيه فهذا هو الذي يفيده لحن القول في الآية. PageV05P121 # وفي الكافي، بإسناده عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~في كتاب علي (عليه السلام) في قوله عز وجل وما علمتم من الجوارح مكلبين قال ~~هي الكلاب: أقول: ورواه العياشي في تفسيره، عن سماعة بن مهران عنه (عليه ~~السلام). وفيه، بإسناده عن ابن مسكان عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): كان أبي يفتي وكان يتقي ونحن نخاف في صيد البزاة والصقور، ~~فأما الآن فإنا لا نخاف ولا يحل صيدها إلا أن تدرك ذكاته، فإنه في كتاب علي ~~(عليه السلام): أن الله عز وجل قال: "وما علمتم من الجوارح مكلبين" في ~~الكلاب. وفيه، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~قال: سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب قال لا تأكلوا إلا ما ~~ذكيتم إلا الكلاب، ms1787 قلت: فإن قتله؟ قال: كل فإن الله يقول: "وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين - تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، ثم قال: ~~كل شيء من السباع يمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب معلمة؟ فإنها تمسك على ~~صاحبها قال: وإذا أرسلت الكلب فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته. وفي تفسير ~~العياشي، عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن الرجل سرح الكلب ~~المعلم، ويسمي إذا سرحه، قال: يأكل مما أمسكن عليه وإن أدركه وقتله. وإن ~~وجد معه كلب غير معلم فلا تأكل منه. قلت: فالصقور والعقاب والبازي؟ قال: إن ~~أدركت ذكاته فكل منه، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل منه. قلت: فالفهد ليس ~~بمنزلة الكلب؟ قال: فقال: لا، ليس شيء مكلب إلا الكلب. وفيه، عن أبي بصير ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: "ما علمتم من الجوارح مكلبين ~~- تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم - واذكروا اسم الله عليه ~~قال: لا بأس بأكل ما أمسك الكلب مما لم يأكل الكلب منه فإذا أكل الكلب منه ~~قبل أن تدركه فلا تأكله. # أقول: والخصوصيات المأخوذة في الروايات كاختصاص الحل عند القتل بصيد ~~الكلب لقوله تعالى: "مكلبين" وقوله: "مما أمسكن عليكم" واشتراط أن لا ~~يشاركه كلب غير معلم كل ذلك مستفاد من الآية. # وقد تقدم بعض الكلام في ذلك. # وفيه، عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن كلب المجوس ~~يكلبه المسلم ويسمي ويرسله قال: نعم إنه مكلب إذا ذكر اسم الله عليه فلا بأس. # أقول: وفيه الأخذ بإطلاق قوله "مكلبين" وقد روي في الدر المنثور، عن ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس: في المسلم يأخذ كلب المجوسي المعلم أو بازه أو صقره ~~مما علمه المجوسي فيرسله فيأخذه قال: لا تأكله وإن سميت لأنه من تعليم ~~المجوسي وإنما قال: "تعلمونهن مما علمكم الله" وضعفه ظاهر، فإن الخطاب في ~~قوله: "مما علمكم الله" وإن كان متوجها إلى المؤمنين ظاهرا إلا أن الذي ~~علمهم الله مما ms1788 يعلمونه الكلاب ليس غير ما علمه الله المجوس وغيرهم. # وهذا المعنى يساعد فهم السامع أن يفهم أن لا خصوصية لتعليم المؤمن من حيث ~~إنه تعليم المؤمن، فلا فرق في الكلب المعلم بين أن يكون معلمه مسلما أو غير ~~مسلم كما لا فرق من جهة الملك بين كونه مملوكا للمسلم ومملوكا لغيره. # وفي تفسير العياشي، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول الله تبارك وتعالى: "وطعامهم حل لكم" قال: العدس والحبوب وأشباه ذلك ~~يعني أهل الكتاب أقول: ورواه في التهذيب، عنه، ولفظه: قال: العدس والحمص ~~وغير ذلك وفي الكافي، والتهذيب، في روايات عن عمار بن مروان وسماعة عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام): في طعام أهل الكتاب وما يحل منه، قال: الحبوب وفي ~~الكافي، بإسناده عن ابن مسكان، عن قتيبة الأعشى قال: سأل رجل أبا عبد الله ~~وأنا عنده فقال له: الغنم يرسل فيها اليهودي والنصراني فتعرض فيها العارضة ~~فتذبح أيؤكل ذبيحته؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تدخل ثمنها في ~~مالك ولا تأكلها فإنما هي الاسم ولا يؤمن عليها إلا مسلم، فقال له الرجل: ~~قال الله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم" ~~فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي يقول: إنما هي الحبوب وأشباهها:. ~~أقول: ورواه الشيخ في التهذيب، والعياشي في تفسيره عن قتيبة الأعشى عنه ~~(عليه السلام). PageV05P122 # والأحاديث - كما ترى - تفسر طعام أهل الكتاب المحلل في الآية بالحبوب ~~وأشباهها، وهو الذي يدل عليه لفظ الطعام عند الإطلاق كما هو ظاهر من ~~الروايات والقصص المنقولة عن الصدر الأول، ولذلك ذهب المعظم من علمائنا إلى ~~حصر الحل في الحبوبات وأشباهها وما يتخذ منها مما يتغذى به. # وقد شدد النكير عليهم بعضهم بأن ذلك مما يخالف عرف القرآن في استعمال ~~الطعام. # قال، ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن، فقد قال الله تعالى في هذه السورة ~~- أي المائدة -: "أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة" ولا يقول ~~أحد: إن ms1789 الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب. # وقال: "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" ولم ~~يقل أحد: إن الطعام هنا البر أو الحب مطلقا، إذ لم يحرم شيء منه على بني ~~إسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها، فالطعام في الأصل كل ما يطعم أي يذاق أو ~~يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: "فمن شرب منه فليس مني ومن ~~لم يطعمه فإنه مني"، وقال: "فإذا طعمتم فانتشروا" أي أكلتم. # وليت شعري ما ذا فهم من قولهم: "الطعام إذا أطلق كان المراد به الحبوب ~~وأشباهها" فلم يلبث حتى أورد عليهم بمثل قوله: "يطعمه" وقوله: "طعمتم" من ~~مشتقات الفعل؟ وإنما قالوا ما قالوا في لفظ الطعام، لا في الأفعال المصوغة منه. # وأورد بمثل: "وطعام البحر" والإضافة أجلى قرينة، فليس ينبت في البحر بر ~~ولا شعير. # وأورد بمثل: "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل" ثم ذكر هو نفسه أن من ~~المعلوم من دينهم أنهم لم يحرم عليهم البر أو الحب. # وكان ينبغي عليه أن يراجع من القرآن موارد أطلق اللفظ فيها إطلاقا ثم ~~يقول ما هو قائله كقوله: "فدية طعام مسكين": البقرة: 148 وقوله: "أو كفارة ~~طعام مساكين": المائدة: 95 وقوله: "ويطعمون الطعام": الإنسان: 8 وقوله: ~~"فلينظر الإنسان إلى طعامه": عبس: 24 ونحو ذلك. # ثم قال: وليس الحب مظنة للتحليل والتحريم، وإنما اللحم هو الذي يعرض له ~~ذلك لوصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله ~~ولذلك قال تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا": الآية الأنعام: 154 وكله يتعلق بالحيوان وهو نص ~~في حصر التحريم فيما ذكر، فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص. # وكلامه هذا أعجب من سابقه: أما قوله: ليس الحب مظنة للتحليل والتحريم ~~وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك، فيقال له: في أي زمان يعني ذلك؟ أفي مثل ~~هذه الأزمنة وقد استأنس الأذهان بالإسلام ms1790 وعامة أحكامه منذ عدة قرون، أم في ~~زمان النزول ولم يمض من عمر الدين إلا عدة سنين؟ وقد سألوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن أشياء هي أوضح من حكم الحبوب وأشباهها وأجلى، وقد حكى ~~الله تعالى بعض ذلك كما في قوله: "يسألونك ما ذا ينفقون": البقرة: 251 وقد ~~روى عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا قالوا: كيف نتزوج نساءهم ~~وهم على دين ونحن على دين فأنزل الله: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" ~~الحديث. # وقد مر وسيجيء لهذا القول نظائر في تضاعيف الروايات كما نقلناه في حج ~~التمتع وغير ذلك. # وإذا كانوا يقولون مثل هذا القول بعد نزول الآية بحلية المحصنات من نساء ~~أهل الكتاب فما الذي يمنعهم أن يسألوا قبل نزول الآية عن مؤاكلة أهل ~~الكتاب، والأكل مما يؤخذ منهم من الحبوب، والأغذية المتخذة من ذلك كالخبز ~~والهريسة وسائر الأغذية التي تتخذ من الحبوب وأمثالها إذا عملها أهل ~~الكتاب، وهم على دين، ونحن على دين وقد حذر الله المؤمنين عن موادتهم ~~وموالاتهم والاقتراب منهم، والركون إليهم في آيات كثيرة؟. # بل هذا الكلام مقلوب عليه في قوله: إن اللحم هو المظنة للتحريم والتحليل ~~فكيف يسعهم أن يسألوا عنه وقد بين الله عامة محرمات اللحوم في آية الأنعام: ~~"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه": الأنعام: 154 ثم في آية ~~النحل وهما مكيتان، ثم في آية البقرة وهي قبل المائدة نزولا، ثم في قوله: ~~"حرمت عليكم الميتة" وهي قبل هذه الآية؟. PageV05P123 # والآية على قول هذا القائل نص أو كالنص في عدم تحريم ذبائحهم، فكيف صح ~~لهؤلاء أن يسألوا عن حلية ذبائح أهل الكتاب وقد نزلت الآيات مكيتها ~~ومدنيتها مرة بعد أخرى في أمرها ودلت على حليتها، واستقر العمل على حفظها ~~وتلاوتها وتعلمها والعمل بها؟. # وأما قوله: إن آية الأنعام نص في حصر المحرمات فيما ذكر فيها فحرمه غيرها ~~كذبيحة أهل الكتاب يحتاج إلى دليل، فلا شك في احتياج كل حكم إلى دليل ms1791 يقوم ~~عليه، وهذا الكلام صريح منه في أن هذا الحصر إنما ينفع إذا لم يكن هناك ~~دليل يقوم على تحريم أمر آخر وراء ما ذكر في الآية. # وعلى هذا فإن كان مراده بالدليل ما يشمل السنة فالقائل بتحريم ذبائح أهل ~~الكتاب يستند في ذلك إلى ما ورد من الروايات في الآية وقد نقلنا بعضا منها ~~فيما تقدم. # وإن أراد الدليل من الكتاب فمع أنه تحكم لا دليل عليه إذ السنة قرينة ~~الكتاب لا يفترقان في الحجية يسأل عنه ما ذا يقول في ذبيحة الكفار غير أهل ~~الكتاب كالوثنيين والماديين؟ أفيحرمها لكونها ميتة فاقدة للتذكية الشرعية؟ ~~فما الفرق بين عدم التذكية بعدم الاستقبال وعدم ذكر الله عليه أصلا وبين ~~التذكية التي هي غير التذكية الإسلامية وليس يرتضيها الله سبحانه وقد ~~نسخها؟ فالجميع خبائث في نظر الدين، وقد حرم الله الخبائث، قال تعالى: ~~"ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث": الأعراف: 175 وقد قال تعالى في ~~الآية: "السابقة على هذه الآية يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات" ~~ولحن السؤال والجواب فيها أوضح دليل على حصر الحل في الطيبات، وكذا ما في ~~أول هذه الآية من قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات" والمقام مقام الامتنان يدل ~~على الحصر المذكور. # وإن كان تحريم ذبائح الكفار لكونها بالإهلال به لغير الله كالذبح باسم ~~الأوثان عاد الكلام بعدم الفرق بين الإهلال به لغير الله، والإهلال به لله ~~على طريقة منسوخة لا يرتضيها الله سبحانه. # ثم قال: وقد شدد الله فيما كان عليه مشركوا العرب من أكل الميتة بأنواعها ~~المتقدمة والذبح للأصنام لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة، ~~وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح للأصنام. # وقد نسي أن النصارى من أهل الكتاب يأكلون لحم الخنزير، وقد ذكره الله ~~تعالى وشدد عليه، وأنهم يأكلون جميع ما تستبيحه المشركون لارتفاع التحريم ~~عنهم بالتفدية. # على أن هذا استحسان سخيف لا يجدي نفعا ولا يعول على مثله في تفسير كلام ~~الله وفهم معاني آياته، ولا في ms1792 فقه أحكام دينه. # ثم قال: ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا ~~يبقى في الجزيرة أحد إلا ويدخل في الإسلام وخفف في معاملة أهل الكتاب، ثم ~~ذكر موارد من فتيا بعض الصحابة بحلية ما ذبحوه للكنائس وغير ذلك. # وهذا الكلام منه مبني على ما يظهر من بعض الروايات أن الله اختار العرب ~~على غيرهم من الأمم، وأن لهم كرامة على غيرهم. # ولذلك كانوا يسمون غيرهم بالموالي، ولا يلائمه ظاهر الآيات القرآنية، وقد ~~قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 13 ومن طرق أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) أحاديث كثيرة في هذا المعنى. # ولم يجعل الإسلام في دعوته العرب في جانب وغيرهم في جانب، بل إنما جعل ~~غير أهل الكتاب من المشركين سواء كانوا عربا أو غيرهم في جانب، فلم يقبل ~~منهم إلا أن يسلموا ويؤمنوا، وأهل الكتاب سواء كانوا عربا أو غيرهم في ~~جانب، فقبل منهم الدخول في الذمة وإعطاء الجزية إلا أن يسلموا. # وهذا الوجه بعد تمامه لا يدل على أزيد من التساهل في حقهم في الجملة ~~لإبهامه، وأما أنه يجب أن يكون بإباحة ذبائحهم إذا ذبحوها على طريقتهم ~~وسنتهم فمن أين له الدلالة على ذلك؟ وهو ظاهر. # وأما ما ذكره من عمل بعض الصحابة وقولهم إلى غير ذلك فلا حجية فيه. # فقد تبين من جميع ما تقدم عدم دلالة الآية ولا أي دليل آخر على حلية ~~ذبائح أهل الكتاب إذا ذبحت بغير التذكية الإسلامية. PageV05P124 # فإن قلنا بحلية ذبائحهم للآية كما نقل عن بعض أصحابنا فلنقيدها بما إذا علم ~~وقوع الذبح عن تذكية شرعية كما يظهر من قول الصادق (عليه السلام) في خبر ~~الكافي، والتهذيب، المتقدم: "فإنما هي الاسم ولا يؤمن عليها إلا مسلم" ~~الحديث. # وللكلام تتمة تطلب من الفقه. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" الآية قال: هن ms1793 العفائف وفيه، عنه (عليه ~~السلام): في قوله: "والمحصنات من المؤمنات" الآية قال: هن المسلمات. وفي ~~تفسير القمي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: وإنما يحل نكاح أهل ~~الكتاب الذين يؤدون الجزية، وغيرهم لم تحل مناكحتهم. # أقول: وذلك لكونهم محاربين حينئذ. # وفي الكافي، والتهذيب، عن الباقر (عليه السلام): إنما يحل منهن نكاح ~~البله. وفي الفقيه، عن الصادق (عليه السلام): في الرجل المؤمن يتزوج ~~النصرانية واليهودية قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ ~~فقيل: يكون له فيها الهوى فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم ~~الخنزير واعلم أن عليه في دينه غضاضة وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام) ~~قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرة. وفي الفقيه، ~~عن الباقر (عليه السلام): أنه سئل عن الرجل المسلم أيتزوج المجوسية؟ قال: ~~لا، ولكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها، ويعزل عنها، ولا يطلب ~~ولدها. وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) في حديث: قال: وما أحب للرجل المسلم أن يتزوج اليهودية والنصرانية ~~مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر. وفي الكافي، بإسناده عن زرارة، وفي تفسير ~~العياشي، عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله ~~تعالى: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" فقال: منسوخة بقوله: ~~"ولا تمسكوا بعصم الكوافر". أقول: ويشكل بتقدم قوله: "ولا تمسكوا" الآية ~~على قوله: "والمحصنات" الآية نزولا ولا يجوز تقدم الناسخ على المنسوخ. # مضافا إلى ما ورد أن سورة المائدة ناسخة غير منسوخة، وقد تقدم الكلام فيه. # ومن الدليل على أن الآية غير منسوخة ما تقدم من الرواية الدالة على جواز ~~التمتع بالكتابية وقد عمل بها الأصحاب وقد تقدم في آية المتعة أن التمتع ~~نكاح وتزويج. # نعم لو قيل بكون قوله: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" الآية مخصصا متقدما خرج ~~به النكاح الدائم من إطلاق قوله: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم" لدلالته على النهي عن الإمساك ms1794 بالعصمة، وهو ينطبق على النكاح الدائم ~~كما ينطبق على إبقاء عصمة الزوجية بعد إسلام الزوج وهو مورد نزول الآية. # ولا يصغى إلى قول من يعترض عليه بكون الآية نازلة في إسلام الزوج مع بقاء ~~الزوجة على الكفر، فإن سبب النزول لا يقيد اللفظ في ظهوره، وقد تقدم في ~~تفسير آية النسخ من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب أن النسخ في عرف ~~القرآن وبحسب الأصل يعم غير النسخ المصطلح كالتخصيص. # وفي بعض الروايات أيضا أن الآية منسوخة بقوله: "ولا تنكحوا المشركات" ~~الآية وقد تقدم الإشكال فيه، وللكلام تتمة تطلب من الفقه. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" ~~الآية: عن أبان بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ~~أدنى ما يخرج به الرجل من الإسلام أن يرى الرأي بخلاف الحق فيقيم عليه قال: ~~"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، وقال (عليه السلام): الذي يكفر بالإيمان ~~الذي لا يعمل بما أمر الله به ولا يرضى به. وفيه، عن محمد بن مسلم عن ~~أحدهما (عليهما السلام) قال: هو ترك العمل حتى يدعه أجمع. # أقول: وقد تقدم ما يتضح به ما في هذه الأخبار من خصوصيات التفسير. # وفيه، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول ~~الله عز وجل: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" قال: ترك العمل الذي أقربه، ~~من ذلك أن يترك الصلاة من غير سقم ولا شغل. # أقول: وقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانا في قوله: "وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم" البقرة: 134 ولعله (عليه السلام) خصها بالذكر لذلك. PageV05P125 # وفي تفسير القمي، قال (عليه السلام): من آمن ثم أطاع أهل الشرك وفي ~~البصائر، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تبارك ~~وتعالى: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله - وهو في الآخرة من الخاسرين" ~~قال: تفسيرها في بطن القرآن: ومن يكفر بولاية علي. وعلي هو الإيمان. # أقول: هو من البطن المقابل ms1795 للظهر بالمعنى الذي بيناه في الكلام على ~~المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب ويمكن أن يكون من الجري ~~والتطبيق على المصداق، وقد سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا ~~(عليه السلام) إيمانا حينما برز إلى عمرو بن عبد ود يوم الخندق حيث قال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): "برز الإيمان كله إلى الكفر كله". # وفي هذا المعنى بعض روايات أخر PageV05P126 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 6 - 7 # يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) ~~واذكروا نعمة الله عليكم وميثقه الذى واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآية الأولى حكم الطهارات الثلاث: الوضوء وغسل الجنابة والتيمم ~~والآية التالية كالمتممة أو المؤكدة لحكم الآية الأولى، وفي بيان حكم ~~الطهارات الثلاث آية أخرى تقدمت في سورة النساء، وهي قوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا ~~إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا": النساء: 43. # وهذه الآية أعني آية المائدة أوضح وأبين من آية النساء، وأشمل لجهات ~~الحكم ولذلك أخرنا بيان آية النساء إلى هاهنا لسهولة التفهم عند المقايسة. # قوله تعالى. # "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" القيام إذا عدي بإلى ربما كني ~~به عن إرادة الشيء المذكور للملازمة والقران بينهما، فإن إرادة الشيء لا ~~تنفك عن الحركة إليه، وإذا فرض الإنسان مثلا قاعدا لأنه حال سكونه ولازم ~~سباته عادة، ms1796 وفرض الشيء المراد فعلا متعارفا يتحرك إليه عادة كان مما يحتاج ~~في إتيانه إلى القيام غالبا، فأخذ الإنسان في ترك السكون والانتصاب لإدراك ~~العمل هو القيام إلى الفعل، وهو يلازم الإرادة. # ونظيره قوله تعالى: "وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة": النساء: 120 أي ~~أردت أن تقيم لهم الصلاة. # وعكسه من وجه قوله تعالى: "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا": النساء: 20 أي إذا طلقتم زوجا وتزوجتم ~~بأخرى، فوضعت إرادة الفعل وطلبه مقام القيام به. # وبالجملة الآية تدل على اشتراط الصلاة بما تذكره من الغسل والمسح أعني ~~الوضوء ولو تم لها إطلاق لدل على اشتراط كل صلاة بوضوء مع الغض عن قوله: ~~"وإن كنتم جنبا فاطهروا" لكن الآيات المشرعة قلما يتم لها الإطلاق من جميع ~~الجهات. # على أنه يمكن أن يكون قوله الآتي: "ولكن يريد ليطهركم" مفسرا لهذا ~~الاشتراط على ما سيجيء من الكلام. # هذا هو المقدار الذي يمكن أن يبحث عنه في تفسير الآية، والزائد عليه مما ~~أطنب فيه المفسرون بحث فقهي خارج عن صناعة التفسير. # قوله تعالى: "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" الغسل بفتح الغين ~~إمرار الماء على الشيء، ويكون غالبا لغرض التنظيف وإزالة الوسخ والدرن ~~والوجه ما يستقبلك من الشيء، وغلب في الجانب المقبل من رأس الإنسان مثلا، ~~وهو الجانب الذي فيه العين والأنف والفم، ويعين بالظهور عند المشافهة، وقد ~~فسر في الروايات المنقولة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بما بين قصاص ~~الشعر من الناصية وآخر الذقن طولا، وما دارت عليه الإبهام والوسطى ~~والسبابة، وهناك تحديدات أخر ذكرها المفسرون والفقهاء. # والأيدي جمع يد وهي العضو الخاص الذي به القبض والبسط والبطش وغير ذلك، ~~وهو ما بين المنكب وأطراف الأصابع، وإذ كانت العناية في الأعضاء بالمقاصد ~~التي يقصدها الإنسان منها كالقبض والبسط في اليد مثلا، وكان المعظم من ~~مقاصد اليد تحصل بما دون المرفق إلى أطراف الأصابع سمي أيضا باليد، ولذلك ~~بعينه ما سمي ما دون الزند إلى أطراف الأصابع فصار ms1797 اللفظ بذلك مشتركا أو ~~كالمشترك بين الكل والأبعاض. PageV05P127 # وهذا الاشتراك هو الموجب لذكر القرينة المعينة إذا أريد به أحد المعاني، ~~ولذلك قيد تعالى قوله: "وأيديكم" بقوله: "إلى المرافق" ليتعين أن المراد ~~غسل اليد التي تنتهي إلى المرافق، ثم القرينة أفادت أن المراد به القطعة من ~~العضو التي فيها الكف، وكذا فسرتها السنة. # والذي يفيده الاستعمال في لفظة "إلى" أنها لانتهاء الفعل الذي لا يخلو من ~~امتداد الحركة، وأما دخول مدخول "إلى" في حكم ما قبله أو عدم دخوله فأمر ~~خارج عن معنى الحرف، فشمول حكم الغسل للمرافق لا يستند إلى لفظة "إلى" بل ~~إلى ما بينه السنة من الحكم. # وربما ذكر بعضهم أن "إلى" في الآية بمعنى مع كقوله تعالى: "ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم": النساء: 2 وقد استند في ذلك إلى ما ورد في الروايات ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يغسلهما إذا توضأ، وهو من عجيب ~~الجرأة في تفسير كلام الله، فإن ما ورد من السنة في ذلك إما فعل والفعل ~~مبهم ذو وجوه فكيف يسوغ أن يحصل بها معنى لفظ من الألفاظ حتى يعد ذلك أحد ~~معاني اللفظ؟ وإما قول وارد في بيان الحكم دون تفسير الآية، ومن الممكن أن ~~يكون وجوب الغسل للمقدمة العلمية أو مما زاده النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وكان له ذلك كما فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلوات الخمس ~~على ما وردت به الروايات الصحيحة. # وأما قوله تعالى: "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" فهو من قبيل تضمين ~~الأكل معنى الضم ونحوه مما يتعدى بإلى لا أن لفظة "إلى" هنالك بمعنى مع. # وقد تبين بما مر أن قوله "إلى المرافق" قيد لقوله "أيديكم" فيكون الغسل ~~المتعلق بها مطلقا غير مقيد بالغاية يمكن أن يبدأ فيه من المرفق إلى أطراف ~~الأصابع وهو الذي يأتي به الإنسان طبعا إذا غسل يده في غير حال الوضوء من ~~سائر الأحوال أو يبدأ من أطراف الأصابع ويختم بالمرفق، لكن الأخبار الواردة ~~من طرق ms1798 أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تفتي بالنحو الأول دون الثاني. # وبذلك يندفع ما ربما يقال: إن تقييد الجملة بقوله "إلى المرافق" يدل على ~~وجوب الشروع في الغسل من أطراف الأصابع والانتهاء إلى المرافق. # وجه الاندفاع أن الإشكال مبني على كون قوله "إلى المرافق" قيدا لقوله ~~"فاغسلوا" وقد تقدم أنه قيد للأيدي، ولا مناص منه لكونه مشتركا محتاجا إلى ~~القرينة المعينة، ولا معنى لكونه قيدا لهما جميعا. # على أن الأمة أجمعت على صحة وضوء من بدأ في الغسل بالمرافق وانتهى إلى ~~أطراف الأصابع كما في المجمع، وليس إلا لأن الآية تحتمله: وليس إلا لأن ~~قوله "إلى المرافق" قيد للأيدي دون الغسل. # قوله تعالى: "وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" المسح: إمرار اليد أو ~~كل عضو لامس على الشيء بالمباشرة، يقال. # مسحت الشيء ومسحت بالشيء، فإذا عدي بنفسه أفاد الاستيعاب، وإذا عدي ~~بالباء دل على المسح ببعضه من غير استيعاب وإحاطة. # فقوله: "وامسحوا برءوسكم" يدل على مسح بعض الرأس في الجملة، وأما أنه أي ~~بعض من الرأس فمما هو خارج من مدلول الآية، والمتكفل لبيانه السنة، وقد صح ~~أنه جانب الناصية من الرأس. # وأما قوله: "وأرجلكم" فقد قرىء بالجر، وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم. # وربما قال القائل: إن الجر للإتباع، كقوله: "وجعلنا من الماء كل شيء حي": ~~الأنبياء: 30 وهو خطأ فإن الإتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها ~~كلام الله تعالى. # وأما قوله: "كل شيء حي" فإنما الجعل هناك بمعنى الخلق، وليس من الإتباع ~~في شيء. # على أن الإتباع - كما قيل - إنما ثبت في صورة اتصال التابع والمتبوع كما ~~قيل في قولهم: جحر ضب خرب بجر الخرب، إتباعا لا في مثل المورد مما يفضل ~~العاطف بين الكلمتين. PageV05P128 # وقرأ: وأرجلكم - بالنصب وأنت إذا تلقيت الكلام مخلي الذهن غير مشوب الفهم ~~لم يلبث دون أن تقضي أن "أرجلكم" معطوف على موضع "رءوسكم" وهو النصب، وفهمت ~~من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، ولم يخطر ببالك أن ~~ترد "أرجلكم" إلى ms1799 "وجوهكم" في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله: "فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" بحكم آخر وهو قوله: "وامسحوا بوجوهكم"، فإن ~~الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ ~~أن يقول مثلا: قبلت وجه زيد ورأسه ومسحت بكتفه ويده بنصب يد عطفا على "وجه ~~زيد" مع انقطاع الكلام الأول، وصلاحية قوله "يده" لأن يعطف على محل المجرور ~~المتصل به، وهو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم. # وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأما الروايات ~~من طرق أهل السنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية، وإنما ~~تحكي عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفتوى بعض الصحابة، لكنها ~~مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين، ومنها ما يوجب غسلهما. # وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح، ولا كلام لنا معهم في ~~هذا المقام لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه، خارج عن صناعة التفسير. # لكنهم مع ذلك حاولوا تطبيق الآية على ما ذهبوا إليه من الحكم الفقهي ~~بتوجيهات مختلفة ذكروها في المقام، والآية لا تحتمل شيئا منها إلا مع ردها ~~من أوج بلاغتها إلى مهبط الرداءة. # فربما قيل: إن "أرجلكم" عطف على "وجوهكم" كما تقدم هذا على قراءة النصب، ~~وأما على قراءة الجر فتحمل على الإتباع، وقد عرفت أن شيئا منهما لا يحتمله ~~الكلام البليغ الذي يطابق فيه الوضع الطبع. # وربما قيل في توجيه قراءة الجر: إنه من قبيل العطف في اللفظ دون المعنى ~~كقوله: علفتها تبنا وماء باردا. # وفيه أن مرجعه إلى تقدير فعل يعمل عملا يوافق إعراب حال العطف كما يدل ~~عليه ما استشهد به من الشعر. # وهذا المقدر في الآية إما "اغسلوا" وهو يتعدى بنفسه لا بحرف الجر، وإما ~~غيره وهو خلاف ظاهر الكلام لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة وأيضا ما ~~استشهد به من الشعر إما من قبيل المجاز العقلي، وإما بتضمين علفت معنى ~~أعطيت وأشبعت ونحوهما. # وأيضا الشعر المستشهد به ms1800 يفسد معناه لو لم يعالج بتقدير ونحوه، فهناك ~~حاجة إلى العلاج قطعية، وأما الآية فلا حاجة فيها إلى ذلك من جهة اللفظ ~~يقطع بها. # وربما قيل في توجيه الجر بناء على وجوب غسل الأرجل: أن العطف في محله غير ~~أن المسح خفيف الغسل فهو غسل بوجه فلا مانع من أن يراد بمسح الأرجل غسلها، ~~ويقوي ذلك أن التحديد والتوقيت أنما جاء في المغسول وهو الوجه، ولم يجىء في ~~الممسوح فلما رفع التحديد في المسح وهو قوله: "وأرجلكم إلى الكعبين" علم ~~أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد. # وهذا من أردإ الوجوه، فإن المسح غير الغسل ولا ملازمة بينهما أصلا. # على أن حمل مسح الأرجل على الغسل دون مسح الرءوس ترجيح بلا مرجح. # وليت شعري ما ذا يمنعه أن يحمل كل ما ورد فيه المسح مطلقا في كتاب أو سنة ~~على الغسل وبالعكس وما المانع حينئذ أن يحمل روايات الغسل على المسح، ~~وروايات المسح على الغسل فتعود الأدلة عن آخرها مجملات لا مبين لها؟. # وأما ما قواه به فهو من تحميل الدلالة على اللفظ بالقياس، وهو من أفسد ~~القياسات. # وربما قيل إن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم ~~مسح الوجه بالتراب في التيمم فإذا فعل ذلك بهما المتوضىء كان مستحقا اسم ~~ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما ~~إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ~~ماسح، فالنصب في قوله: "أرجلكم" بعناية أن الواجب هو غسلهما، والجر بعناية ~~أنه ماسح بالماء غسلا، انتهى ملخصا. # وما أدري كيف يثبت بهذا الوجه أن المراد بمسح الرأس في الآية هو المسح من ~~غير غسل، وبمسح الرجلين هو المسح بالغسل؟ وهذا الوجه هو الوجه السابق بعينه ~~ويزيد عليه فسادا، ولذلك يرد على هذا ما يرد على ذاك. PageV05P129 # ويزيد عليه إشكالا أن قوله: إن الله أمر بعموم مسح الرجلين في الوضوء إلخ ~~الذي قاس فيه الوضوء على التيمم إن ms1801 أراد به قياس الحكم على الحكم أعني ما ~~ثبت عنده بالروايات فأي دلالة له على دلالة الآية على ذلك؟ وليست الروايات ~~- كما عرفت - بصدد تفسير لفظ الكتاب، وإن أراد به قياس قوله: "وامسحوا ~~برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" في الوضوء على قوله: "فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه" في التيمم فهو ممنوع في المقيس والمقيس عليه جميعا فإن الله ~~تعالى عبر في كليهما بالمسح المتعدي بالباء، وقد تقدم أن المسح المتعدي ~~بالباء لا يدل في اللغة على استيعاب المسح الممسوح، وأن الذي يدل على ذلك ~~هو المسح المتعدي بنفسه. # وهذه الوجوه وأمثالها مما وجهت بها الآية بحملها على خلاف ظاهرها حفظا ~~للروايات فرارا من لزوم مخالفة الكتاب فيها، ولو جاز لنا تحميل معنى ~~الرواية على الآية بتأويل الآية بحملها على خلاف ظاهرها لم يتحقق لمخالفة ~~الكتاب مصداق. # فالأحرى للقائل بوجوب غسل الرجلين في الوضوء أن يقول كما قال بعض السلف ~~كأنس والشعبي وغيرهما على ما نقل عنهم: أنه نزل جبرئيل بالمسح والسنة ~~الغسل، ومعناه نسخ الكتاب بالسنة. # وينتقل البحث بذلك عن المسألة التفسيرية إلى المسألة الأصولية: هل يجوز ~~نسخ الكتاب بالسنة أو لا يجوز، والبحث فيه من شأن الأصولي دون المفسر، وليس ~~قول المفسر بما هو مفسر: أن الخبر الكذائي مخالف للكتاب إلا للدلالة على ~~أنه غير ما يدل عليه ظاهر الكتاب دلالة معولا عليها في الكشف عن المراد دون ~~الفتيا بالحكم الشرعي الذي هو شأن الفقيه. # وأما قوله تعالى: "إلى الكعبين" فالكعب هو العظم الناتىء في ظهر القدم. # وربما قيل: إن الكعب هو العظم الناتىء في مفصل الساق والقدم، وهما كعبان ~~في كل قدم في المفصل. # قوله تعالى: "وإن كنتم جنبا فاطهروا" الجنب في الأصل مصدر غلب عليه ~~الاستعمال بمعنى اسم الفاعل، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد ~~وغيره، يقال: رجل جنب وامرأة جنب ورجلان أو امرأتان جنب، ورجال أو نساء ~~جنب، واختص الاستعمال بمعنى المصدر للجنابة. # والجملة أعني قوله: "وإن كنتم جنبا فاطهروا" معطوفة على قوله: "فاغسلوا ~~وجوهكم" لأن الآية مسوقة ms1802 لبيان اشتراط الصلاة بالطهارة فالتقدير: وتطهروا ~~إن كنتم جنبا، فيئول إلى تقدير شرط الخلاف في جانب الوضوء وتقدير الكلام: ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إن لم تكونوا جنبا وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا ويستفاد من ذلك أن تشريع الوضوء إنما هو في حال عدم ~~الجنابة، وأما عند الجنابة فالغسل فحسب كما دلت عليه الأخبار. # وقد بين الحكم بعينه في آية النساء بقوله: "ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا" فهذه الآية تزيد على تلك الآية بيانا بتسمية الاغتسال تطهرا، وهذا ~~غير الطهارة الحاصلة بالغسل، فإنها أثر مترتب، وهذا نفس الفعل الذي هو ~~الاغتسال وقد سمي تطهرا كما يسمى غسل أوساخ البدن بالماء تنظفا. # ويستفاد من ذلك ما ورد في بعض الأخبار من قوله (عليه السلام): "ما جرى ~~عليه الماء فقد طهر". # قوله تعالى: "وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا" شروع في بيان حكم من لا يقدر على ~~الماء حتى يغسل أو يغتسل. # والذي ذكر من الموارد وعد بالترديد ليس بعضها يقابل بعضا مقابلة حقيقية، ~~فإن المرض والسفر ليسا بنفسهما يوجبان حدثا مستدعيا للطهارة بالوضوء أو ~~الغسل بل إنما يوجبانه إذا أحدث المكلف معهما حدثا صغيرا أو كبيرا، فالشقان ~~الأخيران لا يقابلان الأولين بل كل من الأولين كالمنقسم إلى الأخيرين، ~~ولذلك احتمل بعضهم أن يكون "أو" في قوله: "أو جاء أحد منكم"، بمعنى الواو ~~كما سيجيء، على أن العذر لا ينحصر في المرض والسفر بل له مصاديق أخر. # لكن الله سبحانه ذكر المرض والسفر وهما مظنة عدم التمكن من الماء غالبا، ~~وذكر المجيء من الغائط وملامسة النساء وفقدان الماء معهما اتفاقي، ومن جهة ~~أخرى - وهي عكس الجهة الأولى - عروض المرض والسفر للإنسان بالنظر إلى بنيته ~~الطبيعية أمر اتفاقي بخلاف التردد إلى الغائط وملامسة النساء فإنهما من ~~حاجة الطبيعة: أحدهما يوجب الحدث الأصغر الذي يرتفع بالوضوء، والآخر الحدث ~~الأكبر الذي يرتفع بالغسل. PageV05P130 # فهذه الموارد الأربع موارد يبتلى الإنسان ببعضها ms1803 اتفاقا وببعضها طبعا. # وهي تصاحب فقدان الماء غالبا كالمرض والسفر أو اتفاقا كالتخلي والمباشرة ~~إذا انضم إليها عدم وجدان الماء فالحكم هو التيمم. # وعلى هذا يكون عدم وجدان الماء كناية عن عدم القدرة على الاستعمال. # كنى به عنه لأن الغالب هو استناد عدم القدرة إلى عدم الوجدان، ولازم ذلك ~~أن يكون عدم الوجدان قيدا لجميع الأمور الأربعة المذكورة حتى المرض. # وقد تبين بما قدمناه أولا: أن المراد بالمرض في قوله: "كنتم مرضى" هو ~~المرض الذي يتحرج معه الإنسان من استعمال الماء ويتضرر به على ما يعطيه ~~التقييد بقوله: "فلم تجدوا ماء" ويفيده أيضا سياق الكلام في الآية. # وثانيا: أن قوله: "أو على سفر" شق برأسه يبتلى به الإنسان اتفاقا ويغلب ~~عليه فيه فقدان الماء، فليس بمقيد بقوله: "أو جاء أحد منكم" إلخ بل هو ~~معطوف على قوله: "فاغسلوا" والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وكنتم على سفر ~~ولم تجدوا ماء فتيمموا، فحال هذا الفرض في إطلاقه وعدم تقيده بوقوع أحد ~~الحدثين حال المعطوف عليه أعني قوله: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" إلخ ~~فكما لم يحتج إلى التقييد ابتداء لم يحتج إليه ثانيا عند العطف. # وثالثا: أن قوله: "أو جاء أحد منكم من الغائط" شق آخر مستقلا وليس كما ~~قيل: إن "أو" فيه بمعنى الواو كقوله تعالى: "وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون": الصافات: 174 لما عرفت من عدم الحاجة إلى ذلك. # على أن "أو" في الآية المستشهد بها ليس إلا بمعناها الحقيقي، وإنما ~~الترديد راجع إلى كون المقام مقاما يتردد فيه بالطبع لا لجهل في المتكلم ~~كما يقال بمثله في الترجي والتمني الواقعين في القرآن كقوله: "لعلكم ~~تتقون": البقرة: 21، وقوله: "لو كانوا يعلمون": البقرة: 120. # وحكم هذه الجملة في العطف حكم سابقتها، والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة ~~وكان جاء أحد منكم من الغائط ولم تجدوا ماء فتيمموا. # وليس من البعيد أن يستفاد من ذلك عدم وجوب إعادة التيمم أو الوضوء لمن لم ~~تنتقض طهارته بالحدث الأصغر إن كان على طهارة بناء على ms1804 مفهوم الشرط فيتأيد ~~به من الروايات ما يدل على عدم وجوب التطهر لمن كان على طهارة. # وفي قوله تعالى: "أو جاء أحد منكم من الغائط" من الأدب البارع ما لا يخفى ~~للمتدبر حيث كنى عن المراد بالمجيء من الغائط، والغائط هو المكان المنخفض ~~من الأرض وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ليتستروا به من الناس تأدبا، ~~واستعمال الغائط في معناه المعروف اليوم استعمال مستحدث من قبيل الكنايات ~~المبتذلة كما أن لفظ العذرة كذلك، والأصل في معناها عتبة الباب سميت بها ~~لأنهم كانوا يخلون ما اجتمع في كنيف البيت فيها على ما ذكره الجوهري في ~~الصحاح،. # ولم يقل: أو جئتم من الغائط لما فيه من تعيين المنسوب إليه، وكذا لم يقل: ~~أو جاء أحدكم من الغائط لما فيه من الإضافة التي فيها شوب التعيين بل بالغ ~~في الإبهام فقال: "أو جاء أحد منكم من الغائط" رعاية لجانب الأدب. # ورابعا: أن قوله: "أو لامستم النساء" كسابقه شق من الشقوق المفروضة مستقل ~~وحكمه في العطف والمعنى حكم سابقه، وهو كناية عن الجماع أدبا صونا للسان من ~~التصريح بما تأبى الطباع عن التصريح به. # فإن قلت: لو كان كذلك كان التعبير بمثل ما عبر به عنه سابقا بقوله: "وإن ~~كنتم جنبا" أولى لكونه أبلغ في رعاية الأدب. # قلت: نعم لكنه كان يفوت نكتة مرعية في الكلام، وهي الدلالة على كون الأمر ~~مما يقتضيه الطبيعة كما تقدم بيانه، والتعبير بالجنابة فاقد للإشعار بهذه ~~النكتة. # وظهر أيضا فساد ما نسب إلى بعضهم: أن المراد بملامسة النساء هو الملامسة ~~حقيقة بنحو التصريح من غير أن تكون كناية عن الجماع. PageV05P131 # وجه فساده أن سياق الآية لا يلائمه، وإنما يلائم الكناية فإن الله سبحانه ~~ابتدأ في كلامه ببيان حكم الحدث الأصغر بالوضوء وحكم الجنابة بالغسل في ~~الحال العادي، وهو حال وجدان الماء، ثم انتقل الكلام إلى بيان الحكم في ~~الحال غير العادي، وهو حال فقدان الماء فبين فيه حال بدل الوضوء وهو التيمم ~~فكان الأحرى والأنسب بالطبع أن يذكر حال بدل ms1805 الغسل أيضا، وهو قرين الوضوء، ~~وقد ذكر ما يمكن أن ينطبق عليه، وهو قوله: "أو لامستم النساء" على سبيل ~~الكناية، فالمراد به ذلك لا محالة، ولا وجه لتخصيص الكلام ببيان حكم بدل ~~الوضوء وهو أحد القرينين، وإهمال حكم بدل القرين الآخر وهو الغسل رأسا. # وخامسا: يظهر بما تقدم فساد ما أورد على الآية من الإشكالات: فمنها أن ~~ذكر المرض والسفر مستدرك، فإنهما أنما يوجبان التيمم بانضمام أحد الشقين ~~الأخيرين وهو الحدث والملامسة، مع أنهما يوجبانه ولو لم يكن معهما مرض أو ~~سفر فذكر الأخيرين يغني عن ذكر الأولين. # والجواب أن ذكر الشقين الأخيرين ليس لغرض انضمامهما إلى أحد الأولين بل ~~كل من الأربعة شق مستقل مذكور لغرض خاص به يفوت بحذفه من الكلام على ما ~~تقدم بيانه. # ومنها: أن الشق الثاني وهو قوله: "أو على سفر" مستدرك وذلك بمثل ما وجه ~~به الإشكال السابق غير أن المرض لما كان عذره الموجب للانتقال إلى البدل هو ~~عدم التمكن من استعمال الماء الموجود لا عدم وجدان الماء كان من اللازم أن ~~يقدر له ذلك في الكلام، ولا يغني عن ذكره ذكر الشقين الأخيرين مع عدم وجدان ~~الماء، ونتيجة هذا الوجه كون السفر مستدركا فقط. # والجواب أن عدم الوجدان في الآية كناية عن عدم التمكن من استعمال الماء ~~أعم من صورة وجدانه أو فقدانه كما تقدم. # ومنها: أن قوله: "فلم تجدوا ماء" يغني عن ذكر جميع الشقوق، ولو قيل مكان ~~قوله: "وإن كنتم مرضى" إلخ: "وإن لم تجدوا ماء" لكان أوجز وأبين، والجواب: ~~أن فيه إضاعة لما تقدم من النكات. # ومنها: أن لو قيل: وإن لم تقدروا على الماء أو ما يفيد معناه كان أولى، ~~لشموله عذر المرض مضافا إلى عذر غيره. # والجواب: أنه أفيد بالكناية، وهي أبلغ. # قوله تعالى: "فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" التيمم هو ~~القصد، والصعيد هو وجه الأرض، وتوصيفه بالطيب - والطيب في الشيء كونه على ~~حال يقتضيه طبعه - للإشارة إلى اشتراط كونه على حاله الأصلي كالتراب ~~والأحجار ms1806 العادية دون ما خرج من الأرضية بطبخ أو نضج أو غير ذلك من عوامل ~~التغيير كالجص والنورة والخزف والمواد المعدنية، قال تعالى: "والبلد الطيب ~~يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58 ومن ذلك ~~يستفاد الشروط التي أخذت السنة في الصعيد الذي يتيمم به. # وربما يقال: إن المراد بالطيب الطهارة، فيدل على اشتراط الطهارة في ~~الصعيد. # وقوله: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" ينطبق ما ذكره في التيمم للمسح على ~~ما ذكره في الوضوء للغسل، فالتيمم في الحقيقة وضوء أسقطت فيه المسحتان: مسح ~~الرأس ومسح الرجلين، وأبدلت فيه الغسلتان: غسلة الوجه واليدين إلى المرفقين ~~بالمسحتين، وأبدل الماء بالتراب تخفيفا. # وهذا يشعر بأن العضوين في التيمم هما العضوان في الوضوء، ولما عبر تعالى ~~بالمسح المتعدي بالباء دل ذلك على أن المعتبر في التيمم هو مسح بعض عضوي ~~الغسل في الوضوء أعني بعض الوجه، وبعض اليد إلى المرفق، وينطبق على ما ورد ~~من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من تحديد الممسوح من الوجه بما بين ~~الجبينين والممسوح من اليد بما دون الزند منها. # وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم من تحديد اليد بما دون الإبطين. # وما ذكره آخرون أن المعتبر من اليد في التيمم عين ما اعتبر في الوضوء وهو ~~ما دون المرفق، وذلك أنه لا يلائم المسح المتعدي بالباء الدال على مرور ~~الماسح ببعض الممسوح. # و"من" في قوله: "منه" كأنها ابتدائية والمراد أن يكون المسح بالوجه ~~واليدين مبتدأ من الصعيد، وقد بينته السنة بأنه بضرب اليدين على الصعيد ~~ومسحهما بالوجه واليدين. PageV05P132 # ويظهر من بعضهم: أن "من" هاهنا تبعيضية فتفيد أن يكون في اليدين بعد الضرب ~~بقية من الصعيد كغبار ونحوه بمسح الوجه واليدين واستنتج منه وجوب كون ~~الصعيد المضروب عليه مشتملا على شيء من الغبار يمسح منه بالوجه واليدين فلا ~~يصح التيمم على حجر أملس لم يتعلق به غبار، والظاهر ما قدمناه - والله أعلم ~~- وما استنتجه من الحكم لا يختص بما احتمله. # قوله تعالى: "ما يريد الله ليجعل ms1807 عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم" دخول ~~"من" على مفعول "ما يريد" لتأكيد النفي، فلا حكم يراد به الحرج بين الأحكام ~~الدينية أصلا، ولذلك علق النفي على إرادة الجعل دون نفس الحرج. # والحرج حرجان: حرج يعرض ملاك الحكم ومصلحته المطلوبة، ويصدر الحكم حينئذ ~~حرجيا بذاته لتبعية ملاكه كما لو حرم الالتذاذ من الغذاء لغرض حصول ملكة ~~الزهد، فالحكم حرجي من رأس، وحرج بعرض الحكم من خارج عن أسباب اتفاقية ~~فيكون بعض أفراده حرجيا ويسقط الحكم حينئذ في تلك الأفراد الحرجية لا في ~~غيرها مما لا حرج فيه، كمن يتحرج عن القيام في الصلاة لمرض يضره معه ذلك، ~~ويسقط حينئذ وجوب القيام عنه لا عن غيره ممن يستطيعه. # وإضرابه تعالى بقوله: "ولكن يريد ليطهركم"، عن قوله: "ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج" يدل على أن المراد بالآية نفي الحرج الذي في الملاك أي أن ~~الأحكام التي يجعلها عليكم ليست بحرجية شرعت لغرض الحرج، وذلك لأن معنى ~~الكلام أن مرادنا بهذه الأحكام المجعولة تطهيركم وإتمام النعمة وهو الملاك، ~~لا أن نشق عليكم ونحرجكم، ولذلك لما وجدنا الوضوء والغسل حرجيين عليكم عند ~~فقدان الماء انتقلنا من إيجاب الوضوء والغسل إلى إيجاب التيمم الذي هو في ~~وسعكم، ولم يبطل حكم الطهارة من رأس لإرادة تطهيركم وإتمام النعمة عليكم ~~لعلكم تشكرون. # قوله تعالى: "ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون" لازم ما ~~تقدم من معنى نفي إرادة الحرج أن يكون المراد بقوله: "يريد ليطهركم" أن ~~تشريع الوضوء والغسل والتيمم إنما هو حصول الطهارة فيكم لكونها أسبابا ~~لذلك، وهذه الطهارة أيا ما كانت ليست بطهارة عن الخبث بل هي طهارة معنوية ~~حاصلة بأحد هذه الأعمال الثلاثة، وهي التي تشترط بها الصلاة في الحقيقة. # ومن الممكن أن يستفاد من ذلك عدم وجوب الإتيان بعمل الطهارة عند القيام ~~إلى كل صلاة إذا كان المصلي على طهارة غير منقوضة، ولا ينافي ذلك ظهور صدر ~~الآية في الإطلاق لأن التشريع أعم مما يكون على سبيل الوجوب. # وأما قوله. ms1808 # "وليتم نعمته عليكم"، فقد مر معنى النعمة وإتمامها في الكلام على قوله ~~تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي": المائدة: 3 ومعنى ~~الشكر في الكلام على قوله تعالى: وسيجزي الله الشاكرين: آل عمران: 144 في ~~الجزء الرابع من الكتاب. # فالمراد بالنعمة في الآية هو الدين لا من حيث أجزائه من المعارف ~~والأحكام، بل من حيث كونه إسلام الوجه لله في جميع الشئون، وهو ولاية الله ~~على العباد بما يحكم فيهم، وإنما يتم ذلك باستيفاء التشريع جميع الأحكام ~~الدينية التي منها حكم الطهارات الثلاث. # ومن هنا يظهر أن بين الغايتين أعني قوله: "ليطهركم" وقوله: "ليتم نعمته" ~~فرقا، وهو أن الطهارة غاية لتشريع الطهارات الثلاث بخلاف إتمام النعمة، ~~فإنه غاية لتشريع جميع الأحكام، وليس للطهارات الثلاث منها إلا سهمها، ~~فالغايتان خاصة وعامة. # وعلى هذا فالمعنى: ولكن نريد بجعل الطهارات الثلاث حصول الطهارة بها خاصة ~~لكم، ولأنها بعض الدين الذي يتم بتشريع جميعها نعمة الله عليكم لعلكم ~~تشكرون الله على نعمته فيخلصكم لنفسه، فافهم ذلك. PageV05P133 # قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا، هذا هو الميثاق الذي كان مأخوذا منهم على الإسلام كما تشهد به ~~تذكرته لهم بقوله: "إذ قلتم سمعنا وأطعنا" فإنه السمع المطلق، والطاعة ~~المطلقة، وهو الإسلام لله فالمعني بالنعمة في قوله: "واذكروا نعمة الله ~~عليكم" هو المواهب الجميلة التي وهبهم الله سبحانه إياها في شعاع الإسلام، ~~وهو التفاضل الذي بين حالهم في جاهليتهم وحالهم في إسلامهم من الأمن ~~والعافية والثروة وصفاء القلوب وطهارة الأعمال كما قال تعالى: "واذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها": آل عمران: 130. # أو أن الإسلام بحقيقته هو المراد بالنعمة، فإنه أم النعم ترتضع منها كل ~~نعمة كما تقدم بيانه، وغير مخفي عليك أن المراد بكون النعمة هي الإسلام ~~بحقيقته أو الولاية أنما هو تعيين المصداق دون تشخيص مفهوم اللفظ، فإن ~~المفهوم هو الذي يشخصه اللغة، ms1809 ولا كلام لنا فيه. # ثم ذكرهم نفسه وأنه عالم بخفايا زوايا القلوب، فأمرهم بالتقوى بقوله: ~~"واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور". ### |||| AUTO بحث روائي # في التهذيب، مسندا عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "إذا قمتم ~~إلى الصلاة" قال: إذا قمتم من النوم قال الراوي: وهو ابن بكير قلت: ينقض ~~النوم الوضوء فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت. # أقول: وهذا المعنى مروي في غيره من الروايات، ورواه السيوطي في الدر ~~المنثور، عن زيد بن أسلم والنحاس: وهذا لا ينافي ما قدمنا أن المراد ~~بالقيام إلى الصلاة إرادتها، لأن ما ذكرناه هو معنى القيام من حيث تعديه ~~بإلى، وما في الرواية معناه من حيث تعديه بمن. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): من أين ~~علمت وقلت: إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك ثم قال؟ يا زرارة قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزل به الكتاب من الله، لأن الله عز ~~وجل يقول: "فاغسلوا وجوهكم" فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال: ~~"وأيديكم إلى المرافق" فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي ~~لهما أن تغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: "وامسحوا برءوسكم" ~~فعرفنا حين قال: "برءوسكم" أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل ~~الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: "وأرجلكم إلى الكعبين" فعرفنا ~~حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) للناس فضيعوه ثم قال: "فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا - فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" فلما وضع الوضوء إن لم يجدوا ماء أثبت ~~بعض الغسل مسحا لأنه قال: "بوجوهكم" ثم وصل بها "وأيديكم" ثم قال: "منه" أي ~~من ذلك التيمم، لأنه علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه لأنه يعلق من ذلك ~~الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال الله: "ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج" والحرج الضيق. # أقول: ms1810 قوله: "ثم قال: فإن لم تجدوا ماء"، نقل الآية بالمعنى. PageV05P134 # وفيه، بإسناده عن زرارة وبكير: أنهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا بطست أو تور فيه ماء فغمس يده ~~اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه فغسل بها وجهه، ثم غمس يده اليسرى ~~فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرافق إلى الكف ~~لا يردها إلى المرافق، ثم غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من ~~المرفق، وصنع بها ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لا يحدث ~~لهما ماء جديدا، ثم قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك. ثم قال: إن الله عز ~~وجل يقول: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" فليس له أن يدع ~~شيئا من وجهه إلا غسله، وأمر أن يغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع ~~من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله لأن الله يقول: "اغسلوا وجوهكم - ~~وأيديكم إلى المرافق"، ثم قال: "وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" فإذا ~~مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد ~~أجزأه. قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: هنا يعني المفصل دون عظم الساق، ~~فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك، فقلنا: ~~أصلحك الله والغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت ~~فيها، واثنتان تأتيان على ذلك كله. # أقول: والرواية من المشهورات، ورواها العياشي عن بكير وزرارة عن أبي جعفر ~~(عليه السلام)، وعن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، ~~وفي معناها ومعنى الرواية السابقة روايات أخر. # في تفسير البرهان، العياشي عن زرارة بن أعين، وأبو حنيفة عن أبي بكر بن ~~حزم قال: توضأ رجل فمسح على خفيه فدخل المسجد فصلى فجاء علي (عليه السلام) ~~فوطأ على رقبته فقال: ويلك تصلي على غير وضوء؟ فقال: أمرني عمر بن الخطاب ~~قال: فأخذ بيده فانتهى به إليه، فقال: ms1811 انظر ما يروي هذا عليك، ورفع صوته، ~~فقال: نعم أنا أمرته أن رسول الله مسح، قال: قبل المائدة أو بعدها؟ قال: لا ~~أدري، قال: فلم تفتي وأنت لا تدري؟ سبق الكتاب الخفين. # أقول: وقد شاع على عهد عمر الخلاف في المسح على الخفين وقول علي (عليه ~~السلام) بكونه منسوخا بآية المائدة على ما يظهر من الروايات، ولذلك روي عن ~~بعضهم كالبراء وبلال وجرير بن عبد الله أنهم رووا عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) المسح على الخفين بعد نزول المائدة ولا يخلو من شيء فكأنه ظن أن ~~النسخ إنما ادعي بأمر غير مستند إلى الآية، وليس كذلك فإن الآية إنما تثبت ~~المسح على القدمين إلى الكعبين وليس الخف بقدم البتة، وهذا معنى الرواية ~~التالية. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن أحمد الخراساني رفع الحديث قال: أتى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) رجل فسأله عن المسح على الخفين فأطرق في الأرض مليا ~~ثم رفع رأسه فقال: إن الله تبارك وتعالى أمر عباده بالطهارة، وقسمها على ~~الجوارح فجعل للوجه منه نصيبا، وجعل للرأس منه نصيبا، وجعل للرجلين منه ~~نصيبا، وجعل لليدين منه نصيبا فإن كانتا خفاك من هذه الأجزاء فامسح عليهما ~~وفيه، أيضا عن الحسن بن زيد عن جعفر بن محمد: أن عليا خالف القوم في المسح ~~على الخفين على عهد عمر بن الخطاب قالوا: رأينا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يمسح على الخفين قال: فقال علي (عليه السلام): قبل نزول المائدة أو ~~بعدها؟ فقالوا: لا ندري، قال: ولكني أدري أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ترك المسح على الخفين حين نزلت المائدة، ولأن أمسح على ظهر حمار أحب ~~إلي من أن أمسح على الخفين، وتلا هذه الآية: "يا أيها الذين ءامنوا - إلى ~~قوله المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين". وفي الدر المنثور، ~~أخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن علي: أنه كان يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ: ~~"يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة" الآية. # أقول: وقد تقدم ms1812 توضيحها. PageV05P135 # وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته ~~عن قول الله عز وجل: "أو لامستم النساء" قال: هو الجماع ولكن الله ستير يحب ~~الستر فلم يسم كما تسمون. وفي تفسير العياشي، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ~~(عليه السلام) عن التيمم فقال: إن عمار بن ياسر أتى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: أجنبت وليس معي ماء، فقال: كيف صنعت يا عمار؟ قال: نزعت ~~ثيابي ثم تمعكت على الصعيد فقال: هكذا يصنع الحمار إنما قال الله: "فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه" ثم وضع يديه جميعا على الصعيد ثم مسحهما ثم مسح من ~~بين عينيه إلى أسفل حاجبيه، ثم دلك إحدى يديه بالأخرى على ظهر الكف، بدأ ~~باليمين. وفيه، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: فرض الله الغسل ~~على الوجه والذراعين والمسح على الرأس والقدمين فلما جاء حال السفر والمرض ~~والضرورة وضع الله الغسل وأثبت الغسل مسحا فقال: "وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~- أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - إلى قوله وأيديكم منه". ~~وفيه، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني ~~عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة كيف أصنع بالوضوء؟ قال: فقال (عليه ~~السلام): يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله تبارك وتعالى: "ما جعل عليكم في ~~الدين من حرج" أقول: إشارة إلى آية سورة الحج النافية للحرج، وفي عدوله عن ~~ذيل آية الوضوء إلى ما في آخر سورة الحج دلالة على ما قدمناه من معنى نفي الحرج. # وفيما نقلناه من الأخبار نكات جمة تتبين بما قدمناه في بيان الآيات ~~فليتلق بمنزلة الشرح للروايات. PageV05P136 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 8 - 14 # يأيها الذين ءامنوا كونوا قومين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~(8) وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين ~~كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب ms1813 الجحيم (10) يأيها الذين ءامنوا اذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل ~~وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلوة وءاتيتم ~~الزكوة وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنت تجرى من تحتها الأنهر فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سواء السبيل (12) فبما نقضهم ميثقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية يحرفون الكلم ~~عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصرى ~~أخذنا ميثقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيمة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14) ### |||| AUTO بيان # اتصال الآيات ظاهر لا غبار عليه، فإنها سلسلة خطابات للمؤمنين فيما يهمهم ~~من كليات أمورهم في آخرتهم ودنياهم منفردين ومجتمعين. # قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا" الآية نظيره الآية التي في سورة النساء ~~"يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا": النساء: 153. # وإنما الفرق بين الآيتين أن آية النساء في مقام النهي عن الانحراف عن ~~العدل في الشهادة لاتباع الهوى بأن يهوى الشاهد المشهود له لقرابة ونحوها، ~~فيشهد له بما ينتفع به على خلاف الحق، وهذه الآية - أعني آية المائدة - في ~~مقام الردع عن الانحراف عن العدل في الشهادة لشنآن وبغض من الشاهد للمشهود ~~عليه، فيقيم الشهادة عليه يريد بها نوع انتقام منه ودحض لحقه. # وهذا الاختلاف في غرض البيان هو الذي أوجب اختلاف القيود في الآيتين: ~~فقال في آية النساء: "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" وفي آية المائدة: ~~"كونوا ms1814 قوامين لله شهداء بالقسط. # وذلك أن الغرض في آية المائدة لما كان هو الردع عن الظلم في الشهادة ~~لسابق عداوة من الشاهد للمشهود عليه قيد الشهادة بالقسط، فأمر بالعدل في ~~الشهادة وأن لا يشتمل على ظلم حتى على العدو بخلاف الشهادة لأحد بغير الحق ~~لسابق حب وهوى، فإنها لا تعد ظلما في الشهادة وانحرافا عن العدل وإن كانت ~~في الحقيقة لا تخلو عن ظلم وحيف، ولذلك أمر في آية المائدة بالشهادة ~~بالقسط، وفرعه على الأمر بالقيام لله، وأمر في آية النساء بالشهادة لله أي ~~أن لا يتبع فيها الهوى، وفرعه على الأمر بالقيام بالقسط. # ولذلك أيضا فرع في آية المائدة على الأمر بالشهادة بالقسط قوله: "اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى واتقوا الله" فدعا إلى العدل، وعده ذريعة إلى حصول التقوى، ~~وعكس الأمر في آية النساء ففرع على الأمر بالشهادة لله قوله: "فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا" فنهى عن اتباع الهوى وترك التقوى، وعده وسيلة سيئة إلى ~~ترك العدل. PageV05P137 # ثم حذر في الآيتين جميعا في ترك التقوى تحذيرا واحدا فقال في آية النساء: ~~"وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا" أي إن لم تتقوا، وقال ~~في آية المائدة: "واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" وأما معنى القوامين ~~لله شهداء بالقسط إلخ فقد ظهر في الكلام على الآيات السابقة. # قوله تعالى: "اعدلوا هو أقرب للتقوى"، الضمير راجع إلى العدل المدلول ~~عليه بقوله: "اعدلوا" والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~عظيم" الجملة الثانية أعني قوله: "لهم مغفرة"، إنشاء للوعد الذي أخبر عنه ~~بقوله: "وعد الله"، وهذا كما قيل: آكد بيانا من قوله: "وعد الله الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما": الفتح: 29 لا لما قيل: ~~إنه لكونه خبرا، بعد خبر فإن ذلك خطأ، بل لكونه تصريحا بإنشاء الوعد من غير ~~أن يدل عليه ضمنا كآية سورة الفتح. # قوله تعالى: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم" قال ~~الراغب: الجحمة شدة تأجج ms1815 النار ومنه الجحيم، والآية تشتمل على نفس الوعيد، ~~وتقابل قوله تعالى في الآية السابقة: "لهم مغفرة وأجر عظيم". # وتقييد الكفر بتكذيب الآيات للاحتراز عن الكفر الذي لا يقارن تكذيب ~~الآيات الدالة، ولا ينتهي إلى إنكار الحق مع العلم بكونه حقا كما في صورة ~~الاستضعاف، فإن أمره إلى الله إن يشأ يغفره وإن يشأ يعذب عليه فهاتان ~~الآيتان وعد جميل للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإيعاد شديد للذين كفروا ~~وكذبوا بآيات الله، وبين المرحلتين مراحل متوسطة ومنازل متخللة أبهم الله ~~سبحانه أمرها وعقباها. # قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا" إلخ هذا المضمون يقبل الانطباق على وقائع متعددة مختلفة وقعت بين ~~الكفار والمسلمين كغزوات بدر وأحد والأحزاب وغير ذلك، فالظاهر أن المراد به ~~مطلق ما هم به المشركون من قتل المؤمنين وإمحاء أثر الإسلام ودين التوحيد. # وما ذكره بعض المفسرين أن المراد به ما هم بعض المشركين من قتل النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ما هم به بعض اليهود من الفتك به - وسيجيء ~~قصتهما - فبعيد من ظاهر اللفظ كما لا يخفى. # قوله تعالى: "واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" أمر بالتقوى ~~والتوكل على الله، والمراد بالحقيقة النهي والتحذير الشديد عن ترك التقوى ~~وترك التوكل على الله سبحانه، والدليل على ذلك ما سرده تعالى من قصة أخذ ~~الميثاق من بني إسرائيل ومن الذين قالوا إنا نصارى، ثم نقض الطائفتين ~~الميثاق الإلهي وابتلاء الله إياهم باللعن وتقسية القلوب، ونسيان حظ من ~~دينهم، وإغراء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة. # ولم يذكر القصة إلا ليستشهد بها على المؤمنين، ويجعلها نصب أعينهم ~~ليعتبروا بها وينتبهوا بأن اليهود والنصارى إنما ابتلوا بما ابتلوا به ~~لنسيانهم ميثاق الله سبحانه ولم يكن إلا ميثاقا بالإسلام لله، واثقوه ~~بالسمع والطاعة، وكان لازم ذلك أن يتقوا مخالفة ربهم وأن يتوكلوا عليه في ~~أمور دينهم أي يتخذوه وكيلا فيها يختارون ما يختاره لهم، ويتركون ما يكرهه ~~لهم، وطريقه طاعة رسلهم بالإيمان بهم، ms1816 وترك متابعة غير الله ورسله، ممن ~~يدعو إلى نفسه والخضوع لأمره من الجبابرة والطغاة وغيرهم حتى الأحبار ~~والرهبان فلا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته. # لكنهم نبذوه وراءهم ظهريا فأبعدوا من رحمة الله وحرفوا الكلم عن مواضعه ~~وفسروها بغير ما أريد بها فأوجب ذلك أن نسوا حظا من الدين ولم يكن إلا حظا ~~وسهما يرتحل بارتحاله عنهم كل خير وسعادة وأفسد ذلك ما بقي بأيديهم من ~~الدين فإن الدين مجموع من معارف وأحكام مرتبط بعضها ببعض يفسد بعضه بفساد ~~بعض آخر سيما الأركان والأصول وذلك كمن يصلي لكن لا لوجه الله، أو ينفق لا ~~لمرضاة الله، أو يقاتل لا لإعلاء كلمة الحق. # فلا ما بقي في أيديهم نفعهم، إذ كان محرفا فاسدا، ولا ما نسوه من الدين ~~أمكنهم أن يستغنوا عنه، ولا غنى عن الدين ولا سيما أصوله وأركانه. # فمن هنا يعلم أن المقام يقتضي أن يحذر المؤمنون عن مخالفة التقوى وترك ~~التوكل على الله بذكر هذه القصة ودعوتهم إلى الاعتبار بها. PageV05P138 # ومن هنا يظهر أيضا: أن المراد بالتوكل ما يشمل الأمور التشريعية والتكوينية ~~جميعا أو ما يختص بالتشريعيات بمعنى أن الله سبحانه يأمر المؤمنين بأن ~~يطيعوا الله ورسوله في أحكامه الدينية وما أتاهم به وبينه لهم رسوله ويكلوا ~~أمر الدين والقوانين الإلهية إلى ربهم، ويكفوا عن الاستقلال بأنفسهم، ~~والتصرف فيما أودعه عندهم من شرائعه كما يأمرهم أن يطيعوه فيما سن لهم من ~~سنة الأسباب والمسببات فيجروا على هذه السنة من غير اعتماد بها وإعطاء ~~استقلال وربوبية لها، وينتظروا ما يريده الله ويختاره لهم من النتائج ~~بتدبيره ومشيئته. # قوله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا" الآية قال الراغب: النقب في الحائط والجلد كالثقب في الخشب. # قال: والنقيب الباحث عن القوم وعن أحوالهم، وجمعه نقباء. # والله سبحانه يقص على المؤمنين من هذه الأمة ما جرى على بني إسرائيل من ~~إحكام دينهم وتثبيت أمرهم بأخذ الميثاق، وبعث النقباء، وإبلاغ البيان، ~~وإتمام الحجة ثم ما قابلوه ms1817 به من نقض الميثاق، وما قابلهم به الله سبحانه ~~من اللعن وتقسية القلوب إلخ. # فقال: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل" وهو الذي يذكره كثيرا في سورة ~~البقرة وغيرها: "وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" والظاهر أنهم رؤساء الأسباط ~~الاثني عشر، كانوا كالولاة عليهم يتولون أمورهم فنسبتهم إلى أسباطهم بوجه ~~كنسبة أولي الأمر إلى الأفراد في هذه الأمة لهم المرجعية في أمور الدين ~~والدنيا غير أنهم لا يتلقون وحيا، ولا يشرعون شريعة وإنما ذلك إلى الله ~~ورسوله "وقال الله إني معكم" إيذان بالحفظ والمراقبة فيتفرع عليه أن ينصرهم ~~إن أطاعوه ويخذلهم إن عصوه ولذلك ذكر الأمرين جميعا فقال: "لئن أقمتم ~~الصلاة وءاتيتم الزكاة وءامنتم برسلي وعزرتموهم" والتعزير هو النصرة مع ~~التعظيم، والمراد بالرسل ما سيستقبلهم ببعثته ودعوته كعيسى ومحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وسائر من بعثه الله بين موسى ومحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) "وأقرضتم الله قرضا حسنا" وهو الإنفاق المندوب دون الزكاة الواجبة ~~"لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار" فهذا ما يرجع ~~إلى جميل الوعد. # ثم قال: "فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل". قوله تعالى: "فبما ~~نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية"، ذكر تعالى جزاء الكفر بالميثاق ~~المذكور ضلال سواء السبيل، وهو ذكر إجمالي يفصله ما في هذه الآية من أنواع ~~النقم التي نسب الله سبحانه بعضها إلى نفسه كاللعن وتقسية القلوب مما ~~تستقيم فيه النسبة، وبعضها إلى أنفسهم مما وقع باختيارهم كالذي يعني بقوله: ~~"ولا تزال تطلع على خائنة منهم" فهذا كله جزاؤهم بما كفروا بآيات الله التي ~~على رأسها الميثاق المأخوذ منهم، أو جزاء كفرهم بالميثاق خاصة فإن سواء ~~السبيل الذي ضلوه هو سبيل السعادة التي بها عمارة دنياهم وأخراهم. # فقوله: "فبما نقضهم ميثاقهم" الظاهر أنه هو الكفر الذي توعد الله عليه في ~~الآية السابقة، ولفظة "ما" في قوله: "فبما" للتأكيد، ويفيد الإبهام لغرض ~~التعظيم أو التحقير أو غيرهما، والمعنى: فبنقض ما منهم لميثاقهم "لعناهم" ~~واللعن هو الإبعاد من الرحمة ms1818 "وجعلنا قلوبهم قاسية" وقسوة القلب مأخوذ من ~~قسوة الحجارة وهي صلابتها والقسي من القلوب ما لا يخشع لحق ولا يتأثر ~~برحمة، قال تعالى: "ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل ~~من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم وكثير منهم فاسقون": الحديد: 16. # وبالجملة عقبت قسوة قلوبهم أنهم عادوا "يحرفون الكلم عن مواضعه" بتفسيرها ~~بما لا يرضى به الله سبحانه وبإسقاط أو زيادة أو تغيير، فكل ذلك من ~~التحريف، وأفضاهم ذلك إلى أن فاتهم حقائق ناصعة من الدين "ونسوا حظا مما ~~ذكروا به" ولم يكن إلا حظا من الأصول التي تدور على مدارها السعادة، ولا ~~يقوم مقامها إلا ما يسجل عليهم الشقوة اللازمة كقولهم بالتشبيه، وخاتمية ~~نبوة موسى، ودوام شريعة التوراة، وبطلان النسخ والبداء إلى غير ذلك. PageV05P139 # "ولا تزال تطلع على خائنة منهم" أي على طائفة خائنة منهم، أو على خيانة ~~منهم "إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين" وقد تقدم ~~مرارا أن استثناء القليل منهم لا ينافي ثبوت اللعن والعذاب للجماعة التي هي ~~الشعب والأمة. # قوله تعالى: "ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأغرينا"، قال الراغب: غري بكذا أي لهج به ولصق، وأصل ذلك من ~~الغراء وهو ما يلصق به، وأغريت فلانا بكذا نحو ألهجت به. # وقد كان المسيح عيسى بن مريم نبي رحمة يدعو الناس إلى الصلح والسلم، ~~ويندبهم إلى الإشراف على الآخرة، والإعراض عن ملاذ الدنيا وزخارفها، ~~وينهاهم عن التكالب لأجل هذا العرض الأدنى فلما نسوا حظا مما ذكروا به أثبت ~~الله سبحانه في قلوبهم مكان السلم والصلح حربا، وبدل المؤاخاة والموادة ~~التي ندبوا إليها معاداة ومباغضة كما يقول: "فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة". # وهذه العداوة والبغضاء اللتان ذكرهما الله تعالى صارتا من الملكات ~~الراسخة المرتكزة بين هؤلاء الأمم المسيحية وكالنار الآخرة التي لا مناص ~~لهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها من ms1819 غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق. # ولم يزل منذ رفع عيسى بن مريم (عليهما السلام)، واختلف حواريوه والدعاة ~~السائحون من تلامذتهم فيما بينهم نشب الاختلاف فيما بينهم، ولم يزل ينمو ~~ويكثر حتى تبدل إلى الحروب والمقاتلات والغارات وأنواع الشرد والطرد وغير ~~ذلك حتى انتهى إلى حروب عالمية كبرى تهدد الأرض بالخراب والإنسانية بالفناء ~~والانقراض. # كل ذلك من تبدل النعمة نقمة وإنتاج السعي ضلالا "وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون. PageV05P140 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 15 - 19 # يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتب مبين (15) يهدى به الله من اتبع ~~رضونه سبل السلم ويخرجهم من الظلمت إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صرط مستقيم ~~(16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ولله ملك ~~السموت والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شىء قدير (17) وقالت ~~اليهود والنصرى نحن أبنؤا الله وأحبؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ~~ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموت والأرض وما بينهما ~~وإليه المصير (18) يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ~~أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل ~~شىء قدير (19) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر تعالى أخذه الميثاق من أهل الكتاب على نصرة رسله وتعزيرهم وعلى ~~حفظ ما آتاهم من الكتاب ثم نقضهم ميثاقه تعالى الذي واثقهم به دعاهم إلى ~~الإيمان برسوله الذي أرسله وكتابه الذي أنزله، بلسان تعريفهما لهم وإقامة ~~البينة على صدق الرسالة وحقية الكتاب، وإتمام الحجة عليهم في ذلك: أما ~~التعريف فهو الذي يشتمل عليه قوله: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا" إلخ، وقوله: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة" إلخ. # وأما إقامة البينة فما ms1820 في قوله: "يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون" إلخ فإن ~~ذلك نعم الشاهد على صدق الرسالة من أمي يخبر بما لا سبيل إليه إلا للأخصاء ~~من علمائهم، وكذا قوله: "يهدي به الله من اتبع رضوانه" إلخ فإن المطالب ~~الحقة التي لا غبار على حقيتها هي نعم الشاهد على صدق الرسالة وحقية ~~الكتاب. # وأما إتمام الحجة فما يتضمنه قوله: "أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير". # وقد رد الله تعالى عليهم في ضمن الآيات قول البعض: "إن الله هو المسيح بن ~~مريم" وقول اليهود والنصارى. # "نحن أبناء الله وأحباؤه". قوله تعالى: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ~~يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير" أما بيانه كثيرا ~~كانوا يخفون من الكتاب فكبيانه آيات النبوة وبشاراتها كما يشير إليه قوله ~~تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل": الآية الأعراف: 175 وقوله تعالى: "يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم" الآية: البقرة: 164 وقوله: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم - إلى قوله - ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل" ~~الآية : الفتح: 29 وكبيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم الرجل الذي كتموه ~~وكابروا فيه الحق على ما يشير إليه قوله تعالى فيما سيأتي: "لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر" الآيات: المائدة: 41 وهذا الحكم أعني حكم الرجم موجود ~~الآن في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التثنية من التوراة الدائرة بينهم. # وأما عفوه عن كثير فهو تركه كثيرا مما كانوا يخفونه من الكتاب، ويشهد ~~بذلك الاختلاف الموجود في الكتابين، كاشتمال التوراة على أمور في التوحيد ~~والنبوة لا يصح استنادها إليه تعالى كالتجسم والحلول في المكان ونحو ذلك، ~~وما لا يجوز العقل نسبته إلى الأنبياء الكرام من أنواع الكفر والفجور ~~والزلات، وكفقدان التوراة ذكر المعاد من رأس ولا يقوم دين على ساق إلا ~~بمعاد، وكاشتمال ما عندهم من الأناجيل ولا سيما إنجيل يوحنا على ms1821 عقائد ~~الوثنية. PageV05P141 # قوله تعالى: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" ظاهر قوله: "قد جاءكم من ~~الله" كون هذا الجائي قائما به تعالى نحو قيام كقيام البيان أو الكلام ~~بالمبين والمتكلم وهذا يؤيد كون المراد بالنور هو القرآن، وعلى هذا فيكون ~~قوله: "وكتاب مبين" معطوفا عليه عطف تفسير، والمراد بالنور والكتاب المبين ~~جميعا القرآن، وقد سمى الله تعالى القرآن نورا في موارد من كلامه كقوله ~~تعالى: "واتبعوا النور الذي أنزل معه": الأعراف: 175 وقوله: "فآمنوا بالله ~~ورسوله والنور الذي أنزلنا": التغابن: 8 وقوله: "وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا": النساء: 147. # ومن المحتمل أن يكون المراد بالنور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~ما ربما أفاده صدر الكلام في الآية، وقد عده الله تعالى نورا في قوله: ~~"وسراجا منيرا": الأحزاب: 46. # قوله تعالى: "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" الباء في قوله: ~~"به" للآلة والضمير عائد إلى الكتاب أو إلى النور سواء أريد به النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو القرآن فمآل الجميع واحد فإن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أحد الأسباب الظاهرية في مرحلة الهداية، وكذا القرآن وحقيقة ~~الهداية قائمة به قال تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء": القصص: 56، وقال: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى ~~الله تصير الأمور": الشورى: 53 والآيات كما ترى تنسب الهداية إلى القرآن ~~وإلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عين أنها ترجعها إلى الله سبحانه ~~فهو الهادي حقيقة وغيره سبب ظاهري مسخر لإحياء أمر الهداية. # وقد قيد تعالى قوله: "يهدي به الله" بقوله: "من اتبع رضوانه" ويئول إلى ~~اشتراط فعلية الهداية الإلهية باتباع رضوانه، فالمراد بالهداية هو الإيصال ~~إلى المطلوب، وهو أن يورده الله تعالى سبيلا من سبل السلام أو جميع السبل ~~أو ms1822 أكثرها واحدا بعد آخر. # وقد أطلق تعالى السلام فهو السلامة والتخلص من كل شقاء يختل به أمر سعادة ~~الحياة في دنيا أو آخرة، فيوافق ما وصف القرآن الإسلام لله والإيمان ~~والتقوى بالفلاح والفوز والأمن ونحو ذلك، وقد تقدم في الكلام على قوله ~~تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم": الحمد: 6 في الجزء الأول من الكتاب أن لله ~~سبحانه بحسب اختلاف حال السائرين من عباده سبلا كثيرة تتحد الجميع في طريق ~~واحد منسوب إليه تعالى يسميه في كلامه بالصراط المستقيم قال تعالى: "والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت: 69، وقال ~~تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله": الأنعام:. 135 فدل على أن له سبلا كثيرة لكن الجميع تتحد في ~~الإيصال إلى كرامته تعالى من غير أن تفرق سالكيها ويبين كل سبيل سالكيه عن ~~سالكي غيره من السبل كما هو شأن غير صراطه تعالى من السبل. # فمعنى الآية - والله العالم -: يهدي الله سبحانه ويورد بسبب كتابه أو ~~بسبب نبيه من اتبع رضاه سبلا من شأنها أنه يسلم من سار فيها من شقاء الحياة ~~الدنيا والآخرة، وكل ما تتكدر به العيشة السعيدة. # فأمر الهداية إلى السلام والسعادة يدور مدار اتباع رضوان الله، وقد قال ~~تعالى: "ولا يرضى لعباده الكفر": الزمر: 7، وقال: "فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين": التوبة: 96 ويتوقف بالآخرة على اجتناب سبيل الظلم ~~والانخراط في سلك الظالمين، وقد نفى الله سبحانه عنهم هدايته وآيسهم من نيل ~~هذه الكرامة الإلهية بقوله: "والله لا يهدي القوم الظالمين": الجمعة: 5 ~~فالآية أعني قوله: "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" تجري بوجه ~~مجرى قوله: "والذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون": الأنعام: 82. # قوله تعالى: "ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه" في جمع الظلمات وإفراد ~~النور إشارة إلى أن طريق الحق لا اختلاف فيه ولا تفرق وإن تعددت بحسب ~~المقامات والمواقف بخلاف طريق الباطل. PageV05P142 # والإخراج من الظلمات إلى النور إذا نسب إلى ms1823 غيره تعالى كنبي أو كتاب فمعنى ~~إذنه تعالى فيه إجازته ورضاه كما قال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم": إبراهيم: 1 فقيد إخراجه إياهم من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم ليخرج بذلك عن الاستقلال في السببية فإن السبب ~~الحقيقي لذلك هو الله سبحانه وقال: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك ~~من الظلمات إلى النور": إبراهيم: 5 فلم يقيده بالإذن لاشتمال الأمر على معناه. # وإذا نسب ذلك إلى الله تعالى فمعنى إخراجهم بإذنه إخراجهم بعلمه وقد جاء ~~الإذن بمعنى العلم يقال: أذن به أي علم به، ومن هذا الباب قوله تعالى: ~~"وأذان من الله ورسوله": التوبة: 3: "فقل ءاذنتكم على سواء": الأنبياء: ~~190، وقوله: "وأذن في الناس بالحج": الحج: 27 إلى غيرها من الآيات. # وأما قوله تعالى: "ويهديهم إلى صراط مستقيم، فقد أعيد فيه لفظ الهداية ~~لحيلولة قوله: "ويخرجهم"، بين قوله "يهدي به الله"، وبين هذه الجملة، ولأن ~~الصراط المستقيم كما تقدم بيانه في سورة الفاتحة طريق مهيمن على الطرق كلها ~~فالهداية إليه أيضا هداية مهيمنة على سائر أقسام الهداية التي تتعلق بالسبل ~~الجزئية. # ولا ينافي تنكير قوله: "صراط مستقيم" كون المراد به هو الصراط المستقيم ~~الوحيد الذي نسبه الله تعالى في كلامه إلى نفسه - إلا في سورة الفاتحة - ~~لأن قرينة المقام تدل على ذلك، وإنما التنكير لتعظيم شأنه وتفخيم أمره. # قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم" هؤلاء إحدى ~~الطوائف الثلاثة التي تقدم نقل أقوالهم في سورة آل عمران، وهي القائلة ~~باتحاد الله سبحانه بالمسيح فهو إله وبشر بعينه، ويمكن تطبيق الجملة أعني ~~قولهم: "إن الله هو المسيح بن مريم" على القول بالبنوة وعلى القول بثالث ~~ثلاثة أيضا غير أن ظاهر الجملة هو حصول العينية بالإتحاد. # قوله تعالى: "قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم" ~~وأمه ومن في الأرض جميعا" الآية هذا برهان على إبطال قولهم: من جهة مناقضة ~~بعضه بعضا لأنهم لما وضعوا ms1824 أن المسيح مع كونه إلها بشر كما وصفوه بأنه ابن ~~مريم جوزوا له ما يجوز على أي بشر مفروض من سكان هذه الأرض، وهم جميعا ~~كسائر أجزاء السماوات والأرض وما بينهما مملوكون لله تعالى مسخرون تحت ملكه ~~وسلطانه، فله تعالى أن يتصرف فيهم بما أراد، وأن يحكم لهم أو عليهم كيفما ~~شاء، فله أن يهلك المسيح كما له أن يهلك أمه ومن في الأرض على حد سواء من ~~غير مزية للمسيح على غيره، وكيف يجوز الهلاك على الله سبحانه؟! فوضعهم أن ~~المسيح بشر يبطل وضعهم أنه هو الله سبحانه للمناقضة. # فقوله: "فمن يملك من الله شيئا" كناية عن نفي المانع مطلقا فملك شيء من ~~الله هو السلطنة عليه تعالى في بعض ما يرجع إليه، ولازمها انقطاع سلطنته عن ~~ذلك الشيء، وهو أن يكون سبب من الأسباب يستقل في التأثير في شيء بحيث يمانع ~~تأثيره تعالى أو يغلب عليه فيه، ولا ملك إلا لله وحده لا شريك له إلا ما ~~ملك غيره تمليكا لا يبطل ملكه وسلطانه. # وقوله: "إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا" إنما ~~قيد المسيح بقوله: "ابن مريم" للدلالة على كونه بشرا تاما واقعا تحت ~~التأثير الربوبي كسائر البشر، ولذلك بعينه عطف عليه "أمه" لكونها مسانخة له ~~من دون ريب، وعطف عليه "من في الأرض جميعا" لكون الحكم في الجميع على حد سواء. # ومن هنا يظهر أن في هذا التقييد والعطف تلويحا إلى برهان الإمكان، ومحصله ~~أن المسيح يماثل غيره من أفراد البشر كأمه وسائر من في الأرض فيجوز عليه ما ~~يجوز عليهم لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، ويجوز على غيره ~~أن يقع تحت حكم الهلاك فيجوز عليه ذلك ولا مانع هناك يمنع، ولو كان هو الله ~~سبحانه لما جاز عليه ذلك. # وقوله: "ولله ملك السموات والأرض وما بينهما" في مقام التعليل للجملة ~~السابقة، والتصريح بقوله: "وما بينهما" مع أن القرآن كثيرا ما يعبر عن عالم ~~الخلقة بالسماوات والأرض ms1825 فقط إنما هو ليكون الكلام أقرب من التصريح، وأسلم ~~من ورود التوهمات والشبهات فليس لمتوهم أن يتوهم أنه إنما ذكر السماوات ~~والأرض ولم يذكر ما بينهما، ومورد الكلام مما بينهما. PageV05P143 # وتقديم الخبر أعني قوله: "ولله" للدلالة على الحصر، وبذلك يتم البيان، ~~والمعنى: كيف يمكن أن يمنع مانع من إرادته تعالى إهلاك المسيح وغيره ووقوع ~~ما أراده من ذلك، والملك والسلطنة المطلقة في السماوات والأرض وما بينهما ~~لله تعالى لا ملك لأحد سواه؟ فلا مانع من نفوذ حكمه ومضي أمره. # وقوله: "يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير" في مقام التعليل للجملة ~~السابقة عليه أعني قوله: "ولله ملك السموات والأرض وما بينهما" فإن الملك - ~~بضم الميم - وهو نوع سلطنة ومالكية على سلطنة الناس وما يملكونه إنما يتقوم ~~بشمول القدرة ونفوذ المشيئة، ولله سبحانه ذلك في جميع السماوات والأرض وما ~~بينهما، فله القدرة على كل شيء وهو يخلق ما يشاء من الأشياء فله الملك ~~المطلق في السماوات والأرض وما بينهما فخلقه ما يشاء وقدرته على كل شيء هو ~~البرهان على ملكه كما أن ملكه هو البرهان على أن له أن يريد إهلاك الجميع ~~ثم يمضي إرادته لو أراد، وهو البرهان على أنه لا يشاركه أحد منهم في ~~ألوهيته. # وأما البرهان على نفوذ مشيته وشمول قدرته فهو أنه الله عز اسمه، ولعله ~~لذلك كرر لفظ الجلالة في الآية مرات فقد آل فرض الألوهية في شيء إلى أنه لا ~~شريك له في ألوهيته. # قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه" لا ريب أنهم ~~لم يكونوا يدعون النبوة الحقيقية كما يدعيه معظم النصارى للمسيح (عليه ~~السلام) فلا اليهود كانت تدعي ذلك حقيقة ولا النصارى، وإنما كانوا يطلقونها ~~على أنفسهم إطلاقا تشريفيا بنوع من التجوز، وقد ورد في كتبهم المقدسة هذا ~~الإطلاق كثيرا كما في حق آدم ويعقوب وداود وإقرام وعيسى وأطلق أيضا على ~~صلحاء المؤمنين. # وكيف كان فإنما أريد بالأبناء أنهم من الله سبحانه بمنزلة الأبناء من ~~الأب، فهم بمنزلة أبناء الملك ms1826 بالنسبة إليه المنحازين عن الرعية المخصوصين ~~بخصيصة القرب المقتضية أن لا يعامل معهم معاملة الرعية كأنهم مستثنون عن ~~إجراء القوانين والأحكام المجراة بين الناس لأن تعلقهم بعرش الملك لا يلائم ~~مجازاتهم بما يجازي به غيرهم ولا إيقافهم موقفا توقف فيه سائر الرعية، فلا ~~يستهان بهم كما يستهان بغيرهم فكل ذلك لما تتعقبه علقة النسب من علقة الحب ~~والكرامة. # فالمراد بهذه النبوة الاختصاص والتقرب، ويكون عطف قوله: "وأحباؤه" على ~~قوله: "أبناء الله" كعطف التفسير وليس به حقيقة، وغرضهم من دعوى هذا ~~الاختصاص والمحبوبية إثبات لازمه وهو أنه لا سبيل إلى تعذيبهم وعقوبتهم فلن ~~يصيروا إلا إلى النعمة والكرامة لأن تعذيبه تعالى إياهم يناقض ما خصهم به ~~من المزية، وحباهم به من الكرامة. # والدليل عليه ما ورد في الرد عليهم من قوله تعالى: "يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء"، إذ لو لا أنهم كانوا يريدون بقولهم: "نحن أبناء الله وأحباؤه" ~~أنه لا سبيل إلى عذابهم وإن لم يستجيبوا الدعوة الحقة لم يكن وجه لذكر هذه ~~الجملة: "يغفر"، ردا عليهم ولا لقوله: "بل أنتم بشر ممن خلق" موقع حسن ~~مناسب فمعنى قولهم: "نحن أبناء الله وأحباؤه" أنا خاصة الله ومحبوبوه لا ~~سبيل له تعالى إلى تعذيبنا وإن فعلنا، ما فعلنا وتركنا ما تركنا لأن انتفاء ~~السبيل ووقوع الأمن التام من كل مكروه ومحذور هو لازم معنى الاختصاص والحب. # قوله تعالى: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" أمر نبيه بالاحتجاج عليهم ورد ~~دعواهم بالحجة، وتلك حجتان: إحداهما: النقض عليهم بالتعذيب الواقع عليهم، ~~وثانيتهما: معارضتهم بحجة تنتج نقيض دعواهم. PageV05P144 # ومحصل الحجة الأولى التي يشتمل عليها قوله: "فلم يعذبكم بذنوبكم" أنه لو ~~صحت دعواكم أنكم أبناء الله وأحباؤه مأمونون من التعذيب الإلهي لا سبيل ~~إليه فيكم لكنتم مأمونين من كل عذاب أخروي أو دنيوي فما هذا العذاب الواقع ~~عليكم المستمر فيكم بسبب ذنوبكم؟ فأما اليهود فلم تزل تذنب ذنوبا كقتلهم ~~أنبياءهم والصالحين من شعبهم وتفجر بنقض المواثيق الإلهية المأخوذة منهم، ~~وتحريف الكلم عن مواضعه وكتمان آيات الله والكفر ms1827 بها وكل طغيان واعتداء، ~~وتذوق وبال أمرها نكالا عليها من مسخ بعضهم وضرب الذلة والمسكنة على آخرين، ~~وتسلط الظالمين عليهم يقتلون أنفسهم ويهتكون أعراضهم ويخربون بلادهم، وما ~~لهم من العيش إلا عيشة الحرض الذي لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى. # وأما النصارى فلا فساد المعاصي والذنوب الواقعة في أممهم يقل مما كان من ~~اليهود، ولا أنواع العذاب النازل عليهم قبل البعثة وفي زمانها وبعدها حتى ~~اليوم، فهو ذا التاريخ يحفظ عليهم جميع ذلك أو أكثرها، والقرآن يقص من ذلك ~~شيئا كثيرا كما في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف ~~وغيرها. # وليس لهؤلاء أن يقول: هذه المصائب والبلايا والفتن النازلة بنا إنما هي ~~من قبيل "البلاء للولاء" ولا دليل على كونها عن سخط إلهي يسحب نكالا ووبالا ~~وقد نزل أمثالها على صالحي عباد الله من الأنبياء والرسل كإبراهيم وإسماعيل ~~ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيى وغيرهم، ونزل عليكم معاشر المسلمين نظائرها كما ~~في غزوة أحد ومؤته وغيرهما، فما بال هذه المكاره إذا حلت بنا عدت أعذبة ~~إلهية وإذا حلت بكم عادت نعما وكرامات؟ وذلك أنه لا ريب لأحد أن هذه ~~المكاره الجسمانية والمصائب والبلايا الدنيوية توجد عند المؤمنين كما توجد ~~عند الكافرين، وتأخذ الصالحين والطالحين معا، سنة الله التي قد خلت في ~~عباده إلا أنها تختلف عنوانا وأثرا باختلاف موقف الإنسان من الصلاح، ~~والطلاح مقام العبد من ربه. # فلا ريب أن من استقر الصلاح في نفسه وتمكنت الفضيلة الإنسانية من جوهره ~~كالأنبياء الكرام ومن يتلوهم لا تؤثر المصائب والمحن الدنيوية النازلة عليه ~~إلا فعلية الفضائل الكامنة في نفسه مما ينتفع به وبآثاره الحسنة هو وغيره ~~فهذا النوع من المحن المشتملة على ما يستكرهه الطبع ليس إلا تربية إلهية ~~وإن شئت فقل ترفيعا للدرجة. # ومن لم يثبت على سعادة أو شقاوة ولم يركب طريق السعادة اللازمة بعد إذا ~~نزلت به النوازل ودارت عليه الدوائر عقبت تعين طريقه وتميز موقفه من كفر أو ~~إيمان، وصلاح أو طلاح، ولا ينبغي أن يسمى هذا النوع ms1828 من البلايا والمحن إلا ~~امتحانات وابتلاءات إلهية تخد للإنسان خده إلى الجنة أو إلى النار. # ومن لم يعتمد في حياته إلا على هوى النفس ولم يألف إلا الفساد والإفساد ~~والانغمار في لجج الشهوة والغضب، ولم يزل يختار الرذيلة على الفضيلة، ~~والاستعلاء على الله على الخضوع للحق كما يقصه القرآن من عاقبة أمر الأمم ~~الظالمة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وأصحاب مدين وقوم لوط، إثر ما ~~فرطوا في جنب الله. # فالنوائب المنصبة عليهم المبيدة لجمعهم لا يستقيم إلا أن تعد تعذيبات ~~إلهية ونكالات ووبالات عليهم لا غير. # وقد جمع الله تعالى هذه المعاني في قوله عز من قائل: "وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب ~~الظالمين وليمحص الذين ءامنوا ويمحق الكافرين": آل عمران: 114. # وتاريخ اليهود من لدن بعثة موسى (عليه السلام) إلى أن بعث الله محمدا ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) - فيما يزيد على ألفي سنة - وكذا تاريخ النصارى ~~من لدن رفع المسيح إلى ظهور الإسلام - فيما يقرب من ستة قرون على ما يقال - ~~مملوء من أنواع الذنوب التي أذنبوها، وجرائم ارتكبوها، ولم يبقوا منها ~~باقية ثم أصروا واستكبروا من غير ندم، فالنوائب الحالة بساحتهم لا تستحق ~~إلا اسم العذاب والنكال. PageV05P145 # وأما أن المسلمين ابتلوا بأمثال ما ابتليت به هؤلاء الأمم فهذه الابتلاءات ~~بالنظر إلى طبيعتها الكونية ليست إلا حوادث ساقتها يد التدبير الإلهي سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، وبالنظر إلى حال ~~المسلمين المبتلين بها فيما كانوا على طريق الحق لم تكن إلا امتحانات ~~إلهية، وفيما انحرفوا عنه من قبيل النكال والعذاب، وليس لأحد على الله ~~كرامة، ولا لمتحكم عليه حق ولم يثبت القرآن لهم على ربهم كرامة، ولا عدهم ~~أبناء الله وأحباءه، ولا اعتنى بما تسموا به من أسماء أو ألقاب. # قال تعالى مخاطبا لهم: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين - إلى أن قال - وما محمد إلا ms1829 رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن ~~يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين": آل عمران: 144، وقال تعالى: "ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا": النساء: 132. # وفي الآية أعني قوله: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" وجه آخر وهو أن يكون ~~المراد بالعذاب الأخروي، والمضارع يعذبكم بمعنى الاستقبال دون الاستمرار ~~كما في الوجه السابق فإن أهل الكتاب معترفون بالعذاب بحذاء ذنوبهم في ~~الجملة: أما اليهود فقد نقل القرآن عنهم قولهم: "لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة": البقرة: 80 وأما النصارى فإنهم وإن قالوا بالفداء لمغفرة الذنوب ~~لكنه إثبات في نفسه للذنوب والعذاب الذي أصاب المسيح بالصلب والأناجيل مع ~~ذلك تثبت ذنوبا كالزنا ونحوه، والكنيسة كانت تثبته عملا بما كانت تصدره من ~~صكوك المغفرة. # هذا. # لكن الوجه هو الأول. # قوله تعالى: "بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير" حجة ثانية مسوقة على نحو المعارضة ~~محصلها: أن النظر في حقيقتكم يؤدي إلى بطلان دعواكم أنكم أبناء الله ~~وأحباؤه، فإنكم بشر من جملة من خلقه الله من بشر أو غيره لا تمتازون عن ~~سائر من خلقه الله منهم، ولا يزيد أحد من الخليقة من السماوات والأرض وما ~~بينهما على أنه مخلوق لله الذي هو المليك الحاكم فيه وفي غيره بما شاء ~~وكيفما شاء وسيصير إلى ربه المليك الحاكم فيه وفي غيره، وإذا كان كذلك كان ~~لله سبحانه أن يغفر لمن شاء منهم، ويعذب من شاء منهم من غير أن تمانعه مزية ~~أو كرامة أو غير ذلك من أن يريد في شيء ما يريده من مغفرة أو عذاب أو يقطع ~~سبيله قاطع أو يضرب دونه حجاب يحجبه عن نفوذ المشيئة ومضي الحكم. # فقوله: "بل أنتم بشر ممن خلق" بمنزلة إحدى مقدمات الحجة، وقوله: "ولله ~~ملك السموات والأرض وما بينهما" مقدمة أخرى ms1830 وقوله: "وإليه المصير" مقدمة ~~ثالثة، وقوله: "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" بمنزلة نتيجة البيان التي ~~تناقض دعواهم: أنه لا سبيل إلى تعذيبهم. # قوله تعالى: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل" ~~قال الراغب: الفتور سكون بعد حدة ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة قال تعالى: ~~"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل" أي سكون خال ~~عن مجيء رسول الله. # والآية خطاب ثان لأهل الكتاب متمم للخطاب السابق فإن الآية الأولى بينت ~~لهم أن الله أرسل إليهم رسولا أيده بكتاب مبين يهدي بإذن الله إلى كل خير ~~وسعادة، وهذه الآية تبين أن ذلك البيان الإلهي أنما هو لإتمام الحجة عليهم ~~أن يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. # وبهذا البيان يتأيد أن يكون متعلق الفعل يبين لكم في هذه الآية هو الذي ~~في الآية السابقة، والتقدير: يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب أي ~~إن هذا الدين الذي تدعون إليه هو بعينه دينكم الذي كنتم تدينون به مصدقا ~~لما معكم والذي يرى فيه من موارد الاختلاف فإنما هو بيان لما أخفيتموه من ~~معارف الدين التي بينته الكتب الإلهية، ولازم هذا الوجه أن يكون قوله: "يا ~~أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم من قبيل إعادة عين الخطاب السابق لضم ~~بعض الكلام المفصول عن الخطاب السابق المتعلق به وهو قوله: "أن تقولوا ما ~~جاءنا" إلخ إليه وإنما جوز ذلك وقوع الفصل الطويل بين المتعلق والمتعلق به ~~وهو شائع في اللسان، قال: قربا مربط النعامة مني. PageV05P146 # لقحت حرب وائل عن حيال. # قربا مربط النعامة مني. # إن بيع الكريم بالشسع غال. # ويمكن أن يكون خطابا مستأنفا والفعل يبين لكم إنما حذف متعلقه. # للدلالة على العموم أي يبين لكم جميع ما يحتاج إلى البيان، أو لتفخيم ~~أمره أي يبين لكم أمرا عظيما تحتاجون إلى بيانه، وقوله: "على فترة من ~~الرسل" لا يخلو عن إشعار أو دلالة على هذه الحاجة فإن المعنى: يبين لكم ms1831 ما ~~مست حاجتكم إلى بيانه والزمان خال من الرسل حتى يبينوا لكم ذلك. # وقوله: "أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير"، متعلق بقوله: "قد جاءكم" ~~بتقدير: حذر أن تقولوا، أو لئلا تقولوا. # وقوله: "والله على كل شيء قدير" كأنه لدفع الدخل فإن اليهود كانت لا ترى ~~جواز تشريع شريعة بعد شريعة التوراة لذهابهم إلى امتناع النسخ والبداء فرد ~~الله سبحانه مزعمتهم بأنها تنافي عموم القدرة، وقد تقدم الكلام في النسخ في ~~تفسير قوله تعالى: "ما ننسخ من آية" الآية: البقرة: 160 في الجزء الأول من ~~الكتاب. # كلام في طريق التفكر الذي يهدي إليه القرآن وهو بحث مختلط # مما لا نرتاب فيه أن الحياة الإنسانية حياة فكرية لا تتم له إلا بالإدراك ~~الذي نسميه فكرا، وكان من لوازم ابتناء الحياة على الفكر أن الفكر كلما كان ~~أصح وأتم كانت الحياة أقوم، فالحياة القيمة - بأية سنة من السنن أخذ ~~الإنسان، وفي أي طريق من الطرق المسلوكة وغير المسلوكة سلك الإنسان - ترتبط ~~بالفكر القيم وتبتني عليه، وبقدر حظها منه يكون حظها من الاستقامة. # وقد ذكر الله سبحانه في كتابه العزيز بطرق مختلفة وأساليب متنوعة كقوله: ~~"أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122، وقوله: "هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون": الزمر: 9، وقوله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات": المجادلة: 11 وقوله: "فبشر عبادي الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر: 18 ~~إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي لا تحتاج إلى الإيراد. # فأمر القرآن في الدعوة إلى الفكر الصحيح وترويج طريق العلم مما لا ريب فيه. # والقرآن الكريم مع ذلك يذكر أن ما يهدي إليه طريق من الطرق الفكرية، قال ~~تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم": إسراء: 9 أي الملة أو السنة أو ~~الطريقة التي هي أقوم، وعلى أي حال هي صراط حيوي كونه أقوم يتوقف على كون ms1832 ~~طريق الفكر فيه أقوم، وقال تعالى: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم": المائدة: 16 والصراط المستقيم هو الطريق البين ~~الذي لا اختلاف فيه ولا تخلف أي لا يناقض الحق المطلوب، ولا يناقض بعض ~~أجزائه بعضا. # ولم يعين في الكتاب العزيز هذا الفكر الصحيح القيم الذي يندب إليه إلا ~~أنه أحال فيه إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطرية، وإدراكهم المركوز في ~~نفوسهم، وأنك لو تتبعت الكتاب الإلهي ثم تدبرت في آياته وجدت ما لعله يزيد ~~على ثلاثمائة آية تتضمن دعوة الناس إلى التفكر أو التذكر أو التعقل، أو ~~تلقن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة لإثبات حق أو لإبطال باطل ~~كقوله: "قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه" ~~الآية أو تحكي الحجة عن أنبيائه وأوليائه كنوح وإبراهيم وموسى وسائر ~~الأنبياء العظام، ولقمان ومؤمن آل فرعون وغيرهما ع كقوله: "قالت رسلهم أفي ~~الله شك فاطر السموات والأرض": إبراهيم: 10، وقوله: "وإذ قال لقمان لابنه ~~وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم": لقمان: 13، وقوله: ~~"وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جاءكم بالبينات من ربكم" الآية: غافر: 28، وقوله حكاية عن سحرة فرعون: ~~"قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا" إلى آخر ما احتجوا به: طه: 72. PageV05P147 # ولم يأمر الله تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشيء ~~مما هو من عنده أو يسلكوا سبيلا على العمياء وهم لا يشعرون، حتى أنه علل ~~الشرائع والأحكام التي جعلها لهم مما لا سبيل للعقل إلا تفاصيل ملاكاته ~~بأمور تجري مجرى الاحتجاجات كقوله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~ولذكر الله أكبر": العنكبوت: 45 وقوله: "كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين ms1833 من قبلكم لعلكم تتقون": البقرة: 138، وقوله في آية الوضوء: "ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون": المائدة: 6 إلى غير ذلك من الآيات. # وهذا الإدراك العقلي أعني طريق الفكر الصحيح الذي يحيل إليه القرآن ~~الكريم ويبني على تصديقه ما يدعو إليه من حق أو خير أو نفع، ويزجر عنه من ~~باطل أو شر أو ضر أنما هو الذي نعرفه بالخلقة والفطرة مما يتغير ولا يتبدل ~~ولا يتنازع فيه إنسان وإنسان، ولا يختلف فيه اثنان، وإن فرض فيه اختلاف أو ~~تنازع فإنما هو من قبيل المشاجرة في البديهيات ينتهي إلى عدم تصور أحد ~~المتشاجرين أو كليهما حق المعنى المتشاجر فيه لعدم التفاهم الصحيح. # وأما أن هذا الطريق الذي نعرفه بحسب فطرتنا الإنسانية ما هو؟ فلئن شككنا ~~في شيء لسنا نشك أن هناك حقائق خارجية واقعية مستقلة منفكة عن أعمالنا ~~كمسائل المبدأ والمعاد، ومسائل أخرى رياضية أو طبيعية ونحو ما إذا أردنا أن ~~نحصل عليها حصولا يقينيا استرحنا في ذلك إلى قضايا أولية بديهة غير قابلة ~~للشك، وأخرى تلزمها لزوما كذلك، ونرتبها ترتيبا فكريا خاصا نستنتج منها ما ~~نطلبه كقولنا: ا. # ب، وكل ب. # ج، ف أ. # ج، وكقولنا: لو كان ا. # ب ف ج. # د، ولو كان ج د ف ه. # ز ينتج: لو كان ا ب، ف ه. # ز وكقولنا: إن كان ا. # ب فج. # د ولو كان ج. # د، ف ه. # ز لكن ا. # ليس ب، ينتج: ه ليس ز. # وهذه الأشكال التي ذكرناها والمواد الأولية التي أشرنا إليها أمور بديهية ~~يمتنع أن يرتاب فيها إنسان ذو فطرة سليمة إلا عن آفة عقلية أو لاختلاط في ~~الفهم مقتض لعدم تعقل هذه الأمور الضرورية بأخذ مفهوم تصوري أو تصديقي آخر ~~مكان التصور أو التصديق البديهي، كما هو الغالب فيمن يتشكك في البديهيات. # ونحن إذا راجعنا التشكيكات والشبه التي أوردت على هذا الطريق المنطقي ~~المذكور وجدنا أنهم يعتمدون في استنتاج دعاويهم ومقاصدهم على ms1834 مثل القوانين ~~المدونة في المنطق الراجعة إلى الهيئة والمادة بحيث لو حللنا كلامهم إلى ~~المقدمات الابتدائية المأخوذة فيه عاد إلى مواد وهيئات منطقية، ولو غيرنا ~~بعض تلك المقدمات أو الهيئات إلى ما يهتف المنطق بعدم إنتاجها عاد الكلام ~~غير منتج، ورأيتهم لا يرضون بذلك، وهذا بعينه أوضح شاهد على أن هؤلاء ~~معترفون بحسب فطرتهم الإنسانية بصحة هذه الأصول المنطقية مسلمون لها ~~مستعملون إياها، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم. # 1 - كقول بعض المتكلمين: "لو كان المنطق طريقا موصلا لم يقع الاختلاف بين ~~أهل المنطق لكنا نجدهم مختلفين في آرائهم" فقد استعمل القياس الاستثنائي من ~~حيث لا يشعر، وقد غفل هذا القائل عن أن معنى كون المنطق آلة الاعتصام أن ~~استعماله كما هو حقه يعصم الإنسان من الخطإ، وأما أن كل مستعمل له فإنما ~~يستعمله صحيحا فلا يدعيه أحد، وهذا كما أن السيف آلة القطع لكن لا يقطع إلا ~~عن استعمال صحيح. # 2 - وقول بعضهم: "إن هذه القوانين دونت ثم كملت تدريجا فكيف يبتنى عليها ~~ثبوت الحقائق الواقعية؟ وكيف يمكن إصابة الواقع لمن لم يعرفها أو لم ~~يتسعملها؟ وهذا كسابقه قياس استثنائي ومن أردإ المغالطة. # وقد غلط القائل في معنى التدوين، فإن معناه الكشف التفصيلي عن قواعد ~~معلومة للإنسان بالفطرة إجمالا لا إن معنى التدوين هو الإيجاد. # 3 - وقول بعضهم: "إن هذه الأصول إنما روجت بين الناس لسد باب أهل البيت ~~أو لصرف الناس عن اتباع الكتاب والسنة فيجب على المسلمين اجتنابها" وهذا ~~كلام منحل إلى أقيسة اقترانية واستثنائية. # ولم يتفطن المستدل به أن تسوية طريق لغرض فاسد أو سلوكه لغاية غير محمودة ~~لا ينافي استقامته في نفسه كالسيف يقتل به المظلوم، وكالدين يستعمل لغير ~~مرضاة الله سبحانه. PageV05P148 # 4 - وقول بعضهم: "إن السلوك العقلي ربما انتهى بسالكه إلى ما يخالف صريح ~~الكتاب والسنة كما نرى من آراء كثير من المتفلسفين" وهذا قياس اقتراني مؤلف ~~غولط فيه من جهة أن هذا المنهي ليس هو شكل القياس ولا مادة بديهية بل مادة ~~فاسدة غريبة داخلت ms1835 المواد الصحيحة. # 5 - وقول بعضهم: "المنطق إنما يتكفل تمييز الشكل المنتج من الشكل الفاسد ~~وأما المواد فليس فيها قانون يعصم الإنسان من الخطإ فيها ولا يؤمن الوقوع ~~في الخطإ لو راجعنا غير أهل العصمة، فالمتعين هو الرجوع إليهم" وفيه مغالطة ~~من جهة أنه سيق لبيان حجية أخبار الآحاد أو مجموع الآحاد والظواهر الظنية ~~من الكتاب، ومن المعلوم أن الاعتصام بعصمة أهل العصمة (عليهم السلام) إنما ~~يحصل فيما أيقنا من كلامهم بصدوره والمراد منه معا يقينا صادقا، وأنى يحصل ~~ذلك في أخبار الآحاد التي هي ظنية صدورا ودلالة؟ وكذا في كل ما دلالته ~~ظنية، وإذا كان المناط في الاعتصام هو المادة اليقينية فما الفرق بين ~~المادة اليقينية المأخوذة من كلامهم والمادة اليقينية المأخوذة من المقدمات ~~العقلية؟ واعتبار الهيئة مع ذلك على حاله. # وقولهم: "لا يحصل لنا اليقين بالمواد العقلية بعد هذه الاشتباهات كلها" ~~فيه: أولا أنه مكابرة. # وثانيا: أن هذا الكلام بعينه مقدمة عقلية يراد استعمالها يقينية، والكلام ~~مشتمل على الهيئة. # 6 - وقول بعضهم: "إن جميع ما يحتاج إليه النفوس الإنسانية مخزونة في ~~الكتاب العزيز، مودعة في أخبار أهل العصمة (عليهم السلام) فما الحاجة إلى ~~أسآر الكفار والملاحدة؟". # والجواب عنه أن الحاجة إليها عين الحاجة التي تشاهد في هذا الكلام بعينه، ~~فقد ألف تأليفا اقترانيا منطقيا، واستعملت فيه المواد اليقينية لكن غولط ~~فيه أولا بأن تلك الأصول المنطقية بعض ما هو مخزون مودع في الكتاب والسنة، ~~ولا طريق إليها إلا البحث المستقل. # وثانيا: أن عدم حاجة الكتاب والسنة واستغناءهما عن ضميمة تنضم إليهما غير ~~عدم حاجة المتمسك بهما والمتعاطي لهما، وفيه المغالطة، وما مثل هؤلاء إلا ~~كمثل الطبيب الباحث عن بدن الإنسان لو ادعى الاستغناء عن تعلم العلوم ~~الطبيعية والاجتماعية والأدبية، لأن الجميع متعلق بالإنسان. # أو كمثل الإنسان الجاهل إذا استنكف عن تعلم العلوم معتذرا أن جميع العلوم ~~مودعة في الفطرة الإنسانية. # وثالثا: أن الكتاب والسنة هما الداعيان إلى التوسع في استعمال الطرق ~~العقلية الصحيحة وليست إلا المقدمات البديهية أو المتكئة ms1836 على البديهية قال ~~تعالى: "فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر: 18 إلى غير ذلك من الآيات والأخبار ~~الكثيرة، نعم الكتاب والسنة ينهيان عن اتباع ما يخالفهما مخالفة صريحة ~~قطعية لأن الكتاب والسنة القطعية من مصاديق ما دل صريح العقل على كونهما من ~~الحق والصدق، ومن المحال أن يبرهن العقل ثانيا على بطلان ما برهن على حقيته ~~أولا، والحاجة إلى تمييز المقدمات العقلية الحقة من الباطلة ثم التعلق ~~بالمقدمات الحقة كالحاجة إلى تمييز الآيات والأخبار المحكمة من المتشابهة ~~ثم التعلق بالمحكمة منهما، وكالحاجة إلى تمييز الأخبار الصادرة حقا من ~~الأخبار الموضوعة والمدسوسة وهي أخبار جمة. # ورابعا: أن الحق حق أينما كان وكيفما أصيب وعن أي محل أخذ، ولا يؤثر فيه ~~إيمان حامله وكفره، ولا تقواه وفسقه، والإعراض عن الحق بغضا لحامله ليس إلا ~~تعلقا بعصبية الجاهلية التي ذمها الله سبحانه وذم أهلها في كتابه العزيز ~~وبلسان رسله (عليهم السلام). # 7 - وقول بعضهم: "إن طريق الاحتياط في الدين المندوب إليه في الكتاب ~~والسنة الاقتصار على ظواهر الكتاب والسنة والاجتناب عن تعاطي الأصول ~~المنطقية والعقلية فإن فيه التعرض للهلاك الدائم والشقوة التي لا سعادة ~~بعدها أبدا". # وفيه أن هذا البيان بعينه قد تعوطي فيه الأصول المنطقية والعقلية فإنه ~~مشتمل على قياس استثنائي أخذ فيه مقدمات عقلية متبينة عند العقل ولو لم يكن ~~كتاب ولا سنة. PageV05P149 # على أن البيان إنما يتم فيمن لا يفي استعداده بفهم الأمور الدقيقة العقلية ~~وأما المستعد الذي يطيق ذلك فلا دليل من كتاب ولا سنة ولا عقل على حرمانه ~~من نيل حقائق المعارف التي لا كرامة للإنسان ولا شرافة إلا بها، وقد دل على ~~ذلك الكتاب والسنة والعقل جميعا. # 8 - وقول بعضهم - فيما ذكره -: "إن طريق السلف الصالح كان مباينا لطريق ~~الفلسفة والعرفان وكانوا يستغنون بالكتاب والسنة عن استعمال الأصول ~~المنطقية والعقلية كالفلاسفة، وعن استعمال طرق الرياضة كالعرفاء. # ثم لما نقلت فلسفة يونان في عصر الخلفاء إلى العربية رام ms1837 المتكلمون من ~~المسلمين وقد كانوا من تبعة القرآن إلى تطبيق المطالب الفلسفية على المعارف ~~القرآنية فتفرقوا بذلك إلى فرقتي الأشاعرة والمعتزلة، ثم نبغ آخرون في زمان ~~الخلفاء تسموا بالصوفية والعرفاء كانوا يدعون كشف الأسرار والعلم بحقائق ~~القرآن وكانوا يزعمون أنهم في غنى عن الرجوع إلى أهل العصمة والطهارة، ~~وبذلك امتازت الفقهاء والشيعة - وهم المتمسكون بذيلهم (عليهم السلام) - ~~عنهم، ولم يزل الأمر على ذلك إلى ما يقرب من أواسط القرن الثالث عشر من ~~الهجرة قبل مائة سنة تقريبا وعند ذلك أخذ هؤلاء يعني الفلاسفة والعرفاء في ~~التدليس والتلبيس وتأويل مقاصد القرآن والحديث إلى ما يوافق المطالب ~~الفلسفية والعرفانية حتى اشتبه الأمر على الأكثرين. # واستنتج من ذلك أن هذه الأصول مخالفة للطريقة الحقة التي يهدي إليها ~~الكتاب والسنة. # ثم أورد بعض الإشكالات على المنطق - مما أوردناه - كوجود الاختلاف بين ~~المنطقيين أنفسهم، ووقوع الخطإ مع استعماله، وعدم وجود البديهيات ~~واليقينيات بمقدار كاف في المسائل الحقيقية، ثم ذكر مسائل كثيرة من الفلسفة ~~وعدها جميعا مناقضة لصريح ما يستفاد من الكتاب والسنة. # هذا محصل كلامه وقد لخصناه تلخيصا. # وليت شعري أي جهة من الجهات الموضوعة في هذا الكلام على كثرتها تقبل ~~الإصلاح والترميم فقد استظهر الداء على الدواء. # أما ما ذكره من تاريخ المتكلمين وانحرافهم عن الأئمة (عليهم السلام) ~~وقصدهم إلى تطبيق الفلسفة على القرآن وانقسامهم بذلك إلى فرقتي الأشاعرة ~~والمعتزلة وظهور الصوفية وزعمهم أنهم ومتبعيهم في غنى عن الكتاب والسنة ~~وبقاء الأمر على هذا الحال وظهور الفلسفة العرفانية في القرن الثالث عشر كل ~~ذلك مما يدفعه التاريخ القطعي، وسيجيء إشارة إلى ذلك كله إجمالا. # على أن فيه خطأ فاحشا بين الكلام والفلسفة فإن الفلسفة تبحث بحثا حقيقيا ~~ويبرهن على مسائل مسلمة بمقدمات يقينية والكلام يبحث بحثا أعم من الحقيقي ~~والاعتباري، ويستدل على مسائل موضوعة مسلمة بمقدمات هي أعم من اليقينية ~~والمسلمة، فبين الفنين أبعد مما بين السماء والأرض، فكيف يتصور أن يروم أهل ~~الكلام في كلامهم تطبيق الفلسفة على القرآن؟ على أن المتكلمين لم ms1838 يزالوا ~~منذ أول ناجم نجم منهم إلى يومنا هذا في شقاق مع الفلاسفة والعرفاء، ~~والموجود من كتبهم ورسائلهم والمنقول من المشاجرات الواقعة بينهم أبلغ شاهد ~~يشهد بذلك. # ولعل هذا الإسناد مأخوذ من كلام بعض المستشرقين القائل بأن نقل الفلسفة ~~إلى الإسلام هو الذي أوجد علم الكلام بين المسلمين. # هذا، وقد جهل هذا القائل معنى الكلام والفلسفة وغرض الفنين والعلل ~~الموجبة لظهور التكلم ورمي من غير مرمى. # وأعجب من ذلك كله أنه ذكر بعد ذلك: الفرق بين الكلام والفلسفة بأن البحث ~~الكلامي يروم إثبات مسائل المبدأ والمعاد مع مراعاة جانب الدين والبحث ~~الفلسفي يروم ذلك من غير أن يعتني بأمر الدين ثم جعل ذلك دليلا على كون ~~السلوك من طريق الأصول المنطقية والعقلية سلوكا مباينا لسلوك الدين مناقضا ~~للطريق المشروع فيه هذا. # فزاد في الفساد، فكل ذي خبرة يعلم أن كل من ذكر هذا الفرق بين الفنين ~~أراد أن يشير إلى أن القياسات المأخوذة في الأبحاث الكلامية جدلية مركبة من ~~مقدمات مسلمة: المشهورات والمسلمات لكون الاستدلال بها على مسائل مسلمة، ~~وما أخذ في الأبحاث الفلسفية منها قياسات برهانية يراد بها إثبات ما هو ~~الحق لا إثبات ما سلم ثبوتها تسليما، وهذا غير أن يقال. # إن أحد الطريقين طريق الكلام طريق الدين والآخر طريق مباين لطريق الدين ~~لا يعتنى به وإن كان حقا. PageV05P150 # وأما ما ذكره من الإشكال على المنطق والفلسفة والعرفان فما اعترض به على ~~المنطق قد تقدم الكلام فيه، وأما ما ذكره في موضوع الفلسفة والعرفان فإن ~~كان ما ذكره على ما ذكره وفهم منه ثم ناقض ما هو صريح الدين الحق فلا ريب ~~لمرتاب في أنه باطل ومن هفوات الباحثين في الفلسفة أو السالكين مسلك ~~العرفان وأغلاطهم، لكن الشأن في أن هفوات أهل فن وسقطاتهم وانحرافهم لا ~~تحمل على عاتق الفن، وإنما يحمل على قصور الباحثين في بحثهم. # وكان عليه أن يتأمل الاختلافات الناشئة بين المتكلمين: أشعريهم ومعتزليهم ~~وإماميهم فقد اقتسمت هذه الاختلافات الكلمة الواحدة الإسلامية فجعلتها ~~بادىء بدء ms1839 ثلاثة وسبعين فرقة ثم فرقت كل فرقة إلى فرق، ولعل فروع كل أصل لا ~~ينقص عددا من أصولها. # فليت شعري هل أوجد الاختلافات شيء غير سلوك طريق الدين؟ وهل يسع لباحث أن ~~يستدل بذلك على بطلان الدين وفساد طريقه؟ أو يأتي هاهنا بعذر لا يجري هناك ~~أو يرمي أولئك برذيلة معنوية لا توجد عينها أو مثلها في هؤلاء؟! ونظير فن ~~الكلام في ذلك الفقه الإسلامي وانشعاب الشعب والطوائف فيه ثم الاختلافات ~~الناشئة بين كل طائفة أنفسهم، وكذلك سائر العلوم والصناعات على كثرتها ~~واختلافها. # وأما ما استنتج من جميع كلامه من بطلان جميع الطرق المعمولة وتعين طريق ~~الكتاب والسنة وهو مسلك الدين فلا يسعه إلا أن يرى طريق التذكر وهو الذي ~~نسب إلى أفلاطون اليوناني وهو أن الإنسان لو تجرد عن الهوسات النفسانية ~~وتحلى بحلية التقوى والفضائل الروحية ثم رجع إلى نفسه في أمر بان له الحق فيه. # هذا هو الذي ذكروه، وقد اختاره بعض القدماء من يونان وغيرهم وجمع من ~~المسلمين وطائفة من فلاسفة الغرب غير أن كلا من القائلين به قرره بوجه آخر: ~~فمنهم من قرره على أن العلوم الإنسانية فطرية بمعنى أنها حاصلة له، موجودة ~~معه بالفعل في أول وجوده، فلا جرم يرجع معنى حدوث كل علم له جديد إلى حصول ~~التذكر. # ومنهم من قرره على أن الرجوع إلى النفس بالانصراف عن الشواغل المادية ~~يوجب انكشاف الحقائق لا بمعنى كون العلوم عند الإنسان بالفعل بل هي له ~~بالقوة وإنما الفعلية في باطن النفس الإنسانية المفصولة عن الإنسان عند ~~الغفلة الموصولة به عند التذكر، وهذا ما يقول به العرفاء وأهل الإشراق ~~وأترابهم من سائر الملل والنحل. # ومنهم من قرره على نحو ما قرره العرفاء غير أنه اشتراط في ذلك التقوى ~~واتباع الشرع علما وعملا كعدة من المسلمين ممن عاصرناهم وغيرهم زعما منهم ~~أن اشتراط اتباع الشرع يفرق ما بينهم وبين العرفاء والمتصوفة، وقد خفي ~~عليهم أن العرفاء سبقوهم في هذا الاشتراط كما يشهد به كتبهم المعتبرة ~~الموجودة، فالقول عين ms1840 ما قال به المتصوفة، وإنما الفرق بين الفريقين في ~~كيفية الاتباع وتشخيص معنى التبعية، وهؤلاء يعتبرون في التبعية مرحلة ~~الجمود على الظواهر محضا، فطريقهم طريق مولد من تناكح طريقي المتصوفة ~~والأخبارية إلى غير ذلك من التقريرات. # والقول بالتذكر إن لم يرد به إبطال الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية ~~لا يخلو من وجه صحة في الجملة فإن الإنسان حينما يوجد بهويته يوجد شاعرا ~~بذاته وقوى ذاته وبعلله، عالما بها علما حضوريا، ومعه من القوى ما يبدل ~~علمه الحضوري إلى علم حصولي. # ولا توجد قوة هي مبدأ الفعل إلا وهي تفعل فعلها فللإنسان في أول وجوده ~~شيء من العلوم وإن كانت متأخرة عنه بحسب الطبع لكنه معه بالزمان. # هذا، وأيضا حصول بعض العلوم للإنسان إذا انصرف عن التعلقات المادية بعض ~~الانصراف لا يسع لأحد إنكاره. # وإن أريد بالقول بالتذكر إبطال أثر الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية ~~بمعنى أن ترتيب المقدمات البديهية المتناسبة يوجب خروج الإنسان من القوة ~~إلى الفعل بالنسبة إلى العلم بما يعد نتيجة لها، أو بمعنى أن التذكر بمعنى ~~الرجوع إلى النفس بالتخلية يغني الإنسان عن ترتيب المقدمات العلمية لتحصيل ~~النتائج فهو من أسخف القول الذي لا يرجع إلى محصل. PageV05P151 # أما القول بالتذكر بمعنى إبطاله الرجوع إلى الأصول المنطقية والعقلية ~~فيبطله أولا: أن البحث العميق في العلوم والمعارف الإنسانية يعطي أن علومه ~~التصديقية تتوقف على علومه التصورية والعلوم التصورية تنحصر في العلوم ~~الحسية أو المنتزع منها بنحو من الأنحاء وقد دل القياس والتجربة على أن ~~فاقد حس من الحواس فاقد لجميع العلوم المنتهية إلى ذلك الحس، تصورية كانت ~~أو تصديقية، نظرية كانت أو بديهية، ولو كانت العلوم موجودة للهوية ~~الإنسانية بالفعل لم يؤثر الفقد المفروض في ذلك، والقول بأن العمى والصمم ~~ونحوهما مانعة عن التذكر رجوع عن أصل القول وهو أن التذكر بمعنى الرجوع إلى ~~النفس بالانصراف عن التعلقات المادية مفيد لذكر المطلوب بارتفاع الغفلة. # وثانيا: أن التذكر أنما يوفق له بعض أفراد هذا النوع، وعامة الأفراد ~~يستعملون في مقاصدهم ms1841 الحيوية سنة التأليف والاستنتاج ويستنتجون من ذلك ~~الألوف بعد الألوف من النتائج المستقيمة، وعلى ذلك يجري الحال في جميع ~~العلوم والصناعات، وإنكار شيء من ذلك مكابرة، وحمل ذلك على الاتفاق مجازفة ~~فالأخذ بهذه السنة أمر فطري للإنسان لا محيد عنه، ومن المحال أن يجهز نوع ~~من الأنواع بجهاز فطري تكويني ثم يخبط في عمله ولا ينجح في مسعاه. # وثالثا: أن جميع ما ينال هؤلاء بما يسمونه تذكرا يعود بالتحليل إلى ~~مقدمات مترتبة ترتيبا منطقيا بحيث يختل أمر النتيجة فيها باختلال شيء من ~~الأصول المقررة في هيئتها ومادتها، فهم يستعملون الأصول المنطقية من حيث لا ~~يحسون به، والاتفاق والصحابة الدائمان لا محصل لهما، وعليهم أن يأتوا بصورة ~~علمية تذكرية صحيحة لا تجري فيها أصول المنطق. # وأما القول بالتذكر بمعنى إغنائه عن الرجوع إلى الأصول المنطقية - ويرجع ~~محصله إلى أن هناك طريقين: طريق المنطق وطريق التذكر باتباع الشرع مثلا، ~~والطريقان سواء في الإصابة أو إن طريق التذكر أفضل وأولى لإصابته دائما ~~لموافقته قول المعصوم بخلاف طريق المنطق والعقل - ففيه خطر الوقوع في الغلط ~~دائما أو غالبا. # وكيف كان يرد عليه الإشكال الثاني الوارد على ما تقدمه فإن الإحاطة بجميع ~~مقاصد الكتاب والسنة ورموزها وأسرارها على سعة نطاقها العجيبة غير متأت إلا ~~للآحاد من الناس المتوغلين في التدبر في المعارف الدينية على ما فيها من ~~الارتباط العجيب، والتداخل البالغ بين أصولها وفروعها وما يتعلق منها ~~بالاعتقاد وما يتعلق منها بالأعمال الفردية والاجتماعية، ومن المحال أن ~~يكلف الإنسان تكوينا بالتجهيز التكويني بما وراء طاقته واستطاعته أو يكلف ~~بذلك تشريعا فليس على الناس إلا أن يعقلوا مقاصد الدين بما هو الطريق ~~المألوف عندهم في شئون حياتهم الفردية والاجتماعية، وهو ترتيب المعلومات ~~لاستنتاج المجهولات، والمعلوم من الشرع بعض أفراد المعلومات لقيام البرهان ~~على صدقه. # ومن العجيب أن بعض القائلين بالتذكر جعل هذا بعينه وجها للتذكر على ~~المنطق فذكر أن العلم بالحقائق الواقعية إن صح حصوله باستعمال المنطق ~~والفلسفة - ولن يصح - فإنما يتأتى ذلك لمثل أرسطو وابن ms1842 سينا من أوحديي ~~الفلسفة، وليس يتأتى لعامة الناس فكيف يمكن أن يأمر الشارع باستعمال المنطق ~~والأصول الفلسفية طريقا إلى نيل الواقعيات؟ ولم يتفطن أن الإشكال بعينه ~~مقلوب عليه فإن أجاب بأن استعمال التذكر ميسور لكل أحد على حسب اتباعه أجيب ~~بأن استعمال المنطق قليلا أو كثيرا ميسور لكل أحد على حسب استعداده لنيل ~~الحقائق ولا يجب لكل أحد أن ينال الغاية، ويركب ما فوق الطاقة. # ويرد عليه ثانيا: الإشكال الثالث السابق فإن هؤلاء يستعملون طريق المنطق ~~في جميع المقاصد التي يبدونها باسم التذكر كما تقدم حتى في البيان الذي ~~أوردوه لإبطال طريق المنطق وتحقيق طريق التذكر وكفى به فسادا. PageV05P152 # ويرد عليه ثالثا: أن الوقوع في الخطإ واقع بل غالب في طريق التذكر الذي ~~ذكروه فإن التذكر كما زعموه هو الطريق الذي كان يسلكه السلف الصالح دون ~~طريق المنطق، وقد نقل الاختلاف والخطإ فيما بينهم بما ليس باليسير كعدة من ~~أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن اتفق المسلمون على علمه واتباعه ~~الكتاب والسنة، أو اتفق الجمهور على فقهه وعدالته، وكعدة من أصحاب الأئمة ~~على هذه النعوت كأبي حمزة وزرارة وأبان وأبي خالد والهشامين ومؤمن الطاق ~~والصفوانين وغيرهم، فالاختلافات الأساسية بينهم مشهورة معروفة ومن البين أن ~~المختلفين لا ينال الحق إلا أحدهما، وكذلك الفقهاء والمحدثون من القدماء ~~كالكليني والصدوق وشيخ الطائفة والمفيد والمرتضى وغيرهم رضوان الله عليهم، ~~فما هو مزية التذكر على التفكر المنطقي؟ فكان من الواجب حينئذ التماس مميز ~~آخر غير التذكر يميز بين الحق والباطل، وليس إلا التفكر المنطقي فهو المرجع ~~والموئل. # ويرد عليه رابعا: أن محصل الاستدلال أن الإنسان إذا تمسك بذيل أهل العصمة ~~والطهارة لم يقع في خطإ، ولازمه ما تقدم أن الرأي المأخوذ من المعصوم فيما ~~سمعه منه سمعا يقينيا وعلم بمراده علما يقينيا لا يقع فيه خطأ، وهذا مما لا ~~كلام فيه لأحد. # وفي الحقيقة المسموع من المعصوم أو المأخوذ منه مادة ليس هو عين التذكر ~~ولا الفكر المنطقي ثم يعقبه هو أن: هذا ms1843 ما يراه المعصوم، وكل ما يراه حق ~~فهذا حق وهذا برهان قطعي النتيجة، وأما غير هذه الصورة من مؤديات أخبار ~~الآحاد أو ما يماثلها مما لا يفيد إلا الظن فإن ذلك لا يفيد شيئا ولا يوجد ~~دليل على حجية الآحاد في غير الأحكام إلا مع موافقة الكتاب ولا الظن يحصل ~~على شيء مع فرض العلم على خلافه من دليل علمي. # 9 - وقول بعضهم: "إن الله سبحانه خاطبنا في كلامه بما نألفه من الكلام ~~الدائر بيننا، والنظم والتأليف الذي يعرفه أهل اللسان، وظاهر البيانات ~~المشتملة على الأمر والنهي والوعد والوعيد والقصص والحكمة والموعظة والجدال ~~بالتي هي أحسن، وهذه أمور لا حاجة في فهمها وتعقلها إلى تعلم المنطق ~~والفلسفة وسائر ما هو تراث الكفار والمشركين وسبيل الظالمين، وقد نهانا عن ~~ولايتهم والركون إليهم واتخاذ دئوبهم واتباع سبلهم، فليس على من يؤمن بالله ~~ورسوله إلا أن يأخذ بظواهر البيانات الدينية، ويقف على ما يتلقاه الفهم ~~العادي من تلك الظواهر من غير أن يأولها أو يتعداها إلى غيرها" وهذا ما ~~يراه الحشوية والمشبهة وعدة من أصحاب الحديث. # وهو فاسد أما من حيث الهيئة فقد استعمل فيه الأصول المنطقية وقد أريد ~~بذلك المنع عن استعمالها بعينها، ولم يقل القائل بأن القرآن يهدي إلى ~~استعمال أصول المنطق: أنه يجب على كل مسلم أن يتعلم المنطق، لكن نفس ~~الاستعمال مما لا محيص عنه، فما مثل هؤلاء في قولهم هذا إلا مثل من يقول: ~~إن القرآن إنما يريد أن يهدينا إلى مقاصد الدين فلا حاجة لنا إلى تعلم ~~اللسان الذي هو تراث أهل الجاهلية، فكما أنه لا وقع لهذا الكلام بعد كون ~~اللسان طريقا يحتاج إليه الإنسان في مرحلة التخاطب بحسب الطبع وقد استعمله ~~الله سبحانه في كتابه والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنته كذلك لا ~~معنى لما اعترض به على المنطق بعد كونه طريقا معنويا يحتاج إليه الإنسان في ~~مرحلة التعقل بحسب الطبع وقد استعمله الله سبحانه في كتابه والنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ms1844 في سنته. # وأما بحسب المادة فقد أخذت فيه مواد عقلية، غير أنه غولط فيه من حيث ~~التسوية بين المعنى الظاهر من الكلام والمصاديق التي تنطبق عليها المعاني ~~والمفاهيم، فالذي على المسلم المؤمن بكتاب الله أن يفهمه من مثل العلم ~~والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والمشيئة والإرادة مثلا أن يفهم ~~معاني تقابل الجهل والعجز والممات والصمم والعمى ونحوها، وأما أن يثبت لله ~~سبحانه علما كعلمنا وقدرة كقدرتنا وحياة كحياتنا وسمعا وبصرا وكلاما ومشيئة ~~وإرادة كذلك فليس له ذلك لا كتابا ولا سنة ولا عقلا، وقد تقدم شطر من ~~الكلام المتعلق بهذا الباب في بحث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من ~~الكتاب. PageV05P153 # 10 - وقول بعضهم: "إن الدليل على حجية المقدمات التي قامت عليها الحجج ~~العقلية ليس إلا المقدمة العقلية القائلة بوجوب اتباع الحكم العقلي، ~~وبعبارة أخرى لا حجة على حكم العقل إلا نفس العقل وهذا دور مصرح فلا محيص ~~في المسائل الخلافية عن الرجوع إلى قول المعصوم من نبي أو إمام من غير ~~تقليد". # هذا، وهو أسخف تشكيك أورد في هذا الباب وإنما أريد به تشييد بنيان فأنتج ~~هدمه، فإن القائل أبطل به حكم العقل بالدور المصرح على زعمه ثم لما عاد إلى ~~حكم الشرع لزمه إما أن يستدل عليه بحكم العقل وهو الدور، أو بحكم الشرع وهو ~~الدور فلم يزل حائرا يدور بين دورين. # إلا أن يرجع إلى التقليد وهو حيرة ثانية. # وقد اشتبه عليه الأمر في تحصيل معنى وجوب متابعة حكم العقل" فإن أريد ~~بوجوب متابعة حكم العقل ما يقابل الحظر والإباحة ويستتبع مخالفته ذما أو ~~عقابا نظير وجوب متابعة الناصح المشفق، ووجوب العدل في الحكم ونحو ذلك فهو ~~حكم العقل العملي ولا كلام لنا فيه، وإن أريد بوجوب المتابعة أن الإنسان ~~مضطر على تصديق النتيجة إذا استدل عليه بمقدمات علمية وشكل صحيح علمي مع ~~التصور التام لأطراف القضايا فهذا أمر يشاهده الإنسان بالوجدان، ولا معنى ~~عندئذ لأن يسأل العقل عن الحجة، لحجية حجته لبداهة حجيته. # وهذا نظير سائر البديهيات، ms1845 فإن الحجة على كل بديهي إنما هي نفسه، ومعناه ~~أنه مستغن عن الحجة. # 11 - وقول بعضهم: "إن غاية ما يرومه المنطق هو الحصول على الماهيات ~~الثابتة للأشياء، والحصول على النتائج بالمقدمات الكلية الدائمة الثابتة، ~~وقد ثبت بالأبحاث العلمية اليوم أن لا كلي ولا دائم ولا ثابت في خارج ولا ~~ذهن وإنما هي الأشياء تجري تحت قانون التحول العام من غير أن يثبت شيء ~~بعينه على حال ثابتة أو دائمة أو كلية". # وهذا فاسد من جهة أنه استعمل فيه الأصول المنطقية هيئة ومادة كما هو ظاهر ~~لمن تأمل فيه. # على أن المعترض يريد بهذا الاعتراض بعينه أن يستنتج أن المنطق القديم غير ~~صحيح البتة، وهي نتيجة كلية دائمة ثابتة مشتملة على مفاهيم ثابتة، وإلا لم ~~يفده شيئا فالاعتراض يبطل نفسه. # ولعلنا خرجنا عما هو شريطة هذا الكتاب من إيثار الاختصار مهما أمكن ~~فلنرجع إلى ما كنا فيه أولا: القرآن الكريم يهدي العقول إلى استعمال ما ~~فطرت على استعماله وسلوك ما تألفه وتعرفه بحسب طبعها وهو ترتيب المعلومات ~~لاستنتاج المجهولات، والذي فطرت العقول عليه هو أن تستعمل مقدمات حقيقية ~~يقينية لاستنتاج المعلومات التصديقية الواقعية وهو البرهان، وأن تستعمل ~~فيما له تعلق بالعمل من سعادة وشقاوة وخير وشر ونفع وضرر وما ينبغي أن ~~يختار ويؤثر وما لا ينبغي، وهي الأمور الاعتبارية، المقدمات المشهورة أو ~~المسلمة، وهو الجدل، وأن تستعمل في موارد الخير والشر المظنونين مقدمات ~~ظنية لإنتاج الإرشاد والهداية إلى خير مظنون، أو الردع عن شر مظنون، وهي ~~العظة قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي ~~هي أحسن": النحل: 152 والظاهر أن المراد بالحكمة هو البرهان كما ترشد إلى ~~ذلك مقابلته الموعظة الحسنة والجدال. # فإن قلت: طريق التفكر المنطقي مما يقوى عليه الكافر والمؤمن، ويتأتى من ~~الفاسق والمتقي، فما معنى نفيه تعالى العلم المرضي والتذكر الصحيح عن غير ~~أهل التقوى والاتباع كما في قوله تعالى: "وما يتذكر إلا من ينيب": غافر: ~~13، وقوله: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا": الطلاق: ms1846 2، وقوله: "فأعرض عمن ~~تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى": النجم: 30 والروايات الناطقة ~~بأن العلم النافع لا ينال إلا بالعمل الصالح كثيرة مستفيضة. PageV05P154 # قلت: اعتبار الكتاب والسنة التقوى في جانب العلم مما لا ريب فيه، غير أن ~~ذلك ليس لجعل التقوى أو التقوى الذي معه التذكر طريقا مستقلا لنيل الحقائق ~~وراء الطريق الفكري الفطري الذي يتعاطاه الإنسان تعاطيا لا مخلص له منه، إذ ~~لو كان الأمر على ذلك لغت جميع الاحتجاجات الواردة في الكتاب على الكفار ~~والمشركين وأهل الفسق والفجور ممن لا يتبع الحق، ولا يدري ما هو التقوى ~~والتذكر فإنهم لا سبيل لهم على هذا الفرض إلى إدراك المطلوب وحالهم هذا ~~الحال، ومع فرض تبدل الحال يلغو الاحتجاج معهم، ونظيرها ما ورد في السنة من ~~الاحتجاج مع شتى الفرق والطوائف الضالة. # بل اعتبار التقوى لرد النفس الإنسانية المدركة إلى استقامتها الفطرية، ~~توضيح ذلك: أن الإنسان بحسب جسميته مؤلف من قوى متضادة بهيمية وسبعية ~~محتدها البدن العنصري، وكل واحدة منها تعمل عملها الشعوري الخاص بها من غير ~~أن ترتبط بغيرها من القوى ارتباطا تراعي به حالها في عملها إلا بنحو ~~الممانعة والمضادة فشهوة الغذاء تبعث الإنسان إلى الأكل والشرب من غير أن ~~يحد بحد أو يقدر بقدر من ناحية هذه القوة إلا أن يمتنع منهما المعدة مثلا ~~لأنها لا تسع إلا مقدارا محدودا، أو يمتنع الفك مثلا لتعب وكلال يصيب عضلته ~~من المضغ إذا أكثر من الأكل وأمثال ذلك، فهذه أمور نشاهدها من أنفسنا دائما. # وإذا كان كذلك كان تمايل الإنسان إلى قوة من القوى، واسترساله في طاعة ~~أوامرها، والانبعاث إلى ما تبعث إليه يوجب طغيان القوة المطاعة، واضطهاد ~~القوة المضادة لها اضطهادا ربما بلغ بها إلى حد البطلان أو كاد يبلغ، ~~فالاسترسال في شهوة الطعام أو شهوة النكاح يصرف الإنسان عن جميع مهمات ~~الحياة من كسب وعشرة وتنظيم أمر منزل وتربية ms1847 أولاد وسائر الواجبات الفردية ~~والاجتماعية التي يجب القيام بها، ونظيره الاسترسال في طاعة سائر القوى ~~الشهوية والقوى الغضبية، وهذا أيضا مما لا نزال نشاهدها من أنفسنا ومن ~~غيرنا خلال أيام الحياة. # وفي هذا الإفراط والتفريط هلاك الإنسانية فإن الإنسان هو النفس المسخرة ~~لهذه القوى المختلفة، ولا شأن له إلا سوق المجموع من القوى بأعمالها في ~~طريق سعادته في الحياة الدنيا والآخرة، وليست إلا حياة علمية كمالية، فلا ~~محيص له عن أن يعطي كلا من القوى من حظها ما لا تزاحم به القوى الأخرى ولا ~~تبطل من رأس. # فالإنسان لا يتم له معنى الإنسانية إلا إذا عدل قواه المختلفة تعديلا ~~يورد كلا منها وسط الطريق المشروع لها، وملكة الاعتدال في كل واحدة من ~~القوى هي التي نسميها بخلقها الفاضل كالحكمة والشجاعة والعفة وغيرها، ويجمع ~~الجميع العدالة. # ولا ريب أن الإنسان إنما يحصل على هذه الأفكار الموجودة عنده ويتوسع في ~~معارفه وعلومه الإنسانية باقتراح هذه القوى الشعورية أعمالها ومقتضياتها، ~~بمعنى أن الإنسان في أول كينونته صفر الكف من هذه العلوم والمعارف الوسيعة ~~حتى تشعر قواه الداخلة بحوائجها، وتقترح عليه ما تشتهيها وتطلبها، وهذه ~~الشعورات الابتدائية هي مبادىء علوم الإنسان ثم لا يزال الإنسان يعمم ويخصص ~~ويركب ويفصل حتى يتم له أمر الأفكار الإنسانية. # ومن هنا يحدس اللبيب أن توغل الإنسان في طاعة قوة من قواه المتضادة ~~وإسرافه في إجابة ما تقترح عليه يوجب انحرافه في أفكاره ومعارفه بتحكيم ~~جميع ما تصدقه هذه القوة على ما يعطيه غيرها من التصديقات والأفكار، وغفلته ~~عما يقتضيه غيرها. PageV05P155 # والتجربة تصدق ذلك فإن هذا الانحراف هو الذي نشاهده في الأفراد المسرفين ~~المترفين من حلفاء الشهوة، وفي البغاة الطغاة الظلمة المفسدين أمر الحياة ~~في المجتمع الإنساني فإن هؤلاء الخائضين في لجج الشهوات، العاكفين على ~~لذائذ الشرب والسماع والوصال لا يكادون يستطيعون التفكر في واجبات ~~الإنسانية، ومهام الأمور التي يتنافس فيها أبطال الرجال وقد تسربت روح ~~الشهوة في قعودهم وقيامهم واجتماعهم وافتراقهم وغير ذلك وكذلك الطغاة ~~المستكبرون أقسياء القلوب ms1848 لا يتأتى لهم أن يتصوروا رأفة وشفقة ورحمة وخضوعا ~~وتذللا حتى فيما يجب فيه ذلك، وحياتهم تمثل حالهم الخبيث الذي هم عليه في ~~جميع مظاهرها من تكلم وسكوت ونظر وغض وإقبال وإدبار، فهؤلاء جميعا سالكوا ~~طريق الخطإ في علومهم، كل طائفة منهم مكبة على ما تناله من العلوم والأفكار ~~المحرفة المنحرفة المتعلقة بما عنده، غافلون عما وراءه وفيما وراءه، العلوم ~~النافعة والمعارف الحقة الإنسانية فالمعارف الحقة والعلوم النافعة لا تتم ~~للإنسان إلا إذا صلحت أخلاقه وتمت له الفضائل الإنسانية القيمة وهو التقوى. # فقد تحصل أن الأعمال الصالحة هي التي تحفظ الأخلاق الحسنة، والأخلاق ~~الحسنة هي التي تحفظ المعارف الحقة والعلوم النافعة والأفكار الصحيحة، ولا ~~خير في علم لا عمل معه. # وهذا البحث وإن سقناه سوقا علميا أخلاقيا لمسيس الحاجة إلى التوضيح إلا ~~أنه هو الذي جمعه الله تعالى في كلمة حيث قال: "واقصد في مشيك": لقمان: 19 ~~فإنه كناية عن أخذ وسط الاعتدال في مسير الحياة، وقال: "إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا": الأنفال: 29 وقال: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا ~~أولي الألباب": البقرة: 179، أي لأنكم أولوا الألباب تحتاجون في عمل لبكم ~~إلى التقوى والله أعلم، وقال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها": الشمس: 10 وقال: "واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون: آل عمران: 103. # ومن طريق آخر: قال تعالى: "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وءامن وعمل صالحا": مريم: 60 فذكر أن ~~اتباع الشهوات يسوق إلى الغي، وقال تعالى: "سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون ~~في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين": الأعراف: 164 فذكر أن أسراء القوى الغضبية ممنوعون من ~~اتباع الحق مسوقون إلى سبيل الغي، ثم ذكر أن ذلك بسبب غفلتهم عن الحق، وقال ~~تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنم ms1849 كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون: الأعراف: 197 فذكر أن هؤلاء الغافلين إنما هم ~~غافلون عن حقائق المعارف التي للإنسان، فقلوبهم وأعينهم وآذانهم بمعزل عن ~~نيل ما يناله الإنسان، السعيد في إنسانيته، وإنما ينالون بها ما تناله ~~الأنعام أو ما هو أضل من الأنعام وهي الأفكار التي إنما تصوبها وتميل إليها ~~وتألف بها البهائم السائمة والسباع الضارية. # فظهر من جميع ما تقدم أن القرآن الكريم إنما اشترط التقوى في التفكر ~~والتذكر والتعقل، وقارن العلم بالعمل للحصول على استقامة الفكر وإصابة ~~العلم وخلوصه من شوائب الأوهام الحيوانية والإلقاءات الشيطانية. PageV05P156 # نعم هاهنا حقيقة قرآنية لا مجال لإنكارها، وهو أن دخول الإنسان في حظيرة ~~الولاية الإلهية، وتقربه إلى ساحة القدس والكبرياء يفتح له بابا إلى ملكوت ~~السماوات والأرض يشاهد منه ما خفي على غيره من آيات الله الكبرى، وأنوار ~~جبروته التي لا تطفأ، قال الصادق (عليه السلام): لو لا أن الشياطين يحومون ~~حول قلوب بني آدم لرأوا ملكوت السماوات والأرض، وفيما رواه الجمهور عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو لا تكثير في كلامكم وتمريج في ~~قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع، وقد قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت: 69 ويدل على ذلك ظاهر ~~قوله تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين": الحجر: 99 حيث فرع اليقين على ~~العبادة، وقال تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين": الأنعام: 75 فربط وصف الإيقان بمشاهدة الملكوت، وقال تعالى: ~~"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين": التكاثر: ~~7 وقال تعالى: "إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم ~~يشهده المقربون": المطففين: 21 وليطلب البحث المستوفى في هذا المعنى مما ~~سيجيء من الكلام في قوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله" الآية: المائدة: ~~55 وفي قوله تعالى: "يا أيها ms1850 الذين ءامنوا عليكم أنفسكم" الآية: المائدة: 150. # ولا ينافي ثبوت هذه الحقيقة ما قدمناه أن القرآن الكريم يؤيد طريق التفكر ~~الفطري الذي فطر عليه الإنسان وبني عليه بنية الحياة الإنسانية، فإن هذا ~~طريق غير فكري، وموهبة إلهية يختص بها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ### |||| AUTO بحث تاريخي # ننظر فيه نظرا إجماليا في تاريخ التفكير الإسلامي والطريق الذي سلكته ~~الأمة الإسلامية على اختلاف طوائفها ومذاهبها، ولا نلوي فيه إلى مذهب من ~~المذاهب بإحقاق أو إبطال، وإنما نعرض الحوادث الواقعة على منطق القرآن ~~ونحكمه في الموافقة والمخالفة، وأما ما باهى به موافق وما اعتذر به مخالف ~~فلا شأن لنا في الغور في أصوله وجذوره، فإنما ذلك طريق آخر من البحث مذهبي ~~أو غيره. # القرآن الكريم يتعرض بمنطقه في سنته المشروعة لجميع شئون الحياة ~~الإنسانية من غير أن تتقيد بقيد أو تشترط بشرط، يحكم على الإنسان منفردا أو ~~مجتمعا، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، على الأبيض والأسود، والعربي ~~والعجمي، والحاضر والبادي، والعالم والجاهل، والشاهد والغائب، في أي زمان ~~كان وفي أي مكان كان ويداخل كل شأن من شئونه من اعتقاد أو خلق أو عمل من ~~غير شك. # فللقرآن اصطكاك مع جميع العلوم والصناعات المتعلقة بأطراف الحياة ~~الإنسانية ومن الواضح اللائح من خلال آياته النادبة إلى التدبر والتفكر ~~والتذكر والتعقل أنه يحث حثا بالغا على تعاطي العلم ورفض الجهل في جميع ما ~~يتعلق بالسماويات والأرضيات والنبات والحيوان والإنسان، من أجزاء عالمنا ~~وما وراءه من الملائكة والشياطين واللوح والقلم وغير ذلك ليكون ذريعة إلى ~~معرفة الله سبحانه، وما يتعلق نحوا من التعلق بسعادة الحياة الإنسانية ~~الاجتماعية من الأخلاق والشرائع والحقوق وأحكام الاجتماع. # وقد عرفت أنه يؤيد الطريق الفطري من التفكر الذي تدعو إليه الفطرة دعوة ~~اضطرارية لا معدل عنها على حق ما تدعو إليه الفطرة من السير المنطقي. # والقرآن نفسه يستعمل هذه الصناعات المنطقية من برهان وجدل وموعظة، ويدعو ~~الأمة التي يهديها إلى أن يتبعوه في ذلك فيتعاطوا البرهان فيما كان من ~~الواقعيات الخارجة ms1851 من باب العمل ويستدلوا بالمسلمات في غير ذلك أو بما ~~يعتبر به. # وقد اعتبر القرآن في بيان مقاصده السنة النبوية، وعين لهم الأسوة في رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا يحفظون عنه، ويقلدون مشيته العلمية ~~تقليد المتعلم معلمه في السلوك العلمي. PageV05P157 # كان القوم في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونعني به أيام إقامته ~~بالمدينة حديثي عهد بالتعليم الإسلامي، حالهم أشبه بحال الإنسان القديم في ~~تدوين العلوم والصناعات، يشتغلون بالأبحاث العلمية اشتغالا ساذجا غير فني ~~على عناية منهم بالتحصيل والتحرير، وقد اهتموا أولا بحفظ القرآن وقراءته، ~~وحفظ الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير كتابة، ونقله، وكان ~~لهم بعض المطارحات الكلامية فيما بينهم أنفسهم، واحتجاجات مع بعض أرباب ~~الملل الأجنبية ولا سيما اليهود والنصارى لوجود أجيال منهم في الجزيرة ~~والحبشة والشام، ومن هنا يبتدىء ظهور علم الكلام وكانوا، يشتغلون برواية ~~الشعر وقد كانت سنة عربية لم يهتم بأمرها الإسلام ولم يمدح الكتاب الشعر ~~والشعراء بكلمة، ولا السنة بالغت في أمره. # ثم لما ارتحل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من أمر الخلافة ما هو ~~معروف وزاد الاختلاف الحادث عند ذلك بابا على الأبواب الموجودة. # وجمع القرآن في زمن الخليفة الأول بعد غزوة يمامة وشهادة جماعة من القراء فيها. # وكان الأمر على هذا في عهد خلافته - وهي سنتان تقريبا - ثم في عهد ~~الخليفة الثاني. # والإسلام وإن انتشر صيته واتسع نطاقه بما رزق المسلمون من الفتوحات ~~العظيمة في عهده لكن الاشتغال بها كان يعوقهم عن التعمق في إجالة النظر في ~~روابط العلوم والتماس الارتقاء في مدارجها، أو إنهم ما كانوا يرون لما ~~عندهم من المستوى العلمي حاجة إلى التوسع والتبسط. # وليس العلم وفضله أمرا محسوسا يعرفه أمة من أمة أخرى إلا أن يرتبط ~~بالصنعة فيظهر أثره على الحس فيعرفه العامة. # وقد أيقظت هذه الفتوحات المتوالية الغزيرة العرب الجاهلية من الغرور ~~والنخوة بعد ما كانت في سكن بالتربية النبوية، فكانت تتسرب فيهم روح الأمم ~~المستعلية الجبارة، ms1852 وتتمكن منهم رويدا، يشهد به شيوع تقسيم الأمة المسلمة ~~يومئذ إلى العرب والموالي، وسير معاوية - وهو والي الشام يومذاك - بين ~~المسلمين بسيرة ملوكية قيصرية، وأمور أخرى كثيرة ذكرها التاريخ عن جيوش ~~المسلمين، وهذه نفسيات لها تأثير في السير العلمي ولا سيما التعليمات ~~القرآنية. # وأما الذي كان عندهم من حاضر السير العلمي فالاشتغال بالقرآن كان على ~~حاله وقد صار مصاحف متعددة تنسب إلى زيد وأبي وابن مسعود وغيرهم. # وأما الحديث فقد راج رواجا بينا وكثر النقل والضبط إلى حيث نهى عمر بعض ~~الصحابة عن التحديث لكثرة ما روى، وقد كان عدة من أهل الكتاب دخلوا في ~~الإسلام وأخذ عنهم المحدثون شيئا كثيرا من أخبار كتبهم وقصص أنبيائهم ~~وأممهم، فخلطوها بما كان عندهم من الأحاديث المحفوظة عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وأخذ الوضع والدس يدوران في الأحاديث، ويوجد اليوم في ~~الأحاديث المقطوعة المنقولة عن الصحابة ورواتهم في الصدر الأول شيء كثير من ~~ذلك يدفعه القرآن بظاهر لفظه. # وجملة السبب في ذلك أمور ثلاثة: 1 - المكانة الرفيعة التي كانت تعتقدها ~~الناس لصحبة النبي وحفظ الحديث عنه، وكرامة الصحابة وأصحابهم النقلة عنهم ~~على الناس، وتعظيمهم لأمرهم، فدعا ذلك الناس إلى الأخذ والإكثار حتى عن ~~مسلمي أهل الكتاب والرقابة الشديدة بين حملة الحديث في حيازة التقدم ~~والفخر. # 2 - إن الحرص الشديد منهم على حفظ الحديث ونقله منعهم عن تمحيصه والتدبر ~~في معناه وخاصة في عرضه على كتاب الله وهو الأصل الذي تبتني عليه بنية ~~الدين وتستمد منه فروعه، وقد وصاهم بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فيما صح من قوله: "ستكثر علي القالة" الحديث، وغيره. # وحصلت بذلك فرصة لأن تدور بينهم أحاديث موضوعة في صفات الله وأسمائه ~~وأفعاله، وزلات منسوبة إلى الأنبياء الكرام، ومساوىء مشوهة تنسب إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وخرافات في الخلق والإيجاد، وقصص الأمم الماضية، ~~وتحريف القرآن وغير ذلك مما لا تقصر عما تتضمنه التوراة والإنجيل من هذا ~~القبيل. PageV05P158 # واقتسم القرآن والحديث عند ذلك التقدم والعمل: فالتقدم ms1853 الصوري للقرآن ~~والأخذ والعمل بالحديث فلم يلبث القرآن دون أن هجر عملا، ولم تزل تجري هذه ~~السيرة وهي الصفح عن عرض الحديث على القرآن مستمرة بين الأمة عملا حتى ~~اليوم وإن كانت تنكرها قولا وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا" اللهم إلا آحاد بعد آحاد. # وهذا التساهل بعينه هو أحد الأسباب في بقاء كثير من الخرافات القومية ~~القديمة بين الأمم الإسلامية بعد دخولهم في الإسلام والداء يجر الداء. # 3 - إن ما جرى في أمر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أوجب اختلاف آراء عامة المسلمين في أهل بيته فمن عاكف عليهم هائم بهم، ومن ~~معرض عنهم لا يعبأ بأمرهم ومكانتهم من علم القرآن أو مبغض شانىء لهم، وقد ~~وصاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يرتاب في صحته ودلالته مسلم ~~أن يتعلموا منهم ولا يعلموهم وهم أعلم منهم بكتاب الله، وذكر لهم أنهم لن ~~يغلطوا في تفسيره ولن يخطئوا في فهمه قال في حديث الثقلين المتواتر: إني ~~تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض الحديث. # وفي بعض طرقه: لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. وقال في المستفيض من كلامه: ~~"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" وقد تقدم في أبحاث المحكم ~~والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب. # وهذا أعظم ثلمة انثلم بها علم القرآن وطريق التفكر الذي يندب إليه. # ومن الشاهد على هذا الإعراض قلة الأحاديث المنقولة عنهم (عليهم السلام) ~~فإنك إذا تأملت ما عليه علم الحديث في عهد الخلفاء من المكانة والكرامة، ~~وما كان عليه الناس من الولع والحرص الشديد على أخذه ثم أحصيت ما نقل في ~~ذلك عن علي والحسن والحسين، وخاصة ما نقل من ذلك في تفسير القرآن لرأيت ~~عجبا: أما الصحابة فلم ينقلوا عن علي (عليه السلام) شيئا يذكر، وأما ~~التابعون فلا يبلغ ما نقلوا عنه - إن أحصي - مائة رواية في تمام القرآن ~~وأما الحسن (عليه السلام) فلعل المنقول عنه لا يبلغ ms1854 عشرا، وأما الحسين فلم ~~ينقل عنه شيء يذكر، وقد أنهى بعضهم الروايات الواردة في التفسير إلى سبعة ~~عشر ألف حديث من طريق الجمهور وحده، وهذه النسبة موجودة في روايات الفقه أيضا. # فهل هذا لأنهم هجروا أهل البيت وأعرضوا عن حديثهم؟ أو لأنهم أخذوا عنهم ~~وأكثروا ثم أخفيت ونسيت في الدولة الأموية لانحراف الأمويين عنهم؟ ما أدري. # غير أن عزلة علي وعدم اشتراكه في جمع القرآن أولا وأخيرا وتاريخ حياة ~~الحسن والحسين (عليهما السلام) يؤيد أول الاحتمالين. # وقد آل أمر حديثه إلى أن أنكر بعض كون ما اشتمل عليه كتاب نهج البلاغة من ~~غرر خطبه من كلامه، وأما أمثال الخطبة البتراء لزياد بن أبيه وخمريات يزيد ~~فلا يكاد يختلف فيها اثنان!. # ولم يزل أهل البيت مضطهدين، مهجورا حديثهم إلى أن انتهض الإمامان: محمد ~~بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في برهة كالهدنة بين ~~الدولة الأموية والدولة العباسية فبينا ما ضاعت من أحاديث آبائهم، وجددا ما ~~اندرست وعفيت من آثارهم. # غير أن حديثهما وغيرهما من آبائهما وأبنائهما من أئمة أهل البيت أيضا لم ~~يسلم من الدخيل ولم يخلص من الدس والوضع كحديث رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقد ذكرا ذلك في الصريح من كلامهما، وعدا رجالا من الوضاعين ~~كمغيرة بن سعيد وابن أبي الخطاب وغيرهما، وأنكر بعض الأئمة روايات كثيرة ~~مروية عنهم وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمروا أصحابهم وشيعتهم ~~بعرض الأحاديث المنقولة عنهم على القرآن وأخذ ما وافقه وترك ما خالفه. # ولكن القوم إلا آحاد منهم لم يجروا عليها عملا في أحاديث أهل البيت ~~(عليهم السلام) وخاصة في غير الفقه، وكان السبيل الذي سلكوه في ذلك هو ~~السبيل الذي سلكه الجمهور في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقد أفرط في الأمر إلى حيث ذهب جمع إلى عدم حجية ظواهر الكتاب وحجية مثل ~~مصباح الشريعة وفقه الرضا وجامع الأخبار! وبلغ الإفراط إلى حيث ذكر بعضهم ~~أن الحديث يفسر القرآن مع مخالفته لصريح دلالته، ms1855 وهذا يوازن ما ذكره بعض ~~الجمهور: أن الخبر ينسخ الكتاب. PageV05P159 # ولعل المتراءى من أمر الأمة لغيرهم من الباحثين كما ذكره بعضهم: "أن أهل ~~السنة أخذوا بالكتاب وتركوا العترة، فآل ذلك إلى ترك الكتاب لقول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنهما لن يفترقا" وأن الشيعة أخذوا بالعترة ~~وتركوا الكتاب، فآل ذلك منهم إلى ترك العترة لقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "إنهما لن يفترقا" فقد تركت الأمة القرآن والعترة الكتاب والسنة معا". # وهذه الطريقة المسلوكة في الحديث أحد العوامل التي عملت في انقطاع رابطة ~~العلوم الإسلامية وهي العلوم الدينية والأدبية عن القرآن مع أن الجميع ~~كالفروع والثمرات من هذه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وذلك أنك إن تبصرت في أمر هذه العلوم وجدت ~~أنها نظمت تنظيما لا حاجة لها إلى القرآن أصلا حتى أنه يمكن لمتعلم أن ~~يتعلمها جميعا: الصرف والنحو والبيان واللغة والحديث والرجال والدراية ~~والفقه والأصول فيأتي آخرها، ثم يتضلع بها ثم يجتهد ويتمهر فيها وهو لم ~~يقرأ القرآن، ولم يمس مصحفا قط، فلم يبق للقرآن بحسب الحقيقة إلا التلاوة ~~لكسب الثواب أو اتخاذه تميمة للأولاد تحفظهم عن طوراق الحدثان! فاعتبر إن ~~كنت من أهله. # ولنرجع إلى ما كنا فيه: كان حال البحث عن القرآن والحديث في عهد عمر ما ~~سمعته، وقد اتسع نطاق المباحث الكلامية في هذا العهد لما أن الفتوحات ~~الوسيعة أفضت بالطبع إلى اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم وأرباب الملل ~~والنحل وفيهم العلماء والأحبار والأساقفة والبطارقة الباحثون في الأديان ~~والمذاهب فارتفع منار الكلام لكن لم يدون بعد تدوينا، فإن ما عد من التآليف ~~فيه إنما ذكر في ترجمات من هو بعد هذا العصر. # ثم كان الأمر على ذلك في عهد عثمان على ما فيه من انقلاب الناس على ~~الخلافة، وإنما وفق لجمع المصاحف، والاتفاق على مصحف واحد. # ثم كان الأمر على ذلك في خلافة علي (عليه السلام) وشغله إصلاح ما فسد من ~~مجتمع المسلمين بالاختلافات الداخلية ms1856 ووقع حروب متوالية في إثر ذلك. # غير أنه (عليه السلام) وضع علم النحو وأملأ كلياته أبا الأسود الدئلي من ~~أصحابه وأمره بجمع جزئيات قواعده، ولم يتأت له وراء ذلك إلا أن ألقى بيانات ~~من خطب وأحاديث فيها جوامع مواد المعارف الدينية وأنفس الأسرار القرآنية، ~~وله مع ذلك احتجاجات كلامية مضبوطة في جوامع الحديث. # ثم كان الأمر على ذلك في خصوص القرآن والحديث في عهد معاوية ومن بعده من ~~الأمويين والعباسيين إلى أوائل القرن الرابع من الهجرة تقريبا وهو آخر عهد ~~الأئمة الاثني عشر عند الشيعة، فلم يحدث في طريق البحث عن القرآن والحديث ~~أمر مهم غير ما كان في عهد معاوية من بذل الجهد في إماتة ذكر أهل البيت ~~(عليهم السلام) وإعفاء أثرهم ووضع الأحاديث، وقد انقلبت الحكومة الدينية ~~إلى سلطنة استبدادية، وتغيرت السنة الإسلامية إلى سيطرة إمبراطورية، وما ~~كان في عهد عمر بن عبد العزيز من أمره بكتابة الحديث، وقد كان المحدثون ~~يتعاطون الحديث إلى هذه الغاية بالأخذ والحفظ من غير تقييد بالكتابة. # وفي هذه البرهة راج الأدب العربي غاية رواجه، شرع ذلك من زمن معاوية فقد ~~كان يبالغ في ترويج الشعر ثم الذين يلونه من الأمويين ثم العباسيين، وكان ~~ربما يبذل بإزاء بيت من الشعر أو نكتة أدبية المئات والألوف من الدنانير، ~~وانكب الناس على الشعر وروايته، وأخبار العرب وأيامهم، وكانوا يكتسبون بذلك ~~الأموال الخطيرة، وكانت الأمويون ينتفعون برواجه وبذل الأموال بحذائه ~~لتحكيم موقعهم تجاه بني هاشم ثم العباسيون تجاه بني فاطمة كما كانوا ~~يبالغون في إكرام العلماء ليظهروا بهم على الناس، ويحملوهم ما شاءوا ~~وتحكموا. # وبلغ من نفوذ الشعر والأدب في المجتمع العلمي أنك ترى كثيرا من العلماء ~~يتمثلون بشعر شاعر أو مثل سائر في مسائل عقلية أو أبحاث علمية ثم يكون له ~~القضاء، وكثيرا ما يبنون المقاصد النظرية على مسائل لغوية ولا أقل من البحث ~~اللغوي في اسم الموضوع أولا ثم الورود في البحث ثانيا، وهذه كلها أمور لها ~~آثار عميقة في منطق الباحثين وسيرهم العلمي. ms1857 PageV05P160 # وفي تلك الأيام راج البحث الكلامي، وكتب فيه الكتب والرسائل، ولم يلبثوا أن ~~تفرقوا فرقتين عظيمتين وهما الأشاعرة والمعتزلة، وكانت أصول أقوالهم موجودة ~~في زمن الخلفاء بل في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدل على ذلك ما ~~روي من احتجاجات علي (عليه السلام) في الجبر والتفويض والقدر والاستطاعة ~~وغيرها، وما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك وإنما امتازت ~~الطائفتان في هذا الأوان بامتياز المسلكين وهو تحكيم المعتزلة ما يستقل به ~~العقل على الظواهر الدينية كالقول بالحسن والقبح العقليين، وقبح الترجيح من ~~غير مرجح، وقبح التكليف بما لا يطاق، والاستطاعة، والتفويض، وغير ذلك، ~~وتحكيم الأشاعرة الظواهر على حكم العقل بالقول بنفي الحسن والقبح، وجواز ~~الترجيح من غير مرجح، ونفي الاستطاعة، والقول بالجبر، وقدم كلام الله، وغير ~~ذلك مما هو مذكور في كتبهم. # ثم رتبوا الفن واصطلحوا الاصطلاحات وزادوا مسائل قابلوا بها الفلاسفة في ~~المباحث المعنوية بالأمور العامة، وذلك بعد نقل كتب الفلسفة إلى العربية ~~وانتشار دراستها بين المسلمين، وليس الأمر على ما ذكره بعضهم: أن التكلم ~~ظهر أو انشعب في الإسلام إلى الاعتزال والأشعرية بعد انتقال الفلسفة إلى ~~العرب، يدل على ذلك وجود معظم مسائلهم وآرائهم في الروايات قبل ذلك. # ولم تزل المعتزلة تتكثر جماعتهم وتزداد شوكتهم وأبهتهم منذ أول الظهور ~~إلى أوائل العهد العباسي أوائل القرن الثالث الهجري ثم رجعوا يسلكون سبيل ~~الانحطاط والسقوط حتى أبادتهم الملوك من بني أيوب فانقرضوا وقد قتل في ~~عهدهم وبعدهم لجرم الاعتزال من الناس ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وعند ذلك ~~صفا جو البحث الكلامي للأشاعرة من غير معارض فتوغلوا فيه بعد ما كان ~~فقهاؤهم يتأثمون بذلك أولا، ولم يزل الأشعرية رائجة عندهم إلى اليوم. # وكان للشيعة قدم في التكلم، كان أول طلوعهم بالتكلم بعد رحلة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وكان جلهم من الصحابة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ~~وعمرو بن الحمق وغيرهم ومن التابعين كرشيد وكميل وميثم وسائر العلويين ~~أبادتهم أيدي الأمويين، ثم تأصلوا ms1858 وقوي أمرهم ثانيا في زمن الإمامين: ~~الباقر والصادق (عليهما السلام) وأخذوا بالبحث وتأليف الكتب والرسائل، ولم ~~يزالوا يجدون الجد تحت قهر الحكومات واضطهادها حتى رزقوا بعض الأمن في ~~الدولة البويهية ثم أخنقوا ثانيا حتى صفا لهم الأمر بظهور الدولة الصفوية ~~في إيران، ثم لم يزالوا على ذلك حتى اليوم. # وكانت سيماء بحثهم في الكلام أشبه بالمعتزلة منها بالأشاعرة، ولذلك ربما ~~اختلط بعض الآراء كالقول بالحسن والقبح ومسألة الترجيح من غير مرجح ومسألة ~~القدر ومسألة التفويض، ولذلك أيضا اشتبه الأمر على بعض الناس فعد الطائفتين ~~أعني الشيعة والمعتزلة ذواتي طريقة واحدة في البحث الكلامي، كفرسي رهان، ~~وقد أخطأ، فإن الأصول المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهي ~~المعتبرة عند القوم لا تلائم مذاق المعتزلة في شيء. # وعلى الجملة فن الكلام فن شريف يذب عن المعارف الحقة الدينية غير أن ~~المتكلمين من المسلمين أساءوا في طريق البحث فلم يميزوا بين الأحكام ~~العقلية واختلط عندهم الحق بالمقبول على ما سيجيء إيضاحه بعض الإيضاح. # وفي هذه البرهة من الزمن نقلت علوم الأوائل من المنطق والرياضيات ~~والطبيعيات والإلهيات والطب والحكمة العملية إلى العربية، نقل شطر منها في ~~عهد الأمويين ثم أكمل في أوائل عهد العباسيين، فقد ترجموا مئات من الكتب من ~~اليونانية والرومية والهندية والفارسية والسريانية إلى العربية، وأقبل ~~الناس يتدارسون مختلف العلوم ولم يلبثوا كثيرا حتى استقلوا بالنظر، وصنفوا ~~فيها كتبا ورسائل، وكان ذلك يغيظ علماء الوقت، ولا سيما ما كانوا يشاهدونه ~~من تظاهر الملاحدة من الدهرية والطبيعية والمانوية وغيرهم على المسائل ~~المسلمة في الدين، وما كان عليه المتفلسفون من المسلمين من الوقيعة في ~~الدين وأهله، وتلقي أصول الإسلام ومعالم الشرع الطاهرة بالإهانة والإزراء ~~ولا داء كالجهل. PageV05P161 # ومن أشد ما كان يغيظهم ما كانوا يسمعونه منهم من القول في المسائل المبتنية ~~على أصول موضوعة مأخوذة من الهيئة والطبيعيات كوضع الأفلاك البطليموسية، ~~وكونها طبيعة خامسة، واستحالة الخرق والالتيام فيها، وقدم الأفلاك ~~والفلكيات بالشخص وقدم العناصر بالنوع، وقدم الأنواع ونحو ذلك فإنها مسائل ~~مبنية على ms1859 أصول موضوعة لم يبرهن عليها في الفلسفة لكن الجهلة من المتفلسفين ~~كانوا يظهرونها في زي المسائل المبرهن عليها، وكانت الدهرية وأمثالهم وهم ~~يومئذ منتحلون إليها يضيفون إلى ذلك أمورا أخرى من أباطيلهم كالقول ~~بالتناسخ ونفي المعاد ولا سيما المعاد الجسماني، ويطعنون بذلك كله في ظواهر ~~الدين وربما قال القائل منهم: إن الدين مجموع وظائف تقليدية أتى بها ~~الأنبياء لتربية العقول الساذجة البسيطة وتكميلها، وأما الفيلسوف المتعاطي ~~للعلوم الحقيقية فهو في غنى عنهم وعما أتوا به، وكانوا ذوي أقدام في طرق ~~الاستدلال. # فدعا ذلك الفقهاء والمتكلمين وحملهم على تجبيههم بالإنكار والتدمير عليهم ~~بأي وسيلة تيسرت لهم من محاجة ودعوة عليهم وبراءة منهم وتكفير لهم حتى ~~كسروا سورتهم وفرقوا جمعهم وأفنوا كتبهم في زمن المتوكل، وكادت الفلسفة ~~تنقرض بعده حتى جدده ثانيا المعلم الثاني أبو نصر الفارابي المتوفى سنة 393 ~~ثم بعده الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا المتوفى سنة 482 ~~ثم غيرهما من معاريف الفلسفة كأبي علي بن مسكويه وابن رشد الأندلسي ~~وغيرهما، ثم لم تزل الفلسفة تعيش على قلة من متعاطيها وتجول بين ضعف وقوة. # وهي وإن انتقلت ابتداء إلى العرب لكن لم يشتهر بها منهم إلا الشاذ النادر ~~كالكندي وابن رشد، وقد استقرت أخيرا في إيران، والمتكلمون من المسلمين وإن ~~خالفوا الفلسفة وأنكروا على أهلها أشد الإنكار لكن جمهورهم تلقوا المنطق ~~بالقبول فألفوا فيها الرسائل والكتب لما وجدوه موافقا لطريق الاستدلال ~~الفطري. # غير أنهم - كما سمعت - أخطئوا في استعماله فجعلوا حكم الحدود الحقيقية ~~وأجزائها مطردا في المفاهيم الاعتبارية، واستعملوا البرهان في القضايا ~~الاعتبارية التي لا مجرى فيها إلا للقياس الجدلي فتراهم يتكلمون في ~~الموضوعات الكلامية كالحسن والقبح والثواب والعقاب والحبط والفضل في ~~أجناسها وفصولها وحدودها، وأين هي من الحد؟ ويستدلون في المسائل الأصولية ~~والمسائل الكلامية من فروع الدين بالضرورة والامتناع. # وذلك من استخدام الحقائق في الأمور الاعتبارية ويبرهنون في أمور ترجع إلى ~~الواجب تعالى بأنه يجب عليه كذا ويقبح منه كذا فيحكمون الاعتبارات على ~~الحقائق، ms1860 ويعدونه برهانا، وليس بحسب الحقيقة إلا من القياس الشعري. # وبلغ الإفراط في هذا الباب إلى حد قال قائلهم: إن الله سبحانه أنزه ساحة ~~من أن يدب في حكمه وفعله الاعتبار الذي حقيقته الوهم فكل ما كونه تكوينا أو ~~شرعه تشريعا أمور حقيقية واقعية، وقال آخر: إن الله سبحانه أقدر من أن يحكم ~~بحكم ثم لا يستطاع من إقامة البرهان عليه، فالبرهان يشمل التكوينيات ~~والتشريعيات جميعا. # إلى غير ذلك من الأقاويل التي هي لعمري من مصائب العلم وأهله، ثم ~~الاضطرار إلى وضعها والبحث عنها في المسفورات العلمية أشد مصيبة. # وفي هذه البرهة ظهر التصوف بين المسلمين، وقد كان له أصل في عهد الخلفاء ~~يظهر في لباس الزهد، ثم بان الأمر بتظاهر المتصوفة في أوائل عهد بني العباس ~~بظهور رجال منهم كأبي يزيد والجنيد والشبلي ومعروف وغيرهم. # يرى القوم أن السبيل إلى حقيقة الكمال الإنساني والحصول على حقائق ~~المعارف هو الورود في الطريقة، وهي نحو ارتياض بالشريعة للحصول على ~~الحقيقة، وينتسب المعظم منهم من الخاصة والعامة إلى علي (عليه السلام). PageV05P162 # وإذا كان القوم يدعون أمورا من الكرامات، ويتكلمون بأمور تناقض ظواهر الدين ~~وحكم العقل مدعين أن لها معاني صحيحة لا ينالها فهم أهل الظاهر ثقل على ~~الفقهاء وعامة المسلمين سماعها فأنكروا ذلك عليهم وقابلوهم بالتبري ~~والتكفير، فربما أخذوا بالحبس أو الجلد أو القتل أو الصلب أو الطرد أو ~~النفي كل ذلك لخلاعتهم واسترسالهم في أقوال يسمونها أسرار الشريعة، ولو كان ~~الأمر على ما يدعون وكانت هي لب الحقيقة وكانت الظواهر الدينية كالقشر ~~عليها وكان ينبغي إظهارها والجهر بها لكان مشرع الشرع أحق برعاية حالها ~~وإعلان أمرها كما يعلنون، وإن لم تكن هي الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال؟. # والقوم لم يدلوا في أول أمرهم على آرائهم في الطريقة إلا باللفظ ثم زادوا ~~على ذلك بعد أن أخذوا موضعهم من القلوب قليلا بإنشاء كتب ورسائل بعد القرن ~~الثالث الهجري، ثم زادوا على ذلك بأن صرحوا بآرائهم في الحقيقة والطريقة ~~جميعا بعد ذلك ms1861 فانتشر منهم ما أنشئوه نظما ونثرا في أقطار الأرض. # ولم يزالوا يزيدون عدة وعدة ووقوعا في قلوب العامة ووجاهة حتى بلغوا غاية ~~أوجهم في القرنين السادس والسابع ثم انتكسوا في المسير وضعف أمرهم وأعرض ~~عامة الناس عنهم. # وكان السبب في انحطاطهم أولا أن شأنا من الشئون الحيوية التي لها مساس ~~بحال عامة الناس إذا اشتد إقبال النفوس عليه وتولع القلوب إليه تاقت إلى ~~الاستدرار من طريقه نفوس وجمع من أرباب المطامع فتزيوا بزيه وظهروا في صورة ~~أهله وخاصته فأفسدوا فيه وتعقب ذلك تنفر الناس عنه. # وثانيا: أن جماعة من مشايخهم ذكروا أن طريقة معرفة النفس طريقة مبتدعة لم ~~يذكرها مشرع الشريعة فيما شرعه إلا أنها طريقة مرضية ارتضاها الله سبحانه ~~كما ارتضى الرهبانية المبتدعة بين النصارى قال تعالى: "ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها": الحديد: 27. # وتلقاه الجمهور منهم بالقبول فأباح ذلك لهم أن يحدثوا للسلوك رسوما ~~وآدابا لم تعهد في الشريعة، فلم تزل تبتدع سنة جديدة وتترك أخرى شرعية، حتى ~~آل إلى أن صارت الشريعة في جانب، والطريقة في جانب، وآل بالطبع إلى انهماك ~~المحرمات وترك الواجبات من شعائر الدين ورفع التكاليف، وظهور أمثال ~~القلندرية ولم يبق من التصوف إلا التكدي واستعمال الأفيون والبنج وهو ~~الفناء. # والذي يقضي به في ذلك الكتاب والسنة - وهما يهديان إلى حكم العقل - هو أن ~~القول بأن تحت ظواهر الشريعة حقائق هي باطنها حق، والقول بأن للإنسان طريقا ~~إلى نيلها حق، ولكن الطريق إنما هو استعمال الظواهر الدينية على ما ينبغي ~~من الاستعمال لا غير، وحاشا أن يكون هناك باطن لا يهدي إليه ظاهر، والظاهر ~~عنوان الباطن وطريقه، وحاشا أن يكون هناك شيء آخر أقرب مما دل عليه شارع ~~الدين غفل عنه أو تساهل في أمره أو أضرب عنه لوجه من الوجوه بالمرة وهو ~~القائل عز من قائل: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل: 89 ~~وبالجملة فهذه طرق ثلاثة في البحث عن الحقائق والكشف عنها: الظواهر الدينية ms1862 ~~وطريق البحث العقلي وطريق تصفية النفس، أخذ بكل منها طائفة من المسلمين على ~~ما بين الطوائف الثلاث من التنازع والتدافع، وجمعهم في ذلك كزوايا المثلث ~~كلما زدت في مقدار واحدة منها نقصت من الأخريين وبالعكس. # وكان الكلام في التفسير يختلف اختلافا فاحشا بحسب اختلاف مشرب المفسرين ~~بمعنى أن النظر العلمي في غالب الأمر كان يحمل على القرآن من غير عكس إلا ما شذ. # وقد عرفت أن الكتاب يصدق من كل من الطرق ما هو حق، وحاشا أن يكون هناك ~~باطن حق ولا يوافقه ظاهره، وحاشا أن يكون هناك حق من ظاهر أو باطن والبرهان ~~الحق يدفعه ويناقضه. # ولذلك رام جمع من العلماء بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم ~~أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والعرفان كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني ~~وابن فهد والشهيد الثاني والفيض الكاشاني. # وآخرون أن يوفقوا بين الفلسفة والعرفان كأبي نصر الفارابي والشيخ ~~السهروردي صاحب الإشراق والشيخ صائن الدين محمد تركه. # وآخرون أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والفلسفة كالقاضي سعيد وغيره. PageV05P163 # وآخرون أن يوفقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه وصدر المتألهين ~~الشيرازي في كتبه ورسائله وعدة ممن تأخر عنه. # ومع ذلك كله فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله ~~إلا شدة في التعرق، ولا في إخماد ناره إلا اشتعالا: ألفيت كل تميمة لا تنفع ~~وأنت لا ترى أهل كل فن من هذه الفنون إلا ترمي غيره بجهالة أو زندقة أو ~~سفاهة رأي، والعامة تتبرأ منهم جميعا. # كل ذلك لما تخلفت الأمة في أول يوم عن دعوة الكتاب إلى التفكر الاجتماعي ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تتفرقوا والكلام ذو شجون. # اللهم اهدنا إلى ما يرضيك عنا واجمع كلمتنا على الحق، وهب لنا من لدنك ~~وليا، وهب لنا من لدنك نصيرا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين ~~لكم كثيرا" الآية: أخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ms1863 ابن عباس قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا ~~يحتسب، قال تعالى: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب" قال: فكان الرجم مما أخفوا. # أقول: إشارة إلى ما سيجيء في تفسير قوله تعالى: "يا أيها الرسول لا ~~يحزنك" إلى آخر الآيات: المائدة: 41 من حديث كتمان اليهود حكم الرجم في عهد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكشفه عن ذلك. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يبين لكم على فترة من الرسل" الآية ~~قال: قال: على انقطاع من الرسل. وفي الكافي، بإسناده عن أبي حمزة ثابت بن ~~دينار الثمالي وأبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة ~~التي حج فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب فنظر ~~إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع: ~~يا أمير المؤمنين من هذا الذي تداك عليه الناس؟ فقال: هذا نبي أهل الكوفة ~~هذا محمد بن علي، فقال: اشهد لآتينه ولأسالنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا ~~نبي أو وصي نبي قال: فاذهب فاسأله لعلك تخجله. فجاء نافع حتى اتكأ على ~~الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي إني قرأت ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك ~~عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي قال فرفع أبو جعفر (عليه السلام) ~~رأسه فقال: سل عما بدا لك فقال: أخبرني كم بين عيسى ومحمد من سنة؟ فقال: ~~أخبرك بقولي أو بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا قال: أما في قولي ~~فخمسمائة سنة، وأما في قولك فستمائة سنة. # أقول: وقد روي في أسباب نزول الآيات، أخبار مختلفة كما رواه الطبري عن ~~عكرمة: أن اليهود سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حكم الرجم ~~فسأل عن أعلمهم فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالله هل يجدون حكم الرجم في ~~كتابهم؟ فقال: ms1864 إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرءوس، فحكم عليهم ~~بالرجم فأنزل الله: "يا أهل الكتاب إلى قوله - صراط مستقيم" وما رواه أيضا ~~عن ابن عباس قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن أبي، وبحري ~~بن عمرو، وشاس بن عدي فكلمهم وكلموه، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا: ~~ما تخوفنا يا محمد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله ~~فيهم: "وقالت اليهود والنصارى" إلى آخر الآية. # وما رواه أيضا عن ابن عباس قال: دعا رسول الله اليهود إلى الإسلام فرغبهم ~~فيه وحذرهم فأبوا عليه؟ فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: ~~يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله لقد كنتم ~~تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة ووهب بن ~~يهودا: ما قلنا لكم هذا، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل ~~بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل الله: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين ~~لكم على فترة" الآية: وقد رواها في الدر المنثور، عنه وعن غيره وروي غير ذلك. # ومضامين الروايات كغالب ما ورد في أسباب نظرية إنما هي تطبيقات للقضايا ~~على مضامين الآيات ثم قضاء بكونها أسبابا للنزول فهي أسباب نظرية والآيات ~~كأنها مطلقة نزولا. PageV05P164 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 20 - 26 # وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العلمين (20) يقوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خسرين (21) ~~قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا دخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ~~ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غلبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين (23) قالوا يموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ~~فقتلا إنا ههنا قعدون (24) قال رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى ms1865 فافرق بيننا ~~وبين القوم الفسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض ~~فلا تأس على القوم الفسقين (26) ### |||| AUTO بيان # الآيات غير خالية عن الاتصال بما قبلها فإنها تشتمل على نقضهم بعض ~~المواثيق المأخوذة عليهم وهو الميثاق بالسمع والطاعة لموسى، وتجبيههم موسى ~~(عليه السلام) بالرد الصريح لما دعاهم إليه وابتلائهم جزاء لذنبهم هذا ~~بالتيه وهو عذاب إلهي. # وفي بعض الأخبار ما يشعر أن هذه الآيات نزلت قبل غزوة بدر في أوائل ~~الهجرة، على ما ستجيء الإشارة إليها في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم" إلى آخر ~~الآية الآيات النازلة في قصص موسى تدل على أن هذه القصة - دعوة موسى إياهم ~~إلى دخول الأرض المقدسة - إنما كانت بعد خروجهم من مصر، كما أن قوله في هذه ~~الآية: "وجعلكم ملوكا" يدل على ذلك أيضا. # ويدل قوله: "وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين" على سبق عدة من الآيات ~~النازلة عليهم كالمن والسلوى وانفجار العيون من الحجارة وإضلال الغمام. # ويدل قوله: "القوم الفاسقين" المتكرر مرتين على تحقق المخالفة ومعصية ~~الرسول منهم قبل القصة مرة بعد مرة حتى عادوا بذلك متلبسين بصفة الفسق. # فهذه قرائن تدل على وقوع القصة أعني قصة التيه في الشطر الأخير من زمان ~~مكث موسى (عليه السلام) فيهم بعد أن بعثه الله تعالى إليهم وأن غالب القصص ~~المقتصة في القرآن عنهم إنما وقعت قبل ذلك. # فقول موسى لهم: "اذكروا نعمة الله عليكم" أريد به مجموع النعم التي أنعم ~~الله بها عليهم، وحباهم بها وإنما بدأ بذلك مقدمة لما سيندبهم إليه من دخول ~~الأرض المقدسة فذكرهم نعم ربهم لينشطوا بذلك لاستزادة النعمة واستتمامها ~~فإن الله قد كان أنعم عليهم ببعثة موسى وهذا يتهم إلى دينه، ونجاتهم من آل ~~فرعون، وإنزال التوراة، وتشريع الشريعة فلم يبق لهم من تمام النعمة إلا أن ~~يمتلكوا أرضا مقدسة يستقلون فيها بالقطون والسؤدد. # وقد قسم النعمة التي ذكرهم بها ثلاثة أقسام حين التفصيل ms1866 فقال: "إذ جعل ~~فيكم أنبياء" وهم الأنبياء الذين في عمود نسبهم كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن ~~بعدهم من الأنبياء، أو خصوص الأنبياء من بني إسرائيل كيوسف أو الأسباط ~~وموسى وهارون، والنبوة نعمة أخرى. # ثم قال: "وجعلكم ملوكا" أي مستقلين بأنفسكم خارجين من ذل استرقاق ~~الفراعنة وتحكم الجبابرة، وليس الملك إلا من استقل في أمر نفسه وأهله ~~وماله، وقد كان بنو إسرائيل في زمن موسى يسيرون بسنة اجتماعية هي أحسن ~~السنن وهي سنة التوحيد التي تأمرهم بطاعة الله ورسوله، والعدل التام في ~~مجتمعهم، وعدم الاعتداء على غيرهم من الأمم من غير أن يتأمر عليهم بعضهم أو ~~يختلف طبقاتهم اختلافا يختل به أمر المجتمع، وما عليهم إلا موسى وهو نبي ~~غير سائر سيرة ملك أو رئيس عشيرة يستعلي عليهم بغير الحق. # وقيل: المراد بجعلهم ملوكا هو ما قدر الله فيهم من الملك الذي يبتدىء من ~~طالوت فداود إلى آخر ملوكهم، فالكلام على هذا وعد بالملك إخبارا بالغيب فإن ~~الملك لم يستقر فيهم إلا بعد موسى بزمان. PageV05P165 # وهذا الوجه لا بأس به لكن لا يلائمه قوله: "وجعلكم ملوكا" ولم يقل: وجعل ~~منكم ملوكا، كما قال: "جعل فيكم أنبياء". ويمكن أن يكون المراد بالملك مجرد ~~ركوز الحكم عند بعض الجماعة فيشمل سنة الشيخوخة، ويكون على هذا موسى (عليه ~~السلام) ملكا وبعده يوشع النبي وقد كان يوسف ملكا من قبل، وينتهي إلى ~~الملوك المعروفين طالوت وداود وسليمان وغيرهم. # هذا، ويرد على هذا الوجه أيضا ما يرد على سابقه. # ثم قال: "وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين" وهي العنايات والألطاف ~~الإلهية التي اقترنت بآيات باهرة قيمة بتعديل حياتهم لو استقاموا على ما ~~قالوا، وداموا على ما واثقوا، وهي الآيات البينات التي أحاطت بهم من كل ~~جانب أيام كانوا بمصر، وبعد إذ نجاهم الله من فرعون وقومه، فلم يتوافر ~~ويتواتر من الآيات المعجزات والبراهين الساطعات والنعم التي يتنعم بها في ~~الحياة على أمة من الأمم الماضية المتقدمة على عهد موسى ما توافرت وتواترت ~~على بني إسرائيل. # وعلى ms1867 هذا فلا وجه لقول بعضهم: إن المراد بالعالمين عالمو زمانهم وذلك أن ~~الآية تنفي أن يكون أمة من الأمم إلى ذلك الوقت أوتيت من النعم ما أوتي بنو ~~إسرائيل، وهو كذلك. # قوله تعالى: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا ~~على أدباركم فتنقلبوا خاسرين" أمرهم بدخول الأرض المقدسة، وكان يستنبط من ~~حالهم التمرد والتأبي عن القبول، ولذلك أكد أمره بالنهي عن الارتداد وذكر ~~استتباعه الخسران. # والدليل على أنه كان يستنبط منهم الرد توصيفه إياهم بالفاسقين بعد ردهم، ~~فإن الرد وهو فسق واحد لا يصحح إطلاق "الفاسقين" عليهم الدال على نوع من ~~الاستمرار والتكرر. # وقد وصف الأرض بالمقدسة، وقد فسروه بالمطهرة من الشرك لسكون الأنبياء ~~والمؤمنين فيها، ولم يرد في القرآن الكريم ما يفسر هذه الكلمة. # والذي يمكن أن يستفاد منه ما يقرب من هذا المعنى قوله تعالى: "إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله": إسراء: 1 وقوله: "وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها": الأعراف: 173 وليست ~~المباركة في الأرض إلا جعل الخير الكثير فيها، ومن الخير الكثير إقامة ~~الدين وإذهاب قذارة الشرك. # وقوله: "كتب الله لكم" ظاهر الآيات أن المراد به قضاء توطنهم فيها، ولا ~~ينافيه قوله في آخرها: "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة" بل يؤكده فإن قوله: ~~"كتب الله لكم" كلام مجمل أبهم فيه ذكر الوقت وحتى الأشخاص، فإن الخطاب ~~للأمة من غير تعرض لحال الأفراد والأشخاص، كما قيل: إن السامعين لهذا ~~الخطاب الحاضرين المكلفين به ماتوا وفنوا عن آخرهم في التيه، ولم يدخل ~~الأرض المقدسة إلا أبناؤهم وأبناء أبنائهم مع يوشع بن نون، وبالجملة لا ~~يخلو قوله: "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة" عن إشعار بأنها مكتوبة لهم بعد ذلك. # وهذه الكتابة هي التي يدل عليها قوله تعالى: "ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض": ~~القصص: 6 وقد كان موسى (عليه السلام) يرجو لهم ذلك بشرط الاستعانة بالله ~~والصبر حيث يقول: "قال ms1868 موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ~~ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف ~~تعملون": الأعراف: 192. وهذا هو الذي يخبر تعالى عن إنجازه بقوله: "وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت ~~كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا": الأعراف: 173 فدلت الآية على ~~أن استيلاءهم على الأرض المقدسة وتوطنهم فيها كانت كلمة إلهية وكتابا وقضاء ~~مقضيا مشترطا بالصبر على الطاعة وعن المعصية، وفي مر الحوادث. # وإنما عممنا الصبر لمكان إطلاق الآية، ولأن الحوادث الشاقة كانت تتراكم ~~عليهم أيام موسى ومعها الأوامر والنواهي الإلهية، وكلما أصروا على المعصية ~~اشتدت عليهم التكاليف الشاقة كما تدل على ذلك أخبارهم المذكورة في القرآن ~~الكريم. PageV05P166 # وهذا هو الظاهر من القرآن في معنى كتابة الأرض المقدسة لهم، والآيات مع ذلك ~~مبهمة في زمان الكتابة ومقدارها غير أن قوله تعالى في ذيل آيات سورة ~~الإسراء: "وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا": إسراء: 8 وكذا قول ~~موسى لهم في ذيل الآية السابقة: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون": الأعراف: 192 وقوله أيضا: "وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم - إلى أن قال - وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ~~ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 وما يناظرها من الآيات تدل على أن ~~هذه الكتابة كتابة مشترطة لا مطلقة غير قابلة للتغير والتبدل. # وقد ذكر بعض المفسرين أن مراد موسى في محكي قوله في الآية: "كتب الله ~~لكم" ما وعد الله إبراهيم (عليه السلام)، ثم ذكر ما في التوراة من وعد الله ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنه سيعطي الأرض لنسلهم، وأطال البحث في ذلك. # ولا يهمنا البحث في ذلك على شريطة الكتاب سواء كانت هذه العدات من ~~التوراة الأصلية أو مما لعبت به يد التحريف فإن القرآن لا يفسر بالتوراة. # قوله تعالى: "قالوا يا موسى ms1869 إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون" قال الراغب: أصل الجبر إصلاح ~~الشيء بضرب من القهر يقال: جبرته فانجبر واجتبر. # قال: وقد يقال الجبر تارة في الإصلاح المجرد نحو قول علي رضي الله عنه: ~~يا جابر كل كسير ويا مسهل كل عسير، ومنه قولهم للخبز: جابر بن حبة، وتارة ~~في القهر المجرد نحو قوله (عليه السلام): لا جبر ولا تفويض، قال: والإجبار ~~في الأصل حمل الغير على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرد فقيل: ~~أجبرته على كذا كقولك: أكرهته. # قال: والجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصة بادعاء منزلة من ~~التعالي لا يستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله عز وجل: "وخاب ~~كل جبار عنيد" وقوله تعالى. # "ولم يجعلني جبارا شقيا" وقوله عز وجل: "إن فيها قوما جبارين" قال: ~~ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل: نخلة جبارة وناقة جبارة انتهى موضع ~~الحاجة. # فظهر أن المراد بالجبارين هم أولو السطوة والقوة من الذين يجبرون الناس ~~على ما يريدون. # وقوله: "وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها" اشتراط منهم خروج القوم ~~الجبارين في دخول الأرض، وحقيقته الرد لأمر موسى وإن وعدوه ثانيا الدخول ~~على الشرط بقولهم: "فإن يخرجوا منها فإنا داخلون". # وقد ورد في عدة من الأخبار في صفة هؤلاء الجبارين من العمالقة وعظم ~~أجسامهم وطول قامتهم أمور عجيبة لا يستطيع ذو عقل سليم أن يصدقها، ولا يوجد ~~في الآثار الأرضية والأبحاث الطبيعية ما يؤيدها فليست إلا موضوعة مدسوسة. # قوله تعالى: "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" إلى آخر الآية ~~ظاهر السياق أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه وأن هناك رجالا كانوا ~~يخافون الله أن يعصوا أمره وأمر نبيه، ومنهم هذان الرجلان اللذان قالا، ما ~~قالا وأنهما كانا يختصان من بين أولئك الذين يخافون بأن الله أنعم عليهما، ~~وقد مر في موارد تقدمت من الكتاب أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن يراد ~~بها الولاية الإلهية فهما كانا ms1870 من أولياء الله تعالى، وهذا في نفسه قرينة ~~على أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه فإن أولياء الله لا يخشون غيره ~~قال تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون": يونس: 62. # ويمكن أن يكون متعلق "أنعم" المحذوف أعني المنعم به هو الخوف، فيكون ~~المراد أن الله أنعم عليهما بمخافته، ويكون حذف مفعول "يخافون" للاكتفاء ~~بذكره في قوله: "أنعم الله عليهما" إذ من المعلوم أن مخافتهما لم يكن من ~~أولئك القوم الجبارين وإلا لم يدعو بني إسرائيل إلى الدخول بقولهما: ~~"ادخلوا عليهم الباب". # وذكر بعض المفسرين: أن ضمير الجمع في "يخافون" عائد إلى بني إسرائيل ~~والضمير العائد إلى الموصول محذوف، والمعنى: وقال رجلان من الذين يخافهم ~~بنو إسرائيل قد أنعم الله على الرجلين بالإسلام، وأيدوه بما نسب إلى ابن ~~جبير من قراءة "يخافون" بضم الياء قالوا. # وذلك أن رجلين من العمالقة كانا قد آمنا بموسى، ولحقا بني إسرائيل ثم ~~قالا لبني إسرائيل ما قالا إراءة لطريق الظفر على العمالقة والاستيلاء على ~~بلادهم وأرضهم. PageV05P167 # وكان هذا التفسير باستناد منهم إلى بعض الأخبار الواردة في تفسير الآيات ~~لكنه من الآحاد المشتملة على ما لا شاهد له من الكتاب وغيره. # وقوله: "ادخلوا عليهم الباب" لعل المراد به أول بلد من بلاد أولئك ~~الجبابرة يلي بني إسرائيل، وقد كان على ما يقال: أريحا، وهذا استعمال شائع ~~أو المراد باب البلدة. # وقوله: "فإذا دخلتموه فإنكم غالبون" وعد منهما لهم بالفتح والظفر على ~~العدو، وإنما أخبرا إخبارا بتيا اتكالا منهما بما ذكره موسى (عليه السلام) ~~أن الله كتب لهم تلك الأرض لإيمانهما بصدق إخباره، أو أنهما عرفا ذلك بنور ~~الولاية الإلهية. # وقد ذكر المعظم من مفسري الفريقين: أن الرجلين هما يوشع بن نون وكالب بن ~~يوفنا وهما من نقباء بني إسرائيل الاثني عشر. # ثم دعواهم إلى التوكل على ربهم بقولهما: "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين" لأن الله سبحانه كافي من توكل عليه وفيه تطييب لنفوسهم وتشجيع لهم. # قوله تعالى: "قالوا يا موسى إنا ms1871 لن ندخلها أبدا ما داموا فيها" الآية ~~تكرارهم قولهم: "إنا لن ندخلها" ثانيا لإيئاس موسى (عليه السلام) من أن يصر ~~على دعوته فيعود إلى الدعوة بعد الدعوة. # وفي الكلام وجوه من الإهانة والإزراء والتهكم بمقام موسى وما ذكرهم به من ~~أمر ربهم ووعده فقد سرد الكلام سردا عجيبا، فهم أعرضوا عن مخاطبة الرجلين ~~الداعيين إلى دعوة موسى (عليه السلام) أولا، ثم أوجزوا الكلام مع موسى بعد ~~ما أطنبوا فيه بذكر السبب والخصوصيات في بادىء كلامهم، وفي الإيجاز بعد ~~الإطناب في مقام التخاصم والتجاوب دلالة على استملال الكلام وكراهة استماع ~~الحديث أن يمضي عليه المتخاصم الآخر. # ثم أكدوا قولهم: "لن ندخلها" ثانيا بقولهم: "أبدا" ثم جرأهم الجهالة على ~~ما هو أعظم من ذلك كله، وهو قولهم مفرعين على ردهم الدعوة: "فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون". وفي الكلام أوضح الدلالة على كونهم مشبهين ~~كالوثنيين، وهو كذلك فإنهم القائلون على ما يحكيه الله سبحانه عنهم في ~~قوله: "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ~~قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون": الأعراف: ~~183 ولم يزالوا على التجسيم والتشبيه حتى اليوم على ما يدل عليه كتبهم ~~الدائرة بينهم. # قوله تعالى: "قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين" السياق يدل على أن قوله: "إني لا أملك إلا نفسي وأخي" كناية عن ~~نفي القدرة على حمل غير نفسه وأخيه على ما أتاهم به من الدعوة. # فإنه إنما كان في مقدرته حمل نفسه على إمضاء ما دعا إليه وحمل أخيه هارون ~~وقد كان نبيا مرسلا وخليفة له في حياته لا يتمرد عن أمر الله سبحانه. # أو إن المراد أنه ليس له قدرة إلا على نفسه ولا لأخيه قدرة إلا كذلك. # وليس مراده نفي مطلق القدرة حتى من حيث إجابة المسئول لإيمان ونحوه حتى ~~ينافي ظاهر سياق الآية أن الرجلين من الذين يخافون وآخرين غيرهما كانوا ~~مؤمنين به مستجيبين لدعوته ms1872 فإنه لم يذكر فيمن يملكه حتى أهله وأهل أخيه مع ~~أن الظاهر أنهم ما كانوا ليتخلفوا عن أوامره. # وذلك أن المقام لا يقتضي إلا ذلك فإنه دعاهم إلى خطب مشروع فأبلغ وأعذر ~~فرد عليه المجتمع الإسرائيلي دعوته أشنع رد وأقبحه، فكان مقتضى هذا الحال ~~أن يقول: رب إني أبلغت وأعذرت ولا أملك في إقامة أمرك إلا نفسي وكذلك أخي، ~~وقد قمنا بما علينا من واجب التكليف ولكن القوم واجهونا بأشد الامتناع، ~~ونحن الآن آيسان منهم، والسبيل منقطع فاحلل أنت هذه العقدة ومهد بربوبيتك ~~السبيل إلى نيل ما وعدته لهم من تمام النعمة وإيراثهم الأرض واستخلافهم ~~فيها، واحكم وافصل بيننا وبين هؤلاء الفاسقين. # وهذا المورد على خلاف جميع الموارد التي عصوا فيها أمر موسى كمسألة ~~الرؤية وعبادة العجل ودخول الباب وقول حطة وغيرها يختص بالرد الصريح من ~~المجتمع الإسرائيلي لأمره من غير أي رفق وملاءمة، ولو تركهم موسى على ~~حالهم، وأغمض عن أمره لبطلت الدعوة من أصلها، ولم يتمش له بعد ذلك أمر ولا ~~نهي وتلاشت بينهم أركان ما أوجده من الوحدة. PageV05P168 # ويتبين بهذا البيان أولا: أن مقتضى هذا الحال أن يتعرض موسى (عليه السلام) ~~في شكواه إلى ربه لحال نفسه وأخيه، وهما المبلغان عن الله تعالى، ولا يتعرض ~~لحال غيرهما من المؤمنين وإن كانوا غير متمردين. # إذ لا شأن لهم في التبليغ والدعوة، والمقام إنما يقتضي التعرض لحال مبلغ ~~الحكم لا العامل الآخذ به المستجيب له. # وثانيا: أن المقام كان يقتضي رجوع موسى (عليه السلام) إلى ربه بالشكوى ~~وهو في الحقيقة استنصار منه في إجراء الأمر الإلهي. # وثالثا: أن قوله: "وأخي" معطوف على الياء في قوله: "إني" والمعنى: وأخي ~~مثلي لا يملك إلا نفسه لا على قوله: "نفسي" فإنه خلاف ما يقتضيه السياق وإن ~~كان المعنى صحيحا على جميع التقادير فإن موسى وهارون كما كانا يملك كل ~~منهما من نفسه الطاعة والامتثال كان موسى يملك من نفس هارون الطاعة لكونه ~~خليفته في حياته، وكذا كانا يملكان ممن أخلص لله من ms1873 المؤمنين السمع ~~والطاعة. # ورابعا: أن قوله: "فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين" ليس دعاء منه على ~~بني إسرائيل بالحكم الفصل المستعقب لنزول العذاب عليهم أو بالتفريق بينهما ~~وبينهم بإخراجهما من بينهم أو بتوفيهما فإنه (عليه السلام) كان يدعوهم إلى ~~ما كتب الله لهم من تمام النعمة، وكان هو الذي كتب الله المن على بني ~~إسرائيل بإنجائهم واستخلافهم في الأرض بيده كما قال تعالى: "ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين": القصص: 5. # وكان بنو إسرائيل يعلمون ذلك منه كما يستفاد من قولهم على ما حكى الله: ~~"قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا" الآية: الأعراف: 192. # ويشهد بذلك أيضا قوله تعالى: "فلا تأس على القوم الفاسقين" فإنه يكشف عن ~~أن موسى (عليه السلام) كان يشفق عليهم من نزول السخط الإلهي، وكان من ~~المترقب أن يحزن بسبب حلول نقمة التيه بهم. # : "قوله تعالى قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس ~~على القوم الفاسقين" الضمير في قوله: "فإنها" راجعة إلى الأرض المقدسة، ~~والمراد بالتحريم التحريم التكويني وهو القضاء، والتيه التحير، واللام في ~~"الأرض" للعهد، وقوله "فلا تأس" نهي من الأسى وهو الحزن، وقد أمضى الله ~~تعالى قول موسى (عليه السلام) حيث وصفهم في دعائه بالفاسقين. # والمعنى: أن الأرض المقدسة أي دخولها وتملكها محرمة عليهم، أي قضينا أن ~~لا يوفقوا لدخولها أربعين سنة يسيرون فيها في الأرض متحيرين لا هم مدنيون ~~يستريحون إلى بلد من البلاد، ولا هم بدويون يعيشون عيشة القبائل والبدويين، ~~فلا تحزن على القوم الفاسقين من نزول هذه النقمة عليهم لأنهم فاسقون لا ~~ينبغي أن يحزن عليهم إذا أذيقوا وبال أمرهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم دابة ~~وامرأة كتب ملكا. وفيه: أخرج أبو داود في مراسله عن زيد بن أسلم: في قوله: ~~"وجعلكم ملوكا" قال: قال ms1874 رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): زوجة ومسكن ~~وخادم. أقول: وروي غير هاتين الروايتين روايات أخرى في هذا المعنى غير أن ~~الآية في سياقها لا تلائم هذا التفسير، فإنه وإن كان من الممكن أن يكون من ~~دأب بني إسرائيل أن يسموا كل من كان له بيت وامرأة وخادم ملكا أو يكتبوه ~~ملكا إلا أن من البديهي أنهم لم يكونوا كلهم حتى الخوادم على هذا النعت ذوي ~~بيوت ونساء وخدام فالكائن منهم على هذه الصفة بعضهم ويماثلهم في ذلك سائر ~~الأمم والأجيال فاتخاذ البيوت والنساء والخدام عادة جارية في جميع الأمم لا ~~يخلو عن ذلك أمة عن الأمم، وإذا كان كذلك لم يكن أمرا يخص بني إسرائيل حتى ~~يمتن الله عليهم في كلامه بأنه جعلهم ملوكا، والآية في مقام الامتنان. # ولعل التنبه على ذلك أوجب وقوع ما وقع في بعض الروايات كما عن قتادة: ~~أنهم أول من ملك الخدم، والتاريخ لا يصدقه. PageV05P169 # وفي أمالي المفيد، بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما ~~انتهى لهم موسى إلى الأرض المقدسة قال لهم: "ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم - ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين" وقد كتبها الله لهم ~~"قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها - فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون - قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ~~ادخلوا عليهم الباب - فإذا دخلتموه فإنكم غالبون - وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين - قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها - فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون - قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي - فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين" فلما أبوا أن يدخلوها حرمها الله عليهم فتاهوا ~~في أربع فراسخ أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين. قال ~~أبو عبد الله (عليه السلام): كانوا إذا أمسوا نادى مناديهم: الرحيل ~~فيرتحلون بالحداء والزجر حتى إذا أسحروا أمر الله الأرض فدارت بهم فيصبحوا ~~في منزلهم الذي ارتحلوا منه ms1875 فيقولون: قد أخطأتم الطريق فمكثوا بهذا أربعين ~~سنة، ونزل عليهم المن والسلوى حتى هلكوا جميعا إلا رجلان: يوشع بن نون ~~وكالب بن يوفنا وأبناؤهم وكانوا يتيهون في نحو أربع فراسخ فإذا أرادوا أن ~~يرتحلوا يبست ثيابهم عليهم وخفافهم. قال: وكان معهم حجر إذا نزلوا ضربه ~~موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين، فإذا ارتحلوا رجع ~~الماء إلى الحجر ووضع الحجر على الدابة، الحديث. # أقول: والروايات فيما يقرب من هذه المعاني كثيرة من طرق الشيعة وأهل ~~السنة وقوله في الرواية: وقال أبو عبد الله إلخ رواية أخرى، وهذه الروايات ~~وإن اشتملت في معنى التيه وغيره على أمور لا يوجد في كلامه تعالى ما تتأيد ~~به لكنها مع ذلك لا تشتمل على شيء مما يخالف الكتاب، وأمر بني إسرائيل في ~~زمن موسى (عليه السلام) كان عجيبا تحتف بحياتهم خوارق العادة من كل ناحية ~~فلا ضير في أن يكون تيههم على هذا النحو المذكور في الروايات. # وفي تفسير العياشي، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه ~~سئل عن قول: "ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" قال: كتبها لهم ثم ~~محاها ثم كتبها لأبنائهم فدخلوها والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب. # أقول. # وروي هذا المعنى أيضا عن إسماعيل الجعفي عنه (عليه السلام) وعن زرارة ~~وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام). # وقد قاس (عليه السلام) الكتابة بالنسبة إلى السامعين لخطاب موسى (عليه ~~السلام) بدخول الأرض، وإلى الداخلين فيها فأنتج البداء في خصوص المكتوب لهم ~~فلا ينافي ذلك ظاهر سياق الآية أن المكتوب لهم هم الداخلون، وإنما حرموا ~~الدخول أربعين سنة ورزقوه بعدها فإن الخطاب في الآية متوجه بحسب المعنى إلى ~~المجتمع الإسرائيلي فيتحد عليه المكتوب لهم الدخول مع الداخلين لكونهم ~~جميعا أمة واحدة كتب لها الدخول إجمالا ثم حرمت الدخول مدة ورزقته بعدها ~~ولا بداء على هذا وإن كان بالنظر إلى خصوص الأشخاص بداء. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد ms1876 عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مات داود النبي يوم ~~السبت مفجوا فأظلته الطير بأجنحتها، ومات موسى كليم الله في التيه فصاح ~~صائح من السماء مات موسى وأي نفس لا تموت. PageV05P170 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 27 - 32 # واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الاخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت ~~إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العلمين ~~(28) إنى أريد أن تبوأ بإثمى وإثمك فتكون من أصحب النار وذلك جزؤا الظلمين ~~(29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخسرين (30) فبعث الله غرابا ~~يبحث فى الأرض ليريه كيف يورى سوءة أخيه قال يويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب فأورى سوءة أخى فأصبح من الندمين (31) من أجل ذلك كتبنا على بنى ~~إسرءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا ~~منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون (32) ### |||| AUTO بيان # الآيات تنبىء عن قصة ابني آدم، وتبين أن الحسد ربما يبلغ بابن آدم إلى ~~حيث يقتل أخاه ظالما فيصبح من الخاسرين ويندم ندامة لا يستتبع نفعا، وهي ~~بهذا المعنى ترتبط بما قبلها من الكلام على بني إسرائيل واستنكافهم عن ~~الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن إباءهم عن قبول الدعوة ~~الحقة لم يكن إلا حسدا وبغيا، وهذا شأن الحسد يبعث الإنسان إلى قتل أخيه ثم ~~يوقعه في ندامة وحسرة لا مخلص عنها أبدا، فليعتبروا بالقصة ولا يلحوا في ~~حسدهم ثم في كفرهم ذاك الإلحاح. # قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق" الآية التلاوة من التلو وهي ~~القراءة سميت بها لأن القارىء للنبأ يأتي ببعض أجزائه في تلو بعض آخر. # والنبأ هو الخبر إذا كان ذا جدوى ونفع. # والقربان ما يتقرب به إلى ms1877 الله سبحانه أو إلى غيره، وهو في الأصل مصدر لا ~~يثنى ولا يجمع. # والتقبل هو القبول بزيادة عناية واهتمام بالمقبول والضمير في قوله ~~"عليهم" لأهل الكتاب لما مر من كونهم هم المقصودين في سرد الكلام. # والمراد بهذا المسمى بآدم هو آدم الذي يذكر القرآن أنه أبو البشر، وقد ~~ذكر بعض المفسرين أنه كان رجلا من بني إسرائيل تنازع ابناه في قربان قرباه ~~فقتل أحدهما الآخر، وهو قابيل أو قايين قتل هابيل ولذلك قال تعالى بعد سرد ~~القصة: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل. # وهو فاسد أما أولا: فلأن القرآن لم يذكر ممن سمي بآدم إلا الذي يذكر أنه ~~أبو البشر، ولو كان المراد بما في الآية غيره لكان من اللازم نصب القرينة ~~على ذلك لئلا يبهم أمر القصة. # وأما ثانيا فلأن بعض ما ذكر من خصوصيات القصة كقوله: "فبعث الله غرابا" ~~إنما يلائم حال الإنسان الأولي الذي كان يعيش على سذاجة من الفكر وبساطة من ~~الإدراك، يأخذ باستعداده الجبلي في ادخار المعلومات بالتجارب الحاصلة من ~~وقوع الحوادث الجزئية حادثة بعد حادثة، فالآية ظاهرة في أن القاتل ما كان ~~يدري أن الميت يمكن أن يستر جسده بمواراته في الأرض، وهذه الخاصة إنما ~~تناسب حال ابن آدم أبي البشر لا حال رجل من بني إسرائيل، وقد كانوا أهل ~~حضارة ومدنية بحسب حالهم في قوميتهم لا يخفى على أحدهم أمثال هذه الأمور قطعا. # وأما ثالثا فلأن قوله: ولذلك قال تعالى بعد تمام القصة - من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل، يريد به الجواب عن سؤال أورد على الآية، وهو أنه ما ~~وجه اختصاص الكتابة ببني إسرائيل مع أن الذي تقتضيه القصة - وهو الذي كتبه ~~الله - يعم حال جميع البشر، من قتل منهم نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن ~~أحيا منهم نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا. PageV05P171 # فأجاب القائل بقوله ولذلك قال تعالى إلخ إن القاتل والمقتول لم يكونا ابني ~~آدم أبي البشر حتى تكون قصتهما مشتملة على حادثة من الحوادث الأولية بين ~~النوع ms1878 الإنساني فيكون عبرة يعتبر بها كل من جاء بعدهما، وإنما هما ابنا رجل ~~من بني إسرائيل وكان نبأهما من الأخبار القومية الخاصة ولذلك أخذ عبرة ~~مكتوبة لخصوص بني إسرائيل. # لكن ذلك لا يحسم مادة الإشكال فإن السؤال بعد باق على حاله فإن كون قتل ~~الواحد بمنزلة قتل الجميع وإحياء الواحد بمنزلة إحياء الجميع معنى يرتبط ~~بكل قتل وقع بين هذا النوع من غير اختصاصه ببعض دون بعض، وقد وقع ما لا ~~يحصى من القتل قبل بني إسرائيل، وقبل هذا القتل الذي يشير إليه، فما باله ~~رتب على قتل خاص وكتب على قوم خاص؟. # على أن الأمر لو كان كما يقول كان الأحسن أن يقال: من قتل منكم نفسا إلخ ~~ليكون خاصا بهم، ثم يعود السؤال في هذا التخصيص مع عدم استقامته في نفسه. # والجواب عن أصل الإشكال أن الذي يشتمل عليه قوله: "إنه من قتل نفسا بغير ~~نفس" الآية حكمة بالغة وليس بحكم مشرع فالمراد بالكتابة عليهم بيان هذه ~~الحكمة لهم مع عموم فائدتها لهم ولغيرهم كالحكم والمواعظ التي بينت في ~~القرآن لأمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع عدم انحصار فائدتها فيهم. # وإنما ذكر في الآية أنه بينه لهم لأن الآيات مسوقة لعظتهم وتنبيههم ~~وتوبيخهم على ما حسدوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصروا في العناد ~~وإشعال نار الفتن والتسبيب إلى القتال ومباشرة الحروب على المسلمين، ولذلك ~~ذيل قوله: "من قتل نفسا" إلخ بقوله: "ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون" على أن أصل القصة على النحو الذي ~~ذكره لا مأخذ له رواية ولا تاريخا. # فتبين أن قوله: "نبأ ابني آدم بالحق" يراد به قصة ابني آدم أبي البشر، ~~وتقييد الكلام بقوله: "بالحق" - وهو متعلق بالنبأ أو بقوله "واتل" - لا ~~يخلو عن إشعار أو دلالة على أن المعروف الدائر بينهم من النبإ لا يخلو من ~~تحريف وسقط، وهو كذلك فإن القصة موجودة في الفصل الرابع من سفر التكوين من ~~التوراة، وليس ms1879 فيها خبر بعث الغراب وبحثه في الأرض، والقصة مع ذلك صريحة في ~~تجسم الرب تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وقوله: "إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر" ظاهر السياق ~~أن كل واحد منهما قدم إلى الرب تعالى شيئا يتقرب به وإنما لم يثن لفظ ~~القربان لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى ولا يجمع. # وقوله: "قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين" القائل الأول هو ~~القاتل والثاني هو المقتول، وسياق الكلام يدل على أنهما علما تقبل قربان ~~أحدهما وعدم تقبله من الآخر، وأما أنهما من أين علما ذلك؟ أو بأي طريق ~~استدلوا عليه؟ فالآية ساكتة عن ذلك. # غير أنه ذكر في موضع من كلامه تعالى: أنه كان من المعهود عند الأمم ~~السابقة أو عند بني إسرائيل خاصة تقبل القربان المتقرب به بأكل النار إياه ~~قال تعالى: "الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين": آل عمران: 138 والقربان معروف عند أهل الكتاب ~~إلى هذا اليوم فمن الممكن أن يكون التقبل للقربان في هذه القصة أيضا على ~~ذلك النحو، وخاصة بالنظر إلى إلقاء القصة إلى أهل الكتاب المعتقدين لذلك، ~~وكيف كان فالقاتل والمقتول جميعا كانا يعلمان قبوله من أحدهما ورده من الآخر. # ثم السياق يدل أيضا على أن القائل "لأقتلنك" هو الذي لم يتقبل قربانه، ~~وأنه إنما قال ذلك حسدا من نفسه إذ لم يكن هناك سبب آخر، ولا أن المقتول ~~كان قد أجرم إجراما باختيار منه حتى يواجه بمثل هذا القول ويهدد بالقتل. # فقول القاتل: "لأقتلنك" تهديد بالقتل حسدا لقبول قربان المقتول دون ~~القاتل فقول المقتول: "إنما يتقبل الله من المتقين" إلى آخر ما حكى الله ~~تعالى عنه جواب عما قاله القاتل فيذكر له أولا: أن مسألة قبول القربان وعدم ~~قبوله لا صنع له في ذلك ولا إجرام، وإنما الإجرام من قبل القاتل حيث لم يتق ms1880 ~~الله فجازاه الله بعدم قبول قربانه. PageV05P172 # وثانيا: أن القاتل لو أراد قتله وبسط إليه يده لذلك ما هو بباسط يده إليه ~~ليقتله لتقواه وخوفه من الله سبحانه، وإنما يريد على هذا التقدير أن يرجع ~~القاتل وهو يحمل إثم المقتول وإثم نفسه فيكون من أصحاب النار وذلك جزاء ~~الظالمين. # فقوله: "إنما يتقبل الله من المتقين" مسوق لقصر الإفراد للدلالة على أن ~~التقبل لا يشمل قربان التقي وغير التقي جميعا، أو لقصر القلب كأن القاتل ~~كان يزعم أنه سيتقبل قربانه دون قربان المقتول زعما منه أن الأمر لا يدور ~~مدار التقوى أو أن الله سبحانه غير عالم بحقيقة الحال، يمكن أن يشتبه عليه ~~الأمر كما ربما يشتبه على الإنسان. # وفي الكلام بيان لحقيقة الأمر في تقبل العبادات والقرابين، وموعظة وبلاغ ~~في أمر القتل والظلم والحسد، وثبوت المجازاة الإلهية وأن ذلك من لوازم ~~ربوبية رب العالمين فإن الربوبية لا تتم إلا بنظام متقن بين أجزاء العالم ~~يؤدي إلى تقدير الأعمال بميزان العدل وجزاء الظلم بالعذاب الأليم ليرتدع ~~الظالم عن ظلمه أو يجزى بجزائه الذي أعده لنفسه وهو النار. # قوله تعالى: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك" إلخ اللام ~~للقسم، وبسط اليد إليه كناية عن الأخذ بمقدمات القتل وإعمال أسبابه، وقد ~~أتى في جواب الشرط بالنفي الوارد على الجملة الإسمية، وبالصفة بباسط دون ~~الفعل وأكد النفي بالباء ثم الكلام بالقسم، كل ذلك للدلالة على أنه بمراحل ~~من البعد من إرادة قتل أخيه، لا يهم به ولا يخطر بباله. # وأكد ذلك كله بتعليل ما ادعاه من قوله: "ما أنا بباسط يدي" إلخ: "بقوله ~~إني أخاف الله رب العالمين" فإن ذكر المتقين لربهم وهو الله رب العالمين ~~الذي يجازي في كل إثم بما يتعقبه من العذاب ينبه في نفوسهم غريزة الخوف من ~~الله تعالى، ولا يخليهم وإن يرتكبوا ظلما يوردهم مورد الهلكة. # ثم ذكر تأويل قوله: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي" إلخ ~~بمعنى حقيقة هذا الذي أخبر به، ms1881 ومحصله أن الأمر على هذا التقدير يدور بين ~~أن يقتل هو أخاه فيكون هو الظالم الحامل للإثم الداخل في النار، أو يقتله ~~أخوه فيكون هو كذلك، وليس يختار قتل أخيه الظالم على سعادة نفسه وليس ~~بظالم، بل يختار أن يشقى أخوه الظالم بقتله ويسعد هو وليس بظالم، وهذا هو ~~المراد بقوله: "إني أريد، إلخ" كنى بالإرادة عن الاختيار على تقدير دوران الأمر. # فالآية في كونها تأويلا لقوله: "لئن بسطت إلي يدك" إلخ كالذي وقع في قصة ~~موسى وصاحبه حين قتل غلاما لقياه فاعترض عليه موسى بقوله: "أقتلت نفسا زكية ~~بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا" فنبأه صاحبه بتأويل ما فعل بقوله: "وأما ~~الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما": الكهف: 81. # فقد أراد المقتول أي اختار الموت مع السعادة وإن استلزم شقاء أخيه بسوء ~~اختياره على الحياة مع الشقاء والدخول في حزب الظالمين، كما اختار صاحب ~~موسى موت الغلام مع السعادة وإن استلزم الحزن والأسى من أبويه على حياته ~~وصيرورته طاغيا كافرا يضل بنفسه ويضل أبويه، والله يعوضهما منه من هو خير ~~منه زكاة وأقرب رحما. # والرجل أعني ابن آدم المقتول من المتقين العلماء بالله، أما كونه من ~~المتقين فلقوله: "إنما يتقبل الله من المتقين" المتضمن لدعوى التقوى، وقد ~~أمضاها الله تعالى بنقله من غير رد، وأما كونه من العلماء بالله فلقوله: ~~"إني أخاف الله رب العالمين" فقد ادعى مخافة الله وأمضاها الله سبحانه منه، ~~وقد قال تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء": فاطر: 28 فحكايته تعالى ~~قوله: "إني أخاف الله رب العالمين" وإمضاؤه له توصيف له بالعلم كما وصف ~~صاحب موسى أيضا بالعلم إذ قال: "وعلمناه من لدنا علما": الكهف: 65. PageV05P173 # وكفى له علما ما خاطب به أخاه الباغي عليه من الحكمة البالغة والموعظة ~~الحسنة فإنه بين عن طهارة طينته وصفاء فطرته: أن البشر ستكثر عدتهم ثم ~~تختلف بحسب الطبع البشري جماعتهم فيكون منهم متقون وآخرون ظالمون، وأن لهم ms1882 ~~جميعا ولجميع العالمين ربا واحدا يملكهم ويدبر أمرهم، وأن من التدبير ~~المتقن أن يحب ويرتضي العدل والإحسان، ويكره ويسخط الظلم والعدوان ولازمه ~~وجوب التقوى ومخافة الله على الإنسان وهو الدين، فهناك طاعات وقربات ومعاصي ~~ومظالم، وأن الطاعات والقربات إنما تتقبل إذا كانت عن تقوى، وأن المعاصي ~~والمظالم آثام يحملها الظالم، ومن لوازمه أن تكون هناك نشأة أخرى فيها ~~الجزاء، وجزاء الظالمين النار. # وهذه - كما ترى - أصول المعارف الدينية ومجامع علوم المبدأ والمعاد ~~أفاضها هذا العبد الصالح إفاضة ضافية لأخيه الجاهل الذي لم يكن يعرف أن ~~الشيء يمكن أن يتوارى عن الأنظار بالدفن حتى تعلمه من الغراب، وهو لم يقل ~~لأخيه حينما كلمه: إنك إن أردت أن تقتلني ألقيت نفسي بين يديك ولم أدافع عن ~~نفسي ولا أتقي القتل، وإنما قال: ما كنت لأقتلك. # ولم يقل: إني أريد أن أقتل بيدك على أي تقدير لتكون ظالما فتكون من أصحاب ~~النار فإن التسبيب إلى ضلال أحد وشقائه في حياته ظلم وضلال في شريعة الفطرة ~~من غير اختصاص بشرع دون شرع، وإنما قال: إني أريد ذلك وأختاره على تقدير ~~بسطك يدك لقتلي. # ومن هنا يظهر اندفاع ما أورد على القصة: أنه كما أن القاتل منهما أفرط ~~بالظلم والتعدي كذلك المقتول قصر بالتفريط والانظلام حيث لم يخاطبه ولم ~~يقابله بالدفاع عن نفسه بل سلم له أمر نفسه وطاوعه في إرادة قتله حيث قال ~~له: "لئن بسطت إلي يدك" إلخ. # وجه الاندفاع أنه، لم يقل: إني لا أدافع عن نفسي وأدعك وما تريد مني ~~وإنما قال: لست أريد قتلك، ولم يذكر في الآية أنه قتل ولم يدافع عن نفسه ~~على علم منه بالأمر فلعله قتله غيلة أو قتله وهو يدافع أو يحترز. # وكذا ما أورد عليها أنه ذكر إرادته تمكين أخيه من قتله ليشقى بالعذاب ~~الخالد ليكون هو بذلك سعيدا حيث قال: "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون ~~من أصحاب النار" كبعض المتقشفين من أهل العبادة والورع حيث يرى أن الذي ~~عليه هو التزهد ms1883 والتعبد، وإن ظلمه ظالم أو تعدى عليه متعد حمل الظالم وزر ~~ظلمه، وليس عليه من الدفاع عن حقه إلا الصبر والاحتساب. # وهذا من الجهل، فإنه من الإعانة على الإثم، وهي توجب اشتراك المعين ~~والمعان في الإثم جميعا لا انفراد الظالم بحمل الاثنين معا. # وجه الاندفاع: أن قوله: "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، قول على تقدير ~~بالمعنى الذي تقدم بيانه. # وقد أجيب عن الإشكالين ببعض وجوه سخيفة لا جدوى في ذكرها. # قوله تعالى: "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار"، أي ~~ترجع بإثمي وإثمك كما فسره بعضهم، وقال الراغب في مفرداته: أصل البواء ~~مساواة الأجزاء في المكان خلاف النبوة الذي هو منافاة الأجزاء يقال: مكان ~~بواء إذا لم يكن نابئا بنازلة، وبوأت له مكانا: سويته فتبوء - إلى أن قال - ~~وقوله: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي تقيم بهذه الحالة. # قال: أنكرت باطلها وبؤت بحقها. # انتهى وعلى هذا فتفسيره بالرجوع تفسير بلازم المعنى. # والمراد بقوله: "أن تبوء بإثمي وإثمك" أن ينتقل إثم المقتول ظلما إلى ~~قاتله على إثمه الذي كان له فيجتمع عليه الإثمان، والمقتول يلقى الله ~~سبحانه ولا إثم عليه، فهذا ظاهر قوله: "أن تبوء بإثمي وإثمك" وقد ورد بذلك ~~الروايات والاعتبار العقلي يساعد عليه. # وقد تقدم شطر من البحث فيه في الكلام على أحكام الأعمال في الجزء الثاني ~~من الكتاب. PageV05P174 # والإشكال عليه بأن لازمه جواز مؤاخذة الإنسان بذنب غيره، والعقل يحكم ~~بخلافه، وقد قال تعالى: "لا تزر وازرة وزر أخرى": النجم: 38. مدفوع بأن ذلك ~~ليس من أحكام العقل النظري حتى يختم عليه باستحالة الوقوع، بل من أحكام ~~العقل العملي التي تتبع مصالح المجتمع الإنساني في ثبوتها وتغيرها، ومن ~~الجائز أن يعتبر المجتمع الفعل الصادر عن أحد فعلا صادرا عن غيره ويكتبه ~~عليه ويؤاخذه به، أو الفعل الصادر عنه غير صادر عنه كما إذا قتل إنسانا ~~وللمجتمع على المقتول حقوق كان يجب أن يستوفيها منه، فمن الجائز أن يستوفي ~~المجتمع حقوقه من القاتل، وكما إذا بغى ms1884 على المجتمع بالخروج والإفساد ~~والإخلال بالأمن العام فإن للمجتمع أن يعتبر جميع الحسنات الباغي كأن لم ~~تكن، إلى غير ذلك. # ففي هذه الموارد وأمثالها لا يرى المجتمع السيئات التي صدرت من المظلوم ~~إلا أوزارا للظالم، وإنما تزر وازرته وزر نفسها لا وزر غيرها، لأنها ~~تملكتها من الغير بما أوقعته عليه من الظلم والشر نظير ما يبتاع الإنسان ما ~~يملكه غيره بثمن، فكما أن تصرفات المالك الجديد لا تمنع لكون المالك الأول ~~مالكا للعين زمانا لانتقالها إلى غيره ملكا، كذلك لا يمنع قوله: "لا تزر ~~وازرة وزر أخرى" مؤاخذة النفس القاتلة بسيئة بمجرد أن النفس الوازرة كانت ~~غيرها زمانا، ولا أن قوله: "لا تزر وازرة وزر أخرى" يبقى بلا فائدة ولا أثر ~~بسبب جواز انتقال الوزر بسبب جديد كما لا يبقى قوله (عليه السلام): "لا يحل ~~مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه" بلا فائدة بتجويز انتقال الملك ببيع ونحوه. # وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد بقوله: "بإثمي وإثمك" بإثم قتلي إن ~~قتلتني وإثمك الذي كنت أثمته قبل ذلك كما نقل عن ابن مسعود وابن عباس ~~وغيرهما، أو أن المراد بإثم قتلي وإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك كما ~~نقل عن الجبائي والزجاج، أو أن معناه بإثم قتلي وإثمك الذي هو قتل جميع ~~الناس كما نقل عن آخرين. # وهذه وجوه ذكروها ليس على شيء منها من جهة اللفظ دليل، ولا يساعد عليه ~~اعتبار. # على أن المقابلة بين الإثمين مع كونهما جميعا للقاتل ثم تسمية أحدهما ~~بإثم المقتول وغيره بإثم القاتل خالية عن الوجه. # قوله تعالى: "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" قال ~~الراغب في مفرداته: الطوع الانقياد ويضاده الكره، والطاعة مثله لكن أكثر ما ~~يقال في الايتمار لما أمر والارتسام فيما رسم، وقوله: فطوعت له نفسه نحو ~~أسمحت له قرينته وانقادت له وسولت، وطوعت أبلغ من أطاعت وطوعت له نفسه ~~بإزاء قولهم: تابت عن كذا نفسه. # انتهى ملخصا. # وليس مراده أن طوعت مضمن معنى انقادت أو سولت بل ms1885 يريد أن التطويع يدل على ~~التدريج كالإطاعة على الدفعة، كما هو الغالب في بابي الإفعال والتفعيل ~~فالتطويع في الآية اقتراب تدريجي للنفس من الفعل بوسوسة بعد وسوسة وهمامة ~~بعد همامة تنقاد لها حتى تتم لها الطاعة الكاملة فالمعنى: انقادت له نفسه ~~وأطاعت أمره إياها بقتل أخيه طاعة تدريجية، فقوله: "قتل أخيه" من وضع ~~المأمور به موضع الأمر كقولهم: أطاع كذا في موضع: أطاع الأمر بكذا. # وربما قيل: إن قوله: طوعت بمعنى زينت فقوله: "قتل أخيه" مفعول به، وقيل: ~~بمعنى طاوعت أي طاوعت له نفسه في قتل أخيه، فالقتل منصوب بنزع الخافض، ~~ومعنى الآية ظاهر. # وربما استفيد من قوله: "فأصبح من الخاسرين" أنه إنما قتله ليلا، وفيه كما ~~قيل: إن أصبح - وهو مقابل أمسى - وإن كان بحسب أصل معناه يفيد ذلك لكن عرف ~~العرب يستعمله بمعنى صار من غير رعاية أصل اشتقاقه، وفي القرآن شيء كثير من ~~هذا القبيل كقوله: "فأصبحتم بنعمته إخوانا": آل عمران: 130 وقوله: "فيصبحوا ~~على ما أسروا في أنفسهم نادمين": المائدة: 52 فلا سبيل إلى إثبات إرادة ~~المعنى الأصلي في المقام. # قوله تعالى: "فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه" ~~البحث طلب الشيء في التراب ثم يقال: بحثت عن الأمر بحثا كذا في المجمع،. # والمواراة: الستر، ومنه التواري للتستر، والوراء لما خلف الشيء. # والسوأة ما يتكرهه الإنسان. # والويل الهلاك. # ويا ويلتا كلمة تقال عند الهلكة، والعجز مقابل الاستطاعة. PageV05P175 # والآية بسياقها تدل على أن القاتل قد كان بقي زمانا على تحير من أمره، وكان ~~يحذر أن يعلم به غيره، ولا يدري كيف الحيلة إلى أن لا يظفروا بجسده حتى بعث ~~الله الغراب، ولو كان بعث الغراب وبحثه وقتله أخاه متقاربين لم يكن وجه ~~لقوله: "يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب". وكذا المستفاد من السياق ~~أن الغراب دفن شيئا في الأرض بعد البحث فإن ظاهر الكلام أن الغراب أراد ~~إراءة كيفية المواراة لا كيفية البحث، ومجرد البحث ما كان يعلمه كيفية ~~المواراة وهو ms1886 في سذاجة الفهم بحيث لم ينتقل ذهنه بعد إلى معنى البحث، فكيف ~~كان ينتقل من البحث إلى المواراة ولا تلازم بينهما بوجه؟ فإنما انتقل إلى ~~معنى المواراة بما رأى أن الغراب بحث في الأرض ثم دفن فيها شيئا. # والغراب من بين الطير من عادته أنه يدخر بعض ما اصطاده لنفسه بدفنه في ~~الأرض وبعض ما يقتات بالحب ونحوه من الطير وإن كان ربما بحث في الأرض لكنه ~~للحصول على مثل الحبوب والديدان لا للدفن والإدخار. # وما تقدم من إرجاع ضمير الفاعل في "ليريه" إلى الغراب هو الظاهر من ~~الكلام لكونه هو المرجع القريب، وربما قيل: إن الضمير راجع إلى الله ~~سبحانه، ولا بأس به لكنه لا يخلو عن شيء من البعد، والمعنى صحيح على ~~التقديرين، وأما قوله: "قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب"، فإنما ~~قاله لأنه استسهل ما رأى من حيلة الغراب للمواراة فإنه وجد نفسه تقدر على ~~إتيان مثل ما أتى به الغراب من البحث ثم التوسل به إلى المواراة لظهور ~~الرابطة بين البحث والمواراة، وعند ذلك تأسف على ما فاته من الفائدة، وندم ~~على إهماله في التفكر في التوسل إلى المواراة حتى يستبين له أن البحث هو ~~الوسيلة القريبة إليه، فأظهر هذه الندامة بقوله: "يا ويلتا أعجزت أن أكون ~~مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي" وهو تخاطب جار بينه وبين نفسه على طريق ~~الاستفهام الإنكاري، والتقدير أن يستفهم منكرا: أعجزت أن تكون مثل هذا ~~الغراب فتواري سوأة أخيك؟ فيجاب: لا. # ثم يستفهم ثانيا استفهاما إنكاريا فيقال: فلم غفلت عن ذلك ولم تتوسل ~~إليها بهذه الوسيلة على ظهورها وأشقيت نفسك في هذه المدة من غير سبب؟ ولا ~~جواب عن هذه المسألة، وفيه الندامة فإن الندامة تأثر روحي خاص من الإنسان ~~وتألم باطني يعرضه من مشاهدته إهماله شيئا من الأسباب المؤدية إلى فوت ~~منفعة أو حدوث مضرة، وإن شئت فقل هي تأثر الإنسان العارض له من تذكره ~~إهماله في الاستفادة من إمكان من الإمكانات. # وهذا حال الإنسان ms1887 إذا أتى من المظالم بما يكره أن يطلع عليه الناس فإن ~~هذه أمور لا يقبلها المجتمع بنظامه الجاري فيه، المرتبط بعض أجزائه ببعض ~~فلا بد أن يظهر أثر هذه الأمور المنافية له وإن خفيت على الناس في أول ~~حدوثها، والإنسان الظالم المجرم يريد أن يجبر النظام على قبوله وليس بقابل ~~نظير أن يأكل الإنسان أو يشرب شيئا من السم وهو يريد أن يهضمه جهاز هضمه ~~وليس بهاضم، فهو وإن أمكن وروده في باطنه لكن له موعدا لن يخلفه ومرصدا لن ~~يتجاوزه، وإن ربك لبالمرصاد. # وعند ذلك يظهر للإنسان نقص تدبيره في بعض ما كان يجب عليه مراقبته ~~ورعايته فيندم لذلك، ولو عاد فأصلح هذا الواحد فسد آخر ولا يزال الأمر على ~~ذلك حتى يفضحه الله على رءوس الأشهاد. # وقد اتضح بما تقدم من البيان: أن قوله: "فأصبح من النادمين" إشارة إلى ~~ندامته على عدم مواراته سوأة أخيه، وربما أمكن أن يقال: إن المراد به ندمه ~~على أصل القتل وليس ببعيد. # كلام في معنى الإحساس والتفكير # هذا الشطر من قصة ابني آدم أعني قوله تعالى: "فبعث الله غرابا يبحث في ~~الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين" آية واحدة في القرآن لا نظيرة ~~لها من نوعها وهي تمثل حال الإنسان في الانتفاع بالحس، وأنه يحصل خواص ~~الأشياء من ناحية الحس، ثم يتوسل بالتفكر فيها إلى أغراضه ومقاصده في ~~الحياة على نحو ما يقضي به البحث العلمي أن علوم الإنسان ومعارفه تنتهي إلى ~~الحس خلافا للقائلين بالتذكر والعلم الفطري. PageV05P176 # وتوضيحه أنك إذا راجعت الإنسان فيما عنده من الصور العلمية من تصور أو ~~تصديق جزئي أو كلي وبأي صفة كانت علومه وإدراكاته وجدت عنده وإن كان من ~~أجهل الناس وأضعفهم فهما وفكرا صورا كثيرة وعلوما جمة لا تكاد تنالها يد ~~الإحصاء بل لا يحصيها إلا رب العالمين. # ومن المشهود من أمرها على كثرتها وخروجها عن طور الإحصاء والتعديد أنها ms1888 ~~لا تزال تزيد وتنمو مدة الحياة الإنسانية في الدنيا، ولو تراجعنا القهقرى ~~وجدناها تنقص ثم تنقص حتى تنتهي إلى الصفر، وعاد الإنسان وما عنده شيء من ~~العلم بالفعل قال تعالى: "علم الإنسان ما لم يعلم": العلق: 5. # وليس المراد بالآية أنه تعالى يعلمه ما لم يعلم وأما ما علمه فهو فيه في ~~غنى عن تعليم ربه فإن من الضروري أن العلم في الإنسان أيا ما كان هو ~~لهدايته إلى ما يستكمل به في وجوده وينتفع به في حياته، والذي تسير إليه ~~أقسام الأشياء غير الحية بالانبعاثات الطبيعية تسير وتهتدي أقسام الموجودات ~~الحية - ومنها الإنسان - إليه بنور العلم فالعلم من مصاديق الهدى. # وقد نسب الله سبحانه مطلق الهداية إلى نفسه حيث قال: "الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى": طه: 50 وقال: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 وقال ~~وهو بوجه من الهداية بالحس والفكر: "أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر": ~~النمل: 63 وقد مر شطر من الكلام في معنى الهداية في بعض المباحث السابقة، ~~وبالجملة لما كان كل علم هداية وكل هداية فهي من الله كان كل علم للإنسان ~~بتعليمه تعالى. # ويقرب من قوله: "علم الإنسان ما لم يعلم" قوله: "والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة": النحل: 78. # والتأمل في حال الإنسان والتدبر في الآيات الكريمة يفيدان أن علم الإنسان ~~النظري أعني العلم بخواص الأشياء وما يستتبعه من المعارف العقلية يبتدىء من ~~الحس فيعلمه الله من طريقه خواص الأشياء كما يدل عليه قوله: "فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه" الآية. # فنسبة بعث الغراب لإراءة كيفية المواراة إلى الله سبحانه نسبة تعليم ~~كيفية المواراة إليه تعالى بعينه فالغراب وإن كان لا يشعر بأن الله سبحانه ~~هو الذي بعثه، وكذلك ابن آدم لم يكن يدري أن هناك مدبرا يدبر أمر تفكيره ~~وتعلمه، وكانت سببية الغراب وبحثه بالنسبة إلى تعلمه بحسب النظر الظاهري ~~سببية اتفاقية كسائر الأسباب الاتفاقية التي تعلم الإنسان ms1889 طرق تدبير المعاش ~~والمعاد، لكن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان وساقه إلى كمال العلم لغاية ~~حياته، ونظم الكون نوع نظم يؤديه إلى الاستكمال بالعلم بأنواع من التماس ~~والتصاك تقع بينه وبين أجزاء الكون، فيتعلم بها الإنسان ما يتوسل به إلى ~~أغراضه ومقاصده من الحياة فالله سبحانه هو الذي يبعث الغراب وغيره إلى عمل ~~يتعلم به الإنسان شيئا فهو المعلم للإنسان. # ولهذا المعنى نظائر في القرآن كقوله تعالى: "وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله": المائدة: 4 عد ما علموه وعلموه مما علمهم الله ~~وإنما تعلموه من سائر الناس أو ابتكروه بأفكار أنفسهم، وقوله: "واتقوا الله ~~ويعلمكم الله": البقرة: 228 وإنما كانوا يتعلمونه من الرسول، وقوله: "ولا ~~يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله": البقرة: 228 وإنما تعلم الكاتب ما علمه ~~بالتعلم من كاتب آخر مثله إلا أن جميع ذلك أمور مقصودة في الخلق والتدبير ~~فما حصل من هذه الأسباب من فائدة العلم الذي يستكمل به الإنسان فالله ~~سبحانه هو معلمه بهذه الأسباب كما أن المعلم من الإنسان يعلم بالقول ~~والتلقين، والكاتب من الإنسان يعلم غيره بالقول والقلم مثلا. # وهذا هو السبيل في جميع ما يسند إليه تعالى في عالم الأسباب فالله تعالى ~~هو خالقه وبينه وبين مخلوقة أسباب هي الأسباب بحسب الظاهر وهي أدوات وآلات ~~لوجود الشيء، وإن شئت فقل: هي من شرائط وجود الشيء الذي تعلق وجوده من جميع ~~جهاته وأطرافه بالأسباب، فمن شرائط وجود زيد "الذي ولده عمرو وهند" أن ~~يتقدمه عمرو وهند وازدواج وتناكح بينهما، وإلا لم يوجد زيد المفروض، ومن ~~شرائط "الإبصار بالعين الباصرة" أن تكون قبله عين باصرة، وهكذا. PageV05P177 # فمن زعم أنه يوحد الله سبحانه بنفي الأسباب وإلغائها، وقدر أن ذلك أبلغ في ~~إثبات قدرته المطلقة ونفي العجز عنه، وزعم أن إثبات ضرورة تخلل الأسباب قول ~~بكونه تعالى مجبرا على سلوك سبيل خاص في الإيجاد فاقدا للاختيار فقد ناقض ~~نفسه من حيث لا يشعر. # وبالجملة فالله سبحانه هو الذي علم الإنسان خواص ms1890 الأشياء التي تنالها ~~حواسه نوعا من النيل، علمه إياها من طريق الحواس، ثم سخر له ما في الأرض ~~والسماء جميعا، قال تعالى: "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا ~~منه": الجاثية: 13. # وليس هذا التسخير إلا لأن يتوسل بنوع من التصرف فيها إلى بلوغ أغراضه ~~وأمانيه في الحياة أي أنه جعلها مرتبطة بوجوده لينتفع بها، وجعله متفكرا ~~يهتدي إلى كيفية التصرف والاستعمال والتوسل، ومن الدليل على ذلك قوله ~~تعالى: "ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره": ~~الحج: 65، وقوله تعالى: "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون": الزخرف: ~~12، وقوله تعالى: "عليها وعلى الفلك تحملون": غافر: 80 وغير ذلك من الآيات ~~المشابهة لها فانظر إلى لسان الآيات كيف نسبت جعل الفلك إلى الله سبحانه ~~وهو من صنع الإنسان، ثم نسب الحمل إليه تعالى وهو من صنع الفلك والأنعام ~~ونسب جريانها في البحر إلى أمره وهو مستند إلى جريان البحر أو هبوب الريح ~~أو البخار ونحوه، وسمي ذلك كله تسخيرا منه للإنسان لما أن لإرادته نوع ~~حكومة في الفلك وما يناظرها من الأنعام وفي الأرض والسماء تسوقها إلى ~~الغايات المطلوبة له. # وبالجملة هو سبحانه أعطاه الفكر على الحس ليتوسل به إلى كماله المقدر له ~~بسبب علومه الفكرية الجارية في التكوينيات أعني العلوم النظرية. # قال تعالى: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون": النحل: 78 ~~وأما العلوم العملية وهي التي تجري فيما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي فإنما ~~هي بإلهام من الله سبحانه من غير أن يوجدها حس أو عقل نظري، قال تعالى: ~~"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من ~~دساها": الشمس: 10 وقال: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30 فعد العلم بما ينبغي ~~فعله وهو الحسنة وما لا ينبغي فعله وهو السيئة مما يحصل له بالإلهام الإلهي ~~وهو القذف في القلب. # فجميع ما يحصل للإنسان ms1891 من العلم إنما هي هداية إلهية وبهداية إلهية، غير ~~أنها مختلفة بحسب النوع: فما كان من خواص الأشياء الخارجية فالطريق الذي ~~يهدي به الله سبحانه الإنسان هو طريق الحس، وما كان من العلوم الكلية ~~الفكرية فإنما هي بإعطاء وتسخير إلهي من غير أن يبطله وجود الحس أو يستغني ~~الإنسان عنها في حال من الأحوال، وما كان من العلوم العملية المتعلقة بصلاح ~~الأعمال وفسادها وما هو تقوى أو فجور فإنما هي بإلهام إلهي بالقذف في ~~القلوب وقرع باب الفطرة. # والقسم الثالث الذي يرجع بحسب الأصل إلى إلهام إلهي إنما ينجح في عمله ~~ويتم في أثره إذا صلح القسم الثاني ونشأ على صحة واستقامة كما أن العقل ~~أيضا إنما يستقيم في عمله إذا استقام الإنسان في تقواه ودينه الفطري، قال ~~تعالى: "وما يذكر إلا أولوا الألباب: آل عمران: 7 وقال تعالى: "وما يتذكر ~~إلا من ينيب": غافر: 13 وقال تعالى: "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة": الأنعام: 101 وقال تعالى: "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه": البقرة: 103 أي لا يترك مقتضيات الفطرة إلا من فسد عقله فسلك ~~غير سبيله. # والاعتبار يساعد هذا التلازم الذي بين العقل والتقوى، فإن الإنسان إذا ~~أصيب في قوته النظرية فلم يدرك الحق حقا أو لم يدرك الباطل باطلا فكيف يلهم ~~بلزوم هذا أو اجتناب ذاك؟ كمن يرى أن ليس وراء الحياة المادية المعجلة شيء ~~فإنه لا يلهم التقوى الديني الذي هو خير زاد للعيشة الآخرة. # وكذلك الإنسان إذا فسد دينه الفطري ولم يتزود من التقوى الديني لم تعتدل ~~قواه الداخلية المحسة من شهوة أو غضب أو محبة أو كراهة وغيرها، ومع اختلال ~~أمر هذه القوى لا تعمل قوة الإدراك النظرية عملها عملا مرضيا. PageV05P178 # والبيانات القرآنية تجري في بث المعارف الدينية وتعليم الناس العلم النافع ~~هذا المجرى، وتراعي الطرق المتقدمة التي عينتها للحصول على المعلومات، فما ~~كان من الجزئيات التي لها خواص تقبل الإحساس فإنها تصريح فيها إلى الحواس ~~كالآيات المشتملة ms1892 على قوله: "ألم تر أفلا يرون أفرأيتم، أفلا تبصرون" وغير ~~ذلك وما كان من الكليات العقلية مما يتعلق بالأمور الكلية المادية أو التي ~~هي وراء عالم الشهادة فإنها تعتبر فيها العقل اعتبارا جازما وإن كانت غائبة ~~عن الحس خارجة عن محيط المادة والماديات، كغالب الآيات الراجعة إلى المبدأ ~~والمعاد المشتملة على أمثال قوله: "لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون، لقوم ~~يتذكرون، يفقهون، وغيرها، وما كان من القضايا العملية التي لها مساس بالخير ~~والشر والنافع والضار في العمل والتقوى والفجور فإنها تستند فيها إلى ~~الإلهام الإلهي بذكر ما بتذكره يشعر الإنسان بإلهامه الباطني كالآيات ~~المشتملة على مثل قوله: "ذلكم خير لكم، فإنه آثم قلبه، فيهما إثم، والإثم ~~والبغي بغير الحق، إن الله لا يهدي" وغيرها، وعليك بالتدبر فيها. # ومن هنا يظهر أولا: أن القرآن الكريم يخطىء طريق الحسيين وهم المعتمدون ~~على الحس والتجربة، النافون للأحكام العقلية الصرفة في الأبحاث العلمية، ~~وذلك أن أول ما يهتم القرآن به في بيانه هو أمر توحيد الله عز اسمه، ثم ~~يرجع إليه ويبتنى عليه جميع المعارف الحقيقية التي يبينها ويدعو إليها. # ومن المعلوم أن التوحيد أشد المسائل ابتعادا من الحس، وبينونة للمادة ~~وارتباطا بالأحكام العقلية الصرفة. # والقرآن يبين أن هذه المعارف الحقيقية من الفطرة قال: "فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: 30 أي ~~إن الخلقة الإنسانية نوع من الإيجاد يستتبع هذه العلوم والإدراكات، ولا ~~معنى لتبديل خلق إلا أن يكون نفس التبديل أيضا من الخلق والإيجاد، وأما ~~تبديل الإيجاد المطلق أي إبطال حكم الواقع فلا يتصور له معنى فلن يستطيع ~~الإنسان، وحاشا ذلك أن يبطل علومه الفطرية، ويسلك في الحياة سبيلا آخر غير ~~سبيلها البتة، وأما الانحراف المشهود عن أحكام الفطرة فليس إبطالا لحكمها ~~بل استعمالا لها في غير ما ينبغي من نحو الاستعمال نظير ما ربما يتفق أن ~~الرامي لا يصيب الهدف في رميته فإن آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعة بالطبع ~~للإصابة إلا أن الاستعمال يوقعها في ms1893 الغلط، والسكاكين والمناشير والمثاقب ~~والإبر وأمثالها إذا عبئت في الماكينات تعبئة معوجة تعمل عملها الذي فطرت ~~عليه بعينه من قطع أو نشر أو ثقب وغير ذلك لكن لا على الوجه المقصود، وأما ~~الانحراف عن العمل الفطري كان يخاط بنشر المنشار، بأن يعوض المنشار فعل ~~الإبرة من فعل نفسه، فيضع الخياطة موضع النشر، فمن المحال ذلك. # وهذا ظاهر لمن تأمل عامة ما استدل به القوم على صحة طريقهم كقولهم: إن ~~الأبحاث العقلية المحضة، والقياسات المؤلفة من مقدمات بعيدة من الحس يكثر ~~وقوع الخطإ فيها كما يدل عليه كثرة الاختلافات في المسائل العقلية المحضة ~~فلا ينبغي الاعتماد عليها لعدم اطمينان النفس إليها. # وقولهم في الاستدلال على صحة طريق الحس والتجربة: أن الحس آلة لنيل خواص ~~الأشياء بالضرورة وإذا أحس بأثر في موضوع من الموضوعات على شرائط مخصوصة ثم ~~تكرر مشاهدة الأثر معه مع حفظ تلك الشرائط بعينها من غير تخلف واختلاف كشف ~~ذلك عن أن هذا الأثر خاصة الموضوع من غير اتفاق لأن الاتفاق لا يدوم البتة. # والدليلان كما ترى سيقا لإثبات وجوب الاعتماد على الحس والتجربة ورفض ~~السلوك العقلي المحض مع كون المقدمات المأخوذة فيهما جميعا مقدمات عقلية ~~خارجة عن الحس والتجربة ثم أريد بالأخذ بهذه المقدمات العقلية إبطال الأخذ ~~بها، وهذا هو الذي تقدم أن الفطرة لن تبطل البتة وإنما يغلط الإنسان في ~~كيفية استعمالها!. # وأفحش من ذلك استعمال التجربة في تشخيص الأحكام المشرعة والقوانين ~~الموضوعة كأن يوضع حكم ثم يجري بين الناس يختبر بذلك حسن أثره بإحصاء ونحوه ~~فإن غلب على موارد جريانه حسن النتيجة أخذ حكما ثابتا جاريا وإلا ألقى في ~~جانب وأخذ آخر كذلك وهكذا، ونظيره فيه جعل الحكم بقياس أو استحسان. PageV05P179 # والقرآن يبطل ذلك كله بإثبات أن الأحكام المشرعة فطرية بينة، والتقوى ~~والفجور العامين إلهاميان علميان، وأن تفاصيلها مما يجب أخذه من ناحية ~~الوحي، قال تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم": إسراء: 36 وقال: "ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان": البقرة: 186 والقرآن يسمى الشريعة المشرعة ms1894 حقا قال ~~تعالى: "أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": ~~البقرة: 231 وقال: "وإن الظن لا يغني من الحق شيئا": النجم: 28 وكيف يغني ~~وفي اتباعه مخافة الوقوع في خطر الباطل وهو الضلال؟ قال: "فما ذا بعد الحق ~~إلا الضلال": يونس: 32 وقال: "فإن الله لا يهدي من يضل": النحل: 37 أي إن ~~الضلال لا يصلح طريقا يوصل الإنسان إلى خير وسعادة فمن أراد أن يتوسل بباطل ~~إلى حق أو بظلم إلى عدل أو بسيئة إلى حسنة أو بفجور إلى تقوى فقد أخطأ ~~الطريق، وطمع من الصنع والإيجاد الذي هو الأصل للشرائع والقوانين فيما لا ~~يسمح له بذلك البتة، ولو أمكن ذلك لجرى في خواص الأشياء المتضادة، وتكفل ~~أحد الضدين ما هو من شأن الآخر من العمل والأثر. # وكذلك القرآن يبطل طريق التذكر الذي فيه إبطال السلوك العلمي الفكري وعزل ~~منطق الفطرة، وقد تقدم الكلام في ذلك. # وكذلك القرآن يحظر على الناس التفكر من غير مصاحبة تقوى الله سبحانه، وقد ~~تقدم الكلام فيه أيضا في الجملة، ولذلك ترى القرآن فيما يعلم من شرائع ~~الدين يشفع الحكم الذي يبينه بفضائل أخلاقية وخصال حميدة تستيقظ بتذكرها في ~~الإنسان غريزة تقواه، فيقوى على فهم الحكم وفقهه، واعتبر ذلك في أمثال قوله ~~تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون": البقرة: 223 وقوله ~~تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان ~~إلا على الظالمين": البقرة: 139 وقوله تعالى: "وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون": العنكبوت: 45. # قوله تعالى: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا" في المجمع:، الأجل في اللغة الجناية، انتهى. ms1895 # وقال الراغب في المفردات:، الأجل الجناية التي يخاف منها آجلا، فكل أجل ~~جناية وليس كل جناية أجلا. # يقال: فعلت ذلك من أجله، انتهى. # ثم استعمل للتعليل، يقال: فعلته من أجل كذا أي إن كذا سبب فعلي، ولعل ~~استعمال الكلمة في التعليل ابتدأ أولا في مورد الجناية والجريرة كقولنا: ~~أساء فلان ومن أجل ذلك أدبته بالضرب أي إن ضربي ناش من جنايته وجريرته التي ~~هي إساءته أو من جناية هي إساءته، ثم أرسلت كلمة تعليل فقيل: أزورك من أجل ~~حبي لك ولأجل حبي لك. # وظاهر السياق أن الإشارة بقوله: "من أجل ذلك" إلى نبأ ابني آدم المذكور ~~في الآيات السابقة أي إن وقوع تلك الحادثة الفجيعة كان سببا لكتابتنا على ~~بني إسرائيل كذا وكذا، وربما قيل: إن قوله: "من أجل ذلك" متعلق بقوله في ~~الآية السابقة: "فأصبح من النادمين" أي كان ذلك سببا لندامته، وهذا القول ~~وإن كان في نفسه غير بعيد كما في قوله تعالى: "كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى" الآية: البقرة: 202 ~~إلا أن لازم ذلك كون قوله: "كتبنا على بني إسرائيل" إلخ مفتتح الكلام ~~والمعهود من السياقات القرآنية أن يؤتى في مثل ذلك بواو الاستيناف كما في ~~آية البقرة المذكورة آنفا وغيرها. # وأما وجه الإشارة في قوله: "من أجل ذلك" إلى قصة ابني آدم فهو أن القصة ~~تدل على أن من طباع هذا النوع الإنساني أن يحمله اتباع الهوى والحسد الذي ~~هو الحنق للناس بما ليس في اختيارهم أن يحمله أوهن شيء على منازعة الربوبية ~~وإبطال غرض الخلقة بقتل أحدهم أخاه من نوعه وحتى شقيقه لأبيه وأمه. PageV05P180 # فأشخاص الإنسان إنما هم أفراد نوع واحد وأشخاص حقيقة فاردة، يحمل الواحد ~~منهم من الإنسانية ما يحمله الكثيرون، ويحمل الكل ما يحمله البعض وإنما ~~أراد الله سبحانه بخلق الأفراد وتكثير النسل أن تبقى هذه الحقيقة التي ليس ~~من شأنها أن تعيش إلا زمانا يسيرا، ويدوم بقاؤها فيخلف اللاحق السابق ويعبد ~~الله سبحانه في ms1896 أرضه، فإفناء الفرد بالقتل إفساد في الخلقة وإبطال لغرض ~~الله سبحانه في الإنسانية المستبقاة بتكثير الأفراد بطريق الاستخلاف كما ~~أشار إليه ابن آدم المقتول فيما خاطب أخاه: "ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ~~إني أخاف الله رب العالمين" فأشار إلى أن القتل بغير الحق منازعة الربوبية. # فلأجل أن من طباع الإنسان أن يحمله أي سبب واه على ارتكاب ظلم يئول بحسب ~~الحقيقة إلى إبطال حكم الربوبية وغرض الخلقة في الإنسانية العامة، وكان من ~~شأن بني إسرائيل ما ذكره الله سبحانه قبل هذه الآيات من الحسد والكبر ~~واتباع الهوى وإدحاض الحق وقد قص قصصهم بين الله لهم حقيقة هذا الظلم ~~الفجيع ومنزلته بحسب الدقة، وأخبرهم بأن قتل الواحد عنده بمنزلة قتل ~~الجميع، وبالمقابلة إحياء نفس واحدة عنده بمنزلة إحياء الجميع. # وهذه الكتابة وإن لم تشتمل على حكم تكليفي لكنها مع ذلك لا تخلو عن تشديد ~~بحسب المنزلة والاعتبار، وله تأثير في إثارة الغضب والسخط الإلهي في دنيا ~~أو آخرة. # وبعبارة مختصرة: معنى الجملة أنه لما كان من طباع الإنسان أن يندفع بأي ~~سبب واه إلى ارتكاب هذا الظلم العظيم، وكان من أمر بني إسرائيل ما كان، ~~بينا لهم منزلة قتل النفس لعلهم يكفون عن الإسراف ولقد جاءتهم رسلنا ~~بالبينات ثم إنهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون. # وأما قوله: "إنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا" استثنى سبحانه قتل النفس بالنفس وهو القود والقصاص وهو قوله تعالى: ~~"كتب عليكم القصاص في القتلى": البقرة: 187 وقتل النفس بالفساد في الأرض، ~~وذلك قوله في الآية التالية: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا" الآية. # وأما المنزلة التي يدل عليها قوله: "فكأنما" إلخ فقد تقدم بيانه أن الفرد ~~من الإنسان من حيث حقيقته المحمولة له التي تحيا وتموت إنما يحمل الإنسانية ~~التي هي حقيقة واحدة في جميع الأفراد والبعض والكل، والفرد الواحد والأفراد ~~الكثيرون فيه واحد، ولازم هذا المعنى أن يكون قتل النفس الواحدة بمنزلة ms1897 قتل ~~نوع الإنسان وبالعكس إحياء النفس الواحدة بمنزلة إحياء الناس جميعا، وهو ~~الذي تفيده الآية الشريفة. # وربما أشكل على الآية أولا: بأن هذا التنزيل يفضي إلى نقض الغرض فإن ~~الغرض بيان أهمية قتل النفس وعظمته من حيث الإثم والأثر، ولازمه أن تزيد ~~الأهمية كلما زاد عدد القتل، وتنزيل الواحد منزلة الجميع يوجب أن لا يقع ~~بإزاء الزائد على الواحد شيء فإن من قتل عشرا كان الواحدة من هذه المقاتل ~~تعد قتل الجميع، وتبقى الباقي وليس بإزائه شيء. # ولا يندفع الإشكال بأن يقال: إن قتل العشرة يعدل عشرة أضعاف قتل الجميع ~~وإن قتل الجميع يعدل قتل الجميع بعدد الجميع لأن مرجعه إلى المضاعفة في عدد ~~العقاب، واللفظ لا يفي ببيان ذلك. # على أن الجميع مؤلف من آحاد كل واحد منها يعدل الجميع المؤلف من الآحاد ~~كذلك، ويذهب إلى ما لا نهاية له، ولا معنى للجميع بهذا المعنى، إذ لا فرد ~~واحد له فلا جميع من غير آحاد. # على أن الله تعالى يقول: "من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها": الأنعام: ~~106 وثانيا: بأن كون قتل الواحد يعدل قتل الجميع إن أريد به قتل الجميع ~~الذي يشتمل على هذا الواحد كان لازمه مساواة الواحد مجموع نفسه وغيره وهو ~~محال بالبداهة، وإن أريد به قتل الجميع باستثناء هذا الواحد كان معناه من ~~قتل نفسا فكأنما قتل غيرها من النفوس، وهو معنى رديء مفسد للغرض من الكلام ~~وهو بيان غاية أهمية هذا الظلم. # على أن إطلاق قوله: "فكأنما قتل الناس جميعا" من غير استثناء يدفع هذا ~~الاحتمال. # ولا يندفع هذا الإشكال بمثل قولهم: إن المراد هو المعادلة من حيث العقوبة ~~أو مضاعفة العذاب ونحو ذلك وهو ظاهر. PageV05P181 # والجواب عن الإشكالين: أن قوله: "من قتل نفسا - إلى قوله - فكأنما قتل ~~الناس جميعا" كناية عن كون الناس جميعا ذوي حقيقة واحدة إنسانية متحدة ~~فيها، الواحد منهم والجميع فيها سواء، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد ~~منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع كالماء إذا وزع بين ms1898 أواني كثيرة فمن ~~شرب من أحد الآنية فقد شرب الماء، وقد قصد الماء من حيث إنه ماء - وما في ~~جميع الآنية لا يزيد على الماء من حيث إنه ماء - فكأنه شرب الجميع، فجملة: ~~"من قتل، إلخ" كناية في صورة التشبيه، والإشكالان مندفعان، فإن بناءهما على ~~كون التشبيه بسيطا يزيد فيه وجه الشبه على حسب زيادة المشبه عددا إذ لو سوي ~~حينئذ بين الواحد والجميع فسد المعنى وعرض الإشكال كما لو قيل: الواحد من ~~القوم كالواحد من الأسد والواحد منهم كالجميع في البطش والبسالة. # وأما قوله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" فالكلام فيه ~~كالكلام في الجملة السابقة، والمراد بالإحياء ما يعد في عرف العقلاء إحياء ~~كإنقاذ الغريق وإطلاق الأسير، وقد عد الله تعالى في كلامه الهداية إلى الحق ~~إحياء قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس": الأنعام: 122 فمن دل نفسا إلى الإيمان فقد أحياها. # وأما قوله تعالى: "ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات" فهو معطوف على صدر الآية ~~أي ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات يحذرونهم القتل وكل ما يلحق به من وجوه ~~الفساد في الأرض. # وأما قوله تعالى: "ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون" فهو متمم ~~للكلام، بانضمامه إليه يستنتج الغرض المطلوب من البيان، وهو ظهور أنهم قوم ~~مفسدون مصرون على استكبارهم وعتوهم فلقد بينا لهم منزلة القتل وجاءتهم ~~رسلنا فيها وفي غيرها بالبينات، وبينوا لهم وحذروهم وهم مع ذلك لم ينتهوا ~~عن إصرارهم على العتو والاستكبار فأسرفوا في الأرض قديما ولا يزالون ~~يسرفون. # والإسراف الخروج عن القصد وتجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ~~يغلب عليه الاستعمال في مورد الإنفاق كقوله تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما": الفرقان: 67 على ما ذكره الراغب في ~~المفردات،. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: لما قرب ابنا آدم القربان فتقبل من أحدهما ولم ms1899 يتقبل من ~~الآخر قال: تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل دخله من ذلك حسد شديد، وبغى ~~على هابيل، ولم يزل يرصده ويتبع خلوته حتى ظفر به متنحيا من آدم فوثب عليه ~~وقتله، فكان من قصتهما ما قد أنبأ الله في كتابه مما كان بينهما من ~~المحاورة قبل أن يقتله، الحديث. # أقول: والرواية من أحسن الروايات الواردة في القصة وهي رواية طويلة يذكر ~~(عليه السلام) فيها: تولد هبة الله شيث لآدم بعد ذلك ووصيته له وجريان أمر ~~الوصية بين الأنبياء، وسننقلها إن شاء الله في موضع يناسبها، وظاهرها أن ~~قابيل إنما قتل هابيل غيلة من غير أن يمكنه من نفسه، كما هو المناسب ~~للاعتبار، وقد تقدم في البيان المتقدم. # واعلم: أن الذي ضبطته الروايات من اسم الابنين: هابيل وقابيل، والذي في ~~التوراة الدائرة: هابيل وقايين. # ولا حجة في ذلك لانتهاء سند التوراة إلى واحد مجهول الحال مع ما هي عليه ~~من التحريف الظاهر. PageV05P182 # وفي تفسير القمي، قال: حدثنا أبي عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن ~~أبي حمزة الثمالي، عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) يحدث رجالا من قريش قال: لما قربا ابنا آدم القربان قرب أحدهما ~~أسمن كبش كان في صيانته، وقرب الآخر ضغثا من سنبل فتقبل من صاحب الكبش وهو ~~هابيل، ولم يتقبل من الآخر، فغضب قابيل، فقال لهابيل: والله لأقتلنك، فقال ~~هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ~~فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين. فطوعت له نفسه قتل أخيه فلم يدر ~~كيف يقتله حتى جاء إبليس فعلمه فقال: ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه فلما قتله ~~لم يدر ما يصنع به، فجاء غرابان فأقبلا يتضاربان حتى اقتتلا فقتل أحدهما ~~صاحبه، ثم حفر الذي بقي في الأرض بمخالبه، ودفن فيه صاحبه، قال قابيل: يا ~~ويلتا أعجزت أن أكون ms1900 مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين، ~~فحفر له حفيرة ودفنه فيها فصارت سنة يدفنون الموتى. فرجع قابيل إلى أبيه ~~فلم ير معه هابيل فقال له آدم: أين تركت ابني؟ قال له قابيل: أرسلتني عليه ~~راعيا؟ فقال آدم: انطلق معي إلى مكان القربان، وأوجس نفس آدم بالذي فعل ~~قابيل، فلما بلغ مكان القربان استبان له قتله، فلعن آدم الأرض التي قبلت دم ~~هابيل، وأمر آدم أن يلعن قابيل، ونودي قابيل من السماء لعنت كما قتلت أخاك، ~~ولذلك لا تشرب الأرض الدم. فانصرف آدم يبكي على هابيل أربعين يوما وليلة ~~فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فأوحى الله إليه أني واهب لك ذكرا يكون ~~خلفا عن هابيل فولدت حواء غلاما زكيا مباركا فلما كان في اليوم السابع أوحى ~~الله إليه: يا آدم إن هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله فسماه آدم هبة الله. # أقول: الرواية من أوسط الروايات الواردة في القصة وما يلحق بها وهي مع ~~ذلك لا تخلو عن تشويش في متنها حيث إن ظاهرها أن قابيل أوعد هابيل بالقتل ~~ثم لم يدر كيف يقتل؟ وهو معنى غير معقول إلا أن يراد أنه تحير في أنه أي ~~سبب من أسباب القتل؟ يختاره لقتله فأشار إليه إبليس - لعنه الله - أن يشدخ ~~رأسه بالحجارة، وهناك روايات أخر مروية من طرق أهل السنة والشيعة يقرب ~~مضمونها من مضمون هذه الرواية. # واعلم أن في القصة روايات كثيرة مختلفة المضامين عجيبتها كالقائلة إن ~~الله أخذ كبش هابيل فخزنه في الجنة أربعين خريفا ثم فدى به إسماعيل فذبحه ~~إبراهيم، والقائلة: إن هابيل مكن قابيل من نفسه وأنه تحرج أن يبسط يده إلى ~~أخيه، والقائلة إن قابيل لما قتل أخاه عقل الله إحدى رجليه إلى فخذها من ~~يوم قتله إلى يوم القيامة وجعل وجهه إلى اليمين حيث دار دارت عليه حظيرة من ~~ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك ~~جاء الآخر، والقائلة: إنه معذب ms1901 في جزيرة من جزائر البحر علقه الله منكوسا ~~وهو كذلك إلى يوم القيامة، والقائلة: إن قابيل بن آدم معلق بقرونه في عين ~~الشمس تدور به حيث دارت في زمهريرها وحميمها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم ~~القيامة صيره الله إلى النار، والقائلة: إن ابن آدم الذي قتل أخاه كان ~~قابيل الذي ولد في الجنة، والقائلة: إن آدم لما بان له قتل هابيل رثاه بعدة ~~أبيات بالعربية، والقائلة: إنه كان من شريعتهم أن الإنسان إذا قصده آخر ~~تركه وما يريد من غير أن يمتنع منه، إلى غير ذلك من الروايات. # فهذه وأمثالها روايات من طرق جلها أو كلها ضعيفة، وهي لا توافق الاعتبار ~~الصحيح ولا الكتاب يوافقها فهي بين موضوعة بينة الوضع وبين محرفة أو مما ~~غلط فيه الرواة من جهة النقل بالمعنى. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): يعجز أحدكم أتاه الرجل أن يقتله أن يقول هكذا؟ وقال: ~~بإحدى يديه على الأخرى فيكون كالخير من ابني آدم، وإذا هو في الجنة وإذا ~~قاتله في النار. PageV05P183 # أقول: وهي من روايات الفتن، وهي كثيرة روى أكثرها السيوطي في الدر المنثور، ~~كالذي رواه عن البيهقي عن أبي موسى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: اكسروا سيفكم يعني في الفتنة واقطعوا أوتاركم والزموا أجواف البيوت، ~~وكونوا فيها كالخير من ابني آدم، وما رواه عن ابن جرير وعبد الرزاق عن ~~الحسن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ابني آدم ضربا ~~مثلا لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما، إلى غير ذلك. # وهذه روايات لا تلائم بظاهرها الاعتبار الصحيح المؤيد بالآثار الصحيحة ~~الآمرة بالدفاع عن النفس والانتصار للحق، وقد قال تعالى: "وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله": الحجرات: 9. # على أنها جميعا تفسر قوله تعالى في القصة حكاية عن هابيل: "لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا ms1902 بباسط يدي إليك لأقتلك" بأن المراد تمكين هابيل لأخيه ~~في قتله وتركه الدفاع، وقد عرفت ما فيه. # ومما يوجب سوء الظن بها أنها مروية عن أناس قعدوا في فتنة الدار وفي حروب ~~علي (عليه السلام) مع معاوية والخوارج وطلحة والزبير، فالواجب توجيهها بوجه ~~إن أمكن وإلا فالطرح. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن عساكر عن علي: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: بدمشق جبل يقال له: "قاسيون" فيه قتل ابن آدم أخاه. # أقول: والرواية لا بأس بها غير أن ابن عساكر روى بطريق عن كعب الأحبار ~~أنه قال: إن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم، وبطريق آخر عن عمرو ~~بن خبير الشعباني قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير المران فرأى لجة ~~سائلة في الجبل فقال: هاهنا قتل ابن آدم أخاه، وهذا أثر دمه جعله الله آية ~~للعالمين. # والروايتان تدلان على أنه كان هناك أثر ثابت يدعى أنه دم هابيل المقتول، ~~ويشبه أن يكون ذلك من الأمور الخرافية التي ربما وضعوها لصرف وجوه الناس ~~إليها بالزيارة وإيتاء النذور وإهداء الهدايا نظير آثار الأكف والأقدام ~~المعمولة على الأحجار وقبر الجدة وغير ذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة ~~وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه ~~أول من سن القتل. # أقول: وقد روي هذا المعنى من طرق أهل السنة والشيعة بغير هذا الطريق. # وفي الكافي، بإسناده عن حمران قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام)، ما معنى ~~قول الله عز وجل "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل - أنه من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض - فكأنما قتل الناس جميعا"؟ قال: قلت: وكيف فكأنما ~~قتل الناس جميعا وإنما قتل واحدة؟ قال: يوضع في موضع من جهنم إليه منتهى ~~شدة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعا كان إنما دخل ms1903 ذلك المكان، قلت: فإن قتل ~~آخر؟ قال: يضاعف عليه: أقول: ورواه الصدوق في معاني الأخبار، عن حمران مثله. # وقوله: "قلت: فإن قتل آخر؟" إشارة إلى ما تقدم بيانه من إشكال لزوم تساوي ~~القتل الواحد معه منضما إلى غيره، وقد أجاب (عليه السلام) عنه بقوله: ~~"يضاعف عليه" ولا يرد عليه أنه رفع اليد عن التسوية التي يشير إليه حديث ~~المنزلة: "من قتل نفسا بغير نفس" إلخ حيث إن لازم المضاعفة عدم تساوي ~~الواحد والكثير أو الجميع، وجه عدم الورود أن تساوي المنزلة راجع إلى سنخ ~~العذاب وهو كون قاتل الواحد والاثنين والجميع في واد واحد من أودية جهنم، ~~ويشير إليه قوله (عليه السلام) في الرواية: "لو قتل الناس جميعا كان إنما ~~دخل ذلك المكان". # ويشهد على ما ذكرنا ما رواه العياشي في تفسيره عن حمران عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في الآية قال (عليه السلام) منزلة في النار إليها انتهاء ~~شدة عذاب أهل النار جميعا فيجعل فيها، قلت: وإن كان قتل اثنين؟ قال: ألا ~~ترى أنه ليس في النار منزلة أشد عذابا منها؟ قال: يكون يضاعف عليه بقدر ما ~~عمل، الحديث فإن الجمع بين النفي والإثبات في جوابه (عليه السلام) ليس إلا ~~لما وجهنا به الرواية، وهو أن الاتحاد والتساوي في سنخ العذاب، وإليه تشير ~~المنزلة، والاختلاف في شخصه ونفس ما يذوقه القاتل فيه. PageV05P184 # ويشهد عليه أيضا في الجملة ما فيه أيضا عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله: "من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا" قال: ~~واد في جهنم لو قتل الناس جميعا كان فيه، ولو قتل نفس واحدة كان فيه. # أقول: وكان الآية منقولة فيها بالمعنى. # وفي الكافي، بإسناده عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ~~قول الله عز وجل في كتابه: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" قال: من ~~حرق أو غرق قلت: من أخرجها من ضلال إلى هدى؟ قال: ذلك تأويلها الأعظم: ~~أقول: ورواه الشيخ في أماليه ms1904 والبرقي في المحاسن، عن فضيل عنه (عليه ~~السلام)، وروي الحديث عن سماعة وحمران عن أبي عبد الله (عليه السلام). # والمراد بكون الإنقاذ من الضلالة تأويلا أعظم للآية كونه تفسيرا أدق لها، ~~والتأويل كثيرا ما كان يستعمل في صدر الإسلام مرادفا للتفسير. # ويؤيد ما ذكرناه ما في تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: سألته عن قول الله. "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض - ~~فكأنما قتل الناس جميعا" فقال: له في النار مقعد لو قتل الناس جميعا لم يزد ~~على ذلك العذاب. قال: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا لم يقتلها أو ~~أنجى من غرق أو حرق، وأعظم من ذلك كلها يخرجها من ضلالة إلى هدى. # أقول: وقوله "لم يقتلها" أي لم يقتلها بعد ثبوت القتل لها كما في مورد ~~القصاص. # وفيه، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته: "ومن أحياها ~~فقد أحيا الناس جميعا" قال: من استخرجها من الكفر إلى الإيمان. # أقول: وقد ورد هذا المعنى في كثير من الروايات الواردة من طرق أهل السنة. # وفي المجمع:، روي عن أبي جعفر (عليه السلام): المسرفون الذين يستحلون ~~المحارم ويسفكون الدماء. ### |||| AUTO بحث علمي وتطبيق # في الإصحاح الرابع من سفر التكوين من التوراة ما نصه: 1 وعرف آدم حواء ~~امرأته فحبلت وولدت قايين وقالت اقتنيت رجلا من عند الرب 2 ثم عادت فولدت ~~أخاه هابيل وكان هابيل راعيا للغنم وكان قايين عاملا في الأرض 3 وحدث من ~~بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب 4 وقدم هابيل أيضا من ~~أبكار غنمه ومن سمانها فنظر الرب إلى هابيل وقربانه 5 ولكن إلى قايين ~~وقربانه لم ينظر فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه 6 فقال الرب لقايين لما ذا ~~اغتظت ولما ذا سقط وجهك 7 إن أحسنت أفلا رفع وإن لم تحسن فعند الباب خطيئة ~~رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها. 8 وكلم قايين هابيل أخاه وحدث إذ ~~كانا في الحقل ms1905 أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله 9 فقال الرب لقايين أين ~~هابيل أخوك فقال لا أعلم أحارس أنا لأخي 10 فقال ما ذا فعلت صوت دم أخيك ~~صارخ إلي من الأرض 11 فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم ~~أخيك من يدك 12 متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها تائها وهاربا تكون في ~~الأرض 13 فقال قايين للرب ذنبي أعظم من أن يتحمل 14 إنك قد طردتني اليوم عن ~~وجه الأرض ومن وجهك أختفي وأكون تائها وهاربا في الأرض فيكون كل من وجدني ~~يقتلني 15 فقال له الرب لذلك كل من قتله قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه وجعل ~~الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده 16 فخرج قايين من لدن الرب وسكن ~~في أرض نود شرقي عدن، انتهى. # والذي في القرآن من قصتهما قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ~~إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما ~~يتقبل الله من المتقين 27 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين 28 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون ~~من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين 29 فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح ~~من الخاسرين 30 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ~~قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من ~~النادمين 31 آية: من المائدة - 27: 31. # وعليك أن تتدبر ما تشتمل عليه القصة على ما قصتها التوراة وعلى ما قصها ~~القرآن ثم تطبق بينهما ثم تقضي ما أنت قاض. PageV05P185 # فأول ما يبدو لك من التوراة أنها جعلت الرب تعالى موجودا أرضيا على صورة ~~إنسان يعاشر الناس، يحكم لهم وعليهم كما يحكم أحد الناس فيهم، ويدنى ويقترب ~~منه ويكلم كما يفعل ذلك أحدهم مع غيره ثم يختفي منه بالابتعاد والغيبة فلا ~~يرى البعيد الغائب كما يرى القريب الحاضر، وبالجملة ms1906 فحاله حال إنسان أرضي ~~من جميع الجهات غير أنه نافذ الإرادة إذا أراد، ماضي الحكم إذا حكم، وعلى ~~هذا الأساس يبتنى جميع تعليمات التوراة والإنجيل فيما يبثان من التعليم، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ولازم القصة التي فيها: أن البشر كان يعيش يومئذ على حال المشافهة ~~والحضور عند الله سبحانه، ثم احتجب عن قايين أو عنه وعن أمثاله وبقي ~~الباقون على حالهم مع أن البراهين القاطعة قائمة على أن الإنسان نوع واحد ~~متماثل الأفراد عائش في الدنيا عيشة دنيوية مادية وأن الله جل شأنه متنزه ~~عن الاتصاف بصفات المادة وأحوالها، متقدس عن لحوق عوارض الإمكان وطوارق ~~النقص والحدثان، وهو الذي يبينه القرآن. # وأما القرآن فإنه يقص القصة على أساس تماثل الأفراد غير أنه يذيل قصة ~~القتل بقصة بعث الغراب فيكشف عن حقيقة كون الإنسان تدريجي الكمال بانيا ~~استكماله في مدارج الكمال الحيوي على أساس الحس والفكر. # ثم يذكر محاورة الأخوين فيقص عن المقتول من غرر المعارف الفطرية ~~الإنسانية وأصول المعارف الدينية من التوحيد والنبوة والمعاد، ثم أمر ~~التقوى والظلم وهما الأصلان العاملان في جميع القوانين الإلهية والأحكام ~~الشرعية، ثم العدل الإلهي في مسألة القبول والرد والمجازاة الأخروية. # ثم ندامة القاتل بعد صنعه وخسرانه في الدنيا والآخرة، ثم يبين بعد ذلك ~~كله أن القتل من شآمة أمره أن الذي يقع منه على نفس واحدة كالذي يقع منه ~~على الناس جميعا وأن من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا. PageV05P186 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 33 - 40 # إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى ~~الدنيا ولهم فى الاخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة وجهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو ~~أن لهم ما فى الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب ms1907 يوم القيمة ما تقبل ~~منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها ~~ولهم عذاب مقيم (37) والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا ~~من الله والله عزيز حكيم (38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب ~~عليه إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض يعذب ~~من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شىء قدير (40) ### |||| AUTO بيان # الآيات غير خالية الارتباط بما قبلها، فإن ما تقدمها من قصة قتل ابن آدم ~~أخاه وما كتبه الله سبحانه على بني إسرائيل من أجله، وإن كان من تتمة ~~الكلام على بني إسرائيل وبيان حالهم من غير أن يشتمل على حد أو حكم ~~بالمطابقة لكنها لا تخلو بحسب لازم مضمونها من مناسبة مع هذه الآيات ~~المتعرضة لحد المفسدين في الأرض والسراق. # قوله تعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا". # "فسادا" مصدر وضع موضع الحال، ومحاربة الله وإن كانت بعد استحالة معناها ~~الحقيقي وتعين إرادة المعنى المجازي منها ذات معنى وسيع يصدق على مخالفة كل ~~حكم من الأحكام الشرعية وكل ظلم وإسراف لكن ضم الرسول إليه يهدي إلى أن ~~المراد بها بعض ما للرسول فيه دخل، فيكون كالمتعين أن يراد بها ما يرجع إلى ~~إبطال أثر ما للرسول عليه ولاية من جانب الله سبحانه كمحاربة الكفار مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخلال قطاع الطريق بالأمن العام الذي ~~بسطه بولايته على الأرض، وتعقب الجملة بقوله: "ويسعون في الأرض فسادا" يشخص ~~المعنى المراد وهو الإفساد في الأرض بالإخلال بالأمن وقطع الطريق دون مطلق ~~المحاربة مع المسلمين، على أن الضرورة قاضية بأن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لم يعامل المحاربين من الكفار بعد الظهور عليهم والظفر بهم هذه ~~المعاملة من القتل والصلب والمثلة والنفي. # على أن الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو ~~الإفساد المذكور فإنه ظاهر في أن التوبة إنما هي من المحاربة دون الشرك ونحوه. ms1908 # فالمراد بالمحاربة والإفساد على ما هو الظاهر هو الإخلال بالأمن العام، ~~والأمن العام إنما يختل بإيجاد الخوف العام وحلوله محله، ولا يكون بحسب ~~الطبع والعادة إلا باستعمال السلاح المهدد بالقتل طبعا ولهذا ورد فيما ورد ~~من السنة تفسير الفساد في الأرض بشهر السيف ونحوه، وسيجيء في البحث الروائي ~~التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "أن يقتلوا أو يصلبوا" إلخ التقتيل والتصليب والتقطيع تفعيل ~~من القتل والصلب والقطع يفيد شدة في معنى المجرد أو زيادة فيه، ولفظة "أو" ~~إنما تدل على الترديد المقابل للجمع، وأما الترتيب أو التخيير بين أطراف ~~الترديد فإنما يستفاد أحدهما من قرينة خارجية حالية أو مقالية فالآية غير ~~خالية عن الإجمال من هذه الجهة. # وإنما تبينها السنة وسيجيء أن المروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ~~أن الحدود الأربعة مترتبة بحسب درجات الإفساد كمن شهر سيفا فقتل النفس وأخذ ~~المال أو قتل فقط أو أخذ المال فقط أو شهر سيفا فقط على ما سيأتي في البحث ~~الروائي التالي إن شاء الله. PageV05P187 # وأما قوله: "أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف" فالمراد بكونه من خلاف أن ~~يأخذ القطع كلا من اليد والرجل من جانب مخالف لجانب الأخرى كاليد اليمنى ~~والرجل اليسرى، وهذا هو القرينة على كون المراد بقطع الأيدي والأرجل قطع ~~بعضها دون الجميع أي إحدى اليدين وإحدى الرجلين مع مراعاة مخالفة الجانب. # وأما قوله: "أو ينفوا من الأرض" فالنفي هو الطرد والتغييب وفسر في السنة ~~بطرده من بلد إلى بلد. # وفي الآية أبحاث أخر فقهية تطلب من كتب الفقه. # قوله تعالى: "ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" الخزي هو ~~الفضيحة، والمعنى ظاهر. # وقد استدل بالآية على أن جريان الحد على المجرم لا يستلزم ارتفاع عذاب ~~الآخرة، وهو حق في الجملة. # قوله تعالى: "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم" إلخ وأما بعد ~~القبض عليهم وقيام البينة فإن الحد غير ساقط، وأما قوله تعالى: "فاعلموا أن ~~الله غفور رحيم" فهو كناية عن رفع ms1909 الحد عنهم، والآية من موارد تعلق المغفرة ~~بغير الأمر الأخروي. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة" إلخ ~~قال الراغب في المفردات:، الوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من ~~الوصيلة لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة، وحقيقة ~~الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم ~~الشريعة، وهي كالقربة، وإذ كانت نوعا من التوصل وليس إلا توصلا واتصالا ~~معنويا بما يوصل بين العبد وربه ويربط هذا بذاك، ولا رابط يربط العبد بربه ~~إلا ذلة العبودية، فالوسيلة هي التحقق بحقيقة العبودية وتوجيه وجه المسكنة ~~والفقر إلى جنابه تعالى، فهذه هي الوسيلة الرابطة، وأما العلم والعمل فإنما ~~هما من لوازمها وأدواتها كما هو ظاهر إلا أن يطلق العلم والعمل على نفس هذه ~~الحالة. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "وجاهدوا في سبيله" مطلق الجهاد الذي يعم ~~جهاد النفس وجهاد الكفار جميعا إذ لا دليل على تخصيصه بجهاد الكفار مع ~~اتصال الجملة بما تقدمها من حديث ابتغاء الوسيلة، وقد عرفت ما معناه: على ~~أن الآيتين التاليتين بما تشتملان عليه من التعليل إنما تناسبان إرادة مطلق ~~الجهاد من قوله: "وجاهدوا في سبيله". # ومع ذلك فمن الممكن أن يكون المراد بالجهاد هو القتال مع الكفار نظرا إلى ~~أن تقييد الجهاد بكونه في سبيل الله إنما وقع في الآيات الآمرة بالجهاد ~~بمعنى القتال، وأما الأعم فخال عن التقييد كقوله تعالى: "والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت: 69 وعلى هذا فالأمر ~~بالجهاد في سبيل الله بعد الأمر بابتغاء الوسيلة إليه من قبيل ذكر الخاص ~~بعد العام اهتماما بشأنه، ولعل الأمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الأمر ~~بالتقوى أيضا من هذا القبيل. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض" إلى آخر الآيتين ~~ظاهره - كما تقدمت الإشارة إليه - أن يكون تعليلا لمضمون الآية السابقة، ~~والمحصل أنه يجب عليكم أن تتقوا الله وتبتغوا إليه الوسيلة وتجاهدوا في ~~سبيله فإن ذلك أمر يهمكم في صرف عذاب ms1910 أليم مقيم عن أنفسكم، ولا بدل له يحل ~~محله فإن الذين كفروا فلم يتقوا الله ولم يبتغوا إليه الوسيلة ولم يجاهدوا ~~في سبيله لو أنهم ملكوا ما في الأرض جميعا - وهو أقصى ما يتمناه ابن آدم من ~~الملك الدنيوي عادة - ثم زيد عليه مثله ليكون لهم ضعفا ما في الأرض ثم ~~أرادوا أن يفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ~~يريدون أن يخرجوا من النار وهي العذاب وما هم بخارجين منها لأنه عذاب خالد ~~مقيم عليهم لا يفارقهم أبدا. # وفي الآية إشارة أولا إلى أن العذاب هو الأصل القريب من الإنسان وإنما ~~يصرف عنه الإيمان والتقوى كما يشير إليه قوله تعالى: "وإن منكم إلا واردها ~~كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا": ~~مريم: 72 وكذا قوله: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات": العصر: 3. # وثانيا: أن الفطرة الأصلية الإنسانية وهي التي تتألم من النار غير باطلة ~~فيهم ولا منتفية عنهم وإلا لم يتألموا ولم يتعذبوا بها ولم يريدوا الخروج منها. PageV05P188 # قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" الآية الواو للاستيناف ~~والكلام في مقام التفصيل فهو في معنى: "وأما السارق والسارقة" إلخ ولذلك ~~دخل الفاء في الخبر أعني قوله: "فاقطعوا أيديهما" لأنه في معنى جواب أما، ~~كذا قيل. # وأما استعمال الجمع في قوله: "أيديهما" مع أن المراد هو المثنى فقد قيل: ~~إنه استعمال شائع، والوجه فيه: أن بعض الأعضاء أو أكثرها في الإنسان مزدوجة ~~كالقرنين والعينين والأذنين واليدين والرجلين والقدمين، وإذا أضيفت هذه إلى ~~المثنى صارت أربعا ولها لفظ الجمع كأعينهما وأيديهما وأرجلهما ونحو ذلك ثم ~~اطرد الجمع في الكلام إذا أضيف عضو إلى المثنى وإن لم يكن العضو من ~~المزدوجات كقولهم: ملأت ظهورهما وبطونهما ضربا، قال تعالى: "إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما": التحريم: 4 واليد ما دون المنكب والمراد بها في ~~الآية اليمين بتفسير السنة، ويصدق قطع اليد بفصل بعض أجزائها أو جميعها عن ~~البدن بآلة ms1911 قطاعة. # قوله: "جزاء بما كسبا نكالا من الله" الظاهر أنه في موضع الحال من القطع ~~المفهوم من قوله: "فاقطعوا" أي حال كون القطع جزاء بما كسبا نكالا من الله، ~~والنكال هو العقوبة التي يعاقب بها المجرم لينتهي عن إجرامه، ويعتبر بها ~~غيره من الناس. # وهذا المعنى أعني كون القطع نكالا هو المصحح لأن يتفرع عليه قوله: "فمن ~~تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه "إلخ" أي لما كان القطع نكالا ~~يراد به رجوع المنكول به عن معصيته فمن تاب من بعد ظلمه توبة ثم أصلح ولم ~~يحم حول السرقة - وهذا أمر يستثبت به معنى التوبة - فإن الله يتوب عليه ~~ويرجع إليه بالمغفرة والرحمة لأن الله غفور رحيم، قال تعالى: "ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا عليما": النساء: 174. # وفي الآية أبحاث أخر كثيرة فقهية للطالب أن يراجع فيها كتب الفقه. # قوله تعالى: "ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض" الآية في موضع ~~التعليل لما ذكر في الآية السابقة من قبول توبة السارق والسارقة إذا تابا ~~وأصلحا من بعد ظلمهما فإن الله سبحانه لما كان له ملك السموات والأرض، ~~وللملك أن يحكم في مملكته ورعيته بما أحب وأراد من عذاب أو رحمة كان له ~~تعالى أن يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء على حسب الحكمة والمصلحة فيعذب ~~السارق والسارقة إن لم يتوبا ويغفر لهما إن تابا. # وقوله: "والله على كل شيء قدير" في موضع التعليل لقوله: "له ملك السموات ~~والأرض" فإن الملك بضم الميم من شئون القدرة كما أن الملك بكسر الميم من ~~فروع الخلق والإيجاد أعني القيمومة الإلهية. # بيان ذلك: أن الله تعالى خالق الأشياء وموجدها فما من شيء إلا وما له من ~~نفسه وآثار نفسه لله سبحانه، هو المعطي لما أعطى والمانع لما منع، فله أن ~~يتصرف في كل شيء، وهذا هو الملك بكسر الميم قال تعالى: "قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار": الرعد: 16، وقال: "الله لا إله إلا هو الحي ms1912 القيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض": البقرة: 255 وهو ~~تعالى مع ذلك قادر على أي تصرف شاء وأراد إذ كلما فرض من شيء فهو منه فله ~~مضي الحكم ونفوذ الإرادة وهو الملك بضم الميم والسلطنة على كل شيء فهو ~~تعالى مالك لأنه قيوم على كل شيء، وملك لأنه قادر غير عاجز ولا ممنوع من ~~نفوذ مشيئته وإرادته. PageV05P189 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي صالح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قدم ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوم من بني ضبة مرضى فقال لهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أقيموا عندي فإذا برأتم بعثتكم في ~~سرية، فقالوا: أخرجنا من المدينة، فبعث بهم إلى إبل الصدقة يشربون من ~~أبوالها، ويأكلون من ألبانها فلما برءوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كان في ~~الإبل فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعث إليهم عليا (عليه ~~السلام) وإذا هم في واد قد تحيروا ليس يقدرون أن يخرجوا منه قريبا من أرض ~~اليمن فأسرهم وجاء بهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت هذه ~~الآية: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا - أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف":. أقول: ورواه في ~~التهذيب، بإسناده عن أبي صالح عنه (عليه السلام)، باختلاف يسير، ورواه ~~العياشي، في تفسيره عنه (عليه السلام): وزاد في آخره فاختار رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والقصة مروية في ~~جوامع أهل السنة ومنها الصحاح الستة بطرق على اختلاف في خصوصياتها، ومنها ~~ما وقع في بعضها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن ظفر بهم ~~قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، وفي بعضها: فقتل النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) منهم وصلب وقطع وسمل الأعين، وفي بعضها: أنه سمل أعينهم ~~لأنهم سملوا أعين الرعاة، وفي بعضها: أن الله نهاه عن ms1913 سمل الأعين، وأن ~~الآية نزلت معاتبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر هذه ~~المثلة، وفي بعضها: أنه أراد أن يسمل أعينهم ولم يسمل، إلى غير ذلك. # والروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) خالية عن ذكر سمل ~~الأعين. # وفي الكافي، بإسناده عن عمرو بن عثمان بن عبيد الله المدائني عن أبي ~~الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سئل عن قول الله عز وجل: "إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله - ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا" الآية فما الذي ~~إذا فعله استوجب واحدة من هذه الأربع؟ فقال: إذا حارب الله ورسوله وسعى في ~~الأرض فسادا فقتل قتل به، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم ~~يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن شهر السيف فحارب الله ورسوله وسعى في ~~الأرض فسادا ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي من الأرض. قلت كيف ينفى من الأرض ~~وما حد نفيه؟ قال: ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره، ويكتب ~~إلى أهل ذلك المصر أنه منفي فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا ~~تؤاكلوه ولا تشاربوه فيفعل ذلك به سنة فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب ~~إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة، قلت: فإن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها؟ قال: ~~إن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها:. أقول: ورواه الشيخ في التهذيب، ~~والعياشي في تفسيره عن أبي إسحاق المدائني عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والروايات في هذه المعاني مستفيضة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وكذا ~~روي ذلك بعدة طرق من طرق أهل السنة، وفي بعض رواياتهم أن الإمام بالخيار إن ~~شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل من خلاف وإن شاء نفى، ~~ونظيره ما وقع في بعض روايات الخاصة من كون الإمام بالخيار كالذي رواه في ~~الكافي، مسندا عن جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام): في الآية قال ~~فقلت: أي شيء عليهم من هذه الحدود التي ms1914 سمى الله عز وجل؟ قال: ذلك إلى ~~الإمام إن شاء قطع، وإن شاء نفى، وإن شاء صلب، وإن شاء قتل: قلت: النفي إلى ~~أين؟ قال (عليه السلام) ينفى من مصر إلى آخر، وقال: إن عليا (عليه السلام) ~~نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة. # وتمام الكلام في الفقه غير أن الآية لا تخلو عن إشعار بالترتيب بين ~~الحدود بحسب اختلاف مراتب الفساد فإن الترديد بين القتل والصلب والقطع ~~والنفي - وهي أمور غير متعادلة ولا متوازنة بل مختلفة من حيث الشدة والضعف ~~- قرينة عقلية على ذلك. PageV05P190 # كما أن ظاهر الآية أنها حدود للمحاربة والفساد فمن شهر سيفا وسعى في الأرض ~~فسادا أو قتل نفسا فإنما يقتل لأنه محارب مفسد وليس ذلك قصاصا يقتص منه ~~لقتل النفس المحترمة فلا يسقط القتل لو رضي أولياء المقتول بالدية كما رواه ~~العياشي في تفسيره، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيه: قال ~~أبو عبيدة: أصلحك الله أرأيت إن عفا عنه أولياء المقتول؟ فقال أبو جعفر ~~(عليه السلام): إن عفوا عنه فعلى الإمام أن يقتله لأنه قد حارب وقتل وسرق، ~~فقال أبو عبيدة: فإن أراد أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدية ويدعونه ألهم ~~ذلك؟ قال: لا، عليه القتل. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ~~كتاب الأشراف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر ~~التميمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب، وكلم رجالا من قريش أن ~~يستأمنوا له عليا فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأتى عليا فقال: يا أمير ~~المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا؟ قال: ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم ~~قال: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. فقال سعيد: وإن كان حارثة بن ~~بدر، فقال سعيد: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائبا فهو آمن؟ قال: نعم، قال: ~~فجاء به إليه ms1915 فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أمانا. # أقول: قول سعيد في الرواية: "وإن كان حارثة بن بدر" ضميمة ضمها إلى الآية ~~لإبانة إطلاقها لكل تائب بعد المحاربة والإفساد وهذا كثير في الكلام. # وفي الكافي، بإسناده عن سورة بني كليب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): رجل يخرج من منزله يريد المسجد أو يريد حاجة فيلقاه رجل فيستقفيه ~~فيضربه فيأخذ ثوبه؟ قال: أي شيء يقول فيه من قبلكم؟ قلت: يقولون: هذه ذعارة ~~معلنة وإنما المحارب في قرى مشركة، فقال: أيها أعظم حرمة: دار الإسلام أو ~~دار الشرك؟ قال: فقلت: دار الإسلام فقال: هؤلاء من أهل هذه الآية: "إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى آخر الآية. # أقول: ما أشار إليه الراوي من قول القوم هو الذي وقع في بعض روايات ~~الجمهور كما في بعض روايات سبب النزول عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في ~~المشركين، وما في تفسير الطبري: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله ~~عن هذه الآية فكتب إليه أنس يخبره: أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من ~~العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، ~~واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام فسأل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) جبرئيل عن القضاء فيمن حارب فقال: من سرق وأخاف ~~السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه، إلى غير ذلك من الروايات. # والآية بإطلاقها يؤيد ما في خبر الكافي، ومن المعلوم أن سبب النزول لا ~~يوجب تقيد ظاهر الآية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله - ~~وابتغوا إليه الوسيلة" الآية قال: فقال: تقربوا إليه بالإمام. # أقول: أي بطاعته فهو من قبيل الجري والانطباق على المصداق، ونظيره ما عن ~~ابن شهر آشوب قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~"وابتغوا إليه الوسيلة": أنا وسيلته:. وقريب منه ما في بصائر الدرجات، ~~بإسناده عن سلمان عن علي (عليه السلام)، ويمكن أن يكون الروايتان من قبيل ~~التأويل فتدبر فيهما. # وفي المجمع:، ms1916 روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سلوا الله لي ~~الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينالها إلا عبد واحد وأرجو أن أكون أنا هو. # وفي المعاني، بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إذا سألتم الله فاسألوا لي الوسيلة، فسألنا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن الوسيلة، فقال: هي درجتي في الجنة الحديث وهو طويل ~~معروف بحديث الوسيلة. # وأنت إذا تدبرت الحديث، وانطباق معنى الآية عليه وجدت أن الوسيلة هي مقام ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ربه الذي به يتقرب هو إليه تعالى، ~~ويلحق به آله الطاهرون ثم الصالحون من أمته، وقد ورد في بعض الروايات عنهم ~~(عليهم السلام): أن رسول الله آخذ بحجزة ربه ونحن آخذون بحجزته، وأنتم ~~آخذون بحجزتنا. PageV05P191 # وإلى ذلك يرجع ما ذكرناه في روايتي القمي وابن شهر آشوب أن من المحتمل أن ~~تكونا من التأويل، ولعلنا نوفق لشرح هذا المعنى في موضع يناسبه مما سيأتي. # ومن الملحق بهذه الروايات ما رواه العياشي عن أبي بصير قال: سمعت أبا ~~جعفر (عليه السلام) يقول: عدو علي هم المخلدون في النار قال الله: "وما هم ~~بخارجين منها". # وفي البرهان،: في قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" الآية: ~~عن التهذيب، بإسناده عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: تقطع يد السارق ~~ويترك إبهامه وراحته، وتقطع رجله ويترك عقبه يمشي عليها. # وفي التهذيب، أيضا بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): في كم تقطع يد السارق؟ فقال: في ربع دينار. قال: قلت له: في ~~درهمين؟ فقال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ. قال: فقلت له: أرأيت من ~~سرق أقل من ربع الدينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ وهل هو عند الله ~~سارق في تلك الحال؟ فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع ~~عليه اسم السارق، وهو عند الله سارق ولكن لا تقطع إلا في ربع دينار أو ms1917 ~~أكثر، ولو قطعت يد السارق فيما هو أقل من ربع دينار لألفيت عامة الناس ~~مقطعين. # أقول: يريد (عليه السلام) بقوله: ولو قطعت يد السارق إلخ أن في حكم القطع ~~تخفيفا من الله رحمة منه لعباده، وهذا المعنى أعني اختصاص الحكم بسرقة ربع ~~دينار أو أكثر مروي ببعض طرق الجمهور أيضا ففي صحيحي البخاري ومسلم، ~~بإسنادهما عن عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يقطع ~~يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا. # وفي تفسير العياشي، عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال: ~~إذا أخذ السارق فقطع وسط الكف فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم فإن عاد ~~استودع السجن فإن سرق في السجن قتل. # وفيه، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): عن رجل سرق وقطعت يده اليمنى ~~ثم سرق فقطعت رجله اليسرى ثم سرق الثالثة؟ قال: كان أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) يخلده في السجن ويقول: إني لأستحيي من ربي أن أدعه بلا يد يستنظف ~~بها ولا رجل يمشي بها إلى حاجته. # قال: فكان إذا قطع اليد قطعها دون المفصل، وإذا قطع الرجل قطعها دون ~~الكعبين قال: وكان لا يرى أن يغفل عن شيء من الحدود. PageV05P192 # وفيه:، عن زرقان صاحب ابن أبي دواد وصديقه بشدة قال: رجع ابن أبي دواد ذات ~~يوم من عند المعتصم، وهو مغتم فقلت له في ذلك فقال: وددت اليوم أني قدمت ~~منذ عشرين سنة قال: قلت له: ولم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الأسود أبا جعفر ~~محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم قال: قلت: وكيف ~~كان ذلك؟ قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة ~~الحد عليه فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن علي فسألنا عن ~~القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت: من الكرسوع لقول الله في التيمم: ~~"فامسحوا بوجوهكم وأيديكم" واتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب ~~القطع من المرفق قال: ms1918 وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأن الله لما قال: ~~"وأيديكم إلى المرافق" في الغسل دل على ذلك أن حد اليد هو المرفق. قال: ~~فالتفت إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلم ~~القوم فيه يا أمير المؤمنين قال: دعني بما تكلموا به أي شيء عندك؟ قال: ~~اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك ~~فيه، فقال. أما إذا أقسمت علي بالله إني أقول: إنهم أخطئوا فيه السنة، فإن ~~القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فتترك الكف، قال: وما الحجة في ~~ذلك؟ قال: قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): السجود على سبعة ~~أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين فإذا قطعت يده من الكرسوع أو ~~المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: "وأن المساجد ~~لله" يعني هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها "فلا تدعوا مع الله أحدا" ~~وما كان لله لم يقطع. قال: فأعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل ~~الأصابع دون الكف. قال ابن أبي دواد: قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حيا. ~~قال ابن أبي زرقان: إن ابن أبي دواد قال: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت: ~~إن نصيحة أمير المؤمنين علي واجبة وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار ~~قال: وما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم ~~لأمر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم ~~في ذلك، وقد حضر المجلس بنوه وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك ~~من وراء بابه ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته، ~~ويدعون أنه أولى منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء؟ قال: فتغير ~~لونه، وانتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيرا. قال: فأمر ~~اليوم الرابع فلانا من كتاب وزرائه بأن يدعوه إلى منزله فدعاه فأبى أن ~~يجيبه، وقال: قد علمت ms1919 أني لا أحضر مجالسكم فقال: إني إنما أدعوك إلى الطعام ~~وأحب أن تطأ ثيابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك وقد: أحب فلان بن فلان من وزراء ~~الخليفة لقائك فصار إليه فلما أطعم منها أحس مآلم السم فدعا بدابته فسأله ~~رب المنزل أن يقيم قال: خروجي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك وليلته في ~~خلفه حتى قبض. # أقول: ورويت القصة بغيره من الطرق، وإنما أوردنا الرواية بطولها كبعض ما ~~تقدمها من الروايات المتكررة لاشتمالها على أبحاث قرآنية دقيقة يستعان بها ~~على فهم الآيات. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن ~~عمر: أن امرأة سرقت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقطعت ~~يدها اليمنى فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: نعم أنت اليوم من ~~خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فنزل الله في سورة المائدة: "فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم". # أقول: الرواية من قبيل التطبيق واتصال الآية بما قبلها، ونزولهما معا ظاهر PageV05P193 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 41 - 50 # يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسرعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا ~~بأفوههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمعون للكذب سمعون لقوم ءاخرين لم ~~يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الاخرة عذاب عظيم (41) ~~سمعون للكذب أكلون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم ~~فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42) ~~وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربنيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا ~~عليه شهداء فلا تخشوا ms1920 الناس واخشون ولا تشتروا بئايتى ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون (44) وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظلمون (45) وقفينا على ءاثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وءاتينه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى ~~وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفسقون (47) وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~وحدة ولكن ليبلوكم فى ما ءاتاكم فاستبقوا الخيرت إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفسقون (49) أفحكم ~~الجهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة الأجزاء يرتبط بعضها ببعض ذات سياق واحد يلوح منه أنها نزلت ~~في طائفة من أهل الكتاب حكموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض ~~أحكام التوراة وهم يرجون أن يحكم فيهم بخلاف ما حكمت به التوراة فيستريحوا ~~إليه فرارا من حكمها قائلين بعضهم لبعض: "إن أوتيتم هذا - أي ما يوافق ~~هواهم - فخذوه وإن لم تؤتوه - أي أوتيتم حكم التوراة - فاحذروا". PageV05P194 # وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرجعهم إلى حكم التوراة فتولوا عنه، وأنه ~~كان هناك طائفة من المنافقين يميلون إلى مثل ما يميل إليه أولئك المحكمون ~~المستفتون من أهل الكتاب يريدون أن يفتنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيحكم بينهم على الهوى ورعاية جانب الأقوياء وهو حكم الجاهلية، ومن ms1921 ~~أحسن حكما من الله لقوم يوقنون؟ وبذلك يتأيد ما ورد في أسباب النزول أن ~~الآيات نزلت في اليهود حين زنا منهم محصنان من أشرافهم، وأراد أحبارهم أن ~~يبدلوا حكم الرجم الذي في التوراة الجلد، فبعثوا من يسأل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن حكم زنا المحصن، ووصوهم إن هو حكم بالجلد أن ~~يقبلوه، وإن حكم بالرجم أن يردوه فحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالرجم فتولوا عنه فسأل (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن صوريا عن حكم ~~التوراة في ذلك وأقسمه بالله وآياته أن لا يكتم ما يعلمه من الحق فصدق رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن حكم الرجم موجود في التوراة القصة ~~وسيجيء في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # والآيات مع ذلك مستقلة في بيانها غير مقيدة فيما أفادها بسبب النزول، ~~وهذا شأن الآيات القرآنية مما نزلت لأسباب خاصة من الحوادث الواقعة، ليس ~~لأسباب نزولها منها إلا ما لواحد من مصاديقها الكثيرة من السهم، وليس إلا ~~لأن القرآن كتاب عام دائم لا يتقيد بزمان أو مكان، ولا يختص بقوم أو حادثة ~~خاصة، وقال تعالى: "إن هو إلا ذكر للعالمين": يوسف: 140 وقال تعالى: "تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا": الفرقان: 1 وقال تعالى: ~~"وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه": فصلت: 42. # قوله تعالى: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"، تسلية ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه مما لقي من هؤلاء المذكورين ~~في الآية، وهم الذين يسارعون في الكفر أي يمشون فيه المشية السريعة، ~~ويسيرون فيه السير الحثيث، تظهر من أفعالهم وأقوالهم موجبات الكفر واحدة ~~بعد أخرى فهم كافرون مسارعون في كفرهم، والمسارعة في الكفر غير المسارعة ~~إلى الكفر. # وقوله: "من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم" بيان لهؤلاء ~~الذين يسارعون في الفكر أي من المنافقين، وفي وضع هذا الوصف موضع الموصوف ~~إشارة إلى علة النهي كما أن ms1922 الأخذ بالوصف السابق أعني قوله: "الذين يسارعون ~~في الكفر" للإشارة إلى علة المنهي عنه، والمعنى - والله أعلم -: لا يحزنك ~~هؤلاء بسبب مسارعتهم في الكفر فإنهم إنما آمنوا بألسنتهم لا بقلوبهم وما ~~أولئك بالمؤمنين، وكذلك اليهود الذين جاءوك وقالوا ما قالوا. # وقوله: "ومن الذين هادوا" عطف على قوله: "من الذين قالوا ءامنا" إلخ على ~~ما يفيده السياق، وليس من الاستيناف في شيء، وعلى هذا فقوله: "سماعون للكذب ~~سماعون لقوم آخرين لم يأتوك" خبر لمبتدء محذوف أي هم سماعون إلخ. # وهذه الجمل المتسقة بيان حال الذين هادوا، وأما المنافقون المذكورون في ~~صدر الآية فحالهم لا يوافق هذه الأوصاف كما هو ظاهر. # فهؤلاء المذكورون من اليهود هم سماعون للكذب أي يكثرون من سماع الكذب مع ~~العلم بأنه كذب، وإلا لم يكن صفة ذم، وهم كثير السمع لقوم آخرين لم يأتوك، ~~يقبلون منهم كل ما ألقوه إليهم ويطيعونهم في كل ما أرادوه منهم، واختلاف ~~معنى السمع هو الذي أوجب تكرار قوله: "سماعون" فإن الأول يفيد معنى الإصغاء ~~والثانية معنى القبول. # وقوله: "يحرفون الكلم من بعد مواضعه" أي بعد استقرارها في مستقرها ~~والجملة صفة لقوله: "لقوم آخرين" وكذا قوله: "يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ~~وإن لم تؤتوه فاحذروا". # ويتحصل من المجموع أن عدة من اليهود ابتلوا بواقعة دينية فيما بينهم، لها ~~حكم إلهي عندهم لكن علماءهم غيروا الحكم بعد ثبوته ثم بعثوا طائفة منهم إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمروهم أن يحكموه في الواقعة فإن حكم بما ~~أنبأهم علماؤهم من الحكم المحرف فليأخذوه وإن حكم بغير ذلك فليحذروا. PageV05P195 # وقوله: "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا" الظاهر أنها معترضة ~~يبين بها أنهم في أمرهم هذا مفتونون بفتنة إلهية، فلتطب نفس النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بأن الأمر من الله وإليه وليس يملك منه تعالى شيء في ~~ذلك، ولا موجب للتحزن فيما لا سبيل إلى التخلص منه. # وقوله: "أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم" فقلوبهم باقية على ~~قذارتها ms1923 الأولية لما تكرر منهم من الفسق بعد الفسق فأضلهم الله به، وما يضل ~~به إلا الفاسقين. # وقوله: "لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" إيعاد لهم بالخزي ~~في الدنيا وقد فعل بهم، وبالعذاب العظيم في الآخرة. # قوله تعالى: "سماعون للكذب أكالون للسحت" قال الراغب في المفردات:، السحت ~~القشر الذي يستأصل، قال تعالى: "فيسحتكم بعذاب" وقرىء: فيسحتكم أي بفتح ~~الياء يقال: سحته وأسحته، ومنه السحت للمحظور الذي يلزم صاحبه العار كأنه ~~يسحت دينه ومروءته، قال تعالى: "أكالون للسحت" أي لما يسحت دينهم، وقال ~~(عليه السلام): كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، وسمي الرشوة سحتا. # انتهى. # فكل مال اكتسب من حرام فهو سحت، والسياق يدل على أن المراد بالسحت في ~~الآية هو الرشا ويتبين من إيراد هذا الوصف في المقام أن علماءهم الذين ~~بعثوا طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا قد أخذوا في ~~الواقعة رشوة لتحريف حكم الله فقد كان الحكم مما يمكن أن يتضرر به بعضه فسد ~~الباب بالرشوة، فأخذوا الرشوة وغيروا حكم الله تعالى. # ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: "سماعون للكذب أكالون للسحت" باعتبار ~~المجموع وصف لمجموع القوم، وأما بحسب التوزيع فقوله: "سماعون للكذب" وصف ~~لقوله: "الذين هادوا" وهم المبعوثون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ومن في حكمهم من التابعين، وقوله: "أكالون للسحت" وصف لقوم آخرين، والمحصل ~~أن اليهود منهم علماء يأكلون الرشا، وعامة مقلدون سماعون لأكاذبيهم. # قوله تعالى: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" إلى آخر الآية تخيير ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أن يحكم بينهم إذا حكموه أو يعرض ~~عنهم، ومن المعلوم أن اختيار أحد الأمرين لم يكن يصدر منه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلا لمصلحة داعية فيئول إلى إرجاع الأمر إلى نظر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ورأيه. # ثم قرر تعالى هذا التخيير بأنه ليس عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرر ~~لو ترك الحكم فيهم وأعرض عنهم، وبين له أنه ms1924 لو حكم بينهم فليس له أن يحكم ~~إلا بالقسط والعدل. # فيعود المضمون بالآخرة إلى أن الله سبحانه لا يرضى أن يجري بينهم إلا ~~حكمه فإما أن يجري فيهم ذلك أو يهمل أمرهم فلا يجري من قبله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) حكم آخر. # قوله تعالى: "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين" تعجيب من فعالهم أنهم أمة ذات كتاب وشريعة ~~وهم منكرون لنبوتك وكتابك وشريعتك ثم يبتلون بواقعة في كتابهم حكم الله ~~فيها، ثم يتولون بعد ما عندهم التوراة فيها حكم الله والحال أن أولئك ~~المبتعدين من الكتاب وحكمه ليسوا بالذين يؤمنون بذلك. # وعلى هذا المعنى فقوله: "ثم يتولون من بعد ذلك" أي عن حكم الواقعة مع كون ~~التوراة عندهم وفيها حكم الله، وقوله: "وما أولئك بالمؤمنين" أي بالذين ~~يؤمنون بالتوراة وحكمها، فهم تحولوا من الإيمان بها وبحكمها إلى الكفر. # ويمكن أن يفهم من قوله: "ثم يتولون"، التولي عما حكم به النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومن قوله: "وما أولئك بالمؤمنين" نفي الإيمان بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) على ما كان يظهر من رجوعهم إليه وتحكيمهم إياه، أو ~~نفي الإيمان بالتوراة وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا، لكن ما ~~تقدم من المعنى أنسب لسياق الآيات. # وفي الآية تصديق ما للتوراة التي عند اليهود اليوم، وهي التي جمعها لهم ~~عزراء بإذن "كورش" ملك إيران بعد ما فتح بابل، وأطلق بني إسرائيل من أسر ~~البابليين وأذن لهم في الرجوع إلى فلسطين وتعمير الهيكل، وهي التي كانت ~~بيدهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي التي بيدهم اليوم، ~~فالقرآن يصدق أن فيها حكم الله، وهو أيضا يذكر أن فيها تحريفا وتغييرا. PageV05P196 # ويستنتج من الجميع: أن التوراة الموجودة الدائرة بينهم اليوم فيها شيء من ~~التوراة الأصلية النازلة على موسى (عليه السلام) وأمور حرفت وغيرت إما ~~بزيادة أو نقصان أو تغيير لفظ أو محل أو غير ذلك، وهذا هو الذي يراه القرآن ms1925 ~~في أمر التوراة، والبحث الوافي عنها أيضا يهدي إلى ذلك. # قوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون" إلخ ~~بمنزلة التعليل لما ذكر في الآية السابقة، وهي وما بعدها من الآيات تبين أن ~~الله سبحانه شرع لهذه الأمم على اختلاف عهودهم شرائع، وأودعها في كتب ~~أنزلها إليهم ليهتدوا بها ويتبصروا بسببها، ويرجعوا إليها فيما اختلفوا ~~فيه، وأمر الأنبياء والعلماء منهم أن يحكموا بها، ويتحفظوا عليها ويقوها من ~~التغيير والتحريف، ولا يطلبوا في الحكم ثمنا ليس إلا قليلا، ولا يخافوا ~~فيها إلا الله سبحانه ولا يخشوا غيره. # وأكد ذلك عليهم وحذرهم اتباع الهوى، وتفتين أبناء الدنيا، وإنما شرع من ~~الأحكام مختلفا باختلاف الأمم والأزمان ليتم الامتحان الإلهي فإن استعداد ~~الأزمان مختلف بمرور الدهور، ولا يستكمل المختلفان في الاستعداد شدة وضعفا ~~بمكمل واحد من التربية العلمية والعملية على وتيرة واحدة. # فقوله: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" أي شيء من الهداية يهتدي بها، ~~وشيء من النور يتبصر به من المعارف والأحكام على حسب حال بني إسرائيل، ~~ومبلغ استعدادهم، وقد بين الله سبحانه في كتابه عامة أخلاقهم، وخصوصيات ~~أحوال شعبهم ومبلغ فهمهم، فلم ينزل إليهم من الهداية إلا بعضها ومن النور ~~إلا بعضه لسبق عهدهم وقدمة أمتهم، وقلة استعدادهم، قال تعالى: "وكتبنا له ~~في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء": الأعراف: 154. # وقوله: "يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا" إنما وصف النبيين ~~بالإسلام وهو التسليم لله، الذي هو الدين عند الله سبحانه للإشارة إلى أن ~~الدين واحد، وهو الإسلام لله وعدم الاستنكاف عن عبادته، وليس لمؤمن بالله - ~~وهو مسلم له - أن يستكبر عن قبول شيء من أحكامه وشرائعه. # وقوله: "والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه ~~شهداء" أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء المنقطعون إلى الله علما وعملا، ~~أو الذين إليهم تربية الناس بعلومهم بناء على اشتقاق اللفظ من الرب أو ~~التربية، والأحبار وهم الخبراء من علمائهم يحكمون بما أمرهم الله به وأراده ~~منهم أن يحفظوه ms1926 من كتاب الله، وكانوا من جهة حفظهم له وتحملهم إياه شهداء ~~عليه لا يتطرق إليه تغيير وتحريف لحفظهم له في قلوبهم، فقوله: "وكانوا عليه ~~شهداء" بمنزلة النتيجة لقوله: "بما استحفظوا" إلخ أي أمروا بحفظه فكانوا ~~حافظين له بشهادتهم عليه. # وما ذكرناه من معنى الشهادة هو الذي يلوح من سياق الآية، وربما قيل: إن ~~المراد بها الشهادة على حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرجم أنه ~~ثابت في التوراة، وقيل: إن المراد الشهادة على الكتاب أنه من عند الله وحده ~~لا شريك له، ولا شاهد من جهة السياق يشهد على شيء من هذين المعنيين. # وأما قوله تعالى: "فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا" ~~فهو متفرع على قوله: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها"، أي لما ~~كانت التوراة منزلة من عندنا مشتملة على شريعة يقضي بها النبيون والربانيون ~~والأحبار بينكم فلا تكتموا شيئا منها ولا تغيروها خوفا أو طمعا، أما خوفا ~~فبأن تخشوا الناس وتنسوا ربكم بل الله فاخشوا حتى لا تخشوا الناس، وأما ~~طمعا فبأن تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا هو مال أو جاه دنيوي زائل باطل. PageV05P197 # ويمكن أن يكون متفرعا على قوله: "بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه ~~شهداء" بحسب المعنى لأنه في معنى أخذ الميثاق على الحفظ أي أخذنا منهم ~~الميثاق على حفظ الكتاب وأشهدناهم عليه أن لا يغيروه ولا يخشوا في إظهاره ~~غيري، ولا يشتروا بآياتي ثمنا قليلا، قال تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ~~ثمنا قليلا": آل عمران: 178 وقال تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ~~يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم ~~يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ~~والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين": الأعراف: 107. # وهذا المعنى الثاني لعله أنسب وأوفق ms1927 لما يتلوه من التأكيد والتشديد ~~بقوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون". # قوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس - إلى قوله والجروح ~~قصاص" السياق وخاصة بالنظر إلى قوله: "والجروح قصاص" يدل على أن المراد به ~~بيان حكم القصاص في أقسام الجنايات من القتل والقطع والجرح، فالمقابلة ~~الواقعة في قوله: "النفس بالنفس" وغيره إنما وقعت بين المقتص له والمقتص به ~~والمراد به أن النفس تعادل النفس في باب القصاص، والعين تقابل العين والأنف ~~الأنف وهكذا والباء للمقابلة كما في قولك: بعت هذا بهذا. # فيئول معنى الجمل المتسقة إلى أن النفس تقتل بالنفس، والعين تفقأ بالعين ~~والأنف تجدع بالأنف، والأذن تصلم بالأذن، والسن تقلع بالسن والجروح ذوات ~~قصاص، وبالجملة أن كلا من النفس وأعضاء الإنسان مقتص بمثله. # ولعل هذا هو مراد من قدر في قوله: "النفس بالنفس" إن النفس مقتصة أو ~~مقتولة بالنفس وهكذا وإلا فالتقدير بمعزل عن الحاجة، والجمل تامة من دونه ~~والظرف لغو. # والآية لا تخلو من إشعار بأن هذا الحكم غير الحكم الذي حكموا فيه النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وتذكره الآيات السابقة فإن السياق قد تجدد ~~بقوله: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور". # والحكم موجود في التوراة الدائرة على ما سيجيء نقله في البحث الروائي ~~التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "فمن تصدق به فهو كفارة له" أي فمن عفا من أولياء القصاص ~~كولي المقتول أو نفس المجني عليه والمجروح عن الجاني، ووهبه ما يملكه من ~~القصاص فهو أي العفو كفارة لذنوب المتصدق أو كفارة عن الجاني في جنايته. # والظاهر من السياق أن الكلام في تقدير قولنا: فإن تصدق به من له القصاص ~~فهو كفارة له، وإن لم يتصدق فليحكم صاحب الحكم بما أنزله الله من القصاص، ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. # وبذلك يظهر أولا: أن الواو في قوله: "ومن لم يحكم" للعطف على قوله: "من ~~تصدق" لا للاستيناف كما أن الفاء في قوله: "فمن تصدق" للتفريع: تفريع ms1928 ~~المفصل على المجمل، نظير قوله تعالى في آية القصاص: "فمن عفي له من أخيه ~~شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان": البقرة: 187. # وثانيا: أن قوله: "ومن لم يحكم"، من قبيل وضع العلة موضع معلولها ~~والتقدير: وإن لم يتصدق فليحكم بما أنزل الله فإن من لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون. # قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة" التقفية جعل الشيء خلف الشيء وهو مأخوذ من القفا، والآثار جمع أثر ~~وهو ما يحصل من الشيء مما يدل عليه، ويغلب استعماله في الشكل الحاصل من ~~القدم ممن يضرب في الأرض، والضمير في "آثارهم" للأنبياء. # فقوله: "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم" استعارة بالكناية أريد بها ~~الدلالة على أنه سلك به (عليه السلام) المسلك الذي سلكه من قبله من ~~الأنبياء، وهو طريق الدعوة إلى التوحيد والإسلام لله. # وقوله: "مصدقا لما بين يديه من التوراة" تبيين لما تقدمه من الجملة ~~وإشارة إلى أن دعوة عيسى هي دعوة موسى (عليه السلام) من غير بينونة بينهما أصلا. PageV05P198 # قوله تعالى: "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة" إلخ سياق الآيات من جهة تعرضها لحال شريعة موسى وعيسى ومحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ونزولها في حق كتبهم يقضي بانطباق بعضها على بعض ~~ولازم ذلك: أولا: أن الإنجيل المذكور في الآية - ومعناها البشارة - كان ~~كتابا نازلا على المسيح (عليه السلام) لا مجرد البشارة من غير كتاب غير أن ~~الله سبحانه لم يفصل القول في كلامه في كيفية نزوله على عيسى كما فصله في ~~خصوص التوراة والقرآن قال تعالى في حق التوراة: "قال يا موسى إني اصطفيتك ~~على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في ~~الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء": الأعراف: 154 وقال: "أخذ ~~الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون": الأعراف: 145. # وقال في خصوص القرآن: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ~~بلسان عربي ms1929 مبين": الشعراء: 159 وقال: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون ~~من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 159 وقال: "إنه لقول رسول كريم ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير: 21 وقال: "في صحف مكرمة ~~مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": عبس: 16 وهو سبحانه لم يذكر في تفصيل ~~نزول الإنجيل ومشخصاته شيئا، لكن ذكره نزوله على عيسى في الآية محاذيا لذكر ~~نزول التوراة على موسى في الآية السابقة، ونزول القرآن على محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يدل على كونه كتابا في عرض الكتابين. # وثانيا: أن قوله تعالى في وصف الإنجيل: "فيه هدى ونور" محاذاة لقوله في ~~وصف التوراة: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" يراد به ما يشتمل عليه ~~الكتاب من المعارف والأحكام غير أن قوله تعالى في هذه الآية ثانيا: "وهدى ~~وموعظة للمتقين" يدل على أن الهدى المذكور أولا غير الهدى الذي تفسيره ~~الموعظة فالهدى المذكور أولا هو نوع المعارف التي يحصل بها الاهتداء في باب ~~الاعتقادات، وأما ما يهدي من المعارف إلى التقوى في الدين فهو الذي يراد ~~بالهدى المذكور ثانيا. # وعلى هذا لا يبقى لقوله: "ونور" من المصداق إلا الأحكام والشرائع، ~~والتدبر ربما ساعد على ذلك فإنها أمور يستضاء بها ويسلك في ضوئها وتنورها ~~مسلك الحياة، وقد قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس": الأنعام: 122. # وقد ظهر بذلك: أن المراد بالهدى في وصف التوراة وفي وصف الإنجيل أولا هو ~~نوع المعارف الاعتقادية كالتوحيد والمعاد، وبالنور في الموضعين نوع الشرائع ~~والأحكام، وبالهدى ثانيا في وصف الإنجيل هو نوع المواعظ والنصائح، والله أعلم. # وظهر أيضا وجه تكرار الهدى في الآية فالهدى المذكور ثانيا غير الهدى ~~المذكور أولا وأن قوله "وموعظة" من قبيل عطف التفسير والله أعلم. # وثالثا: أن قوله ثانيا في وصف الإنجيل: "ومصدقا لما بين يديه من التوراة" ~~ليس من قبيل التكرار لتأكيد ونحوه بل المراد به تبعية الإنجيل لشريعة ~~التوراة فلم يكن في الإنجيل إلا الإمضاء ms1930 لشريعة التوراة والدعوة إليها إلا ~~ما استثناه عيسى المسيح على ما حكاه الله تعالى من قوله: "ولأحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم": آل عمران: 50. # والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية الآتية في وصف القرآن: "وأنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه" على ما ~~سيجيء من البيان. # قوله تعالى: "وهدى وموعظة للمتقين" قد مر توضيحه، والآية تدل على أن في ~~الإنجيل النازل على المسيح عناية خاصة بالتقوى في الدين مضافا إلى ما يشتمل ~~عليه التوراة من المعارف الاعتقادية والأحكام العملية، والتوراة الدائرة ~~بينهم اليوم وإن لم يصدقها القرآن كل التصديق، وكذا الأناجيل الأربعة ~~المنسوبة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا وإن كانت غير ما يذكره القرآن من ~~الإنجيل النازل على المسيح نفسه لكنها مع ذلك كله تصدق هذا المعنى كما ~~سيجيء إن شاء الله الإشارة إليه. PageV05P199 # قوله تعالى: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه" إلخ وقد أنزل فيه ~~تصديق التوراة في شرائعها إلا ما استثني من الأحكام المنسوخة التي ذكرت في ~~الإنجيل النازل على عيسى (عليه السلام)، فإن الإنجيل لما صدق التوراة فيما ~~شرعته، وأحل بعض ما حرم فيها كان العمل بما في التوراة في غير ما أحلها ~~الإنجيل من المحرمات عملا بما أنزل الله في الإنجيل وهو ظاهر. # ومن هنا يظهر ضعف ما استدل بعض المفسرين بالآية على أن الإنجيل مشتمل على ~~صرائع مفصلة كما اشتملت عليه التوراة، ووجه الضعف ظاهر. # وأما قوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" فهو تشديد في ~~الأمر المدلول عليه بقوله: "وليحكم"، وقد كرر الله سبحانه هذه الكلمة ~~للتشديد ثلاث مرات: مرتين في أمر اليهود ومرة في أمر النصارى باختلاف يسير ~~فقال: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فأولئك هم الظالمون، ~~فأولئك هم الفاسقون" فسجل عليهم الكفر والظلم والفسق. # ولعل الوجه في ذكر الفسق عند التعرض لما يرجع إلى النصارى، والكفر والظلم ~~فيما يعود إلى اليهود أن النصارى بدلوا التوحيد تثليثا ورفضوا أحكام ms1931 ~~التوراة بأخذ بولس دين المسيح دينا مستقلا منفصلا عن دين موسى مرفوعا فيه ~~الأحكام بالتفدية فخرجت النصارى بذلك عن التوحيد وشريعته بتأول ففسقوا عن ~~دين الله الحق، والفسق خروج الشيء من مستقره كخروج لب التمرة عن قشرها. # وأما اليهود فلم يشتبه عليهم الأمر فيما عندهم من دين موسى (عليه السلام) ~~وإنما ردوا الأحكام والمعارف التي كانوا على علم منها وهو الكفر بآيات الله ~~والظلم لها. # والآيات الثلاث أعني قوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون، فأولئك هم الظالمون، فأولئك هم الفاسقون" آيات مطلقة لا تختص ~~بقوم دون قوم، وإن انطبقت على أهل الكتاب في هذا المقام. # وقد اختلف المفسرون في معنى كفر من لم يحكم بما أنزل الله كالقاضي يقضي ~~بغير ما أنزل الله، والحاكم يحكم على خلاف ما أنزل الله، والمبتدع يستن ~~بغير السنة وهي مسألة فقهية الحق فيها أن المخالفة لحكم شرعي أو لأي أمر ~~ثابت في الدين في صورة العلم بثبوته والرد له توجب الكفر، وفي صورة العلم ~~بثبوته مع عدم الرد له توجب الفسق، وفي صورة عدم العلم بثبوته مع الرد له ~~لا توجب كفرا ولا فسقا لكونه قصورا يعذر فيه إلا أن يكون قصر في شيء من ~~مقدماته وليراجع في ذلك كتب الفقه. # قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه" هيمنة الشيء على الشيء - على ما يتحصل من معناها - كون الشيء ~~ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرف فيه، وهذا حال القرآن ~~الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب ~~السماوية: يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيرة وينسخ منها ما ينبغي أن ~~ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرق إليها التغير والتبدل حتى يناسب حال ~~الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقي والتكامل بمرور الزمان قال تعالى: "إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم": إسراء: 9 وقال: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها": ms1932 البقرة: 160 وقال: "الذين يتبعون النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون": الأعراف: 175. # فهذه الجملة أعني قوله: "ومهيمنا عليه" متممة لقول: "ومصدقا لما بين يديه ~~من الكتاب" تتميم إيضاح إذ لولاها لأمكن أن يتوهم من تصديق القرآن للتوراة ~~والإنجيل أنه يصدق ما فيهما من الشرائع والأحكام تصديق إبقاء من غير تغيير ~~وتبديل لكن توصيفه بالهيمنة يبين أن تصديقه لها تصديق أنها معارف وشرائع ~~حقة من عند الله ولله أن يتصرف منها فيما يشاء بالنسخ والتكميل كما يشير ~~إليه قوله ذيلا: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم". PageV05P200 # فقول: "مصدقا لما بين يديه" معناه تقرير ما فيها من المعارف والأحكام بما ~~يناسب حال هذه الأمة فلا ينافيه ما تطرق إليها من النسخ والتكميل والزيادة ~~كما كان المسيح (عليه السلام) أو إنجيله مصدقا للتوراة مع إحلاله بعض ما ~~فيها من المحرمات كما حكاه الله عنه في قوله: "ومصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم": آل عمران: 50. # قوله تعالى: "فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ~~الحق" أي إذا كانت الشريعة النازلة إليك المودعة في الكتاب حقا وهو حق فيما ~~وافق ما بين يديه من الكتب وحق فيما خالفه لكونه مهيمنا عليه فليس لك إلا ~~أن تحكم بين أهل الكتاب - كما يؤيده ظاهر الآيات السابقة - أو بين الناس - ~~كما تؤيده الآيات اللاحقة - بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم بالإعراض ~~والعدول عما جاءك من الحق. # ومن هنا يظهر جواز أن يراد بقوله: "فاحكم بينهم" الحكم بين أهل الكتاب أو ~~الحكم بين الناس لكن تبعد المعنى الأول حاجته إلى تقدير كقولنا فاحكم بينهم ~~إن حكمت، فإن الله سبحانه لم يوجب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم ~~بينهم بل ms1933 خيره بين الحكم والإعراض بقوله: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم" الآية على أن الله سبحانه ذكر المنافقين مع اليهود في أول الآيات فلا ~~موجب لاختصاص اليهود برجوع الضمير إليهم لسبق الذكر وقد ذكر معهم غيرهم، ~~فالأنسب أن يرجع الضمير إلى الناس لدلالة المقام. # ويظهر أيضا أن قوله: "عما جاءك" متعلق بقوله: "ولا تتبع" بإشرابه معنى ~~العدول أو الإعراض. # قوله تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" قال الراغب في المفردات:، ~~الشرع نهج الطريق الواضح يقال: شرعت له طريقا والشرع مصدر ثم جعل اسما ~~للطريق النهج فقيل له: شرع وشرع وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الإلهية قال: ~~"شرعة ومنهاجا" - إلى أن قال - قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيها ~~بشريعة الماء انتهى. # ولعل الشريعة بالمعنى الثاني مأخوذ من المعنى الأول لوضوح طريق الماء ~~عندهم بكثرة الورود والصدور وقال: النهج بالفتح فالسكون: الطريق الواضح، ~~ونهج الأمر وأنهج وضح، ومنهج الطريق ومنهاجه. # كلام في معنى الشريعة والفرق بينها وبين الدين والملة في عرف القرآن # معنى الشريعة كما عرفت هو الطريقة، والدين وكذلك الملة طريقة متخذة لكن ~~الظاهر من القرآن أنه يستعمل الشريعة في معنى أخص من الدين كما يدل عليه ~~قوله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19، وقوله تعالى: "ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين": آل عمران: ~~85 إذا انضما إلى قوله: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" الآية وقوله: "ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها": الجاثية: 18. # فكان الشريعة هي الطريقة الممهدة لأمة من الأمم أو لنبي من الأنبياء ~~الذين بعثوا بها كشريعة نوح وشريعة إبراهيم وشريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والدين هو السنة والطريقة الإلهية العامة ~~لجميع الأمم فالشريعة تقبل النسخ دون الدين بمعناه الوسيع. # وهناك فرق آخر وهو أن الدين ينسب إلى الواحد والجماعة كيفما كانا، ولكن ~~الشريعة لا تنسب إلى الواحد إلا إذا كان واضعها أو القائم بأمرها يقال: دين ~~المسلمين ودين اليهود وشريعتهم، ويقال: دين ms1934 الله وشريعته ودين محمد ~~وشريعته، ويقال: دين زيد وعمرو، ولا يقال: شريعة زيد وعمرو، ولعل ذلك لما ~~في لفظ الشريعة من التلميح إلى المعنى الحدثي وهو تمهيد الطريق ونصبه فمن ~~الجائز أن يقال: الطريقة التي مهدها الله أو الطريقة التي مهدت للنبي أو ~~للأمة الفلانية دون أن يقال: الطريقة التي مهدت لزيد إذ لا اختصاص له بشيء. PageV05P201 # وكيف كان فالمستفاد منها أن الشريعة أخص معنى من الدين وأما قوله تعالى: ~~"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى": الشورى: 13 فلا ينافي ذلك إذ الآية إنما تدل على أن شريعة ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المشروعة لأمته هي مجموع وصايا الله سبحانه ~~لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى مضافا إليها ما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه ~~وآله وعليهم، وهو كناية إما عن كون الإسلام جامعا لمزايا جميع الشرائع ~~السابقة وزيادة، أو عن كون الشرائع جميعا ذات حقيقة واحدة بحسب اللب وإن ~~كانت مختلفة بحسب اختلاف الأمم في الاستعداد كما يشعر به أو يدل عليه قوله ~~بعده: "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13. # فنسبة الشرائع الخاصة إلى الدين - وهو واحد والشرائع تنسخ بعضها بعضا - ~~كنسبة الأحكام الجزئية في الإسلام فيها ناسخ ومنسوخ إلى أصل الدين، فالله ~~سبحانه لم يتعبد عباده إلا لدين واحد وهو الإسلام له إلا أنه سلك بهم لنيل ~~ذلك مسالك مختلفة وسن لهم سننا متنوعة على حسب اختلاف استعداداتهم وتنوعها، ~~وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم كما ~~أنه تعالى ربما نسخ في شريعة واحدة بعض الأحكام ببعض لانقضاء مصلحة الحكم ~~المنسوخ وظهور مصلحة الحكم الناسخ كنسخ الحبس المخلد في زنا النساء بالجلد ~~والرجم وغير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ~~ولكن ليبلوكم فيما آتاكم" الآية. # وأما الملة فكان المراد بها السنة الحيوية المسلوكة بين الناس، وكان فيها ~~معنى الإملال والإملاء فيكون هي الطريقة المأخوذة من الغير، ms1935 وليس الأصل في ~~معناه واضحا ذاك الوضوح، فالأشبه أن تكون مرادفة للشريعة بمعنى أن الملة ~~كالشريعة هي الطريقة الخاصة بخلاف الدين، وإن كان بينهما فرق من حيث إن ~~الشريعة تستعمل فيها بعناية أنها سبيل مهده الله تعالى لسلوك الناس إليه، ~~والملة إنما تطلق عليها لكونها مأخوذة عن الغير بالإتباع العملي، ولعله ~~لذلك لا تضاف إلى الله سبحانه كما يضاف الدين والشريعة، يقال: دين الله ~~وشريعة الله، ولا يقال: ملة الله. # بل إنما تضاف إلى النبي مثلا من حيث إنها سيرته وسنته أو إلى الأمة من ~~جهة أنهم سائرون مستنون به، قال تعالى: "ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين": البقرة: 153 وقال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): "إني تركت ~~ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة ءابائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب": يوسف: 38 وقال تعالى حكاية عن الكفار في قولهم لأنبيائهم: ~~"لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا": إبراهيم: 13. # فقد تلخص أن الدين في عرف القرآن أعم من الشريعة والملة وهما كالمترادفين ~~مع فرق ما من حيث العناية اللفظية. # قوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم" ~~بيان لسبب اختلاف الشرائع، وليس المراد بجعلهم أمة واحدة الجعل التكويني ~~بمعنى النوعية الواحدة فإن الناس أفراد نوع واحد يعيشون على نسق واحد كما ~~يدل عليه قوله تعالى: "ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون": الزخرف: 33. PageV05P202 # بل المراد أخذهم بحسب الاعتبار أمة واحدة على مستوى واحد من الاستعداد ~~والتهيؤ حتى تشرع لهم شريعة واحدة لتقارب درجاتهم الملحوظة فقوله: "ولو شاء ~~الله لجعلكم أمة واحدة" من قبيل وضع علة الشرط موضع الشرط ليتضح باستحضارها ~~معنى الجزاء أعني قوله: "ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم" أي ليمتحنكم فيما ~~أعطاكم وأنعم عليكم، ولا محالة هذه العطايا المشار إليها في الآية مختلفة ~~في الأمم، وليست هي الاختلافات بحسب المساكن والألسنة والألوان فإن الله لم ~~يشرع شريعتين أو أكثر في زمان ms1936 واحد قط بل هي الاختلافات بحسب مرور الزمان، ~~وارتقاء الإنسان في مدارج الاستعداد والتهيؤ وليست التكاليف الإلهية ~~والأحكام المشرعة إلا امتحانا إلهيا للإنسان في مختلف مواقف الحياة وإن شئت ~~فقل: إخراجا له من القوة إلى الفعل في جانبي السعادة والشقاوة، وإن شئت ~~فقل: تمييزا لحزب الرحمن وعباده من حزب الشيطان فقد اختلف التعبير عنه في ~~الكتاب العزيز، ومآل الجميع إلى معنى واحد، قال تعالى جريا على مسلك ~~الامتحان: "وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ ~~منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين": آل عمران: 124 إلى غير ذلك من الآيات. # وقال جريا على المسلك الثاني: "فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى": طه: 142. # وقال جريا على المسلك الثالث: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا - إلى ~~أن قال - قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين": الحجر: 43 إلى غير ذلك ~~من الآيات. # وبالجملة لما كانت العطايا الإلهية لنوع الإنسان من الاستعداد والتهيؤ ~~مختلفة باختلاف الأزمان، وكانت الشريعة والسنة الإلهية الواجب إجراؤها ~~بينهم لتتميم سعادة حياتهم وهي الامتحانات الإلهية تختلف لا محالة باختلاف ~~مراتب الاستعدادات وتنوعها أنتج ذلك لزوم اختلاف الشرائع، ولذلك علل تعالى ~~ما ذكره من اختلاف الشرعة والمنهاج بأن إرادته تعلقت ببلائكم وامتحانكم ~~فيما أنعم عليكم فقال: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم ~~أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم". # فمعنى الآية - والله أعلم -: لكل أمة جعلنا منكم جعلا تشريعيا شرعة ~~ومنهاجا ولو شاء الله لأخذكم أمة واحدة وشرع لكم شريعة واحدة، ولكن جعل لكم ~~شرائع مختلفة ليمتحنكم فيما ءاتاكم من النعم المختلفة، ms1937 واختلاف النعم كان ~~يستدعي اختلاف الامتحان الذي هو عنوان التكاليف والأحكام المجعولة فلا ~~محالة ألقي الاختلاف بين الشرائع. # وهذه الأمم المختلفة هي أمم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وآله وعليهم كما يدل عليه ما يمتن الله به على هذه الأمة بقوله: "شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى: الشورى: 13. # قوله تعالى: "فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا" إلخ الاستباق أخذ ~~السبق، والمرجع مصدر ميمي من الرجوع، والكلام متفرع على قوله: "لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا" بما له من لازم المعنى أي وجعلنا هذه الشريعة الحقة ~~المهيمنة على سائر الشرائع شريعة لكم، وفيه خيركم وصلاحكم لا محالة ~~فاستبقوا الخيرات وهي الأحكام والتكاليف، ولا تشتغلوا بأمر هذه الاختلافات ~~التي بينكم وبين غيركم فإن مرجعكم جميعا إلى ربكم تعالى فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون ويحكم بينكم حكما فصلا، ويقضي قضاء عدلا. PageV05P203 # قوله تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع"، هذا الصدر يتحد مع ~~ما في الآية السابقة من قوله: "فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم"، ثم يختلفان فيما فرع على كل منهما، ويعلم منه أن التكرار لحيازة ~~هذه الفائدة فالآية الأولى تأمر بالحكم بما أنزل الله وتحذر اتباع أهواء ~~الناس لأن هذا الذي أنزله الله هي الشريعة المجعولة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولأمته فالواجب عليهم أن يستبقوا هذه الخيرات، والآية الثانية ~~تأمر بالحكم بما أنزل الله، وتحذر اتباع أهواء الناس وتبين أن توليهم إن ~~تولوا عما أنزل الله كاشف عن إضلال إلهي لهم لفسقهم وقد قال الله تعالى: ~~"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # فيتحصل مما تقدم أن هذه الآية بمنزلة البيان لبعض ما تتضمنه الآية ~~السابقة من المعاني المفتقرة إلى البيان، وهو أن إعراض أرباب الأهواء عن ~~اتباع ما أنزل الله بالحق إنما هو لكونهم فاسقين، وقد أراد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم الموجبة لفسقهم، والإصابة هو ms1938 الإضلال ظاهرا، فقوله: "وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله" عطف على الكتاب في قوله: "وأنزلنا إليك الكتاب" كما ~~قيل، والأنسب حينئذ أن يكون اللام فيه مشعرة بالتلميح إلى المعنى الحدثي، ~~ويصير المعنى: وأنزلنا إليك ما كتب عليهم من الأحكام وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله إلخ. # وقوله: "واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" أمره تعالى نبيه ~~بالحذر عن فتنتهم مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوما بعصمة الله ~~إنما هو من جهة أن قوة العصمة لا توجب بطلان الاختيار وسقوط التكاليف ~~المبنية عليه فإنها من سنخ الملكات العلمية، والعلوم والإدراكات لا تخرج ~~القوى العاملة والمحركة في الأعضاء والأعضاء الحاملة لها عن استواء نسبة ~~الفعل والترك إليها. # كما أن العلم الجازم بكون الغذاء مسموما يعصم الإنسان عن تناوله وأكله، ~~لكن الأعضاء المستخدمة للتغذي كاليد والفم واللسان والأسنان من شأنها أن ~~تعمل عملها في هذا الأكل وتتغذى به، ومن شأنها أن تسكن فلا تعمل شيئا مع ~~إمكان العمل لها فالفعل اختياري وإن كان كالمستحيل صدوره ما دام هذا العلم. # وقد تقدم شطر من الكلام في ذلك في الكلام على قوله تعالى: "وما يضرونك من ~~شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله ~~عليك عظيما": النساء: 131. # وقوله: "فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم" بيان ~~لأمر إضلالهم إثر فسقهم كما تقدم، وفيه رجوع إلى بدء الكلام في هذه الآيات: ~~"يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" إلخ ففيه تسلية للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتطييب لنفسه، وتعليم له ما لا يدب معه الحزن ~~في قلبه، وهكذا فعل الله سبحانه في جل الموارد التي نهى فيها النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن أن يحزن على توليهم عن الدعوة الحقة واستنكافهم عن ~~قبول ما يرشدهم إلى سبيل الرشاد والفلاح فبين له (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أنهم ليسوا بمعجزين لله في ملكه ولا غالبين عليه بل الله غالب ms1939 على أمره، ~~وهو الذي يضلهم بسبب فسقهم، ويزيغ قلوبهم عن زيغ منهم، ويجعل الرجس عليهم ~~بسلب توفيقه عنهم واستدراجه إياهم، قال تعالى: "ولا يحسبن الذين كفروا ~~سبقوا إنهم لا يعجزون": الأنفال: 59 وإذا كان الأمر إلى الله سبحانه، وهو ~~الذي يذب عن ساحة دينه الطاهرة كل رجس نجس فلم يفته شيء مما أراده ولا وجه ~~للحزن إذا لم يكن فائت. # ولعله إلى ذلك الإشارة بقوله: "فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله" إلخ دون ~~أن يقال: فإن تولوا فإنما يريد الله إلخ أو ما يؤدي معناه فيئول المعنى إلى ~~تعليم أن توليهم أنما هو بتسخير إلهي فلا ينبغي أن يحزن ذلك النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فإنه رسول داع إلى سبيل ربه إن أحزنه شيء فإنما ينبغي ~~أن يحزنه لغلبته إرادة الله في أمر الدعوة الدينية، وإذا كان الله سبحانه ~~لا يعجزه شيء بل هو الذي يسوقهم إلى هنا وهناك بتسخير إلهي وتوفيق ومكر فلا ~~موجب للحزن. PageV05P204 # وقد بين تعالى هذه الحقيقة بلسان آخر في قوله: "ولعلك باخع نفسك على آثارهم ~~إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": الكهف: 8 فبين أن الله ~~تعالى لم يرد بإرسال الرسل والإنذار والتبشير الديني إيمان الناس جميعا على ~~حد ما يريده الإنسان في حوائجه ومآربه، وإنما ذلك كله امتحان وابتلاء يبتلى ~~به الناس ليمتاز به من هو أحسن عملا، وإلا فالدنيا وما فيها ستبطل وتفنى ~~فلا يبقى إلا الصعيد العاري من هؤلاء الكفار المعرضين عن الحديث الحق، ومن ~~كل ما يتعلق به قلوبهم فلا موجب للأسف إذ لا يجر ذلك خيبة إلى سعينا ولا ~~بطلانا لقدرتنا وكلالا لإرادتنا. # وقوله: "وإن كثيرا من الناس لفاسقون" في محل التعليل لقوله: "إنما يريد ~~الله أن يصيبهم" إلخ على ما تقدم بيانه. # قوله تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" ~~تفريع بنحو الاستفهام على ما بين في ms1940 الآية السابقة من توليهم مع كون ما ~~يتولون عنه هو حكم الله النازل إليهم والحق الذي علموا أنه حق، ويمكن أن ~~يكون في مقام النتيجة اللازمة لما بين في جميع الآيات السابقة. # والمعنى: وإذا كانت هذه الأحكام والشرائع حقة نازلة من عند الله ولم يكن ~~وراءها حكم حق لا يكون دونها إلا حكم الجاهلية الناشئة عن اتباع الهوى ~~فهؤلاء الذين يتولون عن الحكم الحق ما ذا يريدون بتوليهم وليس هناك إلا حكم ~~الجاهلية؟ أفحكم الجاهلية يبغون والحال أنه ليس أحد أحسن حكما من الله ~~لهؤلاء المدعين للإيمان؟. # فقوله: "أفحكم الجاهلية يبغون" استفهام توبيخي، وقوله: "ومن أحسن من الله ~~حكما" استفهام إنكاري أي لا أحد أحسن حكما من الله، وإنما يتبع الحكم ~~لحسنه، وقوله: "لقوم يوقنون" في أخذ وصف اليقين تعريض لهم بأنهم إن صدقوا ~~في دعواهم الإيمان بالله فهم يوقنون بآياته، والذين يوقنون بآيات الله ~~ينكرون أن يكون أحد أحسن حكما من الله سبحانه. # واعلم أن في الآيات موارد من الالتفات من التكلم وحده أو مع الغير إلى ~~الغيبة وبالعكس كقوله: "إن الله يحب المقسطين" ثم قوله: "إنا أنزلنا ~~التوراة" ثم قوله: "بما استحفظوا من كتاب الله" ثم قوله: "واخشون" وهكذا، ~~فما كان منها يختار فيه الغيبة بلفظ الجلالة فإنما يراد به تعظيم الأمر ~~بتعظيم صاحبه. # وما كان منها بلفظ المتكلم وحده فيراد به أن الأمر إلى الله وحده لا ~~يداخله ولي ولا يشفع فيه شفيع، فإذا كان ترغيبا أو وعدا فإنما القائم به هو ~~الله سبحانه، وهو أكرم من يفي بوعده، وإذا كان تحذيرا أو إيعادا فهو أشد ~~وأشق ولا يصرف عن الإنسان بشفيع ولا ولي إذ الأمر إلى الله نفسه وقد نفي كل ~~واسطة ورفع كل سبب متخلل فافهم ذلك، وقد مر بعض الكلام فيه في بعض المباحث ~~السابقة. PageV05P205 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "يا أيها الرسول - لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر" الآية عن الباقر (عليه السلام): أن امرأة من خيبر ذات شرف بينهم ms1941 زنت ~~مع رجل من أشرافهم وهما محصنان، فكرهوا رجمهما، فأرسلوا إلى يهود المدينة ~~وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة فانطلق قوم ~~منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وشعبة بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن ~~أبي الحقيق وغيرهم فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما ~~حدهما؟ فقال: وهل ترضون بقضائي في ذلك؟ قالوا: نعم، فنزل جبرائيل بالرجم ~~فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال جبرائيل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ~~ووصفه له. فقال النبي: هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدكا يقال له: ~~ابن صوريا؟ قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم؟ قالوا: أعلم يهودي بقي على ~~ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فأرسلوا إليه ففعلوا فأتاهم عبد ~~الله بن صوريا. فقال له النبي: إني أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي ~~أنزل التوراة على موسى، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون، وظلل عليكم ~~الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ ~~قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به لو لا خشية أن يحرقني رب التوراة إن ~~كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: إذا ~~شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه ~~الرجم، قال ابن صوريا: هكذا أنزل الله في التوراة على موسى. فقال له النبي: ~~فما ذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟ قال: كنا إذا زنى الشريف تركناه، ~~وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك ~~لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر فأراد الملك رجمه فقال له قومه لا حتى ترجم ~~فلانا يعنون ابن عمه فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على ~~الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلدا أربعين جلدة ثم يسود ~~وجوههما ثم يحملان على حمارين، ويجعل ms1942 وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما ~~فجعلوا هذا مكان الرجم. فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به! ~~وما كنت لما أتينا عليك بأهل، ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك فقال: إنه ~~أنشدني بالتوراة، ولو لا ذلك لما أخبرته به، فأمر بهما النبي فرجما عند باب ~~مسجده، وقال: أنا أول من أحيا أمرك إذا أماتوه فأنزل الله فيه: "يا أهل ~~الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب - ~~ويعفوا عن كثير" فقام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول الله ثم قال: هذا ~~مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه فأعرض ~~النبي عن ذلك. ثم سأله ابن صوريا عن نومه فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، ~~فقال: صدقت، وأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبه أمه شيء أو بأمه ~~ليس فيه من شبه أبيه شيء، فقال: أيهما علا وسبق ماء صاحبه كان الشبه له ~~قال: قد صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ قال: فأغمي على ~~رسول الله طويلا ثم خلى عنه محمرا وجهه يفيض عرقا فقال: اللحم والدم والظفر ~~والشحم للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل قال له: صدقت، أمرك أمر نبي. ~~فأسلم ابن صوريا عند ذلك وقال: يا محمد من يأتيك من الملائكة؟ قال: جبرائيل ~~قال: صفه لي فوصفه النبي فقال: اشهد أنه في التوراة كما قلت: وأنك رسول ~~الله حقا. فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه، فلما أرادوا أن ~~ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير ~~أبونا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد إذا قتلوا منا قتيلا لم يقد، وأعطونا ~~ديته سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتيلا قتلوا القاتل وأخذوا منا ~~الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا به الرجل منا، ~~وبالرجل منهم رجلين منا، وبالعبد الحر منا وجراحاتنا على النصف من ~~جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم فأنزل الله في الرجم ms1943 والقصاص الآيات: أقول: ~~وأسند الطبرسي في المجمع، إلى رواية جماعة من المفسرين مضافا إلى روايته عن ~~الباقر (عليه السلام)، وروي ما يقرب من صدر القصة في جوامع أهل السنة ~~وتفاسيرهم بعدة طرق عن أبي هريرة PageV05P206 وبراء بن عازب وعبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم، والروايات متقاربة، وروي ~~ذيل القصة في الدر المنثور، عن عبد بن حميد وأبي الشيخ عن قتادة، وعن ابن ~~جرير وابن إسحاق والطبراني وابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس. # أما ما وقع في الرواية من تصديق ابن صوريا وجود حكم الرجم في التوراة ~~وأنه المراد بقوله: "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله" الآية ~~فيؤيده أيضا وجود الحكم في التوراة الدائرة اليوم بنحو يقرب مما في الحديث. # ففي الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التثنية من التوراة ما هذا نصه: +" ~~22 إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان: الرجل المضطجع مع ~~المرأة والمرأة فتنزع الشر من إسرائيل 23 إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل ~~فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها 24 فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك ~~المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا: الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في ~~المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه فتنزع الشر من وسطك. # وهذا كما ترى يخص الرجم ببعض الصور. # وأما ما وقع في الرواية من سؤالهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عن حكم الدية مضافا إلى سؤالهم عن حكم زنا المحصن فقد تقدم أن الآيات لا ~~تخلو عن تأييد لذلك، والذي ذكرته الآية في حكم القصاص في القتل والجرح أنه ~~مكتوب في التوراة فهو موجود في التوراة الدائرة اليوم: في الإصحاح الحادي ~~والعشرين من سفر الخروج من التوراة ما نصه: +" 12 من ضرب إنسانا فمات يقتل ~~قتلا 13 ولكن الذي لم يتعمد بل أوقع الله في يد فأنا أجعل لك مكانا يهرب ~~إليه... 23 وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس 24 وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ~~ورجلا برجل 25 وكيا ms1944 بكي وجرحا بجرح ورضا برض "+. وفي الإصحاح الرابع ~~والعشرين من سفر اللاويين ما نصه: +" 17 وإذا أمات أحد إنسانا فإنه يقتل 18 ~~ومن أمات بهيمة فإنه يعوض عنها نفسا بنفس 19 وإذا أحدث إنسان في قرينه عيبا ~~فكما فعل كذلك يفعل به 20 كسر بكسر وعين بعين وسن بسن كما أحدث عيبا في ~~الإنسان كذلك يحدث فيه "+. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو داود بن جرير وابن المنذر والطبراني ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: "ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله - فأولئك هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون"، أنزلها الله في ~~طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا ~~على أن كل قتل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته ~~الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) المدينة فنزلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ لم يظهر عليهم فقامت الذليلة فقالت: وهل ~~كان هذا في حيين قط: دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، ودية بعضهم ~~نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم فأما، إذ قدم ~~محمد فلا نعطيكم ذلك فكادت الحرب تهيج بينهم ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ففكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد ~~بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا ~~لهم، فدسوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبر الله رسوله ~~بأمرهم كله وما ذا أرادوا فأنزل الله: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر إلى قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" ~~ثم قال: فيهم والله أنزلت. # أقول: وروى القصة القمي في تفسيره في حديث طويل وفيه: أن عبد الله بن أبي ~~هو الذي كان يتكلم عن بني النضير وهي العزيزة ويخوف رسول الله (صلى الله ~~عليه ms1945 وآله وسلم) أمرهم، وأنه كان هو القائل: "إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا". PageV05P207 # والرواية الأولى أصدق متنا من هذه لأن مضمونها أوفق وأكثر انطباقا على سياق ~~الآيات فإن أوائل الآيات وخاصة الآيتين الأوليين لا تنطبق سياقا على ما ذكر ~~من قصة الدية بين بني النضير وبني قريظة كما لا يخفى على العارف بأساليب ~~الكلام، وليس من البعيد أن يكون الرواية من قبيل تطبيق القصة على القرآن ~~على حد كثير من روايات أسباب النزول، فكأن الراوي وجد القصة تنطبق على مثل ~~قوله: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس" الآية وما قبلها، ثم رأى اتصال ~~الآيات بادئة من قوله: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" ~~الآية فأخذ جميع الآيات نازلة في هذه القصة، وقد غفل عن قصة الرجم. # والله أعلم. # وفي تفسير العياشي، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء، وفتح ~~مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه ~~نكتة سوداء، وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله. ثم تلا هذه الآية: "فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا" الآية وقال: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون" وقال: "أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم". # وفي الكافي، بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله قال: السحت ثمن الميتة ~~وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة في الحكم وأجر الكاهن. # أقول: ما ذكره في الرواية إنما هو تعداد من غير حصر، وأقسام السحت كثيرة ~~كما في الروايات، وفي هذا المعنى وما يقرب منه روايات كثيرة من طرق أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب: أنه سئل عن ~~السحت فقال: الرشا. فقيل له: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر. # أقول: قوله: "ذاك الكفر" كأنه إشارة إلى ms1946 ما وقع بين الآيات المبحوث عنها ~~من قوله تعالى في سياق ذم السحت والارتشاء في الحكم: "ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" وقد تكرر في ~~الروايات عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: وأما الرشا في ~~الحكم فإن ذلك الكفر بالله وبرسوله، والروايات في تفسير السحت وحرمته كثيرة ~~مروية من طرق الشيعة وأهل السنة مودعة في جوامعهم. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "فإن جاءوك فاحكم بينهم" الآية: أخرج ~~ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من هذه السورة يعني من ~~المائدة: آية القلائد وقوله: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" فكان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض ~~عنهم فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم" قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحكم بينهم بما ~~في كتابنا. # وفيه، أخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: ~~"فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" قال: نسختها هذه الآية وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله": أقول: وروي أيضا عن عبد الرزاق عن عكرمة مثله، والمتحصل من مضمون ~~الآيات لا يوافق هذا النسخ فإن الاتصال الظاهر من سياق الآيات يقضي بنزولها ~~دفعه واحدة ولا معنى حينئذ لنسخ بعضها بعضا، على أن قوله تعالى: "وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله"، آية غير مستقلة في معناها بل مرتبطة بما تقدمها ولا ~~وجه على هذا لكونها ناسخة، ولو صح النسخ مع ذلك كان ما قبلها أعني قوله: ~~"فاحكم بينهم بما أنزل الله"، في الآية السابقة أحق بالنسخ منها. # على أنك قد عرفت أن الأظهر رجوع الضمير في قوله تعالى: "بينهم" إلى الناس ~~مطلقا دون أهل الكتاب أو اليهود خاصة، على أنه قد تقدم في أوائل الكلام على ~~السورة: أن سورة المائدة ناسخة غير ms1947 منسوخة. PageV05P208 # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور": ~~الآية عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن مما استحقت ~~به الإمامة: التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار ~~ثم العلم المنور وفي نسخة: المكنون بجميع ما يحتاج إليه الأمة من حلالها ~~وحرامها، والعلم بكتابها خاصه وعامه، والمحكم والمتشابه ودقائق علمه، ~~وغرائب تأويله، وناسخه ومنسوخه. قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا ~~عالما بهذه الأشياء التي ذكرت؟ قال: قول الله فيمن أذن الله لهم في الحكومة ~~وجعلهم أهلها: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور - يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار" فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين ~~يربون الناس بعلمهم، وأما الأحبار فهم العلماء دون الربانيين، ثم أخبر ~~فقال: "بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" ولم يقل بما حملوا منه. # أقول: وهذا استدلال لطيف منه (عليه السلام) يظهر به عجيب معنى الآية وهو ~~معنى أدق مما تقدم بيانه ومحصله: أن الترتيب الذي اتخذته الآية في العد ~~فذكرت الأنبياء ثم الربانيين ثم الأحبار يدل على ترتبهم بحسب الفضل ~~والكمال: فالربانيون دون الأنبياء وفوق الأحبار، والأحبار هم علماء الدين ~~الذين حملوا علمه بالتعليم والتعلم. # وقد أخبر الله سبحانه عن نحو علم الربانيين بقوله: "بما استحفظوا من كتاب ~~الله وكانوا عليه شهداء" ولو كان المراد بذلك نحو علم العلماء لقيل: بما ~~حملوا كما قال: "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها": الآية الجمعة: 5. ~~فإن الاستحفاظ هو سؤال الحفظ، ومعناه التكليف بالحفظ نظير قوله: "ليسأل ~~الصادقين عن صدقهم": الأحزاب: 8 أي ليكلفهم بأن يظهروا ما كمن في نفوسهم من ~~صفة الصدق، وهذا الحفظ ثم الشهادة على الكتاب لا يتمان إلا مع عصمة ليست من ~~شأن غير الإمام المعصوم من قبل الله سبحانه فإن الله سبحانه بنى إذنه لهم ~~في الحكم على حفظهم للكتاب، واعتبر شهادتهم بانيا ذلك عليه، ومن المحال أن ~~يعتبر شهادتهم على الكتاب، وهي التي يثبت بها الكتاب مع ms1948 جواز الخطإ والغلط عليهم. # فهذا الحفظ والشهادة غير الحفظ والشهادة اللذين بيننا معاشر الناس، بل من ~~قبيل حفظ الأعمال والشهادة التي تقدم في قوله تعالى: "لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 134 وقد مر في الجزء الأول من ~~الكتاب. # ونسبة هذا الحفظ والشهادة إلى الجميع مع كون القائم بهما البعض كنسبة ~~الشهادة على الأعمال إلى جميع الأمة مع كون القائم بها بعضهم، وهو استعمال ~~شائع في القرآن نظير قوله تعالى: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة": الجاثية: 16. # وهذا لا ينافي تكليف الأحبار بالحفظ والشهادة وأخذ الميثاق منهم بذلك ~~لأنه ثبوت شرعي اعتباري غير الثبوت الحقيقي الذي يتوقف على حفظ حقيقي خال ~~عن الغلط والخطإ، والدين الإلهي كما لا يتم من دون هذا لا يتم من دون ذاك. # فثبت أن هناك منزلة بين منزلتي الأنبياء والأحبار، وهي منزلة الأئمة وقد ~~أخبر به الله سبحانه في قوله: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون": السجدة: 24 ولا ينافيه قوله: "ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا": الأنبياء: 73 ~~فإن اجتماع النبوة والإمامة في جماعة لا ينافي افتراقهما في غيرهم، وقد ~~تقدم شطر من الكلام في الإمامة في قوله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات" الآية: البقرة: 142 في الجزء الأول من الكتاب. # وبالجملة للربانيين والأئمة وهم البرازخ بين الأنبياء والأحبار العلم بحق ~~الكتاب والشهادة عليه بحق الشهادة. # وهذا في الربانيين والأئمة من بني إسرائيل لكن الآية تدل على أن ذلك لكون ~~التوراة كتابا منزلا من عند الله سبحانه مشتملا على هدى ونور أي المعارف ~~الاعتقادية والعملية التي تحتاج إليها الأمة، وإذا كان ذلك هو المستدعي ~~لهذا الاستحفاظ والشهادة للذين لا يقوم بهما إلا الربانيون والأئمة كان هذا ~~حال كل كتاب منزل من عند الله مشتمل على معارف إلهية وأحكام عملية وبذلك ~~يثبت المطلوب. PageV05P209 # فقوله (عليه السلام): "فهذه الأئمة دون الأنبياء" أي هم أخفض منزلة من ~~الأنبياء بحسب الترتيب المأخوذ في ms1949 الآية كما أن الأحبار - وهم العلماء - ~~دون الربانيين، وقوله: "يربون الناس بعلمهم" ظاهر في أنه (عليه السلام) أخذ ~~لفظ الرباني من مادة التربية دون الربوبية، وقد اتضح معاني بقية فقرات ~~الرواية بما قدمناه من محصل المعنى. # ولعل هذا المعنى هو مراده (عليه السلام) فيما رواه العياشي أيضا عن مالك ~~الجهني قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور إلى قوله بما استحفظوا من كتاب الله" قال: فينا نزلت. # وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون": عن الكافي، بإسناده عن عبد الله بن مسكان رفعه قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من حكم في درهمين بحكم جور ثم جبر عليه ~~كان من أهل هذه الآية: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ~~فقلت: وكيف يجبر عليه؟ فقال: يكون له سوط وسجن فيحكم عليه فإن رضي بحكمه ~~وإلا ضربه بسوطه وحبسه في سجنه: أقول: ورواه الشيخ في التهذيب، بإسناده عن ~~ابن مسكان مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورواه العياشي في ~~تفسيره مرسلا عنه. # ومعنى صدر الحديث مروي بطرق أخرى أيضا عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # والمراد بتقييد الحكم بالجبر إفادة أن يكون الحكم مما يترتب عليه الأثر ~~فيكون حكما فصلا بحسب نفسه بالطبع وإلا فمجرد الإنشاء لا يسمى حكما. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: إنما أنزل الله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ~~والظالمون، والفاسقون في اليهود خاصة. # أقول: فيه: أن الآيات الثلاث مطلقة لا دليل على تقييدها، والمورد لا يوجب ~~التصرف في إطلاق اللفظ، على أن مورد الآية الثالثة النصارى دون اليهود، على ~~أن ابن عباس قد روي عنه ما يناقض ذلك. # وفيه، أخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه ~~الآيات في المائدة، قلت: زعم قوم أنها نزلت على ms1950 بني إسرائيل ولم تنزل علينا ~~قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها فقرأت عليه فقال: لا، بل نزلت علينا، ثم لقيت ~~مقسما مولى ابن عباس فسألته عن هؤلاء الآيات التي في المائدة قلت: زعم قوم ~~أنها نزلت على بني إسرائيل ولم ينزل علينا قال: إنه نزل على بني إسرائيل ~~ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم. ثم دخلت على علي بن الحسين ~~فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ~~ومقسما قال: فما قال مقسم؟ فأخبرته بها، قال: قال: صدق ولكنه كفر ليس ككفر ~~الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك. فلقيت سعيد بن جبير ~~فأخبرته بما قال فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيته؟ لقد وجدت له فضلا ~~عليك وعلى مقسم. # أقول: قد ظهر انطباق الرواية على ما يظهر من الآية فيما تقدم من البيان. # وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفي تفسير ~~العياشي، عن أبي بصير عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: "فمن تصدق به فهو ~~كفارة له" الآية قال: يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا من جراح أو غيره. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): في قوله: "فمن تصدق به فهو كفارة له" قال: الرجل تكسر سنه ~~أو تقطع يده أو يقطع الشيء أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك فيحط عنه قدر ~~خطاياه فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن ~~كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك: أقول: وروي مثله أيضا عن الديلمي عن ابن ~~عمر، ولعل ما وقع في هذه الرواية والرواية السابقة عليها من انقسام التكفير ~~بحسب انقسام العفو مستفاد من تنزيل الدية شرعا - وهي منقسمة - منزلة القصاص ~~ثم توزين القصاص والدية جميعا بمغفرة الذنوب وهي أيضا منقسمة فينطبق البعض ~~على البعض كما انطبق الكل على الكل. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لكل ms1951 جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" قال: ~~لكل نبي شريعة وطريق. PageV05P210 # وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون"،: عن الكافي ~~بإسناده عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه رفعه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل يقضي بجور ~~وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى ~~بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة. # وقال (عليه السلام): الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم ~~الله حكم بحكم الجاهلية. # أقول: وفي المعنيين جميعا أخبار كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة مودعة في ~~أخبار القضاء والشهادات، والآية تشعر بل تدل على المعنيين جميعا: أما ~~بالنسبة إلى المعنى الأول فلأن الحكم بالجور سواء علم به أو حكم بغير علم ~~فكان جورا بالمصادفة وكذا الحكم بالحق من غير علم كل ذلك من اتباع الهوى ~~وقد نهى الله عنه بقوله: "فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما ~~جاءك من الحق" فحذر اتباع الهوى في الحكم وقابل به الحكم بالحق فعلم بذلك ~~أن العلم بالحق شرط في جواز الحكم وإلا لم يجز لأن فيه اتباع الهوى. # على أنه يصدق عليه حكم الجاهلية المقابل لحكم الله تعالى. # وأما المعنى الثاني وهو كون الحكم منقسما إلى حكم الجاهلية وحكم الله فهو ~~مستفاد من ظاهر قوله تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما" ~~من حيث المقابلة الواقعة بين الحكمين، والله أعلم. # وفي تفسير الطبري، عن قتادة: في قوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة - فيها ~~هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار" ~~قال: أما الربانيون ففقهاء اليهود وأما الأحبار فعلماؤهم، قال: وذكر لنا أن ~~نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لما أنزلت هذه الآية: نحن نحكم على ~~اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان. # أقول: ورواه السيوطي، أيضا في قوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة" ms1952 الآية عن ~~عبد بن حميد وعن ابن جرير عن قتادة. # وظاهر الرواية أن المنقول من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متعلق ~~بالآية أي أن الآية هي الحجة في ذلك فيشكل بأن الآية لا تدل إلا على الحكم ~~بالتوراة على اليهود لقوله تعالى: "للذين هادوا" لا على غير اليهود ولا على ~~الحكم بغير التوراة كما هو ظاهر الرواية إلا أن يراد بقوله: "نحن نحكم"، أن ~~الأنبياء يحكمون كذا وكذا، وهو مع كونه معنى سخيفا لا يرتبط بالآية. # والظاهر أن بعض الرواة غلط في نقل الآية، وأن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إنما قاله بعد نزول قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله" الآيات وينطبق على ما تقدم أن ظاهر الآية رجوع الضمير ~~في قوله: "بينهم" إلى الناس دون اليهود خاصة. # فأخذ الراوي الآية مكان الآية PageV05P211 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 51 - 54 # يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظلمين (51) فترى الذين ~~فى قلوبهم مرض يسرعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتى ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم ندمين (52) ويقول ~~الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم إنهم لمعكم حبطت أعملهم ~~فأصبحوا خسرين (53) يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين يجهدون فى ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله وسع عليم (54) ### |||| AUTO بيان # السير الإجمالي في هذه الآيات يوجب التوقف في اتصال هذه الآيات بما ~~قبلها، وكذا في اتصال ما بعدها كقوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله" إلى ~~آخر الآيتين ثم اتصال قوله بعدهما: "يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا" إلى تمام عدة آيات ثم في اتصال قوله: "يا أيها الرسول ~~بلغ" الآية. # أما هذه الآيات الأربع فإنها ms1953 تذكر اليهود والنصارى، والقرآن لم يكن ليذكر ~~أمرهم في آياته المكية لعدم مسيس الحاجة إليه يومئذ بل إنما يتعرض لحالهم ~~في المدينة من الآيات، ولا فيما نزلت منها في أوائل الهجرة فإن المسلمين ~~إنما كانوا مبتلين يومئذ بمخالطة اليهود ومعاشرتهم أو موادعتهم أو دفع ~~كيدهم ومكرهم خاصة دون النصارى إلا في النصف الأخير من زمن إقامة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة فلعل الآيات الأربع نزلت فيه، ولعل ~~المراد بالفتح فيها فتح مكة. # لكن تقدم أن الاعتماد على نزول سورة المائدة في سنة حجة الوداع وقد فتحت ~~مكة فهل المراد بالفتح فتح آخر غير فتح مكة؟ أو أن هذه الآيات نزلت قبل فتح ~~مكة وقبل نزول السورة جميعا؟. # ثم إن الآية الأخيرة أعني قوله: "يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم" ~~الآية هل هي متصلة بالآيات الثلاث المتقدمة عليها؟ ومن المراد بهؤلاء القوم ~~الذين تتوقع ردتهم؟ ومن هؤلاء الآخرون الذين وعد الله أنه سيأتي بهم؟ كل ~~واحد منها أمر يزيد إبهاما على إبهام، وقد تشتت ما ورد من أسباب النزول ~~وليست إلا أنظار المفسرين من السلف كغالب أسباب النزول المنقولة في الآيات، ~~وهذا الاختلاف الفاحش أيضا مما يشوش الذهن في تفهم المعنى، أضف إلى ذلك كله ~~مخالطة التعصبات المذهبية الأنظار القاضية فيها كما سيمر بك شواهد تشهد على ~~ذلك من الروايات وأقوال المفسرين من السلف والخلف. # والذي يعطيه التدبر في الآيات أن هذه الآيات الأربع على ما نقلناها متصلة ~~الأجزاء منقطعة عما قبلها وما بعدها، وأن الآية الرابعة من متممات الغرض ~~المقصود بيانه فيها غير أنه يجب التحرز في فهم معناها عن المساهلات ~~والمسامحات التي جوزتها أنظار الباحثين من المفسرين في الآيات وخاصة فيما ~~ذكر فيها من الأوصاف والنعوت على ما سيجيء. # وإجمال ما يتحصل من الآيات أن الله سبحانه يحذر المؤمنين فيها اتخاذ ~~اليهود والنصارى أولياء، ويهددهم في ذلك أشد التهديد، ويشير في ملحمة ~~قرآنية إلى ما يئول إليه أمر هذه الموالاة من انهدام بنية السيرة الدينية، ~~وأن ms1954 الله سيبعث قوما يقومون بالأمر، ويعيدون بنية الدين إلى عمارتها ~~الأصلية. # قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض" قال في المجمع:، الاتخاذ هو الاعتماد على الشيء لإعداده ~~لأمر، وهو افتعال من الأخذ، وأصله الائتخاذ فأبدلت الهمزة تاء، وأدغمتها في ~~التاء التي بعدها ومثله الاتعاد من الوعد، والأخذ يكون على وجوه تقول: أخذ ~~الكتاب إذا تناوله، وأخذ القربان إذا تقبله، وأخذه الله من مأمنه إذا ~~أهلكه، وأصله جواز الشيء من جهة إلى جهة من الجهات. # انتهى. PageV05P212 # وقال الراغب في المفردات:، الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس ~~بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة ومن ~~حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد انتهى موضع الحاجة وسيأتي ~~استيفاء البحث في معنى الولاية. # وبالجملة الولاية نوع اقتراب من الشيء يوجب ارتفاع الموانع والحجب بينهما ~~من حيث ما اقترب منه لأجله فإن كان من جهة التقوى والانتصار فالولي هو ~~الناصر الذي لا يمنعه عن نصرة من اقترب منه شيء، وإن كان من جهة الالتيام ~~في المعاشرة والمحبة التي هي الانجذاب الروحي فالولي هو المحبوب الذي لا ~~يملك الإنسان نفسه دون أن ينفعل عن إرادته، ويعطيه فيما يهواه وإن كان من ~~جهة النسب فالولي هو الذي يرثه مثلا من غير مانع يمنعه، وإن كان من جهة ~~الطاعة فالولي هو الذي يحكم في أمره بما يشاء. # ولم يقيد الله سبحانه في قوله: "لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" ~~الولاية بشيء من الخصوصيات والقيود فهي مطلقة غير أن قوله تعالى في الآية ~~التالية: "فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة"، يدل على أن المراد بالولاية نوع من القرب والاتصال يناسب هذا الذي ~~اعتذروا به بقولهم: "نخشى أن تصيبنا دائرة" وهي الدولة تدور عليهم، وكما أن ~~الدائرة من الجائز أن تصيبهم من غير اليهود والنصارى فيتأيدوا بنصرة ~~الطائفتين بأخذهما أولياء النصرة كذلك يجوز أن تصيبهم من نفس اليهود ~~والنصارى فينجو ms1955 منها باتخاذهما أولياء المحبة والخلطة. # والولاية بمعنى قرب المحبة والخلطة تجمع الفائدتين جميعا أعني فائدة ~~النصرة والامتزاج الروحي فهو المراد بالآية، وسيجيء ما في القيود والصفات ~~المأخوذة في الآية الأخيرة: "يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه"، ~~من الدلالة على أن المراد بالولاية هاهنا ولاية المحبة لا غير. # وقد أصر بعض المفسرين على أن المراد بالولاية ولاية النصرة وهي التي تجري ~~بين إنسانين أو قومين من الحلف أو العهد على نصرة أحد الوليين الآخر عند ~~الحاجة، واستدل على ذلك بما محصله أن الآيات - كما يلوح من ظاهرها - منزلة ~~قبل حجة الوداع في أوائل الهجرة أيام كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمسلمون لم يفرغوا من أمر يهود المدينة ومن حولهم من يهود فدك وخيبر ~~وغيرهم، ومن ورائهم النصارى وكان بين طوائف من العرب وبينهم عقود من ولاية ~~النصرة والحلف، وربما انطبق على ما ورد في أسباب النزول أن عبادة بن الصامت ~~من بني عوف بن الخزرج تبرأ من بني قينقاع لما حاربت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وكان بينه وبينهم ولاية حلف، لكن عبد الله بن أبي رأس ~~المنافقين لم يتبرأ منهم وسارع فيهم قائلا: نخشى أن تصيبنا دائرة. # أو ما ورد في قصة أبي لبابة لما أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ليخرج بني قريظة من حصنهم وينزلهم على حكمه، فأشار أبو لبابة بيده ~~إلى حلقه: أنه الذبح. # أو ما ورد أن بعضهم كان يكاتب نصارى الشام بأخبار المدينة، وبعضهم كان ~~يكاتب يهود المدينة لينتفعوا بمالهم ولو بالقرض. # أو ما ورد أن بعضهم قال: إنه يلحق بفلان اليهودي أو بفلان النصراني إثر ~~ما نزل بهم يوم أحد من القتل والهزيمة. # وهؤلاء الروايات كالمتفقة في أن القائلين: "نخشى أن تصيبنا دائرة" كانوا ~~هم المنافقين، وبالجملة فالآيات إنما تنهى عن المحالفة وولاية النصرة بين ~~المسلمين وبين اليهود والنصارى. # وقد أكد ذلك بعضهم حتى ادعى أن كون الولاية في الآية بمعنى ولاية المحبة ~~والاعتماد مما ms1956 تتبرأ منه لغة الآية في مفرداتها وسياقها كما يتبرأ منه سبب ~~النزول والحالة العامة التي كان عليها المسلمون والكتابيون في عصر التنزيل. # وكيف يصح حمل الآية على النهي عن معاشرتهم والاختلاط بهم وإن كانوا ذوي ~~ذمة أو عهد، وقد كان اليهود يقيمون مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع ~~الصحابة في المدينة، وكانوا يعاملونهم بالمساواة التامة انتهى ما ذكره ملخصا. # وهذا كله من التساهل في تحصيل معنى الآية أما ما ذكروه من كون الآيات ~~نازلة قبل عام حجة الوداع وهي سنة نزول سورة المائدة فمما ليس فيه كثير ~~إشكال لكنه لا يوجب كون الولاية بمعنى المحالفة دون ولاية المحبة. PageV05P213 # وأما ما ذكروه من أسباب النزول ودلالتها على كون الآيات نازلة في خصوص ~~المحالفة وولاية النصرة التي كانت بين أقوام من العرب وبين اليهود ~~والنصارى. # ففيه أولا أن أسباب النزول في نفسها متعارضة لا ترجع إلى معنى واحد يوثق ~~ويعتمد عليه، وثانيا أنها لا توجه ولاية النصارى وإن وجهت ولاية اليهود ~~بوجه إذ لم يكن بين العرب من المسلمين وبين النصارى ولاية الحلف يومئذ، ~~وثالثا أنا نصدق أسباب النزول فيما تقتضيها إلا أنك قد عرفت فيما مر أن جل ~~الروايات الواردة في أسباب النزول على ضعفها متضمنة لتطبيق الحوادث ~~المنقولة تاريخا على الآيات القرآنية المناسبة لها، وهذا أيضا لا بأس به. # وأما الحكم بأن الوقائع المذكورة فيها تخصص عموم آية من الآيات القرآنية ~~أو تقيد إطلاقها بحسب اللفظ فمما لا ينبغي التفوه به، ولا أن الظاهر ~~المتفاهم يساعده. # ولو تخصص أو تقيد ظاهر الآيات بخصوصية في سبب النزول غير مأخوذة في لفظ ~~الآية لمات القرآن بموت من نزل فيهم، وانقطع الحجاج به في واقعة من الوقائع ~~التي بعد عصر التنزيل، ولا يوافقه كتاب ولا سنة ولا عقل سليم. # وأما ما ذكره بعضهم: "أن أخذ الولاية بمعنى المحبة والاعتماد خطأ تتبرأ ~~منه لغة الآية في مفرداتها وسياقها كما يتبرأ منه أسباب النزول والحالة ~~العامة التي كان عليها المسلمون والكتابيون في عصر ms1957 التنزيل" فمما لا يرجع ~~إلى معنى محصل بعد التأمل فيه فإن ما ذكره من تبري أسباب النزول وما ذكره ~~من الحالة العامة أن تشمل الآيات ذلك وتصدق عليه إذا لم يأب ظهور الآية من ~~الانطباق عليه، وأما قصر الدلالة على مورد النزول والحالة العامة الموجودة ~~وقتئذ فقد عرفت أنه لا دليل عليه بل الدليل - وهو حجية الآية في ظهورها ~~المطلق - على خلافه فقد عرفت أن الآية مطلقة من غير دليل على تقييدها فتكون ~~حجة في المعنى المطلق، وهو الولاية بمعنى المحبة. # وما ذكره من تبري الآية بمفرداتها وسياقها من ذلك من عجيب الكلام، وليت ~~شعري ما الذي قصده من هذا التبري الذي وصفه وحمله على مفردات الآية ولم ~~يقنع بذلك دون أن عطف عليها سياقها. # وكيف تتبرأ من ذلك مفردات الآية أو سياقها وقد وقع فيها بعد قوله: "لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" قوله تعالى: "بعضهم أولياء بعض" ولا ريب في ~~أن المراد بهذه الولاية ولاية المحبة والاتحاد والمودة، دون ولاية الحلف إذ ~~لا معنى لأن يقال: لا تحالفوا اليهود والنصارى بعضهم حلفاء بعض، وإنما كان ~~ما يكون الوحدة بين اليهود ويرد بعضهم إلى بعض هو ولاية المحبة القومية، ~~وكذا بين النصارى من دون تحالف بينهم أو عهد إلا مجرد المحبة والمودة من ~~جهة الدين؟. # وكذا قوله تعالى بعد ذلك: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" فإن الاعتبار الذي ~~يوجب كون موالي جماعة من تلك الجماعة هو أن المحبة والمودة تجمع المتفرقات ~~وتوحد الأرواح المختلفة وتتوحد بذلك الإدراكات، وترتبط به الأخلاق، وتتشابه ~~الأفعال، وترى المتحابين بعد استقرار ولاية المحبة كأنهما شخص واحد ذو ~~نفسية واحدة، وإرادة واحدة، وفعل واحد لا يخطىء أحدهما الآخر في مسير ~~الحياة، ومستوى العشرة. # فهذا هو الذي يوجب كون من تولى قوما منهم ولحوقه بهم، وقد قيل: من أحب ~~قوما فهو منهم، والمرء مع من أحب، وقد قال تعالى في نظيره نهيا عن موالاة ~~المشركين: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة ms1958 وقد كفروا بما جاءكم من الحق - إلى أن قال بعد عدة آيات - ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون": الممتحنة: 9 وقال تعالى: "لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم": المجادلة: 22، وقال تعالى في تولي ~~الكافرين - واللفظ عام يشمل اليهود والنصارى والمشركين جميعا -: "لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه": آل عمران: 28 والآية صريحة ~~في ولاية المودة والمحبة دون الحلف والعهد، وقد كان بين النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وبين اليهود، وكذا بينه وبين المشركين يومئذ أعني زمان ~~نزول سورة آل عمران معاهدات وموادعات. PageV05P214 # وبالجملة الولاية التي تقتضي بحسب الاعتبار لحوق قوم بقوم هي ولاية المحبة ~~والمودة دون الحلف والنصرة وهو ظاهر، ولو كان المراد بقوله: "ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم" أن من حالفهم على النصرة بعد هذا النهي فإنه لمعصيته النهي ~~ظالم ملحق بأولئك الظالمين في الظلم كان معنى - على ابتذاله - بعيدا من ~~اللفظ يحتاج إلى قيود زائدة في الكلام. # ومن دأب القرآن في كل ما ينهى عن أمر كان جائزا سائغا قبل النهي أن يشير ~~إليه رعاية لجانب الحكم المشروع سابقا، واحتراما للسيرة النبوية الجارية ~~قبله كقوله: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا": ~~التوبة: 28 وقوله: فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا" ~~الآية: البقرة: 178 وقوله: "لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج": الأحزاب: 52 إلى غير ذلك. # فقد تبين أن لغة الآية في مفرداتها وسياقها لا تتبرأ من كون المراد ~~بالولاية ولاية المحبة والمودة، بل إن تبرأت فإنما تتبرأ من غيرها. # وأما قولهم: إن المراد بالذين في قلوبهم مرض المنافقون فسيجيء أن السياق ~~لا يساعده فالمراد بقوله: "لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" النهي عن ~~موادتهم الموجب لتجاذب الأرواح والنفوس الذي يفضي إلى التأثير ms1959 والتأثر ~~الأخلاقيين فإن ذلك يقلب حال مجتمعهم من السيرة الدينية المبنية على سعادة ~~اتباع الحق إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان والخروج ~~عن صراط الحياة الفطرية. # وإنما عبر عنهم باليهود والنصارى، ولم يعبر بأهل الكتاب كما عبر بمثله في ~~الآية الآتية لما في التعبير بأهل الكتاب من الإشعار بقربهم من المسلمين ~~نوعا من القرب يوجب إثارة المحبة فلا يناسب النهي عن اتخاذهم أولياء، وأما ~~ما في الآية الآتية: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء" من وصفهم ~~بإيتائهم الكتاب مع النهي عن اتخاذهم أولياء فتوصيفهم باتخاذ دين الله هزوا ~~ولعبا يقلب حال ذلك الوصف - أعني كونهم ذوي كتاب - من المدح إلى الذم فإن ~~من أوتي الكتاب الداعي إلى الحق والمبين له ثم جعل يستهزء بدين الحق ويلعب ~~به أحق وأحرى به أن لا يتخذ وليا، وتجتنب معاشرته ومخالطته وموادته. # وأما قوله تعالى: "بعضهم أولياء بعض" فالمراد بالولاية - كما تقدم - ~~ولاية المحبة المستلزمة لتقارب نفوسهم، وتجاذب أرواحهم المستوجب لاجتماع ~~آرائهم على اتباع الهوى، والاستكبار عن الحق وقبوله، واتحادهم على إطفاء ~~نور الله سبحانه، وتناصرهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين ~~كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة، وليسوا على وحدة من الملية لكن يبعث القوم ~~على الاتفاق، ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين أن الإسلام يدعوهم إلى الحق، ~~ويخالف أعز المقاصد عندهم وهو اتباع الهوى، والاسترسال في مشتهيات النفس ~~وملاذ الدنيا. # فهذا هو الذي جعل الطائفتين: اليهود والنصارى - على ما بينهما من الشقاق ~~والعداوة الشديدة - مجتمعا واحدا يقترب بعضه من بعض، ويرتد بعضه إلى بعض، ~~يتولى اليهود النصارى وبالعكس، ويتولى بعض اليهود بعضا، وبعض النصارى بعضا، ~~وهذا معنى إبهام الجملة: "بعضهم أولياء بعض" في مفرداتها، والجملة في موضع ~~التعليل لقوله: "لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" والمعنى لا تتخذوهم ~~أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم فيما بينهم يد واحدة عليكم لا نفع لكم في ~~الاقتراب منهم بالمودة والمحبة. ms1960 # وربما أمكن أن يستفاد من قوله: "بعضهم أولياء بعض" معنى آخر، وهو أن لا ~~تتخذوهم أولياء لأنكم إنما تتخذونهم أولياء لتنتصروا ببعضهم الذي هم ~~أولياؤكم على البعض الآخر، ولا ينفعكم ذلك فإن بعضهم أولياء بعض فليسوا ~~ينصرونكم على أنفسهم. PageV05P215 # قوله تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" ~~التولي اتخاذ الولي، و"من" تبعيضية والمعنى أن من يتخذهم منكم أولياء فإنه ~~بعضهم، وهذا إلحاق تنزيلي يصير به بعض المؤمنين بعضا من اليهود والنصارى، ~~ويئول الأمر إلى أن الإيمان حقيقة ذات مراتب مختلفة من حيث الشوب والخلوص، ~~والكدورة والصفاء كما يستفاد ذلك من الآيات القرآنية قال تعالى: "وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 160 وهذا الشوب والكدر هو الذي يعبر ~~تعالى عنه بمرض القلوب فيما سيأتي من قوله: "فترى الذين في قلوبهم مرض ~~يسارعون فيهم". # فهؤلاء الموالون لأولئك أقوام عدهم الله تعالى من اليهود والنصارى وإن ~~كانوا من المؤمنين ظاهرا، وأقل ما في ذلك أنهم غير سالكين سبيل الهداية ~~الذي هو الإيمان بل سالكو سبيل اتخذه أولئك سبيلا يسوقه إلى حيث يسوقهم ~~وينتهي به إلى حيث ينتهي بهم. # ولذلك علل الله سبحانه لحوقه بهم بقوله: "إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين" فالكلام في معنى: أن هذا الذي يتولاهم منكم هو منهم غير سالك ~~سبيلكم لأن سبيل الإيمان هو سبيل الهداية الإلهية، وهذا المتولي لهم ظالم ~~مثلهم، والله لا يهدي القوم الظالمين. # والآية - كما ترى - تشتمل على أصل التنزيل أعني تنزيل من تولاهم من ~~المؤمنين منزلتهم من غير تعرض لشيء من آثاره الفرعية، واللفظ وإن لم يتقيد ~~بقيد لكنه لما كان من قبيل بيان الملاك - نظير قوله: "وأن تصوموا خير لكم": ~~البقرة: 148 وقوله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر": ~~العنكبوت: 45 إلى غير ذلك - لم يكن إلا مهملا يحتاج التمسك به في إثبات حكم ~~فرعي إلى بيان السنة، والمرجع في البحث عن ذلك فن الفقه. # قوله تعالى: "فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ms1961 فيهم" تفريع على قوله في ~~الآية السابقة: "إن الله لا يهدي القوم الظالمين" فمن عدم شمول الهداية ~~الإلهية لحالهم - وهو الضلال - مسارعتهم فيهم واعتذارهم في ذلك بما لا يسمع ~~من القول، وقد قال تعالى: "يسارعون فيهم" ولم يقل يسارعون إليهم، فهم منهم ~~وحالون في الضلال محلهم، فهؤلاء يسارعون فيهم لا لخشية إصابة دائرة عليهم ~~فليسوا يخافون ذلك، وإنما هي معذرة يختلقونها لأنفسهم لدفع ما يتوجه إليهم ~~من ناحية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين من اللوم والتوبيخ بل ~~إنما يحملهم على تلك المسارعة توليهم أولئك اليهود والنصارى. # ولما كان من شأن كل ظلم وباطل أن يزهق يوما ويظهر للملأ فضيحته، وينقطع ~~رجاء من توسل إلى أغراض باطلة بوسائل صورتها صورة الحق كما قال تعالى: "إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين" كان من المرجو قطعا أن يأتي الله بفتح أو أمر ~~من عنده فيندموا على فعالهم، ويظهر للمؤمنين كذبهم فيما كانوا يظهرونه. # وبهذا البيان يظهر وجه تفرع قوله: "فترى الذين" إلخ على قوله: "إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين" وقد تقدم كلام في معنى عدم اهتداء الظالمين في ظلمهم. # فهؤلاء القوم منافقون من جهة إظهارهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمؤمنين ما ليس في قلوبهم حيث يعنونون مسارعتهم في اليهود والنصارى ~~بعنوان الخشية من إصابة الدائرة، وعنوانه الحقيقي الموافق لما في قلوبهم هو ~~تولي أعداء الله فهذا هو وجه نفاقهم، وأما كونهم منافقين بمعنى الكافرين ~~المظهرين للإيمان فسياق الآيات لا يوافقه. # وقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه على ~~ما يؤيده أسباب النزول الواردة فإن هؤلاء المنافقين كانوا يشاركون المؤمنين ~~في مجتمعهم ويجاملونهم من جانب، ومن الجانب الآخر كانوا يتولون اليهود ~~والنصارى بالحلف والعهد على النصرة استدرارا للفئتين، وأخذا بالاحتياط في ~~رعاية مصالح أنفسهم ليغتبطوا على أي حال، ويكونوا في مأمن من إصابة الدائرة ~~على أي واحدة من الفئتين المتخاصمتين دارت. PageV05P216 # وما ذكروه لا يلائم سياق الآيات فإنها تتضمن رجاء أن يندموا بفتح أو ms1962 أمر من ~~عنده، والفتح فتح مكة أو فتح قلاع اليهود وبلاد النصارى أو نحو ذلك على ما ~~قالوا ولا وجه لندمهم على هذا التقدير فإنهم احتاطوا في أمرهم بحفظ ~~الجانبين، ولا ندامة في الاحتياط، وإنما كان يصح الندم لو انقطعوا من ~~المؤمنين بالمرة واتصلوا باليهود والنصارى ثم دارت الدائرة عليهم، وكذا ما ~~ذكره الله تعالى من حبط أعمالهم وصيرورتهم خاسرين بقوله: "حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين" لا يلائم كونهم هم المنافقين الآخذين بالحائطة لمنافعهم ~~ومطالبهم إذ لا معنى لخسران من احتاط بحائطة اتقاء من مكروه يخافه على نفسه ~~ثم صادف إن لم يقع ما كان يخاف وقوعه، والاحتياط في العمل من الطرق ~~العقلائية التي لا تستتبع لوما ولا ذما. # إلا أن يقال: إن الذم إنما لحقهم لأنهم عصوا النهي الإلهي ولم تطمئن ~~قلوبهم بما وعده الله من الفتح، وهذا وإن كان لا بأس به في نفسه لكن لا ~~دليل عليه من جهة لفظ الآية. # قوله تعالى: "فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين" لفظة "عسى" وإن كان في كلامه تعالى للترجي كسائر ~~الكلام - على ما قدمنا أنه للترجي العائد إلى السامع أو إلى المقام - لكن ~~القرينة قائمة على أنه مما سيقع قطعا فإن الكلام مسوق لتقرير ما ذكره ~~بقوله: "إن الله لا يهدي القوم الظالمين" وتثبيت صدقه، فما يشتمل عليه واقع ~~لا محالة. # والذي ذكره الله تعالى من الفتح - وقد ردد بينه وبين أمر من عنده غير بين ~~المصداق بل الترديد بينه وبين أمر مجهول لنا - لعله يؤيد كون اللام في ~~"الفتح" للجنس لا للعهد حتى يكون المراد به فتح مكة المعهود بوعد وقوعه في ~~مثل قوله تعالى: "إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد": القصص: 85 ~~وقوله: "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله": الفتح: 27 وغير ذلك. # والفتح الواقع في القرآن وإن كان المراد به في أكثر موارده هو فتح مكة ~~لكن بعض الموارد لا يقبل الحمل على ذلك كقوله ms1963 تعالى: "ويقولون متى هذا ~~الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ~~ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون": السجدة: 30 فإنه تعالى وصف هذا ~~الفتح بأنه لا ينفع عنده الإيمان لمن كان كافرا قبله، وأن الكفار ينتظرونه، ~~وأنت تعلم أنه لا ينطبق على فتح مكة ولا على سائر الفتوحات التي نالها ~~المسلمون حتى اليوم فإن عد نفع الإيمان وهو التوبة إنما يتصور لأحد أمرين - ~~كما تقدم بيانه في الكلام على التوبة -: إما بتبدل نشأة الحياة وارتفاع ~~الاختيار لتبدل الدنيا بالآخرة، وإما بتكون أخلاق وملكات في الإنسان يقسو ~~بها القلب قسوة لا رجاء معها للتوبة والرجوع إلى الله سبحانه قال تعالى: ~~"يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت ~~في إيمانها خيرا": الأنعام: 185 وقال تعالى: "وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم ~~كفار": النساء: 18. # وكيف كان فإن كان المراد بالفتح أحد فتوحات المسلمين كفتح مكة أو فتح ~~قلاع اليهود أو فتح بلاد النصارى فهو، إلا أن في انطباق ما ذكره الله تعالى ~~بقوله: "فيصبحوا على ما أسروا" إلخ وقوله: "ويقول الذين" إلخ عليه خفاء ~~تقدم وجهه. # وإن كان المراد به الفتح بمعنى القضاء للإسلام على الكفر والحكم الفصل ~~بين الرسول وقومه فهو من الملاحم القرآنية التي ينبىء تعالى فيها عما ~~سيستقبل هذه الأمة من الحوادث، وينطبق على ما ذكره الله في سورة يونس من ~~قوله: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم" إلى آخر الآيات: يونس: 47 - 56. # وأما قوله: "فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين" فإن الندامة إنما ~~تحصل عند فعل ما لم يكن ينبغي أن يفعل أو ترك ما لم يكن ينبغي أن يترك، وقد ~~فعلوا شيئا، والله سبحانه يذكر في الآية التالية حبط أعمالهم وخسرانهم في ~~صفقتهم فإنما أسروا في أنفسهم تولي اليهود والنصارى لينالوا به وبالمسارعة ~~فيهم ما كانت اليهود ms1964 والنصارى يريدونه من انطفاء نور الله والتسلط على ~~شهوات الدنيا من غير مانع من الدين. PageV05P217 # فهذا - لعله - هو الذي أسروه في أنفسهم، وسارعوا لأجله فيهم، وسوف يندمون ~~على بطلان سعيهم إذا فتح الله للحق. # قوله تعالى: "ويقول الذين ءامنوا" إلى آخر الآية وقرىء "يقول" بالنصب ~~عطفا على قوله: "يصبحوا" وهي أرجح لكونها أوفق بالسياق فإن ندامتهم على ما ~~أسروه في أنفسهم وقول المؤمنين: "أهؤلاء" إلخ جميعا تقريع لهم بعاقبة ~~توليهم ومسارعتهم في اليهود والنصارى، وقوله: "هؤلاء" إشارة إلى اليهود ~~والنصارى، وقوله: "معكم" خطاب للذين في قلوبهم مرض ويمكن العكس، وكذا ~~الضمير في قوله: "حبطت أعمالهم فأصبحوا"، يمكن رجوعه إلى اليهود والنصارى، ~~وإلى الذين في قلوبهم مرض. # لكن الظاهر من السياق أن الخطاب للذين في قلوبهم مرض، والإشارة إلى ~~اليهود والنصارى، وقوله: "حبطت أعمالهم"، كالجواب لسؤال مقدر، والمعنى: ~~وعسى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيقول الذين آمنوا لهؤلاء الضعفاء ~~الإيمان عند حلول السخط الإلهي بهم: أهؤلاء اليهود والنصارى هم الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم أي أيمانهم التي بالغوا وجهدوا فيها جهدا إنهم ~~لمعكم فلما ذا لا ينفعونكم؟! ثم كأنه سئل فقيل: فإلى م انتهى أمر هؤلاء ~~الموالين؟ فقيل في جوابه: حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين. # كلام في معنى مرض القلب # وفي قوله تعالى: "في قلوبهم مرض" دلالة على أن للقلوب مرضا فلها لا محالة ~~صحة إذ الصحة والمرض متقابلان لا يتحقق أحدهما في محل إلا بعد إمكان تلبسه ~~بالآخر كالبصر والعمى ألا ترى أن الجدار مثلا لا يتصف بأنه مريض لعدم جواز ~~اتصافه بالصحة والسلامة. # وجميع الموارد التي أثبت الله سبحانه فيها للقلوب مرضا في كلامه يذكر ~~فيها من أحوال تلك القلوب وآثارها أمورا تدل على خروجها من استقامة الفطرة، ~~وانحرافها عن مستوى الطريقة كقوله تعالى: "وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا": الأحزاب: 12 وقوله تعالى: "إذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم": الأنفال: 49 وقوله ~~تعالى: "ليجعل ما ms1965 يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم": ~~الحج: 53 إلى غير ذلك. # وجملة الأمر أن مرض القلب تلبسه بنوع من الارتياب والشك يكدر أمر الإيمان ~~بالله والطمأنينة إلى آياته، وهو اختلاط من الإيمان بالشرك، ولذلك يرد على ~~مثل هذا القلب من الأحوال، ويصدر عن صاحب هذا القلب في مرحلة الأعمال ~~والأفعال ما يناسب الكفر بالله وبآياته. # وبالمقابلة تكون سلامة القلب وصحته هي استقراره في استقامة الفطرة ولزومه ~~مستوى الطريقة، ويئول إلى خلوصه في توحيد الله سبحانه وركونه إليه عن كل ~~شيء يتعلق به هوى الإنسان، قال تعالى: "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من ~~أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89. # ومن هنا يظهر أن الذين في قلوبهم مرض غير المنافقين كما لا يخلو تعبير ~~القرآن عنهما بمثل قوله: "المنافقون والذين في قلوبهم مرض" في غالب الموارد ~~عن إشعار ما بذلك، وذلك أن المنافقين هم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم، والكفر الخاص موت للقلب لا مرض فيه قال تعالى: "أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 وقال: "إنما ~~يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله": الأنعام: 36. # فالظاهر أن مرض القلب في عرف القرآن هو الشك والريب المستولي على إدراك ~~الإنسان فيما يتعلق بالله وآياته، وعدم تمكن القلب من العقد على عقيدة دينية. # فالذين في قلوبهم مرض بحسب طبع المعنى هم ضعفاء الإيمان، الذين يصغون إلى ~~كل ناعق، ويميلون مع كل ريح، دون المنافقين الذين أظهروا الإيمان واستبطنوا ~~الكفر رعاية لمصالحهم الدنيوية ليستدروا المؤمنين بظاهر إيمانهم والكفار ~~بباطن كفرهم. PageV05P218 # نعم ربما أطلق عليهم المنافقون في القرآن تحليلا لكونهم يشاركونهم في عدم ~~اشتمال باطنهم على لطيفة الإيمان، وهذا غير إطلاق الذين في قلوبهم مرض على ~~من هو كافر لم يؤمن إلا ظاهرا قال تعالى: "بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة ~~فإن العزة لله جميعا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله يكفر ms1966 ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره أنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا": النساء: 104. # وأما قوله تعالى في سورة البقرة: "ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين - إلى أن قال -: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا - ~~إلى أن قال - وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس قالوا أنؤمن كما ءامن ~~السفهاء" الآيات: البقرة: 7 - 20 فإنما هو بيان لسلوك قلوبهم من الشك في ~~الحق إلى إنكاره، وأنهم كانوا في بادىء حالهم مرضى بسبب كذبهم في الإخبار ~~عن إيمانهم وكانوا مرتابين لم يؤمنوا بعد، فزادهم الله مرضا حتى هلكوا ~~بإنكارهم الحق واستهزائهم له. # وقد ذكر الله سبحانه أن مرض القلب على حد الأمراض الجسمانية ربما أخذ في ~~الزيادة حتى أزمن وانجر الأمر إلى الهلاك وذلك بإمداده بما يضر طبع المريض ~~في مرضه، وليس إلا المعصية قال تعالى: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا": ~~البقرة: 10 وقال تعالى "وإذا ما أنزلت سورة - إلى أن قال -: وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون أولا يرون أنهم ~~يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون": التوبة: 162 ~~وقال تعالى - وهو بيان عام -: "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا ~~بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": الروم: 10. # ثم ذكر تعالى في علاجه الإيمان به قال تعالى - وهو بيان عام -: "يهديهم ~~ربهم بإيمانهم": يونس: 9 وقال تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه": فاطر: 10 فعلى مريض القلب - إن أراد مداواة مرضه - أن يتوب إلى ~~الله، وهو الإيمان به وأن يتذكر بصالح الفكر وصالح العمل كما يشير إليه ~~الآية السابقة الذكر: "ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون": التوبة: 162. # وقال سبحانه وهو قول جامع في هذا الباب: "يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ~~إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ms1967 تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما": النساء: 164 وقد تقدم أن المراد بذلك الرجوع ~~إلى الله بالإيمان والاستقامة عليه والأخذ بالكتاب والسنة ثم الإخلاص. # قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه" ارتد عن دينه ~~رجع عنه، وهو في اصطلاح أهل الدين الرجوع من الإيمان إلى الكفر سواء كان ~~إيمانه مسبوقا بكفر آخر كالكافر يؤمن ثم يرتد أو لم يكن، وهما المسميان ~~بالارتداد الملي والفطري حقيقة شرعية أو متشرعية. # ربما يسبق إلى الذهن أن المراد بالارتداد في الآية هو ما اصطلح عليه أهل ~~الدين، ويكون الآية على هذا غير متصلة بما قبلها، وإنما هي آية مستقلة تحكي ~~عن نحو استغناء من الله سبحانه عن إيمان طائفة من المؤمنين بإيمان آخرين. # لكن التدبر في الآية وما تقدم عليها من الآيات يدفع هذا الاحتمال فإن ~~الآية على هذا تذكر المؤمنين بقدرة الله سبحانه على أن يعبد في أرضه، وأنه ~~سوف يأتي بأقوام لا يرتدون عن دينه بل يلازمونه كقوله تعالى: "فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين": الأنعام: 89 أو كقوله تعالى: ~~"ومن كفر فإن الله غني عن العالمين": آل عمران: 97 وقوله تعالى: "إن تكفروا ~~أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد": إبراهيم: 8. # والمقام الذي هذه صفته لا يقتضي أزيد من التعرض لأصل الغرض، وهو الإخبار ~~بالإتيان بقوم مؤمنين لا يرتدون عن دين الله، وأما أنهم يحبون الله ويحبهم، ~~وأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين إلى آخر ما ذكر في الآية من ~~الأوصاف فهي أمور زائدة يحتاج التعرض لها إلى اقتضاء زائد من المقام ~~والحال. PageV05P219 # ومن جهة أخرى نجد أن ما ذكر في الآية من الأوصاف أمور لا تخلو من الارتباط ~~بما ذكر في الآيات السابقة من تولي اليهود والنصارى فإن اتخاذهم أولياء من ~~دون المؤمنين لا يخلو من تعلق القلب بهم تعلق المحبة والمودة، وكيف ms1968 يحتوي ~~قلب هذا شأنه على محبة الله سبحانه وقد قال تعالى: "ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه": الأحزاب: 4 ومن لوازم هذا التولي أن يتذلل المؤمن لهؤلاء ~~الكفار، وأن يتعزز على المؤمنين ويترفع عنهم كما قال تعالى: "أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا": النساء: 193. # ومن لوازم هذا التولي المساهلة في الجهاد عليهم والانقباض عن مقاتلتهم، ~~والتحرج من الصبر على كل حرمان، والتحمل لكل لائمة في قطع الروابط ~~الاجتماعية معهم كما قال تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق - إلى أن ~~قال - إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة": ~~الممتحنة: 1 وقال تعالى: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده": الممتحنة: 4. # وكذلك الارتداد بمعناه اللغوي أو بالعناية التحليلية صادق على تولي ~~الكفار كما قال تعالى في الآية السابقة آية: 51: "ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم" وقال أيضا: "ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء": آل عمران: 28 وقال ~~تعالى: "إنكم إذا مثلهم": النساء: 104. # فقد تبين بهذا البيان أن للآية اتصالا بما قبلها من الآيات وأن الآية ~~مسوقة لإظهار أن دين الله في غنى عن أولئك الذين يخاف عليهم الوقوع في ورطة ~~المخالفة وتولي اليهود والنصارى لدبيب النفاق في جماعتهم، واشتمالها على ~~عدة مرضى القلوب لا يبالون باشتراء الدنيا بالدين، وإيثار ما عند أعداء ~~الدين من العزة الكاذبة والمكانة الحيوية الفانية على حقيقة العزة التي هي ~~لله ولرسوله وللمؤمنين، والسعادة الواقعية الشاملة على حياة الدنيا ~~والآخرة. # وإنما أظهرت الآية ذلك بالإنباء عن ملحمة غيبية أن الله سبحانه في قبال ~~ما يلقاه الدين من تلون هؤلاء الضعفاء الإيمان، واختيارهم محبة غير الله ~~على محبته، وابتغاء العزة عند أعدائه ومساهلتهم في الجهاد في سبيله، والخوف ~~من كل لومة وتوبيخ سيأتي ms1969 بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم. # وكثير من المفسرين وإن تنبهوا على اشتمال الآية على الملحمة وأطالوا في ~~البحث عمن تنطبق عليه الآية مصداقا غير أنهم تساهلوا في تفسير مفرداتها فلم ~~يعطوا ما ذكر فيها من الأوصاف حق معناها فآل الأمر إلى معاملتهم كلام الله ~~سبحانه معاملة كلام غيره وتجويز وقوع المسامحات والمساهلات العرفية فيه كما ~~في غيره. # فالقرآن وإن لم يسلك في بلاغته مسلكا بدعا، ولم يتخذ نهجا مخترعا جديدا ~~في استعمال الألفاظ وتركيب الجمل ووضع الكلمات بحذاء معانيها بل جرى في ذلك ~~مجرى غيره من الكلام. PageV05P220 # ولكنه يفارق سائر الكلام في أمر آخر، وهو أنا معاشر المتكلمين من البليغ ~~وغيره إنما نبني الكلام على أساس ما نعقله من المعاني، والمدرك لنا من ~~المعاني إنما يدرك بفهم مكتسب من الحياة الاجتماعية التي اختلقناها بفطرتنا ~~الإنسانية الاجتماعية، ومن شأنها الحكم بالقياس، وعند ذلك ينفتح باب ~~المسامحة والمساهلة على أذهاننا فنأخذ الكثير مكان الجميع، والغالب موضع ~~الدائم، ونفرض كل أمر قياسي أمرا مطلقا، ونلحق كل نادر بالمعدوم، ونجري كل ~~أمر يسير مجرى ما ليس بموجود يقول قائلنا: كذا حسن أو قبيح، وكذا محبوب أو ~~مبغوض، وكذا محمود أو مذموم، وكذا نافع أو ضار، وفلان خير أو شرير، إلى غير ~~ذلك فنطلق القوم في ذلك، وإنما هو كذلك في بعض حالاته وعلى بعض التقادير، ~~وعند بعض الناس، وبالقياس إلى بعض الأشياء لا مطلقا، لكن القائل إنما يلحق ~~بعض التقادير المخالفة بالعدم تسامحا في إدراكه وحكمه، هذا فيما أدركه من ~~جهات الواقع الخارج، وأما ما يغفل عنه لمحدودية إدراكه من جهات الكون ~~المربوطة فهو أكثر، فما يخبر به الإنسان ويحدثه عن الخارج وخيلت له الإحاطة ~~بالواقع إدراكا وكشفا فإنما هو مبني على التسامح في بعض الجهات، والجهل في ~~بعض آخر، وهو من الهزل إن قدرنا على أن نحيط بالواقع ثم نطبق كلامه عليه، ~~فافهم ذلك. # فهذا حال كلام الإنسان المبني على ما ms1970 يحصل عنده من العلم، وأما كلام الله ~~سبحانه فمن الواجب أن نجله عن هذه النقيصة، وهو المحيط بكل شيء علما وقد ~~قال تعالى في صفة كلامه: "إنه لقول فصل وما هو بالهزل". # وهذا من وجوه الأخذ بإطلاق كلامه تعالى فيما كان بظاهره مطلقا لم يعقب ~~بقيد متصل أو منفصل، ومن وجوه إشعار الوصف في كلامه بالعلية فإذا قال: ~~"يحبهم" فليس يبغضهم في شيء وإلا لاستثنى، وإذا وصف قوما بأنهم أذلة على ~~المؤمنين كان من الواجب أن يكونوا أذلاء لهم بما هم مؤمنون أي لصفة إيمانهم ~~بالله سبحانه، وأن يكونوا أذلاء في جميع أحوالهم وعلى جميع التقادير، وإلا ~~لم يكن القول فصلا. # نعم هناك معان تنسب إلى غير صاحبها إذا جمعها جامع يصحح ذلك كما في قوله: ~~"ولقد ءاتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين": الجاثية: 16، وقوله: "هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج": الحج: 78، وقوله: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر": آل عمران: 101، وقوله: "لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 134، وقوله: "وقال الرسول يا رب ~~إن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا": الفرقان: 30 إلى غير ذلك من الآيات ~~المشتملة على أوصاف اجتماعية يتصف بها الفرد والمجتمع وليس شيء من ذلك ~~جاريا مجرى التسامح والتساهل بل هي أوصاف يتصف بها الجزء والكل، والفرد ~~والمجتمع لعناية متعلقه بذلك كمثل حفنة من تراب مشتملة على جوهرة يقبض ~~عليها لأجل الجوهرة فالتراب مقبوض والجوهرة مقبوضة والأصل في ذلك الجوهرة، ~~ولنرجع إلى ما كنا فيه: أما قوله: "يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن ~~دينه" فالمراد بالارتداد والرجوع عن الدين بناء على ما مر هو موالاة اليهود ~~والنصارى، وخص الخطاب فيه بالمؤمنين لكون الخطاب السابق أيضا متوجها إليهم، ~~والمقام مقام بيان أن الدين الحق في غنى عن إيمانهم المشوب بموالاة أعداء ~~الله، وقد عده الله سبحانه كفرا وشركا حيث قال: "ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم" لما أن الله سبحانه هو ms1971 ولي دينه وناصره، ومن نصرته لدينه أنه سوف ~~يأتي بقوم براء من أعدائه يتولون أولياءه ولا يحبون إلا إياه. # وأما قوله: "فسوف يأتي الله بقوم" نسب الإتيان إلى نفسه ليقرر معنى نصره ~~لدينه المفهوم من السياق المشعر بأن لهذا الدين ناصرا لا يحتاج معه إلى ~~نصرة غيره، وهو الله عز اسمه. PageV05P221 # وكون الكلام مسوقا لبيان انتصار الدين بهؤلاء القوم تجاه من يقصده هؤلاء ~~الموالون لأعدائه من الانتصار القومي، وكذا التعبير بالقوم والإتيان ~~بالأوصاف والأفعال بصيغة الجمع كل ذلك مشعر بأن القوم الموعود إيتاؤهم إنما ~~يبعثون جماعة مجتمعين لا فرادى ولا مثنى كان يأتي الله سبحانه في كل زمان ~~برجل يحب الله ويحبه الله ذليل على المؤمنين عزيز على الكافرين يجاهد في ~~سبيل الله لا يخاف لومة لائم. # وإتيان هذه القوم في عين أنه منسوب إليهم منسوب إليه تعالى وهو الآتي بهم ~~لا بمعنى أنه خالقهم إذ لا خالق إلا الله سبحانه قال: "الله خالق كل شيء": ~~الزمر: 62 بل بمعنى أنه الباعث لهم فيما ينتهزون إليه من نصرة الدين، ~~والمكرم لهم بحبه لهم وحبهم له، والموفق لهم بالتذلل لأوليائه، والتعزز ~~لأعدائه، والجهاد في سبيله، والإعراض عن كل لائمة، فنصرتهم للدين هي نصرته ~~تعالى له بسببهم ومن طريقهم، وقريب الزمان وبعيده عند الله واحد، وإن كانت ~~أنظارنا لقصورها تفرق في ذلك. # وأما قوله تعالى: "يحبهم ويحبونه" فالحب مطلق معلق على الذات من غير ~~تقييده بوصف أو غير ذلك، أما حبهم لله فلازمه إيثارهم ربهم على كل شيء سواه ~~مما يتعلق به نفس الإنسان من مال أو جاه أو عشيرة أو غيرها، فهؤلاء لا ~~يوالون أحدا من أعداء الله سبحانه، وإن والوا أحدا فإنما يوالون أولياء ~~الله بولاية الله تعالى. # وأما حبه تعالى لهم فلازمه براءتهم من كل ظلم، وطهارتهم من كل قذارة ~~معنوية من الكفر والفسق بعصمة أو مغفرة إلهية عن توبة، وذلك أن جمل المظالم ~~والمعاصي غير محبوبة لله كما قال تعالى: "فإن الله لا يحب الكافرين": آل ~~عمران: 32 ms1972 وقال: "والله لا يحب الظالمين": آل عمران: 57 وقال: "إنه لا يحب ~~المسرفين": الأنعام: 41 وقال: "والله لا يحب المفسدين": المائدة: 64 وقال: ~~"إن الله لا يحب المعتدين": البقرة: 109 وقال: "إنه لا يحب المستكبرين": ~~النحل: 23 وقال: "إن الله لا يحب الخائنين": الأنفال: 58 إلى غير ذلك من ~~الآيات. # وفي هذه الآيات جماع الرذائل الإنسانية، وإذا ارتفعت عن إنسان بشهادة ~~محبة الله له اتصف بما يقابلها من الفضائل لأن الإنسان لا مخلص له عن أحد ~~طرفي الفضيلة والرذيلة إذا تخلق بخلق. # فهؤلاء هم المؤمنون بالله حقا غير مشوب إيمانهم بظلم وقد قال تعالى: ~~"الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": ~~الأنعام: 82 فهم مأمونون من الضلال وقد قال تعالى: "فإن الله لا يهدي من ~~يضل": النحل: 37 فهم في أمن إلهي من كل ضلالة، وعلى اهتداء إلهي إلى صراطه ~~المستقيم، وهم بإيمانهم الذي صدقهم الله فيه مهديون إلى اتباع الرسول ~~والتسليم التام له كتسليمهم لله سبحانه قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما": النساء: 65. # وعند ذلك يتم أنهم من مصاديق قوله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله": آل عمران: 31 وبه يظهر أن اتباع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومحبة الله متلازمان فمن اتبع النبي أحبه الله ولا يحب ~~الله عبدا إلا إذا كان متبعا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وإذا اتبعوا الرسول اتصفوا بكل حسنة يحبها الله ويرضاها كالتقوى والعدل ~~والإحسان والصبر والثبات والتوكل والتوبة والتطهر وغير ذلك قال تعالى: "فإن ~~الله يحب المتقين": آل عمران: 76 وقال: "إن الله يحب المحسنين": البقرة: ~~159 وقال: "والله يحب الصابرين": آل عمران: 164 وقال: "إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص": الصف: 4 وقال: "إن الله يحب ~~المتوكلين": آل عمران: 195 وقال: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين": ~~البقرة: 222 إلى غير ذلك ms1973 من الآيات. # وإذا تتبعت الآيات الشارحة لآثار هذه الأوصاف وفضائل تتعقبها عثرت على ~~أمور جمة من الخصال الحسنة، ووجدت أن جميعها تنتهي إلى أن أصحابها هم ~~الوارثون الذين يرثون الأرض، وأن لهم عاقبة الدار كما يومىء إليه الآية ~~المبحوث عنها: "يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه" وقد قال تعالى ~~- وهي كلمة جامعة -: "والعاقبة للتقوى": طه: 123 وسنشرع معنى كون العاقبة ~~للتقوى فيما يناسبه من المورد إن شاء الله العزيز. PageV05P222 # قوله تعالى: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" الأذلة والأعزة جمعا ~~الذليل والعزيز، وهما كنايتان عن خفضهم الجناح للمؤمنين تعظيما لله الذي هو ~~وليهم وهم أولياؤه، وعن ترفعهم من الاعتناء بما عند الكافرين من العزة ~~الكاذبة التي لا يعبأ بأمرها الدين كما أدب بذلك نبيه في قوله: "لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين": ~~الحجر: 88. ولعل تعدية "أذلة" بعلى لتضمينه معنى الحنان أو الحنو كما قيل. # قوله تعالى: "يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم" أما قوله: ~~"يجاهدون في سبيل الله" فقد اختص بالذكر من بين مناقبهم الجمة لكون الحاجة ~~تمس إليه في المقام لبيان أن الله ينتصر لدينه بهم، وأما قوله: "ولا يخافون ~~لومة لائم" فالظاهر أنه حال متعلق بالجمل المتقدمة لا بالجملة الأخيرة فقط ~~- وإن كانت هي المتيقنة في أمثال هذه التركيبات - وذلك لأن نصرة الدين ~~بالجهاد في سبيل الله كما يزاحمها لومة اللائمين الذين يحذرونهم تضييع ~~الأموال وإتلاف النفوس وتحمل الشدائد والمكاره كذلك التذلل للمؤمنين ~~والتعزز على الكافرين وعندهم من زخارف الدنيا ومبتغيات الشهوة، وأمتعة ~~الحياة ما ليس عند المؤمنين هما مما يمانعه لومة اللائم، وفي الآية ملحمة ~~غيبية سنبحث عنها في كلام مختلط من القرآن والحديث إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~اليهود" الآية: أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن ms1974 عساكر عن عبادة بن الوليد أن ~~عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع. رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي بن سلول وقام دونهم، ومشى عبادة بن ~~الصامت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتبرأ إلى الله وإلى رسوله ~~من حلفهم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من ~~عبد الله بن أبي فخلعهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: ~~أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار ~~وولايتهم. # وفيه،: وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: "يا أيها الذين ~~ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - بعضهم أولياء بعض إلى قوله فإن ~~حزب الله هم الغالبون" وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد ~~قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني ~~أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن ~~أبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لعبد الله بن أبي: يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به ~~من ولاء يهود على عبادة فهو لك دونه؟ قال: إذن أقبل فأنزل الله: "يا أيها ~~الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - بعضهم أولياء بعض إلى أن ~~بلغ إلى قوله والله يعصمك من الناس". # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: آمن عبد الله بن أبي بن سلول ~~قال: إن بيني وبين بني قريظة والنضير حلفا، وإني أخاف الدوائر فارتد كافرا، ~~وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ~~ورسوله والمؤمنين. فأنزل الله: "يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء إلى قوله فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ms1975 فيهم" يعني عبد ~~الله بن أبي وقوله: "إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا - الذين يقيمون ~~الصلاة - ويؤتون الزكاة وهم راكعون" يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). قال: "ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي - وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء - ولكن كثيرا منهم فاسقون". PageV05P223 # أقول: ورويت القصة بغير هذه الطرق، وقد تقدم أن هذه الأسباب أسباب تطبيقة ~~اجتهادية، وفيها أمارات تدل على ذلك، كيف والآيات تذكر النصارى مع اليهود، ~~ولم يكن في قصة بني قينقاع وما جرى بين المسلمين وبين بني قريظة والنضير ~~للنصارى إصبع، ولا للمسلمين معهم شأن؟ ومجرد ذكرهم تطفلا واطرادا مما لا ~~وجه له، وفي القرآن آيات متعرضة لحال اليهود في الوقائع التي جرت بينهم ~~وبين المسلمين وما داخل فيه المنافقون من أعمالهم خص فيه اليهود بالذكر ولم ~~يذكر فيه النصارى كما في سورة الحشر وغيرها، فما بال الاطراد والتطفل يجري ~~حكمهما هاهنا ولا يجري هناك. # على أن الرواية تذكر الآيات النازلة في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ~~سبع عشرة آية آية: 51 - 67 ولا اتصال بينها حتى تنزل دفعة أولا، وفيها آية: ~~"إنما وليكم الله ورسوله" وقد تواترت روايات الخاصة والعامة على أنها نزلت ~~في علي (عليه السلام) ثانيا، وفيها آية: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك" ~~ولا ارتباط لها مع القصة البتة ثالثا. # فليس إلا أن الراوي أخذ قصة عبادة وعبد الله ثم وجد الآيات تناسبها بعض ~~المناسبة فطبقها عليها ثم لم يحسن التطبيق فوضع سبع عشرة آية مكان ثلاث ~~آيات بمناسبة تعرضها لحال أهل الكتاب. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة: في قوله: "يا ~~أيها الذين ءامنوا - لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - بعضهم أولياء بعض" ~~في بني قريظة إذ غدروا ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في كتابهم إلى أبي سفيان بن حرب يدعونهم وقريشا ليدخلوهم حصونهم ~~فبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا لبابة بن عبد ms1976 المنذر إليهم أن ~~يستنزلهم من حصونهم فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه بالذبح. وكان ~~طلحة والزبير يكاتبان النصارى وأهل الشام، وبلغني أن رجالا من أصحاب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يخافون العوز والفاقة فيكاتبون اليهود من ~~بني قريظة والنضير فيدسون إليهم الخبر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يلتمسون عندهم القرض والنفع فنهوا عن ذلك. # أقول: والرواية لا بأس بها وهي تفسر الولاية في الآيات بولاية المحبة ~~والمودة وقد تقدم تأييد ذلك، وهي إن كانت سببا للنزول حقيقيا فالآيات مطلقة ~~تجري في غير القصة كما نزلت وجرت فيها، وإن كانت من الجري والتطبيق فالأمر أوضح. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه ~~- فسوف يأتي الله بقوم" الآية قال: وقيل: هم أمير المؤمنين علي (عليه ~~السلام) وأصحابه حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين،: وروي ~~ذلك عن عمار وحذيفة وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). # أقول: قال في المجمع، بعد ذكر الرواية: ويؤيد هذا القول أن النبي وصفه ~~بهذه الصفات المذكورة في الآية فقال فيه وقد ندبه لفتح خيبر بعد أن رد عنها ~~حامل الراية إليه مرة بعد أخرى وهو يجبن الناس ويجبنونه -: "لأعطين الراية ~~غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى ~~يفتح الله على يده" ثم أعطاها إياه. # فأما الوصف باللين على أهل الإيمان، والشدة على الكفار والجهاد في سبيل ~~الله مع أنه لا يخاف فيه لومة لائم فمما لا يمكن أحدا دفع علي (عليه ~~السلام) عن استحقاق ذلك لما ظهر من شدته على أهل الشرك والكفر ونكايته ~~فيهم، ومقاماته المشهورة في تشييد الملة ونصرة الدين، والرأفة بالمؤمنين. # ويؤيد ذلك أيضا إنذار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا بقتال ~~علي (عليه السلام) لهم من بعده حيث جاء سهيل بن عمرو في جماعة منهم فقالوا: ~~يا محمد إن أرقائنا لحقوا بك فارددهم إلينا فقال ms1977 رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لتنتهن يا معاشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا يضربكم على ~~تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله، فقال له بعض أصحابه: من هو يا رسول ~~الله؟ أبو بكر؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة، وكان علي (عليه ~~السلام) يخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال يوم البصرة: والله ما قوتل أهل هذه ~~الآية حتى اليوم، وتلا هذه الآية. PageV05P224 # وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ~~أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يرد إلى قوم من ~~أصحابي يوم القيامة فيحلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي فيقال: ~~إنك لا تدري بما أحدثوا من بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، انتهى. # وهذا الذي ذكره إنما يتم فيه (عليه السلام) ولا ريب في أنه أفضل مصداق ~~لما سرد في الآية من الأوصاف لكن الشأن في انطباق الآية على عامة من معه من ~~أهل الجمل وصفين وقد غير كثير منهم بعد ذلك، وقد وقع قوله تعالى: "يحبهم ~~ويحبونه" إلخ في الآية بغير استثناء، وقد عرفت معناه. # وفيه، أيضا. وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن هذه الآية ~~فضرب بيده على عاتق سلمان فقال: هذا وذووه، ثم قال: لو كان الدين معلقا ~~بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس. # أقول: والكلام فيه كالكلام في سابقه إلا أن يراد أنهم سوف يبعثون من قومه. # وفيه، وقيل: هم أهل اليمن هم ألين قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان يماني، ~~والحكمة يمانية، وقال عياض بن غنم الأشعري: لما نزلت هذه الآية أومأ رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي موسى الأشعري فقال: هم قوم هذا. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، بعدة طرق، والكلام فيه كالكلام ~~في سابقه. # وفي تفسير الطبري، بإسناده عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية وقد علم ~~أنه سيرتد مرتدون من ms1978 الناس فلما قبض الله نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد أهل المدينة وأهل مكة ~~وأهل البحرين قالوا: نصلي ولا نزكي والله لا تغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ~~ذلك فقيل لهم: إنهم لو قد فقهوا لهذا أعطوها وزادوها فقال: لا والله لا ~~أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله ~~لقاتلناهم عليه، فبعث الله عصابة مع أبي بكر فقاتل على ما قاتل عليه نبي ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا ~~عن الإسلام ومنعوا الزكاة فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة ~~أقمياء، الحديث:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وأبي الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن قتادة، ورواه أيضا عن ~~الضحاك والحسن. # ولفظ الحديث أوضح شاهد على أنه من قبيل التطبيق النظري، وحينئذ يتوجه ~~إليه ما توجه إلى ما تقدمه من الروايات فإن هذه الوقائع والغزوات تشتمل على ~~حوادث وأمور وقد قاتل فيها رجال كخالد ومغيرة بن شعبة وبسر بن الأرطاة ~~وسمرة بن جندب يذكر التاريخ عنهم فيها وبعد ذلك مظالم وآثاما لا تدع الآية: ~~يحبهم ويحبونه، إلخ أن تصدق فيهم وتنطبق عليهم، فعليك بالرجوع إلى التاريخ ~~ثم التأمل فيما قدمناه من معنى الآية. # وقد بلغ من إفراط بعض المفسرين أن استغرب قول بعضهم: "إن الآية أوضح ~~انطباقا على الأشعريين من أهل اليمن منها على هؤلاء الذين قاتلوا أهل ~~الردة" قائلا: إن الآية عامة تشمل كل من نصر الدين ممن اتصف بمضمونها من ~~خيار المسلمين من مؤمني عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن جاء بعد ~~ذلك من المؤمنين، وتنطبق على جميع ما تقدم من الأخبار كالخبر الدال على ~~أنهم سلمان وقومه - على ضعفه - والخبر الدال على أنه أبو موسى الأشعري ~~وقومه، والخبر الدال على أنه أبو بكر وأصحابه إلا ما دل على أنه علي - ~~(عليه السلام) - فإن لفظ الآية لا ينطبق ms1979 عليه لأن لفظ القوم - المأخوذ في ~~الآية - لا يجري على الواحد لأنه نص في الجماعة. PageV05P225 # هذا محصل كلامه، وليس إلا أنه عامل كلامه تعالى فيما ذكره من الثناء على ~~القوم ومدحهم معاملة الشعر الذي يبني المدح على التخيل، فما قدر عليه خيال ~~الشاعر حمله على ممدوحه من غير أن يعتني بأمر الصدق والكذب، وقد قال تعالى: ~~"ومن أصدق من الله قيلا": النساء: 122 أو على المتعارف من الكلام الدائر ~~بيننا الذي لا يعتمد في إلقائه إلا على الأفهام البانية على التسامح ~~والتساهل في التلقي والإلقاء، والاعتذار بالمسامحة في كل ما أشكل عليها في ~~شيء وقد قال تعالى: "إنه لقول فصل وما هو بالهزل": الطارق: 14 وقد عرفت ~~فيما تقدم أن الآية لو أعطيت حق معناها فيما تتضمنه من الصفات تبين أن ~~مصداقها لم يتحقق بعد إلى هذا الحين فراجع وتأمل ثم اقض ما أنت قاض. # ومن العجيب ما ذكره في آخر كلامه فإن من ذكر نزول الآية في علي (عليه ~~السلام) إنما ذكر عليا وأصحابه كما ذكر آخرون: سلمان وذويه، وآخرون: أبا ~~موسى وقومه، وآخرون: أبا بكر وأصحابه، وكذا ما ورد من الروايات - وقد تقدم ~~بعضها - إنما ورد في علي وأصحابه، ولم يذكر نزول الآية في علي (عليه ~~السلام) وحده حتى يرد بأن لفظ الآية نص في الجماعة لا ينطبق على المفرد. # نعم ورد في تفسير الثعلبي أنها نزلت في علي وأيضا في نهج البيان للشيباني ~~عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنها نزلت في علي (عليه السلام)، ~~والمراد به بقرينة الروايات الآخر نزوله فيه وفي أصحابه من جهة قيامهم ~~بنصرة الدين في غزوة الجمل وصفين والخوارج. # مع أنه سيأتي أن الروايات من طرق الجمهور متكاثرة في نزول آية: "إنما ~~وليكم الله ورسوله" في علي (عليه السلام) ولفظ الآية جمع. # على أن في الرواية - رواية قتادة والضحاك والحسن - إشكالا آخر وهو أن ~~قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه" إلخ ظاهر ms1980 ظهورا لا مرية فيه في معنى التبديل ~~والاستغناء سواء كان الخطاب للموجودين في يوم النزول أو لمجموع الموجودين ~~والمعدومين، والمقصود خطاب الجماعة من المؤمنين بأنهم كلهم أو بعضهم إن ~~ارتدوا عن دينهم فسوف يبدلهم الله من قوم يحبهم ويحبونه - وهو لا يحب ~~المرتدين ولا يحبونه - ولهم كذا وكذا من الصفات ينصرون دينه. # وهذا صريح في أن القوم المأتي بهم جماعة من المؤمنين غير الجماعة ~~الموجودين في أوان النزول، والمقاتلون أهل الردة بعيد وفاة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كانوا موجودين حين النزول مخاطبين بقوله: "يا أيها الذين ~~آمنوا" إلخ فهم غير مقصودين بقوله: "فسوف يأتي الله بقوم" إلخ. # والآية جارية مجرى قوله تعالى: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم": محمد: 38. # وفي تفسير النعماني، بإسناده عن سليمان بن هارون العجلي قال: سمعت أبا ~~عبد الله (عليه السلام) يقول: إن صاحب هذا الأمر محفوظ له، لو ذهب الناس ~~جميعا أتى الله بأصحابه، وهم الذين قال الله عز وجل: "فإن يكفر بها هؤلاء - ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" وهم الذين قال الله: "فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه - أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" أقول: ~~وروى هذا المعنى العياشي والقمي في تفسيريهما. # كلام وبحث مختلط من القرآن والحديث # مما تقدم في الأبحاث السابقة مرارا التلويح إلى أن الخطابات القرآنية ~~التي يهتم القرآن بأمرها، ويبالغ في تأكيدها وتشديد القول فيها لا يخلو لحن ~~القول فيها من دلالة على أن العوامل والأسباب الموجودة متعاضدة على أن ~~تسوقهم إلى مهابط السقوط ودركات الردى، والابتلاء بسخط الله كما في آيات ~~الربا وآية مودة القربى وغيرهما. # ومن طبع الخطاب ذلك فإن المتكلم الحكيم إذا أمر بأمر حقير يسير ثم بالغ ~~في تأكيده والإلحاح عليه بما ليس شأنه ذلك، أو خاطب أحدا بخطاب ليس من شأن ~~ذلك المخاطب أن يوجه إلى مثله ذلك الخطاب كنهي عالم رباني ذي قدم صدق في ~~الزهد والعبادة عن ارتكاب أفضح الفجور على رءوس الأشهاد دل ذلك على ms1981 أن ~~المورد لا يخلو عن شيء وأن هناك خطبا جليلا ومهلكة خطيرة مشرفة. PageV05P226 # والخطابات القرآنية التي هذا شأنها تعقبت حوادث صدقتها في ما كانت تلوح ~~إليه بل تدل عليه، وإن كان السامعون لعلهم ما كانوا يتنبهون في أول ما ~~سمعوها يوم النزول على ما تتضمنه من الإشارات والدلالات. # فقد أمر القرآن بمودة قربى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالغ ~~فيها حتى عدها أجر الرسالة والسبيل إلى الله سبحانه ثم وقع أن استباحت ~~الأمة في أهل بيته من فجائع المظالم ما لو أمروا به لم يكونوا ليزيدوا على ~~ما أتوا به فيهم. # ونهى القرآن عن الاختلاف وبالغ فيه بما لا مزيد عليه ثم وقع إن تفرقت ~~الأمة تفرقا وانشعبت انشعابات زادت على ما عند اليهود والنصارى، وكانت ~~اليهود إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة فأتى المسلمون بثلاث ~~وسبعين فرقة هذا في مذاهبهم في معارف الدين العلمية، وأما مذاهبهم في السنن ~~الاجتماعية وتأسيس الحكومات وغيرها فلا تقف على حد حاصر. # ونهى القرآن عن الحكم بغير ما أنزل الله، ونهى عن إلقاء الاختلاف بين ~~الطبقات ونهى عن الطغيان واتباع الهوى إلى غير ذلك وشدد فيها ثم وقع ما وقع. # والأمر في النهي عن ولاية الكفار وأهل الكتاب نظير غيره من النواهي ~~المؤكدة الواردة في القرآن الكريم بل ليس من البعيد أن يدعى أن التشديد ~~الواقع في النهي عن ولاية الكفار وأهل الكتاب لا يعدله أي تشديد واقع في ~~سائر النواهي الفرعية. # فقد بلغ الأمر فيه إلى أن عد الله سبحانه الموالين لأهل الكتاب والكفار ~~منهم: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" ونفاهم من نفسه إذ قال: "ومن يفعل ذلك ~~فليس من الله في شيء: آل عمران: 28 وحذرهم منتهى التحذير فقال مرة بعد ~~أخرى: "ويحذركم الله نفسه": آل عمران: 28 - 30 وقد مر في الكلام على الآية ~~أن مدلولها وقوع المحذور لا محالة قضاء حتما لا مبدل له ولا محول. # وإن شئت مزيد وضوح لذلك فتدبر في قوله تعالى: "وإن كلا ms1982 لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم - وقد ذكر قبل الآية قصص أمم نوح وهود وصالح وغيرهم ثم اختلاف ~~اليهود في كتابهم - إنه بما تعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا ~~تطغوا - والخطاب كما ترى خطاب اجتماعي - إنه بما تعملون بصير": هود: 121 ثم ~~تدبر في قوله تعالى بعده: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما ~~لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون": هود: 131. # وقد بين الله سبحانه معنى مسيس هذه النار في الدنيا قبل الآخرة - والآية ~~مطلقة - وهو الذي توعد به في قوله: "ويحذركم الله نفسه" بقوله تعالى: ~~"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون": المائدة: 3 فبين فيه ~~أن الذي كان يخشاه المؤمنون على دينهم من الذين كفروا وهم المشركون وأهل ~~الكتاب - كما تبين سابقا - إلى يوم نزول الآية فهم اليوم في أمن منه فلا ~~ينبغي لهم أن يخشوهم فيه بل يجب عليهم أن يخشوا فيه ربهم، والذي كانوا ~~يخشونهم فيه على دينهم هو أن الكفار لم يكن لهم هم فيهم إلا إطفاء نور ~~الدين، وسلب هذه السلعة النفيسة من أيديهم بأي وسيلة قدروا عليها. # فهذا هو الذي كانوا يخشونه قبل اليوم، وبنزول سورة المائدة أمنوا ذلك ~~واطمأنت أنفسهم غير أنه يجب عليهم أن يخشوا في ذلك ربهم أن لا يذهب بنورهم ~~ولا يسلبهم دينه. # ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يفاجىء قوما بنقمة أو عذاب من غير أن ~~يستحقوه قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53 فبين أن تغييره النعمة لا يكون إلا عن ~~استحقاق، وأنه يتبع تغيير الناس ما بأنفسهم، وقد سمى الدين أو الولاية ~~الدينية كما تقدم نعمة حيث قال بعده: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا": المائدة: 3. # فتغيير هذه النعمة من قبلهم، والتخطي عن ولاية الله بقطع الرابطة منه، ~~والركون إلى الظالمين، وولاية الكفار وأهل الكتاب هو المتوقع منهم، والواجب ~~عليهم أن يخشوه على ms1983 أنفسهم فيخشوا الله في سخط لا راد له، وقد أوعدهم فيه ~~بقوله: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين": ~~المائدة: 51 فأخبر أنه لا يهديهم إلى سعادتهم فهي التي تتعلق بها الهداية، ~~وسعادتهم في الدنيا إنما هي أن يعيشوا على سنة الدين والسيرة العامة ~~الإسلامية في مجتمعهم. PageV05P227 # وإذا انهدمت بنية هذه السيرة اختلت مظاهرها الحافظة لمعناها من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وسقطت شعائره العامة، وحلت محلها سيرة الكفار ~~ولم يزل تستحكم أركانها وتستثبت قواعدها، وهذا هو الذي عليه مجتمع المسلمين اليوم. # ولو تدبرت في السيرة الإسلامية العامة التي ينظمها الكتاب والسنة ~~ويقررانها بين المسلمين ثم في هذه السيرة الفاسدة التي حملت اليوم على ~~المسلمين ثم تدبرت في ما يشير إليه بقوله: "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا ~~يخافون لومة لائم": المائدة: 54 وجدت أن جميع الرذائل التي تحيط بمجتمعنا ~~معاشر المسلمين وتحكم فينا اليوم - مما اقتبسناها من الكفار ثم نمت ونسلت ~~فينا - إنما هي أضداد ما ذكره الله في وصف من وعد بالإتيان به في الآية ~~أعني أن جميع رذائلنا الفعلية تتلخص في أن المجتمع اليوم لا يحبون الله ولا ~~يحبهم الله، أذلة على الكافرين، أعزة على المؤمنين، لا يجاهدون في سبيل ~~الله، يخافون كل لومة. # وهذا هو الذي تفرسه القرآن في وجه القوم، وإن شئت فقل: هو النبأ الغيبي ~~الذي نبأ به العليم الخبير أن المجتمع الإسلامي سيرتد عن دينه، وليست ردة ~~مصطلحة وإنما هي ردة تنزيلية يبينها قوله تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين": المائدة: 51 وقوله: "ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون": المائدة: 81. # وقد وعدهم الله النصر إن نصروه، وتضعيف أعدائهم إن لم يقووهم ويؤيدوهم ~~فقال: "إن تنصروا الله ينصركم": محمد: 7 وقال: "ولو ءامن أهل الكتاب لكان ~~خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم ms1984 إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس": آل عمران: 121 وليس من البعيد أن يستفاد من ~~قوله: "إلا بحبل من الله وحبل من الناس" أن لهم أن يخرجوا من الذلة ~~والمسكنة بموالاة الناس لهم وتسليط الله تعالى إياهم على الناس. # ثم وعد الله سبحانه المجتمع الإسلامي - وشأنهم هذا الشأن - بالإتيان بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~لا يخافون لومة لائم، والأوصاف المعدودة لهم - كما عرفت - جماع الأوصاف ~~التي يفقدها المجتمع الإسلامي اليوم، ويستفاد بالإمعان في التدبر فيها ~~تفاصيل الرذائل التي تنبىء الآية أن المجتمع الإسلامي سيبتلى بها. # وقد اشتملت على تعدادها عدة من أخبار ملاحم آخر الزمان المروية عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام)، وهي على ~~كثرتها ومن حيث المجموع وإن كانت لا تسلم من آفة الدس والتحريف إلا أن ~~بينها أخبارا يصدقها جريان الحوادث وتوالي الوقائع الخارجية، وهي أخبار ~~مأخوذة من كتب القدماء المؤلفة قبل ما يزيد على ألف سنة من هذا التاريخ أو ~~قريبا منه، وقد صحت نسبتها إلى مؤلفيها وتظافر النقل عنها. # على أنها تنطق عن حوادث ووقائع لم تحدث ولم تقع في تلك الأونة ولا كانت ~~مترقبة تتوقعها النفوس التي كانت تعيش في تلك الأزمنة فلا يسعنا إلا ~~الاعتراف بصحتها وصدورها عن منبع الوحي. PageV05P228 # كما رواه القمي في تفسيره عن أبيه، عن سليمان بن مسلم الخشاب، عن عبد الله ~~بن جريح المكي، عن عطاء بن أبي رياح، عن عبد الله بن عباس قال: حججنا مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجة الوداع فأخذ باب الكعبة ثم أقبل ~~علينا بوجهه فقال: ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ وكان أدنى الناس منه يومئذ ~~سلمان رضي الله عنه فقال: بلى يا رسول الله. فقال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن من أشراط القيامة إضاعة الصلاة، واتباع الشهوات، والميل مع ~~الأهواء، ms1985 وتعظيم المال، وبيع الدين بالدنيا فعندها يذاب قلب المؤمن وجوفه ~~كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره. قال ~~سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي ~~والذي نفسي بيده يا سلمان إن عندها يليهم أمراء جورة، ووزراء فسقة، وعرفاء ~~ظلمة، وأمناء خونة. فقال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان إن عندها يكون المنكر معروفا ~~والمعروف منكرا، واؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق. ~~قال سلمان، وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي ~~والذي نفسي بيده يا سلمان فعندها إمارة النساء، ومشاورة الإماء، وقعود ~~الصبيان على المنابر، ويكون الكذب طرفا والزكاة مغرما، والفيء مغنما، ويجفو ~~الرجل والديه، ويبر صديقه، ويطلع الكوكب المذنب. قال سلمان: وإن هذا لكائن ~~يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان ~~وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة، ويكون المطر قيظا، ويغيظ الكرام ~~غيظا، ويحتقر الرجل المعسر، فعندها يقارب الأسواق إذا قال هذا: لم أبع شيئا ~~وقال هذا: لم أربح شيئا فلا ترى إلا ذاما لله. قال سلمان: وإن هذا لكائن يا ~~رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان ~~فعندها يليهم أقوام إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم ليستأثروا ~~بفيئهم وليطؤن حرمتهم، وليسفكن دماءهم وليملؤن قلوبهم رعبا فلا تراهم إلا ~~وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين. قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان إن عندها يؤتى ~~بشيء من المشرق وشيء من المغرب يلون أمتي، فالويل لضعفاء أمتي منهم، والويل ~~لهم من الله، لا يرحمون صغيرا، ولا يوقرون كبيرا، ولا يتجاوزون عن مسيء ~~أخبارهم خناء، جثتهم جثة الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين. قال سلمان: وإن ~~هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله ms1986 عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي ~~بيده يا سلمان وعندها يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على ~~الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها وتشبه الرجال بالنساء والنساء ~~بالرجال، ويركبن ذوات الفروج السروج فعليهن من أمتي لعنة الله. قال سلمان: ~~وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي ~~نفسي بيده يا سلمان إن عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع والكنائس، ~~وتحلى المصاحف وتطول المنارات، وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة وألسن مختلفة. ~~قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) إي ~~والذي نفسي بيده وعندها تحلى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير والديباج ~~ويتخذون جلود النمور صفاقا. قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان وعندها يظهر ~~الربا، ويتعاملون بالغيبة والرشى، ويوضع الدين ويرفع الدنيا. قال سلمان: ~~وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي ~~نفسي بيده يا سلمان وعندها يكثر الطلاق فلا يقام لله حد، ولن يضر الله ~~شيئا. قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان وعندها تظهر القينات والمعازف ويليهم ~~أشرار أمتي. قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان وعندها يحج أغنياء أمتي للنزهة، ~~ويحج أوساطها للتجارة، ويحج فقراؤهم للرئاء والسمعة فعندها يكون أقوام ~~يتعلمون القرآن لغير الله و PageV05P229 يتخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله، ويكثر أولاد الزنا، ~~ويتغنون بالقرآن، ويتهافتون بالدنيا. قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول ~~الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان ذاك إذا ~~انتهك المحارم، واكتسبت المآثم وسلط الأشرار على الأخيار، ويفشو الكذب، ~~وتظهر اللجاجة، وتفشو الفاقة ويتباهون في اللباس، ويمطرون في غير أوان ~~المطر، ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي ms1987 عن ~~المنكر حتى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذل من في الأمة، ويظهر قراؤهم ~~وعبادهم فيما بينهم التلاؤم، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات: الأرجاس ~~والأنجاس. قال سلمان: وإن هذه لكائن يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان فعندها لا يخشى الغني إلا الفقر ~~حتى أن السائل ليسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحدا يضع في يده شيئا. قال ~~سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي ~~والذي نفسي بيده يا سلمان عندها يتكلم الرويبضة، فقال: وما الرويبضة يا ~~رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يتكلم في أمر ~~العامة من لم يكن يتكلم فلم يلبثوا إلا قليلا حتى تخور الأرض خورة فلا يظن ~~كل قوم إلا أنها خارت في ناحيتهم فيمكثون ما شاء الله ثم ينكتون في مكثهم ~~فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها، قال: ذهب وفضة ثم أومأ بيده إلى الأساطين ~~فقال: مثل هذا فيومئذ لا ينفع ذهب ولا فضة فهذا معنى قوله: "فقد جاء ~~أشراطها". PageV05P230 # وفي روضة الكافي، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، وعلي ~~بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير جميعا عن محمد بن أبي حمزة، عن حمران ~~قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): وذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة ~~عندهم فقال: إني سرت مع أبي جعفر المنصور وهو في موكبه، وهو على فرس وبين ~~يديه خيل، ومن خلفه خيل، وأنا على حمار إلى جانبه فقال لي: يا أبا عبد الله ~~قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوة، وفتح لنا من العز، ولا ~~تخبر الناس أنك أحق بهذا الأمر منا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم. قال: فقلت: ~~ومن رفع هذا إليك عني فقد كذب فقال لي: أتحلف على ما تقول؟. قال: فقلت: إن ~~الناس سحرة يعني يحبون أن يفسدوا قلبك علي فلا تمكنهم من سمعك فإنا إليك ~~أحوج ms1988 منك إلينا، فقال لي: تذكر يوم سألتك: هل لنا ملك؟ فقلت: نعم طويل عريض ~~شديد فلا تزالون في مهلة من أمركم، وفسحة من دنياكم حتى تصيبوا منا دما ~~حراما في شهر حرام في بلد حرام؟ فعرفت أنه قد حفظ الحديث فقلت: لعل الله عز ~~وجل أن يكفيك فإني لم أخصك بهذا وإنما هو حديث رويته، ثم لعل غيرك من أهل ~~بيتك أن يتولى ذلك، فسكت عني. فلما رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا فقال، ~~جعلت فداك والله لقد رأيتك في موكب أبي جعفر، وأنت على حمار وهو على فرس، ~~وقد أشرف عليك يكلمك كأنك تحته فقلت بيني وبين نفسي: هذا حجة الله على ~~الخلق، وصاحب هذا الأمر الذي يقتدى به، وهذا الآخر يعمل بالجور، ويقتل ~~أولاد الأنبياء ويسفك الدماء في الأرض بما لا يحب الله، وهو في موكبه وأنت ~~على حمار! فدخلني من ذلك شك حتى خفت على ديني ونفسي. قال (عليه السلام): ~~فقلت: لو رأيت من كان حولي وبين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي من ~~الملائكة لاحتقرته واحتقرت ما هو فيه فقال: الآن سكن قلبي. ثم قال: إلى متى ~~هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم؟ فقلت: أليس تعلم أن لكل شيء مدة؟ قال: ~~بلى، فقلت: هل ينفعك علمك إن هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين؟ ~~إنك لو تعلم حالهم عند الله عز وجل، وكيف هي كنت لهم أشد بغضا ولو جهدت ~~وجهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشد ما هم فيه من الإثم لم يقدروا، فلا ~~يستفزنك الشيطان فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا ~~يعلمون، ألا تعلم أن من انتظر أمرنا، وصبر على ما يرى من الأذى والخوف هو ~~غدا في زمرتنا؟ فإذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل ~~البلاد، ورأيت القرآن قد خلق وأحدث فيه ما ليس فيه ووجه على الأهواء، ورأيت ~~الدين قد انكفأ كما ينكفىء الإناء ورأيت أهل الباطل قد استعلوا على أهل ~~الحق، ورأيت ms1989 الشر ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه، ورأيت الفسق قد ظهر ~~واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ورأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ~~ورأيت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته، ورأيت الصغير يستحقر بالكبير، ~~ورأيت الأرحام قد تقطعت، ورأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه ولا يرد عليه ~~قوله، ورأيت الغلام يعطي ما تعطي المرأة ورأيت النساء يتزوجن بالنساء، ~~ورأيت الثناء قد كثر، ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة الله فلا ينهى ~~ولا يؤخذ على يديه، ورأيت الناظر يتعوذ بالله مما يرى المؤمن فيه من ~~الاجتهاد، ورأيت الجار يؤذي جاره وليس له مانع، ورأيت الكافر فرحا لما يرى ~~في المؤمن، مرحا لما يرى في الأرض من الفساد، ورأيت الخمور تشرب علانية ~~ويجتمع عليها من لا يخاف الله عز وجل، ورأيت الأمر بالمعروف ذليلا، ورأيت ~~الفاسق فيما لا يحب الله قويا محمودا، ورأيت أصحاب الآيات يحقرون ويحقر من ~~يحبهم، ورأيت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا، ورأيت بيت الله قد عطل ~~ويؤمر بتركه ورأيت الرجل يقول ما لا يفعله، ورأيت الرجال يتمنون للرجال ~~والنساء للنساء، ورأيت الرجل معيشته من دبره ومعيشة المرأة من فرجها، ورأيت ~~النساء يتخذن المجالس كما يتخذها الرجال، ورأيت التأنيث في ولد العباس قد ~~ظهر وأظهروا الخضاب وامتشطوا كما تمشط المرأة لزوجها، وأعطوا الرجال ~~الأموال على فروجهم، وتنوفس في الرجل، وتغاير عليه الرجال، وكان صاحب المال ~~أعز من المؤمن، وكان الربا ظاهرا لا يعير، وكان الزنا تمتدح به النساء، ~~ورأيت المرأة تصانع PageV05P231 زوجها على نكاح الرجال، ورأيت أكثر الناس وخير بيت من يساعد النساء على ~~فسقهن، ورأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا ورأيت البدع والزنا قد ظهر، ورأيت ~~الناس يعتدون بشاهد الزور، ورأيت الحرام يحلل، والحلال يحرم، ورأيت الدين ~~بالرأي وعطل الكتاب وأحكامه، ورأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على الله، ~~ورأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلا بقلبه ورأيت العظيم من المال ينفق في ~~سخط الله عز وجل، ورأيت الولاة يقربون أهل الكفر ويباعدون أهل الخير، ورأيت ms1990 ~~الولاة يرتشون في الحكم، ورأيت الولاية قبالة لمن زاد، ورأيت ذوات الأرحام ~~ينكحن ويكتفى بهن، ورأيت الرجل يقتل على التهمة وعلى الظنة ويتغاير على ~~الرجل الذكر فيبذل له نفسه وماله، ورأيت الرجل يعير على إتيان النساء، ~~ورأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور يعلم ذلك ويقيم عليه، ورأيت ~~المرأة تقهر زوجها وتعمل ما لا يشتهي وتنفق على زوجها، ورأيت الرجل يكري ~~امرأته وجاريته ويرضى بالدني من الطعام والشراب، ورأيت الإيمان بالله عز ~~وجل كثيرة على الزور، ورأيت القمار قد ظهر، ورأيت الشراب يباع ظاهرا ليس له ~~مانع، ورأيت النساء يبذلن أنفسهن لأهل الكفر، ورأيت الملاهي قد ظهرت يمر ~~بها لا يمنعها أحد أحدا ولا يجترىء أحد على منعها، ورأيت الشريف يستذله ~~الذي يخاف سلطانه، ورأيت أقرب الناس من الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت، ~~ورأيت من يحبنا يزور ولا تقبل شهادته، ورأيت الزور من القول يتنافس فيه، ~~ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخف على الناس استماع الباطل، ورأيت ~~الجار يكرم الجار خوفا من لسانه، ورأيت الحدود قد عطلت وعمل فيها بالأهواء، ~~ورأيت المساجد قد زخرفت، ورأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب، ورأيت ~~الشر قد ظهر والسعي بالنميمة، ورأيت البغي قد فشا، ورأيت الغيبة تستملح ~~ويبشر بها الناس بعضهم بعضا، ورأيت طلب الحج والجهاد لغير الله ورأيت ~~السلطان يذل للكافر المؤمن، ورأيت الخراب قد أديل من العمران، ورأيت الرجل ~~معيشته من بخس المكيال والميزان، ورأيت سفك الدماء يستخف بها، ورأيت الرجل ~~يطلب الرئاسة لغرض الدنيا ويشهر نفسه بخبث اللسان ليتقى وتستند إليه ~~الأمور، ورأيت الصلاة قد استخف بها، ورأيت الرجل عنده المال الكثير لم يزكه ~~منذ ملكه، ورأيت الميت ينشر من قبره ويؤذى وتباع أكفانه، ورأيت الهرج قد ~~كثر، ورأيت الرجل يمسي نشوان ويصبح سكران لا يهتم بما الناس فيه، ورأيت ~~البهائم تنكح، ورأيت البهائم تفرس بعضها بعضا، ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاه ~~ويرجع وليس عليه شيء من ثيابه، ورأيت قلوب الناس قد قست وجمدت أعينهم وثقل ms1991 ~~الذكر عليهم، ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه، ورأيت المصلي إنما يصلي ليراه ~~الناس، ورأيت الفقيه يتفقه لغير الدين يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس ~~مع من غلب، ورأيت طالب الحلال يذم ويعير وطالب الحرام يمدح ويعظم، ورأيت ~~الحرمين يعمل فيها بما لا يحب الله لا يمنعهم مانع ولا يحول بينهم وبين ~~العمل القبيح أحد، ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمين، ورأيت الرجل يتكلم بشيء ~~من الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقوم إليه من ينصحه في نفسه ~~فيقول: هذا عنك موضوع، ورأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض ويقتدون بأهل الشر، ~~ورأيت مسلك الخير وطريقه خاليا لا يسلكه أحد، ورأيت الميت يهز به فلا يفزع ~~له أحد، ورأيت كل عام يحدث فيه من البدعة والشر أكثر مما كان، ورأيت الخلق ~~والمجالس لا يتابعون إلا الأغنياء، ورأيت المحتاج يعطى على الضحك به ويرحم ~~لغير وجه الله، ورأيت الآيات في السماء لا يفزع لها أحد ورأيت الناس ~~يتسافدون كما تسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوفا من الناس، ورأيت الرجل ~~ينفق الكثير في غير طاعة الله ويمنع اليسير في طاعة الله، ورأيت العقوق قد ~~ظهر واستخف بالوالدين وكانا من أسوإ الناس حالا عند الولد ويفرح بأن يفترى ~~عليهما، ورأيت النساء وقد غلبن على الملك وغلبن على كل أمر لا يؤتى إلا ما ~~لهن فيه هوى، ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه ويدعو على والديه ويفرح ~~بموتهما، ورأيت الرجل إذا مر به يوم ولم يكسب فيه الذنب العظيم من فجور أو ~~بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر PageV05P232 كئيبا حزينا يحسب أن ذلك اليوم عليه وضيعة من عمره، ورأيت السلطان يحتكر ~~الطعام، ورأيت أموال ذوي القربى تقسم في الزور ويتقامر بها وتشرب بها ~~الخمور، ورأيت الخمر يتداوى بها ويوصف للمريض ويستشفى بها، ورأيت الناس قد ~~استووا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التدين به، ورأيت رياح ~~المنافقين وأهل النفاق قائمة ورياح أهل الحق لا تحرك، ورأيت الأذان بالأجر ~~والصلاة بالأجر، ms1992 ورأيت المساجد محتشية ممن لا يخاف الله مجتمعون فيها ~~للغيبة وأكل لحوم أهل الحق ويتواصفون فيها شراب المسكر، ورأيت السكران يصلي ~~بالناس وهو لا يعقل ولا يشان بالسكر وإذا سكر أكرم واتقى وخيف وترك لا ~~يعاقب ويعذر بسكره، ورأيت من أكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه، ورأيت القضاة ~~يقضون بخلاف ما أمر الله، ورأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع، ورأيت ~~الميراث قد وضعته الولاة لأهل الفسوق والجرأة على الله يأخذون منهم ~~ويخلونهم وما يشتهون، ورأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى ولا يعمل القائل ~~بما يأمر، ورأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها، ورأيت الصدقة بالشفاعة ولا يراد ~~بها وجه الله ويعطي لطلب الناس، ورأيت الناس همهم بطونهم وفروجهم لا يبالون ~~بما أكلوا وما نكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيت أعلام الحق قد درست ~~فكن على حذر واطلب إلى الله عز وجل النجاة، واعلم أن الناس في سخط الله عز ~~وجل وإنما يمهلهم لأمر يراد بهم فكن مترقبا واجتهد ليراك الله عز وجل في ~~خلاف ما هم عليه فإن نزل بهم العذاب وكنت فيهم عجلت إلى رحمة الله، وإن ~~أخرت ابتلوا وكنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة على الله عز وجل واعلم أن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن رحمة الله قريب من المحسنين. # أقول: وهناك أخبار مأثورة عن النبي والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) ~~كثيرة في هذه المعاني، وما نقلناه من الحديثين من أجمعها معنى، والأحاديث ~~أخبار آخر الزمان كالتفصيل لما يدل عليه الآية الكريمة أعني قوله تعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا ~~يخافون لومة لائم" الآية والله أعلم. # تم والحمد لله. PageV05P233 ### || CHECK [تتميم سورة المائدة] # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء السادس PageV06P001 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 55 - 56 # إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ~~وهم ركعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله ms1993 هم ~~الغلبون (56) ### |||| AUTO بيان # الآيتان - كما ترى - موضوعتان بين آيات تنهى عن ولاية أهل الكتاب ~~والكفار، ولذلك رام جماعة من مفسري القوم إشراكهما مع ما قبلهما وما بعدهما ~~من حيث السياق، وجعل الجميع ذات سياق واحد يقصد به بيان وظيفة المؤمنين في ~~أمر ولاية الأشخاص ولاية النصرة، والنهي عن ولاية اليهود والنصارى والكفار، ~~وقصر الولاية في الله سبحانه ورسوله والمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون، وهؤلاء هم المؤمنون حقا فيخرج بذلك المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض، ويبقى على وجوب الولاية المؤمنون حقا، وتكون الآية دالة على ~~مثل ما يدل عليه مجموع قوله تعالى: "والله ولي المؤمنين": "آل عمران - 68"، ~~وقوله تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم": "الأحزاب: 6"، وقوله تعالى ~~في المؤمنين: "أولئك بعضهم أولياء بعض": الأنفال: 72"، وقوله تعالى: ~~"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" ~~الآية: "التوبة - 71". # فمحصل الآية جعل ولاية النصرة لله ولرسوله والمؤمنين على المؤمنين. # نعم يبقى هناك إشكال الجملة الحالية التي يتعقبها قوله: "ويؤتون الزكاة" ~~وهي قوله: "وهم راكعون" ويرتفع الإشكال بحمل الركوع على معناه المجازي وهو ~~مطلق الخضوع لله سبحانه أو انحطاط الحال لفقر ونحوه، ويعود معنى الآية إلى ~~أنه ليس أولياؤكم اليهود والنصارى والمنافقين بل أولياؤكم الله ورسوله ~~والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم في جميع هذه الأحوال ~~خاضعون لساحة الربوبية بالسمع والطاعة، أو أنهم يؤتون الزكاة وهم فقراء ~~معسرون هذا. # لكن التدبر واستيفاء النظر في الآيتين وما يحفهما من آيات ثم في أمر ~~السورة يعطي خلاف ما ذكروه، وأول ما يفسد من كلامهم ما ذكروه من أمر وحدة ~~سياق الآيات، وأن غرض الآيات التعرض لأمر ولاية النصرة، وتمييز الحق منها ~~من غير الحق فإن السورة وإن كان من المسلم نزولها في آخر عهد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع لكن من المسلم أيضا أن جميع ~~آياتها لم تنزل دفعة واحدة ففي خلالها آيات لا شبهة في نزولها قبل ذلك، ~~ومضامينها تشهد بذلك، وما ورد فيها ms1994 من أسباب النزول يؤيده فليس مجرد وقوع ~~الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على وحدة السياق، ولا أن بعض المناسبة ~~بين آية وآية يدل على نزولهما معا دفعة واحدة أو اتحادهما في السياق. # على أن الآيات السابقة أعني قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض" "إلخ"، تنهى المؤمنين عن ولاية اليهود ~~والنصارى، وتعير المنافقين والذين في قلوبهم مرض بالمسارعة إليهم ورعاية ~~جانبهم من غير أن يرتبط الكلام بمخاطبة اليهود والنصارى وإسماعهم الحديث ~~بوجه بخلاف الآيات التالية أعني قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ~~أولياء" "إلخ"، فإنها تنهى عن ولايتهم وتتعرض لحالهم بالأمر بمخاطبتهم ثم ~~يعيرهم بالنفاق والفسق فالغرض في القبيلين من الآيات السابقة واللاحقة ~~مختلف، ومعه كيف يتحد السياق؟!. # على أنك قد عرفت في البحث عن الآيات السابقة أعني قوله: "يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" الآيات أن ولاية النصرة لا تلائم ~~سياقها، وأن خصوصيات الآيات والعقود المأخوذة فيها وخاصة قوله: "بعضهم ~~أولياء بعض" وقوله: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" لا تناسبها فإن عقد ولاية ~~النصرة واشتراطها بين قومين لا يوجب صيرورة أحدهما الآخر ولحوقه به، ولا ~~أنه يصح تعليل النهي عن هذا العقد بأن القوم الفلاني بعضهم أولياء بعض ~~بخلاف عقد ولاية المودة التي توجب الامتزاج النفسي والروحي بين الطرفين، ~~وتبيح لأحدهما التصرف الروحي والجسمي في شئون الآخر الحيوية وتقارب ~~الجماعتين في الأخلاق والأعمال الذي يذهب بالخصائص القومية. PageV06P002 # على أنه ليس من الجائز أن يعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليا ~~للمؤمنين بمعنى ولاية النصرة بخلاف العكس فإن هذه النصرة التي يعتني بأمرها ~~الله سبحانه، ويذكرها القرآن الكريم في كثير من آياته هي النصرة في الدين ~~وحينئذ يصح أن يقال: إن الدين لله بمعنى أنه جاعله وشارع شرائعه فيندب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المؤمنون أو هما جميعا إلى نصرته أو ~~يدعوا أنصارا ms1995 لله في ما شرعه من الدين كقوله تعالى: "قال الحواريون نحن ~~أنصار الله": الصف: 14"، وقوله تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم": "محمد: 7"، ~~وقوله تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين - إلى أن قال: لتؤمنن به ~~ولتنصرنه": "آل عمران: 81"، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # ويصح أن يقال: إن الدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعنى أنه ~~الداعي إليه والمبلغ له مثلا، أو إن الدين لله ولرسوله بمعنى التشريع ~~والهداية فيدعى الناس إلى النصرة، أو يمدح المؤمنون بالنصرة كقوله تعالى: ~~"وعزروه ونصروه"،: "الأعراف: 175"، وقوله تعالى: "وينصرون الله ورسوله": ~~"الحشر: 8"، وقوله تعالى: "والذين آووا ونصروا": الأنفال: 72"، إلى غير ذلك ~~من الآيات. # ويصح أن يقال: إن الدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين ~~جميعا، بمعنى أنهم المكلفون بشرائعه العاملون به فيذكر أن الله سبحانه ~~وليهم وناصرهم كقوله تعالى: "ولينصرن الله من ينصره": "الحج: 40"، وقوله ~~تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد": "غافر: 51"، وقوله تعالى: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين": "الروم ~~- 47" إلى غير ذلك من الآيات. # لكن لا يصح أن يفرد الدين بوجه للمؤمنين خاصة، ويجعلوا أصلا فيه والنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعزل عن ذلك، ثم يعد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ناصرا لهم فيما لهم، إذ ما من كرامة دينية إلا هو مشاركهم فيها أحسن ~~مشاركة، ومساهمهم أفضل سهام ولذلك لا نجد القرآن يعد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ناصرا للمؤمنين ولا في آية واحدة، وحاشا ساحة الكلام الإلهي أن ~~يساهل في رعاية أدبه البارع. # وهذا من أقوى الدليل على أن المراد بما نسب إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من الولاية في القرآن هو ولاية التصرف أو الحب والمودة كقوله ~~تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم": الأحزاب: 6"، وقوله تعالى: "إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" الآية، فإن الخطاب للمؤمنين، ولا معنى لعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليا لهم ولاية النصرة كما عرفت. # فقد ظهر أن الآيتين أعني قوله تعالى: "إنما وليكم ms1996 الله ورسوله" إلى آخر ~~الآيتين لا تشاركان السياق السابق عليهما لو فرض أنه متعرض لحال ولاية ~~النصرة، ولا يغرنك قوله تعالى في آخر الآية الثانية: "فإن حزب الله هم ~~الغالبون"، فإن الغلبة كما تناسب الولاية بمعنى النصرة، كذلك تناسب ولاية ~~التصرف وكذا ولاية المحبة والمودة، والغلبة الدينية التي هي آخر بغية أهل ~~الدين تتحصل باتصال المؤمنين بالله ورسوله بأي وسيلة تمت وحصلت، وقد قرع ~~الله سبحانه أسماعهم ذلك بصريح وعده حيث قال: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي": ~~"المجادلة: 21"، وقال: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:" الصافات: 137". # على أن الروايات متكاثرة من طرق الشيعة وأهل السنة على أن الآيتين ~~نازلتان في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لما تصدق بخاتمه وهو في ~~الصلاة، فالآيتان خاصتان غير عامتين، وسيجيء نقل جل ما ورد من الروايات في ~~ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # ولو صح الإعراض في تفسير آية بالأسباب المأثورة عن مثل هذه الروايات على ~~تكاثرها وتراكمها لم يصح الركون إلى شيء من أسباب النزول المأثورة في شيء ~~من آيات القرآن وهو ظاهر، فلا وجه لحمل الآيتين على إرادة ولاية المؤمنين ~~بعضهم لبعض بجعلها عامة. PageV06P003 # نعم استشكلوا في الروايات - ولم يكن ينبغي أن يستشكل فيها مع ما فيها من ~~الكثرة البالغة - أولا: بأنها تنافي سياق الآيات الظاهر في ولاية النصرة ~~كما تقدمت الإشارة إليه وثانيا: أن لازمها إطلاق الجمع وإرادة الواحد فإن ~~المراد بالذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة "إلخ"، على هذا التقدير هو علي ~~ولا يساعده اللغة، وثالثا: أن لازمها كون المراد بالزكاة هو التصدق ~~بالخاتم، ولا يسمى ذلك زكاة. # قالوا: فالمتعين أن تؤخذ الآية عامة، وتكون مسوقة لمثل قصر القلب أو ~~الإفراد فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب ويؤكدونها، فنهى ~~الله عن ذلك وذكر أن أولياءهم إنما هم الله ورسوله والمؤمنون حقا دون أهل ~~الكتاب والمنافقين. # ولا يبقى إلا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله: "وهم راكعون" ويندفع بحمل ~~الركوع على معناه ms1997 المجازي، وهو الخضوع لله أو الفقر ورثاثة الحال، هذا ما ~~استشكلوه. # لكن التدبر في الآية وما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة ~~جميعا: أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة، ولزوم حملها على إرادة ذلك ~~فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا، ولو فرض سرد الآيات السابقة ~~على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض. # وأما حديث لزوم إطلاق الجمع وإرادة الواحد في قوله: "والذين آمنوا" ~~"إلخ"، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب ~~تفصيل الجواب عنه، وأنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله ~~فيه، وبين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من ~~يصح أن ينطبق عليه، ثم لا يكون المصداق الذي يصح أن ينطبق عليه إلا واحدا ~~فردا واللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات. # وليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة - إلى أن قال: - تسرون ~~إليهم بالمودة" الآية: "الممتحنة: 1"، وقد صح أن المراد به حاطب بن أبي ~~بلتعة في مكاتبته قريشا؟ وقوله تعالى: "يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل": المنافقون: 8، وقد صح أن القائل به عبد الله بن ~~أبي بن سلول؟ وقوله تعالى: "يسألونك ما ذا ينفقون": البقرة: 251" والسائل ~~عنه واحد؟، وقوله تعالى: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية": البقرة: 247" وقد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر؟ إلى غير ~~ذلك من الموارد الكثيرة. # وأعجب من الجميع قوله تعالى: "يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة" والقائل هو ~~عبد الله بن أبي، على ما رووا في سبب نزوله وتلقوه بالقبول، والآية واقعة ~~بين الآيات المبحوث عنها نفسها. # فإن قيل: إن هذه الموارد لا تخلو عن أناس كانوا يرون رأيهم أو يرضون ~~بفعالهم فعبر الله تعالى عنهم وعمن يلحق بهم بصيغة الجمع. # قيل: إن محصله جواز ms1998 ذلك في اللغة لنكتة مجوزة فليجر الآية أعني قوله: ~~"والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" هذا المجرى، ~~ولتكن النكتة هي الإشارة إلى أن أنواع الكرامات الدينية - ومنها الولاية ~~المذكورة في الآية - ليست موقوفة على بعض المؤمنين دون بعض وقفا جزافيا ~~وإنما يتبع التقدم في الإخلاص والعمل لا غير. # على أن جل الناقلين لهذه الأخبار هم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والتابعون المتصلون بهم زمانا وهم من زمرة العرب العرباء الذين لم ~~تفسد لغتهم ولم تختلط ألسنتهم ولو كان هذا النحو من الاستعمال لا تبيحه ~~اللغة ولا يعهده أهلها لم تقبله طباعهم، ولكانوا أحق باستشكاله والاعتراض ~~عليه، ولم يؤثر من أحد منهم ذلك. PageV06P004 # وأما قولهم: إن الصدقة بالخاتم لا تسمى زكاة، فيدفعه أن تعين لفظ الزكاة في ~~معناها المصطلح إنما تحقق في عرف المتشرعة بعد نزول القرآن بوجوبها ~~وتشريعها في الدين، وأما الذي تعطيه اللغة فهو أعم من الزكاة المصطلحة في ~~عرف المتشرعة ويساوق عند الإطلاق أو عند مقابلة الصلاة إنفاق المال لوجه ~~الله كما يظهر مما وقع فيما حكاه الله عن الأنبياء السالفين كقوله تعالى في ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة": "الأنبياء: 73"، وقوله تعالى في إسماعيل: "وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة وكان عند ربه مرضيا": مريم: 55" وقوله تعالى حكاية عن عيسى (عليه ~~السلام) في المهد: "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا": "مريم: 31" ومن ~~المعلوم أن ليس في شرائعهم الزكاة المالية بالمعنى الذي اصطلح عليه في ~~الإسلام. # وكذا قوله تعالى: "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى": الأعلى: 15" ~~وقوله تعالى: "الذي يؤتي ماله يتزكى": "الليل: 18" وقوله تعالى: "الذين لا ~~يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون": "حم السجدة: 7" وقوله تعالى: "والذين ~~هم للزكاة فاعلون": "المؤمنون: 4، وغير ذلك من الآيات الواقعة في السور ~~المكية وخاصة السور النازلة في أوائل البعثة كسورة حم السجدة وغيرها، ولم ~~تكن شرعت الزكاة المصطلحة بعد فليت شعري ما ذا كان يفهمه المسلمون من هذه ~~الآيات في ms1999 لفظ الزكاة. # بل آية الزكاة أعني قوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم": "التوبة: 130، تدل على أن الزكاة من أفراد ~~الصدقة، وإنما سميت زكاة لكون الصدقة مطهرة مزكية مطلقا، وقد غلب استعمالها ~~في الصدقة المصطلحة. # فتبين من جميع ما ذكرنا أنه لا مانع من تسمية مطلق الصدقة والإنفاق في ~~سبيل الله زكاة، وتبين أيضا أن لا موجب لارتكاب خلاف الظاهر بحمل الركوع ~~على معناه المجازي، وكذا ارتكاب التوجيه في قوله "إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا" حيث أتى باسم إن وليكم مفردا وبقوله "الذين آمنوا" وهو خبر ~~بالعطف بصيغة الجمع، هذا. # قوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" قال الراغب في ~~المفردات: الولاء بفتح الواو والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس ~~بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن ~~حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة، والولاية تولي الأمر، ~~وقيل: الولاية والولاية بالفتح والكسر واحدة نحو الدلالة والدلالة وحقيقته ~~تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك، كل واحد منهما يقال في معنى ~~الفاعل أي الموالي بكسر اللام ومعنى المفعول أي الموالى بفتح اللام يقال ~~للمؤمن: هو ولي الله عز وجل ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله ولي المؤمنين ~~ومولاهم. # قال: وقولهم: تولى إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب ~~المواضع منه يقال: وليت سمعي كذا، ووليت عيني كذا، ووليت وجهي كذا أقبلت به ~~عليه قال الله عز وجل: "فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره" وإذا عدي بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى ~~الإعراض وترك قربه. # انتهى. # والظاهر أن القرب الكذائي المعبر عنه بالولاية، أول ما اعتبره الإنسان ~~إنما اعتبره في الأجسام وأمكنتها وأزمنتها ثم استعير لأقسام القرب المعنوية ~~بالعكس مما ذكره لأن هذا هو المحصل من البحث في حالات الإنسان الأولية ~~فالنظر في أمر المحسوسات والاشتغال بأمرها أقدم في عيشة الإنسان من التفكر ~~في المعقولات ms2000 والمعاني وأنحاء اعتبارها والتصرف فيها. PageV06P005 # وإذا فرضت الولاية - وهي القرب الخاص - في الأمور المعنوية كان لازمها أن ~~للولي ممن وليه ما ليس لغيره إلا بواسطته فكل ما كان من التصرف في شئون من ~~وليه مما يجوز أن يخلفه فيه غيره فإنما يخلفه الولي لا غيره كولي الميت، ~~فإن التركة التي كان للميت أن يتصرف فيها بالملك فإن لوارثه الولي أن يتصرف ~~فيها بولاية الوراثة، وولي الصغير يتصرف بولايته في شئون الصغير المالية ~~بتدبير أمره، وولي النصرة له أن يتصرف في أمر المنصور من حيث تقويته في ~~الدفاع، والله سبحانه ولي عباده يدبر أمرهم في الدنيا والآخرة لا ولي غيره، ~~وهو ولي المؤمنين في تدبير أمر دينهم بالهداية والدعوة والتوفيق والنصرة ~~وغير ذلك، والنبي ولي المؤمنين من حيث إن له أن يحكم فيهم ولهم وعليهم ~~بالتشريع والقضاء، والحاكم ولي الناس بالحكم فيهم على مقدار سعة حكومته، ~~وعلى هذا القياس سائر موارد الولاية كولاية العتق والحلف والجوار والطلاق ~~وابن العم، وولاية الحب وولاية العهد وهكذا، وقوله: "يولون الأدبار" أي ~~يجعلون أدبارهم تلي جهة الحرب وتدبر أمرها، وقوله "توليتم" أي توليتم عن ~~قبوله أي اتخذتم أنفسكم تلي جهة خلاف جهته بالإعراض عنه أو اتخذتم وجوهكم ~~تلي خلاف جهته بالإعراض عنه فالمحصل من معنى الولاية في موارد استعمالها هو ~~نحو من القرب يوجب نوعا من حق التصرف ومالكية التدبير. # وقد اشتمل قوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" "إلخ" من ~~السياق على ما يدل على وحدة ما في معنى الولاية المذكورة فيه حيث تضمن العد ~~في قوله: "الله ورسوله والذين آمنوا" وأسند الجميع إلى قوله: "وليكم" ~~وظاهره كون الولاية في الجميع بمعنى واحد. # ويؤيد ذلك أيضا قوله في الآية التالية: "فإن حزب الله هم الغالبون" حيث ~~يشعر أو يدل على كون المتولين جميعا حزبا لله لكونهم تحت ولايته فولاية ~~الرسول والذين آمنوا إنما هو من سنخ ولاية الله. # وقد ذكر الله سبحانه لنفسه من الولاية، الولاية التكوينية التي تصحح له ~~التصرف في كل ms2001 شيء وتدبير أمر الخلق بما شاء، وكيف شاء قال تعالى: "أم ~~اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي": "الشورى: 9" وقال: "ما لكم من دونه ~~من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون": "السجدة: 4" وقال: "أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة": "يوسف: 110" وقال: "فما له من ولي من بعده": "الشورى: 44" وفي ~~معنى هذه الآيات قوله: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد": "ق: 16"، وقوله: ~~"واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه": "الأنفال: 24". # وربما لحق بهذا الباب ولاية النصرة التي ذكرها لنفسه في قوله: "ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم": "سورة محمد - 11، وقوله: ~~"فإن الله هو مولاه": "التحريم: 4"، وفي معنى ذلك قوله: "وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين": "الروم: 47". وذكر تعالى أيضا لنفسه الولاية على المؤمنين ~~فيما يرجع إلى أمر دينهم من تشريع الشريعة والهداية والإرشاد والتوفيق ونحو ~~ذلك كقوله تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور": ~~البقرة: 275، وقوله: "والله ولي المؤمنين": "آل عمران: 68" وقوله: "والله ~~ولي المتقين": "الجاثية: 19"، وفي هذا المعنى قوله تعالى: "وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص ~~الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا": "الأحزاب: 36". # فهذا ما ذكره الله تعالى من ولاية نفسه في كلامه، ويرجع محصلها إلى ولاية ~~التكوين وولاية التشريع، وإن شئت سميتهما بالولاية الحقيقية والولاية ~~الاعتبارية. PageV06P006 # وقد ذكر الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الولاية التي تخصه ~~الولاية التشريعية وهي القيام بالتشريع والدعوة وتربية الأمة والحكم فيهم ~~والقضاء في أمرهم، قال تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم": "الأحزاب: ~~6"، وفي معناه قوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله": "النساء: 150"، وقوله: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم": ~~الشورى: 52"، وقوله: "رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة": "الجمعة: 2"، وقوله: "لتبين للناس ما نزل إليهم": "النحل: 44" ~~وقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول": "النساء: 59"، وقوله: "وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ms2002 الخيرة من أمرهم": ~~"الأحزاب: 36"، وقوله: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك": "المائدة: 49"، وقد تقدم أن ~~الله لم يذكر ولاية النصرة عليه للأمة. # ويجمع الجميع أن له (صلى الله عليه وآله وسلم) الولاية على الأمة في ~~سوقهم إلى الله والحكم فيهم والقضاء عليهم في جميع شئونهم فله عليهم ~~الإطاعة المطلقة فترجع ولايته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ولاية الله ~~سبحانه بالولاية التشريعية، ونعني بذلك أن له (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~التقدم عليهم بافتراض الطاعة لأن طاعته طاعة الله، فولايته ولاية الله كما ~~يدل عليه بعض الآيات السابقة كقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" الآية ~~وقوله: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا" الآية وغير ذلك. # وهذا المعنى من الولاية لله ورسوله هو الذي تذكره الآية للذين آمنوا ~~بعطفه على الله ورسوله في قوله: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" على ~~ما عرفت من دلالة السياق على كون هذه الولاية ولاية واحدة هي لله سبحانه ~~بالأصالة ولرسوله والذين آمنوا بالتبع وبإذن منه تعالى. # ولو كانت الولاية المنسوبة إلى الله تعالى في الآية غير المنسوبة إلى ~~الذين آمنوا - والمقام مقام الالتباس - كان الأنسب أن تفرد ولاية أخرى ~~للمؤمنين بالذكر رفعا للالتباس كما وقع نظيره في نظيرها، قال تعالى: "قل ~~أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين": "التوبة. 61"، فكرر لفظ الإيمان ~~لما كان في كل من الموضعين لمعنى غير الآخر، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ~~"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول: النساء - 59"، في الجزء السابق على هذا الجزء ~~من الكتاب. # على أن لفظ "وليكم" أتي به مفردا وقد نسب إلى الذين آمنوا وهو جمع، وقد ~~وجهه المفسرون بكون الولاية ذات معنى واحد هو لله سبحانه على الأصالة ~~ولغيره بالتبع. # وقد تبين من جميع ما مر أن القصر في قوله: "إنما وليكم الله" "إلخ"، لقصر ~~الإفراد كان المخاطبين يظنون أن الولاية عامة للمذكورين في الآية وغيرهم ~~فأفرد المذكورون للقصر، ويمكن ms2003 بوجه أن يحمل على قصر القلب. # قوله تعالى: "الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" بيان للذين ~~آمنوا المذكور سابقا، وقوله: "وهم راكعون" حال من فاعل "يؤتون" وهو العامل فيه. # والركوع هو الهيأة المخصوصة في الإنسان، ومنه الشيخ الراكع، ويطلق في عرف ~~الشرع على الهيأة المخصوصة في العبادة، قال تعالى: "الراكعون الساجدون": ~~"التوبة: 121" وهو ممثل للخضوع والتذلل لله، غير أنه لم يشرع في الإسلام في ~~غير حال الصلاة بخلاف السجدة. # ولكونه مشتملا على الخضوع والتذلل ربما استعير لمطلق التذلل والخضوع أو ~~الفقر والإعسار الذي لا يخلو عادة عن التذلل للغير. # قوله تعالى: "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون"، التولي هو الأخذ وليا، و"الذين آمنوا" مفيد للعهد والمراد به ~~المذكور في الآية السابقة: "والذين آمنوا الذين"، "إلخ"، وقوله: "فإن حزب ~~الله هم الغالبون" واقع موقع الجزاء وليس به بل هو من قبيل وضع الكبرى موضع ~~النتيجة للدلالة على علة الحكم، والتقدير: ومن يتول فهو غالب لأنه من حزب ~~الله وحزب الله هم الغالبون، فهو من قبيل الكناية عن أنهم حزب الله. PageV06P007 # والحزب على ما ذكره الراغب جماعة فيها غلظ، وقد ذكر الله سبحانه حزبه في ~~موضع آخر من كلامه قريب المضمون من هذا الموضع، ووسمهم بالفلاح فقال: "لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه - إلى أن قال: - أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون": "المجادلة - 22". # والفلاح الظفر وإدراك البغية التي هي الغلبة والاستيلاء على المراد، وهذه ~~الغلبة والفلاح هي التي وعدها الله المؤمنين في أحسن ما وعدهم به وبشرهم ~~بنيله، قال تعالى: "قد أفلح المؤمنون": "المؤمنون: 1"، والآيات في ذلك ~~كثيرة، وقد أطلق اللفظ في جميعها، فالمراد الغلبة المطلقة والفلاح المطلق ~~أي الظفر بالسعادة والفوز بالحق والغلبة على الشقاء، وإدحاض الباطل في ~~الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبالحياة الطيبة التي توجد في مجتمع ms2004 صالح من ~~أولياء الله في أرض مطهرة من أولياء الشيطان على تقوى وورع، وأما في الآخرة ~~ففي جوار رب العالمين. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن ~~أذينة، عن زرارة والفضيل بن يسار، وبكير بن أعين، ومحمد بن مسلم، وبريد بن ~~معاوية، وأبي الجارود، جميعا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أمر الله عز ~~وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" وفرض من ولاية أولي الأمر ~~فلم يدروا ما هي؟ فأمر الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفسر لهم ~~الولاية كما فسر الصلاة والزكاة والصوم والحج. فلما أتاه ذلك من الله ضاق ~~بذلك صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتخوف أن يرتدوا عن دينهم ~~وأن يكذبوه، فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه: يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس"، فصدع بأمر الله عز ذكره، فقام بولاية علي (عليه السلام) يوم ~~غدير خم فنادى: الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب. قال عمر ~~بن أذينة: قالوا جميعا غير أبي الجارود: قال أبو جعفر (عليه السلام): وكانت ~~الفريضة الأخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عز وجل: "اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، قال أبو جعفر (عليه السلام): يقول ~~الله عز وجل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة قد أكملت لكم الفرائض. # وفي البرهان، وغاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي الجارود عن أبي ~~جعفر (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا"، قال: إن رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة ~~وابن يامين وابن صوريا فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا ~~نبي الله إن موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيك يا ms2005 رسول الله؟ ومن ولينا ~~بعدك؟ فنزلت هذه الآية: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون". قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): قوموا فقاموا وأتوا المسجد فإذا سائل خارج فقال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يا سائل هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم هذا الخاتم قال: من ~~أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي قال على أي حال أعطاك؟ قال: كان ~~راكعا فكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبر أهل المسجد. فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): علي وليكم بعدي قالوا: رضينا بالله ربا، وبمحمد ~~نبيا، وبعلي بن أبي طالب وليا فأنزل الله عز وجل: "ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا - فإن حزب الله هم الغالبون" الحديث. PageV06P008 # وفي تفسير القمي، قال: حدثني أبي، عن صفوان: عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة ~~الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام): بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) جالس وعنده قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام إذ نزلت عليه هذه ~~الآية فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد فاستقبله سائل ~~فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم ذلك المصلي، ~~فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا هو علي (عليه السلام):. ~~أقول: ورواه العياشي في تفسيره عنه (عليه السلام). # وفي أمالي الشيخ، قال: حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال: حدثني أبو ~~الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: حدثني الحسن بن علي الزعفراني، قال: حدثنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا ~~العباس بن عبد الله العنبري، عن عبد الرحمن بن الأسود الكندي اليشكري، عن ~~عون بن عبيد الله، عن أبيه عن جده أبي رافع قال: دخلت على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يوما وهو نائم وحية في جانب البيت فكرهت أن أقتلها ~~وأوقظ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فظننت أنه يوحى إليه ms2006 فاضطجعت بينه ~~وبين الحية فقلت: إن كان منها سوء كان إلى دونه. فكنت هنيئة فاستيقظ النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقرأ: "إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا" حتى أتى على آخر الآية ثم قال: الحمد لله الذي أتم لعلي نعمته، ~~وهنيئا له بفضل الله الذي آتاه، ثم قال لي: ما لك هاهنا؟ فأخبرته بخبر ~~الحية فقال لي: اقتلها ففعلت ثم قال لي: يا أبا، رافع كيف أنت وقوم يقاتلون ~~عليا وهو على الحق وهم على الباطل؟ جهادهم حقا لله عز اسمه فمن لم يستطع ~~بقلبه، ليس وراءه شيء فقلت: يا رسول الله ادع الله لي إن أدركتهم أن يقويني ~~على قتالهم قال: فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إن لكل نبي ~~أمينا، وإن أميني أبو رافع. قال: فلما بايع الناس عليا بعد عثمان، وسار ~~طلحة والزبير ذكرت قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعت داري بالمدينة ~~وأرضا لي بخيبر وخرجت بنفسي وولدي مع أمير المؤمنين (عليه السلام) - ~~لأستشهد بين يديه فلم أدرك معه حتى عاد من البصرة، وخرجت معه إلى صفين ~~فقاتلت، بين يديه بها وبالنهروان أيضا، ولم أزل معه حتى استشهد علي (عليه ~~السلام)، فرجعت إلى المدينة وليس لي بها دار ولا أرض فأعطاني الحسن بن علي ~~(عليهما السلام) أرضا بينبع، وقسم لي شطر دار أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~فنزلتها وعيالي. # وفي تفسير العياشي، بإسناده عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسن، عن ~~جده قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: وقف لعلي بن أبي طالب سائل وهو راكع في ~~صلاة تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأعلم بذلك فنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: ~~"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون" إلى آخر الآية فقرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~علينا ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ms2007 من عاداه. # وفي تفسير العياشي، عن المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما ~~السلام) قال: قال: إنه لما نزلت هذه الآية: "إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا" شق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخشي أن تكذبه قريش ~~فأنزل الله: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" الآية فقام بذلك يوم ~~غدير خم. # وفيه، عن أبي جميلة عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله أوحى إلي أن أحب أربعة: ~~عليا وأبا ذر وسلمان والمقداد، فقلت: ألا فما كان من كثرة الناس أما كان ~~أحد يعرف هذا الأمر؟ فقال: بلى ثلاثة، قلت: هذه الآيات التي أنزلت: "إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" وقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم" ما كان أحد يسأل فيمن نزلت؟ فقال من ثم أتاهم لم يكونوا ~~يسألون. PageV06P009 # وفي غاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي سعيد الوراق عن أبيه عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن جده: في حديث مناشدة علي (عليه السلام) لأبي بكر حين ولى ~~أبو بكر الخلافة، وذكر (عليه السلام) فضائله لأبي بكر والنصوص عليه من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان فيما قال له: فأنشدك بالله ألي ~~الولاية من الله مع ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آية زكاة ~~الخاتم أم لك؟ قال: بل لك. # وفي مجالس الشيخ، بإسناده إلى أبي ذر: في حديث مناشدة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص يوم ~~الشورى واحتجاجه عليهم بما فيه من النصوص من رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، والكل منهم يصدقه (عليه السلام) فيما يقوله فكان مما ذكره (عليه ~~السلام): فهل فيكم أحد آتى الزكاة وهو راكع فنزلت فيه: "إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" ~~غيري؟ قالوا: لا. # وفي الإحتجاج، في رسالة أبي الحسن ms2008 الثالث علي بن محمد الهادي (عليهما ~~السلام) إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض: قال (عليه السلام): ~~اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أن القرآن حق لا ريب فيه عند ~~جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله ~~مهتدون لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، ~~فأخبر (عليه السلام): أن ما اجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضا هو ~~الحق، فهذا معنى الحديث لا ما تأوله الجاهلون، ولا ما قاله المعاندون من ~~إبطال حكم الكتاب، واتباع أحكام الأحاديث المزورة، والروايات المزخرفة، ~~واتباع الأهواء المردئة المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات ~~الواضحات النيرات، ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصلاة، ويهدينا إلى الرشاد. ~~ثم قال (عليه السلام): فإذا شهد الكتاب بصدق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة من ~~الأمة عارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب ~~ضلالا، وأصح خبر مما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "إني مستخلف فيكم خليفتين كتاب الله ~~وعترتي. ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض" واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا". وجدنا شواهد هذا ~~الحديث نصا في كتاب الله مثل قوله: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون". ثم اتفقت روايات العلماء ~~في ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ~~ذلك له، وأنزل الآية فيه. ثم وجدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ~~أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه ~~وعاد من عاداه" وقوله: (صلى الله عليه وآله وسلم) "علي يقضي ديني، وينجز ~~موعدي، وهو ms2009 خليفتي عليكم بعدي" وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ~~استخلفه على المدينة فقال: يا رسول الله: أتخلفني على النساء والصبيان؟ ~~فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟. فعلمنا أن الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، ~~وتحقيق هذه الشواهد فيلزم الأمة الإقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت ~~القرآن فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله، ووجدنا كتاب الله موافقا لهذه ~~الأخبار، وعليها دليلا كان الاقتداء فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد ~~والفساد. # وفي الإحتجاج، في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): قال المنافقون ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل بقي لربك علينا بعد الذي فرض ~~علينا شيء آخر يفترضه فتذكر فتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره؟ فأنزل الله ~~في ذلك: "قل إنما أعظكم بواحدة" يعني الولاية فأنزل الله: إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"، ~~وليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ وهو راكع غير رجل واحد، ~~الحديث. PageV06P010 # وفي الاختصاص، للمفيد عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن القاسم بن محمد الجوهري، ~~عن الحسن بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الأوصياء ~~طاعتهم مفترضة؟ فقال: نعم، هم الذين قال الله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم" وهم الذين قال الله: إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون". أقول: ورواه في ~~الكافي، عن الحسين بن أبي العلاء عنه (عليه السلام)، وروي ما في معناه عن ~~أحمد بن عيسى عنه (عليه السلام). # وإسناد نزول ما نزل في علي (عليه السلام) إلى جميع الأئمة (عليهم السلام) ~~لكونهم أهل بيت واحد، وأمرهم واحد. # وعن تفسير الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه قال: حدثنا ~~عبد الله بن أحمد الشعراني قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين قال: ~~حدثنا المظفر بن الحسن الأنصاري قال: حدثنا السري بن علي الوراق ms2010 قال: حدثنا ~~يحيى بن عبد الحميد الجماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش، عن عباية بن ~~الربعي قال: حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وهو جالس بشفير زمزم يقول ~~قال: رسول الله: إذ أقبل رجل معتم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول ~~الله إلا وقال الرجل: قال رسول الله. فقال له ابن عباس: سألتك بالله من ~~أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ~~ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله ~~بهاتين وإلا فصمتا ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول: علي قائد البررة وقاتل ~~الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. أما إني صليت مع رسول الله يوما من ~~الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى ~~السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا، ~~وكان علي راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وكان يتختم فيها فأقبل السائل ~~حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما ~~فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم موسى سألك فقال: رب اشرح لي ~~صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من ~~أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري. فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: ~~سنشد عضدك بأخيك، ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا. اللهم وأنا ~~محمد نبيك وصفيك، اللهم واشرح لي صدري ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من ~~أهلي عليا اشدد به ظهري. قال أبو ذر: فما استتم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله تعالى فقال: يا محمد ~~اقرأ قال: وما أقرأ قال: قال: اقرأ: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. # وعن الجمع بين الصحاح الستة، لزرين من الجزء الثالث في تفسير سورة ~~المائدة : قوله ms2011 تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله": الآية من صحيح النسائي عن ~~ابن سلام: قال أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلنا: إن قومنا ~~حادونا لما صدقنا الله ورسوله، وأقسموا أن لا يكلموننا فأنزل الله تعالى: ~~"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون" الآية. ثم أذن بلال لصلاة الظهر فقام الناس يصلون فمن بين ساجد ~~وراكع وسائل إذ سائل يسأل، وأعطى علي خاتمه وهو راكع فأخبر السائل رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرأ علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا - فإن حزب الله هم ~~الغالبون" وعن مناقب ابن المغازلي الشافعي،: في تفسير قوله تعالى: "إنما ~~وليكم الله ورسوله" الآية: قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن عثمان قال: أخبرنا ~~أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز إذنا قال: حدثنا الحسن بن علي ~~العدوي قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا مجاهد عن ~~ابن عباس: في قوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" قال: نزلت في علي. PageV06P011 # وعنه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن طاوان قال: أخبرنا أبو أحمد عمر بن عبد ~~الله بن شوذب قال: حدثنا محمد بن العسكري الدقاق قال: حدثنا محمد بن عثمان ~~بن أبي شيبة قال: حدثنا عبادة قال: حدثنا عمر بن ثابت عن محمد بن السائب عن ~~أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان علي راكعا فجاءه مسكين فأعطاه خاتمه فقال ~~رسول الله: من أعطاك هذا؟ فقال: أعطاني هذا الراكع فأنزل الله هذه الآية: ~~"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا إلى آخر الآية. # وعنه قال: حدثنا أحمد بن محمد بن طاوان إذنا: أن أبا أحمد عمر بن عبد ~~الله بن شوذب أخبرهم قال: حدثنا محمد بن جعفر بن محمد العسكري قال: حدثنا ~~محمد بن عثمان قال: ms2012 حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال: حدثنا علي بن عابس ~~قال: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مريم: حدث عليا ~~بالحديث الذي حدثتني عن أبي جعفر، قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر عليه ~~ابن عبد الله بن سلام قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟ ~~قال: لا ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب الذي أنزلت فيه آيات من كتاب الله عز ~~وجل: "ومن عنده علم الكتاب، أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" الآية. # وعن الخطيب الخوارزمي في جواب مكاتبة معاوية إلى عمرو بن العاص قال عمرو ~~بن العاص: لقد علمت يا معاوية ما أنزل في كتابه من الآيات المتلوات في ~~فضائله التي لا يشركه فيها أحد كقوله تعالى: "يوفون بالنذر، إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ~~أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله"، وقد قال الله تعالى: ~~"رجال صدقوا ما عاهدوا الله"، وقد قال الله تعالى لرسوله: "قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى" وعنه بإسناده إلى أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن قد آمن بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا ~~متحدث دون هذا المجلس، وإن قومنا لما رأونا قد آمنا بالله ورسوله وقد ~~صدقناه رفضونا، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا، ~~وقد شق ذلك علينا فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون". ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى المسجد والناس بين ~~قائم وراكع، وبصر بسائل، فقال له النبي: (صلى الله عليه وآله وسلم) هل ~~أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم خاتم من ذهب، فقال ms2013 له النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم وأومأ بيده إلى علي بن أبي طالب فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): على أي حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، ~~فكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قرأ: "ومن يتول الله ورسوله - فإن ~~حزب الله هم الغالبون" فأنشأ حسان بن ثابت يقول: أبا حسن تفديك نفسي ~~ومهجتي. وكل بطيء في الهدى ومسارع. أيذهب مدحي والمحبين ضائعا. وما المدح ~~في ذات الإله بضائع؟. فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا. فدتك نفوس القوم يا ~~خير راكع. بخاتمك الميمون يا خير سيد. ويا خير شار ثم يا خير بائع. فأنزل ~~فيك الله خير ولاية. وبينها في محكمات الشرائع. وعن الحمويني بإسناده إلى ~~أبي هدبة إبراهيم بن هدبة قال: نبأنا أنس بن مالك: أن سائلا أتى المسجد وهو ~~يقول: من يقرض الملي الوفي؟ وعلي راكع يقول بيده خلفه للسائل: أن اخلع ~~الخاتم من يدي، قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمر وجبت، ~~قال: بأبي وأمي يا رسول الله ما وجبت؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): وجبت ~~له الجنة، والله ما خلعه من يده حتى خلعه من كل ذنب ومن كل خطيئة. PageV06P012 # وعنه بإسناده عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: سمعت عمار بن ~~ياسر رضي الله عنه يقول: وقف لعلي بن أبي طالب سائل وهو راكع في صلاة ~~التطوع فنزع خاتمه وأعطاه السائل، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأعلمه ذلك، فنزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: ~~"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون" فقرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعلي مولاه. # وعن الحافظ أبي نعيم عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: جاء عبد ~~الله بن سلام وأتى معه قوم يشكون مجانبة الناس إياهم ms2014 منذ أسلموا فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أبغوا إلي سائلا فدخلنا المسجد فدنا سائل ~~إليه فقال له: أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه، ~~قال: فاذهب فأرني قال: فذهبنا فإذا علي قائم، فقال: هذا فنزلت: "إنما وليكم ~~الله ورسوله". # وعنه عن موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل قال: تصدق علي بخاتمه وهو ~~راكع فنزلت! "إنما وليكم الله ورسوله" الآية. # وعنه عن عوف بن عبيد بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نائم إذ يوحى إليه وإذا حية في جنب البيت ~~فكرهت أن أدخلها وأوقظه فاضطجعت بينه وبين الحية فإن كان شيء في دونه، ~~فاستيقظ وهو يتلو هذه الآية: "إنما وليكم الله ورسوله" قال: الحمد لله فأتى ~~إلى جانبي فقال: ما اضطجعت هاهنا؟ قلت: لمكان هذه الحية قال: قم إليها ~~فاقتلها فقتلتها. ثم أخذ بيدي فقال: يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون ~~عليا حق على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع ~~بلسانه فبقلبه ليس وراء ذلك. # أقول: والروايات في نزول الآيتين في قصة التصدق بالخاتم كثيرة أخرجنا عدة ~~منها من كتاب غاية المرام، للبحراني، وهي موجودة في الكتب المنقول عنها، ~~وقد اقتصرنا على ما نقل عليه من اختلاف اللحن في سرد القصة. # وقد اشترك في نقلها عدة من الصحابة كأبي ذر وابن عباس وأنس بن مالك وعمار ~~وجابر وسلمة بن كهيل وأبي رافع وعمرو بن العاص، وعلي والحسين وكذا السجاد ~~والباقر والصادق والهادي وغيرهم من أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وقد اتفق على نقلها من غير رد أئمة التفسير المأثور كأحمد والنسائي ~~والطبري والطبراني وعبد بن حميد وغيرهم من الحفاظ وأئمة الحديث وقد تسلم ~~ورود الرواية المتكلمون، وأوردها الفقهاء في مسألة الفعل الكثير من بحث ~~الصلاة، وفي مسألة "هل تسمى صدقة التطوع زكاة" ولم يناقش في صحة انطباق ~~الآية على الرواية فحول الأدب من المفسرين كالزمخشري ms2015 في الكشاف، وأبي حيان ~~في تفسيره، ولا الرواة النقلة وهم أهل اللسان. # فلا يعبأ بما ذكره بعضهم: أن حديث نزول الآية في قصة الخاتم موضوع مختلق، ~~وقد أفرط بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية فادعى إجماع العلماء على كون ~~الرواية موضوعا؟ وهي من عجيب الدعاوي، وقد عرفت ما هو الحق في المقام في ~~البيان المتقدم. PageV06P013 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 57 - 66 # يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) وإذا ~~ناديتم إلى الصلوة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) قل ~~يأهل الكتب هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من ~~قبل وأن أكثركم فسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه ~~الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سواء السبيل (60) وإذا جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد ~~خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسرعون فى ~~الاثم والعدون وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لو لا ينهاهم ~~الربنيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) ~~وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ~~ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا وألقينا ~~بينهم العدوة والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ~~ويسعون فى الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ولو أن أهل الكتب ءامنوا ~~واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنت النعيم (65) ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ~~منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) ### |||| AUTO بيان # الآيات تنهى عن اتخاذ المستهزءين بالله وآياته من أهل الكتاب والكفار ~~أولياء وتعد أمورا من مساوي صفاتهم ونقضهم مواثيق الله وعهوده وما يلحق بها ~~بما يناسب غرض السورة الحث على ms2016 حفظ العهود والمواثيق وذم نقضها. # وكأنها ذات سياق متصل واحد وإن كان من الجائز أن يكون لبعض أجزائها سبب ~~مستقل من حيث النزول. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم" "إلخ" ~~قال الراغب: الهزء مزح في خفية، وقد يقال لما هو كالمزح انتهى، وقال: ولعب ~~فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا، يلعب لعبا، انتهى، وإنما يتخذ ~~الشيء هزؤا ويستهزء به إذا اتخذ به على وصف لا يعتنى بأمره اعتناء جد ~~لإظهار أنه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وكذا الشيء يلعب به إذا كان مما لا ~~يتخذ لواحد من الأغراض الصحيحة العقلائية إلا أن يتخذ لبعض الشئون غير ~~الحقيقية فالهزؤ بالدين واللعب به إنما هما لإظهار أنه لا يعدل إلا بعض ~~الأغراض الباطلة غير الصحيحة وغير الجدية، ولو قدروه دينا حقا أو قدروا أن ~~مشرعه والداعي إليه والمؤمنين به ذووا أقدام جد وصدق، واحترموا له ولهم ~~مكانهم لما وضعوه ذاك الموضع فاتخاذهم الدين هزؤا ولعبا قضاء منهم بأن ليس ~~له من الواقعية والمكانة الحقيقية شيء إلا أن يؤخذ به ليمزح به أو ليلعب به لعبا. # ومن هنا يظهر أولا: أن ذكر اتخاذهم الدين هزؤا ولعبا في وصف من نهي عن ~~ولايتهم إنما هو للإشارة إلى علة النهي فإن الولاية التي من لوازمها ~~الامتزاج الروحي والتصرف في الشئون النفسية والاجتماعية لا يلائم استهزاء ~~الولي ولعبة بما يقدسه وليه ويحترمه ويراه أعز من كل شيء حتى من نفسه فمن ~~الواجب أن لا يتخذ من هذا شأنه وليا، ولا يلقي أزمة التصرف في الروح والجسم إليه. PageV06P014 # وثانيا: ما في اتخاذ وصف الإيمان في الخطاب في قوله: "يا أيها الذين آمنوا" ~~من المناسبة لمقابلته بقوله: "الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا" وكذلك ما في ~~إضافة الدين إليهم في قوله: "دينكم". # وثالثا: أن قوله: "واتقوا الله إن كنتم مؤمنين" بمنزلة التأكيد لقوله: لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا" إلخ، بتكراره بلفظ أعم وأشمل فإن ~~المؤمن وهو الآخذ بعروة ms2017 الإيمان لا معنى لأن يرضى بالهزء واللعب بما آمن به ~~فهؤلاء إن كانوا متلبسين بالإيمان - أي كان الدين لهم دينا - لم يكن لهم بد ~~من تقوى الله في أمرهم أي عدم اتخاذهم أولياء. # ومن المحتمل أن يكون قوله: "واتقوا الله إن كنتم مؤمنين" إشارة إلى ما ~~ذكره تعالى من نحو قوله قبيل آيات: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" والمعنى: ~~واتقوا الله في اتخاذهم أولياء إن لم تكونوا منهم، والمعنى الأول لعله أظهر. # قوله تعالى: "وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا" إلخ تحقيق لما ~~ذكر أنهم يتخذون دين الذين آمنوا هزوا ولعبا، والمراد بالنداء إلى الصلاة ~~الأذان المشروع في الإسلام قبل الصلوات المفروضة اليومية، ولم يذكر الأذان ~~في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع - كما قيل -. # والضمير في قوله "اتخذوها" راجع إلى الصلاة أو إلى المصدر المفهوم من ~~قوله: "إذا ناديتم أعني المناداة، ويجوز في الضمير العائد إلى المصدر ~~التذكير والتأنيث، وقوله: "ذلك بأنهم قوم لا يعقلون" تذييل يجري مجرى ~~الجواب عن فعلهم وبيان أن صدور هذا الفعل أعني اتخاذ الصلاة أو الأذان هزوا ~~ولعبا منهم إنما هو لكونهم قوما لا يعقلون فلا يسعهم أن يتحققوا ما في هذه ~~الأركان والأعمال العبادية الدينية من حقيقة العبودية وفوائد القرب من ~~الله، وجماع سعادة الحياة في الدنيا والعقبى. # قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله" إلى آخر ~~الآية قال الراغب في مفردات القرآن: نقمت الشيء بالكسر ونقمته بالفتح إذا ~~أنكرته إما باللسان وإما بالعقوبة، قال تعالى: "وما نقموا إلا أن أغناهم ~~الله، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله، هل تنقمون منا" الآية والنقمة: ~~العقوبة قال تعالى: "فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم" انتهى. # فمعنى قوله: "هل تنقمون منا إلا أن آمنا" "إلخ": هل تنكرون أو تكرهون منا ~~إلا هذا الذي تشاهدونه وهو أنا آمنا بالله وما أنزله وإنكم فاسقون؟ نظير ~~قول القائل: هل تكره مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وهل تنكر مني إلا أني غني ms2018 ~~وأنك فقير؟ إلى غير ذلك من موارد المقابلة والإزدواج فالمعنى: هل تنكرون ~~منا إلا أنا مؤمنون وأن أكثركم فاسقون. # وربما قيل: إن قوله: "وأن أكثركم فاسقون" بتقدير لام التعليل والمعنى: هل ~~تنقمون منا إلا لأن أكثركم فاسقون؟. # وقوله: "أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل" في معنى ما أنزل ~~إلينا وإليكم، ولم ينسبه إليهم تعريضا بهم كأنهم إذا لم يفوا بما عاهدوا ~~الله عليه ولم يعملوا بما تأمرهم به كتبهم فكتبهم لم تنزل إليهم وليسوا ~~بأهلها. # ومحصل المعنى: أنا لا نفرق بين كتاب وكتاب مما أنزله الله على رسله فلا ~~نفرق بين رسله، وفيه تعريض لهم أنهم يفرقون بين رسل الله ويقولون: نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض كما كانوا يقولون: آمنوا بما أنزل على المؤمنين وجه النهار ~~واكفروا آخره، قال تعالى: "إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا ~~بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا": "النساء: 115". PageV06P015 # قوله تعالى: "قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله" إلى ~~آخر الآية ذكروا أن هذا أمر منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يخاطب أولئك المستهزءين اللاعبين بالدين على طريق التسليم أخذا بالنصفة في ~~التكليم ليلزمهم أنهم إن نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله وما أنزله على ~~رسله فعليهم أن ينقموا أنفسهم لأنهم شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~لابتلائهم باللعن الإلهي والمسخ بالقردة والخنازير وعبادة الطاغوت فإذا لم ~~ينقموا أنفسهم على ما فيهم من أسباب النقمة فليس لهم أن ينقموا من لم يبتل ~~إلا بما هو دونه في الشر، وهم المؤمنون في إيمانهم على تقدير تسليم أن يكون ~~إيمانهم بالله وكتبه شرا، ولن يكون شرا. # فالمراد بالمثوبة مطلق الجزاء، ولعلها استعيرت للعاقبة والصفة اللازمة ~~كما يستفاد من تقييد قوله: "بشر من ذلك مثوبة" بقوله: "عند الله" فإن الذي ~~عند الله هو أمر ثابت غير متغير وقد حكم به الله ms2019 وأمر به، قال تعالى: "وما ~~عند الله باق": "النحل: 96"، وقال تعالى: "لا معقب لحكمه": "الرعد: 41"، ~~فهذه المثوبة مثوبة لازمة لكونها عند الله سبحانه. # وفي الكلام شبه قلب، فإن مقتضى استواء الكلام أن يقال: إن اللعن والمسخ ~~وعبادة الطاغوت شر من الإيمان بالله وكتبه وأشد ضلالا، دون أن يقال: إن من ~~لعنه الله وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت شر مكانا وأضل إلا بوضع ~~الموصوف مكان الوصف، وهو شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: "ولكن البر من ~~آمن بالله" الآية. # وبالجملة فمحصل المعنى أن إيماننا بالله وما أنزله على رسله إن كان شرا ~~عندكم فأنا أخبركم بشر من ذلك يجب عليكم أن تنقموه وهو النعت الذي فيكم. # وربما قيل: إن الإشارة بقوله: "ذلك" إلى جمع المؤمنين المدلول عليه ~~بقوله: "هل تنقمون منا" وعلى هذا فالكلام على استوائه من غير قلب، والمعنى ~~هل أنبئكم بمن هو شر من المؤمنين لتنقموهم؟ وهم أنتم أنفسكم، وقد ابتليتم ~~باللعن والمسخ وعبادة الطاغوت. # وربما قيل: إن قوله: "من ذلك" إشارة إلى المصدر المدلول عليه بقوله "هل ~~تنقمون منا" أي هل أنبئكم بشر من نقمتكم هذه مثوبة وجزاء؟ هو ما ابتليتم به ~~من اللعن والمسخ وغير ذلك. # قوله تعالى: "وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به" ~~إلى آخر الآية يشير تعالى إلى نفاق قلوبهم وإضمارهم ما لا يرتضيه الله ~~سبحانه في لقائهم المؤمنين فقال: وإذا جاءوكم قالوا آمنا أي أظهروا الإيمان ~~والحال أنهم قد دخلوا عليكم مع الكفر وقد خرجوا من عندكم بالكفر أي هم على ~~حالة واحدة عند الدخول والخروج وهو الكفر لم يتغير عنه وإنما يظهرون ~~الإيمان إظهارا، والحال أن الله يعلم ما كانوا يكتمونه سابقا من الغدر ~~والمكر. # فقوله: "وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به" في معنى قولنا: لم يتغير ~~حالهم في الكفر، والضمير في قوله: "هم قد خرجوا" جيء به للتأكيد، وإفادة ~~تمييزهم في الأمر وتثبيت الكفر فيهم. # وربما قيل: إن المعنى أنهم متحولون في أحوال الكفر المختلفة. ms2020 # قوله تعالى: "وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت" ~~إلى آخر الآية، الظاهر أن المراد بالإثم هو الخوض في آيات الدين النازلة ~~على المؤمنين والقول في معارف الدين بما يوجب الكفر والفسوق على ما يشهد به ~~ما في الآية التالية من قوله: "عن قولهم الإثم وأكلهم السحت". # وعلى هذا فالأمور الثلاثة أعني الإثم والعدوان وأكل السحت تستوعب نماذج ~~من فسوقهم في القول والفعل، فهم يقترفون الذنب في القول وهو الإثم القولي، ~~والذنب في الفعل وهو إما فيما بينهم وبين المؤمنين وهو التعدي عليهم، وإما ~~عند أنفسهم كأكلهم السحت، وهو الربا والرشوة ونحو ذلك ثم ذم ذلك منهم ~~بقوله: "لبئس ما كانوا يعملون" ثم أتبعه بتوبيخ الربانيين والأحبار في ~~سكوتهم عنهم وعدم نهيهم عن ارتكاب هذه الموبقات من الآثام والمعاصي وهم ~~عالمون بأنها معاص وذنوب فقال: لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون". PageV06P016 # وربما أمكن أن يستفاد من قوله: "عن قولهم الإثم وأكلهم السحت" عند تطبيقه ~~على ما في الآية السابقة: "يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت" حيث ~~ترك العدوان في الآية الثانية أن الإثم والعدوان شيء واحد، وهو تعدي حدود ~~الله سبحانه قولا تجاه المعصية الفعلية التي أنموذجها أكلهم السحت. # فيكون المراد بقوله: "يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت" إراءة ~~سيئة قولية منهم وهي الإثم والعدوان، وسيئة أخرى فعلية منهم وهي أكلهم السحت. # والمسارعة مبالغة في معنى السرعة وهي ضد البطء، والفرق بين السرعة ~~والعجلة على ما يستفاد من موارد استعمال الكلمتين أن السرعة أمس بعمل ~~الأعضاء والعجلة بعمل القلب، نظير الفرق بين الخضوع والخشوع، والخوف ~~والخشية، قال الراغب في المفردات: السرعة ضد البطء، ويستعمل في الأجسام ~~والأفعال، يقال: سرع بضم الراء فهو سريع وأسرع فهو مسرع، وأسرعوا صارت ~~إبلهم سراعا نحو أبلدوا، وسارعوا وتسارعوا، انتهى. # وربما قيل: إن المسارعة والعجلة بمعنى واحد غير أن المسارعة أكثر ما ~~يستعمل في الخير، وأن استعمال المسارعة في المقام - وإن كان مقام الذم ~~وكانت ms2021 العجلة أدل على الذم منها - إنما هو للإشارة إلى أنهم يستعملونها ~~كأنهم محقون فيها، انتهى ولا يخلو عن بعد. # قوله تعالى: "وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ~~بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء" كانت اليهود لا ترى جواز النسخ في الأحكام ~~الدينية، ولذا كانت لا تقبل بنسخ التوراة وتعير المسلمين بنسخ الأحكام، ~~وكذا كانت لا ترى جواز البداء في القضايا التكوينية على ما يتراءى من خلال ~~الآيات القرآنية كما تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى: "ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": الآية "البقرة: 160، في الجزء الأول من ~~هذا الكتاب وفي موارد أخر. # والآية أعني قوله تعالى: "وقالت اليهود يد الله مغلولة" تقبل الانطباق ~~على قولهم هذا غير أن ظاهر قوله تعالى جوابا عنهم: "بل يداه مبسوطتان ينفق ~~كيف يشاء" يأبى عن ذلك، ويدل على أنهم إنما تكلموا بهذه الكلمة الأثيمة في ~~شيء من أمر الرزق أما في خصوص المؤمنين لما في عامتهم من الفقر الشامل ~~والعسرة وضيق المعيشة، وأنهم إنما قالوا هذا القول استهزاء بالله سبحانه ~~إيماء إلى أنه لا يقدر على إغناء عباده المؤمنين به وإنجائهم من الفقر ~~والمذلة، لكن هذا الوجه لا يناسب وقوع الآية في سورة المائدة إن كانت نازلة ~~في مطاوي سائر آياتها فإن المسلمين كانوا يوم نزولها على خصب من العيش وسعة ~~من الرزق ورفاهية من الحال. # وإما أنهم إنما قالوها لجدب أو غلاء أصابهم فضاقت بذلك معيشتهم، ونكدت ~~حالهم، واختل نظام حياتهم، كما ربما يظهر من بعض ما ورد في أسباب النزول، ~~وهذا الوجه أيضا يأباه سياق الآيات فإن الظاهر أن الآيات إنما تتعرض لشتات ~~أوصافهم فيما يعود إلى عدوانهم ومكرهم بالنسبة إلى المسلمين نقمة منهم لا ~~ما صدر منهم من إثم القول عند أنفسهم. # وإما أنهم إنما تفوهوا بذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى: "من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا": "البقرة: 254"، وقوله تعالى: "وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا": "المزمل - 20"، فقالوا: يد الله مغلولة ms2022 لا يقدر على تحصيل ما ينفق ~~في حوائجه لترويج دينه وإحياء دعوته. # وقد قالوا ذلك سخرية واستهزاء على ما يظهر من بعض آخر مما ورد في أسباب ~~النزول، وهذا الوجه أقرب إلى النظر. # وكيف كان فهذه النسبة أعني نسبة غل اليد والمغلوبية عند بعض الحوادث مما ~~لا يأباه تعليمهم الديني والآراء الموجودة في التوراة فالتوراة تجوز أن ~~يكون الأمور معجزا لله سبحانه وصادا مانعا له من إنفاذ بعض ما يريده من ~~مقاصده كالأقوياء من الإنسان، يشهد بذلك ما تقصه من قصص الأنبياء كآدم وغيره. # فعندهم من وجوه الاعتقاد ما يبيح لهم أن ينسبوا إليه تعالى ما لا يناسب ~~ساحة قدسه وكبرياء ذاته جلت عظمته وإن كانت الكلمة إنما صدرت منهم استهزاء ~~فإن لكل فعل مبادىء في الاعتقاد ينبعث إليه الإنسان منها ويتجرأ بها. PageV06P017 # وأما قوله: غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا" فهو دعاء عليهم بعذاب مشابه لما ~~نسبوا إليه تعالى من النقص غير المناسب لساحة قدسه، وهو مغلولية اليد ~~وانسلاب القدرة على ما يحبه ويشاؤه، وعلى هذا فقوله: "ولعنوا بما قالوا" ~~عطف تفسير على قوله: "غلت أيديهم" فإن مغلولية أيديهم مصداق لعنة الله ~~عليهم إذ القول من الله سبحانه فعل، ولعنه تعالى أحدا إنما هو تعذيبه بعذاب ~~إما دنيوي أو أخروي فاللعن هو العذاب المساوي لغل أيديهم أو الأعم منه ومن غيره. # وربما احتمل كون قوله: "غلت أيديهم" إلخ إخبارا عن وقوع كلمة العذاب وهو ~~جزاء اجترائهم على الله سبحانه بقولهم: "يد الله مغلولة" عليهم، والوجه ~~الأول أقرب من الفهم. # وأما قوله: "بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء" فهو جواب عن قولهم: "يد ~~الله مغلولة" مضروب في قالب الإضراب. # والجملة أعني قوله: "يداه مبسوطتان" كناية عن ثبوت القدرة، وهو شائع في ~~الاستعمال. # وإنما قيل: "يداه" بصيغة التثنية مع كون اليهود إنما أتوا في قولهم: "يد ~~الله مغلولة" بصيغة الإفراد ليدل على كمال القدرة كما ربما يستفاد من نحو ~~قوله تعالى: "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ms2023 أم كنت ~~من العالين": "ص - 75" لما فيه من الإشعار أو الدلالة على إعمال كمال ~~القدرة، ونحو قولهم: "لا يدين بها لك" فإن ذلك مبالغة في نفي كل قدرة ونعمة. # وربما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة والقوة ~~والنعمة والملك وغير ذلك، لكن الحق أن اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة، ~~وإنما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشئون ~~المنتسبة إلى الجارحة نوعا من الانتساب كانتساب الإنفاق والجود إلى اليد من ~~حيث بسطها، وانتساب الملك إليها من حيث التصرف والوضع والرفع وغير ذلك. # فما يثبته الكتاب والسنة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد ~~كقوله تعالى: "بل يداه مبسوطتان" الآية، وقوله: "أن تسجد لما خلقت بيدي": ~~"ص - 75 يراد به القدرة وكمالها، وقوله: "بيدك الخير": "آل عمران: 26"، ~~وقوله: "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": "يس: 83"، وقوله: "تبارك الذي ~~بيده الملك": "الملك: 1"، إلى غير ذلك يراد بها الملك والسلطة، وقوله: "لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله": "الحجرات: 1" يراد بها الحضور ونحوه. # وأما قوله: "ينفق كيف يشاء" فهو بيان لقوله: "يداه مبسوطتان". # قوله تعالى: "وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا" هذه ~~الجملة وما يتلوها إلى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله: "وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا" على ما يعطيه السياق. # فأما قوله: "وليزيدن كثيرا منهم" إلخ، فيشير إلى أن اجتراءهم على الله ~~العظيم وتفوههم بمثل قولهم: "يد الله مغلولة" ليس من المستبعد منهم فإن ~~القوم متلبسون بالاعتداء والكفر من قديم أيامهم، وقد أورثهم ذلك البغي ~~والحسد، ولا يؤمن من هذه سجيته إذا رأى أن الله فضل غيره عليه بما لا يقدر ~~قدره من النعمة أن يزداد طغيانا وكفرا. # واليهود كانت ترى لنفسها السيادة والتقدم على الدنيا، وكانت تتسمى بأهل ~~الكتاب، وتتباهى بالربانيين والأحبار، وتفتخر بالعلم والحكمة، وتسمي سائر ~~الناس أميين، فإذا رأت قرآنا نازلا على قوم كانت تتذلل لعلمها وكتابها - ~~كما كانت هي الحرمة المراعاة بينها وبين ms2024 العرب في الجاهلية - ثم أمعنت فيه ~~فوجدته كتابا إلهيا مهيمنا على ما تقدم عليه من الكتب السماوية، ومشتملا ~~على الحق الصريح والتعليم العالي والهداية التامة ثم أحست بما يتعقبه من ~~ذلتها واستكانتها في نفس ما كانت تتعزز وتتباهى به وهو العلم والكتاب. # لا جرم تستيقظ من رقدتها، وتطغى عاديتها، ويزيد طغيانها وكفرها. # فنسبة زيادة طغيانهم وكفرهم إلى القرآن إنما هي بعناية أن أنفسهم الباغية ~~الحاسدة ثارت بالطغيان والكفر بمشاهدة نزول القرآن وإدراك ما يتضمنه من ~~المعارف الحقة والدعوة الظاهرة. PageV06P018 # على أن الله سبحانه ينسب الهداية والإضلال في كتابه إلى نفسه كثيرا كقوله: ~~"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": "الإسراء: ~~20" وقال في خصوص القرآن: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا": "الإسراء: 82" والإضلال أو ما يشبهه إنما يعد ~~مذموما إذا كان إضلالا ابتدائيا، وأما ما كان منه من قبيل الجزاء إثر فسق ~~ومعصية من الضال يوجب نزول السخط الإلهي عليه ويستدعي حلول ما هو أشد مما ~~هو فيه من الضلال فلا ضير في الإضلال بهذا المعنى ولا ذم يلحقه كما يشير ~~إليه قوله: "وما يضل به إلا الفاسقين": "البقرة: 26"، وقوله: "فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم": "الصف - 5". # وبالأخرة يعود معنى زيادة القرآن طغيانهم وكفرهم إلى سلب التوفيق وعدم ~~تعلق العناية الإلهية بردهم مما هم فيه من الطغيان والكفر بآيات الله إلى ~~التسليم والإيمان بإجابة الدعوة الحقة، وقد تقدم البحث عن هذا المعنى في ~~تفسير قوله تعالى: "وما يضل به إلا الفاسقين": "البقرة: 26" في الجزء الأول ~~من هذا الكتاب. # ولنرجع إلى أول الكلام فقوله: "وليزيدن كثيرا منهم" إلخ، كأنه مسوق لرفع ~~الاستبعاد والتعجب الناشىء من اجتراء هؤلاء المتسمين بأهل الكتاب، والمدعين ~~أنهم أبناء الله وأحباؤه على ربهم بمثل هذه الكلمة المهينة المزرية: يد ~~الله مغلولة. # وإن من المحتوم اللازم لهم هذه الزيادة في الطغيان والكفر التي هذه ~~الكلمة من آثارها وسيتلوها آثار بعد آثار مشوهة، وهذا هو المستفاد من ~~التأكيد المدلول ms2025 عليه بلام القسم ونون التأكيد في قوله: "ليزيدن". # وفي تعقيب الطغيان بالكفر من غير عكس جرى على الترتيب الطبعي فإن الكفر ~~من آثار الطغيان وتبعاته. # قوله تعالى: "وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" ضمير ~~بينهم راجع إلى اليهود على ما هو ظاهر وقوع الجملة في سياق الكلام على ~~اليهود خاصة وإن كانت الآيات بدأت الكلام في أهل الكتاب عامة، وعلى هذا ~~فالمراد بالعداوة والبغضاء بينهم ما يرجع إلى الاختلاف في المذاهب والآراء، ~~وقد أشار الله سبحانه إليه في مواضع من كلامه كقوله: "ولقد آتينا بني ~~إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة - إلى أن قال - فما اختلفوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون": "الجاثية: 17" وغير ذلك من الآيات. # والعداوة كان المراد بها البغض الذي يستصحب التعدي في العمل، والبغضاء هو ~~مطلق ما في القلب من حالة النفار وإن لم يستعقب التعدي في العمل فيفيد ~~اجتماعهما معنى البغض الذي يوجب الظلم على الغير والبغض الذي يقصر عنه. # وفي قوله تعالى: "إلى يوم القيامة" ما لا يخفى من الدلالة على بقاء أمتهم ~~إلى آخر الدنيا. # قوله تعالى: "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله" إيقاد النار إشعالها، ~~وإطفاؤها إخمادها، والمعنى واضح، ومن المحتمل أن يكون قوله: "كلما أوقدوا" ~~إلخ بيانا لقوله: "وألقينا بينهم العداوة" إلخ فيعود المعنى إلى أنه كلما ~~أثاروا حربا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين أطفأها الله ~~بإلقاء الاختلاف بينهم. # والآية على ما يدل عليه السياق تسجل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران ~~التي يوقدونها على دين الله سبحانه، وعلى المسلمين بما أنهم مؤمنون بالله ~~وآياته، وأما الحروب التي ربما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين الحق بل ~~لسياسة أو تغلب جنسي أو ملي فهي خارجة عن مساق الآية. # قوله تعالى: "ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين" السعي هو ~~السير السريع، وقوله: "فسادا" مفعول له أي يجتهدون لإفساد الأرض، والله لا ~~يحب المفسدين فلا يخليهم ms2026 وأن ينالوا ما أرادوه من فساد الأرض فيخيب سعيهم، ~~والله أعلم. # فهذا كله بيان لكونهم غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، حيث إنهم غير نائلين ~~ما قصدوه من إثارة الحروب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، ~~وما اجتهدوا لأجله من فساد الأرض. PageV06P019 # قوله تعالى: "ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم إلخ عود ~~إلى حال أهل الكتاب عامة كما كان بدأ الكلام فيهم عامة، وختم الكلام بتخليص ~~القول في ما فاتهم من نعمة السعادة في الآخرة والدنيا، وهي جنة النعيم ~~ونعمة الحياة السعيدة. # والمراد بالتقوى بعد الإيمان التورع عن محارم الله واتقاء الذنوب التي ~~تحتم السخط الإلهي وعذاب النار، وهي الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة ~~التي أوعد الله عليها النار، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه ~~تكفيرها الصغائر من الذنوب، وينطبق على قوله سبحانه: "إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": "النساء: 31. # قوله تعالى: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم" المراد بالتوراة والإنجيل الكتابان ~~السماويان اللذان يذكر القرآن أن الله أنزلهما على موسى وعيسى (عليهما ~~السلام) دون ما بأيدي القوم من الكتب التي يذكر أنه لعبت بها يد التحريف. # والظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم سائر الكتب المنسوبة إلى ~~الأنبياء الموجودة عندهم كمزامير داود الذي يسميه القرآن بالزبور، وغيره من الكتب. # وأما احتمال أن يكون المراد به القرآن فيبعده أن القرآن نسخ بأحكامه ~~شرائع التوراة والإنجيل فلا وجه لعدهما معه وتمني أن يكونوا أقاموهما مع ~~القرآن الناسخ لهما، والقول بأن العمل بالقرآن عمل بهما أيضا، كما أن العمل ~~بالأحكام الناسخة في الإسلام عمل بمجموع شرائع الإسلام المتضمنة للناسخ ~~والمنسوخ جميعا لكون دين الله واحدا لا يزاحم بعضه بعضا، غاية الأمر أن بعض ~~الأحكام مؤجلة موقوتة من غير تناقض يدفعه أن الله سبحانه عبر عن هذا العمل ~~بالإقامة وهي حفظ الشيء على ساق، ولا يلائم ذلك الأحكام المنسوخة بما هي ms2027 ~~منسوخة، فإقامة التوراة والإنجيل إنما يصح حين كانت الشريعتان لم تنسخا ~~بشريعة أخرى، والإنجيل لم ينسخ شريعة التوراة إلا في أمور يسيرة. # على أن قوله تعالى: "وما أنزل إليهم من ربهم" يعدهم منزلا إليهم، وغير ~~معهود من كلامه تعالى أن يذكر أن القرآن نزل إليهم. # فالظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم بعد التوراة والإنجيل سائر ~~الكتب وأقسام الوحي المنزلة على أنبياء بني إسرائيل كزبور داود وغيره، ~~والمراد بإقامة هذه الكتب حفظ العمل العام بما فيها من شرائع الله تعالى، ~~والاعتقاد بما بين الله تعالى فيها من معارف المبدأ والمعاد من غير أن يضرب ~~عليها بحجب التحريف والكتمان والترك الصريح، فلو أقاموها هذه الإقامة ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. # وأما قوله تعالى: "لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم" فالمراد بالأكل ~~التنعم مطلقا سواء كان بالأكل كما في مورد الأغذية أو بغيره كما في غيره، ~~واستعمال الأكل في مطلق التصرف والتنعم من غير مزاحم شائع في اللغة. # والمراد من فوقهم هو السماء، ومن تحت أرجلهم هو الأرض، فالجملة كناية عن ~~تنعمهم بنعم السماء والأرض وإحاطة بركاتهما عليهم نظير ما وقع في قوله ~~تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون": "الأعراف: 96". # والآية من الدليل على أن لإيمان هذا النوع أعني نوع الإنسان وأعماله ~~الصالحة تأثيرا في صلاح النظام الكوني من حيث ارتباطه بالنوع الإنساني فلو ~~صلح هذا النوع صلح نظام الدنيا من حيث إيفائه باللازم لحياة الإنسان ~~السعيدة من اندفاع النقم ووفور النعم. # ويدل على ذلك آيات أخرى كثيرة في القرآن بإطلاق لفظها كقوله تعالى ظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم ~~مشركين: الروم - 42 وقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم: ~~الشورى - 30 إلى غير ذلك وقد تقدم بعض ما يتعلق به من الكلام ms2028 في البحث عن ~~أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب. # قوله تعالى منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون الاقتصاد أخذ القصد ~~وهو التوسط في الأمور فالأمة المقتصدة هي المعتدلة في أمر الدين والتسليم ~~لأمر الله. PageV06P020 # والكلام مستأنف أريد به بيان حال جميع ما نسب إليهم من التعدي عن حدود الله ~~والكفر بآيات الله ونزول السخط واللعن على جماعتهم أن ذلك كله إنما تلبس به ~~أكثرهم وهو المصحح لنسبة هذه الفظائع إليهم وأن منهم أمة معتدلة ليست على ~~هذا النعت وهذا من نصفة الكلام الإلهي حيث لا يضيع حقا من الحقوق ويراقب ~~إحياء أمر الحق وإن كان قليلا. # وقد تعرض لذلك أيضا في مطاوي الآيات السابقة لكن لا بهذه المثابة من ~~التصريح كقوله وأن أكثركم فاسقون وقوله وترى كثيرا منهم يسارعون إلخ وقوله ~~وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى وإذا جاءوكم قالوا آمنا الآية قال نزلت ~~في عبد الله بن أبي لما أظهر الإسلام وقد دخلوا بالكفر. # أقول ظاهر السياق أنها نازلة في أهل الكتاب لا في المنافقين إلا أن تكون ~~نزلت وحدها. # وفيه في قوله تعالى وهم قد خرجوا به الآية قال قال قد خرجوا به من ~~الإيمان. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن عمر بن رياح عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: قلت له بلغني أنك تقول من طلق لغير السنة أنك لا ترى طلاقه ~~شيئا فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما أقول بل الله عز وجل يقوله أما والله ~~لو كنا نفتيكم بالجور لكنا شرا منكم إن الله يقول لو لا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار - عن قولهم الإثم وأكلهم السحت وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير ~~قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن عمر بن رياح زعم أنك قلت: لا ~~طلاق إلا ببينة؟ قال: فقال: ما أنا قلته بل الله تبارك وتعالى يقول: أما ~~والله لو كنا نفتيكم بالجور لكنا أشر ms2029 منكم! إن الله يقول: "لو لا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار". # وفي مجالس الشيخ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قول الله تعالى: "وقالت اليهود يد الله مغلولة": ~~فقال كانوا يقولون: قد فرغ من الأمر. # أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره عن يعقوب بن شعيب وعن حماد عنه ~~(عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: قال: قالوا: قد فرغ الله من الأمر لا يحدث غير ما قدره ~~في التقدير الأول، فرد الله عليهم فقال: "بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء" ~~أي يقدم ويؤخر، ويزيد وينقص وله البداء والمشية. # أقول: وروى هذا المعنى الصدوق في المعاني، بإسناده عن إسحاق بن عمار عمن ~~سمعه عن الصادق (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن هشام المشرقي عن أبي الحسن الخراساني (عليه ~~السلام) قال: إن الله كما وصف نفسه أحد صمد نور، ثم قال: "بل يداه ~~مبسوطتان" فقلت له: أفله يدان هكذا؟ وأشرت بيدي إلى يده فقال: لو كان هكذا ~~كان مخلوقا. أقول: ورواه الصدوق في العيون، بإسناده عن المشرقي عنه (عليه ~~السلام). # وفي المعاني، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت جعفرا (عليه السلام) ~~فقلت: قوله عز وجل: "يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"؟ قال: اليد ~~في كلام العرب القوة والنعمة قال: "واذكر عبدنا داود ذا الأيد، والسماء ~~بنيناها بأيد أي بقوة وإنا لموسعون" قال: "وأيدهم بروح منه" قال: أي قواهم، ~~ويقال: لفلان عندي يد بيضاء أي نعمة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل" ~~الآية: يعني اليهود والنصارى "لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم" قال: قال: ~~من فوقهم المطر، ومن تحت أرجلهم النبات. # وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "منهم أمة مقتصدة" الآية عن أبي ~~الصهباء الكبرى قال: سمعت علي بن أبي طالب دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى ~~فقال: إني سائلكما عن أمر وأنا أعلم به منكما فلا تكتما ثم دعا أسقف ~~النصارى فقال: أنشدك بالله الذي أنزل الإنجيل ms2030 على عيسى، وجعل على رجله ~~البركة، وكان يبرىء الأكمة والأبرص، وأزال ألم العين، وأحيا الميت، وصنع ~~لكم من الطين طيورا، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون فقال: دون هذا أصدق. ~~فقال علي (عليه السلام): بكم افترقت بنو إسرائيل بعد عيسى؟ فقال: لا والله ~~ولا فرقة واحدة فقال علي (عليه السلام): كذبت والله الذي لا إله إلا هو لقد ~~افترقت على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة إن الله يقول: ~~"منهم أمة مقتصدة - وكثير منهم ساء ما يعملون" فهذه التي تنجو. PageV06P021 # وفيه، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقول: تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين فرقة، سبعون منها في ~~النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى ~~وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا بملة ~~واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ~~الجماعات، الجماعات. # وفيه،: قال يعقوب بن يزيد: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذا حدث ~~هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا فيه قرآنا: "ولو أن ~~أهل الكتاب آمنوا واتقوا - لكفرنا عنهم سيئاتهم إلى قوله ساء ما يعملون"، ~~وتلا أيضا: "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" يعني أمة محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). PageV06P022 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 67 # يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكفرين (67) ### |||| AUTO بيان # معنى الآية في نفسها ظاهر فإنها تتضمن أمر الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالتبليغ في صورة التهديد، ووعده (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعصمة ~~من الناس، غير أن التدبر في الآية من حيث وقوعها موقعها الذي وقعت فيه، وقد ~~حففتها الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب وذمهم وتوبيخهم بما كانوا ~~يتعاورونه من أقسام التعدي إلى محارم الله والكفر بآياته. # وقد ms2031 اتصلت بها من جانبيها الآيتان، أعني قوله: "ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم" الآية، ~~وقوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم" الآية. # ثم الإمعان في التدبر في نفس الآية وارتباط الجمل المنضودة فيها يزيد ~~الإنسان عجبا على عجب. # فلو كانت الآية متصلة بما قبلها وما بعدها في سياق واحد في أمر أهل ~~الكتاب لكان محصلها أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشد الأمر بتبليغ ~~ما أنزله الله سبحانه في أمر أهل الكتاب، وتعين بحسب السياق أن المراد بما ~~أنزل إليه من ربه هو ما يأمره بتبليغه في قوله: "قل يا أهل الكتاب لستم على ~~شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم" الآية. # وسياق الآية يأباه فإن قوله: "والله يعصمك من الناس" يدل على أن هذا ~~الحكم المنزل المأمور بتبليغه أمر مهم فيه مخافة الخطر على نفس النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو على دين الله تعالى من حيث نجاح تبليغه، ولم يكن ~~من شأن اليهود ولا النصارى في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يتوجه إليه من ناحيتهم خطر يسوغ له (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمسك عن ~~التبليغ أو يؤخره إلى حين فيبلغ الأمر إلى حيث يحتاج إلى أن يعده الله ~~بالعصمة منهم إن بلغ ما أمر به فيهم حتى في أوائل هجرته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلى المدينة وعنده حدة اليهود وشدتهم حتى انتهى إلى وقائع خيبر ~~وغيرها. # على أن الآية لا تتضمن أمرا شديدا ولا قولا حادا، وقد تقدم عليه تبليغ ما ~~هو أشد وأحد وأمر من ذلك على اليهود، وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بتبليغ ما هو أشد من ذلك كتبليغ التوحيد ونفي الوثنية إلى كفار قريش ~~ومشركي العرب وهم أغلظ جانبا وأشد بطشا وأسفك للدماء، وأفتك من اليهود ~~وسائر أهل الكتاب، ولم ms2032 يهدده الله في أمر تبليغهم ولا آمنه بالعصمة منهم. # على أن الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب معظم أجزاء سورة المائدة فهي ~~نازلة فيها قطعا، واليهود كانت عند نزول هذه السورة قد كسرت سورتهم، وخمدت ~~نيرانهم، وشملتهم السخطة واللعنة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله فلا ~~معنى لخوف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم في دين الله، وقد ~~دخلوا يومئذ في السلم في حظيرة الإسلام وقبلوا هم والنصارى الجزية، ولا ~~معنى لتقريره تعالى له خوفه منهم واضطرابه في تبليغ أمر الله إليهم، وهو ~~أمر قد بلغ إليهم ما هو أعظم منه، وقد وقف قبل هذا الموقف فيما هو أهول منه وأوحش. # فلا ينبغي الارتياب في أن الآية لا تشارك الآيات السابقة عليها واللاحقة ~~لها في سياقها، ولا تتصل بها في سردها، وإنما هي آية مفردة نزلت وحدها. # والآية تكشف عن أمر قد أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إما ~~مجموع الدين أو بعض أجزائه وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاف ~~الناس من تبليغه ويؤخره إلى حين يناسبه، ولو لا مخافته وإمساكه لم يحتج إلى ~~تهديده بقوله: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" كما وقع في آيات أول البعثة ~~الخالية عن التهديد كقوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" إلى آخر سورة ~~العلق، وقوله: "يا أيها المدثر قم فأنذر": "المدثر: 2"، وقوله: فاستقيموا ~~إليه واستغفروه وويل للمشركين": "حم السجدة: 6"، إلى غير ذلك. PageV06P023 # فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخافهم ولم يكن مخافته من نفسه في جنب ~~الله سبحانه فهو أجل من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شيء من أمر ~~الله بمهجته فهذا شيء تكذبه سيرته الشريفة ومظاهر حياته، على أن الله شهد ~~في رسله على خلاف ذلك كما قال تعالى: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى ms2033 بالله حسيبا": ~~"الأحزاب: 39" وقد قال تعالى في أمثال هذه الفروض: "فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين": "آل عمران - 157"، وقد مدح الله سبحانه طائفة من عباده بأنهم ~~لم يخشوا الناس في عين أن الناس خوفوهم فقال: "الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل": ~~"آل عمران: 137". # وليس من الجائز أن يقال: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخاف على ~~نفسه أن يقتلوه فيبطل بذلك أثر الدعوة وينقطع دابرها فكان يعوقه إلى حين ~~ليس فيه هذه المفسدة فإن الله سبحانه يقول له (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"ليس لك من الأمر شيء": "آل عمران: 182"، لم يكن الله سبحانه يعجزه لو ~~قتلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحيي دعوته بأي وسيلة من الوسائل ~~شاء، وبأي سبب أراد. # نعم من الممكن أن يقدر لمعنى قوله: "والله يعصمك من الناس" أن يكون النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يخاف الناس في أمر تبليغه أن يتهموه بما يفسد به ~~الدعوة فسادا لا تنجح معه أبدا فقد كان أمثال هذا الرأي والاجتهاد جائزا له ~~مأذونا فيه من دون أن يرجع معنى الخوف إلى نفسه بشيء. # ومن هنا يظهر أن الآية لم تنزل في بدء البعثة كما يراه بعض المفسرين إذ ~~لا معنى حينئذ لقوله تعالى: "والله يعصمك من الناس" إلا أن يكون النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يماطل في إنجاز التبليغ خوفا من الناس على نفسه أن ~~يقتلوه فيحرم الحياة أو أن يقتلوه ويذهب التبليغ باطلا لا أثر له فإن ذلك ~~كله لا سبيل إلى احتماله. # على أن المراد بما أنزل إليه من ربه لو كان أصل الدين أو مجموعة في الآية ~~عاد معنى قوله: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" إلى نحو قولنا: يا أيها ~~الرسول بلغ الدين وإن لم تبلغ الدين فما بلغت الدين. # وأما جعله من قبيل قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري. # كما ذكره بعضهم أن معنى الآية: ms2034 وإن لم تبلغ الرسالة فقد لزمك شناعة ~~القصور في التبليغ والإهمال في المسارعة إلى ايتمار ما أمرك به الله ~~سبحانه، وأكده عليك كما أن معنى قول أبي النجم: إني أنا أبو النجم وشعري ~~شعري المعروف بالبلاغة المشهور بالبراعة. # فإن ذلك فاسد لأن هذه الصناعة الكلامية إنما تصح في موارد العام والخاص ~~والمطلق والمقيد ونظائر ذلك فيفاد بهذا السياق اتحادهما كقول أبي النجم: ~~شعري شعري أي لا ينبغي أن يتوهم على متوهم أن قريحتي كلت أو أن الحوادث ~~أعيتني أن أقول من الشعر ما كنت أقوله فشعري الذي أقول اليوم هو شعري الذي ~~كنت أقوله بالأمس. # وأما قوله تعالى: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" فليس يجري فيه مثل هذه ~~العناية فإن الرسالة التي هي مجموع الدين أو أصله على تقدير نزول الآية في ~~أول البعثة أمر واحد غير مختلف ولا متغير حتى يصح أن يقال: إن لم تبلغ هذه ~~الرسالة فما بلغت تلك الرسالة أو لم تبلغ أصل الرسالة فإن المفروض أنه أصل ~~الرسالة التي هي مجموع المعارف الدينية. # فقد تبين أن الآية بسياقها لا تصلح أن تكون نازلة في بدء البعثة ويكون ~~المراد فيها بما أنزل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموع الدين أو ~~أصله، ويتبين بذلك أنها لا تصلح أن تكون نازلة في خصوص تبليغ مجموع الدين ~~أو أصله في أي وقت آخر غير بدء البعثة فإن الإشكال إنما ينشأ من جهة لزوم ~~اللغو في قوله تعالى: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" كما مر. # على أن قوله: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" لا يلائم النزول ~~في أي وقت آخر غير بدء البعثة على تقدير إرادة الرسالة بمجموع الدين أو ~~أصله، وهو ظاهر. # على أن محذور دلالة قوله: "والله يعصمك من الناس" على أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان يخاف الناس في تبليغه على حاله. PageV06P024 # فظهر أن ليس هذا الأمر الذي أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأكدت ms2035 الآية تبليغه هو مجموع الدين أو أصله على جميع تقاديره المفروضة، ~~فلنضع أنه بعض الدين، والمعنى: بلغ الحكم الذي أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته "إلخ"، ولازم هذا التقدير أن يكون المراد بالرسالة ~~مجموع ما حمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدين ورسالته، وإلا ~~فالمحذور السابق وهو لزوم اللغو في الكلام على حاله إذ لو كان المراد ~~بقوله: "رسالته" الرسالة الخاصة بهذا الحكم كان المعنى: بلغ هذا الحكم وإن ~~لم تبلغه فما بلغته، وهو لغو ظاهر. # فالمراد أن بلغ هذا الحكم وإن لم تبلغه فما بلغت أصل رسالته أو مجموعها، ~~وهو معنى صحيح معقول، وحينئذ يرد الكلام نظير المورد الذي ورده قول أبي ~~النجم: "أنا أبو النجم وشعري شعري". # وأما كون هذا الحكم بحيث لو لم يبلغ فكأنما لم تبلغ الرسالة فإنما ذلك ~~لكون المعارف والأحكام الدينية مرتبطة بعضها ببعض بحيث لو أخل بأمر واحد ~~منها أخل بجميعها وخاصة في التبليغ لكمال الارتباط، وهذا التقدير وإن كان ~~في نفسه مما لا بأس به لكن ذيل الآية وهو قوله: "والله يعصمك من الناس إن ~~الله لا يهدي القوم الكافرين" لا يلائمه فإن هذا الذيل يكشف عن أن قوما ~~كافرين من الناس هموا بمخالفة هذا الحكم النازل أو كان المترقب من حالهم ~~أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة، ويتخذون أي تدبير يستطيعونه لإبطال هذه ~~الدعوة وتركه سدى لا يؤثر أثرا ولا ينفع شيئا وقد وعد الله رسوله أن يعصمه ~~منهم، ويبطل مكرهم، ولا يهديهم في كيدهم. # ولا يستقيم هذا المعنى مع أي حكم نازل فرض فإن المعارف والأحكام الدينية ~~في الإسلام ليست جميعا في درجة واحدة ففيها التي هي عمود الدين، وفيها ~~الدعاء عند رؤية الهلال، وفيها زنى المحصن وفيها النظر إلى الأجنبية، ولا ~~يصح فرض هذه المخافة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوعد بالعصمة من ~~الله مع كل حكم حكم منها كيفما كان بل في بعض الأحكام. # فليس استلزام عدم تبليغ هذا الحكم لعدم ms2036 تبليغ غيره من الأحكام إلا لمكان ~~أهميته ووقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالا ~~لأمر سائر الأحكام، وصيرورتها كالجسد العادم للروح التي بها الحياة الباقية ~~والحس والحركة، وتكون الآية حينئذ كاشفة عن أن الله سبحانه كان قد أمر ~~رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحكم يتم به أمر الدين ويستوي به على ~~عريشة القرار، وكان من المترقب أن يخالفه الناس ويقلبوا الأمر على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدين ~~وتتلاشى أجزاؤه، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتفرس ذلك ويخافهم ~~على دعوته فيؤخر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى ~~أن تنجح فيه دعوته، ولا يخيب مسعاه فأمره الله تعالى بتبليغ عاجل، وبين له ~~أهمية الحكم، ووعده أن يعصمه من الناس، ولا يهديهم في كيدهم، ولا يدعهم ~~يقلبوا له أمر الدعوة. # وإنما يتصور تقليب أمر الدعوة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وإبطال عمله بعد انتشار الدعوة الإسلامية لا من جانب المشركين ووثنية العرب ~~أو غيرهم كأن تكون الآية نازلة في مكة قبل الهجرة، وتكون مخافة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من الناس من جهة افترائهم عليه واتهامهم إياه في أمره ~~كما حكاه الله سبحانه من قولهم: "معلم مجنون": الدخان: 14". # وقولهم: "شاعر نتربص به ريب المنون": "الطور: 30": وقولهم: "ساحر أو ~~مجنون": "الذاريات: 52" وقولهم: "إن تتبعون إلا رجلا مسحورا": "الإسراء: ~~47" وقولهم: "إن هذا إلا سحر يؤثر": "المدثر: 24" وقولهم: "أساطير الأولين ~~اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا": "الفرقان: 5" وقولهم: "إنما يعلمه ~~بشر": "النحل: 130" وقولهم: "أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء ~~يراد": "ص: 6" إلى غير ذلك من أقاويلهم فيه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV06P025 # فهذه كلها ليست مما يوجب وهن قاعدة الدين، وإنما تدل - إذا دلت - على ~~اضطراب القوم في أمرهم، وعدم استقامتهم فيه على أن هذه الافتراءات والمرامي ~~لا تختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يضطرب ms2037 عند تفرسها ويخاف ~~وقوعها فسائر الأنبياء والرسل يشاركونه في الابتلاء بهذه البلايا والمحن، ~~ومواجهة هذه المكاره من جملة أممهم كما حكاه الله تعالى عن نوح ومن بعده من ~~الأنبياء المذكورين في القرآن. # بل إن كان شيء - ولا بد - فإنما يتصور بعد الهجرة واستقرار أمر الدين في ~~المجتمع الإسلامي والمسلمون كالمعجون الخليط من صلحاء مؤمنين وقوم منافقين ~~أولي قوة لا يستهان بأمرهم، وآخرين في قلوبهم مرض وهم سماعون - كما نص عليه ~~الكتاب العزيز - وهؤلاء كانوا يعاملون مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~- في عين أنهم آمنوا به واقعا أو ظاهرا - معاملة الملوك، ومع دين الله ~~معاملة القوانين الوضعية القومية كما يشعر بذلك طوائف من آيات الكتاب قد ~~تقدم تفسير بعضها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. # فكان من الممكن أن يكون تبليغ بعض الأحكام مما يوقع في الوهم انتفاع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتشريعه وإجرائه يستوجب أن يقع في قلوبهم ~~أنه ملك في صورة النبوة وقانون ملكي في هيئة الدين كما ربما وجد بعض شواهد ~~ذلك في مطاوي كلمات بعضهم. # وهذه شبهة لو كانت وقعت هي أو ما يماثلها في قلوبهم ألقت إلى الدين من ~~الفساد والضيعة ما لا يدفعه أي قوة دافعة، ولا يصلحه أي تدبير مصلح فليس ~~هذا الحكم النازل المأمور بتبليغه إلا حكما فيه توهم انتفاع للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، واختصاص له بمزية من المزايا الحيوية لا يشاركه فيها ~~غيره من سائر المسلمين، نظير ما في قصة زيد وتعدد الأزواج والاختصاص بخمس ~~الغنائم ونظائر ذلك. # غير أن الخصائص إذا كانت مما لا تمس فيه عامة المسلمين لم يكن من طبعها ~~إثارة الشبهة في القلوب فإن الإزدواج بزوجة المدعو ابنا مثلا لم يكن يختص ~~به والإزدواج بأكثر من أربع نسوة لو كان تجويزه لنفسه عن هوى بغير إذن الله ~~سبحانه لم يكن يمنعه أن يجوز مثل ذلك لسائر المسلمين، وسيرته في إيثار ~~المسلمين على نفسه في ما كان يأخذه لله ولنفسه من الأموال ونظائر ms2038 هذه ~~الأمور لا تدع ريبا لمرتاب ولا يشتبه أمرها لمشتبه دون أن تزول الشبهة. # فقد ظهر من جميع ما تقدم أن الآية تكشف عن حكم نازل فيه شوب انتفاع للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، واختصاصه بمزية حيوية مطلوبة لغيره أيضا يوجب ~~تبليغه والعمل به حرمان الناس عنه فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يخاف إظهاره فأمره الله بتبليغه وشدد فيه، ووعده العصمة من الناس وعدم ~~هدايتهم في كيدهم إن كادوا فيه. # وهذا يؤيد ما وردت به النصوص من طرق الفريقين أن الآية نزلت في أمر ولاية ~~علي (عليه السلام)، وأن الله أمر بتبليغها وكان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يخاف أن يتهموه في ابن عمه، ويؤخر تبليغها وقتا إلى وقت حتى نزلت ~~الآية فبلغها بغدير خم، وقال فيه: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. PageV06P026 # وكون ولاية أمر الأمة مما لا غنى للدين عنه ظاهر لا ستر عليه، وكيف يسوغ ~~لمتوهم أن يتوهم أن الدين الذي يقرر بسعته لعامة البشر في عامة الأعصار ~~والأقطار جميع ما يتعلق بالمعارف الأصلية، والأصول الخلقية، والأحكام ~~الفرعية العامة لجميع حركات الإنسان وسكناته، فرادى ومجتمعين على خلاف جميع ~~القوانين العامة لا يحتاج إلى حافظ يحفظه حق الحفظ؟ أو أن الأمة الإسلامية ~~والمجتمع الديني مستثنى من بين جميع المجتمعات الإنسانية مستغنية عن وال ~~يتولى أمرها ومدبر يدبرها ومجر يجريها؟ وبأي عذر يمكن أن يعتذر إلى الباحث ~~عن سيرة النبي الاجتماعية؟ حيث يرى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا ~~خرج إلى غزوة خلف مكانه رجلا يدير رحى المجتمع،: وقد خلف عليا مكانه على ~~المدينة عند مسيره إلى تبوك فقال: يا رسول الله أتخلفني على النساء ~~والصبيان؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصب ~~الولاة الحكام في ما بيد المسلمين من البلاد كمكة والطائف واليمن وغيرها، ~~ويؤمر رجالا على السرايا والجيوش التي يبعثها إلى ms2039 الأطراف، وأي فرق بين ~~زمان حياته وما بعد مماته دون أن الحاجة إلى ذلك بعد غيبته بالموت أشد، ~~والضرورة إليه أمس ثم أمس. # قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" خاطبه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالرسالة لكونها أنسب الصفات إلى ما تتضمنه الآية من الأمر ~~بالتبليغ لحكم الله النازل فهو كالبرهان على وجوب التبليغ الذي تظهره الآية ~~وتقرعه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن الرسول لا شأن له إلا ~~تبليغ ما حمل من الرسالة فتحمل الرسالة يفرض عليه القيام بالتبليغ. # ولم يصرح باسم هذا الذي أنزل إليه من ربه بل عبر عنه بالنعت وأنه شيء ~~أنزل إليه، إشعارا بتعظيمه ودلالة على أنه أمر ليس فيه لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) صنع، ولا له من أمره شيء ليكون كبرهان آخر على عدم ~~خيرة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتمانه وتأخير تبليغه، ويكون له ~~عذرا في إظهاره على الناس، وتلويحا إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مصيب ~~في ما تفرسه منهم وتخوف عليه، وإيماء إلى أنه مما يجب أن يظهر من ناحيته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلسانه وبيانه. # قوله تعالى: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" المراد بقوله: "رسالته" وقرىء ~~"رسالاته" كما تقدم مجموع رسالات الله سبحانه التي حملها رسوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وقد تقدم أن الكلام يفيد أهمية هذا الحكم المرموز إليه، ~~وأن له من المكانة ما لو لم يبلغه كأن لم يبلغ شيئا من الرسالات التي حملها. # فالكلام موضوع في صورة التهديد، وحقيقته بيان أهمية الحكم، وأنه بحيث لو ~~لم يصل إلى الناس، ولم يراع حقه كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين ~~فقوله: "وإن لم تفعل فما بلغت" جملة شرطية سيقت لبيان أهمية الشرط وجودا ~~وعدما لترتب الجزاء الأهم عليه وجودا وعدما. # وليست شرطية مسوقة على طبع الشرطيات الدائرة عندنا فإنا نستعمل "إن" ~~الشرطية طبعا فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق ms2040 الشرط، وحاشا ساحة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يقدر القرآن في حقه احتمال أن يبلغ الحكم ~~النازل عليه من ربه وأن لا يبلغ، وقد قال تعالى: "الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته": "الأنعام - 142". # فالجملة أعني قوله: "وإن لم تفعل فما بلغت" إلخ، إنما تفيد التهديد ~~بظاهرها وتفيد إعلامه (عليه السلام) وإعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمية، ~~وأن الرسول معذور في تبليغه. # قوله تعالى: "والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين" قال ~~الراغب: العصم بالفتح فالسكون الإمساك والاعتصام الاستمساك - إلى أن قال - ~~والعصام بالكسر ما يعتصم به أي يشد، وعصمة الأنبياء حفظه إياهم أولا بما ~~خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية، ثم ~~بالنصرة وبتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق ~~قال تعالى: "والله يعصمك من الناس". PageV06P027 # والعصمة شبه السوار، والمعصم موضعها من اليد، وقيل للبياض بالرسغ عصمة ~~تشبيها بالسوار، وذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلا، وعلى هذا قيل: غراب ~~أعصم، انتهى. # وما ذكره من معنى عصمة الأنبياء حسن لا بأس به غير أنه لا ينطبق على ~~الآية "والله يعصمك من الناس" بل لو انطبق فإنما ينطبق على مثل قوله: "وما ~~يغرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما": "النساء: 131". # وأما قوله: "والله يعصمك من الناس" فإن ظاهره أنها عصمة بمعنى الحفظ ~~والوقاية من شر الناس المتوجه إلى نفس النبي الشريفة أو مقاصده الدينية أو ~~نجاح تبليغه وفلاح سعيه، وبالجملة المعنى المناسب لساحته المقدسة. # وكيف كان فالمتحصل من موارد استعمال الكلمة أنها بمعنى الإمساك والقبض ~~فاستعماله في معنى الحفظ من قبيل استعارة اللازم لملزومه فإن الحفظ يلزمه القبض. # وكان تعليق العصمة بالناس من دون بيان أن العصمة من أي شأن من شئون الناس ~~كتعدياتهم بالإيذاء في الجسم من قتل أو سم أو أي اغتيال، أو بالقول كالسب ~~والافتراء، أو بغير ذلك كتقليب الأمور بنوع من المكر والخديعة والمكيدة ~~وبالجملة ms2041 السكوت عن تشخيص ما يعصم منه لإفادة نوع من التعميم، ولكن الذي لا ~~يعدو عنه السياق هو شرهم الذي يوجب انقلاب الأمر على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بحيث يسقط بذلك ما رفعه من أعلام الدين. # والناس مطلق من وجد فيه معنى الإنسانية من دون أن يعتبر شيء من خصوصياته ~~الطبيعية التكوينية كالذكورة والأنوثة أو غير الطبيعية كالعلم والفضل ~~والغنى وغير ذلك. # ولذلك قل ما ينطبق على غير الجماعة، ولذلك أيضا ربما دل على الفضلاء من ~~الإنسان إذا كان الفضل روعي فيه وجود معنى الإنسانية كقوله تعالى: "إذا قيل ~~لهم آمنوا كما آمن الناس" أي الذين وجد فيهم معنى الإنسانية، وهو ملاك درك ~~الحق وتمييزه من الباطل. # وربما كان دالا على نوع من الخسة وسقوط الحال، وذلك إذا كان الأمر الذي ~~يتكلم فيه مما يحتاج إلى اعتبار شيء من الفضائل الإنسانية التي اعتبرت ~~زائدة على أصل معنى النوع كقوله: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون": "الروم: 30" ~~وكقولك: لا تثق بمواعيد الناس، ولا تستظهر بسوادهم نظرا منك إلى أن الوثوق ~~والاستظهار يجب أن يتعلقا بالفضلاء من الإنسان ذوي ملكة الوفاء بالعهد ~~والثبات على العزيمة لا على من ليس له إلا مجرد صدق اسم الإنسانية، وربما ~~لم يفد شيئا من مدح أو ذم إذا تعلق الغرض بما لا يزيد على أصل معنى ~~الإنسانية كقوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": "الحجرات: 13". # ولعل قوله: "والله يعصمك من الناس" أخذ فيه لفظ الناس اعتبارا بسواد ~~الأفراد الذي فيه المؤمن والمنافق والذي في قلبه مرض، وقد اختلطوا من دون ~~تمايز، فإذا خيف خيف من عامتهم، وربما أشعر به قوله: "إن الله لا يهدي ~~القوم الكافرين" فإن الجملة في مقام التعليل لقوله: "والله يعصمك من الناس" ~~وقد تقدم أيضا أن الآية نزلت بعد الهجرة وظهور شوكة، الإسلام وكان السواد ~~الأعظم من الناس مسلمين بحسب الظاهر وإن كان فيهم المنافقون وغيرهم. # فالمراد بالقوم الكافرين قوم ms2042 هم في الناس مذكوري النعت ممحوي الاسم وعد ~~الله سبحانه أن يبطل كيدهم ويعصم رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شرهم. # والظاهر أيضا أن يكون المراد بالكفر الكفر بآية من آيات الله وهو الحكم ~~المراد بقوله: "ما أنزل إليك من ربك"، كما في قوله في آية الحج: "ومن كفر ~~فإن الله غني عن العالمين": آل عمران: 97"، وأما الكفر بمعنى الاستكبار عن ~~أصل الشهادتين فإنه مما لا يناسب مورد الآية البتة إلا على القول بكون ~~المراد بقوله: "ما أنزل إليك من ربك" مجموع رسالات الدين، وقد عرفت عدم ~~استقامته. # والمراد بعدم هدايته تعالى هؤلاء القوم الكافرين عدم هدايته إياهم في ~~كيدهم ومكرهم، ومنعه الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم إلى ما ~~يرومونه من الشر والفساد نظير قوله تعالى: "إن الله لا يهدي القوم ~~الفاسقين": المنافقون: 6"، وقوله تعالى: "والله لا يهدي القوم الظالمين": ~~البقرة: 285"، وقد تقدم البحث عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب. PageV06P028 # وأما كون المراد بعدم الهداية هو عدم الهداية إلى الإيمان فغير صحيح البتة ~~لمنافاته أصل التبليغ والدعوة فلا يستقيم أن يقال: ادعهم إلى الله أو إلى ~~حكم الله وأنا لا أهديهم إليه إلا في مورد إتمام الحجة محضا. # على أن الله سبحانه قد هدى ولا يزال يهدي كثيرين من الكفار بدليل العيان، ~~وقد قال أيضا: "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم": "البقرة: 231". # فتبين أن المراد بعدم هداية الكافرين عدم تخليتهم لينالوا ما يهمون به من ~~إبطال كلمة الحق وإطفاء نور الحكم المنزل فإن الكافرين وكذا الظالمين ~~والفاسقين يريدون بشامة أنفسهم وضلال رأيهم أن يبدلوا سنة الله الجارية في ~~الخلقة وسياقة الأسباب السالكة إلى مسبباتها ويغيروا مجاري الأسباب الحقة ~~الظاهرة عن سمة عصيان رب العالمين إلى غايتهم الفاسدة مقاصدهم الباطلة ~~والله رب العالمين لن يعجزه قواهم الصورية التي لم يودعها فيهم ولم يقدرها ~~في بناهم إلا هو. # فهم ربما تقدموا في مساعيهم أحيانا ونالوا ما راموه أوينات واستعلوا ~~واستقام أمرهم برهة لكنه لا يلبث دون أن ms2043 يبطل أخيرا وينقلب عليهم مكرهم ولا ~~يحيق المكر السيىء إلا بأهله، وكذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الباطل ~~فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. # وعلى هذا فقوله: "إن الله لا يهدي القوم الكافرين" تفسير قوله: "والله ~~يعصمك من الناس" بالتصرف في سعة إطلاقه، ويكون المراد بالعصمة عصمته (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من أن يناله الناس بسوء دون أن ينال بغيته في تبليغ ~~هذا الحكم وتقريره بين الأمة كأن يقتلوه دون أن يبلغه أو يثوروا عليه ~~ويقلبوا عليه الأمور أو يتهموه بما يرتد به المؤمنون عن دينه، أو يكيدوا ~~كيدا يميت هذا الحكم ويقبره بل الله يظهر كلمة الحق ويقيم الدين على ما شاء ~~وأينما شاء ومتى ما شاء، وفيمن شاء قال تعالى: "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ~~ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا": "النساء: 133". # وأما أخذ الآية أعني قوله: "والله يعصمك من الناس" بإطلاقه على ما فيه من ~~السعة والشمول فمما ينافيه القرآن والمأثور من الحديث والتاريخ القطعي، وقد ~~نال (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمته أعم من كفارهم ومؤمنيهم ومنافقيهم ~~من المصائب والمحن وأنواع الزجر والأذى ما ليس في وسع أحد أن يتحمله إلا ~~نفسه الشريفة، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في الحديث المشهور: ~~ما أوذي نبي مثل ما أوذيت قط. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر ~~الله تعالى نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينصب عليا علما في ~~الناس ليخبرهم بولايته فتخوف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يقولوا: خابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه. قال: فأوحى الله إليه هذه ~~الآية: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس" فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بولايته يوم غدير خم. # وفيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه عن أبي ms2044 جعفر (عليه السلام) قال: لما نزل ~~جبرئيل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع بإعلان ~~أمر علي بن أبي طالب (عليه السلام) "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك" إلى آخر الآية قال: فمكث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا حتى ~~أتى الجحفة فلم يأخذ بيده فرقا من الناس. فلما نزل الجحفة يوم غدير في مكان ~~يقال له "مهيعة" فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): من أولى بكم من أنفسكم؟ فجهروا فقالوا: الله ورسوله ثم ~~قال لهم الثانية، فقالوا: الله ورسوله، ثم قال لهم الثالثة، فقالوا: الله ~~ورسوله. فأخذ بيد علي (عليه السلام) فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم ~~وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله فإنه مني وأنا ~~منه، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. PageV06P029 # وفيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما أنزل الله على ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "يا أيها الرسول - بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس - إن الله لا يهدي ~~القوم الكافرين" قال: فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي ~~(عليه السلام) فقال: يا أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان من ~~قبلي إلا وقد عمر ثم دعاه فأجابه، وأوشك أن أدعى فأجيب، وأنا مسئول وأنتم ~~مسئولون فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت ما عليك ~~فجزاك الله أفضل ما جزى المرسلين، فقال: اللهم اشهد. ثم قال: يا معشر ~~المسلمين ليبلغ الشاهد الغائب أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي، ألا إن ~~ولاية على ولايتي عهدا عهده إلي ربي وأمرني أن أبلغكموه، ثم قال: هل سمعتم؟ ~~ثلاث مرات يقولها فقال قائل: قد سمعنا يا رسول الله. # وفي البصائر، بإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه ms2045 السلام): في ~~قوله: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته" قال: هي الولاية. # أقول: وروى نزول الآية في أمر الولاية وقصة الغدير معه الكليني في ~~الكافي، بإسناده، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل، ~~وروى هذا المعنى الصدوق في المعاني، بإسناده عن محمد بن الفيض بن المختار، ~~عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل، ورواه العياشي أيضا عن ~~أبي الجارود في حديث طويل، وبإسناده عن عمرو بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) مختصرا. # وعن تفسير الثعلبي، قال: قال جعفر بن محمد: معنى قوله: "يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك" في فضل علي،، فلما نزلت هذه أخذ النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه وعنه، بإسناده عن ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: في هذه الآية قال: نزلت في علي بن أبي ~~طالب، أمر الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغ فيه فأخذ بيد علي ~~فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. # وفي تفسير البرهان، عن إبراهيم الثقفي بإسناده عن الخدري، وبريدة الأسلمي ~~ومحمد بن علي: نزلت يوم الغدير في علي. # ومن تفسير الثعلبي، في معنى الآية قال: قال أبو جعفر محمد بن علي: معناه ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي. # وفي تفسير المنار، عن تفسير الثعلبي: أن هذا القول من النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في موالاة علي شاع وطار في البلاد فبلغ الحارث بن النعمان ~~الفهري فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ناقته، وكان بالأبطح فنزل ~~وعقل ناقته، وقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في ملإ من أصحابه ~~يا: محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا ~~منك ثم ذكر سائر أركان الإسلام ثم لم ترض بهذا حتى مددت ms2046 بضبعي ابن عمك، ~~وفضلته علينا، وقلت: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فهذا منك أم من الله؟ فقال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): والله الذي لا إله إلا هو هو أمر الله، فولى ~~الحارث يريد راحلته، وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إلى راحلته حتى رماه ~~الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره، وأنزل الله تعالى: "سأل سائل بعذاب ~~واقع - للكافرين ليس له دافع" الحديث. # أقول: قال في المنار بعد نقل هذا الحديث ما لفظه: وهذه الرواية موضوعة، ~~وسورة المعارج هذه مكية، وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش: اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك كان تذكيرا بقول قالوه قبل الهجرة، وهذا التذكير في ~~سورة الأنفال، وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين، وظاهر ~~الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلما فارتد ولم يعرف في الصحابة، ~~والأبطح بمكة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرجع من غدير خم إلى مكة ~~بل نزل فيه منصرفة من حجة الوداع إلى المدينة، انتهى. PageV06P030 # وأنت ترى ما في كلامه من التحكم: أما قوله: +" إن الرواية موضوعة، وسورة ~~المعارج هذه مكية "+ فيعول في ذلك على ما في بعض الروايات عن ابن عباس وابن ~~الزبير أن سورة المعارج نزلت بمكة، وليت شعري ما هو المرجح لهذه الرواية ~~على تلك الرواية، والجميع آحاد؟ سلمنا أن سورة المعارج مكية كما ربما تؤيده ~~مضامين معظم آياته فما هو الدليل على أن جميع آياتها مكية؟ فلتكن السورة ~~مكية، والآيتان خاصة غير مكيتين كما أن سورتنا هذه أعني سورة المائدة مدنية ~~نازلة في آخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد وضعت فيها ~~الآية المبحوث عنها أعني قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك" الآية، وهو كعدة من المفسرين مصرون على أنها نزلت بمكة في أول البعثة، ~~فإذا جاز وضع آية مكية ms2047 آية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك في سورة مدنية ~~المائدة فليجز وضع آية مدنية آية: سأل سائل في سورة مكية سورة المعارج. # وأما قوله: +" وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش "+ إلى آخره، فهو في ~~التحكم كسابقه فهب إن سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين فهل يمنع ~~ذلك أن يوضع عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها كما وضعت آيات ~~الربا وآية: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله": "البقرة: 218"، وهي آخر ما ~~نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندهم في سورة البقرة النازلة في ~~أوائل الهجرة وقد نزلت قبلها ببضع سنين. # ثم قوله: +" إن آية: "وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق"،" الآية ~~تذكير لما قالوه قبل الهجرة "+ تحكم آخر من غير حجة لو لم يكن سياق الآية ~~حجة على خلافه فإن العارف بأساليب الكلام لا يكاد يرتاب في أن هذا أعني ~~قوله: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم" لاشتماله على قوله: "إن كان هذا هو الحق من عندك" بما ~~فيه من اسم الإشارة وضمير الفصل والحق المحلى باللام وقوله: "من عندك" ليس ~~كلام وثني مشرك يستهزىء بالحق ويسخر منه، وإنما هو كلام من أذعن بمقام ~~الربوبية، ويرى أن الأمور الحقة تتعين من لدنه، وأن الشرائع مثلا تنزل من ~~عنده، ثم إنه يتوقف في أمر منسوب إلى الله تعالى يدعي مدع أنه الحق لا ~~غيره، وهو لا يتحمل ذلك ويتحرج منه فيدعو على نفسه دعاء منزجر ملول سئم ~~الحياة. # وأما قوله: +" وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلما فارتد ~~ولم يعرف في الصحابة "+ تحكم آخر فهل يسع أحدا أن يدعي أنهم ضبطوا أسماء كل ~~من رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن به أو آمن به فارتد؟ وإن يكن ~~شيء من ذلك فليكن هذا الخبر من ذلك القبيل. # وأما قوله: +" والأبطح بمكة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ms2048 يرجع من ~~غدير خم إلى مكة "+ فهو يشهد على أنه أخذ لفظ الأبطح اسما للمكان الخاص ~~بمكة ولم يحمله على معناه العام وهو كل مكان ذي رمل، ولا دليل على ما حمله ~~عليه بل الدليل على خلافه وهو القصة المسرودة في الرواية وغيرها، وربما ~~استفيد من مثل قوله: نجوت وقد بل المرادي سيفه. # من ابن أبي شيخ الأباطح طالب. # إن مكة وما والاها كانت تسمى الأباطح. # قال في مراصد الاطلاع: أبطح بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء المهملة ~~كل مسيل فيه رقاق الحصى فهو أبطح، وقال ابن دريد: الأبطح والبطحاء السهل ~~المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: الأبطح أثر المسيل ضيقا كان أو ~~واسعا، والأبطح يضاف إلى مكة وإلى منى لأن مسافته منهما واحدة، وربما كان ~~إلى منى أقرب وهو المحصب، وهي خيف بني كنانة، وقد قيل: إنه ذو طوى، وليس ~~به، انتهى. # على أن الرواية بعينها رواها غير الثعلبي وليس فيه ذكر من الأبطح وهي ما ~~يأتي من رواية المجمع من طريق الجمهور وغيرها. # وبعد هذا كله فالرواية من الآحاد، وليست من المتواترات ولا مما قامت على ~~صحتها قرينة قطعية، وقد عرفت من أبحاثنا المتقدمة أنا لا نعول على الآحاد ~~في غير الأحكام الفرعية على طبق الميزان العام العقلائي الذي عليه بناء ~~الإنسان في حياته، وإنما المراد بالبحث الآنف بيان فساد ما استظهر به من ~~الوجوه التي استنتج منها أنها موضوعة. PageV06P031 # وفي المجمع،: أخبرنا السيد أبو الحمد قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم ~~الحسكاني قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي قال أخبرنا أبو بكر الجرجاني ~~قال: أخبرنا أبو أحمد البصري قال: حدثنا محمد بن سهل قال: حدثنا زيد بن ~~إسماعيل مولى الأنصار قال: حدثنا محمد بن أيوب الواسطي قال: حدثنا سفيان بن ~~عيينة عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه قال: لما نصب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عليا يوم غدير خم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، فقال ~~فطار، ذلك في البلاد فقدم على النبي ms2049 النعمان بن الحارث الفهري فقال: أمرتنا ~~من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد ~~وبالحج وبالصوم والصلاة والزكاة فقبلناها، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام ~~فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أو أمر من الله تعالى؟ فقال: ~~بلى والله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله. فولى النعمان بن الحارث وهو ~~يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه ~~الله بحجر على رأسه فقتله، فأنزل الله: "سأل سائل بعذاب واقع". # أقول: وهذا المعنى مروي في الكافي، أيضا. # وعن كتاب نزول القرآن، للحافظ أبي نعيم يرفعه إلى علي بن عامر عن أبي ~~الحجاف، عن الأعمش، عن عطية قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في علي بن أبي طالب "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك" وقد قال الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم - وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا". # وعن الفصول المهمة، للمالكي قال: روى الإمام أبو الحسن الواحدي في كتابه ~~المسمى بأسباب النزول رفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ~~نزلت هذه الآية: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" يوم غدير خم في ~~علي بن أبي طالب:. أقول: ورواه في فتح القدير، عن ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وكذلك في الدر المنثور. # وقوله: "بغدير خم" هو بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم مع التنوين اسم ~~لغيطة على ثلاثة أميال من الجحفة عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيطة، هكذا ~~ذكره الشيخ محيي الدين النووي. # وفي فتح القدير، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس. # أقول: وهذه نبذة من ms2050 الأخبار الدالة على نزول قوله تعالى: "يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك" إلخ، في حق علي (عليه السلام) يوم غدير خم، وأما ~~حديث الغدير أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من كنت مولاه فعلي ~~مولاه" فهو حديث متواتر منقول من طرق الشيعة وأهل السنة بما يزيد على مائة طريق. # وقد روي عن جمع كثير من الصحابة منهم البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأبو ~~أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وأبو ذر ~~الغفاري، وعمار بن ياسر، وبريدة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عباس، ~~وأبو، هريرة وجابر بن عبد، الله وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعمران بن ~~الحصين، وابن أبي أوفى، وسعدانة، وامرأة زيد بن أرقم. # وقد أجمع عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ناشد علي (عليه ~~السلام) الناس بالرحبة في الحديث فقام جماعة من الصحابة حضروا المجلس، ~~فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوله يوم الغدير. # وفي كثير من هذه الروايات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ~~من كنت مولاه فعلي مولاه كما في عدة من الأخبار التي رواها أحمد بن حنبل في ~~مسنده أو رواها غيره، وقد أفردت لإحصاء طرقها والبحث في متنها تأليف من أهل ~~السنة والشيعة بحثوا فيها بما لا مزيد عليه. PageV06P032 # وعن كتاب السمطين، للحمويني بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ليلة أسري بي إلى السماء السابعة سمعت نداء من تحت ~~العرش: أن عليا آية الهدى، وحبيب من يؤمن بي، بلغ عليا (عليه السلام)، فلما ~~نزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السماء أنسي ذلك فأنزل الله عز ~~وجل: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - فإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته - والله يعصمك من الناس - إن الله لا يهدي القوم الكافرين". # وفي فتح ms2051 القدير،: أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل ~~فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال الوارث من بني النجار: ~~لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك فإذا ~~أعطانيه قتلته به، فأتاه فقال: يا محمد أعطني سيفك أشمه فأعطاه إياه فرعدت ~~يده حتى سقط السيف من يده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حال ~~الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله سبحانه: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك" الآية. # أقول: ثم ذكر في فتح القدير، أن ابن حبان أخرجه في صحيحه وأخرجه أيضا ابن ~~مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصة ولم يسم الرجل، وأخرج ابن جرير من حديث ~~محمد بن كعب القرظي نحوه، وقصة غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح، وهي معروفة ~~مشهورة انتهى، ولكن الشأن تطبيق القصة على المحصل من معنى الآية، ولن تنطبق أبدا. # وفي الدر المنثور، وفتح القدير، وغيرهما عن ابن مردويه والضياء في ~~المختارة عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل: أي آية ~~أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام موسم فاجتمع مشركوا العرب ~~وإفناء الناس في الموسم فأنزل علي جبرئيل فقال: "يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك" الآية. قال: فقمت عند العقبة فناديت: يا أيها الناس من ينصرني ~~على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله وأنا ~~رسول الله إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة. قال: فما بقي رجل ولا امرأة ~~ولا صبي إلا يرمون بالتراب والحجارة، ويبزقون في وجهي ويقولون: كذاب صابىء ~~فعرض علي عارض فقال: يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما ~~دعا نوح على قومه بالهلاك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم ~~اهد قومي فإنهم لا يعلمون. فجاء العباس عمه فأنقذه ms2052 منهم وجردهم عنه. # أقول: الآية بتمامها لا ينطبق على هذه القصة على ما عرفت تفصيل القول فيه. # اللهم إلا أن تحمل الرواية على نزول قطعة من الآية - وهي قوله: "يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" - في ذلك اليوم، وظاهر الرواية يأباه، ~~ونظيرها ما يأتي. # وفي الدر المنثور، وفتح القدير،: أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت "بلغ ما أنزل إليك من ربك" قال: يا ~~رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع علي الناس فنزلت "وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته". # وفيها عن الحسن: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله ~~بعثني برسالته فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ~~ليعذبني فأنزل: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك". # أقول: الروايتان على ما فيهما من القطع والإرسال فيهما ما في سابقتهما، ~~ونظيرتهما في هذا التشويش بعض ما ورد: في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يحترس برجال فلما نزلت الآية فرقهم وقال (عليه السلام) إن ربي ~~وعدني أن يعصمني. # وفي تفسير المنار،: روى أهل التفسير المأثور والترمذي وأبو الشيخ والحاكم ~~وأبو نعيم والبيهقي والطبراني عن بضعة رجال من الصحابة: أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية فلما نزلت ترك الحرس، ~~وكان أبو طالب أول الناس اهتماما بحراسته، وحرسه العباس أيضا. # وفيه،: ومما روي في ذلك عن جابر وابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم حتى ~~نزلت الآية فقال: يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من يبعث. PageV06P033 # أقول: والروايتان - كما ترى - تدلان على أن الآية نزلت في أواسط إقامة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغ ~~رسالته زمانا واشتد عليه أمر إيذاء الناس ms2053 وتكذيبهم حتى خاف على نفسه منهم ~~فترك التبليغ والدعوة فأمر ثانيا بالتبليغ، وهدد من جانب الله سبحانه، ووعد ~~بالعصمة، فاشتغل ثانيا بما كان يشتغل به أولا، وهذا شيء يجل عنه ساحة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، وفتح القدير،: أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم ~~والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عائشة قالت: كان رسول الله يحرس حتى نزلت: ~~"والله يعصمك من الناس" فأخرج رأسه من القبة فقال: أيها الناس انصرفوا فقد ~~عصمني الله. # أقول: والرواية - كما ترى - ظاهرة في نزولها بالمدينة. # وفي تفسير الطبري، عن ابن عباس: في قوله: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" ~~يعني إن كتمت آية أنزل إليك لم تبلغ رسالته. # أقول: إن كان المراد به آية معينة أي حكم معين مما أنزل إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فله وجه صحة، وإن كان المراد به التهديد في أي آية ~~فرضت أو حكم قدر فقد عرفت فيما تقدم أن الآية لا تلائمه بمضمونها. PageV06P034 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 68 - 86 # قل يأهل الكتب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم ~~من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا فلا تأس على ~~القوم الكفرين (68) إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئون والنصرى من ءامن ~~بالله واليوم الاخر وعمل صلحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) لقد أخذنا ~~ميثق بنى إسرءيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ~~فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب ~~الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (71) لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يبنى إسرءيل اعبدوا ~~الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ~~وما للظلمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة وما من ms2054 ~~إله إلا إله وحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ~~ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ~~انظر كيف نبين لهم الايت ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ~~ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يأهل الكتب لا ~~تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل (77) لعن الذين كفروا من بنى إسرءيل على لسان داود ~~وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر ~~فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ~~ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خلدون (80) ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فسقون (81) لتجدن أشد الناس عدوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصرى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا فاكتبنا مع الشهدين ~~(83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصلحين (84) فأثبهم الله بما قالوا جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب ~~الجحيم (86) ### |||| AUTO بيان # الآيات في نفسها تقبل الاتصال والاتساق بحسب النظم، ولا تقبل الاتصال ~~بقوله تعالى: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل" الآية مع الغض عن قوله ~~تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" الآية وأما ارتباط قوله ~~تعالى: "يا أيها الرسول بلغ" الآية فقد عرفت الكلام فيه. PageV06P035 # والأشبه أن يكون هذه الآيات جارية على سياق الآيات السابقة من أوائل السورة ~~إلى هنا أعني ارتباط مضامين الآيات ms2055 آخذة من قوله تعالى: "ولقد أخذ الله ~~ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا": الآية - 12 من السورة إلى ~~آخر هذه الآيات المبحوث عنها باستثناء نزرة مما تتخللها كآية الولاية وآية ~~التبليغ وغيرهما مما تقدم البحث عنه، ومثله الكلام في اتصال آيات آخر ~~السورة بهذه الآيات فإنها جميعا يجمعها أنها كلام يتعلق بشأن أهل الكتاب. # قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل" إلى آخر الآية، الإنسان يجد من نفسه خلال أعماله أنه إذا أراد ~~إعمال قوة وشدة فيما يحتاج إلى ذلك، وجب أن يعتمد على مستوى يستوي عليه أو ~~يتصل به كمن أراد أن يجذب أو يدفع أو يحمل أو يقيم شيئا ثقيلا فإنه يثبت ~~قدميه على الأرض أولا ثم يصنع ما شاء لما يعلم أن لو لا ذلك لم يتيسر له ما ~~يريد، وقد بحث عنه في العلوم المربوطة به. # وإذا أجرينا هذا المعنى في الأمور المعنوية كأفعال الإنسان الروحية أو ما ~~يتعلق من أفعال الجوارح بالأمور النفسية كان ذلك منتجا أن صدور مهام ~~الأفعال وعظائم الأعمال يتوقف على أس معنوي ومبنى قوى نفسي كتوقف جلائل ~~الأمور على الصبر والثبات وعلو الهمة وقوة العزيمة وتوقف النجاح في ~~العبودية على حق التقوى والورع عن محارم الله. # ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: "لستم على شيء" كناية عن عدم اعتمادهم على ~~شيء يثبت عليه أقدامهم فيقدروا بذلك على إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم تلويحا إلى أن دين الله وحكمه لها من الثقل ما لا يتيسر حمله ~~للإنسان حتى يعتمد على أساس ثابت ولا يمكنه إقامته بمجرد هوى من نفسه كما ~~يشير تعالى إلى ذلك بالنسبة إلى القرآن الكريم بقوله: "إنا سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا": "المزمل: 5"، وقوله: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون": "الحشر: ~~21"، وقوله: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها" الآية: "الأحزاب: 72". # وقال ms2056 في أمر التوراة خطابا لموسى (عليه السلام): "فخذها بقوة وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها": الأعراف: 154"، وقال خطابا لبني إسرائيل: "خذوا ما ~~آتيناكم بقوة": "البقرة: 63" وقال خطابا ليحيى (عليه السلام): "يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة": مريم: 12". # فيعود المعنى إلى أنكم فاقدوا العماد الذي يجب عليكم أن تعتمدوا عليه في ~~إقامة دين الله الذي أنزل إليكم في كتبه وهو التقوى والإنابة إلى الله ~~بالرجوع إليه مرة بعد أخرى والاتصال به والإيواء إلى ركنه بل مستكبرون عن ~~طاعته ومتعدون حدوده. # ويظهر هذا المعنى من قوله تعالى خطابا لنبيه والمؤمنين: "شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى" ~~فجمع الدين كله فيما ذكره، ثم قال: "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" فبين ~~أن ذلك كله يرجع إلى إقامة الدين كلمة واحدة من غير تفرق ثم قال: "كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه" وذلك لكبر الاتفاق والاستقامة في اتباع الدين ~~عليهم، ثم قال: "الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب" فأنبأ أن ~~إقامة الدين لا يتيسر إلا بهداية من الله، ولا يصلح لها إلا المتصف ~~بالإنابة التي هي الاتصال بالله وعدم الانقطاع عنه بالرجوع إليه مرة بعد ~~أخرى، ثم قال: "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم" فذكر أن ~~السبب في تفرقهم وعدم إقامتهم للدين هو بغيهم وتعديهم عن الوسط العدل ~~المضروب لهم "الشورى: 14". # وقال أيضا في نظيرتها من الآيات: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون": "الروم: 32" فذكر ~~فيها أيضا أن الوسيلة إلى إقامة دين الفطرة الإنابة إلى الله، وحفظ الاتصال ~~بحضرته، وعدم الانقطاع عن سببه. PageV06P036 # وقد أشار إلى هذه الحقيقة في الآيات السابقة على هذه الآية المبحوث عنها ~~أيضا حيث ذكر أن الله لعن اليهود ms2057 وغضب عليهم لتعديهم حدوده فألقى بينهم ~~العداوة والبغضاء، وذكر هذا المعنى في غير هذا المورد في خصوص النصارى ~~بقوله: "فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة": "المائدة: 14". # وقد حذر الله سبحانه المسلمين عن مثل هذه المصيبة المؤلمة التي سيحلها ~~على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأنبأهم أنهم لا يتيسر ولن يتيسر لهم ~~إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، وقد صدق جريان التاريخ ما ~~أخبر به الكتاب من تشتت المذاهب فيهم وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم، فحذر ~~الأمة الإسلامية أن يردوا موردهم في الانقطاع عن ربهم، وعدم الإنابة إليه ~~في قوله: "وأقم وجهك للدين حنيفا": "الروم: 30" في عدة آيات من السورة. # وقد تقدم البحث عن بعض الآيات الملوحة إلى ذلك في ما تقدم من أجزاء ~~الكتاب وسيأتي الكلام على بعض آخر منها إن شاء الله تعالى. # وأما قوله تعالى: "وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا" ~~فقد تقدم البحث عن معناه، وقوله: "فلا تأس على القوم الكافرين" تسلية منه ~~تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة النهي عن الأسى. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى" الآية ~~ظاهرها أن الصابئون عطف على "الذين آمنوا" بحسب موضعه وجماعة من النحويين ~~يمنعون العطف على اسم إن بالرفع قبل مضي الخبر، والآية حجة عليهم. # والآية في مقام بيان أن لا عبرة في باب السعادة بالأسماء والألقاب كتسمي ~~جمع بالمؤمنين وفرقة بالذين هادوا، وطائفة بالصابئين وآخرين بالنصارى، ~~وإنما العبرة بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وقد تقدم البحث ~~عن معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية 62 في الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا" إلى آخر ~~الآية هذه الآية وما بعدها إلى عدة آيات تتعرض لحال أهل الكتاب كالحجة على ~~ما يشتمل عليه قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل" إلخ، فإن هذه الجرائم والآثام لا تدع للإنسان اتصالا ~~بربه حتى يقيم كتب ms2058 الله معتمدا عليه. # ويحتمل أن تكون الآيات مرتبطة بقوله: "إن الذين آمنوا والذين هادوا" إلخ، ~~فيكون تصديقا بأن الأسماء والألقاب لا تنفع شيئا في مرحلة السعادة إذ لو ~~نفعت لصدت هؤلاء عن قتل الأنبياء وتكذيبهم والهلاك بمهلكات الفتن وموبقات ~~الذنوب. # ويمكن أن يكون هذه الآيات كالمبينة لقوله: "إن الذين آمنوا والذين هادوا" ~~إلخ، وهو كالمبين لقوله: "يا أهل الكتاب لستم على شيء الآية والمعنى ظاهر. # وقوله: "فريقا كذبوا وفريقا يقتلون" الظاهر أن كلمتي "فريقا" في الموضعين ~~مفعولان للفعلين بعدهما قدما عليهما للعناية بأمرهما، والتقدير: كذبوا ~~فريقا ويقتلون فريقا، والمجموع جواب قوله: "كلما جاءهم" إلخ، والمعنى نحو ~~من قولنا: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساءوا مواجهته وإجابته ~~وجعلوا الرسل الآتين فريقين: فريقا كذبوا وفريقا يقتلون. # قال في المجمع،: فإن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي يعني في قوله: ~~"فريقا كذبوا وفريقا يقتلون"؟ فجوابه: ليدل على أن ذلك من شأنهم ففيه معنى ~~كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع أن قوله: "يقتلون" فأصله يجب أن يكون ~~موافقا لرءوس الآي، انتهى. # قوله تعالى: "وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا" إلخ، متمم للكلام في ~~الآية السابقة، والحسبان هو الظن، والفتنة هي المحنة التي تغر الإنسان أو ~~هي أعم من كل شر وبلية، والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من ~~الشر، والصمم عدم سماع العظة وعدم الإعباء بالنصيحة، وهذا العمى والصمم ~~معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة، والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا ~~لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل وأنهم أبناء الله وأحباؤه فلا ~~يمسهم السوء وإن فعلوا ما فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا. PageV06P037 # فمعنى الآية - والله أعلم - أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ~~ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن والحسبان ~~أبصارهم عن إبصار الحق، وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة ~~أنبيائهم. # وهذا مما يرجح ما احتملناه أن الآيات كالحجة المبينة لقوله: "إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا" الآية فمحصل ms2059 المعنى أن الأسماء والألقاب لا تنفع أحدا ~~شيئا فهؤلاء اليهود لم ينفعهم ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بالتسمي بل ~~أعماهم وأوردهم مورد الهلكة والفتنة لما كذبوا أنبياء الله وقتلوهم. # قوله تعالى: "ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما ~~يعملون" التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم، وهذا يدل على ~~أن الله سبحانه قد كان بعدهم من رحمته وعنايته ولذلك أخذهم الحسبان المذكور ~~ولزمهم العمى والصمم، لكن الله سبحانه رجع إليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا ~~الحسبان عن قلوبهم، والعمى والصمم عن أبصارهم وآذانهم، فعرفوا أنفسهم بأنهم ~~عباد لا كرامة لهم على الله إلا بالتقوى، وأبصروا الحق وسمعوا عظة الله لهم ~~بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئا. # ثم عموا وصموا كثير منهم، وإسناد العمى والصمم إلى جمعهم أولا ثم إلى ~~كثير منهم - بإتيان كثير منهم بدلا من واو الجمع، أخذ بالنصفة في الكلام ~~بالدلالة على أن إسناد العمى والصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى ~~الكل، والواقع أن المتصف بهاتين الصفتين كثير منهم لا كلهم أولا، وإيماء ~~إلى أن العمى والصمم المذكورين أولا شملا جميعهم على ما يدل عليه المقابلة ~~ثانيا، وأن التوبة الإلهية لم يبطل أثرها ولم تذهب سدى بالمرة بل نجا ~~بالتوبة بعضهم فلم يأخذهم العمى والصمم اللاحقان أخيرا ثالثا. # ثم ختم تعالى الآية بقوله: "والله بصير بما يعملون" للدلالة على أن الله ~~تعالى لا يغفله شيء، فغيره تعالى إذا أكرم قوما بكرامة ضرب ذلك على بصره ~~بحجاب يمنعه أن يرى منهم السوء والمكروه، وليس الله سبحانه على هذا النعت ~~بل هو البصير لا يحجبه شيء عن شيء. # قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم" وهذا ~~كالبيان لكون النصارى لم تنفعهم النصرانية والانتساب إلى المسيح (عليه ~~السلام) عن تعلق الكفر بهم إذ أشركوا بالله ولم يؤمنوا به حق إيمانه حيث ~~قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم. # والنصارى وإن اختلفوا في كيفية اشتمال ms2060 المسيح بن مريم على جوهرة الألوهية ~~بين قائل باشتقاق أقنوم المسيح وهو العلم من أقنوم الرب تعالى وهو الحياة، ~~وذلك الأبوة والبنوة، وقائل بأنه تعالى صار هو المسيح على نحو الانقلاب، ~~وقائل بأنه حل فيه كما تقدم بيان ذلك تفصيلا في الكلام على عيسى بن مريم ~~(عليهما السلام) في تفسير سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب. # لكن الأقوال الثلاثة جميعا تقبل الانطباق على هذه الكلمة أن الله هو ~~المسيح بن مريم فالظاهر أن المراد بالذين تفوهوا بهذه الكلمة جميع النصارى ~~الغالين في المسيح (عليه السلام) لا خصوص القائلين منهم بالانقلاب. # وتوصيف المسيح بابن مريم لا يخلو من دلالة أو إشعار بسبب كفرهم وهو نسبة ~~الألوهية إلى إنسان ابن إنسان مخلوقين من تراب، وأين التراب ورب الأرباب؟!. # قوله تعالى: "وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم" إلى آخر ~~الآية احتجاج على كفرهم وبطلان قولهم بقول المسيح (عليه السلام) نفسه فإن ~~قوله (عليه السلام): "اعبدوا الله ربي وربكم" يدل على أنه عبد مربوب مثلهم، ~~وقوله: "إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة" يدل على أن من يجعل ~~لله شريكا في ألوهيته فهو مشرك كافر محرم عليه الجنة. # وفي قوله تعالى حكاية عنه (عليه السلام): "فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح ~~من حديث التفدية، وأنه (عليه السلام) باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم فهم ~~مغفور لهم مرفوع عنهم التكاليف الإلهية ومصيرهم إلى الجنة ولا يمسون نارا ~~كما تقدم نقل ذلك عنهم في تفسير سورة آل عمران في قصة عيسى (عليه السلام) ~~فقصة التفدية والصلب إنما سيقت لهذا الغرض. PageV06P038 # وما تحكيه الآية من قوله (عليه السلام) موجود في متفرقات الأبواب من ~~الأناجيل كالأمر بالتوحيد، وإبطال عبادة المشرك، والحكم بخلود الظالمين في النار. # قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" أي أحد الثلاثة: ~~الأب والابن والروح، أي هو ينطبق على كل واحد من الثلاثة، وهذا لازم ms2061 قولهم: ~~إن الأب إله، والابن إله، والروح إله، وهو ثلاثة، وهو واحد يضاهئون بذلك ~~نظير قولنا: إن زيد بن عمرو إنسان، فهناك أمور ثلاثة هي: زيد وابن عمرو ~~والإنسان، وهناك أمر واحد وهو المنعوت بهذه النعوت، وقد غفلوا عن أن هذه ~~الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، وأن ~~المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقية ~~فالجمع بين هذه الكثرة العددية والوحدة العددية في زيد المنعوت بحسب ~~الحقيقة مما يستنكف العقل عن تعقله. # ولذا ربما ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل ~~المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية، ولم ~~يتنبه أن عليه أن يطالب الدليل على كل دعوى يقرع سمعه سواء كان من دعاوي ~~الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف. # قوله تعالى: "وما من إله إلا إله واحد" إلى آخر الآية رد منه تعالى ~~لقولهم: "إن الله ثالث ثلاثة" بأن الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية ~~الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى في ذاته واحد، وإذا اتصف بصفاته الكريمة ~~وأسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئا ولا الصفة إذا أضيفت إلى ~~الصفة أورث ذلك كثرة وتعددا فهو تعالى أحدي الذات لا ينقسم لا في خارج ولا ~~في وهم ولا في عقل. # فليس الله سبحانه بحيث يتجزأ في ذاته إلى شيء وشيء قط، ولا أن ذاته بحيث ~~يجوز أن يضاف إليه شيء فيصير اثنين أو أكثر، كيف؟ وهو تعالى مع هذا الشيء ~~الذي تراد إضافته إليه تعالى في وهم أو فرض أو خارج. # فهو تعالى واحد في ذاته لكن لا بالوحدة العددية التي لسائر الأشياء ~~المتكون منها الكثرات، ولا منعوت بكثرة في ذات أو اسم، أو صفة، كيف؟ وهذه ~~الوحدة العددية والكثرة المتألفة منها كلتاهما من آثار صنعه وإيجاده فكيف ~~يتصف بما هو من صنعه؟. # وفي قوله تعالى: "وما من إله إلا إله واحد" من التأكيد في إثبات التوحيد ~~ما ليس في ms2062 غيره حيث سيق الكلام بنحو النفي والاستثناء، ثم أدخل "من" على ~~النفي لإفادة تأكيد الاستغراق، ثم جيء بالمستثنى وهو قوله: "إله واحد" ~~بالتنكير المفيد للتنويع ولو أورد معرفة كقولنا "إلا الإله الواحد" لم يفد ~~ما يرام من حقيقة التوحيد. # فالمعنى: "ليس في الوجود شيء من جنس الإله أصلا إلا إله واحد نوعا من ~~الوحدة لا يقبل التعدد أصلا لا تعدد الذات ولا تعدد الصفات، لا خارجا ولا ~~فرضا، ولو قيل: وما من إله إلا الله الواحد لم يدفع به قول النصارى إن الله ~~ثالث ثلاثة فإنهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى، وإنما يقولون: إنه ذات واحدة ~~لها تعين بصفاتها الثلاث، وهي واحدة في عين أنها كثيرة حقيقة. # ولا يندفع ما احتملوه من المعنى إلا بإثبات وحدة لا تتألف منه كثرة أصلا، ~~وهو الذي يتوخاه القرآن الكريم بقوله: "وما من إله إلا إله واحد". # وهذا من لطائف المعاني التي يلوح إليها الكتاب الإلهي في حقيقة معنى ~~التوحيد وسنغور في البحث المستوفى عنه في بحث قرآني خاص ثم في بحث عقلي ~~وآخر نقلي إيفاء لحقه. # قوله تعالى: "وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم" تهديد لهم بالعذاب الأليم الأخروي الذي هو ظاهر الآية الكريمة. PageV06P039 # ولما كان القول بالتثليث الذي تتضمنه كلمة: "إن الله ثالث ثلاثة" ليس في ~~وسع عقول عامة الناس أن تتعقله فأغلب النصارى يتلقونه قولا مذهبيا مسلما ~~بلفظة من غير أن يعقلوا معناه، ولا أن يطمعوا في تعقله كما ليس في وسع ~~العقل السليم أن يعقله عقلا صحيحا، وإنما يتعقل كتعقل الفروض المحالة ~~كالإنسان اللاإنسان، والعدد الذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد فلذلك ~~تتسلمه العامة تسلما من غير بحث عن معناه، وإنما يعتقدون في البنوة والأبوة ~~شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث، وإنما يمضغون ~~الكلمة مضغا، وينتمون إليها انتماء بخلاف غير العامة منهم وهم الذين ينسب ~~الله سبحانه إليهم اختلاف المذاهب ويقرر أن ذلك ببغيهم كما قال تعالى: "أن ms2063 ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه - إلى أن قال: - وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم": "الشورى: 14". # فالكفر الحقيقي الذي لا ينتهي إلى استضعاف - وهو الذي فيه إنكار التوحيد ~~والتكذيب بآيات الله - إنما يتم في بعضهم دون كلهم، وإنما أوعد الله بالنار ~~الخالد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، قال: "والذين كفروا وكذبوا بآيات ~~الله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": "البقرة: 39" إلى غير ذلك من ~~الآيات، وقد مر الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: "إلا المستضعفين" ~~الآية: "النساء: 98". # ولعل هذا هو السر في التبعيض الظاهر من قوله: "ليمسن الذين كفروا منهم" ~~أو أن المراد به الإشارة إلى أن من النصارى من لا يقول بالتثليث، ولا يعتقد ~~في المسيح إلا أنه عبد الله ورسوله، كما كانت على ذلك مسيحيوا الحبشة ~~وغيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى: لئن لم ينته النصارى عما يقولون نسبة ~~قول بعض الجماعة إلى جميعهم ليمسن الذين كفروا منهم - وهم القائلون ~~بالتثليث منهم - عذاب أليم. # وربما وجهوا الكلام أعني قوله: "ليمسن الذين كفروا منهم" بأنه من قبيل ~~وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل: ليمسنهم انتهى، وإنما عدل إلى وضع الموصول ~~وصلته مكانه ليدل على أن ذلك القول كفر بالله، وأن الكفر سبب العذاب الذي ~~توعدهم به. # وهذا وجه لا بأس به لو لا أن الآية مصدرة بقوله: "لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة" ونظيره في البعد قول بعض آخر: إن "من" في قوله "منهم" ~~بيانية فإنه قول من غير دليل. # قوله تعالى: "أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم" تحضيض ~~على التوبة والاستغفار، وتذكير بمغفرة الله ورحمته، أو إنكار أو توبيخ. # قوله تعالى: "ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام" رد لقولهم: "إن الله ثالث ثلاثة" أو لقولهم هذا ~~وقولهم المحكي في الآية السابقة: "إن الله هو المسيح بن مريم" جميعا، ~~ومحصله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهية، بأن المسيح لا يفارق سائر رسل ~~الله ms2064 الذين توفاهم الله من قبله كانوا بشرا مرسلين من غير أن يكونوا أربابا ~~من دون الله سبحانه، وكذلك أمه مريم كانت صديقة تصدق بآيات الله تعالى وهي ~~بشر، وقد كان هو وأمه جميعا يأكلان الطعام، وأكل الطعام مع ما يتعقبه مبني ~~على أساس الحاجة التي هو أول أمارة من أمارات الإمكان والمصنوعية فقد كان ~~المسيح (عليه السلام) ممكنا متولدا من ممكن، وعبدا ورسولا مخلوقا من أمه ~~كانا يعبدان الله، ويجريان في سبيل الحاجة والافتقار من دون أن يكون ربا. # وما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرح بكون مريم فتاة كانت تؤمن ~~بالله وتعبده، وتصرح بأن عيسى تولد منها كالإنسان من الإنسان، وتصرح بأن ~~عيسى كان رسولا من الله إلى الناس كسائر الرسل وتصرح بأن عيسى وأمه مريم ~~كانا يأكلان الطعام. # فهذه أمور صرحت بها الأناجيل، وهي حجج على كونه (عليه السلام) عبدا رسولا. # ويمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي ألوهية المسيح وأمه كليهما على ما يظهر ~~من قوله تعالى: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله": ~~"المائدة: 161" أنه كان هناك من يقول بألوهيتها كالمسيح أو أن المراد به ~~اتخاذها إلها كما ينسب إلى أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله، وذلك بالخضوع لها ولهم بما لا يخضع لبشر بمثله. PageV06P040 # وكيف كان فالآية على هذا التقدير تنفي عن المسيح وأمه معا الألوهية بأن ~~المسيح كان رسولا كسائر الرسل، وأمه كانت صديقة، وهما معا كانا يأكلان ~~الطعام، وذلك كله ينافي الألوهية. # وفي قوله تعالى: "قد خلت من قبله الرسل" حيث وصف الرسل بالخلو من قبله، ~~وهو الموت تأكيد للحجة بكونه بشرا يجوز عليه الموت والحياة كما جاز على ~~الرسل من قبله. # قوله تعالى: "انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون" الخطاب ~~للنبي، (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في مقام التعجيب أي تعجب من كيفية ~~بياننا لهم الآيات، وهو أوضح بيان لأظهر آية في بطلان دعواهم ألوهية ~~المسيح، وكيفية صرفهم عن تعقل هذه ms2065 الآيات فإلى أي غاية يصرفون عنها، ولا ~~تلتفت إلى نتيجتها - وهي بطلان دعواهم - عقولهم؟. # قوله تعالى: "قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم" كان الخضوع لأمر الربوبية إنما انتشر بين البشر في أقدم ~~عهوده، وخاصة بين العامة منهم - وعامتهم كانوا يعبدون الأصنام - طمعا في أن ~~يدفع الرب عنهم الشر ويوصل إليهم النفع كما يتحصل من الأبحاث التاريخية، ~~وأما عبادة الله لأنه الله عز اسمه فلم يكن يعدو الخواص منهم كالأنبياء ~~والربانيين من أممهم. # فأمر الله سبحانه رسوله أن يخاطبهم خطاب البشر الساذج الجاري على ما ~~تلهمه فطرته الساذجة في عبادة الله كما خاطب الوثنيين وعباد الأصنام بذلك ~~فيذكرهم أن الذي يضطر الإنسان بعبادة الرب هو أنه يرى أزمة الخير والشر ~~والنفع والضر بيده فيعبده لأنه يملك الضر والنفع طمعا في أن يدفع عنه الضر ~~ويوصل إليه الخير لعبادته له. # وكل ما هو دون الله تعالى لا يملك شيئا من ضر ولا نفع لأنه مملوك لله ~~محضا مسلوب عنه القدرة في نفسه فكيف يسوغ تخصيصه بالعبادة، وإشراكه مع ربه ~~الذي هو المالك له ولغيره، وقد كان من الواجب أن يخص هو تعالى بالعبادة، ~~ولا يتعدى عنه إلى غيره لأنه هو الذي يختص به السمع والإجابة فيسمع ويجيب ~~المضطر إذ دعاه، وهو الذي يعلم حوائج عباده ولا يغفل عنها ولا يغلط فيها ~~بخلاف غيره تعالى فإنه إنما يملك ما ملكه الله، ويقوى على ما قواه الله ~~سبحانه. # فقد تبين بهذا البيان: أولا: أن الحجة التي تشتمل عليها هذه الآية غير ~~الحجة التي تشتمل عليها الآية السابقة وإن توقفتا معا على مقدمة مشتركة، ~~وهي كون المسيح وأمه ممكنين محتاجين، فالآية السابقة حجتها أن المسيح وأمه ~~كانا بشرين محتاجين عبدين مطيعين لله سبحانه، ومن كان حاله هذا الحال لم ~~يصح أن يكون إلها معبودا، وحجة هذه الآية: أن المسيح ممكن محتاج مملوك ~~بنفسه لا يملك ضرا ولا نفعا، ومن كان حاله هذا الحال لم يستقم ms2066 ألوهيته ~~وعبادته من دون الله. # وثانيا: أن الحجة مأخوذة مما يدركه الفهم البسيط والعقل الساذج من جهة ~~غرض الإنسان البسيط في عبادته فإنه إنما يتخذ ربا ويعبده ليدفع عنه الضر ~~ويجلب إليه النفع، وهذا إنما يملكه الله تعالى دون غيره، فلا غرض يتعلق ~~بعبادة غير الله فمن الواجب أن يرفض عبادته. # وثالثا: أن قوله: "ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا" إنما أخذت فيه لفظة "ما" ~~دون لفظة "من" مع المسيح من أولي العقل لأن الحجة بعينها هي التي تقام على ~~الوثنيين وعبدة الأصنام التي لا شعور لها، ولا دخل في كون المسيح (عليه ~~السلام) من أولي العقل في تمام الحجة فهي تامة في كل معبود مفروض دون الله ~~سبحانه. # على أن غيره تعالى وإن كان من أولي العقل والشعور لا يملكون شيئا من ~~العقل والشعور من عند أنفسهم كسائر ما ينسب إليهم من شئون وجودهم قال ~~تعالى: "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ~~إن كنتم صادقين، ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون": ~~"الأعراف: 159". PageV06P041 # وكذلك تقديم الضر على النفع في قوله: "ضرا ولا نفعا" للجري على وفق ما ~~تدركه وتدعوا إليه الفطرة الساذجة كما مر، فإن الإنسان بحسب الطبع يرى ما ~~تلبس به من النعم الموجودة عنده ما دامت عنده مملوكة لنفسه لا تلتفت نفسه ~~إلى إمكان فقدها ولا تتصور ألمه عند فقدها بخلاف المضار التي يجدها بالفعل، ~~والنعم التي يفتقدها ويجد ألم فقدها، فإن الفطرة تنبهها إلى الالتجاء إلى ~~رب يدفع عنها الضر والضير، ويجلب إليها النعمة المسلوبة كما قال تعالى: ~~"وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه": "يونس: 12"، وقال تعالى: "ولئن أذقناه رحمة ~~منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي": "حم السجدة: 50"، وقال تعالى: "وإذا ~~أنعمنا على الإنسان ms2067 أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض": "حم ~~السجدة: 51". # فتحصل أن مس الضر أبعث للإنسان إلى الخضوع للرب وعبادته من وجدان النفع، ~~ولذلك قدم الله سبحانه الضر على النفع في قوله: "ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا" وكذا في سائر الموارد التي تماثله كقوله: "اتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ~~ولا حياة ولا نشورا": "الفرقان: 3". # ورابعا: أن مجموع الآية: "أتعبدون من دون الله" إلى آخرها حجة على وجوب ~~قصر العبادة في الله سبحانه من دون إشراك غيره معه وهي منحلة إلى حجتين ~~ملخصهما: أن اتخاذ الإله وعبادة الرب إنما هو لغرض دفع الضر وجلب النفع ~~فيجب أن يكون الإله المعبود مالكا لذلك ولا يجوز عبادة من لا يملك شيئا، ~~والله سبحانه هو السميع المجيب للدعوة العليم بكنه الحاجة من غير جهل دون ~~غيره فوجب عبادته من غير إشراك غيره. # قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق" خطاب آخر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره أن يدعو أهل الكتاب إلى عدم الغلو ~~في دينهم، وأهل الكتاب وخاصة النصارى مبتلون بذلك، و"الغالي" المتجاوز عن ~~الحد بالإفراط، ويقابله "القالي" في طرف التفريط. # ودين الله الذي يفسره كتبه المنزلة يأمر بالتوحيد ونفي الشريك وينهى عن ~~اتخاذ الشركاء لله سبحانه، وقد ابتلي بذلك أهل الكتاب عامة اليهود ~~والنصارى، وإن كان أمر النصارى في ذلك أشنع وأفظع قال تعالى: "وقالت اليهود ~~عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ~~قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا إلا ~~هو سبحانه عما يشركون": "التوبة: 31". # والقول بأن عزيرا ابن الله وإن كان غير ظاهر اليوم عند اليهود لكن الآية ~~تشهد بأنهم كانوا يقولون ذلك في عصر النزول. # والظاهر أن ذلك كان لقبا تشريفيا يلقبونه به قبال ms2068 ما خدمهم وأحسن إليهم ~~في إرجاعهم إلى أورشليم بيت المقدس بعد إسارة بابل، وجمع لهم التوراة ثانيا ~~بعد ضياعه في قصة بخت نصر، وقد كانوا يعدون بنوة الله لقبا تشريفيا كما ~~يتخذ النصارى اليوم الأبوة كذلك ويسمون الباباوات والبطارقة والقسيسين ~~بالآباء الباب والبابا: الأب وقد قال تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن ~~أبناء الله وأحباؤه": "المائدة: 18". # بل الآية الثانية أعني قوله: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح بن مريم" تدل على ذلك حيث اقتصر فيها على ذكر المسيح (عليه ~~السلام)، ولم يذكر عزيرا فدل على دخوله في عموم قوله: "أحبارهم ورهبانهم" ~~وأنهم إنما كانوا يسمونه ابن الله كما يسمون أحبارهم أبناء الله، وقد خصوه ~~بالذكر وحده شكرا لإحسانه إليهم كما تقدمت الإشارة إليه. # وبالجملة وضعهم بعض أنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم موضع الربوبية وخضوعهم ~~لهم بما لا يخضع بمثله إلا لله سبحانه غلو منهم في دينهم ينهاهم الله عن ~~ذلك بلسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وتقييد الغلو في الدين بغير الحق - ولا يكون الغلو إلا كذلك - إنما هو ~~للتأكيد وتذكير لازم المعنى مع ملزومه لئلا يذهل عنه السامع وقد ذهل حين ~~غلا أو كان كالذاهل. PageV06P042 # وإطلاق الأب على الله سبحانه بتحليل معناه وتجريده عن وسمة نواقص المادة ~~الجسمانية أي من بيده الإيجاد والتربية، وكذلك الابن بمعناه المجرد ~~التحليلي وإن لم يمنعه العقل لكنه ممنوع شرعا لتوقيفية أسماء الله سبحانه ~~لما في التوسع في إطلاق الأسماء المختلفة عليه تعالى من المفاسد، وكفى ~~مفسدة في إطلاق الأب والابن ما لقيته الأمتان: اليهود والنصارى وخاصة ~~النصارى من أولياء الكنيسة خلال قرون متمادية ولن يزال الأمر على ذلك. # قوله تعالى: "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن ~~سواء السبيل" ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء القوم الذين نهوا عن اتباع ~~أهوائهم هم المتبوعون المطاعون في آرائهم وأوامرهم فيكون ضلالهم لمكان ~~التزامهم بآرائهم إضلالهم كثيرا هو اتباع غيرهم لهم، وضلالهم عن سواء ~~السبيل هو المتحصل لهم من ضلالهم وإضلالهم، وهو ms2069 ضلال على ضلال. # وكذلك ظاهر السياق أن المراد بهم هم الوثنية وعبدة الأصنام فإن ظاهر ~~السياق أن الخطاب إنما هو لجميع أهل الكتاب لا للمعاصرين منهم للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حتى يكون نهيا لمتأخريهم عن اتباع متقدميهم. # ويؤيده بل يدل عليه قوله تعالى: "وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل": "التوبة: 30". # فيكون ذلك حقيقة تحليلية تاريخية أشار إليها القرآن الكريم هي أن القول ~~بالأبوة والبنوة مما تسرب إلى أهل الكتاب من قبل من تقدمهم من الوثنية، وقد ~~تقدم في الكلام على قصص المسيح (عليه السلام) في سورة آل عمران في الجزء ~~الثالث من الكتاب أن هذا القول في جملة من الأقوال والآراء موجود عند ~~الوثنية البرهمنية والبوذية في الهند والصين، وكذلك مصر القديم وغيرهم، ~~وإنما أخذ بالتسرب في الملة الكتابية بيد دعاتها، فظهر في زي الدين وكان ~~الاسم لدين التوحيد والمسمى للوثنية. # قوله تعالى: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن ~~مريم" إلى آخر الآيتين إخبار بأن الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم، ~~وفيه تعريض لهؤلاء الذين كفرهم الله في هذه الآيات من اليهود ملعونين بدعوة ~~أنبيائهم أنفسهم، وذلك بسبب عصيانهم لأنبيائهم، وهم كانوا مستمرين على ~~الاعتداء وقوله: "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه" "إلخ" بيان لقوله: ~~"وكانوا يعتدون". # قوله تعالى: "ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا" "إلخ"، وهذا من قبيل ~~الاستشهاد بالحس على كونهم معتدين فإنهم لو قدروا دينهم حق قدره لزموه ولم ~~يعتدوه، ولازم ذلك أن يتولوا أهل التوحيد ويتبرءوا من الذين كفروا لأن ~~أعداء ما يقدسه قوم أعداء لذلك القوم، فإذا تحابوا وتوالوا دل ذلك على ~~إعراض ذلك القوم وتركهم ما كانوا يقدسونه ويحترمونه، وصديق العدو عدو، ثم ~~ذمهم الله تعالى بقوله: "لبئس ما قدمت لهم أنفسهم" وهو ولاية الكفار عن هوى ~~النفس، وكان جزاؤه ووباله "أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون"، ففي ~~الآية وضع جزاء العمل وعاقبته ms2070 موضع العمل كأن أنفسهم قدمت لهم جزاء العمل ~~بتقديم نفس العمل. # قوله تعالى: "ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون" أي ولو كان أهل الكتاب هؤلاء يؤمنون بالله ~~والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما أنزل إليه، أو نبي أنفسهم كموسى ~~مثلا وما أنزل إليه كالتوراة مثلا ما اتخذوا أولئك الكفار أولياء لأن ~~الإيمان يجب سائر الأسباب، ولكن كثيرا منهم فاسقون متمردون عن الإيمان. # وفي الآية وجه آخر احتملوه، وهو أن يرجع ضمائر قوله: "كانوا" و"يؤمنون" ~~و"هم" في قوله: "ما اتخذوهم" راجعة إلى الذين كفروا، والمعنى: ولو كان ~~الذين كفروا أولئك الكفار الذين يتولاهم أهل الكتاب يؤمنون بالله والنبي ~~والقرآن ما اتخذتهم أهل الكتاب أولياء، وإنما تولوهم لمكان كفرهم، وهذا وجه ~~لا بأس به غير أن الإضراب في قوله: "ولكن كثيرا منهم فاسقون" لا يلائمه. PageV06P043 # قوله تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا - ~~إلى قوله - نصارى" لما بين سبحانه في الآيات السابقة الرذائل المشتركة بين ~~أهل الكتاب عامة، وبعض ما يختص ببعضهم كقول اليهود: "يد الله مغلولة" وقول ~~النصارى: "إن الله هو المسيح بن مريم" ختم الآيات بما يختص به كل من ~~الطائفين إذا قيس حالهم من المؤمنين ودينهم، وأضاف إلى حالهم حال المشركين ~~ليتم الكلام في وقع الإسلام من قلوب الأمم غير المسلمة من حيث قربهم وبعدهم ~~من قبوله. # ويتم الكلام في أن النصارى أقرب تلك الأمم مودة للمسلمين وأسمع لدعوتهم الحقة. # وإنما عدهم الله سبحانه أقرب مودة للمسلمين لما وقع من إيمان طائفة منهم ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدل عليه قوله في الآية التالية: ~~"وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول" "إلخ"، لكن لو كان إيمان طائفة تصحح هذه ~~النسبة إلى جميعهم كان من الواجب أن تعد اليهود والمشركون كمثل النصارى ~~وينسب إليهما نظير ما نسب إليهم لمكان إسلام طائفة من اليهود كعبد الله بن ~~سلام وأصحابه، وإسلام عدة من مشركي العرب وهم عامة ms2071 المسلمين اليوم فتخصيص ~~النصارى بمثل قوله: "وإذا سمعوا ما أنزل" "إلخ"، دون اليهود والمشركين يدل ~~على حسن إقبالهم على الدعوة الإسلامية وإجابة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مع أنهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم ويؤدوا الجزية، وبين أن ~~يقبلوا الإسلام، أو يحاربوا. # وهذا بخلاف المشركين فإنهم لم يكن يقبل منهم إلا قبول الدعوة فكثرة ~~المؤمنين منهم لا يدل على حسن الإجابة، على ما كابد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من جفوتهم ولقاه المسلمون من أيديهم بقسوتهم ونخوتهم. # وكذلك اليهود وإن كانوا كالنصارى في إمكان إقامتهم على دينهم وتأدية ~~الجزية إلى المسلمين لكنهم تمادوا في نخوتهم، وتصلبوا في عصبيتهم، وأخذوا ~~بالمكر والمكيدة، ونقضوا عهودهم، وتربصوا الدوائر على المسلمين، ومسوهم ~~بأمر المس وآلمه. # وهذا الذي جرى من أمر النصارى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والدعوة الإسلامية، وحسن إجابتهم، وكذا من أمر اليهود والمشركين في التمادي ~~على الاستكبار والعصبية جرى بعينه بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) على حذو ~~ما جرى في عهده فما أكثر من لبى الدعوة الإسلامية من فرق النصارى خلال ~~القرون الماضية، وما أقل ذلك من اليهود والوثنيين! فاحتفاظ هذه الخصيصة في ~~هؤلاء وهؤلاء يصدق الكتاب العزيز في ما أفاده. # ومن المعلوم أن قوله تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا" من قبيل ~~بيان الضابط العام في صورة خطاب خاص نظير ما مر في الآيات السابقة: "ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا" و"ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم". # قوله تعالى: "ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" القسيس ~~معرب "كشيش" والرهبان جمع الراهب وقد يكون مفردا، قال الراغب: الرهبة ~~والرهب مخافة مع تحرز - إلى أن قال - والترهب التعبد، والرهبانية غلو في ~~تحمل التعبد من فرط الرهبة، قال تعالى: "ورهبانية ابتدعوها" والرهبان يكون ~~واحدا وجمعا فمن جعله واحدا جمعه على رهابين، انتهى. # علل تعالى ما ذكره من كون النصارى أقرب مودة وآنس قلوبا للذين آمنوا ~~بخصال ثلاث يفقدها غيرهم من اليهود والمشركين، وهي أن ms2072 فيهم علماء وأن فيهم ~~رهبانا وزهادا، وأنهم لا يستكبرون وذلك مفتاح تهيؤهم للسعادة. PageV06P044 # وذلك أن سعادة حياة الدين أن تقوم بصالح العمل عن علم به، وإن شئت فقل: إن ~~يذعن بالحق فيطبق عمله عليه فله حاجة إلى العلم ليدرك به حق الدين وهو دين ~~الحق، ومجرد إدراك الحق لا يكفي للتهيؤ للعمل على طبقه حتى ينتزع الإنسان ~~من نفسه الهيئة المانعة عنه، وهو الاستكبار عن الحق بعصبية وما يشابهها، ~~وإذا تلبس الإنسان بالعلم النافع والنصفة في جنب الحق برفع الاستكبار تهيأ ~~للخضوع للحق بالعمل به لكن بشرط عدم منافاة الجو لذلك فإن لموافقة الجو ~~للعمل تأثيرا عظيما في باب الأعمال فإن الأعمال التي يعتورها عامة المجتمع ~~وينمو عليها أفراده، وتستقر عليهم عادتهم خلفا عن سلف لا يبقى للنفس فراغ ~~أن تتفكر في أمرها أو تتدبر وتدبر في التخلص عنها إذا كانت ضارة مفسدة ~~للسعادة، وكذلك الحال في الأعمال الصالحة إذا استقر التلبس بها في مجتمع ~~يصعب على النفس تركها، ولذا قيل: إن العادة طبيعة ثانية، ولذا كان أيضا أول ~~فعل مخالف حرجا على النفس في الغاية وهو عند النفس دليل على الإمكان، ثم لا ~~يزال كلما تحقق فعل زاد في سهولة التحقق ونقص بقدره من صعوبته. # فإذا تحقق الإنسان أن عملا كذا حق صالح ونزع عن نفسه أغراض العناد ~~واللجاج بإماتة الاستكبار والاستعلاء على الحق كان من العون كل العون على ~~إتيانه أن يرى إنسانا يرتكبه فتتلقى نفسه إمكان العمل. # ومن هنا يظهر أن المجتمع إنما يتهيأ لقبول الحق إذا اشتمل على علماء ~~يعلمونه ويعلمونه، وعلى رجال يقومون بالعمل به حتى يذعن العامة بإمكان ~~العمل ويشاهدوا حسنه، وعلى اعتياد عامتهم على الخضوع للحق وعدم الاستكبار ~~عنه إذا انكشف لهم. # ولهذا علل الله سبحانه قرب النصارى من قبول الدعوة الحقة الدينية بأن ~~فيهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ففيهم علماء لا يزالون يذكرونهم ~~مقام الحق ومعارف الدين قولا، وفيهم زهاد يذكرونهم عظمة ربهم وأهمية ~~سعادتهم الأخروية والدنيوية عملا، وفيهم عدم الاستكبار ms2073 عن قبول الحق. # وأما اليهود فإنهم وإن كان فيهم أحبار علماء لكنهم مستكبرون لا تدعهم ~~رذيلة العناد والاستعلاء أن يتهيئوا لقبول الحق. # وأما الذين أشركوا فإنهم يفقدون العلماء والزهاد، وفيهم رذيلة الاستكبار. # قوله تعالى: "وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع" ~~"إلخ"، فاضت العين بالدمع سال دمعها بكثرة، ومن في قوله: "من الدمع" ~~للابتداء، وفي قوله: "مما" للنشوء، وفي قوله: "من الحق" بيانية. # قوله تعالى: "وما لنا لا نؤمن بالله" "إلخ"، لفظة "يدخلنا" كأنها مضمنة ~~معنى الجعل، ولذلك عدي بمع، والمعنى: يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مدخلا ~~لنا فيهم. # وفي هذه الأفعال والأقوال التي حكاها الله تعالى عنهم تصديق ما ذكره عنهم ~~أنهم أقرب مودة للذين آمنوا، وتحقيق أن فيهم العلم النافع والعمل الصالح ~~والخضوع للحق حيث كان فيهم قسيسون ورهبان وهم لا يستكبرون. # قوله تعالى: "فأثابهم الله" إلى آخر الآيتين، "الإثابة" المجازاة، والآية ~~الأولى ذكر جزائهم، والآية الثانية فيها ذكر جزاء من خالفهم على طريق ~~المقابلة استيفاء للأقسام. ### |||| AUTO بحث روائي # في معاني الأخبار، بإسناده عن الرضا عن آبائه، عن علي (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "كانا يأكلان الطعام" معناه أنهما كانا يتغوطان:. أقول: ورواه ~~العياشي في تفسيره مرفوعا. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل - على لسان ~~داود وعيسى بن مريم" قال: الخنازير على لسان داود، والقردة على لسان عيسى ~~بن مريم:. أقول: ورواه القمي والعياشي عنه (عليه السلام)، وروي بطرق أهل ~~السنة عن مجاهد وقتادة وغيرهما: لعن القردة على لسان داود، والخنازير على ~~لسان عيسى بن مريم، ويوافقه بعض روايات الشيعة كما يأتي. # وفي المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام): أما داود فإنه لعن أهل أيلة لما ~~اعتدوا في سبتهم، وكان اعتداؤهم في زمانه فقال: اللهم ألبسهم اللعنة مثل ~~الرداء، ومثل المنطقة على الخصرين فمسخهم الله قردة، وأما عيسى فإنه لعن ~~الذين نزلت عليهم المائدة ثم ms2074 كفروا بعد ذلك، قال: فقال أبو جعفر (عليه ~~السلام): يتولون الملوك الجبارين، ويزينون لهم هواهم ليصيبوا من دنياهم. PageV06P045 # أقول: والقرآن يؤيد كون أصحاب السبت ممسوخين إلى القردة قال تعالى: "ولقد ~~علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين": "البقرة: ~~56" وقال تعالى: "وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في ~~السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم - إلى أن ~~قال - وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربهم ولعلهم يتقون - إلى أن قال - فلما عتوا عما نهوا عنه ~~قلنا لهم كونوا قردة خاسئين": "الأعراف: 166". # وفي الدر المنثور،: أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه ~~عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن بني ~~إسرائيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيرا ثم جالسوهم وآكلوهم ~~وشاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب ~~بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبي من الأنبياء، ثم قال، رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأطرنهم ~~على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم. # وفيه،: أخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا كان رشوة عن دينكم فلا ~~تأخذوا ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة أن بني يأجوج قد جاءوا، ~~وإن رحى الإسلام سيدور فحيثما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن ~~أن يقتتلا ويتفرقا أنه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره فإن ~~أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم. قالوا: يا رسول الله كيف بنا إن ~~أدركنا ذلك؟ قال: تكونوا كأصحاب عيسى نشروا بالمناشير، ورفعوا على الخشب، ~~موت في طاعة خير من حياة في معصية إن أول ما نقص في بني إسرائيل أنهم كانوا ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن ms2075 المنكر سنة التعزير فكان أحدهم إذا لقي صاحبه ~~الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه وكأنه لم يعب عليه شيئا فلعنهم الله على ~~لسان داود، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب ~~لكم. والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد ~~الظالم فلتأطرنه عليه أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض. # وفيه، أيضا: أخرج ابن راهويه والبخاري في الوحدانيات، وابن السكن وابن ~~مندة والباوردي في معرفة الصحابة، والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن ~~أبزى، عن أبيه: قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيرا، ثم قال: ما بال ~~أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال ~~أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون؟ والذي نفسي بيده ~~ليعلمن جيرانهم، أو ليتفقهن أو ليتفطنن أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار ~~الدنيا، ثم نزل ودخل بيته فقال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~من يعني بهذا الكلام؟ قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشعريين فقهاء ~~علماء، ولهم جيران جفاة جهلة. فاجتمع جماعة من الأشعريين فدخلوا على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا ~~بشر فما بالنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لتعلمن جيرانكم ~~ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهنهم أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا، ~~فقالوا: يا رسول الله فأمهلنا سنة ففي سنة ما نعلمهم ويتعلمون فأمهلهم سنة ~~ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل - على لسان داود وعيسى بن مريم - ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون". # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن الهيثم التميمي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله: "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه - لبئس ms2076 ما كانوا ~~يفعلون"، قال: أما إنهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجالسون مجالسهم ولكن ~~كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم. PageV06P046 # وفيه، أيضا: عن مروان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ~~ذكر النصارى وعداوتهم فقال: قول الله: "ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون"، قال: أولئك كانوا قوما بين عيسى ومحمد ينتظرون مجيء محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # أقول: ظاهر الآية العموم دون الخصوص، ولعل المراد أن المدح إنما هو لهم ~~ما لم يغيروا كما أن الذي مدح الله به المسلمين كذلك. # وفي الدر المنثور،: أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير: في قوله: "ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا" قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه إسلام قومه كانوا سبعين ~~رجلا اختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه والسن. # وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ثلاثين رجلا فلما أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخلوا عليه ~~فقرأ عليهم سورة "يس" فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق. فأنزل الله ~~فيهم: "ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا،" الآية ونزلت هذه الآية فيهم أيضا: ~~"الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون" إلى قوله أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا". # وفيه،: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين ~~فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى ~~النجاشي ملك الحبشة. فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ~~ذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى النجاشي ~~فقالوا: إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبي، وأنه بعث ~~إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال: إن ~~جاءوني نظرت ms2077 فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا: استأذن لأولياء الله فقال: ائذن لهم ~~فمرحبا بأولياء الله فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: ألم ~~تر أيها الملك أنا صدقناك، وأنهم لم يحييوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال ~~لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية ~~الملائكة. فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا: يقول: عبد الله ~~ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: أنها ~~العذراء الطيبة البتول قال: فأخذ عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ~~ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير له وجوههم. فقال: هل ~~تقرءون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: فاقرءوا فقرءوا وحوله ~~القسيسون والرهبان وسائر النصارى فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما ~~قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق قال الله: "ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا - وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول - ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق". # أقول: وروى القمي في تفسيره،: القصة مفصلة في خبر طويل، وفي آخره: ورجعوا ~~إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقرءوا عليه ~~ما قرأ عليهم فبكى النجاشي وبكى القسيسون، وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة ~~إسلامه، وخافهم على نفسه فخرج من بلاد الحبشة إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فلما عبر البحر توفي، الحديث -. # كلام في معنى التوحيد في القرآن # لا يرتاب الباحث المتعمق في المعارف الكلية أن مسألة التوحيد من أبعدها ~~غورا، وأصعبها تصورا وإدراكا، وأعضلها حلا لارتفاع كعبها عن المسائل العامة ~~العامية التي تتناولها الأفهام، والقضايا المتداولة التي تألفها النفوس، ~~وتعرفها القلوب. # وما هذا شأنه تختلف العقول في إدراكه والتصديق به للتنوع الفكري الذي فطر ~~عليه الإنسان من اختلاف أفراده من جهة البنية الجسمية وأداء ذلك إلى اختلاف ~~أعضاء الإدراك في أعمالها ثم تأثير ذلك الفهم ms2078 والتعقل من حيث الحدة ~~والبلادة، والجودة والرداءة، والاستقامة والانحراف. PageV06P047 # فهذا كله مما لا شك فيه، وقد قرر القرآن هذا الاختلاف في موارد من آياته ~~الكريمة كقوله تعالى: "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولوا الألباب": "الزمر: 9"، وقوله تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم": "النجم: 30"، وقوله تعالى: ~~"فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا": "النساء: 87"، وقوله تعالى في ~~ذيل الآية 75 من المائدة وهي من جملة الآيات التي نحن فيها: "انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون". # ومن أظهر مصاديق هذا الاختلاف الفهمي اختلاف أفهام الناس في تلقي معنى ~~توحده تعالى لما في أفهامهم من الاختلاف العظيم والنوسان الوسيع في تقرير ~~مسألة وجوده تعالى على ما بينهم من الاتفاق على ما تعطيه الفطرة الإنسانية ~~بإلهامها الخفي وإشارتها الدقيقة. # فقد بلغ فهم آحاد من الإنسان في ذلك أن جعل الأوثان المتخذة، والأصنام ~~المصنوعة من الخشب والحجارة حتى من نحو الأقط والطينة المعمولة من أبوال ~~الغنم شركاء لله، وقرناء له، يعبد كما تعبد هؤلاء، ويسأل كما تسأل هؤلاء، ~~ويخضع له كما يخضع لها، ولم يلبث هذا الإنسان دون أن غلب هذه الأصنام عليه ~~تعالى بزعمه، وأقبل عليها وتركه، وأمرها على حوائجه وعزله. # فهذا الإنسان قصارى ما يراه من الوجود له تعالى هو مثل ما يراه لآلهته ~~التي خلقها بيده، أو خلقها إنسان مثله بيده، ولذلك كانوا يثبتون له تعالى ~~من صفة الوحدة مثل ما يصفون به كل واحد من أصنامهم، وهي الوحدة العددية ~~التي تتألف منها الأعداد، قال تعالى: "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب: ص: 6". # فهؤلاء كانوا يتلقون الدعوة القرآنية إلى التوحيد دعوة إلى القول بالوحدة ~~العددية التي تقابل الكثرة العددية كقوله تعالى: "وإلهكم إله واحد لا إله ~~إلا هو": "البقرة: 136" وقوله تعالى: "هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين ~~له الدين": المؤمن: 65" وغير ذلك ms2079 من الآيات الداعية إلى رفض الآلهة ~~الكثيرة، وتوجيه الوجه لله الواحد، وقوله تعالى: "وإلهنا وإلهكم واحد": ~~"العنكبوت: 46" وغيره من الآيات الداعية إلى رفض التفرق في العبادة للإله، ~~حيث كانت كل أمة أو طائفة أو قبيلة تتخذ إلها تختص به، ولا تخضع لإله ~~الآخرين. # والقرآن ينفي في عالي تعليمه الوحدة العددية عن الإله جل ذكره، فإن هذه ~~الوحدة لا تتم إلا بتميز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمحدودية التي تقهره، ~~والمقدرية التي تغلبه، مثال ذلك ماء الحوض إذا فرقناه في آنية كثيرة كان ~~ماء كل إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر، وإنما صار ~~ماء واحدا يتميز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه غير مجتمع معه، ~~وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر، ~~ولو لا ذلك لم يأت للإنسانية الصادقة على هذا وذاك أن تكون واحدة بالعدد ~~ولا كثيرة بالعدد. # فمحمودية الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحدا ثم ~~بانسلاب هذه الوحدة من بعض الجهات تتألف كثرة عددية كما عنده عروض صفة ~~الاجتماع بوجه. # وإذ كان الله سبحانه قاهرا غير مقهور، وغالبا لا يغلبه شيء البتة كما ~~يعطيه التعليم القرآني لم تتصور في حقه وحدة عددية ولا كثرة عددية، قال ~~تعالى: "وهو الواحد القهار": "الرعد: 16"، وقال: "أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": ~~"يوسف: 40"، وقال: "وما من إله إلا الله الواحد القهار": "ص: 65"، وقال: ~~"لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد ~~القهار": "الزمر: 4". PageV06P048 # والآيات بسياقها - كما ترى - تنفي كل وحدة مضافة إلى كثرة مقابلة لها سواء ~~كانت وحدة عددية كالفرد الواحد من النوع الذي لو فرض بإزائه فرد آخر كانا ~~اثنين فإن هذا الفرد مقهور بالحد الذي يحده به الفرد الآخر المسلوب عنه ~~المفروض قباله، أو كانت وحدة نوعية أو جنسية أو أي وحدة كلية مضافة إلى ~~كثرة من ms2080 سنخها كالإنسان الذي هو نوع واحد مضاف إلى الأنواع الكثيرة الحاصلة ~~منه ومن الفرس والبقر والغنم وغيرها فإنه مقهور بالحد الذي يحده به ما ~~يناظره من الأنواع الآخر، وإذ كان تعالى لا يقهره شيء في شيء البتة من ذاته ~~ولا صفته ولا فعله وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء يرجع إليه، ~~فهو موجود لا يشوبه عدم، وحق لا يعرضه بطلان، وهو الحي لا يخالطه موت، ~~والعليم لا يدب إليه جهل، والقادر لا يغلبه عجز، والمالك والملك من غير أن ~~يملك منه شيء والعزيز الذي لا ذل له، وهكذا. # فله تعالى من كل كمال محضه، وإن شئت زيادة تفهم وتفقه لهذه الحقيقة ~~القرآنية فافرض أمرا متناهيا وآخر غير متناه تجد غير المتناهي محيطا ~~بالمتناهي بحيث لا يدفعه المتناهي عن كماله المفروض أي دفع، فرضته بل غير ~~المتناهي مسيطر عليه بحيث لا يفقده المتناهي في شيء من أركان كماله، وغير ~~المتناهي هو القائم على نفسه، الشهيد عليه، المحيط به، ثم انظر في ذلك إلى ~~ما يفيده قوله تعالى: "أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، ألا إنهم في ~~مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط": "حم السجدة: 54". # وهذا هو الذي يدل عليه عامة الآيات الواصفة لصفاته تعالى الواقعة في سياق ~~الحصر أو الظاهر فيه كقوله تعالى: "الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى": ~~"طه: 8"، وقوله: "ويعلمون أن الله هو الحق المبين": "النور: 25"، وقوله: ~~"هو الحي لا إله إلا هو": "المؤمن: 65"، وقوله: "وهو العليم القدير": ~~"الروم: 54"، وقوله: "إن القوة لله جميعا": "البقرة: 156"، وقوله: "له ~~الملك وله الحمد": "التغابن: 1"، وقوله: "إن العزة لله جميعا": "يونس: 65"، ~~وقوله: "الحق من ربك": "البقرة: 174"، وقوله: "أنتم الفقراء إلى الله والله ~~هو الغني": "فاطر: 15"، إلى غير ذلك من الآيات. # فالآيات - كما ترى - تنادي بأعلى صوتها أن كل كمال مفروض فهو لله سبحانه ~~بالأصالة، وليس لغيره شيء إلا بتمليكه تعالى له ذلك من غير أن ينعزل عما ~~يملكه ويملكه كما ننعزل نحن معاشر ms2081 الخليقة عما ملكناه غيرنا. # فكلما فرضنا شيئا من الأشياء ذا شيء من الكمال في قباله تعالى ليكون ~~ثانيا له وشريكا عاد ما بيده من معنى الكمال لله سبحانه محضا، وهو الحق ~~الذي يملك كل شيء، وغيره الباطل الذي لا يملك لنفسه شيئا قال تعالى: "لا ~~يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا": ~~"الفرقان: 3". # وهذا المعنى هو الذي ينفي عنه تعالى الوحدة العددية إذ لو كان واحدا ~~عدديا أي موجودا محدودا منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات صح ~~للعقل أن يفرض مثله الثاني له سواء كان جائز التحقق في الخارج أو غير جائز ~~التحقق، وصح عند العقل أن يتصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فرض امتناعه في ~~الواقع، وليس كذلك. # فهو تعالى واحد بمعنى أنه من الوجود بحيث لا يحد بحد حتى يمكن فرض ثان له ~~فيما وراء ذلك الحد وهذا معنى قوله تعالى: "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم ~~يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد": سورة التوحيد - 4 فإن لفظ أحد إنما ~~يستعمل استعمالا يدفع إمكان فرض العدد في قباله يقال: "ما جاءني أحد" وينفي ~~به أن يكون قد جاء الواحد وكذا الاثنان والأكثر وقال تعالى: "وإن أحد من ~~المشركين استجارك": "التوبة: 6" فشمل الواحد والاثنين والجماعة ولم يخرج عن ~~حكمه عدد، وقال تعالى: "أو جاء أحد منكم من الغائط" فشمل الواحد وما وراءه، ~~ولم يشذ منه شاذ. # فاستعمال لفظ أحد في قوله: "هو الله أحد" في الإثبات من غير نفي ولا ~~تقييد بإضافة أو وصف يفيد أن هويته تعالى بحيث يدفع فرض من يماثله في هويته ~~بوجه سواء كان واحدا أو كثيرا فهو محال بحسب الفرض الصحيح مع قطع النظر عن ~~حاله بحسب الخارج. PageV06P049 # ولذلك وصفه تعالى أولا بأنه صمد، وهو المصمت الذي لا جوف له ولا مكان خاليا ~~فيه، وثانيا بأنه لم يلد، وثالثا بأنه لم يولد، ورابعا بأنه لم يكن له كفوا ~~أحد، وكل هذه الأوصاف مما يستلزم نوعا ms2082 من المحدودية والانعزال. # وهذا هو السر في عدم وقوع توصيفات غيره تعالى عليه حق الوقوع والاتصاف ~~قال تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": "الصافات: ~~106"، وقال تعالى: "ولا يحيطون به علما": "طه: 101"، فإن المعاني الكمالية ~~التي نصفه تعالى بها أوصاف محدودة، وجلت ساحته سبحانه عن الحد والقيد، وهو ~~الذي يرومه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلمته المشهورة: لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". # وهذا المعنى من الوحدة هو الذي يدفع به تثليث النصارى فإنهم موحدون في ~~عين التثليث لكن الذي يذعنون به من الوحدة وحدة عددية لا تنفي الكثرة من ~~جهة أخرى فهم يقولون: إن الأقانيم الأب والابن والروح الذات والعلم والحياة ~~ثلاثة وهي واحدة كالإنسان الحي العالم فهو شيء واحد لأنه إنسان حي عالم وهو ~~ثلاثة لأنه إنسان وحياة وعلم. # لكن التعليم القرآني ينفي ذلك لأنه يثبت من الوحدة ما لا يستقيم معه فرض ~~أي كثرة وتمايز لا في الذات ولا في الصفات، وكل ما فرض من شيء في هذا الباب ~~كان عين الآخر لعدم الحد فذاته تعالى عين صفاته، وكل صفة مفروضة له عين ~~الأخرى، تعالى الله عما يشركون، وسبحانه عما يصفون. # ولذلك ترى أن الآيات التي تنعته تعالى بالقهارية تبدأ أولا بنعت الوحدة ~~ثم تصفه بالقهارية لتدل على أن وحدته لا تدع لفارض مجال أن يفرض له ثانيا ~~مماثلا بوجه فضلا عن أن يظهر في الوجود، وينال الواقعية والثبوت، قال ~~تعالى: "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": "يوسف: 40"، فوصفه بوحدة قاهرة لكل شريك ~~مفروض لا تبقى لغيره تعالى من كل معبود مفروض إلا الاسم فقط، وقال تعالى: ~~"أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء ~~وهو الواحد القهار": "الرعد: 16"، قال تعالى: "لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار": "المؤمن: 16"، إذ ملكه تعالى المطلق لا يخلي مالكا مفروضا غيره ~~دون أن يجعله نفسه وما يملكه ملكا ms2083 لله سبحانه، وقال تعالى: "وما من إله إلا ~~الله الواحد القهار": ص: 65"، وقال تعالى: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار": "الزمر: 4"، فرتب ~~القهارية في جميع الآيات على صفة الوحدة. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، والخصال، بإسناده عن المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه قال: ~~إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير ~~المؤمنين أتقول: إن الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ~~ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟ فقال أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم!. ثم قال: ~~يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا ~~يجوزان على الله عز وجل، ووجهان يثبتان فيه فأما اللذان لا يجوزان عليه ~~فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني ~~له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنه كفر من قال: إنه ثالث ثلاثة؟ وقول ~~القائل: هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه ~~تشبيه، وجل ربنا وتعالى عن ذلك. وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول ~~القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا، وقول القائل: إنه عز ~~وجل أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا ~~عز وجل:. أقول: ورواه أيضا في المعاني، بسند آخر عن أبي المقدام بن شريح بن ~~هاني عن أبيه عنه (عليه السلام). # وفي النهج،: أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق ~~به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ~~لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف ~~الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ~~ومن جهله فقد أشار إليه، ومن ms2084 أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده الخطبة. PageV06P050 # أقول: وهو من أبدع البيان، ومحصل الشطر الأول من الكلام أن معرفته تنتهي في ~~استكمالها إلى نفي الصفات عنه، ومحصل الشطر الثاني المتفرع على الشطر الأول ~~- أعني قوله (عليه السلام): فمن وصف الله فقد قرنه إلخ - أن إثبات الصفات ~~يستلزم إثبات الوحدة العددية المتوقفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى، ~~وتنتج المقدمتان أن كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العددية منه، ~~وإثبات الوحدة بمعنى آخر، وهو مراده (عليه السلام) من سرد الكلام. # أما مسألة نفي الصفات عنه فقد بينه (عليه السلام): "بقوله أول الدين ~~معرفته" لظهور أن من لم يعرف الله سبحانه ولو بوجه لم يحل بعد في ساحة ~~الدين، والمعرفة ربما كانت مع عمل بما يرتبط به من الأفعال وترتب آثار ~~المعروف، وربما كانت من غير عمل، ومن المعلوم أن العلم فيما يتعلق نوع تعلق ~~بالأعمال إنما يثبت ويستقر في النفس إذا ترتب عليه آثاره العملية، وإلا فلا ~~يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالفة حتى يبطل أو يصير سدى لا أثر له، ~~ومن كلامه (عليه السلام) في هذا الباب - وقد رواه في النهج: "العلم مقرون ~~بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه. # فالعلم والمعرفة بالشيء إنما يكمل إذا أخذ العارف معروفه صدقا، وأظهر ذلك ~~في باطنه وظاهره، وجنانه وأركانه بأن يخضع له روحا وجسما، وهو الإيمان ~~المنبسط على سره وعلانيته، وهو قوله: "وكمال معرفته التصديق به". # ثم هذا الخضوع المسمى بالتصديق به وإن جاز تحققه مع إثبات الشريك للرب ~~المخضوع له كما يخضع عبدة الأصنام لله ولسائر آلهتهم جميعا لكن الخضوع بشيء ~~لا يتم من غير انصراف عن غيره بالبداهة، فالخضوع لواحد من الآلهة في معنى ~~الإعراض عن غيره والاستكبار في الجملة عنه فلا يكمل التصديق بالله والخضوع ~~لمقامه إلا بالإعراض عن عبادة الشركاء، والانصراف عن دعوة الآلهة الكثيرة، ~~وهو قوله: "وكمال التصديق به توحيده". # ثم إن للتوحيد مراتب مختلفة بعضها فوق بعض، ولا يكمل ms2085 حتى يعطى الإله ~~الواحد حقه من الألوهية المنحصرة، ولا يقتصر على مجرد تسميته إلها واحدا بل ~~ينسب إليه كل ما له نصيب من الوجود والكمال كالخلق والرزق والإحياء ~~والإماتة والإعطاء والمنع، وأن يخص الخضوع والعبادة به فلا يتذلل لغيره ~~بوجه من الوجوه بل لا يرجى إلا رحمته، ولا يخاف إلا سخطه، ولا يطمع إلا ~~فيما عنده، ولا يعكف إلا على بابه. # وبعبارة أخرى أن يخلص له علما وعملا، وهو قوله (عليه السلام): "وكمال ~~توحيده الإخلاص له". # وإذا استوى الإنسان على أريكة الإخلاص، وضمته العناية الإلهية إلى أولياء ~~الله المقربين لاحت على بصيرته لوائح العجز عن القيام بحق المعرفة، وتوصيفه ~~بما يليق بساحة كبريائه وعظمته فإنه ربما شاهد أن الذي يصفه تعالى به معان ~~مدركة مما بين يديه من الأشياء المصنوعة، وأمور ألفها من مشهوداته الممكنة، ~~وهي صور محدودة مقيدة يدفع بعضها بعضا، ولا تقبل الائتلاف والامتزاج، انظر ~~إلى مفاهيم الوجود والعلم والقدرة والحياة والرزق والعزة والغنى وغيرها. # والمعاني المحدودة يدفع بعضها بعضا لظهور كون كل مفهوم خلوا عن المفهوم ~~الآخر كمعنى العلم عن معنى القدرة فإنا حين ما نتصور العلم نصرف عن القدرة ~~فلا نجد معناها في معنى العلم، وإذا تصورنا معنى العلم وهو وصف من الأوصاف ~~ننعزل عن معنى الذات وهو الموصوف. # فهذه المفاهيم والعلوم والإدراكات تقصر عن الانطباق عليه جل شأنه حق ~~الانطباق، وعن حكاية ما هو عليه حق الحكاية فتمس حاجة المخلص في وصفه ربه ~~إلى أن يعترف بنقص لا علاج له، وعجز لا جابر دونه فيعود فينفي ما أثبته، ~~ويتيه في حيرة لا مخلص منها، وهو قوله (عليه السلام): "وكمال الإخلاص له ~~نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنها غير ~~الصفة". # وهذا الذي فسرنا به هذا العقد من كلامه (عليه السلام) هو الذي يؤيده أول ~~الخطبة حيث يقول: "الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس ~~لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ms2086 ممدود" على ما يظهر ~~للمتأمل الفطن. PageV06P051 # وأما قوله (عليه السلام): "فمن وصف الله فقد قرنه" إلخ، فهو توصل منه إلى ~~المطلوب - وهو أن الله سبحانه لا حد له ولا عد - من طريق تحليل إثبات الوصف ~~كما كان البيان الأول توصلا منه من طريق تحليل المعرفة إلى نفي الوصف. # فمن وصف الله فقد قرنه لما عرفت من المغايرة بين الموصوف والصفة، والجمع ~~بين المتغارين قرن، ومن قرنه فقد ثناه لأخذه إياه موصوفا وصفة وهما اثنان، ~~ومن ثناه فقد جزأه إلى جزءين، ومن جزأه فقد جهله بالإشارة إليه إشارة ~~عقلية، ومن أشار إليه فقد حده لكون الإشارة مستلزمة لانفصال المشار إليه عن ~~المشير حتى تتوسط بينهما الإشارة التي هي إيجاد بعد ما بين المشير والمشار ~~إليه - يبتدىء من الأول وينتهي إلى الثاني - "ومن حده فقد عده" وجعله واحدا ~~عدديا لأن العدد لازم الانقسام والانعزال الوجودي تعالى الله عن ذلك. # وفي النهج،: من خطبة له (عليه السلام): "الحمد لله الذي لم يسبق له حال ~~حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى ~~بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره ~~مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم ~~عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى ~~عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن، وكل باطن غيره ظاهر". # أقول: بناء البيان على كونه تعالى غير محدود وكون غيره محدودا فإن هذه ~~المعاني والنعوت وكل ما كان من قبيلها إذا طرأ عليها الحد كانت لها إضافة ~~ما إلى غيرها، ويستوجب التحدد حينئذ أن تنقطع وتزول عما أضيفت إليه، وتتبدل ~~إلى ما يقابلها من المعنى. # فالظهور إذا فرض محدودا كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شيء دون جهة أخرى ~~وشيء آخر، وصار الأمر الظاهر باطنا خفيا بالنسبة إلى تلك الجهة الأخرى ~~والشيء الآخر، والعزة إذا أخذت بحد بطلت فيما ms2087 وراء حدها فكانت ذلة بالنسبة ~~إليه، والقوة إذا كانت مقيدة تبدلت بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفا، ~~والظهور بطون في غير محله، والبطون ظهور في الخارج عن مستواه. # والملك إذا كان محدودا كان من يحده مهيمنا على هذا المالك فهو وملكه تحت ~~ملك غيره، والعلم إذا كان محدودا لم يكن من صاحبه لأن الشيء لا يحد نفسه، ~~فكان بإفاضة الغير وتعليمه، وهكذا. # والدليل على أنه (عليه السلام) بنى بيانه على معنى الحد قوله: "وكل سميع ~~غيره يصم عن لطيف الأصوات" إلخ، فإنه وما بعده ظاهر في الإشارة إلى محدودية ~~المخلوقات، والسياق واحد. # وأما قوله (عليه السلام): "وكل مسمى بالوحدة غيره قليل" - والجملة هي ~~المقصودة من نقل الخطبة - فبناؤه على معنى الحد ظاهر فإن الوحدة العددية ~~المتفرعة على محدودية المسمى بالواحد لازمة تقسم المعنى وتكثره، وكلما زاد ~~التقسم والتكثر أمعن الواحد في القلة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة، ~~فكل واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ولو بالفرض. # وأما الواحد الذي لا حد لمعناه ولا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة لعدم ~~احتماله طرو الحد وعروض التميز ولا يشذ عن وجوده شيء من معناه حتى يكثره ~~ويقوى بضمه، ويقل ويضعف بعزله، بل كلما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو. # وفي النهج،: ومن خطبة له (عليه السلام): "الحمد لله الدال على وجوده ~~بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له، لا يستلمه ~~المشاعر، ولا يحجبه السواتر لافتراق الصانع والمصنوع، والحاد والمحدود، ~~والرب والمربوب، الأحد لا بتأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسميع ~~لا بأداة، والبصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة، والبائن لا بتراخي ~~مسافة، والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة بان من الأشياء بالقهر لها ~~والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه، من وصفه فقد ~~حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله". # أقول: أول كلامه (عليه السلام) مبني على أن جميع المعاني والصفات ~~المشهودة في الممكنات أمور محدودة ms2088 لا تتم إلا بحاد يحدها وصانع يصنعها، ورب ~~يربها، وهو الله سبحانه، وإذ كان الحد من صنعه فهو متأخر عنه غير لازم له، ~~فقد تنزهت ساحة كبريائه عن هذه الحدود. PageV06P052 # وإذا كان كذلك كان ما يوصف به من الصفات غير محدود بحد - وإن كان لفظنا ~~قاصرا عنه، والمعنى غير واف به - فهو تعالى أحد لا بتأويل عدد يقضي ~~بالمحدودية، وعلى هذا النهج خلقه وسمعه وبصره وشهوده وغير ذلك. # ومن فروع ذلك أن بينونته من خلقه ليس بمعنى الانفصال والانعزال تعالى عن ~~الاتصال والانفصال، والحلول والانعزال، بل بمعنى قهره لها وقدرته عليها، ~~وخضوعهم ورجوعهم إليه. # وقوله (عليه السلام): "من وصفه فقد حده ومن حده، فقد عده ومن عده، فقد ~~أبطل أزله" فرع على إثبات الوحدة العددية إبطال الأزل لأن حقيقة الأزل كونه ~~تعالى غير متناه في ذاته وصفاته ولا محدود فإذا اعتبر من حيث إنه غير مسبوق ~~بشيء يتقدم عليه كان هو أزله، وإذا اعتبر من حيث إنه غير ملحوق بشيء يتأخر ~~عنه كان هو أبده، وربما اعتبر من الجانبين فكان دواما. # وأما ما يظهر من عدة من الباحثين أن معنى كونه تعالى أزليا أنه سابق ~~متقدم على خلقه المحدث تقدما في أزمنة غير متناهية لا خبر فيها عن الخلق ~~ولا أثر منهم فهو من أشنع الخطإ، وأين الزمان الذي هو مقدار حركة المتحركات ~~والمشاركة معه تعالى في أزله؟!. # وفي النهج،: ومن خطبة له (عليه السلام): "الحمد لله خالق العباد، وساطح ~~المهاد، ومسبل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لأوليته ابتداء، ولا لأزليته ~~انقضاء، هو الأول لم يزل، والباقي بلا أجل، خرت له الجباه، ووحدته الشفاه، ~~حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها، لا تقدره الأوهام بالحدود ~~والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقال: متى؟ ولا يضرب له أمد بحتى، ~~الظاهر لا يقال: مما؟ والباطن لا يقال: فيما؟ لا شبح فيتقضى ولا محجوب ~~فيحوى، لم يقرب من الأشياء بالتصادق، ولم يبعد عنها بافتراق، لا يخفى عليه ~~من عباده شخوص لحظة، ولا كرور ms2089 لفظة، ولا ازدلاف ربوة، ولا انبساط خطوة في ~~ليل داج، ولا غسق ساج، يتفيؤ عليه القمر المنير، وتعقبه الشمس ذات النور في ~~الأفول والكرور وتقلب الأزمنة والدهور من إقبال ليل مقبل وإدبار نهار مدبر، ~~قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات ~~الأقدار، ونهايات الأقطار، وتأثل المساكن، وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه ~~مضروب، وإلى غيره منسوب، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولا أوائل أبدية ~~بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته". # وفي النهج،: من خطبة له (عليه السلام): "ما وحده من كيفه، ولا حقيقته ~~أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه، كل ~~معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدر لا ~~يحول فكره، غني لا باستفادة، لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق ~~الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا ~~مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف ~~أن لا قرين له ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، ~~والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين ~~متباعداتها، مفرق بين متدانياتها، لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد ~~الأدوات أنفسها، وتشير الإله إلى نظائرها، منعتها "منذ" القدمة، وحمتها ~~"قد" الأزلية، وجنبتها "لو لا" التكملة، بها تجلى صانعها للعقول، وبها ~~امتنع عن نظر العيون، لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو ~~أجراه؟ ويعود فيه ما هو أبداه؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذا لتفاوتت ذاته، ~~ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذا وجد له أمام، ~~ولالتمس التمام إذا لزمه النقصان، وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول ~~دليلا بعد أن كان مدلولا عليه". # أقول: أول كلامه (عليه السلام) مسوق لبيان امتناع ذاته المقدسة عن الحد، ~~ولزمه في جميع ما عداه، وقد تقدم توضيحه الإجمالي فيما تقدم. PageV06P053 # وقوله: "لا يشمل بحد ولا يحسب ms2090 بعد" كالنتيجة لما تقدمه من البيان، وقوله: ~~"وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الإله إلى نظائرها" بمنزلة بيان آخر ~~لقوله: "لا يشمل بحد، إلخ" فإن البيان السابق إنما سيق من مسلك أن هذه ~~الحدود المستقرة في المصنوعات مجعولة للذات المتعالية متأخرة عنها تأخر ~~الفعل عن فاعله فلا يمكن أن تتقيد بها الذات إذ كان ذات ولا فعل. # وأما ما في قوله: "وإنما تحد" "إلخ"، من البيان فهو مسوق من طريق آخر، ~~وهو أن التقدير والتحديد الذي هو شأن هذه الأدوات والحدود إنما هو ~~بالمسانخة النوعية كما أن المثقال الذي هو واحد الوزن مثلا توزن به الأثقال ~~دون الألوان والأصوات مثلا، والزمان الذي هو مقدار الحركة إنما تحد به ~~الحركات، والإنسان مثلا إنما يقدر بما له من الوزن الاجتماعي المتوسط مثلا ~~من يماثله في الإنسانية، وبالجملة كل حد من هذه الحدود يعطي لمحدوده شبيه ~~معناه، وكل صفة إمكانية كائنة ما كانت مبنية على قدر وحد وملزومة لأمد ~~ونهاية، وكيف يمكن أن يحمل معناها المحدود على ذات أزلية أبدية غير ~~متناهية؟. # فهذا هو مراده (عليه السلام)، ولذلك أردفه بقوله: "منعتها منذ القدمة" ~~"إلخ"، أي صدق كلمة "منذ" وكلمة "قد" الدالتين على الحدوث الزماني، على ~~الأشياء منعتها وحمتها أن تتصف بالقدمة، وكذلك صدق كلمة "لو لا" في الأشياء ~~وهي تدل على النقص واقتران المانع جنبتها وبعدتها أن تكون كاملة من كل وجه. # وقوله: "بها تجلى صانعها للعقول وبها امتنع من نظر العيون" الضميران ~~للأشياء أي إن، الأشياء بما هي آيات له تعالى والآية لا تري إلا ذا الآية ~~فهي كالمرائي لا تجلي إلا إياه تعالى فهو بها تجلى للعقول وبها أيضا امتنع ~~عن نظر العيون إذ لا طريق إلى النظر إليه تعالى إلا هذه الآيات وهي محدودة ~~لا تنال إلا مثلها لا ربها المحيط بكل شيء. # وهذا المعنى بعينه هو الموجب لامتناعه عن نظر العيون فإنها آلات مركبة ~~مبنية على الحدود لا تعمل إلا في المحدود، وجلت ساحة رب العزة عن الحد. # وقوله (عليه ms2091 السلام): "لا يجري عليه السكون والحركة" "إلخ"، بمنزلة العود ~~إلى أول الكلام ببيان آخر يبين به أن هذه الأفعال والحوادث التي هي تنتهي ~~إلى الحركة والسكون لا تجري عليه، ولا تعود فيه ولا تحدث فإنها آثاره التي ~~تترتب على تأثيره في غيره، ومعنى تأثير المؤثر توجيهه أثره المتفرع على ~~نفسه إلى غيره، ولا معنى لتأثير الشيء في نفسه إلا بنوع من التجزي والتركيب ~~العارض لذاته كالإنسان مثلا يدبر بنفسه بدنه، ويضرب بيده على رأسه، والطبيب ~~يداوي بطبه مرضه، فكل ذلك إنما يصح لاختلاف في الأجزاء أو الحيثيات، ولو لا ~~ذلك لامتنع وقوع التأثير. # فالقوة الباصرة مثلا لا تبصر نفسها، والنار لا تحرق ذاتها، وهكذا جميع ~~الفواعل لا تفعل إلا في غيرها إلا مع التركيب والتجزئة كما عرفت وهذا معنى ~~قوله: "إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه" "إلخ". # وقوله (عليه السلام): "وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن ~~كان مدلولا عليه" أي إذا لزمه النقص من تطرق هذه الحدود والأقدار عليه، ~~والنقص من علائم المصنوعية وأمارات الإمكان كان تعالى وتقدس مقارنا لما يدل ~~على كونه مصنوعا وكان نفسه كسائر المصنوعات دليلا على موجود آخر أزلي كامل ~~الوجود غير محدود الذات هو الإله المنزه عن كل نقص مفروض، المتعالي عن أن ~~تناله أيدي الحدود والأقدار. # واعلم أن ما يدل عليه قوله - من كون الدلالة هي من شئون المصنوع الممكن - ~~لا ينافي ما يستفاد من سائر كلامه وكلام سائر أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام): أنه تعالى معلوم بنفس ذاته، وغيره معلوم به، وأنه دال على ذاته، ~~وهو الدليل على مخلوقاته فإن العلم غير العلم والدلالة غير الدلالة، وأرجو ~~أن يوفقني الله تعالى لإيضاحه وبسط الكلام فيه في بعض ما يرتبط به من ~~الأبحاث الآتية إن شاء الله العزيز. PageV06P054 # وفي التوحيد، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ~~"ذعلب" ذرب اللسان، بليغ في ms2092 الخطاب، شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل ~~رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب لم أكن لأعبد ربا لم أره!. فقال: يا أمير ~~المؤمنين كيف رأيته؟ قال: يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن ~~رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف ~~باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل ~~الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شيء لا يقال شيء قبله، وبعد كل شيء لا يقال ~~له بعد، شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة، هو في الأشياء غير متمازج ~~بها ولا بائن، عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، بائن ~~لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا ~~باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا ~~تحويه الأماكن، ولا تصحبه الأوقات، ولا تحده الصفات، ولا تأخذه السنات، سبق ~~الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا ~~مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن ~~لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، ~~والجسوء بالبلل، والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين ~~متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله عز ~~وجل: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"، ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم ~~أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها ~~أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير ~~خلقه، كان ربا ولا مربوب، وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا ~~إذ لا مسموع. ثم أنشأ يقول: ولم يزل سيدي بالحمد معروفا. ولم يزل سيدي ~~بالجود موصوفا. وكان إذ ليس نور يستضاء به. ولا ظلام على الآفاق معكوفا. ~~فربنا بخلاف الخلق كلهم. وكل ما كان في الأوهام موصوفا. الأبيات. أقول: ~~وكلامه ms2093 (عليه السلام) كما ترى مسوق لبيان معنى أحدية الذات في جميع ما يصدق ~~عليه ويرجع إليه، وأنه تعالى غير متناهي الذات ولا محدودها، فلا يقابل ذاته ~~ذات وإلا لهدده بالتحديد وقهره بالتقدير، فهو المحيط بكل شيء، المهيمن على ~~كل أمر، ولا يلحقه صفة تمتاز عن ذاته، فإن في ذلك بطلان أزليته وعدم ~~محدوديته. وإن صفته تعالى الكمالية غير محدودة بحد يدفع الغير أو يدفعه ~~الغير كما أن العلم فينا غير القدرة لما بينهما من المدافعة مفهوما ~~ومصداقا، ولا تدافع بينهما فيه تعالى، بل الصفة عين الصفة وعين كل صفة من ~~صفاته العليا والاسم عين كل اسم من أسمائه الحسنى. بل إن هنالك ما هو ألطف ~~معنى وأبعد غورا من ذلك وهو أن هذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة ~~الموازين والمكاييل يوزن ويكتال بها الوجود الخارجي والكون الواقعي فهي ~~حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض، واستمددنا من ~~أحدها للآخر، لا يغترف بأوعيتها إلا ما يقاربها في الحد، فإذا فرضنا أمرا ~~غير محدود ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلا المحدود وهو ~~غيره، وكلما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعاليا وابتعادا. فمفهوم العلم ~~مثلا هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعده كمالا لما يوجد له، وفي ~~هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة والحياة مثلا، فإذا ~~أطلقناه عليه تعالى ثم عدلنا محدوديته بالتقييد في نحو قولنا: علم لا ~~كالعلوم فهب أنه يخلص من بعض التحديد لكنه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه وهو ~~عدم شموله ما وراءه ولكل مفهوم وراء يقصر عن شموله وإضافة مفهوم إلى مفهوم ~~آخر لا يؤدي إلى بطلان خاصة المفهومية، وهو ظاهر. وهذا هو الذي يحير ~~الإنسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبه وعقله، وهو المستفاد من ~~قوله (عليه السلام): "لا تحده الصفات" ومن قوله فيما تقدم من خطبته ~~المنقولة: "وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه" وقوله أيضا في تلك الخطبة: ~~"الذي ليس لصفته ms2094 حد محدود، ولا نعت موجود" وأنت ترى أنه (عليه السلام) يثبت PageV06P055 الصفة في عين أنه ينفيها أو ينفي حدها، ومن المعلوم أن إثباتها هي لا تنفك ~~عن الحد فنفي الحد عنها إسقاط لها بعد إقامتها، ويئول إلى أن إثبات شيء من ~~صفات الكمال فيه لا ينفي ما وراءها فتتحد الصفات بعضها مع بعض ثم تتحد مع ~~الذات ولا حد، ثم لا ينفي ما وراءها مما لا مفهوم لنا نحكي عنه، ولا إدراك ~~لنا يتعلق به فافهم ذلك. ولو لا أن المفاهيم تسقط عند الإشراف على ساحة ~~عظمته وكبريائه بالمعنى الذي تقدم لأمكن للعقل أن يحيط به بما عنده من ~~المفاهيم العامة المبهمة كوصفه بأنه ذات لا كالذوات، وله علم لا كالعلوم، ~~وقدرة لا كقدرة غيره، وحياة لا كسائر أقسام الحياة، فإن هذا النحو من الوصف ~~لا يدع شيئا إلا أحصاه وأحاط به إجمالا فهل يمكن أن يحيط به سبحانه شيء؟ أو ~~أن الممنوع هو الإحاطة به تفصيلا، وأما الإحاطة الإجمالية فلا بأس بها؟ وقد ~~قال تعالى: "ولا يحيطون به علما": "طه: 101"، وقال: "ألا أنه بكل شيء ~~محيط": "حم السجدة: 54"، والله سبحانه لا يحيط به شيء من جهة من الجهات ~~بنحو من أنحاء الإحاطة، ولا يقبل ذاته المقدسة إجمالا وتفصيلا حتى يتبعض ~~فيكون لإجماله حكم ولتفصيله حكم آخر فافهم ذلك. وفي الإحتجاج، عنه (عليه ~~السلام) في خطبة: "دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده ~~تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة إنه رب خالق، غير ~~مربوب مخلوق، ما تصور فهو بخلافه ثم قال (عليه السلام): ليس بإله من عرف ~~بنفسه، هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة إليه". # أقول: التأمل فيما تقدم يوضح أن الخطبة مسوقة لبيان كون وحدته تعالى وحدة ~~غير عددية لصراحته في أن معرفته تعالى عين توحيده أي إثبات وجوده عين إثبات ~~وحدته، ولو كانت هذه الوحدة عددية لكانت غير الذات فكانت الذات في نفسها لا ~~تفي بالوحدة إلا بموجب من خارج عن جهة ثبوت الذات. ms2095 # وهذا من عجيب المنطق وأبلغ البيان في باب التوحيد الذي يحتاج شرحه إلى ~~مجال وسيع لا يسعه طراز البحث في هذا الكتاب، ومن ألطف المقاصد الموضوعة ~~فيه قوله (عليه السلام): "وجوده إثباته" يريد به أن البرهان عليه نفس وجوده ~~الخارجي أي أنه لا يدخل الذهن، ولا يسعه العقل. # قوله: "ما تصور فهو بخلافه" ليس المراد به أنه غير الصورة الذهنية فإن ~~جميع الأشياء الخارجية على هذا النعت، بل المراد أنه تعالى بخلاف ما يكشف ~~عنه التصور الذهني أيا ما كان، فلا يحيط به صورة ذهنية، ولا ينبغي لك أن ~~تغفل عن أنه أنزه ساحة حتى من هذا التصور أعني تصور أنه بخلاف كل تصور. # وقوله: "ليس بإله من عرف بنفسه" مسوق لبيان جلالته تعالى عن أن يتعلق به ~~معرفة، وقهره كل فهم وإدراك فإن كل من يتعلق بنفسه معرفتنا هو في نفسه غير ~~نفسنا ومعرفتنا ثم يتعلق به معرفتنا، لكنه تعالى محيط بنا وبمعرفتنا، قيم ~~على ذلك فلا معصم تعتصم به أنفسنا ولا معرفتنا عن إحاطة ذاته وشمول سلطانه ~~حتى يتعلق به تعلق منعزل بمنعزل. # وبين (عليه السلام) ذلك بقوله: "هو الدال بالدليل عليه والمؤدي بالمعرفة ~~إليه" أي أنه تعالى هو الدليل يدل الدليل على أن يدل عليه، ويؤدي المعرفة ~~إلى أن يتعلق به تعالى نوع تعلق لمكان إحاطته تعالى وسلطانه على كل شيء، ~~فكيف يمكن لشيء أن يهتدي إلى ذاته ليحيط به وهو محيط به وباهتدائه؟. # وفي المعاني، بإسناده عن عمر بن علي عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "التوحيد ظاهره في باطنه، وباطنه في ~~ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى، وباطنه موجود لا يخفى، يطلب بكل مكان، ولم يخل ~~عنه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، وغائب غير مفقود". # أقول: كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسوق لبيان وحدته تعالى غير ~~العددية المبنية على كونه تعالى غير محدود بحد، فإن عدم المحدودية هو ~~الموجب لعدم انعزال ظاهر توحيده وتوصيفه تعالى عن باطنه، ms2096 وباطنه عن ظاهره ~~فإن الظاهر والباطن إنما يتفاوتان وينعزل كل منهما عن الآخر بالحد فإذا ~~ارتفع الحد اختلطا واتحدا. PageV06P056 # وكذلك الظاهر الموصوف إنما يحاط به، والباطن الموجود إنما يخفى ويتحجب إذا ~~تحددا فلم يتجاوز كل منهما حده المضروب له، وكذلك الحاضر إنما يكون محدودا ~~مجموعا وجوده عند من حضر عنده، والغائب يكون مفقودا لمكان المحدودية، ولو ~~لا ذلك لم يجتمع الحاضر بتمام وجوده عند من حضر عنده، ولم يستر الغائب حجاب ~~الغيبة ولا ساتر دونه عمن غاب عنه، وهو ظاهر. ### |||| AUTO بحث تاريخي # القول بأن للعالم صانعا ثم القول بأنه واحد من أقدم المسائل الدائرة بين ~~متفكري هذا النوع تهديه إليه فطرته المركوزة فيه، حتى أن الوثنية المبنية ~~على الإشراك، إذا أمعنا في حقيقة معناها وجدناها مبنية على أساس توحيد ~~الصانع، وإثبات شفعاء عنده ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وإن ~~انحرفت بعد عن مجراها، وآل أمرها إلى إعطاء الاستقلال والأصالة لآلهة دون الله. # والفطرة الداعية إلى توحيد الإله وإن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود ~~العظمة والكبرياء ذاتا وصفة - على ما تقدم بيانه بالاستفادة من الكتاب ~~العزيز - غير أن ألفة الإنسان وأنسه في ظرف حياته بالآحاد العددية من جانب، ~~وبلاء المليين بالوثنيين والثنويين وغيرهم لنفي تعدد الآلهة من جانب آخر ~~سجل عددية الوحدة وجعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه. # ولذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم واليونان ~~وإسكندرية وغيرهم ممن بعدهم يعطي الوحدة العددية حتى صرح بها مثل الرئيس ~~أبي علي بن سينا في كتاب الشفاء، وعلى هذا المجرى يجري كلام غيره ممن بعده ~~إلى حدود الألف من الهجرة النبوية. # وأما أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من ~~الوحدة العددية أيضا في عين أن هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامة ~~فهذا ما يتحصل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة. # فالذي بينه القرآن الكريم من معنى التوحيد أول خطوة خطيت في تعليم هذه ~~الحقيقة من المعرفة، غير أن أهل ms2097 التفسير والمتعاطين لعلوم القرآن من ~~الصحابة والتابعين ثم الذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف، فهذه جوامع ~~الحديث وكتب التفسير المأثورة منهم لا ترى فيها أثرا من هذه الحقيقة لا ~~ببيان شارح، ولا بسلوك استدلالي. # ولم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلا ما ورد في كلام الإمام علي بن أبي طالب ~~عليه أفضل السلام خاصة، فإن كلامه هو الفاتح لبابها، والرافع لسترها ~~وحجابها على أهدى سبيل وأوضح طريق من البرهان، ثم ما وقع في كلام الفلاسفة ~~الإسلاميين بعد الألف الهجري، وقد صرحوا بأنهم إنما استفادوه من كلامه ~~(عليه السلام). # وهذا هو السر في اقتصارنا في البحث الروائي السابق على نقل نماذج من غرر ~~كلامه (عليه السلام) الرائق، لأن السلوك في هذه المسألة وشرحها من مسلك ~~الإحتجاج البرهاني لا يوجد في كلام غيره (عليه السلام). # ولهذا بعينه تركنا عقد بحث فلسفي مستقل لهذه المسألة فإن البراهين ~~الموردة في هذا الغرض مؤلفة من هذه المقدمات المبينة في كلامه لا تزيد على ~~ما في كلامه بشيء، والجميع مبنية على صرافة الوجود وأحدية الذات جلت عظمته. PageV06P057 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 87 - 89 # يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واتقوا الله الذى ~~أنتم به مؤمنون (88) لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمن فكفرته إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام ذلك كفرة أيمنكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمنكم كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تشكرون (89) ### |||| AUTO بيان # الآيات الثلاثة وعدة من الآيات الواقعة بعدها إلى بضع ومائة من آيات ~~السورة آيات مبينة لعدة من فروع الأحكام، وهي جميعا كالمتخللة بين الآيات ~~المتعرضة لقصص المسيح (عليه السلام) والنصارى، وهي لكونها طوائف متفرقة ~~نازلة في أحكام متنوعة كل منها ذات استقلال وتمام في ما تقصده من المعنى ~~يشكل القضاء كونها نزلت دفعة أو صاحبت بقية آيات ms2098 السورة في النزول إذ لا ~~شاهد يشهد بذلك من مضامينها، وأما ما ورد من أسباب النزول فسيأتي بعض ما هو ~~العمدة منها في البحث الروائي. # وكذلك القول في هذه الآيات الثلاث المبحوث عنها فإن الآية الثالثة مستقلة ~~في معناها، وتستقل عنها الآية الأولى وإن لم تخلو من نوع من المناسبة ~~فبينهما بعض الارتباط من جهة أن من جملة مصاديق لغو اليمين أن تتعلق بتحريم ~~بعض الطيبات مما أحله الله تعالى، ولعل هذا هو الداعي لمن نقل عنه في أسباب ~~النزول أنه ذكر نزول الآيات جميعا في اليمين اللاغية. # هذا حال الآية الأولى مع الثالثة، وأما الآية الثانية فكأنها من تمام ~~الآية الأولى كما يشهد به بعض الشهادة ذيلها أعني قوله تعالى: "واتقوا الله ~~الذي أنتم به مؤمنون" بل وصدرها حيث يشتمل على العطف، وعلى الأمر بأكل ~~الحلال الطيب الذي تنهى الآية الأولى عن تحريمه واجتنابه، وبذلك تلتئم ~~الآيتان معنى وتتحدان حكما ذواتي سياق واحد. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، قال ~~الراغب في المفردات: الحرام الممنوع منه إما بتسخير إلهي، وإما بمنع قهري، ~~وإما بمنع من جهة العقل أو جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره، انتهى موضع ~~الحاجة. # وقال أيضا: أصل الحل حل العقدة، ومنه قوله عز وجل: "واحلل عقدة من ~~لساني"، وحللت: نزلت، أصله من حل الأحمال عند النزول ثم جرد استعماله ~~للنزول فقيل: حل حلولا وأحله غيره، قال عز وجل: "أو تحل قريبا من دارهم، ~~وأحلوا قومهم دار البوار"، ويقال: حل الدين وجب أداؤه، والحلة القوم ~~النازلون وحي حلال مثله، والمحلة مكان النزول، وعن حل العقدة استعير قولهم: ~~حل الشيء حلا قال الله تعالى: "وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا"، وقال ~~تعالى: "هذا حلال وهذا حرام"، انتهى. # فالظاهر أن مقابلة الحل الحرمة وكذا التقابل بين الحل والحرم أو الإحرام ~~من جهة تخيل العقد في المنع الذي هو معنى الحرمة وغيرها ثم مقابلته بالحل ~~المستعار لمعنى الجواز والإباحة، واللفظان أعني ms2099 الحل والحرمة من الحقائق ~~العرفية قبل الإسلام دون الشرعية أو المتشرعة. # والآية أعني قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا" "إلخ"، تنهى المؤمنين ~~عن تحريم ما أحل الله لهم وتحريم، ما أحل الله هو جعله حراما كما جعله الله ~~تعالى حلالا وذلك إما بتشريع قبال تشريع، وإما بالمنع أو الامتناع بأن يترك ~~شيئا من المحللات بالامتناع عن إتيانه أو منع نفسه أو غيره من ذلك فإن ذلك ~~كله تحريم ومنع ومنازعة لله سبحانه في سلطانه واعتداء عليه ينافي الإيمان ~~بالله وآياته، ولذلك صدر النهي بقوله: "يا أيها الذين آمنوا" فإن المعنى: ~~لا تحرموا ما أحل الله لكم وقد آمنتم به وسلمتم لأمره. # ويؤيده أيضا قوله في ذيل الآية التالية: "واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون". PageV06P058 # وإضافة قوله: "طيبات" إلى قوله: "ما أحل الله لكم" - مع أن الكلام تام ~~بدونه - للإشارة إلى تتميم سبب النهي فإن تحريم المؤمنين لما أحل الله لهم ~~على أنه اعتداء منهم على الله في سلطانه، ونقض لإيمانهم بالله وتسليمهم ~~لأمره كذلك هو خروج منهم عن حكم الفطرة، فإن الفطرة تستطيب هذه المحللات من ~~غير استخباث، وقد أخبر الله سبحانه عن ذلك فيما نعت به نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والشريعة التي جاء بها حيث قال: "الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون": "الأعراف: 175". # وبهذا الذي بينا يتأيد أولا: أن المراد بتحريم طيبات ما أحل الله هو ~~الإلزام والالتزام بترك المحللات. # وثانيا: أن المراد بالحل مقابل الحرمة ويعم المباحات والمستحبات بل ~~والواجبات قضاء لحق المقابلة. # وثالثا: أن إضافة الطيبات إلى ما أحل الله في قوله: "طيبات ما أحل الله ~~لكم" إضافة بيانية. # ورابعا: أن المراد بالاعتداء في قوله: "ولا تعتدوا" هو الاعتداء على الله ~~سبحانه في سلطانه التشريعي، أو التعدي ms2100 عن حدود الله بالانخلاع عن طاعته ~~والتسليم له وتحريم ما أحله كما قال تعالى في ذيل آية الطلاق: "تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون": "البقرة: 292"، ~~وقوله في ذيل آيات الإرث: "تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين": "النساء: 14"، والآيات ~~- كما ترى - تعد الاستقامة والالتزام بما شرعه الله طاعة له تعالى ولرسوله ~~ممدوحة، والخروج عن التسليم والالتزام والانقياد اعتداء وتعديا لحدود الله ~~مذموما معاقبا عليه. # فمحصل مفاد الآية النهي عن تحريم ما أحله الله بالاجتناب عنه والامتناع ~~من الاقتراب منه فإنه يناقض الإيمان بالله وآياته ويخالف كون هذه المحللات ~~طيبات لا خباثة فيها حتى يجتنب عنها لأجلها، وهو اعتداء والله لا يحب ~~المعتدين. # قوله تعالى: "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" قد عرفت أن ظاهر ~~السياق أن المراد بالاعتداء هو التحريم المذكور في الجملة السابقة عليه ~~فقوله: "ولا تعتدوا" يجري مجرى التأكيد لقوله: "لا تحرموا، إلخ". # وأما ما ذكره بعضهم: أن المراد بالاعتداء تجاوز حد الاعتدال في المحللات ~~بالانكباب على التمتع بها ولاستلذاذ منها قبال تركها واجتناب تناولها تقشفا ~~وترهبا فيكون معنى الآية: لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم من الطيبات ~~المستلذة بأن تتعمدوا ترك التمتع بها تنسكا وتقربا إليه تعالى، ولا تعتدوا ~~بتجاوز حد الاعتدال إلى الإسراف والإفراط الضار بأبدانكم أو نفوسكم. # أو أن المراد بالاعتداء تجاوز المحللات الطيبة إلى الخبائث المحرمة، ~~ويعود المعنى إلى أن لا تجتنبوا المحللات ولا تقترفوا المحرمات، وبعبارة ~~أخرى: لا تحرموا ما أحل الله لكم، ولا تحللوا ما حرم الله عليكم. # فكل من المعنيين وإن كان في نفسه صحيحا يدل عليه الكتاب بما لا غبار عليه ~~لكن شيئا منهما لا ينطبق على الآية بظاهر سياقها وسياق ما يتلوها من الآية ~~اللاحقة فما كل معنى صحيح يمكن تحميله على كل لفظ كيفما سيق ms2101 وأينما وقع. # قوله تعالى: "وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا" إلى آخر الآية، ظاهر ~~العطف أعني انعطاف قوله: "وكلوا" على قوله: "لا تحرموا" أن يكون مفاد هذه ~~الآية بمنزلة التكرار والتأكيد لمضمون الآية السابقة، ويؤيده سياق صدر ~~الآية من حيث اشتماله على قوله: "حلالا طيبا"، وهو يحاذي قوله في الآية ~~السابقة: "طيبات ما أحل الله"، وكذا ذيلها من حيث المحاذاة الواقعة بين ~~قوله فيه: "واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنين" وقوله في الآية السابقة: "يا ~~أيها الذين آمنوا" وقد مر بيانه. PageV06P059 # وعلى هذا فقوله: "كلوا" "إلخ"، من قبيل ورود الأمر عقيب الحظر، وتخصيص ~~قوله: "كلوا" بعد تعميم قوله: "لا تحرموا طيبات" "إلخ"، إما تخصيص بحسب ~~اللفظ فقط، والمراد بالأكل مطلق التصرف فيما رزقه الله تعالى من طيبات ~~نعمه، سواء كان بالأكل بمعنى التغذي أو بسائر وجوه التصرف، وقد تقدم مرارا ~~أن استعمال الأكل بمعنى مطلق التصرف استعمال شائع ذائع. # وإما أن يكون المراد - ومن الممكن ذلك - الأكل بمعناه الحقيقي، ويكون سبب ~~نزول الآيتين تحريم بعض المؤمنين في زمن النزول المأكولات الطيبة على ~~أنفسهم فتكون الآيتان نازلتين في النهي عن ذلك، وقد عمم النهي في الآية ~~الأولى للأكل وغيره إعطاء للقاعدة الكلية لكون ملاك النهي يعم محللات الأكل ~~وغيرها على حد سواء. # وقوله: "مما رزقكم الله" لازم ما استظهرناه من معنى الآيتين كونه مفعولا ~~لقوله: "كلوا" وقوله: "حلالا طيبا" حالين من الموصول وبذلك تتوافق الآيتان، ~~وربما قيل: إن قوله: "حلالا طيبا" مفعول قوله: "كلوا" وقوله: "مما رزقكم ~~الله" متعلق بقوله: "كلوا" أو حال من الحلال قدم عليه لكونه نكرة، أو كون ~~قوله: "حلالا" وصفا لمصدر محذوف، والتقدير: رزقا حلالا طيبا إلى غير ذلك. # وربما استدل بعضهم بقوله: "حلالا" على أن الرزق يشمل الحلال والحرام معا ~~وإلا لغا القيد. # والجواب: أنه ليس قيدا احترازيا لإخراج ما هو رزق غير حلال ولا طيب بل ~~قيد توضيحي مساو لمقيده، والنكتة في الإتيان به بيان أن كونه حلالا طيبا لا ~~يدع عذرا لمعتذر في الاجتناب ms2102 والكف عنه على ما تقدم، وقد تقدم الكلام في ~~معنى الرزق في ذيل الآية 27 من سورة آل عمران في الجزء الثالث من هذا ~~الكتاب. # قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان" اللغو ما لا يترتب عليه أثر من الأعمال، والأيمان جمع يمين وهو ~~القسم والحلف قال الراغب في المفردات: واليمين في الحلف مستعار من اليد ~~اعتبارا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره، قال تعالى: "أم لكم أيمان علينا ~~بالغة إلى يوم القيامة، وأقسموا بالله جهد أيمانهم، لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم" انتهى، والتعقيد مبالغة في العقد وقرىء: عقدتم بالتخفيف، ~~وقوله: "في أيمانكم" متعلق بقوله: "لا يؤاخذكم" أو بقوله: "باللغو" وهو أقرب. # والتقابل الواقع بين قوله: "باللغو في أيمانكم" وقوله: "بما عقدتم ~~الأيمان" يعطي أن المراد باللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه الحالف، وإنما ~~يجري على لسانه جريا لعادة اعتادها أو لغيرها وهو قولهم - وخاصة في قبيل ~~البيع والشرى -: لا والله، بلى والله، بخلاف ما عقد عليه عقدا بالالتزام ~~بفعل أو ترك كقول القائل: والله لأفعلن كذا، ووالله لأتركن كذا. # هذا هو الظاهر من الآية، ولا ينافي ذلك أن يعد شرعا قول القائل: والله ~~لأفعلن المحرم الفلاني، والله لأتركن الواجب الفلاني مثلا من لغو اليمين ~~لكون الشارع ألغى اليمين فيما لا رجحان فيه، فإنما هو إلحاق من جهة السنة، ~~وليس من الواجب أن يدل القرآن على خصوص كل ما ثبت بالسنة بخصوصه. # وأما قوله: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان" فلا يشمل إلا اليمين ~~الممضاة شرعا لمكان قوله في ذيل الآية: "واحفظوا أيمانكم" فإنه لا مناص عن ~~شموله لهذه الأيمان بحسب إطلاق لفظه، ولا معنى للأمر بحفظ الأيمان التي ~~ألغى الله سبحانه اعتبارها فالمتعين أن اللغو من الأيمان في الآية ما لا ~~عقد فيه، وما عقد عليه هو اليمين الممضاة. # قوله تعالى: "فكفارته إطعام عشرة مساكين - إلى قوله - أو تحرير رقبة، ~~الكفارة هي العمل الذي يستر به مساءة المعصية بوجه، من الكفر بمعنى الستر، ms2103 ~~قال تعالى: "نكفر عنكم سيئاتكم": "النساء: 31"، قال الراغب: والكفارة ما ~~يغطي الإثم ومنه كفارة اليمين، انتهى. # وقوله: "فكفارته" تفريع على اليمين باعتبار مقدر هو نحو من قولنا: فإن ~~حنثتم فكفارته كذا، وذلك لأن في لفظ الكفارة دلالة على معصية تتعلق به ~~الكفارة، وليست هذه المعصية هي نفس اليمين، ولو كان كذلك لم يورد في ذيل ~~الآية قوله: "واحفظوا أيمانكم" إذ لا معنى لحفظ ما فيه معصية فالكفارة إنما ~~تتعلق بحنث اليمين لا بنفسها. PageV06P060 # ومنه يظهر أن المؤاخذة المذكورة في قوله: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان" ~~هي المؤاخذة على حنث اليمين لا على نفس إيقاعها، وإنما أضيفت إلى اليمين ~~لتعلق متعلقها - أعني الحنث - بها، فقوله: "فكفارته" متفرع على الحنث ~~المقدر لدلالة قوله: "يؤاخذكم، إلخ، عليه، ونظير هذا البيان جار في قوله: ~~"ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم" وتقديره: إذا حلفتم وحنثتم. # وقوله: "إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة" خصال ثلاث يدل الترديد على تعيين إحداها عند الحنث من غير جمع، ويدل ~~قوله بعده: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" على كون الخصال المذكورة تخييرية ~~من غير لزوم مراعاة الترتيب الواقع بينها في الذكر، وإلا لغا التفريع في ~~قوله: "فمن لم يجد" "إلخ"، وكان المتعين بحسب اقتضاء السياق أن يقال: أو ~~صيام ثلاثة أيام. # وفي الآية أبحاث فرعية كثيرة مرجعها علم الفقه. # قوله تعالى: "ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم" تقدم أن الكلام في تقدير: إذا ~~حلفتم وحنثتم، وفي قوله: "ذلك كفارة أيمانكم" وكذا في قوله: "كذلك يبين ~~الله لكم" نوع التفات ورجوع من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، ولعل النكتة فيه أن الجملتين جميعا من البيان الإلهي ~~للناس إنما هو بوساطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان في ذلك حفظا ~~لمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان ما أوحي إليه للناس كما قال ~~تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم": "النحل: 44". # قوله تعالى: "كذلك يبين الله لكم ms2104 آياته لعلكم تشكرون" أي يبين لكم بواسطة ~~نبيه أحكامه لعلكم تشكرونه بتعلمها والعمل بها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - لا تحرموا طيبات ~~ما أحل الله لكم" الآية،: قال حدثني أبي عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وبلال وعثمان بن مظعون فأما أمير المؤمنين (عليه السلام) فحلف أن ~~لا ينام بالليل أبدا، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما ~~عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا. فدخلت امرأة عثمان على عائشة، ~~وكانت امرأة جميلة فقالت عائشة: ما لي أراك متعطلة؟ فقالت: ولمن أتزين؟ ~~فوالله ما قربني زوجتي منذ كذا وكذا فإنه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في ~~الدنيا. فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرته عائشة بذلك ~~فخرج فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات؟ ألا إني أنام بالليل ~~وأنكح وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنتي فليس مني. فقاموا هؤلاء فقالوا: يا ~~رسول الله فقد حلفنا على ذلك فأنزل الله عليه: "لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان - فكفارته إطعام عشرة مساكين - ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم - أو كسوتهم أو تحرير رقبة - فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام - ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم". # أقول: وفي انطباق قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان" الآية، على حلفهم خفاء، وقد تقدم بعض الكلام ~~فيه، وقد روى الطبرسي في مجمع البيان، القصة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~ولم يذكر الذيل فليتأمل فيه. # وفي الإحتجاج، عن الحسن بن علي (عليهما السلام) في حديث: أنه قال لمعاوية ~~وأصحابه: أنشدكم بالله أتعلمون أن عليا أول من حرم الشهوات على نفسه من ~~أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: ms2105 "يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم". PageV06P061 # وفي المجمع، في الآية: قال المفسرون: جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يوما فذكر الناس ووصف القيامة فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من ~~الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم علي وأبو بكر وعبد الله بن ~~مسعود وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن عمر والمقداد بن ~~الأسود الكندي وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا ~~النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك، ~~ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في ~~الأرض، وهم بعضهم أن يجب مذاكيره. فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأتى دار عثمان فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية واسمها ~~حولاء وكانت عطارة: أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وكرهت أن تبدي على زوجها فقالت: يا رسول الله إن ~~كان أخبرك عثمان فقد صدقك فانصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما ~~دخل عثمان أخبرته بذلك. فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ~~وأصحابه فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألم أنبئكم أنكم ~~اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير، فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لم أومر بذلك، ثم قال: إن ~~لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم ~~وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني. ثم جمع ~~الناس وخطبهم وقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم ~~وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ~~ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ~~ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا، واعتمروا، ~~وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا ms2106 يستقم لكم فإنما ~~هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك ~~بقاياهم في الديارات والصوامع فأنزل الله الآية. # أقول: ويظهر بالرجوع إلى روايات القوم أن هذه الرواية إنما هي تلخيص ~~للروايات المروية في هذا الباب، وهي كثيرة جدا فقد أوردها بالجمع بين شتات ~~مضامينها بإدخال بعضها في بعض، وسبكها رواية واحدة. # وأما نفس هذه الروايات على كثرتها فلم يجتمع أسماء هؤلاء الصحابة في ~~واحدة منها بل ذكر الأجمع منها لفظا هؤلاء الصحابة بلفظ عثمان بن مظعون ~~وأصحابه وفي بعضها أناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي ~~بعضها رجال من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وكذلك ما وقع في هذه الرواية من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وخطبته على تفصيلها متفرقة الجمل في الروايات، وكذلك الذي عقدوا عليه وهموا ~~به من التروك لم تصرح الروايات بأنهم اتفقوا جميعهم على جميعها بل صرح بعض ~~الروايات باختلافهم فيما هموا به أو عقدوا عليه كما في صحيح البخاري ومسلم ~~عن عائشة: إن ناسا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألوا أزواج ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عمله في السر فقال بعضهم: لا آكل ~~اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش فبلغ ~~ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا ~~وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني. # ولعل المراد بقوله في الرواية: واتفقوا على أن يصوموا النهار "إلخ"، أن ~~المجموع اتفقوا على المجموع لا أن كل واحد منهم عزم على الجميع. # والروايات وإن كانت مختلفة في مضامينها، وفيها الضعيف والمرسل والمعتبر ~~لكن التأمل في جميعها يوجب الوثوق بأن رهطا من الصحابة عزموا على هذا النوع ~~من التزهد والتنسك، وأنه كان فيهم علي (عليه السلام) وعثمان بن مظعون، وأن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لهم: من رغب عن سنتي ms2107 فليس مني، والله ~~أعلم، فعليك بالرجوع إلى التفاسير الروائية كتفسير الطبري والدر المنثور ~~وفتح القدير وأمثالها. PageV06P062 # وفي الدر المنثور،: أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي ~~في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: أن رجلا أتى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء ~~وأخذتني شهوتي، وإني حرمت علي اللحم فنزلت: "يا أيها الذين آمنوا - لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم". # وفيه،: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن ~~رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رجع ~~إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارا له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من ~~أجلي هو حرام علي، فقالت امرأته: هو علي حرام، قال الضيف: هو علي حرام، ~~فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فأخبره، فقال النبي: (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أصبت ~~فأنزل الله: "يا أيها الذين آمنوا - لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم". # أقول: من الممكن أن يكون السببان المذكوران في الروايتين الأخيرتين من ~~تطبيق الرواة، وهو شائع في روايات أسباب النزول، ومن الممكن أن يقع لنزول ~~الآية أسباب عديدة. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل قال لامرأته: ~~طالق، أو مماليكه أحرار إن شربت حراما ولا حلالا فقال: أما الحرام فلا ~~يقربه حلف أو لم يحلف، وأما الحلال فلا يتركه فإنه ليس أن يحرم ما أحل الله ~~لأن الله يقول: "يا أيها الذين آمنوا - لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم" ~~فليس عليه شيء في يمينه من الحلال. # وفي الكافي، بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سمعته يقول في قول الله عز وجل: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم" ~~قال: "اللغو" قول الرجل: "لا والله، وبلى والله" ولا يعقد ms2108 على شيء:. أقول: ~~وروى العياشي في تفسيره عن عبد الله بن سنان مثله، وعن محمد بن مسلم مثله ~~وفيه: ولا يعقد عليها. # وفي الدر المنثور،: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما نزلت: "يا أيها ~~الذين آمنوا - لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم" في القوم الذين حرموا ~~النساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي ~~حلفنا عليها؟ فأنزل الله: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم". # أقول: والرواية تشاكل ذيل الرواية الأولى التي أوردناها في صدر البحث غير ~~أنها لا تنطبق على ظاهر الآية فإن الحلف على ترك واجب أو مباح لا يخلو من ~~عقد عليه، وقد قوبل في الآية قوله: "باللغو في أيمانكم" بقوله: "بما عقدتم ~~الأيمان" ودل ذلك على كون اللغو من اليمين ما لا عقد عليه، وهذا الظاهر ~~إنما يوافق الرواية المفسرة للغو اليمين بقول القائل: لا والله، وبلى ~~والله، من غير أن يعقد على شيء، وأما اليمين الملغاة شرعا ففيها عقد على ما ~~حلف عليه فالمتعين أن يستند إلغاؤه إلى السنة دون الكتاب. # على أن سياق الآية أدل دليل على أنها مسوقة لبيان كفارة اليمين والأمر ~~بحفظها استقلالا لا على نحو التطفل كما هو لازم هذا التفسير. PageV06P063 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 90 - 93 # يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل ~~الشيطن فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العدوة ~~والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون ~~(91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلغ المبين (92) ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصلحت ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين (93) ### |||| AUTO بيان # الآيات متلائمة سياقا فكأنها نزلت دفعة أو هي متقاربة نزولا، والآية ~~الأخيرة بمنزلة دفع الدخل على ما سنبينه تفصيلا، فهي جميعا تتعرض لحال ~~الخمر، وبعضها يضيف إليها الميسر والأنصاب والأزلام. # وقد تقدم في قوله ms2109 تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما": "البقرة - 291"، في الجزء الأول، ~~وفي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون":" "النساء - 43" في الجزء الرابع من هذا الكتاب أن هاتين ~~الآيتين مع قوله تعالى: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم": "الأعراف: 33"، وهذه الآية المبحوث عنها: "يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه - إلى ~~قوله - فهل أنتم منتهون" إذا انضم بعضها إلى بعض دلت سياقاتها المختلفة على ~~تدرج الشارع في تحريم الخمر. # لكن لا بمعنى السلوك التدريجي في تحريمها من تنزيه وإعافة إلى كراهية إلى ~~تحريم صريح حتى ينتج معنى النسخ، أو من إبهام في البيان إلى إيضاح أو كناية ~~خفية إلى تصريح لمصلحة السياسة الدينية في إجراء الأحكام الشرعية فإن قوله ~~تعالى: "والإثم" آية مكية في سورة الأعراف إذا انضم إلى قوله تعالى: "قل ~~فيهما إثم كبير" وهي آية مدنية واقعة في سورة البقرة أول سورة مفصلة نزلت ~~بعد الهجرة أنتج ذلك حرمة الخمر إنتاجا صريحا لا يدع عذرا لمعتذر، ولا ~~مجالا لمتأول. # بل بمعنى أن الآيات تدرجت في النهي عنها بالتحريم على وجه عام وذلك قوله ~~تعالى: "والإثم"، ثم بالتحريم الخاص في صورة النصيحة وذلك قوله: "قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، وقوله: "لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" إن كانت الآية ناظرة إلى سكر الخمر لا ~~إلى سكر النوم، ثم بالتحريم الخاص بالتشديد البالغ الذي يدل عليه قوله: ~~"إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس - إلى قوله - فهل أنتم منتهون" ~~الآيتان. # فهذه الآيات آخر ما نزل في تحريم الخمر يدل على ذلك أقسام التأكيد ~~المودعة فيها من "إنما" والتسمية بالرجس، ونسبته إلى عمل الشيطان، والأمر ~~الصريح بالاجتناب، وتوقع الفلاح فيه، وبيان المفاسد التي تترتب على شربها، ~~والاستفهام عن الانتهاء، ثم الأمر بإطاعة الله ورسوله والتحذير عن ms2110 ~~المخالفة، والاستغناء عنهم لو خالفوا. # ويدل على ذلك بعض الدلالة أيضا قوله تعالى في ذيل الآيات: "ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات "إلخ" بما سيأتي من الإيضاح. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر، إلى آخر" الآية قد ~~تقدم الكلام في أول السورة في معنى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام فالخمر ~~ما يخمر العقل من كل مائع مسكر عمل بالتخمير، والميسر هو القمار مطلقا، ~~والأنصاب هي الأصنام أو الحجارة التي كانت تنصب لذبح القرابين عليها وكانت ~~تحترم ويتبرك بها، والأزلام هي الأقداح التي كانت يستقسم بها، وربما كانت ~~تطلق على السهام التي كانت يتفاءل بها عند ابتداء الأمور والعزيمة عليها ~~كالخروج إلى سفر ونحوه لكن اللفظ قد وقع في أول السورة للمعنى الأول لوقوعه ~~بين محرمات الأكل فيتأيد بذلك كون المراد به هاهنا هو ذلك. PageV06P064 # فإن قلت: الميسر بعمومه يشمل الأزلام بالمعنى الآخر الذي هو الاستقسام ~~بالأقداح، ولا وجه لإيراد الخاص بعد العام من غير نكتة ظاهرة فالمتعين حمل ~~اللفظ على سهام التفؤل والخيرة التي كان العمل بها معروفا عندهم في ~~الجاهلية قال الشاعر: فلئن جذيمة قتلت ساداتها. # فنساؤها يضربن بالأزلام. # وهو كما روي أنهم كانوا يتخذون أخشابا ثلاثة رقيقة كالسهام أحدها مكتوب ~~عليه "افعل" والثاني مكتوب عليه لا تفعل والثالث غفل لا كتابة عليه فيجعلها ~~الضارب في خريطة معه وهي متشابه فإذا أراد الشروع في أمر يهمه كالسفر وغير ~~ذلك أخرج واحدا منها فإن كان الذي عليه مكتوب "افعل" عزم عليه، وإن خرج ~~الذي مكتوب عليه "لا تفعل" تركه، وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد ~~من الأولين، وسمي استقساما لأن فيه طلب ما قسم له من رزق أو خير آخر من ~~الخيرات. # فالآية تدل على حرمته لأن فيه تعرضا لدعوى علم الغيب، وكذا كل ما يشاكله ~~من الأعمال كأخذها الخيرة بالسبحة ونحوها. # قلت: قد عرفت أن الآية في أول السورة: "وأن تستقسموا بالأزلام" ظاهرة في ~~الاستقسام بالأقداح الذي هو نوح من القمار لوقوعه في ضمن محرمات ms2111 الأكل، ~~ويتأيد به أن ذلك هو المراد بالأزلام في هذه الآية. # ولو سلم عدم تأيد هذه بتلك عاد إلى لفظ مشترك لا قرينة عليه من الكلام ~~تبين المراد فيتوقف على ما يشرحه من السنة، وقد وردت عدة أخبار من أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) في جواز الأخذ بالخيرة من السبحة وغيرها عند الحيرة. # وحقيقته أن الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر كان له أن يعرف وجه المصلحة ~~فيه بما أغرز الله فيه من موهبة الفكر أو بالاستشارة ممن له صلاحية المعرفة ~~بالصواب والخطإ، وإن لم يهده ذلك إلى معرفة وجه الصواب، وتردد متحيرا كان ~~له أن يعين ما ينبغي أن يختاره بنوع من التوجه إلى ربه. # وليس في اختيار ما يختاره الإنسان بهذا النوع من الاستخارة دعوى علم ~~الغيب ولا تعرض لما يختص بالله سبحانه من شئون الألوهية، ولا شرك بسبب ~~تشريك غير الله تعالى إياه في تدبير الأمور ولا أي محذور ديني آخر إذ لا ~~شأن لهذا العمل إلا تعين الفعل أو الترك من غير إيجاب ولا تحريم ولا أي حكم ~~تكليفي آخر، ولا كشف عما وراء حجب الغيب من خير أو شر إلا أن خير المستخير ~~في أن يعمل أو يترك فيخرج عن الحيرة والتذبذب. # وأما ما يستقبل الفعل أو الترك من الحوادث فربما كان فيه خير وربما كان ~~فيه شر على حد ما لو فعله أو تركه عن فكر أو استشارة، فهو كالتفكر ~~والاستشارة طريق لقطع الحيرة والتردد في مقام العمل، ويترتب على الفعل ~~الموافق له ما كان يترتب عليه لو فعله عن فكر أو مشورة. # نعم ربما أمكن لمتوهم أن يتوهم التعرض لدعوى علم الغيب فيما ورد من ~~التفؤل بالقرآن ونحوه فربما كانت النفس تتحدث معه بيمن أو شامة، وتتوقع ~~خيرا أو شرا أو نفعا أو ضرا، لكن قد ورد في الصحيح من طرق الفريقين: أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتفاءل بالخير ويأمر به، وينهى عن ~~التطير ويأمر بالمضي معه والتوكل على ms2112 الله تعالى. # فلا مانع من التفؤل بالكتاب ونحوه فإن كان معه ما يتفأل به من الخير وإلا ~~مضى في الأمر متوكلا على الله تعالى، وليس في ذلك أزيد مما يطيب به الإنسان ~~نفسه في الأمور والأعمال التي يتفرس فيها السعادة والنفع، وسنستوفي البحث ~~المتعلق بهذا المقام في كلام موضوع لهذا الغرض بعينه. # فتبين أن ما وقع في بعض التفاسير من حمل الأزلام على سهم التفؤل واستنتاج ~~حرمة الاستخارة بذلك مما لا ينبغي المصير إليه. # وأما قوله: "رجس من عمل الشيطان" فالرجس الشيء القذر على ما ذكره الراغب ~~في مفرداته فالرجاسة بالفتح كالنجاسة والقذارة هو الوصف الذي يبتعد ويتنزه ~~عن الشيء بسببه لتنفر الطبع عنه. # وكون هذه المعدودات من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسا هو اشتمالها ~~على وصف لا تستبيح الفطرة الإنسانية الاقتراب منها لأجله، وليس إلا أنها ~~بحيث لا تشتمل على شيء مما فيه سعادة إنسانية أصلا سعادة يمكن أن تصفو ~~وتتخلص في حين من الأحيان كما ربما أومأ إليه قوله تعالى: "يسألونك عن ~~الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما": ~~"البقرة: 291"، حيث غلب الإثم على النفع ولم يستثن. PageV06P065 # ولعله لذلك نسب هذه الأرجاس إلى عمل الشيطان ولم يشرك له أحدا، ثم قال في ~~الآية التالية: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة". # وذلك أن الله سبحانه عرف الشيطان في كلامه بأنه عدو للإنسان لا يريد به ~~خيرا البتة قال تعالى: "إن الشيطان للإنسان عدو مبين": "يوسف: 5"، وقال: ~~"كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله": "الحج: 4"، وقال: "وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا، لعنه الله": "النساء: 181"، فأثبت عليه لعنته وطرده عن كل خير. # وذكر أن مساسه بالإنسان وعمله فيه إنما هو بالتسويل والوسوسة والإغواء من ~~جهة الإلقاء في القلب كما قال تعالى حكاية عنه: "قال رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي ~~مستقيم، إن عبادي ليس ms2113 لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": "الحجر: ~~42"، فهددهم إبليس بالإغواء فقط، ونفى الله سبحانه سلطانه إلا عن متبعيه ~~الغاوين، وحكى عنه فيما يخاطب بني آدم يوم القيامة قوله: "وما كان لي عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي": "إبراهيم: 22"، وقال في نعت دعوته: ~~"يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان - إلى أن قال - إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم" فبين أن دعوته لا كدعوة إنسان إنسانا إلى أمر بالمشافهة بل بحيث ~~يرعى الداعي المدعو من غير عكس. # وقد فصل القول في جميع ذلك قوله تعالى: "من شر الوسواس الخناس، الذي ~~يوسوس في صدور الناس": "الناس: 5"، فبين أن الذي يعمل الشيطان بالتصرف في ~~الإنسان هو أن يلقي الوسوسة في قلبه فيدعوه بذلك إلى الضلال. # فيتبين بذلك كله أن كون الخمر وما ذكر بعدها رجسا من عمل الشيطان هو أنها ~~منتهية إلى عمل الشيطان الخاص به، ولا داعي لها إلى الإلقاء والوسوسة ~~الشيطانية التي تدعو إلى الضلال، ولذلك سماها رجسا وقد سمى الله سبحانه ~~الضلال رجسا في قوله: "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهذا صراط ربك مستقيما": ~~"الأنعام: 162". # ثم بين معنى كونها رجسا ناشئا من عمل الشيطان بقوله في الآية التالية: ~~"إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة" أي إنه لا يريد لكم في الدعوة إليها إلا ~~الشر ولذلك كانت رجسا من عمله. # فإن قلت: ملخص هذا البيان أن معنى كون الخمر وأضرابها رجسا هو كون عملها ~~أو شربها مثلا منتهيا إلى وسوسة الشيطان وإضلاله فحسب، والذي تدل عليه عدة ~~من الروايات أن الشيطان هو الذي ظهر للإنسان وعملها لأول مرة وعلمه إياها. # قلت: نعم، وهذه الأخبار وإن كانت لا تتجاوز الآحاد بحيث يجب الأخذ بها ~~إلا أن هناك أخبارا كثيرة متنوعة واردة في أبواب متفرقة تدل على تمثل ~~الشيطان للأنبياء والأولياء وبعض ms2114 أفراد الإنسان من غيرهم كأخبار أخر حاكية ~~لتمثل الملائكة، وأخرى دالة على تمثل الدنيا والأعمال وغير ذلك والكتاب ~~الإلهي يؤيدها بعض التأييد كقوله تعالى: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا": "مريم: 17"، وسنستوفي هذا البحث إن شاء الله تعالى في تفسير ~~سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده": "الإسراء: ~~1"، أو في محل آخر مناسب لذلك. # والذي يجب أن يعلم أن ورود قصة ما في خبر أو أخبار لا يوجب تبدل آية من ~~الآيات مما لها من الظهور المؤيد بآيات أخر، وليس للشيطان من الإنسان إلا ~~التصرف الفكري فيما كان له ذلك بمقتضى الآيات الشريفة، ولو أنه تمثل لواحد ~~من البشر فعمل شيئا أو علمه إياه لم يزد ذلك على التمثل والتصرف في فكره أو ~~مساسه علما فانتظر ما سيوافيك من البحث. # وأما قوله تعالى: "فاجتنبوه لعلكم تفلحون" فتصريح بالنهي بعد بيان ~~المفسدة ليكون أوقع في النفوس ثم ترج للفلاح على تقدير الاجتناب، وفيه أشد ~~التأكيد للنهي لتثبيته أن لا رجاء لفلاح من لا يجتنب هذه الأرجاس. PageV06P066 # قوله تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر إلى آخر" الآية قال الراغب في المفردات: العدو التجاوز ومنافاة ~~الالتيام فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارة بالمشي ~~فيقال له: العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان ~~والعدو قال: "فيسبوا الله عدوا بغير علم" وتارة بأجزاء المقر فيقال له: ~~العدواء يقال: مكان ذو عدواء أي غير متلائم الأجزاء فمن المعاداة يقال: رجل ~~عدو وقوم عدو قال: "بعضكم لبعض عدو" وقد يجمع على عدى بالكسر فالفتح وأعداء ~~قال: "ويوم يحشر أعداء الله"، انتهى. # والبغض والبغضاء خلاف الحب والصد الصرف، والانتهاء قبول النهي وخلاف ~~الابتداء. # ثم إن الآية - كما تقدم - مسوقة بيانا لقوله: "من عمل الشيطان" أو لقوله: ~~"رجس من عمل الشيطان" أي إن حقيقة كون هذه الأمور من عمل الشيطان أو رجسا ~~من عمل الشيطان إن الشيطان لا بغية له ولا غاية في ms2115 الخمر والميسر - اللذين ~~قيل: إنهما رجسان من عمله فقط - إلا أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء بتجاوز ~~حدودكم وبغض بعضكم بعضا، وأن يصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة في هذه الأمور ~~جميعا أعني الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. # وقصر إيقاع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر لكونهما من آثارهما ~~الظاهرة أما الخمر فلأن شربها تهيج سلسلة الأعصاب تهيجا يخمر العقل ويستظهر ~~العواطف العصبية فإن وقعت في طريق الغضب جوزت للسكران أي جناية فرضت وإن ~~عظمت ما عظمت، وفظعت ما فظعت مما لا يستبيحه حتى السباع الضارية، وإن وقعت ~~في طريق الشهوة والبهيمية زينت للإنسان أي شناعة وفجور في نفسه أو ماله أو ~~عرضه وكل ما يحترمه ويقدسه من نواميس الدين وحدود المجتمع وغير ذلك من سرقة ~~أو خيانة أو هتك محرم أو إفشاء سر أو ورود فيما فيه هلاك الإنسانية، وقد دل ~~الإحصاء على أن للخمر السهم الأوفر من أنواع الجنايات الحادثة وفي أقسام ~~الفجورات الفظيعة في المجتمعات التي دار فيها شربها. # وأما الميسر وهو القمار فإنه يبطل في أيسر زمان مسعاة الإنسان التي صرفها ~~في اقتناء المال والثروة والوجاهة في أزمنة طويلة فيذهب به المال وربما ~~تبعه العرض والنفس والجاه فإن تقمر وغلب وأحرز المال أداه ذلك إلى إبطال ~~السير المعتدل في الحياة والتوسع في الملاهي والفجور، والكسل والتبطؤ عن ~~الاشتغال بالمكسب واقتناء مواد الحياة من طرقها المشروعة، وإن كان هو ~~المغلوب أداه فقدان المال وخيبة السعي إلى العداوة والبغضاء لقميرة الغالب، ~~والحسرة والحنق. # وهذه المفاسد وإن كانت لا تظهر للأذهان الساذجة البسيطة ذاك الظهور في ~~النادر القليل والمرة والمرتين لكن النادر يدعو إلى الغالب، والقليل يهدي ~~إلى الكثير والمرة تجر إلى المرات ولا تلبث إن لم تمنع من رأس أن تشيع في ~~الملإ، وتسري إلى المجتمع فتعود بلوى همجية لا حكومة فيها إلا للعواطف ~~الطاغية والأهواء المردية. # فتبين من جميع ما تقدم أن الحصر في قوله: "إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله ms2116 وعن الصلاة" ~~راجع إلى مجموع المعدودات من حيث المجموع غير أن الصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة من شأن الجميع، والعداوة والبغضاء يختصان بالخمر والميسر بحسب الطبع. PageV06P067 # وفي إفراز الصلاة عن الذكر في قوله تعالى: "ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة" ~~مع كون الصلاة من أفراد الذكر دلالة على مزيد الاهتمام بأمرها لكونها فردا ~~كاملا من الذكر، وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: ~~الصلاة عمود الدين، ودلالة القرآن الكريم في آيات كثيرة جدا على الاهتمام ~~بأمر الصلاة بما لا مزيد عليه مما لا يتطرق إليه شك وفيها مثل قوله تعالى: ~~"قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون" إلى آخر الآيات: "المؤمنون: ~~2"، وقوله تعالى: "والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين": "الأعراف: 107"، وقوله تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه ~~الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين" الآيات: "المعارج: 22" ~~وقوله: "اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر": "العنكبوت: 45، وقال تعالى: "فاسعوا إلى ذكر ~~الله": "الجمعة: 9"، يريد به الصلاة، وقال: "وأقم الصلاة لذكري": "طه: 14"، ~~إلى غير ذلك من الآيات. # وقد ذكر سبحانه أولا ذكره وقدمه على الصلاة لأنها هي البغية الوحيدة من ~~الدعوة الإلهية، وهو الروح الحية في جثمان العبودية، والخميرة لسعادة ~~الدنيا والآخرة يدل على ذلك قوله تعالى لآدم أول يوم شرع فيه الدين: "قال ~~اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة ~~أعمى": "طه: 142"، وقوله تعالى: "ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ~~ء أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل، قالوا سبحانك ما كان ينبغي ~~لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا ~~قوما بورا": "الفرقان: 18"، وقوله تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من ms2117 العلم": "النجم: 30". # فالذكر في الآيات إنما هو ما يقابل نسيان جانب الربوبية المستتبع لنسيان ~~العبودية وهو السلوك الديني الذي لا سبيل إلى إسعاد النفس بدونه قال تعالى: ~~"ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم": "الحشر: 19". # وأما قوله تعالى: "فهل أنتم منتهون" فهو استفهام توبيخي فيه دلالة ما على ~~أن المسلمين لم يكونوا ينتهون عن المناهي السابقة على هذا النهي، والآية ~~أعني قوله: "إنما يريد الشيطان أن يوقع، "إلخ" كالتفسير يفسر بها قوله: ~~"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما" أي إن النفع الذي فرض فيهما مع الإثم ليس بحيث يمكن أن يفرز أحيانا ~~من الإثم أو من الإثم الغالب عليه كالكذب الذي فيه إثم ونفع، وربما أفرز ~~نفعه من إثمه كالكذب لمصلحة إصلاح ذات البين. # وذلك لمكان الحصر في قوله: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء، إلخ" بعد قوله: "رجس من عمل الشيطان" فالمعنى أنها لا تقع إلا ~~رجسا من عمل الشيطان، وأن الشيطان لا يريد بها إلا إيقاع العداوة والبغضاء ~~بينكم في الخمر والميسر وصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فلا يصاب لها مورد ~~يخلص فيه النفع عن الإثم حتى تباح فيه، فافهم ذلك. # قوله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا، إلى آخر" الآية تأكيد ~~للأمر السابق باجتناب هذه الأرجاس أولا بالأمر بطاعة الله سبحانه وبيده أمر ~~التشريع، وثانيا بالأمر بطاعة الرسول وإليه الإجراء، وثالثا بالتحذير صريحا. # ثم في قوله: "فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين" تأكيد ~~فيه معنى التهديد وخاصة لاشتماله على قوله: "فاعلموا" فإن فيه تلويحا إلى ~~أنكم إن توليتم واقترفتم هذه المعاصي فكأنكم ظننتم أنكم كابرتم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في نهيه عنها وغلبتموه، وقد جهلتم أو نسيتم أنه رسول ~~من قبلنا ليس له من الأمر شيء إلا بلاغ مبين لما يوحى إليه ويؤمر بتبليغه، ~~وإنما نازعتم ربكم في ربوبيته. PageV06P068 # وقد تقدم في أول الكلام أن الآيات تشتمل على فنون من التأكيد في ms2118 تحريم هذه ~~الأمور، وهي الابتداء بقوله: يا أيها الذين آمنوا، ثم الإتيان بكلمة الحصر، ~~ثم التوصيف بالرجس، ثم نسبتها إلى عمل الشيطان، ثم الأمر بالاجتناب صريحا، ~~ثم رجاء الفلاح في الاجتناب، ثم ذكر مفاسدها العامة من العداوة والبغضاء ~~والصرف عن ذكر الله وعن الصلاة، ثم التوبيخ على عدم انتهائهم، ثم الأمر ~~بطاعة الله ورسوله والتحذير عن المخالفة، ثم التهديد على تقدير التولي بعد ~~البلاغ المبين. # قوله تعالى: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" إلى ~~آخر الآية الطعم والطعام هو التغذي، ويستعمل في المأكول دون المشروب، وهو ~~في لسان المدنيين البر خاصة، وربما جاء بمعنى الذوق، ويستعمل حينئذ بمعنى ~~الشرب كما يستعمل بمعنى الأكل قال تعالى: "فمن شرب منه فليس مني ومن لم ~~يطعمه فإنه مني": "البقرة: 294"، وفي بعض الروايات عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أنه قال في ماء زمزم أنه طعام طعم وشفاء سقم. # والآية لا تصلح بسياقها إلا أن تتصل بالآيات السابقة فتكون دفع دخل تتعرض ~~لحال المؤمنين ممن ابتلي بشرب الخمر قبل نزول التحريم أو قبل نزول هذه ~~الآيات، وذلك أن قوله فيها: "فيما طعموا" مطلق غير مقيد بشيء مما يصلح ~~لتقييده، والآية مسوقة لرفع الحظر عن هذا الطعام المطلق، وقد قيد رفع الحظر ~~بقوله: "إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا" والمتيقن من معنى هذا القيد - وقد ذكر فيه التقوى ثلاث مرات - هو ~~التقوى الشديد الذي هو حق التقوى. # فنفي الجناح للمؤمنين المتقين عن مطلق ما طعموا الطعام المحلل إن كان ~~لغرض إثبات المفهوم في غيرهم أي إثبات مطلق المنع لغير أهل التقوى من سائر ~~المؤمنين والكفار ناقضه أمثال قوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم ~~القيامة": الأعراف: 32، على أن من المعلوم من مذاق هذا الدين أنه لا يمنع ~~أحدا عن الطيبات المحللة التي تضطر الفطرة إلى استباحتها في الحياة. # وإن لم ms2119 تكن الآية مسوقة لتحريمه على غير من ذكر عاد المعنى إلى مثل ~~قولنا: يجوز الطعام للذين آمنوا وعملوا الصالحات بشرط أن يتقوا ثم يتقوا ثم ~~يتقوا، ومن المعلوم أن الجواز لا يختص بالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل ~~يعمهم وغيرهم، وعلى تقدير اختصاصه بهم لا يشترط فيه هذا الشرط الشديد. # ولا يخلو عن أحد هذين الإشكالين جميع ما ذكروه في توجيه الآية بناء على ~~حمل قوله: "فيما طعموا" على مطلق الطعام المحلل فإن المعنى الذي ذكروه لا ~~يخرج عن حدود قولنا: لا جناح على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذا اتقوا ~~المحرمات أن يطعموا المحللات، ولا يسلم هذا المعنى عن أحد الإشكالين كما هو واضح. # وذكر بعضهم: أن في الآية حذفا، والتقدير: ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا المحارم، وفيه أنه تقدير من ~~غير دليل مع بقاء المحذور على حاله. # وذكر بعضهم: أن الإيمان والعمل الصالح جميعا ليس بشرط حقيقي بل المراد ~~بيان وجوب اتقاء المحارم فشرك معه الإيمان والعمل الصالح للدلالة على ~~وجوبه، وفيه أن ظاهر الآية أنها مسوقة لنفي الجناح فيما طعموا، ولا شرط له ~~من إيمان أو عمل صالح أو اتقاء محارم على ما تقدم، وما أبعد المعنى الذي ~~ذكره عن ظاهر الآية. # وذكر بعضهم: أن المؤمن يصح أن يطلق عليه أنه لا جناح عليه، والكافر مستحق ~~للعقاب فلا يصح أن يطلق عليه هذا اللفظ، وفيه أنه لا يصح تخصيص المؤمنين ~~بالذكر فليكن مثل قوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق": "الأعراف: 32"، وقوله: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا": "الأنعام: 154" حيث لم ~~يذكر في الخطاب مؤمن ولا كافر، أو مثل قوله: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى - إلى قوله - إن أكرمكم عند الله أتقاكم": "الحجرات: 13" حيث وجه ~~الخطاب إلى الناس الشامل للمؤمن والكافر. PageV06P069 # وذكر بعضهم: أن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة ms2120 التحريم والتحليل فلذلك ~~خص المؤمن بالذكر، وفيه ما في سابقه من الإشكال مع أنه لا يرفع الإشكال ~~الناشىء من قوله: "إذا ما اتقوا" "إلخ". # فالذي ينبغي أن يقال: إن الآية في معنى الآيات السابقة عليها على ما هو ~~ظاهر اتصالها بها، وهي متعرضة لحال من ابتلي من المسلمين بشرب الخمر ~~وطعمها، أو بالطعم لشيء منها أو مما اقتناه بالميسر أو من ذبيحة الأنصاب ~~كأنهم سألوا بعد نزول التحريم الصريح عن حال من ابتلي بشرب الخمر، أو بها ~~وبغيرها مما ذكره الله تعالى في الآية قبل نزول التحريم من إخوانهم الماضين ~~أو الباقين المسلمين لله سبحانه في حكمه. # فأجيب عن سؤالهم أن ليس عليهم جناح إن كانوا من الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إن كانوا جارين على صراط التقوى بالإيمان بالله والعمل الصالح ثم ~~الإيمان بكل حكم نازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الإحسان ~~بالعمل على طبق الحكم النازل. # وبذلك يتبين أن المراد بالموصول في قوله: "فيما طعموا" هو الخمر من حيث ~~شربها أو جميع ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من حيث ما يصح أن ~~يتعلق بها من معنى الطعم، والمعنى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما ذاقوه قبل نزول التحريم من خمر أو منها ومن غيرها من المحرمات ~~المذكورة. # وأما قوله: "إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم ~~اتقوا وأحسنوا" فظاهر قوله: "إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات" إنه ~~إعادة لنفس الموضوع المذكور في قوله: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح" للدلالة على دخالة الوصف في الحكم الذي هو نفي الجناح كقوله تعالى في ~~خطاب المؤمنين: "ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر": ~~"البقرة: 223"، وهو شائع في اللسان. # وظاهر قوله: "ثم اتقوا وآمنوا" اعتبار الإيمان بعد الإيمان، وليس إلا ~~الإيمان التفصيلي بكل حكم حكم مما جاء به الرسول من عند ربه من غير رد ~~وامتناع، ولازمه التسليم للرسول فيما يأمر به وينهى عنه قال تعالى: "يا ~~أيها ms2121 الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله": "الحديد: 28"، وقال تعالى: ~~"وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله - إلى أن قال - فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما": "النساء - 65، والآيات في هذا المعنى كثيرة. # وظاهر قوله: "ثم اتقوا وأحسنوا" إضافة الإحسان إلى الإيمان بعد الإيمان ~~اعتبارا، والإحسان هو إتيان العمل على وجه حسنة من غير نية فاسدة كما قال ~~تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا": ~~"الكهف: 30"، وقال: "الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ~~للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم": آل عمران: 127"، أي يكون استجابتهم ~~ابتغاء لوجه الله وتسليما لأمره لا لغرض آخر، ومن الإحسان ما يتعدى إلى ~~الغير، وهو أن يوصل إلى الغير ما يستحسنه، قال تعالى: "وبالوالدين إحسانا": ~~"البقرة: 83"، وقال: "وأحسن كما أحسن الله إليك": "القصص: 77". # والمناسب لمورد الآية هو المعنى الأول من معنيي الإحسان، وهو إتيان الفعل ~~على جهة حسنة فإن التقوى الديني لا يوفى حقه بمجرد الإيمان بالله وتصديق ~~حقية دينه ما لم يؤمن تفصيلا بكل واحد واحد من الأحكام المشرعة في الدين ~~فإن رد الواحد منها رد لأصل الدين، ولا أن الإيمان التفصيلي بكل واحد واحد ~~يوفى به حق التقوى ما لم يحسن بالعمل بها وفي العمل بها بأن يجري على ما ~~يقتضيه الحكم من فعل أو ترك، ويكون هذا الجري ناشئا من الانقياد والاتباع ~~لا عن نية نفاقية فمن الواجب على المتزود بزاد التقوى أن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا، وأن يؤمن برسوله في جميع ما جاء به، وأن يجري في جميع ذلك على نهج ~~الاتباع والإحسان. # وأما تكرار التقوى ثلاث مرات، وتقييد المراتب الثلاث جميعا به فهو لتأكيد ~~الإشارة إلى وجوب مقارنة المراتب جميعا للتقوى الواقعي من غير غرض آخر غير ~~ديني، وقد مر في بعض المباحث السابقة أن التقوى ليس مقاما خاصا دينيا بل هو ~~حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية أي أن ms2122 لكل مقام معنوي تقوى خاصا ~~يختص به. PageV06P070 # فتلخص من جميع ما مر أن المراد بالآية أعني قوله: "ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" إلى آخر الآية، أنه لا جناح على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيما ذاقوه من خمر أو غيره من المحرمات المعدودة ~~بشرط أن يكونوا ملازمين للتقوى في جميع أطوارهم ومتلبسين بالإيمان بالله ~~ورسوله، ومحسنين في أعمالهم عاملين بالواجبات وتاركين لكل محرم نهوا عنه ~~فإن اتفق لهم أن ابتلوا بشيء من الرجس الذي هو من عمل الشيطان قبل نزول ~~التحريم أو قبل وصوله إليهم أو قبل تفقههم به لم يضرهم ذلك شيئا. # وهذا نظير قوله تعالى في آيات تحويل القبلة في جواب سؤالهم عن حال ~~الصلوات التي صلوها إلى غير الكعبة: "وما كان الله ليضيع إيمانكم": ~~"البقرة: 134". # وسياق هذا الكلام شاهد آخر على كون هذه الآية: "ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح، إلخ" متصلة بما قبلها من الآيات وأنها نازلة مع تلك ~~الآيات التي لسانها يشهد أنها آخر الآيات المحرمة للخمر نزولا، وأن بعض ~~المسلمين كما يشعر به لسان الآيات - على ما استفدناه - آنفا لم يكونوا ~~منتهين عن شربها ما بين الآيات السابقة المحرمة وبين هذه الآيات. # ثم وقع السؤال بعد نزول هذه الآيات عن حال من ابتلي بذلك وفيهم من ابتلي ~~به قبل نزول التحريم، ومن ابتلي به قبل التفقه، ومن ابتلي به لغير عذر ~~فأجيبوا بما يتعين به لكل طائفة حكم مسألته بحسب خصوص حاله، فمن طعمها وهو ~~على حال الإيمان والإحسان، ولا يكون إلا من ذاقها من المؤمنين قبل نزول ~~التحريم أو جهلا به فليس عليه جناح، ومن ذاقها على غير النعت فحكمه غير هذا الحكم. # وللمفسرين في الآية أبحاث طويلة، منها ما يرجع إلى قوله: "فيما طعموا" ~~وقد تقدم خلاصة الكلام في ذلك. # ومنها ما يرجع إلى ذيل الآية من حيث تكرر التقوى فيه ثلاث مرات، وتكرر ~~الإيمان وتكرر العمل الصالح وختمها بالإحسان. # فقيل: إن المراد بقوله: "إذا ما اتقوا وآمنوا ms2123 وعملوا الصالحات" اتقوا ~~المحرم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة، وبقوله: "ثم اتقوا وآمنوا" ثم ~~اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر وآمنوا بتحريمه، وبقوله: "ثم اتقوا وأحسنوا" ~~ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي واشتغلوا بالأعمال الجميلة. # وقيل: إن هذا التكرار باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى ~~والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله تعالى، ~~والإحسان على هذا هو الإحسان إلى الناس ظاهرا. # وقيل: إن التكرار باعتبار المراتب الثلاث: المبدإ والوسط والمنتهى، وهو ~~حق التقوى. # وقيل: التكرار باعتبار ما يتقى فإنه ينبغي أن تترك المحرمات توقيا من ~~العقاب، والشبهات تحرزا عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظا للنفس عن ~~الخسة، وتهذيبا عن دنس الطبيعة. # وقيل: إن الاتقاء الأول اتقاء عن شرب الخمر والإيمان الأول هو الإيمان ~~بالله، والاتقاء الثاني هو إدامة الاتقاء الأول والإيمان الثاني إدامة ~~الإيمان الأول، والاتقاء الثالث هو فعل الفرائض، والإحسان فعل النوافل. # وقيل: إن الاتقاء الأول اتقاء المعاصي العقلية، والإيمان الأول هو ~~الإيمان بالله وبقبح هذه المعاصي، والاتقاء الثاني اتقاء المعاصي السمعية ~~والإيمان الثاني هو الإيمان بوجوب اجتناب هذه المعاصي، والاتقاء الثالث ~~يختص بمظالم العباد وما يتعلق بالغير من الظلم والفساد، والمراد بالإحسان ~~الإحسان إلى الناس. # وقيل: إن الشرط الأول يختص بالماضي، والشرط الثاني بالدوام على ذلك ~~والاستمرار على فعله، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد، إلى غير ذلك من ~~أقوالهم. # وجميع ما ذكروه مما لا دليل عليه من لفظ الآية أو غيرها يوجب حمل الآية ~~عليه، وهو ظاهر بالتأمل في سياق القول فيها والرجوع إلى ما قدمناه. PageV06P071 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سمعته يقول: بينا حمزة بن عبد المطلب وأصحاب له على شراب لهم يقال له ~~السكركة. قال: فتذاكروا الشريف فقال لهم حمزة: كيف لنا به؟ فقالوا: هذه ~~ناقة ابن أخيك علي، فخرج إليها فنحرها ثم أخذ كبدها وسنامها فأدخل عليهم، ~~قال: وأقبل علي (عليه السلام) فأبصر ناقته فدخله من ذلك، فقالوا له: ms2124 عمك ~~حمزة صنع هذا، قال: فذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكا ذلك ~~إليه. قال: فأقبل معه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل لحمزة: هذا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالباب، قال: فخرج حمزة وهو مغضب فلما ~~رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغضب في وجهه انصرف قال: فقال له ~~حمزة: لو أراد ابن أبي طالب أن يقودك بزمام فعل، فدخل حمزة منزله وانصرف ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: وكان قبل أحد، قال: فأنزل الله ~~تحريم الخمر فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بآنيتهم فأكفئت، ~~قال: فنودي في الناس بالخروج إلى أحد فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وخرج الناس وخرج حمزة فوقف ناحية من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال فلما تصافحوا حمل في الناس حتى غيب فيهم ثم رجع إلى موقفه، فقال له ~~الناس: الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شيء، ~~قال: ثم حمل الثانية حتى غيب في الناس ثم رجع إلى موقفه فقالوا له: الله ~~الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شيء. فأقبل إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رآه نحوه أقبل مقبلا إليه فعانقه وقبل رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين عينيه ثم قال: احمل على الناس ~~فاستشهد حمزة، وكفنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تمرة. ثم قال ~~أبو عبد الله (عليه السلام): نحو من سرياني هذا، فكان إذا غطى وجهه انكشف ~~رجلاه وإذا غطى رجلاه انكشف وجهه قال: فغطى بها وجهه، وجعل على رجليه إذخر. ~~قال فانهزم الناس وبقي علي (عليه السلام) فقال له رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ما صنعت؟ قال: يا رسول الله لزمت الأرض فقال: ذلك الظن بك، قال: ~~وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنجز لي يا رب ما وعدتني فإنك ms2125 ~~إن شئت لم تعبد. # وعن الزمخشري في ربيع الأبرار، قال: أنزل في الخمر ثلاث آيات: "يسألونك ~~عن الخمر والميسر" فكان المسلمون بين شارب وتارك إلى أن شربها رجل فدخل في ~~صلاته فهجر فنزل: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" ~~فشربها من شربها من المسلمين حتى شربها عمر فأخذ لحي بعير فشج رأس عبد ~~الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يغفر: وكاين ~~بالقليب قليب بدر. من القنيات والشرب الكرام. وكاين بالقليب قليب بدر. من ~~السري المكامل بالسنام. أيوعدنا ابن كبشة أن نحيى. وكيف حياة أصداء وهام. ~~أيعجز أن يرد الموت عني. وينشرني إذا بليت عظامي. ألا من مبلغ الرحمن عني. ~~بأني تارك شهر الصيام. فقل لله يمنعني شرابي. وقل لله: يمنعني طعامي. فبلغ ~~ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج مغضبا يجر رداءه فرفع شيئا ~~كان في يده ليضربه، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فأنزل الله ~~سبحانه وتعالى: "إنما يريد الشيطان إلى قوله فهل أنتم منتهون" فقال عمر: ~~انتهينا. # وفي الدر المنثور،: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص قال: في نزل تحريم الخمر ~~صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فأتاه ناس فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من ~~الخمر، وذلك قبل أن تحرم الخمر فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار: خير، ~~وقالت قريش: قريش خير فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره فكان سعد ~~مفزور الأنف قال: فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت ذلك له ~~فنزلت هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر، إلى آخر" الآية. # أقول: والروايات في القصص التي أعقبت تحريم الخمر في الإسلام كثيرة من ~~طرق الجمهور على ما فيها من الاختلاف الشديد. PageV06P072 # أما هؤلاء الذين ذكر منهم الشرب من الصحابة فلا شأن لنا في البحث عنهم فيما ~~نحن بصدده من البحث المرتبط بالتفسير غير أن هذه الروايات تؤيد ms2126 ما ذكرناه ~~في البيان السابق: أن في الآيات إشعارا أو دلالة على أن رهطا من المسلمين ~~ما تركوا شرب الخمر بعد نزول آية البقرة حتى نزلت آية المائدة. # نعم ورد في بعض الروايات أن عليا (عليه السلام) وعثمان بن مظعون كانا قد ~~حرما الخمر على أنفسهما قبل نزول التحريم، وقد ذكر في الملل والنحل رجالا ~~من العرب حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، وقد وفق الله سبحانه بعض ~~هؤلاء أن أدرك الإسلام ودخل فيه، منهم عامر بن الظرب العدواني، ومنهم قيس ~~بن عامر التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنهم صفوان بن أمية بن محرث الكناني ~~وعفيف بن معديكرب الكندي والأسلوم اليامي وقد حرم الزنا والخمر معا، وهؤلاء ~~آحاد من الرجال جرى كلمة الحق على لسانهم، وأما عامتهم في الجاهلية كعامة ~~أهل الدنيا يومئذ إلا اليهود فقد كانوا يعتادون شربها من غير بأس حتى حرمها ~~الله سبحانه في كتابه. # والذي تفيده آيات الكتاب العزيز أنها حرمت في مكة قبل الهجرة كما يدل ~~عليه قوله تعالى: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي": "الأعراف: 33" والآية مكية، وإذا انضمت إلى قوله تعالى: "يسألونك ~~عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما": ~~"البقرة: 291"، وهي آية مدنية نازلة في أوائل الهجرة لم يبق شك في ظهور ~~حرمتها للمسلمين يومئذ، وإذا تدبرنا في سياق آيات المائدة، وخاصة فيما ~~يفيده قوله: "فهل أنتم منتهون" وقوله: "ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا،" الآية انكشف أن ما ابتلي به رهط ~~منهم من شربها فيما بين نزول آية البقرة وآية المائدة إنما كان كالذنابة ~~لسابق العادة السيئة نظير ما كان من النكاح في ليلة الصيام عصيانا حتى نزل ~~قوله تعالى: "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم": "البقرة: 178". # فقد تبين أن في هذه الروايات كلاما من وجهين: أحدهما: من جهة اختلافها ms2127 في ~~تاريخ تحريم الخمر فقد مر في الرواية الأولى أنها قبيل غزوة أحد، وفي بعض ~~الروايات: أن ذلك بعد غزوة الأحزاب. # لكن الأمر في ذلك سهل في الجملة لإمكان حملها على كون المراد بتحريم ~~الخمر فيها نزول آية المائدة وإن لم يوافقه لفظ بعض الروايات كل الموافقة. # وثانيهما: من جهة دلالتها على أن الخمر لم تكن بمحرمة قبل نزول آية ~~المائدة أو أنها لم تظهر حرمتها قبلئذ للناس وخاصة للصحابة مع صراحة آية ~~الأعراف المحرمة للإثم وآية البقرة المصرحة بكونها إثما، وهي صراحة لا تقبل ~~تأويلا. # بل من المستبعد جدا أن تنزل حرمة الإثم بمكة قبل الهجرة في آية تتضمن جمل ~~المحرمات أعني قوله: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون": "الأعراف: 33"، ثم يمر عليه زمان غير يسير، ولا يستفسر ~~المؤمنون معناه من نبيهم ولا يستوضحه المشركون وأكبر همهم النقض والاعتراض ~~على كتاب الله مهما توهموا إليه سبيلا. # بل المستفاد من التاريخ أن تحريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للخمر ~~كتحريمه الشرك والزنا كان معروفا عند المشركين يدل على ذلك ما رواه ابن ~~هشام في السيرة عن خلاد بن قرة وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم: ~~أن أعشى بني قيس خرج إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد الإسلام ~~فقال يمدح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا. # وبت كما بات السليم مسهدا. # القصيدة. # فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره ~~فأخبره أنه جاء يريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليسلم فقال له: ~~يا أبا بصير إنه يحرم الزنا فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من ~~إرب، فقال له: يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر فقال الأعشى: أما هذه فإن في ~~النفس منها لعلالات، ولكني ms2128 منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم ~~فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV06P073 # فلا يبقى لهذه لروايات إلا أن تحمل على استفادتهم ذلك باجتهادهم في الآيات ~~مع الذهول عن آية الأعراف، وللمفسرين في تقريب معنى هذه الروايات توجيهات غريبة. # وبعد اللتيا والتي فالكتاب نص في تحريم الخمر في الإسلام قبل الهجرة، ولم ~~تنزل آية المائدة إلا تشديدا على الناس لتساهلهم في الانتهاء عن هذا النهي ~~الإلهي وإقامة حكم الحرمة. # وفي تفسير العياشي،: عن هشام عن الثقة رفعه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): أنه قيل له: روي عنكم: أن الخمر والأنصاب والأزلام رجال؟ فقال: ما ~~كان ليخاطب الله خلقه بما لا يعقلون. # وفيه،: عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتي عمر ~~بن الخطاب بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر وقامت عليه البينة فسأل عليا ~~فأمره أن يجلده ثمانين جلدة، فقال قدامة: يا أمير المؤمنين ليس علي حد أنا ~~من أهل هذه الآية: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات - جناح فيما ~~طعموا" فقرأ الآية حتى استتمها فقال له علي (عليه السلام): كذبت لست من أهل ~~هذه الآية ما طعم أهلها فهو حلال لهم، وليس يأكلون ولا يشربون إلا ما يحل ~~لهم. أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن أبي الربيع عنه (عليه السلام)، ورواه ~~أيضا الشيخ في التهذيب، بإسناده عن ابن سنان عنه (عليه السلام)، وهذا ~~المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضا. # وقوله (عليه السلام): +" ما طعم أهلها فهو حلال لهم، إلخ "+ منطبق على ما ~~قررناه في البيان السابق من معنى الآية فراجع. # وفي تفسير الطبري، عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات: "يسألونك عن ~~الخمر والميسر،" الآية فتركوها ثم نزلت: "تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" ~~فشربوها ثم نزلت الآيتان في المائدة: "إنما الخمر والميسر" إلى قوله فهل ~~أنتم منتهون". # أقول: ظاهره نسخ آية النحل لآية البقرة ثم نسخ آيتي المائدة لآية النحل، ~~وأنت ms2129 لا تحتاج في القضاء على بطلانه إلى بيان زائد. # وفي الكافي، والتهذيب، بإسنادهما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما بعث ~~الله نبيا قط إلا وفي علم الله أنه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم ~~يزل الخمر حراما وإنما ينقلون من خصلة ثم خصلة، ولو حمل ذلك جملة عليهم ~~لقطع بهم دون الدين، قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): ليس أحد أرفق من ~~الله تعالى فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ولو حمل ~~عليهم جملة لهلكوا. # وفي الكافي، بإسناده عن عمرو بن شمر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما ~~أنزل الله عز وجل على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس - من عمل الشيطان فاجتنبوه" قيل: يا رسول ~~الله ما الميسر؟ قال: كلما تقمرت به حتى الكعاب والجوز، قيل: فما الأنصاب؟ ~~قال: ما ذبحوا لآلهتهم قيل: فما الأزلام؟ قال: قداحهم التي يستقسمون بها. # وفيه،: بإسناده عن عطاء بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر. # أقول: والرواية مروية من طرق أهل السنة أيضا عن عبد الله بن عمر عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولفظها: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام رواها ~~البيهقي وغيره، وقد استفاضت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأن ~~كل مسكر حرام، وأن كلما يقامر عليه فهو ميسر. # وفي تفسير العياشي،: عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: ~~سألته عن النبيذ والخمر بمنزلة واحدة هما؟ قال: لا، إن النبيذ ليس بمنزلة ~~الخمر، إن الله حرم الخمر قليلها وكثيرها كما حرم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير، وحرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأشربة المسكر، وما حرم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد حرم الله. # وفي الكافي، والتهذيب، بإسنادهما عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: إن ~~الله لم يحرم الخمر لإثمها ولكن حرمها ms2130 لعاقبتها، فما كان عاقبتها عاقبة ~~الخمر فهو خمر، وفي رواية: فما فعل فعل الخمر فهو خمر. # أقول: والأخبار في ذم الخمر والميسر من طرق الفريقين فوق حد الإحصاء من ~~أراد الوقوف عليها فعليه بجوامع الحديث. PageV06P074 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 94 - 99 # يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) يأيها ~~الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة أو كفرة طعام مسكين أو ~~عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ~~والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم وللسيارة ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذى إليه تحشرون (96) جعل ~~الله الكعبة البيت الحرام قيما للناس والشهر الحرام والهدى والقلئد ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموت وما فى الأرض وأن الله بكل شىء عليم ~~(97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) ما على الرسول ~~إلا البلغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) ### |||| AUTO بيان # الآيات في بيان حكم صيد البر والبحر في حال الإحرام. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم" البلاء هو الامتحان والاختبار، ولام القسم والنون المشددة ~~للتأكيد، وقوله: بشيء من الصيد يفيد التحقير ليكون تلقينه للمخاطبين عونا ~~لهم على انتهائهم إلى ما سيواجههم من النهي في الآية الآتية، وقوله: "تناله ~~أيديكم ورماحكم" تعميم للصيد من حيث سهولة الاصطياد كما في فراخ الطير ~~وصغار الوحش والبيض تنالها الأيدي فتصطاد بسهولة، ومن حيث صعوبة الاصطياد ~~ككبار الوحش لا تصطاد عادة إلا بالسلاح. # وظاهر الآية أنها مسوقة كالتوطئة لما ينزل من الحكم المشدد في الآية ~~التالية، ولذلك عقب الكلام بقوله: "ليعلم الله من يخافه بالغيب" فإن فيه ~~إشعارا بأن هناك حكما من قبيل المنع ms2131 والتحريم ثم عقبه بقوله: "فمن اعتدى ~~بعد ذلك فله عذاب أليم". # قوله تعالى: "ليعلم الله من يخافه بالغيب" لا يبعد أن يكون قوله: ~~ليبلونكم الله ليعلم كذا كناية عن أنه سيقدر كذا ليتميز منكم من يخاف الله ~~بالغيب عمن لا يخافه لأن الله سبحانه لا يجوز عليه الجهل حتى يرفعه بالعلم، ~~وقد تقدم البحث المستوفى عن معنى الامتحان في تفسير قوله تعالى: "أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة،" الآية: "آل عمران: 124" في الجزء الرابع من هذا الكتاب، ~~وتقدم أيضا معنى آخر لهذا العلم. # وأما قوله: "من يخافه بالغيب" فالظرف متعلق بالخوف، ومعنى الخوف بالغيب ~~أن يخاف الإنسان ربه ويحترز ما ينذره به من عذاب الآخرة وأليم عقابه، وكل ~~ذلك في غيب من الإنسان لا يشاهد شيئا منه بظاهر مشاعره، قال تعالى: "إنما ~~تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب": "يس: 11"، وقال: "وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد، هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء ~~بقلب منيب": "ق: 33"، وقال: "الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة ~~مشفقون": "الأنبياء: 49". # وقوله: "فمن اعتدى بعد ذلك" أي تجاوز الحد الذي يحده الله بعد البلاء ~~المذكور فله عذاب أليم. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم" "إلخ"، ~~الحرم بضمتين جمع الحرام صفة مشبهة، قال في المجمع: ورجل حرام ومحرم بمعنى، ~~وحلال ومحل كذلك، وأحرم الرجل دخل في الشهر الحرام، وأحرم أيضا دخل في ~~الحرم، وأحرم أهل بالحج، والحرم الإحرام، ومنه الحديث: كنت أطيب النبي ~~لحرمه، وأصل الباب، المنع وسميت النساء حرما لأنها تمنع، والمحروم الممنوع الرزق. # قال: والمثل والمثل والشبه والشبه واحد، قال: والنعم في اللغة الإبل ~~والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل قيل لها: نعم، وإن انفردت البقر والغنم لم ~~تسم نعما ذكره الزجاج. PageV06P075 # قال: قال الفراء: العدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل ~~بالكسر المثل تقول: عندي عدل بالكسر غلامك أو شاتك إذا كانت شاة تعدل شاة ~~أو غلام يعدل غلاما فإذا أردت قيمته من ms2132 غير جنسه فتحت وقلت: عدل، وقال ~~البصريون: العدل والعدل في معنى المثل كان من الجنس أو غير الجنس. # قال: والوبال ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل وماء وبيل إذا ~~كانا ثقيلين غير ناميين في المال، ومنه: "فأخذناه أخذا وبيلا" أي ثقيلا ~~شديدا، ويقال لخشبة القصار: وبيل من هذا، انتهى. # وقوله: "لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم" نهي عن قتل الصيد لكن يفسره بعض ~~التفسير قوله بعد: "أحل لكم صيد البحر" هذا من جهة الصيد، ويفسره من جهة ~~معنى القتل قوله: "ومن قتله منكم متعمدا فجزاء" "إلخ"، فقوله: "متعمدا" حال ~~من قوله: "من قتله" وظاهر التعمد ما يقابل الخطأ الذي هو القتل من غير أن ~~يريد بفعله ذلك كمن يرمي إلى هدف فأصاب صيدا، ولازمه وجوب الكفارة إذا كان ~~قاصدا لقتل الصيد سواء كان على ذكر من إحرامه أو ناسيا أو ساهيا. # وقوله: "فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة" لظاهر معناه: فعليه جزاء ذلك الجزاء مثل ما قتل من الصيد، وذلك ~~الجزاء من النعم المماثلة لما قتله يحكم به أي بذلك الجزاء المماثل رجلان ~~منكم ذوا عدل في الدين حال كون الجزاء المذكور هديا يهدي به بالغ الكعبة ~~ينحر أو يذبح في الحرم بمكة أو بمنى على ما يبينه السنة النبوية. # فقوله: "جزاء" بالرفع مبتدأ لخبر محذوف يدل عليه الكلام، وقوله: "مثل ما ~~قتل" وقوله: "من النعم" وقوله: "يحكم به" "إلخ"، أوصاف للجزاء، وقوله: ~~"هديا بالغ الكعبة" موصوف وصفة، والهدي حال من الجزاء تقدم، هذا، وقد قيل: ~~غير ذلك. # وقوله: "أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما" خصلتان أخريان من خصال ~~كفارة قتل الصيد، وكلمة "أو" لا يدل على أزيد من مطلق الترديد، والشارح ~~السنة، غير أن قوله: "أو كفارة" حيث سمى طعام المساكين كفارة ثم اعتبر ما ~~يعادل الطعام من الصيام لا يخلو من إشعار بالترتيب بين الخصال. # وقوله: "ليذوق وبال أمره" اللام للغاية، وهي ومدخولها متعلق بقوله: ~~"فجزاء" فالكلام ms2133 يدل على أن ذلك نوع مجازاة. # قوله تعالى: "عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه، إلى آخر" الآية ~~تعلق العفو بما سلف قرينة على أن المراد بما سلف هو ما تحقق من قتل الصيد ~~قبل نزول الحكم بنزول الآية فإن تعلق العفو بما يتحقق حين نزول الآية أو ~~بعده يناقض جعل الحكم وهو ظاهر، فالجملة لدفع توهم شمول حكم الكفارة ~~للحوادث السابقة على زمان النزول. # والآية من الدليل على جواز تعلق العفو بما ليس بمعصية من الأفعال إذا كان ~~من طبعها اقتضاء النهي المولوي لاشتمالها على المفسدة، وأما قوله: "ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام" فظاهر العود تكرر الفعل، وهذا ~~التكرر ليس تكرر ما سلف من الفعل بأن يكون المعنى: ومن عاد إلى مثل ما سلف ~~منه من الفعل فينتقم الله منه لأنه حينئذ ينطبق على الفعل الذي يتعلق به ~~الحكم في قوله: "ومن قتله منكم متعمدا فجزاء" "إلخ" ويكون المراد بالانتقام ~~هو الحكم بالكفارة، وهو حكم ثابت بالفعل لكن ظاهر قوله: "فينتقم الله منه" ~~أنه إخبار عن أمر مستقبل لا عن حكم حال فعلي. # وهذا شاهد على أن المراد بالعود العود ثانيا إلى فعل تعلق به الكفارة، ~~والمراد بالانتقام العذاب الإلهي غير الكفارة المجعولة. # وعلى هذا فالآية بصدرها وذيلها تتعرض لجهات مسألة قتل الصيد، أما ما وقع ~~منه قبل نزول الحكم فقد عفا الله عنه، وأما بعد جعل الحكم فمن قتله فعليه ~~جزاء مثل ما قتل في المرة الأولى فإن عاد فينتقم الله منه ولا كفارة عليه، ~~وعلى هذا يدل معظم الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في ~~تفسير الآية. # ولو لا هذا المعنى كان كالمتعين حمل الانتقام في قوله: "فينتقم الله منه" ~~على ما يعم الحكم بوجوب الكفارة، وحمل العود على فعل ما يماثل ما سلف منهم ~~من قتل الصيد أي ومن عاد إلى مثل ما كانوا عليه من قتل الصيد قبل هذا ~~الحكم، أي ومن قتل الصيد فينتقم الله منه ms2134 أي يؤاخذه بإيجاب الكفارة، وهذا - ~~كما ترى - معنى بعيد من اللفظ. PageV06P076 # قوله تعالى: "أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة" إلى آخر الآية، ~~الآيات في مقام بيان حكم الاصطياد من بحر أو، بر وهو الشاهد على أن متعلق ~~الحل هو الاصطياد في قوله: "أحل لكم صيد البحر" دون أكله، وبهذه القرينة ~~يتعين قوله: "وطعامه" في أن المراد به ما يؤكل دون المعنى المصدري الذي هو ~~الأكل والمراد بحل طعام البحر حل أكله فمحصل المراد من حل صيد البحر وطعامه ~~جواز اصطياد حيوان البحر وحل أكل ما يؤخذ منه. # وما يؤخذ من طعام البحر وإن كان أعم مما يؤخذ منه صيدا كالعتيق من لحم ~~الصيد أو ما قذفته البحر من ميتة حيوان ونحوه إلا أن الوارد من أخبار أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) تفسيره بالمملوح ونحوه من عتيق الصيد، وقوله: ~~"متاعا لكم وللسيارة" كأنه حال من صيد البحر وطعامه، وفيه شيء من معنى ~~الامتنان. # وحيث كان الخطاب للمؤمنين من حيث كونهم محرمين كانت المقابلة بينهم وبين ~~السيارة في قوة قولنا: متاعا للمحرمين وغيرهم. # واعلم أن في الآيات أبحاثا فرعية كثيرة معنونة في الكتب الفقهية من ~~أرادها فليراجعها. # قوله تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد" ظاهر تعليق الكلام بالكعبة ثم بيانه بالبيت بأنه بيت ~~حرام، وكذا توصيف الشهر بالحرام ثم ذكر الهدي والقلائد اللذين يرتبط شأنهما ~~بحرمة البيت، كل ذلك يدل على أن الملاك فيما يبين الله سبحانه في هذه الآية ~~من الأمر إنما هو الحرمة. # والقيام ما يقوم به الشيء، قال الراغب: والقيام والقوام اسم لما يقوم به ~~الشيء أي يثبت كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به كقوله: "ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" أي جعلها مما يمسككم، وقوله: ~~"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس" أي قواما لهم يقوم به معاشهم ~~ومعادهم، قال الأصم: قائما لا ينسخ، وقرىء: قيما بمعنى قياما، انتهى. # فيرجع معنى قوله: "جعل الله الكعبة البيت الحرام ms2135 قياما للناس" إلى أنه ~~تعالى جعل الكعبة بيتا حراما احترمه، وجعل بعض الشهور حراما، ووصل بينهما ~~حكما كالحج في ذي الحجة الحرام، وجعل هناك أمورا تناسب الحرمة كالهدي ~~والقلائد كل ذلك لتعتمد عليه حياة الناس الاجتماعية السعيدة. # فإنه جعل البيت الحرام قبلة يوجه إليه الناس وجوههم في صلواتهم ويوجهون ~~إليه ذبائحهم وأمواتهم، ويحترمونه في سيىء حالاتهم، فيتوحد بذلك جمعهم، ~~ويجتمع به شملهم، ويحيى ويدوم به دينهم، ويحجون إليه من مختلف الأقطار ~~وأقاصي الآفاق فيشهدون منافع لهم، ويسلكون به طرق العبودية. # ويهدي باسمه وبذكره والنظر إليه والتقرب به والتوجه إليه العالمون، وقد ~~بينه الله تعالى بوجه آخر قريب من هذا الوجه بقوله: "إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين": - آل عمران: 96، وقد وافاك في الآية في ~~الجزء الثالث من هذا الكتاب من الكلام ما يتنور به المقام. # ونظير ذلك الكلام في كون الشهر الحرام قياما للناس وقد حرم الله فيه ~~القتال، وجعل الناس فيه في أمن من حيث دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ويصلحون ~~فيه ما فسد أو اختل من شئون حياتهم، والشهر الحرام بين الشهور كالموقف ~~والمحط الذي يستريح فيه المتطرق التعبان، وبالجملة البيت الحرام والشهر ~~الحرام وما يتعلق بذلك من هدي وقلائد قيام للناس من عامة جهات معاشهم ~~ومعادهم، ولو استقرأ المفكر المتأمل جزئيات ما ينتفع به الناس انتفاعا ~~جاريا أو ثابتا من بركات البيت العتيق والشهر الحرام من صلة الأرحام، ~~ومواصلة الأصدقاء، وإنفاق الفقراء، واسترباح الأسواق، وموادة الأقرباء ~~والأداني، ومعارفة الأجانب والأباعد، وتقارب القلوب، وتطهر الأرواح، ~~واشتداد القوى، واعتضاد الملة، وحياة الدين، وارتفاع أعلام الحق، ورايات ~~التوحيد أصاب بركات جمة ورأى عجبا. # وكان المراد من ذكر هذه الحقيقة عقيب الآيات الناهية عن الصيد هو دفع ما ~~يتوهم أن هذه أحكام عديمة أو قليلة الجدوى، فأي فائدة لتحريم الصيد في مكان ~~من الأمكنة أو زمان من الأزمنة؟ وأي جدوى في سوق الهدي ونحو ذلك؟ وهل هذه ~~الأحكام إلا مشاكلة لما يوجد من النواميس الخرافية بين الأمم الجاهلة ~~الهمجية؟. ms2136 PageV06P077 # فأجيب عن ذلك بأن اعتبار البيت الحرام والشهر الحرام وما يتبعهما من الحكم ~~مبني على حقيقة علمية وأساس جدي وهو أنها قيام يقوم به صلب حياتهم. # ومن هنا يظهر وجه اتصال قوله: "ذلك لتعلموا"، إلى آخر" الآية بما قبله، ~~والمشار إليه بقوله: "ذلك" إما نفس الحكم المبين في الآيات السابقة الذي ~~يوضح حكمة تشريعه قوله: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس" "إلخ"، ~~وإما بيان الحكم الموضح بقوله: "جعل الله الكعبة" "إلخ"، المدلول عليه ~~بالمقام. # والمعنى على التقدير الأول أن الله جعل البيت الحرام والشهر الحرام قياما ~~للناس ووضع ما يناسبهما من الأحكام لينتقلوا من حفظ حرمتهما والعمل ~~بالأحكام المشرعة فيهما إلى أن الله عليم بما في السماوات والأرض وما يصلح ~~شئونها، فشرع ما شرع لكم عن علم من غير أن يكون شيء من ذلك حكما خرافيا ~~صادرا عن جهالة الوهم. # والمعنى على التقدير الثاني أنا بينا لكم هذه الحقيقة وهي جعل البيت ~~الحرام والشهر الحرام وما يتبعهما من الأحكام قياما للناس لتعلموا أن الله ~~عليم بما في السماوات والأرض وما يتبعها من الأحكام المصلحة لشئونها فلا ~~تتوهموا أن هذه الأحكام المشرعة لاغية من غير جدوى أو أنها خرافات مختلقة. # قوله تعالى: "اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم، إلى آخر ~~الآيتين" تأكيد للبيان وتثبيت لموقع الأحكام المذكورة، ووعيد ووعد للمطيعين ~~والعاصين، وفيه شائبة تهديد، ولذلك قدم توصيفه بشدة العقاب على توصيفه ~~بالمغفرة والرحمة، ولذلك أيضا أعقب الكلام بقوله: "ما على الرسول إلا ~~البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون". ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي،: بإسناده عن حماد بن عيسى وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "ليبلونكم الله بشيء ~~من الصيد - تناله أيديكم ورماحكم"، قال: حشرت لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في عمرة الحديبية الوحوش حتى نالتها أيديهم ورماحهم. أقول: ~~ورواه العياشي، عن معاوية بن عمار مرسلا، وروى هذا المعنى أيضا الكليني في ~~الكافي، ms2137 والشيخ في التهذيب، بإسنادهما إلى الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، ~~والعياشي عن سماعة عنه (عليه السلام) مرسلا، وكذا القمي في تفسيره مرسلا، ~~وروي ذلك عن مقاتل بن حيان كما يأتي. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أنزلت هذه ~~الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحوش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم ~~يروا مثله قط فيما خلا فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ليعلم الله من يخافه ~~بالغيب. # أقول: والروايتان لا تنافيان ما قدمناه في البيان السابق من عموم معنى الآية. # وفي الكافي، مسندا عن أحمد بن محمد رفعه: في قوله تبارك وتعالى: تناله ~~أيديكم ورماحكم، قال: ما تناله الأيدي البيض والفراخ، وما تناله الرماح فهو ~~ما لا تصل إليه الأيدي. # وفي تفسير العياشي، بإسناده عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~إذا قتل الرجل المحرم حمامة ففيها شاة، فإن قتل فرخا ففيه جمل، فإن وطأ ~~بيضة فكسرها فعليه درهم، كل هذا يتصدق بمكة ومنى، وهو قول الله في كتابه: ~~"ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم" البيض والفراخ "ورماحكم" ~~الأمهات الكبار. أقول: ورواه الشيخ في التهذيب، عن حريز عنه (عليه السلام) ~~مقتصرا على الشطر الأخير من الحديث. # وفي التهذيب، بإسناده عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ويتصدق بالصيد ~~على مسكين، فإن عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاء وينتقم الله منه، ~~والنقمة في الآخرة. # وفيه،: عن الكليني، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه كفارة، فإن أصابه ~~ثانية متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه، ولم يكن عليه كفارة. # وفيه،: عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله: محرم ~~أصاب صيدا؟ قال: عليه كفارة قلت: فإن هو عاد؟ قال: عليه كلما عاد كفارة. PageV06P078 # أقول: الروايات - كما ترى - مختلفة، وقد جمع ms2138 الشيخ بينها بأن المراد أن ~~المحرم إذا قتل متعمدا فعليه كفارة وإن عاد متعمدا فلا كفارة عليه، وهو ممن ~~ينتقم الله منه، وأما الناسي فكلما عاد فعليه كفارة. # وفيه،: بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله عز وجل: ~~"يحكم به ذوا عدل منكم" فالعدل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والإمام من بعده يحكم به وهو ذو عدل فإذا علمت ما حكم الله به من رسول الله ~~والإمام فحسبك ولا تسأل عنه. # أقول: وفي هذا المعنى عدة روايات وفي بعضها: تلوت عند أبي عبد الله (عليه ~~السلام): "ذوا عدل منكم" فقال: ذو عدل منكم، هذا مما أخطأت به الكتاب، وهو ~~يرجع إلى القراءة كما هو ظاهر. # وفي الكافي، عن الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: صوم جزاء ~~الصيد واجب قال الله عز وجل: "ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم - يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة - أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك صياما". أوتدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري؟ قال: قلت: لا ~~أدري، قال: يقوم الصيد ثم تفض تلك القيمة على البر ثم يكال ذلك البر أصواعا ~~فيصوم لكل نصف صاع يوما. # وفيه، بإسناده عن أحمد بن محمد، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلا فداء ~~الصيد فإن الله يقول: "هديا بالغ الكعبة". # وفي تفسير العياشي، عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أحل ~~لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم" قال: مالحه الذي يأكلون وقال: فصل ما ~~بينهما: كل طير يكون في الآجام يبيض في البر ويفرخ في البر من صيد البر، ~~وما كان من الطير يكون في البر ويبيض في البحر ويفرخ فهو من صيد البحر. # وفيه،: عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول ~~الله: أحل لكم صيد البحر وطعامه - متاعا ms2139 لكم وللسيارة" قال: هي حيتان ~~المالح، وما تزودت منه أيضا وإن لم يكن مالحا فهو متاع. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ~~من طرق الشيعة. # وفي الدر المنثور،: أخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة، وأحمد عن رجل من ~~الأنصار: أن رجلا أوطأ بعيره أدحى نعامة فكسر بيضها فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): عليك بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين:. أقول: وروي ~~هذا المعنى أيضا عن ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان، عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، ورواه أيضا عنه عن أبي الزناد عن عائشة عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفيه،: أخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: في بيض النعام ثمنه. # وفيه،: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر محمد بن علي: أن رجلا سأل عليا عن ~~الهدي مما هو؟ قال: من الثمانية الأزواج فكأن الرجل شك فقال علي: تقرأ ~~القرآن؟ فكأن الرجل قال: نعم، قال: فسمعت الله يقول: "يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود - أحلت لكم بهيمة الأنعام"؟ قال: نعم قال سمعته يقول: ~~"ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ومن الأنعام حمولة ~~وفرشا، فكلوا من بهيمة الأنعام"؟ قال: نعم. قال: فسمعته يقول: "من الضأن ~~اثنين ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين"؟ قال: نعم قال: ~~فسمعته يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم إلى قوله ~~هديا بالغ الكعبة"؟ قال الرجل: نعم. فقال: إن قتلت ظبيا فما علي؟ قال: شاة ~~قال علي: هديا بالغ الكعبة؟ قال الرجل: نعم فقال علي: قد سماه الله بالغ ~~الكعبة كما تسمع. # وفيه،: أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وزيد بن ثابت ومعاوية قضوا فيما كان من ~~هدي مما يقتل المحرم من صيد فيه جزاء نظر ms2140 إلى قيمة ذلك فأطعم به المساكين. # وفيه،: أخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال: ما لفظه ميتا فهو طعامه. # أقول: وروي ما في معناه عن بعض الصحابة أيضا لكن المروي من طرق أهل البيت ~~عنهم (عليهم السلام) خلافه كما تقدم. PageV06P079 # وفي تفسير العياشي، عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ~~"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس" قال جعل الله لدينهم ومعايشهم. # أقول: وقد تقدم توضيح معنى الرواية. PageV06P080 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 100 # قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يأولى ~~الألبب لعلكم تفلحون (100) ### |||| AUTO بيان # الآية كأنها مستقلة مفردة لعدم ظهور اتصالها بما قبلها وارتباط ما بعدها ~~بها فلا حاجة إلى التمحل في بيان اتصالها بما قبلها، وإنما تشتمل على مثل ~~كلي ضربه الله سبحانه لبيان خاصة يختص بها الدين الحق من بين سائر الأديان ~~والسير العامة الدائرة، وهي أن الاعتبار بالحق وإن كان قليلا أهله وشاردة ~~فئته، والركون إلى الخير والسعادة وإن أعرض عنه الأكثرون ونسيه الأقوون فإن ~~الحق لا يعتمد في نواميسه إلا على العقل السليم، وحاشا العقل السليم أن ~~يهدي إلا إلى صلاح المجتمع الإنساني فيما يشد أزره من أحكام الحياة وسبل ~~المعيشة الطيبة سواء وافق أهواء الأكثرين أو خالف، وكثيرا ما يخالف فهو ذا ~~النظام الكوني وهو محتد الآراء الحقة لا يتبع شيئا من أهوائهم، ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض. # قوله تعالى: "قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث" كان ~~المراد بعدم استواء الخبيث والطيب أن الطيب خير من الخبيث، وهو أمر بين ~~فيكون الكلام مسوقا للكناية، وذلك أن الطيب بحسب طبعه وبقضاء من الفطرة ~~أعلى درجة وأسمى منزلة من الخبيث فلو فرض انعكاس الأمر وصيرورة الخبيث خيرا ~~من الطيب لعارض يعرضه كان من الواجب أن يتدرج الخبيث في الرقي والصعود حتى ~~يصل إلى حد يحاذي الطيب ms2141 في منزلته ويساويه ثم يتجاوزه فيفوقه فإذا نفي ~~استواء الخبيث والطيب كان ذلك أبلغ في نفي خيرية الخبيث من الطيب. # ومن هنا يظهر وجه تقديم الخبيث على الطيب، فإن الكلام مسوق لبيان أن كثرة ~~الخبيث لا تصيره خيرا من الطيب، وإنما يكون ذلك بارتفاع الخبيث من حضيض ~~الرداءة والخسة إلى أوج الكرامة والعزة حتى يساوي الطيب في مكانته ثم يعلو ~~عليه ولو قيل: لا يستوي الطيب والخبيث كانت العناية الكلامية متعلقة ببيان ~~أن الطيب لا يكون أردى وأخس من الخبيث، وكان من الواجب حينئذ أن يذكر بعده ~~أمر قلة الطيب مكان كثرة الخبيث فافهم ذلك. # والطيب والخباثة على ما لهما من المعنى وصفان حقيقيان لأشياء حقيقية ~~خارجية كالطعام الطيب أو الخبيث والأرض الطيبة أو الخبيثة قال تعالى: ~~"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": "الأعراف: ~~58"، وقال تعالى: "والطيبات من الرزق": "الأعراف: 32"، وإن أطلق الطيب ~~والخباثة أحيانا على شيء من الصفات الوضعية الاعتبارية كالحكم الطيب أو ~~الخبيث والخلق الطيب أو الخبيث فإنما ذلك بنوع من العناية. # هذا ولكن تفريع قوله: "فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون" على ~~قوله: "لا يستوي الخبيث والطيب، إلخ" والتقوى من قبيل الأفعال أو التروك، ~~وطيبها وخباثتها عنائية مجازية، وإرسال الكلام أعني قوله: "لا يستوي، إلخ" ~~إرسال المسلمات أقوى شاهد على أن المراد بالطيب والخباثة إنما هو الخارجي ~~الحقيقي منهما فيكون الحجة ناجحة، ولو كان المراد هو الطيب والخبيث من ~~الأعمال والسير لم يتضح ذاك الاتضاح فكل طائفة ترى أن طريقتها هي الطريقة ~~الطيبة، وما يخالف أهواءها ويعارض مشيئتها هو الخبيث. # فالقول مبني على معنى آخر بينه الله سبحانه في مواضع من كلامه، وهو أن ~~الدين مبني على الفطرة والخلقة، وأن ما يدعو إليه الدين هو الطيب من ~~الحياة، وما ينهى عنه هو الخبيث، وأن الله لم يحل إلا الطيبات ولم يحرم إلا ~~الخبائث قال تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك ms2142 الدين القيم": "الروم: 30"، وقال: "ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث": "الأعراف: 175". # وقال: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق": ~~"الأعراف: 32". # فقد تحصل أن الكلام أعني قوله: "لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث"، مثل مضروب لبيان أن قواعد الدين ركبت على صفات تكوينية في الأشياء ~~من طيب أو خباثة مؤثرة في سبيل السعادة والشقاوة الإنسانيتين، ولا يؤثر ~~فيها قلة ولا كثرة فالطيب طيب وإن كان قليلا، والخبيث خبيث وإن كان كثيرا. PageV06P081 # فمن الواجب على كل ذي لب يميز الخبيث من الطيب، ويقضي بأن الطيب خير من ~~الخبيث، وأن من الواجب على الإنسان أن يجتهد في إسعاد حياته، ويختار الخير ~~على الشر أن يتقي الله ربه بسلوك سبيله، ولا يغتر بانكباب الكثيرين من ~~الناس على خبائث الأعمال ومهلكات الأخلاق والأحوال، ولا يصرفه الأهواء عن ~~اتباع الحق بتولية أو تهويل لعله يفلح بركوب السعادة الإنسانية. # قوله تعالى: "فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون" تفريع على المثل ~~المضروب في صدر الآية، ومحصل المعنى أن التقوى لما كان متعلقه الشرائع ~~الإلهية التي تبتني هي أيضا على طيبات وخبائث تكوينية في رعاية أمرها سعادة ~~الإنسان وفلاحه على ما لا يرتاب في ذلك ذو لب وعقل فيجب عليكم يا أولي ~~الألباب أن تتقوا الله بالعمل بشرائعه لعلكم تفلحون. PageV06P082 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 101 - 102 # يأيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها ~~حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قد سألها ~~قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كفرين (102) ### |||| AUTO بيان # الآيتان غير ظاهرتي الارتباط بما قبلهما، ومضمونهما غني عن الاتصال بشيء ~~من الكلام يبين منهما ما لا تستقلان بإفادته فلا حاجة إلى ما تجشمه جمع من ~~المفسرين في توجيه اتصالهما تارة بما قبلهما، وأخرى بأول السورة، وثالثة ~~بالغرض من السورة فالصفح عن ذلك كله أولى. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" ~~الآية ms2143 الإبداء الإظهار، وساءه كذا خلاف سره. # والآية تنهى المؤمنين عن أن يسألوا عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم، وقد سكتت ~~أولا عن المسئول من هو؟ غير أن قوله بعد: "وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم"، وكذا قوله في الآية التالية: "قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا ~~بها كافرين" يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقصود بالسؤال ~~مسئول بمعنى أن الآية سيقت للنهي عن سؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عن أشياء من شأنها كيت وكيت، وإن كانت العلة المستفادة من الآية الموجبة ~~للنهي تفيد شمول النهي لغير مورد الغرض وهو أن يسأل الإنسان ويفحص عن كل ما ~~عفاه العفو الإلهي، وضرب دون الاطلاع عليه بالأسباب العادية والطرق ~~المألوفة سترا فإن في الاطلاع على حقيقة مثل هذه الأمور مظنة الهلاك ~~والشقاء كمن تفحص عن يوم وفاته أو سبب هلاكه أو عمر أحبته وأعزته أو زوال ~~ملكه وعزته، وربما كان ما يطلع عليه هو السبب الذي يخترمه بالفناء أو يهدده ~~بالشقاء. # فنظام الحياة الذي نظمه الله سبحانه ووضعه جاريا في الكون فأبدا أشياء ~~وحجب أشياء لم يظهر ما أظهره إلا لحكمة، ولم يخف ما أخفاه إلا لحكمة أي إن ~~التسبب إلى خفاء ما ظهر منها والتوسل إلى ظهور ما خفي منها يورث اختلال ~~النظام المبسوط على الكون كالحياة الإنسانية المبنية على نظام بدني مؤلف من ~~قوى وأعضاء وأركان لو نقص واحد منها أو زيد شيء عليها أوجب ذلك فقدان أجزاء ~~هامة من الحياة ثم يعتبر ذلك مجرى القوى والأعضاء الباقية، وربما أدى ذلك ~~إلى بطلان الحياة بحقيقتها أو معناها. # ثم إن الآية أبهمت ثانيا أمر هذه الأشياء التي نهت عن السؤال عنها، ولم ~~توضح من أمرها إلا أنها بحيث إن تبد لهم تسؤهم "إلخ"، ومما لا يرتاب فيه أن ~~قوله: "إن تبد لكم تسؤكم" نعت للأشياء، وهي جملة شرطية تدل على تحقق وقوع ~~الجزاء على تقدير وقوع الشرط، ولازمه أن تكون هذه أشياء تسؤهم إن ms2144 أبدئت لهم ~~فطلب إبدائها وإظهارها بالمسألة طلب للمساءة. # فيستشكل بأن الإنسان العاقل لا يطلب ما يسؤه، ولو قيل: لا تسألوا عن ~~أشياء فيها ما إن تبد لكم تسؤكم، أو لا تسألوا عن أشياء لا تأمنون أن ~~تسوءكم إن تبد لكم لم يلزم محذور. # ومن عجيب ما أجيب به عن الإشكال أن من المقرر في قوانين العربية أن شرط ~~"إن" مما لا يقطع بوقوعه، والجزاء تابع للشرط في الوقوع وعدمه فكان التعبير ~~بقوله "إن تبد لكم تسؤكم" دون "إذا أبديت لكم تسؤكم" دالا على أن احتمال ~~إبدائها وكونها تسوء كاف في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها، انتهى موضع ~~الحاجة. # وقد أخطأ في ذلك، وليت شعري أي قانون من قوانين العربية يقرر أن يكون ~~الشرط غير مقطوع الوقوع؟ ثم الجزاء بما هو جزاء متعلق الوجود بالشرط غير ~~مقطوع الوقوع؟ وهل يفيد قولنا: إن جئتني أكرمتك إلا القطع بوقوع الإكرام ~~على تقدير وقوع المجيء؟ فقوله: إن التعبير بالشرط يدل على أن احتمال ~~إبدائها وكونه يسوء كاف في وجوب الانتهاء، انتهى. # إنما يصح لو كان مفاد الشرط في الآية هو النهي عن السؤال عن أشياء يمكن ~~أن تسوء إن أبدئت وليس كذلك كما عرفت بل المفاد النهي عن السؤال أشياء يقطع ~~بمساءتها إن أبدئت، فالإشكال على حاله. PageV06P083 # ويتلو هذا الجواب في الضعف قول بعضهم - على ما في بعض الروايات: أن المراد ~~بقوله: "أشياء إن تبد لكم تسؤكم" ما ربما يهواه بعض النفوس من الاطلاع على ~~بعض المغيبات كالآجال وعواقب الأمور وجريان الخير والشر والكشف عن كل مستور ~~مما لا يخلو العلم به طبعا من أن يتضمن ما يسوء الإنسان ويحزنه كسؤال الرجل ~~عن باقي عمره، وسبب موته، وحسن عاقبته، وعن أبيه من هو؟ وقد كان دائرا ~~بينهم في الجاهلية. # فالمراد بقوله: "لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" هو النهي عن ~~السؤال عن هذه الأمور التي لا يخلو انكشاف الحال فيها غالبا أن يشتمل على ~~ما يسوء الإنسان ويحزنه كظهور أن الأجل قريب، ms2145 أو أن العاقبة وخيمة، أو أن ~~أباه في الواقع غير من يدعى إليه. # فهذه أمور يتضمن غالبا مساءة الإنسان وحزنه، ولا يؤمن من أن يجاب إذا سئل ~~عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يرتضيه السائل فيدعوه ~~الاستكبار النفساني وأنفة العصبية أن يكذب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فيما يجيب به فيكفر بذلك كما يشير إليه قوله تعالى في الآية التالية: "قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين". # وهذا الوجه وإن كان سليما في بادىء النظر لكنه لا يلائم قوله تعالى: "وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم" سواء قلنا: إن مفاده تجويز السؤال عن ~~هذه الأشياء حين نزول القرآن، أو تشديد النهي عنه حين نزول القرآن بالدلالة ~~على أن المجيب - وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - في غير حال نزول ~~القرآن في سعة من أن لا يجيب عن هذه الأسئلة رعاية لمصلحة السائلين لكنها ~~أعني الأشياء المسئول عنها مكشوفة الحقيقة مرفوع عنها الحجاب لا محالة فلا ~~تسألوا عنها حين ينزل القرآن البتة. # أما عدم ملاءمته على المعنى الأول فلأن السؤال عن هذه الأشياء لما اشتمل ~~على المفسدة بحسب طبعه فلا معنى لتجويزه حال نزول القرآن، والمفسدة هي ~~المفسدة. # وأما على المعنى الثاني فلأن حال نزول القرآن وإن كان حال البيان والكشف ~~عن ما يحتاج إلى الكشف والإبداء غير أن هذه الخصيصة مرتبطة بحقائق المعارف ~~وشرائع الأحكام وما يجري مجراها، وأما تعيين أجل زيد وكيفية وفاة عمرو، ~~وتشخيص من هو أبو فلان؟ ونحو ذلك فهي مما لا يرتبط به البيان القرآني، فلا ~~وجه لتذييل النهي عن السؤال عن أشياء كذا وكذا بنحو قوله: "وإن تسئلوا عنها ~~حين ينزل القرآن تبد لكم" وهو ظاهر. # فالأوجه في الجواب ما يستفاد من كلام آخرين أن الآية الثانية: "قد سألها ~~قوم من قبلكم، إلخ" وكذا قوله: "وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم" ~~تدل على أن المسئول عنها أشياء مرتبطة بالأحكام المشرعة كالخصوصيات الراجعة ~~إلى متعلقات ms2146 الأحكام مما ربما يستقصى في البحث عنه والإصرار في المداقة ~~عليه، ونتيجة ذلك ظهور التشديد ونزول التحريج كلما أمعن في السؤال وألح على ~~البحث كما قصه الله سبحانه في قصة البقرة عن بني إسرائيل حيث شدد الله ~~سبحانه بالتضييق عليهم كلما بالغوا في السؤال عن نعوت البقرة التي أمروا ~~بذبحها. # ثم إن قوله تعالى: "عفا الله عنها" الظاهر أنه جملة مستقلة مسوقة لتعليل ~~النهي في قوله: "لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" لا كما ذكروه: أنه ~~وصف لأشياء، وأن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: لا تسألوا عن أشياء ~~عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، "إلخ". # وهذا التعبير - أعني تعدية العفو بعن - أحسن شاهد على أن المراد بالأشياء ~~المذكورة هي الأمور الراجعة إلى الشرائع والأحكام، ولو كانت من قبيل الأمور ~~الكونية كان كالمتعين أن يقال: عفاها الله. # وكيف كان فالتعليل بالعفو يفيد أن المراد بالأشياء هي الخصوصيات الراجعة ~~إلى الأحكام والشرائع والقيود والشرائط العائدة إلى متعلقاتها، وأن السكوت ~~عنها ليس لأنها مغفول عنها أو مما أهمل أمرها بل لم يكن ذلك إلا تخفيفا من ~~الله سبحانه لعباده وتسهيلا كما قال: "والله غفور حليم" فما يقترحونه من ~~السؤال عن خصوصياته تعرض منهم للتضييق والتحريج وهو مما يسوؤهم ويحزنهم ~~البتة فإن في ذلك ردا للعفو الإلهي الذي لم يكن البتة إلا للتسهيل ~~والتخفيف، وتحكيم صفتي المغفرة والحلم الإلهيين. PageV06P084 # فيرجع مفاد قوله: "لا تسئلوا عن أشياء، إلخ" إلى نحو قولنا: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أشياء مسكوت عنها في ~~الشريعة عفا الله عنها ولم يتعرض لبيانها تخفيفا وتسهيلا فإنها بحيث تبين ~~لكم أن تسألوا عنها حين نزول القرآن، وتسوؤكم إن أبدئت لكم وبينت. # وقد تبين مما مر أولا: أن قوله تعالى: "وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم" من تتمة النهي كما عرفت، لا لرفع النهي عن السؤال حين نزول القرآن ~~كما ربما قيل. # وثانيا: أن قوله تعالى: "عفا الله عنها" جملة ms2147 مستقلة مسوقة لتعليل النهي ~~عن السؤال فتفيد فائدة الوصف من غير أن يكون وصفا بحسب التركيب الكلامي. # وثالثا: وجه تذييل الكلام بقوله: "والله غفور حليم" مع كون الكلام مشتملا ~~على النهي غير الملائم لصفتي المغفرة والحلم فالاسمان يعودان إلى مفاد ~~العفو المذكور في قوله: "عفا الله عنها" دون النهي الموضوع في الآية. # قوله تعالى: "قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين" يقال: سأله ~~وسأل عنه بمعنى، و"ثم" يفيد التراخي بحسب الرتبة الكلامية دونه بحسب ~~الزمان. # والباء في قوله: "بها" متعلقة بقوله: "كافرين" على ما هو ظاهر الآية من ~~كونها مسوقة للنهي عن السؤال عما يتعلق بقيود الأحكام والشرائع المسكوت ~~عنها عند التشريع فالكفر كفر بالأحكام من جهة استلزامها تحرج النفوس عنها ~~وتضيق القلوب من قبولها، ويمكن أن تكون الباء للسببية ولا يخلو عن بعد. # والآية وإن أبهمت القوم المذكورين ولم يعرفهم لكن في القرآن الكريم ما ~~يمكن أن تنطبق عليه الآية من القصص كقصة المائدة من قصص النصارى وقصص أخرى ~~من قوم موسى وغيرهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: أخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة ~~قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أيها الناس كتب ~~الله عليكم الحج فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ ~~قال: أما إني لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم اسكتوا عني ما ~~سكت عنكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فأنزل ~~الله: "يا أيها الذين آمنوا - لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" إلى ~~آخر الآية. # أقول: وروي القصة عن أبي هريرة وأبي أمامة وغيرهما عدة من الرواة، ورويت ~~في المجمع وغيره من كتب الخاصة، وهي تنطبق على ما قدمناه في البيان ~~المتقدم. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: في قوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء،" الآية قال: غضب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله ms2148 وسلم) يوما من الأيام فقام خطيبا فقال: سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء ~~إلا أنبأتكم به فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له: عبد الله بن ~~حذاقة وكان يطعن فيه فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: أبوك فلان فدعاه ~~لأبيه فقام إليه عمر فقبل رجله وقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا ولك ~~نبيا وبالقرآن إماما فاعف عنا عفا الله عنك فلم يزل به حتى رضي فيومئذ قال: ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر، وأنزل عليه: "قد سألها قوم من قبلكم". # أقول: والرواية مروية بعدة طرق على اختلاف في متونها، وقد عرفت فيما تقدم ~~أنها غير قابلة الانطباق على الآية. # وفيه، أيضا: أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ثعلبة الخشني ~~قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله حد حدودا فلا ~~تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء ~~في غير نسيان ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها. # وفي المجمع، والصافي، عن علي (عليه السلام) قال: إن الله افترض عليكم ~~فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا ~~تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها. PageV06P085 # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا ~~حدثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه: إن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال ~~فقيل له: يا بن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ قال: إن الله عز وجل يقول: ~~"لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف - أو إصلاح بين ~~الناس" وقال: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم - التي جعل الله لكم قياما" وقال: ~~"لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". # وفي تفسير العياشي، عن أحمد بن محمد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام) وكتب في آخره: أولم تنهوا عن كثرة ms2149 المسائل؟ فأبيتم أن تنتهوا، ~~إياكم وذلك فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فقال الله تبارك وتعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إلى قوله تعالى كافرين". PageV06P086 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 103 - 104 # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا أولو كان ءاباؤهم ~~لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، هذه ~~أصناف من الأنعام كان أهل الجاهلية يرون لها أحكاما مبنية على الاحترام ~~ونوع من التحرير، وقد نفى الله سبحانه أن يكون جعل من ذلك شيئا، فالجعل ~~المنفي متعلق بأوصافها دون ذواتها فإن ذواتها مخلوقة لله سبحانه من غير شك، ~~وكذلك أوصافها من جهة أنها أوصاف فحسب، وإنما الذي تقبل الإسناد إليه تعالى ~~ونفيه هي أوصافها من جهة كونها مصادر لأحكام كانوا يدعونها لها فهي التي ~~تقبل الإسناد ونفيه، فنفي جعل البحيرة وأخواتها في الآية نفي لمشروعية ~~الأحكام المنتسبة إليها المعروفة عندهم. # وهذه الأصناف الأربعة من الأنعام وإن اختلفوا في معنى أسمائها ويتفرع ~~عليه الاختلاف في تشخيص أحكامها كما ستقف عليه، لكن من المسلم أن أحكامها ~~مبنية على نوع من تحريرها والاحترام لها برعاية حالها، ثلاثة منها وهي ~~البحيرة والسائبة والحامي من الإبل، وواحدة وهي الوصيلة من الشاة. # أما البحيرة ففي المجمع،: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان ~~آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها شقا واسعا وامتنعوا عن ركوبها ونحرها، ولا ~~تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى، فإذا لقيها المعيي لم تركبها، عن الزجاج. # وقيل: إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن ~~كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك ~~البحيرة ثم لا يجز لها وبر، ولا يذكر لها اسم الله إن ms2150 ذكيت، ولا حمل عليها، ~~وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئا، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ~~ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت فإذا ماتت اشتركت الرجال والنساء ~~في أكلها، عن ابن عباس، وقيل "إن البحيرة بنت السائبة، عن محمد بن إسحاق". # وأما السائبة ففي المجمع، أنها ما كانوا يسيبونه فإن الرجل إذا نذر ~~القدوم من سفر أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة فكانت ~~كالبحيرة في أن لا ينتفع بها، وأن لا تخلى عن ماء ولا تمنع من مرعى، عن ~~الزجاج، وهو قول علقمة. # وقيل: هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما ~~يشاء فيجيء به إلى السدنة - وهم خدمة آلهتهم - فيطعمون من لبنها أبناء ~~السبيل ونحو ذلك عن ابن عباس وابن مسعود. # وقيل: إن السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سيبت ~~فلم تركبوها، ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من ~~أنثى شق أذنها ثم تخلى سبيلها مع أمها، وهي البحيرة، عن محمد بن إسحاق. # وأما الوصيلة ففي المجمع،: وهي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي ~~لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها ~~فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. # عن الزجاج. # وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع جديا ذبحوه لآلهتهم ~~ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقا، استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ~~ولدت في البطن السابع جديا وعناقا قالوا: إن الأخت وصلت أخاها لحرمته علينا ~~فحرما جميعا فكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود ومقاتل. # وقيل: الوصيلة الشاة إذا تأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت ~~وصيلة فقالوا: قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث عن محمد بن إسحاق. # وأما الحامي ففي المجمع،: هو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب ~~الفحل عشرة أبطن قالوا: قد ms2151 حمى ظهره فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا من ~~مرعى، عن ابن عباس وابن مسعود، وهو قول أبي عبيدة والزجاج. # وقيل: إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب، عن الفراء. PageV06P087 # وهذه الأسماء وإن اختلفوا في تفسيرها إلا أن من المحتمل قريبا أن يكون ذلك ~~الاختلاف ناشئا من اختلاف سلائق الأقوام في سننهم فإن أمثال ذلك كثيرة في ~~السنن الدائرة بين الأقوام الهمجية. # وكيف كان فالآية ناظرة إلى نفي الأحكام التي كانوا قد اختلقوها لهذه ~~الأصناف الأربعة من الأنعام، ناسبين ذلك إلى الله سبحانه بدليل قوله أولا: ~~"ما جعل الله، إلخ" وثانيا: "ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، إلخ". # ولذلك كان قوله: "ولكن الذين كفروا، إلخ" بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر ~~كأنه لما قيل: "ما جعل الله من بحيرة، إلخ" سئل فقيل فما هذا الذي يدعيه ~~هؤلاء الذين كفروا؟ فأجيب بأنه افتراء منهم على الله الكذب ثم زيد في ~~البيان فقيل: "وأكثرهم لا يعقلون" ومفاده أنهم مختلفون في هذا الافتراء ~~فأكثرهم يفترون ما يفترون وهم لا يعقلون، والقليل من هؤلاء المفترين يعقلون ~~الحق وأن ما ينسبونه إليه تعالى من الافتراء، وهم المتبوعون المطاعون ~~لغيرهم المديرون لأزمة أمورهم فهم أهل عناد ولجاج. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله، إلى آخر" الآية في ~~حكاية دعوتهم إلى ما أنزل الله إلى الرسول الذي شأنه البلاغ، فقط فالدعوة ~~دعوة إلى الحق وهو الصدق الخالي عن الفرية، والعلم المبرى من الجهل فإن ~~الآية السابقة تجمع الافتراء وعدم التعقل في جانبهم فلا يبقى لما يدعون ~~إليه - أعني جانب الله سبحانه - إلا الصدق والعلم. # لكنهم ما دفعوه إلا بالتقليد حيث قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، ~~والتقليد وإن كان حقا في بعض الأحيان وعلى بعض الشروط وهو رجوع الجاهل إلى ~~العالم، وهو مما استقر عليه سير المجتمع الإنساني في جميع أحكام الحياة ~~التي لا يتيسر فيها للإنسان أن يحصل العلم بما يحتاج إلى سلوكه من الطريق ~~الحيوي، ms2152 لكن تقليد الجاهل في جهله بمعنى رجوع الجاهل إلى جاهل آخر مثله ~~مذموم في سنة العقلاء كما يذم رجوع العالم إلى عالم آخر بترك ما يستقل ~~بعمله من نفسه والأخذ بما يعلم غيره. # ولذلك رده تعالى بقوله: "أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون" ~~ومفاده أن العقل - لو كان هناك عقل - لا يبيح للإنسان الرجوع إلى من لا علم ~~عنده ولا اهتداء فهذه سنة الحياة لا تبيح سلوك طريق لا تؤمن مخاطره، ولا ~~يعلم وصفه لا بالاستقلال ولا باتباع من له به خبرة. # ولعل إضافة قوله: "ولا يهتدون" إلى قوله: "لا يعلمون شيئا" لتتميم قيود ~~الكلام بحسب الحقيقة، فإن رجوع الجاهل إلى مثله وإن كان مذموما لكنه إنما ~~يذم إذا كان المسئول المتبوع مثل السائل التابع في جهله لا يمتاز عنه بشيء، ~~وأما إذا كان المتبوع نفسه يسلك الطريق بهداية عالم خبير به ودلالته فهو ~~مهتد في سلوكه، ولا ذم على من اتبعه في مسيره وقلده في سلوك الطريق، فإن ~~الأمر ينتهي إلى العلم بالآخرة كمن يتبع عالما بأمر الطريق ثم يتبعه آخر ~~جاهل به. # ومن هنا يتضح أن قوله: "أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا" غير كاف في تمام ~~الحجة عليهم لاحتمال أن يكون آباءهم الذين اتبعوهم بالتقليد مهتدين بتقليد ~~العلماء الهداة فلا يجري فيهم حكم الذم، ولا تتم عليهم الحجة فدفع ذلك بأن ~~آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون، ولا مسوغ لاتباع من هذا حاله. # ولما تحصل من الآية الأولى أعني قوله: "ما جعل الله من بحيرة، إلخ" أنهم ~~بين من لا يعقل شيئا وهم الأكثرون، ومن هو معاند مستكبر تحصل أنهم بمعزل من ~~أهلية توجيه الخطاب وإلقاء الحجة ولذلك لم تلق إليهم الحجة في الآية ~~الثانية بنحو التخاطب بل سيق الكلام على خطاب غيرهم والصفح عن مواجهتهم ~~فقيل: "أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون". # وقد تقدم في الجزء الأول من أجزاء هذا الكتاب بحث علمي أخلاقي في معنى ~~التقليد يمكنك أن تراجعه. # ويتبين من ms2153 الآية أن الرجوع إلى كتاب الله وإلى رسوله - وهو الرجوع إلى ~~السنة - ليس من التقليد المذموم في شيء. PageV06P088 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن الصدوق بإسناده إلى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله عز وجل: "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة - ولا ~~وصيلة ولا حام" قال: إن أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن ~~واحد قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها، وإذا ولدت عشرا جعلوها ~~سائبة، ولا يستحلون ظهرها ولا أكلها، والحام فحل الإبل لم يكونوا يستحلونه ~~فأنزل الله: أنه لم يكن يحرم شيئا من ذلك. # قال: ثم قال ابن بابويه: وقد روي: أن البحيرة الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن ~~وإن كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى ~~بحروا أذنها أي شقوها وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها فإذا ماتت حلت ~~للنساء، والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل أن سلمه الله من مرض أو ~~بلغه منزله أن يفعل ذلك. والوصيلة من الغنم، كانوا إذا ولدت شاة سبعة أبطن ~~فكان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم ~~وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم تذبح وكان لحمها حراما على ~~النساء إلا أن تموت منها شيء فيحل أكلها للرجال والنساء. والحام الفحل إذا ~~ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره، قال: وقد يروى: أن الحام هو من الإبل إذا ~~أنتج عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ماء. # أقول: ومن طرق الشيعة وأهل السنة روايات أخر في معاني هذه الأسماء: ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقد مر شطر منها في الكلام المنقول عن ~~الطبرسي في مجمع البيان، في البيان المتقدم. # والمتيقن من معانيها - كما عرفت - أن هذه الأصناف من الأنعام كانت في ~~الجاهلية محررة نوعا من التحرير ذات أحكام مناسبة لذلك كحماية الظهر وحرمة ~~أكل اللحم وعدم المنع من الماء والكلاء، وأن الوصيلة من ms2154 الغنم والثلاثة ~~الباقية من الإبل. # وفي المجمع،: روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن عمرو ~~بن لحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، ~~واتخذ الأصنام ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، ~~وحمى الحامي. # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فلقد رأيته في النار يؤذي أهل ~~النار ريح قصبه، ويروى يجر قصبه في النار. # أقول: وروي في الدر المنثور، هذا المعنى بعدة طرق عن ابن عباس وغيره. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لأعرف ~~أول من سيب السوائب، ونصب النصب، وأول من غير دين إبراهيم، قالوا: من هو يا ~~رسول الله؟ قال: عمرو بن لحي أخو بني كعب لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ~~أهل النار ريح قصبه. وإني لأعرف من نحر النحائر، قالوا: من هو يا رسول ~~الله؟ قال: رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجذع آذانهما وحرم ألبانهما ~~وظهورهما وقال: هاتان لله ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما وركب ظهورهما. ~~قال: فلقد رأيته في النار، وهما يقصمانه بأفواههما ويطئانه بأخفافهما. # وفيه،: أخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي ~~الأحوص، عن أبيه قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خلقان ~~من الثياب فقال لي: هل لك من مال؟ قلت: نعم قال: من أي المال؟ قلت: من كل ~~المال: من الإبل والغنم والخيل والرقيق قال: فإذا آتاك الله فلير عليك. ثم ~~قال: تنتج إبلك رافية آذانها؟ قلت: نعم وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: ~~فلعلك تأخذ موسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحر، وتشق آذان طائفة ~~منها وتقول: هذه الصرم؟ قلت: نعم، قال: فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حل، ms2155 ~~ثم قال: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. PageV06P089 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 105 # يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) ### |||| AUTO بيان # الآية تأمر المؤمنين أن يلزموا أنفسهم، ويلازموا سبيل هدايتهم ولا يوحشهم ~~ضلال من ضل من الناس فإن الله سبحانه هو المرجع الحاكم على الجميع حسب ~~أعمالهم، والكلام مع ذلك لا يخلو عن غور عميق. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم" لفظة "عليكم" اسم فعل بمعنى ألزموا، و"أنفسكم" مفعوله. # ومن المعلوم أن الضلال والاهتداء - وهما معنيان متقابلان - إنما يتحققان ~~في سلوك الطريق لا غير فالملازم لمتن الطريق ينتهي إلى ما ينتهي إليه ~~الطريق، وهو الغاية المطلوبة التي يقصدها الإنسان السالك في سلوكه، أما إذا ~~استهان بذلك وخرج عن مستوى الطريق فهو الضلال الذي تفوت به الغاية المقصودة ~~فالآية تقدر للإنسان طريقا يسلكه ومقصدا يقصده غير أنه ربما لزم الطريق ~~فاهتدى إليه أو فسق عنه فضل وليس هناك مقصد يقصده القاصد إلا الحياة ~~السعيدة، والعاقبة الحسنى بلا ريب لكنها مع ذلك تنطق بأن الله سبحانه هو ~~المرجع الذي يرجع إليه الجميع: المهتدي والضال. # فالثواب الذي يريده الإنسان في مسيره بالفطرة إنما هو عند الله سبحانه ~~يناله المهتدون، ويحرم عنه الضلال، ولازم ذلك أن يكون جميع الطرق المسلوكة ~~لأهل الهداية والطرق المسلوكة لأهل الضلال تنتهي إلى الله سبحانه، وعنده ~~سبحانه الغاية المقصودة وإن كانت تلك الطرق مختلفة في إيصال الإنسان إلى ~~البغية والفوز والفلاح أو ضربه بالخيبة والخسران، وكذلك في القرب والبعد ~~كما قال تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": ~~"الإنشقاق: 6" وقال تعالى: "ألا إن حزب الله هم المفلحون": "المجادلة: 22" ~~وقال تعالى: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار": إبراهيم: 28" وقال تعالى: "فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون": "البقرة: 168" وقال ms2156 تعالى: ~~"والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان ~~بعيد": "حم السجدة: 44". # بين تعالى في هذه الآيات أن الجميع سائرون إليه سبحانه سيرا لا مناص لهم ~~عنه، غير أن طريق بعضهم قصير وفيه الرشد والفلاح، وطريق آخرين طويل لا ~~ينتهي إلى سعادة، ولا يعود إلى سالكه إلا الهلاك والبوار. # وبالجملة فالآية تقدر للمؤمنين وغيرهم طريقين اثنين ينتهيان إلى الله ~~سبحانه، وتأمر المؤمنين بأن يشتغلوا بأنفسهم وينصرفوا عن غيرهم وهم أهل ~~الضلال من الناس ولا يقعوا فيهم ولا يخافوا ضلالهم فإنما حسابهم على ربهم ~~لا على المؤمنين وليسوا بمسئولين عنهم حتى يهمهم أمرهم فالآية قريبة ~~المضمون من قوله تعالى: "قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~ليجزي قوما بما كانوا يكسبون": "الجاثية: 14" ونظيرها قوله تعالى: "تلك أمة ~~قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون": "البقرة: 143". # فعلى المؤمن أن يشتغل بما يهم نفسه من سلوك سبيل الهدى، ولا يهزهزه ما ~~يشاهده من ضلال الناس وشيوع المعاصي بينهم ولا يشغله ذلك ولا يشتغل بهم ~~فالحق حق وإن ترك والباطل باطل وإن أخذ به كما قال تعالى: "قل لا يستوي ~~الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم ~~تفلحون": "المائدة: 100" وقال تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة": "حم ~~السجدة: 34". # فقوله تعالى: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" بناء على ما مر مسوق سوق ~~الكناية أريد به نهي المؤمنين عن التأثر من ضلال من ضل من الناس فيحملهم ~~ذلك على ترك طريق الهداية كأن يقولوا: إن الدنيا الحاضرة لا تساعد الدين ~~ولا تبيح التنحل بالمعنويات فإنما ذلك من السنن الساذجة وقد مضى زمنه ~~وانقرض أهله، قال تعالى: "وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا": ~~"القصص: 57". PageV06P090 # أو يخافوا ضلالهم على هدى أنفسهم فيشتغلوا بهم وينسوا أنفسهم فيصيروا مثلهم ~~فإنما الواجب على المؤمن هو الدعوة إلى ربه والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وبالجملة الأخذ بالأسباب العادية ثم إيكال أمر ms2157 المسببات إلى الله ~~سبحانه فإليه الأمر كله، فأما أن يهلك نفسه في سبيل إنقاذ الغير من الهلكة ~~فلم يؤمر به، ولا يؤاخذ بعمل غيره، وما هو عليه بوكيل، وعلى هذا فتصير ~~الآية في معنى قوله تعالى: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا، إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا، ~~وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": "الكهف: 8"، وقوله تعالى: "ولو أن ~~قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر ~~جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا": "الرعد: ~~31" ونحو ذلك. # وقد تبين بهذا البيان أن الآية لا تنافي آيات الدعوة وآيات الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الآية إنما تنهى المؤمنين عن الاشتغال بضلال ~~الناس عن اهتداء أنفسهم وإهلاك أنفسهم في سبيل إنقاذ غيرهم وإنجائه. # على أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شئون اشتغال ~~المؤمن بنفسه وسلوكه سبيل ربه، وكيف يمكن أن تنافي الآية آيات الدعوة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تنسخها؟ وقد عدهما الله سبحانه من ~~مشخصات هذا الدين وأسسه التي بني عليها كما قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني": "يوسف: 180" وقال تعالى: "كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر": "آل عمران: 101". # فعلى المؤمن أن يدعو إلى الله على بصيرة وأن يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر على سبيل أداء الفريضة الإلهية وليس عليه أن يجيش ويهلك نفسه حزنا ~~أو يبالغ في الجد في تأثير ذلك في نفوس أهل الضلال فذلك موضوع عنه. # وإذا كانت الآية قدرت للمؤمنين طريقا فيه اهتداؤهم ولغيرهم طريقا من شأنه ~~ضلال سالكيه، ثم أمر المؤمنين في قوله: "عليكم أنفسكم" بلزوم أنفسهم كان ~~فيه دلالة على أن نفس المؤمن هو الطريق الذي يؤمر بسلوكه ولزومه فإن الحث ~~على الطريق إنما يلائم الحث على لزومه والتحذير من تركه لا على لزوم سالك ~~الطريق ms2158 كما نشاهده في مثل قوله تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": "الأنعام: 135". # فأمره تعالى المؤمنين بلزوم أنفسهم في مقام الحث على التحفظ على طريق ~~هدايتهم يفيد أن الطريق الذي يجب عليهم سلوكه ولزومه هو أنفسهم، فنفس ~~المؤمن هو طريقه الذي يسلكه إلى ربه وهو طريق هداه، وهو المنتهى به إلى ~~سعادته. # فالآية تجلي الغرض الذي تؤمه إجمالا آيات أخرى كقوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون": ~~"الحشر: 20". # فالآيات تأمر بأن تنظر النفس وتراقب صالح عملها الذي هو زادها غدا وخير ~~الزاد التقوى فللنفس يوم وغد وهي في سير وحركة على مسافة، والغاية هو الله ~~سبحانه وعنده حسن الثواب وهو الجنة فعليها أن تدوم على ذكر ربها ولا تنساه ~~فإنه سبحانه هو الغاية، ونسيان الغاية يستعقب نسيان الطريق فمن نسي ربه نسي ~~نفسه، ولم يعد لغده ومستقبل مسيره زادا يتزود به ويعيش باستعماله وهو ~~الهلاك، وهذا معنى ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~من عرف نفسه فقد عرف ربه. # وهذا المعنى هو الذي يؤيده التدبر التام والاعتبار الصحيح فإن الإنسان في ~~مسير حياته إلى أي غاية امتدت لا هم له في الحقيقة إلا خير نفسه وسعادة ~~حياته وإن اشتغل في ظاهر الأمر ببعض ما يعود نفعه إلى غيره، قال تعالى: "إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها". PageV06P091 # وليس هناك إلا هذا الإنسان الذي يتطور طورا بعد طور، ويركب طبقا عن طبق من ~~جنين وصبي وشاب وكهل وشيخ ثم الذي يديم الحياة في البرزخ ثم يوم القيامة ثم ~~ما بعده من جنة أو نار، فهذه هي المسافة التي يقطعها الإنسان من موقفه في ~~أول تكونه إلى أن ينتهي إلى ربه، قال تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى": ~~"النجم: 42". # وهو ms2159 الإنسان لا يطأ موطأ في مسيره ولا يسير ولا يسري إلا بأعمال قلبية هي ~~الاعتقادات ونحوها وأعمال جوارحية صالحة، أو طالحة وما أنتجه عمله يوما كان ~~هو زاده غدا فالنفس هو طريق الإنسان إلى ربه، والله سبحانه هو غايته في مسيره. # وهذا طريق اضطراري لا مناص للإنسان عن سلوكه كما يدل عليه قوله تعالى: ~~"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": "الإنشقاق: 6" فهذا طريق ~~ضروري السلوك يشترك فيه المؤمن والكافر والملتفت المتنبه والغافل العامة، ~~والآية لا تريد الحث على لزومه بمعنى البعث على سلوكه ممن لا يسلك. # وإنما تريد الآية تنبيه المؤمنين على هذه الحقيقة بعد غفلتهم عنها، فإن ~~هذه الحقيقة كسائر الحقائق التكوينية وإن كانت ثابتة غير متغيرة بالعلم ~~والجهل لكن التفات الإنسان إليها يؤثر في عمله تأثيرا بارزا، والأعمال التي ~~تربي النفس الإنسانية تربية مناسبة لسنخها وإذا كان العمل ملائما لواقع ~~الأمر مناسبا لغاية الصنع والإيجاد كانت النفس المستكملة بها سعيدة في ~~جدها، غير خائبة في سعيها ولا خاسرة في صفقتها، وقد مر بيان ذلك في مواضع ~~كثيرة من هذا الكتاب بما لا يبقى معه ريب. # وتوضيح ذلك بما يناسب هذا المقام أن الإنسان كغيره من خلق الله سبحانه ~~واقع تحت التربية الإلهية من دون أن يفوته تعالى شيء من أمره، وقد قال ~~تعالى: "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم": "هود: ~~56" وهذه تربية تكوينية على حد ما يربي الله سبحانه غيره من الأمور، في ~~مسيرها جميعا إليه تعالى، وقد قال: "ألا إلى الله تصير الأمور": "الشورى: ~~53" ولا يتفاوت الأمر ولا يختلف الحال في هذه التربية بين شيء وشيء فإن ~~الصراط مستقيم، والأمر متشابه مطرد، وقد قال تعالى أيضا: "ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت": "الملك: 3". # وقد جعل سبحانه غاية الإنسان وما ينتهي إليه أمره ويستقر عليه عاقبته من ~~حيث السعادة والشقاوة والفلاح والخيبة مبنية على أحوال وأخلاق نفسانية ~~مبنية على أعمال من الإنسان تنقسم تلك الأعمال إلى صالحة وطالحة ms2160 وتقوى ~~وفجور كما قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من ~~زكاها وقد خاب من دساها": "الشمس: 10" فالآيات - كما ترى - تضع النفس ~~المسواة في جانب وهو مبدأ الحال، والفلاح والخيبة في جانب وهو الغاية ~~ومنتهى المسير، ثم تبني الغايتين أعني الفلاح والخيبة على تزكية النفس ~~وتدسيتها وذلك مرحلة الأخلاق، ثم تبني الفضيلة والرذيلة على التقوى والفجور ~~أعني الأعمال الصالحة والطالحة التي تنطق الآيات بأن الإنسان ملهم بها من ~~جانب الله تعالى. # والآيات في بيانها لا تتعدى طور النفس بمعنى أنها تعتبر النفس هي ~~المخلوقة المسواة وهي التي أضيف إليها الفجور والتقوى، وهي التي تزكى ~~وتدسى، وهي التي يفلح فيها الإنسان ويخيب، وهذا كما عرفت جري على مقتضى ~~التكوين. # لكن هذه الحقيقة التكوينية أعني كون الإنسان في حياته سائرا في مسير نفسه ~~لا يسعه التخطي عنها ولو بخطوة، ولا تركها والخروج منها ولو لحظة، لا ~~يتساوى حال من تنبه له وتذكر به تذكرا لازما لا يتطرق إليه نسيان، وحال من ~~غفل عنه ونسي الواقع الذي لا مفر له منه، وقد قال تعالى: "هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب": "الزمر: 9". # وقال تعالى: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى": "طه: 162". PageV06P092 # وذلك أن المتنبه إلى هذه الحقيقة حيثما يلتفت إلى حقيقة موقفه من ربه ~~ونسبته إلى سائر أجزاء العالم وجد نفسه منقطعة عن غيره وقد كان يجدها على ~~غير هذا النعت ومضروبا دونها الحجاب لا يمسها بالإحاطة والتأثير إلا ربها ~~المدبر لأمرها الذي يدفعها من ورائها ويجذبها إلى قدامها بقدرته وهدايته، ~~ووجدها خالية بربها ليس لها من دونه من وال، وعند ذلك يفقه معنى قوله ~~تعالى: "إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون" بعد قوله: "عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ومعنى قوله تعالى: ms2161 "أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها": "الأنعام: 122". # وعند ذلك يتبدل إدراك النفس وشعورها، ويهاجر من موطن الشرك إلى موقف ~~العبودية ومقام التوحيد ولا يزال يعوض شركا من توحيد وتوهما من تحقق وبعدا ~~من قرب واستكبارا شيطانيا من تواضع رحماني واستغناء وهميا من فقر عبودي إن ~~أخذت بيدها العناية الإلهية وساقها سائق التوفيق. # ونحن وإن كان لا يسعنا أن نفقه هذه المعاني حق الفقه لمكان إخلادنا إلى ~~الأرض واشتغالنا عن الغوص في أغوار هذه الحقائق التي يكشف عنها الدين ويشير ~~إليها الكتاب الإلهي بما لا يعنينا من فضولات هذه الحياة الفانية التي لا ~~يعرفها الكلام الإلهي في بيانه إلا بأنها لعب ولهو كما قال تعالى: "وما ~~الحياة الدنيا إلا لعب ولهو": "الأنعام: 32" وقال تعالى: "ذلك مبلغهم من ~~العلم": "النجم: 30". # إلا أن الاعتبار الصحيح والبحث البالغ والتدبر الوافي يوصلنا إلى التصديق ~~بكلياتها إجمالا وإن قصرنا عن إحصاء التفاصيل والله الهادي. # ولعلنا خرجنا عن طور الاختصار فلنرجع إلى أول الكلام فنقول: وتسع الآية ~~أن تحمل على الخطاب الاجتماعي بأن يكون المخاطب بقوله: "يا أيها الذين ~~آمنوا" مجتمع المؤمنين فيكون المراد بقوله: "عليكم أنفسكم" هو إصلاح ~~المؤمنين مجتمعهم الإسلامي باتخاذ صفة الاهتداء بالهداية الإلهية بأن ~~يحتفظوا على معارفهم الدينية والأعمال الصالحة والشعائر الإسلامية العامة ~~كما قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا": "آل عمران: 130" ~~وقد تقدم في تفسيره أن المراد بهذا الاعتصام الاجتماعي الأخذ بالكتاب ~~والسنة. # ويكون قوله: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" يراد به أنهم في أمن من إضرار ~~المجتمعات الضالة غير الإسلامية فليس من الواجب على المسلمين أن يبالغوا ~~الجد في انتشار الإسلام بين الطوائف غير المسلمة أزيد من الدعوة المتعارفة ~~كما تقدم. # أو أنه لا يجوز لهم أن ينسلوا مما بأيديهم من الهدى من مشاهدة ما عليه ~~المجتمعات الضالة من الانهماك في الشهوات والتمتع من مزايا العيش الباطلة ~~فإن الجميع مرجعهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يعملون، ms2162 وتجري الآية على هذا ~~مجرى قوله تعالى: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم ~~مأواهم جهنم وبئس المهاد": "آل عمران: 179"، وقوله: "ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا": طه: 113". # وهنا معنى آخر لقوله: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" من جهة أن المنفي في ~~الآية هو الإضرار المنسوب إلى نفس الضالين دون شيء معين من صفاتهم أو ~~أعمالهم فتفيد الإطلاق، ويكون المعنى نفي أن يكون الكفار ضارين للمجتمع ~~الإسلامي بتبديله مجتمعا غير إسلامي بقوة قهرية فتكون الآية مسوقة سوق قوله ~~تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون": "المائدة: 3"، ~~وقوله: "لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار": "آل عمران: 111". # وقد ذكر جمع من مفسري السلف أن مفاد الآية هو الترخيص في ترك الدعوة ~~الدينية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكروا أن الآية خاصة تختص ~~بزمان أو حال لا يوجد فيه شرط الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وهو الأمن من الضرر وقد رووا في ذلك روايات ستأتي الإشارة إليها في البحث ~~الروائي الآتي. # ولازم هذا المعنى أن يكون قوله: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" كناية عن ~~انتفاء التكليف أي لا تكليف عليكم في ذلك وإلا فتضرر المجتمع الديني من ~~شيوع الضلال من كفر أو فسق مما لا يرتاب فيه ذو ريب. PageV06P093 # لكن ذلك معنى بعيد لا يحتمله سياق الآية فإن الآية لو أخذت مخصصة لعمومات ~~وجوب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلسانها ليس لسان التخصيص، ~~وإن أخذت ناسخة فآيات الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آبية من ~~النسخ، وللكلام تتمة ستوافيك. ### |||| AUTO بحث روائي # في الغرر والدرر، للآمدي عن علي (عليه السلام) قال: من عرف نفسه عرف ~~ربه:. أقول: ورواه الفريقان عن النبي أيضا، وهو حديث مشهور، وقد ذكر بعض ~~العلماء: أنه من تعليق المحال، ومفاده استحالة معرفة النفس لاستحالة ~~الإحاطة العلمية بالله سبحانه ورد أولا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~رواية أخرى: أعرفكم بنفسه ms2163 أعرفكم بربه، وثانيا بأن الحديث في معنى عكس ~~النقيض لقوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم". # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: الكيس من عرف نفسه وأخلص أعماله. # أقول: تقدم في البيان السابق معنى ارتباط الإخلاص وتفرعه على الاشتغال ~~بمعرفة النفس. # وفيه عنه (عليه السلام): قال: المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين. # أقول: الظاهر أن المراد بالمعرفتين المعرفة بالآيات الأنفسية والمعرفة ~~بالآيات الآفاقية، قال تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد": "حم السجدة: 53" ~~وقال تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون": ~~"الذاريات: 21". # وكون السير الأنفسي أنفع من السير الآفاقي لعله لكون المعرفة النفسانية ~~لا تنفك عادة من إصلاح أوصافها وأعمالها بخلاف المعرفة الآفاقية، وذلك أن ~~كون معرفة الآيات نافعة إنما هو لأن معرفة الآيات بما هي آيات موصلة إلى ~~معرفة الله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله ككونه تعالى حيا لا يعرضه موت، ~~وقادرا لا يشوبه عجز، وعالما لا يخالطه جهل، وأنه تعالى هو الخالق لكل شيء، ~~والمالك لكل شيء، والرب القائم على كل نفس بما كسبت، خلق الخلق لا لحاجة ~~منه إليهم بل لينعم عليهم بما استحقوه ثم يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه ~~ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. # وهذه وأمثالها معارف حقة إذا تناولها الإنسان وأتقنها مثلت له حقيقة ~~حياته، وأنها حياة مؤبدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة، وليست بتلك ~~المتهوسة المنقطعة اللاهية اللاغية، وهذا موقف علمي يهدي الإنسان إلى ~~تكاليف ووظائف بالنسبة إلى ربه وبالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا ~~والحياة الآخرة، وهي التي نسميها بالدين، فإن السنة التي يلتزمها الإنسان ~~في حياته، ولا يخلو عنها حتى البدوي والهمجي إنما يضعها ويلتزمها أو يأخذها ~~ويلتزمها لنفسه من حيث إنه يقدر لنفسه نوعا من الحياة أي نوع كان، ثم يعمل ~~بما استحسنه من السنة لإسعاد تلك الحياة، وهذا من الوضوح بمكان. # فالحياة التي يقدرها الإنسان لنفسه تمثل له الحوائج المناسبة ms2164 لها فيهتدي ~~بها إلى الأعمال التي تضمن عادة رفع تلك الحوائج فيطبق الإنسان عمله عليها ~~وهو السنة أو الدين. # فتخلص مما ذكرنا أن النظر في الآيات الأنفسية والآفاقية ومعرفة الله ~~سبحانه بها يهدي الإنسان إلى التمسك بالدين الحق والشريعة الإلهية من جهة ~~تمثيل المعرفة المذكورة الحياة الإنسانية المؤبدة له عند ذلك، وتعلقها ~~بالتوحيد والمعاد والنبوة. # وهذه هداية إلى الإيمان والتقوى يشترك فيها الطريقان معا أعني طريقي ~~النظر إلى الآفاق والأنفس فهما نافعان جميعا غير أن النظر إلى آيات النفس ~~أنفع فإنه لا يخلو من العثور على ذات النفس وقواها وأدواتها الروحية ~~والبدنية وما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها والملكات ~~الفاضلة أو الرذيلة، والأحوال الحسنة أو السيئة التي تقارنها. # واشتغال الإنسان بمعرفة هذه الأمور والإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر ~~وسعادة أو شقاوة لا ينفك من أن يعرفه الداء والدواء من موقف قريب فيشتغل ~~بإصلاح الفاسد منها، والالتزام بصحيحها بخلاف النظر في الآيات الآفاقية ~~فإنه وإن دعا إلى إصلاح النفس وتطهيرها من سفاسف الأخلاق ورذائلها، ~~وتحليتها بالفضائل الروحية لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد، وهو ظاهر. PageV06P094 # وللرواية معنى آخر أدق مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس وهو ~~أن النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري وعلم حصولي ~~بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلية منها فإنه ~~نظر شهودي وعلم حضوري، والتصديق الفكري يحتاج في تحققه إلى نظم الأقيسة ~~واستعمال البرهان، وهو باق ما دام الإنسان متوجها إلى مقدماته غير ذاهل ~~عنها ولا مشتغل بغيرها، ولذلك يزول العلم بزوال الإشراف على دليله وتكثر ~~فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف. # وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فإنه من العيان ~~فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه، وشاهد فقرها إلى ربها، وحاجتها ~~في جميع أطوار وجودها، وجد أمرا عجيبا وجد نفسه متعلقة بالعظمة والكبرياء ~~متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبها ~~وسائر صفاتها وأفعالها بما لا يتناهى بهاء ms2165 وسناء وجمالا وجلالا وكمالا من ~~الوجود والحياة والعلم والقدرة، وغيرها من كل كمال. # وشاهد ما تقدم بيانه أن النفس الإنسانية لا شأن لها إلا في نفسها، ولا ~~مخرج لها من نفسها، ولا شغل لها إلا السير الاضطراري في مسير نفسها، وأنها ~~منقطعة عن كل شيء كانت تظن أنها مجتمعة معه مختلطة به إلا ربها المحيط ~~بباطنها وظاهرها وكل شيء دونها فوجدت أنها دائما في خلإ مع ربها وإن كانت ~~في ملإ من الناس. # وعند ذلك تنصرف عن كل شيء وتتوجه إلى ربها وتنسى كل شيء وتذكر ربها فلا ~~يحجبه عنها حجاب ولا تستتر عنه بستر وهو حق المعرفة الذي قدر لإنسان. # وهذه المعرفة الأحرى بها أن تسمى بمعرفة الله بالله، وأما المعرفة ~~الفكرية التي يفيدها النظر في الآيات الآفاقية سواء حصلت من قياس أو حدس أو ~~غير ذلك فإنما هي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية، وجل الإله أن يحيط به ~~ذهن أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه، ولا يحيطون به علما. # وقد روي في الإرشاد، والإحتجاج، على ما في البحار عن الشعبي عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: إن الله أجل من أن يحتجب عن شيء أو ~~يحتجب عنه شيء. # وفي التوحيد، عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في كلام له: ليس بينه وبين ~~خلقه حجاب غير خلقه احتجب بغير حجاب محجوب واستتر بغير ستر مستور لا إله ~~إلا هو الكبير المتعال. # وفي التوحيد، مسندا عن عبد الأعلى عن الصادق (عليه السلام) في حديث: ومن ~~زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن الحجاب والصورة ~~والمثال غيره، وإنما هو واحد موحد فكيف يوحد من زعم أنه يوحده بغيره إنما ~~عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنما يعرف غيره، ~~الحديث. # والأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في معنى ما قدمناه ~~كثيرة جدا لعل الله يوفقنا لإيرادها وشرحها في ما سيأتي إن شاء الله العزيز ms2166 ~~من تفسير سورة الأعراف. # فقد تحصل أن النظر في آيات الأنفس أنفس وأغلى قيمة وأنه هو المنتج لحقيقة ~~المعرفة فحسب، وعلى هذا فعده (عليه السلام) إياها أنفع المعرفتين لا معرفة ~~متعينة إنما هو لأن العامة من الناس قاصرون عن نيلها، وقد أطبق الكتاب ~~والسنة وجرت السيرة الطاهرة النبوية وسيرة أهل بيته الطاهرين على قبول من ~~آمن بالله عن نظر آفاقي وهو النظر الشائع بين المؤمنين فالطريقان نافعان ~~جميعا لكن النفع في طريق النفس أتم وأغزر. # وفي الدرر والغرر، عن علي (عليه السلام) قال: العارف من عرف نفسه فأعتقها ~~ونزهها عن كل ما يبعدها. # أقول: أي أعتقها عن إسارة الهوى ورقية الشهوات. # وفيه، عنه (عليه السلام) قال: أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: أعظم الحكمة معرفة الإنسان نفسه. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه. # أقول: وذلك لكونه أعلمهم بربه وأعرفهم به، وقد قال الله سبحانه: "إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء". # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه فمن عرف ~~نفسه عقل، ومن جهلها ضل. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: عجبت لمن ينشد ضالته، وقد أضل نفسه فلا ~~يطلبها. # وفيه، عنه (عليه السلام) قال: عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه؟. PageV06P095 # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه. # أقول: وقد تقدم وجه كونها غاية المعرفة فإنها المعرفة حقيقة. # وفيه، عنه (عليه السلام) قال: كيف يعرف غيره من يجهل نفسه. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه، وكفى ~~بالمرء جهلا أن يجهل نفسه. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: من عرف نفسه تجرد. # أقول: أي تجرد عن علائق الدنيا، أو تجرد عن الناس بالاعتزال عنهم أو تجرد ~~عن كل شيء بالإخلاص لله. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: من عرف نفسه جاهدها ومن جهل نفسه أهملها. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: من عرف نفسه جل أمره. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: من عرف ms2167 نفسه كان لغيره أعرف ومن جهل نفسه ~~كان بغيره أجهل. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النجاة، وخبط ~~في الضلال والجهالات. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: معرفة النفس أنفع المعارف. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس. # وفيه، عنه (عليه السلام): قال: لا تجهل نفسك فإن الجاهل معرفة نفسه جاهل ~~بكل شيء. # وفي تحف العقول، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: من زعم أنه يعرف الله ~~بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقر ~~بالطعن لأن الاسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله ~~شريكا، ومن زعم أنه يعبد بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم ~~أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير، وما قدروا الله حق قدره. قيل ~~له: فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود إن معرفة ~~عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه. قيل: وكيف يعرف عين ~~الشاهد قبل صفته؟ قال: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك من ~~نفسك، وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف: "إنك لأنت يوسف" قال: "أنا ~~يوسف وهذا أخي" فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره، ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم ~~القلوب، الحديث. # أقول: قد أوضحنا في ذيل قوله (عليه السلام) المعرفة بالنفس أنفع ~~المعرفتين الرواية الثانية من الباب أن الإنسان إذا اشتغل بآية نفسه وخلا ~~بها عن غيرها انقطع إلى ربه من كل شيء، وعقب ذلك معرفة ربه معرفة بلا توسيط ~~وسط، وعلما بلا تسبيب سبب إذ الانقطاع يرفع كل حجاب مضروب، وعند ذلك يذهل ~~الإنسان بمشاهدة ساحة العظمة والكبرياء عن نفسه، وأحرى بهذه المعرفة أن ~~تسمى معرفة الله بالله. # وانكشف له عند ذلك من حقيقة نفسه أنها الفقيرة إلى الله سبحانه المملوكة ~~له ms2168 ملكا لا تستقل بشيء دونه، وهذا هو المراد بقوله (عليه السلام): "تعرف ~~نفسك به، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم أن ما فيه له وبه". # وفي هذا المعنى ما رواه المسعودي في إثبات الوصية، عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قال في خطبة له: "فسبحانك ملأت كل شيء وباينت كل شيء فأنت لا ~~يفقدك شيء وأنت الفعال لما تشاء تباركت يا من كل مدرك من خلقه، وكل محدود ~~من صنعه. إلى أن قال سبحانك أي عين تقوم نصب بهاء نورك، وترقى إلى نور ضياء ~~قدرتك، وأي فهم يفهم ما دون ذلك إلا أبصار كشفت عنها الأغطية، وهتكت عنها ~~الحجب العمية، فرقت أرواحها على أطراف أجنحة الأرواح، فناجوك في أركانك، ~~وولجوا بين أنوار بهائك، ونظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك، فسماهم ~~أهل الملكوت زوارا، ودعاهم أهل الجبروت عمارا". PageV06P096 # وفي البحار، عن إرشاد الديلمي، وذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث وفيه: "فمن ~~عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال: أعرفه شكرا لا يخالطه الجهل وذكرا لا يخالطه ~~النسيان، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين. فإذا أحبني أحببته، ~~وأفتح عين قلبه إلى جلالي، ولا أخفي عليه خاصة خلقي، وأناجيه في ظلم الليل ~~ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأسمعه كلامي ~~وكلام ملائكتي، وأعرفه السر الذي سترته عن خلقي، وألبسه الحياء حتى يستحيي ~~منه الخلق كلهم، ويمشي على الأرض مغفورا له، وأجعل قلبه واعيا وبصيرا، ولا ~~أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار، وأعرفه ما يمر على الناس في القيامة من ~~الهول والشدة، وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء، وأنومه في ~~قبره وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتى يسألاه، ولا يرى غم الموت وظلمة القبر ~~واللحد وهول المطلع، ثم أنصب له ميزانه وأنشر ديوانه، ثم أضع كتابه في ~~يمينه فيقرؤه منشورا ثم لا أجعل بيني وبينه ترجمانا، فهذه صفات المحبين. يا ~~أحمد اجعل همك هما واحدا، واجعل لسانك لسانا واحدا، واجعل بدنك حيا لا يغفل ~~أبدا، من يغفل عني لا أبالي ms2169 بأي واد هلك". # والروايات الثلاثة الأخيرة وإن لم يكن من أخبار هذا البحث المعقود على ~~الاستقامة إلا أنا إنما أوردناها ليقضي الناقد البصير بما قدمناه من أن ~~المعرفة الحقيقية لا تستوفى بالعلم الفكري حق استيفائها فإن الروايات تذكر ~~أمورا من المواهب الإلهية المخصوصة بأوليائه لا ينتجها السير الفكري البتة. # وهي أخبار مستقيمة صحيحة تشهد على صحتها الكتاب الإلهي على ما سنبين ذلك ~~فيما سيوافيك من تفسير سورة الأعراف إن شاء الله العزيز. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" ~~الآية، قال: قال (عليه السلام): أصلحوا أنفسكم ولا تتبعوا عورات الناس ولا ~~تذكروهم فإنه لا يضركم ضلالتهم إذا أنتم صالحون. # أقول: والرواية منطبقة على ما قدمناه في البيان السابق أن الآية متوجهة ~~إلى النهي عن التعرض لإصلاح حال الناس أزيد من متعارف الدعوة والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وليست مسوقة للترخيص في ترك فريضة الدعوة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وفي نهج البيان، عن: الصادق (عليه السلام) أنه قال: نزلت هذه الآية في ~~التقية. # أقول: مفاد الرواية أن الآية خاصة بصورة التقية من أهل الضلال في الدعوة ~~إلى الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمكان اشتراط ذلك شرعا بعدم ~~التقية، وقد تقدم في البيان السابق أن ظاهر الآية لا تساعد على ذلك. # وقد روي في الدر المنثور، عن مفسري السلف قول جمع منهم بذلك كابن مسعود ~~وابن عمر وأبي بن كعب وابن عباس ومكحول، وما روي في ذلك من الروايات عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير دالة على ذلك. وهي ما عن الترمذي ~~وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ~~أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع هذه الآية؟ ~~قال: أية آية؟ قال: قوله: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم - لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم" قال: أما والله لقد سألت عنها ms2170 خبيرا سألت عنها رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى ~~إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر ~~فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم. # أقول: وفي هذا المعنى ما رواه ابن مردويه عن معاذ بن جبل عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، والرواية إنما تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لم يرتفعا بالآية. PageV06P097 # وفي الدر المنثور،: أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي ~~عامر الأشعري: أنه كان فيهم شيء فاحتبس على رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ثم أتاه فقال: ما حبسك؟ قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية: "يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم - لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" قال: فقال له ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أين ذهبتم؟ إنما هي: لا يضركم من ضل من ~~الكفار إذا اهتديتم. # أقول: والرواية كما ترى تخص الأمر في الآية بالترخيص في ترك دعوة الكفار ~~إلى الحق وتصرفها عن الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~الفروع مع أن آيات وجوب الدعوة وما يتبعها من آيات الجهاد ونحوها لا تقصر ~~في الإباء عن ذلك عن آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وفيه،: أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم - لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" فقال نبي الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لم يجىء تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم ~~(عليهما السلام). # أقول: والكلام في الرواية نظير الكلام فيما تقدم. # وفيه،: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة: في قوله: ~~"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" قال: إذا ms2171 أمرتم بالمعروف ونهيتم ~~عن المنكر. # أقول: وهو معنى معتدل مآله إلى ما ذكرناه، وروي مثله عن سعيد بن المسيب. ### |||| AUTO بحث علمي # ملفق من إشارات تاريخية وأبحاث أخر نفسية وغير ذلك في فصول: 1 - لم يزل ~~الإنسان فيما نعلم - حتى الإنسان الأولي - يقول في بعض قوله: "أنا" و"نفسي" ~~يحكي به عن حقيقة من الحقائق الكونية وهو لا محالة يدري ما يقول ويعلم ما ~~يريد غير أن انصراف همه إلى تعبئة أركان الحياة البدنية واشتغاله بالأعمال ~~الجسمية لرفع الحوائج المادية يصرفه عن التعمق في أمر هذه النفس المحكي ~~عنها بقوله: "أنا" و"نفسي" وربما ألقى ذلك في وهمه أن ذلك هو البدن لا غير. # وربما وجد الإنسان أن الفارق بين الحي والميت بحسب ظهور الحس هو النفس ~~الذي يتنفس به الإنسان ما دام حيا فإذا فقده أو سد عليه مجاريه عاد ميتا لا ~~يشعر بشيء وبطل وجوده وانعدمت شخصيته وإنيته فأذعن أن النفس هو النفس محركة ~~وهو الريح أو نوع خاص من الريح فسماه لذلك روحا، وقضى أن الإنسان هو ~~المجموع من الروح والبدن. # أو رأى أن الحس والحركة البدنيين كأنهما رهينا ما يحتبس في البدن من الدم ~~الساري في أعضائه أو الجاري في عروقه من شرائين وأوردة وأن الحياة التي ~~ترتحل الإنسانية بارتحالها متعلقة بهذا المائع الأحمر وجودا وعدما فحكم بأن ~~النفس هو الدم فسمى النفس دما بل الدم نفسا سائلة أو غير سائلة. # وربما دعى الإنسان ما يشاهده من أمر النطفة أن المني حينما يلتقمه الرحم ~~ويطرؤه التطور الكوني طورا بعد طور هو الذي يصير إنسانا، أن يذهب إلى أن ~~النفس الإنسانية هي الأجزاء الأصلية المجتمعة في النطفة، وهي باقية في ~~البنية البدنية مدى الحياة، وربما ذهب الذاهب إلى أنها مصونة عن التغير ~~والبطلان، وأن الإنسانية باقية ببقائها لا تنالها يد الحدثان ولا أنها تقبل ~~البطلان والانعدام مع أن النفس الإنسانية لو كانت هذه الأجزاء المنعوتة ~~سواء اشترطنا فيها الاجتماع على هيئة خاصة أو لم نشترط استلزم ذلك القول ~~بمحالات ms2172 كثيرة مذكورة في محله. # فهذه الأقاويل وأمثالها لا تنافي ما يناله الإنسان وهو إنسان من حقيقة ~~قوله: "أنا" و"نفسي" ولا يخطىء فيه البتة إذ ليس من البعيد أن نكون ندرك ~~حقيقة من الحقائق الكونية إجمالا إدراكا غير خاطىء ثم نأخذ في البحث عن ~~هويته وواقع أمره تفصيلا فنخطىء فيه عند ذاك فهناك موضوعات علمية كثيرة ~~كالمحسوسات الظاهرية أو الباطنية نشاهدها مشاهدة عيان - على الرغم من ~~السوفسطائيين والشكاكين - ثم العلماء لا يزالون يختلفون في أمرها خلفا عن سلف. # وكذلك العامة من غير أهل البحث يشاهدون من أنفسهم ما يشاهده الخاصة من ~~غير فرق البتة وهم على جهل من أمر تفصيله عاجزون عن تفسير خصوصيات وجوده. PageV06P098 # وبالجملة مما لا ريب فيه أن الإنسان في جميع أحيان وجوده يشاهد أمرا غير ~~خارج منه يعبر عنه بأنا ونفسي، وإذا لطف نظره وتعمق خائضا فيما يجده في ~~مشاهدته هذه وجده شيئا على خلاف ما يجده من الأمور الجسمانية القابلة ~~للتغير والانقسام والاقتران بالمكان والزمان، ووجده غير هذا البدن المادي ~~المحكوم بأحكام المادة بأعضائه وأجزائه فإنه ربما نسي أي عضو من أعضائه أو ~~غفل عن جميع بدنه وهو لا ينسى نفسه ولا يغفل عنها، دع عنك ما ربما تقوله: ~~نسيت نفسي، غفلت عن نفسي، ذهلت عن نفسي فهذه مجازات عن عنايات نفسانية ~~مختلفة، ألا ترى أنك تسند النسيان والغفلة والذهول حينئذ إلى نفسك وتحكم ~~بأن نفسك الشاعرة شعرت بأمر وغفلت عن أمر تسميه نفسك كالبدن ونحوه؟. # ودع عنك ما ربما يتوهم أن المغمى عليه يغفل عن ذاته ونفسه فإن الذي يجده ~~هذا الإنسان بعد انقضاء حال الإغماء أنه لا يذكر شعوره بنفسه حالة الإغماء ~~لا أنه يذكر أنه كان غير شاعر بها، وبين المعنيين فرق، وربما يذكر بعض ~~المغمى عليهم من حالة إغمائه شيئا بشبه الرؤيا التي نذكرها من حال المنام. # وكيف كان لا ينبغي الارتياب في أن الإنسان بما أنه إنسان لا يخلو عن هذا ~~الشعور النفسي الذي يمثل له حقيقة نفسه التي يعبر عنها ms2173 بأنا، ولو أنه ~~استأنس قليل استيناس بما يشاهده من نفسه على انصراف من التقسم إلى مشاغله ~~البدنية وأمانيه المادية قضى بما تقدم أن نفسه أمر مغاير لسنخ المادة ~~والماديات لما يشاهد من مغايرة خواص نفسه وآثارها لخواص الأمور المادية ~~وآثارها. # غير أن الاشتغال بالمشاغل اليومية وصرف الهم إلى أماني الحياة المادية ~~ورفع الحوائج البدنية يدعوه إلى إهمال الأمر والإذعان بشيء من تلك الآراء ~~الساذجة الأبجدية والوقف على إجمال المشاهدة. # 2 - الفرد العادي من الإنسان وإن كان شغله هم الغذاء والمسكن والملبس ~~والمنكح عن الغور في حقيقة نفسه والبحث في زوايا ذاته، لكن الحوادث ~~المختلفة الهاجمة عليه في خلال أيام حياته ربما لم تخل من عوامل توجهه إلى ~~الانصراف عن غيره والخلوة بنفسه كالخوف الشديد الذي تنزعج به النفس عن كل ~~شيء وترجع إلى نفسها كالآخذة الممسكة عليها حذرا من الفناء والزوال، ~~وكالسرور والترح الموجب لانجذاب النفس إلى ما تستلذ به، وكالغرام الشديد ~~المنجر إلى الوله بالمحبوب المطلوب بحيث لا هم إلا همه، وكالاضطرار الشديد ~~الذي ينقطع به الإنسان عن كل شيء إلى نفسه إلى غير ذلك من العوامل ~~الاتفاقية. # هذه العوامل المختلفة والأسباب المتنوعة ربما أدى الإنسان واحدا منها أو ~~أزيد من واحد إلى أن يتمثل عنده بعض ما لا يكاد تناله الحواس الظاهرة أو ~~الفكرة الخالية، كالواقع في مكان مظلم موحش أدهشه الخوف على نفسه فإنه يبصر ~~أشياء مخوفة أو يسمع أصواتا هائلة تهدده في نفسه، وهو الذي ربما يسمونه ~~غولا أو هاتفا أو جنا ونحو ذلك. # وربما أحاط به الحب الشديد أو الحسرة والأسف الشديدان فحال بينه وبين ~~حواسه الظاهرية وركز شعوره فيما يحبه أو يأسف عليه، فرأى في حال المنام أو ~~في حال من اليقظة يشبه حالة المنام، أمورا مختلفة من الوقائع الماضية أو ~~الحوادث المستقبلة أو خبايا وخفايا تخفى على حواس غيره. # وربما كانت الإرادة إذا شفعت باليقين والإيمان الشديد والإذعان الجازم ~~تفعل أفعالا لا يقدر عليها الإنسان المتعارف، ولا أن الأسباب العادية يسعها ~~أن تهدي ms2174 إلى ذلك. # فهذه حوادث جزئية نادرة - بالنسبة إلى عامة الحوادث العادية - تحدث عن ~~حدوث عوامل مختلفة مرت الإشارة إليها: أما أصل وقوعها فمما ليس كثير حاجة ~~إلى تجشم الاستدلال عليه فكل منا لا يخلو من أن يذكر من نفسه أو من غيره ما ~~يشهد به، وأما أن السبب الحقيقي العامل فيها ما هي؟ فليس هاهنا محل ~~الاشتغال به. PageV06P099 # والذي يهمنا التنبه عليه هو أن هذه الأمور جميعا تتوقف في وقوعها على نوع ~~من انصراف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجة عنها - وخاصة اللذائذ ~~الجسمانية - وانعطافها إلى نفسها ولذا كان الأساس في جميع الارتياضات ~~النفسانية - على تنوعها وتشتتها الخارج عن الإحصاء - هو مخالفة النفس في ~~الجملة، وليس إلا لأن انكباب النفس على مطاوعة هواها يصرفها عن الاشتغال ~~بنفسها، ويهديها إلى مشتهياتها الخارجة فيوزعها عليها ويقسم شعورها بينها، ~~فتأخذ بها وتترك نفسها. # 3 - لا ينبغي لنا أن نشك في أن العوامل الداعية إلى هذه الآثار النفسانية ~~كما تتم لبعض الأفراد موقتا وفي أحايين يسيرة، ربما تتم لبعض آخر ثابتة ~~مستمرة أو تمكث مكثا معتدا به فكثيرا ما نجد أشخاصا متزهدين عن الدنيا ~~ولذائذها المادية ومشتهياتها الفانية لا هم لهم إلا ترويض النفس والاشتغال ~~بسلوك طريق الباطن. # ولا ينبغي لنا أن نشك في أن هذه المشغلة النفسية ليست سنة مبتدعة في ~~زماننا هذا، فالنقل والاعتبار يدلان على أنها كانت من السنن الدائرة بين ~~الناس، كلما رجعنا القهقرى فهي من السنن اللازمة للإنسانية إلى أقدم عهودها ~~التي نزلت في هذه الأرض على ما نحسب. # 4 - البحث عن حال الأمم والتأمل في سننهم وسيرهم وتحليل عقائدهم وأعمالهم ~~يفيد أن الاشتغال بمعرفة النفس على طرقها المختلفة للحصول على عجائب ~~آثارها، كان دائرا بينهم بل مهمة نفيسة تبذل دونها أنفس الأوقات وأغلى ~~الأثمان منذ أقدم الأعصار. # ومن الدليل عليه أن الأقوام الهمجية الساكنة في أطراف المعمورة، كإفريقية ~~وغيرها ويوجد بينهم حتى اليوم بقايا من أساطير السحر والكهانة والإذعان ~~بحقيقتهما وأصابتهما. # والاعتبار الدقيق فيما نقل إلينا من المذاهب والأديان ms2175 القديمة ~~كالبرهمانية والبوذية والصائبة والمانوية والمجوسية واليهودية والنصرانية ~~والإسلام، كل ذلك يعطي أن المهمة معرفة النفس والحصول على آثارها تسربا ~~عميقا فيها وإن كانت مختلفة في وصفها وتلقينها وتقويمها. # فالبرهمانية - وهي مذهب هند القديم - وإن كانت تخالف الأديان الكتابية في ~~التوحيد وأمر النبوة غير أنها تدعو إلى تزكية النفس وتطهير السر وخاصة ~~للبراهمة أنفسهم. # نقل عن البيروني في كتاب ما للهند من مقولة قال: عمر البرهمن بعد مضي سبع ~~سنين منه منقسم لأربعة أقسام: فأول القسم الأول هي السنة الثامنة يجتمع ~~إليه البراهمة لتنبيهه وتعريفه الواجبات عليه، وتوصيته بالتزامها واعتناقها ~~ما دام حيا. # قال: وقد دخل في القسم الأول إلى السنة الخامسة والعشرين من سنه إلى ~~السنة الثامنة والأربعين، فيجب عليه فيها أن يتزهد ويجعل الأرض وطاءه، ~~ويقبل على تعلم "بيذ" وتفسيره علم الكلام والشريعة من أستاذ يخدمه آناء ~~ليله ونهاره، ويغتسل كل يوم ثلاث مرات، ويقدم قربان النار في طرفي النهار، ~~ويسجد لأستاذه بعد القربان، ويصوم يوما ويفطر يوما مع الامتناع عن اللحم ~~أصلا، ويكون مقامه في دار الأستاذ، ويخرج منها السؤال والكدية من خمسة بيوت ~~فقط كل يوم مرة عند الظهيرة أو المساء، فما وجد من صدقة وضعه بين يدي ~~أستاذه ليتخير منه ما يريد ثم يأذن له في الباقي فيتقوت بما فضل منه، ويحمل ~~إلى النار حطبها، فالنار عندهم معظمة والأنوار مقتربة. # وكذلك عند سائر الأمم فقد كانوا يرون تقبل القربان بنزول النار عليها، ~~ولم يثنهم عنها عبادة أصنام أو كواكب أو بقر أو حمير أو صور. # قال: وأما القسم الثاني فهو من السنة الخامسة والعشرين إلى الخمسين أو ~~إلى السبعين، وفيه يأذن له الأستاذ في التأهل فيتزوج ويقصد النسل. # وذكر كيفية معاشرته أهله والناس وارتزاقه وسيرته. # ثم قال: وأما القسم الثالث فهو من الخمسين إلى الخامسة والسبعين أو إلى ~~التسعين، وفي هذا القسم يتزهد ويخرج من زخاري الحياة ويسلم زوجه إلى أولاده ~~إن لم تصحبه إلى الصحاري، ويستمر خارج العمران على سيرته في القسم الأول، ~~ولا ms2176 يستكن تحت سقف، ولا يلبس إلا ما يواري سوأته من لحاء الشجر، ولا ينام ~~إلا على الأرض بغير وطاء، ولا يتغذى إلا بالثمار والنبات وأصوله، ويطول ~~الشعر ولا يدهن. PageV06P100 # قال: وأما القسم الرابع فهو إلى آخر العمر يلبس فيه لباسا أحمر، ويأخذ بيده ~~قضيبا، ويقبل على الفكر وتجريد القلب من الصداقات والعداوات، ويرفض الشهوة ~~والحرص والغضب، ولا يصاحب أحدا البتة. # فإن قصد موضعا ذا فضل طلبا للثواب لم يقم في طريقه في قرية أكثر من يوم، ~~وفي بلد أكثر من خمسة أيام، وإن دفع له أحد شيئا لم يترك منه للغد بقية، ~~وليس له إلا الدءوب على شرائط الطريق المؤدي إلى الخلاص والوصول إلى المقام ~~الذي لا رجوع فيه إلى الدنيا، ثم ذكر الأحكام العامة التي يجب على البرهمن ~~العمل بها في جميع عمره، انتهى موضع الحاجة من كلامه. # وأما سائر الفرق المذهبية من الهنود كالجوكية أصحاب الأنفاس والأوهام ~~وكأصحاب الروحانيات وأصحاب الحكمة وغيرهم، فلكل طائفة منهم رياضات شاقة ~~عملية لا تخلو عن العزلة وتحريم اللذائذ الشهوانية على النفس. # وأما البوذية فبناء مذهبهم على تهذيب النفس ومخالفة هواها وتحريم لذائذها ~~عليها للحصول على حقيقة المعرفة، وقد كان هذا هو الطريقة التي سلكها بوذا ~~نفسه في حياته، فالمنقول أنه كان من أبناء الملوك أو الرؤساء فرفض زخارف ~~الحياة، وهجر أريكة العرش إلى غابة موحشة لزمها في ريعان شبابه، واعتزل ~~الناس، وترك التمتع بمزايا الحياة، وأقبل على رياضة نفسه والتفكر في أسرار ~~الخلقة حتى قذفت المعرفة في قلبه وسنه إذ ذاك ستة وثلاثون وعند ذاك خرج إلى ~~الناس فدعاهم إلى ترويض النفس وتحصيل المعرفة ولم يزل على ذلك قريبا من ~~أربع وأربعين سنة على ما في التواريخ. # وأما الصابئون ونعني بهم أصحاب الروحانيات وأصنامها فهم وإن أنكروا أمر ~~النبوة غير أن لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانية طرقا لا ~~تختلف كثيرا عن طرق البراهمة والبوذيين، قالوا - على ما في الملل والنحل -: ~~إن الواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات ms2177 الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن ~~علائق القوى الشهوانية والغضبية حتى يحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات ~~فنسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع أمورنا إليهم، ~~فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم، وهذا التطهير ليس يحصل ~~إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيئات الشهوات استمدادا من جهة ~~الروحانيات، والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات، وإقامة الصلوات، ~~وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، ~~وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير ~~واسطة، انتهى. # وهؤلاء وإن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الاختلاف في العقائد العامة ~~الراجعة إلى الخلق والإيجاد لكنهم متفقوا الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول ~~على كمال المعرفة وسعادة النشأة. # وأما المانوية من الثنوية فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور ~~العلوي وهبوطها إلى هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان، وأن ~~سعادتها وكمالها في التخلص من دار الظلمة إلى ساحة النور إما اختيارا ~~بالترويض النفساني، وإما اضطرارا بالموت الطبيعي، معروف. # وأما أهل الكتاب ونعني بهم اليهود والنصارى والمجوس فكتبهم المقدسة وهي ~~العهد العتيق والعهد الجديد وأوستا مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس ~~وتهذيبها ومخالفة هواها. # ولا تزال كتب العهدين تذكر الزهد في الدنيا والاشتغال بتطهير السر، ولا ~~يزال يتربى بينهم جم غفير من الزهاد وتاركي الدنيا جيلا بعد جيل، وخاصة ~~النصارى فإن من سننهم المتبعة الرهبانية. # وقد ذكر أمر رهبانيتهم في القرآن الشريف قال تعالى: "ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون": "المائدة: 82" وقال تعالى: "ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها": "الحديد: ~~27"، كما ذكر المتعبدون من اليهود في قوله: "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من ~~الصالحين": "آل عمران: 141". PageV06P101 # وأما الفرق المختلفة من أصحاب الارتياضات والأعمال النفسية كأصحاب السحر ~~والسيمياء وأصحاب الطلسمات وتسخير الأرواح والجن وروحانيات الحروف والكواكب ~~وغيرها وأصحاب الإحضار وتسخير النفوس، فلكل منهم ارتياضات ms2178 نفسية خاصة تنتج ~~نوعا من السلطة على أمر النفس. # وجملة الأمر على ما يتحصل من جميع ما مر: أن الوجهة الأخيرة لجميع أرباب ~~الأديان والمذاهب والأعمال هو تهذيب النفس بترك هواها والاشتغال بتطهيرها ~~من شوب الأخلاق والأحوال غير المناسبة للمطلوب. # 5 - لعلك ترجع وتقول: إن الذي ثبت من سنن أرباب المذاهب والطرق وسيرهم هو ~~الزهد في الدنيا وهو غير مسألة معرفة النفس أو الاشتغال بأمر النفس بالمعنى ~~الذي تقدم البحث عنه. # وبلفظ أوضح: الذي يندب إليه الأديان والمذاهب التي تدعو إلى العبودية ~~بنحو أن يتزهد الإنسان نوع تزهد في الدنيا بإتيان الأعمال الصالحة وترك ~~الهوى والآثام ورذائل الأخلاق ليتهيأ بذلك لأحسن الجزاء إما في الآخرة كما ~~يصرح به الأديان النبوية كاليهودية والنصرانية والإسلام أو في الدنيا كما ~~استقر عليه دين الوثنية ومذهب التناسخ وغيرهما. # فالمتعبد على حسب الدستور الديني يأتي بما ندب إليه من نوع التزهد من غير ~~أن يخطر بباله أن هناك نفسا مجردة وأن لها نوعا من المعرفة، فيه سعادتها ~~وكمال وجودها. # وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات على اختلاف طرقها وسننها إنما يرتاض بما ~~يرتاض من مشاق الأعمال ولا هم له في ذلك إلا حيازة المقام الموعود فيها ~~والتسلط على نتيجة العمل، كنفوذ الإرادة مثلا وهو في غفلة من أمر النفس ~~المذكور من حين يأخذ في عمله إلى حين يختمه. # على أن في هؤلاء من لا يرى في النفس إلا أنها أمر مادي طبيعي كالدم أو ~~الروح البخاري أو الأجزاء الأصلية، ومن يرى أن النفس جسم لطيف مشاكل للبدن ~~العنصري حال فيه، وهو الحامل للحياة فكيف يسوغ القول بكون الجميع يرومون ~~بذلك أمر معرفة النفس؟. # لكنه ينبغي لك أن تتذكر ما تقدم ذكره أن الإنسان في جميع هذه المواقف ~~التي يأتي فيها بأعمال تصرف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجية والتمتعات ~~المتفننة المادية إلى نفسها للحصول على خواص وآثار لا توصل إليها الأسباب ~~المادية والعوامل الطبيعية العادية، لا يريد إلا الانفصال عن العلل ~~والأسباب الخارجية، والاستقلال بنفسه للحصول على ms2179 نتائج خاصة لا سبيل ~~للعوامل المادية العادية إليها. # فالمتدين المتزهد في دينه يرى أن من الواجب الإنساني أن يختار لنفسه ~~سعادته الحقيقية وهي الحياة الطيبة الأخروية عند المنتحلين بالمعاد، ~~والحياة السعيدة الدنيوية التي تجمع له الخير وتدفع عنه الشر عند المنكرين ~~له كالوثنية وأصحاب التناسخ، ثم يرى أن الاسترسال في التمتعات الحيوانية لا ~~تحوز له سعادته، ولا تسلك به إلى غرضه فلا محيص له عن رفض الهوى وترك ~~الانطلاق إلى كل ما تتهوسه نفسه بأسبابها العادية في الجملة، والانجذاب إلى ~~سبب أو أسباب فوق الأسباب المادية العادية بالتقرب إليه والاتصال به، وأن ~~هذا التقرب والاتصال إنما يتأتى بالخضوع له والتسليم لأمره وذلك أمر روحي ~~نفساني لا ينحفظ إلا بأعمال وتروك بدنية، وهذه هي العبادة الدينية من صلاة ~~ونسك أو ما يرجع إلى ذلك. # فالأعمال والمجاهدات والارتياضات الدينية ترجع جميعا إلى نوع من الاشتغال ~~بأمر النفس، والإنسان يرى بالفطرة أنه لا يأخذ شيئا ولا يترك شيئا إلا لنفع ~~نفسه، وقد تقدم أن الإنسان لا يخلو، ولا لحظة من لحظات وجوده من مشاهدة ~~نفسه وحضور ذاته وأنه لا يخطىء في شعوره هذا البتة، وإن أخطأ فإنما يخطىء ~~في تفسيره بحسب الرأي النظري والبحث الفكري فظهر بهذا البيان أن الأديان ~~والمذاهب على اختلاف سننها وطرقها لا تروم إلا الاشتغال بأمر النفس في ~~الجملة، سواء علم بذلك المنتحلون بها أم لم يعلموا. PageV06P102 # وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات والمجاهدات وإن لم يكن منتحلا بديلا ولا ~~مؤمنا بأمر حقيقة النفس لا يقصد بنوع رياضته التي يرتاض بها إلا الحصول على ~~نتيجتها الموعودة له، وليست النتيجة الموعودة مرتبطة بالأعمال والتروك التي ~~يأتي بها ارتباطا طبيعيا نظير الارتباط الواقع بين الأسباب الطبيعية ~~ومسبباتها، بل هو ارتباط إرادي غير مادي متعلق بشعور المرتاض وإرادته ~~المحفوظين بنوع العمل الذي يأتي به، دائر بين نفس المرتاض وبين النتيجة ~~الموعودة فحقيقة الرياضة المذكورة هي تأييد النفس وتكميلها في شعورها ~~وإرادتها للنتيجة المطلوبة، وإن شئت قلت: أثر الرياضة أن تحصل للنفس حالة ~~العلم ms2180 بأن المطلوب مقدور لها فإذا صحت الرياضة وتمت صارت بحيث لو أرادت ~~المطلوب مطلقا أو أرادته على شرائط خاصة كإحضار الروح للصبي غير المراهق في ~~المرآة حصل المطلوب. # وإلى هذا الباب يرجع معنى ما روي: "أنه ذكر عند النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أن بعض أصحاب عيسى (عليه السلام) كان يمشي على الماء فقال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لو كان يقينه أشد من ذلك لمشى على الهواء" فالحديث - ~~كما ترى - يؤمىء إلى أن الأمر يدور مدار اليقين بالله سبحانه وإمحاء ~~الأسباب الكونية عن الاستقلال في التأثير، فإلى أي مبلغ بلغ ركون الإنسان ~~إلى القدرة المطلقة الإلهية انقادت له الأشياء على قدره، فافهم ذلك. # ومن أجمع القول في هذا الشأن قول الصادق (عليه السلام): ما ضعف بدن عما ~~قويت عليه النية، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث المتواتر: ~~"إنما الأعمال بالنيات". # فقد تبين أن الآثار الدينية للأعمال والعبادات وكذلك آثار الرياضات ~~والمجاهدات إنما تستقر الرابطة بينها وبين النفس الإنسانية بشئونها ~~الباطنية، فالاشتغال بشيء منها اشتغال بأمر النفس. # ومن زعم أن رابطة السببية والمسببية إنما هي بين أجساد هذه الأعمال وبين ~~الغايات الأخروية مثلا من روح وريحان وجنة نعيم، أو بينها وبين الغايات ~~الدنيوية الغريبة التي لا تعمل الأسباب الطبيعية فيها، كالتصرف في إدراكات ~~النفوس وأنواع إرادتها والتحريكات من غير محرك والاطلاع على الضمائر ~~والحوادث المستقبلة والاتصال بالروحانيات والأرواح ونحو ذلك، أو زعم أن ~~العمل يستتبع الأثر من غير رابطة حقيقية أو بمجرد إرادة إلهية من غير مخصص ~~فقد غر نفسه. # 6 - إياك أن يشتبه عليك الأمر فتستنتج من الأبحاث السابقة أن الدين هو ~~العرفان والتصوف أعني معرفة النفس كما توهمه بعض الباحثين من الماديين فقسم ~~المسلك الحيوي الدائر بين الناس إلى قسمين: المادية والعرفان وهو الدين. # وذلك أن الذي يعقد عليه الدين أن للإنسان سعادة حقيقية ليس ينالها إلا ~~بالخضوع لما فوق الطبيعة ورفض الاقتصار على التمتعات المادية، وقد أنتجت ~~الأبحاث السابقة: أن الأديان أيا ما كانت ms2181 من حق أو باطل تستعمل في تربية ~~الناس وسوقهم إلى السعادة التي تعدهم إياها وتدعوهم إليها إصلاح النفس ~~وتهذيبها إصلاحا وتهذيبا يناسب المطلوب، وأين هذا من كون عرفان النفس هو الدين. # فالدين يدعو إلى عبادة الإله سبحانه من غير واسطة أو بواسطة الشفعاء ~~والشركاء لأن فيها السعادة الإنسانية والحياة الطيبة التي لا بغية للإنسان ~~دونها، ولا ينالها الإنسان ولن ينالها إلا بنفس طاهرة مطهرة من ألواث ~~التعلق بالماديات والتمتعات المرسلة الحيوانية، فمست الحاجة إلى أن يدرج في ~~أجزاء دعوته إصلاح النفس وتطهيرها ليستعد المنتحل به المتربي في حجره ~~للتلبس بالخير والسعادة، ولا يكون كمن يتناول الشيء بإحدى يديه ويدفعه ~~بالأخرى، فالدين أمر وعرفان النفس أمر آخر وراءه، وإن استلزم الدين العرفان ~~نوعا من الاستلزام. # وبنظير البيان يتبين أن طرق الرياضة والمجاهدة المسلوكة لمقاصد متنوعة ~~غريبة عن العادة أيضا غير عرفان النفس وإن ارتبط البعض بالبعض نحوا من ~~الارتباط. # نعم لنا أن نقضي بأمر وهو أن عرفان النفس بأي طريق من الطرق فرض السلوك ~~إليه إنما هو أمر مأخوذ من الدين كما أن البحث البالغ الحر يعطي أن الأديان ~~على اختلافها وتشتتها إنما انشعبت هذه الانشعابات من دين واحد عريق تدعو ~~إليه الفطرة الإنسانية وهو دين التوحيد. PageV06P103 # فإنا إذا راجعنا فطرتنا الساذجة بالإغماض عن التعصبات الطارئة علينا ~~بالوراثة من أسلافنا أو بالسراية من أمثالنا، لم نرتب في أن العالم على ~~وحدته في كثرته وارتباط أجزائه في عين تشتتها ينتهي إلى سبب واحد فوق ~~الأسباب، وهو الحق الذي يجب الخضوع لجانبه وترتيب السلوك الحيوي على حسب ~~تدبيره وتربيته، وهو الدين المبني على التوحيد. # والتأمل العميق في جميع الأديان والنحل يعطي أنها مشتملة نوع اشتمال على ~~هذا الروح الحي حتى الوثنية، والثنوية وإنما وقع الاختلاف في تطبيق السنة ~~الدينية على هذا الأصل والإصابة والإخطاء فيه فمن قائل مثلا: أنه أقرب ~~إلينا من حبل الوريد وهو معنا أينما كنا ليس لنا من دونه من ولي ولا شفيع ~~فمن الواجب عبادته وحده من غير إشراك، ms2182 ومن قائل: إن تسفل الإنسان الأرضي ~~وخسة جوهره لا يدع له مخلصا إلى الاتصال بذاك الجناب، وأين التراب ورب ~~الأرباب؟ فمن الواجب أن نتقرب إلى بعض عباده المكرمين المتجردين عن جلباب ~~المادة الطاهرين المطهرين من ألواث الطبيعة وهم روحانيات الكواكب أو أرباب ~~الأنواع أو المقربون من الإنسان "وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". # وإذ كانوا غائبين عن حواسنا متعالين عن جهاتنا كان من الواجب أن نجسدهم ~~بالأنصاب والأصنام حتى يتم بذلك أمر التقرب العبادي، وعلى هذا القياس في ~~سائر الأديان والملل فلا نجد في متونها إلا ما هو بحسب الحقيقة نحو توجيه ~~لتوحيد الإله عز اسمه. # ومن المعلوم أن السنن الدائرة بين الناس وإن انشعبت أي انشعاب فرض ~~واختلفت أي اختلاف شديد فإنها تميل إلى التوحد إذا رجعنا إلى سابق عهودها ~~القهقرى، وتنتهي بالأخرة إلى دين الفطرة الساذجة الإنسانية وهو التوحيد ~~فدين التوحيد أبو الأديان وهي أبناء له صالحة أو طالحة. # ثم إن الدين الفطري إنما يعتبر أمر عرفان النفس ليتوصل به إلى السعادة ~~الإنسانية التي يدعو إليها وهي معرفة الإله التي هي المطلوب الأخير عنده، ~~وبعبارة أخرى الدين إنما يدعو إلى عرفان النفس دعوة طريقية لا غائية فإن ~~الذوق الديني لا يرتضي الاشتغال بأمر إلا في سبيل العبودية، وإن الدين عند ~~الله الإسلام ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يرضى بعرفان النفس إذا استقل ~~بالمطلوبية؟. # ومن هنا يظهر أن العرفان ينتهي إلى أصل الدين الفطري إذ ليس هو بنفسه ~~أمرا مستقلا يدعو إليه الفطرة الإنسانية حتى ينتهي فروعه وأغصانه إلى أصل ~~واحد هو العرفان الفطري. # ويمكن أن يستأنس في ذلك بأمر آخر وهو أن الإنسانية وإن اندفعت بالفطرة ~~إلى الاجتماع والمدنية لإسعاد الحياة، وأثبت النقل والبحث أن رجالا أو ~~أقواما اجتماعيين دعوا إلى طرائق قومية أو وضعوا سننا اجتماعية، وأجروها ~~بين أممهم كسنن القبائل والسنة الملوكية والديمقراطية ونحوها، ولم يثبت ~~بنقل أو بحث أن يدعو إلى عرفان النفس وتهذيب أخلاقها أحد من غير أهل الدين ~~في طول التاريخ البشري. ms2183 # نعم من الممكن أن يكون بعض أصحاب هذه الطرق غير الدينية كأصحاب السحر ~~والأرواح ونحوهما إنما تنبه إلى هذا النوع من عرفان النفس من غير طريق ~~الدين لكن لا من جهة الفطرة إذ الفطرة لا حكم لها في ذلك كما عرفت بل من ~~جهة مشاهدة بعض الآثار النفسانية الغريبة على سبيل الاتفاق فتتوق نفسه إلى ~~الظفر بمنزلة نفسانية يملك بها أعمالا عجيبة وتصرفات في الكون نادرة ~~تستغربها النفوس فيدفعه هذا التوقان إلى البحث عنه والسلوك إليه ثم السلوك ~~بعد السلوك يمهد السبيل إلى المطلوب ويسهل الوعر منه. # 7 - يحكى عن كثير من صلحائنا من أهل الدين أنهم نالوا في خلال مجاهداتهم ~~الدينية كرامات خارقة للعادة وحوادث غريبة اختصوا بها من بين أمثالهم كتمثل ~~أمور لأبصارهم غائبة عن أبصار غيرهم، ومشاهدة أشخاص أو وقائع لا يشاهدها ~~حواس من دونهم من الناس، واستجابة للدعوة وشفاء المريض الذي لا مطمع لنجاح ~~المداواة فيه، والنجاة من المخاطر والمهالك من غير طريق العادة، وقد يتفق ~~نظائر ذلك لغير أهل الصلاح إذا كان ذا نية صادقة ونفس منقطعة، فهؤلاء يرون ~~ما يرون وهم على غفلة من سببه القريب، وإنما يسندون ذلك إلى الله سبحانه من ~~غير توسيط وسط، واستناد الأمور إليه تعالى، وإن كان حقا لا محيص عن ~~الاعتراف به لكن نفي الأسباب المتوسطة مما لا مطمع فيه. PageV06P104 # وربما أحضر الروحي روح أحد من الناس في مرآة أو ماء ونحوه بالتصرف في نفس ~~صبي - على ما هو المتعارف - وهو كغيره يرى أن الصبي إنما يبصره بالبصر ~~الحسي، وأن بين أبصار سائر الناظرين وبين الروح المحضر حجابا مضروبا لو كشف ~~عنه لكانوا مثل الصبي في الظفر بمشاهدته. # وربما وجدوا الأرواح المحضرة أنها تكذب في أخبارها فيكون عجبا لأن عالم ~~الأرواح عالم الطهارة والصفاء لا سبيل للكذب والفرية والزور إليه. # وربما أحضروا روح إنسان حي فيستنطقونه بأسراره وضمائره وصاحب الروح في ~~حالة اليقظة مشغول بأشغاله وحوائجه اليومية لا خبر عنده من أن روحه محضر ~~مستنطق يبث من القول ms2184 ما لا يرضى هو ببثه. # وربما نوم الإنسان تنويما مغناطيسيا ثم لقن بعمل حتى ينعم بقبوله فإذا ~~أوقظ ومضى لشأنه أتى بالعمل الذي لقنه على الشريطة التي أريد بها وهو غافل ~~عما لقنوه وعن إنعامه بقبوله. # وبعض الروحيين لما شاهدوا صورا روحية تماثل الصور الإنسانية أو صور بعض ~~الحيوان ظنوا أن هذه الصور في عالم المادة وظرف الطبيعة المتغيرة، وخاصة ~~بعض من لا يرى لغير الأمر المادي وجودا، حتى حاول بعض هؤلاء أن يخترع أدوات ~~صناعية يصطاد بها الأرواح، كل ذلك استنادا منهم إلى فرضية افترضوها في ~~النفس: أنها مبدأ مادي أو خاصة لمبدإ مادي يفعل بالشعور والإرادة، مع أنهم ~~لم يحلوا مشكلة الحياة والشعور حتى اليوم. # ونظير هذه الفرضية فرضية من يرى أن الروح جسم لطيف مشاكل للبدن العنصري ~~في هيئاته وأشكاله لما وجدوا أن الإنسان يرى نفسه في المنام وهو على هيئته ~~في اليقظة، وربما يمثل لأرباب المجاهدات صور أنفسهم قبالا خارج أبدانهم وهي ~~مشاكلة للصورة البدنية مشاكلة تامة، فحكموا أن الروح جسم لطيف حال في البدن ~~العنصري ما دام الإنسان حيا فإذا فارق البدن كان هو الموت. # وقد فاتهم أن هذه صورة إدراكية قائمة بشعور الإنسان نظيرة صورته التي ~~يدركها من بدنه، ونظيرة صور سائر الأشياء الخارجة المنفصلة عن بدنه، وربما ~~تظهر هذه الصورة المنفصلة لبعض أرباب المجاهدة أكثر من واحدة أو في هيئة ~~غير هيئة نفسه، وربما يرى نفسه عين نفس غيره من أفراد الناس، فإذا لم ~~يحكموا في هذه الصور المذكور أنها هي صورة الروح فجدير بهم أن لا يحكموا في ~~الصورة الواحدة المشاكلة التي تتراءى لأرباب المجاهدات أنها صورة الروح. # وحقيقة الأمر أن هؤلاء نالوا شيئا من معارف النفس وفاتهم معرفة حقيقتها ~~كما هي فأخطئوا في تفسير ما نالوه وضلوا في توجيه أمره، والحق الذي يهدي ~~إليه البرهان والتجربة أن حقيقة النفس التي هي هذا الشعور المتعقل المحكي ~~عنه بقولنا "إنا" أمر مغاير في جوهره لهذه الأمور المادية كما تقدم، وأن ~~أقسام شعوره وأنواع ms2185 إدراكاته من حس أو خيال أو تعقل من جهة كونها مدركات ~~إنما هي متقررة في عالمه وظرفه غير الخواص الطبيعية الحاصلة في أعضاء الحس ~~والإدراك من البدن فإنها أفعال وانفعالات مادية فاقدة في نفسها للحياة ~~والشعور، فهذه الأمور المشهودة الخاصة بالصلحاء وأرباب المجاهدات والرياضات ~~غير خارجة عن حيطة نفوسهم، وإنما الشأن في أن هذه المعلومات والمعارف كيف ~~استقرت في النفس وأين محلها منها؟ وأن للنفس سمة علية لجميع الحوادث ~~والأمور المرتبطة بها ارتباطا ما، فجميع هذه الأمور الغريبة المطاوعة لأهل ~~الرياضة والمجاهدة إنما ترتضع من إرادتهم ومشيئتهم، والإرادة ناشئة من ~~الشعور، فللشعور الإنساني دخل في جميع الحوادث المرتبطة به والأمور المماسة له. # 8 - فمن الحري أن نقسم المشتغلين بعرفان النفس في الجملة إلى طائفتين: ~~إحداهما المشتغلون بالاشتغال بإحراز شيء من آثار النفس الغريبة الخارجة عن ~~حومة المتعارف من الأسباب والمسببات المادية، كأصحاب السحر والطلسمات ~~وأصحاب تسخير روحانيات الكواكب والموكلين على الأمور والجن وأرواح الآدميين ~~وأصحاب الدعوات والعزائم ونحو ذلك. # والثانية المشتغلون بمعرفة النفس بالانصراف عن الأمور الخارجة عنها ~~والانجذاب نحوها للغور فيها ومشاهدة جوهرها وشئونها كالمتصوفة على اختلاف ~~طبقاتهم ومسالكهم. PageV06P105 # وليس التصوف مما أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما أنه يوجد بين الأمم التي ~~تتقدمهم في النشوء كالنصارى وغيرهم حتى الوثنية من البرهمانية والبوذية، ~~ففيهم من يسلك الطريقة حتى اليوم بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم. # لكن لا بمعنى الأخذ والتقليد العادي كوراثة الناس ألوان المدنية بعضهم من ~~بعض وأمة منهم متأخرة من أمة منهم متقدمة كما جرى على ذلك عدة من الباحثين ~~في الأديان والمذاهب وذلك لما عرفت في الفصول السابقة أن دين الفطرة يهدي ~~إلى الزهد والزهد يرشد إلى عرفان النفس فاستقرار الدين بين أمة وتمكنه من ~~قلوبهم يعدهم ويهيؤهم لأن تنشأ بينهم طريقة عرفان النفس لا محالة، ويأخذ ~~بها بعض من تمت في حقه العوامل المقتضية لذلك، فمكث الحياة الدينية في أمة ~~من الأمم برهة معتدا بها ينشىء بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة ms2186 ~~وإن انقطعوا عن غيرهم من الأمم الدينية كل الانقطاع، وما هذا شأنه لا ينبغي ~~أن يعد من السنن الموروثة التي يأخذها جيل عن جيل. # 9 - ثم ينبغي أن نقسم أصحاب القسم الثاني من القسمين المتقدمين وهم أهل ~~العرفان حقيقة إلى طائفتين: فطائفة منهم يسلكون الطريقة لنفسها فيرزقون ~~شيئا من معارفها من غير أن يتم لهم تمام المعرفة لها لأنهم لما كانوا لا ~~يريدون غير النفس فهم في غفلة عن أمر صانعها وهو الله عز اسمه الذي هو ~~السبب الحق الآخذ بناصية النفس في وجودها وآثار وجودها وكيف يسع الإنسان ~~تمام معرفة شيء مع الذهول عن معرفة أسباب وجوده وخاصة السبب الذي هو سبب كل ~~سبب؟ وهل هو إلا كمن يدعي معرفة السرير على جهل منه بالنجار وقدومه ومنشاره ~~وغرضه في صنعه إلى غير ذلك من علل وجود السرير؟. # ومن الحري بهذا النوع من معرفة النفس أن يسمى كهانة بما في ذيله من ~~الحصول على شيء من علوم النفس وآثارها. # وطائفة منهم يقصدون طريقة معرفة النفس لتكون ذريعة لهم إلى معرفة الرب ~~تعالى، وطريقتهم هذه هي التي يرتضيها الدين في الجملة وهي أن يشتغل الإنسان ~~بمعرفة نفسه بما أنها آية من آيات ربه وأقرب آية، وتكون النفس طريقا مسلوكا ~~والله سبحانه هو الغاية التي يسلك إليها "وأن إلى ربك المنتهى". # وهؤلاء طوائف مختلفة ذووا مذاهب متشتة في الأمم والنحل، وليس لنا كثير ~~خبرة بمذاهب غير المسلمين منهم وطرائقهم التي يسلكونها، وأما المسلمون ~~فطرقهم فيها كثيرة ربما أنهيت بحسب الأصول إلى خمس وعشرين سلسلة، تنشعب من ~~كل سلسلة منها سلاسل جزئية أخر، وقد استندوا فيها إلا في واحدة إلى علي ~~عليه أفضل السلام، وهناك رجال منهم لا ينتمون إلى واحدة من هذه السلاسل ~~ويسمون الأويسية نسبة إلى أويس القرني وهناك آخرون منهم لا يتسمون باسم ولا ~~يتظاهرون بشعار. # ولهم كتب ورسائل مسفورة ترجموا فيها عن سلاسلهم وطرقهم، والنواميس ~~والآداب التي لهم وعن رجالهم، وضبطوا فيها المنقول من مكاشفاتهم، وأعربوا ~~فيها عن حججهم ms2187 ومقاصدهم التي بنوها عليها، من أراد الوقوف عليها فليراجعها. # وأما البحث عن تفصيل الطرق والمسالك وتصحيح الصحيح ونقد الفاسد فله مقام ~~آخر، وقد تقدم في الجزء الخامس من هذا الكتاب بحث لا يخلو عن نفع في هذا ~~الباب، فهذه خلاصة ما أردنا إيراده من البحث المتعلق بمعنى معرفة النفس. # واعلم أن عرفان النفس بغية عملية لا يحصل تمام المعرفة بها إلا من طريق ~~السلوك العملي دون النظري، وأما علم النفس الذي دونه أرباب النظر من ~~القدماء فليس يغني من ذلك شيئا، وكذلك فن النفس العملي الذي دونه المتأخرون ~~حديثا فإنما هو شعبة من فن الأخلاق على ما دونه القدماء، والله الهادي. PageV06P106 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 106 - 109 # يأيها الذين ءامنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا ~~عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصبتكم مصيبة الموت ~~تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ~~ذا قربى ولا نكتم شهدة الله إنا إذا لمن الاثمين (106) فإن عثر على أنهما ~~استحقا إثما فئاخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأولين فيقسمان ~~بالله لشهدتنا أحق من شهدتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظلمين (107) ذلك ~~أدنى أن يأتوا بالشهدة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم واتقوا ~~الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفسقين (108) يوم يجمع الله الرسل فيقول ~~ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علم الغيوب (109) ### |||| AUTO بيان # الآيات الثلاث الأول في الشهادة، والأخيرة لا تخلو عن اتصال ما بها بحسب ~~المعنى. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى آخر الآيتين، محصل ~~مضمون الآيتين أن أحدهم إذا كان على سفر فأراد أن يوصي فعليه أن يشهد حين ~~الوصية شاهدين عدلين من المسلمين وإن لم يجد فشاهدين آخرين من غير المسلمين ~~من أهل الكتاب فإن ارتاب أولياء الميت في أمر الوصية يحبس الشاهدان بعد ~~الصلاة فيقسمان بالله على صدقهما فيما يشهدان عليه وترفع ms2188 بذلك الخصومة، فإن ~~اطلعوا على أن الشاهدين كذبا في شهادتهما أو خانا في الأمر فيوقف شاهدان ~~آخران مقام الشاهدين الأولين فيشهدان على خلافهما ويقسمان بالله على ذلك. # فهذا ما تفيده الآيتان بظاهرهما فقوله: "يا أيها الذين آمنوا" خطاب ~~للمؤمنين والحكم مختص بهم "شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان ذوا عدل منكم" أي شهادة بينكم ذوي عدل منكم ففي جانب الخبر مضاف ~~مقدر، أو شهداء بينكم ذوا عدل منكم، والمراد أن عدد الشهود اثنان فالمصدر - ~~الشهادة - بمعنى اسم الفاعل كقولهم: رجل عدل ورجلان عدل. # وحضور الموت كناية عن حضور داعي الوصية فإن الناس بحسب الطبع لا يشتغلون ~~بأمثال هذه الأمور من غير حضور أمر يوجب الظن بالموت، وهو عادة المرض ~~الشديد الذي يشرف الإنسان به على الموت. # وقوله: "حين الوصية" ظرف متعلق بالشهادة أي الشهادة حين الوصية، والمراد ~~بالعدل وهو مصدر - الاستقامة في الأمر، وقرينة المقام تعطي أن المراد به ~~الاستقامة في أمر الدين، ويتعين بذلك أن المراد بقوله: "منكم" وقوله: "من ~~غيركم" المسلمون وغير المسلمين، دون القرابة والعشيرة فإن الله سبحانه قابل ~~بين قوله: "اثنان" وقوله: "آخران"، ثم وصف الأول بقوله "ذوا عدل" وقوله: ~~"منكم" ولم يصف الثاني إلا بقوله: "من غيركم" دون أن يصفه بالعدالة، ~~والاتصاف بالاستقامة في الدين وعدمه إنما يختلف في المسلم وغير المسلم، ولا ~~موجب لاعتبار العدالة في الشهود إذا كانوا قرابة أو من عشيرة المشهود له ~~وإلغائها إذا كان الشاهد أجنبيا. # وعلى هذا فقوله: "أو آخران من غيركم" ترديد على سبيل الترتيب أي إن كان ~~هناك نفر من المسلمين يستشهد اثنان منهم، وإن لم يكن إلا من غير المسلمين ~~يستشهد باثنين منهم، كل ذلك بالاستفادة من قرينة المقام. # وهذه القرينة بعينها هي التي توجب أن يكون قوله: "إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت" قيدا متعلقا بقوله: "أو آخران من غيركم" فإن المسلم ~~لما كان بالطبع إنما يعيش في مجتمع المسلمين لا تمس الحاجة في الحضر عادة ~~إلى الاستشهاد بشهيدين من ms2189 غير المسلمين بخلاف حالة السفر والضرب في الأرض ~~فإنها مظنة وقوع أمثال هذه الوقائع والاضطرار ومسيس الحاجة إلى الانتفاع من ~~غير المسلم بشهادة أو غيرها. # وقرينة المقام أعني المناسبة بين الحكم والموضوع بالذوق المتخذ من كلامه ~~تعالى تدل على أن المراد من غير المسلمين أهل الكتاب خاصة لأن كلامه تعالى ~~لا يشرف المشركين بكرامة. PageV06P107 # وقوله تعالى: "تحبسونهما من بعد الصلاة" أي توقفونهما، والحبس الإيقاف، ~~"فيقسمان بالله" أي الشاهدان "إن ارتبتم" أي شككتم فيما يظهره الوصي من أمر ~~الوصية أو المال الذي تعلقت به الوصية أو في كيفية الوصية، والمقسم عليه هو ~~قوله: "لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى" أي لا نشتري بالشهادة للوصي فيما ~~يدعيه ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى، واشتراء الثمن القليل بالشهادة أن ينحرف ~~الشاهد في شهادته عن الحق لغاية دنيوية من مال أو جاه أو عاطفة قرابة فيبذل ~~شهادته بإزاء ثمن دنيوي، وهو الثمن القليل. # وذكر بعضهم أن الضمير في قوله: "به" إلى اليمين أي لا نشتري بيميننا ~~ثمنا، ولازمه إجراء اليمين مرتين والآية بمعزل عن الدلالة على ذلك. # وقوله: "ولا نكتم شهادة الله" أي بالشهادة على خلاف الواقع "إنا إذا لمن ~~الآثمين" الحاملين للإثم، والجملة معطوفة على قوله: "لا نشتري به ثمنا كعطف ~~التفسير. # وإضافة الشهادة إلى الله في قوله: "شهادة الله" إما لأن الواقع يشهده ~~الله سبحانه كما شهده الشاهدان فهو شهادته سبحانه كما هو شهادتهما والله ~~أحق بالملك فهو شهادته تعالى حقا وبالأصالة وشهادتهما تبعا، وقد قال تعالى: ~~"وكفى بالله شهيدا": النساء: 79" وقال تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء": "البقرة: 255". # وإما لأن الشهادة حق مجعول لله على عباده يجب عليهم أن يقيموها على وجهها ~~من غير تحريف أو كتمان، وهذا كما يقال: دين الله، فينسب الدين إليه تعالى ~~مع أن العباد هم المتلبسون به، قال تعالى: "وأقيموا الشهادة لله": "الطلاق: ~~3" وقال: "ولا تكتموا الشهادة": "البقرة: 238". # وقوله: "فإن عثر على أنهما استحقا إثما" العثور على الشيء الحصول عليه ~~ووجدانه، ms2190 وهذه الآية بيان وتفصيل للحكم في صورة ظهور خيانة الشاهدين ~~وكذبهما في شهادتهما. # والمراد باستحقاق الإثم الإجرام والجناية يقال: استحق الرجل أي أذنب، ~~واستحق فلان إثما على فلان كناية عن إجرامه وجنايته عليه ولذا عدي بعلى في ~~قوله تعالى ذيلا: "استحق عليهم الأوليان" أي أجرما وجنيا عليهم بالكذب ~~والخيانة، وأصل معنى قولنا: استحق الرجل طلب أن يحق ويثبت فيه الإثم أو ~~العقوبة فاستعماله الكنائي من قبيل إطلاق الطلب وإرادة المطلوب ووضع الطريق ~~موضع الغاية، وإنما ذكر الإثم في قوله: "استحقا إثما" بالبناء على ما تقدم ~~في قوله: "إنا إذا لمن الآثمين". # وقوله تعالى: "فآخران يقومان مقامهما" أي إن عثر على أن الشاهدين استحقا ~~بالكذب والخيانة فشاهدان آخران يقومان مقامهما في اليمين على شهادتهما ~~عليهما بالكذب والخيانة. # وقوله: "من الذين استحق عليهم الأوليان" في موضع الحال أي حال كون هذين ~~الجديدين من الذين استحق عليهم أي أجرم وجنى عليهم الشاهدان الأولان اللذين ~~هما الأوليان الأقربان بالميت من جهة الوصية كما ذكره الرازي في تفسيره، ~~والمراد بالذين استحق عليهم الأوليان أولياء الميت، وحاصل المعنى أنه إن ~~عثر على أن الشاهدين أجرما على أولياء الميت بالخيانة والكذب فيقوم شاهدان ~~آخران من أولياء الميت الذين أجرم عليهم الشاهدان الأولان الأوليان بالموت ~~قبل ظهور استحقاقهما الإثم. # هذا على قراءة "استحق" بالبناء للفاعل وهو قراءة عاصم على رواية حفص، ~~وأما على قراءة الجمهور "استحق" بضم التاء وكسر الحاء بالبناء للمفعول ~~فظاهر السياق أن يكون الأوليان مبتدأ خبره قوله: "فآخران يقومان" "إلخ"، ~~قدم عليه لتعلق العناية به، والمعنى إن عثر على أنهما استحقا إثما ~~فالأوليان بالميت هما آخران يقومان مقامهما من أوليائه المجرم عليهم. # وفي قراءة عاصم من طريق أبي بكر وحمزة وخلف ويعقوب "الأولين" جمع الأول ~~مقابل الآخر، وهو بظاهره بمعنى الأولياء والمقدمين، وصف أو بدل من قوله: ~~"الذين". # وقد ذكر المفسرون في تركيب أجزاء الآية وجوها كثيرة جدا لو ضرب بعضها في ~~بعض للحصول على معنى تمام الآية ارتقت إلى مئين من الصور، وقد ذكر ms2191 الزجاج ~~فيما نقل عنه: أنها أشكل آية في كتاب الله من حيث التركيب. # والذي أوردناه من المعنى هو الظاهر من سياق اللفظ من غير تعسف في الفهم، ~~وأضربنا عن استقصاء ما ذكروه من المحتملات لأن تكثيرها لا يزيد اللفظ إلا ~~إبهاما، ولا الباحث إلا حيرة. PageV06P108 # وقد فرع على قوله: "فآخران يقومان، إلخ" تفريع الغاية على ذي الغاية قوله: ~~"فيقسمان بالله" أي الشاهدان الآخران من أولياء الميت "لشهادتنا" بما يتضمن ~~كذبهما وخيانتهما "أحق من شهادتهما" أي من شهادة الشاهدين الأولين بما ~~يدعيان من أمر الوصية "وما اعتدينا" عليهما بالشهادة على خلاف ما شهدا عليه ~~"إنا إذا لمن الظالمين". # قوله تعالى: "ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم" الآية في مقام بيان حكمة التشريع وهي أن هذا الحكم على ~~الترتيب الذي قرره الله تعالى أحوط طريق إلى حيازة الواقع في المقام، وأقرب ~~من أن لا يجور الشاهدان في شهادتهما ويخافا من أن يتغير الأمر عليهما برد ~~شهادتهما بعد قبولها. # فإن الإنسان ذو هوى يدعوه إلى التمتع بكل ما يسعه التمتع به والقبض على ~~كل ما يتهوسه إذا لم يكن هناك مانع يصرفه عنه سواء كان ذلك منه عن حق ~~يستحقه أو جورا، عدلا أو ظلما وتعديا على غيره بإبطال حقه والغلبة عليه، ~~وإنما ينصرف الإنسان عن هذا التعدي والتجاوز إما لمانع يمنعه من خارج ~~بسياسة أو عقوبة أو فضيحة، وإما لرادع يردعه من نفسه وأقوى رادع نفساني هو ~~الاعتقاد بالله الذي إليه مرجع العباد وحساب الأعمال والقضاء الفصل والجزاء ~~المستوفى. # وإذا كان الواقع من أمر الوصية بحسب فرض المقام مجهولا لا طريق إلى كشفه ~~إلا شهادة من أشهدهما الميت من الشاهدين فأقوى ما يقرب شهادتهما من الصدق ~~أن يؤخذ في ذلك بأيمانهما بالله تعالى وهو اليمين، وأن يرد اليمين إلى ~~الورثة الأولياء مع يمينهما على تقدير انكشاف كذبهما وخيانتهما عند الورثة، ~~فهذان أعني يمينهما أولا ثم رد اليمين إلى الورثة أقرب وسيلة إلى صدقهما في ms2192 ~~شهادتهما وخوفهما فضيحة رد اليمين، والرادعان أقوى ما يردعهما من الانحراف. # ثم عقب تعالى القول بالموعظة والإنذار فقال: "واتقوا الله واسمعوا والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين" والمعنى واضح. # قوله تعالى: "يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا ~~إنك أنت علام الغيوب" الآية لا تأبى الاتصال بما قبلها فإن ظاهر قوله تعالى ~~في ذيل الآية السابقة: "واتقوا الله واسمعوا"، إلخ وإن كان مطلقا لكنه بحسب ~~الانطباق على المورد نهي عن الانحراف والجور في الشهادة والاستهانة بأمر ~~اليمين بالله فناسب أن يذكر في المقام بما يجري بينه سبحانه وبين رسله يوم ~~القيامة وهم شهداء على أممهم وأفضل الشهداء، حيث يسألهم الله سبحانه عن ~~الذي أجابهم به أممهم وهم أعلم الناس بأعمال أممهم والشاهدون من عند الله ~~عليهم فيجيبونه بقولهم: "لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب". # فإذا كان الأمر على هذه الوتيرة، وكان الله سبحانه هو العالم بكل شيء حق ~~العلم فجدير بالشهود أن يخافوا مقام ربهم: ولا ينحرفوا عن الحق الذي رزقهم ~~الله العلم به، ولا يكتموا شهادة الله فيكونوا من الآثمين والظالمين ~~والفاسقين. # فقوله تعالى: "يوم يجمع، إلخ" ظرف متعلق بقوله في الآية السابقة: "واتقوا ~~الله، إلخ" وذكر جمع الرسل دون أن يقال: "يوم يقول الله للرسل" لمكان ~~مناسبة مع جمع الشهداء للشهادة كما يشعر به قوله: "تحبسونهما من بعد الصلاة ~~فيقسمان بالله". # وأما نفيهم العلم يومئذ عن أنفسهم بقولهم: "لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب" فإثباتهم جميع علوم الغيوب لله سبحانه على وجه الحصر يدل على أن ~~المنفي ليس أصل العلم فإن ظاهر قولهم: "إنك أنت علام الغيوب" يدل على أنه ~~لتعليل النفي، ومن المعلوم أن انحصار جميع علوم الغيب في الله سبحانه لا ~~يقتضي رفع كل علم عن غيره وخاصة إذا كان علما بالشهادة، والمسئول عنه أعني ~~كيفية إجابة الناس لرسلهم من قبيل الشهادة دون الغيب. # فقولهم: "لا علم لنا" ليس نفيا لمطلق العلم بل لحق العلم الذي لا يخلو عن ~~التعلق ms2193 بالغيب فإن من المعلوم أن العلم إنما يكشف لعالمه من الواقع على قدر ~~ما يتعلق بأمر من حيث أسبابه ومتعلقاته، والواقع في العين مرتبط بجميع ~~أجزاء الخارج مما يتقدم على الأمر الواقع في الخارج وما يحيط به مما يصاحبه ~~زمانا فالعلم بأمر من الأمور الخارجية بحقيقة معنى العلم لا يحصل إلا ~~بالإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثم بصانعه المتعالي من أن يحيط به شيء، وهذا ~~أمر وراء الطاقة الإنسانية. PageV06P109 # فلم يرزق الإنسان من العلم في هذا الكون الذي يبهته التفكير في سعة ساحته، ~~وتهوله النظرة في عظمة أجرامه ومجراته، ويطير لبه الغور في متون ذراته، ~~ويأخذه الدوار إذا أراد الجري بين هاتين الغايتين إلا اليسير من العلم على ~~قدر ما يحتاج إليه في مسير حياته كالشمعة الصغيرة يحملها طارق الليل المظلم ~~لا ينتفع من نورها إلا أن يميز ما يضع عليه قدمه من الأرض. # فما يتعلق به علم الإنسان ناشب بوجوده متعلق بواقعيته بأطراف ثم بأطراف ~~أطراف وهكذا كل ذلك في غيب من إدراك الإنسان فلا يتعلق العلم بحقيقة معنى ~~الكلمة بشيء إلا إذا كان متعلقا بجميع الغيوب في الوجود، ولا يسع ذلك ~~لمخلوق محدود مقدر إنسانا أو غيره إلا لله الواحد القهار الذي عنده مفاتح ~~الغيب لا يعلمها إلا هو، قال الله تعالى: "والله يعلم وأنتم لا تعلمون": ~~"البقرة: 261" فدل على أن من طبع الإنسان الجهل فلا يرزق من العلم إلا ~~محدودا مقدرا كما قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم": "الحجر: 21" وهو قوله (عليه السلام): حيث سئل عن علة احتجاب ~~الله عن خلقه فقال: لأنه بناهم بنية على الجهل، وقال تعالى: "ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء": "البقرة: 255" فدل على أن العلم كله لله، وإنما ~~يحيط منه الإنسان بما شاء الله، وقال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا": "الإسراء: 85" فدل على أن هناك علما كثيرا لم يؤت الإنسان إلا ~~قليلا منه. # فإذن حقيقة الأمر أن العلم حق العلم لا يوجد ms2194 عند غير الله سبحانه، وإذ ~~كان يوم القيامة يوما يظهر فيه الأشياء بحقائقها على ما تفيده الآيات ~~الواصفة لأمره فلا مجال فيه إلا للكلام الحق كما قال تعالى: "لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، ذلك اليوم الحق": "النبأ - 39" كان من ~~الجواب الحق إذا ما سئل الرسل فقيل لهم: "ما ذا أجبتم" أن يجيبوا بنفي ~~العلم عن أنفسهم لكونه من الغيب، ويثبتوه لربهم سبحانه بقولهم: "لا علم لنا ~~إنك أنت علام الغيوب". # وهذا الجواب منهم (عليهم السلام) نحو خضوع لحضرة العظمة والكبرياء ~~واعتراف بحاجتهم الذاتية وبطلانهم الحقيقي قبال مولاهم الحق رعاية لأدب ~~الحضور وإظهارا لحقيقة الأمر، وليس جوابا نهائيا لا جواب بعده البتة: أما ~~أولا فلأن الله سبحانه جعلهم شهداء على أممهم كما ذكره في قوله: "فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا": النساء: 41" وقال: "ووضع ~~الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء": "الزمر: 69" ولا معنى لجعلهم شهداء إلا ~~ليشهدوا على أممهم يوم القيامة بما هو حق الشهادة يومئذ، فلا محالة هم ~~سيشهدون يومئذ كما قدر الله ذلك فقولهم يومئذ: "لا علم لنا" جري على الأدب ~~العبودي قبال الملك الحق الذي له الأمر والملك يومئذ، وبيان لحقيقة الحال ~~وهو أنه هو يملك العلم لذاته ولا يملك غيره إلا ما ملكه، ولا ضير أن يجيبوا ~~بعد هذا الجواب بما لهم من العلم الموهوب المتعلق بأحوال أممهم، وهذا مما ~~يؤيد ما قدمناه في البحث عن قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس،" الآية: "البقرة: 134" في الجزء الأول من هذا الكتاب: أن ~~هذا العلم والشهادة ليسا من نوع العلم والشهادة المعروفين عندنا وأنهما من ~~العلم المخصوص بالله الموهوب لطائفة من عباده المكرمين. # وأما ثانيا فلأن الله سبحانه أثبت العلم لطائفة من مقربي عباده يوم ~~القيامة على ما له من الشأن، قال تعالى: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث": "الروم: 56" وقال تعالى: "وعلى ~~الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم": "الأعراف: 46" وقال ms2195 تعالى: "ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": "الزخرف: 87" ~~وعيسى بن مريم (عليهما السلام) ممن تعمه الآية وهو رسول فهو ممن يشهد بالحق ~~وهم يعلمون، وقال تعالى: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا": "الفرقان: 31" والمراد بالرسول رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والذي تحكيه الآية من قوله هو بعينه جواب لما تشتمل عليه هذه الآية ~~من السؤال أعني قوله تعالى: "فيقول ما ذا أجبتم" فظهر أن قول الرسل (عليهم ~~السلام): "لا علم لنا" ليس جوابا نهائيا كما تقدم. PageV06P110 # وأما ثالثا فلأن القرآن يذكر السؤال عن المرسلين والمرسل إليهم جميعا كما ~~قال تعالى: "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": "الأعراف: 6" ثم ~~ذكر عن الأمم المرسل إليهم جوابات كثيرة عن سؤالات كثيرة، والجواب يستلزم ~~العلم كما أن السؤال يقرره، وقال أيضا فيهم: "لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": "ق: 22"، وقال أيضا: "ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون": "السجدة: 12" إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وإذا كانت الأمم ~~- وخاصة المجرمون منهم - على علم في هذا اليوم فكيف يتصور أن يعدمه الرسل ~~الكرام (عليهم السلام) فالمصير إلى ما قدمناه. # كلام في معنى الشهادة # الاجتماع المدني الدائر بيننا والتفاعل الواقع في عامة جهات الحياة ~~الأرضية بين قوانا الفعالة يسوقنا - ولا محيص - إلى أنواع الاختلافات ~~والخصومات فالذي يختص بالتمتع به أحدنا ربما أحب الآخر أن يشاركه فيه أو ~~يختص به هو مكانه فتاقت إليه نفسه ونازعته في ذلك فأدى إلى تنبه الإنسان ~~لوجوب اعتبار القضاء والحكم ليرتفع به هذه الخصومات. # وأول ما يحتاج إليه القضاء أن تحفظ القضايا والوقائع على النحو الذي وقعت ~~وتضبط ضبطا لا يتطرق إليه التغير والتبدل ليقع عليه قضاء القاضي، هذا مما ~~لا شك فيه. # ويتأتى ذلك بأن يستشهد على الواقعة بأن يطلع عليها إنسان فيتحملها ثم ~~يؤدي ما تحمله عند اللزوم والاقتضاء أو يضبط ms2196 بوجه آخر كالكتابة أو أدوات ~~أخر معمولة لذلك اهتدى الإنسان إلى التوصل بها. # وتفارق الشهادة سائر أسباب الحفظ والضبط أولا بأن غير الشهادة من الأسباب ~~أمور غير عامة فإن أعمها وأعرفها الكتابة وهي لم تستوعب الإنسانية حتى ~~اليوم فكيف بغيرها وهذا بخلاف الشهادة والتحمل. # وثانيا بأن الشهادة وهو البيان اللساني من نفس الشاهد عن تحمله وحفظه ~~أبعد من عروض الخلل وأمنع جانبا من طرو أنواع الآفات بالقياس إلى الكتابة ~~وغيره من أسباب الحفظ والضبط. # ولذلك نرى أن الشهادة لا تتجافى عن اعتبارها أمة من الأمم في مجتمعاتهم ~~على اختلافها الفاحش في السنن الاجتماعية والسلائق القومية والملية والتقدم ~~والتأخر في الحضارة والتوحش، فهي لا تخلو عن اعتبار ما عندهم. # والاعتبار فيها بالواحد من القوم المعدود فردا من الأمة وجزءا من ~~الجماعة، ولذلك لا يعبأ بشهادة الصبي غير المميز ولا بشهادة المجنون الذي ~~لا يدري ما يقول مثلا، ولذلك أيضا لا يعبأ بعض الأمم الهمجية بشهادة ~~النسوان لما لم يعدوا المرأة جزء من المجتمع، وعلى ذلك كانت تجري أغلب ~~السنن الاجتماعية في الأمم القديمة كالروم واليونان وغيرهم. # والإسلام وهو دين الفطرة يعتبر الشهادة ويعطيها وحدها من بين سائر ~~الأسباب الحجية، وأما سائر الأسباب فلا عبرة بها إلا مع إفادة العلم، قال ~~تعالى: "وأقيموا الشهادة لله": "الطلاق: 2" وقال تعالى: "ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه": "البقرة: 238" وقال تعالى: "والذين هم ~~بشهاداتهم قائمون": "المعارج: 33". # وقد اعتبر الإسلام في عامة الموارد غير مورد الزنا من العدد في الشهداء ~~اثنين لتأييد أحدهما الآخر قال تعالى: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا": ~~"البقرة: 228"، فأفاد أن ما بينته الآية واعتبرته من أحكام الشهادة - ومنها ~~ضم الواحد إلى آخر ليكونا اثنين - أكثر مطابقة للقسط وقيام الشهادة ورفع الريب. PageV06P111 # ثم ms2197 لما كان الإسلام في تشخيصه فرد المجتمع وبعبارة أخرى في اعتباره الواحد ~~الذي يتكون منه المجتمع الإنساني يعد المرأة جزءا مشمولا للحكم أشركها مع ~~الرجل في إعطاء حق إقامة الشهادات إلا أنه لما اعتبر في المجتمع الذي كونه ~~أن يكون مبنيا على التعقل دون العواطف والمرأة إنسان عاطفي أعطاها من الحق ~~والوزن نصف ما للرجل، فشهادة امرأتين اثنتين تعدل شهادة رجل واحد كما يشير ~~إليه قوله تعالى في الآية السابقة: "أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"، ~~وقد مر في الجزء الرابع من هذا الكتاب من الكلام في حقوق المرأة في الإسلام ~~ما ينفع في المقام، وللشهادة أحكام كثيرة فرعية مبسوطة في الفقه خارجة من ~~غرضنا في هذا البحث. # كلام في العدالة # كثيرا ما يعثر الباحث في الأحكام الإسلامية في خلال أبحاثه بلفظ العدالة ~~وربما وجد للفظ تعريفات مختلفة وتفسيرات متنوعة حسب اختلاف الباحثين ~~ومسالكهم. # لكن الذي يلائم مقامنا هذا من البحث - وهو بحث قرآني - في تحليل معناها ~~وكيفية اعتبارها بالتطبيق على الفطرة التي عليها بني الإسلام أن نسلك طريقا ~~آخر من البحث فنقول: إن للعدالة وهي الاعتدال والتوسط بين النمطين: العالي ~~والداني، والجانبين: الإفراط والتفريط قيمة حقيقية ووزنا عظيما في ~~المجتمعات الإنسانية، والوسط العدل هو الجزء الجوهري الذي يركن إليه ~~التركيب والتأليف الاجتماعي فإن الفرد العالي الشريف الذي يتلبس بالفضائل ~~العالية الاجتماعية، ويمثل بغية الاجتماع النهائية لا يجود منه الزمان إلا ~~بالنزر القليل والواحد بعد الواحد، ومن المعلوم أنه لا يتألف المجتمع ~~بالفرد النادر، ولا تتم به كينونته وإن كان هو العضو الرئيس في جثمانه ~~حيثما وجد. # والفرد الدنيء الخسيس الذي لا يقوم بالحقوق الاجتماعية، ولا يتحقق فيه ~~القدر المتوسط من أماني المجتمع ممن لا داعي له يدعوه إلى رعاية الأصول ~~العامة الاجتماعية التي بها حياة المجتمع، ولا رادع له يردعه عن اقتحام ~~الآثام الاجتماعية التي تهلك الاجتماع وتبطل التجاذب الواجب بين أجزائه، ~~وبالجملة لا اعتماد على جزئيته في بنية الاجتماع ولا وثوق بتأثيره الحسن ~~ونصيحته الصالحة. # وإنما الحكم لأفراد ms2198 المجتمع المتوسطين الذين تقوم بهم بنية المجتمع ~~وتتحقق فيهم مقاصده ومآربه، وتظهر بهم آثاره الحسنة التي لم تأتلف أجزاؤه ~~وأعضاؤه إلا للحصول عليها والتمتع بها. # هذا كله مما لا يرتاب فيه الإنسان الاجتماعي عند أول ما يجيل نظره في هذا الباب. # فمن الضروري عنده أنه على حاجة شديدة في حياته الاجتماعية إلى أفراد في ~~المجتمع يعتمد على سلوكهم الاجتماعي متلبسين بالاعتدال في الأمور والاحتراز ~~عن الاسترسال في نقض القوانين ومخالفة السنن والآداب الجارية من غير مبالاة ~~وانقباض في أبواب كثيرة كالحكومة والقضاء والشهادات وغيرها في الجملة. # وهذا الحكم الضروري أو القريب من الضروري عند الفطرة هو الذي يعتبره ~~الإسلام في الشاهد، قال تعالى: "واشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ~~ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر": "الطلاق: 2"، وقال تعالى: ~~"شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم": ~~"المائدة: 160" والخطاب في الآيتين للمؤمنين فاشتراط كون الشاهدين ذوي عدل ~~منهم مفاده كونهما ذوي حالة معتدلة متوسطة بالنسبة إلى مجتمعهم الديني، ~~وأما بالقياس إلى المجتمع القومي والبلدي فالإسلام لا يعبأ بأمثال هذه ~~الروابط غير الدينية، وظاهر أن محصل كونهما على حالة معتدلة بالقياس إلى ~~المجتمع الديني هو كونهما ممن يوثق بدينه غير مقترفين ما يعد من المعاصي ~~الكبيرة الموبقة في الدين، قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": "النساء: 31"، وقد تكلمنا في معنى ~~الكبائر في ذيل الآية في الجزء الرابع من هذا الكتاب. PageV06P112 # وعلى هذا المعنى جرى كلامه تعالى في قوله: "والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم": ~~"النور: 5" ونظير الآية السابقة الشارطة للعدالة قوله تعالى: "ممن ترضون من ~~الشهداء": "البقرة: 228" فإن الرضا المأخوذ في الآية هو الرضا من المجتمع ~~الديني، ومن المعلوم أن المجتمع الديني بما هو ديني لا يرضى أحدا إلا إذا ~~كان على ms2199 نوع من السلوك يوثق به في أمر الدين. # وهذا هو الذي نسميه في فن الفقه بملكة العدالة وهي غير ملكة العدالة بحسب ~~اصطلاح فن الأخلاق فإن العدالة الفقهية هي الهيئة النفسانية الرادعة عن ~~ارتكاب الكبائر بحسب النظر العرفي والتي في فن الأخلاق هي الملكة الراسخة ~~بحسب الحقيقة. # والذي استفدناه من معنى العدالة هو الذي يستفاد من مذهب أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) على ما ورد من طرقهم: ففي الفقيه، بإسناده عن ابن أبي يعفور ~~قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين ~~حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: إن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن ~~والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها ~~النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ~~ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على ~~المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، ويجب عليهم تزكيته وإظهار ~~عدالته بين الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ ~~مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا ~~من علة. فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه ~~في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا، مواظبا على الصلوات، ~~متعاهدا لأوقاتها في مصلاه فإن ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين وذلك ~~أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلي إذا ~~كان لا يحضر مصلاه ولا يتعاهد جماعة المسلمين. وإنما جعل الجماعة والاجتماع ~~إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع، ~~ولو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح لأن من لا يصلي لا صلاح له ~~بين المسلمين فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هم بأن يحرق قوما في ~~منازلهم بتركهم الحضور لجماعة المسلمين وقد كان منهم من يصلي في بيته فلم ~~يقبل منه ذلك فكيف ms2200 تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله ~~عز وجل ومن رسوله فيه الحرق في جوف بيته بالنار؟ وقد كان يقول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة. # أقول: ورواه في التهذيب، مع زيادة تركناها، والستر والعفاف كلاهما بمعنى ~~الترك على ما في الصحاح، والرواية - كما ترى - تجعل أصل العدالة أمرا ~~معروفا بين المسلمين وتبين أن الأثر المترتب عليه الدال على هذه الصفة ~~النفسية هو ترك محارم الله والكف عن الشهوات الممنوعة، ومعرف ذلك اجتناب ~~الكبائر من المعاصي، ثم تجعل الدليل على ذلك كله حسن الظاهر بين المسلمين ~~على ما بينه (عليه السلام) تفصيلا. # وفيه، عن عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: من ~~ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته. # وفيه،: روى سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: لا ~~بأس بشهادة الضعيف إذا كان عفيفا صائنا. # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن مهزيار عن أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي ~~جعفر (عليه السلام): إن مواليك قد اختلفوا فأصلي معهم جميعا؟ فقال لا تصل ~~إلا خلف من تثق بدينه. # أقول: دلالة الروايات على ما قدمناه ظاهرة، وفيها أبحاث أخر خارجة عن ~~غرضنا في المقام. # كلام في اليمين # حقيقة معنى قولك: "لعمري إن كذا وكذا، وحياتي إن الأمر على ما أخبرته" ~~أنك تعلق ما أخبرت به من الخبر وتقيده نوع تقييد في صدقه بعمرك وحياتك التي ~~لها مكانة واحترام عندك بحيث يتلازمان في الوجود والعدم، ولو كنت كاذبا في ~~خبرك أبطلت مكانة حياتك واحترامها عندك فسقطت بذلك عن مستوى الإنسانية ~~الداعية إلى الاحترام لأمر الحياة. PageV06P113 # ومعنى قولك: "أقسمك بالله أن تفعل كذا أو تترك كذا" إنك ربطت أمرك أو نهيك ~~بالمكانة والعزة التي لله عز اسمه عند المؤمنين بحيث تكون مخالفة الأمر أو ~~معصية النهي استهانة بمقامه تعالى وإذهابا لحرمة الإيمان به. # وكذا معنى قولك: "والله ms2201 لأفعلن كذا" وصل خاص بين عزيمتك على ما عزمت عليه ~~من الأمر وبين ما لله سبحانه عندك من المكانة والحرمة بحسب إيمانك به بحيث ~~يكون فسخك عزيمتك ونقضك همتك إبطالا لما له سبحانه من المكانة عندك، والغرض ~~من ذلك أن تكون على رادع من فسخ العزيمة ونقض الهمة فالقسم إيجاد ربط خاص ~~بين شيء من الخبر أو الإنشاء وبين شيء آخر ذي مكانة وشرف بحيث يبطل المربوط ~~إليه ببطلان المربوط بحسب الدعوى، وحيث كان المربوط إليه ذا مكانة وشرف عند ~~الجاعل مثلا لا يرضى بإذهاب مكانته والإهانة بمقامه فهو صادق في خبره أو ~~مطاع فيما يأمر به أو ينهى عنه، أو ماض في عزيمته من غير فسخ لا محالة، ~~ونتيجته التأكيد البالغ. # ويوجد في اللغات نوع آخر من جعل الربط يقابل القسم وهو ربط الخبر مثلا ~~بما لا قيمة له ولا شرافة عند المخبر ليدل بذلك على الاستهانة بما يخبر به ~~أو بلغه من الخبر ويعد نوعا من الشتم وهو في اللغة العربية نادر جدا. # والحلف واليمين - فيما نعلم - من العادات الدائرة في ألسنة الناس ~~الموروثة جيلا بعد جيل، ولا يختص بلغة دون لغة، وهو الدليل على أنه ليس من ~~الشئون اللغوية اللفظية بل إنما يهدي الإنسان إليه حياته الاجتماعية في ~~موارد يتنبه على وجوب الالتجاء إليه والاستفادة منه. # ولم تزل اليمين دائرا بين الأمم ربما يبنى عليه ويركن إليه في موارد ~~متفرقة غير مضبوطة تحدث في مجتمعاتهم لأغراض متنوعة لدفع التهمة ورفع ~~الفرية وتطييب النفس وتأييد الخبر حتى اعتنى بأمره القوانين المدنية ~~وأعطتها وجهة قانونية في بعض من الموارد كحلف الرؤساء وأولياء الأمور عند ~~تقلد المناصب الهامة وإشغال المقامات العظيمة العالية وغير ذلك. # وقد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناء تاما إذا وقع على الله سبحانه ~~خاصة، وليس ذلك إلا في ظل العناية برعاية حرمة المقام الربوبي ووقاية ساحته ~~تعالى أن يواجه بما يأباه ناموس الربوبية والعبودية، ولذلك وضعت كفارة خاصة ~~عند حنث اليمين، وكره الإكثار من الحلف بالله عز ms2202 شأنه، قال تعالى: "لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين،" الآية: "المائدة: 89" وقال تعالى: "ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم": البقرة: 242". # واعتبر اليمين في موارد من القضاء خلت عن البينة، قال تعالى: "فيقسمان ~~بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا" الآية: "المائدة: 170" ومن ~~كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم): البينة على المدعي واليمين على من أنكر. # وحقيقة اعتبار اليمين الاكتفاء بدلالة نفس الإيمان فيما لا دليل سواه، ~~وذلك أن المجتمع الديني مبني على إيمان الأفراد بالله، والإنسان المؤمن هو ~~الجزء من هذا المركب المؤلف، وهو المنبع الذي ينبع منه السنن المتبعة ~~والأحكام الجارية، وبالجملة جميع الآثار البارزة في القوم الناشئة من ~~حالتهم الدينية كما أن المجتمع غير الديني مبني على إيمان الأفراد بمقاصدهم ~~القومية، ومنها تنشأ السنن والقوانين المدنية والآداب والرسوم الدائرة بينهم. # فإذا كان كذلك وصح الاعتماد في جميع الشئون الاجتماعية والاتكاء في عامة ~~لوازم الحياة على إيمان الأفراد بطرق مختلفة كان من الجائز أن يعتمد على ~~إيمانهم في ما لا دليل آخر يعتمد عليه، وهو اليمين فيما لا بينة عليه بأن ~~يربط المنكر ما ينكره من دعوى المدعي ويقيده بإيمانه بحيث يزول اعتبار ~~إيمانه بالله ببطلان إنكاره وظهور كذبه فيما أظهره وأخبر به. # فإيمانه بسبب ما عقده باليمين بمنزلة مال الرهن الذي يجعل تحت تسلط ~~الدائن ويراعي في عوده إلى سلطة راهن صدق وعده وتأديته الدين إلى أجل وإلا ~~ذهب المال وبقي صفر اليد. PageV06P114 # كذلك الحالف يعتبر مرهون الإيمان بما حلف عليه ما لم يظهر خلافه وإذا ظهر ~~الخلاف عاد صفر الكف من الإيمان ساقطا عن درجة الاعتبار محروما من التمتع ~~بثمرة الإيمان وهي في المجتمع الديني جميع المزايا الاجتماعية، ورجع مطرودا ~~من المجتمع المتلائم الأجزاء لا سماء تظله ولا أرض تقله. # ويتأيد هذا البيان بما يروى من تظاهر الناس على مقت المتخلفين عن السنن ~~الدينية كالصلاة مع الجماعة والشخوص في الجهاد ونحوهما في زمن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ms2203 حين كان تمام السلطة والحكومة للدين على الأهواء. # وأما في أمثال هذه الأعصار التي ضعف فيها نفوذ الدين وتسرب الهوى في ~~القلوب وانعقد بيننا مجتمع مؤتلف من المقاصد الدينية على وهن في بنيتها ~~وإعراض من الناس عنها ومن مقاصد المدنية الحديثة ويجمعها الاسترسال في ~~التمتعات المادية على شيد في أساسها وإقبال عام من عامة الناس إليها ثم أخذ ~~التنازع والتشاجر الشديد بين الدواعي الدينية والمدنية الطارقة ولا يزال ~~يغلب هذا وينهزم ذاك، وانثلمت وحدة النظام الواجب انبساطه على مستوى ~~المجتمع، وبدا الهرج والمرج في الروحيات فحينئذ لا يكاد ينفع اليمين ولا ما ~~هو أقوى من ذلك وأحفظ لحقوق الناس، وزال الاعتماد لا على الأسباب الدينية ~~الموجودة عند المجتمع فحسب بل عليها وعلى النواميس الحديثة جميعا. # غير أن الله سبحانه لا ينسخ أحكامه ولا يغمض عن شرائعه بتولي الناس عنها ~~وسأمهم منها وأن الدين عند الله الإسلام ولا يرضى لعباده الكفر، ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإنما الإسلام دين متعرض لجميع شئون ~~الحياة الإنسانية شارح لها مبين لأحكامها ذو أجزاء متلائمة متناسبة متلازمة ~~تعيش بروح التوحيد الواحد إذا اعتل بعض أجزائه اعتل الجميع، وإذا فسد بعضها ~~أثر ذلك في عمل الجميع كالواحد من الإنسان بعينه. # فإذا فسد بعض أجزائه أو اعتل كان من الواجب إبقاء السالم منها على سلامته ~~وعلاج المعتل وإصلاح الفاسد، ولم يكن من الجائز إبقاء المعتل على علته ~~والفاسد على فساده، والإعراض عن السالم. # والإسلام وإن كان ملة حنيفية سهلة سمحة ذات مراتب مختلفة وسيعة يقدر ~~تكاليفه على قدر ما يستطاع من إتيانها وإجرائها، يتمدد حبلها الموصول من ~~حالة اجتماعية آمنة تتضمن شرائعها وقوانينها جمعاء من غير استثناء إلى حالة ~~انفرادية اضطرارية تكتفى فيها من الصلاة بالإشارة لكن التنزل من مرتبة من ~~مراتبها إلى ما هي دونها مشروطة بالاضطرار النافي للتكليف والمبيح للتوسع، ~~قال تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ms2204 ولهم عذاب عظيم - إلى أن قال - ~~ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم": "النحل: 101". # وأما بناء الحياة على التمتع المادي ثم التعلل في رفض ما يناقضه من ~~المواد الدينية بأنه لا يوافق السنة الجارية في الدنيا الحاضرة فإنه جري ~~على المنطق المادي دون منطق الدين. # ومن البحث المتعلق بهذا الباب ما في قول بعض: إن الحلف بغير الله من ~~الشرك بالله فينبغي أن يستفهم هذا القائل ما ذا يريد بهذا الشرك الذي ذكره؟. # فإن أراد به أن في اليمين بغير الله إعظاما للمقسم به وإجلالا لأمره ~~لابتناء معنى القسم على ذلك ففيه نوع خضوع وعبادة له وهو الشرك فما كل ~~إعظام شركا إلا إعطاء عظمة الربوبية المستقلة التي يستغني بها عن غيره. # وقد أقسم الله تعالى بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والكنس ~~الخنس من الكواكب وبالنجم إذا هوى، وأقسم بالجبل والبحر والتين والزيتون ~~والفرس وأقسم بالليل والنهار والصبح والشفق والعصر والضحى ويوم القيامة، ~~وأقسم بالنفس، وأقسم بالكتاب والقرآن العظيم وحياة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وبالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة ولا يستقيم قسم إلا عن إعظام. # فما المانع من أن نجري على ما جرى عليه كلامه تعالى من إعظامها بالعظمة ~~الموهوبة ونقتصر على ذلك، ولو كان ذلك من الشرك لكان كلامه تعالى أولى ~~بالتحرز منه وأحرى برعايته. PageV06P115 # وأيضا قد عظم الله تعالى أمورا كثيرة في كلامه كالقرآن والعرش وخلق النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: "والقرآن العظيم": "الحجر: 87"، ~~وقال: "وهو رب العرش العظيم": "التوبة: 192"، وقال: "وإنك لعلى خلق عظيم": ~~"ن: 4"، وجعل لأنبيائه ورسله والمؤمنين حقوقا على نفسه وعظمها واحترمها، ~~قال تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون": ~~"الصافات: 127"، وقال: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين": "الروم: 47" فما ~~المانع من أن نعظمها ونجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم، وأن نقسمه ~~تعالى بشيء مما أقسم به أو بحق من الحقوق ms2205 التي جعلها لأوليائه على نفسه؟ ~~نعم اليمين الشرعي الذي له آثار شرعية في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد ~~بغير الله سبحانه كما بين في الفقه وليس كلامنا فيه. # وإن أراد به أن مطلق الإعظام كيفما كان لا يجوز في غير الله حتى إعظامها ~~بما عظمها الله تعالى فهو مما لا دليل عليه بل القاطع من الدليل على خلافه. # وربما قيل: إن في الإقسام بحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر ~~الأولياء والتقرب إليهم والاستشفاع بهم بأي وجه كان عبادة وإعطاء سلطة ~~غيبية لها. # والكلام فيه كالكلام في سابقه: فإن أريد بهذه السلطة الغيبية السلطة ~~المستقلة الخاصة بالله فلا يذعن بها مسلم مؤمن بكتاب الله في غيره تعالى، ~~وإن أريد بها مطلق السلطة غير المادية ولو كان بإذن الله فما الدليل على ~~امتناع أن يتصف بها بعض عباد الله كأوليائه مثلا بإذنه، وقد نص القرآن ~~الشريف على كثير من السلطات الغيبية في الملائكة كما قال: "حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون": "الأنعام: 61"، وقال: "قل يتوفاكم ~~ملك الموت": "السجدة: 11" وقال: "والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، ~~والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا": "النازعات: 5، وقال: "من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": "البقرة: 97" والآيات في هذا الباب ~~كثيرة جدا. # وقال في إبليس وجنوده: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": "الأعراف: 27" وقد نزلت في شفاعة ~~الأنبياء وغيرهم في الآخرة، وآياتهم المعجزة في الدنيا آيات كثيرة. # وليت شعري ما الفرق بين الآثار المادية التي يثبتها هؤلاء في الموضوعات ~~من غير استنكاف وبين آثار غير المادية التي يسمونها بالسلطة الغيبية؟ فإن ~~كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعا لم يكن فرق بين الأثر المادي وغيره وإن ~~كان جائزا بإذن الله سبحانه كان الجميع فيه سواء. PageV06P116 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن علي بن إبراهيم عن رجاله رفعه قال: خرج تميم الداري وابن ~~بندي وابن أبي مارية في سفر، وكان تميم الداري مسلما وابن ms2206 بندي وابن أبي ~~مارية نصرانيين، وكان مع تميم الداري خرج له فيه متاع وآنية منقوشة بالذهب ~~وقلادة أخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع. فاعتل تميم الداري علة شديدة ~~فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندي وابن أبي مارية وأمرهما أن ~~يوصلاه إلى ورثته فقدما المدينة، وقد أخذا من المتاع الآنية والقلادة، ~~وأوصلا سائر ذلك إلى ورثته، فافتقد القوم الآنية والقلادة فقال أهل تميم ~~لهما: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة؟ فقالا: لا ما مرض إلا ~~أياما قلائل، قالوا: فهل سرق منه شيء في سفره هذا؟ قالا: لا، فقالوا: فهل ~~اتجر تجارة خسر فيها؟ قالا: لا، قالوا: فقد افتقدنا أفضل شيء كان معه: آنية ~~منقوشة بالذهب مكللة بالجواهر وقلادة، فقالا: ما دفعه إلينا فقد أديناه ~~إليكم. فقدموهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوجب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهما اليمين فحلفا فخلا عنهما، ثم ظهرت تلك ~~الآنية والقلادة عليهما فجاء أولياء تميم إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله قد ظهر على ابن بندي وابن أبي مارية ما ~~ادعيناه عليهما، فانتظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الله عز ~~وجل الحكم في ذلك. فأنزل الله تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم - إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم - أو آخران من ~~غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض" فأطلق الله عز وجل شهادة أهل الكتاب على ~~الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلمين. ثم قال: "فأصابتكم مصيبة ~~الموت - تحبسونهما من بعد الصلاة - فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ~~ثمنا - ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله - إنا إذا لمن الآثمين"، فهذه ~~الشهادة الأولى التي حلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما" أي أنهما حلفا على كذب "فآخران يقومان مقامهما" ~~يعني من أولياء المدعي "من الذين استحق عليهم الأوليان" ms2207 الأولين "فيقسمان ~~بالله" أي يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما وأنهما قد كذبا فيما ~~حلفا بالله "لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا - إنا إذا لمن ~~الظالمين". فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولياء تميم الداري ~~أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به فحلفوا فأخذ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) القلادة والآنية من ابن بندي وابن أبي مارية وردهما إلى أولياء ~~تميم الداري "ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها - أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم". # أقول: وأورده القمي في تفسيره مثله وفيه بعد قوله: "تحبسونهما من بعد ~~الصلاة: يعني صلاة العصر، وقوله (عليه السلام) "الأولين" الظاهر أنه بصيغة ~~التثنية والمراد بهما الشاهدان الأولان تفسيرا لقوله تعالى: "الأوليان" ~~وظاهره على قراءته (عليه السلام) "استحق" بالبناء للفاعل كما نسبت إلى علي ~~(عليه السلام)، وقد قدمنا في البيان السابق أنه أوضح المعاني المحتملة على ~~هذه القراءة. PageV06P117 # وفي الدر المنثور،: أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ~~ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو ~~الكلبي عن باذان مولى أم هاني عن ابن عباس عن تميم الداري: في هذه الآية: ~~"يا أيها الذين آمنوا - شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت" قال: برىء الناس ~~منهما غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل ~~الإسلام فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل ~~بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته، فمرض ~~فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك ~~الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا إلى أهله ~~دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا ~~وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ms2208 وأديت ~~إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم ~~به على أهل دينه فحلف فأنزل الله: "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى ~~قوله أن ترد أيمان بعد أيمانهم" فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت ~~الخمسمائة درهم من عدي بن بداء. # أقول: والرواية على ضعفها لا تنطبق على الآية تمام الانطباق وهو ظاهر، ~~وروي عن ابن عباس وعن عكرمة ما يقرب من رواية القمي السابقة. # وفيه،: أخرج الفاريابي وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ~~وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب: أنه كان يقرأ: "من الذين استحق عليهم ~~الأوليان" بفتح التاء. # وفيه،: أخرج ابن مردويه والحاكم وصححه، عن علي بن أبي طالب: أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ: "الذين استحق عليهم الأوليان". # وفيه،: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآية منسوخة. # أقول: ولا دليل على ما في الرواية من حديث النسخ. # وفي الكافي، عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان وعلي بن إبراهيم عن ~~أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول الله تبارك وتعالى: "أو آخران من غيركم" قال: إذا كان الرجل في بلد ليس ~~فيه مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية. # أقول: ومعنى الرواية مستفاد من الآية. # وفيه، بإسناده عن يحيى بن محمد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم - إذا حضر أحدكم الموت ~~- حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"؟ قال: "اللذان منكم" ~~مسلمان "واللذان من غيركم" من أهل الكتاب، فإن لم يجدوا من أهل الكتاب فمن ~~المجوس لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سن في المجوس سنة أهل ~~الكتاب في الجزية. وذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين ms2209 أشهد ~~رجلين من أهل الكتاب يحبسان بعد العصر فيقسمان بالله عز وجل "لا نشتري به ~~ثمنا - ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله - إنا إذا لمن الآثمين" قال: ~~وذلك إذا ارتاب ولي الميت في شهادتهما، فإن عثر على أنهما شهدا بالباطل ~~فليس له أن ينقض شهادتهما حتى يجيء بشاهدين فيقومان مقام الشاهدين الأولين ~~"فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما - وما اعتدينا إنا إذا لمن ~~الظالمين" فإن فعل ذلك نقض شهادة الأولين، وجازت شهادة الآخرين يقول الله ~~عز وجل: "ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها - أو يخافوا أن ترد أيمان ~~بعد أيمانهم". # أقول: والرواية - كما ترى - توافق ما تقدم من معنى الآية، وفي معناها ~~روايات أخر في الكافي، وتفسير العياشي، عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه ~~السلام). # وفي بعض الروايات تفسير قوله: "أو آخران من غيركم" بالكافرين، وهو أعم من ~~أهل الكتاب كما رواه في الكافي، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله. PageV06P118 # وفي تفسير العياشي، عن أبي أسامة عنه (عليه السلام) أيضا: في الآية: ما ~~"آخران من غيركم"؟ قال: هما كافران قلت: "ذوا عدل منكم"؟ فقال: مسلمان، ~~والرواية السابقة المقيدة بأهل الكتاب وإن لم تصلح لتقييد هذا الإطلاق بحسب ~~صناعة الإطلاق والتقييد لكونهما متوافقين إيجابيين لكن سياق الرواية الأولى ~~يصلح لتفسير إطلاق الثانية بما يوافق التقييد. # وفي تفسير البرهان، عن الصدوق بإسناده إلى أبي زيد عياش بن يزيد بن الحسن ~~عن أبيه يزيد بن الحسن قال: حدثني موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قال ~~الصادق (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ~~ذا أجبتم قالوا لا علم لنا" قال: يقولون لا علم لنا بسواك قال وقال: الصادق ~~(عليه السلام): القرآن كله تقريع وباطنه تقريب. # قال صاحب البرهان: قال ابن بابويه: يعني بذلك أنه من وراء آيات التوبيخ ~~والوعيد آيات الرحمة والغفران. # أقول: وما نقله عن الصدوق رحمه الله في معنى قوله (عليه السلام): "القرآن ~~كله تقريع وباطنه تقريب" لا ينطبق ms2210 عليه لا بالنظر إلى صدر الرواية فإن كون ~~معنى قول الرسل (عليهم السلام): "لا علم لنا" أنه لا علم لنا بسواك غير ~~مرتبط بكون القرآن مشتملا على نوعين من الآيات: آيات الوعد وآيات الوعيد. # ولا بالنظر إلى سياق نفس الجملة أعني قوله: "القرآن كله تقريع وباطنه ~~تقريب" فإن الكلام ظاهر في أن القرآن كله تقريع وكله تقريب، وإنما يختلف ~~الأمر بحسب الباطن والظاهر فباطنه تقريب وظاهره تقريع، لا أن القرآن منقسم ~~إلى قسمين فقسم منه آيات التقريع ووراءه القسم الآخر وهو آيات التقريب. # والتأمل في كلامه (عليه السلام) مع ملاحظة صدر الرواية يعطي أن مراده ~~(عليه السلام) من التقريع بالنظر إلى مقابلة التقريب لازم معناه وهو ~~التبعيد المقابل للتقريب، والقرآن كله معارف وحقائق فظاهره تبعيد الحقائق ~~بعضها من بعض وتفصيل أجزائها، وباطنه تقريب البعض من البعض وإحكامها ~~وتوحيدها، ويعود محصل المراد إلى أن القرآن بحسب ظاهره يعطي حقائق من ~~المعارف مختلفة بعضها بائن منفصل من بعض لكنها على كثرتها وبينونتها ~~وابتعاد بعضها من بعض بحسب الباطن يقترب بعضها من بعض وتلتئم شتى معانيها ~~حتى تتحد حقيقة واحدة كالروح الساري في الجميع، وليست إلا حقيقة التوحيد ~~قال الله تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": "هود: 1". # ويظهر حينئذ انطباقه على ما ذكره (عليه السلام) في صدر الرواية أن معنى ~~قول الرسل: "لا علم لنا" أن لا علم لنا بسواك فإن الإنسان أو أي عالم فرض ~~إنما يعلم ما يعلم بالله بمعنى أن الله سبحانه هو المعلوم بذاته وغيره ~~معلوم به، وبعبارة أخرى إذا تعلق العلم بشيء فإنما يتعلق أولا بالله سبحانه ~~على ما يليق بساحة قدسه وكبريائه ثم يتعلق من جهته بذلك الشيء لما أن الله ~~سبحانه عنده علم كل شيء يرزق منه لمن يشاء من عباده على قدر ما يشاء كما ~~قال تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض": "البقرة: 255" وقد تقدم رواية عبد الأعلى مولى آل سام عن الصادق ~~(عليه ms2211 السلام) وغيره من الروايات في هذا المعنى. # وعلى هذا فمعنى قولهم: "لا علم لنا بسواك إنك أنت علام الغيوب" على ~~تفسيره (عليه السلام) أنه لا علم لنا بشيء من دونك وإنما نعلم ما نعلم من ~~جهة علمنا بك لأن العلم كله لك وإذا كان كذلك فأنت أعلم به منا لأن الذي ~~نعلمه من شيء هو علمك الذي أحطنا بشيء منه بمشيئتك ورزقك. # وعلى هذا يتجلى معنى آخر لقوله: "إنك أنت علام الغيوب" هو أرفع منالا مما ~~تقدم من المعنى، وهو أن كل شيء من الخليقة لما كان منفصل الوجود عن غيره ~~كان في غيب منه لما أن وجوده محدود مقدر لا يحيط إلا بما شاء الله أن يحيط ~~به، والله سبحانه هو المحيط بكل شيء، العالم بكل غيب لا يعلم شيء شيئا إلا ~~من جهته تعالى وتقدس عن كل نقص. # وعلى هذا فتقسيم الأمور إلى غيب وشهادة تقسيم بالحقيقة إلى غيب شاء الله ~~إحاطتنا به وغيب مستور عنا، وربما تؤيد هذا المعنى بظاهر قوله تعالى: "عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول": "الجن: 27" بالنظر ~~إلى ما تفيده إضافة الغيب إلى الضمير، وعليك بإجادة التأمل في هذا المقام. PageV06P119 # وفي تفسير العياشي، عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "يوم يجمع الله الرسل،" الآية قال: يقول: ما ذا أجبتم في أوصيائكم ~~الذين خلفتم على أمتكم؟ قال: فيقولون: لا علم لنا بما فعلوا من بعدنا. ~~أقول: ورواه القمي في تفسيره عن محمد بن مسلم عنه (عليه السلام). # وفي الكافي، عن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) ما في معناه، وهو من ~~الجري أو من قبيل الباطن. PageV06P120 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 110 - 111 # إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى ولدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك الكتب والحكمة والتوراة ~~والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى ~~وتبرئ الأكمه والأبرص ms2212 بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت بنى إسرءيل عنك ~~إذ جئتهم بالبينت فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى وبرسولى قالوا ءامنا واشهد بأننا مسلمون (111) ### |||| AUTO بيان # الآيتان وكذا الآيات التالية لها القاصة قصة نزول المائدة والتالية لها ~~المخبرة عما سيسأل الله عيسى بن مريم (عليهما السلام) عن اتخاذ الناس إياه ~~وأمه إلهين من دون الله سبحانه وما يجيب به عن ذلك، كلها مرتبطة بغرض ~~السورة الذي افتتحت به، وهو الدعوة إلى الوفاء بالعهد والشكر للنعمة ~~والتحذير عن نقض العهود وكفران النعم الإلهية وبذلك يتم رجوع آخر السورة ~~إلى أولها وتحفظ وحدة المعنى المراد. # قوله تعالى: "إذ قال الله يا عيسى بن مريم - إلى قوله - وإذ تخرج الموتى ~~بإذني" الآية تعد عدة من الآيات الباهرة الظاهرة بيده (عليه السلام) إلا ~~أنها تمتن بها عليه وعلى أمه جميعا، وهي مذكورة بهذا اللفظ تقريبا فيما ~~يحكيه تعالى من تحديث الملائكة مريم عند بشارتها بعيسى (عليه السلام) في ~~سورة آل عمران، قال تعالى: "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى بن مريم - إلى أن قال - ويكلم الناس في المهد وكهلا - ~~إلى أن قال - ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني ~~إسرائيل، أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فتكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله" الآيات : "آل عمران: 45 50". # والتأمل في سياق الآيات يوضح الوجه في عد ما ذكره من الآيات المختصة ~~ظاهرا بالمسيح نعمة عليه وعلى والدته جميعا كما تشعر به آيات آل عمران فإن ~~البشارة إنما تكون بنعمة، والأمر على ذلك فإن ما اختص به المسيح (عليه ~~السلام) من آية وموهبة كالولادة من غير أب والتأييد بروح القدس وخلق الطير ~~وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله سبحانه فهي بعينها كرامة ~~لمريم كما أنها كرامة لعيسى (عليه السلام) فهما معا منعمان بالنعمة ms2213 الإلهية ~~كما قال تعالى: "نعمتي عليك وعلى والدتك". # وإلى ذلك يشير تعالى بقوله: "وجعلناها وابنها آية للعالمين": "الأنبياء: ~~91" حيث عدهما معا آية واحدة لا آيتين. # وقوله: "إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس" الظاهر أن التأييد بروح القدس ~~هو السبب المهيىء له لتكليم الناس في المهد، ولذلك وصل قوله "تكلم الناس" ~~من غير أن يفصله بالعطف إلى الجملة السابقة إشعارا بأن التأييد والتكليم ~~معا أمر واحد مؤلف من سبب ومسبب، واكتفى في موارد من كلامه بذكر أحد ~~الأمرين عن الآخر كقوله في آيات آل عمران المنقولة آنفا: "وتكلم الناس في ~~المهد وكهلا"، وقوله: "وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس": ~~"البقرة: 235". # على أنه لو كان المراد بتأييده بروح القدس مسألة الوحي بوساطة الروح لم ~~يختص بعيسى بن مريم (عليهما السلام) وشاركه فيها سائر الرسل مع أن الآية ~~تأبى ذلك بسياقها. # وقوله: "وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل من الممكن أن يستفاد ~~منه أنه (عليه السلام) إنما تلقى علم ذلك كله بتلق واحد عن أمر إلهي واحد ~~من غير تدريج وتعدد كما أنه أيضا ظاهر جمع الجميع وتصديرها بإذ من غير ~~تكرار لها. PageV06P121 # وكذلك قوله: "إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه فتكون طيرا ~~بإذني وتبرء الأكمه والأبرص بإذني" ظاهر السياق من جهة عدم تكرار لفظة "إذ" ~~أن خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص كانا متقارنين زمانا، وأن تذييل خلق ~~الطير بذكر الإذن من غير أن يكتفي بالإذن المذكور في آخر الجملة إنما هو ~~لعظمة أمر الخلق بإفاضة الحياة فتعلقت العناية به فاختص بذكر الإذن بعده من ~~غير أن ينتظر فيه آخر الكلام صونا لقلوب السامعين من أن يخطر فيها أن غيره ~~تعالى يستقل دونه بإفاضة الحياة أو تلبث فيها هذه الخطرة ولو لحظات يسيرة، ~~والله أعلم. # وقوله: "وإذ تخرج الموتى بإذني" إخراج الموتى كناية عن إحيائها، وفيه ~~عناية ظاهرة بأن الإحياء الذي جرى على يديه (عليه السلام) كان إحياء لموتى ~~مقبورين بإفاضة الحياة عليهم وإخراجهم من قبورهم إلى حياة ms2214 دنيوية، وفي ~~اللفظ دلالة على الكثرة، وقد تقدم في الكلام على آيات آل عمران بقية ما ~~يتعلق بهذه الآيات من الكلام فراجع ذلك. # قوله تعالى: "وإذ كففت بني إسرائيل عنك" إلى آخر الآية. # فيه دلالة على أنهم قصدوه بشر فكفهم الله عن ذلك فينطبق على ما ذكره الله ~~في سورة آل عمران في قصصه (عليه السلام) بقوله: "ومكروا ومكر الله والله ~~خير الماكرين". # قوله تعالى: "وإذ أوحيت إلى الحواريين" الآية، الآية منطبقة على آيات ~~سورة آل عمران بقوله: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ~~قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون": "آل عمران: 52". # ومن هنا يظهر أن هذا الإيمان الذي ذكره في الآية بقوله: "وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا، الآية غير إيمانهم الأول به ~~(عليه السلام) فإن ظاهر قوله في آية آل عمران: "فلما أحس عيسى منهم الكفر" ~~أنه كان في أواخر أيام دعوته وقد كان الحواريون وهم السابقون الأولون في ~~الإيمان به ملازمين له. # على أن ظاهر قوله في آية آل عمران: "قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون" أن الدعوة إنما ~~سيقت لأخذ الميثاق على نصرة دين الله لا أصل الإيمان بالله، ولذلك ختم ~~الآية بقولهم: "واشهد بأنا مسلمون" وهو التسليم لأمر الله بإقامة دعوته ~~وتحمل الأذى في جنبه، وكل ذلك بعد أصل الإيمان بالله طبعا. # فتبين أن المراد بقوله: "وإذ أوحيت إلى الحواريين، إلخ" قصة أخذ الميثاق ~~من الحواريين، وفي الآية أبحاث أخر مرت في تفسير سورة آل عمران. ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، بإسناده عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكيت لأبي ~~الحسن الرضا (عليه السلام): لما ذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء ~~والعصا وآلة السحر، وبعث عيسى بآلة الطب، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالكلام والخطب؟. فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله تعالى لما ~~بعث موسى (عليه السلام) كان ms2215 الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله ~~تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به ~~الحجة عليهم وإن الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج ~~الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا ~~لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم وإن ~~الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان الأغلب على أهل ~~عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب الله والموعظة والحكمة بما أبطل ~~به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم. قال ابن السكيت ما رأيت مثلك اليوم قط فما ~~الحجة على الخلق اليوم؟ فقال: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه ~~والكاذب على الله فيكذبه، قال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب. PageV06P122 # وفي الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن أبي ~~جميلة عن أبان بن تغلب وغيره عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه سئل هل ~~كان عيسى بن مريم أحيا أحدا بعد موته بأكل ورزق ومدة وولد؟ فقال: نعم إنه ~~كان له صديق مواخ له في الله تبارك وتعالى، وكان عيسى (عليه السلام) يمر به ~~وينزل عليه، وإن عيسى غاب عنه حينا ثم مر به ليسلم عليه فخرجت عليه أمه ~~فسألها عنه فقالت له: مات يا رسول الله، فقال: أتحبين أن تراه؟ قالت: نعم. ~~فقال: إذا كان غدا أتيتك حتى أحييه لك بإذن الله تعالى. فلما كان من الغد ~~أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره فانطلقا حتى أتيا قبره فوقف عليه عيسى ~~(عليه السلام) ثم دعا الله عز وجل فانفرج القبر فخرج ابنها حيا فلما رأته ~~أمه ورءاها بكيا فرحمهما عيسى (عليه السلام) فقال له عيسى: أتحب أن تبقى مع ~~أمك في الدنيا؟ فقال: يا رسول الله بأكل ورزق ومدة أم بغير أكل ورزق ومدة؟ ~~فقال له عيسى (عليه السلام): بأكل ورزق ومدة تعمر ms2216 عشرين سنة وتزوج ويولد ~~لك، قال: نعم إذا. قال: فدفعه عيسى (عليه السلام) إلى أمه فعاش عشرين سنة ~~وولد له. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن يوسف الصنعاني عن أبيه قال: سألت أبا جعفر ~~(عليه السلام) "إذ أوحيت إلى الحواريين" قال: ألهموا. # أقول: واستعمال الوحي في مورد الإلهام جاء في القرآن في غير مورد كقوله ~~تعالى: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه": "القصص: 7"، وقوله تعالى: "وأوحى ~~ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا": "النحل: 68" وقوله في الأرض: ~~"بأن ربك أوحى لها": "الزلزال: 5". PageV06P123 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 112 - 115 # إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشهدين (113) قال عيسى ~~ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا ~~وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرزقين (114) قال الله إنى منزلها ~~عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العلمين (115) ### |||| AUTO بيان # الآيات تذكر قصة نزول المائدة؟؟؟؟؟ على المسيح (عليه السلام) وأصحابه، ~~وهي وإن لم تصرح بأن الله أنزلها عليهم غير أن الآية الأخيرة تتضمن الوعد ~~المنجز منه بإنزالها من غير تقييد وقد وصف تعالى نفسه بأنه لا يخلف ~~الميعاد. # وقول بعضهم: إنهم استقالوا عيسى (عليه السلام) بعد ما سمعوا الوعيد ~~الشديد من الله تعالى لمن يكفر منهم بعد نزول المائدة قول من غير دليل من ~~كتاب أو حديث يعتمد عليه. # وقد نقل ذلك عن جمع من المفسرين، وممن يذكر منهم: المجاهد والحسن، ولا ~~حجة في قولهما ولا قول غيرهما ولو عد قولهما رواية كانت من الموقوفات التي ~~لا حجية لها لضعفها على أنها معارضة بغيرها من الروايات الدالة على نزولها، ~~على أنها لو صحت لم تكن إلا من الآحاد التي لا يعتمد عليها في غير الأحكام. # وربما يستدل على عدم نزولها بأن النصارى لا يعرفونها ms2217 وكتبهم المقدسة ~~خالية عن حديثها، ولو كانت نازلة لتوفرت الدواعي على ذكره في كتبهم وحفظه ~~فيما بينهم بسيرة مستمرة كما تحفظوا على العشاء الرباني لكن الخبير بتاريخ ~~شيوع النصرانية وظهور الأناجيل لا يعبأ بأمثال هذه الأقاويل فلا كتبهم ~~مكتوبة محفوظة على التواتر إلى زمن عيسى (عليه السلام)، ولا هذه النصرانية ~~الحاضرة تتصل بزمنه حتى ينتفع بها فيها يعتورونه يدا بيد، أو فيما لا ~~يعرفونه مما ينسب إلى الدعوة العيسوية أو يتعلق بها. # نعم وقع في بعض الأناجيل إطعام المسيح تلاميذه وجماعة من الناس بالخبز ~~والسمك القليلين على طريق الإعجاز، غير أن القصة لا تنطبق على ما قصة ~~القرآن في شيء من خصوصياته، ورد في إنجيل يوحنا، الإصحاح السادس ما هذا ~~نصه: 1 "بعد هذا مضى يسوع إلى عبر بحر الجليل وهو بحر طبرية 2 وتبعه جمع ~~كثير لأنهم أبصروا آياته التي كان يصنعها في المرضى 3 فصعد يسوع إلى جبل ~~وجلس هناك مع تلاميذه 4 وكان الفصح عند اليهود قريبا 5 فرفع يسوع عينيه ~~ونظر أن جمعا كثيرا مقبل إليه فقال لفيلبس من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء 6 ~~وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل 7 أجابه فيلبس لا ~~يكفيهم خبز بمأتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا 8 قال له واحد من ~~تلاميذه وهو أندراوس أخو سمعان بطرس 9 هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير ~~وسمكتان ولكن ما هذا لمثل هؤلاء 10 فقال يسوع اجعلوا الناس يتكئون وكان في ~~المكان عشب كثير فاتكأ الرجال وعددهم نحو خمسة آلاف 11 وأخذ يسوع الأرغفة ~~وشكر ووزع على التلاميذ والتلاميذ أعطوا المتكئين وكذلك من السمكتين بقدر ~~ما شاءوا 12 فلما شبعوا قال لتلاميذه أجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء ~~13 فجمعوا وملئوا اثنتي عشرة قفة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير التي فضلت ~~عن الآكلين 14 فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا إن هذا هو ~~بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم 15 وأما ms2218 يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن ~~يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا انصرف أيضا إلى الجبل وحده". # ثم إن التدبر في هذه القصة بما لها من سياق مسرود في كلامه تعالى يهدي ~~إلى جهة أخرى من البحث فإن السؤال المذكور في أولها بظاهره خال عن رعاية ~~الأدب والواجب حفظه في جنب الله سبحانه، وقد انتهى الكلام إلى وعيد منه ~~تعالى لمن يكفر بهذه الآية وعيدا لا يوجد له نظير في شيء من الآيات التي ~~اختص الله سبحانه بها أنبياءه أو اقترحها أممهم عليهم كاقتراح أمم نوح وهود ~~وصالح وشعيب وموسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV06P124 # فهل كان ذلك لكون الحواريين وهم السائلون أساءوا الأدب في سؤالهم؟ لأن ~~لفظهم لفظ من يشك في قدرة الله سبحانه ففي اقتراحات الأمم السابقة عليهم من ~~الإهانة بمقام ربهم والسخرية والهزء بأنبيائهم وكذا ما توجد حكايته في ~~القرآن من طواغيت قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واليهود المعاصرين ~~له ما هو أوقح من ذلك وأشنع!. # أو أنهم لكونهم مؤمنين قبل السؤال والنزول لو كفروا بعد النزول ومشاهدة ~~الآية الباهرة استحقوا هذا الوعيد على هذه الشدة؟ فالكفر بعد مشاهدة الآية ~~الباهرة وإن كان عتوا وطغيانا كبيرا لكنه لا يختص بهم، ففي سائر الأمم ~~أمثال لهم في ذلك ولم يوعدوا بمثل هذا الوعيد قط حتى الذين ارتدوا منهم بعد ~~التمكن في مقام القرب والتحقق بآيات الله سبحانه كالذي يذكره الله سبحانه ~~في قوله: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان ~~فكان من الغاوين": "الأعراف: 157". # والذي يمكن أن يقال في المقام أن هذه القصة بما صدر به من السؤال يمتاز ~~بمعنى يختص به من بين سائر معجزات الأنبياء التي أتوا بها لاقتراح من أممهم ~~أو لضرورات أخر تدعو إلى ذلك. # وذلك أن الآيات المعجزة التي يقصها الكلام الإلهي إما آيات آتاها الله ~~الأنبياء حين بعثهم لتكون حجة مؤيدة لنبوتهم أو رسالتهم كما أوتي موسى ~~(عليه السلام) اليد البيضاء والعصا، وأوتي عيسى (عليه السلام) إحياء الموتى ms2219 ~~وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص، وأوتي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~القرآن، وهذه آيات أوتيت لحاجة الدعوة إلى الإيمان وإتمام الحجة على الكفار ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. # وإما آيات معجزة أتى بها الأنبياء والرسل لاقتراح الكفار عليهم كناقة ~~صالح، ويلحق بها المخوفات والمعذبات المستعملة في الدعوة كآيات موسى (عليه ~~السلام) على قوم فرعون من الجراد والقمل والضفادع وغير ذلك في سبع آيات، ~~وطوفان نوح، ورجفة ثمود وصرصر عاد وغير ذلك، وهذه أيضا آيات متعلقة ~~بالمعاندين الجاحدين. # وإما آيات أراها الله المؤمنين لحاجة مستها، وضرورة دعت إليها، كانفجار ~~العيون من الحجر ونزول المن والسلوى على بني إسرائيل في التيه، ورفع الطور ~~فوق رءوسهم وشق البحر لنجاتهم من فرعون وعمله، فهذه آيات واقعة لإرهاب ~~العاصين المستكبرين أو كرامة للمؤمنين لتتم كلمة الرحمة في حقهم من غير أن ~~يكونوا قد اقترحوها. # ومن هذا الباب المواعيد التي وعدها الله في كتابه المؤمنين كرامة لرسوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كوعد فتح مكة ومقت المشركين من كفار قريش وغلبة ~~الروم إلى غير ذلك. # فهذه أنواع الآيات المقتصة في القرآن والمذكورة في التعليم الإلهي، وأما ~~اقتراح الآية بعد نزول الآية فهو من التهوس يعده التعليم الإلهي من الهجر ~~الذي لا يعبأ به كاقتراح أهل الكتاب أن ينزل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عليهم كتابا من السماء مع وجود القرآن بين أيديهم، قال تعالى: "يسألك ~~أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ~~فقالوا أرنا الله جهرة - إلى أن قال - لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا": "النساء: 166". # وكما سأل المشركون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنزال الملائكة أو ~~إراءة ربهم تعالى وتقدس قال تعالى: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا": ~~"الفرقان: 21" وقال تعالى: "وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ms2220 ~~الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكون له ~~جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا": "الفرقان: 9" إلى غير ذلك من الآيات ~~الكثيرة. # وليس ذلك كله إلا لأن عنوان نزول الآية هو ظهور الحق وتمام الحجة فإذا ~~نزلت فقد ظهر الحق وتمت الحجة فلو أعيد سؤال نزول الآية وقد نزلت وحصل ~~الغرض فلا عنوان له إلا العبث بآيات الله واللعب بالمقام الربوبي والتذبذب ~~في القبول، وفيه أعظم العتو والاستكبار. PageV06P125 # وهذا لو صدر عن المؤمنين لكان الذنب فيه أكثف والإثم فيه أعظم فما ذا يصنع ~~المؤمن بنزول الآية السماوية وهو مؤمن وخاصة إذا كان ممن شاهد آيات الله ~~فآمن عن مشاهدتها؟ وهل هو إلا أشبه شيء بما يقترحه أرباب الهوى والمترفون ~~في مجالس الأنس وحفل التفكه من المشعوذين أو أصحاب الرياضات العجيبة أن ~~يطيبوا عيشهم بإتحافهم بأعجب ما يقدرون عليه من الشعبذة والأعمال الغريبة؟. # والذي يفيده ظاهر قوله تعالى: "إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل ~~يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة" أنهم اقترحوا على المسيح (عليه السلام) أن ~~يريهم آية خاصة وهم حواريوه المختصون به وقد رأوا تلك الآيات الباهرة ~~والكرامات الظاهرة فإنه (عليه السلام) لم يرسل إلى قومه إلا بالآيات ~~المعجزة كما يعطيه قوله تعالى: "ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله، إلخ": "آل عمران: 49". # وكيف يتصور في من آمن بالمسيح (عليه السلام) أن لا يعثر منه على آية وهو ~~(عليه السلام) بنفس وجوده آية خلقه الله من غير أب وأيده بروح القدس يكلم ~~الناس في المهد وكهلا ولم يزل مكرما بآية بعد آية حتى رفعه الله إليه وختم ~~أمره بأعجب آية. # فاقتراحهم آية اختاروها لأنفسهم بعد هاتيك الآيات على كثرتها من قبيل ~~اقتراح الآية بعد الآية وقد ركبوا أمرا عظيما ولذلك وبخهم ms2221 عيسى (عليه ~~السلام) بقوله: "اتقوا الله إن كنتم مؤمنين". # ولذلك بعينه وجهوا ما اقترحوا عليه وفسروا قولهم ثانيا بما يكسر سورة ما ~~أوهمه إطلاق كلامهم، ويزيل عنه تلك الحدة فقالوا: "نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين" فضموا إلى غرض ~~الأكل أغراضا أخر يوجه اقتراحهم، يريدون به أن اقتراحهم هذا ليس من قبيل ~~التفكه بالأمور العجيبة والعبث بآيات الإلهية بل له فوائد مقصودة: من كمال ~~علمهم وإزالة خطرات السوء من قلوبهم وشهادتهم عليها. # لكنهم مع ذلك لم يتركوا ذكر إرادة الأكل ومنه كانت الخطيئة ولو قالوا: ~~"نريد أن نأكل منها فتطمئن قلوبنا، إلخ" لم يلزمهم ما لزمهم إذ قالوا: ~~"نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، إلخ" فإن الكلام الأول يقطع جميع منابت ~~التهوس والمجازفة دون الثاني. # ولما ألحوا عليه أجابهم عيسى (عليه السلام) إلى ما اقترحوا عليه والتمسوه ~~وسأل ربه أن يكرمهم بها، وهي معجزة مختصة في نوعها بأمته لأنها الآية ~~الوحيدة التي نزلت إليهم عن اقتراح في أمر غير لازم ظاهرا وهو أكل المؤمنين ~~منها، ولذلك عنونها (عليه السلام) عنوانا يصلح به أن يوجه الوجه بسؤاله إلى ~~ساحة العظمة والكبرياء فقال: "اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا" فعنونها بعنوان العيدية، والعيد عند قوم هو اليوم ~~الذي نالوا فيه موهبة أو مفخرة مختصة بهم من بين الناس، وكان نزول المائدة ~~عليهم منعوتا بهذا النعت. # ولما سأل عيسى ربه ما سأل - وحاشاه أن يسأل إلا ما يعلم أن من المرجو ~~استجابته وأن ربه لا يمقته ولا يفضحه، وحاشا ربه أن يرده خائبا في دعائه - ~~استجاب له ربه دعاءه غير أنه شرط فيها لمن يكفر بها عذابا يختص به من بين ~~جميع الناس كما أن الآية آية خاصة بهم لا يشاركهم في نوعها غيرهم من الأمم ~~فقال الله سبحانه "إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين"، هذا. # قوله تعالى: "إذ قال ms2222 الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء" "إذ" ظرف متعلق بمقدر والتقدير اذكر إذ قال "إلخ"، ~~أو ما يقرب منه، وذهب بعضهم إلى أنه متعلق بقوله في الآية السابقة: "قالوا ~~آمنا، إلخ" أي قال الحواريون: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون في وقت قالوا ~~فيه لعيسى: "هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" والمراد أنهم ما ~~كانوا على صدق في دعواهم، ولا على جد في إشهادهم عيسى (عليه السلام) على ~~إسلامهم له. # وفيه أنه مخالف لظاهر السياق، وكيف يكون إيمانهم غير خالص؟ وقد ذكر الله ~~أنه هو أوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي وهو تعالى يمتن بذلك على عيسى (عليه ~~السلام) على أنه لا وجه حينئذ للإظهار في قوله: "إذ قال الحواريون، إلخ". PageV06P126 # و"المائدة" الخوان إذا كان فيه طعام، قال الراغب: والمائدة الطبق الذي عليه ~~الطعام، ويقال لكل واحدة منهما مائدة، ويقال: مادني يميدني أي أطعمني، انتهى. # ومتن السؤال الذي حكي عنهم في الآية وهو قولهم: "هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء" بحسب ظاهر ما يتبادر من معناه مما يستبعد العقل ~~صدوره عن الحواريين وهم أصحاب المسيح وتلامذته وأخصاؤه الملازمون له ~~المقتبسون من أنوار علومه ومعارفه المتبعون آدابه وآثاره، والإيمان بأدنى ~~مراتبه ينبه الإنسان على أن الله سبحانه على كل شيء قدير، لا يجوز عليه ~~العجز ولا يغلبه العجز فكيف جاز أن يستفهموا رسولهم عن استطاعة ربه على ~~إنزال مائدة من السماء. # ولذلك قرأ الكسائي من السبعة: "هل تستطيع ربك" بتاء المضارعة ونصب "ربك" ~~على المفعولية أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربك، فحذف الفعل الناصب للمفعول ~~وأقيم "تستطيع" مقامه، أو أنه مفعول لفعل محذوف فقط. # وقد اختلف المفسرون في توجيهه على بناء من أكثريهم على أن المراد به غير ~~ما يتبادر من ظاهره من الشك في قدرة الله سبحانه لنزاهة ساحتهم من هذا ~~الجهل السخيف. # وأوجه ما يمكن أن يقال هو أن الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء ms2223 المصلحة ~~ووقوع الإذن كما أن الإمكان والقدرة والقوة يكنى بها عن ذلك كما يقال: "لا ~~يقدر الملك أن يصغي إلى كل ذي حاجة" بمعنى أن مصلحة الملك تمنعه من ذلك ~~وإلا فمطلق الإصغاء مقدور له، ويقال: "لا يستطيع الغني أن يعطي كل سائل" أي ~~مصلحة حفظ المال لا تقتضيه، ويقال: "لا يمكن للعالم أن يبث كل ما يعلمه" أي ~~يمنعه عن ذلك مصلحة الدين أو مصلحة الناس والنظام الدائر بينهم، ويقول ~~أحدنا لصاحبه: "هل تستطيع أن تروح معي إلى فلان"؟ وإنما السؤال عن ~~الاستطاعة بحسب الحكمة والمصلحة لا بحسب أصل القدرة على الذهاب، هذا. # وهناك وجوه أخرى ذكروها: منها: أن هذا السؤال لأجل تحصيل الاطمئنان ~~بإيمان العيان لا للشك في قدرة الله سبحانه فهو على حد قول إبراهيم (عليه ~~السلام) فيما حكى الله عنه: "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي". # وفيه: أن مجرد صحة أن تسأل الآية لزيادة الإيمان واطمئنان القلب لا يصحح ~~حمل سؤالهم عليه ولم تثبت عصمتهم كإبراهيم (عليه السلام) حتى تكون دليلا ~~منفصلا يوجب حمل كلامهم على ما لا حزازة فيه بل الدليل على خلافه حيث لم ~~يقولوا: نريد أن نأكل منها فتطمئن قلوبنا كما قال إبراهيم (عليه السلام): ~~"بلى ولكن ليطمئن قلبي" بل قالوا: "نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا" فعدوا ~~الأكل بحيال نفسه غرضا. # على أن هذا الوجه إنما يستدعي تنزه قلوبهم عن شائبة الشك في قدرة الله ~~سبحانه وأما حزازة ظاهر الكلام فعلى حالها. # على أنه قد تقدم في تفسير قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى" الآية: "البقرة: 206" أن مراده (عليه السلام) لم يكن مشاهدة تلبس ~~الموتى بالحياة بعد الموت كما عليه بناء هذا الوجه ولو كان كذلك لكان من ~~قبيل طلب الآية بعد العيان وهو في مقام المشافهة مع ربه بل مراده مشاهدة ~~كيفية الإحياء بالمعنى الذي تقدم بيانه. # ومنها: أنه سؤال عن الفعل دون القدرة عليه فعبر عنه بلازمه. # وفيه: أنه ms2224 لا دليل عليه، ولو سلم فإنه إنما ينفي عنهم الجهل بالقدرة ~~المطلقة الإلهية وأما منافاة إطلاق اللفظ للأدب العبودي فعلى حالها. # ومنها: أن في الكلام حذفا تقديره: هل تستطيع سؤال ربك؟ ويدل عليه قراءة ~~هل تستطيع ربك والمعنى: هل تستطيع أن تسأله من غير صارف يصرفك عن ذلك. PageV06P127 # وفيه أن الحذف والتقدير لا يعيد لفظة "هل يستطيع ربك" إلى قولنا هل تستطيع ~~سؤال ربك بأي وجه فرض لمكان اختلاف الفعل في القراءتين بالغيبة والحضور، ~~والتقدير لا يحول الغيبة إلى الخطاب البتة، وإن كان ولا بد فليقل: أنه من ~~قبيل إسناد الفعل المنسوب إلى عيسى (عليه السلام) إلى ربه من جهة أن فعله ~~فعل الله أو أن كل ما له (عليه السلام) فهو لله سبحانه، وهذا الوجه مع كونه ~~فاسدا من جهة أن الأنبياء والرسل إنما ينسب من أفعالهم إلى الله ما لا ~~يستلزم نسبته إليه النقص والقصور في ساحته تعالى كالهداية والعلم ونحوهما، ~~وأما لوازم عبوديتهم وبشريتهم كالعجز والفقر والأكل والشرب ونحو ذلك فمما ~~لا تستقيم نسبته إليه تعالى البتة فمشكلة ظاهر اللفظ على حالها. # ومنها: أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة والمعنى: هل يطيعك ربك ويجيب ~~دعاءك إذا سألته ذلك، وفيه: أنه من قبيل تبديل المشكل بما هو أشكل فإن ~~الاستفهام عن إطاعة الله سبحانه لرسوله وانقياده له أشنع وأفظع من ~~الاستفهام عن استطاعته. # وقد انتصر بعضهم لهذا الوجه فقال في تقريره ما محصله: أن الاستطاعة ~~والإطاعة من مادة الطوع مقابل الكره فإطاعة الأمر فعله عن رضى واختيار، ~~والاستفعال في هذه المادة كالاستفعال في مادة الإجابة فإذا كان معنى ~~استجابة: أجاب دعاءه أو سؤاله فمعنى استطاعة: أطاعه أي أنه انقاد له وصار ~~في طوعه أو طوعا له، والسين والتاء في المادتين على أشهر معانيهما وهو ~~الطلب، ولكنه طلب دخل على فعل محذوف دل عليه المذكور المترتب على المحذوف، ~~ومعنى استطاع الشيء: طلب وحاول أن يكون ذلك الشيء طوعا له فأطاعه وانقاد ~~له، ومعنى استجاب: سئل شيئا وطلب منه أن يجيب ms2225 إليه فأجاب. # قال: فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين: إن "يستطيع" ~~هنا بمعنى يطيع وإن معنى يطيع: يفعل مختارا راضيا غير كاره فصار حاصل معنى ~~الجملة: هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه ~~أو سألته لنا ذلك، انتهى. # وفيه أولا: أنه لم يأت بشيء دون أن قاس استطاع باستجاب ثم أعطى هذا معنى ~~ذاك وهو قياس في اللغة ممنوع. # وثانيا: أن كون الاستطاعة والإطاعة راجعين بحسب المادة إلى الطوع مقابل ~~الكره لا يستلزم وجوب جريان الاستعمال على رعاية معنى المادة الأصلية في ~~جميع التطورات الطارئة عليها فكثير من المواد هجرت خصوصية معناها الأصلي في ~~ما عرضها من الهيئات الاشتقاقية نظير ضرب وأضرب وقبل وأقبل وقبل وقابل ~~واستقبل بحسب التبادر الاستعمالي. # واعتبار المادة الأصلية في البحث عن الاشتقاقات اللغوية لا يراد به إلا ~~الاستعلام مبلغ ما يعيش المادة الأصلية بين مشتقاتها بحسب عروض تطورات ~~الاشتقاق عليها، أو انقضاء أمد حياتها بحسب المعنى وتبدله إلى معنى آخر لا ~~أن يلغى حكم التطورات ويحفظ المعنى الأصلي ما جرى اللسان، فافهم ذلك. # فالاعتبار في اللفظ بما يفيده بحسب الاستعمال الدائر الحي لا بما تفيده ~~المادة اللغوية وقد استعمل لفظ الاستطاعة في كلامه تعالى في أزيد من أربعين ~~موضعا، وهو في الجميع بمعنى القدرة، واستعمل لفظ الإطاعة فيما يقرب من ~~سبعين موضعا وهو في الجميع بمعنى الانقياد، واستعمل لفظ الطوع فيما استعمل ~~وهو مقابل الكره فكيف يسوغ أن يؤخذ لفظ يستطيع بمعنى يطيع ثم يطيع بمعنى ~~الطوع ثم يحكم بأن يستطيع في الآية بمعنى يرضى؟. # وأما حديث أجاب واستجاب فقد استعملا معا في كلامه تعالى بمعنى واحد وورد ~~استعمال الاستجابة في موارد هي أضعاف ما استعملت فيه الإجابة فإنك تجد ~~الاستجابة فيما يقرب من ثلاثين موضعا، ولا تجد الإجابة في أكثر من عشرة ~~مواضع فكيف يقاس عليها أطاع واستطاع؟. # وكونهما بمعنى واحد ليس إلا لانطباق عنايتين مختلفتين على مورد واحد ~~فمعنى أجاب أن الجواب تجاوز ms2226 عن المسئول إلى السائل، ومعنى استجاب أن ~~المسئول طلب من نفسه الجواب فأداه إلى السائل. # ومن هنا يظهر أن الذي فسر به الاستجابة وهو قوله: ومعنى استجاب سئل شيئا ~~وطلب منه أن يجيب إليه فأجاب ليس على ما ينبغي فإن باب الاستفعال هو طلب ~~"فعل" لا طلب "افعل" وهو ظاهر. PageV06P128 # وثالثا: أن السياق لا يلائم هذا المعنى إذ لو كان معنى قولهم: "هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" إنه هل يرضى ربك أن نسأله نحن أو تسأله ~~أنت أن ينزل علينا مائدة من السماء، وكان غرضهم من هذا السؤال أو النزول أن ~~يزدادوا إيمانا ويطمئنوا قلبا فما وجه توبيخ عيسى (عليه السلام) لهم بقوله: ~~"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"؟ وما وجه وعيده تعالى الكافرين بها بعذاب لا ~~يعذبه أحدا من العالمين، وهم لم يقولوا إلا حقا ولم يسألوا إلا مسألة ~~مشروعة، وقد قال تعالى: "واسألوا الله من فضله": "النساء: 32". # قوله تعالى: "قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين" توبيخ منه (عليه السلام) ~~لهم لما يشتمل عليه ظاهر كلامهم من الاستفهام عن استطاعة ربه على إنزال ~~المائدة فإن كلامهم مريب على أي حال. # وأما على ما قدمناه من أن الأصل في مؤاخذتهم الذي يترتب عليه الوعيد ~~الشديد في آخر الآيات هو أنهم سألوا آية حيث لا حاجة إليها واقترحوا بما في ~~معنى العبث بآيات الله سبحانه، ثم تعبيرهم بما يتبادر من ظاهره كونهم كأنهم ~~لم يعقدوا قلوبهم على القدرة الربوبية فوجه توبيخه (عليه السلام) لهم ~~بقوله: "اتقوا الله إن كنتم مؤمنين" أظهر. # قوله تعالى: "قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ~~ونكون عليها من الشاهدين" السياق ظاهر في أن قولهم هذا عذر اعتذروا به ~~للتخلص من توبيخه (عليه السلام) وما ذكروه ظاهر التعلق باقتراحهم الآية ~~بنزول المائدة دون ما يظهر من قولهم: هل يستطيع ربك أن ينزل"، من المعنى ~~الموهم للشك في إطلاق القدرة، وهذا أيضا أحد الشواهد على أن ملاك المؤاخذة ~~في المقام هو ms2227 أنهم سألوا آية على آية من غير حاجة إليها. # وأما قولهم: "نريد أن نأكل منها، إلخ" فقد عدوا في بيان غرضهم من اقتراح ~~الآية أمورا أربعة: أحدها: الأكل وكان مرادهم بذكره أنهم ما أرادوا به ~~اللعب بآيات الله بل أرادوا أن يأكلوا منها، وهو غرض عقلائي، وقد تقدم أن ~~هذا القول منهم كالتسليم لاستحقاقهم التوبيخ من عيسى (عليه السلام) والوعيد ~~الشديد من الله لمن يكفر منهم بآية المائدة. # وذكر بعضهم: أن المراد بذكر الأكل إبانة أنهم في حاجة شديدة إلى الطعام ~~ولا يجدون ما يسد حاجتهم. # وذكر آخرون أن المراد نريد أن نتبرك بأكله. # وأنت تعلم أن المعنى الذي قرر في كل من هذين الوجهين أمر لا يدل عليه ~~مجرد ذكر الأكل، ولو كان مرادهم ذلك وهو أمر يدفع به التوبيخ لكان مقتضى ~~مقام الاعتذار التصريح بذكره، وحيث لم يذكر شيء من ذلك مع حاجة المقام إلى ~~ذكره لو كان مرادا فليس المراد بالأكل إلا مطلق معناه من حيث إنه غرض ~~عقلائي هو أحد أجزاء غرضهم في اقتراح نزول المائدة. # الثاني: اطمئنان القلب وهو سكونه باندفاع الخطورات المنافية للخلوص ~~والحضور. # والثالث: العلم بأنه (عليه السلام) قد صدقهم فيما بلغهم عن ربه، والمراد ~~بالعلم حينئذ هو العلم اليقيني الذي يحصل في القلب بعد ارتفاع الخطورات ~~والوساوس النفسانية عنه، أو العلم بأنه قد صدقهم فيما وعدهم من ثمرات ~~الإيمان كاستجابة الدعاء كما ذكره بعضهم، لكن يبعده أن الحواريين ما كانوا ~~يسألون إنزال المائدة من السماء إلا بدعاء عيسى (عليه السلام) ومسألته، ~~وبالجملة بإعجاز منه (عليه السلام) وقد كانوا رأوا منه (عليه السلام) آيات ~~كثيرة فإنه (عليه السلام) لم يزل في حياته قرينا لآيات إلهية كبرى، ولم ~~يرسل إلى قومه ولم يدعهم دعوة إلا مع آيات ربه فلم يزالوا يرون ثمرات ~~إيمانه من استجابة الدعاء إن كان المراد الثمرة التي هي استجابة دعائه ~~(عليه السلام)، وإن كان المراد الثمرة التي هي استجابة دعائهم أنفسهم فإنهم ~~لم يسألوا نزول الآية بدعاء أنفسهم، ولم تنزل ms2228 إلا بدعاء عيسى (عليه ~~السلام). # الرابع: أن يكونوا عليها من الشاهدين عند ما يحتاج إلى الشهادة كالشهادة ~~عند المنكرين، والشهادة عند الله يوم القيامة، فالمراد بها مطلق الشهادة، ~~ويمكن أن يكون المراد مجرد الشهادة عند الله سبحانه كما وقع في بعض قولهم ~~الذي حكاه الله تعالى إذ قال: "ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا ~~مع الشاهدين": "آل عمران: 53". PageV06P129 # فقد تحصل أنهم - فيما اعتذروا به - ضموا أمورا جميلة مرضية إلى غرضهم الآخر ~~الذي هو الأكل من المائدة السماوية ليحسموا به مادة الحزازة عن اقتراحهم ~~الآية بعد مشاهدة الآيات الكافية فأجابهم عيسى (عليه السلام) إلى مسألتهم ~~بعد الإصرار. # قوله تعالى: "قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين" خلط ~~(عليه السلام) نفسه بهم في سؤال المائدة، وبدأ بنداء ربه بلفظ عام فقال: ~~"اللهم ربنا" وقد كانوا قالوا له: "هل يستطيع ربك" ليوافق النداء الدعاء. # وقد توحد هذا الدعاء من بين جميع الأدعية والمسائل المحكية في القرآن عن ~~الأنبياء (عليهم السلام) بأن صدر "باللهم ربنا" وغيره من أدعيتهم مصدر بلفظ ~~"رب" أو "ربنا" وليس إلا لدقة المورد وهول المطلع، نعم يوجد في أقسام ~~الثناء المحكية نظير هذا التصدير كقوله: "قل الحمد لله": "النمل: 59" ~~وقوله: "قل اللهم مالك الملك": "آل عمران: 26" وقوله: "قل اللهم فاطر ~~السماوات والأرض": "الزمر: 46". # ثم ذكر (عليه السلام) عنوانا لهذه المائدة النازلة هو الغرض له ولأصحابه ~~من سؤال نزولها وهو أن تنزل فتكون عيدا له ولجميع أمته، ولم يكن الحواريون ~~ذكروا فيما اقترحوه أنهم يريدون عيدا يخصون به لكنه (عليه السلام) عنون ما ~~سأله بعنوان عام وقلبه في قالب حسن ليخرج عن كونه سؤالا للآية مع وجود آيات ~~كبرى إلهية بين أيديهم وتحت مشاهدتهم، ويكون سؤالا مرضيا عند الله غير ~~مصادم لمقام العزة والكبرياء فإن العيد من شأنه أن يجمع الكلمة، ويجدد حياة ~~الملة، وينشط نفوس العائدين، ويعلن كلما عاد عظمة الدين. # ولذلك قال: "عيدا ms2229 لأولنا وآخرنا" أي أول جماعتنا من الأمة وآخر من يلحق ~~بهم - على ما يدل عليه السياق - فإن العيد من العود ولا يكون عيدا إلا إذا ~~عاد حينا بعد حين، وفي الخلف بعد السلف من غير تحديد. # وهذا العيد مما اختص به قوم عيسى (عليه السلام) كما اختصوا بنوع هذه ~~الآية النازلة على ما تقدم بيانه. # وقوله: "وآية منك" لما قدم مسألة العيد وهي مسألة حسنة جميلة لا عتاب ~~عليها عقبها بكونها آية منه تعالى كأنه من الفائدة الزائدة المترتبة على ~~الغرض الأصلي غير مقصودة وحدها حتى يتعلق بها عتاب أو سخط، وإلا فلو كانت ~~مقصودة وحدها من حيث كونها آية لم تخل مسألتها من نتيجة غير مطلوبة فإن ~~جميع المزايا الحسنة التي كان يمكن أن يراد بها كانت ممكنة الحصول بالآيات ~~المشهودة كل يوم منه (عليه السلام) للحواريين وغيرهم. # وقوله: "وارزقنا وأنت خير الرازقين" وهذه فائدة أخرى عدها مترتبة على ما ~~سأله من العيد من غير أن تكون مقصودة بالذات، وقد كان الحواريون ذكروه ~~مطلوبا بالذات حيث قالوا: "نريد أن نأكل منها" فذكروه مطلوبا لذاته وقدموه ~~على غيره، لكنه (عليه السلام) عده غير مطلوب بالذات وأخره عن الجميع وأبدل ~~لفظ الأكل من لفظ الرزق فأردفه بقوله "وأنت خير الرازقين". # والدليل على ما ذكرنا أنه (عليه السلام) جعل ما أخذوه أصلا فائدة مترتبة ~~أنه سأل أولا لجميع أمته ونفسه، وهو سؤال العيد الذي إضافة إلى سؤالهم فصار ~~بذلك كونها آية من الله ورزقا وصفين خاصين للبعض دون البعض كالفائدة ~~المترتبة غير الشاملة. # فانظر إلى أدبه (عليه السلام) البارع الجميل مع ربه، وقس كلامه إلى ~~كلامهم - وكلا الكلامين يؤمان نزول المائدة - تر عجبا فقد أخذ (عليه ~~السلام) لفظ سؤالهم فأضاف وحذف، وقدم وأخر، وبدل وحفظ حتى عاد الكلام الذي ~~ما كان ينبغي أن يوجه به إلى حضرة العزة وساحة العظمة أجمل كلام يشتمل على ~~أدب العبودية، فتدبر في قيود كلامه (عليه السلام) تر عجبا. # قوله تعالى: "قال الله إني منزلها عليكم فمن ms2230 يكفر بعد منكم فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" قرأ أهل المدينة والشام وعاصم "منزلها" ~~بالتشديد والباقون "منزلها" بالتخفيف - على ما في المجمع -، والتخفيف أوفق ~~لأن الإنزال هو الدال على النزول الدفعي، وكذلك نزلت المائدة، وأما التنزيل ~~فاستعماله الشائع إنما هو في النزول التدريجي كما تقدم كرارا. PageV06P130 # وقوله تعالى: "إني منزلها عليكم" وعد صريح بالإنزال وخاصة بالنظر إلى ~~الإتيان به في هيئة اسم الفاعل دون الفعل، ولازم ذلك أن المائدة قد نزلت عليهم. # وذكر بعض المفسرين أنها لم تنزل كما روي ذلك في الدر المنثور، ومجمع ~~البيان، وغيرهما عن الحسن ومجاهد: قالا: إنها لم تنزل وإن القوم لما سمعوا ~~الشرط استعفوا عن نزولها وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها فلم تنزل. # والحق أن الآية ظاهرة الدلالة على النزول فإنها تتضمن الوعد الصريح ~~بالنزول وحاشاه تعالى أن يجود لهم بالوعد الصريح وهو يعلم أنهم سيستعفون ~~عنها فلا تنزل، والوعد الذي في الآية صريح والشرط الذي في الآية يتضمن تفرع ~~العذاب وترتبه على الكفر بعد النزول، وبعبارة أخرى: الآية تتضمن الوعد ~~المطلق بالإنزال ثم تفريع العذاب على الكفر لا أنها تشتمل على الوعد ~~بالإنزال على تقدير قبولهم العذاب على الكفر، حتى يرتفع موضوع الوعد عند ~~عدم قبولهم الشرط فلا تنزل المائدة باستعفائهم عن نزولها، فافهم. # وكيف كان فاشتمال وعده تعالى بإنزال المائدة على الوعيد الشديد بعذاب ~~الكافرين بها منهم ليس ردا لدعاء عيسى (عليه السلام) وإنما هو استجابة له ~~غير أنه لما كان ظاهر الاستجابة بعد الدعاء - على ما له من السياق - أن هذه ~~الآية تكون رحمة مطلقة منه لهم يتنعم بها آخرهم وأولهم، قيد تعالى هذا ~~الإطلاق بالشرط الذي شرط عليهم، ومحصله أن هذا العيد الذي خصهم الله به لا ~~ينتفع به جميعهم بل إنما ينتفع به المؤمنون المستمرون على الإيمان منهم، ~~وأما الكافرون بها فيستضرون بها أشد الضرر. # فالآيتان في كلامه تعالى من حيث إطلاق الدعاء بحسب لازمه وتقييد ~~الاستجابة كقوله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ms2231 فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين": "البقرة - ~~142" وقوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام): "أنت ولينا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا ~~هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون": "الأعراف: 165". # وقد عرفت فيما تقدم أن السبب الأصلي في هذا العذاب الموعود الذي يختص بهم ~~إنما هو اقتراحهم آية هي في نوعها مختصة بهم لا يشاركهم فيها غيرهم من ~~الأمم فإذا أجيبوا إلى ذلك أوعدوا على الكفر عذابا لا يشاركهم فيها غيرهم ~~كما شرفوا بمثل ذلك. # ومن هنا يظهر أن المراد بالعالمين عالمو جميع الأمم عالمو زمانهم فإن ذلك ~~مرتبطا بمن يمتازون عنهم من الناس وهم جميع الأمم لا أهل زمان عيسى (عليه ~~السلام) خاصة من أمم الأرض. # ومن هناك يظهر أيضا أن قوله "فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين" وإن كان وعيدا شديدا بعذاب بئيس لكن الكلام غير ناظر إلى كون ~~العذاب فوق جميع العذابات والعقوبات في الشدة والألم، وإنما هو مسوق لبيان ~~انفراد العذاب في بابه، واختصاصهم من بين الأمم به. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "هل يستطيع ربك" عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: معنى الآية هل تستطيع أن تدعو ربك. # أقول: وروي هذا المعنى من طريق الجمهور عن بعض الصحابة والتابعين كعائشة ~~وسعيد بن جبير، وهو راجع إلى ما استظهرناه من معنى الآية فيما تقدم فإن ~~السؤال عن استطاعة عيسى (عليه السلام) إنما يصح بالنسبة إلى استطاعته بحسب ~~الحكمة والمصلحة دون استطاعته بحسب أصل القدرة. # وفي تفسير العياشي، عن عيسى العلوي عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: المائدة التي نزلت على بني إسرائيل مدلاة بسلاسل من ذهب عليها تسعة ~~أحوتة وتسعة أرغفة. # أقول: وفي لفظ آخر تسعة أنوان وتسعة أرغفة "والأنوان" جمع نون وهو الحوت. # وفي المجمع، عن ms2232 عمار بن ياسر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~نزلت المائدة خبزا ولحما، وذلك لأنهم سألوا عيسى طعاما لا ينفد يأكلون ~~منها، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا وتخبئوا وترفعوا فإن ~~فعلتم ذلك عذبتم، قال: فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا. PageV06P131 # أقول: ورواه في الدر المنثور، عن الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~الأنباري وأبي الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر عنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وفي آخره: فمسخوا قردة وخنازير. # قال في الدر المنثور،: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه ~~آخر عن عمار بن ياسر موقوفا: مثله، قال الترمذي: والوقف أصح، انتهى. # والذي ذكر في الخبر من أنهم سألوا طعاما لا ينفد يأكلون منها لا ينطبق ~~على الآية ذاك الانطباق بناء على ظاهر ما حكاه الله تعالى من قولهم: "ونكون ~~عليها من الشاهدين" فإن الطعام الذي لا يقبل النفاد لا يحتاج إلى شاهد يشهد ~~عليه إلا أن يراد من الشهادة الشهادة عند الله يوم القيامة. # والذي ذكر فيه من مسخهم قردة وخنازير ظاهر السياق أن ذلك هو العذاب ~~الموعود لهم، وهذا مما يفتح بابا آخر من المناقشة فيه فإن ظاهر قوله تعالى: ~~"فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" اختصاص هذا العذاب بهم، وقد ~~نص القرآن الشريف على مسخ آخرين بالقردة، قال تعالى: "ولقد علمتم الذين ~~اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين": "البقرة: 65" والمروي ~~في هذا الباب عن بعض طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم مسخوا خنازير. # وفي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ~~إن الخنازير من قوم عيسى سألوا نزول المائدة فلم يؤمنوا بها فمسخهم الله ~~خنازير. # وفيه،: عن عبد الصمد بن بندار قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: ~~كانت الخنازير قوما من القصارين كذبوا بالمائدة فمسخوا خنازير. # أقول: وفيما رواه في الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد ms2233 بن ~~الحسن الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: الفيل مسخ كان ملكا ~~زناء، والذئب مسخ كان أعرابيا ديوثا، والأرنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها ~~ولا تغتسل من حيضها، والوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس، والقردة والخنازير ~~قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني إسرائيل لم ~~يؤمنوا حيث نزلت المائدة على عيسى بن مريم فتاهوا فوقعت فرقة في البحر ~~وفرقة في البر، والفأرة فهي الفويسقة، والعقرب كان نماما، والدب والوزغ ~~والزنبور كانت لحاما يسرق في الميزان. # والرواية لا تعارض الروايتين السابقتين لإمكان أن يمسخ بعضهم خنزيرا ~~وبعضهم جريثا وضبا غير أن هذه الرواية لا تخلو عن شيء آخر وهو ما تضمنه من ~~مسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، والآية الشريفة المذكورة ونظيرتها ما في ~~سورة الأعراف إنما تذكر ان مسخهم قردة بسياق كالمنافي لغيرها، والله أعلم. PageV06P132 ### ||| AUTO 5 سورة المائدة - 116 - 120 # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم ء أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله قال سبحنك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علم الغيوب (116) ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد (117) إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) قال الله هذا يوم ~~ينفع الصدقين صدقهم لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا رضى الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك السموت والأرض وما فيهن وهو ~~على كل شىء قدير (120) ### |||| AUTO بيان # مشافهة الله رسوله عيسى بن مريم في أمر ما قالته النصارى في حقه، وكان ~~الغرض من سرد الآيات ذكر ما اعترف به (عليه السلام) وحكاه عن نفسه في حياته ~~الدنيا: أنه لم يكن من حقه أن يدعي لنفسه ما ليس فقد ms2234 كان بعين الله التي لا ~~تنام ولا تزيغ وأنه لم يتعد ما حده الله سبحانه له فلم يقل إلا ما أمر أن ~~يقول ذلك، واشتغل بالعمل بما كلفه الله أن يشتغل به وهو أمر الشهادة، وقد ~~صدقه الله تعالى فيما ذكره من حق الربوبية والعبودية. # وبهذا تنطبق الآيات على الغرض النازل لأجله السورة، وهو بيان الحق ~~المجعول لله على عباده أن يفوا بالعهد الذي عقدوه وأن لا ينقضوا الميثاق ~~فليس لهم أن يسترسلوا كيفما أرادوا وأن يرتعوا رغدا حيث شاءوا فلم يملكوا ~~هذا النوع من الحق من قبل ربهم، ولا أنهم قادرون على ذلك من حيال أنفسهم، ~~ولله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير، وبذلك تختتم ~~السورة. # قوله تعالى: "وإذ قال الله يا عيسى بن مريم، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله" "إذ" ظرف متعلق بمحذوف يدل عليه المقام، والمراد به يوم ~~القيامة لقوله تعالى فيها: "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" وقول ~~عيسى (عليه السلام) فيها "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت ~~أنت الرقيب عليهم". # وقد عبرت الآية عن مريم بالأمومة فقيل: "اتخذوني وأمي إلهين" دون أن ~~يقال: "اتخذوني ومريم إلهين للدلالة على عمدة حجتهم في الألوهية وهو ولادته ~~منها بغير أب، فالبنوة والأمومة الكذائيتين هما الأصل في ذلك فالتعبير به ~~وبأمه أدل وأبلغ من التعبير بعيسى ومريم. # و"دون" كلمة تستعمل بحسب المال في معنى الغير، قال الراغب: يقال للقاصر ~~عن الشيء "دون" قال بعضهم: هو مقلوب من الدنو، والأدون الدني، وقوله تعالى: ~~"لا تتخذوا بطانة من دونكم" أي من لم يبلغ منزلتكم في الديانة، وقيل: في ~~القرابة، وقوله: "ويغفر ما دون ذلك" أي ما كان أقل من ذلك، وقيل: ما سوى ~~ذلك، والمعنيان متلازمان، وقوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله" أي غير الله، انتهى. # وقد استعمل لفظ "من دون الله" كثيرا في القرآن في معنى الإشراك دون ~~الاستقلال بمعنى أن المراد من اتخاذ ms2235 إله أو إلهين أو آلهة من دون الله هو ~~أن يتخذ غير الله شريكا لله سبحانه في ألوهيته لا أن يتخذ غير الله إلها ~~وتنفي ألوهية الله سبحانه فإن ذلك من لغو القول الذي لا يرجع إلى محصل فإن ~~الذي أثبته حينئذ يكون هو الإله سبحانه وينفي غيره، ويعود النزاع إلى بعض ~~الأوصاف التي أثبتها فمثلا لو قال قائل: "إن الإله هو المسيح ونفى إله ~~المسيح عاد مفاد كلامه إلى إثبات الإله تعالى وتوصيفه بصفات المسيح ~~البشرية، ولو قال قائل: إن الأصنام أو أرباب الأصنام آلهة ونفى الله تعالى ~~وتقدس فإنه يقول بأن للعالم إلها فقد أثبت الله سبحانه لكنه نعته بنعت ~~الكثرة والتعدد فقد جعل لله شركاء، أو يقول كما يقوله النصارى: إن الله ~~ثالث ثلاثة أي واحد هو ثلاث وثلاث هو واحد. PageV06P133 # ومن قال: إن مبدأ العالم هو الدهر أو الطبيعة ونفى أن يكون للعالم إله ~~تعالى عن ذلك فقد أثبت للعالم صانعا وهو الله عز اسمه لكنه نعته بنعوت ~~القصور والنقص والإمكان. # ومن نفى أن يكون لهذا النظام العجيب مبدأ أصلا ونفى العلية والتأثير على ~~الرغم من صريح ما تقضي به فطرته فقد أثبت عالما موجودا ثابتا لا يقبل النفي ~~والانعدام من رأس أي هو واجب الثبوت وحافظ ثبوته ووجوده إما نفسه وليس لطرو ~~الزوال والتغير إلى أجزائه، وإما غيره فهو الله تبارك وتعالى، وله نعوت كماله. # فتبين أن الله سبحانه لا يقبل النفي أصلا إلا بظاهر من القول من غير أن ~~يكون له معنى معقول. # والملاك في ذلك كله أن الإنسان إنما يثبت الإله تعالى من جهة الحاجة ~~العامة في العالم إلى من يقيم أود وجوده ويدبر أمر نظامه ثم يثبت خصوصيات ~~وجوده فما أثبته من شيء لسد هذه الخلة ورفع تلك الحاجة فهو الله سبحانه ثم ~~إذا أثبت إلها غيره أو أثبت كثرة فإما أن يكون قد أخطأ في تشخيص صفاته ~~وألحد في أسمائه، أو يثبت له شريكا أو شركاء تعالى عن ذلك، وأما نفيه ms2236 ~~وإثبات غيره فلا معنى له. # فظهر أن معنى قوله: "إلهين من دون الله" شريكين لله هما من غيره، وإن سلم ~~أن الكلمة لا تؤدي معنى الشركة بوجه، قلنا: إن معناها لا يتعدى اتخاذ إلهين ~~هما من سنخ غير الله سبحانه وأما كون ذلك مقارنا لنفي ألوهيته تعالى أو ~~إثباتها فهو مسكوت عنه لا يدل عليه لفظ وإنما يعلم من خارج، والنصارى لا ~~ينفون ألوهيته تعالى مع اتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله سبحانه. # وربما استشكل بعضهم الآية بأن النصارى غير قائلين بألوهية مريم العذراء ~~(عليها السلام)، وذكروا في توجيهها وجوها. # لكن الذي يجب أن يتنبه عليه أن الآية إنما ذكرت اتخاذهم إياها إلهة ولم ~~يذكر قولهم بأنها إلهة بمعنى التسمية، واتخاذ الإله غير القول بالألوهية ~~إلا من باب الالتزام، واتخاذ الإله يصدق بالعبادة والخضوع العبودي قال ~~تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه": "الجاثية: 23" وهذا المعنى مأثور عن ~~أسلاف النصارى مشهود في أخلافهم. # قال الآلوسي في روح المعاني،: إن أبا جعفر الإمامي حكى عن بعض النصارى ~~أنه كان فيما مضى قوم يقال لهم: "المريمية" يعتقدون في مريم أنها إله. # وقال في تفسير المنار،: أما اتخاذهم المسيح إلها فقد تقدم في مواضع من ~~تفسير هذه السورة، وأما أمه فعبادتها كانت متفقا عليها في الكنائس الشرقية ~~والغربية بعد قسطنطين، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت التي حدثت بعد ~~الإسلام بعدة قرون. # إن هذه العبادة التي توجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح (عليه السلام) ~~منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع، ومنها صيام ينسب إليها ~~ويسمى باسمها، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها ولصورها وتماثيلها، ~~واعتقاد السلطة الغيبية لها التي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع وتضر في ~~الدنيا والآخرة بنفسها أو بواسطة ابنها، وقد صرحوا بوجوب العبادة لها، ولكن ~~لا يعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة "إله" عليها بل يسمونها "والدة الإله" ~~ويصرح بعض فرقهم أن ذلك حقيقة لا مجاز. # والقرآن يقول هنا: إنهم اتخذوها وأمها إلهين، والاتخاذ غير التسمية ms2237 فهو ~~يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعا، وبين في آية أخرى أنهم قالوا: إن الله هو ~~المسيح عيسى بن مريم، وذلك معنى آخر، وقد فسر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قوله تعالى في أهل الكتاب: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله" أنهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا أنهم سموهم أربابا. # وأول نص صريح رأيته في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقية ما في كتاب ~~"السواعي" من كتب الروم الأرثوذكس، وقد اطلعت على هذا الكتاب في دير يسمى ~~"دير التلميد" وأنا في أول العهد بمعاهد التعليم، وطوائف الكاثوليك يصرحون ~~بذلك ويفاخرون به. # وقد زين الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلتهم ~~"المشرق" بصورتها وبالنقوش الملونة إذ جعلوه تذكارا لمرور خمسين سنة على ~~إعلان البابا بيوس التاسع: أن مريم البتول حبل بها بلا دنس الخطية" وأثبتوا ~~في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقية لمريم كالكنائس الغربية. PageV06P134 # ومنه قول الأب "لويس شيخو" في مقالة له فيه عن الكنائس الشرقية: "أن تعبد ~~الكنيسة الأرمنية للبتول الطاهرة أم الله لأمر مشهور" وقوله "قد امتازت ~~الكنيسة القبطية بعبادتها للبتولة المغبوطة أم الله" انتهى كلامه. # ونقل أيضا بعض مقالة للأب "إنستاس الكرملي" نشرت في العدد الرابع عشر من ~~السنة الخامسة من مجلة المشرق الكاثوليكية البيروتية قال تحت عنوان قدم ~~"التعبد للعذراء" بعد ذكر عبارة سفر التكوين في عداوة الحية للمرأة ونسلها ~~وتفسير المرأة بالعذراء: "ألا ترى أنك لا ترى من هذا النص شيئا ينوه ~~بالعذراء تنويها جليا إلى أن جاء ذلك النبي العظيم "إيليا" الحي فأبرز ~~عبادة العذراء من حيز الرمز والإبهام إلى عالم الصراحة والتبيان". # ثم فسر هذه الصراحة والتبيان بما في سفر الملوك الثالث بحسب تقسيم ~~الكاثوليك من أن إيليا حين كان مع غلامه في رأس الكرمل أمره سبع مرات أن ~~يتطلع نحو البحر فأخبره الغلام بعد تطلعه المرة السابعة: أنه رأى سحابة قدر ~~راحة الرجل طالعة من البحر. # قال صاحب المقالة: فمن ذلك النشىء أول ما ينشأ من السحاب قلت: إن هو إلا ms2238 ~~صورة مريم على ما أحقه المفسرون بل وصورة الحبل بلا دنس أصلي، ثم قال: هذا ~~أصل عبادة العذراء في الشرق العزيز، وهو يرتقي إلى المائة العاشرة قبل ~~المسيح، والفضل في ذلك عائد إلى هذا النبي إيليا العظيم، ثم قال: ولذلك كان ~~أجداد الكرمليين أول من آمن أيضا بالإله يسوع بعد الرسل والتلامذة، وأول من ~~أقام للعذراء معبدا بعد انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد، انتهى. # قوله تعالى: "قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" إلى آخر ~~الآية هذه الآية والتي تتلوها جواب المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) ~~عما سئل عنه وقد أتى (عليه السلام) فيه بأدب عجيب:. # فبدأ بتسبيحه تعالى لما فاجأه أن سمع ذكر ما لا يليق نسبته إلى ساحة ~~الجلال والعظمة وهو اتخاذ الناس إلهين من دون الله شريكين له سبحانه فمن ~~أدب العبودية أن يسبح العبد ربه إذا سمع ما لا ينبغي أن يسمع فيه تعالى أو ~~ما يخطر بالبال تصور ذلك، وعليه جرى التأديب الإلهي في كلامه كقوله: ~~"وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه": "الأنبياء: 26" وقوله: "ويجعلون لله ~~البنات سبحانه": "النحل: 57". # ثم عاد إلى نفي ما استفهم عن انتسابه إليه، وهو أن يكون قد قال للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولم ينفه بنفسه بل بنفي سببه مبالغة في ~~التنزيه فلو قال: "لم أقل ذلك أو لم أفعل" لكان فيه إيماء إلى إمكان وقوعه ~~منه لكنه لم يفعل، لكن إذا نفاه بنفي سببه فقال: "ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق" كان ذلك نفيا لما يتوقف عليه ذلك القول، وهو أن يكون له أن ~~يقول ذلك حقا فنفي هذا الحق نفي ما يتفرع عليه بنحو أبلغ نظير ما إذ قال ~~المولى لعبده: لم فعلت ما لم آمرك أن تفعله؟ فإن أجاب العبد بقوله: "لم ~~أفعل" كان نفيا لما هو في مظنة الوقوع، وإن قال: "أنا أعجز من ذلك" كان ~~نفيا بنفي السبب وهو القدرة، وإنكارا لأصل إمكانه فضلا عن الوقوع. ms2239 # وقوله: "ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" إن كان لفظ "يكون" ناقصة ~~فاسمها قوله: "أن أقول" وخبرها قوله: "لي" واللام للملك، والمعنى: ما أملك ~~ما لم أملكه وليس من حقي القول بغير حق، وإن كانت تامة فلفظ "لي" متعلق بها ~~وقوله: "أن أقول، إلخ" فاعلها، والمعنى: ما يقع لي القول بغير حق، والأول ~~من الوجهين أقرب، وعلى أي حال يفيد الكلام نفي الفعل بنفي سببه. # وقوله (عليه السلام): "إن كنت قلته فقد علمته" نفي آخر للقول المستفهم ~~عنه لا نفيا لنفسه بنفسه بل بنفي لازمه فإن لازم وقوع هذا القول أن يعلم به ~~الله لأنه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو القائم على كل ~~نفس بما كسبت، المحيط بكل شيء. # وهذا الكلام منه (عليه السلام) يتضمن أولا فائدة إلقاء القول مع الدليل ~~من غير أن يكتفي بالدعوى المجردة وثانيا الإشعار بأن الذي كان يعتبره في ~~أفعاله وأقواله هو علم الله سبحانه من غير أن يعبأ بغيره من خلقه علموا أو ~~جهلوا، فلا شأن له معهم. PageV06P135 # وبلفظ آخر السؤال إنما يصح طبعا في ما كان مظنة الجهل فيراد به نفي الجهل ~~وإفادة العلم، إما لنفس السائل إذا كان هو الجاهل بواقع الأمر، أو لغيره ~~إذا كان السائل عالما وأراد أن يعلم غيره بما يعلم هو من واقع الأمر كما ~~يحمل عليه نوع السؤال الواقع في كلامه تعالى، وقوله (عليه السلام) في ~~الجواب في مثل المقام إن كنت قلته فقد علمته" إرجاع للأمر إلى علمه تعالى ~~وإشعار أنه لا يعتبر شيئا في أفعاله وأقواله غير علمه تعالى. # ثم أشار بقوله: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب" ليكون تنزيها لعلمه تعالى عن مخالطة الجهل إياه وهو وإن كان ثناء ~~أيضا في نفسه لكنه غير مقصود لأن المقام ليس بمقام الثناء بل مقام التبري ~~عن انتساب ما نسب إليه. # فقوله (عليه السلام): "تعلم ما في نفسي" توضيح لنفوذ العلم ms2240 الذي ذكره في ~~قوله: "إن كنت قلته فقد علمته" وبيان أن علمه تعالى بأعمالنا وهو الملك ~~الحق يومئذ ليس من قبيل علم الملوك منا بأحوال رعيته بارتفاع أخبار المملكة ~~إليه ليعلم بشيء ويجهل بشيء، ويستحضر حال بعض ويغفل عن حال بعض، بل هو ~~سبحانه لطيف خبير بكل شيء ومنها نفس عيسى بن مريم بخصوصه. # ومع ذلك لم يستوف حق البيان في وصف علمه تعالى فإنه سبحانه يعلم كل شيء، ~~لا كعلم أحدنا بحال الآخر وعلم الآخر بحاله، بل يعلم ما يعلم بالإحاطة به ~~من غير أن يحيط به شيء ولا يحيطون به علما فهو تعالى إله غير محدود وكل من ~~سواه محدود مقدر لا يتعدى طور نفسه المحدود، ولذلك ضم (عليه السلام) إلى ~~الجملة جملة أخرى فقال: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك". # أما قوله: "إنك أنت علام الغيوب" ففيه بيان العلة لقوله: "تعلم ما في ~~نفسي" "إلخ"، وفيه استيفاء حق البيان من جهة أخرى وهو رفع توهم أن حكم ~~العلم في قوله: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" مقصور بما بينه وبين ~~ربه لا يطرد في كل شيء فبين بقوله: "إنك أنت علام الغيوب" أن العلم التام ~~بجميع الغيوب منحصر فيه فما كان عند شيء من الأشياء وهو غيب عن غيره فهو ~~معلوم لله سبحانه وهو محيط به. # ولازم ذلك أن لا يعلم شيء من الأشياء بغيبه تعالى ولا بغيب غيره الذي هو ~~تعالى عالم به لأنه مخلوق محدود لا يتعدى طور نفسه فهو علام جميع الغيوب، ~~ولا يعلم شيء غيره تعالى بشيء من الغيوب لا الكل ولا البعض. # على أنه لو أحيط من غيبه تعالى بشيء فإن أحاط تعالى به لم يكن هذا المحيط ~~محيطا حقيقة بل محاطا له تعالى ملكه الله بمشيئته أن يحيط بشيء من ملكه من ~~غير أن يخرج بذلك من ملكه كما قال تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء": "البقرة: 255". # وإن لم يحط سبحانه تعالى ms2241 بما أحاط به كان مضروبا بحد فكان مخلوقا تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. # قوله تعالى: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم" لما ~~نفى (عليه السلام) القول المسئول عنه عن نفسه بنفي سببه أولا نفاه ببيان ~~وظيفته التي لم يتعدها ثانيا فقال: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به" "إلخ"، ~~وأتى فيه بالحصر بطريق النفي والإثبات ليدل على الجواب بنفي ما سئل عنه وهو ~~القول: "اتخذوني وأمي إلهين من دون الله". # وفسر ما أمره به ربه من القول بقوله: "أن اعبدوا الله" ثم وصف الله ~~سبحانه بقوله: "ربي وربكم" لئلا يبقى أدنى شائبة من الوهم في أنه عبد رسول ~~يدعو إلى الله ربه ورب جميع الناس وحده لا شريك له. # وعلى هذه الصراحة كان يسلك عيسى بن مريم (عليهما السلام) في دعوته ما ~~دعاهم إلى التوحيد على ما يحكي عنه القرآن الشريف، قال تعالى حكاية عنه: ~~"إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم": "الزخرف: 64" وقال: "وإن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم": "مريم: 36". # قوله تعالى: "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم وأنت على كل شيء شهيد" ثم ذكر (عليه السلام) وظيفته الثانية من جانب ~~الله سبحانه وهو الشهادة على أعمال أمته كما قال تعالى: "ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا": "النساء: 195". PageV06P136 # يقول (عليه السلام) ما كان لي من الوظيفة فيهم إلا الرسالة إليهم والشهادة ~~على أعمالهم: أما الرسالة فقد أديتها على أصرح ما يمكن، وأما الشهادة فقد ~~كنت عليها ما دمت فيهم، ولم أتعد ما رسمت لي من الوظيفة فأنا براء من أن ~~أكون ألقي إليهم أن اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. # وقوله: "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" الرقوب والرقابة هو الحفظ، ~~والمراد به في المقام بدلالة السياق هو الحفظ على الأعمال، وكأنه أبدل ~~الشهيد من الرقيب احترازا عن تكرر اللفظ بالنظر إلى قوله بعد: "وأنت على كل ~~شيء شهيد"، ولا نكتة تستدعي الإتيان ms2242 بلفظ "الشهيد" ثانيا بالخصوص. # واللفظ أعني قوله: "كنت أنت الرقيب عليهم" يدل على الحصر، ولازمه أنه ~~تعالى كان شهيدا ما دام عيسى (عليه السلام) شهيدا وشهيدا بعده فشهادته ~~(عليه السلام) كانت وساطة في الشهادة لا شهادة مستقلة على حد سائر ~~التدبيرات الإلهية التي وكل عليها بعض عباده ثم هو على كل شيء وكيل كالرزق ~~والإحياء والإماتة والحفظ والدعوة والهداية وغيرها، والآيات الشريفة في ذلك ~~كثيرة لا حاجة إلى إيرادها. # ولذلك عقب (عليه السلام) قوله: "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" ~~بقوله: "وأنت على كل شيء شهيد" ليدل بذلك على أن الشهادة على أعمال أمته ~~التي كان يتصداها ما دام فيهم كانت حصة يسيرة من الشهادة العامة المطلقة ~~التي هي شهادة الله سبحانه على شيء فإنه تعالى شهيد على أعيان الأشياء وعلى ~~أفعالها التي منها أعمال عباده، التي منها أعمال أمة عيسى ما دام فيهم وبعد ~~توفيه، وهو تعالى شهيد مع الشهداء وشهيد بدونهم. # ومن هنا يظهر أن الحصر صادق في حقه تعالى مع قيام الشهداء على شهادتهم ~~فإنه (عليه السلام) حصر الشهادة بعد توفيه في الله سبحانه مع أن لله بعده ~~شهداء من عباده ورسله وهو (عليه السلام) يعلم ذلك. # ومن الدليل على ذلك بشارته (عليه السلام) بمجيء النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) - على ما يحكيه القرآن - بقوله: "يا بني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد": ~~"الصف: 6" وقد نص القرآن على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الشهداء قال تعالى: "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا": "النساء: 41". # على أن الله سبحانه حكى عنه هذا الحصر: "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم" ولم يرده بالإبطال فالله سبحانه هو الشهيد لا غير مع وجود كل شهيد ~~أي إن حقيقة الشهادة هي لله سبحانه كما أن حقيقة كل كمال وخير هو لله ~~سبحانه، وأن ما يملكه غيره من كمال أو خير أو حسن فإنما هو بتمليكه تعالى ~~من غير ms2243 أن يستلزم هذا التمليك انعزاله تعالى عن الملك ولا زوال ملكه ~~وبطلانه، وعليك بالتدبر في أطراف ما ذكرناه. # فبان بما أورده من بيان حاله المحكي عنه في الآيتين أنه بريء مما قاله ~~الناس في حقه وأن لا عهدة عليه فيما فعلوه، ولذلك ختم (عليه السلام) كلامه ~~بقوله: "إن تعذبهم فإنهم عبادك" إلى آخر الآية. # قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم" لما اتضح بما أقام (عليه السلام) من الحجة أن لم يكن له من الوظيفة ~~بالنسبة إلى الناس إلا أداء الرسالة والقيام بأمر الشهادة، وأنه لم يشتغل ~~فيهم إلا بذلك ولم يتعده إلى ما ليس له بحق فهو غير مسئول عما تفوهوا به من ~~كلمة الكفر، بان أنه (عليه السلام) بمعزل عن الحكم الإلهي المتعلق بهم فيما ~~بينهم وبين ربهم، ولذلك استأنف الكلام ثانيا فقال من غير وصل وتفريع: "إن ~~تعذبهم، إلخ". PageV06P137 # فالآية كالصالحة لأن يوضع موضع البيان السابق، ومفادها أنه لا عهدة علي ~~فيما وقعوا فيه من الشرك الشنيع، ولم أداخل أمرهم في شيء حتى أشاركهم فيما ~~بينك وبينهم من الحكم عليهم بما شئت فهم وحكمك في حقهم بما أردت، وهم وصنعك ~~فيهم بما صنعت، إن تعذبهم بما حكمت فيمن أشرك بك بدخول النار فإنهم عبادك، ~~وإليك تدبير أمرهم، ولك أن تسخط عليهم به لأنك المولى الحق وإلى المولى أمر ~~عباده، وأن تغفر لهم بإمحاء أثر هذا الظلم العظيم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~لك حق العزة والحكمة، وللعزيز وهو الذي له من الجدة والقدرة ما ليس لغيره ~~ولا سيما إذا كان حكيما لا يقدم على أمر إلا إذا كان مما ينبغي أن يقدم ~~عليه أن يغفر الظلم العظيم فإن العزة والحكمة إذا اعتنقتا في فاعل لم تدعا ~~قدرة تقوم عليه ولا مغمضة في ما قضى به من أمر. # وبما تقدم من البيان ظهر أولا: أن قوله: "فإنهم عبادك" بمنزلة أن يقال: ~~"فإنك مولاهم الحق" على ما هو دأب القرآن من ذكر أسماء الله ms2244 بعد ذكر أفعاله ~~كما في آخر الآية. # وثانيا: أن قوله: "فإنك أنت العزيز الحكيم" ليس مسوقا للحصر بل الإتيان ~~بضمير الفصل وإدخال اللام في الخبر للتأكيد، ويئول معناه إلى أن عزتك ~~وحكمتك مما لا يداخله ريب فلا مجال للاعتراض عليك إن غفرت لهم. # وثالثا: أن المقام مقام المشافهة بين عيسى بن مريم (عليهما السلام) وربه ~~لما كان مقام ظهور العظمة الإلهية التي لا يقوم لها شيء كان مقتضاه أن ~~يراعي فيه جانب ذلة العبودية للغاية بالتحرز عن الدلال والاسترسال والتجنب ~~عن مداخلة في الأمر بدعاء أو سؤال، ولذلك قال (عليه السلام): "وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم" ولم يقل "فإنك غفور رحيم" لأن سطوع آية العظمة ~~والسطوة الإلهية القاهرة الغالبة على كل شيء لا يدع للعبد إلا أن يلتجىء ~~إليه بما له من ذلة العبودية ومسكنة الرقية والمملوكية المطلقة، والاسترسال ~~عند ذلك ذنب عظيم. # وأما قول إبراهيم (عليه السلام) لربه: "فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم: "إبراهيم: 36" فإنه من مقام الدعاء وللعبد أن يثير فيه ~~ناشئة الرحمة الإلهية بما استطاع. # قوله تعالى: "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" تقرير لصدق عيسى بن ~~مريم (عليهما السلام) على طريق التكنية فإنه لم يصرح بشخصه وإنما المقام هو ~~الذي يفيد ذلك. # والمراد بهذا الصدق من الصادقين صدقهم في الدنيا فإنه تعالى يعقب هذه ~~الجملة بقوله: "لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، إلخ" ومن البين أنه بيان ~~لجزاء صدقهم عند الله سبحانه فهو النفع الذي يعود إليهم من جهة الصدق، ~~والأعمال والأحوال الأخروية - ومنها صدق أهل الآخرة - لا يترتب عليها أثر ~~النفع بمعنى الجزاء وبلفظ آخر: الأعمال والأحوال الأخروية لا يترتب عليها ~~جزاء كما يترتب على الأعمال والأحوال الدنيوية إذ لا تكليف في الآخرة، ~~والجزاء من فروع التكليف، وإنما الآخرة دار حساب وجزاء كما أن الدنيا دار ~~عمل وتكليف، قال تعالى: "يوم يقوم الحساب": "إبراهيم: 41" وقال: "اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملون": "الجاثية: 28" وقال تعالى: "إنما هذه الحياة الدنيا ~~متاع ms2245 وإن الآخرة هي دار القرار": "المؤمن: 39". # والذي ذكره عيسى (عليه السلام) من حاله في الدنيا مشتمل على قول وفعل وقد ~~قرره الله على الصدق فالصدق الذي ذكر في الآية يشمل الصدق في الفعل كما ~~يشمل الصدق في القول فالصادقون في الدنيا في قولهم وفعلهم ينتفعون يوم ~~القيامة بصدقهم، لهم الجنات الموعودة وهم الراضون المرضيون الفائزون بعظيم الفوز. # على أن الصدق في القول يستلزم الصدق في الفعل - بمعنى الصراحة وتنزه ~~العمل عن سمة النفاق - وينتهي به إلى الصلاح، وقد روي أن رجلا من أهل البدو ~~استوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوصاه أن لا يكذب ثم ذكر الرجل أن ~~رعاية ما وصى به كفه عن عامة المعاصي إذ ما من معصية عرضت إلا ذكر أنه لو ~~اقترحها ثم سئل عنها وجب عليه أن يعترف بها على نفسه ويخبر بها الناس فلم ~~يقترفها مخافة ذلك. # قوله تعالى: "لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم" رضي الله عنهم بما قدموا إليه من الصدق، ~~ورضوا عن الله بما آتاهم من الثواب. PageV06P138 # وقد علق رضاه بهم أنفسهم لا بأعمالهم كما في قوله تعالى: "ورضي له قولا": ~~"طه: 190" وقوله: "وإن تشكروا يرضه لكم": "الزمر: 7" وبين القسمين من الرضى ~~فرق فإن رضاك عن شيء هو أن لا تدفعه بكراهة ومن الممكن أن يأتي عدوك بفعل ~~ترضاه وأنت تسخط على نفسه، وأن يأتي صديقك الذي تحبه بفعل لا ترضاه. # فقوله: "رضي الله عنهم" يدل على أن الله يرضى عن أنفسهم، ومن المعلوم أن ~~الرضى لا يتعلق بأنفسهم ما لم يحصل غرضه جل ذكره من خلقهم، وقد قال تعالى: ~~"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": "الذاريات: 56"، فالعبودية هو الغرض ~~الإلهي من خلق الإنسان فالله سبحانه إنما يرضى عن نفس عبده إذا كان مثالا ~~للعبودية أي أن يكون نفسه نفس عبد لله الذي هو رب كل شيء فلا يرى نفسه ولا ~~شيئا غيره إلا مملوكا لله خاضعا لربوبيته لا ms2246 يئوب إلا إلى ربه ولا يرجع إلا ~~إليه كما قال تعالى في سليمان وأيوب: "نعم العبد إنه أواب": "ص: 44" وهذا ~~هو الرضى عنه. # وهذا من مقامات العبودية، ولازمه طهارة النفس عن الكفر بمراتبه وعن ~~الاتصاف بالفسق كما قال تعالى: "ولا يرضى لعباده الكفر": "الزمر: 7" وقال ~~تعالى: "فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين": "التوبة: 96". # ومن آثار هذا المقام أن العبودية إذا تمكنت من نفس العبد ورأى ما يقع ~~عليه بصره وتبلغه بصيرته مملوكا لله خاضعا لأمره فإنه يرضى عن الله فإنه ~~يجد أن كل ما آتاه الله فإنما آتاه من فضله من غير أن يتحتم عليه فهو جود ~~ونعمة، وأن ما منعه فإنما منعه عن حكمة. # على أن الله سبحانه يذكر عنهم وهم في الجنة بقوله: "لهم فيها ما يشاءون": ~~"النحل: 31، الفرقان: 16"، ومن المعلوم أن الإنسان إذا وجد كل ما يشاؤه لم ~~يكن له إلا أن يرضى. # وهذا غاية السعادة الإنسانية بما هو عبد، ولذلك ختم الكلام بقوله: "ذلك ~~الفوز العظيم". # قوله تعالى: "لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير"، - ~~الملك - بالكسر - سلطة خاصة على رقبة الأشياء وأثره نفوذ الإرادة فيما يقدر ~~عليه المالك من التصرف فيها، والملك - بالضم - سلطة خاصة على النظام ~~الموجود بين الأشياء وأثره نفوذ الإرادة فيما يقدر عليه، وبعبارة ساذجة: ~~الملك - بالكسر - متعلق بالفرد، والملك - بالضم - متعلق بالجماعة. # وحيث كان الملك في نفوذ الإرادة بالفعل مقيدا أو متقوما بالقدرة فإذا تمت ~~القدرة وأطلقت كان الملك ملكا مطلقا غير مقيد بشيء دون شيء وحال دون حال، ~~ولبيان هذه النكتة عقب تعالى قوله: "لله ملك السماوات والأرض وما فيهن" ~~بقوله: "وهو على كل شيء قدير". # واختتمت السورة بهذه الآية الدالة على الملك المطلق، والمناسبة ظاهرة، ~~فإن غرض السورة هو حث العباد وترغيبهم على الوفاء بالعهود والمواثيق ~~المأخوذة عليهم من جانب ربهم، وهو الملك على الإطلاق فلا يبقى لهم إلا أنهم ~~عباد مملوكون على الإطلاق ليس لهم فيما يأمرهم به وينهاهم عنه إلا السمع ~~والطاعة، ms2247 ولا فيما يأخذ منهم من العهود والمواثيق إلا الوفاء بها من غير نقض. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قول الله تبارك وتعالى لعيسى: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله" قال: لم يقله وسيقوله، إن الله إذا علم أن شيئا كائن ~~أخبر عنه خبر ما قد كان. # أقول: وفيه، أيضا عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~مثله، وحاصله أن الإتيان بصيغة الماضي في الأمر المستقبل للعلم بتحقق ~~وقوعه، وهو شائع في اللغة. # وفيه، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام): في تفسير هذه الآية: ~~"تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك - إنك أنت علام الغيوب"، قال: إن اسم ~~الله الأكبر ثلاثة وسبعون حرفا فاحتجب الرب تبارك وتعالى منها بحرف فمن ثم ~~لا يعلم أحد ما في نفسه عز وجل. أعطى آدم اثنين وسبعين حرفا فتوارثها ~~الأنبياء حتى صار إلى عيسى (عليه السلام) فذلك قول عيسى: "تعلم ما في نفسي" ~~يعني اثنين وسبعين حرفا من الاسم الأكبر يقول: أنت علمتنيها فأنت تعلمها: ~~"ولا أعلم ما في نفسك" يقول: لأنك احتجبت بذلك الحرف فلا يعلم أحد ما في نفسك. PageV06P139 # أقول: سيجيء البحث المبسوط عن أسماء الله الحسنى واسمه الأعظم الأكبر في ~~تفسير قوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" الآية: "الأعراف: 108" ~~ويتبين هناك أن الاسم الأكبر أو الاسم الأعظم ليس من نوع اللفظ حتى يتألف ~~من حروف الهجاء وإنما المراد بالاسم في أمثال هذه الموارد هو المحكي عنه ~~بالاسم اللفظي وهو الذات مأخوذا بصفة من صفاته ووجه من وجوهه ويعود الاسم ~~اللفظي حينئذ اسم الاسم على ما سيتضح بعد. # وعلى هذا فقوله (عليه السلام): "إن الاسم الأكبر مؤلف من ثلاثة وسبعين ~~حرفا" ونظيره ما ورد في روايات كثيرة في هذا الباب من أن الاسم الأعظم مؤلف ~~من كذا حرفا، وأنها متفرقة مبثوثة في كذا سورة أو أنه في كذا ms2248 آية كل ذلك ~~بيانات مبنية على الرمز، وأمثال مضروبة لتفهيم ما يسع تفهيمه من الحقائق ~~فما كل حقيقة ميسورا بيانها بالصراحة من غير كناية وبالعين دون المثل. # والذي يتضح به معنى الحديث بعض الاتضاح هو أن يقال: إنه لا شك أن أسماء ~~الله تعالى الحسنى وسائط لظهور الكون بأعيانه وحدوث حوادثه التي لا تحصى، ~~فإنا لا نشك في أن الله سبحانه خلق خلقه لأنه خالق جواد مبدىء مثلا لا لأنه ~~منتقم شديد البطش، وأنه إنما يرزق من يرزق لأنه رازق معط مثلا لا لأنه قابض ~~مانع، وأنه إنما يفيض الحياة للأحياء لأنه الحي المحيي لا لأنه مميت معيد، ~~والآيات القرآنية أصدق شاهد على هذه الحقيقة، فإنا نرى المعارف المبينة في ~~متون الآيات معللة بالأسماء المناسبة لمعانيها في ذيلها فربما اختتمت الآية ~~لبيان ما تضمه من المعنى باسم، وربما اختتمت باسمين يفيدان بمجموعهما ~~المعنى المذكور فيها. # ومن هنا يظهر أن الواحد منا لو رزق علم الأسماء وعلم الروابط التي بينها ~~وبين الأشياء وما تقضيه أسماؤه تعالى مفردة ومؤلفة علم النظام الكوني بما ~~جرى وبما يجري عليه عن قوانين كلية منطبقة على جزئياتها واحدا بعد واحد. # وقد بين القرآن الشريف على ما يفهم من ظواهره قوانين عامة كثيرة في ~~المبدإ والمعاد وما رتبه الله تعالى من أمر السعادة والشقاوة ثم خاطب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء". # لكنها جميعا قوانين كلية ضرورية إلا أنها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء ~~من ذواتها بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم، وإذا كانت ~~هذه الحكومة العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته فمن البين أن ~~فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدى نفسه، ولا يغلبه في ذاته فهو سبحانه ~~القاهر الغالب فكيف يغلبه ما ينتهي إليه تعالى من كل جهة ويفتقر إليه في ~~عينه وأثره، فافهم ذلك. # فمن المحال أن يكون العقل الذي يحكم بما يحكم بإفاضة الله ذلك عليه أو ~~تكون الحقائق التي إنما وجدت ms2249 أحكامها وآثارها به تعالى، حاكمة عليه تعالى ~~مقتضية فيه بالحكم والاقتضاء اللذين هو المبقي لهما القاهر الغالب عليهما، ~~وبعبارة أخرى: ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنما هو أثر التمليك الذي ملكه ~~الله إياها، ولا معنى لأن يملك شيء بالملك الذي ملكه الله بعينه منه تعالى ~~شيئا فهو تعالى مالك على الإطلاق غير مملوك بوجه من الوجوه أصلا. # فلو أثاب الله المجرم أو عاقب المثيب أو فعل أي فعل أراد لم يكن عليه ~~ضير، ولا منعه مانع من عقل أو خارج إلا أنه تعالى وعدنا وأوعدنا بالسعادة ~~والشقاء وحسن الجزاء وسوء الجزاء، وأخبرنا أنه لا يخلف الميعاد وأخبرنا من ~~طريق الوحي أو العقل بأمور ثم ذكر أنه لا يقول إلا الحق فسكنت نفوسنا به ~~واطمأنت قلوبنا إليه بما لا طريق للريب إليه، قال تعالى: "إن الله لا يخلف ~~الميعاد": "آل عمران: 9، الرعد: 31" وقال تعالى: "والحق أقول": "ص: 84" وفي ~~معناهما الضرورة العقلية في أحكامها. PageV06P140 # وهذا الذي بينه هو مقتضى أسمائه تعالى فيما علمنا بتعليمه منها لكن من وراء ~~ذلك أنه تعالى هو المالك على الإطلاق له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ~~قال تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": "الأنبياء: 23"، وهذا المعنى ~~بعينه اسم من أسمائه تعالى مجهول الكنه لا طريق إلى تعلق العلم به لأحد من ~~خلقه فإن كل ما نعلمه من أسمائه فهو مما يحكيه مفهوم من المفاهيم ثم نشخص ~~بنسبته آثاره في الوجود وأما الآثار التي لا طريق إلى تشخيصها في الوجود ~~فهي لا محالة آثار لاسم لا طريق إلى الحصول على معناها وإن شئت فقل: إنه ~~اسم لا يصطاد بمفهوم، وإنما يشير إليه صفة ملكه المطلق نوعا من الإشارة. # فقد تبين أن من أسمائه تعالى ما لا سبيل إليه لأحد من خلقه وهو الذي ~~احتجب تعالى به فافهم ذلك. # كلام في معنى الأدب # نبحث فيه عن الأدب الذي أدب به أنبياءه ورسله (عليهم السلام) في عدة ~~فصول: 1 - - الأدب على ما يتحصل من معناه - هو ms2250 الهيئة الحسنة التي ينبغي أن ~~يقع عليه الفعل المشروع إما في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم كآداب ~~الدعاء وآداب ملاقاة الأصدقاء وإن شئت قلت: ظرافة الفعل. # ولا يكون إلا في الأمور المشروعة غير الممنوعة فلا أدب في الظلم والخيانة ~~والكذب ولا أدب في الأعمال الشنيعة والقبيحة، ولا يتحقق أيضا إلا في ~~الأفعال الاختيارية التي لها هيئات مختلفة فوق الواحدة حتى يكون بعضها ~~متلبسا بالأدب دون بعض كأدب الأكل مثلا في الإسلام، وهو أن يبدأ فيه باسم ~~الله ويختم بحمد الله ويؤكل دون الشبع إلى غير ذلك، وأدب الجلوس في الصلاة ~~وهو التورك على طمأنينة ووضع الكفين على الوركين فوق الركبتين والنظر إلى ~~حجره ونحو ذلك. # وإذ كان الأدب هو الهيئة الحسنة في الأفعال الاختيارية والحسن وإن كان ~~بحسب أصل معناه وهو الموافقة لغرض الحياة مما لا يختلف فيه أنظار المجتمعات ~~لكنه بحسب مصاديقه مما يقع فيه أشد الخلاف، وبحسب اختلاف الأقوام والأمم ~~والأديان والمذاهب وحتى المجتمعات الصغيرة المنزلية وغيرها في تشخيص الحسن ~~والقبح يقع الاختلاف بينهم في آداب الأفعال. # فربما كان عند قوم من الآداب ما لا يعرفه آخرون، وربما كان بعض الآداب ~~المستحسنة عند قوم شنيعة مذمومة عند آخرين كتحية أول اللقاء فإنه في ~~الإسلام بالتسليم تحية من عند الله مباركة طيبة، وعند قوم برفع القلانس، ~~وعند بعض برفع اليد حيال الرأس، وعند آخرين بسجدة أو ركوع أو انحناء بطأطأة ~~الرأس، وكما أن في آداب ملاقاة النساء عند الغربيين أمورا يستشنعها الإسلام ~~ويذمها، إلى غير ذلك. # غير أن هذه الاختلافات جميعا إنما نشأت في مرحلة تشخيص المصداق وأما أصل ~~معنى الأدب، وهو الهيأة الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الفعل فهو مما ~~أطبق عليه العقلاء من الإنسان وأطبقوا أيضا على تحسينه فلا يختلف فيه اثنان. # 2 - لما كان الحسن من مقومات معنى الأدب على ما ذكر في الفصل السابق، ~~وكان مختلفا بحسب المقاصد الخاصة في المجتمعات المختلفة أنتج ذلك ضرورة ~~اختلاف الآداب الاجتماعية الإنسانية فالأدب في كل مجتمع ms2251 كالمرآة يحاكي ~~خصوصيات أخلاق ذلك المجتمع العامة التي رتبها فيهم مقاصدهم في الحياة، ~~وركزتها في نفوسهم عوامل اجتماعهم وعوامل مختلفة أخر طبيعية أو اتفاقية. # وليست الآداب هي الأخلاق لما أن الأخلاق هي الملكات الراسخة الروحية التي ~~تتلبس بها النفوس، ولكن الآداب هيئات حسنة مختلفة تتلبس بها الأعمال ~~الصادرة عن الإنسان عن صفات مختلفة نفسية، وبين الأمرين بون بعيد. # فالآداب من منشئات الأخلاق والأخلاق من مقتضيات الاجتماع بخصوصه بحسب ~~غايته الخاصة فالغاية المطلوبة للإنسان في حياته هي التي تشخص أدبه في ~~أعماله، وترسم لنفسه خطأ لا يتعداه إذا أتى بعمل في مسير حياته والتقرب من غايته. # 3 - وإذ كان الأدب يتبع في خصوصيته الغاية المطلوبة في الحياة فالأدب ~~الإلهي الذي أدب الله سبحانه به أنبياءه ورسله (عليهم السلام) هو الهيئة ~~الحسنة في الأعمال الدينية التي تحاكي غرض الدين وغايته، وهو العبودية على ~~اختلاف الأديان الحقة بحسب كثرة موادها وقلتها وبحسب مراتبها في الكمال ~~والرقي. PageV06P141 # والإسلام لما كان من شأنه التعرض لجميع جهات الحياة الإنسانية بحيث لا يشذ ~~عنه شيء من شئونها يسير أو خطير دقيق أو جليل فلذلك وسع الحياة أدبا، ورسم ~~في كل عمل هيئة حسنة تحاكي غايته. # وليس له غاية عامة إلا توحيد الله سبحانه في مرحلتي الاعتقاد والعمل ~~جميعا أي أن يعتقد الإنسان أن له إلها هو الذي منه بدىء كل شيء وإليه يعود ~~كل شيء له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، ثم يجري في الحياة ويعيش بأعمال ~~تحاكي بنفسها عبوديته وعبودية كل شيء عنده لله الحق عز اسمه، وبذلك يسري ~~التوحيد في باطنه وظاهره، وتظهر العبودية المحضة من أقواله وأفعاله وسائر ~~جهات وجوده ظهورا لا ستر عليه ولا حجاب يغطيه. # فالأدب الإلهي - أو أدب النبوة - هي هيئة التوحيد في الفعل. # 4 - من المعلوم بالقياس ويؤيده التجربة القطعية أن العلوم العملية - وهي ~~التي تتعلم ليعمل بها - لا تنجح كل النجاح ولا تؤثر أثرها الجميل دون أن ~~تلقى إلى المتعلم في ضمن العمل، لأن الكليات العلمية ما لم تنطبق على ms2252 ~~جزئياتها ومصاديقها تتثاقل النفس في تصديقها والإيمان بصحتها لاشتغال ~~نفوسنا طول الحياة بالجزئيات الحسية وكلالها بحسب الطبع الثانوي من مشاهدة ~~الكليات العقلية الخارجة عن الحس فالذي صدق حسن الشجاعة في نفسها بحسب ~~النظر الخالي عن العمل ثم صادف موقفا من المواقف الهائلة التي تطير فيها ~~القلوب أدى به ذلك إلى النزاع بين عقله الحاكم بحسن الشجاعة ووهمه الجاذب ~~إلى لذة الاحتراز من تعرض الهلكة الجسمانية وزوال الحياة المادية الناعمة ~~فلا تزال النفس تتذبذب بين هذا وذاك، وتتحير في تأييد الواحد من الطرفين ~~المتخاصمين، والقوة في جانب الوهم لأن الحس معه. # فمن الواجب عند التعليم أن تتلقى المتعلم الحقائق العلمية مشفوعة بالعمل ~~حتى يتدرب بالعمل ويتمرن عليه لتزول بذلك الاعتقادات المخالفة الكائنة في ~~زوايا نفسه ويرسخ التصديق بما تعلمه في النفس، لأن الوقوع أحسن شاهد على ~~الإمكان. # ولذلك نرى أن العمل الذي لم تعهد النفس وقوعه في الخارج يصعب انقيادها له ~~فإذا وقع لأول مرة بدا كأنه انقلب من امتناع إلى إمكان وعظم أمر وقوعه ~~وأورث في النفس قلقا واضطرابا، ثم إذا وقع ثانيا وثالثا هان أمره وانكسر ~~سورته والتحق بالعاديات التي لا يعبأ بأمرها، وإن الخير عادة كما أن الشر عادة. # ورعاية هذا الأسلوب في التعليمات الدينية وخاصة في التعليم الديني ~~الإسلامي من أوضح الأمور فلم يأخذ شارع الدين في تعليم مؤمنيه بالكليات ~~العقلية والقوانين العامة قط بل بدأ بالعمل وشفعه بالقول والبيان اللفظي ~~فإذا استكمل أحدهم تعلم معارف الدين وشرائعه استكمله وهو مجهز بالعمل ~~الصالح مزود بزاد التقوى. # كما أن من الواجب أن يكون المعلم المربي عاملا بعلمه فلا تأثير في العلم ~~إذا لم يقرن بالعمل لأن للفعل دلالة كما أن للقول دلالة فالفعل المخالف ~~للقول يدل على ثبوت هيئة مخالفة في النفس يكذب القول فيدل على أن القول ~~مكيدة ونوع حيلة يحتال بها قائله لغرور الناس واصطيادهم. # ولذلك نرى الناس لا تلين قلوبهم ولا تنقاد نفوسهم للعظة والنصيحة إذا ~~وجدوا الواعظ به أو الناصح بإبلاغه غير متلبس بالعمل ms2253 متجافيا عن الصبر ~~والثبات في طريقه، وربما قالوا: "لو كان ما يقوله حقا لعمل به" إلا أنهم ~~ربما اشتبه عليهم الأمر في استنتاج منه فإن النتيجة أن القول ليس بحق عند ~~القائل إذ لو كان حقا عنده لعمل به، وليس ينتج أن القول ليس بحق مطلقا كما ~~ربما يستنتجونه. # فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلم المربي نفسه متصفا بما يصفه ~~للمتعلم متلبسا بما يريد أن يلبسه، فمن المحال العادي أن يربي المربي ~~الجبان شجاعا باسلا، أو يتخرج عالم حر في آرائه وأنظاره من مدرسة التعصب ~~واللجاج وهكذا. # قال تعالى: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما ~~لكم كيف تحكمون": "يونس: 35" وقال: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم": ~~"البقرة: 44" وقال حكاية عن قول شعيب لقومه: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت": "هود: 88" إلى غير ذلك من ~~الآيات. # فلذلك كله كان من الواجب أن يكون المعلم المربي ذا إيمان بمواد تعليمه ~~وتربيته. PageV06P142 # على أن الإنسان الخالي عن الإيمان بما يقوله حتى المنافق المتستر بالأعمال ~~الصالحة المتظاهر بالإيمان الصريح الخالص لا يتربى بيده إلا من يمثله في ~~نفسه الخبيثة فإن اللسان وإن أمكن إلقاء المغايرة بينه وبين الجنان بالتكلم ~~بما لا ترضى به النفس ولا يوافقه السر إلا أن الكلام من جهة أخرى فعل ~~والفعل من آثار النفس ورشحاتها، وكيف يمكن مخالفة الفعل لطبيعة فاعله؟. # فالكلام من غير جهة الدلالة اللفظية الوضعية حامل لطبيعة نفس المتكلم من ~~إيمان أو كفر أو غير ذلك، وواضعها وموصلها إلى نفس المتعلم البسيطة الساذجة ~~فلا يميز جهة صلاحه - وهو جهة دلالته الوضعية - من جهة فساده - وهو سائر ~~جهاته - إلا من كان على بصيرة من الأمر، قال تعالى في وصف المنافقين لنبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): "ولتعرفنهم في لحن القول": "سورة محمد: 30" ~~فالتربية المستعقبة للأثر الصالح هو ما كان المعلم المربي فيها ذا إيمان ~~بما يلقيه إلى تلامذته مشفوعا بالعمل الصالح الموافق ms2254 لعلمه، وأما غير ~~المؤمن بما يقوله أو غير العامل على طبق علمه فلا يرجى منه خير. # ولهذه الحقيقة مصاديق كثيرة وأمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيين ~~والإسلاميين خاصة في التعليم والتربية في معاهدنا الرسمية وغير الرسمية فلا ~~يكاد تدبير ينفع ولا سعي ينجح. # 5 - وإلى هذا الباب يرجع ما نرى أن كلامه تعالى يشتمل على حكاية فصول من ~~الأدب الإلهي المتجلي من أعمال الأنبياء والرسل (عليهم السلام) مما يرجع ~~إلى الله سبحانه من أقسام عباداتهم وأدعيتهم وأسئلتهم أو يرجع إلى الناس في ~~معاشراتهم ومخاطباتهم فإن إيراد الأمثلة في التعليم نوع من التعليم العملي ~~بإشهاد العمل. # قال الله تعالى بعد ذكر قصة إبراهيم في التوحيد مع قومه: "وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم، ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ~~ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من ~~الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين، ومن ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، ~~أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده": ~~"الأنعام: 90"، يذكر تعالى أنبياءه الكرام (عليهم السلام) ذكرا جامعا ثم ~~يذكر أنه أكرمهم بالهداية الإلهية وهي الهداية إلى التوحيد فحسب والدليل ~~عليه قوله: "ولو أشركوا لحبط عنهم"، فلم يذكر منافيا لما حباهم به من ~~الهداية إلا الشرك فلم يهدهم إلا إلى التوحيد. # غير أن التوحيد حكمه سار إلى أعمالهم متمكن فيها والدليل عليه قوله: ~~"لحبط عنهم ما كانوا يعملون" فلو لا أن الشرك جار في الأعمال متسرب فيها لم ~~يستوجب حبطها فالتوحيد المنافي له كذلك. # ومعنى سراية التوحيد في الأعمال كون صورها تمثل التوحيد وتحاكيه محاكاة ~~المرآة لمرئيها بحيث لو فرض أن التوحيد تصور لكان ms2255 هو تلك الأعمال بعينها، ~~ولو أن تلك الأعمال تجردت اعتقادا محضا لكانت هي هو بعينه. # وهذا المعنى كثير المصداق في الصفات الروحية فإنك ترى أعمال المتكبر يمثل ~~ما في نفسه من صفة الكبر والخيلاء، وكذلك البائس المسكين يحاكي جميع حركاته ~~وسكناته ما في سره من الذلة والاستكانة وهكذا. # ثم أدب تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمره أن يقتدي بهداية من ~~سبقه من الأنبياء (عليهم السلام) لا بهم، والاقتداء إنما يكون في العمل دون ~~الاعتقاد فإنه غير اختياري بحسب نفسه أي أن يختار أعمالهم الصالحة المبنية ~~على التوحيد الصادرة عنهم عن تأديب عملي إلهي. PageV06P143 # ونعني بهذا التأديب العملي ما يشير إليه قوله تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا ~~عابدين": "الأنبياء: 37" فإن إضافة المصدر في قوله "فعل الخيرات" "إلخ"، ~~تدل على أن المراد به الفعل الصادر منهم من خيرات فعلوها وصلاة أقاموها ~~وزكاة آتوها دون مجرد الفعل المفروض فهذا الوحي المتعلق بالأفعال في مرحلة ~~صدورها منهم وحي تسديد وتأديب، وليس هو وحي النبوة والتشريع، ولو كان ~~المراد به وحي النبوة لقيل: "وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة" كما في قوله تعالى: "ثم أوحينا إليك أن اتبع": ~~"النحل: 132" وقوله: "وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة": "يونس: 87" إلى غير ذلك من الآيات، ~~ومعنى وحي التسديد أن يخص الله عبدا من عباده بروح قدسي يسدده في أعمال ~~الخير والتحرز عن السيئة كما يسددنا الروح الإنساني في التفكر في الخير ~~والشر، والروح الحيواني في اختيار ما نشتهيه من الجذب والدفع بالإرادة، ~~وسيجيء الكلام المبسوط في ذلك إن شاء الله. # وبالجملة فقوله: "فبهداهم اقتده" تأديب إلهي إجمالي له (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بأدب التوحيد المنبسط على أعمال الأنبياء (عليهم السلام) ~~المنزهة من الشرك. # ثم قال تعالى - بعد ما ذكر عدة من أنبيائه (عليهم السلام) - في سورة مريم ~~"أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ms2256 من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا: "مريم: 60". # فذكر تعالى أدبهم العام في حياتهم أنهم يعيشون على الخضوع عملا وعلى ~~الخشوع قلبا لله عز اسمه فإن سجودهم عند ذكر آيات الله تعالى مثال الخضوع ~~وبكاءهم وهو لرقة القلب وتذلل النفس آية الخشوع وهما معا كناية عن استيلاء ~~صفة العبودية على نفوسهم بحيث كلما ذكروا بآية من آيات الله بان أثره في ~~ظاهرهم كما استولت الصفة على باطنهم فهم على أدبهم الإلهي وهو سمة العبودية ~~إذا خلوا مع ربهم وإذا خلوا للناس، فهم يعيشون على أدب إلهي مع ربهم ومع ~~الناس جميعا. # ومن الدليل على أن المراد به الأدب العام قوله تعالى في الآية الثانية: ~~"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات" فإن الصلاة وهي التوجه ~~إلى الله هي حالهم مع ربهم واتباع الشهوات حالهم مع غيرهم من الناس، وحيث ~~قوبل أولئك بهؤلاء أفاد الكلام أن أدب الأنبياء العام أن يراجعوا ربهم بسمة ~~العبودية وأن يسيروا بين الناس بسمة العبودية أي تكون بنية حياتهم مبنية ~~على أساس أن لهم ربا يملكهم ويدبر أمرهم، منه بدءوهم وإليه مرجعهم فهذا هو ~~الأصل في جميع أحوالهم وأعمالهم. # والذي ذكره تعالى من استثناء التائبين منهم أدب آخر إلهي بدأ فيه بآدم ~~(عليه السلام) أول الأنبياء حيث قال: "وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى": "طه: 123" وسيجيء بعض القول فيه إن شاء الله تعالى. # وقال تعالى: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في ~~الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا": "الأحزاب: 39". # أدب عام أدب الله سبحانه به أنبياءه (عليهم السلام) وسنة جارية له ms2257 فيهم ~~أن لا يتحرجوا في ما قسم لهم من الحياة ولا يتكلفوا في أمر من الأمور إذ ~~كانوا على الفطرة والفطرة لا تهدي إلا إلى ما جهزها الله بما يلائمها في ~~نيله، ولا تتكلف الاستواء على ما لم يسهل الله لها الارتقاء على مستواه، ~~قال تعالى حكاية عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "وما أنا من ~~المتكلفين": "ص: 86" وقال تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها": "البقرة: ~~268" وقال تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها": "الطلاق: 7" وإذ كان ~~التكلف خروجا عن الفطرة فهو من اتباع الشهوة والأنبياء في مأمن منه. PageV06P144 # وقال تعالى وهو أيضا من التأديب بأدب جامع: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون": "المؤمنون: 52" أدبهم تعالى أن يأكلوا من الطيبات أي أن يتصرفوا ~~في الطيبات من مواد الحياة ولا يتعدوها إلى الخبائث التي تتنفر منها الفطرة ~~السليمة وأن يأتوا من الأعمال بالصالح منها وهو الذي يصلح للإنسان أن يأتي ~~به مما تميل إليه الفطرة بحسب ما جهزها الله من أسباب تحفظ بعملها بقائه ~~إلى حين، أو أن يأتوا بالعمل الذي يصلح أن يقدم إلى حضرة الربوبية، ~~والمعنيان متقاربان، فهذا أدب يتعلق بالإنسان الفرد. # ثم وصله تعالى بأدب اجتماعي فذكر لهم أن الناس ليسوا إلا أمة واحدة: ~~المرسلون والمرسل إليهم، وليس لهم إلا رب واحد فليجتمعوا على تقواه، ~~ويقطعوا بذلك دابر الاختلافات والتحزبات، فإذا التقى الأمران أعني الأدب ~~الفردي والاجتماعي تشكل مجتمع واحد بشرى مصون عن الاختلاف يعبد ربا واحدا، ~~ويجري الآحاد منه على الأدب الإلهي فاتقوا خبائث الأفعال وسيئات الأعمال ~~فقد استووا على أريكة السعادة. # وهذا ما جمعته آية أخرى وهي قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه": "الشورى: 13". # وقد فرق الله الأدبين في موضع آخر فقال: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي ms2258 إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون": "الأنبياء: 25" فأدبهم بتوحيده ~~وبناء العبادة عليه، وهذا هو أدبهم بالنسبة إلى ربهم، وقال: "وقالوا ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه ~~نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو يكون له جنة يأكل منها - إلى أن قال - وما ~~أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق": ~~"الفرقان: 20" فذكر أن سيرة الأنبياء جميعا وهو أدبهم الإلهي هو الاختلاط ~~بالناس ورفض التحجب والاختصاص والتميز من بين الناس فكل ذلك مما تدفعه ~~الفطرة، وهذا أدبهم في الناس. # 6 - من أدب الأنبياء (عليهم السلام) في توجيههم الوجوه إلى ربهم ودعائهم ~~إياه ما حكاه الله تعالى من قول آدم (عليه السلام) وزوجته: "ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين": "الأعراف: 23" كلمة ~~قالاها بعد ما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله أن يقربا منها، وإنما كان ~~نهي إرشاد ليس بالمولوي، ولم يعصياه عصيان تكليف بل كان ذلك منهما مخالفة ~~نصيحة في رعايتها صلاح حالهما، وسعادة حياتهما في الجنة الأمنة من كل شقاء ~~وعناء، وقد قال لهما ربهما في تحذيرهما عن متابعة إبليس: "فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى، إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمؤا فيها ولا ~~تضحى": "طه: 191". # فلما وقعا في المحنة وشملتهما البلية، وأخذت سعادة الحياة يوادعهما وداع ~~ارتحال لم يشتغلا بأنفسهما اشتغال اليائس البائس، ولم يقطع القنوط ما ~~بينهما وبين ربهما من السبب الموصول بل بادرا إلى الالتجاء بالله الذي إليه ~~أمرهما، وبيده كل خير يأملانه لأنفسهما فأخذا وتعلقا بصفة ربوبيته المشتملة ~~على كل ما يدفع به الشر ويجلب به الخير، فالربوبية هي الصفة الكريمة يربط ~~العبد بالله سبحانه. # ثم ذكرا الشر الذي يهددهما بظهور آياته وهو الخسران - كأنهما اشتريا لذة ~~الأكل بطاعة الإرشاد الإلهي فبان لهما أن سعادتهما قد أشرفت بذلك على ~~الزوال - في الحياة، وذكرا حاجتهما إلى ما يدفع هذا الشر عنهما فقالا: "وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا ms2259 لنكونن من الخاسرين" أي إن خسران الحياة يهددنا وقد ~~أطل بنا وما له من دافع إلا مغفرتك للذنب الصادر عنا وغشيانك إيانا بعد ذلك ~~برحمتك وهي السعادة لما أن الإنسان بل كل موجود مصنوع يشعر بفطرته المغروزة ~~أن من شأن الأشياء الواقعة في منزل الوجود ومسير البقاء أن تستتم ما يعرضها ~~من النقص والعيب، وأن السبب الجابر لهذا الكسر هو الله سبحانه وحده فهو من ~~عادة الربوبية. # ولذلك كان يكفي مجرد إظهار الحال، وإبراز ما نزل على العبد من مسكنة ~~الحاجة فلا حاجة إلى السؤال بلفظ بل في بدو الحاجة أبلغ السؤال وأفصح ~~الاقتراح. PageV06P145 # ولذلك لم يصرحا بما يسألانه ولم يقولا: "فاغفر لنا وارحمنا" ولأنهما - وهو ~~العمدة - أوقفا أنفسهما بما صدر عنهما من المخالفة موقف الذلة والمسكنة ~~التي لا وجه معها ولا كرامة، فنتجت لهما التسليم المحض لما يصدر في ذلك من ~~ساحة العزة ومن الحكم فكفا عن كل مسألة واقتراح غير أنهما ذكرا أنه ربهما ~~فأشارا إلى ما يطمعان فيه منه مع اعترافهما بالظلم. # فكان معنى قولهما: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين": أسأنا فيما ظلمنا أنفسنا فأشرفنا بذلك على الخسران المهدد لعامة ~~سعادتنا في الحياة فهو ذا الذلة والمسكنة أحاطت بنا، والحاجة إلى إمحاء ~~وسمة الظلم وشمول الرحمة شملتنا، ولم يدع ذلك لنا وجهة ولا كرامة نسألك ~~بها، فها نحن مسلمون لحكمك أيها الملك العزيز فلك الأمر ولك الحكم غير أنك ~~ربنا ونحن مربوبان لك نأمل منك ما يأمله مربوب من ربه. # ومن أدبهم ما حكاه الله تعالى من دعوة نوح (عليه السلام) في ابنه: "وهي ~~تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء - إلى أن قال - ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال يا ~~نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ms2260 ما ليس لك به علم إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين، قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا ~~تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين": "هود: 47". # لا ريب أن الظاهر من قول نوح (عليه السلام) أنه كان يريد الدعاء لابنه ~~بالنجاة غير أن التدبر في آيات القصة يكشف الغطاء عن حقيقة الأمر بنحو آخر: ~~فمن جانب أمره الله بركوب السفينة هو وأهله والمؤمنون بقوله: "احمل فيها من ~~كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن": "هود: 40" فوعده ~~بإنجاء أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول، وقد كانت امرأته كافرة كما ~~ذكرها الله في قوله: "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط": ~~"التحريم: 10" وأما ابنه فلم يظهر منه كفر بدعوة نوح، والذي ذكره الله من ~~أمره مع أبيه وهو في معزل إنما هو معصية بمخالفة أمره (عليه السلام) وليس ~~بالكفر الصريح فمن الجائز أن يظن في حقه أنه من الناجين لظهور كونه من ~~أبنائه وليس من الكافرين فيشمله الوعد الإلهي بالنجاة. # ومن جانب قد أوحى الله تعالى إلى نوح (عليه السلام) حكمه المحتوم في أمر ~~الناس كما قال: "وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا ~~تبتئس بما كانوا يفعلون، واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون": "هود - 37" فهل المراد بالذين ظلموا الكافرون بالدعوة ~~أو يشمل كل ظلم أو هو مبهم مجمل يحتاج إلى تفسير من لدن قائله تعالى؟. # فكان هذه الأمور رابته (عليه السلام) في أمر ابنه ولم يكن نوح (عليه ~~السلام) بالذي يغفل من مقام ربه وهو أحد الخمسة أولي العزم سادات الأنبياء، ~~ولم يكن لينسى وحي ربه: "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" ولا ~~ليرضى بنجاة ابنه ولو كان كافرا ماحضا في كفره، وهو (عليه السلام) القائل ~~فيما دعا على قومه: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا": "نوح: 26" ~~ولو رضي في ابنه بذلك لرضي بمثله في ms2261 امرأته. # ولذلك لم يجترء (عليه السلام) على مسألة قاطعة بل ألقى مسألته كالعارض ~~المستفسر لعدم إحاطته بالعوامل المجتمعة واقعا على أمر ابنه، بل بدأ ~~بالنداء باسم الرب لأنه مفتاح دعاء المربوب المحتاج السائل ثم قال: "إن ~~ابني من أهلي وإن وعدك الحق" كأنه يقول وهذا يقضي بنجاة ابني "وأنت أحكم ~~الحاكمين" لا خطأ في أمرك ولا مغمض في حكمك فما أدري إلى م انجر أمره؟. # وهذا هو الأدب الإلهي أن يقف العبد على ما يعلمه، ولا يبادر إلى مسألة ما ~~لا يدري وجه المصلحة فيه. # فألقى نوح (عليه السلام) القول على وجد منه كما يدل عليه لفظ النداء في ~~قوله: "ونادى نوح ربه" فذكر الوعد الإلهي ولما يزد عليه شيئا ولا سأل أمرا. PageV06P146 # فأدركته العصمة الإلهية وقطعت عليه الكلام، وفسر الله سبحانه له معنى قوله ~~في الوعد: "وأهلك" أن المراد به الأهل الصالحون وليس الابن بصالح، وقد قال ~~تعالى من قبل: "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" وقد أخذ نوح (عليه ~~السلام) بظاهر الأهل وأن المستثنى منهم هو امرأته الكافرة فقط، ثم فرع عليه ~~النهي عن السؤال فيما ليس له به علم، وهو سؤال نجاة ابنه على ما كان يلوح ~~إليه كلامه أنه سيسألها. # فانقطع عنه السؤال بهذا التأديب الإلهي، واستأنف (عليه السلام) بكلام آخر ~~صورته صورة التوبة وحقيقته الشكر لما أنعم الله بهذا الأدب الذي هو من ~~النعمة فقال: "رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم" فاستعاذ إلى ربه ~~مما كان من طبع كلامه أن يسوقه إليه وهو سؤال نجاة ابنه ولا علم له بحقيقة حاله. # ومن الدليل على أنه لم يقع منه سؤال بعد هو قوله: "أعوذ بك أن أسألك" ~~"إلخ" ولم يقل: "أعوذ بك من سؤال ما ليس لي به علم" لتدل إضافة المصدر إلى ~~فاعله وقوع الفعل منه. # "لا تسئلن" "إلخ"، ولو كان سأله لكان من حق الكلام أن يقابل بالرد الصريح ~~أو يقال مثلا: "لا تعد إلى مثله" كما وقع ms2262 نظيره في موارد من كلامه تعالى ~~كقوله: "قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني": "الأعراف: 134"، وقوله: "إذ ~~تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم - إلى أن قال - يعظكم ~~الله أن تعودوا لمثله أبدا": "النور: 17". # ومن دعاء نوح (عليه السلام) ما حكاه الله تعالى بقوله: "رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا ~~تبارا": "نوح: 28" حكاه الله تعالى عنه في آخر سورة نوح بعد آيات كثيرة ~~أوردها في حكاية شكواه (عليه السلام) الذي بثه لربه فيما جاهد به من دعوة ~~قومه ليلا ونهارا فيما يقرب من ألف سنة من مدى حياته، وما قاساه من شدتهم ~~وكابده من المحنة في جنب الله سبحانه، وبذل من نفسه مبلغ جهدها، وصرف منها ~~في سبيل هدايتهم منتهى طوقها فلم ينفعهم دعاؤه إلا فرارا، ولم يزدهم نصحه ~~إلا استكبارا. # ولم يزل بعد ما بثه فيهم من النصيحة والموعظة الحسنة وقرعه أسماعهم من ~~الحق والحقيقة، ويشكو إلى ربه ما واجهوه به من العناد والإصرار على ~~الخطيئة، وقابلوه به من المكر والخديعة حتى هاج به الوجد والأسف وأخذته ~~الغيرة الإلهية فدعا عليهم فقال: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا": "نوح: 27". # وما ذكره من إضلالهم عباد الله إن تركهم الله على الأرض هو الذي ذكره ~~عنهم في ضمن كلامه السابق المحكي عنه: "وقد أضلوا كثيرا" وقد أضلوا كثيرا ~~من المؤمنين به فخاف إضلالهم الباقين منهم، وقوله: "ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا" إخبار ببطلان استعداد أصلابهم وأرحامهم أن يخرج منها مؤمن ذكره - ~~وهو من أخبار الغيب - عن تفرس نبوي ووحي إلهي. # وإذا دعا على الكافرين لغيرة إلهية أخذته، وهو النبي الكريم أول من جاء ~~بكتاب وشريعة، وانتهض لإنقاذ الدنيا من غمرة الوثنية ولم يلبه من المجتمع ~~البشري إلا قليل - وهو قريب من ثمانين نسمة على ما في الأخبار - فكان من ~~أدب هذا الموقف أن لا ينسى المؤمنين بربه الآخذين ms2263 بدعوته، ويدعو لهم إلى ~~يوم القيامة بالخير. # فقال: "رب اغفر لي" فبدأ بنفسه لأن الكلام في معنى طلب المغفرة لمن يسلك ~~سبيله فهو إمامهم وأمامهم "ولوالدي" وفيه دليل على إيمانهما "ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا" وهم المؤمنون به من أهل عصره "وللمؤمنين والمؤمنات" وهم جميع ~~المؤمنين أهل التوحيد فإن قاطبتهم أمته، ورهن منته إلى يوم القيامة، وهو ~~أول من أقام الدعوة الدينية في الدنيا بكتاب وشريعة، ورفع أعلام التوحيد ~~بين الناس، ولذلك حياه الله سبحانه بأفضل تحيته إذ قال: "سلام على نوح في ~~العالمين": "الصافات: 79" فعليه السلام من نبي كريم كلما آمن بالله مؤمن، ~~أو عمل له بعمل صالح، وكلما ذكر لله عز اسمه اسم، وكلما كان في الناس من ~~الخير والسعادة رسم فذلك كله من بركة دعوته، وذنابة نهضته، صلى الله عليه ~~وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أجمعين. PageV06P147 # ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم (عليه السلام) في محاجته قومه: "قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو ~~يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، رب ~~هب لي حكما وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ~~ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ولا تخزني يوم يبعثون": ~~"الشعراء: 87". # دعاء يدعو (عليه السلام) به لنفسه، ولأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان ~~هذا أول أمره ولم ييأس بعد من إيمان أبيه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. # وقد بدأ فيه بالثناء على ربه ثناء جميلا على ما هو أدب العبودية وهذا أول ~~ثناء مفصل حكاه الله سبحانه عنه (عليه السلام)، وما حكى عنه قبل ذلك ليس ~~بهذا النحو كقوله: "يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض": "الأنعام: 79" وقوله لأبيه: "سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا": "مريم: 47". # وقد استعمل (عليه السلام) من الأدب في ثنائه ms2264 أن أتى بثناء جامع أدرج فيه ~~عناية ربه به من بدء خلقه إلى أن يعود إلى ربه، وأقام فيه نفسه مقام الفقر ~~والحاجة كلها، ولم يذكر لربه إلا الغنى والجود المحض، ومثل نفسه عبدا داخرا ~~لا يقدر على شيء وتقلبه المقدرة الإلهية حالا إلى حال من خلق ثم إطعام وسقي ~~وشفاء عن مرض ثم أماته ثم إحياء ثم إشخاص إلى جزاء يوم الجزاء، وليس له إلا ~~الطاعة المحضة والطمع في غفران الخطيئة. # ومن الأدب المراعي في بيانه نسبة المرض إلى نفسه في قوله: "وإذا مرضت فهو ~~يشفين" لما أن نسبته إليه تعالى في مثل المقام وهو مقام الثناء لا يخلو عن ~~شيء، والمرض وإن كان من جملة الحوادث وهي لا تخلو عن نسبة إليه تعالى، لكن ~~الكلام ليس مسوقا لبيان حدوثه حتى ينسب إليه تعالى بل لبيان أن الشفاء من ~~المرض من رحمته وعنايته تعالى، ولذلك نسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه ~~بدعوى أنه لا يصدر منه إلا الجميل. # ثم أخذ في الدعاء واستعمل فيه من الأدب البارع أن ابتدأ باسم الرب وقصر ~~مسألته على النعم الحقيقية الباقية من غير أن يلتفت إلى زخارف الدنيا ~~الفانية، واختار مما اختاره ما هو أعظم وأفخم فسأل الحكم وهو الشريعة ~~واللحوق بالصالحين وسأل لسان صدق في الآخرين وهو أن يبعث الله بعده زمانا ~~بعد زمان، وحينا بعد حين من يقوم بدعوته، ويروج شريعته، وهو في الحقيقة ~~سؤال أن يخصه بشريعة باقية إلى يوم القيامة ثم سأل وراثة الجنة ومغفرة أبيه ~~وعدم الخزي يوم القيامة. # وقد أجابه الله تعالى إلى جميع ما سأله عنه على ما ينبىء به كلامه تعالى ~~إلا دعاءه لأبيه وحاشا رب العالمين أن يذكر دعاء عبد من عباده المكرمين مما ~~ذهب سدى لم يستجبه، قال تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم": "الحج: 78" وقال: ~~"وجعله كلمة باقية في عقبه": "الزخرف: 28" وقال: "لقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين": "البقرة: 103" وحياه بسلام عام إذ قال: ~~"سلام على إبراهيم": "الصافات: 190". # وسير التاريخ ms2265 بعده (عليه السلام) يصدق جميع ما ذكره القرآن الشريف من ~~محامده وأثنى فيه عليه فإنه (عليه السلام) هو النبي الكريم قام وحده بدين ~~التوحيد وإحياء ملة الفطرة وانتهض لهدم أركان الوثنية، وكسر الأصنام على ~~حين اندرست فيه آيات التوحيد، وعفت الأيام فيها رسوم النبوة ونسيت الدنيا ~~اسم نوح والكرام من أنبياء الله، فأقام دين الفطرة على ساق، وبث دعوة ~~التوحيد بين الناس ودين التوحيد حتى اليوم وقد مضى من زمنه ما يقرب من ~~أربعة آلاف سنة حي باسمه باق في عقبه فإن الذي تعرفه الدنيا من دين التوحيد ~~هو دين اليهود ونبيهم موسى، ودين النصارى ونبيهم عيسى، وهما من آل إسرائيل ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهما السلام)، ودين الإسلام الذي بعث به محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم (عليهما ~~السلام). # ومما ذكره الله من دعائه قوله: "رب هب لي من الصالحين": "الصافات: 100" ~~يسأل الله فيه ولدا صالحا، وفيه اعتصام بربه، وإصلاح لمسألته الذي هي بوجه ~~دنيوية بوصف الصلاح ليعود إلى جهة الله وارتضائه. PageV06P148 # ومما ذكره تعالى من دعائه ما دعا به حين قدم إلى أرض مكة وقد أسكن إسماعيل ~~وأمه بها، قال تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله ~~من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير": "البقرة: 162". # يسأل ربه أن يتخذ أرض مكة - وهي يومئذ أرض قفرة وواد غير ذي زرع - حرما ~~لنفسه ليجمع بذلك شمل الدين، ويكون ذلك رابطة أرضية جسمانية بين الناس وبين ~~ربهم يقصدونه لعبادة ربهم، ويتوجهون إليه في مناسكهم، ويراعون حرمته فيما ~~بينهم فيكون ذلك آية باقية خالدة لله في الأرض يذكر الله كل من ذكره، ~~ويقصده كل من قصده، وتتشخص به الوجهة، وتتحد به الكلمة. # والدليل على أنه (عليه السلام) يريد بالأمن الأمن التشريعي الذي هو معنى ~~اتخاذه حرما دون الأمن الخارجي من وقوع المقاتلات والحروب وسائر الحوادث ~~المفسدة للأمن المخلة ms2266 بالرفاهية قوله تعالى: "أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء": "القصص: 57" فإن في الآية امتنانا عليهم بأمن الحرم ~~وهو المكان الذي احترمه الله لنفسه فاتصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا ~~من جهة عامل تكويني يقيه من الفساد والقتل، والآية نزلت وقد شاهدت مكة ~~حروبا مبيدة بين قريش وجرهم فيها، وكذا من القتل والجور والفساد ما لا ~~يحصى، وكذا قوله تعالى: "أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم": "العنكبوت: 67" أي لا يتخطفون من الحرم لاحترام الناس إياه لمكان ~~الحرمة التي جعلناها. # وبالجملة كان مطلوبه (عليه السلام) هو أن يكون لله في الأرض حرم تسكنه ~~ذريته، وكان لا يحصل ذلك إلا ببناء بلد يقصده الناس من كل جانب فيكون مجمعا ~~دينيا يؤمونه بالسكونة واللواذ والزيارة إلى يوم القيامة فلذلك سأل أن ~~يجعله بلدا آمنا، وقد كان غير ذي زرع فسأل أن يرزقهم من الثمرات حتى يعمر ~~بسكانه ولا يتفرقوا منه. # ثم لما أحس أن دعاءه بهذا التشريف يشمل المؤمن والكافر قيد مسألته بإيمان ~~المدعو لهم بالله واليوم الآخر فقال: "من آمن منهم بالله واليوم الآخر" ~~وأما أن ذلك كيف يمكن في بلد لو اتفق أن يسكن فيه المؤمنون والكفار معا ~~واختلفوا، أو إذا قطن فيه الكفار فقط؟ وكيف يرزقون من الثمرات والأرض بطحاء ~~غير ذي زرع؟ فلم يتعرض له في مسألته. # وهذا من أدبه (عليه السلام) في مقام الدعاء فإن من فضول القول أن يعلم ~~الداعي ربه كيف يقضي حاجته؟ وما هو الطريق إلى إجابة مسألته؟ وهو رب عليم ~~حكيم قدير إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # لكن الله سبحانه إذ كان يريد أن يقضي حاجته على السنة الجارية في الأسباب ~~العادية ولا يفرق فيها بين المؤمن والكافر تمم دعاءه (عليه السلام) بما قيد ~~به كلامه من قوله: "ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس ~~المصير". # وهذا الدعاء الذي أدى إلى تشريع الحرم الإلهي وبناء الكعبة المقدسة ms2267 التي ~~هي أول بيت وضع للناس ببكة مباركة وهدى للعالمين هو إحدى ثمرات همته ~~العالية المقدسة التي امتن به على من بعده من المسلمين إلى يوم القيامة. # ومما دعا (عليه السلام) دعاؤه في آخر عمره على ما حكاه الله تعالى بقوله: ~~"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ~~ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون، ~~ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السماء، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع ~~الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب": "إبراهيم: 41". # وهذا مما دعا (عليه السلام) به في أواخر عمره الشريف وقد بنيت بلدة مكة، ~~والدليل عليه قول فيه: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق" ~~وقوله: "اجعل هذا البلد آمنا" ولم يقل كما في دعائه السابق: "واجعل هذا ~~بلدا آمنا". PageV06P149 # ومما استعمل فيه من الأدب تمسكه بالربوبية في دعائه، وكلما ذكر ما يختص ~~بنفسه قال: "رب" وكلما ذكر ما يشاركه فيه غيره قال: "ربنا". # ومن الأدب المستعمل في دعائه أن كلما ذكر حاجة من الحوائج يمكن أن يسأل ~~لغرض مشروع أو غير مشروع ذكر غرضه الصحيح من حاجته، وفيه من إثارة الرحمة ~~الإلهية ما لا يخفى فلما قال: "اجنبني وبني" "إلخ"، ذكر بعده قوله: "رب ~~إنهن أضللن" "إلخ"، وحيث قال: "ربنا إني أسكنت" "إلخ"، قال بعده: "ربنا ~~ليقيموا الصلاة" وإذ دعا بقوله: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ~~من الثمرات" ذيله بقوله: "لعلهم يشكرون". # ومن أدبه فيه أنه أردف كل حاجة ذكرها بما يناسب مضمونها من أسماء الله ~~الحسنى كالغفور والرحيم وسميع الدعاء، ms2268 وكرر اسم الرب كلما ذكر حاجة من ~~حوائجه فإن الربوبية هي السبب الموصول بين العبد وبين الله تعالى، وهو ~~المفتاح لباب كل دعاء. # ومن أدبه فيه قوله: "ومن عصاني فإنك غفور رحيم" حيث لم يدع عليهم بشيء ~~يسوء غير أنه ذكر مع ذكرهم اسمين من أسماء الله تعالى هما الواسطتان في ~~شمول نعمة السعادة على كل إنسان أعني الغفور الرحيم حبا منه لنجاة أمته ~~وانبساط جود ربه. # ومن ذلك ما حكاه الله عنه وعن ابنه إسماعيل وقد اشتركا فيه، وهو قوله ~~تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم": ~~"البقرة: 192". # دعاء دعوا به عند بنائهما الكعبة، وفيه من الأدب الجميل ما في سابقه. # ومن ذلك ما حكاه الله عن إسماعيل (عليه السلام) في قصة الذبح قال تعالى: ~~"فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين": "الصافات: 120". # وصدر كلامه وإن كان من أدبه مع أبيه إلا أن الذيل فيما بينه وبين ربه على ~~أن التأدب مع مثل إبراهيم خليل الله (عليه السلام) تأدب مع الله تعالى. # وبالجملة لما ذكر له أبوه ما رآه في المنام، وكان أمرا إلهيا بدليل قول ~~إسماعيل: "افعل ما تؤمر" أمره أن يرى فيه رأيه، وهو من أدبه (عليه السلام) ~~مع ابنه فقال له إسماعيل: "يا أبت افعل ما تؤمر، إلخ" ولم يذكر أنه الرأي ~~الذي رآه هضما لنفسه وتواضعا لأبيه كأنه لا رأي له قبال رأيه ولذلك صدر ~~القول بخطابه بالأبوة، ولم يقل: "إن شئت فافعل ذلك ليكون مسألته القطعية ~~تطييبا لنفس أبيه، ولأنه ذكر في كلامه أنه أمر أمر به إبراهيم، ms2269 ولا يتصور ~~في حق مثله أن يتروي أو يتردد في فعل ما أمر به دون أن يمتثل أمر ربه. # ثم في قوله: "ستجدني إن شاء الله من الصابرين" تطييب آخر لنفس أبيه، وكل ~~ذلك من أدبه مع أبيه (عليه السلام). # وقد تأدب مع ربه إذ لم يأت بما وعده إياه في صورة القطع والجزم دون أن ~~استثنى بمشيئة الله فإن في القطع من غير تعليق الأمر بمشيئة الله شائبة ~~دعوى الاستقلال في السببية، ولتخل عنها ساحة النبوة، وقد ذم الله لذلك قوما ~~إذ قطعوا أمرا ولم يعلقوا كما قال في قصة أصحاب الجنة: "إنا بلوناهم كما ~~بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون": "القلم: 18" ~~وقد أدب الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه بأن يستثني ~~في قوله تأديبا بكناية عجيبة إذ قال: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، ~~إلا أن يشاء الله": "الكهف: 24". # ومن ذلك ما حكاه الله عن يعقوب (عليه السلام) حين رجع بنوه من مصر وقد ~~تركوا بنيامين ويهودا بها قال تعالى: "وتولى عنهم وقال يا أسفا على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى يكون ~~حرضا أو تكون من الهالكين، قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون": "يوسف: 86". PageV06P150 # يقول لبنيه إن مداومتي على ذكر يوسف شكاية مني سوء حالي إلى الله ولست بائس ~~من رحمة ربي أن يرجعه إلي من حيث لا يحتسب، وذلك أن من أدب الأنبياء مع ~~ربهم أن يتوجهوا في جميع أحوالهم إلى ربهم ويوردوا عامة حركاتهم وسكناتهم ~~في سبيله فإن الله سبحانه ينص على أنه هداهم إليه صراطا مستقيما قال: ~~"أولئك الذين هدى الله": "الأنعام: 90" وقال في خصوص يعقوب: "ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب كلا هدينا": "الأنعام: 84" ثم ذكر أن اتباع الهوى ضلال عن ~~سبيل الله فقال تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله": "ص: 26". # فالأنبياء وهم المهديون بهداية الله لا يتبعون الهوى البتة فعواطفهم ms2270 ~~النفسانية وأميالهم الباطنية من شهوة أو غضب أو حب أو بغض أو سرور أو حزن ~~مما يتعلق بمظاهر الحياة من مال وبنين ونكاح ومأكل وملبس ومسكن وغير ذلك كل ~~ذلك واقعة في سبيل الله لا يقصدون به إلا الله جلت عظمته فإنما هما سبيلان ~~مسلوكان سبيل يتبع فيه الحق وسبيل يتبع فيه الهوى، وإن شئت قلت: سبيل ذكر ~~الله وسبيل نسيانه. # والأنبياء (عليهم السلام) إذ كانوا مهديين إلى الله لا يتبعون الهوى ~~كانوا على ذكر من ربهم لا يقصدون بحركة أو سكون غيره تعالى، ولا يقرعون ~~بحاجة من حوائج حياتهم باب غيره من الأسباب بمعنى أنهم إذا تعلقوا بسبب لم ~~ينسهم ذلك ربهم وأن الأمر إليه تعالى لا أنهم ينفون الأسباب نفيا مطلقا لا ~~يبقى مع ذلك لها وجود في التصور مطلقا فإن ذلك مما لا مطمع فيه، ولا أنهم ~~يرون ذوات الأشياء وينفون عنها وصفة السببية فإن في ذلك خروجا عن صراط ~~الفطرة الإنسانية بل التعلق به أن لا يرى لغيره استقلالا، ويضع كل شيء ~~موضعه الذي وضعه الله فيه. # وإذ كان حالهم (عليهم السلام) ما ذكرنا من تعلقهم بالله حق التعلق تمكن ~~منهم هذا الأدب الإلهي أن يراقبوا مقام ربهم ويراعوا جانب ربوبيته فلا ~~يقصدوا شيئا إلا لله، ولا يتركوا شيئا إلا لله، ولا يتعلقوا بسبب إلا وهم ~~متعلقون بربهم قبله ومعه وبعده، فهو غايتهم على كل حال. # فقوله (عليه السلام): "إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله" يريد به أن ذكري ~~المستمر ليوسف وأسفي عليه ليس على حد ما يلغو أحدكم إذا أصابته مصيبة ففقد ~~نعمة من نعم الله فيذكرها لمن لا يملك منه نفعا ولا ضرا بجهل منه، وإنما ~~ذلك شكوى مني إلى الله فيما دخلني من فقد يوسف، وليس ذلك مسألة مني في أمر ~~لا يكون فإني أعلم من الله ما لا تعلمون. # ومن ذلك ما حكاه الله عن يوسف الصديق حين هددته امرأة العزيز بالسجن إن ~~لم يفعل ما كانت تأمره به: "قال رب السجن ms2271 أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين": "يوسف: 33". # يذكر (عليه السلام) لربه أن أمره يدور عندهن في موقفه ذاك بين السجن وبين ~~إجابتهن إلى ما يسألنه، وأنه بعلمه الذي أكرمه الله به، وهو المحكي عنه في ~~قوله تعالى: "ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما": "يوسف: 22" يختار السجن ~~على إجابتهن غير أن الأسباب منضودة على طبق ما يرجونه منه قوية غالبة فهي ~~تهدده بالجهل بمقام ربه وإبطال ما عنده من العلم بالله، ولا حكم في ذلك إلا ~~له تعالى كما قال لصاحبه في السجن: "إن الحكم إلا لله": "يوسف: 40" ولذلك ~~تأدب ع ولم يذكر لنفسه حاجة لأنه حكم بنحو، بل لوح إلى تهديد الجهل إياه ~~بإبطال نعمة العلم الذي أكرمه بها ربه، وذكر أن نجاته من مهلكة الجهل ~~واندفاع كيدهن تتوقف إلى صرفه تعالى فسلم الأمر إليه وسكت. # فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن وهو الصبوة وإلا فالسجن فتخلص من السجن ~~والصبوة جميعا، ومنه يعلم أن مراده من كيدهن هو الصبوة والسجن جميعا، وأما ~~قوله (عليه السلام): "رب السجن أحب إلي، إلخ" فإنما هو تمايل قلبي إلى ~~السجن على تقدير تردد الأمر وكناية عن النفرة والمباغضة للفحشاء وليس بسؤال ~~منه للسجن كما قال (عليه السلام): الموت أولى من ركوب العار. والعار أولى ~~من دخول النار. لا كما ربما يظن أنه سأل بذلك السجن فقضي له به، والدليل ~~على ما ذكرناه قوله تعالى بعده: "ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ~~حتى حين": "يوسف: 35" لظهور الآية أن سجنه كان عن رأي بدا لهم بعد ذلك، وقد ~~كان الله سبحانه صرف عنه قبل ذلك بالدعوة إلى أنفسهن والتهديد بالسجن. PageV06P151 # ومنه ما حكى الله سبحانه من ثنائه ودعائه (عليه السلام) حيث قال: "فلما ~~دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، ورفع ~~أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد ~~جعلها ربي حقا ms2272 وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن ~~نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم، ~~رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ~~وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين": "يوسف: 110". # فليتدبر الباحث فيما يعطيه الآيات من أدب النبوة وليمثل عنده ما كان عليه ~~يوسف (عليه السلام) من الملك ونفوذ الأمر وما كان عليه أبواه من توقان ~~النفس إلى لقائه، وما كان عليه إخوته من التواضع وهم جميعا على ذكر من ~~تاريخ حياته من حين فقدوه إلى حين وجدوه وهو عزيز مستو على عرش العزة ~~والهيمنة. # لم يشق (عليه السلام) فما بكلام إلا ولربه فيه نصيب أو كل النصيب إلا ما ~~أصدره من الأمر بقوله: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" فأمرهم بالدخول وحكم ~~لهم بالأمن، ولم يستتم الكلام حتى استثنى فيه بمشيئة الله لئلا يوهم ~~الاستقلال في الحكم دون الله، وهو (عليه السلام) القائل: "إن الحكم إلا لله". # ثم شرع في الثناء على ربه فيما جرى عليه منذ فارقهم إلى أن اجتمع بهم ~~وبدأ في ذلك بقصة رؤياه وتحقق تأويلها وصدق فيه أباه لا فيما عبرها به فقط ~~بل حتى فيما ذكره في آخر كلامه من علم الله وحكمته توغلا منه في الثناء على ~~ربه حيث قال له أبوه: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك - إلى أن قال - إن ربك عليم ~~حكيم": "يوسف: 6" وقال له يوسف هاهنا بعد ما صدقه فيما عبر به رؤياه: "إن ~~ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم": "يوسف: 100". # ثم أشار إلى إجمال ما جرى عليه ما بين رؤياه وتأويلها فنسبها إلى ربه ~~ووصفها بالحسن وهو من الله إحسان، ومن ألطف أدبه توصيفه ما لقي من إخوته ~~حين ألقوه في غيابة الجب إلى أن شروه بثمن بخس دراهم معدودة، واتهموه ~~بالسرقة بقوله: "نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي". # ولم يزل يذكر نعم ربه ويثني عليه ويقول: ربي وربي ms2273 حتى غشيه الوله وأخذته ~~جذبة إلهية فاشتغل بربه وتركهم كأنه لا يعرفهم، وقال: "رب قد آتيتني من ~~الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فأثنى على ربه بحاضر نعمه عنده، وهو ~~الملك والعلم بتأويل الأحاديث، ثم انتقلت نفسه الشريفة من ذكر النعم إلى أن ~~ربه الذي أنعم عليه بما أنعم لأنه فاطر السماوات والأرض، ومخرج كل شيء من ~~العدم البحت إلى الوجود من غير أن يكون لشيء من الأشياء جدة من نفسه يملك ~~به ضرا أو نفعا أو نعمة أو نقمة أو صلاحية أن يدبر أمر نفسه في دنيا أو آخرة. # وإذ كان فاطر كل شيء فهو ولي كل شيء، ولذلك ذكر بعد قوله: "فاطر السماوات ~~والأرض" أنه عبد داخر لا يملك تدبير نفسه في دنيا ولا آخرة بل هو تحت ولاية ~~الله سبحانه يختار له من الخير ما يشاء ويقيمه أي مقام أراد فقال: "أنت ~~وليي في الدنيا والآخرة" وعندئذ ذكر ما له من مسألة يحتاج فيها إلى ربه وهو ~~أن ينتقل من الدنيا إلى الآخرة وهو في حال الإسلام إلى ربه على حد ما منحه ~~الله آباءه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب قال تعالى: "ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم - وهو الاصطفاء - ~~قال أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون": "البقرة: 123". # وهو قوله: "توفني مسلما وألحقني بالصالحين" يسأل التوفي على الإسلام ثم ~~اللحوق بالصالحين، وهو الذي سأله جده إبراهيم (عليه السلام) بقوله: "رب هب ~~لي حكما وألحقني بالصالحين": "الشعراء: 83" فأجيب إليه كما في الآيات ~~المذكورة آنفا وهذا آخر ما ذكر الله من حديثه وختم به قصته، وأن إلى ربك ~~المنتهى، وهذا مما في السياقات القرآنية من عجيب اللطف. PageV06P152 # ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه عن نبيه موسى (عليه السلام) في أوائل نشوئه ~~بمصر حين وكز القبطي فقضى عليه: "قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ~~إنه هو الغفور ms2274 الرحيم": "القصص: 16" وقوله حين فر من مصر فبلغ مدين وسقى ~~لابنتي شعيب ثم تولى إلى الظل فقال: "رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير": ~~"القصص: 24". # وقد استعمل (عليه السلام) في مسألتيه من الأدب بعد الالتجاء بالله ~~والتعلق بربوبيته أن صرح في دعائه الأول بالطلب لأنه كان متعلقا بالمغفرة ~~والله سبحانه يحب أن يستغفر كما قال: "واستغفروا الله إن الله غفور رحيم": ~~"البقرة: 199" وهو الذي دعا إليه نوح فمن بعده من الأنبياء (عليهم السلام)، ~~ولم يصرح بحاجته بعينه في دعائه الثاني الذي ظاهره بحسب دلالة المقام أنه ~~كان يريد رفع حوائج الحياة كالغذاء والمسكن مثلا بل إنما ذكر الحاجة ثم ~~سكت، فما للدنيا عند الله من قدر. # واعلم أن قوله (عليه السلام): "رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي" يجري في ~~الاعتراف بالظلم وطلب المغفرة مجرى قول آدم وزوجته: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" بمعنى أن المراد بالظلم هو ظلمه ~~على نفسه لاقترافه عملا يخالف مصلحة حياته كما أن الأمر كان على هذا النحو ~~في آدم وزوجته. # فإن موسى (عليه السلام) إنما فعل ما فعل قبل أن يبعثه الله بشريعته ~~الناهية عن القتل وإنما قتل نفسا كافرة غير محترمة، ولا دليل على وجود ~~النهي عن مثل هذا القتل قبل شريعته وكان الأمر في عصيان آدم وزوجته على هذه ~~الوتيرة فقد ظلما أنفسهما بالأكل من الشجرة قبل أن يشرع الله شريعة بين ~~النوع الإنساني فإنما أسس الله الشرائع كائنة ما كانت بعد هبوطهما من الجنة ~~إلى الأرض. # ومجرد النهي عن اقتراب الشجرة لا دليل على كونه مولويا مستلزما لتحقق ~~المعصية المصطلحة بمخالفته، مع أن القرائن قائمة على كون النهي المتعلق ~~بهما إرشاديا كما في آيات سورة طه على ما بيناه في تفسير قصة جنة آدم في ~~الجزء الأول من الكتاب. # على أن الكتاب الإلهي نص في كون موسى (عليه السلام) مخلصا، وأن إبليس لا ~~سبيل له إلى إغواء المخلصين من عباد الله تعالى ومن الضروري أن ms2275 لا معصية ~~بدون إغواء إبليس قال الله تعالى: "واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا ~~وكان رسولا نبيا": "مريم: 51" وقال تعالى" "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين": "ص: 83". # ومن هنا يظهر أن المراد بالمغفرة المسئولة في دعائه كما في دعائهما " ~~(عليهما السلام)" ليست هي إمحاء العقاب الذي يكتبه الله على المجرمين كما ~~في المعاصي المولوية بل إمحاء الآثار السيئة التي كان يستتبعها الظلم على ~~النفس في مجرى الحياة فقد كان موسى (عليه السلام) يخاف أن يفشو أمره ويظهر ~~ما هو ذنب له عندهم فسأله تعالى أن يستر عليه ويغفره، والمغفرة في عرف ~~القرآن أعم من إمحاء العقاب بل هي إمحاء الأثر السيىء كائنا ما كان، ولا ~~ريب أن أمر الجميع بيد الله سبحانه. # ونظير هذا من وجه قول نوح (عليه السلام) فيما تقدم من دعائه "وإلا تغفر ~~لي وترحمني" أي وإن لم تؤدبني بأدبك، ولم تعصمني بعصمتك ووقايتك وترحمني ~~بذلك أكن من الخاسرين، فافهم ذلك. # ومنه دعاؤه (عليه السلام) أول ما ألقي إليه الوحي وبعث بالرسالة إلى قومه ~~على ما حكاه الله قال تعالى: "قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة ~~من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري ~~وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا": "طه: 35". PageV06P153 # ينصح (عليه السلام) لما بعث لها من الدعوة الدينية ويذكر لربه - على ما ~~يفيده الكلام بإعانة من المقام - إنك كنت بصيرا بحالي أنا وأخي أنا منذ ~~نشأنا نحب تسبيحك، وقد حملتني الليلة ثقل الرسالة وفي نفسي من الحدة وفي ~~لساني من العقدة ما أنت أعلم به وإني أخاف أن يكذبوني أن دعوتهم إليك ~~وبلغتهم رسالتك فيضيق صدري ولا ينطلق لساني فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، ~~وهذا رفع التحرج الذي ذكره الله بقوله: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل": "الأحزاب: 38" واحلل عقدة من ~~لساني يفقهوا قولي ms2276 وأخي هارون أفصح مني لسانا وهو من أهلي فأشركه في هذا ~~الأمر واجعله وزيرا لي كي نسبحك - كما كنا نحبه - كثيرا ونذكرك عند ملإ ~~الناس بالتعاضد كثيرا فهذا محصل ما سأله (عليه السلام) ربه من أسباب الدعوة ~~والتبليغ، والأدب الذي استعمل فيه أن ذكر غايته وغرضه من أسئلته لئلا يوهم ~~كلامه أنه يسأل ما يسأل لنفسه فقال: "كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا" واستشهد ~~على صدقه في دعواه بعلم الله نفسه بإلقاء أنفسهما بين يديه وعرضها عليه ~~فقال: "إنك كنت بنا بصيرا" وعرض السائل المحتاج نفسه في حاجتها على المسئول ~~الغني الجواد من أقوى ما يهيج عاطفة الرحمة لأنه يفيد إراءة نفس الحاجة فوق ~~ما يفيده ذكر الحاجة باللسان الذي لا يمتنع عليه أن يكذب. # ومنه ما حكى الله عنه مما دعا به على فرعون وملئه إذ قال: "وقال موسى ~~ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم، قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون": ~~"يونس: 89". # الدعاء لموسى وهارون ولذلك صدر بكلمة "ربنا" ويدل عليه ما في الآية ~~التالية: "قال قد أجيبت دعوتكما" دعوا أولا على أموالهم أن يطمس الله عليها ~~ثم على أنفسهم أن يشد الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~فلا يقبل إيمانهم كما قال تعالى: "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا": "الأنعام: 185" أي ~~انتقم منهم بتحريم الإيمان عليهم بمفاجاة العذاب كما حرموه على عبادك ~~بإضلالهم، وهذا أشد ما يمكن أن يدعى به على أحد فإنه الدعاء بالشقوة ~~الدائمة ولا شيء شرا منه بالنسبة إلى إنسان. # والدعاء بالشر غير الدعاء بالخير حكما فإن الرحمة الإلهية سبقت غضبه وقد ~~قال لموسى فيما أوحي إليه: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء": ~~"الأعراف: 165" فسعة الرحمة الإلهية تقضي بكراهية إصابة الشر ms2277 والضر لعبد من ~~عباده وإن كان ظالما، ويشهد بذلك ما يفيض الله سبحانه من نعمه عليهم وسترهم ~~بكرمه وأمره عباده بالحلم والتصبر عند جهالتهم وخرقهم اللهم إلا في إقامة ~~حق لازم، أو عند اضطرار في مظلمة إذا كانوا على علم بأن مصلحة ملزمة كمصلحة ~~الدين أو أهل الدين تقتضي ذلك. # على أن جهات الخير والسعادة كلما كانت أرق لطافة وأدق رتبة كانت أوقع عند ~~النفوس بالفطرة التي فطر الله الناس عليها بخلاف جهات الشر والشقاء فإن ~~الإنسان بحسب طبعه يفر من الوقوف عليها، ويحتال أن لا يلتفت إلى أصلها فضلا ~~عن تفاصيل خصوصياتها، وهذا المعنى يوجب اختلاف الدعاءين أعني الدعاء بالخير ~~والدعاء بالشر من حيث الآداب. # فمن أدب الدعاء بالشر أن تذكر الأمور التي بعثت إلى الدعاء بالتكنية ~~وخاصة في الأمور الشنيعة الفظيعة بخلاف الدعاء بالخير فإن التصريح بعوامل ~~الدعاء فيه هو المطلوب، وقد راعاه (عليه السلام) في دعائه حيث قال: "ليضلوا ~~عن سبيلك" ولم يأت بتفاصيل ما كانت تأتي به آل فرعون من الفظائع. # ومن أدبه الإكثار من الاستغاثة والتضرع وقد راعاه فيما يقول: "ربنا" ~~وتكرره مرات في دعائه على قصره. # ومن أدبه أن لا يقدم عليه إلا مع العلم بأنه على مصلحة الحق من دين أو ~~أهله من دون أن يجري على ظن أو تهمة، وقد كان (عليه السلام) على علم منه ~~وقد قال الله فيه: "ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى": "طه: 56" وكأنه ~~لذلك أمره الله سبحانه وأخاه عند ما أخبرهما بالاستجابة بقوله: "فاستقيما ~~ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون" والله أعلم. PageV06P154 # ومن دعاء موسى ما حكاه الله عنه في قوله: "واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا ~~بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة إنا هدنا إليك: "الأعراف: 165". # يبتدىء الدعاء من ms2278 قوله: "فاغفر لنا، إلخ" غير أن الموقف لما كان موقفا ~~صعبا قد أخذهم الغضب الإلهي والبطش الذي لا يقوم له شيء، وما مسألة المغفرة ~~والرحمة من سيد ساخط قد هتكت حرمته وأهين على سؤدده كمسألة من هو في حال ~~سوي فلذلك قدم (عليه السلام) ما تسكن به فورة الغضب الإلهي حتى يتخلص إلى ~~طلب المغفرة والرحمة. # فقال: "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي" يريد (عليه السلام) - كما تدل ~~عليه قرينة المقام - رب إن نفسي ونفوسهم جميعا قبض قدرتك، وطوع مشيئتك، لو ~~شئت أهلكتهم وأنا فيهم قبل اليوم كما أهلكتهم اليوم وأبقيتني فما ذا أقول ~~لقومي إذا رجعت إليهم واتهموني بأني قتلتهم، وحالهم ما أنت أعلم به؟ وهذا ~~يبطل دعوتي ويحبط عملي. # ثم عد (عليه السلام) إهلاك السبعين إهلاكا له ولقومه فذكر أنهم سفهاء من ~~قومه لا يعبأ بفعلهم فأخذ ربه برحمته حيث لم يكن من عادته تعالى أن يهلك ~~قوما بفعل السفهاء منهم، وليس ذلك إلا موردا من موارد الامتحان العام الذي ~~لا يزال جاريا على الإنسان فيضل به كثير، ويهتدي به كثير، ولم تقابلها إلا ~~بالصفح والستر. # وإذ كان بيدك أمر نفسي ونفوسنا تقدر على إهلاكنا متى شئت، وكانت هذه ~~الواقعة غير بدع في مسير امتحانك العام الذي يعقب ضلال قوم وهداية آخرين، ~~ولا ينتهي إلا إلى مشيئتك فأنت ولينا الذي يقوم بأمرك ومشيئتك تدبير ~~أمورنا، ولا صنع لنا فيها فاقض فينا بالمغفرة والرحمة فإن من جملة صفاتك ~~أنك خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا عيشة آمنة من العذاب وهي التي ~~يستحسنها من أحاط به غمر السخط الإلهي، وفي الآخرة حسنة بالمغفرة والجنة. # وهذا ما ساقه (عليه السلام) في مسألته، وقد أخذتهم الرجفة وشملتهم البلية ~~فانظر كيف استعمل جميل أدب العبودية واسترحم ربه، ولم يزل يستوهب الرحمة، ~~ويسكن بثنائه فورة السخط الإلهي حتى أجيب إلى ما لم يذكره من الحاجة بين ما ~~ذكره، وهو إعادة حياتهم إليهم بعد الإهلاك، وأوحي إليه بما حكاه الله ~~تعالى: "قال عذابي ms2279 أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون": "الأعراف: 165" فما ظنك به ~~تعالى بعد ما قال لموسى (عليه السلام) جوابا لمسألته: "ورحمتي وسعت كل شيء". # وقد ذكر تعالى صريح عفوه عن هؤلاء، وإجابته إلى مسألته موسى (عليه ~~السلام) بإعادة الحياة إليهم وقد أهلكوا وردهم إلى الدنيا بقوله: "وإذ قلتم ~~يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون: "البقرة: 56" ويقرب من ذلك ما في سورة ~~النساء. # وقد استعمل (عليه السلام) من الأدب في كلامه حيث قال: "تضل بها من تشاء" ~~لم يذكر أن ذلك من سوء اختيار هؤلاء الضالين لينزهه تعالى لفظا كما كان ~~ينزهه قلبا فيكون على حد قوله تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل ~~به إلا الفاسقين": "البقرة: 26" لأن المقام كان يصرفه عن التعرض إلا لكونه ~~تعالى وليا على الإطلاق ينتهي إليه كل التدبير لا غير. # ولم يورد في الذكر أيضا عمدة ما في نفسه من المسألة وهو أن يحييهم الله ~~سبحانه بعد الإهلاك لأن الموقف على ما كان فيه من هول وخطر كان يصرفه عن ~~الاسترسال، وإنما أشار إليه إشارة بقوله: "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، إلخ". # ومن دعائه (عليه السلام) ما دعا به حين رجع إلى قومه من الميقات فوجدهم ~~قد عبدوا العجل من بعده، وقد كان الله سبحانه أخبره بذلك قال تعالى "وألقى ~~الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين": "الأعراف: ~~105" فعند ذلك رق له ودعا له ولنفسه ليمتازا بذلك من القوم الظالمين: "قال ~~رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين": "الأعراف: 115". PageV06P155 # ولم يكن يريد التميز منهم وأن يدخلهما الله في رحمته إلا لما كان يعلم أن ~~الغضب الإلهي سينال القوم بظلمهم كما ذكره الله بقوله بعد ذلك: "إن الذين ~~اتخذوا ms2280 العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا": "الأعراف: 125" ~~ويعرف بما تقدم وجوه من الأدب في كلامه. # ومن دعائه (عليه السلام) - وهو في معنى الدعاء على قومه إذ قالوا له حين ~~أمرهم بدخول الأرض المقدسة: "يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون": "المائدة: 24" - ما حكاه الله ~~تعالى بقوله: "قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين": "المائدة: 25". # وقد أخذ (عليه السلام) بالأدب الجميل حيث كنى عن الإمساك عن أمرهم ~~وتبليغهم أمر ربهم ثانيا بعد ما جبهوا أمره الأول بأقبح الرد وأشنع القول ~~بقوله: "رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي" أي لا يطيعني فيما أمرته إلا نفسي ~~وأخي أي إنهم ردوا علي بما لا مطمع فيهم بعده، فها أنا أكف عن أمرهم بأمرك ~~وإرشادهم إلى ما فيه صلاح جماعتهم. # وإنما نسب ملك نفسه وأخيه إلى نفسه لأن مراده من الملك بقرينة المقام ملك ~~الطاعة ولو كان هو الملك التكويني لم ينسبه إلى نفسه إلا مع بيان أن حقيقته ~~لله سبحانه، وإنما له من الملك ما ملكه الله إياه، ولما عرض لربه من نفسه ~~الإمساك واليأس عن إجابتهم إليه أحال الحكم في ذلك فقال: "فافرق بيننا وبين ~~القوم الفاسقين". # ومن ذلك ما دعا به شعيب (عليه السلام) على قومه إذ قال: "ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين": "الأعراف: 89". # وهذا استنجاز منه للوعد الإلهي بعد ما يئس من نجاح دعوته فيهم، ومسألة ~~للقضاء بينه وبينهم بالحق على ما قاله الله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": "يونس: 48". # وإنما قال "بيننا" لأنه ضم المؤمنين به إلى نفسه، وقد كان الكافرون من ~~قومه هددوا إياه والمؤمنين به جميعا إذ قالوا: "لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا": "الأعراف: 88" فضمهم إلى نفسه ~~وهاجر قومه في عملهم وسار بهم إلى ربه وقال: "ربنا افتح بيننا، إلخ". ms2281 # وقد استمسك في دعائه باسمه الكريم: "خير الفاتحين" لما مر أن التمسك ~~بالصفة المناسبة لمتن الدعاء تأييد بالغ بمنزلة الإقسام، وهذا بخلاف قول ~~موسى (عليه السلام): "رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين" المنقول آنفا لما تقدم أن لفظه ع ليس بدعاء حقيقة بل هو كناية عن ~~الإمساك عن الدعوة وإرجاع للأمر إلى الله فلا مقتضى للإقسام بخلاف قول شعيب. # ومن ذلك ما حكاه الله من ثناء داود وسليمان (عليهما السلام) قال تعالى: ~~"ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين": "النمل: 15". # وجه الأدب في حمدهما وشكرهما ونسبة ما عندهما من فضيلة العلم إلى الله ~~سبحانه ظاهر، فلم يقولا مثل ما حكى عن غيرهما كقول قارون لقومه إذ وعظوه أن ~~لا يستكبر في الأرض بماله: "إنما أوتيته على علم عندي": "القصص: 78" وكما ~~حكى الله عن قوم آخرين: "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون": "المؤمن: 83". # ولا ضير في الحمد على تفضيل الله إياهما على كثير من المؤمنين فإنه من ~~ذكر خصوص النعمة وبيان الواقع، وليس ذلك من التكبر على عباد الله حتى يلحق ~~به ذم، وقد ذكر الله عن طائفة من المؤمنين سؤال التفضيل ومدحهم على علو ~~طبعهم وسمو همتهم حيث قال: "والذين يقولون ربنا - إلى أن قال - واجعلنا ~~للمتقين إماما": "الفرقان: 74". # ومن ذلك ما حكاه عن سليمان (عليه السلام) في قصة النملة بقوله: "حتى إذا ~~أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر ~~نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين": "النمل: 19". PageV06P156 # ذكرته النملة بما قالته ما له من الملك العظيم الذي شيدت أركانه بتسخير ~~الريح تجري بأمره، والجن يعملون له ما يشاء والعلم بمنطق الطير وغيره غير ~~أن هذا الملك لم يقع ms2282 في ذكره (عليه السلام) في صورة أجلى أمنية يبلغها ~~الإنسان كما فينا ولم ينسه عبوديته ومسكنته بل إنما وقع في نفسه في صورة ~~نعمة أنعمها عليه ربه فذكر ربه ونعمته أنعمها عليه وعلى والديه بما خصهم ~~به، وهو من مثله (عليه السلام) والحال هذا الحال أفضل الأدب مع ربه. # وقد ذكر نعمة ربه، وهي وإن كانت كثيرة في حقه غير أن مورد نظره (عليه ~~السلام) والمقام ذاك المقام - هو الملك العظيم والسلطة القاهرة، ولذلك ذكر ~~العمل الصالح وسأل ربه أن يوزعه ليعمل صالحا لأن العمل الصالح والسيرة ~~الحسنة هو المطلوب ممن استوى على عرش الملك. # فلذلك كله سأل ربه أولا أن يوزعه على شكر نعمته، وثانيا أن يعمل صالحا، ~~ولم يرض بسؤال العمل الصالح دون أن قيده بقوله: "ترضاه" فإنه عبد لا شغل له ~~بغير ربه ولا يريد الصالح من العمل إلا لأن ربه يرضاه، ثم تمم مسألة ~~التوفيق لصلاح العمل بمسألة صلاح الذات فقال: "وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين". # ومن ذلك ما حكاه الله عن يونس (عليه السلام) وقد دعا به وهو في بطن الحوت ~~الذي التقمه قال تعالى: "وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ~~فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين": ~~"الأنبياء: 87". # كان (عليه السلام) - على ما يقصه القرآن - قد سأل ربه أن ينزل على قومه ~~العذاب فأجابه إلى ذلك فأخبرهم به فلما أشرف عليهم العذاب بالنزول تابوا ~~إلى ربهم فرفع عنهم العذاب، ولما شاهد يونس ذلك ترك قومه، وذهب لوجهه حتى ~~ركب السفينة فاعترضها حوت فساهمهم في أن يدفعوا الحوت بإلقاء رجل منهم إليه ~~ليلتقمه وينصرف عن الباقين، فخرجت القرعة باسمه فألقي في البحر فالتقمه ~~الحوت فكان يسبح الله في بطنه إلى أن أمره الله أن يلقيه إلى ساحل البحر، ~~ولم يكن ذلك إلا تأديبا إلهيا يؤدب به أنبياءه على حسب ما يقتضيه مختلف ~~أحوالهم، وقد قال تعالى: "ولو لا أنه كان من المسبحين، للبث في بطنه ms2283 إلى ~~يوم يبعثون": "الصافات: 144" فكان حاله في تركه العود إلى قومه وذهابه ~~لوجهه يمثل حال عبد أنكر على ربه بعض عمله فغضب عليه فأبق منه وترك خدمته ~~وما هو وظيفة عبوديته فلم يرتض الله له ذلك فأدبه فابتلاه وقبض عليه في سجن ~~لا يقدر فيه أن يتوسع قدر أنملة في ظلمات بعضها فوق بعض فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. # ولم يكن ذلك كله إلا لأن يتمثل له على خلاف ما كان يمثله حاله أن الله ~~سبحانه قادر على أن يقبض عليه ويحبسه حيث شاء، وأن يصنع به ما شاء فلا مهرب ~~من الله سبحانه إلا إليه، ولذلك لقنه الحال الذي تمثل له وهو في سجنه من ~~بطن الحوت أن يقر لله بأنه هو المعبود الذي لا معبود غيره، ولا مهرب عن ~~عبوديته فقال: "لا إله إلا أنت" ولم يناده تعالى بالربوبية، وهذا أوحد دعاء ~~من أدعية الأنبياء (عليهم السلام) لم يصدر باسم الرب. # ثم ذكر ما جرى عليه الحال من تركه قومه إثر عدم إهلاكه تعالى إياهم بما ~~أنزل عليهم من العذاب فأثبت الظلم لنفسه ونزه الله سبحانه عن كل ما فيه ~~شائبة الظلم والنقص فقال: "سبحانك إني كنت من الظالمين". # ولم يذكر مسألته - وهي الرجوع إلى مقامه العبودي السابق - عدا لنفسه دون ~~لياقة الاستعطاء واستحقاق العطاء استغراقا في الحياء والخجل، والدليل على ~~مسألته قوله تعالى بعد الآية السابقة: "فاستجبنا له ونجيناه من الغم": ~~"الأنبياء: 88". # والدليل على أن مسألته كانت هي الرجوع إلى سابق مقامه قوله تعالى: ~~"فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ~~ألف أو يزيدون، فآمنوا به فمتعناهم إلى حين": "الصافات: 184". # ومن ذلك ما ذكره الله تعالى عن أيوب (عليه السلام) بعد ما أزمنه المرض ~~وهلك عنه ماله وولده حيث قال: "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين": "الأنبياء: 83". PageV06P157 # وجوه التأدب فيه ظاهرة مما تقدم بيانه، ولم يذكر (عليه السلام) حاجته صريحا ms2284 ~~على حد ما تقدم من أدعية آدم ونوح وموسى ويونس (عليهما السلام) هضما لنفسه ~~واستحقارا لأمره، وأدعية الأنبياء كما تقدم ويأتي خالية عن التصريح بالحاجة ~~إذا كان مما يرجع إلى أمور الدنيا وإن كانوا لا يريدون شيئا من ذلك اتباعا ~~لهوى أنفسهم. # وبوجه آخر ذكره السبب الباعث إلى المسألة كمس الضر والصفة الموجودة في ~~المسئول المطمعة للسائل في المسألة ككونه تعالى أرحم الراحمين، والسكوت عن ~~ذكر نفس الحاجة، أبلغ كناية عن أن الحاجة لا تحتاج إلى ذكر فإن ذكرها يوهم ~~أن الأسباب المذكورة ليست بكافية في إثارة رحمة من هو أرحم الراحمين بل ~~يحتاج إلى تأييد بالذكر وتفهيم باللفظ. # ومن ذلك ما حكاه عن زكريا (عليه السلام): حيث قال: "ذكر رحمة ربك عبده ~~زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ~~ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب ~~لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا": "مريم: 6". # إنما حثه على هذا الدعاء ورغبه في أن يستوهب ولدا من ربه ما شاهده من أمر ~~مريم ابنة عمران في زهدها وعبادتها، وما أكرمها الله سبحانه به من أدب ~~العبودية، وخصها به من كرامة الرزق من عنده على ما يقصه الله تعالى في سورة ~~آل عمران قال تعالى: "وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعاء": "آل عمران: 38". # فغشيه شوق شديد إلى ولد طيب صالح يرثه ويعبد ربه عبادة مرضية كما ورثت ~~مريم عمران وبلغت جهدها في عبادة ربها ونالت منه الكرامة غير أنه وجد نفسه ~~وقد نال منه الشيب، وانهدت منه القوى، وكذلك امرأته وقد كانت عاقرة في سني ~~ولادتها فأدركته من حسرة الحرمان من نعمة الولد الطيب الرضي ms2285 ما الله أعلم ~~به، لكن لم يملك نفسه مما هاج فيه من الغيرة الإلهية والاعتزاز بربه دون أن ~~رجع إلى ربه وذكر له ما يثور به الرحمة والحنان من حاله أنه لم يزل عالقا ~~على باب العبودية والمسألة منذ حداثة سنه حتى وهن عظمه واشتعل رأسه شيبا، ~~ولم يكن بدعائه شقيا، وقد وجده سبحانه سميع الدعاء فليسمع دعاءه وليهب له ~~وارثا رضيا. # والدليل على ما ذكرنا أنه إنما سأل ما سأل بما ملك نفسه من هيجان الوجد ~~والحزن ما حكاه الله تعالى عنه بعد ما أوحي إليه بالاستجابة بقوله: "قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا، قال كذلك قال ~~ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا": "مريم: 9" فإنه ظاهر في أنه ~~(عليه السلام) لما سمع الاستجابة صحا عن حاله وأخذ يتعجب من غرابة المسألة ~~والإجابة حتى سأل ربه عن ذلك في صورة الاستبعاد وسأل لنفسه عليه آية فأجيب ~~إليها أيضا. # وكيف كان فالذي استعمله (عليه السلام) في دعائه من الأدب هو ما ساقه إليه ~~حال الوجد والحزن الذي ملكه، ولذلك قدم على دعائه بيان ما بلغ به الحال في ~~سبيل ربه فقد صرف دهره في سلوك سبيل الإنابة والمسألة حتى وقف موقفا يرق له ~~قلب كل ناظر رحيم ثم سأل الولد وعلله بأن ربه سميع الدعاء. # فهذا معنى ما ذكره مقدمة لمسألته لا أنه كان يمتن بطول عبوديته على ربه - ~~حاشا مقام النبوة - فمعنى قوله على ما في سورة آل عمران: "رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة إنك سميع الدعاء" أني أسألك ما أسألك لا لأن لطول عبوديتي - وهو ~~دعاؤه المديد - قدرا عندك أو فيه منه عليك بل لأني أسألك، وقد وجدتك سميعا ~~لدعاء عبادك ومجيبا لدعوة السائلين المضطرين، وقد اضطرني خوف الموالي من ~~ورائي، والحث الشديد لذرية طيبة يعبدك أن أسألك. # وقد تقدم أن من الأدب الذي استعمله في دعائه أن ألحق تخوف الموالي قوله: ~~"واجعله رب ms2286 رضيا" والرضي وإن كان طبعه يدل بهيئته على ثبوت الرضا لموصوفه، ~~والرضا يشمل بإطلاقه رضى الله ورضى زكريا ورضى يحيى لكن قوله في آية آل ~~عمران: "ذرية طيبة" يدل على أن المراد بكونه رضيا كونه مرضيا عند زكريا لأن ~~الذرية إنما تكون طيبة لصاحبها لا غير. PageV06P158 # ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المسيح حين سأل المائدة بقوله: "قال عيسى ~~بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا ~~وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين": "المائدة: 141". # القصة المذكورة في كلامه تعالى في سؤال الحواريين عيسى (عليه السلام) ~~نزول مائدة من السماء عليهم تدل بسياقه أن هذه المسألة كانت من الأسئلة ~~الشاقة على عيسى (عليه السلام) لأن ما حكي عنهم من قولهم له: "يا عيسى بن ~~مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" كان أولا مشتملا بظاهره ~~على الاستفهام عن قدرة الله سبحانه، ولا يوافق ذلك أدب العبودية وإن كان ~~حاق مرادهم السؤال عن المصلحة دون أصل القدرة فإن حزازة اللفظ على حالها. # وكان ثانيا متضمنا لاقتراح آية جديدة مع أن آياته (عليه السلام) الباهرة ~~كانت قد أحاطت بهم من كل جهة فكانت نفسه الشريفة آية، وتكلمه في المهد آية، ~~وإحياؤه الموتى وخلقه الطير وإبراؤه الأكمه والأبرص وإخباره عن المغيبات ~~وعلمه بالتوراة والإنجيل والكتاب والحكمة آيات إلهية لا تدع لشاك شكا ولا ~~لمرتاب ريبا فاختيارهم آية لأنفسهم وسؤالهم إياه كان بظاهره كالعبث بآيات ~~الله واللعب بجانبه، ولذلك وبخهم بقوله: "اتقوا الله إن كنتم مؤمنين". # لكنهم أصروا على ذلك ووجهوا مسألتهم بقولهم: "نريد أن نأكل منها وتطمئن ~~قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين" وألجئوه إلى السؤال فسأل. # أصلح (عليه السلام) بأدبه الموهوب من جانب الله سبحانه ما اقترحوه من ~~السؤال بما يصلح به أن يقدم إلى حضرة العزة والكبرياء فعنونه أولا بعنوان ~~أن يكون عيدا لهم يختصون هو وأمته به فإنها آية اقتراحية عديمة النظير بين ~~آيات الأنبياء (عليهم السلام) حيث ms2287 كانت آياتهم إنما تنزل لإتمام الحجة أو ~~لحاجة الأمة إلى نزولها، وهذه الآية لم تكن على شيء من هاتين الصفتين. # ثم أجمل ثانيا ما فصله الحواريون من فوائد نزولها من اطمئنان قلوبهم بها ~~وعلمهم بصدقه (عليه السلام) وشهادتهم عليها، في قوله: "وآية منك". # ثم ذكر ثالثا ما ذكروه من عرض الأكل وأخره وإن كانوا قدموه في قولهم: ~~"نريد أن نأكل منها، إلخ" وألبسه لباسا آخر أوفق بأدب الحضور فقال: ~~"وارزقنا" ثم ذيله بقوله: "وأنت خير الرازقين" ليكون تأييدا للسؤال بوجه، ~~وثناء له تعالى من وجه آخر. # وقد صدر مسألته بندائه تعالى: "اللهم ربنا" فزاد على ما يوجد في سائر ~~أدعية الأنبياء (عليهم السلام) من قولهم "رب" أو "ربنا" لأن الموقف صعب كما ~~تقدم بيانه. # ومنه مشافهته (عليه السلام) ربه المحكية بقوله تعالى: "وإذ قال الله يا ~~عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما ~~يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم": "المائدة: 181". # تأدب (عليه السلام) في كلامه أولا بأن صدره بتنزيهه تعالى عما لا يليق ~~بقدس ساحته كما جرى عليه كلامه تعالى قال: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه": "الأنبياء: 26". # وثانيا بأن أخذ نفسه أدون وأخفض من أن يتوهم في حقه أن يقول مثل هذا ~~القول حتى يحتاج إلى أن ينفيه، ولذلك لم يقل من أول مقالته إلى آخرها: "ما ~~قلت" أو "ما فعلت" وإنما نفى ذلك مرة بعد مرة على طريق الكناية وتحت الستر ~~فقال: "ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" فنفاه بنفي سببه أي لم يكن لي حق ~~في ذلك ms2288 حتى يسعني أن أتفوه بمثل ذاك القول العظيم، ثم قال: "إن كنت قلته ~~فقد علمته"، إلخ" فنفاه بنفي لازمه أي إن كنت قلته كان لازم ذلك أن تعلمه ~~لأن علمك أحاط بي وبجميع الغيوب. # ثم قال: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم" فنفاه ~~بإيراد ما يناقضه مورده على طريق الحصر بما وإلا أي إني قلت لهم قولا ولكنه ~~هو الذي أمرتني به وهو أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكيف يمكن أن أقول لهم مع ~~ذلك أن اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟. PageV06P159 # ثم قال: "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" ~~وهو نفي منه (عليه السلام) لذلك كالمتمم لقوله: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني ~~به" "إلخ" وذلك لأن معناه: ما قلت لهم شيئا مما ينسب إلي والذي قلت لهم ~~إنما قلته عن أمر منك، وهو "أن اعبدوا الله ربي وربكم" ولم يتوجه إلى أمر ~~فيما سوى ذلك، ولا مساس بهم إلا الشهادة والرقوب لأعمالهم ما دمت، فلما ~~توفيتني انقطعت عنهم، وكنت أنت الرقيب عليهم بشهادتك الدائم العام قبل أن ~~توفيتني وبعده وعليهم وعلى كل شيء غيرهم. # وإذ قد بلغ الكلام هذا المبلغ توجه له (عليه السلام) أن ينفي ذلك القول ~~عن نفسه بوجه آخر متمم للوجوه التي ذكرها، وبه يحصل تمام النفي فقال: "إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك، "إلخ" يقول - على ما يؤيده السياق - وإذا كان الأمر ~~على ما ذكرت فأنا بمعزل منهم وهم بمعزل مني فأنت وعبادك هؤلاء إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك، وللسيد الرب أن يعذب عبيده بمخالفتهم وإشراكهم به وهم مستحقون ~~للعذاب، وإن تغفر لهم فلا عتب عليك لأنك عزيز غير مغلوب وحكيم لا يفعل ~~الفعل السفهي اللغو، وإنما يفعل ما هو الأصلح. # وبما بينا يظهر وجوه لطيفة من أدب العبودية في كلامه (عليه السلام) ولم ~~يورد جملة في كلامه إلا وقد مزجها بأحسن الثناء بأبلغ بيان وأصدق لسان. # ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن نبيه ms2289 محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ~~ألحق به في ذلك المؤمنين من أمته فقال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين": "البقرة: 268". # كلامه تعالى - كما ترى - يحكي إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالقرآن الكريم فيما اشتمل عليه من أصول المعارف، وفيما اشتمل عليه من ~~الأحكام الإلهية جميعا، ثم يلحق به (صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين من ~~أمته دون المعاصرين الحاضرين عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم فحسب، بل ~~المؤمنين من جميع الأمة على ما هو ظاهر السياق. # ولازم ذلك أن يكون ما ذكر فيه من إقرار أو ثناء أو دعاء بالنسبة إلى ~~بعضهم محكيا عن لسان حالهم، وإن أمكن أن يكون ذلك مما قاله آخرون بلسان ~~قالهم، أو يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائل ذلك مشافها ربه ~~عن نفسه الشريفة وعن المؤمنين لأنهم بإيمانهم من فروع شجرة نفسه الطيبة ~~المباركة. # والآيتان تشتملان على ما هو كالمقايسة والموازنة بين أهل الكتاب وبين ~~مؤمني هذه الأمة من حيث تلقيهم ما أنزل إليهم في كتاب، الله وإن شئت قلت: ~~من حيث تأدبهم بأدب العبودية تجاه الكتاب النازل إليهم، فإنه ظاهر ما أثنى ~~الله سبحانه على هؤلاء وخفف الله عنهم في الآيتين بعين ما وبخ أولئك عليه ~~وعيرهم به في الآيات السابقة من سورة البقرة فقد ذم أهل الكتاب بالتفريق ~~بين ملائكة الله فأبغضوا جبريل وأحبوا غيره، وبين كتب الله المنزلة فكفروا ~~بالقرآن وآمنوا بغيره، وبين رسل الله فآمنوا بموسى أو به وبعيسى وكفروا ~~بمحمد (صلى ms2290 الله عليه وآله وسلم)، وبين أحكامه فآمنوا ببعض ما في كتاب الله ~~وكفروا ببعض، والمؤمنون من هذه الأمة آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا ~~نفرق بين أحد من رسله. # فقد تأدبوا مع ربهم بالتسليم لما أحقه الله من المعارف الملقاة إليهم ثم ~~تأدبوا بالتلبية لما ندب الله إليه من أحكامه إذ قالوا: "سمعنا وأطعنا" لا ~~كقول اليهود: "سمعنا وعصينا" ثم تأدبوا فعدوا أنفسهم عبادا مملوكين لربهم ~~لا يملكون منه شيئا ولا يمتنون عليه بإيمانهم وطاعتهم فقالوا: "غفرانك ~~ربنا" لا كما قالت اليهود: "سيغفر لنا" وقالت: "إن الله فقير ونحن أغنياء" ~~وقالت: "لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" إلى غير ذلك من هفواتهم. PageV06P160 # ثم قال الله سبحانه: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت" فإن التكليف الإلهي يتبع بحسب طبعه الفطرة التي فطر الناس عليها، ~~ومن المعلوم أن الفطرة التي هي نوع الخلقة لا تدعو إلا إلى ما جهزت به، وفي ~~ذلك سعادة الحياة البتة. # نعم لو كان الأمر على ضرب من الأهمية القاضية بزيادة الاهتمام به، أو خرج ~~العبد المأمور عن حكم الفطرة وزي العبودية جاز بحكم آخر من قبل الفطرة أن ~~يوجه المولى أو كل من بيده الأمر إليه من الحكم ما هو خارج عن سعته ~~المعتادة كان يأمره بالاحتياط بمجرد الشك، واجتناب النسيان والخطإ إذا اشتد ~~الاهتمام بالأمر، نظير وجوب الاحتياط في الدماء والفروج والأموال في الشرع ~~الإسلامي، أو يحمل عليه الكلفة ويزيد في التضييق عليه كلما زاد في اللجاج ~~وألح في المسألة كما أخبر الله بنظائر ذلك في بني إسرائيل. # وكيف كان فقوله: "لا يكلف الله نفسا" إما ذيل كلام النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والمؤمنون، وإنما قالوه تقدمة لقولهم: "ربنا لا تؤاخذنا، إلخ" ~~ليجري مجرى الثناء عليه تعالى ودفعا لما يتوهم أن الله سبحانه يؤاخذ بما ~~فوق الطاقة ويكلف بالحرجي من الحكم فيندفع بأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ~~وأن الذي سألوه بقولهم: "ربنا لا تؤاخذنا، إلخ" إنما هو ms2291 الأحكام بعناوين ~~ثانوية ناشئة من قبل الحكم أو من قبل المكلفين بالعناد لا من قبله تعالى. # وإما كلام له تعالى موضوع بين فقرتين من دعائم المحكي في كلامه أعني ~~قولهم: "غفرانك ربنا إلخ" وقولهم: "ربنا لا تؤاخذنا، إلخ" ليفيد ما مر من ~~الفائدة ويكون تأديبا وتعليما لهم منه تعالى فيكون جاريا مجرى كلامهم لأنهم ~~مؤمنون بما أنزل الله، وهو منه، وعلى أي حال فهو مما يعتمد عليه كلامهم، ~~ويتكىء عليه دعاؤهم. # ثم ذكر بقية دعائهم وإن شئت فقل: طائفة أخرى من مسائلهم: "ربنا لا ~~تؤاخذنا" إلخ "ربنا ولا تحمل علينا إصرا" إلخ "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به واعف عنا" وكان مرادهم به العفو عما صدر منهم من النسيان والخطإ ~~وسائر موجبات الحرج "واغفر لنا وارحمنا" في سائر ذنوبنا وخطيئاتنا ولا يلزم ~~من ذكر المغفرة هاهنا التكرار بالنظر إلى قولهم سابقا: "غفرانك ربنا" لأنها ~~كلمة حكيت عنهم لفائدة قياس حالهم وأدبهم مع ربهم على أهل الكتاب في ~~معاملتهم مع ربهم وبالنسبة إلى كتابهم المنزل إليهم، على أن مقام الدعاء لا ~~يمانع التكرار كسائر المقامات. # واشتمال هذا الدعاء على أدب العبودية في التمسك بذيل الربوبية مرة بعد ~~مرة والاعتراف بالمملوكية والولاية، والوقوف موقف الذلة ومسكنة العبودية ~~قبال رب العزة مما لا يحتاج إلى بيان. # وفي القرآن الكريم تأديبات إلهية وتعليمات عالية للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بأقسام من الثناء يثني بها على ربه أو المسألة التي يسأله بها ~~كما في قوله تعالى: "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء" إلى آخر ~~الآيتين: "آل عمران: 26" وقوله تعالى: "قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك": "الزمر: 46" وقوله تعالى: "قل الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى": "النمل: 59" وقوله تعالى: "قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله" إلخ: "الأنعام: 126، وقوله تعالى: "وقل رب زدني ~~علما": طه: 141" وقوله: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين" إلخ: "المؤمنون: ~~97" إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة جدا. # ويجمعها ms2292 جميعا أنها تشتمل على أدب بارع أدب الله به رسوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وندب هو إليه أمته. # 7 - رعايتهم الأدب عن ربهم فيما حاوروا قومهم، وهذا أيضا باب واسع وهو ~~ملحق بالأدب في الثناء على الله سبحانه، وهو من جهة أخرى من أبواب التبليغ ~~العملي الذي لا يقصر أو يزيد أثرا على التبليغ القولي. PageV06P161 # وفي القرآن من ذلك شيء كثير قال تعالى في محاورة جرت بين نوح وقومه: "قالوا ~~يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال ~~إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون": "هود: 34" ~~ينفي (عليه السلام) عن نفسه ما نسبوا إليه من إتيان الآية ليعجزوه به، ~~وينسبه إلى ربه ويبالغ في الأدب بقوله: "إن شاء" ثم بقوله "وما أنتم ~~بمعجزين" أي لله، ولذلك نسبه إليه تعالى بلفظ "الله" دون لفظ "ربي" لأن ~~الله هو الذي ينتهي إليه كل جمال وجلال، ولم يكتف بنفي القدرة على إتيان ~~الآية عن نفسه وإثباته حتى ثناه بنفي نفع نصحه لهم إن لم يرد الله أن ~~ينتفعوا به فأكمل بذلك نفي القدرة عن نفسه وإثباته لربه، وعلل ذلك بقوله: ~~"هو ربكم وإليه ترجعون". # فهذه محاورة غاصة بالأدب الجميل في جنب الله سبحانه حاور بها نوح (عليه ~~السلام) الطغاة من قومه محاجا لهم، وهو أول نبي من الأنبياء (عليهم السلام) ~~فتح باب الاحتجاج في الدعوة إلى التوحيد، وانتهض على الوثنية على ما يذكره ~~القرآن الشريف. # وهذا أوسع هذه الأبواب مسرحا لنظر الباحث في أدب الأنبياء (عليهم السلام) ~~يعثر على لطائف من سيرتهم المملوءة أدبا وكمالا فإن جميع أقوالهم وأفعالهم ~~وحركاتهم وسكناتهم مبنية على أساس المراقبة والحضور العبودي، وإن كانت ~~صورتها صورة عمل من غاب عن ربه وغاب عنه ربه سبحانه قال تعالى: "ومن عنده ~~لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون": ~~الأنبياء: ms2293 20". # وقد حكى الله تعالى في كلامه محاورات كثيرة عن هود وصالح وإبراهيم وموسى ~~وشعيب ويوسف وسليمان وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم من ~~الأنبياء (عليهم السلام) في حالات لهم مختلفة كالشدة والرخاء والحرب والسلم ~~والإعلان والإسرار والتبشير والإنذار وغير ذلك. # تدبر في قوله تعالى: "فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدي": "طه: 86" يذكر موسى (عليه السلام) إذ رجع إلى قومه وقد ~~امتلأ غيظا وحنقا لا يصرفه ذلك عن رعاية الأدب في ذكر ربه. # وقوله تعالى: "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت ~~لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون": "يوسف: 23" ~~وقوله تعالى: "قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا ~~تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين": "يوسف: 92" يذكر يوسف ~~في خلإ المراودة الذي يملك من الإنسان كل عقل ويبطل عنده كل حزم لا يشغله ~~ذلك عن التقوى ثم عن رعاية الأدب في ذكر ربه ومع غيره. # وقوله تعالى: "فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم": "النمل: 40" ~~وهذا سليمان (عليه السلام) وقد أوتي من عظيم الملك ونافذ الأمر وعجيب ~~القدرة أن أمر بإحضار عرش ملكة سبإ من سبإ إلى فلسطين فأحضر في أقل من طرفة ~~عين فلم يأخذه كبر النفس وخيلاؤها، ولم ينس ربه ولم يمكث دون أن أثنى على ~~ربه في ملئه بأحسن الثناء. # وليقس ذلك إلى ما ذكره الله من قصة نمرود مع إبراهيم (عليه السلام) إذ ~~قال: "ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ~~إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت": "البقرة: 285" وقد قال ~~ذلك إذ أحضر رجلين من السجن فأمر بقتل أحدهما وإطلاق الآخر. ms2294 # أو إلى ما ذكره فرعون مصر إذ قال كما حكاه الله: "يا قوم أليس لي ملك مصر ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ~~ولا يكاد يبين، فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب": "الزخرف: 53" يباهي بملك ~~مصر وأنهاره ومقدار من الذهب كان يملكه هو وملؤه ولا يلبث دون أن يقول كما ~~حكى الله: "أنا ربكم الأعلى" وهو الذي كانت تستذله آيات موسى يوما بعد يوم ~~من طوفان وجراد وقمل وضفادع وغير ذلك. PageV06P162 # وقوله تعالى: "إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا": ~~"التوبة: 40" وقوله: "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - إلى أن قال - ~~فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير": "التحريم: 3" ~~فلم يهزهزه (صلى الله عليه وآله وسلم) شدة الأمر والهول والفزع في يوم ~~الخوف أن يذكر أن ربه معه ولم تنجذب نفسه الشريفة إلى ما كان يهدده من ~~الأمر، وكذا ما أسر به إلى بعض أزواجه في الخلوة في اشتماله على رعاية ~~الأدب في ذكر ربه. # وعلى وتيرة هذه النماذج المنقولة تجري سائر ما وقع في قصصهم (عليهم ~~السلام) في القرآن الكريم من الأدب الرائع والسنن الشريفة، ولو لا أن ~~الكلام قد طال بنا في هذه الأبحاث لاستقصينا قصصهم وأشبعنا فيها البحث. # 8 - أدب الأنبياء (عليهم السلام) مع الناس في معاشرتهم ومحاورتهم، مظاهر ~~هذا القسم هي الاحتجاجات المنقولة عنهم في القرآن مع الكفار، والمحاورات ~~التي حاوروا بها المؤمنين منهم، ثم شيء يسير من سيرتهم المنقولة. # أما الأدب في القول فإنك لا تجد فيما حكي من شذرات أقوالهم مع العتاة ~~والجهلة أن يخاطبوهم بشيء مما يسوؤهم أو شتم أو أهانة وإزراء وقد نال منهم ~~المخالفون بالشتم والطعن والاستهزاء والسخرية كل منال فلم يجيبوهم إلا ~~بأحسن القول وأنصح الوعظ معرضين عنهم بسلام وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. # قال تعالى: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه - يعني قوم نوح - ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا ms2295 وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون": "هود: 28". # وقال تعالى حكاية عن عاد قوم هود: "إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ~~قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه": "هود: 55" ~~يريدون باعتراء بعض آلهتهم إياه بسوء ابتلائه (عليه السلام) بمثل جنون أو ~~سفاهة ونحو ذلك. # وقال تعالى حكاية عن آزر: "قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم ~~تنته لأرجمنك واهجرني مليا، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا": "مريم: 47". # وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب (عليه السلام): "قال الملأ الذين كفروا من ~~قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين، قال يا قوم ليس بي سفاهة ~~ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين": ~~"الأعراف: 68". # وقال تعالى: "قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما - إلى أن قال - قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون": "الشعراء: 28". # وقال تعالى حكاية عن قوم مريم: "قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا، يا أخت ~~هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا" "إلخ": ~~"مريم: 30". # وقال تعالى يسلي نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رموه به من الكهانة ~~والجنون والشعر: "فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون، قل تربصوا فإني معكم من المتربصين": "الطور: 31". # وقال: "وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا": "الفرقان: 9". # إلى غير ذلك من أنواع الشتم والرمي والإهانة التي حكي عنهم في القرآن، ~~ولم ينقل عن ms2296 الأنبياء (عليهم السلام) أن يقابلوهم بخشونة أو بذاء بل بالقول ~~الصواب والمنطق الحسن اللين اتباعا للتعليم الإلهي الذي لقنهم خير القول ~~وجميل الأدب قال تعالى خطابا لموسى وهارون (عليهما السلام): "اذهبا إلى ~~فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى": "طه: 44" وقال ~~لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا": "الإسراء: 28". PageV06P163 # ومن أدبهم في المحاورة والخطاب أنهم كانوا ينزلون أنفسهم منزلة الناس ~~فيكلمون كل طبقة من طبقاتهم على قدر منزلته من الفهم، وهذا ظاهر بالتدبر ~~فيما حكي من محاوراتهم الناس على اختلافهم المنقولة عن نوح فمن بعده، وقد ~~روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنا معاشر الأنبياء ~~أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم". # وليعلم أن البعثة بالنبوة إنما بنيت على أساس الهداية إلى الحق وبيانه ~~والانتصار له فعليهم أن يتجهزوا بالحق في دعوتهم، وينخلعوا عن الباطل ~~ويتقوا شبكات الضلال أيا ما كانت سواء وافق ذلك رضى الناس أو سخطهم، ~~واستعقب طوعهم أو كرههم ولقد ورد منه تعالى أشد النهي في ذلك لأنبيائه ~~وأبلغ التحذير حتى عن اتباع الباطل قولا وفعلا بغرض نصرة الحق فإن الباطل ~~باطل سواء وقع في طريق الحق أو لم يقع، والدعوة إلى الحق لا يجامع تجويز ~~الباطل ولو في طريق الحق والحق الذي يهدي إليه الباطل وينتجه ليس بحق من ~~جميع جهاته. # ولذلك قال تعالى: "وما كنت متخذ المضلين عضدا": "الكهف: 51" وقال: "ولو ~~لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا": "الإسراء: 75" فلا مساهلة ولا ملابسة ~~ولا مداهنة في حق ولا حرمة لباطل. # ولذلك جهز الله سبحانه رجال دعوته وأولياء دينه وهم الأنبياء (عليهم ~~السلام) بما يسهل لهم الطريق إلى اتباع الحق ونصرته، قال تعالى: "ما كان ~~على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر ~~الله قدرا ms2297 مقدورا، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا ~~الله وكفى بالله حسيبا": "الأحزاب: 39" فأخبر أنهم لا يتحرجون فيما فرض ~~الله لهم ويخشونه ولا يخشون أحدا غيره فليس أي مانع من إظهارهم الحق ولو ~~بلغ بهم أي مبلغ وأوردهم أي مورد. # ثم وعدهم النصر فيما انتهضوا له فقال: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون": "الصافات: 137" ~~وقال: "إنا لننصر رسلنا": "المؤمن: 51". # ولذلك نجدهم فيما حكي عنهم لا يبالون شيئا في إظهار الحق وقول الصدق وإن ~~لم يرتضه الناس واستمروه في مذاقهم، قال تعالى حاكيا عن نوح يخاطب قومه: ~~"ولكني أراكم قوما تجهلون": "هود: 29" وقال عن قول هود: "إن أنتم إلا ~~مفترون": "هود: 50" وقوله لقومه: "قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ~~أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان": ~~"الأعراف: 71"، وقال تعالى يحكي عن لوط: "بل أنتم قوم مسرفون": "الأعراف: ~~81" وحكى عن إبراهيم من قوله لقومه: "أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون": "الأنبياء: 67" وحكى عن موسى في جواب قول فرعون له: "إني لأظنك يا ~~موسى مسحورا، قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ~~وإني لأظنك يا فرعون مثبورا": "الإسراء: 120" أي ممنوعا من الإيمان بالحق ~~مطرودا هالكا، إلى غير ذلك من الموارد. # فهذه كلها من رعاية الأدب في جنب الحق واتباعه، ولا مطلوب أعز منه ولا ~~بغية أشرف منه وأغلى، وإن كان في بعضها ما ينافي الأدب الدائر بين الناس ~~لابتناء حياتهم على اتباع جانب الهوى والسلوك إلى أمتعة الحياة بمداهنة ~~المبطلين والخضوع والتملق إلى المفسدين والمترفين سياسة في العمل. # وجملة الأمر أن الأدب كما تقدم في أول هذه المباحث إنما يتأتى في القول ~~السائغ والعمل الصالح، ويختلف حينئذ باختلاف مسالك الحياة في المجتمعات ~~والآراء والعقائد التي تتمكن فيها وتتشكل هي عنها، والدعوة الإلهية التي ~~تستند إليها المجتمع الديني إنما تتبع الحق في الاعتقاد والعمل، والحق لا ~~يخالط الباطل ولا يمازجه ولا يستند إليه ms2298 ولا يعتضد به فلا محيص عن إظهاره ~~واتباعه، والأدب الذي يتأتى فيه أن يسلك في طريق الحق أحسن المسالك ويتزيى ~~فيه بأظرف الأزياء كاختيار لين القول إذا صح أن يتكلم بلينة وخشونة، ~~واختيار الاستعجال في الخبر إذا أمكن فيه كل من المسارعة والتبطي. PageV06P164 # وهذا هو الذي يأمر به في قوله تعالى: "وكتبنا له - أي لموسى - في الألواح ~~من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها": ~~"الأعراف: 154" وبشر عباده الآخذين به في قوله: "فبشر عباد، الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": ~~"الزمر: 18" فلا أدب في باطل ولا أدب في ممزوج من حق وباطل فإن الخارج من ~~صريح الحق ضلال لا يرتضيه ولي الحق وقد قال: "فما ذا بعد الحق إلا الضلال": ~~"يونس: 32". # وهذا هو الذي دعا أنبياء الحق إلى صراحة القول وصدق اللهجة وإن كان ذلك ~~في بعض الموارد مما لا يرتضيه سنة المداهنة والتساهل والأدب الكاذب الدائر ~~في المجتمعات غير الدينية. # ومن أدبهم مع الناس في معاشرتهم وسيرتهم فيهم احترام الضعفاء والأقوياء ~~على حد سواء والإكثار والمبالغة في حق أهل العلم والتقوى منهم فإنهم لما ~~بنوا على أساس العبودية وتربية النفس الإنسانية تفرع عليه تسوية الحكم في ~~الغني والفقير والصغير والكبير والرجل والمرأة والمولى والعبد والحاكم ~~والمحكوم والأمير والمأمور والسلطان والرعية، وعند ذلك لغا تمايز الصفات، ~~واختصاص الأقوياء بمزايا اجتماعية، وبطل تقسم الوجدان والفقدان والحرمان ~~والتنعم والسعادة والشقاء بين صفتي الغنى والفقر والقوة والضعف، وأن للقوي ~~والغني من كل مكانة أعلاها، ومن كل عيشة أنعمها، ومن كل مجاهدة أروحها ~~وأسهلها، ومن كل وظيفة أخفها بل كان الناس في ذلك شرعا سواء، قال: "يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم": "الحجرات: 13" وتبدل استكبار الأقوياء بقوتهم ومباهاة ~~الأغنياء بغنيتهم تواضعا للحق ومسارعة إلى المغفرة والرحمة، وتسابقا في ~~الخيرات وجهادا في سبيل الله وابتغاء لمرضاته. # واحترم حينئذ للفقراء كما للأغنياء، وتؤدب ms2299 مع الضعفاء كما مع الأغنياء بل ~~اختص هؤلاء بمزيد شفقة ورأفة ورحمة، قال تعالى يؤدب نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا": "الكهف: 28" وقال تعالى: "ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين": "الأنعام: 52"، وقال: ~~"لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك ~~للمؤمنين، وقل إني أنا النذير المبين": "الحجر: 89". # ويشتمل على هذا الأدب الجميل ما حكاه الله من محاورة بين نوح (عليه ~~السلام) وقومه إذ قال: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا ~~من فضل بل نظنكم كاذبين، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني ~~رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، ويا قوم لا أسألكم ~~عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ~~ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون - أي في تحقيركم أمر الفقير الضعيف - ويا قوم ~~من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون، ولا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك - أي لا أدعي شيئا يميزني منكم بمزية إلا ~~أني رسول إليكم - ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله ~~أعلم بما في أنفسهم - أي من الخير والسعادة اللذين يرجيان منهم - إني إذا ~~لمن الظالمين": "هود: 31". PageV06P165 # ونظيره في نفي التمييز قول شعيب لقومه على ما حكاه الله: "وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب": "هود: 88"، وقال الله تعالى يعرف رسوله (صلى ~~الله عليه وآله ms2300 وسلم) للناس: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم": "التوبة: 182" وقال أيضا: "ومنهم الذين ~~يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~ورحمة للذين آمنوا منكم": "التوبة: 61" وقال أيضا: "وإنك لعلى خلق عظيم": ~~"القلم: 4" وقال أيضا وفيه جماع ما تقدم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين": ~~"الأنبياء: 170". # وهذه الآيات وإن كانت بحسب المعنى المطابقي ناظرة إلى أخلاقه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) الحسنة دون أدبه الذي هو أمر وراء الخلق إلا أن نوع الأدب ~~- كما تقدم بيانه - يستفاد من نوع الخلق، على أن نفس الأدب من الأخلاق ~~الفرعية. ### |||| AUTO بحث روائي آخر # الآيات القرآنية التي يستفاد منها خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) الكريم ~~وأدبه الجميل أكثرها واردة في صورة الأمر والنهي، ولذلك رأينا أن نورد في ~~هذا المقام روايات من سننه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها مجامع أخلاقه ~~التي تلوح إلى أدبه الإلهي الجميل، وهي مع ذلك متأيدة بالآيات الشريفة ~~القرآنية. PageV06P166 # 1 - في معاني الأخبار، بطريق عن أبي هالة التميمي عن الحسن بن علي (عليهما ~~السلام) وبطريق آخر عن الرضا عن آبائه عن علي بن الحسين عن الحسن بن علي ~~(عليهما السلام)، وبطريق آخر عن رجل من ولد أبي هالة عن الحسن بن علي ~~(عليهما السلام): قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئا لعلي أتعلق به فقال: ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ ~~القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل ~~الشعر، إن تفرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفرة، ~~أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره ~~الغضب له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع ~~الفم، مفلج، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المشربة، كان عنقه ms2301 جيد دمية في صفاء ~~الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين ~~المنكبين، ضخم الكراديس، عريض الصدر، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة ~~والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين ~~والمنكبين وأعلى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، ~~سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، فسيح القدمين ينبو عنهما الماء، ~~إذا زال زال قلعا، يخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ~~ينحط في صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من ~~نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة يبدر من لقيه بالسلام. قال: فقلت له: صف ~~لي منطقه، فقال: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) متواصل ا - أحزان، دائم ~~الفكر ليس له راحة، طويل الصمت لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه ~~بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجافي ~~ولا بالمهين، يعظم عنده النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا غير أنه كان لا ~~يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضيه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم ~~يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا ~~تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، ~~وإذا غضب أعرض وانشاح، وإذا غضب غض طرفه جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب ~~الغمام:. قال الصدوق: إلى هنا رواية القاسم بن المنيع عن إسماعيل بن محمد ~~بن إسحاق بن جعفر بن محمد، والباقي رواية عبد الرحمن إلى آخره: قال الحسن ~~(عليه السلام): فكتمتها الحسين (عليه السلام) زمانا ثم حدثته به فوجدته قد ~~سبقني إليه فسألته عنه فوجدته قد سأل أباه (عليه السلام) عن مدخل النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا. قال ~~الحسين (عليه السلام) قد سألت أبي (عليه السلام) عن مدخل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال: كان دخوله في نفسه مأذونا له ms2302 في ذلك، فإذا آوى ~~إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزأ ~~جزءه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم منه ~~شيئا. وكان من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) في جزء الأمة إيثار أهل ~~الفضل بأدبه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو ~~الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من ~~مسألته عنهم، وبإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، ~~وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا ~~يقدر على إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا ~~يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة. ~~وسألته عن مخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف كان يصنع فيه؟ ~~فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخزن لسانه إلا عما كان ~~يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ~~ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل ~~الناس عن الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير ~~مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا، ولا يقصر عن الحق PageV06P167 ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ~~للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة. قال (عليه السلام) ~~فسألته عن مجلسه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: كان لا يجلس ولا يقوم إلا ~~على ذكر، لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ~~ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من ~~جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه صابرة حتى يكون هو المنصرف، من ~~سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه فصار ~~لهم أبا، وكانوا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس ms2303 حلم وحياء وصدق وأمانة، ولا ~~ترفع فيه الأصوات، ولا يؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته، متعادلين، ~~متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ~~ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. فقلت: كيف كانت سيرته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في جلسائه؟ فقال (عليه السلام): كان (صلى الله عليه وآله وسلم) دائم ~~البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا ~~عياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب منه مؤمليه، ~~قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: ~~كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلا فيما ~~رجى ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ~~ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث ~~أوليتهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على ~~الجفوة في مسألته ومنطقه حتى إن كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم ~~طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، ولا يقطع على ~~أحد كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام. قال: فسألته عن سكوت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (عليه السلام) كان سكوته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكير: فأما التقدير ~~ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع ~~له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: ~~أخذه بالحسن ليقتدي به، وتركه القبيح لينتهي عنه، واجتهاده الرأي في صلاح ~~أمته، والقيام فيما جمع له خير الدنيا والآخرة:. أقول: ورواه في مكارم ~~الأخلاق نقلا من كتاب محمد بن إسحاق بن إبراهيم الطالقاني بروايته عن ثقاته ~~عن الحسن والحسين (عليهما السلام) قال في البحار: والرواية من الأخبار ~~المشهورة روته العامة في أكثر كتبهم، انتهى. # وقد روي في معناها أو معنى بعض أجزائها روايات كثيرة عن ms2304 الصحابة. # قوله: "المربوع" الذي بين الطويل والقصير، والمشذب الطويل الذي لا كثير ~~لحم على بدنه، ورجل الشعر من باب علم فهو رجل بالفتح والسكون أي كان بين ~~السبط والجعد، والعقيقة الخصلة السبطة من الشعر، وأزهر اللون أي لونه مشرق ~~صاف، والأزج من الحاجب ما رق وطال، والسوابغ من الحاجب هي الواسعة، والقرن ~~بفتحتين اقتران ما بينها، والشمم ارتفاع قصبة الأنف مع حسن واستواء، وكث ~~اللحية المجتمع شعرها إذا كثف من غير طول، وسهل الخد مستوية من غير لحم ~~كثير، وضليع الفم أي وسيعه ويعد في الرجال من المحاسن، والمفلج من الفلجة ~~بفتحتين إذا تباعد ما بين قدميه أو يديه أو أسنانه، والأشنب أبيض الأسنان. # والمشربة الشعر وسط الصدر إلى البطن، والدمية بالضم الغزال، والمنكب ~~مجتمع رأس الكتف والعضد، والكراديس جمع كردوس وهو العظمان إذا التقيا في ~~مفصل، وأنور المتجرد كان المتجرد اسم فاعل من التجرد وهو التعري من لباس ~~ونحوه، والمراد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جميل الظاهر حسن الخلقة ~~في بدنه إذا تجرد عن اللباس. PageV06P168 # واللبة بالضم فالتشديد موضع القلادة من الصدر والسرة معروفة، والزند موصل ~~الذراع من الكف، ورحب الراحة أي وسيعها، والشثن بفتحتين الغلظ في القدمين ~~والكفين، وسبط القصب أي سهل العظام مسترسلها من غير نتو، أخمص القدم، ~~الموضع الذي لا يصل الأرض منها، والخمصان ضامر البطن فخمصان الأخمصين أي ~~كونهما ذا نتو وارتفاع بالغ من الأرض، والفسحة هي الوسعة، والقلع بفتحتين ~~القوة في المشي. # والتكفؤ في المشي الميد والتمايل فيه، وذريع المشية أي السريع فيها، ~~والصبب ما انحدر من الطريق أو الأرض، وخافض الطرف تفسيره ما بعده من قوله: ~~"نظره إلى الأرض" "إلخ". # والأشداق جمع شدق - بالكسر فالسكون - وهو زاوية الفم من باطن الخدين، ~~وافتتاح الكلام واختتامه بالأشداق كناية عن الفصاحة، يقال: تشدق أي لوى ~~شدقه للتفصح، والدمث من الدماثة وتفسيره ما بعده وهو قوله: "ليس بالجافي ~~ولا بالمهين" والذواق بالفتح ما يذاق من طعام، وانشاح من النشوح أي أعرض، ~~ويفتر عن مثل حب ms2305 الغمام افتر الرجل افترارا أي ضحك ضحكا حسنا، وحب الغمام ~~البرد، والمراد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضحك ضحكا حسنا يبدو به ~~أسنانه. # وقوله: "فيرد ذلك بالخاصة على العامة" "إلخ"، المراد أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وإن كان في جزئه الذي لنفسه خلا بنفسه عن الناس لكنه لا ينقطع ~~عنهم بالكلية بل يرتبط بواسطة خاصته بالناس فيجيبهم في مسائلهم ويقضي ~~حوائجهم، ولا يدخر عنهم من جزء نفسه شيئا، والرواد جمع رائد وهو الذي يتقدم ~~القوم أو القافلة يطلب لهم مرعى أو منزلا ونحو ذلك. # وقوله: "لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها" المراد بها المجالس أي لا ~~يعين لنفسه مجلسا خاصا بين الجلساء حذرا من التصدر والتقدم فقوله: "وإذا ~~انتهى" "إلخ"، كالمفسر له، ولا تؤبن فيه الحرم أي لا تعاب عنده حرمات ~~الناس، والأبنة بالضم العيب، والحرم بالضم فالفتح جمع حرمة. # وقوله: "ولا تثنى فلتاته" من التثنية بمعنى التكرار، والفلتات جمع فلتة ~~وهي العثرة أي إذا وقعت فيه فلتة من أحد جلسائه بينها لهم فراقبوا للتحذر ~~من الوقوع فيها ثانيا، والبشر بالكسر فالسكون بشاشة الوجه، والصخاب الشديد ~~الصياح. # وقوله: "حديثهم عنده حديث أوليتهم" الأولية جمع ولي، وكان المراد به ~~التالي التابع والمعنى أنهم كانوا يتكلمون واحدا بعد آخر بالتناوب من غير ~~أن يداخل أحدهم كلام الآخر أو يتوسطه أو يشاغبوا فيه، وقوله: "حتى إن كان ~~أصحابه يستجلبونهم" أي يريدون جلبهم عنه وتخليصه منهم. # وقوله: "ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء" أي في مقابل نعمة أنعمها على ~~أحدهم وهو الشكر الممدوح من كافأه بمعنى جازاه، أو من المكافاة بمعنى ~~المساواة أي ممن يثني بما يستحقه من الثناء على ما أنعم به من غير إطراء ~~وإغراق، وقوله: "ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز" أي يتعدى عن الحق فيقطعه ~~حينئذ بنهي أو قيام، والاستفزاز الاستخفاف والإزعاج. # 2 - وفي الإحياء،:: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح الناس منطقا ~~وأحلاهم إلى أن قال وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير ms2306 كأنه يتبع ~~بعضه بعضا، بين كلامه توقف يحفظه سامعه ويعيه، كان جهير الصوت أحسن الناس نغمة. # 3 - وفي التهذيب، بإسناده عن إسحاق بن جعفر عن أخيه موسى عن آبائه عن علي ~~(عليه السلام) قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: بعثت ~~بمكارم الأخلاق ومحاسنها. # 4 - وفي مكارم الأخلاق، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه ~~في وجهه. # 5 - وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه ~~السلام) يذكر أنه أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ملك فقال: إن ~~الله يخيرك أن تكون عبدا رسولا متواضعا أو ملكا رسولا. قال: فنظر إلى ~~جبرئيل وأومأ بيده أن تواضع فقال: عبدا رسولا متواضعا، فقال الرسول: مع أنه ~~لا ينقصك مما عند ربك شيئا، قال: ومعه مفاتيح خزائن الأرض. PageV06P169 # 6 - وفي نهج البلاغة، قال (عليه السلام): فتأس بنبيك الأطهر الأطيب إلى أن ~~قال قضم الدنيا، قضما ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدنيا كشحا، وأخمصهم من ~~الدنيا بطنا، عرضت عليه الدنيا عرضا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه ~~أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ~~وتعظيمنا لما صغر الله لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله، ولقد كان ~~رسول الله يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويركب الحمار ~~العاري ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته فيكون عليه التصاوير فيقول: ~~يا فلانة لإحدى أزواجه غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، ~~فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن يغيب زينتها عن عينه ~~لكيلا يتخذ منها رياشا، ولا يعتقدها قرارا، ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها ~~من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ~~ينظر إليه وأن يذكر عنده. # 7 - وفي الإحتجاج، عن موسى بن جعفر عن أبيه ms2307 عن آبائه عن الحسن بن علي عن ~~أبيه علي (عليه السلام) في خبر طويل: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي ~~حتى يبتل مصلاه خشية من الله عز وجل من غير جرم، الحديث. # 8 - وفي المناقب،: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي حتى يغشى عليه ~~فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون ~~عبدا شكورا؟ وكذلك كان غشيات علي بن أبي طالب وصيه في مقاماته. # أقول: بناء سؤال السائل على تقدير كون الغرض من العبادة هو الأمن من ~~العذاب وقد ورد: أنه عبادة العبيد، وبناء جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على كون الداعي هو الشكر لله سبحانه، وهو عبادة الكرام، وهو قسم آخر من ~~أقسام العبادة، وقد ورد في المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن ~~من العبادة ما تكون خوفا من العقاب وهو عبادة العبيد، ومنها ما تكون طمعا ~~في الثواب وهو عبادة التجار، ومنها ما تكون شكرا لله سبحانه، وفي بعض ~~الروايات حبا لله تعالى، وفي بعضها لأنه أهل له. # وقد استقصينا البحث في معنى الروايات في تفسير قوله تعالى: "وسيجزي الله ~~الشاكرين": "آل عمران: 144" في الجزء الرابع من الكتاب، وبينا هناك أن ~~الشكر لله في عبادته هو الإخلاص له، وأن الشاكرين هم المخلصون بفتح اللام ~~من عباد الله المعنيون بمثل قوله تعالى: "سبحان الله عما يصفون، إلا عباد ~~الله المخلصين": "الصافات: 106". # 9 - وفي إرشاد الديلمي،: أن إبراهيم (عليه السلام) كان يسمع منه في صلاته ~~أزيز كأزيز الوجل من خوف الله تعالى، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كذلك. # 10 - وفي تفسير أبي الفتوح، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزل قوله تعالى: ~~"اذكروا الله ذكرا كثيرا" اشتغل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذكر ~~الله حتى قال الكفار: إنه جن. # 11 - وفي الكافي، بإسناده عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوب ms2308 إلى الله في كل يوم ~~سبعين مرة، قلت: أكان يقول: أستغفر الله وأتوب إليه؟ قال: لا ولكن كان ~~يقول: أتوب إلى الله، قلت كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوب ~~ولا يعود، ونحن نتوب ونعود، قال: الله المستعان. # 12 - وفي مكارم الأخلاق، نقلا من كتاب النبوة عن علي (عليه السلام): أنه ~~كان إذا وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: قال: كان أجود ~~الناس كفا، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم ~~عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لم أر ~~قبله ولا بعده مثله، (صلى الله عليه وآله وسلم). # 13 - وفي الكافي، بإسناده عن عمر بن علي عن أبيه (عليه السلام) قال: كانت ~~من أيمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا وأستغفر الله. # 14 - وفي إحياء العلوم،: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا اشتد وجده ~~أكثر من مس لحيته الكريمة. PageV06P170 # 15 - وفيه،: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أسخى الناس لا يثبت عنده دينار ~~ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفجأ الليل لم يأو إلى منزله حتى ~~يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من ~~أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله. لا يسأل شيئا ~~إلا أعطاه ثم يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء ~~العام إن لم يأته شيء، قال: وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على ~~أصحابه، قال: ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، قال: لا يهوله شيء من أمور ~~الدنيا. قال: ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في ~~أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمة من غير أن يؤثرهم على ~~من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه. قال: وكان له ~~عبيد وإماء من غير أن يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، لا ms2309 يمضي له وقت من غير ~~عمل لله تعالى أو لما لا بد منه من صلاح نفسه، يخرج إلى بساتين أصحابه لا ~~يحتقر مسكينا لفقره أو زمانته، ولا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى ~~الله دعاء مستويا. # 16 - وفيه، قال: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أبعد الناس غضبا وأسرعهم ~~رضى، وكان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، وأنفع الناس للناس. # 17 - وفيه، قال: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سر ورضي فهو أحسن ~~الناس رضى، فإن وعظ وعظ بجد، وإن غضب ولا يغضب إلا لله لم يقم لغضبه شيء، ~~وكذلك كان في أموره كلها، وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى الله، وتبرأ ~~من الحول والقوة، واستنزل الهدى. # أقول: والتوكل على الله وتفويض الأمور إليه والتبري من الحول والقوة ~~واستنزال الهدى من الله يرجع بعضها إلى بعض وينشأ الجميع من أصل واحد، وهو ~~أن للأمور استنادا إلى الإرادة الإلهية الغالبة غير المغلوبة والقدرة ~~القاهرة غير المتناهية، وقد أطبق على الندب إلى ذلك الكتاب والسنة كقوله ~~تعالى: "وعلى الله فليتوكل المتوكلون": "إبراهيم: 12" وقوله: "وأفوض أمري ~~إلى الله": "المؤمن: 44" وقوله: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه": "الطلاق: ~~3" وقوله: "ألا له الخلق والأمر": "الأعراف: 54" وقوله: "وأن إلى ربك ~~المنتهى": "النجم: 42" إلى غير ذلك من الآيات، والروايات في هذه المعاني ~~فوق حد الإحصاء. # والتخلق بهذه الأخلاق والتأدب بهذه الآداب على أنه يجري بالإنسان مجرى ~~الحقائق ويطبق عمله على ما ينبغي أن ينطبق عليه من الواقع ويقره على دين ~~الفطرة فإن حقيقة الأمر هو رجوع الأمور بحسب الحقيقة إلى الله سبحانه كما ~~قال: "ألا إلى الله تصير الأمور": "الشورى: 53"، له فائدة قيمة هي أن اتكاء ~~الإنسان واعتماده على ربه - وهو يعرفه بقدرة غير متناهية وإرادة قاهرة غير ~~مغلوبة - يمد إرادته ويشيد أركان عزيمته فلا ينثلم عن كل مانع يبدو له، ولا ~~تنفسح عن كل تعب أو عناء يستقبله، ولا يزيلها كل تسويل نفساني ووسوسة ~~شيطانية تظهر لسره في صورة الخطورات الوهمية. # من ms2310 سننه وأدبه في العشرة # 18 - وفي إرشاد الديلمي، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرقع ~~ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد ويجلس على الأرض، ويركب ~~الحمار ويردف، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، ويصافح ~~الغني والفقير، ولا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها هو، ويسلم على من ~~استقبله من غني وفقير وكبير وصغير، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف ~~التمر. وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) خفيف المئونة، كريم الطبيعة، جميل ~~المعاشرة، طلق الوجه، بساما من غير ضحك، محزونا من غير عبوس، متواضعا من ~~غير مذلة، جوادا من غير سرف رقيق القلب، رحيما بكل مسلم، ولم يتجش من شبع ~~قط، ولم يمد يده إلى طمع قط. # 19 - وفي مكارم الأخلاق، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان ~~ينظر في المرآة ويرجل جمته ويتمشط، وربما نظر في الماء وسوى جمته فيه، ولقد ~~كان يتجمل لأصحابه فضلا على تجمله لأهله، وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل. PageV06P171 # 20 - وفي العلل، والعيون، والمجالس، بإسناده عن الرضا عن آبائه (عليهم ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خمس لا أدعهن حتى ~~الممات: الأكل على الأرض مع العبيد، وركوبي مؤكفا، وحلبي العنز بيدي، ولبس ~~الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي. # 21 - وفي الفقيه، عن علي (عليه السلام): أنه قال لرجل من بني سعد: ألا ~~أحدثك عني وعن فاطمة إلى أن قال فغدا علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ونحن في لحافنا فقال: السلام عليكم فسكتنا واستحيينا لمكاننا ثم قال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): السلام عليكم فسكتنا، ثم قال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ~~ذلك فيسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف فقلنا: وعليك السلام يا رسول الله ~~ادخل فدخل، الخبر. ms2311 # 22 - وفي الكافي، بإسناده عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسلم على النساء ~~ويرددن عليه السلام، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسلم على النساء ~~وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن، ويقول: أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل ~~علي أكثر مما أطلب من الأجر:. أقول: ورواه الصدوق مرسلا، وكذا سبط الطبرسي ~~في المشكاة، نقلا عن كتاب المحاسن. # 23 - وفيه، بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رفعه قال: كان ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجلس ثلاثا: القرفصاء وهو أن يقيم ساقيه ~~ويستقبلهما بيده، ويشد يده في ذراعه، وكان يجثو على ركبتيه، وكان يثني رجلا ~~واحدة ويبسط عليها الأخرى، ولم ير متربعا قط. # 24 - وفي المكارم، نقلا من كتاب النبوة عن علي (عليه السلام) قال: ما ~~صافح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحدا قط فنزع يده من يده حتى ~~يكون هو الذي ينزع يده، وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتى يكون ~~الرجل هو الذي ينصرف، وما نازعه أحد قط الحديث فيسكت حتى يكون هو الذي ~~يسكت، وما رئي مقدما رجله بين يدي جليس له قط. ولا خير بين أمرين إلا أخذ ~~بأشدهما، وما انتصر لنفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله فيكون حينئذ غضبه ~~لله تبارك وتعالى، وما أكل متكئا قط حتى فارق الدنيا، وما سئل شيئا قط فقال ~~لا، وما رد سائل حاجة قط إلا أتى بها أو بميسور من القول، وكان أخف الناس ~~صلاة في تمام، وكان أقصر الناس خطبة وأقلهم هذرا، وكان يعرف بالريح الطيب ~~إذا أقبل، وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ وآخر من يرفع يده، وكان ~~إذا أكل أكل مما يليه، فإذا كان الرطب والتمر جالت يده، وإذا شرب شرب ثلاثة ~~أنفاس، وكان يمص الماء مصا ولا يعبه عبا، وكان يمينه لطعامه وشرابه وأخذه ~~وعطائه فكان لا يأخذ إلا بيمينه، ولا يعطي ms2312 إلا بيمينه، وكان شماله لما سوى ~~ذلك من بدنه وكان يحب التيمن في جميع أموره في لبسه وتنعله وترجله. وكان ~~إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا تكلم تكلم وترا، وإذا استأذن استأذن ثلاثا، وكان ~~كلامه فصلا يتبينه كل من سمعه، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه، ~~وإذا رأيته قلت: أفلج وليس بأفلج. وكان نظره اللحظ بعينه، وكان لا يكلم ~~أحدا بشيء يكرهه، وكان إذا مشى كأنما ينحط في صبب، وكان يقول: إن خياركم ~~أحسنكم أخلاقا، وكان لا يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا يتنازع أصحاب الحديث ~~عنده، وكان المحدث عنه يقول: لم أر بعيني مثله قبله ولا بعده (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # 25 - وفي الكافي، بإسناده عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم لحظاته بين أصحابه ~~فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية. قال: ولم يبسط رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) رجليه بين أصحابه قط، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده من يده حتى يكون هو التارك فلما فطنوا ~~لذلك كان الرجل إذا صافحه مال بيده فنزعها من يده. # 26 - وفي المكارم، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا ~~حدث بحديث تبسم في حديثه. PageV06P172 # 27 - وفيه، عن يونس الشيباني قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف ~~مداعبة بعضكم بعضا؟ قلت: قليلا. قال: هلا تفعلوا؟ فإن المداعبة من حسن ~~الخلق، وإنك لتدخل بها السرور على أخيك، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يداعب الرجل يريد به أن يسره. # وفيه، عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الأخلاق، عن الصادق (عليه السلام) ~~قال: ما من مؤمن إلا وفيه دعابة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يداعب ولا يقول إلا حقا. # 29 - وفي الكافي، بإسناده عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن (عليه ~~السلام) فقلت: جعلت فداك الرجل يكون ms2313 مع القوم فيمضي بينهم كلام يمزحون ~~ويضحكون؟ فقال: لا بأس ما لم يكن، فظننت أنه عنى الفحش. ثم قال: إن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتيه الأعرابي فيأتي إليه بالهدية ثم ~~يقول مكانه: أعطنا ثمن هديتنا فيضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وكان إذا اغتم يقول: ما فعل الأعرابي ليته أتانا. # 30 - وفي الكافي، بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر ما يجلس تجاه القبلة. # 31 - وفي المكارم، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤتى ~~بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة فيضعه في حجره تكرمة لأهله، وربما بال ~~الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين يبول فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ~~تزرموا بالصبي حتى يقضي بوله ثم يفرغ له من دعائه أو تسميته، ويبلغ سرور ~~أهله فيه، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده. # 32 - وفيه، روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يدع أحدا ~~يمشي معه إذا كان راكبا حتى يحمله معه فإن أبى قال: تقدم أمامي وأدركني في ~~المكان الذي تريد. # 33 - وفيه، عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الأخلاق،: وجاء في الآثار: أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينتقم لنفسه من أحد قط بل كان يعفو ويصفح. # 34 - وفيه،: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا فقد الرجل من ~~إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائبا دعا له، وإن كان شاهدا زاره، وإن ~~كان مريضا عاده. # 35 - وفيه،: عن أنس قال: خدمت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تسع سنين ~~فما أعلم أنه قال لي قط: هلا فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط. # 36 - وفي الإحياء، قال: قال أنس: والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط ~~كرهه: لم فعلته؟ ولا لامني نساؤه إلا قال: دعوه إنما ms2314 كان هذا بكتاب وقدر. # 37 - وفيه، عن أنس: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدعوه أحد من ~~أصحابه وغيرهم إلا قال: لبيك. # 38 - وفيه، عنه: ولقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو أصحابه بكناهم ~~إكراما لهم واستمالة لقلوبهم، ويكني من لم يكن له كنية فكان يدعى بما كناه ~~به، ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن، ويكني الصبيان ~~فيستلين به قلوبهم. # 39 - وفيه،: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤثر الداخل عليه بالوسادة ~~التي تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل. # 40 - وفي الكافي، بإسناده عن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه ~~السلام) فجاء سائل فقام (عليه السلام) إلى مكيل فيه تمر فملأ يده فناوله، ~~ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده ~~فناوله، ثم جاء آخر فقال (عليه السلام): الله رازقنا وإياك. ثم قال: إن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلا ~~أعطاه فأرسلت إليه امرأة ابنا لها فقالت: انطلق إليه فاسأله فإن قال: ليس ~~عندنا شيء فقل: أعطني قميصك، قال: فأخذ قميصه فرمى به وفي نسخة أخرى فأعطاه ~~فأدبه الله على القصد فقال: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - ولا تبسطها كل ~~البسط فتقعد ملوما محسورا". 41 - وفيه، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأكل الهدية ولا ~~يأكل الصدقة. # 42 - وفيه، عن موسى بن عمران بن بزيع قال: قلت للرضا (عليه السلام): جعلت ~~فداك إن الناس رووا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا أخذ في ~~طريق رجع في غيره! كذا كان؟ قال: فقال نعم فأنا أفعله كثيرا فافعله، ثم قال ~~لي: أما إنه أرزق لك. PageV06P173 # 43 - وفي الإقبال، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج بعد طلوع الشمس. # 44 - وفي الكافي، ms2315 بإسناده عن عبد الله بن المغيرة عمن ذكره قال: كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس إليه حين ~~يدخل: أقول: ورواه سبط الطبرسي في المشكاة، نقلا عن المحاسن، وغيره. # 45 - ومن سننه وآدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في التنظف والزينة ما في ~~المكارم، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا غسل رأسه ~~ولحيته غسلهما بالسدر. # 46 - وفي الجعفريات، بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرجل شعره، وأكثر ما ~~كان يرجل بالماء، ويقول: كفى بالماء طيبا للمؤمن. # 47 - وفي الفقيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم، وإنا نحن نجز الشوارب ونعفي اللحى. # 48 - وفي الكافي، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من السنة ~~تقليم الأظفار. # 49 - وفي الفقيه،: روي: من السنة دفن الشعر والظفر والدم. # 50 - وفيه، بإسناده عن محمد بن مسلم: أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن ~~الخضاب فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يختضب، وهذا شعره عندنا. # 51 - وفي المكارم،: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلي فيطليه ~~من يطلي حتى إذا بلغ ما تحت الإزار تولاه بنفسه. # 52 - وفي الفقيه،: قال علي (عليه السلام): نتف الإبط ينفي الرائحة ~~الكريهة وهو طهور وسنة مما أمر به الطيب (عليه السلام). # 53 - وفي المكارم،: كان له (صلى الله عليه وآله وسلم) مكحلة يكتحل بها في ~~كل ليلة وكان كحله الإثمد. # 54 - وفي الكافي، بإسناده عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: من سنن المرسلين السواك. # 55 - وفي الفقيه، بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: ~~والسواك مرضاة الله وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومطهرة للفم. # أقول: والأخبار في استنانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسواك من طرق ~~الفريقين كثيرة جدا. # 56 ms2316 - وفي الفقيه،: قال الصادق (عليه السلام): أربع من أخلاق الأنبياء: ~~التطيب والتنظيف بالموسى وحلق الجسد بالنورة وكثرة الطروقة. # 57 - وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ممسكة إذا هو توضأ ~~أخذها بيده وهي رطبة فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # 58 - وفي المكارم،: كان لا يعرض له طيب إلا تطيب، ويقول: هو طيب ريحه ~~خفيف محمله، وإن لم يتطيب وضع إصبعه في ذلك الطيب ثم لعق منه. # 59 - وفيه،: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يستجمر بالعود القماري. # 60 - وفي ذخيرة المعاد،: وكان أي المسك أحب الطيب إليه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # 61 - وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق الطويل العطار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينفق في الطيب أكثر ~~مما ينفق في الطعام. # 62 - وفيه، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): الطيب في الشارب من أخلاق النبيين وكرامة ~~للكاتبين. # 63 - وفيه، بإسناده عن السكن الخزاز قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: حق على كل محتلم في كل جمعة أخذ شاربه وأظفاره ومس شيء من ~~الطيب، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان يوم الجمعة ولم ~~يكن عنده طيب دعا ببعض خمر نسائه فبلها في الماء ثم وضعها على وجهه. # 64 - وفي الفقيه، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتى بطيب يوم ~~الفطر بدأ بنسائه. # 65 - وفي المكارم،: وكان يدهن (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصناف من ~~الدهن، قال وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يدهن بالبنفسج ويقول: هو أفضل ~~الأدهان. # 66 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في السفر ما في الفقيه، ~~بإسناده عن عبد الله بن سنان عن ms2317 أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يسافر يوم الخميس. PageV06P174 # أقول: وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. # 67 - وفي أمان الأخطار، ومصباح الزائر، قال: ذكر صاحب كتاب عوارف ~~المعارف: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سافر حمل معه خمسة ~~أشياء: المرآة والمكحلة والمذرى والسواك، قال: وفي رواية أخرى: والمقراض:. ~~أقول: ورواه في المكارم والجعفريات. # 68 - وفي المكارم، عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذا مشى مشى مشيا يعرف أنه ليس بعاجز ولا كسلان. # 69 - وفي الفقيه، بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفره إذا هبط هلل ~~وإذا صعد كبر. # 70 - وفي لب اللباب، للقطب: عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه لم ~~يرتحل من منزل إلا وصلى فيه ركعتين، وقال: حتى يشهد علي بالصلاة. # 71 - وفي الفقيه، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ودع ~~المؤمنين قال: زودكم الله التقوى، ووجهكم إلى كل خير، وقضى لكم كل حاجة، ~~وسلم لكم دينكم ودنياكم، وردكم سالمين إلي غانمين. # أقول: والروايات في دعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الوداع مختلفة ~~لكنها على اختلافها متفقة في الدعاء بالسلامة والغنيمة. # 72 - وفي الجعفريات، بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول للقادم من مكة: ~~تقبل الله نسكك، وغفر ذنبك، وأخلف عليك نفقتك. PageV06P175 # 73 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الملابس وما يتعلق بها ما في ~~الإحياء،: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يلبس من الثياب ما وجد من إزار أو ~~رداء، أو قميص أو جبة أو غير ذلك، وكان يعجبه الثياب الخضر، وكان أكثر ~~ثيابه البياض، ويقول: ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم. وكان يلبس ~~القباء المحشو للحرب وغير الحرب، وكان له قباء سندس فيلبسه فيحسن خضرته ms2318 على ~~بياض لونه، وكانت ثيابه كلها مشمرة فوق الكعبين، ويكون الإزار فوق ذلك إلى ~~نصف الساق وكان قميصه مشدود الإزار وربما حل الإزار في الصلاة وغيرها. ~~وكانت له ملحفة مصبوغة بالزعفران، وربما صلى بالناس فيها وحدها، وربما لبس ~~الكساء وحده ليس عليه غيره، وكان له كساء ملبد يلبسه ويقول: إنما أنا عبد ~~ألبس كما يلبس العبد، وكان له ثوبان لجمعته خاصة سوى ثيابه في غير الجمعة، ~~وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفيه بين كتفيه، وربما أم ~~به الناس على الجنائز، وربما صلى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به ~~محالفا بين طرفيه ويكون ذلك الإزر الذي جامع فيه يومئذ، وكان ربما صلى ~~بالليل في الإزار ويرتدي ببعض الثوب مما يلي هدبه، ويلقي البقية على بعض ~~نسائه فيصلي كذلك. ولقد كان له كساء أسود فوهبه فقالت له أم سلمة، بأبي أنت ~~وأمي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: كسوته. فقالت: ما رأيت شيئا قط كان ~~أحسن من بياضك على سواده وقال أنس: وربما رأيته يصلي بنا الظهر في شمله ~~عاقدا بين طرفيها، وكان يتختم، وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يتذكر ~~بها الشيء، وكان يختم به على الكتب ويقول: الخاتم على الكتاب خير من ~~التهمة. وكان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير عمامة، وربما نزع قلنسوته من ~~رأسه فجعلها سترة بين يديه ثم يصلي إليها، وربما لم تكن العمامة فيشد ~~العصابة على رأسه وعلى جبهته، وكانت له عمامة تسمى السحاب فوهبها من علي ~~فربما طلع علي فيها فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): أتاكم علي في السحاب. ~~وكان إذا لبس ثوبا لبسه من قبل ميامنه ويقول: الحمد لله الذي كساني ما ~~أواري به عورتي وأتجمل به في الناس، وإذا نزع ثوبه أخرجه من مياسره، وكان ~~إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا ثم يقول: ما من مسلم يكسو مسلما من ~~سمل ثيابه، لا يكسوه إلا لله إلا كان في ضمان الله وحرزه وخيره ما واراه ~~حيا وميتا. وكان له ms2319 فراش من أدم حشوه ليف طوله ذراعان أو نحوه وعرضه ذراع ~~وشبر أو نحوه، وكانت له عباءة تفرش له حيثما تنقل تثنى طاقين تحته، وكان ~~ينام على الحصير ليس تحته شيء غيره. وكان من خلقه تسمية دوابه وسلاحه ~~ومتاعه وكان اسم رايته العقاب، وسيفه الذي يشهد به الحروب ذا الفقار، وكان ~~له سيف يقال له: المخذم، وآخر يقال له: الرسوب، وآخر يقال له القضيب، وكانت ~~قبضة سيفه محلاة بالفضة، وكان يلبس المنطقة من الأدم فيها ثلاث حلق من فضة، ~~وكان اسم قوسه الكتوم وجعبته الكافور، وكان اسم ناقته العضباء، واسم بغلته ~~الدلدل، وكان اسم حماره يعفور، واسم شاته التي يشرب لبنها عينة. وكان له ~~مطهرة من فخار يتوضأ فيها ويشرب منها فيرسل الناس أولادهم الصغار الذين قد ~~عقلوا فيدخلون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يدفعون عنه، ~~فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه ومسحوا على وجوههم وأجسادهم يبتغون ~~بذلك البركة. # 74 - وفي الجعفريات، عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يلبس من القلانس المضربة إلى أن ~~قال وكان له درع يقال له ذات الفضول وكانت له ثلاث حلقات من فضة، بين يديها ~~واحدة واثنتان من خلفها، الخبر. # 75 - وفي العوالي،: روي: أنه كان له (صلى الله عليه وآله وسلم) عمامة ~~سوداء يتعمم بها ويصلي فيها. # أقول: وروي أن عمامته (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت ثلاث أكوار أو خمسا. # 76 - وفي الخصال، بإسناده عن علي في الحديث الأربعمائة قال: البسوا ~~الثياب القطن فإنها لباس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن يلبس ~~الشعر والصوف إلا من علة:. أقول: ورواه الصدوق أيضا مرسلا، ورواه الصفواني ~~في كتاب التعريف، ويتبين بهذا معنى ما مر من لبسه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) الصوف وأنه لا منافاة. PageV06P176 # 77 - وفي الفقيه، بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عن أبيه (عليه ~~السلام) قال: كانت لرسول الله (صلى ms2320 الله عليه وآله وسلم) عنزة في أسفلها ~~عكاز يتوكأ عليها ويخرجها في العيدين يصلي إليها:. أقول: ورواه في ~~الجعفريات،. # 78 - وفي الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان خاتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ورق. # 79 - وفيه، بإسناده عن أبي خديجة قال: قال: الفص مدور، وقال: هكذا كان ~~خاتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # 80 - وفي الخصال، بإسناده عن عبد الرحيم بن أبي البلاد عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتمان: ~~أحدهما عليه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، والآخر: صدق الله. # 81 - وفيه، بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) ~~في حديث: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين والحسن ~~والحسين والأئمة (عليهم السلام) كانوا يتختمون في اليمين. # 82 - وفي المكارم، عن الصادق عن علي (عليه السلام) قال: لبس الأنبياء ~~القميص قبل السراويل:. أقول: ورواه في الجعفريات، وفي المعاني السابقة ~~أخبار أخر كثيرة. # 83 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسكنه وما يتعلق به ما في ~~كتاب التحصين، لابن فهد قال: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما ~~وضع لبنة على لبنة. # 84 - وفي لب اللباب، قال: قال (عليه السلام): المساجد مجالس الأنبياء. # 85 - وفي الكافي، بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج في الصيف من البيت خرج يوم ~~الخميس، وإذا أراد أن يدخل في الشتاء من البرد دخل يوم الجمعة:. أقول: ~~ورواه أيضا في الخصال مرسلا. # 86 - وعن كتاب العدد القوية، للشيخ علي بن الحسن بن المطهر أخ العلامة ~~رحمهما الله عن خديجة رضي الله عنها قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذا دخل المنزل دعا بالإناء فتطهر للصلاة ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز ~~فيهما ثم يأوي إلى فراشه. # 87 - وفي ms2321 الكافي، بإسناده عن عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: ما بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عدوا قط. # 88 - وفي المكارم،: كان فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عباءة، ~~وكانت مرفقته من أدم حشوها ليف فثنيت ذات ليلة فلما أصبح قال: لقد منعتني ~~الليلة الفراش الصلاة فأمر أن يجعل له بطاق واحد، وكان له فراش من أدم حشوه ~~ليف، وكانت له عباءة تفرش له حيثما انتقل، وتثنى ثنتين. # 89 - وفيه،: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما استيقظ رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من نوم قط إلا خر لله ساجدا. # 90 -: ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المناكح والأولاد ما في ~~رسالة المحكم والمتشابة، للمرتضى بإسناده إلى تفسير النعماني عن علي (عليه ~~السلام) قال: إن جماعة من الصحابة كانوا قد حرموا على أنفسهم النساء ~~والإفطار بالنهار والنوم بالليل فأخبرت أم سلمة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فخرج إلى أصحابه فقال: أترغبون عن النساء؟ فإني آتي النساء وآكل ~~بالنهار وأنام بالليل فمن رغب عن سنتي فليس مني، الخبر. # أقول: وهذا المعنى مروي في كتب الفريقين بطرق كثيرة. # 91 - وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: من أخلاق الأنبياء حب النساء. # 92 - وفيه، بإسناده عن بكار بن كردم وغير واحد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): جعل قرة عيني في ~~الصلاة ولذتي في النساء. # أقول: ويقرب منه ما روي بطرق أخرى. # 93 - وفي الفقيه،: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن ~~يتزوج بامرأة بعث إليها من ينظر إليها، الخبر. # 94 - وفي تفسير العياشي،: عن الحسين بن بنت إلياس قال: سمعت أبا الحسن ~~الرضا (عليه السلام) يقول: إن الله جعل الليل سكنا، وجعل النساء سكنا، ومن ~~السنة التزويج بالليل وإطعام الطعام. PageV06P177 # 95 - وفي الخصال، بإسناده عن علي (عليه ms2322 السلام) في حديث الأربعمائة قال: ~~عقوا عن أولادكم يوم السابع، وتصدقوا بوزن شعورهم فضة على مسلم، وكذلك فعل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحسن والحسين وسائر أولاده. # 96 -: ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأطعمة والأشربة وما ~~يتعلق بالمائدة ما في الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم وغيره عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: ما كان شيء أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من أن يظل جائعا خائفا في الله. # 97 - وفي الإحتجاج، بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عن الحسين بن علي ~~(عليهما السلام) في حديث طويل: في أسئلة اليهودي الشامي عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) إلى أن قال قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان زاهدا!، ~~قال له علي (عليه السلام): كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أزهد ~~الأنبياء كان له ثلاث عشرة نسوة سوى من يطيف به من الإماء ما رفعت له مائدة ~~قط وعليها طعام، وما أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير قط ثلاث ليال ~~متواليات. # 98 - وفي أمالي الصدوق، عن العيص بن القاسم قال: قلت للصادق (عليه ~~السلام): حديث يروى عن أبيك: أنه قال: ما شبع رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من خبز بر قط أهو صحيح؟ فقال: لا ما أكل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) خبز بر قط ولا شبع من خبز شعير قط. # 99 - وفي الدعوات، للقطب قال: وروي ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) متكئا إلا مرة ثم جلس فقال: اللهم إني عبدك ورسولك. # أقول: وروى هذا المعنى الكليني والشيخ بطرق كثيرة والصدوق والبرقي ~~والحسين بن سعيد في كتاب الزهد. # 100 - وفي الكافي، بإسناده عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متكئا منذ بعثه الله حتى ~~قبض كان يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد. قلت: ولم؟ قال تواضعا ms2323 لله عز وجل. # 110 - وفيه، بإسناده عن أبي خديجة قال: سأل بشير الدهان عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) وأنا حاضر فقال: هل كان يأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) متكئا على يمينه وعلى يساره؟ فقال: ما كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يأكل متكئا على يمينه ولا على يساره، ولكن يجلس جلسة العبد، ~~قلت: ولم ذاك؟ قال: تواضعا لله عز وجل. # 120 - وفيه، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، وكان ~~يأكل على الحضيض وينام على الحضيض. # 130 - وفي الإحياء،: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جلس يأكل جمع بين ~~ركبتيه وبين قدميه كما يجلس المصلي إلا أن الركبة فوق الركبة والقدم فوق ~~القدم، ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد. # 140 - وفي كتاب التعريف، للصفواني عن علي (عليه السلام): كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قعد على المائدة قعد قعدة العبد، وكان يتكىء ~~عن فخذه الأيسر. # 150 - وفي المكارم،: عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يجلس على الأرض، ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك. # 160 - وفي المحاسن، بإسناده عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يلعق أصابعه إذا أكل. # 170 - وفي الإحتجاج، نقلا من كتاب مواليد الصادقين قال: كان النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يأكل كل الأصناف من الطعام، وكان يأكل ما أحل الله له ~~مع أهله وخدمه إذا أكلوا ومع من يدعوه من المسلمين على الأكل، وعلى ما ~~أكلوا عليه وما أكلوا إلا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه إلى أن قال وكان ~~أحب الطعام إليه ما كان على ضفف. # أقول: قوله: "وعلى ما أكلوا عليه" يريد أمثال المائدة والصحفة، وقوله: ~~"وما أكلوا" ما موصولة أو توقيتية، وقوله: "إلا أن ms2324 ينزل، إلخ" استثناء من ~~قوله: "مع أهله وخدمه" و"الضفف" كثرة العيال ونحوها، والضفة بالفتح ~~الجماعة. # 180 - وفي الكافي، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أكل مع القوم طعاما كان ~~أول من يضع يده وآخر من يرفعها ليأكل القوم. PageV06P178 # 190 - وفي الكافي، بإسناده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عشاء النبيين بعد العتمة فلا تدعوا ~~العشاء فإن ترك العشاء خراب البدن. # 101 - وفي الكافي، بإسناده عن عنبسة بن نجاد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: ما قدم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طعام فيه تمر ~~إلا بدأ بالتمر. # 111 - وفي الكافي، وصحيفة الرضا، بإسناده عن آبائه (عليهم السلام) قال: ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أكل التمر يطرح النوى على ظهر ~~كفه ثم يقذف به. # 121 - وفي الإقبال، نقلا من الجزء الثاني من تاريخ النيسابوري، في ترجمة ~~الحسن بن بشر بإسناده قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمد ~~الله بين كل لقمتين. # 131 - وفي الكافي، بإسناده عن وهب بن عبد ربه قال: رأيت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يتخلل فنظرت إليه فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يتخلل، وهو يطيب الفم. # 141 - وفي المكارم، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان إذا شرب ~~بدأ فسمى إلى أن قال: ويمص الماء مصا ولا يعبه عبا، ويقول: إن الكباد من العب. # 151 - وفي الجعفريات، عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) ~~قال: تفقدت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مرة، وهو إذا شرب تنفس ~~ثلاثا مع كل واحدة منها تسمية إذا شرب وتحميد إذا انقطع فسألته عن ذلك ~~فقال: يا علي شكرا لله تعالى بالحمد وتسمية من الداء. # 161 - وفي المكارم،: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتنفس في ms2325 الإناء ~~إذا شرب فإن أراد أن يتنفس أبعد الإناء عن فيه حتى يتنفس. # 171 - وفي الإحياء،: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أكل اللحم لم ~~يطأطىء رأسه إليه ويرفعه إلى فيه رفعا ثم ينهشه انتهاشا ثم قال: وكان إذا ~~أكل اللحم خاصة غسل يديه غسلا جيدا ثم مسح بفضل الماء على وجهه. # 181 - وفي المكارم، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان يأكل ~~الأصناف من الطعام. # أقول: ثم ذكر الطبرسي أصنافا من الطعام كان (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يأكلها كالخبز واللحم على أقسامه والبطيخ والخربز والسكر والعنب والرمان ~~والتمر واللبن والهريسة والسمن والخل والهندباء والباذروج والكرنب. # وروي: أنه كان يحب التمر. # وروي أنه كان يعجبه العسل. # وروي أنه كان أحب الثمرات إليه الرمان. # 191 - وفي أمالي الطوسي، بإسناده عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان طعام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشعير إذا ~~وجده، وحلواه التمر، ووقوده السعف. # 102 - وفي المكارم، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان لا يأكل ~~الحار حتى يبرد ويقول: إن الله لم يطعمنا نارا إن الطعام الحار غير ذي ~~بركة. وكان إذا أكل سمى، ويأكل بثلاث أصابع، ومما يليه ولا يتناول من بين ~~يدي غيره، ويؤتى بالطعام فيشرع قبل القوم ثم يشرعون، وكان يأكل بأصابعه ~~الثلاث. الإبهام والتي تليها والوسطى وربما استعان بالرابعة، وكان يأكل ~~بكفه كلها، ولم يأكل بإصبعين، ويقول: إن الأكل بإصبعين هو أكل الشيطان، ~~ولقد جاء أصحابه يوما بفالوذج فأكل معهم وقال: مم هذا؟ فقالوا: نجعل السمن ~~والعسل فيأتي كما ترى فقال: إن هذا طعام طيب. وكان يأكل خبز الشعير غير ~~منخول وما أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير قط، ولا أكل على خوان حتى ~~مات، وكان يأكل البطيخ والعنب ويأكل الرطب ويطعم الشاة النوى، وكان لا يأكل ~~الثوم ولا البصل ولا الكراث ولا العسل الذي فيه المغافير، والمغافير ما ~~يبقى من الشجر في بطون النحل فيلقيه ms2326 في العسل فيبقى له ريح في الفم. وما ذم ~~طعاما قط. كان إذا أعجبه أكله، وإذا كرهه تركه ولا يحرمه على غيره، وكان ~~يلحس القصعة ويقول: آخر الصحفة أعظم الطعام بركة، وكان إذا فرغ لعق أصابعه ~~الثلاث التي أكل بها واحدة واحدة، وكان يغسل يده من الطعام حتى ينقيها، ~~وكان لا يأكل وحده. # أقول: قوله: "الإبهام والتي تليها والوسطى" من جميل أدب الراوي حيث لم ~~يقل: الإبهام والسبابة "إلخ" صونا له (صلى الله عليه وآله وسلم) عن إطلاق ~~السبابة على إصبعه الشريفة لما في اللفظ من الإيهام. PageV06P179 # والذي رواه من أكله (صلى الله عليه وآله وسلم) الفالوذج يخالف ما في ~~المحاسن مسندا عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرحبة في نفر من أصحابه إذ أهدي إليه خوان ~~فالوذج فقال لأصحابه: مدوا أيديكم فمدوا أيديهم ومد يده ثم قبضها وقال: إني ~~ذكرت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأكله فكرهت أكله. # 112 - وفي المكارم، قال: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يشرب في أقداح ~~القوارير التي يؤتى بها من الشام، ويشرب في الأقداح التي تتخذ من الخشب ~~والجلود والخزف:. أقول: وروي قريبا من صدره في الكافي، والمحاسن، وفيه: ~~ويعجبه أن يشرب في القدح الشامي وكان يقول: هي أنظف آنيتكم. # 122 - وفي المكارم، عن النبي: أنه كان يشرب بكفه يصب الماء فيها، ويقول: ~~ليس إناء أطيب من اليد. # 132 - وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: كان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يذبح يوم الأضحى كبشين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لم ~~يجد من أمته. # 142 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخلوة ما في شرح النفلية، ~~للشهيد الثاني عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه لم ير علي بول ولا غائط. # 152 - وفي الجعفريات، بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام) قال: إن رسول الله (صلى ms2327 الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يتخنع ~~غطى رأسه ثم دفنه، وإذا أراد يبزق فعل مثل ذلك، وكان إذا أراد الكنيف غطى رأسه. # أقول: واتخاذ الكنيف في العرب مما حدث بعد الإسلام، وكانوا قبل ذلك ~~يخرجون إلى البر على ما يستفاد من بعض الروايات. # 162 - وفي الكافي، بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثاني (عليه ~~السلام) قال: قلت له: إنا روينا الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يستنجي وخاتمه في إصبعه، وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وكان نقش خاتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): محمد رسول ~~الله؟ قال: صدقوا، قلت: فينبغي لنا أن نفعل، قال: إن أولئك كانوا يتختمون ~~في اليد اليمنى وإنكم أنتم تتختمون في اليسرى، الحديث. # أقول وروي قريب منه في الجعفريات، وفي المكارم، نقلا عن كتاب اللباس، ~~للعياشي عن الصادق (عليه السلام). # 172 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند المصائب والبلايا وفي ~~الأموات وما يتعلق بها ما في المكارم،: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذا رأى من جسمه بثرة أعاذ بالله واستكان له وجار إليه فيقال له: يا ~~رسول الله ما هو ببأس، فيقول: إن الله إذا أراد أن يعظم صغيرا عظم، وإذا ~~أراد أن يصغر عظيما صغر. # 182 - وفي الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السنة ~~أن يحمل السرير من جوانبه الأربع، وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع. # 192 - وفي قرب الإسناد، عن الحسين بن طريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن ~~أبيه: أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان جالسا ومعه أصحاب له فمر بجنازة ~~فقام بعض القوم ولم يقم الحسن (عليه السلام) فلما مضوا بها قال بعضهم: ألا ~~قمت عافاك الله فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم للجنازة ~~إذا مروا بها؟ فقال الحسن (عليه السلام): إنما قام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مرة واحدة، وذلك ms2328 أنه مر بجنازة يهودي وقد كان المكان ضيقا ~~فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكره أن يعلوا رأسه. # 103 - وفي دعوات القطب، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ~~أتبع جنازة غلبته كآبة، وأكثر حديث النفس، وأقل الكلام. # 113 - وفي الجعفريات، بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحثو ثلاث حثيات من ~~تراب على القبر. PageV06P180 # 123 - وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئا ~~لا يصنعه بأحد من المسلمين: كان إذا صلى بالهاشمي ونضح قبره بالماء وضع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفه على القبر حتى ترى أصابعه في ~~الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد علة ~~أثر كف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول: من مات من آل محمد؟ 133 ~~- وفي مسكن الفؤاد، للشهيد الثاني عن علي (عليه السلام): أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إذا عزى قال: آجركم الله ورحمكم، وإذا هنأ قال: بارك ~~الله لكم وبارك الله عليكم. # 143 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الوضوء والغسل ما في آيات ~~الأحكام، للقطب عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد فقال ~~عمر: يا رسول الله صنعت شيئا ما كنت صنعته، فقال: عمدا فعلته. # 153 - وفي الكافي، بإسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ~~ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقلنا: بلى فدعا ~~بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفه ~~اليمنى ثم قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة ثم غرف ملأها ماء فوضعها على ~~جبينه، ثم ms2329 قال: بسم الله وسدله على أطراف لحيته ثم أمر يده على وجهه وظاهر ~~جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثم وضعه على مرفقه ~~اليمنى فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ثم غرف بيمينه ~~ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف ~~أصابعه، ومسح مقدم رأسه وظاهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه. قال: وقال ~~أبو جعفر (عليه السلام): إن الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث ~~غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقي من ~~بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى. قال زرارة: ~~قال أبو جعفر (عليه السلام) سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن وضوء ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحكى له مثل ذلك. # أقول: وهذا المعنى مروي عن زرارة وبكير وغيرهما بطرق متعددة رواها ~~الكليني والصدوق والشيخ والعياشي والمفيد والكراجكي وغيرهم، وأخبار أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك مستفيضة تقرب من التواتر. # 163 - وفي الأمالي، لمفيد الدين الطوسي بإسناده عن أبي هريرة: أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا توضأ بدأ بميامنه. # 173 - وفي التهذيب، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن الوضوء فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوضأ ~~بمد من ماء ويغتسل بصاع:. أقول: وروي مثله عن أبي جعفر (عليه السلام) بطريق آخر. # 183 - وفي العيون، بإسناده عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) في حديث ~~طويل: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا أهل بيت لا تحل لنا ~~الصدقة، وأمرنا بإسباغ الطهور، ولا ننزي حمارا على عتيقة. # 193 - وفي التهذيب، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # 104 - وفيه، بإسناده عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ms2330 ~~السلام) يقول: كان رسول الله يغتسل بصاع، وإذا كان معه بعض نسائه يغتسل ~~بصاع ومد. # أقول: وروى هذا المعنى الكليني في الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عنه: ~~وفيه: يغتسلان جميعا من إناء واحد، وكذلك الشيخ بطريق آخر. # 114 - وفي الجعفريات، بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليه السلام) ~~قال: سأل الحسن بن محمد، جابر بن عبد الله عن غسل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال جابر: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يغرف على ~~رأسه ثلاث مرات فقال الحسن بن محمد: إن شعري كثير كما ترى فقال جابر: يا حر ~~لا تقل ذلك فشعر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أكثر وأطيب. PageV06P181 # 124 - وفي الهداية، للصدوق: قال الصادق (عليه السلام): غسل الجمعة سنة ~~واجبة على الرجال والنساء في السفر والحضر إلى أن قال وقال الصادق (عليه ~~السلام): غسل يوم الجمعة طهور وكفارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة إلى ~~الجمعة، قال: والعلة في غسل الجمعة أن الأنصار كانت تعمل لنواضحها وأموالها ~~فإذا كان يوم الجمعة حضروا المسجد فيتأذى الناس بأرياح آباطهم فأمر الله ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغسل فجرت به السنة. # أقول: وقد روي من سننه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغسل غسل يوم الفطر ~~والغسل في جميع الأعياد وأغسال أخر كثيرة ربما يأتي بعضها فيما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # 134 - ومن آدابه وسننه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة وما يلحق بها ~~ما في الكافي، بإسناده عن الفضيل بن يسار وعبد الملك وبكير قالوا: سمعنا ~~أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يصلي من التطوع مثلي الفريضة، ويصوم من التطوع مثلي الفريضة:. أقول: ورواه ~~الشيخ أيضا. # 144 - وفيه، بإسناده عن حنان قال: سأل عمرو بن حريث أبا عبد الله (عليه ~~السلام) وأنا جالس فقال: جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: كان النبي ms2331 (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي ثمان ~~ركعات الزوال، وأربعا الأولى، وثماني بعدها، وأربعا العصر، وثلاثا المغرب، ~~وأربعا بعد المغرب، والعشاء الآخرة أربعا، وثماني صلاة الليل، وثلاثا ~~الوتر، وركعتي الفجر، وصلاة الغداة ركعتين. قلت: جعلت فداك إن كنت أقوى على ~~أكثر من هذا يعذبني الله على كثرة الصلاة؟ فقال: لا ولكن يعذبك على ترك السنة. # أقول: ويظهر من الرواية أن الركعتين عن جلوس العشاء أعني العتمة ليستا من ~~الخمسين بل يتم بهما - محسوبتين بواحدة عن قيام - العدد إحدى وخمسين بل ~~إنما شرعت العتمة بدلا من الوتر لو نزل الموت قبل القيام إلى الوتر فقد روى ~~الكليني رحمه الله في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر قلت: تعني ~~الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم إنهما بركعة فمن صلاهما ثم حدث به ~~حدث مات على وتر فإن لم يحدث به حدث الموت يصلي الوتر في آخر الليل. فقلت: ~~هل صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هاتين الركعتين؟ قال: لا. قلت: ~~ولم؟ قال: لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتيه الوحي، وكان ~~يعلم أنه هل يموت في تلك الليلة أم لا؟ وغيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم ~~يصلهما وأمر بهما، الخبر. # ويمكن أن يكون المراد بقوله في الحديث: "لم يصلهما" أنه لم يداوم عليهما ~~بل ربما صلى وربما ترك كما يستفاد من بعض آخر من الأحاديث، فلا يعارض ما ~~ورد من أنه كان يصليهما. # 154 - وفي التهذيب، بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ~~يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يصلي من النهار شيئا حتى ~~تزول الشمس فإذا زالت قدر نصف إصبع صلى ثماني ركعات فإذا فاء الفيء ذراعا ~~صلى الظهر، ثم صلى بعد الظهر ركعتين، ويصلي قبل وقت العصر ركعتين، فإذا فاء ~~الفيء ذراعين صلى العصر، وصلى المغرب حين تغيب الشمس، فإذا غاب الشفق ms2332 دخل ~~وقت العشاء، وآخر وقت المغرب إياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء وآخر ~~وقت العشاء ثلث الليل. وكان لا يصلي بعد العشاء حتى ينتصف الليل ثم يصلي ~~ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ومنها ركعتا الفجر قبل الغداة، فإذا طلع الفجر ~~وأضاء صلى الغداة. # أقول: ولم يستوعب تمام نافلة العصر في الرواية، وهي معلومة من روايات أخر. PageV06P182 # 164 - وفيه، بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: وذكر صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه ويوضع سواكه تحت فراشه، ثم ~~ينام ما شاء الله فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء، ثم تلا الآيات من ~~آل عمران: "إن في خلق السماوات والأرض" الآيات، ثم يستن ويتطهر، ثم يقوم ~~إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، وسجوده على قدر ركوعه، ~~يركع حتى يقال: متى يرفع رأسه؟ ويسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه. ثم يعود إلى ~~فراشه فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات ويقلب بصره إلى ~~السماء، ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد فيصلي الأربع ركعات كما ركع قبل ~~ذلك. ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله ثم يستيقظ ويجلس ويتلو الآيات من ~~آل عمران ويقلب بصره في السماء، ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد فيوتر ~~ويصلي الركعتين ثم يخرج إلى الصلاة. # أقول: وروي هذا المعنى أيضا في الكافي، بطريقين. # 174 - وروي: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يوجز في نافلة الصبح ~~يصليهما عند أول الفجر ثم يخرج إلى الصلاة. # 184 - وفي المحاسن، بإسناده عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): أنه قال: من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله ربي وأتوب إليه ~~سبعين مرة، وواظب على ذلك حتى قضى سنة كتبه الله عنده من المستغفرين ~~بالأسحار. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر الله في الوتر ~~سبعين مرة، ويقول: ms2333 هذا مقام العائذ بك من النار سبعا، الخبر. # 194 - وفي الفقيه،: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في قنوت ~~الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، ~~وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، سبحانك رب ~~البيت، أستغفرك وأتوب إليك وأومن بك وأتوكل عليك، ولا حول ولا قوة إلا بك ~~يا رحيم. # 105 - وفي التهذيب، بإسناده عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاء شهر رمضان زاد في ~~الصلاة وأنا أزيد فزيدوا. # أقول: يعني (عليه السلام) بالزيادة الألف ركعة - التراويح - نوافل شهر ~~رمضان التي كان يصليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غير الخمسين ~~نوافل اليوم والليلة، وقد وردت في كيفيتها وتقسمها على ليالي شهر رمضان ~~أخبار كثيرة، وورد من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كان يصليها بغير جماعة، وينهى عن إتيانها بالجماعة، ~~ويقول: لا جماعة في نافلة. # وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلوات خاصة أخرى منقولة عنه في كتب ~~الأدعية تركنا ذكرها لخروجها عن غرضنا في هذا المقام، وكذلك له (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) سنن في الصلوات والأدعية والأوراد من أراد الوقوف عليها ~~فليراجع مظان ذكرها. # 115 - وفي الكافي، بإسناده عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت قال: إذن لا يكذب علينا إلى ~~أن قال قلت: وقال: إن وقت المغرب إذا غاب القرص إلا أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان إذا جد به السير أخر المغرب ويجمع بينها وبين العشاء، ~~فقال: صدق. # 125 - وفي التهذيب، بإسناده عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليه ~~السلام): أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في الليلة الممطرة يوجز ~~في المغرب ويعجل في العشاء يصليهما جميعا، ويقول: من لا يرحم لا يرحم. ms2334 # 135 - وفيه، بإسناده عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان في ~~سفر أو عجلت به الحاجة يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء الآخرة، الخبر. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة رواها الكليني والشيخ وابنه والشهيد ~~الأول رحمهم الله. # 145 - وفي الفقيه، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) أنه قال: كان المؤذن يأتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحر ~~في صلاة الظهر فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أبرد أبرد. PageV06P183 # أقول: قال الصدوق: يعني عجل عجل أخذ ذلك من البريد، والظاهر أن المراد به ~~التأخير ليزول شدة الحر كما يدل عليه ما في كتاب العلاء، عن محمد بن مسلم ~~قال: مر بي أبو جعفر (عليه السلام) بمسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأنا أصلي فلقيني بعد فقال: إياك أن تصلي الفريضة في تلك الساعة، ~~أتؤديها في شدة الحر؟ قلت: إني كنت أتنفل. # 155 - وفي الإحياء، قال: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجالس إليه ~~أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وأقبل عليه فقال، ألك حاجة؟ فإذا فرغ من حاجاته ~~عاد إلى صلاته. # 165 - وفي كتاب زهد النبي، لجعفر بن أحمد القمي قال: كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إذا قام إلى الصلاة تربد وجهه خوفا من الله، وكان لصدره أو ~~لجوفه أزيز كأزيز الوجل. # أقول: وروى هذا المعنى ابن الفهد وغيره أيضا. # 175 - وفيه، قال: وفي رواية أخرى: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ثوب ملقى. # 185 - وفي البحار، قال: قالت عائشة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه. # 195 - وفي المجالس، لمفيد الدين الطوسي بإسناده إلى علي (عليه السلام): ~~في كتابه إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر ms2335 إلى أن قال ثم انظر ركوعك ~~وسجودك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أتم الناس صلاة، ~~وأخفهم عملا فيها. # 106 - وفي الجعفريات، بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تثاءب في الصلاة ~~ردها بيده اليمنى. أقول: وروي في الدعائم مثله. # 116 - وفي العلل، بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى (عليه ~~السلام) في حديث قال: قلت له: لأي علة يقال في الركوع: سبحان ربي العظيم ~~وبحمده؟ ويقال في السجود: سبحان ربي الأعلى وبحمده؟ فقال: يا هشام إن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أسري به، وصلى وذكر ما رأى من عظمة ~~الله ارتعدت فرائصه وابترك على ركبتيه، وأخذ يقول: سبحان ربي العظيم ~~وبحمده، فلما اعتدل من ركوعه فإنما نظر إليه في موضع أعلى من ذلك خر على ~~وجهه وهو يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده فلما قالها سبع مرات سكن ذلك الرعب ~~فلذلك جرت به السنة. # 126 - في تنبيه الخواطر، للشيخ ورام بن أبي فراس عن النعمان قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح ~~حتى رأى أنا قد أغفلنا عنه ثم خرج يوما وقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا ~~بادئا صدره فقال: عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن بين وجوهكم. # 136 - وفيه، عن ابن مسعود قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، الخبر. # 146 - وفي الفقيه، بإسناده عن داود بن الحصين عن أبي العباس عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: اعتكف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر ~~رمضان في العشر الأول ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثم لم يزل ~~يعتكف في العشر الأواخر. # 156 - وفيه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كانت بدر في شهر رمضان ~~ولم يعتكف رسول الله (صلى الله ms2336 عليه وآله وسلم) فلما أن كان من قابل اعتكف ~~عشرين: عشرا لعامه، وعشرا قضاء لما فاته:. أقول: ورواه والذي قبله الكليني ~~في الكافي،. # 166 - وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل العشر الأواخر يعني ~~من شهر رمضان اعتكف في المسجد، وضربت له قبة من شعر، وشمر الميزر، وطوى ~~فراشه وقال بعضهم: واعتزل النساء؟ قال: أما اعتزال النساء فلا. # أقول: وهذا المعنى مروي في روايات كثيرة، والمراد من نفي الاعتزال - كما ~~ذكروه وتدل عليه الروايات - تجويز مخالطتهن ومعاشرتهن دون المجامعة. PageV06P184 # 176 - ومن آدابه وسننه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصيام ما في الفقيه، ~~بإسناده عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى ~~يقال: لا يصوم، ثم صام يوما وأفطر يوما، ثم صام الإثنين والخميس، ثم آل من ~~ذلك إلى صيام ثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أول الشهر، وأربعاء في وسط ~~الشهر، والخميس في آخر الشهر، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ذلك ~~صوم الدهر. وقد كان أبي (عليه السلام) يقول: ما من أحد أبغض إلى الله من ~~رجل يقال له: كان رسول الله يفعل كذا وكذا فيقول: لا يعذبني الله على أن ~~أجتهد في الصلاة والصوم كأنه يرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ترك شيئا من الفضل عجزا منه. # 186 - وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أول ما بعث يصوم حتى ~~يقال: ما يفطر ويفطر حتى يقال: ما يصوم، ثم ترك ذلك وصام يوما وأفطر يوما ~~وهو صوم داود، ثم ترك ذلك وصام الثلاثة الأيام الغر، ثم ترك ذلك وفرقها في ~~كل عشرة يوما: خميسين بينهما أربعاء فقبض (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~يعمل ذلك. ms2337 # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة مستفيضة. # 196 - وفيه، بإسناده عن عنبسة العابد قال: قبض النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على صيام شعبان ورمضان وثلاثة أيام من كل شهر. # 107 - وفي نوادر، أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن نعمان عن زرعة عن سماعة ~~قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم شعبان أصامه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)؟ قال: نعم ولم يصمه كله، قلت: كم أفطر منه؟ قال: ~~أفطر، فأعدتها وأعادها ثلاث مرات لا يزيدني على أن أفطر، ثم سألته في العام ~~القابل عن ذلك فأجابني بمثل ذلك الخبر. # 117 - وفي المكارم، عن أنس قال: كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) شربة يفطر عليها وشربة للسحر، وربما كانت واحدة وربما كانت لبنا، ~~وربما كانت الشربة خبزا يماث، الخبر. # 127 - وفي الكافي، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أول ما يفطر عليه في زمن ~~الرطب الرطب وفي زمن التمر التمر. # 137 - وفيه، بإسناده عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صام ولم يجد الحلواء أفطر على ~~الماء وفي بعض الروايات: أنه ربما أفطر على الزبيب. # 147 - وفي المقنعة، روي عن آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم ~~قالوا: يستحب السحور ولو بشربة من الماء، وروي أن أفضله التمر والسويق ~~لمكان استعمال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك. # أقول: وهذا في سننه الجارية، وكان من مختصاته صوم الوصال وهو الصوم أكثر ~~من يوم من غير فصل بالإفطار، وقد نهى (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمة عن ~~ذلك، وقال: إنكم لا تطيقون ذلك وإن لي عند ربي ما يطعمني ويسقين. # 157 - وفي المكارم، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه كان يأكل ~~الهريسة أكثر ما يأكل ويتسحر بها. # 167 - وفي الفقيه، قال: وكان رسول الله (صلى الله ms2338 عليه وآله وسلم) إذا ~~دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل. # 177 - وفي الدعائم، عن علي (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يطوي فراشه ويشد ميزره في العشر الأواخر من شهر رمضان، ~~وكان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين، وكان يرش وجوه النيام بالماء في تلك ~~الليلة، وكانت فاطمة (عليها السلام) لا تدع أحدا من أهلها ينام تلك الليلة ~~وتداويهم بقلة الطعام وتتأهب لها من النهار، وتقول: محروم من حرم خيرها. # 187 - وفي المقنع،: والسنة أن يفطر الرجل في الأضحى بعد الصلاة وفي الفطر ~~قبل الصلاة. # 197 - ومن آدابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في قراءة القرآن والدعاء ما ~~في مجالس الشيخ، بإسناده عن أبي الدنيا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحجزه عن قراءة القرآن ~~إلا الجنابة. # 108 - وفي مجمع البيان، عن أم سلمة: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يقطع قراءته آية آية. PageV06P185 # 118 - وفي تفسير أبي الفتوح،: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يرقد حتى ~~يقرأ المسبحات، ويقول: في هذه السور آية هي أفضل من ألف آية. قالوا: وما ~~المسبحات؟ قال: سورة الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن. # أقول: وروي هذا المعنى في مجمع البيان، عن العرباص بن سارية. # 128 - وفي درر اللئالي، لابن أبي جمهور عن جابر قال: كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لا ينام حتى يقرأ تبارك والم التنزيل. # 138 - وفي مجمع البيان،: وروى علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب هذه السورة: سبح اسم ربك الأعلى، ~~وأول من قال: "سبحان ربي الأعلى" ميكائيل. # أقول: وروي أول الحديث في البحار عن الدر المنثور، وهنا أخبار أخر في ما ~~كان يقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند تلاوة القرآن أو عند تلاوة سور أو ~~آيات مخصوصة، من أرادها فعليه بمظانها. # وله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب وبيانات يرغب ms2339 فيها ويحث على التمسك ~~بالقرآن والتدبر فيه، والاهتداء بهدايته، والاستنارة بنوره، وكان هو (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أولى الناس بما يندب إليه من الكمال وأسبق الناس ~~وأسرعهم إلى كل خير، وهو القائل - في الرواية المشهورة -: شيبتني سورة هود، ~~وقد روي عن ابن مسعود قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~أتلو عليه شيئا من القرآن فقرأت عليه من سورة يونس حتى إذا بلغت قوله ~~تعالى: "وردوا إلى الله مولاهم الحق" الآية رأيته وإذا الدمع تدور في عينيه ~~الكريمتين. # فهذه شذرات من آدابه وسننه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد استفاضت ~~الروايات وتكرر النقل في كثير منها في كتب الفريقين، والكلام الإلهي يؤيدها ~~ولا يدفع شيئا منها، والله الهادي. # كلام في الرق والاستعباد # قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك": "المائدة: 181 كلام منبىء عن معنى ~~الرق والعبودية، والآيات المتضمنة لهذا المعنى وإن كانت كثيرة في القرآن ~~الكريم غير أن هذه الآية مشتملة على التعليل العقلي الكاشف عن أنه لو كان ~~هناك عبد كان من المسلم عند العقل أن لمولاه أن يتصرف فيه بالعذاب لأنه ~~مولاه المالك له. # والعقل لا يحق الحكم بجواز التعذيب، وتسويغ التصرف الذي يشقه إلا بعد ~~حكمه بإباحة سائر التصرفات غير الشاقة فللمولى أن يتصرف في عبده كيف شاء ~~وبما شاء، وإنما استثنى العقل التصرفات التي يستهجنها بما أنها تصرفات ~~شنيعة مستهجنة لا بما أن العبد عبد. # ولازم ذلك أيضا أن على العبد أن يطيع مولاه فيما كلفه به وأن يتبعه فيما ~~أراد وليس له أن يستقل بشيء من العمل إن لم يرض به مولاه كما يشير إلى ذلك ~~بعض الإشارة قوله تعالى: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون": "الأنبياء: 27" وقوله تعالى: "ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون": ~~"النحل: 75". # واستقصاء البحث في جهات ما يراه القرآن الشريف في مسألة العبودية والرق ~~يتوقف على فصول: # 1 - اعتبار ms2340 العبودية لله سبحانه: # في القرآن الكريم آيات كثيرة جدا يعد الناس عبادا لله سبحانه، وتبني على ~~ذلك أصل الدعوة الدينية: الناس عبيد والله مولاهم الحق. # بل ربما تعدى ذلك وأخذ كل من في السماوات والأرض موسوما بسمة العبودية ~~كالحقيقة المسماة بالملك على كثرتها والحقيقة الأخرى التي يسميها القرآن ~~الشريف بالجن قال تعالى: "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا": "مريم: 93". # ولا ريب أن اعتبار العبودية لله سبحانه أمر مأخوذ بالتحليل وهو تحليل ~~معنى العبودية إلى أجزائها الأصلية ثم الحكم بثبوت حقيقته بعد طرح خصوصياته ~~الزائدة الطارئة على أصل المعنى في أولي العقل من الخليقة فهناك أفراد من ~~الناس يسمى الواحد منهم عبدا، ولا يسمى به إلا لأن نفسه مملوكة لغيره ملكا ~~يسوغ لذلك الغير الذي هو مالكه ومولاه أن يتصرف فيه كيف يشاء وبما أراد، ~~ويسلب عن العبد استقلال الإرادة مطلقا. PageV06P186 # والتأمل في هذا المعنى يوجب الحكم بأن الإنسان - وإن شئت وسعت وقلت: كل ذي ~~شعور وإرادة - عبد لله سبحانه بحقيقة معنى العبودية فإن الله سبحانه مالك ~~كل ما يسمى شيئا بحقيقة معنى الملك فلا يملك شيء من نفسه ولا من غيره شيئا ~~من ضر ولا نفع ولا موت ولا حياة ولا نشور، ولا يستقل أمر في الوجود بذات ~~ولا وصف ولا فعل اللهم إلا ما ملكه الله ذلك تمليكا لا يبطل بذلك ملكه ~~تعالى، ولا ينتقل به الملك عنه إلى غيره بل هو المالك لما ملكهم، والقادر ~~على ما عليه أقدرهم، وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. # وهذه السلطة الحقيقية والملك الواقعي هي المنشأ لوجوب انقيادهم لما يريده ~~منهم بإرادته التشريعية، وما يصنع لهم من شرائع الدين وقوانين الشريعة مما ~~يصلح به أمرهم وتحاز به سعادتهم في الدارين. # والحاصل أنه تعالى هو المالك لهم ملكا تكوينيا يكونون به عبيده الداخرين ~~لقضائه سواء عرفوه أم جهلوه أطاعوه في تكاليفه أم عصوه وهو المالك لهم ملكا ~~تشريعيا يوجب له عليهم السمع والطاعة، ويحكم عليهم بالتقوى والعبادة. ms2341 # ويتميز هذا الملك والمولوية بحسب الحكم عن الملك والمولوية الدائر بين ~~الناس - وكذا العبودية المقابلة له - بأن الله سبحانه لما كان مالكا تكوينا ~~على الإطلاق لا مالك سواه لم يجز في مرحلة العبودية التشريعية اتخاذ مولى ~~سواه ولا عبادة أحد غيره قال تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه": ~~الإسراء: 23" بخلاف الموالي من الناس فإن الملك هناك لمن غلب بسبب من أسباب ~~الغلبة. # وأيضا لما لم يكن في عبيده تعالى المملوكين شيء غير مملوك له تعالى ولم ~~ينقسموا في وجودهم إلى مملوك وغير مملوك بل كانوا من حيث ذواتهم وأوصافهم ~~وأحوالهم وأعمالهم مملوكين له تكوينا تبع ذلك التشريع فحكم فيهم بدوام ~~العبودية واستيعابها لجميع ما يرجع إليهم بوجه من الوجوه فلا يسعهم أن ~~يعبدوا الله من جهة بعض ما يرجع إليهم دون بعض مثل أن يعبدوه باللسان دون ~~اليد كما لا يسعهم أن يجعلوا بعض عبادتهم لله تعالى وبعضها لغيره وهذا ~~بخلاف المولوية الدائرة بين الناس فلا يسع للمولى عقلا أن يفعل ما يشاء، ~~تأمل فيه. # وهذا هو الذي يدل على إطلاق أمثال قوله تعالى: "ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع": "السجدة: 4" وقوله تعالى: "وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم": "القصص: 70"، وقوله: "يسبح لله ما في السماوات ~~وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير": "التغابن: 1". # وكيفما كان فالعبودية المعتبرة بالنسبة إليه تعالى معنى تحليلي مأخوذ من ~~العبودية التي تعتبره العقلاء من الإنسان في مجتمعهم فلها أصل في المجتمع ~~الإنساني فلننظر ما هو أصله؟. # 2 - استعباد الإنسان وأسبابه: # كان الاستعباد والاسترقاق دائرا في المجتمع الإنساني شائعة معروفة إلى ما ~~يقرب من سبعين سنة قبل هذا التاريخ، ولعلها توجد معمولة في بعض القبائل ~~المتطرفة النائية في إفريقيا وآسيا حتى اليوم، وكان اتخاذ العبيد والإماء ~~من السنن الدائرة بين الأقوام القديمة لا يكاد يضبط بدء تاريخي له وكان ذا ~~نظام مخصوص وأحكام وقوانين عامة بين الأمم، وأخرى مخصوصة بأمة ms2342 أمة. # والأصل في معناه كون النفس الإنسانية عند وجود شرائط خاصة سلعة مملوكة ~~كسائر السلع المملوكة من حيوان ونبات وجماد، وإذا كانت النفس مملوكة كانت ~~مسلوبة الاختيار مملوكة الأعمال والآثار يتصرف فيها كيف أريد. # هذه سنتهم الدائرة بينهم في الاسترقاق غير أنه لم يكن متكئا على إرادة ~~جزافية أو مطلقا غير مبني على أي شرط فلم يكن يسع لأحدهم أن يتملك كل من ~~أحب، ولا أن يملك كل من شاء وأراد ببيع أو هبة أو غير ذلك فلم يكن أصل ~~المعنى متكئا على الجزاف، وإن كان ربما يوجد في تضاعيف القوانين المتبعة ~~فيه بحسب اختلاف آراء الأقوام وسننهم أمور جزافية كثيرة. PageV06P187 # كانت الاستعباد مبنيا على نوع من الغلبة والسيطرة كغلبة الحرب التي تنتج ~~للغالب الفاتح أن يفعل بخصمه المغلوب ما يشاء من قتل أو سبي أو غيره، وغلبة ~~الرئاسة التي تصير الرئيس الجبار فعالا لما يشاء في حوزة رئاسته، واختصاص ~~التوليد والإنتاج الذي يضع ولاية أمر المولود الضعيف في كف والده القوي ~~يصنع به ما بدا له حتى البيع والهبة والتبديل والإعارة ونحو ذلك. # وقد تكرر في أبحاثنا السابقة: أن أصل الملك في المجتمع الإنساني مبني على ~~القدرة المغروزة في الإنسان على الانتفاع من كل شيء يمكنه أن ينتفع به بوجه ~~- والإنسان مستخدم بالطبع - فالإنسان يستخدم في سبيل إبقاء حياته كل ما قدر ~~عليه واستخدامه والانتفاع بمنافع وجوده آخذا من المادة الأصلية فالعناصر ~~فالمركبات الجمادية المتنوعة فالحيوان حتى الإنسان الذي هو مثله في ~~الإنسانية. # غير أن حاجته المبرمة إلى الاجتماع والتعاون اضطره إلى قبول الاشتراك مع ~~سائر أفراد نوعه في الانتفاع بالمنافع المحصلة من الأشياء بأعمالهم ~~المشتركة فهو وسائر الأفراد من نوعه يكونون لذلك مجتمعا يختص كل جزء من ~~أجزائه وكل طرف من أطرافه بعمل أو أعمال ثم ينتفع المجموع بالمجموع، وإن ~~شئت فقل: ثم تقسم نتائج الأعمال بينهم فيتمتع كل واحد منهم بذلك على مقدار ~~زنته الاجتماعية، ولذلك نرى أن الفرد من الإنسان وهو اجتماعي كلما قوي ~~واشتد أبطل ms2343 المدنية الطبعية وأخذ يستخدم الناس بالغلبة، ويتملك رقابهم، ~~ويحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم بما يقترحه. # ولأجل ذلك إذا تأملت تأملا حرا في سنتهم في استعباد الإنسان وجدت أنهم لا ~~يعتبرون تملك الإنسان ما دام داخلا في المجتمع وجزء من أجزائه بل إما أن ~~يكون الإنسان المملوك محكوما بالخروج عن المجتمع كالعدو المحارب الذي لا هم ~~له إلا أن يهلك الحرث والنسل ويمحي الإنسان باسمه ورسمه فهو خارج عن مجتمع ~~عدوه، وله أن يهلكه بالإفناء ويتملك منه ما يشاء لأن الحرمة مرفوعة، ومثله ~~الأب بالنسبة إلى صغار أولاده والتابعين لنفسه فإنه يرى أنهم من توابعه في ~~المجتمع من غير أن يكافئوه أو يماثلوه أو يوازنوه فله أن يتصرف فيهم حتى ~~بالقتل والبيع وغيرهما. # وإما أن يكون الإنسان المالك ذا خصيصة تدعوه إلى أن يعتقد أنه فوق ~~المجتمع من غير أن يعادلهم في وزن أو يشاركهم في نفع بل له نفوذ الحكم، ~~والتمتع بصفوة ما يختار، والتصرف في نفوسهم حتى بالملك والاستعباد. # فقد تبين أن الأصل الأساسي الذي كان يبني عليه الإنسان سنة الاستعباد ~~والاسترقاق هو حق الاختصاص والتملك المطلق الذي يعتقده الإنسان لنفسه، وأن ~~الإنسان لا يستثني عنه أحدا إلا مشاركيه في مجتمعه الإنساني ممن يعادله في ~~الزنة الاجتماعية ويتحصن منه في حصن التعاون والتعاضد، وأما الباقون فلا ~~مانع عنده من تملكهم واستعبادهم. # وعمدتهم في ذلك طوائف ثلاث: العدو المحارب، والأولاد الضعفاء بالنسبة إلى ~~آبائهم وكذا النساء بالنسبة إلى أوليائهن، والمغلوب المستبذل بالنسبة إلى ~~الغالب المتعزز. # 3 - سير الاستعباد في التاريخ: # سنة الاستعباد وإن كانت مجهولة من حيث تاريخ شيوعها في المجتمع الإنساني ~~غير أن الأشبه أن يكون أرقاء مأخوذين في أول الأمر بالقتال والتغلب ثم يلحق ~~به الأولاد والنساء، ولذلك نعثر في تاريخ الأمم القوية الحربية من القصص ~~والحكايات وكذا القوانين والأحكام المربوطة بالاسترقاق بالسبي على ما لا ~~يوجد في غيرهم. # وقد كان دائرا بين الأمم المتمدنة القديمة كالهند واليونان والرومان ~~وإيران، وبين المليين كاليهود والنصارى على ما يستفاد من ms2344 التوراة والإنجيل ~~حتى ظهر الإسلام فأنفذ أصله مع تضييق في دائرته وإصلاح لأحكامه المقررة، ثم ~~آل الأمر إلى أن قرر مؤتمر بروسل إلغاء الاستعباد قبل سبعين سنة تقريبا. # قال "فردينان توتل" في معجمه لأعلام الشرق والغرب: كان الرق شائعا عند ~~الأقدمين، وكان الرقيق يؤخذ من أسرى وسبايا الحرب ومن الشعوب المغلوبة، كان ~~للرق نظام معروف عند اليهود واليونان والرومان والعرب في الجاهلية ~~والإسلام. PageV06P188 # وقد ألغي نظام الرق تدريجا: في الهند سنة 8134 وفي المستعمرات الإفرنسية ~~سنة 8184 وفي الولايات المتحدة بعد حرب الانفصال سنة 8156 وفي البرازيل سنة ~~8188 إلى أن اتخذ مؤتمر بروسل قرارا بإلغاء الاستعباد سنة 8109 غير أنه لا ~~يزال موجودا فعلا بين بعض القبائل في إفريقيا وآسيا. # ومبدأ إلغاء الرق هو تساوي البشر بالحقوق والواجبات، انتهى. # 4 - ما الذي رآه الإسلام في ذلك؟ # قسم الإسلام الاستعباد بحسب أسبابه، وقد تقدم أن عمدتها كانت ثلاثة: ~~الحرب، والتغلب والولاية كالأبوة ونحوها فألغى سببين من الثلاثة من أصله ~~وهما التغلب والولاية. # فاعتبر احترام الناس شرعا سواء من ملك ورعية وحاكم ومحكوم وأمير وجندي ~~ومخدوم وخادم بإلغاء الامتيازات والاختصاصات الحيوية، والتسوية بين الأفراد ~~في حرمة نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، والاعتناء بشعورهم وإرادتهم - وهو ~~الاختيار التام في حدود الحقوق المحترمة - وأعمالهم وما اكتسبوه وهو تسلطهم ~~على أموالهم ومنافع وجودهم من الأفعال فليس لوالي الأمر في الإسلام إلا ~~الولاية على الناس في إجراء الحدود والأحكام وفي أطراف المصالح العامة ~~العائدة إلى المجتمع الديني، وأما ما تشتهيه نفسه وما يستحبه لحياته ~~الفردية فهو كأحد الناس لا يختص من بينهم بخصيصة، ولا ينفذ أمره في الكثير ~~مما يهواه لنفسه ولا في القليل، ويرتفع بذلك الاسترقاق التغلبي بارتفاع ~~موضوعه. # وعدل ولاية الآباء لأبنائهم فلهم حق الحضانة والحفظ وعليهم حق التربية ~~والتعليم وحفظ أموالهم ما داموا محجورين بالصغر فإذا بلغوا بالرشد فهم ~~وآباؤهم سواء في الحقوق الاجتماعية الدينية، وهم أحرار في حياتهم، لهم ~~الخيرة فيما رضوا لأنفسهم. # نعم أكدت التوصية لآبائهم عليهم بالإحسان ومراعاة حرمة التربية، قال ms2345 ~~تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن ~~اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي": "لقمان: ~~15" وقال تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما ~~قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا": "الإسراء: 24" وقد عد في الشرع الإسلامي عقوقهما من المعاصي ~~الكبيرة الموبقة. # وأما النساء فقد وضع لهن من المكانة في المجتمع واعتبر لهن من الزنة ~~الاجتماعية ما لا يجوز عند العقل السليم التخطي عنه ولو بخطوة، فصرن بذلك ~~أحد شقي المجتمع الإنساني وقد كن في الدنيا محرومات من ذلك، وأعطين زمام ~~الازدواج والمال وقد كن محرومات أو غير مستقلات في ذلك. # وشاركن الرجال في أمور واختصصن عنهم بأمور واختص الرجال بأمور كل ذلك عن ~~مراعاة تامة لقوام وجودهن وتركيب بناهن، ثم سهل عليهن في أمور شق فيها على ~~الرجال كأمر النفقة وحضور معارك القتال ونحو ذلك. # وقد تقدم الكلام في ذلك كله تفصيلا في أواخر سورة البقرة في الجزء الثاني ~~من الكتاب، وفي أوائل سورة النساء في الجزء الرابع منه، وتبين هناك أن ~~النساء مختصات في الإسلام من مزيد الإرفاق بالنسبة إلى الرجال بما لا يوجد ~~نحوه في سائر السنن الاجتماعية قديمها وحديثها. # قال تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن": "النساء: ~~31" وقال تعالى: "فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف": "البقرة: ~~243" وقال تعالى: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف": "البقرة: 282" وقال: ~~"أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض": "آل عمران: 159" ~~ثم جمع الجميع في بيان واحد فقال: "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت": ~~"البقرة: 268" وقال ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى": ~~"الأنعام: 146" إلى غير ذلك من الآيات ms2346 المطلقة التي تأخذ الفرد من الإنسان ~~جزءا تاما كاملا من المجتمع، ويعطيه من الاستقلال الفردي ما ينفصل به عن أي ~~فرد آخر في نتائج أعماله من خير أو شر أو نفع أو ضر من غير أن يستثني صغيرا ~~أو كبيرا أو ذكرا أو أنثى. PageV06P189 # ثم سوى بينهم جميعا في العزة والكرامة ثم ألغى كل عزة وكرامة إلا الكرامة ~~الدينية المكتسبة بالتقوى والعمل فقال: "لله العزة ولرسوله وللمؤمنين": ~~"المنافقون: 8" وقال: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": "الحجرات: 13". # وقد أبقى الإسلام السبب الثالث من الأسباب الثلاثة للاستعباد أعني الحرب، ~~وهو أن يسبي الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، وأما اقتتال المؤمنين ~~بعضهم مع بعض فلا سبي فيه ولا استعباد بل يقاتل الباغي من الطائفتين حتى ~~ينقاد لأمر الله قال تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم": "الحجرات: 10". # وذلك أن العدو المحارب الذي لا هم له إلا أن يفني الإنسانية ويهلك الحرث ~~والنسل لا ترتاب الفطرة الإنسانية أدنى ريب في أنه يجب أن لا يعد جزء من ~~المجتمع الإنساني الذي له التمتع بمزايا الحياة والتنعم بحقوق الاجتماع، ~~وأنه يجب دفعه بالإفناء فما دونه، وعلى ذلك جرت سنة بني آدم منذ عمروا في ~~الأرض إلى يومنا هذا وعلى ذلك ستجري. # والإسلام لما وضع بنية المجتمع - المجتمع الديني - على أساس التوحيد ~~وحكومة الدين الإسلامي ألغى جزئية كل مستنكف عن التوحيد وحكومة الدين من ~~المجتمع الإنساني إلا مع ذمة أو عهد فكان الخارج عن الدين وحكومته وعهده ~~خارجا عن المجتمع الإنساني لا يعامل معه إلا معاملة غير الإنسان الذي ~~للإنسان أن يحرمه عن أي نعمة يتمتع بها الإنسان في حياته، ويدفعه بتطهير ~~الأرض من رجس استكباره وإفساده فهو مسلوب الحرمة عن نفسه وعمله ونتائج أي ~~مسعى ms2347 من مساعيه، فللجيش الإسلامي أن يتخذ أسرى ويستعبد عند الغلبة. # 5 - ما هو السبيل إلى الاستعباد في الإسلام؟ # يتأهب المسلمون على من يلونهم من الكفار فيتمون عليهم الحجة ويدعونهم إلى ~~كلمة الحق بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن فإن أجابوا فإخوان في ~~الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم وإن أبوا إلا الرد فإن كانوا أهل ~~كتاب وقبلوا الجزية تركوا وهم على ذمتهم، وإن أخذوا عهدا كانوا أهل كتاب أم ~~لا وفي بعهدهم، وإن لم يكن شيء من ذلك أوذنوا على سواء وقوتلوا. # يقتل منهم من شهر سيفا ودخل المعركة ولا يقتل منهم من ألقى السلم، ولا ~~يقتل منهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، ولا يبيتون ولا يغتالون، ~~ولا يقطع عنهم الماء، ولا يعذبون ولا يمثل بهم فيقاتلون حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. # فإذا غلبوهم ووضعت الحرب أوزارها فما تسلط عليه المسلمون من نفوسهم ~~وأموالهم فهو لهم وقد اشتمل تاريخ حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومغازيه على صحائف غر متلمعة مملوءة من السيرة العادلة الجميلة فيها ~~لطائف الفتوة والمروة، وطرائف البر والإحسان. # 6 - ما هي سيرة الإسلام في العبيد والإماء؟ # إذا استقرت العبودية على من استقرت عليه صار ملك يمين، منافع عمله لغيره ~~ونفقته على مولاه. # وقد وصى الإسلام أن يعامل المولى مع عبده معاملة الواحد من أهله وهو منهم ~~فيساويهم في لوازم الحياة وحوائجها، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يؤاكل عبيده وخدمه ويجالسهم، ولا يؤثر نفسه عليهم في مأكل ولا ملبس ~~ونحوهما. # وأن لا يشق عليهم ولا يعذبوا ولا يسبوا ولا يظلموا، وأجيز أن يتزوجوا ~~فيما بينهم بإذن أهلهم، وأن يتزوج بهم الأحرار، وأن يشاركوهم في الشهادات، ~~ويساهموهم في الأعمال حال الرق وبعد الانعتاق. # وقد بلغ من إرفاق الإسلام في حقهم أن شاركوا الأحرار في عامة الأمور، وقد ~~قلد جمع منهم الولاية والإمارة وقيادة الجيش على ما يضبطه تاريخ صدر ~~الإسلام، ويوجد بين ms2348 الصحابة الكبار عدة من الموالي كسلمان وبلال وغيرهما. PageV06P190 # وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعتق جاريته صفية بنت حي بن أخطب ~~وتزوج بها، وتزوج جويرية بنت الحارث بعد وقعة بني المصطلق وقد كانت بين ~~سباياهم، وكانوا مائتي بيت بالنساء والذراري، وصار ذلك سببا لانعتاق ~~الجميع، وقد مر إجمال القصة في الجزء الرابع من الكتاب. # ومن الضروري من سيرة الإسلام أنه يقدم العبد المتقي على المولى الحر ~~الفاسق، وأنه يبيح للعبد أن يتملك المال ويتمتع بعامة مزايا الحياة بإذن من ~~أهله هذا إجمال من صنيع الإسلام فيهم. # ثم أكد الوصية وندب أجمل الندب إلى تحرير رقبتهم، وإخراجهم من ظرف ~~الاستعباد إلى جو الحرية ولا يزال يقل بذلك عددهم ويتبدل جمعهم موالي ~~وأحرارا لوجه الله، ولم يقنع بذلك دون أن جعل تحرير الرقبة أحد خصال ~~الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الإفطار، وأجاز لهم الاشتراط والكتابة ~~والتدبير، كل ذلك عناية بهم وقصدا إلى تخليصهم وإلحاقا لهم بالمجتمع ~~الإنساني الصالح إلحاقا تاما يقطع دابر الاستذلال. # 7 - محصل البحث في الفصول السابقة: # تحصل مما مر أمور ثلاث: الأول: أن الإسلام لم يأل جهدا في إلغاء أسباب ~~الاستعباد وتقليلها وتضعيفها حتى وقف على واحد منها لا محيص عن اعتباره ~~بحكم الفطرة القاطع وهو جواز استعباد كل إنسان محارب للدين مضاد للمجتمع ~~الإنساني غير خاضع للحق بوجه من وجوه الخضوع. # الثاني: أنه استعمل جميع الوسائل الممكنة في إكرامهم - العبيد والإماء - ~~وتقريب شئونهم الحيوية من حياة أجزاء المجتمع الحرة حتى صاروا كأحدهم وإن ~~لم يصيروا أحدهم، ولم يبق عليهم إلا حجاب واحد رقيق، وهو أن الزائد من ~~أعمالهم على واجب حياتهم حياة متوسطة لمواليهم لا لهم، وإن شئت فقل: لا ~~فاصل في الحقيقة بين الحر والعبد في الإسلام إلا إذن المولى في العبد. # الثالث: أنه احتال بكل حيلة مؤثرة إلى إلحاق صنف المماليك إلى مجتمع ~~الأحرار بالترغيب والتحريص في موارد، وبالفرض والإيجاب في أخرى كالكفارات، ~~وبالتسويغ والإنفاذ في مثل الاشتراط والتدبير والكتابة. # 8 - سير الاستعباد في ms2349 التاريخ # ذكروا أن الاستعباد ظهر أول ما ظهر بالسبي والأسر، وكانت القبائل قبل ذلك ~~إذا غلبت في حروبها ومقاتلها وأخذت سبايا قتلتهم عن آخرهم ثم رأوا أن ~~يتركوهم أحياء ويتملكوهم كسائر الغنائم الحربية لا لينتفعوا بأعمالهم بل ~~إحسانا في حقهم وحفظا للنوع واحتراما للقوانين الأخلاقية التي ظهرت فيهم ~~بالترقي في صراط المدنية شيئا بعد شيء. # وإنما ظهرت هذه السنة بين القبائل بعد ما ارتحلت عنهم طريقة الارتزاق ~~لاصطياد إذ لم تكن لهم فيها من السعة ما يسوغ لهم الإنفاق على العبيد ~~والإماء حتى انتقلوا إلى عيشة النزول والارتحال وتمكنوا من ذلك. # وبشيوع الاستعباد بين القبائل والأمم على أي وتيرة كانت تحولت حياة ~~الإنسان الاجتماعية بظهور جهات من الانتظام والانضباط في المجتمعات أولا ~~وتقسيم الأعمال ثانيا. # ولم يكن الاستعباد إذ كان دائرا في الدنيا على وتيرة واحدة في أقطار ~~المعمورة فلم يستن في بعض المناطق أصلا كأوستراليا وآسيا المركزية وسيبريا ~~وأميركا الشمالية وإسكيمو وبعض المناطق بإفريقيا بشمال النيل وجنوب رامبيز. # وبالعكس كان رائجا في جزيرة العرب وإفريقيا الوحشية وأوروبا وأميركا ~~الجنوبية وكان دائرا بين اليهود، وفي التوراة دعاء العبيد إلى طاعة ~~مواليهم، وكذا بين النصارى وفي كتاب بولس إلى فيلمن أن أفسيموس كان عبدا ~~شاردا رده بولس إلى سيده. # وكانت اليهود أرفق الناس بعبيدهم، ومن الشواهد على ذلك أنا لم نعثر لهم ~~من شواهق الأبنية على ما يشبه الأهرام المعمولة بمصر والأبنية الآشورية ~~التاريخية فإنها كانت من أعمال العبيد الشاقة، وكانت الروم واليونان أكثر ~~الأمم تشديدا على العبيد. # وقد ذاع في الروم الشرقي بعد قسطنطين فكر التحرير حتى لغا الرق فيها في ~~القرن 13 الميلادي، وبقي في الروم الغربي على شكل آخر وهو أنهم كانوا ~~يبيعون ويشترون المزارع بزراعها - وكانت الزراعة من مشاغل العبيد - لكن لغت ~~بينهم الأعمال الإجبارية. PageV06P191 # وكان الاستعباد دائرا في معظم ممالك أوروبا إلى سنة 7127 الميلادية وقد ~~انعقدت قبل ذلك بحين معاهدة بين الدولتين إنجلترا وإسبانيا على أن يجبي ~~الإنجليز إليهم كل سنة أربعة آلاف وثمان مائة ms2350 نسمة من رقيق إفريقيا إلى ~~ثلاثين سنة ليبيعهم منهم قبال مبالغ خطيرة يأخذها منهم. # وقد ثارت الأفكار العامة سنة 7116 على الرق والاستعباد بينهم، وأقدم ~~الطوائف التي قامت عليه منهم طائفة "لرزان" المذهبية، ولم يزالوا على ذلك ~~حتى وضعت مادة قانونية سنة 7127 أن كل من دخل أرض بريطانيا فهو حر. # وقد ظهر سنة 7188 بعد بحث دقيق أن إنجلترا يعامل كل سنة مائتي ألف نسمة ~~رقيقا، وكان الذين يجلبون منهم من إفريقيا إلى أميركا وحدها مائة ألف. # ولم يزل حتى ألغي الاستعباد في بريطانيا سنة 8133 وأدت الدولة إلى ~~كمبانيات النخس عشرين ميلونا ليرة أثمان من حررته من رقيقهم العبيد ~~والإماء، وانعتق في هذه الواقعة فيها 773008 نسمة. # ولغا الاستعباد في أميركا سنة 8126 بعد مجاهدات شديدة تحملتها أهالي ~~أميركا وقد كان شمال هذه المملكة وجنوبها مختلفين في أخذ الرقيق: أما ~~أميركا الشمالية فإنما كانت تأخذ العبيد والإماء للتجمل فحسب، وأما ~~الجنوبية فكان معظم الأشغال فيها شغل الزراعة والحرث، وكانوا في حاجة شديدة ~~إلى كثرة الأيدي العمالة فكانوا يأخذون الأرقاء استثمارا بأعمالهم، ولذلك ~~كانوا يتحرجون من قبول التحرير العام. # ولم يزل الاستعباد يلغى في مملكة بعد مملكة حتى انعقد قرار بروسل سنة ~~8109 الميلادية على إلغاء سنة الاستعباد، وأمضاها الدول وأجريت في الممالك، ~~ولغت العبودية في الدنيا، وانعتقت بذلك الملايين من النسمات، انتهى ما ~~ذكروه ملخصا. # وأنت تجد بثاقب نظرك أن هذه المجاهدة الطويلة والمشاجرة ثم ما وضع من ~~قوانين الإلغاء وأنفذ من الحكم كل ذلك إنما كان يدور حول الاسترقاق من طريق ~~الولاية أو التغلب كما يشهد به أن جل الأرقاء أو كلهم كانوا يجلبون من ~~نواحي إفريقيا المعمول فيها ذلك، وأما الاسترقاق من طريق السبي الحربي الذي ~~أنفذ الإسلام فلم يكن موردا للبحث قط. # 9 - نظرة في بنائهم: # هذه الحرية الفطرية التي نسميها بالحرية الموهوبة للإنسان ولسنا ندري ما ~~هو السبب الذي يسلبها عن سائر أنواع الحيوان وهي تماثل الإنسان في الشعور ~~النفساني والإرادة الباعثة؟ غير أن ms2351 نقول إن الإنسان هو الذي يسلبها ذلك ~~لينتفع بها لا تتفرع على أصل إلا على أن الإنسان مجهز بشعور باطني يميز له ~~ما يلتذ به وما يتألم به ثم بإرادة تبعثه إلى جذب ما يلذه ودفع ما يؤلمه ~~فكان له أن يختار لنفسه ما يشاء. # ولم يتقيد الشعور الإنساني بأن يتعلق بشيء ولا يتعلق بآخر كأن لا يشعر ~~الإنسان الضعيف المستذل بما يشعر به الإنسان القوي المتعزز، ولا تحددت ~~الإرادة الإنسانية بحد يمنعها عن التعلق ببعض ما يستحبه أو يجبرها على ~~التعلق بما تعلقت به إرادة غيره لتنطلق لنفع غيره وتنسى نفسها، فالإنسان ~~الضعيف المغلوب يريد لنفسه نظائر جميع ما يريده الإنسان الذي غلبه وقهره ~~لنفسه، ولا رابطة طبيعية بين إرادة الضعيف وإرادة القوي تجبر إرادة الضعيف ~~على أن لا تتعلق بما تعلقت به إرادة القوي، أو تفنى في إرادة القوي فتعود ~~الإرادتان إرادة واحدة تجري لنفع القوي، أو تتبع الإرادة اتباعا يسلبها ~~الاستقلال. # وإذ كان كذلك وكان من حق قوانين الحياة أن تبتني على أساس البنية ~~الطبيعية كان من الواجب أن يعيش الإنسان حرا في نفسه وحرا في عمله، ومن هذا ~~الثدي يرتضع إلغاء الاستعباد. # لكن ينبغي لنا أن نتأمل هذه الحرية الموهوبة للإنسان هل هي في المجتمع ~~الإنساني على إطلاقها منذ ولدت وعاشت في البنى الإنسانية؟. # فلم يزل النوع الإنساني - فيما نعلم - يعيش في حال الاجتماع ولا يسعه ~~بحسب جهازه الوجودي إلا ذلك، ومن المحال أن يدوم مجتمع في حال الاجتماع ولو ~~حينا ما إلا مع سنة مشتركة بين أفراد المجتمع سواء كانت سنة عادلة تعقلية ~~أو سنة جائرة أو مجازفة أو بأي وصف اتصفت، وهذه السنة كيفما كانت تحدد ~~الحرية الفردية. PageV06P192 # على أن الإنسان لا يتأتى له أن يعيش إلا مع تصرف ما في المادة يضمن له ~~البقاء ولا يتأتى له ذلك إلا بأن يختص بما يتصرف فيه نوعا من الاختصاص الذي ~~نسميه بالملك - أعم من الحق والملك المصطلح عليه - فالذي يلبسه هذا حين ~~يلبس لا يسع ms2352 لذاك أن يلبسه والذي يأكله فرد أو يشربه أو يشغله بالتمكن فيه ~~لا يمكن لغيره أن يستقل به، وليس ذلك إلا تحديدا لغير المتصرف في إطلاق ~~إرادته، وتقييدا لحريته. # ولم يزل الاختلاف يلازم هذا النوع منذ سكن الأرض فلم يمض على هؤلاء ~~الأفراد المنتشرة في رحب الأرض يوم إلا وتطلع فيه الشمس على اختلافات، ~~وتغيب عن اختلافات تسير بهم إلى فناء نفوس وضيعة أعراض وانتهاب أموال، ولو ~~كان الإنسان يرى لنفسه - أي للإنسانية - حرية مطلقة لم يكن لهذه الاختلافات ~~بينهم أثر. # وسنة المجازاة والمؤاخذة لم تزل دائرة معمولة بين المجتمعات المتنوعة ~~مدنية كانت أو همجية، ولا معنى للمجازاة إلا أن يملك المجتمع من الإنسان ~~المجرم بعض ما وهبه له الخلقة من النعم، وأن يسلب عنه بعض الحرية فلو لا أن ~~المجتمع أو من بيده الأمر في المجتمع يملك من المجرم القاتل المحكوم ~~بالقصاص حياته لما وسعه أن يسلبها عنه، ولو لا أن الإثم المأخوذ بإثمه ~~المؤاخذ بأنواع التعذيب والنكاية كالقطع والضرب والحبس وغيره ذلك يملك ~~الحكم والإجراء منه ما يسلبه من شئون الحياة أو الراحة أو السلطة المالية ~~لما صح ذلك، وكيف يصح منع الجائر المتعدي أن يجور ويتعدى ولا الذب عن حريم ~~نفس أو عرض أو مال إلا مع سلب بعض حرية المتغلب الممنوع؟. # وبالجملة فمما لا يشك فيه ذو مسكة أن بقاء الحرية الإنسانية على إطلاقها ~~في المجتمع الإنساني ولو لحظة يوجب اختلال النظام الاجتماعي من وقته فهذا ~~الاجتماع الذي هو أيضا فطري للإنسان ولا يعيش بدونه هو يقيد إطلاق الحرية ~~الفطرية التي وهبته للإنسان إرادته وشعوره الغريزيان فلا يتأتى لمجتمع ~~إنساني أن يعيش إلا مع تقييد ما لإطلاق الحرية كما لا يتأتى له أن يعيش مع ~~بطلان الحرية من أصلها، ولم يزل المجتمع الإنساني يحفظ بين الحدين هذه ~~الحرية التي يخيل لنا من كثرة التبليغات الغربية أنهم هم الذين خلقوا اسمها ~~بعد ما اخترعوا معناها، وحفظوها على إطلاقها. # فهذا الاجتماع الفطري هو الذي يقيد تلك الحرية الفطرية ms2353 ويحددها على حد ~~تقييد القوى الطبيعية البدنية وغير البدنية بعضها بعضا فيقف البعض عن الفعل ~~اعتناء بشأن بعض آخر يزامله كقوة الإبصار التي هي مبدأ للإبصار على الإطلاق ~~تفعل فعلها حتى تكل لامسة العين أو تتعب القوة المفكرة فتقف الباصرة عن ~~فعلها تقيدا بفعل مزاملها، والذائقة تلتذ بالتقام الغذاء اللذيذ وازدراده ~~وبلعه حتى تكل عضلات الفك فتقيد الذائقة فتكف عن مشتهاها. # فالاجتماع الفطري لا يتم للإنسان إلا بأن يجود ببعض حريته في العمل ~~واسترساله في التمتع. # 10 - ما مقدار التحديد: # وأما المقدار الذي تحدد به الحرية الموهوبة من قبل الاجتماع الفطري ~~ويتقيد به إطلاقها الفطري فهو يختلف باختلاف المجتمعات الإنسانية بحسب كثرة ~~القوانين الدائرة المعتبرة في المجتمع وقلتها فإن المقيد للحرية بعد أصل ~~الاجتماع إنما هو القانون المجرى بين الناس فكلما زادت القوانين ودقت في ~~رقوب أعمالهم زاد الحرمان من الحرية والاسترسال وكلما نقصت نقص. # لكن الذي لا مناص عنه في أي اجتماع لأي مجتمع فرض، والواجب الذي ليس في ~~وسع الإنسان الاجتماعي أن يستهين به ويتساهل في أمره: هو حفظ وجود الاجتماع ~~وكونه إذ لا حياة للإنسان دونه، وحفظ السنن الدائرة والقوانين الجارية فيه ~~من النقص والانتقاض، ولذلك لست تجد مجتمعا من المجتمعات البشرية إلا وفيه ~~جهة دفاعية تذب عن النفوس والذراري وتقيهم من الفناء والهلاك، وولي يلي ~~أمرهم ويحفظ السنة الجارية والعادات الدائرة المحترمة بينهم من الانتقاض ~~ببسط الأمن الاجتماعي، وسياسة المتعدي الجائر، والموجود من التاريخ يصدق ~~ذلك أيضا. PageV06P193 # وإذا كان كذلك فأول حق مشروع للمجتمع في شريعة الفطرة أن يسلب الحرية عن ~~عدو المجتمع في أصل اجتماعه، وإن شئت فقل: أن يملك من عدوه المبيد لحياته ~~المفسد لحرثه ونسله نفسه وعمله ويذهب بحرية إرادته بما يشاء من قتل فما ~~دونه، وأن يسلب عن عدو السنة والقانون حرية العمل والاسترسال في النقض، ~~ويملك منه ما يفقده بالمجازاة من نفس أو مال أو غيرهما. # وكيف يسع الإنسان - حتى الإنسان الفرد - أن يذعن بحرية عدو لا لحياة ~~مجتمعه يحترم فيؤاخيه ms2354 ويشاركه ويمتزج به، ولا عن إبادة مجتمعه وإفنائه يغمض ~~فيتركهم وشأنهم؟ وهل الجمع بين العناية الفطرية بالاجتماع وبين ترك هذا ~~العدو وحريته في العمل إلا جمعا بين المتناقضين صريحا وسفها أو جنونا؟. # فتبين مما مر أولا: أن البناء على إطلاق حرية الإنسان أمر مخالف لصريح ~~الحق الفطري المشروع للإنسان الذي هو من أول الحقوق الفطرية المشروعة. # وثانيا: أن حق الاستعباد الذي اعتبره الإسلام هو المطابق لشريعة الفطرة، ~~وهو أن يستعبد أعداء الدين الحق المحاربين للمجتمع الإسلامي فيسلب عنهم ~~حرية العمل، ويجلبوا إلى داخل المجتمع الديني ويكلفوا بأن يعيشوا في زي ~~العبودية حتى يتربوا بالتربية الصالحة الدينية، وينعتقوا تدريجا، ويلتحقوا ~~بالمجتمع الحر سالمين غانمين، ولولي الأمر أن يشتريهم ويعتقهم عن آخرهم إن ~~رأى صلاح المجتمع الديني في ذلك، أو يسلك في ذلك طريقا آخر لا ينتسخ بذلك ~~الأحكام الإلهية. # 11 - إلى م آل أمر الإلغاء؟: # أجرت الدول المعظمة قرار مؤتمر بروسل ومنعوا بيع الرقيق أشد المنع ~~وانعتقت الإماء والعبيد فلا يصطفون اليوم في دكاك النخاسين ولا يساقون سوق ~~الأغنام، وتبع ذلك أن انتسخ اتخاذ الخصيان، ولا يكاد يوجد اليوم من هؤلاء ~~وأولئك ولو نماذج قليلة إلا ما ربما يذكر من أمر الأقوام الهمجية. # لكن هذا المقدار أعني ارتفاع اسم الاستعباد والاسترقاق من الألسنة وغيبة ~~المسمين بهذا الاسم عن الأنظار هل يقنع الباحث الناقد في هذه المسألة؟ ~~أوليس يسأل أن هذه المسألة هل هي مسألة لفظية يجزي فيها المنع من أن يذكر ~~الاسم، ويكفي في إجرائها أن يسمى العبد حرا وإن سلب منافع عمله وتبع غيره ~~في إرادته، أو أن المسألة معنوية يراعى فيها حال المعنى بحسب حقيقته وآثاره ~~الخارجية؟. # فهاتيك الحرب العالمية الثانية لم يمض عليها إلا بضع عشرة سنة حملت الدول ~~الفاتحة على عدوها المغلوب التسليم بلا شرط ثم احتلوا بلادهم، وأخذوا ~~ملايين من أموالهم، وتحكموا على نفوسهم وذراريهم، ونقلوا الملايين من ~~أسراهم إلى داخل مملكتهم يستعملونهم فيما شاءوا وكيف شاءوا، والأمر يجري ~~على ذلك حتى اليوم. # فليت شعري هل ms2355 للاستعباد مصداق ليس به وإن منع من إطلاق لفظه؟ وهل له معنى ~~إلا سلب إطلاق الحرية، وتملك الإرادة والعمل، وإنفاذ القوي المتعزز حكمه في ~~الضعيف المستذل كيف شاء وأراد عدلا أو ظلما؟. # فيا لله العجب يسمي حكم الإسلام بنظير الحكم على أصلح وجه يمكن استعبادا ~~ولا يسمى حكمهم بذلك، والإسلام يأخذ فيه بأسهل الوجوه وأخفها وهم يأخذون ~~بأشقها وأعنفها، فقد رأينا محبتهم وصداقتهم حينما احتلوا بلادنا تحت عنوان ~~المحبة والحماية والوقاية، فكيف حال من استعلوا عليه بالعداوة والنكاية؟. # ومن هنا يظهر أن قرار الإلغاء لم يكن إلا لعبا سياسيا هو في الحقيقة أخذ ~~في صورة الرد، أما الاستعباد عن حرب وقتال فقد أنفذه الإسلام وأنفذوه عملا ~~وإن منعوا عن التلفظ باسمه لسانا، وأما الاستعباد من طريق بيع الآباء ~~أبناءهم الذي منعوه فقد كان الإسلام منعه من قبل، وأما الاستعباد من طريق ~~الغلبة والسلطة الحكمية فقد منعه الإسلام من قبل، وأما هؤلاء فقد أجمعوا ~~على منعه لكن هل توقف المنع في مرحلة اللفظ كنظيره أو تعداها إلى مرحلة ~~المعنى ووافقه العمل؟!. # يمكنك أن تستخرج الجواب لهذا السؤال بإمرار النظر في تاريخ الاستعمارات ~~الأروبية في آسيا وإفريقيا وأميركا، والفجائع التي ارتكبوها، والدماء ~~والأعراض والأموال التي أهرقوها واستباحوها ونهبوها، والتحكمات التي أتوا ~~بها وليس بالواحد والمائة والألف. PageV06P194 # ليس يلزمك أن تسلك هذا السبيل على بعدها - إن كان بعيدا - فقد يجزيك أن ~~تتأمل أخبار ما يقاسيه أهل الجزائر من فرنسا منذ سنين من إبادة النفوس ~~وتخريب البلاد والتشديد على أهله، وما تلقاه الممالك العربية من الإنجليز، ~~وما يتحمله السودان والحمر في أميركا، والأوروبة الشرقية من الجمهوريات ~~الاشتراكية، وما نكابده نحن من أيدي هؤلاء وأولئك، كل ذلك في لفظه نصح ~~وإشفاق، وفي معناه استعباد واسترقاق!. # فظهر من جميع ما مر أنهم أخذوا في مرحلة العمل بما شرعه الإسلام من إباحة ~~وسلب إطلاق الحرية عند وجود سببها الفطري الذي هو حرب من يريد هدم المجتمع ~~وإهلاك الإنسانية، وهو حكم مشروع في شريعة الفطرة له أصل واقعي ms2356 لا يتغير ~~وهو حاجة الإنسانية في بقائها إلى دفع ما يطاردها وجودا ويناقضها بقاء ثم ~~أصل اجتماعي عقلائي لا يتبدل متفرع على أصله الواقعي وهو وجوب حفظ المجتمع ~~الإنساني عن الانعدام والانهدام. # فهذا هو الذي راموه في عملهم وأخذوه معنى وأنكروه اسما غير أنهم تعدوا ~~هذا القسم المشروع إلى غيره غير المشروع وهو الاستعباد بسبب الغلبة والسلطة ~~فلا يزالون يستعبدون الألوف والملايين قبل حديث الإلغاء وبعده، ويبيعون ~~ويشترون ويهبون ويعيرون إلا أنهم لا يسمون ذلك استعبادا، وإنما يسمى ~~استعمارا أو استملاكا أو قيمومة أو حماية أو عناية وإعانة أو غير ذلك من ~~الألفاظ التي لا يراد بشيء منها إلا أن يكون سترة على معنى الاستعباد، ~~وكلما خلق أو خرق شيء منها رمي به وجيء بآخر. # ولم يبق مما نسخه قرار بروسل ولا يزال يقرع به أسماع الدنيا وأهلها ~~ويتباهى به الدول المتمدنة الذين هم رواد المدنية الراقية، وبأيديهم راية ~~الحرية الإنسانية إلا الاستعباد من طريق بيع الأبناء والبنات والإخصاء ولا ~~فائدة هامة فيه تعود إليهم مع كونه أشبه بالمسألة الفردية منه بالمسألة ~~الاجتماعية، ونسخه مع ذلك حجة لفظية تبليغية بأيديهم كسائر حججهم التي لا ~~تعدو مقام اللفظ وتؤثر أثر المعنى. # نعم يبقى هناك محل بحث آخر وهو أن الإسلام يبدأ في غنائمه الحربية من ~~رقيق أو مال غير الأرض المفتوحة عنوة بالأفراد من مجتمعه فيقسمها بينهم ثم ~~ينتهي إلى الدولة على ما سير به في صدر الإسلام وهؤلاء يحفظون الاستفادة ~~منها حقا موقوفا على الدولة، وهذه مسألة أخرى غير مسألة أصل الاسترقاق ~~لعلنا نوفق لاستقصاء البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله من الكلام في آيات ~~الزكاة والخمس والله المستعان. # وبعد ذلك كله نعود إلى كلمة صاحب معجم الأعلام المنقولة سابقا: "مبدأ ~~إلغاء الرق هو تساوي البشر في الحقوق والواجبات" فما معنى تساوي البشر في ~~الحقوق إلخ، فإن أريد به تساويهم في استحقاق ما لهم من الحقوق الواجبة ~~مراعاتها وإن كانت نفس تلك الحقوق مختلفة غير متساوية البتة كاختلاف الرئيس ms2357 ~~والمرءوس والحاكم والمحكوم والآمر والمأمور والمطيع للقانون والمتخلف عنه ~~والعادل والظالم من جهة اختلافهم في الزنة الاجتماعية. # فهو كذلك لكنه لا يستلزم التسوية بين من هو جزء شريف نافع في المجتمع ~~وبين من ليس في صلاحيته أن ينضم إلى المجتمع ولا كرامة، وإنما هو كالسم ~~المهلك الذي أينما حل أبطل الحياة فإن من الحكم الفطري الصريح أن يفرق ~~بينهما بإعطاء الحرية الكاملة للأول، وسلبها عن الثاني فلا حق للعدو على ~~عدوه فيما يعاديه، ولا واجب للذئب في ذمة الغنم ولا للأسد على فريسته. # وإن أريد به أن الإنسانية لما كانت مشتركة بين أفراد الإنسان وكان في قوة ~~الفرد من الإنسان كائنا من كان أن يرقى في المدنية وينال من السعادة ما ~~يناله الآخر كان من حق الإنسانية على المجتمع الراقي أن يجود بالحرية على ~~كل إنسان ويربيه حتى يلحق المجتمع الصالح. PageV06P195 # فلذلك حق لكن ربما كان من شرائط التربية أن يسلب المربي حرية الإرادة ~~والعمل حينا حتى تتم التربية، ويتبصر النفس المرباة في استعمال إرادتها، ~~وتتنعم بنعمة حريتها كما يعالج المريض بما يسوؤه ويربى الصغير بما يتحرج ~~منه، وهذا هو الذي يراه الإسلام من سلب حرية الإرادة والعمل عن الأمة ~~الكافرة المحاربة، واجتلابهم إلى داخل المجتمع الديني، وتربيتهم فيها، ~~وتخليصهم تدريجا إلى ساحة الحرية فإن السلوك سلوك اجتماعي ينبغي أن ينظر ~~إليه وإلى نتيجته وأثره بنظر عام كلي، وليس بأمر فردي ينظر إليه بنظر فردي ~~جزئي، ثم من العجب أن هؤلاء أيضا يجرون عملا بما جرت عليه السيرة الإسلامية ~~وإن خالفوه في التسمية وحسن النية كما تقدم بيانه. # وإن أريد به أن من حق الحرية الإنسانية أن تطرد في الجميع ويخلى بين كل ~~إنسان وإرادته المطلقة. # فمن الواضح الذي لا مرية فيه أن ذلك غير جائز التسليم ولا ميسور العمل ~~على إطلاقه وخاصة في الخصم المحارب وهو المورد الوحيد الذي يعتني به ~~الإسلام في سلب إطلاق الحرية. # ثم لو كان هذا حقا لم يكن فيه فرق بين الواحد والاثنين وبين ms2358 الجماعة فما ~~بالهم يسلمون للواحد من الحرية القانونية حتى مثل "الانتحار" وللاثنين مثل ~~"دئل" ولا يسلمون لطائفة مساكين من أبناء نوعهم أن ينعزلوا في ملجإ أو ~~مغارات ويشتغلوا بأنفسهم ويأكلوا رزق ربهم ويسلكوا سبيل حياتهم؟. # بقي هنا شيء وهو أنه ربما قال القائل: ما بال الإسلام لم يشرع للرقيق ~~تملك المال حتى يستعين به على حوائجه الضرورية من غير أن يكون كلا على ~~مولاه؟ وما باله لم يحدد الرق بالإسلام حتى ينعتق العبد بالإسلام وينمحي ~~عنه لوث المحرومية اللازمة له ولأعقابه إلى يوم القيامة. # لكن ينبغي أن يتنبه هذا القائل إلى أن الحكم باستقرار الرق والحرمان من ~~تملك المال إنما ظهوره ووقوعه بحسب نظر التشريع في أول زمان الاستيلاء ~~عليه، وحكم الفطرة عليهم - وهم الأعداء المحاربون - بجواز سلب الحرية إنما ~~هو لإبطال كيدهم وسلب قوتهم على المقاومة لهدم الاجتماع الديني الصالح، ولا ~~قوة ولا قدرة إلا بالملك فإذا لم يملكوا عملا ولا نتاج عمل لم يقووا على ~~المخاصمة والمحاربة. # نعم أجاز الإسلام لهم أن يتملكوا في الجملة بتمليك الموالي، وهذا ملك في ~~طول ملك، وليس فيه محذور الاستقلال بالتصرف. # وأما تحديد رقهم بالإيمان فهو أمر يبطل السياسة الدينية في حفظ بيضة ~~الإسلام وإقامة المجتمع الديني على ساقه وبسط التربية الدينية على هؤلاء ~~المحاربين المستعلى عليهم بالعدة والقوة، ولو لا ذلك لدخلوا في ظاهر الدين ~~بمجرد أن استقرت عليهم سيطرة الدين، وضربت عليهم بذلة العبودية فحفظوا بذلك ~~عدتهم وقوتهم ثم عادوا لما نهوا عنه. # وليرجع في ذلك إلى السنة الجارية بين الأمم والأقوام من يومنا هذا إلى ~~أقدم العهود التي يستطاع العثور فيها على تاريخ الإنسانية فالأمتان أو ~~القبيلتان إذا تحاربتا وتقاتلتا ثم غلبت إحداهما الأخرى واستعلت عليها ~~فإنها ترى من حقها المشروع لها في الحرب أن تضع في عدوها السيف حتى يسلم ~~لها الأمر تسليما مطلقا من غير شرط. # وليست ترضى من التسليم بمجرد أن تضع الأمة المقاتلة المغلوبة أسلحتها على ~~الأرض فتتركهم وما يريدون بل بالتسليم لأمر الأمة الغالبة، ms2359 والخضوع التام ~~لما تحكم فيهم، وترى لهم أو عليهم، وتتصرف في نفوسهم وأموالهم. # ومن سفه الرأي أن تقيد هذه السيطرة بقيد يفسد أثر هذا التسليم المطلق، ~~ويبطل حكمه، ويمهد الطريق للعدو في الرجوع إلى كيده ومكره، ويجدد له رجاء ~~العود إلى ما بدأ، وكيف يسوغ للأمة الغالبة ذلك وقد فدت عن استقلال مجتمعها ~~المقدس عندها بالنفوس والأموال؟ وهل ذلك إلا ظلما لنفسها واستهانة بأعز ما ~~عندها، وتبذيرا للدماء والأموال والمساعي؟. # وليس لمعترض أن يعترض على أمة غالبة غلبت بتضحية النفوس والأموال فضربت ~~على عدوها بالذلة والمسكنة، وحفظهم على حالة الرق: بأن رجالهم قاتلوا ~~وقتلوا وأفسدوا فأخذوا بالأسر وجوزوا بسلب الحرية على ما يبيحه الحق ~~المشروع للمحارب على محاربه فما ذنب الأصاغر من الذراري المتولدين بعد ذلك، ~~ولم يحملوا سلاحا، ولا سلوا سيفا، ولا دخلوا معركة؟ وذلك أنهم ضحايا ~~آبائهم. PageV06P196 # بعد ذلك كله لا ينبغي أن ينسى أن للحكومة الإسلامية أن يحتال في انعتاق ~~الرقيق بشراء وعتق ونحو ذلك إذا أحرزت أن الأصلح بحال المجتمع الإسلامي ذلك ~~والله أعلم. # كلام في المجازاة والعفو في فصول # 1 - ما معنى الجزاء؟: # لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات من تكاليف اجتماعية على أجزائه أن ~~يحترموها فلا هم للمجتمع إلا أن يوافق بين أعمال الأفراد ويقرب بعضها من ~~بعض، ويربط جانبا منها بجانب حتى تأتلف وتجتمع وترفع بآثارها ونتائجها ~~حوائج الأفراد بمقدار ما يستحقه كل واحد بعمله وسعيه. # وهذه التكاليف لما كانت متعلقة بأمور اختيارية يسع الإنسان أخذها وتركها، ~~وهي بعينها لا تتم إلا مع سلب ما لحرية الإنسان في إرادته وعمله لم يمتنع ~~أن يتخلف عنها أو عن بعضها الإنسان المتمائل بطبعه إلى الاسترسال وإطلاق ~~الحرية. # والتنبه إلى هذا النقص في التكاليف والفتور في بني القوانين هو الذي بعث ~~الإنسان الاجتماعي على أن يتمم نقصها ويحكم فتورها بأمر آخر، وهو أن يضم ~~إلى مخالفتها والتخلف عنها أمورا يكرهها الإنسان المكلف فيدعوه ذلك إلى ~~طاعة التكليف الذي يكلف به حذرا من أن يحل به ما ms2360 يكرهه ويتضرر به. # وهذا هو جزاء السيئة، وهو حق للمجتمع أو لولي الأمر على المتخلف العاصي، ~~وله نظير في جانب طاعة التكاليف فمن الممكن أن يوضع للمطيع الممتثل بإزاء ~~عمله بالتكليف أمر يؤثره ويحبه ليكون ذلك داعيا يدعوه إلى إتيان الواجب أو ~~المطلوب مطلقا من التكاليف، وهو حق للمكلف المطيع على المجتمع أو لولي ~~الأمر، وهذا هو جزاء الحسنة، وربما يسمى جزاء السيئة عقابا وجزاء الحسنة ثوابا. # وعلى هذه الوتيرة يجري حكم الشريعة الإلهية قال تعالى: "للذين أحسنوا ~~الحسنى": "يونس: 26" وقال تعالى: "والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها": ~~"يونس: 27" وقال: "وجزاء سيئة سيئة مثلها": "الشورى: 40". # وللعقاب والثواب عرض عريض آخذا من الاستكراه والاستحسان والذم والمدح إلى ~~آخر ما يتعلق به القدرة من الشر والخير ويرتبطان في ذلك بعوامل مختلفة من ~~خصوصيات الفعل والفاعل وولي التكليف ومقدار الضرر والنفع العائدين إلى ~~المجتمع، ولعله يجمع الجميع أن العمل كلما زاد الاهتمام بأمره زاد عقابا في ~~صورة المعصية وثوابا في صورة الطاعة. # ويعتبر بين العمل وبين جزائه - كيف كان - نوع من المماثلة والمسانخة ولو ~~تقريبا، وعلى ذلك يجري كلامه تعالى أيضا كما هو ظاهر أمثال قوله تعالى: ~~"ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى": "النجم: 31" ~~وأوضح منه قوله تعالى وقد حكاه عن صحف إبراهيم وموسى (عليهما السلام): "وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى": ~~"النجم: 41". # وهذا فيما شرعه الله في أمر القصاص أظهر، قال تعالى: "كتب عليكم القصاص ~~في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى": "البقرة: 187" وقال: ~~"الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله": "البقرة: 149". # ولازم هذه المماثلة والمسانخة أن يعود العقاب أو الثواب إلى نفس العامل ~~بمثل ما عمل بمعنى أنه إذا عصى حكما اجتماعيا مثلا فإنما تمتع لنفسه بما ~~يضر المجتمع أي بما يفسد تمتعا من تمتعات المجتمع فينقص من تمتعاته في نفسه ~~ما يعادل ذلك من نفسه أو بدنه أو ms2361 ماله أو جاهه أو نحو ذلك مما يعود بوجه إليه. # وهذا هو الذي أومأنا إليه في البحث عن معنى الاستعباد أن المجتمع أو من ~~يلي أمره يملك من المجرم نفسه أو شأنا من شئون نفسه يعادل الجرم الذي ~~اجترمه ونقيصة الضرر الذي أوقعه على المجتمع فيعاقب بذلك أي يتصرف المجتمع ~~أو ولي الأمر استنادا إلى هذا الملك - وهو الحق - في حياة المجرم أو شأن من ~~شئون حياته، ويسلب حريته في ذلك. PageV06P197 # فلو قتل نفسا مثلا بغير نفس أو فساد في الأرض في المجتمع الإسلامي ملك ولي ~~الأمر من المجرم نفسه حيث نقصهم نفسا محترمة، وحده الذي هو القتل تصرف في ~~نفسه عن الملك الذي ملكه، ولو سرق ما يبلغ ربع دينار من حرز فقد أضر ~~بالمجتمع بهتك ستر من أستار الأمن العام الذي أسدلته يد الشريعة وحفظته يد ~~الأمانة، وحدها الذي هو القطع ليس حقيقته إلا أن ولي الأمر ملك من السارق ~~بإزاء ما أتى به شأنا من شئون حياته وهو الشأن الذي تشتمل عليه اليد فيتصرف ~~فيه بسلب ما له من الحرية ووسيلتها من هذه الجهة، وقس على ذلك أنواع الجزاء ~~في الشرائع والسنن المختلفة. # فيتبين من هنا أن الإجرام والمعصية الاجتماعية يستجلب نوعا من الرق ~~والعبودية، ولذلك كان العبد أظهر مصاديق المؤاخذة والعقاب قال تعالى: "إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك": "المائدة: 181". # ولهذا المعنى مظاهر متفرقة في سائر الشرائع والسنن المختلفة قال الله ~~تعالى في قصة يوسف (عليه السلام) إذ جعل السقاية في رحل أخيه ليأخذه إليه: ~~"قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين - أي في إنكاركم سرقة صواع الملك - قالوا ~~من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين - أي نجزي السارق باسترقاقه - ~~فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف - ~~إلى أن قال - قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه ~~إنا نراك من المحسنين - وهذا هو التبديل ونوع من الفدية - قال معاذ الله أن ~~نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ms2362 عنده إنا إذا لظالمون": "يوسف: 79". # وربما كان يؤخذ القاتل أسيرا مملوكا، وربما كان يفدي بواحدة من نسائه ~~وحرمه كبنته وأخته إلى غير ذلك، وسنة الفدية بالتزويج كانت مرسومة إلى هذه ~~الأيام بين القبائل والعشائر في نواحينا لأن الازدواج يعد عندهم نوعا من ~~الاسترقاق والإسارة للنساء. # ومن هنا ما ربما يعد المطيع عبدا للمطاع لأنه بإطاعته يتبع إرادته إرادة ~~المطاع فهو مملوكه المحروم من حرية الإرادة قال تعالى: "ألم أعهد إليكم يا ~~بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني": "يس: 61" ~~وقال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه": "الجاثية: 23". # وبالعكس من تملك المجتمع أو ولي الأمر المجرم المعاقب يملك المطيع المثاب ~~من المجتمع أو ولي الأمر ما يوازن طاعته من الثواب فإن المجتمع أو الولي ~~نقص من المكلف المطيع بواسطة التكليف شيئا من حريته الموهوبة فعليه أن ~~يتممه كما نقص. # وهذا الذي ذكرناه هو السر في ما اشتهر: أن الوفاء بالوعد واجب دون الوعيد ~~وذلك أن مضمون الوعد في ظرف المولوية والعبودية هو الثواب على الطاعة كما ~~أن مضمون الوعيد هو العقاب على المعصية والثواب لما كان من حق المطيع على ~~ولي الأمر وفي ذمته وجب عليه تأديته وتفريغ ذمته منه بخلاف العقاب فإنه من ~~حق ولي الأمر على المكلف المجرم، وليس من الواجب أن يتصرف الإنسان في ملكه ~~ويستفيد من حقه إن كان له ذلك، وللكلام تتمة. # 3 - العفو والمغفرة؟: # استنتجنا من البحث السابق جواز ترك المجازاة على المعصية بخلاف الطاعة، ~~وهو حكم فطري في الجملة مبني على أن العقاب حق للمعصي على العاصي، وليس من ~~الواجب إعمال الحق دائما. # غير أنه كما لا يجب إعمال حق العقاب دائما كذلك لا يجوز تركه دائما وإلا ~~لغا القضاء الفطري بثبوت الحق، ولا معنى لثبوت شيء لا أثر له ولا في وقت من ~~الأوقات على أن إلغاء حق العقاب من رأسه هدم للقوانين الموضوعة الحافظة ~~لبنية الاجتماع وفي هدمها هدم الاجتماع بلا ريب. # فالحكم - وهو جواز العفو عن الذنب ms2363 - ثابت في الجملة، والقضية مهملة فإن ~~كان هناك سبب مسوغ بحسب الحكمة للعفو جاز العفو وإلا وجبت المجازاة احتراما ~~للقوانين الحافظة لبنية المجتمع وسعادة الإنسان، وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~حكاية عن عيسى (عليه السلام): "وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم": ~~"المائدة: 181". PageV06P198 # ويوجد في القرآن الكريم من أسباب المغفرة مما تمضيه الحكمة الإلهية سببان ~~كليان: أحدهما: توبة العبد إلى الله سبحانه أعم من رجوعه من الكفر إلى ~~الإيمان أو رجوعه من المعصية إلى الطاعة على ما تقدم بيانه في الكلام على ~~التوبة في الجزء الرابع من الكتاب، قال تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون - وهذه التوبة من الكفر الذي فيه وعيد العذاب الذي لا ينفع فيه ناصر ~~شفيع - واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون": "الزمر: 55" وهذه هي التوبة من المعصية إلى الطاعة، ولم ~~ينف فيه نفع الشفاعة. # وقال تعالى: "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما": "النساء: 18". # وثانيهما: الشفاعة يوم القيامة قال تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": "الزخرف: 86" إلى غير ذلك من الآيات ~~الكثيرة المتعرضة لأمر الشفاعة، وقد أشبعنا البحث فيها في الكلام على ~~الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب. # ويوجد في القرآن الكريم موارد متفرقة يذكر فيها العفو من غير ذكر سببه ~~وإن كان التدبر فيها يهدي إلى إجمال ما روعي فيها من المصلحة وهي مصلحة ~~الدين كقوله تعالى: "ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين": "آل عمران: ~~125"، وقوله تعالى: "أأشفقتم أن تقدموا ms2364 بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا ~~وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله": ~~"المجادلة: 13" وقوله تعالى: "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب ~~عليهم إنه بهم رءوف رحيم": "التوبة: 171" وقوله تعالى: "وحسبوا أن لا تكون ~~فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم": "المائدة: ~~71"، وقوله تعالى: "الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم ~~إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو ~~غفور": "المجادلة: 3"، وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم - إلى أن قال - عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام": "المائدة: 95". # فهذه موارد متنوعة من العفو الإلهي وقد بينا خصوصية كل منها في الكلام ~~على الآية المشتملة عليه من الكتاب فليراجع. # وليس من قبيل ما تقدم قوله تعالى: "عفا الله عنك لم أذنت لهم": "التوبة: ~~43" فإنه دعاء نظير قولنا: غفر الله لك لم فعلت كذا وكذا، ونظيره على ~~الخلاف قوله تعالى "إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر": "المدثر: 19" وليس من ذاك ~~القبيل أيضا قوله تعالى: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر": "الفتح: 2"، ويدل على ذلك جعل المغفرة غاية متفرعة على ~~فتحه تعالى مكة لنبيه ولا رابطة بين مغفرة الذنب بمعنى الإثم وبين الفتح، ~~وسيجيء تمام الكلام في محله إن شاء الله. # 4 - للعفو مراتب: # لما كان العفو والمغفرة يتعلق بالذنب الذي يستتبع نوعا من المجازاة ~~والعقاب، وللجزاء كما عرفت - عرض عريض ومراتب مختلفة متشتتة أتبعه العفو في ~~اختلاف المراتب حسب اختلافه، وليس الاختلاف الواقع في نفس الذنب أعني ~~التبعة السيئة التي يستتبعها العمل فالاختلاف فيها مما لا سبيل إلى إنكاره، ~~والجزاء سواء كان عقابا أو ثوابا إنما يوزن بزنتها. PageV06P199 # فمما لا محيص عنه في بحثنا هذا هو البحث عن الذنب واختلاف مراتبه، ms2365 والتأمل ~~فيما يهدي إليه العقل الفطري فإن البحث وإن كان قرآنيا يراد به الحصول على ~~ما يراه الكتاب الإلهي في هذه الحقائق غير أنه تعالى على ما بين في كلامه ~~يكلمنا على قدر عقولنا وبالموازين الفطرية التي نزن بها الأشياء في مرحلتي ~~النظر والعمل، وقد مرت الإشارة إليه في موارد من الأبحاث الموضوعة في هذا ~~الكتاب، وقد استمد تعالى في موارد من بياناته بالعقل والفكر الإنساني، وأيد ~~به مقاصد كلامه فقال تعالى: أفلا تعقلون. # أفلا تتفكرون، وما في معناهما. # والذي يفيده الاعتبار الصحيح هو أن أول ما يتعلق به ويحترمه المجتمع ~~الإنساني هو الأحكام العملية والسنن المحترمة التي تحفظ بالعمل بها ~~والمداومة عليها مقاصده الإنسانية وتهديه إلى سعادته في الحياة، ثم تضع ~~أحكاما جزائية يجازى على طبقها المتخلف العاصي عن القوانين الاجتماعية ~~ويثاب المطيع الممتثل. # وفي هذه المرحلة لا يسمى باسم الذنب إلا التخلف عن متون القوانين ~~العملية، وتحاذي الذنوب لا محالة في عددها عدد مواد الأحكام الاجتماعية، ~~وهذا هو المغروز المركوز في أذهاننا معاشر المسلمين أيضا من معنى لفظ الذنب ~~والألفاظ التي تقارنه في المعنى كالسيئة والمعصية والإثم والخطيئة والحوب ~~والفسق ونحوها. # لكن الأمر لا يقف على هذا الحد فإن الأحكام العملية إذا عمل بها وروقبت ~~وتحفظ عليها ساق المجتمع إلى أخلاق وأوصاف مناسبة لها ملائمة لمقاصد ~~المجتمع التي هي غاية اجتماعهم، وهذه الأخلاق هي التي يسميها المجتمع ~~بالفضائل الإنسانية ويحرص ويحرض عليها، وتقابلها الرذائل. # وهي وإن كانت مختلفة باختلاف السنن والمقاصد في المجتمعات إلا أن أصل ~~إنتاج الأحكام الاجتماعية لها مما لا سبيل إلى سده وإعفائها عنه. # وهذه الأخلاق الفاضلة وإن كانت أوصافا روحية لا ضامن لإجرائها في مقام ~~العمل في المجتمعات، وكانت غير اختيارية بلا واسطة لكونها ملكات لكنها ~~لكونها في تحققها تتبع تكرر العمل بالأحكام المقررة في المجتمع أو تكرر ~~التخلف عن العمل كانت نفس العمل بالأحكام ضامنة لإجرائها وتعد اختيارية ~~باختيارية مقدمتها وهي تكرر العمل، وتتصور في مواردها أوامر عقلية متعلقه ~~بالأخلاق الفاضلة كالشجاعة والعفة ms2366 والعدالة، ونواه عقلية تردع عن الأخلاق ~~الرذيلة كالجبن والتهور والخمود والشره والظلم، وكذا يتصور لها عقاب وثواب ~~يسميان بالعقاب والثواب العقليين كالمدح والذم. # وبالجملة تتحقق بذلك مرتبة من مراتب الذنب فوق المرتبة السابق ذكرها، وهي ~~مرتبة التخلف عن الأحكام الخلقية والأوامر العقلية المتعلقة بها. # ولم تعد هذه الأوامر العقلية أوامر إلا من جهة التلازم بين الأعمال ~~الواجبة التي تسوق إليها وبينها، فهناك حاكم يحكم بالوجوب ويأمر به وهو ~~العقل الإنساني ونظيره القول في تسمية النواهي، العقلية نواهي وهذا دأبنا ~~في جميع موارد التلازم فإذا فرضنا العمل بأحد المتلازمين لا نلبث دون أن ~~نأمر بإتيان الآخر ووجوبه، ونرى التخلف عن ذلك عصيانا لهذا الأمر العقلي، ~~وذنبا يستحق به نوع من المؤاخذة. # ويظهر من هنا أمر آخر وهو أن هذه الفضائل لما كانت مشتملة على واجبات لا ~~محيص عن التلبس بها - ومثله اشتمال الرذائل على المحرمات - وعلى أمور ~~مندوبة مستحبة هي كالزينة والهيأة الجميلة فيها - وهي الآداب الحسنة التي ~~تتعلق بها أوامر عقلية استحسانية إلا أنها إذا فرضت ظرفا لأحد منا كان ما ~~يلازمها من الآداب وهي مندوبة في نفسها - مأمورا به عقلا أمرا إيجابيا قضاء ~~لحق الظرفية المفروضة، مثال ذلك أن البدوي العائش عيشة العشائر البدوية لما ~~كان ظرف حياته بعيدا من المستوي المتوسط في الحياة الحضرية لا يؤاخذ إلا ~~بالضروريات من أحكام المجتمع والسنن العامة التي يناله عقله وفهمه، وربما ~~أتى بالوقيح من الأعمال أو الركيك من الأقوال فيغمض عنه الحضري معتذرا ~~بقصور الفهم وبعد الدار من السواد الأعظم الذي تكرر مشاهدة الرسوم والآداب ~~فيه أحسن معلم للناس القاطنين فيه. PageV06P200 # ثم المتوسط من الناس الحضريين لا يؤاخذ بما يؤاخذ به الآحاد النوادر من ~~المجتمع الذين هم أهل الفهم اللطيف والأدب الظريف ولا عذر فيما يقع من ~~المتوسط من الناس من ترك دقائق الأدب وظرائف القول والفعل إلا أن فهمه على ~~قدر ما يأتي به، لا يشعر من لوازم الأدب بأزيد مما يأتي به وظرفه هو ظرفه. # وما يأتي به مما ms2367 لا ينبغي هو مما يؤاخذ به الأوحديون من الرجال فربما ~~يؤاخذون بلحن خفي في كلام أو بتبطؤ يسير في حركة أو بتفويت آن غير محسوس في ~~سكون أو التفات أو غمض عين ونحو ذلك فيعد ذلك كله ذنبا منهم، وليس من الذنب ~~بمعنى مخالفة المواد القانونية دينية كانت أو دنيوية، وقد اشتهر بينهم: أن ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين. # وكلما دق المسلك ولطف المقام ظهرت هنالك خفايا من الذنوب كانت قبل تحقق ~~هذا الظرف مغفولا عنها لا يحس بها الإنسان المكلف بالتكاليف، ولا يؤاخذ بها ~~ولي المؤاخذة والمحاسبة. # وينتهي ذلك - فيما يعطيه البحث الدقيق - إلى الأحكام الناشئة في ظرفي ~~الحب والبغض فترى عين المبغض - وخاصة في حال الغضب - عامة الأعمال الحسنة ~~سيئة مذمومة، ويرى المحب إذا تاه في الغرام واستغرق في الوله أدنى غفلة ~~قلبية عن محبوبه ذنبا عظيما وإن اهتم بعمل الجوارح بتمام أركانه، وليس إلا ~~أنه يرى أن قيمة أعماله في سبيل الحب على قدر توجه نفسه وانجذاب قلبه إلى ~~محبوبه فإذا انقطع عنه بغفلة قلبية فقد أعرض عن المحبوب وانقطع عن ذكره ~~وأبطل طهارة قلبه بذلك. # حتى أن الاشتغال بضروريات الحياة من أكل وشرب ونحوهما يعد عنده من ~~الإجرام والعصيان نظرا إلى أن أصل الفعل وإن كان من الضروري الذي يضطر إليه ~~الإنسان لكن كل واحد واحد من هذه الأفعال الاضطرارية من حيث أصله اختياري ~~في نفسه، والاشتغال به اشتغال بغير المحبوب وإعراض عنه اختيارا وهو من ~~الذنب، ولذلك نرى أهل الوله والغرام وكذا المحزون الكئيب ومن في عداد هؤلاء ~~يستنكفون عن الاشتغال بأكل أو شرب أو نحوهما. # وعلى نحو من هذا القبيل ينبغي أن يحمل ما ربما يروى عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من قوله: "إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله كل يوم سبعين مرة"، ~~وعليه يمكن أن يحمل بوجه قوله تعالى: "واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار": "المؤمن: 55" وقوله: "فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا": ~~"النصر: 3". # وعليه يحمل ما حكى تعالى عن عدة ms2368 من أنبيائه الكرام كقول نوح: "رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا": "نوح: 28" وقول إبراهيم: "ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب": "إبراهيم: 41" وقول موسى لنفسه وأخيه: ~~"رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك": "الأعراف: 115" وما حكى عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير": ~~"البقرة: 258". # فإن الأنبياء (عليهم السلام) مع عصمتهم لا يتأتى أن تصدر عنهم المعصية، ~~ويقترفوا الذنب بمعنى مخالفة مادة من المواد الدينية التي هم المرسلون ~~للدعوة إليها، والقائمون قولا وفعلا بالتبليغ لها، والمفترض طاعتهم من عند ~~الله، ولا معنى لافتراض طاعة من لا يؤمن وقوع المعصية منه، تعالى الله عن ذلك. # وهكذا يحمل على هذا الباب ما حكي عن بعضهم (عليهم السلام) من الاعتراف ~~بالظلم ونحوه كقول ذي النون: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين": ~~"الأنبياء: 87" إذ كما يجوز عدهم بعض الأعمال المباحة الصادرة عنهم ذنبا ~~لأنفسهم وطلب المغفرة من الله سبحانه، كذلك يجوز عده ظلما من أنفسهم لأن كل ~~ذنب ظلم. # وقد مر أن هنالك محملا آخر وهو أن يكون المراد بالظلم هو الظلم على النفس ~~كما في قول آدم وزوجته: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين": "الأعراف: 23". # وإياك أن تتوهم أن معنى قولنا في آية: إن لها محملا كذا ومحملا كذا هو ~~تسليم أن ذلك من خلاف ظاهر الكلام ثم الاجتهاد في اختلاف معنى يحمل عليه ~~الكلام، وتطبق عليه الآيات القرآنية تحفظا على الآراء المذهبية، واضطرارا ~~من قبل التعصب. # وقد تقدم البحث الحر في عصمة الأنبياء (عليهم السلام) بالتدبر في الآيات ~~أنفسها من غير اعتماد على المقدمات الغريبة الأجنبية في الجزء الثاني من ~~الكتاب. PageV06P201 # وقد بينا هناك وفي غيره أن ظاهر الكلام لا يقتصر في تشخيصه على الفهم ~~العامي المتعلق بنفس الجملة المبحوث عنها بل للقرائن المقامية والكلامية ~~المتصلة والمنفصلة - كالآية المتعرضة لمعنى آية أخرى - تأثير قاطع في ~~الظواهر، وخاصة في الكلام الإلهي الذي بعضه ببعض، ويشهد بعضه على ms2369 بعض، ~~ويصدق بعضه بعضا. # والغفلة عن هذه النكتة هي التي أشاعت بين عدة من المفسرين وأهل الكلام ~~إبداع التأويل بمعنى صرف الكلام إلى ما يخالف ظاهره، وارتكابه في الآيات ~~المخالفة لمذهبهم الخاص على زعمهم فتراهم يقطعون القرآن قطعا ثم يحملون كل ~~قطعة منها على ما يفهمه العامي السوقي من كلام سوقي مثله فإذا سمعوه تعالى ~~يقول: "فظن أن لن نقدر عليه" حملوه على أنه (عليه السلام) - وحاشاه - زعم ~~أو أيقن أن الله سبحانه يعجز عن أخذه مع أن ما في الآية التالية: "وكذلك ~~ننجي المؤمنين" يعده من المؤمنين، ولا إيمان لمن شك في قدرة الله فضلا عن ~~أن يرجح أو يقطع بعجزه. # وإذا سمعوه تعالى يقول: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" تفهموا ~~منه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أذنب فغفر الله له كما يذنب الواحد منا ~~بمخالفة أمر أو نهي مولوي من الله تنعقد بهما مسألة فرعية فقهية. # ولم يهدهم التدبر حتى بمقدار أن يرجعوا إلى سابقة الآية: "إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا" حتى ينجلي لهم أن هذا الذنب والمغفرة المتعلقة به لو كانا ~~كالذنوب التي لنا والمغفرة التي تتعلق بها لم يكن وجه لتعليق المغفرة على ~~فتح مكة تعليق الغاية على ذي الغاية، وكذا لم يكن وجه لعطف ما عطف عليه ~~أعني قوله: "ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصرا ~~عزيزا": "الفتح: 3". # وكذا إذا سمعوا سائر الآيات التي تشتمل على عثرات الأنبياء بزعمهم كالتي ~~وردت في قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط ويعقوب ويوسف وداود وسليمان وأيوب ~~ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم بادروا إلى الطعن في ساحة نزاهتهم، ولم ~~ينقبضوا عن إساءة الأدب إليهم وهم أنفسهم أولى بما رموا ولا شين كسوء الأدب. # فساقهم سوء الحظ ورداءة النظر إلى أن أبدلوا ربهم رب العالمين برب تنعته ~~التوراة والأناجيل المحرفة قوة غيبية متجسدة تدير رحى الوجود كما يدير جبار ~~من جبابرة الإنسان مملكته لا هم له إلا إشباع طاغية شهوته وغضبه فجهلوا ~~مقام ms2370 ربهم ثم سهوا عن مقام النبوة وعفوا مدارجهم العالية الشريفة الروحية ~~ومقاماتهم السامية الحقيقية فعادت بذلك هاتيك النفوس الطاهرة المقدسة تماثل ~~النفوس الرديئة الخسيسة التي ليس لها من شرف الإنسانية إلا التسمي باسمها ~~تهلك من هذا نفسه، وتخون من ذاك عرضه، وتطمع من ذلك في ماله مع أنهم على ما ~~لهم من الجهل لا يرضون بهذه الفضائح فيمن يتقلد أمرا من أمور دنياهم أو ~~يتصدى يوما للقيام بمصلحة بيتهم وأهلهم فكيف يرضون بنسبة هذه الفضائح إلى ~~الله سبحانه وهو العليم الحكيم الذي أرسل رسله إلى عباده لئلا يكون لهم حجة ~~بعدهم؟ وليت شعري أي حجة تقوم على كافر أو فاسق إذا جاز للرسول أن يكفر أو ~~يفجر أو يدعو إلى الشرك والوثنية ثم يتبرأ منه وينسبه إلى الشيطان؟. # وإذا ذكروا ببعض ما لأنبياء الله (عليهم السلام) من العصمة الإلهية ~~والمقامات الموهوبة والمواقف الروحية عدوا ذلك شركا بالله، وغلوا في حق ~~عباد الله، وأخذوا في تلاوة قوله: "قل إنما أنا بشر مثلكم". # وقد أصابوا في ردهم بوجه فإن ما يتصورونه من الرب عز اسمه وينعتونه بها ~~من النعوت في ذاته وفعله دون ما يذكرون به من مقامات الأنبياء (عليهم ~~السلام) وأخفض منها منزلة وقدرا، وهذا كله من المصائب التي لقيتها الإسلام ~~وأهله مما دسته أهل الكتاب وخاصة اليهود في الروايات وعملته أيديهم، وحركوا ~~بها الرحى على غير محوره، واعتقدوا في الله سبحانه الذي ليس كمثله شيء أنه ~~مثل الإنسان المتجبر الذي يرى لنفسه أنه حر غير مسئول فيما يفعل وهم ~~المسئولون، وأن ترتب المسببات على أسبابها واستيلاد المقدمات نتائجها، ~~واقتضاء الخصائص الوجودية صورية أو معنوية لآثارها كل ذلك جزافي لا لرابطة ~~حقيقية. PageV06P202 # وأن الله تعالى ختم بمحمد النبوة وأنزل عليه القرآن، وخص موسى بالتكليم، ~~وعيسى بالتأييد بالروح لا لخصوصية في نفوسهم الشريفة بل لأنه أراد أن يخصهم ~~بكذا وبكذا، وأن ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت كضرب أحدنا بعصاه الحجر غير ~~أن الله يفجر ذاك ولا يفجر هذا، وأن قول عيسى للموتى: ms2371 قوموا بإذن الله مثل ~~أن ينادي أحدنا بين المقابر: قوموا بإذن الله إلا أن الله يحيي أولئك ولا ~~يحيي هؤلاء وهكذا. # وليس ذلك كله إلا قياسا لنظام التكوين إلى نظام التشريع الذي لا قوام له ~~إلا الوضع والاصطلاح والتعاهد الذي لا يتجاوز ظرف الاجتماع سعة، ولا يعدو ~~دنيا الإنسان المجتمع. # ولو أنهم تفطنوا قليلا وتدبروا في أطراف الآيات المتعرضة لأمر الذنب ~~والمعصية بالمعنى المصطلح عليه، وهي مخالفة الأمر والنهي المولويين تنبهوا ~~إلى أن من المغفرة ما هو فوق المغفرة المعروفة. # فإن الله سبحانه يكرر في كلامه أن له عبادا يسميهم بالمخلصين مصونين عن ~~المعصية لا مطمع فيهم للشيطان فلا ذنب - بالمعنى المعروف - لهم ولا حاجة ~~إلى المغفرة المتعلقة بذلك الذنب، وقد نص في حق عدة من أنبيائه كإبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى أنهم مخلصون كقوله في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ~~"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": "ص: 46"، وقوله في يوسف: "إنه من عبادنا ~~المخلصين": "يوسف: 24"، وقوله في موسى: "إنه كان مخلصا": "مريم: 51" وقد ~~حكى عنهم سؤال المغفرة كقول إبراهيم (عليه السلام): "ربنا اغفر لي ~~ولوالدي": "إبراهيم: 41" وقول موسى (عليه السلام): "رب اغفر لي ولأخي ~~وأدخلنا في رحمتك": "الأعراف: 115" ولو كانت المغفرة لا يتعلق إلا بالذنب ~~بالمعنى المعروف لم يستقم ذلك. # نعم ربما قال القائل: إنهم (عليهم السلام) يعدون أنفسهم مذنبين تواضعا ~~لله سبحانه ولا ذنب لهم لكن ينبغي لهذا القائل أن يتنبه إلى أنهم (عليهم ~~السلام) لم يخطئوا في نظرهم هذا، ولم يجازفوا في قولهم فلشمول المغفرة لهم ~~معنى صحيح والمسألة جدية. # على أن في دعاء إبراهيم (عليه السلام): "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين ~~يوم يقوم الحساب" دعاء لكافة المؤمنين - وفيهم المخلصون - بالمغفرة، وكذا ~~في دعاء نوح (عليه السلام): "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات": "نوح: 28" شمول بإطلاقه للمخلصين، ولا معنى لطلب ~~المغفرة على من لا ذنب له يحتاج إلى المغفرة. # فهذا كله ينبهنا إلى أن من الذنب المتعلق به المغفرة ما هو غير الذنب ~~بالمعنى المتعارف وكذا ms2372 من المغفرة ما هي غير المغفرة بمعناها المتعارف، وقد ~~حكى الله تعالى عن إبراهيم قوله: "والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين": "الشعراء: 82" ولعل هذا هو السبب فيما نشاهد أنه تعالى في موارد من ~~كلامه إذا ذكر الرحمة أو الرحمة الأخروية التي هي الجنة قدم عليه ذكر ~~المغفرة كقوله: "وقل رب اغفر وارحم": "المؤمنون: 181" وقوله: "واغفر لنا ~~وارحمنا": "البقرة: 268" وقوله حكاية عن آدم وزوجته: "وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا": "الأعراف: 23" وقوله عن نوح (عليه السلام): "وإلا تغفر لي ~~وترحمني": "هود: 47". # فتحصل من البيان السابق: أن للذنب مراتب مختلفة مترتبة طولا كما أن ~~للمغفرة مراتب بحذائها، تتعلق كل مرتبة من المغفرة بما يحاذيها من الذنب، ~~وليس من اللازم أن يكون كل ذنب وخطيئة متعلقا بأمر أو نهي مولوي فيعرفه ~~ويتبينه الأفهام العامية الساذجة، ولا أن يكون كل مغفرة متعلقة بهذا النوع ~~من الذنب. # فالذي تبين لنا من مراتب الذنب والمغفرة بحسب البحث السابق العام مراتب ~~أربع: أولاها: الذنب المتعلق بالأمر والنهي المولويين وهو المخالفة لحكم ~~شرعي فرعي أو أصلي وإن عممت التعبير قلت: مخالفة مادة من المواد القانونية ~~دينية كانت أو غير دينية، وتتعلق به مغفرة تحاذيه مرتبة. # والثانية: الذنب المتعلق بالحكم العقلي الخلقي والمغفرة المتعلقة به. # والثالثة: الذنب المتعلق بالحكم الأدبي ممن ظرف حياته ظرف الأدب والمغفرة ~~المتعلقة به، وهذان القسمان ربما لم يعدا بحسب الفهم العامي من الذنوب ~~والمغفرات، وربما حسبوهما منها مجازا، وليس من المجاز في شيء لما عرفت من ~~ترتب الآثار الحقيقية عليهما. PageV06P203 # والرابعة: الذنب الذي يحكم به ذوق الحب والمغفرة المتعلقة به، وفي ظرف ~~البغض أيضا ما يشبههما، وهذا النوع لا يعده الفهم العامي من الأقسام، وقد ~~أخطئوا في ذلك لا لجور منهم في الحكم والقضاء بل لقصور فهمهم عن تعقله ~~وتبين معناه. # وربما قال القائل منهم: أنه من أوهام العشاق والمبرسمين أو تخيل شعري لا ~~يتكىء على حقيقة عقلية، وقد غفل عن أن هذه التصورات على أنها أوهام وتخيلات ~~في طريق الحياة الاجتماعية هي ms2373 بعينها تعود حقائق - وأي حقائق - في طريق ~~العبودية عن حب إلهي يذيب القلب ويوله اللب، ولا يدع للإنسان شعورا يشعر ~~بغير ربه، ولا إرادة يريد بها إلا ما يريده. # وحينئذ يلوح له أن التفاتة يسيرة منه إلى نفسه أو إلى مشتهاها من شيء ذنب ~~عظيم وحجاب غليظ لا ترفعه إلا المغفرة الإلهية، وقد عد الله سبحانه الذنب ~~حجابا للقلب عن التوجه التام إلى ربه إذ قال: "كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": "المطففين: 15". # فهذا ما يعطيه البحث الجدي الذي لا يلعب فيه بالحقائق، وربما أمكن أن ~~يلوح لأولياء الله السالكين في عبوديتهم سبيل حبه تعالى دقائق من الذنب ~~ولطائف من المغفرة لا تكاد تناله أيدي الأبحاث الكلية العامة. # 5 - هل المؤاخذة أو المغفرة تستلزم ذنبا؟: # الباحث في ديدن العقلاء من أهل الاجتماع يعثر على أنهم يبنون المؤاخذة ~~والعقاب على التكليف الاختياري، ومن شرائط صحته عندهم العقل، وهناك شرائط ~~أخر تختلف في أصلها وفي تحديد ماهياتها وحدودها المجتمعات، ولسنا هاهنا ~~بصدد البحث عنها. # وإنما كلامنا في العقل الذي هو قوة التمييز بين الحسن والقبح والنافع ~~والضار والخير والشر بحسب المتوسط من حال الناس في مجتمعهم، فإن الناس من ~~حيث النظر الاجتماعي يرون أن في الإنسان مبدأ فعالا هذا شأنه وإن كان البحث ~~العلمي ربما أدى إلى أنه ليست قوة من القوى الطبيعية المودعة في الإنسان ~~كالمتخيلة والحافظة، وإنما هي ملكة حاصلة من توافق عدة من القوى في الفعل ~~كالعدالة. # فالمجتمعات على اختلافها ترى أن التكليف منوط بهذا المسمى عقلا فيتفرع ~~الثواب والعقاب المتفرعين على التكليف عليه لا محالة فيثاب العاقل بطاعته ~~ويعاقب بجرمه. # وأما غير العاقل كالصبي والمجنون والسفيه وكل مستضعف غيرهم فلا ثواب ولا ~~عقاب على ما يأتون به من طاعة أو معصية بحقيقة معنى الثواب والعقاب، وإن ~~كانوا ربما يثابون قبال طاعتهم ثوابا تشويقيا أو يؤاخذون ويساسون قبال ~~جرمهم بما يسمى عقابا تأديبا، وهذا شائع دائر في المجتمعات حتى المجتمع ~~الإسلامي. ms2374 # وهؤلاء بالنظر إلى السعادة والشقاوة المكتسبتين بامتثال التكاليف ~~ومخالفتها في الحياة الدنيا، لا سعداء ولا أشقياء إذ لا تكليف لهم فلا ثواب ~~حتى يسعدوا به ولا عقاب حتى يشقوا به، وإن كانوا ربما يشوقون بخير أو ~~يؤدبون بشر. # وأما بالنسبة إلى الحياة الآخرة التي يثبتها الدين الإلهي ثم يقسم الناس ~~إلى قسمين لا ثالث لهما: السعيد والشقي أو المثاب والمعاقب فالذي يذكره ~~القرآن الشريف في ذلك أمر إجمالي لا يتبين تفصيله إذ لا طريق عقلا إلى ~~تشخيص تفاصيل أحوالهم بعد الدنيا، قال تعالى: "وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم": "التوبة: 160"، وقال تعالى: "إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا": ~~"النساء: 99". PageV06P204 # والآيات - كما ترى - تشتمل على العفو عنهم والتوبة عليهم ولا مغفرة في مورد ~~لا ذنب هناك، وعلى عذابهم ولا عذاب على من لا تكليف له، غير أنك عرفت أن ~~الذنب وكذا المغفرة والعقاب والثواب ذوات مراتب مختلفة: منها ما يتعلق ~~بمخالفة التكليف المولوي أو العقلي، ومنها ما يتعلق بالهيئات النفسانية ~~الرديئة وأدران القلب التي تحجب الإنسان عن ربه، وهؤلاء وإن كانوا في معزل ~~من تعلق التكليف المتوقف على العقل لكنهم ليسوا بمصونين من ألواث النفوس ~~وأستار القلوب التي يحتاج التنعم بنعيم القرب، والحضور في ساحة القدس إلى ~~إزالتها وعفوها والستر عليها ومغفرتها. # ولعل هذا هو المراد مما ورد في بعض الروايات: "أن الله سبحانه يحشرهم ثم ~~يخلق نارا ويأمرهم بدخولها فمن دخلها دخل الجنة ومن أبى أن يدخلها دخل ~~النار" وسيجيء ما يتعلق بالروايات من الكلام في تفسير سورة التوبة إن شاء ~~الله، وقد مر بعض الكلام في سورة النساء. # ومن استعمال العفو والمغفرة في غير مورد الذنب في كلامه تعالى ما ms2375 تكرر ~~وقوعه في مورد رفع الحكم بقوله تعالى: "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ~~فإن الله غفور رحيم": "المائدة: 3"، ونظيره ما في سورة الأنعام، وقوله ~~تعالى في رفع الوضوء عن فاقد الماء: "وإن كنتم مرضى أو على سفر - إلى أن ~~قال - فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا ~~غفورا": "النساء: 43"، وقوله في حد المفسدين في الأرض: "إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم": "المائدة: 34"، وقوله في ~~رفع حكم الجهاد عن المعذورين: "ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم": ~~"التوبة: 91"، إلى غير ذلك. # وقال تعالى في البلايا والمصائب التي تصيب الناس: "وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": "الشورى: 30". # وينكشف بذلك أن صفة العفو والمغفرة منه تعالى كصفتي الرحمة والهداية ~~تتعلق بالأمور التكوينية والتشريعية جميعا فهو تعالى يعفو عن الذنوب ~~والمعاصي فيمحوها من صحيفة الأعمال، ويعفو عن الحكم الذي له مقتض يقتضي ~~وضعه فيمحوه فلا يشرعه، ويعفو عن البلايا والمصائب وأسبابها قائمة فيمحوها ~~فلا تصيب الإنسان. # 6 - رابطة العمل والجزاء: # قد عرفنا فيما تقدم من البحث أن الأوامر والنواهي العقلائية - القوانين ~~الدائرة بينهم - تستعقب آثارا جميلة حسنة على امتثالها وهي الثواب، وآثارا ~~سيئة على مخالفتها والتمرد منها تسمى عقابا، وأن ذلك كالحيلة يحتالون بها ~~إلى العمل بها، فجعلهم الجزاء الحسن للامتثال إنما هو ليكون مشوقا للعامل، ~~والجزاء السيىء على المخالفة ليكون العامل على خوف وحذر من التمرد. # ومن هنا يظهر أن الرابطة بين العمل والجزاء رابطة جعلية وضعية من المجتمع ~~أو من ولي الأمر، دعاهم إلى هذا الجعل حاجتهم الشديدة إلى العمل ليستفيدوا ~~منه ويرفعوا به الحاجة ويسدوا به الخلة، ولذلك تراهم إذا استغنوا وارتفعت ~~حاجتهم إلى العمل ساهلوا في الوفاء على ما تعهدوا به من ثواب وعقاب. # ولذلك أيضا ترى الجزاء يختلف كثرة وقلة والأجر يتفاوت شدة وضعفا باختلاف ~~الحاجة إلى العمل فكلما زادت الحاجة زاد الأجر وكلما نقصت نقص فالأمر ~~والمأمور والمكلف والمكلف بمنزلة البائع ms2376 والمشتري كل منهما يعطي شيئا ويأخذ شيئا. # والأجر والثواب بمنزلة الثمن، والعقاب بمنزلة الدرك على من أتلف شيئا ~~فضمن قيمته واستقرت في ذمته. # وبالجملة فهو أمر وضعي اعتباري نظير سائر العناوين والأحكام والموازين ~~الاجتماعية التي يدور عليها رحى الاجتماع الإنساني كالرئاسة والمرئوسية ~~والأمر والنهي والطاعة والمعصية والوجوب والحرمة والملك والمال والبيع ~~والشراء وغير ذلك، وإنما الحقائق هي الموجودات الخارجية والحوادث المكتنفة ~~بها التي لا تختلف حالها بغنى وفقر وعز وذل ومدح وذم كالأرض وما يخرج منها ~~والموت والحياة والصحة والمرض والجوع والشبع والظمأ والري. PageV06P205 # فهذا ما عند العقلاء من أهل الاجتماع، والله سبحانه جارانا في كلامه مجاراة ~~بعضنا بعضا فقلب سعادتنا التي يهدينا إليها بدينه في قالب السنن الاجتماعية ~~فأمر ونهى ورغب وحذر، وبشر وأنذر، ووعد بالثواب وأوعد بالعقاب فصرنا نتلقى ~~الدين على أسهل الوجوه التي نتلقى بها السنن والقوانين الاجتماعية، قال ~~تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": "النور: 21". # ولم يهمل سبحانه أمر تعليم النفوس المستعدة لإدراك الحقائق فأشار في آيات ~~من كلامه إلى أن وراء هذه المعارف الدينية التي تشتمل عليها ظواهر الكتاب ~~والسنة أمرا هو أعظم، وسرا هو أنفس وأبهى فقال تعالى: "وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان": "العنكبوت: 64". # فعد الحياة الدنيا لعبا لا بنية له إلا الخيال، ولا شأن له إلا أن يشغل ~~الإنسان عما يهمه، وهي الدار الآخرة وسعادة الإنسان الدائمة التي لها حقيقة ~~الحياة، والمراد بالحياة الدنيا إن كان هو عين ما نسميه حياة دون ما يلحق ~~بها من الشئون الحيوية من مال وجاه وملك وعزة وكرامة ونحوها فكونها لعبا ~~ولهوا مع ما نراها من الحقائق يستلزم كون الشئون الحيوية لعبا ولهوا بطريق ~~أولى، وإن كان المراد الحياة الدنيوية بجميع لواحقها فالأمر أوضح. # فهذه السنن الاجتماعية والمقاصد التي يطلب بها من عز وجاه ومال وغيرها، ~~ثم الذي يشتمل عليه التعليم الديني من مواد ومقاصد هدانا الله سبحانه إليها ~~بالفطرة ثم بالرسالة مثلها ms2377 كمثل اللعب الذي يضعه الولي المربي العاقل للطفل ~~الصغير الذي لا يميز صلاحه من فساده وخيره من شره ثم يجاريه فيه ليروض بدنه ~~ويروح ذهنه ويهيئه لنظام العمل وابتغاء الفوز به، فالذي يقع من العمل ~~اللعبي هو من الصبي لعب جميل يهديه إلى حد العمل، ومن الولي حكمة وعمل جدي ~~ليس من اللعب في شيء. # وقال تعالى: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، وما خلقناهما ~~إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون": "الدخان: 39" والآية قريبة المضمون من ~~الآية السابقة. # ثم شرح تعالى كيفية تأدية هذه التربية الصورية إلى مقاصدها المعنوية في ~~مثل عام ضربه للناس فقال: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض": "الرعد: 17". # فظهر من بيانه تعالى أن بين العمل والجزاء رابطة حقيقية وراء الرابطة ~~الوضعية الاعتبارية التي بينهما عند أهل الاجتماع ويجري عليها ظاهر تعليمه تعالى. # 7 - والعمل يؤدي الرابطة إلى النفس: # ثم بين تعالى أن العمل يؤدي هذه الرابطة إلى النفس من جهة الهيأة ~~النفسانية التي تحصل لها من العمل والحالة التي تؤديها إليها فقال تعالى: ~~"ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم": "البقرة: 252"، وقال: "وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": "البقرة: 248" وفي هذا المعنى آيات أخر كثيرة. # ويتبين بها أن جميع الآثار المترتبة على الأعمال من ثواب أو عقاب إنما ~~تترتب بالحقيقة على ما تكسبه النفوس من طريق الأعمال، وأن ليس للأعمال إلا ~~الوساطة. # ثم بين تعالى أن الذي سيواجههم من الجزاء على الأعمال إنما هو نفس ~~الأعمال بحسب الحقيقة لا كما يضع الإنسان في مجتمعه عملا ثم يردفه بجزاء بل ~~العمل محفوظ عند الله سبحانه بانحفاظ النفس العاملة ثم يظهره الله عليها ~~يوم تبلى السرائر قال الله تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء تود ms2378 لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا": "آل عمران: 30" وقال ~~تعالى: "لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": "التحريم: 7" ودلالة ~~الآيات ظاهرة، وتلحق بها في ذلك آيات أخر كثيرة. # ومن أحسنها دلالة قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد": "ق: 22" فإن هذا إشارة إلى مقام الجزاء الحاضر، وقد عده ~~غافلا عنه في الدنيا بقرينة قوله: "اليوم" ولا معنى للغفلة إلا عن أمر ~~موجود، ثم ذكر كشف غطائه عنه، ولا وجه للغطاء إلا أن يكون هناك مغطى عليه، ~~فقد كان ما يلقاه ويبصره من الجزاء يوم القيامة حاضرا موجودا في الدنيا غير ~~أنه لم يكشف عنه. PageV06P206 # وهذه الآيات تفسر الآيات الأخر الظاهرة في المجازاة وبينونة العمل والجزاء ~~لكون آيات المجازاة ناظرة إلى مرحلة الرابطة الاجتماعية الوضعية، وهذه ~~الآيات ناظرة إلى مرحلة الرابطة الحقيقية كما بيناه، وقد تعرضنا لهذا البحث ~~بعض التعرض في تفسير قوله تعالى: "ختم الله على قلوبهم": "البقرة: 7" في ~~الجزء الأول من الكتاب فليراجعه من شاء. # والله الهادي. # تم والحمد لله. PageV06P207 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء السابع PageV07P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 1 - 3 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى خلق السموت والأرض وجعل الظلمت ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1) هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا ~~وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو الله فى السموت وفى الأرض يعلم سركم ~~وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة هو توحيده تعالى بمعناه الأعم أعني أن للإنسان ربا هو رب ~~العالمين جميعا منه يبدأ كل شيء وإليه ينتهي ويعود كل شيء، أرسل رسلا ~~مبشرين ومنذرين يهدي بهم عباده المربوبين إلى دينه الحق، ولذلك نزلت معظم ~~آياتها في صورة الحجاج على المشركين في التوحيد والمعاد والنبوة، واشتملت ~~على إجمال الوظائف الشرعية والمحرمات الدينية. # وسياقها - على ما يعطيه التدبر - سياق واحد متصل لا دليل فيه على فصل ~~يؤدي إلى نزولها نجوما. # وهذا يدل على نزولها جملة واحدة، وأنها مكية فإن ms2379 ذلك ظاهر سياقها الذي ~~وجه الكلام في جلها أو كلها إلى المشركين. # وقد اتفق المفسرون والرواة على كونها مكية إلا في ست آيات روي عن بعضهم ~~أنها مدنية. # وهي قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره": آية - 91 إلى تمام ثلاث آيات، ~~وقوله تعالى: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم:" آية - 151 إلى تمام ثلاث آيات. # وقيل: إنها كلها مكية إلا آيتان منها نزلتا بالمدينة، وهما قوله تعالى: ~~"قل تعالوا أتل" والتي بعدها. # وقيل: نزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا آيتين نزلتا بالمدينة في رجل من ~~اليهود، وهو الذي قال: "ما أنزل الله على بشر من شيء" الآية. # وقيل: "إنها كلها مكية إلا آية واحدة نزلت بالمدينة، وهو قوله تعالى: ~~"ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة" الآية. # وهذه الأقوال لا دليل على شيء منها من جهة سياق اللفظ على ما تقدم من ~~وحدة السياق واتصال آيات السورة، وسنبينها بما نستطيعه، وقد ورد عن أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) وكذا عن أبي وعكرمة وقتادة: أنها نزلت جملة واحدة بمكة. # قوله تعالى: "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور" ~~افتتح بالثناء على الله وهو كالمقدمة لما يراد بيانه من معنى التوحيد، وذلك ~~بتضمين الثناء ما هو محصل غرض السورة ليتوسل بذلك إلى الاحتجاج عليه ~~تفصيلا، وتضمينه العجب منهم ولومهم على أن عدلوا به غيره والامتراء في ~~وحدته ليكون كالتمهيد على ما سيورد من جمل الوعظ والإنذار والتخويف. # وقد أشار في هذا الثناء الموضوع في الآيات الثلاث إلى جمل ما تعتمد عليه ~~الدعوة الدينية في المعارف الحقيقية التي هي بمنزلة المادة للشريعة، وتنحل ~~إلى نظامات ثلاث: نظام الكون العام وهو الذي تشير إليه الآية الأولى، ونظام ~~الإنسان بحسب وجوده، وهو الذي تشتمل عليه الآية الثانية، ونظام العمل ~~الإنساني وهو الذي تومىء إليه الآية الثالثة. # فالمتحصل من مجموع الآيات الثلاث هو الثناء عليه تعالى بما خلق العالم ~~الكبير الذي يعيش فيه الإنسان، وبما خلق عالما صغيرا هو وجود الإنسان ~~المحدود من حيث ms2380 ابتدائه بالطين ومن حيث انتهائه بالأجل المقضي، وبما علم سر ~~الإنسان وجهره وما يكسبه. # وما في الآية الثالثة: "وهو الله في السماوات وفي الأرض، بمنزلة الإيضاح ~~لمضمون الآيتين، السابقتين والتمهيد لبيان علمه بسر الإنسان وجهره وما ~~تكسبه نفسه. # فقوله: "خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور" إشارة إلى نظام الكون ~~العام الذي عليه تدبر الأشياء على كثرتها وتفرقها في عالمنا في نظامه ~~الجاري المحكم إلا عالم الأرض الذي يحيط به عالم السماوات على سعتها ثم ~~يتصرف بها بالنور والظلمات اللذين عليهما يدور رحى العالم المشهود في تحوله ~~وتكامله فلا يزال يتولد شيء من شيء، ويتقلب شيء إلى شيء، ويظهر واحد ويخفى ~~آخر، ويتكون جديد ويفسد قديم، وينتظم من تلاقي هذه الحركات المتنوعة على ~~شتاتها الحركة العالمية الكبرى التي تحمل أثقال الأشياء، وتسير بها إلى ~~مستقرها. PageV07P002 # والجعل في قوله: "وجعل الظلمات" إلخ بمعنى الخلق غير أن الخلق لما كان ~~مأخوذا في الأصل من خلق الثوب كان التركيب من أجزاء شتى مأخوذا في معناه ~~بخلاف الجعل، ولعل هذا هو السبب في تخصيص الخلق بالسماوات والأرض لما فيها ~~من التركيب بخلاف الظلمة والنور، ولذا خصا باستعمال الجعل. # والله أعلم. # وقد أتى بالظلمات بصيغة الجمع دون النور، ولعله لكون الظلمة متحققة ~~بالقياس إلى النور فإنها عدم النور فيما من شأنه أن يتنور فتتكثر بحسب ~~مراتب قربه من النور وبعده بخلاف النور فإنه أمر وجودي لا يتحقق بمقايسته ~~إلى الظلمة التي هي عدمية، وتكثيره تصورا بحسب قياسه التصوري إلى الظلمة لا ~~يوجب تعدده وتكثره حقيقة. # قوله تعالى: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" مسوق للتعجب المشوب بلوم أي ~~إن الله سبحانه بخلقه السماوات والأرض وجعله الظلمات والنور متوحد ~~بالألوهية متفرد بالربوبية لا يماثله شيء ولا يشاركه، ومن العجب أن الذين ~~كفروا مع اعترافهم بأن الخلق والتدبير لله بحقيقة معنى الملك دون الأصنام ~~التي اتخذوها آلهة يعدلون بالله غيره من أصنامهم ويسوون به أوثانهم فيجعلون ~~له أندادا تعادله بزعمهم فهم ملومون على ذلك. # وبذلك يظهر وجه الإتيان بثم ms2381 الدال على التأخير والتراخي فكأن المتكلم لما ~~وصف تفرده بالصنع والإيجاد وتوحده بالألوهية والربوبية ذكر مزعمة المشركين ~~وأصحاب الأوثان أن هذه الحجارة والأخشاب المعمولة أصناما يعدلون بها رب ~~العالمين فشغله التعجب زمانا وكفه عن التكلم ثم جرى في كلامه وأشار إلى وجه ~~سكوته، وأن حيرة التعجب كان هو المانع عن جريه في كلامه فقال: الذين كفروا ~~بربهم يعدلون. # قوله تعالى: "هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا" يشير إلى خلقه العالم ~~الإنساني الصغير بعد الإشارة إلى خلق العالم الكبير فيبين أن الله سبحانه ~~هو الذي خلق الإنسان ودبر أمره بضرب الأجل لبقائه الدنيوي ظاهرا فهو محدود ~~الوجود بين الطين الذي بدأ منه خلق نوعه وإن كان بقاء نسله جاريا على سنة ~~الإزدواج والوقاع كما قال تعالى: "وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء مهين": السجدة: - 8. # وبين الأجل المقضي الذي يقارن الموت كما قال تعالى: "كل نفس ذائقة الموت ~~ثم إلينا يرجعون": العنكبوت: - 57 ومن الممكن أن يراد بالأجل ما يقارن ~~الرجوع إلى الله سبحانه بالبعث فإن القرآن الكريم كأنه يعد الحياة البرزخية ~~من الدنيا كما يفيده ظاهر قوله تعالى: "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين، قال إن لبثتم إلا قليلا لو ~~أنكم كنتم تعلمون": المؤمنون - 114، وقال أيضا: "ويوم تقوم الساعة يقسم ~~المجرمون، ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم ~~لا تعلمون": الروم: - 56. # وقد أبهم أمر الأجل بإتيانه منكرا في قوله: "ثم قضى أجلا" للدلالة على ~~كونه مجهولا للإنسان لا سبيل له إلى المعرفة به بالتوسل إلى العلوم ~~العادية. # قوله تعالى: "وأجل مسمى عنده" تسمية الأجل تعيينه فإن العادة جرت في ~~العهود والديون ونحو ذلك بذكر الأجل وهو المدة المضروبة أو آخر المدة ~~باسمه، وهو الأجل المسمى، قال تعالى: "إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه": البقرة: - 282 ms2382 وهو الأجل بمعنى آخر المدة المضروبة، وكذا قوله ~~تعالى: "من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت": العنكبوت: - 5 وقال ~~تعالى في قصة موسى وشعيب: "قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك - إلى أن قال - قال ذلك بيني ~~وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي": القصص - 28 وهو الأجل بمعنى تمام ~~المدة المضروبة. # والظاهر أن الأجل بمعنى آخر المدة فرع الأجل بمعنى تمام المدة استعمالا ~~أي أنه استعمل كثيرا "الأجل المقضي" ثم حذف الوصف واكتفي بالموصوف فأفاد ~~الأجل معنى الأجل المقضي، قال الراغب في مفرداته: يقال للمدة المضروبة ~~لحياة الإنسان "أجل" فيقال: دنا أجله عبارة عن دنو الموت، وأصله استيفاء ~~الأجل، انتهى. PageV07P003 # وكيف كان فظاهر كلامه تعالى أن المراد بالأجل والأجل المسمى هو آخر مدة ~~الحياة لإتمام المدة كما يفيده قوله: "فإن أجل الله لآت" الآية. # فتبين بذلك أن الأجل أجلان: الأجل على إبهامه، والأجل المسمى عند الله تعالى. # وهذا هو الذي لا يقع فيه تغير لمكان تقييده بقوله "عنده" وقد قال تعالى: ~~"وما عند الله باق": النحل: - 96 وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغير ولا ~~يتبدل قال تعالى: "إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": يونس: 49. # فنسبة الأجل المسمى إلى الأجل غير المسمى نسبة المطلق المنجز إلى المشروط ~~المعلق فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذي ~~علق عليه بخلاف المطلق المنجز فإنه لا سبيل إلى عدم تحققه البتة. # والتدبر في الآيات السابقة منضمة إلى قوله تعالى: "لكل أجل كتاب، يمحوا ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": الرعد: 39 يفيد أن الأجل المسمى هو ~~الذي وضع في أم الكتاب، وغير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه بلوح ~~المحو والإثبات، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن أم الكتاب قابل الانطباق على ~~الحوادث الثابتة في العين أي الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب العامة ~~التي لا تتخلف عن تأثيرها، ولوح المحو والإثبات ms2383 قابل الانطباق على الحوادث ~~من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة التي ربما نسميها بالمقتضيات التي ~~يمكن اقترانها بموانع تمنع من تأثيرها. # واعتبر ما ذكر من أمر السبب التام والناقص بمثال إضاءة الشمس فإنا نعلم ~~أن هذه الليلة ستنقضي بعد ساعات وتطلع علينا الشمس فتضيء وجه الأرض لكن ~~يمكن أن يقارن ذلك بحيلولة سحابة أو حيلولة القمر أو أي مانع آخر فتمنع من ~~الإضاءة، وأما إذا كانت الشمس فوق الأفق ولم يتحقق أي مانع مفروض بين الأرض ~~وبينها فإنها تضيء وجه الأرض لا محالة. # فطلوع الشمس وحده بالنسبة إلى الإضاءة بمنزلة لوح المحو والإثبات، ~~وطلوعها مع حلول وقته وعدم أي حائل مفروض بينها وبين الأرض بالنسبة إلى ~~الإضاءة بمنزلة أم الكتاب المسمى باللوح المحفوظ. # فالتركيب الخاص الذي لبنية هذا الشخص الإنساني مع ما في أركانه من ~~الاقتضاء المحدود يقتضي أن يعمر العمر الطبيعي الذي ربما حددوه بمائة أو ~~بمائة وعشرين سنة وهذا هو المكتوب في لوح المحو والإثبات مثلا غير أن لجميع ~~أجزاء الكون ارتباطا وتأثيرا في الوجود الإنساني فربما تفاعلت الأسباب ~~والموانع التي لا نحصيها تفاعلا لا نحيط به فأدى إلى حلول أجله قبل أن ~~ينقضي الأمد الطبيعي، وهو المسمى بالموت الاخترامي. # وبهذا يسهل تصور وقوع الحاجة بحسب ما نظم الله الوجود إلى الأجل المسمى ~~وغير المسمى جميعا، وأن الإبهام الذي بحسب الأجل غير المسمى لا ينافي ~~التعين بحسب الأجل المسمى، وأن الأجل غير المسمى والمسمى ربما توافقا وربما ~~تخالفا والواقع حينئذ هو الأجل المسمى البتة. # هذا ما يعطيه التدبر في قوله: "ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده" وللمفسرين ~~تفسيرات غريبة للأجلين الواقعين في الآية: منها: أن المراد بالأجل الأول ما ~~بين الخلق والموت والثاني ما بين الموت والبعث،، ذكره عدة من الأقدمين ~~وربما روي عن ابن عباس. # ومنها: أن الأجل الأول أجل أهل الدنيا حتى يموتوا، والثاني أجل الآخرة ~~الذي لا آخر له، ونسب إلى المجاهد والجبائي وغيرهما. # ومنها: أن الأجل الأول أجل من مضى، والثاني أجل من بقي ms2384 من سيأتي، ونسب ~~إلى أبي مسلم. # ومنها: أن الأجل الأول النوم، والثاني الموت. # ومنها: أن المراد بالأجلين واحد، وتقدير الآية الشريفة: ثم قضى أجلا وهذا ~~أجل مسمى عنده. # ولا أرى الاشتغال بالبحث عن صحة هذه الوجوه وأشباهها وسقمها يسوغه الوقت ~~على ضيقه، ولا يسمح بإباحته العمر على قصره. PageV07P004 # قوله تعالى: "ثم أنتم تمترون" من المرية بمعنى الشك والريب، وقد وقع في ~~الآية التفات من الغيبة إلى الحضور، وكأن الوجه فيه أن الآية الأولى تذكر ~~خلقا وتدبيرا عاما ينتج من ذلك أن الكفار ما كان ينبغي لهم أن يعدلوا بالله ~~سبحانه غيره، وكان يكفي في ذلك ذكرهم بنحو الغيبة لكن الآية الثانية تذكر ~~الخلق والتدبير الواقعين في الإنسان خاصة فكان من الحري الذي يهيج المتكلم ~~المتعجب اللائم أن يواجههم بالخطاب ويلومهم بالتجبيه كأنه يقول: هذا خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور عذرناكم في الغفلة عن حكمه لكون ذلك ~~أمرا عاما ربما أمكن الذهول عما يقتضيه فما عذركم أنتم في امترائكم فيه وهو ~~الذي خلقكم وقضى فيكم أجلا وأجل مسمى عنده؟. # قوله تعالى: "وهو الله في السماوات وفي الأرض" الآيتان السابقتان تذكران ~~الخلق والتدبير في العوالم عامة وفي الإنسان خاصة، ويكفي ذلك في التنبه على ~~أن الله سبحانه هو الإله الواحد الذي لا شريك له في خلقه وتدبيره. # لكنهم مع ذلك أثبتوا آلهة أخرى وشفعاء مختلفة لوجوه التدبير المختلفة ~~كإله الحياة وإله الرزق وإله البر وإله البحر وغير ذلك، وكذا للأنواع ~~والأقوام والأمم المتشتتة كإله السماء وإله هذه الطائفة وإله تلك الطائفة ~~فنفى ذلك بقوله: "وهو الله في السماوات وفي الأرض". # فالآية نظيرة قوله: "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم ~~العليم": الزخرف: 84 مفادها انبساط حكم ألوهيته تعالى في السماوات وفي ~~الأرض من غير تفاوت أو تحديد، وهي إيضاح لما تقدم وتمهيد لما يتلوها من ~~الكلام. # قوله تعالى: "يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون" السر والجهر متقابلان ~~وهما وصفان للأعمال، فسرهم ما عملوه سرا وجهرهم ما عملوه جهرا ms2385 من غير ستر. # وأما ما يكسبون فهو الحال النفساني الذي يكسبه الإنسان بعمله السري ~~والجهري من حسنة أو سيئة فالسر والجهر المذكوران - كما عرفت - وصفان صوريان ~~لمتون الأعمال الخارجية، وما يكسبونه حال روحي معنوي قائم بالنفوس فهما ~~مختلفان بالصورية والمعنوية، ولعل اختلاف المعلومين من حيث نفسهما هو ~~الموجب لتكرار ذكر العلم في قوله: "يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون". # والآية كالتمهيد لما ستتعرض له من أمر الرسالة والمعاد فإن الله سبحانه ~~لما كان عالما بما يأتي به الإنسان من عمل سرا أو جهرا، وكان عالما بما ~~يكسبه لنفسه بعمله من خير أو شر، وكان إليه زمام التربية والتدبير كان له ~~أن يرسل رسولا بدين يشرعه لهداية الناس على الرغم مما يصر عليه الوثنيون من ~~الاستغناء عن النبوة كما قال تعالى: "إن علينا للهدى": الليل: 12. # وكذا هو تعالى لما كان عالما بالأعمال وبتبعاتها في نفس الإنسان كان عليه ~~أن يحاسبهم في يوم لا يغادر منهم أحدا كما قال تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي حمزة قال قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): إن سورة الأنعام نزلت جملة، شيعها سبعون ألف ملك حتى أنزلت ~~على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عز وجل ~~فيها في سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها: أقول: ورواه ~~العياشي عنه (عليه السلام) مرسلا. # وفي تفسير القمي، قال حدثني أبي عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه ~~السلام) قال: نزلت الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل ~~بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها استغفروا له إلى يوم القيامة. # أقول: ورواه في المجمع، أيضا عن الحسين بن خالد عنه (عليه السلام): إلا ~~أنه قال سبحوا له إلى يوم القيامة. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: إن سورة الأنعام نزلت جملة ms2386 واحدة وشيعها سبعون ألف ملك حين أنزلت على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عز وجل ~~فيها سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها، ~~الحديث. PageV07P005 # وفي جوامع الجامع، للطبرسي قال: في حديث أبي بن كعب عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: أنزلت علي الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك ~~لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأها صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد ~~كل آية من الأنعام يوما وليلة:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عنه بعدة طرق. # وفي الكافي، بإسناده عن ابن محبوب عن أبي جعفر الأحول عن سلام بن ~~المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله خلق الجنة قبل أن يخلق ~~النار، وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية، وخلق الرحمة قبل الغضب، وخلق ~~الخير قبل الشر وخلق الأرض قبل السماء، وخلق الحياة قبل الموت، وخلق الشمس ~~قبل القمر، وخلق النور قبل الظلمة. # أقول: خلق النور قبل الظلمة بالنظر إلى كون الظلمة عدميا مضافا إلى النور ~~ظاهر المعنى، وأما نسبة الخلق إلى الطاعة والمعصية فليس يلزم منها بطلان ~~الاختيار فإن بطلانه يستلزم بطلان نفس الطاعة والمعصية فلا تبقى لنسبتهما ~~إلى الخلق وجه صحة بل المراد كونه تعالى يملكهما كما يملك كل ما وقع في ~~ملكه، وكيف يمكن أن يقع في ملكه ما هو خارج عن إحاطته وسلطانه ومنعزل عن ~~مشيته وإذنه؟. # ولا دليل على انحصار الخلق في الإيجاد والصنع الذي لا واسطة فيه حتى يكون ~~تعالى مستقلا بإيجاد كل ما نسب خلقه إليه فيكون إذا قيل: إن الله خلق العدل ~~أو القتل مثلا أنه أبطل إرادة الإنسان العادل أو القاتل، واستقل هو بالعدل ~~والقتل بإذهاب الواسطة من البين فافهم ذلك، وقد تقدم استيفاء البحث عن هذا ~~المعنى في الجزء الأول من الكتاب. # وبنظير البيان يتبين معنى نسبة الخلق إلى الخير والشر أيضا، سواء كانا ~~خيرا وشرا في الأمور التكوينية أو في الأفعال. # وأما كون الطاعة ms2387 مخلوق قبل المعصية، وكذا الخير قبل الشر فيجري أيضا في ~~بيانه نظير ما تقدم من بيان كون النور قبل الظلمة من أن النسبة بينهما نسبة ~~العدم والملكة، والعدم يتوقف في تحققه على الملكة ويظهر به أن خلق الحياة ~~قبل الموت. # وبذلك يتبين أن خلق الرحمة قبل الغضب فإن الرحمة متعلقة بالطاعة والخير ~~والغضب متعلق بالمعصية والشر، والطاعة والخير قبل المعصية والشر. # وأما خلق الأرض قبل السماء فيدل عليه قوله تعالى: "خلق الأرض في يومين - ~~إلى أن قال - ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين": حم السجدة: 12. # وأما كون خلق الشمس قبل القمر فليس كل البعيد أن يستفاد من قوله تعالى: ~~"والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها": الشمس: 2 وقد رجحت الأبحاث الطبيعية ~~اليوم أن الأرض مشتقة من الشمس والقمر مشتق من الأرض. # وفي تفسير العياشي، عن جعفر بن أحمد عن العمركي بن علي عن العبيدي عن ~~يونس بن عبد الرحمن عن علي بن جعفر عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: لكل ~~صلاة وقتان، ووقت يوم الجمعة زوال الشمس ثم تلا هذه الآية: "الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض - وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" ~~قال: يعدلون بين الظلمات والنور وبين الجور والعدل. # أقول: وهذا معنى آخر للآية، وبناؤه على جعل قوله: "بربهم" متعلقا بقوله ~~"كفروا" دون "يعدلون". # وفي الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن ~~زرارة عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألت عن قول الله عز وجل ~~"قضى أجلا وأجل مسمى عنده" قال: هما أجلان أجل محتوم وأجل موقوف. # وفي تفسير العياشي، عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله: "قضى أجلا وأجل مسمى" قال: فقال هما أجلان أجل موقوف يصنع الله ~~ما يشاء، وأجل محتوم. # وفي تفسير العياشي، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام): ms2388 في ~~قوله: "ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده" قال: الأجل الذي غير مسمى موقوف يقدم ~~منه ما شاء، وأما الأجل المسمى فهو الذي ينزل مما يريد أن يكون من ليلة ~~القدر إلى مثلها قال: فذلك قول الله: "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون". PageV07P006 # وفيه، عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: ~~"أجلا وأجل مسمى عنده" قال: المسمى ما سمي لملك الموت في تلك الليلة، وهو ~~الذي قال الله "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" وهو الذي ~~سمي لملك الموت في ليلة القدر، والآخر له فيه المشية إن شاء قدمه، وإن شاء أخره. # أقول: وفي هذا المعنى غيرها من الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام)، والذي يدل عليه من معنى الأجل المسمى وغيره هو الذي تقدمت ~~استفادته من الآيات الكريمة. # وفي تفسير علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي عن النضر بن سويد عن الحلبي عن ~~عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الأجل المقضي هو ~~المحتوم الذي قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذي فيه البداء يقدم ما يشاء ~~ويؤخر ما شاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير. # أقول: وقد غلط بعض من في طريق الرواية فعكس المعنى وفسر كلا من المسمى ~~وغيره بمعنى الآخر. # على أن الرواية لا تتعرض لتفسير الآية فلا كثير ضير في قبولها. # وفي تفسير العياشي، عن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ~~"قضى أجلا وأجل مسمى عنده" قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): الأجل ~~الأول هو ما نبذه إلى الملائكة والرسل والأنبياء، والأجل المسمى عنده هو ~~الذي ستره الله عن الخلائق. # أقول: ومضمون الرواية ينافي ما تقدمت من الروايات ظاهرا، ولكن من الممكن ~~أن يستفاد من قوله: "نبذه" أن المراد أنه تعالى أعطاهم الأصل الذي تستنبط ~~منه الآجال غير المسماة وأما الأجل المسمى فلم يسلط أحدا على علمه بمعنى أن ~~ينبذ إليه نورا يكشف به كل ms2389 أجل مسمى إذا أريد ذلك، وإن كان تعالى يسميه ~~لملك الموت أو لأنبيائه ورسله إذا شاء، وذلك كالغيب يختص علمه به تعالى، ~~وهو مع ذلك يكشف عن شيء منه لمن ارتضاه من رسول إذا شاء ذلك. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن مثنى الحناط عن أبي جعفر ~~أظنه محمد بن النعمان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز ~~وجل: "وهو الله في السماوات وفي الأرض" قال: كذلك هو في كل مكان، قلت: ~~بذاته؟ قال: ويحك إن الأماكن أقدار فإذا قلت: في مكان بذاته لزمك أن تقول: ~~في أقدار وغير ذلك. # ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق علما - وقدرة وإحاطة وسلطانا - وليس ~~علمه بما في الأرض بأقل مما في السماء، ولا يبعد منه شيء، والأشياء له سواء ~~علما وقدرة وسلطانا وملكا وإرادة. PageV07P007 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 4 - 11 # وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون (5) ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكنهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء ~~عليهم مدرارا وجعلنا الأنهر تجرى من تحتهم فأهلكنهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا ءاخرين (6) ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا ~~منهم ما كانوا به يستهزءون (10) قل سيروا فى الأرض ثم انظروا كيف كان عقبة ~~المكذبين (11) ### |||| AUTO بيان # الآيات إشارة إلى تكذيبهم الحق الذي أرسل به الرسول وتماديهم في تكذيب ~~الحق والاستهزاء بآيات الله سبحانه ثم موعظة لهم وتخويف وإنذار، وجواب عن ~~بعض ما لغوا به في إنكار الحق الصريح. # قوله تعالى: "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين" ~~إشارة إلى ms2390 أن سجية الاستكبار رسخت في نفوسهم فأنتجت فيهم الإعراض عن الآيات ~~الدالة على الحق فلا يلتفتون إلى آية من الآيات من غير تفاوت بين آية وآية ~~لأنهم كذبوا بالأصل المقصود الذي هو الحق، وهو قوله تعالى: "فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم". # قوله تعالى: "فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون" تخويف وإنذار فإن ~~الذي يستهزءون به حق، والحق يأبى إلا أن يظهر يوما ويخرج من حد النبإ إلى ~~حد العيان قال تعالى: "ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته": الشورى: 24، ~~وقال: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون": الصف: 9 وقال في مثل ضربه: "كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض": الرعد: 17. # ومن المعلوم أن الحق إذا ظهر لم يستو في مساسه المؤمن والكافر، والخاضع ~~والمستهزىء، قال تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون ~~أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين": الصافات: 177. # قوله تعالى: "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن" إلى آخر الآية، قال ~~الراغب: القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون انتهى. # وقال أيضا: قال تعالى: "وأرسلنا السماء عليهم مدرارا" "يرسل السماء عليكم ~~مدرارا" وأصله من الدر - بالفتح - والدرة - بالكسر - أي اللبن، ويستعار ذلك ~~للمطر استعارة أسماء البعير وأوصافه فقيل: لله دره ودر درك، ومنه استعير ~~قولهم غسوق دره أي نفاق - بالفتح - انتهى. # وفي قوله تعالى: "مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم" التفات من الغيبة إلى ~~الحضور، والوجه فيه ظاهرا رفع اللبس من جهة مرجع الضمير فلو لا الالتفات ~~إلى الحضور في قوله: "ما لم نمكن لكم" أوهم السياق رجوعه إلى ما يرجع إليه ~~الضمير في قوله: "مكناهم" وإلا فأصل السياق في مفتتح السورة للغيبة، وقد ~~تقدم الكلام في الالتفات الواقع في قوله: "هو الذي ms2391 خلقكم من طين". # وفي قوله: "فأهلكناهم بذنوبهم" دلالة على أن للسيئات والذنوب دخلا في ~~البلايا والمحن العامة، وفي هذا المعنى وكذا في معنى دخل الحسنات والطاعات ~~في إفاضات النعم ونزول البركات آيات كثيرة. PageV07P008 # قوله تعالى: "ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم" إلى آخر ~~الآية، إشارة إلى أن استكبارهم قد بلغ مبلغا لا ينفع معه حتى لو أنزلنا ~~كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم فناله حسهم بالبصر والسمع، وتأيد بعض حسهم ~~ببعض فإنهم قائلون حينئذ لا محالة: هذا سحر مبين، فلا ينبغي أن يعبأ باللغو ~~من قولهم: "ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه": الإسراء: 93. # وقد نكر الكتاب في قوله: "كتابا في قرطاس" لأن هذا الكتاب نزل نوع تنزيل ~~لا يقبل إلا التنزيل نجوما وتدريجا، وقيده بكونه في قرطاس ليكون أقرب إلى ~~ما اقترحوه، وأبعد مما يختلج في صدورهم أن الآيات النازلة على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من منشآت نفسه من غير أن ينزل به الروح الأمين على ما ~~يذكره الله سبحانه: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين": الشعراء: 195. # قوله تعالى: "وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون" قولهم "لو لا أنزل عليه ملك" تحضيض للتعجيز، وقد أخبرهم النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بما كان يتلو عليهم من آيات الله النازلة عليه ~~أن الذي جاء به إليه ملك كريم نازل من عند الله كقوله تعالى: "إنه لقول ~~رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين": كورت: 21 إلى غيرها ~~من الآيات. # فسؤالهم إنزال الملك إنما كان لأحد أمرين على ما يحكيه الله عنهم في ~~كلامه: أحدهما: أن يأتيهم بما يعدهم النبي من العذاب كما قال تعالى: "فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود": حم السجدة: 13 وقال: "قل ~~هو نبأ عظيم - إلى أن قال - إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين": ص: 70. # ولما كان نزول الملك انقلابا ms2392 للغيب إلى الشهادة، ولا مرمى بعده استعقب إن ~~لم يؤمنوا - ولن يؤمنوا بما استحكم فيهم من قريحة الاستكبار - القضاء بينهم ~~بالقسط، ولا محيص حينئذ عن إهلاكهم كما قال تعالى: "ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~بينهم ثم لا ينظرون". # على أن نفوس الناس المتوغلين في عالم المادة القاطنين في دار الطبيعة لا ~~تطيق مشاهدة الملائكة لو نزلوا عليهم واختلطوا بهم لكون ظرفهم غير ظرفهم ~~فلو وقع الناس في ظرفهم لم يكن ذلك إلا انتقالا منهم من حضيض المادة إلى ~~ذروة ما وراها وهو الموت كما قال تعالى: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا ~~أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، ~~يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا": الفرقان: ~~22 وهذا هو يوم الموت أو ما هو بعده بدليل قوله بعده "أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا": الفرقان: 24. # وقال تعالى بعده - وظاهر السياق أنه يوم آخر -: "ويوم تشقق السماء ~~بالغمام ونزل الملائكة، تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا": الفرقان: 26 ولعلهم إياه كانوا يعنون بقولهم: "أو تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا": الإسراء: 92. # وبالجملة فقوله تعالى: "ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر" إلخ، جواب عن ~~اقتراحهم نزول الملك ليعذبهم، وعلى هذا ينبغي أن يضم إليه ما وعده الله هذه ~~الأمة أن يؤخر عنهم العذاب كما تشير إليه الآيات من سورة يونس: "ولكل أمة ~~رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون، ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين، قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله لكل ~~أمة أجل - إلى أن قال - ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم ~~بمعجزين": يونس: 53 وفي هذا المعنى آيات أخرى كثيرة سنستوفي البحث عنها في ~~سورة أخرى إن شاء الله. # وقال تعالى: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون": الأنفال: 33. # فالمتحصل من الآية أنهم يسألون نزول الملك، ولا نجيبهم إلى ما ms2393 سألوه لأنه ~~لو نزل الملك لقضي بينهم ولم ينظروا وقد شاء الله أن ينظرهم إلى حين ~~فليخوضوا فيما يخوضون حتى يلاقوا يومهم، وسيوافيهم ما سألوه فيقضي الله بينهم. PageV07P009 # ويمكن أن يقرر معنى الآية على نحو آخر وهو أن يكون مرادهم أن ينزل الملك ~~ليكون آية لا ليأتيهم بالعذاب، ويكون المراد من الجواب أنه لو نزل عليهم لم ~~يؤمنوا به لما تمكن فيهم من رذيلة العناد والاستكبار وحينئذ قضي بينهم وهم ~~لا ينظرون، وهم لا يريدون ذلك. # وثانيهما: أن ينزل عليهم الملك ليكون حاملا لأعباء الرسالة داعيا إلى ~~الله مكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يكون معه رسولا مثله مصدقا ~~لدعوته شاهدا على صدقه كما في قولهم فيما حكى الله: "وقالوا ما لهذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا:" ~~الفرقان: 7. فإنهم يريدون أن الذي هو رسول من جانب الله لا يناسب شأنه أن ~~يشارك الناس في عادياتهم من أكل الطعام واكتساب الرزق بالمشي في الأسواق بل ~~يجب أن يختص بحياة سماوية وعيشة ملكوتية لا يخالطه تعب السعي وشقاء الحياة ~~المادية فيكون على أمر بارز من الدعوة أو ينزل معه ملك سماوي فيكون معه ~~نذيرا فلا يك في حقية دعوته وواقعية رسالته. # وهذا هو الذي تجيب عنه الآية التالية: "ولو جعلناه ملكا" الخ. # قوله تعالى: "ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون" ~~اللبس بالفتح الستر بساتر لما يجب ستره لقبحه أو لحاجته إلى ذلك واللبس ~~بالضم التغطية على الحق، وكأن المعنى استعاري والأصل واحد. # قال الراغب في المفردات: لبس الثوب استتر به وألبسه غيره - إلى أن قال - ~~وأصل اللبس بضم اللام ستر الشيء ويقال ذلك في المعاني يقال: لبست عليه أمره ~~قال: وللبسنا عليهم ما يلبسون وقال: ولا تلبسوا الحق بالباطل، لم تلبسون ~~الحق بالباطل، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم و، يقال: في الأمر لبسه ~~أي التباس، انتهى. # ومعمول يلبسون محذوف، وربما استفيد من ذلك العموم والتقدير يلبس الكفار ms2394 ~~على أنفسهم أعم من لبس البعض على نفسه، ولبس البعض على البعض الآخر. # أما لبسهم على غيرهم فكما يلبس علماء السوء الحق بالباطل لجهلة مقلديهم ~~وكما يلبس الطواغيت المتبعون لضعفة أتباعهم الحق بالباطل كقول فرعون فيما ~~حكى الله لقومه: "يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا ~~تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلو لا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين، فاستخف قومه فأطاعوه": الزخرف: ~~54 وقوله: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد": المؤمن: 29. # وأما لبسهم على أنفسهم فهو بتخييلهم إلى أنفسهم أن الحق باطل وأن الباطل ~~حق ثم تماديهم على الباطل فإن الإنسان وإن كان يميز الحق من الباطل فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها، وكان تلهم نفسه فجورها وتقواها غير أن تقويته ~~جانب الهوى وتأييده روح الشهوة والغضب من نفسه تولد في نفسه ملكة الاستكبار ~~عن الحق، والاستعلاء على الحقيقة فتنجذب نفسه إليه، وتغتر بعمله، ولا تدعه ~~يلتفت إلى الحق ويسمع دعوته، وعند ذاك يزين له عمله، ويلبس الحق بالباطل ~~وهو يعلم كما قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ~~وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة": الجاثية: 23 وقال: "قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا": الكهف: 104. # وهذا هو المصحح لتصوير ضلال الإنسان في أمر مع علمه به فلا يرد عليه أن ~~لبس الإنسان على نفسه الحق بالباطل إقدام منه على الضرر المقطوع وهو غير معقول. # على أنا لو تعمقنا في أحوال أنفسنا ثم أخذنا بالنصفة عثرنا على عادات سوء ~~نقضي بمساءتها لكنا لسنا نتركها لرسوخ العادة وليس ذلك إلا من الضلال على ~~علم، ولبس الحق بالباطل على النفس والتلهي باللذة الخيالية والتوله إليها ~~عن التثبت على الحق والعمل به، أعاننا الله تعالى على مرضاته. # وعلى أي حال فقوله تعالى: "ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا" ms2395 إلخ، الجواب عن ~~مسألتهم نزول الملك ليكون نذيرا فيؤمنوا به. # ومحصله أن الدار دار اختيار لا تتم فيها للإنسان سعادته الحقيقية إلا ~~بسلوكه مسلك الاختيار، واكتسابه لنفسه أو على نفسه ما ينفعه في سعادته أو ~~يضره، وسلوك أي الطريقين رضي لنفسه أمضى الله سبحانه له ذلك. PageV07P010 # قال تعالى: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الدهر: 3 فإنما هي ~~هداية وإراءة للطريق ليختار ما يختاره لنفسه من التطرق والتمرد من غير أن ~~يضطر إلى شيء من الطريقين ويلجأ إلى سلوكه بل يحرث لنفسه ثم يحصد ما حرث، ~~قال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء ~~الأوفى": النجم: 41 فليس للإنسان إلا مقتضى سعيه فإن كان خيرا أراه الله ~~ذلك وإن كان شرا أمضاه له، قال تعالى: "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب": ~~الشورى: 20. # وبالجملة هذه الدعوة الإلهية لا يستقيم أمرها إلا أن توضع على الاختيار ~~الإنساني من غير اضطرار وإلجاء، فلا محيص عن أن يكون الرسول الحامل لرسالات ~~الله أحدا من الناس يكلمهم بلسانهم فيختاروا لأنفسهم السعادة بالطاعة أو ~~الشقاء بالمخالفة والمعصية من غير أن يضطرهم الله إلى قبول الدعوة بآية ~~سماوية يلجئهم إليه وإن قدر على ذلك كما قال: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين، إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين:" ~~الشعراء: 4. # فلو أنزل الله إليهم ملكا رسولا لكان من واجب الحكمة أن يجعله رجلا مثلهم ~~فيربح الرابحون باكتسابهم ويخسر الخاسرون فيلبسوا الحق بالباطل على أنفسهم ~~وعلى أتباعهم كما يلبسون مع الرسول البشري فيمضي الله ذلك ويلبس عليهم كما ~~لبسوا، قال تعالى: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف: 5. # فإنزال الملك رسولا لا يترتب عليه من النفع والأثر أكثر مما يترتب على ~~إرسال الرسول البشري، ويكون حينئذ لغوا فقول الذين كفروا: لو لا أنزل عليه ~~ملك ليس إلا سؤالا لأمر لغو لا ms2396 يترتب عليه بخصوصه أثر خاص جديد كما رجوا، ~~فهذا معنى قوله: "ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون". # فظهر مما تقدم من التوجيه أولا أن الملازمة بين جعل الرسول ملكا وجعله ~~رجلا إنما هي من جهة إيجاب الحكمة حفظ الاختيار الإنساني في الدعوة الدينية ~~الإلهية إذ لو أنزل الملك على صورته السماوية وبدل الغيب شهادة كان من ~~الإلجاء الذي لا تستقيم معه الدعوة الاختيارية. # وثانيا: أن الذي تدل عليه الآية هو صيرورة الملك رجلا مع السكوت عن كون ~~ذلك هل هو بقلب ماهية الملكية إلى الماهية الإنسانية - الذي ربما يحيله عدة ~~من الباحثين - أو بتمثيله مثالا إنسانيا كتمثل الروح لمريم بشرا سويا، ~~وتمثل الملائكة الكرام لإبراهيم ولوط (عليهما السلام) في صورة الضيفين من ~~الآدميين. # وجل الآيات الواردة في مورد الملائكة وإن كان يؤيد الثاني من الوجهين لكن ~~قوله تعالى: "ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون": الزخرف: 60 لا ~~يخلو عن دلالة ما على الوجه الأول، وللبحث ذيل ينبغي أن يطلب من محل آخر. # وثالثا: أن قوله تعالى: "وللبسنا عليهم ما يلبسون" من قبيل قوله تعالى: ~~"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف: 5 فهو إضلال إلهي لهم بعد ما استحبوا ~~الضلال لأنفسهم من غير أن يكون إضلالا ابتدائيا غير لائق بساحة قدسه ~~سبحانه. # ورابعا: أن متعلق يلبسون المحذوف أعم يشمل لبسهم على أنفسهم ولبس بعضهم ~~على بعض. # وخامسا: أن محصل الآية احتجاج عليهم بأنه لو أنزل عليهم ملك بالرسالة لم ~~ينفعهم ذلك في رفع حيرتهم فإن الله جاعل الملك عندئذ رجلا يماثل الرسول ~~البشري وهم لابسون على أنفسهم معه متشككون فإنهم لا يريدون بهذه المسألة ~~إلا أن يتخلصوا من الرسول البشري الذي هو في صورة رجل ليبدلوا بذلك شكهم ~~يقينا وإذا صار الملك على هذا النعت - ولا محالة - فهم لا ينتفعون بذلك شيئا. # وسادسا: أن في التعبير: "لجعلناه رجلا" ولم يقل: لجعلناه بشرا ليشمل ~~الرجل والمرأة جميعا إشعارا - كما قيل - بأن الرسول لا يكون إلا رجلا كما ms2397 ~~أن التعبير لا يخلو من إشعار بأن هذا الجعل إنما هو بتمثل الملك في صورة ~~الإنسان دون انقلاب هويته إلى هوية الإنسان كما قيل. # وغالب المفسرين وجهوا الآية بأن المراد: أنهم لما كانوا لا يطيقون رؤية ~~الملك في صورته الأصلية لتوغلهم في عالم المادة فلو أرسل إليهم ملك لم يكن ~~بد من تمثله لهم بشرا سويا، وحينئذ كان يبدو لهم من اللبس والشبهة ما يبدو ~~مع الرسول من البشر ولم ينتفعوا به شيئا. PageV07P011 # وهذا التوجيه لا يفي باستقامة الجواب، وإن سلمنا أن الإنسان العادي لا تسعه ~~مشاهدة الملائكة في صورهم الأصلية بالاستناد إلى أمثال قوله تعالى: "يوم ~~يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين": الفرقان: 22. # وذلك أن شهود الملك في صورته الأصلية لو كان محالا على الإنسان لم يختلف ~~فيه حال الأفراد الإنسانية بالجواز والامتناع، وقد ورد في روايات الفريقين ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى جبرئيل في صورته الأصلية مرتين، ~~ومن المقدور لله أن يقوي سائر الناس على ما قوى عليه نبيه فيعاينوهم ~~ويؤمنوا بهم، ولا محذور فيه بحسب الحكمة إلا محذور الإلجاء فهو المحذور ~~الذي يجب أن يدفع بالآية كما تقدم. # وكذا مشاهدة الملك في صورة الآدميين لا تلازم جواز الشك واللبس فإن الله ~~سبحانه يخبر عن إبراهيم ولوط (عليهما السلام) أنهما عاينا الملائكة في صورة ~~الآدميين ثم عرفهم ولم يشكا في أمرهم، وكذا أخبر عن مريم أنها شاهدت الروح ~~ثم عرفته ولم تشك فيه ولا التبس عليها أمره فلم لم يكن من الجائز أن يكون ~~حال سائر الناس حالهم (عليهم السلام) في معاينة الملك في صورة الإنسان ثم ~~معرفته واليقين بأمره؟ لو لا أن جعل نفوس الناس جميعا كنفس إبراهيم ولوط ~~ومريم يستلزم إمحاء غرائزهم وفطرهم، وتبديلها نفوسا طاهرة قادسة، وفيه ~~محذور الإلجاء، فالإلجاء هو المحذور الذي لا يبقى معه موضوع الامتحان، وهو ~~الذي يجب دفعه بالآية كما تقدم. # قوله تعالى: "ولقد استهزىء برسل من قبلك" إلى آخر الآيتين، الحيق الحلول ~~والإصابة، وفي مفردات الراغب:، قيل ms2398 وأصله حق فقلب نحو زل وزال، وقد قرىء: ~~"فأزلهما الشيطان" فأزالهما، وعلى هذا ذمه وذامه، انتهى. # وقد كان استهزاؤهم بالرسل بالاستهزاء بالعذاب الذي كانوا ينذرونهم بنزوله ~~وحلوله فحاق بهم عين ما استهزءوا به، وفي الآية الأولى تطييب لنفس النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنذار للمشركين، وفي الآية الثانية أمر ~~بالاعتبار وعظة. PageV07P012 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 12 - 18 # قل لمن ما فى السموت والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم ~~القيمة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن فى ~~اليل والنهار وهو السميع العليم (13) قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموت ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من ~~المشركين (14) قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه ~~يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو ~~الحكيم الخبير (18) ### |||| AUTO بيان # فريق من الآيات تحتج على المشركين في أمر التوحيد والمعاد فالآيتان ~~الأوليان تتضمنان البرهان على المعاد، وبقية الآيات وهي خمس مسوقة للتوحيد ~~تقيم البرهان على ذلك من وجهين على ما سيأتي. # قوله تعالى: "قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله" شروع في البرهنة على ~~المعاد، ومحصله أن الله تعالى مالك ما في السماوات والأرض جميعا له أن ~~يتصرف فيها كيف شاء وأراد، وقد اتصف سبحانه بصفة الرحمة وهي رفع حاجة كل ~~محتاج وإيصال كل شيء إلى ما يستحقه وإفاضته عليه وعدة من عباده ومنهم ~~الإنسان صالحون لحياة خالدة مستعدون لأن يسعدوا فيها فهو بمقتضى ملكه ~~ورحمته سيتصرف فيهم بحشرهم وإعطائهم ما يستحقونه البتة. # فقوله تعالى: "قل لمن ما في السماوات والأرض" إلخ، يتضمن إحدى مقدمات ~~الحجة وقوله: "كتب على نفسه الرحمة" يتضمن مقدمة أخرى، وقوله: "وله ما سكن ~~في الليل والنهار" إلخ، مقدمة أخرى ثالثة بمنزلة الجزء من الحجة. ms2399 # فقوله تعالى: "قل لمن ما في السماوات والأرض" إلخ، يأمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يسألهم عمن يملك السماوات والأرض وله التصرف فيها بما ~~شاء من غير مانع يمنعه، وهو الله سبحانه من غير شك لأن غيره حتى الأصنام ~~وأرباب الأصنام التي يدعوها المشركون هي كسائر الخلقة ينتهي خلقها وأمرها ~~إليه تعالى فهو المالك لما في السماوات والأرض جميعا. # ولكون المسئول عنه معلوما بينا عند السائل والمسئول جميعا والخصم معترف ~~به لم يحتج إلى صدور الجواب عن الخصم واعترافه به بلسانه، وأمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يذكر هو الجواب ويتكفل ذلك لتتم الحجة من غير ~~انتظار ما لجوابهم. # والسؤال عن الخصم، ومباشرة السائل بنفسه الجواب كلاهما من السلائق ~~البديعة الدائرة في سرد الحجج، يقول المنعم لمن أنعم عليه فكفر بنعمته: من ~~الذي أطعمك وسقاك وكساك؟ أنا الذي فعل ذلك بك ومن بها عليك وأنت تجازيني ~~بالكفر. # وبالجملة ثبت بهذا السؤال والجواب أن الله سبحانه هو المالك على الإطلاق ~~فله التصرف فيها بما شاء من إحياء ورزق وإماتة وبعث بعد الموت من غير أن ~~يمنعه من ذلك مانع كدقة في العمل وموت وغيبة واختلال وغير ذلك. # وبهذا تمت إحدى مقدمات الحجة فألحقها المقدمة الأخرى وهي قوله: كتب على ~~نفسه الرحمة. # قوله تعالى: "كتب على نفسه الرحمة" الكتابة هو الإثبات والقضاء الحتم، ~~وإذ كانت الرحمة - وهي إفاضة النعمة على مستحقها وإيصال الشيء إلى سعادته ~~التي تليق به - من صفاته تعالى الفعلية صح أن ينسب إلى كتابته تعالى، ~~والمعنى: أوجب على نفسه الرحمة وإفاضة النعم وإنزال الخير لمن يستحقه. # ونظيره في نسبة الفعل إلى الكتابة ونحوها قوله تعالى: "كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي": المجادلة: 21 وقوله: "فورب السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: ~~23 وأما صفات الذات كالحياة والعلم والقدرة فلا تصح نسبتها إلى الكتابة ~~ونحوها البتة لا يقال: كتب على نفسه الحياة والعلم والقدرة. # ولازم كتابة الرحمة على نفسه - كما تقدم - أن يتم نعمته عليهم بجمعهم ~~ليوم القيامة ms2400 ليجزيهم بأقوالهم وأعمالهم فيفوز به المؤمنون ويخسر غيرهم. PageV07P013 # ولذلك ذيل بقوله وهو كالنتيجة في الحجة: ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه فأكد المعنى بأبلغ التأكيد: لام القسم ونون التأكيد وقوله: لا ريب فيه. # ثم أشار إلى أن الربح في هذا اليوم للمؤمنين والخسران على غيرهم فقال: ~~"الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون". # والحجة التي أقيمت في هذه الآية على المعاد غير ما أقيمت من الحجتين عليه ~~في قوله تعالى: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28 فإن الآيتين تقيمان ~~الحجة على المعاد من جهة أن فعله تعالى ليس بباطل بل له غاية، ومن جهة أن ~~التسوية بين المؤمن والكافر والمتقي والفاجر ظلم لا يليق به تعالى، وهما في ~~الدنيا لا يتميزان فلا بد من نشأة أخرى يتميزان فيها بالسعادة والشقاوة، ~~وهذا غير ما في هذه الآية من السلوك إلى المطلوب من طريق الرحمة. # قوله تعالى: "وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم" السكون في ~~الليل والنهار هو الوقوع في ظرف هذا العالم الطبيعي الذي يدبر أمره بالليل ~~والنهار، ويجري نظامه بغشيان النور الساكب من شمس مضيئة، وعمل التحولات ~~النورية فيه بالقرب والبعد والكثرة والقلة والحضور والغيبة والمسامتة ~~وغيرها. # فالليل والنهار هما المهد العام يربى فيه العناصر الكلية ومواليدها تربية ~~تسوق كل جزء من أجزائها وكل شخص من أشخاصها إلى غايته التي قدرت له، ~~وتكملها روحا وجسما. # وكما أن للمسكن عاما وخاصا دخلا تاما في كينونة الساكن كالإنسان مثلا ~~يسكن أرضا فيطوف بها في طلب الرزق، ويرتزق مما يخرج منها من حب وفاكهة وما ~~يتربى فيها من حيوان، ويشرب من مائها، ويستنشق من هوائها، ويفعل وينفعل من ~~كيفيات منطقتها، وينمو جميع أجزاء جسمه على حسب تقديرها كذلك الليل والنهار ~~لهما الدخل التام في تكون عامة ما يتكون فيهما. # والإنسان من الأشياء الساكنة في الليل ms2401 والنهار تكون بمشية الله من ائتلاف ~~أجزاء بسيطة ومركبة على صورة خاصة يمتاز وجوده حدوثا وبقاء بحياة تقوم على ~~شعور فكري وإرادة يتهيئان له من قوى له باطنية عاطفية تأمره بجذب المنافع ~~ودفع المضار، وتدعوه إلى إيجاد مجتمع متشكل فيه ما نراه من تفاصيل التفاهم ~~باللغات والتباني على اتباع السنن والقوانين والعادات في المعاشرات ~~والمعاملات، واحترام الآراء والعقائد العامة في الحسن والقبح والعدل والظلم ~~والطاعة والمعصية والثواب والعقاب والجزاء والعفو. # وإذا كان الله سبحانه هو الخالق لليل والنهار وما سكن فيهما المتفرد ~~بإيجادها فله ما سكن في الليل والنهار، وهو المالك الحق لجميع الليل ~~والنهار وسكانهما وما يستعقب وجودها من الحوادث والأفعال والأقوال، وله ~~النظام الجاري فيها على عجيب سعته فهو السميع لأقوالنا من أصوات وإشارات، ~~والعليم بأعمالنا وأفعالنا بما لها من صفتي الحسن والقبح، والعدل والظلم ~~والإحسان والإساءة، وما تكتسبه النفوس من سعادة وشقاء. # وكيف يمكنه الجهل بذلك وقد نشأ الجميع في ملكه وبإذنه؟ ونحو وجود هذا ~~النوع من الأمور أعني الحسن والقبح والعدل والظلم والطاعة والمعصية، وكذا ~~اللغات الدالة على المعاني الذهنية كل ذلك أمور علمية لا تحقق لها في غير ~~ظرف العلم، ولذلك نرى أن الفعل لا يقع منا حسنا ولا قبيحا ولا طاعة ولا ~~معصية، والصوت المؤلف لا يسمى كلاما إلا إذا علمنا به وقصدنا وجهه. # وكيف يمكن أن يملك شيء علمي في نفسه من حيث كونه كذلك ثم يجهله مالكه ولا ~~يعلم به؟ أجد التأمل فيه. # والله سبحانه هو الذي أوجد هذا العالم على عجيب سعته في أجزائه البسيطة ~~والعنصرية والمركبة على نظام يدهش اللب، ثم خلقنا وأسكننا الليل والنهار ثم ~~كثرنا وأجرى بيننا نظام الاجتماع الإنساني ثم هدانا إلى وضع اللغات، ~~واعتبار السنن ووضع الاعتبارات، ولم يزل يصاحبنا ويصاحب سائر الأسباب خطوة ~~خطوة، ويجارينا وإياها في مسير الليل والنهار لحظة لحظة، وساق حوادث لا ~~نحصيها حادثة بعد حادثة. PageV07P014 # حتى تكلم الواحد منا بكلام فوضع المعنى في قلبه بإلهامه، وأجرى اللفظ في ~~لسانه بتعريفه، وأسمع ms2402 الصوت لمخاطبه بإسماعه، وسار بمعناه إلى ذهنه بحفظه، ~~وفهم المعنى لمفكرته بتعليمه، ثم بعثه لموافقة ما ألقاه إليه المتكلم أو ~~صده عن ذلك بإرادة باعثة له إليه أو كراهة دافعة له عنه، وهو في جميع هذه ~~المراحل التي تعجز عن الانعقاد عليها أنامل العد والإحصاء قائد وسائق وهاد ~~وحفيظ ورقيب! فكيف يسع لقائل إلا أن يقول: إنه تعالى سميع عليم، وما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل ~~شيء عليم. # وكذا إذا عمل الواحد منا بعمل حسنة كان أو سيئة فهو مولود من أب وأم ~~يولدانه تحت مراقبة الاختيار والإرادة، وقد انتقل إليهما بعد ما قطع طريقا ~~بعيدا وأمدا مديدا في أصلاب أسباب فاعله، وأرحام علل أخرى منفعلة إلى أن ~~ينتهي بما الله أعلم به، ولم يزل سبحانه ينقله بإرادته من حجر إلى حجر، ~~والأرض قبضته والسماوات بيمينه حتى نزل منزل الاختيار فصاحبه منزلا بعد ~~منزل بإذنه حتى طلع من أفق العين، وأخذ موضعه من مسكن الليل والنهار ثم لا ~~يزال يجري فيما يتأثر منه من أجزاء الكون كأحد الأسباب الجارية، والله ~~سبحانه عليه شهيد وبه محيط فكيف يمكن أن يغفل سبحانه عما هذا شأنه؟ ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. # ومما تقدم يظهر أن قوله تعالى: "وهو السميع العليم" بمنزلة النتيجة ~~لقوله: "وله ما سكن في الليل والنهار". # والسمع والعلم وإن كانا معدودين من صفاته تعالى الذاتية التي هي عين ~~الذات المتعالية من غير أن يتفرع على أمر غيرها لكن من العلم وكذا السمع ~~والبصر ما هو صفة فعلية خارجة عن الذات وهي التي يتوقف ثبوتها على تحقق ~~متعلق غير الذات المقدسة كالخلق والرزق والإحياء والإماتة المتوقفة على ~~وجود مخلوق ومرزوق وحي وميت. # والأشياء لما كانت بأنفسها وأعيانها مملوكة محاطة له تعالى فهي إن كانت ~~أصواتا سمع ومسموعة له تعالى، وإن كانت أنوارا ms2403 وألوانا بصر ومبصرة له ~~تعالى، والجميع كائنة ما كانت علم ومعلومة له تعالى، وهذا النوع من العلم ~~من صفاته الفعلية التي تتحقق عند تحقق الفعل منه تعالى لا قبل ذلك، ولا ~~يلزم من ثبوتها بعد ما لم تكن تغير في ذاته تعالى وتقدس لأنها لا تعدو مقام ~~الفعل، ولا يدخل في عالم الذات فالآية في استنتاجها العلم من الملك تريد ~~إثبات العلم الفعلي، فافهم ذلك. # والآية أعني قوله: "وله ما سكن في الليل والنهار" إلخ، كإحدى مقدمات ~~الحجة المبينة بالآية السابقة فإن الحجة على المعاد وإن تمت بقوله: "قل لمن ~~ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة" لكن النظر الابتدائي ~~الساذج ربما غفل عن كون ملكه تعالى للأشياء مستلزما لعلمه بها وسمعه بما ~~يسمع منها كالأصوات والأقوال. # ولذلك نبه عليه بتكرار ملك السماوات والأرض، وتفريع السمع والعلم عليه ~~فقال: "وله ما سكن في الليل والنهار - وهو في معنى قوله: "له ما في ~~السماوات والأرض - وهو السميع العليم" فكانت هذه الآية لذلك بمنزلة مقدمة ~~متممة للحجة المسرودة في الآية السابقة. # والآية - على أنا لم نستوف حقها ولن يستوفى - من أرق الآيات القرآنية ~~معنى وأدقها إشارة وحجة، وأبلغها منطقا. # قوله تعالى: "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا ~~يطعم" شروع في الاحتجاج على وحدانيته تعالى وأن لا شريك له. # والذي يتحصل من تاريخ الوثنية واتخاذ الأصنام والآلهة أنهم كانوا إنما ~~دانوا بذلك وخضعوا للآلهة لأحد أمرين: إما أنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى ~~أسباب كثيرة في إبقاء الحياة كالتغذي بالطعام واللباس والمسكن والأزواج ~~والأولاد والعشيرة ونحو ذلك، وعمدتها الطعام الذي حاجة الإنسان إليه أشد من ~~حاجته إلى غيره بحسب النظر الساذج، وقد اعتقدوا أن لكل صنف من أصناف هذه ~~الحوائج تعلقا بسبب هو الذي يجود لهم بالتمتع من وسيلة رفع تلك الحاجة ~~كالسبب الذي يمطر السماء فينبت المرعى والكلأ لدوابهم ويمنع بالخصب ~~لأنفسهم، والسبب الذي يدبر أمر السهل والجبل أو يلقي بالمحبة والألفة أو ~~إليه ms2404 أمر البحر والسفائن الجارية فيه. PageV07P015 # ثم وجدوا أن قوتهم لا تفي بالتسلط على تلك الحاجة أو الحوائج الضرورية ~~فاضطروا إلى الخضوع إلى السبب المربوط بحاجتهم واتخاذه إلها ثم عبادته. # وإما لأنهم وجدوا هذا الإنسان الأعزل غرضا لسهام الحوادث محصورا بمكاره ~~وشرور عامة عظيمة لا يقاومها كالسيل والزلزلة والطوفان والقحط والوباء، ~~وببلايا ومحن أخرى جزئية لا يحصيها كالأمراض والأوجاع والسقوط والفقر ~~والعقم والعدو والحاسد والشانىء وغير ذلك، ثم وضعوا لها أسبابا قاهرة هي ~~المرسلة لها إليهم، والقاصمة بها ظهورهم، والمكدرة لصفوة عيشهم، وهي ~~مخلوقات علوية كأرباب الأنواع وأرواح الكواكب والأجرام العلوية فاتخذوها ~~آلهة خوفا من سخطهم وعذابهم، وعبدوها ليستميلوها بالعبادة ويرضوها بالخضوع ~~والاستكانة فيخلصوا بذلك عن المكاره والرزايا ويأمنوا شرورها والمضار ~~النازلة منها إليهم. # والآية أعني قوله: "قل أغير الله أتخذ وليا" إلخ، والآيات التالية لها ~~تحتج على المشركين بقلب حجتيهم بعينهما إليهم أي تسلم أصل الحجة وتعدها حقة ~~لكن تبين أن لازمها أن يعبد الله سبحانه وحده، وينفى عنه كل شريك موضوع. # فقوله تعالى: "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا ~~يطعم" إشارة إلى الحجة من المسلك الأول، وهو مسلك الرجاء أن يعبد الإله ~~لأنه منعم فيكون عبادته شكرا لإنعامه سببا لمزيده. # أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين لهم في صورة ~~الاستفهام والسؤال أن الله سبحانه وحده هو الولي للنعمة التي يتنعم بها ~~الإنسان وغيره لأنه هو الرازق الذي لا يحتاج إلى أن يرزقه غيره يطعم ولا ~~يطعم، والدليل عليه أنه تعالى هو الذي فطر السماوات والأرض، وأخرجها من ~~ظلمة العدم إلى نور الوجود، وأنعم عليها بنعمة التحقق والثبوت، ثم أفاض ~~عليها بنعم لا يحصيها إلا هو لإبقاء وجودها، ومنها الإطعام للإنسان وغيره ~~فإن جميع هذه النعم المعدة لبقاء وجود الإنسان وغيره، والأسباب التي تسوق ~~تلك النعم إلى محال الاستحقاق كل ذلك ينتهي إلى فطرة وإيجاده الأشياء ~~والأسباب ومسبباتها جميعا من صنعه. # فإليه سبحانه يرجع الرزق الذي من أهم مظاهره عند الإنسان ms2405 الإطعام فيجب أن ~~يعبد الله وحده لأنه هو الذي يطعمنا من غير حاجة إلى إطعام من غيره. # فظهر بما بيناه أولا: أن التعبير عن العبودية والتأله باتخاذ الولي في ~~قوله: "أغير الله أتخذ وليا" إنما هو لكون الحجة مسوقة من جهة إنعامه تعالى ~~بالإطعام. # وثانيا: أن التعلق بقوله: "فاطر السماوات والأرض" إنما هو لبيان سبب ~~انحصار الإطعام به تعالى كما تقدم تقريره، وربما استفيد ذلك من التعريض ~~الذي في قوله: "ولا يطعم" فإن فيه تعريضا بكون سائر من اتخذوهم آلهة ~~محتاجين كعيسى وغيره إلى إطعام أو ما يجري مجراه. # ومن الممكن أن يستفاد من ذكره في الحجة أنه إشارة إلى مسلك آخر في إقامة ~~الحجة على توحيده تعالى هو أشرف من المسلكين جميعا، ومحصله أن الله سبحانه ~~هو الموجد لهذا العالم، وإلى فطرة ينتهي كل شيء فيجب الخضوع له. # ووجه كون هذا المسلك أشرف: هو أن المسلكين الآخرين وإن كانا أنتجا توحيد ~~الإله من جهة أنه معبود لكنهما لا يخلوان مع ذلك من شيء، وهو أنهما ينتجان ~~وجوب عبادته طمعا في النعمة أو خوفا من النقمة فالمطلوب بالذات هو جلب ~~النعمة أو الأمن من النقمة دونه تعالى وتقدس، وأما هذا المسلك فإنه ينتج ~~وجوب عبادة الله لأنه الله سبحانه. # وثالثا: أن اختصاص الإطعام من بين نعمه تعالى على كثرتها بالذكر إنما ~~العناية فيه كون الإطعام بحسب النظر الساذج أوضح حوائج الحيوان العائش ومنه ~~الإنسان. # ثم أمر سبحانه بعد تمام الحجة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر ~~لهم ما يؤيد به هذه الحجة العقلية، وهو أن الله أمره من طريق الوحي أن يجري ~~في اتخاذ الإله على الطريق الذي يهدي إليه العقل وهو التوحيد، ونهاه صريحا ~~أن يتخطاه إلى أن يلحق بالمشركين فقال: "قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم" ~~ثم قال: "ولا تكونن من المشركين". PageV07P016 # بقي هنا أمران: أحدهما: أن قوله: "أول من أسلم" إن كان المراد أول من أسلم ~~من بينكم فهو ظاهر فقد أسلم ص ms2406 قبل أمته، وإن كان المراد به أول من أسلم من ~~غير تقييد كما هو ظاهر الإطلاق كانت أوليته في ذلك بحسب الرتبة دون الزمان. # وثانيهما: أن نتيجة الحجة لما كانت هي العبودية وهي نوع خضوع وتسليم كان ~~استعمال لفظة الإسلام في المقام أولى من لفظة الإيمان لما فيه من الدلالة ~~على غرض العبادة، وهو الخضوع. # قوله تعالى: "قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" وهذا هو المسلك ~~الثاني من المسلكين اللذين تقدم أن المشركين تعلقوا بهما في اتخاذ الآلهة، ~~وهو أن عبادة آلهتهم يؤمنهم من شمول سخطها ونزول عذابها. # وقد أخذ سبحانه في الحجة أخوف ما يجب أن يخاف منه من أنواع العذاب وأمره ~~وهو عذاب الساعة التي ثقلت في السماوات والأرض كما أخذ في الحجة الأولى ~~أحوج ما يحتاج إليه الإنسان بحسب بادىء النظر من النعم، وهو الإطعام. # وقد قيل: "إن عصيت ربي" دون أن يقال: إن أشركت بربي إشارة إلى ما في قوله ~~تعالى في الآية السابقة: "ولا تكونن من المشركين" من نهيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عن الشرك فأدت الآية أن من الواجب علي عقلا أن أعبد الله وحده ~~لأومن مما أخاف من عذاب يوم عظيم، وهذا الذي دل عليه العقل دلني عليه الوحي ~~من ربي. # وبهذا تناظر هذه الآية الآية السابقة من جهة إقامة الحجة العقلية أولا ثم ~~تأييده بالوحي من الله سبحانه فافهم ذلك، وهذا من لطائف إيجاز القرآن ~~الكريم فقد اكتفى في إفادة هذا المعنى على سعته بمجرد وضع قوله: "عصيت" ~~موضع أشركت. # قوله تعالى: "من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه" إلخ، المعنى ظاهر الآية متممة ~~للحجة المسرودة في الآية السابقة فظاهر الآية السابقة بحسب النظر البسيط ~~إقامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة في وجوب التوحيد على نفسه بأن ~~الله نهاه عن الشرك فيجب عليه توحيده ليؤمن عذاب الآخرة. # فيلوح لنظر المغفل غير المتدبر أن يرد عليه الحجة بأن النهي لما كان ~~مختصا بك كما تدعيه يختص الخوف ثم ms2407 وجوب التوحيد أيضا بك فلا تقتضي الحجة ~~وجوب التوحيد ونفي الشريك على غيرك، وتصير الحجة عليك لا على غيرك. # فأفاد بقوله: "من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه" أن عذابه مشرف على الجميع ~~محيط بالكل لا مخلص عنه إلا برحمته فعلى كل إنسان أن يخاف من عذاب يومئذ ~~على نفسه ما يخافه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه فالحجة عامة ~~قائمة على جميع الناس لا خاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو" إلى آخر الآية، قد ~~كانت الحجتان المذكورتان في الآيات السابقة أخذتا أنموذجا مما يرجوه ~~الإنسان وهو الإطعام وأنموذجا مما يخافه وهو عذاب يوم القيامة، وتممتا بهما ~~البيان، ولم تتعرضا لسائر أنواع الضر وأقسام الخير التي يمس الله سبحانه ~~بهما الإنسان، والكل من الله عز اسمه. # فالآية توضح بالتصريح أن هناك من الضر ما هو غير عذاب يوم القيامة يمس ~~الله سبحانه به الإنسان يجب أن يتوجه إليه تعالى في كشفه، وأن من الخير ما ~~يمس الله به الإنسان ولا راد لفضله ولا مانع يمنع من إفاضته لقدرته على كل ~~شيء، ورجاء الخير يوجب على الإنسان أن يتخذه سبحانه إلها معبودا. # ولما أمكن أن يتوهم أن كونه تعالى يمس الإنسان بضر أو بخير إنما يقتضي أن ~~يتخذ معبودا، والخصم لا ينكر ذلك. # وأما قصر الألوهية والمعبودية فيه تعالى فلا لأن ما اتخذوه من الآلهة هي ~~أسباب متوسطة وشفعاء أقوياء لها تأثيرات في الكون من شر أو خير يوجب على ~~الإنسان أن يتقرب إليها خوفا من شرها أو رجاء لخيرها. # دفعه بأن الله سبحانه هو القاهر فوق عباده لا يفوقه منهم أحد ولا يعادله ~~فهم أنفسهم تحت قهره، وكذا أفعالهم وآثارهم لا يعملون عملا من خير أو شر ~~إلا بإذنه ومشيته غير مستقلين بأمر البتة ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ~~ولا غير ذلك، فما يطلع من أفق ذواتهم من أثر خيرا أو شرا ينتهي إلى أمره ~~ومشيته ms2408 وإذنه يستند إليه على ما يليق بساحة قدسه وعزته من الاستناد. PageV07P017 # فالآيتان جميعا تتممان معنى واحدا، وهو أن ما يصيب الإنسان من خير أو شر ~~فمن الله على ما يليق بساحته من الانتساب، فالله سبحانه هو المتوحد ~~بالألوهية، والمتفرد بالمعبودية لا إله غيره، ولا معبود سواه. # وقد عبر عن إصابة الضر والخير بالمس الدال على الحقارة في قوله: "إن ~~يمسسك" "وإن يمسسك" ليدل به على أن ما يصيب الإنسان من ضر أو من خير شيء ~~يسير مما تحمله القدرة غير المتناهية التي لا يقوم لها شيء، ولا يطيقها ولا ~~يتحملها مخلوق محدود. # وكأن قوله تعالى في جانب الخير: "فهو على كل شيء قدير" وضع موضع نحو من ~~قولنا: فلا مانع يمنعه، ليدل على أنه تعالى قدير على كل خير مفروض كما أنه ~~قدير على كل ضر مفروض، وتنكشف به علة قوله: فلا كاشف له إلا هو إذ لو كشف ~~غيره تعالى شيئا مما مس به من ضر دفع ذلك قدرته عليه، وكذلك قدرته على كل ~~شيء تقتضي أن لا يقوى شيء على دفع ما يمس به من خير. # وتخصيص ما يمس به من ضر أو خير بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه ~~الآية نظير التخصيص الواقع في قوله: "قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم" ويفيد قوله: "وهو القاهر فوق عباده" من التعميم نظير ما أفاد قوله: ~~"من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه". # قوله تعالى: "وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير" القهر هو نوع من ~~الغلبة، وهو أن يظهر شيء على شيء فيضطره إلى مطاوعة أثر من الغالب يخالف ما ~~للمغلوب من الأثر طبعا أو بنحوه من الافتراض كالماء يظهر على النار فيقهرها ~~على الخمود، والنار تقهر الماء فتبخره أو تجفف رطوبته. # وإذ كانت الأسباب الكونية إنما أظهرها الله سبحانه لتكون وسائط في حدوث ~~الحوادث فتضع آثارها في مسبباتها، وهي كائنة ما كانت مضطرة إلى مطاوعة ما ~~يريده الله سبحانه فيها وبها، يصدق عليها عامة ms2409 أنها مقهورة لله سبحانه ~~فالله قاهر عليها. # فالقاهر من الأسماء التي تصدق عليه تعالى كما تصدق على غيره، غير أن بين ~~قهره تعالى وقهر غيره فرقا، وهو أن غيره تعالى من الأشياء إنما يقهر بعضها ~~بعضا وهما مجتمعان من جهة مرتبة وجودهما ودرجة كونهما بمعنى أن النار تقهر ~~الحطب على الاحتراق والاشتعال، وهما معا موجودان طبيعيان يقتضي أحدهما ~~بالطبع خلاف ما يقتضيه الآخر لكن النار أقوى في تحميل أثرها على الحطب منه ~~من النار فهي تظهر عليه في تأثيرها بأثرها فيه. # والله سبحانه قاهر لا كقهر النار الحطب، بل هو قاهر بالتفوق والإحاطة على ~~الإطلاق بمعنى أنا إذا نسبنا إحراق جسم وإشعاله كالحطب مثلا إلى الله ~~سبحانه فهو سبحانه قاهر عليه بالوجود المحدود الذي أوجده به، قاهر عليه ~~بالخواص والكيفيات التي أعطاها له وعبأه بها بيده، قاهر عليه بالنار التي ~~أوقدها لإحراقه وإشعاله، وهو المالك لجميع ما للنار من ذات وأثر، قاهر عليه ~~بقطع عطية المقاومة للحطب، ووضع الاحتراق والاشتعال موضعه فلا مقاومة ولا ~~تعصي ولا جموح ولا شبه ذلك قبال إرادته ومشيته لكونها من أفق أعلى. # فهو تعالى قاهر على عباده لكنه فوقهم لا كقهر شيء شيئا وهما متزاملان. # وقد صدق القرآن الكريم هذا البحث بنتيجته فذكره اسما له تعالى في موضعين ~~من هذه السورة وهما هذه الآية وآية 61. # وقيد الاسم في كلا الموضعين بقوله: "فوق عباده" والغالب في المحفوظ من ~~موارد استعمال القهر هو أن يكون المغلوب من أولي العقل بخلاف الغلبة، ولذا ~~فسره الراغب بالتذليل، والذلة في أولي العقل أظهر، ولا يمنع ذلك من صحة ~~صدقه في غير مورد أولي العقل بحسب الاستعمال أو بعناية. # والله سبحانه قاهر فوق عباده يمسهم بالضر وبالخير ويذللهم لمطاوعته وقاهر ~~فوق عباده فيما يفعلونه ويؤثرون به من أثر لأنه المالك لما ملكهم والقادر ~~على ما عليه أقدرهم. # ولما نسب في الآيتين إليه المس بالضر والخير، وقد ينسبان إلى غيره، ميز ~~مقامه من مقام غيره بقوله في ذيل الآية: "وهو الحكيم الخبير" ms2410 فهو الحكيم لا ~~يفعل ما يفعل جزافا وجهلا، الخبير لا يخطىء ولا يغلط كغيره. PageV07P018 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 19 - 20 # قل أى شىء أكبر شهدة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هذا القرءان ~~لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل ~~إنما هو إله وحد وإننى برىء مما تشركون (19) الذين ءاتينهم الكتب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ### |||| AUTO بيان # احتجاج على الوحدانية من طريق الوحي فإن وحدة الإله وانتفاء الشريك عنه ~~وإن كانت مما يناله العقل بوجوه من النيل فلا مانع من إثباته من طريق الوحي ~~الصريح الذي لا مرية فيه، فالمطلوب هو اليقين بأنه تعالى إله واحد لا شريك ~~له، وإذا فرض حصوله من طريق الوحي الذي لا يداخله ريب في كونه وحيا إلهيا ~~كالقرآن المتكىء على التحدي فلا مانع من الاستناد إليه. # قوله تعالى: "قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم" أمر نبيه ~~أن يسألهم عن أكبر الأشياء من حيث الشهادة، والشهادة هي تحمل الخبر عن نوع ~~من العيان كالإبصار ونحوه، وأداء ما تحمل كذلك بالإخبار والإنباء، وإذ كان ~~التحمل والأداء - وخاصة التحمل - مما يختلف بحسب إدراك المتحملين وبحسب ~~وضوح الخبر الذي تحمله المتحمل، وبحسب قوة المؤدى بيانا وضعفه اختلافا فاحشا. # فليس المتحمل الذي يغلب على مزاجه السهو والنسيان أو الغفلة كالذي يحفظ ~~ما يعيه سمعه ويقع عليه بصره، وليس الصاحي كالسكران ولا الخبير الأخصائي ~~بأمر كالأجنبي الأعزل. # وإذا كان الأمر على ذلك فلا يقع ريب في أن الله سبحانه هو أكبر من كل شيء ~~شهادة فإنه هو الذي أوجد كل ما دق وجل من الأشياء، وإليه ينتهي كل أمر ~~وخلق، وهو المحيط بكل شيء ومع كل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ~~السماوات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لا يضل ولا ينسى. # ولكون الأمر بينا لا يقع فيه شك لم يحتج إلى إيراد الجواب في اللفظ بأن ms2411 ~~يقال: قل الله أكبر شهادة، كما قيل: "قل لمن ما في السماوات والأرض قل ~~لله": الأنعام - 12 أو يقال: سيقولون الله، كما قيل: "قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله": المؤمنون: 85. # على أن قوله: "قل الله شهيد بيني وبينكم" يدل عليه ويسد مسده، وليس من ~~البعيد أن يكون قوله "شهيد" خبرا لمبتدإ، محذوف هو الضمير العائد إلى الله، ~~والتقدير: "قل الله هو شهيد بيني وبينكم" فتشتمل الجملة على جواب السؤال ~~وعلى ما استؤنف من الكلام. # وقوله: "قل الله شهيد بيني وبينكم" على أنه يشتمل على إخباره (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بشهادة الله تعالى هو بنفسه شهادة لمكان قوله: "قل" إذ ~~أمره بأن يخبرهم بشهادته تعالى بالنبوة لا ينفك عن الشهادة بذلك، وعلى هذا ~~فلا حاجة إلى التشبث بأنواع ما وقع في القرآن الكريم من شهادة الله تعالى ~~على نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى نزول القرآن من عنده كقوله ~~تعالى: "والله يعلم إنك لرسوله": المنافقون: 1 أو قوله: "لكن الله يشهد بما ~~أنزل إليك أنزله بعلمه": النساء: 166 وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك ~~تصريحا أو تلويحا بلفظ الشهادة أو بغيره. # وتقييد شهادته تعالى بقوله "بيني وبينكم" يدل على توسطه تعالى بين طرفين ~~متخاصمين هما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه، والنبي لم ينعزل عنهم ~~ولم يتميز منهم في جانب إلا في دعوى النبوة والرسالة ودعوى نزول القرآن لكن ~~نزول القرآن بالوحي قد ذكر بعد في قوله: "وأوحي إلي هذا القرآن" فالمراد ~~بشهادته تعالى بينه وبينهم شهادته بنبوته، ويؤيده أيضا قوله في الآية ~~التالية: "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" على ما سيجيء ~~إن شاء الله. # قوله تعالى: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" من مقول القول ~~وهو معطوف على قوله: "الله شهيد" إلخ، وجعل الإنذار غاية لنزول القرآن ~~الكريم أخذ بمسلك الخوف في الدعوة النبوية، وهو الأوقع في أفهام عامة الناس ~~فإن مسلك الرجاء والوعد وإن كان أحد الطريقين ms2412 في الدعوة، وقد استعمله ~~الكتاب العزيز في الجملة لكن رجاء الخير لا يبعث إلى طلبه بعثا إلزاميا ~~وإنما يورث شوقا ورغبة بخلاف الخوف لوجوب دفع الضرر المحتمل عقلا. PageV07P019 # ولأن دعوة الإسلام إنما هي إلى دين الفطرة، وهو مخزون مكنوز في فطرة الناس ~~وإنما حجبهم عنه ما ابتلوا به من الشرك والمعصية مما يوجب عليهم غلبة ~~الشقوة ونزول السخط الإلهي فالأقرب إلى الحكمة والحزم في دعوتهم أن تبدأ ~~بالإنذار، ولهذا كله ربما حصر شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الإنذار كما في قوله: "إن أنت إلا نذير": الفاطر - 23 وقوله: "وإنما أنا ~~نذير مبين": العنكبوت: 50. # هذا في عامة الناس وأما الخاصة من عباد الله، وهم الذين يعبدونه حبا له ~~لا خوفا من نار ولا طمعا في جنة فإنهم يتلقون من الدعوة بالخوف والرجاء ~~أمرا آخر فإنهم يتلقون من النار أنها دار بعد وسخط فيخافونها لذلك، ومن ~~الجنة أنها ساحة قرب ورضوان فيشتاقون إليها لذلك. # وظاهر قوله: "لأنذركم به ومن بلغ" أنه خطاب لمشركي مكة أو لقريش أو للعرب ~~عامة إلا أن التقابل بين ضمير الخطاب وبين من بلغ - والمراد بمن بلغ هو من ~~لم يشافهه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة في زمن حياته أو بعده - ~~يدل على أن المراد بالمخاطبين في قوله: "لأنذركم به" هم الذين شافههم النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة ممن تقدم دعاؤه على نزول الآية أو قارنه ~~أو تأخر عنه. # فقوله: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" يدل على عموم رسالته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن لكل من سمعه منه أو سمعه من غيره إلى ~~يوم القيامة، وإن شئت فقل: تدل الآية على كون القرآن الكريم حجة من الله ~~وكتابا له ينطق بالحق على أهل الدنيا من لدن نزوله إلى يوم القيامة. # وقد قيل: "لأنذركم به" ولم يقل: لأنذركم بقراءته فالقرآن حجة على من سمع ~~لفظه وعرف معناه واهتدى إلى مقاصده، أو فسر له لفظه وقرع سمعه بمضامينه ~~فليس ms2413 من شرط كتاب مكتوب إلى قوم أن يكون بلسانهم بل أن تقوم عليهم حجته ~~وتشملهم مضامينه، وقد دعا (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتابه إلى مصر ~~والحبشة والروم وإيران ولسانهم غير لسان القرآن، وقد كان فيمن آمن به في ~~حياته وقبل إيمانهم سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وعدة من ~~اليهود ولسانهم عبري هذا كله مما لا ريب فيه. # قوله تعالى: "أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد" إلى آخر ~~الآية، لما ذكر شهادة الله وهو أكبر شهادة على رسالته ولم يرسل إلا ليدعوهم ~~إلى دين التوحيد، وليس لأحد بعد شهادة الله سبحانه على أن لا شريك له في ~~ألوهيته أن يشهد أن مع الله آلهة أمر نبيه أن يسألهم سؤال متعجب منكر: هل ~~يشهدون بتعدد الآلهة، وهذا هو الذي يدل عليه تأكيد المسئول عنه بأن واللام، ~~كأن النفس لا تقبل أن يشهدوا به بعد أن سمعوا شهادة الله تعالى. # ثم أمره أن يخالفهم في الشهادة فينفي عن نفسه الشهادة بما شهدوا به فقال: ~~"قل لا أشهد" أي بما شهدتم به بقرينة المقام، ثم قال: "قل إنما هو إله واحد ~~وإنني بريء مما تشركون" وهو شهادة على وحدانيته تعالى، والبراءة مما يدعون ~~له من شركاء. # قوله تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" وهذا ~~إخبار عما شهد به الله سبحانه في الكتب المنزلة على أهل الكتاب، وعلمه ~~علماء أهل الكتاب مما عندهم من كتب الأنبياء من البشارة بعد البشارة بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصفه بما لا يعتريه شك ولا يطرأ عليه ريب. # فهم بما استحضروا من نعته (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرفونه بعينه كما ~~يعرفون أبناءهم، قال تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف: 157 وقال تعالى: "محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم ms2414 في الإنجيل:" الفتح: 29، وقال تعالى: "أولم يكن لهم آية أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل": الشعراء: 197. # ولما كان بعض علمائهم يكتمون ما عندهم من بشاراته ونعوته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ويستنكفون عن الإيمان به بين الله تعالى خسرانهم في أمرهم فقال: ~~"الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون". PageV07P020 # وقد تقدم بعض الكلام في تفسير نظيرة الآية من سورة البقرة آية 146 وبينا ~~هناك وجه الالتفات من الحضور إلى الغيبة وسيأتي تمام الكلام في سورة ~~الأعراف آية 156 إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: ~~قال لي أبو الحسن (عليه السلام): ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله عز ~~وجل أشيء أم لا شيء؟ قال: قلت: قد أثبت الله عز وجل نفسه شيئا حيث يقول: ~~"قل أي شيء أكبر شهادة - قل الله شهيد بيني وبينكم" وأقول: إنه شيء لا ~~كالأشياء إذ في نفي الشيئية عنه نفيه وإبطاله: قال لي: صدقت وأحسنت. # قال الرضا (عليه السلام): للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، ~~وإثبات بغير تشبيه فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأن الله ~~تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه. # أقول: المراد بمذهب النفي نفي معاني الصفات عنه تعالى كما ذهبت إليه ~~المعتزلة، وفي معناه إرجاع الصفات الثبوتية إلى نفي ما يقابلها كالقول بأن ~~معنى القادر أنه ليس بعاجز، ومعنى العالم أنه ليس بجاهل إلا أن يرجع إلى ما ~~ذكره (عليه السلام) من المذهب الثالث. # والمراد بمذهب التشبيه أن يشبهه تعالى بغيره - وليس كمثله شيء - أي أن ~~يثبت له من الصفة معناه المحدود الذي فينا المتميز من غيره من الصفات بأن ~~يكون قدرته كقدرتنا وعلمه كعلمنا، وهكذا، ولو كان ما له من الصفة كصفتنا ~~احتاج كاحتياجنا فلم يكن واجبا تعالى عن ذلك. # والمراد بمذهب الإثبات من غير تشبيه أن يثبت له من الصفة أصل معناه وتنفى ~~عنه خصوصيته التي قارنته ms2415 في الممكنات المخلوقة أي تثبت الصفة وينفي الحد. # وفي تفسير القمي،: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): "قل ~~أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم" وذلك أن مشركي أهل مكة قالوا: ~~يا محمد ما وجد الله رسولا أرسله غيرك؟ ما نرى أحدا يصدقك بالذي تقول ذلك ~~في أول ما دعاهم وهم يومئذ بمكة قالوا: ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى ~~فزعموا أنه ليس لك ذكر عندهم، فأتنا بمن يشهد أنك رسول الله، قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): الله شهيد بيني وبينكم. # وفي تفسير العياشي، عن بكير عن محمد عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول ~~الله: "لأنذركم به ومن بلغ" قال: علي (عليه السلام) ممن بلغ. # أقول: ظاهره أن "من بلغ" معطوف على ضمير "كم"، ولقد ورد في بعض الروايات ~~أن المراد بمن بلغ هو الإمام، ولازمه عطف "من بلغ" على فاعل "لأنذركم" ~~المقدر، وظاهر الآية هو الأول. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن يحيى بن عمران الحلبي عن ~~أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن قول الله عز وجل: "وأوحي ~~إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" قال: بكل لسان. # أقول: قد مر وجه استفادته من الآية. # وفي تفسير المنار،: أخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال: أتي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام؟ قالوا: ~~لا، فخلى سبيلهم ثم قرأ: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" ثم ~~قال: خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنهم لم يدعوا. # وفي تفسير القمي: أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: هل تعرفون ~~محمدا في كتابكم؟ قال: نعم والله نعرفه بالنعت الذي نعته الله لنا إذ ~~رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان. والذي يحلف به ابن ~~سلام: لأنا بمحمد هذا أشد معرفة مني بابني. PageV07P021 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 21 - 32 # ومن أظلم ممن ms2416 افترى على الله كذبا أو كذب بئايته إنه لا يفلح الظلمون ~~(21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) ومنهم من يستمع ~~إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية ~~لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجدلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أسطير ~~الأولين (25) وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(26) ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئايت ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم لكذبون (28) وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين (29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) قد خسر الذين كذبوا بلقاء ~~الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) وما الحيوة الدنيا إلا ~~لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) ### |||| AUTO بيان # تعود الآيات إلى أصل السياق وهو الحضور فتلتفت إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بالخطاب فتذكر له مظالم المشركين في أصول العقائد الطاهرة وهي ~~التوحيد والاعتقاد بالنبوة والمعاد، وذلك قوله تعالى: "ومن أظلم" إلخ، ~~وقوله: "ومنهم من يستمع إليك" إلخ، وقوله: "وقالوا إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا" إلخ. # ثم تبين أن ذلك منهم أشد الظلم وإهلاك لأنفسهم وخسران لها، وتبين كيف ~~تنعكس إليهم وتوافيهم هذه المظالم يوم القيامة فيكذبون على أنفسهم بإنكار ~~ما قالوا في الدنيا ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا الصالحات، ويبدون ~~التحسر على ما فرطوا في جنب الله سبحانه. # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته" الظلم من ~~أشنع الذنوب بل التحليل الدقيق ms2417 يقضي أن سائر الذنوب إنما هي شنيعة مذمومة ~~بمقدار ما فيها من معنى الظلم، وهو الانحراف والخروج عن الوسط العدل. # والظلم كما يكبر ويصغر من جهة خصوصيات من صدر عنه الظلم كذلك يختلف حاله ~~بالكبر والصغر من جهة من وقع عليه الظلم أو أريد إيقاعه عليه فكلما جل ~~موقعه وعظم شأنه كان الظلم أكبر وأعظم، ولا أعز قدرا وأكرم ساحة من الله ~~سبحانه ولا من آياته الدالة عليه، فلا أظلم ممن ظلم هذه الساحة المنزهة أو ~~ما ينتسب إليها بوجه، ولا يظلم إلا نفسه. # وقد صدق الله سبحانه هذه النظرة العقلية بقوله: "ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بآياته" أما افتراء الكذب عليه تعالى فبإثبات الشريك له، ~~ولا شريك له، أو دعوى النبوة أو نسبة حكم إليه كذبا وابتداعا، وأما تكذيب ~~آياته الدالة عليه فكتكذيب النبي الصادق في دعواه المقارنة للآيات الإلهية ~~أو إنكار الدين الحق، ومنه إنكار الصانع أصلا. # والآية تنطبق على المشركين، وهم أهل الأوثان الذين إليهم وجه الاحتجاج من ~~جهة أنهم أثبتوا لله سبحانه شركاء بعنوان أنهم شفعاء مصادر أمور في الكون، ~~وإليهم ينتهي تدبير شئون العالم مستقلين بذلك، ومن جهة أنهم أنكروا آياته ~~تعالى الدالة على النبوة والمعاد. PageV07P022 # وربما ألحق بعضهم بذلك القائلين بجواز شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو الطاهرين من ذريته أو الأولياء الكرام من أمته فقضى بكون ~~الاستشفاع بهم في شيء من حوائج الدنيا أو الآخرة شركا تشمله الآية وما ~~يناظرها من الآيات الشريفة. # وكأنه خفي عليهم أنه تعالى أثبت الشفاعة إذا قارنت الإذن في كلامه من غير ~~أن يقيده بدنيا أو آخرة، فقال عز من قائل: "من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه": البقرة: 255. # على أنه تعالى قال: "ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86 فأثبت الشفاعة حقا للعلماء الشهداء بالحق، ~~والقدر المتيقن منهم الأنبياء ومنهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ~~أثبت الله سبحانه شهادته بقوله: "وجئنا ms2418 بك على هؤلاء شهيدا": النساء: 41 ~~ونص على علمه حيث قال: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل: 89، ~~وقال: "نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وهل يعقل نزول الكتاب ~~الذي هو تبيان كل شيء على قلب من غير علم به، أو بعثه تعالى إياه شهيدا ~~وليس بشهيد بالحق؟ وقال الله تعالى: "لتكونوا شهداء على الناس": البقرة: ~~143، وقال: "ويتخذ منكم شهداء": آل عمران: 140، وقال تعالى: "وتلك الأمثال ~~نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون": العنكبوت: 43 فأثبت في هذه الأمة ~~شهداء علماء ولا يثبت إلا الحق. # وقال تعالى في أهل بيته (عليهم السلام): "إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا": الأحزاب: 33 فبين أنهم مطهرون بتطهيره، ~~ثم قال: "إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة: ~~79 فعدهم العلماء بالقرآن الذي هو تبيان كل شيء والمطهرون هم القدر المتيقن ~~من هذه الأمة في الشهادة بالحق التي لا سبيل للغو والتأثيم إليها، وقد ~~أشبعنا الكلام في معنى الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب فليراجع. # قوله تعالى: "إنه لا يفلح الظالمون" الفلاح والفوز والنجاح والظفر ~~والسعادة ألفاظ قريبة المعنى، ولهذا فسر الراغب الفلاح بإدراك البغية الذي ~~هو معنى السعادة تقريبا، قال في المفردات: الفلح: الشق، وقيل الحديد ~~بالحديد يفلح أي يشق، والفلاح الأكار لذلك والفلاح الظفر وإدراك البغية، ~~وذلك ضربان دنيوي وأخروي: فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة ~~الدنيا وهو البقاء والغنى والعز وإياه قصد الشاعر بقوله: أفلح بما شئت فقد يدرك. # بالضعف وقد يخدع الأريب. # وفلاح أخروي، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ~~ذل، وعلم بلا جهل. # انتهى، فمن الممكن أن يقال: إن الفلاح هو السعادة سميت به لأن فيها الظفر ~~وإدراك البغية بشق الموانع الحائلة دون المطلوب. # وهذا معنى جامع ينطبق على موارد الاستعمال كقوله: "قد أفلح المؤمنون": ~~المؤمنون: 1، وقوله: "قد أفلح من زكاها": الشمس: 9، وقوله: "إنه لا يفلح ~~الكافرون": المؤمنون: 117 إلى غير ذلك من الموارد. # فقوله: ms2419 "إنه لا يفلح الظالمون" - وقد أخذ الظلم وصفا - معناه أن الظالمين ~~لا يدركون بغيتهم التي تشبثوا لأجل إدراكها بما تشبثوا به فإن الظلم لا ~~يهدي الظالم إلى ما يبتغيه من السعادة والظفر بواسطة ظلمه. # وذلك أن السعادة لن تكون سعادة إلا إذا كانت بغية ومطلوبا بحسب واقع ~~الأمر وخارج الوجود، ويكون حينئذ الشيء الذي يطلب هذه البغية والسعادة بحسب ~~وجوده طبيعة كونه مجهزا بما يناسب هذه السعادة المطلوبة من الأسباب ~~والأدوات كالإنسان الذي من سعادته المطلوبة أن يبقى بقاء بوضع البدل مكان ~~ما تحلل من بنيته ثم هو مجهز بجهاز التغذي الدقيق الذي يناسب ذلك، والأدوات ~~والأسباب الملائمة له، ثم في المادة الخارجية ما يوافق مزاج بنيته فيأخذها ~~بالأسباب والأدوات المهيأة لذلك، ثم يصفيه ويبدل صورته إلى ما يشابه صورة ~~المتحلل من بدنه ثم يلصقه ببدنه فيعود البدن تاما بعد نقصانه، وهذا حكم عام ~~جار في جميع الأنواع الخارجية التي تناله حواسنا ويسعه استقراؤنا من غير ~~تخلف واختلاف البتة. PageV07P023 # وعلى هذا يجري نظام الكون في مسيره فلكل غاية مطلوبة وسعادة مقصودة طريق ~~خاص لا يسلك إليها إلا منه، ولو توصل إليها من غير سببه الذي يألفها النظام ~~أوجب ذلك العطل في السبب وبطلان الطريق، وفي عطله وبطلانه فساد جميع ما ~~يرتبط ويتعلق به من الأسباب والعلائق كالإنسان الذي فرض توصله إلى إبقاء ~~الوجود من غير طريق التناول والالتقام والهضم فإن ذلك يفضي إلى عطل قوته ~~الغاذية، وفي عطله انحراف قوتيه المنمية والمولدة مثلا جميعا. # وقد اقتضت العناية الإلهية في هذه الأنواع التي تعيش بالشعور والإرادة أن ~~تعيش بتطبيق أعمالها على ما حصلته من العلم بالخارج فلو انحرفت عن الخارج ~~لعارض ما كان في ذلك بطلان العمل، ولو تكرر ذلك بطلت الذات كالإنسان المريد ~~للأكل إذا غلط وحسب السم غذاء أو الطين خبزا ونحو ذلك. # وللإنسان عقائد وآراء عامة متولدة من نظام الكون الخارجي يضعها أصلا ~~ويطبق عمله عليها كالعائد الراجعة إلى المبدإ والمعاد، والأحكام العملية ~~التي يجعلها مقاييس لأعماله من ms2420 العبادات والمعاملات. # وهذه طرق إلى السعادات الإنسانية بحسب طبعها لا طريق إليها دونها إذا ~~سلكها الإنسان أدرك بغيته وظفر بسعادته، ولو انحرف عنها إلى غيرها - وهو ~~الظلم - لم يوصله إلى بغيته ولئن أوصله إليه لم يثبت عليه، ولم يدم له ذلك ~~فإن سائر الطرق والسبل مربوطة به فتنازعه في ذلك، وتخالفه وتضاده بجميع ما ~~لها من الوسع والطاقة، ثم أجزاء الكون الخارجي الذي هو السبب لانتشاء هذه ~~الآراء والأحكام لا توافقه في عمله، ولا تزال على هذا الحال حتى تقلب له ~~الأمر، وتفسد عليه سعادته، وتنغص عليه عيشته. # فالظالم ربما دعته طاغية الشره إلى أن يستعمل ما له من العزة بالإثم ~~والقدرة الكاذبة في الحصول على بغية وسعادة من غير طريقه المشروع، فيخالف ~~الاعتقاد الحق لتوحيد الله سبحانه، أو ينازع الحقوق المشروعة فيتعدى إلى ~~أموال الناس فيغصبها ظلما، أو إلى أعراض الناس فيهتك أستارهم عنوة، أو إلى ~~دمائهم ونفوسهم فيتصرف فيها من غير حق أو يعصي في شيء من نواميس العبودية ~~لله سبحانه بصلاة أو صوم أو حج أو غيرها، أو يقترف شيئا من الذنوب المتعلقة ~~بذلك، كالكذب والفرية والخدعة ونحوها. # يأتي بشيء من ذلك وربما أدرك ما قصده، وهو طيب النفس بما ظفر به من ~~مطلوبه بحسب زعمه، وقد ذهب عن خسران صفقته وخيبة مسعاه في دنياه وآخرته. # أما في دنياه فلأن ما سلكه من الطريق إنما هو طريق الهرج والمرج واختلال ~~النظام إذ لو كان طريقا حقا لعم ولو عم أبطل النظام، ولو بطل النظام بطلت ~~حياة المجتمع الإنساني فالنظام الذي يضمن بقاء النوع الإنساني كائنا ما كان ~~ينازعه فيما حازه بعمله غير المشروع، ولا يزال على المنازعة حتى يفسد عليه ~~مقتضى عمله ونتيجة سعيه المشئوم عاجلا أو على مهل ولن يدوم ظلمه البتة. # وأما في الآخرة فلأن ظلمه مكتوب في صحيفة عمله، وهو منقوش في لوح نفسه ~~بما يورد عليها من الأثر ثم هو مجزي به عائش على وتيرته، وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ms2421 به الله. # قال الله تعالى: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما ~~الله بغافل عما تعملون": البقرة: 85، وقال: "كذب الذين من قبلهم فأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون": الزمر: 26، وقال: "ومن الناس من يجادل في ~~الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في ~~الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد": الحج: 10 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة. # والآيات - كما ترى - تشمل المظالم الاجتماعية والفردية فهي تصدق ما تقدم ~~من البحث، وأشملها مضمونا الآية المبحوث عنها: "إنه لا يفلح الظالمون". # قوله تعالى: "ويوم نحشرهم جميعا" إلى آخر الآيتين، الظرف متعلق بمقدر ~~والتقدير: واذكر يوم "إلخ"، وقد تعلقت العناية في الكلام بقوله "جميعا" ~~للدلالة على أن العلم والقدرة لا يتخلفان عن أحد منهم، فالله سبحانه محيط ~~بجميعهم علما وقدرة سيحصيهم ويحشرهم ولا يغادر منهم أحدا. PageV07P024 # والجملة في مقام بيان قوله: "إنه لا يفلح الظالمون" كأنه لما قيل: "إنه لا ~~يفلح الظالمون" سئل فقيل: وكيف ذلك؟ فقيل: لأن الله سيحشرهم ويسألهم عن ~~شركائهم فيضلون عنهم ويفقدونهم فينكرون شركهم ويقسمون لذلك بالله كذبا، ولو ~~أفلح هؤلاء الظالمون في اتخاذهم لله شركاء لم يضل عنهم شركاؤهم، ولم يكذبوا ~~على أنفسهم بل وجدوهم على ما ادعوا من الشركة والشفاعة ونالوا شفاعتهم. # وقوله: "ثم لم تكن فتنتهم" إلخ، قيل: المراد بالفتنة الجواب أي لم يكن ~~جوابهم إلا أن أقسموا بالله على أنهم ما كانوا مشركين، وقيل: الكلام على ~~تقدير مضاف والمراد: لم تكن عاقبة افتتانهم بالأوثان إلا أن قالوا "إلخ"، ~~وقيل: المراد بالفتنة المعذرة، ولكل من الوجوه وجه. # قوله تعالى: "انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" بيان ~~لمحل الاستشهاد فيما قص من حالهم يوم القيامة، والمراد ms2422 أنهم سيكذبون على ~~أنفسهم ويفقدون ما افتروا به، ولو أفلحوا في ظلمهم وسعدوا فيما طلبوا لم ~~ينجر أمرهم إلى فقد ذلك وإنكاره على أنفسهم. # أما كذبهم على أنفسهم فلأنهم لما أقسموا بالله أنهم ما كانوا مشركين ~~أنكروا ما ادعوه في الدنيا من أن لله سبحانه شركاء، وهم كانوا يصرون عليه ~~ويعرضون فيه عن كل حجة واضحة وآية بينة ظلما وعتوا، وهذا كذب منهم على ~~أنفسهم. # وأما ضلال ما كانوا يفترونه عنهم فلأن اليوم يوم ينجلي فيه عيانا أن ~~الأمر والملك والقوة لله جميعا ليس لغيره من شيء إلا ذلة العبودية، والفقر ~~والحاجة من غير أي استقلال قال تعالى: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ~~أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب": البقرة: 165، وقال: "لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16 وقال: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، ~~والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19. # فيشاهدون عندئذ مشاهدة عيان أن الألوهية لله وحده لا شريك له، ويظهر لهم ~~أوثانهم وشركاؤهم وهم لا يملكون ضرا ولا نفعا لأنفسهم ولا لغيرهم، ووجدوا ~~الأوصاف التي أثبتوها لهم من الربوبية والشفاعة وغيرهما إنما هي لله وحده، ~~وقد كان اشتبه عليهم الأمر فتوهموها لغيره وضل عنهم ما كانوا يفترون. # فإن استمدوا منهم ردوا عليهم ردا لا مطمع معه بعد قال تعالى: "وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون، وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون": النحل: 87 وقال تعالى: "ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~يدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ~~ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم": الفاطر: 14 وقال تعالى: ~~"ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون، فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ~~إن كنا عن عبادتكم لغافلين، هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق وضل عنهم ms2423 ما كانوا يفترون": يونس: 30. # وبالتدبير في هذه الآيات يظهر أن المراد بضلال ما افتروا به هو ظهور ~~حقيقة شركائهم فاقدة لوصف الشركة والشفاعة وتبينهم أن ما ظهر لهم من ذلك في ~~الدنيا لم يكن إلا ظهورا سرابيا كما قال تعالى: "والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه": النور: 39. # فإن قلت: إن الآيات المتعرضة لوصف يوم القيامة - كما تقدم - ظاهرة في ~~بروز الحقائق وخروجها عن مكمن الخفاء والالتباس الذي هو من لوازم النشأة ~~الأولى الدنيوية كما قال تعالى: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم ~~شيء": المؤمن: 16 فأي نفع حينئذ لكذبهم؟ وكيف يكذبون وما أخبروا به من ~~الكذب مشهود خلافه عيانا؟ وقد قال تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30. # قلت: كذبهم وحلفهم على الكذب يوم القيامة مما وقع في كلامه تعالى غير ~~مرة، ومثل الآية قوله تعالى: "يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم": المجادلة: 18 وليس كذبهم وحلفهم عليه للتوصل به إلى الأغراض الفاسدة ~~وستر الحق كما يتوصل إليها بالكذب في الدنيا فإن الآخرة دار جزاء لا دار ~~عمل واكتساب. PageV07P025 # لكنهم لكونهم اعتادوا أن يتفصوا من المخاطرات والمهالك ويجلبوا المنافع ~~إليهم بالأيمان الكاذبة والأخبار المزورة خدعة وغرورا رسخت في نفوسهم ملكة ~~الكذب، والملكة إذا رسخت في النفس اضطرت النفس إلى إجابتها إلى ما تدعو ~~إليه، وذلك كما أن البذي الفحاش إذا استقرت في نفسه ملكة السب لا يقدر على ~~الكف عنه وإن عزم عليه والمستكبر اللجوج العنود لا يملك من نفسه أن يتواضع، ~~وإن خضع في موقف المهلكة والذلة أحيانا فإنما يخضع ظاهرا وبلسانه، وأما ~~باطنا وفي قلبه فهو على حاله لم يتغير ولن يتغير البتة. # وهذا هو السر في كذبهم يوم القيامة لأنه يوم تبلى فيه السرائر والسريرة ~~المعقودة على الكذب ليس فيها إلا الكذب فيظهر ما استقر فيه كما قال تعالى: ~~"ولا ms2424 يكتمون الله حديثا": النساء: 42 ونظيره التخاصم الدائر بين أهل الدنيا ~~فإنه يظهر بعينه يوم القيامة بينهم، وقد قص الله سبحانه ذلك في مواضع كثيرة ~~من كلامه، وأجمله في قوله: "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار": ص: 64 هذا في أهل ~~العذاب وأما أهل المغفرة والجنة فيظهر منهم هناك ما كان في نفوسهم هاهنا من ~~الصفا والسلامة، قال تعالى: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا ~~سلاما سلاما": الواقعة: 26 فافهم ذلك. # قوله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك" إلى آخر الآية، الأكنة جمع كن بكسر ~~الكاف وهو الغطاء الذي يكن فيه الشيء ويغطى، والوقر هو الثقل في السمع، ~~والأساطير جمع أسطورة بمعنى الكذب والمين على ما نقل عن المبرد، وكان أصله ~~السطر وهو الصف من الكتابة أو الشجر أو الناس غلب استعماله فيما جمع ونظم ~~ورتب من الأخبار الكاذبة. # وكان ظاهر السياق أن يقال: يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين، ولعل ~~الإظهار للإشعار بالسبب في هذا الرمي وهو الكفر. # قوله تعالى: "وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون" ينهون عنه أي عن اتباعه، والنأي الابتعاد، والقصر في قوله: "وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم" من قصر القلب فإنهم كانوا يحسبون أن النهي عنه والنأي ~~عنه إهلاك له وإبطال للدعوة الإلهية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره فهم هم ~~الهالكون من حيث لا يشعرون. # قوله تعالى: "ولو ترى إذ وقفوا على النار" إلى آخر الآيتين. # بيان لعاقبة جحودهم وإصرارهم على الكفر والإعراض عن آيات الله تعالى. # وقوله: "يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا" إلخ، على قراءة النصب في ~~"نكذب" و"نكون" تمن منهم للرجوع إلى الدنيا والانسلاك في سلك المؤمنين ~~ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة، وهذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك ~~بالله وحلفهم بالله على ذلك كذبا من باب ظهور ملكاتهم النفسانية يوم ~~القيامة فإنهم قد اعتادوا التمني فيما لا سبيل لهم إلى حيازته من الخيرات ~~والمنافع الفائتة عنهم، وخاصة إذا كان فوتها مستندا إلى سوء ms2425 اختيارهم وقصور ~~تدبيرهم في العمل، ونظيره أيضا ما سيجيء من تحسرهم على ما فرطوا في أمر ~~الساعة. # على أن التمني يصح في المحالات المتعذرة كما يصح في الممكنات المتعسرة ~~كتمني رجوع الأيام الخالية وغير ذلك قال الشاعر: ليت وهل ينفع شيئا ليت. # ليت الشباب بوع فاشتريت. # وقوله: "بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" إلخ، ظاهر الكلام أن مرجع ~~الضمائر أعني ضمائر "لهم" و"كانوا" و"يخفون" واحد وهو المشركون السابق ~~ذكرهم، وأن المراد بالقبل هو الدنيا فالمعنى أنه ظهر لهؤلاء المشركين حين ~~وقفوا على النار ما كانوا هم أنفسهم يخفونه في الدنيا فبعثهم ظهور ذلك على ~~أن تمنوا الرد إلى الدنيا، والإيمان بآيات الله، والدخول في جماعة ~~المؤمنين. # ولم يبد لهم إلا النار التي وقفوا عليها يوم القيامة فقد كانوا أخفوها في ~~الدنيا بالكفر والستر للحق والتغطية عليه بعد ظهوره لهم كما يشير إليه نحو ~~قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22. # وأما نفس الحق الذي كفروا به في الدنيا مع ظهوره لهم فهو كان بادئا لهم ~~من قبل والسياق يأبى أن يكون مجرد ظهور الحق لهم مع الغض عن ظهور النار ~~وهول يوم القيامة باعثا لهم على هذا التمني. PageV07P026 # ويشعر بذلك بعض ما في نظير المقام من كلامه تعالى كقوله: "وإذا قيل إن وعد ~~الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما ~~نحن بمستيقنين وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون": ~~الجاثية: 33، وقوله: "ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون": الزمر: 48. # وقد ذكروا في الآية أعني قوله: "بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" وجوها ~~كثيرة أنهاها في المنار إلى تسعة أوجه قال: وفيه أقوال الأول أنه أعمالهم ~~السيئة ms2426 وقبائحهم الشائنة ظهرت لهم في صحائفهم، وشهدت بها عليهم جوارحهم. # الثاني: أنه أعمالهم التي كانوا يفترون بها ويظنون أن سعادتهم فيها إذ ~~يجعلها الله تعالى هباء منثورا. # الثالث: أنه كفرهم وتكذيبهم الذي أخفوه في الآخرة من قبل أن يوقفوا على ~~النار كما تقدم حكايته عنهم في قوله تعالى: "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~والله ربنا ما كنا مشركين". # الرابع: أنه الحق أو الإيمان الذي كانوا يسرونه ويخفونه بإظهار الكفر ~~والتكذيب عنادا للرسول واستكبارا عن الحق، وهذا إنما ينطبق على أشد الناس ~~كفرا من المعاندين المتكبرين الذين قال في بعضهم: "وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا". # الخامس: أنه ما كان يخفيه الرؤساء عن أتباعهم من الحق الذي جاءت به الرسل ~~بدا للأتباع الذين كانوا مقلدين لهم، ومنه كتمان بعض أهل الكتاب لرسالة ~~نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاته وبشارة أنبيائهم به. # السادس: أنه ما كان يخفيه المنافقون في الدنيا من أسرار الكفر وإظهار ~~الإيمان والإسلام. # السابع: أنه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنم، وأن إخفاءهم له عبارة عن ~~تكذيبهم به، وهو المعنى الأصلي لمادة الكفر. # الثامن: أن في الكلام مضافا محذوفا أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من ~~الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرموا وتضجروا وتمنوا التفصي منه بالرد ~~إلى الدنيا، وترك ما أفضي إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإيمان كما يتمنى ~~الموت من أمضه الداء العضال لأنه ينقذه من الآلام لا لأنه محبوب في نفسه، ~~ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الأقوال بل الصواب عندنا قول آخر، وهو: ~~التاسع: أنه يظهر يومئذ لكل من أولئك الذين ورد الكلام فيهم ولأشباههم من ~~الكفار ما كان يخفيه في الدنيا ما هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم، ~~انتهى، ثم عمم الكلام لرؤساء الكفار وأتباعهم المقلدة وللمنافقين والفساق ~~ممن يقترف الفواحش ويخفيها عن الناس أو يترك الواجبات ويعتذر بأعذار كاذبة ~~ويخفي حقيقة الحال في كلام طويل. # وبالرجوع إلى ما قدمناه من الوجه والتأمل فيه يظهر ما في ms2427 كل واحد من هذه ~~الأقوال من وجوه الخلل فلا نطيل. # وقوله: "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه" تذكير لفعل ما تقرر في نفوسهم من ~~الملكات الرذيلة في نشأة الدنيا فإن الذي بعثهم إلى تمني الرجوع إلى الدنيا ~~والإيمان فيها بآيات الله والدخول في جماعة المؤمنين إنما هو ظهور الحق ~~المتروك بجميع ما يستتبعه من العذاب يوم القيامة، وهو من مقتضيات نشأة ~~الآخرة المستلزمة لظهور الحقائق الغيبية ظهور عيان. # ولو عادوا إلى الدنيا لزمهم حكم النشأة، وأسدلت عليهم حجب الغيب، ورجعوا ~~إلى اختيارهم، ومعه هوى النفس ووسوسة الشيطان وقرائح العباد والاستكبار ~~والطغيان فعادوا إلى سابق شركهم وعنادهم مع الحق فإن الذي دعاهم وهم في ~~الدنيا إلى مخالفة الحق والتكذيب بآيات الله تعالى هو على حاله مع فرض ردهم ~~إلى الدنيا بعد البعث، فحكمه حكمه من غير فرق. PageV07P027 # وقوله: "وإنهم لكاذبون" أي في قولهم: "يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا" ~~إلخ، والتمني وإن كان إنشاء لا يقع فيه الصدق والكذب إلا أنهم لما قالوا: ~~"نرد ولا نكذب" أي ردنا الله إلى الدنيا ولو ردنا لم نكذب، ولم يقولوا: ~~نعود ولا نكذب، كان كلامهم مضمنا للمسألة والوعد أعني مسألة الرد ووعد ~~الإيمان والعمل الصالح كما صرح بذلك في قوله: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون": ~~السجدة: 12 وقوله: "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل": الفاطر: 37. # وبالجملة قولهم: "يا ليتنا نرد ولا نكذب" إلخ، في معنى قولهم ربنا ردنا ~~إلى الدنيا لا نكذب بآياتك ونكن من المؤمنين، وبهذا الاعتبار يحتمل الصدق ~~والكذب، ويصح عدهم كاذبين. # وربما وجه نسبة الكذب إليهم في تمنيهم بأن المراد كذب الأمل والتمني وهو ~~عدم تحققه خارجا كما يقال: كذبك أملك، لمن تمنى ما لا يدرك. # وربما قيل: إن المراد كذبهم في سائر ما يخبرون به عن أنفسهم من إصابة ~~الواقع واعتقاد الحق، هو كما ترى. # قوله تعالى: "وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا" ms2428 إلى آخر الآيتين. # ذكر لإنكارهم الصريح للحشر وما يستتبعه يوم القيامة من الإشهاد وأخذ ~~الاعتراف بما أنكروه، والوثنية كانت تنكر المعاد كما حكى الله عنهم ذلك في ~~كلامه غير مرة، وقولهم بشفاعة الشركاء إنما كان في الأمور الدنيوية من جلب ~~المنافع إليهم ودفع المضار والمخاوف عنهم. # فقوله: "وقالوا إن هي" إلخ، حكاية لإنكارهم أي ما الحياة إلا حياتنا ~~الدنيا لا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد الممات، وقوله: "ولو ترى إذ ~~وقفوا" كالجواب وهو بيان ما يستتبعه قولهم: إن هي إلا، "إلخ" للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في صورة التمني لمكان قوله: "ولو ترى" وهو أنهم ~~سيصدقون بما جحدوه، ويعترفون بما أنكروه بقولهم: "وما نحن بمبعوثين" إذ ~~يوقفون على ربهم فيشاهدون عيانا هذا الموقف الذي أخبروا به في الدنيا، وهو ~~أنهم مبعوثون بعد الموت فيعترفون بذلك بعد ما أنكروه في الدنيا. # ومن هنا يظهر أن الله سبحانه فسر البعث في قوله: "ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم" بلقاء الله، ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية: "قد خسر الذين كذبوا ~~بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة" إلخ، حيث بدل الحشر والبعث والقيامة ~~المذكورات في سابق الكلام لقاء ثم ذكر الساعة أي ساعة اللقاء. # وقوله: "أليس هذا" أي أليس البعث الذي أنكرتموه في الدنيا وهو لقاء الله ~~"بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" به وتسترونه. # قوله تعالى: "قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله" إلى آخر الآية، قال في ~~المجمع،: كل شيء أتى فجأة فقد بغت يقال: بغته الأمر يبغته بغتة انتهى، وقال ~~الراغب في المفردات،: الحسر كشف الملبس عما عليه يقال: حسرت عن الذراع، ~~والحاسر من لا درع عليه ولا مغفر، والمحسرة المكنسة - إلى أن قال - والحاسر ~~المعيا لانكشاف قواه - إلى أن قال - والحسرة الغم على ما فاته والندم عليه ~~كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه أو انحسر قواه من فرط غم أو ~~أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه. # انتهى موضع الحاجة. # وقال: ms2429 الوزر بفتحتين الملجأ الذي يتلجأ إليه من الجبل، قال: "كلا لا وزر ~~إلى ربك يومئذ المستقر" والوزر بالكسر فالسكون الثقل تشبيها بوزر الجبل، ~~ويعبر بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل، قال "ليحملوا أوزارهم كاملة" ~~الآية كقوله: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم"، انتهى. # والآية تبين تبعة أخرى من تبعات إنكارهم البعث وهو أن الساعة سيفاجئهم ~~فينادون بالحسرة على تفريطهم فيها ويتمثل لهم أوزارهم وذنوبهم وهم يحملونها ~~على ظهورهم وهو أشق أحوال الإنسان وأردؤها ألا ساء ما يزرون ويحملونه من ~~الثقل أو من الذنب أو من وبال الذنب. # والآية أعني قوله: "قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله" بمنزلة النتيجة ~~المأخوذة من قوله: "وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا" إلى آخر الآيتين، وهي ~~أنهم بتعويضهم راحة الآخرة وروح لقاء الله من إنكار البعث وما يستتبعه من ~~أليم العذاب خسروا صفقة. PageV07P028 # قوله تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير" إلخ، تتمة ~~للكلام فيه بيان حال الحياتين: الدنيا والآخرة والمقايسة بينهما فالحياة ~~الدنيا لعب ولهو ليس إلا فإنها تدور مدار سلسلة من العقائد الاعتبارية ~~والمقاصد الوهمية كما يدور عليه اللعب فهي لعب، ثم هي شاغلة للإنسان عما ~~يهمه من الحياة الأخرى الحقيقية الدائمة فهي لهو، والحياة الآخرة لكونها ~~حقيقية ثابتة فهي خير ولا ينالها إلا المتقون فهي خير لهم. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي تفسير العياشي، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~إن الله يعفو يوم القيامة عفوا لا يخطر على بال أحد حتى يقول أهل الشرك: ~~"والله ربنا ما كنا مشركين". # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا" الآية: أن ~~المراد: لم تكن معذرتهم إلا أن قالوا، إلخ:، قال: وهو المروي عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وهم ينهون عنه وينأون عنه" الآية، ~~قال: قال: بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ويمنعون قريشا، وينأون أي يباعدون عنه ولا يؤمنون. # أقول: ms2430 والرواية تقرب مما روي عن عطاء ومقاتل: أن المراد أبو طالب عم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه كان ينهى قريشا عن النبي وينأى عن ~~النبي ولا يؤمن به. # والسياق يأبى ذلك فإن ظاهر الآية أن الضمير راجع إلى القرآن دون النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # على أن الروايات من طرق أهل البيت (عليهم السلام) متظافرة بإيمانه. # قال في المجمع،: قد ثبت إجماع أهل البيت (عليهم السلام) بإيمان أبي طالب، ~~وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين الذين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالتمسك بهما بقوله: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا. # ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر: أن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم ~~الفتح إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ألا تركت الشيخ ~~فآتيه؟ وكان أعمى، فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله تعالى، والذي بعثك ~~بالحق لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحا مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة ~~عينك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): صدقت. # وروى الطبري، بإسناده: أن رؤساء قريش لما رأوا ذب أبي طالب عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) اجتمعوا عليه وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالا وجودا ~~وشهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك وتدفع إلينا ابن أخيك الذي فرق جماعتنا، ~~وسفه أحلامنا فنقتله، فقال أبو طالب ما أنصفتموني تعطونني ابنكم فأغذوه، ~~وأعطيكم ابني فتقتلونه بل فليأت كل امرىء منكم بولده فأقتله، وقال: منعنا ~~الرسول رسول المليك. ببيض تلألأ كلمع البروق. أذود وأحمي رسول المليك. ~~حماية حام عليه شفيق. وأقواله وأشعاره المنبئة عن إسلامه كثيرة مشهورة لا ~~تحصى فمن ذلك قوله: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا. # نبيا كموسى خط في أول الكتب. # أليس أبونا هاشم شد أزره. # وأوصى بنيه بالطعان وبالحرب. # وقوله من قصيدة: وقالوا لأحمد أنت امرؤ. # خلوف اللسان ضعيف السبب. # ألا إن أحمد قد جاءهم. # بحق ولم يأتهم بالكذب. # وقوله في حديث الصحيفة وهو من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ms2431 ~~وقد كان في أمر الصحيفة عبرة. # متى ما يخبر غائب القوم يعجب. # محا الله منها كفرهم وعقوقهم. # وما نقموا من ناطق الحق معرب. # وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا. # على سخط من قومنا غير معتب. # وقوله في قصيدة يحض أخاه حمزة على اتباع النبي والصبر في طاعته: صبرا أبا ~~يعلى على دين أحمد. # وكن مظهرا للدين وفقت صابرا. # فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن. # فكن لرسول الله في الله ناصرا. # وقوله من قصيدة: أقيم على نصر النبي محمد. # أقاتل عنه بالقنا والقنابل. # وقوله يحض النجاشي على نصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تعلم مليك ~~الحبش أن محمدا. # وزير لموسى والمسيح بن مريم. # أتى بهدى مثل الذي أتيا به. # وكل بأمر الله يهدي ويعصم. # وإنكم تتلونه في كتابكم. # بصدق حديث لا حديث المرجم. # فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا. # وإن طريق الحق ليس بمظلم. # وقوله في وصيته وقد حضرته الوفاة: أوصى بنصر النبي الخير مشهده. # عليا ابني وشيخ القوم عباسا. # وحمزة الأسد الحامي حقيقته. # وجعفرا أن يذودوا دونه الناسا. # كونوا فدى لكم أمي وما ولدت. PageV07P029 # في نصر أحمد دون الناس أتراسا. # وأمثال هذه الأبيات مما هو موجود في قصائده المشهورة ووصاياه وخطبه يطول ~~بها الكتاب، انتهى. # والعمدة في مستند من قال بعدم إسلامه بعض روايات واردة من طريق الجمهور ~~في ذلك، وفي الجانب الآخر إجماع أهل البيت (عليهم السلام) وبعض الروايات من ~~طريق الجمهور، وأشعاره المنقولة عنه، ولكل امرىء ما اختار. # وفي تفسير العياشي، عن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم ملعونون في الأصل. وفيه، عن عثمان بن عيسى ~~عن بعض أصحابه عنه (عليه السلام)، قال: إن الله قال للماء: كن عذبا فراتا ~~أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال للماء: كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل ~~معصيتي فأجرى المائين على الطين ثم قبض قبضة بيده وهي يمين فخلقهم خلقا ~~كالذر ثم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وعليكم طاعتي؟ قالوا: بلى، فقال ms2432 ~~للنار: كوني نارا فإذا نارا تأجج، وقال لهم: قعوا فيها فمنهم من أسرع، ~~ومنهم من أبطأ في السعي، ومنهم من لم يبرح مجلسه فلما وجدوا حرها رجعوا فلم ~~يدخلها منهم أحد. ثم قبض قبضة بيده فخلقهم خلقا مثل الذر مثل أولئك ثم ~~أشهدهم على أنفسهم مثل ما أشهد الآخرين، ثم قال لهم: قعوا في هذه النار ~~فمنهم من أبطأ، ومنهم من أسرع ومنهم من مر بطرف العين فوقعوا فيها كلها، ~~فقال: اخرجوا منها سالمين فخرجوا لم يصبهم شيء. وقال الآخرون: يا ربنا ~~أقلنا نفعل كما فعلوا، قال: قد أقلتكم فمنهم من أسرع في السعي، ومنهم من لم ~~يبرح مجلسه مثل ما صنعوا في المرة الأولى، فذلك قوله: "ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه وإنهم لكاذبون". # أقول: هذه الرواية والتي قبلها من روايات الذر وسيأتي استيفاء البحث عنها ~~في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى" الآية. # ومحصلها أنه كما أن لنظام الثواب والعقاب في الآخرة ارتباطا تاما بنشأة ~~أخرى قبلها وهي نشأة الدنيا من حيث الطاعة والمعصية كذلك للطاعة والمعصية ~~في الدنيا ارتباط تام بنشأة أخرى قبلها رتبة، وهي عالم الذر. # فالمراد بقوله في الرواية: فذلك قوله تعالى: "ولو ردوا لعادوا إلخ، أن ~~معنى الآية ولو ردوا من عرصات الحشر إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون من عالم الذر إذ كذبوا الله فيه، وهذا هو المراد بعينه بقوله (عليه ~~السلام) في الرواية الأولى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم ملعونون في ~~الأصل أي في عالم الذر لكذبهم فيه. # وعلى هذا فالروايتان تشتملان على وجه رابع في تفسير الآية غير الوجوه ~~الثلاثة المتقدمة في البيان السابق. # وفي المجمع، عن الأعمش عن أبي صالح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~في قوله تعالى: "يا حسرتنا على ما فرطنا فيها" الآية، قال: يرى أهل النار ~~منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا، اه. PageV07P030 ### ||| AUTO 6 ms2433 سورة الأنعام - 33 - 36 # قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بئايت ~~الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمت الله ولقد جاءك من نبإى المرسلين (34) وإن كان ~~كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الأرض أو سلما فى السماء ~~فتأتيهم بئاية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجهلين (35) ~~إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) ### |||| AUTO بيان # تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هفوات المشركين في أمر دعوته، ~~وتطييب لنفسه بوعد النصر الحتمي، وبيان أن الدعوة الدينية إنما ظرفها ~~الاختيار الإنساني فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فالقدرة والمشية الإلهية ~~الحاتمتان لا تداخلان ذلك حتى تجبراهم على القبول، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى. # قوله تعالى: "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون" إلى آخر الآية، "قد" حرف ~~تحقيق في الماضي، وتفيد في المضارع التقليل وربما استعملت فيه أيضا ~~للتحقيق، وهو المراد في الآية، وحزنه كذا وأحزنه بمعنى واحد، وقد قرىء بكلا ~~الوجهين. # وقوله: "فإنهم لا يكذبونك" قرىء بالتشديد من باب التفعيل، وبالتخفيف، ~~والظاهر أن الفاء في قوله: "فإنهم" للتفريع وكأن المعنى قد نعلم أن قولهم ~~ليحزنك لكن لا ينبغي أن يحزنك ذلك فإنه ليس يعود تكذيبهم إليك لأنك لا تدعو ~~إلا إلينا وليس لك فيه إلا الرسالة بل هم يظلمون بذلك آياتنا ويجحدونها. # فما في هذه الآية مع قوله في آخر الآيات: "ثم إليه يرجعون" في معنى قوله ~~تعالى: "ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله ~~عليم بذات الصدور":" لقمان: 23 وقوله: "فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون ~~وما يعلنون": يس: 76 وغير ذلك من الآيات النازلة في تسليته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، هذا على قراءة التشديد. # وأما على قراءة التخفيف فالمعنى: لا تحزن فإنهم لا يظهرون عليك بإثبات ~~كذبك فيما تدعو إليه، ولا يبطلون حجتك بحجة وإنما ms2434 يظلمون آيات الله بجحدها ~~وإليه مرجعهم. # وقوله: "ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" كان ظاهر السياق أن يقال: ~~ولكنهم، فالعدول إلى الظاهر للدلالة على أن الجحد منهم إنما هو عن ظلم منهم ~~لا عن قصور وجهل وغير ذلك فليس إلا عتوا وبغيا وطغيانا وسيبعثهم الله ثم ~~إليه يرجعون. # ولذلك وقع الالتفات في الكلام من التكلم إلى الغيبة فقيل: "بآيات الله" ~~ولم يقل: بآياتنا، للدلالة على أن ذلك منهم معارضة مع مقام الألوهية ~~واستعلاء عليه وهو المقام الذي لا يقوم له شيء. # وقد قيل في تفسير معنى الآية وجوه أخرى: أحدها: ما عن الأكثر أن المعنى: ~~لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا، وإنما يظهرون التكذيب بأفواههم عنادا. # وثانيها: أنهم لا يكذبونك وإنما يكذبونني فإن تكذيبك راجع إلي ولست مختصا ~~به، وهذا الوجه غير ما قدمناه من الوجه وإن كان قريبا منه، والوجهان جميعا ~~على قراءة التشديد. # وثالثها: أنهم لا يصادفونك كاذبا تقول العرب: قاتلناهم فما أجبناهم أي ما ~~صادفناهم جبناء، والوجه ما تقدم. # قوله تعالى: "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا" إلى آخر الآية. # هداية له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سبيل من تقدمه من الأنبياء، وهو ~~سبيل الصبر في ذات الله، وقد قال تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده": الأنعام: 90. # وقوله: "حتى أتاهم نصرنا" بيان غاية حسنة لصبرهم، وإشارة إلى الوعد ~~الإلهي بالنصر، وفي قوله: "ولا مبدل لكلمات الله" تأكيد لما يشير إليه ~~الكلام السابق من الوعد وحتم له، وإشارة إلى ما ذكره بقوله: "كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي": المجادلة: 21، وقوله: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين، إنهم لهم المنصورون": الصافات: 172. PageV07P031 # ووقوع المبدل في قوله: "ولا مبدل لكلمات الله" في سياق النفي ينفي أي مبدل ~~مفروض سواء كان من ناحيته تعالى بأن يتبدل مشيته في خصوص كلمة بأن يمحوها ~~بعد إثباتها أو ينقضها بعد إبرامها أو كان من ناحية غيره تعالى بأن يظهر ~~عليه ويقهره على خلاف ما شاء فيبدل ما أحكم ويغيره بوجه من الوجوه. # ومن هنا يظهر ms2435 أن هذه الكلمات التي أنبأ سبحانه عن كونها لا تقبل التبديل ~~أمور خارجة عن لوح المحو والإثبات، فكلمة الله وقوله وكذا وعده في عرف ~~القرآن هو القضاء الحتم الذي لا مطمع في تغييره وتبديله، قال تعالى: "قال ~~فالحق والحق أقول": ص: 84 وقال تعالى: "والله يقول الحق": الأحزاب: 4، وقال ~~تعالى: "ألا إن وعد الله حق": يونس: 55 وقال تعالى: "لا يخلف الله ~~الميعاد": الزمر: 20 وقد مر البحث المستوفى في معنى كلمات الله تعالى وما ~~يرادفها من الألفاظ في عرف القرآن في ذيل قوله تعالى: "منهم من كلم الله": ~~البقرة: 253. # وقوله في ذيل الآية: "ولقد جاءك من نبإ المرسلين" تثبيت واستشهاد لقوله: ~~"ولقد كذبت رسل من قبلك" إلخ، ويمكن أن يستفاد منه أن هذه السورة نزلت بعد ~~بعض السور المكية التي تقص قصص الأنبياء كسورة الشعراء ومريم وأمثالهما، ~~وهذه السور نزلت بعد أمثال سورة العلق والمدثر قطعا فتقع سورة الأنعام على ~~هذا في الطبقة الثالثة من السور النازلة بمكة قبل الهجرة، والله أعلم. # قوله تعالى: "وإن كان كبر عليك إعراضهم - إلى قوله - فتأتيهم بآية" قال ~~الراغب: النفق الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: فإن استطعت ~~أن تبتغي نفقا في الأرض، ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه ~~النفاق وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه ~~بقوله: إن المنافقين هم الفاسقون أي الخارجون من الشرع، وجعل الله ~~المنافقين شرا من الكافرين فقال: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ~~ونيفق السراويل معروف، انتهى. # وقال: السلم ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية فيرجى به السلامة ثم جعل ~~اسما لكل ما يتوصل به إلى شيء رفيع كالسبب قال تعالى: أم لهم سلم يستمعون ~~فيه، وقال: أو سلما في السماء، وقال الشاعر: ولو نال أسباب السماء بسلم،. # انتهى. # وجواب الشرط في الآية محذوف للعلم به، والتقدير كما قيل: وإن استطعت أن ~~تبتغي كذا وكذا فافعل. # والمراد بالآية في قوله تعالى: "فتأتيهم بآية" الآية التي تضطرهم ms2436 إلى ~~الإيمان فإن الخطاب عنى قوله: "وإن كان كبر عليك إعراضهم" إلخ، إنما ألقي ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق القرآن الذي هو أفضل آية ~~إلهية تدل على حقية دعوته، ويقرب إعجازه من فهمهم وهم بلغاء عقلاء فالمراد ~~أنه لا ينبغي أن يكبر ويشق عليك إعراضهم فإن الدار دار الاختيار، والدعوة ~~إلى الحق وقبولها جاريان على مجرى الاختيار، وأنك لا تقدر على الحصول على ~~آية توجب عليهم الإيمان وتلزمهم على ذلك فإن الله سبحانه لم يرد منهم ~~الإيمان إلا على اختيار منهم فلم يخلق آية تجبر الناس على الإيمان والطاعة، ~~ولو شاء الله لآمن الناس جميعا فالتحق هؤلاء الكافرون بالمؤمنين بك فلا ~~تبتئس ولا تجزع بإعراضهم فتكون من الجاهلين بالمعارف الإلهية. # وأما ما احتمله بعضهم: أن المراد: فتأتيهم بآية هي أفضل من الآية التي ~~أرسلناك بها أي القرآن فلا تلائمه سياق الآية وخاصة قوله "ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى" فإنه ظاهر في الاضطرار. # ومن هنا يظهر أن المراد بالمشية أن يشاء الله منهم الاهتداء إلى الإيمان ~~فيضطروا إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من ~~الآية الشريفة. # لكنه سبحانه فيما يشابه الآية من كلامه لم يبن عدم مشيته ذلك على لزوم ~~الاضطرار كقوله تعالى: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": السجدة: 13 يشير تعالى بذلك إلى نحو ~~قوله: "قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: ~~85 فبين تعالى أن عدم تحقق مشيته لهداهم جميعا إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ~~ما أقسم عليه إبليس أنه سيغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين. PageV07P032 # وقد أسند القضاء في موضع آخر إلى غوايتهم قال تعالى في قصة آدم وإبليس: ~~"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم ~~المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين، وإن جهنم لموعدهم ms2437 أجمعين": الحجر: 43 وقد نسب ذلك إليهم ~~إبليس أيضا فيما حكى الله سبحانه من كلامه لهم يوم القيامة: "وقال الشيطان ~~لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم - إلى أن قال - إني ~~كفرت بما أشركتمون من قبل": إبراهيم: 22. # فالآيات تبين أن المعاصي ومنها الشرك تنتهي إلى غواية الإنسان والغواية ~~تنتهي إلى نفس الإنسان، ولا ينافي ذلك ما يظهر من آيات أخر أن الإنسان ليس ~~له أن يشاء إلا أن يشاء الله منه المشية كقوله تعالى: "إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله": الإنسان: 30، وقال ~~تعالى: "إن هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله رب العالمين": التكوير: 29. # فمشية الإنسان في تحققها وإن توقفت على مشية الله سبحانه إلا أن الله ~~سبحانه لا يشاء منه المشية إلا إذا استعد لذلك بحسن سريرته، وتعرض منه ~~لرحمته، قال تعالى: "ويهدي إليه من أناب": الرعد: 27 أي انعطف ورجع إليه، ~~وأما الفاسق الزائغ قلبه المخلد إلى الأرض المائل إلى الغواية فإن الله لا ~~يشاء هدايته ولا يغشاه برحمته كما قال: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما ~~يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 وقال: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": ~~الصف: 5 وقال: "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه": ~~الأعراف: 176. # وبالجملة فالدعوة الدينية لا تسلك إلا سبيل الاختيار، والآيات الإلهية لا ~~تنزل إلا مع مراعاة الاختيار، ولا يهدي الله سبحانه إليه إلا من تعرض ~~لرحمته واستعد لهدايته من طريق الاختيار. # وبهذا تنحل شبهة أخرى لا تخلو عن إعضال، وهي أنا سلمنا أن إنزاله تعالى ~~آية تجبرهم على الإيمان وتضطرهم إلى قبول الدعوة الدينية ينافي أساس ~~الاختيار الذي تبتني عليه بنية الدعوة الدينية لكن لم لا يجوز أن يشاء الله ~~إيمان الناس جميعا على حد مشيته إيمان من آمن منهم بأن يشاء من الجميع أن ~~يشاءوا كما شاء من المؤمنين خاصة أن يشاءوا ثم ينزل ms2438 آية تسوقهم إلى الهدى، ~~وتلبسهم الإيمان من غير أن يبطل بذلك اختيارهم وحريتهم في العمل. # وذلك أنه وإن أمكن ذلك بالنظر إلى نفسه لكنه ينافي الناموس العام في عالم ~~الأسباب، ونظام الاستعداد والإفاضة فالهدى إنما يفاض على من اتقى الله وزكى ~~نفسه وقد أفلح من زكاها ولا يصيب الضلال إلا من أعرض من ذكر ربه ودس نفسه ~~وقد خاب من دساها، وأصابه الضلال هو أن يمنع الإنسان الهدى قال تعالى: "من ~~كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها ~~مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": ~~الإسراء: 20 أي ممنوعا فالله سبحانه يمد كل نفس من عطائه بما يستحقه فإن ~~أراد الخير أوتيه وإن أراد الشر أوتيه أي منع من الخير، ولو شاء الله لكل ~~نفس صالحة أو طالحة أن تشاء الخير وتنكب على الإيمان والتقوى من طريق ~~الاختيار كان في ذلك إبطال النظام العام وإفساد أمر الأسباب. # وتؤيد ما ذكر الآية التالية أعني قوله تعالى: "إنما يستجيب الذين يسمعون" ~~إلى آخر الآية على ما سيجيء من معناها. # قوله تعالى: "إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون" الآية كالبيان لقوله: "وإن كان كبر عليك إعراضهم" إلى آخر الآية ~~فإن ملخصه أنك لا تستطيع صرفهم عن هذا الإعراض، والحصول على آية تسوقهم إلى ~~الإيمان، فبين في هذه الآية أنهم بمنزلة الموتى لا شعور لهم ولا سمع حتى ~~يشعروا بمعنى الدعوة الدينية ويسمعوا دعوة الداعي وهو النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). PageV07P033 # فهذه الهياكل المتراءات من الناس صنفان: صنف منهم أحياء يسمعون، وإنما ~~يستجيب الذين يسمعون، وصنف منهم أموات لا يسمعون وإن كانوا ظاهرا في صور ~~الأحياء وهؤلاء يتوقف سمعهم الكلام على أن يبعثهم الله، وسوف يبعثهم ~~فيسمعون ما لم يستطيعوا سمعه في الدنيا كما حكاه الله عنهم بقوله: "ولو ترى ~~إذ المجرمون ms2439 ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون": السجدة: 12 فالكلام مسوق سوق الكناية، والمراد بالذين يسمعون ~~المؤمنون وبالموتى المعرضون عن استجابة الدعوة من المشركين وغيرهم، وقد ~~تكرر في كلامه تعالى وصف المؤمنين بالحياة والسمع، ووصف الكفار بالموت ~~والصمم كما قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122 وقال تعالى: إنك ~~لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي ~~عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون": النمل: 81 إلى غير ~~ذلك من الآيات الكثيرة. # وقد تكرر في بعض الأبحاث السابقة معنى آخر لهذه الأوصاف التي حملها ~~الجمهور من المفسرين على الكناية والتشبيه، وأن لها معنى من الحقيقة ~~فليراجع. # وفي الآية دلالة على أن الكفار والمشركين سيفهمهم الله الحق ويسمعهم ~~دعوته في الآخرة كما فهم المؤمنين وأسمعهم في الدنيا، فالإنسان مؤمنا كان ~~أو كافرا لا مناص له عن فهم الحق عاجلا أو آجلا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب إسلام الحارث بن عامر بن ~~نوفل بن عبد مناف، دعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهد به أن ~~يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فأنزل الله: "وإن كان كبر عليك إعراضهم - إلى قوله نفقا في الأرض"، يقول: سربا. # أقول: والرواية على ما بها من ضعف وإرسال لا تلائم ظاهر الروايات الكثيرة ~~الدالة على نزول السورة دفعة، وإن كان يمكن توجيهها بوقوع السبب قبل نزول ~~السورة ثم الإشارة بالآية إلى السبب المحقق بعنوان الانطباق PageV07P034 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 37 - 55 # وقالوا لو لا نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة فى الأرض ولا ms2440 طئر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم ما فرطنا فى الكتب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون (38) والذين ~~كذبوا بئايتنا صم وبكم فى الظلمت من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صرط ~~مستقيم (39) قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صدقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ~~ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذنهم بالبأساء والضراء ~~لعلهم يتضرعون (42) فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم ~~الشيطن ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل ~~شىء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العلمين (45) قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الايت ثم ~~هم يصدفون (46) قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظلمون (47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب بما ~~كانوا يفسقون (49) قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إنى ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا ~~تتفكرون (50) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولى ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى ~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم ~~فتكون من الظلمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم ~~من بيننا أليس الله بأعلم بالشكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا ~~فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهلة ثم تاب ~~من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) وكذلك نفصل الايت ولتستبين سبيل ~~المجرمين (55) ### |||| AUTO بيان # احتجاجات متنوعة على المشركين في ms2441 أمر التوحيد وآية النبوة. # قوله تعالى: "وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر" إلى آخر ~~الآية، تحضيض منهم على تنزيل الآية بداعي تعجيز النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ولما صدر هذا القول منهم وبين أيديهم أفضل الآيات أعني القرآن ~~الكريم الذي كان ينزل عليهم سورة سورة وآية آية، ويتلى عليهم حينا بعد حين ~~تعين أن الآية التي كانوا يقترحونها بقولهم: "لو لا نزل عليه آية من ربه" ~~هي آية غير القرآن، وأنهم كانوا لا يعدونه آية تقنعهم وترتضيه نفوسهم بما ~~لها من المجازفات والتهوسات. # وقد حملهم التعصب لآلهتهم أن ينقطعوا عن الله سبحانه كأنه ليس بربهم، ~~فقالوا: "لو لا نزل عليه آية من ربه" ولم يقولوا: من ربنا أو من الله ~~ونحوهما إزراء بأمره وتأكيدا في تعجيزه أي لو كان ما يدعيه ويدعو إليه حقا ~~فليغر له ربه الذي يدعو إليه ولينصره ولينزل عليه آية تدل على حقية دعواه. PageV07P035 # والذي بعثهم إلى هذا الاقتراح جهلهم بأمرين: أحدهما: أن الوثنية يرون ~~لآلهتهم استقلالا في الأمور المرجوعة إليهم في الكون مع ما يدعون لهم من ~~مقام الشفاعة فإله الحرب أو السلم له ما يدبره من الأمر من غير أن يختل ~~تدبيره من ناحية غيره، وكذلك إله البر وإله البحر وإله الحب وإله البغض ~~وسائر الآلهة، فلا يبقى لله سبحانه شأن يتصرف فيه فقد قسم الأمر بين أعضاده ~~وإن كان هؤلاء شفعاءه وهو رب الأرباب، فليس يسعه تعالى أن يبطل أمر آلهتهم ~~بإنزال آية تدل على نفي ألوهيتها. # وكان يحضهم على هذه المزعمة ويؤيد هذا الاعتقاد في قلوبهم ما كانوا ~~يتلقونه من يهود الحجاز أن يد الله مغلولة لا سبيل له إلى تغيير شيء من ~~النظام الجاري، وخرق العادة المألوفة في عالم الأسباب. # وثانيهما: أن الآيات النازلة من عند الله سبحانه إذا كانت مما خص الله به ~~رسولا من رسله من غير أن يقترحه الناس فإنما هي بينات تدل على صحة دعوى ~~الرسول من غير أن يستتبع ms2442 محذورا للناس المدعوين كالعصا واليد البيضاء لموسى ~~وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير لعيسى، والقرآن الكريم ~~لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # لكن الآية لو كانت مما اقترحها الناس فإن سنة الله جرت على القضاء بينهم ~~بنزولها فإن آمنوا بها وإلا نزل عليهم العذاب ولم ينظروا بعد ذلك كآيات نوح ~~وهود وصالح وغير ذلك، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك، كقوله ~~تعالى: "وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ~~ينظرون": الأنعام: 8، وقوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها": الإسراء: 59. # وقد أشير في الآية الكريمة أعني قوله: "وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه ~~قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون"، إلى الجهتين جميعا. # فذكر أن الله قادر على أن ينزل أي آية شاء، وكيف يمكن أن يفرض من هو مسمى ~~باسم "الله" ولا تكون له القدرة المطلقة، وقد بدل في الجواب لفظة "الرب" ~~إلى اسم "الله" للدلالة على برهان الحكم، فإن الألوهية المطلقة تجمع كل ~~كمال من غير أن تحد بحد أو تقيد بقيد فلها القدرة المطلقة، والجهل بالمقام ~~الألوهي هو الذي بعثهم إلى اقتراح الآية بداعي التعجيز. # على أنهم جهلوا أن نزول ما اقترحوه من الآية لا يوافق مصلحتهم، وأن ~~اجتراءهم على اقتراحها تعرض منهم لهلاك جمعهم وقطع دابرهم، والدليل على أن ~~هذا المعنى منظور إليه بوجه في الكلام قوله تعالى في ذيل هذه الاحتجاجات: ~~"قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين": الأنعام: 58. # وفي قوله تعالى: "نزل" و"ينزل" مشددين من التفعيل دلالة على أنهم اقترحوا ~~آية تدريجية أو آيات كثيرة تنزل واحدة بعد واحدة كما يدل عليه ما حكي من ~~اقتراحهم في موضع آخر من كلامه تعالى كقوله: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة - إلى أن قال - أو ترقى ms2443 في السماء ولن ~~نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه" الآيات: الإسراء: 93، وقوله: "وقال ~~الذين لا يرجون لقائنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا": الفرقان: ~~21 وقوله: "وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة": الفرقان: 32. # وروي عن ابن كثير أنه قرأ بالتخفيف. # 7 قوله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم" إلى آخر الآية، الدابة كل حيوان يدب على الأرض وقد كثر استعماله ~~في الفرس، والدب بالفتح والدبيب هو المشي الخفيف. # والطائر ما يسبح في الهواء بجناحيه، وجمعه الطير كالراكب، والركب والأمة ~~هي الجماعة من الناس يجمعهم مقصد واحد يقصدونه كدين واحد أو سنة واحدة أو ~~زمان واحد أو مكان واحد، والأصل في معناها، القصد يقال: أم يؤم إذا قصد، ~~والحشر جمع الناس بإزعاج إلى الحرب أو جلاء ونحوه من الأمور الاجتماعية. PageV07P036 # والظاهر أن توصيف الطائر بقوله: "يطير بجناحيه" محاذاة لتوصيف الدابة ~~بقوله: "في الأرض" فهو بمنزلة قولنا: ما من حيوان أرضي ولا هوائي، مع ما في ~~هذا التوصيف من نفي شبهة التجوز فإن الطيران كثيرا ما يستعمل بمعنى سرعة ~~الحركة كما أن الدبيب هو الحركة الخفيفة فكان من المحتمل أن يراد بالطيران ~~حيث ذكر مع الدبيب الحركة السريعة فدفع ذلك بقوله: "يطير بجناحيه" كلام في ~~المجتمعات الحيوانية # والخطاب في الآية للناس، وقد ذكر فيها أن الحيوانات أرضية كانت أو هوائية ~~هي أمم أمثال الناس، وليس المراد بذلك كونها جماعات ذوات كثرة وعدد فإن ~~الأمة لا تطلق على مجرد العدد الكثير بل إذا جمع ذلك الكثير جامع واحد من ~~مقصد اضطراري أو اختياري يقصده أفراده، ولا أن المراد مجرد كونها أنواعا ~~شتى كل نوع منها يشترك أفراده في نوع خاص من الحياة والرزق والسفاد والنسل ~~والمأوى وسائر الشئون الحيوية فإن هذا المقدار من الاشتراك وإن صحح الحكم ~~بمماثلتها الإنسان لكن قوله في ذيل الآية: "ثم إلى ربهم يحشرون" يدل على أن ~~المراد بالمماثلة ليس مجرد التشابه في الغذاء والسفاد ms2444 والإواء بل هناك جهة ~~اشتراك أخرى تجعلها كالإنسان في ملاك الحشر إلى الله، وليس ملاك الحشر إلى ~~الله في الإنسان إلا نوعا من الحياة الشعورية التي تخد للإنسان خدا إلى ~~سعادته وشقائه، فإن الفرد من الإنسان يمكن أن ينال في الدنيا ألذ الغذاء ~~وأوفق النكاح وأنضر المسكن ولا يكون مع ذلك سعيدا في حياته لما ينكب عليه ~~من الظلم والفجور أو أن يحيط به جماع المحن والشدائد والبلايا وهو سعيد في ~~حياته مبتهج بكمال الإنسانية ونور العبودية. # بل حياة الإنسان الشعورية وإن شئت فقل: الفطرة الإنسانية وما يؤيدها من ~~دعوة النبوة تسن للإنسان سنة مشروعة من الاعتقاد والعمل إن أخذ بها وجرى ~~عليها ووافقه المجتمع عليه سعد في الحياتين: الدنيا والآخرة، وإن استن بها ~~وحده سعد بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة معا، وإن لم يعمل بها وتخلف ~~عن الأخذ ببعضها أو كلها كان في ذلك شقاؤه في الدنيا والآخرة. # وهذه السنة المكتوبة له تجمعها كلمتان: البعث إلى الخير والطاعة، والزجر ~~عن الشر والمعصية، وإن شئت قلت: الدعوة إلى العدل والاستقامة، والنهي عن ~~الظلم والانحراف عن الحق فإن الإنسان بفطرته السليمة يستحسن أمورا هي العدل ~~في نفسه أو غيره، ويستقبح أمورا هي الظلم على نفسه أو غيره ثم الدين الإلهي ~~يؤيدها ويشرح له تفاصيلها. # وهذا محصل ما تبين لنا في كثير من الأبحاث السابقة، وكثير من الآيات ~~القرآنية تفيد ذلك وتؤيده كقوله تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها": الشمس: 10، وقوله تعالى: "كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم": البقرة: 213. # والإمعان في التفكر في أطوار الحيوانات العجم التي تزامل الإنسان في كثير ~~من شئون الحياة، وأحوال نوع منها في ms2445 مسير حياتها وتعيشها يدلنا على أن لها ~~كالإنسان عقائد وآراء فردية واجتماعية تبني عليها حركاتها وسكناتها في ~~ابتغاء البقاء نظيره ما يبني الإنسان تقلباته في أطوار الحياة الدنيا على ~~سلسلة من العقائد والآراء. # فالواحد منا يشتهي الغذاء والنكاح أو الولد أو غير ذلك، أو يكره الضيم أو ~~الفقر أو غير ذلك فيلوح له من الرأي أن من الواجب أن يطلب الغذاء أو يأكله ~~أو يدخره في ملكه، وأن يتزوج وأن ينسل وهكذا، وأن من الممنوع المحرم عليه ~~أن يصبر على ضيم أو يتحمل مصيبة الفقر وهكذا فيتحرك ويسكن على طبق ما اتخد ~~له هذه الآراء اللائحة لنفسه من الطريق. PageV07P037 # كذلك الواحد من الحيوان - على ما نشاهده - يأتي في مبتغيات حياته من ~~الحركات المنظمة التي يحتال بها إلى رفع حوائج نفسه في الغذاء والسفاد ~~والمأوى بما لا نشك به في أن له شعورا بحوائجه وما يرتفع به حاجته، وآراء ~~وعقائد ينبعث بها إلى جلب المنافع ودفع المضار كما في الإنسان، وربما عثرنا ~~فيها من أنواع الحيل والمكائد للحصول على الصيد والنجاة من العدو من الطرق ~~الاجتماعية والفردية ما لم يتنبه إليه الإنسان إلا بعد طي قرون وأحقاب من ~~عمره النوعي. # وقد عثر العلماء الباحثون عن الحيوان في كثير من أنواعه، كالنمل والنحل ~~والأرضة على عجائب من آثار المدنية والاجتماع، ودقائق من الصنعة ولطائف من ~~السنن والسياسات لا تكاد توجد نظائرها إلا في الأمم ذوي الحضارة والمدنية ~~من الإنسان. # وقد حث القرآن الكريم على معرفة الحيوان والتفكر في خلقها وأعمالها عامة ~~كقوله تعالى: "وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون": الجاثية: 4 ~~ودعا إلى الاعتبار بأمر كثير منها كالأنعام والطير والنحل والنمل. # وهذه الآراء والعقائد التي نرى أن الحيوان على اختلاف أنواعها في شئون ~~الحياة ومقاصدها تبنى عليها أعمالها إذا لم تخل عن الأحكام الباعثة ~~والزاجرة لم تخل عن استحسان أمور واستقباح أمور، ولم تخل عن معنى العدل أو الظلم. # وهو الذي يؤيده ما نشاهده من بعض الاختلاف في أفراد ms2446 أي نوع من الحيوان في ~~أخلاقها، فكم بين الفرس والفرس وبين الكبش والكبش وبين الديك والديك مثلا ~~من الفرق الواضح في حدة الخلق أو سهولة الجانب ولين العريكة. # وكذا يؤيده جزئيات أخرى من حب وبغض وعطوفة ورحمة أو قسوة أو تعد وغير ذلك ~~مما نجدها بين الأفراد من نوع وقد وجدنا نظائرها بين أفراد الإنسان، ~~ووجدناها مؤثرة في الاعتقاد بالحسن والقبح في الأفعال، والعدل والظلم في ~~الأعمال ثم إنها مؤثرة أيضا في حياة الإنسان الأخروية، وملاكا لحشره ~~ومحاسبة أعماله والجزاء عليها بنعمة أو نقمة أخروية. # وببلوغ البحث هذا المبلغ ربما لاح لنا أن للحيوان حشرا كما أن للإنسان ~~حشرا فإن الله سبحانه يعد انطباق العدل والظلم والتقوى والفجور على أعمال ~~الإنسان ملاكا للحشر ويستدل به عليه كما في قوله تعالى: "أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28 ~~بل يعد بطلان الحشر في ما خلقه من السماء والأرض وما بينهما بطلانا لفعله ~~وصيرورته لعبا أو جزافا كما في الآية السابقة على هذه الآية: "وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار": ص: 27. # فهل للحيوان غير الإنسان حشر إلى الله سبحانه كما أن للإنسان حشرا إليه؟ ~~ثم إذا كان له حشر فهل يماثل حشره حشر الإنسان فيحاسب على أعماله وتوزن ~~وينعم بعد ذلك في جنة أو نار على حسب ما له من التكليف في الدنيا؟ وهل ~~استقرار التكليف الدنيوي عليه ببعث الرسل وإنزال الأحكام؟ وهل الرسول ~~المبعوث إلى الحيوان من نوع نفسه أو أنه إنسان؟. # هذه وجوه من السؤال تسبق إلى ذهن الباحث في هذا الموقف: أما السؤال الأول ~~هل للحيوان غير الإنسان حشر؟ فقوله تعالى في الآية: "ثم إلى ربهم يحشرون" ~~يتكفل الجواب عنه، ويقرب منه قوله تعالى: "وإذا الوحوش حشرت": كورت: 5. # بل هناك آيات كثيرة جدا دالة على إعادة السماوات والأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجن والحجارة والأصنام وسائر الشركاء المعبودين من دون الله، ~~والذهب ms2447 والفضة حيث يحمى عليهما في نار جهنم فتكوى بها جباه مانعي الزكاة ~~وجنوبهم إلى غير ذلك في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها، والروايات في هذه ~~المعاني لا تحصى كثرة. PageV07P038 # وأما السؤال الثاني، وهو أنه هل يماثل حشره حشر الإنسان فيبعث وتحضر أعماله ~~ويحاسب عليها فينعم أو يعذب بها فجوابه أن ذلك لازم الحشر بمعنى الجمع بين ~~الأفراد وسوقهم إلى أمر بالإزعاج، وأما مثل السماء والأرض وما يشابههما من ~~شمس وقمر وحجارة وغيرها فلم يطلق في موردها لفظ الحشر كما في قوله تعالى: ~~"يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار": إبراهيم: ~~48 وقوله: "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه": ~~الزمر: 67 وقوله: "وجمع الشمس والقمر": القيامة: 9" وقوله: "إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، لو كان هؤلاء آلهة ما ~~وردوها": الأنبياء: 99. # على أن الملاك الذي يعطيه كلامه تعالى في حشر الناس هو القضاء الفصل ~~بينهم فيما اختلفوا فيه من الحق قال تعالى: "إن ربك هو يفصل بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": السجدة: 25 وقوله: "ثم إلي مرجعكم فأحكم ~~بينكم فيما كنتم فيه تختلفون": آل عمران: 55 وغير ذلك من الآيات. # ومرجع الجميع إلى إنعام المحسن والانتقام من الظالم بظلمه كما ذكره في ~~قوله: "إنا من المجرمين منتقمون": السجدة: 22 وقوله: "فلا تحسبن الله مخلف ~~وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ~~وبرزوا لله الواحد القهار": إبراهيم: 48 وهذان الوصفان أعني الإحسان والظلم ~~موجودان في أعمال الحيوانات في الجملة. # ويؤيده ظاهر قوله تعالى: "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى": فاطر: 45 فإن ظاهره أن ظلم الناس ~~لو استوجب المؤاخذة الإلهية كان ذلك لأنه ظلم والظلم شائع بين كل ما يسمى ~~دابة: الإنسان وسائر الحيوانات فكان ذلك مستعقبا لأن يهلك الله تعالى كل ~~دابة على ظهرها هذا وإن ذكر بعضهم: أن المراد بالدابة في ms2448 الآية خصوص ~~الإنسان. # ولا يلزم من شمول الأخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أن يساوي ~~الإنسان في الشعور والإرادة، ويرقى الحيوان العجم إلى درجة الإنسان في ~~نفسياته وروحياته، والضرورة تدفع ذلك، والآثار البارزة منها ومن الإنسان تبطله. # وذلك أن مجرد الاشتراك في الأخذ والانتقام والحساب والأجر بين الإنسان ~~وغيره لا يقضي بالمعادلة والمساواة من جميع الجهات كما لا يقتضي الاشتراك ~~في ما هو أقرب من ذلك بين أفراد الإنسان أنفسهم أن يجري حساب أعمالهم من ~~حيث المداقة والمناقشة مجرى واحدا فيوقف العاقل والسفيه والرشيد والمستضعف ~~في موقف واحد. # على أنه تعالى ذكر من بعض الحيوان من لطائف الفهم ودقائق النباهة ما ليس ~~بكل البعيد من مستوى الإنسان المتوسط الحال في الفقه والتعقل كالذي حكى عن ~~نملة سليمان بقوله: "حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون": النمل: 18 وما ~~حكاه من قول هدهد له (عليه السلام) في قصة غيبته عنه: "فقال أحطت بما لم ~~تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون" إلى آخر الآيات: النمل: 24 فإن ~~الباحث النبيه إذا تدبر هذا الآيات بما يظهر منها من آثار الفهم والشعور ~~لها ثم قدر زنته لم يشك في أن تحقق هذا المقدار من الفهم والشعور يتوقف على ~~معارف جمة وإدراكات متنوعة كثيرة من بساط المعاني ومركباتها. # وربما أيد ذلك ما حصله أصحاب معرفة الحيوان بعميق مطالعاتهم وتربياتهم ~~لأنواع الحيوان المختلفة من عجائب الأحوال التي لا تكاد تظهر إلا من موجود ~~ذي إرادة لطيفة وفكر عميق وشعور حاد. PageV07P039 # وأما السؤال الثالث والرابع أعني أنه: هل الحيوان يتلقى تكليفه في الدنيا ~~برسول يبعث إليه ووحي ينزل عليه؟ وهل هذا الرسول المبعوث إلى نوع من أنواع ~~الحيوان من أفراد ذلك النوع بعينه؟ فعالم الحيوان ms2449 إلى هذا الحين مجهول لنا ~~مضروب دونه بحجاب فالاشتغال بهذا النوع من البحث مما لا فائدة فيه ولا ~~نتيجة له إلا الرجم بالغيب، والكلام الإلهي على ما يظهر لنا من ظواهره غير ~~متعرض لبيان شيء من ذلك، ولا يوجد في الروايات المأثورة عن النبي والأئمة ~~من أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يعتمد عليه في ذلك. # فقد تحصل أن المجتمعات الحيوانية كالمجتمع الإنساني فيها مادة الدين ~~الإلهي ترتضع من فطرتها نحو ما يرتضع الدين من الفطرة الإنسانية ويمهدها ~~للحشر إلى الله سبحانه كما يمهد دين الفطرة الإنسان للحشر والجزاء، وإن كان ~~المشاهد من حال الحيوان بالقياس إلى الإنسان - وتؤيده الآيات القرآنية ~~الناطقة بتسخير الأشياء للإنسان وأفضليته من عامة الحيوان - أن الحيوان لم ~~يؤت تفاصيل المعارف الإنسانية ولا كلف بدقائق التكاليف الإلهية التي كلف ~~بها الإنسان. # ولنرجع إلى متن الآية فقوله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم" يدل على أن المجتمعات الحيوانية التي توجد بين كل ~~نوع من أنواع الحيوان إنما تأسست على مقاصد نوعية شعورية يقصدها كل نوع من ~~الحيوان على اختلافها بالشعور والإرادة كالإنسان. # وليس ذلك مقصورا على المقاصد الطبيعية أعني مقاصد التغذي والنمو وتوليد ~~المثل المحدودة بهذه الحياة الدنيا بل ينبسط ذيله على ما بعد الموت ويتهيأ ~~به إلى حياة أخرى ترتبط بالسعادة والشقاوة المرتضعتين من ثدي الشعور ~~والإرادة. # وربما اعترض عليه أن القوم تسلموا أن غير الإنسان من أنواع الحيوان محروم ~~من موهبة الاختيار، ولذلك يعد أفعال الحيوان كأفعال النبات طبيعية غير ~~اختيارية لما يشاهد من حالها أنها لا تملك نفسها من الإقدام على الفعل إذا ~~صادف ما فيه نفعها المطلوب كالهرة إذا رأت فأرة أو الأسد إذا رأى فريسته، ~~والهرب إذا صادف ما يخافه من عدو غالب كالفأرة إذا رأت هرة أو الغزالة إذا ~~شاهدت أسدا فلا معنى للسعادة والشقاوة الاختياريتين في الحيوان غير ~~الإنسان. # لكن التأمل في معنى الاختيار والحالات النفسية التي يتوسل بها الإنسان ~~إلى ms2450 إتيان أفعاله الاختيارية يدفع هذه الشبهة وذلك أن الشعور والإرادة ~~الذين يتم بهما فعل الإنسان الاختياري بالحقيقة إنما أودعا في الإنسان مثلا ~~لأنه نوع شعوري يتصرف في المادة الخارجية للانتفاع بها في بقاء وجوده ~~بتمييز ما ينفعه مما يضره، ولذلك جهزته العناية الإلهية بالشعور والإرادة ~~فهو يميز بشعوره الحي ما يضره مما ينفعه فإذا تحقق النفع أراد ففعل فما كان ~~من الأمور بين النفع ولا يحتاج في الحكم بكونه مما ينتفع به إلى أزيد من ~~وجدانه وحصول العلم به إرادة من فوره وفعله وتصرف فيه من غير توقف كما في ~~موارد الملكات الراسخة غالبا مثل التنفس، وأما ما كان من الأمور غير بين ~~النفع موسوما بنقص من الأسباب أو محفوفا بشيء من الموانع الخارجية أو ~~الاعتقادية لم يكف مجرد العلم بتحققه في إرادته وفعله لعدم الجزم بالانتفاع به. # فهذه الأمور هي التي يتوقف الانبعاث إليها إلى التفكر مثلا فيها من جهة ~~ما معها من النواقص والموانع والتروي فيها ليميز بذلك إنما هل هي من قبيل ~~النافع أو الضار؟ فإن أنتج التروي كونها نافعة ظهرت الإرادة متعلقة بها ~~وفعلت كما لو كانت بينة النفع غير محتاجة إلى التروي فيها، وذلك كالإنسان ~~الجائع إذا وجد غذاء يمكنه أن يسد به خلة الجوع فربما شك في أمره أنه هل هو ~~غذاء طيب صالح لأن يتغذى به أو أنه غير صالح فاسد أو مسموم أو مشتمل على ~~مواد مضرة؟ وأنه هل هو ماله نفسه ولا مانع من التصرف فيه كاحتياج مبرم ~~مستقبل أو صوم ونحوه أو مال غيره ولا يجوز التصرف فيه؟ وحينئذ يتوقف عن ~~المبادرة إلى التصرف فيه، ولا يزال يتروى حتى يقطع بأحد الطرفين فإن حكم ~~بالجواز كان مصداقا لما ينتفع فلا يتوقع بعد ذلك دون أن يريد فيتصرف فيه. PageV07P040 # وإن لم يشك في أمره وكان بينا عنده من أول الأمر أنه طيب صالح للتغذي إرادة ~~إذا علم بوجوده من غير ترو أو تفكر، ولم ينفك العلم به عن إرادة التصرف فيه ms2451 قطعا. # فمحصل حديث الاختيار أن الإنسان إذا لم يتميز عنده بعض الأمور التي يتصرف ~~فيها أنها نافعة أو ضارة ميز ذلك بالتروي والتفكر فاختار أحد الجانبين أو ~~الجوانب، وأما لو تميز من أول الأمر إرادة ففعله من غير مهل ولم يحتج إلى ~~ترو أصلا فالإنسان يختار ما يرى نفعه بترو أو من غير ترو ولا تروي إلا لرفع ~~الموانع عن الحكم. # ثم إنك إذا تأملت حال أفراد الإنسان المختارين في أفعالهم وجدتهم ذوي ~~اختلاف شديد في مبادىء اختيارهم أعني الصفات الروحية والأحوال الباطنية من ~~شجاعة وجبن وعفة وشره ونشاط وكسل ووقار وخفة، وكذا في قوة التعقل وضعفه ~~وإصابة النظر وخطائه فكثيرا ما يرى الشره نفسه مضطرة مسلوبة الاختيار في ~~موارد يشتهي الانهماك فيها لا يعبأ بأمرها العفيف المتطهر، وربما يرى ~~الجبان أدنى أذى يصيبه في مهمة أو مقتلة عذرا لنفسه ينفي عنه الاختيار، ولا ~~يرى الشجاع الباسل الآبي عن الضيم الموت الأحمر وأي زجر بدني أمرا فوق ~~الطاقة، ولا يرى لأي مصيبة هائلة في سبيل مقاصده من بأس، وربما اختار ~~السفيه خفيف العقل بأدنى تصور، واه ولا يرى العاقل اللبيب ترجيح الفعل ~~بأمثال تلك المرجحات إلا تلهيا ولعبا، وأفعال الصبيان غير المميزين ~~اختيارية معها بعض التروي ولا يعبأ بها وبأمرها البالغ الرشيد، وكثيرا ما ~~نعد في محاوراتنا فعلا من أفعالنا اضطراريا أو إجباريا إذا قارن أعذارا ~~اجتماعية غير ملزمة بحسب الحقيقة كشارب الدخان يعتذر بالعادة، والنومة ~~يعتذر بالكسل والسارق أو الخائن يعتذر بالفقر. # وهذا الاختلاف الفاحش في مبادىء الاختيار وأسبابه والعرض العريض في مستوى ~~الأفعال الاختيارية هو الذي بعث الدين وسائر السنن الاجتماعية أن يحدوا ~~الفعل الاختياري بما يراه المتوسط من أفراد المجتمع الإنساني اختياريا، ~~ويبنوا على ذلك صحة تعلق الأمر والنهي والعقاب والثواب ونفوذ التصرف وغير ~~ذلك، ويعذروا من لم يتحقق فيه ما يتحقق في الفعل الاختياري الذي يأتي به ~~الإنسان المتوسط من المبادي والأسباب، وهو المتوسط من الاستطاعة والفهم. # فهذا الوسط المعدود اختيارا النافي لاختيارية ما دونه إنما ms2452 هو كذلك بحسب ~~الحكم الديني أو الاجتماعي المراعى فيه مصلحة الدين أو الاجتماع وإن كان ~~الأمر بحسب النظر التكويني أوسع من ذلك. # والإمعان فيما تقدم يعطي أن يجزم بأن الحيوان غير الإنسان غير محروم من ~~موهبة الاختيار في الجملة وإن كان أضعف مما نجده في المتوسط من الناس من ~~معنى الاختيار وذلك لما نشاهده في كثير من الحيوانات وخاصة الحيوانات ~~الأهلية من آثار التردد في بعض الموارد المقرونة بالموانع من الفعل وكذا ~~الكف عن الفعل بزجر أو إخافة أو تربية، فجميع ذلك يدل على أن في نفوسها ~~صلاحية الحكم بلزوم الفعل والترك، وهو الملاك في أصل الاختيار وإن كان ~~التروي ضعيفا فيها جدا غير بالغ حد ما نجده في الإنسان المتوسط. # وإذا صح أن الحيوان غير الإنسان لا يخلو عن معنى الاختيار في الجملة وإن ~~كان ضعيفا فمن الجائز أن يجعل الله سبحانه المتوسط من مراتب الاختيار ~~الموجودة فيها ملاكا لتكاليف مناسبة لها خاصة بها لا نحيط بها، أو يعاملها ~~بما لها من موهبة الاختيار بنحو آخر لا معرفة لنا به إلا أنه فيها بنحو ~~يصحح الإنعام عليها عند الموافقة، ومؤاخذتها والانتقام منها عند المخالفة ~~بما الله سبحانه أعلم به. # وقوله تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" جملة معترضة، وظاهرها أن ~~المفرط فيه هو الكتاب، ولفظ "من شيء" بيان للفرط الذي يقع التفريط به، ~~والمعنى لا يوجد شيء تجب رعاية حاله والقيام بواجب حقه وبيان نعته في ~~الكتاب إلا وقد فعل من غير تفريط، فالكتاب تام كامل. PageV07P041 # والمراد بالكتاب إن كان هو اللوح المحفوظ الذي يسميه الله سبحانه في موارد ~~من كلامه كتابا مكتوبا فيه كل شيء مما كان وما يكون وما هو كائن، كان ~~المعنى أن هذه النظامات الأممية المماثلة لنظام الإنسانية كان من الواجب في ~~عناية الله سبحانه أن يبني عليها خلقة الأنواع الحيوانية فلا يعود خلقها ~~عبثا ولا يذهب وجودها سدى، ولا تكون هذه الأنواع بمقدار ما لها من لياقة ~~القبول ممنوعة من موهبة الكمال. # فالآية ms2453 على هذا تفيد بنحو الخصوص ما يفيده بنحو العموم، قوله تعالى: "وما ~~كان عطاء ربك محظورا": الإسراء: 20، وقوله: "ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم": هود: 56. # وإن كان هو القرآن الكريم وقد سماه الله كتابا في مواضع من كلامه، كان ~~المعنى أن القرآن المجيد لما كان كتاب هداية يهدي إلى صراط مستقيم على أساس ~~بيان حقائق المعارف التي لا غنى عن بيانها في الإرشاد إلى صريح الحق ومحض ~~الحقيقة لم يفرط فيه في بيان كل ما يتوقف على معرفته سعادة الناس في دنياهم ~~وآخرتهم كما قال تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل: 89. # ومما يجب أن يعرفه الناس في سبيل تفقه أمر المعاد أن يتبينوا كيفية ~~ارتباط الحشر وهو البعث يوم القيامة على نهج الاجتماع بالتشكل الأممي في ~~الدنيا، وأن ذلك هو الذي يجدونه بين أنفسهم ويجدونه بين سائر الأنواع ~~الحيوانية، ويترتب عليه دون ذلك فوائد أخرى كالتبصر في توحيد الله تعالى ~~ولطيف قدرته وعنايته بأمر الخليقة والنظام العام الجاري في العالم، ومن أهم ~~فوائده معرفة أن الموجود آخذ في سلسلته من النقص إلى الكمال، وبعض قطعاتها ~~المشتملة على حلقات الحيوان الشامل للإنسان وما دونه مراتب مختلفة مترتبة ~~آخذة من المراتب القاطنة في أفق النبات إلى المراتب المجاورة لمرتبة ~~الإنسان ثم الإنسان. # وقد ندب الله سبحانه الناس إلى معرفة الحيوان والنظر في الآيات المودعة ~~في وجوده أبلغ الندب، وعد ذلك موصلا إلى أفضل النتائج العلمية الملازمة ~~للسعادة الإنسانية وهو اليقين بالله سبحانه حيث قال: "وفي خلقكم وما يبث من ~~دابة آيات لقوم يوقنون": الجاثية: 4، والآيات في الحث على النظر في أمر ~~الحيوان كثيرة في القرآن الكريم. # ومن الممكن أن يشار في الآية إلى كلا المعنيين فيراد في الكتاب مطلق ~~الكتاب، ويكون المعنى أن الله سبحانه لا يفرط فيما يكتب من شيء، أما في ~~كتاب التكوين فإنه يقضي ويقدر لكل نوع ما في استحقاقه أن يناله من كمال ~~الوجود كالأنواع الحيوانية هيأ لكل منها من ms2454 سعادة الحياة الأممية ~~الاجتماعية ما هيأه للإنسان لما رأى من صلوحها لذلك فلم يفرط في أمرها، ~~وأما في كتابه الذي هو كلامه الموحى إلى الناس فإنه يبين فيه ما في معرفته ~~خير الناس وسعادة عاجلهم وآجلهم ولا يفرط في ذلك، ومن ذلك أنه لم يفرط في ~~أمر الأمم الحيوانية، وبين في هذه الآية حقيقة ما وهبه لها من نوع السعادة ~~الوجودية التي جعلتهم أمما حية سائرة بوجودها إلى الله سبحانه محشورة إليه ~~كالإنسان. # وقوله تعالى: "ثم إلى ربهم يحشرون" بيان لعموم الحشر لهم وأن حياتهم ~~الموهوبة نوع حياة تستتبع الحشر إلى الله كما أن الحياة الإنسانية كذلك، ~~ولذلك أرجع الضمير المستعمل في أولي الشعور والعقل، فقال: "إلى ربهم ~~يحشرون" إشارة إلى أن أصل الملاك وهو الأمر الذي يدور عليه الرضا والسخط ~~والإثابة والمؤاخذة موجود فيهم. # وقد وقع في الآية التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ثم إلى الغيبة ~~بالنسبة إليه تعالى، والتدبر فيها يعطي أن الأصل في السياق الغيبة وإنما ~~تحول السياق في قوله: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" إلى التكلم مع الغير ~~لكون المعترضة خطابا خاصا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما فرغ منه ~~رجع إلى أصل السياق. PageV07P042 # ومن عجيب ما قيل في الآية استدلال بعضهم بها على التناسخ وهو أن تتعلق نفس ~~الإنسان بعد مفارقتها البدن بالموت ببدن واحد من الحيوان يناسبها في الخلق ~~الرذيل الذي رسخ فيها كأن تتعلق نفس المكار بدن ثعلب، ونفس المفسد الحقود ~~ببدن الذئب، ونفس من يتبع سقطات الناس وعوراتهم ببدن خنزير، ونفس الشره ~~الأكول ببدن البقر، وهكذا ولا تزال تنتقل من بدن إلى بدن وتعذب بذلك هذا إن ~~كانت شقية ذات أخلاق رذيلة، وإن كانت سعيدة تعلقت بعد الموت ببدن سعيد منعم ~~بسعادته من أفاضل أفراد الإنسان ومعنى الآية على هذا: ما من حيوان من ~~الحيوانات إلا أمم إنسانية أمثالكم انتقلت بعد الموت إلى صور الحيوانات. # وقد ظهر مما تقدم أن الآية في معزل من هذا المعنى، على أن ms2455 ذيل الآية: "ثم ~~إلى ربهم يحشرون" لا يلائم هذا المعنى، على أن أمثال هذه الأقاويل من وضوح ~~الفساد بحيث لا طائل في التعرض لها والبحث عن صحتها وسقمها. # ومن عجيب ما قيل فيها أيضا: إن المراد بحشر الحيوان موتها فلا بعث بعد ~~ذلك أو مجموع الموت والبعث. # أما الأول فينفيه ظاهر قوله: "إلى ربهم" إذ لا معنى للموت إلى الله، وأما ~~الثاني فهو من الالتزام بما لا يلزم إذ لا موجب لضم الموت إلى البعث في ~~المعنى، ولا أن في الآية ما يستوجبه. # قوله تعالى: "والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات" إلى آخر الآية ~~يريد تعالى أن المكذبين لآياته محرومون من نعمة السمع والتكلم والبصر ~~لكونهم في ظلمات لا يعمل فيها البصر فهم لصممهم لا يقدرون على أن يسمعوا ~~الكلام الحق وأن يستجيبوا له، ولبكمهم لا يستطيعون أن يتكلموا بالقول الحق ~~ويشهدوا بالتوحيد والرسالة، ولإحاطة الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق ~~الحق فيتخذوه طريقا. # وفي قوله تعالى: "من يشأ الله يضلله" إلخ، دلالة على أن هذا الصمم والبكم ~~والوقوع في الظلمات إنما هي رجز وقع عليهم منه تعالى جزاء لتكذيبهم بآيات ~~الله فإن الله سبحانه جعل إضلاله المنسوب إليه من قبيل الجزاء، كما في ~~قوله: "وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # فتكذيب آيات الله غير مسبب عن كونهم صما بكما في الظلمات بل الأمر بالعكس ~~وعلى هذا فالمراد بالإضلال بحسب الانطباق على المورد هو جعلهم صما بكما في ~~الظلمات والمراد بمن شاء الله ضلاله هم الذين كذبوا بآياته. # وبالمقابلة يظهر أن المراد بالجعل على صراط مستقيم هو أن يعطيه سمعا يسمع ~~به فيجيب داعي الله بلسانه ويتبصر بالحق ببصره، وأن هذا جزاء من لا يكذب ~~بآيات الله سبحانه فمن يشأ الله يضلله ولا يشاء إلا إضلال من يستحقه ومن ~~يشأ يجعله على صراط مستقيم ولا يشاء ذلك إلا لمن تعرض لرحمته. # وقد تقدم البحث عن حقيقة معنى ما يصفهم الله تعالى به من الصمم والبكم ~~والعمى وما يشابه ms2456 ذلك من الصفات، وقد عني في الآية بنكتة أخرى، وهي ما ~~يفيده الوصل والفصل في قوله: "صم وبكم في الظلمات" حيث ذكر الصمم وهو من ~~أوصافهم ثم ذكر البكم وعطفه عليه وهو صفة ثانية، ثم ذكر كونهم في الظلمات ~~ولم يعطفها وهي صفة ثالثة، وبالجملة وصل بعض الصفات وفصل بعضها، وقد أتى في ~~مثل الآية بحسب المعنى بالفصل أعني قوله في المنافقين: "صم بكم عمي": ~~البقرة: 18، وفي آية أخرى يماثلها بالعطف وهي قوله في الكفار: "ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة: 7. # ولعل النكتة في الآية التي نحن فيها أعني قوله: "صم وبكم في الظلمات "، ~~الإشارة إلى كون من هم صم غير الذين هم بكم فالصم هم الجهلاء المقلدون ~~الذين يتبعون كبراءهم فلا يدع لهم ذلك سمعا يسمعون به الدعوة الحقة، والبكم ~~هم العظماء المتبوعون الذين لهم علم بصحة الدعوة إلى التوحيد وبطلان الشرك، ~~غير أنهم لعنادهم وبغيهم بكم لا تنطلق ألسنتهم إلى الاعتراف بكلمة الحق ~~والشهادة بها، والطائفتان جميعا تشتركان في أنهما واقعتان في ظلمة لا يتبصر ~~فيها إلى الحق، ولا يسع غيرهما أن يبصرهما بشيء من الإشارات لمكان وقوعهما ~~في الظلمات فلا تنجح فيها الإشارة. # ويؤيد ذلك أن الكلام المسرود في الآيات يعم الطائفتين جميعا كما يشير ~~إليه قوله تعالى في الآيات السابقة: "وهم ينهون عنه وينأون عنه": آية: 26، ~~وكذا قوله: "ولكن أكثرهم لا يعلمون": آية: 37. PageV07P043 # هذا في الآية التي نحن فيها، وأما آية المنافقين: "صم بكم عمي"، فالعناية ~~فيها باجتماع جميع هذه الصفات فيهم في زمان واحد لانقطاعهم عن رحمة الله من ~~كل جهة، وأما آية الكفار: "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~غشاوة" فقد تعلقت العناية فيها بكون ختم السمع من غير جنس ختم القلوب كما ~~حكاه عنهم في قوله: "وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ~~ومن بيننا وبينك حجاب": حم السجدة: 5 وربما وجهت الآية بغير ذلك من الوجوه. # قوله تعالى: "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ms2457 الله أو أتتكم الساعة" إلى آخر ~~الآيتين لفظ "أرأيتكم" بهمزة الاستفهام وصيغة المفرد المذكر الماضي من ~~الرؤية وضمير الجمع المخاطب، أخذه أهل الأدب بمعنى أخبرني، قال الراغب في ~~المفردات:، ويجري "أرأيت" مجرى أخبرني فيدخل عليه الكاف ويترك التاء على ~~حالته في التثنية والجمع والتأنيث، ويسلط التغيير على الكاف دون التاء، قال ~~تعالى: "أرأيتك هذا الذي" قل أرأيتكم، انتهى. # وفي الآية تجديد احتجاج على المشركين، وإقامة حجة على بطلان شركهم من ~~وجه، وهو أنها تفرض عذابا آتيا من جانب الله أو إتيان الساعة إليهم ثم تفرض ~~أنهم يدعون في ذلك من يكشف العذاب عنهم على ما هو المغروز في فطرة الإنسان ~~أنه يتوجه بالمسألة إذا بلغت به الشدة نحو من يقدر أن يكشفها عنه. # ثم تسألهم أنه من الذي تدعونه وتتوجهون إليه بالمسألة إن كنتم صادقين؟ ~~أغير الله تدعون من أصنامكم وأوثانكم التي سميتموها من عند أنفسكم آلهة أم ~~إياه تدعون؟ وهيهات أن تدعوا غيره وأنتم تشاهدون حينئذ أنها محكومة ~~بالأحكام الكونية مثلكم لا ينفعكم دعاؤها شيئا. # بل تنسون هؤلاء الشركاء المسمين آلهة لأن الإنسان إذا أحاطت به البلية ~~وهزهزته الهزاهز ينسى كل شيء دون نفسه إلا أن في نفسه رجاء أن ترتفع عنه ~~البلية، والرافع الذي يرجو رفعها منه هو ربه، فتنسون شركاءكم وتدعون من ~~يرفعها من دونهم وهو الله عز اسمه فيكشف الله سبحانه ما تدعون كشفه إن شاء ~~أن يكشفه، وليس هو تعالى بمحكوم على الاستجابة ولا مضطرا إلى الكشف إذا دعي ~~بل هو القادر على كل شيء في كل حال. # فإذا كان الله سبحانه هو الرب القدير الذي لا ينساه الإنسان وإن نسي كل ~~شيء إلا نفسه ويضطر إلى التوجه إليه ببعث من نفسه عند الشدائد القاصمة ~~الحاطمة دون غيره من الشركاء المسمين آلهة فهو سبحانه هو رب الناس دونها. # فمعنى الآية "قل" يا محمد "أرأيتكم" أخبروني "إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة" فرض إتيان عذاب من الله ولا ينكرونه، وفرض إتيان الساعة ولم ~~يعبأ بإنكارهم ms2458 لظهوره "أغير الله تدعون" لكشفه، وقد حكى الله في كلامه عنهم ~~سؤال كشف العذاب في الدنيا ويوم القيامة جميعا لما أن ذلك من فطريات ~~الإنسان "إن كنتم صادقين" وجئتم بالنصفة "بل إياه" الله سبحانه دون غيره من ~~أصنامكم "تدعون فيكشف ما تدعون إليه" من العذاب "إن شاء" أن يكشفه كما كشف ~~لقوم يونس، وليس بمجبر ولا مضطرا إلى القبول لقدرته الذاتية "وتنسون ما ~~تشركون" من الأصنام والأوثان على ما في غريزة الإنسان أن يشتغل عند إحاطة ~~البلية به عن كل شيء بنفسه، ولا يهم إلا بنفسه لضيق المجال به أن يتلهى بما ~~لا ينفعه، فاشتغاله والحال هذه بدعاء الله سبحانه ونسيانه الأصنام أصرح حجة ~~أنه تعالى هو الله لا إله غيره ولا معبود سواه. # وبما تقدم من تقرير معنى الآية يتبين أولا: أن إتيان العذاب أو الساعة، ~~وكذا الدعاء لكشفه مفروضان في حجة الآية، والمطلوب بيان أن المدعو حينئذ هو ~~الله عز اسمه دون الأصنام، وأما أصل الدعاء عند الشدائد والمصائب، وأن ~~للإنسان توجها جبليا عند ما تطل عليه البلية ويتقطع عنه كل سبب إلى من ~~يكشفها عنه فهو حجة أخرى غير هذه الحجة، والمطلوب بهذه الحجة - وهي التي في ~~هذه الآية - التوحيد وبتلك الحجة إثبات الصانع من غير نظر إلى توحيده، وإن ~~تلازم المطلوبان. PageV07P044 # وثانيا: أن تقييد قوله: "فيكشف ما تدعون إليه"، بقوله: "إن شاء" لبيان ~~إطلاق القدرة فلله سبحانه أن يكشف كل شديدة حتى الساعة التي لا ريب فيها، ~~فإن قضاءه الحتم لأمر من الأمور وإن كان يحتمه ويوجبه لكنه لا يسلب عنه ~~القدرة على الترك فله القدرة المطلقة على ما قضى به، وما لم يقض به ومثل ~~الساعة في ذلك كل عذاب غير مردود وأمر محتوم إن يشأ يأت به وإن لم يشأ لم ~~يأت به وإن كان يشاء دائما ما قضى به قضاء حتما ووعده وعدا جزما والله لا ~~يخلف الميعاد فافهم ذلك. # وله سبحانه أن لا يجيب دعوة أي داع دعاه وإن عرف نفسه بأنه ms2459 مجيب، فقال: ~~"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 ~~ووعد الاستجابة لداعيه وعدا بتيا، فقال: "ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 ~~فإن وعد الاستجابة لا يسلب عنه القدرة على عدم الاستجابة وإن كان يستجيب ~~دائما كل من دعاه بحقيقة الدعاء، وتجري على ذلك سنته صراطا مستقيما لا تخلف فيه. # ومن هنا يظهر فساد ما استشكل على الآية بأن مدلولها يخالف ما دلت عليه ~~نصوص الكتاب والسنة أن الساعة لا ريب فيها ولا محيص عن وقوعها وأن عذاب ~~الاستئصال لا مرد له، وقد قال تعالى: "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال": ~~المؤمن: 50. وجه الفساد أن الآية لا تدل على أزيد من أن الله سبحانه أن ~~يفعل ما يشاء وأنه قادر على كل شيء، وأما أنه يشاء كل شيء ويفعل كل شيء فلا ~~دلالة فيها على ذلك ولا ريب أن قضاءه الحتمي بوقوع الساعة أو بعذاب قوم ~~عذاب استئصال لا يبطل قدرته على خلافه فله أن يخالف إن شاء وإن كان لا يخلف ~~الميعاد ولا ينقض ما أراد. # وأما قوله تعالى: "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" فهو دعاؤهم في جهنم ~~لكشف عذابها وتخفيفه عنهم، ومن المعلوم أن الدعاء مع تحتم الحكم وفصل ~~القضاء لا يتحقق بحقيقته فإن سؤال أن لا يبعث الله الخلق أو لا يعذب أهل ~~جهنم فيها من الله سبحانه بمنزلة أن يسأل الله سبحانه أن لا يكون هو الله ~~سبحانه فإن من لوازم معنى الألوهية أن يرجع إليه الخلق على حسب أعمالهم ~~فلمثل هذه الأدعية صورة الدعاء فقط دون حقيقة معناها، وأما لو تحقق الدعاء ~~بحقيقته بأن يدعى حقيقة ويتعلق ذلك الدعاء بالله حقيقة كما هو ظاهر قوله: ~~"أجيب دعوة الداع إذا دعان" الآية، فإن ذلك لا يرد البتة، والدعاء على هذا ~~النعت لا يدع الكافر كافرا ولو حين الدعاء كما قال تعالى: "فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون": ~~العنكبوت: 65. # فما في قوله: ms2460 "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" دعاء منهم وهم على الكفر ~~فإن الثابت من ملكة الكفر لا يفارقهم في دار الجزاء وإن كان من الجائز أن ~~يفارقهم في دار العمل بالتوبة والإيمان. # فدعاؤهم لكشف العذاب عنهم يوم القيامة أو في جهنم ككذبهم على الله يوم ~~القيامة بقولهم - كما حكى الله - والله ربنا ما كنا مشركين، ولا ينفع اليوم ~~كذب غير أنهم اعتادوا ذلك في الدنيا ورسخت رذيلتهم في نفوسهم فبرزت عنهم ~~آثاره يوم تبلى السرائر، ونظير أكلهم وشربهم وخصامهم في النار، ولا غنى لهم ~~في شيء من ذلك، كما قال تعالى: "تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع ~~لا يسمن ولا يغني من جوع": الغاشية: 7، وقال تعالى: "ثم إنكم أيها الضالون ~~المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من ~~الحميم فشاربون شرب الهيم": الواقعة: 55، وقال تعالى: "إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار": ص: 64، فهذا كله من قبيل ظهور الملكات فيهم. # وما قبل الآية يؤيد ما ذكرناه من أن دعاءهم ليس على حقيقته وهو قوله ~~تعالى: "وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب، قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال": المؤمن: 50، فإن مسألتهم خزنة النار أن يدعوا ~~الله لهم في تخفيف العذاب ظاهر في أنهم آيسون من استجابة دعائهم أنفسهم، ~~والدعاء مع اليأس عن الاستجابة ليس دعاء ومسألة حقيقية إذ لا يتعلق الطلب ~~بما لا يكون البتة. PageV07P045 # وثالثا: أن النسيان في قوله: "وتنسون ما تشركون" حقيقة معناه على ما هو ~~المشهود من حال الإنسان عند ما تغشاه الشدائد والخطوب إذ يشتغل بنفسه وينسى ~~كل أمر دونها إلا الله سبحانه فلا موجب للالتزام بما ذكره بعضهم: أن المراد ~~بقوله: "وتنسون ما تشركون" تعرضون عنها إعراض من نسي الشيء عنه. # وإن كان لا مانع من ذلك لكونه من المجازات الشائعة لكلمة النسيان، وقد ~~استعمل في القرآن النسيان بمعنى الإعراض عن الشيء ms2461 وعدم الاعتناء به كثيرا ~~كما قال تعالى: "وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا": الجاثية: 34 ~~إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء ~~لعلهم يتضرعون" البأساء والبأس والبؤس هو الشدة والمكروه إلا أن البؤس يكثر ~~استعماله في الحرب ونحوه والبأس والبأساء في غيره كالفقر والجدب والقحط ~~ونحوها، والضر والضراء هو سوء الحال فيما يرجع إلى النفس كغم وجهل أو ما ~~يرجع إلى البدن كمرض ونقص بدني أو ما يرجع إلى غيرهما كسقوط جاه أو ذهاب ~~مال، ولعل المقصود من الجمع بين البأساء والضراء الدلالة على تحقق الشدائد ~~في الخارج كالجدب والسيل والزلزلة، وما يعود إلى الناس من قبلها من سوء ~~الحال كالخوف والفقر ورثاثة الحال. # والضراعة هي المذلة والتضرع التذلل والمراد به التذلل إلى الله سبحانه ~~لكشف ما نزل عليهم من نوازل الشدة والرزية. # والله سبحانه يذكر لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية وما ~~يتلوها إلى تمام أربع آيات سنته في الأمم التي من قبله إذ جاءتهم رسلهم ~~بالبينات: أنه كان يرسل إليهم الرسل فيذكرونهم بتوحيد الله سبحانه والتضرع ~~وإخلاص الإنابة إليه ثم يبتليهم بأنواع الشدة والمحن ويأخذهم بالبأساء ~~والضراء ولكن بمقدار لا يلجئهم إلى التضرع ولا يضطرهم إلى الابتهال ~~والاستكانة لعلهم يتضرعون إليه بحسن اختيارهم، ويلين قلوبهم فيعرضوا عن ~~التزيينات الشيطانية وعن الإخلاد إلى الأسباب الظاهرية لكنهم لم يتضرعوا ~~إليه بل أقسى الاشتغال بأعراض الدنيا قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم، ~~وأنساهم ذلك ذكر الله. # فلما نسوا ذكر الله سبحانه فتح الله عليهم أبواب كل شيء وصب عليهم نعمه ~~المتنوعة صبا حتى إذا فرحوا بما عندهم من النعم واغتروا واستقلوا بأنفسهم ~~من دون الله أخذهم الله بغتة ومن حيث لا يشعرون به فإذا هم آيسون من النجاة ~~شاهدون سقوط ما عندهم من الأسباب فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين. # وهذه السنة سنة الاستدراج والمكر الذي لخصها الله تعالى في قوله: "والذين ~~كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ms2462 من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين": ~~الأعراف: 183. # وبالتأمل فيما تقدم من تقرير معنى الآية والتدبر في سياقها يظهر أن الآية ~~لا تنافي سائر الآيات الناطقة بأن الإنسان مفطور على التوحيد ملجأ باقتضاء ~~من فطرته وجبلته إلى الإقرار به والتوجه إليه عند الانقطاع عن الأسباب ~~الكونية كما قال تعالى: "وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ~~فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور": ~~لقمان: 32. # وذلك أن الآية لا تريد من البأساء والضراء إلا ما لا يبلغ من الشدة ~~والمهابة مبلغا يذهلون به عن كل سبب وينسون به كل وسيلة عادية، ومن الدليل ~~على ذلك قوله في الآية: "لعلهم يتضرعون" إذ "لعل" كلمة رجاء ولا رجاء مع ~~الإلجاء والاضطرار، وكذا قوله تعالى: "وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون" ~~فإن ظاهره أنهم اغتروا بذلك وتوسلوا في رفع البأساء والضراء إلى أعمالهم ~~التي عملوها بأيديهم ودبروها بتدابيرهم للغلبة على موانع الحياة وأضداد ~~العيش فاشتغلوا بالأسباب الطبيعية الملهية إياهم عن التضرع إلى الله سبحانه ~~والاعتصام به، كقوله تعالى: "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم ~~من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله ~~وحده وكفرنا بما كنا به مشركين": المؤمن: 84، فالآية الأولى - كما ترى - ~~تحكي عنهم نظير ما تحكيه الآية التي نحن فيها من الإعراض عن التضرع ~~والاغترار بالأعمال، والآية الثانية تحكي ما تحكيه الآيات الأخرى من ~~التوحيد في حال الاضطرار. PageV07P046 # ومن هنا يظهر فساد ما يظهر من بعضهم أن ظاهر الآية كون الأمم السابقة ~~مستنكفة عن التوحيد معرضة عن التضرع حتى في الشدائد الملجئة قال في تفسير ~~الآية: أقسم الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أرسل رسلا ~~قبله إلى أمم قبل أمته فكانوا أرسخ من قومه في الشرك، وأشد منهم إصرارا على ~~الظلم فإن قومه يدعون الله وحده عند شدة الضيق، وينسون ما اتخذوه من ~~الأولياء والأنداد، وأما تلك الأمم فلم تلن الشدائد قلوبهم، ms2463 ولم تصلح ما ~~أفسد الشيطان من فطرتهم، انتهى. # ولازم ما ذكره أن لا يكون التوحيد فطريا يظهر عند ارتفاع الأوهام الشاغلة ~~والانقطاع عن الأسباب الظاهرة أو أن يمكن إبطال حكم الفطرة من أصله، وقد ~~قال تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله": الروم: 30 فأفاد أن دين التوحيد فطري، وأن الفطرة لا ~~تقبل التغيير بمغير وأيد ذلك بآيات أخر ناصة على أن الإنسان عند انقطاعه عن ~~الأسباب يتوجه إلى ربه بالدعاء مخلصا له الدين لا محالة. # على أن الإقرار بالإله الواحد عند الشدة والانقطاع مما نجده من أنفسنا ~~وجدانا ضروريا ولا يختلف في ذلك الإنسان الأولي وإنسان اليوم البتة. # قوله تعالى: "فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم" إلخ، "لو ~~لا" للتحضيض أو للنفي، وعلى أي حال تفيد في المقام فائدة النفي بدليل قوله: ~~"ولكن قست قلوبهم" وقسوة القلب مقابل لينه، وهو كون الإنسان لا يتأثر عن ~~مشاهدة ما يؤثر فيه عادة أو عن استماع كلام شأنه التأثير. # والمعنى: فلم يتضرعوا حين مجيء البأس ولم يرجعوا إلى ربهم بالتذلل بل أبت ~~نفوسهم أن تتأثر عنه، وتلهوا بأعمالهم الشيطانية الصارفة لهم عن ذكر الله ~~سبحانه، وأخلدوا إلى الأسباب الظاهرة التي كانوا يرون استقلالها في إصلاح شأنهم. # قوله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء" إلخ، ~~المراد بفتح أبواب كل شيء إيتاؤهم من كل نعمة من النعم الدنيوية التي ~~يتنافس فيها الناس للتمتع من مزايا الحياة من المال والبنين وصحة الأبدان ~~والرفاهية والخصب والأمن والطول والقوة، كل ذلك توفيرا من غير تقتير ومنع ~~كما أن خزانة المال إذا أعطي منها أحد بقدر وميزان فتح بابها فأعطي ما أريد ~~ثم سد، وأما إذا أريد الإعطاء من غير تقدير فتح بابها ولم يسد على وجه ~~قاصده بالجملة كناية عن إيتائهم أنواع النعم من غير تقدير على ما يساعده ~~المقام. # على أن فتح الباب إنما يناسب بحسب الطبع الحسنات والنعم وأما ms2464 السيئات ~~والنقم فإنما تتحقق بالمنع ويناسبها سد الباب كما يلمح إليه قوله تعالى: ~~"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده": ~~فاطر: 2. # ومبلسون من أبلس إبلاسا، قال الراغب: الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس ~~- إلى أن قال - ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه، قيل: ~~أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته، انتهى. # وعلى هذا المعنى المناسب لقوله: "فإذا هم مبلسون" أي خامدون منقطعوا الحجة. # ومعنى الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به أو أعرضوا عنه آتيناهم من كل نعمة ~~استدراجا حتى إذا تمت لهم النعم وفرحوا بما أوتوا منها أخذناهم فجأة ~~فانخمدت أنفاسهم ولا حجة لهم لاستحقاقهم ذلك. # قوله تعالى: "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" دبر ~~الشيء مقابل قبله وهما الجزءان: المقدم والمؤخر من الشيء، ولذا يكنى بهما ~~عن العضوين المخصوصين، وربما توسع فيهما فأطلقا على ما يلي الجزء المقدم أو ~~المؤخر فينفصلان عن الشيء، وقد اشتق منهما الأفعال بحسب المناسبة نحو أقبل ~~وأدبر وقبل ودبر وتقبل وتدبر واستقبل واستدبر، ومن ذلك اشتقاق دابر بمعنى ~~ما يقع خلف الشيء ويليه من ورائه، ويقال: أمس الدابر أي الواقع خلف اليوم ~~كما يقال: عام قابل، ويطلق الدابر بهذا المعنى على أثر الشيء كدابر الإنسان ~~على أخلافه وسائر آثاره، فقوله: "فقطع دابر القوم الذين ظلموا" أي إن ~~الهلاك استوعبهم فلم يبق منهم عينا ولا أثرا أو أبادهم جميعا فلم يخلص منهم ~~أحد كما قال تعالى: "فهل ترى لهم من باقية": الحاقة: 8. PageV07P047 # ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: "دابر القوم الذين ظلموا" دون أن يقال: ~~دابرهم للدلالة على سبب الحكم وهو الظلم الذي أفنى جمعهم وقطع دابرهم، وهو ~~مع ذلك يمهد السبيل إلى إيراد قوله: "والحمد لله رب العالمين". # ومن هذه الآية بما تشتمل على وصفهم بالظلم وعلى حمده تعالى بربوبيته ~~تتحصل الدلالة على أن اللوم والسوء في جميع ما حل بهم من عذاب الاستئصال ~~يرجع إليهم لأنهم ms2465 القوم الذين ظلموا، وأنه لا يعود إليه تعالى إلا الثناء ~~الجميل لأنه لم يأت في تدبير أمرهم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة، ولم ~~يسقهم في سبيل ما انتهوا إليه إلا إلى ما ارتضوه بسوء اختيارهم فقد تحقق أن ~~الخزي والسوء على الكافرين، وأن الحمد لله رب العالمين. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم" إلى آخر الآية، أخذ ~~السمع والأبصار هو سلب قوتي السمع والإبصار وهو الإصمام والإعماء والختم ~~على القلوب إغلاق بابها إغلاقا لا يدخلها معه شيء من خارج حتى تتفكر في ~~أمرها، وتميز الواجب من الأعمال من غير: والخير النافع منها من الشر الضار ~~مع حفظ أصل الخاصية وهو صلاحية التعقل وإلا كان جنونا وخبلا. # وإذ كان هؤلاء المشركون لا يسمعون حق القول في الله سبحانه ولا يبصرون ~~آياته الدالة على أنه واحد لا شريك له فصارت قلوبهم لا يدخلها شيء من ~~واردات السمع والبصر حتى تعرف بذلك الحق من الباطل أقام الحجة بذلك على ~~إبطال مذهبهم في أمر الإله تعالى ووحدته. # وملخصها أن القول بثبوت شركاء لله يستلزم القول ببطلانه وذلك أن القول ~~بالشركاء لإثبات الشفاعة، وهي أن تشفع وتتوسط في جلب المنافع ودفع المضار، ~~وإذ كانت الشركاء شفعاء على الفرض كان لله سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء ~~من غير مصادفة مانع يمانعه أو ضد يضاده فلو سلب الله عنكم سمعكم وأبصاركم ~~وختم على قلوبكم فعل ذلك ولم يعارضه أحد من شركائكم لأنها شفعاء متوسطة لا ~~أضداد معارضة، ولو فعل ذلك وسلب ما سلب لم يقدر أحد منها أن يأتيكم به ~~لأنها شفعاء وسائط لا مصادر للخلق والإيجاد. # وإذا لم يقدر على إيتاء نفع أو إذهاب ضر فما معنى ألوهيتها فليس الإله ~~إلا من يوجد ويعدم ويتصرف في الكون كيف شاء، وإنما اضطرت الفطرة الإنسانية ~~إلى الإقرار بأن للعالم إلها من جهة الحصول على مبدإ حوادث الخير والشر ~~التي تشاهدها في الوجود، وإذ كان شيء لا يضر ولا ينفع في جنب الحوادث شيئا ms2466 ~~فليس تسميته إلها إلا لغوا من القول. # وليس لإنسان صحيح العقل والتمييز أن يجوز كون صورة حجرية أو خشبية أو ~~فلزية عملته يد الإنسان وصنعته فكرته خالقا للعالم أو متصرفا فيه بالإيجاد ~~والإعدام وكذا كون رب الصنم ربا معبودا أبدع العالم على غير مثال سابق مع ~~الاعتراف بكونه عبدا مربوبا. # والحجة تعود بتقرير آخر إلى أن معنى الألوهية يأبى عن الصدق على الشريك ~~بمعنى الشفيع المتوسط فإن مبدئية الصنع والإيجاد لازم معناها الاستقلال في ~~التصرف والتعين في استحقاق خضوع المصنوع المربوب، والواسطة المفروضة إن كان ~~لها استقلال في العمل كانت أصلا ومبدأ لا واسطة وشفيعا وإن لم يكن له حظ من ~~الاستقلال كانت أداة آلة لها مبدأ وإلها. # ولذا كانت الأسباب الكونية أيا ما فرضت ليس لها إلا معنى الإله والأداة ~~كسببية الأكل للشبع والشرب للري والوالدين للولد والقلم للكتابة والمشي ~~لانطواء المسافة وهكذا. # وقوله: "انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون" تصريف الآيات تحويلها إلى ~~نحو أفهامهم، والصدوف الإعراض، يقال: صدف يصدف صدوفا إذا مال عن الشيء. # قوله تعالى: "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة" إلى آخر ~~الآية، الجهرة الظهور التام الذي لا يقبل الارتياب ولذا قابلت البغتة التي ~~هي إتيان الشيء فجأة لا يظهر على من أتاه إلا بعد إتيانه وغشيانه فلا يترك ~~له مجال التحذر. # وهذه حجة بين فيها على وجه العموم أن الظالمين على خطر من عذاب الله ~~عذابا لا يتخطاهم، ولا يغلط في إصابتهم بإصابة من سواهم، ثم بين أنهم هم ~~الظالمون لفسقهم عن الدعوة الإلهية وتكذيبهم بآيات الله تعالى. PageV07P048 # وذلك أن معنى العذاب ليس إلا إصابة المجرم بما يسوؤه ويدمره من جزاء إجرامه ~~ولا إجرام إلا مع ظلم فلو أتاهم من قبل الله سبحانه عذاب لم يهلك به إلا ~~الظالمون، فهذا ما يدل عليه الآية ثم بين الآيتين التاليتين أنهم هم ~~الظالمون. # قوله تعالى: "وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين" إلى آخر الآيتين ~~يبين بالآيتين أنهم هم الظالمون، ولا يهلك بعذاب ms2467 الله إن أتاهم إلا لظلمهم. # ولذا غير سياق الكلام فوجه وجه البيان إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ليكون هو المخبر عن شأن عذابه فيكون أقطع للعذر وجيء بلفظ المتكلم ~~ليدل به على صدوره من ساحة العظمة والكبرياء. # فكان ملخص المضمون أمره تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقيم ~~عليهم الحجة أن لو أتاهم عذاب الله لم يهلك إلا الظالمين منهم ثم يقول ~~تعالى لرسوله: إنا نحن الملقين إليك الحجة الآتين بالعذاب نخبرك أن إرسالنا ~~الرسل إنما هو للتبشير والإنذار فمن آمن وأصلح فلا عليه، ومن كذب بآياتنا ~~فهو الذي يمسه عذابنا لفسقه وخروجه عن طور العبودية فلينظروا في أمر أنفسهم ~~من أي الفريقين هم؟. # وقد تقدم في المباحث السابقة استيفاء البحث عن معنى الإيمان والإصلاح ~~والفسق ومعنى نفي الخوف والحزن عن المؤمنين. # قوله تعالى: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك" لعل المراد بخزائن الله ما ذكره بقوله تعالى: "قل لو أنتم ~~تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق": الإسراء: 100 وخزائن ~~الرحمة هذه هي ما يكشف عن أثره، قوله تعالى: "ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك له" الآية،: فاطر: 2 وهي فائضة الوجود التي تفيض من عنده تعالى ~~على الأشياء من وجودها، وآثار وجودها وقد بين قوله تعالى: "إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 أن مصدر هذا الأثر الفائض هو قوله، ~~وهو كلمة "كن" الصادرة عن مقام العظمة والكبرياء، وهذا هو الذي يخبر عنه ~~بلفظ آخر في قوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم": الحجر: 21. # فالمراد بخزائن الله هو المقام الذي يعطي بالصدور عنه ما أريد من شيء من ~~غير أن ينفد بإعطاء وجود أو يعجزه بذل وسماحة، وهذا مما يختص بالله سبحانه، ~~وأما غيره كائنا ما كان ومن كان فهو محدود وما عنده مقدر إذا بذل منه شيئا ~~نقص بمقدار ما بذل، ms2468 وما هذا شأنه لم يقدر على إغناء أي فقير، وإرضاء أي ~~طالب، وإجابة أي سؤال. # وأما قوله: "ولا أعلم الغيب" فإنما أريد بالعلم الاستقلال به من غير ~~تعليم بوحي وذلك أنه تعالى يثبت الوحي في ذيل الآية بقوله: "إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي"، وقد بين في مواضع من كلامه أن بعض ما يوحيه لرسله من الغيب، ~~كقوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": ~~الجن: 26، وكقوله بعد سرد قصة يوسف: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما ~~كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون": يوسف: 102، وقوله في قصة مريم: ~~"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون": آل عمران: 44، وقوله بعد قصة نوح: "تلك من ~~أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا": هود: 49. # فالمراد بنفي علم الغيب نفي أن يكون مجهزا في وجوده بحسب الطبع بما لا ~~يخفى عليه معه ما لا سبيل للإنسان بحسب العادة إلى العلم به من خفيات ~~الأمور كائنة ما كانت. # وأما قوله: "ولا أقول لكم إني ملك" فهو كناية عن نفي آثار الملكية من ~~أنهم منزهون عن حوائج الحياة المادية من أكل وشرب ونكاح وما يلحق بذلك، وقد ~~عبر عنه في مواضع أخرى بقوله: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي": الكهف: ~~110، وإنما عبر عن ذلك هاهنا بنفي الملكية دون إثبات البشرية ليحاذي به ما ~~كانوا يقترحونه عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل قولهم: "ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق": الفرقان: 7. PageV07P049 # ومن هنا يظهر أن الآية بما في سياقها من النفي بعد النفي - كأنها - ناظرة ~~إلى الجواب عما كانوا يقترحونه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~سؤال الآيات المعجزة والاعتراض بما كان يأتي به من أعمال كأعمال المتعارف ~~من الناس كما حكاه عنهم في قوله: "وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي ~~في الأسواق لو ms2469 لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكون ~~له جنة يأكل منها": الفرقان: 8، وقوله: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، ~~أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو ~~يكون لك بيت من زخرف - إلى أن قال - قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": ~~الإسراء: 93، وقوله: "فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو": الإسراء: 51، ~~وكقوله: "يسألونك عن الساعة أيان مرساها": الأعراف: 187. فمعنى قوله: "قل ~~لا أقول لكم" إلخ، قل: لم أدع فيما أدعوكم إليه وأبلغكموه أمرا وراء ما أنا ~~عليه من متعارف حال الإنسان حتى تبكتوني بإلزامي بما تقترحونه مني فلم أدع ~~أني أملك خزائن الألوهية حتى تقترحوا أن أفجر أنهارا أو أخلق جنة أو بيتا ~~من زخرف، ولا ادعيت أني أعلم الغيب حتى أجيبكم عن كل ما هو مستور تحت أستار ~~الغيوب كقيام الساعة ولا ادعيت أني ملك حتى تعيبوني وتبطلوا قولي بأكل ~~الطعام والمشي في الأسواق للكسب. # قوله تعالى: "إن أتبع إلا ما يوحى إلي" بيان لما يدعيه حقيقة بعد رد ما ~~اتهموه به من الدعوى من جهة دعواه الرسالة من الله إليهم أي ليس معنى قولي: ~~إني رسول الله إليكم أن عندي خزائن الله ولا أني أعلم الغيب ولا أني ملك بل ~~إن الله يوحي إلي بما يوحي. # ولم يثبته في صورة الدعوى بل قال: "إن أتبع" إلخ، ليدل على كونه مأمورا ~~بتبليغ ما يوحى إليه ليس له إلا اتباع ذلك فكأنه لما قال: لا أقول لكم كذا ~~ولا كذا ولا كذا قيل له: فإذا كان كذلك وكنت بشرا مثلنا وعاجزا كأحدنا لم ~~تكن لك مزية علينا فما ذا تريد منا؟ فقال: إن أتبع إلا ما يوحى إلي أن ~~أبشركم وأنذركم فأدعوكم إلى دين التوحيد. # والدليل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: "قل لا يستوي الأعمى والبصير أفلا ~~تتفكرون" فإن مدلوله بحسب ما ms2470 يعطيه السياق: أني وإن ساويتكم في البشرية ~~والعجز لكن ذلك لا يمنعني عن دعوتكم إلى اتباعي فإن ربي جعلني على بصيرة ~~بما أوحى إلي دونكم فأنا وأنتم كالبصير والأعمى ولا يستويان في الحكم وإن ~~كانا متساويين في الإنسانية فإن التفكر في أمرهما يهدي الإنسان إلى القضاء ~~بأن البصير يجب أن يتبعه الأعمى، والعالم يجب أن يتبعه الجاهل. # قوله تعالى: "وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم" إلى آخر الآية ~~الضمير في "به" راجع إلى القرآن وقد دل عليه قوله في الآية السابقة: "إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي" وقوله: "ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع" حال والعامل ~~فيه يخافون أو يحشرون. # والمراد بالخوف معناه المعروف دون العلم وما في معناه إذ لا دليل عليه ~~بحسب ظاهر المعنى المتبادر من السياق، والأمر بإنذار خصوص الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم لا ينافي عموم الإنذار لهم ولغيرهم كما يدل عليه قوله في ~~الآيات السابقة: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ": آية: 19 بل ~~لما كان خوف الحشر إلى الله معينا لنفوسهم على القبول ومقربا للدعوة إلى ~~أفهامهم أفاد تخصيص الأمر بالإنذار بهم ووصفهم هذا الوصف تأكيدا لدعوتهم ~~وتحريضا له أن لا يسامح في أمرهم ولا يضعهم موضع غيرهم بل يخصهم بمزيد ~~عناية بدعوتهم لأن موقفهم أقرب من الحق وإيمانهم أرجى فالآية بضميمة سائر ~~آيات الأمر بالإنذار العام تفيد من المعنى: أن أنذر الناس عامة ولا سيما ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم. # وقوله: "ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع" نفي مطلق لولاية غير الله وشفاعته ~~فيقيده الآيات الأخر المقيدة كقوله: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه": ~~البقرة: 255 وقوله: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28 وقوله: "ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86. PageV07P050 # وإنما لم يستثن في الآية لأن الكلام يواجه به الوثنيون الذين كانوا يقولون ~~بولاية الأوثان وشفاعتها، ولم يكونوا يقولون بذلك بالإذن والجعل فإن ~~الولاية والشفاعة ms2471 عن إذن يحتاج القول به إلى العلم به، والعلم إلى الوحي ~~والنبوة، وهم لم يكونوا قائلين بالنبوة، وأما الذي أثبتوه من الولاية ~~والشفاعة فكأنه أمر متهيء لأوليائهم وشركائهم بالضرورة من طبعها لا بإذن من ~~الله كأن أقوياء الوجود من الخليقة لها نوع من التصرف في ضعفائه بالطبع وإن ~~لم يأذن به الله سبحانه، وإن شئت قلت: لازمه أن يكون إيجادها إذنا اضطراريا ~~في التصرف في ما دونها. # وبالجملة قيل: "ما لهم من دونه ولي ولا شفيع" ولم يقل: إلا بإذنه لأن ~~المشركين إنما قالوا إن الأوثان أولياء وشفعاء من غير تقييد فنفي ما ذكروه ~~من الولي والشفيع من دون الله محاذاة بالنفي لإثباتهم، وأما الاستثناء فهو ~~وإن كان صحيحا كما وقع في مواضع من كلامه تعالى لكن لا يتعلق به غرض هاهنا. # وقد تبين مما تقدم أن الآية على إطلاق ظاهرها تأمر بإنذار كل من لا يخلو ~~من استشعار خوف من الحشر في قلبه إذا ذكر بآيات الله سواء كان ممن يؤمن ~~بالحشر كالمؤمنين من أهل الكتاب أو ممن لا يؤمن به كالوثنيين وغيرهم لكنه ~~يحتمله فيغشى الخوف نفسه بالاحتمال أو المظنة فإن الخوف من شيء يتحقق بمجرد ~~احتمال وجوده وإن لم يوقن بتحققه. # وقد اختلفت أنظار المفسرين في الآية فمن قائل: إن الآية نزلت في المؤمنين ~~القائلين بالحشر، وأنهم هم الذين عنوا في الآية التالية بقوله: "ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي". # ومن قائل: إنها نزلت في طائفة من المشركين الوثنيين يجوزون الحشر بعد ~~الموت وإن لم يثبت وجود القائل بهذا القول بين مشركي مكة أو العرب يوم نزول ~~السورة مع كون خطابات السورة متوجهة إلى المشركين من قريش أو العرب بحسب ~~السياق،. # ومن قائل: إن المراد بهم كل معترف بالحشر من مسلم أو كتابي، وإنما خص ~~هؤلاء المعترفون بالأمر بالإنذار مع أن وجوب الإنذار عام لجميع الخلق لأن ~~الحجة أوجب عليهم لاعترافهم بالمعاد. # لكن الآية لم تأخذ في وصفهم إلا الخوف من الحشر، ولا يتوقف الخوف من ms2472 ~~الشيء على العلم بتحققه ولا الاعتراف بوجوده بل الشك - وهو الاحتمال ~~المتساوي طرفاه - والمظنة وهي الإدراك الراجح على ما له من المراتب يجامع ~~الخوف كالعلم وهو ظاهر. # فالآية إنما تحرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إنذار كل من شاهد ~~في سيماه علائم الخوف من أي طائفة كان لأن بناء الدعوة الدينية على أساس ~~الحشر وإقامة المحاسبة على السيئة والحسنة والمجازاة عليهما، وأدنى ما يرجى ~~من تأثير الدعوة الدينية في واحد أن يجوزه فيخافه، وكلما ازداد احتمال ~~وقوعه ازداد الخوف وقوي التأثير حتى يتلبس باليقين وينتفي احتمال الخلاف ~~بالكلية، فهناك التأثير التام. # قوله تعالى: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه" إلى ~~آخر الآية ظاهر السياق على ما يؤيده ما في الآية التالية: "وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض" إلخ، أن المشركين من قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) اقترحوا ~~عليه أن يطرد عن نفسه الضعفاء المؤمنين به فنهاه الله تعالى في هذه الآية ~~عن ذلك. # وذلك منهم نظير ما اقترحه المستكبرون من سائر الأمم من رسلهم أن يطردوا ~~عن أنفسهم الضعفاء والفقراء من المؤمنين استكبارا وتعززا، وقد حكى الله ~~تعالى ذلك عن قوم نوح فيما حكاه من محاجته (عليه السلام) حجاجا يشبه ما في ~~هذه الآيات من الحجاج قال تعالى: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون - إلى أن ~~قال - وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم - إلى أن قال - ولا أقول ~~لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن ~~الظالمين": هود - 31. PageV07P051 # والتطبيق بين هذه الآيات والآيات التي نحن فيها يقضي أن يكون المراد بالذين ms2473 ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي ويريدون وجهه هم المؤمنين، وإنما ذكر دعاءهم ~~بالغداة والعشي وهو صلاتهم أو مطلق دعائهم ربهم للدلالة على ارتباطهم بربهم ~~بما لا يداخله غيره تعالى وليوضح ما سيذكره من قوله: "أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين". # وقوله: "يريدون وجهه" أي وجه الله، قال الراغب في مفرداته:، أصل الوجه ~~الجارحة قال: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، وتغشى وجوههم النار، ولما كان الوجه ~~أول ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء وفي أشرفه ~~ومبدئه فقيل: وجه كذا ووجه النهار، وربما عبر عن الذات بالوجه في قول الله: ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، قيل: ذاته وقيل أراد بالوجه هاهنا ~~التوجه إلى الله بالأعمال الصالحة. # وقال: فأينما تولوا فثم وجه الله، كل شيء هالك إلا وجهه، يريدون وجه ~~الله، إنما نطعمكم لوجه الله، قيل: إن الوجه في كل هذا ذاته ويعني بذلك كل ~~شيء هالك إلا هو وكذا في أخواته، وروي أنه قيل ذلك لأبي عبد الله بن الرضا ~~فقال: سبحان الله لقد قالوا قولا عظيما إنما عنى الوجه الذي يؤتى منه ~~ومعناه: كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به الله، وعلى هذا ~~الآيات الأخر، وعلى هذا قوله: يريدون وجهه، يريدون وجه الله، انتهى. # أقول: أما الانتقال الاستعمالي من الوجه بمعنى الجارحة إلى مطلق ما ~~يستقبل به الشيء غيره توسعا فلا ريب فيه على ما هو المعهود من تطور الألفاظ ~~في معانيها لكن النظر الدقيق لا يسوغ إرادة الذات من الوجه فإن الشيء أيا ~~ما كان إنما يستقبل غيره بشيء من ظواهر نفسه من صفاته وأسمائه، وهي التي ~~تتعلق بها المعرفة فإنا إنما نعرف ما نعرف بوصف من أوصافه أو اسم من أسمائه ~~ثم نستدل بذلك على ذاته من غير أن نماس ذاته مساسا على الاستقامة. # فإنا إنما ننال معرفة الأشياء أولا بأدوات الحس التي لا تنال إلا الصفات ~~من أشكال وتخاطيط وكيفيات وغير ذلك من دون أن ننال ذاتا جوهرية ثم نستدل ~~بذلك على ms2474 أن لها ذوات جوهرية هي القيمة لأعراضها وأوصافها التابعة لما أنها ~~تحتاج إلى ما يقيم أودها ويحفظها ففي الحقيقة قولنا: ذات زيد مثلا معناه ~~الشيء الذي نسبته إلى أوصاف زيد وخواصه كنسبتنا إلى أوصافنا وخواصنا فإدراك ~~الذوات إدراكا فكريا يكون دائما بضرب من القياس والنسبة. # وإذا لم يمكن إدراك الذوات الماهوية بإدراك تام فكري إلا من طريق أوصافها ~~وآثارها بضرب من القياس والنسبة فالأمر في الله سبحانه ولا حد لذاته ولا ~~نهاية لوجوده أوضح وأبين، ولا يقع العلم على شيء إلا مع تحديد ما له فلا ~~مطمع في الإحاطة العلمية به تعالى قال: "وعنت الوجوه للحي القيوم": طه: 111 ~~وقال: "ولا يحيطون به علما": طه: 110. # لكن وجه الشيء لما كان ما يستقبل به غيره كانت الجهة بمعنى الناحية أعني ~~ما ينتهي إليه الإشارة وجها فإنها بالنسبة إلى الشيء الذي يحد الإشارة ~~كالوجه بالنسبة إلى الإنسان يستقبل غيره به، وبهذه العناية تصير الأعمال ~~الصالحة وجها لله تعالى كما أن الأعمال الطالحة وجه للشيطان وهذا بعض ما ~~يمكن أن ينطبق عليه أمثال قوله: "يريدون وجه الله" وقوله: "إنما نطعمكم ~~لوجه الله" وغير ذلك، وكذا الصفات التي يستقبل بها الله سبحانه خلقه ~~كالرحمة والخلق والرزق والهداية ونحوها من الصفات الفعلية بل الصفات ~~الذاتية التي نعرفه تعالى بها نوعا من المعرفة كالحياة والعلم والقدرة كل ~~ذلك وجهه تعالى يستقبل خلقه بها ويتوجه إليه من جهتها كما يشعر به بعض ~~الأشعار أو الدلالة قوله تعالى: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام": ~~الرحمن: 27 فإن ظاهر الآية أن قوله: "ذو الجلال والإكرام" نعت للوجه دون ~~الرب فافهم ذلك. # وإذا صح أن ناحيته تعالى جهته ووجهه صح بالجملة أن كل ما ينسب إليه تعالى ~~نوعا من نسبة القرب كأسمائه وصفاته وكدينه، وكالأعمال الصالحة وكذا كل من ~~يحل في ساحة قربه كالأنبياء والملائكة والشهداء وكل مغفور له من المؤمنين ~~وجه له تعالى. PageV07P052 # وبذلك يتبين أولا: معنى قوله سبحانه: "وما عند الله باق": النحل: 96، ~~وقوله: "ومن عنده لا يستكبرون ms2475 عن عبادته": الأنبياء: 19، وقوله: "إن الذين ~~عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه": الأعراف: 206، وقوله فيمن يقتل ~~في سبيل الله: "بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: 169، وقوله: "وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه:" الحجر: 21، فالآيات تدل بانضمام الآية الأولى إليهن ~~أن هذه الأمور كلها باقية ببقائه تعالى لا سبيل للهلاك والبوار إليها، ثم ~~قال تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه": القصص: 88 فدل الحصر الذي في الآية على ~~أن ذلك كله وجه لله سبحانه وبعبارة أخرى كلها واقعة في جهته تعالى مستقرة ~~مطمئنة في جانبه وناحيته. # وثانيا: أن ما تتعلق به إرادة العبد من ربه هو وجهه كما في قوله: "يبتغون ~~فضلا من ربهم ورضوانا": المائدة: 2، وقوله: "ابتغاء رحمة من ربك": الإسراء: ~~28 وقوله: "وابتغوا إليه الوسيلة": المائدة: 35 فكل ذلك وجهه تعالى لأن ~~صفات فعله تعالى كالرحمة والمرضاة والفضل ونحو ذلك من وجهه، وكذلك سبيله ~~تعالى من وجهه على ما تقدم، وقال تعالى: "إلا ابتغاء وجه الله": البقرة: 272. # وقوله: "ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء" الحساب هو ~~استعمال العدد بالجمع والطرح ونحو ذلك، ولما كان تمحيص الأعمال وتقديرها ~~لتوفية الأجر أو أخذ النتيجة ونحوهما لا يخلو بحسب العادة من استعمال العدد ~~بجمع أو طرح سمي ذلك حسابا للأعمال. # وإذ كان حساب الأعمال لتوفية الجزاء، والجزاء إنما هو من الله سبحانه ~~فالحساب على الله تعالى أي في عهدته وكفايته كما قال: "إن حسابهم إلا على ~~ربي": الشعراء: 113، وقال: "ثم إن علينا حسابهم": الغاشية: 26 وعكس في ~~قوله: "إن الله كان على كل شيء حسيبا": النساء: 86 للدلالة على سلطانه ~~تعالى وهيمنته على كل شيء. # وعلى هذا فالمراد من نفي كون حسابهم عليه أو حسابه عليهم نفي أن يكون هو ~~الذي يحاسب أعمالهم ليجازيهم حتى إذا لم يرتض أمرهم وكره مجاورتهم طردهم عن ~~نفسه أو يكونوا هم الذين يحاسبون أعماله حتى إذا خاف مناقشتهم أو سوء ~~مجازاتهم أو كرههم استكبارا واستعلاء عليهم طردهم، وعلى ms2476 هذا فكل من ~~الجملتين: "ما عليك" إلخ، "وما عليهم" إلخ، مقصودة في الكلام مستقلة. # وربما أمكن أن يستفاد من قوله: "ما عليك من حسابهم من شيء" نفي أن يحمل ~~عليه حسابهم أي أعمالهم المحاسبة حتى يستثقله وذلك بإيهام أن للعمل ثقلا ~~على عامله أو من يحمل عليه فالمعنى ليس شيء من ثقل أعمالهم عليك، وعلى هذا ~~فاستتباعه بقوله: "وما من حسابك عليهم من شيء" - ولا حاجة إليه لتمام ~~الكلام بدونه - إنما هو لتتميم أطراف الاحتمال وتأكيد مطابقة الكلام، ومن ~~الممكن أيضا أن يقال: إن مجموع الجملتين أعني قوله: "ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء" كناية عن نفي الارتباط بين النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وبينهم من حيث الحساب. # وربما قيل: إن المراد بالحساب حساب الرزق دون حساب الأعمال والمراد: ليس ~~عليك حساب رزقهم، وإنما الله يرزقهم وعليه حساب رزقهم، وقوله: "وما من ~~حسابك عليهم" إلخ، جيء به تأكيدا لمطابقة الكلام على ما تقدم في الوجه ~~السابق، والوجهان وإن أمكن توجيههما بوجه لكن الوجه هو الأول. # وقوله: "فتطردهم فتكون من الظالمين" الدخول في جماعة الظالمين متفرع على ~~طردهم أي طرد الذين يدعون ربهم فنظم الكلام بحسب طبعه يقتضي أن يفرع قوله: ~~"فتكون من الظالمين"، على قوله في أول الآية: "ولا تطرد الذين" إلخ، إلا أن ~~الكلام لما طال بتخلل جمل بين المتفرع والمتفرع عليه أعيد لفظ الطرد ثانيا ~~في صورة الفرع ليتفرع عليه قوله: "فتكون من الظالمين" بنحو الاتصال ويرتفع اللبس. # فلا يرد عليه أن الكلام مشتمل على تفريع الشيء على نفسه فإن ملخصه: ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم فتطردهم، وذلك أن إعادة الطرد ثانيا لإيصال الفرع ~~أعني قوله: "فتكون من الظالمين"، إلى أصله كما عرفت. PageV07P053 # قوله تعالى: "وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا" إلى آخر الآية، الفتنة هي ~~الامتحان، والسياق يدل على أن الاستفهام في قوله: "أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا" للتهكم والاستهزاء، ومعلوم أنهم لا يسخرون إلا ممن يستحقرون أمره ~~ويستهينون موقعه ms2477 من المجتمع، ولم يكن ذلك إلا لفقرهم ومسكنتهم وانحطاط ~~قدرهم عند الأقوياء والكبرياء منهم. # فالله سبحانه يخبر نبيه أن هذا التفاوت والاختلاف إنما هو محنة إلهية ~~يمتحن بها الناس ليميز به الكافرين من الشاكرين، فيقول أهل الكفران ~~والاستكبار في الفقراء المؤمنين: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا فإن السنن ~~الاجتماعية عند الناس توصف بما عند المستن بها من الشرافة والخسة، وكذا ~~العمل يوزن بما لعامله من الوزن الاجتماعي فالطريقة المسلوكة عند الفقراء ~~والأذلاء والعبيد يستذلها الأغنياء والأعزة، والعمل الذي أتى به مسكين أو ~~الكلام الذي تكلم به عبد أو أسير مستذلا لا يعتني به أولو الطول والقوة. # فانتحال الفقراء والأجراء والعبيد بالدين، واعتناء النبي بهم وتقريبه ~~إياهم من نفسه كالدليل عند الطغاة المستكبرين من أهل الاجتماع على هوان أمر ~~الدين وأنه دون أن يلتفت إليه من يعتني بأمره من الشرفاء والأعزة. # وقوله تعالى: "أليس الله بأعلم بالشاكرين" جواب عن استهزائهم المبني على ~~الاستبعاد، بقولهم: "أهؤلاء من الله عليهم من بيننا" ومحصله أن هؤلاء ~~شاكرون لله دونهم ولذلك قدم هؤلاء لمنه وأخرهم فكنى سبحانه عن ذلك بأن الله ~~أعلم بالشاكرين لنعمته أي إنهم شاكرون، ومن المسلم أن المنعم إنما يمن ~~وينعم على من يشكر نعمته وقد سمى الله تعالى توحيده ونفي الشريك عنه شكرا ~~في قوله حكاية عن قول يوسف (عليه السلام): "ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون:" يوسف: 38. # فالآية تبين أنهم بجهالتهم يبنون الكرامة والعزة على التقدم في زخارف ~~الدنيا من مال وبنين وجاه، ولا قدر لها عند الله ولا كرامة، وإنما الأمر ~~يدور مدار صفة الشكر والنعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية. # قوله تعالى: "وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم" إلى آخر ~~الآية، قد تقدم معنى السلام، والمراد بكتابته الرحمة على نفسه إيجابها على ~~نفسه أي استحالة انفكاك فعله عن كونه معنونا بعنوان الرحمة، والإصلاح هو ~~التلبس بالصلاح فهو لازم وإن كان بحسب الحقيقة ms2478 متعديا وأصله إصلاح النفس أو ~~إصلاح العمل. # والآية ظاهرة الاتصال بالآية التي قبلها يأمر الله سبحانه فيها نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) - بعد ما نهاه عن طرد المؤمنين عن نفسه - أن يتلطف ~~بهم ويسلم عليهم ويبشر من تاب منهم عن سيئة توبة نصوحا بمغفرة الله ورحمته ~~فتطيب بذلك نفوسهم ويسكن طيش قلوبهم. # ويتبين بذلك أولا: أن الآية - وهي من آيات التوبة - إنما تتعرض للتوبة عن ~~المعاصي والسيئات دون الكفر والشرك بدليل قوله: "من عمل منكم" أي المؤمنين ~~بآيات الله. # وثانيا: أن المراد بالجهالة ما يقابل الجحود والعناد اللذين هما من ~~التعمد المقابل للجهالة فإن من يدعو ربه بالغداة والعشي يريد وجهه وهو مؤمن ~~بآيات الله لا يعصيه تعالى استكبارا واستعلاء عليه بل لجهالة غشيته باتباع ~~هوى في شهوة أو غضب. # وثالثا: أن تقييد قوله: "تاب" بقوله: "وأصلح" للدلالة على تحقق التوبة ~~بحقيقتها فإن الرجوع حقيقة إلى الله سبحانه واللواذ بجنابه لا يجامع لطهارة ~~موقفه التقذر بقذارة الذنب الذي تطهر منه التائب الراجع، وليست التوبة قول: ~~"أتوب إلى الله" قولا لا يتعدى من اللسان إلى الجنان، وقد قال تعالى: "وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284. # ورابعا: أن صفاته الفعلية كالغفور والرحيم يصح تقييدها بالزمان حقيقة فإن ~~الله سبحانه وإن كتب على نفسه الرحمة لكنها لا تظهر ولا تؤثر أثرها إلا إذا ~~عمل بعض عباده سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح. # وقد تقدم في الكلام على قوله تعالى: "إنما التوبة على الله" إلى آخر ~~الآيتين: النساء: 17 في الجزء الرابع من الكتاب ما له تعلق بالمقام. PageV07P054 # قوله تعالى: "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" تفصيل الآيات ~~بقرينة المقام شرح المعارف الإلهية وتخليصها من الإبهام والاندماج، وقوله: ~~"ولتستبين سبيل المجرمين" اللام فيه للغاية، وهو معطوف على مقدر طوي عن ~~ذكره تعظيما وتفخيما لأمره وهو شائع في كلامه تعالى، كقوله: "وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا": آل عمران: 140، وقوله: "وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات ms2479 والأرض وليكون من الموقنين": الآية: 75. # فالمعنى: وكذلك نشرح ونميز المعارف الإلهية بعضها من بعض ونزيل ما يطرأ ~~عليها من الإبهام لأغراض هامة منها أن تستبين سبيل المجرمين فيتجنبها الذين ~~يؤمنون بآياتنا، وعلى هذا فالمراد بسبيل المجرمين السبيل التي يسلكها ~~المجرمون قبال الآيات الناطقة بتوحيد الله سبحانه والمعارف الحقة التي ~~تتعلق به وهي سبيل الجحود والعناد والإعراض عن الآيات وكفران النعمة. # وربما قيل إن المراد بسبيل المجرمين السبيل التي تسلك في المجرمين، وهي ~~سنة الله فيهم من لعنهم في الدنيا وإنزال العذاب إليه بالآخرة، وسوء الحساب ~~وأليم العقاب في الآخرة، والمعنى الأول أوفق بسياق الآيات المسرودة في ~~السورة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده فيه رفع عن الرضا (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل ~~لم يقبض نبينا حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء بين ~~فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، ~~وقال عز وجل: ما فرطنا في الكتاب من شيء. # وفي تفسير القمي، حدثني أحمد بن محمد قال حدثني جعفر بن محمد قال حدثنا ~~كثير بن عياش عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "والذين ~~كذبوا بآياتنا صم وبكم" يقول: صم عن الهدى بكم لا يتكلمون بخير "في ~~الظلمات" يعني ظلمات الكفر "من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم" وهو رد على قدرية هذه الأمة يحشرهم الله يوم القيامة من الصابئين ~~والنصارى والمجوس فيقولون "ربنا ما كنا مشركين، يقول الله: "انظر كيف كذبوا ~~على أنفسهم - وضل عنهم ما كانوا يفترون" قال: فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): ألا إن لكل أمة مجوسا ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا ~~قدر ويزعمون أن المشية والقدرة إليهم ولهم. # قال في البرهان، عند نقل الحديث: وفي نسخة أخرى من تفسير علي بن إبراهيم ~~في الحديث هكذا: قال: فقال: ألا إن لكل أمة مجوسا، ومجوس هذه الأمة الذين ~~يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة ليست لهم ولا ms2480 عليهم، وفي نسخة ~~ثالثة، يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة ليست إليهم ولا لهم، انتهى. # أقول: مسألة القدر من المسائل التي وقع الكلام فيها في الصدر الأول فأنكر ~~القدر - وهو أن لإرادة الله سبحانه تعلقا ما بأعمال العباد - قوم وأثبتوا ~~المشية والقدرة المستقلتين للإنسان في فعله وأنه هو الخالق له المستقل به، ~~وسموا بالقدرية أي المتكلمين في القدر، وقد روى الفريقان عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، وانطباقه عليهم ~~واضح فإنهم يثبتون للأعمال خالقا هو الإنسان ولغيرها خالقا هو الله سبحانه ~~وهو قول الثنوية وهم المجوس بإلهين اثنين: خالق للخير، وخالق للشر. # وهناك روايات أخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أئمة أهل بيته ~~(عليهم السلام) تفسر الرواية بالمعنى الذي تقدم، وتثبت أن هناك قدرا وأن ~~لله مشية في أفعال عباده كما يثبته القرآن. # وقد أول المعتزلة وهم النافون للقدر الرواية بأن المراد بالقدرية ~~المثبتون للقدر، وهم كالمجوس في إسنادهم الخير والشر كله إلى خالق غير ~~الإنسان، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، وسيجيء استيفاؤه إن شاء الله تعالى. # ومما ذكرنا يظهر أن الجمع بين القول بأنه لا قدر، والقول بأنه ليست ~~المشية والقدرة للإنسان ولا إليه جمع بين المتنافيين فإن القول بنفي القدر ~~يلازم القول باستقلال الإنسان بالمشية والاستطاعة، والقول بالقدر يلازم ~~القول بنفي استقلاله بالمشية والقدرة. PageV07P055 # وعلى هذا فما وقع في النسختين من الجمع بين قولهم: لا قدر، وقولهم: إن ~~المشية والقدرة ليست لهم ولا إليهم ليس إلا من تحريف بعض النساخ، وقد اختلط ~~عليه المعنى حيث حفظ قوله "لا قدر" وغير الباقي. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر ~~والطبراني في الكبير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن ~~عامر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا رأيت الله يعطي العبد في ~~الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله (صلى ms2481 ~~الله عليه وآله وسلم): فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. ~~الآية والآية التي بعدها. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت: أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد ~~بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا أراد بقوم اقتطاعا فتح لهم أو ~~فتح عليهم باب خيانة حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. # وفيه، أخرج ابن المنذر عن جعفر قال: أوحى الله إلى داود: خفني على كل ~~حال، وأخوف ما تكون عند تظاهر النعم عليك لا أصرعك عندها ثم لا أنظر إليك. # أقول: قوله: لا أصرعك نهي يفيد التحذير، وقوله: ثم لا أنظر "إلخ" منصوب ~~للتفريع على النهي. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ~~أو جهرة" الآية، قال: إنها نزلت لما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى المدينة، وأصاب أصحابه الجهد والعلل والمرض فشكوا ذلك إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: قل لهم يا محمد أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله بغتة - أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون أي لا يصيبكم ~~إلا الجهد والضر في الدنيا فأما العذاب الأليم الذي فيه الهلاك فلا يصيب ~~إلا القوم الظالمين. # أقول: الرواية على ضعفها تنافي ما استفاض أن سورة الأنعام نزلت بمكة دفعة. # على أن الآية بمضمونها لا تنطبق على القصة والذي تمحل به في تفسيرها بعيد ~~عن نظم القرآن. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون الآية قال قال الصادق ~~(عليه السلام): أنذر بالقرآن من يخافون الوصول إلى ربهم ترغبهم فيما عنده ~~فإن القرآن شافع مشفع لهم. # أقول: وظاهر الحديث رجوع الضمير في قوله: "من دونه" إلى القرآن، وهو معنى ~~صحيح وإن لم يعهد في القرآن أن يسمى وليا كما سمي إماما. # وفي الدر المنثور، أخرج ms2482 أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو ~~الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ ~~من قريش على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ~~ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء: اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم ~~أن نتبعك، فأنزل فيهم القرآن: "وأنذر به - الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم": إلخ. أقول: ورواه في المجمع، عن الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن ~~مسعود مختصرا. PageV07P056 # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: مشى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ~~ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدي بن ~~خيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن ~~أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا ~~وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال عمر: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون ~~بقولهم؟ وما تصيرون إليه من أمرهم؟ فأنزل الله: "وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم إلى قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين". قال: وكانوا بلالا ~~وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبحا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن ~~مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ذو ~~الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم. ونزلت في أئمة الكفر من قريش ~~والموالي والحلفاء: "وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا" الآية فلما نزلت أقبل ~~عمر فاعتذر من مقالته فأنزل الله: "وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا" الآية. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي ms2483 وعيينة بن حصين الفزاري ~~فوجدا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ~~أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: إنا ~~نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا فإن وفود العرب ستأتيك ~~فنستحيي أن ترانا العرب قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ~~فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت قال: نعم، قالوا فاكتب لنا عليك بذلك ~~كتابا، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل ~~بهذه الآية: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - إلى قوله فقل ~~سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله: ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم - بالغداة والعشي يريدون وجهه الآية. قال: ~~فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة ~~التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. أقول: ورواه في المجمع، عن سلمان ~~وخباب وفي معنى هذه الروايات الثلاث المتقدمة بعض روايات أخر، والرجوع إلى ~~ما تقدم في أول السورة من استفاضة الروايات على نزول سورة الأنعام دفعة ثم ~~التأمل في سياق الآيات لا يبقي ريبا أن هذه الروايات إنما هي من قبيل ما ~~نسميه تطبيقا بمعنى أنهم وجدوا مضامين بعض الآيات تقبل الانطباق على بعض ~~القصص الواقعة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعدوا القصة سببا ~~لنزول الآية لا بمعنى أن الآية إنما نزلت وحدها ودفعة لحدوث تلك الواقعة ~~ورفع الشبهة الطارئة من قبلها بل بمعنى أن الآية يرتفع بها ما يطرأ من قبل ~~تلك الواقعة من الشبهة كما ترتفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر الوقائع من ~~أشباه الواقعة ونظائرها كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات الثلاث ~~الواردة في ms2484 سبب نزول قوله: ولا تطرد الذين يدعون الآية فإن الغرض فيها واحد ~~لكن القصص مختلفة في عين أنها متشابهة فكأنهم جاءوا إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) واقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرة بعد كرة وعنده في ~~كل مرة عدة من ضعفاء المؤمنين وفي مضمون الآية انعطاف إلى هذه الاقتراحات ~~أو بعضها. PageV07P057 # وعلى هذه الوتيرة كانوا يذكرون أسباب نزول الآيات بمعنى القصص والحوادث ~~الواقعة في زمنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما لها مناسبة ما مع مضامين ~~الآيات الكريمة من غير أن تكون للآية مثلا نظر إلى خصوص القصة والواقعة ~~المذكورة، ثم شيوع النقل بالمعنى في الأحاديث والتوسع البالغ في كيفية ~~النقل أوهم أن الآيات نزلت في خصوص الوقائع الخاصة على أن تكون أسبابا ~~منحصرة، فلا اعتماد في أمثال هذه الروايات الناقلة لأسباب النزول وخاصة في ~~أمثال هذه السورة من السور التي نزلت دفعة على أزيد من أنها تكشف عن نوع ~~ارتباط للآيات بالوقائع التي كانت في زمنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # ولا سيما بالنظر إلى شيوع الوضع والدس في هذه الروايات والضعف الذي فيها ~~وما سامح به القدماء في أخذها ونقلها. # وقد روى في الدر المنثور، عن الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن ~~عبد الله ابن المهاجر: أن الآية نزلت في اقتراح بعض الناس أن يطرد النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) الضعفاء من أصحاب الصفة عن نفسه في نظير من ~~القصة، ويضعفه ما تقدم في نظيره أن السورة إنما نزلت دفعة وفي مكة قبل ~~الهجرة. # وفي تفسير العياشي، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: رحم الله عبدا تاب إلى الله قبل الموت فإن التوبة مطهرة من دنس ~~الخطيئة ومنقذة من شقاء الهلكة فرض الله بها على نفسه لعباده الصالحين ~~فقال: كتب ربكم على نفسه الرحمة - أنه من عمل منكم سوءا بجهالة - ثم تاب من ~~بعده وأصلح - فإنه غفور رحيم، ومن يعمل سوءا - أو يظلم نفسه ثم يستغفر ms2485 الله ~~- يجد الله توابا رحيما. # وفي تفسير البرهان، روي عن ابن عباس: في قوله تعالى: وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا الآية نزلت في علي وحمزة وزيد. # أقول: وفي عدة من الروايات أن الآيات السابقة نزلت في أعداء آل البيت ~~(عليهم السلام) والظاهر أنها جميعا من قبيل الجري والتطبيق أو الأخذ بباطن ~~المعنى فإن نزول السورة بمكة دفعة يأبى أن يجعل أمثال هذه الروايات من ~~أسباب النزول ولذلك طوينا عن إيرادها، والله أعلم. PageV07P058 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 56 - 73 # قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إنى على بينة من ربى وكذبتم به ما عندى ما ~~تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفصلين (57) قل لو أن عندى ~~ما تستعجلون به لقضى الأمر بينى وبينكم والله أعلم بالظلمين (58) وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة ~~إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتب مبين (59) ~~وهو الذى يتوفام باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) وهو القاهر فوق عباده ~~ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ~~ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحسبين (62) قل من ~~ينجيكم من ظلمت البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الايت لعلهم يفقهون (65) وكذب به قومك ~~وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) وإذا ~~رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره وإما ~~ينسينك ms2486 الشيطن فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين (68) وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شىء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من ~~دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا ~~بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70) قل أندعوا من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذى ~~استهوته الشيطين فى الأرض حيران له أصحب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى ~~الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العلمين (71) وأن أقيموا الصلوة واتقوه وهو ~~الذى إليه تحشرون (72) وهو الذى خلق السموت والأرض بالحق ويوم يقول كن ~~فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور علم الغيب والشهدة وهو الحكيم ~~الخبير (73) ### |||| AUTO بيان # الآيات من تتمة الاحتجاجات على المشركين في التوحيد وما يرتبط به من ~~المعارف في النبوة والمعاد، وهي ذات سياق متصل متسق. # قوله تعالى: "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله" إلى آخر الآية. PageV07P059 # أمر بأن خبرهم بورود النهي عليه عن عبادة شركائهم هو نهي عن عبادتهم بنوع ~~من الكناية ثم أشار إلى ملاك النهي عنها بقوله: "قل لا أتبع أهواءكم" وهو ~~أن عبادتهم اتباع للهوى وقد نهي عنه ثم أشار بقوله: "قد ضللت إذا وما أنا ~~من المهتدين" إلى سبب الاستنكاف عن اتباع الهوى وهو الضلال والخروج عن ~~جماعة المهتدين وهم الذين اتصفوا بصفة قبول هداية الله سبحانه، وعرفوا ~~بذلك، فاتباع الهوى ينافي استقرار صفة الاهتداء في نفس الإنسان، ويمانع ~~إشراق نور التوحيد على قلبه إشراقا ثابتا ينتفع به. # وقد تلخص بذلك كله بيان تام معلل للنهي أو الانتهاء عن عبادة أصنامهم، ~~وهو أن في عبادتها اتباعا للهوى، وفي اتباع الهوى الضلال والخروج عن صف ~~المهتدين بالهداية الإلهية. # قوله تعالى: "قل إني على بينة من ربي وكذبتم به" إلى ms2487 آخر الآية. # البينة هو الدلالة الواضحة من البيان وهو الوضوح، والأصل في معنى هذه ~~المادة هو انعزال شيء عن شيء وانفصاله عنه بحيث لا يتصلان ولا يختلطان، ~~ومنه البين والبون والبينونة وغير ذلك، قد سميت البينة بينة لأن الحق يبين ~~بها عن الباطل فيتضح ويسهل الوقوف عليه من غير تعب ومئونة. # والمراد بمرجع الضمير في قوله: "وكذبتم به" هو القرآن وظاهر السياق أن ~~يكون التكذيب إنما تعلق بالبينة التي هو (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها ~~على ما هو ظاهر اتصال المعنى، ويؤيده قوله بعده: "ما عندي ما تستعجلون به" ~~إلخ، فإن المحصل من الكلام مع انضمام هذا الذيل: أن الذي أيد الله به ~~رسالتي من البينات وهو القرآن تكذبون به، والذي تقترحونه علي وتستعجلون به ~~من الآيات ليس في اختياري ولا مفوضا أمره إلي فليس بيننا ما نتوافق فيه لما ~~أني أوتيت ما لا تريدون وأنتم تريدون ما لم أوت. # فمن هنا يظهر أن الضمير المجرور في قوله: "وكذبتم به" راجع إلى البينة ~~لكون المراد به القرآن، وأن قوله: "ما عندي ما تستعجلون به" أريد به نفي ~~التسلط على ما يستعجلون به بالتكنية فإن الغالب فيما يقدر الإنسان عليه ~~وخاصة في باب الإعطاء والإنفاق أن يكون ما يعطيه وينفقه حاضرا عنده أو ~~مذخورا لديه وتحت تسلطه ثم ينفق منه ما ينفق فقد أريد بقوله: "ما عندي" نفي ~~التسلط والقدرة من باب نفي الملزوم بنفي اللازم. # وقوله: "إن الحكم إلا لله" إلخ، بيان لسبب النفي، ولذلك جيء فيه بالنفي ~~والاستثناء المفيد للحصر ليدل بوقوع النفي على الجنس على أن ليس لغيره ~~تعالى من سنخ الحكم شيء قط وأنه إلى الله سبحانه فحسب. # كلام في معنى الحكم وأنه لله وحده # مادة الحكم تدل على نوع من الإتقان يتلاءم به أجزاء وينسد به خلله وفرجه ~~فلا يتجزى إلى الأجزاء ولا يتلاشى إلى الأبعاض حتى يضعف أثره وينكسر سورته، ~~وإلى ذلك يرجع المعنى الجامع بين تفاريق مشتقاته كالإحكام والتحكيم والحكمة ~~والحكومة وغير ذلك. ms2488 # وقد تنبه الإنسان على نوع تحقق من هذا المعنى في الوظائف المولوية ~~والحقوق الدائرة بين الناس فإن الموالي والرؤساء إذا أمروا بشيء فكأنما ~~يعقدون التكليف على المأمورين ويقيدونهم به عقدا لا يقبل الحل وتقييدا لا ~~يسعهم معه الانطلاق، وكذلك مالك سلعة كذا أو ذو حق في أمر كذا كان بينه ~~وبين سلعته أو الأمر الذي فيه نوعا من الالتيام والاتصال الذي يمنع أن ~~يتخلل غيره بينه وبين سلعته بالتصرف أو بينه وبين مورد حقه فيقصر عنه يده، ~~فإذا نازع أحد مالك سلعة في ملكها كأن ادعاه لنفسه أو ذا الحق في حقه فأراد ~~إبطال حقه فقد استوهن هذا الإحكام وضعف هذا الإتقان ثم إذا عقد الحكم أو ~~القاضي الذي رفعت إليه القضية الملك أو الحق لأحد المتنازعين فقد أوجد هناك ~~حكما أي إتقانا بعد فتور، وقوة إحكاما بعد ضعف ووهن، وقوله: ملك السلعة ~~لفلان أو الحق في كذا لفلان حكم يرتفع به غائلة النزاع والمشاجرة، ولا ~~يتخلل غير المالك وذي الحق بين الملك والحق وبين ذيهما، وبالجملة الآمر في ~~أمره والقاضي في قضائه كأنهما يوجدان نسبة في مورد الأمر والقضاء يحكمانه ~~بها ويرفعان به وهنا وفتورا، وهو الذي يسمى الحكم. PageV07P060 # فهذه سبيل تنبه الناس لمعنى الحكم في الأمور الوضعية الاعتبارية ثم رأوا أن ~~معناه يقبل الانطباق على الأمور التكوينية الحقيقية إذا نسبت إلى الله ~~سبحانه من حيث قضائه وقدره فكون النواة مثلا تنمو في التراب ثم تنبسط ساقا ~~وأغصانا وتورق وتثمر وكون النطفة تتبدل جسما ذا حياة وحس وهكذا كل ذلك حكم ~~من الله سبحانه وقضاء، فهذا ما نعلقه من معنى الحكم وهو إثبات شيء لشيء أو ~~إثبات شيء عند شيء. # ونظرية التوحيد التي يبني عليها القرآن الشريف بنيان معارفه لما كانت ~~تثبت حقيقة التأثير في الوجود لله سبحانه وحده لا شريك له، وإن كان ~~الانتساب مختلفا باختلاف الأشياء غير جار على وتيرة واحدة كما ترى أنه ~~تعالى ينسب الخلق إلى نفسه ثم ينسبه في موارد مختلفة إلى أشياء مختلفة ms2489 بنسب ~~مختلفة، وكذلك العلم والقدرة والحياة والمشية والرزق والحسن إلى غير ذلك، ~~وبالجملة لما كان التأثير له تعالى كان الحكم الذي هو نوع من التأثير ~~والجعل له تعالى سواء في ذلك الحكم في الحقائق التكوينية أو في الشرائع ~~الوضعية الاعتبارية، وقد أيد كلامه تعالى هذا المعنى كقوله: "إن الحكم إلا ~~لله": الأنعام: 57 يوسف: 67 وقوله تعالى: "ألا له الحكم": الأنعام: 62 ~~وقوله: "له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم": القصص: 70 وقوله تعالى: ~~"والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 ولو كان لغيره تعالى حكم لكان له أن ~~يعقب حكمه ويعارض مشيته، وقوله: "فالحكم لله العلي الكبير": المؤمن: 12 إلى ~~غير ذلك، فهذه آيات خاصة أو عامة تدل على اختصاص الحكم التكويني به تعالى. # ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله: "إن الحكم إلا لله ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم:" يوسف: 40 فالحكم لله سبحانه لا ~~يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه ما مر من الآيات غير أنه تعالى ربما ~~ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره كقوله تعالى: "يحكم به ~~ذوا عدل منكم": المائدة: 95 وقوله لداود (عليه السلام): "إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق": ص: 26 وقوله للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "أن احكم بينهم بما أنزل الله": المائدة: 49 وقوله: "فاحكم بينهم ~~بما أنزل الله": المائدة: 48 وقوله: "يحكم بها النبيون": المائدة: 44 إلى ~~غير ذلك من الآيات وضمها إلى القبيل الأول يفيد أن الحكم الحق لله سبحانه ~~بالأصالة وأولا لا يستقل به أحد غيره، ويوجد لغيره بإذنه وثانيا، ولذلك عد ~~تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم لما أنه لازم الأصالة والاستقلال والأولية ~~فقال: "أليس الله بأحكم الحاكمين": التين: 8 وقال "وهو خير الحاكمين": ~~الأعراف: 87. # والآيات المشتملة على نسبة الحكم إلى غيره تعالى بإذن ونحوه - كما ترى - ~~تختص بالحكم الوضعي الاعتباري، وأما الحكم التكويني فلا يوجد فيها - على ما ~~أذكر - ما يدل على نسبته ms2490 إلى غيره وإن كانت معاني عامة الصفات والأفعال ~~المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره نوعا من الانتساب بإذنه ~~ونحوه كالعلم والقدرة والحياة والخلق والرزق والإحياء والمشية وغير ذلك في ~~آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها. # ولعل ذلك مراعاة لحرمة جانبه تعالى لإشعار الصفة بنوع من الاستقلال الذي ~~لا مسوغ لنسبته إلى هذه الأسباب المتوسطة كما أن القضاء والأمر التكوينيين ~~كذلك، ونظيرتها في ذلك ألفاظ البديع والبارىء والفاطر وألفاظ أخر يجري ~~مجراها في الإشعار بمعاني تنبىء عن نوع من الاختصاص، وإنما كف عن استعمالها ~~في غير مورده تعالى رعاية لحرمة ساحة الربوبية. # ولنرجع إلى ما كنا فيه من تفسير الآية فقوله تعالى: "إن الحكم إلا لله" ~~أريد بالحكم فيه القضاء التكويني، والجملة تعليل للنفي في قوله: "ما عندي ~~ما تستعجلون به" والمعنى - على ما يعطيه السياق - أن الحكم لله وحده وليس ~~إلي أن أقضي بيني وبينكم، وهو الذي تستعجلون به باستعجالكم بما تقترحون علي ~~من الآية. PageV07P061 # وعلى هذا فقوله: "ما عندي ما تستعجلون به" مستعمل استعمال الكناية كأنهم ~~باقتراحهم إتيان آية أخرى غير القرآن كانوا يقترحون عليه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يقضي بينه وبينهم ولعل هذا هو السر في تكرار لفظ الموصول ~~والصلة في الآية التالية حيث يقول تعالى: "قل لو أن عندي ما تستعجلون به" ~~وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقال: لو أن عندي ذلك، وذلك أنه أريد بقوله: "ما ~~تستعجلون به" في الآية الأولى لازم الآية وهو القضاء بينه وبينهم على ما ~~جرت به السنة الإلهية، وفي الآية الثانية نفس الآية، ومن المحتمل أيضا أن ~~يكون أمر الكناية بالعكس من ذلك فيكون المراد بما تستعجلون به هو القضاء ~~بالصراحة في الآية الأولى، والآية بالتكنية في الآية الثانية. # وقوله: "يقص الحق وهو خير الفاصلين" قرأ عاصم ونافع وابن كثير من السبعة ~~بالقاف والصاد المهملة من القص وهو قطع شيء وفصله من شيء ومنه قوله تعالى: ~~"وقالت لأخته قصيه": القصص: 11، وقرأ الباقون بالقاف والضاد المعجمة من ms2491 ~~القضاء، وقد حذف الياء من الرسم على حد قوله تعالى: "فما تغن النذر": ~~القمر: 5 ولكن من القراءتين وجه، ومآلهما من حيث المعنى واحد فإن قص الحق ~~وفصله من الباطل لازم القضاء والحكم بالحق وإن كان قوله: "وهو خير ~~الفاصلين" أنسب مع القص بمعنى الفصل. # وأما أخذ قوله "يقص الحق" من القص بمعنى الإخبار عن الشيء أو بمعنى تتبع ~~الأثر على ما احتمله بعض المفسرين فمما لا يلائم المورد: أما الأول فلأن ~~الله سبحانه وإن قص في كلامه كثيرا قصص الأنبياء وأممهم غير أن المقام خال ~~عن ذلك فلا موجب لذكر هذا النعت له وتوصيفه تعالى به. # وأما الثاني فلأن محصل معناه أن سنته تعالى أن يتبع الحق ويقتفى أثره في ~~تدبير مملكته وتنظيم أمور خليقته، والله سبحانه وإن كان لا يحكم إلا الحق ~~ولا يقضي إلا الحق إلا أن أدب القرآن الحكيم يأبى عن نسبة الاتباع ~~والاقتفاء إليه تعالى، وقد قال تعالى فيما قال: "الحق من ربك": آل عمران: ~~60 ولم يقل: الحق مع ربك، لما في التعبير بالمعية من شائبة الاعتضاد ~~والتأيد والإيهام إلى الضعف. # كلام في معنى حقيقة فعله وحكمه تعالى # فعله وحكمه تعالى نفس الحق لا مطابق للحق موافق له، بيان ذلك أن الشيء ~~إنما يكون حقا إذا كان ثابتا في الخارج واقعا في الأعيان من غير أن يختلقه ~~وهم أو يصنعه ذهن كالإنسان الذي هو أحد الموجودات الخارجية والأرض التي ~~يعيش عليها والنبات والحيوانات التي يغتذي بها، والخبر إنما يكون حقا إذا ~~طابق الواقع الثابت في نفسه مستقلا عن إدراكنا والحكم والقضاء إنما يكون ~~حقا إذا وافق السنة الجارية في الكون فإذا أمر الآمر بشيء أو قضى القاضي ~~بشيء فإنما يكون حكم هذا وقضاء ذاك حقا مطلقا إذا وافق المصلحة المطلقة ~~المأخوذة من السنة الجارية في الكون، ويكون حقا نسبيا إذا وافق المصلحة ~~النسبية المأخوذة من سنة الكون بالنسبة إلى بعض أجزائه من غير نظر إلى ~~النظام العام العالمي. # فإذا أمرنا آمر بالتزام العدل أو ms2492 اجتناب الظلم فإنما يعد ذلك حقا لأن ~~نظام الكون يهدي الأشياء إلى سعادتها وخيرها، وقد قضى على الإنسان أن يعيش ~~اجتماعيا، وقضى على كل مجتمع مركب من أجزاء أن يتلاءم أجزاؤه ولا يزاحم ~~بعضها بعضا، ولا يفسد طرف منه طرفا، حتى ينال ما قسم له من سعادة الوجود، ~~ويتوزع ذلك بين أجزائه المجتمعين، فمصلحة هذا النوع المطلقة هي سعادته في ~~الحياة، ويطابقها الأمر بالعدل والنهي عن الظلم فكل منهما حكم حق، ولا ~~يطابقها الأمر بالظلم والنهي عن العدل فهما من الباطل، والتوحيد حق لأنه ~~يهدي إلى سعادة الإنسان في حياته الحقيقية، والشرك باطل لأنه يجر الإنسان ~~إلى شقاء مهلك وعذاب خالد. # وكذلك القضاء بين متخاصمين إنما يكون حقا إذا وافق الحكم المشروع المراعى ~~فيه المصلحة الإنسانية المطلقة أو مصلحة قوم خاص أو أمة خاصة، والمصلحة ~~الحقيقية - كما عرفت - مأخوذة من السنة الجارية في الكون مطلقا أو نسبيا. PageV07P062 # فقد تبين أن الحق أيا ما كان إنما هو مأخوذ من الكون الخارجي والنظام ~~المنبسط عليه والسنة الجارية فيه، ولا ريب أن الكون والوجود مع ما له من ~~النظام والسنن والنواميس فعله سبحانه منه يبتدىء وبه يقوم، وإليه ينتهي، ~~فالحق أيا ما كان والمصلحة كيفما فرضت يتبعان فعله ويقتفيان أثره، ويثبتان ~~بالاستناد إليه لا أنه تعالى يتبع الحق في فعله ويقفو أثره فهو تعالى حق ~~بذاته وكل ما سواه حق به. # ونحن معاشر الآدميين لما كنا نطلب بأفعالنا الاختيارية تتميم نواقص ~~وجودنا ورفع حوائج حياتنا، وكانت أفعالنا ربما طابقت سعادتنا المطلوبة لنا ~~وربما خالفت اضطررنا في ذلك إلى رعاية جانب المصلحة التي نذعن بأنها مصلحة ~~أي فيها صلاح حالنا وسعادة جدنا وأدى ذلك إلى الإذعان بقوانين جارية وأحكام ~~عامة، واعتبار شرائع وسنن اجتماعية لازمة المراعاة واجبة الاتباع لموافاتها ~~المصلحة الإنسانية وموافقتها السعادة المطلوبة. # وأدى ذلك إلى الإذعان بأن للمصالح والمفاسد ثبوتا واقعيا وظروفا من ~~التحقق منحازا عن العالمين: - الذهن والخارج - منعزلا عن الدارين: - العلم ~~والعين - وهي تؤثر أثرها في خارج الكون بالموافقة والمخالفة ms2493 فإذا طابقت ~~أفعالنا أو أحكامنا المصالح الواقعية الثابتة في نفس الأمر ظهرت فيها ~~المصلحة وانتهت إلى السعادة، وإذا خالفتها وطابقت المفاسد الواقعية ~~الحقيقية ساقتنا إلى كل ضر وشر، وهذا النحو من الثبوت ثبوت واقعي غير قابل ~~للزوال والتغير فللمصالح والمفاسد الواقعية وكذا لما معها من الصفات ~~الداعية إلى الفعل والترك كالحسن والقبح وكذا للأحكام المنبعثة منها كوجوب ~~الفعل والترك مثلا لكل ذلك ثبوت واقعي يتأبى عن الفناء والبطلان، ويمتنع عن ~~التغير والتبدل وهي حاكمة فينا باعثة لنا إلى أفعال كذا أو صارفة، والعقل ~~ينال هذه الأمور النفس الأمرية كما ينال سائر الأمور الكونية. # ثم لما وجدوا أن الأحكام والشرائع الإلهية لا تفارق الأحكام والقوانين ~~الإنسانية المجعولة في المجتمعات من جهة معنى الحكم، وكذا أفعاله تعالى لا ~~تختلف مع أفعالنا من جهة معنى الفعل حكموا بأن الأحكام الإلهية والأفعال ~~المنسوبة إلى الله سبحانه كأفعالنا في الانطباق على المصالح الواقعية ~~والاتصاف بصفة الحسن، فللمصالح الواقعية تأثير في أفعاله تعالى وحكومة على ~~أحكامه وخاصة من حيث إنه تعالى عالم بحقائق الأمور بصير بمصالح عباده. # وهذا كله من إفراط الرأي، وقد عرفت مما تقدم أن هذه أحكام وعلوم اعتبارية ~~غير حقيقية اضطرنا إلى اعتبارها وجعلها الحوائج الطبيعية وضرورة الحياة ~~الاجتماعية لا خبر عنها في الخارج عن ظرف الاجتماع، ولا قيمة لها إلا أنها ~~أمور متقررة في ظرف الوضع والاعتبار يميز بها الإنسان ما ينفعه من الأعمال ~~مما يضره، وما يصلح شأنه مما يفسده، وما يسعده مما يشقيه. # وقد ساقت العصبية المذهبية الطائفتين الباحثتين عن المعارف الدينية في ~~صدر الإسلام إلى تقابل عجيب بالإفراط والتفريط في هذا المقام فطائفة - وهم ~~المفوضة - أثبتوا مصالح ومفاسد نفس أمرية وحسنا وقبحا واقعيين هي ثابتة ~~ثبوتا أزليا أبديا غير متغير ولا متبدل وهي حاكمة على الله سبحانه بالإيجاب ~~والتحريم، مؤثرة في أفعاله تكوينا وتشريعا بالحظر والترخيص فأخرجوه تعالى ~~عن سلطانه، وأبطلوا إطلاق ملكه. # وطائفة - وهم المجبرة - نفت ذلك كله، وأصرت على أن الحسن في الشيء إنما ~~هو تعلق الأمر ms2494 به، والقبح تعلق النهي به، ولا غرض ولا غاية في تكوين ولا ~~تشريع، وأن الإنسان لا يملك من فعله شيئا ولا قدرة قبل الفعل عليه كما أن ~~الطائفة الأولى ذهبت إلى أن الفعل مخلوق للإنسان وأن الله سبحانه لا يملك ~~من فعل الإنسان شيئا ولا تتعلق به قدرته. PageV07P063 # والقولان - كما ترى - إفراط وتفريط فلا هذا ولا ذاك بل حقيقة الأمر أن هذه ~~ونظائرها أمور اعتبارية وضعية لها أصل حقيقي وهو أن الإنسان - ونظيره سائر ~~الحيوانات الاجتماعية كل على قدره - في مسيره الحيوي الذي لا يريد به إلا ~~إبقاء الحياة ونيل السعادة ناقص محتاج يرفع جهات نقصه وحاجته بأعماله ~~الاجتماعية الصادرة عن الشعور والإرادة فاضطره ذلك إلى أن يصف أعماله ~~والأمور التي تتعلق بها أعماله في طريق الوصول إلى غاية سعادته والتجنب عن ~~شقائه بأوصاف الأمور الخارجية من حسن وقبح ووجوب وحرمة وجواز وملك وحق وغير ~~ذلك ويجري فيها نواميس الأسباب والمسببات فيضع في إثر ذلك قوانين عامة ~~وخاصة، ويعتقد لذلك نوعا من الثبوت الذي يعتقده للأمور الحقيقية حتى يتم له ~~بذلك أمر حياته الاجتماعية. # فترانا نعتقد أن العدل حسن كما أن الورد حسن جميل، والظلم قبيح شاءه كما ~~أن الميتة المنتنة كذلك، وأن المال لنا كما أن أعضاءنا لنا، والعمل الكذائي ~~واجب كما أن الآثار واجبة لعللها التامة، وعلى هذا القياس، ولذلك ترى أن ~~هذه الآراء تختلف بين الأقوام إذا اختلفت مقاصد مجتمعاتهم فترى هؤلاء ~~يحسنون ما يقبحه آخرون وتجد طائفة تلغي من الأحكام ما تعتبره أخرى، وتلفى ~~أمة تنكر ما تعرفه أمة أو تعجبها ما يستشنعه غيرها، وربما تترك سنة مأخوذة ~~ثم تؤخذ ثم تترك في أمة واحدة على نسق الدوران بحسب مراحل السير الاجتماعي ~~ومساسه بلوازم الحياة، هذا في المقاصد التي تختلف في المجتمعات، وأما ~~المقاصد العامة التي لا يختلف فيه اثنان كأصل الاجتماع والعدل والظلم ونحو ~~ذلك فما لها من وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة وغيرها لا تختلف البتة ~~ولا يختلف فيه، هذا فيما يرجع إلينا. # والله ms2495 سبحانه لما قلب دينه في قالب السنن العامة الاجتماعية اعتبر في ~~بيانه المعارف الحقيقية المسبوكة في قالب السنن الاجتماعية ما نعتبره نحن ~~في مسير حياتنا فأراد منا أن نفكر فيما يرجع إلى معارفه، ونتلقى ما يلقيه ~~إلينا من الحقائق كما نفكر ونتلقى ما عندنا من سنن الحياة فعد نفسه ربا ~~معبودا، وعدنا عبادا مربوبين، وذكرنا أن له دينا مؤلفا من عقائد أصلية ~~وقوانين عملية تستعقب ثوابا وعقابا وأن في اتباعه صلاح حالنا، وحسن ~~عاقبتنا، وسعادة جدنا على نحو المسلك الذي نسلكه في آرائنا الاجتماعية. # فهناك عقائد أصلية يجب علينا أن نعتقد بها ونلزمها، وهناك وظائف عملية ~~وقوانين إلهية في العبادات والمعاملات والسياسات يجب علينا أن نعمل بها ~~ونراعيها كما أن الأمر في جميع المجتمعات الإنسانية على ذلك. # وهذا هو الذي يسوغ لنا أن نبحث عن المعارف الدينية اعتقادية أو عملية كما ~~نبحث عن المعارف الاجتماعية اعتقادية أو عملية، وأن نستند في المعارف ~~الدينية من الآراء العقلية والقضايا العملية بعين ما نستند إليه في المعارف ~~الاجتماعية فالله سبحانه لا يختار لعباده من الوظائف والتكاليف إلا ما فيه ~~المصلحة التي تصلح شأنهم في دنياهم وآخرتهم، ولا يأمر إلا بالحسن الجميل، ~~ولا ينهى إلا عن القبيح الشائه الذي فيه فساد دين أو دنيا، ولا يفعل إلا ما ~~يؤثره العقل، ولا يترك إلا ما ينبغي أن يترك. # إلا أنه تعالى ذكرنا مع ذلك بأمرين: أحدهما: أن الأمر في نفسه أعظم من ~~ذلك وأعظم فإن ذلك كله معارف مأخوذة من مواد الآراء الاجتماعية وهي في ~~الحقيقة لا تتعدى طور الاجتماع، ولا ترقى إلى عالم السماء كما قال: "إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": ~~الزخرف: 4 وقال في مثل ضربه: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل:" الآية الرعد: 17 وقال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إنا معاشر الأنبياء ms2496 أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، ~~إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة. PageV07P064 # وليس معنى هذا البحث نفي الحسن والمصلحة مثلا عن أفعاله تعالى بمعنى إثبات ~~ما يقابله حتى يستتبع ذلك إثبات القبح والمفسدة أو سقوط أفعاله عن الاعتبار ~~العقلائي كأفعال الصبيان تعالى عن ذلك كما أن نفي البصر بمعنى الجارحة عن ~~العقل لا يوجب إثبات العمى له أو سقوطه عن مرتبة الإدراك بل تنزيه عن النقص. # وثانيهما: أن جهات الحسن ومزايا المصالح وإن كانت تعلل بها أفعاله تعالى ~~وشرائع أحكامه وتبين بها وظائف العبودية كما تعلل بها ما عندنا من الأحكام ~~والأعمال العقلائية إلا أن بين البابين فرقا وهو أنها في جانبنا حاكمة على ~~الإرادة مؤثرة في الاختيار فنحن بما أنا عقلاء إذا وجدنا فعلا ذا صفة حسن ~~مقارنا لمصلحة غير مزاحمة بعثنا ذلك إلى اقتراف العمل وإذا وجدنا حكما على ~~هذا النعت لم نتردد في تقنينه وحكمنا به وأجريناه في مجتمعنا مثلا. # وليست هذه الوجوه والعلل أعني جهات الحسن والمصلحة إلا معاني أخذناها من ~~سنة التكوين والوجود الخارجي الذي هو منفصل من أذهاننا مستقل دوننا فأردنا ~~في اختيار الأعمال الحسنة ذوات المصلحة أن لا نخبط في مسيرنا وتنطبق ~~أعمالنا على سنة التكوين وتقع في صراط الحقيقة، فهذه الجهات والمصالح معان ~~منتزعة من خارج الأعيان متفرعة عليه، وأعمالنا متفرعة على هذه الجهات ~~محكومة لها متأثرة عنها، والكلام في أحكامنا المجعولة لنا نظير الكلام في ~~أعمالنا. # وأما فعله تعالى فهو نفس الكون الخارجي والوجود العيني الذي كنا ننتزع ~~منه وجوه الحسن والمصلحة وكانت تتفرع عليه بما أنها انتزعت منه فكيف يمكن ~~أن يعد فعله تعالى متفرعا عليها محكوما لها متأثرا عنها، وكذلك أحكامه ~~تعالى المشرعة تستتبع الواقع لا أنها تتبع الواقع فافهم ذلك. # فقد تبين: أن جهات الحسن والمصلحة وما يناظرها في عين أنها موجودة في ~~أفعاله تعالى وأحكامه، وفي أفعالنا وأحكامنا بما نحن عقلاء تختلف في أنها ~~بالنسبة إلى أعمالنا وأحكامنا حاكمة مؤثرة، وإن شئت قلت دواع ms2497 وعلل غائية، ~~وبالنسبة إلى أفعاله وأحكامه تعالى لازمة غير منفكة وإن شئت قلت: فوائد ~~مطردة، فنحن بما أنا عقلاء نفعل ما نفعل ونحكم ما نحكم لأنا نريد به تحصيل ~~الخير والسعادة وتملك ما لا نملكه بعد، وهو تعالى يفعل ما يفعل ويحكم ما ~~يحكم لأنه الله، ويترتب على فعله ما يترتب على فعلنا من الحسن والمصلحة، ~~وأفعالنا مسئول عنها معللة بغاياتها ومصالحها، وأفعاله غير مسئول عنها ولا ~~معللة بغاية لا يملكها بل مكشوفة بلوازمها ونعوتها اللازمة ولا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون فافهم ذلك. # وهذا هو الذي يهدي إليه كلامه عز اسمه كقوله تعالى: "لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون": الأنبياء: 23 وقوله: "له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم": ~~القصص: 70 وقوله: "ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27 وقوله: "والله يحكم لا ~~معقب لحكمه": الرعد: 41. # ولو كان فعله تعالى كأفعالنا العقلائية لكان لحكمه معقب إلا أن يعتضد ~~بمصلحة محسنة ولم يكن له ليفعل ما يشاء بل ما تشير إليه المصلحة المقارنة، ~~وقوله: "قل إن الله لا يأمر بالفحشاء": الأعراف: 28 وقوله: "يا أيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24 وغير ذلك ~~من الآيات التي تعلل الأحكام بوجوه الحسن والمصلحة. # قوله تعالى: "قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم" إلى ~~آخر الآية، أي لو قدرت على ما تقترحونه علي من الآية والحال أنها بحيث إذا ~~نزلت على رسول لم تنفك عن الحكم الفصل بينه وبين أمته لقضي الأمر بيني ~~وبينكم، ونجي بذلك أحد المتخاصمين المختلفين وعذب الآخر وأهلك، ولم يعذب ~~بذلك ولا يهلك إلا أنتم لأنكم ظالمون، والعذاب الإلهي إنما يأخذ الظالمين ~~بظلمهم، وهو سبحانه أنزه ساحة من أن يشتبه عليه الأمر ولا يميز الظالمين من ~~غيرهم فيعذبني دونكم. # ففي قوله تعالى: "والله أعلم بالظالمين" نوع تكنية وتعليل أي إنكم أنتم ~~المعذبون لأنكم ظالمون والعذاب الإلهي لا يعدو الظالمين إلى غيرهم، وفي ~~الجملة إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى: "قل ms2498 أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله ~~بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون:" آية: 47. # قوله تعالى: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" إلى آخر الآية. PageV07P065 # ذكروا في وجه اتصال الآية بما قبلها أن الآية السابقة لما ختمت بقوله: ~~"والله أعلم بالظالمين" زاد الله سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو ~~مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو، ويعلم كل دقيق وجليل. # وهذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذي يدل عليه قوله: "لا يعلمها إلا ~~هو" فالأولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الآيتين السابقتين أعني ~~قوله: "قل إني على بينة من ربي - إلى قوله - والله أعلم بالظالمين" حيث يدل ~~المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الآية وما يستتبعه من الحكم الفصل ~~والقضاء بينه وبينهم إنما هو عند الله لا سبيل إليه لغيره فهو العالم بذلك ~~الحاكم به، ولا يغلط في حكمه الفصل وتعذيب الظالمين لأنه أعلم بهم فهو عالم ~~بالغيب لا يشاركه فيه غيره، وعالم بكل ما جل ودق لا يضل ولا ينسى، ثم زاد ~~ذلك بيانا بقوله: "وعنده مفاتح الغيب" الآية فبين به اختصاصه تعالى بعلم ~~الغيب وشمول علمه كل شيء، ثم تمم البيان بالآيات الثلاث التي تتلوها. # وبذلك تصير الآيات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله ~~تعالى في قصة هود وقومه: "قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين. قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به:" ~~الأحقاف: 23. # ثم نقول: المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزينة، وربما احتمل أن يكون ~~جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده ما قرىء شاذا: "وعنده مفاتيح ~~الغيب" ومآل المعنيين واحد فإن من عنده مفاتيح الخزائن هو عالم بما فيها ~~قادر على التصرف فيها كيف شاء عادة كمن عنده نفس الخزائن إلا أن سائر كلامه ~~تعالى فيما يشابه هذا المورد يؤيد المعنى الأول فإنه تعالى كرر في كلامه ~~ذكر خزائنه وخزائن رحمته - وذلك في سبعة مواضع ms2499 - ولم يذكر لها مفاتيح في ~~شيء من كلامه قال تعالى: "أم عندهم خزائن ربك": الطور: 37 وقال: "لا أقول ~~لكم عندي خزائن الله": الأنعام: 50 وقال: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه": ~~الحجر: 21 وقال: "ولله خزائن السماوات والأرض" : المنافقون: 7 وقال: "أم ~~عندهم خزائن رحمة ربك": ص: 9 فالأقرب أن يكون المراد بمفاتح الغيب خزائنه. # وكيف كان فقوله: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" مسوق لبيان انحصار ~~العلم بالغيب فيه تعالى إما لأن خزائن الغيب لا يعلمها إلا الله، وإما لأن ~~مفاتيح الغيب لا يعلمها غيره تعالى فلا سبيل لغيره إلى تلك الخزائن إذ لا ~~علم له بمفاتيحها التي يتوصل بها إلى فتحها والتصرف فيها. # وصدر الآية وإن أنبأ عن انحصار علم الغيب فيه تعالى لكن ذيلها لا يختص ~~بعلم الغيب بل ينبىء عن شمول علمه تعالى بكل شيء أعم من أن يكون غيبا أو ~~شهادة فإن كل رطب ويابس لا يختص بما يكون غيبا وهو ظاهر فالآية بمجموعها ~~يبين شمول علمه تعالى لكل غيب وشهادة، غير أن صدرها يختص ببيان علمه ~~بالغيوب، وذيلها ينبىء عن علمه بكل شيء أعم من الغيب والشهادة. # ومن جهة أخرى صدر الآية يتعرض للغيوب التي هي واقعة في خزائن الغيب تحت ~~أستار الخفاء وأقفال الإبهام، وقد ذكر الله سبحانه في قوله: "وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:" الحجر: 21 أن التي في خزائن ~~الغيب عنده من الأشياء أمور لا يحيط بها الحدود المشهودة في الأشياء، ولا ~~يحصرها الأقدار المعهودة، ولا شك أنها إنما صارت غيوبا مخزونة لما فيها من ~~صفة الخروج عن حكم الحد والقدر فإنا لا نحيط علما إلا بما هو محدود ومقدر، ~~وأما التي في خزائن الغيب من الأشياء فهي قبل النزول في منزل الشهود ~~والهبوط إلى مهبط الحد والقدر، وبالجملة قبل أن يوجد بوجوده المقدر له غير ~~محدودة مقدرة مع كونها ثابتة نوعا من الثبوت عنده تعالى على ما تنطق به الآية. PageV07P066 # فالأمور الواقعة ms2500 في هذا الكون المشهود المسجونة في سجن الزمان هي قبل ~~وقوعها وحدوثها موجودة عند الله ثابتة في خزائنه نوعا من الثبوت مبهما غير ~~مقدر وإن لم نستطع أن نحيط بكيفية ثبوتها فمن الواقع في مفاتح الغيب ~~وخزائنه الأشياء قبل حدوثها واستقرارها في منزلها المقدر لها من منازل ~~الزمان، ولعل هناك أشياء أخر مذخورة مخزونة لا تسانخ ما عندنا من الأمور ~~الزمانية المشهودة المعهودة، ولنسم هذا النوع من الغيب غير الخارج إلى عرصة ~~الشهود بالغيب المطلق. # وأما الأشياء بعد تلبسها بلباس التحقق والوجود ونزولها في منزلها بالحد ~~والقدر فالذي في داخل حدودها وأقدارها يرجع بالحقيقة إلى ما في خزائن الغيب ~~ويرجع إلى الغيب المطلق، وأما هي مع ما لها من الحد والقدر فهي التي من ~~شأنها أن يقع عليها شهودنا ويتعلق بها علمنا فعند ما نعلم بها تصير من ~~الشهادة وعند ما نجهل بها تصير غيبا، ومن الحري أن نسميها عند ما تصير ~~مجهولة لنا غيبا نسبيا لأن هذا الوصف الذي يطرؤها عندئذ وصف نسبي يختلف ~~بالنسب والإضافات كما أن ما في الدار مثلا من الشهادة بالنسبة إلى من فيها، ~~ومن قبيل الغيب بالنسبة إلى من هو في خارجها، وكذا الأضواء والألوان ~~المحسوسة بحاسة البصر من الشهادة بالنسبة إلى البصر، ومن الغيب بالنسبة إلى ~~حاسة السمع، والمسموعات التي ينالها السمع شهادة بالنسبة إليه وغيب بالنسبة ~~إلى البصر، ومحسوساتهما جميعا من الشهادة بالنسبة إلى الإنسان الذي يملكهما ~~في بدنه ومن الغيب بالنسبة إلى غيره من الأناسي. # والتي عدها تعالى في الآية بقوله: "ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس" من هذا الغيب ~~النسبي فإنها جميعا أمور محدودة مقدرة لا تأبى بحسب طبعها أن يتعلق بها ~~علمنا ولا أن يكون مشهودة لنا فهي من الغيب النسبي. # وقد دلت الآية على أن هذه الأمور في كتاب مبين فما هو الذي منها في كتاب ~~مبين؟ أهو هذه الأشياء من جهة شهادتها وغيبها ms2501 جميعا أم هي من جهة غيبها ~~فقط؟ وبعبارة أخرى: الكتاب المبين أهو هذا الكون المشتمل على أعيان هذه ~~الأشياء لا يغيب عنه شيء منها وإن غاب بعضها عن بعض أم هو أمر وراء هذا ~~الكون مكتوبة فيه هذه الأشياء نوعا من الكتابة مخزونة فيه نوعا من الخزن ~~غائبة من شهادة الشهداء من أهل العالم فيكون ما في الكتاب من الغيب المطلق. # وبلفظ آخر الأشياء الواقعة في الكون المعدودة بنحو العموم في الآية أهي ~~واقعة بنفسها في الكتاب المبين كما تقع الخطوط بأنفسها في الكتب التي عندنا ~~أم هي واقعة بمعانيها فيه كما تقع المطالب الخارجية بمعانيها بنوع من ~~الوقوع في ما نكتبه من الصحائف والرسائل ثم تطابق الخارج مطابقة العلم ~~العين؟. # لكن قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها": الحديد: 22 يدل على أن نسبة هذا الكتاب إلى الحوادث ~~الخارجية نسبة الكتاب الذي يكتب فيه برنامج العمل إلى العمل الخارجي، ويقرب ~~منه قوله تعالى: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين": يونس: 61 وقوله: "لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين": سبأ: 3 وقوله: "قال فما بال القرون الأولى، قال علمها عند ربي في ~~كتاب لا يضل ربي ولا ينسى": طه: 52 إلى غير ذلك من الآيات. # فالكتاب المبين أيا ما كان هو شيء غير هذه الخارجيات من الأشياء بنحو من ~~المغايرة، وهو يتقدمها ثم يبقى بعد فنائها وانقضائها كالبرنامجات المكتوبة ~~للأعمال التي تشتمل على مشخصات الأعمال قبل وقوعها ثم تحفظ المشخصات ~~المذكورة بعد الوقوع. PageV07P067 # على أن هذه الموجودات والحوادث التي في عالمنا متغيرة متبدلة تحت قوانين ~~الحركة العامة والآيات تدل على عدم جواز التغير والفساد فيما يشتمل عليه ~~هذا الكتاب كقوله تعالى: "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": ms2502 ~~الرعد: 39 وقوله: "في لوح محفوظ": البروج: 22 وقوله: "وعندنا كتاب حفيظ": ~~ق: 4 فالآيات - كما ترى - تدل على أن هذا الكتاب في عين أنه يشتمل على جميع ~~مشخصات الحوادث وخصوصيات الأشخاص المتغيرة المتبدلة لا يتبدل هو في نفسه ~~ولا يتسرب إليه أي تغير وفساد. # ومن هنا يظهر أن هذا الكتاب بوجه غير مفاتح الغيب وخزائن الأشياء التي ~~عند الله سبحانه فإن الله تعالى وصف هذه المفاتح والخزائن بأنها غير مقدرة ~~ولا محدودة، وأن القدر إنما يلحق الأشياء عند نزولها من خزائن الغيب إلى ~~هذا العالم الذي هو مستوى الشهادة، ووصف هذا الكتاب بأنه يشتمل على دقائق ~~حدود الأشياء وحدود الحوادث، فيكون الكتاب المبين من هذه الجهة غير خزائن ~~الغيب التي عند الله سبحانه، وإنما هو شيء مصنوع لله سبحانه يضبط سائر ~~الأشياء ويحفظها بعد نزولها من الخزائن وقبل بلوغها منزل التحقق وبعد ~~التحقق والانقضاء. # ويشهد بذلك أن الله سبحانه إنما ذكر هذا الكتاب في كلامه لبيان إحاطة ~~علمه بأعيان الأشياء والحوادث الجارية في العالم سواء كانت غائبة عنا أو ~~مشهودة لنا، وأما الغيب المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إلى الاطلاع عليه ~~فإنما وصفه بأنه في خزائنه والمفاتح التي عنده لا يعلمها إلا هو بل ربما ~~أشعرت أو دلت بعض الآيات على جواز اطلاع غيره على الكتاب دون الخزائن كقوله ~~تعالى: "في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة: 79. # فما من شيء مما خلقه الله سبحانه إلا وله في خزائن الغيب أصل يستمد منه، ~~وما من شيء مما خلقه الله إلا والكتاب المبين يحصيه قبل وجوده وعنده وبعده ~~غير أن الكتاب أنزل درجة من الخزائن، ومن هنا يتبين للمتدبر الفطن أن ~~الكتاب المبين - في عين أنه كتاب محض - ليس من قبيل الألواح والأوراق ~~الجسمانية فإن الصحيفة الجسمانية أيا ما فرضت وكيفما قدرت لا تحتمل أن يكتب ~~فيها تاريخ نفسه فيما لا يزال فضلا عن غيره فضلا عن كل شيء في مدى الأبد. # فقد بان بما مر من البحث أولا: ms2503 أن المراد بمفاتح الغيب الخزائن الإلهية ~~التي تشتمل على الأشياء قبل تفريغها في قالب الأقدار، وهي تشتمل على غيب كل ~~شيء على حد ما يدل عليه قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21. # وثانيا: أن المراد بالكتاب المبين أمر نسبته إلى الأشياء جميعا نسبة ~~الكتاب المشتمل على برنامج العمل إلى نفس العمل ففيه نوع تعيين وتقدير ~~للأشياء إلا أنه موجود قبل الأشياء ومعها وبعدها، وهو المشتمل على علمه ~~تعالى بالأشياء علما لا سبيل للضلال والنسيان إليه، ولذلك ربما يحدس أن ~~المراد به مرتبة واقعية الأشياء وتحققها الخارجي الذي لا سبيل للتغير إليه ~~فإن شيئا ما لا يمتنع من عروض التغير عليه إلا بعد الوقوع، وهو الذي يقال: ~~إن الشيء لا يتغير عما وقع عليه. # وبالجملة هذا الكتاب يحصي جميع ما وقع في عالم الصنع والإيجاد مما كان ~~وما يكون وما هو كائن من غير أن يشذ عنه شاذ إلا أنه مع ذلك إنما يشتمل على ~~الأشياء من حيث تقدرها وتحددها، ووراء ذلك ألواح وكتب تقبل التغيير ~~والتبديل، وتحتمل المحو والإثبات كما يدل عليه قوله تعالى: "يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" فإن المحو والإثبات - وخاصة إذا قوبلا بأم ~~الكتاب - إنما يكونان في الكتاب. PageV07P068 # وعند ذلك يتضح اتصال الآية أعني قوله: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا ~~هو" إلى آخر الآية بما قبلها من الآيات فإن محصل الآيتين السابقتين أن الذي ~~تقترحونه علي من الآيات القاضية بيني وبينكم ليس في مقدرتي، ولا الحكم الحق ~~راجع إلي بل هو عند ربي في علمه وقدرته ولو كان ذلك إلي لقضي بيني وبينكم ~~وأخذكم العذاب الذي لا يأخذ إلا الظالمين لأن الله يعلم أنكم أنتم الظالمون ~~وهو العالم الذي لا يجهل شيئا أما أنه لا سبيل إلى الوقوف والتسلط على ما ~~يريده ويقضيه من آية قاضية فلأن مفاتح الغيب عنده لا يعلمها إلا هو، وأما ~~أنه أعلم بالظالمين ولا يخطئهم إلى غيرهم فلأنه يعلم ما ms2504 في البر والبحر ~~ويعلم كل دقيق وجليل، والكل في كتاب مبين. # فقوله تعالى: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" راجع إلى الغيب ~~المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، وقوله: "لا يعلمها" "إلخ" حال وهو ~~يدل على أن مفاتح الغيب من قبيل العلم غير أن هذا العلم من غير سنخ العلم ~~الذي نتعارفه فإن الذي يتبادر إلى أذهاننا من معنى العلم هو الصورة ~~المأخوذة من الأشياء بعد وجودها وتقدرها بأقدارها ومفاتح الغيب - كما تبين ~~- علم بالأشياء وهي غير موجودة ولا مقدرة بأقدارها الكونية أي علم غير ~~متناه من غير انفعال من معلوم. # وقوله: "ويعلم ما في البر والبحر" تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلق به علم ~~غيره مما ربما يحضر بعضه عند بعض وربما يغيب بعضه عن بعض، وإنما قدم ما في ~~البر لأنه أعرف عند المخاطبين من الناس. # وقوله: "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" اختص بالذكر لأنه مما يستصعب ~~الإنسان حصول العلم به لأن الكثرة البالغة التي في أوراق الأشجار تعجز ~~الإنسان أن يميز معها بعضها من بعض فيراقب كلا منها فيما يطرأ عليه من ~~الأحوال، ويتنبه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط. # وقوله: "ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس" إلخ، معطوفات على ~~قوله: "من ورقة" على ظاهر السياق، والمراد بظلمات الأرض بطونها المظلمة ~~التي تستقر فيها الحبات فينمو منها ما ينمو ويفسد ما يفسد فالمعنى: ولا ~~تسقط من حبة في بطون الأرض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا من يابس أيا ما ~~كانا إلا يعلمها، وعلى هذا فقوله: "إلا في كتاب مبين" بدل من قوله: "إلا ~~يعلمها" سد مسده، وتقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين. # وتوصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل ~~شيء على حقيقة ما هو عليه من غير أن يطرأ عليه إبهام التغير والتبدل وسترة ~~الخفاء في شيء من نعوته، وإن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضا لأن ~~الكتاب في الحقيقة هو ms2505 المكتوب، والمكتوب هو المحكي عنه، وإذا كان ظاهرا لا ~~سترة عليه ولا خفاء فيه فالكتاب كذلك. # قوله تعالى: "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار" التوفي ~~أخذ الشيء بتمامه، ويستعمله الله سبحانه في كلامه بمعنى أخذ الروح الحية ~~كما في حال الموت كما في قوله في الآية التالية: "حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا". # قد عد الإنامة توفيا كما عد الإماتة توفيا على حد قوله: "الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها": الزمر: 42 لاشتراكهما في انقطاع ~~تصرف النفس في البدن كما أن البعث بمعنى الإيقاظ بعد النوم يشارك البعث ~~بمعنى الإحياء بعد الموت في عود النفس إلى تصرفها في البدن بعد الانقطاع، ~~وفي تقييد التوفي بالليل كالبعث بالنهار جري على الغالب من أن الناس ينامون ~~بالليل ويستيقظون بالنهار. # وفي قوله تعالى "يتوفاكم" دلالة على أن الروح تمام حقيقة الإنسان الذي ~~يعبر عنه بأنا لا كما ربما يتخيل لنا أن الروح أحد جزئي الإنسان لا تمامه ~~أو أنها هيئة أو صفة عارضة له، وأوضح منه دلالة قوله تعالى: "وقالوا أءذا ~~ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون، قل يتوفاكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون": السجدة: 11 فإن استبعاد الكفار ~~مبني على أن حقيقة الإنسان هو البدن الذي يتلاشى ويفسد بانحلال التركيب ~~بالموت فيضل في الأرض، والجواب مبني على كون حقيقته هو الروح النفس وإذ كان ~~ملك الموت يتوفاه ويقبضه فلا يفوت منه شيء. PageV07P069 # وقوله: "ويعلم ما جرحتم بالنهار" الجرح هو الفعل بالجارحة والمراد به الكسب ~~أي يعلم ما كسبتم بالنهار، والأنسب أن يكون الواو حالية والجملة حالا من ~~فاعل يتوفاكم، ويتصل حينئذ قوله: "ثم يبعثكم فيه" بقوله: "وهو الذي ~~يتوفاكم" إلخ، من غير تخلل معنى أجنبي فإن الآيتين في مقام شرح وقوع ~~التدبير الإلهي بالإنسان في حياته الدنيا وعند الموت وبعده حتى يرد إلى ~~ربه، والأصل العمدة من جمل الآيتين المسرودة لبيان هذا المعنى قوله تعالى: ms2506 ~~"وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه - أي في ~~النهار - ليقضى أجل مسمى ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق" فهذا هو الأصل في ~~المقصود، وما وراء ذلك مقصود بالتبع، والمعنى وهو الذي يتوفاكم بالليل ~~والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار، ثم يبعثكم في النهار إلخ. # قوله تعالى: "ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى" إلخ. # سمي الإيقاظ والتنبيه بعثا محاذاة لتسمية الإنامة توفيا وجعل الغرض من ~~البعث قضاء الأجل المسمى وهو الوقت المعلوم عند الله الذي لا يتخطاه حياة ~~الإنسان الدنيوية كما قال: "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون": الأعراف: 34. # وإنما جعل قضاء الأجل المسمى غاية لأنه تعالى أسرع الحاسبين، ولو لا تحقق ~~قضاء سابق لأخذهم بسيئات أعمالهم ووبال آثامهم، كما قال: "وما تفرقوا إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ~~لقضي بينهم": الشورى: 14 والقضاء السابق هو الذي يشتمل عليه قوله تعالى في ~~قصة هبوط آدم (عليه السلام): "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": ~~الأعراف: 24. # فالمعنى أن الله يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار من ~~السيئات وغيرها لكن لا يمسك أرواحكم ليديم عليها الموت بل يبعثكم في النهار ~~بعد التوفي لتقضى آجالكم المسماة ثم إليه مرجعكم بنزول الموت والحشر ~~فينبئكم بما كنتم تعملون. # قوله تعالى: "وهو القاهر فوق عباده" قد تقدم الكلام فيه في تفسير الآية ~~17 من السورة. # قوله تعالى: "ويرسل عليكم حفظة" إلخ، إطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا ~~في الإرسال ولا في الحفظة ثم جعله مغيا بمجيء الموت لا يخلو عن دلالة على ~~أن هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الإنسان من كل بلية تتوجه إليه ومصيبة ~~تتوخاه، وآفة تقصده فإن النشأة التي نحن فيها نشأة التفاعل والتزاحم، ما ~~فيه من شيء إلا وهو مبتلى بمزاحمة غيره من شيء من جميع الجهات لأن ms2507 كلا من ~~أجزاء هذا العالم الطبيعي بصدد الاستكمال واستزادة سهمه من الوجود، ولا ~~يزيد في شيء إلا وينقص بنسبته من غيره فالأشياء دائما في حال التنازع ~~والتغلب، ومن أجزائه الإنسان الذي تركيب وجوده ألطف التراكيب الموجودة فيه ~~وأدقها فيما نعلم فرقباؤه في الوجود أكثر وأعداؤه في الحياة أخطر فأرسل ~~الله إليه من الملائكة حفظة تحفظه من طوارق الحدثان وعوادي البلايا ~~والمصائب ولا يزالون يحفظونه من الهلاك حتى إذا جاء أجله خلوا بينه وبين ~~البلية فأهلكته على ما في الروايات. # وأما ما ذكره في قوله: "إن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعلمون ما ~~تفعلون": الانفطار: 12 فإنما يريد به الحفظة على الأعمال غير أن بعضهم أخذ ~~الآيات مفسرة لهذه الآية، والآية وإن لم تأب هذا المعنى كل الإباء لكن ~~قوله: "حتى إذا جاء أحدكم الموت" إلى آخر الآية، كما تقدم يؤيد المعنى الأول. # وقوله: "توفته رسلنا وهم لا يفرطون" الظاهر أن المراد من التفريط هو ~~التساهل والتسامح في إنفاذ الأمر الإلهي بالتوفي فإن الله سبحانه وصف ~~ملائكته بأنهم يفعلون ما يؤمرون، وذكر أن كل أمة رهن أجلهم فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فالملائكة المتصدون لأمر التوفي لا يقصرون ~~عن الحد الواجب المحدود المكشوف لهم من موت فلان في الساعة الفلانية على ~~الشرائط الكذائية فهم لا يسامحون في توفي من أمروا بتوفيه ولا مقدار ذرة ~~فهم لا يفرطون. PageV07P070 # وهل هذه الرسل هم الرسل المذكورون أولا حتى تكون الحفظة هم الموكلين على ~~التوفي؟ الآية ساكتة عن ذلك إلا ما فيها من إشعار ضعيف بالوحدة غير أن ~~هؤلاء الرسل المأمورين بالتوفي كائنين من كانوا هم من أعوان ملك الموت ~~لقوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة: 11. # ونسبة التوفي إلى هؤلاء الرسل ثم إلى ملك الموت في الآية المحكية آنفا ثم ~~إلى الله سبحانه في قوله: "الله يتوفى الأنفس": الزمر: 42 من قبيل التفنن ~~في مراتب النسب فالله سبحانه ينتهي إليه كل أمر وهو المالك المتصرف على ~~الإطلاق، ولملك الموت ms2508 التوسل إلى ما يفعله من قبض الأرواح بأعوانه الذين هم ~~أسباب الفعل ووسائله وأدواته كالخط الذي يخط القلم وورائه اليد ووراءهما ~~الإنسان الكاتب. # قوله تعالى: "ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق" إشارة إلى رجوعهم إلى الله ~~سبحانه بالبعث بعد الموت، وتوصيفه تعالى بأنه مولاهم الحق للدلالة على علة ~~جميع ما تقدم من تصرفاته تعالى بالإنامة والإيقاظ والتدبير والإماتة ~~والبعث، وفيه تحليل لمعنى المولى ثم إثبات حق المولوية له تعالى، فالمولى ~~هو الذي يملك الرقبة فيكون من حقه جواز التصرف فيها كيفما شاء، وإذ كان له ~~تعالى حقيقة الملك، وكان هو المتصرف بالإيجاد والتدبير والإرجاع فهو المولى ~~الحق الذي يثبت له معنى المولوية ثبوتا لا زوال له بوجه البتة. # والحق من أسماء الله الحسنى لثبوته تعالى بذاته وصفاته ثبوتا لا يقبل ~~الزوال ويمتنع عن التغير والانتقال والضمير في "ردوا" راجع إلى الآحاد الذي ~~يومىء إليه سابق الكلام من قوله: "حتى إذا جاء أحدكم الموت" فإن حكم الموت ~~يعم كل واحد ويجتمع به آحادهم نفس الجماعة، ومن هنا يظهر أن قوله: "ثم ~~ردوا" ليس من قبيل الالتفات من الخطاب السابق إلى الغيبة. # قوله تعالى: "ألا له الحكم" إلخ، لما بين تعالى اختصاصه بمفاتح الغيب ~~وعلمه بالكتاب المبين الذي فيه كل شيء، وتدبيره لأمر خلقه من لدن وجدوا إلى ~~أن يرجعوا إليه تبين أن الحكم إليه لا إلى غيره، وهو الذي ذكره فيما مر من ~~قوله: "إن الحكم إلا لله" أعلن نتيجة بيانه فقال "ألا له الحكم" ليكون ~~منبها لهم مما غفلوا عنه. # وكذلك قوله: "وهو أسرع الحاسبين" نتيجة أخرى لسابق البيان فإنه تبين به ~~أنه تعالى لا يؤخر حساب أعمال الناس عن الوقت الصالح له، وإنما يتأخر ما ~~يتأخر ليدرك الأجل الذي أجل له. # قوله تعالى: "قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه" إلى آخر الآية ~~كأن المراد بالتنجية من ظلمات البر والبحر هو التخليص من الشدائد التي ~~يبتلى بها الإنسان في خلال الأسفار إذا ضرب في الأرض أو ركب البحر ms2509 كالبرد ~~الشديد والأمطار والثلوج وقطاع الطريق والطوفان ونحو ذلك، وأشق ما يكون ذلك ~~على الإنسان في الظلمات من ليل أو سحاب أو ريح تثير عجاج الأرض فيزيد في ~~اضطراب الإنسان وحيرته وضلاله طريق الاحتيال لدفعه، ولذلك علقت التنجية على ~~الظلمات، وكان أصل المعنى الاستفهام عمن ينجي الإنسان من الشدائد التي ~~يبتلى بها في أسفاره في البر والبحر فأضيفت الشدائد إلى البر والبحر بعناية ~~الظرفية ثم أضيفت إلى ظلمات البر والبحر لأن للظلمات تأثيرا تاما في تشديد ~~هذه المكاره، ثم حذفت الشدائد وأقيمت الظلمات مقامها فعلقت التنجية عليها ~~فقيل: ينجيكم من ظلمات البر والبحر. # وإنما خصت الظلمات بالذكر وإن كان المنجي من كل مكروه وغم هو الله سبحانه ~~كما يذكره في الآية التالية لأن أسفار البر والبحر معروف عند الإنسان ~~بالعناء والوعثاء والكريهة. # والتضرع إظهار الضراعة وهو الذل والخضوع على ما ذكره الراغب، ولذلك قوبل ~~بالخفية وهو الخفاء والاستتار فالتضرع والخفية في الدعاء هما الإعلان ~~والإسرار فيه، والإنسان إذا نزلت به المصيبة يبتدىء فيدعو للنجاة بالإسرار ~~والمناجاة ثم إذا اشتدت به ولاح بعض آثار اليأس والانقطاع من الأسباب لا ~~يبالي بمن حوله ممن يطلع على ذلته واستكانته فيدعو بالتضرع والمناداة ففي ~~ذكر التضرع والخفية إشارة إلى أنه تعالى هو المنجي من مصائب البر والبحر ~~شديدتها ويسيرتها. PageV07P071 # وفي قوله: "لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين" إشارة إلى أن الإنسان ~~يضيف في هذه الحالة التي يدعو لكشفها إلى دعائه عهدا يقدمه إلى ربه ووعدا ~~يعده به أن لو كشف الله عنه ليكونن من الشاكرين ويرجع عن سابق كفره. # وأصل هذه العدة مأخوذ من العادة الجارية بين أفراد الإنسان بعضهم مع بعض ~~فإن الواحد منا إذا أعيته المذاهب وأحاطت به البلية من مصيبة قاصمة أو فقر ~~أو عدو واستغاث لكشف ما به من كرب إلى أحد الأقوياء القادرين على كشفه ~~بزعمه وعده بما يطيب به نفسه ويقوي باعث عزيمته وفتوته، وذلك بثناء جميل أو ~~مال أو طاعة أو وفاء كل ذلك لما أن ms2510 الأعمال الاجتماعية التي تدور بيننا ~~كلها معاملات قائمة بطرفين يعطي فيها الإنسان شيئا ويأخذ شيئا لأن الحاجة ~~محيطة بالإنسان ليس له أن يعمل عملا أو يؤثر أثرا إلا لنفع عائد إلى نفسه، ~~ومثله سائر أجزاء الكون. # لكن الله سبحانه أكرم ساحة أن تمسه حاجة أو يطرأ عليه منقصة لا يفعل فعلا ~~إلا ليعود نفعه إلى غيره من خليقته فوجه التوحيد في مقابلة الإنسان له بوعد ~~الشكر والطاعة في دعائه الفطري هو أن الإنسان إذا نزلت به النازلة، وانقطعت ~~عنه الأسباب وغابت عن مسرح نظره وسائل الخلاص وجد أن الله سبحانه هو السبب ~~الوحيد الذي يقدر على كشف ما به من غم، وأنه الذي يدبر أمره منذ خلقه ويدبر ~~أمر كل سبب فوجد نفسه ظالما مفرطا في جنب الله سبحانه لا يستحق كشف الغم ~~ورفع الحاجة من قبله تعالى لما كسبت يداه من السيئات، وحملت نفسه من وبال ~~الخطيئة فعندئذ يعد ربه الشكر والطاعة ليصحح ذلك استحقاقه لاستجابة دعائه ~~وكشف ضره. # ولذلك نجده أنه إذا نجي مما نزل به النائبة ذهب لوجهه ناسيا لما عهد به ~~ربه ووعده من الشكر كما قال تعالى في ذيل الآية التالية: "ثم أنتم تشركون". # قوله تعالى: "قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون" قال الراغب ~~في مفرداته:، الكرب الغم الشديد، قال تعالى: "ونجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم" والكربة كالغمة، وأصل ذلك من كرب الأرض بسكون الراء وهو قلبها ~~بالحفر فالغم يثير النفس إثارة ذلك وقيل في مثل: الكراب على البقر وليس ذلك ~~من قولهم: الكلاب على البقر، في شيء، ويجوز أن يكون الكرب من كربت الشمس ~~إذا دنت للمغيب، وقولهم: إناء كربان أي قريب نحو قربان أي قريب من الملء، ~~أو من الكرب بفتحتين وهو عقد غليظ في رشا الدلو، وقد يوصف الغم بأنه عقد ~~على القلب يقال: أكربت الدلو، انتهى. # وقد أضيف في هذه الآية كل كرب إلى ظلمات البر والبحر ليعم الجميع فإن ~~إنسانا ما لا يخلو في مدى حياته ms2511 من شيء من الكروب والغموم فالمسألة والدعاء ~~عام فيهم سواء أعلنوا به أو أسروا. # فملخص المراد بالآية أنكم في الشدائد النازلة بكم في ظلمات البر والبحر ~~وغيرها إذا انقطعتم عن الأسباب الظاهرة وأعيت بكم الحيل تشاهدون بالرجوع ~~إلى فطرتكم الإنسانية أن الله سبحانه هو ربكم لا رب سواه وتجزمون أن ~~عبادتكم لغيره ظلم وإثم والشاهد على ذلك أنكم تدعونه حينئذ تضرعا وخفية، ~~وتعدونه أن تشكروه بعد ذلك ولا تكفروا به إن أنجاكم لكنكم بعد الإنجاء ~~تنقضون ميثاقكم الذي واثقتموه به وتستمرون على سابق كفركم، ففي الآيتين ~~احتجاج على المشركين وتوبيخ لهم على حنث اليمين وخلف الوعد. # قوله تعالى: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" إلى آخر ~~الآية، قال الراغب في المفردات،: أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال: ~~بعثته فانبعث، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير أثرته ~~وسيرته، وقوله عز وجل: والموتى يبعثهم الله أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة ~~- إلى أن قال - فالبعث ضربان: بشري كبعث البعير وبعث الإنسان في حاجة، ~~وإلهي وذلك ضربان: أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن ليس وذلك ~~يختص به الباري تعالى ولم يقدر عليه أحد، والثاني إحياء الموتى وقد خص بذلك ~~بعض أوليائه كعيسى (عليه السلام) وأمثاله، انتهى. PageV07P072 # وبالجملة في لفظه شيء من معنى الإقامة والإنهاض، وبهذه العناية يستعمل في ~~التوجيه والإرسال لأن التوجيه إلى حاجة والإرسال نحو قوم يكون بعد سكون ~~وخمود غالبا، وعلى هذا فبعث العذاب لا يخلو من إشعار على أنه عذاب من شأنه ~~أن يتوجه إليهم ويقع بهم، وإنما يمنع عن هذا الاقتضاء مانع كالإيمان ~~والطاعة، وللكلام تتمة سنوافيك. # وقال في المجمع،: لبست عليهم الأمر ألبسه إذا لم أبينه وخلطت بعضه ببعض ~~ولبست الثوب ألبسه، واللبس اختلاط الأمر واختلاط الكلام، ولابست الأمر ~~خالطته، والشيع الفرق، وكل فرقة شيعة على حدة، وشيعة فلان تبعته، والتشيع ~~الاتباع على وجه التدين والولاء، انتهى. # وعلى هذا فالمراد بقوله: "أو يلبسكم شيعا" أن يضرب البعض بالبعض ويخلط ~~حال كونهم شيعا ms2512 وفرقا مختلفة. # فقوله: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم" ظاهره إثبات القدرة لله سبحانه على بعث العذاب عليهم من فوق أو من ~~تحت، والقدرة على الشيء لا تستلزم فعله، وهو أعني إثبات القدرة على الفعل ~~الذي هو العذاب كاف في الإخافة والإنذار لكن المقام يعطي أن المراد ليس هو ~~إثبات مجرد القدرة بل لهم استحقاق لمثل هذا العذاب، وفي العذاب اقتضاء أن ~~ينبعث عليهم إن لم يجتمعوا على الإيمان بالله وآياته كما مر من استفادة ذلك ~~من معنى البعث، ويؤيده قوله بعد: "لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون" فإنه تهديد صريح. # على أنه تعالى يهدد هذه الأمة صريحا بالعذاب في موارد مشابهة لهذا المورد ~~من كلامه كقوله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط - ~~إلى أن قال - ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين": ~~الآيات يونس: 47 - 53 وقوله: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، ~~وتقطعوا أمرهم بينهم" إلى آخر الآيات: الأنبياء: 93 - 97 وقوله تعالى: ~~"فأقم وجهك للدين حنيفا - إلى أن قال - ولا تكونوا من المشركين، من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا" إلى آخر الآيات: الروم: 30 - 45. # وقد قيل: إن المراد بالعذاب الذي من فوقهم هو الصيحة والحجارة والطوفان ~~والريح كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط، وبالذي من تحت أرجلهم الخسف ~~كما فعل بقارون، وقيل: إن المراد بما من فوقهم العذاب الآتي من قبل كبارهم ~~أو سلاطينهم الجبابرة وبما من تحت أرجلهم ما يأتيهم من قبل سفلتهم أو ~~عبيدهم السوء، وقيل: المراد بما من فوق وبما من تحت الأسلحة النارية ~~القتالة التي اخترعها البشر أخيرا من الطيارات والمناطد التي تقذف القنابل ~~المحرقة والمخربة وغيرها ومراكب تحت البحر المغرفة للسفائن والباخرات فإن ~~الإنذار إنما وقع في كلامه تعالى وهو أعلم بما كان سيحدث في مملكته. # والحق أن اللفظ مما يقبل الانطباق على كل من المعاني المذكورة وقد وقع ~~بعد النزول ما ينطبق ms2513 عليه اللفظ، والمحتد الأصلي لهذه الوقائع الذي مهد لها ~~الطريق هو اختلاف الكلمة والتفرق الذي بدأت به الأمة وجبهت به النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيما كان يدعوهم إليه من الاتفاق على كلمة الحق، وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم. # قوله تعالى: "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" ظاهره أنه أريد به ~~التحزبات التي نشأت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأدى ذلك إلى ~~حدوث مذاهب متنوعة ألبست لباس العصبية والحمية الجاهلية واستتبعت حروبا ~~ومقاتل يستبيح كل فريق من غيره كل حرمة ويطرده بمزعمته من حرمة الدين وبيضة ~~الإسلام. # وعلى هذا فقوله: "أو يلبسكم شيعا ويذيق" إلخ، عذاب واحد لا عذابان وإن ~~أمكن بوجه عد كل من إلقاء التفرق في الكلمة وإذاقة البعض بأس بعض عذابا ~~مستقلا برأسه فللتفرقة بين الأمة أثر سوء آخر وهو طرو الضعف ونفاد القوة ~~وتبعض القدرة لكن المأخوذ في الآية المعدود عذابا أعني قوله: "ويذيق بعضكم" ~~إلخ، حينئذ بالنسبة إلى مجرد إلقاء الاختلاف بمنزلة المقيد بالنسبة إلى ~~المطلق، ولا يحسن مقابلة المطلق بالمقيد إلا بعناية زائدة في الكلام، على ~~أن العطف بواو الجمع يؤيد ما ذكرناه. PageV07P073 # فبالجملة معنى الآية: قل يا رسول الله مخاطبا لهم منذرا لهم عاقبة ~~استنكافهم عن الاجتماع تحت لواء التوحيد واستماع دعوة الحق إن لشأنكم هذا ~~عاقبة سيئة في قدرة الله سبحانه أن يأخذكم بها وهو أن يبعث عليكم عذابا لا ~~مفر لكم منه ولا ملاذ تلوذون به وهو العذاب من فوقكم أو من تحت أرجلكم، أو ~~أن يضرب بعضكم ببعض فتكونوا شيعا وفرقا مختلفين متنازعين ومتحاربين فيذيق ~~بعضكم بأس بعض، ثم تمم البيان بقوله خطابا لنبيه: انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل" قوم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هم قريش أو مضر أو عامة العرب والمستفاد من فحوى بعض ~~كلامه تعالى في موارد أخر أن المراد بقومه (صلى الله ms2514 عليه وآله وسلم) هم ~~العرب كقوله: "ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم ما كانوا به ~~مؤمنين، كذلك سلكناه في قلوب المجرمين، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب ~~الأليم، فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون": الشعراء: 202 وقوله: "وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم": إبراهيم: 4. # وكيف كان فقوله: "وكذب به قومك وهو الحق" بمنزلة التمهيد لتحقيق النبإ ~~الذي يتضمنه الإنذار السابق كأنه قيل: يا أيتها الأمة اجتمعوا في توحيد ~~ربكم واتفقوا في اتباع كلمة الحق وإلا فلا مؤمن يؤمنكم عذابا يأتيكم من فوق ~~أو من تحت أو من اختلاف وتحزب يستتبع سيفا وسوطا من بعضكم على بعض، ثم خوطب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل: إن قومك كذبوا بذلك فليستعدوا لعذاب ~~بئيس أو بأس شديد يذوقونه. # ومن هنا يظهر أولا: أن الضمير في قوله: "وكذب به" راجع إلى العذاب كما ~~نسبه الآلوسي إلى غالب المفسرين، وربما قيل: إنه عائد إلى تصريف الآيات أو ~~إلى القرآن وهو بعيد، وليس من البعيد أن يرجع إلى النبإ باعتبار ما تشتمل ~~عليه الآية السابقة. # وثانيا: أن هذا الخبر أعني قوله: "وكذب به قومك وهو الحق" بحسب ما يعطيه ~~المقام في معنى ذكر أول خبر يمهد الطريق لنبإ موعود كأنه قيل: يجب على أمتك ~~أن يجتمعوا على الإيمان بالله وآياته ويكونوا على تحرز وتحذر من أن يتسرب ~~إليهم الكفر بالله وآياته ويدب فيهم اختلاف حتى لا ينزل عليهم عذاب الله ~~سبحانه ثم قيل: إن قومك من بين جميع أمتك ومن عاصرك أو جاء من بعدك من أهل ~~الدنيا بادروا إلى نقض ما كان يجب عليهم أن يبرموه وكذبوا النبأ فانثلم ~~بذلك الأمر فسوف يعلمون ذلك أن المكذبين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أو للقرآن أو لهذا العذاب ليسوا هم الأعراب خاصة وهم قومه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بل كذبته اليهود وأمم من غيرهم في زمانه وبعده وكان تكذيبهم ~~واختلافهم جميعا ذا أثر مثبت في ما هددوا به من العذاب فتخصيص ms2515 تكذيب قومه ~~بالذكر والحال هذه يفيد ما ذكرناه. # والبحث التحليلي عن نفسية المجتمع الإسلامي يؤيد هذا الذي استفدناه من ~~الآية فإن ما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم من الانحطاط في نفسيتهم ~~والوهن في قوتهم والتشتت في كلمتهم ينتهي بحسب التحليل إلى ما نشأت من ~~الاختلافات والمشاجرات في الصدر الأول بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ثم يصعد ذلك إلى حوادث أول الهجرة وقبل الهجرة مما لقيه النبي من ~~قومه، وما جبهوه به من التكذيب وتسفيه الرأي. # وهؤلاء وإن تجمعوا حول راية الدعوة الإسلامية واستظلوا بظلها بعد ما ظهرت ~~كلمة الحق وأنارت مشعلته لكن المجتمع الطيب الديني لم يصف من خبث النفاق، ~~وقد نطقت آيات جمة من القرآن الكريم بذلك، وكان أهل النفاق لا يستهان ~~بعددهم ومن المحال أن يسلم بنية المجتمع من سيء أثرهم في نفسية أجزائه ولم ~~يقدر على هضمهم هضما تاما يحيلهم إلى أعضاء صالحة في المجتمع مدى حياة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يمكث وقودهم دون أن اشتعل ثم زاد ~~اشتعالا ولم يزل، والجميع يرجع إلى ما بدأ منه، وكل الصيد في جوف الفراء. # وثالثا: أن قوله تعالى: "قل لست عليكم بوكيل" مسوق سوق الكناية أي أعرض ~~عنهم وقل: إن أمركم غير مفوض إلي ولا محمول علي حتى أمنعكم من هذا التكذيب ~~نصيحة لكم، وإنما الذي إلي بحسب مقامي أن أنذركم عذابا شديدا هو كمين لكم. PageV07P074 # ومن هنا يظهر أيضا: أن قوله: "لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون" من مقول القول ~~وتتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقومه كما يؤيده الخطاب في ~~قوله: "وسوف تعلمون" فإن القوم إنما هم في موقف الخطاب بالنسبة إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لا بالنسبة إليه تعالى. # وقوله: "لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون" تصريح بالتهديد وإنباء عن الوقوع ~~الحتمي وقد ظهر مما تقدم وجه صحة خطاب المشركين بما سيبتلى به الأمة ~~الإسلامية من تفرق الكلمة ونزول الشدة فإن الأعراق تنتهي إليهم وليس الناس ~~إلا أمة ms2516 واحدة يؤخذ آخرهم بما اكتسبه أولهم ويعود إلى أولهم ما يظهر في ~~آخرهم علموا ذلك أو جهلوا، أبصروا من أنفسهم ذلك أو عموا قال تعالى: "بل هم ~~في شك يلعبون، فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم ~~تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون": ~~الدخان: 15. # تدبر في الآيات كيف أخذ آخرهم بما أجرمه أولهم أو هي في عداد ما تقدم ~~نقله من آيات سورة يونس والأنبياء والروم، وفي القرآن الشريف شيء كثير من ~~الآيات المنبئة عما سيوافي الأمة من وخيم العاقبة ووبال السيئة ثم إدراك ~~العناية الإلهية ومن أسوإ التقصير إهمال الباحثين منا أمر البحث في هذه ~~الآيات الكريمة على كثرتها وأهميتها وشدة مساسها بحال الأمة وسعادة جدها في ~~دنياها وآخرتها. # قوله تعالى: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره" ذكر الراغب في المفردات، أن الخوض هو الشروع في الماء والمرور ~~فيه، ويستعار في الأمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه، انتهى. # وهو الدخول في باطل الحديث والتوغل فيه كذكر الآيات الحقة والاستهزاء بها ~~والإطالة في ذلك. # والمراد بالإعراض عدم مشاركتهم فيما يخوضون فيه كالقيام عنهم والخروج من ~~بينهم أو ما يشابه ذلك مما يتحقق به عدم المشاركة، وتقييد النهي بقوله: ~~"حتى يخوضوا في حديث غيره" للدلالة على أن المنهي عنه ليس مطلق مجالستهم ~~والقعود معهم، ولو كان لغرض حق، وإنما المنهي عنه مجالستهم ما داموا ~~مشتغلين بالخوض في آيات الله سبحانه. # ومن هنا يظهر أن في الكلام نوعا من إيجاز الحذف فإن تقدير الكلام: وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها فأعرض عنهم "إلخ"، فحذفت الجملة ~~المماثلة للصلة استغناء بها عنها، والمعنى - والله أعلم - وإذا رأيت أهل ~~الخوض والاستهزاء بآيات الله يجرون على خوضهم واستهزائهم بالآيات الإلهية ~~فأعرض عنهم ولا تدخل في حلقهم حتى يخوضوا في ms2517 حديث غيره فإذا دخلوا في حديث ~~غيره فلا مانع يمنعك من مجالستهم، والكلام وإن وقع في سياق الاحتجاج على ~~المشركين لكن ما أشير إليه من الملاك يعممه فيشمل غيرهم كما يشملهم، وقد ~~وقع في آخر الآية قوله: "فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين" فالخوض في ~~آيات الله ظلم والآية إنما نهت عن مشاركة الظالمين في ظلمهم، وقد ورد في ~~مورد آخر من كلامه تعالى: "إنكم إذا مثلهم": النساء: 140. # فقد تبين: أن الآية لا تأمر بالإعراض عن الخائضين في آيات الله تعالى بل ~~إنما تأمر بالإعراض عنهم إذا كانوا يخوضون في آيات الله ما داموا مشتغلين به. # والضمير في قوله: "غيره" راجع إلى الحديث الذي يخاض فيه في آيات الله ~~باعتبار أنه خوض وقد نهي عن الخوض في الآية. # قوله تعالى: "وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين" و"ما" في قوله: "إما ينسينك" زائد يفيد نوعا من التأكيد أو ~~التقليل والنون للتأكيد، والأصل وإن ينسك، والكلام في مقام التأكيد ~~والتشديد للنهي أي حتى لو غفلت عن نهينا بما أنساكه الشيطان ثم ذكرت فلا ~~تهاون في القيام عنهم ولا تلبث دون أن تقوم عنهم فإن الذين يتقون ليس لهم ~~أي مشاركة للخائضين اللاعبين بآيات الله المستهزئين بها. # والخطاب في الآية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمقصود غيره من ~~الأمة فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ما ينفي وقوع هذا ~~النوع من النسيان - وهو نسيان حكم إلهي ومخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج ~~بفعله على غيره والتمسك به نفسه - عنهم (عليهم السلام). PageV07P075 # ويؤيد ذلك عطف الكلام في الآية التالية إلى المتقين من الأمة حيث يقول: ~~"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء" إلى آخر الآية. # وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء: "وقد نزل عليكم في الكتاب ~~أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ms2518 ~~جميعا": النساء: 140 فإن المراد في الآية وهي مدنية بالحكم الذي نزل في ~~الكتاب هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية ولا آية غيرها، وهي ~~تذكر أن الحكم النازل سابقا وجه به إلى المؤمنين، ولازمه أن يكون الخطاب ~~الذي في قوله: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا" إلخ موجها إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمقصود به غيره على حد قولهم: إياك أعني ~~واسمعي يا جارة. # قوله تعالى: "وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء" إلى آخر الآية. # يريد أن الذي يكتسبه هؤلاء الخائضون من الإثم لا يحمل إلا على أنفسهم ولا ~~يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم ويشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا ~~يحاسب بعمل إلا عامله ولكن نذكرهم ذكرى لعلهم يتقون فإن الإنسان إذا حضر ~~مجلسهم وإن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون ولا يرضى بقلبه بعملهم وأمكن ~~أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييدا لهم في قولهم لكن مشاهدة ~~الخلاف ومعاينة المعصية تهون أمر المعصية عند النفس وتصغر الخطيئة في عين ~~المشاهد المعاين، وإذا هان أمرها أوشك أن يقع الإنسان فيها فإن للنفس في كل ~~معصية هوى ومن الواجب على المتقي بما عنده من التقوى والورع عن محارم الله ~~أن يجتنب مخالطة أهل الهتك والاجتراء على الله كما يجب على المبتلين بذلك ~~الخائضين في آيات الله لئلا تهون عليه الجرأة على الله وآياته فتقربه ذلك ~~من المعصية فيشرف على الهلكة، ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه. # ومن هذا البيان يظهر أولا: أن نفي الاشتراك في الحساب مع الخائضين عن ~~الذين يتقون فحسب مع أن غير العامل لا يشارك العامل في جزاء عمله إنما هو ~~للإيماء إلى أن من شاركهم في مجلسهم وقعد إليهم لا يؤمن من مشاركتهم في ~~جزاء عملهم والمؤاخذة بما يؤاخذون به، فالكلام في تقدير قولنا: وما على غير ~~الخائضين من حسابهم من شيء إذا كانوا يتقون الخوض معهم ولكن إنما ننهاهم عن ~~القعود ms2519 معهم ليستمروا على تقواهم من الخوض أو ليتم لهم التقوى والورع عن ~~محارم الله سبحانه. # وثانيا: أن المراد بالتقوى في قوله: "وما على الذين يتقون" التقوى العام ~~وهو الاجتناب والتوقي عن مطلق ما لا يرتضيه الله تعالى، وفي قوله: "لعلهم ~~يتقون" التقوى من خصوص معصية الخوض في آيات الله، أو المراد بالتقوى الأول ~~أصل التقوى وبالثاني تمامه، أو الأول إجمال التقوى والثاني تفصيله بفعلية ~~الانطباق على كل مورد ومنها مورد الخوض في آيات الله، وهاهنا معنى آخر وهو ~~أن يكون المراد بالأول تقوى المؤمنين وبالتقوى الثاني تقوى الخائضين وتقدير ~~الكلام ولكن ذكروا الخائضين ذكرى لعلهم يتقون الخوض. # وثالثا: أن قوله: ذكرى مفعول مطلق لفعل مقدر والتقدير ولكن نذكرهم بذلك ~~ذكرى أو ذكروهم ذكرى أو خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: ولكن هذا الأمر ذكرى أو ~~مبتدأ لخبر محذوف والتقدير: ولكن عليك ذكراهم وأوسط الوجوه أسبقها إلى الذهن. # قوله تعالى: "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا" إلى آخر الآية، قال ~~الراغب: البسل ضم الشيء ومنعه ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه ~~فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه، ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم والمرتهن بسل، ~~وقوله تعالى: وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت، أي تحرم الثواب، والفرق بين ~~الحرام والبسل أن الحرام عام فيما كان ممنوعا منه بالحكم والقهر، والبسل هو ~~المنوع منه بالقهر قال عز وجل: "أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا" أي حرموا ~~الثواب، انتهى. # وقال في المجمع، يقال: أبسلته بجريرته أي أسلمته، والمستبسل المستسلم ~~الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص - إلى أن قال - قال الأخفش: تبسل أي ~~تجازى، وقيل: تبسل أي ترهن والمعاني متقاربة، انتهى. PageV07P076 # والمعنى: "واترك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا" عد تدينهم بما يدعوهم إليه ~~هوى أنفسهم لعبا وتلهيا بدينهم، وفيه فرض دين حق لهم وهو الذي دعتهم إليه ~~فطرتهم فكان يجب عليهم أن يأخذوا به أخذ جد ويتحرزوا به عن الخلط والتحريف ~~ولكنهم اتخذوه لعبا ولهوا يقلبونه كيف شاءوا من حال إلى حال ويحولونه حسب ~~ما يأمرهم به ms2520 هوى أنفسهم من صورة إلى صورة. # ثم عطف على اتخاذهم الدين لعبا ولهوا قوله: "وغرتهم الحياة الدنيا" لما ~~بينهما من الملازمة لأن الاسترسال في التمتع من لذائذ الحياة المادية والجد ~~في اقتنائها يوجب الإعراض عن الجد في الدين الحق والهزل واللعب به. # ثم قال: وذكر به أي بالقرآن حذرا من أن تبسل أي تمنع نفس بسبب ما كسبت من ~~السيئات أو تسلم نفس مع ما كسبت للمؤاخذة والعقاب، وتلك نفس ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل وتفد كل فدية لا يؤخذ منها لأن اليوم ~~يوم الجزاء بالأعمال لا يوم البيع والشرى أولئك الذين أبسلوا ومنعوا من ~~ثواب الله أو أسلموا لعقابه لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون. # قوله تعالى: "قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا" احتجاج على ~~المشركين بنحو الاستفهام الإنكاري، وإنما ذكر من أوصاف شركائهم كونها لا ~~تنفع ولا تضر لأن اتخاذ الآلهة - كما تقدم - كان مبنيا على أحد الأساسين: ~~الرجاء والخوف وإذ كانت الشركاء لا تنفع ولا تضر فلا موجب لدعائها وعبادتها ~~والتقرب منها. # قوله تعالى: "ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله - إلى قوله - ائتنا" ~~الاستهواء طلب الهوى والسقوط، والرد على الأعقاب كناية عن الضلال وترك ~~الهدى فإن لازم الهداية الحقة الوقوع في مستقيم الصراط والشروع في السير ~~فيه فالارتداد على الأعقاب ترك السير في الصراط والعود إلى ما خلف من ~~المسير وهو الضلال، ولذا قال: ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله فقيد ~~الرد بكونه بعد الهداية الإلهية. # ومن عجيب الاستدلال احتجاج بعض بهذه الآية أعني قوله: "ونرد على أعقابنا ~~بعد إذ هدانا الله" الآية وما يجري مجراها من الآيات كقول شعيب (عليه ~~السلام) على ما حكاه الله تعالى في قصته بقوله: "قال الملأ الذين استكبروا ~~من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ~~قال أولو كنا كارهين، قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملكتم ms2521 بعد إذ ~~نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا": ~~الأعراف: 89. # فقد احتجوا بها على أن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا قبل البعثة والتلبس ~~بلباس النبوة على الكفر لما في لفظ الرد على الأعقاب بعد إذ هدى الله، ~~والعودة في ملة الشرك بعد إذ نجاهم الله منها من الدلالة على كونهم منتحلين ~~بها واقعين فيها قبل النجاة وهو احتجاج فاسد فإن ذلك تكلم منهم بلسان ~~المجتمع الديني الذي كانت أفراده على الشرك حتى هداهم الله بواسطة أنبيائه ~~ولسنا نعني أن غلبة الأفراد الذين كانوا على الشرك في أول عهدهم سوغ أن ~~ينسب كفرهم السابق إلى الجميع حتى يكون تغليبا لشركهم على إيمان نبيهم فإن ~~كلامه الحق لا يحتمل ذلك بل نعني أن مجتمع الدين الشامل للنبي وأمته يصدق ~~عليه أن أفراده إنما نجوا من الشرك بعد هداية الله سبحانه إياهم وليس لهم ~~من دونه إلا الضلال أما الأمة فإنهم كانوا على الشرك في زمان قبل زمان ~~اهتدائهم بالدين، وأما أنبياؤهم فإنما اهتداؤهم بالله سبحانه، وليس لهم من ~~أنفسهم لو لا الهداية الإلهية إلا الضلال فإن غيره تعالى لا يملك لنفسه ضرا ~~ولا نفعا فمن الصادق في حقهم أن ليس لهم أن يرتدوا على أعقابهم بعد إذ ~~هداهم الله أو يعودوا إلى الشرك بعد إذ نجاهم الله منه. # وبالجملة الكلمة صادقة عليهم بنحو الحقيقة وإن لم يكن بعض مجتمعهم وهو ~~النبي الذي فيهم كافرا قبل نبوته فإن الإيمان والاهتداء على أي حال لهم من ~~الله سبحانه بعد الحال الذي لهم من أنفسهم وحالهم من أنفسهم هو الضلال كما عرفت. # على أنك قد عرفت فيما تقدم من البحث المتنوع في عصمة الأنبياء أن القرآن ~~الشريف ناص على طهارة ساحتهم عن أصغر المعاصي الصغيرة فكيف بالكبيرة وبأكبر ~~الكبائر الذي هو الشرك بالله العظيم. PageV07P077 # وقوله: "كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران" "إلخ" تمثيل مثل به حال ~~الإنسان المتحير الذي لم يؤت بصيرة في أمره وعزيمة راسخة على سعادته فترك ms2522 ~~أحسن طريق وأقومه إلى مقصده، وقد ركبه قبله أصحاب له مهتدون به وبقي متحيرا ~~بين شياطين يدعونه إلى الردى والهلاك، وأصحاب له مهتدين قد نزلوا في ~~منازلهم أو أشرفوا على الوصول يدعونه إلى الهدى أن ائتنا فلا يدري ما يفعل ~~وهو بين مهبط ومستوى؟. # قوله تعالى: "قل إن هدى الله هو الهدى" إلى آخر الآية. # أي إن كان الأمر دائرا بين دعوة الله سبحانه وهي التي توافق الفطرة ~~وتسميه الفطرة هدى الله، وبين دعوة الشياطين وهي التي فيها الهوى واتخاذ ~~الدين لعبا ولهوا فهدى الله هو الهدى الحقيقي دون غيره. # أما أن ما يوافق دعوة الفطرة هو هدى الله فلا شك يعتريه لأن حق الهداية ~~هو الذي ينطق به الصنع والإيجاد الذي ليس إلا لله ولا نروم شيئا من دين أو ~~اعتقاد إلا لابتغاء مطابقة الواقع والواقع لله فلا يعدوه هداه، وأما أن هدى ~~الله هو الهدى الحقيقي الذي يجب أن يؤخذ به دون الدعوة الشيطانية فظاهر ~~أيضا لأن الله سبحانه هو الذي إليه أمرنا كله من جهة مبدئنا ومنتهانا وما ~~نحتاج إليه في دنيا أو آخرة. # وقوله: "وأمرنا لنسلم لرب العالمين" قال في المجمع،: تقول العرب: أمرتك ~~لتفعل وأمرتك أن تفعل وأمرتك بأن تفعل فمن قال: أمرتك بأن تفعل فالباء ~~للإلصاق والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل، ومن قال: أمرتك أن تفعل حذف الجار، ~~ومن قال: أمرتك لتفعل فالمعنى أمرتك للفعل، وقال الزجاج: التقدير أمرنا كي نسلم. # والجملة أعني قوله: "وأمرنا لنسلم" إلخ، عطف تفسير لقوله: "إن هدى الله ~~هو الهدى" فالأمر بالإسلام هو مصداق لهدى الله، والمعنى: أمرنا الله لنسلم ~~له وإنما أبهم فاعل الفعل ليكون تمهيدا لوضع قوله: "لرب العالمين" موضع ~~الضمير فيدل به على علة الأمر فالمعنى أمرنا من ناحية الغيب أن نسلم لله ~~لأنه رب العالمين جميعا ليس لها جميعا أو لكل بعض منها - كما تزعمه الوثنية ~~- رب آخر ولا أرباب أخر. # وظاهر الآية أن المراد بالإسلام هو تسليم عامة الأمور إليه تعالى لا مجرد ~~التشهد ms2523 بالشهادتين، وهو ظاهر قوله: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: ~~19 كما مر في تفسير الآية. # قوله تعالى: "وأن أقيموا الصلاة واتقوه" تفنن في سرد الكلام بأخذ الأمر ~~بمعنى القول والجري في مجرى هذه العناية كأنه قيل: وقيل لنا: أن أسلموا لرب ~~العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه. # وقد أجمل تفاصيل الأعمال الدينية ثانيا في قوله: "واتقوه" غير أنه صرح من ~~بينها باسم الصلاة تعظيما لأمرها واعتناء بشأنها واهتمام القرآن الشريف ~~بأمر الصلاة ظاهر لا شك فيه. # قوله تعالى: "وهو الذي إليه تحشرون" فمن الواجب أن يسلم له ويتقى لأن ~~الرجوع إليه، والحساب والجزاء بيده. # قوله تعالى: "وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق" إلى آخر الآية. # بضعة أسماء وأوصاف له سبحانه مذكورة أريد بذكرها بيان ما تقدم من القول ~~وتعليله فإنه تعالى ذكر أن الهدى هداه ثم فسره نوع تفسير بالإسلام له ~~والصلاة والتقوى وهو تمام الدين ثم بين السبب في كون هداه هو الهدى الذي لا ~~يجوز التجافي عنه وهو أن حشر الجميع إليه # ثم بينه أتم بيان بقوله: "وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق" إلخ، فهذه ~~أسماء ونعوت له تعالى لو انتفى واحد منها لم يتم البيان. # فقوله: "هو الذي خلق" إلخ، يريد به أن الخلقة جميعا فعله وإنما أتى به ~~بالحق لا بالباطل، والفعل إذا لم يكن باطلا لم يكن مندوحة من ثبوت الغاية ~~له فللخلقة غاية وهو الرجوع إليه تعالى وهذا هو إحدى الحجتين اللتين ذكرهما ~~في قوله عز من قائل "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا" إلى آخر الآيتين: ص: 27" فخلقة السماوات والأرض بخلقة حقة ~~تؤدي إلى أن الخلق يحشرون إليه. PageV07P078 # وقوله: "يوم يقول كن فيكون" السياق يدل على أن المراد بالمقول له هو يوم ~~الحشر وإن كان كل موجود مخلوق على هذه الصفة كما قال تعالى: "إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 ويوم ظرف متعلق بالقول والمعنى: ~~يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون، ms2524 وربما قيل: إن المقول له هو الشيء ~~والتقدير: يوم يقول لشيء كن فيكون، وما ذكرناه أوفق للسياق. # وقوله: "قوله الحق" تعليل عللت به الجملة التي قبله، والدليل عليه فصل ~~الجملة، والحق هو الثابت بحقيقة معنى الثبوت وهو الوجود الخارجي والكون ~~العيني وإذ كان قوله هو فعله وإيجاده كما يدل عليه قوله: "ويوم يقول كن ~~فيكون" فقوله تعالى هو نفس الحق فلا مرد له ولا مبدل لكلماته قال تعالى: ~~"والحق أقول": ص: 84. # قوله تعالى: "وله الملك يوم ينفخ في الصور" يريد به يوم القيامة قال ~~تعالى: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار": المؤمن: 16 والمراد بثبوت الملك له تعالى يوم النفخ مع أن ~~له الملك دائما إنما هو ظهور ذلك بتقطع الأسباب وانبتات الروابط والأنساب ~~وقد تقدم شذور من البحث في ذلك فيما تقدم وسيجيء استيفاء البحث عنه وعن ~~معنى الصور في الموضع المناسب لذلك إن شاء الله تعالى. # وقوله "عالم الغيب والشهادة" قد تقدم معناه، وهو اسم يتقوم بمعناه الحساب ~~والجزاء، وكذلك الاسمان: الحكيم والخبير فهو تعالى بعلمه بالغيب والشهادة ~~يعلم ظاهر الأشياء وباطنها فلا يخفى عليه ظاهر لظهوره ولا باطن لبطونه، ~~وبحكمته يتقن تدبير الخليقة ويميز الواجب من الجزاء كما ينبغي فلا يظلم ولا ~~يجازف، وبخبرته لا يفوت عنه دقيق لدقته ولا جليل لجلالته. # فهذه الأسماء والنعوت تبين بأتم البيان أن الجميع محشورون إليه وأن هداه ~~هو الهدى ودين الفطرة الذي أمر به هو الدين الحق فإنه تعالى خلق العالم ~~لغاية مطلوبة أرادها منه وهو الرجوع إليه، وإذ كان يريدها فسيقول لها كن ~~فيكون لأن قوله حق لا مرد له، ويظهر اليوم أن الملك له لا سلطنة لشيء غيره ~~على شيء، وعند ذلك يتميز بتمييزه من أطاعه ممن عصاه لأنه يعلم كل غيب ~~وشهادة عن حكمة وخبرة. # وقد بان مما تقدم أولا: أن قوله: "بالحق" أريد به أن خلق السماوات والأرض ~~خلق حق أي إن الحق وصفه، وقد تقدم قريبا ms2525 معنى كون فعله وقوله تعالى حقا، ~~وأما ما قيل: إن المعنى خلق السماوات والأرض بالقول الحق فبعيد. # وثانيا: أن ظاهر قوله: "ويوم يقول كن فيكون" بدلالة السياق بيان لأمر يوم ~~القيامة وإن كان الأمر في خلق جميع الأشياء على هذه الطريقة. # وثالثا: أن اختصاص نفخ الصور من بين أوصاف القيامة بالذكر في قوله: "وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور" للإشارة إلى معنى الإحضار العام الذي هو المناسب ~~لبيان قوله في ذيل الآية السابقة: "وهو الذي إليه تحشرون" فإن الحشر هو ~~إخراج الناس وتسييرهم مجتمعين بنوع من الإزعاج، والصور إنما ينفخ فيه ~~لاجتماع أفراد العسكر لأمر يهمهم، ولذلك ينفخ الصور أعني النفخة الثانية ~~يوم القيامة ليحضروا عرصة المحشر لفصل القضاء قال تعالى: "ونفخ في الصور ~~فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون - إلى أن قال - إن كانت إلا صيحة واحدة ~~فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون": يس: 54. # وليس اليوم في الموضعين بمعنى واحد فاليوم الأول أريد به مطلق الظرف ~~كالظرف ليوم القيامة بنوع من العناية الكلامية كقولنا: يوم خلق الله الحركة ~~وحين خلق الله الأيام والليالي وإنما اليوم من فروع الحركة متفرع عليه، ~~والحين هو اليوم والليل، والمراد باليوم الثاني نفس يوم القيامة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، في قوله تعالى: يقص الحق الآية أخرج الدارقطني في ~~الإفراد وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) رجلا: "يقص الحق وهو خير الفاصلين". PageV07P079 # وفيه، في قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية، أخرج أحمد ~~والبخاري وحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مفاتيح الغيب خمس ~~لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى تغيض الأرحام ~~إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس ms2526 بأي أرض ~~تموت إلا الله و، لا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى. # أقول: ولا ينبغي أن تعد الرواية على تقدير صحتها منافية لما تقدم من عموم ~~الآية لأن العدد لا مفهوم له، وما في الرواية من المفاتيح يجمعها العلم ~~بالحوادث قبل حدوثها، وللغيب مصاديق أخر غير الخمس بدلالة من نفس الآية. # وفيه، أخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: ما من زرع على وجه الأرض ولا ثمار على أشجار إلا ~~عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان ابن فلان، وذلك قوله ~~تعالى: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها - ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس - إلا في كتاب مبين. # أقول: والرواية على ضعف سندها لا ينطبق مضمونها على الآية ذاك الانطباق. # وفي تفسير العياشي، عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلى قوله إلا في كتاب ~~مبين، قال: الورقة السقط، والحبة الولد، وظلمات الأرض الأرحام والرطب ما ~~يحيى، واليابس ما يغيض، وكل ذلك في كتاب مبين: أقول: ورواه أيضا الكليني ~~والصدوق عن أبي الربيع عنه، والقمي مرسلا والرواية لا تنطبق على ظاهر ~~الآية، ونظيرتها رواية أخرى رواها العياشي عن الحسين بن سعيد عن أبي الحسن ~~(عليه السلام). # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم" قال: السلاطين الظلمة "أو من تحت أرجلكم" العبيد السوء ومن لا خير ~~فيه قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام): وقال: في قوله تعالى: ~~"أو يلبسكم شيعا" قيل: عنى به يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة ~~والعصبية وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)،: وقال: في قوله: ~~"ويذيق بعضكم بأس بعض" قيل: هو سوء الجوار وهو المروي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: وقوله: "يبعث عليكم عذابا من ms2527 فوقكم" قال: السلطان ~~الجائر "أو من تحت أرجلكم" قال: السفلة ومن لا خير فيه "أو يلبسكم شيعا" ~~قال: العصبية "ويذيق بعضكم بأس بعض" قال سوء الجوار. # قال القمي: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: ~~"هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" قال: هو الدخان والصيحة "أو ~~من تحت أرجلكم" قال قال: وهو الخسف "أو يلبسكم شيعا" وهو اختلاف في الدين ~~وطعن بعضكم على بعض "ويذيق بعضكم بأس بعض" وهو أن يقتل بعضكم بعضا فكل هذا ~~في أهل القبلة يقول الله: انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي ~~والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد ~~الله قال: لما نزلت هذه الآية "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أعوذ بوجهك "أو من تحت ~~أرجلكم" قال: أعوذ بوجهك "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" قال: هذا ~~أهون أو أيسر: أقول: وروي أيضا ما يقرب منه عن ابن مردويه عن جابر. # وفيه:، أخرج أحمد والترمذي وحسنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في ~~هذه الآية: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم - أو من تحت ~~أرجلكم" فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أما إنها كائنة ولم يأت ~~تأويلها بعد. PageV07P080 # أقول: وهناك روايات كثيرة مروية من طرق أهل السنة وروايات أخرى من طرق ~~الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن ما أوعده الله في الآية من ~~العذاب النازل من فوقهم ومن تحت أرجلهم أعني الصيحة والخسف سيقع على هذه ~~الأمة، وأما لبسهم شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض فوقوعه مفروغ عنه. # وقد روى السيوطي في ms2528 الدر المنثور، وابن كثير في تفسيره أخبارا كثيرة دالة ~~على أنه لما نزلت الآية: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم" إلى آخرها ~~استعاذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ربه ودعاه أن لا يعذب أمته بما ~~أوعدهم من أنواع العذاب فأجابه ربه إلى بعضها ولم يجبه إلى بعض آخر وهو أن ~~لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض. # وهذه الروايات - على كثرتها - وإن اشتملت على القوية والضعيفة من حيث ~~أسنادها موهونة جميعا بمخالفتها لظاهر الآية فإن قوله تعالى في الآيتين ~~التاليتين: "وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل، لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون" تهديد صريح بالوقوع وقد نزلت الآيات - وهي من سورة الأنعام - دفعة ~~وقد أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغ ذلك أمته ولو ~~كان هناك بداء برفع البلاء لكان من الواجب أن نجده في كلامه الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس من ذلك أثر بل الأمر على خلافه كما ~~تقدم في البيان السابق أن عدة من آيات القرآن الكريم تؤيد هذه الآيات في ~~مضمونها كالتي في سورة يونس والروم وغيرهما. # على أنها تعارض روايات أخر كثيرة من طرق الفريقين دالة على وقوع ذلك ~~ونزوله على الأمة في مستقبل الزمان. # على أن هذه الروايات - على كثرتها واتفاق كثير منها في أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إنما دعا بهذه المسائل عقيب نزول هذه الآية: "قل هو ~~القادر على أن يبعث" الآية - لا تتفق لا في عدد المسائل ففي بعضها أنها ~~كانت ثلاثا وفي بعضها أنها كانت أربعا، ولا في عدد ما أجيب إليه ففي بعضها ~~أنه كان واحدا وفي بعضها أنه كان اثنين، ولا في نفس المسائل ففي بعضها أنها ~~كانت هي الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق ~~بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها الغرق والسنة وجعل بأسهم بينهم، وفي بعضها ~~أنها السنة العامة وأن يسلط عليهم ms2529 عدوا من غيرهم وأن يذيق بعضهم بأس بعض، ~~وفي بعضها أن المسائل هي أن لا يجمع أمته على ضلالة وأن لا يظهر عليهم عدوا ~~من غيرهم وأن لا يهلكهم بالسنين وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، ~~وفي بعضها أنها أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم وأن لا يهلكهم بغرق وأن لا ~~يجعل بأسهم بينهم، وفي بعضها أنها أن لا يهلكهم بما أهلك به من قبلهم وأن ~~لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وفي ~~بعضها أنها العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم وأن يلبسهم شيعا وأن يذيق بعضهم ~~بأس بعض. # على أن في كثير منها أن دعاءه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في حرة بني ~~معاوية قرية من قرى الأنصار بالعالية ولازمه كونه بعد الهجرة وسورة الأنعام ~~من السور النازلة بمكة قبل الهجرة دفعة، وفي الروايات اختلافات أخرى تظهر ~~لمن راجعها. # وإن كان ولا بد من أخذ شيء من الروايات فالوجه هو اختيار ما رواه عن عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس ~~يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله زوي لي الأرض حتى ~~رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت ~~الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي أن لا يهلك قومي بسنة عامة وأن لا ~~يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه ~~لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ولا أسلط عليهم عدوا من ~~سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي ~~بعضا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إني أخاف على أمتي الأئمة ~~المضلين فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة. PageV07P081 # فهذه الرواية وما في مضمونها خالية عن غالب الإشكالات السابقة، وليس فيها ~~أن الدعاء كان إثر نزول الآية، وينبغي ms2530 مع ذلك أن يحمل على أن المراد رفع ~~الهلاك العام والسنة العامة التي تبيد الأمة، وإلا فالسنين والمثلات ~~والمقاتل الذريعة التي لقيتها الأمة في حروب المغول والصليب وبأندلس وغيرها ~~مما لا سبيل إلى إنكارها، وينبغي أيضا أن تحمل على أن الدعاء والمسألة كان ~~في أوائل البعثة قبل نزول السورة وإلا فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أعلم بمقام ربه وأجل قدرا من أن يتلقى هذه الآيات بالوحي ثم يراجع ربه في ~~تغيير ما قضى به وأمره بتبليغه وإنذار أمته به. # وبعد اللتيا والتي فالقرآن الشريف يدل بآياته على حاق الأمر وهو أن هذا ~~الدين قائم إلى يوم القيامة، وأن الأمة لا تبيد عامة، وأن أمثال ما ابتلى ~~الله به الأمم السالفة تبتلي بها هذه الأمة حذو النعل بالنعل من غير أي ~~اختلاف وتخلف. # والروايات المستفيضة المروية عن النبي والأئمة من أهل بيته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) القطعية في صدورها ودلالتها ناطقة بذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس: في قوله: "قل لست ~~عليكم بوكيل" قال: نسخ هذه الآية آية السيف: "فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم". # أقول: قد عرفت مما تقدم من البيان أن قوله: "قل لست عليكم بوكيل" مسوق ~~تمهيدا للتهديد الذي يتضمنه قوله: "لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون" وهذا المعنى ~~لا يقبل نسخا. # وفي تفسير القمي، في قوله تعالى: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا" ~~الآية بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام ~~أو يغتاب فيه مسلم فإن الله يقول في كتابه: "إذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا - فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره - وإما ينسينك الشيطان - فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين". # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية، عن ~~أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. # وفيه، أخرج ms2531 عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال: إن أصحاب ~~الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. # وفي تفسير العياشي، عن ربعي بن عبد الله عمن ذكره عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قول الله: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا" قال: الكلام في ~~الله والجدال في القرآن "فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره" قال: منه ~~القصاص. # أقول: والروايات - كما ترى - تعمم الآية وهو أخذ بالملاك. # وفي المجمع، قال أبو جعفر (عليه السلام): لما أنزل "فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين" قال المسلمون: كيف نصنع؟ إن كان كلما استهزأ المشركون ~~بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام ~~فأنزل الله تعالى: "وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء" أمرهم بتذكيرهم ~~ما استطاعوا. # أقول: والرواية - كما ترى - مبنية على أخذ قوله: "ذكرى" مفعولا مطلقا ~~وإرجاع الضميرين في قوله: "لعلهم يتقون" إلى المشركين والتقدير: ولكن ~~ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون، ويبقى على الرواية كون السورة نازلة دفعة واحدة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريح ~~قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبون أن ~~يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزءوا فنزلت "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم" الآية قال: فجعلوا إذا استهزءوا قام فحذروا وقالوا: لا ~~تستهزءوا فيقوم فذلك قوله: "لعلهم يتقون" أن يخوضوا فتقوم ونزل: "وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء" إن تقعد معهم ولكن لا تقعد ثم نسخ ذلك قوله ~~بالمدينة: "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم إلى قوله إنكم إذا مثلهم" ~~نسخ قوله: "وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء" الآية. # أقول: لو كانت آية النساء: "وقد نزل عليكم" الآية وهي عين قوله: "وإذا ~~رأيت الذين يخوضون" الآية معنى ناسخة لقوله: "وما على الذين يتقون" الآية ~~فهو أعني قوله: "وما على الذين يتقون" الآية ناسخ لقوله: "وإذا رأيت الذين ~~يخوضون" الآية وهو ظاهر، ويأباه نزول ms2532 السورة دفعة. PageV07P082 # على أن الذي ذكره من المعنى لا يوجب تنافيا بين الآيات الثلاث يؤدي إلى ~~النسخ حتى تكون الثانية ناسخة للأولى ومنسوخة بالثالثة وهو ظاهر. # ونظير الرواية ما رواه أيضا في الدر المنثور، عن النحاس في ناسخه عن ابن ~~عباس: في قوله تعالى: "وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"، قال: هذه ~~مكية نسخت بالمدينة بقوله: "وقد نزل عليكم في الكتاب - أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها" الآية. # وفي تفسير البرهان، في قوله تعالى: "قوله الحق وله الملك" الآية عن ابن ~~بابويه بإسناده عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "عالم الغيب والشهادة" فقال: "عالم الغيب" ما ~~لم يكن "والشهادة" ما قد كان. # أقول: فيه ذكر أعرف مصاديق الغيب والشهادة عندنا، وقد تقدم في البيان ~~المتقدم آنفا وغيره أن للغيب مصاديق أخر. PageV07P083 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 74 - 83 # وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى أراك وقومك فى ضلل ~~مبين (74) وكذلك نرى إبرهيم ملكوت السموت والأرض وليكون من الموقنين (75) ~~فلما جن عليه اليل رءا كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الافلين (76) ~~فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من ~~القوم الضالين (77) فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت ~~قال يقوم إنى برىء مما تشركون (78) إنى وجهت وجهى للذى فطر السموت والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحجونى فى الله وقد هدان ~~ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شىء علما أفلا ~~تتذكرون (80) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل ~~به عليكم سلطنا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين ءامنوا ~~ولم يلبسوا إيمنهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) وتلك حجتنا ~~ءاتينها إبرهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ### |||| AUTO ms2533 بيان # عشر آيات ذكر الله سبحانه فيها ما آتاه النبي العظيم إبراهيم (عليه ~~السلام) من الحجة على المشركين بما هداه إلى توحيده وتنزيهه ثم ذكر هدايته ~~أنبياءه بتطهير سرهم من الشرك، وقد سمى بينهم نوحا (عليه السلام) وهو قبل ~~إبراهيم (عليه السلام) وستة عشر نبيا من ذرية نوح (عليه السلام). # والآيات في الحقيقة بيان لمصداق كامل من القيام بدين الفطرة والانتهاض ~~لنشر عقيدة التوحيد والتنزيه عن شرك الوثنية وهو الذي انتهض له إبراهيم ~~(عليه السلام) وحاج له على الوثنية حينما أطبقت الدنيا على الوثنية ظاهرا، ~~ونسوا ما سنه نوح (عليه السلام) والتابعون له من ذريته الأنبياء من طريقة ~~التوحيد فالآيات بما تشتمل عليه من تلقين الحجة والهداية إلى دين الفطرة ~~كالتبصر لما تقدمها من الحجج التي لقنها الله: سبحانه نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في هذه السورة بقوله: قل كذا وقل كذا فقد كررت لفظة "قل" في هذه ~~السورة الكريمة أربعين مرة نيف وعشرون منها قبل هذه الآيات فكأنه قيل: ~~واذكر فيما تقوله لقومك وتحاجهم به من أدلة التوحيد ونفي الشريك بتلقيننا ~~إياك ما قاله إبراهيم لأبيه وقومه مما آتيناه من حجتنا على قومه بما كنا ~~نريه من ملكوت السماوات والأرض فقد كان يحاجهم عن إفاضة إلهية عليه بالعلم ~~والحكمة وإراءة منه تعالى لملكوته مبنية على اليقين لا عن فكرة تصنيعية لا ~~تعدو حد التخيل والتصور، ولا تخلو عن التكلف والتعسف الذي لا تهتف به ~~الفطرة الصافية. # ولحن كلام إبراهيم (عليه السلام) فيما حكاه الله سبحانه في هذه الآيات إن ~~تدبرنا فيها بأذهان خالية عن التفاصيل الواردة في الروايات والآثار على ~~اختلافها الفاحش، غير مشوبة بالمشاجرات التي وقعت للباحثين من أهل التفسير ~~على خلطهم تفسير الآيات بمضامين الروايات ومحتويات التواريخ وما اشتملت ~~عليه التوراة وأخرى تشايعها من الإسرائيليات إلى غير ذلك، وبالجملة لحن ~~كلامه (عليه السلام) في ما حكي عنه في هذه الآيات يشعر إشعارا واضحا بأنه ~~كلام صادر عن ذهن صاف غير مملوء بزخارف الأفكار والأوهام المتنوعة أفرغته ms2534 ~~في قالب اللفظ فطرته الصافية بما عندها من أوائل التعقل والتفكير ولطائف ~~الشعور والإحساس. PageV07P084 # فالواقف في موقف النصفة من التدبر في هذه الآيات لا يشك أن كلامه المحكي ~~عنه مع قومه أشبه شيء بكلام إنسان أولي فرضي عاش في سرب من أسراب الأرض أو ~~كهف من كهوف الجبال لم يعاشر إلا بعض من يقوم بواجب غذائه ولباسه لم يشاهد ~~سماء بزواهر نجومها وكواكبها، والبازغ من قمرها وشمسها، ولم يمكث في مجتمع ~~إنساني بأفراده الجمة وبلاده الوسيعة، واختلاف أفكاره، وتشتت مقاصده ~~ومآربه، وأنواع أديانه ومذاهبه، ثم ساقه الاتفاق أن دخل في واحد من ~~المجتمعات العظيمة، وشاهد أمورا عجيبة لا عهد له بها من أجرام سماوية، ~~وأقطار أرضية، وجماعات من الناس عاكفين على مشاغلهم كادحين نحو مآربهم ~~ومقاصدهم، لا يصرفهم عن ذلك صارف بين متحرك وساكن، وعامل ومعمول له، وخادم ~~ومخدوم، وآمر ومأمور، ورئيس، ومرءوس منكب على الكسب والعمل، ومتزهد متعبد ~~يعبد الإله. # فبهته عجيب ما يراه واستغرقه غريب ما يشاهده فصار يسأل من أنس به عن شأن ~~الواحد بعد الواحد مما اجتذبت إليه نفسه، ووقع عليه بصره، وكثر منه إعجابه ~~نظير ما نراه من حال الصبي إذا نظر إلى جو السماء الوسيعة بمصابيحها ~~المضيئة وزواهرها اللامعة، وعقود كواكبها المنثورة في حالة مطمئنة نراه ~~يسأل أمه: ما هذه التي أشاهدها وأمتلىء من حبها والإعجاب بها؟ من الذي ~~علقها هناك؟ من الذي نورها؟ من الذي صنعها؟. # غير أن الذي لا نرتاب فيه أن هذا الإنسان إنما يبدأ في سؤاله من حقائق ~~الأشياء التي يشاهدها ويتعجب منها بالذي يقرب مما كان يعرفها في حال التوحش ~~والانعزال عن المجتمع وإنما يسأل عن المقاصد والغايات التي لا يقع عليها ~~الحواس. # وذلك لأن الإنسان إنما يستعلم حال المجهولات بما عنده من مواد العلم ~~الأولية فلا ينتقل من المجهولات إلا إلى ما يناسب بعض ما عنده من ~~المعلومات، وهذا أمر ظاهر محسوس من حال بعض بسائط العقول كالصبيان وأهل ~~البدو إذا صادفوا أمورا ليس لهم بها عهد فإنهم ms2535 يبدءون باستعلام حال ما ~~يستأنسون بأمره بعد الاستيناس فيسألون عن حقيقته وعن أسبابه وغاياته. # والإنسان المفروض وهو الإنسان الفطري الأولي تقريبا لما لم يشتغل إلا ~~بأبسط أسباب المعيشة لم يشغل ذهنه ما يشغل ذهن الإنسان المدني الحضري الذي ~~أحاطت به هذه الأشغال الكثيرة الطبيعية الخارجة عن الحد والحصر التي لا ~~فراغ له عنها ولو لحظة، ولذلك كان الإنسان المفروض في فراغ من الفكر وخلاء ~~من الذهن، والحوادث الجمة السماوية والأرضية الكونية محيطة به من غير أن ~~يعرف أسبابها الطبيعية فلذلك كان ذهنه أشد استعدادا للانتقال إلى سببها ~~الذي هو أعلى من الأسباب الطبيعية وهو الذي يتنبه له الإنسان الحضري بعد ~~الفراغ عن إحصاء الأسباب الطبيعية لحوادث الكون فوق هذه الأسباب لو وجد ~~فراغا، ولذا كان الأسبق إلى ذهن هذا الإنسان المفروض هو الانتقال إلى هذا ~~السبب الأعلى لو شاهد من الناس الحضريين الاشتغال به والتنسك والعبادة له. # ومن الشواهد على هذا الذي ذكرنا ما نجد أن الاشتغال بالمراسم الدينية ~~والبحث عن اللاهوت في آسيا أكثر رواجا وأغلى قدرا منه في أوروبا، وفي القرى ~~والبلاد الصغيرة أحكم موقعا منه في البلاد العظيمة وعلى هذه النسبة في ~~البلاد العظيمة والسواد الأعظم لما أن المجتمع كلما اتسع نطاقه زادت فيه ~~الحوائج الحيوية، وكثرت وتراكمت الأشغال الإنسانية فلم تدع للإنسان فراغا ~~تستريح فيه نفسه إلى معنوياتها وتتوجه إلى البحث عن مبدئها ومعادها. # وبالجملة إذا راجعنا قصة إبراهيم (عليه السلام) المودعة في هذه الآيات ~~وما يناظرها من آيات سورة مريم والأنبياء والصافات وغيرها وجدنا حاله (عليه ~~السلام) فيما يحاج به أباه وقومه أشبه شيء بحال الإنسان البسيط المفروض ~~نجده يسأل عن الأصنام ويباحث القوم في شأنها ويتكلم في أمر الكوكب والقمر ~~والشمس سؤاله من لا عهد له بما يصنعه الناس وخاصة قومه الوثنيون في الأصنام ~~يقول لأبيه وقومه: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون": الأنبياء: 52 ~~ويقول لأبيه وقومه: "ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم ms2536 أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون": الشعراء: 74. PageV07P085 # فهذا كلام من لم ير صنما ولم يشاهد وثنيا يعبد صنما وقد كان (عليه السلام) ~~في مهد الوثنية وهو بابل كلدان، وقد عاش بينهم برهة من الزمان فهل كان مثل ~~هذا التعبير منه (عليه السلام): "ما هذه التماثيل" تحقيرا للأصنام وإيماء ~~إلى أنه لا يضعها الموضع الذي يضعها عليه الناس ولا يقر لها بما أقروا به ~~من القداسة والفضل كأنه لا يعرفها كقول فرعون لموسى (عليه السلام): "وما رب ~~العالمين": الشعراء: 23 وقول كفار مكة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فيما حكى الله تعالى: "وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون": الأنبياء: 36. # لكن يبعده أن إبراهيم (عليه السلام) ما كان يستعمل في خطاب أبيه آزر إلا ~~جميل الأدب حتى إذا طرده أبوه وهدده بالرجم قال له إبراهيم: "سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا": مريم: 47. # فمن المستبعد أن يلقي إليه أول ما يواجهه من الكلام ما يتضمن تحقير شأن ~~آلهته المقدسة عنده في لحن التشويه والإهانة فيثير به عصبيته ونزعته ~~الوثنية، وقد نهى الله سبحانه في هذه الملة التي هي ملة إبراهيم حنيفا عن ~~سب آلهة المشركين لئلا يثير ذلك منهم ما يواجهون المسلمين بمثله قال تعالى: ~~"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم": الأنعام: 108. # ثم إنه (عليه السلام) بعد الفراغ مما حاج به أباه آزر وقومه في أمر ~~الأصنام يشتغل بأربابها وهي الكوكب والقمر والشمس فيقول لما رأى كوكبا: ~~"هذا ربي" ثم يقول لما رأى القمر بازغا: "هذا ربي" ثم يقول لما رأى الشمس ~~بازغة: "هذا ربي هذا أكبر" وهذه التعبيرات أيضا تعبير من كأنه لم ير كوكبا ~~ولا قمرا ولا شمسا، وأوضح التعبيرات دلالة على هذا المعنى قوله (عليه ~~السلام) في الشمس: هذا ربي هذا أكبر فإن هذا كلام من لا يعرف ما هي الشمس ~~وما هما القمر والكوكب غير أنه ms2537 يجد الناس يخضعون لها ويعبدونها ويقربون لها ~~القرابين كما يرويه التاريخ عن أهل بابل، وهذا كما إذا رأيت شبح إنسان لا ~~تدري أرجل هو أو امرأة تسأل وتقول: من هذا؟ تريد الشخص لأنك لا تعلم منه ~~أزيد من أنه شخص إنسان فيقال: امرأة فلان أو هو فلان، وإذا رأيت شبحا لا ~~تدري إنسان هو أو حيوان أو جماد تقول ما هذا؟ تريد الشبح أو المشار إليه إذ ~~لا علم لك من حاله إلا بأنه شيء جسماني أيا ما كان فيقال لك: هذا زيد أو ~~هذه امرأة فلان أو هو شاخص كذا ففي جميع ذلك تراعي - وأنت جاهل بالأمر - من ~~شأن أولي العقل وغيره والذكورية والأنوثية مقدار ما لك به علم، وأما المجيب ~~العالم بحقيقة الحال فعليه أن يراعي الحقيقة. # فظاهر قوله (عليه السلام): هذا ربي وقوله: "هذا ربي هذا أكبر" أنه ما كان ~~يعرف من حال الشمس إلا أنه شيء طالع أكبر من القمر والكوكب يقصده الناس ~~بالعبادة والنسك والإشارة إلى مثل هذا المعلوم إنما هو بلفظة "هذا" بلا ~~ريب، وأما أنها شمس أي جرم أو صفحة نورانية تدبر العالم الأرضي بضوئها ~~وترسم الليل والنهار بسيرها بحسب ظاهر الحس أو أنه قمر أو كوكب يطلع كل ~~ليلة من أفق الشرق ويغيب فيما يقابله من الغرب فلم يكن يعرف ذلك على ما ~~يشعر به هذا الكلام، ولو كان يعرف ذلك لقال في الشمس: هذه ربي هذه أكبر أو ~~قال: إنها ربي إنها أكبر كما راعى هذه النكتة بعد ذلك فيما حاج الملك نمرود ~~وقد كان يعرفها اليوم: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب": البقرة: 258 فلم يقل: فأت به من المغرب. PageV07P086 # وكما قال لأبيه وقومه على ما حكى الله: "ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل ~~لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74 فبدأ يسأل عن معبودهم بلفظة "ما" إذ لا ~~علم له عندئذ بشيء من ms2538 حاله إلا أنه شيء ثم لما ذكروا الأصنام وهم لا ~~يعتقدون لها شيئا من الشعور والإرادة قالوا: "فنظل لها" بالتأنيث، ثم لما ~~سمع ألوهيتها منهم ومن الواجب أن يتصف الإله بالنفع والضرر والسمع لدعوة من ~~يدعوه عبر عنها تعبيرا أولي العقل، ثم لما ذكروا له في قصة كسر الأصنام: ~~"لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" حذاء قوله: "فاسألوهم إن كانوا ينطقون" سلب ~~عنها شأن أولي العقل فقال: "أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون": الأنبياء: 67. # ولا يسعنا أن نتعسف فنقول: إنه (عليه السلام) أراد بقوله: "هذا ربي هذا ~~أكبر" الجرم أو المشار إليه أو أنه روعي في ذلك حال لغته التي تكلم بها وهي ~~السريانية ليس يراعى فيها التأنيث كأغلب اللغات العجمية فإن ذلك تحكم، على ~~أنه (عليه السلام) قال للملك في خصوص الشمس بعينها: "فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب": البقرة: 258 فلم يحك القرآن ما لهج به ~~بالوصف الذي في لغته فما بال هذا المورد هذا ربي هذا أكبر اختص بهذه ~~الحكاية. # ونظير السؤال آت في قوله يسأل قومه عن شأن الأصنام: "ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون": الأنبياء: 52 وكذا قوله في دعائه: "واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس": إبراهيم: 36. # وكذا لا يسعنا القول بأنه (عليه السلام) في تذكيره الإشارة إلى الشمس صان ~~الإله عن وصمة الأنوثية تعظيما أو أن الكلام من باب إتباع المبتدإ للخبر ~~الذي هو مذكر أعني قوله: ربي، وقوله: "أكبر" فكل ذلك تحكم لا دليل عليه، ~~وسيجيء تفصيل البحث فيها. # والحاصل أن الذي حكاه الله تعالى في هذه الآيات وما يناظرها من قول ~~إبراهيم (عليه السلام) لأبيه وقومه في توحيده تعالى ونفي الشريك عنه كلام ~~يدل بسياقه على أنه (عليه السلام) إنما عاش قبل ذلك في معزل من الجو الذي ~~كان يعيش فيه أبوه وقومه ولم يكن يعرف ما يعرفه معاشر المجتمعين ms2539 من تفاصيل ~~شئون أجزاء الكون والسنن الاجتماعية الدائرة بين الناس المجتمعين، وأنه كان ~~إذ ذاك في أوائل زمن رشده وتمييزه ترك معزله ولحق بأبيه، ووجد عنده أصناما ~~فسأله عن شأنها فلما أوقفه على ذلك شاجره في ألوهيتها وألزمه الحجة، ثم حاج ~~قومه في أمر الأصنام فبكتهم، ثم رجع إلى عبادتهم لأرباب الأصنام من الكوكب ~~والقمر والشمس فجاراهم في افتراض ربوبيتها الواحد منها بعد الواحد، ولم يزل ~~يراقب أمرها، وكلما غرب واحد منها رفضه وأبطل ربوبيته وافترض ربوبية غيره ~~مما يعبدونه حتى أتى في يومه وليلته على آخرها على ما هو ظاهر الآيات، ثم ~~عاد إلى التوحيد الخالص بقوله: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين" وكأنه تم له ذلك في يومين وليلة بينهما تقريبا ~~على ما سنبين إن شاء الله تعالى. # وكان (عليه السلام) على بصيرة من أن للعالم خالقا فاطرا للسماوات والأرض ~~هو الله وحده لا شريك له في ذلك، وإنما يبحث عن أنه هل للناس ومنهم إبراهيم ~~نفسه رب غير الله هو بعض خلقه كشمس أو قمر أو غيرها يربهم ويدبر أمرهم ~~ويشارك الله في أمره أو أنه لا رب لهم غير الله سبحانه وحده لا شريك له. # وفي جميع هذه المراحل التي طواها كان الله سبحانه يمده ويسدده بإراءته ~~ملكوت السماوات والأرض وعطف نفسه الشريفة إلى الجهة التي ينتسب منها ~~الأشياء إلى الله سبحانه خلقا وتدبيرا فكان إذا رأى شيئا رأى انتسابه إلى ~~الله وتكوينه وتدبيره بأمره قبل أن يرى نفسيته وآثار نفسيته كما هو ظاهر ~~سياق قوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض" الآية، وقوله في ذيل ~~الآيات: "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك ~~حكيم عليم" الآية، وقوله: "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين": الأنبياء: 51. PageV07P087 # وقول إبراهيم لأبيه فيما حكى الله تعالى: "يا أبت إني قد جاءني من العلم ما ~~لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا": مريم: 43 إلى غير ذلك من ms2540 الآيات. # ثم حاج الملك نمرود في دعواه الربوبية على ما كان ذلك من دأب كثير من ~~جبابرة السلف ومن نظائر ذلك نشأت الوثنية وكانت لقومه آلهة كثيرة لها أصنام ~~يعبدونها، وفيهم من كان يعبد أرباب الأصنام كالشمس والقمر والكوكب الذي ~~ذكره القرآن الكريم ولعله الزهرة. # هذا ملخص ما يستفاد من الآيات الكريمة وسنبحث عن مضامينها تفصيلا بحسب ما ~~نستطيعه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" القراءات السبع في آزر بالفتح ~~فيكون عطف بيان أو بدلا من أبيه وفي بعض القراءات "آزر" بالضم وظاهره أنه ~~منادى مرفوع بالنداء، والتقدير: يا آزر أتتخذ أصناما آلهة، وقد عد من ~~القراءات "أأزرا تتخذ" مفتتحا بهمزة الاستفهام، وبعده "أزرا" بالنصب مصدر ~~أزر يأزر بمعنى قوي والمعنى: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ أصناما للتقوي ~~والاعتضاد. # وقد اختلف المفسرون على القراءة الأولى المشهورة والثانية الشاذة في ~~"آزر" أنه اسم علم لأبيه أو لقب أريد بمعناه المدح أو الذم بمعنى المعتضد ~~أو بمعنى الأعرج أو المعوج أو غير ذلك ومنشأ ذلك ما ورد في عدة روايات أن ~~اسم أبيه "تارح" بالحاء المهملة أو المعجمة ويؤيده ما ضبطه التاريخ من اسم ~~أبيه، وما وقع في التوراة الموجودة أنه (عليه السلام) ابن تارخ. # كما اختلفوا أن المراد بالأب هو الوالد أو العم أو الجد الأمي أو الكبير ~~المطاع ومنشأ ذلك أيضا اختلاف الروايات فمنها ما يتضمن أنه كان والده وأن ~~إبراهيم (عليه السلام) سيشفع له يوم القيامة ولكن لا يشفع بل يمسخه الله ~~ضبعا منتنا فيتبرأ منه إبراهيم، ومنها ما يدل على أنه لم يكن والده، وأن ~~والده كان موحدا غير مشرك، وما يدل على أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كانوا جميعا موحدين غير مشركين إلى غير ذلك من الروايات، وقد اختلفت ~~في سائر ما قص من أمر إبراهيم اختلافا عجيبا حتى اشتمل بعضها على نظائر ما ~~ينسبه إليه العهد العتيق مما تنزهه عنه الخلة الإلهية والنبوة والرسالة. # وقد أطالوا هذا النمط ms2541 من البحث حتى انجر إلى غايات بعيدة تغيب عندها رسوم ~~البحث التفسيري الذي يستنطق الآيات الكريمة عن مقاصدها عن نظر الباحث، وعلى ~~من يريد الاطلاع على ذلك أن يراجع مفصلات التفاسير وكتب التفسير بالمأثور. # والذي يهدي إليه التدبر في الآيات المتعرضة لقصصه (عليه السلام) أنه ~~(عليه السلام) في أول ما عاشر قومه بدأ بشأن رجل يذكر القرآن أنه كان أباه ~~آزر، وقد أصر عليه أن يرفض الأصنام ويتبعه في دين التوحيد فيهديه حتى طرده ~~أبوه عن نفسه وأمره أن يهجره قال تعالى: "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان ~~صديقا نبيا، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا - ~~إلى أن قال - قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ~~واهجرني مليا": مريم: 46 فسلم عليه إبراهيم ووعده أن يستغفر له، ولعله كان ~~طمعا منه في إيمانه وتطميعا له في السعادة والهدى قال تعالى: "قال سلام ~~عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ~~وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا": مريم: 48 والآية الثانية أحسن ~~قرينة على أنه (عليه السلام) إنما وعده أن يستغفر له في الدنيا لا أن يشفع ~~له يوم القيامة وإن بقي كافرا أو بشرط أن لا يعلم بكفره. PageV07P088 # ثم حكى الله سبحانه إنجازه (عليه السلام) لوعده هذا واستغفاره لأبيه في ~~قوله: "رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم ~~يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89 ~~وقوله: "إنه كان من الضالين" يدل على أنه (عليه السلام) إنما دعا بهذا ~~الدعاء لأبيه بعد موته أو بعد مفارقته إياه وهجره له لمكان قوله: "كان" ~~وذيل كلامه المحكي في الآيات يدل ms2542 على أنه كان صورة دعاء أتى بها للخروج عن ~~عهدة ما وعده وتعهد له فإنه (عليه السلام) يقول: اغفر لهذا الضال يوم ~~القيامة ثم يصف يوم القيامة بأنه لا ينفع فيه شيء إلا القلب السليم. # وقد كشف الله سبحانه عن هذه الحقيقة بقوله - وهو في صورة الاعتذار -: "ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه ~~حليم": التوبة: 114 والآية بسياقها تشهد على أن هذا الدعاء إنما صدر منه ~~(عليه السلام) في الدنيا وكذلك التبري منه لا أنه سيدعو له ثم يتبرأ منه ~~يوم القيامة فإن السياق سياق التكليف التحريمي العام وقد استثنى منه دعاء ~~إبراهيم، وبين أنه كان في الحقيقة وفاء منه (عليه السلام) بما وعده، ولا ~~معنى لاستثناء ما سيقع مثلا يوم القيامة عن حكم تكليفي مشروع في الدنيا ثم ~~ذكر التبري يوم القيامة. # وبالجملة هو سبحانه يبين دعاء إبراهيم (عليه السلام) لأبيه ثم تبريه منه، ~~وكل ذلك في أوائل عهد إبراهيم ولما يهاجر إلى الأرض المقدسة بدليل سؤاله ~~الحق واللحوق بالصالحين وأولادا صالحين كما يستفاد من قوله في الآيات ~~السابقة: رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين" الآية وقوله تعالى - ويتضمن ~~التبري عن أبيه وقومه واستثناء الاستغفار أيضا -: "قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء": ~~الممتحنة: 4. # ثم يذكر الله تعالى عزمه (عليه السلام) على المهاجرة إلى الأرض المقدسة ~~وسؤاله أولادا صالحين بقوله: "فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين، وقال إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لي من الصالحين": الصافات: 100. # ثم يذكر تعالى ذهابه إلى الأرض المقدسة ورزقه صالح ms2543 الأولاد بقوله: ~~"وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا ~~فيها للعالمين، ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين": ~~الأنبياء: 72 وقوله: "فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا": مريم: 49. # ثم يذكر تعالى آخر دعائه بمكة وقد وقع في آخر عهده (عليه السلام) بعد ما ~~هاجر إلى الأرض المقدسة وولد له الأولاد وأسكن إسماعيل مكة وعمرت البلدة ~~وبنيت الكعبة، وهو آخر ما حكي من كلامه في القرآن الكريم: "وإذ قال إبراهيم ~~رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام - إلى أن قال - ربنا ~~إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة - ~~إلى أن قال - الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء - إلى أن قال - ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب": إبراهيم: 41. # والآية بما لها من السياق وبما احتف بها من القرائن أحسن شاهد على أن ~~والده الذي دعا له فيها غير الذي يذكره سبحانه بقوله: "لأبيه آزر" فإن ~~الآيات كما ترى تنص على أن إبراهيم (عليه السلام) استغفر له وفاء بوعده ثم ~~تبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله، ولا معنى لإعادته (عليه السلام) الدعاء ~~لمن تبرأ منه ولاذ إلى ربه من أن يمسه فأبوه آزر غير والده الصلبي الذي دعا ~~له ولأمه معا في آخر دعائه. PageV07P089 # ومن لطيف الدلالة في هذا الدعاء أعني دعاءه الأخير ما في قوله: "ولوالدي" ~~حيث عبر بالوالد والوالد لا يطلق إلا على الأب الصلبي وهو الذي يلد ويولد ~~الإنسان مع ما في دعائه الآخر: "واغفر لأبي إنه كان من الضالين" والآيات ~~الآخر المشتملة على ذكر أبيه آزر فإنها تعبر عنه بالأب والأب ربما تطلق على ~~الجد والعم وغيرهما، وقد اشتمل القرآن الكريم على هذا الإطلاق بعينه في ~~قوله تعالى: "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من ~~بعدي قالوا نعبد إلهك ms2544 وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن ~~له مسلمون": البقرة: 133 فإبراهيم جد يعقوب وإسماعيل عمه وقد أطلق على كل ~~منهما الأب، وقوله تعالى فيما يحكي من كلام يوسف (عليه السلام): "واتبعت ~~ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب": يوسف: 38 فإسحاق جد يوسف وإبراهيم ~~(عليهما السلام) جد أبيه وقد أطلق على كل منهما الأب. # فقد تحصل أن آزر الذي تذكره الآية ليس أبا لإبراهيم حقيقة وإنما كان ~~معنونا ببعض الأوصاف والعناوين التي تصحح إطلاق الأب عليه، وأن يخاطبه ~~إبراهيم (عليه السلام) بيا أبت، واللغة تسوغ إطلاق الأب على الجد والعم ~~وزوج أم الإنسان بعد أبيه وكل من يتولى أمور الشخص وكل كبير مطاع، وليس هذا ~~التوسع من خصائص اللغة العربية بل يشاركها فيه وفي أمثاله سائر اللغات ~~كالتوسع في إطلاق الأم والعم والأخ والأخت والرأس والعين والفم واليد ~~والعضد والإصبع وغير ذلك مما يهدي إليه ذوق التلطف والتفنن في التفهيم ~~والتفهم. # فقد تبين أولا أن لا موجب للاشتغال بما تقدمت الإشارة إليه من الأبحاث ~~الروائية والتاريخية والأدبية في أبيه ولفظة آزر وأنه هل هو اسم علم أو لقب ~~مدح أو ذم أو اسم صنم فلا حاجة إلى شيء من ذلك في الحصول على مراد الآية. # على أن غالب ما أوردوه في هذا الباب تحكم لا دليل عليه مع ما فيه من ~~إفساد ظاهر الآية وإخلال أمر السياق باعتبار التراكيب العجيبة التي ذكروها ~~للجملة "آزر أتتخذ أصناما آلهة" من تقديم وتأخير وحذف وتقدير. # وثانيا: أن والده الحقيقي غير آزر لكن القرآن لم يصرح باسمه، وإنما وقع ~~في الروايات ويؤيده ما يوجد في التوراة أن اسمه "تارخ". # ومن عجيب الوهم ما ذكره بعض الباحثين أن القرآن الكريم كثيرا ما يهمل ~~فيما يذكره من تاريخ الأنبياء والأمم ويقصه من قصص الماضين أمورا مهمة هي ~~من جوهريات القصص كذكر تاريخ الوقوع ومحله والأوضاع الطبيعية والاجتماعية ~~والسياسية وغيرها المؤثرة في تكون الحوادث الدخيلة في تركب الوقائع ومنها ~~ما في مورد البحث فإن من العوامل المقومة ms2545 لمعرفة حقيقة هذه القصة معرفة اسم ~~أبي إبراهيم ونسبه وتاريخ زمن نشوئه ونهضته ودعوته ومهاجرته. # وليس ذلك إلا لأن القرآن سلك في قصصه المسلك الجيد الذي يهدي إليه فن ~~القصص الحقيقي وهو أن يختار القاص في قصته كل طريق ممكن موصل إلى غايته ~~ومقصده إيصالا حسنا، ويمثل المطلوب تمثيلا تاما بالغا من غير أن يبالغ في ~~تمييز صحيح ما يقصه من سقيمه، ويحصي جميع ما هو من جوهريات القصة كتأريخ ~~الوقوع ومكانه وسائر نعوته اللازمة فمن الجائز أن يأخذ القرآن الكريم في ~~سبيل النيل إلى مقصده وهو الهداية إلى السعادة الإنسانية قصصا دائرة بين ~~الناس أو بين أهل الكتاب في عصر الدعوة وإن لم يوثق بصحتها أو لم يتبين ~~فيما بأيديهم من القصة جميع جهاتها الجوهرية حتى لو كانت قصة تخييلية كما ~~قيل بذلك في قصة موسى وفتاه وفي قصة الملإ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت وغير ذلك فالفن القصصي لا يمنع شيئا من ذلك بعد ما ميز القاص أن ~~القصة أبلغ وسيلة وأسهل طريقة إلى النيل بمقصده. PageV07P090 # وهذا خطأ فإن ما ذكره من أمر الفن القصصي حق غير أن ذلك غير منطبق على مورد ~~القرآن الكريم فليس القرآن كتاب تاريخ ولا صحيفة من صحف القصص التخييلية ~~وإنما هو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد نص على ~~أنه كلام الله سبحانه، وأنه لا يقول إلا الحق، وأن ليس بعد الحق إلا ~~الضلال، وأنه لا يستعين للحق بباطل، ولا يستمد للهدى بضلال، وأنه كتاب يهدي ~~إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وأن ما فيه حجة لمن أخذ به وعلى من تركه في ~~آيات جمة لا حاجة إلى إيرادها فكيف يسع لباحث يبحث عن مقاصد القرآن أن يجوز ~~اشتماله على رأي باطل أو قصة كاذبة باطلة أو خرافة أو تخييل. # لست أريد أن مقتضى الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به رسوله أن ينفى عن ~~القرآن أن يشتمل على باطل أو كذب أو خرافة وإن ms2546 كان ذلك، ولا أن الواجب على ~~كل إنسان سليم العقل صحيح الفكر مستقيم الأمر أن تخضع نفسه للقرآن بتصديقه ~~ونفي كل خطإ وزلة عنه في وسائل من المعارف توسل بها إلى مقاصده، وفي نفس ~~تلك المقاصد وإن كان كذلك. # وإنما أقول: إنه كتاب يدعي لنفسه أنه كلام إلهي موضوع لهداية الناس إلى ~~حقيقة سعادتهم يهدي بالحق ويهدي إلى الحق ومن الواجب على من يفسر كتابا هذا ~~شأنه ويستنطقه في مقاصده ومطالبه أن يفترضه صادقا في حديثه مقتصرا على ما ~~هو الحق الصريح في خبره وكل ما يسوقه من بيان أو يقيمه من برهان على مقاصده ~~وأغراضه هاديا إلى الصراط الذي لا يتخلله باطل موصلا إلى غاية لا يشوبها ~~شيء من غير جنس الحق ولا يداخلها أي وهن وفتور. # وكيف يكون مقصد من المقاصد حقا على الإطلاق وقد تسرب باطل ما إلى طريقه ~~الذي يدعو إليه المقصد ولا يدعو - على ما يراه - إلا إلى حق؟ وكيف يكون ~~قضية من القضايا قولا فصلا ما هو بالهزل وقد تسرب إلى البيان المنتج لها ~~شيء من المسامحة والمساهلة؟ وكيف يمكن أن يكون حديث أو نبأ كلاما لله الذي ~~يعلم غيب السماوات والأرض وقد دب فيه جهل أو خبط أو خطاء؟ وهل ينتج النور ~~ظلمة أو الجهل معرفة؟. # فهذا هو المسلك الوحيد الذي لا يحل تعديه في استنطاق القرآن الكريم في ~~مضامين آياته وهو يرى أنه كلام حق لا يشوبه باطل في غرضه وطريق غرضه. # وأما البحث عن أنه هل هو صادق فيما يدعيه لنفسه: أنه كلام الله، وأنه محض ~~الحق في طريقه وغايته؟ وأنه ما ذا يقضي به الكتب المقدسة الأخرى كالعهدين ~~وأوستا وغيرها في قضايا قضى بها القرآن؟ وأنه ما ذا تهدي إليه الأبحاث ~~العلمية الأخر التاريخية أو الطبيعية أو الرياضية أو الفلسفية أو ~~الاجتماعية أو غيرها؟ فإنما هذه وأمثالها أبحاث خارجة عن وظيفة التفسير ليس ~~من الجائز أن تخلط به أو يقام بها مقامه. # نعم قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان ms2547 من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا": النساء: 82 ينطق بأن هناك شبهات عارضة وأوهاما متسابقة ~~إلى الأذهان تسول لها أن في القرآن اختلافا كان يتراءى من آية أنها تخالف ~~آية، أو أن يستشكل في آية أنها بمضمونها تخالف الحق والحقيقة وإذ كان ~~القرآن ينص على أنه يهدي إلى الحق فيختلف الآيتان بالآخرة، هذه تدل على أن ~~كل ما تنبىء عنه آية فهو حق وهذه بمضمونها تنبىء نبأ غير حق لكن الآية أعني ~~قوله: "أفلا يتدبرون القرآن" إلخ، تصرح القول بأن القرآن تكفي بعض آياته ~~لدفع المشكلة عن بعضها الآخر ويكشف جزء منه عما اشتبه على بعض الأفهام من ~~حال جزء آخر فعلى الباحث عن مراده ومقصده أن يستعين بالبعض على البعض ~~ويستشهد بالبعض على البعض ويستنطق البعض في البعض والقرآن الكريم كتاب دعوة ~~وهداية لا يتخطى عن صراطه ولو خطوة وليس كتاب تاريخ ولا قصة وليست مهمته ~~مهمة الدراسة التاريخية ولا مسلك الفن القصصي، وليس فيه هوى ذكر الأنساب ~~ولا مقدرات الزمان والمكان، ولا مشخصات أخر لا غنى للدرس التاريخي أو القصة ~~التخييلية عن إحصائها وتمثيلها. # فأي فائدة دينية في أن ينسب إبراهيم أنه إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ~~سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح؟ أو أن ~~يقال: إنه ولد في أور الكلدانيين حدود سنة ألفين تقريبا قبل الميلاد في عهد ~~فلان الملك الذي ولد في كذا وملك كذا مدة ومات سنة كذا. PageV07P091 # وسنجمع في ذيل البحث عن آيات القصة جملا من قصة إبراهيم (عليه السلام) ~~منثورة في القرآن ثم نتبعها بما في التوراة وغيرها من تاريخ حياته وشخصيته ~~فلينظر الباحث المتدبر بعين النصفة ثم ليقض فيما اختاره القرآن منها وحققه ~~ما هو قاض. # والقرآن الكريم مع ذلك لم يهمل الواجب في حق العلوم النافعة، ولم يحرم ~~البحث عن العالم وأجزائه السماوية والأرضية، ولا منع من استطلاع أخبار ~~الأمم الماضية وسنن المجتمعات والقرون الخالية، والاستعانة بها على واجب ms2548 ~~المعرفة ولازم العلم والآيات تمدح العلم أبلغ المدح، وتندب إلى التفكر ~~والتفقه والتذكر كثرة لا حاجة معها إلى إيرادها هاهنا. # قوله تعالى: "أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين" قال الراغب ~~في المفردات:، الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها ~~متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام قال الله تعالى: أتتخذ أصناما آلهة، ~~لأكيدن أصنامكم، انتهى، وما ذكره من اتخاذه من فضة أو نحاس أو خشب إنما هو ~~من باب المثال لا ينحصر فيه اتخاذها بل كان يتخذ من كل ما يمكن أن يمثل به ~~تمثال من أقسام الفلزات والحجارة وغيرها، وقد روي أن بني حنيفة من اليمامة ~~كانوا قد اتخذوا صنما من أقط، وربما كانوا يتخذونه من الطين وربما كان صورة مصورة. # وكيف كان فقد كانت الأصنام ربما يمثل بها موضوع اعتقادي غير محسوس كإله ~~السماء والأرض وإله العدل، وربما يمثل بها موضوع محسوس كصنم الشمس وصنم ~~القمر، وقد كانت من النوعين جميعا أصنام لقوم إبراهيم (عليه السلام) على ما ~~تؤيده الآثار المكشوفة منهم في خرائب بابل وقد كانوا يعبدونها تقربا بها ~~إلى أربابها، وبأربابها إلى الله سبحانه، وهذا أنموذج بارز من سفه أحلام ~~البشر أن يخضع أعلى حد الخضوع - وهو خضوع العبد للرب - لمثال مثل به موضوعا ~~يستعظم أمره ويعظمه، وحقيقته منتهى درجة خضوع المصنوع المربوب لصانعه من ~~صانع لمصنوع نفسه كان الواحد منهم يأخذ خشبة فينحت بيده منه صنما ثم ينصبه ~~فيعبده ويتذلل له ويخضع ولذلك جيء بلفظة الأصنام في قوله المحكي: "أتتخذ ~~أصناما آلهة" نكرة ليدل على هوان أمرها وحقارته من جهة أنها مصنوعة لهم ~~مخلوقة بأيديهم كما يشير إليه قوله (عليه السلام) لقومه فيما حكى الله: ~~"أتعبدون ما تنحتون": الصافات: 95 ومن جهة أنها فاقدة لأظهر صفات الربوبية ~~وهو العلم والقدرة كما في قوله لأبيه: "إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا": مريم: 42. # فقوله: "أتتخذ أصناما" إلخ، معناه: أتتخذ أصناما ms2549 لا خطر في أمرها آلهة ~~والإله هو الذي في أمره خطر عظيم إني أراك وقومك في ضلال مبين، وكيف لا ~~يظهر هذا الضلال وهو عبادة وتذلل عبودي من صانع فيه آثار العلم والقدرة ~~لمصنوعه الذي يفقد العلم والقدرة. # والذي تشتمل عليه الآية أعني قوله: "أتتخذ أصناما آلهة" إلخ، من الحجاج ~~وإن كان بمنزلة التلخيص لعدة احتجاجات واجه بها إبراهيم (عليه السلام) أباه ~~وقومه على ما حكي تفصيلها في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أنه أول ما ~~حاج به أباه وقومه فإن الذي حكاه الله سبحانه من محاجته هو حجاجه أباه ~~وحجاجه قومه في أمر الأصنام وحجاجهم في ربوبية الكوكب والقمر والشمس وحجاجه الملك. # أما حجاجه في ربوبية الكوكب والقمر والشمس فالآيات دالة على كونه بعد ~~الحجاج في أمر الأصنام، والاعتبار والتدبر يعطي أن يكون حجاجه الملك بعد ما ~~ظهر أمره وشاع مخالفته لدين الوثنية والصابئة وكسر الأصنام، وأن يكون مبدأ ~~أمره مخالفته أباه في دينه وهو معه وعنده قبل أن يواجه الناس ويخالفهم في ~~نحلتهم فقد كان أول ما حاج به في التوحيد هو ما حاج به أباه وقومه في أمر ~~الأصنام. # قوله تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض" إلخ، ظاهر السياق ~~أن تكون الإشارة بقوله: "كذلك" إلى ما تضمنته الآية السابقة: "وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك" إلخ، أنه (عليه السلام) أري ~~الحق في ذلك، فالمعنى: على هذا المثال من الإراءة نري إبراهيم ملك السماوات ~~والأرض. PageV07P092 # وبمعونة هذه الإشارة ودلالة قوله في الآية التالية: "فلما جن عليه الليل" ~~الدالة على ارتباط ما بعده بما قبله يظهر أن قوله: "نري" لحكاية الحال ~~الماضية كقوله تعالى: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض": القصص: 5. # فالمعنى: أنا أرينا إبراهيم ملكوت السماوات والأرض فبعثه ذلك أن حاج أباه ~~وقومه في أمر الأصنام وكشف له ضلالهم، وكنا نمده بهذه العناية والموهبة وهي ~~إراءة الملكوت وكان على هذه الحال حتى جن عليه الليل ورأى كوكبا. # وبذلك يظهر أن ms2550 ما يتراءى من بعضهم: أن قوله: "وكذلك نري" إلخ، كالمعترضة ~~لا يرتبط بما قبله ولا بما بعده، وكذا قول بعضهم: إن إراءة الملكوت أول ما ~~ظهر من أمرها في إبراهيم (عليه السلام) أنه لما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~إلخ، فاسد لا ينبغي أن يصار إليه. # وأما ملكوت السماوات والأرض فالملكوت هو الملك مصدر كالطاغوت والجبروت ~~وإن كان آكد من حيث المعنى بالنسبة إلى الملك كالطاغوت والجبروت بالنسبة ~~إلى الطغيان والجبر أو الجبران. # والمعنى الذي يستعمله فيه القرآن هو المعنى اللغوي بعينه من غير تفاوت ~~كسائر الألفاظ المستعملة في كلامه تعالى غير أن المصداق غير المصداق وذلك ~~أن الملك والملكوت وهو نوع من السلطنة إنما هو فيما عندنا معنى افتراضي ~~اعتباري بعثنا إلى اعتباره الحاجة الاجتماعية إلى نظم الأعمال والأفراد ~~نظما يؤدي إلى الأمن والعدل والقوة الاجتماعيات وهو في نفسه يقبل النقل ~~والهبة والغصب والتغلب كما لا نزال نشاهد ذلك في المجتمعات الإنسانية. # وهذا المعنى على أنه وضعي اعتباري وإن أمكن تصويره في مورده تعالى من جهة ~~أن الحكم الحق في المجتمع البشري لله سبحانه كما قال تعالى: "إن الحكم إلا ~~لله": الأنعام: 57 وقال: "له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم": القصص: ~~70 لكن تحليل معنى هذا الملك الوضعي يكشف عن ثبوت ذلك في الحقائق ثبوتا غير ~~قابل للزوال والانتقال كما أن الواحد منا يملك نفسه بمعنى أنه هو الحاكم ~~المسلط المتصرف في سمعه وبصره وسائر قواه وأفعاله بحيث إن سمعه إنما يسمع ~~وبصره إنما يبصر بتبع إرادته وحكمه لا بتبع إرادة غيره من الأناسي وحكمه ~~وهذا معنى حقيقي لا نشك في تحققه فينا مثلا تحققا لا يقبل الزوال والانتقال ~~كما عرفت فالإنسان يملك قوى نفسه وأفعال نفسه وهي جميعا تبعات وجوده قائمة ~~به غير مستقلة عنه ولا مستغنية عنه فالعين إنما تبصر بإذن من الإنسان الذي ~~يبصر بها وكذا السمع يسمع بإذن منه، ولو لا الإنسان لم يكن بصر ولا إبصار ~~ولا سمع ولا استماع كما أن الفرد ms2551 من المجتمع إنما يتصرف فيما يتصرف فيه ~~بإذن من الملك أو ولي الأمر، ولو لم تكن هذه القوة المدبرة التي تتوحد ~~عندها أزمة المجتمع لم يكن اجتماع، ولو منع عن تصرف من التصرفات الفردية لم ~~يكن له أن يتصرف ولا نفذ منه ذلك، ولا شك أن هذا المعنى بعينه موجود لله ~~سبحانه الذي إليه تكوين الأعيان وتدبير النظام فلا غنى لمخلوق عن الخالق عز ~~اسمه لا في نفسه ولا في توابع نفسه من قوى وأفعال، ولا استقلال له لا ~~منفردا ولا في حال اجتماعه مع سائر أجزاء الكون وارتباط قوى العالم وامتزاج ~~بعضها ببعض امتزاجا يكون هذا النظام العام المشاهد. # قال تعالى: "قل اللهم مالك الملك": آل عمران: 26 وقال تعالى: "لله ملك ~~السماوات والأرض": المائدة: 120 وقال تعالى: "تبارك الذي بيده الملك وهو ~~على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة - إلى أن قال - الذي خلق سبع ~~سماوات طباقا": الملك: 3 والآيات - كما ترى - تعلل الملك بالخلق فكون وجود ~~الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها وواقعيتها إليه تعالى هو الملاك في ~~تحقق ملكه وهو بمعنى ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يزول عنه إلى غيره ~~ولا يقبل نقلا ولا تفويضا يغني عنه تعالى وينصب غيره مقامه. # وهذا هو الذي يفسر به معنى الملكوت في قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 فالآية الثانية ~~تبين أن ملكوت كل شيء هو كلمة كن الذي يقوله الحق سبحانه له، وقوله فعله، ~~وهو إيجاده له. PageV07P093 # فقد تبين أن الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه ~~وقيامها به، وهذا أمر لا يقبل الشركة ويختص به سبحانه وحده، فالربوبية التي ~~هي الملك والتدبير لا تقبل تفويضا ولا تمليكا انتقاليا. # ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية ~~كما قال تعالى: "أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ~~وأن عسى أن يكون قد ms2552 اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون": الأعراف: 185 ~~والآية - كما ترى - تحاذي أول سورة الملك المنقول آنفا. # فقد بان أن المراد بإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض على ما يعطيه ~~التدبر في سائر الآيات المربوطة بها هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى ~~مشاهدة الأشياء من جهة استناد وجودها إليه، وإذ كان استنادا لا يقبل الشركة ~~لم يلبث دون أن حكم عليها أن ليس لشيء منها أن يرب غيره ويتولى تدبير ~~النظام وأداء الأمور فالأصنام تماثيل عملها الإنسان وسماها أسماء لم ينزل ~~الله عليها من سلطان، وما هذا شأنه لا يرب الإنسان ولا يملكه وقد عملته يد ~~الإنسان، والأجرام العلوية كالكوكب والقمر والشمس تتحول عليها الحال فتغيب ~~عن الإنسان بعد حضورها، وما هذا شأنه لا يكون له الملك وتولي التدبير ~~تكوينا كما سيجيء بيانه. # قوله تعالى: "وليكون من الموقنين" اللام للتعليل، والجملة معطوفة على ~~أخرى محذوفة والتقدير: ليكون كذا وكذا وليكون من الموقنين. # واليقين هو العلم الذي لا يشوبه شك بوجه من الوجوه، ولعل المراد به أن ~~يكون على يقين بآيات الله على حد ما في قوله: "وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون": السجدة: 24 وينتج ذلك اليقين ~~بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا. # وفي معنى ذلك ما أنزله في خصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا": الإسراء: 1 وقال: "ما زاغ البصر وما طغى، ~~لقد رأى من آيات ربه الكبرى": النجم: 18 وأما اليقين بذاته المتعالية ~~فالقرآن يجله تعالى أن يتعلق به شك أو يحيط به علم وإنما يسلمه تسليما. # وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى انكشاف ما ~~وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى كما في قوله: "كلا لو ~~تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم": التكاثر: 6 وقوله: "كلا إن كتاب الأبرار ~~لفي عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده ms2553 المقربون": المطففين: 21. # قوله تعالى: "فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي" إلى آخر الآية ~~قال الراغب في المفردات،: أصل الجن بفتح الجيم ستر الشيء عن الحاسة يقال: ~~جنه الليل وأجنه وجن عليه: فجنه ستره، وأجنه جعل له ما يجنه كقولك: قبرته ~~وأقبرته وسقيته وأسقيته، وجن عليه كذا ستر عليه قال عز وجل: فلما جن عليه ~~الليل رءا كوكبا، انتهى. # فجن الليل إسداله الظلام لا مجرد ما يحصل بغروب الشمس. # وقوله: "فلما جن عليه الليل" تفريع على ما تقدم من نفيه ألوهية الأصنام ~~بما يرتبطان بقوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض" ومحصل ~~المعنى على ذلك أنا كنا نريه الملكوت من الأشياء فأبطل ألوهية الأصنام إذ ~~ذاك، ودامت عليه الحال فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال كذا وكذا. # وقوله: "رءا كوكبا" كأن تنكير الكوكب إنما هو لنكتة راجعة إلى مرحلة ~~الإخبار والتحدث فلا غرض في الكلام يتعلق بتعيين هذا الكوكب وأنه أي كوكب ~~كان من السيارات أو الثوابت لأن الذي أخذه في الحجاج يجري في أي كوكب من ~~الكواكب يطلع ويغرب لا أن إبراهيم (عليه السلام) أشار إلى كوكب ما من ~~الكواكب من غير أن يمتاز بأي مميز مفروض: أما أولا فلأن اللفظ لا يساعده ~~فلا يقال لمن أشار إلى كوكب بين كواكب لا تحصى كثرة فقال: هذا ربي: إنه رأى ~~كوكبا قال هذا ربي، وأما ثانيا فلأن ظاهر الآيات أنه كان هناك قوم يعبدون ~~الكوكب الذي أشار إليه وقال فيه ما قال، والصابئون ما كانوا يعبدون أي كوكب ~~ولا يحترمون إلا السيارات. PageV07P094 # والذي يؤيده الاعتبار أنه كان كوكب الزهرة، وذلك لأن الصابئين ما كانوا ~~يحترمون وينسبون حوادث العالم الأرضي إلا إلى سبعة من الأجرام العلوية التي ~~كانوا يسمونها بالسيارات السبع: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، ~~والمشتري، وزحل وإنما كان أهل الهند هم الذين يحترمون النجوم الثوابت ~~وينسبون الحوادث إليها، ونظيرهم في ذلك بعض أرباب الطلسمات ووثنية العرب ~~وغيرهم. # فالظاهر أن الكوكب كان أحد السبعة والقمر والشمس مذكوران ms2554 بعد، وعطارد مما ~~لا يرى إلا شاذا لضيق مداره فقد كان أحد الأربعة: الزهرة، والمريخ ~~والمشتري، وزحل، والزهرة من بينها هي الكوكبة الوحيدة التي يمنعها ضيق ~~مدارها أن تبتعد من الشمس أكثر من سبع وأربعين درجة، ولذلك كانت كالتابعة ~~الملازمة للشمس فأحيانا تتقدمها فتطلع قبيل طلوعها وتسمى عند العامة حينئذ ~~نجمة الصباح ثم تغيب بعد طلوعها، وأحيانا تتبعها فتظهر بعد غروب الشمس في ~~أفق المغرب ثم لا تلبث إلا قليلا في أول الليل دون أن تغيب، وإذا كانت على ~~هذا الوضع والليلة من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري كليلة ثماني عشرة ~~وتسع عشرة والعشرين فإنها تجامع بغروبها طلوع القمر فترى أن الشمس تغرب ~~فتظهر الزهرة في الأفق الغربي ثم تغرب بعد ساعة أو ساعتين مضتا من غروب ~~الشمس ثم يطلع القمر عند ذلك أو بعد ذلك بيسير. # وهذه الخصوصية من بينها إنما هي للزهرة بحسب نظام سيرها وفي غيرها ~~كالمشتري والمريخ وزحل أمر اتفاقي ربما يقع في أوضاع خاصة لا يسبق إلى ~~الذهن فيشبه من هنا أن الكوكب كان هو الزهرة. # على أن الزهرة أجمل الكواكب الدرية وأبهجها وأضوؤها أول ما يجلب نظر ~~الناظر إلى السماء بعد جن الليل وعكوف الظلام على الآفاق يجلب إليها. # وهذا أحسن ما يمكن أن تنطبق عليه الآية بحسب ما يتسابق إلى الذهن من ~~قوله: فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي فلما أفل - إلى أن قال - ~~فلما رءا القمر بازغا "إلخ" حيث وصل ظاهرا بين أفول الكوكب وبزوغ القمر. # ويتأيد هذا الذي ذكرناه بما ورد في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) أن الكوكب كان هو الزهرة. # وعلى هذا فقد كان (عليه السلام) رأى الزهرة والقوم يتنسكون بواجب عبادتها ~~من خضوع وصلاة وقربان، وكانت الزهرة وقتئذ تتلو الشمس في غروبها، والليلة ~~من ليالي النصف الأخير من الشهر القمري جن عليه الليل فرأى الزهرة في الأفق ~~الغربي حتى أفلت فرأى القمر بازغا بعده. # وقوله تعالى: "قال هذا ربي" المراد بالرب ms2555 هو مالك الأشياء المربوبين، ~~المدبر لأمرهم لا الذي فطر السماوات والأرض وأوجد كل شيء بعد ما لم يكن ~~موجودا فإنه الله سبحانه الذي ليس بجسم ولا جسماني ولا يحويه مكان ولا يقع ~~عليه إشارة، والذي يظهر مما حكي من كلام إبراهيم مع قومه في أمر الأصنام ~~ظهورا لا شك فيه أنه كان على بينة من ربه وله من العلم بالله وآياته ما لا ~~يخفى عليه معه أن الله سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية، قال ~~تعالى حكاية عنه في محاورة له مع أبيه: "يا أبت إني قد جاءني من العلم ما ~~لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا" إلى آخر الآيات: مريم: 43. # على أن الوثنيين والصابئين لا يثبتون لله سبحانه شريكا في الإيجاد يكافىء ~~بوجوده وجوده تعالى بل إنما يثبتون الشريك بمعنى بعض من هو مخلوق لله مصنوع ~~له ولا أقل مفتقر الوجود إليه فوض إليه بعد تدبير الخليقة كإله الحسن وإله ~~العدل وإله الخصب أو تدبير بعض الخليقة كإله الإنسان أو إله القبيلة أو إله ~~يخص بعض الملوك والأشراف وقد دلت على ذلك آثارهم المستخرجة وأخبارهم ~~المروية، والموجودون منهم اليوم على هذه الطريقة فقوله (عليه السلام) ~~بالإشارة إلى الكوكب: "هذا ربي" أراد به إثبات أنه رب يدبر الأمر لا إله ~~فاطر مبدع. # وعليه يدل ما حكي عنه في آخر الآيات المبحوث عنها: "قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين" فإن ظاهره أنه ينصرف عن فرض الشريك إلى إثبات أن لا شريك له لا ~~أنه يثبت وجوده تعالى. PageV07P095 # فالذي يعطيه ظاهر الآيات أنه (عليه السلام) سلم أن لجميع الأشياء إلها ~~فاطرا واحدا لا شريك له في الفطر والإيجاد وهو الله تعالى، وأن للإنسان ربا ~~يدبر أمره لا محالة، وإنما يبحث عن أن هذا الرب المدبر للأمر أهو الله ~~سبحانه وإليه يرجع التدبير كما إليه يرجع الإيجاد أم أنه بعض خلقه أخذه ~~شريكا لنفسه وفوض إليه أمر التدبير. # وفي ms2556 إثر ذلك ما كان منه (عليه السلام) من افتراض الكوكب الذي كانوا ~~يعبدونه ثم القمر ثم الشمس والنظر في أمر كل منها هل يصلح لأن يتولى أمر ~~التدبير وإدارة شئون الناس؟. # وهذا الافتراض والنظر وإن كان بحسب طبعه قبل العلم اليقيني بالنتيجة فإن ~~النتيجة فرع يتأخر طبعا عن الحجة النظرية لكنه لا يضر به (عليه السلام) فإن ~~الآيات كما استفدناه فيما تقدم تقص أول أمر إبراهيم والإنسان في أول زمن ~~يأخذ بالتمييز ويصلح لتعلق التكليف الإلهي بالنظر في أمر التوحيد وسائر ~~المعارف الأصلية كاللوح الخالي عن النقش والكتابة غير مشغول بنقش مخالف ~~فإذا أخذ في الطلب وشرع يثبت شيئا وينفي شيئا لغاية الحصول على الاعتقاد ~~الحق والإيمان الصحيح فهو بعد في سبيل الحق لا بأس عليه في زمن يمر عليه ~~بين الانتزاع من قصور التمييز وبين الاعتصام بالمعرفة الكاملة والعلم التام بالحق. # ومن ضروريات حياة الإنسان أن يمر عليه لحظة هي أول لحظة ينتقل فيها من ~~قصور الجهل بواجب الاعتقاد إلى بلوغ العلم بحيث يتعلق به التكليف العقلي ~~بالانتهاض إلى الطلب والنظر، وهذه سنة عامة في الحياة الإنسانية المتدرجة ~~من النقص إلى الكمال لا يختلف فيها إنسان وإنسان، وإن أمكن أن يظهر من بعض ~~الأفراد بعض ما يخالف ذلك من أمارات الفهم والعلم قبل المتعارف من سن ~~التمييز والبلوغ كما يحكيه القرآن عن المسيح ويحيى (عليهما السلام) فإنما ~~ذلك من خوارق العادة الجارية وما كل إنسان على هذا النعت ولا كل نبي فعل به ذلك. # وبالجملة ليس الإنسان من أول ما ينفخ فيه الروح الإنساني واجدا لشرائط ~~التكليف بالاعتقاد الحق أو العمل الصالح، وإنما يستعد لذلك على سبيل ~~التدريج حتى يستتم الشرائط فيكلف بالطلب والنظر فزمن حياته منقسم لا محالة ~~إلى قسمين هما قبل التمييز والبلوغ وبعد التمييز والبلوغ وهو الزمان الذي ~~يصلح لأن يشغله الاعتقاد كما أن ما يقابله يقابله فيه، وبين الزمانين ~~الصالح لإشغاله بالاعتقاد وغير الصالح له لا محالة زمان متخلل يتوجه إليه ~~فيه التكليف بالطلب والنظر، ms2557 وهو الفصل الذي يبحث فيه عن واجب الاعتقاد بما ~~تهدي إليه فطرته من طريق الاستدلال فيفرض نفسه أو العالم مثلا بلا صانع مرة ~~ومع الصانع أخرى، ويفرض الصانع وحده مرة ومع الشريك أخرى وهكذا ثم ينظر ما ~~ذا تؤيده الآثار المشهودة في العالم من كل فرض فرضه أو لا تؤيده فيأخذ بذاك ~~ويترك هذا. # فهو ما لم يتم له الاستدلال غير قاطع بشيء ولا بان على شيء وإنما هو ~~مفترض ومقدر لما افترضه وقدره. # وعلى هذا فقول إبراهيم (عليه السلام) في الكوكب: "هذا ربي" وكذا قوله ~~الآتي في القمر والشمس ليس من القطع والبناء اللذين يعدان من الشرك، وإنما ~~هو افتراض أمر للنظر إلى الآثار التي تثبته وتؤيده، ومن الدليل على ذلك ما ~~في الآيات من الظهور في أنه (عليه السلام) كان على حالة الترقب والانتظار، ~~فهذا وجه. # ولكن الذي يتأيد بما حكاه الله عنه في سورة مريم في محاجته أباه: يا أبت ~~إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد ~~الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا": ~~مريم: 47 أنه (عليه السلام) كان على علم بحقيقة الأمر وأن الذي يتولى تدبير ~~أمره ويحفي عليه ويبالغ في إكرامه هو الله سبحانه دون غيره. # وعلى هذا فقوله: "هذا ربي" جار مجرى التسليم والمجاراة بعد نفسه كأحدهم ~~ومجاراتهم وتسليم ما سلموه ثم بيان ما يظهر به فساد رأيهم وبطلان قولهم، ~~وهذا الطريق من الاحتجاج أجلب لإنصاف الخصم، وأمنع لثوران عصبيته وحميته، ~~وأصلح لإسماع الحجة. PageV07P096 # قوله تعالى: "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" الأفول الغروب وفيه إبطال ~~ربوبية الكوكب بعروض صفة الأفول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع ~~عليه ولا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع. # على أن الربوبية والمربوبية ms2558 بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدي ~~إلى حب المربوب لربه لانجذابه التكويني إليه وتبعيته له، ولا معنى لحب ما ~~يفنى ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله، وما يشاهد من أن الإنسان يحب ~~كثيرا الجمال المعجل والزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير أن ~~يلتفت إلى فنائه وزواله فمن الواجب أن يكون الرب ثابت الوجود غير متغير ~~الأحوال كهذه الزخارف المزوقة التي تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع وتغرب ~~وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين، وهذا وجه برهاني وإن كان ربما يتخيل ~~أنه بيان خطابي أو شعري فافهم ذلك. # وعلى أي حال فهو (عليه السلام) أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له إما ~~بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية والعبودية متقومة ~~بالحب فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده وقد ورد في المروي عن الصادق (عليه ~~السلام): "هل الدين إلا الحب؟" وقد بينا ذلك فيما تقدم. # وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب وإنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه له ~~المنافي للربوبية لأن الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق ~~به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية، ~~وهذا الوجه هو الظاهر يتكىء عليه سياق الاحتجاج في الآية. # ففي الكلام أولا إشارة إلى التلازم بين الحب والعبودية أو المعبودية. # وثانيا أنه أخذ في إبطال ربوبية الكوكب وصفا مشتركا بينه وبين القمر ~~والشمس ثم ساق الاحتجاج وكرر ما احتج به في الكوكب في القمر والشمس أيضا، ~~وذلك إما لكونه (عليه السلام) لم يكن مسبوق الذهن من أمر القمر والشمس ~~وأنهما يطلعان ويغربان كالكوكب كما تقدمت الإشارة إليه وإما لكون القوم ~~المخاطبين في كل من المراحل الثلاث غير الآخرين. # وثالثا أنه اختار للنفي وصف أولي العقل حيث قال: "لا أحب الآفلين" وكأنه ~~للإشارة إلى أن غير أولي الشعور والعقل لا يستحق الربوبية من رأس كما يؤمي ~~إليه في قوله المحكي: "يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا": مريم: 42 ms2559 وقوله الآخر: "إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد ~~أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، ~~قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74 فسألهم أولا عن معبودهم ~~كأنه لا يعلم من أمرها شيئا فأجابوه بما يشعر بأنها أجساد وهياكل غير عاقلة ~~ولا شاعرة فسألهم ثانيا عن علمها وقدرتها وهو يعبر بلفظ أولي العقل للدلالة ~~على أن المعبود يجب أن يكون على هذه الصفة صفة العقل. # قوله تعالى: "فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربي" إلى آخر الآية، البزوغ ~~هو الطلوع تقدم الكلام في دلالة قوله: "فلما رءا" إلخ، على اتصال القضية ~~بما قبلها، وقوله: "هذا ربي" على سبيل الافتراض أو المجاراة والمماشاة ~~والتسليم نظير ما تقدم في الآية السابقة. # وأما قوله بعد أفول القمر: "لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين" ~~فهو موضوع وضع الكناية فهو (عليه السلام) أبطل ربوبية الكوكب بما يعم كل ~~غارب ولما غرب القمر ظهر عندئذ رأيه في أمر ربوبيته بما كان قد قاله قبل ~~ذلك في الكوكب: "لا أحب الآفلين" فقوله: "لئن لم يهدني ربي" إلخ، إشارة إلى ~~أن الوضع الذي ذكره في القمر بقوله: "هذا ربي" كان ضلالا لو دام وأصر عليه ~~كان أحد أولئك الضالين القائلين بربوبيته والوجه في كونه ضلالا ما قاله في ~~الكوكب حيث عبر بوصف لا يختص به بل يصدق في مورده وكل مورد يشابهه. # وفي الكلام إشارة أولا إلى أنه كان هناك قوم قائلون بربوبية القمر ~~كالكوكب كما أن قوله في الآية التالية بعد ذكر أمر الشمس: "يا قوم إني بريء ~~مما تشركون" لا يخلو عن الدلالة على مثله. PageV07P097 # وثانيا: أنه (عليه السلام) كان وقتئذ في مسير الطلب راجيا للهداية الإلهية ~~مترقبا لما يفيض ربه عليه من النظر الصحيح والرأي اليقيني سواء كان ذلك ~~بحسب الحقيقة كما لو حملنا الكلام على الافتراض لتحصيل الاعتقاد، أو بحسب ~~الظاهر كما لو حملناه على الوضع والتسليم لبيان الفساد، وقد تقدم الوجهان آنفا. # وثالثا: ms2560 أنه (عليه السلام) كان على يقين بأن له ربا إليه تدبير هدايته ~~وسائر أموره، وإنما كان يبحث واقعا أو ظاهرا ليعرفه: أهو الذي فطر السماوات ~~والأرض بعينه أو بعض من خلقه، وإذ بان له أن الكوكب والقمر لا يصلحان ~~الربوبية لأفولها توقع أن يهديه ربه إلى نفسه ويخلصه من ضلال الضالين. # قوله تعالى: "فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر" الكلام في ~~دلالة اللفظ على الاتصال بما قبله لمكان قوله: "فلما" وكون قوله: "هذا ربي" ~~مسوقا للافتراض أو التسليم كما تقدم في الآية السابقة. # وقد كان تكرر قوله: "هذا ربي" في القمر لما رآه بازغا بعد ما رأى الكوكب، ~~ولذلك ضم قوله: "هذا أكبر" إلى قوله "هذا ربي" في الشمس في المرة الثالثة ~~ليكون بمنزلة الاعتذار للعود إلى فرض الربوبية لها مع تبين خطإ افتراضه مرة ~~بعد مرة. # وقد تقدمت الإشارة إلى أن إشارته إلى الشمس بلفظة "هذا" تشعر بأنه (عليه ~~السلام) ما كان يعرف من الشمس ما يعرفه أحدنا أنه جرم سماوي يطلع ويغرب ~~بحسب ظاهر الحس في كل يوم وليلة، وإليها تستند النهار والليل والفصول ~~الأربعة السنوية إلى غير ذلك من نعوتها. # فإن الإتيان في الإشارة بلفظ المذكر هو الذي يستريح إليه من لا يميز ~~المشار إليه في نوعه كما تقول فيمن لاح لك شبحه وأنت لا تدري أرجل أم ~~امرأة: من هذا؟ ونظيره ما يقال في شبح لا يدرى أمن أولي العقل هو أو لا: ما ~~هذا؟ فلعله إنما كان ذلك من إبراهيم (عليه السلام) أول ما خرج من مختفى ~~أخفي فيه إلى أبيه وقومه، ولم يكن عهد مشاهد الدنيا الخارجة والمجتمع ~~البشري فرأى جرما هو كوكب وجرما هو القمر وجرما هو الشمس، وكلما شاهد واحدا ~~منها - ولم يكن يشاهد إلا جرما مضيئا لامعا - قال: هذا ربي، على سبيل عدم ~~المعرفة بحاله معرفة تامة كما سمعت. # ويؤيده بعض التأييد قوله: "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" فإن فيه إشعارا ~~بأنه (عليه السلام) مكث بانيا على ms2561 كون الكوكب ربا حتى شاهد غروبه فحكم بأن ~~الفرض باطل وأنه ليس برب، ولو كان عالما بأنه سيغرب أبطل ربوبيته مقارنا ~~لفرض ربوبيته كما فعل ذلك في أمر الأصنام على ما يدل عليه قوله لأبيه: ~~"أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين" وقوله أيضا: "يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا". # وإن أمكن أن يقال: إنه أراد بتأخير قوله. # "لا أحب الآفلين" إلى أن يأفل أن يحاجهم بما وقع عليه الحس كما أراد بما ~~فعل بالأصنام حيث جعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم أن يريهم عجز الأصنام وكونها ~~أجسادا ميتة لا تدفع عن أنفسها الضر والشر. # وللمفسرين في تذكير الإشارة في قوله: "هذا ربي هذا أكبر" مسالك من ~~التوجيه مختلفة: فمنهم من قال: تذكير الإشارة إنما هو بتأويل المشار إليه ~~أو الجرم النير السماوي أي هذا المشار إليه أو هذا الجرم النير ربي وهو أكبر. # وفيه أنه لا ريب في صحة الاستعمال بهذا التأويل لكن الشأن في النكتة التي ~~تصحح هذا التأويل، ولا يجوز ذلك من غير نكتة مسوغة، ولو جاز ذلك في اللغة ~~من غير اعتماد على نكتة لجاز تذكير كل مؤنث قياسي وسماعي في إرجاع الضمير ~~والإشارة إليه بتأويل الشخص ونحوه وفي ذلك نسخ اللغة قطعا. # ومنهم من قال: إنه من قبيل إتباع المبتدإ للخبر في تذكيره فإن الرب وأكبر ~~مذكران فأتبع اسم الإشارة للخبر المذكر كما عكس في قوله تعالى: "ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا" الآية فأتبع المذكر للمؤنث. # وفيه أنهم كانوا يرون من الآلهة إناثا كما يثبتون ذكورا ويسمون الأنثى من ~~الآلهة إلهة وربة وبنت الله وزوجة الرب فكان من الواجب أن يطلق على الشمس ~~ربة لمكان التأنيث، وأن يقال: هذه ربتي أو آلهتي، فالكلام في تذكير الخبر ~~في قوله: "هذا ربي" كالكلام في تذكير المبتدإ، ولا معنى حينئذ لحديث ~~الإتباع. PageV07P098 # وكذا قوله: "هذا أكبر" الخبر فيه من صيغ التفضيل وحكم صيغة التفضيل إذا ~~وقعت خبرا أن ms2562 يجاء بأفعل ويستوي فيه المذكر والمؤنث يقال زيد أفضل من عمر ~~وليلى أجمل من سلمى، وما هذا شأنه لا نسلم أنه من صيغ المذكر الذي يجري فيه ~~الإتباع. # ومنهم من قال: إن تذكير الإشارة إنما هو لتعظيم الشمس حيث نسب إليها ~~الربوبية صونا للإله عن وصمة التأنث. # وفيه: أنهم كانوا يعدون الأنوثية من النواقص التي يجب أن ينزه عنها الإله ~~وقد كان لأهل بابل أنفسهم آلهة أنثى كالإلهة "نينو" إلهة الأمهات الخالفة، ~~والإلهة "نين كاراشا" ابنة الإله "آنو" والإلهة "مالكات" زوجة الإله ~~"شاماش" والإلهة "زاربانيت" إلهة الرضاع، والإلهة "آنوناكي". # وكانت طائفة من مشركي العرب تعبد الملائكة وتعدهم بنات الله، وقد رووا في ~~تفسير قوله تعالى: "إن يدعون من دونه إلا إناثا": النساء: 117 أنهم كانوا ~~يسمون آلهتهم إناثا، وكانوا يقولون: أنثى بني فلان يعنون به الصنم الذي ~~يعبدونه. # ومنهم من قال: إن قوم إبراهيم (عليه السلام) كانوا يعدون الشمس من الذكور ~~وقد أثبتوا لها زوجة يسمونها "أنونيت" فاحتفظ في الكلام على ظاهر عقيدتهم. # وفيه: أن اعتقادهم بكون الشمس ذكرا لا يصحح تبديل تأنيث لفظها تذكيرا. # على أن قوله (عليه السلام) للملك: "فأت بها من المغرب": البقرة: 258 وهو ~~يريد الشمس ينافي ذلك. # ومنهم من قال: إن إبراهيم (عليه السلام) كان يتكلم باللغة السريانية وهي ~~لغة قومه، ولا يفرق فيها في الضمائر وأسماء الإشارة بالتذكير والتأنيث بل ~~الجميع على صفة التذكير، وقد احتفظ القرآن الكريم في حكاية قوله على ما أتى ~~به من التذكير. # وفيه: منع جواز ذلك فإنه أمر راجع إلى أحكام الألفاظ المختلفة باختلاف ~~اللغات بل إنما يجوز ذلك فيما يرجع إلى المعنى الذي لا يؤثر في الخصوصية ~~اللفظية، على أنه تعالى حكى عن إبراهيم (عليه السلام) احتجاجات كثيرة ~~وأدعية وافرة في القرآن وفيها موارد كثيرة اعتبر فيها التأنيث فما بال هذا ~~المورد اختص من بينها بإلغاء جهة التأنيث؟ حتى أن قوله فيما يحاج به ملك ~~بابل: "إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال ms2563 إبراهيم ~~فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر": البقرة: ~~258 ويتضمن ذكر الشمس وتأنيث الضمير العائد إليها. # ومن عجيب ما أورد على هذا الوجه ما ذكره بعض المفسرين وأصر عليه: أن ~~إبراهيم (عليه السلام) وكذا إسماعيل وهاجر كانوا يتكلمون باللغة العربية ~~القديمة، وأنها كانت لغة قومه، قال ما ملخصه: إنه ثبت عند علماء الآثار ~~القديمة، أن عرب الجزيرة قد استعمروا منذ فجر التاريخ بلاد الكلدان ومصر ~~وغلبت لغتهم فيهما، وصرح بعضهم بأن الملك حموربي الذي كان معاصرا لإبراهيم ~~(عليه السلام) عربي وحموربي هذا ملك البر والسلام ووصف في العهد العتيق ~~بأنه كاهن الله العلي، وذكر فيه أنه بارك إبراهيم، وأن إبراهيم أعطاه ~~العشرة من كل شيء، قال: ومن المعروف في كتب الحديث والتاريخ العربي أن ~~إبراهيم أسكن إسماعيل ابنه (عليه السلام) مع أمه هاجر المصرية في الواد ~~الذي بنيت فيه مكة بعد ذلك، وأن الله سخر لهما جماعة من جرهم سكنوا معهما ~~هنالك، وأن إبراهيم (عليه السلام) كان يزورهما، وأنه هو وولده إسماعيل بنيا ~~بيت الله الحرام ونشرا دين الإسلام في البلاد العربية، وفي الحديث: أن ~~إبراهيم (عليه السلام) جاء مكة ليزور ابنه وقد خرج إلى الصيد فكلم زوجته ~~وكانت جرهمية فلم يرتض أمرها ثم جاءها بعد مدة ليزوره فلم يجده فكلم زوجته ~~الأخرى فدعته إلى النزول وغسل رأسه فارتضى أمرها ودعا لها، وكل ذلك يدل على ~~أنه كان يتكلم بالعربية، هذا ملخص ما ذكره. # وفيه: أن مجاورة عرب الجزيرة مصر وكلدان واختلاطهم بهم أو استعمارهم ~~واستيلاؤهم عليهم لا يوجب تبدل لغاتهم إلى العربية، وقد كانت لغة مصر قبطية ~~ولغة كلدان والآشوريين سريانية، نعم ربما أوجب ذلك دخول أسماء وألفاظ من ~~لغة بعضهم في لغة بعض كما يوجد في القرآن الكريم أمثال القسطاس والإستبرق ~~وغيرهما وهي من الدخيل. PageV07P099 # وأما ما ذكره من أمر حموربي ومعاصرته لإبراهيم (عليه السلام) فلا يطابق ما ~~هو الصحيح من تاريخه ويؤيده الآثار المكشوفة من خرائب بابل والنصب ~~المستخرجة التي ms2564 كتبت فيها شريعته التي وضعها وأجراها في مملكته وهي أقدم ~~القوانين المدونة في العالم على ما بلغنا، وقد ذكر بعضهم أن أيام ملكه كانت ~~بين 1728 ق م و1686 ق م، وذكر آخرون: أنه تملك بابل سنة 2287 - 2232 ق م ~~وكان إبراهيم (عليه السلام) يعيش في حدود سنة 2000 ق م، وحموربي هذا وثني، ~~وقد استمد فيما وجد من كلامه المنقوش في ذيل شريعته المنقوشة على النصب ~~بعده من الآلهة لبقاء شريعته وعمل الناس بها وتدمير من أراد نسخها أو ~~مخالفتها وأما ما ذكره من حديث إسكانه ابنه وأم ولده بتهامة وبناء بيت الله ~~الحرام ونشر دين الله وتفاهمه مع العرب فشيء من ذلك لا يدل على كونه (عليه ~~السلام) متكلما باللغة العربية وهو ظاهر. # ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: قوله: "فلما رءا الشمس بازغة" إلخ - كما ~~سمعت - يدل على اتصال ما بعد "فلما" بما قبله وهو قوله: "فلما أفل قال لئن ~~لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين" فهو يدل على أن القمر قد كان غرب ~~حينما رأى (عليه السلام) الشمس بازغة، وهذا إنما يكون في الخريف أو الشتاء ~~في العرض الشمالي الذي كانت فيه بلاد كلدان حين يطول الليالي وخاصة إذا كان ~~القمر في شيء من البروج الجنوبية كالقوس والجدي فعند ذلك يجيز الوضع ~~السماوي أن يغرب القمر في النصف الأخير من الشهر القمري قبل طلوع الشمس، ~~وقد تقدم سابقا في قوله تعالى: "فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربي" أن ظاهر ~~الكلام المؤيد بالاعتبار يدل على أن الليلة كانت من ليالي النصف الأخير من ~~الشهر القمري، وكان الكوكب هي الزهرة، شاهدها أولا في المغرب حال الانحطاط ~~ثم شاهد غروبها وطلوع القمر من ناحية المشرق. # فيتحصل من الآيات أن إبراهيم (عليه السلام) حاج قومه في أمر الأصنام يوم ~~حاجهم واشتغل بهم يومه ذلك حتى جن عليه الليل فلما جن عليه الليل ms2565 رأى ~~الزهرة وقوم يعبدونها فجاراهم في ربوبيتها وأخذ ينتظر ما يحل بها من حال ~~حتى أفلت بعد سويعات فحاجهم به وتبرأ من ربوبيتها، ثم رأى القمر بازغا ~~وهناك قوم يعبدونه فجاراهم في ربوبيته بقوله: "هذا ربي" وأخذ يراقب ما يحدث ~~به حتى أفل، وكانت الليلة من الليالي الطوال في النصف الثاني من الشهر ~~القمري ولعل القمر كان يسير في قوس قصير من أقواس المدارات الجنوبية فلما ~~أفل تبرأ من ربوبيته، وأخذ يستهدي ربه ويستعيذ به من الضلال حتى طلعت الشمس ~~فرآها بازغة وأكبر بالنسبة إلى ما تقدمها من الكوكب والقمر فعاد كذلك إلى ~~مجاراتهم في ربوبيتها مع ما لاح له من بطلان ربوبية الكوكب والقمر وهما ~~مثلها في كونها جرما سماويا نيرا لكنه اتخذ كونها أكبر منها عذرا يعتذر به ~~فيما يفترضه أو يسلمه من ربوبيتها فقال: "هذا ربي هذا أكبر" وأخذ ينتظر ~~مستقبل الأمر حتى أفلت فتبرأ من ربوبيتها وشرك قومه فقال: "يا قوم إني بريء ~~مما تشركون" ثم أثبت الربوبية لله سبحانه كما كان يثبت الألوهية بمعنى ~~إيجاد السماوات والأرض وفطرها له تعالى فقال: "إني وجهت وجهي - وهو ~~العبودية قبال الربوبية - للذي فطر السماوات والأرض حنيفا - غير منحرف من ~~حاق الوسط إلى يمين أو يسار - وما أنا من المشركين - بإشراك شيء من خلقه ~~ومفطوراته له تعالى في العبادة والإسلام -". # وقد تقدم أن قوله تعالى في ضمن الآيات محفوفا بها: "وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين" يدل على أنه (عليه السلام) إنما ~~كان يأخذ ما يلقيه من الحجة على أبيه وقومه مما كان يشاهده من ملكوت ~~السماوات والأرض، وقد أفاض الله سبحانه اليقين الذي ذكره غاية لإراءته ~~الملكوت على قلبه بهذه المشاهدة والرؤية. # وهذا أوضح شاهد على أن الذي ذكره (عليه السلام) من الحجة كانت حجة ~~برهانية ترتضع من ثدي اليقين، وقد أورد في ذلك قوله: "لا أحب الآفلين" ~~وتقدمت الإشارة إلى تقريره. PageV07P100 # فتبين من جميع ما تقدم: أولا: أن قوله (عليه السلام): "لا أحب الآفلين" ms2566 حجة ~~برهانية يقينية بني الكلام فيه على عدم حبه للآفلين، ومنافاة الأفول ~~للربوبية، ويظهر من كلام بعضهم أنه يأخذه حجة عامية غير برهانية إذ يقول: ~~والصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا لا برهانا نظريا جليا يعرض فيه بجهل ~~قومه في عبادة الكواكب أنهم يعبدون ما يتحجب عنهم، ولا يدري شيئا من أمر ~~عبادتهم، وهذا هو السبب في جعله الأفول منافيا للربوبية دون البزوغ والظهور ~~بل بنى عليه القول بها فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا وإن لم يكن ظهوره ~~كظهور غيره من خلقه، هذا. # وقد خفي عليه أولا: أن وضع قوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض وليكون من الموقنين" بين الآيات المتضمنة لحججه ع أدل دليل على كون ~~حججه مأخوذة من مشهوداته الملكوتية التي هي ملاك يقينه بالله وآياته وكيف ~~يتصور مع ذلك كونها حجة عامية غير برهانية. # وخفي عليه ثانيا أن الحجة بنيت على الحب وعدمه لا على الأفول مضافا إلى ~~أن البناء على الأفول أيضا لا يخرجها عن كونها برهانية فهو (عليه السلام) ~~إنما ذكر سبب براءته من ربوبيتها أنه وجدها آفلة غاربة وهو لا يحب الآفلين ~~فلا يعبدها، ومن المعلوم أن عبادة الإنسان لربه إنما هي لأنه رب أي لأنه ~~يدبر أمر الإنسان فيفيض عليه الحياة والرزق والصحة والخصب والأمن والقدرة ~~والعلم إلى غير ذلك مما يحتاج إليه في بقائه فهو متعلق الوجود بربه من كل ~~جهة، ومن فطريات الإنسان أن يحب ما يسعده مما يحتاج إليه وأن يحب من يسعده ~~بذلك لا يرتاب فيه ذو ريب البتة فإنما يعبد الرب لأن الإنسان يحبه لجلبه ~~المنافع إليه أو لدفعه المضار عنه أو لهما جميعا. # ومن فطريات الإنسان أيضا أنه لا تتعلق نفسه بما لا بقاء له إلا أن يحول ~~حرص أو شبق أو نحوهما نظره إلى جهة اللذة ويصرفه عن التأمل والإمعان في جهة ~~فنائه وزواله، وقد استعمل القرآن الكريم هذه الطريقة كثيرا في ذم الدنيا، ~~وردع الناس عن التعلق المفرط بزينتها والانهماك في شهواتها ms2567 كقوله: "إنما ~~مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل ~~الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون ~~عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس": يونس: ~~24 وقوله: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: 96 وقوله: "وما عند ~~الله خير وأبقى": الشورى: 36. # فهو (عليه السلام) يفيد بقوله: "لا أحب الآفلين" أن الذي من شأنه أن ~~يفقده الإنسان ويغيب عنه ولا يبقى ولا يثبت له لا يستحق أن يحبه الإنسان ~~وتتعلق به نفسه، والرب الذي يعبده الإنسان يجب أن يحبه فيجب أن لا يكون من ~~شأنه أن يأفل عنه ويفقد فهذه الأجرام الآفلة لا تستحق اسم الربوبية، وهذه - ~~كما ترى - حجة يعرفها العامة والخاصة. # وقد خلط ثالثا بين البزوغ والظهور فحكم أنه غير مناف للربوبية بل القول ~~مبني عليه فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا إلى آخر ما قال فإن الذي ذكر في ~~الآية - ولم يبن الحجة عليه - هو البزوغ وهو الطلوع والظهور بعد خفاء ~~المنافي للربوبية فيبقى السؤال: لم بنى الكلام على الأفول دون البزوغ؟ على حاله. # وثانيا: أن أخذ الأفول في الحجة دون البزوغ إنما هو لأن البزوغ لا يستوجب ~~عدم الحب الذي بنى الحجة عليه بخلاف الأفول، وبذلك يظهر ما في قول الكشاف ~~في وجه العدول، قال: "فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما ~~انتقال من حال إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء ~~واحتجاب" انتهى. # فإن الاحتجاج كما عرفت إنما هو بعدم تعلق الحب لا بالأفول حتى يوجه ~~العدول إليه من البزوغ بما ذكره. # وثالثا: أن الاحتجاج إنما أريد به نفي ربوبية الأجرام الثلاثة بمعنى ~~تدبيرها للعالم الأرضي أو العالم الإنساني لا الربوبية بمعنى المقام الذي ~~ينتهي إليه الإيجاد والتدبير جميعا فإن الوثنية وعبدة الكواكب لا ينكرون أن ~~آلهتهم ليست أربابا بهذا المعنى، وأنه الله الواحد لا شريك له. PageV07P101 # ومن هنا يظهر ما في قول ms2568 بعضهم: إن الأفول إنما أخذ مبدأ للبرهان لأنه ~~يستلزم الإمكان، وكل ممكن محتاج يجب أن يقف سلسلة حاجته عند موجود واجب ~~الوجود، وكذا ما في قول آخرين: إن الأفول إنما ينفي الربوبية عن المتصف به ~~لأنه حركة، ولا بد لكل حركة من محرك، وينتهي لا محالة إلى محرك غير متحرك ~~وثابت غير متغير بذاته وهو الله عز اسمه. # وذلك أنهما وإن كانا حجتين برهانيتين غير أنهما تنفيان عن الممكنات وعن ~~المتحركات الربوبية بمعنى العلية الأولى التي ينتهي إليها جميع العلل، ~~وسببية الإيجاد والتدبير التي يقف عندها جميع الأسباب، وعبدة الكواكب من ~~الصابئين وغيرهم وإن ذهبوا إلى أن كل جرم سماوي قديم زماني غير قابل للكون ~~والفساد متحرك بحركة دائمة غير أنهم لا ينكرون أن جميعها معلولة لإمكانها ~~غير مستغنية لا في وجودها ولا في آثار وجودها عن الواجب عز اسمه. # فالحجتان إنما هما قائمتان على منكري وجود الصانع من الطبيعيين لا ~~الصابئين وعبدة أرباب الأنواع وغيرهم من الوثنيين، وإبراهيم (عليه السلام) ~~إنما كان يحاج هؤلاء دون أولئك. # على أنك عرفت أن الحجة لم تركب من جهة الأفول بل من جهة عدم تعلق الحب ~~بشيء من شأنه الأفول والغروب. # وأما من دفع ما ذكروه من تقرير الحجة من جهة الإمكان أو الحركة بأن تفسير ~~الأفول بذلك تفسير للشيء بما يباينه فإن العرب لا يعرفون الأفول بمعنى ~~الإمكان أو الحدوث وكذلك تفسير الأفول بالتغير والحركة غلط كسابقه. # فقد خفي عليه أن هؤلاء لا يقولون: إن الأفول في الآية بمعنى الإمكان أو ~~بمعنى الحركة، وإنما يقولون: إن الأفول إنما احتج به لاستلزامه الإمكان أو ~~الحركة والتغير، وأما الأفول بمعنى الغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور ~~مع قطع النظر عن استلزامه الإمكان أو التغير غير اللائقين بساحة الواجب جل ~~ثناؤه فليس ينافي الربوبية كما اعترف به هذا المورد نفسه. # وذلك أن الواجب تعالى أيضا غائب عن مشاعرنا من غير أن يتحول عليه الحال ~~ويطرأ عليه التغير بالغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور، ولا ينفع ms2569 القول ~~بأن الغيبة والخفاء فيه تعالى من جهتنا لا من جهته ولاشتغالنا بما يصرفنا ~~عنه لا لمحدودية وجوده وقصور استيلائه فإن غيبة هذه الأجرام السماوية وخاصة ~~الشمس بالحركة اليومية أيضا من قبلنا حيث أنا أجزاء من الأرض التي تتحرك ~~بحركتها اليومية فتحولنا بها من مسامتة هذه الأجرام ومواجهتها إلى خلاف ذلك ~~فنغرب عنها في الحقيقة بعد طلوعنا عليها وإن كان الخطأ الحسي يخيل لنا غيره. # وقد أراد الرازي أن يجمع بين الوجوه جميعا فقال في تفسيره ما نصه: الأفول ~~عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل فيقول: ~~الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة، وعلى هذا التقدير فيكون ~~الطلوع أيضا دليلا على الحدوث فلم ترك إبراهيم (عليه السلام) الاستدلال على ~~حدوثها بالطوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟. # والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن ~~الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن ~~يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل، ودلالة الحركة ~~على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من ~~الخلق، أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد فإن الكوكب يزول ~~سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم. # وأيضا قال بعض المحققين: الهوي في خطرة الإمكان أفول وأحسن الكلام ما ~~تحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام: فالخواص يفهمون من الأفول ~~الإمكان وكل ممكن محتاج لا يكون مقطوع الحاجة فلا بد من الانتهاء إلى من ~~يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: وأن إلى ربك ~~المنتهى. # وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة فكل متحرك محدث، وكل ~~محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الذي ~~يحتاج إليه ذلك الآفل. PageV07P102 # وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب ~~من الأفول ms2570 والغروب فإنه يزول نوره، وينتقص ضوؤه، ويذهب سلطانه، ويكون ~~كالمعزول، ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله ~~"لا أحب الآفلين" كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب ~~الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين. # وفيه دقيقة أخرى، وهو أنه (عليه السلام) إنما كان يناظرهم وهم كانوا ~~منجمين، ومذهب أصحاب النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا ~~إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير، أما إذا كان غربيا وقريبا من الأفول ~~فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي ~~لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه ~~في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجز عن التدبير، وذلك يدل ~~على القدح في إلهيته فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه ~~موجبا للقدح في إلهيته" انتهى موضع الحاجة من كلامه على طوله. # وأنت بالتأمل في ما تقدم تقف على أن ما تفنن به من تقسيم البرهان إلى حصص ~~مختلفة باختلاف النفوس، وتقريره بوجوه شتى لا لفظ الآية يدل عليه، ولا شبهة ~~الصابئين وأصحاب النجوم تندفع به فإنهم لا يرون الجرم السماوي إلها واجب ~~الوجود غير متناهي القدرة ذا قوة مطلقة، وإنما يرونه ممكنا معلولا ذا حركة ~~دائمة يدبر بحركته ما دونه من العالم الأرضي، وشيء مما ذكره من الوجوه لا ~~يدفع هذه النظرية، وكأنه تنبه لهذا الإشكال بعد كلامه المنقول آنفا فبسط في ~~الكلام وأطنب في الخروج من العويصة بما لا يجدي شيئا. # على أن الحجة الثانية على ما قرره حجة غير تامة فإن الحركة إنما تدل على ~~حدوث المتحرك من حيث وصفه وهو التحرك لا من حيث ذاته، وتمام الكلام في ذلك ~~موكول إلى محله، والمصير إلى ما قدمناه في تقرير الحجة من جهة الحركة. # ورابعا: أن إبراهيم (عليه السلام) إنما ساق هذه الحجج بحسب ما كان الله ~~سبحانه يريه ملكوت السماوات والأرض، وبحسب ما يسمح له جريان محاجته ms2571 أباه ~~وقومه آخذا بالمحسوس المعاين إما لأنه لم يكن رأى تفصيل الحوادث السماوية ~~والأرضية اليومية كما تقدمت الإشارة إليه أو لأنه أراد أن يحاجهم بما تحت ~~حسهم فأورد قوله "هذا ربي" لما شاهد شيئا من الأجرام الثلاثة لامعا بازغا، ~~وأورد قوله "لا أحب الآفلين" أو ما في معناه لما شاهد أفولها. # وبذلك يظهر الجواب عما يمكن أن يقال: إن قوله: "فلما جن عليه الليل رءا ~~كوكبا" يدل على أنه (عليه السلام) كان في النهار المتصل بذلك الليل شاهد ~~قومه فما باله لم يذكر الشمس لينفي ربوبيتها. # فإن من المحتمل أن يكون قد خرج إلى قومه للمحاجة والوقت لا يسع أزيد مما ~~حاج به أباه وقومه في أمر الأصنام فكان يحاجهم طول النهار أو مدة ما أدركه ~~من النهار عند قومه حتى إذا تمم الحجاج لم يلبث دون أن جن عليه الليل، ~~وهناك محتملات أخر كغيم في الهواء أو حضور قومه للصلوات والقرابين في أول ~~الطلوع فحسب وقد كان يريد أن يواجههم فيما يلقيه إليهم. # وخامسا: أن الآيات كما قيل تدل على أن الهداية من الله سبحانه وأما ~~الإضلال فلم ينسب إليه تعالى في هذه الآيات بل دل قوله: "لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين" بعض الدلالة على أن من شأن الإنسان بحسب ما ~~يقتضيه نقص نفسه أن يتصف بالضلال لو لم يهده ربه، وهو الذي يستفاد من قوله ~~تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21 ~~وقوله: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": القصص: 56 إلى غير ~~ذلك من الآيات. # نعم هناك آيات تنسب إليه تعالى الإضلال لكن أمثال قوله: "وما يضل به إلا ~~الفاسقين": البقرة: 26 تبين أن الضلال المنسوب إليه تعالى هو الإضلال ~~الواقع بحسب المجازاة دون الإضلال الابتدائي، وقد تقدم البحث في تفسير ~~الآية في الجزء الأول من هذا الكتاب. PageV07P103 # وسادسا: أنه (عليه السلام) أخذ في حجته لإبطال ربوبية الأجرام الثلاثة أنه ~~لا يحب ms2572 الآفل لأفوله وهو أن يفقده الإنسان بعد أن يجده فهو الوصف الذي لا ~~يتعلق به الحب المسوغ للعبادة، وإذ كان ذلك وصفا مطردا في جميع الجسمانيات ~~التي تسير إلى الزوال والفوت والهلاك والبيد كانت الحجة قاطعة على كل شرك ~~ووثنية حتى على ما يظهر من بعض الوثنيين من القول بألوهية أرباب الأنواع ~~والموجودات النورية التي يذعنون بوجودها وأنها فوق المادة والطبيعة متعالية ~~عن الجسمية والحركة فإنهم يصرحون بأنها على ما لها من صفاء الجوهر وشرف ~~الوجود مستهلكة تجاه النور القيومي، مستذلة تحت القهر الأحدي، وإذ كان هذه ~~صفة ما يدعونه فلو توجه تلقاءها حب لم يتعلق إلا بمن يدبر أمرها ويصلح ~~شأنها لا بها. # قوله تعالى: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض" إلى آخر الآية. # ذكر الراغب في المفردات:، أن أصل الفطر الشق طولا يقال: فطر فلان كذا ~~فطرا وأفطر هو فطورا وانفطر انفطارا قال: هل ترى من فطور أي اختلال ووهي ~~فيه، وذلك قد يكون على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل الصلاح قال: السماء ~~منفطر به كان وعده مفعولا. # وفطرت الشاة حلبتها بإصبعين، وفطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ~~ومنه الفطرة، وفطر الله الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة ~~لفعل من الأفعال فقوله: فطرة الله التي فطر الناس عليها إشارة منه تعالى ~~إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى، وفطرة الله هي ما ركز ~~فيه من قوته على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله: ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله، انتهى. # وذكر أيضا: أن الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف ميل عن ~~الاستقامة إلى الضلال قال: وسمت العرب كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على ~~أنه على دين إبراهيم (عليه السلام) والأحنف من في رجله ميل، قيل: سمي بذلك ~~على التفاؤل وقيل: بل استعير للميل المجرد، انتهى. # لما تبرأ (عليه السلام) من شركهم وشركائهم بقوله: "يا قوم إني بريء" إلخ، ~~وقد سلك إليه تدريجا بإظهار عدم تعلق ms2573 قلبه بالشريك حيث قال: "لا أحب ~~الآفلين" ثم الإيماء إلى كون عبادة الشريك ضلالا حيث قال: "لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن من القوم الضالين" ثم التبري الصريح من ذلك بقوله: "يا قوم إني ~~بريء مما تشركون" رجع إلى توحيده التام في الربوبية، وهو إثبات الربوبية ~~والمعبودية للذي فطر السماوات والأرض، ونفي الشرك عن نفسه فقال: "إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا". # فتوجيه الوجه كناية عن الإقبال إلى الله سبحانه بالعبادة فإن لازم ~~العبودية والمربوبية أن يتعلق العبد المربوب بربه في قوته وإرادته، ويدعوه ~~ويرجع إليه في جميع أعماله، ولا يكون دعاء ولا رجوع إلا بتوجيه الوجه ~~والإقبال إليه فكنى بتوجيه الوجه عن العبادة التي هي دعاء ورجوع. # وذكر ربه وهو الله سبحانه الذي وجه وجهه إليه، بنعته الذي يخصه بلا نزاع ~~فيه وهو فطر السماوات والأرض، وجاء بالموصول والصلة ليدل على العهد فلا ~~يشتبه الأمر على أحد منهم فقال: للذي فطر السماوات والأرض أي إني أقبلت ~~بعبادتي على من ينتهي إليه إيجاد كل شيء وإبداعه، وهو الذي يثبته ويثبتونه ~~فوق الجميع. # ثم نفى غيره مما يدعونه شريكا بقوله: "حنيفا" أي مائلا إليه عن غيره ~~نافيا للشريك عنه، وأكده بقوله: "وما أنا من المشركين" فأفاد مجموع قوله: ~~"إني وجهت" إلخ، إثبات المعبودية لله تعالى ونفي الشريك عنه قريبا مما ~~تفيده الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله. # واللام في قوله: "للذي" للغاية وتفيد معنى إلى، وكثيرا ما تستعمل في ~~الغاية اللام كما تستعمل "إلى" قال: "أسلم وجهه لله": البقرة: 11 "ومن يسلم ~~وجهه إلى الله": لقمان: 22. PageV07P104 # وفي تخصيص فطر السماوات والأرض من بين صفاته تعالى الخاصة وكذا من بين ~~الألفاظ الدالة على الخلقة كالباري والخالق والبديع إشارة إلى ما يؤثره ~~إبراهيم (عليه السلام) من دين الفطرة وقد كرر توصيف هذا الدين في القرآن ~~الكريم بأنه دين إبراهيم الحنيف ودين الفطرة أي الدين الذي بنيت معارفه ~~وشرائعه على خلقة الإنسان ونوع وجوده الذي لا يقبل التبدل والتغير فإن ~~الدين هو الطريقة ms2574 المسلوكة التي يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقية ~~والسعادة الحقيقية هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيء حسب تركب وجوده ~~وتجهزه بوسائل الكمال طلبا خارجيا واقعيا، وحاشا أن يسعد الإنسان أو أي شيء ~~آخر من الخليقة بأمر ولم يتهيأ بحسب خلقته له أو هيىء لخلافه كأن يسعد بترك ~~التغذي أو النكاح أو ترك المعاشرة والاجتماع وقد جهز بخلافها، أو يسعد ~~بالطيران كالطير أو بالحياة في قعر البحار كالسمك ولم يجهز بما يوافقه. # فالدين الحق هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة وحاشا ساحة الربوبية أن يهدي ~~الإنسان أو أي مخلوق آخر مكلف بالدين - إن كان - إلى غاية سعيدة مسعدة ولا ~~يوافق الخلقة أو لم يجهز بما يسلك به إليها فإنما الدين عند الله الإسلام ~~وهو الخضوع لله بحسب ما يهدي إليه ويدل عليه صنعه وإيجاده. # قوله تعالى: "وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان". # قسم تعالى حججه ع إلى قسمين: أحدهما ما بدأ به هو فحاج الناس، وثانيهما ~~ما بدأ به الناس فكلموه به بعد ما تبرأ من آلهتهم، وهذا الذي تعرض له في ~~الآية وما بعده هو القسم الثاني. # لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجة لكنه لوح إليه بقوله حكاية عن ~~إبراهيم (عليه السلام): "ولا أخاف ما تشركون به" فهو الاحتجاج لوجوب عبادة ~~آلهتهم من جهة الخوف وقد تقدم وسيجيء أن الذي بعثهم إلى اتخاذ الآلهة ~~وعبادتها أحد أمرين: الخوف من سخطها وقهرها بما لها من السلطة على حوادث ~~العالم الأرضي، أو رجاء البركة والسعادة منها، وأشد الأمرين تأثيرا في ~~نفوسهم هو الأمر الأول أعني الخوف وذلك أن الناس بحسب الطباع يرون ما ~~بأيديهم من النعمة والسعادة المادية ملك أنفسهم إما مرهون جهدهم في سلوك ~~سبيل المعاش في اقتناء الأموال واكتساب المقام والجاه أو مما ملكهم إياه ~~الجد الرفيع أو البخت السعيد كمن ورث مالا من مورثه أو صادف كنزا فتملكه أو ~~ساد قومه برئاسة أبيه. # فطريق الرجاء قليل التأثير في وجوب العبودية حتى أن المسلمين مع ما ~~بأيديهم ms2575 من التعليم الكامل الإلهي يتأثرون من الوعد والبشارة أقل مما ~~يتأثرون من الوعيد والإنذار، ولذلك بعينه نرى أن القرآن يذكر الإنذار من ~~وظائف الأنبياء أكثر من ذكر التبشير، وكلا الأمرين من وظائفهم والطرق التي ~~يستعملونها في الدعوة الدينية. # وبالجملة اختار قوم إبراهيم (عليه السلام) في محاجتهم إياه عند ما كلموه ~~في أمر الآلهة سبيل الخوف فأرهبوه من قهر الآلهة وسخطها ووعظوه بسلوك ~~سبيلهم ولزوم طريقهم في التقرب بالآلهة ورفض القول بربوبية الله سبحانه، ~~وإثباته في المقام الذي أثبتوه فيه وهو أنه الذي ينتهي إليه الكل فحسب. # ولما وجد (عليه السلام) كلامهم ينحل إلى جزءين: الردع عن القول بربوبية ~~الله سبحانه والتحريض على القول بربوبية آلهتهم احتج عليهم من الجهتين ~~جميعا لكن لا غنى للجهة الأولى عن الثانية كما سيجيء. # وما أورده في الاحتجاج على حجاجهم في الله سبحانه هو قوله: "أتحاجوني في ~~الله وقد هدان" أي إني واقع في أمر مفروغ عنه ومهتد بهداية ربي حيث آتاني ~~العلم بما أراني من ملكوت السماوات والأرض وألهمني بذلك حجة أنفي بها ~~ربوبية غيره من الأصنام والكواكب، وإني لا أستغني عن رب يدبر أمري فأنتج لي ~~أنه هو الرب وحده لا شريك له، وإذ هداني إليه فأنا في غنى عن الإصغاء إلى ~~حجتكم والبحث عن الربوبية ثانيا فإن البحث إنما ينفع الطالب ولا طلب بعد ~~الوصول إلى الغاية. PageV07P105 # هذا ما يعطيه ظاهر الآية بالتبادر إلى الذهن لكن هناك معنى أدق من ذلك يظهر ~~بالتدبر وهو أن قوله: "وقد هدان" استدلال بنفس الهداية لا استغناء بالهداية ~~عن الاستدلال وتقريره أن الله هداني بما علمني من الحجة على نفي ربوبية، ~~غيره وإثبات ربوبيته ونفس هدايته دليل على أنه رب ولا رب غيره فإن الهداية ~~إلى الرب من جملة التدبير فهي شأن من هو رب، ولو لم يكن الله سبحانه هو ربي ~~لم يكن ليهديني ولأقام بها إلى الذي هو الرب لكن الله هو هداني فهو ربي. # ولم يكن لهم أن يقولوا: إن الذي علمك ما ms2576 علمت وألهمك الحجة هو بعض آلهتنا ~~لأن الشيء لا يهدي إلى ما يضره ويميت ذكره ويفسد أمره فاهتداؤه (عليه ~~السلام) إلى نفي ربوبيتها لا يصح أن ينسب إليها، هذا. # ولكن كان لهم أن يقولوا أو أنهم قالوا: إن ذلك من فعل بعض آلهتنا فعل بك ~~ذلك قهرا وسخطا أبعدك عن القول بربوبيتها ولقنك هذه الحجج لما وجد من فساد ~~رأيك وعلة نفسك نظير ما شافهت به عاد هودا (عليه السلام) لما دعاهم إلى ~~توحيد الله سبحانه واحتج عليهم بأن الله هو الذي يجب أن يرجى ويخاف، وأن ~~آلهتهم لا تنفع ولا تضر فردوا عليه بأن بعض آلهتنا اعتراك بسوء قال تعالى ~~في قصتهم حكاية عن هود (عليه السلام): "ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين، ~~قالوا يا هود - إلى أن قال - إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني ~~أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون": هود: 55. # فقوله (عليه السلام): "ولا أخاف ما تشركون به" إلخ، ينفي هذه الشبهة وكما ~~أنه ينفي هذه الشبهة فإنه حجة تامة تنفي ربوبية شركائهم. # ومحصله: أنكم تدعونني إلى القول بربوبية شركائكم ورفض القول بربوبية ربي ~~بما تخافونني من أن تمسني شركاؤكم بسوء، وترهبونني بإلقاء الشبهة فيما ~~اهتديت به، وإني لا أخاف ما تشركون به لأنها جميعا مخلوقات مدبرة لا تملك ~~نفعا ولا ضرا وإذ لم أخفها سقطت حجتكم وارتفعت شبهتكم. # ولو كنت خفتها لم يكن الخوف الحاصل في نفسي من صنع شركائكم لأنها لا تقدر ~~على شيء بل كان من صنع ربي وكان هو الذي شاء أن أخاف شركاءكم فخفتها فكان ~~هذا الخوف دليلا آخر على ربوبيته وآية أخرى من آيات توحيده يوجب إخلاص ~~العبادة له لا دليلا على ربوبية شركائكم وحجة توجب عبادتها. # والدليل على أن ذلك من ربي أنه وسع كل شيء علما فهو يعلم كل ما يحدث ~~ويجري من خير وشر في ms2577 مملكته التي أوجدها لغايات صحيحة متقنة، وكيف يمكن أن ~~يعلم في ملكه بشيء ينفع أو يضر فيسكت ولا يستقبله بأحد أمرين: إما المنع أو ~~الإذن؟. # فلو حصل في نفسي شيء من الخوف لكان بمشية من الله وإذن على ما يليق بساحة ~~قدسه، وكان ذلك من التدبير الدال على ربوبيته ونفي ربوبية غيره أفلا ~~تتذكرون وترجعون إلى ما تدركونه بعقولكم وتهدي إليه فطرتكم. # فهذا وجه في تقرير الحجة المودعة في قوله: "ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون" وعلى ذلك فقوله: "ولا أخاف ما ~~تشركون به" كالمتمم للحجة في قوله: "أتحاجوني في الله وقد هدان" وهو مع ذلك ~~حجة تامة في نفسه لإبطال ربوبية شركائهم بعدم الخوف منها، وقوله: "إلا أن ~~يشاء ربي شيئا" كالكلام في الحجة على تقدير التسليم أي تحتجون على وجوب ~~عبادتها بالخوف ولا خوف في نفسي، ولو فرض خوف لكان دليلا على ربوبية ربي لا ~~على ربوبية شركائكم فإنه عن مشية من ربي، وقوله: "وسع ربي كل شيء علما" ~~بيان وتعليل لكون الخوف المفروض مستندا إلى مشية ربه فإن فاطر السماوات ~~والأرض لا يجهل ما يقع في ملكه فلا يقع إلا بإذن منه فهو الذي يدبر أمره ~~ويقوم بربوبيته، وقوله: "أفلا تتذكرون" استفهام توبيخي وإشارة إلى أن الحجة ~~فطرية، هذا. # وللمفسرين في الآية أقوال: أما قوله تعالى: "قال أتحاجوني في الله وقد ~~هدان" فقد أورد أكثرهم فيه الوجه الأول من الوجهين اللذين قدمناهما، ومحصله ~~أنه يرد اعتراضهم على توحيده بأنه غني عن المحاجة في ذلك فإن الله هداه ولا ~~حاجة معها إلى المحاجة لكن ظاهر السياق أنه في مقام المحاجة ولازمه أن ~~كلامه احتجاج للتوحيد الاستغناء عن الاحتجاج. PageV07P106 # وأما قوله تعالى: "لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا" فقد ذكروا ~~في الصدر قريبا مما قدمناه، وأما الاستثناء فقيل: معناه إلا أن يغلب ربي ~~هذه الأصنام التي تخوفونني بها فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع فيكون ضررها ~~ونفعها ms2578 إذ ذاك دليلا على حدوثها وعلى توحيد الله سبحانه، وبعبارة أخرى: ~~المعنى أني لا أخافها في حال من الحالات إلا أن يشاء ربي أن تحيا هؤلاء ~~الشركاء فتضر وتنفع فأخافها وإذ ذاك كانت الربوبية لله وتبين حدوث شركائكم. # وهذا الوجه وإن كان قريبا مما قدمناه بوجه لكن نسبة النفع والضر إلى ~~الشركاء لو كانت أحياء - مع أن بعضها أحياء عندهم كالملائكة وأرباب الأنواع ~~وبعضها يضر وينفع بحسب ظاهر النسبة كالشمس - تخالف التعليم الإلهي في كتابه ~~فإن القرآن يصرح أن لا يملك نفعا ولا ضررا إلا الله سبحانه. # وكذلك ما ذكر من دلالة ذلك على حدوث شركائهم أمر لا يضر أهل الأوثان ~~فإنهم كما عرفت لا ينكرون كون الأصنام ولا أربابها معلولة لله مخلوقة له، ~~والقول بالقدم الزماني في بعضها لا ينافي إمكانها ولا معلوليتها عندهم. # وقيل: إن معنى الاستثناء أني لا أخاف شركاءكم وأستثني من عموم الخوف في ~~الأوقات أن يشاء ربي أن يعذبني ببعض ذنوبي أو يصيبني بمكروه ابتداء، ~~وبعبارة أخرى الجملة استثناء من معنى أعم مما يدل عليه الجملة السابقة فقد ~~دل قوله: "ولا أخاف" إلخ، على نفي الخوف من شركائهم، وقوله: "إلا أن يشاء" ~~إلخ، استثناء من كل خوف فالتقدير: لا أخاف ما تشركون به ولا شيئا آخر إلا ~~من أن يشاء ربي شيئا أكرهه ابتداء أو جزاء فإني أخافه، ووجه التعسف في هذا ~~المعنى لا يحتاج إلى بيان. # وأما قوله: "وسع ربي كل شيء علما" فقد قيل. # إنه ثناء منه (عليه السلام) لربه بعد إتمام الحجة. # وقيل: إنه تعريض بأصنامهم حيث إنها لا تعلم شيئا ولا تشعر، ويرد عليه أن ~~التعريض بمثل القدرة أقرب إلى اقتضاء المقام من التعريض بالعلم فما وجه ~~العدول عن القدرة إلى العلم؟ والإشكال جار في الوجه السابق. # وقيل: إنه لما استثنى ما يشاؤه ربه مما يقع عليه من المكاره بين بقوله: ~~"وسع ربي كل شيء علما" أنه تعالى علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير ~~والحكمة. # وفيه أن الأنسب حينئذ أن ms2579 يذكر الحكمة مكان العلم ولا أقل من أن يذكر ~~الحكمة مع العلم كما في أغلب الموارد. # وقيل: إنه كالتعليل للاستثناء بجواز أن يكون قد سبق في علمه تعالى أصابته ~~بسوء تكون سببه الأصنام كأن يشاء أن يسقط صنم عليه فيشجه أو تؤثر فيه حرارة ~~الشمس فتمرضه أو تقتله، وفيه أن التمسك بالقدرة أو الحكمة أنسب للتعليل من العلم. # وقيل: معناه أن علم ربي وسع كل شيء وأحاط به ومشيئته مرتبطة بعلمه المحيط ~~القديم وقدرته منفذة لمشيئته فلا يمكن أن يكون لشيء من المخلوقات التي ~~تعبدونها ولا لغيرها تأثير ما في صفاته، ولا في أفعاله الصادرة عنها لا ~~بشفاعة ولا غيرها وإنما يكون ذلك لو كان علم الله تعالى غير محيط بكل شيء ~~فيعلمه الشفعاء والوسطاء من وجوه مرجحات الفعل أو الترك بالشفاعة أو غيرها ~~ما لم يكن يعلم فيكون ذلك هو الحامل له على الضر أو النفع أو العطاء أو المنع. # قال هذا القائل: أخذنا هذا المعنى لهذه الجملة من حجج الله تعالى على نفي ~~الشفاعة الشركية بمثل قوله: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء". # قال: وهذا أرجح الوجوه، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، انتهى ملخصا. # ومحصله أن قوله: "وسع ربي كل شيء علما" بيان وتعليل لعموم نفي الخوف من ~~الآلهة وغيرها كأنه قال: لا أخاف ضر شيء من آلهتكم وغيرها من المخلوقات فإن ~~ربي يعلم كل شيء فيتمه بمشيئته وينفذه بقدرته فلا يحتاج إلى شفيع يعلمه ما ~~جهل حتى يكون لها تأثير في أفعاله تعالى وشفاعة. # وأنت تعلم أن نفي هذا التأثير كما يحتاج إلى سعة علمه تعالى كذلك يحتاج ~~إلى إطلاق القدرة والمشيئة - والمشيئة مع ذلك صفة فعل لا ذات كما يفرضه ~~القائل - فما ذا تنفع سعة العلم لو لم يكن لقدرته ومشيئته إطلاق، والشاهد ~~عليه نفس كلامه الذي قرر فيه الوجه بالعلم والمشيئة والقدرة جميعا. PageV07P107 # وبالجملة هذا الوجه لا يتم بسعة ms2580 العلم وحدها وإنما يتم بها وبإطلاق القدرة ~~والمشيئة، وقد ذكرت في الآية سعة العلم وحدها. # وأما ما ذكره من دلالة آيات الشفاعة على ذلك فالآيات المذكورة مسوقة ~~لإثبات الشفاعة بمعنى التوسط في السببية بإذن من الله سبحانه لا أنها ~~تنفيها كما خيل إليه فزعم أنه يفسر القرآن، بالقرآن وكيف لا؟ والطمع في ~~ارتفاع الأسباب عن العالم المشهود طمع فيما لا مطمع فيه، والقرآن الكريم من ~~أوله إلى آخره يتكلم عن السببية ويبني على أصل العلية والمعلولية العام، ~~وقد تقدم الكلام في هذه المعاني كرارا في الأجزاء السابقة من الكتاب. # قوله تعالى: "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا" إلخ، ثم كر (عليه السلام) عليهم بحجة أخرى تثبت ~~المناقضة بين قولهم وفعلهم وبعبارة أخرى: حالهم يكذب مقالهم ومحصله أنكم ~~تأمرونني أن أخاف ما لا يجب أن يخاف منه، وأنتم أنفسكم لا تخافون من يجب أن ~~يخاف منه فأنا أولى بالأمن منكم إن عصيتكم ولم آتمر بأمركم. # أما كون ما تأمرونني بخوفه لا يجب أن يخاف منه فلأن الأصنام وأربابها لا ~~دليل على كونها مستقلة بالضر والنفع حتى توجب الخوف منها، وأما كونكم لا ~~تخافون من يجب أن يخاف منه فإنكم أنفسكم أثبتم لله سبحانه شركاء في ~~الربوبية ولم ينزل الله في ذلك عليكم برهانا يمكن أن يعتمد عليه فإن الصنع ~~والإيجاد لله سبحانه فله الملك وله الحكم فلو كان اتخذ بعض مخلوقاته شريكا ~~لنفسه يوجب لنا بذلك عبادة شريكه كان إليه لا إلى غيره أن يبين لنا ذلك ~~ويكشف عن وجه الحقيقة فيه، والطريق فيه أن يقارنه بعلائم وآيات تدل على أن ~~له شركة في كذا وكذا، وذلك إما وحي أو برهان يتكىء على آثار خارجية، وشيء ~~من ذلك غير موجود. # وعلى هذا التقرير فقوله تعالى: "ما أشركتم" مقيد بحسب ما يستفاد من ~~المقام بما قيد به قوله: "أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا" وإنما ~~ذكر هذا القيد عند ذكر عدم ms2581 خوفهم من شركهم لأن الحجة إلى ذكره هناك أحوج ~~وهو ظاهر. # وقوله: "فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون" من تتمة الحجة، ~~والمجموع برهان على مناقضتهم أنفسهم في دعوته (عليه السلام) إلى أن يخاف ~~آلهتهم فإنهم يأمرونه بالخوف فيما لا يجب وهم أنفسهم لا يخافون فيما يجب. # وبالبيان السابق يظهر أن وصف شركائهم بأن الله لم ينزل بها عليهم سلطانا ~~افتراض استدعاه نوع الحجة التي وضعت في الكلام لا مفهوم له يثبت إمكان أن ~~يأمر الله باتخاذ الشركاء آلهة يعبدون فهو بمنزلة قولنا: لا دليل لكم على ~~ما ادعيتم، في جواب من يخوفنا من موضوع خرافي يدعي أنه ربما ينفع ويضر، ~~ولنا أن نبدل قولنا ذلك لو أردنا التكلم بلسان التوحيد بقولنا: ما أنزل ~~الله على ذلك دليلا، والكلام بحسب التحليل المنطقي يئول إلى قياس استثنائي ~~استثني فيها نقيض المقدم في الشرطية لإنتاج نقيض التالي نحوا من قولنا: لو ~~كان الله نزل بها عليكم سلطانا يدل على قدرتهم على الضر لكان اتخاذكم ~~الشركاء خوفا منها في محله لكنه لم ينزل سلطانا فليس اتخاذكم الشركاء في ~~محله، ومن المعلوم أن لا مفهوم في هذا القياس فلا حاجة إلى القول بأن ~~التقييد بقوله: "لم ينزل به عليكم سلطانا" للتهكم، أو للإشارة إلى أن هذا ~~وصف لازم لشركائهم على حد قوله تعالى: "ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان ~~له به: "المؤمنون: 117 إلى غير ذلك من التحملات. # والباء في قوله: "لم ينزل به" للمعية أو السببية وقد كنى (عليه السلام) ~~عنهم وعن نفسه بالفريقين ولم يقل: أنا وأنتم أو ما يشابه ذلك ليكون أبعد من ~~تحريك الحمية وتهييج العصبية كما قيل، وليدل على تفرقهما وشقاق بينهما من ~~جهة الاختلاف في أصل الأصول وأم المعارف الحقيقية بحيث لا يأتلفان بعد ذلك ~~في شيء. PageV07P108 # قوله تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون" سألهم في الآية السابقة في ضمن ما أقامه من الحجة عمن هو أحق ~~بالأمن حيث قال: ms2582 "فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون" ثم أجابهم عما ~~سألهم لكون الجواب واضحا لا يختلف فيه الفريقان المتخاصمان والجواب الذي ~~هذا شأنه لا بأس بأن يبادر السائل إلى إيراده من غير أن ينتظر المسئول فإن ~~المسئول لا يخالف السائل في ذلك حتى يخاف منه الرد، وقد حكى الله تعالى ~~اعترافهم بذلك في قصة كسر الأصنام: "قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون، ثم نكسوا على ~~رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون": الأنبياء: 65. # هذا ما يقتضيه سياق الكلام أن تكون الآية من كلام إبراهيم (عليه السلام) ~~ومقولة لقوله، وأما كونها من كلام قومه وجوابا محكيا عنهم، وكذا كونها من ~~الله سبحانه من باب القضاء بين الطرفين المتخاصمين فمما لا يساعد عليه ~~السياق البتة. # وكيف كان فالكلام متضمن تأكيدا قويا من جهة إسنادات متعددة في جمل اسمية ~~وهي ما في قوله: "لهم الأمن" جملة اسمية هي خبر لقوله: "أولئك" والمجموع ~~جملة اسمية هي خبر لقوله: "الذين آمنوا" إلخ، والمجموع جملة اسمية، وكذلك ~~ما عطف على قوله: "لهم الأمن" من قوله: "وهم مهتدون" فينتج أنه لا شك في ~~اختصاص الذين آمنوا ولم يستروا إيمانهم بظلم بالأمن والاهتداء ولا ريب. # ولا ريب أن الآية تدل على أن خاصة الأمن والاهتداء من آثار الإيمان ~~مشروطا بأن لا يلبس بظلم، واللبس الستر كما ذكر الراغب في المفردات،: وأصل ~~اللبس - بفتح اللام - الستر، فهو استعارة قصد فيها الإشارة إلى أن هذا ~~الظلم لا يبطل أصل الإيمان فإنه فطري لا يقبل البطلان من رأس، وإنما يغطي ~~عليه ويفسد أثره ولا يدعه يؤثر أثره الصحيح. # والظلم وهو الخروج عن وسط العدل وإن كان في الآية نكرة واقعة في سياق ~~النفي ولازمه العموم وعدم اقتران الإيمان بشيء مما يصدق عليه الظلم على ~~الإطلاق لكن السياق حيث دل على كون الظلم مانعا من ظهور الإيمان وبروزه ~~بآثاره الحسنة المطلوبة كان ذلك قرينة على أن المراد بالظلم هو نوع الظلم ~~الذي يؤثر ms2583 أثرا سيئا في الإيمان دون الظلم الذي لا أثر له فيه. # وذلك أن الظلم وإن كان المظنون أن أول ما انتقل إليه الناس من معناه هو ~~الظلم الاجتماعي وهو التعدي إلى حق اجتماعي بسلب الأمن من نفس أحد من أفراد ~~المجتمع أو عرضه أو ماله من غير حق مسوغ لكن الناس توسعوا بعد ذلك فسموا كل ~~مخالفة لقانون أو سنة جارية ظلما بل كل ذنب ومعصية لخطاب مولوي ظلما من ~~المذنب بالنسبة إلى نفسه بل المعصية لله سبحانه لما له من حق الطاعة ~~المشروع بل مخالفة التكليف ظلما وإن كان عن سهو أو نسيان أو جهل وإن لم ~~يبنوا على مؤاخذة هذا المخالف وعقابه على ما أتى به بل يعدون من خالف ~~النصيحة والأمر الإرشادي ولو اشتبه عليه الأمر وأخطأ في مخالفته من غير ~~تعمد ظالما لنفسه حتى أن من سامح في مراعاة الدساتير الصحية الطبية أو خالف ~~شيئا من العوامل المؤثرة في صحة مزاجه ولو من غير عمد عد ظالما لنفسه وإن ~~كان ظلما من غير شعور، والملاك في جميع ذلك التوسع في معنى الظلم من جهة ~~تحليله. # وبالجملة للظلم عرض عريض - كما عرفت - لكن ما كل فرد من أفراده بمؤثر ~~أثرا سيئا في الإيمان فإن أصنافه التي لا تتضمن ذنبا ومعصية ولا مخالفة ~~مولوية كما إذا كان صدوره عن سهو أو نسيان أو جهل أو لم يشعر بوقوعه مثلا ~~فتلك كلها مما لا يؤثر في الإيمان الذي شأنه التقريب من السعادة والفلاح ~~الحقيقي والفوز برضى الرب سبحانه وهو ظاهر فتأثير الإيمان أثره لا يشترط ~~بعدم شيء من ذلك. # فقوله: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن" معناه ~~اشتراط الإيمان في إعطائه الأمن من كل ذنب ومعصية يفسد أثره بعدم الظلم غير ~~أن هاهنا دقيقة وهي أن الذنب الاختياري - كما استوفينا البحث عنه في آخر ~~الجزء السادس من الكتاب - أمر ذو مراتب مختلفة باختلاف الأفهام فمن الظلم ~~ما هو معصية اختيارية بالنسبة إلى قوم وليس بها عند ms2584 آخرين. PageV07P109 # فالواقف في منشعب طريقي الشرك والتوحيد مثلا وهو الذي يرى أن للعالم صانعا ~~هو الذي فطر أجزاءها وشق أرجاءها وأمسك أرضها وسماءها، ويرى أنه نفسه وغيره ~~مخلوقون مربوبون مدبرون، وأن الحياة الإنسانية الحقيقية إنما تسعد بالإيمان ~~به والخضوع له فالظلم اللائح لهذا الإنسان هو الشرك بالله والإيمان بغيره ~~بالربوبية كالأصنام والكواكب وغيرها على ما يثبته إبراهيم (عليه السلام) ~~بقوله: "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا" فالإيمان الذي يؤثر أثره بالنسبة إلى هذا الإنسان إنما يشترط ~~في إعطائه الأمن من الشقاء بأن لا يلبسه ظلم الشرك ومعصيته. # ومن طوى هذه المرحلة فآمن بالله وحده فإنه يواجه من الظلم الكبائر من ~~المعاصي كعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم وقتل النفس المحترمة والزنا وشرب ~~الخمر فإيمانه في تأثيره آثاره الحسنة يشترط باجتناب هذا النوع من الظلم، ~~وقد وعده الله أن يكفر عنه السيئات والمعاصي الصغيرة إن اجتنب كبائر ما ~~ينهى عنه، قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31 وفساد أثر هذا الإيمان هو الشقاء بعذاب ~~هذه المعاصي وإن لم يكن عذابا خالدا غير منقطع الآخر كعذاب الشرك بل منقطعا ~~إما بحلول أجله وإما بشفاعة ونحوها. # ومن تزود هذا الزاد من التقوى وحصل شيئا من المعرفة بمقام ربه كان مسئولا ~~بأصناف من الظلم تبدو له بحسب درجة معرفته بربه كإتيان المكروهات وترك ~~المستحبات والتوغل في المباحات، وفوق ذلك المعاصي في مستوى الأخلاق الكريمة ~~والملكات الربانية ووراء ذلك الذنوب التي تعترض سبيل الحب، وتحف بساط ~~القرب، فالإيمان في كل من هذه المراتب إنما يؤمن المتلبس به ويدفع عنه ~~الشقاء إذا عري عن ملابسة الظلم المناسب لتلك المرتبة. # فلقوله تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" إطلاق من حيث الظلم ~~لكنه إطلاق يختلف باختلاف مراتب الإيمان وإذ كان المقام مقام محاجة ~~المشركين انطبق الظلم المنفي على ظلم الشرك فحسب والأمن الذي يعطيه هذا ~~الإيمان هو الأمن مما يخاف ms2585 منه من الشقاء المؤبد والعذاب المخلد، والآية مع ~~ذلك آية مستقلة من حيث البيان مع قطع النظر عن خصوصية المورد تفيد أن الأمن ~~والاهتداء إنما يترتب على الإيمان بشرط انتفاء جميع أنحاء الظلم الذي يلبسه ~~ويستر أثره بالمعنى الذي تقدم بيانه. # وأما الإيمان المذكور في الآية ففيه إطلاق والمراد به الإيمان بالربوبية ~~الصالح للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله: "ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم" أفاد الإيمان بربوبية الله سبحانه ورفض غيره من شركائهم فإن إبراهيم ~~(عليه السلام) ذكر فيما تحكي عنه الآية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم ~~وإيمانهم بها مع كونها من خلق الله قول بما لا دليل لهم عليه من جانب الله ~~ولا سلطان وأنهم بإيمانهم بشركائهم يتوقون شرا ويستأمنون شقاء ليس لها أن ~~تدفعها لأنها لا تضر ولا تنفع، وأما هو (عليه السلام) فقد خاف وآمن بمن هو ~~فاطره وهو المتصرف بالهداية والمدبر الذي له في كل أمر إرادة ومشية لسعة ~~علمه، ثم سألهم: أي الفريقين أحق بالأمن والناجح بالإيمان بالرب، ولكل من ~~الفريقين إيمان بالرب، وإن اختلفا من جهة الرب، والذي آمنوا به بين مؤمن ~~برب على ربوبيته دليل، ومؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه. # ومن هنا يظهر أن المراد بالإيمان في قوله: "الذين آمنوا" مطلق الإيمان ~~بالربوبية ثم بتقيده بقوله: "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" يتعين في الإيمان ~~بالله سبحانه الذي هو حق الإيمان فافهم. # فقد اتضح بما تقدم أولا: أن المراد بالإيمان هو الإيمان بالربوبية دون ~~الإيمان بوجود صانع العالم خلافا لمنكري وجوده. # وثانيا: أن الظلم في الآية مطلق ما يضر الإيمان ويفسده من المعاصي، وكذا ~~المراد بالأمن مطلق الأمن من شقاء المعاصي والذنوب، وبالاهتداء مطلق التخلص ~~من ضلالها وإن انطبق بحسب المورد على معصية الشرك خاصة. # وثالثا: أن إطلاق الظلم يختلف بحسب اختلاف مراتب الإيمان. PageV07P110 # قال بعض المفسرين في معنى عموم الظلم في الآية: إن الأمن في الآية مقصور ~~على الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فإذا حمل العموم ms2586 فيها على إطلاقه ~~وعدم مراعاة موضوع الإيمان يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم ~~بظلم ما لأنفسهم لا في إيمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينية ~~أو دنيوية ولا لغيرهم من المخلوقات من العقلاء والعجماوات أولئك لهم الأمن ~~من عقاب الله تعالى الديني على ارتكاب المعاصي والمنكرات، وعقابه الدنيوي ~~على عدم مراعاة سببه في ربط الأسباب بالمسببات كالفقر والأسقام والأمراض ~~دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم فإن الظالمين لا أمان لهم بل كل ظالم ~~عرضة للعقاب وإن كان الله تعالى لسعة رحمته لا يعاقب كل ظالم على كل ظلم بل ~~يعفو عن كثير من ذنوب الدنيا، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في الآخرة ما ~~دون الشرك به. # قال: وهذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه، ويترتب عليه أن الأمن ~~المطلق من الخوف من عقاب الله الديني والدنيوي أو الشرعي والقدري جميعا لا ~~يصح لأحد من المكلفين دع خوف الهيبة والإجلال الذي يمتاز به أهل الكمال. # قال: وأما معنى الآية على فرض عدم الإطلاق فهو أن الذين آمنوا ولم يخلطوا ~~إيمانهم بظلم عظيم وهو الشرك بالله أولئك لهم الأمن دون غيرهم من العقاب ~~الديني المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب وهم فيما دون ذلك بين ~~الخوف والرجاء. # قال: وظاهر الآية هو العموم واستدل عليه بفهم الصحابة على ما روي: أن ~~الآية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ ~~فأخبرهم (صلى الله عليه وآله وسلم): أن المراد به الشرك، وربما أشعر بذلك ~~السياق وكون الموضوع هو الإيمان، انتهى ملخصا. # وفيه مواقع للإشكال فأولا: أن ما استدل عليه من العموم بفهم الصحابة هو ~~غير ما قرره من معنى العموم فإن الذي فهموه من الظلم هو ما يساوي المعصية، ~~والذي قرره هو أعم من ذلك. # وثانيا: أن ما قرره من عموم الظلم حتى بالنسبة إلى أفراد من الظلم ليست ~~من المعصية في شيء ثم حكم بصحة تفسير الآية به أجنبي عن ms2587 مدلول الآية فإن ~~الآية في مقام بيان أن الأمن والاهتداء من آثار الإيمان ولكن بشرط أن لا ~~يقارن ظلما يستره ويفسد أثره، وهذا الظلم إنما هو المعصية بوجه، وأما ما لا ~~يعد معصية كأكل الغذاء المضر بصحة البدن خطاء فمن المعلوم أنه لا يفسد أثر ~~الإيمان من الأمن والاهتداء، وليس المراد بالآية بيان آثار الظلم أيا ما ~~كانت ولو مع قطع النظر عن الإيمان فإنه تعالى قال: "الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم" فجعل الإيمان هو الموضوع وقيده بعدم الظلم وجعل أثره الأمن ~~والاهتداء، ولم يجعل الظلم هو الموضوع حتى تكون الآية مسرودة لبيان آثاره. # فالآية سيقت لبيان الآثار التي تترتب على الإيمان الصحيح، وأما الظلم بما ~~له من العرض العريض وما له من الأثر المترتب عليه فالآية غير متعرضة لذلك ~~البتة، فقوله: "وهذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه" فاسد البتة. # وثالثا: أن قوله: "ويترتب عليه أن الأمن المطلق لا يصح لأحد من المكلفين" ~~صريح في أن الآية لا مصداق لها بالنظر إلى الإطلاق الذي قرره، ولازمه سقوط ~~الكلام عن الفائدة، وأي فائدة في أن يوضع في الحجة قول لا مصداق له أصلا؟. # ورابعا: أن الذي اختاره في معنى الآية أن المراد به هو الظلم الخاص وهو ~~الشرك ليس بمستقيم فإن الآية من جهة عموم لفظها وإن دلت على وجوب كون ~~الإيمان غير مقارن للشرك حتى يؤثر أثره لكن ذلك من باب انطباق اللفظ العام ~~على مورده الخاص، وأما إرادة المعنى الخاص من اللفظ العام من غير قرينة ~~حالية أو مقالية متصلة أو منفصلة فمما لا ترتضيه صناعة البلاغة وهو ظاهر. # وأما ما أشار إليه من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما هو الشرك" ~~فليس بصريح في أن الشرك مراد لفظي من الآية وإنما هو الانطباق، وسيجيء ~~البحث عن الحديث في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء" ~~إلخ، في الإشارة بلفظ البعيد إلى الحجة ms2588 تفخيم وتعظيم لأمرها لكونها حجة ~~قاطعة جارية على صراط الفطرة مأخوذة بمقدماتها منها. PageV07P111 # وأما قوله: "نرفع درجات من نشاء" فالدرجات - كما قيل - هي مراقي السلم ثم ~~توسع فيها فأطلق على مراتب الكمال من المعنويات كالعلم والإيمان والكرامة ~~والجاه وغير ذلك فرفعه تعالى من يشاء من عباده درجات من الرفع هو تخصيصه ~~بكمالات معنوية وفضائل حقيقية في الخيرات الكسبية كالعلم والتقوى وغير ~~الكسبية كالنبوة والرسالة والرزق وغيرها. # والدرجات لكونها نكرة في سياق الإيجاب مهملة غير مطلقة غير أن المتيقن من ~~معناها بالنظر إلى خصوص المورد هو درجات العلم والهداية فقد رفع الله ~~إبراهيم (عليه السلام) بهدايته وإراءته ملكوت السماوات والأرض وإيتائه ~~اليقين والحجة القاطعة، والجميع من العلم، وقد قال تعالى في درجات العلم: ~~"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة: 11. # ثم ختم الآية بقوله: "إن ربك حكيم عليم" لتثبيت أن ذلك كله كان بحكمة منه ~~تعالى وعلم كما أن الحجج التي آتاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~المذكورة في السورة قبل هذه الحجة من حكمته وعلمه تعالى، وفي الكلام التفات ~~من التكلم إلى الغيبة لتطييب قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتثبيت ~~المعارف المذكورة فيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في العيون:، حدثنا نعيم بن عبد الله بن تميم القرشي رضي الله عنه قال: ~~حدثنا أبي عن حمدان بن سليمان النيشابوري عن علي بن محمد بن الجهم قال: ~~حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا (عليه السلام) فقال له المأمون: يا بن رسول ~~الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فسأله عن آيات من ~~القرآن فيه فكان فيما سأله أن قال له: فأخبرني عن قول الله عز وجل في ~~إبراهيم: "فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي". فقال الرضا (عليه ~~السلام): إن إبراهيم وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد ~~القمر، وصنف يعبد الشمس وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه فلما جن عليه ~~الليل رأى الزهرة قال: هذا ربي على ms2589 الإنكار والاستخبار فلما أفل الكوكب ~~قال: لا أحب الآفلين لأن الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم فلما رأى ~~القمر بازغا قال: هذا ربي على الإنكار والاستخبار فلما أفل قال: لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما أصبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ~~ربي هذا أكبر من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار ~~والإقرار فلما أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: يا ~~قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين. وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ~~ويثبت عندهم أن العبادة لا يحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما ~~يحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه مما ~~ألهمه الله عز وجل وآتاه كما قال عز وجل: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه. فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله. # أقول: وتأييد الرواية بمضمونها عدة من الأمور التي استفدناها من سياق ~~الآيات الكريمة ظاهر، وسيأتي أيضا بعض ما يؤيدها من الروايات، وأما ما في ~~الرواية من كون قول إبراهيم (عليه السلام): "هذا ربي" واقعا على سبيل ~~الإنكار والاستخبار دون الإخبار والإقرار فوجه من الوجوه التي تقدمت في ~~تفسير الآيات أورده (عليه السلام) في قطع حجة المأمون، ولا ينافي صحة غيره ~~من الوجوه لو كان هناك وجه كما سيأتي. # وكذا قوله: "لأن الأفول من صفات المحدث" إلخ، ليس بظاهر في أن الحجة ~~مأخوذة من الأفول الحادث كما ذكره بعضهم لجواز أن يكون الحجة مأخوذة من عدم ~~الحب وملاكه كون الأفول من صفات المحدث التي لا ينبغي أن يتعلق بها حب فافهم. PageV07P112 # وفي كمال الدين:، أبي وابن الوليد معا عن سعد عن ابن بريد عن ابن أبي عمير ~~عن هشام بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو ~~إبراهيم منجما لنمرود بن كنعان، وكان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه ms2590 فنظر في ~~النجوم ليلة من الليالي فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتي هذه عجبا فقال له ~~نمرود: ما هو؟ فقال: رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه، ~~ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به فعجب من ذلك نمرود وقال: هل حمل به النساء؟ ~~فقال: لا، وكان فيما أوتي من العلم أنه سيحرق بالنار، ولم يكن أوتي أن الله ~~سينجيه. قال: فحجب النساء عن الرجال فلم يترك امرأة إلا جعلت بالمدينة حتى ~~لا يخلص إليهن الرجال، قال: وباشر أبو إبراهيم امرأته فحملت به فظن أنه ~~صاحبه فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في البطن شيء إلا علمنا به فنظرنا ~~إلى أم إبراهيم فألزم الله تبارك وتعالى ذكره ما في الرحم الظهر فقلن: ما ~~نرى شيئا في بطنها. فلما وضعت أم إبراهيم أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود ~~فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله دعني أذهب به إلى بعض ~~الغيران أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا تكون أنت تقتل ابنك فقال لها: ~~فاذهبي فذهبت به إلى غار ثم أرضعته ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت ~~عنه فجعل الله رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبنا، وجعل يشب في اليوم ~~كما يشب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر، ويشب في ~~الشهر كما يشب غيره في السنة فمكث ما شاء الله أن يمكث. ثم إن أمه قالت ~~لأبيه: لو أذنت لي أن أذهب إلى ذلك الصبي فأراه فعلت قال: ففعل فأتت الغار ~~فإذا هي بإبراهيم وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان فأخذته وضمته إلى صدرها ~~وأرضعته ثم انصرفت عنه فسألها أبوه عن الصبي فقالت: قد واريته في التراب. ~~فمكثت تعتل فتخرج في الحاجة، وتذهب إلى إبراهيم فتضمه إليها أصل لازم ~~وترضعه ثم تنصرف فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه، وصنعت كما كانت تصنع ~~فلما أرادت الانصراف أخذ ثوبها فقالت له: ما لك؟ فقال: اذهبي بي معك فقالت ~~له: ms2591 حتى استأمر أباك فلم يزل إبراهيم في الغيبة مخفيا بشخصه كاتما لأمره ~~حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره، وأظهر الله قدرته فيه. # أقول: وروي في قصص الأنبياء، عن الصدوق عن أبيه وابن الوليد ثم ساق السند ~~إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان آزر عم إبراهيم منجما ~~لنمرود وكان لا يصدر إلا عن رأيه قال: لقد رأيت في ليلتي عجبا قال: ما هو؟ ~~قال: إن مولودا يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه فحجب الرجال عن ~~النساء، وكان تارخ وقع على أم إبراهيم فحملت ثم ساق الحديث إلى آخره. # وقد حمل وحدة السند في الحديثين، ووحدة المضمون إلا في أبي إبراهيم صاحب ~~البحار أن قال: الظاهر أن ما رواه الراوندي هو هذا الخبر بعينه، وإنما غيره ~~ليستقيم على أصول الإمامية، انتهى. # ثم حمل الرواية وما في مضمونها من الروايات الدالة على أن آزر الوثني كان ~~والدا لإبراهيم صلبيا على التقية. # وقد روى مثل المضمون السابق القمي في تفسيره، والعياشي في تفسيره، وروي ~~من طرق أهل السنة عن مجاهد، ورواه الطبري في تاريخه والثعلبي في قصص ~~الأنبياء، عن عامة السلف وأهل العلم. # وكيف كان فالذي ينبغي أن يقال: إن علماء الحديث والآثار كأنهم مجمعون على ~~أن إبراهيم (عليه السلام) كان في بادي عمره قد أخفي في سرب خوفا من أن ~~يقتله الملك نمرود، ثم خرج عنه بعد حين فحاج أباه وقومه في أمر الأصنام ~~والكوكب والقمر والشمس وحاج الملك في دعواه الربوبية، وقد تقدم أن سياق ~~آيات القصة يؤيد هذا المعنى. # وأما أبو إبراهيم فقد ذكر أهل التاريخ أن اسمه تارخ - بالحاء المهملة أو ~~المعجمة - وآزر إما لقبه أو اسم صنم أو وصف ذم أو مدح بحسب لغتهم بمعنى ~~المعتضد أو الأعرج وصفه به إبراهيم. PageV07P113 # وذكروا أن هذا المشرك الذي سماه القرآن أبا إبراهيم وذكر محاجته إياه كان ~~هو تارخ أباه الصلبي ووالده الحقيقي ووافقهم على ذلك عدة من علماء الحديث ~~والكلام من أهل السنة، ms2592 وخالفهم جمع منهم، والشيعة كالمجمع على ذلك أو هم ~~مجمعون إلا ما يتراءى من بعض المحدثين حيث أودعوا تلك الأخبار كتبهم، وعمدة ~~ما احتج به القائلون بأن آزر المشرك لم يكن والد إبراهيم، وإنما كان عمه أو ~~جده لأمه الأخبار الواردة من طرق الفريقين في أن آباء النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كانوا موحدين جميعا لم يكن فيهم مشرك، وقد طالت المشاجرة بين ~~الفريقين. # أقول: من البحث على هذا النمط كيفما تم خارج عن البحث التفسيري وإن كان ~~الباحثون من الفريقين في حاجة إلى إيراده واستنتاج حق ما ينتجه لكنا في غنى ~~عن ذلك فقد تقدم أن الآيات دالة على أن آزر المشرك الذي يذكره الله تعالى ~~في هذه الآيات من سورة الأنعام لم يكن والدا حقيقيا لإبراهيم (عليه ~~السلام). # فالروايات الدالة على كون آزر أباه الحقيقي على ما فيها من الاختلاف في ~~سرد القصة روايات مخالفة للكتاب لا يعبأ بها، ولا حاجة مع ذلك إلى حملها ~~على التقية إن صح الحمل مع هذا الاختلاف بين القوم. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: وكذلك نري إبراهيم الآية قال: حدثني ~~أبي عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن هشام عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: كشط له عن الأرض ومن عليها، وعن السماء ومن عليها، ~~والملك الذي يحملها، والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام):. أقول: وروى مثله في بصائر الدرجات ~~بطريقين عن عبد الله بن مسكان وأبي بصير عن الصادق (عليه السلام) وبطريق عن ~~عبد الرحيم عن الباقر (عليه السلام) ورواه العياشي عن زرارة وأبي بصير عن ~~الصادق (عليه السلام) وعن زرارة وعبد الرحيم القصير عن الباقر (عليه ~~السلام) ورواه في الدر المنثور، عن ابن عباس ومجاهد والسدي من مفسري السلف، ~~وسيأتي في الكلام على العرش حديث علي (عليه السلام) المروي في الكافي في ~~معنى العرش وفيه قال: والذين يحملون العرش ومن حوله هم العلماء الذين حملهم ms2593 ~~الله علمه قال: وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه خليله (عليه ~~السلام) فقال: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض - وليكون من ~~الموقنين الحديث. # وفي الحديث تفسير سائر الأخبار الواردة في تفسير إراءة الملكوت وتأييد ~~لما قدمناه في البيان السابق، وسيوافيك الشرح المستوفى لهذا الحديث في سورة ~~الأعراف إن شاء الله تعالى. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما ~~رأى ملكوت السماوات والأرض التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات ثم رأى آخر ~~فدعا عليه فمات حتى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا فأوحى الله إليه أن يا ~~إبراهيم: إن دعوتك مجابة فلا تدع على عبادي فإني لو شئت لم أخلقهم إني خلقت ~~خلقي على ثلاثة أصناف: عبد يعبدني ولا يشرك بي شيئا، وعبد يعبد غيري فلن ~~يفوتني، وعبد يعبد غيري فأخرج من صلبه من يعبدني: أقول: والرواية مستفيضة ~~ورواه في الكافي مسندا عن أبي بصير عنه (عليه السلام) ورواه الصدوق في ~~العلل عنه (عليه السلام) والطبرسي في الاحتجاج عن العسكري (عليه السلام) ~~ورواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وعن أبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب ~~عن معاذ بن جبل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن عدة من المفسرين ~~موقوفا. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: في ~~إبراهيم إذ رأى كوكبا قال: إنما كان طالبا لربه ولم يبلغ كفرا، وأنه من فكر ~~من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته. # وفي تفسير القمي، قال: وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول إبراهيم: ~~"هذا ربي" هل أشرك في قوله: هذا ربي؟ فقال: من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم ~~يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك. # أقول: ويقابل الذي هو طالب من تم له البيان وقامت له الحجة الواضحة فهو ~~غير طالب، وليس لغير الطالب ms2594 أن يفترض ما فيه شرك. PageV07P114 # وفي تفسير العياشي، عن حجر قال: أرسل العلاء بن سيابة يسأل أبا عبد الله ~~(عليه السلام) عن قول إبراهيم: "هذا ربي" وأنه من قال هذا اليوم فهو عندنا ~~مشرك، قال: لم يكن من إبراهيم شرك إنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك. # وفيه، عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول ~~الله فيما أخبر عن إبراهيم: "هذا ربي" قال: لم يبلغ به شيئا، أراد غير الذي قال. # أقول: المراد به ظاهرا أنه أراد به أن قوله: "هذا ربي" لا يتعدى مفهوم ~~نفسه وليس له وراء ذلك معنى يحكي عنه أي أنه قاله على سبيل الافتراض أو ~~تسليم المدعى لبيان فساده بفساد لوازمه كما تقدمت الإشارة إليه. # في الدر المنثور، في قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~الآية، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والدارقطني في الأفراد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ~~قال: لما نزلت هذه الآية: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" شق ذلك ~~على الناس فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي ~~تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: "إن الشرك لظلم عظيم"؟ إنما هو الشرك. # أقول: المراد بالعبد الصالح لقمان على ما حكاه الله تعالى من قوله في ~~سورة لقمان. # وفي الحديث دلالة على أن سورة الأنعام نزلت بعد سورة لقمان، وقد تقدم أن ~~كون المراد هو الشرك إنما هو الانطباق بحسب المورد والشرك ذنب لا تتعلق به ~~مغفرة أصلا بخلاف غيره كائنا ما كان، والدليل على ما ذكرنا ما يأتي من ~~الروايات. # وفيه، أخرج أحمد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا فانتهى إلينا فسلم فقال ~~له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ms2595 من أين أقبلت؟ فقال: من أهلي وولدي ~~وعشيرتي أريد رسول الله. قال: قد أصبته قال: علمني ما الإيمان؟ قال: تشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم ~~رمضان وتحج البيت قال: قد أقررت. ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ~~ووقع الرجل على هامته فمات فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا ~~من الذين عملوا قليلا وأجروا كثيرا، هذا من الذين قال الله: "الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" إني رأيت الحور ~~العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة فعلمت أن الرجل مات جائعا: أقول: ورواه ~~أيضا عن الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، ورواه العياشي في ~~تفسيره عن جابر الجعفي عمن حدثه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مثله. ~~وفيه، أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي: أن رجلا سأل عنها النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فسكت حتى جاء رجل فأسلم فلم يلبث إلا قليلا حتى قاتل ~~فاستشهد فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا منهم من الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم. # وفيه، أخرج الفاريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب: في قوله: "الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم" قال: نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه خاصة ليس في هذه الأمة. # أقول: والرواية لا توافق بظاهرها الأصول الكلية المستخرجة من الكتاب ~~والسنة فإن الآية لا تشتمل بمضمونها على حكم خاص تختص به أمة دون أمة ~~كالأحكام الفرعية التشريعية التي ربما تختص بزمان دون زمان، وأما الإيمان ~~بما له من الأثر على مراتبه، وكذا الظلم على مراتبه بما لها من سوء الأثر ~~في الإيمان فإنما ذلك أمر مودع في الفطرة الإنسانية لا يختلف باختلاف ~~الأزمنة والأمم. # وقال بعض المفسرين في توجيه الحديث: لعل مراده أن الله خص إبراهيم وقومه ~~بأمن موحدهم من عذاب الآخرة مطلقا لا ms2596 أمن الخلود فيه فقط، ولعل سبب هذا - ~~إن صح - أن الله تعالى لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء بتربية ~~شرائعهم المدنية الشديدة لهم في الأحوال الشخصية والأدبية وغيرها. PageV07P115 # وقد عثر الباحثون على شرائع حمورابي الملك الصالح الذي كان في عهد إبراهيم ~~وباركه وأخذ منه العشور - كما في سفر التكوين - فإذا هي كالتوراة في أكثر ~~أحكامها وأما فرض الله الحج على لسان إبراهيم فقد كان في قوم ولده إسماعيل ~~لا في قومه الكلدانيين وأما هذه الأمة فإن من موحديها من يعذبون بالمعاصي ~~على قدرها لأنهم خوطبوا بشريعة كاملة يحاسبون على إقامتها، انتهى. # وفي كلامه من التحكم ما لا يخفى فقد تقدم أن الملك حمورابي هذا كان يعيش ~~على رأس سنة ألف وسبعمائة قبل المسيح، وإبراهيم كان يعيش على رأس الألفين ~~قبل المسيح تقريبا كما ذكره. # وحمورابي هذا وإن كان ملكا صالحا في دينه عادلا في رعيته ملتزما العمل ~~بقوانين وضعها وعمل بإجرائها في مملكته أحسن إجراء وإنفاذ، وهي أقدم ~~القوانين المدنية الموضوعة على ما قيل إلا أنه كان وثنيا، وقد استمد بعده ~~من آلهة الوثنيين في ما كتبه بعد الفراغ عن كتابة شريعته على ما عثروا عليه ~~في الآثار المكشوفة في خرائب بابل، والآلهة التي ذكرها في بيانه الموضوع في ~~ختام القانون، وشكرها في أن آتته الملك العظيم ووفقته لبسط العدل ووضع ~~الشريعة، واستعان بها واستمد منها في حفظ شريعته عن الزوال والتحريف هي ~~"ميروداخ" إله الآلهة، وأي إله القانون والعدل والإله "زماما" والإله ~~"إشتار" إله الحرب و"شاماش" الإله القاضي في السماء والأرض و"سين" إله ~~السماوات، و"حاداد" إله الخصب و"نيرغال" إله النصر و"بل" إله القدر والآلهة ~~"بيلتيس" والآلهة "نينو" والإله "ساجيلا" وغيرها. # والذي ذكره من أن الله لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء ~~بتربية شرائعهم المدنية "إلخ" يكذبه أن القرآن يحكي عن لسان إبراهيم (عليه ~~السلام) الصلاة كما في أدعيته في سورة إبراهيم ويذكر أن الله أوحى إليه فعل ~~الخيرات وإيتاء الزكاة كما في سورة الأنبياء، وأنه ms2597 شرع الحج وأباح لحوم ~~الأنعام كما في سورة الحج، وكان من شريعته الاعتزال عن المشركين كما في ~~سورة الممتحنة، وكان ينهى عن كل ظلم لا ترتضيه الفطرة كما في سورة الأنعام ~~وغيرها، ومن شرعه التطهر كما تشير إليه سورة الحج ووردت الأخبار أنه (عليه ~~السلام) شرع الحنيفية وهي عشر خصال: خمس في الرأس وخمس في البدن ومنها ~~الختنة، وكان يحيي بالسلام كما في سورة هود ومريم. # وقد قال الله تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم": الحج: 78 وقال: "قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا": البقرة: 135 فوصف هذا الدين على ما له من الأصول والفروع ~~بأنه ملة إبراهيم (عليه السلام)، وهذا وإن لم يدل على أن هذا الدين على ما ~~فيه من تفاصيل الأحكام كان مشرعا في زمن إبراهيم (عليه السلام) بل الأمر ~~بالعكس كما يدل عليه قوله: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13 إلا أنه يدل على أن ~~شرائعه راجعة إلى أصل أو أصول كلية تهدي إليها الفطرة مما ترتضيه وتأمر به ~~أو لا ترتضيه وتنهى عنه قال تعالى في آخر هذه السورة بعد ما ذكر حججا على ~~الشرك وجملا من الأوامر والنواهي الكلية مخاطبا نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم، دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين": الأنعام: 161. # ولو كان الأمر على ما ذكره أن الله لم يشرع لإبراهيم (عليه السلام) شريعة ~~بل اكتفى بما بين يديه من القانون المدني الدائر وهو شريعة حمورابي لكانت ~~الشريعة المذكورة ممضاة مصوبة من عند الله، وكانت من أجزاء دين إبراهيم ~~(عليه السلام) بل الدين الإسلامي الذي شرع في القرآن لأنه هو ملة إبراهيم ~~حنيفا فكانت إحدى الشرائع الإلهية ونوعا من الكتب السماوية. PageV07P116 # والحق الذي لا مرية فيه أن الوحي الإلهي كان يعلم الأنبياء السالفين وأممهم ~~أصولا كلية في المعاش والمعاد كأنواع من العبادة وسننا كلية في الخيرات ~~والشرور يهتدي إلى تشخيصها الإنسان ms2598 السليم العقل من المعاشرة الصالحة ~~والتجنب عن الظلم والإسراف وإعانة المستكبرين ونحوها، ثم يؤمرون بالدخول في ~~المجتمعات بهذا التجهيز الذي جهزوا به، والدعوة إلى أخذ الخير والصلاح ورفض ~~الشر والفحشاء والفساد سواء كانت المجتمعات التي دخلوا فيها يدبرها استبداد ~~الظلمة والطغاة أو رأفة العدول من السلاطين وسياستهم المنظمة. # ولم يشرع تفاصيل الأحكام قبل ظهور الدين الإسلامي إلا في التوراة وفيها ~~أحكام يشابه بعضها بعض ما في شريعة حمورابي غير أن التوراة نزلها الله على ~~موسى (عليه السلام) وكانت محفوظة في بني إسرائيل فقدوها في فتنة بخت نصر ~~التي أفنت جمعهم وخربت هيكلهم ولم يبق منهم إلا شرذمة ساقتهم الإسارة إلى ~~بابل فاستعبدوا واسكنوا فيه إلى أن فتح الملك كورش بابل وأعتقهم من الأسر ~~وأجاز لهم الرجوع إلى بيت المقدس، وأن يكتب لهم عزراء الكاهن التوراة بعد ~~ما أعدمت نسخها ونسيت متون معارفها، وقد اعتادوا بقوانين بابل الجارية بين ~~الكلدانيين. # ومع هذا الحال كيف يحكم بأن الله أمضى في الشريعة الكليمية كثيرا من ~~شرائع حمورابي، والقرآن إنما يصدق من هذه التوراة بعض ما فيها، وبعد ذلك ~~كله لا مانع من كون بعض القوانين غير السماوية مشتملا على بعض المواد ~~الصالحة والأحكام الحقة. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال: هو الشرك. # وفيه، بطريق آخر عن أبي بصير عنه (عليه السلام): في الآية قال: بشك:. ~~أقول: ورواه العياشي أيضا في تفسيره، عن أبي بصير عنه (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت ~~عن قول الله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: نعوذ بالله يا با ~~بصير أن نكون ممن لبس إيمانه بظلم، ثم قال: أولئك الخوارج وأصحابهم. # وفيه، عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: الضلال وما فوقه. # أقول: كأن المراد بالضلال في الرواية الشرك الذي هو ms2599 أصل كل بما ظلم فوقه ~~وما يزيد عليه من المعاصي والمظالم، أو المراد بالضلال أدنى ما يتحقق به ~~الظلم من المعاصي، وبما فوقه الشرك الذي هو المرتبة الشديدة من الضلال فإن ~~كل معصية ضلال. # والروايات - كما ترى - تتفنن في تفسير الظلم في الآية فتارة تفسرها ~~بالشرك وتارة بالشك وتارة بما عليه الخوارج، وفي بعضها: أن منه ولاية ~~أعدائهم، وكل ذلك من شواهد ما قدمنا أن الظلم في الآية مطلق وهو في إطلاقه ~~ذو مراتب بحسب درجات الأفهام. # كلام في قصة إبراهيم (عليه السلام) # وشخصيته وفيه أبحاث مختلفة قرآنية وأخرى علمية وتاريخية وغير ذلك. # 1 - قصة إبراهيم (عليه السلام) # في القرآن: كان إبراهيم (عليه السلام) في طفوليته إلى أوائل تمييزه يعيش ~~في معزل من مجتمع قومه ثم خرج إليهم ولحق بأبيه فوجده وقومه يعبدون الأصنام ~~فلم يرتض منه ومنهم ذلك وقد كانت فطرته طاهرة زاكية مؤيدة من الله سبحانه ~~بالشهود الحق وإراءة ملكوت كل شيء وبالجملة وبالقول الحق والعمل الصالح. # فأخذ يحاج أباه في عبادته الأصنام ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه ~~واتباعه حتى يهديه إلى مستقيم الصراط ويبعده من ولاية الشيطان، ولم يزل ~~يحاجه ويلح عليه حتى زبره وطرده عن نفسه وأوعده أن يرجمه إن لم ينته عن ذكر ~~آلهته بسوء والرغبة عنها. PageV07P117 # فتلطف إبراهيم (عليه السلام) إرفاقا به وحنانا عليه وقد كان ذا خلق كريم ~~وقول مرضي فسلم عليه ووعده أن يستغفر له ويعتزله وقومه وما يعبدون من دون ~~الله مريم: 41، 48 وقد كان من جانب آخر يحاج القوم في أمر الأصنام ~~الأنبياء: 51 - 56، الشعراء: 69 - 77، الصافات: 83 - 87 ويحاج أقواما آخرين ~~منهم يعبدون الشمس والقمر والكوكب في أمرها حتى ألزمهم الحق وشاع خبره في ~~الانحراف عن الأصنام والآلهة الأنعام: 74 - 82 حتى خرج القوم ذات يوم إلى ~~عبادة جامعة خارج البلد واعتل هو بالسقم فلم يخرج معهم وتخلف عنهم فدخل بيت ~~الأصنام فراغ على آلهتهم ضربا باليمين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم ~~إليه يرجعون فلما تراجعوا وعلموا ms2600 بما حدث بآلهتهم وفتشوا عمن ارتكب ذلك ~~قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. # فأحضروه إلى مجمعهم فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون فاستنطقوه ~~فقالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ~~إن كانوا ينطقون، وقد كان أبقى كبير الأصنام ولم يجذه ووضع الفأس على عاتقه ~~أو ما يقرب من ذلك ليشهد الحال على أنه هو الذي كسر سائر الأصنام. # وإنما قال (عليه السلام) ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك وهم ~~يعلمون أنه جماد لا يقدر على ذلك لكنه قال ما قال ليعقبه بقوله: فاسألوهم ~~إن كانوا ينطقون حتى يعترفوا بصريح القول بأنهم جمادات لا حياة لهم ولا ~~شعور، ولذلك لما سمعوا قوله رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون ~~ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال: أفتعبدون من دون الله ~~ما لا يضركم ولا ينفعكم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ~~أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون. # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم فبنوا له بنيانا وأسعروا فيه جحيما من النار ~~وقد تشارك في أمره الناس جميعا وألقوه في الجحيم فجعله الله بردا عليه ~~وسلاما وأبطل كيدهم الأنبياء: 57 - 70، الصافات: 88 - 98 وقد أدخل في خلال ~~هذه الأحوال على الملك، وكان يعبده القوم ويتخذونه ربا فحاج إبراهيم في ربه ~~فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت فغالطه الملك وقال: أنا أحيي وأميت كقتل ~~الأسير وإطلاقه فحاجه إبراهيم بأصرح ما يقطع مغالطته فقال: إن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر البقرة: 258. # ثم لما أنجاه الله من النار أخذ يدعو إلى الدين الحنيف دين التوحيد فآمن ~~له شرذمة قليلة وقد سمى الله تعالى منهم لوطا ومنهم زوجته التي هاجر بها ~~وقد كان تزوج بها قبل الخروج من الأرض إلى الأرض المقدسة. # ثم تبرأ هو (عليه السلام) ومن معه من المؤمنين من قومهم وتبرأ هو من آزر ~~الذي كان يدعوه أبا ولم يكن بوالده ms2601 الحقيقي وهاجر ومعه زوجته ولوط إلى ~~الأرض المقدسة ليدعو الله سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه الجفاة ~~الظالمين الممتحنة: 4 الأنبياء: 71 وبشره الله سبحانه هناك بإسماعيل ~~وبإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وقد شاخ وبلغه كبر السن فولد له إسماعيل ثم ~~ولد له إسحاق وبارك الله سبحانه فيه وفي ولديه وأولادهما. # ثم إنه (عليه السلام) بأمر من ربه ذهب إلى أرض مكة وهي واد غير ذي زرع ~~فأسكن فيه ولده إسماعيل وهو صبي ورجع إلى الأرض المقدسة فنشأ إسماعيل هناك ~~واجتمع عليه قوم من العرب القاطنين هناك وبنيت بذلك بلدة مكة. # وكان (عليه السلام) ربما يزور إسماعيل في أرض مكة قبل بناء مكة والبيت ~~وبعد ذلك البقرة: 126، إبراهيم: 35 - 41 ثم بنى بها الكعبة البيت الحرام ~~بمشاركة من إسماعيل وهي أول بيت وضع للناس من جانب الله مباركا وهدى ~~للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا البقرة: 127 - ~~129، آل عمران: 96 - 97 وأذن في الناس بالحج وشرع نسك الحج الحج: 26: 30. # ثم أمره الله بذبح ولده إسماعيل (عليه السلام) فخرج معه للنسك فلما بلغ ~~معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال يا أبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين نودي أن يا إبراهيم ~~قد صدقت الرؤيا وفداه الله سبحانه بذبح عظيم الصافات: 101 - 107. PageV07P118 # وآخر ما قص القرآن الكريم من قصصه (عليه السلام) أدعيته في بعض أيام حضوره ~~بمكة المنقولة في سورة إبراهيم آية: 35 - 41 وآخر ما ذكر فيها قوله (عليه ~~السلام): "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب". # 2 - منزلة إبراهيم عند الله سبحانه وموقفه العبودي: # أثنى الله تعالى على إبراهيم (عليه السلام) في كلامه أجمل ثناء وحمد ~~محنته في جنبه أبلغ الحمد، وكرر ذكره باسمه في نيف وستين موضعا من كتابه ~~وذكر من مواهبه ونعمه عليه شيئا كثيرا. # وهاك جملا من ذلك: آتاه الله رشده من قبل الأنبياء: 51 واصطفاه في الدنيا ms2602 ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~البقرة: 130 - 131 وهو الذي وجه وجهه إلى ربه حنيفا وما كان من المشركين ~~الأنعام: 79 وهو الذي اطمأن قلبه بالله وأيقن به بما أراه الله من ملكوت ~~السماوات والأرض البقرة: 260، الأنعام: 75. # واتخذه الله خليلا النساء: 125 وجعل رحمته وبركاته عليه وعلى أهل بيته ~~ووصفه بالتوفية النجم: 37 ومدحه بأنه حليم أواه منيب هود: 73 - 75 ومدحه ~~أنه كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم وآتاه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين النحل: ~~120 - 122. # وكان صديقا نبيا مريم: 41 وعده الله من عباده المؤمنين ومن المحسنين وسلم ~~عليه الصافات: 83 - 111 وهو من الذين وصفهم بأنهم أولو الأيدي والأبصار ~~وأنه أخلصهم بخالصة ذكرى الدار ص: 45 - 46. # وقد جعله الله للناس إماما البقرة: 124 وجعله أحد الخمسة أولي العزم ~~الذين آتاهم الكتاب والشريعة الأحزاب: 7، الشورى: 13، الأعلى: 18 - 19 ~~وآتاه الله العلم والحكمة والكتاب والملك والهداية وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه النساء: 54، الأنعام: 74 - 90، الزخرف: 28 وجعل في ذريته النبوة ~~والكتاب الحديد: 26 وجعل له لسان صدق في الآخرين الشعراء: 84، مريم: 50 ~~فهذه جمل ما منحه الله سبحانه من المناصب الإلهية ومقامات العبودية ولم ~~يفصل القرآن الكريم في نعوت أحد من الأنبياء والرسل المكرمين وكراماتهم ما ~~فصل من نعوته وكراماته (عليه السلام). # وليراجع في تفسير كل من مقاماته المذكورة إلى ما شرحناه في الموضع المختص ~~به فيما تقدم أو سنشرحه إن شاء الله تعالى فالاشتغال به هاهنا يخرجنا عن ~~الغرض المعقود له هذه الأبحاث. # وقد حفظ الله سبحانه حياته الكريمة وشخصيته الدينية بما سمى هذا الدين ~~القويم بالإسلام كما سماه (عليه السلام) ونسبه إليه قال تعالى: "ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل": الحج: 78 وقال: "قل إنني هداني ربي إلى ~~صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين": الأنعام: 161. # وجعل الكعبة البيت ms2603 الحرام الذي بناها قبلة للعالمين وشرع مناسك الحج وهي ~~في الحقيقة أعمال ممثلة لقصة إسكانه ابنه وأم ولده وتضحية ابنه إسماعيل وما ~~سعى به إلى ربه والتوجه له وتحمل الأذى والمحنة في ذاته كما تقدمت الإشارة ~~إليه في تفسير قوله تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس": الآية البقرة: ~~125 في الجزء الأول من الكتاب. # 3 - أثره المبارك في المجتمع البشري: PageV07P119 # ومن مننه (عليه السلام) السابغة أن دين التوحيد ينتهي إليه أينما كان وعند ~~من كان فإن الدين المنعوت بالتوحيد اليوم هو دين اليهود، وينتهي إلى الكليم ~~موسى بن عمران (عليهما السلام) وينتهي نسبه إلى إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم (عليهما السلام)، ودين النصرانية وينتهي إلى المسيح عيسى بن مريم ~~(عليهما السلام) وهو من ذرية إبراهيم (عليه السلام)، ودين الإسلام والصادع ~~به هو محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وينتهي نسبه إلى إسماعيل ~~الذبيح بن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فدين التوحيد في الدنيا أثره ~~الطيب المبارك، ويشاهد في الإسلام من شرائعه الصلاة والزكاة والحج وإباحة ~~لحوم الأنعام والتبري من أعداء الله، والسلام، والطهارات العشر الحنيفية ~~البيضاء خمس منها في الرأس وخمس منها في البدن: أما التي في الرأس فأخذ ~~الشارب وإعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال وأما التي في البدن فحلق ~~الشعر من البدن والختان وتقليم الأظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء. # والبحث المستوفى يؤيد أن السنن الصالحة من الاعتقاد والعمل في المجتمع ~~البشري كائنة ما كانت من آثار النبوة الحسنة كما تكررت الإشارة إليه في ~~المباحث المتقدمة، فلإبراهيم (عليه السلام) الأيادي الجميلة على جميع البشر ~~اليوم علموا بذلك أو جهلوا. # 4 - ما تقصه التوراة الموجودة في إبراهيم: PageV07P120 # قالت التوراة: وعاش تارح أبو إبراهيم سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران، ~~وهذه مواليد تارح: ولد تارح أبرام وناحور وهاران، وولد هاران لوطا، ومات ~~هاران قبل أبيه في أرض ميلاده في "أور" الكلدانيين واتخذ أبرام وناحور ~~لأنفسهما امرأتين اسم امرأة أبرام "ساراي" واسم امرأة ناحور ملكة بنت هاران ~~أبي ملكة ms2604 وأبي بسكة، وكانت ساراي عاقرا ليس لها ولد وأخذ تارح أبرام ابنه ~~ولوطا بن هاران ابن ابنه، وساراي كنته امرأة أبرام ابنه فخرجوا معا من أور ~~الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك، وكانت ~~أيام تارح مائتين وخمس سنين، ومات تارح في حاران. قالت التوراة: وقال الرب ~~لأبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك ~~أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه، ~~ويتبارك فيك جميع قبائل الأرض، فذهب أبرام كما قال له الرب، وذهب معه لوط، ~~وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ أبرام ساراي امرأته ~~ولوطا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران، ~~وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى أرض كنعان. واجتاز أبرام في أرض ~~إلى مكان "شكيم" إلى "بلوطة مورة" وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض، وظهر ~~الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطى هذه الأرض فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له، ~~ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي "بيت إيل" ونصبت خيمته وله "بيت إيل" من ~~المغرب و"عاي" من المشرق فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب، ثم ارتحل ~~أبرام ارتحالا متواليا نحو الجنوب. وحدث جوع في الأرض فانحدر أبرام إلى مصر ~~ليغرب هناك لأن الجوع في الأرض كان شديدا، وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه ~~قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر فيكون إذا رآك ~~المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك، قولي: إنك أختي ~~ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك، فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن ~~المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون ~~فأخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيرا بسببها وصار له غنم وبقر ~~وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال. فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ~~ساراي امرأة أبرام فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت لي؟ لما ذا ms2605 لم ~~تخبرني أنها امرأتك؟ لما ذا قلت: هي أختي أخذتها لتكون زوجتي؟ والآن هو ذا ~~امرأتك خذها واذهب، فأوصى عليه رجالا فشيعوه وامرأته وكل ما كان له. ثم ~~ذكرت التوراة: أن أبرام خرج من مصر ومعه ساراي ولوط ومعهم الأغنام والخدم ~~والأموال العظيمة ووردوا "بيت إيل" المحل الذي كانت فيه خيمته مضروبة بين ~~"بيت إيل" و"عاي" ثم بعد حين تفرق هو ولوط لأن الأرض ما كانت تسعهما فسكن ~~أبرام كنعان، وكان الكنعانيون والفرزيون ساكنون هناك، ونزل لوط أرض سدوم. ~~ثم ذكرت: أنه في تلك الأيام نشبت حرب في أرض سدوم بين "أمرافل" ملك شنعار ~~ومعه ثلاثة من الملوك، وبين بارع ملك سدوم ومعه أربعة من الملوك المتعاهدين ~~فانهزم ملك سدوم ومن معه انهزاما فاحشا وهربوا من الأرض بعد ما قتل من قتل ~~منهم ونهبت أموالهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، وكان فيمن أسر لوط وجميع أهله ~~ونهبت أمواله. قالت التوراة: فأتى من نجى وأخبر أبرام العبراني وكان ساكنا ~~عند "بلوطات ممرى" الآموري أخو "أشكول" وأخي "عانر" وكانوا أصحاب عهد مع ~~أبرام، فلما سمع أبرام أن أخاه سبي جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ~~ثلاثمائة وثمانية عشر وتبعهم إلى "دان" وانقسم عليهم هو وعبيده فكسرهم ~~وتبعهم إلى "حوبة" التي عن شمال دمشق واسترجع كل الأموال واسترجع لوطا أخاه ~~أيضا وأملاكه والنساء أيضا والشعب. فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد رجوعه من ~~"كسرة كدر لعومر" والملوك الذين معه إلى عمق "شوى" الذي هو عمق الملك، ~~وملكي صادق ملك "شاليم" أخرج خبزا وخمرا وكان كاهنا لله العلي وباركه وقال: ~~مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض ومبارك الله العلي الذي ~~أسلم أعداءك في يدك فأعطاه عشرا من كل شيء. وقال ملك سدوم لأبرام: أعطني ~~النفوس، وأما الأملاك فخذها لنفسك فقال أبرام لملك سدوم: رفعت يدي إلى PageV07P121 الرب الإله العلي ملك السماء والأرض لا آخذن لا خيطا ولا شراك نعل ولا من ~~كل ما هو لك فلا تقول: أنا أغنيت أبرام ليس لي غير الذي أكله الغلمان ms2606 وأما ~~نصيب الرجال الذين ذهبوا معي "عابر" و"أسلول" و"ممرا" فهم يأخذون نصيبهم. ~~إلى أن قالت: وأما ساراي فلم تلد له وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر ~~فقالت ساراي لأبرام: هو ذا الرب قد أمسكني عن الولادة أدخل على جاريتي لعلي ~~أرزق منها بنين فسمع أبرام لقول ساراي فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر ~~المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان وأعطتها لأبرام ~~رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت. ثم ذكرت: أن هاجر لما حبلت حقرت ساراي ~~واستكبرت عليها فشكت ساراي ذلك إلى أبرام ففوض أبرام أمرها إليها فهربت ~~هاجر منها فلقيها ملك فأمرها بالرجوع إلى سيدتها وأخبرها أنها ستلد ولدا ~~ذكرا وتدعو اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتها، وأنه يكون إنسانا وحشيا ~~يضاد الناس ويضادونه، وولدت هاجر لأبرام ولدا وسماه أبرام إسماعيل وكان ~~أبرام ابن ست وسبعين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام. قالت التوراة: ولما ~~كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له: أنا الله القدير سر ~~أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا فسقط أبرام على ~~وجهه وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من ~~الأمم، فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم لأني أجعلك أبا ~~لجمهور من الأمم وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما: وملوك منك يخرجون، وأقيم ~~عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا لأكون إلها لك ~~ولنسلك من بعدك وأعطي لك ولنسلك من بعد أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا ~~وأكون إلههم. ثم ذكرت: أن الرب جعل في ذلك عهدا بينه وبين إبراهيم ونسله أن ~~يختتن هو وكل من معه ويختنوا أولادهم اليوم الثامن من الولادة فختن إبراهيم ~~وهو ابن تسع وتسعين سنة وختن ابنه إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة وسائر ~~الذكور من بنيه وعبيده. قالت التوراة: وقال الله لإبراهيم: ساراي امرأتك لا ~~تدعو اسمها ساراي بل اسمها سارة وأباركها وأعطيت ms2607 أيضا منها ابنا، وأباركها ~~فتكون أمما وملوك شعوب منها يكونون، فسقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في ~~قلبه: وهل يولد لابن مائة سنة؟ هل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة؟. وقال ~~إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ~~ابنا وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده وأما ~~إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا، اثنا عشر ~~رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده سارة في ~~هذا الوقت في السنة الآتية، فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم. ~~ثم ذكرت قصة نزول الرب مع الملكين لإهلاك أهل سدوم قوم لوط وأنهم وردوا على ~~إبراهيم فضافهم وأكلوا من الطعام الذي عمله لهم من عجل قتله والزبد واللبن ~~اللذين قدمهما إليهم ثم بشروه وبشروا سارة بإسحاق وذكروا أمر قوم لوط ~~فجادلهم إبراهيم في هلاكهم فأقنعوه وكان بعده هلاك قوم لوط. ثم ذكرت أن ~~إبراهيم انتقل إلى أرض "حرار" وتغرب فيها وأظهر لملكه "أبي مالك" أن سارة ~~أخته فأخذها الملك منه فعاتبها الرب في المنام فأحضر إبراهيم وعاتبه على ~~قوله: إنها أختي فاعتذر أنه إنما قال ذلك خوفا من القتل واعترف أنه في ~~الحقيقة أخته من أبيه دون أمه تزوج بها فرد إليه سارة وأعطاهما مالا جزيلا ~~نظير ما قص في فرعون. قالت التوراة: وافتقد الرب سارة كما قال وفعل الرب ~~لسارة كما تكلم فحبلت سارة وولدت لإبراهيم ابنا في شيخوخته في الوقت الذي ~~تكلم الله عنه ودعا إبراهيم اسم ابنه الذي ولدته له سارة إسحاق، وختن ~~إبراهيم إسحاق ابنه وهو ابن ثمانية أيام كما أمره الله، وكان إبراهيم ابن ~~مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه، وقالت سارة: فقد صنع إلي الله، ضحكا كل من ~~يسمع يضحك لي، وقالت من قال لإبراهيم: سارة ترضع بنين حتى ولدت ابنا في ~~شيخوخته فكبر الولد وفطم وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحاق. ورأت ms2608 ~~سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح فقالت لإبراهيم: اطرد هذه ~~الجارية وابنها لأن ابن هذه PageV07P122 الجارية لا يرث مع ابني إسحاق فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه ~~فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك في كل ~~ما تقول لك سارة اسمع لقولها لأنه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضا ~~سأجعله أمة لأنه نسلك. فبكر إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما ~~لهاجر واضعا إياهما على كتفها والولد وصرفها فمضت وتاهت في برية بئر سبع ~~ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار ومضت وجلست مقابله ~~بعيدا نحو رمية قوس لأنها قالت: لا أنظر موت الولد فجلست مقابله ورفعت ~~صوتها وبكت فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء، وقال ~~لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو قومي ~~واحملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت ~~بئر ماء فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فكبر ~~وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه ~~زوجة من أرض مصر. قالت التوراة: وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم ~~فقال له: يا إبراهيم فقال: ها أنا ذا فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق ~~واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك، فبكر ~~إبراهيم صباحا وشد على حماره وأخذ اثنين من غلمانه معه وإسحاق معه وشقق ~~حطبا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله، وفي اليوم الثالث رفع ~~إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما ~~هاهنا مع الحمار، أما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ونرجع إليكما، فأخذ ~~إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه وأخذ بيده النار والسكين فذهبا ~~كلاهما معا، وكلم إسحاق أباه إبراهيم وقال له: يا أبي فقال: ها أنا ذا ms2609 يا ~~ابني فقال: هو ذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: ~~الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني فذهبا كلاهما معا. فلما أتيا إلى ~~الموضع الذي قال له الله بنى هنالك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ~~ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين لذبح ابنه ~~فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم! فقال: ها أنا ذا، فقال: ~~لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم ~~تمسك ابنك وحيدك عني فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في ~~الغابة بقرنيه فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه فدعا ~~إبراهيم اسم ذلك الموضع "يهوه برأه" حتى أنه يقال اليوم في جبل الرب "برى"، ~~ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال: بذاتي أقسمت يقول الرب: إني ~~من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة وأكثر نسلك ~~تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطىء البحر ويرث نسلك باب أعدائه ~~ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض من أجل أنك سمعت لقولي ثم رجع إبراهيم إلى ~~غلاميه فقاموا وذهبوا معا إلى بئر سبع وسكن إبراهيم في بئر سبع. ثم ذكرت ~~تزويجه إسحاق من عشيرته بكلدان، ثم موت سارة وهي بنت مائة وسبع وعشرين في ~~حبرون، ثم ازدواج إبراهيم بعدها بقطورة وإيلادها عدة من البنين، ثم موت ~~إبراهيم وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، ودفن ابنيه إسحاق وإسماعيل إياه في ~~غار "مكفيلة" وهو مشهد الخليل اليوم. # 5 - # فهذه خلاصة قصص إبراهيم (عليه السلام) وتاريخ حياته المورد في التوراة ~~سفر التكوين الإصحاح الحادي عشر - الإصحاح الخامس والعشرون وعلى الباحث ~~الناقد أن يطبق ما ورد منه فيها على ما قصه القرآن الكريم ثم يرى رأيه. # 5 - الذي تشتمل عليه من القصة المسرودة على ما فيها من التدافع بين جملها ~~والتناقض بين أطرافها مما يصدق القرآن الكريم فيما ادعاه أن هذا الكتاب ~~المقدس لعبت به ms2610 أيدي التحريف. # فمن عمدة ما فيها من المغمض أنها أهملت ذكر مجاهداته في أول أمره ~~وحجاجاته قومه وما قاساه منهم من المحن والأذايا، وهي طلائع بارقة لماعة من ~~تاريخه (عليه السلام). PageV07P123 # ومن ذلك إهمالها ذكر بنائه الكعبة المشرفة وجعله حرما آمنا وتشريعه الحج، ~~ولا يرتاب أي باحث ديني ولا ناقد اجتماعي أن هذا البيت العتيق الذي لا يزال ~~قائما على قواعده منذ أربعة آلاف سنة من أعظم الآيات الإلهية التي تذكر أهل ~~الدنيا بالله سبحانه وآياته، وتستحفظ كلمة الحق دهرا طويلا، وهو أول بيت ~~لله تعالى وضع للناس مباركا وهدى للعالمين. # وليس إهمال ذكره إلا لنزعة إسرائيلية من كتاب التوراة ومؤلفيها دعتهم إلى ~~الصفح عن ذكر الكعبة؟ وإحصاء ما بناه من المذابح ومذبح بناه بأرض شكيم، ~~وآخر بشرقي بيت إيل، وآخر بجبل الرب. # ثم الذي وصفوا به النبي الكريم إسماعيل: أنه كان غلاما وحشيا يضاد الناس ~~ويضادونه، ولم يكن له من الكرامة إلا أنه كان مطرودا من حضرة أبيه نما رامي ~~قوس! يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره. # ومن ذلك: ما نسبته إليه مما لا يلائم مقام النبوة ولا روح التقوى والفتوة ~~كقولها: إن ملكي صادق ملك "شاليم" أخرج إليه خبزا وخمرا وكان كاهنا لله ~~العلي وباركه. # ومن ذلك قولها: إن إبراهيم أخبر تارة رؤساء فرعون مصر أن سارة أخته ووصى ~~سارة أن تصدقه في ذلك إذ قال لها: قولي: إنك أختي ليكون لي خير بسببك، ~~وتحيا نفسي من أجلك، وأظهر تارة أخرى لأبي مالك ملك حرار أنها أخته، فأخذها ~~للزوجية فرعون تارة، وأبو مالك أخرى، ثم ذكرت التوراة تأول إبراهيم في ~~قوله: "إنها أختي" مرة بأنها أختي في الدين، وأخرى أنها ابنة أبي من غير ~~أمي فصارت لي زوجة. # وأيسر ما في هذا الكلام أن يكون إبراهيم وحاشا مقام الخليل يعرض زوجته ~~سارة لأمثال فرعون وأبي مالك مستغلا بها حتى يأخذاها زوجة وهي ذات بعل ~~وينال هو بذلك جزيل العطاء ويستدرهما بما عندهما من الخير!. # على أن ms2611 كلام التوراة صريح في أن سارة كانت عندئذ وخاصة حينما أخذها أبو ~~مالك عجوزا قد عمرت سبعين أو أكثر، والعادة تقضي أن المرأة تفتقد في سن ~~العجائز نضارة شبابها ووضاءة جمالها، والملوك والجبابرة المترفون لا يميلون ~~إلى غير الفتيات البديعة جمالا الطرية حسنا. # وربما وجد ما يشاكل هذا المعنى في بعض الروايات ففي صحيحي البخاري ومسلم ~~عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لم يكذب إبراهيم ~~النبي (عليه السلام) قط إلا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله: قوله "إني ~~سقيم" وقوله "بل فعله كبيرهم هذا" وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ~~ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي ~~يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم ~~في الأرض مسلما غيرك وغيري، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال ~~له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك فأرسل إليها فأتي بها ~~فقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت ~~يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فعاد فقبضت ~~أشد من القبضتين. الأوليين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا ~~أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له إنك إنما أتيتني بشيطان ~~ولم تأتني بإنسان فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر. قال فأقبلت تمشي فلما رآها ~~إبراهيم (عليه السلام) انصرف وقال لها: مهيم فقالت: خيرا كف الله يد الفاجر ~~وأخدم خادما. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. PageV07P124 # وفي صحيح البخاري، بطرق كثيرة عن أنس وأبي هريرة، وفي صحيح مسلم، عن أبي ~~هريرة وحذيفة، وفي مسند أحمد، عن أنس وابن عباس وأخرجه الحاكم عن ابن مسعود ~~والطبراني عن عبادة بن الصامت وابن أبي شيبة عن سلمان، والترمذي عن أبي ~~هريرة، وأبو عوانة عن حذيفة عن أبي بكر حديث شفاعة ms2612 النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يوم القيامة، وهو حديث طويل فيه: أن أهل الموقف يأتون الأنبياء ~~واحدا بعد واحد يسألونهم الشفاعة عند الله، وكلما أتوا نبيا وسألوه الشفاعة ~~ردهم إلى من بعده واعتذر بشيء من عثراته حتى ينتهوا إلى خاتم النبيين محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيجيبهم إلى مسألتهم وفي الحديث: أنهم يأتون ~~إبراهيم (عليه السلام) يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله فيقول لهم: لست ~~هناكم إني كذبت ثلاث كذبات: قوله "إني سقيم" وقوله "بل فعله كبيرهم هذا" ~~وقوله لامرأته "أخبريه أني أخوك". # والاعتبار الصحيح لا يوافق مضمون الحديثين كما ذكره بعض الباحثين إذ لو ~~كان المراد بهما أن الأقاويل الثلاث التي وصفت فيهما أنها كذبات ليست كذبات ~~حقيقية بل من قبيل التوريات والمعاريض البديعية كما ربما يلوح من بعض ألفاظ ~~الحديث كالذي ورد في بعض طرقه من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لم ~~يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله" وكذا قوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "ما منها كذبة إلا ماحل بها عن دين الله" فما بال إبراهيم في ~~حديث القيامة يعدها ذنوبا لنفسه ومانعة عن القيام بأمر الشفاعة ويعتذر بها ~~عنها؟ فإنها على هذا التقدير كانت من محنة في ذات الله وحسناته في الدين لو ~~جاز لنبي من الأنبياء أن يكذب لمصلحة الدين لكنك قد عرفت في ما تقدم من ~~مباحث النبوة في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن ذلك مما لا يجوز على ~~الأنبياء (عليهم السلام) قطعا لاستيجابه سلب الوثوق عن إخباراتهم وأحاديثهم ~~من أصلها. # على أن هذا النوع من الإخبار لو جاز عده كذبا ومنعه عن الشفاعة عند الله ~~سبحانه كان قوله (عليه السلام) لما رأى كوكبا والقمر والشمس: هذا ربي وهذا ~~ربي أولى بأن يعد كذبا مانعا عن الشفاعة المنبئة عن القرب من الله تعالى. # على أن قوله (عليه السلام) على ما حكاه الله تعالى بقوله: "فنظر نظرة في ~~النجوم فقال إني سقيم" لا يظهر بشيء من ms2613 قرائن الكلام كونه كذبا غير مطابق ~~للواقع فلعله (عليه السلام) كان سقيما بنوع من السقم لا يحجزه عما هم به من ~~كسر الأصنام. # وكذا قوله (عليه السلام) للقوم إذ سألوه عن أمر الأصنام المكسورة بقولهم: ~~"ء أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم" فأجابهم وهم يعلمون أن أصنامهم من ~~الجماد الذي لا شعور فيه ولا إرادة له: "بل فعله كبيرهم هذا" ثم أردفه ~~بقوله: "فاسألوهم إن كانوا ينطقون" لا سبيل إلى عده كذبا فإنه كلام موضوع ~~مكان التبكيت مسوق لإلزام الخصم على الاعتراف ببطلان مذهبه، ولذا لم يجد ~~القوم بدا دون أن اعترفوا بذلك فقالوا: "لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله": الأنبياء: 67. # ولو كان المراد أن الأقاويل الثلاث كذبات حقيقية كان ذلك من المخالفة ~~الصريحة لكتاب الله تعالى، ونحيل ذلك إلى فهم الباحث الناقد فليراجع ما ~~تقدم في الفصل 2 من الكلام في منزلة إبراهيم (عليه السلام) عند الله تعالى ~~وموقفه العبودي مما أثنى الله عليه بأجمل الثناء وحمد مقامه أبلغ الحمد. # وليت شعري كيف ترضى نفس باحث ناقد أو تجوز أن ينطبق مثل قوله تعالى: ~~"واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا": مريم: 41 على رجل كذاب ~~يستريح إلى كذب القول كلما ضاقت عليه المذاهب؟ أو كيف يمدح الله بتلك ~~المدائح الكريمة رجلا لا يراقب الله سبحانه في حق أو صدق حاشا ساحة خليل ~~الله عن ذلك. PageV07P125 # وأما الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فإنها تصدق التوراة ~~في أصل القصة غير أنها تجل إبراهيم (عليه السلام) عما نسب إليه من الكذب ~~وسائر ما لا يلائم قدس ساحته، ومن أجمع ما يتضمن قصة الخليل (عليه السلام) ~~ما في الكافي، عن علي عن أبيه وعدة من أصحابنا عن سهل جميعا عن ابن محبوب ~~عن إبراهيم بن زيد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن ~~إبراهيم (عليه السلام) كان مولده ms2614 بكوثار وكان أبوه من أهلها، وكانت أم ~~إبراهيم وأم لوط (عليهما السلام) وسارة وورقة وفي نسخة رقبة أختين وهما ~~ابنتان للاحج، وكان لاحج نبيا منذرا ولم يكن رسولا. وكان إبراهيم (عليه ~~السلام) في شبيبته على الفطرة التي فطر الله عز وجل الخلق عليها حتى هداه ~~الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه، وأنه تزوج سارة ابنة لاحج وهي ابنة ~~خالته وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة وحال حسنة، وكانت قد ملكت ~~إبراهيم جميع ما كانت تملكه فقام فيه وأصلحه وكثرت الماشية والزرع حتى لم ~~يكن بأرض كوثاريا رجل أحسن حالا منه. وإن إبراهيم (عليه السلام) لما كسر ~~أصنام نمرود وأمر به نمرود فأوثق وعمل له حيرا وجمع له فيه الحطب وألهب فيه ~~النار ثم قذف إبراهيم (عليه السلام) في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت ~~النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم (عليه السلام) سليما مطلقا من ~~وثاقه فأخبر نمرود خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم (عليه السلام) من بلاده، ~~وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجهم إبراهيم (عليه السلام) عند ذلك ~~فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري في ~~بلادكم، واختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم (عليه السلام) أن يسلم ~~إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم ~~(عليه السلام) ما ذهب من عمره في بلادهم، وأخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلوا ~~سبيله وسبيل ماشيته وماله وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد ~~دينكم وأضر بآلهتكم فأخرجوا إبراهيم ولوطا (عليهما السلام) معه من بلادهم ~~إلى الشام. فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة، وقال لهم: إني ذاهب إلى ~~ربي سيهدين يعني إلى بيت المقدس فتحمل إبراهيم بماشيته وماله وعمل تابوتا ~~وجعل فيه سارة وشد عليها الأغلاق غيرة منه عليها ومضى حتى خرج من سلطان ~~نمرود، وسار إلى سلطان رجل من القبط يقال له "عزارة" فمر بعاشر له فاعترضه ~~العاشر ليعشر ما معه ms2615 فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت قال العاشر ~~لإبراهيم (عليه السلام): افتح هذا التابوت لنعشر ما فيه فقال له إبراهيم ~~(عليه السلام): قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطي عشره ولا نفتحه. قال: ~~فأبى العاشر إلا فتحه قال: وغصب إبراهيم (عليه السلام) على فتحه فلما بدت ~~له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال قال له العاشر: ما هذه المرأة منك؟ ~~قال إبراهيم (عليه السلام): هي حرمتي وابنة خالتي، فقال له العاشر: فما ~~دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت؟ فقال إبراهيم (عليه السلام): الغيرة ~~عليها أن يراها أحد فقال له العاشر: لست أدعك تبرح حتى أعلم الملك حالها ~~وحالك. قال: فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه ~~بالتابوت فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم (عليه السلام): إني لست أفارق ~~التابوت حتى يفارق روحي جسدي فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه ~~والتابوت معه فحملوا إبراهيم (عليه السلام) والتابوت وجميع ما كان معه حتى ~~أدخل على الملك: فقال له الملك افتح التابوت فقال له إبراهيم (عليه ~~السلام): أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما ~~معي. قال: فغصب الملك إبراهيم على فتحه فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن ~~مد يده إليها فأعرض إبراهيم (عليه السلام) وجهه عنها وعنه غيرة منه وقال: ~~اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه فقال ~~له الملك: إن إلهك هو الذي فعل بي هذا؟ فقال له: نعم إن إلهي غيور يكره ~~الحرام، وهو الذي حال بينك وبين ما أردته من الحرام فقال له الملك: فادع ~~إلهك يرد علي يدي فإن أجابك فلم أعرض لها فقال إبراهيم (عليه السلام): إلهي ~~رد إليه يده ليكف عن حرمتي. قال: PageV07P126 # فرد الله عز وجل إليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض ~~إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه، وقال: اللهم احبس يده عنها. قال: فيبست يده ~~ولم تصل إليها. فقال ms2616 الملك لإبراهيم (عليه السلام): إن إلهك لغيور وإنك ~~لغيور فادع إلهك يرد إلي يدي فإنه إن فعل لم أعد فقال إبراهيم (عليه ~~السلام): أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال له الملك: نعم ~~فقال إبراهيم (عليه السلام): اللهم إن كان صادقا فرد يده عليه فرجعت إليه ~~يده. فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ورأى الآية في يده عظم إبراهيم ~~(عليه السلام) وهابه وأكرمه واتقاه، وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو ~~لشيء مما معك فانطلق حيث شئت ولكن لي إليك حاجة فقال إبراهيم (عليه ~~السلام): ما هي؟ فقال له: أحب أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة ~~تكون لها خادما قال: فأذن إبراهيم (عليه السلام) فدعا بها فوهبها لسارة وهي ~~هاجر أم إسماعيل (عليهما السلام). فسار إبراهيم (عليه السلام) بجميع ما ~~معه، وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم (عليه السلام) إعظاما لإبراهيم وهيبة ~~له فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم (عليه السلام) أن قف ولا تمش قدام ~~الجبار المتسلط ويمشي وهو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه ~~فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الأرض برة أو فاجرة فوقف إبراهيم (عليه ~~السلام) وقال للملك: امض فإن إلهي أوحى إلي الساعة أن أعظمك وأهابك، وأن ~~أقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالا لك فقال له الملك: أوحي إليك بهذا؟ فقال ~~إبراهيم (عليه السلام): نعم فقال له الملك: أشهد إن إلهك لرفيق حليم كريم ~~وأنك ترغبني في دينك. قال: وودعه الملك فسار إبراهيم (عليه السلام) حتى نزل ~~بأعلى الشامات، وخلف لوطا (عليه السلام) في أدنى الشامات. ثم إن إبراهيم ~~(عليه السلام) لما أبطأ عليه الولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعل الله ~~أن يرزقنا منها ولدا فيكون لنا خلفا، فابتاع إبراهيم (عليه السلام) هاجر من ~~سارة فوقع عليها فولدت إسماعيل (عليه السلام). # ومن ذلك ما ذكرته أعني التوراة في قصة الذبح أن الذبيح هو إسحاق دون ~~إسماعيل (عليه السلام) مع أن ms2617 قصة إسكانه بأرض تهامة وبنائه الكعبة المشرفة ~~وتشريع عمل الحج الحاكي لما جرى عليه وعلى أمه من المحنة والمشقة في ذات ~~الله، وقد اشتمل على الطواف والسعي والتضحية كل ذلك تؤيد كون الذبيح هو ~~إسماعيل دون إسحاق (عليهما السلام). # وقد وقع في إنجيل برنابا أن المسيح لام اليهود ووبخهم على قولهم بأن ~~الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل قال في الفصل 44: فكلم الله إبراهيم قائلا: خذ ~~ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ~~ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين الفصل 44 آية: 11 - 12. # وأما القرآن فإن آياته كالصريحة في كون الذبيح هو إسماعيل (عليه السلام) ~~قال تعالى بعد ما ذكر قصة كسر الأصنام وإلقائه في النار وجعلها بردا ~~وسلاما: "فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ~~رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني ~~إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين ~~وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي ~~المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا ~~عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين": الصافات: 113. # والمتدبر في الآيات الكريمة لا يجد مناصا دون أن يعترف أن الذبيح هو الذي ~~ذكر الله سبحانه البشارة به في قوله: "فبشرناه بغلام حليم" وأن البشارة ~~الأخرى التي ذكرها أخيرا بقوله "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" غير ~~البشارة الأولى، والذي بشر به في الثانية وهو إسحاق (عليه السلام) غير الذي ~~بشر به في الأولى وأردفها بذكر قصة التضحية به. PageV07P127 # وأما الروايات فالتي وردت منها من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) تذكر أن الذبيح هو إسماعيل (عليه السلام)، والتي رويت من طرق أهل ms2618 ~~السنة والجماعة مختلفة: فصنف يذكر إسماعيل وصنف يذكر إسحاق (عليه السلام) ~~غير أنك عرفت أن الصنف الأول هو الذي يوافق الكتاب. # قال الطبري في تاريخه،: اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم: هو إسحاق ~~بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم. # وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا القولين لو كان ~~فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي ~~رويت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على ~~صحة الأخرى. # إلى أن قال: وأما الدلالة من القرآن التي قلنا: إنها على أن ذلك إسحاق ~~أصح فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه ~~إلى الشام مع زوجته سارة قال: "إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من ~~الصالحين" وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل ثم أتبع ذلك ~~ربنا عز وجل الخبر عن إجابة دعائه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا ~~إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي. # ولا نعلم في كتاب الله عز وجل تبشيرا لإبراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك ~~قوله: "وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" وقوله: ~~"فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة ~~فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم". # ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير ~~الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله: "فبشرناه بغلام ~~حليم" نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة. # وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يأمر بذبح إسحاق وقد أتته البشارة من ~~الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ~~ما قال، وذلك أن الله ms2619 تعالى إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق ~~السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه. # وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا بالكعبة ~~وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك، انتهى كلامه. # وليت شعري كيف خفي عليه أن إبراهيم (عليه السلام) لما سأل ربه الولد عند ~~مهاجرته إلى الشام وعنده سارة ولا خبر عن هاجر يومئذ سأل ذلك بقوله: "رب هب ~~لي من الصالحين" فسأل ربه الولد، ولم يسأل أن يرزقه ذلك من سارة حتى تحمل ~~البشارة المذكورة عقيبه على البشارة بإسحاق فإنما قال: "رب هب لي" ولم يقل: ~~رب هب لي من سارة. # وأما ما ذكره أن المعروف من سائر مواضع كتاب الله هو البشرى بإسحاق فيجب ~~أن نحمل البشرى في هذا الموضع عليه أيضا. # فمع ما سيجيء من الكلام عليه في سائر الموارد التي أشار إليها هو في نفسه ~~قياس لا دليل عليه بل الدليل على خلافه فإن الله سبحانه في هذه الآيات لما ~~ذكر البشارة بغلام حليم ثم ذكر قصة الذبح استأنف ثانيا ذكر البشارة بإسحاق ~~ولا يرتاب المتدبر في هذا السياق أن المبشر به ثانيا غير المبشر به أولا ~~فقد بشر إبراهيم (عليه السلام) قبل إسحاق بولد له آخر وليس إلا إسماعيل، ~~وقد اتفق الرواة والنقلة وأهل التاريخ أن إسماعيل ولد لإبراهيم قبل إسحاق ~~(عليهما السلام) جميعا. # ومن ذلك التدافع البين فيما تذكره التوراة من أمر إسماعيل فإنها تصرح أن ~~إسماعيل ولد لإبراهيم (عليه السلام) قبل أن يولد له إسحاق بما يقرب من ~~أربعة عشر عاما وأن إبراهيم (عليه السلام) طرده وأمه هاجر بعد تولد إسحاق ~~لما استهزأ بسارة ثم تسرد قصة إسكانهما الوادي ونفاد الماء الذي حملته هاجر ~~وعطش إسماعيل ثم إراءة الملك إياها الماء، ولا يرتاب الناظر المتدبر في ~~القصة أن إسماعيل كان عندئذ صبيا مرضعا فعليك بالرجوع إليها والتأمل فيها، ~~وهذا هو الذي يوافق المأثور ms2620 من أخبارنا. # 6 - PageV07P128 القرآن الكريم يعتني أبلغ الاعتناء بقصة إبراهيم (عليه السلام) من جهة نفسه ~~ومن جهة ابنيه الكريمين إسماعيل وإسحاق وذريتهما معا بخلاف ما يتعرض له في ~~التوراة فإنها تقصر الخبر عنه بما يتعلق بإسحاق وشعب إسرائيل، ولا يلتفت ~~إلى إسماعيل إلا ببعض ما يهون أمره ويحقر شأنه، ومع ذلك لا يخلو يسير ما ~~تخبر عنه عن التدافع فتارة تذكر خطاب الله سبحانه لإبراهيم (عليه السلام) ~~أن نسلك الباقي هو من إسحاق، وتارة أخرى خطابه أن الله بارك لنسلك من عقب ~~إسماعيل وسيجعله أمة كبيرة، وتارة تعرفه إنسانا وحشيا يضاد الناس ويضاده ~~الناس قد نشأ رامي قوس مطرودا عن بيت أبيه، وتارة تذكر أن الله معه. # وبالتأمل فيما تقدم من قصته (عليه السلام) في القرآن يظهر الجواب عن ~~إشكالين أشكل بهما على الكتاب العزيز. # الإشكال الأول ما ذكره بعض المستشرقين أن القرآن في سوره المكية لا يتعرض ~~لشأن إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) إلا كما يتعرض لشأن سائر الرسل من ~~أنهم كانوا على دين التوحيد ينذرون الناس ويدعونهم إلى الله سبحانه من غير ~~أن يذكر بناءه الكعبة وصلته بإسماعيل وكونهما داعيين للعرب إلى دين الفطرة ~~والملة الحنيفية. # لكن السور المدينة كالبقرة والحج وغيرهما تذكر إبراهيم وإسماعيل متصلين ~~اتصال الأبوة والبنوة وأبوين للعرب مشرعين لها دين الإسلام بانيين للكعبة ~~البيت الحرام. # وسر هذا الاختلاف أن محمدا كان قد اعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن ~~اتخذوا حياله خطة عداء فلم يكن له بد أن التمس غيرهم ناصرا. # هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم وبذلك استطاع أن ~~يخلص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم فعده أبا للعرب مشيدا ~~لدينهم الإسلام بانيا لبيتهم المقدس الذي في مكة لما أن هذه المدينة كانت ~~تشغل جل تفكيره. # انتهى ملخصا. # وقد أزرى المستشكل على نفسه بهذه الفرية التي نسبها إلى الكتاب العزيز ~~الذي له شهرته العالمية التي لا يتحجب معها على شرقي ولا غربي فكل باحث ~~متدبر يشاهد أن القرآن ms2621 الكريم لم يداهن مشركا ولا يهوديا ولا نصرانيا ولا ~~غيرهم في سورة مكية ولا مدنية ولم يختلف لحن قوله في تخطئة اليهود ولا ~~غيرهم بحسب مكية السور ومدنيتها. # غير أن الآيات القرآنية لما نزلت نجوما بحسب وقوع الحوادث المرتبطة ~~بالدعوة الدينية، وكان الابتلاء بأمر اليهود بعد الهجرة كان التعرض لشئونهم ~~والإبانة عن التشديد في حقهم لا محالة في الآيات النازلة في تضاعيف السور ~~المدنية كتفاصيل الأحكام المشرعة التي أنزلت فيها حسب مسيس الحاجة بحدوث ~~الحوادث. # وأما ما ذكراه من اختصاص حديث اتصال إسماعيل بإبراهيم (عليهما السلام) ~~وبناء الكعبة وتأسيس الدين الحنيف بالسور المدنية فيكذبه قوله تعالى في ~~سورة إبراهيم وهي مكية فيما حكاه من دعاء إبراهيم (عليه السلام): "وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام - إلى أن قال ~~- ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون - ~~إلى أن قال - الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع ~~الدعاء": إبراهيم: 39. وقد مر نظيره في الآيات المنقولة من سورة الصافات ~~آنفا المنبئة عن قصة الذبيح. # وأما ما ذكراه من يهودية إبراهيم (عليه السلام) فإن القرآن يرده بقوله ~~تعالى: "يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده أفلا تعقلون - إلى أن قال - ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين: آل عمران: 67. # الإشكال الثاني: أن الصابئين وهم عبدة الكواكب الذين يذكر القرآن تعرض ~~إبراهيم (عليه السلام) لآلهتهم بقوله: "فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال ~~هذا ربي" إلى آخر الآيات إنما كانوا بمدينة حران التي هاجر إليها إبراهيم ~~(عليه السلام) من بابل أو من "أور" ولازمه أن يكون حجاجه عبدة الكواكب بعد ~~مدة من حجاجه عبدة الأصنام وكسره الأصنام ودخوله النار، ولا يلائم ذلك ما ~~هو ظاهر الآيات أن قصة الحجاج مع عبدة ms2622 الأصنام والكواكب وقعت جميعا في ~~يومين عند أول شخوصه إلى أبيه وقومه كما تقدم بيانه. PageV07P129 # أقول: وهذا في الحقيقة إشكال على التفسير الذي تقدم إيراده في بيان الآيات ~~لا على أصل الكتاب. # ومع ذلك ففيه غفلة عما يثبته التاريخ ويعطيه الاعتبار الصحيح أما ~~الاعتبار فإن المملكة التي ينتحل في بعض بلاده العظيمة بدين من الأديان ~~الشائعة المعروفة كالصابئية التي كانت يومئذ من الأديان المعروفة في الدنيا ~~لا يخلو من شيوع في سائر بلادها ووجود جماعة من منتحليه منتشرة في أقطارها. # وأما التاريخ فقد ذكر شيوعه كشيوع الوثنية ببابل ووجود معابد كثيرة فيها ~~بنيت على أسماء الكواكب وأصنام لها منصوبة فيها فقد جاء في تاريخ أرض بابل ~~وما والاها ذكر بناء معبد إله الشمس وإله القمر في حدود سنة ثلاثة آلاف ~~ومائتين قبل المسيح، وفي نصب شريعة حمورابي ذكر إله الشمس وإله القمر وهو ~~مما يقرب زمن الخليل إبراهيم (عليه السلام). # وقد تقدم فيما نقلناه من كتاب الآثار الباقية لأبي ريحان البيروني: أن ~~يوذاسف ظهر عند مضي سنة من ملك طهمورث بأرض الهند، وأتى بالكتابة الفارسية، ~~ودعا إلى ملة الصابئين فاتبعه خلق كثير، وكانت الملوك البيشدادية وبعض ~~الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النيرين والكواكب وكليات العناصر إلى ~~وقت ظهور زراتشت عند مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسف. # وساق الكلام إلى أن قال: وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ويقولون ~~بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها، ويعظمون الأنوار، ومن آثارهم القبة التي فوق ~~المحراب عند المقصورة من جامع دمشق كان مصلاهم، وكان اليونانيون والروم على ~~دينهم، ثم صارت في أيدي اليهود فعملوها كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى ~~فصيروها بيعة إلى أن جاء الإسلام وأهله فاتخذوها مسجدا. # وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ذكرها أبو معشر ~~البلخي في كتابه في بيوت العبادات مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس، وقران ~~فإنها منسوبة إلى القمر وبناؤها على صورته كالطيلسان، وبقربها قرية تسمى ~~سلمسين واسمها القديم: صنم سين أي صنم القمر: وقرية أخرى تسمى ترع ms2623 عوز أي ~~باب الزهرة. # ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا من جملتهم وأن اللات ~~كان باسم زحل، والعزى باسم الزهرة، انتهى. # وذكر المسعودي أن مذهب الصابئة كان نوعا من التحول والتكامل في دين ~~الوثنية وأن الصبوة ربما كانت تتحول إلى الوثنية لتقارب مأخذيهما، وأن ~~الوثنية ربما كانوا يعبدون أصنام الشمس والقمر والزهرة وسائر الكواكب تقربا ~~بها إلى آلهتها ثم إلى إله الآلهة. # قال في مروج الذهب:، كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف ~~يعتقدون أن الله عز وجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار وأن الله تعالى ~~وملائكته احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناما على ~~صورة الباري عز وجل وبعضها على صورة الملائكة مختلفة القدود والأشكال، ~~ومنها على صورة الإنسان وعلى خلافها من الصور يعبدونها، وقربوا لها ~~القرابين، ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالباري تعالى وقربها منه. # فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار حتى نبههم بعض حكمائهم ~~على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى وأنها حية ~~ناطقة، وأن الملائكة تختلف فيهما بينها وبين الله، وأن كل ما يحدث في هذا ~~العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر الله فعظموها وقربوا ~~لها القرابين لتنفعهم فمكثوا على ذلك دهرا. # فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من ~~السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناما وتماثيل ~~على صورها وأشكالها فجعلوا لها أصناما وتماثيل بعدد الكواكب الكبار ~~المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكبا منها، ويقرب لها نوعا من القربان خلاف ~~ما للآخر على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنام تحركت لهم الأجسام ~~العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتا وهيكلا مفردا، وسموا ~~تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب. PageV07P130 # وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زحل، وإنما طال عندهم بقاء هذا ~~البيت على مرور الدهور معظما في سائر الأعصار لأنه بيت ms2624 زحل، وأن زحل تولاه ~~لأن زحل من شأنه البقاء والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا داثر، وعن ~~التعظيم غير حائل وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها. # ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى الله وألغوا ~~عبادة الكواكب فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر يوذاسف بأرض الهند وكان هنديا، ~~وكان يوذاسف خرج من أرض الهند إلى السند ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد ~~زابلستان وهي بلاد فيروز بن كبك ثم دخل السند ثم إلى كرمان. # فتنبأ وزعم أنه رسول الله، وأنه واسطة بين الله وبين خلقه، وأتى أرض ~~فارس، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في ملك جم، وهو أول من ~~أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا آنفا فيما سلف من هذا الكتاب. # وقد كان يوذاسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم، والاشتغال بما علا من ~~العوالم، إذ كان من هناك بدء النفوس وإليها يقع الصدر من هذا العالم، وجدد ~~يوذاسف عند الناس عبادة الأصنام والسجود لها لشبه ذكرها، وقرب لعقولهم ~~عبادتها بضروب من الحيل والخدع. # وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم: أن جم الملك أول من عظم ~~النار ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب لأن ~~النور عنده أفضل من الظلمة، وجعل للنور مراتب. # ثم تنازع هؤلاء بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأشياء تقربا ~~إلى الله بذلك. # ثم ذكر المسعودي البيوت المعظمة عندهم وهي سبعة الكعبة البيت الحرام باسم ~~زحل، وبيت على جبل مارس بأصفهان، وبيت مندوسان ببلاد الهند، وبيت نوبهار ~~بمدينة بلخ على اسم القمر، وبيت غمدان بمدينة صنعاء من بلاد اليمن على اسم ~~الزهرة، وبيت كاوسان بمدينة فرغانة على اسم الشمس، وبيت بأعالي بلاد الصين ~~على اسم العلة الأولى. # واليونان والروم القديم والصقالبة بيوت معظمة بعضهما مبنية على اسم ~~الكواكب كالبيت الذي بتونس للروم الذي على اسم الزهرة. # ثم ذكر المسعودي أن للصابئين من الحرانيين هياكل على أسماء الجواهر ~~العقلية ms2625 والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى، وهيكل العقل. # قال: ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة وهيكل النفس وهذه ~~مدورات الشكل، وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ مربع ~~مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهرة مثلث في ~~جوف مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن الشكل، وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار ~~يخفونها، انتهى. # وقريب منه ما في الملل والنحل، للشهرستاني. # وقد تبين مما نقلناه أولا: أن الوثنية كما كانت تعبد أصناما للآلهة ~~وأرباب الأنواع كذلك كانت تعبد أصنام الكواكب والشمس والقمر، وكانت عندهم ~~هياكل على أسمائها، ومن الممكن أن يكون حجاج إبراهيم (عليه السلام) في أمر ~~الكواكب والقمر والشمس، مع الوثنية العابدين لها المتقربين بها دون الصابئة ~~كما يمكن أن يكون مع بعض الصابئين في مدينة بابل أو بلدة أور أو كوثاريا ~~على ما في بعض الروايات المنقولة سالفا. # على أن ظاهر ما يقصه القرآن الكريم: أن إبراهيم (عليه السلام) حاج أباه ~~وقومه وتحمل أذاهم في الله حتى اعتزلهم وهجرهم بالمهاجرة من أرضهم إلى ~~الأرض المقدسة من غير أن يتغرب من أرضهم إلى حران أولا ثم من حران إلى ~~الأرض المقدسة، والذي ضبطه كتب التاريخ من مهاجرته إلى حران أولا ثم من ~~حران إلى الأرض المقدسة لا مأخذ له غير التوراة أو أخبار غير سليمة من نفثة ~~إسرائيلية كما هو ظاهر لمن تدبر تاريخ الطبري، وغيره. # على أن بعضهم ذكروا أن حران المذكور في التوراة كان بلدا قرب بابل بين ~~الفرات وخابور، وهو غير حران الواقع قرب دمشق الموجود اليوم. # نعم ذكر المسعودي أن الذي بقي من هياكلهم - الصابئة - المعظمة في هذا ~~الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حران في باب ~~الرقة يعرف "بمغليتيا" وهو هيكل آزر أبي إبراهيم الخليل (عليه السلام) ~~عندهم، وللقوم في آزر وابنه إبراهيم كلام كثير، انتهى. # ولا حجة في قولهم على شيء. PageV07P131 # وثانيا: أنه كما أن الوثنية ربما كانت تعبد الشمس والقمر والكواكب كذلك ~~الصابئة كانت تبني بيوتا وهياكل ms2626 لعبادة غير الكواكب والقمر والشمس كالعلة ~~الأولى والعقل والنفس وغيرها كالوثنية وتتقرب إليها مثلهم وقد ذكر ~~هيرودوتوس في تاريخه في ما يصف معبد بابل أنه كان مشتملا على ثمانية أبراج ~~بعضها مبنية على بعض وأن آخر الأبراج وهو أعلاها كان مشتملا على قبة وسيعة ~~ما فيها غير عرش عظيم حياله طاولة من ذهب، وليس في القبة شيء من التماثيل ~~والأصنام، ولا يبيت فيها أحد إلا امرأة يزعم الناس أن الله هو اختارها ~~للخدمة ووظفها للملازمة. # انتهى. # ولعله كان للعلة الأولى المنزهة عن الهيئات والأشكال وإن كانوا ربما ~~يصورونه بما يتوهمونه من الصور كما ذكره المسعودي. # وقد ثبت أن فلاسفتهم كانوا ينزهون الله تعالى عن الهيئات الجسمانية ~~والأشكال والأوضاع المادية ويصفونه بما يليق به من الصفات غير أنهم كانوا ~~يتقون العامة أن يظهروا ما يعتقدونه فيه سبحانه إما لعدم استعداد أفهامهم ~~لتلقي ذلك، أو لمقاصد وأغراض سياسية توجب كتمان الحق. PageV07P132 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 84 - 90 # ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمن وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصلحين (85) وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العلمين (86) ومن ءابائهم وذريتهم وإخونهم واجتبينهم وهدينهم إلى صرط ~~مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين ءاتينهم الكتب والحكم والنبوة فإن يكفر ~~بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكفرين (89) أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعلمين (90) ### |||| AUTO بيان # اتصال الآيات بما قبلها واضح لا يحتاج إلى بيان فهي من تتمة حديث إبراهيم ~~(عليه السلام)، والآيات وإن اشتملت على بعض الامتنان عليه وعلى من عد معه ~~من الأنبياء كما هو ظاهر قوله تعالى: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب" وقوله: ~~"وكذلك نجزي المحسنين" وقوله: "وكلا فضلنا على العالمين" إلى غير ذلك لكنها ~~ليست مسوقة لذلك فحسب كما يظهر من بعض ms2627 المفسرين بل لبيان النعم الجسيمة ~~والأيادي الجميلة الإلهية التي يتعقبها التوحيد الفطري والاهتداء بالهداية ~~الإلهية. # فإن ذلك هو الموافق لغرض هذه السورة التي تبين فيها مسألة التوحيد على ما ~~تهدي إليه الفطرة التي فطر الناس عليها، وقد تقدم أن قصة إبراهيم (عليه ~~السلام) بالنسبة إلى الآيات السابقة من السورة بمنزلة المثال المضروب لبيان عام. # وفي سياق الآيات مضافا إلى بيان التوحيد بيان أن عقيدة التوحيد محفوظة ~~بين الناس في سلسلة متصلة ركبت حلقاتها بعضها على بعض بهداية إلهية وعناية ~~خاصة ربانية حفظ الله بها الفطرة الإلهية من أن تضيع بالأهواء الشيطانية، ~~وتسقط رأسا من الفعلية فيبطل بذلك غرض الخلقة ويذهب سدى كما يشعر بذلك ~~قوله: "ووهبنا له" إلخ، وقوله: "ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته" إلخ، وقوله: ~~"ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم" وقوله: "فإن يكفر بها هؤلاء" إلخ. # وفي طي الآيات بيان ما تمتاز به الهداية الإلهية من غيرها من الخصائص وهي ~~الاجتباء واستقامة الصراط وإيتاء الكتاب والحكم والنبوة على ما سيجيء من ~~البيان إن شاء الله. # قوله تعالى: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا" إسحاق هو ابن إبراهيم ~~ويعقوب هو ابن إسحاق (عليه السلام)، وقوله: "كلا هدينا" قدم فيه كلا ~~للدلالة على أن الهداية الإلهية تعلقت بكل واحد من المعدودين استقلالا لا ~~أنها تعلقت ببعضهم استقلالا كإبراهيم وبغيره بتبعه، فهو بمنزلة أن يقال: ~~هدينا إبراهيم وهدينا إسحاق وهدينا يعقوب. # كما قيل. # قوله تعالى: "ونوحا هدينا من قبل" فيه إشعار بأن سلسلة الهداية غير ~~منقطعة ولا مبتدئة من إبراهيم (عليه السلام) بل كانت الرحمة قبله شاملة ~~لنوح (عليه السلام). # قوله تعالى: "ومن ذريته داود وسليمان - إلى قوله - وكذلك نجزي المحسنين" ~~الضمير في "ذريته" راجع إلى نوح ظاهرا لأنه المرجع القريب لفظا، ولأن في ~~المعدودين من ليس هو من ذرية إبراهيم مثل لوط وإلياس على ما قيل. # وربما قيل: إن الضمير يعود إلى إبراهيم (عليه السلام) وقد ذكر لوط وإلياس ~~(عليهما السلام) من الذرية تغليبا قال: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ms2628 ~~ذريته النبوة والكتاب": العنكبوت: 27 أو أن المراد بالذرية هم الستة ~~المذكورون في هذه الآية دون الباقين، وأما قوله: "وزكريا" إلخ، وقوله: ~~"وإسماعيل" إلخ، فمعطوفان على قوله: ومن "ذريته" لا على قوله: "داود" إلخ، ~~وهو بعيد من السياق. PageV07P133 # وأما قوله: "وكذلك نجزي المحسنين" فالظاهر أن المراد بهذا الجزاء هو ~~الهداية الإلهية المذكورة، وإليها الإشارة بقوله "كذلك" والإتيان بلفظ ~~الإشارة البعيد لتفخيم أمر هذه الهداية فهو نظير قوله: "كذلك يضرب الله ~~الأمثال": الرعد: 17 والمعنى نجزي المحسنين على هذا المثال. # قوله تعالى: "وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين" تقدم الكلام في ~~معنى الإحسان والصلاح فيما سلف من المباحث وفي ذكر عيسى بين المذكورين من ~~ذرية نوح (عليه السلام) وهو إنما يتصل به من جهة أمه مريم دلالة واضحة على ~~أن القرآن الكريم يعتبر أولاد البنات وذريتهن أولادا وذرية حقيقة، وقد تقدم ~~استفادة نظير ذلك من آية الإرث وآية محرمات النكاح، وللكلام تتمة ستوافيك ~~في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين" ~~الظاهر أن المراد بإسماعيل هو ابن إبراهيم أخو إسحاق (عليهما السلام) ~~وقوله: "اليسع" بفتحتين كأسد وقرىء "الليسع" كالضيغم أحد أنبياء بني ~~إسرائيل ذكر الله اسمه مع إسماعيل (عليه السلام) كما في قوله: "واذكر ~~إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار": ص: 48 ولم يذكر شيئا من قصته في كلامه. # وأما قوله: "وكلا فضلنا على العالمين" فالعالم هو الجماعة من الناس كعالم ~~العرب وعالم العجم وعالم الروم، ومعنى تفضيلهم على العالمين تقديمهم بحسب ~~المنزلة على عالمي زمانهم لما أن الهداية الخاصة الإلهية أخذتهم بلا واسطة، ~~وأما غيرهم فإنما تشملهم رحمة الهداية بواسطتهم، ويمكن أن يكون المراد ~~تفضيلهم بما أنهم طائفة مهدية بالهداية الفطرية الإلهية من غير واسطة على ~~جميع العالمين من الناس سواء عاصروهم أو لم يعاصروهم فإن الهداية الإلهية ~~من غير واسطة نعمة يتقدم بها من تلبس بها على من لم يتلبس، وقد شملت ~~المذكورين من الأنبياء ومن لحق ms2629 بهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فالمجتمع ~~الحاصل منهم مفضل على غيرهم جميعا بتفضيل إلهي. # وبالجملة الملاك في أمر هذا التفضيل هو التلبس بتلك الهداية الإلهية التي ~~لا واسطة فيها، والأنبياء فضلوا على غيرهم بسبب التلبس بها فلو فرض تلبس من ~~غيرهم بهذه الهداية كالملائكة كما ربما يظهر من كلامه تعالى وكالأئمة على ~~ما تقدم في البحث عن قوله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات": البقرة: ~~124 في الجزء الأول من الكتاب فلا يفضل عليهم الأنبياء (عليهم السلام) من ~~هذه الحيثية وإن أمكن أن يفضلوا عليهم من جهة أخرى غير جهة الهداية. # ومن هنا يظهر: أن استدلال بعضهم بالآية على أن الأنبياء أفضل من الملائكة ~~ليس في محله. # ويظهر أيضا أن المراد بالتفضيل إنما هو التفضيل من حيث الهداية الإلهية ~~الخاصة التي أخذتهم من غير توسط أحد، وأما كونهم أهل الاجتباء وأهل الصراط ~~المستقيم وأهل الكتاب والحكم والنبوة فأمر خارج عن مصب التفضيل المذكور في ~~هذه الآية. # واعلم أن الذي وقع في الآيات الثلاث من ذكر من عدده الله تعالى من ~~الأنبياء بأسمائهم - وهم سبعة عشر نبيا - لم يراع فيه الترتيب الذي بينهم ~~لا بحسب الزمان وهو ظاهر، ولا بحسب الرتبة والفضيلة فإن فيهم نوحا وموسى ~~وعيسى (عليهما السلام)، وهم أفضل من باقي المذكورين بنص الكتاب كما تقدم في ~~مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب وقد قدم عليهم غيرهم في الذكر. # وقد ذكر صاحب المنار في وجه الترتيب المأخوذ في الآيات الثلاث بين ~~الأنبياء المسمين فيها - وهم أربعة عشر نبيا - ما ملخصه: أنه تعالى جعلهم ~~ثلاثة أقسام لمعان في ذلك جامعة بين كل قسم منهم. # فالقسم الأول: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، والمعنى الجامع ~~بينهم أن الله تعالى آتاهم الملك والإمارة والحكم والسيادة مع النبوة ~~والرسالة، وقد قدم ذكر داود وسليمان وكانا ملكين غنيين منعمين، وذكر بعدهما ~~أيوب ويوسف، وكان أيوب أميرا غنيا عظيما محسنا، وكان يوسف وزيرا عظيما ~~وحاكما متصرفا، وقد ابتليا بالضراء فصبرا وبالسراء فشكرا، وبعد ذلك ms2630 موسى ~~وهارون وكانا حاكمين في قومهما ولم يكونا ملكين. PageV07P134 # فكل زوجين من هذه الأزواج الثلاثة ممتاز بمزية والترتيب مع ذلك من حيث نعم ~~الدنيا فداود وسليمان كانا أكثر تمتعا من نعمها من أيوب ويوسف، وهما من ~~موسى وهارون، أو الترتيب من حيث الفضل الديني فالظاهر أن موسى وهارون أفضل ~~من أيوب ويوسف، وهما أفضل من داود وسليمان لجمعهما بين الصبر في الضراء ~~والشكر في السراء. # والقسم الثاني: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وهؤلاء قد امتازوا بشدة الزهد ~~في الدنيا، والإعراض عن لذائذها، والرغبة عن زينتها، ولذلك خصهم هنا بوصف ~~الصالحين لأن هذا الوصف أليق بهم عند مقابلتهم بغيرهم وإن كان كل نبي صالحا ~~ومحسنا على الإطلاق. # والقسم الثالث: إسماعيل واليسع ويونس ولوط، وأخر ذكرهم لعدم الخصوصية إذ ~~لم يكن لهم من ملك الدنيا وسلطانها ما كان للقسم الأول، ولا من المبالغة من ~~الإعراض عن الدنيا ما كان للقسم الثاني، انتهى ملخصا. # وفي تفسير الرازي، ما يقرب منه وإن كان ما ذكره أوجه بالنسبة إلى ما ذكره ~~الرازي، ويرد على ما ذكراه جميعا أنهما جعلا القسم الثالث من لا خصوصية له ~~يمتاز به وهو غير مستقيم فإن إسماعيل (عليه السلام) قد ابتلاه الله بأمر ~~الذبح فصبر على ما امتحنه الله تعالى به قال تعالى: "فبشرناه بغلام حليم ~~فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين - إلى أن قال ~~- إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين": ~~الصافات: 108 وهذا من الخصائص الفاخرة التي اختص الله بها إسماعيل (عليه ~~السلام)، وبلاء مبين امتاز به حتى جعل الله تعالى التضحية في الحج طاعة ~~عامة مذكرة لمحنته في جنب الله وترك عليه في الآخرين على أنه شارك أباه ~~الكريم في بناء الكعبة وكفى به ميزا. # وكذلك يونس النبي (عليه السلام) امتحنه الله تعالى بما لم يمتحن به أحدا ~~من أنبيائه ms2631 وهو ما التقمه الحوت فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين. # وأما لوط فمحنه في جنب الله مذكورة في القرآن الكريم فقد قاسى المحن في ~~أول أمره مع إبراهيم (عليه السلام) حتى هاجر قومه وأرضه في صحابته، ثم ~~أرسله الله إلى أهل سدوم وما والاه مهد الفحشاء التي لم يسبقهم إليها أحد ~~من العالمين حتى إذا شملهم الهلاك لم يوجد فيهم غير بيت المسلمين وهو من ~~بيت لوط خلا امرأته. # وأما اليسع فلم يذكر له في القرآن قصة، وإنما ورد في بعض الروايات أنه ~~كان وصي إلياس وقد أتى قومه بما أتى به عيسى بن مريم (عليهما السلام) من ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وقد ابتلى الله قومه بالسنة والقحط ~~العظيم. # فالأحسن أن يتمم الوجه المذكور لترتيب الأسماء المعدودة في الآية بأن ~~يقال: إن الطائفة الأولى المذكورين - وهم ستة - اختصوا بالملك والرئاسة مع ~~الرسالة، والطائفة الثانية - وهم أربعة - امتازوا بالزهد في الدنيا ~~والإعراض عن زخارفها، والطائفة الثالثة - وهم أربعة - أولو خصائص مختلفة ~~ومحن إلهية عظيمة يختص كل بشيء من المميزات والله أعلم. # ثم إن الذي ذكره في أثناء كلامه من تفضيل موسى وهارون على أيوب ويوسف، ~~وتفضيلهما على داود وسليمان بما ذكره من الوجه، وكذا جعله الصلاح بمعنى ~~الزهد والإحسان كل ذلك ممنوع لا دليل عليه. # قوله تعالى: "ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم" هذا التعبير يؤيد ما قدمناه ~~أن المراد بيان اتصال سلسلة الهداية حيث أضاف الباقين إلى المذكورين بأنهم ~~متصلون بهم بأبوة أو بنوة أو أخوة. # قوله تعالى: "واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم" قال الراغب في ~~المفردات:، يقال: جبيت الماء في الحوض جمعته والحوض الجامع له جابية وجمعها ~~"جواب" قال الله تعالى: وجفان كالجواب، ومنه استعير جبيت الخراج جباية ومنه ~~قوله تعالى: يجبى إليه ثمرات كل شيء، والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء ~~قال عز وجل: فاجتباه ربه. PageV07P135 # قال: واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع من ~~النعم بلا سعي من ms2632 العبد، وذلك للأنبياء وبعض من يقارنهم من الصديقين ~~والشهداء كما قال تعالى: وكذلك يجتبيك ربك، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم وقوله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى، وقال عز وجل: يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، انتهى. # والذي ذكره من معنى الاجتباء وإن كان كذلك على ما يفيده موارد وقوعه في ~~كلامه تعالى لكنه لازم المعنى الأصلي بحسب انطباقه على صنعه فيهم والذي ~~يعطيه سياق الآيات أن العناية تعلقت بمعنى الكلمة الأصلي وهو الجمع من ~~مواضع وأمكنة مختلفة متشتتة فيكون تمهيدا لما يذكر بعده من الهداية إلى ~~صراط مستقيم كأنه يقول: وجمعناهم على تفرقهم حتى إذا اجتمعوا وانضم بعضهم ~~إلى بعض هديناهم جميعا إلى صراط كذا وكذا. # وذلك لما عرفت أن المقصود بالسياق بيان اتصال سلسلة المهتدين بهذه ~~الهداية الفطرية الإلهية، والمناسب لذلك أن يتصور لهم اجتماع وتوحد حتى ~~تشمل جمعهم الرحمة الإلهية، ويهتدوا مجتمعين بهداية واحدة توردهم صراطا ~~واحدا مستقيما لا اختلاف فيه أصلا فلا يختلف بحسب الأحوال، ولا بحسب ~~الأزمان، ولا بحسب الأجزاء، ولا بحسب الأشخاص السائرين فيه، ولا بحسب ~~المقصد. # وذلك أن صراطهم الذي هداهم الله إليه وإن كان يختلف بحسب ظاهر الشرائع ~~سعة وضيقا إلا أن ذلك إنما هو بحسب الإجمال والتفصيل وقلة استعداد الأمم ~~وكثرته، والجميع متفق في حقيقة واحدة وهو التوحيد الفطري والعبودية التي ~~تهدي إليه البنية الإنسانية بحسب نوع الخلقة التي أظهرها الله سبحانه على ~~ذلك ومن المعلوم أن الخلقة الإنسانية بما أنها خلقة إنسانية لا تتغير ولا ~~تتبدل تبدلا يقضي بتبدل أصول الشعور والإرادة الإنسانيين فحواس الإنسان ~~الظاهرة وإحساساته وعواطفه الباطنة ومبدأ القضاء والحكم الذي فيه وهو العقل ~~الفطري لا تزال تجري بحسب الأصول على وتيرة واحدة وإن اختلفت الآراء ~~والمقاصد بحسب الاستكمال التدريجي الذي يتعلق بالنوع والتنبه بجهات حوائج ~~الحياة. # فلا يزال الإنسان يشعر بحاجته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن ~~والمنكح، ويشتهي ما يريح نفسه الشحيحة، ويكره ما يؤلمه ويضربه، ويأمل سعادة ~~الحياة ms2633 ويخشى الشقاء وسوء العاقبة وإن اختلفت مظاهر حياته وصور أعماله عصرا ~~بعد عصر وجيلا بعد جيل. # قال تعال: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون": الروم: 30 ~~فالدين الحنيف الإلهي الذي هو قيم على المجتمع الإنساني هو الذي تهدي إليه ~~الفطرة وتميل إليه الخلقة البشرية بحسب ما تحس بحوائجها الوجودية، وتلهم ~~بما يسعدها فيها من الاعتقاد والعمل، وبتعبير آخر من المعارف والأخلاق ~~والأعمال. # وهذا أمر لا يتغير ولا يتبدل لأنه مبني على الفطرة التكوينية التي لا ~~سبيل للتغير والتبدل إليها فلا يختلف بحسب الأحوال والأزمان بأن يدعو إلى ~~السعادة الإنسانية في حال دون حال أو في زمان دون زمان، ولا بحسب الأجزاء ~~بأن يزاحم بعض أحكام الدين الحنيف بعضه الآخر بتناقض أو تضاد أو أي شيء آخر ~~يؤدي إلى إبطال بعضها بعضا فإن الجميع ترتضع من ثدي التوحيد الذي يعدلها ~~أحسن تعديل كما أن القوى البدنية إذا تنافت أو أراد بعضها أن يطغى على بعض ~~فإن هناك حاكما مدبرا يدبر كلا على حسب ما له من الوزن والتأثير في تقويم ~~الحياة الإنسانية. # ولا بحسب الأشخاص فإن المهتدين بهذه الهداية القيمة الفطرية لا يختلف ~~مسيرهم، ولا يدعو آخرهم إلا إلى ما دعا إليه أولهم وإن اختلفت دعوتهم ~~بالإجمال والتفصيل بحسب اختلاف أعصار الإنسانية تكاملا ورقيا كما قال ~~تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19، وقال: "شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13. PageV07P136 # ولا بحسب المقصد والغاية فإنه التوحيد الذي يئول إليه شتات المعارف الدينية ~~والأخلاق الفاضلة والأحكام الشرعية قال تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاعبدون": الأنبياء: 92 وقال: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون": الأنبياء: 25. # وقد ظهر بما تقدم معنى قوله تعالى: "وهديناهم إلى صراط مستقيم" ms2634 وقد نكر ~~الصراط من غير أن يذكر على طريق العهد كما في قوله: "اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم": الحمد: 7 لتتوجه عناية الذهن إلى اتصافه ~~بالاستقامة - والاستقامة في الشيء كونه على وتيرة واحدة في صفته وخاصته - ~~فالصراط الذي هدوا إليه صراط لا اختلاف فيه في جهة من الجهات ولا حال من ~~الأحوال لما أنه صراط مبني على الفطرة كما أن الفطرة الإنسانية وهي نوع ~~خلقته وكونه لا تختلف من حيث إنها خلقة إنسانية في الهداية والاهتداء إلى ~~مقاصد الإنسان التكوينية. # فهؤلاء المهديون إلى مستقيم الصراط في أمن إلهي من خطرات السير وعثرات ~~الطريق إذ كان الصراط الذي يسلكونه والمسير الذي يضربون فيه لا اختلاف فيه ~~بالهداية والإضلال والحق والباطل والسعادة والشقاوة بل هو مؤتلف الأجزاء ~~ومتساوي الأحوال يقوم على الحق ويؤدي إلى الحق لا يدع صاحبه في حيرة، ولا ~~يورده إلى ظلم وشقاء ومعصية قال تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82. # قوله تعالى: "ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده" إلى آخر الآية. # يبين تعالى أن الذي ذكره من صفة الهداية التي هدى بها المذكورين من ~~أنبيائه هو المعرف لهداه الخاص به الذي يهدي به من يشاء من عباده. # فالهدى إنما يكون هدى - حق الهدى - إذا كان من الله سبحانه، والهدى إنما ~~يكون هدى الله إذا أورد المتلبس به صراطا مستقيما اتفق على الورود فيه ~~أصحاب الهدى وهم الأنبياء المكرمون (عليهم السلام)، واتفق أجزاء ذلك الصراط ~~في الدعوة إلى كلمة التوحيد وإقامة دعوة الحق والاتسام بسمة العبودية ~~والتقوى. # أما الطريق الذي يفرق فيه بين رسل الله فيؤمن فيه ببعض ويكفر ببعض أو ~~يفرق فيه بين أحكام الله وشرائعه فيؤخذ فيه ببعض ويترك بعض، والطرق التي لا ~~تضمن سعادة حياة المجتمع الإنساني أو يسوق إلى بعض ما ليس فيه السعادة ~~الإنسانية فتلك هي الطرق التي لا مرضاة فيها لله سبحانه وقد انحرفت فيها عن ~~شريعة الفطرة إلى مهابط الضلال ومزالق ms2635 الأهواء، والاهتداء إليها ليس اهتداء ~~بهدى الله سبحانه. # قال تعالى: "إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، ~~أولئك هم الكافرون حقا": النساء: 151 وقال: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة ~~يردون إلى أشد العذاب": البقرة: 85 وقال: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين": القصص: 50 يريد أن الطريق الذي ~~فيه اتباع الهوى إنما هو ضلال لا يورد سالكه سعادة الحياة وليس بهدى الله ~~لأن فيه ظلما والله سبحانه لم يجعل الظلم ولن يجعله مما يتوسل به إلى سعادة ~~ولا أن السعادة تنال بظلم. # وبالجملة هدى الله سبحانه من خاصته أنه لا يشتمل على ضلال ولا يجامع ~~ضلالا بالتأدية إليه، وإنما هو الهدى محضا تتلوه السعادة محضة عطاء غير ~~مجذوذ لكن لا على حد العطايا المعمولة فيما بيننا التي ينقطع معها ملك ~~المعطي بالكسر عن عطيته وينتقل إلى المعطى بالفتح فيحوزه على أي حال سواء ~~شكر أو كفر. # بل هذه العطية الإلهية إنما تقوم على شريطة التوحيد والعبودية فلا كرامة ~~لأحد عليه تعالى ولا أمن له منه إلا بالعبودية محضا ولذلك ذيل الكلام ~~بقوله: "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون" وإنما ذكر الإشراك لأن محط ~~البيان إنما هو التوحيد. PageV07P137 # قوله تعالى: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة" الإشارة باللفظ ~~المفيد للبعد للدلالة على علو شأنهم ورفعة مقامهم، والمراد بإيتائهم الكتاب ~~وغيره إيتاء جمعهم ذلك بوصف المجموع وإن كان بعضهم لم يؤتوا بعض المذكورات ~~كما مر في تفسير قوله: "واجتبيناهم وهديناهم" فإن الكتاب إنما أوتيه بعض ~~الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهما السلام). # والكتاب إذا نسب في كلامه تعالى إلى الأنبياء (عليهم السلام) نوعا من ~~النسبة يراد به الصحف التي تشتمل على الشرائع ويقضى بها بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه كقوله تعالى: "كان الناس أمة ms2636 واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": ~~البقرة: 213 وقوله: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون - ~~إلى أن قال - وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله": المائدة: 48. إلى غير ذلك من ~~الآيات. # والحكم هو إلقاء النسبة التصديقية بين أجزاء الكلام كقولنا: فلان عالم، ~~وإذا كان ذلك في الأمور الاجتماعية والقضايا العملية التي تدور بين ~~المجتمعين عد نوع النسبة حكما كما تسمى نفس القضية حكما كما يقال يجب على ~~الإنسان أن يفعل كذا ويحرم عليه أن يفعل كذا أو يجوز له أن يفعل كذا أو أحب ~~أو أكره أن تفعل كذا فتسمى الوجوب والحرمة والجواز والاستحباب والكراهة ~~أحكاما كما تسمى القضايا المشتملة عليها أحكاما، ولأهل الاجتماع أحكام أخر ~~ناشئة من نسب أخرى كالملك والرئاسة والنيابة والكفاية والولاية وغير ذلك. # وإذا قصد به المعنى المصدري أريد به إيجاد الحكم وجعله إما بحسب التشريع ~~والتقنين كما يجعل أهل التقنين أحكاما صالحة ليجري عليها الناس ويعملوا بها ~~في مسير حياتهم لحفظ نظام مجتمعهم، وإما بحسب التشخيص والنظر كتشخيص القضاة ~~والحكام في المنازعات والدعاوي أن المال لفلان والحق مع فلان وكتشخيص أهل ~~الفتيا في فتاواهم وقد يراد به إنفاذ الحكم كحكم الوالي والملك على الناس ~~بما يريدان في حوزة الولاية والملك. # والظاهر من الحكم في الآية بقرينة ذكر الكتاب معه أن يكون المراد به معنى ~~القضاء فيكون المراد من إيتاء الكتاب والحكم إعطاء شرائع الدين والقضاء ~~بحسبها بين الناس كما هو ظاهر عدة من الآيات كقوله تعالى: "وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213 وقوله: إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا": المائدة: 44 ~~وقوله: "لتحكم بين الناس بما أراك الله": النساء: 105 وقوله: "وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث": الأنبياء: 78 وقوله: "يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ms2637 ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله": ~~ص: 26 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة، وإن كان مثل قوله تعالى حكاية عن ~~إبراهيم (عليه السلام): "رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين": الشعراء: 83 لا ~~يأبى بظاهره الحمل على المعنى الأعم. # وأما النبوة فقد تقدم في تفسير قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين" الآية: البقرة: 213 أن المراد بها التحقق بأنباء الغيب بعناية ~~خاصة إلهية وهي الأنباء المتعلقة بما وراء الحس والمحسوس كوحدانيته تعالى ~~والملائكة واليوم الآخر. # وعد هذه الكرامات الثلاث التي أكرم الله سبحانه بها سلسلة الأنبياء ~~(عليهم السلام) أعني الكتاب والحكم والنبوة في سياق الآيات الواصفة لهداه ~~تعالى يدل على أنها من آثار هداية الله وبها يتم العلم بالله تعالى وآياته ~~فكأنه قيل: تلك الهداية التي جمعنا عليها الأنبياء (عليهم السلام) وفضلناهم ~~بها على العالمين هي التي توردهم صراطا مستقيما وتعلمهم الكتاب المشتمل على ~~شرائعه، وتسددهم وتنصبهم للحكم بين الناس، وتنبئهم أنباء الغيب. # كلام في معنى الكتاب في القرآن PageV07P138 الكتاب بحسب ما يتبادر منه اليوم إلى أذهاننا هو الصحيفة أو الصحائف التي ~~تضبط فيها طائفة من المعاني على طريق التخطيط بقلم أو طابع أو غيرهما لكن ~~لما كان الاعتبار في استعمال الأسماء إنما هو بالأغراض التي وقعت التسمية ~~لأجلها أباح ذلك التوسع في إطلاق الأسماء على غير مسمياتها المعهودة في ~~أوان الوضع، والغرض من الكتاب هو ضبط طائفة من المعاني بحيث يستحضرها ~~الإنسان كلما راجعه، وهذا المعنى لا يلازم ما خطته اليد بالقلم على القرطاس ~~كما أن الكتاب في ذكر الإنسان إذا حفظه كتاب وإذا أملاه عن حفظه كتاب وإن ~~لم يكن هناك صحائف أو ألواح مخطوطة بالقلم المعهود. # وعلى هذا التوسع جرى كلامه تعالى في إطلاق الكتاب على طائفة من الوحي ~~الملقى إلى النبي وخاصة إذا كان مشتملا على عزيمة وشريعة وكذا إطلاقه على ~~ما يضبط الحوادث والوقائع نوعا من الضبط عند الله سبحانه، قال تعالى: "كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك": ص: 29 وقال تعالى: "ما ms2638 أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها": الحديد: 22 وقال تعالى: "وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ ~~كتابك": الإسراء: 14. # وفي هذه الأقسام الثلاثة ينحصر ما ذكره الله سبحانه في كلامه من كتاب ~~منسوب إلى نفسه غير ما في ظاهر قوله في أمر التوراة: "وكتبنا له في الألواح ~~من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء": الأعراف: 145 وقوله: "وألقى الألواح ~~وأخذ برأس أخيه": الأعراف: 150 وقوله: "ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح ~~وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون": الأعراف: 154. # القسم الأول: الكتب المنزلة على الأنبياء (عليهم السلام) وهي المشتملة ~~على شرائع الدين - كما تقدم آنفا - وقد ذكر الله سبحانه منها كتاب نوح ~~(عليه السلام) في قوله: "وأنزل معهم الكتاب بالحق": البقرة: 213 وكتاب ~~إبراهيم وموسى (عليهما السلام) قال: "صحف إبراهيم وموسى": الأعلى: 19 وكتاب ~~عيسى وهو الإنجيل قال: "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور": المائدة: 46 وكتاب ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال؟ "تلك آيات الكتاب وقرآن مبين": الحجر: ~~1 وقال: "رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة": البينة: 3 وقال: ~~"في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة": عبس: 16 وقال: "نزل ~~به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين": الشعراء: 195. # القسم الثاني: الكتب التي تضبط أعمال العباد من حسنات أو سيئات فمنها: ما ~~يختص بكل نفس إنسانية كالذي يشير إليه قوله تعالى: "وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا": الإسراء: 13 وقوله: "يوم تجد ~~كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30 إلى غير ذلك ~~من الآيات، ومنها: ما يضبط أعمال الأمة كالذي يدل عليه قوله: "وترى كل أمة ~~جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها": الجاثية: 28 ومنها: ما يشترك فيه الناس ~~جميعا كما في قوله: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ms2639 ما كنتم ~~تعملون": الجاثية: 29 لو كان الخطاب فيه لجميع الناس. # لعل لهذا القسم من الكتاب تقسيما آخر بحسب انقسام الناس إلى طائفتي ~~الأبرار والفجار وهو الذي يذكره في قوله: "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، ~~وما أدراك ما سجين، كتاب مرقوم - إلى أن قال - كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون": المطففين: 21. # القسم الثالث: الكتب التي تضبط تفاصيل نظام الوجود والحوادث الكائنة فيه ~~فمنها الكتاب المصون عن التغير المكتوب فيه كل شيء كالذي يشير إليه قوله ~~تعالى: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين": يونس: 61 وقوله: "وكل شيء أحصيناه في إمام ~~مبين": يس: 12 وقوله: "وعندنا كتاب حفيظ": ق: 4 وقوله: "لكل أجل كتاب": ~~الرعد: 38 ومن الآجال الأجل المسمى الذي لا سبيل للتغير إليه وقوله: "وما ~~كان نفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا": آل عمران: 146. PageV07P139 # ولعل هذا النوع من الكتاب ينقسم إلى كتاب واحد عام حفيظ لجميع الحوادث ~~والموجودات، وكتاب خاص بكل موجود موجود يحفظ به حاله في الوجود كما يشعر به ~~الآيتان الأخيرتان وسائر الآيات الكريمة التي تشاكلهما. # ومنها: الكتب التي يتطرق إليها التغيير ويداخلها المحو والإثبات كما يدل ~~عليه قوله تعالى: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": الرعد: 39 ~~واستيفاء البحث عن كل قسم من أقسام هذه الكتب موكول إلى المحل الذي يناسبه ~~من الكتاب والله المستعان. # كلام في معنى الحكم في القرآن # الأصل في مادة الحكم بحسب ما يتحصل من موارد استعمالاتها هو المنع، وبذلك ~~سمي الحكم المولوي حكما لما أن الأمر يمنع به المأمور عن الإطلاق في ~~الإرادة والعمل ويلجمه أن يقع على كل ما تهواه نفسه، وكذا الحكم بمعنى ~~القضاء يمنع مورد النزاع من أن يتزلزل بالمنازعة والمشاجرة أو يفسد بالتعدي ~~والجور، وكذا الحكم بمعنى التصديق يمنع القضية من تطرق الشك إليه، والأحكام ~~والاستحكام يشعران عن ms2640 حال في الشيء يمنعه من دخول ما يفسده بين أجزائه أو ~~استيلاء الأمر الأجنبي في داخله، والأحكام يقابل بوجه التفصيل الذي هو جعل ~~الشيء فصلا فصلا يبطل بذلك التئام أجزائه وتوحدها قال تعالى: "كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود: 1 وإلى ذلك يعود معنى المحكم الذي ~~يقابل المتشابه. # قال الراغب في المفردات:، حكم أصله منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللجام ~~حكمة الدابة بفتحتين فقيل: حكمته، وحكمت الدابة منعتها بالحكمة، وأحكمتها ~~جعلت لها حكمة، وكذلك حكمت السفينة وأحكمتها قال الشاعر: "أبني حنيفة ~~أحكموا سفهاءكم". # انتهى. # والحكم إذا نسب إلى الله سبحانه فإن كان في تكوين أفاد معنى القضاء ~~الوجودي وهو الإيجاد الذي يساوق الوجود الحقيقي والواقعية الخارجية ~~بمراتبها قال تعالى: "والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41. # وقال: "وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون": البقرة: 117 ومنه يوجه ~~قوله: "قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد": ~~المؤمن: 48. # وإن كان في تشريع أفاد معنى التقنين والحكم المولوي قال تعالى: "وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله": المائدة: 43 وقال: "ومن أحسن من الله حكما": ~~المائدة: 50. # وإذا نسب إلى الأنبياء (عليهم السلام) أفاد معنى القضاء وهو من المناصب ~~الإلهية التي أكرمهم بها قال تعالى: فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم عما جاءك من الحق": المائدة: 48 وقال تعالى: "أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب والحكم": الأنعام: 89. # ولعل في بعض الآيات إشعارا أو دلالة على إيتائهم الحكم بمعنى التشريع كما ~~في قوله حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) في دعائه: "رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين": الشعراء: 83. # وأما غير الأنبياء من الناس فنسب إليهم الحكم بمعنى القضاء كما في قوله: ~~"وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه": المائدة: 47 والحكم بمعنى التشريع ~~وقد ذمهم الله عليه كما في قوله: "وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا - إلى أن قال - ساء ما يحكمون": ~~الأنعام: 136 وقوله "وإن وعدك الحق وأنت أحكم ms2641 الحاكمين": هود: 45 والآية ~~بحسب موردها يشمل الحكم بمعنى إنجاز الوعد وإنفاذ الحكم. # قوله تعالى: "فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" ~~الضميران في قوله: "يكفر بها" وقوله: "وكلنا بها" راجعان إلى الهدى ويجوز ~~فيه التذكير والتأنيث من جهة أنه هداية، أو راجعان إلى الكتاب والحكم ~~والنبوة التي هي من آثار الهداية الإلهية، ولا يخلو أول الوجهين عن بعد، ~~والمشار إليه بقوله: "هؤلاء" الكافرون بالدعوة من قوم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والمتيقن منهم بحسب مورد الآية كفار مكة الذين أشار الله سبحانه ~~إليهم بقوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون": البقرة: 6. PageV07P140 # والمعنى على الوجه الأول: فإن يكفر مشركو قومك بهدايتنا وهي طريقتنا فقد ~~وكلنا بها من عبادنا من ليس يكفر بها، والكفر والإيمان يتعلقان بالهداية ~~وخاصة إذا كانت بمعنى الطريقة كما ينسبان إلى الله سبحانه وآياته قال ~~تعالى: "وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به": الجن: 13 وقال: "فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون": البقرة: 38. # وعلى الوجه الثاني: فإن يكفر بالكتاب والحكم والنبوة - وهي التي تشتمل ~~على الطريقة الإلهية والدعوة الدينية - مشركو مكة فقد وكلنا بها قوما ليسوا ~~بها بكافرين. # وأما أن هؤلاء القوم من هم: - وفي تنكير اللفظ دلالة على أن لهم خطرا ~~عظيما - فقد اختلف فيهم أقوال المفسرين: فمن قائل: إن المراد بهم الأنبياء ~~المذكورون في الآيات السابقة وهم ثمانية عشر نبيا أو مطلق الأنبياء ~~المذكورين بأسمائهم أو بنعوتهم في قوله: "ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، ~~وفيه أن سياق اللفظ لا يلائمه إذ ظاهر قوله: "ليسوا بها بكافرين" نفي الحال ~~أو الاستمرار في النفي والمذكورون من الأنبياء (عليهم السلام) لم يكونوا ~~موجودين حال الخطاب ولو كان المراد ذلك لكان المتعين أن يقال: لم يكونوا ~~بها بكافرين، وليس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معدودا منهم بحسب ~~هذه العناية وإن كان هو منهم وأفضلهم فإن الله سبحانه يذكره (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بعد ذلك ms2642 بقوله: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده". # ومن قائل إن المراد بهم الملائكة وفيه كما قيل إن القوم وخاصة إذا أطلق ~~من غير تقييد لا يطلق على الملائكة ولا يسبق إلى الذهن على أن في الآية ~~بحسب السياق نوع تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا معنى لتسليته ~~في كفر قومه بإيمان الملائكة. # ومن قائل إن المراد بهم المؤمنون به (صلى الله عليه وآله وسلم) عند نزول ~~السورة في مكة أو مطلق المهاجرين. # وفيه: أن بعض هؤلاء قد ارتدوا بعد إيمانهم كالذي قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله، وقد تعرض سبحانه لأمره في هذه السورة بعد آيات، وقد كان فيهم المنافق ~~فلا ينطبق عليهم قوله: "ليسوا بها بكافرين". # ومن قائل: إن المراد بهم الأنصار أو المهاجرون والأنصار جميعا أو أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار وهم الذين أقاموا ~~هذه الدعوة على ساقها ونصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم العسرة، ~~وقد مدحهم الله في كتابه أبلغ المدح. # وفيه: أن كرامة جماعتهم ورفعة منزلتهم بما هم جماعة مما لا يدانيه ريب ~~لكن كان بينهم من ارتد بعد إيمانه والمنافق الذي لم يظهر حاله بعد، ولا ~~ينطبق على من هذا نعته مثل قوله تعالى: "فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين" وظاهره أنه لا سبيل للكفر إليهم ولم يقل: فقد وكلنا بها قوما ~~يؤمنون بها أو آمنوا بها. # وربما يستفاد من كلمات بعضهم: أن المراد به قيام الإيمان بجماعتهم وإن ~~أمكن أن يتخلف عن إقامته آحاد منهم وبعبارة أخرى قوله: "ليسوا بها بكافرين" ~~وصف للمجتمع ولا ينافي خروج بعض الأبعاض اتصاف المجتمع بوصفه القائم ~~بالمجموع من حيث هو مجموع، والمؤمنون به (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الأنصار أو منهم ومن المهاجرين أو الصحابة ثبت الإيمان فيهم ثبوتا من غير ~~زوال وإن زال عن بعض أفرادهم. # وهذا الوجه لو تم لدل على أن المراد بالقوم جميع الأمة المسلمة أو ~~المؤمنون من جميع الأمم، ولا دليل من ms2643 تخصيصه بقوم دون قوم، واختصاص بعضهم ~~بمزايا وكرامات دينية كتقدم المهاجرين في الإيمان بالله والصبر على الأذى ~~في جنب الله، أو تبوء الأنصار الدار والإيمان وإعلاؤهم كلمة التوحيد لا ~~يوجب إلا فضل اتصافهم بهذا النعت لا اختصاصه بهم وحرمان غيرهم منه مع ~~مشاركته إياهم في معناه. # إلا أنه يرد على هذا الوجه: أن المألوف من كلامه في الأوصاف الاجتماعية ~~التي لا تستوعب جميع أفراد المجتمع أن يستثني المتخلفين عنها لو كان هناك ~~متخلف أو يأتي بما في معنى الاستثناء كقوله: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا": التين: 6. PageV07P141 # وقوله: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم - إلى أن ~~قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما": ~~الفتح: 29 وقوله: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار - إلى أن قال - ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله": النساء: 146 ~~وقوله: "كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم - إلى أن قال - إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا": آل عمران: 89 وهذا المعنى كثير دائر في القرآن ~~الكريم فما بال قوله: "قوما ليسوا بها بكافرين" لم يستثن منه المتخلف عن ~~الوصف من القوم مع وجوده فيهم. # وأغرب منه قول بعضهم: إن المراد بوصف القوم بأنهم ليسوا بها بكافرين - ~~والقوم على قوله هم الأنصار - الإشارة إلى أنهم وإن لم يؤمنوا بها بعد ~~لكنهم لم يكفروا بها كما كفر بها مشركو مكة. # وفيه مضافا إلى أنه لا يسلم مما تقدم من الإشكال على الوجوه السابقة أن ~~أهل المدينة من الأنصار كانوا حين نزول الآيات مشركين يعبدون الأصنام ولا ~~معنى لنفي الكفر عنهم اللهم إلا بمعنى الرد بعد الدعوة وهو الاستكبار ~~والاستنكاف ولا دليل على كون الكفر في الآية بهذا المعنى مع كون الآيات ~~مسوقة لوصف الهداية الإلهية المقابلة للإشراك كما جرى على هذا المجرى في ~~قوله: "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون". # وفيه: أن التوكيل المذكور في الآية يفيد ms2644 معنى الحفظ، ولا معنى لقولنا: إن ~~يكفر بها هؤلاء فقد حفظناها بقوم لم يؤمنوا بها ولم يردوها بعد. # ومن قائل: إن المراد بهم العجم ولم يكونوا يؤمنوا بها يومئذ وكأنه مأخوذ ~~من قوله تعالى "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين": النساء: 133 فقد ~~ورد أن المراد بالآخرين هم العجم لكن يرد عليه ما يرد على سابقه. # ومن قائل: إن المراد بالقوم هم المؤمنون من أمة محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو المؤمنون من جميع الأمم. # وفيه: أنه يرد عليه ما أورد على ما قبله من الوجوه. # نعم يمكن أن يوجه بأن المراد بهم نفوس من هذه الأمة أو من جميع الأمم ~~يؤمن بالله إيمانا لا يعقبه كفر ما دامت تعيش في الدنيا فهؤلاء قوم مؤمنون ~~وليسوا بها بكافرين وإن لم يمتنع الكفر عليهم لكن دوامهم على الإيمان بدعوة ~~التوحيد من غير كفر أو نفاق يستدعي صدق قوله "قوما ليسوا بها بكافرين" ~~عليهم ويتم به معنى الآية في أنها مسوقة لتسلية النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وتطييب قلبه الشريف إذ كان يحزنه كفر المشركين من قومه واستكبارهم عن ~~إجابة دعوة الحق والإيمان بالله وآياته، وفي أنها دالة على اعتزازه تعالى ~~بحفظ هدايته وطريقته التي أكرم بها عباده المكرمين وأنبياءه المقربين. # لكن يتوجه إليه أن بناء هذا الوجه على قضية اتفاقية وهي إيمان المؤمنين ~~بها إيمانا يتفق أن يبقى سليما من الزوال من غير ضامن يضمن بقاءه، ولا ~~يلائمه قوله تعالى: "وكلنا بها" فإن التوكيل يفيد معنى الاعتماد ويتضمن ~~معنى الحفظ والكلاءة، ولا وجه للاعتزاز والمباهاة بأمر لا ضامن لثباته ولا ~~حافظ لاستقراره وبقائه. # على أن الله سبحانه يذم كثيرا من الإيمان إذ يقول: "وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106 وهذه الآيات إنما تصف التوحيد الفطري ~~المحض والهداية الإلهية الطاهرة النقية الخالية عن شوب الشرك والظلم التي ~~أكرم الله بها خليله إبراهيم ومن قبله وبعده من الأنبياء المكرمين (عليهم ~~السلام) كما يذكره إبراهيم (عليه السلام) في ms2645 قوله على ما يحكيه الله سبحانه ~~عنه: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": ~~الأنعام: 82 والهداية التي هذا شأنها لا يعد كل متلبس بالإيمان حافظا لها ~~موكلا بها من الله يحفظها الله به من الضيعة والفساد البتة وفيهم الطغاة ~~والبغاة والفراعنة والمستكبرون والجفاة الظلمة وأهل البدع والمتوغلون في ~~الفجور وأنواع الفحشاء والفسق. PageV07P142 # والذي ينبغي أن يقال في معنى الآية أعني قوله: "فإن يكفر بها هؤلاء فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" إن الآيات لما كانت تصف التوحيد الفطري ~~والهداية الإلهية الطاهرة من شوب الشرك بالله سبحانه، وتذكر أن الله سبحانه ~~أكرم بهذه الهداية سلسلة متصلة متحدة من أنبيائه واصطفاهم بها ذرية بعضها ~~من بعض واجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم لا ضلال فيه وآتاهم الكتاب والحكم ~~والنبوة. # ثم فرع على ذلك قوله: "فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين" وسياقه سياق اعتزاز منه تعالى وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وتطييب لنفسه لئلا يوهنه الحزن ويفسخ عزيمته في الدعوة الدينية ما ~~يشاهده من كفر قومه واستكبارهم وعمههم في طغيانهم فمعناه أن لا تحزن بما ~~تراه من كفرهم بهذه الهداية الإلهية والطريقة التي تشتمل عليها الكتاب ~~والحكم والنبوة التي آتيناها سلسلة المهديين من الأنبياء الكرام فإنا قد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فلا سبيل للضيعة والزوال إلى هذه الهداية ~~الإلهية لأنا وكلناهم بها واعتمدنا عليهم فيها وأولئك غير كافرين بها البتة. # فهؤلاء قوم لا يتصور في حقهم كفر ولا يدخل في قلوبهم شرك لأن الله وكلهم ~~بها واعتمد عليهم فيها وحفظها بهم ولو جاز عليهم الشرك وأمكن فيهم التخلف ~~كان الاعتماد عليهم فيها خطاء وضلالا والله سبحانه لا يضل ولا ينسى. # فالآية تدل - والله أعلم - على أن لله سبحانه في كل زمان عبدا أو عبادا ~~موكلين بالهداية الإلهية والطريقة المستقيمة التي يتضمنها ما آتاه أنبياءه ~~من الكتاب والحكم والنبوة يحفظ الله بهم دينه عن الزوال وهدايته عن ~~الانقراض، ولا سبيل ms2646 للشرك والظلم إليهم لاعتصامهم بعصمة إلهية وهم أهل ~~العصمة من الأنبياء الكرام وأوصيائهم (عليهم السلام). # فالآية خاصة بأهل العصمة وقصارى ما يمكن أن يتوسع به أن يلحق بهم ~~الصالحون من المؤمنين ممن اعتصم بعصمة التقوى والصلاح ومحض الإيمان عن ~~الشرك والظلم، وخرج بذلك عن ولاية الشيطان قال تعالى. # "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون": النحل: 99 إن صدق ~~عليهم أن الله وكلهم بها واعتمد عليهم فيها. # قوله تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" إلى آخر الآية. # عاد ثانيا إلى تعريفهم بما فيه تعريف الهدى الإلهي فالهدى الإلهي لا ~~يتخلف عن شأنه وأثره وهو الإيصال إلى المطلوب قال تعالى: "فإن الله لا يهدي ~~من يضل": النحل: 37. # وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: "فبهداهم اقتده ~~بالاقتداء - وهو الاتباع - بهداهم لا بهم لأن شريعته ناسخة لشرائعهم وكتابه ~~مهيمن على كتبهم، ولأن هذا الهدى المذكور في الآيات لا واسطة فيه بينه ~~تعالى وبين من يهديه، وأما نسبة الهدى إليهم في قوله: "فبهداهم" فمجرد نسبة ~~تشريفية، والدليل عليه قوله: "ذلك هدى الله" إلخ. # وقد استدل بعضهم بالآية على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته ~~كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم إلا ما قام الدليل على نسخه، وفيه: أن ذلك ~~إنما يتم لو كان قيل: فبهم اقتده، وأما قوله "فبهداهم اقتده" فهو بمعزل عن ~~الدلالة على ذلك، كما هو ظاهر. # وختم سبحانه كلامه في وصف التوحيد الفطري والهداية الإلهية إليه بقوله ~~خطابا لنبيه: "قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين" كأنه قيل: ~~اهتد بالهدى الإلهي الذي اهتدى به الأنبياء قبلك، وذكر به العالمين من غير ~~أن تسألهم أجرا على ذلك، وقل لهم ذلك لتطيب به نفوسهم، ويكون أنجح للدعوة ~~وأبعد من التهمة، وقد حكى الله سبحانه هذه الكلمة عن نوح ومن بعده من ~~الأنبياء (عليهم السلام) في دعواتهم. # والذكرى أبلغ من الذكر كما ذكره الراغب، وفي الآية دليل على عموم نبوته ~~(صلى الله ms2647 عليه وآله وسلم) لجميع العالمين. # . PageV07P143 ### |||| AUTO بحث روائي # في قصص الأنبياء، للثعلبي: أن إلياس أتى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل ~~لها ابن يسمى اليسع بن خطوب، وكان به ضر فآوته وأخفت أمره فدعا له فعوفي من ~~الضر الذي كان به، واتبع اليسع إلياس فآمن به وصدقه ولزمه فكان يذهب حيثما ~~يذهب، ثم ذكر قصة رفع إلياس، وأن اليسع ناداه عند ذلك: يا إلياس ما تأمرني ~~به؟ فقذف إليه كساءه من الجو الأعلى فكان ذلك علامة على استخلافه إياه على ~~بني إسرائيل. قال: ونبأ الله تعالى بفضله اليسع (عليه السلام) وبعثه نبيا ~~ورسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى الله تعالى إليه وأيده بمثل ما أيد به عبده ~~إلياس فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وينتهون إلى رأيه وأمره، وحكم ~~الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع. # وفي البحار، عن الاحتجاج والتوحيد والعيون في خبر طويل رواه الحسن بن ~~محمد النوفلي عن الرضا (عليه السلام): فيما احتج به على جاثليق النصارى إلى ~~أن قال (عليه السلام): إن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى (عليه السلام) مشى ~~على الماء وأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فلم يتخذه أمته ربا. الخبر. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن الفضيل عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قوله: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا" لنجعلها في أهل ~~بيته، "ونوحا هدينا من قبل" لنجعلها في أهل بيته فأمر العقب من ذرية ~~الأنبياء من كان قبل إبراهيم ولإبراهيم. # أقول: وفيه تأييد ما قدمناه أن الآيات لبيان اتصال سلسلة الهداية. # وفي الكافي، مسندا وفي تفسير العياشي، مرسلا عن بشير الدهان عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: والله لقد نسب الله عيسى بن مريم في القرآن إلى ~~إبراهيم من قبل النساء ثم تلا: ومن ذريته داود وسليمان إلى آخر الآية وذكر عيسى. # وفي تفسير العياشي، عن أبي حرب عن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى ~~بن معمر قال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية ms2648 النبي تجدونه في ~~كتاب الله، وقد قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أجده. قال: أليس تقرأ ~~سورة الأنعام؟ "ومن ذريته داود وسليمان" حتى بلغ يحيى وعيسى قال: أليس عيسى ~~من ذرية إبراهيم؟ قال: نعم قرأت:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي ~~حاتم عن أبي الحرب بن أبي الأسود: مثله. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير ~~قال: دخل يحيى بن معمر على الحجاج فذكر الحسين فقال الحجاج: لم يكن من ذرية ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال يحيى: كذبت فقال لتأتيني على ما قلت ~~ببينة فتلا: "ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله وعيسى وإلياس" فأخبر تعالى ~~أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه. قال: صدقت. # أقول: ذكر الآلوسي في روح المعاني، في قوله تعالى: "وعيسى"، وفي ذكره ~~(عليه السلام) دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنات لأن انتسابه ليس إلا ~~من جهة أمه. # وأورد عليه: أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه فلا يظهر قياس ~~غيره عليه في كونه ذرية لجده من الأم وتعقب بأن مقتضى كونه بلا أب أن يذكر ~~في حيز الذرية. # وفيه منع ظاهر والمسألة خلافية، والذاهبون إلى دخول ابن البنت في الذرية ~~يستدلون بهذه الآية، وبها احتج موسى الكاظم رضي الله عنه على ما رواه البعض ~~عند الرشيد. # وفي التفسير الكبير:، أن أبا جعفر رضي الله تعالى عنه استدل بها عند ~~الحجاج بن يوسف وبآية المباهلة حيث دعا (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن ~~والحسين رضي الله تعالى عنهما بعد ما نزل "تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم". # وادعى بعضهم: أن هذا من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد اختلف ~~إفتاء أصحابنا في هذه المسألة، والذي أميل إليه القول بالدخول. # انتهى. # وقال في المنار:، وأقول: في الباب حديث أبي بكرة عند البخاري مرفوعا: "أن ~~ابني هذا سيد" يعني الحسن، ولفظ ابن لا يجري عند العرب على أولاد البنات، ~~وحديث عمر في كتاب معرفة الصحابة ms2649 لأبي نعيم مرفوعا: "وكل ولد آدم فإن ~~عصبتهم لأبيهم خلا ولد فاطمة فإني أبوهم وعصبتهم" وقد جرى الناس على هذا ~~فيقولون في أولاد فاطمة (عليها السلام): أولاد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأبناؤه وعترته وأهل بيته. # انتهى. PageV07P144 # أقول: وفي المسألة خلط، وقد اشتبه الأمر فيها على عدة من الأعلام فحسبوا أن ~~المسألة لفظية يتبع فيها اللغة حتى احتج فيها بعضهم بمثل قول الشاعر: بنونا ~~بنو أبنائنا وبناتنا. # بنوهن أبناء الرجال الأباعد. # وقوله: وإنما أمهات الناس أوعية. # مستودعات وللأنساب آباء. # وقد أخطئوا في ذلك، وإنما هي مسألة حقوقية اجتماعية من شعب مسألة ~~القرابة، والأمم والأقوام مختلفة في تحديدها وتشخيصها وأن المرأة هل هي ~~داخلة في القرابة؟ وأن أولاد بنت الرجل هل هي أولاده؟ وأن القرابة هل تختص ~~بما يحصل بالولادة أو تعمه وما حصل بالادعاء؟ وقد كانت عرب الجاهلية لا ترى ~~للمرأة إلا القرابة الطبيعية التي تؤثر أثرها في الازدواج والإنفاق ونحو ~~ذلك، ولا ترى لها قرابة قانونية تسمح لها بالوراثة ونحوها، وأما أولاد ~~البنات فلم تكن ترى لها قرابة، وكانت ترى قرابة الأدعياء وتسمى الدعي ابنا ~~لا لأن اللغة كانت تجوز ذلك بل لأنهم اتبعوا في ذلك ما تجاورهم من الأمم ~~الراقية ترى ذلك بحسب قوانينها المدنية أو سننها القومية كالروم وإيران. # وأما الإسلام فقد ألغى قرابة الأدعياء من رأس قال تعالى: "وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم": الأحزاب: 4 وأدخل المرأة في القرابة ورتب على ذلك ~~آثارها وأدخل أولاد البنات في الأولاد قال تعالى في آية الإرث: "يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" الآية: النساء: 11 وقال: "للرجال ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~مما قل منه أو كثر": النساء: 7. وقال في آية محرمات النكاح: "حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم - إلى أن قال - وأحل لكم ما وراء ذلكم": النساء: 24 فسمى ~~بنت البنت بنتا وأولاد البنات أولادا من غير شك في ذلك، وقال تعالى: "ويحيى ~~وعيسى وإلياس" الآية فعد عيسى من ذرية إبراهيم ms2650 أو نوح (عليهما السلام) وهو ~~غير متصل بهما إلا من جهة الأم. # وقد استدل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الآية وآية التحريم وآية ~~المباهلة على كون ابن بنت الرجل ابنا له والدليل عام وإن كان الاحتجاج على ~~أمر خاص ولأبي جعفر الباقر (عليه السلام) احتجاج آخر أصرح من الجميع رواه ~~في الكافي، بإسناده عن عبد الصمد بن بشير عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر ~~(عليه السلام): يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين؟ قلت: ~~ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: فأي ~~شيء احتججتم عليهم؟ قلت: احتججنا عليهم بقول الله عز وجل في عيسى بن مريم: ~~"ومن ذريته داود وسليمان - وأيوب ويوسف وموسى وهارون - وكذلك نجزي المحسنين ~~وزكريا ويحيى وعيسى" فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوح. قال: فأي شيء قالوا ~~لكم؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: فأي ~~شيء احتججتم عليهم؟ قلت: احتججنا عليهم بقوله تعالى لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): "قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم - ~~وأنفسنا وأنفسكم" ثم قال: أي شيء قالوا: قلت قالوا: قد يكون في كلام العرب ~~أبناء رجل وآخر يقول: أبناؤنا. قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): ~~لأعطينكما من كتاب الله عز وجل أنهما من صلب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا يرده إلا كافر. قلت: وأين ذلك جعلت فداك؟ قال: من حيث قال الله: ~~"حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم" الآية إلى أن انتهى إلى قوله تبارك ~~وتعالى: "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم" يا أبا الجارود هل كان يحل ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نكاح حليلتهما؟ فإن قالوا: نعم، ~~كذبوا وفجروا، وإن قالوا: لا، فإنهما ابناه لصلبه: وروى قريبا منه القمي في ~~تفسيره،. PageV07P145 # وبالجملة فالمسألة غير لفظية، وقد اعتبر الإسلام في المرأة القرابة ~~الطبيعية والتشريعية جميعا، وكذا في أولاد البنات أنهم من الأولاد وأن عمود ~~النسب يجري من جهة المرأة كما ms2651 يجري من جهة الرجل كما ألغى الاتصال النسبي ~~من جهة الدعاء أو من غير نكاح شرعي، وقد روى الفريقان عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنه قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" غير أن مساهلة الناس في ~~الحقائق الدينية أنستهم هذه الحقيقة ولم يبق منها إلا بعض آثارها كالوراثة ~~والحرمة ولم تخل السلطات الدولية في صدر الإسلام من تأثير في ذلك، وقد تقدم ~~البحث في ذيل آية التحريم من الجزء الثالث من الكتاب. # وفي تفسير النعماني، بإسناده عن سليمان بن هارون العجلي قال سمعت أبا عبد ~~الله (عليه السلام) يقول: إن صاحب هذا الأمر محفوظة له لو ذهب الناس جميعا ~~أتى الله بأصحابه، وهم الذين قال الله عز وجل: "فإن يكفر بها هؤلاء - فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" وهم الذين قال الله فيهم: "فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه - أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين". # أقول: وهو من الجري. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام): قال الله عز ~~وجل في كتابه: "ونوحا هدينا من قبل إلى قوله بكافرين" فإنه وكل بالفضل من ~~أهل بيته والإخوان والذرية، وهو قول الله تبارك وتعالى: "فإن يكفر بها" ~~أمتك فقد وكلنا أهل بيتك بالإيمان الذي أرسلناك به فلا يكفرون به أبدا، ولا ~~أضيع الإيمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء أمتك وولاة أمري ~~بعدك، وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا وزر ولا بطر ولا ~~رياء:. أقول: ورواه العياشي مرسلا وكذا الذي قبله والحديث كسابقه من الجري. # وفي المحاسن، بإسناده علي بن عيينة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قال: أبو عبد الله (عليه السلام): ولقد دخلت على أبي العباس وقد أخذ القوم ~~مجلسهم فمد يده إلي والسفرة بين يديه موضوعة فذهبت لأخطو إليه فوقعت رجلي ~~على طرف السفرة فدخلني بذلك ما شاء الله أن يدخلني إن الله يقول: "فإن يكفر ~~بها هؤلاء - فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" قوما ms2652 والله يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويذكرون الله كثيرا. # أقول: محصله استحياؤه (عليه السلام) من الله سبحانه بوقوع قدمه على طرف ~~السفرة اضطرارا كأن في وطء السفرة كفرانا لنعمة الله ففيه تعميم للكفر في ~~قوله: "ليسوا بها بكافرين" لكفر النعمة. # وفي النهج،: اقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى. # أقول: واستفادته من الآيات ظاهرة. # وفي تفسير القمي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: وأحسن الهدى ~~هدى الأنبياء. PageV07P146 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 91 - 105 # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء قل من أنزل ~~الكتب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم قل الله ثم ذرهم فى خوضهم ~~يلعبون (91) وهذا كتب أنزلنه مبارك مصدق الذى بين يديه ولتنذر أم القرى ومن ~~حولها والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء ومن قال ~~سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظلمون فى غمرت الموت والملئكة باسطوا ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير ~~الحق وكنتم عن ءايته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة ~~وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركؤا لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) إن الله فالق الحب ~~والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) ~~فالق الاصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ~~(96) وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمت البر والبحر قد فصلنا ~~الايت لقوم يعلمون (97) وهو الذى أنشأكم من نفس وحدة فمستقر ومستودع قد ~~فصلنا الايت لقوم يفقهون (98) وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات ~~كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية وجنت ms2653 من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه انظروا إلى ثمره ~~إذا أثمر وينعه إن فى ذلكم لايت لقوم يؤمنون (99) وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنت بغير علم سبحنه وتعلى عما يصفون (100) بديع ~~السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شىء وهو بكل شىء ~~عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شىء فاعبدوه وهو على كل ~~شىء وكيل (102) لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر وهو اللطيف الخبير (103) ~~قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ (104) وكذلك نصرف الايت وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) ### |||| AUTO بيان # الآيات لا تخلو عن ارتباط بما قبلها فإنها تفتتح بالمحاجة في خصوص إنزال ~~الكتاب على أهل الكتاب إذ ردوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بقولهم: "ما أنزل الله على بشر من شيء"، والآيات السابقة تعد إيتاء الكتاب ~~من لوازم الهداية الإلهية التي أكرم بها أنبياءه. # فقد بدأت الكلام بمحاجة أهل الكتاب ثم تذكر أن أظلم الظلم أن يشرك بالله ~~افتراء عليه أو يظلم في باب النبوة بإنكار ما هو حق منها أو دعوى ما ليس ~~بحق منها كالذي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. # ثم تذكر الآيات ما يئول إليه أمر هؤلاء الظالمين عند مساءلة الموت إذا ~~غشيتهم غمراته والملائكة باسطوا أيديهم، ثم تتخلص إلى ذكر آيات توحيده ~~تعالى وذكر أشياء من أسمائه الحسنى وصفاته العليا. PageV07P147 # قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء" قدر الشيء وقدره بالتحريك كميته من عظم أو صغر ونحوهما يقال: قدرت ~~الشيء قدرا وقدرته بالتشديد تقديرا إذا بينت كمية الشيء وهندسته المحسوسة ~~ثم توسع فيه فاستعمل في المعاني غير المحسوسة فقيل: قدر فلان عند الناس وفي ~~المجتمع أي عظمته في أعين الناس ووزنه في مجتمعهم وقيمته الاجتماعية. # وإذ كان تقدير الشيء وتحديده بحدود لا ينفك غالبا عن وصفه بأوصافه ~~المبينة لحاله المستتبعة لعرفانه ms2654 أطلق القدر والتقدير على الوصف وعلى ~~المعرفة بحال الشيء - على نحو الاستعارة - فيقال قدر الشيء وقدره أي وصفه، ~~ويقال: قدر الشيء وقدره أي عرفه، فاللغة تبيح هذه الاستعمالات جميعا. # ولما كان الله سبحانه لا يحيط بذاته المتعالية حس ولا وهم ولا عقل وإنما ~~يعرف معرفة ما بما يليق بساحة قدسه من الأوصاف وينال من عظمته ما دلت عليه ~~آياته وأفعاله صح استعمال القدر فيه تعالى بكل من المعاني السابقة فيقال: ~~ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه بما يليق بساحته من العظمة أو ما وصفوه ~~حق وصفه أو ما عرفوه حق معرفته. # فالآية بحسب نفسها تحتمل كلا من المعاني الثلاثة أو جميعها بطريق ~~الالتزام لكن الأنسب بالنظر إلى الآيات السابقة الواصفة لهدايته تعالى ~~أنبياءه المستعقبة لإيتائهم الكتاب والحكم والنبوة، وعنايته الكاملة بحفظ ~~كلمة الحق ونعمة الهداية بين الناس زمانا بعد زمان وجيلا بعد جيل أن تحمل ~~على المعنى الأول فإن في إنكار إنزال الوحي حطا لقدره تعالى وإخراجا له من ~~منزلة الربوبية المعتنية بشئون عباده وهدايتهم إلى هدفهم من السعادة ~~والفلاح. # ويؤيد ذلك ما ورد من نظير اللفظ في قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون": الزمر: 67. # وقوله تعالى: "إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز": الحج: 74 أي وقوته وعزته وضعف غيره وذلته ~~تقتضيان أن لا يحط قدره ولا يسوى هو وما يدعون من دونه بتسمية الجميع آلهة ~~وأربابا فالأنسب بالآية هو المعنى الأول وإن لم يمتنع المعنيان الآخران، ~~وأما تفسير "ما قدروا الله حق قدره" بأن المراد: ما أعطوه من القدرة ما هو ~~حقها كما فسره بعضهم فأبعد المعاني المحتملة من مساق الآية. # ولما قيد قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره" بالظرف الذي في قوله: "إذ ~~قالوا ما أنزل الله ms2655 على بشر من شيء" أفاد ذلك أن اجتراءهم على الله سبحانه ~~وعدم تقديرهم حق قدره إنما هو من حيث إنهم نفوا إنزال الوحي والكتاب منه ~~تعالى على بشر فدل ذلك على أن من لوازم الألوهية وخصائص الربوبية أن ينزل ~~الوحي والكتاب لغرض هداية الناس إلى مستقيم الصراط والفوز بسعادة الدنيا ~~والآخرة فهي الدعوى. # وقد أشار تعالى إلى إثبات هذه الدعوى والحجاج له بقوله: "قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى" إلخ، وبقوله: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم" والأول من القولين احتجاج بكتاب من الكتب السماوية المنزلة على ~~الأنبياء (عليهم السلام) الثابتة نبوتهم بالمعجزات الباهرة التي أتوا بها ~~ففيه تمسك بوجود الهداية الإلهية المتصلة المحفوظة بين الناس بالأنبياء ~~(عليهم السلام) نوح ومن بعده، وهي التي وصفها الله تعالى في الآيات السابقة ~~من قوله: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر - إلى قوله - إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين". PageV07P148 # والثاني من القولين احتجاج بوجود معارف وأحكام إلهية بين الناس ليس من ~~شأنها أن تترشح من الإنسان الاجتماعي من حيث مجتمعه بما له من العواطف ~~والأفكار التي تهديه إلى ما يصلح حياته من الغذاء والمسكن واللباس والنكاح ~~وجلب المنافع ودفع المضار والمكاره فهذه الأمور التي في مجرى التمتع ~~بالماديات هي التي يتوخاها الإنسان بحسب طبعه الحيواني، وأما المعارف ~~الإلهية والأخلاق الفاضلة الطيبة والشرائع الحافظة بالعمل بها لهما فليست ~~من الأمور التي ينالها الإنسان الاجتماعي بشعوره الاجتماعي وأنى للشعور ~~الاجتماعي ذلك؟ وهو إنما يبعث الإنسان إلى استخدام جميع الوسائل التي يمكنه ~~أن يتوسل بها إلى مآربه في الحياة الأرضية، ومقاصده في المأكل والمشرب ~~والمنكح والملبس والمسكن وما يتعلق بها ثم يدعوه إلى أن يكسر مقاومة كل ما ~~يقاومه في طريق تمتعه إن قدر على ذلك أو يصطلحه على التعاضد والاشتراك في ~~المنافع ورعاية العدل في توزيعها إن لم يقدر عليه، وهو سر كون الإنسان ~~اجتماعيا مدنيا كما تبين في أبحاث النبوة في البحث عن قوله تعالى: "كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين" الآية: ms2656 البقرة: 213 في الجزء الثاني من ~~الكتاب، وسنزيده وضوحا إن شاء الله. # وبالجملة فالآية أعني قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره" تدل بما لها ~~من الضمائم على أن من لوازم الألوهية أن تهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط ~~ومنزل السعادة بإنزال الكتاب والوحي على بعض أفراده، وتستدل على ذلك بوجود ~~بعض الكتب المنزلة من الله في طريق الهداية أولا، وبوجود ما يدل على تعاليم ~~إلهية بينهم لا ينالها الإنسان بما عنده من العقل الاجتماعي ثانيا. # قوله تعالى: "قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ~~تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" القراءة الدائرة تجعلونه بصيغة ~~الخطاب والمخاطبون به اليهود لا محالة، وقرىء "يجعلونه" بصيغة الغيبة، ~~والمخاطب المسئول عنه بقوله: "من أنزل الكتاب إلخ"، حينئذ اليهود أو مشركو ~~العرب على ما قيل، والمراد يجعل الكتاب قراطيس وهي جمع قرطاس إما جعله في ~~قراطيس بالكتابة فيها، وإما جعله نفس القراطيس بما فيها من الكتابة ~~فالصحائف والقراطيس تسمى كتابا كما تسمى الألفاظ المدلول عليها بالكتابة كتابا. # وقوله: "قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى" إلخ. # جواب عن قولهم المحكي بقوله تعالى: "إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء" والآية وإن لم تعين القائلين بهذا القول من هم؟ إلا أن الجواب بما فيه ~~من الخصوصية لا يدع ريبا في أن المخاطبين بهذا الجواب هم اليهود فالقائلون: ~~"ما أنزل الله على بشر من شيء" هم اليهود أيضا، وذلك أن الآية تحتج على ~~هؤلاء القائلين بكتاب موسى (عليه السلام) والمشركون لا يعترفون به ولا ~~يقولون بنزوله من عند الله، وإنما القائلون به أهل الكتاب، وأيضا الآية ~~تذمهم بأنهم يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا، وهذا أيضا من خصائص ~~اليهود على ما نسبه القرآن إليهم دون المشركين. # على أن قوله بعد ذلك: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" على ظاهر ~~معناه الساذج لا يصلح أن يخاطب به غير اليهود من المشركين أو المسلمين كما ~~تقدم وسيجيء إن شاء الله تعالى. # وأما أن ms2657 اليهود كانوا مؤمنين بنبوة الأنبياء موسى ومن قبله (عليه السلام) ~~وبنزول كتب سماوية كالتوراة وغيرها فلم يك يتأتى لهم أن يقولوا: ما أنزل ~~الله على بشر من شيء لمخالفته أصول معتقداتهم فيدفعه: أن يكون ذلك مخالفا ~~للأصل الذي عندهم لا يمنع أن يتفوه به بعضهم تعصبا على الإسلام أو تهييجا ~~للمشركين على المسلمين أو يقول ذلك عن مسألة سألها المشركون عن حال كتاب ~~كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعي نزوله عليه من جانب الله سبحانه، ~~وقد قالوا في تأييد وثنية مشركي العرب على أهل التوحيد من المسلمين: هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا، فرجحوا قذارة الشرك على طهارة التوحيد وأساس ~~دينهم التوحيد حتى أنزل الله: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا": النساء: 51. PageV07P149 # وقولهم - وهو أبين سفها من سابقه - اغتياظا على النصارى: إن إبراهيم (عليه ~~السلام) كان يهوديا حتى نزل فيهم قوله تعالى: "يا أهل الكتاب لم تحاجون في ~~إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - إلى أن قال ~~- ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين": آل عمران: 67 إلى غير ذلك من أقوالهم المناقضة لأصولهم الثابتة ~~المحكية في القرآن الكريم. # ومن كان هذا شأنه لم يبعد أن ينفي نزول كتاب سماوي على بشر لداع من ~~الدواعي الفاسدة الباعثة له على إنكار ما يستضر بثبوته أو تلقين الغير ~~باطلا يعلم ببطلانه لينتفع به في بعض مقاصده الباطلة. # وأما قول من قال: إن القرآن لم يعتن بأمر أهل الكتاب في آياته النازلة ~~بمكة وإنما كانت الدعوة بمكة قبل الهجرة إلى المشركين للابتلاء بجماعتهم ~~والدار دارهم، ففيه أن ذلك لا يوجب السكوت عنهم من رأس والدين عام ودعوته ~~شاملة لجميع الناس والقرآن ذكر للعالمين وهم والمشركون جيران يمس بعضهم ~~بعضا دائما وقد جاء ذكر أهل الكتاب في بعض السور المكية من غير دليل ظاهر ~~على كون الآية ms2658 مدنية كقوله تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم": العنكبوت: 46 وقوله: "وعلى الذين هادوا حرمنا ~~ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون": النحل: 118 ~~وقد ذكر في سورة الأعراف كثير من مظالم بني إسرائيل مع كون السورة مكية. # ومن المستبعد أن تدوم الدعوة الإسلامية سنين قبل الهجرة وفي داخل الجزيرة ~~طوائف من اليهود والنصارى فلا يصل خبرها إليهم أو يصل إليهم فيسكتوا عنها ~~ولا يقولوا شيئا لها أو عليها وقد هاجر جماعة من المسلمين إلى الحبشة ~~وقرءوا سورة مريم المكية عليهم وفيها قصة عيسى ونبوته. # وأما قول من قال: إن السورة - يعني سورة الأنعام - إنما نزلت في الاحتجاج ~~على المشركين في توحيد الله سبحانه وعامة الخطابات الواردة فيها متوجهة ~~إليهم فلا مسوغ لإرجاع الضمير في قوله: "إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء" إلى اليهود بل المتعين إرجاعه إلى مشركي العرب لأن الكلام في سياق ~~الخبر عنهم، ولم يجر لليهود ذكر في هذه السورة فلا يجوز أن تصرف الآية عما ~~يقتضيه سياقها من أولها إلى هذا الموضع بل إلى آخرها بغير حجة من خبر صحيح ~~أو عقل فالأرجح قراءة "يجعلونه" إلخ، بياء الغيبة على معنى أن اليهود ~~يجعلونه فهو حكاية عنهم ذكرت في خطاب مشركي العرب. # وأما مشكلة أن المشركين ما كانوا يذعنون بكون التوراة كتابا سماويا فكيف ~~يحاجون بها فقد أجاب عنه بعضهم: أن المشركين كانوا يعلمون أن اليهود أصحاب ~~التوراة المنزلة على موسى (عليه السلام) فمن الممكن أن يحاجوا من هذه الجهة. # ففيه: أن سياق السورة فيما تقدم من الآيات وإن كان لمحاجة المشركين لكن ~~لا لأنهم هم بأعيانهم فالبيان القرآني لا يعتني بشخص أو أشخاص لأنفسهم بل ~~لأنهم يستكبرون عن الخضوع للحق وينكرون أصول الدعوة التي هي التوحيد ~~والنبوة والمعاد فالمنكرون لهذه الحقائق أو لبعضها هم المعنيون بالاحتجاجات ~~الموردة فيها فما المانع من أن يذكر فيها بعض هفوات اليهود لو استلزم إنكار ~~النبوة ونزول ms2659 الكتاب لدخوله في غرض السورة، ووقوعه في صف هفوات المشركين في ~~إنكار أصول الدين الإلهي وإن كان القائل به من غير المشركين وعبدة الأصنام، ~~ولعله مما لقنوه بعض المشركين ابتغاء للفتنة فقد ورد في بعض الآثار أن ~~المشركين ربما سألوهم عن حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وربما بعثوا ~~إليهم الوفود لذلك. # على أن قوله: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" كما سيأتي لا يصح أن ~~يخاطب به غير اليهود كما لا يصح أن يخاطب غير اليهود بقوله تعالى: "قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس" والقول بأن مشركي العرب ~~كانوا يعلمون أن اليهود هم أصحاب توراة موسى غير مقنع قطعا فإن العلم بأن ~~اليهود أصحاب التوراة لا يصحح الاحتجاج بنزول التوراة من عند الله سبحانه ~~وخاصة مع وصفها بأنها نور وهدى للناس فالاعتقاد بالنزول من عند الله غير ~~العلم بأن اليهود تدعي ذلك والمصحح للخطاب هو الأول دون الثاني. PageV07P150 # وأما قراءة "يجعلونه" إلخ، فالوجه أن تحمل على الالتفات مع إبقاء الخطاب في ~~قوله "من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى"، وقوله: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم" لليهود. # وقد حاول بعضهم دفع الإشكالات الواردة على جعل الخطاب في الآية للمشركين ~~مع تصحيح القراءتين جميعا فقال ما ملخصه: إن الآية نزلت في ضمن السورة بمكة ~~كما قرأها ابن كثير وأبو عمرو - يجعلونه قراطيس بصيغة الغيبة - محتجة على ~~مشركي مكة الذين أنكروا الوحي استبعادا لأن يخاطب الله البشر بشيء، وقد ~~اعترفوا بكتاب موسى وأرسلوا الوفد إلى أحبار اليهود مذعنين بأنهم أهل ~~الكتاب الأول العالمون بأخبار الأنبياء. # فهو تعالى يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): قل لهؤلاء الذين ما ~~قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء كقولهم: أبعث ~~الله بشرا رسولا: "من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا" انقشعت به ظلمات ~~الكفر والشرك الذي ورثته بنو إسرائيل عن المصريين "وهدى للناس" أي الذين ~~أنزل عليهم بما علمهم ms2660 من الأحكام والشرائع الإلهية فكانوا على النور والهدى ~~إلى أن اختلفوا فيه ونسوا حظا مما ذكروا به فصاروا باتباع الأهواء "يجعلونه ~~قراطيس يبدونها" فيما وافق "ويخفون كثيرا" مما لا يوافق أهواءهم. # قال: والظاهر أن الآية كانت تقرأ هكذا بمكة وكذا بالمدينة إلى أن أخفى ~~أحبار اليهود حكم الرجم وكتموا بشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى ~~أن قال بعضهم: ما أنزل الله على بشر من شيء كما قال المشركون من قبلهم - إن ~~صحت الروايات بذلك - فعند ذلك كان غير مستبعد ولا مخل بالسياق أن يلقن الله ~~تعالى رسوله أن يقرأ هذه الجمل بالمدينة على مسمع اليهود وغيرهم بالخطاب ~~لليهود فيقول: "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" مع عدم نسخ القراءة ~~الأولى. # قال: وبهذا الاحتمال المؤيد بما ذكر من الوقائع يتجه تفسير القراءتين ~~بغير تكلف ما، ويزول كل إشكال عرض للمفسرين في تفسيرهما، انتهى كلامه ملخصا. # وأنت خبير بأن إشكال خطاب المشركين بما لا يعترفون به باق على حاله وكذا ~~إشكال خطاب غير اليهود بقوله: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" على ~~ما أشرنا إليه، وكذا تخصيصه قوله تعالى: "نورا وهدى للناس" باليهود فقط ~~وكذا قوله إن اليهود قالوا في المدينة: "ما أنزل الله على بشر من شيء" كر ~~على ما فر منه. # على أن قوله: إن الله لقن رسوله أن يقرأ الآية عليهم ويخاطبهم بقوله: ~~"تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" مما لا دليل عليه فإن أراد بهذا ~~التلقين وحيا جديدا بالخطاب كالوحي الأول بالغيبة كانت الآية نازلة مرتين ~~مرة في ضمن السورة وهي إحدى آياته ومرة في المدينة غير داخلة في آيات ~~السورة ولا جزء منها، وإن أراد بالتلقين غير الوحي بنزول جبرئيل بها لم تكن ~~الآية آية ولا القراءة قراءة، وإن أريد به أن الله فهم رسوله نوعا من ~~التفهيم أن لفظ "تجعلونه قراطيس" إلخ، النازل عليه في ضمن سورة الأنعام ~~بمكة يسع الخطاب والغيبة جميعا وأن القراءتين جميعا صحيحتان مقصودتان كما ~~ربما يقوله من ينهي القراءات المختلفة ms2661 إلى قراءة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو القراءة عليه ونحوهما ففيه الالتزام بورود جميع الإشكال السابقة ~~كما هو ظاهر. # واعلم أن هذه الأبحاث إنما تتأتى على تقدير كون الآية نازلة بمكة، وأما ~~على ما وقع في بعض الروايات من أن الآية نزلت بالمدينة فلا محل لأكثرها. # قوله تعالى: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" المراد بهذا العلم ~~الذي علموه ولم يكونوا يعلمونه هم ولا آباؤهم ليس هو العلم العادي بالنافع ~~والضار في الحياة مما جهز الإنسان بالوسائل المؤدية إليه من حس وخيال وعقل ~~فإن الكلام واقع في سياق الاحتجاج مربوط به ولا رابطة بين حصول العلوم ~~العادية للإنسان من الطرق المودعة فيه وبين المدعى وهو أن من لوازم ~~الألوهية أن تهدي الإنسان إلى سعادته وتنزل على بعض أفراده الوحي والكتاب. # وليس المراد بها أن الله أفاض عليكم العلم بأشياء ما كان لكم من أنفسكم ~~أن تعلموا كما يفيده قوله تعالى: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة": ~~النحل: 78 وقوله: "الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم": العلق: 5، ~~فإن السياق كما عرفت ينافي ذلك. PageV07P151 # فالمراد بالآية تعليم ما ليس في وسع الإنسان بحسب الطرق المألوفة عنده التي ~~جهز بها أن ينال علمه، وليس إلا ما أوحاه الله سبحانه إلى أنبيائه وحملة ~~وحيه بكتاب أو بغير كتاب من المعارف الإلهية والأحكام والشرائع فإنها هي ~~التي لا تسع الوسائل العادية التي عند عامة الإنسان أن تنالها. # ومن هنا يظهر أن المخاطبين بهذا الكلام أعني قوله: "وعلمتم ما لم تعلموا" ~~إلخ، ليسوا هم المشركين إذا لم يكن عندهم من معارف النبوة والشرائع الإلهية ~~شيء بين يعرفونه ويعترفون به والذي كانوا ورثوه من بقايا آثار النبوة من ~~أسلاف أجيالهم ما كانوا ليعترفوا به حتى يصح الاحتجاج به عليهم من غير بيان ~~كاف، وقد وصفهم الله بالجهل في أمثال قوله: "وقال الذين لا يعلمون لو لا ~~يكلمنا الله": البقرة: 118. # فالخطاب متوجه إلى غير المشركين، وليس بموجه إلى المسلمين أما أولا: فلأن ~~السياق سياق ms2662 الاحتجاج، ولو كان الخطاب متوجها إليهم لكان اعتراضا في سياق ~~الاحتجاج من غير نكتة ظاهرة. # وأما ثانيا: فلما فيه من تغيير مورد الخطاب، والعدول من خطاب المخاطبين ~~بقوله: "من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى" إلخ، إلى خطاب غيرهم بقوله: ~~"وعلمتم" إلخ، من غير قرينة ظاهرة مع وقوع اللبس فالخطاب لغير المشركين ~~والمسلمين وهم اليهود المخاطبون بصدر الآية. # فقد احتج الله سبحانه على اليهود القائلين: "ما أنزل الله على بشر من ~~شيء" عنادا وابتغاء للفتنة من طريقين: أحدهما: طريق المناقضة وهو أنهم ~~مؤمنون بالتوراة وأنها كتاب جاء به موسى (عليه السلام) نورا وهدى للناس ~~ويناقضه قولهم: "ما أنزل الله على بشر من شيء" ثم ذمهم على تقطيعها بقطعات ~~يظهرون بعضها ويخفون كثيرا. # وثانيهما: أنكم علمتم ما لم يكن في وسعكم أن تعلموه أنتم من عند أنفسكم ~~بالاكتساب ولا في وسع آبائكم أن يعلموه فيورثوكم علمه وذلك كالمعارف ~~الإلهية والأخلاق الفاضلة والشرائع والقوانين الناظمة للاجتماع والمعدلة له ~~أحسن نظم وتعديل الحاسمة لأعراق الاختلافات البشرية الاجتماعية فإنها وخاصة ~~المواد التشريعية من بينها ليست مما ينال بالاكتساب، والتي تنال منها من ~~طريق الاكتساب العقلي كالمعارف الكلية الإلهية من التوحيد والنبوة والمعاد ~~والأخلاق الفاضلة في الجملة لا يكفي مجرد ذلك في استقرارها في المجتمع ~~الإنساني، فمجرد العلم بشيء غير دخوله في مرحلة العمل واستقراره في المستوى ~~العام الاجتماعي، فحب التمتع من لذائذ المادة وغريزة استخدام كل شيء في ~~طريق التوصل إلى الاستعلاء على مشتهيات النفس والتسلط التام على ما تدعو ~~إليه أهواؤها لا يدع مجالا للإنسان يبحث فيه عن كنوز المعارف والحقائق ~~المدفونة في فطرته ثم يبني ويدوم عليها وفي مسير حياته وخاصة إذا استولت ~~هذه المادية على المجتمع واستقرت في المستوى فإنها تكون لهم ظرفا يحصرهم في ~~التمتعات المادية لا ينفذ في شيء من أقطاره شيء من الفضائل الإنسانية، ولا ~~يزال ينسى فيه ما بقي من إثارة الفضائل المعنوية الموروثة واحدا بعد واحد ~~حتى يعود مجتمعهم مجتمعا حيوانيا ساذجا كما نشاهده في الظروف ms2663 الراقية اليوم ~~أنهم توغلوا في المادية واستسلموا للتمتعات الحسية فشغلهم ذلك في أوقاتهم ~~بثوانيها وصرفهم عن الآخرة إلى الدنيا صرفا سلبهم الاشتغال بالمعنويات ~~ومنعهم أي تفكير في ما يسعدهم في حياتهم الحقيقية الخالدة. PageV07P152 # ولم يضبط التاريخ فيما ضبطه من أخبار الأمم والملل رجلا من رجال السياسة ~~والحكومة كان يدعو إلى فضائل الأخلاق الإنسانية والمعارف الطاهرة الإلهية، ~~وطريق التقوى والعبودية بل أقصى ما كانت تدعو إليه الحكومات الفردية ~~الاستبدادية - هو أن يتمهد الأمر لبقاء سلطتها واستقامة الأمر لها، وغاية ~~ما كانت تدعو إليه الحكومات الاجتماعية - الديمقراطية وما يشابهها - أن ~~ينظم أمر المجتمع على حسب ما يقترحه هوى أكثرية الأفراد أيا ما اقترحه ~~فضيلة أو رذيلة وافق السعادة الحقيقية العقلية أو خالفها غير أنهم إذا ~~خالفوا شيئا من الفضائل المعنوية والكمالات والمقاصد العالية الإنسانية ~~التي بقيت أسماؤها عندهم وألجأتهم الفطرة إلى إعظامها والاحترام لها كالعدل ~~والعفة والصدق وحب الخير ونصح النوع الإنساني والرأفة بالضعيف وغير ذلك ~~فسروها بما يوافق جاري عملهم والدائر من سنتهم كما هو نصب أعيننا اليوم. # وبالجملة فالعقل الاجتماعي والشعور المادي الحاكم في المجتمعات ليس مما ~~يوصل الإنسان إلى هذه المعارف الإلهية والفضائل المعنوية التي لا تزال ~~المجتمعات الإنسانية على تنوعها وتطورها تتضمن أسماء كثيرة منها واحترام ~~معانيها وأين الإخلاد إلى الأرض من الترفع عن المادة والماديات؟. # فليست إلا آثارا وبقايا من الدعوة الدينية المنتهية إلى نهضات الأنبياء ~~ومجاهداتهم في نشر كلمة الحق وبث دين التوحيد وهداية النوع الإنساني إلى ~~سعادته الحقيقية في حياته الدنيوية والأخروية جميعا فهي منتهية إلى تعليم ~~إلهي من طريق الوحي وإنزال الكتب السماوية. # فقوله تعالى: "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" احتجاج على اليهود ~~في رد قول القائل منهم: "ما أنزل الله على بشر من شيء" بأن عندكم من العلم ~~النافع ما لم تنالوه من أنفسكم ولا ناله ولا ورثه آباؤكم بل إنما علمتم به ~~من غير هذا الطريق وهو طريق إنزال الكتاب والوحي من قبل الله على بعض البشر ~~فقد أنزل الله ms2664 على بعض البشر ما علمه وهو المعارف الحقة وشرائع الدين، وقد ~~كان عند اليهود من هذا القبيل شيء كثير ورثوه من أنبيائهم وبثه فيهم كتاب موسى. # وقد ظهر مما تقدم أن المراد بقوله: "وعلمتم ما لم تعلموا" مطلق ما ينتهي ~~من المعارف والشرائع إلى الوحي والكتاب لا خصوص ما جاء منه في كتاب موسى ~~(عليه السلام) وإن كان الذي منه عند اليهود هو معارف التوراة وشرائعه خلافا ~~لبعض المفسرين. # وذلك أن لفظ الآية لا يلائم التخصيص فقد قيل: "وعلمتم ما لم تعلموا إلخ، ~~ولم يقل وعلمتم به أو وعلمكم الله به. # وقد قيل: "وعلمتم" إلخ، من غير فاعل التعليم لأن ذلك هو الأنسب بسياق ~~الاستدلال لأن ذكر الفاعل في هذا السياق أشبه بالمصادرة بالمطلوب فكأنه ~~قيل: إن فيما عندكم علوما لا ينتهي إلى اكتسابكم أو اكتساب آبائكم فمن الذي ~~علمكم ذلك؟ ثم أجيب عن مجموع السؤالين بقوله: الله عز اسمه. # قوله تعالى: "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" لما كان الجواب واضحا ~~بينا لا يداخله ريب، والجواب الذي هذا شأنه يسوغ للمستدل السائل أن يتكلفه ~~ولا ينتظر المسئول المحتج عليه، أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يتصدى هو للجواب فقال: "قل الله" أي الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~والذي علمكم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم هو الله. # ولما كان القول بأن الله لم ينزل على بشر شيئا من لغو القول وهزله الذي ~~لا يتفوه به إلا خائض لاعب بالحقائق وخاصة إذا كان القائل به من اليهود ~~المعترفين بتوراة موسى والمباهين بالعلم والكتاب أمره بأن يدعهم وشأنهم ~~فقال: "ثم ذرهم في خوضهم يلعبون". # قوله تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم ~~القرى ومن حولها" لما نبه على أن من لوازم الألوهية أن ينزل الوحي على ~~جماعة من البشر هم الأنبياء (عليهم السلام)، وأن هناك كتابا حقا كالتوراة ~~التي جاء بها موسى، وأمورا أخرى علمها البشر لا تنتهي إلا إلى وحي ms2665 إلهي ~~وتعليم غيبي، ذكر أن هذا القرآن أيضا كتاب إلهي منزل من عنده على حد ما نزل ~~سائر الكتب السماوية، ومن الدليل على ذلك اشتماله على ما هو شأن كتاب سماوي ~~نازل من عند الله سبحانه. PageV07P153 # ومن هنا يظهر أولا: أن الغرض في المقام متعلق بكون القرآن كتابا نازلا من ~~عند الله تعالى دون من نزل عليه، ولذا قال: كتاب أنزلناه ولم يقل أنزلناه ~~إليك على خلاف موارد أخر كقوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ~~آياته": ص: 29 وغيره وثانيا: أن الأوصاف المذكورة للكتاب بقوله: مبارك مصدق ~~إلخ، بمنزلة الأدلة على كونه نازلا من الله وليست بأدلة فمن أمارات أنه ~~منزل من عند الله أنه مبارك أودع الله فيه البركة والخير الكثير يهدي الناس ~~للتي هي أقوم، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ينتفع به الناس في ~~دنياهم باجتماع شملهم، وقوة جمعهم، ووحدة كلمتهم، وزوال الشح من نفوسهم، ~~والضغائن من قلوبهم، وفشوا الأمن والسلام، ورغد عيشهم، وطيب حياتهم وانجلاء ~~الجهل وكل رذيلة عن ساحتهم، واستظلالهم بمظلة سعادتهم، وينتفعون به في ~~أخراهم بالأجر العظيم والنعيم المقيم. # ولو لم يكن من عند الله سواء كان مختلفا من عند بشر كشبكة يغر بها الناس ~~فيصطادون أو كان تزويقا نفسانيا أو إلقاء شيطانيا يخيل إلى الذي جاء به أنه ~~وحي سماوي من عند الله وليس من عنده لم تستقر فيه ولا ترتب عليه هذه ~~البركات الإلهية والخير الكثير فإن سبيل الشر لا يهدي سالكه إلا إلى الشر ~~ولن ينتج فساد صلاحا، وقد قال تعالى: "فإن الله لا يهدي من يضل": النحل: 37 ~~وقال: "والله لا يهدي القوم الفاسقين": الصف: 5 وقال: "والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58. # ومن أمارات أنه حق أنه مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية الحقة ~~النازلة من عند الله. # ومن أمارات ذلك أنه يفي بالغرض الإلهي من خلقه وهو أن يهديهم إلى سعادة ~~حياتهم في الدنيا والآخرة بالإنذار بوسيلة ms2666 الوحي المنزل من عنده، وهذا هو ~~الذي يدل عليه قوله: "ولتنذر أم القرى ومن حولها" فأم القرى هي مكة ~~المشرفة، والمراد أهلها بدليل قوله: "ومن حولها" والمراد بما حولها سائر ~~بلاد الأرض التي يحيط بها أو التي تجاورها كما قيل، والكلام يدل على عناية ~~إلهية بأم القرى وهي الحرم الإلهي منه بدىء بالدعوة وانتشرت الكلمة. # ومن هذا البيان يظهر: أن الأنسب بالسياق أن يكون قوله: "ولتنذر أم القرى" ~~وخاصة على قراءة "لينذر" بصيغة الغيبة معطوفا على قوله: "مصدق" بما يشتمل ~~عليه من معنى الغاية، والتقدير: ليصدق ما بين يديه ولتنذر أم القرى على ما ~~ذكره الزمخشري، وقيل: إنه معطوف على قوله: "مبارك" والتقدير: أنزلناه لتنذر ~~أم القرى ومن حولها. # قوله تعالى: "والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون" إلخ، كأنه تفريع لما عده ~~الله سبحانه من أوصاف هذا الكتاب الذي أنزله أي لما كان هذا الكتاب الذي ~~أنزلناه مباركا ومصدقا لما بين يديه نازلا لغاية إنذار أهل الأرض فالمؤمنون ~~بالآخرة يؤمنون به لأنه يدعو إلى أمن أخروي دائم ويحذرهم من عذاب خالد. # ثم عرف تعالى هؤلاء المؤمنين بالآخرة بما هو من أخص صفات المؤمنين وهو ~~أنهم على صلاتهم وهي عبادتهم التي يذكرون فيها ربهم يحافظون، وهذه هي الصفة ~~التي ختم الله به صفات المؤمنين التي وصفهم بها في أول سورة المؤمنين إذ ~~قال: "الذين هم على صلواتهم يحافظون": المؤمنون: 9، كما بدأ بمعناها في ~~أولها فقال "الذين هم في صلاتهم خاشعون": المؤمنون: 2. # وهذا هو الذي يؤيد أن المراد بالمحافظة في هذه الآية هو الخشوع في الصلاة ~~وهو نحو تذلل وتأثر باطني عن العظمة الإلهية عند الانتصاب في مقام العبودية ~~لكن المعروف من تفسيره أن المراد بالمحافظة على الصلاة المحافظة على وقتها. # كلام في معنى البركة في القرآن # ذكر الراغب في المفردات،: أن أصل البرك - بفتح الباء - صدر البعير وإن ~~استعمل في غيره ويقال له بركة - بكسر الباء - وبرك البعير ألقى ركبه، ~~واعتبر منه معنى الملزوم فقيل: ابتركوا في الحرب أي ثبتوا ولازموا موضع ~~الحرب، ms2667 وبراكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال، وابتركت الدابة ~~وقفت وقوفا كالبروك، وسمي محبس الماء بركة، والبركة ثبوت الخير الإلهي في ~~الشيء، قال تعالى: لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، وسمي بذلك لثبوت ~~الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، على ذلك: هذا ~~ذكر مبارك أنزلناه. PageV07P154 # قال: ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر ~~قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك وفيه بركة، وإلى هذه ~~الزيادة أشير بما روي: أنه لا ينقص مال من صدقة، لا إلى النقصان المحسوس ~~حسب ما قال بعض الخاسرين حيث قيل له ذلك فقال: بيني وبينك الميزان. # ثم ذكر: أن المراد بتباركه تعالى اختصاصه بالخيرات، انتهى. # فالبركة بالحقيقة هي الخير المستقر في الشيء اللازم له كالبركة في النسل ~~وهي كثرة الأعقاب أو بقاء الذكر بهم خالدا، والبركة في الطعام أن يشبع به ~~خلق كثير مثلا، والبركة في الوقت أن يسع من العمل ما ليس في سعة مثله أن يسعه. # غير أن المقاصد والمآرب الدينية لما كانت مقصورة في السعادات المعنوية أو ~~الحسية التي تنتهي إليها بالأخرة كان المراد بالبركة الواقعة في الظواهر ~~التي فيها هو الخير المعنوي أو ينتهي إليه كما أن مباركته تعالى الواقعة في ~~قول الملائكة النازلين على إبراهيم (عليه السلام): "رحمة الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت": هود: 73 خيرات متنوعة معنوية كالدين والقرب وغيرهما ~~وحسية كالمال وكثرة النسل وبقاء الذكر وغيرها وجميعها مربوطة بخيرات ~~معنوية. # وعلى هذا فالبركة أعني كون الشيء مشتملا على الخير المطلوب كالأمر النسبي ~~يختلف باختلاف الأغراض لأن خيرية الشيء إنما هي بحسب الغرض المتعلق به ~~فالغرض من الطعام ربما كان إشباعه الجائع أو أن لا يضر آكله أو أن يؤدي إلى ~~شفاء واستقامة مزاج أو يكون نورا في الباطن يتقوى به الإنسان على عبادة ~~الله ونحو ذلك كانت البركة فيه استقرار شيء من هذه الخيرات فيه بتوفيق الله ~~تعالى بين الأسباب والعوامل المتعلقة ms2668 به ورفعه الموانع. # ومن هنا يظهر أن نزول البركة الإلهية على شيء واستقرار الخير فيه لا ~~ينافي عمل سائر العوامل فيه واجتماع الأسباب عليه فليس معنى إرادة الله صفة ~~أو حالة في شيء أن يبطل سائر الأسباب والعلل المقتضية له - وقد مر كرارا في ~~أبحاثنا السابقة - فإنما الإرادة الإلهية سبب في طول الأسباب الأخر لا في عرضها. # فإنزاله تعالى بركته على طعام مثلا هو أن يوفق بين الأسباب المختلفة ~~الموجودة في أن لا تقتضي في الإنسان كيفية مزاجية يضره معها هذا الطعام، ~~وأن لا تقتضي فساده أو ضيعته أو سرقته أو نهبه أو نحو ذلك، وليس معناه أن ~~يبطل الله سائر الأسباب ويتكفل هو تعالى إيجاد الخير فيها من غير توسيطها ~~فافهم ذلك. # والبركة كثيرة الدور في لسان الدين فقد ورد في الكتاب العزيز ذكرها في ~~آيات كثيرة بألفاظ مختلفة وكذا ورودها في السنة، وقد تكرر ذكر البركة أيضا ~~في العهدين في موارد كثيرة يذكر فيها إعطاء الله سبحانه البركة للنبي ~~الفلاني أو إعطاء الكهنة البركة لغيرهم وقد كان أخذ البركة في العهد القديم ~~كالسنة الجارية. # وقد ظهر مما تقدم بطلان زعم المنكرين لوجود البركة كما نقلناه عن الراغب ~~فيما تقدم من عبارته فقد زعموا أن عمل الأسباب الطبيعية في الأشياء لا يدع ~~مجالا لسبب آخر يعمل فيه أو يبطل أثرها وقد ذهب عنهم أن تأثيره تعالى في ~~الأشياء في طول سائر الأسباب لا في عرضها حتى يئول الأمر إلى تزاحم أو ~~إبطال ونحوهما. # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا إلى قوله - ما أنزل الله" ~~عد الله سبحانه موارد ثلاثة من الظلم هي من أشد مراتبه التي لا يرتاب العقل ~~العادي في شناعتها وفظاعتها، ولذا أوردها في سياق السؤال. # والغرض من ذلك الدعوة إلى النزول على حكم العقل السليم والأخذ بالنصفة ~~وخفض الجناح لصريح الحق فكأنه يقول: قل لهم: يجب علي وعليكم أن لا نستكبر ~~عن الحق ولا نستعلي على الله تعالى بارتكاب ما هو من أشد ms2669 الظلم وأشنعه وهو ~~الظلم في جنب الله فكيف يصح لكم أن تفتروا على الله كذبا وتدعوا له شركاء ~~تتخذونها شفعاء؟ وكيف يسوغ لي أن أدعي النبوة وأقول: أوحي إلي إن كنت لست ~~بنبي يوحى إليه؟ وكيف يجوز لقائل أن يقول: سأنزل مثل ما أنزل الله، فيسخر ~~بحكم الله ويستهزىء بآياته؟. # ونتيجة هذه الدعوة أن ينقادوا لحكم النبوة فإنهم إذا اجتنبوا الافتراء ~~على الله بالشرك، وكف القائل "سأنزل مثل ما أنزل الله" عن مقاله والنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يصر على الوحي بقيت نبوته بلا معارض. PageV07P155 # وافتراء الكذب على الله سبحانه وهو أول المظالم المعدودة وإن كان أعم ~~بالنسبة إلى دعوى الوحي إذا لم يوح إليه وهو ثاني المظالم المعدودة، ولذا ~~قيل: إن ذكر الثاني بعد الأول من باب ذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأن ~~الوحي وإعظاما لأمره، لكن التأمل في سياق الكلام ووجهه إلى المشركين يعطي ~~أن المراد بالافتراء المذكور هو اتخاذ الشريك لله سبحانه، وإنما لم يصرح ~~بذلك ليرتفع به غائلة ذكر الخاص بعد العام لأن الغرض في المقام - كما تقدم ~~- هو الدعوة إلى الأخذ بالنصفة والتجافي عن عصبية الجاهلية فلم يصرح ~~بالمقصود وإنما أبهم إبهاما لئلا يتحرك بذلك عرق العصبية ولا يتنبه داعي ~~النخوة. # فقوله: "ممن افترى على الله كذبا" وقوله: "أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه" ~~متباينان من حيث المراد وإن كانا بحسب ظاهر ما يتراءى منهما أعم وأخص. # ويدل على ما ذكرنا ما في ذيل الآية من حديث التهديد بالعذاب والسؤال عن ~~الشركاء والشفعاء. # وأما ما قيل: إن قوله: "أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء" نزل في مسيلمة ~~حيث ادعى النبوة فسياق الآيات كما عرفت لا يلائمه بل ظاهره أن المراد به ~~نفسه وإن كان الكلام مع الغض عن ذلك أعم. # على أن سورة الأنعام مكية ودعواه النبوة من الحوادث التي وقعت بعد الهجرة ~~إلا أن هؤلاء يرون أن الآية مدنية غير مكية وسيأتي الكلام في ذلك في البحث ~~الروائي التالي إن ms2670 شاء الله. # وأما قوله: "ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" فظاهره أنه حكاية قول واقع، ~~وأن هناك من قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وأنه إنما قاله استهزاء بالقرآن ~~الكريم حيث نسبه إلى الله سبحانه بالنزول ثم وعد الناس مثله بالإنزال، ولم ~~يقل: سأقول مثل ما قاله محمد أو سآتيكم بمثل ما أتاكم به. # ولذا ذكر بعض المفسرين أنه إشارة إلى قول من قال من المشركين: "لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين". # وقال آخرون: إن الآية إشارة إلى قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح: إني ~~أنزل مثل ما أنزل الله والآية مدنية، ومنهم من قال غير ذلك كما سيجيء إن ~~شاء الله في البحث الروائي، والآية ليست ظاهرة الانطباق على شيء من ذلك ~~فإنها تتضمن الوعد بأمر مستقبل، وقولهم: لو نشاء لقلنا "إلخ" كلام مشروط ~~وكذا قول عبد الله - إن صحت الرواية - إخبار عن أمر حالي جار واقع. # وكيف كان فقوله: "ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" يحكي قولا قاله بعض ~~المشركين من العرب استكبارا على آيات الله، وإنما كرر فيه الموصول أعني ~~قوله: "من" ولم يتكرر في قوله: "أو قال أوحي إلي" "إلخ" لأن المظالم ~~المعدودة وإن كانت ثلاثة لكنها من نظرة أخرى قسمان فالأول والثاني من الظلم ~~في جنب الله في صورة الخضوع لجانبه والانقياد لأمره، والثالث من الظلم في ~~صورة الاستعلاء عليه والاستكبار عن آياته. # قوله تعالى: "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت" إلى آخر الآية، الغمر ~~أصله ستر الشيء وإزالة أثره ولذا يطلق الغمرة على الماء الكثير الساتر لما ~~تحته، وعلى الجهل المطبق، وعلى الشدة التي تحيط بصاحبها والغمرات الشدائد، ~~ومنه قوله تعالى: "في غمرات الموت"، والهون والهوان الذلة. # وبسط اليد معناه واضح غير أن المراد به معنى كنائي، ويختلف باختلاف ~~الموارد فبسط الغني يده جوده بماله وإحسانه لمن يستحقه، وبسط الملك يده ~~إدارته أمور مملكته من غير أن يزاحمه مزاحم وبسط المأمور الغليظ الشديد يده ~~على ms2671 المجرم المأخوذ به هو نكاله وإيذاؤه بضرب وزجر ونحوه. # فبسط الملائكة أيديهم هو شروعهم بتعذيب الظالمين، وظاهر السياق أن الذي ~~تفعله الملائكة بهؤلاء الظالمين هو الذي يترجم عنه قوله: "أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون" إلخ، فهذه الجمل محكية عن الملائكة لا من قول الله ~~سبحانه، والتقدير: يقول الملائكة لهم أخرجوا أنفسكم "إلخ" فهم يعذبونهم ~~بقبض أرواحهم قبضا يذوقون به أليم العذاب وهذا عذابهم حين الموت ولما ~~ينتقلوا من الدنيا إلى ما وراءها ولهم عذاب بعد ذلك ولما تقم عليهم القيامة ~~كما يشير إليه قوله تعالى: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون": المؤمنون: 100. PageV07P156 # وبذلك يظهر أن المراد باليوم في قوله: "اليوم تجزون" هو يوم الموت الذي ~~يجزون فيه العذاب وهو البرزخ كما ظهر أن المراد بالظالمين هم المرتكبون ~~لبعض المظالم الثلاثة التي عدها الله سبحانه من أشد الظلم أعني افتراء ~~الكذب على الله، ودعوى النبوة كذبا والاستهزاء بآيات الله. # ويؤيد ذلك ما ذكره الله من أسباب عذابهم من الذنوب وهو قولهم على الله ~~غير الحق كما هو شأن المفتري الكذب على الله بنسبة الشريك إليه أو بنسبة ~~حكم تشريعي أو وحي كاذب إليه، واستكبارهم عن آيات الله كما هو شأن من كان ~~يقول: "سأنزل مثل ما أنزل الله". # وكذلك قوله: "أخرجوا أنفسكم" أمر تكويني لأن الموت والوفاة ليس في قدرة ~~الإنسان كالحياة حتى يؤمر بذلك قال تعالى: "وأنه هو أمات وأحيا": النجم: 44 ~~فالأمر تكويني والملائكة من أسبابه، والكلمة مصوغة صوغ الاستعارة بالكناية ~~والاستعارة التخييلية كأن النفس الإنسانية أمر داخل في البدن وبه حياته ~~وبخروجه عن البدن طرو الموت وذلك أن كلامه تعالى ظاهر في أن النفس ليست من ~~جنس البدن ولا من سنخ الأمور المادية الجسمانية وإنما لها سنخ آخر من ~~الوجود يتحد مع البدن ويتعلق به نوعا من الاتحاد والتعلق غير مادي كما تقدم ~~بيانه في بحث علمي في الجزء الأول من الكتاب وسيأتي في مواضع تناسبه إن شاء الله. # فالمراد بقوله: "أخرجوا أنفسكم" قطع علقة أنفسهم من ms2672 أبدانهم وهو الموت، ~~والقول قول الملائكة على ما يعطيه السياق. # والمعنى: وليتك ترى حين يقع هؤلاء الظالمون المذكورون في شدائد الموت ~~وسكراته والملائكة آخذون في تعذيبهم بالقبض الشديد العنيف لأرواحهم ~~وإنبائهم بأنهم واقعون في عالم الموت معذبون فيه بعذاب الهون والذلة جزاء ~~لقولهم على الله غير الحق ولاستكبارهم عن آياته. # قوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" إلى آخر الآية ~~الفرادى جمع فرد وهو الذي انفصل عن اختلاط غيره نوعا من الاختلاط ويقابله ~~الزوج وهو الذي يختلط بغيره بنحو ويقرب منهما بحسب المعنى الوتر والشفع ~~فالوتر ما لم ينضم إلى غيره والشفع ما انضم إلى غيره، والتخويل إعطاء الخول ~~أي المال ونحوه الذي يقوم الإنسان به بالتدبير والتصرف. # والمراد بالشفعاء الأرباب المعبودون من دون الله ليكونوا شفعاء عند الله ~~فعادوا بذلك شركاء لله سبحانه في خلقه، والآية تنبىء عن حقيقة الحياة ~~الإنسانية التي ستظهر له حينما يقدم على ربه بالتوفي فيشاهد حقيقة أمر نفسه ~~وأنه مدبر بالتدبير الإلهي لا غير كما كان كذلك في أول مرة كونته الخلقة، ~~وأن المزاعم التي انضمت إلى حياته من التكثر بالأسباب والاعتضاد والانتصار ~~بالأموال والأولاد والأزواج والعشائر والجموع، وكذا الاستشفاع بالأرباب من ~~دون الله المؤدي إلى الإشراك كل ذلك مزاعم وأفكار باطلة لا أثر لها في ساحة ~~التكوين أصلا. # فالإنسان جزء من أجزاء الكون واقع تحت التدبير الإلهي متوجه إلى الغاية ~~التي غياها الله سبحانه له كسائر أجزاء الكون، ولا حكومة لشيء من الأشياء ~~في التدبير والتسيير الإلهي إلا أنها أسباب وعلل ينتهي تأثيرها إليه تعالى ~~من غير أن تستقل بشيء من التأثير. # غير أن الإنسان إذا ركبته يد الخلقة وأوجدته فوقع نظره إلى زينة الحياة ~~والأسباب والشفعاء الظاهرة وجذبته لذائذ الحياة تعلقت نفسه بها ودعته ذلك ~~إلى التمسك بذيل الأسباب والخضوع لها، وألهاه ذلك عن توجيه وجهه إلى مسبب ~~الأسباب وفاطرها والذي إليه الأمر كله فأعطاها الاستقلال في السببية لا هم ~~له إلا أن ينال لذائذ هذه الحياة المادية بالخضوع للأسباب ms2673 فصار يلعب طول ~~الحياة الدنيا بهذه المزاعم والأوهام التي أوقعته فيها نفسه المتلهية ~~بلذائذ الحياة المادية، واستوعب حياته اللعب بالباطل والتلهي به عن الحق ~~كما قال تعالى: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب": العنكبوت: 64. # فهذا هو الذي يسوق إليه تعليم القرآن حيث يذكر أن الإنسان إذا خرج عن زي ~~العبودية نسي ربه فأداه ذلك إلى نسيان نفسه قال تعالى: "نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم أولئك هم الفاسقون": الحشر: 19. PageV07P157 # لكن الإنسان إذا فارقت نفسه البدن بحلول الموت بطل ارتباطه بجميع الأسباب ~~والعلل والمعدات المادية التي كانت ترتبط بها من جهة البدن وتتصل بها في ~~هذه النشأة الدنيوية وشاهد عند ذلك بطلان استقلالها واندكاك عظمتها ~~وتأثيرها فوقعت عين بصيرته على أن أمره أولا وآخرا إلى ربه لا غير وأن لا ~~رب له سواه ولا مؤثر في شأنه دونه. # فقوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" إشارة إلى حقيقة ~~الأمر، وقوله: "وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم" إلخ، بيان لبطلان الأسباب ~~الملهية له عن ربه المتخللة بين أول خلقه وبين يوم يقبض فيه إلى ربه، ~~وقوله: "لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون" بيان لسبب انقطاعه من ~~الأسباب وسقوطها عن الاستقلال والتأثير، وأن السبب في ذلك انكشاف بطلان ~~المزاعم التي كان الإنسان يلعب بها طول حياته الدنيا. # فيتبين بذلك أن ليس لهذه الأسباب والضمائم في الإنسان من النصيب إلا ~~أوهام ومزاعم يتلهى ويلعب بها الإنسان. # قوله تعالى: "إن الله فالق الحب والنوى" إلى آخر الآية. # الفلق هو الشق. # لما انتهى الكلام في الآية السابقة إلى نفي استقلال الأسباب في تأثيرها، ~~وبطلان كون أربابهم شفعاء من دون الله المؤدي إلى كونهم شركاء لله صرف ~~الكلام إلى بيان أن هذه التي يشتغل بها الإنسان عن ربه ليست إلا مخلوقات ~~لله مدبرة بتدبيره، ولا تؤثر أثرا ولا تعمل عملا في إصلاح حياة الإنسان ~~وسوقه إلى غايات خلقته إلا بتقدير من الله وتدبير يدبره هو لا غير فهو ~~تعالى الرب دون غيره. # فالله سبحانه هو ms2674 يشق الحب والنوى فينبت منهما النبات والشجر اللذين يرتزق ~~الناس من حبه وثمره، وهو يخرج الحي من الميت والميت من الحي - وقد مر تفسير ~~ذلك في الكلام على الآية 27 من سورة آل عمران - ذلكم الله لا غير فأنى ~~تؤفكون وإلى متى تصرفون من الحق إلى الباطل. # قوله تعالى: "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا" إلى آخر الآية. # الإصباح بكسر الهمزة هو الصبح وهو في الأصل مصدر، والسكن ما يسكن إليه، ~~والحسبان جمع حساب، وقيل: هو مصدر حسب حسابا وحسبانا. # وقوله: "وجعل الليل سكنا" عطف على قوله: "فالق الإصباح" ولا ضير في عطف ~~الجملة الفعلية على الاسمية إذا اشتملت على معنى الفعل وقرىء: "وجاعل". # وفي فلق الصبح وجعل الليل سكنا يسكن فيه المتحركات عن حركاتها لتجديد ~~القوى ودفع ما عرض لها من التعب والعي والكلال من جهة حركاتها طول النهار، ~~وجعل الشمس والقمر بما يظهر من الليل والنهار والشهور والسنين من حركاتهما ~~في ظاهر الحس حسبانا تقدير عجيب للحركات في هذه النشأة المتغيرة المتحولة ~~ينتظم بذلك نظام المعاش الإنساني ويستقيم به أمر حياته، ولذلك ذيلها بقوله: ~~"ذلك تقدير العزيز العليم" فهو العزيز الذي لا يقهره قاهر فيفسد عليه شيئا ~~من تدبيره، والعليم الذي لا يجهل بشيء من مصالح مملكته حتى ينظمه نظما ربما ~~يفسد من نفسه ولا يدوم بطبعه. # قوله تعالى: "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها" إلى آخر الآية. # المعنى واضح والمراد بتفصيل الآيات إما تفصيلها بحسب الجعل التكويني أو ~~تفصيلها بحسب البيان اللفظي. # ولا تنافي بين إرادة مصالح الإنسان في حياته وعيشته في هذه النشأة مما ~~يتراءى لظاهر الحس من حركات هذه الأجرام العظيمة العلوية والكرات المتجاذبة ~~السماوية، وبين كون كل من هذه الأجرام مرادا بإرادة إلهية مستقلة ومخلوقة ~~بمشية تتعلق بنفسه وتخص شخصه فإن الجهات مختلفة، وتحقق بعض هذه الجهات لا ~~يدفع تحقق بعض آخر والارتباط والاتصال حاكم على جميع أجزاء العالم. # قوله تعالى: "وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع" إلى آخر ~~الآية، قرىء "مستقر" ms2675 بفتح القاف وكسرها وهو على القراءة الأولى اسم مكان ~~بمعنى محل الاستقرار فيكون "مستودع" أيضا اسم مكان بمعنى محل الاستيداع وهو ~~المكان الذي توضع فيه الوديعة. PageV07P158 # وقد وقع ذكر المستقر والمستودع في قوله تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين": "هود: 6" وفي ~~الكلام حذف وإيجاز، والتقدير: فمنكم من هو في مستقر ومنكم من هو في مستودع، ~~وعلى القراءة الثانية وهي الرجحى "مستقر" اسم فاعل ويكون المستودع اسم ~~مفعول لا محالة، والتقدير فمنكم مستقر ومنكم مستودع لم يستقر بعد. # والظاهر أن المراد بقوله: "وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة" انتهاء الذرية ~~الإنسانية على كثرتها وانتشارها إلى آدم الذي يعده القرآن الكريم مبدأ ~~للنسل الإنساني الموجود، وأن المراد بالمستقر هو البعض الذي تلبس بالولادة ~~من أفراد الإنسان فاستقر في الأرض التي هي المستقر لهذا النوع كما قال ~~تعالى: "ولكم في الأرض مستقر": البقرة: 36، والمراد بالمستودع من استودع في ~~الأصلاب والأرحام ولم يولد بعد وسيولد بعد حين فهذا هو المناسب لمقام بيان ~~الآية بإنشاء جميع الأفراد النوعية من فرد واحد ومن الممكن أن يؤخذ مستقر ~~ومستودع مصدرين ميميين. # وقد عبر بلفظ الإنشاء دون الخلق ونحوه وهو ظاهر في الدفعة وما في حكمه ~~دون التدريج، ويؤيد هذا المعنى أيضا ما تقدم من قوله تعالى: "وما من دابة ~~في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها" كما لا يخفى أي يعلم ~~ما استقر منها في الأرض بفعلية التكون "وما هو في طريق التكون مما لم يتكون ~~بالفعل ولم يستقر في الأرض. # فالمعنى: وهو الذي أوجدكم معشر الأناسي من نفس واحدة وعمر بكم الأرض إلى ~~حين فهي مشغولة بكم ما لم تنقرضوا فلا يزال بعضكم مستقرا فيها وبعضكم ~~مستودع في الأصلاب والأرحام أو في الأصلاب فقط في طريق الاستقرار فيها. # وقد أورد المفسرون في الآية معاني أخر كقول بعضهم: إن المراد من إنشائهم ~~من نفس واحدة خلقهم من نوع واحد من النفس وهو النفس الإنسانية ms2676 "أو إن ~~المراد هو الإنشاء من نوع واحد من التركيب النفسي والبدني، وهو الحقيقة ~~الإنسانية المؤلفة من نفس وبدن إنسانيين. # وكقول بعضهم: إن المراد بالمستقر الأرحام وبالمستودع الأصلاب وقول بعض ~~آخر: إن المستقر الأرض والمستودع القبر، وقول بعض آخر: إن المستقر هو الرحم ~~والمستودع الأرض أو القبر، وقول بعض آخر: إن المستقر هو الروح والمستودع هو ~~البدن، إلى غير ذلك من أقاويلهم التي لا كثير جدوى في التعرض لها. # قوله تعالى: "هو الذي أنزل من السماء ماء" إلى آخر الآية. # السماء هي جهة العلو فكلما علاك وأظلك فهو سماء، والمراد بقوله: "فأخرجنا ~~به نبات كل شيء" على ما قيل، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء النبات ~~والنمو الذي في كل شيء نام له قوة النبات من الكمون إلى البروز، أي أنبتنا ~~به كل شيء نباتي كالنجم والشجر والإنسان وسائر الحيوان. # والخضر هو الأخضر وكأنه مخفف الخاضر، وتراكب الحب انعقاد بعضه فوق بعض ~~كما في السنبلة، والطلع أول ما يبدو من ثمر النخل، والقنوان جمع قنو وهو ~~العذق بالكسر وهو من التمر كالعنقود من العنب، والدانية أي القريبة، ~~والمشتبه وغير المتشابه المشاكل وغير المشاكل في النوع والشكل وغيرهما. # وينع الثمر نضجه. # وقد ذكر الله سبحانه أمورا مما خلقه لينظر فيها من له نظر وبصيرة فيهتدي ~~بالنظر فيها إلى توحيده، وهي أمور أرضية كفلق الحبة والنواة ونحو ذلك، ~~وأمور سماوية كالليل والصبح والشمس والقمر والنجوم، وأمر راجع إلى الإنسان ~~نفسه وهو إنشاء نوعه من نفس واحدة فمستقر ومستودع، وأمور مؤلفة من الجميع ~~كإنزال المطر من السماء وتهيئة الغذاء من نبات وحب وثمر وإنبات ما فيه قوة ~~النمو كالنبات والحيوان والإنسان من ذلك. PageV07P159 # وقد عد النجوم آية خاصة بقوم يعلمون، وإنشاء النفوس الإنسانية آية خاصة ~~بقوم يفقهون، وتدبير نظام الإنبات آية لقوم يؤمنون والمناسبة ظاهرة فإن ~~النظر في أمر النظام أمر بسيط لا يفتقر إلى مئونة زائدة بل يناله الفهم ~~العادي بشرط أن يتنور بنصفة الإيمان ولا يتلطخ بقذارة العناد واللجاج، وأما ~~النظر ms2677 في النجوم والأوضاع السماوية فمما لا يتخطى العلماء بهذا الشأن ممن ~~يعرف النجوم ومواقعها وسائر الأوضاع السماوية إلى حد ما ولا يناله الفهم ~~العام العامي إلا بمئونة: وأما آية الأنفس فإن الاطلاع عليها وعلى ما عندها ~~من أسرار الخلقة يحتاج مضافا إلى البحث النظري إلى مراقبة باطنية وتعمق ~~شديد وتثبت بالغ وهو الفقه. # قوله تعالى: "وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم" إلى آخر الآية. # الجن إما مفعول لجعلوا ومفعوله الآخر شركاء أو بدل من شركاء، وقوله: ~~"وخلقهم" كأنه حال وإن منعه بعض النحاة وحجتهم غير واضحة. # وكيف كان فالكلمة في مقام ردهم، والمعنى وجعلوا له شركاء الجن وهو خلقهم ~~والمخلوق لا يجوز أن يشارك خالقه في مقامه. # والمراد بالجن الشياطين كما ينسب إلى المجوس القول: بأهرمن ويزدان ونظيره ~~ما عليه اليزيدية الذين يقولون بألوهية إبليس الملك طاووس - شاه بريان أو ~~الجن المعروف بناء على ما نسب إلى قريش أنهم كانوا يقولون: إن الله قد صاهر ~~الجن فحدث بينهما الملائكة، وهذا أنسب بسياق قوله: "وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" وعلى هذا فالبنون والبنات هم جميعا ~~من الملائكة خرقوهم أي اختلقوهم ونسبوهم إليه افتراء عليه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون. # ولو كان المراد من هو أعم من الملائكة لم يبعد أن يكون المراد بهم ما ~~يوجد في سائر الملل غير الإسلام فالبرهمنية والبوذية يقولون بنظير ما قالته ~~النصارى من بنوة المسيح كما تقدم في الجزء الثالث من الكتاب، وسائر ~~الوثنيين القدماء كانوا يثبتون لله سبحانه بنين وبنات من الآلهة على ما يدل ~~عليه الآثار المكتشفة، ومشركو العرب كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله. # قوله تعالى: "بديع السماوات والأرض" إلى آخر الآية. # جواب عن قولهم بالبنين والبنات، ومحصله أن لا سبيل لتحقق حقيقة الولد إلا ~~اتخاذ الصاحبة ولم يكن له تعالى صاحبة فأنى يكون له ولد؟. # وأيضا هو تعالى الخالق لكل شيء وفاطره، والولد هو الجزء من الشيء يربيه ~~بنوع من اللقاح وجزء الشيء والمماثل له لا يكون مخلوقا ms2678 له البتة، ويجمع ~~الجميع أنه تعالى بديع السماوات والأرض الذي لا يماثله شيء من أجزائها بوجه ~~من الوجوه فكيف يكون له صاحبة يتزوج بها أو بنون وبنات يماثلونه في النوع ~~فهذا أمر يخبر به الله الذي لا سبيل للجهل إليه فهو بكل شيء عليم، وقد تقدم ~~في الكلام على قوله تعالى: "وما كان لبشر أن يؤتيه الله" إلخ،: آل عمران: ~~79 في الجزء الثالث من الكتاب ما ينفع في المقام. # قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء" إلى آخر الآيتين ~~الجملة الأولى أعني قوله: "ذلكم الله ربكم" نتيجة متخذة من البيان المورد ~~في الآيات السابقة، والمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكر فالله الذي وصفناه ~~هو ربكم لا غير، وقوله: "لا إله إلا هو" كالتصريح بالتوحيد الضمني الذي ~~تشتمل عليه الجملة السابقة، وهو مع ذلك يفيد معنى التعليل أي هو الرب ليس ~~دونه رب لأنه الله الذي ليس دونه إله وكيف يكون غيره ربا وليس بإله. # وقوله: "خالق كل شيء" تعليل لقوله: "لا إله إلا هو" أي إنما انحصرت ~~الألوهية فيه لأنه خالق كل شيء من غير استثناء فلا خالق غيره لشيء من ~~الأشياء حتى يشاركه في الألوهية، وكل شيء مخلوق له خاضع له بالعبودية فلا ~~يعادله فيها. # وقوله: "فاعبدوه" متفرع كالنتيجة على قوله "ذلكم الله ربكم" أي إذا كان ~~الله سبحانه هو ربكم لا غير فاعبدوه، وقوله: "وهو على كل شيء وكيل" أي هو ~~القائم على كل شيء المدبر لأمره الناظم نظام وجوده وحياته وإذا كان كذلك ~~كان من الواجب أن يتقى فلا يتخذ له شريك بغير علم فالجملة كالتأكيد لقوله: ~~"فاعبدوه" أي لا تستنكفوا عن عبادته لأنه وكيل عليكم غير غافل عن نظام ~~أعمالكم. PageV07P160 # وأما قوله: "لا تدركه الأبصار" فهو لدفع الدخل الذي يوهمه قوله: "وهو على ~~كل شيء وكيل" بحسب ما تتلقاه أفهام المشركين الساذجة والخطاب معهم، وهو أنه ~~إذا صار وكيلا عليهم كان أمرا جسمانيا كسائر الجسمانيات التي تتصدى الأعمال ~~الجسمانية ms2679 فدفعه بأنه تعالى لا تدركه الأبصار لتعاليه عن الجسمية ولوازمها، ~~وقوله: "وهو يدرك الأبصار" دفع لما يسبق إلى أذهان هؤلاء المشركين الذين ~~اعتادوا بالتفكر المادي، وأخلدوا إلى الحس والمحسوس وهو أنه تعالى إذا ~~ارتفع عن تعلق الأبصار به خرج عن حيطة الحس والمحسوس وبطل نوع الاتصال ~~الوجودي الذي هو مناط الشعور والعلم، وانقطع عن مخلوقاته فلا يعلم بشيء كما ~~لا يعلم به شيء، ولا يبصر شيئا كما لا يبصره شيء فأجاب تعالى عنه بقوله: ~~"وهو يدرك الأبصار" ثم علل هذه الدعوى بقوله: "وهو اللطيف الخبير" واللطيف ~~هو الرقيق النافذ في الشيء، والخبير من له الخبرة، فإذا كان تعالى محيطا ~~بكل شيء بحقيقة معنى الإحاطة كان شاهدا على كل شيء لا يفقده ظاهر شيء من ~~الأشياء ولا باطنه، وهو مع ذلك ذو علم وخبرة كان عالما بظواهر الأشياء ~~وبواطنها من غير أن يشغله شيء عن شيء أو يحتجب عنه شيء بشيء فهو تعالى يدرك ~~البصر والمبصر معا، والبصر لا يدرك إلا المبصر. # وقد نسب إدراكه إلى نفس الأبصار دون أولي الأبصار لأن الإدراك الموجود ~~فيه تعالى ليس من قبيل إدراكاتنا الحسية حق يتعلق بظواهر الأشياء من ~~أعراضها كالبصر مثلا الذي يتعلق بالأضواء والألوان ويدرك به القرب والبعد ~~والعظم والصغر والحركة والسكون بنحو بل الأغراض وموضوعاتها بظواهرها ~~وبواطنها حاضرة عنده مكشوفة له غير محجوبة عنه ولا غائبة فهو تعالى يجد ~~الأبصار بحقائقها وما عندها وليست تناله. # ففي الآيتين من سطوح البيان وسهولة الطريق وإيجاز القول ما يحير اللب ~~وهما مع ذلك تهديان المتدبر فيهما إلى أسرار دونها أستار. # كلام في عموم الخلقة وانبساطها على كل شيء # قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء" ظاهره وعموم ~~الخلقة لكل شيء وانبساط إيجاده تعالى على كل ما له نصيب من الوجود والتحقق، ~~وقد تكرر هذا اللفظ أعني قوله تعالى: "الله خالق كل شيء" منه تعالى في ~~كلامه من غير أن يوجد فيه ما يصلح لتخصيصه بوجه من الوجوه قال تعالى: ms2680 "قل ~~الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار": الرعد: 16 وقال تعالى: "الله خالق كل ~~شيء وهو على كل شيء وكيل": الزمر: 62، و. # قال تعالى "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو": المؤمن: 62. # وقد نشبت بين الباحثين من أهل الملل في هذه المسألة مشاجرات عجيبة يتبعها ~~أقاويل مختلفة حتى من المتكلمين والفلاسفة من النصارى واليهود فضلا عن ~~متكلمي الإسلام وفلاسفته، ولا يهمنا المبادرة إلى إيراد أقوالهم وآرائهم ~~والتكلم معهم، وإنما بحثنا هذا قرآني تفسيري لا شغل لنا بغير ما يتحصل به ~~الملخص من نظر القرآن الكريم بالتدبر في أطراف آياته الشريفة. # نجد القرآن الكريم يسلم ما نتسلمه من أن الموضوعات الخارجية والأشياء ~~الواقعة في دار الوجود كالسماء وكواكبها ونجومها والأرض وجبالها ووهادها ~~وسهلها وبحرها وبرها وعناصرها ومعدنياتها والسحاب والرعد والبرق والصواعق ~~والمطر والبرد والنجم والشجر والحيوان والإنسان لها آثار وخواص هي أفعالها ~~وهي تنسب إليها نسبة الفعل إلى فاعله والمعلول إلى علته. # ونجده يصدق أن للإنسان كسائر الأنواع الموجودة أفعالا تستند إليه وتقوم ~~به كالأكل والشرب والمشي والقعود وكالصحة والمرض والنمو والفهم والشعور ~~والفرح والسرور من غير أن يفرق بينه وبين غيره من الأنواع في شيء من ذلك ~~فهو يخبر عن أعماله ويأمره وينهاه، ولو لا أن له فعلا لم يرجع شيء من ذلك ~~إلى معنى محصل. # فالقرآن يزن الواحد من الإنسان بعين ما نزنه نحن معشر الإنسان في مجتمعنا ~~فنعتقد أن له أفعالا وآثارا منسوبة إليه نؤاخذه في بعض أفعاله التي ترجع ~~بنحو إلى اختياره كالأكل والشرب والمشي ونصفح عنه فيما لا يرجع إلى اختياره ~~من آثاره القائمة به كالصحة والمرض والشباب والمشيب وغير ذلك. PageV07P161 # فالقرآن ينظم النظام الموجود مثل ما ينتظم عند حواسنا وتؤيده عقولنا بما ~~شفعت به من التجارب، وهو أن أجزاء هذا النظام على اختلاف هوياتها وأنواعها ~~فعالة بأفعالها مؤثرة متأثرة في غيرها ومن غيرها وبذلك تلتئم أجزاء النظام ~~الموجود الذي لكل جزء منها ارتباط تام بكل جزء، وهذا هو قانون العلية العام ms2681 ~~في الأشياء، وهو أن كل ما يجوز له في نفسه أن يوجد وأن لا يوجد فهو إنما ~~يوجد عن غيره فالمعلول ممتنع الوجود مع عدم علته، وقد أمضى القرآن الكريم ~~صحة هذا القانون وعمومه، ولو لم يكن صحيحا أو تخلف في بعض الموارد لم يتم ~~الاستدلال به أصلا، وقد استدل القرآن به على وجود الصانع ووحدانيته وقدرته ~~وعلمه وسائر صفاته. # وكما أن المعلول من الأشياء يمتنع وجوده مع عدم علته كذلك يجب وجوده مع ~~وجود علته قضاء لحق الرابطة الوجودية التي بينهما. # وقد أنفذه الله سبحانه في كلامه في موارد كثيرة استدل فيها من طريق ما له ~~من الصفات العليا على ثبوت آثارها ومعاليلها كقوله: وهو الواحد القهار ~~وقوله: إن الله عزيز ذو انتقام، إن الله عزيز حكيم، إن الله غفور رحيم وغير ~~ذلك، واستدل أيضا على كثير من الحوادث والأمور بثبوت أشياء أخرى يستعقب ~~ثبوتها بعدها كقوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74 ~~وغير ذلك مما ذكر من أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين ولو جاز أن يتخلف ~~أثر من مؤثره إذا اجتمعت الشرائط اللازمة وارتفعت الموانع المنافية لم يصح ~~شيء من هذه الحجج والأدلة البتة. # فالقرآن يسلم حكومة قانون العلية العام في الوجود، وأن لكل شيء من ~~الأشياء الموجودة وعوارضها ولكل حادث من الحوادث الكائنة علة أو مجموع علل ~~بها يجب وجوده وبدونها يمتنع وجوده هذا مما لا ريب فيه في بادىء التدبر. # ثم إنا نجد أن الله سبحانه في كلامه يعمم خلقه على كل ما يصدق عليه شيء ~~من أجزاء الكون قال تعالى: "قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار": ~~الرعد: 16 إلى غير ذلك من الآيات المنقولة آنفا، وهذا ببسط عليته وفاعليته ~~تعالى لكل شيء مع جريان العلية والمعلولية الكونية بينها جميعا كما تقدم بيانه. # وقال تعالى: "الذي له ملك السماوات والأرض - إلى أن قال - وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا": الفرقان: 2 وقال: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ~~وقال: ms2682 "الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 إلى غير ذلك من الآيات. # وفي هذه الآيات نوع آخر من البيان أخذت فيه الأشياء منسوبة إلى الخلقة ~~وأعمالها وأنواع آثارها وحركاتها وسكناتها منسوبة إلى التقدير والهداية ~~الإلهية فإلى تقديره تعالى تنتهي خصوصيات أعمال الأشياء وآثارها كالإنسان ~~يخطو ويمشي في انتقاله المكاني والحوت يسبح والطير يطير بجناحيه قال تعالى: ~~"فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ~~يخلق الله ما يشاء": النور: 45 والآيات في هذا المعنى كثيرة، فخصوصيات ~~أعمال الأشياء وحدودها وأقدارها تنتهي إليه تعالى، وكذلك الغايات التي ~~تقصدها الأشياء على اختلافها فيها وتشتتها وتفننها إنما تتعين لها وتروم ~~نحوها بالهداية الإلهية التي تصحبها منذ أول وجودها إلى آخره، وينتهي ذلك ~~إلى تقدير العزيز العليم. # فالأشياء في جواهرها وذواتها تستند إلى الخلقة الإلهية وحدود وجودها ~~وتحولاتها وغاياتها وأهدافها في مسير وجودها وحياتها كل ذلك ينتهي إلى ~~التقدير المنتهي إلى خصوصيات الخلقة الإلهية وهناك آيات أخرى كثيرة ناطقة ~~بأن أجزاء الكون متصل بعضه ببعض متلائم بعض منه مع بعض متوحدة في الوجود ~~يحكم فيها نظام واحد لا مدبر له إلا الله سبحانه، وهو الذي ربما سمي ببرهان ~~اتصال التدبير. PageV07P162 # فهذا ما ينتجه التدبر في كلامه تعالى غير أن هناك جهات أخرى ينبغي للباحث ~~المتدبر أن لا يغفل عنها وهي ثلاث: إحداها: أن من الأشياء ما لا يرتاب في ~~قبحه وشناعته كأنواع الظلم والفجور التي ينقبض العقل من نسبتها إلى ساحة ~~القدس والكبرياء والقرآن الكريم أيضا ينزهه تعالى عن كل ظلم وسوء في آيات ~~كثيرة كقوله: "وما ربك بظلام للعبيد": حم السجدة: 46 وقوله: "قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء": الأعراف: 28 وغير ذلك، وهذا ينافي عموم الخلقة لكل شيء فمن ~~الواجب أن تخصص الآية بهذا المخصص العقلي والشرعي. # وينتج ذلك أن الأفعال الإنسانية مخلوقة للإنسان وما وراءه من الأشياء ~~ذواتها وآثارها مخلوقة لله سبحانه. # على أن كون الأفعال الإنسانية مخلوقة له تعالى يبطل كونها عن ms2683 اختيار ~~الإنسان، ويبطل بذلك نظام الأمر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب ~~وإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع. # كذا ذكره جمع من الباحثين. # وقد ذهب على هؤلاء في بحثهم أن يفرقوا بين الأمور الحقيقية التي تنال ~~الوجود والتحقق حقيقة، والأمور الاعتبارية والجهات الوضعية التي لا ثبوت ~~لها في الواقع، وإنما اضطر الإنسان إلى تصورها أو التصديق بها حاجة الحياة، ~~وابتغاء سعادة الوجود بالاجتماع والتمدن فخلطوا بين الجهات الوجودية ~~والعدمية في الأشياء، وقد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على الجبر ~~والتفويض في الجزء الأول من الكتاب. # والذي يناسب المقام من الكلام أن ظاهر قوله: "الله خالق كل شيء" يعمم ~~الخلقة لكل شيء ثم قوله تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة: 7 يثبت ~~الحسن لكل ما خلقه الله، ويتحصل من الآيتين أن كل ما يصدق عليه اسم شيء ما ~~خلا الله فهو مخلوق، وأن كل مخلوق فهو متصف بالحسن فالخلق والحسن متلازمان ~~في الوجود فكل شيء فهو من جهة أنه مخلوق لله أي بتمام واقعيته الخارجية حسن ~~فلو عرض لها عارض السوء والقبح كان من جهة النسب والإضافات وأمور أخرى غير ~~جهة واقعيته ووجوده الحقيقي الذي ينسب به إلى الله سبحانه وإلى فاعله ~~المعروض له. # ثم إنا نحصل في كلامه تعالى على موارد كثيرة يذكر فيها السيئة والظلم ~~والذنب وغيرها ذكر تسليم فلنقض بضمها إلى ما تقدم بأن هذه معان وعناوين غير ~~حقيقية لا يلحق الشيء من جهة انتسابه إلى الله سبحانه وخلقه له، وإنما يلحق ~~الموضوع الذي يقوم الأثر والعمل به من جهة وضع أو نسبة أو إضافة فإن كل ~~معصية وظلم فإن معه من سنخه ما ليس بمعصية وإنما يختلفان من جهة اشتمال ~~أحدهما على مخالفة أمر تشريعي أو عقلي أو اشتماله على فساد في المجتمع أو ~~نقض لغاية دون الآخر مثاله الزنا والنكاح وهما فعلان متماثلان لا يختلفان ~~في حقيقتهما ووجودهما النوعي مثلا وإنما يختلفان بالموافقة والمخالفة للشرع ~~الإلهي أو السنة الاجتماعية أو مصلحة المجتمع، وتلك أمور ms2684 وضعية وجهات ~~إضافية، والخلقة والإيجاد إنما يتعلق بجهة التكوين والخارج، وأما الجهات ~~الإضافية والعناوين الوضعية التي تلحق الأشياء بحسب انطباقها على المصالح ~~والمفاسد الاجتماعية المستعقبة للمدح والذم أو الثواب والعقاب بحسب ما ~~يشخصها ويحكم بها العقل العملي والشعور الاجتماعي فإنما هي أمور لا تتعدى ~~طور الاجتماع ولا يدخل في دار التكوين أصلا إلا آثارها التي هي أقسام ~~الثواب والعقاب مثلا. PageV07P163 # فالفعل الكذائي كالظلم بعنوانه الذي هو الظلم قبيح في ظرف الاجتماع ومعصية ~~تستتبع الذم والعقاب عند المجتمعين، وأما بحسب التكوين فليس إلا أثرا أو ~~مجموع آثار من قبيل الحركات العارضة للإنسان والعلل الخارجية وخاصة السببية ~~الأولى الإلهية إنما تنتج هذه الجهة التي هي جهة التكوين، وأما عنوانه ~~القبيح وما يلحق به فإنما هو مولود النظر التشريع أو العقلائي لا خبر عنه ~~بنظر التكوين كما أن زيدا الرئيس هو بعنوانه الذي هو الرئاسة موضوع اجتماعي ~~عندنا له آثار مترتبة عليه في المجتمع كالاحترام والتقدم ونفوذ الكلمة ~~وإدارة الأمور، وأما من حيث التكوين والواقعية فإنما هو فرد من أفراد ~~الإنسان لا فرق بينه وبين الفرد المرءوس أصلا، ولا خبر في هذا النظر عن ~~الرئاسة والآثار المرتبة عليها، وكذا الغني والفقير والسيد والمسود والعزيز ~~والذليل والشريف والخسيس وأمثال ذلك مما لا يحصى. # وبالجملة الخلقة في عين أنها تعم كل شيء إنما تتعلق بالموضوعات والأفعال ~~الواقعة في ظرف الاجتماع المعنونة بمختلف عناوينها بجهة تكوينها وواقعيتها ~~الخارجية، وأما ما وراء ذلك من جهات القبح والحسن والمعصية والطاعة وسائر ~~الأوصاف والعناوين الاجتماعية الطارئة على الأفعال والموضوعات فالخلق ~~والإيجاد لا يتعلق بها، وليس لها ثبوت إلا في ظرف التشريع أو القضاء ~~الاجتماعي وساحة الاعتبار والوضع. # وإذا تبين أن ظرف تحقق الأمر والنهي وانتشاء الحسن والقبح والطاعة ~~والمعصية وتعلق الثواب والعقاب وارتباطهما بالفعل وكذا سائر الأمور ~~والعناوين الاجتماعية كالمولوية والعبودية والرئاسة والمرءوسية والعزة ~~والذلة ونحو ذلك غير ظرف التكوين وساحة الواقعية الخارجية التي يتعلق بها ~~الخلق والإيجاد ظهر أن عموم الخلقة لكل شيء لا يستلزم شيئا من المفاسد ms2685 التي ~~ذكروها كبطلان نظام الأمر والنهي والثواب والعقاب وغير ذلك مما تقدم ذكره. # وكيف يسوغ لمن تدبر كلامه تعالى أن يفتي بمثل هذه الثنوية وكلامه مشحون ~~بأنه خالق كل شيء وأنه الله الواحد القهار وأن قضاءه وقدره وهدايته ~~التكوينية وربوبيته وتدبيره شامل لكل شيء لا يشذ عنه شاذ، وأن ملكه وسلطانه ~~وإحاطته وكرسيه وسع كل شيء، وأن له ما في السماوات والأرض وما ظهر وما بطن، ~~وكيف يستقيم شيء من هذه التعاليم الإلهية المنبئة عن توحيده في ربوبيته مع ~~وجود ما لا يحصى من مخلوقات غيره خلال مخلوقاته. # الثانية: أن القرآن الكريم إذ ينسب خلق كل شيء إليه تعالى ويحصر العلة ~~الفاعلة فيه كان لازمه إبطال رابطة العلية والمعلولية بين الأشياء فلا مؤثر ~~في الوجود إلا الله، وإنما هي عادته تعالى جرت أن يخلق ما نسميه معلولا ~~عقيب ما نسميه علة من غير أن تكون بينهما رابطة توجب وجود المعلول منهما ~~عقيب العلة فالنار التي تستعقب الحرارة نسبتها إلى الحرارة والبرودة على ~~السواء، والحرارة نسبتها إلى النار والثلج على السواء غير أن عادة الله جرت ~~أن يخلق الحرارة عقيب النار والبرودة بعد الثلج من غير أن يكون هناك إيجاب ~~واقتضاء بوجه أصلا. # وهذا النظر يبطل قانون العلية والمعلولية العام الذي عليه المدار في ~~القضاء العقلي وببطلانه ينسد باب إثبات الصانع ولا تصل النوبة مع ذلك إلى ~~كتاب إلهي يحتج به على بطلان رابطة العلية والمعلولية بين الأشياء، وكيف ~~يسع أن يبطل القرآن الشريف حكما صريحا عقليا ويعزل العقل عن قضائه؟ وإنما ~~تثبت حقيته وحجيته بالحكم العقلي والقضاء الوجداني، وهو إبطال النتيجة ~~لدليلها الذي لا يؤثر إلا إبطال النتيجة لنفسها. # وهؤلاء إنما وقعوا فيما وقعوا من جهة خلطهم بين العلل الطولية والعرضية ~~وإنما يستحيل توارد العلتين على شيء إذا كانتا في عرض واحد لا إذا كانت ~~إحداهما في طول الأخرى، مثال ذلك أن العلة التامة لوجود النار كما توجب ~~وجود النار كذلك توجب وجود الحرارة ولا يجتمع مع ذلك في الحرارة ms2686 إيجابان ~~ولا تعمل فيها علتان تامتان مستقلتان بل علة معلولة لعلة. # وبتقريب آخر أدق: منشأ الخطإ هو عدم التمييز بين الفاعل بمعنى ما منه ~~والفاعل بمعنى ما به ولاستقصاء القول في المسألة محل آخر. PageV07P164 # الثالثة: وهي قريبة المأخذ من الثانية أنهم لما وجدوا أنه تعالى ينسب خلق ~~كل شيء إلى نفسه، وهو تعالى مع ذلك يسلم وجود رابطة العلية والمعلولية بين ~~الأشياء أنفسها حسبوا أن ما له علة ظاهرة معلومة من الأشياء فهي العلة له ~~دونه تعالى وإلا لزم اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد ولا يبقى ~~لتأثيره تعالى إلا حدوث الأشياء وبدء وجودها ولذا تراهم يرومون إثبات ~~الصانع من جهة حدوث الأشياء كحدوث الإنسان بعد ما لم يكن وحدوث الأرض بعد ~~ما لم تكن وحدوث العالم بعد ما لم يكن. # ويضيفون إلى ذلك وجود أمور أو حدوث حوادث مجهولة العلل للإنسان كالروح ~~وكالحياة في الإنسان والحيوان والنبات فإن الإنسان لم يظفر بعلل وجودها ~~بعد، والبسطاء منهم يضيفون إلى ذلك أمثال السحب والثلوج والأمطار وذوات ~~الأذناب والزلازل والقحط والغلاء والأمراض العامة ونحو ذلك مما لا يظهر ~~عللها الطبيعية للأفهام العامية ثم كلما لاح لهم في شيء منها علته الطبيعية ~~انهزموا منه إلى غيره وبدلوا موقفا بآخر أو سلموا للخصم. # وهذا بحسب اللسان العلمي هو أن الوجود الممكن إنما يحتاج إلى الواجب في ~~حدوثه لا في بقائه، وهو الذي يصر عليه جم غفير من أهل الكلام حتى صرح ~~بعضهم: أنه لو جاز العدم على الواجب لم يضر عدمه وجود العالم تعالى الله ~~وتقدس، وهذا - فيما نحسب - رأي إسرائيلي تسرب في أذهان عدة من الباحثين من ~~المسلمين ومن فروع ذلك قولهم باستحالة البداء والنسخ، والرأي جار سار بين ~~الناس مع ذلك. # وكيف كان هو من أردإ الأوهام والاحتجاج القرآني يخالفه فإن الله سبحانه ~~يستدل على وجود الصانع ووحدته بالآيات المشهودة في العالم وهو النظام ~~الجاري في كل نوع من الخليقة وما يجري عليه في مسير وجوده وأمد حياته من ~~التغير والتحول والفعل ms2687 والانفعال والمنافع التي يستدرها من ذلك ويوصلها إلى ~~غيره كالشمس والقمر والنجوم وطلوعها وغروبها وما يستجلبه الناس من منافعها ~~والتحولات الفصلية الطارئة على الأرض والبحار والأنهار والفلك التي تجري ~~فيها والسحب والأمطار وما ينتفع به الإنسان من الحيوان والنبات وما يجري ~~عليه من الأحوال الطبيعية والتغيرات الكونية من نطفية وجنينية وصباوة وشباب ~~وشيب وهرم وغير ذلك. # وجميع ذلك من الجهات الراجعة إلى الأشياء من حيث بقائها وموضوعاتها علل ~~أعراضها وآثارها وكل مجموع منها في حين علة للمجموع الحاصل بعد ذلك الحين، ~~وحوادث اليوم علل حوادث الغد كما أنها معلولة حوادث الأمس. # ولو كانت الأمور من حيث بقائها مستغنية عن الله سبحانه واستقلت بما يكتنف ~~بها من الحوادث ويطرأ عليها من الآثار والأعمال لم يستقم شيء من هذه الحجج ~~الباهرة والبراهين القاهرة وذلك أن احتجاج القرآن بهذه الآيات البينات من ~~جهتين: إحداهما: من جهة الفاعل كما يشير إليه أمثال قوله تعالى: "أفي الله ~~شك فاطر السماوات والأرض": إبراهيم: 10 فإن من الضروري أن شيئا من هذه ~~الموجودات لم يفطر ذاته ولم يوجد نفسه، ولا أوجده شيء آخر مثله فإنه يناظره ~~في الحاجة إلى إيجاد موجد، ولو لم ينته الأمر إلى أمر موجود بذاته لا يقبل ~~طرو العدم عليه لم يوجد في الخارج شيء من هذه الأشياء فهي موجودة بإيجاد ~~الله الذي هو في نفسه حق لا يقبل بطلانا ولا تغيرا بوجه عما هو عليه. # ثم إنها إذا وجدت لم تستغن عنه فليس إيجاد شيء شيئا من قبيل تسخين المسخن ~~مثلا حيث تنصب الحرارة بالانفصال من المسخن إلى المتسخن فيعود المتسخن ~~واجدا للوصف بقي المسخن بعد ذلك أو زال، إذ لو كانت إفاضة الوجود على هذه ~~الوتيرة عاد الوجود المفاض مستقلا بنفسه واجبا بذاته لا يقبل العدم لمكان ~~المناقضة، وهذا هو الذي يعبر عنه الفهم الساذج الفطري بأن الأشياء لو ملكت ~~وجود نفسها واستقلت بوجه عن ربها لم يقبل الهلاك والفساد فإن من المحال أن ~~يستدعي الشيء بطلان نفسه أو شقاءها. # وهو ms2688 الذي يستفاد من أمثال قوله: "كل شيء هالك إلا وجهه": القصص: 88 ~~وقوله: "ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا": الفرقان: 3 ويدل على ذلك أيضا الآيات الكثيرة الدالة على أن الله ~~سبحانه هو المالك لكل شيء لا مالك غيره، وأن كل شيء مملوك له لا شأن له إلا ~~المملوكية. PageV07P165 # فالأشياء كما تستفيض منه تعالى الوجود في أول كونها وحدوثها كذلك تستفيض ~~منه ذلك في حال بقائها وامتداد كونها وحياتها فلا يزال الشيء موجودا ما ~~يفيض عليه الوجود وإذا انقطع عنه الفيض انمحى رسمه عن لوح الوجود قال ~~تعالى: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": ~~الإسراء: 20 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # وثانيتهما: من جهة الغايات كما تشير إليه الآيات الواصفة للنظام الجاري ~~في الكون متلائمة أجزاؤه متوافقة أطرافه يضمن سير الواحد منها إيصال الآخر ~~إلى كماله ويتوجه ما وقع في طرف من السلسلة المترتبة إلى إسعاد ما في طرف ~~آخر منها ينتفع فيها الإنسان مثلا بالنظام الجاري في الحيوان والنبات، ~~والنبات مثلا بالنظام الجاري في الأرض والجو المحيط بها، وتستمد الأرضيات ~~بالسماويات والسماويات بالأرضيات فيعود الجميع ذا نظام متصل واحد يسوق كل ~~نوع من الأنواع إلى ما يسعد به في كونه ويفوز به في وجوده وتأبى الفطرة ~~السليمة والشعور الحي إلا أن يقضي أن ذلك كله من تقدير عزيز عليم وتدبير ~~حكيم خبير. # وليس هذا التقدير والتدبير إلا عن فطر ذواتها وإيجاد هوياتها وصوغ ~~أعيانها بضرب كل منها في قالب يقدر له أفعاله ويحصره في ما أريد منه في ~~موطنه وما يئول إليه في منازل هيئت على امتداد مسيره، والذي يقف عليه آخر ~~ما يقف، وهي في جميع هذه المراحل على مراكب الأسباب بين سائق القدر وقائد ~~القضاء. # قال تعالى: "له الخلق والأمر": الأعراف: 54، وقا: ل "ألا له الحكم": ~~الأنعام: 62 وقال: "ولكل وجهة هو موليها": البقرة: 148 وقال: "والله يحكم ~~لا معقب لحكمه": الرعد: 41 ms2689 وقال: "هو قائم على كل نفس بما كسبت": الرعد: 33. # وكيف يسع لمتدبر في أمثال هذه الآيات أن يعطف واضح معانيها وصريح ~~مضامينها إلى أن الله سبحانه خلق ذوات الأشياء على ما لها من الخصوصيات ~~والشخصيات ثم اعتزلها وما كان يسعه إلا أن يعتزل ويرصد فشرع الأشياء في ~~التفاعل والتناظم بما فيها من روح العلية والمعلولية واستقلت في الفعل ~~والانفعال وخالقها يتأملها في معزله وينتظر يوم يفنى فيه الكل حتى يجدد لها ~~خلقا جديدا يثيب فيه من استمع لدعوته في حياته الأولى ويعاقب المستكبر ~~المستنكف، وقد صبر على خلافهم طول الزمان غير أنه ربما غضب على بعض ما ~~يشاهده منهم فيعارضهم في مشيتهم، ويمنع من تأثير بعض مكائدهم على نحو ~~المعارضة والممانعة. # أي أنه تعالى يخرج من مقام الاعتزال في بعض ما تؤدي الأسباب والعلل ~~الكونية المستقلة الجارية إلى خلاف ما يرتضيه، أو لا يؤدي إلى ما يوافق ~~مرضاته فيداخل الأسباب الكونية بإيجاد ما يريده من الحوادث، وليس يداخل ~~شيئا إلا بإبطال قانون العلية الجاري في المورد إذ لو أوجد ما كان يريده من ~~طريق الأسباب والعلل كان التأثير على مزعمتهم للعلل الكونية دونه تعالى، ~~وهذا هو السر في إصرار هؤلاء على أن المعجزات وخوارق العادات ونحوهما إنما ~~تتحقق بالإرادة الإلهية وحدها ونقض قانون العلية العام، فلا محالة يتم ~~الأمر بنقض السببية الكونية وإبطال قانون العلية ويبطل بذلك أصل قولهم: إن ~~الأشياء مفتقرة إليه تعالى في حدوثها غنية عنه في بقائها. # فهؤلاء القوم لا يسعهم إلا أن يلتزموا أحد أمرين: إما القول بأن العالم ~~على سعته ونظامه الجاري فيه مستقل عن الله سبحانه غير مفتقر إليه أصلا ولا ~~تأثير له تعالى في شيء من أجزائه ولا التحولات الواقعة فيه إلا ما كان من ~~حاجته إليه في أول حدوثه وقد أحدثه فارتفعت الحاجة وانقطعت الخلة. # أو القول بأن الله هو الخالق لكل ما يقع عليه اسم شيء والمفيض له الوجود ~~حال الحدوث وفي حال البقاء، ولا غنى عنه تعالى لذات ولا فعل ms2690 طرفة عين. # وقد عرفت أن البحث القرآني يدفع أول القولين لتعاضد الآيات على بسط ~~الخلقة والسلطة الغيبية على ظاهر الأشياء وباطنها وأولها وآخرها وذواتها ~~وأفعالها حال حدوثها وحال بقائها جميعا فالمتعين هو الثاني من القولين ~~والبحث العقلي الدقيق يؤيد بحسب النتيجة ما هو المتحصل من الآيات الكريمة. # فقد ظهر من جميع ما تقدم: أن ما يظهر من قوله: "الله خالق كل شيء" على ~~ظاهر عمومه من غير أن يتخصص بمخصص عقلي أو شرعي. PageV07P166 # قوله تعالى: "قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها" إلخ ~~قال في المجمع،: البصيرة البينة والدلالة التي يبصر بها الشيء على ما هو به ~~والبصائر جمعها انتهى. # وقيل: البصيرة للقلب كالبصر للعين، والأصل في الباب على أي حال هو ~~الإدراك بحاسة البصر الذي يعد أقوى الإدراكات، ونيلا من خارج الشيء ~~المشهود، والإبصار والعمى في الآية هو العلم والجهل أو الإيمان والكفر توسعا. # وكأنه تعالى يشير بقوله: "قد جاءكم بصائر من ربكم" إلى ما ذكره في الآيات ~~السابقة من الحجج الباهرة على وحدانيته وانتفاء الشريك عنه، والمعنى أن هذه ~~الحجج بصائر قد جاءتكم من جانب الله بالوحي إلي، والخطاب من قبل النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ثم ذكر للمخاطبين وهم المشركون أنهم على خيرة من أمر ~~أنفسهم إن شاءوا أبصروا بها وإن شاءوا عموا عنها غير أن الإبصار لأنفسهم ~~والعمى عليها. # ومن هنا يظهر أن المراد بالحفظ عليهم رجوع أمر نفوسهم وتدبير قلوبهم إليه ~~فهو إنما ينفي كونه حفيظا عليهم تكوينا وإنما هو ناصح لهم. # والآية كالمعترضة بين الآيات السابقة والآية اللاحقة، وهو خطاب منه تعالى ~~عن لسان نبيه كالرسول يأتي بالرسالة إلى قوم فيؤديها إليهم وفي خلال ما ~~يؤديه يكلمهم من نفسه بما يهيجهم للسمع والطاعة ويحثهم على الانقياد بإظهار ~~النصح ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه. # قوله تعالى: "وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست" إلخ، وقرىء: دارست ~~بالخطاب ودرست بالتأنيث والغيبة، قيل: إن التصريف هو إجراء المعنى الدائر ~~في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه ms2691 وجوه الفائدة، وقوله: "درست" من الدرس وهو ~~التعلم والتعليم من طريق التلاوة، وعلى هذا المعنى قراءة دارست غير أن ~~زيادة المباني تدل على زيادة المعاني وأما قراءة "درست" بالتأنيث والغيبة ~~فهو من الدروس بمعنى تعفي الأثر أي اندرست هذه الأقوال كقولهم: أساطير ~~الأولين. # والمعنى: على هذا المثال نصرف الآيات ونحولها بيانا لغايات كثيرة ومنها ~~أن يستكمل هؤلاء الأشقياء شقوتهم فيتهموك يا محمد بأنك تعلمتها من بعض أهل ~~الكتاب أو يقولوا: اندرست هذه الأقاويل وانقرض عهدها ولا نفع فيها اليوم، ~~ولنبينه لقوم يعلمون بتطهير قلوبهم وشرح صدورهم به، وهذا كقوله: "وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": الإسراء: 82. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن الفضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إن الله لا يوصف، وكيف يوصف وقال في كتابه: "وما قدروا الله ~~حق قدره" فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: "وما قدروا الله حق قدره" قال: هم ~~الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شيء قدير ~~فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره. "إذ قالوا ~~ما أنزل الله على بشر من شيء" يعني من بني إسرائيل قالت اليهود: يا محمد ~~أنزل الله عليك كتابا؟ قال نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء ~~كتابا، فأنزل الله: قل يا محمد من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى - نورا ~~وهدى للناس إلى قوله ولا آباؤكم قل الله أنزله. # أقول: والمعنى الذي في صدر الرواية تقدم في البيان السابق أنه خلاف ظاهر ~~الآية بل الظاهر أن الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، هم الذين لم ~~يقدروا الله سبحانه حق قدره. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي: في قوله: "إذ قالوا ما ms2692 ~~أنزل الله على بشر من شيء" قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد ~~من شيء. # أقول: واختلاف الحاكي والمحكي يفسد المعنى، واحتمال النقل بالمعنى مع هذا ~~الاختلاف الفاحش لا مسوغ له. PageV07P167 # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء ~~رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال له النبي: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في ~~التوراة: أن الله يبغض الحبر السمين؟ وكان حبرا سمينا فغضب وقال: والله ما ~~أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟ قال: ما ~~أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله: "وما قدروا الله حق قدره" الآية. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن بريدة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): أم القرى مكة. # وفي تفسير العياشي، عن علي بن أسباط قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ~~لم سمي النبي الأمي؟ قال: نسب إلى مكة وذلك من قول الله: "لتنذر أم القرى ~~ومن حولها" وأم القرى مكة، ومن حولها الطائف. # أقول: وعلى ما في الرواية يصير قوله: "لتنذر أم القرى ومن حولها" من قبيل ~~قوله: "وأنذر عشيرتك الأقربين": الشعراء: 214 ولا ينافي الأمر بإنذار طائفة ~~خاصة عموم الرسالة لجميع الناس كما يدل عليه أمثال قوله: "لأنذركم به ومن ~~بلغ": الأنعام: 19 وقوله: "إن هو إلا ذكرى للعالمين": الأنعام: 90 وقوله: ~~"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا": الأعراف: 158. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: "قل من أنزل الكتاب إلى قوله تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا" قال: كانوا يكتمون ما شاءوا ويبدون ما شاءوا:. قال: وفي ~~رواية أخرى عنه (عليه السلام) قال: كانوا يكتبونه في القراطيس ثم يبدون ما ~~شاءوا ويخفون ما شاءوا. قال: كل كتاب أنزل فهو عند أهل العلم. # أقول: أهل العلم كناية عن ms2693 أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وفي الدر المنثور، في قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى" الآية أخرج ~~الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح: ~~"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا - أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء" ~~الآية، فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة فر إلى عثمان ~~أخيه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ثم استأمن له. # وفيه، أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة: في قوله: "ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا - أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء" قال: نزلت في مسيلمة ~~فيما كان يسجع ويتكهن به. "ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" قال: نزلت في ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان ~~فيما يملي "عزيز حكيم" فيكتب "غفور رحيم" فيغيره ثم يقرأ عليه كذا كذا لما ~~حول فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش. # أقول: وروي هذا المعنى بطرق أخرى أيضا غير ما مر. PageV07P168 # وفي تفسير القمي، قال: حدثنا أبي عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) قال: إن عبد الله بن سعد بن أبي السرح كان أخا ~~لعثمان من الرضاعة قدم إلى المدينة وأسلم، وكان له خط حسن، وكان إذا نزل ~~الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه ليكتب ما نزل عليه ~~فكان إذا قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): والله سميع بصير ~~يكتب سميع عليم، وإذا قال: والله بما تعملون خبير يكتب بصير وكان يفرق بين ~~التاء والياء، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: هو واحد. ~~فارتد كافرا ورجع مكة وقال لقريش: والله ما يدري محمد ما يقول أنا أقول مثل ~~ما يقول فلا ينكر علي ذلك فأنا أنزل مثل ما أنزل الله فأنزل الله على نبيه ~~(صلى الله عليه ms2694 وآله وسلم) في ذلك: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا - أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء - ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله". فلما ~~فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة أمر بقتله فجاء به عثمان وقد ~~أخذ بيده ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد فقال: يا رسول ~~الله اعف عنه فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أعاد فقال: هو ~~لك، فلما مر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألم أقل: من رآه ~~فليقتله؟ فقال رجل: كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلي فأقتله، فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الأنبياء لا يقتلون بالإشارة، ~~فكان من الطلقاء: أقول: وروى هذا المعنى في الكافي، وتفسير العياشي، ومجمع ~~البيان، بطرق أخرى عن الباقر والصادق (عليهما السلام). # وذكر بعض المفسرين بعد إيراد القصة عن روايتي عكرمة والسدي: أن هاتين ~~الروايتين باطلتان فإنه ليس في شيء من السور المكية "سميعا عليما" ولا ~~"عليما حكيما" ولا "عزيز حكيم" إلا في سورة لقمان المروي عن ابن عباس أنها ~~نزلت بعد سورة الأنعام وأن الآية التي ختمت بقوله تعالى "عزيز حكيم" منها ~~وثنتين بعدها مدنيات كما في الإتقان. # قال: وما قيل من احتمال نزول هذه الآية بالمدينة لا حاجة إليه والرواية ~~غير صحيحة. # قال: وروي: أن عبد الله بن سعد لما ارتد كان يطعن في القرآن، ولعله قال ~~شيئا مما ذكر في الروايات عنه كذبا وافتراء فإن السور التي نزلت في عهد ~~كتابته لم يكن فيها شيء مما روي عنه أنه تصرف فيه كما علمت، وقد رجع إلى ~~الإسلام قبل الفتح ولو تصرف في القرآن تصرفا أقره عليه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فشك في الوحي لأجله لما رجع إلى الإسلام. # انتهى. # وقد عرفت أن الروايات المعتبرة المروية عن الصادقين (عليهما السلام) ~~صريحة في وقوع قصة ابن أبي سرح في المدينة بعد الهجرة لا في مكة، والأخبار ~~المروية ms2695 من طرق أهل السنة والجماعة غير صريحة في وقوعها بمكة لو لم يكن ~~ظهورها في الوقوع بالمدينة، وأما ما استند إليه من رواية ابن عباس في ترتيب ~~نزول السور القرآنية فليس بأقوى اعتبارا مما طرحه. # وأما ما ذكره من إسلام ابن أبي سرح قبل الفتح طوعا فقد عرفت ورود الرواية ~~من الطريقين أنه لم يعد إلى الإسلام إلى يوم الفتح، وقد كان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أهدر دمه يوم الفتح حتى شفع له عثمان فعفا عنه، هذا. # لكن يبقى على ظاهر الروايات أن قوله تعالى: "ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله" غير ظاهر الانطباق على قول ابن أبي سرح على ما يحكيه: "فأنا أنزل مثل ~~ما أنزل الله". # على أن كون قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي ~~إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" نازلا بالمدينة لا ~~يلائم هذا الاتصال الظاهر بينه وبين ما يتلوه إلى آخر الآية الثانية فلو ~~كان نازلا بالمدينة كان الأقرب أن تكون الآيتان جميعا مدنيتين. # وهناك رواية أخرى تعرب عن سبب للنزول آخر وهو ما رواه عبد بن حميد عن ~~عكرمة قال: لما نزلت: والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا، قال النضر وهو من بني ~~عبد الدار: والطاحنات طحنا فالعاجنات عجنا وقولا كثيرا فأنزل الله: "ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا - أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء" الآية. PageV07P169 # وفي تفسير العياشي، عن سلام عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "اليوم ~~تجزون عذاب الهون" قال: العطش يوم القيامة:. أقول: ورواه أيضا عن الفضيل عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه: قال: العطش. # وفي الكافي، بإسناده عن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدم بعث جبرئيل في أول ساعة من يوم الجمعة ~~فقبض بيمينه قبضة بلغت من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وأخذ من كل ~~سماء تربة وقبض قبضة أخرى ms2696 من الأرض السابعة العليا إلى الأرض السابعة ~~القصوى فأمر الله عز وجل كلمته فأمسك القبضة الأولى بيمينه والقبضة الأخرى ~~بشماله ففلق الطين فلقتين فذرا من الأرض ذروا ومن السماوات ذروا فقال للذي ~~بيمينه: منك الرسل والأنبياء والأوصياء والصديقون والمؤمنون والشهداء ومن ~~أريد كرامته، فوجب لهم ما لهم ما قال كما قال، وقال للذي بشماله: منك ~~الجبارون والمشركون والمنافقون والطواغيت ومن أريد هوانه أو شقوته فوجب لهم ~~ما قال كما قال. ثم إن الطينتين خلطتا جميعا وذلك قوله تعالى: "إن الله ~~فالق الحب والنوى" فالحب طينة المؤمنين التي ألقى الله عليها محبته، والنوى ~~طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير، وإنما سمي النوى من أجل أنه نأى عن ~~الحق وتباعد منه. وقال الله عز وجل: "يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي" فالحي المؤمن الذي يخرج من طينة الكافر، والميت الذي يخرج من الحي هو ~~الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن والميت الكافر وذلك قول الله ~~عز وجل: "أومن كان ميتا فأحييناه" فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر ~~وكان حياته حين فرق الله عز وجل بينهما بكلمته كذلك يخرج الله عز وجل ~~المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور، ويخرج الكافر من ~~النور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النور وذلك قول الله عز وجل: "لينذر من كان ~~حيا ويحق القول على الكافرين". # أقول: الرواية من أخبار الطينة وسيجيء البحث فيها فيما يناسبه من المحل ~~إن شاء الله. # وتفسير الحب والنوى بما فيها من المعنى من قبيل الباطن دون الظاهر، وقد ~~وقع هذا المعنى في روايات أخرى غير هذه الرواية. # وفي تفسير العياشي، في قوله تعالى "وجعل الليل سكنا" عن الحسن بن علي بن ~~بنت إلياس قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: إن الله جعل ~~الليل سكنا وجعل النساء سكنا، ومن السنة التزويج بالليل وإطعام الطعام. ~~وفيه، عن علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تزوجوا ~~بالليل فإن ms2697 الله جعله سكنا ولا تطلبوا الحوائج بالليل. # وفي الكافي، بإسناده عن يونس عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن (عليه السلام) ~~قال: إن الله خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين ~~على الإيمان فلا يكونون إلا مؤمنين وأعار قوما إيمانا فإن شاء تممه لهم وإن ~~شاء سلبهم إياه. قال: وفيهم جرت "فمستقر ومستودع" وقال: إن فلانا كان ~~مستودعا فلما كذب علينا سلبه الله إيمانه. # أقول: وفي تفسير المستقر والمستودع بقسمي الإيمان روايات كثيرة مروية ~~عنهم (عليهم السلام) في تفسيري العياشي والقمي، وهذه الرواية توجهها بأنها ~~من الجري والانطباق. # وفي تفسير العياشي، عن سعد بن سعيد أبي الأصبغ قال: سمعت أبا عبد الله ~~(عليه السلام): في قوله: "فمستقر ومستودع" قال: مستقر في الرحم ومستودع في ~~الصلب، وقد يكون مستودع الإيمان ثم ينزع منه. الحديث. PageV07P170 # وفيه، عن سدير قال: سمعت حمران يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: ~~"بديع السماوات والأرض" فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ابتدع الأشياء ~~كلها بعلمه على غير مثال كان، وابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهن ~~سماوات ولا أرضون أما تسمع قوله: "وكان عرشه على الماء"؟. وفي الكافي، ~~بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: "لا ~~تدركه الأبصار" قال: إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله: "قد جاءكم بصائر من ~~ربكم، ليس يعني من البصر بعينه "ومن عمي فعليها" ليس يعني عمى العيون إنما ~~عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان ~~بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين:. أقول: ~~ورواه في التوحيد بطريق آخر عنه (عليه السلام) وبإسناده عن أبي هاشم ~~الجعفري عن الرضا (عليه السلام). # وفيه، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى ~~أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله ~~عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد فقال أبو قرة: إنا ~~روينا: أن الله قسم ms2698 الرؤية والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد ~~الرؤية، فقال: أبو الحسن (عليه السلام): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من ~~الجن والإنس، لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء؟ أليس ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: بلى. قال: كيف يجيء رجل إلى الخلق ~~جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول: ~~لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء ثم يقول: أنا رأيته ~~بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر، أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ~~ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. قال ~~أبو قرة: فإنه يقول. "ولقد رآه نزلة أخرى" فقال أبو الحسن (عليه السلام): ~~إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" يقول: ~~ما كذب فؤاد محمد ما رأته عيناه ثم أخبر بما رأى فقال: "لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى" فآيات الله غير الله وقد قال الله: "ولا يحيطون به علما" فإذا ~~رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة: فتكذب ~~بالروايات؟ فقال الرضا (عليه السلام): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن ~~كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، ~~وليس كمثله شيء. # أقول: وهذا المعنى وارد في أخبار أخر مروية عنهم (عليهم السلام)، وهناك ~~روايات أخر تثبت الرؤية بمعنى آخر أدق يليق بساحة قدسه تعالى سنوردها إن ~~شاء الله في تفسير سورة الأعراف، وإنما شدد النكير على الرؤية في هذه ~~الرواية لما أن المشهور من إثبات الرؤية في عصرهم كان هو إثبات الرؤية ~~الجسمانية بالبصر الجسماني التي ينفيها صريح العقل ونص الكتاب ففي تفسير ~~الطبري، عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ~~ربه فقال له رجل عند ذلك: أليس قال الله: لا تدركه الأبصار؟ فقال له عكرمة: ~~ألست ترى السماء؟ قال ms2699 بلى، قال: فكلها ترى؟ إلى غير ذلك من الأخبار. # والذي تثبته من الرؤية صريح الرؤية الجسمانية بالعضو الباصر، وقد نفاها ~~العقل والنقل، وقد فات عكرمة أن لو كان المراد بقوله "لا تدركه الأبصار" هو ~~نفي الإحاطة بجميع أقطار الشيء لم يكن وجه لاختصاصه به تعالى فإن شيئا من ~~الأشياء الجسمانية ولها سطوح مختلفة الجهات كالإنسان والحيوان وسائر ~~الأجسام الأرضية والأجرام السماوية لا يمس الحس الباصر منها إلا ما يواجه ~~الشعاع الدائر بين الباصر والمبصر على ما تعينه قوانين الإبصار المدونة في ~~أبحاث المناظر والمرايا. # فإنا إذا أبصرنا إنسانا مثلا فإنما نبصر منه بعض السطوح الكثيرة المحيطة ~~ببدنه من فوق وتحت والقدام والخلف واليمين واليسار مثلا، ومن المحال أن يقع ~~البصر على جميع ما يحيط به من مختلف السطوح فلو كان المراد من قوله: "لا ~~تدركه الأبصار" نفي هذا السنخ من الإدراك البصري المحال فيه وفي غيره كان ~~كلاما لا محصل له. PageV07P171 # وفي التوحيد، بإسناده عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن ~~محمد الصادق (عليه السلام) عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد؟ فقال: ~~سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا يا بن الفضل إن الأبصار لا تدرك إلا ~~ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفيات. PageV07P172 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 106 - 113 # اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء ~~الله ما أشركوا وما جعلنك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) وأقسموا بالله ~~جهد أيمنهم لئن جاءتهم ءاية ليؤمنن بها قل إنما الايت عند الله وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ونذرهم فى طغينهم يعمهون (110) ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء ms2700 الله ولكن ~~أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شيطين الانس والجن يوحى ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~(112) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) ### |||| AUTO بيان # اتصال الآيات بما قبلها واضح لا غبار عليه، والكلام مسرود في التوحيد. # قوله تعالى: "اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين" ~~أمر باتباع ما أوحي إليه من ربه من أمر التوحيد وأصول شرائع الدين من غير ~~أن يصده ما يشاهده من استكبار المشركين عن الخضوع لكلمة الحق والإعراض عن ~~دعوة الدين. # وفي قوله: "من ربك" المشعر بمزيد الاختصاص تلويح إلى شمول العناية الخاصة ~~الإلهية إلا أن قوله: "من ربك" لما كان ملحوقا بقوله: "وأعرض عن المشركين" ~~وكان ذلك ربما يوهم أن المراد: اتبع الوحي واعبد ربك، وأعرض عنهم يعبدوا ~~أربابهم، ولا يخلو ذلك عن إمضاء لطريقتهم وشركهم قدم على قوله: "وأعرض" ~~إلخ، قوله: "لا إله إلا هو" ليندفع به هذا الوهم، ويجلو معنى قوله: "وأعرض" ~~إلخ، ويأخذ موضعه. # فالمعنى: اتبع ما أوحي إليك من ربك الذي له العناية البالغة بك والرحمة ~~المشتملة عليك إذ خصك بوحيه وأيدك بروح الاتباع، وأعرض عن هؤلاء المشركين ~~لا بأن تدعهم وما يعبدون وتسكت راضيا بما يشركون فيكون ذلك إمضاء للوثنية ~~فإنما الإله واحد وهو ربك الذي يوحي إليك لا إله إلا هو بل إن تعرض عنهم ~~فلا تجهد نفسك في حملهم على التوحيد ولا تتحمل شقا فوق طاقتك فإنما عليك ~~البلاغ ولست عليهم بحفيظ ولا وكيل، وإنما الحفيظ الوكيل هو الله ولم يشأ ~~لهم التوحيد ولو شاء ما أشركوا لكنه تركهم وضلالهم لأنهم أعرضوا عن الحق ~~واستنكفوا عن الخضوع له. PageV07P173 # قوله تعالى: "ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم ~~بوكيل" تطييب لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يجد لشركهم ولا ~~يحزن لخيبة المسعى في دعوتهم فإنهم غير معجزين لله ms2701 فيما أشركوا فإنما ~~المشية لله لو شاء ما أشركوا بل تلبسوا بالإيمان عن طوع ورغبة كما تلبس من ~~وفق للإيمان وذلك أنهم استكبروا في الأرض واستعلوا على الله ومكروا به وقد ~~أهلكوا بذلك أنفسهم فرد الله مكرهم إليهم وحرمهم التوفيق للإيمان والاهتداء ~~إذ كما أن السنة الجارية في التكوين هي سنة الأسباب وقانون العلية ~~والمعلولية العام، والمشية الإلهية إنما تتعلق بالأشياء وتقع على الحوادث ~~على وفقها فما تمت فيه العلل والشرائط وارتفعت عن وجوده الموانع كان هو ~~الذي تتعلق بتحققه المشية الإلهية وإن كان الله سبحانه له فيه المشية مطلقا ~~إن لم يشأه لم يكن وإن شاء كان، كذلك السنة في نظام التشريع والهداية هي ~~سنة الأسباب فمن استرحم الله رحمه ومن أعرض عن رحمته حرمه، والهداية بمعنى ~~إراءة الطريق تعم الجميع فمن تعرض لهذه النفحة الإلهية ولم يقطع طريق ~~وصولها إليه بالفسق والكفر والعناد شملته وأحيته بأطيب الحياة، ومن اتبع ~~هواه وعاند الحق واستعلى على الله، وأخذ يمكر بالله ويستهزىء بآياته حرمه ~~الله السعادة وأنزل الله عليه الشقوة وأضله على علم وطبع عليه بالكفر فلا ~~ينجو أبدا. # ولو لا جريان المشية الإلهية على هذه السنة بطل نظام الأسباب وقانون ~~العلية والمعلولية وحلت الإرادة الجزافية محله ولغت المصالح والحكم ~~والغايات، وأدى فساد هذا النظام إلى فساد نظام التكوين لأن التشريع ينتهي ~~بالأخرة إلى التكوين بوجه ودبيب الفساد إليه يؤدي إلى فساد أصله. # وهذا كما أن الله سبحانه لو اضطر المشركين على الإيمان وخرج بذلك النوع ~~الإنساني عن منشعب طريقي الإيمان والكفر، وسقط الاختيار الموهوب له ولازم ~~بحسب الخلقة الإيمان، واستقر في أول وجوده على أريكة الكمال، وتساوى الجميع ~~في القرب والكرامة كان لازم ذلك بطلان نظام الدعوة ولغو التربية والتكميل، ~~وارتفع الاختلاف بين الدرجات، وأدى ذلك إلى بطلان اختلاف الاستعدادات ~~والأعمال والأحوال والملكات وانقلب بذلك النظام الإنساني وما يحيط به ويعمل ~~فيه من نظام الوجود إلى نظام آخر لا خبر فيه عن إنسان أو ما يشعر به فافهم ذلك. # ومن ms2702 هنا يظهر أن لا حاجة إلى حمل قوله: "ولو شاء الله ما أشركوا" على ~~الإيمان الاضطراري، وأن المراد أن لو شاء الله أن يتركوا الشرك قهرا ~~وإجبارا لاضطرهم إلى ذلك وذلك أن الذي تقدم من أن المراد تعلق المشية ~~الإلهية على تركهم الشرك اختيارا كما تعلقت بذلك في المؤمنين سواء هو ~~الأوفق بكمال القدرة، والأنسب بتسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتطييب قلبه. # فالمعنى: أعرض عنهم ولا يأخذك من جهة شركهم وجد ولا حزن فإن الله قادر أن ~~يشاء منهم الإيمان فيؤمنوا كما شاء ذلك من المؤمنين فآمنوا. # على أنك لست بمسئول عن أمرهم لا تكوينا ولا غيره فلتطب نفسك. # ويظهر من ذلك أيضا أن قوله: "وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم ~~بوكيل" أيضا مسوق سوق التسلية وتطييب النفس، وكأن المراد بالحفيظ القائم ~~على إدارة شئون وجودهم كالحياة والنشوء والرزق ونحوها، وبالوكيل القائم على ~~إدارة الأعمال ليجلب بذلك المنافع ويدفع المضار المتوجهة إلى الموكل عنه من ~~ناحيتها فمحصل المراد بقوله: "وما جعلناك" إلخ، أن ليس إليك أمر حياتهم ~~الكونية ولا أمر حياتهم الدينية حتى يحزنك ردهم لدعوتك وعدم إجابتهم إلى طلبتك. # وربما يقال: إن المراد بالحفيظ من يدفع الضرر ممن يحفظه وبالوكيل من يجلب ~~المنافع إلى من يتوكل عنه، ولا يخلو عن بعد فإن الحفيظ فيما يتبادر من ~~معناه يختص بالتكوين والوكيل يعم التكوين وغيره، ولا كثير جدوى في حمل إحدى ~~الجملتين على جهة تكوينية، والأخرى على ما يعمها وغيرها بل الوجه حمل ~~الأولى على إحدى الجهتين، والأخرى على الأخرى. PageV07P174 # قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم" السب معروف، قال الراغب في المفردات،: العدو التجاوز ومنافاة الالتيام ~~فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارة بالمشي فيقال له ~~العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له العدوان والعدو ~~قال: فيسبوا الله عدوا بغير علم وتارة بأجزاء المقر فيقال له العدواء يقال ~~مكان ذو عدواء أي غير متلائم الأجزاء. # انتهى. # والآية ms2703 تذكر أدبا دينيا تصان به كرامة مقدسات المجتمع الديني وتتوقى ~~ساحتها أن يتلوث بدرن الإهانة والإزراء بشنيع القول والسب والشتم والسخرية ~~ونحوها فإن الإنسان مغروز على الدفاع عن كرامة ما يقدسه، والمقابلة في ~~التعدي على من يحسبه متعديا إلى نفسه، وربما حمله الغضب على الهجر والسب ~~لما له عنده أعلى منزلة العزة والكرامة فلو سب المؤمنون آلهة المشركين ~~حملتهم عصبية الجاهلية أن يعارضوا المؤمنين بسب ما له عندهم كرامة الألوهية ~~وهو الله عز اسمه ففي سب آلهتهم نوع تسبيب إلى ذكره تعالى بما لا يليق ~~بساحة قدسه وكبريائه. # وعموم التعليل المفهوم من قوله: "كذلك زينا لكل أمة عملهم" يفيد عموم ~~النهي لكل قول سيىء يؤدي إلى ذكر شيء من المقدسات الدينية بالسوء بأي وجه أدى. # قوله تعالى: "كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما ~~كانوا يعملون" الزينة أمر جميل محبوب يضم إلى شيء ضما يجلب الرغبة إليه ~~ويحببه عند طالبه فيتحرك نحو الزينة وينتهي إلى الشيء المتزين بها كاللباس ~~المزين بهيئته الحسنة الذي يلبسه الإنسان لزينته فيصان به بدنه عن الحر ~~والبرد. # وقد أراد الله سبحانه أن يعيش الإنسان هذه العيشة الدنيوية ذات الشعب ~~والفروع ويديم حياته الأرضية الخاصة به من طريق إعمال قواه الفعالة فيدرك ~~ما ينفعه وما يضره بحواسه الظاهرة ثم يتصرف فيها بحواسه وقواه الباطنة ثم ~~يتغذى بأكل أشياء وشرب أشياء ويهيج إلى النكاح بأعمال خاصة ويلبس ويأوي ~~ويجلب ويدفع وهكذا. # وله في جميع هذه الأعمال وما يتعلق بها لذائذ يقارنها وغايات حيوية ينتهي ~~إليها وآخر ما ينتهي إليه الحياة السعيدة الحقيقية التي خلق لها أو الحياة ~~التي يظنها الحياة السعيدة الحقيقية. # وهو إنما يقصد بما يعمله من عمل ما يتصل به من اللذة المادية كلذة الطعام ~~والشراب والنكاح وغير ذلك أو اللذة الفكرية كلذة الدواء ولذة التقدم والأنس ~~والمدح والفخر والذكر الخالد والانتقام والثروة والأمن وغير ذلك مما لا يحصى. # وهذه اللذائذ أمور زينت بها هذه الأعمال ومتعلقاتها، وقد سخر الله سبحانه ms2704 ~~بها الإنسان فهو يوقع الأفعال ويتوخى الأعمال لأجلها، وبتحققها يتحقق ~~الغايات الإلهية والأغراض التكوينية كبقاء الشخص، ودوام النسل، ولو لا ما ~~في الأكل والشرب والنكاح من اللذة المطلوبة لم يكن الإنسان ليتعب نفسه بهذه ~~الحركات الشاقة المتعبة لجسمه والثقيلة على روحه فاختل بذلك نظام الحياة، ~~وفنى الشخص، وانقطع النسل فانقرض النوع، وبطلت حكمة التكوين بلا ريب في ذلك. # وما كان من هذه الزينة طبيعية مغروزة في طبائع الأشياء كالطعوم اللذيذة ~~التي في أنواع الأغذية ولذة النكاح فهي مستندة إلى الخلقة منسوبة إلى الله ~~سبحانه واقعة في طريق سوق الأشياء إلى غاياتها التكوينية، ولا سائق لها ~~إليها إلا الله سبحانه فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. # وما كان منها لذة فكرية تصلح حياة الإنسان في دنياه ولا تضره في آخرته ~~فهي منسوبة أيضا إلى الله سبحانه لأنها ناشئة عن الفطرة السليمة التي فطر ~~الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال تعالى: "حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم": الحجرات: 7. PageV07P175 # وما كان منها لذة فكرية توافق الهوى وتشقي في الأخرى والأولى بإبطال ~~العبودية وإفساد الحياة الطيبة فهي لذة منحرفة عن طريق الفطرة السليمة فإن ~~الفطرة هي الخلقة الإلهية التي نظمها الله بحيث تسلك إلى السعادة والأحكام ~~الناشئة منها والأفكار المنبعثة منها لا تخالف أصلها الباعث لها فإذا خالفت ~~الفطرة ولم تؤمن السعادة فليست بالمترشحة منها بل إنما نشأت من نزعة ~~شيطانية وعثرة نفسانية فهي منسوبة إلى الشيطان كاللذائذ الوهمية الشيطانية ~~التي في الفسوق بأنواعه من حيث إنه فسوق فإنها زينة منسوبة إلى الشيطان غير ~~منسوبة إلى الله سبحانه إلا بالإذن قال تعالى حكاية عن قول إبليس: "لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين": الحجر: 39 وقال تعالى: "فزين لهم الشيطان ~~أعمالهم": النحل: 63. # أما أنها لا تنسب إلى الله سبحانه بلا واسطة فإنه تعالى هو الذي نظم نظام ~~التكوين فساق الأشياء فيه إلى غاياتها وهداها إلى سعادتها ثم فرع على فطرة ~~الإنسان الكونية السليمة عقائد وآراء فكرية يبني عليها أعماله فتسعده ~~وتحفظه ms2705 عن الشقاء وخيبة المسعى، وجلت ساحته عز اسمه أن يعود فيأمر بالفحشاء ~~وينهى عن المعروف ويبعث إلى كل قبيح شنيع فيأمر الناس جميعا بالحسن والقبيح ~~معا وينهى الناس جميعا عن القبيح والحسن معا فيختل بذلك نظام التكليف ~~والتشريع ثم الثواب والعقاب ثم يصف الدين الذي هذه صفته بأنه دين قيم فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها، والفطرة بريئة من هذا التناقض وأمثاله متأبية ~~مستنكفة من أن ينسب إليها ما تعده من السفه والعتاهية. # فإن قلت: ما المانع من أن تنسب الدعوة إلى الطاعة والمعصية إليه تعالى ~~بمعنى أن النفوس التي تزينت بالتقوى وتجهزت بسريرة صالحة يبعثها الله إلى ~~الطاعة والعمل الصالح، والنفوس التي تلوثت بقذارة الفسوق واكتست بخباثة ~~الباطن يدعوها الله سبحانه إلى الفجور والفسق بحسب اختلاف استعداداتها ~~فالداعي إلى الخير والشر والباعث إلى الطاعة والمعصية جميعا هو الله ~~سبحانه. # قلت: هذا نظر آخر غير النظر الذي كنا نبحث عنه وهذا هو النظر في الطاعة ~~والمعصية من حيث توسيط أسباب متخللة بينهما وبينه تعالى فلا شك أن الحالات ~~الحسنة أو السيئة النفسانية لها دخل في تحقق ما يناسبها من الطاعات أو ~~المعاصي، وعلى تقديرها تنسب الطاعة والمعصية إليها بلا واسطة وإلى الله ~~سبحانه بالإذن فالله سبحانه هو الذي أذن لكل سبب أن يتسبب إلى مسببه. # وأما الذي نحن فيه من النظر فهو النظر في حال الطاعة والمعصية من حيث ~~تشريع الأحكام، ومن حيث انبعاث النفوس إليهما مع قطع النظر عن سائر الأسباب ~~الباعثة الداعية إليهما فهل من الممكن أن يقال: إن الله سبحانه يدعو إلى ~~الإيمان والكفر جميعا أو يبعث إلى الطاعة والمعصية معا؟ وهو الذي يصف دينه ~~بأنه الدين القيم على المجتمع الإنساني المبني على الفطرة الإلهية وهذه ~~الشرائع الإلهية ثم الدواعي النفسانية الموافقة لها كلها فطرية والدواعي ~~النفسانية الموافقة لهوى النفس المخالفة لأحكام الشريعة مخالفة للفطرة لا ~~تنسب الدعوة إليها إلى ذي فطرة سليمة فمن المحال أن تنسب إليه تعالى قال ~~تعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ms2706 آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون، قل أمر ربي بالقسط": ~~الأعراف: 29. # وأما أنها منسوبة إليه تعالى بالإذن فإن الملك عام والسلطنة الإلهية ~~مطلقة وحاشا أن يتأتى لأحد أن يتصرف في شيء من ملكه إلا بإذنه فما يزينه ~~الشيطان في قلوب أوليائه من الشرك والفسق وجميع ما ينتهي بوجه من الوجوه ~~إلى سخط الله سبحانه فإنما ذلك عن إذن إلهي تتم به سنة الامتحان والاختبار ~~الذي لا يتم دونه نظام التشريع ومسلك الدعوة والهداية، قال تعالى: "ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه": يونس: 3 وقال: "وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين": آل عمران: 141. # فتبين أن لزينة الأعمال نسبة إليه تعالى أعم مما بواسطة الإذن أو بلا ~~واسطة، وعليه يجري قوله تعالى: "كذلك زينا لكل أمة عملهم": الآية: 108 ~~وأوضح منه في الانطباق على ما تقدم قوله تعالى: "إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا": الكهف: 7. PageV07P176 # وللمفسرين بحسب اختلافهم في نسبة الأفعال إليه تعالى أقوال في الآية. # منها: أن المراد هو التزيين بالأمر والنهي وبيان الحسن والقبح فالمعنى: ~~كما زينا لكم أيها المؤمنون أعمالكم زينا لكل أمة من قبلكم أعمالهم من حسن ~~الدعاء إلى الله وترك سب الأصنام ونهيناهم أن يأتوا من الأفعال ما ينفر ~~الكفار عن قبول الحق. # وفيه أنه مخالف لظهور الآية في العموم، ولا دليل على تخصيصها بما ذكروه ~~كما ظهر مما تقدم. # ومنها: أن المعنى: وكذلك زينا لكل أمة عملهم بميل الطباع إليه ولكن قد ~~عرفناهم الحق مع ذلك ليأتوا الحق ويجتنبوا الباطل. # وفيه أنه كما لا يصح إسناد الدعوة إلى الطاعة والمعصية والإيمان والكفر ~~إليه تعالى بلا واسطة كذلك لا تصح نسبة ميل الطباع إلى الأعمال الحسنة ~~والسيئة على وتيرة واحدة إليه تعالى فالفرق بين الدعوة التكوينية وما ~~يشابهها وبين الدعوة التشريعية إلى القبائح والمساوي، ونسبة الأول إليه ~~تعالى دون الثاني ليس في محله. # ومنها: أن المراد هو التزيين بذكر الثواب فهو ms2707 كقوله ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينة في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان": الحجرات: 7 ~~أي حبب إليكم الإيمان بذكر ثوابه ومدح فاعليه على فعله، وكره الكفر بذكر ~~عقابه وذم فاعليه. # وفيه: أن فيه تقييدا للأعمال بالحسنة من غير مقيد. # على أنه معنى بعيد من السياق ومن ظاهر لفظ التزيين. # على أن التزيين بهذا المعنى لا يختص بالمؤمنين. # ومنها: أن المراد التزيين لمطلق الأعمال حسناتها وسيئاتها ابتداء من غير ~~واسطة والدعوة منه تعالى إلى الطاعة والمعصية جميعا بناء على أن الإنسان ~~مجبر في الأفعال المنسوبة إليه. # وفيه: أن ظاهر الآية أوفق بالاختيار منه بالإجبار فإن الشيء إنما تضم ~~إليه الزينة ليرغب فيه الإنسان ويحبب إليه فتكون مرجحة لتعلقه به وترك ~~غيره، ولو لم تكن نسبة فعله وتركه إليه على السواء لم يكن وجه لترجيحه ~~فتزين الفعل بما يرغب فيه الفاعل نوع من الحيلة يتوسل بها إلى وقوعه، وهو ~~ينطبق في الطاعات وحسنات الأعمال على ما يسمى في لسان الشرع هداية وتوفيقا، ~~وفي المعاصي وسيئات الأعمال على ما يعد إضلالا ومكرا إلهيا، ولا مانع من ~~نسبة الإضلال والمكر إليه تعالى إذا كانا بعنوان المجازاة دون الإضلال ~~والمكر الابتدائيين، وقد تقدم البحث عن هذه المعاني في مواضع من هذا الكتاب ~~وتقدم البحث عن الجبر وما يقابله من التفويض والأمر بين الأمرين في الجزء ~~الأول من الكتاب. # وقوله تعالى: "ثم إليه مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون" يؤيد ما تقدم أن ~~حكم التزيين عام شامل لجميع الأعمال الباطنية كالإيمان والكفر والظاهرية ~~كأعمال الجوارح الحسنة والسيئة فإن ظاهر الآية أن الإنسان إنما يقصد هذه ~~الأعمال ويوقعها لأجل ما يرغب فيه من زينته غافلا عن الحقائق المستورة تحت ~~هذه الزينات المضروب عليها بحجاب الغفلة ثم إذا رجعوا إلى ربهم نبأهم ~~بحقيقة ما كانوا يعملونه، وعاينوا ما هم مصروفون عنه، أما أولياء الرحمن ~~فوجدوا ما لم يكن يعلم مما أخفي لهم من قرة أعين، وأما أولياء الشيطان فبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فظهور ms2708 حقائق الأعمال يوم القيامة لا يختص ~~بأحد القبيلين من الحسنات والسيئات. # قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم - إلى قوله - عند الله" الجهد ~~بفتح الجيم الطاقة والأيمان جمع يمين وهي القسم، وجهد الأيمان أي ما تبلغه ~~قدرتها وهو الطاقة، والمراد أنهم بالغوا في القسم وأكدوه ما استطاعوا، ~~والمراد بكون الآيات عند الله كونها في ملكه وتحت سلطته لا ينالها أحد إلا بإذنه. # فالمعنى: وأقسموا بالله وبالغوا فيه لئن جاءتهم آياته تدل على صدق النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يدعو إليه ليؤمنن بتلك الآية - وهذا اقتراح ~~منهم للآية كناية - قل إنما الآيات عند الله وهو الذي يملكها ويحيط بها ~~وليس إلي من أمرها شيء حتى أجيبكم إليها من تلقاء نفسي. # قوله تعالى: "وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون" قرىء: لا يؤمنون بياء ~~الغيبة وتاء الخطاب جميعا، والخطاب على القراءة الأولى للمؤمنين بنوع من ~~الالتفات، وعلى القراءة الثانية للمشركين والكلام من تتمة قول النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو ظاهر. PageV07P177 # والظاهر أن "ما" في قوله: "وما يشعركم" للاستفهام، والمعنى: وما هو الذي ~~يفيد لكم العلم بواقع الأمر وهو أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآيات؟ فالكلام ~~في معنى قولنا: هؤلاء يحلفون بالله لئن جاءتكم الآيات ليؤمنن بها فربما ~~آمنتم وصدقتم بحلفهم وليس لكم علم بأنهم إذا جاءتهم الآيات لا يؤمنون بها ~~لأن الله لم يشأ إيمانهم فالكلام من الملاحم. # وربما قيل: إن "أن" في قوله: "أنها إذا جاءت" إلخ، بمعنى لعل وهذا معنى ~~شاذ لا يحمل على مثله كلام الله لو ثبت لغة. # قوله تعالى: "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة" إلخ، ~~ظاهر السياق أن الجملة عطف على قوله: "لا يؤمنون" وهي بمنزلة التفسير لعدم ~~إيمانهم، والمراد بقوله: "أول مرة" الدعوة الأولى قبل نزول الآيات قبال ما ~~يتصور له من المرة الثانية التي هي الدعوة مع نزول الآيات. # والمعنى أنهم لا يؤمنون لو نزلت عليهم الآيات، وذلك أنا نقلب أفئدتهم فلا ~~يعقلون بها كما ينبغي أن يعقلوه، ms2709 وأبصارهم فلا يبصرون بها ما من حقهم أن ~~يبصروه فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة من الدعوة قبل نزول ~~هذه الآيات المفروضة ونذرهم في طغيانهم يترددون ويتحيرون. # هذا ما يقضي به ظاهر سياق الآية. # وللمفسرين في الآية أقوال كثيرة غريبة لا جدوى في التعرض لها والبحث ~~عنها، من شاء الاطلاع عليها فليراجع مظانها. # قوله تعالى: "ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى" إلى آخر ~~الآية بيان آخر لقوله: "إنما الآيات عند الله" وأن قولهم: "لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها" دعوى كاذبة أجرأهم عليها جهلهم بمقام ربهم فليس في وسع الآيات ~~التي يظنون أنها أسباب مستقلة في إيجاد الإيمان في قلوبهم وإقدارهم على ~~التلبس به أن تودع في نفوسهم الإيمان إلا بمشية الله. # فهذا السياق يدل على أن في الكلام حذفا وإيجازا، والمعنى: ولو أننا ~~أجبناهم في مسألتهم وآتيناهم أعاجيب الآيات فنزلنا إليهم الملائكة ~~فعاينوهم، وأحيينا لهم الموتى فواجهوهم وكلموهم وأخبروهم بصدق ما يدعون ~~إليه، وحشرنا وجمعنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا وصنفا صنفا، أو حشرنا عليهم ~~كل شيء قبلا ومواجهة فشهدوا لهم بلسان الحال أو القال، ما كانوا ليؤمنوا ~~ولم يؤثر شيء من ذلك في استجابتهم للإيمان إلا أن يشاء الله إيمانهم. # فلا يتم لهم الإيمان بشيء من الأسباب والعلل إلا بمشية الله فإن النظام ~~الكوني على عرضه العريض وإن كان يجري على طبق حكم السببية وقانون العلية ~~العام غير أن العلل والأسباب مفتقرة في أنفسها متدلية إلى ربها غير مستقلة ~~في شيء من شئونها ومقتضياتها فلا يظهر لها حكم إلا بمشية الله ولا يحيى لها ~~رسم إلا بإذنه. # غير أن المشركين أكثرهم - ولعلهم غير العلماء الباغين منهم - يجهلون مقام ~~ربهم ويتعلقون بالأسباب على أنها مستقلة في نفسها مستغنية عن ربها فيظنون ~~أن لو أتاهم سبب الإيمان - وهو الآية المقترحة - آمنوا واتبعوا الحق وقد ~~اختلط عليهم الأمر بجهلهم فأخذوا هذه الأسباب الناقصة المفتقرة إلى مشية ~~الله أسبابا مستقلة تامة مستغنية عنه. # قوله تعالى: "وكذلك جعلنا لكل نبي ms2710 عدوا شياطين الإنس والجن" إلى آخر ~~الآية الشياطين جمع شيطان وهو في اللغة الشرير غلب استعماله في إبليس الذي ~~يصفه القرآن وذريته، والجن من الجن بالفتح وهو الاستتار، وهو في عرف القرآن ~~نوع من الموجودات ذوات الشعور والإرادة مستور عن حواسنا بحسب طبعها وهم غير ~~الملائكة. # يذكر القرآن أن إبليس الشيطان من سنخهم. # والوحي هو القول الخفي بإشارة ونحوها، والزخرف الزينة المزوقة أو الشيء ~~المزوق فزخرف القول الكلام المزوق المموه الذي يشبه الحق وليس به، وغرورا ~~مفعول مطلق لفعل مقدر من جنسه أو مفعول له. # والمعنى: ومثل ما جعلنا لك جعلنا لكل نبي عدوا هم شياطين الإنس والجن ~~يشير بعضهم إلى بعض - وكأن المراد وحي شياطين الجن بالوسوسة والنزغة إلى ~~شياطين الإنس ووحي بعض شياطين الإنس إلى بعض آخر منهم بإسرار المكر ~~والتسويل - بأقوال مزوقة وكلمات مموهة يغرونهم بذلك غرورا أو لغرورهم ~~وإضلالهم بذلك. PageV07P178 # وقوله: "ولو شاء ربك ما فعلوه" يشير بذلك إلى أن حكم المشية عام جار نافذ ~~فكما أن الآيات لا تؤثر في إيمانهم شيئا إلا بمشية الله كذلك معاداة ~~الشياطين الأنبياء ووحيهم زخرف القول غرورا كل ذلك بإذن الله ولو شاء الله ~~ما فعلوه ولم يوحوا ذلك فلم يكونوا عدوا للأنبياء، وبهذا المعنى يتصل هذه ~~الآية بما قبلها لاشتراكهما في بيان توقف الأمور على المشية. # وقوله: "فذرهم وما يفترون" تفريع على نفوذ المشية أي إذا كانت هذه ~~المعاداة والإفساد بالوساوس كل ذلك بإذن الله ولم يكونوا بمعجزين لله في ~~مشيته النافذة الغالبة فلا يحزنك ما تشاهد من إخلالهم بالأمر وإفسادهم له ~~بل اتركهم وما يفترونه على الله من دعوى الشريك ونحوها. # فقوله: "ولو شاء ربك ما فعلوه" إلى آخر الآية في معنى قوله في صدر ~~الآيات: "وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا". # والكلام في قوله تعالى: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن" ~~إلخ، حيث أسند ظاهرا جعلهم عدوا للأنبياء - وفيه التسبب إلى الشر والبعث ~~إلى الشرك والمعصية - إلى الله سبحانه وهو منزه من ms2711 كل شر وسوء نظير الكلام ~~في إسناده تزيين الأعمال إلى الله سبحانه في قوله: "كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم" وقد تقدم الكلام فيه، وكذا الكلام في ظاهر ما يفيده قوله في الآية ~~التالية: "ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة" إلخ، حيث جعل هذه ~~المظالم والآثام غايات إلهية للدعوة الحقة. # وللمفسرين في هاتين الآيتين على حسب اختلاف مذاهبهم في انتساب الأعمال ~~إلى الله سبحانه نظائر ما تقدم من أقوالهم في انتساب زينة الأعمال إليه تعالى. # وقد عرفت أن الذي يفيده ظاهر الآية الكريمة أن كل ما يصدق عليه اسم شيء ~~فهو مملوك له تعالى منسوب إليه من غير استثناء لكن الآيات المنزهة لساحة ~~قدسه تعالى من كل سوء وقبح تعطي أن الخيرات والحسنات جميعا مستندة إلى ~~مشيته منسوبة إليه بلا واسطة أو معها، والشرور والسيئات مستندة إلى غيره ~~تعالى كالشيطان والنفس بلا واسطة، وإنما تنتسب إليه تعالى بالإذن فهي ~~مملوكة له تعالى واقعة بإذنه ليستقيم أمر الامتحان الإلهي ويتم بذلك أمر ~~الدعوة الإلهية بالأمر والنهي والثواب والعقاب ولو لا ذلك لبطلت ولغت السنة ~~الإلهية في تسيير الإنسان كسائر الأنواع نحو سعادته في هذا العالم الكوني ~~الذي لا سبيل فيه إلى الكمال والسعادة إلا بالسلوك التدريجي. # قوله تعالى: "ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة" إلى آخر الآية. # الاقتراف هو الاكتساب، وضمير المفرد للوحي المذكور في الآية السابقة ~~واللازم في قوله: "لتصغى" للغاية والجملة معطوفة على مقدر، والتقدير: فعلنا ~~ما فعلنا وشئنا ما شئنا ولم نمنع عن وحي بعضهم لبعض زخرف القول غرورا ~~لغايات مستورة ولتصغى وتجيب إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ~~وليكتسبوا ما هم مكتسبون لينالوا بذلك جميعا ما يسألونه بلسان استعدادهم من ~~شقاء الآخرة، فإن الله سبحانه يمد كلا من أهل السعادة وأهل الشقاء بما يتم ~~به سيرهم إلى منازلهم ويرزقهم ما يقترحونه بلسان استعدادهم قال تعالى: "كلا ~~نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الإسراء: 20. PageV07P179 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ms2712 ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما حضر أبا طالب ~~الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فنأمره أن ينهى عنا ابن ~~أخيه فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات ~~قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف ~~وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاصي والأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم ~~يقال له المطلب فقالوا: استأذن لنا على أبي طالب فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء ~~مشيخة قومك يريدون الدخول عليك فأذن لهم عليه فدخلوا فقالوا: يا أبا طالب ~~أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه ~~عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاءه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك. قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة أن ~~تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم الخراج؟ قال أبو جهل: ~~وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ قال: قولوا لا إله إلا الله، فأبوا ~~واشمأزوا. قال أبو طالب: قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال: يا عم ما ~~أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي ولو آتوني بالشمس ~~فيضعوها في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم ~~آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله: "ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله - فيسبوا الله عدوا بغير علم". # أقول: والرواية - كما ترى - لا يلائم ذيلها صدرها فإن مقتضى صدرها أنهم ~~كانوا يسألونه الكف عن آلهتهم أي لا يدعو الناس إلى رفضها وترك التقرب ~~إليها حتى إذا يئسوا من إجابته هددوه بشتم ربه إن شتم آلهتهم وكان مقتضى جر ~~الكلام أن يهددوه على دعوة إلى رفضها لا أن يهملوا ذلك ويذكروا شتمه ~~ويهددوه على ذلك ms2713 وليس في الآية إشارة إلى صدر القصة وهو أصلها. # على أن وقار النبوة وعظيم الخلق الذي كان في عشرته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يمنعه من التفوه بالشتم الذي هو من لغو القول، والذي ورد من لعنه ~~بعض صناديد قريش بقوله: اللهم العن فلانا وفلانا، وكذا ما ورد في كلامه ~~تعالى من قبيل قوله: "لعنهم الله بكفرهم": النساء: 46 وقوله: "فقتل كيف ~~قدر": المدثر: 19 وقوله: "قتل الإنسان": عبس: 17 وقوله: "أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله": الأنبياء: 67 ونظائر ذلك فإنما هي من الدعاء دون ~~الشتم الذي هو الذكر بالقبيح الشنيع للإهانة تخييلا، والذي ورد من قبيل ~~قوله تعالى: "مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم": القلم: 13 فإنما هو ~~من قبيل بيان الحقيقة. # فالظاهر أن العامة من المؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما ~~أداهم المشاجرة والجدال مع المشركين إلى ذكر آلهتهم بالسوء كما يقع كثيرا ~~بين عامة الناس في مجادلاتهم فنهاهم الله عن ذلك كما يشير إليه الحديث الآتي. # وفي تفسير القمي، قال: حدثني أبي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: سئل عن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن الشرك أخفى ~~من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء" فقال: كان المؤمنون يسبون ما ~~يعبد المشركون من دون الله فكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون فنهى الله ~~المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسب الكفار إله المؤمنين فيكون المؤمنون قد ~~أشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله - ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم. # وفي تفسير العياشي، عن عمرو الطيالسي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله: "ولا تسبوا" الآية. قال: فقال يا عمرو هل رأيت أحدا يسب ~~الله؟ قال: فقلت: جعلني الله فداك فكيف؟ قال: من سب ولي الله فقد سب الله. PageV07P180 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول ms2714 الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه ~~عصا يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يحيي الموتى وأن ثمود كان لهم ناقة، ~~فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي ~~شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا قال: فإن فعلت تصدقوني؟ ~~قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقام رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يدعو فجاء جبرئيل فقال له: إن شئت أصبح ذهبا فإن لم يصدقوا عند ~~ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم فقال: بل يتوب تائبهم فأنزل ~~الله: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم إلى قوله يجهلون". # أقول: القصة المذكورة سببا للنزول في الرواية لا تنطبق على ظاهر الآيات ~~فقد تقدم أن ظاهرها الإخبار عن أنهم لا يؤمنون بما يأتيهم من الآيات، وأنهم ~~ليسوا بمفارقي الشرك وإن أتتهم كل آية ممكنة حتى يشاء الله منهم الإيمان ~~ولم يشأ ذلك، وإذا كان هذا هو الظاهر من الآيات فكيف ينطبق على ما في ~~الرواية من قول جبرئيل: إن شئت صار ذهبا فإن لم يؤمنوا عذبوا، وإن شئت ~~فاتركهم حتى يتوب تائبهم، إلخ. # فالظاهر أن الآيات في معنى قوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6 فكأن طائفة من صناديد المشركين اقترحوا ~~آيات سوى القرآن وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ليؤمنن بها فكذبهم ~~الله بهذه الآيات وأخبر أنهم لن يؤمنوا لأنه تعالى لم يشأ ذلك نكالا عليهم. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم" الآية في ~~رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في الآية، يقول: وننكس قلوبهم ~~فيكون أسفل قلوبهم أعلاها، ونعمي أبصارهم فلا يبصرون الهدى: وقال علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام): إن ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم ~~الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر منكرا نكس قلبه فجعل ~~أسفله أعلاه فلا يقبل خيرا أبدا. # أقول: ms2715 المراد بذلك تقلب النفس في إدراكها وانعكاس أحكامها من جهة اتباع ~~الهوى والإعراض عن سليم العقل المعدل لمقترحات القوى الحيوانية الطاغية. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): عن قول الله: "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم" إلى آخر الآية ~~أما قوله: "كما لم يؤمنوا به أول مرة" فإنه حين أخذ عليهم الميثاق. # أقول: سيأتي الكلام الفصل في الميثاق في تفسير قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك ~~من بني آدم من ظهورهم ذريتهم": الآية الأعراف: 172 لكن تقدم أن ظاهر السياق ~~أن المراد بعدم إيمانهم به أول مرة عدم إيمانهم بالقرآن في أول الدعوة. PageV07P181 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 114 - 121 # أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتب مفصلا والذين ءاتينهم ~~الكتب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت كلمت ~~ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم (115) وإن تطع أكثر من فى ~~الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ~~ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) فكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه إن كنتم بئايته مؤمنين (118) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) وذروا ظهر الاثم وباطنه ~~إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم ~~وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) ### |||| AUTO بيان # الآيات على ما لها من الاتصال بما قبلها كما يدل عليه التفريع بالفاء في ~~قوله: "أفغير الله أبتغي حكما" إلخ. # لها فيما بينها أنفسها - وهي ثمان آيات - اتصال يرتبط به بعضها ببعض ~~ويرجع بعضها إلى بعض فإن فيها إنكار أن يتخذ حكم إلا الله وقد فصل أحكامه ~~في كتابه، ونهيا من اتباع الناس وإطاعتهم وأن إطاعة أكثر ms2716 الناس من المضلات ~~لاتباعهم الظن وبنائهم على الخرص والتخمين، وفي آخرها أن المشركين وهم ~~أولياء الشياطين يجادلون المؤمنين في أمر أكل الميتة، وفيها الأمر بأكل ما ~~ذكر اسم الله عليه والنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وأن ذلك هو ~~الذي فصله في كتابه وارتضاه لعباده. # وهذا كله يؤيد ما نقل عن ابن عباس: أن المشركين خاصموا النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والمؤمنين في أمر الميتة قائلين: أتأكلون مما قتلتم أنتم ~~ولا تأكلون مما قتله الله؟ فنزلت، فالغرض من هذه الآيات بيان الفرق وتثبيت الحكم. # قوله تعالى: "أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا" ~~قال في المجمع:، الحكم والحاكم بمعنى واحد إلا أن الحكم أمدح لأن معناه من ~~يستحق أن يتحاكم إليه فهو لا يقضي إلا بالحق وقد يحكم الحاكم بغير حق. # قال: ومعنى التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، وينفي ~~أيضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد، انتهى. # وفي قوله: "أفغير الله أبتغي حكما" تفريع على ما تقدم من البصائر التي ~~جاءت من قبله تعالى، وقد ذكر قبل ذلك في القرآن أنه كتاب أنزله مبارك مصدق ~~الذي بين يديه من التوراة والإنجيل، والمعنى: أفغير الله من سائر من تدعون ~~من الآلهة أو من ينتمي إليهم أطلب حكما يتبع حكمه وهو الذي أنزل عليكم هذا ~~الكتاب وهو القرآن مفصلا متميزا بعض معارفه من بعض غير مختلط بعض أحكامه ~~ببعض، ولا يستحق الحكم إلا من هو على هذه الصفة فالآية كقوله تعالى: "والله ~~يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير": ~~المؤمن: 20. # وقوله: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى": ~~يونس: 35. # قوله تعالى: "والذين آتيناهم الكتاب يعلمون" إلى آخر الآية، رجوع إلى ~~خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يتأكد به يقينه ويزيد في ثبوت ~~قدمه فيما ألقاه إلى المشركين من الخطاب المشعر بأن الكتاب النازل إليه ~~منزل ms2717 من ربه بالحق ففي الكلام التفات، وهو بمنزلة المعترضة ليزيد بذلك رسوخ ~~قدمه واطمئنان قلبه وليعلم المشركون أنه على بصيرة من أمره. PageV07P182 # وقوله: "بالحق" متعلق بقوله: "منزل من ربك" وكون التنزيل بالحق هو أن لا ~~يكون بتنزيل الشياطين بالتسويل أو بطريق الكهانة كما في قوله تعالى: "هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم": الشعراء: 222 أو ~~بتخليط الشياطين بعض الباطل بالوحي الإلهي، وقد أمن الله رسول من ذلك بمثل ~~قوله: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك ~~من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم": الجن: 28. ~~قوله تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم" ~~الكلمة - وهي ما دل على معنى تام أو غيره - ربما استعملت في القرآن في ~~القول الحق الذي قاله الله عز من قائل من القضاء أو الوعد كما في قوله: ~~"ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم": يونس: 19 يشير إلى قوله لآدم عند ~~الهبوط: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36 وقوله تعالى: ~~"حقت عليهم كلمة ربك": يونس: 96 يشير إلى قوله تعالى لإبليس: "لأملأن جهنم ~~منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 وقد فسرها في موضع آخر بقوله: "وتمت ~~كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": هود: 119 وكقوله تعالى: ~~"وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا": الأعراف: 137 يشير إلى ~~ما وعدهم أنه سينجيهم من فرعون ويورثهم الأرض كما يشير إليه قوله: "ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين": ~~القصص: 5. # وربما استعملت الكلمة في العين الخارجي كالإنسان مثلا كقوله تعالى: "إن ~~الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم": آل عمران: 45 والعناية ~~فيه أنه (عليه السلام) خرق عادة التدريج وخلق بكلمة إلهية موجدة قال تعالى: ~~"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل ms2718 ~~عمران: 59. # فظاهر سياق الآيات فيما نحن فيه يعطي أن يكون المراد بقوله: "وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا" كلمة الدعوة الإسلامية وما يلازمها من نبوة محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ونزول القرآن المهيمن على ما تقدم عليه من الكتب السماوية ~~المشتمل على جوامع المعارف الإلهية وكليات الشرائع الدينية كما أشار إليه ~~فيما حكى من دعاء إبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة: "ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم": البقرة: 129. # وأشار إلى تقدم ذكره في الكتب السماوية في قوله: "الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف: 157 ~~وبذلك يشعر قوله في الآية السابقة: "والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق" وقوله: "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم": ~~البقرة: 146 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. # فالمراد بتمام الكلمة - والله أعلم - بلوغ هذه الكلمة أعني ظهور الدعوة ~~الإسلامية بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول الكتاب المهيمن على ~~جميع الكتب، مرتبة الثبوت واستقرارها في مستقر التحقق بعد ما كانت تسير ~~دهرا طويلا في مدارج التدريج بنبوة بعد نبوة وشريعة بعد شريعة فإن الآيات ~~الكريمة دالة على أن الشريعة الإسلامية تتضمن جمل ما تقدمت عليه من الشرائع ~~وتزيد عليها بما ليس فيها كقوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13. # وبذلك يظهر معنى تمام الكلمة وأن المراد به انتهاء تدرج الشرائع من مراحل ~~النقص إلى مرحلة الكمال، ومصداقه الدين المحمدي قال تعالى: "والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون": الصف: 9. PageV07P183 # وتمام هذه الكلمة الإلهية صدقا هو أن يصدق القول بتحققها في الخارج بالصفة ~~التي بين بها، وعدلا أن تتصف بالتقسيط على سواء فلا يتخلف بعض أجزائه عن ~~بعض وتزن الأشياء على النحو الذي من شأنها أن توزن به من غير إخسار أو حيف ms2719 ~~وظلم، ولذلك بين هذين القيدين أعني "صدقا وعدلا" بقوله "لا مبدل لكلماته" ~~فإن الكلمة الإلهية إذا لم تقبل تبديلا من مبدل سواء كان المبدل هو نفسه ~~تعالى كأن ينقض ما قضى بتبدل إرادة أو يخلف ميعاده، أو كان المبدل غيره ~~تعالى كأن يعجزه غيره ويقهره على خلاف ما يريد كانت كلمته صدقا تقع كما ~~قال، وعدلا لا تنحرف عن حالها التي كانت عليها وصفها الذي وصفت به فالجملة ~~أعني قوله: "لا مبدل لكلماته" بمنزلة التعليل يعلل بها قوله: "صدقا وعدلا". # ومن أقوال المفسرين في الآية أن المراد بالكلمة والكلمات القرآن، وقيل: ~~إن المراد بالكلمة القرآن، وبالكلمات ما فيه غير الشرائع فإنها تقبل ~~التبديل بالنسخ والله سبحانه يقول: "لا مبدل لكلماته" وقيل: المراد بالكلمة ~~الدين، وقيل: المراد الحجة، وقيل: الصدق ما كان في القرآن من الأخبار ~~والعدل ما فيه من الأحكام، هذا. # وقوله تعالى: "وهو السميع العليم" أي السميع المستجيب لما تدعونه بلسان ~~حاجتكم، العليم بحقيقة ما عندكم من الحاجة، أو السميع بما يحدث في ملكه ~~بواسطة الملائكة الرسل، والعليم بذلك من غير واسطة، أو السميع لأقوالكم، ~~العليم بأفعالكم. # قوله تعالى: "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" إلى آخر الآية. # الخرص الكذب والتخمين، والمعنى الثاني هو الأنسب بسياق الآية فإن الجملة ~~أعني قوله: "وإن هم إلا يخرصون" والتي قبلها أعني قوله: "إن يتبعون إلا ~~الظن" واقعتان موقع التعليل لقوله: "وإن تطع أكثر من في الأرض" إلخ، واتباع ~~الظن والقول بالخرص والتخمين سببان بالطبع للضلال في الأمور التي لا يسوغ ~~الاعتماد فيها إلا على العلم واليقين كالمعارف الراجعة إليه تعالى والشرائع ~~المأخوذة من قبله. # وسير الإنسان وسلوكه الحيوي في الدنيا وإن كان لا يتم دون الركون إلى ~~الظن والاستمداد من التخمين حتى أن الباحث عن علوم الإنسان الاعتبارية ~~والعلل والأسباب التي تدعوه إلى صوغه لها وتقليبها في قالب الاعتبار، ~~وارتباطها بشئونه الحيوية وأعماله وأحواله لا يكاد يجد مصداقا يركن الإنسان ~~فيه إلى العلم الخالص واليقين المحض اللهم إلا ms2720 بعض الكليات النظرية التي ~~ينتهي إليها مما يضطر إلى الإذعان بها والاعتماد عليها. # إلا أن ذلك كله فيما يقبل التقريب والتخمين من جزئيات الأمور في الحياة، ~~وأما السعادة الإنسانية التي فيه فوز هذا النوع وفلاحه، والشقاء الذي يرتبط ~~به الهلاك الأبدي والخسران الدائم، وما يتوقف عليه التبصر فيهما من النظر ~~في العالم وصانعه والغرض من إيجاده وما ينتهي إليه الأمر من البعث والنشور ~~وما يتعلق به من النبوة والكتاب والحكم فإن ذلك كله مما لا يقبل الركون إلى ~~الظن والتخمين والله سبحانه لا يرتضي من عباده في ذلك إلا العلم واليقين، ~~والآيات في ذلك كثيرة جدا كقوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم": ~~الإسراء: 36. # ومن أوضحها دلالة هذه الآية التي نحن فيها يبين فيها أن أكثر أهل الأرض ~~لركونهم العام إلى الظن والتخمين لا يجوز طاعتهم فيما يدعون إليه ويأمرون ~~به في سبيل الله وطريق عبوديته لأن الظن ليس مما يكشف به الحق الذي يستراح ~~إليه في أمر الربوبية والعبودية لملازمته الجهل بالواقع وعدم الاطمئنان ~~إليه، ولا عبودية مع الجهل بالرب وما يريده من عبده. # فهذا هو الذي يقضي به العقل الصريح، وقد أمضاه الله سبحانه كما في قوله ~~في الآية التالية في معنى تعليل النهي عن الطاعة: "إن ربك هو أعلم من يضل ~~عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" حيث علل الحكم بعلم الله دون حكم العقل، وقد ~~جمع سبحانه بين الطريقين جميعا في قوله: "وما لهم به من علم إن يتبعون إلا ~~الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وهذا أخذ بحكم العقل - فأعرض عمن تولى ~~عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى": النجم: 30 وفي ذيل الآية استناد إلى ~~علم الله سبحانه وحكمه. PageV07P184 # قوله تعالى: "إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" ذكروا أن ~~"أعلم" إذا لم يتم بمن ربما أفاد معنى التفضيل وربما استعمل ms2721 بمعنى الصفة ~~خالية عن التفضيل، والآية تحتمل المعنيين جميعا فإن أريد حقيقة العلم ~~بالضالين والمهتدين فهو لله سبحانه لا يشاركه فيها أحد حتى يفضل عليه، وإن ~~أريد مطلق العلم أعم مما كان المتصف به متصفا بذاته أو كان اتصافه به بعطية ~~منه تعالى كان المتعين هو معنى التفضيل فإن لغيره تعالى علما بالضال ~~والمهتدي قدر ما أفاضه الله عليه من العلم. # وتعدي أعلم بالباء في قوله: "أعلم بالمهتدين" يدل على أن قوله: "من يضل" ~~منصوب بنزع الخافض والتقدير: "أعلم بمن يضل" ويؤيده ما نقلناه آنفا من آية ~~سورة النجم. # قوله تعالى: "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين" لما ~~تمهد ما قدمه من البيان الذي هو حجة على أن الله سبحانه هو أحق بأن يطاع من ~~غيره استنتج منه وجوب الأخذ بالحكم الذي شرعه وهو الذي يدل عليه هذه الآية، ~~ووجوب رفض ما يبيحه غيره بهواه من غير علم ويجادل المؤمنين فيه بوحي ~~الشياطين إليه، وهو الذي يدل عليه قوله: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه إلى آخر الآية. # ومن هنا يظهر أن العناية الأصلية متعلقة بجملتين من بين الجمل المتسقة في ~~الآية إلى تمام أربع آيات، وسائر الجمل مقصودة بتبعها يبين بها ما يتوقف ~~عليه المطلوب بجهاته فأصل الكلام: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه أي فرقوا بين المذكى والميتة فكلوا من هذه ولا ~~تأكلوا من ذاك، وإن كان المشركون يجادلونكم في أمر التفريق. # فقوله: "فكلوا مما ذكر اسم الله" تفريع للحكم على البيان السابق، ولذا ~~أردفه بقوله: "إن كنتم بآياته مؤمنين" والمراد بما ذكر اسم الله عليه ~~الذبيحة المذكاة. # قوله تعالى: "وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه" إلى آخر الآية، ~~بيان تفصيلي لإجمال التفريع الذي في الآية السابقة، والمعنى: أن الله فصل ~~لكم ما حرم عليكم واستثنى صورة الاضطرار وليس فيما فصل لكم ما ذكر اسم الله ~~عليه فلا بأس بأكله وإن ms2722 كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين المتجاوزين عن حدوده وهؤلاء هم المشركون القائلون: لا فرق بين ما ~~قتلتموه أنتم وما قتله الله فكلوا الجميع أو دعوا الجميع. # ويظهر بما مر أن معنى قوله: "وما لكم ألا تأكلوا" ما لكم من نفع في أن لا ~~تأكلوا، وما للاستفهام التعجيبي، وقيل: المعنى ليس لكم أن لا تأكلوا، وما للنفي. # ويظهر من الآية أن محرمات الأكل نزلت قبل سورة الأنعام وقد وقعت في سورة ~~النحل من السور المكية فهي نازلة قبل الأنعام. # قوله تعالى: "وذروا ظاهر الإثم وباطنه" إلى آخر الآية، وإن كانت مطلقة ~~بحسب المضمون تنهى عن عامة الإثم ظاهره وباطنه غير أن ارتباطها بالسياق ~~المتصل الذي لسابقتها ولاحقتها يقضي بكونها تمهيدا للنهي الآتي في قوله: ~~"ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق" ولازم ذلك أن يكون الأكل ~~مما لم يذكر اسم الله عليه من مصاديق الإثم حتى يرتبط بالتمهيد السابق عليه ~~فهو من الإثم الظاهر أو الباطن لكن التأكيد البليغ الذي في قوله: "وإنه ~~لفسق" يفيد أنه من الإثم الباطن وإلا لم تكن حاجة إلى تأكيده ذاك التأكيد ~~الأكيد. # وبهذا البيان يظهر أن المراد بظاهر الإثم المعصية التي لا ستر على شؤم ~~عاقبته ولا خفاء في شناعة نتيجته كالشرك والفساد في الأرض والظلم، وبباطن ~~الإثم ما لا يعرف منه ذلك في بادىء النظر كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وإنما يتميز هذا النوع بتعريف إلهي وربما أدركه العقل، هذا هو الذي يعطيه ~~السياق من معنى ظاهر الإثم وباطنه. PageV07P185 # وللمفسرين في تفسيرهما أقوال أخر، من ذلك: أن ظاهر الإثم وباطنه هما ~~المعصية في السر والعلانية، وقيل: أريد بالظاهر أفعال الجوارح، وبالباطن ~~أفعال القلوب، وقيل: الظاهر من الإثم هو الزنا، والباطن اتخاذ الأخدان، ~~وقيل: ظاهر الإثم نكاح امرأة الأب، وباطنه الزنا، وقيل: ظاهر الإثم الزنا ~~الذي أظهر به، وباطنه الزنا إذا استسر به صاحبه على ما كان يراه أهل ~~الجاهلية من العرب أن الزنا لا بأس به ms2723 إذا لم يتجاهر به، وإنما الفحشاء هو ~~الذي أظهره صاحبه، وهذه الأقوال - كما ترى - على أن جميعها أو أكثرها لا ~~دليل عليها يخرج الآية عن حكم السياق. # وقوله تعالى: "إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون" تعليل ~~للنهي وإنذار بالجزاء السيىء. # قوله تعالى: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" نهي هو زميل قوله: ~~"فكلوا مما ذكر اسم الله عليه" كما تقدم. # وقوله: "وإنه لفسق" إلى آخر الآية، بيان لوجه النهي وتثبيت له أما قوله: ~~"وإنه لفسق" فهو تعليل والتقدير: إنه لفسق وكل فسق يجب اجتنابه فالأكل مما ~~لم يذكر اسم الله عليه واجب الاجتناب. # وأما قوله: "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم" ففيه رد ما كان ~~المشركون يلقونه إلى المؤمنين من الشبهة، والمراد بأولياء الشياطين هم ~~المشركون، ومعناه أن ما يجادلكم به المشركون وهو قولهم: إنكم تأكلون مما ~~قتلتم ولا تأكلون مما قتله الله يعنون الميتة، هو مما أوحاه إليهم الشياطين ~~من باطل القول، والفارق أن أكل الميتة فسق دون أكل المذكى، وأن الله حرم ~~أكل الميتة ولم يحرم أكل المذكى فليس فيما حرمه الله ذكر ما ذكر اسم الله عليه. # وأما قوله: "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" فهو تهديد وتخويف بالخروج من ~~الإيمان، والمعنى: إن أطعتم المشركين في أكل الميتة الذي يدعونكم إليه صرتم ~~مشركين مثلهم إما لأنكم استننتم بسنة المشركين، أو لأنكم بطاعتهم تكونوا ~~أولياء لهم فتكونون منهم قال تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم": المائدة: 51. # ووقوع هذه الجملة أعني قوله: "وإن أطعتموهم" إلخ، في ذيل النهي عن أكل ما ~~لم يذكر اسم الله عليه دون الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه يدل على أن ~~المشركين كانوا يريدون من المؤمنين بجدالهم أن لا يتركوا أكل الميتة لا أن ~~يتركوا أكل المذكى. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: أخرج ابن مردويه عن أبي اليمان جابر بن عبد الله قال: ~~دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه ~~مخصرة، ولكل قوم صنم ms2724 يعبدونه فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن في صدر الصنم ~~بعصا ثم يعقره كلما صرع صنما أتبعه الناس ضربا بالفئوس حتى يكسرونه ~~ويطرحونه خارجا من المسجد والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: وتمت ~~كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. # وفيه،: أخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): في قوله: "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" قال: لا إله إلا الله. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إن الإمام ليسمع في بطن أمه فإذا ولد خط بين كتفيه: "وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته - وهو السميع العليم" فإذا صار الأمر ~~إليه جعل الله له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كل بلدة. # أقول: وروي هذا المعنى بطرق أخرى عن عدة من أصحابنا عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) ورواه أيضا القمي والعياشي في تفسيريهما عنه (عليه السلام)، ~~وفي بعضها: أن الآية تكتب بين عينيه، وفي بعضها: على عضده الأيمن. # واختلاف مورد الكتابة في الروايات تكشف عن أن المراد بها القضاء بظهور ~~الحكم الإلهي به (عليه السلام) واختلاف ما كتب عليه لاختلاف الاعتبار فكأن ~~المراد بكتابتها فيما بين عينيه جعلها وجهة له يتوجه إليها، وبكتابتها بين ~~كتفيه حملها عليه وإظهاره وتأييده بها وبكتابتها على عضده الأيمن جعلها ~~طابعا على عمله وتقويته وتأييده بها. # وهذه الرواية والروايتان السابقتان عليها تؤيد ما قدمناه أن ظاهر الآية ~~كون المراد بتمام الكلمة ظهور الدعوة الإسلامية بما يلازمها من نبوة محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن والإمامة من ذلك. PageV07P186 # وفي تفسير العياشي، في قوله تعالى: "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه" الآية عن ~~محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يذبح الذبيحة فيهلل أو يسبح أو يحمد ~~ويكبر قال: هذا كله من أسماء الله. # وفيه، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن ذبيحة ~~المرأة والغلام ms2725 هل تؤكل؟ قال: نعم إذا كانت المرأة مسلمة وذكرت اسم الله ~~حلت ذبيحتها، وإذا كان الغلام قويا على الذبح وذكر اسم الله حلت ذبيحته، ~~وإن كان الرجل مسلما فنسي أن يسمي فلا بأس بأكله إذا لم تتهمه. # أقول: وفي هذه المعاني أخبار من طرق أهل السنة. # وفيه، عن حمران قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في ذبيحة ~~الناصب واليهودي قال: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله، أما سمعت ~~قول الله: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" وفي الدر المنثور، أخرج ~~أبو داود والبيهقي في سننه وابن مردويه عن ابن عباس: "ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق" فنسخ واستثنى من ذلك فقال: "وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم". # أقول: وروي النسخ عن أبي حاتم عن مكحول وقد تقدم في أول المائدة: أن ~~الآية إن نسخت فإنما تنسخ اشتراط الإسلام في المذكي - اسم فاعل - دون وجوب ~~التسمية إذ لا نظر لها إليه ولا تنافي بين الآيتين في ذلك وللمسألة ارتباط بالفقه PageV07P187 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 122 - 127 # أومن كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى ~~الظلمت ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون (122) وكذلك جعلنا ~~فى كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ~~(123) وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما ~~كانوا يمكرون (124) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلم ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون (125) وهذا صرط ربك مستقيما قد فصلنا الايت لقوم يذكرون ~~(126) لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس ms2726 بخارج منها" الآية واضحة المعنى وهي بحسب ما يسبق ~~إلى الفهم البسيط الساذج مثل مضروب لكل من المؤمن والكافر يظهر بالتدبر فيه ~~حقيقة حاله في الهدى والضلال. # فالإنسان قبل أن يمسه الهدى الإلهي كالميت المحروم من نعمة الحياة الذي ~~لا حس له ولا حركة فإن آمن بربه إيمانا يرتضيه كان كمن أحياه الله بعد ~~موته، وجعل له نورا يدور معه حيث دار يبصر في شعاعه خيره من شره ونفعه من ~~ضره فيأخذ ما ينفعه ويدع ما يضره وهكذا يسير في مسير الحياة. # وأما الكافر فهو كمن وقع في ظلمات لا مخرج له منها ولا مناص له عنها ظلمة ~~الموت وما بعد ذلك من ظلمات الجهل في مرحلة تمييز الخير من الشر والنافع من ~~الضار، ونظير هذه الآية في معناها بوجه قوله تعالى: "إنما يستجيب الذين ~~يسمعون والموتى يبعثهم الله": الأنعام: 36 وقال تعالى: "من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة": النحل: 97. # ففي الكلام استعارة الموت للضلال واستعارة الحياة للإيمان أو الاهتداء ~~والإحياء للهداية إلى الإيمان والنور للتبصر بالأعمال الصالحة، والظلمة ~~للجهل كل ذلك في مستوى التفهيم والتفهم العموميين لما أن أهل هذا الظرف لا ~~يرون للإنسان بما هو إنسان حياة وراء الحياة الحيوانية التي هي المنشأ ~~للشعور باللذائذ المادية والحركة الإرادية نحوها. # فهؤلاء يرون أن المؤمن والكافر لا يختلفان في هذه الموهبة وهي فيهما شرع ~~سواء فلا محالة عد المؤمن حيا بحياة الإيمان ذا نور يمشي به في الناس، وعد ~~الكافر ميتا بميتة الضلال في ظلمات لا مخرج منها ليس إلا مبتنيا على عناية ~~تخييلية واستعارة تمثيلية يمثل بها حقيقة المعنى المقصود. # لكن التدبر في أطراف الكلام والتأمل فيما يعرفه القرآن الكريم يعطي للآية ~~معنى وراء هذا الذي يناله الفهم العامي فإن الله سبحانه ينسب للإنسان ~~الإلهي في كلامه حياة خالده أبدية لا تنقطع بالموت الدنيوي هو فيها تحت ~~ولاية الله محفوظ بكلاءته مصون بصيانته لا يمسه نصب ولا لغوب، ولا يذله ~~شقاء ولا تعب، ms2727 مستغرب في حب ربه مبتهج ببهجة القرب لا يرى إلا خيرا، ولا ~~يواجه إلا سعادة وهو في أمن وسلام لا خوف معه ولا خطر، وسعادة وبهجة ولذة ~~لا نفاذ لها ولا نهاية لأمدها. # ومن كان هذا شأنه فإنه يرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لا يسمعونه، ويعقل ~~ما لا يعقلونه، ويريد ما لا يريدونه وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته ~~وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها فله شعور وإرادة فوق ~~ما لغيره من الشعور والإرادة فعنده من الحياة التي هي منشأ الشعور والإرادة ~~ما ليس عند غيره من الناس فللمؤمن مرتبة من الحياة ليست عند غيره. PageV07P188 # فكما أن العامة من الإنسان في عين أنها تشارك سائر الحيوان في الشعور ~~بواجبات الحياة والحركة الإرادية نحوها، ويشاركها الحيوان لكنا مع ذلك لا ~~نشك أن الإنسان نوع أرقى من سائر الأنواع الحيوانية وله حياة فوق الحياة ~~التي فيها لما نرى في الإنسان آثاره العجيبة المترشحة من أفكار الكلية ~~وتعقلاته المختصة به، ولذلك نحكم في الحيوان إذا قسناه إلى النبات وفي ~~النبات إذا قسناه إلى ما قبله من مراتب الكون أن لكل منهما كعبا أعلى وحياة ~~هي أرقى من حياة ما قبله. # فلنقض في الإنسان الذي أوتي العلم والإيمان واستقر في دار الإيقان واشتغل ~~بربه وفرغ واستراح من غيره وهو يشعر بما ليس في وسع غيره ويريد ما لا يناله ~~سواه أن له حياة فوق حياة غيره، ونورا يستمد به في شعوره، وإرادة لا توجد ~~إلا معه وفي ظرف حياته. # يقول الله سبحانه: "فلنحيينه حياة طيبة": النحل: 97 فلهم الحياة لكنها ~~بطبعها طيبة وراء مطلق الحياة "ويقول: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون": الأعراف: 179 فيثبت لهم أمثال القلوب والأعين والآذان التي في ~~المؤمنين لكنه ينفي كمال آثارها التي في المؤمنين، ولم يكتف بذلك حتى أثبت ~~لهم روحا خاصا بهم فقال: "أولئك كتب في قلوبهم ms2728 الإيمان وأيدهم بروح منه": ~~المجادلة: 22. # فتبين بذلك أن للحياة وكذا للنور حقيقة في المؤمن واقعية وليس الكلام ~~جاريا على ذاك التجوز الذي لا يتعدى مقام العناية اللفظية فما في خاصة الله ~~من المؤمنين من الصفة الخاصة بهم أحق باسم الحياة مما عند عامة الناس من ~~معنى الحياة كما أن حياة الإنسان كذلك بالنسبة إلى حياة الحيوان، وحياة ~~الحيوان كذلك بالنسبة إلى حياة النبات. # فقوله: "أومن كان ميتا فأحييناه" أي ضالا من حيث نفسه أو ضالا كافرا قبل ~~أن يؤمن بربه وهو نوع من الموت فأحييناه بحياة الإيمان أو الهداية - والمال ~~واحد - وجعلنا له نورا أي علما متولدا من إيمانه كما قال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيما رواه الفريقان: "من عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم ~~أو علمه الله ما لم يعلم". # فإن روح الإيمان إذا تمكنت من نفس الإنسان واستقرت فيها حولت الآراء ~~والأعمال إلى صور تناسبها ولا تخالفها وكذلك سائر الملكات أعم من الفضائل ~~والرذائل إذا استقرت في باطن الإنسان لم تلبث دون أن تحول آراءه وأعماله ~~إلى أشكال تحاكيها. # وربما قيل: إن المراد بالنور هو الإيمان أو القرآن وهو بعيد من السياق. # وهذا النور أثره في المؤمن أنه "يمشي به في الناس" أي يتبصر به في مسير ~~حياته الاجتماعية المظلمة ليأخذ من الأعمال ما ينفعه في سعادة حياته، ويترك ~~ما يضره. # فهذا هو حال المؤمن في حياته ونوره فهل هو "كمن مثله" ووصفه أنه "في ~~الظلمات ظلمات الضلال وفقدان نور الإيمان "ليس بخارج منها" لأن الموت لا ~~يستتبع آثار الحياة البتة فلا مطمع في أن يهتدي الكافر إلى أعمال تنفعه في ~~أخراه وتسعده في عقباه. # وقد ظهر مما تقدم أن قوله: "كمن مثله في الظلمات" إلخ، في تقدير: هو في ~~الظلمات ليس بخارج منها، ففي الكلام مبتدأ محذوف هو الضمير العائد إلى ~~الموصول، وقيل: التقدير: كمن مثله مثل من هو في الظلمات، ولا بأس به لو لا ~~كثرة التقدير. # قوله تعالى: "كذلك زين للكافرين ms2729 ما كانوا يعملون" ظاهر سياق صدر الآية أن ~~يكون التشبيه في قوله: "كذلك" من قبيل تشبيه الفرع بالأصل بعناية إعطاء ~~القاعدة الكلية كقوله تعالى: "كذلك يضرب الله الحق والباطل" وقوله: "كذلك ~~يضرب الله الأمثال": الرعد: 17 أي اتخذ ما ذكرناه من المثل أصلا وقس عليه ~~كل ما عثرت به من مثل مضروب فمعنى قوله: "كذلك زين" إلخ، على هذا المثال ~~المذكور أن الكافر لا مخرج له من الظلمات، زين للكافرين أعمالهم فقد زينت ~~لهم أعمالهم زينة تجذبهم إليها وتحبسهم ولا تدعهم يخرجوا منها إلى فضاء ~~السعادة وفسحة النور أبدا والله لا يهدي القوم الظالمين. # وقيل: إن وجه التشبيه في قوله: "كذلك زين" إلخ، أنه زين لهؤلاء الكفر ~~فعملوه مثل ما زين لأولئك الإيمان فعملوه. # فشبه حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه انتهى وهو بعيد من سياق الصدر. PageV07P189 # قوله تعالى: "وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها" إلى آخر الآية، كأن ~~المراد بالآية أنا أحيينا جمعا وجعلنا لهم نورا يمشون به في الناس، وآخرين ~~لم نحيهم فمكثوا في الظلمات فهم غير خارجين منها ولا أن أعمالهم المزينة ~~تنفعهم وتخلصهم منها كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ~~بالدعوة الدينية والنبي والمؤمنين لكنه لا ينفعهم فإنهم في ظلمات لا يبصرون ~~بل إنما يمكرون بأنفسهم ولا يشعرون. # وعلى هذا فقوله: "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون" مسوق لبيان أن ~~أعمالهم المزينة لهم لا تنفعهم في استخلاصهم من الظلمات التي هم فيها، ~~وقوله: "وكذلك جعلنا في كل قرية" إلخ، مسوق لبيان أن أعمالهم ومكرهم لا يضر ~~غيرهم إنما وقع مكرهم على أنفسهم وما يشعرون لمكان ما غمرهم من الظلمة. # وقيل: معنى التشبيه في الآية أن مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين ~~عملهم، ومثل ذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، وجعلنا ذا المكر من ~~المجرمين كما جعلنا ذا النور من المؤمنين فكل ما فعلنا بهؤلاء فعلنا بهم ~~إلا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم لأن في كل ms2730 ~~واحد منهما الجعل بمعنى الصيرورة إلا أن الأول باللطف والثاني بالتمكين من ~~المكر انتهى. # ولا يخلو من بعد من السياق. # والجعل في قوله: "جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها" كالجعل في قوله: ~~"وجعلنا له نورا" فالأنسب أنه بمعنى الخلق، والمعنى: خلقنا في كل قرية ~~أكابر مجرميها ليمكروا فيها وكون مكرهم غاية للخلقة وغرضا للجعل نظير كون ~~دخول النار غرضا إلهيا في قوله: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس": ~~الأعراف: 179 وقد مر الكلام في معنى ذلك في مواضع من هذا الكتاب. # وإنما خص بالذكر أكابر مجرميها لأن المطلوب بيان رجوع المكر إلى ما كره، ~~والمكر بالله وآياته إنما يصدر منهم، وأما أصاغر المجرمين وهم العامة من ~~الناس فإنما هم أتباع وأذناب. # وأما قوله: "وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون" فذلك أن المكر هو العمل ~~الذي يستبطن شرا وضرا يعود إلى الممكور به فيفسد به غرضه المطلوب ويضل به ~~سعيه ويبطل نجاح عمله، ولا غرض لله سبحانه في دعوته الدينية، ولا نفع فيها ~~إلا ما يعود إلى نفس المدعوين فلو مكر الإنسان مكرا بالله وآياته ليفسد ~~بذلك الغرض من الدعوة ويمنع عن نجاح السعي فيها فإنما مكر بنفسه من حيث لا ~~يشعر: واستضر بذلك هو نفسه دون ربه. # قوله تعالى: "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن - إلى قوله - رسالته" قولهم: ~~"لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" يريدون به أن يؤتوا نفس الرسالة ~~بما لها من مواد الدعوة الدينية دون مجرد المعارف الدينية من أصول وفروع ~~وإلا كان اللفظ المناسب له أن يقال: "مثل ما أوتي أنبياء الله" أو ما يشاكل ~~ذلك كقولهم: "لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية": البقرة: 118 وقولهم: "لو ~~لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا": الفرقان: 21. # فمرادهم أنا لن نؤمن حتى نؤتى الرسالة كما أوتيها الرسل، وفيه شيء من ~~الاستهزاء فإنهم ما كانوا قائلين بالرسالة فهو بوجه نظير قولهم: "لو لا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم": الزخرف: 31 كما ms2731 أن جوابه نظير جوابه ~~وهو قوله تعالى: "أهم يقسمون رحمة ربك": الزخرف: 32 كقوله: "الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته،". # ومما تقدم يظهر أن الضمير في قوله: "وإذا جاءتهم آية قالوا" إلخ، عائد ~~إلى "أكابر مجرميها" في الآية السابقة، إذ لو رجع إلى عامة المشركين لغا ~~قولهم: "حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" إذ لا معنى لرسالة جميع الناس حيث ~~لا أحد يرسلون إليه، ولم يقع قوله: "الله أعلم حيث يجعل رسالته" موقعه بل ~~كان حق الجواب أنه لغو من القول كما عرفت. # ويؤيده الوعيد الذي في ذيل الآية: "سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون" حيث وصفهم بالإجرام وعلل الوعيد بمكرهم، ولم ~~ينسب المكر في الآية السابقة إلا إلى أكابر مجرميها، والصغار الهوان ~~والذلة. PageV07P190 # قوله تعالى: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" الشرح هو البسط وقد ~~ذكر الراغب في مفرداته، أن أصله بسط اللحم ونحوه، وشرح الصدر الذي يعد في ~~الكلام وعاء للعلم والعرفان هو التوسعة فيه بحيث يسع ما يصادفه من المعارف ~~الحقة ولا يدفع كلمة الحق إذا ألقيت إليه كما يدل عليه ما ذكر في وصف ~~الإضلال بالمقابلة وهو قوله: "يجعل صدره ضيقا حرجا" إلخ. # فمن شرح الله صدره للإسلام وهو التسليم لله سبحانه فقد بسط صدره ووسعه ~~لتسليم ما يستقبله من قبله تعالى من اعتقاد حق أو عمل ديني صالح فلا يلقي ~~إليه قول حق إلا وعاه ولا عمل صالح إلا أخذ به وليس إلا أن لعين بصيرته ~~نورا يقع على الاعتقاد الحق فينوره أو العمل الصالح فيشرقه خلاف من عميت ~~عين قلبه فلا يميز حقا من باطل ولا صدقا من كذب قال تعالى: "فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور": الحج: 46. # وقد بين تعالى شرح الصدر بهذا البيان في قوله أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله" فوصفه فعرفه بأن ~~صاحبه راكب نور من الله يشرق قدامه ms2732 في مسيره ثم عرفه بالمقابلة بلينة في ~~القلب يقبل به ذكر الله ولا يدفعه لقسوة ثم قال: "الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له ~~من هاد": الزمر: 23 فذكر لين القلب إلى ذكر الله وطوعه للحق وأفاد أن ذلك ~~هو الهدى الإلهي الذي يهدي به من يشاء، وعند ذلك يرجع الآيتان أعني آية ~~الزمر والآية التي نحن فيها إلى معنى واحد وهو أن الله سبحانه عند هدايته ~~عبدا من عباده يبسط صدره فيسع كل اعتقاد حق وعمل صالح ويقبله بلين ولا ~~يدفعه بقسوة وهو نوع من النور المعنوي الذي ينور القول الحق والعمل الصالح ~~وينصر صاحبه فيمسك بما نوره فهذا معرف يعرف به الهداية الإلهية. # ومن هنا يظهر أن الآية أعني قوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام" بمنزلة بيان آخر لقوله: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس" والتفريع الذي في قوله. # "فمن يرد الله" إلخ. # من قبيل تفريع أحد البيانين على الآخر بدعوى أنه نتيجته كأن التصادق بين ~~البيانين يجعل أحدهما نتيجة مترتبة وفرعا متفرعا على الآخر، وهو عناية لطيفة. # والمعنى: فإذا كان من أحياه الله بعد ما كان ميتا على هذه الصفة وهي أنه ~~على نور من ربه يستضيء به له واجب الاعتقاد والعمل فيأخذ به فمن يرد الله ~~أن يهديه يوسع صدره لأن يسلم لربه ولا يستنكف عن عبادته فالإسلام نور من ~~الله، والمسلمون لربهم على نور من ربهم. # قوله تعالى: "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا" إلى آخر الآية، الإضلال ~~مقابل الهداية، ولذا كان أثره مقابلا لأثرها وهو التضييق المقابل للشرح ~~والتوسعة وأثره أن لا يسع ما يتوجه إليه من الحق والصدق، ويتحرج عن دخولهما ~~فيه، ولذا أردف كون الصدر ضيقا بكونه حرجا. # والحرج على ما في المجمع، أضيق الضيق، وقال في المفردات:، ms2733 أصل الحرج ~~والحراج مجتمع الشيء وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج وللإثم حرج. # انتهى. # فقوله: "حرجا كأنما يصعد في السماء" في محل التفسير لقوله: "ضيقا" وإشارة ~~إلى أن ذلك نوع من الضيق يناظر بوجه التضيق والتحرج الذي يشاهد من الظروف ~~والأوعية إذا أريد إدخال ما هو أعظم منها ووضعه فيها. # وقوله: "كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون" إعطاء ضابط كلي في ~~إضلال الذين لا يؤمنون أنهم يفقدون حال التسليم لله والانقياد للحق، وقد ~~أطلق عدم الإيمان وإن كان مورد الآيات عدم الإيمان بالله سبحانه وهو الشرك ~~به لكن الذي سبق من البيان في الآية يشمل عدم الإيمان بالله وهو الشرك، ~~وعدم الإيمان بآيات الله وهو رد بعض ما أنزله الله من المعارف والأحكام فقد ~~دل على ذلك كله بقوله: "يشرح صدره للإسلام" إلخ، وبقوله سابقا: "وجعلنا له ~~نورا يمشي به" إلخ، وقوله: "يجعل صدره ضيقا حرجا" إلخ، وبقوله سابقا: "في ~~الظلمات ليس بخارج منها". PageV07P191 # وقد سمي في الآية الضلال الذي يساوق عدم الإيمان رجسا والرجس هو القذر غير ~~أنه اعتبر فيه نوعا من الاستعلاء الدال عليه قوله: "على الذين لا يؤمنون" ~~كأن الرجس يعلوهم ويحيط بهم فيحول بينهم وبين غيرهم فيتنفر منهم الطباع كما ~~يتنفر من الغذاء الملطخ بالقذر. # وقد استدل بالآية على أن الهدى والضلال من الله لا صنع فيهما لغيره تعالى ~~وهو خطأ فإن الآية - كما عرفت - في مقام بيان حقيقة الهدى والضلال اللذين ~~من الله ونوع تعريف لهما وتحديد لا في مقام بيان انحصارهما فيه وانتفائهما ~~عن غيره كما هو المدعى وهو ظاهر. # ونظير ذلك ما ذكره بعضهم: أن الآية كما تدل بلفظها على قولنا: إن الهداية ~~والضلال من الله، كذلك تدل بلفظها على الدليل العقلي القاطع في هذه ~~المسألة. # بيانه: أن العبد قادر على الإيمان والكفر معا على حد سواء فيمتنع صدور ~~أحدهما عنه بدلا من الآخر إلا إذا اقترن بمرجح يستدعي صدور ما يرجح به وهو ~~الداعي القلبي الذي ليس إلا ms2734 العلم أو الاعتقاد أو الظن بكون الفعل مشتملا ~~على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة من غير ضرر زائد أو مفسدة راجحة، وقد بينا ~~بالدليل أن حصول هذه الدواعي في القلب إنما يكون من الله تعالى، وأن مجموع ~~القدرة والداعي يوجب العمل. # إذا ثبت هذا فنقول: يستحيل صدور الإيمان من العبد إلا إذا خلق الله في ~~قلبه اعتقاد رجحان الإيمان، ومعه يحصل من القلب ميل إليه ومن النفس رغبة ~~فيه وهذا هو انشراح الصدر، ويمتنع الكفر إلا بخلقه ما يقابل ذلك في القلب، ~~ويحصل حينئذ النفرة عنه والاشمئزاز منه وهو المراد بجعل القلب ضيقا حرجا ~~فصار تقدير الآية: أن من أراد الله منه الإيمان قوي دواعيه إليه، ومن أراد ~~منه الكفر قوي صوارفه عن الإيمان وقوي دواعيه إلى الكفر، ولما ثبت بالدليل ~~العقلي أن الأمر كذلك ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية. # انتهى ملخصا. # وفيه أولا: أن انتساب الشيء إليه تعالى من جهة خلقه أسباب وجوده ومقدماته ~~لا يوجب انتفاء نسبته إلى غيره تعالى وإلا أوجب ذلك بطلان قانون العلية ~~العام وببطلانه يبطل القضاء العقلي من رأس فمن الممكن أن تستند الهداية ~~والضلال إلى غيره تعالى استنادا حقيقيا في حين أنهما يستندان إليه تعالى ~~استنادا حقيقيا من غير تناقض. # وثانيا: أن الذي ذكرته الآية من صنعه تعالى في موردي هدايته وإضلاله هو ~~سعة القلب وضيقه، وهما غير رغبة النفس ونفرته البتة فالآية أجنبية عما ذكره ~~أصلا، ومجرد استلزام إرادة الفعل من العبد رغبته وكراهته نفرته منه لا يوجب ~~أن يكون المراد من سعة القلب وضيقه الإرادة والكراهة بالنسبة إلى الأعمال، ~~ففيه مغالطة من باب أخذ أحد المقارنين مكان الآخر ومن عجيب الكلام قوله: إن ~~انطباق الدليل العقلي الذي أقامه بزعمه على الآية يوجب دلالة لفظ الآية عليه. # وثالثا: أنك عرفت أن الآية إنما هي في مقام تعريف ما يصنع الله بعبده إذا ~~أراد هدايته أو ضلالته، وأما أن كل هداية أو ضلالة فهي من الله تعالى دون ~~غيره فذلك ms2735 أمر أجنبي عن غرض الآية فالآية لا دلالة لها على أن الهداية ~~والضلال من الله سبحانه وإن كان ذلك هو الحق. # قوله تعالى: "وهذا صراط ربك مستقيما" إلى آخر الآية، الإشارة إلى ما تقدم ~~بيانه في الآية السابقة من صنعه عند الهداية والإضلال وقد تقدم معنى الصراط ~~واستقامته، وقد بين تعالى في الآية أن ما ذكره من شرح الصدر للإسلام إذا ~~أراد الهداية ومن جعل الصدر ضيقا حرجا عند إرادة الإضلال هو صراطه المستقيم ~~وسنته الجارية التي لا تختلف ولا تتخلف فما من مؤمن إلا وهو منشرح الصدر ~~للإسلام بالله وغير المؤمن بالعكس من ذلك. # فقوله: "وهذا صراط ربك مستقيما" بيان ثان وتأكيد لكون المعرف المذكور في ~~الآية السابقة معرفا جامعا مانعا للهداية والضلالة ثم أكد سبحانه البيان ~~بقوله: "قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون" أي إن القول حق بين عند من تذكر ورجع ~~إلى ما أودعه الله في نفسه من المعارف الفطرية والعقائد الأولية التي ~~بتذكرها يهتدي الإنسان إلى معرفة كل حق وتمييزه من الباطل، والبيان مع ذلك ~~لله سبحانه فإنه هو الذي يهدي الإنسان إلى النتيجة بعد هدايته إلى الحجة. PageV07P192 # قوله تعالى: "لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون" المراد ~~بالسلام هو معناه اللغوي - على ما يعطيه ظاهر السياق - وهو التعري من ~~الآفات الظاهرة والباطنة، ودار السلام هي المحل الذي لا آفة تهدد من حل فيه ~~من موت وعاهة ومرض وفقر وأي عدم وفقد آخر وغم وحزن، وهذه هي الجنة الموعودة ~~ولا سيما بالنظر إلى تقييده بقوله: "عند ربهم". # نعم أولياء الله تعالى يجدون في هذه النشأة ما وعدهم الله من إسكانهم دار ~~السلام لأنهم يرون الملك لله فلا يملكون شيئا حتى يخافوا فقده أو يحزنوا ~~لفقده قال تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون": يونس: ~~62 وهم لا شغل لهم إلا بربهم خلوا به في حياتهم فلهم دار السلام عند ربهم - ~~وهم قاطنون في هذه الدنيا - وهو وليهم بما كانوا يعملون ms2736 وهو سيرهم في ~~الحياة بنور الهداية الإلهية الذي جعله في قلوبهم، ونور به أبصارهم ~~وبصائرهم. # وربما قيل: المراد بالسلام هو الله، وداره الجنة، والسياق يأباه وضمائر ~~الجمع في الآية راجعة إلى القوم في قوله: "لقوم يذكرون" - على ما قيل - ~~لأنه أقرب المراجع لرجوعها إليها غير أن التدبر في الآيات يؤيد رجوعها إلى ~~المهتدين بالهداية المذكورة بما أن الكلام فيهم والآيات مسوقة لبيان حسن ~~صنع الله بهم فالوعد الحسن المذكور يجب أن يعود إليهم، وأما القوم ~~المتذكرون فإنما ذكروا ودخلوا في غرض الكلام بالتبع. # كلام في معنى الهداية الإلهية # الهداية بالمعنى الذي نعرفه كيفما اتخذت هي من العناوين التي تعنون بها ~~الأفعال وتتصف بها، تقول: هديت فلانا إلى أمر كذا إذا ذكرت له كيفية الوصول ~~إليه أو أريته الطريق الذي ينتهي إليه، وهذه هي الهداية بمعنى إراءة ~~الطريق، أو أخذت بيده وصاحبته في الطريق حتى توصله إلى الغاية المطلوبة، ~~وهذه هي الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب. # فالواقع في الخارج في جميع هذه الموارد هو أقسام الأفعال التي تأتي بها ~~من ذكر الطريق أو إراءته أو المشي مع المهدي وأما الهداية فهي عنوان للفعل ~~يدور مدار القصد كما أن ما يأتيه المهدي من الفعل في أثره معنون بعنوان ~~الاهتداء فما ينسب إليه تعالى من الهداية ويسمى لأجله هاديا وهو أحد ~~الأسماء الحسنى من صفات الفعل المنتزعة من فعله تعالى كالرحمة والرزق ~~ونحوهما. # وهدايته تعالى نوعان: أحدهما الهداية التكوينية وهي التي تتعلق بالأمور ~~التكوينية كهدايته كل نوع من أنواع المصنوعات إلى كماله الذي خلق لأجله ~~وإلى أفعاله التي كتبت له، وهدايته كل شخص من أشخاص الخليقة إلى الأمر ~~المقدر له والأجل المضروب لوجوده قال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى": طه: 50 وقال: "الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى": الأعلى: 3. # والنوع الثاني: الهداية التشريعية وهي التي تتعلق بالأمور التشريعية من ~~الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة التي وضعها الله سبحانه للأمر والنهي ~~والبعث والزجر ووعد على الأخذ بها ثوابا وأوعد على تركها عقابا. ms2737 # ومن هذه الهداية ما هي إراءة الطريق كما في قوله تعالى: "إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الدهر: 3. # ومنها ما هي بمعنى الإيصال إلى المطلوب كما في قوله تعالى: "ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه": الأعراف: 176 وقد عرف الله ~~سبحانه هذه الهداية تعريفا بقوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام": الآية: 125 فهي انبساط خاص في القلب يعي به القول الحق والعمل ~~الصالح من غير أن يتضيق به، وتهيؤ مخصوص لا يأبى به التسليم لأمر الله ولا ~~يتحرج عن حكمه. # وإلى هذا المعنى يشير تعالى بقوله: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه - إلى أن قال - ذلك هدى الله يهدي به من يشاء": الزمر: 23 وقد ~~وصفه في الآية بالنور لأنه ينجلي به للقلب ما يجب عليه أن يعيه من التسليم ~~لحق القول وصدق العمل عما يجب عليه أن لا يعيه ولا يقبله وهو باطل القول ~~وفاسد العمل. PageV07P193 # وقد رسم الله سبحانه لهذه الهداية رسما آخر وهو ما في قوله عقيب ذكره ~~هدايته أنبياءه الكرام وما خصهم به من النعم العظام: "واجتبيناهم وهديناهم ~~إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده": الأنعام: 88 فقد ~~أوضحنا في تفسير الآية أن الآية تدل على أن من خاصة الهداية الإلهية أنها ~~تورد المهتدين بها صراطا مستقيما وطريقا سويا لا تخلف فيه ولا اختلاف. # فلا بعض أجزاء صراطه الذي هو دينه بما فيه من المعارف والشرائع يناقض ~~البعض الآخر لما أن الجميع يمثل التوحيد الخالص الذي ليس إلا حقيقة ثابتة ~~واحدة، ولما أن كلها مبنية على الفطرة الإلهية التي لا تخطىء في حكمها ولا ~~تتبدل في نفسها ولا في مقتضياتها. # ولا بعض الراكبين عليه السائرين فيه يألفون بعضا آخر فالذي يدعو إليه نبي ~~من أنبياء الله هو الذي يدعو إليه جميعهم، والذي يندب إليه خاتمهم وآخرهم ~~هو الذي يندب إليه آدمهم وأولهم من غير أي فرق إلا من حيث ms2738 الإجمال ~~والتفصيل. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن زيد قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: في ~~قول الله تبارك وتعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه - وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس" فقال: ميت لا يعرف شيئا "نورا يمشي به في الناس" إماما يأتم به ~~"كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" قال: الذي لا يعرف الإمام. # أقول: وهو من قبيل الجري والانطباق فسياق الآية يأبى إلا أن تكون الحياة ~~هو الإيمان والنور هو الهداية الإلهية إلى القول الحق والعمل الصالح. # وقد روى السيوطي في الدر المنثور، عن زيد بن أسلم: أن الآية نزلت في عمار ~~بن ياسر:، وروي أيضا عن ابن عباس وزيد بن أسلم: أنها نزلت في عمر بن الخطاب ~~وأبي جهل بن هشام والسياق يأبى كون الآية خاصة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزلت هذه الآية: "فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام" قال: إذا أدخل الله النور القلب انشرح وانفسح. ~~قالوا: فهل لذلك آية يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن ~~دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت:. أقول: ورواه أيضا عدة من ~~المفسرين عن جمع من التابعين كأبي جعفر المدائني والفضل والحسن وعبد الله ~~بن السور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي العيون، بإسناده عن حمدان بن سليمان النيشابوري قال: سألت أبا الحسن ~~الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام" قال: فمن يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا وإلى جنته ودار ~~كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعد من ~~ثوابه حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة ~~لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا ms2739 حتى يشك في كفره ويضطرب ~~عن اعتقاده حتى يصير كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين ~~لا يؤمنون. # أقول: وفي الحديث نكات حسنة تشير إلى ما شرحناه في البيان المتقدم. # وفي الكافي، بإسناده عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قال: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور، ~~وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة ~~سوداء وسد مسامع قلبه، ووكل به شيطانا يضله ثم تلا هذه الآية: فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا - كأنما ~~يصعد في السماء:. أقول: ورواه العياشي في التفسير مرسلا والصدوق في التوحيد ~~مسندا عنه (عليه السلام). وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: إن القلب يتلجلج في الجوف يطلب الحق فإذا جاء به اطمأن ~~وقر ثم تلا: "فمن يرد الله أن يهديه إلى قوله في السماء": أقول: ورواه ~~العياشي في تفسيره عن أبي جميلة عن عبد الله بن جعفر عن أخيه موسى (عليه ~~السلام). PageV07P194 # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن خيثمة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ~~يقول: إن القلب يتقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق فإذا أصاب ~~الحق قر ثم ضم أصابعه ثم قرأ هذه الآية: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام - ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا":. قال: وقال أبو عبد الله ~~(عليه السلام) لموسى بن أشيم: أتدري ما الحرج؟ قال: قلت: لا فقال بيده وضم ~~أصابعه؟ كالشيء المصمت لا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء. # أقول: وروى ما يقرب منه في تفسير البرهان، عن الصدوق وروى صدر الحديث ~~البرقي في المحاسن، عن خيثمة عن أبي جعفر (عليه السلام) وما فسر به الحرج ~~يناسب ما تقدم نقله من الراغب. # وفي الاختصاص، بإسناده عن آدم بن الحر قال: ms2740 سأل موسى بن أشيم أبا عبد ~~الله (عليه السلام) وأنا حاضر عن آية في كتاب الله فخبره بها فلم يبرح حتى ~~دخل رجل فسأله عن تلك الآية بعينها فخبره بخلاف ما خبر به موسى بن أشيم. ثم ~~قال ابن أشيم: فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين ~~وقلت: تركنا أبا قتادة لا يخطىء في الحرف الواحد: الواو وشبهها، وجئت لمن ~~يخطىء هذا الخطأ كله فبينا أنا في ذلك إذ دخل عليه رجل آخر فسأله عن تلك ~~الآية بعينها فخبر بخلاف ما خبرني وخلاف الذي خبر به الذي سأله بعدي فتجلى ~~عني وعلمت أن ذلك بعمد فحدثت نفسي بشيء. فالتفت إلي أبو عبد الله (عليه ~~السلام) فقال: يا بن أشيم لا تفعل كذا وكذا فبان حديثي عن الأمر الذي حدثت ~~به نفسي ثم قال: يا بن أشيم إن الله فوض إلى سليمان بن داود فقال: "هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب" وفوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقد فوض إلينا يا بن أشيم فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، أتدري ما الحرج: فقلت لا، فقال بيده وضم ~~أصابعه: هو الشيء المصمت الذي لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء. # أقول: مسألة التفويض إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من ~~ولده وإن وردت في تفسيره عدة أحاديث لكن الذي يدل عليه هذا الحديث معناه ~~إنباؤهم من العلم بكتاب الله ما لا ينحصر في وجه ووجهين وتسليطهم عليه ~~بالإذن في بث ما شاءوا منها، يستفاد ذلك من تطبيق ما ذكره (عليه السلام) في ~~أمر سليمان بن داود من التفويض المستفاد من الآية الكريمة، ولا يبعد أن ~~يكون المراد من تلاوة الآية الإشارة إلى ذلك، وإن كان الظاهر أن المراد به ~~بيان حال القلوب بمناسبة ما ابتلي به موسى بن أشيم من اضطراب القلب وقلقه. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: قال: مثل شجرة ms2741 حولها أشجار كثيرة فلا ~~تقدر أن تلقي أغصانها يمنة ويسرة فتمر في السماء ويستمر حرجه. # أقول: وذلك أيضا يناسب ما فسر به الراغب معنى الحرج. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ~~"كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون" قال هو الشك. # أقول: وهو من قبيل التطبيق وبيان بعض المصاديق. PageV07P195 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 128 - 135 # ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من ~~الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خلدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولى بعض الظلمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون (129) يمعشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم ءايتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم ~~الحيوة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين (130) ذلك أن لم يكن ربك ~~مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون (131) ولكل درجت مما عملوا وما ربك بغفل عما ~~يعملون (132) وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ~~كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين (133) إن ما توعدون لات وما أنتم بمعجزين ~~(134) قل يقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون من تكون له عقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظلمون (135) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها وهي تفسر معنى ولاية بعض الظالمين بعضا المجعولة ~~من الله سبحانه كتولية الشياطين للكافرين، وأن ذلك ليس من الظلم في شيء ~~فإنهم سيعترفون يوم القيامة أنهم إنما أشركوا واقترفوا المعاصي بسوء ~~اختيارهم واغترارهم بالحياة الدنيا بعد البيان الإلهي وإنذارهم باليوم ~~الآخر حتى تلبسوا بالظلم، والظالمون لا يفلحون. # فالقضاء الإلهي لا يسلب عنهم الاختيار الذي عليه مدار المؤاخذة ~~والمجازاة، ولا الاختيار الإنساني الذي عليه مدار السعادة والشقاوة يزاحم ~~القضاء الإلهي فمتابعة الإنسان أولياء من الشياطين باختياره وإرادته هي ~~المقضية لا أن القضاء يبطل اختيار الإنسان في فعله أولا ثم يضطره إلى اتباع ~~الشياطين فيجبره الله أو يجبره الشياطين على ms2742 سلوك طريق الشقاء وانتخاب ~~الشرك واقتراف الذنوب والآثام بل الله سبحانه غني عنهم لا حاجة له إلى شيء ~~مما بأيديهم حتى يظلمهم لأجله، وإنما خلقهم برحمته وحثهم عليها لكنهم ظلموا ~~فلم يفلحوا. # قوله تعالى: "ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن - إلى قوله - أجلت لنا" ~~يقال: أكثر من الشيء أو الفعل واستكثر منه إذا أتى بالكثير، واستكثار الجن ~~من الإنس ليس من جهة أعيانهم فإن الآتي بأعيانهم في الدنيا والمحضر لهم يوم ~~القيامة هو الله سبحانه، وإنما للشياطين الاستكثار مما هم مسلطون عليه وهو ~~إغواء الإنس من طريق ولايتهم عليهم وليست بولاية إجبار واضطرار بل من قبيل ~~التعامل من الطرفين يتبع التابع المتبوع ابتغاء لما يرى في اتباعه من ~~الفائدة، ويتولى المتبوع أمر التابع ابتغاء لما يستدر من النفع في ولايته ~~عليه وإدارة شئونه، فللجن نوع التذاذ من إغواء الإنس والولاية عليهم، ~~وللإنس نوع التذاذ من اتباع الوساوس والتسويلات ليستدروا بذلك اللذائذ ~~المادية والتمتعات النفسانية. # وهذا هو الذي يعترف به أولياء الجن من الإنس بقولهم: ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض فتمتعنا بوساوسهم وتسويلاتهم من متاع الدنيا وزخارفها، وتمتعوا منا ~~بما كانت تشتهيه أنفسهم حتى آل أمرنا ما آل إليه. # ومن هنا يظهر - كما يعطيه السياق - أن المراد بالأجل في قولهم: "وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا" الحد الذي قدر لوجودهم والدرجة التي حصلت لهم من ~~أعمالهم دون الوقت الذي ينتهي إليه أعمارهم وبعبارة أخرى آخر درجة نالوها ~~من فعلية الوجود لا الساعة التي ينتهي إليها حياتهم فيرجع المعنى إلى أن ~~بعضنا استمتع ببعض بسوء اختياره وسيىء عمله فبلغنا بذلك السير الاختياري ما ~~قدرت لنا من الأجل، وهو أنا ظالمون كافرون. PageV07P196 # فمعنى الآية: ويوم يحشرهم جميعا ليتم أمر الحجاج عليهم فيقول للجن: يا معشر ~~الجن قد استكثرتم من ولاية الإنس وإغوائهم، وقال أولياؤهم من الإنس في ~~الاعتراف بحقيقة الأمر: ربنا استمتع بعضنا ببعض فاستمتعنا معشر الإنس من ~~الجن بأن تمتعنا بزخارف الدنيا وما تهواه أنفسنا بتسويلاتهم، وتمتع الجن ~~منا باتباع ما كانوا يلقون إلينا ms2743 من الوساوس وكنا على ذلك حتى بلغنا آخر ما ~~بلغنا من فعلية الحياة الشقية ودرجة العمل. # فهذا اعتراف منهم بأن الأجل وإن كان بتأجيل الله سبحانه لكنهم إنما بلغوه ~~بطيهم طريق تمتع البعض من البعض، وهو طريق سلكوه باختيارهم. # ولا يبعد أن يستظهر من هنا أن المراد بالجن الشياطين الذين يوسوسون في ~~صدور الناس من الجن. # قوله تعالى: "قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله" إلخ، هذا ~~جواب منه سبحانه وقضاء عليهم، ومتن ما قضى به قوله: "النار مثواكم" إلخ. # والمثوى اسم مكان من قولهم: ثوى يثوي ثواء أي أقام مع استقرار فقوله: ~~النار مثواكم أي مقامكم الذي تستقرون فيه من غير خروج ولذا أكده بقوله؟ ~~"خالدين فيها" وقوله: "إلا ما شاء الله" استثناء يفيد أن القدرة الإلهية ~~باقية مع ذلك على ما كانت فله مع ذلك أن يخرجكم منها وإن كان لا يفعل. # ثم تمم الآية بقوله: "إن ربك حكيم عليم" وهو يفيد تعليل البيان الواقع في ~~الآية والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون" فيه بيان ~~أن جعله تعالى بعض الظالمين أولياء يجري على الحقيقة المبينة في الآية ~~السابقة، وهو أن التابع يستمتع المتبوع من طريق تسويله وإغوائه فيكسب بذلك ~~الذنوب والآثام حتى يجعل الله المتبوع وليا عليه ويدخل التابع في ولايته. # وقوله: "بما كانوا يكسبون" الباء للسببية أو المقابلة، وهو يفيد أن هذه ~~التولية إنما هي بنحو المجازاة يجازي بها الظالمين في قبال ما اكتسبوه من ~~المظالم لا تولية ابتدائية من غير ذنب سابق نظير ما في قوله: "يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 وقد التفت في الآية ~~من الغيبة إلى التكلم ليختص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببيان هذه ~~الحقيقة فإنهم غير لائقين بتلقيها وإنما التفت إلى التكلم لأن التكلم هو ~~المناسب للمسارة هذا وفي الآيات موارد أخر من الالتفات لا يخفى وجهها على ~~المتدبر. # قوله ms2744 تعالى: "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم" إلى آخر الآية في ~~هذا الخطاب دفع دخل يمكن أن يتوجه إلى الحجة السابقة المأخوذة من اعترافهم ~~بأنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه من ولاية الشياطين بسوء اختيارهم. # وهو أنهم وإن ابتلوا بذلك من طريق الاختيار لكنهم لو يكونوا يعلمون أن ~~هذه المعاصي والتمتعات سوف توردهم مورد الهلكة وتسجل عليهم ولاية الظالمين ~~والشياطين ويخسرهم بالشقاء الذي لا سعادة بعده أبدا فهم كانوا على غفلة من ~~ذلك وإن كانوا على علم في الجملة بمساءة أعمالهم وشناعة أفعالهم ومؤاخذة ~~الغافل ظلم. # فدفعه الله سبحانه بهذا الخطاب الذي يسألهم فيه عن إتيان الرسل وذكرهم ~~آيات الله وإنذارهم بيوم الجمع والحساب فلما شهدوا على أنفسهم بالكفر بما ~~جاء به الرسل تمت الكلمة ولزمت الحجة. # فمعنى الآية: أنا نخاطبهم جميعا فنقول لهم: يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم أرسلناهم إليكم يقصون عليكم آياتي التي تدل على الدين الحق، ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا وهو يوم القيامة وأن الله سيوقفكم موقف المساءلة ~~فيحاسبكم على أعمالكم ثم يجازيكم بما عملتم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ~~فإذا سألناهم عن ذلك أجابونا وقالوا: شهدنا على أنفسنا أن الرسل أتونا ~~وقصوا علينا آياتك، وأنذرونا لقاء يومنا هذا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين بما جاء به الرسل رادين عليهم عن علم وما كانوا غافلين. # وبذلك تبين أولا أن قوله: "منكم" لا يدل على أزيد من كون الرسل من جنس ~~المخاطبين وهم مجموع الجن والإنس لا من غيرهم كالملائكة حتى يتوحشوا منهم ~~ولا يستأنسوا بهم ولا يفقهوا قولهم، وأما أن من كل من طائفتي الجن والإنس ~~رسلا منهم فلا دلالة في الآية على ذلك. PageV07P197 # وثانيا: أن تكرار لفظ الشهادة إنما هو لاختلاف متعلقها فالمراد بالشهادة ~~الأولى الشهادة بإتيان الرسل وقصهم آيات الله وإنذارهم بيوم القيامة، ~~وبالشهادة الثانية الشهادة بكفرهم بما جاء به الرسل من غير غفلة. # وأما ما قيل: إن المراد بالشهادة الأولى الشهادة بالكفر والمعصية حال ~~التكليف، وبالثانية الشهادة ms2745 في الآخرة على كونهم كافرين في الدنيا فهو غير ~~مفيد لأن الشهادتين بالأخرة راجعتان إلى شهادة واحدة بالكفر في الدنيا ~~فيبقى تكرار اللفظ على حاجته إلى وجه يقتضيه. # وثالثا: أن قوله: "وغرتهم الحياة الدنيا" معترضة وضعت ليندفع بها ما يمكن ~~أن يختلج ببال السامع وهو أنهم إذ كانوا يستمتع بعضهم من بعض، وكانوا غير ~~غافلين عن إتيان الرسل وبيانهم الآيات وإنذارهم باليوم الآخر فما بالهم ~~وردوا مورد التهلكة وأهلكوا أنفسهم عن علم واختيار؟ فأجيب بأن الحياة ~~الدنيا غرتهم كلما لاح لقلوبهم شيء من الحق وبرقت فيها بارقة من الخير هجمت ~~عليهم الأهواء وأسدلت عليهم ظلمات الرذائل حتى ضربت حجابا بينهم وبين الحق ~~وأعمت أبصارهم عن رؤيته ومشاهدته. # قوله تعالى: "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون" الإشارة ~~بقوله: "ذلك" إلى مضمون ما تقدم من البيان - على ما يعطيه السياق - وقوله: ~~"أن لم يكن" بتقدير لام التعليل فالمعنى أن الذي بيناه من إرسال الرسل ~~والتذكير بالآيات والإنذار بيوم القيامة إنما هو لأن الله سبحانه ليس من ~~سنته أن يهلك أهل القرى ويوردهم مورد السخط والعذاب وهم غافلون عما يريده ~~منهم من الطاعة ويفعله بهم على تقدير المخالفة، وذلك ظلم منه تعالى. # فهم وإن نزلوا منزل الشقاء بتأجيل الله سبحانه وقضائه وجعله بعضهم أولياء ~~بعض لكنه تعالى لم يسلبهم القدرة على الطاعة ولم يبطل منهم الاختيار ~~فاختاروا الشرك والمعصية ثم أرسل إليهم رسلا منهم يقصون عليهم آياته ~~وينذرونهم لقاء يوم الحساب فكفروا بهم ومكثوا على بغيهم وعتوهم فجزاهم ~~بولاية بعضهم بعضا وقضى عليهم بأن النار مثواهم فهم أنفسهم استدعوا الهلاك ~~عن علم وإرادة، ولم يهلكهم الله وهم غافلون حتى يكون يظلمهم فهو الحكم ~~العدل تبارك اسمه. # وقد بان بذلك أولا: أن المراد بقوله: "لم يكن ربك" نفي أن يكون ذلك من ~~سنته تعالى فإنه تعالى لا يفعل شيئا إلا بسنة جارية وصراط مستقيم، قال ~~تعالى: "إن ربي على صراط مستقيم": هود: 56 وفي اللفظ دلالة على ذلك. # وثانيا: أن ms2746 المراد بإهلاك القرى القضاء بشقائهم في الدنيا وعذابهم في ~~الآخرة على ما يفيده السياق دون الهلاك بإنزال العذاب في الدنيا. # وثالثا: أن المراد بالظلم في الآية هو الظلم منه تعالى لو أهلكهم وهم ~~غافلون دون الظلم من أهل القرى. # قوله تعالى: "ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون" متعلق الكل ~~محذوف وهو الضمير الراجع إلى الطائفتين، والمعنى: ولكل طائفة من طائفتي ~~الجن والإنس درجات من أعمالهم فإن الأعمال مختلفة وباختلافها يختلف ما ~~توجبه من الدرجات، وما ربك بغافل عن أعمالهم. # قوله تعالى: "وربك الغني ذو الرحمة" إلى آخر الآية. # بيان عام لنفي الظلم عنه تعالى في الخلقة. # وتوضيحه: أن الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه الذي ينبغي أن يوضع عليه ~~وبعبارة أخرى إبطال حق إنما يتحقق من الظلم بأخذ شيء أو تركه لأحد أمرين ~~إما لحاجة منه إليه بوجه من الوجوه كأن يعود إليه أو إلى من يهواه منه نفع ~~أو يندفع عنه أو عما يعود إليه بذلك ضرر، وإما لا لحاجة منه إليه بل لشقوة ~~باطنية وقسوة نفسانية لا يعبأ بها بما يقاسيه المظلوم من المصيبة ويكابده ~~من المحنة، وليس ذلك منه لحاجة بل من آثار الملكة المشومة. # والله سبحانه منزه من هاتين الصفتين السيئتين فهو الغني الذي لا تمسه ~~حاجة ولا يعرضه فقر، وذو الرحمة المطلقة التي ينعم بها على كل شيء بما يليق ~~بحاله فلا يظلم سبحانه أحدا، وهذا هو الذي يدل عليه قوله: "وربك الغني ذو ~~الرحمة" إلخ، ومعنى الآية: وربك هو الذي يوصف بالغني المطلق الذي لا فقر ~~معه ولا حاجة، وبالرحمة المطلقة التي وسعت كل شيء ومقتضى ذلك أنه قادر على ~~أن يذهبكم بغناه ويستخلف من بعدكم ما يشاء من الخلق برحمته والشاهد عليه ~~أنه أنشأكم برحمته من ذرية قوم آخرين أذهبهم بغناه عنهم. PageV07P198 # وفي قوله: "ما يشاء" دون أن يقال: من يشاء، إبهام للدلالة على سعة القدرة. # قوله تعالى: "إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين" أي الأمر الإلهي من ms2747 ~~البعث والجزاء وهو الذي توعدون من طريق الوحي لآت البتة وما أنتم بمعجزين ~~لله حتى تمنعوا شيئا من ذلك أن يتحقق ففي الكلام تأكيد للوعد والوعيد ~~السابقين. # قوله تعالى: "قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل" إلى آخر الآية. # المكانة هي المنزلة والحالة التي يستقر عليها الشيء، وعاقبة الشيء ما ~~ينتهي إليه، وهي في الأصل مصدر كالعقبى على ما قيل، وقولهم: كانت له عاقبة ~~الدار كناية عن نجاحه في سعيه وتمكنه مما قصده، وفي الآية انعطاف إلى ما ~~بدىء به الكلام، وهو قوله تعالى قبل عدة آيات: "اتبع ما أوحي إليك من ربك ~~لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين". # والمعنى: قل للمشركين: يا قوم اعملوا على منزلتكم وحالتكم التي أنتم ~~عليها من الشرك والكفر - وفيه تهديد بالأمر - ودوموا على ما أنتم عليه من ~~الظلم إني عامل ومقيم على ما أنعم عليه من الإيمان والدعوة إلى التوحيد ~~فسوف تعلمون من يسعد وينجح في عمله، وأنا الناجح دونكم فإنكم ظالمون بشرككم ~~والظالمون لا يفلحون في ظلمهم. # وربما قيل: إن قوله: "إني عامل" إخبار عن الله سبحانه أنه يعمل بما وعد ~~به من البعث والجزاء، وهو فاسد يدفعه سياق قوله: "فسوف تعلمون من تكون له ~~عاقبة الدار". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" الآية. ~~قال: قال: نولي كل من تولى أولياءهم فيكونون معهم يوم القيامة. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما ~~انتصر الله من ظالم إلا بظالم وذلك قول الله عز وجل؟ "وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا". # أقول: دلالة الآية على ما في الرواية من الحصر غير واضحة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأمل وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة ~~دينار إلى شهر فسمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ألا تعجبون من ~~أسامة المشتري إلى شهر؟ إن أسامة لطويل ms2748 الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت ~~عيناي وظننت أن شفري يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي وظننت أني واضعه حتى ~~أقبض، ولا لقمت لقمة فظننت أني أسيغها حتى أغص بالموت يا بني آدم إن كنتم ~~تعقلون فعدوا أنفسكم في الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت وما أنتم ~~بمعجزين. PageV07P199 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 136 - 150 # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم ~~شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون (137) وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعم ~~حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) وقالوا ما فى بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا ~~وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قد خسر ~~الذين قتلوا أولدهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ~~ضلوا وما كانوا مهتدين (140) وهو الذى أنشأ جنت معروشت وغير معروشت والنخل ~~والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) ومن ~~الأنعم حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوت الشيطن إنه لكم ~~عدو مبين (142) ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم ~~أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئونى بعلم إن كنتم صدقين ~~(143) ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل ءالذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصام الله بهذا فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظلمين ~~(144) قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ms2749 أو ~~دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما ~~اختلط بعظم ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون (146) فإن كذبوك فقل ربكم ذو ~~رحمة وسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من شىء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ~~ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع ~~أهواء الذين كذبوا بئايتنا والذين لا يؤمنون بالاخرة وهم بربهم يعدلون (150) ### |||| AUTO بيان # الآيات تحاج المشركين في عدة من الأحكام في الأطعمة وغيرها دائرة بين ~~المشركين وتذكر حكم الله فيها. PageV07P200 # قوله تعالى: "وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا" إلى آخر الآية، ~~الذرء الإيجاد على وجه الاختراع وكأن الأصل في معناه الظهور، والحرث الزرع، ~~وقوله: "بزعمهم" في قوله: "فقالوا هذا لله بزعمهم" نوع من التنزيه كقوله: ~~"وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه": الأنبياء: 26. # والزعم الاعتقاد ويستعمل غالبا فيما لا يطابق الواقع منه. # وقوله: "وهذا لشركائنا" أضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين أثبتوها ~~واعتقدوا بها نظير أئمة الكفر وأئمتهم وأوليائهم، وقيل: أضيفت الشركاء ~~إليهم لأنهم كانوا يجعلون بعض أموالهم لهم فيتخذونهم شركاء لأنفسهم. # وكيف كان فمجموع الجملتين أعني قوله: "فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا" من تفريع التفصيل على الإجمال يفسر به جعلهم لله نصيبا من خلقه، ~~وفيه توطئة وتمهيد لتفريع حكم آخر عليه، وهو الذي يذكره في قوله: "فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم". # وإذ كان هذا الحكم على بطلانه من أصله وكونه افتراء على الله ms2750 لا يخلو عن ~~إزراء بساحته تعالى بتغليب جانب الأصنام على جانبه قبحه بقوله: "ساء ما ~~يحكمون" ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم" إلى آخر الآية. # قرأ غير ابن عامر "زين" بفتح الزاي فعل معلوم، و"قتل" بنصب اللام مفعول ~~"زين" وهو مضاف إلى "أولادهم" بالجر وهو مفعول "قتل" أضيف إليه، و"شركاؤهم" ~~فاعل "زين". # والمعنى أن الأصنام بما لها من الوقع في قلوب المشركين والحب الوهمي في ~~نفوسهم زينت لكثير من المشركين أن يقتلوا أولادهم ويجعلوهم قرابين يتقربون ~~بذلك إلى الآلهة كما يضبطه تاريخ قدماء الوثنيين والصابئين، وهذا غير مسألة ~~الوأد التي كانت بنو تميم من العرب يعملون به فإن المأخوذ في سياق الآية ~~الأولاد دون البنات خاصة. # وقيل: المراد بالشركاء الشياطين، وقيل: خدمة الأصنام، وقيل: الغواة من الناس. # وقرأ ابن عامر: "زين" بضم الزاي مبنيا للمفعول "قتل" بضم اللام نائب عن ~~فاعل زين "أولادهم" بالنصب مفعول المصدر أعني "قتل" تخلل بين المضاف ~~والمضاف إليه "شركائهم" بالجر مضاف إليه وفاعل للمصدر. # وقوله تعالى: "ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم" الإرداء: الإهلاك، والمراد ~~به إهلاك المشركين بالكفر بنعمة الله والبغي على خلقه، وخلط دينهم عليهم ~~بإظهار الباطل في صورة الحق، فضمير "هم" في المواضع الثلاث جميعا راجع إلى ~~كثير من المشركين. # وقيل: المراد به الإهلاك بظاهر معنى القتل، ولازمه رجوع أول الضمائر إلى ~~الأولاد والثاني والثالث إلى الكثير، أو الجميع إلى المشركين بنوع من ~~العناية، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وقالوا هذه أنعام وحرث حجر" إلى آخر الآية. # الحجر بكسر الحاء المنع ويفسره قوله بعده: "لا يطعمها إلا من نشاء" أي ~~هذه الأنعام والحرث حرام إلا على من نشاء أن نأذن لهم، وروي: أنهم كانوا ~~يقدمونها لآلهتهم ولا يحلون أكلها إلا لمن كان يخدم آلهتهم من الرجال دون ~~النساء بزعمهم. # وقوله: "وأنعام حرمت ظهورها" أي وقالوا: هذه أنعام حرمت ظهورها أو ولهم ~~أنعام حرمت ظهورها، وهي السائبة والبحيرة والحامي التي نفاها الله تعالى في ~~قوله: "ما جعل الله ms2751 من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون": المائدة: 103 وقيل: هي بعض ~~هؤلاء على الخلاف السابق في معناها في تفسير آية المائدة. # وقوله: "وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها" أي ولهم أنعام إلخ وهي الأنعام ~~التي كانوا يهلون عليها بأصنام لا باسم الله، وقيل: هي التي كانوا لا ~~يركبونها في الحج، وقيل: أنعام كانوا لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شأن ~~من شئونها، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا" إلى آخر ~~الآية، المراد بما في البطون أجنة البحائر والسيب، فقد كانوا يحلونها إذا ~~ولدت حية للرجال دون النساء وإن ولدت ميتة أكله الرجال والنساء جميعا، ~~وقيل: المراد بها الألبان، وقيل: الأجنة والألبان جميعا. PageV07P201 # والمراد بقوله: "سيجزيهم وصفهم" سيجزيهم نفس وصفهم فإنه يعود وبالا وعذابا ~~عليهم ففيه نوع من العناية، وقيل: التقدير: سيجزيهم بوصفهم، وقيل: التقدير: ~~سيجزيهم جزاء وصفهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم" إلخ، رد لما حكي ~~عنهم في الآيات السابقة من الأحكام المفتراة وهي قتل الأولاد وتحريم أصناف ~~من الأنعام والحرث وذكر أن ذلك منهم خسران وضلال من غير اهتداء. # وقد وصف قتل الأولاد بأنه سفه بغير علم، وكذلك بدل الأنعام والحرث من ~~قوله ما رزقهم الله ووصف تحريمها بأنه افتراء على الله ليكون في ذلك تنبيه ~~كالتعليل على خسرانهم في ذلك كأنه قيل: خسروا في قتلهم أولادهم لأنهم سفهوا ~~به سفها بغير علم، وخسروا في تحريمهم أصنافا من الأنعام والحرث افتراء على ~~الله لأنها من رزق الله وحاشاه تعالى أن يرزقهم شيئا ثم يحرمه عليهم. # ثم بين تعالى ضلالهم في تحريم الحرث والأنعام مع كونها من رزق الله بيانا ~~تفصيليا بالاحتجاج من ناحية العقل ومصلحة معاش العباد بقوله: "وهو الذي ~~أنشأ جنات" إلى تمام أربع آيات، ثم من ناحية السمع ونزول الوحي بقوله: "قل ~~لا أجد ms2752 فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" إلى تمام الآية. # فيكون محصل الآيات الخمس أن تحريمهم أصنافا من الحرث والأنعام ضلال منهم ~~لا يساعدهم على ذلك حجة فلا العقل ورعاية مصلحة العباد يدلهم على ذلك، ولا ~~الوحي النازل من الله سبحانه يهديهم إليه فهم في خسران منه. # قوله تعالى: "وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات - إلى قوله - وغير ~~متشابه" الشجرة المعروشة هي التي ترفع أغصانها بعضا على بعض بدعائم كالكرم ~~وأصل العرش الرفع فالجنات المعروشات هي بساتين الكرم ونحوها، والجنات غير ~~المعروشات ما كانت أشجارها قائمة على أصولها من غير دعائم. # وقوله: "والزرع مختلفا أكله" أي ما يؤكل منه من الحبات كالحنطة والشعير ~~والعدس والحمص. # وقوله: "والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه" أي متشابه كل منها وغير ~~متشابه على ما يفيده السياق، والتشابه بين الثمرتين باتحادهما في الطعم أو ~~الشكل أو اللون أو غير ذلك. # قوله تعالى: "كلوا من ثمره إذا أثمر" إلى آخر الآية، الأمر للإباحة ~~لوروده في رفع الحظر الذي يدل عليه إنشاء الجنات والنخل والزرع وغيرها، ~~والسياق يدل على أن تقدير الكلام: وهو الذي أنشأ جنات والنخل والزرع إلخ، ~~وأمركم بأكل ثمر ما ذكر وأمركم بإيتاء حقه يوم حصاده، ونهاكم عن الإسراف. # فأي دليل أدل من ذلك على إباحتها؟ وقوله: "وآتوا حقه يوم حصاده" أي الحق ~~الثابت فيه المتعلق به فالضمير راجع إلى الثمر وأضيف إليه الحق لتعلقه به ~~كما يضاف الحق أيضا إلى الفقراء لارتباطه بهم وربما احتمل رجوع الضمير إلى ~~الله كالضمير الذي بعده في قوله: "إنه لا يحب المسرفين" وإضافته إليه تعالى ~~لانتسابه إليه بجعله. # وهذا إشارة إلى جعل حق ما للفقراء في الثمر من الحبوب والفواكه يؤدي ~~إليهم يوم الحصاد يدل عليه العقل ويمضيه الشرع وليس هو الزكاة المشرعة في ~~الإسلام إذ ليست في بعض ما ذكر في الآية زكاة. # على أن الآية مكية وحكم الزكاة مدني. # نعم لا يبعد أن يكون أصلا لتشريعها فإن أصول الشرائع النازلة في السور ~~المدنية نازلة على ms2753 وجه الإجمال والإبهام في السور المكية كقوله تعالى بعد ~~عدة آيات عند تعداد كليات المحرمات: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم إلى أن قال ~~- ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن": الأنعام: 151. # وقوله: "ولا تسرفوا" إلخ، أي لا تتجاوزوا الحد الذي يصلح به معاشكم ~~بالتصرف فيه فلا يتصرف صاحب المال منكم بالإسراف في أكله أو التبذير في ~~بذله أو وضعه في غير موضعه من معاصي الله وهكذا، ولا يسرف الفقير الأخذ ~~بتضييعه ونحو ذلك، ففي الكلام إطلاق، والخطاب فيه لجميع الناس. PageV07P202 # وأما قول بعضهم: إن الخطاب في "لا تسرفوا" مختص بأرباب الأموال، وقول بعض ~~آخر: إنه متوجه إلى الإمام الآخذ للصدقة، وكذا قول بعضهم: إن معناه لا ~~تسرفوا بأكله قبل الحصاد كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء، وقول بعض آخر: إن ~~المعنى: لا تقصروا بأن تمنعوا بعض الواجب، وقول ثالث: إن المعنى لا تنفقوه ~~في المعصية، كل ذلك مدفوع بالإطلاق والسياق. # قوله تعالى: "ومن الأنعام حمولة وفرشا" إلى آخر الآية، الحمولة أكابر ~~الأنعام لإطاقتها الحمل، والفرش أصاغرها لأنها كأنها تفترش على الأرض أو ~~لأنها توطأ كما يوطأ الفرش، وقوله: "كلوا مما رزقكم الله" إباحة للأكل ~~وإمضاء لما يدل عليه العقل نظير قوله في الآية السابقة: "كلوا من ثمره"، ~~وقوله: "لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" أي لا تسيروا في هذا ~~الأمر المشروع إباحته باتباع الشيطان بوضع قدمكم موضع قدمه بأن تحرموا ما ~~أحله، وقد تقدم أن المراد باتباع خطوات الشيطان تحريم ما أحله الله بغير علم. # قوله تعالى: "ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين" إلى آخر ~~الآية، تفصيل للأنعام بعد الإجمال والمراد به تشديد اللوم والتوبيخ عليهم ~~ببسطه على كل صورة من الصور والوجوه، فقوله: "ثمانية أزواج" عطف بيان من ~~"حمولة وفرشا" في الآية السابقة. # والأزواج جمع زوج، ويطلق الزوج على الواحد الذي يكون معه آخر وعلى ~~الاثنين، وأنواع الأنعام المعدودة أربعة: الضأن والمعز والبقر والإبل، وإذا ~~لوحظت ذكرا وأنثى كانت ثمانية أزواج. # والمعنى: أنشأ ms2754 ثمانية أزواج من الضأن زوجين اثنين هما الذكر والأنثى ومن ~~المعز زوجين اثنين كالضأن قل آلذكرين من الضأن والمعز حرم الله أم الأنثيين ~~منهما أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز نبئوني ذلك ~~بعلم إن كنتم صادقين. # قوله تعالى: "ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين - إلى قوله - الأنثيين" ~~معناه ظاهر مما مر، وقيل: المراد بالاثنين في المواضع الأربعة من الآيتين ~~الأهلي والوحشي. # قوله تعالى: "أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا" إلى آخر الآية. # هذا شق من ترديد حذف شقه الآخر على ما يدل عليه الكلام، وتقديره: أعلمتم ~~ذلك من طريق الفكر كعقل أو سمع أم شاهدتم تحريم الله ذلك وشافهتموه فادعيتم ذلك. # وقوله: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا" إلخ، تفريع على ما قبله ~~باعتبار دلالته على انقطاعهم عن الجواب وعلى ذلك فمعناه: فمن أظلم منكم، ~~ويكون قوله: "ممن افترى" إلخ، كناية عن المشركين المخاطبين وضع موضع ضمير ~~الخطاب الراجع إليهم ليدل به على سبب الحكم المفهوم من الاستفهام الإنكاري ~~والتقدير: لا أظلم منكم لأنكم افتريتم على الله كذبا لتضلوا الناس بغير ~~علم، وإذ ظلمتم فإنكم لا تهتدون إن الله لا يهدي القوم الظالمين. # قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" إلخ، معنى ~~الآية ظاهر، وقد تقدم في نظيره الآية من سورة المائدة آية 3، وفي سورة ~~البقرة آية 173 ما ينفع في المقام. # قوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" إلخ، الظفر واحد الأظفار ~~وهو العظم النابت على رءوس الأصابع، والحوايا المباعر قال في المجمع:، موضع ~~الحوايا يحتمل أن يكون رفعا عطفا على الظهور وتقديره: أو ما حملت الحوايا، ~~ويحتمل أن يكون نصبا عطفا على ما في قوله: "إلا ما حملت" فأما قوله: "أو ما ~~اختلط بعظم" فإن ما هذه معطوفة على ما الأولى انتهى والوجه الأول أقرب. # ثم قال: ذلك في قوله - ذلك جزيناهم - يجوز أن يكون منصوب الموضع بأنه ~~مفعول ثان لجزيناهم التقدير: جزيناهم ذلك ببغيهم، ms2755 ولا يجوز أن يرفع ~~بالابتداء لأنه يصير التقدير: ذلك جزيناهموه فيكون كقولهم: زيد ضربت أي ~~ضربته، وهذا إنما يجوز في ضرورة الشعر. # انتهى. # والآية كأنها في مقام الاستدراك ودفع الدخل ببيان أن ما حرم الله على بني ~~إسرائيل من طيبات ما رزقهم إنما حرمه جزاء لبغيهم فلا ينافي ذلك كونه حلا ~~بحسب طبعه الأولى كما يشير إلى ذلك قوله: "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ~~إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة": آل عمران: 93 وقوله: ~~"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا": النساء: 160. PageV07P203 # قوله تعالى: "فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة" إلى آخر الآية، معنى الآية ~~ظاهر، وفيها أمر بإنذارهم وتهديدهم إن كذبوا بالبأس الإلهي الذي لا مرد له ~~لكن لا ببيان يسلط عليهم اليأس والقنوط بل بما يشوبه بعض الرجاء، ولذلك قدم ~~عليه قوله: "ربكم ذو رحمة واسعة". # قوله تعالى: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء" الآية تذكر احتجاجهم بهذه الحجة ثم ترد عليهم بأنهم جاهلون ~~بها وإنما يركنون فيها إلى الظن والتخمين، والكلمة كلمة حق وردت في كثير من ~~الآيات القرآنية لكنها لا تنتج ما قصدوه منها. # فإنهم إنما احتجوا بها لإثبات أن شركهم وتحريمهم ما رزقهم الله بإمضاء من ~~الله سبحانه لا بأس عليهم في ذلك فحجتهم أن الله لو شاء منا خلاف ما نحن ~~عليه من الشرك والتحريم لكنا مضطرين على ترك الشرك والتحريم فإذ لم يشأ كان ~~ذلك إذنا في الشرك والتحريم فلا بأس بهذا الشرك والتحريم. # وهذه الحجة لا تنتج هذه النتيجة وإنما تنتج أن الله سبحانه إذ لم يشأ ~~منهم ذلك لم يوقعهم موقع الاضطرار والإجبار فهم مختارون في الشرك والكف عنه ~~وفي التحريم وتركه فله تعالى أن يدعوهم إلى الإيمان به ورفض الافتراض فلله ~~الحجة البالغة ولا حجة لهم في ذلك إلا اتباع الظن والتخمين. # قوله تعالى: "قل فلله الحجة البالغة ms2756 فلو شاء لهداكم أجمعين" كأن الفاء ~~الأولى لتفريع مضمون الجملة على ما تقدم من قولهم "لو شاء الله ما أشركنا" ~~إلخ، والفاء الثانية للتعليل فيكون الكلام من قبيل قلب الحجة على الخصم بعد ~~بيان مقتضاها. # والمعنى أن نتيجة الحجة قد التبست عليكم بجهلكم واتباعكم الظن وخرصكم في ~~المعارف الإلهية فحجتكم تدل على أن لا حجة لكم في دعوته إياكم إلى رفض ~~الشرك وترك الافتراء عليه، وأن الحجة إنما هي لله عليكم فإنه لو شاء لهداكم ~~أجمعين وأجبركم على الإيمان وترك الشرك والتحريم، وإذ لم يجبركم على ذلك ~~وأبقاكم على الاختيار فله أن يدعوكم إلى ترك الشرك والتحريم. # وبعبارة أخرى: يتفرع على حجتكم أن الحجة لله عليكم لأنه لو شاء لأجبر على ~~الإيمان فهداكم أجمعين، ولم يفعل بل جعلكم مختارين يجوز بذلك دعوتكم إلى ما ~~دعاكم إليه. # وقد بين تعالى في طائفة من الآيات السابقة أنه تعالى لم يضطر عباده على ~~الإيمان ولم يشأ منهم ذلك بالمشية التكوينية حتى يكونوا مجبرين عليه بل أذن ~~لهم في خلافه وهذا الإذن الذي هو رفع المانع التكويني هو اختيار العباد ~~وقدرتهم على جانبي الفعل والترك، وهذا الإذن لا ينافي الأمر التشريعي بترك ~~الشرك مثلا بل هو الأساس الذي يبتني عليه الأمر والنهي. # قوله تعالى: "قل هلم شهداءكم الذين يشهدون" إلى آخر الآية. # هلم شهداءكم أي هاتوا شهداءكم وهو اسم فعل يستوي فيه المفرد والمثنى ~~والمجموع، والمراد بالشهادة شهادة الأداء والإشارة بقوله: "هذا" إلى ما ذكر ~~من المحرمات عندهم، والخطاب خطاب تعجيزي أمر به الله سبحانه ليكشف به أنهم ~~مفترون في دعواهم أن الله حرم ذلك فهو كناية عن عدم التحريم. # وقوله: "فإن شهدوا فلا تشهد معهم" في معنى الترقي، والمعنى: لا شاهد فيهم ~~يشهد بذلك فلا تحريم حتى أنهم لو شهدوا بالتحريم فلا تشهد معهم إذ لا تحريم ~~ولا يعبأ بشهادتهم فإنهم قوم يتبعون أهواءهم. # فقوله: "ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا" إلخ، عطف تفسير لقوله: "فإن ~~شهدوا فلا تشهد معهم" أي إن شهادتك ms2757 اتباع لأهوائهم كما أن شهادتهم من اتباع ~~الأهواء، وكيف لا؟ وهم قوم كذبوا بآيات الله الباهرة، ولا يؤمنون بالآخرة ~~ويعدلون بربهم غيره من خلقه كالأوثان، ولا يجترىء على ذلك مع كمال البيان ~~وسطوع البرهان إلا الذين يتبعون الأهواء. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله" الآية ~~قال: إنه كان إذا اختلط ما جعل للأصنام بما جعل لله تعالى ردوه، وإذا اختلط ~~ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه وقالوا: الله أغنى، وإذا تخرق الماء من ~~الذي لله في الذي للأصنام لم يسدوه، وإذا تخرق من الذي للأصنام في الذي لله ~~سدوه وقالوا: الله أغنى: عن ابن عباس وقتادة، وهو المروي عن أئمتنا (عليهم ~~السلام). PageV07P204 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وكذلك زين لكثير من المشركين" الآية ~~قال: قال: يعني أن أسلافهم زينوا لهم قتل أولادهم. # وفيه،: في قوله تعالى: "وقالوا هذه أنعام وحرث حجر" قال: قال: الحجر ~~المحرم. # وفيه،: في قوله تعالى: "وهو الذي أنشأ جنات" الآيات قال: قال: البساتين. # وفيه، في قوله تعالى: "وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين" الآية، أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن محمد عن علي بن ~~الحكم عن أبان بن عثمان عن شعيب العقرقوفي قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قوله: "وآتوا حقه يوم حصاده" قال: الضغث من السنبل والكف من ~~التمر إذا خرص. قال: وسألته هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله بيته؟ قال: لا هو ~~أسخى لنفسه قبل أن يدخل بيته. # وفيه، عن أحمد بن إدريس عن البرقي عن سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام): ~~أنه سئل: إن لم يحضر المساكين وهو يحصد كيف يصنع؟ قال: ليس عليه شيء. # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن ابن أبي عمير عن معاوية بن الحجاج قال: ~~سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في الزرع حقان: حق تؤخذ به، وحق ~~تعطيه. قلت: وما الذي أوخذ به؟ وما الذي أعطيه؟ قال: ms2758 أما الذي تؤخذ به ~~فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول الله عز وجل: "وآتوا حقه يوم ~~حصاده" يعني من حصدك الشيء بعد الشيء ولا أعلمه إلا قال: الضغث تعطيه ثم ~~الضغث حتى تفرغ. # وفيه، بإسناده عن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته ~~عن قوله الله عز وجل: "وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا" قال: كان أبي يقول: ~~من الإسراف في الحصاد والجذاذ أن يتصدق الرجل بكفيه جميعا، وكان أبي إذا ~~حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به: أعط بيد واحدة ~~القبضة بعد القبضة والضغث بعد الضغث من السنبل. # وفيه، بإسناده عن مصادف قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) في أرض ~~له وهم يصرمون فجاء سائل يسأل فقلت: الله يرزقك فقال: مه ليس ذلك لكم حتى ~~تعطوا ثلاثة فإذا أعطيتم فلكم وإن أمسكتم فلكم. # وفيه، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن المثنى قال: سأل رجل أبا عبد ~~الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا - ~~إنه لا يحب المسرفين" فقال: كان فلان بن فلان الأنصاري وسماه وكان له حرث، ~~وكان إذا أجذ يتصدق به ويبقى هو وعياله بغير شيء فجعل الله عز وجل ذلك ~~إسرافا. # أقول: المراد انطباق الآية على عمله دون نزولها فيه فإن الآية مكية، ولعل ~~المراد بالأنصاري المذكور ثابت بن قيس بن شماس وقد روى الطبري وغيره عن ابن ~~جريح قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا فقال: لا يأتيني اليوم أحد ~~إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له تمره فأنزل الله: ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين، والآية كما تقدم مكية غير مدنية فلا يشمل عمل ثابت بن قيس ~~إلا بالجري والانطباق. # وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في الآية قال: أعط من حضرك من ~~المسلمين فإن لم يحضرك إلا مشرك فأعط. # أقول: والروايات في هذه المعاني عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي ms2759 الحسن ~~الرضا (عليه السلام) كثيرة جدا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "وآتوا حقه ~~يوم حصاده" قال: ما سقط من السنبل. # وفيه، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس: "وآتوا حقه يوم حصاده" قال: نسخها ~~العشر ونصف العشر. # أقول: ليست النسبة بين الآية وآية الزكاة نسبة النسخ إذ لا تنافي يؤدي ~~إلى النسخ سواء قلنا بوجوب الصدقة أو باستحبابها. # وفيه، أخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك ~~قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. # أقول: الكلام فيه كسابقه. PageV07P205 # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ميمون بن ~~مهران ويزيد بن الأصم قال: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق ~~فيضعونه في المسجد فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه فهو قوله: "وآتوا ~~حقه يوم حصاده". وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ثمانية أزواج من الضأن ~~اثنين ومن المعز اثنين" الآية: فهذه التي أحلها الله في كتابه في قوله: ~~"وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" ثم فسرها في هذه الآية فقال: "من ~~الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين" فقال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في قوله: "من الضأن اثنين" عنى الأهلي والجبلي "ومن ~~المعز اثنين" عنى الأهلي والوحشي الجبلي "ومن البقر اثنين" عنى الأهلي ~~والوحشي الجبلي "ومن الإبل اثنين" يعني البخاتي والعراب، فهذه أحلها الله. # أقول: وروي ما يؤيد ذلك في الكافي والاختصاص وتفسير العياشي عن داود ~~الرقي وصفوان الجمال عن الصادق (عليه السلام). # ويبقى البحث في أن معنى الزوج في قوله: "ثمانية أزواج من الضأن اثنين" ~~الآية هو الذي في قوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" أو غيره، ~~وسيوافيك إن شاء الله تعالى. # وفي تفسير العياشي، عن حريز عن أبي عبد الله ms2760 (عليه السلام) قال: سئل عن ~~سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ والوطواط والحمير والبغال والخيل ~~فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهاهم من أجل ظهورهم ~~أن يفنوه ليس الحمير بحرام، وقال: قرأ هذه الآيات "قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه - إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه ~~رجس أو فسقا أهل لغير الله به". # أقول: وفي معناه أخبار أخر مروية عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) وفي عدة منها: إنما الحرام ما حرمه الله في كتابه ولكنهم كانوا ~~يعافون أشياء فنحن نعافها، وهنا روايات كثيرة تنهى عن أكل كثير من الحيوان ~~كذوات الأنياب من الوحش وذوات المخالب من الطير وغير ذلك، والأمر في روايات ~~أهل السنة على هذا النحو والمسألة فقهية مرجعها الفقه، وإذا تمت حرمة ما ~~عدا المذكورات في الآية فإنما هي مما حرمها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) استخباثا له وقد وصفه الله تعالى بما يمضيه في حقه، قال تعالى: ~~"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث" الآية: الأعراف: 157. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" الآية: ~~أن ملوك بني إسرائيل كانوا يمنعون فقراءهم من أكل لحوم الطير والشحوم فحرم ~~الله ذلك ببغيهم على فقرائهم: ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد ~~(عليهما السلام) وقد سئل عن قوله تعالى: "فلله الحجة البالغة" فقال: إن ~~الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي كنت عالما؟ فإن قال: نعم قال له: ~~أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه ~~فتلك الحجة البالغة. # أقول: وهو من بيان المصداق. PageV07P206 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام ms2761 - 151 - 157 # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسنا ولا ~~تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها ~~وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن ~~هذا صرطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون (153) ثم ءاتينا موسى الكتب تماما على الذى أحسن وتفصيلا ~~لكل شىء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتب أنزلنه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتب على طائفتين ~~من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغفلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب ~~بئايت الله وصدف عنها سنجزى الذين يصدفون عن ءايتنا سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون (157) ### |||| AUTO بيان # تبين الآيات المحرمات العامة التي لا تختص بشريعة من الشرائع الإلهية، ~~وهي الشرك بالله، وترك الإحسان بالوالدين، واقتراف الفواحش، وقتل النفس ~~المحترمة بغير حق ويدخل فيه قتل الأولاد خشية إملاق واقتراب مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن وعدم إيفاء الكيل والميزان بالقسط، والظلم في القول، وعدم ~~الوفاء بعهد الله، واتباع غير سبيل الله المؤدي إلى الاختلاف في الدين. # ومن شواهد أنها شرائع عامة أنا نجدها فيما نقله الله سبحانه من خطابات ~~الأنبياء أممهم في تبليغاتهم الدينية كالذي نقل من نوح وهود وصالح وإبراهيم ~~ولوط وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم (عليهم السلام)، وقد قال تعالى: "شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13 ومن ألطف الإشارة التعبير ~~عما أوتي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ms2762 (عليهما السلام) بالتوصية ثم التعبير في ~~هذه الآيات الثلاث التي تقص أصول المحرمات الإلهية أيضا بالتوصية حيث قال: ~~"ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" "ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون". # على أن التأمل فيها يعطي أن الدين الإلهي لا يتم أمره ولا يستقيم حاله ~~بدون شيء منها وإن بلغ من الإجمال والبساطة ما بلغ وبلغ الإنسان المنتحل به ~~من السذاجة ما بلغ. # قوله تعالى: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا" قيل: ~~تعال مشتق من العلو وهو أمر بتقدير أن الأمر في مكان عال وإن لم يكن الأمر ~~على ذلك بحسب الحقيقة، والتلاوة قريب المعنى من القراءة، وقوله: "عليكم" ~~متعلق بقوله: "أتل" أو قوله: "حرم" على طريق التنازع في المتعلق، وربما ~~قيل: إن "عليكم" اسم فعل بمعنى خذوا وقوله: "ألا تشركوا" معموله والنظم: ~~عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا "إلخ"، وهو خلاف ما يسبق إلى ~~الذهن من السياق. # ولما كان قوله: "تعالوا أتل ما حرم" إلخ، دعوة إلى التلاوة وضع في الكلام ~~عين ما جاء به الوحي في مورد المحرمات من النهي في بعضها والأمر بالخلاف في ~~بعضها الآخر فقال: "ألا تشركوا به شيئا" كما قال: "ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق" "ولا تقربوا الفواحش" إلخ، وقال: "وبالوالدين إحسانا" كما قال: ~~"وأوفوا الكيل والميزان" "وإذا قلتم فاعدلوا" إلخ. PageV07P207 # وقد قدم الشرك على سائر المحرمات لأنه الظلم العظيم الذي لا مطمع في ~~المغفرة الإلهية معه قال: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء": النساء: 48 وإليه ينتهي كل معصية كما ينتهي إلى التوحيد بوجه كل حسنة. # قوله تعالى: "وبالوالدين إحسانا" أي أحسنوا بالوالدين إحسانا، وفي ~~المجمع:، أي وأوصى بالوالدين إحسانا، ويدل على ذلك أن في "حرم كذا" معنى ~~أوصى بتحريمه وأمر بتجنبه. # انتهى. # وقد عد في مواضع من القرآن الكريم إحسان الوالدين تاليا للتوحيد ونفي ~~الشرك فأمر به بعد الأمر بالتوحيد أو النهي عن الشرك به كقوله: ms2763 "وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا": الإسراء: 23 وقوله: "وإذ قال ~~لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا ~~الإنسان بوالديه": لقمان: 14 وغير ذلك من الآيات. # ويدل ذلك على أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب أو هو أعظمها بعد الشرك ~~بالله العظيم، والاعتبار يهدي إلى ذلك فإن المجتمع الإنساني الذي لا يتم ~~للإنسان دونه حياة ولا دين هو أمر وضعي اعتباري لا يحفظه في حدوثه وبقائه ~~إلا حب النسل الذي يتكىء على رابطة الرحمة المتكونة في البيت القائمة ~~بالوالدين من جانب وبالأولاد من جانب آخر، والأولاد إنما يحتاجون إلى ~~رحمتهما وإحسانهما في زمان تتوق أنفسهما إلى نحو الأولاد بحسب الطبع، وكفى ~~به داعيا ومحرضا لهما إلى الإحسان إليهم بخلاف حاجتهم إلى رأفة الأولاد ~~ورحمتهم فإنها بالطبع يصادف كبرهما ويوم عجزهما عن الاستقلال بالقيام بواجب ~~حياتهما وشباب الأولاد وقوتهم على ما يعنيهم. # وجفاء الأولاد للوالدين وعقوقهم لهما يوم حاجتهما إليهم ورجائهما منهم ~~وانتشار ذلك بين النوع يؤدي بالمقابلة إلى بطلان عاطفة التوليد والتربية، ~~ويدعو ذلك من جهة إلى ترك التناسل وانقطاع النسل، ومن جهة إلى كراهية تأسيس ~~البيت والتكاهل في تشكيل المجتمع الصغير، والاستنكاف عن حفظ سمة الأبوة ~~والأمومة، وينجر إلى تكون طبقة من الذرية الإنسانية لا قرابة بينهم ولا أثر ~~من رابطة الرحم فيهم، ويتلاشى عندئذ أجزاء المجتمع، ويتشتت شملهم، ويتفرق ~~جمعهم، ويفسد أمرهم فسادا لا يصلحه قانون جار ولا سنة دائرة، ويرتحل عنهم ~~سعادة الدنيا والآخرة، وسنقدم إليك بحثا ضافيا في هذه الحقيقة الدينية إن ~~شاء الله. # قوله تعالى: "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم" الإملاق ~~الإفلاس من المال والزاد ومنه التملق، وقد كان هذا كالسنة الجارية بين ~~العرب في الجاهلية لتسرع الجدب والقحط إلى بلادهم فكان الرجل إذا هدده ~~الإفلاس بادر إلى قتل أولاده تأنفا من أن يراهم على ذلة العدم والجوع. # وقد علل النهي بقوله: "نحن نرزقكم وإياهم" أي إنما تقتلونهم مخافة أن لا ~~تقدروا على ms2764 القيام بأمر رزقهم ولستم برازقين لهم بل الله يرزقكم وإياهم ~~جميعا فلا تقتلوهم. # قوله تعالى: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" الفواحش جمع فاحشة ~~وهي الأمر الشنيع المستقبح، وقد عد الله منها في كلامه الزنا واللواط وقذف ~~المحصنات، والظاهر أن المراد مما ظهر ومما بطن العلانية والسر كالزنا ~~العلني واتخاذ الأخدان والأخلاء سرا. # وفي استباحة الفاحشة إبطال فحشها وشناعتها، وفي ذلك شيوعها لأنها من أعظم ~~ما تتوق إليه النفس الكارهة لأن يضرب عليها بالحرمان من ألذ لذائذها وتحجب ~~عن أعجب ما تتعلق به وتعزم به شهوتها، وفي شيوعها انقطاع النسل وبطلان ~~المجتمع البيتي وفي بطلانه بطلان المجتمع الكبير الإنساني، وسوف نستوفي هذا ~~البحث إن شاء الله فيما يناسبه من المحل. # وكذلك استباحة القتل وما في تلوه من الفحشاء إبطال للأمن العام وفي ~~بطلانه انهدام بنية المجتمع الإنساني وتبدد أركانه. PageV07P208 # قوله تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" أي حرم الله قتلها ~~أو حرمها بالحرمة المشرعة لها التي تقيها وتحميها من الضيعة في دم أو حق، ~~قيل: إنه تعالى أعاد ذكر القتل وإن كان داخلا في الفواحش تفخيما لشأنه ~~وتعظيما لأمره، ونظيره الكلام في قتل الأولاد خشية الإملاق اختص بالذكر ~~عناية به، وقد كانت العرب تفعل ذلك بزعمهم أن خشية الإملاق تبيح للوالد أن ~~يقتل أولاده، ويصان به ماء وجهه من الابتذال، والأبوة عندهم من أسباب الملك. # وقد استثنى الله تعالى من جهة قتل النفس المحترمة التي هي نفس المسلم ~~والمعاهد قتلها بالحق وهو القتل بالقود والحد الشرعي. # ثم أكد تحريم المذكورات في الآية بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" ~~سيجيء الوجه في تعليل هذه المناهي الخمس بقوله: "لعلكم تعقلون". # قوله تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده" ~~النهي عن القرب للدلالة على التعميم فلا يحل أكل ماله ولا استعماله ولا أي ~~تصرف فيه إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق المتصورة لحفظه، ويمتد هذا النهي ~~وتدوم الحرمة إلى أن يبلغ أشده فإذا ms2765 بلغ أشده لم يكن يتيما قاصرا عن إدارة ~~ماله وكان هو المتصرف في مال نفسه من غير حاجة بالطبع إلى تدبير الولي لماله. # ومن هنا يظهر أن المراد ببلوغه أشده هو البلوغ والرشد كما يدل عليه أيضا ~~قوله: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا": النساء: 6. # ويظهر أيضا أنه ليس المراد بتحديد حرمة التصرف في مال اليتيم بقوله: "حتى ~~يبلغ أشده" رفع الحرمة بعد بلوغ الأشد وإباحة التصرف حينئذ بل المراد بيان ~~الوقت الذي يصلح للاقتراب من ماله، وارتفاع الموضوع بعده فإن الكلام في ~~معنى: وأصلحوا مال اليتيم الذي لا يقدر على إصلاح ماله وإنمائه حتى يكبر ويقدر. # قوله تعالى: "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها" ~~الإيفاء بالقسط هو العمل بالعدل فيهما من غير بخس، وقوله: "لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها" بمنزلة دفع الدخل كأنه قيل: إن الإيفاء بالقسط والوقوع في العدل ~~الحقيقي الواقعي لا يمكن للنفس الإنسانية التي لا مناص لها عن أن تلتجىء في ~~أمثال هذه الأمور إلى التقريب فأجيب بأنا لا نكلف نفسا إلا وسعها، ومن ~~الجائز أن يتعلق قوله: "لا نكلف نفسا إلا وسعها" بالحكمين جميعا أعني قوله: ~~"ولا تقربوا مال اليتيم" إلخ، وقوله: "وأوفوا الكيل والميزان". # قوله تعالى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" ذكر ذي القربى وهو الذي ~~تدعو عاطفة القرابة والرحم إلى حفظ جانبه وصيانته من وقوع الشر والضرر في ~~نفسه وماله يدل على أن المراد بالقول هو القول الذي يمكن أن يترتب عليه ~~انتفاع الغير أو تضرره كما أن ذكر العدل في القول يؤيد ذلك، ويدل على أن ~~هناك ظلما، وأن القول متعلق ببعض الحقوق كالشهادة والقضاء والفتوى ونحو ذلك. # فالمعنى: وراقبوا أقوالكم التي فيها نفع أو ضرر للناس واعدلوا فيها، ولا ~~يحملنكم رحمة أو رأفة أو أي عاطفة على أن تراعوا جانب أحد فتحرفوا الكلام ~~وتجاوزوا الحق فتشهدوا أو تقضوا بما فيه رعاية لجانب من ms2766 تحبونه وإبطال حق ~~من تكرهونه. # قال في المجمع:، وهذا من الأوامر البليغة التي يدخل فيها مع قلة حروفها ~~الأقارير والشهادات، والوصايا والفتاوى، والقضايا، والأحكام، والمذاهب، ~~والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # قوله تعالى: "وبعهد الله أوفوا" قال الراغب في المفردات،: العهد حفظ ~~الشيء ومراعاته حالا بعد حال. # انتهى. # ولذا يطلق على الفرامين والتكاليف المشرعة والوظائف المحولة وعلى العهد ~~الذي هو الموثق وعلى النذر واليمين. PageV07P209 # وكثرة استعماله في القرآن الكريم في الفرامين الإلهية، وإضافته في الآية ~~إلى الله سبحانه، ومناسبة المورد وفيه بيان الأحكام والوصايا الإلهية ~~العامة كل ذلك يؤيد أن يكون المراد بقوله: "وبعهد الله أوفوا" التكاليف ~~الدينية الإلهية، وإن كان من الممكن أن يكون المراد بالعهد هو الميثاق ~~المعقود بمثل قولنا: عاهدت الله على كذا وكذا، قال تعالى: "وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسئولا": الإسراء: 34 فيكون إضافته إلى الله نظير إضافة ~~الشهادة إليه في قوله: "ولا نكتم شهادة الله": المائدة: 106 للإشارة إلى أن ~~المعاملة فيه معه سبحانه. # ثم أكد التكاليف المذكورة في الآية بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون". # قوله تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله" إلى آخر الآية، قرىء: "وأن" بفتح الهمزة وتشديد النون وتخفيفها ~~وكأنه بالعطف على موضع قوله: "ألا تشركوا به شيئا" وقرىء بكسر الهمزة على ~~الاستئناف. # والذي يعطيه سياق الآيات أن يكون مضمون هذه الآية أحد الوصايا التي أمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتلوها عليهم ويخبرهم بها حيث قيل: "قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم"، ولازم ذلك أن يكون قوله: "وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه" مسوقا لا لتعلق الغرض به بنفسه لأن كليات الدين قد تمت في ~~الآيتين السابقتين عليه بل ليكون توطئة وتمهيدا لقوله بعده: "ولا تتبعوا ~~السبل" كما أن هذه الجملة بعينها كالتوطئة لقوله: "فتفرق بكم عن سبيله" ~~فالمراد بالآية أن لا تتفرقوا عن سبيله ولا تختلفوا فيه، فتكون الآية مسوقة ~~سوق قوله: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ms2767 والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13 ~~فالأمر في الآية بإقامة الدين هو ما وصى من الدين المشروع كأنه أعيد ليكون ~~تمهيدا للنهي عن التفرق بالدين. # فالمعنى: ومما حرم ربكم عليكم ووصاكم به أن لا تتبعوا السبل التي دون هذا ~~الصراط المستقيم الذي لا يقبل التخلف والاختلاف وهي غير سبيل الله فإن ~~اتباع السبل دونه يفرقكم عن سبيله فتختلفون فيه فتخرجون من الصراط المستقيم ~~إذ الصراط المستقيم لا اختلاف بين أجزائه ولا بين سالكيه. # ومقتضى ظاهر السياق أن يكون المراد بقوله: "صراطي" صراط النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فإنه هو الذي يخاطب الناس بهذه التكاليف عن أمر من ربه إذ ~~يقول: "قل تعالوا أتل" إلخ، فهو المتكلم معهم المخاطب لهم، ولله سبحانه في ~~الآيات مقام الغيبة حتى في ذيل هذه الآية إذ يقول: "فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به" ولا ضير في نسبة الصراط المستقيم إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقد نسب الصراط المستقيم إلى جمع من عباده الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في قوله: "اهدنا الصراط ~~المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم": الحمد: 7. # لكن المفسرين كأنهم تسلموا أن ضمير التكلم في قوله: "صراطي" لله سبحانه ~~ففي الآية نوع من الالتفات لكن لا في قوله: "صراطي" بل في قوله: "عن سبيله" ~~فإن معنى الآية: تعالوا أتل عليكم ما وصاكم به ربكم وهو أنه يقول لكم: "إن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" أو وصيته "إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلي" فالالتفات - كما مر - إنما هو في قوله: ~~"عن سبيله". # وكيف كان فهو تعالى في الآية يسمي ما ذكره من كليات الدين بأنه صراطه ~~المستقيم الذي لا تخلف في هداية سالكيه وإيصالهم إلى المقصد ولا اختلاف بين ~~أجزائه ولا بين سالكيه ما داموا عليه فلا يتفرقون البتة ثم ينهاهم عن اتباع ~~سائر السبل فإن من شأنها إلقاء الخلاف والتفرقة لأنها ms2768 طرق الأهواء ~~الشيطانية التي لا ضابط يضبطها بخلاف سبيل الله المبني على الفطرة والخلقة ~~ولا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. # ثم أكد سبحانه حكمه في الآية بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون". # وقد اختلفت الخواتيم في الآيات الثلاث فختمت الآية الأولى بقوله: "ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تعقلون" والثانية بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" ~~والثالثة بقوله: "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون". PageV07P210 # ولعل الوجه في ذلك أن الأمور المذكورة في الآية الأولى وهي الشرك بالله ~~العظيم وعقوق الوالدين وقتل الأولاد من إملاق وقربان الفواحش الشنيعة وقتل ~~النفس المحترمة من غير حق مما تدرك الفطرة الإنسانية حرمتها في بادىء نظرها ~~ولا يجترىء عليها الإنسان الذي يتميز من سائر الحيوان بالعقل إلا إذا اتبع ~~الأهواء وأحاطت به العواطف المظلمة التي تضرب بحجاب ثخين دون العقل. # فمجرد الاعتصام بعصمة العقل في الجملة والخروج عن خالصة الأهواء يكشف ~~للإنسان عن حرمتها وشآمتها على الإنسان بما هو إنسان، ولذلك ختمت بقوله: ~~"ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون". # وما ذكر منها في الآية الثانية وهي الاجتناب عن مال اليتيم، وإيفاء الكيل ~~والميزان بالقسط، والعدل في القول، والوفاء بعهد الله أمور ليست بمثابة ما ~~تليت في الآية الأولى من الظهور بل يحتاج الإنسان مع تعبيه بالعقل في إدراك ~~حالها إلى التذكر وهو الرجوع إلى المصالح والمفاسد العامة المعلومة عند ~~العقل الفطري حتى يدرك ما فيها من المفاسد الهادمة لبنيان مجتمعه المشرفة ~~به وبسائر بني نوعه إلى التهلكة فما ذا يبقى من الخير في مجتمع إنساني لا ~~يرحم فيه الصغير والضعيف، ويطفف فيه الكيل والوزن، ولا يعدل فيه في الحكم ~~والقضاء، ولا يصغى فيه إلى كلمة الحق، ولهذه النكتة ختمت الآية بقوله: ~~"ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون". # والغرض المسوق له الآية الثالثة هو النهي عن التفرق والاختلاف في الدين ~~باتباع سبل غير سبيل الله، واتباع هاتيك السبل من شأنه أن التقوى الديني لا ~~يتم إلا بالاجتناب عنه. # وذلك أن التقوى الديني إنما يحصل بالتبصر في المناهي الإلهية والورع عن ms2769 ~~محارمه بالتعقل والتذكر، وبعبارة أخرى بالتزام الفطرة الإنسانية التي بني ~~عليها الدين، وقد قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": ~~الشمس: 8 وقد وعد الله المتقين إن اتقوا يمددهم بما يتضح به سبيلهم ويفرق ~~به بين الحق والباطل عندهم فقال: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا": الطلاق: 2 ~~وقال: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا": الأنفال: 29. # فهو على صراط التقوى ما دام ملازما لطريق التعقل والتذكر جاريا على مجرى ~~الفطرة، وإذا انحرف إلى الخارج من هذا الصراط وليس إلا اتباع الأهواء ~~والإخلاد إلى الأرض والاغترار بزينة الحياة الدنيا جذبته الأهواء والعواطف ~~إلى الاسترسال والعكوف على مخالفة العقل السليم وترك التقوى الديني من غير ~~مبالاة بما يهدده من شؤم العاقبة كالسكران لا يدري ما يفعل ولا ما يفعل به. # والأهواء النفسانية مختلفة لا ضابط يضبطها ولا نظام يحكم عليها يجتمع فيه ~~أهلها ولذلك لا تكاد ترى اثنين من أهل الأهواء يتلازمان في طريق أو ~~يتصاحبان إلى غاية، وقد عد الله سبحانه لهم في كلامه سبلا شتى كقوله: ~~"ولتستبين سبيل المجرمين": الأنعام: 55 وقوله: "ولا تتبع سبيل المفسدين": ~~الأعراف: 142 وقوله: "ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون": يونس: 89 وقوله في ~~المشركين: "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى": ~~النجم: 23 وأنت إن تتبعت آيات الهدى والضلال والاتباع والإطاعة وجدت في هذا ~~المعنى شيئا كثيرا. # وبالجملة التقوى الديني لا يحصل بالتفرق والاختلاف، والورود في أي مشرعة ~~شرعت، والسلوك من أي واد لاح لسالكه بل بالتزام الصراط المستقيم الذي لا ~~تخلف فيه ولا اختلاف فذلك هو الذي يرجى معه التلبس بلباس التقوى، ولذلك عقب ~~الله سبحانه قوله: "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" بقوله: "ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون". # وقال في روح المعاني: وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه: "لعلكم تعقلون" ~~وهذه - يعني الثانية - بقوله: "لعلكم تذكرون" لأن القوم كانوا مستمرين على ~~الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ~~ولا عاقلين قبحها ms2770 فنهاهم لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأما ~~حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد ~~فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون ~~إن عرض لهم نسيان، قاله القطب الرازي. # انتهى. PageV07P211 # وأنت خبير بأن الذي ذكره من اتصافهم بحفظ أموال اليتامى وإيفاء الكيل ~~والعدل في القول لا يوافق ما ضبط التاريخ من خصال عرب الجاهلية، على أن ~~الذي فسر به التذكر إنما هو معنى الذكر دون التذكر في عرف القرآن. # ثم قال: وقال الإمام - يعني الرازي - في التفسير الكبير:، السبب في ختم ~~كل آية بما ختمت أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى ظاهرة جلية ~~فوجب تعقلها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية - يعني ~~الثانية - أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف ~~على موضوع الاعتدال وهو التذكر. # انتهى. # وما ذكره من الوجه قريب المأخذ مما قدمناه غير أن الأمور الأربعة ~~المذكورة في الآية الثانية مما يناله الإنسان بأدنى تأمل، وليست بذلك ~~الخفاء والغموض الذي وصفه، ولذا التجأ إلى إرجاع التذكر إلى الوقوف على حد ~~الاعتدال فيها دون أصلها فأفسد بذلك معنى الآية فإن مقتضى السياق رجوع رجاء ~~التذكر إلى أصل ما وصى به فيها، والذي يحتاج منها بحسب الطبع إلى الوقوف حد ~~اعتداله هما الأمران الأولان أعني قربان مال اليتيم وإيفاء الكيل والوزن، ~~وقد تدورك أمرهما بقوله: "لا نكلف نفسا إلا وسعها" فافهم ذلك. # ثم قال في الآية الثالثة: قال أبو حيان: ولما كان الصراط المستقيم هو ~~الجامع للتكاليف وأمر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق ختم ذلك ~~بالتقوى التي هي اتقاء النار إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل ~~على السعادة السرمدية انتهى. # وهو مبني على جعل الأمر باتباع الصراط المستقيم في الآية مما تعلق به ~~القصد بالأصالة وقد تقدم أن مقتضى السياق كونه مقدمة للنهي عن التفرق ~~باتباع السبل الأخرى. # وتوطئة لقوله: "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله". # قوله تعالى: "ثم ms2771 آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن" إلى آخر الآية، ~~لما كان ما ذكره ووصى به من كليات الشرائع تكاليف مشرعة عامة لجميع ما أوتي ~~الأنبياء من الدين، وهي أمور كلية مجملة صحح ذلك الالتفات إلى بيان أنه ~~تعالى بعد ما شرعها للجميع إجمالا فصلها حيث اقتضت تفصيلها لموسى (عليه ~~السلام) أولا فيما أنزل عليه من الكتاب، وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ثانيا فيما أنزله عليه من كتاب مبارك فقال تعالى: "ثم آتينا موسى الكتاب ~~تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء" إلخ. # فمعنى الآية: أنا بعد ما شرعنا من إجمال الشرائع الدينية آتينا موسى ~~الكتاب تماما تتم به نقيصة من أحسن منهم من حيث الشرع الإجمالي وتفصيلا ~~يفصل به كل شيء من فروع هذه الشرائع الإجمالية مما يحتاج إليه بنو إسرائيل ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون. # هذا هو الذي يعطيه سياق الآية المتصل بسياق الآيات الثلاث السابقة. # فقوله: "ثم آتينا موسى الكتاب" رجوع إلى السياق السابق الذي قبل قوله: ~~"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" الآيات، وهو خطاب الله لنبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بصيغة المتكلم مع الغير، وقد أفيد بالتأخير المستفاد من ~~لفظة "ثم" أن هذا الكتاب إنما أنزل ليكون تماما وتفصيلا للإجمال الذي في ~~تلك الشرائع العامة الكلية. # وقد وجه المفسرون قوله: "ثم آتينا موسى الكتاب" بوجوه غريبة: منها: أن في ~~الكلام حذفا والتقدير: ثم قل يا محمد آتينا موسى الكتاب. # ومنها: أن التقدير: ثم أخبركم أن موسى أعطي الكتاب. # ومنها: أن التقدير: ثم أتل عليكم: آتينا موسى الكتاب. # ومنها: أنه متصل بقوله في قصة إبراهيم: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب" والنظم: ~~"ووهبنا له إسحاق ويعقوب ثم آتينا موسى الكتاب". # والذي دعاهم إلى هذه التكلفات أن التوراة قبل القرآن ولفظة "ثم" تقتضي ~~التراخي ولازمه نزول التوراة بعد القرآن وقد قيل قبل ذلك: "قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم". # وما تقدم من البيان يكفيك مئونة هذه الوجوه. PageV07P212 # وقوله: "تماما على الذي أحسن" يبين أن ms2772 إنزال الكتاب لتتم به نقيصة الذين ~~أحسنوا من بني إسرائيل في العمل بهذه الشرائع الكلية العامة، وقد قال تعالى ~~في قصة موسى بعد نزول الكتاب: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها": الأعراف: 145 وقال: ~~"وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين": ~~البقرة: 58 وعلى هذا فالموصول في قوله: "على الذي أحسن" يفيد الجنس. # وقد ذكروا في معنى الجملة وجوها أخرى فقيل: المعنى: تماما على إحسان موسى ~~بالنبوة والكرامة، وقيل: المعنى: إتماما للنعمة على الذين أحسنوا من ~~المؤمنين، وقيل: المعنى: إتماما للنعمة على الأنبياء الذين أحسنوا، وقيل: ~~المعنى: تماما لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا، وقيل: المعنى تماما ~~على الذي أحسن الله إلى موسى من الكرامة بالنبوة وغيرها، وقيل: إنه متصل ~~بقصة إبراهيم والمعنى: تماما للنعمة على إبراهيم. # وضعف الجميع ظاهر. # وقوله: "وتفصيلا لكل شيء" أي مما يحتاج إليه بنو إسرائيل أو ينتفع به ~~غيرهم ممن بعدهم، وهدى يهتدي به ورحمة ينعمون بها. # وقوله: "لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون" فيه إشارة إلى أن بني إسرائيل كانوا ~~يتثاقلون أو يستنكفون عن الإيمان بلقاء الله واليوم الآخر، ومما يؤيده أن ~~التوراة الحاضرة التي يذكر القرآن أنها محرفة لا يوجد فيها ذكر من البعث ~~يوم القيامة، وقد ذكر بعض المورخين منهم أن شعب إسرائيل ما كانت تعتقد ~~المعاد. # قوله تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك" إلى آخر الآية، أي وهذا كتاب ~~مبارك يشارك كتاب موسى فيما ذكرناه من الخصيصة فاتبعوه "إلخ". # قوله تعالى: "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا" إلخ، "أن ~~تقولوا" معناه كراهة أن تقولوا، أو لئلا تقولوا، وهو شائع في الكلام، وهو ~~متعلق بقوله في الآية السابقة: "أنزلناه". # وقوله: "طائفتين من قبلنا" يراد به اليهود والنصارى أنزل عليهما التوراة ~~والإنجيل، وأما كتب الأنبياء النازلة قبلهما مما يذكره القرآن مثل كتاب نوح ~~وكتاب إبراهيم (عليه السلام) فلم يكن فيها تفصيل الشرائع وإن اشتملت على ~~أصلها، وأما سائر ms2773 ما ينسب إلى الأنبياء (عليهم السلام) من الكتب كزبور داود ~~(عليه السلام) وغيره فلم تكن فيها شرائع ولا لهم بها عهد. # والمعنى أنا أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا: إن الكتاب الإلهي المفصل ~~لشرائعه إنما أنزل على طائفتين من قبلنا هم اليهود والنصارى وإنا كنا ~~غافلين عن دراستهم وتلاوتهم، ولا بأس علينا مع الغفلة. # قوله تعالى: "أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم" إلى ~~آخر الآية أي من الذين أنزل إليهم الكتاب قبلنا، وقوله: "فقد جاءكم بينة من ~~ربكم" تفريع لقوليه: "أن تقولوا" "أو تقولوا" جميعا، وقد بدل الكتاب من ~~البينة ليدل به على ظهور حجته ووضوح دلالته بحيث لا يبقى عذر لمعتذر ولا ~~علة لمتعلل، والصدف الإعراض ومعنى الآية ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي جعفر (عليه ~~السلام) وهو متك على فراشه إذ قرأ الآيات المحكمات التي لم ينسخهن شيء من ~~الأنعام قال: شيعها سبعون ألف ملك: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم - ألا ~~تشركوا به شيئا". # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلاه؟ "قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" إلى ثلاث آيات. ثم قال: فمن وفى بهن فأجره ~~على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن ~~أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه. # أقول: والرواية لا تخلو عن شيء فإن فيما ذكر في الآيات الشرك بالله ولا ~~تكفي فيه عقوبة الدنيا ولا تناله مغفرة في الآخرة بنص القرآن، قال تعالى: ~~"إن الله لا يغفر أن يشرك به: "النساء: 48 وقال: "إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون: البقرة: ms2774 162. PageV07P213 # على أن ظاهر الرواية كون هذه الأحكام مما يختص بهذه الشريعة كما يشعر به ما ~~نقل عن بعض الصحابة والتابعين كالذي رواه في الدر المنثور، عن جمع عن ابن ~~مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء ~~الآيات: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى قوله - لعلكم تتقون، ونظيره ~~ما روي عن منذر الثوري عن الربيع بن خيثم. # وفي تفسير العياشي، عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن علي بن الحسين ~~(عليهما السلام): الفواحش ما ظهر منها وما بطن قال: ما ظهر من نكاح امرأة ~~الأب وما بطن منها الزنا. # أقول: وهو من قبيل ذكر بعض المصاديق. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والبزاز وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: خط ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله ~~مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذه السبل ليس ~~منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه - ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. # وفيه، أخرج أحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد ~~الله قال: كنا جلوسا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخط خطا هكذا ~~أمامه فقال: هذا سبيل الله، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله فقال: هذا سبيل ~~الشيطان ثم وضع يده في الخط الأوسط وقرأ: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" الآية. # وفي تفسير القمي:، أخبرنا الحسن بن علي عن أبيه عن الحسين بن سعيد عن ~~محمد بن سنان عن أبي خالد القماط عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله: "هذا صراطي مستقيما فاتبعوه - ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله" قال نحن السبيل فمن أبى فهذه السبل فقد كفر. # أقول: وهو من الجري، والذي ذكره (عليه السلام) مستفاد من قوله تعالى: ms2775 "قل ~~لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى": الشورى: 23. # إذا انضم إلى قوله: "قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ~~ربه سبيلا": الفرقان: 57. # وقد وردت عدة روايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن عليا هو الصراط ~~المستقيم، وقد تقدمت الإشارة إليها في تفسير سورة الفاتحة في الجزء الأول ~~من الكتاب. PageV07P214 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 158 - 160 # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض ءايت ربك يوم ~~يأتى بعض ءايت ربك لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى ~~إيمنها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم فى شىء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ~~(159) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~وهم لا يظلمون (160) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها وهي تتضمن تهديد من استنكف من المشركين عن الصراط ~~المستقيم وتفرق شيعا، وتبرئة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المفرقين ~~دينهم، ووعدا حسنا لمن جاء بالحسنة وإنجازا للجزاء. # قوله تعالى: "هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك" استفهام إنكاري في مقام لا تنفع فيه عظة ولا تنجح فيه دعوة ~~فالأمور المذكورة في الآية لا محالة أمور لا تصحب إلا القضاء بينهم بالقسط ~~والحكم الفصل بإذهابهم وتطهير الأرض من رجسهم. # ولازم هذا السياق أن يكون المراد بإتيان الملائكة نزولهم بآية العذاب كما ~~يدل عليه قوله تعالى: "وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، لو ~~ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين، ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما ~~كانوا إذا منظرين: الحجر: 8. # ويكون المراد بإتيان الرب هو يوم اللقاء وهو الانكشاف التام لآية التوحيد ~~بحيث لا يبقى عليه ستر كما هو شأن يوم القيامة المختص بانكشاف الغطاء، ~~والمصحح لإطلاق الإتيان على ذلك هو الظهور بعد الخفاء والحضور بعد الغيبة ~~جل شأنه عن ms2776 الاتصاف بصفات الأجسام. # وربما يقال: إن المراد إتيان أمر الرب وقد مر نظيره في قوله تعالى: "هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام": البقرة: 210 في الجزء الثاني ~~من الكتاب. # ويكون المراد بإتيان بعض آيات الرب إتيان آية تلازم تبدل نشأة الحياة ~~عليهم بحيث لا سبيل إلى العود إلى فسحة الاختيار كآية الموت التي تبدل نشأة ~~العمل نشأة الجزاء البرزخي أو تلازم استقرار ملكة الكفر والجحود في نفوسهم ~~استقرارا لا يمكنهم معه الإذعان بالتوحيد والإقبال بقلوبهم إلى الحق إلا ما ~~كان بلسانهم خوفا من شمول السخط والعذاب كما ربما دل عليه قوله تعالى: ~~"وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون": النمل: 82. # وكذا قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، قل يوم الفتح ~~لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون": السجدة: 29 فإن الظاهر أن ~~المراد بالفتح هو الفتح للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقضاء بينه وبين ~~أمته بالقسط كما حكاه الله تعالى عن شعيب (عليه السلام) في قوله: "ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين": الأعراف: 89 وحكاه عن ~~رسله في قوله: "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد": إبراهيم: 15. # أو تلازم بأسا من الله تعالى لا مرد له ولا محيص عنه فيضطرهم الله ~~الإيمان ليتقوا به أليم العذاب لكن لا ينفعهم ذلك فلا ينفع من الإيمان إلا ~~ما كان عن اختيار كما يدل عليه قوله تعالى: "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون": المؤمن: 85. # فهذه أعني إتيان الملائكة أو إتيان الرب أو إتيان بعض آياته أمور تصاحب ~~القضاء بينهم بالقسط وهم لكونهم لا تؤثر فيهم حجة ولا تنفعهم موعظة لا ~~ينظرون إلا ذلك وإن ذهلوا عنه فإن الواقع أمامهم علموا أو جهلوا. # وربما قيل: إن الاستفهام للتهكم، فإنهم كانوا يقترحون على ms2777 النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن ينزل عليهم الملائكة أو يروا ربهم أو يأتيهم بآية ~~كما أرسل الأولون فكأنه قيل: هؤلاء لا يريدون حجة وإنما ينتظرون ما اقترحوه ~~من الأمور. PageV07P215 # وهذا الوجه غير بعيد بالنسبة إلى صدر الآية لكن ذيلها أعني قوله: "يوم يأتي ~~بعض آيات ربك" إلخ، لا يلائمه تلك الملاءمة فإن التهكم لا يتعدى فيه إلى ~~بيان الحقائق وتفصيل الآثار. # قوله تعالى: "يوم يأتي بعض آيات ربك" إلى آخر الآية، يشرح خاصة يوم ظهور ~~هذه الآيات، وهي في الحقيقة خاصة نفس الآيات وهي أن الإيمان لا ينفع نفسا ~~لم تؤمن قبل ذلك اليوم إيمان طوع واختيار أو آمنت قبله ولم تكن كسبت في ~~إيمانها خيرا ولم تعمل صالحا بل انهمكت في السيئات والمعاصي إذ لا توبة ~~لمثل هذا الإنسان، قال تعالى: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن": النساء: 18، فالنفس التي لم تؤمن من ~~قبل إيمان طوع ورضى أو آمنت بالله وكذبت بآيات الله ولم تعتن بشيء من شرائع ~~الله واسترسلت في المعاصي الموبقة ولم تكتسب شيئا من صالح العمل فيما كان ~~عليها ذلك ثم شاهدت البأس الإلهي فحملها الاضطرار إلى الإيمان لترد به بأس ~~الله تعالى لم ينفعها ذلك، ولم يرد عنها بأسا ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين. # وفي الآية من بديع النظم ولطيف السياق أنه كرر فيها لفظ "ربك" ثلاث مرات ~~وليس إلا لتأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تجاه خصمه وهم المشركون ~~حيث كانوا يفتخرون بأربابهم ويباهون بأوثانهم ليعتز بربه ويثبت به قلبه ~~ويربط جأشه في دعوته إن نجحت وإلا فبالقضاء الفصل الذي يقضي به ربه بينه ~~وبين خصمه ثم أكد ذلك وزاد في طمأنة نفسه بقوله في ختام الآية: "قل انتظروا ~~إنا منتظرون" أي فانتظر أنت ما هم منتظرون، وأخبرهم أنك في انتظاره، ومرهم ~~أن ينتظروه فهو الفصل وليس بالهزل. # ومن هنا يظهر أن الآية تتضمن تهديدا جديا لا تخويفا صوريا وبه يظهر فساد ms2778 ~~ما ذكره بعضهم في دفع قول القائل: إن الاستفهام في الآية للتهكم فقال: إن ~~هذه الآيات الثلاث هي ما ينتظرونه كغيرهم في نفس الأمر فلا يصح أن يراد ~~بهذا البعض شيء مما اقترحوه لأن إيتاء الآيات المقترحة على الرسل يقتضي في ~~سنة الله هلاك الأمة بعذاب الاستئصال إذا لم تؤمن به، والله لا يهلك أمة ~~نبي الرحمة. # انتهى. # وفيه: أن دلالة الآيات القرآنية على أن هذه الأمة سيشملهم القضاء بينهم ~~بالقسط والحكم الفصل مما لا سترة عليها كقوله: "ولكل أمة رسول فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين، قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل - إلى ~~أن قال - ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين" إلى آخر ~~الآية: يونس: 47 - 53. # وقد استدل بالآية على أن الإيمان لا أثر له إذا لم يقترن بالعمل وهو حق ~~في الجملة لا مطلقا فإن الآية في مقام بيان أن من كان في وسعه أن يؤمن ~~بالله فلم يؤمن أو في وسعه أن يؤمن ويعمل صالحا فآمن ولم يعمل صالحا حتى ~~لحقه البأس الإلهي الشديد الذي يضطره إلى ذلك فإنه لا ينتفع بإيمانه، وأما ~~من آمن طوعا فأدركه الموت ولم يمهله الأجل حتى يعمل صالحا ويكسب في إيمانه ~~خيرا فإن الآية غير متعرضة لبيان حاله بل الآية لا تخلو عن إشعار أو دلالة ~~على أن النافع إنما هو الإيمان إذا كان عن طوع ولم يحط به الخطيئة ولم ~~تفسده السيئة. # وفي قوله: "لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت" الفصل بين الموصوف والوصف ~~بفاعل الفعل وهو إيمانها وكأنه للاحتراز عن الفصل الطويل بين الفعل وفاعله، ~~واجتماع "في إيمانها" و"إيمانها" في اللفظ. # قوله تعالى: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء" إلخ، ~~وجه الكلام السابق وإن كان مع المشركين وقد ابتلوا بتفريق الدين الحنيف، ~~وكان أيضا لأهل الكتاب نصيب من الكلام وربما لوح ms2779 إليهم بعض التلويح ولازم ~~ذلك أن ينطبق قوله: "الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" على المشركين بل عليهم ~~وعلى اليهود والنصارى لاشتراك الجميع في التفرق والاختلاف في الدين الإلهي. PageV07P216 # لكن اتصال الكلام بالآيات المبينة للشرائع العامة الإلهية التي تبتدىء ~~بالنهي عن الشرك وتنتهي إلى النهي عن التفرق عن سبيل الله يستدعي أن يكون ~~قوله: "الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" موضوعا لبيان حال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مع من كان هذا وصفه فالإتيان بصيغة الماضي في قوله: "فرقوا ~~دينهم" لبيان أصل التحقق سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل لا تحقق ~~الفعل في الزمان الماضي فحسب. # ومن المعلوم أن تمييز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخراجه من أولئك ~~المختلفين في الدين المتفرقين شيعة شيعة كل شيعة يتبع إماما يقودهم ليس إلا ~~لأنه رسول يدعو إلى كلمة الحق ودين التوحيد، ومثال كامل يمثل بوجوده ~~الإسلام ويدعو بعمله إليه فيعود معنى قوله: "لست منهم في شيء" إلى أنهم ~~ليسوا على دينك الذي تدعو إليه، ولا على مستوى طريقك الذي تسلكه. # فمعنى الآية أن الذين فرقوا دينهم بالاختلافات التي هي لا محالة ناشئة عن ~~العلم - وما اختلف الذين أوتوه إلا بغيا بينهم - والانشعابات المذهبية ~~ليسوا على طريقتك التي بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة إنما أمرهم في هذا ~~التفريق إلى ربهم لا يماسك منهم شيء فينبئهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون ~~ويكشف لهم حقيقة أعمالهم التي هم رهناؤها. # وقد تبين بما مر أن لا وجه لتخصيص الآية بتبرئته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من المشركين أو منهم ومن اليهود والنصارى، أو من المختلفين بالمذاهب ~~والبدع من هذه الأمة فالآية عامة تعم الجميع. # قوله تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها وهم لا يظلمون" الآية تامة في نفسها تكشف عن منة إلهية يمتن بها ~~على عباده أنه يجازي الحسنة بعشر أمثالها، ولا يجازي السيئة إلا بمثلها أي ~~يحسب الحسنة عشرة والسيئة واحدة ولا يظلم في ms2780 الإيفاء فلا ينقص من تلك ولا ~~يزيد في هذه، إن أمكن أن يزيد في جزاء الحسنة فيزيد على العشر كما يدل عليه ~~قوله: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في ~~كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء": البقرة: 261 وأمكن أن يعفو عن ~~السيئة فلا يحسب حق المثل الواحد. # لكنها أعني الآية باتصالها بما تقدمها وانتظامها معها في سياق واحد تفيد ~~معنى آخر كأنه قيل بعد سرد الكلام في الآيات السابقة في الاتفاق والاجتماع ~~على الحق والتفرق فيه: فهاتان خصلتان حسنة وسيئة يجزى فيهما ما يماثلهما ~~ولا ظلم فإن الجزاء يماثل العمل فمن جاء بالحسنة فله مثلها ويضاعف له ومن ~~جاء بالسيئة وهي الاختلاف المنهي عنه فلا يجزى إلا سيئة مثلها ولا يطمعن في ~~الجزاء الحسن، وعاد المعنى إلى نظير ما استفيد من قوله: "وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها": الشورى: 40 أن المراد به بيان مماثلة جزاء السيئة لها في كونها ~~سيئة لا يرغب فيها لا إثبات الوحدة ونفي المضاعفة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قوله: "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها" قال: طلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة والدخان، والرجل يكون ~~مصرا ولم يعمل عمل الإيمان ثم تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه. # أقول: وقوله: الرجل يكون مصرا "إلخ" تفسير لقوله: "أو كسبت في إيمانها ~~خيرا" على ما قدمناه ويدل عليه الرواية الآتية. # وفيه، عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام): في قوله: "أو كسبت في ~~إيمانها خيرا" قال: المؤمن العاصي حالت بينه وبين إيمانه كثرة ذنوبه وقلة ~~حسناته فلم يكسب في إيمانه خيرا. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قوله: "يوم يأتي بعض آيات ربك" الآية قال: إذا طلعت الشمس من ~~مغربها فكل من آمن في ذلك اليوم لا ينفعه إيمانه. # وفي الدر المنثور، ms2781 أخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): في قوله: "يوم يأتي بعض آيات ربك" قال: طلوع الشمس ~~من مغربها. PageV07P217 # أقول: والظاهر أن الرواية من قبيل الجري وكذا ما تقدم من الروايات ويمكن أن ~~يكون من التفسير، وكيف كان فهو يوم تظهر فيه البطشة الإلهية التي تلجىء ~~الناس إلى الإيمان ولا ينفعهم. # وقد ورد طلوع الشمس من مغربها في أحاديث كثيرة جدا من طرق الشيعة عن أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) ومن طرق أهل السنة عن جمع من الصحابة كأبي سعيد ~~الخدري وابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وحذيفة وأبي ذر وعبد الله ~~بن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وصفوان بن عسال وأنس وعبد الرحمن بن عوف ~~ومعاوية وأبي أمامة وعائشة وغيرهم وإن اختلفت في مضامينها اختلافا فاحشا. # والأنظار العلمية اليوم لا تمنع تبدل الحركة الأرضية على خلاف ما هي عليه ~~اليوم من الحركة الشرقية أو تبدل القطبين بصيرورة الشمالي جنوبيا وبالعكس ~~إما تدريجا كما يبينه الأرصاد الفلكية أو دفعة لحادثة جوية كلية هذا كله إن ~~لم يكن الكلمة رمزا أشير بها إلى سر من أسرار الحقائق. # وقد عدت في الروايات من تلك الآيات خروج دابة الأرض والدخان وخروج يأجوج ~~ومأجوج وهذه أمور ينطق بها القرآن الكريم، وعد منها غير ذلك كخروج المهدي ~~(عليه السلام) ونزول عيسى بن مريم وخروج الدجال وغيرها، وهي وإن كانت من ~~حوادث آخر الزمان لكن كونها مما يغلق بها باب التوبة غير واضح. # وفي البرهان، عن البرقي بإسناده عن عبد الله بن سليمان العامري عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) قال: ما زالت الأرض إلا ولله فيها حجة يعرف فيها ~~الحلال والحرام، ويدعو إلى سبيل الله، ولا تنقطع الحجة من الأرض إلا أربعين ~~يوما قبل يوم القيامة فإذا رفعت الحجة وأغلق باب التوبة لم ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل ms2782 أن ترفع الحجة، وأولئك من شرار خلق الله، وهم ~~الذين تقوم عليهم القيامة:. أقول: ورواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في ~~كتاب مناقب فاطمة بسند آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن النضر عن الحلبي عن معلى بن خنيس عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قول الله: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" قال: ~~فارق القوم والله دينهم. # أقول: أي باختلاف المذاهب، وقد مر حديث اختلاف الأمة ثلاثا وسبعين فرقة. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الآية ~~قال: كان علي (عليه السلام) يقرؤها: فارقوا دينهم. # أقول: والقراءة مروية عنه (عليه السلام) من بعض طرق أهل السنة أيضا على ~~ما في الدر المنثور، وغيره. # وفي البرهان، عن البرقي عن أبيه عن النضر عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن ~~زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا جالس عن قول الله تبارك ~~وتعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" يجري لهؤلاء ممن لا يعرف منهم ~~هذا الأمر؟ فقال: إنما هي للمؤمنين خاصة. قلت له: أصلحك الله أرأيت من صام ~~وصلى واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا ينصب؟ فقال: إن الله يدخل ~~أولئك الجنة برحمته. # أقول: والرواية تدل على أن الأجر بقدر المعرفة، وفي هذا المعنى روايات ~~واردة من طرق الفريقين. # وهناك روايات كثيرة في معنى قوله: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" ~~الآية رواها الفريقان وأوردوها في تفسير الآية غير أنها واردة في تشخيص ~~المصاديق من الصوم والصلاة وغيرها، تركنا إيرادها لذلك. PageV07P218 ### ||| AUTO 6 سورة الأنعام - 161 - 165 # قل إننى هداني ربى إلى صرط مستقيم دينا قيما ملة إبرهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (161) قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العلمين (162) لا ~~شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) قل أغير الله أبغى ربا وهو رب ~~كل شىء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ms2783 ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم فى ما ءاتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه ~~لغفور رحيم (165) ### |||| AUTO بيان # الآيات ختام السورة وهي تحتوي على خلاصة الغرض من دعوته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في السورة وأنه متلبس بالعمل بما يدعو إليه، وفيها خلاصة الحجج ~~التي أقيمت فيها لإبطال عقيدة الشرك. # قوله تعالى: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم" إلى آخر الآيتين. # القيم بالكسر فالفتح مخفف القيام وصف به الدين للمبالغة في قيامه على ~~مصالح العباد، وقيل: وصف بمعنى القيم على الأمر. # يأمر الله سبحانه أن يخبرهم بأن ربه الذي يدعو إليه هداه بهداية إلهية ~~إلى صراط مستقيم وسبيل واضح قيم على سالكيه لا تخلف فيه ولا اختلاف دينا ~~قائما على مصالح الدنيا والآخرة أحسن القيام - لكونه مبنيا على الفطرة - ~~ملة إبراهيم حنيفا مائلا عن التطرف بالشرك إلى اعتدال التوحيد وما كان من ~~المشركين، وقد تقدم توضيح هذه المعاني في تفسير الآيات السابقة من السورة. # قوله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله - إلى قوله - أول ~~المسلمين" النسك مطلق العبادة، وكثر استعماله في الذبح أو الذبيحة تقربا ~~إلى الله سبحانه. # أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ثانيا أن يخبرهم بأنه عامل بما هداه الله ~~إليه متلبس به كما أنه مأمور بذلك ليكون أبعد من التهمة عندهم وأقرب إلى ~~تلقيهم بالقبول فإن من أمارة الصدق أن يعمل الإنسان بما يندب إليه، ويطابق ~~فعله قوله. # فقال: قل: إنني جعلت صلاتي ومطلق عبادتي - واختصت الصلاة بالذكر استقلالا ~~لمزيد العناية بها منه تعالى - ومحياي بجميع ما له من الشئون الراجعة إلي ~~من أعمال وأوصاف وأفعال وتروك، ومماتي بجميع ما يعود إلي من أموره وهي ~~الجهات التي ترجع منه إلى الحياة - كما قال: كما تعيشون تموتون - جعلتها ~~كلها لله رب العالمين من غير أن أشرك به فيها أحدا فأنا عبد في جميع شئوني ~~في حياتي ومماتي لله وحده وجهت وجهي إليه لا ms2784 أقصد شيئا ولا أتركه إلا له ~~ولا أسير في مسير حياتي ولا أرد مماتي إلا له فإنه رب العالمين، يملك الكل ~~ويدبر أمرهم. # وقد أمرت بهذا النحو من العبودية، وأنا أول المسلمين لله فيما أراده من ~~العبودية التامة في كل باب وجهة. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله" إظهار ~~الإخلاص العبودي أو إنشاؤه فيما يرجع إليه من شئون العبادة والحياة والموت ~~دون الإخبار عن الإخلاص في العبادة والاعتقاد بأن مالك الموت والحياة هو ~~الله تعالى، والدليل على ما ذكرنا قوله: "وبذلك أمرت" فظاهر أنه أمر بجعل ~~الجميع لله سبحانه بمعنى واحد لا بجعل الأولين له إخلاصا وتسليما والاعتقاد ~~بأن الأخيرين له إلا بتكلف. # وفي قوله: "وأنا أول المسلمين" دلالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أول الناس من حيث درجة الإسلام ومنزله فإن قبله زمانا غيره من المسلمين، ~~وقد حكى الله سبحانه ذلك عن نوح إذ قال: "وأمرت أن أكون من المسلمين": ~~يونس: 72 وعن إبراهيم في قوله: "أسلمت لرب العالمين": البقرة: 131 وعنه وعن ~~ابنه إسماعيل في قولهما: "ربنا واجعلنا مسلمين لك": البقرة: 128 وعن لوط في ~~قوله: "فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين": الذاريات: 36 وعن ملكة سبإ في ~~قوله: "وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين": النمل: 42 إن كان مرادها ~~الإسلام لله. PageV07P219 # وقولها: "وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين": النمل: 44 ولم ينعت بأول ~~المسلمين أحد في القرآن إلا ما يوجد في هذه الآية من أمره (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يخبر قومه بذلك، وما في سورة الزمر من قوله: "قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين": الزمر: 12. # وربما قيل: إن المراد أول المسلمين من هذه الأمة فإن إبراهيم كان أول ~~المسلمين ومن بعده تابع له في الإسلام، وفيه أن التقييد لا دليل عليه، وأما ~~كون إبراهيم أول المسلمين فيدفعه ما تقدم من الآيات المنقولة. # وأما قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ms2785 وإسماعيل في دعائهما: "ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك": البقرة: 128. وقوله: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين": ~~الحج: 78 فلا دلالة فيهما على شيء. # قوله تعالى: "قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء" إلخ، هذه الآية والتي ~~بعدها تشتملان على حجج ثلاث هي جوامع الحجج المذكورة في السورة للتوحيد، ~~وهي الحجة من طريق بدء الخلقة، والحجة من طريق عودها، والحجة من حال ~~الإنسان وهو بينهما وبعبارة أخرى الحجة من نشأة الحياة الدنيا والنشأة التي ~~قبلها والتي بعدها. # فالحجة من طريق البدء ما في قوله: "أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء" ~~ومن المعلوم أنه إذا كان رب كل شيء كان كل شيء مربوبا له فلا رب غيره على ~~الإطلاق يصلح أن يعبد. # والحجة من طريق العود ما يشتمل عليه قوله: "ولا تكسب كل نفس إلا عليها" ~~إلى آخر الآية، أي أن كل نفس لا تعمل عملا ولا تكسب شيئا إلا حمل عليها ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى حتى يحمل ما اكتسبته نفس على غيرها ثم المرجع إلى الله ~~وإليه الجزاء بالكشف عن حقائق أعمال العباد، وإذا كان لا محيص عن الجزاء ~~وهو المالك ليوم الدين فهو الذي تتعين عبادته لا غيره ممن لا يملك شيئا. # والحجة من طريق النشأة الدنيا ما في قوله: "وهو الذي جعلكم خلائف" إلخ، ~~ومحصله أن هذا النظام العجيب الذي يحكم في معاشكم في الحياة الدنيا وهو ~~مبني على خلافتكم في الأرض واختلاف شئونكم بالكبر والصغر والقوة والضعف ~~والذكورية والأنوثية والغنى والفقر والرئاسة والمرئوسية والعلم والجهل ~~وغيرها وإن كان نظاما اعتباريا لكنه ناش من عمل التكوين منته إليه فالله ~~سبحانه هو ناظمه، وإنما فعل ذلك لامتحانكم وابتلائكم فهو الرب الذي يدبر ~~أمر سعادتكم، ويوصل من أطاعه إلى سعادته المقدرة له ويذر الظالمين فيها ~~جثيا، فهو الذي يحق عبادته. # وقد تبين بما مر أن مجموع الجملتين: "ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى" سيق لإفادة معنى واحد وهو أن ما كسبته ms2786 نفس يلزمها ولا ~~يتعداها، وهو مفاد قوله: "كل نفس بما كسبت رهينة": المدثر: 38. # قوله تعالى: "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض" الخلائف جمع خليفة أي يستخلف ~~بعضكم بعضا أو استخلفكم لنفسه في الأرض وقد مر كلام في معنى هذه الخلافة في ~~تفسير قوله تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة": البقرة: 30 في الجزء الأول ~~من الكتاب، ومعنى الآية ظاهر بما مر من البيان، وقد ختمت السورة بالمغفرة ~~والرحمة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله: "حنيفا مسلما" قال: خالصا مخلصا ليس فيه شيء من عبادة الأوثان:. ~~أقول: ورواه في البرهان، البرقي بإسناده عن ابن مسكان عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): وفيه: "خالصا مخلصا لا يشوبه شيء" وهو بيان المراد لا تفسير ~~بالمعنى. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ~~يقول: درجة واحدة إن الله يقول: درجات بعضها فوق بعض، إنما تفاضل القوم ~~بالأعمال. # أقول: وهو من نقل الآية بالمعنى فإن الآية هكذا: "ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات" وفي موضع آخر "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات": "الزخرف: 32" والظاهر ~~أن قوله: "بعضها فوق بعض" من كلامه (عليه السلام) والحديث إنما ورد في ~~تفسير مثل قوله تعالى: "هم درجات عند الله" لا في تفسير الآية التي نحن ~~فيها فإيراده في ذيل هذه الآية من سهو الراوي، وذلك أن قوله (عليه السلام) ~~في ذيله: "إنما تفاضل القوم بالأعمال" لا ينطبق على الآية كما لا يخفى. # تم والحمد لله # هذا الكتاب الإلكتروني من منشورات شبكة الكوثر الإسلامية في الإنترنت PageV07P220 www.al-kawthar.com/maktaba PageV07P221 تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الثامن PageV08P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3) وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا بيتا أو ~~هم قائلون (4) فما ms2787 كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ~~(5) فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما ~~كنا غائبين (7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موزينه فأولئك هم المفلحون (8) ~~ومن خفت موزينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بئايتنا يظلمون (9) ### |||| AUTO بيان # السورة تشتمل من الغرض على مجموع ما تشتمل عليه السور المصدرة بالحروف ~~المقطعة "الم" والسورة المصدرة بحرف "ص" فليكن على ذكر منك حتى نستوفي ما ~~استيفاؤه من البحث في أول سورة حم عسق إن شاء الله تعالى عن الحروف المقطعة ~~القرآنية. # والسورة كأنها تجعل العهد الإلهي المأخوذ من الإنسان على أن يعبد الله ~~ولا يشرك به شيئا أصلا يبحث عما آل إليه أمره بحسب مسير الإنسانية في الأمم ~~والأجيال فأكثرهم نقضوه ونسوه ثم إذا جاءتهم آيات مذكرة لهم أو أنبياء ~~يدعونهم إليه كذبوا وظلموا بها ولم يتذكر بها إلا الأقلون. # وذلك أن العهد الإلهي الذي هو إجمال ما تتضمنه الدعوة الدينية الإلهية ~~إذا نزل بالإنسان - وطبائع الناس مختلفة في استعداد القبول والرد - تحول لا ~~محالة بحسب أماكن نزوله والأوضاع والأحوال والشرائط الحافة بنفوس الناس ~~فأنتج في بعض النفوس - وهي النفوس الطاهرة الباقية على أصل الفطرة - ~~الاهتداء إلى الإيمان بالله وآياته، وفي آخرين وهم الأكثرون ذوو النفوس ~~المخلدة إلى الأرض المستغرقة في شهوات الدنيا خلاف ذلك من الكفر والعتو. # واستتبع ذلك ألطافا إلهية خاصة بالمؤمنين من توفيق ونصر وفتح في الدنيا، ~~ونجاة من النار وفوز بالجنة وأنواع نعيمها الخالد في الآخرة، وغضبا ولعنا ~~نازلا على الكافرين وعذابا واقعا يهلك جمعهم، ويقطع نسلهم، ويخمد نارهم، ~~ويجعلهم أحاديث ويمزقهم كل ممزق، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. # فهذه هي سنة الله التي قد خلت في عباده وعلى ذلك ستجري، والله يحكم لا ~~معقب لحكمه وهو على صراط مستقيم. # فتفاصيل هذه السنة إذا وصفت لقوم ليدعوهم ذلك إلى الإيمان بالله وآياته ~~كان ذلك إنذارا لهم، وإذا وصفت لقوم مؤمنين ولهم علم بربهم في الجملة ~~ومعرفة بمقامه الربوبي كان ذلك ms2788 تذكيرا لهم بآيات الله وتعليما بما يلزمه من ~~المعارف وهي معرفة الله ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وسنته الجارية ~~في الآخرة والأولى وهذا هو الذي يلوح من قوله تعالى في الآية الثانية من ~~السورة: "لتنذر به وذكرى للمؤمنين" أن غرضها هو الإنذار والذكرى. # والسورة على أنها مكية - إلا آيات اختلف فيها - وجه الكلام فيها بحسب ~~الطبع إلى المشركين وطائفة قليلة آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على ما يظهر من آيات أولها وآخرها إنذار لعامة الناس بما فيها من الحجة ~~والموعظة والعبرة، وقصة آدم (عليه السلام) وإبليس وقصص نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب وموسى (عليه السلام)، وهي ذكرى للمؤمنين تذكرهم ما يشتمل عليه إجمال ~~إيمانهم من المعارف المتعلقة بالمبدإ والمعاد والحقائق التي هي آيات إلهية. # والسورة تتضمن طرفا عاليا من المعارف الإلهية منها وصف إبليس وقبيله، ~~ووصف الساعة والميزان والأعراف وعالم الذر والميثاق ووصف الذاكرين لله، ~~وذكر العرش، وذكر التجلي، وذكر الأسماء الحسنى، وذكر أن للقرآن تأويلا إلى ~~غير ذلك. PageV08P002 # وهي تشتمل على ذكر إجمالي من الواجبات والمحرمات كقوله: "قل أمر ربي ~~بالقسط": الآية 29، وقوله: "إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن": ~~الآية 33، وقوله: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق": الآية 32 فنزولها قبل نزول سورة الأنعام التي فيها قوله: "قل لا ~~أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" الآية: الأنعام: 145، فإن ظاهر ~~الآية أن الحكم بإباحة غير ما استثني من المحرمات كان نازلا قبل السورة ~~فالإشارة بها إلى ما في هذه السورة. # على أن الأحكام والشرائع المذكورة في هذه السورة أوجز وأكثر إجمالا مما ~~ذكر في سورة الأنعام في قوله: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" الآيات، ~~وذلك يؤيد كون هذه السورة قبل الأنعام نزولا على ما هو المعهود من طريقة ~~تشريع الأحكام في الإسلام تدريجا آخذا من الإجمال إلى التفصيل. # قوله تعالى: "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين" تنكير الكتاب ms2789 وتوصيفه بالإنزال إليه من غير ذكر فاعل ~~الإنزال كل ذلك للدلالة على التعظيم ويتخصص وصف الكتاب ووصف فاعله بعض ~~التخصص بما يشتمل عليه قوله: "فلا يكن في صدرك حرج منه" من التفريع كأنه ~~قيل: هذا كتاب مبارك يقص آيات الله أنزله إليك ربك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~كما أنه لو كان كتابا غير الكتاب وألقاه إليك ربك لكان من حقه أن يتحرج ~~ويضيق منه صدرك لما في تبليغه ودعوة الناس إلى ما يشتمل عليه من الهدى من ~~المشاق والمحن. # وقوله: "لتنذر به" غاية للإنزال متعلقة به كقوله: "وذكرى للمؤمنين" ~~وتخصيص الذكرى بالمؤمنين دليل على أن الإنذار يعمهم وغيرهم، فالمعنى: أنزل ~~إليك الكتاب لتنذر به الناس وهو ذكرى للمؤمنين خاصة لأنهم يتذكرون بالآيات ~~والمعارف الإلهية المذكورة فيها مقام ربهم فيزيد بذلك إيمانهم وتقر بها ~~أعينهم، وأما عامة الناس فإن هذا الكتاب يؤثر فيهم أثر الإنذار بما يشتمل ~~عليه من ذكر سخط الله وعقابه للظالمين في الدار الآخرة، وفي الدنيا بعذاب ~~الاستئصال كما تشرحه قصص الأمم السالفة. # ومن هنا يظهر: أن قول بعضهم: إن قوله: "لتنذر به" متعلق بالحرج والمعنى: ~~لا يكن في صدرك حرج للإنذار به، ليس بمستقيم فإن تعقبه بقوله: "وذكرى ~~للمؤمنين" بما عرفت من معناه يدفع ذلك. # ويظهر أيضا ما في ظاهر قول بعضهم: إن المراد بالمؤمنين كل من كان مؤمنا ~~بالفعل عند النزول ومن كان في علم الله أنه سيؤمن منهم! فإن الذكرى المذكور ~~في الآية لا يتحقق إلا فيمن كان مؤمنا بالفعل. # قوله تعالى: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون" لما ذكر لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كتاب أنزل ~~إليه لغرض الإنذار شرع في الإنذار ورجع من خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى خطابهم فإن الإنذار من شأنه أن يكون بمخاطبة المنذرين - اسم مفعول - ~~وقد حصل الغرض من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وخاطبهم بالأمر باتباع ما أنزل إليهم من ربهم، وهو ms2790 القرآن الآمر لهم بحق ~~الاعتقاد وحق العمل أعني الإيمان بالله وآياته والعمل الصالح الذين يأمر ~~بهما الله سبحانه في كتابه وينهى عن خلافهما، والجملة أعني قوله: "اتبعوا ~~ما أنزل إليكم من ربكم" موضوعة وضع الكناية كنى بها عن الدخول تحت ولاية ~~الله سبحانه والدليل عليه قوله "ولا تتبعوا من دونه أولياء" حيث لم يقل في ~~مقام المقابلة: ولا تتبعوا غير ما أنزل إليكم. # والمعنى: ولا تتبعوا غيره تعالى - وهم كثيرون - فيكونوا لكم أولياء من ~~دون الله قليلا ما تذكرون، ولو تذكرتم لدريتم أن الله تعالى هو ربكم لا رب ~~لكم سواه فليس لكم من دونه أولياء. # قوله تعالى: "وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون" ~~تذكير لهم بسنة الله الجارية في المشركين من الأمم الماضية إذ اتخذوا من ~~دون الله أولياء فأهلكهم الله بعذاب أنزله إليهم ليلا أو نهارا فاعترفوا ~~بظلمهم. # والبيات التبييت وهو قصد العدو ليلا، والقائلون من القيلولة وهو النوم ~~نصف النهار، وقوله: "بياتا أو هم قائلون" ولم يقل ليلا أو نهارا كأنه ~~للإشارة إلى أخذ العذاب إياهم وهم آخذون في النوم آمنون مما كمن لهم من ~~البأس الإلهي الشديد غافلون مغفلون. PageV08P003 # قوله تعالى: "فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين" ~~تتميم للتذكير يبين أن الإنسان بوجدانه وسره يشاهد الظلم من نفسه إن اتخذ ~~من دون الله أولياء بالشرك، وأن السنة الإلهية أن يأخذ منه الاعتراف بذلك ~~ببأس العذاب إن لم يعترف به طوعا ولم يخضع لمقام الربوبية فليعترف اختيارا ~~وإلا فسيعترف اضطرارا. # قوله تعالى: "فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين" دل البيان ~~السابق على أنهم مكلفون بتوحيد الله سبحانه موظفون برفض الأولياء من دونه ~~غير مخلين وما فعلوا، ولا متروكون وما شاءوا، فإذا كان كذلك فهم مسئولون ~~عما أمروا به من الإيمان والعمل الصالح، وما كلفوا به من القول الحق، ~~والفعل الحق وهذا الأمر والتكليف قائم بطرفين: الرسول الذي جاءهم به والقوم ~~الذين جاءهم، ولهذا فرع على ما تقدم ms2791 من حديث إهلاك القرى وأخذ الاعتراف ~~منهم بالظلم قوله: "فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين". # وقد ظهر بذلك أن المراد بالذين أرسل إليهم الناس وبالمرسلين الأنبياء ~~والرسل (عليهم السلام)، وما قيل: إن المراد بالذين أرسل إليهم الأنبياء، ~~وبالمرسلين الملائكة لا يلائم السياق إذ لا وجه لإخراج المشركين عن شمول ~~السؤال والكلام فيهم. # على أن الآية التالية لا تلائم ذلك أيضا. # على أن الملائكة لم يدخلوا في البيان السابق بوجه لا بالذات ولا بالتبع. # قوله تعالى: فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين" دل البيان السابق على ~~أنهم مربوبون مدبرون فسيسألون عن أعمالهم ليجزوا بما عملوا، وهذا إنما يتم ~~فيما إذا كان السائل على علم من أمر أعمالهم فإن المسئول لا يؤمن أن يكذب ~~لجلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عن نفسه في مثل هذا الموقف الصعب الهائل ~~الذي يهدده بالهلاك الخالد والخسران المؤبد. # ولذلك فرع عليه قوله: "فلنقصن عليهم بعلم" إلخ، وقد نكر العلماء للاعتناء ~~بشأنه وأنه علم لا يخطىء ولا يغلط، ولذلك أكده بعطف قوله: "وما كنا غائبين" ~~عليه للدلالة على أنه كان شاهدا غير غائب، وإن وكل عليهم من الملائكة من ~~يحفظ عليهم أعمالهم بالكتابة فإنه بكل شيء محيط. # قوله تعالى: "والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون إلى ~~آخر الآيتين" الآيتان تخبران عن الوزن وهو توزين الأعمال أو الناس العاملين ~~من حيث عملهم، والدليل عليه قوله تعالى: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ~~- إلى أن قال - وكفى بنا حاسبين" الأنبياء: 47، حيث دل على أن هذا الوزن من ~~شعب حساب الأعمال، وأوضح منه قوله: "يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8، حيث ~~ذكر العمل وأضاف الثقل إليه خيرا وشرا. # وبالجملة الوزن إنما هو للعمل دون عامله فالآية تثبت للعمل وزنا سواء كان ~~خيرا أو شرا غير أن قوله تعالى: "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 105، يدل على ms2792 أن ~~الأعمال في صور الحبط - وقد تقدم الكلام فيه في الجزء الثاني من هذا الكتاب ~~- لا وزن لها أصلا، ويبقى للوزن أعمال من لم تحبط أعماله. PageV08P004 # فما لم يحبط من الأعمال الحسنة والسيئة، له وزن يوزن به لكن الآيات في عين ~~أنها تعتبر للحسنات والسيئات ثقلا إنما تعتبر فيها الثقل الإضافي وترتب ~~القضاء الفصل عليه بمعنى أن ظاهرها أن الحسنات توجب ثقل الميزان والسيئات ~~خفة الميزان لا أن توزن الحسنات فيؤخذ ما لها من الثقل ثم السيئات ويؤخذ ما ~~لها من الثقل ثم يقايس الثقلان فأيهما كان أكثر كان القضاء له فإن كان ~~الثقل للحسنة كان القضاء بالجنة وإن كان للسيئة كان القضاء بالنار، ولازم ~~ذلك صحة فرض أن يتعادل الثقلان كما في الموازين الدائرة بيننا من ذي ~~الكفتين والقبان وغيرهما لا بل ظاهر الآيات أن الحسنة تظهر ثقلا في الميزان ~~والسيئة خفة فيه كما هو ظاهر قوله: "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" ~~ونظيره قوله تعالى: "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~فأولئك هم الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون": المؤمنون: 103، وقوله ~~تعالى: "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه ~~هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية": القارعة: 11، فالآيات - كما ترى - تثبت ~~الثقل في جانب الحسنات دائما والخفة في جانب السيئات دائما. # ومن هناك يتأيد في النظر أن هناك أمرا آخر تقايس به الأعمال والثقل له ~~فما كان منها حسنة انطبق عليه ووزن به وهو ثقل الميزان، وما كان منها سيئة ~~لم ينطبق عليه ولم يوزن به وهو خفة الميزان كما نشاهده فيما عندنا من ~~الموازين فإن فيها مقياسا وهو الواحد من الثقل كالمثقال يوضع في إحدى ~~الكفتين ثم يوضع المتاع في الكفة الأخرى فإن عادل المثقال وزنا بوجه على ما ~~يدل عليه الميزان أخذ به وإلا فهو الترك لا محالة، والمثقال في الحقيقة هو ~~الميزان الذي يوزن به، ms2793 وأما القبان وذو الكفتين ونظائرهما فهي مقدمة لما ~~يبينه المثقال من حال المتاع الموزون به ثقلا وخفة كما أن واحد الطول وهو ~~الذراع أو المتر مثلا ميزان يوزن به الأطوال فإن انطبق الطول على الواحد ~~المقياس فهو وإلا ترك. # ففي الأعمال واحد مقياس توزن به فللصلاة مثلا ميزان توزن به وهي الصلاة ~~التامة التي هي حق الصلاة، وللزكاة والإنفاق نظير ذلك، وللكلام والقول حق ~~القول الذي لا يشتمل على باطل، وهكذا كما يشير إليه قوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته": آل عمران: 102. # فالأقرب إلى هذا البيان أن يكون المراد بقوله: "والوزن يومئذ الحق" أن ~~الوزن الذي يوزن به الأعمال يومئذ إنما هو الحق فبقدر اشتمال العمل على ~~الحق يكون اعتباره وقيمته والحسنات مشتملة على الحق فلها ثقل كما أن ~~السيئات ليست إلا باطلة فلا ثقل لها، فالله سبحانه يزن الأعمال يومئذ بالحق ~~فما اشتمل عليه العمل من الحق فهو وزنه وثقله. # ولعله إليه الإشارة بالقضاء بالحق في قوله: "وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع ~~الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون": الزمر: 69 ~~والكتاب الذي ذكر الله أنه يوضع يومئذ - وإنما يوضع للحكم به - هو الذي ~~أشار إليه بقوله: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق": الجاثية: 29، فالكتاب ~~يعين الحق وما اشتمل عليه العمل منه، والوزن يشخص مقدار الثقل. # وعلى هذا فالوزن في الآية بمعنى الثقل دون المعنى المصدري، وإنما عبر ~~بالموازين - بصيغة الجمع - في قوله:، "فمن ثقلت موازينه" "ومن خفت موازينه" ~~الدال على أن لكل أحد موازين كثيرة من جهة اختلاف الحق الذي يوزن به ~~باختلاف الأعمال فالحق في الصلاة وهو حق الصلاة غير الحق في الزكاة والصيام ~~والحج وغيرها، وهو ظاهر، فهذا ما ينتجه البيان السابق. # والذي ذكره جمهور المفسرين في معنى قوله: "والوزن يومئذ الحق" أن الوزن ~~مرفوع على الابتداء ويومئذ ظرف والحق صفة الوزن وهو خبره والتقدير: والوزن ~~يومئذ الوزن الحق وهو العدل، ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر: "ونضع ~~الموازين القسط ms2794 ليوم القيامة": الأنبياء: 47. PageV08P005 # وربما قيل: إن الوزن مبتدأ وخبره يومئذ والحق صفة الوزن، والتقدير: والوزن ~~الحق إنما هو في يوم القيامة، وقال في الكشاف،: ورفعه يعني الوزن على ~~الابتداء وخبره يومئذ، والحق صفته أي والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم ~~الوزن الحق أي العدل انتهى وهو غريب إلا أن يوجه بحمل قوله: الوزن الحق ~~"إلخ" على الاستئناف. # وقوله تعالى: "فمن ثقلت موازينه" الموازين جمع ميزان على ما تقدم من ~~البيان ويؤيده الآية المذكورة آنفا: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة" ~~والأنسب بما ذكره القوم في معنى قوله: "والوزن يومئذ الحق" أن يكون جمع ~~موزون وهو العمل وإن أمكن أن يجعل جمع ميزان ويوجه تعدد الموازين بتعدد ~~الأعمال الموزونة بها. # لكن يبقى الكلام على قول المفسرين: إن الوزن الحق هو العدل في تصوير معنى ~~ثقل الموازين بالحسنات وخفتها بالسيئات فإن فيما يوزن به الأعمال حسناتها ~~وسيئاتها خفاء، والقسط وهو العدل صفة للتوزين وهو نعت لله سبحانه على ما ~~يظهر من قوله "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين": الأنبياء: 47، فإن ظاهر ~~قوله: "فلا تظلم"، إلخ إن الله لا يظلمهم فالقسط قسطه وعدله فليس القسط هو ~~الميزان يومئذ بل وضع الموازين هو وضع العدل يومئذ، فافهم ذلك. # وهذا هو الذي بعثهم على أن فسروا ثقل الموازين برجحانها بنوع من التجوز ~~فالمراد بثقل الموازين رجحان الأعمال بكونها حسنات وخفتها مرجوحيتها بكونها ~~سيئات ومعنى الآية: والوزن يومئذ العدل أي الترجيح بالعدل فمن رجحت أعماله ~~لغلبة الحسنات فأولئك هم المفلحون، ومن لم يترجح أعماله لغلبة سيئاته ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم أي ذهبت رأس مالهم الذي هو أنفسهم بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون لتكذيبهم بها. # ويعود الكلام حينئذ إلى الملاك الذي به تترجح الحسنة على السيئة وسيما ~~إذا اختلطت الأعمال واجتمعت حسنات وسيئات، والحسنات والسيئات مختلفة كبرا ~~وصغرا فيما هو الملاك الذي يعلم به غلبة أحد القبيلين على الآخر؟ فإخباره ~~تعالى بأن أمر الوزن جار ms2795 على العدل يدل على جريانه بحيث تتم به الحجة يومئذ ~~على العباد فلا محالة هناك أمر تشتمل عليه الحسنة دون السيئة، وبه الترجيح، ~~وبه يعلم غلبة الثقيل على الخفيف والحسنة على السيئة إذا اجتمعت من كل ~~منهما عدد مع الأخرى وإلا لزم القول بالجزاف البتة. # وهذا كله مما يؤيد ما قدمناه من الاحتمال، وهو أن يكون توزين الأعمال ~~بالحق، وهو التوزين العادل فمن ثقلت موازينه باشتمال أعماله على الحق ~~فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه لعدم اشتمال أعماله على الحق الواجب ~~في العبودية فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون بتكذيبهم ~~بها وعدم تزودهم بما يعيشون به هذا اليوم فقد أهلكوا أنفسهم بما أحلوها دار ~~البوار جهنم يصلونها وبئس القرار. # فقد تبين بما قدمناه أولا: أن الوزن يوم القيامة هو تطبيق الأعمال على ما ~~هو الحق فيها، وبقدر اشتمالها عليه تستعقب الثواب وإن لم تشتمل فهو الهلاك، ~~وهذا التوزين هو العدل، والكلام في الآيات جار على ظاهره من غير تأويل. # وقيل: إن المراد بالوزن هو العدل، وثقل الميزان هو رجحان العمل فالكلام ~~موضوع على نحو من الاستعارة، وقد تقدم. # وقيل: إن الله ينصب يوم القيامة ميزانا له لسان وكفتان فتوزن به أعمال ~~العباد من الحسنات والسيئات، وقد اختلف هؤلاء في كيفية توزين الأعمال، وهي ~~أعمال انعدمت بصدورها، ولا يجوز إعادة المعدوم من الأعراض عندهم، على أنها ~~لا وزن لها، فقيل: إنما توزن صحائف الأعمال لا أنفسها، وقيل: تظهر للأعمال ~~من حسناتها وسيئاتها آثار وعلائم خاصة بها فتوزن العلامات بمشهد من الناس، ~~وقيل: تظهر الحسنات في صور حسنة والسيئات في صور قبيحة منكرة فتوزن الصور، ~~وقيل توزن نفس المؤمن والكافر دون أعمالهما من حسنة أو سيئة، وقيل: الوزن ~~ظهور قدر الإنسان، وثقل الميزان كرامته وعظم قدره، وخفة الميزان هوانه وذلته. # وهذه الأقوال على تشتتها لا تعتمد على حجة من ألفاظ الآيات، وهي جميعا لا ~~تخلو عن بناء الوزن الموصوف على الجزاف لأن الحجة لا تتم بذلك على العبد، ~~وقد تقدمت ms2796 الإشارة إلى ذلك. PageV08P006 # وثانيا: أن هناك بالنسبة إلى كل إنسان موازين توزن بها أعماله والميزان في ~~كل باب من العمل هو الحق الذي يشتمل عليه ذلك العمل - كما تقدم - فإن يوم ~~القيامة هو اليوم الذي لا سلطان فيه إلا للحق ولا ولاية فيه إلا لله الحق، ~~قال تعالى: "ذلك اليوم الحق": النبأ: 39، وقال تعالى: "هنالك الولاية لله ~~الحق": الكهف: 44، وقال: "هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون": يونس: 30. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: سورة الأعراف نزلت بمكة:. أقول: ورواه ~~أيضا عن ابن مردويه عن ابن الزبير. # وفيه، أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: آية من الأعراف مدنية، ~~وهي "وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" إلى آخر الآية، وسائرها مكية. # أقول: وهو منه اجتهاد وسيأتي ما يتعلق به من الكلام. # وفيه،: قوله تعالى: "فلنسألن الذين أرسل إليهم" الآية: أخرج أحمد عن ~~معاوية بن حيدة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن ربي داعي ~~وإنه سائلي: هل بلغت عبادي؟ وإني قائل: رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد ~~منكم الغائب ثم إنكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام إن أول ما يبين عن أحدكم ~~لفخذه وكفه. # وفيه،: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام ~~يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد ~~يسأل عن مال سيده. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة، والروايات في السؤال يوم القيامة ~~كثيرة واردة من طرق الفريقين سنورد جلها في موضع يناسبها إن شاء الله تعالى. # وفيه، أخرج أبو الشيخ عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته ~~على سيئاته دخل الجنة ms2797 ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار. # وفيه، أخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص عن علي بن أبي طالب قال: من كان ~~ظاهره أرجح من باطنه خفف ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ~~ثقل ميزانه يوم القيامة. # أقول: الروايتان لا بأس بهما من حيث المضمون لكنهما لا تصلحان لتفسير ~~الآيتين ولم تردا له لأخذ الرجحان فيهما في جانبي الحسنة والسيئة جميعا. # وفيه،: أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقول: خلق الله كفتي الميزان مثل السماء والأرض فقالت الملائكة: ~~يا ربنا من تزن بهذا؟ قال: أزن به من شئت، وخلق الله الصراط كحد السيف ~~فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟ قال: أجيز عليه من شئت. # أقول: وروى الحاكم في الصحيح عن سلمان مثله، وظاهر الرواية أن الميزان ~~يوم القيامة على صفة الميزان الموجود في الدنيا المعمول لتشخيص الأثقال ~~وهناك روايات متفرقة تشعر بذلك، وهي واردة لتقريب المعنى إلى الأفهام ~~الساذجة بدليل ما سيوافيك من الروايات. # وفي الإحتجاج، في حديث هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام): أنه سأله ~~الزنديق فقال أو ليس يوزن الأعمال؟ قال: لا أن الأعمال ليست بأجسام وإنما ~~هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء، ولا يعرف ~~ثقلها وخفتها، وإن الله لا يخفى عليه شيء، قال: فما معنى الميزان؟ قال: ~~العدل. قال: فما معناه في كتابه فمن ثقلت موازينه؟ قال: فمن رجح عمله، الخبر. PageV08P007 # أقول: وفي الرواية تأييد ما قدمناه في تفسير الوزن، ومن ألطف ما فيها قوله ~~(عليه السلام) "وإنما هي صفة ما عملوا" يشير (عليه السلام) إلى أن ليس ~~المراد بالأعمال في هذه الأبواب هو الحركات الطبيعية الصادرة عن الإنسان ~~لاشتراكها بين الطاعة والمعصية بل الصفات الطارئة عليها التي تعتبر لها ~~بالنظر إلى السنن والقوانين الاجتماعية أو الدينية مثل الحركات الخاصة التي ~~تسمى وقاعا بالنظر إلى طبيعة نفسها ثم تسمى نكاحا إذا وافقت السنة ~~الاجتماعية أو الإذن ms2798 الشرعي، وتسمى زنا إذا لم توافق ذلك، وطبيعة الحركات ~~الصادرة واحدة، وقد استدل (عليه السلام) لما ذكره من طريقين: أحدهما: أن ~~الأعمال صفات لا وزن لها والثاني: أن الله سبحانه لا يحتاج إلى توزين ~~الأشياء لعدم اتصافه بالجهل تعالى شأنه. # قال بعضهم: إنه بناء على ما هو الحق من تجسم الأعمال في الآخرة، وإمكان ~~تأثير حسن العمل ثقلا فيه، وكون الحكمة في الوزن تهويل العاصي وتفضيحه ~~وتبشير المطيع وازدياد فرحه وإظهار غاية العدل، وفي الرواية وجوه من ~~الإشكال فلا بد من تأويلها إن أمكن وإلا فطرحها أو حملها على التقية، انتهى. # أقول: قد تقدم البحث عن معنى تجسم الأعمال وليس من الممتنع أن يتمثل ~~الأعمال عند الحساب، والعدل الإلهي القاضي فيها في صورة ميزان توزن به ~~أمتعة الأعمال وسلعها لكن الرواية لا تنفي ذلك وإنما تنفي كون الأعمال ~~أجساما دنيوية محكومة بالجاذبية الأرضية التي تظهر فيها في صورة الثقل ~~والخفة، أولا. # والإشكال مبني على كون كيفية الوزن بوضع الحسنات في كفة من الميزان. # والسيئات في كفة أخرى ثم الوزن والقياس، وقد عرفت: أن الآية بمعزل عن ~~الدلالة على ذلك أصلا، ثانيا. # وفي التوحيد، بإسناده عن أبي معمر السعداني عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في حديث قال: وأما قوله: "فمن ثقلت موازينه وخفت موازينه" فإنما ~~يعني: الحسنات توزن الحسنات والسسيئات فالحسنات ثقل الميزان والسيئات خفة ~~الميزان. # أقول: وتأييده ما تقدم ظاهر فإنه يأخذ المقياس هو الحسنة وهي لا محالة ~~واحدة يمكن أن يقاس بها غيرها، وليست إلا حق العمل. # وفي المعاني، بإسناده عن المنقري عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة - ~~فلا تظلم نفس شيئا" قال: هم الأنبياء والأوصياء:. أقول: ورواه في الكافي، ~~عن أحمد بن محمد عن إبراهيم الهمداني رفعه إليه (عليه السلام)، ومعنى ~~الحديث ظاهر بما قدمناه فإن المقياس هو حق العمل والاعتقاد، وهو الذي عندهم ~~(عليهم السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن سعيد بن المسيب ms2799 عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ~~فيما كان يعظ به قال: ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي ~~والذنوب، فقال عز وجل: "ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك - ليقولن يا ويلنا إنا ~~كنا ظالمين" فإن قلتم أيها الناس إن الله عز وجل إنما عنى بها أهل الشرك ~~فكيف ذلك؟ وهو يقول: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة - فلا تظلم نفس شيئا ~~- وإن كانت مثقال حبة من خردل أتينا بها - وكفى بنا حاسبين فاعلموا عباد ~~الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنما ~~يحشرون إلى جهنم زمرا، وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام، الخبر. # أقول: يشير (عليه السلام) إلى قوله تعالى: "فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا" الآية. # وفي تفسير القمي، في قوله: "والوزن يومئذ الحق" الآية قال (عليه السلام): ~~المجازاة بالأعمال إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. # أقول: وهو تفسير بالنتيجة. # وفيه، في قوله تعالى: "بما كانوا بآياتنا يظلمون" قال (عليه السلام): ~~بالأئمة يجحدون. # أقول: وهو من قبيل ذكر بعض المصاديق، وفي المعاني المتقدمة روايات أخر. PageV08P008 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 10 - 25 # ولقد مكنكم فى الأرض وجعلنا لكم فيها معيش قليلا ما تشكرون (10) ولقد ~~خلقنكم ثم صورنكم ثم قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من ~~السجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار ~~وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصغرين (13) قال أنظرنى إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال ~~فبما أغويتنى لأقعدن لهم صرطك المستقيم (16) ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمنهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شكرين (17) قال اخرج منها ~~مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ويئادم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظلمين ~~(19) فوسوس لهما الشيطن ليبدى لهما ما ورى عنهما من سوءتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما ms2800 عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين (20) وقاسمهما ~~إنى لكما لمن النصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطن لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخسرين (23) قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون (25) ### |||| AUTO بيان # تصف الآيات بدء خلقة الإنسان وتصويره، وما جرى هناك من أمر الملائكة ~~بالسجدة له، وسجودهم وإباء إبليس، وغروره آدم وزوجته، وخروجهما من الجنة. # وما قضى الله في ذلك من القضاء. # قوله تعالى: "ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما ~~تشكرون" التمكين في الأرض هو الإسكان والإيطان فيها أي جعلنا مكانكم الأرض، ~~ويمكن أن يكون من التمكين بمعنى الإقدار والتسليط، ويؤيد المعنى الثاني أن ~~هذه الآيات تحاذي بنحو ما في سورة البقرة من قصة آدم وإبليس وقد بدئت ~~الآيات فيها بقوله: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا": البقرة: 29، وهو ~~التسليط والتسخير. # غير أن هذه الآيات التي نحن فيها لما كانت تنتهي إلى قوله: "ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين" كان المعنى الأول هو الأنسب وقوله: "ولقد ~~مكناكم في الأرض إلخ كالإجمال لما تفصله الآيات التالية إلى آخر قصة الجنة. # والمعايش جمع معيشة وهي ما يعاش به من مطعم أو مشرب أو نحوها، والآية في ~~مقام الامتنان عليهم بما أنعم الله عليهم من نعمة سكنى الأرض أو التسلط ~~والاستيلاء عليها، وجعل لهم فيها من أنواع ما يعيشون به، ولذلك ختم الكلام ~~بقوله: "قليلا ما تشكرون. # قوله تعالى: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" ~~صورة قصة تبتدىء من هذه الآية إلى تمام خمس عشرة آية يفصل فيها إجمال الآية ~~السابقة وتبين فيها العلل والأسباب التي انتهت إلى تمكين الإنسان في الأرض ~~المدلول عليه بقوله: "ولقد مكناكم في ms2801 الأرض وجعلنا لكم فيها معايش". # ولذلك بدىء الكلام في قوله: "ولقد خلقناكم" إلخ بلام القسم، ولذلك أيضا ~~سيقت القصتان أعني قصة الأمر بالسجدة، وقصة الجنة في صورة قصة واحدة من غير ~~أن تفصل القصة الثانية بما يدل على كونها قصة مستقلة كل ذلك ليتخلص إلى ~~قوله: "قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر" إلى آخر الآيتين ~~فينطبق التفصيل على إجمال قوله: "ولقد مكناكم في الأرض" الآية. PageV08P009 # وقوله: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" الخطاب فيه لعامة الآدميين وهو خطاب ~~امتناني كما مر نظيره في الآية السابقة لأن المضمون هو المضمون وإنما ~~يختلفان بالإجمال والتفصيل. # وعلى هذا فالانتقال في الخطاب من العموم إلى الخصوص أعني قوله: "ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم" بعد قوله: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" يفيد بيان ~~حقيقتين: الأولى: أن السجدة كانت من الملائكة لجميع بني آدم أي للنشأة ~~الإنسانية وإن كان آدم (عليه السلام) هو القبلة المنصوبة للسجدة فهو (عليه ~~السلام) في أمر السجدة كان مثالا يمثل به الإنسانية نائبا مناب أفراد ~~الإنسان على كثرتهم لا مسجودا له من جهة شخصه كالكعبة المجعولة قبلة يتوجه ~~إليها في العبادات، وتمثل بها ناحية الربوبية. # ويستفاد هذا المعنى أولا من قصة الخلافة المذكورة في سورة البقرة آية 30 ~~- 33 فإن المستفاد من الآيات هناك أن أمر الملائكة بالسجدة متفرع على ~~الخلافة، والخلافة المذكورة في الآيات كما استفدناه هناك - غير مختصة بآدم ~~بل جارية في عامة الآدميين فالسجدة أيضا للجميع. # وثانيا: أن إبليس تعرض لهم أي لبني آدم ابتداء من غير توسيط آدم ولا ~~تخصيصه (عليه السلام) بالتعرض حين قال على ما حكاه الله سبحانه: "فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم" ~~إلخ من غير سبق ذكر لبني آدم، وقد ورد نظيره في سورة الحجر حيث قال: "رب ~~بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين": الحجر: 39، وفي سورة ص ~~حيث قال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين": ص: 82، ولو لا أن الجميع مسجودون ~~بنوعيتهم للملائكة لم يستقم له ms2802 أن ينقم منهم هذه النقمة ابتداء وهو ظاهر. # وثالثا: أن الخطابات التي خاطب الله سبحانه بها آدم (عليه السلام) كما في ~~سورة البقرة وسورة طه عممها بعينها في هذه السورة لجميع بنيه، قال تعالى: ~~"يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم" إلخ. # والحقيقة الثانية: أن خلق آدم (عليه السلام) كان خلقا للجميع كما يدل ~~عليه أيضا قوله تعالى: "وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين": السجدة: 8 وقوله: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة": المؤمن: 67، على ما هو ظاهر الآيتين أن المراد بالخلق من تراب هو ~~الذي كان في آدم (عليه السلام). # ويشعر بذلك أيضا قول إبليس في ضمن القصة على ما حكاه الله سبحانه في سورة ~~إسراء: "لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا" الآية، ولا ~~يخلو عن إشعار به أيضا قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم" الآيات: الأعراف: 172 على ما سيجيء من بيانه. # وللمفسرين في الآية أقوال مختلفة قال في مجمع البيان،: ثم ذكر سبحانه ~~نعمته في ابتداء الخلق فقال: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" قال الأخفش: "ثم" ~~هاهنا في معنى الواو، وقال الزجاج: وهذا خطأ لا يجوزه الخليل وسيبويه وجميع ~~من يوثق بعلمه إنما "ثم" للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غير، وإنما ~~المعنى في هذا الخطاب ذكر ابتداء الخلق أولا فالمراد أنا بدأنا خلق آدم ثم ~~صورناه فابتدأ خلق آدم من التراب ثم وقعت السورة بعد ذلك فهذا معنى خلقناكم ~~ثم صورناكم "ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" بعد الفراغ من خلق آدم، وهذا ~~مروي عن الحسن، ومن كلام العرب: فعلنا بكم كذا وكذا وهم يعنون أسلافهم، وفي ~~التنزيل: "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور" أي ميثاق أسلافكم. # وقد قيل في ذلك أقوال أخر: منها أن معناه خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره ~~ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، عن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي. ms2803 # ومنها: أن الترتيب واقع في الإخبار فكأنه قال: خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا ~~نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم كما يقول القائل: أنا راجل ثم أنا ~~مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد ~~السيرافي وغيرهما، وعلى هذا فقد قيل: إن المعنى: خلقناكم في أصلاب الرجال ~~ثم صورناكم في أرحام النساء عن عكرمة وقيل خلقناكم في الرحم ثم صورناكم بشق ~~السمع والبصر وسائر الأعضاء انتهى. PageV08P010 # أما ما نقله عن الزجاج من الوجه ففيه أولا أن نسبة شيء من صفات السابقين أو ~~أعمالهم إلى أعقابهم إنما تصح إذا اشترك القبيلان في ذلك بنوع من الاشتراك ~~كما فيما أورده من المثال لا بمجرد علاقة النسب والسبق واللحوق حتى يصح ~~بمجرد الانتساب النسلي أن تعد خلقة نفس آدم خلقا لبنيه من غير أن يكون خلقه ~~خلقا لهم بوجه. # وثانيا: أن ما ذكره لو صح به أن يعد خلق آدم وتصويره خلقا وتصويرا لبنيه ~~صح أن يعد أمر الملائكة بالسجدة له أمرا لهم بالسجدة لبنيه كما جرى على ذلك ~~في قوله: "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور" فما باله قال: "ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم" ولم يقل: "ثم قلنا للملائكة اسجدوا للإنسان". # وأما ما نقله أخيرا من أقوالهم فوجوه سخيفة غير مفهومة من لفظ الآية، ~~ولعل القائلين بها لا يرضون أن يتأول في كلامهم أنفسهم بمثل هذه الوجوه ~~فكيف يحمل على مثلها أبلغ الكلام؟. # قوله تعالى: "فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين" أخبر تعالى عن سجود ~~الملائكة جميعا كما يصرح به في قوله: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون": الحجر: ~~30، واستثنى منهم إبليس وقد علل عدم ائتماره بالأمر في موضع آخر بقوله: ~~"كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50، وقد وصف الملائكة بمثل قوله: ~~"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27، وهو ~~بظاهره يدل على أنه من غير نوع الملائكة. # ولهذا وقع الخلاف بينهم في توجيه هذا الاستثناء: أهو استثناء متصل بتغليب ~~الملائكة لكونهم أكثر وأشرف ms2804 أو أنه استثناء منفصل وإنما أمر بأمر على حدة ~~غير الأمر المتوجه إلى جمع الملائكة وإن كان ظاهر قوله: "ما منعك ألا تسجد ~~إذ أمرتك" أن الأمر لم يكن إلا واحدا وهو الذي وجهه الله إلى الملائكة. # والذي يستفاد من ظاهر كلامه تعالى أن إبليس كان مع الملائكة من غير تميز ~~له منهم والمقام الذي كان يجمعهم جميعا كان هو مقام القدس كما يستفاد من ~~قصة ذكر الخلافة "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك": البقرة: ~~30، وإن الأمر بالسجود إنما كان متوجها إلى ذلك المقام أعني إلى المقيمين ~~بذلك المقام من جهة مقامهم كما يشير إليه قوله تعالى في ما سيأتي: "قال ~~فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها" والضمير إلى المنزلة أو إلى السماء ~~أو الجنة ومآلهما إلى المنزلة والمقام ولو كان الخطاب متوجها إليهم من غير ~~دخل المنزلة والمقام في ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: "فما يكون لك أن ~~تتكبر". # وعلى هذا لم يكن بينه وبين الملائكة فرق قبل ذلك؟ وعند ذلك تميز ~~الفريقان، وبقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم ومنزلتهم التي حلوا فيها، ~~وهو الخضوع العبودي والامتثال كما حكاه الله عنهم: "بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون فهذه حقيقة حياة الملائكة وسنخ أعمالهم، ~~وقد بقوا على ذلك وخرج إبليس من المنزلة التي كان يشاركهم فيها كما يشير ~~إليه قوله: "كان من الجن ففسق عن أمر ربه" والفسق خروج التمرة عن قشرها ~~فتميز منهم فأخذ حياة لا حقيقة لها إلا الخروج من الكرامة الإلهية وطاعة ~~العبودية. # والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا وتضمنت أمرا ~~وامتثالا وتمردا واحتجاجا وطردا ورجما وغير ذلك من الأمور التشريعية ~~والمولوية غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها ~~تمثيلا للتكوين بمعنى أن إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال ~~أي الخضوع للحقيقة الإنسانية فتفرعت ms2805 عليه المعصية، ويشعر به قوله تعالى: ~~"فما يكون لك أن تتكبر فيها" فإن ظاهره أن هذا المقام لا يقبل لذاته التكبر ~~فكان تكبره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه. # على أن الأمر بالسجود - كما عرفت - أمر واحد توجه إلى الملائكة وإبليس ~~جميعا بعينه، والأمر المتوجه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولويا ~~تشريعيا بمعنى الأمر المتعلق بفعل يتساوى نسبة مأمورة إلى الطاعة والمعصية ~~والسعادة والشقاوة فإن الملائكة مجبولون على الطاعة مستقرون في مقر السعادة ~~كما أن إبليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه. PageV08P011 # فلو لا أن الله سبحانه خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس جميعا بالسجود له لكان ~~إبليس على ما كان عليه من منزلة القرب غير متميز من الملائكة لكن خلق ~~الإنسان شق المقام مقامين: مقام القرب ومقام البعد، وميز السبيل سبيلين: ~~سبيل السعادة وسبيل الشقاوة. # قوله تعالى: "قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين" يريد ما منعك أن تسجد كما وقع في سورة ص من قوله: "قال ~~يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي": ص: 75، ولذلك ربما قيل: إن "لا" ~~زائدة جيء بها للتأكيد كما في قوله: "لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله": الحديد: 29. # والظاهر أن "منع" مضمن نظير معنى حمل أو دعا، والمعنى: ما حملك أو ما ~~دعاك على أن لا تسجد مانعا لك. # وقوله: "قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" يحكي عما أجاب به ~~لعنه الله، وهو أول معصيته وأول معصية عصي بها الله سبحانه فإن جميع ~~المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإنية ومنازعة الله سبحانه في ~~كبريائه، وله رداء الكبرياء لا شريك له فيه، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ~~ذاته ويقول: أنا قبال الإنية الإلهية التي عنت له الوجود، وخضعت له الرقاب، ~~وخشعت له الأصوات، وذل له كل شيء. # ولو لم تنجذب نفسه ms2806 إلى نفسه، ولم يحتبس نظره في مشاهدة إنيته لم يتقيد ~~باستقلال ذاته، وشاهد الإله القيوم فوقه فذلت له إنيته ذلة تنفي عنه كل ~~استقلال وكبرياء فخضع للأمر الإلهي، وطاوعته نفسه في الائتمار والامتثال، ~~ولم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراءى من كونه خيرا منه لأنه من النار وهو من ~~الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة والكبرياء ومنبع كل ~~جمال وجلال. # وكان من الحري إذا سمع قوله: "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" أن يأتي بما ~~يطابقه من الجواب كأن يقول: منعني أني خير منه لكنه أتى بقوله: "أنا خير ~~منه" ليظهر به الإنية، ويفيد الثبات والاستمرار، ويستفاد منه أيضا أن ~~المانع له من السجدة ما يرى لنفسه من الخيرية فقوله: "أنا خير منه" أظهر ~~وآكد في إفادة التكبر. # ومن هنا يظهر أن هذا التكبر هو التكبر على الله سبحانه دون التكبر على آدم. # ثم إنه في قوله: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" استدل على ~~كونه خيرا من آدم بمبدإ خلقته وهو النار وأنها خير من الطين الذي خلق منه ~~آدم وقد صدق الله سبحانه ما ذكره من مبدإ خلقته حيث ذكر أنه كان من الجن، ~~وأن الجن مخلوق من النار قال تعالى: "كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: ~~50 وقال: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون والجان خلقناه من قبل ~~من نار السموم": الحجر: 27، وقال أيضا: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق ~~الجان من مارج من نار": الرحمن: 15. # لكنه تعالى لم يصدقه فيما ذكره من خيريته منه فإنه تعالى وإن لم يرد عليه ~~قوله "أنا خير منه خلقتني من نار" إلخ، في هذه السورة إلا أنه بين فضل آدم ~~عليه وعلى الملائكة في حديث الخلافة الذي ذكره في سورة البقرة للملائكة. # على أنه تعالى ذكر القصة في موضع آخر بقوله: "إذ قال ربك للملائكة إني ~~خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ms2807 فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين" إلخ:، ص: 76. # فبين أولا أنهم لم يدعوا إلى السجود له لمادته الأرضية التي سوي منها، ~~وإنما دعوا إلى ذلك لما سواه ونفخ فيه من روحه الخاص به تعالى الحاملة ~~للشرف كل الشرف والمتعلقة لتمام العناية الربانية، ويدور أمر الخيرية في ~~التكوينيات مدار العناية الإلهية لا لحكم من ذواتها فلا حكم إلا لله. PageV08P012 # ثم بين ثانيا لما سأله عن سبب عدم سجوده بقوله: "ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي" أنه تعالى اهتم بأمر خلقته كل الاهتمام واعتنى به كل الاعتناء حيث ~~خلقه بكلتا يديه بأي معنى فسرنا اليدين، وهذا هو الفضل فأجاب لعنه الله ~~بقوله: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" فتعلق بأمر النار ~~والطين، وأهمل أمر تكبره على ربه كما أنه في هذه السورة سئل عن سبب تكبره ~~على ربه إذ قيل له: "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" فتعلق بقوله: "أنا خير ~~منه" إلخ، ولم يعتن بما سئل عنه أعني السبب في تكبره على ربه إذ لم يأتمر بأمره. # بلى قد اعتنى به إذ قال: "أنا خير منه" فأثبت لنفسه استقلال الإنية قبال ~~الإنية الإلهية التي قهرت كل شيء فاستدعاه ذلك إلى نسيان كبريائه تعالى ~~ووجد نفسه مثل ربه وأن له استقلالا كاستقلاله، وأوجب ذلك أن أهمل وجوب ~~امتثال أمره لأنه الله بل اشتغل بالمرجحات فوجد الترجيح للمعصية على الطاعة ~~وللتمرد على الانقياد وليس إلا أن تكبره بإثبات الإنية المستقلة لنفسه أعمى ~~بصره فوجد مادة نفسه وهي النار خيرا من مادة نفس آدم وهي الطين فحكم بأنه ~~خير من آدم، ولا ينبغي للفاضل أن يخضع بالسجود لمفضوله، وإن أمر به الله ~~سبحانه لأنه يسوي بنفسه نفس ربه بما يرى لنفسه من استقلال وكبرياء ~~كاستقلاله فيترك الآمر ويتعلق بالمرجحات في الأمر. ms2808 # وبالجملة هو سبحانه الله الذي منه يبتدىء كل شيء وإليه يرجع كل شيء فإذا ~~خلق شيئا وحكم عليه بالفضل كان له الفضل والشرف واقعا بحسب الوجود الخارجي ~~وإذا خلق شيئا ثانيا وأمره بالخضوع للأول كان وجوده ناقصا مفضولا بالنسبة ~~إلى ذلك الأول فإن المفروض أن أمره إما نفس التكوين الحق أو ينتهي إلى ~~التكوين فقوله الحق والواجب في امتثال أمره أن يمتثل لأنه أمره لا لأنه ~~مشتمل على مصلحة أو جهة من جهات الخير والنفع حتى يعزل عن ربوبيته ومولويته ~~ويعود زمام الأمر والتأثير إلى المصالح والجهات، وهي التي تنتهي إلى خلقه ~~وجعله كسائر الأشياء من غير فرق. # فجملة ما تدل عليه آيات القصة أن إبليس إنما عصى واستحق الرجم بالتكبر ~~على الله في عدم امتثال أمره، وأن الذي أظهر به تكبره هو قوله: "أنا خير ~~منه" وقد تكبر فيه على ربه كما تقدم بيانه وإن كان ذلك تكبرا منه على آدم ~~حيث إنه فضل نفسه عليه واستصغر أمره وقد خصه الله بنفسه وأخبرهم بأنه أشرف ~~منهم في حديث الخلافة وفي قوله: "ونفخت فيه من روحي" وقوله: "خلقت بيدي" ~~إلا أن العناية في الآيات باستكباره على الله لا استكباره على آدم. # ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50 حيث لم يقل: فاستنكف عن ~~الخضوع لآدم بل إنما ذكر الفسق عن أمر الرب تعالى. # فتلخص أن آيات القصة إنما تعتني بمسألة استعلائه على ربه، وأما استكباره ~~على آدم وما احتج به على ذلك فذلك من المدلول عليه بالتبع، والظاهر أنه هو ~~السر في عدم التعرض للجواب عن حجته صريحا إلا ما يؤمي إليه بعض أطراف ~~الكلام كقوله: "خلقت بيدي" وقوله: "ونفخت فيه من روحي" وغير ذلك. # فإن قلت: القول بكون الأمر بالسجود تكوينيا ينافي ما تنص عليه الآيات من ~~معصية إبليس فإن القابل للمعصية والمخالفة إنما هو الأمر التشريعي وأما ~~الأمر التكويني فلا يقبل المعصية ms2809 والتمرد البتة فإنه كلمة الإيجاد الذي لا ~~يتخلف عنه الوجود قال: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون": ~~النحل: 40. # قلت: الذي ذكرناه آنفا أن القصة بما تشتمل عليه بصورتها من الأمر ~~والامتثال والتمرد والطرد وغير ذلك وإن كانت تتشبه بالقضايا الاجتماعية ~~المألوفة فيما بيننا لكنها تحكي عن جريان تكويني في الروابط الحقيقية التي ~~بين الإنسان والملائكة وإبليس فهي في الحقيقة تبين ما عليه خلق الملائكة ~~وإبليس وهما مرتبطان بالإنسان، وما تقتضيه طبائع القبيلين بالنسبة إلى ~~سعادة الإنسان وشقائه، وهذا غير كون الأمر تكوينيا. PageV08P013 # فالقصة قصة تكوينية مثلت بصورة نألفها من صور حياتنا الدنيوية الاجتماعية ~~كملك من الملوك أقبل على واحد من عامة رعيته لما تفرس منه كمال الاستعداد ~~وتمام القابلية فاستخلصه لنفسه وخصه بمزيد عنايته، وجعله خليفته في مملكته ~~مقدما له على خاصته ممن حوله فأمرهم بالخضوع لمقامه والعمل بين يديه فلباه ~~في دعوته وامتثال أمره جمع منهم، فرضي عنهم بذلك وأقرهم على مكانتهم، ~~واستكبر بعضهم فخطأ الملك في أمره فلم يمتثله معتلا بأنه أشرف منه جوهرا ~~وأغزر عملا فغضب عليه وطرده عن نفسه وضرب عليه الذلة والصغار لأن الملك ~~إنما يطاع ملك بيده زمام الأمر وإليه إصدار الفرامين والدساتير، وليس يطاع ~~لأن ما أمر به يطابق المصلحة الواقعية فإنما ذلك شأن الناصح الهادي إلى ~~الخير والرشد. # وبالتأمل في هذا المثل ترى أن خاصة الملك - أعم من المطيع والعاصي - ~~كانوا متفقين قبل صدور الأمر في منزلة القرب مستقرين في مستوى الخدمة ~~وحظيرة الكرامة من غير أي تميز بينهم حتى أتاهم الأمر من ذي العرش فينشعب ~~الطريق عند ذلك إلى طريقين ويتفرقون طائفتين: طائفة مطيعة مؤتمرة، وأخرى ~~عاصية مستكبرة وتظهر من الملك بذلك سجاياه الكامنة ووجوه قدرته وصور إرادته ~~من رحمة وغضب وتقريب وتبعيد وعفو ومغفرة وأخذ وانتقام ووعد ووعيد وثواب ~~وعقاب، والحوادث كالمحك يظهر باحتكاكه جوهر الفلز ما عنده من جودة أو رداءة. # فقصة سجود الملائكة وإباء إبليس تشير إلى حقائق تشابه بوجه ما يتضمنه هذا ~~المثل ms2810 من الحقائق والأمر بالسجدة فيها تشريفه تعالى آدم بقرب المنزلة ونعمة ~~الخلافة وكرامة الولاية تشريفا أخضع له الملائكة وأبعد منه إبليس لمضادة ~~جوهر السعادة الإنسانية فصار يفسد الأمر عليه كلما مسه ويغويه إذا اقترب ~~منه كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله. # وقد عبر الله سبحانه عن إنفاذه أمر التكوين في مواضع من كلامه بلفظ الأمر ~~أو ما يشبه ذلك كقوله: "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين": حم السجدة: 11، وقوله: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها": الأحزاب: 72 وأشمل من الجميع قوله: ~~"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82. # فإن قلت: رفع اليد عن ظاهر القصة وحملها على جهة التكوين المحضة يوجب ~~التشابه في عامة كلامه تعالى، ولا مانع حينئذ يمنع من حمل معارف المبدإ ~~والمعاد بل والقصص والعبر والشرائع على الأمثال، وفي تجويز ذلك إبطال للدين. # قلت: إنما المتبع هو الدليل فربما دل على ثبوتها وعلى صراحتها ونصوصيتها ~~كالمعارف الأصلية والاعتقادات الحقة وقصص الأنبياء والأمم في دعواتهم ~~الدينية والشرائع والأحكام وما تستتبعه من الثواب والعقاب ونظائر ذلك، ~~وربما دل الدليل وقامت شواهد على خلاف ذلك كما في القصة التي نحن فيها، ~~ومثل قصة الذر وعرض الأمانة وغير ذلك مما لا يستعقب إنكار ضروري من ضروريات ~~الدين، ولا يخالف آية محكمة ولا سنة قائمة ولا برهانا يقينيا. # والذي ذكره إبليس في مقام الاحتجاج: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته ~~من طين" من القياس وهو استدلال ظني لا يعبأ به في سوق الحقائق، وقد ذكر ~~المفسرون وجوها كثيرة في الرد عليه لكنك عرفت أن القرآن لم يعتن بأمره، ~~وإنما أخذ الله إبليس باستكباره عليه في مقام ليس له فيه إلا الانقياد ~~والتذلل، ولذلك أغمضنا عن التعرض لما ذكروه. PageV08P014 # قوله تعالى: "قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين" التكبر هو أخذ الإنسان مثلا الكبر لنفسه وظهوره به على غيره فإن ~~الكبر ms2811 والصغر من الأمور الإضافية، ويستعمل في المعاني غالبا فإذا أظهر ~~الإنسان بقول أو فعل أنه أكبر من غيره شرفا أو جاها أو نحو ذلك فقد تكبر ~~عليه وعده صغيرا، وإذ كان لا شرف ولا كرامة لشيء على شيء إلا ما شرفه الله ~~وكرمه كان التكبر صفة مذمومة في غيره تعالى على الإطلاق إذ ليس لما سواه ~~تعالى إلا الفقر والمذلة في أنفسهم من غير فرق بين شيء وشيء ولا كرامة إلا ~~بالله ومن قبله، فليس لأحد من دون الله أن يتكبر على أحد، وإنما هو صفة ~~خاصة بالله سبحانه فهو الكبير المتعال على الإطلاق فمن التكبر ما هو حق ~~محمود وهو الذي لله عز اسمه أو ينتهي إليه بوجه كالتكبر على أعداء الله ~~الذي هو في الحقيقة اعتزاز بالله، ومنه ما هو باطل مذموم وهو الذي يوجد عند ~~غيره بدعوى الكبر لنفسه لا بالحق. # والصاغرين جمع صاغر من الصغار وهو الهوان والذلة، والصغار في المعاني ~~كالصغر في الصور، وقوله: "فاخرج إنك من الصاغرين" تفسير وتأكيد لقوله ~~"فاهبط منها" لأن الهبوط هو خروج الشيء من مستقره نازلا فيدل ذلك على أن ~~الهبوط المذكور إنما كان هبوطا معنويا لا نزولا من مكان جسماني إلى مكان ~~آخر، ويتأيد به ما تقدم أن مرجع الضمير في قوله: "منها" وقوله: "فيها" هو ~~المنزلة دون السماء أو الجنة إلا أن يرجعا إلى المنزلة بوجه. # والمعنى: قال الله تعالى: فتنزل عن منزلتك حيث لم تسجد لما أمرتك فإن هذه ~~المنزلة منزلة التذلل والانقياد لي فما يحق لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين أهل الهوان، وإنما أخذ بالصغار ليقابل به التكبر. # قوله تعالى: "قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين" استمهال ~~وإمهال، وقد فصل الله تعالى ذلك في موضع آخر بقوله: "قال رب فأنظرني إلى ~~يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم": الحجر: 38، ص: ~~81، ومنه يعلم أنه أمهل بالتقييد لا بالإطلاق الذي ذكره فلم يمهل إلى يوم ~~البعث بل ضرب الله ms2812 لمهلته أجلا دون ذلك وهو يوم الوقت المعلوم، وسيجيء ~~الكلام فيه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى. # فقوله تعالى: "إنك من المنظرين" إنما يدل على إجمال ما أمهل به، وفيه ~~دلالة على أن هناك منظرين غيره. # واستمهاله إلى يوم البعث يدل على أنه كان من همه أن يديم على إغواء هذا ~~النوع في الدنيا وفي البرزخ جميعا حتى تقوم القيامة فلم يجبه الله سبحانه ~~إلى ما استدعاه بل لعله أجابه إلى ذلك إلى آخر الدنيا دون البرزخ فلا سلطان ~~له في البرزخ سلطان الإغواء والوسوسة وإن كان ربما صحب الإنسان بعد موته في ~~البرزخ مصاحبة الزوج والقرين كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: "ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ~~ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون": الزخرف: 39، وظاهر ~~قوله: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم": الصافات: 22. # قوله تعالى: "قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم" إلى آخر الآية. # الإغواء هو الإلقاء في الغي والغي والغواية هو الضلال بوجه والهلاك ~~والخيبة، والجملة أعني قوله: "أغويتني" وإن فسر بكل من هذه المعاني على ~~اختلاف أنظار المفسرين غير أن قوله تعالى في سورة الحجر فيما حكاه عنه: ~~"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين" يؤيد أن مراده ~~هو المعنى الأول، والباء في قوله: "فبما" للسببية أو المقابلة، والمعنى: ~~فبسبب إغوائك إياي أو في مقابلة إغوائك إياي لأقعدن لهم إلخ، وقد أخطأ من ~~قال: إنها للقسم وكان القائل أراد أن يطبقه على قوله تعالى في موضع آخر ~~حكاية عنه: "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين": ص: 82. # وقوله: "لأقعدن لهم صراطك المستقيم" أي لأجلسن لأجلهم على صراطك المستقيم ~~وسبيلك السوي الذي يوصلهم إليك وينتهي بهم إلى سعادتهم لما أن الجميع ~~سائرون إليك سالكون لا محالة مستقيم صراطك فالقعود على الصراط المستقيم ~~كناية ms2813 عن التزامه والترصد لعابريه ليخرجهم منه. PageV08P015 # وقوله: "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم" بيان ~~لما يصنعه بهم وقد كمن لهم قاعدا على الصراط المستقيم، وهو أنه يأتيهم من ~~كل جانب من جوانبهم الأربعة. # وإذ كان الصراط المستقيم الذي كمن لهم قاعدا عليه أمرا معنويا كانت ~~الجهات التي يأتيهم منها معنوية لا حسية والذي يستأنس من كلامه تعالى ~~لتشخيص المراد بهذه الجهاد كقوله تعالى: يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا": النساء: 120، وقوله: "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه": آل ~~عمران: 175 وقوله: "ولا تتبعوا خطوات الشيطان": البقرة: 168، وقوله: ~~"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء": البقرة 268 إلى غير ذلك من الآيات ~~الكثيرة هو أن المراد مما بين أيديهم ما يستقبلهم من الحوادث أيام حياتهم ~~مما يتعلق به الآمال والأماني من الأمور التي تهواه النفوس وتستلذه الطباع، ~~ومما يكرهه الإنسان ويخاف نزوله به كالفقر يخاف منه لو أنفق المال في سبيل ~~الله أو ذم الناس ولومهم لو ورد سبيلا من سبل الخير والثواب. # والمراد بخلقهم ناحية الأولاد والأعقاب فللإنسان فيمن يخلفه بعده من ~~الأولاد آمال وأماني ومخاوف ومكاره فإنه يخيل إليه أنه يبقى ببقائهم فيسره ~~ما يسرهم ويسوؤه ما يسوؤهم فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم، ويعد لهم ~~ما استطاع من قوة فيهلك نفسه في سبيل حياتهم. # والمراد باليمين وهو الجانب القوي الميمون من الإنسان ناحية سعادتهم وهو ~~الدين وإتيانه من جانب اليمين أن يزين لهم المبالغة في بعض الأمور الدينية، ~~والتكلف بما لم يأمرهم به الله وهو الذي يسميه الله تعالى باتباع خطوات ~~الشيطان. # والمراد بالشمال خلاف اليمين، وإتيانه منه أن يزين لهم الفحشاء والمنكر ~~ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع الأهواء. # قال الزمخشري في الكشاف،: فإن قلت: كيف قيل: "من بين أيديهم ومن خلفهم" ~~بحرف الابتداء، و"عن أيمانهم وعن شمائلهم" بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه ~~عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك ~~اختلفت في هذا وكانت لغة تؤخذ ms2814 ولا تقاس، وإنما يبحث عن صحة موقعها فقط. # فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه وجلس عن شماله وعلى شماله ~~قلنا: معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى ~~عليه، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق ~~له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في "تعال"، انتهى موضع ~~الحاجة. # وقوله تعالى: "ولا تجد أكثرهم شاكرين" نتيجة ما ذكره من صنعه بهم بقوله: ~~"لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم" إلخ، وقد وضع في ما حكاه الله من ~~كلامه في غير هذا الموضع بدل هذه الجملة أعني "ولا تجد أكثرهم شاكرين" جملة ~~أخرى قال: "قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا": إسراء: 62 فاستثنى من وسوسته وإغوائه القليل ~~مطابقا لما في هذه السورة، وقال: "لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين": الحجر: 40، ص: 83. # ومنه يظهر أنه إنما عنى بالشاكرين في هذا الموضع المخلصين، والتأمل ~~الدقيق في معنى الكلمتين يرشد إلى ذلك فإن المخلصين - بفتح اللام - هم ~~الذين أخلصوا لله فلا يشاركه فيهم أي في عبوديتهم وعبادتهم سواه، ولا نصيب ~~فيهم لغيره، ولا يذكرون إلا ربهم وقد نسوا دونه كل شيء حتى أنفسهم فليس في ~~قلوبهم إلا هو سبحانه، ولا موقف فيها للشيطان ولا لتزييناته. # والشاكرون هم الذين استقرت فيهم صفة الشكر على الإطلاق فلا يمسون نعمة ~~إلا بشكر أي بأن يستعملوها ويتصرفوا فيها قولا أو فعلا على نحو يظهرون به ~~أنها من عند ربهم المنعم بها عليهم فلا يقبلون على شيء - أعم من أنفسهم ~~وغيرهم - إلا وهم على ذكر من ربهم قبل أن يمسوه ومعه وبعده، وأنه مملوك له ~~تعالى طلقا ليس له من الأمر شيء فذكرهم ربهم على هذه الوتيرة ينسيهم ذكر ~~غيره إلا بالله، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. # فلو أعطي اللفظ حق معناه لكان الشاكرون هم المخلصين، واستثناء إبليس ~~الشاكرين أو المخلصين من شمول إغوائه ms2815 وإضلاله جرى منه على حقيقة الأمر ~~اضطرارا ولم يأت به جزافا أو امتنانا على بني آدم أو رحمة أو لغير ذلك. PageV08P016 # فهذا ما واجه إبليس به مصدر العزة والعظمة أعني قوله: "فبما أغويتني لأقعدن ~~لهم صراطك المستقيم - إلى قوله - ولا تجد أكثرهم شاكرين" فأخبر أنه يقصدهم ~~من كل جهة ممكنة، ويفسد الأمر على أكثرهم بإخراجهم عن الصراط المستقيم، ولم ~~يبين نحو فعله وكيفية صنعه. # لكن في كلامه إشارة إلى حقيقتين: إحداهما: أن الغواية التي تمكنت في نفسه ~~وهو ينسبها إلى صنع الله هي السبب لإضلاله وإغوائه لهم أي إنه يمسهم بنفسه ~~الغوية فلا يودع فيهم إلا الغواية كالنار التي تمس الماء بسخونتها فتسخنه، ~~وهذه الحقيقة ظاهرة من قوله تعالى: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم - إلى أن ~~قال - وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~قالوا بل لم تكونوا مؤمنين - إلى أن قال - فأغويناكم إنا كنا غاوين": ~~الصافات: 32. # والثانية: أن الذي يمسه الشيطان من بني آدم - وهو نوع عمله وصنعه - هو ~~الشعور الإنساني وتفكره الحيوي المتعلق بتصورات الأشياء والتصديق بما ينبغي ~~فعله أو لا ينبغي، وسيجيء تفصيله في الكلام في إبليس وعمله. # قوله تعالى: "قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك" إلخ المذءوم من ذامه ~~يذامه ويذيمه إذا عابه وذمه، والمدحور من دحره إذا طرده ودفعه بهوان. # وقوله: "لمن تبعك منهم" إلخ، اللام للقسم وجوابه هو قوله: "لأملأن جهنم" ~~إلخ، لما كان مورد كلام إبليس - وهو في صورة التهديد بالانتقام - هو بني ~~آدم وأنه سيبطل غرض الخلقة فيهم وهو كونهم شاكرين أجابه تعالى بما يفعل بهم ~~وبه فقال: "لمن تبعك منهم" محاذاة لكلامه ثم قال: "لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين" أي منك ومنهم فأشركه في الجزاء معهم. # وقد امتن تعالى في كلمته هذه التي لا بد أن تتم فلم يذكر جميع من تبعه بل ~~أتى بقوله: "منكم" وهو يفيد التبعيض. # قوله تعالى: "ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة" إلى آخر الآية. # خص بالخطاب آدم (عليه السلام) وألحق به في ms2816 الحكم زوجته، وقوله: "فكلا من ~~حيث شئتما" توسعة في إباحة التصرف إلا ما استثناه بقوله: "ولا تقربا هذه ~~الشجرة" والظلم هو الظلم على النفس دون معصية الأمر المولوي فإن الأمر ~~إرشادي. # قوله تعالى: "فوسوس لهما الشيطان" إلى آخر الآية. # الوسوسة هي الدعاء إلى أمر بصوت خفي، والمواراة ستر الشيء بجعله وراء ما ~~يستره، والسوآة جمع السوأة وهي العضو الذي يسوء الإنسان إظهاره والكشف عنه، ~~وقوله: "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين" إلخ، أي إلا ~~كراهة أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. # والملك وإن قرىء بفتح اللام إلا أن فيه معنى الملك - بالضم فالسكون - ~~والدليل عليه قوله في موضع آخر: "قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى": طه: 120. # ونقل في المجمع، عن السيد المرتضى رحمه الله احتمال أن يكون المراد ~~بقوله: "إلا أن تكونا ملكين" إلخ، أنه أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة ~~الملائكة خاصة والخالدون دونهما فيكون كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن ~~كذا إلا أن تكون فلانا، وإنما يريد أن المنهي إنما هو فلان دونك، وهذا أوكد ~~في الشبهة واللبس عليهما انتهى. # لكن آية سورة طه المنقولة آنفا تدفعه. # قوله تعالى: "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" المقاسمة المبالغة في ~~القسم أي حلف لهما وأغلظ في حلفه إنه لهما لمن الناصحين، والنصح خلاف الغش. # قوله تعالى: "فدلاهما بغرور إلى آخر الآية. # التدلية التقريب والإيصال كما أن التدلي الدنو والاسترسال، وكأنه من ~~الاستعارة من دلوت الدلو أي أرسلتها، والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش، ~~والخصف الضم والجمع، ومنه خصف النعل. # وفي قوله: "وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة" دلالة على أنهما ~~عند توجه هذا الخطاب كانا في مقام البعد من ربهما لأن النداء هو الدعاء من ~~بعد، وكذا من الشجرة بدليل قوله: "تلكما الشجرة" بخلاف قوله عند أول ~~ورودهما الجنة: "ولا تقربا هذه الشجرة". # قوله تعالى: "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين" هذا منهما ms2817 نهاية التذلل والابتهال، ولذلك لم يسألا شيئا وإنما ~~ذكرا حاجتهما إلى المغفرة والرحمة وتهديد الخسران الدائم المطلق لهما حتى ~~يشاء الله ما يشاء. PageV08P017 # قوله تعالى: "قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو" إلى آخر الآية، كان الخطاب لآدم ~~وزوجته وإبليس، وعداوة بعضهم لبعض هو ما يشاهد من اختلاف طبائعهم، وهذا ~~قضاء منه تعالى والقضاء الآخر قوله: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين أي ~~إلى آخر الحياة الدنيوية، وظاهر السياق أن الخطاب الثاني أيضا يشترك فيه ~~الثلاثة. # قوله تعالى: "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" قضاء آخر يوجب ~~تعلقهم بالأرض إلى حين البعث، وليس من البعيد أن يختص هذا الخطاب بآدم ~~وزوجته وبنيهما، لما فيه من الفصل بلفظة "قال" وقد مر تفصيل الكلام في قصة ~~الجنة في سورة البقرة فليراجعها من شاء. # كلام في إبليس وعمله # عاد موضوع "إبليس" موضوعا مبتذلا عندنا لا يعبأ به دون أن نذكره أحيانا ~~ونلعنه أو نتعوذ بالله منه أو نقبح بعض أفكارنا بأنها من الأفكار الشيطانية ~~ووساوسه ونزغاته دون أن نتدبر فنحصل ما يعطيه القرآن الكريم في حقيقة هذا ~~الموجود العجيب الغائب عن حواسنا، وما له من عجيب التصرف والولاية في ~~العالم الإنساني. # وكيف لا وهو يصاحب العالم الإنساني على سعة نطاقه العجيبة منذ ظهر في ~~الوجود حتى ينقضي أجله وينقرض بانطواء بساط الدنيا ثم يلازمه بعد الممات ثم ~~يكون قرينه حتى يورده النار الخالدة، وهو مع الواحد منا كما هو مع غيره هو ~~معه في علانيته وسره يجاريه كلما جرى حتى في أخفى خيال يتخيله في زاوية من ~~زوايا ذهنه أو فكرة يواريها في مطاوي سريرته لا يحجبه عنه حاجب، ولا يغفل ~~عنه بشغل شاغل. # وأما الباحثون منا فقد أهملوا البحث عن ذلك وبنوا على ما بنى عليه باحثوا ~~الصدر الأول سالكين ما خطوا لهم من طريق البحث، وهي النظريات الساذجة التي ~~تلوح للأفهام العامية لأول مرة تلقوا الكلام الإلهي ثم التخاصم في ما يهتدي ~~إليه فهم كل طائفة، خاصة والتحصن فيه ثم الدفاع ms2818 عنه بأنواع الجدال، ~~والاشتغال بإحصاء إشكالات القصة وتقرير السؤال والجواب بالوجه بعد الوجه. # لم خلق الله إبليس وهو يعلم من هو؟ لم أدخله في جمع الملائكة وليس منهم؟ ~~لم أمره بالسجدة وهو يعلم أنه لا يأتمر؟ لم لم يوفقه للسجدة وأغواه؟ لم لم ~~يهلكه حين لم يسجد؟ لم أنظره إلى يوم يبعثون أو إلى يوم الوقت المعلوم؟ لم ~~مكنه من بني آدم هذا التمكين العجيب الذي به يجري منهم مجرى الدم؟ لم أيده ~~بالجنود من خيل ورجل وسلطه على جميع ما للحياة الإنسانية به مساس؟ لم لم ~~يظهره على حواس الإنسان ليحترز مساسه؟ لم لم يؤيد الإنسان بمثل ما أيده به؟ ~~ولم لم يكتم أسرار خلقه آدم وبنيه من إبليس حتى لا يطمع في إغوائهم؟ وكيف ~~جازت المشافهة بينه وبين الله سبحانه وهو أبعد الخليقة منه وأبغضهم إليه ~~ولم يكن بنبي ولا ملك؟ فقيل بمعجزة وقيل: بإيجاد آثار تدل على المراد، ولا ~~دليل على شيء من ذلك. # ثم كيف دخل إبليس الجنة؟ وكيف جاز وقوع الوسوسة والكذب والمعصية هناك وهي ~~مكان الطهارة والقدس؟ وكيف صدقه آدم وكان قوله مخالفا لخبر الله؟ وكيف طمع ~~في الملك والخلود وذلك يخالف اعتقاد المعاد؟ وكيف جازت منه المعصية وهو نبي ~~معصوم؟ وكيف قبلت توبته ولم يرد إلى مقامه الأول والتائب من الذنب كمن لا ~~ذنب له؟ وكيف...؟ وكيف...؟. # وقد بلغ من إهمال الباحثين في البحث الحقيقي واسترسالهم في الجدال إشكالا ~~وجوابا أن ذهب الذاهب منهم إلى أن المراد بآدم هذا آدم النوعي والقصة ~~تخييلية محضة واختار آخرون أن إبليس الذي يخبر عنه القرآن الكريم هو القوة ~~الداعية إلى الشر من الإنسان!. # وذهب آخرون إلى جواز انتساب القبائح والشنائع إليه تعالى وأن جميع ~~المعاصي من فعله، وأنه يخلق الشر والقبيح فيفسد ما يصلحه، وأن الحسن هو ~~الذي أمر به والقبيح هو الذي نهى عنه، وآخرون: إلى أن آدم لم يكن نبيا، ~~وآخرون: إلى أن الأنبياء غير معصومين مطلقا، وآخرون: إلى أنهم غير معصومين ~~قبل البعثة ms2819 وقصة الجنة قبل بعثة آدم، وآخرون: إلى أن ذلك كله من الامتحان ~~واختبار ولم يبينوا ما هو الملاك الحقيقي في هذا الامتحان الذي يضل به ~~كثيرون ويهلك به الأكثرون، ولو لا وجود ملاك يحسم مادة الإشكال لعادت ~~الإشكالات بأجمعهم. PageV08P018 # والذي يمنع نجاح السعي في هذه الأبحاث ويختل به نتائجها هو أنهم لم يفرقوا ~~في هذه المباحث جهاتها الحقيقية من جهاتها الاعتبارية، ولم يفصلوا التكوين ~~عن التشريع فاختل بذلك نظام البحث، وحكموا في ناحية التكوين غالبا الأصول ~~الوضيعة الاعتبارية الحاكمة في التشريعيات والاجتماعيات. # والذي يجب تحريره وتنقيحه على الحر الباحث عن هذه الحقائق الدينية ~~المرتبطة بجهات التكوين أن يحرر جهات: الأولى: أن وجود شيء من الأشياء التي ~~يتعلق بها الخلق والإيجاد في نفسه - أعني وجوده النفسي من غير إضافة - لا ~~يكون إلا خيرا ولا يقع إلا حسنا، فلو فرض محالا تعلق الخلقة بما فرض شرا في ~~نفسه عاد أمرا موجودا له آثار وجودية يبتدىء من الله ويرتزق برزقه ثم ينتهي ~~إليه فحاله حال سائر الخليقة ليس فيه أثر من الشر والقبح إلا أن يرتبط ~~وجوده بغيره فيفسد نظاما عادلا في الوجود أو يوجب حرمان جمع من الموجودات ~~من خيرها وسعادتها، وهذه هي الإضافة المذكورة. # ولذلك كان من الواجب في الحكمة الإلهية أن ينتفع من هذه الموجودات المضرة ~~الوجود بما يربو على مضرتها وذلك قوله تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه": ~~السجدة : 7، وقوله: "تبارك الله رب العالمين": الأعراف: 54، وقوله: "وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44. # والثانية: أن عالم الصنع والإيجاد على كثرة أجزائه وسعة عرضه مرتبط بعضه ~~ببعض معطوف آخره إلى أوله فإيجاد بعضه إنما هو بإيجاد الجميع، وإصلاح الجزء ~~إنما هو بإصلاح الكل فالاختلاف الموجود بين أجزاء العالم في الوجود وهو ~~الذي صير العالم عالما ثم ارتباطها يستلزم استلزاما ضروريا في الحكمة ~~الإلهية نسبة بعضها إلى بعض بالتنافي والتضاد أو بالكمال والنقص والوجدان ~~والفقدان والنيل والحرمان، ولو لا ذلك عاد جميع الأشياء إلى شيء واحد لا ms2820 ~~تميز فيه ولا اختلاف ويبطل بذلك الوجود قال تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة ~~كلمح بالبصر": القمر: 50. # فلو لا الشر والفساد والتعب والفقدان والنقص والضعف وأمثالها في هذا ~~العالم لما كان للخير والصحة والراحة والوجدان والكمال والقوة مصداق، ولا ~~عقل منها معنى لأنا إنما نأخذ المعاني من مصاديقها. # ولو لا الشقاء لم تكن سعادة، ولو لا المعصية لم تتحقق طاعة، ولو لا القبح ~~والذم لم توجد حسن ولا مدح، ولو لا العقاب لم يحصل ثواب، ولو لا الدنيا لم ~~تتكون آخرة. # فالطاعة مثلا امتثال الأمر المولوي فلو لم يمكن عدم الامتثال الذي هو ~~المعصية لكان الفعل ضروريا لازما، ومع لزوم الفعل لا معنى للأمر المولوي ~~لامتناع تحصيل الحاصل، ومع عدم الأمر المولوي لا مصداق للطاعة ولا مفهوم ~~لها كما عرفت. # ومع بطلان الطاعة والمعصية يبطل المدح والذم المتعلق بهما والثواب ~~والعقاب والوعد والوعيد والإنذار والتبشير ثم الدين والشريعة والدعوة ثم ~~النبوة والرسالة ثم الاجتماع والمدنية ثم الإنسانية ثم كل شيء، وعلى هذا ~~القياس جميع الأمور المتقابلة في النظام، فافهم ذلك. # ومن هنا ينكشف لك أن وجود الشيطان الداعي إلى الشر والمعصية من أركان ~~نظام العالم الإنساني الذي إنما يجري على سنة الاختيار ويقصد سعادة النوع. # وهو كالحاشية المكتنفة بالصراط المستقيم الذي في طبع هذا النوع أن يسلكه ~~كادحا إلى ربه ليلاقيه، ومن المعلوم أن الصراط إنما يتعين بمتنه صراطا ~~بالحاشية الخارجة عنه الحافة به فلو لا الطرف لم يكن وسط فافهم ذلك وتذكر ~~قوله تعالى: "قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم": الأعراف: 16، ~~وقوله "قال: هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين": الحجر: 42. PageV08P019 # إذا تأملت في هاتين الجهتين ثم تدبرت آيات قصة السجدة وجدتها صورة منبئة عن ~~الروابط الواقعية التي بين النوع الإنساني والملائكة وإبليس عبر عنها ~~بالأمر والامتثال والاستكبار والطرد والرجم والسؤال والجواب، وأن جميع ~~الإشكالات الموردة فيها ناشئة من التفريط في تدبر القصة حتى أن بعض من تنبه ~~لوجه الصواب وأنها ms2821 تشير إلى ما عليه طبائع الإنسان والملك والشيطان ذكر أن ~~الأمر والنهي - يريد أمر إبليس بالسجدة ونهي آدم عن أكل الشجرة - تكوينيان ~~فأفسد بذلك ما قد كان أصلحه، وذهل عن أن الأمر والنهي التكوينيين لا يقبلان ~~التخلف والمخالفة، وقد خالف إبليس الأمر وخالف آدم النهي. # الثالثة: أن قصة الجنة مدلولها - على ما تقدم تفصيل القول فيها في سورة ~~البقرة - ينبىء عن أن الله سبحانه خلق جنة برزخية سماوية، وأدخل آدم فيها ~~قبل أن يستقر عليه الحياة الأرضية، ويغشاه التكليف المولوي ليختبر بذلك ~~الطباع الإنساني فيظهر به أن الإنسان لا يسعه إلا أن يعيش على الأرض، ~~ويتربى في حجر الأمر والنهي فيستحق السعادة والجنة بالطاعة، وإن كان دون ~~ذلك فدون ذلك، ولا يستطيع الإنسان أن يقف في موقف القرب وينزل في منزل ~~السعادة إلا بقطع هذا الطريق. # وبذلك ينكشف أن لا شيء من الإشكالات التي أوردوها في قصة الجنة فلا الجنة ~~كانت جنة الخلد التي لا يدخلها إلا ولي من أولياء الله تعالى دخولا لا خروج ~~بعده أبدا، ولا الدار كانت دارا دنيوية يعاش فيها عيشة دنيوية يديرها ~~التشريع ويحكم فيها الأمر والنهي المولويان بل كانت دارا يظهر فيها حكم ~~السجية الإنسانية لا سجية آدم (عليه السلام) بما هو شخص آدم إذ لم يؤمر ~~بالسجدة له ولا أدخل الجنة إلا لأنه إنسان كما تقدم بيانه. # رجعنا إلى أول الكلام: لم يصف الله سبحانه من ذات هذا المخلوق الشرير ~~الذي سماه إبليس إلا يسيرا وهو قوله تعالى: "كان من الجن ففسق عن أمر ربه": ~~الكهف: 50، وما حكاه عنه في كلامه: "خلقتني من نار" فبين أن بدء خلقته كان ~~من نار من سنخ الجن وأما ما الذي آل إليه أمره فلم يذكره صريحا كما أنه لم ~~يذكر تفصيل خلقته كما فصل القول في خلقة الإنسان. # نعم هناك آيات واصفة لصنعه وعمله يمكن أن يستفاد منها ما ينفع في هذا ~~الباب قال تعالى حكاية عنه: "لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ms2822 ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين": ~~الأعراف: 17. # فأخبر أنه يتصرف فيهم من جهة العواطف النفسانية من خوف ورجاء وأمنية وأمل ~~وشهوة وغضب ثم في أفكارهم وإرادتهم المنبعثة منها. # كما يقارنه في المعنى قوله: "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض": ~~الحجر: 39، أي لأزينن لهم الأمور الباطلة الرديئة الشوهاء بزخارف وزينات ~~مهيأة من تعلق العواطف الداعية نحو اتباعها ولأغوينهم بذلك كالزنا مثلا ~~يتصوره الإنسان وتزينه في نظره الشهوة ويضعف بقوتها ما يخطر بباله من ~~المحذور في اقترافه فيصدق به فيقترفه، ونظير ذلك قوله "يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا": النساء: 120، وقوله: "فزين لهم الشيطان ~~أعمالهم": النحل: 63. # كل ذلك - كما ترى - يدل على أن ميدان عمله هو الإدراك الإنساني ووسيلة ~~عمله العواطف والإحساسات الداخلة فهو الذي يلقي هذه الأوهام الكاذبة ~~والأفكار الباطلة في النفس الإنسانية كما يدل عليه قوله: "الوسواس الخناس ~~الذي يوسوس في صدور الناس": الناس: 5. # لكن الإنسان مع ذلك لا يشك في أن هذه الأفكار والأوهام المسماة وساوس ~~شيطانية أفكار لنفسه يوجدها هو في نفسه من غير أن يشعر بأحد سواه يلقيها ~~إليه أو يتسبب إلى ذلك بشيء كما في سائر أفكاره وآرائه التي لا تتعلق بعمل ~~وغيره كقولنا: الواحد نصف الاثنين والأربعة زوج وأمثال ذلك. PageV08P020 # فالإنسان هو الذي يوجد هذه الأفكار والأوهام في نفسه كما أن الشيطان هو ~~الذي يلقيها إليه ويخطرها بباله من غير تزاحم، ولو كان تسببه فيها نظير ~~التسببات الدائرة فيما بيننا لمن ألقى إلينا خبرا أو حكما أو ما يشبه ذلك ~~لكان إلقاؤه إلينا لا يجامع استقلالنا في التفكير، ولانتفت نسبة الفعل ~~الاختياري إلينا لكون العلم والترجيح والإرادة له لا لنا، ولم يترتب على ~~الفعل لوم ولا ذم ولا غيره، وقد نسبه الشيطان نفسه إلى الإنسان فيما حكاه ~~الله من قوله يوم القيامة: "وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي فلا تلوموني ولوموا ms2823 أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم": إبراهيم: 22، فنسب الفعل ~~والظلم واللوم إليهم وسلبها عن نفسه، ونفى عن نفسه كل سلطان إلا السلطان ~~على الدعوة والوعد الكاذب كما قال تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا ~~من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 فنفى سبحانه سلطانه إلا في ظرف الاتباع ~~ونظيره قوله تعالى: "قال قرينة ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد": ق: 27. # وبالجملة فإن تصرفه في إدراك الإنسان تصرف طولي لا ينافي قيامه بالإنسان ~~وانتسابه إليه انتساب الفعل إلى فاعله لا عرضي ينافي ذلك. # فله أن يتصرف في الإدراك الإنساني بما يتعلق بالحياة الدنيا في جميع ~~جهاتها بالغرور والتزيين فيضع الباطل مكان الحق ويظهره في صورته فلا يرتبط ~~الإنسان بشيء إلا من وجهه الباطل الذي يغره ويصرفه عن الحق، وهذا هو ~~الاستقلال الذي يراه الإنسان لنفسه أولا ثم لسائر الأسباب التي يرتبط بها ~~في حياته فيحجبه ذلك عن الحق ويلهوه عن الحياة الحقيقية كما تقدم استفادة ~~ذلك من قوله المحكي: "فبما أغويتني لأقعدن لهم": الأعراف: 16، وقوله: "رب ~~بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض": الحجر: 39. # ويؤدي ذلك إلى الغفلة عن مقام الحق، وهو الأصل الذي ينتهي ويحلل إليه كل ~~ذنب قال تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الإنس والجن لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون": الأعراف: 179. # فاستقلال الإنسان بنفسه وغفلته عن ربه وجميع ما يتفرع عليه من سيىء ~~الاعتقاد ورديء الأوهام والأفكار التي يرتضع عنها كل شرك وظلم إنما هي من ~~تصرف الشيطان في عين أن الإنسان يخيل إليه أنه هو الموجد لها القائم بها ~~لما يراه من استقلال نفسه فقد صبغ نفسه صبغة لا يأتيه اعتقاد ولا عمل إلا ~~صبغه بها. # وهذا هو دخوله تحت ولاية الشيطان وتدبيره وتصرفه من غير أن يتنبه لشيء أو ~~يشعر بشيء وراء نفسه قال ms2824 تعالى: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا ~~جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27. # وولاية الشيطان على الإنسان في المعاصي والمظالم على هذا النمط نظير ~~ولاية الملائكة عليه في الطاعات والقربات، قال تعالى: "إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياءكم في الحياة الدنيا": حم السجدة: 31، ~~والله من ورائهم محيط وهو الولي لا ولي سواه قال تعالى: "ما لكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع": السجدة: 4. # وهذا هو الاحتناك أي الإلجام الذي ذكره فيما حكاه الله تعالى عنه بقوله: ~~"قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي إلى قوله لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب ~~فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا": إسراء: 64، أي لألجمنهم فأتسلط عليهم تسلط راكب الدابة ~~الملجم لها عليها يطيعونني فيما آمرهم ويتوجهون إلى حيث أشير لهم إليه من ~~غير أي عصيان وجماح. PageV08P021 # ويظهر من الآيات أن له جندا يعينونه فيما يأمر به ويساعدونه على ما يريد ~~وهو القبيل الذي ذكر في الآية السابقة: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم" وهؤلاء وإن بلغوا من كثرة العدد وتفنن العمل ما بلغوا فإنما صنعهم ~~صنع نفس إبليس ووسوستهم نفس وسوسته كما يدل عليه قوله: "لأغوينهم أجمعين": ~~الحجر: 39، وغيره مما حكته الآيات نظير ما يأتي به أعوان الملائكة العظام ~~من الأعمال فتنسب إلى رئيسهم المستعمل لهم في ما يريده، قال تعالى في ملك ~~الموت: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة: 11، ثم قال: "حتى إذا ~~جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون": الأنعام 61 إلى غير ذلك. # وتدل الآية: "الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس": الناس: 6 على ~~أن في جنده اختلافا من حيث كون بعضهم من الجنة وبعضهم من الإنس ويدل قوله: ~~"أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم ms2825 لكم عدو": الكهف: 50، أن له ذرية هم ~~من أعوانه وجنوده لكن لم يفصل كيفية انتشاء ذريته منه. # كما أن هناك نوعا آخر من الاختلاف يدل عليه قوله: "وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك" في الآية المتقدمة، وهو الاختلاف من جهة الشدة والضعف وسرعة العمل ~~وبطئه فإن الفارق بين الخيل والرجل هو السرعة في اللحوق والإدراك وعدمها. # وهناك نوع آخر من الاختلاف في العمل، وهو الاجتماع عليه والانفراد كما ~~يدل عليه أيضا قوله تعالى: "وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب ~~أن يحضرون": المؤمنون: 98، ولعل قوله تعالى: "هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون": الشعراء: 223 ~~من هذا الباب. # فملخص البحث: أن إبليس لعنه الله موجود مخلوق ذو شعور وإرادة يدعو إلى ~~الشر ويسوق إلى المعصية كان في مرتبة مشتركة مع الملائكة غير متميز منهم ~~إلا بعد خلق الإنسان وحينئذ تميز منهم ووقع في جانب الشر والفساد، وإليه ~~يستند نوعا من الاستناد انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم وميله إلى جانب ~~الشقاء والضلال، ووقوعه في المعصية والباطل كما أن الملك موجود مخلوق ذو ~~إدراك وإرادة إليه يستند نوعا من الاستناد اهتداء الإنسان إلى غاية السعادة ~~ومنزل الكمال والقرب، وأن لإبليس أعوانا من الجن والإنس وذرية مختلفي ~~الأنواع يجرون بأمره إياهم أن يتصرفوا في جميع ما يرتبط به الإنسان من ~~الدنيا وما فيها بإظهار الباطل في صورة الحق، وتزيين القبيح في صورة الحسن ~~الجميل. # وهم يتصرفون في قلب الإنسان وفي بدنه وفي سائر شئون الحياة الدنيا من ~~أموال وبنين وغير ذلك بتصرفات مختلفة اجتماعا وانفرادا، وسرعة وبطءا، وبلا ~~واسطة ومع الواسطة والواسطة ربما كانت خيرا أو شرا وطاعة أو معصية. # ولا يشعر الإنسان في شيء من ذلك بهم ولا أعمالهم بل لا يشعر إلا بنفسه ~~ولا يقع بصره إلا بعمله فلا أفعالهم مزاحمة لأعمال الإنسان ولا ذواتهم ~~وأعيانهم في عرض وجود الإنسان غير أن الله سبحانه أخبرنا أن إبليس من الجن ~~وأنهم مخلوقون من ms2826 النار، وكأن أول وجوده وآخره مختلفان. PageV08P022 ### |||| AUTO بحث عقلي وقرآني مختلط # قال في روح المعاني،: وقد ذكر الشهرستاني عن شارح الأناجيل الأربعة صورة ~~مناظرة جرت بين الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة، وقد ذكرت في التوراة، ~~وهي أن اللعين قال للملائكة: إني أسلم أن لي إلها هو خالقي وموجدي لكن لي ~~على حكمه أسئلة: الأول: ما الحكمة في الخلق لا سيما وقد كان عالما أن ~~الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار؟. الثاني: ما الفائدة في التكليف مع ~~أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على ~~تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته ~~فلما ذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته في ترك السجود فلم لعنني ~~وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضرر؟. ~~الخامس: أنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟. ~~السادس: لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني ومعلوم أنه لو كان ~~العالم خاليا من الشر لكان ذلك خيرا؟. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى ~~إليه من سرادق العظمة والكبرياء: يا إبليس أنت ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت ~~أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل ~~عما أفعل، انتهى. # ثم قال الآلوسي: قال الإمام - الرازي - إنه لو اجتمع الأولون والآخرون من ~~الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصا، وكان ~~الكل لازما. # ثم قال الآلوسي: ويعجبني ما يحكى أن سيف الدولة بن حمدان خرج يوما على ~~جماعته فقال: قد عملت بيتا ما أحسب أن أحدا يعمل له ثانيا إلا أن كان أبا ~~فراس وكان أبو فراس جالسا، فقيل له: ما هو؟ فقال قولي. # لك جسمي تعله. # فدمي لن تطله. # فابتدر أبو فراس قائلا: قال إن كنت مالكا. # فلي الأمر كله. # انتهى. # أقول: ما مر من البيان في أول الكلام السابق يصلح ms2827 لدفع هذه الشبهات الستة ~~عن آخرها ويكفي مئونتها من غير أن يحتاج إلى اجتماع الأولين والآخرين ثم لا ~~ينفعهم اجتماعهم على ما ادعاه الإمام فليست بذاك الذي يحسب، ولتوضيح الأمر ~~نقول: أما الشبهة الأولى: فالمراد بالحكمة - وهي جهة الخير والصلاح الذي ~~يدعو الفاعل إلى الفعل في الخلق أما الحكمة في مطلق الخلق وهو ما سوى الله ~~سبحانه من العالم، وأما الحكمة في خلق الإنسان خاصة. # فإن كان سؤالا عن الحكمة في مطلق الخلق والإيجاد فمن المبرهن عليه أنه ~~فاعل تام لمجموع ما سواه غير مفتقر في ذلك إلى متمم يتمم فاعليته ويصلح له ~~ألوهيته فهو مبدأ لما سواه منبع لكل خير ورحمة بذاته، واقتضاء المبدإ لما ~~هو مبدأ له ضروري، والسؤال عن الضروري لغو كما أن ملكة الجود تقتضي بذاتها ~~أن ينتشر أثرها وتظهر بركاتها لا لاستدعاء أمر آخر وراء نفسها يوجب لها ~~ظهور الأثر وإلا لم تكن ملكة، فظهور أثرها ضروري لها وهو أن يتنعم بها كل ~~مستحق على حسب استعداده واستحقاقه، واختلاف المستحقين في النيل بحسب اختلاف ~~استحقاقهم أمر عائد إليهم لا إلى الملكة التي هي مبدأ الخير. # وأما حديث الحكمة في الخلق والإيجاد بمعنى الغاية وجهة الخير المقصودة ~~للفاعل في فعله فإنما يحكم العقل بوجوب الغاية الزائدة على الفاعل في ~~الفاعل الناقص الذي يستكمل بفعله ويكتسب به تماما وكمالا، وأما الفاعل الذي ~~عنده كل خير وكمال فغايته نفس ذاته من غير حاجة إلى غاية زائدة كما عرفت في ~~مثال ملكة الجود، نعم يترتب على فعله فوائد ومنافع كثيرة لا تحصى ونعم ~~إلهية لا تنقطع وهي غير مقصودة إلا ثانيا وبالعرض، هذا في أصل الإيجاد. # وإن كان السؤال عن الحكمة في خلق الإنسان كما يشعر به قوله بعد: لا سيما ~~وقد كان عالما أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار فالحكمة بمعنى غاية ~~الفاعل والفائدة العائدة إليه غير موجودة لما عرفت أنه تعالى غني بذاته لا ~~يفتقر إلى شيء مما سواه حتى يتم أو يكمل به، وأما ms2828 الحكمة بمعنى الغاية ~~الكمالية التي ينتمي إليها الفعل وتحرز فائدته فهو أن يخلق من المادة ~~الأرضية الخسيسة تركيب خاص ينتهي بسلوكه في مسلك الكمال إلى جوهر علوي شريف ~~كريم يفوق بكمال وجوده كل موجود سواه، ويتقرب إلى ربه تقربا كماليا لا ~~يناله شيء غيره فهذه غاية النوعية الإنسانية. PageV08P023 # غير أن من المعلوم أن مركبا أرضيا مؤلفا من الأضداد واقعا في عالم التزاحم ~~والتنافي محفوفا بعلل وأسباب موافقة ومخالفة لا ينجو منها بكله، ولا يخلص ~~من إفسادها بآثارها المنافية جميع أفراده فلا محالة لا يفوز بالسعادة ~~المطلوبة منه إلا بعض أفراده، ولا ينجح في سلوكه نحو الكمال إلا شطر من ~~مصاديقه لا جميعها. # وليست هذه الخصيصة أعني فوز البعض بالكمال والسعادة وحرمان البعض مما ~~يختص به الإنسان بل جميع الأنواع المتعلقة الوجود بالمادة الموجودة في هذه ~~النشأة كأنواع الحيوان والنبات وجميع التركيبات المعدنية وغيرها كذلك فشيء ~~من هذه الأنواع الموجودة - وهي ألوف وألوف - لا يخلو عن غاية نوعية هي كمال ~~وجوده، وهي مع ذلك لا تنال الكمال إلا بنوعيته، وأما الأفراد والأشخاص ~~فكثير منها تبطل دون البلوغ إلى الكمال، وتفسد في طريق الاستكمال بعمل ~~العلل والأسباب المخالفة لأنها محفوفة بها ولا بد لها من العمل فيها جريا ~~على مقتضى عليتها وسببيتها. # ولو فرض شيء من هذه الأنواع غير متأثر من شيء من العوامل المخالفة ~~كالنبات مثلا غير متأثر من حرارة وبرودة ونور وظلمة ورطوبة ويبوسة ~~والسمومات والمواد الأرضية المنافية لتركيبه كان في هذا الفرض إبطال تركيبه ~~الخاص أولا، وإبطال العلل والأسباب ثانيا، وفيه إبطال نظام الكون فافهم ذلك. # ولا ضير في بطلان مساعي بعض الأفراد أو التركيبات إذا أدى ذلك إلى فوز ~~بعض آخر بالكمال والغاية الشريفة المقصودة التي هي كمال النوع وغايته فإن ~~الخلقة المادية لا تسع أزيد من ذلك، وصرف الكثير من المادة الخسيسة التي لا ~~قيمة لها في تحصيل القليل من الجوهر الشريف العالي استرباح حقيقي بلا تبذير ~~أو جزاف. # فالعلة الموجبة لوجود النوع الإنساني لا تريد بفعلها ms2829 إلا الإنسان الكامل ~~السائر إلى أوج السعادة في دنياه وآخرته إلا أن الإنسان لا يوجد إلا بتركيب ~~مادي، وهذا التركيب لا يوجد إلا إذا وقع تحت هذا النظام المادي المنبسط على ~~هذه الأجزاء الموجودة في العالم المرتبطة بعضها ببعض المتفاعلة فيما بينها ~~جميعا بتأثيراتها وتأثراتها المختلفة، ولازم ذلك سقوط بعض أفراد الإنسان ~~دون الوصول إلى كمال الإنسانية فعلة وجود الإنسان تريد السعادة الإنسانية ~~أولا وبالذات، وأما سقوط بعض الأفراد فإنما هو مقصود ثانيا وبالعرض ليس ~~بالقصد الأولي. # فخلقه تعالى الإنسان حكمته بلوغ الإنسان إلى غايته الكمالية، وأما علمه ~~بأن كثيرين من أفراده يكونون كفارا مصيرهم إلى النار لا يوجب أن يختل مراده ~~من خلقه النوع الإنساني، ولا أنه يوجب أن يكون خلقه الإنسان الذي سيكون ~~كافرا علة تامة لكفره أو لصيرورته إلى النار، كيف؟ وعلة كفره التامة بعد ~~وجوده علل وعوامل خارجية كثيرة جدا، وآخرها اختياره الذي لا يدع الفعل ~~ينتسب إلا إليه فالعلة التي أوجدت وجوده لم توجد إلا جزء من أجزائه علة ~~كفره، وأما تعلق القضاء الإلهي بكفره فإنما تعلق به عن طريق الاختيار لا ~~بأن يبطل اختياره وإرادته ويضطر إلى قبول الكفر كسقوط الحجر المرمي إلى فوق ~~نحو الأرض بعامل الثقل اضطرارا. # وأما الشبهة الثانية فقوله: "ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه ~~منه نفع ولا ضرر؟" مغالطة من باب إسراء حكم الفاعل الناقص الفقير إلى ~~الفاعل التام الغني في ذاته فحكم العقل بوجوب رجوع فائدة من الفعل إلى ~~الفاعل إنما هو في الفاعل الناقص المستكمل بفعله المنتفع به دون الفاعل ~~المفروض غنيا في ذاته. # فلا حكم من العقل أن كل فاعل حتى ما هو غني في ذاته لا جهة نقص فيه يجب ~~أن يكون له في فعله فائدة عائدة إليه، ولا أن الموجود الذي هو غني في ذاته ~~لا جهة نقص فيه حتى يستكمل بشيء فهو يمتنع صدور فعل عنه. PageV08P024 # والتكليف وإن كان في نفسه أمرا وضعيا اعتباريا لا يجري في متنه الأحكام ~~الحقيقية ms2830 إلا أنه في المكلفين واسطة ترتبط بها الكمالات اللاحقة الحقيقية ~~بسابقتها فهي وصلة بين حقيقتين: توضيح ذلك ملخصا: أنا لسنا نشك عن المشاهدة ~~المتكررة والبرهان أن ما بين أيدينا من الأنواع الموجودة التي نسميها بما ~~فيها من النظام الجاري عالما ماديا واقعة تحت الحركة التي ترسم لكل منها ~~بقاء بحسب حاله، ووجودا ممتدا يبتدي من حالة النقص وينتهي إلى حالة الكمال، ~~وبين أجزاء هذا الامتداد الوجودي المسمى بالبقاء ارتباطا وجوديا حقيقيا ~~يؤدي به كل سابق إلى لاحقه، ويتوجه به النوع من منزل من هاتيك المنازل إلى ~~ما يليه بل هو قصد من أول حين يشرع في الحركة آخر مرحلة من شأن حركته أن ~~ينتهي إليه. # فالحبة من القمح من أول ما تنشق للنمو قاصدة نحو شجرة الحنطة الكاملة ~~نشوءا وعليها سنابلها، والنطفة من الحيوان متوجهة إلى فرد كامل من نوعه ~~واجد لجميع كمالاته النوعية وهكذا، وليس النوع الإنساني بمستثنى من هذه ~~الكلية البتة فهو أيضا من أول ما يأخذ فرد منه في التكون عازم نحو غايته ~~متوجه إلى مرتبة إنسان كامل واجد لحقيقة سعادته سواء بلغ في مسير حياته إلى ~~ذلك المبلغ أم حالت دونه الموانع. # والإنسان لما اضطر بحسب سنخ وجوده إلى أن يعيش عيشة اجتماعية، والعيشة ~~الاجتماعية إنما تتحقق تحت قوانين وسنن جارية بين أفراد المجتمع وهي عقائد ~~وأحكام وضعية اعتبارية - التكاليف الدينية أو غير الدينية - تتكون بالعمل ~~بها في الإنسان عقائد وأخلاق وملكات هي الملاك في سعادة الإنسان في دنياه ~~وكذا في آخرته وهي لوازم الأعمال المسماة بالثواب والعقاب. # فالتكليف يستبطن سيرا تدريجيا للإنسان بحسب حالاته وملكاته النفسانية نحو ~~كماله وسعادته يستكمل بطي هذا الطريق والعمل بما فيه طورا بعد طور حتى ~~ينتهي إلى ما هو خير له وأبقى، ويخيب مسعاه إن لم يعمل به كالفرد من سائر ~~الأنواع الذي يسير نحو كماله فينتهي إليه إن ساعدته موافقة الأسباب، ويفسد ~~في مسيره نحو الكمال إن خذلته ومنعته. # فقول القائل "وما الفائدة في التكليف؟" كقوله: ما الفائدة في ms2831 تغذي ~~النبات؟ أو ما الفائدة في تناسل الحيوان من غير نفع عائد؟. # وأما قوله: "وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير ~~واسطة التكليف" مغالطة أخرى لما عرفت أن التكليف في الإنسان أو أي موجود ~~سواه يجري في حقه التكليف واقع في طريق السعادة متوسط بين كماله ونقصه في ~~وجوده الذي إنما يتم ويكمل له بالتدريج، فإن كان المراد بتحصيل ما يعود من ~~التكليف إلى المكلفين من غير واسطة التكليف تعيين طريق آخر لهم بدلا من ~~طريق التكليف ووضع ذاك الطريق موضع هذا الطريق وحال الطريقين في طريقيتهما ~~واحد عاد السؤال في الثاني كالأول: لم عين هذا الطريق وهو قادر على تحصيل ~~ما يعود منه إليهم بغيره؟ والجواب أن العلل والأسباب التي تجمعت على ~~الإنسان مثلا على ما نجدها تقتضي أن يكون مستكملا بالعمل بتكاليف مصلحة ~~لباطنه مطهرة لسره من طريق العادة. # وإن كان المراد بتحصيله من غير واسطة التكليف تحصيله لهم من غير واسطة ~~أصلا وإفاضة جميع مراحل الكمال ومراتب السعادة لهم في أول وجودهم من غير ~~تدريج بسلوك طريق فلازمه بطلان الحركات الوجودية وانتفاء المادة والقوة ~~وجميع شئون الإمكان والموجود المخلوق الذي هذا شأنه مجرد في بدء وجوده تام ~~كامل سعيد في أصل نشأته، وليس هو الإنسان المخلوق من الأرض الناقص أولا ~~المستكمل تدريجا ففي الفرض خلف. # وأما الشبهة الثالثة فقوله "هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلما ذا كلفني ~~بالسجود لآدم؟" فجوابه ظاهر فإن هذا التكليف يتم بالائتمار به صفة العبودية ~~لله سبحانه، ويظهر بالتمرد عنه صفة الاستكبار ففيه على أي حال تكميل من ~~الله واستكمال من إبليس إما في جانب السعادة وإما في جانب الشقاوة، وقد ~~اختار الثاني. # على أن في تكليفه وتكليف الملائكة بالسجدة تعيينا للخط الذي خط لآدم فإن ~~الصراط المستقيم الذي قدر لآدم وذريته أن يسلكوه لا يتم أمره إلا بمسدد ~~معين يدعو الإنسان إلى هداه وهو الملائكة، وعدو مضل يدعوه إلى الانحراف عنه ~~والغواية فيه وهو إبليس وجنوده كما ms2832 عرفت فيما تقدم من الكلام. PageV08P025 # وأما الشبهة الرابعة: فقوله "لما ذا لعنني وأوجب عقابي بعد المعصية ولا ~~فائدة له فيه؟ إلخ". # جوابه أن اللعن والعقاب أعني ما يشتملان عليه من الحقيقة من لوازم ~~الاستكبار على الله الذي هو الأصل المولد لكل معصية، وليس الفعل الإلهي مما ~~يجر إليه نفعا أو فائدة حتى يمتنع فيما لا نفع فيه يعود إليه كما تقدمت ~~الإشارة إليه. # وليس قوله هذا إلا كقول من يقول فيمن استقى سما وشربه فهلك به: لم لم ~~يجعله الله شفاء وليس له في إماتته به نفع وله فيه أعظم الضرر؟ هلا جعله ~~رزقا طيبا للمسموم يرفع عطشه وينمو به بدنه؟ فهذا كله من الجهل بمواقع ~~العلل والأسباب التي أثبتها الله في عالم الصنع والإيجاد فكل حادث من حوادث ~~الكون يرتبط إلى علل وعوامل خاصة من غير تخلف واختلاف قانونا كليا. # فالمعصية إنما تستتبع العقاب على النفس المتقذرة بها إلا أن تتطهر بشفاعة ~~أو توبة أو حسنة تستدعي المغفرة، وإبطال العقاب من غير وجود شيء من أسبابه ~~هدم لقانون العلية العام، وفي انهدامه انهدام كل شيء. # وأما الشبهة الخامسة: أعني قوله "إنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ~~ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟" فقد ظهر جوابه مما تقدم فإن الهدى والحق ~~العملي والطاعة وأمثالها إنما تتحقق مع تحقق الضلال والباطل والمعصية ~~وأمثالها، والدعوة إلى الحق إنما تتم إذا كان هناك دعوة إلى باطل، والصراط ~~المستقيم إنما يكون صراطا لو كان هناك سبل غير مستقيمة تسلك بسالكها إلى ~~غاية غير غايته. # فمن الضروري أن يكون هناك داع إلى الباطل يهدي إلى عذاب السعير ما دامت ~~النشأة الإنسانية قائمة على ساقها، والإنسانية محفوظة ببقائها النوعي ~~بتعاقب أفرادها فوجود إبليس من خدم النوع الإنساني، ولم يمكنه الله منهم ~~ولا سلطه عليهم إلا بمقدار الدعوة كما صرح به القرآن الكريم وحكاه عنه نفسه ~~فيما يخاطب به الناس يوم القيامة. # وأما الشبهة السادسة: فأما قوله "لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم ~~أمهلني؟" فقد ظهر ms2833 جوابه مما تقدم آنفا. # وأما قوله: "ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا" فقد ~~عرفت أن معنى كون العالم خاليا من الشر مأمونا من الفساد كونه مجردا غير ~~مادي، ولا معنى محصل لعالم مادي يوجد فيه الفعل من غير قوة والخير من غير ~~شر والنفع من غير ضر والثبات من غير تغير والطاعة من غير معصية والثواب من ~~غير عقاب. # وأما ما ذكره من جوابه تعالى عن شبهات إبليس بقوله: "يا إبليس أنت ما ~~عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله ~~الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل" فجواب يوافق ما في التنزيل الكريم، ~~قال تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": الأنبياء: 23. # وظاهر المنقول من قوله تعالى أنه جواب إجمالي عن شبهاته لعنه الله لا ~~جواب تفصيلي عن كل واحد واحد، ومحصله: أن هذه الشبهات جميعا سؤال واعتراض ~~عليه تعالى: ولا يتوجه إليه اعتراض لأنه الله لا إله إلا هو لا يسأل عما يفعل. # وظاهر قوله تعالى أن قوله "لا يسأل" متفرع على قوله: "فإني" إلخ، فمفاد ~~الكلام أن الله تعالى لما كان بآنيته الثابتة بذاته الغنية لذاته هو الإله ~~المبدىء المعيد الذي يبتدىء منه كل شيء وينتهي إليه كل شيء فلا يتعلق في ~~فعل يفعله بسبب فاعلي آخر دونه، ولا يحكم عليه سبب غائي آخر يبعثه نحو ~~الفعل بل هو الفاعل فوق كل فاعل، والغاية وراء كل غاية فكل فاعل يفعل بقوة ~~فيه وإن القوة لله جميعا، وكل غاية إنما تقصد وتطلب لكمال ما فيه وخير ما ~~عنده وبيده الخير كله. # ويتفرع عليه أنه تعالى لا يسأل في فعله عن السبب فإن سبب الفعل إما فاعل ~~وإما غاية وهو فاعل كل فاعل وغاية كل غاية، وأما غيره تعالى فلما كان ما ~~عنده من قوة الفعل موهوبا له من عند الله، وما يكتسبه من جهة الخير ~~والمصلحة بإفاضة منه تعالى بتسبيب الأسباب وتنظيم العوامل والشرائط ms2834 فإنه ~~مسئول عن فعله لم فعله؟ وأكثر ما يسأل عنه إنما هو الغاية وجهة الخير ~~والمصلحة، وخاصة في الأفعال التي يجري فيه الحسن والقبح والمدح والذم من ~~الأفعال الاجتماعية في ظرف الاجتماع فإنها المتكئة على مصالحه، فهذا بيان ~~تام يتوافق فيه البرهان والوحي. PageV08P026 # وأما المتكلمون فإنهم بما لهم من الاختلاف العميق في مسألة: أن أفعال الله ~~هل تعلل بالأغراض؟ وما يرتبط بها من المسائل اختلفوا في تفسير أن الله لا ~~يسأل عن فعله فالأشاعرة لتجويزهم الإرادة الجزافية واستناد الشرور والقبائح ~~إليه تعالى ذكروا أن له أن يفعل ما يشاء من غير لزوم أن يشتمل فعله على غرض ~~فتنطبق عليه مصلحة محسنة وليس للعقل أن يحكم عليه كما يحكم على غيره بوجوب ~~اشتمال فعله على غرض وهو ترتب مصلحة محسنة على الفعل. # والمعتزلة يحيلون الفعل غير المشتمل على غرض وغاية لاستلزامه اللغو ~~والجزاف المنفي عنه تعالى فيفسرون عدم كونه تعالى مسئولا في فعله بأنه حكيم ~~والحكيم هو الذي يعطي كل ذي حق حقه فلا يفعل قبيحا ولا لغوا ولا جزافا، ~~والذي يسأل عن فعله هو من يمكن في حقه إتيان القبيح واللغو والجزاف فهو ~~تعالى غير مسئول عما يفعل وهم يسألون. # والبحث طويل الذيل وقد تعارك فيه ألوف الباحثين من الطائفتين ومن وافقهم ~~من غيرهم قرونا متمادية، ولا يسعنا تفصيل القول فيه على ما بنا من ضيق ~~المجال غير أنا نشير إلى حقيقة أخرى يسفر به الحجاب عن وجه الحق في المقام. # لا ريب أن لنا علوما وتصديقات نركن إليها، ولا ريب أنها على قسمين: القسم ~~الأول: العلوم والتصديقات التي لا مساس لها طبعا بأعمالنا وإنما هي علوم ~~تصديقية تكشف عن الواقع وتطابق الخارج سواء كنا موجودين عاملين أعمالنا ~~الحيوية الفردية أو الاجتماعية أم لا كقولنا: الأربعة زوج، والواحد نصف ~~الاثنين، والعالم موجود، وإن هناك أرضا وشمسا وقمرا إلى غير ذلك، وهي إما ~~بديهية لا يدخلها شك. # وإما نظرية تنتهي إلى البديهيات وتتبين بها. # والقسم الثاني: العلوم العملية والتصديقات الوضعية الاعتبارية ms2835 التي نضعها ~~للعمل في ظرف حياتنا، والاستناد إليها في مستوى الاجتماع الإنساني فنستند ~~إليها في إرادتنا ونعلل بها أفعالنا الاختيارية، وليست مما يطابق الخارج ~~بالذات كالقسم الأول وإن كنا نوقعها على الخارج إيقاعا بحسب الوضع ~~والاعتبار لكن ذلك إنما هو بحسب الوضع لا بحسب الحقيقة والواقعية كالأحكام ~~الدائرة في مجتمعاتنا من القوانين والسنن والشئون الاعتبارية كالولاية ~~والرئاسة والسلطنة والملك وغيرها فإن الرئاسة التي نعتبرها لزيد مثلا في ~~قولنا "زيد رئيس" وصف اعتباري، وليس في الخارج بحذائه شيء غير زيد الإنسان ~~وليس كوصف الطول أو السواد الذي نعتبرهما لزيد في قولنا "زيد طويل القامة، ~~أسود البشرة" وإنما اعتبرنا معنى الرئاسة حيث كونا مجتمعا من عدة أفراد ~~لغرض من الأغراض الحيوية وسلمنا إدارة أمر هذا المجتمع إلى زيد ليضع كلا ~~موضعه الذي يليق به ثم يستعمله فيما يريد فوجدنا نسبة زيد إلى المجتمع نسبة ~~الرأس إلى الجسد فوصفناه بأنه رأس لينحفظ بذلك المقام الذي نصبناه فيه ~~وينتفع بآثاره وفوائده. # فالاعتقاد بأن زيدا رأس ورئيس إنما هو في الوهم لا يتعداه إلى الخارج غير ~~أنا نعتبره معنى خارجيا لمصلحة الاجتماع، وعلى هذا القياس كل معنى دائر في ~~المجتمع الإنساني معتبر في الحياة البشرية متعلق بالأعمال الإنسانية فإنها ~~جميعا مما وضعه الإنسان وقلبها في قالب الاعتبار مراعاة لمصلحة الحياة لا ~~يتعدى وهمه. # فهذان قسمان من العلوم، والفرق بين القسمين: أن القسم الأول مأخوذ من نفس ~~الخارج يطابقه حقيقة، وهو معنى كونه صدقا ويطابقه الخارج وهو معنى كونه حقا ~~فالذي في الذهن هو بعينه الذي في الخارج وبالعكس: وأما القسم الثاني فإن ~~موطنه هو الذهن من غير أن ينطبق على خارجه إلا أنا لمصلحة من المصالح ~~الحيوية نعتبره ونتوهمه خارجيا منطبقا عليه دعوى وإن لم ينطبق حقيقته. PageV08P027 # فكون زيد رئيسا لغرض الاجتماع ككونه أسدا بالتشبيه والاستعارة لغرض التخيل ~~الشعري، وتوصيفنا في مجتمعنا زيدا بأنه رأس في الخارج كتوصيف الشاعر زيدا ~~بأنه أسد خارجي، وعلى هذا القياس جميع المعاني الاعتبارية من تصور أو تصديق ~~وهذه المعاني ms2836 الاعتبارية وإن كانت من عمل الذهن من غير أن تكون مأخوذة من ~~الخارج فتعتمد عليه بالانطباق إلا أنها معتمدة على الخارج من جهة أخرى وذلك ~~أن نقص الإنسان مثلا وحاجته إلى كماله الوجودي ونيله غاية النوع الإنساني ~~هو الذي اضطره إلى اعتباره هذه المعاني تصورا وتصديقا فإبقاء الوجود ~~والمقاصد الحقيقية المادية أو الروحية التي يقصدها الإنسان ويبتغيها في ~~حياته هي التي توجب له أن يعتبر هذه المعاني ثم يبني عليها أعماله فيحرز ~~بها لنفسه ما يريده من السعادة. # ولذلك تختلف هذه الأحكام بحسب اختلاف المقاصد الاجتماعية فهناك أعمال ~~وأمور كثيرة تستحسنها المجتمعات القطبية مثلا وهي بعينها مستقبحة في ~~المجتمعات الاستوائية، وكذلك الاختلافات الموجودة بين الشرقيين والغربيين ~~وبين الحاضرين والبادين، وربما يحسن عند العامة من أهل مجتمع واحد ما يقبح ~~عند الخاصة، وكذلك اختلاف النظر بين الغني والفقير، وبين المولى والعبد، ~~وبين الرئيس والمرءوس، وبين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة. # نعم هناك أمور اعتبارية وأحكام وضعية لا تختلف فيها المجتمعات وهي ~~المعاني التي تعتمد على مقاصد حقيقية عامة لا تختلف فيها المجتمعات كوجوب ~~الاجتماع نفسه، وحسن العدل، وقبح الظلم، فقد تحصل أن للقسم الثاني من ~~علومنا أيضا اعتمادا على الخارج وإن كان غير منطبق عليه مستقيما انطباق ~~القسم الأول. # إذا عرفت ذلك علمت أن علومنا وأحكامنا كائنة ما كانت معتمدة على فعله ~~تعالى فإن الخارج الذي نماسه فننتزع ونأخذ منه أو نبني عليه علومنا هو عالم ~~الصنع والإيجاد وهو فعله. # وعلى هذا فيعود معنى قولنا مثلا: "الواحد نصف الاثنين بالضرورة" إلى أن ~~الله سبحانه يفعل دائما الواحد والاثنين على هذه النسبة الضرورية، وعلى هذا ~~القياس، ومعنى قولنا: "زيد رئيس يجب احترامه" أن الله سبحانه أوجد الإنسان ~~إيجادا بعثه إلى هذه الدعوى والمزعمة ثم إلى العمل على طبقه، وعلى هذا ~~القياس كل ذلك على ما يليق بساحة قدسه عز شأنه. # وإذا علمت هذا دريت أن جميع ما بأيدينا من الأحكام العقلية سواء في ذلك ~~العقل النظري الحاكم بالضرورة والإمكان، والعقل العملي الحاكم ms2837 بالحسن ~~والقبح المعتمد على المصالح والمفاسد مأخوذة من مقام فعله تعالى معتمدة عليه. # فمن عظيم الجرم أن نحكم العقل عليه تعالى فنقيد إطلاق ذاته غير المتناهية ~~فنحده بأحكامه المأخوذة من مقام التحديد والتقييد، أو أن نقنن له فنحكم ~~عليه بوجوب فعل كذا وحرمة فعل كذا وأنه يحسن منه كذا ويقبح منه كذا على ما ~~يراه قوم فإن في تحكيم العقل النظري عليه تعالى حكما بمحدوديته والحد مساوق ~~للمعلولية فإن الحد غير المحدود والشيء لا يحد نفسه بالضرورة، وفي تحكيم ~~العقل العملي عليه جعله ناقصا مستقبلا تحكم عليه القوانين والسنن ~~الاعتبارية التي هي في الحقيقة دعاو وهمية كما عرفت في الإنسان فافهم ذلك. # ومن عظيم الجرم أيضا أن نعزل العقل عن تشخيص أفعاله تعالى في مرحلتي ~~التكوين والتشريع أعني أحكام العقل النظرية والعملية. PageV08P028 # أما في مرحلة النظر فكأن نستخرج القوانين الكلية النظرية من مشاهدة أفعاله، ~~ونسلك بها إلى إثبات وجوده حتى إذا فرغنا من ذلك رجعنا فأبطلنا أحكام العقل ~~الضرورية معتلا بأن العقل أهون من أن يحيط بساحته أو ينال كنه ذاته ودرجات ~~صفاته، وأنه فاعل لا بذاته بل بإرادة فعلية، والفعل والترك بالنسبة إليه ~~على السوية وأنه لا غرض له في فعله ولا غاية، وأن الخير والشر يستندان إليه ~~جميعا، ولو أبطلنا الأحكام العقلية في تشخيص خصوصيات أفعاله وسننه في خلقه ~~فقد أبطلناها في الكشف عن أصل وجوده، وأشكل من ذلك أنا نفينا بذلك مطابقة ~~هذه الأحكام والقوانين المأخوذة من الخارج للمأخوذ منه، والمنتزعة للمنتزع ~~منه وهو عين السفسطة التي فيها بطلان العلم والخروج عن الفطرة الإنسانية إذ ~~لو خالف شيء من أفعاله تعالى أو نعوته هذه الأحكام العقلية كان في ذلك عدم ~~انطباق الحكم العقلي على الخارج المنتزع عنه - وهو فعله - ولو جاز الشك في ~~صحة شيء من هذه الأحكام التي نجدها ضرورية كان الجميع مما يجوز فيه ذلك ~~فينتفي العلم، وهو السفسطة. # وأما في مرحلة العمل فليتذكر أن هذه الأحكام العملية والأمور الاعتبارية ~~دعاو اعتقادية ومخترعات ذهنية وضعها ms2838 الإنسان ليتوسل بها إلى مقاصده ~~الكمالية وسعادة الحياة فما كان من الأعمال مطابقا لسعادة الحياة وصفها ~~بالحسن ثم أمر بها وندب إليها، وما كان منها على خلاف ذلك وصفها بالقبح ~~والمساءة ثم نهى عنها وحذر منها - وحسن الفعل وقبحه موافقته لغرض الحياة ~~وعدمها - والغايات التي تضطر الإنسان إلى جعل هذه الأوامر والنواهي وتقنين ~~هذه الأحكام واعتبار الحسن والقبح في الأفعال هي المصالح المقتضية للجعل ~~ففرض حكم تشريعي ولا حسن في العمل به ولا مصلحة تقتضيه كيفما فرض فرض ~~متطارد الأطراف لا محصل له. # والذي شرعه الله سبحانه من الأحكام والشرائع متحد سنخا مع ما نشرعه فيما ~~بيننا أنفسنا من الأحكام فوجوبه وحرمته وأمره ونهيه ووعده ووعيده مثلا من ~~سنخ ما عندنا من الوجوب والحرمة والأمر والنهي والوعد والوعيد لا شك في ~~ذلك، وهي معان اعتبارية وعناوين ادعائية غير أن ساحته تعالى منزهة من أن ~~تقوم به الدعوى التي هي من خطإ الذهن فهذه الدعاوي منه تعالى قائمة بظرف ~~الاجتماع كالترجي والتمني منه تعالى القائمين بمورد المخاطبة لكن الأحكام ~~المشرعة منه تعالى كالأحكام المشرعة منا متعلقة بالإنسان الاجتماعي السالك ~~بها من النقص إلى الكمال، والمتوسل بتطبيق العمل بها إلى سعادة الحياة ~~الإنسانية فثبت أن لفعله تعالى التشريعي مصلحة وغرضا تشريعيا، ولما أمر به ~~أو نهى عنه حسنا وقبحا ثابتين بثبوت المصالح والمفاسد. # فقول القائل: إن أفعاله التشريعية لا تعلل بالأغراض كما لو قال قائل: إن ~~ما مهده من الطريق لا غاية له، ومن الضروري أن الطريق إنما يكون طريقا ~~بغايته، والوسط إنما يكون وسطا بطرفه، وقول القائل: إنما الحسن ما أمر به ~~الله والقبيح ما نهى عنه فلو أمر بما هو قبيح عقلا ضروريا كالظلم كان حسنا، ~~ولو نهى عن حسن بالضرورة العقلية كالعدل كان قبيحا كما لو قال قائل: إن ~~الله لو سلك بالإنسان نحو الهلاك والفناء كان فيه حياته السعيدة، ولو منعه ~~عن سعادته الخالدة الحقيقية عادت السعادة شقاوة. # فالحق الذي لا محيص عنه في المرحلتين: أن العقل النظري ms2839 مصيب فيما يشخصه ~~ويقضي به من المعارف الحقيقية المتعلقة به تعالى فإنا إنما نثبت له تعالى ~~ما نجده عندنا من صفة الكمال كالعلم والقدرة والحياة، واستناد الموجودات ~~إليه وسائر الصفات الفعلية العليا كالرحمة والمغفرة والرزق والإنعام ~~والهداية وغير ذلك على ما يهدي إليه البرهان. PageV08P029 # غير أن الذي نجده من الصفات الكمالية لا يخلو عن محدودية وهو تعالى أعظم من ~~أن يحيط به حد، والمفاهيم لا تخلو عنه لأن كل مفهوم مسلوب عن غيره منعزل ~~عما سواه، وهذا لا يلائم الإطلاق الذاتي فتوسل العقل إلى رفع هذه النقيصة ~~بشيء من النعوت السلبية تنزيها، وهو أنه تعالى أكبر من أن يوصف بوصف، وأعظم ~~من أن يحيط به تقييد وتحديد فمجموع التشبيه والتنزيه يقربنا إلى حقيقة ~~الأمر، وقد تقدم في ذيله قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة": المائدة: 73، من غرر خطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ما يبين ~~هذه المسألة بأوفى بيان ويبرهن عليها بأسطع برهان فراجعه إن شئت. # هذا كله في العقل النظري. # وأما العقل العملي فقد عرفت أن أحكام هذا العقل جارية في أفعاله تعالى ~~التشريعية غير أنه تعالى إنما شرع ما شرع واعتبر ما اعتبر لا لحاجة منه ~~إليه بل ليتفضل به على الإنسان مثلا وهو ذو الفضل العظيم فيرتفع به حاجة ~~الإنسان فله سبحانه في تشريعه غرض لكنه قائم بالإنسان الذي قامت به الحاجة ~~لا به تعالى، ولتشريعاته مصالح مقتضية لكن المنتفع بها هو الإنسان دونه كما تقدم. # وإذا كان كذلك كان للعقل أن يبحث في أطراف ما شرعه من الأحكام ويطلب ~~الحصول على الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة فيها لكن لا لأن يحكم عليه ~~فيأمره وينهاه ويوجب ويحرم عليه كما يفعل ذلك بالإنسان إذ لا حاجة له تعالى ~~إلى كمال مرجو حتى يتوجه إليه حكم موصل إليه بخلاف الإنسان بل لأنه تعالى ~~شرع الشرائع وسن السنن ثم عاملنا معاملة العزيز المقتدر الذي نقوم له ~~بالعبودية وترجع إليه حياتنا ومماتنا ورزقنا وتدبير أمورنا ودساتير أعمالنا ~~وحساب ms2840 أفعالنا والجزاء على حسناتنا وسيئاتنا فلا يوجه إلينا حكما إلا بحجة، ~~ولا يقبل منا معذرة إلا بحجة، ولا يجزينا جزاء إلا بحجة كما قال: "لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165، وقال: "ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حي عن بينة": الأنفال: 42 إلى غير ذلك من احتجاجاته يوم ~~القيامة على الإنس والجن ولازم ذلك أن يجري في أفعاله تعالى في نظر العقل ~~العملي ما يجري في أفعال غيره بحسب السنن التي سنها. # وعلى ذلك جرى كلامه سبحانه قال: "إن الله لا يظلم الناس شيئا": يونس: 44، ~~وقال: "إن الله لا يخلف الميعاد": آل عمران: 9، وقال: "وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين": الدخان: 38، وفي هذا المعنى الآيات الكثيرة ~~التي نفى فيها عن نفسه الرذائل الاجتماعية. # وفي ما تقدم من معنى جريان حكم العقل النظري والعملي في ناحيته تعالى ~~آيات كثيرة ففي القسم الأول كقوله تعالى: "الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين": آل عمران: 60 ولم يقل: الحق مع ربك لأن القضايا الحقة والأحكام ~~الواقعية مأخوذة من فعله لا متبوعة له في عمله حتى يتأيد بها مثلنا، وقوله: ~~"والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41، فله الحكم المطلق من غير أن يمنعه ~~مانع عقلي أو غيره فإن الموانع والمعقبات إنما تتحقق بفعله وهي متأخرة عنه ~~لا حاكمة أو مؤثرة فيه، وقوله: "وهو الواحد القهار": الرعد 16، وقوله: ~~"والله غالب على أمره": يوسف: 21، وقوله: "إن الله بالغ أمره": الطلاق: 3، ~~فهو القاهر الغالب البالغ الذي لا يقهره شيء ولا يغلب عن شيء ولا يحول بينه ~~وبين أمره حائل يزاحمه، وقوله: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54، إلى ~~غير ذلك من الآيات المطلقة التي ليس دونها مقيد. # نعم يجري في أفعاله الحكم العقلي لتشخيص الخصوصيات وكشف المجهولات لا لأن ~~يكون متبوعا بل لأنه تابع لازم مأخوذ من سنته في فعله الذي هو نفس الواقع ~~الخارج، ويدل على ذلك جميع الآيات التي تحيل الناس إلى التعقل والتذكر ~~والتفكر والتدبر ونحوها فلو لا أنها حجة ms2841 فيما أفادته لم يكن لذلك وجه. PageV08P030 # وفي القسم الثاني: نحو قوله: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": ~~الأنفال: 24، يدل على أن في العمل بالأحكام مصلحة الحياة السعيدة، وقوله: ~~"قل إن الله لا يأمر بالفحشاء": الأعراف: 28، وظاهره أن ما هو فحشاء في ~~نفسه لا يأمر به الله لا أن الله لو أمر بها لم تكن فحشاء، وقوله: "لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم": لقمان: 13، وآيات كثيرة أخرى تعلل الأحكام ~~المجعولة بمصالح موجودة فيها كالصلاة والصوم والصدقات والجهاد وغير ذلك لا ~~حاجة إلى نقلها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنه ليس منهم ~~فاستخرج الله ما في نفسه بالحمية فقال: "خلقتني من نار وخلقته من طين". # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جده أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أول من قاس أمر ~~الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين. قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله ~~تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس. # وفي الكافي، بإسناده عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على ~~أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس. قال: ~~نعم، أنا أقيس. قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار ~~وخلقته من طين. # وفي العيون، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن إبليس أول من كفر وأنشأ ~~الكفر: أقول: ورواه العياشي عن الصادق (عليه السلام). # وفي الكافي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث:، أن أول معصية ظهرت ~~الأنانية من إبليس. # أقول: وقد تقدم بيانه. # وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام): الاستكبار هو أول معصية عصي ~~الله بها. # أقول: قد ظهر مما ms2842 تقدم من البيان أن مرجعه إلى الأنانية كما في الحديث ~~المتقدم. # وفي النهج،: من خطبة له (عليه السلام) في صفة خلق آدم: واستأدى الله ~~سبحانه الملائكة وديعته لهم، وعهد وصيته إليهم في الإذعان بالسجود له ~~والخشوع لتكرمه فقال سبحانه: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس وجنوده اعترتهم ~~الحمية، وغلبت عليهم الشقوة. الخطبة. # أقول: وفيها تعميم الأمر بالسجدة لجنود إبليس كما يعم نفسه، وفيه تأييد ~~ما تقدم أن آدم إنما جعل مثالا يمثل به الإنسانية من غير خصوصية في شخصه، ~~وإن مرجع القصة إلى التكوين. # وفي المجمع، عن الباقر (عليه السلام) في معنى قوله: "ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم - وعن أيمانهم وعن شمائلهم" الآية "من بين أيديهم" أهون ~~عليهم الآخرة "ومن خلفهم" آمرهم بجمع الأموال ومنعها عن الحقوق لتبقى ~~لورثتهم "وعن أيمانهم" أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة ~~"وعن شمائلهم" بتحبيب اللذة وتغليب الشهوات على قلوبهم. # وفي تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): والذي بعث محمدا للعفاريت ~~والأبالسة على المؤمن أكثر من الزنابير على اللحم. # وفي المعاني، عن الرضا (عليه السلام): أنه سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله. PageV08P031 # وفي تفسير القمي، حدثني أبي رفعه قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن جنة آدم ~~من جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال: كانت من جنان الدنيا تطلع ~~فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا. قال: فلما ~~أسكنه الله تعالى الجنة وأباحها له إلا الشجرة لأنه خلق خلقة لا تبقى إلا ~~بالأمر والنهي والغذاء واللباس والاكتنان والنكاح، ولا يدرك ما ينفعه مما ~~يضره إلا بالتوفيق فجاءه إبليس فقال له: إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة ~~التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا، وإن لم تأكلا ~~منها أخرجكما الله من الجنة، وحلف لهما أنه لهما ناصح كما قال الله عز وجل ~~حكاية عنه: "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين - أو تكونا ~~من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" ms2843 فقبل آدم قوله فأكلا من ~~الشجرة فكان كما حكى الله: "بدت لهما سوآتهما" وسقط عنهما ما ألبسهما الله ~~تعالى من لباس الجنة، وأقبلا يستتران من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة - وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين فقالا كما ~~حكى الله عنها: "ربنا ظلمنا أنفسنا - وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين" فقال الله لهما: "اهبطوا بعضكم لبعض عدو - ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين" قال: إلى يوم القيامة. # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~لما خرج آدم من الجنة نزل عليه جبرئيل فقال: يا آدم أليس خلقك الله بيده، ~~ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وزوجك حواء أمته، وأسكنك الجنة ~~وأباحها لك ونهاك مشافهة أن تأكل من هذه الشجرة فأكلت منها وعصيت الله؟ ~~فقال آدم: يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله أنه لي ناصح فما ظننت أن أحدا ~~من خلق الله يحلف بالله كاذبا. # أقول: وقد تقدمت عدة من روايات القصة في سورة البقرة وسيأتي إن شاء الله ~~بعضها في مواضع أخر مناسبة لها. # وفي تفسير القمي، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: فقال إبليس: يا رب ~~فكيف وأنت العدل الذي لا يجور فثواب عملي بطل؟ قال: لا، ولكن سلني من أمر ~~الدنيا ما شئت ثوابا لعملك أعطك. فأول ما سأل: البقاء إلى يوم الدين فقال ~~الله: وقد أعطيتك. قال: سلطني على ولد آدم. قال: سلطتك. قال: أجرني فيهم ~~مجرى الدم في العروق. قال: قد أجريتك. قال: لا يولد لهم ولد إلا ولد لي ~~اثنان وأراهم ولا يروني وأتصور لهم في كل صورة شئت. فقال: قد أعطيتك. قال: ~~يا رب زدني. قال: قد جعلت لك ولذريتك صدورهم أوطانا. قال: رب حسبي. قال ~~إبليس عند ذلك: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. # أقول: تقدم ما يتضح به معنى الحديث، وقوله: "أتصور لهم في كل صورة شئت" ~~لا يدل على أزيد من أن له ms2844 يتصرف في حاسة الإنسان بظهوره في أي صورة شاء ~~عليها، وأما تغير ذاته في نفسه كيفما شاء وأراد فلا. # والذي ذكره بعضهم: أن أهل العلم أجمعوا على أن إبليس وذريته من الجن وأن ~~الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير، وأن ~~الملائكة أجسام لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة إلا الكلب والخنزير - وكأنهم ~~يريدون بذلك تغيرهم في ذواتهم - لا دليل عليه من نقل ثابت أو عقل، وأما ما ~~ادعي من الإجماع ومآله إلى الاتفاق في الفهم فلا حجية لمحصله فضلا عن ~~منقوله، والمأخذ في ذلك من الكتاب والسنة ما عرفت. # وكذا حديث ذريته وكثرتهم لا يتحصل منه إلا أن لها كثرة في العدد تنشعب من ~~إبليس نفسه، وأما كيف ذلك؟ وهل هو بطريق التناسل المعهود بيننا أو بنحو ~~البيض والإفراخ أو بنحو آخر لا سبيل لنا إلى فهمه فمما هو مجهول لنا. # نعم هناك روايات معدودة تذكر أنه ينكح نفسه ويبيض ويفرخ أو أن له في ~~فخذيه عضوا التناسل الموجودان في الذكر والأنثى فينكح بهما نفسه ويولد له ~~كل يوم عشرة وأما ولده فكلهم ذكران لا توالد بينهم أو توالدهم بالازدواج ~~نظير الحيوان فكل ذلك مما لا دليل عليه إلا بعض الآحاد من الأخبار وهي ضعاف ~~ومراسيل ومقاطيع وموقوفات لا يعول عليها وخاصة في أمثال هذه المسائل مما لا ~~اعتماد فيها إلا على آية محكمة أو حديث متواتر أو محفوف بقرينة قطعية، ~~وليست ظاهرة الانطباق على القرآن الكريم حتى تصحح بذلك. PageV08P032 # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: ما من قلب إلا وله أذنان على إحداهما ملك مرشد، ~~وعلى الأخرى شيطان مفتن هذا يأمره، وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، ~~والملك يزجره عنها، وذلك قول الله عز وجل: "عن اليمين وعن الشمال قعيد - ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد". # وفي البحار،: الشهاب: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~الشيطان يجري من ms2845 ابن آدم مجرى الدم وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود: أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. ~~قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا ~~يأمرني إلا بخير. # أقول: وقوله: "فأسلم" أخذه بعضهم بضم الميم وبعضهم بالفتح. # وفي تفسير العياشي، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن إبليس أكان من الملائكة أو كان يلي شيئا من أمر السماء؟ فقال: ~~لم يكن من الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس ~~منها، ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ولا كرامة. فأتيت الطيار فأخبرته بما ~~سمعت فأنكر وقال: كيف لا يكون من الملائكة؟ والله يقول للملائكة: "اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس" فدخل عليه الطيار فسأله وأنا عنده فقال له قول الله ~~عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا" في غير مكان في مخاطبة المؤمنين أيدخل في ~~هذه المنافقون؟ قال: نعم يدخل في هذه المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة ~~الظاهرة. # أقول: وفي الحديث رد ما روي أنه كان من الملائكة وأنه كان خازنا في ~~السماء الخامسة أو خازن الجنة. # واعلم أن الأخبار الواردة من طرق الشيعة وأهل السنة في أنحاء تصرفاته ~~أكثر من أن تحصى، وهي على قسمين: أحدهما: ما يذكر تصرفا منه من غير تفسير، ~~والثاني: ما يذكره مع تفسير ما. # فمن القسم الأول: ما في الكافي، عن علي (عليه السلام): لا تؤووا منديل ~~اللحم في البيت فإنه مربض الشيطان، ولا تؤووا التراب خلف الباب فإنه مأوى ~~الشيطان. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): أن على ذروة كل جسر شيطانا فإذا انتهيت ~~إليه فقل: بسم الله يرحل عنك. # وفيه، عن علي (عليه السلام) قال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت ~~الشيطان في بيوتكم بيت العنكبوت. # وفيه، عن أحدهما عليهما السلام قال: لا تشرب وأنت قائم، ولا تبل في ماء ~~نقيع، ولا تطف بقبر، ولا تخل في ms2846 بيت وحدك، ولا تمش بنعل واحدة، فإن الشيطان ~~أسرع ما يكون إلى العبد إذا كان على بعض هذه الأحوال. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام): إذا ذكر اسم الله تنحى الشيطان، وإن فعل ~~ولم يسم أدخل ذكره وكان العمل منهما جميعا والنطفة واحدة. # وفي تفسير القمي، عنه (عليه السلام): ما كان من مال حرام فهو شرك ~~الشيطان. # وفي الحديث: من نام سكران بات عروسا للشيطان. # أقول: ومن هذا الباب قوله تعالى: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان": المائدة: 90. # ومن القسم الثاني ما في الكافي، عن الباقر (عليه السلام): أن هذا الغضب ~~جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم فضيقوا مجاريه بالجوع. # وفي المحاسن، عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) في حديث: فأما كحله ~~فالنوم وأما سفوفه فالغضب، وأما لعوقه فالكذب. # وفي الحديث: أن موسى (عليه السلام) رآه وعليه برنس فسأله عن برنسه فقال: ~~به اصطاد قلوب بني آدم. PageV08P033 # وفي مجالس ابن الشيخ، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام: أن إبليس كان يأتي ~~الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث الله المسيح يتحدث عندهم ويسألهم، ولم يكن ~~بأحد منهم أشد أنسا منه بيحيى بن زكريا فقال له يحيى: يا أبا مرة إن لي ~~إليك حاجة فقال: أنت أعظم قدرا من أن أردك بمسألة فاسألني ما شئت فإني غير ~~مخالفك في أمر تريده، فقال يحيى: يا أبا مرة أحب أن تعرض علي مصائدك وفخوخك ~~التي تصطاد بها بني آدم، فقال له إبليس: حبا وكرامة وواعده لغد. فلما أصبح ~~يحيى قعد في بيته ينتظر الوعد، وأغلق عليه الباب إغلاقا، فما شعر حتى ساواه ~~من خوخة كانت في بيته فإذا وجهه صورة وجه القرد، وجسده على صورة الخنزير، ~~وإذا عيناه مشقوقتان طولا، وإذا أسنانه وفمه مشقوقات طولا عظما واحدا بلا ~~ذقن ولا لحية، وله أربعة أيد يدان في صدره ويدان في منكبه، وإذا عراقيبه ms2847 ~~قوادمه وأصابعه خلفه وعليه قباء وقد شد وسطه بمنطقة فيها خيوط معلقة بين ~~أحمر وأصفر وأخضر وجميع الألوان، وإذا بيده جرس عظيم وعلى رأسه بيضة، وإذا ~~في البيضة حديدة معلقة شبيهة بالكلاب. فلما تأمله يحيى قال: ما هذه المنطقة ~~التي في وسطك؟ فقال: هذه المجوسية أنا الذي سننتها وزينتها لهم. فقال له: ~~ما هذه الخطوط الألوان؟ فقال: هذه جميع أصناع النساء لا تزال المرأة تصنع ~~الصنيع حتى يقع مع لونها فأفتن الناس بها فقال له: فما هذا الجرس الذي ~~بيدك؟ قال: هذا مجمع كل لذة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل وناي وصرناي، وإن ~~القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذونه فأحرك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه ~~استخف بهم الطرب فمن بين من يرقص، ومن بين من يفرقع أصابعه، ومن بين من يشق ~~ثيابه. فقال له: وأي الأشياء أقر لعينك؟ قال: النساء، من فخوخي ومصائدي ~~فإذا اجتمعت إلى دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن ~~فقال: له يحيى: فما هذه البيضة على رأسك؟ قال: بها أتوقى دعوة المؤمنين. ~~قال: فما هذه الحديدة التي أرى فيها؟ قال: بهذه أقلب قلوب الصالحين. قال ~~يحيى: فهل ظفرت بي ساعة قط؟ قال: لا، ولكن فيك خصلة تعجبني. قال يحيى: فما ~~هي؟ قال: أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك ~~وقيامك بالليل. قال يحيى: فإني أعطي الله عهدا أن لا أشبع من الطعام حتى ~~ألقاه. قال له إبليس: وأنا أعطي الله عهدا أن لا أنصح مسلما حتى ألقاه، ثم ~~خرج فما عاد إليه بعد ذلك. # أقول: والحديث مروي من طرق أهل السنة بوجه أبسط من ذلك: وقد روي له مجالس ~~ومحاورات ومشافهات مع آدم ونوح وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وعليهم، وهناك - كما مرت الإشارة إليه - روايات لا تحصى كثرة في ~~أنحاء تسويلاته وأنواع تزييناته عند أنواع المعاصي والذنوب رواها الفريقان، ~~والجميع تشهد أوضح شهادة على أنها تشكلات مثالية على حسب ما يلائم نوع ~~المعصية من الشكل ms2848 والكيفية ويناسبها نظير ما تتمثل الحوادث في الرؤيا على ~~حسب المناسبات المألوفة والاعتقادات المعتادة. # ومن التأمل في هذا القسم الثاني يظهر أن الكيفيات والخصوصيات الواردة في ~~القسم الأول المذكور من الأخبار إنما هي أنواع نسب بين هذا الموجود أعني ~~إبليس وبين الأشياء تدعو إلى وساوس وخطرات تناسبها. # فالجميع من التجسمات المثالية التي تناسبها الأعمال أو الأشياء غير ~~التجسم المادي الذي ربما مال إليه الحشوية وبعض أهل الحديث حتى تكون ~~المجوسية مثلا اعتقادا عند الإنسان وهي بعينها منطقة من أديم عند إبليس يشد ~~بها وسطه، أو أن يصير إبليس تارة آدميا له حقيقة الإنسان وقواه وأعماله ~~وتارة شيئا من الحيوان الأعجم له حقيقة نوعية وتارة جمادا ليس بذي حياة ~~وشعور، أو أن هذه النوعيات جميعا هي أشكال وصور عارضة على مادة إبليس ~~فالروايات أجنبية عن الدلالة على أمثال هذه المحتملات. # وإنما هي روايات جمة لا ريب في صدور مجموعها من حيث المجموع وتأييد ~~القرآن لها كذلك وهي تدل على أن لإبليس أن يظهر لحواسنا بمختلف الصور هذا ~~من حيث المجموع وأما كل واحد واحد فما صح منها سندا - وليس الجميع على هذه ~~الصفة - فهو من الآحاد التي لا يعول عليها في أمثال هذه المسائل الأصلية ~~نعم ربما أمكن استفادة حكم فرعي منها من استحباب أو كراهة على ما هو شأن الفقيه PageV08P034 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 26 - 36 # يبنى ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يورى سوءتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ~~ذلك من ءايت الله لعلهم يذكرون (26) يبنى ءادم لا يفتننكم الشيطن كما أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءتهما إنه يراكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشيطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) وإذا ~~فعلوا فحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربى بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) فريقا ~~هدى وفريقا حق عليهم الضللة إنهم ms2849 اتخذوا الشيطين أولياء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون (30) يبنى ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ~~والطيبت من الرزق قل هى للذين ءامنوا فى الحيوة الدنيا خالصة يوم القيمة ~~كذلك نفصل الايت لقوم يعلمون (32) قل إنما حرم ربى الفوحش ما ظهر منها وما ~~بطن والاثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون (33) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يبنى ءادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون ~~عليكم ءايتى فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا ~~بئايتنا واستكبروا عنها أولئك أصحب النار هم فيها خلدون (36) ### |||| AUTO بيان # التدبر في هذه الخطابات وما تقدم عليها من قصة السجدة والجنة ثم عرض ذلك ~~جميعا على ما ورد من القصة والمخاطبة في غير هذه السورة وخاصة سورة طه ~~المكية التي هي كإجمال هذه السورة المفصلة وسورة البقرة المدنية يهدينا إلى ~~أن هذه الخطابات العامة المصدرة بقوله: يا بني آدم، يا بني آدم هي تعميم ~~الخطابات الخاصة التي وجهت إلى آدم كما أن القصة عممت نحوا من التعميم في ~~هذه السورة، وقد أشرنا إليه فيما تقدم. # وهذه الخطابات الأربعة المصدرة بقوله: يا بني آدم ثلاثة منها راجعة إلى ~~التحذير من فتنة الشيطان وإلى الأكل والشرب واللباس تعميم ما في قوله تعالى ~~في سورة طه: "يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن ~~لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى" الآيات: طه: 119، ~~والرابعة تعميم قوله فيها: "فإما يأتينكم مني هدى" إلخ،: طه: 123. # ويعلم من انتزاع هذه الخطابات من قصته وتعميمها بعد التخصيص ثم تفريع ~~أحكام أخرى عليها ذيلت بها الخطابات المذكورة أن هذه الأحكام المشرعة ~~المذكورة هاهنا على الإجمال أحكام مشرعة في جميع الشرائع الإلهية من غير ~~استثناء كما يعلم أن ms2850 ما قدر للإنسان من سعادة وشقاوة وسائر المقدرات ~~الإنسانية كالأحكام العامة جميعها تنتهي إلى تلك القصة فهي الأصل تفرعت ~~عليه هذه الفروع، والفهرس الذي يشير إلى التفاصيل. # قوله تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا" ~~اللباس كل ما يصلح للبس وستر البدن وغيره، وأصله مصدر يقال: لبس يلبس لبسا ~~- بالكسر والفتح - ولباسا، والريش ما فيه الجمال مأخوذ من ريش الطائر لما ~~فيه من أنواع الجمال والزينة، وربما يطلق على أثاث البيت ومتاعه. PageV08P035 # وكان المراد من إنزال اللباس والريش عليهم خلقه لهم كما في قوله تعالى: ~~"وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع": الحديد: 25، وقوله: وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6، وقد قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر 21، فقد أنزل الله اللباس والريش ~~بالخلق من غيب ما عنده إلى عالم الشهادة وهو الخلق. # واللباس هو الذي يعمله الإنسان صالحا لأن يستعمله بالفعل دون المواد ~~الأصلية من قطن أو صوف أو حرير أو غير ذلك مما يأخذه الإنسان فيضيف إليه ~~أعمالا صناعية من تصفية وغزل ونسج وقطع وخياطة فيصير لباسا صالحا للبس فعد ~~اللباس والريش من خلق الله وهما من عمل الإنسان نظير ما في قوله تعالى: ~~"والله خلقكم وما تعملون": الصافات: 96، من النسبة. # ولا فرق من جهة النظر في التكوين بين نسبة ما عمله الإنسان إلى الله ~~سبحانه وما عمله منته إلى أسباب جمة أحدها الإنسان، ونسبة سائر ما عملته ~~الطبائع ولها أسباب كثيرة أحدها الفاعل كنبات الأرض وصفرة الذهب وحلاوة ~~العسل فإن جميع الأسباب بجميع ما فيها من القدرة منتهية إليه سبحانه وهو ~~محيط بها. # وليست الخلقة منتسبة إلى الأشياء على وتيرة واحدة وإن كانت جميع مواردها ~~متفقة في معنى الانتهاء إليه إلا ما فيه معنى النقص والقبح والشناعة من ~~المعاصي ونحوها فحقيقتها فقدان الخلقة الحسنة أو مخالفة الأمر الإلهي، ~~وليست بمخلوقة له وإنما هي أوصاف نقص في أعمال الإنسان مثلا في باطنه أو ~~ظاهره، وقد تكررت الإشارة ms2851 إلى هذه الحقيقة فيما مر من أجزاء هذا الكتاب. # وتوصيف اللباس بقوله: "يواري سوآتكم" للدلالة على أن المراد باللباس ما ~~ترفع به حاجة الإنسان التي اضطرته إلى اتخاذ اللباس وهي مواراة سوآته التي ~~يسوؤه انكشافها وأما الريش فإنما يتخذه لجمال زائد على أصل الحاجة. # وفي الآية امتنان بهداية الإنسان إلى اللباس والريش وفيها - كما قيل - ~~دلالة على إباحة لباس الزينة. # قوله تعالى: "ولباس التقوى ذلك خير" إلى آخر الآية. # انتقل سبحانه من ذكر لباس الظاهر الذي يواري سوآت الإنسان فيتقي به أن ~~يظهر منه ما يسوؤه ظهوره، إلى لباس الباطن الذي يواري السوآت الباطنية التي ~~يسوء الإنسان ظهورها وهي رذائل المعاصي من الشرك وغيره، وهذا اللباس هو ~~التقوى الذي أمر الله به. # وذلك أن الذي يصيب الإنسان من ألم المساءة وذلة الهوان من ظهور سوآته ~~روحي من سنخ واحد في السوآتين إلا أن ألم ظهور السوآت الباطنية أشد وأمر ~~وأبقى فالمحاسب هو الله، والتبعة شقوة لازمة، ونار تطلع على الأفئدة، ولذلك ~~كان لباس التقوى خيرا من لباس الظاهر. # وللإشارة إلى هذا المعنى وتتميم الفائدة عقب الكلام بقوله: "ذلك من آيات ~~الله لعلهم يذكرون" فاللباس الذي اهتدى إليه الإنسان ليرفع به حاجته إلى ~~مواراة سوآته التي يسوؤه ظهورها آية إلهية إن تأمله الإنسان وتبصر به تذكر ~~أن له سوآت باطنية تسوؤه إن ظهرت وهي رذائل النفس، وسترها عليه أوجب وألزم ~~من ستر السوآت الظاهرية بلباس الظاهر واللباس الذي يسترها ويرفع حاجة ~~الإنسان الضرورية هو لباس التقوى الذي أمر الله به وبينه بلسان أنبيائه. # وفي تفسير لباس التقوى أقوال أخر مأثورة عن المفسرين، فقيل: هو الإيمان ~~والعمل الصالح، وقيل: هو حسن السمت الظاهر، وقيل: هو الحياء، وقيل: هو لباس ~~النسك والتواضع كلبس الصوف والخشن، وقيل: هو الإسلام، وقيل: هو لباس الحرب، ~~وقيل: هو ما يستر العورة، وقيل: هو خشية الله، وقيل: هو ما يلبسه المتقون ~~يوم القيامة هو خير من لباس الدنيا، وأنت ترى أن شيئا من هذه الأقوال لا ~~ينطبق على ms2852 السياق ذلك الانطباق. # قوله تعالى: "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة" ~~إلى آخر الآية. # الكلام وإن كان مفصولا عما قبله بتصديره بخطاب "يا بني آدم" إلا أنه بحسب ~~المعنى من تتمة المفاد السابق، ولذا أعاد ذكر السوآت ثانيا فيرجع المعنى ~~إلى أن لكم معاشر الآدميين سوآت لا يسترها إلا لباس التقوى الذي ألبسناكموه ~~بحسب الفطرة التي فطرناكم عليها فإياكم أن يفتنكم الشيطان فينزع عنكم ذلك ~~كما نزع لباس أبويكم في الجنة ليريهما سوآتهما فإنا جعلنا الشياطين أولياء ~~لمن تبعهم ولم يؤمن بآياتنا. PageV08P036 # ومن هنا يظهر أن ما صنعه إبليس بهما في الجنة من نزع لباسهما ليريهما ~~سوآتهما كان مثالا لنزع لباس التقوى عن الآدميين بالفتنة وإن الإنسان في ~~جنة السعادة ما لم يفتتن به فإذا افتتن أخرجه الله منها. # وقوله: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم" تأكيد للنهي وبيان لدقة ~~مسلكه وخفاء سربه دقة لا يميزه حس الإنسان وخفاء لا يقع عليه شعوره فإنه لا ~~يرى إلا نفسه من غير أن يشعر أن وراءه من يأمر بالشر ويهديه إلى الشقوة. # وقوله: "إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون" تأكيدا آخر للنهي، ~~وليست ولايتهم وتصرفهم في الإنسان إلا ولاية الفتنة والغرور فإذا افتتن ~~واغتر بهم تصرفوا بما شاءوا وكما أرادوا كما قال تعالى مخاطبا لإبليس: ~~"واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال ~~والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~وكفى بربك وكيلا": إسراء: 65، وقال: "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون": النحل: 99، وقال: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين": الحجر: 42. # ومن الآيات بانضمامها إلى آيتنا المبحوث عنها يظهر أن لا ولاية لهم على ~~المؤمنين وإن مسهم طائف منهم أحيانا، وأن لا سلطان له على المتوكلين من ~~المؤمنين وهم الذين عدهم الله عبادا له بقوله: "عبادي" فلا ولاية له إلا ~~على الذين لا يؤمنون. # والظاهر أن ms2853 المراد به عدم الإيمان بآيات الله بتكذيبها وهو أخص من وجه من ~~عدم الإيمان بالله الذي هو الكفر بالله بشرك أو نفي، وذلك لأن هذا الكفر هو ~~المذكور في الخطاب العام الذي في ذيل القصة من سورة البقرة حيث قال تعالى: ~~"قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى - إلى أن قال - والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة 39، وفي ذيل هذه ~~الآيات من هذه السورة حيث قال: "والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون": الأعراف: 36. # قوله تعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها" إلى آخر الآية، رجوع من الخطاب العام لبني آدم إلى خطاب النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) خاصة ليتوسل به إلى انتزاع خطابات خاصة يوجهها إلى ~~أمته كما جرى نظيره من الالتفات في الخطاب المتقدم يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا حيث قال: "ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون" لنظير الغرض. # وبالجملة فقد استخرج من هذا الأصل الثابت في قصة الجنة وهو أمر ظهور ~~السوآت الذي أفضى إلى خروج آدم وزوجته من الجنة أن الله لا يرضى بالفحشاء ~~الشنيعة من أفعال بني آدم، فذكر إتيان المشركين بالفحشاء واستنادهم في ذلك ~~إلى عمل آبائهم وأمر الله سبحانه بها فأمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يرد عليهم بأن الله لا يأمر بالفحشاء، ويذكرهم أن ذلك من القول على الله ~~بغير علم والافتراء عليه، كيف لا؟ وقصة الجنة شاهدة عليه. # وقد ذكر لهم في فعلهم الفحشاء عذرين يعتذرون بهما ومستندين يستندون ~~إليهما وهما فعل آبائهم وأمر الله إياهم بها، وكان الثاني هو الذي يرتبط ~~بالخطاب العام المستخرج من قصة الجنة فقط، ولذلك تعرض لدفعه ورده عليهم، ~~وأما استنادهم إلى فعل آبائهم فذلك وإن لم يكن مما يرتضيه الله سبحانه وقد ~~رده في سائر كلامه بمثل قوله: "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" ~~فلم يتعرض لرده هاهنا لخروجه عن غرض الكلام. # وقد ذكر ms2854 جمع من المفسرين أن قوله: "وإذا فعلوا فاحشة" إلخ، إشارة إلى ما ~~كان معمولا عند أهل الجاهلية من الطواف بالبيت الحرام عراة يقولون: نطوف ~~كما ولدتنا أمهاتنا ولا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، ونقل عن ~~الفراء أنهم كانوا يعملون شيئا من سيور مقطعة يشدونهم على حقويهم يسمى حوفا ~~وإن عمل من صوف سمي رهطا وكانت المرأة تضع على قبلها نسعة أو شيئا آخر ~~فتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله. # وما بدا منه فلا أحله. # ولم يزل دائرا بينهم حتى منعهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ~~الفتح حين بعث عليا (عليه السلام) بآيات البراءة إلى مكة. PageV08P037 # وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعض المسلمين كانوا يعيبونهم على ~~ذلك فيعتذرون إليهم بقولهم: "وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها" فرد الله ~~سبحانه عليهم وذمهم بقوله: "إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون". # وليس ما ذكروه ببعيد وفي الآية بعض التأييد له حيث وصفت ما كانوا يفعلونه ~~بالفحشاء وهي الأمر الشنيع الشديد القبح ثم ذكرت أنهم كانوا يعتذرون بأن ~~الله أمرهم بذلك. # ولازم ذلك أن يكون ما فعلوه أمرا شنيعا أتوا به في صفة العبادة والنسك ~~كالطواف عاريا، والآية مع ذلك الفحشاء فتصلح أن تنطبق على فعلهم ذلك، وعلى ~~مصاديق أخرى ما أكثر وجودها بين الناس وخاصة في زماننا الذي نعيش فيه. # قوله تعالى: "قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين" لما نفت الآية السابقة أن يأمر الله سبحانه بالفحشاء ~~وذكرت أن ذلك افتراء عليه وقول بغير علم لعدم انتهائه إلى وحي ما أوحى به ~~الله بادرت هذه الآية إلى ذكر ما أمر به وهو لا محالة أمر يقابل ما ~~استشنعته الآية السابقة وعدته فحشاء لما فيه من بلوغ القبح والإفراط ~~والتفريط فقال: "قل أمر ربي بالقسط" إلخ. # والقسط على ما ذكره الراغب هو النصيب بالعدل كالنصف والنصفة قال: "ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط" "وأقيموا الوزن بالقسط" ms2855 والقسط هو أن ~~يأخذ قسط غيره، وذلك جور والإقساط أن يعطي قسط غيره، وذلك إنصاف ولذلك قيل: ~~قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل قال: "وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا" ~~وقال: "وأقسطوا إن الله يحب المقسطين" انتهى كلامه. # فالمراد: قل أمر ربي بالنصيب العدل ولزوم وسط الاعتدال في الأمور كلها ~~وأن تجتنبوا جانبي الإفراط والتفريط فأقسطوا وأنيبوا وأقروا نفوسكم عند كل ~~معبد تعبدون الله فيه وادعوه بإخلاص الدين له من غير أن تشركوا بعبادته ~~صنما أو أحدا من آبائكم وكبرائكم بالتقليد لهم وهذا هو القسط في العبادة. # فقوله: "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" معطوف ظاهرا على مقول القول لأن ~~معنى أمر ربي بالقسط: أقسطوا، فيكون التقدير: أقسطوا وأقيموا إلخ، والوجه ~~هو ما يتوجه به إلى الشيء، وهو في حال تمام النفس الإنسانية، وإقامتها ~~عندها إيجاد القيام بالأمر لها أي إيفاؤه والإتيان به كما ينبغي تاما غير ~~ناقص فيئول معنى إقامة الوجه عند العبادة إلى الاشتغال بالعبادة والانقطاع ~~عن غيرها فيفيد قوله: "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" إذا انضم إليه قوله: ~~"وادعوه مخلصين له الدين" وجوب الانقطاع للعبادة عن غيرها ولله سبحانه عن ~~غيره كما عرفت ومن الغير الذي يجب الانقطاع عنه إلى الله سبحانه نفس ~~العبادة، وإنما العبادة توجه لا متوجه إليها، والتوجه إليها يبطل معنى ~~كونها عبادة وتوجها إلى الله فيجب أن لا يذكر الناسك في نسكه إلا ربه وينسى غيره. # وللمفسرين في معنى قوله: "وأقيموا وجوهكم" إلخ، أقوال أخر منها: أن ~~المعنى: توجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة. # ومنها: أن المعنى توجهوا في أوقات السجود وهي أوقات الصلاة إلى الجهة ~~التي أمركم الله بها وهي الكعبة. # ومنها إذا أدركتم الصلاة في مسجد فصلوا ولا تقولوا حتى أرجع إلى مسجدي. # ومنها: أن المعنى: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمر فيها بالجماعة. # ومنها: أن المعنى: أخلصوا وجوهكم لله بالطاعة فلا تشركوا وثنا ولا غيره. # والوجوه المذكورة على علاتها وإباء الآية عنها لا تناسب الثلاثة الأول ~~منها ms2856 حال المسلمين في وقت نزول السورة وهي مكية ولم تكن الكعبة قبلة يومئذ، ~~ولا كانت للمسلمين مساجد مختلفة متعددة، وآخر الوجوه وإن كان قريبا مما ~~قدمناه إلا أنه ناقص في بيان الإخلاص المستفاد من الآية، وما تضمنه إنما هي ~~معنى قوله تعالى: "وادعوه مخلصين له الدين" لا قوله: "وأقيموا" إلخ، كما تقدم. # قوله تعالى: "كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" إلى ~~آخر الآية. PageV08P038 # ظاهر السياق أن يكون قوله "فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" حالا من ~~فاعل "تعودون" ويكون هو الوجه المشترك الذي شبه فيه العود بالبدء، والمعنى ~~تعودون فريقين كما بدأكم فريقين نظير قوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة": الأنعام: 94، والمعنى لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة فرادى. # فهذا هو الظاهر المستفاد من الكلام، وأما كون "فريقا هدى" إلخ، حالا لا ~~يعدو عامله، ووجه الشبه بين البدء والعود أمرا آخر غير مذكور ككونهم فرادى ~~بدءا وعودا أو كون الخلق الأول والثاني جميعا من تراب أو كون البعث مثل ~~الإنشاء في قدرة الله إلى غير ذلك مما احتملوه فوجوه بعيدة عن دلالة الآية، ~~وأي فائدة في حذف وجه الشبه من الذكر وذكر ما لا حاجة إليه مع وقوع اللبس، ~~وسيجيء إن شاء الله توضيح ذلك. # وظاهر البدء في قوله: "بدأكم" أول خلقة الإنسان الدنيوية لا مجموع الحياة ~~الدنيوية قبال الحياة الأخروية فيكون البدء هو الحياة الدنيا والعود هو ~~الحياة الأخرى فيكون المعنى كنتم في الدنيا مخلوقين له هدى فريقا منكم وحقت ~~الضلالة على فريق آخر كذلك تعودون كما يئول إليه قول من قال: "إن معنى ~~الآية: تبعثون على ما متم عليه: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره". # وذلك أن ظاهر البدء إذا نسب إلى شيء ذي امتداد واستمرار بوجه أن يقع على ~~أقدم أجزاء وجوده الممتد المستمر لا على الجميع، والخطاب للناس فبدؤهم أول ~~خلقة النوع الإنساني وبدء ظهوره. # على أن الآية من تتمة الآيات التي يبين الله سبحانه فيها بدء إيجاده ~~الإنسان ms2857 بمثل قوله: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم" إلخ، فالمراد به كيفية البدء التي قصها في أول كلامه، وقد كان من ~~القصة أن الله قال لإبليس لما رجمه: "اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك ~~منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين" وفيه قضاء أن ينقسم بنو آدم فريقين فريقا ~~مهتدين على الصراط المستقيم، وفريقا ضالين حقا فهذا هو الذي بدأهم به وكذلك ~~يعودون. # وقد بين ذلك في مواضع أخر من كلامه أوضح من ذلك وأصرح كقوله: "قال هذا ~~صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": ~~الحجر: 42، وهذا قضاء حتم وصراط مستقيم إن الناس طائفتان طائفة ليس لإبليس ~~عليهم سلطان وهم الذين هداهم الله، وطائفة متبعون لإبليس غاوون وهم المقضي ~~ضلالهم لاتباعهم الشيطان وتوليهم إياه قال: "كتب عليه أنه من تولاه فإنه ~~يضله": الحج: 4، وإنما قضي ضلالهم إثر اتباعهم وتوليهم لا بالعكس كما هو ~~ظاهر الآية. # ونظيره في ذلك قوله تعالى: "قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين": ص: 85، فإنه يدل على أن هناك قضاء بتفرقهم فريقين، وهذا ~~التفرق هو الذي فرع تعالى عليه قوله إذ قال: "قال اهبطا منها... فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى" إلخ:، طه: 124 وهو عمى الضلال. # وبعد ذلك كله فمن الممكن أن يكون قوله: "كما بدأكم تعودون" إلخ، في مقام ~~التعليل لمضمون الكلام السابق والمعنى: أقسطوا في أعمالكم وأخلصوا لله ~~سبحانه فإن الله سبحانه إذ بدأ خلقكم قضى فيكم أن تتفرقوا فريقين فريقا ~~يهديهم وفريقا يضلون عن الطريق وستعودون إليه كما بدأكم فريقا هدى وفريقا ~~حق عليهم الضلالة بتولي الشياطين فأقسطوا وأخلصوا حتى تكونوا من المهتدين ~~بهداية الله لا الضالين بولاية الشياطين. # فيكون الكلام جاريا مجرى قوله تعالى: "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا": البقرة: 148 فإنه في عين أنه ms2858 ~~بين أولا أن لكل وجهة خاصة محتومة هو موليها لا يتخلف عنه إن سعادة فسعادة ~~وإن شقاوة فشقاوة أمرهم ثانيا أن استبقوا الخيرات، ولا يستقيم الأمر مع ~~تحتم إحدى المنزلتين: السعادة والشقاوة لكن الكلام في معنى قولنا: إن كلا ~~منكم لا محيص له عن وجهة متعينة في حقه لازمة له إما الجنة وإما النار ~~فاستبقوا الخيرات حتى تكونوا من أهل وجهة السعادة دون غيرها. PageV08P039 # وكذلك الأمر فيما نحن فيه فالكلام في معنى قولنا: إنكم ستعودون فريقين كما ~~بدأكم فريقين بقضائه فأقسطوا في أعمالكم وأخلصوا لله سبحانه حتى تكونوا من ~~الفريق الذي هدى دون الفريق الذي حق عليهم الضلالة. # ومن الممكن أن يكون قوله: "كما بدأكم" إلخ، كلاما مستأنفا وهو مع ذلك لا ~~يخلو عن تلويح بالدعوة إلى الأقساط والإخلاص على ما يتبادر من السياق. # وأما قوله: "إنهم اتخذوا الشياطين أولياء" فهو تعليل لثبوت الضلالة ~~ولزومها لهم في قوله: "حق عليهم الضلالة" كان كلمة الضلال والخسران صدرت من ~~مصدر القضاء في حقهم مشروطا بولاية الشيطان كما يذكره في قوله: "كتب عليه ~~أنه من تولاه فإنه يضله": الحج: 4. # فلما تولوا الشياطين في الدنيا حقت عليهم الضلالة ولزمتهم لزوما لا ~~انفكاك بعده أبدا وهذا نظير ما يستفاد من قوله: "وقيضنا لهم قرناء فزينوا ~~لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين": حم السجدة: 25. # وأما قوله: "ويحسبون أنهم مهتدون" فهو كعطف التفسير بالنسبة إلى الجملة ~~السابقة يفسر به معنى تحقق الضلالة ولزومها فإن الإنسان مهما ركب غير طريق ~~الحق واعتنق الباطل وهو يعترف بأنه من الباطل ولما ينس الحق أوشك أن يعود ~~إلى الحق الذي فارقه وكان مرجوا أن ينتزع عن ضلاله إلى الهدى أما إذا اعتقد ~~حقية الباطل الذي هو عليه، وحسب أنه على الهدى وهو في ضلال فقد استقر فيه ~~شيمة الغي وحقت عليه الضلالة ولا يرجى معه فلاح أبدا. # فقوله: "ويحسبون أنهم مهتدون" كالتفسير لتحقق الضلالة لكونه من ms2859 لوازمه، ~~وقد قال تعالى في موضع آخر: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا": الكهف: 104، وقال تعالى: ~~إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة: 7. # وإنه الإنسان يسير على الفطرة ويعيش على الخلقة لا ينقاد إلا للحق ولا ~~يخضع إلا للصدق ولا يريد إلا ما فيه خيره وسعادته غير أنه إذا شمله التوفيق ~~وكان على الهدى طبق ما يطلبه ويقصده على حقيقة مصداقه ولم يعبد إلا الله ~~وهو الحق الذي يطلبه ولم يرد إلا الحياة الدائمة الخالدة وهي السعادة التي ~~يقصدها، وإذا ضل عن الصراط انتكس وجهه من الحق إلى الباطل ومن الخير إلى ~~الشر ومن السعادة إلى الشقاء فيتخذ إلهه هواه، ويعبد الشيطان، ويخضع ~~للأوثان، وأخلد إلى الأرض، وتعلق بالزخارف المادية الدنيوية وتبصر إليها ~~لكنه إنما يعمل ما يعمل بإذعان أنه هكذا ينبغي أن يعمل وحسبان أنه مهتد في ~~عمله فيأخذ بالباطل بعنوان أنه حق، ويركن إلى الشر أو الشقاء بعنوان أنه ~~خير وسعادة فالإدراك الفطري محفوظ له غير أنه يطبقه في مقام العمل على غير ~~مصداقه. # قال تعالى: "يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ~~من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها": النساء: 47، وأما إنسان يتبع ~~الباطل بما هو باطل، ويقصد الشقاء والخسران بما هو شقاء وخسران فمن المحال ذلك. # قال تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: ~~30 وشيء من العلل والأسباب ومنها الإنسان لا يريد غاية ولا يفعل فعلا إلا ~~إذا كان ملائما لنفسه حاملا لما فيه نفعه وسعادته، وما ربما يتراءى من خلاف ~~فإنما هو في بادىء النظر لا بحسب الحقيقة وفي نفس الأمر. # هذا كله ما يقتضيه التدبر وإيفاء النظر من معنى قوله "كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" إلخ، وهو يدور مدار كون "فريقا هدى" ~~إلخ، حالا مبينا ms2860 لوجه الشبه والمعنى المشترك بين البدء والعود سواء أخذنا ~~الكلام مستأنفا أو واقعا موقع التعليل متصلا بما قبله. # وأما جمهور المفسرين فكأنهم متسالمون على أن قوله: "فريقا هدى" حال مبين ~~لكيفية العود فحسب دون العود والبدء جميعا، وأن المعنى المشترك الذي هو وجه ~~تشبيه العود بالبدء أمر آخر وراءه إلا من فسر البدء بالحياة الدنيا والخلق ~~الأول كما تقدم وسيجيء، وكان ذلك فرارا منهم عن لزوم الجبر المبطل للاختيار ~~مع احتفاف الكلام بالأوامر والنواهي، وقد عرفت أن ذلك غير لازم. PageV08P040 # وبالجملة فقد اختلفوا في وجه اتصال الكلام بما قبله بعد التسالم على ذلك ~~فمن قائل: أنه إنذار بالبعث تأكيدا للأحكام المذكورة سابقا، واحتجاج عليه ~~بالبدء فالمعنى: ادعوه مخلصين فإنكم مبعوثون مجازون، وإن بعد ذلك في عقولكم ~~فاعتبروا بالابتداء واعلموا أنه كما بدأكم في الخلق الأول فإنه يبعثكم ~~فتعودون في الخلق الثاني. # وفيه أنه مبني على أن تشبيه العود بالبدء في تساويهما بالنسبة إلى قدرة ~~الله، وأن النكتة في التعرض لذلك هو الإنذار بالمجازاة، والسياق المناسب ~~لهذا الغرض أن يقال: كما بدأكم يبعثكم فيجازيكم بوضع بعثه تعالى موضع عود ~~الناس والتصريح بالمجازاة التي هي العمدة في الغرض المسوق لأجله الكلام كما ~~صنع ذلك القائل نفسه فيما ذكره من المعنى، والآية خالية من ذلك. # ومن قائل: أنه احتجاج على منكري البعث، واتصاله بقوله تعالى قبل عدة ~~آيات: "فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون". # فقوله: "كما بدأكم تعودون" معناه فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم. # وفيه: ما في الوجه السابق على أنه تحكم من غير دليل. # ومن قائل: أنه كلام مستأنف. # وقد تقدم ذكره. # ومن قائل: أنه متصل بما سبقه، والمعنى: أخلصوا لله في حياتكم فإنكم ~~تبعثون على ما متم عليه: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره. # وفيه: أنه مبني على كون المراد بالبدء هو مجموع الحياة الدنيا في قبال ~~الحياة الآخرة ثم تشبيه بالعود وهو الحياة الآخرة بآخر الحياة الأولى ~~المسماة بعثا، والآية - كما تقدم - بمعزل عن الدلالة على هذا المعنى. # قوله تعالى: ms2861 "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" إلى آخر الآية. # قال الراغب: السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في ~~الإنفاق أشهر، انتهى. # أخذ الزينة عند كل مسجد هو التزين الجميل عند الحضور في المسجد، وهو إنما ~~يكون بالطبع للصلاة والطواف وسائر ذكر الله فيرجع المعنى إلى الأمر بالتزين ~~الجميل للصلاة ونحوها، ويشمل بإطلاقه صلوات الأعياد والجماعات اليومية ~~وسائر وجوه العبادة والذكر. # وقوله: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" إلخ، أمران إباحيان ونهي تحريمي معلل ~~بقوله: "إنه لا يحب المسرفين" والجميع مأخوذة من قصة الجنة كما مرت الإشارة ~~إليه، وهي كما تقدم خطابات عامة لا تختص بشرع دون شرع ولا بصنف من أصناف ~~الناس دون صنف. # ومن هنا يعلم فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد" إلخ يدل على بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جميع ~~البشر، وأن الخطاب يشمل النساء بالتبع للرجال شرعا لا لغة انتهى. # نعم تدل الآية على أن هناك أحكاما عامة لجميع البشر برسالة واحدة أو ~~أكثر، وأما شمول الحكم للنساء فبالتغليب في الخطاب والقرينة العقلية قائمة. # قوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق" ~~هذا من استخراج حكم خاص - بهذه الأمة - من الحكم العام السابق عليه بنوع من ~~الالتفات نظير ما تقدم في قوله: "ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون" وقوله ~~وإذا فعلوا فاحشة" الآية. # والاستفهام إنكاري، والزين يقابل الشين وهو ما يعاب به الإنسان فالزينة ~~ما يرتفع به العيب ويذهب بنفرة النفوس، والإخراج كناية عن الإظهار واستعارة ~~تخييلية كأن الله سبحانه بإلهامه وهدايته الإنسان من طريق الفطرة إلى إيجاد ~~أنواع الزينة التي يستحسنها مجتمعة ويستدعي انجذاب نفوسهم إليه وارتفاع ~~نفرتهم واشمئزازهم عنه يخرج لهم الزينة وقد كانت مخبية خفية فأظهرها ~~لحواسهم. # ولو كان الإنسان يعيش في الدنيا وحده في غير مجتمع من أمثاله لم يحتج إلى ~~زينة يتزين بها قط ولا تنبه للزوم إيجادها لأن ملاك التنبه ms2862 هو الحاجة. # لكنه لما لم يسعه إلا الحياة في مجتمع من الأفراد وهم يعيشون بالإرادة ~~والكراهة والحب والبغض والرضى والسخط فلا محيص لهم من العثور على ما ~~يستحسنونه وما يستقبحونه من الهيئات والأزياء فيلهمهم المعلم الغيبي من ~~وراء فطرتهم بما يصلح ما فسد منهم ويزين ما يشين منهم وهو الزينة بأقسامها، ~~ولعل هذا هو النكتة في خصوص التعبير بقوله: "لعباده". PageV08P041 # وهذه المسماة بالزينة من أهم ما يعتمد عليه الاجتماع الإنساني، وهي من ~~الآداب العريقة التي تلازم المجتمعات وتترقى وتتنزل على حسب تقدم المدنية ~~والحضارة ولو فرض ارتفاعها من أصلها في مجتمع من المجتمعات انهدم الاجتماع ~~وتلاشت أجزاؤه من حينه لأن معنى بطلانها ارتفاع الحسن والقبح والحب والبغض ~~والإرادة والكراهة وأمثالها من بينهم، ولا مصداق للاجتماع الإنساني عندئذ ~~فافهم ذلك. # ثم الطيبات من الرزق - والطيب هو الملائم للطبع - هي الأنواع المختلفة ~~مما يرتزق به الإنسان بالتغذي منه، أو مطلق ما يستمد به في حياته وبقائه ~~كأنواع المطعم والمشرب والمنكح والمسكن ونحوها، وقد جهز الله سبحانه ~~الإنسان بما يحس بحاجته إلى أقسام الرزق ويستدعي تناولها بأنواع من الشهوات ~~الهائجة في باطنه إلى ما يلائمها مما يرفع حاجته وهذا هو الطيب والملاءمة ~~الطبيعية. # وابتناء حياة الإنسان السعيدة على طيبات الرزق غني عن البيان فلا يسعد ~~الإنسان في حياته من الرزق إلا بما يلائم طباع قواه وأدواته التي جهز بها ~~ويساعده على بقاء تركيبه الذي ركب به، وما جهز بشيء ولا ركب من جزء إلا ~~لحاجة له إليه فلو تعدى في شيء مما يلائم فطرته إلى ما لا يلائمها طبعا ~~اضطر إلى تتميم النقص الوارد عليه في القوة المربوطة به إلى صرف شيء من ~~سائر القوى فيه كالمنهوم الشره الذي يفرط في الأكل فيصيبه آفات الهضم. # فيضطر إلى استعمال الأدوية المصلحة لجهاز الهضم والمشهية للمعدة ولا يزال ~~يستعمل ويفرط حتى يعتاد بها فلا تؤثر فيه فيصير إنسانا عليلا تشغله العلة ~~عن عامة واجبات الحياة، وأهمها الفكر السالم الحر وعلى هذا القياس. # والتعدي عن طيب ms2863 الرزق يبدل الإنسان إلى شيء آخر لا هو مخلوق لهذا العالم ~~ولا هذا العالم مخلوق له وأي خير يرجى في إنسان يتوخى أن يعيش في ظرف غير ~~ظرفه الذي أعده له الكون، ويسلك طريقا لم تهيئه له الفطرة، وينال غاية غير ~~غايته وهو أن يتوسع بالتمتع بكل ما تزينه له الشهوة والشره، ويصوره له ~~الخيال بآخر ما يقدر وأقصى ما يمكن. # والله سبحانه يذكر في هذه الآية أن هناك زينة أخرجها لعباده وأظهرها ~~وبينها لهم من طريق الإلهام الفطري، ولا تلهم الفطرة إلا بشيء قامت حاجة ~~الإنسان إليه بحسبها. # ولا دليل على إباحة عمل من الأعمال وسلوك طريق من الطرق أقوى من الحاجة ~~إليه بحسب الوجود والطبيعة الذي يدل على أن الله سبحانه هو الرابط بين ~~الإنسان المحتاج وبين ما يحتاج إليه بما أودع في نفسه من القوى والأدوات ~~الباعثة له إليه بحسب الخلقة والتكوين. # ثم يذكر بعطف الطيبات من الرزق على الزينة في حيز الاستفهام الإنكاري أن ~~هناك أقساما من الرزق طيبة ملائمة لطباع الإنسان يشعر بطيبه من طريق قواه ~~المودعة في وجوده، ولا يشعر بها ولا يتنبه لها إلا لقيام حاجته في الحياة ~~إليها وإلى التصرف فيها تصرفا يستمد به لبقائه، ولا دليل على إباحة شيء من ~~الأعمال أقوى من الحاجة الطبيعية والفقر التكويني إليه كما سمعت. # ثم يذكر بالاستفهام الإنكاري أن إباحة زينة الله والطيبات من الرزق مما ~~لا ينبغي أن يرتاب فيها فهو من إمضاء الشرع لحكم العقل والقضاء الفطري. # وإباحة الزينة وطيبات الرزق لا تعدو مع ذلك حد الاعتدال فيها والوسط ~~العدل بين الإفراط والتفريط فإن ذلك هو الذي يقضي به الفطرة، وقد قال الله ~~سبحانه في الآية السابقة: "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" وقال فيما قبل ~~ذلك: "قل أمر ربي بالقسط". # ففي التعدي إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط من تهديد المجتمع الإنساني ~~بالانحطاط، وفساد طريق السعادة ما في انثلام ركن من أركان البناء من تهديده ~~بالانهدام فقلما ظهر فساد في البر والبحر وتنازع ms2864 يفضي إلى الحروب المبيدة ~~للنسل المخربة للمعمورة إلا عن إتراف الناس وإسرافهم في أمر الزينة أو ~~الرزق، وهو الإنسان إذا جاوز حد الاعتدال، وتعدى ما خط له من وسط الجادة ~~ذهب لوجهه لا يقف على حد ولا يلوي على شيء فمن الحري أن لا يرفع عنه سوط ~~التربية ويذكر حتى بأوضح ما يقضي به عقله، ومن هذا القليل الأمر الإلهي ~~بضروريات الحياة كالأكل والشرب واللبس والسكنى وأخذ الزينة. PageV08P042 # قال صاحب المنار، في بعض كلامه - وما أجود ما قال: - وإنما يعرفها - يعني ~~قيمة الأمر بأخذ الزينة مع بساطته ووضوحه - من قراء تواريخ الأمم والملل، ~~وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في الحرجات والغابات أفرادا وجماعات ~~يأوون إلى الكهوف والمغارات، والقبائل الكثيرة الوثنية في بعض جزائر البحار ~~وجبال إفريقيا كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا، وأن الإسلام ما وصل ~~إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب بإيجابه للستر والزينة إيجابا شرعيا. # ولما أسرف بعض دعاة النصرانية الأوروبيين في الطعن في الإسلام لتنفير ~~أهله منه وتحويلهم إلى ملتهم ولتحريض أوربا عليهم رد عليهم بعض المنصفين ~~منهم فذكر في رده أن في انتشار الإسلام في إفريقيا منة على أوربا بنشره ~~للمدنية في أهلها بحملهم على ترك العرى وإيجابه لبس الثياب الذي كان سببا ~~لرواج تجارة النسج الأوروبية فيهم. # بل أقول: إن بعض الأمم الوثنية ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب ~~فيها معيشة العرى حتى إذا ما اهتدى بعضهم بالإسلام صاروا يلبسون ويتجملون ~~ثم صاروا يصنعون الثياب وقلدهم جيرانهم من الوثنيين بعض التقليد. # هذه بلاد الهند على ارتقاء حضارة الوثنيين فيها قديما وحديثا لا يزال ~~ألوف الألوف من نسائهم ورجالهم عراة أو أنصاف أو أرباع عراة فترى بعض ~~رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر إلا السوأتين - ~~ويسمونهما "سبيلين" وهي الكلمة العربية التي يستعملها الفقهاء في باب نواقض ~~الوضوء - أو ساتر لنصفه الأسفل فقط وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف ~~الأعلى من الجسم كله أو بعضه، وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأن المسلمين ms2865 ~~هم الذين علموهم لبس الثياب، والأكل في الأواني ولا يزال أكثر فقرائهم ~~يضعون طعامهم على ورق الشجر ويأكلون منه، ولكنهم خير من كثير من الوثنيين ~~سترا وزينة لأن المسلمين كانوا حكامهم، وقد كانوا ولا يزالون من أرقى مسلمي ~~الأرض علما وعملا وتأثيرا في وثني بلادهم. # وأما المسلمون في بلاد الشرق التي يغلب عليها الجهل فهم أقرب إلى الوثنية ~~منهم إلى الإسلام في اللباس وكثير من الأعمال الدينية، ومنهم نساء مسلمي ~~"سيام" اللاتي لا ترين في أنفسهن عورة إلا السوأتين كما بين هذا من قبل ~~فحيث يقوى الإسلام يكون الستر والزينة اللائقة بكرامة البشر ورقيهم. # فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الإصلاحي في الإسلام ولو لا أن جعل ~~هذا الدين المدني الأعلى أخذ الزينة من شرع الله أوجبه على عباده لما نقل ~~أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية الفاحشة إلى المدنية الراقية، وإنما يجهل هذا ~~الفضل له من يجهل التاريخ وإن كان من أهله بل لا يبعد أن يوجد في متحذلقة ~~المتفرنجين من يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متكئا مميلا طربوشه على رأسه ~~يقول: ما معنى جعل أخذ زينة اللباس من أمور الدين؟ وهو من لوازم البشر لا ~~يحتاجون فيه إلى وحي إلهي ولا شرع ديني، وقد يقول مثل هذا في قوله تعالى: ~~"كلوا واشربوا" انتهى. # ومما يناسب المقام ما روي: أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال ذات ~~يوم لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: ~~علم الأديان وعلم الأبدان! فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية ~~وهو قوله: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" وجمع نبينا الطب في قوله: "المعدة بيت ~~الداء، والحمية رأس كل دواء، وأعط كل بدن ما عودته" فقال الطبيب: ما ترك ~~كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قوله تعالى: "قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة" لا ~~ريب أن الخطاب في صدر الآية إما لخصوص الكفار أو يعمهم والمؤمنين جميعا ms2866 كما ~~يعمهم جميعا ما في الآية السابقة من الخطاب بقوله: "يا بني آدم خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" ولازمه أن تكون الزينة وطيبات الرزق ~~موضوعة على الشركة بين الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم. PageV08P043 # فقوله: "قل هي للذين آمنوا" إلخ، مسوق لبيان ما خص الله سبحانه به المؤمنين ~~من عباده من الكرامة والمزية، وإذ قد اشتركوا في نعمه في الدنيا فهي خالصة ~~لهم في الآخرة، ولازم ذلك أن يكون قوله: "في الحياة الدنيا" متعلقا بقوله: ~~"آمنوا" وقوله: "يوم القيامة" متعلقا بما تعلق به قوله: "للذين آمنوا" وهو ~~قولنا كائنة أو ما يقرب منه، "وخالصة" حال عن الضمير المؤنث وقدمت على ~~قوله: "يوم القيامة" لتكون فاصلة بين قوليه: "في الحياة الدنيا" و"يوم ~~القيامة" والمعنى: قل هي للمؤمنين يوم القيامة وهي خالصة لهم لا يشاركهم ~~فيها غيرهم كما شاركوهم في الدنيا فمن آمن في الدنيا ملك نعمها يوم ~~القيامة. # وبهذا البيان يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالخلوص إنما هو الخلوص من ~~الهموم والمنغصات والمعنى: هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من ~~الهموم والأحزان والمشقة، وهي خالصة يوم القيامة من ذلك. # وذلك أنه ليس في سياق الآية ولا في سياق ما تقدمها من الآيات إشعار ~~باحتفاف النعم الدنيوية بما ينغص عيش المتنعمين بها ويكدرها عليهم حتى يكون ~~قرينة على إرادة ما ذكره من معنى الخلوص. # وكذا ما في قول بعض آخر: إن قوله: "في الحياة الدنيا" متعلق بما تعلق به ~~قوله "للذين آمنوا" والمعنى: هي ثابتة للذين آمنوا بالأصالة والاستحقاق في ~~الحياة الدنيا، ولكن يشاركهم غيرهم فيها بالتبع لهم وإن لم يستحقها مثلهم، ~~وهي خالصة لهم يوم القيامة - أو حال كونها خالصة لهم يوم القيامة فقد قرأ ~~نافع "خالصة" بالرفع على أنها خبر والباقون بالنصب على الحالية - وذلك أن ~~المؤمنين هم الذين ينتهي إليهم العلوم النافعة في الحياة الصالحة، والأوامر ~~المحرضة لإصلاح الحياة بأخذ الزينة والارتزاق بالطيبات والقيام بواجبات ~~المعاش ثم التفكر في آيات الآفاق والأنفس المؤدي ms2867 إلى إيجاد الصناعات ~~والفنون المستخدمة في الرقي في المدنية والحضارة، ومعرفة قدرها والشكر عليها. # كل ذلك من طريق الوحي والنبوة. # وجه فساده: أنه إن أراد أن ما ذكره من الأصالة والتبعية هو مدلول الآية ~~فمن الواضح أن الآية أجنبية عن الدلالة على ذلك، وإن أراد أن الآية تفيد أن ~~النعم الدنيوية للمؤمنين ثم بينت مشاركة الكفار لهم فيها وأن ذلك بالأصالة ~~والتبعية فقد عرفت أن الآية لا تدل إلا على اشتراك الطائفتين معا في النعم ~~الدنيوية لا اختصاص المؤمنين بها في الدنيا فأين حديث الأصالة والتبعية. # بل ربما كان الظاهر من أمثال قوله: "ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون - إلى أن ~~قال - وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين": ~~الزخرف: 35، خلاف ذلك وأن زهرة الحياة الدنيا أجدر أن يخصوا به. # وقد امتن الله تعالى في ذيل الآية على أهل العلم بتفصيل البيان إذ قال: ~~"كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون". # قوله تعالى: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن" إلى آخر ~~الآية، قد تقدم البحث المستوفى عن مفردات الآية فيما مر، وإن الفواحش هي ~~المعاصي البالغة قبحا وشناعة كالزنا واللواط ونحوهما، والإثم هو الذنب الذي ~~يستعقب انحطاط الإنسان في حياته وذلة وهوانا وسقوطا كشرب الخمر الذي يستعقب ~~للإنسان تهلكة في جاهه وماله وعرضه ونفسه ونحو ذلك، والبغي هو طلب الإنسان ~~ما ليس له بحق كأنواع الظلم والتعدي على الناس والاستيلاء غير المشروع ~~عليهم، ووصفه بغير الحق من قبيل التوصيف باللازم نظير التقييد الذي في ~~قوله: "ما لم ينزل به سلطانا". # وكان إلقاء الخطاب بإباحة الزينة وطيبات الرزق داعيا لنفس السامع إلى أن ~~يحصل على ما حرمه الله فألقى الله سبحانه في هذه الآية جماع القول في ذلك، ~~ولا يشذ عما ذكره شيء من المحرمات الدينية، وهي تنقسم بوجه إلى قسمين: ما ~~يرجع إلى الأفعال وهي الثلاثة الأول، وما يرجع إلى الأقوال والاعتقادات ms2868 وهو ~~الأخيران، والقسم الأول منه ما يرجع إلى الناس وهو البغي بغير الحق، ومنه ~~غيره وهو إما ذو قبح وشناعة فالفاحشة، وإما غيره فالإثم، والقسم الثاني إما ~~شرك بالله أو افتراء على الله سبحانه. PageV08P044 # قوله تعالى: "ولكل أمة أجل" إلى آخر الآية هي حقيقة مستخرجة من قوله تعالى ~~في ذيل القصة: "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" نظير الأحكام ~~الآخر المستخرجة منها المذكورة سابقا، ومفاده أن الأمم والمجتمعات لها ~~أعمار وآجال نظير ما للأفراد من الأعمار والآجال. # وربما استفيد من هذا التفريع والاستخراج أن قوله تعالى في ذيل القصة ~~سابقا: "قال فيها تحيون" إلخ، راجع إلى حياة كل فرد فرد وكل أمة أمة، وهي ~~بعض عمر الإنسانية العامة، وإن قوله قبله: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين" راجع إلى حياة النوع إلى حين وهو حين الانقراض أو البعث، وهذا هو عمر ~~الإنسانية العامة في الدنيا. # قوله تعالى: "يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي" إلى ~~آخر الآيتين. # "إما" أصله إن الشرطية دخلت على ما، وفي شرطها النون الثقيلة، وكأن ذلك ~~يفيد أن الشرط محقق لا محالة، والمراد بقص الآيات بيانها وتفصيلها لما فيه ~~من معنى القطع والإبانة عن مكمن الخفاء. # والآية إحدى الخطابات العامة المستخرجة من قصة الجنة المذكورة هاهنا وهي ~~رابعها وآخرها يبين للناس التشريع الإلهي العام للدين باتباع الرسالة وطريق ~~الوحي، والأصل المستخرج عنه هو مثل قوله في سورة طه: "قال اهبطا منها جميعا ~~بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى" إلخ، فبين أن إتيان الهدى منه إنما ~~يكون بطريق الرسالة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: "قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوءاتكم" قال: نزلت في الخمس من قريش ومن كان يأخذ مأخذها من ~~قبائل العرب: الأنصار الأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وبني عامر بن صعصعة وبطون ~~كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها، ولا ~~يضطربون وبرا ولا شعرا إنما يضطربون ms2869 الأدم، ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا ~~يطوفون عراة إلا قريشا، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: ~~هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا ثم قالوا لقريش: ~~من يعيرنا مئزرا؟ فإن لم يجدوا طافوا عراة فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ~~ثيابهم التي كانوا وضعوا. # وفيه، أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت ~~عراة يقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت ~~ووضعت يدها على قبلها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله. فما بدا منه فلا ~~أحله. فنزلت هذه الآية: خذوا زينتكم عند كل مسجد إلى قوله والطيبات من الرزق. # أقول: وروي ما يقرب منه عن ابن عباس ومجاهد وعطاء لكنك قد عرفت أن الآيات ~~المصدرة بقوله "يا بني آدم" أحكام وشرائع عامة لجميع بني آدم من غير أن ~~يختص بأمة دون أمة فهذه الآحاد من الأخبار لا تزيد على اجتهاد من المنقول ~~عنهم لا حجية فيها، وأعدل الروايات في هذا المعنى الروايتان الآتيتان. # في الدر المنثور،: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة والزينة اللباس وهو ~~ما يواري السوآت وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع. # وفيه،: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان ~~أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها وهو قول الله: "قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق - فجعلت منه حراما وحلالا" وهو هذا فأنزل ~~الله: "قل من حرم زينة الله - التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق - قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا" يعني: شارك المسلمون الكفار في الطيبات في ~~الحياة الدنيا فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من ~~صالح نسائها ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين ~~فيها شيء. # أقول: والروايتان - كما ترى - ظاهرتان في التطبيق دون سبب النزول، ~~والمعول على ذلك. # وفيه،: أخرج ms2870 أبو الشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ما من عبد عمل خيرا أو شرا إلا كسي رداء عمله حتى يعرفوه، وتصديق ~~ذلك في كتاب الله: "ولباس التقوى ذلك خير" الآية. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قوله: "يا بني آدم قد أنزلنا" الآية. لباس التقوى ~~ثياب بيض. PageV08P045 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن عثمان: قال سمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يقرأ: "ورياشا" ولم يقل: وريشا. # وفي تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم - لباسا يواري سوءاتكم وريشا ~~ولباس التقوى" قال: فأما اللباس فاللباس التي تلبسون، وأما الرياش فالمتاع ~~والمال، وأما لباس التقوى فالعفاف، إن العفيف لا تبدو له عورة وإن كان ~~عاريا من اللباس، والفاجر بادي العورة وإن كان كاسيا من اللباس. # أقول: وما في الروايتين من معنى لباس التقوى من الأخذ ببعض المصاديق وقد ~~تكرر نظير ذلك في الروايات. # وفي تفسير القمي، أيضا في قوله تعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا" الآية ~~قال: قال الذين عبدوا الأصنام فرد الله عليهم فقال: "قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء" إلى آخر الآية. # وفي البصائر، عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن منصور قال: ~~سألته عن قول الله تبارك وتعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا - والله أمرنا بها" إلى آخر الآية فقال: أرأيت أحدا يزعم أن الله ~~أمرنا بالزنا وشرب الخمور وشيء من المحارم؟ فقلت: لا، فقال: فما هذه ~~الفاحشة التي يدعون أن الله أمرنا بها؟ فقلت: الله أعلم ورسوله، فقال: فإن ~~هذه في أئمة الجور ادعوا أن الله أمر بالائتمام بقوم لم يأمر الله بهم فرد ~~الله عليهم وأخبرنا أنهم قالوا عليه الكذب فسمى الله ذلك منهم فاحشة:. ~~أقول: ورواه في الكافي، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد ms2871 عن الحسين بن ~~سعيد عن أبي وهب عن محمد بن منصور قال: سألته وساق الحديث، وروي ما في ~~معناه في تفسير العياشي، عن محمد بن منصور عن عبد صالح فعلم أن في السند ~~أبا وهب وعنه يروي الحسين بن سعيد وأن الحديث مروي عن موسى بن جعفر (عليه ~~السلام). # وكيف كان فالرواية لا تنطبق بحسب مضمونها على حين نزول الآية ولا ما ذكر ~~فيه من الحجة ينطبق على موردها فإن أهل الجاهلية كانت عندهم أحكام كثيرة ~~متعلقة بأمور من قبيل الفحشاء ينسبونه إلى الله سبحانه كالطواف بالبيت عاريا. # لكن الحجة المذكورة فيه من حيث انطباق الآية على مصاديق بعد زمن النزول ~~أقرب انطباقا على أئمة الجور والحكام الظلمة فإن المسلمين مرت بهم أعصار ~~يتولى فيها أمورهم أمثال الدعي زياد بن أبيه وابنه عبيد الله والحجاج بن ~~يوسف وعتاة آخرون، وحول عروشهم وكراسيهم عدة من العلماء يفتون بنفوذ ~~أحكامهم ووجوب طاعتهم بأمثال قوله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم". # فالرواية ناظرة إلى انطباق الآية على مصاديقها بعد عصر النزول. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سمعته يقول: من زعم أن الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن ~~الخير والشر إليه فقد كذب على الله. # وفيه،: عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام): من زعم أن الله ~~أمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية ~~منه فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي عملت بغير قوة الله فقد ~~كذب على الله، ومن كذب على الله أدخله الله النار. # أقول: وقوله (عليه السلام): ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية منه إلخ، ~~ناظر إلى قول المفوضة باستقلال العبد في أفعال الخير والشر كما أن قوله في ~~الرواية السابقة: ومن زعم أن الخير والشر إليه إلخ، "ناظر إلى قول المجبرة: ~~أن الخير والشر والطاعة والمعصية إنما تستند إلى إرادة الله من ms2872 غير أن يكون ~~لإرادة العبد ومشيته دخل في صدور الفعل وإن أمكن بوجه إرجاع الضمير إلى ~~العبد ليكون إشارة إلى قول المفوضة. # وفي التهذيب، بإسناده عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله عز وجل: "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" قال: هذه القبلة. # أقول: وهو من قبيل الجري والانطباق كما تبين من البيان السابق، وروى مثله ~~العياشي في تفسيره، عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام). PageV08P046 # وفي التهذيب، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفي تفسير ~~العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) في قوله: "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" قال: مساجد محدثة فأمروا أن ~~يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام. # أقول: الظاهر أن مراده (عليه السلام) أن معنى إقامة الوجوه في الآية ~~التوجه إلى الله باستقبال القبلة عند كل مسجد يصلى فيه ثم القبلة تعينت ~~بمثل قوله: "فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره": ~~البقرة: 144، وهي الكعبة إذ قد تقدم في الكلام على آيات القبلة أن الكعبة ~~إنما جعلت قبلة في المدينة بعد الهجرة، والآية التي نحن فيها وهي من سورة ~~الأعراف مكية ولعل أصل الجعل في هذه السورة ثم تفصيل التشريع أو التفسير في ~~سورة البقرة المدنية إن ساعد سياق آيات القبلة على ذلك كما أن الأحكام ~~الآخر المفصلة من الواجبات والحرمات تشتمل السور المكية على إجمالها وتشرع ~~تفاصيلها أو تفسر وتبين في السور المدنية. # فقوله (عليه السلام): مساجد محدثة إلخ، معناه أن المراد بكل مسجد في ~~الآية المساجد يحدثها المسلمون في أكناف الأرض، والمراد بإقامة الوجوه ~~تولية الوجوه التي في آية الكعبة وهي استقبال الشطر من المسجد الحرام. # وفي تفسير العياشي، عن الحسين بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قوله: "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" يعني الأئمة. # أقول: الظاهر أن المراد به أئمة الجماعات، وسيجيء له معنى آخر. # وفيه،: عن الحسين بن مهران عنه ms2873 (عليه السلام) في قول الله: "خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد" قال: يعني الأئمة. # أقول: وهو كالحديث السابق فإن تقديم الإمام زينة الصلاة ومن المستحب شرعا ~~تقديم خيار القوم ووجوههم للإمامة ويمكن أن يكون المراد بالأئمة أئمة الدين ~~على ما سيجيء من رواية العلاء بن سيابة في آخر البحث. # وفي الدر المنثور، أخرج العقيلي وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن ~~أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قول الله: "خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد" قال: صلوا في نعالكم. # أقول: وروي هذا المعنى بعدة طرق أخرى عن علي وأبي هريرة وابن مسعود وشداد ~~بن الأوس وغيرهم عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه،: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: وجهني علي بن أبي طالب إلى ابن ~~الكواء وأصحابه وعلي قميص رقيق وحلة فقالوا لي: أنت ابن عباس وتلبس مثل هذه ~~الثياب؟ فقلت: أول ما أخاصمكم به قال الله: قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده وخذوا زينتكم عند كل مسجد، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يلبس في العيدين بردي حبرة. # وفي الكافي، بإسناده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد الله بن عباس إلى ابن ~~الكواء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلة فلما نظروا إليه قالوا: يا ابن عباس ~~أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس؟ فقال: وهذا أول ما أخاصمكم فيه ~~قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده - والطيبات من الرزق وقال الله عز ~~وجل: خذوا زينتكم عند كل مسجد. # وفي الكافي، بإسناده عن فضالة بن أيوب في قول الله عز وجل: "خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد" قال: في العيد والجمعة:. أقول: ورواه في التهذيب، عن فضالة عن ~~عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) وروى ما في معناه العياشي ~~في تفسيره، عنه، وفي المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام). # وفي الفقيه، سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) ms2874 عن قول الله عز وجل: ~~"خذوا زينتكم عند كل مسجد" قال من ذلك التمشط عند كل صلاة. # أقول: وفي معناها غيرها من الروايات. # وفي تفسير العياشي، عن خيثمة بن أبي خيثمة قال: كان الحسن بن علي (عليهما ~~السلام) إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه. فقيل له: يا ابن رسول الله لم ~~تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول: ~~"خذوا زينتكم عند كل مسجد" فأحب أن ألبس أجود ثيابي: أقول: والحديث مروي من ~~طرق أهل السنة أيضا. PageV08P047 # وفي الكافي، بإسناده عن يونس بن إبراهيم قال: دخلت يوما على أبي عبد الله ~~(عليه السلام) وعلي جبة خز وطيلسان خز فنظر إلي فقلت: جعلت فداك علي جبة خز ~~وطيلسان خز هذا ما تقول فيه؟ فقال: لا بأس بالخز قلت: وسداه إبريسم فقال: ~~وما بأس يا إبراهيم فقد أصيب الحسين (عليه السلام) وعليه جبة خز ثم ذكر ~~(عليه السلام) قصة عبد الله بن عباس مع الخوارج واحتجاجه عليهم بالآيتين. # وفيه،: بإسناده عن أحمد بن أبي عبد الله عن محمد بن علي رفعه قال: مر ~~سفيان الثوري في المسجد الحرام فرأى أبا عبد الله (عليه السلام) وعليه ~~أثواب كثيرة قيمة حسان فقال: والله لآتينه ولأوبخنه فدنا منه فقال: يا ابن ~~رسول الله والله ما لبس رسول الله مثل هذا اللباس ولا علي ولا أحد من ~~آبائك! فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في زمان قتر مقتر، وكان يأخذ لقتره وإقتاره، وإن الدنيا بعد ذلك ~~أرخت عزاليها وأحق أهلها بها أبرارها ثم تلا: "قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده - والطيبات من الرزق" فنحن أحق من أخذ ما أعطاه الله. يا ثوري ~~ما ترى علي من ثوب إنما لبسته للناس ثم اجتذب بيد سفيان فجرها إليه ثم رفع ~~الثوب الأعلى وأخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا، ثم قال: هذا لبسته لنفسي ~~وما رأيته للناس ثم جذب ثوبا على سفيان ms2875 أعلاه غليظا خشنا وداخل ذلك الثوب ~~لين فقال: لبست هذا الأعلى للناس، ولبست هذا لنفسك تسترها. # وفيه، بإسناده عن ابن القداح قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) متكئا ~~علي فلقيه عباد بن كثير وعليه ثياب مروية حسان فقال: يا أبا عبد الله إنك ~~من أهل بيت النبوة وكان أبوك فما لهذه الثياب المروية عليك؟ فلو لبست دون ~~هذه الثياب. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ويلك يا عباد من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ إن الله عز وجل إذا أنعم على ~~عبده نعمة أحب أن يراها عليه، وليس به بأس. # وفي الدر المنثور، أخرج الترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله يحب أن يرى أثر ~~نعمته على عبده. # وفي قرب الإسناد، للحميري عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه ~~السلام) في حديث طويل: قال (عليه السلام) لي: ما تقول في اللباس الخشن؟ ~~فقلت: بلغني أن الحسن كان يلبس، وأن جعفر بن محمد كان يأخذ الثوب الجديد ~~فيأمر به فيغمس في الماء فقال لي البس وجمل فإن علي بن الحسين كان يلبس ~~الجبة الخز بخمس مائة درهم، والمطرف الخز بخمسين دينارا فيشتو فيه فإذا خرج ~~الشتاء باعه وتصدق بثمنه، وتلا هذه الآية: "قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده - والطيبات من الرزق". # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة جدا، ومن أجمعها معنى الرواية ~~الآتية في تفسير العياشي، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه أو منع من منع من هوان به ~~عليه؟ لا ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوز لهم أن يأكلوا ~~قصدا، ويشربوا قصدا، ويلبسوا قصدا، وينكحوا قصدا، ويركبوا قصدا، ويعودوا ~~بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ويلموا به شعثهم فمن فعل ذلك كان ما يأكل ~~حلالا ويشرب حلالا ويركب حلالا، ms2876 وينكح حلالا، ومن عدا ذلك كان عليه حراما، ~~ثم قال: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين أترى الله ائتمن رجلا على مال خول ~~له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم ويجزيه فرسا بعشرين درهما، ويشتري جارية ~~بألف دينار ويجزيه جارية بعشرين دينارا وقال: ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين. وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عبد العزيز عن بعض أصحابه عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نكون بطريق مكة ونريد الإحرام فنطلي ولا ~~يكون معنا نخالة فنتدلك بها من النورة فنتدلك بالدقيق وقد دخلني من ذلك ما ~~الله أعلم به؟ فقال: مخافة الإسراف؟ قلت: نعم، فقال: ليس فيما أصلح البدن ~~إسراف إني ربما أمرت بالنقي فيلت بالزيت فأتدلك به، إنما الإسراف فيما أفسد ~~المال وأضر بالبدن، قلت: وما الإقتار؟ قال: أكل الخبز والملح وأنت تقدر على ~~غيره. قلت: فما القصد؟ قال: الخبز واللحم واللبن والخل والسمن مرة هذا ومرة هذا. PageV08P048 # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال: ~~قول الله عز وجل: "قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق" فأما قوله: ما ظهر منها يعني الزنا المعلن ونصب الرايات ~~التي كانت ترفعها الفواحش في الجاهلية للفواحش، وأما قوله عز وجل: وما بطن ~~يعني ما نكح من أزواج الآباء لأن الناس كانوا قبل أن يبعث النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إذا كان للرجل زوجة ومات عنها تزوجها ابنه من بعده إذا لم ~~تكن أمه فحرم الله عز وجل ذلك، وأما الإثم فإنها الخمر بعينها. # أقول: والرواية ملخصة من كلامه (عليه السلام) مع المهدي وقد رواها في ~~صورة المحاجة في الكافي، مسندة وفي تفسير العياشي، مرسلة وأوردناها في ~~روايات آية الخمر من سورة المائدة. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن منصور قال: سألت عبدا صالحا (عليه السلام) ~~عن قول الله: "إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن" قال: إن للقرآن ~~ظهرا وبطنا فأما ما حرم ms2877 به في الكتاب هو في الظاهر، والباطن من ذلك أئمة ~~الجور، وجميع ما أحل في الكتاب هو في الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق. # أقول: ورواه في الكافي، عن محمد بن منصور مسندا، وفيه: فجميع ما حرم الله ~~في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله في ~~القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق. # أقول: انطباق المعاصي والمحرمات على أولئك والمحللات على هؤلاء لكون كل ~~واحد من الطائفتين سببا للقرب من الله أو البعد عنه، أو لكون اتباع كل سببا ~~لما يناسبه من الأعمال. # ومن هذا الباب ما في التهذيب، بإسناده عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) في قوله تعالى: "خذوا زينتكم عند كل مسجد" قال: الغسل ~~عند لقاء كل إمام، وكذا ما تقدم من روايتي الحسين بن مهران. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن ~~المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته ~~بالسيف فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أتعجبون من ~~غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد والله أغير مني، ومن أجله حرم الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أغير من الله. # وفي تفسير العياشي، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أحد أغير من ~~الله تبارك وتعالى، ومن أغير ممن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن؟. # وفيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: "إذا جاء أجلهم فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" قال: هو الذي يسمى لملك الموت. # أقول: وقد تقدمت روايات في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: "هو الذي قضى ~~أجلا وأجل مسمى عنده": الأنعام: 2. ### |||| AUTO بحث روائي مختلط بغيره # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله: "كما بدأكم تعودون - فريقا هدى وفريقا ms2878 حق عليهم الضلالة" قال: خلقهم ~~حين خلقهم مؤمنا وكافرا وشقيا وسعيدا، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضال. # قال علي بن إبراهيم: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الشقي من ~~شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه. PageV08P049 # أقول: الرواية وإن كانت عن أبي الجارود وهو مطعون غير أن القوم قبلوا ما ~~رواه عن أبي جعفر (عليه السلام) في حال استقامته قبل انحرافه عنه، على أن ~~الآية قد فسرت بمثل ما في هذه الرواية في غيرها كرواية إبراهيم الليثي عن ~~أبي جعفر (عليه السلام) وغيره، وقد وقع هذا المعنى في روايات أخرى واردة في ~~تفسير آيات القدر، وهي روايات جمة مختلفة يشترك جميعها في الدلالة على أن ~~آخر الخلقة يشاكل أولها، وعود الإنسان يناظر بدأه، وأن المهتدي في آخر أمره ~~مهتد من أول، وأن الضال كذلك ضال من أول والشقي شقي في بدء خلقته والسعيد ~~سعيد فيه، والروايات على اختلاف بياناتها كالآيات ليست في مقام إثبات ~~السعادة والشقاوة الذاتيتين بمعنى ما يقتضيه ذات الإنسان ويلزم ماهيته ~~كالزوجية للأربعة فإن ذلك مما لا ينبغي توهمه إذ لو رجع إلى مجرد التصوير ~~العقلي من غير مطابقة للواقع الخارجي لم يستلزم أثرا حقيقيا لتأخر الوجود ~~عن ماهيات الأشياء وعروضه لها في الذهن والخارج على خلافه، ولو رجع إلى ~~اقتضاء ذاتي حقيقي تملك به الماهية الإنسانية سعادتها أو شقاوتها بحيث لا ~~يبقى لله سبحانه في خلقه إلا أن يظهر منها ما كان دفينا في ذاته كامنا في ~~باطنها كان في ذلك إبطال لإطلاق ملك الله سبحانه وتحديد لسلطانه، والكتاب ~~والسنة والعقل متعاضدة على نفيه. # على أن ذلك يوجب اختلال نظام العقل في جميع ما يبني عليه العقلاء في ~~أمورهم واتفاقهم على توقع التأثير في باب التعليم والتربية، وتسالمهم على ~~وجود ما يستتبع المدح والذم أو يتصف بالحسن والقبح يدفعه. # وكذا يوجب لغوية تشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل، ولا معنى ~~لإتمام الحجة في الذاتيات بأي معنى صورناها بعد ما كانت مستحيلة ms2879 الانفكاك ~~عن الذوات. # والكتاب الكريم يسلم نظام العقل ويصدق بناء الإنسان بنيان أعماله في ~~الحياة على الاختيار، ويبين فما يبين أن الله سبحانه خلق الإنسان من طين ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم أنبته نباتا حسنا حتى أنعم عليه بالبلوغ ~~والعقل، يفعل باختياره ويميز بين الحسن والقبيح، والخير والشر، والنفع ~~والضرر والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب بعقله، ثم أنعم عليه بتكاليف ~~دينية فإن اتبع عقله وأطاع ربه فيما يأمره وينهاه كان سعيدا وجوزي أحسن ~~الجزاء، وإن خالف عقله واتبع هواه وعصى ربه كان شقيا وذاق وبال أمره، ~~والدار دار امتحان وابتلاء، والعمل اليوم والجزاء غدا. # وأساس هذا البيان كما ترى - على قضيتين اثنتين: إحداهما: أن بين الفعل ~~الاختياري وغيره فرقا، وهي قضية عقلية ضرورية، والثانية: أن الأفعال ~~الاختيارية تتصف بحسن وقبح وتستتبع مدحا وذما وثوابا وعقابا، وهي قضية ~~عقلائية لا يسع لعاقل أن ينكرها وهو واقع تحت النظام الاجتماعي الحاكم عليه ~~مدى حياته. # وبالجملة لا مجال للقول بالسعادة والشقاوة الذاتيتين بالمعنى المتقدم ~~أبدا فما ورد من الآيات والروايات التي تعطف آخر الأمر على أوله إنما تسند ~~الأمر إلى الخلق والإيجاد دون ذات الإنسان بما أنه إنسان، وقد عرفت أن ~~ارتباط السعادة والشقاء بأفعال الإنسان الاختيارية على ما تقتضيه القضيتان ~~المتقدمتان مما لا يشوبه شك ولا يداخله ريب فما معنى هذه الآيات والروايات. # والروايات الواردة في مطابقة العود إلى البدء على كثرتها البالغة تختلف ~~في مضامينها وأنحاء بيانها طبقا للآيات: فمنها ما دل على ذلك إجمالا، وأن ~~الله خلقهم حين خلقهم صنفين: شقي وسعيد، وكافر ومؤمن كرواية أبي الجارود ~~المتقدمة، وما مر في ذيل قوله تعالى: "هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء": آل عمران: 6، من رواية الكافي، في خلقة الجنين. # وهذا القسم من الروايات يحاذي قوله تعالى: "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن": التغابن: 2، وقوله: "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى": النجم: 32، ~~وقوله ms2880 تعالى: "كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" الآية. PageV08P050 # ولا إشكال كثير فيها فإن الآيات كما يشهد به سياقها ويدل عليه ذيل الأخيرة ~~منها إنما تدل على قضاء إجمالي بكون النوع الإنساني مشتملا على فريقين، ~~وإنما يفصل الإجمال، ويتعين كل من الطائفتين، وتتميز من غيرها في مرحلة ~~البقاء بأفعال اختيارية تستتبع سعادة أو شقاوة، وتستدعي الاهتداء بالتوفيق ~~أو أن يحق له الضلالة بولاية الشياطين، وبعبارة أخرى الذي في بدء الخلقة ~~قضاء مشروط ثم يخرج عن الاشتراط إلى الإطلاق بالأعمال الاختيارية بعد ذلك. # ومنها: ما يدل تفصيلا أن الله سبحانه خلق الناس مختلفين فمنهم من خلقه من ~~طين الجنة وإليه مرجعه، ومنهم من خلقه من طينة النار وإليها مآله ففي ~~البصائر، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال: أخذ الله ميثاق شيعتنا ~~معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون إن الله خلقنا من طينة عليين وخلق ~~شيعتنا من طينة أسفل من ذلك، وخلق عدونا من طينة سجين وخلق أولياءهم من ~~طينة أسفل من ذلك. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة جدا. # وفي المحاسن، عن عبد الله بن كيسان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): جعلت فداك أنا مولاك عبد الله بن كيسان فقال: أما النسب فأعرفه، ~~وأما أنت فلست أعرفك، قال: قلت: ولدت بالجبل ونشأت بأرض فارس، وأنا أخالط ~~الناس في التجارات وغير ذلك فأرى الرجل حسن السمت وحسن الخلق والأمانة ثم ~~أفتشه فأفتشه عن عداوتكم، وأخالط الرجل وأرى فيه سوء الخلق وقلة أمانة ~~وزعارة ثم أفتشه فأفتشه عن ولايتكم فكيف يكون ذلك. فقال: أما علمت يا ابن ~~كيسان إن الله تبارك وتعالى أخذ طينة من الجنة وطينة من النار فخلطهما ~~جميعا ثم نزع هذه من هذه فما رأيت من أولئك من الأمانة وحسن السمت وحسن ~~الخلق فمما مستهم من طينة الجنة، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من ~~هؤلاء من قلة الأمانة وسوء الخلق والزعارة، فمما مستهم من طينة النار، وهم ~~يعودون إلى ما ms2881 خلقوا منه. # أقول: والروايات في هذا المعنى أيضا كثيرة جدا. # وفي العلل، عن حبة العرني عن علي (عليه السلام) قال: إن الله خلق آدم من ~~أديم الأرض فمنه السباخ، ومنه الملح، ومنه الطيب فكذلك في ذريته الصالح ~~والطالح. # أقول: وحديث الخلق من طينة عليين وسجين إشارة إلى قوله تعالى: "كلا إن ~~كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين - ~~إلى أن قال - كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم ~~يشهده المقربون": المطففين: 21، أما الآيات فسيأتي بيانها إن شاء الله ~~تعالى في محلها، وأما الروايات فالرواية الأخيرة لا تخلو عن جهة بيان ~~بمدلولها لمدلول ما تقدم عليها. # وذلك أنها تدل على أن المادة الأرضية على اختلافها في أوصافها لها ارتباط ~~بأحوال الإنسان وأوصافه من حيث الصلاح والطلاح على حسب ما نشاهده في الخارج ~~أن اختلاف المواد لها تأثير ما قطعي في اختلاف الصور الطارئة عليها والآثار ~~البارزة منها وإن كان ذلك على الاقتضاء دون العلية التامة. # فقوله (عليه السلام): إن الإنسان مخلوق من الطين ثم قوله: إن أصله من ~~الجنة أو من النار يفيد أن من الأرض ما هو من الجنة ومنها ما هي من النار ~~وإليهما يئول فإنها تصير إنسانا ثم يسلك إلى الجنة أو إلى النار، وإنما ~~يسلك إلى كل منهما ما يناسبها في مادة الخلقة فهذا الموجود المادي الأرضي ~~هو الذي يصفو فيدخل الجنة ويكون طينه طين الجنة، أو يزيد في التكدر ~~والانحطاط فيدخل النار فيكون وقودا لها. # ويشعر به بعض الإشعار قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: "الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء" الآية: الزمر: 74، فإن ~~ظاهر الآية أن المراد من الأرض هو هذه الأرض يسكنها الإنسان ويموت فيها ~~ويبعث منها، وهي المرادة من الجنة، وإليه يشير أيضا قوله تعالى: "يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات": إبراهيم: 48. # فكأن المراد بطينة الجنة والنار في الروايات الطينة التي ستكون من أجزاء ~~الجنة أو ms2882 النار، وخاصة بالنظر إلى بعض تعبيراته كقوله (عليه السلام): من ~~طينة عليين ومن طينة سجين ومن طينة الجنة ومن طينة النار. PageV08P051 # وعلى هذا فالمراد الإنسان مأخوذ بحسب تركيب أجزاء بدنه من المادة الأرضية ~~إما مادة طيبة أو مادة خبيثة، وهي بحسب وصفها البارز فيها مؤثرة في الإنسان ~~في إدراكاته وعواطفه الباطنية وقواه ثم إذا شرعت قواه وعواطفه المناسبة ~~لمادته في العمل تأيدت أعمال المادة بأعمال العواطف والقوى وبالعكس ولم يزل ~~على ذلك يشتد أمره حتى يتم إنسانا سعيدا أو شقيا على حسب ما نظمه الله من ~~عمل الأسباب وأراده ولله فيه البداء بتسليط سبب آخر أقوى من الأسباب ~~الموجودة الفعالة يبدل مجرى سير الإنسان ويمنع من تأثير الأسباب المخالفة له. # ترى الإنسان المتكون من نطفة صالحة غير مئوفة مرباة في رحم سالمة وممدة ~~بأغذية صالحة في هواء سالم ومحيط سالم أشد استعدادا للسلوك في المسلك ~~الإنساني، وأوقد ذهنا وألطف إدراكا، وأقوى للعمل فالأمزجة السالمة بالوراثة ~~ثم بإمداد النطفة بأسبابها وشرائطها كالمناطق المعتدلة أقرب إلى قبول ~~الكمالات الإنسانية، والمناطق الرديئة ماء وهواء والصعبة الخشنة في أسبابها ~~الحيوية كالمناطق الإستوائية والقطبية أقرب إلى الخشونة والقسوة والبلادة ~~من غيرها. # ثم الأمزجة السالمة من موانع لطف الإدراك تنشأ ذوات أرواح لطيفة لها عقول ~~جيدة وعواطف رقيقة تميل بالإنسان إلى ما فيه صلاح إنسانيته من العقائد ~~والإرادات والأعمال، وتقربه من المواد الحافظة للبقاء إلى ما يزيد في تأييد ~~الروح في عمله ولا يزال يتعاكس التأثير حتى يتم الأثر، ونظير الكلام جار في ~~جانب الشقاء قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين": العنكبوت: 69، وقال "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا ~~بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": الروم: 10 والآيات في هذا المعنى كثيرة. # ومع ما نعلم من تأثير المواد الأرضية في نحو حياة الإنسان السعيدة ~~والشقية لسنا نحصي من الأسباب الدخيلة في هذا الباب إلا بعض الأسباب العامة ~~البينة التي ليس لها قدر تجاه ما نجهله منها كما سمعت من حديث ms2883 سلامة مزاج ~~الأبوين والغذاء الممد للبقاء والمنطقة من الأرض التي يعيش فيها الإنسان ~~وغيرها، فهناك أسباب لا تحصى كثرة خفية عنا، ومن شواهد ذلك نوادر الأفراد ~~الذين ينشئون في غير ما نحسبه منشأ لهم والله يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي. # وبالجملة سعادة الإنسان في حياته أعني سعادته في علمه وعمله لها ارتباط ~~تام بطيب مواده الأصلية فهي التي تقبل ما يناسبها من الروح، وهي التي تهتدي ~~إلى الجنة، وكذلك شقاء الإنسان في علمه بترك العقل والعكوف على الأوهام ~~والخرافات التي تزينها له عواطف الشهوة والغضب، وفي عمله بالتمتع من لذائذ ~~المادة، والاكتناه والاسترسال في الشهوات الحيوانية والاستكبار عن كل حق لا ~~يوافق هواه. # فهذان القبيلان من الأسباب المادية يسوقان الإنسان إلى الحق والباطل ~~والسعادة والشقاء والجنة والنار غير أنهما مقتضيان من غير علية تامة، ولله ~~سبحانه المشية فيهما والبداء بإظهار سبب آخر يقهر ما يخالفه من الأسباب، ~~وقد تقدم ما يدل عليه في حديث خلقة الجنين في أوائل سورة آل عمران. # وفي معناه أحاديث أخر تثبت لله المشية وجواز المحو والإثبات في الأمور. PageV08P052 # ويمكن أن توجه هذه الأخبار بوجه آخر أدق يحتاج تعقله إلى صفاء في الذهن ~~وقدم صدق في المعارف الحقيقية، وهو أن السعادة والشقاوة في الإنسان إنما ~~تتحققان بفعلية الإدراك واستقراره، والإدراك لتجرده عن المادة ليس بمقيد ~~بقيودها ولا محكومة بأحكامها ومنها الزمان الذي هو مقدار حركتها، ونحن وإن ~~كنا نقدر بالنظر إلى كون المادة تنتهي بحركتها إلى هذه الفعلية أن السعادة ~~بعد زمان الحركة لكنها بحسب حقيقة نفسها غير مقيدة بالزمان فما بعد الحركة ~~منها هو بعينه قبل الحركة وذلك نظير ما ننسب أمورا حادثة إلى فعل الله ~~سبحانه فنقيد فعله بالزمان نقول: خلق الله زيدا في زمان كذا، وأهلك قوم ~~نوح، ونجى قوم يونس، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر كذا ~~فنقيد فعله بالزمان وإنما هو كذلك من حيث نظرنا إلى نفس الحادثة وكونها ~~مأخوذة في نفسها من دون الزمان ms2884 والحركة التي انتهت إلى وجودها وأما لو أخذت ~~مع زمانها وسائر قيود ذاتها على ما عليه الأمر في نفسه فالفعل الإلهي غير ~~متقيد بالزمان لأنه موجد مجموع الحادث وزمانه وسائر ما يتقيد به، وإن كنا - ~~بالنظر إلى اتحاد ما لفعله الحادث المتقيد بالزمان - نقيد فعله بالزمان كما ~~نقول: اليوم علمت أن كذا كذا، ورأيته الساعة فنقيد العلم باليوم والساعة ~~وليس بمقيد بهما لمكان تجرده، وإنما المتقيد هو العمل الدماغي أو العصبي ~~المادي الذي يصاحب العلم مصاحبة الاستعداد للمستعد له. # فالإنسان لما كان انتهاؤه إلى تجرد علمي بالسعادة أو الشقاء - وإن كان ~~مقارنا لجنة جسمانية أو نار كذلك على ما هو ظاهر الكتاب والسنة - فما له من ~~المال في نفسه لا زمان له وصح أن يؤخذ قبل كما يؤخذ بعد، وأن يسمى بدءا كما ~~يسمى عودا فافهم ذلك. # ومنها: ما يدل على انتهاء خلقة الناس إلى الماء العذب الفرات والملح ~~الأجاج كما في العلل، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق ماء ~~عذبا فخلق منه أهل طاعته، وجعل ماء مرا فخلق منه أهل معصيته ثم أمرهما ~~فاختلطا فلو لا ذلك ما ولد المؤمن إلا مؤمنا ولا الكافر إلا كافرا. # وفيه، عن ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن أول ما خلق ~~الله فقال: إن أول ما خلق الله عز وجل ما خلق منه كل شيء. قلت: جعلت فداك ~~ما هو؟ قال: الماء. قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الماء بحرين أحدهما عذب، ~~والآخر ملح، فلما خلقهما نظر إلى العذب فقال: يا بحر فقال: لبيك وسعديك. ~~قال: فيك بركتي ورحمتي ومنك أخلق أهل طاعتي وجنتي، ثم نظر إلى الآخر فقال: ~~يا بحر، فلم يجب فأعاد ثلاث مرات: يا بحر، فلم يجب فقال: عليك لعنتي ومنك ~~أخلق أهل معصيتي ومن أسكنته ناري ثم أمرهما أن يمتزجا فامتزجا. قال: فمن ثم ~~يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. # وفي تفسير العياشي، عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عنه ms2885 (عليه السلام) ~~قال: إن الله قال لماء: كن عذبا فراتا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال ~~لماء: كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي فأجرى الماءين على الطين، ~~الحديث وهو طويل. # أقول: وفي معنى كل من هذه الأحاديث الثلاثة أحاديث كثيرة أخرى مروية عن ~~علي والباقر والصادق وغيرهم (عليهم السلام)، وإنما أوردنا ما أوردناه ~~بعنوان الأنموذج. # وهذه الروايات تنتهي إلى مثل قوله تعالى: "والله خلقكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير، وما يستوي البحران هذا ~~عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون": الفاطر 12، ~~وأنت ترى موقع الآية الثانية من الأولى، وأنها بمنزلة التمثيل لبيان مضمون ~~الآية وشرح اختلاف الناس في أنفسهم في عين اتحادهم في الإنسانية واشتراكهم ~~في بعض المنافع والآثار. # وقد قال تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي": الأنبياء: 30. # وقوله تعالى: "وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ~~وكان ربك قديرا": الفرقان: 54، وسيجيء بيان الآيات في محلها. PageV08P053 # وأما الروايات فإنها - كما ترى - في معناها تعود قسمين: أحدهما: ما يذكر أن ~~الماءين العذب الفرات والملح الأجاج أجريا على الطين الذي خلق منه الإنسان ~~فاختلف الطين باختلاف الماء، وهذا القسم يرجع إلى الصنف المتقدم من الأخبار ~~الدالة على أن اختلاف الخلقة يعود إلى اختلاف الطينة المأخوذة لها فالكلام ~~فيه كالكلام في أخبار الطينة وقد قدمناه. # وثانيهما: ما دل على أن الخلقة أعم من خلقة الإنسان وغيره، حتى الجنة ~~والنار تنتهي إلى الماء ثم اختلاف الماء منشأ لاختلاف الناس في السعادة ~~والشقاوة أما اختلاف الخلقة باختلاف العذوبة والملوحة فيعود أيضا إلى القسم ~~الأول ويجري فيه الكلام السابق فإن القسم الأول ms2886 من هذه الأخبار يعود ~~كالمفسر لهذا القسم الثاني ثم هما معا كالمفسر لأخبار الطينة السابقة. # وأما انتهاء الخلقة إلى أصل أولي هو الماء فسيجيء البحث فيه فيما يناسبه ~~من المحل إن شاء الله العزيز. # ومنها: ما دل على أن الاختلاف يعود إلى اختلاف الخلقة من النور والظلمة ~~كما في العلل، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى خلقنا من ~~نور مبتدع من نور سنخ ذلك النور في طينة من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا ~~مما خلق منه أبداننا، وخلق أبدانهم من طينة دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا ~~لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم قرأ "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين - وما ~~أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون". وإن الله تبارك وتعالى خلق ~~قلوب أعدائنا من طينة من سجين، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق قلوب شيعتهم ~~مما خلق منه أبدانهم فقلوبهم تهوي إليهم، ثم قرأ: "إن كتاب الفجار لفي سجين ~~وما أدراك ما سجين - كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين". أقول: وفي معناه ~~روايات أخر، وهو في الحقيقة راجع إلى ما تقدم من الروايات الدالة على ~~انتهاء الخلقة إلى طينة عليين وطينة سجين، وإنما يصير بعد خلقه من هذه ~~الطينة نورا وظلمة، ولعل ذلك لكون طينة السعادة مما يظهر به الحق وتنجلي به ~~المعرفة بخلاف طينة الشقاوة الملازمة للجعل الذي هو ظلمة وعمى فطينة ~~السعادة نور، وكثيرا ما يسمي القرآن العلم والهدى نورا كما يسمي الإيمان ~~حياة قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122. # وقال: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات": البقرة: 257، وفي كون ~~النور أصلا لخلقة طائفة من الموجودات كالأنبياء والملائكة واللوح والقلم ~~والعرش والكرسي والجنة أخبار كثيرة أخرى سيأتي بعضها فيما سيأتي إن شاء الله. # ومنها: ما دل على لحوق حسنات الأشقياء بالسعداء يوم القيامة وبالعكس كما ~~في العلل، بإسناده ms2887 عن إبراهيم الليثي عن الباقر (عليه السلام) في حديث ~~طويل: ثم قال: أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان ~~أهو بائن من القرص؟ قلت: في حال طلوعه بائن. قال أليس إذا غابت الشمس اتصل ~~ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه؟ قلت: نعم. قال: كذلك يعود كل شيء إلى ~~سنخه وجوهره وأصله فإذا كان يوم القيامة نزع الله عز وجل سنخ الناصب وطينته ~~مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلها بالناصب، وينزع سنخ المؤمن ~~وطينته مع حسناته وأبواب بره واجتهاده من الناصب فيلحقها كلها بالمؤمن. ~~أفترى هاهنا ظلما وعدوانا؟ قلت: لا يا ابن رسول الله. قال: هذا والله ~~القضاء الفاصل والحكم القاطع، والعدل البين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~هذا يا إبراهيم الحق من ربك فلا تكن من الممترين، هذا من حكم الملكوت. قلت: ~~يا ابن رسول الله وما حكم الملكوت؟ قال: حكم الله وحكم أنبيائه وقصة الخضر ~~وموسى حين استصحبه فقال: إنك لن تستطيع معي صبرا - وكيف تصبر على ما لم تحط ~~به خبرا افهم يا إبراهيم واعقل، أنكر موسى على الخضر واستفظع أفعاله حتى ~~قال له الخضر: يا موسى ما فعلته عن أمري، وإنما فعلته عن أمر الله عز وجل ~~الحديث. PageV08P054 # أقول: الرواية تبني البيان على قوله تعالى: "ليميز الله الخبيث من الطيب، ~~ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم": الأنفال: 37، ~~وآيات أخر ذكرها (عليه السلام) في متن الرواية، والآية - كما ترى - تذكر أن ~~الله سبحانه سيفصل يوم القيامة الطيب من الخبيث ويميز بينها تمييزا تاما لا ~~يبقى في قسم الطيب من خلط الخباثة شيء، ولا في سنخ الخبيث من خلط الطيب شيء ~~ثم يجمع كل خبيث برد بعضه إلى بعض وإلحاق بعضه ببعض، ويرجع الآثار والأعمال ~~حينئذ إلى موضوعاتها، وترد الفروع إلى أصولها لا محالة، ولازم ذلك اجتماع ~~الحسنات جميعا في جانب ورجوعها إلى سعادة الذات الذي لا تمازجه شقاوة أصلا، ~~واجتماع السيئات جميعا في جانب ورجوعها إلى منشئها الخالص ms2888 في منشئيته، وهو ~~الذي تبينه الرواية. # قوله (عليه السلام): أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إلخ تمثيل بظاهر الحس ~~على كون الأثر مظهرا لمؤثره مسانخا له قائما به ملازما لوجوده، وقوله (عليه ~~السلام): هذا والله القضاء الفاصل إلخ، هذا مع كونه بحسب بادىء النظر خلاف ~~العدل مبني على ما تحكم به الضرورة من وجوب المناسبة والسنخية بين الفاعل ~~وفعله والمؤثر وأثره، ولازمه الحكم بأن كل فعل من الأفعال إنما يملكه من ~~الفواعل ما يناسبه في ذاته لا ما لا يناسبه، وإن كان قضاء النظر السطحي ~~المعتمد على ظاهر الحس بخلافه. # فالفعل من حيث كونه حركات كذا وسكنات كذا فهو للموضوع الذي يتحرك ويسكن ~~بها، وأما من حيث كونه معنى من المعاني حسنة أو سيئة ومن آثار السعادة أو ~~من آثار الشقاوة فإنما هو لذات سعيدة أو شقية تناسبه في وصفه، ولو كان هناك ~~موضوعان لهما حكمان مختلفان ثم وجد شيء من حكم كل في الآخر فإنما هو ~~الامتزاج وقع بين الموضوعين واختلاط بمعنى أن وراء هذا الفعل موضوعه الأصلي ~~القائم بأمره وإن ظهر في ظاهر النظر في غير موضوعه كالحرارة الظاهرة في ~~الماء التي عاملها الأصلي نار أو شمس مثلا وإن كانت صفة بارزة في الماء ~~ظاهرا فالحرارة للنار مثلا وإن ظهرت في الماء وهذا مما لا يرتاب فيه الخبير ~~بالأبحاث الحقيقية. # وعلى هذا تكون الحسنات للمحسنين ذاتا والسعداء جوهرا وسنخا، والسيئات ~~للمسيئين ذاتا والأشقياء طينة وأصلا بحسب ظرف الحقيقة ووعاء الحق فهو الذي ~~يقتضيه العدل الحقيقي. # ولا يناقضه أمثال قوله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8، وقوله: "ألا تزر وازرة وزر أخرى": النجم: ~~38 وقوله: "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت": البقرة: 286، إلى غير ذلك من ~~الآيات الحاكمة بأن تبعة كل فعل إنما هو لفاعله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # وذلك أن الذي تحكم به الآيات في محله ولا يتخطاه لكن لما كان فاعل الفعل ~~بحسب النظر الاجتماعي الدنيوي هو الذي ms2889 تقوم به الحركة والسكون المسمى فعلا ~~فإليه تعود تبعة الفعل من مدح أو ذم أو ثواب أو عقاب دنيويين وأما بحسب ~~النظر الحقيقي ففاعل الفعل الأصل الذي يسانخه الفعل ويناسبه وهو غير من ~~قامت به الحركات والسكنات المسماة فعلا، ورجوع هذا الفعل وما له من الآثار ~~الحسنة أو السيئة إلى هذا الأصل ليس من رجوع تبعة الفعل إلى غير فاعله حتى ~~تناقضه الآيات الكريمة فهذا الحكم الباطني الذي يسميه (عليه السلام) حكما ~~ملكوتيا في طول الحكم الظاهري الذي نألفه في حياتنا الاجتماعية. # وإذا كان يوم القيامة هو اليوم الذي تبلى فيه السرائر وتظهر فيه الحقائق ~~ولا يحتجب الحق فيه بشيء كما مرت الإشارة إليه كرارا - كان هو مجلى هذا ~~الحكم الملكوتي الذي يلحق كل حكم بحقيقة موضوعه فيرجع به كل شيء إلى أصله ~~قال تعالى: "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون": الزمر: 47، وقال: ~~"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22، وقال: ~~"ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء": الطور: 21، وقال: ~~"وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم": العنكبوت: 13. PageV08P055 # ومن هنا يظهر وجه اختصاص هذا الحكم الملكوتي بيوم القيامة مع أن البرزخ وهو ~~ما بين الموت والبعث أيضا من ظروف المجازاة ومن أيام الله، وذلك لأن الظاهر ~~من كلامه تعالى أن البرزخ من تتمة المكث الأرضي محسوب من الدنيا كما يدل ~~عليه قوله تعالى: "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا": المؤمنون: 114، وقوله: "ويوم ~~تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم ~~البعث": الروم: 56. # فالحياة البرزخية كأنها من بقايا الحياة الدنيوية محكومة ببعض أحكامها، ~~والناس فيها بعد في طريق التصفية والتخلص إلى سعادتهم وشقاوتهم، والحكم ~~الفصل الذي يحتاج إلى السنخ الخالص والذات الممحوضة بعد هذه الحياة. # ومن هنا يظهر أيضا سر ما ms2890 يظهر في القرآن والحديث أن الله سبحانه يجازي ~~الكفار جزاء حسناتهم التي أتوا بها في الدنيا. # وأما في الآخرة فأعمالهم فيها حبط، ولا يقيم لهم يوم القيامة وزنا، وليس ~~لهم فيها إلا النار فافهم ذلك. # وقوله (عليه السلام): "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" تعليل منه لما بينه ~~من الحكم الملكوتي بالآية، وذلك أن السؤال عن شيء سواء كان فعلا فعله فاعل ~~أو قضى به قاض أو خبرا أخبر به مخبر إنما هو طلب من الفاعل أو القاضي أو ~~المخبر أن يبين مطابقة ما أتى به الواقع ويطبقه على الحق فإن ما نأتي به من ~~الأمر إنما هو محاذاة منا للواقع الحق ولا ينقطع السؤال إلا إذا بين لنا ~~وجه الحق فيه وكونه مطابقا للواقع أما إذا كان الفعل الذي أتى به أو الحكم ~~الذي حكم به أو الخبر الذي أخبر به مثلا نفس الواقع بلا واسطة فلا معنى ~~للسؤال البتة. # فإذا سألك سائل مثلا: لم ضربت اليتيم؟ أو لم قضيت أن المال لزيد؟ أو من ~~أين أخبرت أن زيدا قائم؟ لم ينقطع السؤال دون أن تقول مثلا: ضربته للتأديب، ~~وأن تقول إن زيدا ورثه عن أبيه مثلا وأن تريه زيدا وهو قائم مثلا، وهذا هو ~~الحق الواقع المسئول عنه، وأما كون الأربعة زوجا، أو كون العشرة أكبر من ~~الخمسة أو بطلان حياة زيد لو جز رأسه من بدنه مثلا فهذه الأمور نفس الواقع ~~الحق ولا معنى لأن يسأل عن الأربعة لم صارت زوجا؟ أو عن العشرة لم صارت ~~أكبر من الخمسة؟ أو عن فعل من الأفعال أو أثر من الآثار وعنده فاعله وغايته ~~لم كان كما كان؟ أو لم فعل سببه التام ما فعل؟ فإن ذلك هذر. # والله سبحانه فعله نفس الواقع الحق، وقوله نفس العين الخارجية ولا ينتهي ~~إلى غيره فلا معنى للسؤال عنه بلم وكيف. # وجميع القضايا الحقة التي نطبق عليها عقائدنا أو أفعالنا لتكون حقة إنما ~~هي مأخوذة من الخارج الذي هو فعله فلا تحكم في ms2891 شيء من فعله، وإنما تلازم ~~بوجه فعله ملازمة التابع للمتبوع والمنتزع للمنتزع منه فافهم، وبتقرير آخر ~~الفعل الإلهي إنما يظهر بالأسباب الكونية فهي بمنزلة الآلات والأدوات لا ~~يظهر له فعل إلا بتوسطها، والسائل إنما يسأل عن فعل من أفعاله لجهله ~~بالأسباب مثلا إذا مات زيد بسقوط حائط عليه بغتة سأل سائل: لم أهلك الله ~~زيدا ولم يرحم شبابه ولا أبويه المسكينين؟ فإذا أجيب بانهدام الحائط عليه ~~نقل السؤال إلى أنه لم هدم عليه الحائط؟ فإذا أجيب بأن السماء أمطرت ~~فاسترخت أصله ومال به الثقل فسقط وكان تحته زيد فمات به، نقل السؤال إلى ~~أمطار السماء وهلم جرا، ولا يقع السؤال إلا على أثر مجهول العلة، وأما ~~الأثر المعلوم العلة فلا يقع عنه سؤال وليس إلا أن السائل بجهله يقدر لزيد ~~حياة مستندة إلى علل ليس بينها هذه التي فاجأته بسلسلتها فتوهم أن الله ~~سبحانه فعل به ما فعل جزافا من غير سبب ولذلك بادر إلى السؤال ولو أحاط ~~بعلل الحوادث لم يسأل قط، وقد تقدم بعض الكلام في قوله تعالى: "لا يسأل عما ~~يفعل" إلخ، في البحث عن اعتراضات إبليس في محاورته الملائكة. # وقوله (عليه السلام): حكم الله وحكم أنبيائه إلخ، أي قضاؤه تعالى وقضاء ~~أنبيائه بإذنه فإنه تعالى إنما يقضي ويحكم الحكم الحق الذي بحسب حقيقة ~~الأمر وباطنه لا بحسب الظاهر كما نحكم عليه بالاعتماد على الشواهد ~~والأمارات. PageV08P056 # فقد تبين معنى لحوق الحسنات وآثارها للذوات الطيبة وسنخ النور، ولحوق ~~السيئات وآثارها للسنخ الظلمة والفساد والذوات الخبيثة، ويتبين بما تبين من ~~معنى قوله "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، الجواب عن شيء آخر ربما يختلج ~~بالبال في بادىء النظر وهو أنه لم اختصت الذوات الطيبة وسنخ النور بالحسنات ~~وآثارها، والذوات الخبيثة وسنخ الظلمة بخلافها؟ ولم استعقبت الحسنات النعمة ~~الدائمة والجنة الخالدة واستعقبت السيئات النقمة والنار. # والجواب: أنها آثار واقعية عن روابط خارجية كما تقدم بيانه في البحث عن ~~نتائج الأعمال لا أحكام وضعية اعتبارية وإن بينت في لسان الشرع بنظائر ms2892 ما ~~تبين به تبعات أحكامنا الوضعية الاعتبارية الواقعة في ظرف الاجتماع ~~الإنساني تتميما لنظام التشريع. # إذا عرفت ذلك علمت أن هذه الاختصاصات ترجع إلى روابط تكوينية بين ذوات ~~الأشياء وآثارها الذاتية ولا سؤال في الذاتيات غير أنك ينبغي أن تتذكر ما ~~تقدم أن لزوم حكم لذات من الذوات ليس معناه استقلال ذاته باقتضاء ذلك الحكم ~~والأثر، واستغناؤه عن الله سبحانه في إيجابه وضمه لنفسه فهذا مما يدفعه ~~البيان الإلهي في كتابه بل معناه لزومه لفعله الحق ولا سؤال عن ذلك كما ~~اتضح معناه. # وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ~~والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58، فإنما هو مثل مضروب لاقتضاء ~~الذوات، وإنما قيده بقوله: "بإذن ربه" دفعا لتوهم اللزوم الذاتي بمعنى ~~استقلال الذوات في التأثير مستغنية عنه تعالى، وفي هذا المعنى ما ورد من ~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): جف القلم بالسعادة لمن آمن واتقى. PageV08P057 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 37 - 53 # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بئايته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين (37) قال ادخلوا فى أمم ~~قد خلت من قبلكم من الجن والانس فى النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت أولاهم لأخراهم فما ~~كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39) إن الذين كذبوا ~~بئايتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبوب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل فى سم الخياط وكذلك نجزى المجرمين (40) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم ~~غواش وكذلك نجزى الظلمين (41) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون (42) ونزعنا ما فى صدورهم من غل ~~تجرى من تحتهم الأنهر وقالوا ms2893 الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لو ~~لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ~~بما كنتم تعملون (43) ونادى أصحب الجنة أصحب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ~~ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظلمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة ~~كفرون (45) وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحب ~~الجنة أن سلم عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصرهم تلقاء ~~أصحب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين (47) ونادى أصحب الأعراف ~~رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) ~~أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) ونادى أصحب النار أصحب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكفرين (50) الذين اتخذوا دينهم ~~لهوا ولعبا وغرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ~~وما كانوا بئايتنا يجحدون (51) ولقد جئنهم بكتب فصلنه على علم هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير ~~الذى كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) ### |||| AUTO بيان # الآية الأولى تفريع واستخراج من الخطاب العام الأخير المصدر بقوله: "يا ~~بني آدم" نظير التفريعات المذكورة لسائر الخطابات العامة السابقة، وما ~~يتلوها بيان لما يستتبعه الكذب على الله وتكذيب آياته من سوء العاقبة، ~~والإيمان بالله والعمل الصالح من السعادة الخالدة إلا آيتين من آخرها فإن ~~فيهما رجوعا إلى أول الكلام وبيانا لتمام الحجة عليهم بنزول الكتاب. PageV08P058 # قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته" تفريع على ~~ما تتضمنه الآية السابقة من إعلام الشريعة العامة المبلغة بواسطة الرسل أي ~~إذا كان الأمر على ذلك ms2894 وقد أبلغ الله دينه العام جميع أولاد آدم وأخبر بما ~~أعده من الجزاء للأخذ به وتركه فمن أظلم ممن استنكف عن ذلك إما بافتراء ~~الكذب على الله، ونسبة دين إليه، ووضعه موضع ما أتى به الرسل من دين ~~التوحيد، وقد أخبر الله أنهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغهم دينه، وإما ~~بالتكذيب لآياته الدالة على وحدانيته وما يتبعه من الشرائع. # ومن هنا يظهر أن افتراء الكذب على الله وإن كان يعم كل بدعة في الدين ~~أصوله وفروعه غير أن المورد هو الشرك بالله باتخاذ آلهة دون الله، ويدل ~~عليه ما سيأتي من قوله: "قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله". # قوله تعالى: "أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا" إلى ~~آخر الآية. # المراد بالكتاب ما قضي وكتب أن يصيب الإنسان من مقدرات الحياة من عمر ~~ومعيشة وغنى وصحة ومال وولد وغير ذلك، والدليل عليه تقييده بقوله: "حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا" إلخ، والمراد به أجل الموت، ومن المعلوم أنه غاية للحياة ~~الدنيا بجميع شئونها ومقارناتها. # والمراد بالنصيب من الكتاب السهم الذي يختص كل واحد منهم من مطلق ما كتب ~~له ولغيره، وفي جعل النصيب من الكتاب هو الذي ينالهم، والأمر منعكس بحسب ~~الظاهر دلالة على أن النصيب الذي فرض للإنسان وقضي له من الله سبحانه لم ~~يكن ليخطئه البتة وما لم يفرض له لم يكن ليصيبه البتة. # والمعنى: أولئك الذين كذبوا على الله بالشرك أو كذبوا بآياته بالرد لجميع ~~الدين أو شطر منه ينالهم نصيبهم من الكتاب، ونصيبهم ما قضي في حقهم من ~~الخير والشر في الحياة الدنيا حتى إذا قضوا أجلهم وجاءتهم رسلنا من ~~الملائكة وهم ملك الموت وأعوانه نزلوا عليهم وهم يتوفونهم ويأخذون أرواحهم ~~ونفوسهم من أبدانهم سألوهم وقالوا: أين ما كنتم تدعون من دون الله من ~~الشركاء الذين كنتم تدعون أنهم شركاء الله فيكم وشفعاؤكم عنده؟ قالوا ضلوا ~~عنا وإنما ضلت أوصافهم ونعوتهم، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~بمعاينة حقيقة الأمر أن غير الله ms2895 سبحانه لا ينفع ولا يضر شيئا، وقد أخطئوا ~~في نسبة ذلك إلى أوليائهم. # وفي مضمون الآية جهات من البحث تقدمت في نظيرة الآية من سورة الأنعام ~~وغيرها. # قوله تعالى: "قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس" الخطاب ~~من الله سبحانه دون الملائكة وإن كانوا في وسائط في التوفي وغيره، ~~والمخاطبون بحسب سياق اللفظ هم بعض الكفار وهم الذين توفيت قبلهم أمم من ~~الجن والإنس إلا أن الخطاب في معنى: ادخلوا فيما دخل فيه سابقوكم ولاحقوكم ~~وإنما نظم الكلام هذا النظم ليتخلص به إلى ذكر التخاصم الذي يقع بين ~~متقدميهم ومتأخريهم، وقد قال تعالى: "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار": ص: 64. # وفي الآية دلالة على أن من الجن أمما يموتون بآجال خاصة قبل انتهاء أمد ~~الدنيا على خلاف إبليس الباقي إلى يوم الوقت المعلوم. # قوله تعالى: "كلما دخلت أمة لعنت أختها" هذا من جملة خصامهم في النار وهو ~~لعن كل داخل من تقدم عليه في الدخول، واللعن هو الإبعاد من الرحمة ومن كل ~~خير والأخت المثل. # قوله تعالى: "حتى إذا اداركوا فيها جميعا" إلى آخر الآيتين، اداركوا أي ~~تداركوا أي أدرك بعضهم بعضا اللاحقون السابقين أي اجتمعوا في النار جميعا. # والمراد بالأولى والأخرى اللتين تتخاصمان ما هو كذلك بحسب الرتبة أو بحسب ~~الزمان فإن الأولى منهم مقاما وهم رؤساء الضلال، وأئمة الكفر المتبوعون ~~أعانوا تابعيهم بإضلالهم على الضلال، وكذا الأولى منهم زمانا وهم الأسلاف ~~المتقدمون أعانوا متأخريهم على ضلالتهم لأنهم هم الذين جرءوهم بفتح الباب ~~لهم وتمهيد الطريق لسلوكهم. PageV08P059 # والضعف بالكسر فالسكون ما يكرر الشيء فضعف الواحد اثنان وضعف الاثنين أربعة ~~غير أنه ربما أريد به ما يوجب تكرار شيء آخر فقط كالاثنين يوجب بنفسه تكرار ~~الواحد فضعف الواحد اثنان وضعفاه أربعة، وربما أريد به ما يوجب التكرار ~~بانضمامه إلى شيء كالواحد يوجب تكرار واحد آخر بانضمامه إليه لأنهما يصيران ~~بذلك اثنين فكل واحد من جزئي الاثنين ضعف وهما جميعا ضعفان نظير الزوج ~~فالاثنان زوج وهما زوجان ms2896 وعلى كلا الاعتبارين ورد استعماله في كلامه تعالى، ~~قال تعالى كما في هذه الآية "فآتهم عذابا ضعفا" وقال تعالى: "ضعفين من ~~العذاب". # وقوله: "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا" إلخ، نوع من الالتفات ~~لطيف في بابه فيه رجوع من مخاطبتهم بالمخاصمة إلى مخاطبة الله سبحانه ~~بالدعاء عليهم معللا بظلمهم فيفيد فائدة التكنية بالإشارة إلى الملزوم ~~وإفادة الملازمة، وفيه مع ذلك نوع من الإيجاز فإن فيه اكتفاء بمحاورة واحدة ~~عن محاورتين، والتقدير قالت أخراهم لأولاهم أنتم أشد ظلما منا لأنكم ضالون ~~في أنفسكم وقد أضللتمونا فليعذبكم الله عذابا ضعفا من النار، ثم رجعوا إلى ~~ربهم بالدعاء عليهم وقالوا ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا... إلخ، فأجابهم ~~الله وقال لكل ضعف ولكن لا تعلمون، ثم أجابتهم أولاهم وقالوا: فما كان لكم ~~علينا من فضل إلخ. # فمعنى الآية: "حتى إذا اداركوا" واجتمعوا بلحوق أخراهم لأولاهم "فيها" أي ~~في النار تخاصموا "وقالت أخراهم" وهم اللاحقون مرتبة أو زمانا من التابعين ~~"لأولاهم" وهم الملحوقون المتبوعون من رؤسائهم وأئمتهم، ومن آبائهم ~~والأجيال السابقة عليهم زمانا الممهدين لهم الطريق إلى الضلال أنتم ~~أضللتمونا بإعانتكم عليه فلتعذبوا بأشد من عذابنا فسألوا ربهم ذلك وقالوا: ~~"ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار" يكون ضعف عذابنا لأنهم ضلوا ~~في أنفسهم وأضلوا غيرهم بالإعانة "قال" الله سبحانه "لكل" من الأولى ~~والأخرى "ضعف من العذاب" أما أولاكم فإنهم ضلوا وأعانوكم على الضلال، وأما ~~أنتم فإنكم ضللتم وأعنتموهم على الإضلال باتباع أمرهم وإجابة دعوة الرؤساء ~~منهم، وتكثير سواد السابقين منهم باللحوق بهم "ولكن لا تعلمون" فإن العذاب ~~إنما يتحقق أو يتم في مرحلة الإدراك والعلم. # وأنتم تشاهدونهم أمثال أنفسكم في شمول العذاب وإحاطة النار فتتوهمون أن ~~عذابهم مثل عذابكم وليس كذلك بل لهم من العذاب ما لا طريق لكم إلى إدراكه ~~والشعور به كما أنهم بالنسبة إليكم كذلك فما عندكم وعندهم من العذاب ضعف ~~ولكن إحاطة العذاب شغلكم عن العلم بذلك. # وهذا خطاب إلهي مبني على القهر والإذلال فيه تعذيب لهم يسمعه أولاهم ms2897 ~~وأخراهم جميعا فتعود به أولاهم لأخراهم بالتهكم وتقول كما حكى الله: "وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل" بخفة العذاب "فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكسبون" في الدنيا من الذنوب والآثام. # قوله تعالى: "إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم" إلى ~~آخر الآية. # السم هو الثقب وجمعه السموم، والخياط والمخيط الإبرة. # والذي نفاه الله تعالى من تفتيح أبواب السماء مطلق في نفسه يشمل الفتح ~~لولوج أدعيتهم وصعود أعمالهم ودخول أرواحهم غير أن تعقيبه بقوله: "ولا ~~يدخلون الجنة" إلخ، كالقرينة على أن المراد نفي أن يفتح بابها لدخولهم ~~الجنة فإن ظاهر كلامه سبحانه أن الجنة في السماء كما هو في قوله: "وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون": الذاريات: 22. # وقوله: "حتى يلج الجمل في سم الخياط" من التعليق بالمحال وإنما يعلق ~~الأمر بالمحال كناية عن عدم تحققه وإياسا من وجوده كما يقال: لا أفعل كذا ~~حتى يشيب الغراب ويبيض الفأر، وقد قال تعالى في موضع آخر في هذا المعنى: ~~"وما هم بخارجين من النار": البقرة: 167، والآية في معنى تعليل مضمون الآية ~~السابقة، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش" إلخ. # جهنم اسم من أسماء نار الآخرة التي بها التعذيب، وقد قيل: إنه مأخوذ من ~~قولهم "بئر جهنام" أي بعيدة القعر وقيل: فارسي معرب، والمهاد الوطاء الذي ~~يفترش، ومنه مهد الصبي والغواشي جمع غاشية وهي ما يغشى الشيء ويستره ومنه ~~غاشية السرج. PageV08P060 # وقد أفيد بقوله: "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش" أنهم محاطون بالعذاب من ~~تحتهم ومن فوقهم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها" إلخ. # الآية وما يتلوها لتتميم بيان حال الطائفتين الكفار والمؤمنين، ولتكون ~~كالتوطئة لقوله الآتي: "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار" إلخ. # وقوله: "لا نكلف نفسا إلا وسعها" مسوق للتخفيف وتقوية الرجاء في قلوب ~~المؤمنين فإن تقييد الإيمان بعمل الصالحات - والصالحات جمع محلى باللام وهو ~~يفيد الاستغراق - يفيد بظاهره لزوم العمل بجميع الصالحات حتى لا يشذ عنها ms2898 ~~شاذ، وما أقل من وفق لذلك من طبقة أهل الإيمان ويسد ذلك باب الرجاء على ~~أكثر المؤمنين فذكر الله سبحانه أن التكليف على قدر الوسع فمن عمل من ~~الصالحات ما وسعه أن يعمله من غير أن يشق على نفسه ويتحمل ما لا طاقة له به ~~بعد الإيمان بالله فهو من أهل هذه الآية، ومن أصحاب الجنة هم فيها خالدون. # قوله تعالى: "ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار" الغل هو ~~الحقد وضغن القلوب وعداوتها، وفي مادتها معنى التوسط باللطف والحيلة ومنه ~~الغلالة وهي الثوب المتوسط بين الدثار والشعار، وغل الصدور من أعظم ما ينغص ~~عيش الإنسان، وما من إنسان يعاشر إنسانا ويأتلف به إلا وائتلافه مشروط بأن ~~يوافقه فيما يراه ويريده فإذا شاهد من حاله ما لا يرتضيه جأش صدره بالغل ~~وراحت الألفة وتنغصت العيشة فإذا ذهب الله سبحانه بغل الصدور لم يسؤ ~~الإنسان ما يشاهده من أليفه على الإطلاق وهي اللذة الكبرى وفي قوله: "تجري ~~من تحتهم الأنهار" إشارة إلى أنهم ساكنون في قصورها العالية. # قوله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي هدانا - إلى قوله - بالحق" في نسبة ~~التحميد إليهم دلالة على أن الله سبحانه يخلصهم لنفسه فلا يوجد عندهم ~~اعتقاد باطل ولا عمل سيء كما قال تعالى: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ~~إلا قيلا سلاما سلاما": الواقعة 26، فيصح منهم تحميد الله سبحانه ويقع ~~توصيفهم موقعه فليس توصيفه تعالى بحيث يصيب غرضه ويقع موقعه بذلك المبتذل ~~حتى يناله كل نائل، قال تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله ~~المخلصين": الصافات: 160، وقد تقدم القول في معنى الحمد وخصوصية حمده تعالى ~~في تفسير سورة الحمد. # وفي قولهم: "هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله" إشارة إلى ~~اختصاص الهداية به تعالى فليس إلى الإنسان من الأمر شيء. # وفي قولهم: "لقد جاءت رسل ربنا بالحق" اعتراف بحقية ما وعدهم الله تعالى ~~بلسان أنبيائه، وهو الذي يأخذون الاعتراف به من أصحاب النار على ما تقصه ~~الآية التالية، ms2899 وفي هذا الاعتراف وسائر الاعترافات المأخوذة من الفريقين ~~يوم القيامة من قبل مصدر العظمة والكبرياء ظهور منه تعالى بالقهر وتمام ~~الربوبية، ويكون ذلك من أهل الجنة شكرا، ومن أهل النار تماما للحجة. # واعتراف أهل الجنة بحقية ما وعدهم الله سبحانه بواسطة رسله هو من الحقائق ~~العالية القرآنية وإن كان بحسب ساذج النظر معنى بسيطا مبتذلا، ولعلنا نوفق ~~لشطر من البحث فيه في ذيل الكلام على هذه الآيات. # قوله تعالى: "ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون" في ~~الإشارة بلفظ البعيد - تلكم - إشارة إلى رفعة قدر الجنة وعلو مكانها فإن ~~ظاهر السياق - كما قيل - إن النداء إنما هو حين كونهم في الجنة، وقد جعلت ~~الجنة إرثا لهم في قبال عملهم. # وإنما يتحقق الإرث فيما إذا كان هناك مال أو نحوه مما ينتفع به وهو في ~~معرض انتفاع شخص ثم زال عنه الشخص فبقي لغيره يقال: ورث فلان أباه أي مات ~~وترك مالا بقي له، والعلماء ورثة الأنبياء أي مختصون بما تركوا لهم من ~~العلم، ويرث الله الأرض أي إنه كان خولهم ما بها من مال ونحوه وسوف يموتون ~~فيبقى له ما خولهم. # وعلى هذا فكون الجنة إرثا لهم أورثوها معناه كونها خلقت معروضة لأن ~~يكسبها بالعمل المؤمن والكافر جميعا غير أن الكافر زال عنها بشركه ومعاصيه ~~فتركها فبقيت للمؤمن فهو الوارث لها بعمله، ولو لا عمله لم يرثها، قال ~~تعالى: "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس": المؤمنون: 11. # وقال تعالى: حكاية عن أهل الجنة: "الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء": الزمر: 74. PageV08P061 # وهذا أوضح مما ذكره الراغب في المفردات، إذ قال: الوراثة والإرث انتقال ~~قنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد، وسمي بذلك المنتقل ~~عن الميت فيقال للقنية الموروثة ميراث وإرث وتراث فقلبت الواو ألفا وتاء ~~قال: وتأكلون التراث، وقال (عليه السلام): اثبتوا على مشاعركم فإنكم على ~~إرث أبيكم أي أصله وبقيته. # قال الشاعر: فنظر في صحف كالرباط. # فيهن إرث كتاب ms2900 محي. # قال: ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا ويقال لكل من خول ~~شيئا مهنئا: أورث، قال تعالى: تلك الجنة التي أورثتموها، أولئك هم الوارثون ~~الذين يرثون. # وقوله: ويرث من آل يعقوب فإنه يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون ~~المال فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه بل قلما يقتنون ~~المال ويملكونه ألا ترى أنه قال (عليه السلام): "إنا معاشر الأنبياء لا ~~نورث ما تركنا صدقة" نصب على الاختصاص فقد قيل: ما تركناه هو العلم وهو ~~صدقة يشترك فيها الأمة، وما روي عنه (عليه السلام) من قوله: "العلماء ورثة ~~الأنبياء" فإشارة إلى ما ورثوه من العلم واستعمل لفظ الورثة لكون ذلك بغير ~~ثمن ولا منة،: وقال لعلي رضي الله عنه: أنت أخي ووارثي. قال: وما إرثك؟ ~~قال: ما ورثت الأنبياء قبلي كتاب الله وسنتي، ووصف الله تعالى نفسه بأنه ~~الوارث من حيث إن الأشياء كلها صائرة إلى الله تعالى انتهى كلامه. # وإنما كان ما قدمناه أوضح مما ذكره لصعوبة إرجاع ما ذكره من المعاني إلى ~~أصل واحد هو معنى المادة. # قوله تعالى: "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار" إلى آخر الآية. # هذا في نفسه أخذ اعتراف من أصحاب النار بتوسط أصحاب الجنة وواقع موقع ~~التهكم والسخرية يتهكم ويسخر به أصحاب الجنة من أصحاب النار. # والاستهزاء والسخرية إنما يكون من اللغو الباطل إذا لم يتعلق به غرض حق ~~كالاستهزاء بالحق وأهله أما إذا كان لغرض المقابلة والمجاراة أو لغرض آخر ~~حق من غير محذور فليس من قبيل اللغو الذي لا يصدر عن أهل الجنة قال تعالى ~~حكاية عن نوح (عليه السلام): "ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون": هود: 38، وقال: "إن ~~الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون - إلى أن ~~قال - فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون": المطففين: 34. # وأما الفرق بين قولهم: "ما وعدنا ربنا" وقولهم: "ما وعد ربكم" ms2901 حيث ذكر ~~المفعول في الوعد الأول دون الثاني فلعل ذلك للدلالة على نوع من التشريف ~~فإن الظاهر أن المراد بما وعد الله جميع ما وعده من الثواب والعقاب لعامة الناس. # وهناك وجه آخر وهو أن متعلق اعتراف المؤمنين وإنكار الكفار من أمر المعاد ~~مختلف في الدنيا فإن المؤمنين يثبتون البعث بجميع خصوصياته التي بينها الله ~~لهم ووعدها إياهم، وأما الكفار المنكرون فإنهم ينكرون أصل البعث الذي اشترك ~~في الوعد به المؤمنون والكفار جميعا، ولذلك احتج الله سبحانه ويتم الحجة ~~عليهم بأصله دون خصوصياته كقوله تعالى: "ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال ~~أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا": الأنعام: 30، وقوله: "ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا": الأحقاف: 34. # وعلى هذا فقولهم: "أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا" اعتراف منهم بحقية ما ~~وعدهم الله وكانوا يذعنون به ويشهدون من جميع خصوصيات البعث بما قصهم الله ~~في الدنيا بلسان أنبيائه، وأما الكفار فقد كانوا ينكرون أصل البعث والعذاب، ~~وهو مما يشتركون فيه هم والمؤمنون فلذا قيل: "فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا" ~~ولم يقل ما وعدكم ربكم لأن الوعد بأصل البعث والعذاب لم يكن مختصا بهم. # وبذلك يظهر الجواب عما قيل: إن الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد ~~على ما ذكره المتكلمون فما معنى أخذ الاعتراف بحقية ما ذكره الله من عقاب ~~الكفار والمجرمين وأنذرهم به في الدنيا، وليس تحققه بلازم. PageV08P062 # وذلك أن الملاك فيما ذكروه من الفرق أن الثواب حق العامل على ولي الثواب ~~الذي بيده الأمر، والعقاب حق الولي المثيب على العامل، ومن الجائز أن يصرف ~~الشخص نظره عن إعمال حق نفسه لكن لا يجوز إبطال حق الغير فإنجاز الوعد واجب ~~دون إنجاز الوعيد، وهذا إنما يتم في موارد الوعيد الخاصة ومصاديقه في ~~الجملة، وأما عدم إنجاز أصل العقاب على الذنب وإبطال أساس المجازاة على ~~التخلف فليس كذلك إذ في إبطاله إبطال التشريع من أصله وإخلال النظام العام. # وربما وجه الفرق في قوليه: "وعدنا ms2902 ربنا" "وعد ربكم" بأن المراد بقوله: ~~"وعدنا" ما وعد الله المتقين من خصوصيات ما يعاملهم به يوم القيامة، ~~وبقوله: "وعد ربكم" عموم ما وعد به المؤمنين والكفار من الثواب والعقاب يوم ~~القيامة كالذي في قوله: "إما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي" إلى آخر ~~الآيتين. # ومن المعلوم أن هذا الوعد لا يختص بالكفار حتى يقال: وعدكم ربكم بل ~~التعبير الحق وعد ربكم. # وفيه: أن أصل الفرق لا بأس به لكنه لا يقطع السؤال فللسائل أن يعود فيقول ~~ما هو السبب الفارق في أن أصحاب الجنة لما أوردوا اعتراف نفسهم اقتصروا ~~بذكر ما يخصهم من أمور يوم القيامة، وأما إذا سألوا أصحاب النار سألوهم عن ~~جميع ما وعد الله به المؤمنين والكفار؟ وبعبارة أخرى هناك ما يشترك فيه ~~الطائفتان وما يختص به كل منهما فما بالهم إذا اعترفوا هم أنفسهم اعترفوا ~~بما يختص بأنفسهم ويسألون أصحاب النار الاعتراف بما يشترك فيه الجميع؟. # وربما وجه الفرق بأن المراد بقوله "ما وعد ربكم" الذي وعده أصحاب الجنة ~~من أنواع الثواب الجزيل فإن أصحاب النار يشاهدون ذلك كما يجدون ما بهم من ~~أليم العقاب. # وهو وجه سخيف على سخافته لا يغني طائلا. # وقوله: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين" تفريع على تحقق ~~الاعتراف من الطائفتين جميعا على حقية ما وعده الله سبحانه، والأذان هو ~~قوله: "لعنة الله على الظالمين" وهو إعلام عام للفريقين - والدليل عليه ~~ظاهر قوله: "بينهم" - بقضاء اللعنة وهي الإبعاد والطرد من الرحمة الإلهية ~~على الظالمين وقد فسر الظالمين الذين ضربت عليهم باللعنة بقوله: "الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون" فهم الكافرون ~~المنكرون للآخرة الذين يصدون عن سبيل الله محرفة منحرفة، ويصرفون غيرهم عن ~~سلوك الصراط المستقيم فهؤلاء هم المعاندون للحق المنكرون للمعاد. # وهذا الوصف يشمل جميع المعاندين للحق الكافرين بالجزاء حتى المنكرين ~~للصانع الذين لا يدينون بدين فإن الله سبحانه يذكر في كتابه أن دينه وسبيله ~~الذي يهدي إليه وبه هو سبيل الإنسانية الذي تدعو ms2903 إليه الفطرة الإنسانية ~~والخلقة خص بها الإنسان ليس وراءه إسلام ولا دين. # فالسبيل الذي يسلكه الإنسان في حياته هو سبيل الله وصراطه وهو الدين ~~الإلهي فإن سلكه على استقامة ما تدعو إليه الفطرة وهو الذي يسوقه إلى ~~سعادته كان هو الصراط المستقيم والإسلام الذي هو الدين عند الله وسبيل الله ~~الذي لا عوج فيه، وإن سلك غير ذلك سواء كان فيه إذعان بألوهية وعبادة ~~لمعبود كالملل والأديان الباطلة أو لم يكن فيه خضوع لشيء وعبادة لمعبود ~~كالمادية المحضة فهو سلوك يبغون فيه سبيل الله عوجا وهو الإسلام محرفا عن ~~وجهه، ونعمة الله التي بدلت كفرا، فافهم ذلك. # وقد أبهم الله هذا الذي يخبر عنه بقوله: "فأذن مؤذن بينهم" ولم يعرفه من ~~هو؟ أمن الإنس أم من الجن أم من الملائكة؟ لكن الذي يقتضيه التدبر في كلامه ~~تعالى أن يكون هذا المؤذن من البشر لا من الجن ولا من الملائكة: أما الجن ~~فلم يذكر في شيء من تضاعيف كلامه تعالى أن يتصدى الجن شيئا من التوسط في ~~أمر الإنسان من لدن وروده في عالم الآخرة وهو حين نزول الموت إلى أن يستقر ~~في جنة أو نار فيختم أمره فلا موجب لاحتمال كونه من الجن. PageV08P063 # وأما الملائكة فإنهم وسائط لأمر الله وحملة لإرادته بأيديهم إنفاذ الأوامر ~~الإلهية، وبوساطتهم يجري ما قضى به في خلقه، وقد ذكر الله سبحانه أشياء من ~~أمرهم وحكمهم في عالم الموت وفي جنة الآخرة ونارها كقولهم للظالمين حين ~~القبض: أخرجوا أنفسكم" إلخ: الأنعام: 93 وقولهم لأهل الجنة: "سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة" إلخ: النحل: 32 وقول مالك لأهل النار: "إنكم ماكثون" إلخ:، ~~الزخرف: 77، ونظائر ذلك. # وأما المحشر وهو حظيرة البعث والسؤال والشهادة وتطاير الكتب والوزن ~~والحساب والظرف الذي فيه الحكم الفصل فلم يذكر للملائكة فيه شيء من الحكم ~~أو الأمر والنهي ولا لغيرهم صريحا إلا ما صرح تعالى به في حق الإنسان. # كقوله تعالى في أصحاب الأعراف في ذيل هذه الآيات حكاية عنهم: "ونادوا ~~أصحاب الجنة أن سلام عليكم" ms2904 وقولهم لجمع من المؤمنين هناك: "ادخلوا الجنة ~~لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" وهذا حكم وأمر وتأمين بإذن الله، وقوله ~~تعالى فيما يصف يوم القيامة: "قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء ~~على الكافرين": النحل: 27 وقوله تعالى بعد ذكر سؤاله أهل الجمع عن مدة ~~لبثهم في الأرض: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون": الروم: 56. # فهذه جهات من تصدي الشئون، والقيام بالأمر يوم القيامة حبا الله الإنسان ~~به دون الملائكة مضافا إلى أمثال الشهادة والشفاعة اللتين له. # فهذا كله يقرب إلى الذهن أن يكون هذا المؤذن من الإنسان دون الملائكة، ~~ويأتي في البحث الروائي ما له تعلق بالمقام. # قوله تعالى: "وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم" الحجاب ~~معروف وهو الستر المتخلل بين شيئين يستر أحدهما من الآخر. # والأعراف أعالي الحجاب، والتلال من الرمل والعرف للديك وللفرس وهو الشعر ~~فوق رقبته وأعلى كل شيء ففيه معنى العلو على أي حال، وذكر الحجاب قبل ~~الأعراف، وما ذكر بعده من إشرافهم على الجميع وندائهم أهل الجنة والنار ~~جميعا كل ذلك يؤيد أن يكون المراد بالأعراف أعالي الحجاب الذي بين الجنة ~~والنار وهو المحل المشرف على الفريقين أهل الجنة وأهل النار جميعا. # والسيماء العلامة قال الراغب: السيماء والسيمياء العلامة، قال الشاعر: له ~~سيمياء لا تشق على البصر. # وقال تعالى: "سيماهم في وجوههم" وقد سومته أي أعلمته، ومسومين أي معلمين انتهى. # والذي يعطيه التدبر في معنى هذه الآية وما يلحق بها من الآيات أن هذا ~~الحجاب الذي ذكره الله تعالى إنما هو بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فهما ~~مرجع الضمير في قوله: "وبينهما" وقد أنبأنا الله سبحانه بمثل هذا المعنى ~~عند ذكر محاورة بين المنافقين والمؤمنين يوم القيامة بقوله: "يوم يقول ~~المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ~~وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من ~~قبله العذاب": الحديد: 13، وإنما ms2905 هو حجاب لكونه يفرق بين الطائفتين ويحجب ~~إحداهما عن الأخرى لا أنه ثوب منسوج مخيط على هيئة خاصة معلق بين الجنة ~~والنار ثم أخبر الله سبحانه أن على أعراف الحجاب وأعاليه رجالا مشرفين على ~~الجانبين لارتفاع موضعهم يعرفون كلا من الطائفتين أصحاب الجنة وأصحاب النار ~~بسيماهم وعلامتهم التي تختص بهم. # ولا ريب في أن السياق يفيد أن هؤلاء الرجال منحازون على الطائفتين ~~متمايزون من جماعتهم فهل ذلك لكونهم خارجين عن نوع الإنسان كالملائكة أو ~~الجن مثلا، أو لكونهم خارجين عن أهل الجمع من حيث ما يتعلق بهم من السؤال ~~والحساب وسائر الشئون الشبيهة بهما فيكون بذلك أهل الجمع منقسمين إلى طوائف ~~ثلاث: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الأعراف كما قسمهم الله في الدنيا ~~إلى طوائف ثلاث: المؤمنين والكفار والمستضعفين الذين لم تتم عليهم الحجة ~~وقصروا عن بلوغ التكليف كضعفاء العقول من النساء والأطفال غير البالغين ~~والشيخ الهرم الخرف والمجنون والسفيه وأضرابهم، أو لكونهم مرتفعين عن موقف ~~أهل الجمع بمكانتهم؟. PageV08P064 # لا ريب أن إطلاق لفظ "رجال" لا يشمل الملائكة فإنهم لا يتصفون بالرجولية ~~والأنوثية كما يتصف به جنس الحيوان وإن قيل: إنهم ربما يظهرون في شكل ~~الرجال فإن ذلك لا يصحح الاتصاف والتسمية، على أنه لا دليل يدل عليه. # ثم إن التعبير بمثل قوله: "رجال يعرفون" إلخ، وخاصة بالتنكير يدل بحسب ~~عرف اللغة على اعتناء تام بشأن الأفراد المقصودين باللفظ نظرا إلى دلالة ~~الرجل بحسب العادة على الإنسان القوي في تعقله وإرادته الشديد في قوامه. # وعلى ذلك يجري ما يوجد في كلامه تعالى من مثل هذا التعبير كقوله تعالى: ~~"رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله": النور: 37، وقوله: "فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا": التوبة: 108، وقوله: "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه": ~~الأحزاب: 23، وقوله: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم": يوسف: 109 ~~حتى في مثل قوله: "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار": ص: 62، ~~وقوله: "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن": الجن: 6. # فالمراد ms2906 برجال في الآية أفراد تامون في إنسانيتهم لا محالة، وإن فرض أن ~~فيهم أفرادا من النساء كان من التغليب. # وأما المستضعفون فإنهم ضعفاء أفراد الإنسان لا مزية في أمرهم توجب ~~الاعتناء بشأنهم، وفيهم النساء والأطفال حتى الأجنة، ولا فضل لبعضهم على ~~بعض، ولرجالهم على غيرهم حتى يعبر به عنهم بالرجال تغليبا فلو كانوا هم ~~المرادين بقوله "رجال يعرفون" إلخ، لكان حق التعبير أن يقال: قوم يعرفون ~~إلخ، أو أناس أو طائفة أو نحو ذلك كما هو المعهود من تعبيرات القرآن الكريم ~~في أمثال هذه الموارد كقوله تعالى: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم": ~~الأعراف: 164، وقوله: "إنهم أناس يتطهرون": الأعراف: 82، وقوله: "فآمنت ~~طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة": الصف: 14. # على أن ما يصفهم الله تعالى به في الآيات التالية من الأوصاف ويذكرهم به ~~من الشئون أمور تأبى إلا أن يكون القائمون به من أهل المنزلة والمكانة، ~~وأصحاب القرب والزلفى فضلا أن يكونوا من الناس المتوسطين فضلا أن يكونوا من ~~المستضعفين. # فأول ذلك: أنهم جعلوا على الأعراف ووصفوا بأنهم مشرفون على أهل الجمع ~~عامة، ومطلعون على أصحاب الجنة وأصحاب النار يعرفون كل إنسان منهم بسيماه ~~الخاص به ويحيطون بخصوصيات نفوسهم وتفاصيل أعمالهم، ولا ريب أن ذلك منزلة ~~رفيعة يختصون بها من بين الناس، وليست مشاهدة جميع الناس يوم القيامة وخاصة ~~بعد دخول الجنة والنار أمرا عاما موجودا عند الجميع فإن الله يقول حكاية عن ~~قول أهل النار: "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار": ص: 62، ~~وقولهم: "ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ~~ليكونا من الأسفلين": حم السجدة: 29، وقال: "لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه": عبس: 37. # وليس معنى السيماء أن يعلم المؤمنون والكفار بعلامة عامة يعرف صنفهم بها ~~كل من شاهدهم كبياض الوجه وسواده مثلا فإن قوله تعالى في الآية التالية: ~~"ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما ~~كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" يفيد أنهم ميزوا ~~خصوصيات ms2907 من أحوالهم وأعمالهم من سيماهم ككونهم مستكبرين أولي جمع وقد ~~أقسموا كذا وكذا، وهذه أمور وراء الكفر والإيمان في الجملة. # وثانيا: أنهم يحاورون الفريقين فيكلمون أصحاب الجنة ويحيونهم بتحية ~~الجنة، ويكلمون أئمة الكفر والضلال والطغاة من أهل النار فيقرعون عليهم ~~بأحوالهم وأقوالهم مسترسلين في ذلك من غير أن يحجزهم حاجز، وليس التكلم ~~بمجاز يومئذ إلا للأوحدي من عباد الله الذين لا ينطقون إلا بحق، قال تعالى: ~~"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38، وهذا وراء ما ~~يناله المستضعفون. # وثالثا: أنهم يؤمنون أهل الجنة بالتسليم عليهم ثم يأمرونهم بدخول الجنة ~~في أمر مطلق على ما هو ظاهر السياق في الآيات التالية. PageV08P065 # ورابعا: أنه لا يشاهد فيما يذكره الله من مكانتهم وما يحاورون به أصحاب ~~الجنة والجبابرة المستكبرين من أصحاب النار شيء من آثار الفزع والقلق عليهم ~~ولا اضطراب في أقوالهم، ولم يذكر أنهم محضرون فيه مختلطون بالجماعة داخلون ~~فيما دخلوا فيه من الأهوال التي تجعل الأفئدة هواء والجبال سرابا، وقد قال ~~تعالى: "فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين": الصافات: 128، فجعل ذلك من ~~خاصة مخلصي عباده، ثم استثناهم من كل هول أعد ليوم القيامة. # ثم إنه تعالى ذكر دعاءهم في قوله: "وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين" ولم يعقبه بالرد فدل ذلك على أنهم ~~مجازون فيما يتكلمون به مستجاب دعاؤهم، ولو لا ذلك لعقبه بالرد كما في ~~موارد ذكرت فيها أدعية أهل الجمع ومسائل أصحاب النار وأدعية أخرى من غيرهم. # فهذه الخصوصيات التي تنكشف واحدة بعد واحدة من هذه الآيات بالتدبر فيها ~~وأخرى تتبعها لا تبقي ريبا للمتدبر في أن هؤلاء الذين أخبر الله سبحانه ~~عنهم في قوله: "وعلى الأعراف رجال" جمع من عباد الله المخلصين من غير ~~الملائكة هم أرفع مقاما وأعلى منزلة من سائر أهل الجمع يعرفون عامة ~~الفريقين، لهم أن يتكلموا بالحق يوم القيامة ولهم أن يشهدوا، ولهم أن ~~يشفعوا، ولهم أن يأمروا ويقضوا. # وأما أنهم من الإنس أو ms2908 من الجن أو من القبيلين مختلطين؟ فلا طريق من ~~اللفظ يوصلنا إلى العلم به غير أن شيئا من كلامه تعالى لا يدل على تصدي ~~الجن شيئا من شئون يوم القيامة ولا توسطا في أمر يعود إلى الحكم الفصل الذي ~~يجري على الإنسان يومئذ كالشهادة والشفاعة ونحوهما. # ولا ينافي ما قدمناه من أوصافهم ونعوتهم أمثال قوله تعالى: "يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19، فإن الآية مفسرة بآيات ~~أخرى تدل على أن المراد بها إنما هو ظهور ملكه تعالى لكل شيء وإحاطته بكل ~~أمر لا حدوث ملكه يومئذ فإنه مالك على الإطلاق دائما لا وقتا دون وقت، ولا ~~يملك نفس لنفس شيئا دائما لا في الآخرة فحسب لنفسه؟ والملائكة على وساطتهم ~~يومئذ، والشهداء يملكون شهادتهم يومئذ، والشفعاء يملكون شفاعتهم يومئذ وقد ~~نص على ذلك كلامه تعالى قال: "وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون": الأنبياء: 103، وقال: "يوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51، وقال: "ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86. # فلله سبحانه الملك يومئذ وله الحكم يومئذ، ولغيره ما أذن له فيه كالدنيا ~~غير أن الذي يختص به يوم القيامة ظهور هذه الحقائق ظهور عيان لا يقبل ~~الخفاء، وحضورها بحيث لا يغيب بغفلة أو جهل أو خطإ أو بطلان. # وقد اشتد الخلاف بينهم في معنى الآية حتى ساق بعضهم إلى أقوال لا تخلو عن ~~المجازفة فقد اختلفوا في معنى الأعراف: 1 - فمن قائل: أنه شيء مشرف على ~~الفريقين. # 2 - وقيل: سور له عرف كعرف الديك. # 3 - وقيل: تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب. # 4 - وقيل: السور الذي ذكره الله في القرآن بين المؤمنين والمنافقين إذ ~~قال: "فضرب بينهم بسور له باب". # 5 - وقيل: معنى الأعراف التعرف أي على تعرف حال الناس رجال. # 6 - وقيل: هو الصراط. # ثم اختلفوا في الرجال الذين على الأعراف على أقوال أنهيت إلى اثني عشر ~~قولا: 1 - أنهم أشراف الخلق الممتازون بكرامة الله. # 2 - أنهم ms2909 قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم يترجح حسناتهم حتى يدخلوا الجنة ~~ولا غلبت سيئاتهم حتى يؤمروا بدخول النار فأوقفهم الله تعالى على هذه ~~الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة والنار ثم يدخلهم الجنة برحمته. # 3 - أنهم أهل الفترة. # 4 - أنهم مؤمنوا الجن. # 5 - أنهم أولاد الكفار الذين لم يبلغوا في الدنيا أوان البلوغ. # 6 - أنهم أولاد الزنا. # 7 - أنهم أهل العجب بأنفسهم. # 8 - أنهم ملائكة واقفون عليها يعرفون كلا بسيماهم، وإذا أورد عليهم أن ~~الملائكة لا تتصف بالرجولية والأنوثية قالوا: إنهم يتشكلون بأشكال الرجال. # 9 - أنهم الأنبياء (عليهم السلام) يقامون عليها تمييزا لهم على سائر ~~الناس ولأنهم شهداء عليهم. # 10 - أنهم عدول الأمم الشهداء على الناس يقومون عليها للشهادة على أممهم. # 11 - أنهم قوم صالحون فقهاء علماء. PageV08P066 # 12 - أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر يجلسون على موضع من الصراط يعرفون ~~محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسوادها ذكر الآلوسي في روح المعاني، أن هذا ~~القول رواه الضحاك عن ابن عباس. # قال في المنار،: ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثور، والظاهر أنه ~~نقله عن تفاسير الشيعة، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة ~~وأهل النار بسيماهم فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم فأي فائدة في تمييز ~~هؤلاء السادة على الصراط لمن كان يبغضهم من الأمويين ومن يبغضون عليا خاصة ~~من المنافقين والنواصب؟ وأين الأعراف من الصراط؟ هذا بعيد عن نظم الكلام ~~وسياقه جدا انتهى. # أقول: أما الرواية فلا توجد في شيء من تفاسير الشيعة بطرقهم إلى الضحاك، ~~وقد نقله في مجمع البيان، عن الثعلبي في تفسيره بإسناده عن الضحاك عن ابن ~~عباس، وسيأتي ما في روايات الشيعة في رجال الأعراف في البحث الروائي الآتي ~~إن شاء الله تعالى. # وأما طرحه الرواية فهو في محله غير أن الذي استند إليه في طرحها ليس في ~~محله فإنه يكشف عن نحو السلوك الذي يسلكه في الأبحاث المتعلقة بالمعاد فإنه ~~يقيس نظام الوقائع التي يقصها القرآن والحديث ليوم القيامة إلى النظام ~~الجاري في النشأة الدنيوية، ويعده ms2910 من نوعه فيوجه منها ما لاح سبب وقوعه، ~~ويبقي ما لا ينطبق على النظام، الدنيوي على الجمود وهو الجزاف في الإرادة ~~فافهم ذلك. # ولو جاز أن يغني تمييز أهل الأعراف عن تمييز أهل الصراط فتبطل فائدته ~~فيبطل بذلك أصله - كما ذكره - لأغنى الصراط نفسه عن تمييز أهل الأعراف، ~~وأغنى عن المسألة والحساب، ونشر الدواوين، ونصب الموازين، وحضور الأعمال، ~~وإقامة الشهود وإنطاق الأعضاء، ولأغنى بعض هذه عن بعض، ووراء ذلك كله إحاطة ~~رب العالمين فعلمه يغني عن الجميع، وهو لا يسأل عما يفعل. # وكأنه فرض أن نسبة الأعراف وهي أعالي الحجاب من الصراط الممدود هناك ~~كنسبة السور والحائط الذي عندنا إلى الصراط الممدود الذي يسلكه الطراق ~~السالكون لا يجتمع هاهنا الصراط والسور ولا يتحدان فلا يسع لأحد أن يكون ~~سالك صراط أو واقفا عليه وواقفا على السور معا في زمان واحد، ولذلك قال: ~~وأين الصراط من الأعراف؟ فقاس ما هناك إلى ما هاهنا، وقد عرفت فساده. # ثم الوارد في ظواهر الحديث أن الصراط جسر ممدود على النار يعبر منه أهل ~~المحشر من موقفهم إلى الجنة فينجي الله الذين آمنوا ويسقط الظالمون من ~~الناس في النار فما المانع من أن يكون الحجاب الموعود مضروبا عليه والأعراف ~~في الحجاب؟. # على أنه فات منه أن أحد الأقوال في معنى الأعراف أنه الصراط كما رواه ~~الطبري في تفسيره، عن ابن مسعود ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن ~~ابن جريح قال: زعموا أنه الصراط. # وأما قوله: "هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدا" فأوضح فسادا فسياق هذه ~~الأنباء الغيبية والنظم المأخوذ فيها يذكر لنا أمورا بنعوت عامة وبيانات ~~مطلقة معانيها معلومة، وحقائقها مبهمة مجهولة إلا المقدار الذي تهدي إليه ~~بياناته تعالى، ويوضع بعض أجزائه بعضا، ولا يأبى ذلك أن يقصد ببعض النعوت ~~المذكورة فيها رجال معينون بأشخاصهم إذا انطبقت عليهم الأوصاف المذكورة ~~فيها، ولا أن ينطبق بعض البيانات على بعض في موارد مع تعدد البيان لفظا ~~كالعدل والميزان مثلا. # فهذه اثنا عشر قولا ms2911 ويمكن أن يضاف إلى عدتها قولان آخران: أحدهما: أنهم ~~المستضعفون ممن لم تتم عليهم الحجة ولم يتعلق بهم التكليف كالضعفاء من ~~الرجال والنساء والأطفال غير البالغين، ويمكن أن يدرج في القول الثاني ~~المتقدم بأن يقال: إنهم الذين لا تترجح أعمالهم من الحسنات أو السيئات على ~~خلافها سواء كان ذلك لعدم تمام الحجة فيهم وتعلق التكليف بهم حتى يحاسبوا ~~عليه كالأطفال والمجانين وأهل الفترة ونحوهم أو لأجل استواء حسناتهم ~~وسيئاتهم في القدر والوزن فحكم القسمين واحد. # الثاني: أنهم الذين خرجوا إلى الجهاد من غير إذن آبائهم فاستشهدوا فيها ~~فهم من أهل النار لمعصيتهم ومن أهل الجنة لشهادتهم! وعليه رواية، ويمكن ~~إدراجه في القول الثاني. PageV08P067 # والأقوال المذكورة غير متقابلة جميعا في الحقيقة فإن القول بكونهم أهل ~~الفترة والقول بكونهم أولاد الكفار إنما ملاكهما عدم ترجح شيء من الحسنات ~~والسيئات على الآخر فيرجعان بوجه إلى القول الثاني وكذا القول بكونهم أولاد ~~الزنا نظرا إلى أنهم لا مؤمنون ولا كفار، وكذا رجوع القول التاسع والعاشر ~~والحادي عشر والثاني عشر إلى القول الأول بوجه. # فأصول الأقوال في رجال الأعراف ثلاثة: أحدها: أنهم رجال من أهل المنزلة ~~والكرامة على اختلاف بينهم في أنهم من هم؟ فقيل: هم الأنبياء، وقيل: ~~الشهداء على الأعمال، وقيل: العلماء الفقهاء، وقيل: غير ذلك كما مر. # والثاني: أنهم الذين لا رجحان في أعمالهم للحسنة على السيئة وبالعكس على ~~اختلاف منهم في تشخيص المصداق. # والثالث: أنهم من الملائكة، وقد مال الجمهور إلى الثاني من الأقوال، ~~وعمدة ما استندوا إليه في ذلك أخبار مأثورة سنوردها في البحث الروائي الآتي ~~إن شاء الله. # وقد عرفت أن الذي يعطيه سياق الآيات هو الأول من الأقوال حتى أن بعضهم مع ~~تمايله إلى القول الثاني لم يجد بدا من بعض الاعتراف بعدم ملاءمة سياق ~~الآيات ذلك كالآلوسي في روح المعاني،. # قوله تعالى: "ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون" ~~المنادون هم الرجال الذين على الأعراف - على ما يعطيه السياق - وقوله: "أن ~~سلام عليكم" يفسر ما ms2912 نادوا به، وقوله: "لم يدخلوها وهم يطمعون" جملتان ~~حاليتان فجملة "لم يدخلوها" من أصحاب الجنة، وجملة "وهم يطمعون" حال آخر من ~~أصحاب الجنة والمعنى: أن أصحاب الجنة نودوا وهم في حال لم يدخلوا الجنة بعد ~~وهم يطمعون في أن يدخلوها، أو حال من ضمير الجمع في "لم يدخلوها" وهو ~~العامل فيه، والمعنى أن أصحاب الجنة نودوا بذلك وهم في الجنة لكنهم لم ~~يدخلوا الجنة على طمع في دخولها لأن ما شاهدوه من أهوال الموقف ودقة الحساب ~~كان أيأسهم من أن يفوزوا بدخول الجنة لكن قوله بعد: "أهؤلاء الذين" إلى آخر ~~الآية يؤيد أول الاحتمالين وأنهم إنما سلموا عليهم قبل دخولهم الجنة. # وأما احتمال أن تكون الجملتان حالين من ضمير الجمع في "نادوا" فيوجب سقوط ~~الجملة عن الإفادة كما هو ظاهر، وذلك لرجوع المعنى إلى أن هؤلاء الرجال ~~الذين هم على أعراف الحجاب بين الجنة والنار نادوا وهم لم يدخلوا. # وعلى من يميل إلى أن يجعل قوله: "لم يدخلوها وهم يطمعون" بيانا لحال ~~أصحاب الأعراف أن يجعل قوله: "لم يدخلوها" استئنافا يخبر عن حال أصحاب ~~الأعراف أو صفة لرجال والتقدير: وعلى الأعراف رجال لم يدخلوها وهم يطمعون ~~وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا... إلخ كما نقل عن الزمخشري في ~~الكشاف،. # لكن يبعد الاستئناف أن اللازم حينئذ إظهار الفاعل في قوله: "لم يدخلوها" ~~دون إضماره لمكان اللبس كما فعل ذلك في قوله: "ونادى أصحاب الأعراف رجالا" ~~إلخ، ويبعد الوصفية الفصل بين الموصوف والصفة بقوله: "ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم" من غير ضرورة موجبة. # وهذا التقدير الذي تقدم أعني رجوع معنى قوله: "لم يدخلوها وهم يطمعون ~~وإذا صرفت أبصارهم" إلى آخر الآية، إلى قولنا: وعلى الأعراف رجال يطمعون في ~~دخول الجنة ويتعوذون من دخول النار - على ما زعموا - هو الذي مهد لهم ~~الطريق وسواه للقول بأن أصحاب الأعراف رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم ~~يترجح لهم أن يدخلوا الجنة أو النار فأوقفوا على الأعراف!. # لكنك عرفت أن قوله "لم يدخلوها" إلخ، حال ms2913 أصحاب الجنة لا وصف أصحاب ~~الأعراف، وأما قوله: "وإذا صرفت أبصارهم" إلخ، فسيأتي ما في كونه بيانا ~~لحال أصحاب الأعراف من الكلام. PageV08P068 # قوله تعالى: "وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين" التلقاء كالبيان مصدر لقي يلقى ثم استعمل بمعنى جهة ~~اللقاء، وضمير الجمع في قوله: "أبصارهم" وقوله: "قالوا" عائد إلى "رجال" ~~والتعبير عن النظر إلى أصحاب النار بصرف أبصارهم إليه كأن الوجه فيه أن ~~الإنسان لا يحب إلقاء النظر إلى ما يؤلمه النظر إليه وخاصة في مثل المورد ~~الذي يشاهد الناظر فيه أفظع الحال وأمر العذاب وأشقه الذي لا يطاق النظر ~~إليه غير أن اضطراب النفس وقلق القلب ربما يفتح العين نحوه للنظر إليه كان ~~غيره هو الذي صرف نظره إليه وإن كان الإنسان لو خلي وطبعه لم يرغب في النظر ~~ولو بوجه نحوه، ولذا قيل: "وإذا صرفت أبصارهم" إلخ ولم يقل وإذا نظروا إليه ~~أو ما يفيد مفاده. # ومعنى الآية: وإذا نظر أصحاب الأعراف أحيانا إلى أصحاب النار تعوذوا ~~بالله من أن يجعلهم مع أصحاب النار فيدخلهم النار، وقالوا ربنا لا تجعلنا ~~مع القوم الظالمين. # وليس دعاؤهم هذا الدعاء دالا على سقوط منزلتهم، وخوفهم من دخول النار كما ~~يدل على رجائهم دخول الجنة قوله "وهم يطمعون" وذلك أن ذلك مما دعا به أولوا ~~العزم من الرسل والأنبياء المكرمون والعباد الصالحون وكذا الملائكة ~~المقربون فلا دلالة فيه ولو بالإشعار الضعيف على كون الداعي ذا سقوط في ~~حاله وحيرة من أمره. # هذا ما فسروا به الآية بإرجاع ضميري الجمع إلى "رجال". # لكنك خبير بأن ذلك لا يلائم الإظهار الذي في مفتتح الآية التالية في ~~قوله: "ونادى أصحاب الأعراف" إذ الكلام في هذه الآيات الأربع جار في أوصاف ~~أصحاب الأعراف وأخبارهم كقوله: "يعرفون كلا" إلخ، وقوله: "ونادوا أصحاب ~~الجنة" إلخ وقوله: "لم يدخلوها" إلخ، على احتمال، وقوله: "وإذا صرفت ~~أبصارهم" إلخ، فكان من اللازم أن يقال: "ونادوا - أي أصحاب الأعراف - رجالا ~~يعرفونهم" إلخ، وليس في الكلام ms2914 أي لبس ولا نكتة ظاهرة توجب العدول من ~~الإضمار الذي هو الأصل في المقام إلى الإظهار بمثل قوله: "ونادى أصحاب ~~الأعراف". # فالظاهر أن ضميري الجمع أعني ما في قوله: "أبصارهم" وقوله "قالوا" راجعان ~~إلى أصحاب الجنة، والجملة إخبار عن دعائهم إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب ~~النار كما أن الجملة السابقة بيان لطمعهم في دخول الجنة، وكل ذلك قبل ~~دخولهم الجنة. # قوله تعالى: "ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم" إلى آخر ~~الآية، في توصيف الرجال بقوله: "يعرفونهم بسيماهم" دلالة على أن سيماءهم ~~كما يدلهم على أصل كونهم من أصحاب الجنة يدلهم على أمور أخر من خصوصيات ~~أحوالهم، وقد مرت الإشارة إليه. # وقوله: "قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون" تقريع لهم وشماتة، ~~وكشف عن تقطع الأسباب الدنيوية عنهم فقد كانوا يستكبرون عن الحق ويستذلونه ~~ويغترون بجمعهم. # قوله تعالى: "أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" إلى آخر الآية. # الإشارة إلى أصحاب الجنة، والاستفهام للتقرير أي هؤلاء هم الذين كنتم ~~تجزمون قولا أنهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبودية خير، وأصابه ~~الخير هي نيله تعالى إياهم برحمة ووقوع النكرة - برحمة - في حيز النفي يفيد ~~استغراق النفي للجنس، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كل خير. # وقوله: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، أمر من أصحاب الأعراف ~~للمؤمنين أن يدخلوا الجنة بعد تقرير حالهم بالاستفهام، وهذا هو الذي يفيده ~~السياق. # وقول بعضهم في الآية: إنها بتقدير القول أي قيل لهم من قبل الرحمن: ~~ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون في مستقبل أمركم، ولا أنتم تحزنون من ~~شيء ينغص عليكم حاضركم، وحذف القول للعلم به من قرائن الكلام كثير في ~~التنزيل وفي كلام العرب الخلص انتهى. # مدفوع بعدم مساعدة السياق ودلالة القرائن عليه بوجه كما تقدم بيانه، وليس ~~إذا جاز تقدير القول في محل لتبادر معناه من الكلام جاز ذلك في أي مقام ~~أريد، وأي سياق أم أية قرينة تدل على ذلك في المقام؟ # كلام في معنى الأعراف في القرآن ms2915 PageV08P069 لم يذكر الأعراف في القرآن إلا في هذه الآيات الأربع من سورة الأعراف 46 - ~~49 وقد استنتج باستيفاء البحث في الآيات الشريفة أنه من المقامات الكريمة ~~الإنسانية التي تظهر يوم القيامة، وقد مثله الله سبحانه بأن بين الدارين ~~دار الثواب ودار العقاب حجابا يحجز إحداهما من الأخرى - والحجاب بالطبع ~~خارج عن حكم طرفيه في عين أنه مرتبط بهما جميعا - وللحجاب أعراف وعلى ~~الأعراف رجال مشرفون على الناس من الأولين والآخرين يشاهدون كل ذي نفس منهم ~~في مقامه الخاص به على اختلاف مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم من أعلى عليين ~~إلى أسفل سافلين، ويعرفون كلا منهم بما له من الحال الذي يخصه والعمل الذي ~~عمله، لهم أن يكلموا من شاءوا منهم، ويؤمنوا من شاءوا، ويأمروا بدخول الجنة ~~بإذن الله. # ويستفادوا من ذلك أن لهم موقفا خارجا من موقفي السعادة التي هي النجاة ~~بصالح العمل، والشقاوة التي هي الهلاك بطالح العمل، ومقاما أرفع من ~~المقامين معا ولذلك كان مصدرا للحكم والسلطة عليهما جميعا. # ولك أن تعتبر في تفهم ذلك بما تجده عند الملوك ومصادر الحكم فهناك جماعة ~~منعمون بنعمتهم مشمولون لرحمتهم يستدرون ضرع السعادة بما تشتهيه أنفسهم، ~~وآخرون محبوسون في سجونهم معذبون بأليم عذابهم قد أحاط بهم هوان الشقاوة من ~~كل جانب فهذان ظرفان ظرف السعادة وظرف الشقاوة، والظرفان متمايزان لا ~~يختلطان بظرف آخر ثالث يحكم فيهما ويصلح شأن كل منهما وينظم أمره وفي هذا ~~الظرف قوم خدمة يخدمون العرش بمداخلتهم الجانبين وإهداء النعم إلى أهل ~~السعادة، وإيصال النقم إلى أهل الشقاوة، وهم مع ذلك من السعداء، وقوم آخر ~~وراء الخدمة والعمال هم المدبرون لأمر الجميع وهم أقرب الوسائط من العرش، ~~وهم أيضا من السعداء، فللسعادة مراتب من حيث الإطلاق والتقييد. # وليس من الممتنع على ملك يوم الدين أن يخص قوما برحمته فيدخلهم بحسناتهم ~~الجنة ويبسط عليهم بركاته بما أنه الغفور ذو الفضل العظيم، ويدخل آخرين في ~~ناره ودار هوانه بما عملوه من سيئاتهم وهو عزيز ذو انتقام شديد العقاب ذو ~~البطش، ويأذن لطائفة ms2916 ثالثة أن يتوسطوا بينه وبين الفريقين بإجراء أوامره ~~وأحكامه فيهم أو إصدارها عليهم بإسعاد من سعد منهم وإشقاء من شقي فإنه ~~الواحد القهار الذي يقهر بوحدته كل شيء كما شاء بتوسيط أو إسعاد أو إشقاء، ~~وقد قال تعالى: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" فافهم. # قوله تعالى: "ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا" إلخ، الإفاضة من ~~الفيض وهو سيلان الماء منصبا، قال تعالى: "ترى أعينهم تفيض من الدمع" أي ~~يسيل دمعها منصبا، وعطف سائر ما رزقهم الله من النعم على الماء يدل على أن ~~المراد بالإفاضة صب مطلق النعم أعم من المائع وغيره على نحو عموم المجاز، ~~وربما قيل: إن الإفاضة حقيقة في إعطاء النعمة الكثيرة فيكون تعليقه على ~~الماء وغيره حقيقة حينئذ. # وكيف كان ففي الآية إشعار بعلو مكانة أهل الجنة بالنسبة إلى مكان أهل النار. # وإنما أفرز الماء وهو من جملة ما رزقهم الله ثم قدم في الذكر على سائر ما ~~رزقهم الله لأن الحاجة إلى بارد الماء أسبق إلى الذهن طبعا بالنسبة إلى ~~غيره عند ما تحيط الحرارة بالإنسان، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا" إلى آخر الآية. # اللهو ما يشغلك عما يهمك، واللعب الفعل المأتي به لغاية خيالية غير ~~حقيقية، والغرور إظهار النصح واستبطان الغش، والنسيان يقابل الذكر، وربما ~~يستعار لترك الشيء وعدم الاعتناء بشأنه كالشيء المنسي، وعلى ذلك يجري في ~~الآية، والجحد النفي والإنكار، والآية مسوقة لتفسير الكافرين، ويستفاد منها ~~تفسيرات ثلاثة للكفر: أولها: أنه اتخاذ الإنسان دينه لهوا ولعبا وغرور ~~الحياة الدنيا له، والثاني: نسيان يوم اللقاء، والثالث: الجحد بآيات الله، ~~ولكل من التفاسير وجه. PageV08P070 # وفي قوله تعالى: "الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا" دلالة على أن الإنسان لا ~~غنى له عن الدين على أي حال حتى من اشتغل باللهو واللعب ومحض حياته فيها ~~محضا فإن الدين - كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله: "الذين يصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا" الآية - هو طريق الحياة الذي يسلكه الإنسان في ~~الدنيا، ms2917 ولا محيص له عن سلوكه، وقد نظمه الله سبحانه بحسب ما تهدي إليه ~~الفطرة الإنسانية ودعت إليه، وهو دين الإنسان الذي يخصه وينسب إليه، وهو ~~الذي يهم الإنسان ويسوقه إلى غاية حقيقية هي سعادة حياته. # فحيث جرى عليه الإنسان وسلكه كان على دينه الذي هو دين الله الفطري، وحيث ~~اشتغل عنه إلى غيره الذي يلهو عنه ولا يهديه إلا إلى غايات خيالية وهي ~~اللذائذ المادية التي لا بقاء لها ولا نفع فيها يعود إلى سعادته فقد اتخذ ~~دينه لهوا ولعبا وغرته الحياة الدنيا بسراب زخارفها. # وقوله تعالى: "فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا" أي اليوم نتركهم ~~ولا نقوم بلوازم حياتهم السعيدة كما تركوا يومهم هذا فلم يقوموا بما يجب أن ~~يعملوا له وبما كانوا بآياتنا يجحدون ونظير الآية في جعل تكذيب الآيات سببا ~~لنسيان الله له يوم القيامة قوله: "قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى": طه: 126، وقد بدل هناك الجحد نسيانا. # قوله تعالى: "ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم" الآية عود على بدء ~~الكلام أعني قوله في أول الآيات: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته" أي من أعظم من هؤلاء ظلما ولقد أتممنا عليهم الحجة وأقمنا لهم ~~البيان فجئناهم بكتاب فصلناه وأنزلناه إليهم على علم منا بنزوله؟. # فقوله: "على علم" متعلق بقوله "لقد جئناهم" والكلمة تتضمن احتجاجا على ~~حقية الكتاب والتقدير: ولقد جئناهم بكتاب حق: وكيف لا يكون حقا؟ وقد نزل ~~على علم منا بما يشتمل عليه من المطالب. # وقوله: "هدى ورحمة لقوم يؤمنون" أي هدى وإراءة طريق للجميع ورحمة ~~للمؤمنين به خاصة، أو هدى وإيصالا بالمطلوب للمؤمنين ورحمة لهم، والأول ~~أنسب بالمقام وهو مقام الاحتجاج. # قوله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله" إلى آخر الآية. # الضمير في تأويله راجع إلى الكتاب، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات" الآية: آل عمران: 7 إن التأويل في ~~عرف القرآن هو الحقيقة التي يعتمد عليها حكم أو خبر أو ms2918 أي أمر ظاهر آخر ~~اعتماد الظاهر على الباطن والمثل على المثل. # فقوله: "هل ينظرون إلا تأويله" معناه هل ينتظر هؤلاء الذين يفترون على ~~الله كذبا أو يكذبون بآياته وقد تمت عليهم الحجة بالقرآن النازل عليهم، إلا ~~حقيقة الأمر التي كانت هي الباعثة على سوق بياناته وتشريع أحكامه والإنذار ~~والتبشير الذين فيه؟ فلو لم ينتظروه لم يتركوا الأخذ بما فيه. # ثم يخبر تعالى عن حالهم في يوم إتيان التأويل بقوله: يوم يأتي تأويله ~~يقول الذين نسوه إلخ، أي إذا انكشفت حقيقة الأمر يوم القيامة يعترف ~~التاركون له بحقية ما جاءت به الرسل من الشرائع التي أوجبوا العمل بها، ~~وأخبروا أن الله سيبعثهم ويجازيهم عليها. # وإذ شاهدوا عند ذلك أنهم صفر الأيدي من الخير، هالكون بفساد أعمالهم ~~سألوا أحد أمرين يصلح به ما فسد من أمرهم إما شفعاء ينجونهم من الهلاك الذي ~~أطل عليهم أو أنفسهم، بأن يردوا إلى الدنيا فيعملوا صالحا غير الذي كانوا ~~يعملونه من السيئات وذلك قوله حكاية عنهم: "فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ~~أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل"؟. # وقوله تعالى: "قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" فصل في معنى ~~التعليل لما حكي عنهم من سؤال أحد أمرين: إما الشفعاء وإما الرد إلى الدنيا ~~كأنه قيل: لما ذا يسألون هذا الذي يسألون؟ فقيل: "قد خسروا أنفسهم" فيما ~~بدلوا دينهم لهوا ولعبا، واختاروا الجحود على التسليم وقد زال عنهم ~~الافتراءات المضلة التي كانت تحجبهم عن ذلك في الدنيا فبان لهم أنهم في ~~حاجة إلى من يصلح لهم أعمالهم إما أنفسهم أو غيرهم ممن يشفع لهم. # وقد تقدم في مبحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب أن في قوله "فهل لنا ~~من شفعاء فيشفعوا لنا" دلالة على أن هناك شفعاء يشفعون للناس إذ قال: من ~~شفعاء، ولم يقل: من شفيع فيشفع لنا. PageV08P071 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في ~~قوله تعالى: "وما أضلنا إلا المجرمون" إذ ms2919 دعوهم إلى سبيلهم ذلك قول الله عز ~~وجل فيهم إذ جمعهم إلى النار: "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا - ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار" وقوله: "كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ~~اداركوا فيها يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا يريد أن بعضهم يحج بعضا ~~رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا ~~قبول معذرة ولا حين نجاة. أقول: وقوله (عليه السلام): قوله كلما دخلت أمة ~~"إلخ" نقل للآية بالمعنى. PageV08P072 # وفي الدر المنثور، في قوله تعالى: "لا تفتح لهم أبواب السماء" أخرج ابن ~~مردويه عن البراء بن عازب قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"لا يفتح لهم" بالياء. وفيه، أخرج الطيالسي وابن شيبة وأحمد وهناد بن السري ~~وعبد بن حميد وأبو داود في سننه وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى ~~القبر ولما يلحد فجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجلسنا حوله ~~وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: ~~استعيذوا من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا. ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان ~~في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض ~~الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى ~~يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها ~~النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطر من ~~في السقاء وإن كنتم ترون غير ذلك فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة ~~عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط فتخرج منها كأطيب ~~نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملإ من الملائكة ~~إلا قالوا: ما هذا ms2920 الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي ~~كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له ~~فتفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به ~~إلى السماء السابعة فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى ~~الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فيعاد روحه في ~~جسده. فيأتيه الملكان فيجلسان فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ~~فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي ~~بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله ~~فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء إن صدق عبدي فافرشوه من الجنة ~~وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح ~~له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: ~~أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد! فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه ~~يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة أقم الساعة حتى ~~أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة ~~وانقطاع من الدنيا نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح ~~فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها ~~النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فيفرق في جسده فينتزعها كما ~~ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة ~~عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه ~~الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا ~~الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في ~~الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا تفتح له. ثم قرأ رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تفتح لهم أبواب السماء. فيقول الله ms2921 عز ~~وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فيطرح روحه طرحا. ثم قرأ رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من يشرك بالله فكأنما خر من السماء - ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ~~ملكان فيجلسان فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، فيقولان له: ما دينك؟ ~~فيقول: هاه، هاه، لا أدري! فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ~~هاه، هاه، لا أدري! فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من ~~النار، وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه ~~القبر حتى تختلف فيه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح ~~فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك ~~الوجه يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة. أقول: و PageV08P073 الرواية من المشهورات رواها جمع من المؤلفين في كتبهم كما رأيت، وفي معناها ~~روايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أودعنا بعضها في ~~البحث الروائي الموضوع في ذيل قوله تعالى: "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات" إلخ،: البقرة: 154، في الجزء الأول من الكتاب. # وفي تفسير العياشي، عن سعيد بن جناح قال: حدثني عوف بن عبد الله الأزدي ~~عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث قبض روح ~~الكافر: فإذا أوتي بروحه إلى السماء الدنيا أغلقت منه أبواب السماء، وذلك ~~قوله: "لا تفتح لهم أبواب" إلى آخر الآية. يقول الله: ردوها عليه فمنها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. أقول: وروي ما في معناه في ~~المجمع، عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن عائشة: أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تلا هذه الآية: "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش" قال: هي ~~طبقات من فوقه، وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكبر أو ما تحته؟ غير أنه ~~ترفعه الطبقات السفلى وتضعه ms2922 الطبقات العليا، ويضيق عليهما حتى يكون بمنزلة ~~الزج في القدح. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن علي بن طالب قال: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية: "ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل". أقول: وقوع الجملة في سياق هذه الآيات وهي مكية يأبى نزولها ~~يوم بدر أو في أهل بدر، وقد وقعت الجملة أيضا في قوله تعالى: "ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين": الحجر: 47، وهي أيضا في سياق آيات ~~أهل الجنة، وهي مكية. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بلغني أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من ~~بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل. ~~وفيه، أخرج النسائي وابن أبي الدنيا وابن جرير في ذكر الموت وابن مردويه عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل أهل النار يرى ~~منزله من الجنة يقول: لو هدانا الله، فيكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى ~~منزله من النار فيقول لو لا أن هدانا الله، فهذا شكرهم. وفيه، أخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): "ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون" ~~قال: نودوا أن صحوا فلا تسقموا، وأنعموا فلا تيأسوا، وشبوا فلا تهرموا، ~~واخلدوا فلا تموتوا. أقول: وفي معنى وراثة الجنة أخبار أخر سيأتي إن شاء الله. # وفي الكافي، وتفسير القمي، بإسنادهما عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن ~~الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين" قال المؤذن أمير المؤمنين (عليه السلام). أقول: ورواه العياشي، ~~عنه (عليه السلام) ورواه في روضة الواعظين، عن الباقر (عليه السلام) قال: ~~المؤذن علي (عليه السلام). وفي ms2923 المعاني، بإسناده عن جابر الجعفي عن أبي ~~جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) بالكوفة منصرفه من النهروان وبلغه أن معاوية يسبه ويعيبه ~~ويقتل أصحابه فقام خطيبا، وذكر الخطبة إلى أن قال فيها: وأنا المؤذن في ~~الدنيا والآخرة قال الله عز وجل: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين" أنا ذلك المؤذن، وقال: "وأذان من الله ورسوله" أنا ذلك الأذان. ~~أقول: أي أنا المؤذن بذلك الأذان بقرينة صدر الكلام ويشير (عليه السلام) به ~~إلى قصة آيات البراءة. # وفي المجمع، روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن محمد بن الحنفية ~~عن علي أنه قال: أنا ذلك المؤذن. وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس أنه ~~قال: لعلي في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس قوله: فأذن مؤذن بينهم يقول: ~~ألا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي. أقول: قال الآلوسي ~~في روح المعاني، في قوله تعالى: "فأذن مؤذن" الآية. PageV08P074 # هو على ما روي عن ابن عباس صاحب الصور، وقيل: مالك خازن النار، وقيل: ملك ~~من الملائكة غيرهما يأمره الله تعالى بذلك، ورواية الإمامية عن الرضا وابن ~~عباس: أنه علي كرم الله وجهه مما لم يثبت من طريق أهل السنة وبعيد عن هذا ~~الإمام أن يكون مؤذنا وهو إذ ذاك في حظائر القدس انتهى. # وقال صاحب المنار، في تفسيره بعد نقله عنه: وأقول: إن واضعي كتب الجرح ~~والتعديل لرواة الآثار لم يضعوها على قواعد المذاهب، وقد كان في أئمتهم من ~~يعد في شيعة علي وآله كعبد الرزاق والحاكم، وما منهم أحد إلا وقد عدل كثيرا ~~من الشيعة في روايتهم، فإذا ثبت هذه الرواية بسند صحيح قبلنا ولا نرى كونه ~~في حظائر القدس مانعا منها، ولو كنا نعقل لإسناد هذا التأذين إليه كرم الله ~~وجهه معنى يعد به فضيلة أو مثوبة عند الله تعالى لقبلنا الرواية بما دون ~~السند الصحيح ما لم يكن موضوعا أو معارضا برواية أقوى سندا أو أصح متنا ms2924 انتهى. # ولقد أجاد فيما أفاد غير أن الآحاد من الروايات لا تكون حجة عندنا إلا ~~إذا كانت محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم أعني الوثوق التام الشخصي سواء ~~كانت في أصول الدين أو التاريخ أو الفضائل أو غيرها إلا في الفقه فإن ~~الوثوق النوعي كاف في حجية الرواية كل ذلك بعد عدم مخالفة الكتاب والتفصيل ~~موكول إلى فن أصول الفقه. # وأما كون هذا التأذين فضيلة فلا ينبغي الارتياب فيه وليعتبر التأذين ~~الأخروي بالتأذين الدنيوي فالتأذين هو إعلام الحكم من قبل صاحبه ليستقر على ~~المحكومين فالمؤذن هو الرابطة يربط صاحب الحكم بالمحكومين بتقرير حكمه ~~عليهم والرابطة في شرفها وخستها يتبع الطرفين، ومن الواضح أن الطرف إذا كان ~~هو الله عز اسمه كان في ذلك من الشرف والكرامة ما لا يعادله شيء كما في ~~وساطة إبراهيم عن الله سبحانه في قوله: "وأذن في الناس بالحج": الحج: 27، ~~ووساطة علي (عليه السلام) في إبلاغ آيات البراءة: "وأذان من الله ورسوله ~~إلى الناس" إلخ،: براءة: 3، هذا في الأذان والإعلام التشريعي الذي يستقر به ~~حكم الحاكم على المحكومين به، وأما الأذان غير التشريعي كما في أذان يوم ~~القيامة أن لعنة الله على الظالمين ففيه استقرار البعد التام واللعن المطلق ~~الدائم على الظالمين بعد إشهادهم حقية الوعد الإلهي الذي بلغهم منه تعالى ~~من طريق أنبيائه ورسله، وفيه تثبيت ما في ظهور حقائق الوعد والوعيد ~~للظالمين من النتيجة العائدة إليهم فافهم ذلك ولا يهونن عليك أمر الحقائق، ~~ولا تساهل في البحث عنها إن كنت ذا قدم فيه. # وهذا هو الذي يشير إليه علي (عليه السلام) نفسه فيما مر من خطبته إذ قال: ~~وأنا المؤذن في الدنيا والآخرة. # والرواية - كما تقدم - مروية بطرق متعددة من الشيعة عن علي والباقر ~~والرضا (عليهما السلام) من طرق أهل السنة ما رواه الحاكم بإسناده عن ابن ~~الحنفية عن علي وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس والرجل جيد الرواية ضابط ~~في الحديث ينقل في التفاسير الروائية وغيرها رواياته في التفسير لكنهم لم ~~يذكروا روايته هذه ms2925 حتى مثل السيوطي الذي يستوفي في الدر المنثور، ما رواه ~~في التفسير ترك ذكر الحديث، وما أدري ما هو السبب فيه؟. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد ~~الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يوضع الميزان يوم ~~القيامة فيوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة ~~دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار. قيل: يا ~~رسول الله فمن استوى حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها ~~وهم يطمعون. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: سئل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أصحاب الأعراف فقال: هم آخر من ~~يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم ~~قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا في ~~الجنة حيث شئتم. # أقول: وروي القول بكون أهل الأعراف هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم عن ~~ابن مسعود وحذيفة وابن عباس من الصحابة. PageV08P075 # وفي الكافي، بإسناده عن حمزة الطيار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~الناس على ستة أصناف إلى أن قال قلت: وما أصحاب الأعراف؟ قال: قوم استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، وإن أدخلهم الجنة فبرحمته، ~~الحديث. # وفيه، بإسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ما تقول في ~~أصحاب الأعراف؟ فقلت: ما هم إلا مؤمنون أو كافرون إن دخلوا الجنة فهم ~~مؤمنون، وإن دخلوا النار فهم كافرون. فقال: والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ~~ولو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنة كما دخلها المؤمنون، ولو كانوا كافرين ~~لدخلوا النار كما دخلها الكافرون، ولكنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت ~~بهم الأعمال، وأنهم كما قال الله عز وجل. فقلت: أمن أهل الجنة هم أم من أهل ~~النار؟ فقال: اتركهم كما تركهم الله. قلت: أفأرجئهم؟ قال: نعم أرجئهم كما ~~أرجأهم الله إن شاء أدخلهم الجنة برحمته، وإن شاء ساقهم ms2926 إلى النار بذنوبهم ~~ولم يظلمهم. فقلت: هل يدخل الجنة كافر؟ قال: لا. قلت: فهل يدخل النار إلا ~~كافر؟ فقال: لا إلا أن يشاء الله. يا زرارة إني أقول: ما شاء الله أما إن ~~كبرت رجعت وتحللت عنك عقدك. # أقول: قوله (عليه السلام): أما إن كبرت إلخ، أي إن استعظمت قولي ولم ~~تقبله خرجت عما كنت عليه من الحق وانحل ما عقدت عليه قلبك من التصديق. # والروايات - كما ترى - يفسر أصحاب الأعراف بمن استوت حسناتهم وسيئاتهم في ~~الميزان، وفي بعضها أن قوله تعالى: "لم يدخلوها وهم يطمعون" إلخ، من كلامهم ~~وهذا لا ينطبق على آيات الأعراف البتة كما مر بيانه. # على أنك عرفت فيما تقدم من تفسير قوله تعالى: "والوزن يومئذ الحق" إلخ: ~~الأعراف: 8، أن الميزان الذي يذكره إما أن يثقل وهو رجحان الحسنات أو يخف ~~وهو رجحان السيئات، ولا معنى حينئذ لاستواء الحسنات والسيئات الذي هو ثقل ~~الميزان وخفته معا! فلو فرض أن هناك من لا يشخص الميزان رجحان بعض أعماله ~~على بعض مثلا كان ممن لا يقام له وزن يوم القيامة كالكافر الذي أحبطت ~~أعماله، والمستضعف الذي لم تتم عليه الحجة ولم يتعلق به التكليف. # نعم ربما يستفاد من الرواية الأخيرة أن المراد بالذين استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم هم المستضعفون المرجون لأمر الله إن يشأ يغفر لهم وإن يشأ يعذبهم. # فالاستواء كناية عن عدم الرجحان، ويندفع حينئذ إشكال الوزن لكن يبقى ~~الإشكال من جهة الانطباق على ظاهر الآيات وفيها من صفات رجال الأعراف ~~وأصحابه ما لا يتصف به إلا السابقون المقربون المتصدرون في حظيرة الكرامة ~~والسعادة، وهؤلاء المستضعفون إن صح عدهم من أهل السعادة فهم نازلون في أنزل ~~منازلها. # وفي المجمع، قال أبو عبد الله (عليه السلام): الأعراف كثبان بين الجنة ~~والنار يوقف عليها كل نبي وكل خليفة مع المذنبين من أهل زمانه كما يقف صاحب ~~الجيش مع الضعفاء من جنده وقد سبق المحسنون إلى الجنة فيقول ذلك الخليفة ~~للمذنبين الواقفين معه: انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا فيسلم عليهم ms2927 ~~المذنبون: وذلك قوله: "ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم" ثم أخبر سبحانه ~~وتعالى: أنهم لم يدخلوها وهم يطمعون يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنة ~~وهم يطمعون أن يدخلهم الله بشفاعة النبي والإمام، وينظر هؤلاء المذنبون إلى ~~أهل النار فيقولون ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم ينادي أصحاب ~~الأعراف وهم الأنبياء والخلفاء رجالا من أهل النار مقرعين لهم ما أغنى عنكم ~~جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم يعني أهؤلاء المستضعفين الذين ~~كنتم تستضعفونهم وتحتقرونهم بفقرهم وتستطيلون بدنياكم عليهم ثم يقولون ~~لهؤلاء المستضعفين عن أمر من الله بذلك لهم: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون. أقول: وروى القمي في تفسيره، عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن ~~أبي أيوب عن مرثد عن أبي عبد الله (عليه السلام) ما يقرب منه. # وهذه الرواية - كما ترى - تذكر المستضعفين مكان من استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم صريحا ثم تذكر أن هناك جماعة من المستضعفين يطمعون في دخول الجنة ~~ويتعوذون من دخول النار من غير أن تفسر بهم الرجال الذين ذكر الله تعالى ~~أنهم على الأعراف يعرفون كلا بسيماهم، ويسميهم أصحاب الأعراف. PageV08P076 # ويسهل حينئذ انطباق مضمونها على الآيات، ولا يبقى من الإشكال إلا ظهور ~~الآيات في أن المسلم على أهل الجنة هم أصحاب الأعراف والرجال الذين على ~~الأعراف. # والظاهر أن في الروايات اختلالا وهو ناشىء عن سوء فهم بعض النقلة ثم ~~النقل ولعل الذي بينه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعض الأئمة أن ~~هناك جماعة من المستضعفين يدخلهم الله الجنة بشفاعة أو مشية ثم غيره النقل ~~بالمعنى وأخرجه إلى الصورة التي تراها، وهذا ظاهر كسائر الروايات الواردة ~~عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وغيرهم القائلة إن الرجال على الأعراف هم ~~الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم مع ما فيها من الاختلاف في المتون وكذا رواية ~~القمي عن الصادق (عليه السلام) فراجعها تعرف صدق ما ادعيناه. # وفي البصائر، بإسناده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عن الأعراف ما هم؟ قال: هم ms2928 أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى. أقول: السائل ~~يأخذ الأعراف والرجال الذين عليه واحدا وعلى ذلك ورد الجواب منه (عليه ~~السلام) فكأنه أخذ جمعا لعرف بمعنى العريف والعارف وفي هذا المعنى روايات ~~كثيرة يأتي بعضها. # وفيه، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): "وعلى الأعراف ~~رجال يعرفون كلا بسيماهم" قال: نحن أصحاب الأعراف من عرفنا فمآله إلى الجنة ~~ومن أنكرنا فمآله إلى النار. أقول: قوله من عرفنا ومن أنكرنا إن كان فعلا ~~وفاعلا فهو، وإن كان فعلا ومفعولا كان على وزان سائر الروايات من عرفهم ~~وعرفوه، ومن أنكرهم وأنكروه. # وفيه، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت عند أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) فقال له رجل: "وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم" فقال له علي ~~(عليه السلام): نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذين لا ~~يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ونحن الأعراف نوقف يوم القيامة بين الجنة ~~والنار فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا ~~وأنكرناه وذلك قول الله عز وجل. لو شاء لعرف الناس نفسه حتى يعرفوا حده ~~ويأتونه من بابه، جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه:. أقول: ~~ورواه أيضا بإسناده عن مقرن عن أبي عبد الله (عليه السلام) والرجل السائل ~~هو ابن الكواء، وروى هذه القصة أيضا الكليني في الكافي، عن مقرن قال: سمعت ~~أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: جاء ابن الكواء، إلخ. # والظاهر أن المراد بالمعرفة والإنكار في الرواية المعرفة بالحب والبغض أي ~~لا يدخل الجنة إلا من عرفنا بالولاية وعرفناه بالطاعة، ولا يدخل النار إلا ~~من أنكر ولايتنا وأنكرنا طاعته، وهذا غير معرفتهم الجميع بأعيانهم، وإلا ~~أشكل انطباقه على قوله تعالى: "رجال يعرفون كلا بسيماهم" وقوله تعالى: ~~"ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم" إلخ، ولعل ذلك إنما نشأ من ~~نقل بعض الرواة الرواية بالمعنى، ويؤيد ما استظهرناه ما يأتي في الرواية ~~التالية. # وفي المجمع، روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده رفعه إلى الأصبغ بن ms2929 ~~نباتة قال: كنت جالسا عند علي (عليه السلام) فأتاه ابن الكواء فسأله عن هذه ~~الآية فقال ويحك يا ابن الكواء نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن ~~نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار. # وفي تفسير العياشي، عن هلقام عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ~~قول الله: "وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم" ما يعني بقوله: "على ~~الأعراف رجال؟" قال: ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها ~~من صالح أو طالح؟ قلت: بلى. قال: فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلا ~~بسيماهم. أقول: وهو مبني على أخذ الأعراف جمعا للعرف كأقطاب جمع قطب والعرف ~~هو المعروف من الأمر ولعله مصدر بمعنى المفعول فمعنى "وعلى الأعراف رجال": ~~وكل على أمورهم وأحوالهم المعروفة منهم رجال، ولا ينافي ذلك ما تقدم أن ~~الأعراف أعالي الحجاب وكذا ما تقدم في بعض الروايات أن الأعراف كثبان بين ~~الجنة والنار فإن المعرفة التي هي مادة اللفظ حافظة لمعناه في مشتقاته ~~وموارد استعمالها على أي حال. PageV08P077 # واعلم أن الأخبار من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام في ما يقرب من هذه ~~المعاني في الأعراف كثيرة جدا، وفيما أوردناه للإشارة إلى أنواع مضامينها ~~في تفسير الأعراف وأصحاب الأعراف كفاية. # وفي تفسير البرهان، عن الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أنه قال: الأعراف ~~موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين ~~يعرفون شيعتهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه:. أقول: وقد تقدم في ~~البيان السابق نقل الرواية عن مجمع البيان، عن تفسير الثعلبي عن الضحاك عن ~~ابن عباس. وفي الدر المنثور، أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن جرير ~~وابن مردويه عن عبد الله بن مالك الهلالي عن أبيه: قال قائل: يا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ما أصحاب الأعراف قال: هم قوم خرجوا في سبيل ~~الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار، ومنعتهم ~~معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة فهم ms2930 آخر من يدخل الجنة. أقول: وهذا المعنى ~~مروي بطرق أخرى عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وقد تقدم الإشكال ~~عليه بعدم الانطباق على ظاهر الآيات، والأصول المسلمة تعطي أنه إن تعين ~~الخروج وجوبا عينيا لم يؤثر فيه عدم إذن الوالدين، وإن لم يتعين وبقي على ~~الكفاية كان الخروج محرما ولم ينفعه القتل في المعركة إلا أن يكون مستضعفا ~~من جهة الجهل بالحكم فيعود إلى القول بكون أصحاب الأعراف هم المستضعفين ~~ويجري فيه البحث السابق. PageV08P078 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 54 - 58 # إن ربكم الله الذى خلق السموت والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرت بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العلمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها وادعوه خوفا وطمعا إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين (56) وهو الذى يرسل الريح بشرا بين يدى رحمته ~~حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقنه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرت كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الايت لقوم يشكرون (58) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها مرتبطة بها فإن الآيات السابقة كانت تبين وبال ~~الشرك بالله والتكذيب بآياته وأن ذلك يسوق الإنسان إلى هلاك مؤبد وشقاء ~~مخلد، وهذه الآيات تعلل ذلك بأن رب الجميع واحد إليه تدبير الكل يجب عليهم ~~أن يدعوه ويشكروا له وتؤكد توحيد رب العالمين من جهتين: إحداهما: أنه تعالى ~~هو الذي خلق السماوات والأرض جميعا ثم دبر أمرها بالنظام الأحسن الجاري ~~فيها الرابط بينها جميعا فهو رب العالمين. # والثانية: أنه تعالى هو الذي يهيىء لهم الأرزاق بإخراج أنواع الثمرات ~~التي يرتزقون بها بخلق ذلك بأعجب الطرق المتخذة لذلك وألطفها وهو الإمطار ~~فهو ربهم لا رب سواه. # قوله تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام" سيأتي ~~البحث في معنى السماء ms2931 والأيام الستة التي خلقتا فيها في تفسير سورة حم ~~السجدة إن شاء الله. # قوله تعالى: "ثم استوى على العرش - إلى قوله - بأمره" - الاستواء - ~~الاعتدال على الشيء والاستقرار عليه، وربما استعمل بمعنى التساوي، يقال: ~~استوى زيد وعمرو أي تساويا قال تعالى: "لا يستوون عند الله". # و- العرش - ما يجلس عليه الملك وربما كني به عن مقام السلطنة، قال الراغب ~~في المفردات،: العرش في الأصل شيء مسقف، وجمعه عروش قال: "وهي خاوية على ~~عروشها" ومنه قيل: عرشت الكرم وعرشتها إذا جعلت له كهيئة سقف. # قال: والعرش شبه هودج للمرأة تشبيها في الهيئة بعرش الكرم، وعرشت البئر ~~جعلت له عريشا، وسمي مجلس السلطان عرشا اعتبارا بعلوه. # قال: وعرش الله ما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم، وليس كما يذهب ~~إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى عن ذلك - لا ~~محمولا والله تعالى يقول: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده"، وقال قوم: هو الفلك الأعلى والكرسي فلك ~~الكواكب، واستدل بما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ~~السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة ~~والكرسي عند العرش كذلك انتهى. # وقد استقرت العادة منذ القديم أن يختص العظماء من ولاة الناس وحكامهم ~~ومصادر أمورهم من المجلس بما يختص بهم ويتميزون به عن غيرهم كالبساط ~~والمتكإ حتى آل الأمر إلى إيجاد السرر والتخوت فاتخذ للملك ما يسمى عرشا ~~وهو أعظم وأرفع وأخص بالملك، والكرسي يعمه وغيره، واستدعى التداول والتلازم ~~أن يعرف الملك بالعرش كما كان العرش يعرف بالملك في أول الأمر فصار العرش ~~حاملا لمعنى الملك ممثلا لمقام السلطنة إليه يرجع وينتهي، وفيه تتوحد أزمة ~~المملكة في تدبير أمورها وإدارة شئونها. # واعتبر لاستيضاح ذلك مملكة من الممالك قطنت فيها أمة من الأمم لعوامل ~~طبيعية أو اقتصادية أو سياسية استقلوا بذلك في أمرهم وتميزوا من غيرهم ~~فأوجدوا مجتمعا من المجتمعات الإنسانية واختلطوا وامتزجوا بالأعمال ~~ونتائجها ms2932 ثم اقتسموا في التمتع بالنتائج فاختص كل بشيء منها على قدر زنته ~~الاجتماعية. PageV08P079 # كان من الواجب أن تحفظ هذه الوحدة والاتصال المتكون بالاجتماع بمن يقوم ~~عليها فإن التجربة القطعية أوضحت للإنسان أن العوامل المختلفة والأعمال ~~والإرادات المتشتتة إذا وجهت نحو غرض واحد وسيرت في مسير واحد لم تدم على ~~نعت الاتحاد والملاءمة إلا أن تجمع أزمة الأمور المختلفة في زمام واحد ~~وتوضع في يد من يحفظه ويديم حياته بالتدبير الحسن فتحيا به الجميع وإلا ~~فسرعان ما تتلاشى وتتشتت. # ولذلك ترى أن المجتمع المترقي ينوع الأعمال الجزئية نوعا نوعا ثم يقدم ~~زمام كل نوع إلى كرسي من الكراسي كالدوائر والمصالح الجزئية المحلية، ثم ~~ينوع أزمة الكراسي فيعطي كل نوع كرسيا فوق ذلك، وعلى هذا القياس حتى ينتهي ~~الأمر إلى زمام واحد يقدم إلى العرش ويهدى لصاحب العرش. # ومن عجيب أمر هذا الزمام وانبساطه وسعته في عين وحدته أن الأمر الواحد ~~الصادر من هذا المقام يسير في منازل الكراسي التابعة له على كثرتها واختلاف ~~مراتبها فيتشكل في كل منزل بشكل يلائمه ويعرف فيه، ويتصور لصاحبه بصورة ~~ينتفع بها ويأخذها ملاكا لعمله. # يقول مصدر الأمر "ليجر الأمر" فتأخذه المصالح المالية تكليفا ماليا ~~ومصالح السياسية تكليفا سياسيا، ومصالح الجيش تكليفا دفاعيا وعلى هذا ~~القياس كلما صعد أو نزل. # فجميع تفاصيل الأعمال والإرادات والأحكام المجراة فيها المنبسطة في ~~المملكة وهي لا تحصى كثرة أو لا تتناهى لا تزال تتوحد وتجتمع في الكراسي ~~حتى تنتهي إلى العرش فتتراكم عنده بعضها على بعض وتندمج وتتداخل وتتوحد حتى ~~تصير واحدا هو في وحدته كل التفاصيل فيما دون العرش، وإذا سار هذا الواحد ~~إلى ما دونه لم يزل يتكثر ويتفصل حتى ينتهي إلى أعمال أشخاص المجتمع ~~وإراداتهم. # هذا في النظام الوضعي الاعتبار الذي عندنا، وهو لا محالة مأخوذ من نظام ~~التكوين، والباحث عن النظام الكوني يجد أن الأمر فيه على هذه الشاكلة، ~~فالحوادث الجزئية تنتهي إلى علل وأسباب جزئية، وتنتهي هي إلى أسباب أخرى ~~كلية حتى تنتهي الجميع إلى ms2933 الله سبحانه غير أن الله سبحانه مع كل شيء وهو ~~محيط بكل شيء، وليس كذلك الملك من ملوكنا لحقيقية ملكه تعالى واعتبارية ملك غيره. # ففي عالم الكون على اختلاف مراحل مرحلة تنتهي إليها جميع أزمة الحوادث ~~الملقاة على كواهل الأسباب، وأزمة الأسباب على اختلاف أشخاصها وأنواعها، ~~وترتب مراتبها هو المسمى عرشا كما سيجيء، وفيه صور الأمور الكونية المدبرة ~~بتدبير الله سبحانه كيفما شاء، وعنده مفاتح الغيب. # فقوله تعالى: "ثم استوى على العرش" كناية عن استيلائه على ملكه وقيامه ~~بتدبير الأمر قياما ينبسط على كل ما دق وجل، ويترشح منه تفاصيل النظام ~~الكوني ينال به كل ذي بغية بغيته، وتقضي لكل ذي حاجة حاجته، ولذلك عقب حديث ~~الاستواء في سورة يونس في مثل الآية بقوله: "يدبر الأمر" إذ قال: "ثم استوى ~~على العرش يدبر الأمر": يونس: 3. # ثم فصل بقوله: "يغشي الليل النهار" ويستره به "يطلبه" أي يطلب الليل ~~النهار ليغشيه ويستره "حثيثا" أي طلبا حثيثا سريعا، وفيه إشعار بأن الظلمة ~~هي الأصل، والنهار الذي يحصل من إنارة الشمس ما يواجهها مما حولها، عارض ~~لليل الذي هو الظلمة المخروطية اللازمة لأقل من نصف كرة الأرض المقابل ~~للجانب المواجه للشمس كان الليل يعقبه ويهجم عليه. # وقوله: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره" أي خلقهن والحال أنها ~~مسخرات بأمره يجرين على ما يشاء ولما يشاء وقرىء الجميع بالرفع، وعلى ذلك ~~فالشمس مبتدأ والقمر والنجوم معطوفة عليها، ومسخرات خبره، والباء في قوله: ~~"بأمره" للسببية. # ومجموع قوله: "يغشي الليل النهار" إلخ، يجري مجرى التفسير لقوله: "ثم ~~استوى على العرش" على ما يعطيه السياق، وهو الذي تعطيه أغلب الآيات ~~القرآنية التي يذكر فيها العرش فإنها تذكر معه شيئا من التدبير أو ما يئول ~~إليه بحسب المعنى. PageV08P080 # قوله تعالى: "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" - الخلق - هو ~~التقدير بضم شيء إلى شيء وإن استقر ثانيا في عرف الدين وأهله في معنى ~~الإيجاد أو الإبداع على غير مثال سابق، وأما - الأمر - فيستعمل في معنى ~~الشأن وجمعه أمور، ومصدرا ms2934 بمعنى يقرب من بعث الإنسان غيره نحو ما يريده ~~يقال أمرته بكذا أمرا، وليس من البعيد أن يكون هذا هو الأصل في معنى اللفظ ~~ثم يستعمل الأمر اسم مصدر بمعنى نتيجة الأمر وهو النظم المستقر في جميع ~~أفعال المأمور المنبسط على مظاهر حياته، فينطبق في الإنسان على شأنه في ~~الحياة ثم يتوسع فيه فيستعمل بمعنى الشأن في كل شيء فأمر كل شيء هو الشأن ~~الذي يصلح له وجوده، وينظم له تفاريق حركاته وسكناته وشتى أعماله وإراداته، ~~يقال: أمر العبد إلى مولاه، أي هو يدبر حياته ومعاشه، وأمر المال إلى ~~مالكه، وأمر الإنسان إلى ربه أي بيده تدبيره في مسير حياته. # ولا يرد عليه أن الأمر بمعنى الشأن يجمع على "أمور" وبمعنى يقابل النهي ~~على "أوامر" وهو ينافي رجوع أحدهما إلى الآخر معنى!، فإن أمثال هذه ~~التفننات كثيرة في اللغة يعثر عليها المتتبع الناقد فالأمر كالمتوسط بين من ~~يملكه وبين من يملك منه كالمولى والعبد ويضاف إلى كل منهما يقال: أمر العبد ~~وأمر المولى، قال تعالى: "وأمره إلى الله": البقرة: 275، وقال: "أتى أمر ~~الله": النحل: 1. # وقد فسر سبحانه أمره الذي يملكه من الأشياء بقوله: "إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83، فبين أن ~~أمره الذي يملكه من كل شيء سواء كان ذاتا أو صفة أو فعلا وأثرا هو قول كن ~~وكلمة الإيجاد وهو الوجود الذي يفيضه عليه فيوجد هو به، فإذا قال لشيء: كن ~~فكان، فقد أفاض عليه ما وجد به من الوجود، وهذا الوجود الموهوب له نسبة إلى ~~الله سبحانه وهو بذاك الاعتبار أمره تعالى وكلمة "كن" الإلهية، وله نسبة ~~إلى الشيء الموجود، وهو بذاك الاعتبار أمره الراجع إلى ربه، وقد عبر عنه في ~~الآية بقوله: "فيكون". # وقد ذكر تعالى لكل من النسبتين - وإن شئت فقل: للإيجاد المنسوب إليه ~~تعالى وللوجود المنسوب إلى الشيء - نعوتا وأحكاما مختلفة سنبحث عنها إن شاء ~~الله في محل يناسبه. # والحاصل: أن الأمر هو الإيجاد ms2935 سواء تعلق بذات الشيء أو بنظام صفاته ~~وأفعاله فأمر ذوات الأشياء إلى الله وأمر نظام وجودها إلى الله لأنها لا ~~تملك لنفسها شيئا البتة، والخلق هو الإيجاد عن تقدير وتأليف سواء كان ذلك ~~بنحو ضم شيء إلى شيء كضم أجزاء النطفة بعضها إلى بعض وضم نطفة الذكور إلى ~~نطفة الإناث ثم ضم الأجزاء الغذائية إليها في شرائط خاصة حتى يخلق بدن ~~إنسان مثلا، أم من غير أجزاء مؤلفة كتقدير ذات الشيء البسيط وضم ما له من ~~درجة الوجود وحده وما له من الآثار والروابط التي له مع غيره، فالأصول ~~الأولية مقدرة مخلوقة كما أن المركبات مقدرة مخلوقة. # قال الله تعالى: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 2، وقال: "الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، وقال: "الله خالق كل شيء": الزمر: 62، ~~فعمم خلقه كل شيء. # فقد اعتبر في معنى الخلق تقدير جهات وجود الشيء وتنظيمها سواء كانت ~~متمايزة منفصلا بعضها عن بعض أم لا بخلاف الأمر. # ولذا كان الخلق يقبل التدريج كما قال: "خلق السماوات والأرض في ستة أيام" ~~بخلاف الأمر قال تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر: 50، ~~ولذلك أيضا نسب في كلامه إلى غيره الخلق كقوله: "وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذني فتنفخ فيه": المائدة: 110، وقال: "فتبارك الله أحسن الخالقين": ~~المؤمنون: 14. # وأما الأمر بهذا المعنى فلم ينسبه إلى غيره بل خصه بنفسه، وجعله بينه ~~وبين ما يريد حدوثه وكينونته كالروح الذي يحيا به الجسد. # انظر إلى قوله تعالى: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره" وقوله: ~~"ولتجري الفلك بأمره": الروم: 46، وقوله: ينزل الملائكة بالروح من أمره": ~~النحل: 2، وقوله: "وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27، إلى غير ذلك من الآيات ~~تجد أنه تعالى يجعل ظهور هذه الأشياء بسببية أمره أو بمصاحبة أمره، فنلخص ~~أن الخلق والأمر يرجعان بالآخرة إلى معنى واحد وإن كانا مختلفين بحسب ~~الاعتبار. PageV08P081 # فإذا انفرد كل من الخلق والأمر صح أن يتعلق بكل شيء، كل بالعناية الخاصة ~~به، وإذا اجتمعا كان الخلق أحرى بأن يتعلق بالذوات لما أنها ms2936 أوجدت بعد ~~تقدير ذواتها وآثارها، ويتعلق الأمر بآثارها والنظام الجاري فيها بالتفاعل ~~العام بينها لما أن الآثار هي التي قدرت للذوات ولا وجه لتقدير المقدر ~~فافهم ذلك. # ولذلك قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر" فأتى بالعطف المشعر بالمغايرة ~~بوجه وكان المراد بالخلق ما يتعلق من الإيجاد بذوات الأشياء، وبالأمر ما ~~يتعلق بآثارها والأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها كما ميز بين ~~الجهتين في أول الآية حيث قال: "خلق السماوات والأرض في ستة أيام" وهذا هو ~~إيجاد الذوات "ثم استوى على العرش يدبر الأمر" وهو إيجاد النظام الأحسن ~~بينها بإيقاع الأمر تلو الأمر والإتيان بالواحد منه بعد الواحد. # وما ربما يقال: إن العطف لا يقتضي المغايرة، ولو اقتضى ذلك لدل في قوله: ~~"من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل": البقرة: 98 على كون جبريل من غير ~~جنس الملائكة! مدفوع بأن المراد مغايرة ما ولو اعتبارا لقبح قولنا جاءني ~~زيد وزيد ورأيت عمرا وعمرا فلا محيص عن مغايرة ما ولو بحسب الاعتبار، ~~وجبريل مع كونه من جنس الملائكة يغايره غيره بما له من المقام المعلوم ~~والقوة والمكانة عند ذي العرش. # وقوله تعالى: "تبارك الله رب العالمين" أي كان ذا بركات ينزلها على ~~مربوبيه من جميع من في العالمين فهو ربهم. # كلام في معنى العرش # للناس في معنى العرش بل في معنى قوله: "ثم استوى على العرش" والآيات التي ~~في هذا المساق مسالك مختلفة، فأكثر السلف على أنها وما يشاكلها من الآيات ~~من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه، وهؤلاء يرون البحث ~~عن الحقائق الدينية والتطلع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنة بدعة، والعقل ~~يخطئهم في ذلك والكتاب والسنة لا يصدقانهم فآيات الكتاب تحرض كل التحريض ~~على التدبر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته ~~بالتذكر والتفكر والنظر فيها والاحتجاج بالحجج العقلية، ومتفرقات السنة ~~المتواترة معنى توافقها، ولا معنى للأمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة، ~~وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة - حتى البحث ms2937 ~~الكلامي الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ووضعها على ما تفيده بحسب ~~الفهم العامي ثم الدفاع عنها بما تيسر من المقدمات المشهورة والمسلمة عند ~~أهل الدين - ويعدونها بدعة فلنتركهم وشأنهم. # وأما طبقات الباحثين فقد اختلفوا في معناه على أقوال: 1 - حمل الكلمة على ~~ظاهر معناها فالعرش عندهم مخلوق كهيئة السرير له قوائم وهو موضوع على ~~السماء السابعة والله - تعالى عما يقول الظالمون - مستو عليه كاستواء ~~الملوك منا على عروشهم، وأكثر هؤلاء على أن العرش والكرسي شيء واحد، وهو ~~الذي وصفناه. # وهؤلاء هم المشبهة من المسلمين، والكتاب والسنة والعقل تخاصمهم في ذلك ~~وتنزه رب العالمين أن يماثل شيئا من خلقه ويشبهه في ذات، أو صفة، أو فعل ~~تعالى وتقدس. # 2 - أن العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني والمحدد للجهات ~~والأطلس الخالي من الكواكب، والراسم بحركته اليومية للزمان، وفي جوفه مماسا ~~به الكرسي وهو الفلك الثامن الذي فيه الثوابت، وفي جوفه الأفلاك السبعة ~~الكلية التي هي أفلاك السيارات السبع: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة ~~وعطارد والقمر بالترتيب محيطا بعضها ببعض. # وهذه هي التي يفرضها علم الهيئة على مسلك بطليموس لتنظيم الحركات العلوية ~~الظاهرة للحس طبقوا عليها ما يذكره القرآن من السماوات السبع والكرسي ~~والعرش فما وجدوا من أحكامها المذكورة في الهيئة والطبيعيات لا يخالف ~~الظواهر قبلوه، وما وجدوه يخالف الظواهر الموجودة في الكتاب ردوه كقولهم: ~~ليس للفلك المحدد وراء لا خلأ ولا ملأ، وقولهم بدوام الحركات الفلكية، ~~واستحالة الخرق والالتيام عليها، وكون كل فلك يماس بسطحه سطح غيره من غير ~~وجود بعد بينها ولا سكنة فيها، وكون أجسامها بسيطة متشابهة لا ثقب فيها ولا باب. PageV08P082 # والظواهر من القرآن والحديث تثبت أن وراء العرش حجبا وسرادقات، وأن له ~~قوائم، وأن له حملة، وأن الله سيطوي السماء كطي السجل للكتب، وأن في السماء ~~سكنة من الملائكة ليس فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك راكع أو ساجد يلجونه ~~وينزلون منه ويصعدون إليه، وأن للسماء أبوابا، وأن الجنة فيها عند سدرة ~~المنتهى التي ينتهي إليها ms2938 أعمال العباد إلى غير ذلك مما ينافي بظاهره ما ~~افترضه علماء الهيئة والطبيعيات سابقا، والقائلون منا إن السماوات والكرسي ~~والعرش هي ما افترضوه من الأفلاك التسعة الكلية يدفعون ذلك كله بمخالفة ~~الظواهر. # ولم ينبههم هذا الاختلاف في الوصف على أن ما يصفه القرآن غير ما يفترضه ~~أولئك لتوجيه الحركات العلوية حتى أوضحت الأبحاث الأخيرة العميقة في الهيئة ~~والطبيعيات المؤيدة بالحس والتجربة بطلان الفرضيات السابقة من أصلها فاضطر ~~هؤلاء إلى فسخ تطبيقهم ورفع اليد عنه. # 3 - أن لا مصداق للعرش خارجا وإنما قوله تعالى: "ثم استوى على العرش" ~~و"الرحمن على العرش استوى" كناية عن استيلائه تعالى على عالم الخلق، وكثيرا ~~ما يطلق الاستواء على الشيء على الاستيلاء عليه كما قيل: قد استوى بشر على ~~العراق. # من غير سيف ودم مهراق. # أو أن الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الأمور كما أن الملوك ~~إذا أرادوا الشروع في إدارة أمور مملكتهم استووا على عروشهم وجلسوا عليه ~~والشروع والأخذ في أمر وجميع ما ينبىء عن تغير الأحوال وتبدلها وإن كانت ~~ممتنعة في حقه تعالى لتنزهه تعالى عن التغير والتبدل لكن شأنه تعالى يسمى ~~شروعا وأخذا بالنظر إلى حدوث الأشياء بذواتها وأعيانها يومئذ فيسمى شأنه ~~تعالى وهو الشمول بالرحمة إذا تعلق بها شروعا وأخذا بالتدبير نظير سائر ~~الأفعال الحادثة المقيدة بالزمان المنسوبة إليه تعالى كقولنا خلق الله ~~فلانا، وأحيا فلانا، وأمات فلانا، ورزق فلانا، ونحو ذلك. # وفيه: أن كون قوله: "ثم استوى على العرش" جاريا مجرى الكناية بحسب اللفظ ~~وإن كان حقا لكنه لا ينافي أن يكون هناك حقيقة موجودة تعتمد عليها هذه ~~العناية اللفظية، والسلطة والاستيلاء والملك والإمارة والسلطنة والرئاسة ~~والولاية والسيادة وجميع ما يجري هذا المجرى فينا أمور وضعية اعتبارية ليس ~~في الخارج منها إلا آثارها على ما سمعته منا كرارا في الأبحاث الاعتبارية ~~السابقة، والظواهر الدينية تشابه من حيث البيان ما عندنا من بيانات أمورنا ~~وشئوننا الاعتبارية لكن الله سبحانه يبين لنا أن هذه البيانات وراءها حقائق ~~واقعية، وجهات خارجية ليست ms2939 بوهمية اعتبارية. # فمعنى الملك والسلطنة والإحاطة والولاية وغيرها فيه سبحانه هو المعنى ~~الذي نفهمه من كل هذه الألفاظ عندنا لكن المصاديق غير المصاديق فلها هناك ~~مصاديق حقيقية خارجية على ما يليق بساحة قدسه تعالى وأما ما عندنا من ~~مصاديق هذه المفاهيم فهي أوصاف ذهنية ادعائية وجهات وضعية اعتبارية لا ~~تتعدى الوهم، وإنما وضعناها وأخذنا بها للحصول على آثار حقيقية هي آثارها ~~بحسب الدعوى فلا يسمى الرئيس رئيسا إلا لأن يتبع الذين نسميهم مرءوسين ~~إراداته وعزائمه لا لأن الجماعة بدون حقيقة وهو رأسهم حقيقة، ولا نسمي جزء ~~الهيئة المؤتلفة عضوا لأنه يد أو رجل أو كبد أو رئة حقيقة بل لأن يتصدى من ~~الأمور المقصودة في هذا التشكيل والاجتماع ما يتصداه عضو من الأعضاء ~~الموجودة في بدن الإنسان مثلا. # وهذا هو الذي يسميه الله تعالى لعبا ولهوا إذ يقول: "وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب": العنكبوت: 64، فالمقاصد الدنيوية من زينة ومال ~~وأولاد وتقدم ورئاسة وحكومة وأمثالها ليست إلا عناوين وهمية لا تحقق لها ~~إلا في الأوهام، وليس الاشتغال بها لغير المقاصد الأخروية إلا اشتغالا ~~بأمور وهمية وصور خيالية، ولا المسابقة في تحصيلها إلا كمسابقة الأطفال في ~~تحصيل التقدم في الملاعب التي يشتغلون بها، وليس إلا تحصيل حالة خيالية ليس ~~منها في خارجة عين ولا أثر. # وحاشا لله سبحانه أن يذم هذه الحياة الفانية الغارة، ويسميها لعبا لما ~~تشتمل عليه من الشئون الوهمية ثم يكون تعالى وتقدس أول اللاعبين!. PageV08P083 # وبالجملة قوله تعالى: "ثم استوى على العرش" في عين أنه تمثيل يبين به أن له ~~إحاطة تدبيرية لملكه يدل على أن هناك مرحلة حقيقية هي المقام الذي يجتمع ~~فيه جميع أزمة الأمور على كثرتها واختلافها، ويدل عليه آيات أخر تذكر العرش ~~وحده وينسبه إليه تعالى كقوله تعالى: "وهو رب العرش العظيم": التوبة: 129، ~~وقوله: "الذين يحملون العرش ومن حوله": المؤمن: 7، وقوله: "ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية": الحاقة: 17، وقوله: "حافين من حول العرش": الزمر: 75. # فالآيات - كما ترى - تدل بظاهرها على أن العرش حقيقة ms2940 من الحقائق العينية ~~وأمر من الأمور الخارجية، ولذلك نقول: إن للعرش في قوله: "ثم استوى على ~~العرش" مصداقا خارجيا، ولم يوضع في الكلام لمجرد تتميم المثل كما نقوله في ~~أمثال كثيرة مضروبة في القرآن فلا نقول في مثل آية النور مثلا: أن في ~~الوجود زجاجة إلهية أو شجرة زيتونة إلهية أو زيتا إلهيا، ونقول: إن في ~~الوجود عرشا إلهيا أو لوحا وقلما إلهيين وكتابا مكتوبا فافهم ذلك. # وهذا العرش الذي يستفاد من مثل قوله: "ثم استوى على العرش" أنه مقام في ~~الوجود يجتمع فيه أزمة الحوادث والأمور كما يجتمع أزمة المملكة في عرش ~~الملك على التفصيل الذي تقدم في بيان الآية يدل على تحقق هذه الصفة له قوله ~~تعالى: "ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس: ~~3، ففسر الاستواء على العرش بتدبير الأمر منه، وعقبه بقوله: "ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه" والآية لما كانت في مقام وصف الربوبية والتدبير التكويني ~~كان المراد بالشفاعة الشفاعة في أمر التكوين، وهو السببية التي توجد في ~~الأسباب التكوينية التي هي وسائط متخللة بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى ~~كالنار المتخللة بينه وبين الحرارة التي يخلقها، والحرارة المتخللة بينه ~~وبين التخلخل أو ذوبان الأجسام فنفي السببية عن كل شيء إلا من بعد إذنه ~~لإفادة توحيد الربوبية التي يفيده صدر الآية: "إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض". # وفي قوله: "ما من شفيع إلا من بعد إذنه" بيان حقيقة أخرى وهي رجوع التخلف ~~في التدبير إلى التدبير بعينه بواسطة الإذن، فإن الشفيع إنما يتوسط بين ~~المشفوع له المحكوم بحكم، المشفوع عنده، ليغير بالشفاعة مجرى حكم سيجري لو ~~لا الشفاعة فالشمس المضيئة بالمواجهة مثلا شفيعة متوسطة بين الله سبحانه ~~وبين الأرض لاستنارتها بالنور ولو لا ذلك لكان مقتضى تقدير الأسباب العامة ~~ونظمها أن تحيط بها الظلمة ثم الحائل من سقف أو أي حجاب آخر شفيع آخر يسأله ~~تعالى أن لا يقع نور الشمس على الأرض باستقامة وهكذا. # فإذا كانت شفاعة ms2941 الشفيع - وهو سبب مغير لما سبقه من الحكم - مستندة إلى ~~إذنه تعالى كان معناه أن التدبير العام الجاري إنما هو من الله سبحانه، وأن ~~كل ما يتخذ من الوسائل لإبطال تدبيره وتغيير مجرى حكمه أعم مما يتخذه ~~الأسباب التكوينية وما يتخذه الإنسان من التدابير للفرار عن حكم الأسباب ~~الجارية الإلهية كل ذلك من التدبير الإلهي. # ولذلك نرى الأشياء الردية تعصي فلا تقبل الصور الشريفة والمواهب السامية، ~~لقصور استعدادها عن قبولها، وهذا الرد منها بعينه قبول، والامتناع من قبول ~~التربية بعينه تربية أخرى إلهية والإنسان على ما به من الجهل يستعلي على ~~ربه ويستنكف عن الخضوع لعظمته وهو بعينه انقياد لحكمه، ويمكر به وهو بعينه ~~ممكور به قال تعالى: "وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون": الأنعام: 123، ~~وقال تعالى: "وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون": آل عمران: 69، وقال تعالى: ~~"وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير": الشورى: 31. # فقوله: "ما من شفيع إلا من بعد إذنه" يدل على أن شفاعة الشفاعة أو ~~الأسباب المخالفة التي تحول بين التدبير الإلهي وبين مقتضياته داخلة من جهة ~~أخرى وهي جهة الإذن في التدبير الإلهي فافهم ذلك. # فما مثل الأسباب والعوامل المتخالفة المتزاحمة في الوجود إلا كمثل كفتي ~~الميزان تتعاركان بالارتفاع والانخفاض، والثقل والخفة لكن اختلافهما بعينه ~~اتفاق منهما في إعانة صاحب الميزان في تشخيص ما يريد تشخيصه من الوزن. PageV08P084 # ويقرب من آية سورة يونس في الدلالة على شمول التدبير ونفي مدبر غيره تعالى ~~قوله: "ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون": ~~السجدة: 4، ويقرب من قوله: "ثم استوى على العرش يدبر الأمر" في الإشارة إلى ~~كون العرش مقاما تنتشىء فيه التدابير العامة وتصدر عنه الأوامر التكوينية ~~قوله تعالى: "ذو العرش المجيد فعال لما يريد": البروج: 16، وهو ظاهر. # وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: "وترى الملائكة حافين من حول العرش ~~يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق": الزمر: 75، فإن الملائكة هم الوسائط ~~الحاملون لحكمه والمجرون ms2942 لأمره العاملون بتدبيره فليكونوا حافين حول عرشه. # وكذا قوله تعالى: "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون ~~به ويستغفرون للذين آمنوا": المؤمن: 7، وفي الآية مضافا إلى ذكر احتفافهم ~~بالعرش شيء آخر وهو أن هناك حملة يحملون العرش، وهم لا محالة أشخاص يقوم ~~بهم هذا المقام الرفيع والخلق العظيم الذي هو مركز التدابير الإلهية ~~ومصدرها، ويؤيد ذلك ما في آية أخرى وهي قوله: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية": الحاقة: 17. # وإذ كان العرش هو المقام الذي يرجع إليه جميع أزمة التدابير الإلهية ~~والأحكام الربوبية الجارية في العالم كما سمعت، كان فيه صور جميع الوقائع ~~بنحو الإجمال حاضرة عند الله معلومة له، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: "ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير": الحديد: 4، ~~فقوله: "يعلم ما يلج" إلخ، يجري مجرى التفسير للاستواء على العرش فالعرش ~~مقام العلم كما أنه مقام التدبير العام الذي يسع كل شيء، وكل شيء في جوفه. # ولذلك هو محفوظ بعد رجوع الخلق إليه تعالى لفصل القضاء كما في قوله: ~~"وترى الملائكة حافين من حول العرش" وموجود مع هذا العالم المشهود كما يدل ~~عليه آيات خلق السماوات والأرض، وموجود قبل هذه الخلقة كما يدل عليه قوله: ~~"وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء": هود: 7. # قوله تعالى: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية" إلى آخر الآيتين. # التضرع هو التذلل من الضراعة وهي الضعف والذلة. # والخفية هي الاستتار وليس من البعيد أن يكون كناية عن التذلل جيء به ~~لتأكيد التضرع فإن المتذلل يكاد يختفي من الصغار والهوان. # الآية السابقة: "إن ربكم الله الذي خلق" الآية تذكر بربوبيته وحده لا ~~شريك له من جهة أنه هو الخالق وحده، وإليه تدبير خلقه وحده، فتعقيبها ~~بهاتين الآيتين بمنزلة أخذ النتيجة من البيان، وهي الدعوة إلى دعائه ~~وعبوديته، والحكم بأخذ دين يوافق ربوبيته تعالى وهي الربوبية من غير ms2943 شريك ~~في الخلق ولا في التدبير. # ولذلك دعا أولا إلى دين العبودية فقال: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" فأمر أن يدعوه بالتضرع ~~والتذلل وأن يكون ذلك خفته من غير المجاهرة البعيدة عن أدب العبودية ~~الخارجة عن زيها - بناء على أن تكون الواو في "تضرعا وخفية" للجمع - أو أن ~~يدعوه بالتضرع والابتهال الملازم عادة للجهر بوجه أو بالخفية إخفاتا فإن ~~ذلك هو لازم العبودية ومن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبودية وإن الله لا ~~يحب المعتدين. # ومن الممكن أن يكون المراد بالتضرع والخفية: الجهر والسر وإنما وضع ~~التضرع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافيا لأدب العبودية إلا أن يصاحب ~~التضرع. PageV08P085 # هذا فيما بينهم وبين الله، وأما فيما بينهم وبين الناس فأن لا يفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها فليس حقيقة الدين فيما يرجع إلى حقوق الناس إلا أن يصلح ~~شأنهم بارتفاع المظالم من بينهم ومعاملتهم بما يعينهم على التقوى، ويقربهم ~~من سعادة الحياة في الدنيا والآخرة ثم كرر الدعوة إليه وأعاد البعث إلى ~~دعائه بالجمع بين الطريقين الذين لم يزل البشر يعبد الرب أو الأرباب من ~~أحدهما وهما طريق الخوف وطريق الرجاء فإن قوما كانوا يتخذون الأرباب خوفا ~~فيعبدونهم ليسلموا من شرورهم، وكان قوما يتخذون الأرباب طمعا فيعبدونهم ~~لينالوا خيرهم وبركتهم لكن العبادة عن محض الخوف ربما ساق الإنسان إلى ~~اليأس والقنوط فدعاه إلى ترك العبادة، وقد شوهد ذلك كثيرا، والعبادة عن محض ~~الطمع ربما قاد إلى استرسال الوقاحة وزوال زي العبودية فدعاه إلى ترك ~~العبادة، وقد شوهد أيضا كثيرا فجمع سبحانه بينهما ودعا إلى الدعاء ~~باستعمالهما معا فقال: "وادعوه خوفا وطمعا" ليصلح كل من الصفتين ما يمكن أن ~~تفسده الأخرى، وفي ذلك وقوع في مجرى الناموس العام الجاري في العالم أعني ~~ناموس الجذب والدفع. # وقد سمى الله سبحانه هذا الاعتدال في العبادة والتجنب عن إفساد الأرض بعد ~~إصلاحها إحسانا وبشر المجيبين لدعوته بأنهم يكونون حينئذ محسنين فتقرب منهم ~~رحمته إن ms2944 رحمة الله قريب من المحسنين. # ولم يقل: رحمة الله قريبة، قيل: لأن الرحمة مصدر يستوي فيه الوجهان، ~~وقيل: لأن المراد بالرحمة الإحسان، وقيل: لأن قريب فعيل بمعنى المفعول ~~فيستوي فيه المذكر والمؤنث ونظيره قوله تعالى: "لعل الساعة قريب": الشورى: 17. # قوله تعالى: "وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته" إلى آخر الآية ~~وفي الآية بيان لربوبيته تعالى من جهة العود كما أن في قوله: "إن ربكم ~~الله" الآية بيانا لها من جهة البدء. # وقوله: "بشرا" وأصله البشر بضمتين جمع بشير كالنذر جمع نذير، والمراد ~~بالرحمة المطر، وقوله: "بين يدي رحمته" أي قدام المطر، وفيه استعارة ~~تخييلية بتشبيه المطر بالإنسان الغائب الذي ينتظره أهله فيقدم وبين يديه ~~بشير يبشر بقدومه. # والإقلال الحمل، والسحاب والسحابة الغمام والغمامة كتمر وتمرة وكون ~~السحاب ثقالا باعتبار حمله ثقل الماء، وقوله "لبلد ميت" أي لأجل بلد ميت أو ~~إلى بلد ميت والباقي ظاهر. # والآية تحتج بإحياء الأرض على جواز إحياء الموتى لأنهما من نوع واحد، ~~وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد وليس الأحياء الذين عرض لهم ~~عارض الموت بمنعدمين من أصلهم فإن أنفسهم وأرواحهم باقية محفوظة وإن تغيرت ~~أبدانهم، كما أن النبات يتغير ما على وجه الأرض منها ويبقى ما في أصله من ~~الروح الحية على انعزال من النشوء والنماء ثم تعود إليه حياته الفعالة كذلك ~~يخرج الله الموتى فما إحياء الموتى في الحشر الكلي يوم البعث إلا كإحياء ~~الأرض الميتة في بعثه الجزئي العائد كل سنة، وللكلام ذيل سيوافيك في محل ~~آخر إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه" إلى آخر الآية. # النكد القليل. # والآية بالنظر إلى نفسها كالمثل العام المضروب لترتب الأعمال الصالحة ~~والآثار الحسنة على الذوات الطيبة الكريمة كخلافها على خلافها كما تقدم في ~~قوله: "كما بدأكم تعودون" لكنها بانضمامها إلى الآية السابقة تفيد أن الناس ~~وإن اختلفوا في قبول الرحمة فالاختلاف من قبلهم والرحمة الإلهية عامة مطلقة. PageV08P086 ### |||| AUTO بحث روائي # لم ينقل عن طبقة الصحابة ms2945 بحث حقيقي عن مثل العرش والكرسي وسائر الحقائق ~~القرآنية وحتى أصول المعارف كمسائل التوحيد وما يلحق بها بل كانوا لا ~~يتعدون الظواهر الدينية ويقفون عليها، وعلى ذلك جرى التابعون وقدماء ~~المفسرين حتى نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: كلما وصف الله من نفسه في ~~كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وعن الإمام مالك أن رجلا قال له: يا ~~أبا عبد الله استوى على العرش، كيف استوى؟ قال الراوي: فما رأيت مالكا وجد ~~من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء يعني العرق وأطرق القوم. قال: فسري ~~عن مالك فقال: الكيف غير معقول: والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج. وكأن ~~قوله: الكيف غير معقول إلخ، مأخوذ عما روي عن أم سلمة أم المؤمنين في قوله ~~تعالى: "الرحمن على العرش استوى" قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير ~~مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. # فهذا نحو سلوكهم في ذلك لم يورث منهم شيء إلا ما يوجد في كلام الإمام علي ~~بن أبي طالب والأئمة من ولده بعده (عليه السلام) ونحن نورد بعض ما عثرنا ~~عليه في كلامهم. # ففي التوحيد، بإسناده عن سلمان الفارسي فيما أجاب به علي (عليه السلام) ~~الجاثليق: فقال علي (عليه السلام): إن الملائكة تحمل العرش، وليس العرش كما ~~تظن كهيئة السرير ولكنه شيء محدود مخلوق مدبر وربك مالكه لا أنه عليه ككون ~~الشيء على الشيء. # الخبر. # وفي الكافي، عن البرقي رفعه قال: سأل الجاثليق عليا (عليه السلام) فقال: ~~أخبرني عن الله عز وجل يحمل العرش أو العرش يحمله؟ فقال (عليه السلام): ~~الله عز وجل حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول ~~الله عز وجل: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا - ولئن زالتا إن ~~أمسكهما من أحد من بعده - إنه كان حليما غفورا". قال: فأخبرني عن قوله: ~~"ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" فكيف ذاك وقلت: إنه يحمل العرش ~~والسماوات والأرض؟ فقال أمير المؤمنين (عليه ms2946 السلام): إن العرش خلقه الله ~~تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أخضر منه ~~اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة ونور أبيض منه ابيض البياض. وهو ~~العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من نور عظمته فبعظمته ونوره أبصر ~~قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في ~~السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان ~~المتشتتة فكل شيء محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ~~ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكل شيء محمول، والله تبارك ~~وتعالى الممسك لهما أن تزولا، والمحيط بهما من شيء، وهو حياة كل شيء ونور ~~كل شيء سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال له: فأخبرني عن الله أين ~~هو؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت ومحيط ~~بنا ومعنا، وهو قوله: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم - ولا خمسة إلا ~~هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر - إلا هو معهم أينما كانوا" فالكرسي ~~محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه ~~يعلم السر وأخفى، وذلك قوله: "وسع كرسيه السماوات والأرض - ولا يئوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم". فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم ~~الله علمه، وليس يخرج من هذه الأربعة شيء خلقه الله في ملكوته، وهو الملكوت ~~الذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله فقال: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض - وليكون من الموقنين" وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته ~~حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته، الخبر. # أقول: قوله أخبرني عن الله عز وجل يحمل العرش أو العرش يحمله إلخ، ظاهر ~~في أن الجاثليق أخذ الحمل بمعنى حمل الجسم للجسم، وقوله (عليه السلام): ~~الله حامل العرش والسماوات والأرض إلخ، أخذ للحمل بمعناه التحليلي وتفسير ~~له بمعنى حمل وجود الشيء وهو قيام وجود الأشياء به تعالى قياما تبعيا محضا ~~لا استقلاليا، ومن المعلوم أن لازم هذا المعنى أن يكون الأشياء محمولة ms2947 له ~~تعالى لا حاملة. PageV08P087 # ولذلك لما سمع الجاثليق ذلك سأله (عليه السلام) عن قوله تعالى: "ويحمل عرش ~~ربك فوقهم يومئذ ثمانية" فإن حمل وجود الشيء بالمعنى المتقدم يختص به تعالى ~~لا يشاركه فيه غيره مع أن الآية تنسبه إلى غيره! ففسر (عليه السلام) الحمل ~~ثانيا بحمل العلم وفسر العرش بالعلم. # غير أن ذلك حيث كان يوهم المناقضة بين التفسيرين زاد (عليه السلام) في ~~توضيح ما ذكره من كون العرش هو العلم إن هذا العلم غير ما هو المتبادر إلى ~~الأفهام العامية من العلم وهو العلم الحصولي الذي هو الصورة النفسانية بل ~~هو نور عظمته وقدرته حضرت لهؤلاء الحملة بإذن الله وشوهدت لهم فسمي ذلك ~~حملا، وهو مع ذلك محمول له تعالى ولا منافاة كما أن وجود أفعالنا حاضرة ~~عندنا محمولة لنا وهي مع ذلك حاضرة عند الله سبحانه محمولة له وهو المالك ~~الذي ملكنا إياها. # فنور العظمة الإلهية وقدرته الذي ظهر به جميع الأشياء هو العرش الذي يحيط ~~بما دونه وهو ملكه تعالى لكل شيء دون العرش وهو تعالى الحامل لهذا النور ثم ~~الذين كشف الله لهم عن هذا النور يحملونه بإذن الله، والله سبحانه هو ~~الحامل للحامل والمحمول جميعا. # فالعرش في قوله: "ثم استوى على العرش" - وإن شئت قلت: الاستواء على العرش ~~هو الملك، وفي قوله: "ويحمل عرش ربك" الآية هو العلم، وهما جميعا واحد وهو ~~المقام الذي يظهر به جميع الأشياء ويتمركز فيه إجمال جميع التدابير ~~التفصيلية الجارية في نظام الوجود فهو مقام الملك الذي يصدر منه التدابير، ~~ومقام العلم الذي يظهر به الأشياء. # وقوله (عليه السلام): فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين "إلخ" يريد أن ~~هذا المقام هو المقام الذي ينشأ منه تدبير نظام السعادة الذي وقع فيه مجتمع ~~المؤمنين وتسير عليه قافلتهم في مسيرهم إلى الله سبحانه، وينشأ منه نظام ~~الشقاء الذي ينبسط على جميع المعاندين أعداء الله الجاهلين بمقام ربهم بل ~~المقام الذي ينشأ منه النظام العالمي العام الذي يعيش تحته كل ذي وجود، ~~ويسير به ms2948 سائرهم للتقرب إليه بأعمالهم وسننهم سواء علموا بما هم فيه من ~~ابتغاء الوسيلة إليه تعالى أو جهلوا. # وقوله (عليه السلام): "وهو حياة كل شيء ونور كل شيء" كالتعليل المبين ~~لقوله قبله فكل شيء محمول يحمله الله إلى آخر ما قال. # ومحصله أنه تعالى هو الذي به يوجد كل شيء، وهو الذي يدرك كل شيء فيظهر به ~~طريقه الخاص به في مسير وجوده ظهور الطريق المظلم لسائره بواسطة النور فهي ~~لا تملك لأنفسها شيئا بل الله سبحانه هو المالك لها الحامل لوجودها. # وقوله (عليه السلام): هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت "إلخ" يريد أن الله ~~سبحانه لما كان مقوما لوجود كل شيء حافظا وحاملا له لم يكن محل من المحال ~~خاليا عنه، ولا هو مختصا بمكان دون مكان، وكان معنى كونه في مكان أو مع شيء ~~ذي مكان أنه تعالى حافظ له وحامل لوجوده ومحيط به، وهو وكذا غيره محفوظ ~~بحفظه تعالى ومحمول ومحاط له. # وهذا يئول إلى علمه الفعلي بالأشياء، ونعني به أن كل شيء حاضر عنده تعالى ~~غير محجوب عنه، ولذلك قال (عليه السلام) أولا: "فالكرسي محيط بالسماوات ~~والأرض وما بينهما وما تحت الثرى" فأشار إلى الإحاطة ثم عقبه بقوله: "وإن ~~تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" فأشار إلى العلم فأنتج ذلك أن الكرسي ~~ويعني به العرش مقام الإحاطة والتدبير والحفظ، وأنه مقام العلم والحضور ~~بعينه، ثم طبقه على قوله تعالى: "وسع كرسيه السماوات والأرض" الآية. # وقوله (عليه السلام): "وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق الله في ملكوته" ~~كأنه إشارة إلى الألوان الأربعة المذكورة في أول كلامه (عليه السلام) ~~وسيجيء كلام فيها في أحاديث المعراج إن شاء الله. # وقوله (عليه السلام) "وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه" فالعرش هو ~~الملكوت غير أن الملكوت اثنان ملكوت أعلى وملكوت أسفل، والعرش لكونه مقام ~~الإجمال وباطن البابين من الغيب كما سيأتي ما يدل على ذلك من الرواية كان ~~الأحرى به أن يكون الملكوت الأعلى. PageV08P088 # وقوله (عليه السلام): وكيف يحمل حملة العرش الله ms2949 "إلخ" تأكيد وتثبيت لأول ~~الكلام: أن العرش هو مقام حمل وجود الأشياء وتقويمه، فحملة العرش محمولون ~~له سبحانه لا حاملون كيف؟ ووجودهم وسير وجودهم يقوم به تعالى لا بأنفسهم، ~~ولاعتباره (عليه السلام) هذا المقام الوجودي علما عبر عن وجودهم وعن كمال ~~وجودهم بالقلوب، ونور الاهتداء إلى معرفة الله إذ قال: وبحياته حييت قلوبهم ~~وبنوره اهتدوا إلى معرفته. # وفي التوحيد، بإسناده عن حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن العرش والكرسي فقال: إن للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كل سبب ~~وضع في القرآن صفة على حدة فقوله: "رب العرش العظيم" يقول: رب الملك ~~العظيم، وقوله: "الرحمن على العرش استوى" يقول: على الملك احتوى، وهذا علم ~~الكيفوفية في الأشياء. ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي لأنهما بابان من ~~أكبر أبواب الغيوب وهما جميعا غيبان، وهما في الغيب مقرونان لأن الكرسي هو ~~الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنها الأشياء كلها، والعرش هو ~~الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والأين والمشية وصفة ~~الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء. فهما في العلم ~~بابان مقرونان لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسي فمن ~~ذلك قال: "رب العرش العظيم" أي صفته أعظم من صفة الكرسي، وهما في ذلك ~~مقرونان. قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي؟ قال (عليه السلام): ~~إنه صار جاره لأن علم الكيفوفية فيه وفيه الظاهر من أبواب البداء وإنيتها ~~وحد رتقها وفتقها فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف، وبمثل صرف ~~العلماء، وليستدلوا على صدق دعواهما لأنه يختص برحمته من يشاء وهو القوي ~~العزيز. أقول: قوله (عليه السلام): إن للعرش صفات كثيرة إلخ، يؤيد ما ~~ذكرناه سابقا أن الاستواء على العرش لبيان اجتماع أزمة التدابير العالمية ~~عند الله، ويؤيده ما في آخر الحديث من قوله: وبمثل صرف العلماء. # وقوله (عليه السلام): "وهذا علم الكيفوفية في الأشياء" المراد به العلم ~~بالعلل العالية والأسباب القصوى للموجودات ms2950 فإن لفظ "كيف" عرفا كما يسأل به ~~عن العرض المسمى اصطلاحا بالكيف كذلك يسأل به عن سبب الشيء ولمه، يقال: كيف ~~وجد كذا؟ وكيف فعل زيد كذا وهو لا يستطيع. # وقوله (عليه السلام): ثم العرش في الوصل مفرد عن الكرسي "إلخ" مراده أن ~~العرش والكرسي واحد من حيث إنهما مقام الغيب الذي يظهر منه الأشياء وينزل ~~منه إلى هذا العالم لكن العرش في الصلة الكلامية متميز من الكرسي لأن هذا ~~المقام في نفسه ينقسم إلى مقامين وينشعب إلى بابين لكنهما مقرونان غير ~~متباينين: أحدهما الباب الظاهر الذي يلي هذا العالم، والآخر الباب الباطن ~~الذي يليه ثم بينه بقوله: لأن الكرسي هو الباب الظاهر "إلخ". # قوله (عليه السلام): "لأن الكرسي هو الباب الظاهر الذي منه مطلع البدع ~~ومنها الأشياء كلها" أي طلوع الأمور البديعة على غير مثال سابق، ومنها ~~يتحقق الأشياء كلها لأن جميعها بديعة على غير مثال سابق، وهي إنما تكون ~~بديعة إذا كانت مما لا يتوقع تحققها من الوضع السابق الذي كان أنتج الأمور ~~السابقة على هذا الحادث التي تذهب هي ويقوم هذا مقامها فيئول الأمر إلى ~~البداء بإمحاء حكم سبب وإثبات حكم الآخر موضعه فجميع الوقائع الحادثة في ~~هذا العالم المستندة إلى عمل الأسباب المتزاحمة والقوى المتضادة بدع حادثة ~~وبداءات في الإرادة. PageV08P089 # وفوق هذه الأسباب المتزاحمة والإرادات المتغايرة التي لا تزال تتنازع في ~~الوجود سبب واحد وإرادة واحدة حاكمة لا يقع إلا ما يريده فهو الذي يحجب هذا ~~السبب بذاك السبب ويغير حكم هذه الإرادة ويقيد إطلاق تأثير كل شيء بغيره ~~كمثل الذي يريد قطع طريق لغاية كذا فيأخذ في طيه، وبينما هو يطوي الطريق ~~يقف أحيانا ليستريح زمانا، فعله الوقوف ربما تنازع علة الطي والحركة ~~وتوقفها عن العمل، والإرادة تغير الإرادة لكن هناك إرادة أخرى هي التي تحكم ~~على الإرادتين جميعا وتنظم العمل على ما تميل إليه بتقديم هذه تارة وتلك ~~أخرى والإرادتان أعني سببي الحركة والسكون وإن كانت كل منهما تعمل لنفسها ~~وعلى حدتها وتنازع صاحبتها ms2951 لكنهما جميعا متفقتان في طاعة الإرادة التي هي ~~فوقهما، ومتعاضدتان في إجراء ما يوجبه السبب الذي هو أعلى منهما وأسمى. # فالمقام الذي ينفصل به السببان المتنافيان وينشأ منه تنازعهما بمنزلة ~~الكرسي، والمقام الذي يظهر أن فيه متلائمين متآلفين بمنزلة العرش، وظاهر أن ~~الثاني أقدم من الأول، وأنهما يختلفان بنوع من الإجمال والتفصيل، والبطون ~~والظهور. # وأحرى بالمقامين أن يسميا عرشا وكرسيا لأن فيهما خواص عرش الملك وكرسيه ~~فإن الكرسي: الذي يظهر فيه أحكام الملك من جهة عماله وأيديه العمالة، وكل ~~منهم يعمل بحيال نفسه في نوع من أمور المملكة وشئونها وربما تنازعت الكراسي ~~فيقدم حكم البعض على البعض ونسخ البعض حكم البعض، لكنها جميعا تتوافق وتتحد ~~في طاعة أحكام العرش وهو المختص بالملك نفسه فعنده الحكم المحفوظ عن تنازع ~~الأسباب غير المنسوخ بنسخ العمال والأيدي، وفي عرشه إجمال جميع التفاصيل ~~وباطن ما يظهر من ناحية العمال والأيدي. # وبهذا البيان يتضح معنى قوله (عليه السلام): لأن الكرسي هو الباب الظاهر ~~"إلخ" فقوله "منه مطلع البدع" أي طلوع الأمور الكونية غير المسبوقة بمثل، ~~وقوله "ومنها الأشياء كلها" أي تفاصيل الخلقة ومفرداتها المختلفة المتشتتة. # وقوله: "والعرش هو الباب الباطن" قبال كون الكرسي هو الباب الظاهر، ~~والبطون والظهور فيهما باعتبار وقوع التفرق في الأحكام الصادرة وعدم وقوعه، ~~وقوله يوجد فيه "إلخ" أي جميع العلوم والصور التي تنتهي إلى إجمالها تفاصيل ~~الأشياء. # وقوله: "علم الكيف" كأن المراد بالكيف خصوصية صدور الشيء عن أسبابه، ~~وقوله: "والكون" المراد به تمام وجوده كما أن المراد بالعود والبدء أول ~~وجودات الأشياء ونهايتها وقوله: "والقدر والحد" المراد بهما واحد غير أن ~~القدر حال مقدار الشيء بحسب نفسه، والحد حال الشيء بحسب إضافته إلى غيره ~~ومنعه أن يدخل حومة نفسه ويمازجه، وقوله: "والأين" هو النسبة المكانية، ~~وقوله: "والمشية وصفة الإرادة" هما واحد ويمكن أن يكون المراد بالمشية ~~أصلها وبصفة الإرادة خصوصيتها. # وقوله: "وعلم الألفاظ والحركات والترك" علم الألفاظ هو العلم بكيفية ~~انتشاء دلالة الألفاظ بارتباطها إلى الخارج بحسب الطبع فإن الدلالة الوضعية ms2952 ~~تنتهي بالآخرة إلى الطبع، وعلم الحركات والترك، العلم بالأعمال والتروك من ~~حيث ارتباطها إلى الذوات ويمكن أن يكون المراد بمجموع قوله: "علم الألفاظ ~~وعلم الحركات والترك" العلم بكيفية انتشاء اعتبارات الأوامر والنواهي من ~~الأفعال والتروك، وانتشاء اللغات من حقائقها المنتهية إلى منشإ واحد، ~~والترك هو السكون النسبي في مقابل الحركات. # وقوله: "لأن علم الكيفوفية فيه" الضمير للعرش، وقوله: "وفيه الظاهر من ~~أبواب البداء" الضمير للكرسي، والبداء ظهور سبب على سبب آخر وإبطاله أثره، ~~وينطبق على جميع الأسباب المتغايرة الكونية من حيث تأثيرها. # وقوله (عليه السلام): "فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف" المراد به ~~على ما يؤيده البيان السابق أن العرش والكرسي جاران متناسبان بل حقيقة ~~واحدة مختلفة بحسب مرتبتي الإجمال والتفصيل: وإنما نسب إلى أحدهما أنه حمل ~~الآخر بحسب صرف الكلام وضرب المثل، وبالأمثال تبين المعارف الدقيقة الغامضة ~~للعلماء. PageV08P090 # وقوله: "وليستدلوا على صدق دعواهما" أي دعوى العرش والكرسي أي وجعل هذا ~~المثل ذريعة لأن يستدل العلماء بذلك على صدق المعارف الحقة الملقاة إليهم ~~في كيفية انتشاء التدبير الجاري في العالم من مقامي الإجمال والتفصيل ~~والباطن والظاهر، فافهم ذلك. # وفي التوحيد، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن قوله تعالى: ~~"وكان عرشه على الماء" الآية، فقال: ما يقولون؟ قيل: إن العرش كان على ~~الماء والرب فوقه! فقال: كذبوا، من زعم هذا فقد صير الله محمولا ووصفه بصفة ~~المخلوقين، ولزمه أن الشيء الذي يحمله هو أقوى منه. قال: إن الله حمل دينه ~~وعلمه الماء قبل أن تكون سماء أو أرض أو جن أو إنس أو شمس أو قمر. # أقول: وهو كسابقه في الدلالة على أن العرش هو العلم، والماء أصل الخلقة ~~وكان العلم الفعلي متعلقا به قبل ظهور التفاصيل. # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) أنه سئل عن بعد ما بين الأرض والعرش. ~~فقال: قول العبد مخلصا: لا إله إلا الله. # أقول: وهو من لطائف كلامه (عليه السلام) أخذه من قوله تعالى: "إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". # ووجهه ms2953 أن العبد إذا نفى عن غيره تعالى الألوهية بإخلاص الألوهية ~~والاستقلال له تعالى أوجب ذلك نسيان غيره، والتوجه إلى مقام استناد كل شيء ~~إليه تعالى، وهذا هو مقام العرش على ما مر بيانه. # ونظيره في اللطافة قوله (عليه السلام): قد سئل عن بعد ما بين الأرض ~~والسماء: مد البصر ودعوة المظلوم. # وفي الفقيه، والمجالس، والعلل، للصدوق: روي عن الصادق (عليه السلام) أنه ~~سئل لم سمي الكعبة كعبة؟ قال: لأنها مربعة فقيل له: ولم صارت مربعة؟ قال: ~~لأنها بحذاء البيت المعمور وهو مربع. فقيل له: ولم صار البيت المعمور ~~مربعا؟ قال: لأنه بحذاء العرش وهو مربع، فقيل له: ولم صار العرش مربعا؟ ~~قال: لأن الكلمات التي بني عليها الإسلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر. # الحديث. # أقول: وهذه الكلمات الأربع أولاها: تتضمن التنزيه والتقديس والثانية ~~التشبيه والثناء، والثالثة التوحيد الجامع بين التنزيه والتشبيه، والرابعة: ~~التوحيد الأعظم المختص بالإسلام، وهو أن الله سبحانه أكبر من أن يوصف فإن ~~الوصف تقييد وتحديد وهو تعالى أجل من أن يحده حد ويقيده قيد، وقد تقدم نبذة ~~من الكلام فيه في تفسير قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة" الآية. # وبالجملة يرجع المعنى إلى تفسيره بالعلم على ما مر، والروايات المختلفة ~~في هذا المعنى كثيرة كما ورد أن آية الكرسي وآخر البقرة وسورة محمد من كنوز ~~العرش وما ورد أن (صلى الله عليه وآله وسلم) نهر يخرج من ساق العرش، وما ~~ورد أن الأفق المبين قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد فيه من القدحان عدد ~~النجوم. # وفي تفسير القمي، عن عبد الرحيم الأقصر عن الصادق (عليه السلام) قال: ~~سألته عن "ن والقلم" قال: إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها: ~~الخلد، ثم قال لنهر في الجنة: كن مدادا فجمد النهر، وكان أشد بياضا من ~~الثلج وأحلى من الشهد. ثم قال للقلم: اكتب. قال: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب ~~ما كان وما هو كائن ms2954 إلى يوم القيامة فكتب القلم في رق أشد بياضا من الفضة ~~وأصفى من الياقوت ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم على فم القلم فلم ينطق ~~بعد، ولا ينطق أبدا فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها الحديث. # وسيجيء تمامه في سورة ن إن شاء الله تعالى. # أقول: وفي معناها روايات أخر، وفي بعضها لما استزاد الراوي بيانا وأصر ~~عليه قال (عليه السلام): القلم ملك واللوح ملك، فبين بذلك أن ما وصفه تمثيل ~~من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لتفهيم الغرض. # وفي كتاب روضة الواعظين، عن الصادق عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: ~~في العرش تمثال ما خلق الله في البر والبحر. قال: وهذا تأويل قوله: "وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه - وما ننزله إلا بقدر معلوم". أقول: أي وجود صور ~~الأشياء وتماثيلها في العرش، هو الحقيقة التي يبتنى عليها بيان الآية، وقد ~~تقدم توضيح معنى وجود صور الأشياء في العرش، وفي معنى هذه الرواية ما ورد ~~في تفسير دعاء "يا من أظهر الجميل". PageV08P091 # وفيه، أيضا عن الصادق عن أبيه عن جده (عليهم السلام) في حديث: وإن بين ~~القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام، ~~والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من ~~خلق الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة. أقول: والجملة الأخيرة ~~مما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق الشيعة وأهل السنة، ~~والذي ذكره (عليه السلام) بناء على ما تقدم تمثيل، ونظائره كثيرة في ~~رواياتهم (عليهم السلام). # ومن الدليل عليه أن ما وصف في الرواية من عظم العرش بأي حساب فرض يوجد من ~~الدوائر التي ترسمها الأشعة النورية ما هي أعظم منه بكثير فليس التوصيف إلا ~~لتقريب المعقول من الحس. # وفي العلل، عن علل محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام)،: علة الطواف ~~بالبيت أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة - قالوا ~~أتجعل فيها من ms2955 يفسد فيها ويسفك الدماء، فردوا على الله تبارك وتعالى هذا ~~الجواب فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا فأحب الله عز ~~وجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتا بحذاء العرش ~~يسمى "الضراح" ثم وضع في السماء الدنيا بيتا يسمى "البيت المعمور" بحذاء ~~الضراح ثم وضع البيت بحذاء البيت المعمور ثم أمر آدم فطاف به فجرى في ولده ~~إلى يوم القيامة. الحديث. # أقول: الحديث لا يخلو عن الغرابة من جهات، وكيف كان فبناء على تفسير ~~العرش بالعلم يكون معنى لواذ الملائكة بالعرش هو اعترافهم بالجهل وإرجاع ~~العلم إليه سبحانه حيث قالوا: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم" وقد مر الكلام في هذه القصة في أوائل سورة البقرة. # وفي الرواية ذكر الضراح والبيت المعمور في السماء ومعظم الروايات تذكر في ~~السماء بيتا واحدا وهو البيت المعمور في السماء الرابعة، وفيها إثبات الذنب ~~للملائكة وهم معصومون بنص القرآن، ولعل المراد من العلم بالذنب العلم بنوع ~~من القصور. # وأما كون الكعبة بحذاء البيت المعمور فالظاهر أنه محاذاة معنوية لا حسية ~~جسمانية، ومن الشاهد عليه قوله "فوضع في السماء الرابعة بيتا بحذاء العرش" ~~إذ المحصل من القرآن والحديث أن العرش والكرسي محيطان بالسماوات والأرض، ~~ولا يتحقق معنى المحاذاة بين المحيط والمحاط إذا كانت الإحاطة جسمانية. # وفي الخصال، عن الصادق (عليه السلام): أن حملة العرش أحدهم على صورة ابن ~~آدم يسترزق الله لولد آدم. والثاني على صورة الديك يسترزق الله للطير، ~~والثالث على صورة الأسد يسترزق الله للسباع، والرابع على صورة الثور يسترزق ~~الله للبهائم، ونكس الثور رأسه منذ عبد بنو إسرائيل العجل فإذا كان يوم ~~القيامة صاروا ثمانية. الخبر. # أقول: والأخبار فيما يقرب من هذا المعنى كثيرة متظافرة، وفي بعضها عد ~~الأربع حملة للكرسي، وهو الخبر الوحيد الذي يذكر للكرسي حملة - فيما عثرنا ~~عليه - وقد أوردناها في تفسير آية الكرسي في سورة البقرة. # وفي حديث آخر: حملة العرش ثمانية: أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين: ~~فأما ms2956 الأربعة من الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأما الأربعة من ~~الآخرين: فمحمد وعلي والحسن والحسين (عليهما السلام). أقول: بناء على تفسير ~~العرش بالعلم لا ضير في أن تعد أربعة من الملائكة حملة له ثم تعد عدة من ~~غيرهم حملة له. # والروايات في العرش كثيرة متفرقة في الأبواب، وهي تؤيد ما مر من تفسيره ~~بالعلم، وما له ظهور ما في الجسمية منها، مفسرة بما تقدم وأما كون العرش ~~جسما في هيئة السرير موضوعا على السماء السابعة فمما لا يدل عليه حديث يعبأ ~~بأمره بل من الروايات ما يكذبه كالرواية الأولى المتقدمة. PageV08P092 # وفي تفسير القمي، في قوله تعالى: "خلق السماوات والأرض في ستة أيام" الآية ~~قال: قال (عليه السلام): في ستة أوقات. وفي تفسير البرهان،: صاحب ثاقب ~~المناقب أسنده إلى أبي هاشم الجعفري عن محمد بن صالح الأرمني قال: قلت لأبي ~~محمد العسكري (عليه السلام) عرفني عن قول الله: "لله الأمر من قبل ومن بعد" ~~فقال: لله الأمر من قبل أن يأمر ومن بعد أن يأمر ما يشاء، فقلت في نفسي هذا ~~تأويل قول الله: "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" فأقبل علي ~~وقال: هو كما أسررت في نفسك: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. ~~أقول: معناه أن قوله: "ألا له الخلق والأمر" يفيد إطلاق الملك قبل الصدور ~~وبعده لا كمثلنا حيث نملك الأمر - فيما نملك - قبل الصدور فإذا صدر خرج عن ~~ملكنا واختيارنا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له ~~صحبة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم يحمد الله على ~~ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل، ومن زعم أن الله جعل ~~للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. أقول: المراد من الكفر بالعجب هو ~~الكفر بالنعمة أو بكون الحسنات لله على ما يدل عليه القرآن، والمراد ms2957 بنفي ~~كون شيء من الأمر للعباد نفي الجعل بنحو الاستقلال دون التبعي من الملك ~~والأمر. # وفي الكافي، بإسناده عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت قول ~~الله عز وجل "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" قال: فقال: يا ميسر إن ~~الأرض كانت فاسدة فأحياها الله عز وجل بنبيه، ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها: أقول: ورواه العياشي في تفسيره، عن ميسر عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) مرسلا. وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن ~~أبي موسى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مثل ما بعثني الله ~~به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها بقية فبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله ~~بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ~~فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. PageV08P093 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 59 - 64 # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلل مبين ~~(60) قال يقوم ليس بى ضللة ولكنى رسول من رب العلمين (61) أبلغكم رسلت ربى ~~وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) فكذبوه فأنجينه والذين ~~معه فى الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بئايتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) ### |||| AUTO بيان # تعقيب لما تقدم من الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك بالله سبحانه ~~والتكذيب لآياته بذكر قصة نوح (عليه السلام) وإرساله إلى قومه يدعوهم إلى ~~توحيد الله وترك عبادة غيره وما واجهته به عامة قومه من الإنكار والإصرار ~~على تكذيبه فأرسل الله إليهم الطوفان وأنجى نوحا والذين آمنوا معه ثم أهلك ~~الباقين ms2958 عن آخرهم. # ثم عقب الله قصته بقصص عدة من رسله كهود وصالح وشعيب ولوط وموسى (عليهما ~~السلام) للغرض بعينه. # قوله تعالى: "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه" إلى آخر الآية. # بدأ الله سبحانه بقصته وهو أول رسول يذكر الله سبحانه تفصيل قصته في ~~القرآن كما سيأتي تفصيل القول في قصته في سورة هود إن شاء الله تعالى. # واللام في قوله: "لقد أرسلنا نوحا" للقسم جيء بها للتأكيد لأن وجه الكلام ~~إلى المشركين وهم ينكرون النبوة، وقوله: "فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره" ناداهم بقوله: "يا قوم" فأضافهم إلى نفسه ليكون جريا على ~~مقتضى النصح الذي سيخبرهم به عن نفسه، ودعاهم أول ما دعاهم إلى توحيد الله ~~تعالى فإن دعاهم إلى عبادته، وأخبرهم بانتفاء كل إله غيره فيكون دعوة إلى ~~عبادة الله وحده من غير أن يشرك به في عبادته غيره، وهو التوحيد. # ثم أنذرهم بقوله: "إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم" وظاهره يوم القيامة ~~فيكون في ذلك دعوة إلى أصلين من أصول الدين وهما التوحيد والمعاد، وأما ~~الأصل الثالث وهو النبوة فسيصرح به في قوله: "يا قوم ليس بي ضلالة ولكني ~~رسول" الآية. # على أن في نفس الدعوة وهي دعوة إلى نوع من العبادة لا يعرفونها وكذا ~~الإنذار بما لم يكونوا يعلمونه وهو عذاب القيامة إشعارا بالرسالة من قبل من ~~يدعو إليه، ومن الشاهد على ذلك قوله في جوابهم: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم" فإنه يدل على تعجبهم من رسالته باستماع أول ما ~~خاطبهم به من الدعوة وهو قوله: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره". # قوله تعالى: "قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين" الملأ هم أشراف ~~القوم وخواصهم سموا به لأنهم يملئون القلوب هيبة والعيون جمالا وزينة، ~~وإنما رموا بالضلال المبين وأكدوه تأكيدا شديدا لأنهم لم يكونوا ليتوقعوا ~~أن معترضا يعترض عليهم بالدعوة إلى رفض آلهتهم وتوجيه العبادة إلى الله ~~سبحانه بالرسالة والإنذار فتعجبوا من ذلك ms2959 فأكدوا ضلاله مدعين أن ذلك من بين ~~الضلال تحقيقا. # والرؤية هي الرؤية بحسب الفكر أعني الحكم. # قوله تعالى: "قال يا قوم ليس بي ضلالة" الآية. # أجابهم بنفي الضلال عن نفسه والاستدراك بكونه رسولا من الله سبحانه، ~~وذكره بوصفه "رب العالمين" ليجمع له الربوبية كلها قبال تقسيمهم إياها بين ~~آلهتهم بتخصيص كل منها بشيء من شئونها وأبوابها كربوبية البحر وربوبية البر ~~وربوبية الأرض وربوبية السماء وغير ذلك. # وقد جرد (عليه السلام) جوابه عن التأكيد للإشارة إلى ظهور رسالته وعدم ~~ضلالته تجاه إصرارهم بذلك وتأكيد دعواهم. # قوله تعالى: "أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون" ~~أخبرهم بأوصاف نفسه فبين أنه يبلغهم رسالات ربه، وهذا شأن الرسالة ومقتضاها ~~القريب الضروري، وفي جمع الرسالة دلالة على كونها كثيرة وأن له مقاصد أمره ~~ربه أن يبلغها إياهم وراء التوحيد والمعاد فإنه نبي رسول من أولي العزم ~~صاحب كتاب وشريعة. PageV08P094 # ثم ذكر أنه ينصح لهم وهو عظاته بالإنذار والتبشير ليقربهم من طاعة ربهم ~~ويبعدهم عن الاستكبار والاستنكاف عن عبوديته كل ذلك بذكر ما عرفه الله من ~~بدء الخلقة وعودها وسننه تعالى الجارية فيها ولذا ذكر ثالثا أنه يعلم من ~~الله ما لا يعلمون كوقائع يوم القيامة من الثواب والعقاب وغير ذلك، وما ~~يستتبع الطاعة والمعصية من رضاه تعالى وسخطه ووجوه نعمه ونقمه. # ومن هنا يظهر أن الجمل الثلاث كل مسوق لغرض خاص أعني قوله: "أبلغكم" ~~الآية و"أنصح لكم" و"أعلم" الآية وهي ثلاثة أوصاف متوالية لا كما قيل: إن ~~الأوليان صفتان، والثالثة جملة حالية عن فاعل "وأنصح لكم". # قوله تعالى: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم" إلى آخر الآية. # استفهام إنكاري ينكر تعجبهم من دعواه الرسالة ودعوته إياهم إلى الدين ~~الحق والمراد بالذكر ما يذكر به الله وهو المعارف الحقة التي أوحيت إليه، ~~وقوله: "من ربكم" متعلق بمقدر أي ذكر كائن من ربكم. # وقوله: "لينذركم" و"لتتقوا" و"لعلكم ترحمون" متعلقات بقوله: "جاءكم" ~~والمعنى لغرض أن ينذركم الرسول، ولتتقوا أنتم، ويؤدي ذلك إلى رجاء أن ms2960 ~~تشملكم الرحمة الإلهية فإن التقوى وإن كان يؤدي إلى النجاة لكنها ليست بعلة ~~تامة، وقد اشتمل ما حكي من إجمال كلامه (عليه السلام) من معارف عالية إلهية. # قوله تعالى: "فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك" الفلك السفينة يستعمل ~~واحدا وجمعا على ما ذكره الراغب ويذكر ويؤنث كما في الصحاح، "وقوله: "قوما ~~عمين" موصوف وصفة. # وعمين جمع عمي كخشن صفة مشبهة من عمي يعمى، عمي كالأعمى إلا أن العمي ~~يختص بعمى البصيرة والأعمى بعمى البصر، كما قيل، ومعنى الآية ظاهر. PageV08P095 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 65 - 72 # وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكذبين (66) قال يقوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العلمين (67) أبلغكم ~~رسلت ربى وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بصطة ~~فاذكروا ءالاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ~~ما كان يعبد ءاباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين (70) قال قد وقع ~~عليكم من ربكم رجس وغضب أتجدلوننى فى أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما نزل ~~الله بها من سلطن فانتظروا إنى معكم من المنتظرين (71) فأنجينه والذين معه ~~برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بئايتنا وما كانوا مؤمنين (72) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله" إلى آخر الآية. # الأخ وأصله أخو هو المشارك غيره في الولادة تكوينا لمن ولده وغيره أب أو ~~أم أو هما معا أو بحسب شرع إلهي كالأخ الرضاعي أو سنة اجتماعية كالأخ ~~بالدعاء على ما كان يراه أقوام فهذا أصله، ثم استعير لكل من ينتسب إلى قوم ~~أو بلدة أو صنعة أو سجية ونحو ذلك يقال: أخو بني تميم وأخو يثرب وأخو ~~الحياكة وأخو الكرم، ومن هذا الباب قوله "وإلى عاد أخاهم هودا". # والكلام في ms2961 قوله: "قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" كالكلام ~~في نظير الخطاب من القصة السابقة. # فإن قلت: لم حذف العاطف من قوله "قال يا قوم" ولم يقل: فقال كما في قصة ~~نوح؟ قلت: هو على تقدير سؤال كأنه لما قال: "وإلى عاد أخاهم هودا" قيل: فما ~~قال هود؟ فأجيب وقيل: قال يا قوم اعبدوا الله الآية. # كذا قاله الزمخشري في الكشاف،. # ولا يجري هذا الكلام في قصة نوح لأنه أول قصة أوردت، وهذه القصة قصة بعد ~~قصة يهيأ فيها ذهن المخاطب للسؤال بعد ما وعى إجمال القصة وعلم أن قصة ~~الإرسال تتضمن دعوة وردا وقبولا فكان بالحري إذا سمع المخاطب قوله "وإلى ~~عاد أخاهم هودا" أن يسأل فيقول: ما قال هود لقومه؟ وجوابه قال لهم إلخ. # قوله تعالى: "قال الملأ الذين كفروا من قومه" إلى آخر الآية. # لما كان في هذا الملإ من يؤمن بالله ويستر إيمانه كما سيأتي في القصة ~~بخلاف الملإ من قوم نوح قال هاهنا في قصة هود: "قال الملأ الذين كفروا من ~~قومه" وقال في قصة نوح: "قال الملأ من قومه" كذا ذكره الزمخشري. # وقوله تعالى حكاية عن قولهم: "إنا لنريك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين" أكدوا كلامهم مرة بعد مرة لأنهم سمعوا منه مقالا ما كانوا ~~ليتوقعوا صدوره من أحد، وقد أخذت آلهتهم موضعها من قلوبهم، واستقرت سنة ~~الوثنية بينهم استقرارا لا يجترىء معه أحد على أن يعترض عليها فتعجبوا من ~~مقاله فردوه ردا عن تعجب، فجبهوه أولا بأن فيه سفاهة وهو خفة العقل التي ~~تؤدي إلى الخطإ في الآراء، وثانيا بأنهم يظنون بظن قوي جدا أنه من ~~الكاذبين، وكأنهم يشيرون بالكاذبين إلى أنبيائهم لأن الوثنيين ما كانوا ~~ليذعنوا بالنبوة وقد جاءهم أنبياء قبل هود كما يذكره تعالى بقوله: "وتلك ~~عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله": هود: 59. # قوله تعالى: "قال يا قوم ليس بي سفاهة" الكلام في الآية نظير الكلام في ~~نظيره من قصة نوح غير أن عادا زادوا وقاحة على ms2962 قوم نوح حيث إن أولئك رموا ~~نوحا بالضلال في الرأي وهؤلاء رموا هودا بالسفاهة لكن هودا لم يترك ما به ~~من وقار النبوة، ولم ينس ما هو الواجب من أدب الدعوة الإلهية فأجابهم ~~بقوله: "يا قوم" فأظهر عطوفته عليهم وحرصه على إنجائهم "ليس بي سفاهة ولكني ~~رسول من رب العالمين" فجرى على تجريد الكلام من كل تأكيد واكتفى بمجرد رد ~~تهمتهم وإثبات ما كان يدعيه من الرسالة للدلالة على ظهوره. PageV08P096 # قوله تعالى: "أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين" أي لا شأن لي بما أني ~~رسول إلا تبليغ رسالات ربي خالصا من شوب ما تظنون بي من كوني كاذبا فلست ~~بغاش لكم فيما أريد أن أحملكم عليه، ولا خائن لما عندي من الحق بالتغيير ~~ولا لما عندي من حقوقكم بالإضاعة، فما أريده منكم من التدين بدين التوحيد ~~هو الذي أراه حقا، وهو الذي فيه نفعكم وخيركم، فإنما وصف نفسه بالأمين ~~محاذاة لقولهم: "وإنا لنظنك من الكاذبين". # قوله تعالى: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم" إلى آخر الآية. # البصطة هي البسطة قلبت السين صادا لمجاورتها الطاء وهو من حروف الإطباق ~~كالصراط والسراط والآلاء جمع إلى بفتح الهمزة وكسرها بمعنى النعمة كآناء ~~جمع أنى وإنى. # ثم أنكر (عليه السلام) تعجبهم من رسالته إليهم نظير ما تقدم من نوح (عليه ~~السلام) وذكرهم نعم الله عليهم، وخص من بينها نعمتين ظاهرتين هما أن الله ~~جعلهم خلفاء في الأرض بعد نوح، وأن الله خصهم من بين الأقوام ببسطة الخلق ~~وعظم الهيكل البدني المستلزم لزيادة الشدة والقوة، ومن هنا يظهر أنهم كانوا ~~ذوي حضارة وتقدم، وصيت في البأس والقوة والقدرة. # ثم أتبعهما بالإشارة إلى سائر النعم بقوله تعالى: "فاذكروا آلاء الله ~~لعلكم تفلحون". # قوله تعالى: "قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا" الآية. # فيه تعلق منهم بتقليد الآباء، وتعجيز هود مشوبا بنوع من الاستهزاء بما ~~أنذرهم به من العذاب. # قوله تعالى: "قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب" إلى آخر الآية. # الرجس ms2963 والرجز هو الأمر الذي إذا وقع على الشيء أوجب ابتعاده أو الابتعاد ~~عنه، ولذا يطلق على القاذورة لأن الإنسان يتنفر ويبتعد عنه، وعلى العذاب ~~لأن المعذب - اسم مفعول - يبتعد عمن يعذبه أو من الناس الآمنين من العذاب. # أجابهم بأن إصرارهم على عبادة الأوثان بتقليد آبائهم أوجب أن يحق عليهم ~~البعد عن الله بالرجس والغضب، ثم فرع عليه أن هددهم بما يستعجلون من ~~العذاب، وأخبرهم بنزوله عليهم لا محالة، وكنى عن ذلك بأمرهم بالانتظار ~~وإخبارهم بأنه مثلهم في انتظار نزول العذاب فقال: "فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين". # وأما قوله: "أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها ~~من سلطان" فهو رد لما استندوا إليه في ألوهية آلهتهم وهو أنهم وجدوا آباءهم ~~على عبادتها - وهم أكمل منهم وممن في طبقتهم كهود وأعقل - فيجب عليهم أن ~~يقلدوهم. # ومحصله أنكم وآباءكم سواء في أنكم جميعا أتيتم بأشياء ليس لكم على ما ~~ادعيتم من صفتها وهي الألوهية من سلطان وهو البرهان والحجة القاطعة فلا ~~يبقى لها من الألوهية إلا الأسماء التي سميتموها بها إذ قلتم: إله الخصب ~~وإله الحرب وإله البحر وإله البر، وليس لهذه الأسماء مصاديق إلا في ~~أوهامكم، فهل تجادلونني في الأسماء، وللإنسان أن يسمي كل ما شاء بما شاء ~~إذا لم يعتبر تحقق المعنى في الخارج. # وقد تكرر في القرآن الاستدلال على بطلان الوثنية بهذا البيان: "أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان" وهو من ألطف البيان ~~وأرقه، وأبلغ الحجة وأقطعها إذ لو لم يأت الإنسان لما يدعيه من دعوى بحجة ~~برهانية لم يبق لما يدعيه من النعت إلا التسمية والتعبير، ومن أبده الجهل ~~أن يعتمد الإنسان على مثل هذا النعت الموهوم. # وهذا البيان يطرد ويجري بالتحليل في جميع الموارد التي يثق فيها الإنسان ~~على غير الله سبحانه من الأسباب، ويعطيها من الاستقلال ما يوجب تعلق قلبه ~~بها وطاعته لها وتقربه منها فإن الله سبحانه عد في موارد من كلامه طاعة ~~غيره والركون إلى من سواه عبادة ms2964 له قال: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61. # قوله تعالى: "فأنجيناه والذين معه برحمة منا" إلى آخر الآية، تنكير ~~الرحمة للدلالة على النوع أي بنوع من الرحمة وهي الرحمة التي تختص ~~بالمؤمنين من النصرة الموعودة لهم قال تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51، وقال: "وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين": الروم: 47. PageV08P097 # وقوله: "وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا" الآية كناية عن إهلاكهم وقطع ~~نسلهم فإن الدابر هو الذي يلي الشيء من خلفه فربما وصف به الأمر السابق على ~~الشيء كأمس الدابر، وربما وصف به اللاحق كدابر القوم وهو الذي في آخرهم ~~فنسبه القطع إلى الدابر بعناية أن النسل اللاحق دابر متصل بالإنسان في سبب ~~ممتد، وإهلاك الإنسان كذلك كأنه قطع هذا السبب الموصول فيما بينه وبين نسله. # وسيأتي تفصيل البحث عن قصة هود (عليه السلام) في تفسير سورة هود إن شاء الله. PageV08P098 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 73 - 79 # وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل فى أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى ~~الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا ءالاء الله ولا ~~تعثوا فى الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن ءامن منهم أتعلمون أن صلحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به ~~مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذى ءامنتم به كفرون (76) فعقروا ~~الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يصلح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ~~(77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جثمين (78) فتولى عنهم وقال يقوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون النصحين (79) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "وإلى ثمود أخاهم صالحا" إلى آخر الآية. # ثمود أمة قديمة من العرب سكنوا أرض اليمن بالأحقاف بعث ms2965 الله إليهم "أخاهم ~~صالحا" وهو منهم "فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" دعاهم إلى ~~التوحيد وقد كانوا مشركين يعبدون الأصنام على النحو الذي دعا نوح وهود ~~(عليهما السلام) قومهما المشركين. # وقوله: "قد جاءتكم بينة من ربكم" أي شاهد قاطع في شهادته ويبينه قوله ~~بالإشارة إلى نفس البينة: "هذه ناقة الله لكم آية" وهي الناقة التي أخرجها ~~الله لهم من الجبل آية لنبوته بدعائه (عليه السلام)، وهي العناية في إضافة ~~الناقة إلى الله سبحانه. # وقوله: "فذروها تأكل في أرض الله" الآية. # تفريع على كون الناقة آية لله، وحكم لا يخلو عن تشديد عليهم يستتبع كلمة ~~العذاب التي تفصل بين كل رسول وأمته قال تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47، وفي الآية تلويح إلى أن ~~تخليتهم الناقة وشأنها في الأكل والسير في الأرض كانت مما يشق عليهم فكانوا ~~يتحرجون من ذلك، وفي قوله: "في أرض الله" إيماء إليه فوصاهم وحذرهم أن ~~يمنعوها من إطلاقها ويمسوها بسوء كالعقر والنحر فإن وبال ذلك عذاب أليم ~~يأخذهم. # قوله تعالى: "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد" إلى آخر الآية. # دعاهم إلى أن يذكروا نعم الله عليهم كما دعا هود عادا إلى ذلك، وذكرهم أن ~~الله جعلهم خلفاء يخلفون أمما من قبلهم كعاد، وبوأهم من الأرض أي مكنهم في ~~منازلهم منها، يتخذون من سهولها - والسهل خلاف الجبل سمي به لسهولة قطعه - ~~قصورا وهي الدور التي لها سور على ما قيل، وينحتون الجبال بيوتا يأوون ~~إليها ويسكنونها. # ثم جمع الجميع ولخصها في قوله: "فاذكروا آلاء الله" وأورده في صورة ~~التفريع مع أنه إجمال للتفصيل الذي قبله بإيهام المغايرة كأنه لما أمر بذكر ~~النعم وعد من تفاصيل النعم أشياء كأنهم لا يعلمون بها قيل ثانيا: فإذا كان ~~لله فيكم آلاء ونعم عظيمة أمثال التي ذكرت فاذكروا آلاء الله. # وأما قوله: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" فمعطوف على قوله: "فاذكروا" عطف ~~اللازم على ملزومه، وفسر العثي بالفساد ms2966 وفسر بالاضطراب والمبالغة. # قال الراغب في المفردات،: العيث والعثي يتقاربان نحو جذب وجبذ إلا أن ~~العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسا، والعثي فيما يدرك حكما يقال: ~~عثى يعثي عثيا، وعلى هذا: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين". # انتهى. # قوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم" إلى آخر الآيتين، دل سبحانه ببيان قوله: "للذين استضعفوا" بقوله: ~~"لمن آمن منهم" على أن المستضعفين هم المؤمنون وأن المؤمنين إنما كانوا من ~~المستضعفين ولم يكن ليؤمن به أحد من المستكبرين، والباقي ظاهر. PageV08P099 # قوله: "فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم" إلى آخر الآية عقر النخلة قطعها ~~من أصلها، وعقر الناقة نحرها، وعقر الناقة أيضا قطع قوائمها، والعتو هو ~~التمرد والامتناع وضمن في الآية معنى الاستكبار بدليل تعديته بعن، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" إلى آخر الآيتين. # الرجفة هي الاضطراب والاهتزاز الشديد كما في زلزلة الأرض وتلاطم البحر، ~~والجثوم في الإنسان والطير كالبروك في البعير. # وقد ذكر الله هنا في سبب هلاكهم أنه أخذتهم الرجفة، وقال في موضع آخر: ~~"وأخذ الذين ظلموا الصيحة": هود: 67، وفي موضع آخر: "فأخذتهم صاعقة العذاب ~~الهون": حم السجدة: 17، والصواعق السماوية لا تخلو عن صيحة هائلة تقارنها، ~~ولا ينفك ذلك غالبا عن رجفة الأرض هي نتيجة الاهتزاز الجوي الشديد إلى ~~الأرض، وتوجف من جهة أخرى القلوب وترتعد الأركان، فالظاهر أن عذابهم إنما ~~كان بصاعقة سماوية اقترنت صيحة هائلة ورجفة في الأرض أو في قلوبهم فأصبحوا ~~في دارهم أي في بلدهم جاثمين ساقطين على وجوههم وركبهم. # والآية تدل على أن ذلك كان مرتبطا بما كفروا وظلموا آية من آيات الله ~~مقصودا بها عذابهم عذاب الاستئصال، ولا نظر في الآية إلى كيفية حدوثها، ~~والباقي ظاهر. PageV08P100 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 80 - 84 # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين (80) ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان ~~جواب قومه إلا أن ms2967 قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغبرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان ~~عقبة المجرمين (84) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة" إلى آخر الآية. # ظاهره أنه من عطف القصة على القصة أي عطف قوله: "لوطا" على "نوحا" في ~~قوله في القصة الأولى: "ولقد أرسلنا نوحا" فيكون التقدير ولقد أرسلنا لوطا ~~إذ قال لقومه إلخ، لكن المعهود من نظائر هذا النظم في القرآن أن يكون ~~بتقدير "اذكر" بدلالة السياق، وعلى ذلك فالتقدير: واذكر لوطا الذي أرسلناه ~~إذ قال لقومه إلخ والظاهر أن تغيير السياق من جهة أن لوطا من الأنبياء ~~التابعين لشريعة إبراهيم (عليه السلام) لا لشريعة نوح (عليه السلام)، ولذلك ~~غير السياق في بدء قصته عن السياق السابق في قصص نوح وهود وصالح فغير ~~السياق في بدء قصته ثم رجع إلى السياق في قصة شعيب (عليه السلام). # وقد كان لوط - على ما سيأتي إن شاء الله من تفصيل قصته في سورة هود - ~~مرسلا إلى أهل سدوم وغيره يدعوهم إلى دين التوحيد وكانوا مشركين عبدة أصنام. # وقوله: "أتأتون الفاحشة" يريد بالفاحشة اللواط بدليل قوله: "إنكم لتأتون ~~الرجال شهوة" وفي قوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين" أي أحد من الأمم ~~والجماعات دلالة على أن تاريخ ظهور هذه الفاحشة الشنيعة تنتهي إلى قوم لوط، ~~وسيأتي جل ما يتعلق به من الكلام في تفصيل قصته في سورة هود. # قوله تعالى: "إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء" الآية، إتيان ~~الرجال كناية عن العمل بهم بذلك، وقوله "شهوة" قرينة عليه، وقوله "من دون ~~النساء" قرينة أخرى على ذلك، ويفيد مضافا إلى ذلك أنهم كانوا قد تركوا سبيل ~~النساء واكتفوا بالرجال، ولتعديهم سبيل الفطرة والخلقة إلى غيره عدهم ~~متجاوزين مسرفين فقال: "بل أنتم قوم مسرفون". # ولكون عملهم فاحشة مبتدعة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين استفهم عن ذلك ~~مقارنا ب "أن" المفيدة للتحقيق فأفاد التعجب والاستغراب، والتقدير: "إنكم ~~لتأتون" الآية. # قوله تعالى: "وما ms2968 كان جواب قومه إلا أن قالوا" إلى آخر الآية. # أي لم يكن عندهم جواب فهددوه بالإخراج من البلد فإن قولهم: "أخرجوهم من ~~قريتكم" الآية. # ليس جوابا عن قول لوط لهم: "أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد" الآية. # فجواب الكلام في ظرف المناظرة إما إمضاؤه والاعتراف بحقيته وإما بيان وجه ~~فساده، وليس في قولهم: "أخرجوهم" إلى آخره شيء من ذلك فوضع ما ليس بجواب في ~~موضع الجواب كناية عن عدم الجواب ودلالة على سفههم. # وقد استهانوا أمر لوط إذ قالوا: "أخرجوهم من قريتكم" الآية أي إن القرية ~~أي البلدة لكم وهم نزلاء ليسوا منها وهم يتنزهون عما تأتونه ويتطهرون، ولا ~~يهمنكم أمرهم فليسوا إلا أناسا لا عدة لهم ولا شدة. # قوله تعالى: "فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين" فيه دلالة على ~~أنه لم يكن آمن به إلا أهله، وقد قال تعالى في موضع آخر: "فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين": الذاريات: 36. # وقوله: "كانت من الغابرين" أي الماضين من القوم، وهو استعارة بالكناية عن ~~الهلاك والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين" ذكر ~~الأمطار في مورد ترقب ذكر العذاب يدل على أن العذاب كان به وقد نكر المطر ~~للدلالة على غرابة أمره وغزارة أثره، وقد فسره الله تعالى في موضع آخر ~~بقوله: "وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد": هود: 83. # وقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين" توجيه خطاب إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ليعتبر به هو وأمته. PageV08P101 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 85 - 93 # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا ~~بكل صرط توعدون وتصدون عن سبيل الله من ءامن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عقبة المفسدين (86) وإن ms2969 كان طائفة منكم ~~ءامنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يشعيب والذين ~~ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا قال أولو كنا كرهين (88) قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون ~~لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شىء علما على الله ~~توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفتحين (89) وقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخسرون (90) فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا فى دارهم جثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين ~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخسرين (92) فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسلت ~~ربى ونصحت لكم فكيف ءاسى على قوم كفرين (93) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "وإلى مدين أخاهم شعيبا" الآية معطوف على القصة الأولى وهي ~~قصة نوح (عليه السلام)، وقد بنى (عليه السلام) دعوته على أساس التوحيد كما ~~بناها عليه من قبله من الرسل المذكورين في القصص المتقدمة. # وقوله: "قد جاءتكم بينة من ربكم" يدل على مجيئه بآية تدل على رسالته ولكن ~~الله سبحانه لم يذكر ذلك في كتابه وليست هذه الآية هي آية العذاب التي ~~يذكرها الله تعالى في آخر قصته فإن عامة قومه من الكفار لم ينتفعوا بها بل ~~كان فيها هلاكهم ولا معنى لكون آية العذاب آية للرسالة مبينة للدعوة. # على أنه يفرع قوله: "فأوفوا الكيل والميزان" الآية على مجيء الآية ظاهرا، ~~وإنما يستقيم الدعوة إلى العمل بالدين قبل نزول العذاب وتحقق الهلاك. # وهو ظاهر. # وقد دعاهم أولا بعد التوحيد الذي هو أصل الدين إلى إيفاء الكيل والميزان ~~وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم فقد كان الإفساد في المعاملات رائجا فيهم ~~شائعا بينهم. # ثم دعاهم ثانيا بقوله: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها "إلى الكف عن ~~الإفساد في الأرض بعد ما أصلحها الله بحسب طبعها، والفطرة الإنسانية ~~الداعية إلى إصلاحها كي ينتظم ms2970 بذلك أمر الحياة السعيدة، والإفساد في الأرض ~~وإن كان بحسب إطلاق معناه يشمل جميع المعاصي والذنوب مما يتعلق بحقوق الله ~~أو بحقوق الناس كائنة ما كانت لكن مقابلته لما قبله وما بعده يخصه - تقريبا ~~- بالإفساد الذي يسلب الأمن العام في الأموال والأعراض والنفوس كقطع الطرق ~~ونهب الأموال وهتك الأعراض وقتل النفوس المحترمة. PageV08P102 # ثم علل دعوته إلى الأمرين بقوله: "ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين" أما كون ~~إيفاء الكيل والميزان وعدم بخس الناس أشياءهم خيرا فلأن حياة الإنسان ~~الاجتماعية في استقامتها مبنية على المبادلة بين الأفراد بإعطاء كل منهم ما ~~يفضل من حاجته، وأخذ ما يعادله مما يتمم به نقصه في ضروريات الحياة وما ~~يتبعها، وهذا يحتاج إلى أمن عام في المعاملات تحفظ به أوصاف الأشياء ~~ومقاديرها على ما هي عليه فمن يجوز لنفسه البخس في أشياء الناس فهو يجوز ~~ذلك لكل من هو مثله، وهو شيوعه، وإذا شاع البخس والغش والغرر من غير أن ~~يؤمن حلول السم محل الشفاء والردي مكان الجيد، والخليط مكان الخالص، ~~وبالآخرة كل شيء محل كل شيء بأنواع الحيل والعلاجات كان فيه هلاك الأموال ~~والنفوس جميعا. # وأما كون الكف عن إفساد الأرض خيرا لهم فلأن سلب الأمن العام يوقف رحى ~~المجتمع الإنساني عن حركتها من جميع الجهات وفي ذلك هلاك الحرث والنسل ~~وفناء الإنسانية. # فالمعنى: إيفاء الكيل والميزان وعدم البخس والكف عن الفساد في الأرض خير ~~لكم يظهر لكم خيريته إن كنتم مصدقين لقولي مؤمنين بي، أو المعنى: ذلكم خير ~~لكم تعلمون أنه خير إن كنتم ذوي إيمان بالحق. # وربما قيل: إن المعنى ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين بدعوتي فإن غير المؤمن ~~لا ينتفع بسبب ما عنده من الكفر القاضي بشقائه وخسرانه وضلال سعيه بهذه ~~الخيرات الدنيوية بحسب الحقيقة لأن انتفاعه إنما هو انتفاع في موطن خيالي ~~وهو الحياة الدنيا التي هي لعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون. # هذا كله على تقدير كون المشار إليه بقوله: "ذلكم" هو إيفاء الكيل وما ~~بعده ms2971 كما هو ظاهر السياق، وأما أخذ الإشارة إلى جميع ما تقدم وجعل المراد ~~بالإيمان هو الإيمان المصطلح دون الإيمان اللغوي كما احتمله بعضهم فهو أشبه ~~باشتراط الشيء بنفسه لرجوع المعنى إلى نحو قولنا إن كنتم مؤمنين فالعبادة ~~لله وحده بالإيمان به وإيفاء الكيل والميزان وعدم الفساد في الأرض خير لكم. # ويرد على الوجهين الأخيرين جميعا أن ظاهر قوله "إن كنتم مؤمنين" ثبوت ~~اتصافهم بالإيمان قبل حال الخطاب فإنه مقتضى تعليق الحكم بقوله: "كنتم ~~مؤمنين" المؤلف من ماضي الكون الناقص واسم الفاعل من الإيمان، المقتضي ~~لاستقرار الصفة فيهم زمانا، ولا يخاطب بمثل هذا المعنى القوم الذين فيهم ~~الكافر والمؤمن والمستكبر والمنقاد ولو كان كما يقولون لكان من حق الكلام ~~أن يقال: ذلكم خير لكم إن آمنتم أو أن تؤمنوا فالظاهر أنه لا محيص من كون ~~المراد بالإيمان غير الإيمان المصطلح. # قوله تعالى: "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا" الآية ظاهر السياق أن "توعدون وتصدون" حالان من فاعل "لا ~~تقعدوا" وقوله "وتبغونها" حال من فاعل "تصدون". # ثم دعاهم ثالثا إلى ترك التعرض لصراط الله المستقيم الذي هو الدين فإن في ~~الكلام تلويحا إلى أنهم كانوا يقعدون على طريق المؤمنين بشعيب (عليه ~~السلام) ويوعدونهم على إيمانهم به والحضور عنده والاستماع منه وإجراء ~~العبادات الدينية معه، ويصرفونهم عن التدين بدين الحق والسلوك في طريقة ~~التوحيد وهم يسلكون طريق الشرك، ويطلبون سبيل الله الذي هو دين الفطرة عوجا. # وبالجملة كانوا يقطعون الطريق على الإيمان بكل ما يستطيعون من قوة ~~واحتيال فنهاهم عن ذلك، ووصاهم أن يذكروا نعمة الله عليهم ويعتبروا بالنظر ~~إلى ما يعلمونه من تاريخ الأمم الغابرة، وما آل إليه أمر المفسدين من عاقبة السوء. PageV08P103 # فقوله: "واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين" ~~كلام مسوق سوق العظة والتوصية وهو يقبل التعلق بجميع ما تقدم من الأوامر ~~والنواهي فقوله: "واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم" أمر بتذكر تدرجهم من القلة ~~إلى الكثرة بازدياد النسل فإن ms2972 ذلك من نعم الله العظيمة على هذا النوع ~~الإنساني لأن الإنسان لا يقدر على أن يعيش وحده من غير اجتماع إذ الغاية ~~الشريفة والسعادة العالية الإنسانية التي يمتاز بها عن سائر الأنواع ~~الحيوانية وغيرها اقتضت أن تهب العناية الإلهية له أدوات وقوى مختلفة ~~وتركيبا وجوديا خاصا لا يستطير أن يقوم بضروريات حوائجها العجيبة المتفننة ~~وحده بل بالتعاضد مع غيره في تحصيل المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح ~~وغيرها تعاضدا في الفكر والإرادة والعمل. # ومن المعلوم أنه كلما ازداد عدد المجتمعين ازدادت القوة المركبة ~~الاجتماعية، واشتدت في فكرتها وإرادتها وعملها فأحست وشعرت بدقائق الحوائج، ~~وتنبهت للطائف من الحيل لتسخير القوى الطبيعية في رفع نواقصها. # فمن المنن الإلهية أن النسل الإنساني آخذ دائما في الزيادة متدرج من ~~القلة إلى الكثرة، وذلك من الأركان في سير النوع من النقص إلى الكمال فليست ~~الأمم العظيمة كالشراذم القليلة التي تتخطف من كل جانب، ولا الأقوام ~~والعشائر الكبيرة كالطوائف الصغيرة التي لا تستقل في شأن من شئونها ~~السياسية والاقتصادية والحربية وغيرها مما يوزن بزنة العلم والإرادة ~~والعمل. # وأما عاقبة المفسدين فيكفي في التبصر بها ما نقل عن عواقب أحوال الأمم ~~المستعلية المستكبرة الطاغية التي ملأت القلوب رعبا، والنفوس دهشة، وخربت ~~الديار، ونهبت الأموال، وسفكت الدماء، وأفنت الجموع، واستعبدت العباد، ~~وأذلت الرقاب. # مهلهم الله في عتوهم واعتدائهم حتى إذا بلغوا أوج قدرتهم، واستووا على ~~أريكة شوكتهم غرتهم الدنيا بزينتها واجتذبتهم الشهوات إلى خلاعتها فألهتهم ~~عن فضيلة التعقل واشتغلوا بملاهي الحياة والعيش واتخذوا إلههم هواهم وأضلهم ~~الله على علم فسلبوا القدرة والإرادة، وحرموا النعمة فتفرقوا أيادي سبإ. # فكم في ذكر الدهر من أسماء القياصرة والفراعنة والأكاسرة والفغافرة ~~وغيرهم لم يبق منهم إلا أسماء إن لم تنس، ولم تثبت من هيمنتهم إلا أحاديث ~~فمن السنة الإلهية الجارية في الكون أن تبتنى حياة الإنسان على التعقل فإذا ~~تعدى ذلك وأخذ في الفساد والإفساد أبى طباع الكون ذلك، وضادته الأسباب ~~بقواها، وطحنته بجموعها، وضربت عليه بكل ذلة ومسكنة. # قوله تعالى: "وإن كان ms2973 طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به" إلى آخر الآية. # ثم دعاهم رابعا إلى الصبر على تقدير وقوع الاختلاف بينهم بالإيمان والكفر ~~فإنه كان يوصيهم جميعا قبل هذه الوصية بالاجتماع على الإيمان بالله والعمل ~~الصالح، وكأنه أحس منهم أن ذلك مما لا يكون البتة، وأن الاختلاف كائن لا ~~محالة، وأن الملأ المستكبرين من قومه وهم الذين كانوا يوعدون ويصدون عن ~~سبيل الله سيأخذون في إفساد الأرض وإيذاء المؤمنين ويوجب ذلك في المؤمنين ~~وهن عزيمتهم، وتسلط الناس على قلوبهم فأمرهم جميعا بالصبر وانتظار أمر الله ~~فيهم ليحكم بينهم وهو خير الحاكمين. # فإن في ذلك صلاح المجتمع، أما المؤمنون فلا يقعون في البأس من الحياة ~~الآمنة، والاضطراب والحيرة من جهة دينهم، وأما الكفار فلا يقعون في ندامة ~~الإقدام من غير رؤية ومفسدة المظلمة على جهالة فحكم الله خير فاصل بين ~~الطائفتين فهو خير الحاكمين لا يساهل في حكم إذا حان حينه، ولا يجور في حكم ~~إذا ما حكم. # فقوله: "فاصبروا بالنسبة إلى الكفار أمر إرشادي، وبالنسبة إلى المؤمنين ~~أمر مولوي أو إرشادي، وهو إرشاد الجميع إلى ما يصلح حالهم. # قوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب" الآية. # لم يسترشد الملأ المستكبرون من قومه بما أرشدهم إليه من الصبر وانتظار ~~الحكم الفصل في ذلك من الله سبحانه بل بادروه بتهديده وتهديد المؤمنين ~~بإخراجهم من أرضهم إلا أن يرجعوا إلى ملتهم بالارتداد عن دين التوحيد. PageV08P104 # وفي تأكيدهم القول "لنخرجنك" و"لتعودن" بالقسم ونون التأكيد دلالة على ~~قطعهم العزم على ذلك، ولذا بادر (عليه السلام) بعد استماع هذا القول منهم ~~إلى الاستفتاح من الله سبحانه. # قوله تعالى: "قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم" الآية. # أجاب (عليه السلام) بكراهة العود في ملتهم بدليل ما بعده من الجمل، ولازم ~~ذلك اختيار الشق الآخر على تقدير الاضطرار إلى أحدهما كما أخبروه. # وقد أجاب (عليه السلام) عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه، وذكر أنه ~~والمؤمنين به جميعا كارهون للعود ms2974 إلى ملتهم فإن في ذلك افتراء للكذب على ~~الله سبحانه بنسبة الشركاء إليه، وما يتبعها من الأحكام المفتراة في دين ~~الوثنية فقوله: "قد افترينا على الله كذبا" الآية. # بمنزلة التعليل لقوله: "أولو كنا كارهين". # ومن أسخف الاستدلال الاحتجاج بقوله: "إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها" على أن شعيبا (عليه السلام) كان قبل نبوته مشركا وثنيا - حاشاه - وقد ~~تقدم آنفا أنه يتكلم عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه وقد كانوا كفارا ~~مشركين قبل الإيمان به فأنجاهم الله من ملة الشرك وهداهم بشعيب إلى التوحيد ~~فقول شعيب: "نجانا الله" تكلم عن المجموع بنسبة وصف الجل إلى الكل، هذا لو ~~كان المراد بالتنجية التنجية الظاهرية من الشرك الفعلي وأما لو أريد بها ~~التنجية الحقيقية وهي الإخراج من كل ضلال محقق موجود أو مقدر مترقب كان ~~شعيب - وهو لم يشرك بالله طرفة عين - وقومه - وهم كانوا مشركين قبل زمان ~~إيمانهم بشعيب - جميعا ممن نجاهم الله من الشرك إذ لا يملك الإنسان لنفسه ~~الهالكة ضرا ولا نفعا وما أصابه من خير فهو من الله سبحانه. # وقوله: "وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا" كالإضراب ~~والترقي بالجواب القاطع كأنه قال: نحن كارهون العود إلى ملتكم لأن فيه ~~افتراء على الله بل إن ذلك مما لا يكون البتة، وذلك أن كراهة شيء إنما توجب ~~تعسر التلبس به دون تعذره فأجاب (عليه السلام) ثانيا بتعذر العود بعد جوابه ~~أولا بتعسره، وهو ما ذكرناه من الإضراب والترقي. # ولما كان قوله: "وما يكون لنا أن نعود فيها" في معنى أن يقال: "لن نعود ~~إليها أبدا" والقطع في مثل هذه العزمات مما هو بعيد عن أدب النبوة فإنه في ~~معنى: لن نعود على أي تقدير فرض حتى لو شاء الله، وهو من الجهل بمقامه ~~تعالى، استثنى مشية الله سبحانه فقال: "إلا أن يشاء الله ربنا" فإن الإنسان ~~كيفما كان جائز الخطإ فمن الجائز أن يخطىء بذنب فيعاقبه الله بسلب عنايته ~~به فيطرده من ms2975 دينه فيهلك على الضلال. # وفي الجمع بين الاسمين في قوله: "الله ربنا" إشارة إلى أن الله الذي يحكم ~~ما يشاء هو الذي يدبر أمرنا وهو إله ورب، على ما يقتضيه دين التوحيد لا كما ~~يعلمه دين الوثنية فإنه يسلم الألوهية لله ثم يفرز الربوبية بمختلف شئونها ~~بين الأوثان ويسميها رب البحر ورب البر وهكذا. # وقوله: "وسع ربنا كل شيء علما" كالتعليل لتعقيب الكلام بالاستثناء كأنه ~~قيل لما استثنيت بعد ما أطلقت الكلام وقطعت في العزم؟ فقال: لأنه وسع ربي ~~كل شيء علما ولا أحيط من علمه إلا بما شاء فمن الجائز أن يتعلق مشيته بشيء ~~غائب عن علمي ساءني أو سرني كان يتعلق علمه بأنا سنخالفه في بعض أوامره ~~فيشاء عودنا إلى ملتكم، وإن كنا اليوم كارهين له، ولعل هذا المعنى هو السبب ~~في تعقيب هذا القول بمثل قوله: "على الله توكلنا" فإن من يتوكل على الله ~~كان حسبه وصانه من شر ما يخاف. PageV08P105 # ولما بلغ الكلام هذا البلغ وقد أخبروهم بعزمهم على أحد الأمرين: الإخراج أو ~~العود، وأخبرهم شعيب (عليه السلام) بالعزم القاطع على عدم العود إلى ملتهم ~~البتة التجأ (عليه السلام) إلى ربه واستفتح بقوله عن نفسه وعن المؤمنين: ~~"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين" يسأل ربه أن يفتح ~~بينهم أي بين شعيب والمؤمنين به، وبين المشركين من قومه، وهو الحكم الفصل ~~فإن الفتح بين شيئين يستلزم إبعاد كل منهما عن صاحبه حتى لا يماس هذا ذاك ~~ولا ذاك هذا دعا (عليه السلام) بالفتح وكنى به عن الحكم الفصل وهو الهلاك ~~أو هو بمنزلته وأبهم الخاسر من الرابح والهالك من الناجي وهو يعلم أن الله ~~سينصره وأن الخزي اليوم والسوء على الكافرين لكنه (عليه السلام) أخذ ~~بالنصفة للحق وتأدب بإرجاع الأمر في ذلك إلى الله كما أتى بنظير ذلك في ~~قوله السابق: "فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين". # وخير الحاكمين وخير الفاتحين اسمان من أسماء الله الحسنى، وقد تقدم البحث ~~عن معنى الحكم ms2976 فيما مر، وعن معنى الفتح آنفا، وسيجيء الكلام المستوفى في ~~الأسماء الحسنى في تفسير قوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها": ~~الآية 180 من السورة إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وقال الملأ الذين كفروا من قومه" إلى آخر الآية. # هذا تهديد منهم لمن آمن بشعيب أو أراد أن يؤمن به ويكون من جملة الإيعاد ~~والصد اللذين كان شعيب ينهى عنهما بقوله: "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ~~وتصدون عن سبيل الله" ويكون إفراد هذا بالذكر هاهنا من بين سائر أقوالهم ~~ليكون كالتوطئة والتمهيد لما سيأتي من قولهم بعد ذكر هلاكهم: "الذين كذبوا ~~شعيبا كانوا هم الخاسرين". # ويحتمل أن يكون الاتباع بمعناه الظاهر العرفي وهو اقتفاء أثر الماشي على ~~الطريق والسالك السبيل بأن يكون الملأ المستكبرون لما اضطروه ومن معه إلى ~~أحد الأمرين: الخروج من أرضهم أو العود في ملتهم ثم سمعوه يرد عليهم العود ~~إلى ملتهم ردا قاطعا ثم يدعو بمثل قوله: "ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~وأنت خير الفاتحين" لم يشكوا أنه سيتركهم ويهاجر إلى أرض غير أرضهم، ويتبعه ~~في هذه المهاجرة المؤمنون به من القوم خاطبوا عند ذلك طائفة المؤمنين ~~بقولهم: "لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون" فهددوهم وخوفوهم بالخسران إن ~~تبعوه في الخروج من أرضهم ليخرج شعيب وحده فإنهم إنما كانوا يعادونه إياه ~~بالأصالة، وأما المؤمنون فإنما كانوا يبغضون من جهته ولأجله. # وعلى أي الوجهين كان فالآية كالتوطئة والتمهيد للآية الآتية: "الذين ~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين" كما تقدمت الإشارة إليه. # قوله تعالى: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" أصبحوا أي صاروا ~~أو دخلوا في الصباح، وقد تقدم معنى الآية في نظيرتها من قصة صالح. # قوله تعالى: "الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها - إلى قوله - ~~الخاسرين" قال الراغب في المفردات،: وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه ~~مستغنيا به عن غيره بغنى قال: كأن لم يغنوا فيها انتهى. # و"كأن" مخفف كأن خفف لدخوله الجملة الفعلية. # فقوله: "الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها" فيه ms2977 تشبيه حال المكذبين من ~~قومه بمن لم يطيلوا الإقامة في أرضهم فإن أمثال هؤلاء يسهل زوالهم لعدم ~~تعلقهم بها في عشيرة أو أهل أو دار أو ضياع وعقار، وأما من تمكن في أرض ~~واستوطنها وأطال المقام بها وتعلق بها بكل ما يقع به التعلق في الحياة ~~المادية فإن تركها له متعسر كالمتعذر وخاصة ترك الأمة القاطنة في أرض أرضها ~~وما اقتنته فيها طول مقامها. # وقد ترك هؤلاء وهم أمة عريقة في الأرض دارهم وما فيها، في أيسر زمان ~~أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. # وقد كانوا يزعمون أن شعيبا ومن تبعه منهم سيحشرون فخاب ظنهم وانقلبت ~~الدائرة عليهم فكانوا هم الخاسرين فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين. PageV08P106 # وإلى هذا يشير تعالى حيث ذكر أولا قولهم: إن متبعي شعيب خاسرون، ثم ذكر ~~نزول العذاب وأبهم الذين أخذتهم الرجفة فقال: "فأخذتهم الرجفة" ولم يقل: ~~فأخذت الذين كفروا الرجفة، ثم صرح في قوله: "الذين كذبوا شعيبا" الآية أن ~~الحكم الإلهي والهلاك والخسران كان لشعيب ومن تبعه على الذين كذبوه من قومه ~~فكانوا هم الخاسرين الممكور بهم، وهم يزعمون خلافه. # قوله تعالى: "فتولى عنهم" إلى آخر الآية. # ظاهر السياق أنه إنما تولى بعد نزول العذاب عليهم وهلاكهم، وأن الخطاب ~~خطاب اعتبار، وقوله: "فكيف آسى" إلخ هو من الأسى أي كيف أحزن، والباقي ظاهر. PageV08P107 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 94 - 102 # وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس ءاباءنا ~~الضراء والسراء فأخذنهم بغتة وهم لا يشعرون (95) ولو أن أهل القرى ءامنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركت من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذنهم بما كانوا ~~يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيتا وهم نائمون (97) أوأمن ~~أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخسرون (99) أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ~~أن لو نشاء أصبنهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا ms2978 يسمعون (100) تلك القرى ~~نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينت فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكفرين (101) وما وجدنا لأكثرهم من ~~عهد وإن وجدنا أكثرهم لفسقين (102) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها، وهي تلخص القول في قصص الأمم الغابرة فتذكر أن ~~أكثرهم كانوا فاسقين خارجين عن زي العبودية لم يفوا بالعهد الإلهي والميثاق ~~الذي أخذ منهم لأول يوم، وتبين أن ذلك كان هو السبب في وقوعهم في مجرى سنن ~~خاصة إلهية يتبع بعضها بعضا، وهي أن الله سبحانه كان كلما أرسل إليهم نبيا ~~من أنبيائه يمتحنهم ويختبرهم بالبأساء والضراء فكانوا يعرضون عن آيات الله ~~التي كانت تدعوهم إلى الرجوع إلى الله والتضرع والإنابة إليه، ولا ينتبهون ~~بهاتيك المنبهات، وهذه سنة. # وإذا لم ينفع ذلك بدلت هذه السنة بسنة أخرى، وهي الطبع على قلوبهم ~~بتقسيتها وصرفها عن الحق، وتعليقها بالشهوات المادية وزينات الحياة الدنيا ~~وزخارفها، وهذه سنة المكر. # ثم تتبعها سنة ثالثة وهي الاستدراج، وهي بتبديل السيئة حسنة، والنقمة ~~نعمة والبأساء والضراء، سراء، وفي ذلك تقريبهم يوما فيوما وساعة فساعة إلى ~~العذاب الإلهي حتى يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون به لأنهم كانوا يرون أنفسهم ~~في مهد الأمن والسلام فرحين بما عندهم من العلم، وما في اختيارهم من ~~الوسائل الكافية على زعمهم في دفع ما يهددهم بهلاك أو يؤذنهم بالزوال. # وقد أشار الله سبحانه في خلال هذه الآيات إلى حقيقة ناصعة هي المدار الذي ~~يدور عليه أساس نزول النعم والنقم على العالم الإنساني حيث يقول: "ولو أن ~~أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء" الآية. # وتوضيحها أن العالم بما فيه من الأجزاء متعلق الأبعاض مرتبط الأطراف يتصل ~~بعضها ببعض اتصال أعضاء بدن واحد وأجزائه بعضها ببعض في صحتها وسقمها ~~واستقامتها في صدور أفاعيلها، وقيامها بالواجبات من أعمالها فالتفاعل ~~بالآثار والخواص جار بينها عام شامل لها. # والجميع على ما يبينه القرآن الشريف سائر إلى الله سبحانه سالك نحو ~~الغاية التي قدرت له فإذا اختل ms2979 أمر بعض أجزائه وخاصة الأجزاء الشريفة، وضعف ~~أثره وانحرف عن مستقيم صراطه بأن أثر فساده في غيره، وانعكس ذلك منه إلى ~~نفسه في الآثار التي يرسلها ذلك الغير إليه، وهي آثار غير ملائمة لحال هذا ~~الجزء المنحرف - وهي المحنة والبلية التي يقاسيها هذا السبب من ناحية سائر ~~الأسباب - فإن استقام بنفسه أو بإعانة من غيره عاد إليه رفاه حاله السابق، ~~ولو استمر على انحرافه واعوجاجه، وأدام فساد حاله دامت له المحنة حتى إذا ~~طغا وتجاوز حده، وأوقفت سائر الأسباب المحيطة به في عتبة الفساد انتهضت ~~عليه سائر الأسباب وهاجت بقواها التي أودعها الله سبحانه فيها لحفظ ~~وجوداتها فحطمته ودكته ومحته بغتة وهو لا يشعر. PageV08P108 # وهذه السنة التي هي من السنن الكونية التي أقرها الله سبحانه في الكون غير ~~متخلفة عن الإنسان، ولا الإنسان مستثنى منها فالأمة من الأمم إذا انحرفت عن ~~صراط الفطرة انحرافا يصده عن السعادة الإنسانية التي قدرت غاية لمسيره في ~~الحياة كان في ذلك اختلال حال غيره مما يحيط به من الأسباب الكونية ~~المرتبطة به، وينعكس إليه أثره السيىء الذي لا سبب له إلا انحرافه عن ~~الصراط وتوجيهه آثارا سيئة من نفسه إلى تلك الأسباب، وعند ذلك يظهر ~~اختلالات في اجتماعاتهم، ومحن عامة في روابطهم العامة كفساد الأخلاق، وقسوة ~~القلوب، وفقدان العواطف الرقيقة، وتهاجم النوائب وتراكم المصائب والبلايا ~~الكونية كامتناع السماء من أن تمطر، والأرض من أن تنبت، والبركات من أن ~~تنزل، ومفاجأة السيول والطوفانات والصواعق والزلازل وخسف البقاع وغير ذلك ~~كل ذلك آيات إلهية تنبه الإنسان وتدعو الأمة إلى الرجوع إلى ربه، والعود ~~إلى ما تركه من صراط الفطرة المستقيم، وامتحان بالعسر بعد ما امتحن باليسر. # تأمل في قوله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41 تراه شاهدا ناطقا بذلك، ~~فالآية تذكر أن المظالم والذنوب التي تكسبها أيدي الناس توجب فسادا في البر ~~والبحر مما يعود إلى الإنسان كوقوع الحروب وانقطاع الطرق وارتفاع الأمن ~~وغير ms2980 ذلك، أو لا يعود إليه كاختلال الأوضاع الجوية والأرضية الذي يستضر به ~~الإنسان في حياته ومعاشه. # ونظيره بوجه قوله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا ~~عن كثير": الشورى: 30 على ما سيجيء إن شاء الله من تقرير معناه، وكذلك قوله ~~تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الرعد: 11، وما ~~في معناه من الآيات. # وبالجملة فإن رجعت الأمة بذلك - وما أقله وأندره في الأمم - فهو، وإن ~~استمرت على ضلالها وخبطها طبع الله على قلوبهم فاعتادوا ذلك، وأصبحوا ~~يحسبون أن الحياة الإنسانية ليست إلا هذه الحياة المضطربة الشقية التي ~~تزاحمها أجزاء العالم المادي وتضطهدها النوائب والرزايا، ويحطمها قهر ~~الطبيعة الكونية - وأن ليس للإنسان إلا أن يتقدم في العلم ويتجهز بالحيل ~~الفكرية فيبارزها ويتخذ وسائل كافية في دفع قهرها وإبطال مكرها كما اتخذ ~~اليوم وسائل تكفي لدفع القحط والجدب والوباء والطاعون وسائر الأمراض العامة ~~السارية، وأخرى تنفي بها السيول والطوفانات والصواعق، وغير ذلك مما يأتي به ~~طاغية الطبيعة، ويهدد النوع بالهلاك. # قتل الإنسان ما أكفره! أخذه الخيلاء فظن أن التقدم فيما يسميه حضارة ~~وعلما يعده أنه سيغلب طبيعة الكون، ويبطل عزائمها، ويقهرها على أن تطيعه في ~~مشيته، وتنقاد لأهوائه، وهو أحد أجزائها المحكومة بحكمها الضعيفة في ~~تركيبها ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، ولو فسدت لكان ~~الإنسان الضعيف من أقدم أجزائها في الفساد وأسرعها إلى الهلاك. # ويخيل إليه أن الذي ترومه المعرفة الدينية هو أن تبطل نسبة الحوادث ~~العظام إلى أسبابها الطبيعية ثم تضع زمامها في يد صانعها فيكون شريكا من ~~الشركاء، للأسباب الآخر آثارها من الحوادث - وهي الحوادث التي يسعنا البحث ~~عن عللها وأسبابها - وللسبب الذي هو الصانع بقية الآثار من الحوادث ~~كالحوادث العامة والوقائع الجوية كالوباء والقحط والأمطار والصواعق وغيرها ~~ثم إذا كشف عن العلل الطبيعية المكتنفة لهذه الأمور زعم أنه في غنى عن رب ~~العالمين وتدبير ربوبيته. # وقد فاته أن الله عز اسمه ليس سببا في عرض الأسباب، وعلة في صف العلل ms2981 ~~المادية والقوى الفعالة في الطبيعة بل هو الذي أحاط بكل شيء، وخلق كل سبب ~~فساقه وقاده إلى مسببه وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ولا يحيط بخلقه ومسببه ~~غيره فله أن يتسبب إلى كل شيء بما أراده من الأسباب المجهولة عندنا الغائبة ~~عن علومنا. # وإلى ذلك يشير نحو قوله تعالى: "إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا": الطلاق: 3، وقوله: "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون": يوسف: 21، وقوله: "وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير": الشورى: 31، إلى غير ذلك من الآيات. PageV08P109 # وكيف يسع للإنسان أن يحارب الله في ملكه، ويتخذ بفكره وسائل لإبطال حكمه ~~وإرادته، وليس هو سبحانه في عرضها بل هو في طولها أي هو الذي خلق الإنسان ~~وخلق منه هذه الإرادة ثم الفكر ثم الوسائل المتخذة، ووضع كلا في موضعه، ~~وربط بعضها ببعض من بدئها إلى ختمها حتى أنهاها إلى الغاية الأخيرة التي ~~يريد الإنسان بجهالته أن يحارب بالتوسل إليها ربه في قضائه وقدره، ويناقضه ~~في حكمه، وهو أحد الأيادي العمالة لما يريده ويحكم به وبعض الأسباب المجرية ~~لما يقدره ويقضي به. # وإلى هذا الموقف الفضيح الإنساني يشير تعالى بعد ذكر أخذه الإنسان ~~بالبأساء والضراء بقوله: "ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون" على ما سيجيء إن ~~شاء الله تعالى من تقرير معنى الآية عن قريب. # فهذه حقيقة برهانية تقرر أن الإنسان كغيره من الأنواع الكونية مرتبط ~~الوجود بسائر أجزاء الكون المحيطة به، ولأعماله في مسير حياته وسلوكه إلى ~~منزل السعادة ارتباط بغيره فإن صلحت للكون صلحت أجزاء الكون له وفتحت له ~~بركات السماء، وإن فسدت أفسدت الكون وقابله الكون بالفساد فإن رجع إلى ~~الصلاح فيها، وإلا جرى على فساده حتى إذا تعرق فيه انتهض عليه الكون وأهلكه ~~بهدم بنيانه وإعفاء أثره، وطهر الأرض من رجسه. # وكيف يمكن للإنسان وأنى يسعه أن يعارض الكون بعمله ms2982 وهو أحد أجزائه التي ~~لا تستقل دونه البتة؟ أو يماكره بفكره وإنما يفكر بترتيب القوانين الكلية ~~المأخوذة منه؟ فافهم ذلك. # فهذه حقيقة برهانية والقرآن الكريم يصدقها وينص عليها فالله سبحانه هو ~~الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، وهداه إلى ما يسعده، ولم يخلق العالم سدى، ~~ولا شيئا من أجزائه ومنها الإنسان لعبا، بل إنما خلق ما خلق ليتقرب منه ~~ويرجع إليه، وهيأ له منزلة سعادة يندفع إليها بحسب فطرته بإذن الله سبحانه، ~~وجعل له سبيلا ينتهي إلى سعادته فإذا سلك سبيله الفطري فهو، وإلا فإن انحرف ~~عنه انحرافا لا مطمع في رجوعه إلى سوي الصراط فقد بطلت فيه الغاية، وحقت ~~عليه كلمة العذاب. # قوله تعالى: "وما أرسلنا في قرية من نبي" إلى آخر الآية. # قيل: البأساء في المال كالفقر، والضراء في النفس كالمرض، وقيل: يعني ~~بالبأساء ما نالهم من الشدة في أنفسهم وبالضراء ما نالهم في أموالهم، وقيل: ~~غير ذلك. # وقيل: إن البأس والبأساء يكثر استعمالهما في الشدة التي هي بالنكاية ~~والتنكيل كما في قوله تعالى: "والله أشد بأسا وأشد تنكيلا". # ولعل قوله بعد: "الضراء والسراء" حيث أريد بهما ما يسوء الإنسان وما يسره ~~يكون قرينة على إرادة مطلق ما يسوء الإنسان من الشدائد من الضراء، ويكون ~~قوله: "بالبأساء والضراء" من ذكر العام بعد الخاص. # يذكر سبحانه أن السنة الإلهية جرت على أنه كلما أرسل نبيا من الأنبياء ~~إلى قرية من القرى - وما يرسلهم إليهم إلا ليهديهم سبيل الرشاد - ابتلاهم ~~بشيء من الشدائد في النفوس والأموال رجاء أن يبعثهم ذلك إلى التضرع إليه ~~سبحانه ليتم بذلك أمر دعوتهم إلى الإيمان بالله والعمل الصالح. # فالابتلاءات والمحن نعم العون لدعوة الأنبياء فإن الإنسان ما دام على ~~النعمة شغله ذلك عن التوجه إلى من أنعمها عليه واستغنى بها، وإذا سلب ~~النعمة أحس بالحاجة، ونزلت عليه الذلة والمسكنة، وعلاه الجزع، وهدده الفناء ~~فيبعثه ذلك بحسب الفطرة إلى الالتجاء والتضرع إلى من بيده سد خلته ودفع ~~ذلته، وهو الله سبحانه وإن كان لا يشعر به ms2983 وإذا نبه عليه كان من المرجو ~~اهتداؤه إلى الحق، قال تعالى: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض": حم السجدة: 51. # قوله تعالى: "ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا" إلى آخر الآية. # تبديل الشيء شيئا وضع الشيء الثاني مكان الشيء الأول والسيئة والحسنة ~~معناهما ظاهر، والمراد بهما ما هما كالشدة والرخاء، والخوف والأمن، والضراء ~~والسراء كما يدل عليه قوله بعده: "قد مس آباءنا الضراء والسراء". PageV08P110 # وقوله: "حتى عفوا" من العفو وفسر بالكثرة أي حتى كثروا أموالا ونفوسا بعد ~~ما كان الله قللهم بالابتلاءات والمحن، وليس - ببعيد وإن لم يذكروه - أن ~~يكون من العفو بمعنى إمحاء الأثر كقوله: ربع عفاه الدهر طولا فانمحى. # قد كاد من طول البلى أن يمسحا. # فيكون المراد أنهم محوا بالحسنة التي أوتوها آثار السيئة السابقة وقالوا: ~~"قد مس آباءنا الضراء والسراء" أي إن الإنسان وهو في عالم الطبيعة المتحولة ~~المتغيرة من حكم موقفه أن يمسه الضراء والسراء، وتتعاقب عليه الحدثان مما ~~يسوؤه أو يسره من غير أن يكون لذلك انتساب إلى امتحان إلهي ونقمة ربانية. # ومن الممكن بالنظر إلى هذا المعنى الثاني أن يكون قوله: "وقالوا" إلخ، ~~عطف تفسير لقوله: "عفوا" والمراد أنهم محوا رسم الامتحان الإلهي بقولهم: إن ~~الضراء والسراء إنما هما من عادات الدهر المتبادلة المتداولة يداولنا بذلك ~~كما كان يداول آباءنا كما قال تعالى: "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء ~~مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة": حم السجدة: 50. # و"حتى" في قوله: "حتى عفوا وقالوا" الآية، للغاية، والمعنى: ثم آتيناهم ~~النعم مكان النقم فاستغرقوا فيها إلى أن نسوا ما كانوا عليه في حال الشدة ~~وقالوا: إن هذه الحسنات وتلك السيئات من عادة الدهر فانتهى بهم إرسال الشدة ~~ثم الرخاء إلى هذه الغاية، وكان ينبغي لهم أن يتذكروا عند ذلك ويهتدوا إلى ~~مزيد الشكر بعد التضرع لكنهم غيروا الأمر فوضعوا هذه الغاية مكان تلك ~~الغاية التي رضيها لهم ربهم فطبع الله بذلك على قلوبهم فلا يسمعون ms2984 كلمة الحق. # ولعل قوله: "الضراء والسراء" قدم فيه الضراء على السراء ليحاذي ما في ~~قوله تعالى: "ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة" من الترتيب. # وفي قوله: "فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون" تلويح إلى جهل الإنسان بجريان ~~الأمر الإلهي، ولذا كان الأخذ بغتة وفجأة من غير أن يشعروا به، وهم يظنون ~~أنهم عالمون بمجاري الأمور، وخصوصيات الأسباب، لهم أن يتقوا ما يهددهم من ~~أسباب الهلاك بوسائل دافعة يهديهم إليها العلم، قال تعالى: "فلما جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم": المؤمن: 83. # قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات" إلى آخر الآية. # البركات أنواع الخير الكثير ربما يبتلى الإنسان بفقده كالأمن والرخاء ~~والصحة والمال والأولاد وغير ذلك. # وقوله: "لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" فيه استعارة بالكناية فقد ~~شبهت البركات بمجاري تجري منها عليهم كل ما يتنعمون به من نعم الله لكنها ~~سدت دونهم فلا يجري عليهم منها شيء لكنهم لو آمنوا واتقوا لفتحها الله ~~سبحانه فجرى عليهم منها بركات السماء من الأمطار والثلوج والحر والبرد وغير ~~ذلك كل في موقعه وبالمقدار النافع منه، وبركات الأرض من النبات والفواكه ~~والأمن وغيرها ففي الكلام استعارة المجاري لبركات ثم ذكر بعض لوازمه وآثاره ~~وهو الفتح للمستعار له. # وفي قوله: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا" الآية دلالة على أن افتتاح ~~أبواب البركات مسبب لإيمان أهل القرى جميعا وتقواهم أي إن ذلك من آثار ~~إيمان النوع الإنساني وتقواه لا إيمان البعض وتقواه فإن إيمان البعض وتقواه ~~لا ينفك عن كفر البعض الآخر وفسقه، ومع ذلك لا يرتفع سبب الفساد وهو ظاهر. # وفي قوله: "ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" دلالة على أن الأخذ ~~بعنوان المجازاة وقد تقدم في البيان المذكور آنفا ما يتبين به كيفية ذلك، ~~وأنه في الحقيقة أعمال الإنسان ترد إليه. # قوله تعالى: "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون" البيات ~~والتبييت قصد العدو ليلا، وهو من المكر لأن الليل سكن يسكن فيه الإنسان ~~ويميل بالطبع إلى ms2985 أن يستريح وينقطع عن غيره بالنوم والسكون. # وقد فرع مضمون الآية على ما قبله أي إذا كان هذا حال أهل القرى أنهم ~~يغترون بما تحت حسهم عما وراءه فيفجئون ويأخذهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون ~~فهل أمنوا أن يأتيهم عذاب الله ليلا وهم في حال النوم، وقد عمتهم الغفلة؟. PageV08P111 # قوله تعالى: "أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون" الضحى صدر ~~النهار حين تنبسط الشمس، والمراد باللعب الأعمال التي يشتغلون بها لرفع ~~حوائج الحياة الدنيا والتمتع من مزايا الشهوات، وهي إذا لم تكن في سبيل ~~السعادة الحقيقية، وطلب الحق كانت لعبا، فقوله: "وهم يلعبون كناية عن العمل ~~للدنيا وربما قيل: إنه استعارة أي يشتغلون بما لا نفع فيه كأنهم يلعبون، ~~وليس ببعيد أن يكون قوله في الآية السابقة "وهم نائمون" كناية عن الغفلة. # ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" ~~مكر به مكرا أي مسه بالضرر أو بما ينتهي إلى الضرر وهو لا يشعر وهو إنما ~~يصح منه تعالى إذا كان على نحو المجازاة كأن يأتي الإنسان بالمعصية فيؤاخذه ~~الله بالعذاب من حيث لا يشعر أو يفعل به ما يسوقه إلى العذاب وهو لا يشعر، ~~وأما المكر الابتدائي من غير تحقق معصية سابقة فمما يمتنع عليه تعالى وقد ~~مرت الإشارة إليه كرارا. # وما ألطف قوله تعالى: "أفأمن أهل القرى" و"أوأمن أهل القرى" ثم قوله ~~"أفأمنوا مكر الله"، والثالث - وهو الذي في هذه الآية - جمع وتلخيص ~~للإنكارين السابقين في الآيتين، وقد أظهر في الآيتين جميعا من غير أن يقول ~~في الثانية: أوأمنوا إلخ ليعود الضمير في الآية الثالثة إلى من في الآيتين ~~جميعا كأنه أخذ أهل القرى وهم نائمون غير أهل القرى وهم يلعبون. # وقوله: "فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" ذلك لأنه تعالى بين في ~~الآيتين الأوليين أن الأمن من مكر الله نفسه مكر إلهي يتعقبه العذاب الإلهي ~~فالآمنون من مكر الله خاسرون لأنهم ممكور بهم بهذا الأمن بعينه. # قوله ms2986 تعالى: "أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها" إلى آخر الآية. # الظاهر أن فاعل قوله: "يهد" ضمير راجع إلى ما أجمله من قصص أهل القرى، ~~وقوله "للذين يرثون" مفعوله عدي إليه باللام لتضمينه معنى التبيين، ~~والمعنى: أولم يبين ما تلوناه من قصص أهل القرى للذين يرثون الأرض من بعد ~~أهلها هاديا لهم، وقوله: "أن لو نشاء أصبناهم" الآية مفعول "يهد" والمراد ~~بالذين يرثون الأرض من بعد أهلها الأخلاف الذين ورثوا الأرض من أسلافهم. # ومحصل المعنى: أولم يتبين أخلاف هؤلاء الذين ذكرنا أنا آخذناهم بمعاصيهم ~~بعد ما امتحناهم ثم طبعنا على قلوبهم فلم يستطيعوا أن يسمعوا مواعظ ~~أنبيائهم إنا لو نشاء لأصبناهم بذنوبهم من غير أن يمنعنا منهم مانع أو ~~يتقوا بأسنا بشيء. # وربما قيل: إن قوله: "يهد" منزل منزلة اللازم والمعنى: أولم يفعل بهم ~~الهداية أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونظيره قوله تعالى: "أولم يهد لهم كم ~~أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم": الم السجدة: 26. وأما قوله: ~~"ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون" فمعطوف على قوله "أصبناهم" لأن الماضي ~~هاهنا في معنى المستقبل، والمعنى أولم يهد لهم أولو نشاء نطبع إلخ، وقيل ~~جملة معترضة تذييلية، وفي الآية وجوه وأقوال أخر خالية عن الجدوى. # قوله تعالى: "تلك القرى نقص عليك من أنبائها" إلى آخر الآية تلخيص ثان ~~لقصصهم المقصوصة سابقا بعد التلخيص الذي مر في قوله: "وما أرسلنا في قرية ~~من نبي" إلى آخر الآيتين أو الآيات الثلاث. # والفرق بين التلخيصين أن الأول تلخيص من جهة صنع الله من أخذهم بالبأساء ~~والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثم الأخذ بغتة وهم لا يشعرون، والثاني تلخيص ~~من جهة حالهم في أنفسهم قبال الدعوة الإلهية، وهو أنهم وإن جاءتهم رسلهم ~~بالبينات لكنهم لم يؤمنوا لتكذيبهم من قبل وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من ~~قبل، وهذا من طبع الله على قلوبهم. # وقوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" ظاهر الآية أن قوله "بما" ~~متعلق بقوله "ليؤمنوا" ولازم ذلك أن تكون "ما" ms2987 موصولة ويؤيده قوله تعالى في ~~موضع آخر "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74 فإنه أظهر في ~~كون "ما" موصولة لمكان ضمير "به" ويئول المعنى إلى أنهم كذبوا بما دعوا ~~إليه أولا ثم لم يؤمنوا به عند الدعوة النبوية ثانيا. PageV08P112 # ويؤيده ظاهر قوله "فما كانوا ليؤمنوا" فإن هذا التركيب يدل على نفي التهيؤ ~~القبلي يقال: ما كنت لآتي فلانا "وما كنت لأكرم فلانا وقد فعل كذا أي لم ~~يكن من شأني كذا ولم أكن بمتهيىء لكذا، وفي التنزيل: "ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب": آل عمران: 179، أي ~~كان في إرادته التمييز من قبل. # وقال تعالى: "لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا": النساء: 137. ~~ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية: "وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا ~~أكثرهم لفاسقين" فإن ظاهر السياق أن هذه الآية معطوفة عطف تفسير على قوله: ~~"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" فيتبين بها أنهم كانوا عهد إليهم ~~بعهد ففسقوا عنه وكذبوا به حين عهد إليهم ثم إذا جاءتهم الرسل بالبينات ~~كذبوهم ولم يؤمنوا بهم، وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل. # والآية أعني قوله: "ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل" مذيلة بقوله: "وكذلك يطبع الله على قلوب الكافرين" فدل ذلك ~~على أن ما وصفه من مجيء الرسل بالبينات وعدم إيمانهم لتكذيبهم بذلك قبلا هو ~~من مصاديق الطبع المذكور، وحقيقته أن الله ثبت التكذيب في قلوبهم ومكنه من ~~نفوسهم حتى إذا جاءتهم الرسل بالبينات لم يكن محل لقبول دعوتهم لكون المحل ~~مشغولا بضده. # فتنطبق هاتان الآيتان بحسب المعنى على الآيتين الأوليين أعني قوله: وما ~~أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها إلى آخر الآيتين حيث تصفان سنة الله ~~أنه يرسل آيات دالة على حقية أصول الدعوة من التوحيد وغيره بأخذهم بالبأساء ~~والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثم يطبع على قلوبهم جزاء لجرمهم. # وعلى هذا فالمعنى في الآية: ms2988 لقد جاءتهم رسلهم بالبينات لكنهم لما لم ~~يؤمنوا بالآيات المرسلة إليهم الداعية لهم إلى التضرع إلى الله والشكر ~~لإحسانه بل شكوا فيها بل حملوها على عادة الدهر وتصريف الأيام وتقليبها ~~الإنسان من حال إلى حال فكذبوا بهذه الآيات، واستقر التكذيب في قلوبهم فلما ~~دعاهم الأنبياء إلى الدين الحق لم يؤمنوا بما كانوا يدعون إليه من الحق ~~وبما كانوا يذكرونهم بها من الآيات لأنهم كذبوا بها من قبل وما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فإن الله عز وجل طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون. # فعدم إيمانهم أثر الطبع الإلهي، والطبع أثر تكذيبهم بدلالة الابتلاء ~~بالبأساء والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثانيا، ومن الدليل عليه قوله: ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين": يونس: 13، وقوله: "ثم بعثنا من بعده - ~~يعني نوحا - رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ~~به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين: يونس: 74، وعلى هذا فقوله: "فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" تفريع على قوله: "ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات"، والمراد بما كذبوا به الآيات البينات التي ذكرتهم بها الأنبياء ~~من آيات الآفاق والأنفس وما جاءوا به من الآيات المعجزة فالجميع آياته، ~~والمراد بتكذيبهم بها من قبل، تكذيبهم بها من حيث دلالة عقولهم بمشاهدتها ~~أنهم مربوبون لله لا رب سواه، وبعدم إيمانهم ثانيا عدم إيمانهم بها حين ~~يذكرهم بها الأنبياء. # فالمعنى فما كانوا ليؤمنوا بما يذكرهم به ويأتي به الأنبياء من الآيات ~~التي كذبوا بها حين ذكرتهم بها عقولهم، وأرسلها الله إليهم ليذكروا ~~ويتضرعوا إليه ويشكروا له. # وعلى هذا فالمراد بالعهد في قوله في الآية التالية: "وما وجدنا لأكثرهم ~~من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين" هو العهد الذي عهده الله سبحانه إليهم من ~~طريق العقل بلسان الآيات: أن لا يعبدوا إلا إياه، والمراد بالفسق خروجهم عن ~~ذلك العهد بعدم الوفاء به. # ولهذا العهد تحقق سابق على هذا التحقق وهو أن الله سبحانه أخذه بعينه ms2989 ~~منهم حين خلقهم وسواهم بخلق أبيهم آدم وتسويته ثم جعله مثالا للإنسانية ~~العامة فأسجد له الملائكة وأدخله الجنة ثم عهد إليه حين أمر بهبوطه الأرض ~~أن يعبده هو وذريته ولا يشركوا به شيئا. PageV08P113 # وقد قدر الله سبحانه هنالك ما قدر فهدى بحسب تقديره قوما ولم يهد آخرين ثم ~~إذا وردوا الدنيا وأخذوا في سيرهم في مسير الحياة اهتدى الأولون، وفسق عن ~~عهده الآخرون حتى طبع الله على قلوبهم وحقت عليهم الضلالة في الدنيا بعد ~~أعمالهم السيئة كما تقدم بيانه في تفسير قوله: "كما بدأكم تعودون فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة: الآية 30 من السورة. # فمعنى الآية على هذا: فما كانوا ليؤمنوا عند دعوة الأنبياء بما كذبوا به ~~ولم يقبلوه عند أخذ العهد الأول، وما وجدنا لأكثرهم من وفاء في الدنيا ~~بالعهد الذي عهدناه هناك وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين خارجين عن حكم ذلك العهد. # فهذا معنى لكنه غير مناف للمعنى السابق فإن أحد المعنيين في طول الآخر ~~وليسا بمتعارضين فإن تعين طريق الإنسان وغايته من سعادة وشقاوة بحسب القدر ~~لا ينافي إمكان سعادته وشقاوته في الدنيا، وإناطة تحقق كل منهما باختياره ~~ذلك وانتخابه وللقوم في تفسير الآية أقوال أخر: 1 -: أن المراد بتكذيبهم من ~~قبل، تكذيبهم من حين مجيء الرسل إلى حين الإصرار والعناد وبقوله: "فما ~~كانوا ليؤمنوا" إلخ، كفرهم حين الإصرار، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا حين ~~العناد بما كذبوا به من أول الدعوة إلى ذلك الحين، وهذا وجه سخيف لا شاهد ~~له من جهة اللفظ البتة. # 2 -: أن المراد بتكذيبهم قبلا، تكذيبهم بأصول الشرائع الإلهية التي لا ~~يختلف في شيء منها كالتوحيد والمعاد، ومسألة حسن العدل وقبح الظلم مثلا مما ~~يستقل به العقل، وبتكذيبهم بعدا تكذيبهم بتفاصيل الشرائع، والمعنى فما ~~كانوا ليؤمنوا بهذه الشرائع المفصلة وهي التي كذبوا بها قبلا إجمالا قبل ~~الدعوة التفصيلية، وفيه أنه خلاف ظاهر الآية فلا يقال للكفر بالله وبسائر ~~ما ثبوته فطري عند العقل أنه تكذيب. # على أن ما تقدم من القرائن على خلافه ms2990 يكذبه. # 3 -: أن الآية على حد قوله تعالى: "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه" ~~فالمعنى: ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذبوا به قبل ~~إهلاكهم، هذا. # وهو أسخف ما قيل في تفسير الآية. # 4 -: أن ضمير "كذبوا" راجع إلى أسلافهم كما أن ضمير "ليؤمنوا" للأخلاف ~~والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أسلافهم، وفيه: أنه قول من غير دليل ~~وظاهر سياق قوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا" أن مرجع الثلاثة جميعا ~~واحد، ومن الممكن أن يقرر هذا الوجه بما يرجع إلى الوجه الآتي. # 5 -: أن الكلام مبني على أخذ عامة أهل القرى من أسلافهم وأخلافهم واحدا ~~بعث إليه الرسل، وهم مأخوذون كالشخص الواحد فيكون تكذيب الأسلاف لأنبيائهم ~~تكذيبا من الأخلاف لهم، وعدم إيمان الأخلاف أيضا عدم إيمان من الأسلاف وهذا ~~كما يذكر القرآن أهل الكتاب وخاصة اليهود ثم يؤاخذ أخلافهم بما قدمته أيدي ~~أسلافهم، وتنسب إلى لاحقيهم مظالم سابقيهم في آيات كثيرة فيكون المعنى: هو ~~ذا البشر منذ خلقوا إلى اليوم جاءتهم رسلهم بالبينات فما كان يؤمن آخرهم ~~بما كذب به أولهم. # هذا. # وفيه: أنه وإن كان في نفسه معنى صحيحا لكن السياق لا يلائمه فالكلام مسوق ~~لبيان حال الأمم الغابرة كما يدل عليه قوله: "تلك القرى نقص عليك من ~~أنبائها" ولو كانوا مأخوذين على نعت الوحدة الممتدة بامتداد أعصارهم حتى ~~يكون لها أول وآخر وصدر وذيل تكفر بآخرها وذيلها بما كذبت به بأولها وصدرها ~~كان من حق الكلام أن يدل على مثل هذا الاستمرار في قوله: "جاءتهم رسلهم ~~بالبينات" فيقال: كانت تأتيهم رسلهم بالبينات أو ما يؤدي هذا المعنى لا ~~بمثل قوله: "جاءتهم" الظاهر في اعتبار الدفعة والمرة فافهم ذلك. # وذلك كما في قوله تعالى: "كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون": المائدة: 70، فمن المعلوم أنه ربما كان المكذبون غير ~~القاتلين، وقد نسب الجميع إلى مجتمع واحد لكن دل على استمرار مجيء الرسول، ~~ونظيره قوله: "ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر ms2991 يهدوننا ~~فكفروا وتولوا واستغنى الله": التغابن: 6، وكذا قوله في قصص الأنبياء بعد ~~نوح: "ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا به من قبل": يونس: 14، فإن مفاد قوله "بعثنا من بعده رسلا إلى ~~قومهم" بعثنا كل رسول إلى قومه. PageV08P114 # 6 -: أن الباء في قوله: "بما كذبوا" سببية وما مصدرية، والمراد بتكذيبهم من ~~قبل ما اعتادوه من تكذيب الرسل أو كل حق واجههم، والمعنى: فما كانوا ~~ليؤمنوا بسبب التكذيب الذي تقدم منهم للرسل أو لكل حق، بربهم. # وفيه: أنه محجوج بنظير الآية وهو قوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به ~~من قبل" فإن وجود ضمير "به" فيه دليل على أن ما موصولة. # على أن ظاهر الآية أن الباء للتعدية، و"بما" متعلقة بقوله: "ليؤمنوا" على ~~أنه بوجه راجع إلى الوجه الأول. # 7 -: أن المراد بما أشير إليه آخرا تكذيبهم الذي أسروه يوم الميثاق ~~والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا عند دعوة الأنبياء في الدنيا بما كذبوا به قبله ~~يوم الميثاق. # وفيه: أنه معنى صحيح في نفسه غير أنه من البطن دون الظهر الذي عليه يدور ~~التفسير، والدليل عليه قوله بعده: "كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين" فإنه ~~يصرح بأن عدم إيمانهم كذلك إنما كان بالطبع على قلوبهم، وأن الله طبع على ~~قلوبهم بتكذيبهم السابق فلم يؤمنوا به عند الدعوة اللاحقة، والطبع لا يكون ~~ابتدائيا في الدنيا بل لجرم سابق فيها، وهذا أحسن شاهد على أن هذا التكذيب ~~الذي أورث لهم الطبع على قلوبهم كان في الدنيا ثم الطبع أوجب لهم أن لا ~~يؤمنوا بما كذبوا به من قبل. # وفي هذا المعنى آيات أخر تدل على أن الطبع والختم الإلهي إنما هو عن جرم ~~سابق دنيوي، وليس مجرد سبق التكذيب في الميثاق ينتج الطبع الابتدائي في ~~الدنيا فإنه مما لا يليق به سبحانه البتة، وقد قال: "يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # قوله تعالى: وما وجدنا لأكثرهم من عهد إلى آخر الآية، قال ms2992 في المجمع،: من ~~عهد أي من وفاء بعهد كما يقال: فلان لا عهد له أي لا وفاء له بالعهد، وليس ~~بحافظ للعهد انتهى. # ومن الجائز أن يراد بالعهد عهد الله الذي عهده إليهم من ناحية آياته أو ~~عهدهم الذي عاهدوا الله عليه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ومن ناحية حاجة ~~أنفسهم ودلالة عقولهم، وقد ظهر معنى الآية مما تقدم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصالح أخبره ~~أني شاك وقد قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى فإني أحب أن تريني شيئا ~~من ذلك. فكتب إليه: أن إبراهيم كان مؤمنا وأحب أن يزداد إيمانا، وأنت شاك ~~والشاك لا خير فيه، وكتب: أنما الشك ما لم يأت اليقين فإذا جاء اليقين لم ~~يجز الشك. وكتب: أن الله عز وجل يقول: وما وجدنا لأكثرهم من عهد - وإن ~~وجدنا أكثرهم لفاسقين قال: نزلت في الشاك. # أقول: وانطباقه على ما مر في البيان السابق ظاهر، وقد روى ذيل الحديث ~~العياشي عن الحسين بن الحكم الواسطي وفيه: نزلت في الشكاك PageV08P115 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 103 - 126 # ثم بعثنا من بعدهم موسى بئايتنا إلى فرعون وملايه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عقبة المفسدين (103) وقال موسى يفرعون إنى رسول من رب العلمين (104) ~~حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى ~~بنى إسرءيل (105) قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من الصدقين (106) ~~فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هى بيضاء للنظرين (108) ~~قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لسحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~فما ذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل فى المدائن حشرين (111) يأتوك ~~بكل سحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغلبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يموسى إما أن تلقى ~~وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم ms2993 (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هى ~~تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك ~~وانقلبوا صغرين (119) وألقى السحرة سجدين (120) قالوا ءامنا برب العلمين ~~(121) رب موسى وهرون (122) قال فرعون ءامنتم به قبل أن ءاذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه فى المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا ~~منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن ءامنا بئايت ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ ~~علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) ### |||| AUTO بيان # شروع في قصص موسى (عليه السلام)، وقد خص بالذكر منها مجيئه إلى فرعون ~~ودعواه الرسالة إليه لنجاة بني إسرائيل وإتيانه بالآيتين اللتين آتاه الله ~~إياهما ليلة الطور، وهذه القصة هي التي تشتمل عليها هذه الآيات ثم إجمال ~~قصته حين إقامته في مصر بين بني إسرائيل لإنجائهم، وما نزل على قوم فرعون ~~من آيات الشدة إلى أن أنجى الله بني إسرائيل، ثم تذكر قصة نزول التوراة ~~وعبادة بني إسرائيل العجل، ثم قصصا متفرقة من بني إسرائيل يعتبر بها ~~المعتبر. # قوله تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه" إلى آخر الآية. PageV08P116 # في تغيير السياق في أول القصة دلالة على تجدد الاهتمام بأمر موسى (عليه ~~السلام) فإنه من أولي العزم صاحب كتاب وشريعة، وقد ورد الدين ببعثته في ~~مرحلة جديدة من التفصيل بعد المرحلتين اللتين قعطهما ببعثة نوح وإبراهيم ~~(عليه السلام)، وفي لفظ الآيات شيء من الإشارة إلى تبدل المراحل فقد قال ~~تعالى أولا: "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه" "وإلى عاد أخاهم هودا" "وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا" فجرى على سياق واحد لأن هودا وصالحا كانا على شريعة نوح، ثم ~~غير السياق فقال: "ولوطا إذ قال لقومه" لأن لوطا من أهل المرحلة الثانية في ~~الدين وهي مرحلة شريعة إبراهيم، وكان لوط على شريعته ثم عاد إلى السياق ~~السابق في بدء قصة شعيب، ثم غير السياق في بدء قصة موسى بقوله: "ثم بعثنا ~~من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه" لأنه ms2994 ثالث أولي العزم صاحب كتاب ~~جديد وشريعة جديدة، ودين الله وشرائعه وإن كان واحدا لا تناقض فيه ولا ~~تنافي غير أنه مختلف بالإجمال والتفصيل والكمال وزيادته بحسب تقدم البشر ~~تدريجيا من النقص إلى الكمال، واشتداد استعداده لقبول المعارف الإلهية عصرا ~~بعد عصر إلى أن ينتهي إلى موقف علمي هي أعلى المواقف فيختتم عند ذلك ~~الرسالة والنبوة، ويستقر الكتاب والشريعة استقرارا لا مطمع بعده في كتاب ~~جديد أو شريعة جديدة ولا يبقى للبشر بعد ذلك إلا التدرج في الكمال من حيث ~~انتشار الدين وانبساطه على المجتمع البشري واستيعابه لهم، وإلا التقدم من ~~جهة التحقق بحقائق المعارف، والترقي في مراقي العلم والعمل التي يدعو إليها ~~الكتاب، ويحرض عليها الشريعة والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين. # فقوله تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا" إلى آخر الآية. # إجمال لقصة موسى (عليه السلام) ثم يؤخذ في التفصيل من قوله: "وقال موسى ~~يا فرعون" الآية، وإنا وإن كنا نسمي هذه القصص بقصة موسى وقصة نوح وقصة هود ~~وهكذا فإنها بحسب ما سردت في هذه السورة قصص الأمم والأقوام الذين أرسل ~~إليهم هؤلاء الرسل الكرام يذكر فيها حالهم فيما واجهوا به رسل الله من ~~الإنكار والرد، وما آل إليه أمرهم من نزول العذاب الإلهي الذي أفنى جمعهم، ~~وقطع دابرهم ولذلك ترى أن عامة القصص المذكورة مختومة بذكر نزول العذاب ~~وهلاك القوم. # ولا تنس ما قدمناه في مفتتح الكلام أن الغرض منها بيان حال الناس في قبول ~~العهد الإلهي المأخوذ منهم جميعا ليكون إنذارا للناس عامة وذكرى للمؤمنين ~~خاصة، وأنه الغرض الجامع بين ما في سور "الم" وما في سورة "ص" من الغرض وهو ~~الإنذار والذكرى. # فقوله: "ثم بعثنا من بعدهم" أي من بعد من ذكروا من الأنبياء وهم نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب (عليهما السلام) "موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه" أي إلى ~~ملك مصر والأشراف الذين حوله، و"فرعون" لقب كان يطلق على ملوك مصر كالخديو ~~كما كان يلقب بقيصر وكسرى وفغفور ملوك الروم ms2995 وإيران والصين، ولم يصرح ~~القرآن الكريم باسم هذا الفرعون الذي أرسل إليه موسى فأغرقه الله بيده. # وقوله: "بآياتنا" الظاهر أن المراد بها ما أتى به في أول الدعوة من إلقاء ~~العصا فإذا هي ثعبان، وإخراج يده من جيبه فإذا هي بيضاء، والآيات التي ~~أرسلها الله إليهم بعد ذلك من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات، ولم ينقل القرآن الكريم لنبي من الأنبياء من الآيات الكثيرة ما ~~نقله عن موسى (عليه السلام). # وقوله: "فظلموا بها" أي بالآيات التي أرسل بها على ما سيذكره الله سبحانه ~~في خلال القصة، وظلم كل شيء بحسبه، وظلم الآيات إنما هو التكذيب بها ~~والإنكار لها. # وقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المفسدين" ذكر عاقبة الإفساد في الاعتبار ~~بأمرهم لأنهم كانوا يفسدون في الأرض ويستضعفون بني إسرائيل، وقد كان في متن ~~دعوة موسى حين ألقاها إلى فرعون: "فأرسل معي بني إسرائيل" وفي سورة طه: ~~"فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم": طه: 47. PageV08P117 # قوله تعالى: "وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين" شروع في تفصيل ~~قصة الدعوة كما تقدمت الإشارة إليه، وقد عرف نفسه بالرسالة ليكون تمهيدا ~~لذكر ما أرسل لأجله، وذكره تعالى باسمه رب العالمين أنسب ما يتصور في ~~مقابلة الوثنيين الذين لا يرون إلا أن لكل قوم أو لكل شأن من شئون العالم ~~وطرف من أطرافه ربا على حدة. # قوله تعالى: "حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق" إلى آخر الآية ~~تأكيد لصدقه في رسالته أي أنا حري بأن أقول قول الحق ولا أنسب إلى الله في ~~رسالتي منه إليك شيئا من الباطل لم يأمرني به الله سبحانه، وقوله: "قد ~~جئتكم ببينة من ربكم" في موضع التعليل بالنسبة إلى جميع ما تقدم أو بالنسبة ~~إلى قوله: "إني رسول من رب العالمين" لأنه هو الأصل الذي يتفرع عليه غيره. # ولعل تعدية "حقيق" بعلى من جهة تضمينه معنى حريص أي حريص على كذا حقيقا ~~به، والمعروف في اللغة تعدية حقيق بمعنى حري بالباء يقال: فلان ms2996 حقيق ~~بالإكرام أي حري به لائق. # وقرىء: "حقيق علي" بتشديد الياء والحقيق على هذا مأخوذ من حق عليه كذا أي ~~وجب، والمعنى واجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق فالحقيق خبر ومبتدؤه ~~قوله: أن لا أقول، الآية والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين" الشرط في ~~صدر الآية أعني قوله: "إن كنت جئت بآية" يتضمن صدقه (عليه السلام) فإنه إذا ~~كان جائيا بآية واقعة فقد صدق في إخباره بأنه قد جاء بآية لكن الشرط في ذيل ~~الآية تعريض يومىء به إلى أنه ما يعتقد بصدقه في إخباره بوجود آية معه، ~~فكأنه قال: إن كنت جئت بآية فأت بها وما أظنك تصدق في قولك، فلا تكرار في الشرط. # قوله تعالى: "فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين" الفاء جوابية كما قيل أي ~~فأجابه بإلقاء عصاه، وهذه هي فاء التفريع والجواب مستفاد من خصوصية المورد. # والثعبان الحية العظيمة ولا تنافي بين وصفه هاهنا بالثعبان المبين وبين ~~ما في موضع آخر من قوله تعالى: "فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم ~~يعقب": القصص: 31، والجان هي الحية الصغيرة لاختلاف القصتين كما قيل فإن ~~ذكر الجان إنما جاء في قصة ليلة الطور وقد قال تعالى فيها في موضع آخر: ~~"فألقاها فإذا هي حية تسعى": طه: 20، وأما ذكر الثعبان فقد جاء في قصة ~~إتيانه لفرعون بالآيات حين سأله ذلك. # قوله تعالى: "ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين" أي نزع يده من جيبه على ~~ما يدل عليه قوله تعالى: "واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء": طه: ~~22، وقوله: "اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء": القصص: 32. # والأخبار وإن وردت فيها أن يده (عليه السلام) كانت تضيء كالشمس الطالعة ~~عند إرادة الإعجاز بها لكن الآيات لا تقص أزيد من أنها كانت تخرج بيضاء ~~للناظرين إلا أن كونها آية معجزة تدل على أنها كانت تبيض ابيضاضا لا يشك ~~الناظرون في أنها حالة خارقة للعادة. # قوله ms2997 تعالى: "قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم" لم يذكر تعالى ~~ما قاله فرعون عند ذلك، وإنما الذي ذكر محاورة الملإ بعضهم بعضا كأنهم في ~~مجلس مشاورة يذاكر بعضهم بعضا ويشير بعضهم إلى ما يراه ويصوبه آخرون ~~فيقدمون ما صوبوه من رأي إلى فرعون ليعمل به فهم لما تشاوروا في أمر موسى ~~وما شاهدوه من آياته المعجزة قالوا: إن هذا لساحر عليم، وإذا كان ساحرا غير ~~صادق فيما يذكره من رسالة الله سبحانه فإنما يتوسل بهذه الوسيلة إلى نجاة ~~بني إسرائيل واستقلالهم في أمرهم ليتأيد بهم ثم يخرجكم من أرضكم ويذهب ~~بطريقتكم المثلى فما ذا تأمرون به في إبطال كيده، وإخماد ناره التي أوقدها؟ ~~أمن الواجب مثلا أن يقتل أو يصلب أو يسجن أو يعارض بساحر مثله؟. # فاستصوبوا آخر الآراء، وقدموه إلى فرعون أن أرجه وأخاه وابعث في المدائن ~~حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم. PageV08P118 # ومن ذلك يظهر أن قوله تعالى: "فما ذا تأمرون" حكاية ما قاله بعض الملإ لبعض ~~وقوله: "قالوا أرجه" إلخ، حكاية ما قدموه من رأي الجميع إلى فرعون وقد ~~اتفقوا عليه، وقد حكى الله سبحانه في موضع آخر من كلامه هذا القول بعينه من ~~فرعون يخاطب به ملأه قال تعالى: "قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن ~~حاشرين يأتوك بكل سحار عليم": الشعراء: 37. # ويظهر مما في الموضعين أنهم إنما شاوروا حول ما قاله فرعون ثم صوبوه ~~ورأوا أن يجيبه بسحر مثل سحره، وقد حكى الله أيضا هذا القول عن فرعون يخاطب ~~به موسى حتى بالذي أشار إليه الملأ من معارضة سحره بسحر آخر مثله إذ قال: ~~"قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله": طه: 58، ~~ولعل ذلك محصل ما خرج من مشاورتهم حول ما قاله فرعون بعد ما قدم إلى فرعون ~~مخاطب به موسى من قبل نفسه. # وللملإ جلسة مشاورة أخرى أيضا بعد قدوم السحرة إلى فرعون ms2998 ناجى فيها بعضهم ~~بعضا بمثل ما في هذه الآيات قال تعالى: "فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا ~~النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى": طه: 63. # فتبين أن أصل الكلام لفرعون ألقاه إليهم ليتشاوروا فيه ويروا رأيهم فيما ~~يفعل به فرعون فتشاوروا وصدقوا قوله وأشاروا بالإرجاء وجمع السحرة للمعارضة ~~فقبله ثم ذكره لموسى ثم اجتمعوا للمشاورة والمناجاة ثانيا بعد مجيء السحرة ~~واتفقوا أن يجتمعوا عليه ويعارضوه بكل ما يقدرون عليه من السحر صفا واحدا. # قوله تعالى: "يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون" أي يريد أن يتأيد ~~ببني إسرائيل فيتملك مصر، ويبطل استقلالكم ويخرجكم من أرضكم، وكثيرا ما كان ~~يتفق في الأعصار السابقة أن يهجم قوم على قوم فيتغلبوا عليهم فيشغلوا أرضهم ~~ويتملكوا ديارهم فيخرجوهم منها ويشردوهم في الأرض. # قوله تعالى: "قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين" إلى آخر الآية ~~التالية. # أرجه بسكون الهاء أمر من الإرجاء بمعنى التأخير والهاء للسكت أي أخره ~~وأخاه ولا تعجل لهما بشر كالقتل ونحوه حتى ترمي بظلم أو قسوة ونحوهما بل ~~ابعث في المدائن من جنودك حاشرين يجمعون السحرة فيأتوك بهم ثم عارض سحر ~~موسى بسحر السحرة. # وقرىء: أرجه بكسر الجيم والهاء وأصله أرجئه قلبت الهمزة ياء ثم حذفت، ~~والهاء ضمير راجع إلى موسى، وأخوه هو هارون (عليه السلام). # قوله تعالى: "وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا" إلى آخر الآية ~~التالية أي فأرسل حاشرين فحشروهم وجاء السحرة كل ذلك محذوف للإيجاز. # وقولهم: "إن لنا لأجرا" سؤال للأجر جيء به في صورة الخبر للتأكيد، وإفادة ~~الطلب الإنشائي في صورة الإخبار شائع، ويمكن أن يكون استفهاما بحذف أداته، ~~ويؤيده قراءة ابن عامر: "أإن لنا لأجرا" وقوله: "قال نعم وإنكم لمن ~~المقربين" إجابة لمسئولهم مع زيادة وعدهم بالتقريب. # قوله تعالى: "قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين" خيروه ~~بين أن يكون هو الملقي بعصاه، وبين أن يكونوا هم الملقين لما أعدوه من ~~الحبال والعصي وهذا التخيير ms2999 في مقام استعدوا لمقابلته، ولا محالة يفيد ~~التخيير في الابتداء بالإلقاء فمعناه إن شئت ألق عصاك أولا وإن شئت ألقينا ~~حبالنا وعصينا أولا. # وفيه نوع من التجلد لدلالته على أنهم لا يبالون بأمره سواء ألقى قبلهم أو ~~بعدهم فلا يهابونه على أي حال لوثوقهم بأنهم هم الغالبون، ولا يخلو التخيير ~~مع ذلك عن نوع من التأدب. # قوله تعالى: "قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس" إلى آخر الآية، ~~السحر هاهنا نوع تصرف في حاسة الإنسان بإدراك أشياء لا حقيقة لها في ~~الخارج، وقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان: البقرة: 102 في الجزء الأول من الكتاب، والاسترهاب الإخافة، ~~ومعنى الآية ظاهر، وقد عد الله فيها سحرهم عظيما. PageV08P119 # قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى أن ألق إلى آخر الآيتين، أن تفسيرية واللقف ~~واللقفان تناول الشيء بسرعة، والإفك هو صرف الشيء عن وجهه ولذا يطلق على ~~الكذب، وفي الآية وجوه من الإيجاز ظاهرة، والتقدير: وأوحينا إلى موسى بعد ~~ما ألقوا أن ألق عصاك فألقاها فإذا هي حية وإذا هي تلقف ما يأفكون. # وقوله: "فوقع الحق" فيه استعارة بالكناية بتشبيه الحق بشيء كأنه معلق لا ~~يعلم عاقبة حاله أيستقر في الأرض بالوقوع عليها والتمكن فيها أم لا؟ فوقع ~~واستقر "وبطل ما كانوا يعملون" من السحر. # قوله تعالى: "فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين" أي غلب فرعون وأصحابه ~~"هنالك" أي في ذلك المجمع العظيم الذي تهاجم عليهم فيه الناس من كل جانب ~~ففي لفظ "هنالك" إشارة إلى ذلك وهو للبعيد، "وانقلبوا صاغرين" أي عادوا ~~وصاروا أذلاء مهانين. # قوله تعالى: "وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون" أبهم فاعل الإلقاء في قوله: "وألقي السحرة ساجدين" وهو معلوم فإن ~~السحرة هم الذين ألقوا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، وذلك للإشارة إلى كمال ~~تأثير آية موسى فيهم وإدهاشها إياهم فلم يشعروا بأنفسهم حين ما شاهدوا عظمة ~~الآية وظهورها عليهم إلا وهم ملقون ساجدون فلم يدروا من الذي أوقع بهم ذلك. # فاضطرتهم ms3000 الآية إلى الخرور على الأرض ساجدين، والإيمان برب العالمين الذي ~~اتخذه موسى وهارون، وفي ذكر موسى وهارون دلالة على الإيمان بهما مع الإيمان ~~برب العالمين. # وربما قيل: إن بيانهم رب العالمين برب موسى وهارون لدفع توهم أن يكون ~~إيمانهم لفرعون فإنه كان يدعي أنه رب العالمين فلما بينوه بقولهم "رب موسى ~~وهارون" ولم يأخذا فرعون ربا اندفع ذلك التوهم، ولا يخلو عن خفاء فإن ~~الوثنية ما كانت تقول برب العالمين بحقيقة معناه بمعنى من يملك العالمين ~~ويدبر أمر جميع أجزائها بالاستقامة بل قسموا أجزاء العالم وشئونها بين ~~أرباب شتى، وإنما أعطوا الله سبحانه مقام إله الآلهة ورب الأرباب لا رب ~~الأرباب ومربوبيها. # والذي ادعاه فرعون لنفسه على ما حكاه الله من قوله: "أنا ربكم الأعلى": ~~النازعات: 24، إنما هو العلو من جهة القيام بحاجة الناس - وهم أهل مصر خاصة ~~- عن قرب واتصال لا من جهة القيام بربوبية جميع العالمين، ومع ذلك كله قد ~~أحاطت الخرافات على الوثنية بحيث لا يستبعد أن يتفوهوا بكون فرعون رب ~~العالمين وإن خالف أصول مذاهبهم قطعا. # قوله تعالى: "قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم" إلى آخر الآيتين خاطبهم ~~فرعون بقوله: "آمنتم به قبل أن آذن لكم" تأنفا واستكبارا، وهو إخبار يفيد ~~بحسب المقام والإنكار والتوبيخ، ومن الجائز أن يكون استفهاما إنكاريا أو ~~توبيخيا محذوف الأداة. # وقوله: "إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة" الآية يتهمهم بالمواطاة ~~والمواضعة في المدينة يريد أنهم لما اجتمعوا في مدينته بعد ما حشرهم ~~الحاشرون من مدائن مختلفة شتى فجاءوا بهم إليه ولقوا موسى أجمعوا على أن ~~يمكروا بفرعون وأصحابه فيتسلطوا على المدينة فيخرجوا منها أهلها، وذلك ~~لأنهم لم يشاهدوا موسى قبل ذلك فلو كانوا تواطئوا على شيء فقد كان ذلك بعد ~~اجتماعهم في مدينته. # أنكر عليهم إيمانهم بقوله: "آمنتم به قبل أن آذن لكم" ثم اتهمهم بأنهم ~~تواطئوا جميعا على المكر ليخرجوا أهل المدينة منها بقوله: "إن هذا لمكر" ~~إلخ ليثبت لهم جرم الإفساد في الأرض المبيح له سياستهم وتنكيلهم ms3001 بأشد ~~العقوبات. # ثم هددهم بقوله: "فسوف تعلمون" ثم بينه وفصله بقوله: "لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين" فهددهم تهديدا أكيدا أولا بقطع الأيدي ~~والأرجل من خلاف وهو أن يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو اليد اليسرى ~~مع الرجل اليمنى وبالجملة قطع كل من اليد والرجل من خلاف الجهة التي قطعت ~~منها الأخرى. # وثانيا بالصلب وهو شد المجرم بعد تعذيبه على خشبة ورفع الخشبة بإثبات ~~جانبه على الأرض ليشاهده الناس فيكون لهم عبرة، وقد تقدم تفصيل بيانه في ~~قصص المسيح (عليه السلام) في تفسير سورة آل عمران. # قوله تعالى: "قالوا إنا إلى ربنا منقلبون" إلى آخر الآيات. PageV08P120 # جواب السحرة وهم القائلون هذا المقال وقد قابلوه بما يبطل به كيده، وتنقطع ~~به حجته، وهو أنك تهددنا بالعذاب قبال ما تنقم منا من الإيمان بربنا ظنا ~~منك أن ذلك شر لنا من جهة انقطاع حياتنا به وما نقاسيه من ألم العذاب، وليس ~~ذلك شرا فإنا نرجع إلى ربنا، ونحيا عنده بحياة القرب السعيدة، ولم نجترم ~~إلا ما تعده أنت لنا جرما وهو إيماننا بربنا فما دوننا إلا الخير. # وهذا معنى قوله: "قالوا إنا إلى ربنا منقلبون" وهو إيمان منهم بالمعاد ~~"وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا" وعدوا أمر العصا - على ~~الظاهر آيات كثيرة لاشتماله على جهات كل منها آية كصيرورتها ثعبانا، ولقفها ~~حبالهم وعصيهم واحدا بعد واحد، ورجوعها إلى حالتها الأولى. # والنقم هو الكراهة والبغض يقال: نقم منه كذا ينقم من باب ضرب وعلم: إذا ~~كره وأبغض. # ثم أخذتهم الجذبة الإلهية من غير أن يذعروا مما هددهم به، واستغاثوا ~~بربهم على ما عزم به من تعذيبهم وقتلهم فسألوه تعالى قائلين: "ربنا أفرغ ~~علينا صبرا - على ما يريد أن يوقع بنا من العذاب الشديد - وتوفنا مسلمين" ~~إن قتلنا. # وفي إطلاق الإفراغ على إعطاء الصبر استعارة بالكناية فشبهوا نفوسهم ~~بالآنية، والصبر بالماء، وإعطاءه بإفراغ الإناء بالماء وهو صبه فيه حتى ~~يغمره، وإنما سألوا ذلك ليفيض الله عليهم من ms3002 الصبر ما لا يجزعون به عند ~~نزول أي عذاب وألم ينزل بهم. # وقد جاءوا بالعجب العجاب في مشافهتهم هذه مع فرعون وهو الجبار العنيد ~~الذي ينادي "أنا ربكم الأعلى" ويعبده ملك مصر فلم يذعرهم ما شاهدوا من ~~قدرته وسطوته فأعربوا عن حجتهم بقلوب مطمئنة، ونفوس كريمة، وعزم راسخ، ~~وإيمان ثابت، وعلم عزيز، وقول بليغ، وإن تدبرت ما حكاه الله سبحانه من ~~مشافهتهم ومحاورتهم فرعون في موقفهم هذا في هذه السورة وفي سورتي طه ~~والشعراء أرشدك ما في خلال كلامهم من الحجج البالغة إلى علوم جمة، وحالات ~~روحية شريفة، وأخلاق كريمة، ولو لا محذور الخروج عن طور هذا الكتاب لأوردنا ~~شذرة منها في هذا المقام فلينتظر إلى حين. ### |||| AUTO بحث روائي # ما قصة الله في كتابه من قصة مجيء موسى بما آتاه الله من الرسالة، وأيده ~~به من آية العصا واليد البيضاء، ومعه أخوه هارون إلى فرعون وإتيانه ~~بالآيتين ثم جمع فرعون السحرة ومعارضته بسحرهم، وإظهار الله آية موسى على ~~سحرهم، وإيمان السحرة لا يجاوز ما ذكر في هذه الآيات إجمالا. # وقد اشتملت الروايات الواردة من طرق الشيعة أو طرق أهل السنة على هذه ~~المعاني غير أنها تشتمل مع ذلك من تفاصيل القصة على أمور عجيبة لم يتعرض ~~لها كتاب الله كما ورد: أن عصا موسى كان من آس الجنة، وأنها كانت عصا آدم ~~وصلت إلى شعيب ثم أعطاها موسى، وفي بعض الروايات أنها كانت عصا آدم أعطاها ~~ملك لموسى حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض في ~~النهار فيخرج له رزقه وفي بعضها: أنها كانت تنطق إذا استنطقت، وكانت إذا ~~صارت ثعبانا عند فرعون بعد ما بين لحييه اثنا عشر ذراعا، وروي أربعون ذراعا ~~وفي بعضها ثمانون ذراعا وأنها ارتفعت في السماء ميلا، وفي بعضها أنها وضعت ~~أحد مشفريها على الأرض والآخر على سور قصر فرعون، وفي بعضها أنها أخذت قبة ~~فرعون بين أنيابها، وحملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة ~~وعشرون ألفا، وفي بعضها: ms3003 أنها كانت ثمانون ذراعا، وفي بعضها: أنها كانت في ~~العظم كالمدينة، وفي الرواية: أن فرعون أحدث في ثيابه من هول ما رأى، وفي ~~بعضها: أنه أحدث في ذلك اليوم أربع مائة مرة وفي بعضها: أنه استمر معه داء ~~البطن حتى غرق، وفي الروايات أنه (عليه السلام) كان إذا أخرج يده من جيبه ~~كان يغلب نورها نور الشمس. # وفي الرواية: أن السحرة كانوا سبعين رجلا، وفي بعضها: ستمائة إلى تسع ~~مائة وفي بعضها: اثني عشر ألفا، وفي بعضها خمسة عشر ألفا، وفي بعضها: سبعة ~~عشر ألفا، وفي بعضها: تسعة عشر ألفا، وفي بعضها بضعة وثلاثين ألفا، وفي ~~بعضها سبعين ألفا، وفي بعضها: ثمانين ألفا. # وفي الرواية أنهم كانوا أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل "نينوى" ~~وفيها: أنه كان اسم رئيسهم شمعون، وفي بعضها: يوحنا، وفي بعضها أنه كان لهم ~~رؤساء أربعة أسماؤهم: سابور، وعازور، وحطحط، ومصفى. PageV08P121 # وكذا ورد في نفس فرعون: أن اسمه الوليد بن المصعب بن الريان، وأنه كان من ~~أهل اصطخر فارس، وفي بعضها: أنه من أبناء مصر، وفي بعضها: أن فرعون هذا هو ~~فرعون يوسف عاش أربعمائة سنة ولم يشب ولا ابيض منه شعر. # وفي بعضها: أنه بنى مدائن يتحصن فيها من موسى، وجعل فيما بينها آجام ~~وغياض، وجعل فيها الأسد ليتحصن بها من موسى فلما بعث الله موسى إلى فرعون ~~دخل المدينة فلما رآه الأسد تبصبصت وولت مدبرة، ثم لم يأت مدينة إلا انفتح ~~له بابها حتى انتهى إلى قصر فرعون الذي هو فيه. # قال: فقعد على بابه، وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه فلما خرج الآذن قال ~~استأذن لي على فرعون فلم يلتفت إليه قال: فقال له موسى: أنا رسول رب ~~العالمين فلم يلتفت إليه قال: فمكث بذلك ما شاء الله يسأله أن يستأذن له ~~قال: فلما أكثر عليه قال: أما وجد رب العالمين من يرسله غيرك؟. # قال: فغضب موسى فضرب الباب بعصاه فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلا انفتح ~~حتى نظر إليه فرعون ms3004 وهو في مجلسه فقال: أدخلوه قال: فدخل عليه وهو في قبة ~~له مرتفعة كثيرة الارتفاع ثمانون ذراعا فقال: أنا رسول رب العالمين إليك. # قال: فقال: فأت بآية إن كنت من الصادقين، قال: فألقى عصاه وكان له ~~شعبتان. # قال: فإذا هي حية قد وقع إحدى الشعبتين على الأرض والشعبة الأخرى في أعلى القبة. # قال: فنظر فرعون جوفها وهي تلهب نيرانا. # قال: وأهوى إليه فأحدث وصاح يا موسى خذها. # إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الروايات من العجائب في هذه القصة وأغلبها ~~أمور سكت عنها القرآن لا سبيل إلى رد أغلبها إلا الاستبعاد، ولا إلى قبولها ~~إلا حسن الظن بكل رواية مروية، وهي ليست بمتواترة ولا محفوفة بقرائن قطعية ~~بل جلها مراسيل أو موقوفة أو ضعيفة من سائر جهات الضعف على ما بينها من ~~التعارض فالغض عنها أولى PageV08P122 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 127 - 137 # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ويذرك وءالهتك ~~قال سنقتل أبناءهم ونستحى نساءهم وإنا فوقهم قهرون (127) قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعقبة ~~للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا ~~ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرت لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة ~~قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طئرهم عند ~~الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا ~~بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم ءايت مفصلت فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) ولما وقع ~~عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرءيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بلغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقنهم فى اليم بأنهم كذبوا ~~بئايتنا وكانوا عنها غفلين (136) وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها ms3005 التى بركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرءيل بما ~~صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) ### |||| AUTO بيان # الآيات تشتمل على إجمال ما جرى بينه (عليه السلام) وبين فرعون وقومه أيام ~~إقامة موسى بينهم بعد القيام بالدعوة يدعوهم إلى الله وإلى إطلاق بني ~~إسرائيل ويأتيهم بالآية بعد الآية حتى أنجاه الله تعالى وقومه، وأغرق فرعون ~~وجنوده، وأورث بني إسرائيل الأرض المباركة مشارقها ومغاربها. # قوله تعالى: "وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه" إلى آخر الآية. # هذا إغراء منهم لفرعون وتحريض له أن يقتل موسى وقومه، ولذلك رد فرعون ~~قولهم بأنه لا يهمنا قتلهم فإنا فوقهم قاهرون على أي حال بل سنعيد عليهم ~~سابق عذابنا فنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، ولو كان ما سألوا مطلق تعذيبهم ~~غير القتل لم يقع قوله: "وإنا فوقهم قاهرون" موقعه ذلك الوقوع. # وقولهم: "ويذرك وآلهتك" تأكيد لتحريضهم إياه على قتلهم، والمعنى أن موسى ~~يتركك وآلهتك فلا يعبدكم مع ما يفسد هو وقومه في الأرض، وفيه دلالة على أن ~~فرعون كما كان يدعي الألوهية، ويستعبد الناس لنفسه كان يعبد آلهة أخرى، وهو ~~كذلك والتاريخ يثبت نظائر لذلك في الأمم السالفة، وقد نقل: أن عظماء البيوت ~~وسادات القوم في الروم وممالك أخرى غيرها كان يعبدهم مرءوسوهم من بيتهم ~~وعشائرهم وهم أنفسهم كانوا يعبدون آباءهم الأولين وأصناما أخرى غيرهم كما ~~يعبدهم ضعفاؤهم، وأيضا بين الأرباب التي تعبدها الوثنية ما هو رب لغيره من ~~الأرباب أو رب لرب آخر كربوبية الأب والأم للابن وغير ذلك. # إلا أن قوله لقومه فيما حكاه الله سبحانه: "أنا ربكم الأعلى": النازعات: ~~24، وقوله: "ما علمت لكم من إله غيري": القصص: 38، ظاهر في أنه كان لا يتخذ ~~لنفسه ربا، وكان يأمر قومه أن لا يعبدوا إلا إياه، ولذلك قال بعضهم: إنه ~~كان دهريا لا يعترف بصانع، ويأمر قومه بترك عبادة الآلهة مطلقا، وقصر ~~العبادة فيه، ولذلك قرأ بعضهم - على ما قيل - "وإلهتك" بكسر الهمزة وفتح ~~اللام وإثبات الألف بعدها كالعبادة وزنا ms3006 ومعنى. PageV08P123 # لكن الأوجه أنه كان يريد بقوله: "ما علمت لكم من إله غيري" نفي إله يخص ~~قومه القبطيين يملكهم ويدبر أمورهم غير نفسه كما هو المعهود من عقائد ~~الوثنيين أن لكل صنف من أصناف الخلائق كالسماء والأرض والبر والبحر وقوم ~~كذا، أو من أصناف الحوادث والأمور كالسلم والحرب والحب والجمال ربا على ~~حدة، وإنما كانوا يعبدون من بينها ما يهمهم عبادته كعبادته سكان سواحل ~~البحار رب البحر والطوفان. # فمعنى كلامه أني أنا ربكم معاشر القبطيين لا ما اتخذه موسى وهو يدعي أنه ~~ربكم أرسله إليكم، ويؤيد ما ذكرناه ما احتف به من القرينة بقوله: "ما علمت ~~لكم من إله غيري، فإنه تعالى يقول: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم ~~من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه من الكاذبين": القصص: 38، فظاهرها أنه كان يشك في كونه ~~إلها لموسى، وأن معنى قوله: "ما علمت لكم من إله غيري" نفي العلم بوجود إله ~~غيره لا العلم بعدم وجود إله غيره، وبالجملة فكلامه لا ينفي إلها غيره. # وأما احتمال كون فرعون دهريا غير قائل بوجود الصانع فالظاهر أنه الذي ~~يوجد في كلام الرازي قال في التفسير الكبير، ما لفظه: الذي يخطر ببالي أن ~~فرعون إن قلنا: إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال ~~الرسول إليه، وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السماوات ~~والأرض، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده ~~معلوم بضرورة العقل. # بل الأقرب أن يقال: إنه كان دهريا ينكر وجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا ~~العالم السفلى هو الكواكب، وأما المجدي في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة ~~والمربي لهم فهو نفسه فقوله: "أنا ربكم الأعلى" أي مربيكم والمنعم عليكم ~~والمطعم لكم، وقوله: "ما علمت لكم من إله غيري" أي لا أعلم لكم أحدا يجب ~~عليكم عبادته إلا أنا. # وإذا كان مذهبه ذلك ms3007 لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصناما على صور ~~الكواكب ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا ~~التقدير فلا امتناع في حمل قوله تعالى: "ويذرك وآلهتك" على ظاهره فهذا ما ~~عندي في هذا الباب انتهى. # وقد أخطأ في ذلك فليس معنى الألوهية والربوبية عند الوثنيين وعبدة ~~الكواكب خالقية السماوات والأرض بل تدبير شيء من أمور العالم كما احتمله ~~أخيرا، ولا في الدهريين من يعبد الكواكب، ولا في الصابئين وعبدة الكواكب من ~~ينكر وجود الصانع. # بل الحق أن فرعون - كما تقدم - كان يرى نفسه ربا لمصر وأهله، وكان إنما ~~ينكر كونهم مربوبي إله آخر على قاعدتهم لا أنهم أو غيرهم من العالم ليسوا ~~مخلوقين لله سبحانه. # وقوله تعالى: "قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون" وعد ~~منه للملإ من قومه أن يعيد إلى بني إسرائيل تعذيبه السابق وهو قتل أبنائهم ~~واستحياء نسائهم واستبقاؤهن للخدمة، وعقبه بقوله: "وإنا فوقهم قاهرون" وهو ~~تطييب قلوبهم وإسكان ما في نفوسهم من الاضطراب والطيش. # قوله تعالى: "قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا" إلى آخر الآية. # وهذا من موسى (عليه السلام) بعث لبني إسرائيل واستنهاض لهم على الاستعانة ~~بالله على مقصدهم وهو التخلص من إسارة آل فرعون واستعبادهم ثم بعث على ~~الصبر على شدائد يهددهم بها فرعون من ألوان العذاب، والصبر هو رائد الخير ~~وفرط كل فرج، ثم علل ذلك بقوله: "إن الأرض لله يورثها من يشاء". # ومحصله أن فرعون لا يملك الأرض حتى يمنحها من يشاء، ويمنع من التمتع بها ~~من يشاء بل هي لله يورثها من يشاء، وقد جرت السنة الإلهية أن يخص بحسن ~~العاقبة من يتقيه من عباده فإن استعنتم بالله وصبرتم في ذات الله على ما ~~يهددكم من الشدائد - وهو التقوى - أورثكم الأرض التي ترونها في أيدي آل فرعون. PageV08P124 # ولذلك عقب قوله: "إن الأرض لله" الآية بقوله: "والعاقبة للمتقين" العاقبة ~~ما يعقب الشيء كالبادئة لما يبدأ بالشيء، وكون العاقبة مطلقا للمتقين من ~~جهة أن السنة الإلهية ms3008 تقضي بذلك وذلك أنه تعالى نظم الكون نظما يؤدي كل نوع ~~إلى غاية وجوده وسعادته التي خلق لأجلها فإن جرى على صراطه الذي ركب عليه، ~~ولم يخرج عن خط مسيره الذي خط له بلغ غاية سعادته لا محالة، والإنسان الذي ~~هو أحد هذه الأنواع أيضا حاله هذا الحال إن جرى على صراطه الذي رسمته له ~~الفطرة واتقى الخروج عنه والتعدي منه إلى غير سبيل الله بالكفر بآياته ~~والإفساد في أرضه هداه الله إلى عاقبته الحسنة، وأحياه الحياة الطيبة، ~~وأرشده إلى كل خير يبتغيه. # قوله تعالى: "قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا" الإتيان ~~والمجيء في الآية بمعنى واحد، والاختلاف في التعبير للتفنن، وما قيل إن ~~المعنى من قبل أن تأتينا بالآيات ومن بعد ما جئتنا لا دليل على ما فيه من ~~التقدير. # على أن غرضهم إظهار أن مجيء موسى وقد وعدوا أن الله ينجيهم بيده من مصيبة ~~الإسارة وهاوية المذلة لم يؤثر أثره فإن الأذى الذي كانوا يحملونه ويؤذون ~~به على حاله، ولا تعلق لغرضهم بأنه أتاهم بالآيات البتة. # وهذا الكلام شكوى منهم يبثونها إلى موسى (عليه السلام). # قوله تعالى: "قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف ~~تعملون" وهذا جواب من موسى عن قولهم: "أوذينا" إلخ، يسليهم به ويعزيهم ~~بالرجاء، وهو في الحقيقة تكرار لقوله السابق: "استعينوا بالله واصبروا إن ~~الأرض لله" الآية. # كأنه يقول: ما أمرتكم به أن اتقوا الله في سبيل مقصدكم كلمة حية ثابتة ~~فإن عملتم بها كان من المرجو أن يهلك الله عدوكم، ويستخلفكم في الأرض ~~بإيراثكم إياها ولا يصطفيكم بالاستخلاف اصطفاء جزافا، ولا يكرمكم إكراما ~~مطلقا من غير شرط ولا قيد بل ليمتحنكم بهذا الملك ويبتليكم بهذا التسليط ~~والاستخلاف فينظر كيف تعملون، قال تعالى: "وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء": آل عمران: 140. # وهذا مما يخطىء به القرآن ما يعتقده اليهود من كرامتهم على الله كرامة لا ~~تقبل عزلا، ولا تحتمل شرطا ولا ms3009 قيدا، والتوراة تعد شعب إسرائيل شعب الله ~~الذي لهم الأرض المقدسة كأنهم ملكوها من الله سبحانه ملكا لا يقبل نقلا ولا إقالة. # قوله تعالى: "ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات" السنون جمع ~~سنة وهي القحط والجدب، وكان أصله سنة القحط ثم قيل: السنة إشارة إليها ثم ~~كثر الاستعمال حتى تعينت السنة لمعنى القحط والجدب. # والله سبحانه يذكر في الآية - ويقسم - أنه أخذ آل فرعون وهم قومه ~~المختصون به من القبطيين بالقحوط المتعددة ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون. # وهما نوعان من الآيات التي أرسلها الله إلى آل فرعون، وظاهر السياق أنه ~~أرسل ما أرسل منهما فصلا فصلا، ولذا جمع السنين ولا يصدق الجمع إلا مع ~~الفصل بين سنة وسنة. # على أنه يقول: "فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه" الآية. # وظاهره الحسنة التي بعد السيئة ثم السيئة التي بعد هذه الحسنة. # قوله تعالى: "فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه" إلى آخر الآية. # كانوا إذا جاءهم الخصب ووفور النعمة وسعة الرزق بعد ارتفاع السنة ونقص ~~الثمرات قالوا: "لنا هذه" يريدون به الاختصاص وإنما قلنا: إنهم كانوا ~~يقولون ذلك بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات لأن الإنسان بحسب الطبع لا ينتقل ~~إلى ذكر النعمة بما هي نعمة، ولا يتنبه لقدرها إلا بعد مشاهدة النقمة التي ~~هي خلافها، ولا داعي يدعو آل فرعون إلى ذكر النعمة الحسنة وتخصيصها بأنفسهم ~~لو لا أنهم رأوا خلافها وعدوه أمرا بدعا لم يكونوا رأوه قبل ذلك فاطيروا ~~بموسى ومن معه ثم إذا بدلت السيئة حسنة عدوها لأنفسهم فالتطير عند السيئة ~~بحسب الوقوع قبل قولهم في الحسنة: لنا هذه وإن كان الأمر بحسب الطبع على ~~خلاف ذلك بمعنى أنهم لو لم يزعموا ولم يرتكز في نفوسهم من اعتيادهم ~~بالرفاهية ووفور النعمة والخصب أنهم مخصوصون بذلك يملكونه لم يتطيروا بموسى ~~عند نزول المصيبة عليهم فإن من لم تروحه الراحة والعافية لا يتحرج عن ~~خلافهما. PageV08P125 # ولعل هذا هو الوجه في تقديمه تعالى اغترارهم بالنعمة قبل تطيرهم عند النقمة ~~ثم ذكر الحسنة ms3010 بكلمة "إذا" والسيئة بلفظة "إن" حيث قال: "فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه" فقد جعل مجيء ~~الحسنة كالأصل الثابت فذكره بإذا والتعريف بلام الجنس، ثم ذكر إصابة السيئة ~~بطريق الشرط، ونكر السيئة ليدل على ندرتها وكونها اتفاقية. # والتطير مشتق من الطير باعتبار اشتماله على نسبة من النسب، وهي نسبة ~~التشؤم فإنهم كانوا يتشأمون ببعض الطيور كالغراب فاشتق منه ما يفيد معنى ~~التشؤم وهو التطير ومعناه التشؤم بالطير حتى سمي مطلق النصيب أو النصيب من ~~الشر والشأمة طائرا. # فقوله تعالى: "ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون" معناه أن ~~نصيبهم من الشر والشؤم الذي يحق به أن يسمى نصيب الشر وهو العذاب، هو عند ~~الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون لظنهم أن ما تجنيه أيديهم يفوت ويزول ولا يحفظ عليهم. # وربما يذكر للطائر في الآية معان أخر ككتاب الأعمال الذي سماه الله طائرا ~~وغير ذلك لكن الأنسب بالسياق هو الذي تقدم. # قوله تعالى: "وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك ~~بمؤمنين" مهما من أسماء الشرط معناه أي شيء، وقولهم هذا إياس منهم لموسى من ~~أن يؤمنوا به وإن أتى بأي آية وفي قولهم: "من آية لتسحرنا بها" استهزاء به ~~حيث سموها آية وجعلوا غرضه منها أن يسحرهم أي إنك تأتينا بالسحر وتسميها آية. # قوله تعالى: "فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات" الآية. # الطوفان على ما قاله الراغب - كل حادثة تحيط بالإنسان، وصار متعارفا في ~~الماء المتناهي في الكثرة، وفي المجمع،: أنه السيل الذي يعم بتغريقه الأرض ~~وهو مأخوذ من الطوف فيها انتهى. # والقمل بالضم والتشديد قيل: كبار القردان، وقيل: صغار الذباب وبالفتح ~~فالسكون معروف، والجراد والضفادع والدم معروفة. # والتفصيل تفريق الشيء إلى أجزاء مفصولة منفصلة بعضها عن بعض، ولازم ذلك ~~تميز كل بعض وظهوره في نفسه فقوله: "آيات مفصلات" يدل على أنها أرسلت إليهم ~~لا مجتمعة ودفعة بل متفرقة منفصلة بعضها عن بعض ظاهرة في أنها ms3011 آيات إلهية ~~مقصودة غير اتفاقية ولا جزافية. # ومن الدليل على كون المفصلات بهذا المعنى قوله في الآية التالية: "ولما ~~وقع عليهم الرجز قالوا" الآية. # الظاهر أن الآية كانت تأتيهم عن إخبار من موسى وإنذار ثم إذا نزلت بهم ~~ودهمتهم التجئوا إليه فسألوه أن يدعو لهم لتنكشف عنهم، وأعطوه عهدا إن كشفت ~~عنهم آمنوا به وأرسلوا معه بني إسرائيل فلما كشفت نكثوا ونقضوا وعلى هذا ~~القياس. # قوله تعالى: "ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك" إلى آخر الآية. # الرجز هو العذاب ويعني به العذاب الذي كانت تشتمل عليه كل واحدة من ~~الآيات المفصلات فإنها آيات عذاب ونكال وقوله: "بما عهد عندك" على ما يؤيده ~~المقام أي بما التزم عندك أن لا يرد دعاءك فيما تسأله، واللام عندئذ للقسم، ~~والمعنى ادع لنا ربك بالعهد الذي له عندك. # وقوله: "لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل" هو ما ~~عاهدوا به موسى لكشف الرجز عنهم. # قوله تعالى: "فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون" ~~النكث نقض العهد، وقوله: "إلى أجل هم بالغوه" متعلق بقوله: "كشفنا" وهو يدل ~~على أنه كان يضم إلى معاهدة أجل مضروب كأن يقول موسى (عليه السلام) إن الله ~~سيرفع العذاب عنكم بشرط أن تؤمنوا وترسلوا معي بني إسرائيل إلى أجل كذا، أو ~~يقول آل فرعون ما يشابه هذا المعنى فلما كشف العذاب عنهم وحل الأجل المضروب ~~نكثوا ونقضوا عهدهم الذي عاهدوا الله وعاهدوا موسى عليه. # والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم" اليم البحر، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها" ~~إلى آخر الآية. PageV08P126 # الظاهر أن المراد بالأرض أرض الشام وفلسطين ويؤيده أو يدل عليه قوله بعد: ~~"التي باركنا فيها" فإن الله سبحانه لم يذكر بالبركة غير الأرض المقدسة ~~التي هي نواحي فلسطين إلا ما وصف به الكعبة المباركة، والمعنى: أورثنا بني ~~إسرائيل وهم المستضعفون الأرض المقدسة بمشارقها ومغاربها، وإنما ذكرهم ~~بوصفهم فقال: ms3012 القوم الذين كانوا يستضعفون ليدل على عجيب صنعه تعالى في رفع ~~الوضيع، وتقوية المستضعف، وتمليكه من الأرض ما لا يقدر على مثله عادة إلا ~~كل قوي ذو أعضاد وأنصار. # وقوله: "وتمت كلمة ربك الحسنى" الآية يريد به ما قضاه في حقهم أنه ~~سيورثهم الأرض ويهلك عدوهم، وإليه إشارة موسى (عليه السلام) في قوله لهم ~~وهو يسليهم ويؤكد رجاءهم: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض" ~~ويشير سبحانه إليه في قوله: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين": القصص: 5، وتمام الكلمة خروجها من مرحلة ~~القوة إلى مرحلة الفعلية، وعلل ذلك بصبرهم. # وقوله: "ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه" الآية. # أي أهلكنا ما كانوا يصنعونه وما كانوا يسقفونه من القصور والأبنية وما ~~كانوا يعرشونه من الكرم وغيره. PageV08P127 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق بن بشار، ~~ورواه علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) دخل ~~حديث بعضهم في بعض قالوا: لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوبا وأبى هو وقومه ~~إلا الإقامة على الكفر قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من ~~دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل فتابع الله عليهم ~~بالآيات، وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات. ثم بعث عليهم الطوفان فخرب دورهم ~~ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، وامتلأت بيوت القبط ماء، ولم ~~يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وأقام على وجه أرضيهم لا يقدرون على ~~أن يحرثوا فقالوا لموسى: ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك ~~بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الطوفان فلم يؤمنوا وقال هامان لفرعون: لئن ~~خليت بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك وأنبت الله لهم في تلك السنة من ~~الكلإ والزرع والثمر ما أعشبت به بلادهم وأخصبت فقالوا: ما كان هذا الماء ~~إلا نعمة علينا وخصبا. فأنزل الله عليهم في السنة الثانية عن علي ms3013 بن ~~إبراهيم وفي الشهر الثاني عن غيره من المفسرين الجراد فجردت زروعهم ~~وأشجارهم حتى كانت تجرد شعورهم ولحاهم، وتأكل الأثواب والثياب والأمتعة، ~~وكانت لا تدخل بيوت بني إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شيء فعجوا وضجوا وجزع ~~فرعون من ذلك جزعا شديدا، وقال: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الجراد ~~حتى أخلي عن بني إسرائيل فدعا موسى ربه فكشف عنه الجراد بعد ما أقام عليهم ~~سبعة أيام من السبت إلى السبت. وقيل: إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه ~~نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت حتى كأن لم تكن قط، ولم يدع ~~هامان فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل. فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة في ~~رواية علي بن إبراهيم وفي الشهر الثالث عن غيره من المفسرين القمل وهو ~~الجراد الصغار الذي لا أجنحة له، وهو شر ما يكون وأخبثه فأتى على زروعهم ~~كلها واجتثها من أصلها فذهبت زروعهم، ولحس الأرض كلها. وقيل: أمر موسى أن ~~يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فأتاه فضربه بعصاه ~~فانثال عليهم قملا فكان يدخل بين ثوب أحدهم فيعضه، وكان يأكل أحدهم الطعام ~~فيمتلىء قملا قال سعيد بن جبير: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب فكان ~~الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلم يرد منها ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ~~ببلاء كان أشد عليهم من القمل، وأخذت أشعارهم وأبصارهم وأشفار عيونهم ~~وحواجبهم، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم، ومنعتهم النوم والقرار فصرخوا ~~وصاحوا وقال فرعون لموسى: ادع لنا ربك لئن كشفت عنا القمل لأكفن عن بني ~~إسرائيل فدعا موسى حتى ذهب القمل بعد ما أقام عندهم سبعة أيام من السبت إلى ~~السبت فنكثوا. فأنزل الله عليهم في السنة الرابعة وقيل: في الشهر الرابع ~~الضفادع فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، وامتلأت منها بيوتهم وأبنيتهم فلا ~~يكشف أحد ثوبا ولا إناء ولا طعاما ولا شرابا إلا وجد فيه ضفادع. وكانت تثب ~~في قدورهم فتفسد عليهم ما فيها، وكان الرجل يجلس إلى ms3014 ذقنه في الضفادع، ويهم ~~أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ~~فلقوا منها أذى شديدا فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى وقالوا: هذه ~~المرة نتوب ولا نعود فادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك ~~بني إسرائيل فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعد ما ~~أقام عليهم سبعا من السبت إلى السبت ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم. فلما ~~كانت السنة الخامسة أرسل الله عليهم الدم فسال ماء النيل عليهم دما فكان ~~القبطي يراه دما، والإسرائيلي يراه ماء فإذا شربه الإسرائيلي كان ماء، وإذا ~~شربه القبطي كان دما، وكان القبطي يقول للإسرائيلي: خذ الماء في فيك وصبه ~~في في فكان إذا صبه في فم القبطي يحول دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ~~ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها يصير ماؤه في فيه دما فمكثوا في ~~ذلك سبعة أيام لا يأكلون إلا الدم، ولا يشربون إلا الدم. قال زيد بن أسلم ~~الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا ~~هذا الدم فنؤمن لك و PageV08P128 نرسل معك بني إسرائيل فلما دفع الله عنهم الدم لم يؤمنوا ولم يخلوا عن بني ~~إسرائيل. في تفسير العياشي، عن محمد بن قيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~لئن كشف عنا الرجز لنؤمنن لك، قال: الرجز هو الثلج ثم قال: بلاد خراسان ~~بلاد رجز. أقول: والرواية لا تنطبق على الآية ذاك الانطباق. PageV08P129 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 138 - 154 # وجوزنا ببنى إسرءيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ~~يموسى اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه وبطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو ~~فضلكم على العلمين (140) وإذ أنجينكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) ووعدنا ~~موسى ثلثين ليلة وأتممنها بعشر ms3015 فتم ميقت ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه ~~هرون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) ولما جاء موسى ~~لميقتنا وكلمه ربه قال رب أرنى أنظر إليك قال لن تراخ ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه فسوف تراخ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ~~فلما أفاق قال سبحنك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) قال يموسى إنى ~~اصطفيتك على الناس برسلتى وبكلمى فخذ ما ءاتيتك وكن من الشكرين (144) ~~وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفسقين (145) سأصرف عن ءايتى الذين ~~يتكبرون فى الأرض بغير الحق وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا ~~بئايتنا وكانوا عنها غفلين (146) والذين كذبوا بئايتنا ولقاء الاخرة حبطت ~~أعملهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظلمين (148) ولما سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم ~~يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه ~~غضبن أسفا قال بئسما خلفتمونى من بعدى أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ ~~برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا ~~تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظلمين (150) قال رب اغفر لى ولأخى ~~وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الرحمين (151) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة فى الحيوة الدنيا وكذلك نجزى المفترين (152) والذين عملوا ~~السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153) ولما ~~سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154) ### |||| AUTO بيان # شروع في بعض قصص بني إسرائيل بعد تخلصهم من إسارة آل فرعون مما يناسب غرض ~~القصص المسرودة سابقا وهو أن الدعوة الدينية ما ms3016 توجهت إلى أمة إلا كان ~~الكفر إليها أسبق، والناقضون لعهد الله فيهم أكثر فخص الله المؤمنين منهم ~~بمزيد كرامته، وعذب الكافرين بشديد عذابه. # وقد ذكر في الآيات مجاوزة بني إسرائيل البحر ومسألتهم بعد المجاوزة موسى ~~(عليه السلام) أن يجعل لهم صنما يعبدونه، وفيها عبادتهم للعجل بعد ما ذهب ~~موسى لميقات ربه وفي ضمنها حديث نزول التوراة عليه. PageV08P130 # قوله تعالى: "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم" الآية، العكوف ~~الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم. # ذكره الراغب في المفردات، وقولهم: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" أي كما ~~لهم آلهة مجعولة. # كان بنو إسرائيل على شريعة جدهم إبراهيم (عليه السلام)، وقد خلا فيهم من ~~الأنبياء إسحاق ويعقوب ويوسف، وهم على دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا ~~الله سبحانه وحده لا شريك له المتعالي عن أن يكون جسما أو جسمانيا يعرض له ~~شكل أو قدر غير أن بني إسرائيل كما يستفاد من قصصهم كانوا قوما ماديين ~~حسيين يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعتنون بما وراء الحس إلا اعتناء ~~تشريفيا من غير أصالة ولا حقيقة، وقد مكثوا تحت إسارة القبط سنين متطاولة، ~~وهم يعبدون الأوثان فتأثرت من ذلك أرواحهم وإن كانت العصبية القومية تحفظ ~~لهم دين آبائهم بوجه. # ولذلك كان جلهم لا يتصورون من الله سبحانه إلا أنه جسم من الأجسام بل ~~جوهر ألوهي يشاكل الإنسان كما هو الظاهر المستفاد من التوراة الدائرة ~~اليوم، وكلما كان موسى يقرب الحق من أذهانهم حولوه إلى إشكال وتماثيل ~~يتوهمون له تعالى، لهذه العلة لما شاهدوا في مسيرهم قوما يعكفون على أصنام ~~لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم فسألوا موسى (عليه السلام) أن يجعل لهم إلها ~~كما لهم آلهة يعكفون عليها. # فلم يجد موسى (عليه السلام) بدا من أن يتنزل في بيان توحيد الله سبحانه ~~إلى ما يقارب أفهامهم على قصورها فلا مهم أولا على جهلهم بمقام ربهم مع ~~وضوح أن طريق الوثنية طريق باطل هالك ثم عرف لهم ربهم بالصفة، وأنه لا يقبل ms3017 ~~صنما ولا يحد بمثال كما سيجيء. # قوله تعالى: "إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون" المتبر من ~~التبار وهو الهلاك، والمراد بقوله: "ما هم فيه" سبيلهم الذي يسلكونه وهو ~~عبادة الأصنام والمراد بقوله: "ما كانوا يعملون" أعمالهم العبادية، والمعنى ~~أن هؤلاء الوثنية طريقتهم هالكة وأعمالهم باطلة فلا يحق أن يميل إليه إنسان ~~عاقل لأن الغرض من عبادة الله سبحانه أن يهتدي به الإنسان إلى سعادة دائمة ~~وخير باق. # قوله تعالى: "قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين" ~~"أبغيكم" أي أطلب لكم وألتمس، يعرف ربهم ويصفه لهم، وقوله: "أغير الله ~~أبغيكم إلها" فيه تأسيس أن كل إله أبغيه لكم بجعل أو صنع فإنما هو غير الله ~~سبحانه، والذي يجب عليكم أن تعبدوا الله ربكم بصفة الربوبية التي هي تفضيله ~~إياكم على العالمين. # فكأنهم قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال: كيف ألتمس لكم ربا ~~مصنوعا وهو غير الله ربكم، وإذا كان غيره فعبادته متبرة باطلة؟ فقالوا: ~~فكيف نعبده ولا نراه ولا سبيل لنا إلى ما لا نشاهده؟ كما يقوله عبدة ~~الأصنام. # فقال: اعبدوه بما تعرفونه من صفته فإنه فضلكم على سائر الأمم بآياته ~~الباهرة ودينه الحق وإنجائكم من فرعون وعمله، فالآية - كما ترى - ألطف بيان ~~وأوجز برهان يجلي عن الحق الصريح للأذهان الضعيفة التعقل. # قوله تعالى: "وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب" إلى آخر الآية. # سامه العذاب يسومه أي حمله ذلك على طريق الإذلال، والتقتيل الإكثار في ~~القتل والاستحياء الاستبقاء للخدمة وقد تقدم، والظاهر أن قوله: "وفي ذلكم" ~~إشارة إلى ما ذكر من سوء تعذيب آل فرعون لهم. # والآية خطاب امتناني للموجودين من أخلافهم حين النزول يمتن الله فيها ~~عليهم بما من به على آبائهم في زمن فرعون كما قيل، والأنسب بالسياق أن يكون ~~خطابا لأصحاب موسى بعينهم مسوقا سوق التعجب إذا نسوا عظيم نعمة الله عليهم ~~إذ أنجاهم من تلك البلية العظيمة، ونظيره في الغيبة قوله تعالى فيما سيأتي: ~~"ألم يروا أنه ms3018 لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا". # قوله تعالى: "وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة" إلى آخر الآية. # الميقات قريب المعنى من الوقت، قال في المجمع،: الفرق بين الميقات والوقت ~~أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت الشيء وقدره، ~~ولذلك قيل: مواقيت الحج وهي المواضع التي قدرت للإحرام فيها انتهى. PageV08P131 # وقد ذكر الله سبحانه المواعدة وأخذ أصلها ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر ليال ~~أخر ثم ذكر الفذلكة وهي أربعون، وأما الذي ذكره في موضع آخر إذ قال: "وإذ ~~واعدنا موسى أربعين ليلة": البقرة: 51 فهو المجموع المتحصل من المواعدتين ~~أعني أن آية البقرة تدل على أن مجموع الأربعين كان عن مواعدة، وآية الأعراف ~~على أن ما في آية البقرة مجموع المواعدتين. # وبالجملة يعود المعنى إلى أنه تعالى وعده ثلاثين ليلة للتقريب والتكليم ~~ثم وعده عشرا آخر لإتمام ذلك فتم ميقات ربه أربعين ليلة، ولعله ذكر الليالي ~~دون الأيام - مع أن موسى مكث في الطور الأربعين بأيامها ولياليها، ~~والمتعارف في ذكر المواقيت والأزمنة ذكر الأيام دون الليالي - لأن الميقات ~~كان للتقرب إلى الله سبحانه ومناجاته وذكره، وذلك أخص بالليل وأنسب لما فيه ~~من اجتماع الحواس عن التفرق وزيادة تهيؤ النفس للأنس وقد كان من بركات هذا ~~الميقات نزول التوراة. # وهذا كما يشير إلى مثله قوله تعالى: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ~~- إلى أن قال - إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا ~~وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا": المزمل: 7، وقوله تعالى: "وقال ~~موسى لأخيه هرون اخلفني في قومي" إنما قاله حين ما كان يفارقهم للميقات، ~~والدليل على ذلك قوله: اخلفني في قومي" فإن الاستخلاف لا يكون إلا في غيبة. # وإنما عبر بلفظ "قومي" دون بني إسرائيل لتجري القصة على سياق سائر القصص ~~المذكورة في هذه السورة فقد حكي فيها عن لفظ نوح وهود وصالح وغيرهم: يا قوم ~~يا قوم، وعلى ذلك أجريت هذه القصة فعبر فيها عن ms3019 بني إسرائيل في بضعة مواضع ~~بلفظ القوم، وقد عبر عنهم في سورة طه ببني إسرائيل. # وأما قوله لأخيه ثانيا: "وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين" فهو أمر له ~~بالإصلاح وأن لا يتبع سبيل أهل الفساد، وهارون نبي مرسل معصوم لا تصدر عنه ~~المعصية، ولا يتأتى منه اتباع أهل الفساد في دينهم، وموسى (عليه السلام) ~~أعلم بحال أخيه فليس مراده نهيه عن الكفر والمعصية بل أن لا يتبع في إدارة ~~أمور قومه ما يشير إليه ويستصوبه المفسدون من القوم أيام خلافته ما دام ~~موسى غائبا. # ومن الدليل عليه قوله: "وأصلح" فإنه يدل على أن المراد بقوله: "ولا تتبع ~~سبيل المفسدين" أن يصلح أمرهم ولا يسير فيهم سيرة هي سبيل المفسدين الذي ~~يستحسنونه ويشيرون إليه بذلك. # ومن هنا يتأيد أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون ~~عليه الأمور ويتربصون به الدوائر فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا ~~عليه الأمر ويكيدوا ويمكروا به فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم بعد ~~تلك المحن والأذايا التي كابدها في إحياء كلمة الاتحاد بينهم. # قوله تعالى: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ~~قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني" الآية ~~التجلي مطاوعة التجلية من الجلاء بمعنى الظهور، والدك هو أشد الدق، وجعله ~~دكا أي مدكوكا والخرور هو السقوط، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواس ~~وبطلان إدراكها، والإفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواس يقال: أفاق ~~من غشيته أي رجع إلى حال استقامة الشعور والإدراك. # ومعنى الآية على ما يستفاد من ظاهر نظمها أنه "لما جاء موسى لميقاتنا" ~~الذي وقتناه له "وكلمه ربه" بكلامه "قال" أي موسى "رب أرني أنظر إليك" أي ~~أرني نفسك أنظر إليك أي مكني من النظر إليك حتى أنظر إليك وأراك فإن الرؤية ~~فرع النظر، والنظر فرع التمكين من الرؤية والتمكن منها، "قال" الله تعالى ~~لموسى "لن تراني" أبدا "ولكن انظر إلى الجبل" وكان جبلا بحياله مشهودا له ~~أشير إليه ms3020 بلام العهد الحضوري "ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني" أي لن تطيق رؤيتي فانظر إلى الجبل فإني أظهر له فإن استقر مكانه ~~وأطاق رؤيتي فاعلم أنك تطيق النظر إلي ورؤيتي "فلما تجلى" وظهر "ربه للجبل ~~جعله" بتجليه "دكا" مدكوكا متلاشيا في الجو أو سائحا "وخر موسى صعقا" ميتا ~~أو مغشيا عليه من هول ما رأى "فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك" رجعت إليك ~~مما اقترحته عليك "وأنا أول المؤمنين" بأنك لا ترى. # هذا ظاهر ألفاظ الآية. PageV08P132 # والذي يعطيه التدبر فيها أن حديث الرؤية والنظر الذي وقع في الآية إذا ~~عرضناه على الفهم العامي المتعارف حمله على رؤية العين ونظر الأبصار، ولا ~~نشك ولن نشك أن الرؤية والإبصار يحتاج إلى عمل طبيعي في جهاز الأبصار يهيىء ~~للباصر صورة مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه. # وبالجملة هذا الذي نسميه الإبصار الطبيعي يحتاج إلى مادة جسمية في المبصر ~~والباصر جميعا، وهذا لا شك فيه. # والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضروريا أن الله تعالى لا يماثله شيء بوجه من ~~الوجوه البتة فليس بجسم ولا جسماني، ولا يحيط به مكان ولا زمان، ولا تحويه ~~جهة ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهة له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة. # وما هذا شأنه لا يتعلق به الإبصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة، ~~ولا تنطبق عليه صورة ذهنية لا في الدنيا ولا في الآخرة ضرورة، ولا أن موسى ~~ذاك النبي العظيم أحد الخمسة أولي العزم وسادة الأنبياء (عليهم السلام) ممن ~~يليق بمقامه الرفيع وموقفه الخطير أن يجهل ذلك، ولا أن يمني نفسه بأن الله ~~سبحانه أن يقوي بصر الإنسان على أن يراه ويشاهده سبحانه منزها عن وصمة ~~الحركة والزمان، والجهة والمكان، وألواث المادة الجسمية وأعراضها فإنه قول ~~أشبه بغير الجد منه بالجد فما محصل القول: أن من الجائز في قدرة الله أن ~~يقوي سببا ماديا أن يعلق عمله الطبيعي المادي - مع حفظ حقيقة السبب وهوية ~~أثره - بأمر هو خارج عن المادة وآثارها ms3021 متعال عن القدر والنهاية؟ فهذا ~~الإبصار الذي عندنا وهو خاصة مادية من المستحيل أن يتعلق بما لا أثر عنده ~~من المادة الجسمية وخواصها فإن كان موسى يسأل الرؤية فإنما سأل غير هذه ~~الرؤية البصرية، وبالملازمة ما ينفيه الله سبحانه في جوابه فإنما ينفي غير ~~هذه الرؤية البصرية فأما هي فبديهية الانتفاء لم يتعلق بها سؤال ولا جواب، ~~وقد أطلق الله الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه وأثبتها كقوله ~~تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة": القيامة: 23، وقوله: "ما كذب ~~الفؤاد ما رأى": النجم: 11، وقوله: "من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله ~~لآت": العنكبوت: 5، وقوله: "أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في ~~مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط": حم السجدة: 54، وقوله: "فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا": الكهف: 110، ~~إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المثبتة للرؤية وما في معناه قبال الآيات ~~النافية لها كما في هذه الآية: "قال لن تراني"، وقوله: "لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار": الأنعام: 103 وغير ذلك. # فهل المراد بالرؤية حصول العلم الضروري سمي بها لمبالغة في الظهور ونحوها ~~كما قيل. # لا ريب أن الآيات تثبت علما ما ضروريا لكن الشأن في تشخيص حقيقة هذا ~~العلم الضروري فإنا لا نسمي كل علم ضروري رؤية وما في معناه من اللقاء ~~ونحوه كما نعلم بوجود إبراهيم الخليل وإسكندر وكسرى فيما مضى ولم نرهم، ~~ونعلم علما ضروريا بوجود لندن وشيكاغو ومسكو ولم نرها، ولا نسميه رؤية وإن ~~بالغنا، فأنت تقول: أعلم بوجود إبراهيم (عليه السلام) وإسكندر وكسرى كأني ~~رأيتهم، ولا تقول رأيتهم أو أراهم، وتقول: أعلم بوجود لندن وشيكاغو ومسكو، ~~ولا تقول: رأيتها أو أراها. # وأوضح من ذلك علمنا الضروري بالبديهيات الأولية التي هي لكليتها غير ~~مادية ولا محسوسة مثل قولنا: "الواحد نصف الاثنين" و"الأربعة زوج" ~~و"الإضافة قائمة بطرفين" فإنها علوم ضرورية يصح إطلاق العلم عليها ولا يصح ~~إطلاق الرؤية البتة. # ونظير ms3022 ذلك جميع التصديقات العقلية الفكرية، وكذا المعاني الوهمية ~~وبالجملة ما نسميها بالعلوم الحصولية لا نسميها رؤية وإن أطلقنا عليها ~~العلم فنقول علمناها ولا نقول: رأيناها إلا بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى ~~المشاهدة والوجدان. PageV08P133 # لكن بين معلوماتنا ما لا نتوقف في إطلاق الرؤية عليه واستعمالها فيه، نقول: ~~أرى أني أنا وأراني أريد كذا وأكره كذا، وأحب كذا وأبغض كذا وأرجو كذا ~~وأتمنى كذا أي أجد ذاتي وأشاهدها بنفسها من غير أن أحتجب عنها بحاجب، وأجد ~~وأشاهد إرادتي الباطنة التي ليست بمحسوسة ولا فكرية، وأجد في باطن ذاتي ~~كراهة وحبا وبغضا ورجاء وتمنيا وهكذا. # وهذا غير قول القائل: رأيتك تحب كذا وتبغض كذا وغير ذلك فإن معنى كلامه ~~أبصرتك في هيئة استدللت بها على أن فيك حبا وبغضا ونحو ذلك، وأما حكاية ~~الإنسان عن نفسه أنه يراه يريد ويكره ويحب ويبغض فإنه يريد به أنه يجد هذه ~~الأمور بنفسها وواقعيتها لا أنه يستدل عليها فيقضي بوجودها من طريق ~~الاستدلال بل يجدها من نفسه من غير حاجب يحجبها ولا توسل بوسيلة تدل عليها البتة. # وتسمية هذا القسم من العلم الذي يجد فيه الإنسان نفس المعلوم بواقعيته ~~الخارجية رؤية مطردة، وهي علم الإنسان بذاته وقواه الباطنة وأوصاف ذاته ~~وأحواله الداخلية وليس فيها مداخلة جهة أو مكان أو زمان أو حالة جسمانية ~~أخرى غيرها فافهم ذلك وأجد التدبر فيه. # والله سبحانه فيما أثبت من الرؤية يذكر معها خصوصيات ويضم إليها ضمائم ~~يدلنا ذلك على أن المراد بالرؤية هذا القسم من العلم الذي نسميه فيما عندنا ~~أيضا رؤية كما في قوله: "أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في ~~مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط" الآية. # حيث أثبت أولا أنه على كل شيء حاضر أو مشهود لا يختص بجهة دون جهة وبمكان ~~دون مكان وبشيء دون شيء بل شهيد على كل شيء محيط بكل شيء فلو وجده شيء ~~لوجده على ظاهر كل شيء وباطنه وعلى نفس وجدانه وعلى نفسه، وعلى ms3023 هذه السمة ~~لقاؤه لو كان هناك لقاء لا على نحو اللقاء الحسي الذي لا يتأتى البتة إلا ~~بمواجهة جسمانية وتعين جهة ومكان وزمان، وبهذا يشعر ما في قوله: "ما كذب ~~الفؤاد ما رأى" من نسبة الرؤية إلى الفؤاد الذي لا شبهة في كون المراد به ~~هو النفس الإنسانية الشاعرة دون اللحم الصنوبري المعلق على يسار الصدر داخلا. # ونظير ذلك قوله تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15، دل على أن الذي يجبهم عنه تعالى ~~رين المعاصي والذنوب التي اكتسبوها فحال بين قلوبهم أي أنفسهم وبين ربهم ~~فحجبهم عن تشريف المشاهدة، ولو رأوه لرأوه بقلوبهم أي أنفسهم لا بأبصارهم ~~وأحداقهم. # وقد أثبت الله سبحانه في موارد من كلامه قسما آخر من الرؤية وراء رؤية ~~الجارحة كقوله تعالى: "كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها ~~عين اليقين": التكاثر: 7، وقوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ~~وليكون من الموقنين": الأنعام: 75، وقد تقدم تفسير الآية في الجزء السابع ~~من الكتاب، وبينا هناك أن الملكوت هو باطن الأشياء لا ظاهرها الحسوس. # فبهذه الوجوه يظهر أنه تعالى يثبت في كلامه قسما من الرؤية والمشاهدة ~~وراء الرؤية البصرية الحسية، وهي نوع شعور في الإنسان يشعر بالشيء بنفسه من ~~غير استعمال آلة حسية أو فكرية، وأن للإنسان شعورا بربه غير ما يعتقد ~~بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل بل يجده وجدانا من غير أن يحجبه عنه ~~حاجب، ولا يجره إلى الغفلة عنه إلا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها، ~~وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود مشهود لا زوال علم بالكلية ومن أصله فليس في ~~كلامه تعالى ما يشعر بذلك البتة بل عبر عن هذا الجهل بالغفلة وهي زوال ~~العلم بالعلم لا زوال أصل العلم. # فهذا ما بينه كلامه سبحانه، ويؤيده العقل بساطع براهينه، وكذا ما ورد من ~~الأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على ما سننقلها ونبحث عنها في ~~البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. ms3024 PageV08P134 # والذي ينجلي من كلامه تعالى أن هذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء يتم ~~للصالحين من عباد الله يوم القيامة كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: "وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة": القيامة: 23، فهناك موطن التشرف بهذا ~~التشريف، وأما في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه، ومنغمر في غمرات حوائجه ~~الطبيعية، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربه، كادح إلى ربه ~~كدحا ليلاقيه فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتم له حق يلاقي ربه، قال ~~تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": الإنشقاق: 6، وفي ~~معناه آيات كثيرة أخرى تدل على أنه تعالى إليه المرجع والمصير والمنتهى، ~~وإليه يرجعون وإليه يقلبون. # فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسماه رؤية ~~ولقاء، ولا يهمنا البحث عن أنها على نحو الحقيقة أو المجاز فإن القرائن كما ~~عرفت قائمة على إرادة ذلك فإن كانت حقيقة كانت قرائن معينة، وإن كانت مجازا ~~كانت صارفة، والقرآن الكريم أول كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع، ~~فالكتب السماوية السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم ~~بالله وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل فإن ~~العلم الحضوري عندهم كان منحصرا في علم الشيء بنفسه حتى كشف عنه في الإسلام ~~فللقرآن المنة في تنقيح المعارف الإلهية. # ولنرجع إلى الآية المبحوث عنها: فقوله: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه قال رب أرني أنظر إليك" سؤال منه (عليه السلام) للرؤية بمعنى العلم ~~الضروري على ما تقدم من معناه فإن الله سبحانه لما خصه بما حباه من العلم ~~به من جهة النظر في آياته ثم زاد على ذلك أن اصطفاه برسالاته وبتكليمه وهو ~~العلم بالله من جهة السمع رجا (عليه السلام) أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية ~~وهو كمال العلم الضروري بالله، والله خير مرجو ومأمول. # فهذا هو المسئول دون الرؤية بمعنى الإبصار بالتحديق الذي يجل موسى (عليه ~~السلام) ذاك النبي الكريم أن يجهل بامتناعه عليه تعالى وتقدس. # وقوله. ms3025 # "قال لن تراني" نفي مؤبد للرؤية، وإذ أثبت الله سبحانه الرؤية بمعنى ~~العلم الضروري في الآخرة كان تأبيد النفي راجعا إلى تحقق ذلك في الدنيا ما ~~دام للإنسان اشتغال بتدبير بدنه، وعلاج ما نزل به من أنواع الحوائج ~~الضرورية، والانقطاع إليه تعالى بتمام معنى الكلمة لا يتم إلا بقطع الرابطة ~~عن كل شيء حتى البدن وتوابعه وهو الموت. # فيئول المعنى إلى أنك لن تقدر على رؤيتي والعلم الضروري بي في الدنيا حتى ~~تلاقيني فتعلم بي علما اضطراريا تريده، والتعبير في قوله: "لن تراني" ب ~~"لن" الظاهر في تأبيد النفي لا ينافي ثبوت هذا العلم الضروري في الآخرة ~~فالانتفاء في الدنيا يقبل التأبيد أيضا كما في قوله تعالى: "إنك لن تخرق ~~الأرض ولن تبلغ الجبال طولا": إسراء: 37، وقوله: "إنك لن تستطيع معي صبرا": ~~الكهف: 67. # ولو سلم أنه ظاهر في تأبيد النفي للدنيا والآخرة جميعا فإنه لا يأبى ~~التقييد كقوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم": ~~البقرة: 120، فلم لا يجوز أن تكون أمثال قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة" مقيدة لهذه الآية مبينة لمعنى التأبيد المستفاد منها. # والذي ذكرناه من رجوع نفي الرؤية في قوله: "لن تراني" إلى نفي الطاقة ~~والاستطاعة يؤيده قوله بعده: "ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني" فإن فيه تنظير إراءة نفسه لموسى (عليه السلام) بتجليه للجبل، ~~والمراد أن ظهوري وتجليي للجبل مثل ظهوري لك فإن استقر الجبل مكانه أي بقي ~~على ما هو عليه وهو جبل عظيم في الخلقة قوي في الطاقة فإنك أيضا يرجى أن ~~تطيق تجلي ربك وظهوره. # فقوله: "ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني" ليس باستدلال ~~على استحالة التجلي كيف وقد تجلى له؟ بل إشهاد وتعريف لعدم استطاعته ~~وإطاقته للتجلي وعدم استقراره مكانه أي بطلان وجوده لو وقع التجلي كما بطل ~~الجبل بالدك. # وقد دل عليه قوله: "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا" ~~وبصيرورة الجبل دكا أي مدكوكا متحولا إلى ms3026 ذرات ترابية صغار بطلت هويته ~~وذهبت جبليته وقضى أجله. PageV08P135 # وقوله: "وخر موسى صعقا" ظاهر السياق أن الذي أصعقه هو هول ما رأى وشاهد غير ~~أنه يجب أن يتذكر أنه هو الذي ألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين تلقف الألوف من ~~الثعابين والحيات، وفلق البحر فأغرق الألوف ثم الألوف من آل فرعون في لحظة ~~ورفع الجبل فوق رءوس بني إسرائيل كأنه ظلة، وأتى بآيات هائلة أخرى وهي أهول ~~من اندكاك جبل، وأعظم، ولم يصعقه شيء من ذلك ولم يدهشه. # واندكاك الجبل أهون من ذلك، وهو بحسب الظاهر في أمن من أن يصيبه في ذلك ~~خطر فإن الله إنما دكه ليشهده كيفية الأمر!. # فهذا كله يشهد أن الذي أصعقه إنما هو ما تمثل له من معنى ما سأله وعظمة ~~القهر الإلهي الذي أشرف أن يشاهده ولم يشاهده هو وإنما شاهده الجبل فآل ~~أمره إلى ذاك الاندكاك العجيب الذي لم يستقر معه مكانه ولا طرفة عين، ويشهد ~~بذلك أيضا توبته (عليه السلام) بعد الإفاقة كما سيأتي. # وقوله: "فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين" توبة ورجوع ~~منه (عليه السلام) بعد الإفاقة إذ تبين له أن الذي سأله وقع في غير موقعه ~~فأخذته العناية الإلهية بتعريفه ذلك وتعليمه عيانا بإشهاده دك الجبل ~~بالتجلي أنه غير ممكن. # فبدأ بتنزيهه تعالى وتقديسه عما كان يرى من إمكان ذلك ثم عقبه بالتوبة ~~عما أقدم عليه وهو يطمع في أن يتوب عليه، وليس من الواجب في التوبة أن تكون ~~دائما عن معصية وجرم بل هو الرجوع إليه تعالى لشائبة بعد كيف كان كما تقدم ~~البحث فيه في الجزء الرابع من الكتاب. # ثم عقب (عليه السلام) ذلك بالإقرار والشهادة بقوله: "وأنا أول المؤمنين" ~~أي أول المؤمنين من قومي بأنك لا ترى. # هذا ما يدل عليه المقام، وإن كان من المحتمل أن يكون المراد وأنا أول ~~المؤمنين من بين قومي بما آتيتني وهديتني إليه آمنت بك قبل أن يؤمنوا فحقيق ~~بي أن أتوب إليك إذا علق بي تقصير ms3027 أو قصور. # لكنه معنى بعيد. # قوله تعالى: "قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ~~آتيتك وكن من الشاكرين" المراد بالاصطفاء الاختيار على وجه التصفية، ولذلك ~~عدي إلى الناس بعلى، والمراد بالرسالات هو ما حمل من الأوامر والنواهي ~~الإلهية من المعارف والحكم والشرائع ليبلغه الناس سواء كان التحميل بواسطة ~~ملك أو بتكليم بلا واسطة ملك فهي غير الكلام وإن حملت بكلام فإن الكلام ~~أمر، والمعاني التي يتلقاها السامع منه أمر آخر. # والمراد بالكلام هو ما شافه به الله سبحانه من غير واسطة ملك وبعبارة ~~أخرى هو ما يكشف به عن مكنون الغيب، وأما أن يكون من نوع الكلام الدائر ~~بيننا معاشر الإنسان فلا فإن الكلام عندنا هو أنا نصطلح ونتعهد فيما بيننا ~~على تخصيص صوت مخصوص من الأصوات لمعنى من المعاني لينتقل ذهن السامع إلى ~~ذلك المعنى ثم نتوسل عند إرادة تفهيمه إلى إيجاد تموج خاص في الهواء يبتدي ~~منا وينتهي إلى السامع لننقل به ما في ضميرنا إلى ضمير السامع المخاطب ~~والتكلم بهذا الوجه يستلزم التجسم في المتكلم والله سبحانه منزه عنه، ومجرد ~~إيجاد الصوت وتمويج الهواء بإيجاد أسباب الصوت في مكان لا يدل على كون ~~المعاني التي ينتقل إليها الذهن مقصودة لله سبحانه ما لم تكشف الإرادة بأمر ~~آخر وراء نفس الصوت كما أن من أوجد منا بدق أو ضرب أو نحوهما صوتا يدل على ~~معنى لم نحكم بإرادته ذلك ما لم يكشف من حاله أو مقاله قبلا أنه قاصد لمعنى ~~ما يوجده من الأصوات. # وما كلم به الله سبحانه موسى (عليه السلام) مما حكاه القرآن الشريف خال ~~عن سؤال الدليل على كونه كلامه، وعلى كونه تعالى مريدا لمعناه فلم يسأل ~~موسى ربه حين سمع النداء من جانب الطور الأيمن من الشجرة: هل هذا منك يا ~~رب؟ وهل أنت مريد معناه؟ بل أيقن بذلك إيقانا، ونظير الكلام جار في سائر ~~أقسام الوحي غير الكلام. # وهذا يكشف كشفا قطعيا عن ارتباط خاص من السامع بإرادة مصدر ms3028 الكلام والوحي ~~يوجب الانتقال إلى المعنى المقصود وإلا فمجرد صدور صوت له معنى مفهوم في ~~اللغة منه تعالى لا يستلزم صحة الانتساب إليه تعالى ولا كونه كلامه كيف؟ ~~وجميع الألفاظ الصادرة من المتكلمين بما أنها أصوات تنتهي إليه تعالى وليست ~~كلاما له تعالى بل المتكلم بها غيره، وكثيرا ما يحدث من تصادم الأجسام ~~المختلفة أصوات ذوات معان في اللغة ولا نعده كلاما له تعالى. PageV08P136 # وبالجملة تكليمه تعالى هو إيجاده اتصالا وارتباطا خاصا بين مخاطبه وبين ~~الغيب ينتقل به بمشاهدة بعض مخلوقاته إلى معنى مراد، ولا نمنع مقارنة ذلك ~~بأصوات يوجدها الله تعالى في خارج أو سمع أو غير ذلك، وقد تقدم بعض الكلام ~~في الكلام فيما تقدم. # وسيأتي منه تتمة في تفسير سورة الشورى إن شاء الله تعالى. # وكيف كان فقوله تعالى: "قال يا موسى إني اصطفيتك" الآية. # وارد في مورد الامتنان وموعظة لموسى (عليه السلام) أن يكتفي بما اصطفاه ~~الله به من رسالاته وكلامه ويشكره ولا يستزيد. # قوله تعالى: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء" الآية. # اللوح صحيفة معدة للكتابة فيه لأنه يلوح ويظهر بما فيه من الخط وأصله من ~~لاح البرق إذا لمع. # وقوله: "من كل شيء" من فيه للتبعيض كما يؤيده السياق اللاحق، وقوله: ~~"موعظة" الظاهر أنه بيان لكل شيء، ويعطف عليه قوله: "وتفصيلا لكل شيء" ~~وتنكير قوله: "تفصيلا" لإفادة الإبهام والتبعيض، ويئول المعنى إلى مثل ~~قولنا: وكتبنا لموسى في الألواح وهي التوراة النازلة مختارات من كل شيء ~~ونعني بذلك أنا كتبنا له موعظة وتفصيلا ما وتشريحا ما لكل شيء حسب ما يحتاج ~~إليها قومه في الاعتقاد والعمل. # ففي الكلام دلالة على أن التوراة لم تستكمل جميع ما تمس به حاجة البشر من ~~المعارف والشرائع، وهو كذلك كما يدل عليه أيضا قوله تعالى بعد ذكر التوراة ~~والإنجيل "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه": المائدة: 48، وقد تقدم تفسيره. # وقوله: "فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها" عطف تفريع ms3029 على قوله: ~~"وكتبنا له في الألواح" الآية لأنه مشعر بمعنى القول، والتقدير: وقلنا إنا ~~كتبنا لك في الألواح من كل شيء فخذها بقوة. # والأخذ بالقوة كناية عن الأخذ بالجد والحزم فإن من يجد ويحزم في أمر ~~يستعمل ما عنده من القوة فيه حذرا أن يفوته فالأخذ بالقوة لازم الأخذ بالجد ~~والحزم كنى به عنه. # وقوله: "وأمر قومك يأخذوا بأحسنها" الظاهر أن الضمير في "بأحسنها" راجع ~~إلى الأشياء المدلول عليها بقوله قبلا: "من كل شيء" من المواعظ وتفاصيل ~~الآداب والشرائع والأخذ بالأحسن كناية عن ملازمة الحسن في الأمور واتباعه ~~واختياره فإن من يهم بأمر الحسن في الأمور إذا وجد سيئا وحسنا اختار الحسن ~~الجميل، وإذا وجد حسنا وأحسن منه اضطره حب الجمال إلى اختيار الأحسن ~~وتقديمه على الحسن فالأخذ بأحسن الأمور لازم حب الجمال وملازمة الحسن فكنى ~~به عنه، والمعنى: وأمر قومك يجتنبوا السيئات ويلازموا ما تهدي إليه التوراة ~~من الحسنات، ونظير الآية في التكنية قوله تعالى: "الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر: 18. # وقوله: "سأوريكم دار الفاسقين" ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء الفاسقين هم ~~الذين يفسقون بعدم ائتمار قوله: "وأمر قومك يأخذوا بأحسنها" على ما تقدم من ~~معناه من ملازمة طريق الإحسان في الأمور واتباع الحق والرشد فإن من فسق عن ~~الطريق صرفه الله عن الصراط المستقيم إلى تتبع السيئات والميل عن الرشد إلى ~~الغي كما يفصله في الآية التالية فكانت عاقبة أمره خسرانا وآل أمره إلى ~~الهلاك. # وعلى هذا فما في الآية التالية: "سأصرف عن آياتي" الآية تفسير أو ~~كالتفسير لقوله: "سأوريكم دار الفاسقين" وقيل المراد بدار الفاسقين جهنم، ~~وفي الكلام تهديد وتحذير، وقيل المراد بها منازل فرعون وقومه بمصر، وقيل: ~~منازل عاد وثمود، وقيل المراد دار العمالقة وغيرهم بالشام وأن الله سيدخلهم ~~فيها فيرونها، وقيل: المراد سيجيئكم قوم فساق تكون الدولة لهم عليكم. # قوله تعالى: "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا ~~كل آية لا يؤمنوا بها" ms3030 الآية تقييد التكبر في الأرض بغير الحق مع أن التكبر ~~فيها لا يكون إلا بغير الحق كتقييد البغي في الأرض بغير الحق للتوضيح لا ~~للاحتراز ويراد به الدلالة على وجه الذم في العمل وأن التكبر كالبغي مذموم ~~لكونه بغير الحق. PageV08P137 # وأما ما قيل: إن القيد احترازي للدلالة على أن المراد هو التكبر المذموم ~~دون التكبر الممدوح كالتكبر على أعداء الله والتكبر على المتكبر وهو تكبر ~~بالحق ففيه أن المذكور في الآية ليس مطلق التكبر بل التكبر في الأرض، وهو ~~الاستعلاء على عباد الله واستذلالهم والتغلب عليهم، وهذا لا يكون إلا بغير الحق. # وقوله: "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها" عطف على قوله: "يتكبرون" وبيان ~~لأحد أوصافهم وهو الإصرار على الكفر والتكذيب. # وكذا قوله: "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا" الآية وتكرار الجملتين ~~المثبتة والمنفية بجميع خصوصياتهما للدلالة على اعتنائهم الشديد ومراقبتهم ~~الدقيقة على مخالفة سبيل الرشد واتباع سبيل الغي بحيث لا يعذرون بخطإ ولا ~~يحتمل في حقهم جهل أو اشتباه. # وقوله: "ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا" إلى آخر الآية تعليل لما تحقق فيهم من ~~رذائل الصفات أي إنما جروا على ما جروا بسبب تكذيبهم لآياتنا وغفلتهم عنها، ~~ومن المحتمل أن يكون تعليلا لقوله تعالى: "سأصرف عن آياتي". # قوله تعالى: "والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون ~~إلا ما كانوا يعملون" معنى الآية ظاهر ويتحصل منها: أولا: أن الجزاء هو نفس ~~العمل وقد تقدم توضيحه كرارا في أبحاثنا السابقة. # وثانيا: أن الحبط من الجزاء فإن الجزاء بالعمل وإذا كان العمل حابطا ~~فإحباطه هو الجزاء، والحبط إنما يتعلق بالأعمال التي فيها جهة حسن فتكون ~~نتيجة إحباط الحسنات ممن له حسنات وسيئات أن يجزى بسيئاته جزاء سيئا ويجزى ~~بحسناته بإحباطها فيتمحض له الجزاء السيىء. # ويمكن أن تنزل الآية على معنى آخر وهو أن يكون المراد بالجزاء، الجزاء ~~الحسن وقوله: "هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" كناية عن أنهم لا يثابون بشيء ~~إذ لا عمل من الأعمال الصالحة عندهم لمكان الحبط ms3031 قال تعالى: "وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا": الفرقان: 23، والدليل على كون المراد ~~بالجزاء هو الثواب أن هذا الجزاء هو جزاء الأعمال المذكورة في الآية قبلا، ~~والمراد بها بقرينة ذكر الحبط هي الأعمال الصالحة. # ومن هنا يظهر فساد ما استدل به بعضهم بالآية على أن تارك الواجب من غير ~~أن يشتغل بضده لا عقاب له لأنه لم يعمل عملا حتى يعاقب عليه وقد قال تعالى: ~~"هل يجزون إلا ما كانوا يعملون". # وجه الفساد أن المراد بالجزاء في الآية الثواب والمعنى أنهم لا ثواب لهم ~~في الآخرة لأنهم لم يأتوا بحسنة ولم يعملوا عملا يثابون عليها. # على أن ثبوت العقاب على مجرد ترك الأوامر الإلهية مع الغض عما يشتغل به ~~من الأعمال المضادة كالضروري من كلامه تعالى قال الله عز وجل: "ومن يعص ~~الله ورسوله فإن له نار جهنم": الجن: 23، إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: "واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار" إلى ~~آخر الآية، الحلي على فعول جمع حلي كالثدي جمع ثدي، وهو ما يتحلى ويتزين به ~~من ذهب أو فضة أو نحوهما، والعجل ولد البقرة، والخوار صوت البقرة خاصة، وفي ~~قوله تعالى: "جسدا له خوار" - وهو بيان للعجل - دلالة على أنه كان غير ذي ~~حياة وإنما وجدوا عنده خوارا كخوار البقر. # والآية وما بعده تذكر قصة عبادة بني إسرائيل العجل بعد ما ذهب موسى إلى ~~ميقات ربه واستبطئوا رجوعه إليهم، فكادهم السامري وأخذ من حليهم فصاغ لهم ~~عجلا من ذهب له خوار كخوار العجل وذكر لهم أنه إلههم وإله موسى فسجدوا له ~~واتخذوه إلها، وقد فصل الله سبحانه القصة في سورة طه تفصيلا، والذي ذكره في ~~هذه الآيات من هذه السورة لا يستغني عما هناك، وهو يؤيد نزول سورة طه قبل ~~سورة الأعراف. # وكيف كان فقوله: "واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا" معناه اتخذ قوم ~~موسى من بعد ذهابه لميقات ربه قبل أن يرجع - فإنه سيذكر رجوعه إليهم ms3032 غضبان ~~- عجلا فعبدوه، وكان هذا العجل الذي اتخذوه "جسدا له خوار" ثم ذمهم الله ~~سبحانه بأنهم لم يعبئوا بما هو ظاهر جلي بين عند العقل في أول نظرته أنه لو ~~كان هو الله سبحانه لكلمهم ولهداهم السبيل فقال تعالى: "ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا". PageV08P138 # وإنما ذكر من صفاته المنافية للألوهية عدم تكليمه إياهم وعدم هدايته لهم ~~وسكت عن سائر ما فيه كالجسمية وكونه مصنوعا ومحدودا ذا مكان وزمان وشكل إلى ~~غير ذلك مع أن الجميع ينافي الألوهية لأن هاتين الصفتين أعني التكليم ~~والهداية من أوضح ما تستلزمه الألوهية من الصفات عند من يتخذ شيئا إلها إذ ~~من الواجب أن يعبده بما يرتضيه ويسلك إليه من طريق يوصل إليه، ولا يعلم ذلك ~~إلا من قبل الإله بوجه فهو الذي يجب أن يهديه إلى طريق عبادته بنوع من ~~التكليم والتفهيم، وقد رأوا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا. # على أنهم عهدوا من موسى أن الله سبحانه يكلمه ويهديه، ويكلمهم ويهديهم ~~بواسطته، وقد قالوا حين أخرج السامري لهم العجل: "هذا إلهكم وإله موسى": ~~طه: 88، فلو كان العجل هو الذي أومأ إليه السامري لكلمهم وهداهم سبيلا. # وبالجملة فقد كان من الواضح البين عند عقولهم لو عقلوا أنه ليس هو، ولذلك ~~أردفه بقوله: "اتخذوه وكانوا ظالمين" كأنه قيل: فلم اتخذوه وأمره بذاك ~~الوضوح، فقيل: "اتخذوه وكانوا ظالمين". # قوله تعالى: "ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا" إلى آخر الآية. # قال في المجمع،: معنى "سقط في أيديهم" وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه ~~وجدان من يده فيه يقال ذلك للنادم عند ما يجده مما كان خفي عليه، ويقال: ~~سقط في يده، وأسقط في يده وبغير ألف أفصح، وقيل: معناه صار الذي يضر به ~~ملقى في يده انتهى. # وقد ذكر في مطولات التفاسير وجوه كثيرة توجه بها هذه الجملة، جلها أو ~~كلها لا تخلو من تعسف، وأقرب الوجوه ما نقلناه عن المجمع، منقولا عن بعضهم ~~فإن ظاهر سياق الآية أن المراد بقوله: ms3033 "ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ~~ضلوا" إنهم لما التفتوا إلى ما فعلوه وأجالوا النظر فيه دقيقا ثانيا ورأوا ~~عند ذلك أنهم قد ضلوا قالوا: كذا وكذا فالجملة تفيد معنى التنبه لما ذهلوا ~~عنه والتبصر بما أغفلوه كأنهم عملوا شيئا فقدموه إلى ما عملوا له فرده ~~إليهم ورمى به نحوهم فتناولوه بأيديهم فسقط فيها فرأوا من قريب أنهم ضلوا ~~فيما زعموا، وأهملوا فيه أمرا ما كان لهم أن يهملوه، وفات منهم ما فسد ~~بفوته ما عملوه، وعلى أي حال تجري الجملة مجرى المثل السائر. # والآية أعني قوله "ولما سقط" بحسب المعنى مترتب على الآيات التالية فإنهم ~~إنما تبينوا ضلالهم بعد رجوع موسى إليهم كما تفصل ذلك سورة طه لكنه سبحانه ~~كأنه قدم الآية لأنها مشتملة على حديث ندامتهم على ما صنعوا وتحسرهم مما ~~فات منهم، وقد أظهروا ذلك بقولهم: "لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين" والأحرى بالندامة والحسرة أن يذكرا مع ما تعلقنا به من غير فصل ~~طويل، ولذا لما ذكر اتخاذهم العجل في الآية الأولى وصله بندامتهم وحسرتهم ~~في الآية الثانية. # ولأن ذيل حديث رجوع موسى في الآية التالية مشغول بدعائه لنفسه وأخيه ففصل ~~بينه وبين هذا الذي هو صورة دعاء. # قوله تعالى: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا" إلى آخر الآية الأسف ~~بكسر السين صفة مشبهة من الأسف وهو شدة الغضب والحزن والخلافة القيام ~~بالأمر بعد غيره، والعجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه على ما ذكره الراغب ~~يقال: عجلت أمرا كذا أي طلبته قبل أوانه الذي له بحسب الطبع فمعنى الآية: ~~ولما رجع موسى إلى قومه وهو في حال غضب وأسف لما أخبره الله تعالى لدى ~~الرجوع بأن قومه ضلوا بعبادة العجل بعده فوبخهم وذمهم بما صنعوا وقال: ~~بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وطلبتموه قبل بلوغ أجله، وهو أمر ~~من بيده خيركم وصلاحكم ولا يجري أمرا إلا على ما يقتضيه حكمته البالغة، ولا ~~يؤثر فيه عجلة غيره ولا طلبه ولا رضاه ms3034 إلا بما شاء، والظاهر أن المراد بأمر ~~ربهم أمره الذي لأجله واعد موسى لميقاته، وهو نزول التوراة. # وربما قيل: إن معنى "أعجلتم أمر ربكم": أعجلتم بعبادة العجل قبل أن ~~يأتيكم أمر من ربكم: وقيل: المعنى استعجلتم وعد الله وثوابه على عبادته ~~فلما لم تنالوه عدلتم إلى عبادة غيره؟ وقيل: المعنى أعجلتم عما أمركم به ~~ربكم وهو انتظار رجوع موسى حافظين لعهده فبنيتم على أن الميقات قد بلغ آخره ~~ولم يرجع إليكم فغيرتم هذا، وما قدمناه من الوجه أنسب بالسياق. PageV08P139 # وبالجملة اشتد غضب موسى (عليه السلام) لما شاهد قومه ووبخهم وذمهم بقوله: ~~"بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم" وهو استفهام إنكاري - "وألقى ~~الألواح" وهي ألواح التوراة "وأخذ برأس أخيه" قابضا على شعره يجره إليه" ~~وقد قال له - فيما حكى الله في سورة طه: "يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ~~ألا تتبعن أفعصيت أمري"؟. # "قال" هارون يا "ابن أم" وإنما خاطبه بذكر أمهما دون أن يقول: يا أخي أو ~~يا ابن أبي للترقيق وتهييج الرحمة "إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني" ~~لما خالفتهم في أمر العجل ومنعتهم عن عبادته "فلا تشمت بي الأعداء ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين" بحسباني كأحدهم في مخالفتك، وكان مما قال له على ~~ما حكاه الله في سورة طه - إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. # وظاهر سياق الآية وكذا ما في سورة طه من آيات القصة أن موسى غضب على ~~هارون كما غضب على بني إسرائيل غير أنه غضب عليه حسبانا منه أنه لم يبذل ~~الجهد في مقاومة بني إسرائيل لما زعم أن الصلاح في ذلك مع أنه وصاه عند ~~المفارقة وصية مطلقة بقوله: "وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين" وهذا المقدار ~~من الاختلاف في السليقة والمشية بين نبيين معصومين لا دليل على منعه، وإنما ~~العصمة فيما يرجع إلى حكم الله سبحانه دون ما يرجع إلى السلائق وطرق الحياة ~~على اختلافها. # وكذا ما فعله موسى بأخيه من أخذ رأسه يجره إليه كأنه مقدمة ms3035 لضربه حسبانا ~~منه إن استقل بالرأي زاعما المصلحة في ذلك وترك أمر موسى فما وقع منه إنما ~~هو تأديب في أمر إرشادي لا عقاب في أمر مولوي وإن كان الحق في ذلك مع ~~هارون، ولذلك لما قص عليه القصص عذره في ذلك، ودعا لنفسه ولأخيه بقوله رب ~~اغفر لي ولأخي إلخ. # وقد وجه قوله: "وأخذ برأس أخيه يجره إليه" بوجوه أخر: الأول: أن موسى ~~إنما فعل ذلك مستعظما لفعلهم مفكرا فيما كان منهم كما يفعل الإنسان ذلك ~~بنفسه عند الوجد وشدة الغضب فيقبض على لحيته ويعض على شفته فأجرى موسى أخاه ~~هارون مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الإنسان بنفسه عند الغضب والأسف. # الثاني: أنه أراد أن يظهر ما اعتراه من الغضب على قومه لإكباره منهم ما ~~صاروا إليه من الكفر والارتداد فصدر ذلك منه لإعلامهم عظم الحال عنده ~~لينزجروا عن مثله في مستقبل الأحوال. # الثالث: أنه إنما جره إلى نفسه ليناجيه ويستفسر حال القوم منه، ولذلك لما ~~ذكر هارون ما ذكر، قبله منه ودعا له. # الرابع: أنه لما رأى أن بهارون مثل ما به من الغضب والأسف أخذ برأسه ~~متوجعا له مسكنا لما به من القلق فكره هارون أن يظن الجهال أنه استخفاف ~~وإهانة فأظهر براءة نفسه ودعا له أخوه وجل هذه الوجوه أو كلها لا تلائم ~~سياق الآيات. # وقوله في صدر الآية "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا" يدل على أنه كان ~~عالما بأمر ارتداد قومه من قبل، وهو كذلك فإن الله سبحانه - كما حكى في ~~سورة طه - قال له وهو في الميقات: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري. # وإنما ظهر حكم غضبه عند ما شاهد قومه فاشتد عليهم وألقى الألواح وأخذ ~~برأس أخيه يجره إليه كل ذلك فعله بعد ما رجع إليهم لا حينما أخبره بذلك ~~ربه، وإخبار الله سبحانه أصدق من الحس لأن الحس يصدق ويكذب، والله سبحانه ~~لا يقول إلا الحق. # وذلك لأن للعلم حكما وللمشاهدة حكما آخر، والغضب هيجان القوة الدافعة ms3036 ~~للدفع أو الانتقام، ولا يتحقق مورد للدفع والانتقام بمجرد تحقق العلم لكن ~~الحس والمشاهدة تصاحب وجود المغضوب عليه عند العصيان فيتأتى منه الدفع ~~والانتقام بالقول والفعل، ولا يؤثر العلم قبل المشاهدة إلا حزنا وغما ونظير ~~ذلك بالمقابلة أنك لو بشرت بقدوم من تحبه وتتوق نفسك إلى لقائه فلك عند ~~تحقق البشرى حال وهو الفرح، وعند لقاء الحبيب حال آخر وحكم جديد، وكذا إذا ~~شاهدت أمرا عجيبا وأنت وحدك كان حكمه التعجب، وإذا شاهدته ومعك غيرك تعجبت ~~وضحكت، وله نظائر أخر. # قوله تعالى: "قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك" الآية دعاء منه ~~(عليه السلام) وقد تقدم في الكلام على المغفرة في آخر الجزء السادس من ~~الكتاب أن المغفرة أعم موردا من المعصية. # قوله تعالى: "إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم" الآية. PageV08P140 # تنكير الغضب وكذا الذلة للإشعار بعظمتهما وقد أبهم الله سبحانه ما سينالهم ~~من غضبه وذلة الحياة فلم يبين ما هما فمن المحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى ~~ما جرى عليهم بعد ذلك من تحريق العجل المعبود ونسفه في اليم وطرد السامري ~~وقتل جمع منهم، أو أن يكون المراد به ما ضرب الله على قومهم من الذلة ~~والمسكنة والقتل والإبادة والإسارة، ويمكن أن يكون المراد بالغضب هو عذاب ~~الآخرة فيجمع لهم بذلك هوان الآخرة وذلة الدنيا. # وكيف كان فذيل الآية: "وكذلك نجزي المفترين" بظاهره يدل على أن ذلك أعني ~~نيل غضب الرب سبحانه وذلة الحياة الدنيا سنة جارية إلهية في المفترين على ~~الله وهذا الذي يدل عليه الآية يهدي إليه الأبحاث العقلية أيضا كما مر مرارا. # قوله تعالى: "والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم" ضمير "من بعدها" الأول راجع إلى السيئات، والثاني إلى التوبة، ~~ومعنى الآية ظاهر. # والآية وإن كانت في نفسها عامة لكنها بالنظر إلى المورد بمنزلة الاستثناء ~~من الذين اتخذوا العجل المذكورين في الآية السابقة فالتوبة إذا تحققت ~~بحقيقة معناها في أية سيئة كانت لم يمنع من قبولها ms3037 مانع كما تقدم في تفسير ~~قوله تعالى: "إنما التوبة على الله" الآية: النساء: 17. # وهذه الآية والتي قبلها معترضتان في القصة، ووجه الخطاب فيهما إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والدليل على ذلك قوله في الآية الأولى: "وكذلك ~~نجزي المفترين" وفي الآية الثانية "إن ربك" الآية وظاهر السياق أن الكلام ~~فيهما جار على حكاية الحال الماضية بدليل قوله: "سينالهم غضب". # قوله تعالى: "ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح" الآية، الرهبة هي خوف ~~مع تحرز: والباقي ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: ~~خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: ~~يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وكان ~~الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها. فقال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة" إنكم تركبون سنن الذين قبلكم. أقول: ورواها أيضا بطرق أخرى عن عبد ~~الله بن عوف عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ذلك، وفيها: أنها كانت شجرة سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسميت ذات ~~أنواط وكانت تعبد من دون الله. وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: ~~"وجاوزنا ببني إسرائيل البحر" الآية: عن محمد بن شهرآشوب: أن رأس الجالوت ~~قال لعلي (عليه السلام): لم تلبثوا بعد نبيكم إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم ~~وجه بعض بالسيف! فقال علي (عليه السلام): وأنتم لم تجف أقدامكم من ماء ~~البحر حتى قلتم: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". وفي تفسير العياشي، عن ~~الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن موسى لما خرج وافدا إلى ~~ربه واعدهم ثلاثين يوما فلما زاد الله على الثلاثين عشرا قال قومه: أخلفنا ~~موسى فصنعوا ما صنعوا. وفي الدر المنثور،: ms3038 أخرج البزاز وابن أبي حاتم وأبو ~~نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام ~~الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: ~~يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك. ~~فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن فقال: لا ~~تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه؟ ~~فذاك قريب منه وليس به. أقول: أما ذيل الرواية فهو تمثيل للتقريب وليس به ~~بأس، وأما صدره ففيه خفاء ولعل المراد بقوة عشرة آلاف لسان ما في العشرة ~~آلاف من قوة التفهيم لو تأيد بعضها ببعض فإن ألسن الناس مختلفة في قوة ~~التفهيم فالمراد أن ذلك يعادل من حيث إعطاء التفهيم والكشف عن المراد عشرة ~~آلاف لسان لو جمع بعضها مع بعض. PageV08P141 # وعلى هذا يكون المراد بالمغايرة في قوله: "كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ~~ناداه" التفاوت من حيث كيفية التفهيم. # وفي المعاني، بإسناده عن هشام قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد (عليهما ~~السلام) إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين فقال له معاوية بن ~~وهب: يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر المروي: أن رسول ص رأى ربه؟ على أي ~~صورة رآه؟ وفي الخبر الذي رواه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة؟ على أي ~~صورة يرونه؟ فتبسم ثم قال: يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة ~~وثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمه ثم لا يعرف الله حق معرفته. ثم ~~قال: يا معاوية إن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ير الرب تبارك ~~وتعالى بمشاهدة العيان، وإن الرؤية على وجهين: رؤية القلب ورؤية البصر فمن ~~عنى برؤية القلب فهو مصيب، ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر بالله وآياته ms3039 ~~لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من شبه الله بخلقه فقد كفر. ~~ولقد حدثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: سئل أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فقيل له: يا أخا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: لم ~~أعبد ربا لم أره لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن تراه القلوب بحقائق ~~الإيمان. وإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر ~~والرؤية فهو مخلوق، ولا بد للمخلوق من خالق فقد جعلته إذا محدثا مخلوقا، ~~ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكا. ويلهم ألم يسمعوا لقول الله تعالى: ~~"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" وقوله لموسى: "لن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل - فإن استقر مكانه فسوف تراني - فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا" وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من ~~سم الخياط فدكدكت الأرض، وصعقت الجبال، وخر موسى صعقا أي ميتا "فلما أفاق" ~~ورد عليه روحه "قال سبحانك تبت إليك" من قول من زعم أنك ترى ورجعت إلى ~~معرفتي بك: أن الأبصار لا تدركك "وأنا أول المؤمنين" بأنك ترى ولا ترى وأنت ~~بالمنظر الأعلى الحديث. # وفي التوحيد، بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث: وسأل موسى وجرى على ~~لسانه من حمد الله عز وجل: "رب أرني أنظر إليك" فكانت مسألته تلك أمرا ~~عظيما، وسأل أمرا جسيما فعوتب فقال الله عز وجل: "لن تراني" في الدنيا حتى ~~تموت وتراني في الآخرة، ولكن إن أردت أن تراني "فانظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني" فأبدى الله بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار ~~رميما "وخر موسى صعقا" ثم أحياه الله وبعثه فقال: "سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين" يعني أول من آمن بك منهم بأنه لا يراك. أقول: الروايتان - ~~كما ترى - تؤيدان ما تقدم في البيان السابق، ويتحصل منهما: أولا: أن السؤال ~~إنما كان عن رؤية القلب دون رؤية البصر المستحيل عليه تعالى بأي ms3040 وجه تصور، ~~وحاشا مقام الكليم (عليه السلام) أن يجهل من ساحة ربه المنزهة ما هو من ~~البداهة على مكان وهو يسمي القوم الذين اختارهم للميقات سفهاء إذ سألوا ~~الرؤية إذ يقول لربه: "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا": الأعراف: 155، فكيف ~~يقدم هو نفسه على ما سماه سفهاء؟. # وقد كان النزاع والمشاجرة في الصدر الأول وخاصة في زمان الصادقين إلى ~~زمان الرضا (عليه السلام) في المسألة بالغا أوج شدته ينكرها المعتزلة مطلقا ~~ويثبتها الأشاعرة في الآخرة وهناك طائفة أخرى تثبتها في الدنيا والآخرة ~~جميعا، والفريقان جميعا يستدلان بالآية ولم تزل المنازعة قائمة على ساقها ~~لم تنقطع ظاهرا إلا بسيوف آل أيوب التي أبادت المعتزلة وألحقت طالعهم ~~بغاربهم. PageV08P142 # وجملة احتجاج المعتزلة، أنهم كانوا يستدلون بقوله في الآية: "لن تراني" ~~وبسائر ما ينفي الرؤية البصرية من طريق العقل والنقل، ويأولون ما يدل على ~~جوازها من الآيات والروايات، وجملة احتجاج الأشاعرة أنهم كانوا يستدلون ~~بالتنظير الواقع في الآية بقوله: "ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني" الآية وبما في غيرها من الآيات وبعض الروايات من جوازها في ~~الآخرة، ويأولون ما عدا ذلك على ما هو شأن الأبحاث الكلامية عندهم وربما ~~استدل لذلك بأنه لا دليل على وجوب انحصار الرؤية البصرية في الجسمانيات فمن ~~الجائز أن يتعلق بغير الأمور المادية. # وبأن الإبصار يتعلق بالجوهر والعرض، ولا جامع بينهما إلا الموجود المطلق ~~فكل موجود يمكن أن يتعلق به الإبصار وإن لم يكن جسما أو جسمانيا. # وقد اتضح بطلان هاتين الحجتين وما يسانخهما من الحجج والأقاويل في هذه ~~الأزمنة اتضاحا كاد يلحق بالبديهيات. # وعلى أي حال لا يهمنا إيراد ما أوردوه من الجانبين من نقض وإبرام فمن ~~أراد الوقوف عليها أمكنه أن يراجع الكتب الكلامية ومطولات تفاسير الفريقين. # والذي تحصل من سابق بحثنا - أولا - أن الرؤية البصرية سواء كانت على هذه ~~الصفة التي هي عليها اليوم أو تحولت إلى أي صفة أخرى هي معها مادية طبيعية ~~متعلقة بقدر وشكل ولون وضوء تعملها أداة مادية طبيعية فإنها ms3041 مستحيلة التعلق ~~بالله سبحانه في الدنيا والآخرة، وعليه يدل البرهان وما ورد من الآيات ~~والروايات في نفي الرؤية. # نعم هناك علم ضروري خاص يتعلق به تعالى غير العلم الضروري الحاصل ~~بالاستدلال تسمى رؤية، وإياه تعني الآيات والروايات الظاهرة في إثبات ~~الرؤية لما فيها من القرائن الكثيرة الصريحة في ذلك، وموطن هذه المعرفة ~~الآخرة. # و- ثانيا - أن قوله تعالى: "رب أرني أنظر إليك" الآية أجنبية أصلا عن ~~الرؤية البصرية الحسية إثباتا ونفيا وسؤالا وجوابا، وإنما يدور الكلام فيها ~~مدار الرؤية بالمعنى الآخر الذي هو رؤية القلب بحسب ما اصطلح عليه في ~~الروايات. # وقد روى الصدوق في العيون،: فيما سأله المأمون عن الرضا (عليه السلام) ~~أنه أجاب عن سؤال الرؤية في الآية، أن موسى إنما سأل ذلك عن لسان قومه لا ~~لنفسه فإنهم لما قالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثم أحياهم الله ~~سألوا موسى أن يسأله لنفسه فرد عليهم بالاستحالة فأصروا عليه فقال: "رب ~~أرني" أي على ما يقترحه على قومي. والرواية كما أشرنا إليه في أخبار جنة ~~آدم ضعيفة السند على أنها لا توافق الأصول المسلمة في أخبار أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) فإن أخبارهم وخاصة خطب علي والرضا (عليهما السلام) مملوءة ~~من حديث التجلي والرؤية القلبية فلا موجب له (عليه السلام) أن يلتزم كون ~~الرؤية المذكورة في الآية سؤالا وجوابا هي الرؤية البصرية ثم الجواب بطريق ~~جدلي لا ينطبق كثير انطباق على الآية لكونه خلاف ظاهرها البتة، وخلاف ظاهر ~~حال موسى فإنهم لو اقترحوا عليه ذلك لرد عليهم كما رد عليهم بقوله: "إنكم ~~قوم تجهلون" حين قالوا: يا موسى "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". # وثانيا: يتحصل من الروايتين أن موسى (عليه السلام) ما أجيب إلى الرؤية ~~بالمعنى المذكور في الدنيا، وإنما أجيب إليها في الآخرة، والظاهر أنه ~~يستفاد ذلك من قوله تعالى: "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا" ~~فإن الاستدراك في قوله: "ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني" ~~إن الذي فرض في الجبل ms3042 هو بعينه مثل ما فرض في موسى فهو لا يطيق الظهور ~~والإرادة كما أن ذاك لا يطيقه، وقد وقع التجلي للجبل فدك به وصعق ولو وقع ~~لموسى أيضا لدك به وصعق فالتجلي في نفسه ممكن لكنه بالنسبة إلى المتجلى له ~~يوجب اندكاكه وصعقته، وهذا يشعر أن التجلي لا مانع منه في نفسه مع الصعقة ~~والموت، وقد استفاضت الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن ~~الله سبحانه وتعالى يتجلى لأهل الجنة، وإن لهم في كل جمعة زورة كما وقع ذلك ~~في قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة": القيامة: 23. # وثالثا تحصل من الروايتين: أن صعقة موسى (عليه السلام) كانت موتا ثم رد ~~الله إليه روحه لا غشية. PageV08P143 # ورابعا: أن ما ذكره (عليه السلام) أنه تجلى له من نوره مقدار ما يخرج من سم ~~الخياط من النور من قبيل تمثيل المعنى بالأمور المحسوسة فلا نوره تعالى نور ~~حسي، ولا أنه يتقدر بأمر حسي كسم الخياط، ولذلك مثل ذلك في غير هذه الرواية ~~بوضع طرف الإبهام على أنملة الخنصر كما سيأتي، والغرض على أي تقدير بيان ~~صغره وحقارته. # وعلى أي حال فالتجلي إنما هو بما يكفي لدكه وصعقته، وأما كمال نوره تعالى ~~فهو غير متناه لا يحاذيه أي أمر متناه مفروض فلا نسبة بين المتناهي وغير ~~المتناهي. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك: أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية: "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا" قال هكذا ~~وأشار بإصبعيه، ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر وفي لفظ: على المفصل ~~الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وخر موسى صعقا وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض ~~فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة. أقول: ووقع في أحاديث أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) أن الجبل دك فصار رميما، وفي بعضها ms3043 أنه ساخ في البحر فهو ~~يهوي حتى الساعة، وفي بعضها: إلى هذه الساعة، والمحصل من تفسير بعضها ببعض ~~أنه صار رميما نزل البحر فلا يرى منه أثر أبدا وينبغي أن يكون هذا معنى ~~قوله: فساخ الجبل في الأرض أو في البحر فهو يسخ إلى يوم القيامة أو إلى ~~الساعة. # وفيه، أخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق ثابت عن أنس عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في قوله: "فلما تجلى ربه للجبل" قال: أظهر مقدار هذا ~~ووضع الإبهام على خنصر الإصبع الصغرى. فقال حميد راوي الحديث يا أبا محمد ~~الراوي عن أنس ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد؟ وما ~~أنت يا حميد؟ يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟ وفيه،: أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ~~وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) هذه الآية: "رب أرني أنظر إليك" قال: قال الله عز وجل يا موسى إنه لا ~~يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل ~~الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم. أقول: والرواية نظيرة ما ~~تقدم من رواية التوحيد عن علي (عليه السلام) وتقدم توضيح معناها. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: لما سأل موسى ربه تبارك وتعالى، "قال رب أرني أنظر إليك - قال ~~لن تراني ولكن انظر إلى الجبل - فإن استقر مكانه فسوف تراني" قال: فلما صعد ~~موسى على الجبل فتحت أبواب السماء، وأقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم ~~العمد، وفي رأسها النور يمرون به فوجا بعد فوج، يقولون: يا ابن عمران اثبت ~~فقد سألت عظيما. قال: فلم يزل موسى واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله فجعل ~~الجبل دكا وخر موسى صعقا فلما أن رد الله عليه روحه أفاق "قال سبحانك تبت ~~إليك وأنا ms3044 أول المؤمنين". وفيه، أيضا عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: إن موسى بن عمران لما سأل ربه النظر إليه وعد الله أن ~~يقعد في موضع ثم أمر الملائكة تمر عليه موكبا موكبا بالرعد والبرق والريح ~~والصواعق فكلما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل: ~~أيكم ربي؟ فيجاب هو آت وقد سألت عظيما يا ابن عمران. أقول: والرواية ~~موضوعة، وما تشمل عليه لا يقبل الانطباق على شيء من مسلمات الأصول المتخذة ~~من الكتاب والسنة. PageV08P144 # وفي البصائر، بإسناده عن أبي محمد عبد الله بن أبي عبد الله الفارسي وغيره ~~فرفعوه إلى أبي عبد الله (عليه السلام): أن الكروبيين قوم من شيعتنا من ~~الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض ~~لكفاهم، ثم قال: إن موسى (عليه السلام) لما سأل ربه ما سأل أمر واحدا من ~~الكروبيين تجلى للجبل فجعله دكا. أقول: محصل الرواية أن تجليه سبحانه يقبل ~~الوسائط كما أن سائر الأمور المنسوبة إليه تعالى كالتوفي والإحياء والرزق ~~والوحي وغيرها يقبل الوسائط فهو تعالى يتجلى بالوسائط كما يتوفى بملك ~~الموت، ويحيي بصاحب الصور، ويرزق بميكائيل، ويوحي بجبرئيل الروح الأمين، ~~وسيوافيك شرح الرواية في موضع مناسب له إن شاء الله. # وللكروبيين ذكر في التوراة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أنس: أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قرأ "دكا" منونة ولم يمده. وفيه، أخرج ابن مردويه عن ~~أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ "فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا" مثقلة ممدودة. وفيه، أخرج أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرة عن ~~أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فلما تجلى ربه للجبل ~~طارت لعظمته ستة أجبل فوقعن بالمدينة: أحد وورقان ورضوى. ووقع بمكة ثور ~~وثبير وحراء:. أقول: ورواه أيضا عن ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن ~~أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج ms3045 الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: لما تجلى الله لموسى تطايرت سبعة أجبال ففي الحجاز منها ~~خمسة، وفي اليمن اثنان: في الحجاز أحد وثبير وحراء وثور وورقان، وفي اليمن ~~حصور وصير. أقول: وروي في تقطع الجبل غير ذلك، وهذه الروايات على ما فيها ~~من الاختلاف في عدد الجبال المتطايرة إن كان المراد بها تفسير دك الجبل لم ~~ينطبق على الآية، وإن أريد غير ذلك فهو وإن كان ممكن الوقوع غير أنه لا ~~يكفي لإثباته أمثال هذه الآحاد. # وكذا ما ورد من طرق الشيعة وأهل السنة أن ألواح التوراة كانت من زبرجد، ~~وفي بعضها من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ~~ذراعا، وفي بعضها: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في ~~الألواح، وفي بعض أخبارنا أن هذه الألواح مدفونة في جبل من جبال اليمن، أو ~~التقمها حجر هناك فهي محفوظة في بطنه إلى غير ذلك من آحاد الأخبار غير ~~المؤيدة بقرائن قطعية. # على أن البحث التفسيري لا يتوقف على الغور في البحث عنها. # وفي روح المعاني، قال: وعن علي كرم الله وجهه: أنه قرأ "جؤار" بجيم ~~مضمومة وهمزة. قال وهو الصوت الشديد. وفي الدر المنثور، في قوله تعالى: ~~"وألقى الألواح" الآية: أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزاز وابن أبي حاتم وابن ~~حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ليرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه ~~تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى ~~الألواح فتكسر منها ما تكسر. وفي تفسير العياشي، عن محمد بن أبي حمزة عمن ~~ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى لما أخبر ~~موسى أن قومه اتخذوا عجلا +" جسدا "+ له خوار فلم يقع منه موقع العيان فلما ms3046 ~~رآهم اشتد غضبه فألقى الألواح من يده، قد قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~وللرؤية فضل على الخبر. وفي الكافي، بإسناده عن سفيان بن عيينة عن السدي عن ~~أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوما أو ~~قال: ما أجل عبد ذكر الله أربعين يوما إلا زهده الله في الدنيا، وبصره ~~داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق به لسانه. ثم تلا: "إن الذين ~~اتخذوا العجل - سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا - وكذلك نجزي ~~المفترين" فلا ترى صاحب بدعة إلا ذليلا، ومفتريا على الله عز وجل وعلى ~~رسوله وعلى أهل بيته إلا ذليلا. PageV08P145 ### |||| AUTO بحث روائي آخر # نورد فيها بعض ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في معنى رؤية ~~القلب في التوحيد، والأمالي، بإسناده عن الرضا (عليه السلام) في خطبة له ~~قال: أحد لا بتأويل عدد ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، ~~باطن لا بمزايلة. أقول: وحديث تجليه تعالى الدائم لخلقه متكرر في كلام علي ~~والأئمة من ذريته (عليهم السلام)، وقد نقلنا شذرات من كلامه (عليه السلام) ~~في مباحث التوحيد في ذيل قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة": المائدة: 73. # وفي التوحيد، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) في كلام له في التوحيد: ~~واحد صمد أزلي صمدي، لا ظل له يمسكه، وهو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف ~~بالمجهول، معروف عند كل جاهل، لا هو في خلقه ولا خلقه فيه. أقول: قوله ~~(عليه السلام) "معروف عند كل جاهل" ظاهر في أن له تعالى معرفة عند خلقه لا ~~يطرأ عليها غفلة، ولا يغشاها جهل، ولو كانت هي المعرفة الحاصلة من طريق ~~الاستدلال لزالت بزوال صورته عن الذهن هذا إذا كان المراد من قوله: "معروف ~~عند كل جاهل" أن الإنسان يجهل كل شيء ولا يجهل ربه، وأما لو كان المراد أن ~~الله سبحانه معروف عند كل جاهل به فكون هذه المعرفة غير المعرفة الحاصلة ~~بالاستدلال أظهر. # وقوله (عليه السلام): لا ظل له ms3047 يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها، الأظلة ~~والظلال اصطلاح منهم (عليهم السلام) والمراد بظل الشيء حده، ولذلك كان ~~منفيا عن الله سبحانه ثابتا في غيره، وقد فسره أبو جعفر الباقر (عليه ~~السلام) في بعض أحاديث الذر والطينة حيث ذكر: أن الله خلق طائفة من خلقه من ~~طينة الجنة، وطائفة أخرى من طينة النار ثم بعثهم في الظلال فقيل: وأي شيء ~~الظلال؟ فقال (عليه السلام): ألم تر إلى ظلك في الشمس شيء وليس بشيء؟ ~~فالحدود الوجودية بالنظر إلى وجود الأشياء غيره وليست غيره، وبها تتعين ~~الأشياء ولولاها لبطلت، ولعل الاصطلاح مأخوذ من آية الظلال. # وفي الإرشاد، وغيره عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: إن الله ~~أجل من أن يحتجب عن شيء أو يحتجب عنه شيء. وعنه (عليه السلام): ما رأيت ~~شيئا إلا ورأيت الله قبله. وعنه: لم أعبد ربا لم أره. وفي النهج، عنه: لم ~~تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. وفي ~~التوحيد، بإسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الله ~~عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة. ~~قلت: متى؟ قال حين قال لهم: "ألست بربكم؟ قالوا بلى" ثم سكت ساعة ثم قال: ~~وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة. ألست تراه في وقتك هذا؟. ~~قلت: فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ~~ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ~~تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون. أقول: وظاهر من الرواية أن هذه ~~الرؤية ليست هي الاعتقاد والإيمان القلبي المكتسب بالدليل كما أنها غير ~~الرؤية البصرية الحسية، وإن المانع من تكثير استعمال لفظ الرؤية في مورده ~~تعالى وإذاعة هذا الاستعمال انصراف اللفظ عند الأفهام العامية إلى الرؤية ~~الحسية المنفية عن ساحة قدسه، وإلا فحقيقة الرؤية ثابتة وهي نيل الشيء ~~بالمشاهدة العلمية من غير طريق الاستدلال الفكري بل هناك عدة من الأخبار ~~تنكر أن يكون ms3048 الله سبحانه معلوما معروفا من طريق الفكر وسيأتي بعضها. # وفي التوحيد، بإسناده عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في كلام له في ~~التوحيد: ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه فقد احتجب بغير حجاب محجوب، ~~واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال. أقول: وهذا المعنى ~~مروي عن الرضا (عليه السلام) أيضا على ما في العلل، وجوامع التوحيد،. # والرواية الشريفة تفسر معنى حصول المعرفة به تعالى معرفة لا تقبل ~~الجهالة، ولا يطرأ عليها زوال ولا تغيير ولا خطأ البتة فهي توضح أن الله ~~سبحانه غير محتجب عن شيء إلا بنفس ذلك الشيء فالالتفات إلى الأشياء هو ~~العائق عن الالتفات إلى مشاهدته تعالى. # ثم حكم (عليه السلام) أن هذا الحاجب الساتر غير مانع حقيقة فهو حجاب غير ~~حاجب وستر غير ساتر. PageV08P146 # وينتج مجموع الكلامين أنه سبحانه مشهود لخلقه معروف لهم غير غائب عنهم غير ~~أن اشتغالهم بأنفسهم والتفاتهم إلى ذواتهم حجبهم عن التنبه على أنهم ~~يشهدونه دائما فالعلم موجود أبدا، والعلم بالعلم مفقود في بعض الأحيان، وقد ~~بنى الصادق (عليه السلام) على هذا الأساس فيما أجاب به بعض من شكى إليه ~~كثرة الشبهات فقال (عليه السلام) له: هل ركبت السفينة فانكسرت وغرقت وبقيت ~~وحدك على لوحة خشبة منها تلعب بك الأمواج فانقطعت عن كل سبب ينجيك؟ قال: ~~نعم. قال: فهل تعلق قلبك إذ ذاك بشيء؟ قال: نعم. قال: ذلك الشيء هو الله ~~وفي جوامع التوحيد، عن الرضا (عليه السلام) قال: خلقة الله الخلق حجاب بينه ~~وبينهم. وفي العلل، بإسناده عن الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما ~~السلام): لأي علة حجب الله عز وجل الخلق عن نفسه؟ قال: لأن الله تبارك ~~وتعالى بناهم بنية على الجهل. أقول: يظهر من رواية التوحيد، السابقة أن ~~بناءهم على الجهل هو خلقهم بحيث يشتغلون بأنفسهم. # وفي المحاسن، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل كان ~~ولا شيء غيره نورا لا ظلام فيه، وصادقا لا كذب فيه، وعالما لا جهل ms3049 فيه، ~~وحيا لا موت فيه وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبدا الحديث. # وفي التوحيد، بإسناده عن الرضا (عليه السلام) في حديث: كان يعني رسول ص ~~إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في ~~الحجب. وفيه، أيضا بإسناده عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه ~~السلام) هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه عز وجل؟ فقال: نعم ~~بقلبه رآه أما سمعت الله عز وجل يقول: "ما كذب الفؤاد ما رأى" لم يره ~~بالبصر ولكن رآه بالفؤاد. وفيه، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام عن ~~الصادق (عليه السلام) في حديث: ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو ~~بمثال فهو مشرك لأن الحجاب والمثال والصورة غيره وإنما هو واحد موحد فكيف ~~يوحد من زعم أنه عرفه بغيره؟ إنما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به ~~فليس يعرفه، إنما يعرف غيره، ليس بين الخالق والمخلوق شيء، والله خالق ~~الأشياء لا من شيء. تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه، والأسماء غيره، والموصوف ~~غير الواصف، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة، لا يدرك ~~مخلوق شيئا إلا بالله، ولا تدرك معرفة الله إلا بالله، والله خلو من خلقه ~~وخلقه خلو منه. أقول: الرواية تثبت معرفة الله لكل مخلوق يدرك شيئا ما من ~~الأشياء، وتثبت أن هذه المعرفة غير المعرفة الفكرية التي تحصل من طريق ~~الأدلة والآيات وأن القصر على المعرفة الاستدلالية لا يخلو عن جهل بالله، ~~وشرك خفي. # بيان ذلك بما تعطيه الرواية من المقدمات أن المعرفة المتعلقة بشيء إنما ~~هي إدراكه فما وقع في ظرف الإدراك فهو الذي تتعلق به المعرفة حقيقة لا ~~غيره، فلو فرضنا أنا عرفنا شيئا من الأشياء بشيء آخر هو واسطة في معرفته ~~فالذي تعلق به إدراكنا هو الوسط دون الظرف الذي هو ذو وسط، فلو كانت ~~المعرفة بالوسط مع ذلك معرفة بذي الوسط كان لازمه أن يكون ذلك ms3050 الوسط بوجه ~~هو ذا الوسط حتى تكون المعرفة بأحدهما هي بعينها معرفة بالآخر فهو هو بوجه ~~وليس هو بوجه فيكون واسطة رابطة بين الشيئين فزيد الخارجي الذي نتصوره في ~~ذهننا هو زيد بعينه ولو كان غيره لم نكن تصورناه بل تصورنا غيره، وعاد عند ~~ذلك علومنا جهالات. # وإذ كان لا واسطة بين الخالق والمخلوق ليكون رابطة بينهما فلا تمكن ~~معرفته سبحانه بشيء آخر غير نفسه فلو عرف بشيء كان ذلك الشيء هو نفسه ~~بعينه، وإن لم يعرف بنفسه لم يعرف بشيء آخر أبدا فدعوى أنه تعالى معروف ~~بشيء من الأشياء كتصور أو تصديق أو آية خارجية شرك خفي لأنه إثبات واسطة ~~بين الخالق والمخلوق يكون غيرهما جميعا وما هذا وصفه غير محتاج الوجود إلى ~~الخالق تعالى فهو مثله وشريكه فالله سبحانه لو عرف عرف بذاته، ولو لم يعرف ~~بذاته لم يعرف بشيء آخر البتة لكنه سبحانه معروف، فهو معروف بذاته أي إن ~~ذاته المتعالية والمعروفية شيء واحد بعينه فمن المستحيل أن يكون مجهولا لأن ~~ثبوت ذاته عين ثبوت معروفيته. PageV08P147 # وأما بيان كونه تعالى معروفا فلأن شيئا من الأشياء المخلوقة لا يستقل عنه ~~تعالى بذاته بوجه من الوجوه لا في خارج ولا في ذهن، فوجوده كالنسبة والربط ~~الذي لا يمكنه الاستقلال عن طرفه بوجه من الوجوه، فإذا تعلق علم مخلوق بشيء ~~من الأشياء أي وقع المعلوم في ظرف علمه لم يتحقق هناك إلا ومعه خالقا متكئا ~~بوجوده عليه وإلا لاستقل دونه فلا يجد عالم معلومه إلا وقد وجد الله سبحانه ~~قبله، والعالم نفسه حيث كان مخلوقا لم يستقل بالعلم إلا بالله سبحانه الذي ~~قوم وجود هذا العالم، ولو استقل به دونه كان مستقلا دونه غير مخلوق له، ~~فالله سبحانه يحتاج إليه العالم في كونه عالما كما يفتقر إليه وجود المعلوم ~~في كونه معلوما أي إن العلم يتعلق باستقلال ذات المعلوم أي إن الله سبحانه ~~هو المعلوم أولا ويعلم به المعلوم ثانيا كما أنه تعالى هو العالم أولا وبه ~~يكون الشيء عالما ms3051 ثانيا فافهم ذلك وتدبر في قوله تعالى: "ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء": البقرة: 255، وفي قوله (عليه السلام): "ما رأيت شيئا ~~إلا ورأيت الله قبله". فقد تبين أنه تعالى معروف لأن ثبوت علم ما بمعلوم ما ~~في الخارج لا يتم إلا بكونه تعالى هو المعروف أولا، وثبوت ذلك ضروري. # فقوله (عليه السلام): "من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو صورة أو مثال فهو ~~مشرك كان المراد بالحجاب هو الشيء الذي يفرض فاصلا بينه تعالى وبين العارف، ~~وبالصورة الصورة الذهنية المقارنة للأوصاف المحسوسة من الأضواء والألوان ~~والأقدار وبالمثال ما هو من المعاني العقلية غير المحسوسة أو المراد ~~بالصورة الصورة المحسوسة، وبالمثال الصورة المتخيلة، أو المراد بالصورة ~~التصور وبالمثال التصديق، وكيف كان فالعلوم الفكرية داخلة في ذلك، والأخبار ~~في نفي كون العلم الفكري إحاطة علمية بالله كثيرة جدا. # وكون هذه المعرفة شركا لإثباتها أمرا ليس بخالق ولا مخلوق كما عرفت آنفا، ~~ولزوم كونه مشاركا معه بوجه مباينا له بوجه، ولذلك عقب (عليه السلام) ~~الكلام بقوله: "وإنما هو واحد موحد" أي إنه لا يشاركه في ذاته شيء بوجه من ~~الوجوه حتى يوجب ذلك تركبه وانتفاء وحدته كما أن الصورة العلمية تشارك ~~المعلوم الخارجي في معناه وماهيته وتفارقه في وجوده فيصير المعلوم بذلك ~~مركبا من ماهية ووجود. # "فكيف يوحد من زعم أنه يعرفه بغيره" مع إثباته شريكا له في وجوده وتركبا ~~له في ذاته "إنما عرف الله من عرفه بالله" أي بنفس ذاته من غير واسطة "ومن ~~لم يعرفه به فليس يعرفه إنما يعرف غيره" كل ذلك "لأنه ليس بين الخالق ~~والمخلوق شيء" أي أمر يربطهما هو غيرهما "والله خالق الأشياء لا من شيء" ~~يكون رابطا بينهما موصلا للخالق إلى المخلوق وبالعكس كما أن الإنسان الصانع ~~يربطه إلى مصنوعه مثاله الذي في ذهن الصانع، والمادة الخارجية التي بيده. # وقوله (عليه السلام): "تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه" في موضع دفع اعتراض ~~مقدر، وهو أن يقال: إنا إنما نعرفه سبحانه بأسمائه الحاكية لجماله وجلاله، ms3052 ~~فدفعه بأن نفس التسمي بالأسماء يقضي بأن الأسماء غيره إذ لو لم تكن غيره ~~لكان معرفته بأسمائه معرفة له بنفسه لا بشيء آخر ثم أكده بأن الأسماء ~~واصفة، والذات موصوفة "والموصوف غير الواصف". # فإن رجع المعترض وقال: إنا نؤمن بما نجهله، ولا يمكننا معرفته بنفسه إلا ~~بما تسمى معرفة به بنوع من المجاز كالمعرفة بالآيات و"زعم أنه يؤمن بما لا ~~يعرف فهو ضال عن المعرفة لا يدري ما ذا يقول فإنه يدرك شيئا لا محالة لا ~~مجال له لإنكار ذلك "ولا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله" فهو يعرف الله وإلا لم ~~يمكنه أن يعرف به، ولا تنال "ولا تدرك معرفة الله إلا بالله" ولا رابطة ~~مشتركة بين الخالق والمخلوق "والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه". # فقد تحصل من الرواية أن معرفة الله سبحانه ضروري لكل مدرك ذي شعور من ~~خلقه إلا أن الكثير منهم ضال عن المعرفة مختلط عليه، والعارف بالله يعرفه ~~به، ويعلم أنه يعرفه ويعرف كل شيء به، وفي بعض هذه المعاني روايات أخر. # واعلم أن الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة جدا لا ~~حاجة إلى إيرادها على كثرتها. PageV08P148 # واعلم أنا لم نورد بحثا فلسفيا في مسألة الرؤية لأن الذي تتضمنه غالب ما ~~أوردناه من الروايات من البيان بيان فلسفي فلم تمس الحاجة إلى عقد بحث على حدة. PageV08P149 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 155 - 160 # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإيى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغفرين (155) ~~واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفى الاخرة إنا هدنا إليك قال عذابى أصيب به ~~من أشاء ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم ~~بئايتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا ~~عندهم فى التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم ms3053 ~~الطيبت ويحرم عليهم الخبئث ويضع عنهم إصرهم والأغلل التى كانت عليهم فالذين ~~ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~(157) قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك السموت والأرض ~~لا إله إلا هو يحى ويميت فئامنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله ~~وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون (159) وقطعنهم اثنتى عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم وظللنا عليهم الغمم وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبت ما ~~رزقنكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) ### |||| AUTO بيان # فصول أخرى من قصص بني إسرائيل يذكر فيها آيات كثيرة أنزلها الله إليهم ~~وحباهم بها يهديهم بها إلى سبيل الحق، ويدلهم على منهج التقوى فكفروا بها ~~وظلموا أنفسهم. # قوله تعالى: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا" أي اختار من قومه ~~فالقوم منصوب بنزع الخافض. # والآية تدل على أن الله سبحانه عين لهم ميقاتا فحضره منهم سبعون رجلا ~~اختارهم موسى من القوم، ولا يكون ذلك إلا لأمر ما عظيم لكن الله سبحانه لم ~~يبين هاهنا ما هو الغاية المقصودة من حضورهم غير أنه ذكر أنهم أخذتهم ~~الرجفة ولم تأخذهم إلا لظلم عظيم ارتكبوه حتى أدى بهم إلى الهلاك بدليل قول ~~موسى (عليه السلام): "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا" فيظهر من هنا أن الرجفة أهلكتهم. # ويتأيد بذلك أن هذه القصة هي التي يشير سبحانه إليها بقوله: "وإذ قلتم يا ~~موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون": البقرة: 56، وبقوله: "يسألك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء" فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم ~~البينات فعفونا عن ذلك": النساء: 153. # ومن ذلك يظهر ms3054 أن المراد بالرجفة التي أخذتهم في الميقات رجفة الصاعقة لا ~~رجفة في أبدانهم كما احتمله بعض المفسرين ولا ضير في ذلك فقد تقدم نظير ~~التعبير في قصة قوم صالح حيث قال تعالى: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين": الأعراف: 78، وقال فيهم: "فأخذتهم صاعقة العذاب الهون": حم ~~السجدة: 17. PageV08P150 # وفي آية النساء المنقولة آنفا إشعار بأن سؤالهم الرؤية كان مربوطا بنزول ~~الكتاب وأن اتخاذ العجل كان بعد ذلك فكأنهم حضروا الميقات لنزول التوراة، ~~وأنهم إنما سألوا الرؤية ليكونوا على يقين من كونها كتابا سماويا نازلا من ~~عند الله، ويؤيد ذلك أن الظاهر أن هؤلاء المختارين كانوا مؤمنين بأصل دعوة ~~موسى، وإنما أرادوا بقولهم: "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" تعليق إيمانهم ~~به من جهة نزول التوراة عليه على الرؤية. # وبهذا كله يتأيد أن هذه القصة جزء من قصة الميقات ونزول التوراة، وأن ~~موسى (عليه السلام) لما أراد الحضور لميقات ربه ونزول التوراة اختار هؤلاء ~~السبعين فذهبوا معه إلى الطور ولم يقنعوا بتكليم الله كليمه، وسألوا الرؤية ~~فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم الله بدعوة موسى، ثم كلم الله موسى وسأل ~~الرؤية وكان ما كان، ومما كان اتخاذ بني إسرائيل العجل بعد غيبتهم وذهابهم ~~لميقات الله، وقد وقع هذا المعنى في بعض الأخبار المأثورة عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) كما سيجيء إن شاء الله. # وعلى أي حال العناية في هذه القصة ببيان ظلمهم ونزول العذاب عليهم ودعاء ~~موسى لهم لا بيان كون هذه القصة جزءا من القصة السابقة لو كان جزءا، ولا ~~مغايرتها لها لو كانت مغايرة فلا دلالة في اللفظ تنبه على شيء من ذلك. # وما قيل: إن ظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة للمتقدمة إذ لا يليق ~~بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى فإنه ~~اضطراب يصان عند كلامه. # على أنه لو كانت الرجفة بسبب سؤال الرؤية لقيل: أتهلكنا بما قال السفهاء ~~منا لا بما فعل، ولم يذكر هاهنا أنهم قالوا شيئا، وليس من ms3055 المعلوم أن يكون ~~قولهم "أرنا الله جهرة" صدر منهم هاهنا بل الحق أنها قصص ثلاث: قصة سؤالهم ~~الرؤية ونزول الصاعقة، وقصة ميقات موسى وصعقته، وقصة ميقات السبعين وأخذ ~~الرجفة، وسنوردها في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # ولذلك ذكر بعضهم أن هذا الميقات غير الميقات الأول، وذلك أنهم لما عبدوا ~~العجل أمر الله موسى أن يأتي في أناس منهم إلى الطور فيعتذروا من عبادة ~~العجل فاختار منهم سبعين فأتوا الطور فقالوا ما قالوا فأخذتهم رجفة في ~~أبدانهم كادت تهلكهم ثم انكشفت عنهم بدعاء موسى. # وذكر بعض آخر أن هارون لما مات اتهم بنو إسرائيل موسى في أمره، وقالوا ~~له: أنت حسدته فينا فقتلته، وأصروا على ذلك فاختار منهم سبعين وفيهم ابن ~~هارون فأتوا قبره فكلمه موسى فبرأه هارون من قتله فقالوا: ما نقضي يا موسى ~~ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا. # وذكر آخرون أن بني إسرائيل سألوا موسى الرؤية فاختار منهم السبعين فجاءوا ~~إلى الطور فقالوا ما قالوا وأخذتهم الرجفة فهلكوا ثم أحياهم الله بدعاء ~~موسى إلا أنها قصة مستقلة ليست بجزء من قصة موسى. # وأنت خبير بأن شيئا من هذه الأقوال وبالخصوص القولان الأولان لا دليل ~~عليه من لفظ القرآن، ولا يؤيده أثر معتبر، وتقطيع القصة الواحدة إلى قصص ~~متعددة، والانتقال من حديث إلى آخر لتعلق عناية بذلك غير عزيز في القرآن ~~الكريم، وليس القرآن كتاب قصة حتى يعاب بالانتقال عن قصة قبل تمامها، وإنما ~~هو كتاب هداية ودلالة وحكمة يأخذ من القصص ما يهمه. # وأما قوله: "بما فعل السفهاء" وقد كان الصادر منهم قولا لا فعلا فالوجه ~~في ذلك أن المؤاخذة إنما هو على المعصية، والمعصية تعد عملا وفعلا وإن كانت ~~من قبيل الأقوال كما قال تعالى: "إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7، ~~فإنه شامل لقول كلمة الكفر والكذب والافتراء ونحو ذلك بلا ريب، والظاهر ~~أنهم عذبوا بما كان يستلزمه قولهم من سوء الأدب والعناد والاستهانة بمقام ربهم. # على أن ظاهر تلك الأقوال جميعا أنهم إنما ms3056 عذبوا بالرجفة قبال ما قالوه ~~دون ما فعلوه فالإشكال على تقدير وروده مشترك بين جميع الأقوال فالأقرب كون ~~القصة جزءا من سابقتها كما تقدم. PageV08P151 # قوله تعالى: "قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي - إلى قوله - من تشاء" ~~يريد (عليه السلام) بذلك أن يسأل ربه أن يحييهم خوفا من أن يتهمه بنو ~~إسرائيل فيخرجوا به عن الدين، ويبطل بذلك دعوته من أصلها فهذا هو الذي ~~يبتغيه غير أن المقام والحال يمنعانه من ذلك فها هو (عليه السلام) واقع ~~أمام معصية موبقة من قومه صرعتهم وغضب إلهي شديد أحاط بهم حتى أهلكهم. # ولذلك أخذ يمهد الكلام رويدا ويسترحم ربه بجمل من الثناء حتى يهيج الرحمة ~~على الغضب، ويثير الحنان والرأفة الإلهية ثم يتخلص إلى مسألته وذكر حاجته ~~في جو خال من موانع الإجابة. # "قال" مبتدئا باسم الربوبية المهيجة للرحمة "رب لو شئت أهلكتهم من قبل" ~~فالأمر إلى مشيتك، ولو أهلكتهم من قبل "وإياي" لم يتجه من قومي إلي تهمة في ~~هلاكهم، ثم ذكر أنه ليس من شأن رحمته وسنة ربوبيته أن يؤاخذ قوما بفعل ~~سفهائهم فقال في صورة الاستفهام تأدبا: "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا"؟ ثم ~~أكد القول بقوله: "إن هي إلا فتنتك" وامتحانك "تضل بها" أي بالفتنة "من ~~تشاء وتهدي من تشاء" أي إن هذا المورد أحد موارد امتحانك وابتلائك العام ~~الذي تبتلي به عبادك وتجريه عليهم ليضل من ضل ويهتدي من اهتدى، وليس من ~~سنتك أن تهلك كل من افتتن بفتنتك فانحرف عن سوي صراطك. # وبالجملة أنت الذي سبقت رحمتك غضبك ليس من دأبك أن تستعجل المسيئين من ~~عبادك بالعقوبة أو تعاقبهم بما فعل سفهاؤهم، وأنت الذي أرسلتني إلى قومي ~~ووعدتني أن تنصرني في نجاح دعوتي، وهلاك هؤلاء المصعوقين يجلب علي التهمة ~~من قومي. # قوله تعالى: "أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين" شروع منه ~~(عليه السلام) في الدعاء بعد ما قدمه من الثناء، وبدأه بقوله: "أنت ولينا" ~~وختمه بقوله: "وأنت خير الغافرين" ليقع ما يسأله بين صفتي ms3057 ولاية الله ~~الخاصة به، ومغفرته التي هي خير مغفرة ثم سأل حاجته بقوله: "فاغفر لنا ~~وارحمنا" لأنه خير حاجة يرتضي الله من عباده أن يسألوها عنه، ولم يصرح ~~بخصوص حاجته التي بعثته إلى الدعاء، وهي إحياء السبعين الذين أهلكهم الله ~~تذللا واستحياء. # وحاجته هذه مندرجة في قوله: "فاغفر لنا وارحمنا" لا محالة فإن الله ~~سبحانه يذكر في آية سورة البقرة أنه بعثهم بعد موتهم، ولم يكن ليحييهم بعد ~~ما أهلكهم إلا بشفاعة موسى (عليه السلام) ولم يذكر من دعائه المرتبط بحالهم ~~إلا هذا الدعاء فهو إنما سأله ذلك تلويحا بقوله "فاغفر لنا" إلخ كما تقدم ~~لا تصريحا. # قوله تعالى: "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك" أي ~~رجعنا إليك من هاد يهود إذا رجع، وهو أعني قوله: "إنا هدنا إليك" تعليل ~~لهذا الفصل من الدعاء سأل فيه أن يكتب الله أي يقضي لهم بحسنة في الدنيا ~~وحسنة في الآخرة والمراد بالحسنة لا محالة الحياة والعيشة الحسنة فإن ~~الرجوع إلى الله أي سلوك طريقته والتزام سبيل فطرته يهدي الإنسان إلى حياة ~~طيبة وعيشة حسنة في الدنيا والآخرة جميعا، وهذا هو الوجه فيما ذكرنا أن ~~قوله: "إنا هدنا إليك" تعليل لهذا الفصل من دعائه فإن الحياة الطيبة من ~~آثار الرجوع إلى الله، وهي شيء من شأنه أن يرزقوه - لو رزقوا - في مستقبل ~~أمرهم، وهو المناسب للكتابة والقضاء، وأما الفصل الأول من الدعاء أعني ~~قوله: "فاغفر لنا وارحمنا" إلخ فتكفي في تعليله الجمل السابقة عليه، وما ~~احتف به من قوله: "أنت ولينا" وقوله: "وأنت خير الغافرين" ولا يتعلق بقوله: ~~"إنا هدنا إليك" فافهم ذلك. # قوله تعالى: "قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء" هذا جواب ~~منه سبحانه لموسى، وفيه محاذاة لما قدمه موسى قبل مسألته من قوله: "رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياي"، وقد قيد الله سبحانه إصابة عذابه بقوله: "من ~~أشاء" دون سعة رحمته لأن العذاب إنما ينشأ من اقتضاء من قبل المعذبين لا ms3058 من ~~قبله سبحانه، قال تعالى: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم": النساء: ~~147 وقال: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 فلا ~~يعذب الله سبحانه باقتضاء من ربوبيته ولو كان كذلك لعذب كل أحد بل إنما ~~يعذب بعض من تعلقت به مشيته فلا تتعلق مشيته إلا بعذاب من كفروا نعمه ~~فالعذاب إنما هو باقتضاء من قبل المعذبين لكفرهم لا من قبله. PageV08P152 # على أن كلامه سبحانه يعطي أن العذاب إنما حقيقته فقدان الرحمة، والنقمة عدم ~~بذل النعمة، ولا يتحقق ذلك إلا لعدم استعداد المعذب بواسطة الكفران والذنب ~~لإفاضة النعمة عليه وشمول الرحمة له، فسبب العذاب في الحقيقة عدم وجود سبب ~~الرحمة. # وأما سعة الرحمة وإفاضة النعمة فمن المعلوم أنه من مقتضيات الألوهية ~~ولوازم صفة الربوبية فما من موجود مخلوق إلا ووجوده نعمة لنفسه ولكثير ممن ~~دونه لارتباط أجزاء الخلقة، وكل ما عنده من خير أو شر نعمة إما لنفسه ~~ولغيره كالقوة والثروة وغيرهما التي يستفيد منها الإنسان وغيره، وإما لغيره ~~إذا كان نقمة بالنسبة إليه كالعاهات والآفات والبلايا يستضر بها شيء وينتفع ~~أشياء وعلى هذا فالرحمة الإلهية واسعة كل شيء فعلا لا شأنا، ولا يختص بمؤمن ~~ولا كافر ولا ذي شعور ولا غيره ولا دنيا ولا آخرة، والمشيئة لازمة لها. # نعم تحقق العذاب والنقمة في بعض الموارد - وهو معنى قياسي - يوجب أن ~~يتحقق هناك رحمة تقابلها وتقاس إليها فإن حرمان البعض من النعمة التي أنعم ~~الله بها على بعض آخر إذا كان عذابا كان ما يجده البعض الآخر رحمة تقابل ~~هذا العذاب، وكذا نزول ما يتألم به ويؤذى على بعض كالعقوبات الدنيوية ~~والأخروية إذا كان عذابا كان الأمن والسلامة التي يجدها البعض الآخر رحمة ~~بالنسبة إليه وتقابله، وإن كانت الرحمة المطلقة بالمعنى الذي تقدم بيانه ~~يشملهما جميعا. # فهناك رحمة إلهية عامة يتنعم بها المؤمن والكافر والبر والفاجر وذو ~~الشعور وغير ذي الشعور فيوجدون بها ويرزقون بها في أول وجودهم ثم في مسيرة ~~الوجود ما داموا سالكين سبيل ms3059 البقاء، ورحمة إلهية خاصة وهي العطية الهنيئة ~~التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية، وتختص لا محالة ~~بالمؤمنين الصالحين من عباده من حياة طيبة نورانية في الدنيا، وجنة ورضوان ~~في الآخرة ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين، ويقابل الرحمة الخاصة عذاب ~~وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا ~~كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار وآلامها، ولا يقابل ~~الرحمة العامة شيء من العذاب إذ كل ما يصدق عليه اسم شيء فهو من مصاديق ~~الرحمة العامة لنفسه أو لغيره، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة، وليس ~~وراء الشيء شيء. # إذا تحقق هذا تبين أن قوله تعالى: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل ~~شيء" بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة، وإنما قابل بين العذاب والرحمة ~~العامة مع عدم تقابلهما لأن ذكر الرحمة العامة توطئة وتمهيد لما سيذكره من ~~صيرورتها رحمة خاصة في حق المتقين من المؤمنين. # وقد اتضح بما تقدم أن سعة الرحمة ليست سعة شأنية وأن قوله: "ورحمتي وسعت ~~كل شيء" ليس مقيدا بالمشيئة المقدرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعلية كما ~~تقدم، وذلك لأن الظاهر من الآية أن المراد بالرحمة الرحمة العامة وهي تسع ~~كل شيء بالفعل وقد شاء الله ذلك فلزمتها فلا محل لتقدير "إن شئت" خلافا ~~لظاهر كلام جمع من المفسرين. # قوله تعالى: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون" تفريع على قوله: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي" الآية أي لازم ~~وجوب إصابة العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكل شيء أن أوجب الرحمة على البعض ~~الباقي، وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية. # وقد ذكر سبحانه الذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامة وهي التقوى وإيتاء ~~الزكاة والإيمان بآيات الله من غير أن يقيدهم بما يخص قومه كقولنا: للذين ~~يتقون منكم ونحو ذلك لأن ذلك مقتضى عموم البيان في قوله: "عذابي أصيب به من ~~أشاء" الآية والبيان العام ينتج نتيجة عامة. # وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيدة ms3060 لها فإنه (عليه ~~السلام) سأل الحسنة والرحمة لقومه ثم عللها بقوله: "إنا هدنا إليك" فكان ~~معنى ذلك مسألة الرحمة لكل من هاد ورجع منهم بأن يكتب الله حسنة الدنيا ~~والآخرة لمجرد هودهم وعودهم إليه فكان فيما أجابه الله به أنه سيكتب رحمته ~~للذين آمنوا واتقوا فكأنه قال: اكتب رحمتك لمن هاد إليك منا، فأجابه الله ~~أن سأكتب رحمتي لمن هاد واتقى وآمن بآياتي فكان في ذلك تقييد لمسألته. PageV08P153 # ولا ضير في ذلك فإنه سبحانه هو الهادي لأنبيائه ورسله المعلم لهم يعلم ~~كليمه أن يقيد مسألته بالتقوى وهو الورع عن محارمه وبالإيمان بآياته وهو ~~التسليم لأنبيائه وللأحكام النازلة إليهم، ولا يطلق الهود وهو الرجوع إلى ~~الله بالإيمان به، فهذا تصرف في دعاء موسى بتقييده كما تصرف تعالى في دعاء ~~إبراهيم بالتقييد في قوله: "قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال ~~لا ينال عهدي الظالمين": البقرة: 124، وبالتعميم والإطلاق في قوله فيما ~~يحكي من دعائه لأهل مكة: "وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم ~~الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير": ~~البقرة: 126، فقد تبين أولا أن الآية تتضمن استجابته تعالى لدعاء موسى: ~~"واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة" بتقييد ما له فمن العجيب ما ~~ذكره بعضهم: أن الآية بسياقها تدل على أن الله سبحانه رد دعوة موسى ولم ~~يستجبها، وكذا قول بعضهم: إن موسى (عليه السلام) دعا لقومه فاستجابه الله ~~في حق أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على بيانية قوله: "الذين ~~يتبعون الرسول" الآية لقوله: "للذين يتقون" الآية وسيجيء. # وثانيا: أنه تعالى استجاب ما اشتمل عليه الفصل الأول من دعائه فإنه تعالى ~~لم يرده، وحاشا أن يحكي الله في كلامه دعاء لاغيا غير مستجاب، وقوله: ~~"فسأكتبها للذين" الآية فإنه يحاذي ما سأله (عليه السلام) من الحسنة ~~المستمرة الباقية في الدنيا والآخرة لقومه، وأما طلب المغفرة لذنب دفعي صدر ~~عنهم بقولهم: "أرنا الله جهرة" فلا يحاذيه قوله: "فسأكتبها" الآية ms3061 بوجه، ~~فسكوته تعالى عن رد دعوته دليل إجابتها كما في سائر الموارد التي تشابهه في ~~القرآن. # ويلوح إلى استجابة دعوته لهم بالمغفرة قوله في القصة في موضع آخر: "ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون": البقرة: 56 فمن البعيد المستبعد أن ~~يحييهم الله بعد إهلاكهم ولم يغفر لهم ذنبهم الذي أهلكوا به وعلى أي حال ~~معنى الآية: "فسأكتبها" أي سأكتب رحمتي وأقضيها وأوجبها استعيرت الكتابة ~~للإيجاب لأن الكتابة أثبت وأحكم "للذين يتقون" ويجتنبون المعاصي وترك ~~الواجبات "ويؤتون الزكاة" وهي الحق المالي أو مطلق الإنفاق في سبيل الله ~~الذي ينمو به المال، ويصلح به مفاسد الاجتماع، ويتم به نواقصه، وربما قيل: ~~إن المراد بها زكاة النفس وطهارتها، وإيتاء الزكاة إصلاح أخلاق النفس. # وليس بشيء. # "والذين هم بآياتنا يؤمنون" أي يسلمون لما جاءتهم من عند الله من الآيات ~~والعلامات سواء كانت آيات معجزة كمعجزات موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وآله وعليهم، أو أحكاما سماوية كشرائع موسى وأوامره وشرائع غيره من ~~الأنبياء، أو الأنبياء أنفسهم أو علامات صدق الأنبياء كعلائم محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) التي ذكرها الله تعالى لهم في كتاب موسى وعيسى ~~(عليهما السلام) فكل ذلك آيات له تعالى يجب عليهم وعلى غيرهم أن يؤمنوا بها ~~ويسلموا لها، ولا يكذبوا بها. # وفي الآية التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة فإنه قال أولا: ~~"واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا". # ثم قال: "قال عذابي أصيب به" الآية وكان النكتة فيه إظهار ما له سبحانه ~~من العناية الخاصة باستجابة دعاء الداعين من عباده فيقبل عليهم هو تعالى من ~~غير أن يشاركه فيه غيره ولو بالتوسط فإن التكلم بلفظ المتكلم مع الغير ~~لإظهار العظمة لمكان أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فإذا أريد إظهار ~~عناية خاصة بالمخاطب أو بالخطاب تكلم بلفظ المتكلم وحده. # وعلى هذا جرى كلامه تعالى فاختار سياق المتكلم وحده المناسب لمعنى ~~المناجاة والمسارة فيما حكى من أدعية أنبيائه وأوليائه واستجابته لهم في ~~كلامه كأدعية نوح وإبراهيم ودعاء موسى ms3062 ليلة الطور، وأدعية سائر الصالحين ~~واستجابته لهم، ولم يعدل عن سياق المتكلم وحده إلا لنكتة زائدة. PageV08P154 # وأما قوله: "والذين هم بآياتنا يؤمنون" وما فيه من العدول من التكلم وحده - ~~السياق السابق - إلى التكلم مع الغير فالظاهر أن النكتة فيه إيجاد الاتصال ~~بين هذه الآية والآية التالية التي هي نوع من البيان لهذه الجملة أعني ~~قوله: "والذين هم بآياتنا يؤمنون" فإن الآية التالية - كما سيجيء - بمنزلة ~~المعترضة من النتيجة المأخوذة في ضمن الكلام الجاري، وسياقها سياق خارج عن ~~سياق هذه القطعة المتعرضة للمشافهة والمناجاة بين موسى وبينه تعالى راجع ~~إلى السياق الأصلي السابق الذي هو سياق المتكلم مع الغير. # فبتبديل "والذين هم بآياتي يؤمنون" إلى قوله: "والذين هم بآياتنا يؤمنون" ~~يتصل الآية التالية بسابقتها في السياق بنحو لطيف فافهم ذلك وتدبر فيه فإنه ~~من أعجب السياقات القرآنية. # قوله تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل - إلى قوله - كانت عليهم". # قال الراغب في المفردات،: الإصر عقد الشيء وحبسه بقهره يقال: أصرته فهو ~~مأصور، والمأصر والمأصر - بفتح الصاد وكسرها - محبس السفينة، قال تعالى: ~~ويضع عنهم إصرهم أي الأمور التي تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات، وعن الوصول إلى ~~الثوابات، وعلى ذلك: ولا تحمل علينا إصرا، وقيل ثقلا وتحقيقه ما ذكرت. # انتهى والأغلال جمع غل وهو ما يقيد به. # وقوله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي" الآية بحسب ظاهر السياق بيان ~~لقوله: "والذين هم بآياتنا يؤمنون" ويؤيده ما هو ظاهر الآية أن كونه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) رسولا نبيا أميا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم كل ذلك من أمارات النبوة الخاتمية وآياتها المذكورة لهم في التوراة ~~والإنجيل فمن الإيمان بآيات الله الذي شرطه الله تعالى لهم في كلامه: أن ~~يؤمنوا بالآيات المذكورة لهم أمارات لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # غير أن من المسلم الذي لا مرية فيه أن الرحمة التي وعد الله كتابته ~~لليهود بشرط ms3063 التقوى والإيمان بآيات الله ليست بحيث تختص بالذين آمنوا منهم ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحرم عنها صالحو بني إسرائيل من لدن ~~أجاب الله دعوة موسى (عليه السلام) إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فآمن به شرذمة قليلة من اليهود، فإن ذلك مما لا ينبغي توهمه أصلا. # فبين موسى وعيسى (عليهما السلام)، وكذا بعد عيسى (عليه السلام) ممن آمن ~~به من بني إسرائيل جم غفير من المؤمنين الذين آمنوا بالدعوة الإلهية فقبل ~~الله منهم إيمانهم ووعدهم بالخير، والكلام الإلهي بذلك ناطق فكيف يمكن أن ~~تقصر الرحمة الإلهية المبسوطة على بني إسرائيل في جماعة قليلة منهم آمنوا ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟. # فقوله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي" الآية وإن كان بيانا لقوله: ~~"والذين هم بآياتنا يؤمنون" إلا أنه ليس بيانا مساويا في السعة والضيق ~~لمبينه بل بيان مستخرج من مبينه انتزع منه، وخص بالذكر ليستفاد منه فيما هو ~~الغرض من سوق الكلام، وهو بيان حقيقة الدعوة المحمدية، ولزوم إجابتهم لها ~~وتلبيتهم لداعيها. # ولذلك في القرآن الكريم نظائر من حيث التضييق والتوسعة في البيان كما قال ~~تعالى حاكيا عن إبليس: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين" الآية ثم قال في موضع آخر ~~حاكيا عنه: "لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا لأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله": النساء: 119 فإن القول ~~الثاني المحكي عن إبليس مستخرج من عموم قوله المحكي أولا: "لأغوينهم ~~أجمعين". # وقال تعالى في أول هذه السورة: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم - إلى أن قال - ~~يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم" الآية وقد تقدم أن ذلك من قبيل استخراج ~~الخطاب من الخطاب لغرض التعميم إلى غير ذلك من النظائر. PageV08P155 # فيئول معنى بيانية قوله: "الذين يتبعون الرسول" إلى استخراج بيان من بيان ~~للتطبيق على مورد الحاجة كأنه قيل: فإذا كان المكتوب من رحمة الله لبني ~~إسرائيل قد كتب للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~فمصداقه اليوم - يوم بعث محمد (صلى الله عليه وآله ms3064 وسلم) - هم الذين ~~يتبعونه من بني إسرائيل لأنهم الذين اتقوا وآتوا الزكاة وهم الذين آمنوا ~~بآياتنا فإنهم آمنوا بموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم ~~آياتنا، وآمنوا بمعجزات هؤلاء الرسل وما نزل عليهم من الشرائع والأحكام وهي ~~آياتنا، وآمنوا بما ذكرنا لهم في التوراة والإنجيل من أمارات نبوة محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلامات ظهوره ودعوته، وهي آياتنا. # ثم قوله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي" الآية أخذ فيه "يتبعون" موضع ~~يؤمنون، وهو من أحسن التعبير لأن الإيمان بآيات الله سبحانه كأنبيائه ~~وشرائعهم إنما هو بالتسليم والطاعة فاختير لفظ الاتباع للدلالة على أن ~~الإيمان بمعنى الاعتقاد المجرد لا يغني شيئا فإن ترك التسليم والطاعة عملا ~~تكذيب بآيات الله وإن كان هناك اعتقاد بأنه حق. # وذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الأوصاف الثلاث: الرسول النبي ~~الأمي، ولم يجتمع له في موضع من كلامه تعالى إلا في هذه الآية والآية ~~التالية، مع قوله تعالى بعده: "الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل" تدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مذكورا فيهما معرفا ~~بهذه الأوصاف الثلاث. # ولو لا أن الغرض من توصيفه بهذه الثلاث هو تعريفه بما كانوا يعرفونه به ~~من النعوت المذكورة له في كتابيهم لما كانت لذكر الثلاث: "الرسول النبي ~~الأمي" وخاصة الصفة الثالثة نكتة ظاهرة. # وكذلك ظاهر الآية يدل أو يشعر بأن قوله: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر إلى آخر الأمور الخمسة التي وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها في ~~الآية من علائمه المذكورة في الكتابين، وهي مع ذلك من مختصات النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وملته البيضاء فإن الأمم الصالحة وإن كانوا يقومون ~~بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ذكره تعالى من أهل الكتاب في ~~قوله: "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة - إلى أن قال - ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين": آل ~~عمران 114. # وكذلك تحليل الطيبات وتحريم الخبائث في الجملة من الجملة الفطريات التي ~~أجمع ms3065 عليها الأديان الإلهية، وقد قال تعالى: "قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق": الأعراف: 32. # وكذلك وضع الإصر والأغلال وإن كان مما يوجد في الجملة في شريعة عيسى ~~(عليه السلام) كما يدل عليه قوله فيما حكى الله عنه في القرآن الكريم: ~~"ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم": آل عمران: ~~50 ويشعر به قوله خطابا لبني إسرائيل: "قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه": الزخرف 63. # إلا أنه لا يرتاب ذو ريب في أن الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بكتاب من عند الله مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية - وهو ~~دين الإسلام - هو الدين الوحيد الذي نفخ في جثمان الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كل ما يسعه من روح الحياة، وبلغ به من حد الدعوة الخالية إلى درجة ~~الجهاد في سبيل الله بالأموال والنفوس، وهو الدين الوحيد الذي أحصى جميع ما ~~يتعلق به حياة الإنسان من الشئون والأعمال ثم قسمها إلى طيبات فأحلها، وإلى ~~خبائث فحرمها، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرعة أي شريعة دينية وقانون ~~اجتماعي، وهو الدين الذي نسخ جميع الأحكام الشاقة الموضوعة على أهل الكتاب ~~واليهود خاصة، وما تكلفها علماؤهم، وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من الأحكام ~~المبتدعة. # فقد اختص الإسلام بكمال هذه الأمور الخمسة وإن كانت توجد في غيره نماذج ~~من ذلك. PageV08P156 # على أن كمال هذه الأمور الخمسة في هذه الملة البيضاء أصدق شاهد وأبين بينة ~~على صدق الناهض بدعوتها (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو لم تكن تذكر أمارات ~~له في الكتابين فإن شريعته كمال شريعة الكليم والمسيح (عليه السلام) وهل ~~يطلب من شريعة حقة إلا عرفانها المعروف وإنكارها المنكر، وتحليلها الطيبات، ~~وتحريمها الخبائث، وإلغاؤها كل إصر وغل؟ وهي تفاصيل الحق الذي يدعو إليه ~~الشرائع الإلهية فليعترف أهل التوراة والإنجيل أن الشريعة التي تتضمن كمال ~~هذه الأمور بتفاصيلها هي عين شريعتهم في مرحلة كاملة. # وبهذا البيان يظهر أن قوله تعالى: "يأمرهم بالمعروف ms3066 وينهاهم عن المنكر" ~~الآية يفيد بمجموعه معنى تصديقه لما في كتابيهم من شرائع الله تعالى كأنه ~~قيل مصدقا لما بين يديه كما في قوله تعالى: "ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون": البقرة 101 وقوله: "ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين": البقرة: 89 يريد مجيء النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بكمال ما في كتابهم من الشريعة مصدقا له ثم كفرهم به وهم يعلمون أنه ~~المذكور في كتبهم المبشر به بلسان أنبيائهم كما حكى سبحانه عن المسيح في ~~قوله: "يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد": الصف: 6. # وسنبحث عن بشاراته (عليه السلام) الواقعة في كتبهم المقدسة بما تيسر من ~~البحث إن شاء الله العزيز. # غير أنه تعالى لم يقل: مصدقا لما بين يديه بدل قوله: "يأمرهم بالمعروف" ~~الآية لأن وجه الكلام إلى جميع الناس دون أهل الكتاب خاصة، ولذا أمر نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية التالية بقوله: "قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا" ولم يقيد الكلام في قوله: "فالذين آمنوا به" إلخ ~~بما يختص به بأهل الكتاب. # قوله تعالى: "فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور" إلى آخر ~~الآية التعزير النصرة مع التعظيم، والمراد بالنور النازل معه القرآن الكريم ~~ذكر بنعت النورية ليدل به على أنه ينير طريق الحياة، ويضيء الصراط الذي ~~يسلكه الإنسان إلى موقف السعادة والكمال، والكلام في هذا الشأن. # وفي قوله تعالى: "أنزل معه" ولم يقل: أنزل عليه أو أنزل إليه و"مع" تدل ~~على المصاحبة والمقارنة تلويح إلى معنى الأمارة والشهادة التي ذكرناها كأنه ~~قيل: واتبعوا النور الذي أنزل عليه وهو بما يحتوي عليه من كمال الشرائع ~~السابقة، ويظهره بالإضاءة شاهد على صدقه، ms3067 وأمارة أنه هو الذي وعد به ~~أنبياؤهم، وذكر لهم في كتبهم فقوله: "معه" حال من نائب فاعل "أنزل". # وقد وقع نظيره في قوله تعالى: "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213. # وقد اختلف المفسرون في توجيه هذه المعية ومعناها: فقيل: إن الظرف - معه - ~~متعلق بأنزل، والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو إرساله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لأنه لم ينزل معه، وإنما أنزل مع جبرئيل، وقيل: متعلق ب ~~"اتبعوا" والمعنى شاركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتباعه، أو ~~المعنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم له وقيل: حال عن فاعل اتبعوا، والمعنى ~~اتبعوا القرآن مصاحبين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتباعه، وقيل: ~~"مع" هنا بمعنى على، وقيل: بمعنى عند، ولا يخفى بعد الجميع. # وقوله: "فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور" الآية بمنزلة ~~التفسير لقوله في صدر الآية: "الذين يتبعون الرسول" وأن المراد باتباعه ~~حقيقة اتباع كتاب الله المشتمل على شرائعه، وأن الذي له (عليه السلام) من ~~معنى الاتباع هو الإيمان بنبوته ورسالته من غير تكذيب به، واحترامه ~~بالتسليم له ونصرته فيما عزم عليه من سيرته. PageV08P157 # والكلام أعني قوله: "فالذين آمنوا به" الآية نتيجة متفرعة على قوله في صدر ~~الآية: "الذين يتبعون الرسول" الآية بناء على ما قدمناه من أنه بيان خاص ~~مستخرج من قوله: "والذين هم بآياتنا يؤمنون" الذي هو بيان عام، والمعنى إذا ~~كان اتباع الرسول بهذه الأوصاف والنعوت هو من الإيمان بآياتنا الذي شرطناه ~~على بني إسرائيل في قبول دعوة موسى لهم ببسط الرحمة في الدنيا والآخرة وفيه ~~الفلاح بكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة فالذين آمنوا به - إلى آخر ما شرط ~~الله - أولئك هم المفلحون. # قوله تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا - إلى قوله - ~~ويميت" لما لاح من الأوصاف التي وصف بها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~عنده كمال الدين الذي به حياة الناس الطيبة في أي مكان ms3068 فرضوا وفي أي زمان ~~قدر وجودهم، ولا حاجة للناس في طيب حياتهم إلى أزيد من أن يؤمروا بالمعروف، ~~وينهوا عن المنكر، وتحلل لهم الطيبات، وتحرم عليهم الخبائث، ويوضع عنهم ~~إصرهم والأغلال التي عليهم أمر نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعلن ~~بنبوته الناس جميعا من غير أن تختص بقوم دون قوم فقال: "قل يا أيها الناس ~~إني رسول الله إليكم جميعا". # وقوله: الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت" صفات وصف ~~الله بها، وهي بمجموعها بمنزلة تعليل يبين بها إمكان الرسالة من الله في ~~نفسها أولا وإمكان عمومها لجميع الناس ثانيا فيرتفع به استيحاش بني إسرائيل ~~أن يرسل إليهم من غير شعبهم وخاصة من الأميين وهم شعب الله ومن مزاعمهم أنه ~~ليس عليهم في الأميين سبيل، وهم خاصة الله وأبناؤه وأحباؤه، وبه يزول ~~استبعاد غير العرب من جهة العصبية القومية أن يرسل إليهم رسول عربي. # وذلك أن الله الذي اتخذه رسولا هو الذي له ملك السماوات والأرض والسلطنة ~~العامة عليها، ولا إله غيره حتى يملك شيئا منها فله أن يحكم بما يشاء من ~~غير أن يمنع عن حكمه مانع يزاحمه أو تعوق إرادته إرادة غيره فله أن يتخذ ~~رسولا إلى عباده وأن يرسل رسوله إلى بعض عباده أو إلى جميعهم كيف شاء وهو ~~الذي له الإحياء والإماتة فله أن يحيي قوما أو الناس جميعا بحياة طيبة ~~سعيدة والسعادة والهدى من الحياة كما أن الشقاوة والضلالة موت، قال تعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": ~~الأنفال: 24، وقال: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس": الأنعام: 122، وقال: "إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم ~~الله": الأنعام: 36. # قوله تعالى: "فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي" إلى آخر الآية تفريع على ~~ما تقدم أي إذا كان الحال هذا الحال فآمنوا بي فإني ذاك الرسول النبي الأمي ~~الذي بشر به في التوراة والإنجيل، وأنا أومن بالله ولا أكفر به وأومن ~~بكلماته وهي ما ms3069 قضى به من الشرائع النازلة علي وعلى الأنبياء السالفين، ~~واتبعوني لعلكم تفلحون. # هذا ما يقتضيه السياق، ومنه يعلم وجه الالتفات من التكلم إلى الغيبة في ~~قوله "ورسوله النبي الأمي الذي" الآية فإن الظاهر من السياق أن هذه الآية ~~ذيل الآية السابقة، وهما جميعا من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # ووجه الالتفات - كما ظهر مما تقدم - أن يدل بالأوصاف الموضوعة مكان ضمير ~~المتكلم على تعليل الأمر في قوله: "فآمنوا" وقوله: "واتبعوه لعلكم تهتدون". # والمراد بالاهتداء الاهتداء إلى السعادة الآخرة التي هي رضوان الله ~~والجنة لا الاهتداء إلى سبيل الحق فإن الإيمان بالله ورسوله واتباع رسوله ~~بنفسه اهتداء، فيرجع معنى قوله: "لعلكم تهتدون" إلى معنى قوله في الآية ~~السابقة في نتيجة الإيمان والاتباع: "أولئك هم المفلحون". # قوله تعالى: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" وهذا من نصفة ~~القرآن مدح من يستحق المدح، وحمد صالح أعمالهم بعد ما قرعهم بما صدر عنهم ~~من السيئات فالمراد أنهم ليسوا جميعا على ما وصفنا من مخالفة الله ورسوله، ~~والتزام الضلال والظلم بل منهم أمة يهدون الناس بالحق وبالحق يعدلون فيما ~~بينهم فالباء في قوله: "بالحق" للآلة وتحتمل الملابسة. PageV08P158 # وعلى هذا فالآية من الموارد التي نسبت الهداية فيها إلى غيره تعالى وغير ~~الأنبياء والأئمة كما في قوله حكاية عن مؤمن آل فرعون ولم يكن بنبي ظاهرا: ~~"وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد": المؤمن: 38. # ولا يبعد أن يكون المراد بهذه الأمة من قوم موسى (عليه السلام) الأنبياء ~~والأئمة الذين نشئوا فيهم بعد موسى وقد وصفهم الله في كلامه بالهداية كقوله ~~تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون": ~~الم السجدة: 24 وغيره من الآيات وذلك أن الآية أعني قوله: "أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون" لو حملت على حقيقة معناها من الهداية بالحق والعدل بالحق لم ~~يتيسر لغير النبي والإمام أن يتلبس بذلك وقد تقدم كلام في الهداية في تفسير ~~قوله تعالى: "قال إني جاعلك للناس إماما": البقرة 124 ms3070 وقوله: "فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره": الأنعام: 125. # وغيرهما من الآيات. # قوله تعالى: "وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما" إلى آخر الآية. # السبط بحسب اللغة ولد الولد أو ولد البنت. # والجمع أسباط، وهو في بني إسرائيل بمعنى قوم خاص، فالسبط عندهم بالمنزلة ~~القبيلة عند العرب. # وقد نقل عن ابن الحاجب أن أسباطا في الآية بدل من العدد لا تمييز وإلا ~~لكانوا ستة وثلاثين سبطا على إرادة أقل الجمع من "أسباطا" وتمييز العدد ~~محذوف للدلالة عليه بقوله: "أسباطا" والتقدير وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة ~~أسباطا هذا. # وربما قيل: إنه تمييز لكونه بمعنى المفرد والمعنى اثنتي عشرة جماعة مثلا. # وقوله: "وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه" الآية الانبجاس هو الانفجار ~~وقيل الانبجاس خروج الماء بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، وظاهر من قوله: ~~"فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم" أن العيون كانت بعدد ~~الأسباط وأن كل سبط اختصوا بعين من العيون، وأن ذلك كانت عن مشاجرة بينهم ~~ومنافسة، وهو يؤيد ما في الروايات من قصتها. # وباقي الآية ظاهر. # وقد عد الله سبحانه في هذه الآيات من معجزات موسى (عليه السلام) وآياته: ~~الثعبان واليد البيضاء، وسني آل فرعون ونقص ثمراتهم، والطوفان، والجراد، ~~والقمل، والضفادع، والدم، وفلق البحر، وإهلاك السبعين، وإحياءهم، وانبجاس ~~العيون من الحجر بضرب العصا، والتظليل بالغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق ~~الجبل فوقهم كأنه ظلة. # ويمكنك أن تضيف إليها التكليم ونزول التوراة، ومسخ بعضهم قردة خاسئين. # وسيجيء تفصيل البحث في قصته (عليه السلام) في تفسير سورة هود إن شاء الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن محمد بن سالم بياع القصب عن الحارث بن المغيرة عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن عبد الله بن عجلان قال في مرضه ~~الذي مات فيه: أنه لا يموت فمات. فقال: لا غفر الله شيئا من ذنوبه أين ذهب ~~إن موسى اختار سبعين رجلا من قومه فلما أخذتهم الرجفة قال رب: أصحابي ~~أصحابي. قال: إني أبدلك بهم من هو خير لكم ms3071 منهم فقال: إني عرفتهم ووجدت ~~ريحهم. قال: فبعث الله له أنبياء. أقول: المراد أن الله بدل له بعبد الله ~~بن عجلان أصحابا هم خير منه كما فعل بموسى، والخبر غريب في بابه ولا يوافق ~~ظاهر الكتاب. PageV08P159 # وفي البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن سعد بن عبد الله القمي في حديث طويل ~~عن القائم (عليه السلام) قال: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع ~~القوم من اختيار إمام لأنفسهم. قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح. قال: فهل ~~يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدهم ما يخطر ببال غيره من ~~صلاح أو فساد؟ قلت: بلى. قال: هي العلة التي أوردها لك برهانا: أخبرني عن ~~الرسل الذين اصطفاهم الله، وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالعصمة إذ هم أعلام ~~الأمم وأهدى للاختيار منهم مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال ~~علمهما إذا هما بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن؟ ~~قلت: لا. فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه: ونزول الوحي ~~عليه اختار من أعيان قومه، ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لا يشك ~~في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين قال الله عز وجل: "واختار ~~موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا إلى قوله لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة - ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم". فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه للنبوة واقعا على ~~الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن الاختيار ليس ~~إلا لمن يعلم بما تخفي الصدور، وتكن الضمائر وتنصرف عليه السرائر، وأن لا ~~خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما ~~أرادوا أهل الصلاح. أقول: الآية فيها منقولة بالمعنى بمعنى أنها ملفقة من ~~آيات القصة في سورتي الأعراف والنساء. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف الحميري قال: لما ~~اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض ~~مسجدا وطهورا، وأجعل السكينة معكم في ms3072 بيوتكم، وأجعلكم تقرءون التوراة من ~~ظهور قلوبكم فيقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. ~~فقال موسى: إن الله قد جعل لكم الأرض مسجدا وطهورا. قالوا: لا نريد أن نصلي ~~إلا في الكنائس. قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا: لا نريد إلا ~~كما كانت في التابوت. قال: ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم فيقرؤها ~~الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن ~~نقرأها إلا نظرا. قال الله: فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة إلى قوله ~~المفلحون. قال موسى: أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم اجعلني من هذه ~~الأمة. قال: إن نبيهم منهم. قال: اجعلني من هذه الأمة قال: إنك لن تدركهم. ~~قال: رب أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم. قال: فأوحى إليه "ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" قال: فرضي موسى. قال نوف: ألا تحمدون ربا ~~شهد غيبتكم، وأخذ لكم بسمعكم، وجعل وفادة غيركم لكم. وفيه، أخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن نوف البكالي: أن موسى لما اختار من قومه سبعين رجلا قال ~~لهم: فدوا إلى الله وسلوه فكانت لموسى مسألة ولهم مسألة فلما انتهى إلى ~~الطور المكان الذي وعده الله به قال لهم موسى: سلوا الله. قالوا: أرنا الله ~~جهرة. قال: ويحكم تسألون الله هذا مرتين؟ قالوا: هي مسألتنا أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الرجفة فصعقوا. فقال موسى: أي رب جئتك بسبعين من خيار بني إسرائيل ~~فارجع إليهم وليس معي منهم أحد فكيف أصنع ببني إسرائيل؟ أليس يقتلوني؟ فقال ~~له: سل مسألتك. قال: أي رب إني أسألك أن تبعثهم، فبعثهم الله، فذهبت ~~مسألتهم ومسألته، وجعلت تلك الدعوة لهذه الأمة. أقول: وإنما أوردنا ~~الروايتين لكونهما بما فيهما من القصة شبيهتين بالموقوفات لكنهما مع ~~الاختلاف لا ينطبقان على شيء مما فيهما من أطراف القصة ونزول الآيات، على ~~ظاهر شيء من الآيات فمسألتهم إنما هي الرؤية وقد ردت إليهم. # ومسألة موسى (عليه السلام) إنما هي بعثهم، وقد أجيبت فبعثوا، وكتابة ~~الرحمة على بني إسرائيل، وقد أجيبت بشرط ms3073 التقوى والإيمان بآيات الله، ولم ~~يجعل شيء من وفادتهم لغيرهم، والخطاب بقوله: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون موسى على ما يعطيه ~~السياق. PageV08P160 # ونظير الروايتين في عدم الانطباق على الآية ما روي عن ابن عباس: في قوله: ~~"واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة" قال: فلم يعطها موسى قال: ~~"عذابي أصيب به من أشاء إلى قوله المفلحون" والمراد أنه لم يعطها بل ~~أعطيتها هذه الأمة وقد مر أن ظهور الآية في غير ذلك. # ونظير ذلك ما روي عن السدي: في قوله تعالى: "إن هي إلا فتنتك" الآية قال: ~~قال موسى: يا رب إن هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من ~~نفخها فيه؟ قال الرب: أنا، قال: فأنت إذا أضللتهم، وروى العياشي في تفسيره، ~~مثله عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) مرسلا، وفيه: قال موسى: يا ~~رب ومن أخار العجل؟ قال: أنا. قال موسى عنده: إن هي إلا فتنتك تضل بها من ~~تشاء وتهدي من تشاء. وذلك أن الآية أعني قوله: "إن هي إلا فتنتك" من كلامه ~~(عليه السلام) في قصة هلاك السبعين، وأين هي من قصة العجل؟ إلا أن يتكرر ~~منه ذلك وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي ~~قال جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا. فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد حظرت رحمة واسعة إن الله خلق ~~مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها، وعنده تسعة ~~وتسعون. وفيه، أخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: إن لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف ~~الوحوش على أولادها، وآخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة. وفيه، أخرج ابن أبي ~~شيبة عن سلمان موقوفا وابن مردويه عن سلمان ms3074 قال: قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض كل رحمة منها ~~طباق ما بين السماء والأرض فأهبط منها رحمة إلى الأرض فبها تراحم الخلائق، ~~وبها تعطف الوالدة على ولدها، وبها تشرب الطير والوحوش من الماء، وبها تعيش ~~الخلائق فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين، وزاد ~~تسعة وتسعين رحمة ثم قرأ: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون". ~~أقول: وهذا المعنى مروي أيضا من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام)، والرواية الثانية كأنها نقل بالمعنى للرواية الأولى، وقد أفسد ~~الراوي المعنى بقوله: "فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه" وليت شعري ~~إذا سلب الرحمة عن غير المتقين من خلقه فبما ذا يبقى ويعيش السماوات والأرض ~~والجنة والنار ومن فيها والملائكة وغيرهم ولا رحمة تشملهم. # والأحسن في التعبير ما ورد في بعض رواياتنا - على ما أذكر - أن الله ~~يومئذ يجمع المائة للمؤمنين، وجمع المائة لهم واستعمالها فيهم غير انتزاعها ~~عن غيرهم وتخصيصها بهم فالأول جائز معقول دون الثاني فافهم ذلك. # وفيه، أخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في حديث: والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول بها ~~إبليس رجاء أن تصيبه. أقول: ومن طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) ما في معناه. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: لما نزلت ~~"ورحمتي وسعت كل شيء" قال إبليس: يا رب وأنا من الشيء فنزلت فسأكتبها ~~"للذين يتقون" الآية فنزعها الله من إبليس. أقول: والظاهر أنه فرض وتقدير ~~من أبي بكر، ولا ريب في تنعم إبليس بالرحمة العامة التي يشتمل عليها صدر ~~الآية، وحرمانه من الرحمة الخاصة الأخروية التي يتضمنها ذيلها. # في تفسير البرهان، عن نهج البيان روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أنه قال: أي الخلق أعجب إيمانا؟ فقالوا: الملائكة، فقال: الملائكة عند ربهم ~~فما لهم لا يؤمنون؟ فقالوا: ms3075 الأنبياء. فقال: الأنبياء يوحى إليهم فما لهم ~~لا يؤمنون؟ فقالوا: نحن. فقال: أنا فيكم فما لكم لا تؤمنون؟ إنما هم قوم ~~يكونون بعدكم فيجدون كتابا في ورق فيؤمنون به، وهذا معنى قوله: "واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون". أقول: والخبر لا بأس به، وهو من ~~الجري والانطباق، وفي بعض الروايات أن النور هو علي (عليه السلام) وهو أيضا ~~من قبيل الجري أو الباطن. PageV08P161 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو ~~إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وافترقت ~~النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وتفترق ~~هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة. فأما اليهود فإن ~~الله يقول: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" وأما النصارى فإن ~~الله يقول: "منهم أمة مقتصدة" فهذه التي تنجو، وأما نحن فنقول: "وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" فهذه التي تنجو من هذه الأمة. وفي تفسير ~~العياشي، عن أبي الصهبان البكري قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى فقال: إني سائلكما عن أمر وأنا أعلم به ~~منكما ولا تكتماني. يا رأس الجالوت بالذي أنزل التوراة على موسى، وأطعمهم ~~المن والسلوى، وضرب لهم في البحر طريقا يبسا، وفجر لهم من الحجر الطوري ~~اثنتي عشرة عينا لكل سبط من بني إسرائيل عينا إلا ما أخبرتني على كم افترقت ~~بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال: فرقة واحدة، فقال: كذبت والذي لا إله إلا هو ~~لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فإن الله يقول: ~~"ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" فهذه التي تنجو. وفي المجمع،: ~~أنهم قوم من وراء الصين وبينهم وبين الصين واد من الرمال لم يغيروا ولم ~~يبدلوا. قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام). أقول: الرواية ضعيفة ~~غير مسلمة، ولا خبر عن هذه الأمة اليهودية الهادية ms3076 العادلة اليوم، ولو ~~كانوا اليوم لم يكونوا هادين ولا مهتدين لنسخ شريعة موسى بشريعة عيسى (عليه ~~السلام) أولا ثم نسخ شريعتهما جميعا بشريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ثانيا، ولذا اضطر بعض من أورد هذه القصة الخرافية فأضاف إليها أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل إليهم ليلة المعراج ودعاهم فآمنوا به وعلمهم ~~الصلاة. # وقد اختلقوا لهم قصصا عجيبة مختلفة، فعن مقاتل: أن مما فضل الله به محمدا ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء ~~الصين، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط ~~من الناس دعوا ربهم وهم بالأرض المقدسة فقالوا: اللهم أخرجنا من بين ~~أظهرهم. فاستجاب لهم فجعل لهم سربا في الأرض فدخلوا فيه، وجعل معهم نهرا ~~يجري، وجعل لهم مصباحا من نور بين أيديهم فساروا فيه سنة ونصفا، وذلك من ~~بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه فأخرجهم الله إلى أرض يجتمع فيها الهوام ~~والبهائم والسباع مختلطين بها ليست فيها ذنوب ولا معاص، فأتاهم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) تلك الليلة ومعه جبرئيل فآمنوا به وصدقوه وعلمهم ~~الصلاة. وقالوا: إن موسى قد بشرهم به. وعن الشعبي قال: إن لله عبادا من ~~وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق رضراضهم ~~الدر والياقوت، وجبالهم الذهب والفضة لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون ~~عملا، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم، ولهم شجر على أبوابهم ~~لها ثمر فمنها يأكلون. إلى غير ذلك مما ورد في قصتهم، وهي جميعا مجعولة، ~~وقد عرفت معنى الآية في البيان المتقدم. PageV08P162 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 161 - 171 # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئتكم سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم ~~قولا غير الذى قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ~~(162) وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت ms3077 إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خسئين (166) ~~وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعنهم فى الأرض أمما منهم الصلحون ~~ومنهم دون ذلك وبلونهم بالحسنت والسيئات لعلهم يرجعون (168) فخلف من بعدهم ~~خلف ورثوا الكتب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثق الكتب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ~~ودرسوا ما فيه والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) والذين ~~يمسكون بالكتب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) وإذ نتقنا ~~الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ءاتينكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (171) ### |||| AUTO بيان # في الآيات بيان قصص أخرى من قصص بني إسرائيل فسقوا فيها عن أمر الله، ~~ونقضوا ميثاقه فأخذهم الله بعقوبة أعمالهم وسلط عليهم من الظالمين من ~~يسومهم سوء العذاب فهؤلاء أسلافهم وقد خلف من بعدهم أخلاف يشترون بآيات ~~الله ثمنا قليلا ويساهلون في أمر الدين، وهذا حالهم إلا قليل منهم لا يعدون الحق. # قوله تعالى: "وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية" إلى آخر الآيتين، القرية هي ~~التي كانت في الأرض المقدسة أمروا بدخولها وقتال أهلها من العمالقة ~~وإخراجهم منها فتمردوا عن الأمر، وردوا على موسى (عليه السلام) فابتلوا ~~بالتيه، والقصة مذكورة في سورة المائدة آية 20 - 26. # وقوله: "وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا" الآية تقدم الكلام في نظيره من ~~سورة البقرة آية: 58 - 59، وقوله: "سنزيد المحسنين" في موضع الجواب عن سؤال ~~مقدر كأنه لما قال: "نغفر لكم خطيئاتكم" قيل: ثم ما ذا فقال: "سنزيد ms3078 ~~المحسنين". # قوله تعالى: "وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في ~~السبت" إلى آخر الآية. # أي أسأل بني إسرائيل عن حال أهل القرية "التي كانت حاضرة البحر" أي قريبة ~~منه مشرفة عليه من حضر الأمر إذا أشرف عليه وشهده "إذ يعدون" ويتجاوزون ~~حدود ما أمر الله به في أمر "السبت" وتعظيمه وترك الصيد فيه "إذ تأتيهم ~~حيتانهم" والسمك الذي في ناحيتهم "يوم سبتهم شرعا" جمع شارع وهو الظاهر ~~البين "ويوم لا يسبتون لا تأتيهم" أي إن تجاوزهم عن حدود ما أمر به الله ~~كان إذ كانت الحيتان تأتيهم شرعا يوم منعوا من الصيد وأمروا بالسبت، وأما ~~إذا مضى اليوم وأبيح لهم الصيد وذلك غير يوم السبت فكان لا تأتيهم الحيتان ~~وكان ذلك من بلاء الله وامتحانه ابتلاهم بذلك لشيوع الفسق بينهم فبعثهم ~~الحرص على صيدها على مخالفة أمر الله سبحانه، ولم يمنعهم تقوى عن التعدي، ~~ولذلك قال: "كذلك نبلوهم" أي نمتحنهم "بما كانوا يفسقون". PageV08P163 # قوله تعالى: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم" إلى آخر الآية، ~~إنما قالت هذه الأمة ما قالت، لأمة أخرى منهم كانت تعظهم وتنهاهم عن مخالفة ~~أمر الله في السبت. # فالتقدير: "وإذ قالت أمة منهم لأمة أخرى كانت تعظهم" حذف للإيجاز وظاهر ~~كلامهم: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا" أنهم كانوا أهل ~~تقوى يجتنبون مخالفة الأمر إلا أنهم تركوا نهيهم عن المنكر فخالطوهم ~~وعاشروهم ولو كان هؤلاء اللائمون من المتعدين الفاسقين لوعظهم أولئك ~~الملومون، ولم يجيبوهم بمثل قولهم: معذرة إلى ربكم إلخ، وأن المتعدين طغوا ~~في تعديهم وتجاهروا في فسقهم فلم يكونوا لينتهوا بنهي ظاهرا غير أن الأمة ~~التي كانت تعظهم لم ييأسوا من تأثير العظة فيهم، وكانوا يرجون منهم ~~الانتهاء لو استمروا في عظتهم، ولا أقل من انتهاء بعضهم ولو بعض الانتهاء، ~~وليكون ذلك معذرة منهم إلى الله سبحانه بإظهار أنهم غير موافقين لهم في ~~فسقهم منزجرون عن طغيانهم بالتمرد. # ولذلك أجابوا عن قولهم: "لم تعظون" إلخ، بقولهم: ms3079 "معذرة إلى ربكم ولعلهم ~~يتقون" أي إنما نعظهم ليكون ذلك عذرا إلى ربكم، ولأنا نرجو منهم أن يتقوا ~~هذا العمل. # وفي قولهم: "إلى ربكم" حيث أضافوا الرب إلى اللائمين ولم يقولوا: إلى ~~ربنا إشارة إلى أن التكليف بالعظة ليس مختصا بنا بل أنتم أيضا مثلنا يجب ~~عليكم أن تعظوهم لأن ربكم لمكان ربوبيته يجب أن يعتذر إليه، ويبذل الجهد في ~~فراغ الذمة من تكاليفه والوظائف التي أحالها إلى عباده، وأنتم مربوبون له ~~كما نحن مربوبون فعليكم من التكاليف ما هو علينا. # قوله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء" المراد ~~بنسيانهم ما ذكروا انقطاع تأثير الذكر في نفوسهم وإن كانوا ذاكرين لنفس ~~التذكر حقيقة فإنما الأخذ الإلهي مسبب عن الاستهانة بأمره والإعراض عن ~~ذكره، بل حقيقة النسيان بحسب الطبع مانع عن فعلية التكليف وحلول العقوبة. # فالإنسان يطوف عليه طائف من توفيق الله يذكره بتكاليف هامة إلهية ثم إن ~~استقام وثبت، وإن ترك الاستقامة ولم يزجره زاجر باطني ولا ردعه رادع نفساني ~~عدا حدود الله بالمعصية غير أنه في بادىء أمره يتألم تألما باطنيا ويتحرج ~~تحرجا قلبيا من ذلك ثم إذا عاد إليها ثانيا من غير توبة زادت صورة المعصية ~~في نفسه تمكنا، وضعف أثر التذكير وهان أمره، وكلما عاد إليها وتكررت منه ~~المخالفة زادت تلك قوة وهذه ضعفا حتى يزول أثر التذكير من أصله، ساوى وجوده ~~عدمه فلحق بالنسيان في عدم التأثير، وهو المراد بقوله: "فلما نسوا ما ~~ذكروا" أي زال أثره كأنه منسي زائل، الصورة عن النفس. # وفي الآية دلالة على أن الناجين كانوا هم الناهين عن السوء فقط، وقد أخذ ~~الله الباقين، وهم الذين يعدون في السبت والذين قالوا: "لم تعظون" إلخ وفيه ~~دلالة على أن اللائمين كانوا مشاركين للعادين في ظلمهم وفسقهم حيث تركوا ~~عظتهم ولم يهجروهم. # وفي الآية دلالة على سنة إلهية عامة، وهي أن عدم ردع الظالمين عن ظلمهم ~~بمنع، وعظة إن لم يمكن المنع أو هجره إن لم تمكن العظة ms3080 أو بطل تأثيرها، ~~مشاركة معهم في ظلمهم، وأن الأخذ الإلهي الشديد كما يرصد الظالمين كذلك ~~يرصد مشاركيهم في ظلمهم. # قوله تعالى: "فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين" ~~العتو المبالغة في المعصية والقردة جمع القرد وهو الحيوان المعروف، ~~والخاسىء الطريد البعيد من خسأ الكلب إذا بعد. # وقوله: "فلما عتوا عن ما نهوا عنه" أي عن ترك ما نهوا عنه فإن العتو إنما ~~يكون عن ترك المنهيات لا عن نفسها، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة" إلى آخر الآية ~~تأذن وأذن بمعنى أعلم، واللام في قوله: "ليبعثن" للقسم، والمعنى: واذكر إذ ~~أعلم ربك أنه قد أقسم ليبعثن على هؤلاء الظالمين بعثا يدوم عليهم ما دامت ~~الدنيا من يذيقهم ويوليهم سوء العذاب. PageV08P164 # وقوله: "إن ربك لسريع العقاب" معناه أن من عقابه ما يسرع إلى الناس كعقاب ~~الطاغي لطغيانه، قال تعالى: "الذين طغوا في البلاد - إلى أن قال - إن ربك ~~لبالمرصاد": الفجر: 14 والدليل على ما فسرنا به قوله بعده: "وإنه لغفور ~~رحيم" فإن الظاهر أنه لم يؤت به إلا للدلالة على أنه تعالى ليس بسريع ~~العقاب دائما وإلا فمضمون الآية ليس مما يناسب التذليل باسمي الغفور ~~والرحيم لتمحضه في معنى المؤاخذة والانتقام فمعنى قوله: "إن ربك لسريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم" إنه تعالى غفور للذنوب رحيم بعباده لكنه إذا قضى ~~لبعض عباده بالعقاب لاستيجابهم ذلك بطغيان وعتو ونحو ذلك فسرعان ما يتبعهم ~~إذ لا مانع يمنع عنه ولا عائق يعوقه. # ولعل هذا هو معنى قول بعضهم: إن معنى قوله "إن ربك لسريع العقاب" سريع ~~العقاب لمن شاء أن يعاقبه في الدنيا، وإن كان الأنسب أن يقال: إن ذلك معنى ~~قوله: "إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم"، ويرتفع به ما يمكن أن يتوهم ~~أن كونه تعالى سريع العقاب ينافي كونه حليما لا يسرع إلى المؤاخذة. # قوله تعالى: "وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون" إلى آخر الآية. # قال: في المجمع،: دون في موضع ms3081 الرفع بالابتداء، ولكنه جاء منصوبا لتمكنه ~~في الظرفية، ومثله على قول أبي الحسن "لقد تقطع بينكم" هو في موضع الرفع ~~فجاء منصوبا لهذا المعنى، وكذلك في قوله: "يوم القيامة يفصل بينكم" بين في ~~موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، وإن شئت كان التقدير: ومنهم جماعة دون ذلك ~~فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه. # انتهى. # والمراد بالحسنات والسيئات نعماء الدنيا وضرائها والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب" إلى آخر الآية، العرض ما ~~لا ثبات له، ومنه قوله تعالى: "عرض الحياة الدنيا": النساء: 94 أي ما لا ~~ثبات له من شئونها، والمراد بعرض هذا الأدنى عرض هذه الحياة الدنيا والدار ~~العاجلة غير أنه أشير إليها بلفظ التذكير لأخذها شيئا ليس له من الخصوصيات ~~إلا أن يشار إليه تجاهلا بخصوصياتها تحقيرا لشأنها كأنها لا يخص بنعت من ~~النعوت يرغب فيها، وقد تقدم نظيره في قول إبراهيم (عليه السلام) على ما ~~حكاه الله. # "هذا ربي هذا أكبر": الأنعام: 78 يريد الشمس. # وقوله: "ويقولون سيغفر لنا" قول جزافي لهم قالوه، ولا معول لهم فيه إلا ~~الاغترار بشعبهم الذي سموه شعب الله كما سموا أنفسهم أبناء الله وأحباءه، ~~ولم يقولوا ذلك لوعد النفس بالتوبة لأن ذلك قيد لا يدل عليه الكلام، ولا ~~أنهم قالوا ذلك رجاء للمغفرة الإلهية فإن للرجاء آثارا لا تلائم هذه ~~المشيئة إذ رجاء الخير لا ينفك عن خوف الشر الذي يقابله وكما أن الرجاء ~~يستدعي شيئا من ثبات النفس وطيبها كذلك الخوف يوجب قلق النفس واضطرابها ~~ومساءتها فآية الرجاء الصادق توسط النفس بين سكون واضطراب، وجذب ودفع، ~~ومسرة ومساءة، وأما من توغل في شهوات نفسه وانغمر في لذائذ الدنيا من غير ~~أن يتذكر بعقوبة ما يجنيه ويقترفه ثم إذا ردعه رادع من نفسه أو غيره بما ~~أوعد الله الظالمين، وذكره شيئا من سوء عاقبة المجرمين قال: إن الله غفور ~~رحيم يتخلص به من اللوم، ويخلص به إلى صافي لذائذه الدنية فليس ما يتظاهر ~~به رجاء صادقا بل أمنية نفسانية كاذبة، ms3082 وتسويل شيطاني موبق فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. # وقوله: "وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه" أي لم يقنعوا بما أخذوه من العرض ~~بمرة حتى يكون تركهم ذلك ورجوعهم إلى اتقاء محارم الله نحوا من التوبة، ~~وقولهم: "سيغفر لنا" نوعا من الرجاء يتلبس به التائبون بل كلما وجدوا شيئا ~~من عرض الدنيا أخذوه من غير أن يراقبوا الله تعالى فيه فالجملة أعني قوله: ~~"وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه" في معنى قوله تعالى في وصفهم في موضع آخر: ~~"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه": المائدة: 79. # وقوله: "ودرسوا ما فيه" كان الواو للحال، والجملة حال عن ضمير "عليهم" ~~وقيل الجملة معطوفة على قوله: "ورثوا الكتاب" في صدر الآية، ولا يخلو من بعد. PageV08P165 # والمعنى: "فخلف من بعدهم" أي من بعد هؤلاء الأسلاف من بني إسرائيل وحالهم ~~في تقوى الله واجتناب محارمه ما وصف "خلف ورثوا الكتاب" وتحملوا ما فيه من ~~المعارف والأحكام والمواعظ والعبر، وكان لازمه أن يتقوا ويختاروا الدار ~~الآخرة، ويتركوا أعراض الدنيا الفانية الصارفة عما عند الله من الثواب ~~الدائم "يأخذون عرض هذا الأدنى" وينكبون على اللذائذ الفانية العاجلة، ولا ~~يبالون بالمعصية وإن كثرت "ويقولون سيغفر لنا" قولا بغير الحق ولا يرجعون ~~عن المعصية بالمرة والمرتين بل هم على قصد العود إليها كلما أمكن "وإن ~~يأتهم عرض مثله يأخذوه" ولا يتناهون عما اقترفوه من المعصية. # "ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب" وهو الميثاق المأخوذ عليهم عند حملهم إياه ~~"أن لا يقولوا على الله إلا الحق" والحال أنهم درسوا ما فيه، وعلموا بذلك ~~أن قولهم: "سيغفر لنا" قول بغير الحق ليس لهم أن يتفوهوا به، وهو يجرئهم ~~على معاصي الله وهدم أركان دينه. # "و" الحال أن "الدار الآخرة خير للذين يتقون" لدوام ثوابها وأمنها من كل ~~مكروه "أفلا تعقلون". # قوله تعالى: "والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين" قال في المجمع،: أمسك ومسك وتمسك واستمسك بالشيء بمعنى واحد أي ~~اعتصم به. # انتهى. # وتخصيص إقامة ms3083 الصلاة بالذكر من بين سائر أجزاء الدين لشرفها وكونها ركنا ~~من الدين يحفظ بها ذكر الله والخضوع إلى مقامه الذي هو بمنزلة الروح الحية ~~في هيكل الشرائع الدينية. # والآية تعد التمسك بالكتاب إصلاحا والإصلاح يقابل الإفساد وهو الإفساد في ~~الأرض أو إفساد المجتمع البشري فيها، ولا تفسد الأرض ولا المجتمع البشري ~~إلا بإفساد طريقة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والدين الذي يشتمل ~~عليه الكتاب الإلهي النازل في عصر من الأعصار هو المتضمن لطرق الفطرة بحسب ~~ما يستدعيه استعداد أهله فإن الله سبحانه يذكر في كلامه أن الدين القيم ~~الذي يقوم بحوائج الحياة هي الفطرة التي فطر الناس عليها، والخلقة التي لا ~~حقيقة لهم وراءها قال: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون": ~~الروم: 30 ثم قال: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19 والإسلام هو ~~التسليم لله سبحانه في سنته الجارية في تكوينه المبتنية عليها تشريعه. # فالآيتان - كما ترى - تناديان بأن دين الله سبحانه هو تطبيق الإنسان ~~حياته على ما تقتضيه فيه قوانين التكوين ونواميسه حتى يقف بذلك موقفا ~~تتحراه نفسية النوع الإنساني ثم يسير في مسيرها أي يعود بذلك إنسانا نسميه ~~إنسانا طبيعيا ويتربى تربية يستدعيها ذاته بحسب ما ركب عليه تركيبه ~~الطبيعي. # فما تقتضيه نفسية الإنسان الطبيعية من الخضوع إلى المبدإ الغيبي الذي ~~يقوم بإيجاده وإبقائه وإسعاده، وتوفيق شئون حياته مع القوانين الحاكمة في ~~الكون حكومة حقيقية هو الدين المسمى بالإسلام الذي يدعو إليه القرآن وسائر ~~كتب الله السماوية المنزلة على أنبيائه ورسله. # فإصلاح شئون الحياة الإنسانية وتخليصها من كل دخيل خرافي، ووضع الإصر ~~والأغلال التي اختلقتها الأوهام والأهواء ثم وضعتها على الناس، جزء معنى ~~الدين المسمى بالإسلام لا أثر من آثاره وحكم من أحكامه حتى تختلف فيه ~~الآراء فيسلمه مسلم، ويرده، راد، ويبحث فيه باحث منصف فيتبع ما أدى إليه ~~جهد نظره. # وبعبارة أخرى: الذي يدعي إليه الناس بمنطق الدين ms3084 الإلهي هو الشرائع ~~والسنن القائمة بمصالح العباد في حياتهم الدنيوية والأخروية لا أنه يضع ~~مجموعة من معارف وشرائع ثم يدعي أن المصالح الإنسانية تطابقه وهو يطابقها ~~فافهم ذلك. PageV08P166 # وإياك أن تتوهم أن الدين الإلهي مجموع أمور من معارف وشرائع جافة تقليدية ~~لا روح لها إلا روح المجازفة بالاستبداد، ولا لسان لها إلا لسان التأمر ~~الجاف والتحكم الجافي وقد قضى شارعها بوجوب اتباعها والانقياد لها تجاه ما ~~هيأ لهم بعد الموت من نعيم مخلد للمطيعين منهم، والعذاب المؤبد للعاصين، ~~ولا رابط لها يربطها بالنواميس التكوينية المماسة للإنسان الحاكمة في حياته ~~القائمة بشئونها القيمة بإصلاحها فتعود الأعمال الدينية أغلالا غلت بها ~~أيدي الناس في دنياهم، وأما الآخرة فقد ضمنت إصلاحها إرادة مولوية إلهية ~~فحسب، وليس للمنتحل بالدين في دنياه من سعادة الحياة إلا ما استلذها ~~بالعادة كمن اعتاد بالأفيون والسم حتى عاد يلتذ بما يتألم به المزاج ~~الطبيعي السالم، ويتألم بما يلتذ به غيره. # فهذا من الجهل بالمعارف الدينية، والفرية على ساحة شارعة الطاهرة يدفعه ~~الكلام الإلهي فكم من آية تتبرأ من ذلك بتصريح أو تلويح أو بإشارة أو كناية ~~وغير ذلك. # وبالجملة الكتاب الإلهي يتضمن مصالح العباد، وفيه ما يصلح المجتمع ~~الإنساني بإجرائه فيه بل الكتاب الإلهي هو الكتاب الذي يشتمل على ذلك، ~~والدين الإلهي هو مجموع القوانين المصلحة، ومجموع القوانين المصلحة هو ~~الدين فلا يدعو الدين الناس إلا إلى إصلاح أعمالهم وسائر شئون مجتمعهم ~~ويسمى ذلك إسلاما لله لأن من جرى على مجرى الإنسان الطبيعي الذي خطه له ~~التكوين فقد أسلم للتكوين ووافقه بأعماله فيما يقتضيه وموافقته والسير على ~~المسير الذي مهده وخطه إسلام لله سبحانه في ما يريده منه. # وليس يدعو الدين إلى متابعة مواد قوانينه ومحتوياته ثم يدعي أن في ذلك ~~خيرهم وسعادتهم حتى يكون لشاك أن يشك فيه. # والآية أعني قوله: "والذين يمسكون بالكتاب" الآية في نفسها عامة مستقلة ~~لكنها بحسب دخولها في سياق الكلام في بني إسرائيل معتنية بشأنهم، والمراد ~~بالكتاب بهذا النظر التوراة أو هي ms3085 والإنجيل. # قوله تعالى: "وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة" الآية. # النتق قلع الشيء من أصله، والظلة هي الغمامة، وما يستظل بها من نحو ~~السقف، والباقي ظاهر. # والآية تقص رفع الطور فوق رءوس بني إسرائيل، وقد تقدمت هذه القصة مكررة ~~في سورتي البقرة والنساء. PageV08P167 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن ابن أبي عمير عن أبي عبيدة ~~عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) أن قوما ~~من أهل أيلة من قوم ثمود وأن الحيتان كانت سيقت إليهم يوم السبت ليختبر ~~الله طاعتهم في ذلك فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدام أبوابهم في ~~أنهارهم وسواقيهم فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها ويأكلونها فلبثوا في ذلك ~~ما شاء الله لا ينهاهم الأحبار، ولا يمنعهم العلماء عن صيدها، ثم إن ~~الشيطان أوحى إلى طائفة منهم أنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ولم تنهوا عن ~~صيدها فاصطادوها يوم السبت وأكلوها في ما سوى ذلك من الأيام. فقالت طائفة ~~منهم: الآن نصطادها فعتت وانحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين فقالوا: ~~ننهاكم عن عقوبة الله أن تتعرضوا لخلاف أمره، واعتزلت طائفة منهم ذات ~~اليسار فسكتت ولم تعظهم، فقالت للطائفة التي وعظتهم: لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ فقالت الطائفة التي وعظتهم: معذرة إلى ربكم ~~ولعلهم يتقون، فقال الله عز وجل: فلما نسوا ما ذكروا به يعني لما تركوا ما ~~وعظوا به مضوا على الخطيئة فقالت الطائفة التي وعظتهم: لا والله لا نجامعكم ~~ولا نبايتكم الليلة في مدينتكم هذه التي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل ~~عليكم البلاء فيعمنا معكم. قال: فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم ~~البلاء فنزلوا قريبا من المدينة فباتوا تحت السماء فلما أصبح أولياء الله ~~المطيعون لأمر الله غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية فأتوا باب المدينة ~~فإذا هو مصمت فدقوا فلم يجاوبوا ولم يسمعوا منها حس أحد فوضعوا فيها سلما ~~على سور المدينة ثم أصعدوا رجلا منهم فأشرف على ms3086 المدينة فنظر فإذا هو ~~بالقوم قرد يتعاونون ولهم أذناب فكسروا الباب فعرفت الطائفة أنسابها من ~~الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابها من القردة فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟. ~~فقال علي (عليه السلام): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لأعرف أنسابها من ~~هذه الأمة لا ينكرون ولا يغيرون بل تركوا ما أمروا به فتفرقوا، وقد قال ~~الله: فبعدا للقوم الظالمين، فقال الله: "وأنجينا الذين ينهون عن السوء - ~~وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون":. أقول: ورواه العياشي في ~~تفسيره، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام). # وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في سننه عن عكرمة عن ابن عباس غير أن فيها أن المذكورين في الآية ~~حي من اليهود من أهل أيلة وظاهره أنهم كانوا من بني إسرائيل ورواية أبي ~~جعفر (عليه السلام) تصرح بأنهم كانوا من قوم ثمود، وليس من البعيد أن ~~يكونوا قوما من عرب ثمود دخلوا في دين اليهود لقرب دارهم وجوارهم فإن أيلة ~~كما يقال: كانت بلدة بين مصر والمدينة على شاطىء البحر. # وربما قيل: إن القرية التي أشارت إليها الآية هي مدين، وقيل: هي طبرية، ~~وقيل: هي قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعينونا. # وفي رواية ابن عباس التي أشرنا إليها وغيرها مما روي عنه أيضا أنه كان ~~يبكي ويقول: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما فعل بالساكتين، وفي ~~رواية عكرمة: قلت لابن عباس: أي جعلني الله فداك ألا ترى أنهم كرهوا ما هم ~~عليه وخالفوهم وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ قال: فأمرني فكسيت ثوبين ~~غليظين. # يريد أنه استحسن قولي بنجاتهم لكراهتهم فعلهم واعتقادهم بأنهم معاقبون لا ~~محالة فخلع علي بثوبين، وأخذ بقولي. # وقد أخطأ عكرمة فإن القوم وإن كانوا كرهوا فعلهم ولم يشاركوهم في الصيد ~~المحرم لكنهم اقترفوا معصية هي أعظم من ذلك وهو ترك النهي عن المنكر، وقد ~~نبههم الناهون بذلك إذ قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون، وكلامهم يدل ~~على أن ms3087 المقام لم يكن مقام اليأس عن تأثير الموعظة حتى يسقط بذلك التكليف، ~~ولما يئس منهم الناهون هجروهم وفارقوهم، ولم يهجرهم الآخرون ولم يفارقوهم ~~على ما في الروايات. # على أن الله تعالى قال: "أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" فلم يذكر في جانب النجاة إلا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذ في جانب الأخذ الذين ظلموا دون الذين صادوا، ولا مانع من شمول ~~"الذين ظلموا" لأولئك التاركين للنهي عن المنكر. PageV08P168 # وأما قوله: "فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة" فإن كان معناه ~~عتوا عن ترك ما نهوا عنه كما تقدم عن المفسرين كان هذا العذاب بحسب دلالة ~~هذه الآية مختصا بالصائدين لكنها لا تمنع عموم الآية السابقة للصائدين ~~والساكتين جميعا لاشتراكهم في الظلم والفسق، وإن كان معنى الآية الإعراض ~~عما نهوا عنه من غير تقدير الترك وما بمعناه اختصت الآية ببيان عذاب ~~الساكتين وكان عذاب الصائدين مبينا في الآية السابقة: "فلما نسوا ما ذكروا ~~به" الآية كما يومىء إليه بعض الروايات الآتية. # وفي المجمع،: أنه هلكت الفرقتان، ونجت الفرقة الناهية: روي ذلك عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام). أقول: ولا ينافيه نص الآية على مسخ العاتين فإن ~~الهلاك يعم مثل المسخ. # على أن الأخبار متظافرة في أن الممسوخ لا يعيش بعد المسخ إلا أياما ثم يهلك. # وفي الكافي، عن سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان عن عبد الله بن المغيرة عن ~~طلحة بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: "فلما نسوا ما ~~ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء" قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ~~ائتمروا وأمروا ونجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا، وصنف لم يأتمروا ~~ولم يأمروا فهلكوا. أقول: والرواية - كما ترى - مبنية على كون قوله: "فلما ~~عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة" الآية ناظرا إلى عذاب الساكتين ~~دون المرتكبين للصيد المحرم ومعنى "عتوا عن ما نهوا" كفوا عن الصيد الذي ~~نهوا عنه ولا ms3088 حاجة حينئذ إلى تقدير الترك ونحوه في الكلام ويبقى لبيان عذاب ~~الفرقة الأخرى قوله في الآية السابقة. # ولا مانع من هذا المعنى إلا أن مقتضى المقام أن يذكر السبب لعذاب ~~الساكتين كفهم عن موعظة الفاعلين لا عتوهم عما نهوا عنه مع ما في استعمال ~~العتو في مورد الكف والإعراض من البعد، والرواية مع ذلك ضعيفة وقد رواها ~~الصدوق بالسند بعينه عن طلحة عن أبي جعفر (عليه السلام) في الآية وفيها: ~~قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا، ~~وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا وورواها العياشي عن طلحة عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه (عليه السلام) في الآية قال: افترق القوم ثلاث فرق فرقة انتهت ~~واعتزلت، وفرقة أقامت ولم يقارف الذنوب، وفرقة اقترفت الذنوب فلم ينج من ~~العذاب إلا من انتهت قال جعفر: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما صنع بالذين ~~أقاموا ولم يقارفوا الذنوب؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): بلغني أنهم صاروا ~~ذرا، والظاهر أنها جميعا رواية واحدة على ما في سندها من الضعف، وفي متنها ~~من التشويش والاختلاف. PageV08P169 # وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: "إن الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا ~~يردوا ما لم يعلموا قال الله عز وجل: "ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب - أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق" وقال: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله":. أقول: ورواه العياشي عن إسحاق عنه (عليه السلام)، وروي مثله عن ~~إسحاق بن عبد العزيز عن أبي الحسن الأول (عليه السلام). وفي تفسير القمي،: ~~في معنى قوله تعالى: "وإذ نتقنا الجبل" الآية قال الصادق (عليه السلام): ~~لما أنزل الله التوراة على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور ~~سيناء فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا وقع عليكم الجبل فقبلوه وطأطئوا رءوسهم. ~~وفي الإحتجاج، عن أبي بصير قال: كان مولانا أبو جعفر محمد بن علي (عليهما ~~السلام) جالسا ms3089 في الحرم وحوله جماعة من أوليائه إذ أقبل طاووس اليماني في ~~جماعة من أصحابه. ثم قال لأبي جعفر (عليه السلام): أتأذن لي في السؤال؟ ~~قال: أذنا لك فاسأل. فسأله عن سؤال وأجابه وكان فيما سأله قال: فأخبرني عن ~~طائر طار ولم يطر قبلها ولا بعدها ذكره الله عز وجل في القرآن، ما هو؟ ~~فقال: طور سيناء أطاره الله عز وجل على بني إسرائيل الذين أظلهم بجناح منه ~~فيه ألوان العذاب حتى قبلوا التوراة، وذلك قوله عز وجل: "وإذ نتقنا الجبل ~~فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم" الآية. أقول: وقد روي ما في معنى ~~الرواية الأولى من طرق أهل السنة عن ثابت بن الحجاج قال: جاءتهم التوراة ~~جملة واحدة فكبر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتى ظلل الله عليهم الجبل فأخذوه ~~عند ذلك. والرواية الثانية من طرقهم عن ابن عباس في مسائل كتبها هرقل ملك ~~الروم إلى معاوية يسأله عنها فقيل له: لست هناك وإنك متى تخطىء شيئا في ~~كتابك إليه يغتمزه فيك فاكتب إلى ابن عباس فكتب إليه بها فأرسل ذلك إلى ~~قيصر فقال قيصر: ما يعلم هذا إلا نبي أو أهل بيت نبي. # واعلم أن في الآية بعض روايات أخر تقدمت في نظيرة الآية من سورة البقرة ~~فراجعها إن شئت. PageV08P170 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 172 - 174 # وإذ أخذ ربك من بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غفلين (172) أو ~~تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) وكذلك نفصل الايت ولعلهم يرجعون (174) ### |||| AUTO بيان # الآيات تذكر الميثاق من بني آدم على الربوبية وهي من أدق الآيات القرآنية ~~معنى، وأعجبها نظما. # قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا" أخذ الشيء من الشيء يوجب انفصال ~~المأخوذ من المأخوذ منه واستقلاله دونه بنحو من الأنحاء، وهو يختلف باختلاف ~~العنايات المتعلقة ms3090 بها والاعتبارات المأخوذة فيها كأخذ اللقمة من الطعام ~~وأخذ الجرعة من ماء القدح وهو نوع من الأخذ، وأخذ المال والأثاث من زيد ~~الغاصب أو الجواد أو البائع أو المعير وهو نوع آخر، أو أنواع مختلفة أخرى، ~~وكأخذ العلم من العالم وأخذ الأهبة من المجلس وأخذ الحظ من لقاء الصديق وهو ~~نوع وأخذ الولد من والده للتربية وهو نوع إلى غير ذلك. # فمجرد ذكر الأخذ من الشيء لا يوضح نوعه إلا ببيان زائد، ولذلك أضاف الله ~~سبحانه إلى قوله: "وإذ أخذ ربك من بني آدم" الدال على تفريقهم وتفصيل بعضهم ~~من بعض، قوله: "من ظهورهم" ليدل على نوع الفصل والأخذ، وهو أخذ بعض المادة ~~منها بحيث لا تنقص المادة المأخوذ منها بحسب صورتها ولا تنقلب عن تمامها ~~واستقلالها ثم تكميل الجزء المأخوذ شيئا تاما مستقلا من نوع المأخوذ منه ~~فيؤخذ الولد من ظهر من يلده ويولده، وقد كان جزء ثم يجعل بعد الأخذ والفصل ~~إنسانا تاما مستقلا من والديه بعد ما كان جزء منهما. # ثم يؤخذ من ظهر هذا المأخوذ مأخوذ آخر وعلى هذه الوتيرة حتى يتم الأخذ ~~وينفصل كل جزء عما كان جزء منه، ويتفرق الأناسي وينتشر الأفراد وقد استقل ~~كل منهم عمن سواه ويكون لكل واحد منهم نفس مستقلة لها ما لها وعليها ما ~~عليها، فهذا مفاد قوله: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم" ولو ~~قال: أخذ ربك من بني آدم ذريتهم أو نشرهم ونحو ذلك بقي المعنى على إبهامه. # وقوله: "وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم" ينبىء عن فعل آخر إلهي تعلق بهم ~~بعد ما أخذ بعضهم من بعض وفصل بين كل واحد منهم وغيره وهو إشهادهم على ~~أنفسهم، والإشهاد على الشيء هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته ليتحمله ~~علما تحملا شهوديا فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحملوا ~~ما أريد تحملهم من أمرها ثم يؤدوا ما تحملوه إذا سئلوا. # وللنفس في كل ذي نفس جهات من التعلق والارتباط بغيرها يمكن أن يستشهد ~~الإنسان على ms3091 بعضها دون بعض غير أن قوله: "ألست بربكم" يوضح ما أشهدوا لأجله ~~وأريد شهادتهم عليه، وهو أن يشهدوا ربوبيته سبحانه لهم فيؤدوها عند ~~المسألة. # فالإنسان وإن بلغ من الكبر والخيلاء ما بلغ، وغرته مساعدة الأسباب ما ~~غرته واستهوته لا يسعه أن ينكر أنه لا يملك وجود نفسه ولا يستقل بتدبير ~~أمره، ولو ملك نفسه لوقاها مما يكرهه من الموت وسائر آلام الحياة ومصائبها، ~~ولو استقل بتدبير أمره لم يفتقر إلى الخضوع قبال الأسباب الكونية، والوسائل ~~التي يرى لنفسه أنه يسودها ويحكم فيها ثم هي كالإنسان في الحاجة إلى ما ~~وراءها، والانقياد إلى حاكم غائب عنها يحكم فيها لها أو عليها، وليس إلى ~~الإنسان أن يسد خلتها ويرفع حاجتها. # فالحاجة إلى رب - مالك مدبر - حقيقة الإنسان، والفقر مكتوب على نفسه، ~~والضعف مطبوع على ناصيته، لا يخفى ذلك على إنسان له أدنى الشعور الإنساني، ~~والعالم والجاهل والصغير والكبير والشريف والوضيع في ذلك سواء. PageV08P171 # فالإنسان في أي منزل من منازل الإنسانية نزل يشاهد من نفسه أن له ربا يملكه ~~ويدبر أمره، وكيف لا يشاهد ربه وهو يشاهد حاجته الذاتية؟ وكيف يتصور وقوع ~~الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه؟ فقوله: "ألست بربكم" بيان ما ~~أشهد عليه، وقوله: "قالوا بلى شهدنا" اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه، ~~ولذا قيل: إن الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنه محتاج ~~في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلق به وجوده من اللوازم والأحكام، ~~ومعنى الآية أنا خلقنا بني آدم في الأرض وفرقناهم وميزنا بعضهم من بعض ~~بالتناسل والتوالد، وأوفقناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك ~~قائلين: بلى شهدنا أنك ربنا. # وعلى هذا يكون قولهم: "بلى شهدنا" من قبيل القول بلسان الحال أو إسناد ~~اللازم القول إلى القائل بالملزوم حيث اعترفوا بحاجاتهم ولزمه الاعتراف بمن ~~يحتاجون إليه، والفرق بين لسان الحال، والقول بلازم القول: أن الأول انكشاف ~~المعنى عن الشيء لدلالة صفة من صفاته وحال من أحواله عليه سواء شعر به أم ~~لا ms3092 كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها، وكيف لعب الدهر بهم؟ وعدت ~~عادية الأيام عليهم؟ فأسكنت أجراسهم وأخمدت أنفاسهم، وكما يتكلم سيماء ~~البائس المسكين عن فقره ومسكنته وسوء حاله. # والثاني انكشاف المعنى عن القائل لقوله بما يستلزمه أو تكلمه بما يدل ~~عليه بالالتزام. # فعلى أحد هذين النوعين من القول أعني القول بلسان الحال والقول ~~بالاستلزام يحمل اعترافهم المحكي بقوله تعالى: "قالوا بلى شهدنا" والأول ~~أقرب وأنسب فإنه لا يكتفي في مقام الشهادة إلا بالصريح منها المدلول عليه ~~بالمطابقة دون الالتزام. # ومن المعلوم أن هذه الشهادة على أي نحو تحققت فهي من سنخ الاستشهاد ~~المذكور في قوله: "ألست بربكم" فالظاهر أنه قد استوفى الجواب بعين اللسان ~~الذي سألهم به، ولذلك كان هناك نحو ثالث يمكن أن يحمل عليه هذه المساءلة ~~والمجاوبة فإن الكلام الإلهي يكشف به عن المقاصد الإلهية بالفعل، والإيجاد ~~كلام حقيقي - وإن كان بنحو التحليل - كما تقدم مرارا في مباحثنا السابقة ~~فليكن هنا قوله: "ألست بربكم" وقولهم: "بلى شهدنا" من ذاك القبيل، وسيجيء ~~للكلام تتمة. # وكيف كان فقوله: "وإذ أخذ ربك من بني آدم" الآية يدل على تفصيل بني آدم ~~بعضهم من بعض، وإشهاد كل واحد منهم على نفسه، وأخذ الاعتراف على الربوبية ~~منه، ويدل ذيل الآية وما يتلوه أعني قوله: "أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا ~~عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون" على الغرض من هذا الأخذ والإشهاد. # وهو على ما يفيده السياق إبطال حجتين للعباد على الله وبيان أنه لو لا ~~هذا الأخذ والإشهاد وأخذ الميثاق على انحصار الربوبية كان للعباد أن ~~يتمسكوا يوم القيامة بإحدى حجتين يدفعون بها تمام الحجة عليهم في شركهم ~~بالله والقضاء بالنار، على ذلك من الله سبحانه. # والتدبر في الآيتين وقد عطفت إحدى الحجتين على الأخرى بأو الترديدية، ~~وبنيت الحجتان جميعا على العلم اللازم للإشهاد، ونقلتا جميعا عن بني آدم ~~المأخوذين المفرقين يعطي أن الحجتين كل واحدة منهما مبنية ms3093 على تقدير من ~~تقديري عدم الإشهاد كذلك. # والمراد أنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم وأشهدناهم على أنفسهم فاعترفوا ~~بربوبيتنا فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة، ولو لم نفعل هذا ولم نشهد كل ~~فرد منهم على نفسه بعد أخذه فإن كنا أهملنا الإشهاد من رأس فلم يشهد أحد ~~نفسه وأن الله ربه، ولم يعلم به لأقاموا جميعا الحجة علينا يوم القيامة ~~بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا، ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة، ~~وهو قوله تعالى: "أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين". PageV08P172 # وإن كنا لم نهمل أمر الإشهاد من رأس، وأشهدنا بعضهم على أنفسهم دون بعض بأن ~~أشهدنا الآباء على هذا الأمر الهام العظيم دون ذرياتهم ثم أشرك الجميع كان ~~شرك الآباء شركا عن علم بأن الله هو الرب لا رب غيره فكانت معصية منهم، ~~وأما الذرية فإنما كان شركهم بمجرد التقليد فيما لا سبيل لهم إلى العلم به ~~لا إجمالا ولا تفصيلا، ومتابعة عملية محضة لآبائهم فكان آباؤهم هم المشركون ~~بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة الأمر، وقد قادوا ذريتهم الضعاف في ~~سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك، ولا سبيل لهم إلى العلم بحقيقة ~~الأمر وإدراك ضلال آبائهم وإضلالهم إياهم، فكانت الحجة لهؤلاء الذرية على ~~الله يوم القيامة لأن الذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحق هم الآباء فهم ~~المستحقين للمؤاخذة، والفعل فعلهم، وأما الذرية فلم يعرفوا حقا حتى يؤمروا ~~به فيعصوا بمخالفته فهم لم يعصوا شيئا ولم يبطلوا حقا، وحينئذ لم تتم حجة ~~على الذرية فلم تتم الحجة على جميع بني آدم، وهذا معنى قوله تعالى: "أو ~~تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون". # فإن قلت: هنا بعض تقادير أخر لا يفي به البيان السابق كما لو فرض إشهاد ~~الذرية على أنفسهم دون الآباء مثلا أو إشهاد بعض الذرية مثلا كما أن تكامل ~~النوع الإنساني في العلم والحضارة على هذه الوتيرة يرث كل جيل ما تركه ~~الجيل السابق ويزيد عليه ms3094 بأشياء فيحصل للاحق ما لم يحصل للسابق. # قلت: على أحد التقديرين المذكورين تتم الحجة على الذرية أو على بعضهم ~~الذين أشهدوا. # وأما الآباء الذين لم يشهدوا فليس عندهم إلا الغفلة المحضة عن أمر ~~الربوبية فلا يستقلون بشرك إذ لم يشهدوا، ولا يسع لهم التقليد إذ لم يسبق ~~عليهم فيه سابق كما في صورة العكس فيدخلون تحت المحتجين بالحجة الأولى: ~~"إنا كنا عن هذا غافلين". # وأما حديث تكامل الإنسان في العلم والحضارة تدريجا فإنما هو في العلوم ~~النظرية الاكتسابية التي هي نتائج وفروع تحصل للإنسان شيئا فشيئا، وأما ~~شهود الإنسان نفسه وأنه محتاج إلى رب يربه فهو من مواد العلم التي إنما ~~تحصل قبل النتائج، وهو من العلوم الفطرية التي تنطبع في النفس انطباعا ~~أوليا ثم يتفرع عليها الفروع، وما هذا شأنه لا يتأخر عن غيره حصولا، وكيف ~~لا، ونوع الإنسان إنما يتدرج إلى معارفه وعلومه عن الحس الباطني بالحاجة ~~كما قرر في محله. # فالمتحصل من الآيتين أن الله سبحانه فصل بين بني آدم بأخذ بعضهم من بعض ~~ثم أشهدهم جميعا على أنفسهم وأخذ منهم الميثاق بربوبيته فهم ليسوا بغافلين ~~عن هذا المشهد وما أخذ منهم الميثاق حتى يحتج كلهم بأنهم كانوا غافلين عن ~~ذلك لعدم معرفتهم بالربوبية أو يحتج بعضهم بأنه إنما أشرك وعصى آباؤهم وهم برآء. # ولذلك ذكر عدة من المفسرين أن المراد بهذا الظرف المشار إليه بقوله: "وإذ ~~أخذ ربك" هو الدنيا، والآيتان تشيران إلى سنة الخلقة الإلهية الجارية على ~~الإنسان في الدنيا فإن الله سبحانه يخرج الذرية الإنسانية من أصلاب آبائهم ~~إلى أرحام أمهاتهم ومنها إلى الدنيا، ويشهدهم في خلال حياتهم على أنفسهم، ~~ويريهم آثار صنعه وآيات وحدانيته، ووجوه احتياجاتهم المستغرقة لهم من كل ~~جهة الدالة على وجوده ووحدانيته فكأنه يقول لهم عند ذلك: ألست بربكم، وهم ~~يجيبونه بلسان حالهم: بلى شهدنا بذلك وأنت ربنا لا رب غيرك، وإنما فعل الله ~~سبحانه ذلك لئلا يحتجوا على الله يوم القيامة بأنهم كانوا غافلين عن ~~المعرفة، أو يحتج الذرية ms3095 بأن آباءهم هم الذين أشركوا، وأما الذرية فلم ~~يكونوا عارفين بها وإنما هم ذرية من بعدهم نشئوا على شركهم من غير ذنب. # وقد طرح القوم عدة من الروايات تدل على أن الآيتين تدلان على عالم الذر، ~~وأن الله أخرج ذرية آدم من ظهره فخرجوا كالذر فأشهدهم على أنفسهم وعرفهم ~~نفسه، وأخذ منهم الميثاق على ربوبيته فتمت بذلك الحجة عليهم يوم القيامة. # وقد ذكروا وجوها في إبطال دلالة الآيتين عليه وطرح الروايات بمخالفتها ~~لظاهر الكتاب. PageV08P173 # 1 - أنه لا يخلو إما أن جعل الله هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم عقلاء أو ~~لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد، وأن يفهموا ~~خطاب الله تعالى، وإن جعلهم عقلاء وأخذ منهم الميثاق وبنى صحة التكليف على ~~ذلك وجب أن يذكروا ذلك ولا ينسوه لأن أخذ الميثاق إنما تتم الحجة به على ~~المأخوذ منه إذا كان على ذكر منه من غير نسيان كما ينص عليه قوله تعالى: ~~"أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين" ونحن لا نذكر وراء ما نحن ~~عليه من الخلقة الدنيوية الحاضرة شيئا فليس المراد بالآية إلا موقف الإنسان ~~في الدنيا، وما يشاهده فيه من حاجته إلى رب يملكه ويدبر أمره، وهو رب كل شيء. # 2 - أنه لا يجوز أن ينسى الجمع الكثير والجم الغفير من العقلاء أمرا قد ~~كانوا عرفوه وميزوه حتى لا يذكره ولا واحد منهم، وليس العهد به بأطول من ~~عهد أهل الجنة بحوادث مضت عليهم في الدنيا وهم يذكرون ما وقع عليهم في ~~الدنيا كما يحكيه تعالى في مواضع من كلامه كقوله: "قال قائل منهم إني كان ~~لي قرين" إلى آخر الآيات: الصافات: 51 وقد حكى نظير ذلك من أهل النار ~~كقوله: "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار": ص. 62 إلى غير ~~ذلك من الآيات. # ولو جاز النسيان على هؤلاء الجماعة مع هذه الكثرة لجاز أن يكون الله ~~سبحانه قد كلف خلقه فيما مضى من الزمن ثم ms3096 أعادهم ليثيبهم أو ليعاقبهم جزاء ~~لأعمالهم في الخلق الأول وقد نسوا ذلك، ولازم ذلك صحة قول التناسخية أن ~~المعاد إنما هو خروج النفس عن بدنها ثم دخولها في بدن آخر لتجد في الثاني ~~جزاء الأعمال التي عملتها في الأول 3 - ما أورد على الأخبار الناطقة بأن ~~الله سبحانه أخذ من صلب آدم ذريته وأخذ منهم الميثاق، بأن الله سبحانه قال: ~~"أخذ ربك من بني آدم" ولم يقل من آدم وقال: "من ظهورهم" ولم يقل من ظهره، ~~وقال: "ذريتهم" ولم يقل: ذريته ثم أخبر بأنه إنما فعل بهم ذلك لئلا يقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا "إنما أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم" الآية، وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول ~~ظاهر الآية أولاد آدم لصلبه. # ومن هنا قال بعضهم: إن الآية خاصة ببعض بني آدم غير عامة لجميعهم فإنها ~~لا تشمل آدم وولده لصلبه، وجميع المؤمنين ومن المشركين من ليس له آباء ~~مشركون بل تختص بالمشركين الذين لهم سلف مشرك. # 4 - أن تفسير الآية بعالم الذر ينافي قولهم - كما في الآية - "إنما أشرك ~~آباؤنا" لدلالته على وجود آباء لهم مشركين، وهو ينافي وجود الجميع هناك ~~بوجود واحد جمعي. # 5 - ما ذكره بعضهم أن الروايات مقبولة مسلمة غير أنها ليست بتأويل للآية، ~~والذي تقصه من حديث عالم الذر إنما هو أمر فعله الله سبحانه ببني آدم قبل ~~وجودهم في هذه النشأة ليجروا بذلك على الأعراق الكريمة في معرفة ربوبيته ~~كما روي: أنهم ولدوا على الفطرة، وكما قيل: إن نعيم الأطفال في الجنة ثواب ~~إيمانهم بالله في عالم الذر. # وأما الآية فليست تشير إلى ما تشير إليه الروايات فإن الآية تذكر أنه ~~إنما فعل بهم ذلك لتنقطع به حجتهم يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، ولو ~~كان المراد به ما فعل بهم في عالم الذر لكان لهم أن يحتجوا على الله ~~فيقولوا: ربنا إنك أشهدتنا على أنفسنا يوم أخرجتنا من صلب آدم فكنا ms3097 على ~~يقين بأنك ربنا كما أنا اليوم وهو يوم القيامة - على يقين من ذلك لكنك ~~أنسيتنا موقف الإشهاد في الدنيا التي هي موطن التكليف والعمل، ووكلتنا إلى ~~عقولنا فعرف ربوبيتك من عرفها بعقله، وأنكرها من أنكرها بعقله كل ذلك ~~بالاستدلال فما ذنبنا في ذلك وقد نزعت منا عين المشاهدة، وجهزتنا بجهاز ~~شأنه الاستدلال وهو يخطىء ويصيب؟. # 6 - أن الآية لا صراحة لها فيما تدل عليه الروايات لإمكان حملها على ~~التمثيل، وأما الروايات فهي إما مرفوعة أو موقوفة ولا حجية فيها. # هذه جمل ما أوردوه على دلالة الآية وحجية الروايات، وقد زيفها المثبتون ~~لنشاة الذر وهم عامة أهل الحديث وجمع من غيرهم من المفسرين بأجوبة. PageV08P174 # فالجواب عن الأول: أن نسيان الموقف وخصوصياته لا يضر بتمام الحجة وإنما ~~المضر نسيان أصل الميثاق وزوال معرفة وحدانية الرب تعالى: وهو غير منسي ولا ~~زائل عن النفس وذلك يكفي في تمام الحجة ألا ترى أنك إذا أردت أن تأخذ ~~ميثاقا من زيد فدعوته إليك وأدخلته بيتك، وأجلسته مجلس الكرامة ثم بشرته ~~وأنذرته ما استطعت، ولم تزل به حتى أرضيته فأعطاك العهد وأخذت منه الميثاق ~~فهو مأخوذ بميثاقه ما دام ذاكرا لأصله وإن نسي حضوره عندك ودخوله بيتك ~~وجميع ما جرى بينك وبينه وقت أخذ الميثاق غير أصل العهد. # والجواب عن الثاني: أن الامتناع من تجويز نسيان الجمع الكثير لذلك مجرد ~~استبعاد من غير دليل على الامتناع مضافا إلى أن أصل المعرفة بالربوبية ~~مذكور غير منسي كما ذكرنا وهو يكفي في تمام الحجة، وأما حديث التناسخية ~~فليس الدليل على امتناع التناسخ منحصرا في استحالة نسيان الجماعة الكثيرة ~~ما مضى عليهم في الخلق الأول حتى لو لم يستحل ذلك صح القول بالتناسخ بل ~~لإبطال القول به دليل آخر كما يعلم بالرجوع إلى محله، وبالجملة لا دليل على ~~استحالة نسيان بعض العوالم في بعض آخر. # والجواب عن الثالث: أن الآية غير ساكتة عن إخراج ولد آدم لصلبه من صلبه ~~فإن قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم" ms3098 كاف وحده في الدلالة عليه فإن ~~فرض بني آدم فرض إخراجهم من صلب آدم من غير حاجة إلى مئونة زائدة، ثم إخراج ~~ذريتهم من ظهورهم بإخراج أولاد الأولاد من صلب الأولاد، وهكذا، ويتحصل منه ~~أن الله أخرج أولاد آدم لصلبه من صلبه ثم أولادهم من أصلابهم ثم أولاد ~~أولادهم من أصلاب أولادهم حتى ينتهي إلى آخرهم نظير ما يجري عليه الأمر في ~~هذه النشأة الدنيوية التي هي نشأة التوالد والتناسل. # وقد أجاب الرازي عنه في تفسيره، بأن الدلالة على إخراج أولاده لصلبه من ~~صلبه من ناحية الخبر كما أن الدلالة على إخراج أولاد أولاده من أصلاب ~~آبائهم من ناحية الآية فبمجموع الآية والخبر تتم الدلالة على المجموع. # وهو كما ترى. # وأما الأخبار المشتملة على ذكر إخراج ذرية آدم من صلبه، وأخذ الميثاق ~~منهم فهي في مقام شرح القصة لا في مقام تفسير ألفاظ الآية حتى يورد عليها ~~بعدم موافقة الكتاب أو مخالفته. # وأما عدم شمول الآية لأولاد آدم من صلبه لعدم وجود آباء مشركين لهم وكذا ~~بعض من عداهم فلا يضر شيئا لأن مراد الآية أن الله سبحانه إنما فعل ذلك ~~لئلا يقول المشركون يوم القيامة: إنما أشرك آباؤنا لا أن يقول كل واحد واحد ~~منهم: إنما أشرك آبائي فهذا مما لم يتعلق به الغرض البتة فالقول قول ~~المجموع من حيث المجموع لا قول كل واحد فيئول المعنى إلى أنا لو لم نفعل ~~ذلك لكان كل من أردنا إهلاكه يوم القيامة يقول: لم أشرك أنا وإنما أشرك من ~~كان قبلي ولم أكن إلا ذرية وتابعا لا متبوعا. # والجواب عن الرابع: يظهر من الجواب عن سابقه وقد دلت الآية والرواية على ~~أن الله فصل هناك بين الآباء والأبناء ثم ردهم إلى حال الجمع. # والجواب عن الخامس: أنه خلاف ظاهر بعض الروايات وخلاف صريح بعض آخر منها، ~~وما في ذيله من عدم تمام الحجة من جهة عروض النسيان ظهر الجواب عنه من ~~الجواب عن الإشكال الأول. # والجواب عن السادس: أن استقرار الظهور ms3099 في الكلام كاف في حجيته، ولا يتوقف ~~ذلك على صفة الصراحة، وإمكان الحمل على التمثيل لا يوجب الحمل عليه ما لم ~~يتحقق هناك مانع عن حمله على ظاهره، وقد تبين أن لا مانع من ذلك. # وأما أن الروايات ضعيفة لا معول عليها فليس كذلك فإن فيها ما هو الصحيح ~~وفيها ما يوثق بصدوره كما سيجيء إن شاء الله تعالى في البحت الروائي ~~التالي. # هذا ملخص ما جرى بينهم من البحث في ما استفيد من الآية من حديث عالم الذر ~~إثباتا ونفيا، واعتراضا وجوابا، واستيفاء التدبر في الآية والروايات، ~~والتأمل فيما يرومه المثبتون بإثباتهم ويدفعه المنكرون بإنكارهم يوجب توجيه ~~البحث إلى جهة أخرى غير ما تشاجر فيه الفريقان بإثباتهم ونفيهم. PageV08P175 # فالذي فهمه المثبتون من الرواية ثم حملوه على الآية، وانتهضوا لإثباته ~~محصله: أن الله سبحانه بعد ما خلق آدم إنسانا تاما سويا أخرج نطفة التي ~~تكونت في صلبه - ثم صارت هي بعينها أولاده الصلبيين - إلى الخارج من صلبه ~~ثم أخرج من هذه النطف نطفها التي ستتكون أولادا له صلبيين ففصل بين أجزائها ~~والأجزاء الأصلية التي اشتقت منها ثم من أجزاء هذه النطف أجزاء أخرى هي ~~نطفهاثم من أجزاء الأجزاء أجزاءها ولم يزل حتى أتى آخر جزء مشتق من الأجزاء ~~المتعاقبة في التجزي، وبعبارة أخرى أخرج نطفة آدم التي هي مادة البشر ~~ووزعها بفصل بعض أجزائه من بعض إلى ما لا يحصى من عدد بني آدم بحذاء كل فرد ~~ما هو نصيبه من أجزاء نطفة آدم، وهي ذرات منبثة غير محصورة. # ثم جعل الله سبحانه هذه الذرات المنبثة عند ذلك - أو كان قد جعلها قبل ~~ذلك كل ذرة منها إنسانا تاما في إنسانيته، هو بعينه الإنسان الدنيوي الذي ~~هو جزء المقدم له فالجزء الذي لزيد هناك هو زيد هذا بعينه، والذي لعمرو هو ~~عمرو هذا بعينه فجعلهم ذوي حياة وعقل وجعل لهم ما يسمعون به وما يتكلمون ~~به، وما يضمرون به معاني فيظهرونها أو يكتمونها وعند ذلك عرفهم نفسه ~~فخاطبهم فأجابوه، وأعطوه ms3100 الإقرار بالربوبية إما بموافقة ما في ضميرهم لما ~~في لسانهم أو بمخالفته ذلك. # ثم إن الله سبحانه ردهم بعد أخذ الميثاق إلى مواطنهم من الأصلاب حتى ~~اجتمعوا في صلب آدم وهي على حياتها ومعرفتها بالربوبية وإن نسوا ما وراء ~~ذلك مما شاهدوه عند الإشهاد وأخذ الميثاق، وهم بأعيانهم موجودون في الأصلاب ~~حتى يؤذن لهم في الخروج إلى الدنيا فيخرجون وعندهم ما حصلوه في الخلق الأول ~~من معرفة الربوبية، وهي حكمهم بوجود رب لهم من مشاهدة أنفسهم محتاجة إلى من ~~يملكهم ويدبر أمرهم. # هذا ما يفهمه القوم من الخبر والآية ويرومون إثباته، وهو مما يدفعه ~~الضرورة وينفيه القرآن والحديث بلا ريب، وكيف الطريق إلى إثبات أن ذرة من ~~ذرات بدن زيد - وهو الجزء الذري الذي انتقل من صلب آدم من طريق نطفته إلى ~~ابنه ثم إلى ابن ابنه حتى انتهى إلى زيد - هو زيد بعينه، وله إدراك زيد ~~وعقله وضميره وسمعه وبصره، وهو الذي يتوجه إليه التكليف، وتتم له الحجة ~~ويحمل عليه العهود والمواثيق، ويقع عليه الثواب والعقاب؟ وقد صح بالحجة ~~القاطعة من طريق العقل والنقل أن إنسانية الإنسان بنفسه التي هي أمر وراء ~~المادة حادث بحدوث هذا البدن الدنيوي، وقد تقدم شطر من البحث فيها. # على أنه قد ثبت بالبحث القطعي أن هذه العلوم التصديقية البديهية والنظرية ~~منها التصديق بأن له ربا يملكه ويدبر أمره تحصل للإنسان بعد حصول والتطورات ~~والجميع تنتهي إلى الإحساسات الظاهرة والباطنة، وهي تتوقف على وجود التركيب ~~الدنيوي المادي فهو حال العلوم الحصولية التي منها التصديق بأن له ربا هو ~~القائم برفع حاجته. # على أن هذه الحجة إن كانت متوقفة في تمامها على العقل والمعرفة معا ~~فالعقل مسلوب عن الذرة حين أرجعت إلى موطنه الصلبي حتى تظهر ثانيا في ~~الدنيا، وإن قيل إنه لم يسلب عنها ما تجري في الأصلاب والأرحام فهو مسلوب ~~عن الإنسان ما بين ولادته وبلوغه أعني أيام الطفولية. # ويختل بذلك أمر الحجة على الإنسان، وإن كانت غير متوقفة عليه بل يكفي في ms3101 ~~تمامها مجرد حصول المعرفة فأي حاجة إلى الإشهاد وأخذ الميثاق وظاهر الآية ~~أن الإشهاد وأخذ الميثاق إنما هما لأجل إتمام الحجة فلا محالة يرجع معنى ~~الآية إلى حصول المعرفة فيئول المعنى إلى ما فسرها به المنكرون. PageV08P176 # وبتقرير آخر: إن كانت الحجة إنما تتم بمجموع الإشهاد والتعريف وأخذ الميثاق ~~سقطت بنسيان البعض، وقد نسي الإشهاد والتكليم وأخذ الميثاق، وإن كان ~~الإشهاد وأخذ الميثاق جميعا مقدمة لثبوت المعرفة ثم زالت المقدمة ولزمت ~~المعرفة، وبها تمام الحجة تمت الحجة على كل إنسان حتى الجنين والطفل ~~والمعتوه والجاهل، ولا يساعد عليه عقل ولا نقل، وإن كانت المعرفة في تمام ~~الحجة بها متوقفة على حصول العقل والبلوغ ونحو ذلك، وقد كانت حصلت في عالم ~~الذر فتمت الحجة ثم زالت وبقيت المعرفة حجة ناقصة ثم كملت ثانيا لبعضهم في ~~الدنيا فتمت الحجة ثانيا بالنسبة إليهم فكما أن لحصول العقل في الدنيا ~~أسبابا تكوينية يحصل بها وهي الحوادث المتكررة من الخير والشر وحصول الملكة ~~المميزة بينهما من التجارب حصولا تدريجيا ينتهي من جانب إلى حد من الكمال، ~~ومن جانب إلى حد من الضعف لا يعبأ به، كذلك المعرفة لها أسباب إعدادية تهيأ ~~الإنسان إلى التلبس بها، وليست تحصل قبل ذلك، وإذا كانت تحصل في ظرفنا هذا ~~بأسبابها المعدة لها كالعقل فأي حاجة إلى تكوينه تكوينا آخر في سالف من ~~الزمان لإتمام الحجة والحجة تامة دونه؟ وما ذا يغني ذلك؟. # على أن هذا العقل الذي لا تتم حجة ولا ينفع إشهاد ولا يصح أخذ ميثاق ~~بدونه حتى في عالم الذر المفروض هو العقل العملي الذي لا يحصل للإنسان إلا ~~في هذا الظرف الذي يعيش فيه عيشة اجتماعية فتتكرر عليه حوادث الخير والشر، ~~وتهيج عواطفه وإحساساته الباطنية نحو جلب النفع ودفع الضرر فتتعاقب عليه ~~الأعمال عن علم وإرادة فيخطىء ويصيب حتى يتدرب في تمييز الصواب من الخطإ، ~~والخير من الشر، والنفع من الضر والظرف الذي يثبتونه أعني ما يصفونه من ~~عالم الذر ليس بموطن العقل العملي إذ ليس فيه ms3102 شرائط حصوله وأسبابه. # ولو فرضوه موطنا له وفيه أسبابه وشرائطه كما يظهر مما يصفونه تعويلا على ~~ما في ظواهر الروايات أن الله دعاهم هناك إلى التوحيد فأجابه بعضهم بلسان ~~يوافقه قلبه، وأجابه آخرون وقد أضمروا الكفر وبعث إليهم الأنبياء والأوصياء ~~فصدقهم بعض وكذبهم آخرون ولا يجري ما هاهنا إلا على ما جرى به ما هنالك إلى ~~غير ذلك مما ذكروه كان ذلك إثباتا لنشأة طبيعية قبل هذه النشأة الطبيعية في ~~الدنيا نظير ما يثبته القائلون بالأدوار والأكوار واحتاج إلى تقديم كينونة ~~ذرية أخرى تتم بها الحجة على من هنالك من الإنسان لأن عالم الذر على هذه ~~الصفة لا يفارق هذا العالم الحيوي الذي نحن فيه الآن فلو احتاج هذا الكون ~~الدنيوي إلى تقديم إشهاد وتعريف حتى يحصل المعرفة وتتم الحجة لاحتاج إليه ~~الكون الذري من غير فرق فارق البتة. # على أن الإنسان لو احتاج في تحقق المعرفة في هذه النشأة الدنيوية إلى ~~تقدم وجود ذري يقع فيه الإشهاد ويوجد فيه الميثاق حتى تثبت بذلك المعرفة ~~بالربوبية لم يكن في ذلك فرق بين إنسان وإنسان فما بال آدم وحواء استثنيا ~~من هذه الكلية؟ فإن لم يحتاجا إلى ذلك لفضل فيهما أو لكرامة لهما ففي ~~ذريتهما من هو أفضل منهما وأكرم! وإن كان لتمام خلقتهما يومئذ فأثبتت فيهما ~~المعرفة من غير حاجة إلى إحضار الوجود الذري فلكل من ذريتهما أيضا خلقة ~~تامة في ظرفه الخاص به فلم لم يؤخر إثبات المعرفة فيهم ولهم إلى تمام ~~خلقتهم بالولادة حتى تتم عند ذلك الحجة؟ وأي حاجة إلى التقديم؟. # فهذه جهات من الإشكال في تحقق الوجود الذري للإنسان على ما فهموه من ~~الروايات لا طريق إلى حلها بالأبحاث العلمية، ولا حمل الآية عليه معها حتى ~~بناء على عادة القوم في تحميل المعنى على الآية إذا دلت عليه الرواية وإن ~~لم يساعد عليه لفظ الآية لأن الرواية القطعية الصدور كالآية مصونة عن أن ~~تنطق بالمحال، وأما الحشوية وبعض المحدثين ممن يبطل حجة العقل الضرورية ~~قبال الرواية، ms3103 ويتمسك بالآحاد في المعارف اليقينية فلا بحث لنا معهم هذا ما ~~على المثبتين. PageV08P177 # بقي الكلام فيما ذكره النافون أن الآية تشير إلى ما عليه حال الإنسان في ~~هذه الحياة الدنيا، وهو أن الله سبحانه أخرج كلا من آحاد الإنسان من ~~الأصلاب والأرحام إلى مرحلة الانفصال والتفرق، وركب فيهم ما يعرفون به ~~ربوبيته واحتياجهم إليه كأنه قال لهم إذا وجه وجوههم نحو أنفسهم المستغرقة ~~في الحاجة: ألست بربكم؟ وكأنهم لما سمعوا هذا الخطاب من لسان الحال قالوا: ~~بلى أنت ربنا شهدنا بذلك، وإنما فعل الله ذلك لتتم عليهم حجته بالمعرفة ~~وتنقطع حجتهم عليه بعدم المعرفة، وهذا ميثاق مأخوذ منهم طول الدنيا جار ما ~~جرى الدهر والإنسان يجري معه. # والآية بسياقها لا تساعد عليه فإنه تعالى افتتح الآية بقوله: "وإذ أخذ ~~ربك" الآية فعبر عن ظرف هذه القضية بإذ وهو يدل على الزمن الماضي أو على أي ~~ظرف محقق الوقوع نحوه كما في قوله: "وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت ~~للناس - إلى أن قال - قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم": المائدة: 119 ~~فعبر بإذ عن ظرف مستقبل لتحقق وقوعه. # وقوله: "وإذ أخذ ربك" خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو له ولغيره ~~كما يدل عليه قوله: "أن تقولوا يوم القيامة" الآية، إن كان الخطاب متوجها ~~إلينا معاشر السامعين للآيات المخاطبين بها والخطاب خطاب دنيوي لنا معاشر ~~أهل الدنيا، والظرف الذي يتكي عليه هو زمن حياتنا في الدنيا أو زمن حياة ~~النوع الإنساني فيها وعمره الذي هو طول إقامته في الأرض، والقصة التي ~~يذكرها في الآية ظرفها عين ظرف وجود النوع في الدنيا فلا مصحح للتعبير عن ~~ظرفها بلفظة "إذ" الدالة على تقدم ظرف القصة على ظرف الخطاب، ولا عناية ~~أخرى في المقام تصحح هذا التعبير من قبيل تحقق الوقوع ونحوه وهو ظاهر. # فقوله: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم" في عين أنه يدل على ~~قصة خلقه تعالى النوع الإنساني بنحو التوليد وأخذ الفرد من ms3104 الفرد، وبث ~~الكثير من القليل كما هو المشهود في نحو تكون الآحاد من الإنسان، وحفظهم ~~وجود النوع بوجود البعض من البعض على التعاقب، يدل على أن للقصة - وهي ~~تنطبق على الحال المشهود - نوعا من التقدم على هذا المشهود من جريان الخلقة ~~وسيرها. # وقد تقدمت استحالة ما افترضوا لهذا التقدم من تقدم هذه الخلقة بنحو تقدما ~~زمانيا بأن يأخذ الله أول فرد من هذا النوع فيأخذ منه مادة النطفة التي ~~منها نسل هذا النوع فيجزؤها أجزاء ذرية بعدد أفراد النوع إلى يوم القيامة ~~ثم يلبس وجود كل فرد بعينه بحياته وعقله وسمعه وبصره وضميره وظهره وبطنه ~~ويكسيه وجوده التي هي له قبل أن يسير مسيره الطبيعي فيشهده نفسه ويأخذ منه ~~الميثاق، ثم ينزعه منها ويردها إلى مكانها الصلبي حتى يسير سيره الطبيعي، ~~وينتهي إلى موطنها الذي لها من الدنيا فقد تقدم بطلان ذلك، وأن الآية ~~أجنبية عنه. # لكن الذي أحال هذا المعنى هو استلزامه وجود الإنسان بما له من الشخصية ~~الدنيوية مرتين في الدنيا، واحدة بعد أخرى المستلزم لكون الشيء غير نفسه ~~بتعدد شخصيته فهو الأصل الذي تنتهي إليه جميع المشكلات السابقة. # وأما وجود الإنسان أو غيره في امتداد مسيره إلى الله ورجوعه إليه في ~~عوالم مختلفة النظام متفاوتة الحكم فليس بمحال، وهو مما يثبته القرآن ~~الكريم ولو كره ذلك الكافرون الذين يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر فقد أثبت الله الحياة الآخرة للإنسان وغيره ~~يوم البعث، وفيه هذا الإنسان بعينه، وقد وصفه بنظام وأحكام غير هذه النشأة ~~الدنيوية نظاما وأحكاما، وقد أثبت حياة برزخية لهذا الإنسان بعينه وهي غير ~~الحياة الدنيوية نظاما وحكما، وأثبت بقوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 أن لكل شيء عنده وجودا وسيعا غير ~~مقدر في خزائنه، وإنما يلحقه الأقدار إذا نزله إلى الدنيا مثلا فللعالم ~~الإنساني على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه أنزله إلى هذه النشأة. PageV08P178 # وأثبت بقوله: "إنما أمره ms3105 إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي ~~بيده ملكوت كل شيء": يس 83 وقوله: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": ~~القمر: 50 وما يشابههما من الآيات أن هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ~~ومنها الإنسان هو أمر من الله يفيضه على الشيء، ويلقيه إليه بكلمة "كن" ~~إفاضة دفعية وإلقاء غير تدريجي فلوجود هذه الأشياء وجهان وجه إلى الدنيا ~~وحكمه أن يحصل بالخروج من القوة إلى الفعل تدريجا، ومن العدم إلى الوجود ~~شيئا فشيئا، ويظهر ناقصا ثم لا يزال يتكامل حتى يفني ويرجع إلى ربه، ووجه ~~إلى الله سبحانه وهي بحسب هذا الوجه أمور تدريجية وكل ما لها فهو لها في ~~أول وجودها من غير أن تحتمل قوة تسوقها إلى الفعل. # وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشيء واحد، وحكمه غير حكمه ~~وإن كان تصوره التام يحتاج إلى لطف قريحة، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة ~~بعض الشرح وسيجيء إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه. # ومقتضى هذه الآيات أن للعالم الإنساني على ما له من السعة وجودا جميعا ~~عند الله سبحانه، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها ~~بعضهم عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربهم ولا هو يغيب عنهم، وكيف يغيب فعل عن ~~فاعله أو ينقطع صنع عن صانعه، وهذا هو الذي يسميه الله سبحانه بالملكوت، ~~ويقول: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين": ~~الأنعام 75 ويشير إليه بقوله: "كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم ~~لترونها عين اليقين": التكاثر: 7. # وأما هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني وهو الذي ~~يفرق بين الآحاد، ويشتت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان، ~~وتطبيقها على مر الليالي والأيام ويحجب الإنسان عن ربه بصرف وجهه إلى ~~التمتعات المادية الأرضية واللذائذ الحسية فهو متفرع على الوجه السابق ~~متأخر عنه. # وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرعها عليها موقعا كن ويكون في قوله ~~تعالى: "أن نقول له كن فيكون": يس: 82. # ويتبين بذلك أن ms3106 هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة أخرى إنسانية ~~هي هي بعينها غير أن الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربهم يشاهدون فيها ~~وحدانيته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال بل لأنهم ~~لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه، ويعترفون به وبكل حق من قبله، وأما قذارة ~~الشرك وألواث المعاصي فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة ~~التي ليس فيها إلا فعله تعالى القائم به فافهم ذلك. # وأنت إذا تدبرت هذه الآيات ثم راجعت قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذريتهم" الآية وأجدت التدبر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير ~~هذه الآيات إلى إجماله فهي تشير إلى نشأة إنسانية سابقة فرق الله فيها بين ~~أفراد هذا النوع، وميز بينهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. # ولا يرد عليه ما أورد على قول المثبتين في تفسير الآية على ما فهموه من ~~معنى عالم الذر من الروايات على ما تقدم فإن هذا المعنى المستفاد من سائر ~~الآيات والنشأة السابقة التي تثبته لا تفارق هذه النشأة الإنسانية الدنيوية ~~زمانا بل هي معها محيطة بها لكنها سابقة عليها السبق الذي في قوله تعالى: ~~"كن فيكون" ولا يرد عليه شيء من المحاذير المذكورة. # ولا يرد عليه ما أوردناه على قول المنكرين في تفسيرهم الآية بحال وجود ~~النوع الإنساني في هذه النشأة الدنيوية من مخالفته لقوله: "وإذ أخذ ربك" ثم ~~التجوز في الإشهاد بإرادة التعريف منه، وفي الخطاب بقوله: "ألست بربكم" ~~بإرادة دلالة الحال، وكذا في قوله: "قالوا بلى" وقوله: "شهدنا" بل الظرف ~~ظرف سابق على الدنيا وهو غيرها، والإشهاد على حقيقته، والخطاب على حقيقته. # ولا يرد عليه أنه من قبيل تحميل الآية معنى لا تدل عليه فإن الآية لا ~~تأبى عنه وسائر الآيات تشير إليه بضم بعضها إلى بعض. # وأما الروايات فسيأتي أن بعضها يدل على أصل تحقق هذه النشأة الإنسانية ~~كالآية، وبعضها يذكر أن الله كشف لآدم (عليه السلام) عن هذه النشأة ~~الإنسانية، وأراه هذا ms3107 العالم الذي هو ملكوت العالم الإنساني، وما وقع فيه ~~من الإشهاد وأخذ الميثاق كما أرى إبراهيم (عليه السلام) ملكوت السماوات ~~والأرض. PageV08P179 # رجعنا إلى الآية: قوله: "وإذ أخذ ربك" أي واذكر لأهل الكتاب في تتميم ~~البيان السابق أو واذكر للناس في بيان ما نزلت السورة لأجل بيانه وهو أن ~~لله عهدا على الإنسان وهو سائله عنه وأن أكثر الناس لا يفون به وقد تمت ~~عليهم الحجة. # اذكر لهم موطنا قبل الدنيا أخذ فيه ربك "من بني آدم من ظهورهم ذريتهم" ~~فما من أحد منهم إلا استقل من غيره وتميز منه فاجتمعوا هناك جميعا وهم ~~فرادى فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم "وأشهدهم على أنفسهم" فلم يحتجبوا عنه ~~وعاينوا أنه ربهم كما أن كل شيء بفطرته يجد ربه من نفسه من غير أن يحتجب ~~عنه، وهو ظاهر الآيات القرآنية كقوله "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44. # "ألست بربكم" وهو خطاب حقيقي لهم لا بيان حال وتكليم إلهي لهم فإنهم ~~يفهمون مما يشاهدون أن الله سبحانه يريد به منهم الاعتراف وإعطاء الموثق، ~~ولا نعني بالكلام إلا ما يلقى للدلالة به على معنى مراد، وكذا الكلام في ~~قوله: "قالوا بلى شهدنا". # وقوله: "أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين" الخطاب للمخاطبين ~~بقوله: "ألست بربكم" القائلين: "بلى شهدنا" فهم هناك يعاينون الإشهاد ~~والتكليم من الله والتكلم بالاعتراف من أنفسهم، وإن كانوا في نشأة الدنيا ~~على غفلة مما عدا المعرفة بالاستدلال، ثم إذا كان يوم البعث وانطوى بساط ~~الدنيا، وانمحت هذه الشواغل والحجب عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم، وذكروا ~~ما جرى بينهم وبين ربهم. # ويحتمل أن يكون الخطاب راجعا إلينا معاشر المخاطبين بالآيات أي إنما ~~فعلنا ببني آدم ذلك حذر أن تقولوا أيها الناس يوم القيامة كذا وكذا، والأول ~~أقرب ويؤيده قراءة: "أن يقولوا" بلفظ الغيبة. # وقوله: "أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل" هذه حجة الناس إن فرض ~~الإشهاد وأخذ الميثاق من الآباء خاصة دون الذرية كما أن قوله: "أن تقولوا" ms3108 ~~إلخ حجة الناس إن ترك الجميع فلم يقع إشهاد ولا أخذ ميثاق من أحد منهم. # ومن المعلوم أن لو فرض ترك الإشهاد وأخذ الميثاق في تلك النشأة كان لازمه ~~عدم تحقق المعرفة بالربوبية في هذه النشأة إذ لا حجاب بينهم وبين ربهم في ~~تلك النشأة فلو فرض هناك علم منهم كان ذلك إشهادا وأخذ ميثاق، وأما هذه ~~النشأة فالعلم فيها من وراء الحجاب وهو المعرفة من طريق الاستدلال. # فلو لم يقع هناك بالنسبة إلى الذرية إشهاد وأخذ ميثاق كان لازمه في هذه ~~النشأة أن لا يكون لهم سبيل إلى معرفة الربوبية فيها أصلا، وحينئذ لم يقع ~~منهم معصية شرك بل كان ذلك فعل آبائهم، وليس لهم إلا التبعية العملية ~~لآبائهم والنشوء على شركهم من غير علم فصح لهم أن يقولوا: إنما أشرك آباؤنا ~~من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. # قوله تعالى: "وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون" تفصيل الآيات تفريق بعضها ~~وتمييزه من بعض ليتبين بذلك مدلول كل منها ولا تختلط وجود دلالتها، وقوله: ~~"ولعلهم يرجعون" عطف على مقدر، والتقدير: لغايات عالية كذا وكذا ولعلهم ~~يرجعون من الباطل إلى الحق. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن زرارة عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن ~~الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا فامتزج الماءان ~~فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فقال لأصحاب اليمين وهم كالذر ~~يدبون: إلى الجنة ولا أبالي وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي. ثم ~~قال: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا - أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين. الحديث. PageV08P180 # وفيه، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله عز وجل: "فطرة الله التي فطر الناس عليها" ما تلك ~~الفطرة؟ قال: هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال: ألست ~~بربكم؟ وفيه المؤمن والكافر. وفي تفسير العياشي، وخصائص السيد الرضي، عن ~~الأصبغ بن نباتة ms3109 عن علي (عليه السلام) قال: أتاه ابن الكواء فقال: أخبرني ~~يا أمير المؤمنين عن الله تبارك وتعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟ ~~فقال علي (عليه السلام) قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم وردوا عليه ~~الجواب فثقل ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه فقال له: كيف كان ذلك يا أمير ~~المؤمنين؟ فقال له: أوما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه: "وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم - وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" فقد ~~أسمعهم كلامه وردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله يا ابن الكواء "قالوا ~~بلى" فقال لهم إني أنا الله لا إله إلا أنا وأنا الرحمن الرحيم فأقروا له ~~بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والأنبياء والأوصياء وأمر الخلق بطاعتهم ~~فأقروا بذلك في الميثاق فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك شهدنا عليكم يا ~~بني آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أقول: والرواية كما ~~تقدم وبعض ما يأتي من الروايات يذكر مطلق أخذ الميثاق من بني آدم من غير ~~ذكر إخراجهم من صلب آدم وإراءتهم إياه. # وكان تشبيههم بالذر كما في كثير من الروايات تمثيل لكثرتهم كالذر لا ~~لصغرهم جسما أو غير ذلك، ولكثرة ورود هذا التعبير في الروايات سميت هذه ~~النشأة بعالم الذر. # وفي الرواية دلالة ظاهرة على أن هذا التكليم كان تكليما حقيقيا لا مجرد ~~دلالة الحال على المعنى. # وفيما دلالة على أن الميثاق لم يؤخذ على الربوبية فحسب بل على النبوة ~~وغير ذلك، وفي كل ذلك تأييد لما قدمناه. # وفي تفسير العياشي، عن رفاعة قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله: "وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم" قال: نعم لله الحجة على جميع خلقه ~~أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا وقبض يده. أقول: وظاهر الرواية أنها تفسر الأخذ ~~في الآية بمعنى الإحاطة والملك. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن مسكان عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) في قوله: "وإذ ms3110 أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم - ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" قلت: معاينة كان هذا؟ قال: نعم ~~فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ولو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه ~~ورازقه فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه فقال الله: "فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل". أقول: والرواية ترد على منكري دلالة الآية ~~على أخذ الميثاق في الذر تفسيرهم قوله: "وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم" أن ~~المراد به أنه عرفهم آياته الدالة على ربوبيته، والرواية صحيحة ومثلها في ~~الصراحة والصحة ما سيأتي من رواية زرارة وغيره. # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن زرارة: أن ~~رجلا سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم" إلى آخر الآية، فقال وأبوه يسمع: حدثني أبي. إن الله ~~عز وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم فصب عليها الماء العذب ~~الفرات ثم تركها أربعين صباحا ثم صب عليها الماء المالح الأجاج فتركها ~~أربعين صباحا فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر من ~~يمينه وشماله وأمرهم جميعا أن يقعوا في النار فدخلها أصحاب اليمين فصارت ~~عليهم بردا وسلاما، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها. أقول: وفي هذا المعنى ~~روايات أخر وكان الأمر بدخول النار كناية عن الدخول في حظيرة العبودية ~~والانقياد للطاعة. PageV08P181 # وفيه، بإسناده عن عبد الله بن محمد الحنفي وعقبة جميعا عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب فكان ما أحب أن ~~خلقه من طينة الجنة، وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة ~~النار ثم بعثهم في الظلال فقيل: وأي شيء الظلال؟ قال: ألم تر إلى ظلك في ~~الشمس شيء وليس بشيء ثم بعث معهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله وهو ~~قوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ثم دعوهم ms3111 إلى الإقرار فأقر بعضهم ~~وأنكر بعض، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب، وأنكرها من أبغض، ~~وهو قوله: "وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل" ثم قال أبو جعفر (عليه ~~السلام): كان التكذيب. أقول: والرواية وإن لم تكن مما وردت في تفسير آية ~~الذر غير أنا أوردناها لاشتمالها على قصة أخذ الميثاق، وفيها ذكر الظلال، ~~وقد تكرر ذكر الظلال في لسان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والمراد به - ~~كما هو ظاهر الرواية - وصف هذا العالم الذي هو بوجه عين العالم الدنيوي ~~وبوجه غيره، وله أحكام غير أحكام الدنيا بوجه وعينها بوجه فينطبق على ما ~~وصفناه في البيان المتقدم. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه. وزاد ~~العياشي: يعني في الميثاق. أقول: وما زاده العياشي من كلام الراوي، وليس ~~المراد بقوله "جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه" دلالة حالهم على ذلك بل لما ~~فهم الراوي من الجواب ما هو من نوع الجوابات الدنيوية استبعد صدوره عن الذر ~~فسأل عن ذلك فأجابه (عليه السلام) بأن الأمر هناك بحيث إذا نزلوا في الدنيا ~~كان ذلك منهم جوابا دنيويا باللسان والكلام اللفظي ويؤيده قوله (عليه ~~السلام) ما إذا سألهم، ولم يقل: ما لو تكلموا ونحو ذلك. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قول الله: "ألست بربكم" قالوا بألسنتهم؟ قال نعم وقالوا بقلوبهم. فقلت: ~~وأين كانوا يومئذ؟ قال: صنع منهم ما اكتفى به. أقول: جوابه (عليه السلام) ~~أنهم قالوا: بلى بألسنتهم وقلوبهم مبني على كون وجودهم يومئذ بحيث لو ~~انتقلوا إلى الدنيا كان ذلك جوابا بلسان على النحو المعهود في الدنيا لكن ~~اللسان والقلب هناك واحد، ولذلك قال (عليه السلام): نعم وبقلوبهم فصدق ~~اللسان، وأضاف إليه القلب. # ثم لما كان في ذهن الراوي أنه أمر واقع في الدنيا ونشأة الطبيعة، وقد ورد ~~في بعض الروايات التي ms3112 تذكر قصة إخراج الذرية من ظهر آدم: تعيين المكان له ~~وقد روى بعضها هذا الراوي أعني أبا بصير سأله (عليه السلام) عن مكانهم ~~بقوله: وأين كانوا يومئذ، فأجابه (عليه السلام) بقوله: "صنع منهم ما اكتفى ~~به" فلم يجبه بتعيين المكان بل بأن الله سبحانه خلقهم خلقا يصح معه السؤال ~~والجواب، وكل ذلك يؤيد ما قدمناه في وصف هذا العالم، الرواية كغيرها مع ذلك ~~كالصريح في أن التكليم والتكلم في الآية على الحقيقة دون المجاز بل هي ~~صريحة فيه. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ~~وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: خلق الله الخلق وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين ~~وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى ~~وكلتا يد الرحمن يمين فقال: يا أصحاب اليمين فاستجابوا له فقالوا: لبيك ~~ربنا، وسعديك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى قال: يا أصحاب الشمال فاستجابوا ~~له فقالوا لبيك ربنا وسعديك قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فخلط بعضهم ببعض ~~فقال قائل منهم: رب لم خلطت بيننا؟ قال: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم ردهم في صلب آدم ~~فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها. فقال قائل: يا رسول الله فما الأعمال؟ ~~قال: يعمل كل قوم لمنازلهم. فقال عمر بن الخطاب: إذا نجتهد. أقول: قوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) "وعرشه على الماء" كناية عن تقدم أخذ الميثاق، ~~وليس المراد به تقدم خلق الأرواح على الأجساد زمانا فإن عليه من الإشكال ما ~~على عالم الذر بالمعنى الذي فهمه جمهور المثبتين، وقد تقدم. PageV08P182 # وقوله: (صلى الله عليه وآله وسلم) "يعمل كل قوم لمنازلهم" أي إن كل واحد من ~~المنزلين يحتاج إلى أعمال تناسبه في الدنيا فإن كان العامل من أهل الجنة ~~عمل الخير لا محالة، وإن كان من أهل النار عمل الشر لا محالة، والدعوة ms3113 إلى ~~الجنة وعمل الخير لأن عمل الخير يعين منزله في الجنة، وأن عمل الشر يعين ~~منزله في النار لا محالة كما قال تعالى: "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات": البقرة: 148. # فلم يمنع تعين الوجهة عن الدعوة إلى استباق الخيرات، ولا منافاة بين تعين ~~السعادة والشقاوة بالنظر إلى العلل التامة وبين عدم تعينها بالنظر إلى ~~اختيار الإنسان في تعيين عمله فإنه جزء العلة، وجزء علة الشيء لا يتعين معه ~~وجود الشيء ولا عدمه بخلاف تمام العلة، وقد تقدم استيفاء هذا البحث في ~~موارد من هذا الكتاب، وآخرها في تفسير قوله تعالى: "كما بدأكم تعودون فريقا ~~هدى وفريقا حق عليهم الضلالة": الأعراف: 30، وأخبار الطينة المتقدمة من ~~أخبار هذا الباب بوجه. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن ابن عباس في قوله: "وإذ أخذ ربك من بني آدم" الآية قال: خلق الله آدم ~~وأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة ~~الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم. أقول: وقد ~~روي هذا المعنى عن ابن عباس بطرق كثيرة في ألفاظ مختلفة لكن الجميع تشترك ~~في أصل المعنى، وهو إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم. # وفيه، أخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي ~~صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله ~~تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم". قالوا: لما أخرج الله ~~آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية ~~بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره ~~اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر: فقال: ادخلوا النار ولا أبالي ~~فذلك قوله: "أصحاب اليمين وأصحاب الشمال". ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست ~~بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية فقال ~~هو والملائكة: شهدنا أن ms3114 يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو ~~يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل. قالوا: فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف ~~الله أنه ربه وذلك قوله عز وجل: "وله أسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها"، وذلك قوله: "فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين" يعني يوم ~~أخذ الميثاق. أقول: وقد روي حديث الذر كما في الرواية موقوفة وموصولة عن ~~عدة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كعلي (عليه السلام)، ~~وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وسلمان، وأبي هريرة، وأبي ~~أمامة، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن قتادة، وأبي ~~الدرداء، وأنس، ومعاوية، وأبي موسى الأشعري. # كما روي من طرق الشيعة عن علي وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد ~~والحسن بن علي العسكري (عليهما السلام)، ومن طرق أهل السنة أيضا عن علي بن ~~الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد (عليهما السلام) بطرق كثيرة فليس من ~~البعيد أن يدعى تواتره المعنوي. PageV08P183 # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي ~~وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم أخذ ~~الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي. ~~فقال رجل: يا رسول الله فعلى ما ذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر. أقول: ~~القول في ذيل الرواية نظير القول في ذيل رواية أبي أمامة المتقدمة، وقد فهم ~~الرجل من قوله "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي" ~~الخبر سقوط الاختيار، فأجابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن هذا قدر منه ~~تعالى وأن أعمالنا في عين أنا نعملها وهي منسوبة إلينا تقع على ما يقع عليه ~~القدر فتنطبق على القدر وينطبق هو عليها، وذلك أن الله قدر ما قدر من طريق ~~اختيارنا فنعمل نحن باختيارنا، ms3115 ويقع مع ذلك ما قدره الله سبحانه لا أنه ~~تعالى أبطل بالقدر اختيارنا، ونفي تأثير إرادتنا والروايات بهذا المعنى كثيرة. # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن ~~زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: "حنفاء ~~لله غير مشركين" قال: الحنفية من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله قال: فطرهم على المعرفة به. قال زرارة: وسألته عن قول الله عز ~~وجل: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم - وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى" الآية قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا ~~كالذر فعرفهم وأراهم نفسه، ولو لا ذلك لم يعرف أحد ربه. وقال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل مولود يولد على الفطرة يعني على ~~المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، كذلك قوله: "ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله". أقول: وروى وسط الحديث العياشي في تفسيره، عن زرارة ~~بعين اللفظ، وفيه شهادة على ما تقدم من تقرير معنى الإشهاد والخطاب في ~~الآية خلافا لما ذكره النافون أن المراد بذلك المعرفة بالآيات الدالة على ~~ربوبيته تعالى لجميع خلقه. # وقد روي الحديث في المعاني، بالسند بعينه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) إلا أنه قال: فعرفهم وأراهم صنعه بدل قوله: فعرفهم وأراهم نفسه، ~~ولعله من تغيير اللفظ قصدا للنقل بالمعنى زعما أن ظاهر اللفظ يوهم التجسم، ~~وفيه إفساد اللفظ والمعنى جميعا، وقد عرفت أن الرواية مروية في الكافي، ~~وتفسير العياشي، بلفظ: أراهم نفسه. # وتقدم في حديث ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) قوله: قلت معاينة كان ~~هذا؟ قال: نعم. وقد تقدم أن لا ارتباط للكلام بمسألة التجسم. # وفي المحاسن، عن الحسن بن علي بن فضال عن ابن بكير عن زرارة قال: سألت ~~أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: "وإذ أخذ ربك" الآية قال: ثبتت ~~المعرفة في قلوبهم ونسوا الموقف، ويذكرونه ms3116 يوما، ولو لا ذلك لم يدر أحد من ~~خالقه ورازقه. وفي الكافي، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان ~~علي بن الحسين (عليهما السلام) لا يرى بالعزل بأسا، يقرأ هذه الآية: "وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم - وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى" فكل شيء أخذ الله من الميثاق فهو خارج وإن كان على صخرة صماء:. ~~أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي شيبة وابن جرير عنه (عليه ~~السلام)، وروي هذا المعنى أيضا عن سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # واعلم أن الروايات في الذر كثيرة جدا وقد تركنا إيراد أكثرها لوفاء ما ~~أوردنا من ذلك بمعناها، وهنا روايات أخر في أخذ الميثاق عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وسائر الأنبياء (عليهم السلام) سنوردها في محلها إن شاء ~~الله تعالى. PageV08P184 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 175 - 179 # واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطن فكان من ~~الغاوين (175) ولو شئنا لرفعنه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله ~~كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بئايتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بئايتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل ~~فأولئك هم الخسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب ~~لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعم بل هم أضل أولئك هم الغفلون (179) ### |||| AUTO بيان # قصة أخرى من قصص بني إسرائيل وهي نبأ بلعم بن باعوراء أمر الله نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يتلوه عليهم يتبين به أن مجرد الاتصال بالأسباب ~~الظاهرية العادية لا يكفي في فلاح الإنسان وتحتم السعادة له ما لم يشأ الله ~~ذلك، وأن الله لا يشاء ذلك لمن أخلد إلى الأرض واتبع هواه فإن مصيره إلى ~~النار ثم يذكر آية ذلك ms3117 فيهم وهي أنهم لا يستعملون قلوبهم وأبصارهم وآذانهم ~~فيما ينفعهم، والآية الجامعة أنهم غافلون. # قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها" إلى آخر ~~الآية معنى إيتاء الآيات على ما يعطيه السياق التلبس من الآيات الأنفسية ~~والكرامات الخاصة الباطنية بما يتنور به طريق معرفة الله له، وينكشف له ما ~~لا يبقى له معه ريب في الحق والانسلاخ خروج الشيء وانتزاعه من جلده، وهو ~~كناية استعارية عن أن الآيات كانت لزمتها لزوم الجلد فخرج منها الخبث في ~~ذاته، والإتباع كالتبع والإتباع التعقيب واقتفاء والأثر يقال: تبع وأتبع ~~واتبع، والكل بمعنى واحد، والغي والغواية هي الضلال كأنه خروج من الطريق ~~للقصور عن حفظ المقصد الذي يوصل إليه الطريق ففيه نسيان المقصد والغاية، ~~فالمتحير في أمره وهو في الطريق غوي، والخارج عن الطريق وهو ذاكر لمقصده ~~ضال، وهو الأنسب لمورد الآية فإن صاحب النبإ بعد ما انسلخ عن آيات الله ~~وأتبعه الشيطان غاب عنه سبيل الرشد فلم يتمكن من إنجاء نفسه عن ورطة ~~الهلاك، وربما استعمل كل من الغواية والضلالة في معنى واحد. # وهو الخروج عن الطريق الموصل إلى الغاية. # وقد اختلف المفسرون في تعيين من هو صاحب النبإ في هذه الآية على أقوال ~~مختلفة سنشير إلى جلها أو كلها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. # والآية - كما ترى - أبهمت اسمه واقتصرت على الإشارة إلى إجمال قصته لكنها ~~مع ذلك ظاهرة في أنه نبأ واقع لا مجرد تمثيل فلا وقع لقول من قال: إنها ~~مجرد تمثيل من غير نبإ واقع. # والمعنى: "واتل عليهم" أي على بني إسرائيل أو على الناس خبرا عن أمر عظيم ~~وهو "نبأ" الرجل "الذي آتيناه آياتنا" وكشفنا لباطنه عن علائم وآثار إلهية ~~عظام يتنور له بها حق الأمر "فانسلخ منها" ورفضها بعد لزومها "فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين" فلم يقو على إنجاء نفسه من الهلاك. # قوله تعالى: "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه" ~~الآية الإخلاد اللزوم على الدوام، والإخلاد إلى الأرض اللصوق ms3118 بها وهو كناية ~~عن الميل إلى التمتع بالملاذ الدنيوية والتزامها، واللهث من الكلب أن يدلع ~~لسانه من العطش. # فقوله: "ولو شئنا لرفعناه بها" أي لو شئنا لرفعناه بتلك الآيات وقربناه ~~إلينا لأن في القرب إلى الله ارتفاعا عن حضيض هذه الدنيا التي هي بما لها ~~من اشتغال الإنسان بنفسها عن الله وآياته أسفل سافلين، ورفعه بتلك الآيات ~~بما أنها أسباب إلهية ظاهرية تفيد اهتداء من تلبس بها لكنها لا تحتم ~~السعادة للإنسان لأن تمام تأثيرها في ذلك منوط بمشيئة الله، والله سبحانه ~~لا يشاء ذلك لمن أعرض عنه وأقبل إلى غيرها. PageV08P185 # وهي الحياة الأرضية اللاهية عن الله ودار كرامته فإن الإعراض عن الله ~~سبحانه وتكذيب آياته ظلم، وقد حق القول منه سبحانه أنه لا يهدي القوم ~~الظالمين، وأن الذين كفروا وكذبوا بآياته أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون. # ولذلك عقب تعالى قوله: "ولو شئنا لرفعناه بها" بقوله: "لكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه" فالتقدير: لكنا لم نشأ ذلك لأنه أخلد إلى الأرض واتبع ~~هواه وكان ذلك موردا لإضلالنا لا لهدايتنا كما قال تعالى: "ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27. # وقوله: "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" أي إنه ذو ~~هذه السجية لا يتركها سواء زجرته ومنعته أو تركته و"تحمل" من الحملة لا من ~~الحمل "ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا" فالتكذيب منهم سجية وهيئة ~~نفسانية خبيثة لازمة فلا تزال آياتنا تتكرر على حواسهم ويتكرر التكذيب بها ~~منهم "فاقصص القصص" وهو مصدر أي اقصص قصصا أو اسم مصدر أي اقصص القصة ~~"لعلهم يتفكرون" فينقادوا للحق وينتزعوا عن الباطل. # قوله تعالى: "ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون" ~~ذم لهم من حيث وصفهم، وإعلام لهم أنهم لا يضرون شيئا في تكذيب آياته بل ذلك ~~ظلم منهم لأنفسهم إذ يستضر بذلك غيرهم. # قوله تعالى: "من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون" ~~اللام في "المهتدي" و"الخاسرون" يفيد الكمال دون الحصر ظاهرا، ومفاد الآية ms3119 ~~أن مجرد الاهتداء إلى شيء لا ينفع شيئا ولا يؤثر أثر الاهتداء إلا إذا كانت ~~معه هداية الله سبحانه فهي التي يكمل بها الاهتداء، وتتحتم معها السعادة، ~~وكذلك مجرد الضلال لا يضر ضررا قطعيا إلا بانضمام إضلال الله سبحانه إليه ~~فعند ذلك يتم أثره، ويتحتم الخسران. # فمجرد اتصال الأنسال بأسباب السعادة كظاهر الإيمان والتقوى وتلبسه بذلك ~~لا يورده مورد النجاة، وكذلك اتصاله وتلبسه بأسباب الضلال لا يورده مورد ~~الهلاك والخسران إلا أن يشاء الله ذلك فيهدي بمشيئته من هدى، ويضل بها من ~~أضل فيئول المعنى إلى أن الهداية إنما تكون هداية حقيقية تترتب عليها ~~آثارها إذا كانت لله فيها مشية، وإلا فهي صورة هداية وليست بها حقيقة، ~~وكذلك الأمر في الإضلال، وإن شئت فقل: إن الكلام يدل على حصر الهداية ~~الحقيقية في الله سبحانه وكذلك الإضلال ولا يضل به إلا الفاسقين. # قوله تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس" إلى آخر الآية. # الذرء هو الخلق، وقد عرف الله سبحانه جهنم غاية لخلق كثير من الجن ~~والإنس، ولا ينافي ذلك ما عرف في موضع آخر أن الغاية لخلق الخلق هي الرحمة ~~وهي الجنة في الآخرة كقوله تعالى: "إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم": هود: 119 ~~فإن الغرض يختلف معناه بحسب كمال الفعل ونهاية الفعل التي ينتهي إليها. # بيان ذلك أن النجار إذا أراد أن يصنع بابا عمد إلى أخشاب يهيئها له ثم ~~هندسه فيها ثم شرع في النشر والنحت والخرط حتى أتم الباب فكمال غرضه من ~~إيقاع الفعل على تلك الخشبات هو حصول الباب لا غير، هذا من جهة ومن جهة ~~أخرى هو يعلم من أول الأمر أن جميع أجزاء تلك الخشبات ليست تصلح لأن تكون ~~أجزاء للباب فإن للباب هيئة خاصة لا تجامع هيئة الخشبات، ولا بد في تغيير ~~هيئتها من ضيعة بعض الأجزاء لخروجها عن هندسة العمل فصيرورة هذه الأبعاض ~~فضلة يرمى بها داخلة في قصد الصانع مرادة له بإرادة تسمى قصدا ضروريا ~~فللنجار في صنع الباب بالنسبة ms3120 إلى الأخشاب التي بين يديه نوعان من الغاية: ~~أحدهما الغاية الكمالية وهي أن يصنع منها بابا، والثاني الغاية التابعة وهي ~~أن يصنع بعضها بابا ويجعل بعضها فضلة لا ينتفع بها وضيعة يرمى بها، وذلك ~~لعدم استعدادها لتلبس صورة الباب. # وكذا الزارع يزرع أرضا ليحصد قمحا فلا يخلص لذلك إلى يوم الحصاد إلا بعض ~~ما صرفه من البذر، ويذهب غيره سدى يضيع في الأرض أو تفسده الهوام أو يخصفه ~~المواشي والجميع مقصودة للزراع من وجه، والمحصول من القمح مقصود من وجه آخر. PageV08P186 # وقد تعلقت المشية الإلهية أن يخلق من الأرض إنسانا سويا يعبده ويدخل بذلك ~~في رحمته، واختلاف الاستعدادات المكتسبة من الحياة الدنيوية على ما لها من ~~مختلف التأثيرات لا يدع كل فرد من أفراد هذا النوع أن يجري في مجراه ~~الحقيقي ويسلك سبيل النجاة إلا من وفق له، وعند ذلك تختلف الغايات وصح أن ~~لله سبحانه غاية في خلقة الإنسان مثلا وهو أن يشملهم برحمته ويدخلهم جنته، ~~وصح أن لله غاية في أهل الخسران والشقاوة من هذا النوع وهو أن يدخلهم النار ~~وقد كان خلقهم للجنة غير أن الغاية الأولى غاية أصلية كمالية، والغاية ~~الثانية غاية تبعية ضرورية، والقضاء الإلهي المتعلق بسعادة من سعد وشقاوة ~~من شقى ناظر إلى هذا النوع الثاني من الغاية فإنه تعالى يعلم ما يئول إليه ~~حال الخلق من سعادة أو شقاء فهو مريد لذلك بإرادة تبعية لا أصلية. # وعلى هذا النوع من الغاية ينزل قوله تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس" وما في هذا المساق من الآيات الكريمة وهي كثيرة. # وقوله: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها" إشارة إلى بطلان استعدادهم للوقوع في مجرى الرحمة الإلهية، ~~والوقوف في مهب النفحات الربانية، فلا ينفعهم ما يشاهدونه من آيات الله، ~~وما يسمعونه من مواعظ أهل الحق، وما تلقنه لهم فطرتهم من الحجة والبينة. # ولا يفسد عقل ولا عين ولا أذن في عمله وقد خلقها الله لذلك، ms3121 وقد قال: "لا ~~تبديل لخلق الله": الروم: 30 إلا أن يكون الذي يغيره هو الله سبحانه فيكون ~~من جملة الخلق لكنه سبحانه لا يغير ما أنعمه على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم، قال تعالى "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53. # فالذي أبطل ما عندهم من الاستعداد، وأفسد أعمال قلوبهم وأعينهم وآذانهم ~~هو الله سبحانه فعل بهم ما فعل جزاء بما كسبوا نكالا فهم غيروا نعمة الله ~~بتغيير طريق العبودية فجازاهم الله بالطبع على قلوبهم فلا يفقهون بها، وجعل ~~الغشاوة على أبصارهم فلا يبصرون بها، والوقر على آذانهم فلا يسمعون بها ~~فهذه آية أنهم مسيرون إلى النار. # وقوله: "أولئك كالأنعام بل هم أضل" نتيجة ما تقدم، وبيان لحالهم فإنهم ~~فقدوا ما يتميز به الإنسان من سائر الحيوان، وهو تمييز الخير والشر والنافع ~~والضار بالنسبة إلى الحياة الإنسانية السعيدة من طريق السمع والبصر ~~والفؤاد. # وإنما شبهوا من بين الحيوان العجم بالأنعام مع أن فيهم خصال السباع ~~الضارية وخصائصها كخصال الأنعام الراعية، لأن التمتع بالأكل والسفاد أقدم ~~وأسبق بالنسبة إلى الطبع الحيواني فجلب النفع أقدم من دفع الضر، وما في ~~الإنسان من القوى الدافعة الغضبية مقصودة لأجل ما فيه من القوى الجاذبة ~~الشهوية، وغرض النوع بحسب حياته الحيوانية يتعلق أولا بالتغذي والتوليد، ~~ويتحفظ على ذلك بإعمال القوى الدافعة فالآية تجري مجرى قوله تعالى: "والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما يأكل الأنعام والنار مثوى لهم": سورة محمد: 12. # وأما كونهم أكثر أو أشد ضلالا من الأنعام، ولازمه ثبوت ضلال ما في ~~الأنعام فلأن الضلال في الأنعام نسبي غير حقيقي فإنها مهتدية بحسب ما لها ~~من القوى المركبة الباعثة لها إلى قصر الهمة في الأكل والتمتع غير ضالة ~~فيما هيئت لها من سعادة الحياة ولا مستحقة للذم فيما أخذت إليه، وإنما تعد ~~ضالة بقياسها إلى السعادة الإنسانية التي ليست لها ولا جهزت بما تتوسل به إليها. # وأما هؤلاء المطبوع على قلوبهم وأعينهم وآذانهم فالسعادة سعادتهم وهم ~~مجهزون بما ms3122 يوصلهم إليها ويدلهم عليها من السمع والبصر والفؤاد لكنهم ~~أفسدوها وضيعوا أعمالها. # ونزلوها منزلة السمع والبصر والقلب التي في الأنعام، واستعملوها فيما ~~تستعملها فيه الأنعام وهو التمتع من لذائذ البطن والفرج فهم أكثر أو أشد ~~ضلالا من الأنعام، وإليهم يعود الذم. # وقوله: "أولئك هم الغافلون" نتيجة وبيان حال أخرى لهم وهو أن حقيقة ~~الغفلة هي التي توجد عندهم فإنها بمشية الله سبحانه، ألبسها إياهم بالطبع ~~الذي طبع به على قلوبهم وأعينهم وآذانهم والغفلة مادة كل ضلال وباطل. PageV08P187 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا" ~~الآية: قال: حدثني أبي عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام): أنه أعطي بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم، وكان يدعو به فيستجيب له ~~فمال إلى فرعون فلما مر فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم: ادع ~~الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمر في طلب موسى فامتنعت ~~عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عز وجل فقالت ويلك على ما ذا ~~تضربني؟ أتريد أن أجيء معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين؟ ولم يزل يضربها ~~حتى قتلها فانسلخ الاسم من لسانه، وهو قوله: "فانسلخ منها فأتبعه الشيطان ~~فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها - ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ~~- فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" وهو مثل ضربه الله. ~~أقول: قوله (عليه السلام): "وهو مثل ضربه الله" الظاهر أنه يشير إلى نبإ ~~بلعم، وسيجيء الكلام في معنى الاسم الأعظم في الكلام على الأسماء الحسنى إن ~~شاء الله. # وفي الدر المنثور، أخرج الفرياني وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد ~~الله بن مسعود في قوله: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها" ~~قال هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أبر. وفيه، أخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من ms3123 طرق عن ابن عباس قال: هو بلعم بن ~~باعوراء وفي لفظ: بلعام بن عامر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل. أقول: ~~وقد روي كون اسمه بلعم وكونه من بني إسرائيل عن غير ابن عباس وروي عنه غير ذلك. # وفي روح المعاني،: عند ذكر القول بأن الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت ~~الثقفي الشاعر: أنه كان قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله تعالى يرسل رسولا، ~~فرجا أن يكون هو ذلك الرسول فاتفق أن خرج إلى البحرين وتنبأ رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فأقام هناك ثماني سنين ثم قدم فلقي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في جماعة من أصحابه فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه ~~سورة يس حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه فتبعته قريش تقول: ما تقول يا ~~أمية؟ قال: حتى أنظر في أمره. فخرج إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن ~~يسلم فلما أخبر بها ترك الإسلام وقال: لو كان نبيا ما قتل ذوي قرابته فذهب ~~إلى الطائف ومات به. فأتت أخته الفارعة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فسألها عن وفاته فذكرت له أنه أنشد عند موته. كل عيش وإن تطاول دهرا. ~~صائر مرة إلى أن يزولا. ليتني كنت قبل ما قد بدا لي. في قلال الجبال أرعى ~~الوعولا. إن يوم الحساب يوم عظيم. شاب فيه الصغير يوما ثقيلا. ثم قال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لها أنشديني من شعر أخيك فأنشدت: لك الحمد والنعماء ~~والفضل ربنا. ولا شيء أعلى منك جدا وأمجد. مليك على عرش السماء مهيمن. ~~لعزته تعنو الوجوه وتسجد. من قصيدة طويلة أتت على آخرها. ثم أنشدته قصيدته ~~التي يقول فيها: وقف الناس للحساب جميعا. فشقي معذب وسعيد. والتي فيها: عند ~~ذي العرش يعرضون عليه. يعلم الجهر والسرار الخفيا. يوم يأتي الرحمن وهو ~~رحيم. إنه كان وعده مأتيا. رب إن تعف فالمعافاة ظني. أو تعاقب فلم تعاقب ~~بريا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ms3124 إن أخاك آمن شعره، وكفر ~~قلبه وأنزل الله تعالى الآية. أقول: والقصة مجموعة من عدة روايات، وقد ذكر ~~في المجمع، إجمال القصة وذكر أن نزول الآية فيه مروي عن عبد الله بن عمر ~~وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبي روق، والظاهر أن الآيات مكية نزلت بنزول ~~السورة بمكة، وما ذكروه من باب التطبيق. PageV08P188 # وفي المجمع،: وقيل: إنه أبو عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الذي سماه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "الفاسق" وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس ~~المسموح فقدم المدينة فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما هذا الذي ~~جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم قال: فأنا عليها فقال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لست عليها، ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها فقال أبو عامر: ~~أمات الله الكاذب منا وحيدا طريدا. فخرج إلى أهل الشام، وأرسل إلى ~~المنافقين أن استعدوا السلاح ثم أتى قيصر وأتى بجند ليخرج النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من المدينة فمات بالشام وحيدا طريدا. عن سعيد بن المسيب. ~~أقول: وإشكال كون السورة مكية في محله، وقد روي في ذلك قصص لا جدوى في ~~استقصائها. # وفيه، قال أبو جعفر (عليه السلام): الأصل في ذلك بلعم ثم ضربه الله مثلا ~~لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة. وفي تفسير القمي،: في رواية أبي ~~الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "لهم قلوب لا يفقهون بها" ~~يقول: طبع الله عليها فلا تعقل "ولهم أعين" عليها غطاء عن الهدى "لا يبصرون ~~بها - ولهم آذان لا يسمعون بها" أي جعل في آذانهم وقرا فلن يسمعوا الهدى. ~~وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمر بن ~~العاصي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله خلق خلقه في ~~ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ شيء اهتدى. ومن ~~أخطأ ضل. وفيه، أخرج الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ms3125 وأبو ~~يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي الدرداء قال قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات ~~وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب، ~~وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم قال الله: "لهم قلوب لا يفقهون ~~بها، ولهم أعين لا يبصرون بها - ولهم آذان لا يسمعون بها - أولئك كالأنعام ~~بل هم أضل" وجنس أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ~~ظل الله يوم لا ظل إلا ظله. أقول: وسيأتي الكلام في الجن والشياطين من ~~الإنس في مقام يناسبه إن شاء الله تعالى. PageV08P189 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 180 - 186 # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فى أسمئه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) والذين ~~كذبوا بئايتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملى لهم إن كيدى متين ~~(183) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ~~ينظروا فى ملكوت السموت والأرض وما خلق الله من شىء وأن عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم ~~فى طغينهم يعمهون (186) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بما قبلها، وهي بمنزلة تجديد البيان لما انتهى إليه الكلام ~~في الآيات السابقة، وذلك أن الهدى والضلال يدوران مدار دعوته تعالى بأسمائه ~~الحسنى والإلحاد فيها، والناس من منتحلهم وزنديقهم وعالمهم وجاهلهم لا ~~يختلفون بحسب فطرتهم وباطن سريرتهم في أن هذا العالم المشهود متكىء على ~~حقيقة هي المقومة لأعيان أجزائها الناظمة نظامها، وهو الله سبحانه الذي منه ~~يبتدأ كل شيء وإليه يعود كل شيء الذي يفيض على العالم ما يشاهد فيه من جمال ~~وكمال، وهي له ومنه. # والناس في هذا الموقف على ما لهم من الاتفاق على أصل الذات ثلاثة أصناف: ~~صنف يسمونه بما لا يشتمل من المعنى إلا على ما يليق أن ينسب إلى ساحته من ~~الصفات المبينة للكمال، أو النافية لكل نقص ms3126 وشين، وصنف يلحدون في أسمائه، ~~ويعدلون بالصفات الخاصة به إلى غيره كالماديين والدهريين الذين ينسبون ~~الخلق والإحياء والرزق وغير ذلك إلى المادة أو الدهر، وكالوثنيين الناسبين ~~الخير والنفع إلى آلهتهم، وكبعض أهل الكتاب حيث يصفون نبيهم أو أولياء ~~دينهم بما يختص به تعالى من الخصائص، ويلحق بهم طائفة من المؤمنين حيث ~~يعطون للأسباب الكونية من الاستقلال في التأثير ما لا يليق إلا بالله ~~سبحانه، وصنف يؤمنون به تعالى غير أنهم يلحدون في أسمائه فيثبتون له من ~~صفات النقص والأفعال الدنية ما هو منزه عنه كالاعتقاد بأن له جسما، وأن له ~~مكانا، وأن الحواس المادية يمكن أن تتعلق به على بعض الشرائط، وأن له علما ~~كعلومنا وإرادة كإرادتنا وقدرة كمقدراتنا، وأن لوجوده بقاء زمانيا كبقائنا، ~~وكنسبة الظلم في فعله أو الجهل في حكمه ونحو ذلك إليه، فهذه جميعا من ~~الإلحاد في أسمائه. # ويرجع الأصناف الثلاثة في الحقيقة إلى صنفين: صنف يدعونه بالأسماء الحسنى ~~ويعبدون الله ذا الجلال والإكرام، وهؤلاء هم المهتدون بالحق، وصنف يلحدون ~~في أسمائه ويسمون غيره باسمه أو يسمونه باسم غيره: وهؤلاء أصحاب الضلال ~~الذين مسيرهم إلى النار على حسب حالهم في الضلال وطبقاتهم منه، وقد بين ~~الله سبحانه: أن الهداية منه مطلقا فإنها صفة جميلة وله تعالى حقيقتها، ~~وأما الضلال فلا ينسب إليه سبحانه أصله لأنه بحسب الحقيقة عدم اهتداء المحل ~~بهداية الله، وهو معنى عدمي وصفة نقص وأما تثبيته في المحل بعد أول تحققه، ~~وجعله صفة لازمة للمحل بمعنى سلب التوفيق وقطع العطية الإلهية جزاء للضال ~~بما آثر الضلال على الهدى، وكذب بآيات الله فهو من الله سبحانه، وقد نسبه ~~إلى نفسه في كلامه، وذلك بالاستدراج والإملاء. # فالآيات تشير إلى أن ما انتهى إليه كلامه سبحانه أن حقيقة الهداية ~~والإضلال من الله إنما مغزاه وحقيقة معناه أن الأمر يدور مدار دعوته تعالى ~~بالأسماء الحسنى وكلها له، وهو الاهتداء، والإلحاد في أسمائه، والناس في ~~ذلك صنفان: مهتد بهداية الله لا يعدل به غيره، وضال منحرف عن أسمائه مكذب ms3127 ~~بآياته، والله سبحانه يسوقهم إلى النار جزاء لهم بما كذبوا بآياته كما قال: ~~"ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس" الآية، وذلك بالاستدراج والإملاء. PageV08P190 # قوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" الاسم بحسب اللغة ما يدل به ~~على الشيء سواء أفاد مع ذلك معنى وصفيا كاللفظ الذي يشار به إلى الشيء ~~لدلالته على معنى موجود فيه، أو لم يفد إلا الإشارة إلى الذات كزيد وعمرو ~~وخاصة المرتجل من، الأعلام وتوصيف الأسماء الحسنى - وهي مؤنث أحسن - يدل ~~على أن المراد بها الأسماء التي فيها معنى وصفي دون ما لا دلالة لها إلا ~~على الذات المتعالية فقط لو كان بين أسمائه تعالى ما هو كذلك، ولا كل معنى ~~وصفي، بل المعنى الوصفي الذي فيه شيء من الحسن، ولا كل معنى وصفي حسن بل ما ~~كان أحسن بالنسبة إلى غيره إذا اعتبر مع الذات المتعالية: فالشجاع والعفيف ~~من الأسماء الحسنة لكنهما لا يليقان بساحة قدسه لإنبائهما عن خصوصية ~~جسمانية لا يمكن سلبها عنهما، ولو أمكن لم يكن مانع عن إطلاقهما عليه ~~كالجواد والعدل والرحيم. # فكون اسم ما من أسمائه تعالى أحسن الأسماء أن يدل على معنى كمالي غير ~~مخالط لنقص أو عدم، مخالطة لا يمكن معها تحرير المعنى من ذلك النقص والعدم ~~وتصفيته، وذلك في كل ما يستلزم حاجة أو عدما وفقدا كالأجسام والجسمانيات ~~والأفعال المستقبحة أو المستشنعة، والمعاني العدمية: فهذه الأسماء بأجمعها ~~محصول لغاتنا لم نضعها إلا لمصاديقها فينا التي لا تخلو عن شوب الحاجة ~~والنقص غير أن منها ما لا يمكن سلب جهات الحاجة والنقص عنها كالجسم واللون ~~والمقدار وغيرها، ومنها ما يمكن فيه ذلك كالعلم والحياة والقدرة فالعلم ~~فينا الإحاطة بالشيء من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل مادية، والقدرة ~~فينا المنشأة للفعل بكيفية مادية موجودة لعضلاتنا، والحياة كوننا بحيث نعلم ~~ونقدر بما لنا من وسائل العلم والقدرة فهذه لا تليق بساحة قدسه غير أنا إذا ~~جردنا معانيها عن خصوصيات المادة عاد العلم وهو الإحاطة بالشيء بحضوره ~~عنده، والقدرة هي ms3128 المنشأة للشيء بإيجاده، والحياة كون الشيء بحيث يعلم ~~ويقدر، وهذه لا مانع من إطلاقها عليه لأنها معان كمالية خالية عن جهات ~~النقص والحاجة، وقد دل العقل والنقل أن كل صفة كمالية فهي له تعالى وهو ~~المفيض لها على غيره من غير مثال سابق فهو تعالى عالم قادر حي لكن لا ~~كعلمنا وقدرتنا وحياتنا بل بما يليق بساحة قدسه من حقيقة هذه المعاني ~~الكمالية مجردة عن النقائص. # وقد قدم الخبر في قوله: "ولله الأسماء الحسنى" وهو يفيد الحصر، وجيء ~~بالأسماء محلى باللام، والجمع المحلى باللام يفيد العموم، ومقتضى ذلك أن كل ~~اسم أحسن في الوجود فهو لله سبحانه لا يشاركه فيه أحد، وإذ كان الله سبحانه ~~ينسب بعض هذه المعاني إلى غيره ويسميه به كالعلم والحياة والخلق والرحمة ~~فالمراد بكونها لله كون حقيقتها له وحده لا شريك له. # وظاهر الآيات بل نص بعضها يؤيد هذا المعنى كقوله: "إن القوة لله جميعا": ~~البقرة: 165. # وقوله: "فإن العزة لله جميعا": النساء: 139، وقوله: "ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شاء": البقرة: 255، وقوله: "هو الحي لا إله إلا هو": المؤمن: ~~66 فلله سبحانه حقيقة كل اسم أحسن لا يشاركه غيره إلا بما ملكهم منه كيفما ~~أراد وشاء. # ويؤيد هذا المعنى ظاهر كلامه أينما ذكر أسماؤه في القرآن كقوله تعالى: ~~"الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى": طه: 8 وقوله: "قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى": إسراء: 110، وقوله: "له ~~الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض": الحشر: 24 فظاهر الآيات ~~جميعا كون حقيقة كل اسم أحسن لله سبحانه وحده. # وما احتمله بعضهم أن اللام في "الأسماء" للعهد مما لا دليل عليه ولا في ~~القرائن الحافة بالآيات ما يؤيده غير ما عهده القائل من الأخبار العادة ~~للأسماء الحسنى، وسيجيء الكلام فيها في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # وقوله: "فادعوه بها" إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولنا: دعوته زيدا ~~ودعوتك أبا عبد الله أي سميته وسميتك، وإما من الدعوة ms3129 بمعنى النداء أي ~~نادوه بها فقولوا: يا رحمن يا رحيم وهكذا. # أو من الدعوة بمعنى العبادة أي فاعبدوه مذعنين أنه متصف بما يدل عليه هذه ~~الأسماء من الصفات الحسنة والمعاني الجميلة. PageV08P191 # وقد احتملوا جميع هذه المعاني غير أن كلامه تعالى في مواضع مختلفة يذكر ~~فيها دعاء الرب يؤيد هذا المعنى الأخير كما في الآية السابقة: "قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى" وقوله: "وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين": ~~المؤمن: 60 حيث ذكر أولا الدعاء ثم بدله ثانيا من العبادة إيماء إلى ~~اتحادهما، وقوله: "ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين": الأحقاف: 6، وقوله: "هو الحي لا إله إلا هو فادعوه ~~مخلصين له الدين": المؤمن: 65 يريد إخلاص العبادة. # ويؤيده ذيل الآية: "وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا ~~يعملون" بظاهره فإنه لو كان المراد بالدعاء التسمية أو النداء دون العبادة ~~لكان الأنسب أن يقال: بما كانوا يصفون كما قال في موضع آخر: "سيجزيهم ~~وصفهم": الأنعام: 139. # فمعنى الآية - والله أعلم - ولله جميع الأسماء التي هي أحسن فاعبدوه ~~وتوجهوا إليه بها، والتسمية والنداء من لواحق العبادة. # قوله تعالى: "وذروا الذين يلحدون في أسمائه" إلى آخر الآية. # اللحد والإلحاد بمعنى واحد وهو التطرف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين، ~~ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح الذي في الوسط فقراءة يلحدون ~~بفتح الياء من المجرد، ويلحدون بضم الياء من باب الإفعال بمعنى واحد، ونقل ~~عن بعض اللغويين: أن اللحد بمعنى الميل إلى جانب، والإلحاد بمعنى الجدال ~~والمماراة. # وقوله: "سيجزون" الآية بالفصل لأنه بمنزلة الجواب لسؤال مقدر كأنه لما ~~قيل: "وذروا الذين يلحدون في أسمائه" قيل: إلى م يصير حالهم؟ فأجيب: ~~"سيجزون ما كانوا يعملون" وللبحث في الأسماء الحسنى بقايا ستوافيك في كلام ~~مستقل نورده بعد الفراغ عن تفسير الآيات ms3130 إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" قد مر بعض ما يتعلق ~~به من الكلام في قوله تعالى: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون": ~~الآية 159 من السورة وتختص هذه الآية بأنها لوقوعها في سياق تقسيم الناس ~~إلى ضال ومهتد، وبيان أن الملاك في ذلك دعاؤه سبحانه بأحسن الأسماء اللائقة ~~بحضرته والإلحاد في أسمائه، تدل على أن النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة ~~أو كثيرة مهتدية حقيقة إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين ~~إلى صنع الله، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، ~~والاهتداء الحقيقي لا يكون إلا عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه، وقد ~~تقدم في قوله تعالى: "فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين": الأنعام: 89، وغيره أن الهداية الحقيقية الإلهية لا تتخلف عن ~~مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال، كما أن الترديد الواقع في قوله ~~تعالى: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى": يونس: 35. # يدل على أن من يهدي إلى الحق يجب أن لا يكون مهتديا بغيره إلا بالله ~~فافهم ذلك. # وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الأمة لا يخلو عن الدلالة على مصونيتهم ~~من الضلال واعتصامهم بالله من الزيغ إما بكون جميع هؤلاء المشار إليهم ~~بقوله: "أمة يهدون بالحق" متصفين بهذه العصمة والصيانة كالأنبياء ~~والأوصياء، وإما بكون بعض هذه الأمة كذلك وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله ~~تعالى: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة": الجاثية: 16، ~~وقوله: "وجعلكم ملوكا": المائدة: 20، وقوله: "لتكونوا شهداء على الناس": ~~البقرة: 143، وإنما المتصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع. # والمراد بالآية - والله أعلم - أنا لا نأمركم بأمر غير واقع أو خارج عن ~~طوق البشر فإن ممن خلقنا أمة متلبسة بالاهتداء الحقيقي هادين بالحق لأن ~~الله كرمهم بهدايته الخاصة. # قوله تعالى: "والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" ~~الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة فدرجة، والاستدناء من أمر أو مكان، ~~وقرينة المقام ms3131 تدل على أن المراد به هنا الاستدناء من الهلاك إما في الدنيا ~~أو في الآخرة. PageV08P192 # وتقييد الاستدراج بكونه من حيث لا يعلمون للدلالة على أن هذا التقريب خفي ~~غير ظاهر عليهم بل مستبطن فيما يتلهون فيه من مظاهر الحياة المادية فلا ~~يزالون يقتربون من الهلاك باشتداد مظالمهم فهو تجديد نعمة بعد نعمة حتى ~~يصرفهم التلذذ بها عن التأمل في وبال أمرهم كما مر في قوله تعالى: "ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا": الأعراف: 95، وقال تعالى: "لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد": آل ~~عمران: 197. # ومن وجه آخر لما انقطع هؤلاء عن ذكر ربهم وكذبوا بآياته سلبوا اطمئنان ~~القلوب وأمنها بالتشبث بذيل الأسباب التي من دون الله، وعذبوا باضطراب ~~النفوس وقلق القلوب وقصور الأسباب وتراكم النوائب، وهم يظنون أنها الحياة ~~ناسين معنى حقيقة الحياة السعيدة فلا يزالون يستزيدون من مهلكات زخارف ~~الدنيا فيزدادون عذابا وهم يحسبونه زيادة في النعمة حتى يردوا عذاب الآخرة ~~وهو أمر وأدهى، فهم يستدرجون في العذاب من لدن تكذيبهم بآيات ربهم حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون. # قال تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب": الرعد: 28، وقال: "ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا": طه: 124، وقال: "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون": ~~التوبة: 55، وهذا معنى آخر من الاستدراج لكن قوله تعالى بعده: "وأملي لهم" ~~لا يلائم ذلك فالمتعين هو المعنى الأول. # قوله تعالى: "وأملي لهم إن كيدي متين" الإملاء هو الإمهال، وقوله: "إن ~~كيدي متين" تعليل لمجموع ما في الآيتين، وفي قوله: "وأملي" بعد قوله: ~~"سنستدرجهم" الآية، التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده للدلالة على ~~مزيد العناية بتحريمهم من الرحمة الإلهية وإيرادهم مورد الهلكة. # وأيضا الإملاء هو إمهالهم إلى أجل مسمى. # فيكون في معنى قوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم": ~~الشورى: 14، وهذه الكلمة هي قوله لآدم (عليه السلام) حين إهباطه إلى ms3132 الأرض: ~~"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36 وهو القضاء الإلهي ~~والقضاء مختص به تعالى لا يشاركه فيه غيره، وهذا بخلاف الاستدراج الذي هو ~~إيصال النعمة بعد النعمة وتجديدها فإنها نعم إلهية مفاضة بالوسائط من ~~الملائكة والأمر فلهذا السبب جيء في الاستدراج بصيغة المتكلم مع الغير، ~~وغير ذلك في الإملاء وفي الكيد الذي هو أمر متحصل من الاستدراج والإملاء ~~إلى لفظ المتكلم وحده. # قوله تعالى: "أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين" في ~~تركيب الكلام اختلاف شديد بينهم، والذي يستبق إلى الذهن من السياق أن يكون ~~قوله: أولم يتفكروا" كلاما تاما سيق للإنكار والتوبيخ ثم قوله: "ما بصاحبهم ~~من جنة" الآية كلاما آخر سيق لبيان صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~دعواه النبوة، وهو يشير إلى ما يتفكرون فيه كأنه قيل: أولم يتفكروا في أنه ~~ما بصاحبهم من جنة الآية حتى يتبين لهم ذلك؟ نعم، ما به من جنة إن هو إلا ~~نذير مبين. # والتعبير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصاحبهم للإشارة إلى مادة ~~الاستدلال الفكري فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصحبهم ويصحبونه طول ~~حياته بينهم فلو كان به شيء من جنة لبان لهم ذلك البتة فهو فيما جاء به ~~نذير لا مجنون، والجنة بناء نوع من الجنون على ما قيل وإن كان من الجائز أن ~~يكون المراد به الفرد من الجن بناء على ما يزعمونه أن المجنون يحل فيه بعض ~~الجن فيتكلم من فيه وبلسانه. # قوله تعالى: "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض" إلى آخر الآية قد مر ~~كرارا أن الملكوت في عرف القرآن على ما يظهر من قوله تعالى: إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 هو ~~الوجه الباطن من الأشياء الذي يلي جهة الرب تعالى، وأن النظر إلى هذا الوجه ~~واليقين متلازمان كما يفهم من قوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض وليكون من ms3133 الموقنين": الأنعام: 75. # فالمراد توبيخهم في الإعراض والانصراف عن الوجه الملكوتي للأشياء لم نسوه ~~ولم ينظروا فيه حتى يتبين لهم أن ما يدعوهم إليه هو الحق؟. PageV08P193 # وقوله: "وما خلق الله من شيء" عطف على موضع السماوات، وقوله "من شيء" بيان ~~لما الموصولة، ومعنى الآية: لم لم ينظروا في خلق السماوات والأرض وأي شيء ~~آخر مما خلقه الله؟ لكن لا من الوجه الذي يلي الأشياء حتى ينتج العلم بخواص ~~الأشياء الطبيعية بل من جهة أن وجوداتها غير مستقلة بنفسها مرتبطة بغيرها ~~محتاجة إلى رب يدبر أمرها وأمر كل شيء، وهو رب العالمين. # وقوله: "وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم" عطف على قوله: "ملكوت" الآية ~~لكونه في تأويل المفرد والتقدير: أولم ينظروا في أنه عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم فإن النظر في هذا الاحتمال ربما صرفهم عن التمادي على ضلالهم وغيهم ~~فأغلب ما يصرف الإنسان عن الاشتغال بأمر الآخرة، ويوجه وجهه إلى الاغترار ~~بالدنيا نسيان الموت الذي لا يدري متى يرد رائده، وأما إذا التفت إلى ذلك ~~وشاهد جهله بأجله وأن من المرجو المحتمل أن يكون قد اقترب منهم فإنه يقطع ~~منابت الغفلة ويمنعه عن اتباع الهوى وطول الأمل. # وقوله: "فبأي حديث بعده يؤمنون" الضمير للقرآن على ما يستدعيه السياق، ~~وفي الكلام إيئاس من إيمانهم بالمرة أي إن لم يؤمنوا بالقرآن وهو تجليه ~~سبحانه عليهم بكلامه يكلمهم بما يضطر عقولهم بقبوله من الحجج والبراهين ~~والموعظة الحسنة وهو مع ذلك معجزة باهرة فلا يؤمنون بشيء آخر البتة، وقد ~~أخبر سبحانه أنه طبع على قلوبهم فلا سبيل لهم إلى فقه القول والإيمان ~~بالحق، ولذلك عقبه بقوله في الآية التالية: "من يضلل الله فلا هادي له" الآية. # قوله تعالى: "من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون" العمه ~~الحيرة والتردد في الضلال أو عدم معرفة الحجة، وإنما لم يذكر ما يقابله وهو ~~أن من يهدي فلا مضل له لأن الكلام مسوق لتعليل الآية السابقة: "فبأي حديث" ~~الآية كأنه قيل: لم لا يؤمنون ms3134 بحديث البتة؟ فقيل: لأن من يضلل الله الآية. # كلام في الأسماء الحسنى في فصول # 1 - ما معنى الأسماء الحسنى؟ # وكيف الطريق إليها؟ نحن أول ما نفتح أعيننا ونشاهد من مناظر الوجود ما ~~نشاهده يقع إدراكنا على أنفسنا وعلى أقرب الأمور منا وهي روابطنا مع الكون ~~الخارج من مستدعيات قوانا العاملة لإبقائنا فأنفسنا، وقوانا، وأعمالنا ~~المتعلقة بها هي أول ما يدق باب إدراكنا لكنا لا نرى أنفسنا إلا مرتبطة ~~بغيرها ولا قوانا ولا أفعالنا إلا كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان ~~يشاهدها من نفسه ومن كل ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة و، ~~عند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته ويسد خلته، وإليه ينتهي كل شيء، وهو الله ~~سبحانه، ويصدقنا في هذا النظر والقضاء قوله تعالى: "يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله والله هو الغني". # وقد عجز التاريخ عن العثور على بدء ظهور القول بالربوبية بين الأفراد ~~البشرية بل وجده وهو يصاحب الإنسانية إلى أقدم العهود التي مرت على هذا ~~النوع حتى أن الأقوام الوحشية التي تحاكي الإنسان الأولي في البساطة لما ~~اكتشفوهم في أطراف المعمورة كقطان أميركا وأستراليا وجدوا عندهم القول بقوى ~~عالية هي وراء مستوى الطبيعة ينتحلون بها، وهو قول بالربوبية وإن اشتبه ~~عليهم المصداق فالإذعان بذات ينتهي إليها أمر كل شيء من لوازم الفطرة ~~الإنسانية لا يحيد عنه إلا من انحرف عن إلهام فطرته لشبهة عرضت له كمن يضطر ~~نفسه على الاعتياد بالسم وطبيعته تحذره بإلهامها، وهو يستحسن ما ابتلي به. # ثم إن أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الإلهية أنا نذعن بانتهاء كل ~~شيء إليه، وكينونته ووجوده منه فهو يملك كل شيء لعلمنا أنه لو لم يملكها لم ~~يمكن أن يفيضها ويفيدها لغيره على أن بعض هذه الأشياء مما ليست حقيقته إلا ~~مبنية على الحاجة منبئة عن النقيصة، وهو تعالى منزه عن كل حاجة ونقيصة لأنه ~~الذي إليه يرجع كل شيء في رفع حاجته ونقيصته. # فله الملك - بكسر الميم وبضمها - على الإطلاق، ms3135 فهو سبحانه يملك ما وجدناه ~~في الوجود من صفة كمال كالحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والرزق ~~والرحمة والعزة وغير ذلك. PageV08P194 # فهو سبحانه حي، قادر، عليم، سميع، بصير لأن في نفيها إثبات النقص ولا سبيل ~~للنقص إليه، ورازق ورحيم وعزيز ومحي ومميت ومبدىء ومعيد وباعث إلى غير ذلك ~~لأن الرزق والرحمة والعزة والإحياء والإماتة والإبداء والإعادة والبعث له، ~~وهو السبوح القدوس العلي الكبير المتعال إلى غير ذلك نعني بها نفي كل نعت ~~عدمي وكل صفة نقص عنه. # فهذا طريقنا إلى إثبات الأسماء والصفات له تعالى على بساطته، وقد صدقنا ~~كتاب الله في ذلك حيث أثبت الملك - بكسر الميم - والملك - بضم الميم - له ~~على الإطلاق في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها. # 2 - ما هو حد ما نصفه أو نسميه به من الأسماء؟ # تبين من الفصل الأول أنا ننفي عنه جهات النقص والحاجة التي نجدها فيما ~~نشاهده من أجزاء العالم، وهي تقابل الكمال كالموت والفقد والفقر والذلة ~~والعجز والجهل ونحو ذلك، ومعلوم أن نفي هذه الأمور، وهي في نفسها سلبية ~~يرجع إلى إثبات الكمال فإن في نفي الفقر إثبات الغنى، وفي نفي الذلة والعجز ~~والجهل إثبات العزة والقدرة والعلم وهكذا. # وأما صفات الكمال التي نثبتها له سبحانه كالحياة والقدرة والعلم ونحو ذلك ~~فقد عرفت أنا نثبتها بالإذعان بملكه جميع الكمالات المثبتة في دار الوجود ~~غير أنا ننفي عنه تعالى جهات الحاجة والنقص التي تلازم هذه الصفات بحسب ~~وجودها في مصاديقها. # فالعلم في الإنسان مثلا إحاطة حضورية بالمعلوم من طريق انتزاع الصورة ~~وأخذها بقوى بدنية من الخارج والذي يليق بساحته أصل معنى الإحاطة الحضورية، ~~وأما كونه من طريق أخذ الصورة المحوج إلى وجود المعلوم في الخارج قبلا، ~~وإلى آلات بدنية مادية مثلا فهو من النقص الذي يجب تنزيهه تعالى منه، ~~وبالجملة نثبت له أصل المعنى الثبوتي ونسلب عنه خصوصية المصداق المؤدية إلى ~~النقص والحاجة. # ثم لما كنا نفينا عنه كل نقص وحاجة. # ومن النقص أن يكون الشيء محدودا بحد منتهيا بوجوده إلى نهاية ms3136 فإن الشيء ~~لا يحد نفسه وإنما يحده غيره الذي يقهره بضرب الحد والنهاية له، ولذلك ~~نفينا عنه كل حد ونهاية فليس سبحانه محدودا في ذاته بشيء ولا في صفاته بشيء ~~وقد قال تعالى: "وهو الواحد القهار": الرعد: 16 فله الوحدة التي تقهر كل ~~شيء من قبله فتحيط به. # ومن هنا قضينا أن صفاته تعالى عين ذاته، وكل صفة عين الصفة الأخرى، فلا ~~تمايز إلا بحسب المفهوم، ولو كان علمه غير قدرته مثلا، وكل منهما غير ذاته ~~كما فينا معاشر الإنسان مثلا لكان كل منها يحد الآخر والآخر ينتهي إليه ~~فكان محدود وحد ومتناه ونهاية فكان تركيب وفقر إلى حاد يحدها غيره، تعالى ~~عن ذلك وتقدس، وهذه صفة أحديته تعالى لا ينقسم من جهة من الجهات، ولا يتكثر ~~في خارج ولا في ذهن. # ومما تقدم يظهر فساد قول من قال: إن معاني صفاته تعالى ترجع إلى النفي ~~رعاية لتنزيهه عن صفات خلقه فمعنى العلم والقدرة والحياة هناك عدم الجهل ~~والعجز والموت، وكذا في سائر الصفات العليا، وذلك لاستلزامه نفي جميع صفات ~~الكمال عنه تعالى، وقد عرفت أن سلوكنا الفطري يدفع ذلك، وظواهر الآيات ~~الكريمة تنافيه: ونظيره القول بكون صفاته زائدة على ذاته أو نفي الصفات ~~وإثبات آثارها وغير ذلك مما قيل في الصفات فكل ذلك مدفوعة بما تقدم من ~~كيفية سلوكنا الفطري، ولتفصيل البحث عن بطلانها محل آخر. # 3 - الانقسامات التي لها: # يظهر مما قدمناه من كيفية السلوك الفطري أن من صفات الله سبحانه ما يفيد ~~معنى ثبوتيا كالعلم والحياة وهي المشتملة على معنى الكمال، ومنها ما يفيد ~~معنى السلب وهي التي للتنزيه كالسبوح والقدوس، وبذلك يتم انقسام الصفات إلى ~~قسمين: ثبوتية، وسلبية. PageV08P195 # وأيضا من الصفات ما هي عين الذات ليست بزائدة عليها كالحياة والقدرة والعلم ~~بالذات، وهي الصفات الذاتية، ومنها ما يحتاج في تحققه إلى فرض تحقق الذات ~~قبلا كالخلق والرزق وهي الصفات الفعلية، وهي زائدة على الذات منتزعة عن ~~مقام الفعل، ومعنى انتزاعها عن مقام أنا مثلا نجد هذه ms3137 النعم التي نتنعم بها ~~ونتقلب فيها نسبتها إلى الله سبحانه نسبة الرزق المقرر للجيش من قبل الملك ~~إلى الملك فنسميها رزقا، وإذ كان منتهيا إليه تعالى نسميه رازقا، ومثله ~~الخلق والرحمة والمغفرة وسائر الصفات والأسماء الفعلية، فهي تطلق عليه ~~تعالى ويسمى هو بها من غير أن يتلبس بمعانيها كتلبسه بالحياة والقدرة ~~وغيرها من الصفات الذاتية، ولو تلبس بها حقيقة لكانت صفات ذاتية غير خارجة ~~من الذات فللصفات والأسماء انقسام آخر إلى الذاتية والفعلية. # ولها انقسام آخر إلى النفسية والإضافية فما لا إضافة في معناها إلى ~~الخارج عن مقام الذات كالحياة نفسي، وما له إضافة إلى الخارج سواء كان معنى ~~نفسيا ذا إضافة كالصنع والخلق هي النفسية ذات الإضافة، أو معنى إضافيا محضا ~~كالخالقية والرازقية هي الإضافية المحضة. # 4 - نسب الصفات والأسماء إلينا ونسبتها فيما بينها: # . # لا فرق بين الصفة والاسم غير أن الصفة تدل على معنى من المعاني يتلبس به ~~الذات أعم من العينية والغيرية، والاسم هو الدال على الذات مأخوذة بوصف. # فالحياة والعلم صفتان، والحي والعالم اسمان وإذ كان اللفظ لا شأن له إلا ~~الدلالة على المعنى وانكشافه به فحقيقة الصفة والاسم هو الذي يكشف عنه لفظ ~~الصفة والاسم فحقيقة الحياة المدلول عليها بلفظ الحياة هي الصفة الإلهية ~~وهي عين الذات، وحقيقة الذات بحياتها التي هي عينها هو الاسم الإلهي، وبهذا ~~النظر يعود الحي والحياة اسمين للاسم والصفة وإن كانا بالنظر المتقدم نفس ~~الاسم ونفس الصفة. # وقد تقدم أنا في سلوكنا الفطري إلى الأسماء إنما تفطنا بها من جهة ما ~~شاهدناه في الكون من صفات الكمال فأيقنا من ذلك أن الله سبحانه مسمى بها ~~لما أنه مالكها الذي أفاض علينا بها، وما شاهدنا فيه من صفات النقص والحاجة ~~فأيقنا أنه تعالى منزه منها متصف بما يقابلها من صفة الكمال وبها يرفع عنا ~~النقص والحاجة فيما يرفع، فمشاهدة العلم والقدرة في الكون تهدينا إلى ~~اليقين بأن له سبحانه علما وقدرة يفيض بهما ما يفيضه من العلم والقدرة، ~~ومشاهدة الجهل والعجز ms3138 في الوجود تدلنا على أنه منزه عنهما متصف بما ~~يقابلهما من العلم والقدرة الذين بهما ترفع حاجتنا إلى العلم والقدرة فيما ~~ترفع، وهكذا في سائرها. # ومن هنا يظهر أن جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ~~ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة أي إن الصفات وسائط بين الذات وبين ~~مصنوعاته فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب تفيض عنه ~~سبحانه بما أنه عالم قادر رازق منعم بالترتيب، وجهلنا يرتفع بعلمه، وعجزنا ~~بقدرته، وذلتنا بعزته، وفقرنا بغناه، وذنوبنا بعفوه ومغفرته، وإن شئت فقل ~~بنظر آخر هو يقهرنا بقهره ويحدنا بلا محدوديته، وينهينا بلا نهايته، ويضعنا ~~برفعته، ويذللنا بعزته، ويحكم فينا بما يشاء بملكه - بالضم - ويتصرف فينا ~~كيف يشاء بملكه - بالكسر - فافهم ذلك. # وهذا هو الذي نجري عليه بحسب الذوق المستفاد من الفطرة الصافية فمن يسأل ~~الله الغنى ليس يقول: يا مميت يا مذل أغنني، وإنما يدعوه بأسمائه: الغني ~~والعزيز والقادر مثلا، والمريض الذي يتوجه إليه لشفاء مرضه يقول: يا شافي ~~يا معافي يا رءوف يا رحيم ارحمني واشفني، ولن يقول: يا مميت يا منتقم يا ذا ~~البطش اشفني: وعلى هذا القياس. # والقرآن الكريم يصدقنا في هذا السلوك والقضاء، وهو أصدق شاهد على صحة هذا ~~النظر فتراه يذيل آياته الكريمة بما يناسب مضامين متونها من الأسماء ~~الإلهية ويعلل ما يفرغه من الحقائق بذكر الاسم والاسمين من الأسماء بحسب ما ~~يستدعيه المورد من ذلك. # والقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يستعمل الأسماء الإلهية في تقرير ~~مقاصده، ويعلمنا علم الأسماء من بين ما بلغنا من الكتب السماوية المنسوبة ~~إلى الوحي. PageV08P196 # فتبين أنا ننتسب إليه تعالى بواسطة أسمائه، وبأسمائه بواسطة آثارها ~~المنتشرة في أقطار عالمنا المشهود فآثار الجمال والجلال في هذا العالم هي ~~التي تربطنا بأسماء جماله وجلاله من حياة وعلم وقدرة وعزة وعظمة وكبرياء، ~~ثم الأسماء تنسبنا إلى الذات المتعالية التي تعتمد عليها قاطبة أجزاء ~~العالم في استقلالها. # وهذه الآثار التي عندنا من ناحية أسمائه تعالى مختلفة في أنفسها سعة ~~وضيقا، وهما ms3139 بإزاء ما في مفاهيمها من العموم والخصوص فموهبة العلم التي ~~عندنا تنشعب منها شعب السمع والبصر والخيال والتعقل مثلا، ثم هي والقدرة ~~والحياة وغيرها تندرج تحت الرزق والإعطاء والإنعام والجود، ثم هي والعفو ~~والمغفرة ونحوها تندرج تحت الرحمة العامة. # ومن هنا يظهر أن ما بين نفس الأسماء سعة وضيقا، وعموما وخصوصا على ~~الترتيب الذي بين آثارها الموجودة في عالمنا فمنها خاصة، ومنها عامة، ~~وخصوصها وعمومها بخصوص حقائقها الكاشفة عنها آثارها وعمومها، وتكشف عن ~~كيفية النسب التي بين حقائقها النسب التي بين مفاهيمها فالعلم اسم خاص ~~بالنسبة إلى الحي وعام بالنسبة إلى السميع البصير الشهيد اللطيف الخبير ~~والرازق خاص بالنسبة إلى الرحمن، وعام بالنسبة إلى الشافي الناصر الهادي، ~~وعلى هذا القياس. # فللأسماء الحسنى عرض عريض تنتهي من تحت إلى اسم أو أسماء خاصة لا يدخل ~~تحتها اسم آخر ثم تأخذ في السعة والعموم ففوق كل اسم ما هو أوسع منه وأعم ~~حتى تنتهي إلى اسم الله الأكبر الذي يسع وحده جميع حقائق الأسماء وتدخل ~~تحته شتات الحقائق برمتها، وهو الذي نسميه غالبا بالاسم الأعظم. # ومن المعلوم أنه كلما كان الاسم أعم كانت آثاره في العالم أوسع، والبركات ~~النازلة منه أكبر وأتم لما أن الآثار للأسماء كما عرفت فما في الاسم من حال ~~العموم والخصوص يحاذيه بعينه أثره، فالاسم الأعظم ينتهي إليه كل أثر، ويخضع ~~له كل أمر. # 5 - ما معنى الاسم الأعظم؟ # شاع بين الناس أنه اسم لفظي من أسماء الله سبحانه إذا دعي به استجيب، ولا ~~يشذ من أثره شيء غير أنهم لما لم يجدوا هذه الخاصة في شيء من الأسماء ~~الحسنى المعروفة ولا في لفظ الجلالة اعتقدوا أنه مؤلف من حروف مجهولة ~~تأليفا مجهولا لنا لو عثرنا عليه أخضعنا لإرادتنا كل شيء. # وفي مزعمة أصحاب العزائم والدعوات أن له لفظا يدل عليه بطبعه لا بالوضع ~~اللغوي غير أن حروفه وتأليفها تختلف باختلاف الحوائج والمطالب، ولهم في ~~الحصول عليه طرق خاصة يستخرجون بها حروفا أولا ثم يؤلفونها ويدعون بها على ms3140 ~~ما يعرفه من راجع فنهم. # وفي بعض الروايات الواردة إشعار ما بذلك كما ورد: أن "بسم الله الرحمن ~~الرحيم" أقرب إلى اسم الله الأعظم من بياض العين إلى سوادها، وما ورد: أنه ~~في آية الكرسي وأول سورة آل عمران، وما ورد: أن حروفه متفرقة في سورة الحمد ~~يعرفها الإمام وإذا شاء ألفها ودعي بها فاستجيب له. وما ورد: أن آصف بن ~~برخيا وزير سليمان دعا بما عنده من حروف اسم الله الأعظم فأحضر عرش ملكة ~~سبإ عند سليمان في أقل من طرفة عين، وما ورد: أن الاسم الأعظم على ثلاث ~~وسبعين حرفا قسم الله بين أنبيائه اثنتين وسبعين منها، واستأثر واحدة منها ~~عنده في علم الغيب، إلى غير ذلك من الروايات المشعرة بأن له تأليفا لفظيا. # والبحث الحقيقي عن العلة والمعلول وخواصها يدفع ذلك كله فإن التأثير ~~الحقيقي يدور مدار وجود الأشياء في قوته وضعفه، والمسانخة بين المؤثر ~~والمتأثر، والاسم اللفظي إذا اعتبرنا من جهة خصوص لفظه كان مجموعة أصوات ~~مسموعة هي من الكيفيات العرضية، وإذا اعتبر من جهة معناه المتصور كان صورة ~~ذهنية لا أثر لها من حيث نفسها في شيء البتة، ومن المستحيل أن يكون صوت ~~أوجدناه من طريق الحنجرة أو صورة خيالية نصورها في ذهننا بحيث يقهر بوجوده ~~وجود كل شيء، ويتصرف فيما نريده على ما نريده فيقلب السماء أرضا والأرض ~~سماء ويحول الدنيا إلى الآخرة وبالعكس وهكذا، وهو في نفسه معلول لإرادتنا. PageV08P197 # والأسماء الإلهية واسمه الأعظم خاصة وإن كانت مؤثرة في الكون ووسائط ~~وأسبابا لنزول الفيض من الذات المتعالية في هذا العالم المشهود لكنها إنما ~~تؤثر بحقائقها لا بالألفاظ الدالة في لغة كذا عليها، ولا بمعانيها المفهومة ~~من ألفاظها المتصورة في الأذهان ومعنى ذلك أن الله سبحانه هو الفاعل الموجد ~~لكل شيء بما له من الصفة الكريمة المناسبة له التي يحويها الاسم المناسب، ~~لا تأثير اللفظ أو صورة مفهومة في الذهن أو حقيقة أخرى غير الذات ~~المتعالية. # إلا أن الله سبحانه وعد إجابة دعوة من دعاه ms3141 كما في قوله: "أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان": البقرة: 186، وهذا يتوقف على دعاء وطلب حقيقي، وأن يكون ~~الدعاء والطلب منه تعالى لا من غيره - كما تقدم في تفسير الآية - فمن انقطع ~~عن كل سبب واتصل بربه لحاجة من حوائجه فقد اتصل بحقيقة الاسم المناسب ~~لحاجته فيؤثر الاسم بحقيقته ويستجاب له، وذلك حقيقة الدعاء بالاسم فعلى حسب ~~حال الاسم الذي انقطع إليه الداعي يكون حال التأثير خصوصا وعموما، ولو كان ~~هذا الاسم هو الاسم الأعظم انقاد لحقيقته كل شيء واستجيب للداعي به دعاؤه ~~على الإطلاق. # وعلى هذا يجب أن يحمل ما ورد من الروايات والأدعية في هذا الباب دون ~~الاسم اللفظي أو مفهومه. # ومعنى تعليمه تعالى نبيا من أنبيائه أو عبدا من عباده اسما من أسمائه أو ~~شيئا من الاسم الأعظم هو أن يفتح له طريق الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلك في ~~دعائه ومسألته فإن كان هناك اسم لفظي وله معنى مفهوم فإنما ذلك لأجل أن ~~الألفاظ ومعانيها وسائل وأسباب تحفظ بها الحقائق نوعا من الحفظ فافهم ذلك. # واعلم أن الاسم الخاص ربما يطلق على ما لا يسمى به غير الله سبحانه كما ~~قيل به في الاسمين: الله، والرحمن. # أما لفظ الجلالة فهو علم له تعالى خاص به ليس اسما بالمعنى الذي نبحث ~~عنه، وأما الرحمن فقد عرفت أن معناه مشترك بينه وبين غيره تعالى لما أنه من ~~الأسماء الحسنى، هذا من جهة البحث التفسيري، وأما من حيث النظر الفقهي فهو ~~خارج عن مبحثنا. # 6 - عدد الأسماء الحسنى: # لا دليل في الآيات الكريمة على تعين عدد للأسماء الحسنى تتعين به بل ظاهر ~~قوله: "الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى": طه: 8، وقوله "ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها": الأعراف: 180، وقوله: "له الأسماء الحسنى يسبح له ما ~~في السموات والأرض": الحشر: 24، وأمثالها من الآيات أن كل اسم في الوجود هو ~~أحسن الأسماء في معناها فهو له تعالى فلا تتحدد أسماؤه الحسنى بمحدد. # والذي ورد منها في لفظ الكتاب الإلهي مائة وبضعة وعشرون ms3142 اسما هي. # أ- الإله، الأحد، الأول، الآخر، الأعلى، الأكرم، الأعلم. # أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسن الخالقين، أهل التقوى، أهل المغفرة، ~~الأقرب الأبقى. # ب - البارىء، الباطن، البديع، البر، البصير. # ت - التواب. # ج - الجبار، الجامع. # ح - الحكيم، الحليم، الحي، الحق، الحميد، الحسيب، الحفيظ، الحفي. # خ - الخبير، الخالق، الخلاق، الخير، خير الماكرين، خير الرازقين، خير ~~الفاصلين، خير الحاكمين، خير الفاتحين، خير الغافرين، خير الوارثين، خير ~~الراحمين، خير المنزلين. # ذ - ذو العرش، ذو الطول، ذو الانتقام، ذو الفضل العظيم، ذو الرحمة، ذو ~~القوة، ذو الجلال والإكرام، ذو المعارج. # ر - الرحمن، الرحيم، الرءوف، الرب، رفيع الدرجات، الرزاق، الرقيب. # س - السميع، السلام، سريع الحساب، سريع العقاب. # ش - الشهيد، الشاكر، الشكور، شديد العقاب، شديد المحال. # ص - الصمد. # ظ - الظاهر. # ع - العليم، العزيز، العفو، العلي، العظيم، علام الغيوب، عالم الغيب ~~والشهادة. # غ - الغني، الغفور، الغالب، غافر الذنب، الغفار. # ف - فالق الإصباح، فالق الحب والنوى، الفاطر، الفتاح. # ق - القوي، القدوس، القيوم، القاهر، القهار، القريب: القادر، القدير، ~~قابل التوب، القائم على كل نفس بما كسبت. # ك - الكبير، الكريم، الكافي. # ل - اللطيف. # م - الملك، المؤمن، المهيمن، المتكبر، المصور، المجيد، المجيب، المبين ~~المولى، المحيط، المقيت، المتعال، المحيي، المتين، المتقدر، المستعان، ~~المبدىء، مالك الملك. # ن - النصير، النور. # و- الوهاب، الواحد، الولي، الوالي، الواسع، الوكيل، الودود. # ه - الهادي. PageV08P198 # وقد تقدم أن ظاهر قوله: "ولله الأسماء الحسنى" و"له الأسماء الحسنى" أن ~~معاني هذه الأسماء له تعالى حقيقة وعلى نحو الأصالة، ولغيره تعالى بالتبع ~~فهو المالك لها حقيقة، وليس لغيره إلا ما ملكه الله من ذلك، وهو مع ذلك ~~مالك لما ملكه غيره لم يخرج عن ملكه بالتمليك، فله سبحانه حقيقة العلم مثلا ~~وليس لغيره منه إلا ما وهبه له وهو مع ذلك له لم يخرج من ملكه وسلطانه. # ومن الدليل على الاشتراك المعنوي في ما يطلق عليه تعالى وعلى غيره من ~~الأسماء والأوصاف ما ورد من أسمائه تعالى بصيغة أفعل التفضيل كالأعلى ~~والأكرم فإن صيغة التفضيل تدل بظاهرها على اشتراك المفضل والمفضل عليه في ~~أصل المعنى، وكذا ms3143 ما ورد بنحو الإضافة كخير الحاكمين وخير الرازقين وأحسن ~~الخالقين لظهوره في الاشتراك. # 7 - هل أسماء الله توقيفية؟ # تبين مما تقدم أن لا دليل على توقيفية أسماء الله تعالى من كلامه بل ~~الأمر بالعكس، والذي استدل به على التوقيف من قوله: "ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه" الآية مبني على كون اللام للعهد، ~~وأن يكون المراد بالإلحاد التعدي إلى غير ما ورد من أسمائه من طريق السمع، ~~وكلا الأمرين مورد نظر لما مر بيانه. # وأما ما ورد مستفيضا مما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "أن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة" أو ~~ما يقرب من هذا اللفظ فلا دلالة فيها على التوقيف. # هذا بالنظر إلى البحث التفسيري، وأما البحث الفقهي فمرجعه فن الفقه ~~والاحتياط في الدين يقتضي الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع، وأما ~~مجرد الإجراء والإطلاق من دون تسمية فالأمر فيه سهل. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، بإسناده عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام): أن لله عز ~~وجل تسعة وتسعين اسما من دعا الله بها استجاب له، ومن أحصاها دخل الجنة. ~~أقول: وسيجيء نظيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) والمراد بقوله: "من أحصاها دخل الجنة" الإيمان ~~باتصافه تعالى بجميع ما تدل عليه تلك الأسماء بحيث لا يشذ عنها شاذ. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة ~~وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو ~~عبد الله بن منده في التوحيد وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في كتاب ~~الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنه ~~وتر يحب الوتر. أقول: رواها عن أبي نعيم وابن مردويه عنه، ولفظه: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ms3144 لله مائة اسم غير اسم من دعا بها استجاب ~~الله له دعاءه، وعن الدارقطني في الغرائب عنه ولفظه: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): قال عز وجل: لي تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل ~~الجنة. وفيه، أخرج أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير ~~واحد من أحصاها دخل الجنة. أقول: ورواه أيضا عن أبي نعيم عن ابن عباس وابن ~~عمر ولفظه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لله تسعة وتسعون اسما ~~من أحصاها دخل الجنة، وهي في القرآن. أقول: والرواية تعارض ما سيأتي من ~~روايات الإحصاء حيث إن جميعها مشتملة على أسماء ليست في القرآن بلفظها إلا ~~أن يكون المراد كونها في القرآن بمعناها. PageV08P199 # وفي التوحيد، بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين ~~اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة. وهي. الله، الإله، الواحد، ~~الأحد، الصمد، الأول، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العلي، ~~الأعلى، الباقي، البديع، الباري، الأكرم، الظاهر الباطن، الحي، الحكيم، ~~العليم، الحليم، الحفيظ، الحق، الحسيب، الحميد، الحفي الرب، الرحمن، ~~الرحيم، الذاري، الرازق، الرقيب، الرءوف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، ~~العزيز، الجبار، المتكبر، السيد، سبوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الظاهر، ~~العدل، العفو، الغفور، الغني، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتاح، الفالق، ~~القديم، الملك، القدوس، القوي، القريب، القيوم القابض، الباسط، قاضي ~~الحاجات، المجيد، المولى، المنان، المحيط، المبين، المغيث، المصور، الكريم، ~~الكبير الكافي، كاشف الضر، الوتر، النور، الوهاب، الناصر، الواسع، الودود، ~~الهادي، الوفي، الوكيل، الوارث، البر، الباعث، التواب، الجليل، الجواد، ~~الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي. ~~وفي الدر المنثور، أخرج الترمذي وابن المنذر وابن حبان وابن منده والطبراني ~~والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد ms3145 من أحصاها دخل ~~الجنة أنه وتر يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، ~~الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، ~~البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب الرازق، الفتاح، العليم، القابض، ~~الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع البصير، الحكم، العدل، ~~اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، ~~المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، ~~المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، ~~المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، ~~الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، ~~الظاهر، الباطن، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو ~~الجلال والإكرام، الوالي، المتعال، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، ~~الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. ~~وفيه، أخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني كلاهما وأبو الشيخ والحاكم ~~وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة: أسأل الله ~~الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، ~~العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الحكيم، العليم، ~~السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان ~~البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدىء، المعيد، النور، البادي ~~وفي لفظ: القائم الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفو، الغفار، الوهاب، ~~الفرد وفي لفظ: القادر الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، ~~الدائم، المتعال، ذا الجلال والإكرام، المولى، النصير، الحق، المبين، ~~الوارث، المنير، الباعث القدير وفي لفظ: المجيب المحيي، المميت، الحميد وفي ~~لفظ: الجميل الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتاح، ~~التواب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلام، العلي، العظيم، الغني، ~~المليك، المقتدر، الأكرم، الرءوف، المدبر، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، ~~الكريم، الرفيع، الشهيد الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلاق، ~~الكفيل، الجليل. أقول: وذكر لفظ الجلالة في هذه الروايات المشتملة على ~~الإحصاء لإجراء الأسماء عليه. # وإلا فهو خارج عن العدد. PageV08P200 # وفيه، أخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال: سألت ms3146 أبي جعفر بن محمد الصادق عن ~~الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة فقال: هي في القرآن: ففي ~~الفاتحة خمسة أسماء، يا الله يا رب يا رحمن يا رحيم يا مالك، وفي البقرة ~~ثلاثة وثلاثون اسما: يا محيط يا قدير يا عليم يا حكيم يا علي يا عظيم يا ~~تواب يا بصير يا ولي يا واسع يا كافي يا رءوف يا بديع يا شاكر يا واحد يا ~~سميع يا قابض يا باسط يا حي يا قيوم يا غني يا حميد يا غفور يا حليم يا إله ~~يا قريب يا مجيب يا عزيز يا نصير يا قوي يا شديد يا سريع يا خبير. وفي آل ~~عمران: يا وهاب يا قائم يا صادق يا باعث يا منعم يا متفضل، وفي النساء: يا ~~رقيب يا حسيب يا شهيد يا مقيت يا وكيل يا علي يا كبير، وفي الأنعام يا فاطر ~~يا قاهر يا لطيف يا برهان، وفي الأعراف: يا محيي يا مميت، وفي الأنفال يا ~~نعم المولى يا نعم النصير، وفي هود: يا حفيظ يا مجيد يا ودود يا فعالا لما ~~يريد، وفي الرعد: يا كبير يا متعال، وفي إبراهيم: يا منان يا وارث، وفي ~~الحجر: يا خلاق. وفي مريم: يا فرد، وفي طه: يا غفار، وفي قد أفلح: يا كريم، ~~وفي النور: يا حق، يا مبين، وفي الفرقان: يا هادي، وفي سبإ: يا فتاح، وفي ~~الزمر: يا عالم، وفي غافر: يا غافر يا قابل التوب يا ذا الطول يا رفيع، وفي ~~الذاريات: يا رزاق يا ذا القوة يا متين، وفي الطور: يا بر. وفي اقتربت: يا ~~مليك يا مقتدر، وفي الرحمن: يا ذا الجلال والإكرام يا رب المشرقين يا رب ~~المغربين يا باقي يا محسن، وفي الحديد: يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن، وفي ~~الحشر: يا ملك يا قدوس يا سلام يا مؤمن يا مهيمن يا عزيز يا جبار يا متكبر ~~يا خالق يا بارىء يا مصور، وفي البروج ms3147 يا مبدىء يا معيد، وفي الفجر: يا ~~وتر، وفي الإخلاص: يا أحد يا صمد. أقول: والرواية لا تخلو عن تشويش فإن فيه ~~إدخال لفظ الجلالة في الأسماء التسعة والتسعين وليس منها، وقد كرر بعض ~~الأسماء كالكبير، وقد ذكر في أولها التسعة والتسعون، وأنهيت إلى مائة وعشرة ~~أسماء، وفيها مع ذلك موضع مناقشات أخر فيما يذكر من وجود الاسم في بعض ~~السور كالفرد في سورة مريم، والبرهان في سورة الأنعام. # إلى غير ذلك. # وعلى أي حال ظهر لك من هذه الروايات وهي التي عثرنا عليها من الروايات ~~الإحصاء أنها لا تدل على انحصار الأسماء الحسنى فيما تحصيها مع ما فيها من ~~الاختلاف في الأسماء، وذكر بعض ما ليس في القرآن الكريم بلفظ الاسمية، وترك ~~بعض ما في القرآن الكريم بلفظ الاسمية بل غاية ما تدل عليه أن من أسماء ~~الله تسعة وتسعين من خاصتها أن من دعا بها استجيب له، ومن أحصاها دخل الجنة. # على أن هناك روايات أخرى تدل على كون أسمائه تعالى أكثر من تسعة وتسعين ~~كما سيأتي بعضها، وفي الأدعية المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) شيء كثير من أسماء الله غير ما ورد منها في ~~القرآن وأحصي في روايات الإحصاء. PageV08P201 # وفي الكافي، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك ~~وتعالى خلق اسما بالحروف غير متصوت، وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسد، ~~وبالتشبيه غير موصوف، وباللون غير مصبوغ منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود، ~~محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور. فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء ~~معا ليس منها واحدا قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، ~~وحجب واحدا منها وهو الاسم المكنون والمخزون فهذه الأسماء التي ظهرت ~~فالظاهر هو الله، تبارك، وتعالى، وسخر سبحانه لكل اسم من هذه الأسماء أربعة ~~أركان فذلك اثنا عشر ركنا، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا ~~إليها: فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، الخالق، البارىء، ms3148 المصور، الحي، ~~القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، الحكيم، العزيز، ~~الجبار، المتكبر، العلي، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، ~~المهيمن، البارىء، المنشىء، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرازق، ~~المحيي، المميت، الباعث، الوارث. فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى ~~حتى تتم ثلاثمائة وستين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء ~~الثلاثة أركان، وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، ~~وذلك قوله عز وجل: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى". أقول: قوله (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى خلق اسما ~~بالحروف غير متصوت "إلخ" هذه الصفات المعدودة صريحة في أن المراد بهذا ~~الاسم ليس هو اللفظ، ولا معنى يدل عليه اللفظ من حيث إنه مفهوم ذهني فإن ~~اللفظ والمفهوم الذهني الذي يدل عليه لا معنى لاتصافه بالأوصاف التي وصفه ~~بها وهو ظاهر، وكذا يأبى عنه ما ذكره في الرواية بعد ذلك فليس المراد ~~بالاسم إلا المصداق المطابق للفظ لو كان هناك لفظ، ومن المعلوم أن الاسم ~~بهذا المعنى - وخاصة بالنظر إلى تجزيه بمثل: الله وتبارك وتعالى - ليس إلا ~~الذات المتعالية أو هو قائم بها غير خارج عنها البتة. # فنسبة الخلق إلى هذا الاسم في قوله: "خلق اسما" يكشف عن كون المراد ~~بالخلق غير المعنى المتعارف منه، وأن المراد به ظهور الذات المتعالية ظهورا ~~ينشأ به اسم من الأسماء وحينئذ ينطبق الخبر على ما تقدم بيانه أن الأسماء ~~مترتبة فيما بينها وبعضها واسطة لثبوت بعض، وتنتهي بالآخرة إلى اسم تعينها ~~عين عدم التعين. # وتقيد الذات المتعالية به عين عدم تقيدها بقيد. # وقوله: "فالظاهر هو الله تبارك وتعالى" إشارة إلى الجهات العامة التي ~~تنتهي إليها جميع الجهات الخاصة من الكمال، ويحتاج الخلق إليها من جميع ~~جهات فاقتها وحاجتها، وهي ثلاث: جهة استجماع الذات لكل كمال، وهي التي يدل ~~عليها لفظ الجلالة وجهة ثبوت الكمالات ومنشئية الخيرات والبركات، وهي التي ~~يدل عليه اسم تبارك، وجهة انتفاء النقائص وارتفاع الحاجات وهي التي يدل ~~عليه لفظ تعالى. ms3149 # وقوله: فعلا منسوبا إليها "أي إلى الأسماء وهو إشارة إلى ما قدمناه من ~~انتشاء اسم من اسم. # وقوله: "حتى تتم ثلاث مائة وستين اسما" صريح في عدم انحصار الأسماء ~~الإلهية في تسعة وتسعين. # وقوله: "وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب" إلخ فإن الاسم المكنون المخزون ~~لما كان اسما فهو تعين وظهور من الذات المتعالية، وإذ كان مكنونا بحسب ذاته ~~غير ظاهر بحسب نفسه فظهوره عين عدم ظهوره وتعينه عين عدم تعينه، وهو ما ~~يعبر عنه أحيانا بقولنا: إنه تعالى ليس بمحدود بحد حتى بهذا الحد العدمي لا ~~يحيط به وصف ولا نعت حتى هذا الوصف السلبي، وهذا بعينه توصيف منا والذات ~~المتعالية أعظم منه وأكبر. # ولازمه أن يكون اسم الجلالة الكاشف عن الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال ~~اسما من أسماء الذات دونها ودون هذا الاسم المكنون المخزون، وكذا "تبارك" ~~و"تعالى" ثلاثة أسماء معا سدنة وحجابا للاسم المكنون من غير أن يتقدم بعضها ~~بعضا، وهذه الحجاب الثلاثة والاسم المكنون المحجوب بها جميعا دون الذات، ~~وأما هي فلا ينتهي إليها إشارة ولا يقع عليها عبارة، إذ كلما تحكيه عبارة ~~أو تومىء إليه إشارة اسم من الأسماء محدود بهذا النحو، والذات المتعالية ~~أعلى منه وأجل. PageV08P202 # وقوله: "وذلك قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى" وجه الاستفادة أن الضمير في قوله: "فله" راجع إلى "أي" وهو ~~اسم شرط من الكنايات لا تعين لمعناه إلا عدم التعين، ومن المعلوم أن المراد ~~بالله وبالرحمن في الآية هو مصداق اللفظين لا نفسهما فلم يقل ادعوا بالله ~~أو بالرحمن بل ادعوا الله الآية فمدلول الآية أن الأسماء منسوبة قائمة ~~جميعا بمقام لا خبر عنه ولا إشارة إليه إلا بعدم الخبر والإشارة فافهم ذلك. # وفي الرواية أخذ "تبارك" وكذا "تعالى" وكذا "لا تأخذه سنة ولا نوم" من ~~الأسماء وهو مبني على مجرد الدلالة على الذات المأخوذة بصفة من صفاته من ~~غير رعاية المصطلح الأدبي. # والرواية من غرر الروايات تشير إلى مسألة هي أبعد ms3150 سمكا من مستوى الأبحاث ~~العامة والأفهام المتعارفة، ولذلك اقتصرنا في شرح الرواية على مجرد ~~الإشارات وأما الإيضاح التام فلا يتم إلا ببحث مبسوط خارج عن طوق المقام ~~غير أنها لا تبتني على أزيد مما تقدم من البحث عن نسب الأسماء والصفات ~~إلينا ونسب ما بينها الموضوع في الفصل الرابع من الكلام في الأسماء فعليك ~~بإبقائها حتى تنجلي لك المسألة حق الانجلاء والله الموفق. # وفي البصائر، بإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال: إن اسم الله الأعظم ~~على ثلاثة وسبعين حرفا، وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ~~فيما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت ~~أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند الله ~~استأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~وفيه، أيضا بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل ~~اسمه الأعظم على ثلاث وسبعون حرفا فأعطى آدم منها خمسة وعشرين حرفا وأعطى ~~نوحا منها خمسة وعشرين حرفا، وأعطى منها إبراهيم ثمانية أحرف، وأعطى موسى ~~منها أربعة أحرف، وأعطى عيسى منها حرفين وكان يحيي بهما الموتى ويبرىء بهما ~~الأكمه والأبرص، وأعطى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنين وسبعين حرفا، ~~واحتجب حرفا لئلا يعلم ما في نفسه ويعلم ما في نفس غيره ظ. أقول: وفي مساق ~~الروايتين بعض روايات أخر، ولا ينبغي أن يرتاب في أن كونه مفرقا إلى ثلاث ~~وسبعين حرفا أو مؤلفا من حروف لا يستلزم كونه بحقيقة مؤلفا من حروف الهجاء ~~كما تقدمت الإشارة إليه، وفي الروايتين دلالة على ذلك فإنه يعد الاسم وهو ~~واحد ثم يفرق حروفه بين الأنبياء ويستثني واحدا، ولو كان من قبيل الأسماء ~~اللفظية الدالة بمجموع حروفه على معنى واحد لم ينفع أحدا منهم (عليهم ~~السلام) ما أعطيه شيئا البتة. # وفي التوحيد، بإسناده عن علي (عليه السلام) في خطبة له: إن ربي لطيف ~~اللطافة فلا يوصف باللطف؟ ms3151 عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا ~~يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شيء لا يقال شيء قبله، ~~وبعد كل شيء لا يقال له بعد شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة، هو في ~~الأشياء كلها غير متمازج بها ولا بائن عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل ~~لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود ~~لا بعد عدم، جاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا ~~بآلة، بصير لا بأداة. # أقول: هو (عليه السلام) - كما يشاهد - يثبت في صفاته وأسمائه تعالى أصل ~~المعاني وينفي خصوصيات المصاديق الممكنة ونواقص المادة، وهو الذي قدمنا ~~بيانه سابقا: وهذه المعاني واردة في أحاديث كثيرة جدا مروية عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) وخاصة ما ورد عن علي والحسن والحسين والباقر والصادق ~~والكاظم والرضا (عليهما السلام) في خطب كثيرة من أرادها فليراجع جوامع ~~الحديث، والله الهادي. PageV08P203 # وفي المعاني، بإسناده عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~حديث: فليس له شبه ولا مثل ولا عدل، ولله الأسماء الحسنى التي لا يسمى بها ~~غيره، وهي التي وصفها الله في الكتاب فقال: "فادعوه بها وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه" جهلا بغير علم وهو لا يعلم ويكفر وهو يظن أنه يحسن؟ فذلك قوله: ~~"وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير ~~علم فيضعونها غير مواضعها. أقول: والحديث يؤيد ما قدمناه في معنى كون ~~الأسماء حسنى والإلحاد فيها، وقوله (عليه السلام): "لا يسمى بها غيره" أي ~~لا يوصف بالمعاني التي جردت لها وصح تسميته بها غيره تعالى كإطلاق الخالق ~~بحقيقة معناه الذي له تعالى لغيره، وعلى هذا القياس. # وفي الكافي، بإسناده إلى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~في قول الله عز وجل "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" قال: نحن والله ~~الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا:. أقول: ورواه ~~العياشي عنه (عليه ms3152 السلام)، وفيه أخذ الاسم بمعنى ما دل على الشيء سواء كان ~~لفظا أو غيره، وعليه فالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) أسماء دالة عليه ~~تعالى وسائط بينه وبين خلقه، ولأنهم في العبودية بحيث ليس لهم إلا الله ~~سبحانه فهم المظهرون لأسمائه وصفاته تعالى. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" قال ~~هم الأئمة: أقول: ورواه العياشي عن حمران عنه (عليه السلام) قال: وقال محمد ~~بن عجلان عنه (عليه السلام): "نحن هم" وقد تقدم ما يؤيده في البيان ~~المتقدم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: "وممن خلقنا أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون" قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل. وفي تفسير ~~البرهان، عن موفق بن أحمد عن السري عن ابن المنذر عن الحسين بن سعيد عن ~~أبيه عن أبان بن تغلب عن فضل عن عبد الملك الهمداني عن زادان عن علي قال ~~يفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعون فرقة اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في ~~الجنة، وهم الذين قال الله عز وجل في حقهم: "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون" أنا وشيعتي. أقول: وروى العياشي عن زادان عنه (عليه السلام): ~~مثله، وفي آخره: "وهم على الحق" مكان قوله: "أنا وشيعتي". # وقد تقدم في ذيل قوله تعالى: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ~~رواية العياشي عن أبي الصهباء عن علي (عليه السلام) ما في معناه، وكذا ~~رواية السيوطي في الدر المنثور بطرق عنه مثله. # وفي الكافي، بإسناده عن سفيان بن السمط قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إن الله إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكره ~~الاستغفار، وإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ~~ويتمادى بها، وهو قوله عز وجل: "سنستدرجهم من حيث لا ms3153 يعلمون" بالنعم عند ~~المعاصي. وفيه، بإسناده عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" قال: هو العبد يذنب ~~الذنب فيجدد له النعم معه تلهيه تلك النعم عن الاستغفار من ذلك الذنب:. ~~أقول: ورواه أيضا بإسناده عن ابن رئاب عن بعض أصحابنا عنه (عليه السلام) ~~مثله. وفيه، بإسناده عن الحسن الصيقل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عما روى الناس: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة" قلت: كيف؟ يتفكر؟ قال: يمر ~~بالخربة أو بالدار فيقول أين ساكنوك؟ أين بانوك؟ ما لك لا تتكلمين؟. أقول: ~~وهو من قبيل إراءة بعض المصاديق الظاهرة. PageV08P204 # وفيه، بإسناده عن معمر بن خلاد قال سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ~~يقول: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم. إنما العبادة التفكر في أمر الله عز ~~وجل. وفيه، بإسناده عن الربعي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام): التفكر يدعو إلى البر والعمل به. وفيه، ~~بإسناده عن محمد بن أبي النصر عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته. وفي تفسير القمي،: في ~~تفسير قوله تعالى: "ويذرهم في طغيانهم يعمهون" قال: قال نكله إلى نفسه. ~~أقول: ومعنى تركهم يعمهون في طغيانهم عدم إعانتهم على أنفسهم وتركهم وإياها ~~بقطع التوفيق فينطبق على الوكول إلى النفس. PageV08P205 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 187 - 188 # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت فى السموت والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفى عنها قل ~~إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) قل لا أملك لنفسى ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسنى السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ### |||| AUTO بيان # في الآيتين إبانة أن علم الساعة من الغيب المختص به تعالى لا يعلمه إلا ~~الله، ولا ms3154 دليل لتعيين وقتها والحدس لوقوعها أصلا فلا تأتي إلا بغتة. # وفيه إشارة ما إلى حقيقتها بذكر بعض أوصافها. # قوله تعالى: "يسألونك عن الساعة أيان مرساها - إلى قوله - إلا هو" الساعة ~~ساعة البعث والرجوع إلى الله لفصل القضاء العام فاللام للعهد لكنه صار في ~~عرف القرآن والشرع كالحقيقة في هذا المعنى. # والمرسى اسم زمان ومكان ومصدر ميمي من أرسيت الشيء إذا أثبته، أي متى ~~وقوعها وثبوتها، والتجلية الكشف والإظهار يقال جلاه فانجلى أي كشف عنه ~~فانكشف. # فقوله: "لا يجليها لوقتها إلا هو" أي لا يظهرها ولا يكشف عنها في وقتها ~~وعند وقوعها إلا الله سبحانه، ويدل ذلك على أن ثبوتها ووجودها والعلم بها ~~واحد أي إنها محفوظة في مكمن الغيب عند الله تعالى يكشف عنها ويظهرها متى ~~شاء من غير أن يحيط بها غيره سبحانه أو يظهر لشيء من الأشياء، وكيف يمكن أن ~~يحيط بها شيء من الأشياء أو ينكشف عنده، وتحققها وظهورها يلازم فناء ~~الأشياء، ولا شيء منها يسعه أن يحيط بفناء نفسه أو يظهر له فناء ذاته، ~~والنظام السببي الحاكم في الكون يتبدل عند وقوعها، وهذا العلم الذي يصحبها ~~من هذا النظام. # ومن هنا يظهر: أن المراد بقوله: "ثقلت في السموات والأرض" - والله أعلم - ~~ثقل علمها في السماوات والأرض وهو بعينه ثقل وجودها فلا ثمرة لاختلافهم في ~~أن المراد بثقل الساعة فيها ثقل علمها عليها، أو المراد ثقل صفتها على أهل ~~السماوات والأرض لما فيها من الشدائد والعقاب والحساب والجزاء، أو ثقل ~~وقوعها عليهم لما فيها من انطواء السماء وانتشار الكواكب واجتماع الشمس ~~والقمر وتسيير الجبال، أو أن السماوات والأرض لا تطيق حملها لعظمتها ~~وشدتها. # وذلك أنها ثقيلة بجميع ما يرجع إليها من ثبوتها والعلم بها وصفاتها على ~~السماوات والأرض، ولا تطيق ظهورها لملازمته فناءها والشيء لا يطيق فناء نفسه. # ومن ذلك يظهر أيضا وجه قوله سبحانه: "لا تأتيكم إلا بغتة" فإن البغتة ~~والفجأة ظهور الشيء من غير أن يعلم به قبل ظهوره، والساعة لثقلها لا يظهر ~~وصف من ms3155 أوصافها، ولا جزء من أجزائها قبل ظهورها التام، ولذلك كان ظهورها ~~لجميع الأشياء بغتة. # ومن هنا أيضا يظهر معنى تتمة الآية: "يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما ~~علمها عند الله" الآية على ما سيأتي. # قوله تعالى: "يسألونك كأنك حفي عنها" إلى آخر الآية، قال الراغب: الحفي ~~العالم بالشيء انتهى وكأنه مأخوذ من حفيت في السؤال إذا ألححت، وقوله: كأنك ~~حفي" متخلل بين يسألونك والظرف المتعلق به، والأصل: يسألونك عنها كأنك حفي ~~عالم بها، وهو يلوح إلى أنهم كرروا السؤال وألحوا عليه، ولذلك كرر السؤال ~~والجواب بوجه في اللفظ. # ففي قوله ثانيا: "يسألونك كأنك حفي عنها" إشعار أو دلالة على أنهم حسبوا ~~أن جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر ربه أولا: "إنما علمها عند ربي" ~~من قبيل إحالة علم ما لا يعلمه إلى ربه - على ما هو من أدب الدين - ولذا ~~قال: "عند ربي" إشعارا بالعبودية ووظيفتها، وأن قوله: "لا يجليها لوقتها ~~إلا هو" وصف لعظمتها من غير أن يرتبط ذلك بالعلم بوقتها، ولذلك كله كرروا ~~السؤال ليقول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك شيئا أو يعترف بجهله لنفسه. PageV08P206 # فأمره الله سبحانه أن يعيد الجواب عليهم: "إنما علمها عند الله" دالا به ~~على أن القول جد والجواب فصل، فهو من العلم لا من الجهل، والغرض به إفادة ~~العلم بانحصار علمها فيه تعالى دون الجهل بها، وإحالة علمها إلى ربه عملا ~~بوظيفة العبودية، ولذا بدل قوله في الجواب الأول "عند ربي" في هذا الجواب ~~الثاني إلى قوله "عند الله". # ثم قال: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" يشير به إلى جهلهم بمعنى قوله: ~~"إنما علمها عند ربي" الآية فإنهم لأنسهم بالحس والمحسوس يقيسون كل شيء ~~سمعوه إلى المحسوس، ويعممون حكمه عليه فيظنون أن كل ما وصف لهم بوجه يسع ~~لهم أن يعلموه ويحيطوا به علما، وأنه لو كان هناك أمر أخفي عنهم فإنما يخفى ~~بالكتمان، ولو أظهر لهم أحاطوا به علما كسائر ما عندهم من الأمور المحسوسة، ~~وقد أخطأ قياسهم واشتبه ms3156 عليهم فإن بعض ما في الغيب ومن جملته الساعة لا ~~يطيق علمه إلا الله سبحانه. # وقد ظهر من الآية أن علم الساعة مما لا يطيقه شيء من الأشياء إلا الله ~~سبحانه، وكذا حقيقة ما له من الأوصاف والنعوت فإن الجميع ثقيلة بثقلها. # قوله تعالى: "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله" إلى آخر ~~الآية لما كان في سؤالهم الغيب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إيهام أن ~~دعواه النبوة دعوى لعلم الغيب، ولا يعلم الغيب حقيقة غيره تعالى إلا بوحي ~~وتعليم إلهي، أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتبرأ من دعوى العلم ~~بالغيب. # وحقيقة السبب في اختصاص العلم بالغيب به تعالى أن غيره تعالى أيا ما كان ~~محدود الوجود لا سبيل له إلى الخارج منه الغائب عنه من حيث إنه غائب، ولا ~~شيء غير محدود ولا غير متناه محيط بكل شيء إلا الله سبحانه فله العلم ~~بالغيب. # لكن لما كان أولئك السائلون لا يسعهم فهم هذا السبب على ما لهم من ~~الأفهام البسيطة العامية أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكلمهم بما ~~يسعهم فهمه، وهو أن العلم بالغيب يهدي الإنسان إلى كل خير وشر والعادة تأبى ~~أن يعلم أحد الخير والشر ويهتدي إلى موقعهما ثم لا يستفيد من ذلك لنفسه ~~فالإنسان إذا لم يستكثر من الخير ولم يوق من الشر كيف يعلم الغيب؟. # فقوله في صدر الآية: "قل لا أملك لنفسي" الآية وصف لنفسه بما ينافي نتيجة ~~العلم بالغيب ثم قوله: "ولو كنت أعلم الغيب" الآية بيان نتيجة العلم ~~بالغيب، لينتج من الفصلين عدم علمه بالغيب، ثم قوله: "إن أنا إلا نذير" ~~بيان حقيقة حاله فيما يدعيه من الرسالة من غير أن يكون معها دعوى أخرى. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله "يسألونك عن الساعة أيان مرساها" الآية، قال: ~~قال: إن قريشا بعثوا العاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة ~~بن أبي معيط إلى نجران ليتعلموا من علماء ms3157 اليهود مسائل يسألونها عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان فيما سألوا محمدا متى تقوم الساعة ~~أنزل الله تعالى: "يسألونك عن الساعة أيان مرساها" الآية. وفي تفسير ~~العياشي، عن خلف بن حماد عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~الله يقول في كتابه: "ولو كنت أعلم الغيب - لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء" يعني الفقر:. أقول: ورواه أيضا الصدوق في المعاني، بإسناده عن خلف ~~بن حماد عن رجل عنه (عليه السلام)، ورواه الحسين بن بسطام في طب الأئمة، عن ~~جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام). PageV08P207 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 189 - 198 # هو الذى خلقكم من نفس وحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ءاتيتنا صلحا لنكونن من ~~الشكرين (189) فلما ءاتاهما صلحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعلى الله ~~عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون ~~لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صدقين (194) ألهم أرجل يمشون بها ~~أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ~~ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن وليى الله الذى نزل الكتب وهو ~~يتولى الصلحين (196) والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ~~ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون (198) ### |||| AUTO بيان # الكلام في الآيات جار على ما جرت عليه سائر آيات السورة من مواثيق النوع ~~الإنساني ونقضها على الأغلب الأكثر. # قوله تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة" إلى آخر الآيتين. # الكلام في الآيتين جار مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم موثقهم الذي ~~واثقوه، وظلمهم بآيات الله. # والمعنى "هو الذي خلقكم" يا معشر بني آدم "من نفس واحدة" هو أبوكم "وجعل ~~منها" ms3158 أي من نوعها "زوجها ليسكن" الرجل الذي هو النفس الواحدة "إليها" أي ~~إلى الزوج التي هي امرأته "فلما تغشاها" والتغشي هو الجماع "حملت حملا ~~خفيفا" والمحمول النطفة وهي خفيفة "فمرت به" أي استمرت الزوج بحملها تذهب ~~وتجيء وتقوم وتقعد حتى نمت النطفة في رحمها وصارت جنينا ثقيلا أثقلت به ~~الزوج "فلما أثقلت دعوا الله ربهما" وعاهداه وواثقاه "لئن آتيتنا" ورزقتنا ~~ولدا "صالحا" يصلح للحياة والبقاء بكونه إنسانا سويا تام الأعضاء غير ذي ~~عاهة وآفة فإن ذلك هو المرجو للولد حين ولادته وبدء نشوئه دون الصلاح ~~الديني "لنكونن من الشاكرين" لك بإظهار نعمتك، والانقطاع إليك في أمره لا ~~نميل إلى سبب دونك، ولا نتعلق بشيء سواك. # "فلما آتاهما صالحا" كما سألاه وجعله إنسانا سويا صالحا للبقاء وقرت به ~~أعينهما "جعلا له شركاء فيما آتاهما" من الولد الصالح حيث بعثتهما المحبة ~~والشفقة عليه أن يتعلقا بكل سبب سواه، ويخضعا لكل شيء دونه مع أنهما كانا ~~قد اشترطا له أن يكونا شاكرين له غير كافرين لنعمته وربوبيته فنقضا عهدهما ~~وشرطهما. # وهكذا عامة الإنسان إلا من رحمة الله مهتمون بنقض مواثيقهم وخلف وعدهم، ~~وعدم الوفاء بعهدهم مع الله "فتعالى الله عما يشركون". # والقصة - كما ترى - يمكن أن يراد بها بيان حال الأبوين من نوع الإنسان في ~~استيلادهما الولد بالاعتبار العام النوعي فإن كل إنسان فإنه مولود أبويه ~~فالكثرة الإنسانية نتيجة أبوين يولدان ولدا كما في قوله تعالى: "يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل": الحجرات: 13. # والغالب على حال الأبوين وهما يحبان ولدهما ويشفقان عليه أن ينقطعا طبعا ~~إلى الله في أمر ولدهما وإن لم يلتفتا إلى تفصيل انقطاعهما كما ينقطع راكب ~~البحر إلى الله سبحانه إذا تلاطمت وأخذت أمواجها تلعب به ينقطع إلى ربه وإن ~~لم يعبد ربا قط فإنما هو حال قلبي يضطر الإنسان إليه. # فللأبوين انقطاع إلى ربهما في أمر ولدهما لئن آتيتنا صالحا نرضاه لنكونن ~~من الشاكرين فلما استجاب لهما وآتاهما صالحا جعلا له شركاء وتشبثا في ms3159 حفظه ~~وتربيته بكل سبب، ولاذا إلى كل كهف. PageV08P208 # ويؤيد هذا الوجه قوله في ذيل الآية: "فتعالى الله عما يشركون" فإن المراد ~~بالنفس وزوجها في صدر الكلام لو كان شخصين من الإنسان بعينهما كآدم وحواء ~~مثلا كان من حق الكلام أن يقال: فتعالى الله عن شركهما أو عما أشركا. # على أنه تعالى يعقب هذه الآية بآيات أخر يذم فيها الشرك ويوبخ المشركين ~~بما ظاهره أنه الشرك بمعنى عبادة غير الله، وحاشا أن يكون صفي الله آدم ~~يعبد غير الله وقد نص الله سبحانه على أنه اجتباه وهداه، ونص على أن لا ~~سبيل للضلال على من هداه الله وأي ضلال أضل من عبادة غير الله، قال تعالى: ~~"ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى": طه: 122، وقال: "ومن يهد الله فهو ~~المهتد": إسراء: 97، وقال: "ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة": الأحقاف: 5 وبذلك يظهر أن الضلال والشرك غير منسوب إلى ~~آدم وإن لم نقل بنبوته أو قلنا بها ولم نقل بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) ~~وإن أريد بالنفس وزوجها في القصة آدم وزوجته كان المراد بشركهما المذكور في ~~الآية أنهما اشتغلا بتربية الولد واهتما في أمره بتدبير الأسباب والعوامل، ~~وصرفهما ذلك عن بعض ما لهما من التوجه إلى ربهما والخلوص في ذلك، ومن ~~الدليل على ذلك قوله تعالى حكاية عنهما: "لنكونن من الشاكرين" وقد تقدم في ~~تفسير أوائل هذه السورة في قوله: "ولا تجد أكثرهم شاكرين": الآية: 17 أن ~~الشاكرين في عرف القرآن هم المخلصون - بفتح اللام - الذين لا سبيل لإبليس ~~عليهم ولا دبيب للغفلة في قلوبهم فالعتاب المتوجه إليهما في قوله: "فتعالى ~~الله عما يشركون" إنما هو بالشرك بمعنى الاشتغال عن الله بغيره من الأسباب ~~الكونية يوجه خلاف إخلاص القلب له تعالى. # لكن يبقى عليه إتيان قوله: "فتعالى الله عما يشركون" بصيغة الجمع، ~~وتعقيبه بما ظاهره أنه الشرك بمعنى عبادة غير الله. # وربما دفعه بعضهم بأن الآية في التخصيص أولا والتعميم ثانيا عكس قوله ~~تعالى: "هو ms3160 الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة": يونس 22 حيث خاطب أولا عامتهم بالتسيير ثم خص الكلام براكبي ~~الفلك منهم خاصة، والآية التي نحن فيها تخص أول القصة بآدم وزوجته فهما ~~المعنيان بقوله: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها" ثم انقضى ~~حديث آدم وزوجته، وخص بالذكر المشركون من بني آدم الذين سألوا ما سألوا، ~~وجعلوا له شركاء فيما آتاهم أي إن كل اثنين منهم يولدان ولدا هذا حالهما من ~~العهد ثم النقض. # وفيه أن قوله: "هو الذي يسيركم" الآية محفوف بقرينة قطعية تدل على المراد ~~وتزيل اللبس بخلاف التدرج من الخصوص إلى العموم في هذه الآية فإنه موقع في ~~اللبس لا يصار إليه في الكلام البليغ، اللهم إلا أن يجعل قوله: "فتعالى ~~الله عما يشركون" إلى آخر الآيات قرينة على ذلك. # وكيف كان فهذا الوجه كالمأخوذ من الوجهين الأولين بحمل صدر الآية على ~~الوجه الثاني وذيلها على الوجه الأول. # وربما دفع الاعتراض السابق بأن في الكلام حذفا وإيصالا والتقدير: "فلما ~~آتاهما أي آدم وحواء صالحا جعل أولادهما له شركاء" فحذف المضاف وهو ~~الأولاد، وأقيم المضاف إليه وهو ضمير التثنية المدلول عليه في قوله: "جعلا ~~مقامه". # وفيه أنه لا دليل عليه. # وربما التزم بعض المفسرين الإشكال، وتسلم أن المراد بهما آدم وزوجته، ~~وأنهما أشركا بالله عملا بروايات وردت في القصة عن بعضهم، وهي موضوعة أو ~~مدسوسة مخالفة للكتاب لا سبيل إلى الأخذ بأمثالها. # قوله تعالى: "أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون" إلى آخر الآيات ~~الثلاث. # صدر الآيات وإن احتمل أن يكون المراد الشرك بالأصنام أو بسائر الأسباب ~~غير الله، التي الاعتماد عليها نوع من الشرك لكن ذيلها ظاهر في أن المراد ~~هو الشرك بالأصنام المتخذة آلهة وهي جماد لا يستطيع نصر من يعبدها ولا نصر ~~أنفسها، ولا يشعر بشيء من الدعاء وعدمه. # قوله تعالى: "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم - إلى قوله - ~~يسمعون بها" احتجاج على مضمون الآيات ms3161 الثلاث السابقة، والمعنى إنما قلنا ~~إنهم مخلوقون لا يقدرون على شيء لأنهم عباد أمثالكم فكما أنكم مخلوقون ~~مدبرون كذلك هم. PageV08P209 # والحجة عليه أنهم لا يستجيبون لكم إن دعوتموهم فادعوهم إن كنتم صادقين في ~~دعواكم أن لهم علما وقدرة وإنما نسب إليهم دعوى كونهم ذوي علم وقدرة لما في ~~دعوتهم من الدلالة على ذلك - وكيف يستجيبون لكم؟ وليست ما عبأتم لهم من ~~الأرجل والأيدي ماشية وباطشة، ولا ما صورتم لهم من الأعين والآذان مبصرة ~~وسامعة لأنهم جمادات. # وفي الآيات إطلاق العباد على الجمادات. # قوله تعالى: "قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون" إلى آخر الآيات ثم ~~أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكر عليهم على انتصارهم بأربابهم ~~وآلهتهم بالتحدي والإعجاز ليستبين سبيله من سبيلهم، ويظهر أن ربه هو الله ~~الذي له كل العلم والقدرة، وأن أربابهم لا يملكون علما ليهتدوا به إلى شيء ~~ولا قدرة لينصروهم في شيء. # فقال: قل لهم ادعوا شركاءكم لنصركم علي ثم كيدوني فلا تنظروني ولا ~~تمهلوني إن ربي ينصرني ويدفع عني كيدكم فإنه الذي نزل الكتاب ليهدي به ~~الناس، وهو يتولى الصالحين من عباده فينصرهم، وهو القائل: إن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون وأنا من الصالحين فينصرني ولا محالة، وأما أربابكم الذين ~~تدعون من دونه فلا يستطيعون نصركم ولا نصر أنفسهم ولا يسمعون ولا يبصرون ~~فلا قدرة لهم ولا علم. # وفي الآيات أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخبرهم أنه من ~~الصالحين ولم يعهد فيما يخبر به القرآن من صلاح الأنبياء مثل ذلك في غيره ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيها التحدي على الأصنام وعبدتهم كما تحدى بذلك غيره من الأنبياء (عليهم ~~السلام). ### |||| AUTO بحث روائي # في العيون، بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا (عليه السلام) في حديث: ~~قال له المأمون: فما معنى قوله تعالى: "فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما" فقال الرضا (عليه السلام) إن حواء ولدت لآدم خمس مائة بطن في ~~كل بطن ذكرا وأنثى، وإن آدم وحواء عاهدا ms3162 الله تعالى ودعواه وقالا: لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحا من النسل خلقا سويا ~~بريئا من الزمانة والعاهة كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا وصنفا إناثا ~~فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما ~~له عز وجل قال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله حقا. أقول: مرجعه إلى بعض ~~الوجوه السابقة في دفع ما أورد على الآية، وقد وردت في تفسير الآية عدة من ~~الروايات مروية عن سمرة بن جندب وأبي وزيد وابن عباس فيها أن آدم وحواء لم ~~يكن يعيش لهما ولد فأمرهما الشيطان أو أمر حواء أن يسمياه عبد الحارث حتى ~~يعيش - وكان الحارث اسمه في السماء - وفي بعضها: عبد الشمس، وفي بعضها: أنه ~~خوفها أن تلد ناقة أو بقرة أو بهيمة أخرى، وشرط لها إن سمته عبد الحارث ~~ولدت إنسانا سويا. # الأحاديث. # وهي موضوعة أو مدسوسة من الإسرائيليات. # وقد روي في المجمع، عن تفسير العياشي عنهم (عليهم السلام): أنه كان ~~شركهما شرك طاعة ولم يكن شرك معصية، وظاهره أنه جرى على ما يجري عليه تلك ~~الأحاديث فحاله حالها وكيف يفرق بين الطاعة والعبادة وخاصة في مورد إبليس ~~وقد قال تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61 ومع ذلك فقد ذكر بعضهم أن هذه الروايات لا ~~تدل على أزيد من الإشراك في التسمية، وليس ذلك بكفر ولا معصية، واختاره ~~الطبري هذا. PageV08P210 ### ||| AUTO 7 سورة الأعراف - 199 - 206 # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين (199) وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطن ~~تذكروا فإذا هم مبصرون (201) وإخونهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون (202) ~~وإذا لم تأتهم بئاية قالوا لو لا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى ~~هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) وإذا قرئ القرءان فاستمعوا ~~له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك فى نفسك ms3163 تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغفلين (205) إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) ### |||| AUTO بيان # الآيات ختام السورة، وفيها رجوع إلى ذكر معنى الغرض الذي نزلت فيه السورة ~~ففيها أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسيرة الحسنة الجميلة التي ~~تميل إليها القلوب، وتسكن إليها النفوس، وأمره بالتذكر ثم بالذكر أخيرا. # قوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" الأخذ بالشيء هو ~~لزومه أو عدم تركه فأخذ العفو ملازمة الستر على إساءة من أساء إليه، ~~والإغماض عن حق الانتقام الذي يعطيه العقل الاجتماعي لبعضهم على بعض. # هذا بالنسبة إلى إساءة الغير بالنسبة إلى نفسه والتضييع لحق شخصه، وأما ~~ما أضيع فيه حق الغير بالإساءة إليه فليس مما يسوغ العفو فيه لأنه إغراء ~~بالإثم وتضييع لحق الغير بنحو أشد، وإبطال للنواميس الحافظة للاجتماع، ~~ويمنع عنه جميع الآيات الناهية عن الظلم والإفساد وإعانة الظالمين والركون ~~إليهم بل جميع الآيات المعطية لأصول الشرائع والقوانين، وهو ظاهر. # فالمراد بقوله: "خذ العفو" هو الستر بالعفو فيما يرجع إلى شخصه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وعلى ذلك كان يسير فقد تقدم في بعض الروايات المتقدمة في ~~أدبه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه لم ينتقم من أحد لنفسه قط. # هذا على ما ذكره القوم أن المراد بالعفو ما يسارق المغفرة، وفي بعض ~~الروايات الآتية عن الصادق (عليه السلام) أن المراد به الوسط وهو أنسب ~~بالآية وأجمع للمعنى من غير شائبة التكرار الذي يلزم من قوله: "وأعرض عن ~~الجاهلين" على التفسير الأول. # وقوله: "وأمر بالعرف" والعرف هو ما يعرفه عقلاء المجتمع من السنن والسير ~~الجميلة الجارية بينهم بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل الاجتماعي من ~~الأعمال النادرة الشاذة، ومن المعلوم أن لازم الأمر بمتابعة العرف أن يكون ~~نفس الآمر مؤتمرا بما يأمر به من المتابعة، ومن ذلك أن يكون نفس أمره بنحو ~~معروف غير منكر فمقتضى قوله: "وأمر بالعرف" أن يأمر بكل معروف، وأن لا يكون ms3164 ~~نفس الأمر بالمعروف على وجه منكر. # وقوله: "وأعرض عن الجاهلين" أمر آخر بالمداراة معهم، وهو أقرب طريق ~~وأجمله لإبطال نتائج جهلهم وتقليل فساد أعمالهم فإن في مقابلة الجاهل بما ~~يعادل جهله إغراء له بالجهل والإدامة على الغي والضلال. # قوله تعالى: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم" ~~قال الراغب في المفردات،: النزغ دخول في أمر لأجل إفساده، قال: من بعد أن ~~نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. # انتهى، وقيل: هو الإزعاج والإغراء وأكثر ما يكون حال الغضب، وقيل: هو من ~~الشيطان أدنى الوسوسة، والمعاني متقاربة، وأقربها من الآية هو الأوسط ~~لمناسبته الآية السابقة الآمرة بالإعراض عن الجاهلين فإن مماستهم الإنسان ~~بالجهالة نوع مداخلة من الشيطان لإثارة الغضب، وسوقه إلى جهالة مثله. # فيرجع معنى الآية إلى أنه لو نزغ الشيطان بأعمالهم المبنية على الجهالة ~~وإساءتهم إليك ليسوقك بذلك إلى الغضب والانتقام فاستعذ بالله إنه سميع ~~عليم، والآية مع ذلك عامة خوطب بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقصد ~~بها أمته لعصمته. PageV08P211 # قوله تعالى: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون" نحو تعليل للأمر في الآية السابقة والطائف من الشيطان هو الذي يطوف ~~حول القلب ليلقي إليه الوسوسة أو وسوسته التي تطوف حول القلب لتقع فيه ~~وتستقر عليه، و"من" بيانية على الأول، ونشوئية على الثاني، ومآل المعنيين ~~مع ذلك واحد، والتذكر تفكر من الإنسان في أمور لتهديه إلى نتيجة مغفول عنها ~~أو مجهولة قبله. # والآية بمنزلة التعليل للأمر بالاستعاذة في الآية السابقة، والمعنى استعذ ~~بالله عند نزغة الشيطان فإن هذا طريق المتقين فهم إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا أن الله هو ربهم الذي يملكهم ويربيهم يرجع إليه أمرهم فارجعوا إليه ~~الأمر فكفاهم مئونته، ودفع عنهم كيده، ورفع عنهم حجاب الغفلة فإذا هم ~~مبصرون غير مضروب على أبصارهم بحجاب الغفلة. # فالآية - كما عرفت - في معنى قوله: "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون": النحل: 99. # وقد ظهر أيضا أن الاستعاذة بالله نوع ms3165 من التذكر لأنها مبنية على أن الله ~~سبحانه وهو ربه هو الركن الوحيد الذي يدفع هذا العدو المهاجم بما له من ~~قوة، وأيضا الاستعاذة نوع من التوكل كما مر. # قوله تعالى: "وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون" كان الجملة حالية، ~~والمراد بإخوانهم إخوان المشركين وهم الشياطين كما وقع قوله: "إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين": الإسراء: 27 والإقصار الكف والانتهاء. # والمعنى: أن الذين اتقوا على هذا الحال من التذكر والإبصار والحال أن ~~إخوان المشركين من الشياطين يمدون المشركين في غيهم ويعينونهم ثم لا يكفون ~~عن مدهم وإعانتهم، أو لا يكف المشركون ولا ينتهون عن غيهم. # قوله تعالى: "وإذا لم تأتهم بآية قالوا لو لا اجتبيتها" إلى آخر الآية. # الاجتباء افتعال من الجباية، وقولهم: "لو لا اجتبيتها" كلام منهم جار ~~مجرى التهكم والسخرية والمعنى على ما يعطيه السياق: أنك إذا أتيتهم بآية ~~كذبوا بها وإذا لم تأتهم بآية كما لو أبطأت فيها قالوا: لو لا اجتبيت ما ~~تسميه آية وجمعتها من هنا وهناك فأتيت بها "قل" ليس لي من الأمر شيء "وإنما ~~أتبع ما إلي من ربي هذا" القرآن "بصائر من ربكم" يريد أن يبصركم بها "وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون". # قوله تعالى: "وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" ~~الإنصات السكوت مع استماع، وقيل: هو الاستماع مع سكوت يقال: أنصت الحديث ~~وأنصت له أي استمع ساكتا، وأنصته غيره وأنصت الرجل أي سكت، فالمعنى: ~~استمعوا للقرآن واسكتوا. # والآية بحسب دلالتها عامة وإن قيل: إنها نزلت في الصلاة جماعة. # قوله تعالى: "واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول" إلى ~~آخر الآية. # قسم الذكر إلى ما في النفس ودون الجهر من القول: ثم أمر بالقسمين، وأما ~~الجهر من القول في الذكر فمضرب عنه لا لأنه ليس ذكرا بل لمنافاته لأدب ~~العبودية ويدل على ذلك ما ورد: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سار ~~بأصحابه في بعض غزواته فدخلوا واديا موحشا والليل داج فكان ينادي بعض ~~أصحابه بالتكبير فنهاه النبي ms3166 (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إنكم لا ~~تدعون غائبا بعيدا. # والتضرع من الضراعة وهو التملق بنوع من الخشوع والخضوع، والخيفة بناء نوع ~~من الخوف، والمراد به نوع من الخوف يناسب ساحة قدسه تعالى ففي التضرع معنى ~~الميل إلى المتضرع إليه والرغبة فيه والتقرب منه، وفي الخيفة معنى اتقائه ~~والرهبة والتبعد عنه، فمقتضى توصيف الذكر بكونه عن تضرع وخيفة أن يكون ~~بحركة باطنية إليه ومنه كالذي يحب شيئا ويهابه فيدنو منه لحبه ويتبعد عنه ~~لمهابته، والله سبحانه وإن كان محض الخير لا شر فيه، وإنما الشر الذي يمسنا ~~هو من قبلنا لكنه تعالى ذو الجلال والإكرام له أسماء الجمال التي تدعوا ~~إليه وتجذب نحوه كل شيء وله أسماء الجلال التي تقهر وتدفع عنه كل شيء فحق ~~ذكره وهو الله له الأسماء الحسنى كلها أن يكون على ما يقتضيه مجموع أسمائه ~~الجمالية والجلالية، وهو أن يذكر تعالى تضرعا وخيفة، ورغبا ورهبا. # وقوله: "بالغدو والآصال" ظاهره أنه قيد لقوله: "ودون الجهر من القول" ~~فيكون الذكر القولي هو الموزع إلى الغدو والآصال، وينطبق على بعض الفرائض ~~اليومية. PageV08P212 # وقوله: "ولا تكن من الغافلين" تأكيد للأمر بالذكر في أول الآية ولم ينه ~~تعالى عن أصل الغفلة، وإنما نهى عن الدخول في زمرة الغافلين، وهم الموصوفون ~~بالغفلة الذين استقرت فيهم هذه الصفة. # ويتبين بذلك أن الذكر المطلوب المأمور به هو أن يكون الإنسان على ذكر من ~~ربه حينا بعد حين، ويبادر إليه لو عرضت له غفلة منسية، ولا يدع الغفلة ~~تستقر في نفسه، وفي الآية التالية: دلالة على ذلك على ما سيجيء. # فمحصل الآية: الأمر بالاستمرار على ذكر الله في النفس تضرعا وخيفة حينا ~~بعد حين، وذكره بالقول دون الجهر بالغدو والآصال. # قوله تعالى: "إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون" ظاهر السياق أنه في موضع التعليل للأمر الواقع في الآية السابقة ~~فيكون المعنى: اذكر ربك كذا وكذا فإن الذين عند ربك كذلك أي اذكر ربك كذا ~~لتكون من الذين عند ربك ms3167 ولا تخرج من زمرتهم. # ويتبين بذلك أن المراد بقوله: "الذين عند ربك" ليس هم الملائكة فقط - على ~~ما فسره كثير من المفسرين - إذ لا معنى لقولنا: اذكر ربك كذا لأن الملائكة ~~يذكرونه كذلك بل مطلق المقربين عنده تعالى على ما يفيده لفظ: "عند ربك" من ~~الحضور من غير غيبة. # ويظهر من الآية أن القرب من الله إنما هو بذكره، فبه يرتفع الحجاب بينه ~~وبين عبده، وإلا فجميع الأشياء متساوية في النسبة إليه من غير اختلاف بينها ~~بقرب أو بعد أو غير ذلك. # وقوله: "لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون" فيه أمور ثلاثة يتصف ~~بها الذكر النفسي كما يتصف بها الذكر القولي فإن للنفس أن تتصف بحال عدم ~~الاستكبار، وبحال تنزيهه تعالى، وبحال السجدة وكمال الخشوع له كما يتصف بها ~~الذكر القولي ويعنون بها العمل الخارجي، فليس التسبيح والسجود مما يختص ~~بالأعضاء من لسان وغيره كما يدل عليه قوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده": ~~إسراء: 44، وقوله: "والنجم والشجر يسجدان": الرحمن: 6، وقوله: "ولله يسجد ~~ما في السماوات وما في الأرض": النحل: 49. # وما في الآية من توصيف القوم بعدم الاستكبار والتسبيح والسجود أخف وأهون ~~مما يشتمل عليه قوله تعالى: "ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون": الأنبياء: 20 وقوله: "فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة: 38 ~~فإن هذه الآيات ظاهرها الاستمرار الذي لا يتخلله عدم، ولا يتوسطه مناف، ~~والآية التي نبحث عنها لم يأمر إلا بما لا تثبت معه الغفلة في النفس كما عرفت. # فهذه الآية تأمر بمرتبة من الذكر هي دون ما تتضمنه آيات سورتي الأنبياء ~~وحم السجدة والله العالم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن الحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عمن سمع أبا عبد ~~الله (عليه السلام) وهو يقول: إن الله أدب رسوله فقال: يا محمد خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال: خذ منهم ما ظهر وما تيسر، والعفو ~~الوسط. ms3168 وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك وتصل من ~~قطعك، وتعطي من حرمك. ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "خذ العفو ~~وأمر بالعرف - وأعرض عن الجاهلين". أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة ~~مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق أهل السنة. # وفيه، أخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لما ~~أنزل الله "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس. وفيه، أخرج ابن ~~جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف يا رب والغضب؟ فنزل: "وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ" الآية. أقول: وفي الرواية شيء، ويمكن أن يوجه بما ~~قدمناه في الآية. PageV08P213 # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: إن عرض في قلبك منه شيء ووسوسة فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم. وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد ~~الله قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ: "إذا مسهم طائف" ~~بالألف. وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سألته عن قول الله عز وجل: "إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا - فإذا ~~هم مبصرون" قال: هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك، فذلك قوله: "تذكروا ~~فإذا هم مبصرون": أقول: ورواه العياشي عن أبي بصير، وعلي بن أبي حمزة، وزيد ~~بن أبي أسامة عنه (عليه السلام)، ولفظ الأولين: هو الرجل يهم بالذنب ثم ~~يتذكر فيدعه، ولفظ الأخير: هو الذنب يهم به العبد فيتذكر فيدعه، وفي معناه ~~روايات أخر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: صلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقرأ خلفه قوم فنزلت: "وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ms3169 ~~وأنصتوا". أقول: وفي ذلك عدة روايات من طرق أهل السنة وفي بعضها: أنهم ~~كانوا يتكلمون خلفه وهم في الصلاة فنزلت، وفي بعضها: أنه كان فتى من ~~الأنصار، وفي بعضها رجل. # وفي المجمع، بعد ذكر القول: إن الآية نزلت في الصلاة جماعة خلف الإمام: ~~قال: وروي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام). وفيه، وروي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) أنه قال: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها:. أقول: ورواه ~~العياشي عن زرارة عنه (عليه السلام)، وفي آخره: وإذا قرىء عندك القرآن وجب ~~عليك الإنصات والاستماع. وفيه، عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يقرأ القرآن وأنا في الصلاة هل يجب على ~~الإنصات والاستماع؟ قال: نعم إذا قرىء القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع. ~~وفي تفسير العياشي، عن أبي كهمش عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قرأ ابن ~~الكواء خلف أمير المؤمنين (عليه السلام): "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين" فأنصت أمير المؤمنين (عليه السلام). أقول: والروايات في غير ~~صورة قراءة الإمام محمولة على الاستحباب وتمام البحث في الفقه. # وفي الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي فقال: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون أتاني جبرئيل آنفا فقال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون قلت: أجل فإنا لله وإنا إليه راجعون فمم ذاك يا جبرئيل؟ فقال: إن ~~أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ ~~قال: كل ذلك سيكون. قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب ~~الله يضلون، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم يمنع الأمراء الناس حقوقهم ~~فلا يعطونها فيقتتلون، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون. قلت يا جبرئيل فبم يسلم من سلم منهم فقال: بالكف والصبر إن أعطوا ~~الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه. وفي تفسير القمي،: في معنى ms3170 قوله: إن الذين ~~عند ربك الآية، يعني الأنبياء والرسل والأئمة. تم والحمد الله. PageV08P214 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء التاسع PageV09P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته ~~زادتهم إيمنا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلوة ومما رزقنهم ~~ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجدلونك فى ~~الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) ### |||| AUTO بيان # سياق الآيات في السورة يعطي أنها مدنية نزلت بعد وقعة بدر، وهي تقص بعض ~~أخبار بدر، وتذكر مسائل متفرقة تتعلق بالجهاد والغنائم والأنفال ونحوها، ~~وأمورا أخرى تتعلق بالهجرة وبها تختتم السورة. # قوله تعالى: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول" إلى آخر الآية. # الأنفال جمع نفل بالفتح وهو الزيادة على الشيء، ولذا يطلق النفل والنافلة ~~على التطوع لزيادته على الفريضة، وتطلق الأنفال على ما يسمى فيئا أيضا وهي ~~الأشياء من الأموال التي لا مالك لها من الناس كرءوس الجبال، وبطون ~~الأودية، والديار الخربة، والقرى التي باد أهلها وتركة من لا وارث له، وغير ~~ذلك كأنها زيادة على ما ملكه الناس فلم يملكها أحد وهي لله ولرسوله، وتطلق ~~على غنائم الحرب كأنها زيادة على ما قصد منها فإن المقصود بالحرب والغزوة ~~الظفر على الأعداء واستئصالهم فإذا غلبوا وظفر بهم فقد حصل المقصود، ~~والأموال التي غنمه المقاتلون والقوم الذين أسروهم زيادة على أصل الغرض. # و"ذات" في الأصل مؤنث "ذا" بمعنى الصاحب من الألفاظ اللازمة الإضافة غير ~~أنه كثر استعماله في نفس الشيء بمعنى ما به الشيء هو هو فيقال: ذات الإنسان ~~أي ما به الإنسان إنسان، وذات زيد أي النفس الإنسانية الخاصة التي سميت ~~بزيد، وكان الأصل فيها النفس ذات أعمال كذا ثم أفردت ms3171 بالذكر فقيل ذات ~~الأعمال أو ما يؤدي مؤداه ثم قيل ذات، وكذلك الأمر في ذات البين فلكون ~~الخصومة لا تتحقق إلا بين طرفين نسب إليها البين فقيل ذات البين أي الحالة ~~والرابطة السيئة التي هي صاحبة البين فالمراد بقوله: أصلحوا ذات بينكم أي ~~أصلحوا الحالة الفاسدة والرابطة السيئة التي بينكم. # وقال الراغب في المفردات: "ذو" على وجهين: أحدهما يتوصل به إلى الوصف ~~بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنى ويجمع، ويقال ~~في التثنية: ذواتا، وفي الجمع: ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافا. # قال: وقد استعار أصحاب المعاني الذات فجعلوه عبارة عن عين الشيء جوهرا ~~كان أو عرضا، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر وبالألف واللام، وأجروها ~~مجرى النفس والخاصة فقالوا: ذاته ونفسه وخاصته، وليس ذلك من كلام العرب، ~~والثاني في لفظ ذو لغة لطيء يستعملونه استعمال "الذي" ويجعل في الرفع ~~والنصب والجر والجمع والتأنيث على لفظ واحد نحو: وبئري ذو حفرت وذو طويت. # أي التي حفرت والتي طويت. # انتهى. # والذي ذكره من عدم إضافته إلى الضمير منقول عن الفراء، ولازمه كون ~~استعماله مضافا إلى الضمير من كلام المولدين والحق أنه قليل لا متروك، وقد ~~وقع في كلام علي (عليه السلام) في بعض خطبه كما في نهج البلاغة. PageV09P002 # وقد اختلف المفسرون في معنى الآية وموقعها اختلافا شديدا من جهات: من جهة ~~معنى قوله: "يسئلونك عن الأنفال" وقد نسب إلى أهل البيت (عليهم السلام) ~~وبعض آخر كعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن مصرف أنهم قرءوا: ~~"يسئلونك الأنفال" فقيل: عن زائدة في القراءة المشهورة، وقيل: بل مقدرة في ~~القراءة الشاذة، وقيل: إن المراد بالأنفال غنائم الحرب، وقيل: غنائم غزوة ~~بدر خاصة بجعل اللام في الأنفال للعهد، وقيل: الفيء الذي لله والرسول ~~والإمام، وقيل: إن الآية منسوخة بآية الخمس، وقيل: بل محكمة، وقد طالت ~~المشاجرة بينهم كما يعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير كتفسيري الرازي ~~والآلوسي وغيرهما. # والذي ينبغي أن يقال بالاستمداد من السياق: أن الآية بسياقها تدل على ms3172 أنه ~~كان بين هؤلاء المشار إليهم بقوله: "يسئلونك" تخاصم خاصم به بعضهم بعضا ~~بأخذ كل جانبا من القول لا يرضى به خصمه، والتفريع الذي في قوله: "فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم" يدل على أن الخصومة كانت في أمر الأنفال، ولازم ~~ذلك أن يكون السؤال الواقع منهم المحكي في صدر الآية إنما وقع لقطع ~~الخصومة، كأنهم تخاصموا في أمر الأنفال ثم راجعوا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يسألونه عن حكمها لتنقطع بما يجيبه الخصومة وترتفع عما بينهم. # وهذا - كما ترى - يؤيد أولا القراءة المشهورة: "يسئلونك عن الأنفال" فإن ~~السؤال إذا تعدى بعن كان بمعنى استعلام الحكم والخبر، وأما إذا استعمل ~~متعديا بنفسه كان بمعنى الاستعطاف ولا يناسب المقام إلا المعنى الأول. # وثانيا: أن الأنفال بحسب المفهوم وإن كان يعم الغنيمة والفيء جميعا إلا ~~أن مورد الآية هي الأنفال بمعنى غنائم الحرب لا غنائم غزوة بدر خاصة إذ لا ~~وجه للتخصيص فإنهم إذ تخاصموا في غنائم بدر لم يتخاصموا فيها لأنها غنائم ~~بدر خاصة بل لأنها غنائم مأخوذة من أعداء الدين في جهاد ديني، وهو ظاهر. # واختصاص الآية بحسب موردها بغنيمة الحرب لا يوجب تخصيص الحكم الوارد فيها ~~بالمورد، فإن المورد لا يخصص، فإطلاق حكم الآية بالنسبة إلى كل ما يسمى ~~بالنفل في محله، وهي تدل على أن الأنفال جميعا لله ولرسوله لا يشارك الله ~~ورسوله فيها أحد من المؤمنين سواء في ذلك الغنيمة والفيء. # ثم الظاهر من قوله: "قل الأنفال لله والرسول" وما يعظهم الله به بعد هذه ~~الجملة ويحرضهم على الإيمان هو أن الله سبحانه فصل الخصومة بتشريع ملكها ~~لنفسه ولرسوله، ونزعها من أيديهم وهو يستدعي أن يكون تخاصمهم من جهة دعوى ~~طائفة منهم أن الأنفال لها خاصة دون غيرها، أو أنها تختص بشيء منها، وإنكار ~~الطائفة الأخرى ذلك، ففصل الله سبحانه خصومتهم فيها بسلب ملكهم منها وإثبات ~~ملك نفسه ورسوله، وموعظتهم أن يكفوا عن المخاصمة والمشاجرة، وأما قول من ~~يقول: إن الغزاة يملكون ما أخذوه من الغنيمة ms3173 بالإجماع فأحرى به أن يورد في ~~الفقه دون التفسير. # وبالجملة فنزاعهم في الأنفال يكشف عن سابق عهد لهم بأن الغنيمة لهم أو ما ~~في معناه غير أنه كان حكما مجملا اختلف فيه المتخاصمان وكل يجر النار إلى ~~قرصته، والآيات الكريمة تؤيد ذلك. # توضيحه: أن ارتباط الآيات في السورة والتصريح بقصة وقعة بدر فيها يكشف أن ~~السورة بأجمعها نزلت حول وقعة بدر وبعيدها حتى إن ابن عباس - على ما نقل ~~عنه - كان يسميها سورة بدر، والتي تتعرض لأمر الغنيمة من آياتها خمس آيات ~~في مواضع ثلاثة من السورة هي بحسب ترتيب السورة، قوله تعالى: "يسئلونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول" الآية، وقوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ~~والله على كل شيء قدير"، وقوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لو لا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ~~واتقوا الله إن الله غفور رحيم". PageV09P003 # وسياق الآية الثانية يفيد أنها نزلت بعد الآية الأولى والآيات الأخيرة ~~جميعا لمكان قوله فيها إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان فهي نازلة بعد الوقعة بزمان. # ثم الآيات الأخيرة تدل على أنهم كلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في أمر الأسرى وسألوه أن لا يقتلهم ويأخذ الفدية، وفيها عتابهم على ~~ذلك، ثم تجويز أن يأكلوا مما غنموا وكأنهم فهموا من ذلك أنهم يملكون ~~الغنائم والأنفال على إبهام في أمره: هل يملكه جميع من حضر الوقعة أو بعضهم ~~كالمقاتلين دون القاعدين مثلا؟ وهل يملكون ذلك بالسوية فيقسم بينهم كذلك أو ~~يختلفون فيه بالزيادة والنقيصة كأن يكون سهم الفرسان منها أزيد من المشاة؟ ~~أو نحو ذلك. # وكان ذلك سبب التخاصم بينهم فتشاجروا في ms3174 الأمر، ورفعوا ذلك إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية الأولى: "قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" الآية، فخطأتهم الآية فيما زعموا أنهم ~~مالكوا الأنفال بما استفادوا من قوله: "فكلوا مما غنمتم" الآية، وأقرت ملك ~~الأنفال لله والرسول ونهتهم عن التخاصم والتشاجر، فلما انقطع بذلك تخاصمهم ~~أرجعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم، وقسمها بينهم بالسوية، وعزل ~~السهم لعدة من أصحابه لم يحضروا الوقعة، ولم يقدم مقاتلا على قاعد، ولا ~~فارسا على ماش، ثم نزلت الآية الثانية: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه" الآية، بعد حين فأخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما رد إليهم ~~من السهام الخمس وبقي لهم الباقي. # هذا ما يتحصل من انضمام الآيات المربوطة بالأنفال بعضها ببعض. # فقوله تعالى: "يسئلونك عن الأنفال" يفيد بما ينضم إليه من قرائن السياق ~~أنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حكم غنائم الحرب بعد ما ~~زعموا أنهم يملكون الغنيمة، واختلفوا فيمن يملكها، أو في كيفية ملكها ~~وانقسامها بينهم، أو فيهما معا، وتخاصموا في ذلك. # وقوله: "قل الأنفال لله والرسول" جواب عن مسألتهم وفيه بيان أنهم لا ~~يملكونها وإنما هي أنفال يملكها الله ورسوله، فيوضع حيثما أراد الله ~~ورسوله، وقد قطع ذلك أصل ما نشب بينهم من الاختلاف والتخاصم. # ويظهر من هذا البيان أن الآية غير ناسخة لقوله تعالى: "فكلوا مما غنمتم" ~~إلى آخر الآية، وإنما تبين معناها بالتفسير، وإن قوله: "كلوا" ليس بكناية ~~عن ملكهم للغنيمة بحسب الأصل، وإنما المراد هو التصرف فيها والتمتع منها ~~إلا أن يمتلكوا بقسمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إياها بينهم. # ويظهر أيضا أن قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى" الآية ليس بناسخ لقوله: "قل الأنفال لله والرسول" ~~الآية فإن قوله: "واعلموا أنما غنمتم" الآية إنما يؤثر بالنسبة إلى ~~المجاهدين منعهم عن أكل تمام الغنيمة والتصرف فيه إذ لم يكن لهم بعد نزول ~~قوله: "الأنفال ms3175 لله والرسول" إلا ذلك، وأما قوله: "الأنفال لله والرسول" ~~فلا يفيد إلا كون أصل ملكها لله والرسول من دون أن يتعرض لكيفية التصرف ~~وجواز الأكل والتمتع، فلا يناقضه في ذلك قوله: "واعلموا أنما غنمتم" الآية ~~حتى يكون بالنسبة إليه ناسخا، فيتحصل من مجموع الآيات الثلاث: أن أصل الملك ~~في الغنيمة لله والرسول ثم يرجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين يأكلونها ~~ويمتلكونها ويرجع خمس منها إلى الله والرسول وذي القربى وغيرهم لهم التصرف ~~فيها والاختصاص بها. # ويظهر بالتأمل في البيان السابق أيضا: أن في التعبير عن الغنائم بالأنفال ~~وهو جمع نفل بمعنى الزيادة إشارة إلى تعليل الحكم بموضوعه الأعم، كأنه قيل: ~~يسألونك عن الغنائم وهي زيادات لا مالك لها من بين الناس، وإذا كان كذلك ~~فأجبهم بحكم الزيادات والأنفال، وقل: الأنفال لله والرسول، ولازم ذلك كون ~~الغنيمة لله والرسول. # وبذلك ربما تأيد كون اللام في لفظ الأنفال الأول للعهد وفي الثاني للجنس ~~أو الاستغراق، وتبين وجه الإظهار في قوله: "قل الأنفال" الآية حيث لم يقل: ~~قل هي لله والرسول. PageV09P004 # ويظهر بذلك أيضا: أن قوله: "قل الأنفال لله والرسول" حكم عام يشمل بعمومه ~~الغنيمة وسائر الأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية والقرى ~~البائدة ورءوس الجبال وبطون الأودية وقطائع الملوك وتركة من لا وارث له، ~~أما الأنفال بمعنى الغنائم فهي متعلقة بالمقاتلين من المسلمين بعمل النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبقي الباقي تحت ملك الله ورسوله. # هذا ما يفيده التأمل في كرائم الآيات، وللمفسرين فيها أقاويل مختلفة تعلم ~~بالرجوع إلى مطولات التفاسير لا جدوى في نقلها والتعرض المنقض والإبرام فيها. # قوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" إلى آخر ~~الآيتين الآيتان والتي بعدهما بيان ما يتميز به المؤمنون بحقيقة الإيمان ~~ويختصون به من الأوصاف الكريمة والثواب الجزيل بينت ليتأكد به ما يشتمل ~~عليه قوله تعالى: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" إلى آخر الآية. # وقد ذكر الله تعالى لهم خمس صفات اختارها من بين جميع صفاتهم التي ذكرها ~~في كلامه ms3176 لكونها مستلزمة لكرائم صفاتهم على كثرتها وملازمة لحق الإيمان، ~~وهي بحيث إذا تنبهوا لها وتأملوها كان ذلك مما يسهل لهم توطين النفس على ~~التقوى وإصلاح ذات بينهم، وإطاعة الله ورسوله. # وهاتيك الصفات الخمس هي: وجل القلب عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند ~~استماع آيات الله، والتوكل، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، ~~ومعلوم أن الصفات الثلاث الأول من أعمال القلوب، والأخيرتان من أعمال ~~الجوارح. # وقد روعي في ذكرها الترتيب الذي بينها بحسب الطبع، فإن نور الإيمان إنما ~~يشرق على القلب تدريجا، فلا يزال يشتد ويضاعف حتى يتم ويكمل بحقيقته، فأول ~~ما يشرق يتأثر القلب بالوجل والخشية إذا تذكر بالله عند ذكره، وهو قوله ~~تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم". # ثم لا يزال ينبسط الإيمان ويتعرق وينمو ويتفرع بالسير في الآيات الدالة ~~عليه تعالى، والهادية إلى المعارف الحقة، فكلما تأمل المؤمن في شيء منها ~~زادته إيمانا، فيقوى الإيمان ويشتد حتى يستقر في مرحلة اليقين، وهو قوله ~~تعالى: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا". # وإذا زاد الإيمان وكمل كمالا عرف عندئذ مقام ربه وموقع نفسه، معرفة تطابق ~~واقع الأمر، وهو أن الأمر كله إلى الله سبحانه فإنه تعالى وحده هو الرب ~~الذي إليه يرجع كل شيء، فالواجب الحق على الإنسان أن يتوكل عليه ويتبع ما ~~يريده منه بأخذه وكيلا في جميع ما يهمه في حياته، فيرضى بما يقدر له في ~~مسير الحياة، ويجري على ما يحكم عليه من الأحكام ويشرعه من الشرائع فيأتمر ~~بأوامره وينتهي عن نواهيه، وهو قوله تعالى: "وعلى ربهم يتوكلون. # ثم إذا استقر الإيمان على كماله في القلب، استوجب ذلك أن ينعطف العبد ~~بالعبودية إلى ربه، وينصب نفسه في مقام العبودية وإخلاص الخضوع وهو الصلاة، ~~وهي أمر بينه وبين ربه، وأن يقوم بحاجة المجتمع في نواقص مساعيهم بالإنفاق ~~على الفقراء مما رزقه الله من مال أو علم أو غير ذلك، وهو أمر بينه وبين ~~سائر أفراد مجتمعه، وهو قوله تعالى: "الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون". ms3177 # وقد ظهر مما تقدم أن قوله تعالى: "زادتهم إيمانا" إشارة إلى الزيادة من ~~حيث الكيفية وهو الاشتداد والكمال، دون الكمية وهي الزيادة من حيث عدد ~~المؤمنين كما احتمله بعض المفسرين. # قوله تعالى: "أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم" قضاء منه تعالى بثبوت الإيمان حقا فيمن اتصف بما عده تعالى من الصفات ~~الخمس، ولذلك أطلق ما ذكره لهم من كريم الأجر في قوله: "لهم درجات عند ~~ربهم" الآية فلهؤلاء من صفات الكمال وكريم الثواب وعظيم الأجر ما لكل مؤمن حقيقي. # وأما قوله: "لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم" فالمغفرة هي الصفح ~~الإلهي عند ذنوبهم، والرزق الكريم ما يرتزقون به من نعم الجنة، وقد أراد ~~الله سبحانه بالرزق الكريم الجنة ونعمها في مواضع من كلامه، كقوله تعالى: ~~"فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين أولئك أصحاب الجحيم:" الحج: - 51 وغير ذلك. # وبذلك يظهر أن المراد بقوله: "لهم درجات عند ربهم" مراتب القرب والزلفى ~~ودرجات الكرامة المعنوية، وهو كذلك. PageV09P005 # فإن المغفرة والجنة من آثار مراتب القرب من الله سبحانه وفروعه البتة. # والذي يشتمل عليه الآية من إثبات الدرجات لهؤلاء المؤمنين، هو ثبوت جميع ~~الدرجات لجميعهم، لا ثبوت جميعها لكل واحد منهم فإنها من لوازم الإيمان، ~~والإيمان مختلف ذو مراتب فالدرجات الموهوبة بإزائه كذلك لا محالة، فمن ~~المؤمنين من له درجة واحدة، ومنهم ذو الدرجتين، ومنهم ذو الدرجات على ~~اختلاف مراتبهم في الإيمان. # ويؤيده قوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات:" المجادلة: - 11، وقوله تعالى: "أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط ~~من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، هم درجات عند الله والله بصير بما ~~يعملون:" آل عمران: - 163. # وبما تقدم يظهر أن تفسير بعضهم ما في الآية من الدرجات بدرجات الجنة، ليس ~~على ما ينبغي، وإن المتعين كون المراد بها درجات القرب كما تقدم وإن كان كل ~~منهما يلازم الآخر. # قوله تعالى: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن ms3178 فريقا من المؤمنين ~~لكارهون" إلى آخر الآيتين. # ظاهر السياق أن قوله: "كما أخرجك" متعلق بما يدل عليه قوله تعالى: "قل ~~الأنفال لله والرسول" والتقدير: إن الله حكم بكون الأنفال له ولرسوله بالحق ~~مع كراهتهم له، كما أخرجك من بيتك بالحق مع كراهة فريق منهم له، فللجميع حق ~~يترتب عليه من مصلحة دينهم ودنياهم ما هم غافلون عنه. # وقيل: إنه متعلق بقوله: "يجادلونك في الحق" وقيل: إن العامل فيه معنى ~~الحق والتقدير: هذا الذكر من الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. # والمعنيان - كما ترى - بعيدان عن سياق الآية. # والمراد بالحق ما يقابل الباطل، وهو الأمر الثابت الذي يترتب عليه آثاره ~~الواقعية المطلوبة، وكون الفعل - وهو الإخراج - بالحق هو أن يكون هو ~~المتعين الواجب بحسب الواقع، وقيل: المراد به الوحي، وقيل: المراد به ~~الجهاد، وقيل غير ذلك، وهي معان بعيدة. # والأصل في معنى الجدل شدة الفتل: يقال: زمان جديل أي شديد الفتل، وسمي ~~الجدال جدالا لأنه فيه نزاعا بالفتل عن مذهب إلى مذهب كما ذكره في المجمع. # ومعنى الآيتين: أن الله تعالى حكم في أمر الأنفال بالحق مع كراهتهم لحكمه ~~كما أخرجك من بيتك بالمدينة إخراجا يصاحب الحق، والحال أن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون لذلك، ينازعونك في الحق بعد ما تبين لهم إجمالا، والحال ~~أنهم يشبهون جماعة يساقون إلى الموت، وهم ينظرون إلى ما أعد لهم من أسبابه ~~وأدواته. ### |||| AUTO بحث روائي # في جامع الجوامع للطبرسي،: قرأ ابن مسعود وعلي بن الحسين زين العابدين ~~والباقر والصادق (عليهما السلام): يسألونك الأنفال:. أقول: ورواه عن ابن ~~مسعود وكذا عن السجاد والباقر والصادق غيره. وفي الكافي، بإسناده عن العبد ~~الصالح (عليه السلام) قال: الأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض لم ~~يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحا وأعطوا بأيديهم على غير قتال ~~فقال: وله يعني الوالي رءوس الجبال وبطون الأودية والآجام، وكل أرض ميتة لا ~~رب لها، وله صوافي الملوك: ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لأن الغصب ms3179 ~~كله مردود، وهو وارث من لا وارث له، ويعول من لا حيلة له. وفيه،: بإسناده ~~عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "يسئلونك عن الأنفال" قال: من مات ~~وليس له مولى فماله من الأنفال. # أقول: وفي معنى الروايتين روايات كثيرة مروية من طرق أهل البيت (عليهم ~~السلام) ولا ضير في عدم ذكرها الأنفال بمعنى غنائم الحرب، فإن الآية ~~بموردها تدل عليه على ما يفيده سياقها. PageV09P006 # وفي الدر المنثور،: أخرج الطيالسي والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والنحاس ~~في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في ~~أربع آيات من كتاب الله: كانت أمي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى أفارق ~~محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا. والثانية: أني كنت ~~أخذت سيفا أعجبني فقلت: يا رسول الله هب لي هذا فنزلت: يسألونك عن الأنفال. ~~والثالثة: أني مرضت فأتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: يا ~~رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أفأوصي بالنصف؟ قال: لا، فقلت: الثلث؟ ~~فسكت فكان الثلث بعده جائزا. والرابعة: أني شربت الخمر مع قوم من الأنصار ~~فضرب رجل منهم أنفي بلحيي جمل فأتيت النبي فأنزل الله تحريم الخمر. # أقول: الرواية لا تخلو عن شيء أما أولا فلأن قوله تعالى: "وإن جاهداك على ~~أن تشرك بي" الآية ذيل قوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه:" لقمان: - 14 ~~وهي بسياقها تأبى أن تكون نازلة عن سبب خاص. # على أنه قد تقدم في ذيل قوله تعالى: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا:" الآيات الأنعام: - 151، إن الإحسان ~~بالوالدين من الأحكام العامة غير المختصة بشريعة دون شريعة. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكر من أخذ السيف واستيهابه من النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إنما يناسب قراءة: "يسئلونك الأنفال" لا قراءة: "يسئلونك عن ~~الأنفال" وقد تقدم توضيحه في البيان المتقدم. ms3180 # وأما ثالثا: فلأن استقرار السنة على الإيصاء بالثلث لم يكن بآية نازلة بل ~~بسنة نبوية. # وأما رابعا: فلأن قصة شربه الخمر مع جماعة من الصحابة وشج أنفه بلحيي ~~بعير وإن كانت حقة لكنه إنما شرب الخمر مع جماعة مختلطة من المهاجرين ~~والأنصار، وقد شج أنفه عمر بن الخطاب ثم أنزل الله آية المائدة، ولم ينزل ~~للتحريم بل لتشديده، وقد تقدم ذلك كله في ذيل قوله تعالى: "يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان:" المائدة: - 90. PageV09P007 # وفيه،: أخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم ~~والبيهقي في سننه عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: ~~فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أحلامنا فانتزعه الله ~~من أيدينا وجعله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقسمه رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين، عن براء يقول: عن سواء. وفيه،: ~~أخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ ~~والحاكم، وصححه والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم ~~الله العدو فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمين يقتلون، وأكبت طائفة على ~~العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا تصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ~~قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال ~~الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو ~~وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لستم ~~بأحق منا نحن أحدقنا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخفنا أن يصيب ~~العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" فقسمها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ms3181 بين المسلمين، الحديث. وفيه،: أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم ~~وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي: من ~~قتل قتيلا فله كذا وكذا ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا فأما المشيخة فثبتوا ~~تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة ~~للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا ~~فاختصموا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت: "يسألونك عن الأنفال ~~قل الأنفال لله والرسول" فقسم الغنائم بينهم بالسوية. # أقول: وفي هذه المعاني روايات أخر، وهنا روايات تدل على تفصيل القصة تتضح ~~بها معنى الآيات سنوردها في ذيل الآيات التالية. # وفي بعض الروايات أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدهم أن يعطيهم ~~السلب والغنيمة ثم نسخه الله تعالى بقوله: "قل الأنفال لله والرسول" وإلى ~~ذلك يشير ما في هذه الرواية، ولذلك ربما قيل: إنه لا يجب على الإمام أن يفي ~~بما وعد به المحاربين. # لكن يبعده اختلافهم في أمر الغنائم يوم بدر إذ لو كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وعدهم بذلك لم يختلفوا مع صريح بيانه. # وفيه:، أخرج ابن جرير عن مجاهد: أنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن الخمس بعد الأربعة الأخماس فنزلت: "يسألونك عن الأنفال". # أقول: وهو لا ينطبق على ما تقدم من مضمون الآية على ما يعطيه السياق، وفي ~~بعض ما ورد عن المفسرين السلف كسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وكذا عن ابن ~~عباس أن قوله تعالى: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول" الآية ~~منسوخة بقوله: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" الآية، ~~وقد تقدم في بيان الآية ما ينتفي به احتمال النسخ. # وفيه:، أخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير ~~والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن القاسم بن ~~محمد، قال: سمعت رجلا ms3182 يسأل ابن عباس عن الأنفال فقال: الفرس من النفل ~~والسلب من النفل فأعاد المسألة فقال ابن عباس ذلك أيضا. ثم قال الرجل: ~~الأنفال التي قال الله في كتابه، ما هي؟ فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ~~ابن عباس: هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر، وفي لفظ: ما أحوجك إلى من يضربك كما ~~فعل عمر بصبيغ العراقي، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه. PageV09P008 # وفيه،: في قوله تعالى: "أولئك هم المؤمنون حقا" أخرج الطبراني عن الحارث بن ~~مالك الأنصاري أنه مر برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: كيف ~~أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة ~~فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عرفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري ~~وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون ~~فيها، قال: يا حارث عرفت فالزم، ثلاثا. # أقول: والحديث مروي من طرق الشيعة بأسانيد عديدة. PageV09P009 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 7 - 14 # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكفرين (7) ليحق الحق ويبطل ~~البطل ولو كره المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف ~~من الملئكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر ~~إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل ~~عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطن وليربط على قلوبكم ~~ويثبت به الأقدام (11) إذ يوحى ربك إلى الملئكة أنى معكم فثبتوا الذين ~~ءامنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله ~~شديد العقاب (13) ذلكم فذوقوه وأن للكفرين عذاب النار (14) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى قصة بدر، وهي أول غزوة في الإسلام، وظاهر سياق الآيات ~~أنهم نزلت بعد انقضائها على ما سيتضح. # قوله تعالى: ms3183 "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين" أي ~~واذكروا إذ يعدكم الله، وهو بيان منن الله وعد نعمه عليهم ليكونوا على ~~بصيرة من أن الله سبحانه لا يستقبلهم بأمر ولا يأتيهم بحكم إلا بالحق وفيه ~~حفظ مصالحهم وإسعاد جدهم فلا يختلفوا فيما بينهم، ولا يكرهوا ما يختاره ~~لهم، ويكلوا أمرهم إليه فيطيعوه ورسوله. # والمراد بالطائفتين العير والنفير، والعير قافلة قريش وفيها تجارتهم ~~وأموالهم وكان عليها أربعون رجلا منهم أبو سفيان بن حرب، والنفير جيش قريش ~~وهم زهاء ألف رجل. # وقوله: "إحدى الطائفتين" مفعول ثان لقوله: "يعدكم" وقوله: "أنها لكم" بدل ~~منه وقوله "وتودون" الآية في موضع الحال، والمراد بغير ذات الشوكة: الطائفة ~~غير ذات الشوكة وهي العير الذي كان أقل عدة وعدة من النفير، والشوكة الحدة، ~~استعارة من الشوك. # وقوله: "ويريد الله أن يحق الحق بكلماته" في موضع الحال، والمراد بإحقاق ~~الحق إظهاره وإثباته بترتيب آثاره عليه، وكلمات الله هي ما قضى به من نصرة ~~أنبيائه وإظهار دينه الحق، قال تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون": الصافات: - 173 وقال تعالى: ~~"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون": ~~الصف: - 9. وقرىء: "بكلمته": وهو أوجه وأقرب والدابر ما يأتي بعد الشيء مما ~~يتعلق به ويتصل إليه وقطع دابر الشيء، كناية عن إفنائه واستئصاله بحيث لا ~~يبقى بعده شيء من آثاره المتفرعة عليه المرتبطة به. # ومعنى الآية: واذكروا إذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم تستعلون عليها ~~بنصر الله إما العير وإما النفير وأنتم تودون أن تكون تلك الطائفة هي العير ~~لما تعلمون من شوكة النفير، وقوتهم وشدتهم، مع ما لكم من الضعف والهوان، ~~والحال أن الله يريد خلاف ذلك وهو أن تلاقوا النفير فيظهركم عليهم ويظهر ما ~~قضى ظهوره من الحق، ويستأصل ms3184 الكافرين ويقطع دابرهم. # قوله تعالى: "ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون" ظاهر السياق أن ~~اللام للغاية، وقوله: "ليحق" الآية متعلق بقوله: "يعدكم الله" أي إنما ~~وعدكم الله ذلك وهو لا يخلف الميعاد ليحق بذلك الحق ويبطل الباطل ولو كان ~~المجرمون يكرهونه ولا يريدونه. # وبذلك يظهر أن قوله: "ليحق الحق" الآية ليس تكرارا لقوله: "ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته" وإن كان في معناه. PageV09P010 # قوله تعالى: "إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين" الاستغاثة طلب الغوث وهو النصرة كما في قوله: "فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه:" القصص: - 15 والإمداد معروف، وقوله: "مردفين" من ~~الإرداف وهو أن يجعل الراكب غيره ردفا له، والردف التابع، قال الراغب: ~~الردف التابع، وردف المرأة عجيزتها، والترادف: التتابع، والرادف: المتأخر، ~~والمردف المقدم الذي أردف غيره. # انتهى. # وبهذا المعنى تلائم الآية ما في قوله تعالى فيما يشير به إلى هذه القصة ~~في سورة آل عمران: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم ~~تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف ~~من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما ~~النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم": آل عمران: - 126. # فإن تطبيق الآيات من السورتين يوضح أن المراد بنزول ألف من الملائكة ~~مردفين نزول ألف منهم يستتبعون آخرين فينطبق الألف المردفون على الثلاثة ~~آلاف المنزلين. # وبذلك يظهر فساد ما قيل: إن المراد بكون الملائكة مردفين كون الألف ~~متبعين ألفا آخر لأن مع كل واحد منهم ردفا له فيكونون ألفين، وكذا ما قيل: ~~إن المراد كون بعضهم أثر بعض، وكذا ما قيل: إن المراد مجيئهم على أثر ~~المسلمين بأن يكون مردفين بمعنى رادفين، وكذا ما قيل: إن المراد إردافهم ~~المسلمين بأن يتقدموا عسكر المسلمين فيلقوا في قلوب الذين كفروا الرعب. # قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به ms3185 قلوبكم وما النصر إلا من ~~عند الله إن الله عزيز حكيم" الضميران في قوله: "جعله" وقوله: "به" للإمداد ~~بالملائكة على ما يدل عليه السياق، والمعنى أن الإمداد بالملائكة إنما كان ~~لغرض البشرى واطمئنان نفوسكم لا ليهلك بأيديهم الكفار كما يشير إليه قوله ~~تعالى بعد: "إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب. # وبذلك يتأيد ما ذكره بعضهم: أن الملائكة لم ينزلوا ليقتلوا المشركين ولا ~~قتلوا منهم أحدا فقد قتل ثلث المقتولين منهم أو النصف علي (عليه السلام) ~~والثلثين الباقين أو النصف سائر المسلمين. # وإنما كان للملائكة تكثير سواد المسلمين حينما اختلطوا بالقوم وتثبيت ~~قلوب المسلمين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وسيجيء بعض الكلام في ذلك. # وقوله: "وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم" بيان انحصار حقيقة ~~النصر فيه تعالى وأنه لو كان بكثرة العدد والقوة والشوكة كانت الدائرة ~~يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة والقوة على المسلمين على ما بهم من القلة ~~والضعف. # وقد علل بقوله: "إن الله عزيز حكيم" جميع مضمون الآية وما يتعلق به من ~~الآية السابقة فبعزته نصرهم وأمدهم، وبحكمته جعل نصره على هذه الشاكلة. # قوله تعالى: "إذ يغشيكم النعاس أمنة منه" إلى آخر الآية. # النعاس أول النوم وهو خفيفة والتغشية الإحاطة، والأمنة الأمان، وقوله: ~~"منه" أي من الله وقيل: أي من العدو، والرجز هو الرجس والقذارة، والمراد ~~برجز الشيطان القذارة التي يطرأ القلب من وسوسته وتسويله. # ومعنى الآية: أن النصر والإمداد بالبشرى واطمئنان القلوب كان في وقت ~~يأخذكم النعاس للأمن الذي أفاضه الله على قلوبكم فنمتم ولو كنتم خائفين ~~مرتاعين لم يأخذكم نعاس ولا نوم، وينزل عليكم المطر ليطهركم به ويذهب عنكم ~~وسوسة الشيطان وليربط على قلوبكم ويشد عليها - وهو كناية عن التشجيع - ~~وليثبت بالمطر أقدامكم في الحرب بتلبد الرمل أو بثبات القلوب. # والآية تؤيد ما ورد أن المسلمين سبقهم المشركون إلى الماء فنزلوا على ~~كثيب رمل، وأصبحوا محدثين ومجنبين، وأصابهم الضمأ، ووسوس إليهم الشيطان ms3186 ~~فقال: إن عدوكم قد سبقكم إلى الماء، وأنتم تصلون مع الجنابة والحدث وتسوخ ~~أقدامكم في الرمل فأمطر عليهم الله حتى اغتسلوا به من الجنابة، وتطهروا به ~~من الحدث، وتلبدت به أرضهم، وأوحلت أرض عدوهم. PageV09P011 # قوله تعالى: "إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب" إلى آخر الآية حال الظرف في أول الآية كحال ~~الظرف في قوله: "إذ تستغيثون ربكم" وقوله: "إذ يغشيكم النعاس" ومعنى الآية ظاهر. # وأما قوله: "فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان" فالظاهر أن يكون ~~المراد بفوق الأعناق الرءوس وبكل بنان جميع الأطراف من اليدين والرجلين أو ~~أصابع الأيدي لئلا يطيقوا حمل السلاح بها والقبض عليه. # ومن الجائز أن يكون الخطاب بقوله: "فاضربوا" إلخ للملائكة كما هو ~~المتسابق إلى الذهن، والمراد بضرب فوق الأعناق وكل بنان ظاهر معناه، أو ~~الكناية عن إذلالهم وإبطال قوة الإمساك من أيديهم بالإرعاب، وأن يكون ~~الخطاب للمؤمنين والمراد به تشجيعهم على عدوهم بتثبيت أقدامهم والربط على ~~قلوبهم، وحثهم وإغراؤهم بالمشركين. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن ~~الله شديد العقاب" المشاقة المخالفة وأصله الشق بمعنى البعض كأن المخالف ~~يميل إلى شق غير شق من يخالفه، والمعنى أن هذا العقاب للمشركين بما أوقع ~~الله بهم، لأنهم خالفوا الله ورسوله وألحوا وأصروا على ذلك ومن يشاقق الله ~~ورسوله فإن الله شديد العقاب. # قوله تعالى: "ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار" خطاب تشديدي للكفار ~~يشير إلى ما نزل بهم من الخزي ويأمرهم بأن يذوقوه، ويذكر لهم أن وراء ذلك ~~عذاب النار. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قال ابن عباس: لما كان يوم بدر واصطف القوم للقتال قال أبو ~~جهل: اللهم أولانا بالنصر فانصره، واستغاث المسلمون فنزلت الملائكة ونزل ~~قوله: "إذ تستغيثون ربكم" إلى آخره. وقيل: إن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة ~~وقال: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك ms3187 هذه العصابة لا تعبد في الأرض ~~فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبيه فأنزل الله: "إذ ~~تستغيثون ربكم" الآية: عن عمر بن الخطاب والسدي وأبي صالح وهو المروي عن ~~أبي جعفر (عليه السلام). قال: ولما أمسى رسول الله وجنه الليل ألقى الله ~~على أصحابه النعاس وكانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل لا تثبت فيه قدم ~~فأنزل الله عليهم المطر رذاذا حتى لبد الأرض وثبت أقدامهم وكان المطر على ~~قريش مثل العزالي، وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال الله تعالى: "سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب". # أقول: لفظ الآية: "إذ تستغيثون ربكم" إلخ لا يلائم نزولها يوم بدر عقيب ~~استغاثتهم بل السياق يدل على نزولها مع قوله تعالى: "يسألونك عن الأنفال" ~~والآيات التالية له، وهي تدل على حكاية حال ماضية وامتنانه تعالى على ~~المسلمين بما أنزل عليهم من آيات النصر وتفاريق النعم ليشكروا له ويطيعوه ~~فيما يأمرهم وينهاهم. # ولعل المراد من ذكر نزول الآية بعد ذكر استغاثتهم انطباق مضمون الآية على ~~الواقعة، وهو كثير النظير في الروايات المشتملة على أسباب النزول. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في العريش: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد هذا اليوم ~~فنزل: "إذ تستغيثون ربكم" فخرج يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر فأيده الله ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكثرهم في أعين المشركين، وقلل المشركين في ~~أعينهم فنزل: "وهم بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل والنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالعدوة الدنيا عند القليب. # أقول: والكلام فيه كالكلام في سابقه. # وفي المجمع،: ذكر البلخي عن الحسن: أن قوله: "وإذ يعدكم الله" الآية نزلت ~~قبل قوله: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" وهي في القراءة بعدها. # أقول: وتقدم مدلول إحدى الآيتين على مدلول الأخرى بحسب الوقوع لا يلازم ~~سبقها نزولا، ولا دليل من جهة السياق يدل على ما ذكره. PageV09P012 # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي ms3188 عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين - أنها لكم وتودون ~~أن غير ذات الشوكة تكون لكم" فقال: الشوكة التي فيها القتال: أقول: وروى ~~مثله القمي في تفسيره. وفي المجمع، قال أصحاب السير وذكر أبو حمزة وعلي بن ~~إبراهيم في تفسيرهما دخل حديث بعضهم في بعض: أقبل أبو سفيان بعير قريش من ~~الشام وفيها أموالهم وهي اللطيمة، وفيها أربعون راكبا من قريش فندب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه للخروج إليها ليأخذوها، وقال: لعل الله ~~أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، ولم يظنوا أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يلقى كيدا ولا حربا فخرجوا لا يريدون إلا أبا ~~سفيان والركب لا يرونها إلا غنيمة لهم. فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، ~~وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدا قد تعرض لعيرهم في أصحابه ~~فخرج ضمضم سريعا إلى مكة. وكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت فيما يرى النائم ~~قبل مقدم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال أن رجلا أقبل على بعير له ينادي يا آل ~~غالب اغدوا إلى مصارعكم ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهدهه من ~~الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابته منه فلذة فانتبهت فزعة من ذلك ~~وأخبرت العباس بذلك فأخبر العباس عتبة بن ربيعة فقال عتبة: هذه مصيبة تحدث ~~في قريش، وفشت الرؤيا فيهم وبلغ ذلك أبا جهل فقال: هذه نبية ثانية في بني ~~عبد المطلب، واللات والعزى لننظرن ثلاثة أيام فإن كان ما رأت حقا وإلا ~~لنكتبن كتابا بيننا: أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ونساء من بني ~~هاشم. فلما كان اليوم الثالث أتاهم ضمضم يناديهم بأعلى الصوت: يا آل غالب ~~يا آل غالب. اللطيمة اللطيمة. العير العير. أدركوا وما أراكم تدركون إن ~~محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فتهيئوا للخروج، وما ~~بقي أحد ms3189 من عظماء قريش إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، وقالوا من لم يخرج نهدم ~~داره، وخرج معهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، ~~وعقيل بن أبي طالب، وأخرجوا معهم القيان يضر بن الدفوف. وخرج رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فلما كان بقرب بدر ~~أخذ عينا للقوم فأخبره بهم، وفي حديث أبي حمزة: بعث رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أيضا عينا له على العير اسمه عدي فلما قدم على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره أين فارق العير نزل جبرائيل على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بنفير المشركين من مكة فاستشار ~~أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله إنها ~~قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلت منذ عزت، ولم نخرج على هيئة الحرب ~~وفي حديث أبي حمزة: أنا عالم بهذا الطريق فارق عدي العير بكذا وكذا، وساروا ~~وسرنا فنحن والقوم على ماء بدر يوم كذا وكذا كأنا فرسا رهان فقال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): اجلس فجلس. ثم قام عمر بن الخطاب فقال مثل ذلك، فقال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): اجلس فجلس. ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها ~~قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقنا وشهدنا أن ما جئت به حق، والله لو ~~أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضناه معك، والله لا نقول لك كما ~~قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكنا ~~نقول: امض لأمر ربك فإنا معك مقاتلون، فجزاه رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) خيرا على قوله ذاك. ثم قال: أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد ~~الأنصار لأن أكثر الناس منهم، ولأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنا برآء ~~من ذمتك حتى تصل إلى دارنا ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع أبناءنا ~~ونساءنا، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتخوف أن لا يكون الأنصار ترى ms3190 ~~عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدو، وأن ليس عليهم أن ينصروه ~~خارج المدينة. فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك ~~أردتنا. فقال: نعم. قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك ~~وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت، وخذ من PageV09P013 أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر ~~لخضناه معك ولعل الله عز وجل أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة ~~الله. ففرح بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: سيروا على بركة ~~الله فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله وعده، والله ~~لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وفلان ~~وفلان وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرحيل، وخرج إلى بدر وهو ~~بئر، وفي حديث أبي حمزة الثمالي: بدر رجل من جهينة والماء ماؤه فإنما سمي ~~الماء باسمه، وأقبلت قريش وبعثوا عبيدها ليستقوا من الماء فأخذهم أصحاب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن عبيد ~~قريش. قالوا: فأين العير؟ قالوا: لا علم لنا بالعير فأقبلوا يضربونهم، وكان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي فانفتل من صلاته وقال: إن صدقوكم ~~ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم، فأتوه بهم فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: يا ~~محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم؟ قالوا: لا علم لنا بعددهم، قال: كم ~~ينحرون في كل يوم من جزور؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): القوم تسعمائة إلى ألف رجل، وأمر (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بهم فحبسوا وبلغ ذلك قريشا ففزعوا وندموا على مسيرهم. ولقي عتبة بن ~~ربيعة أبا البختري بن هشام فقال: أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع ~~قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا، ms3191 والله ما أفلح قوم ~~بغوا قط، ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهبت ولم نسر هذا ~~المسير، فقال له أبو البختري، إنك سيد من سادات قريش فسر في الناس وتحمل ~~العير التي أصابها محمد وأصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك. فقال ~~له: علي ذلك، وما على أحد منا خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أبا جهل فصر إليه ~~وأعلمه أني حملت العير ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله. قال: فقصدت ~~خباءه وأبلغته ذلك، فقال: إن عتبة يتعصب لمحمد فإنه من بني عبد مناف وابنه ~~معه يريد أن يخذل بين الناس لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم يثرب أو ~~نأخذهم أسارى فندخلهم مكة وتتسامع العرب بذلك، وكان أبو حذيفة بن عتبة مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان أبو سفيان لما جاز بالعير بعث ~~إلى قريش: قد نجى الله عيركم فارجعوا ودعوا محمدا والعرب، وادفعوه بالراح ~~ما اندفع، وإن لم ترجعوا فردوا القيان فلحقهم الرسول في الجحفة، فأراد عتبة ~~أن يرجع فأبى أبو جهل وبنو مخزوم وردوا القيان من الجحفة. قال: وفزع أصحاب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما بلغهم كثرة قريش، واستغاثوا ~~وتضرعوا، فأنزل الله عز وجل: "إذ تستغيثون ربكم" وما بعده. قال الطبرسي: ~~ولما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر عبا أصحابه، فكان ~~في عسكره فرسان: فرس للزبير بن عوام، وفرس للمقداد بن الأسود، وكان في ~~عسكره سبعون جملا كانوا يتعاقبون عليها، وكان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ومرثد بن أبي مرثد الغنوي ~~يتعاقبون على جمل لمرثد بن أبي مرثد، وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس، ~~وقيل: مائتا فرس. فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال أبو جهل: ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم ~~أخذا باليد، فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا أو مددا؟ فبعثوا عمير ms3192 بن ~~وهب الجمحي وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ثم رجع فقال: ليس لهم كمين ولا مدد ولكن نواضح يثرب ~~قد حملت الموت الناقع أما ترونهم خرسا لا يتكلمون ويتلمظون تلمظ الأفاعي ما ~~لهم ملجأ إلا سيوفهم، وما أراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى يقتلوا ~~بعددهم فارتئوا رأيكم، فقال له أبو جهل: كذبت وجبنت. فأنزل الله تعالى: ~~"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" فبعث إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: يا معشر قريش إني أكره أن أبدأ بكم فخلوني والعرب وارجعوا فقال ~~عتبة: ما رد هذا قوم قط فأفلحوا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) PageV09P014 وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~يك عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا. وخطب عتبة فقال ~~في خطبته: يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر إن محمدا له آل وذمة ~~وهو ابن عمكم فخلوه والعرب فإن يك صادقا فأنتم أعلى عينا به وإن يك كاذبا ~~كفتكم ذؤبان العرب أمره فغاظ أبا جهل قوله وقال له: جبنت وانتفخ سحرك فقال: ~~يا مصفر استه مثلي يجبن؟ وستعلم قريش أينا ألأم وأجبن؟ وأينا المفسد لقومه. ~~ولبس درعه وتقدم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد، وقال: يا محمد أخرج إلينا ~~أكفاءنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة نفر من الأنصار وانتسبوا لهم فقالوا: ~~ارجعوا إنما نريد الأكفاء من قريش فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له يومئذ سبعون سنة فقال: قم ~~يا عبيدة، ونظر إلى حمزة فقال: قم يا عم ثم نظر إلى علي بن أبي طالب فقال: ~~قم يا علي وكان أصغر القوم فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش ~~بخيلائها وفخرها تريد أن تطفىء نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ثم ~~قال: ms3193 يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة، وقال لحمزة عليك بشيبة، وقال لعلي: ~~عليك بالوليد. فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفاء كرام فحمل عبيدة ~~على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها ~~فسقطا جميعا، وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وحمل أمير ~~المؤمنين علي (عليه السلام) على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من ~~إبطه قال علي: لقد أخذ الوليد يمينه بيساره فضرب بها هامتي فظننت أن السماء ~~وقعت على الأرض. ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا علي أما ترى أن ~~الكلب قد نهز عمك فحمل عليه علي (عليه السلام) ثم قال: يا عم طأطىء رأسك ~~وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي فطرح نصفه، ثم ~~جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه. وفي رواية أخرى أنه برز حمزة لعتبة، وبرز ~~عبيدة لشيبة، وبرز علي للوليد فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي ~~(عليه السلام) الوليد. فضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي، ~~وحمل عبيدة حمزة وعلي حتى أتيا به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فاستعبر فقال: يا رسول الله ألست شهيدا؟ قال: بلى أنت أول شهيد من أهل ~~بيتي. وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطر أبناء ربيعة عليكم ~~بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ~~ضلالتهم التي هم عليها. وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال ~~لهم: أنا جار لكم ادفعوا إلي رايتكم فدفعوا إليه راية الميسرة، وكانت ~~الراية مع بني عبد الدار فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال لأصحابه: غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجذ، ورفع يده فقال: اللهم إن ~~تهلك هذه العصابة لا تعبد ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلك العرق عن وجهه ~~فقال: هذا جبرائيل قد أتاكم بألف من الملائكة مردفين. وفي الأمالي، بإسناده ~~عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام): أن ms3194 رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~سافر إلى بدر في شهر رمضان وافتتح مكة في شهر رمضان. # أقول: وعلى ذلك أطبق أهل السير والتواريخ، قال اليعقوبي في تاريخه: وكانت ~~وقعة بدر يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان بعد مقدمه ص - يعني ~~إلى المدينة - بثمانية عشر شهرا. # وقال الواقدي: ونزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وادي بدر عشاء ~~ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي ~~وقاص وبسبس بن عمرو يتجسسون على الماء فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم ~~فأسروهم وأفلت بعضهم وأتوا بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قائم ~~يصلي فسألهم المسلمون فقالوا: نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء ~~فضربوهم فلما أن لقوهم بالضرب قالوا: نحن لأبي سفيان ونحن في العير، وهذا ~~العير بهذا القوز فكانوا إذا قالوا ذلك يمسكون عن ضربهم. # فسلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من صلاته ثم قال: إن صدقوكم ~~ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم. PageV09P015 # فلما أصبحوا عدل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفوف وخطب المسلمين ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، ~~وأنهاكم عما نهاكم الله عنه فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق، ويحب الصدق، ~~ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد ~~أصبحتم بمنزل من منازل الحق لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، ~~وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من الغم تدركون ~~به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم فاستحيوا اليوم أن يطلع ~~الله على شيء من أمركم يمقتكم عليه فإنه تعالى يقول: لمقت الله أكبر من ~~أنفسكم انظروا في الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته وما أعزكم به ~~بعد الذلة فاستكينوا له يرض ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا ~~تستوجبوا به الذي وعدكم من رحمته ومغفرته ms3195 فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه ~~شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه ~~اعتصمنا، وعليه توكلنا، وإليه المصير، ويغفر الله لي وللمسلمين. وفي ~~المجمع،: ذكر جماعة من المفسرين كابن عباس وغيره: أن جبرائيل قال للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما التقى الجمعان لعلي: أعطني قبضة من حصا ~~الوادي فناوله كفا من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم وقال: شاهت ~~الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء ثم ردفهم ~~المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم. وفي ~~الأمالي، بإسناده عن ابن عباس قال: وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على قتلى بدر فقال: جزاكم الله من عصابة شرا لقد كذبتموني صادقا ~~وخونتم أمينا، ثم التفت إلى أبي جهل بن هشام فقال: إن هذا أعتى على الله من ~~فرعون إن فرعون لما أيقن بالهلاك وحد الله، وإن هذا لما أيقن بالهلاك دعا ~~باللات والعزى. وفي المغازي، للواقدي: وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يوم بدر بالقليب أن تغور ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلهم إلا أمية ~~بن خلف فإنه كان مسمنا انتفخ من يومه فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اتركوه، فأقروه وألقوا عليه من التراب ~~والحجارة ما غيبه. ثم وقف على أهل القليب فناداهم رجلا رجلا: هل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا بئس القوم كنتم لنبيكم ~~كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. ~~فقالوا يا رسول الله أتنادي قوما قد ماتوا؟ فقال: لقد علموا أن ما وعدهم ~~ربهم حق، وفي رواية أخرى: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ~~أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني. قال: وكان انهزام ~~قريش حين زالت الشمس فأقام رسول الله ms3196 (صلى الله عليه وآله وسلم) ببدر وأمر ~~عبد الله بن كعب بقبض الغنائم وحملها، وأمر نفرا من أصحابه أن يعينوه فصلى ~~العصر ببدر ثم راح فمر بالأثيل قبل غروب الشمس فنزل به وبات، وبأصحابه جراح ~~وليست بالكثيرة، وأمر ذكوان بن عبد قيس أن يحرس المسلمين حتى كان آخر الليل ~~فارتحل. وفي تفسير القمي، في خبر طويل: وخرج أبو جهل من بين الصفين وقال: ~~اللهم إن محمدا أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة فأنزل الله ~~على رسوله: "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح - وإن تنتهوا فهو خير لكم - وإن ~~تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا - ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين". ثم ~~أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفا من حصى ورمى به في وجوه قريش ~~وقال: شاهت الوجوه فبعث الله رياح تضرب في وجوه قريش فكانت الهزيمة فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم لا يفلتن فرعون هذه الأمة أبو ~~جهل بن هشام فقتل منهم سبعين، وأسر منهم سبعين. والتقى عمرو بن الجموع مع ~~أبي جهل فضرب عمرو أبا جهل على فخذه وضرب أبو جهل عمرا على يده فأبانها من ~~العضد فتعلقت بجلده فاتكى عمرو على يده برجله ثم تراخى إلى السماء حتى ~~انقطعت الجلدة ورمى بيده. وقال عبد الله بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل وهو ~~يتشحط بدمه فقلت: الحمد لله الذي PageV09P016 أخزاك فرفع رأسه فقال: إنما أخزى الله عبدا، ابن أم عبد لمن الدبرة ويلك؟ ~~قلت: لله ولرسوله وإني قاتلك، ووضعت رجلي على عنقه فقال: ارتقيت مرتقى صعبا ~~يا رويعي الغنم أما إنه ليس شيء أشد من قتلك إياي في هذا اليوم ألا تولى ~~قتلي رجل من المطلبيين أو رجل من الأحلاف؟ فاقتلعت بيضة كانت على رأسه ~~فقتلته وأخذت رأسه وجئت به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت: ~~يا رسول الله البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام فسجد لله شكرا. وفي الإرشاد ~~للمفيد،: ثم بارز أمير المؤمنين (عليه ms3197 السلام) العاص بن سعيد بن العاص بعد ~~أن أحجم عنه من سواه فلم يلبث أن قتله، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان ~~فقتله، وبرز إليه بعده طعيمة بن عدي فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان ~~من شياطين قريش، ولم يزل يقتل واحدا منهم بعد واحد حتى أتى على شطر ~~المقتولين منهم وكانوا سبعين رجلا، تولى كافة من حضر بدرا من المسلمين مع ~~ثلاثة آلاف من الملائكة المسومين قتل الشطر منهم، وتولى أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قتل الشطر الآخر وحده. وفي الإرشاد،: أيضا: قد أثبتت رواة ~~العامة والخاصة معا أسماء الذين تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) قتلهم ~~ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح فكان ممن سموه: ~~الوليد بن عتبة كما قدمنا وكان شجاعا جريا وقاحا فتاكا تهابه الرجال، ~~والعاص بن سعيد وكان هولا عظيما تهابه الأبطال، وهو الذي حاد عنه عمر بن ~~الخطاب وقصته فيما ذكرناه مشهورة نحن نبينها فيما نورده، وطعيمة بن عدي بن ~~نوفل وكان من رءوس أهل الضلال، ونوفل بن خويلد وكان من أشد المشركين عداوة ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت قريش تقدمه وتعظمه وتطيعه، ~~وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة وأوثقهما بحبل وعذبهما يوما ~~إلى الليل حتى سئل في أمرهما، ولما عرف رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حضوره بدرا سأل الله أن يكفيه أمره فقال: اللهم اكفني نوفل بن خويلد ~~فقتله أمير المؤمنين (عليه السلام). وزمعة بن الأسود والحارث بن زمعة، ~~والنضر بن الحارث بن عبد الدار، وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة بن ~~عبيد الله، وعثمان ومالك ابنا عبيد الله أخوا طلحة بن عبيد الله، ومسعود بن ~~أبي أمية بن المغيرة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة وحذيفة بن أبي حذيفة بن ~~المغيرة، و+" أبو "+ قيس بن الوليد بن المغيرة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو ~~بن مخزوم، وأبو منذر بن أبي رفاعة، ومنبه بن الحجاج السهمي، والعاص بن ~~منبه، وعلقمة بن ms3198 كلدة، وأبو العاص بن قيس بن عدي، ومعاوية بن المغيرة بن ~~أبي العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، ومسعود بن ~~أمية بن المغيرة، وحاجب بن السائب بن عويمر، وأوس بن المغيرة بن لوذان، ~~وزيد بن مليص، وعاصم بن أبي عوف، وسعيد بن وهب حليف بني عامر، ومعاوية بن ~~+" عامر بن "+ عبد القيس، وعبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد، ~~والسائب بن مالك، وأبو الحكم بن الأخنس، وهشام بن أبي أمية بن المغيرة. ~~فذلك خمسة وثلاثون رجلا سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) فيه غيره وهم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدمناه. # أقول: وذكر غيره كما في المجمع أنه قتل يوم بدر سبعة وعشرين رجلا، وذكر ~~الواقدي: أن الذي اتفق عليه قول النقلة والرواة من قتلاه تسعة رجال والباقي ~~مختلف فيه. # لكن البحث العميق عن القصة وما يحتف بها من أشعارهم والحوادث المختلفة ~~التي حدثت بعدها تسيء الظن بهذا الاختلاف، وقد نقل عن محمد بن إسحاق أن ~~أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعلي (عليه السلام). # وقد عد الواقدي فيما ذكره ابن أبي الحديد من قتلى المشركين في وقعة بدر ~~اثنين وخمسين رجلا ونسب قتل أربعة وعشرين منهم إليه (عليه السلام) ممن ~~انفرد بقتله أو شارك غيره. # ومن شعر أسيد بن أبي إياس يحرض مشركي قريش على علي (عليه السلام) على ما ~~في الإرشاد والمناقب قوله: في كل مجمع غاية أخزاكم. # جزع أبر على المذاكي القرح. # لله دركم ألما تنكروا. # قد ينكر الحر الكريم ويستحي. # هذا ابن فاطمة الذي أفناكم. # ذبحا وقتله قعصة لم تذبح. # أعطوه خرجا واتقوا تضريبه. # فعل الذليل وبيعه لم تربح. # أين الكهول وأين كل دعامة. PageV09P017 # في المعضلات وأين زين الأبطح. # أفناهم قعصا وضربا يفترى. # بالسيف يعمل حدة لم يصفح. # وفي الإرشاد، روى شعبة عن أبي إسحاق عن حارث بن مضرب قال: سمعت علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) يقول: لقد حضرنا بدرا وما ms3199 فينا فارس غير المقداد بن ~~الأسود، ولقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا من نام غير رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فإنه كان منتصبا في أصل شجرة يصلي فيها ويدعو حتى الصباح. # أقول: والروايات في قصة بدر كثيرة جدا وقد اقتصرنا منها على ما يتضح به ~~فهم مضامين الآيات، ومن الأخبار ما سيأتي إن شاء الله في تضاعيف البحث عن ~~الآيات التالية المشيرة إلى بعض أطراف القصة. # فهرس أسماء شهداء بدر رض # في البحار، عن الواقدي قال: حدثني عبد الله بن جعفر قال: سألت الزهري كم ~~استشهد من المسلمين ببدر؟ قال: أربعة عشر: ستة من المهاجرين، وثمانية من ~~الأنصار. قال: فمن بني المطلب بن عبد مناف، عبيدة بن الحارث قتله عتبة وفي ~~غير رواية الواقدي قتله شيبة فدفنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالصفراء، ومن بني زهرة عمير بن أبي وقاص قتله عمرو بن عبد ود فارس ~~الأحزاب، وعمير بن عبد ود ذو الشمالين حليف لبني زهرة قتله أبو أسامة ~~الجشمي، ومن بني عدي عاقل بن أبي البكير حليف لهم من بني سعد قتله مالك بن ~~زهير، ومهجع مولى عمر بن الخطاب قتله عامر بن الحضرمي ويقال: إن مهجعا أول ~~من قتل من المهاجرين، ومن بني الحارث بن فهر صفوان بن بيضاء قتله طعيمة بن ~~عدي. ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف، مبشر بن عبد المنذر قتله أبو ثور، ~~وسعد بن خيثمة قتله عمرو بن عبد ود، ويقال: طعيمة بن عدي، ومن بني عدي بن ~~النجار حارثة بن سراقة رماه حنان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله، ومن ~~بني مالك بن النجار عوف ومعوذ ابنا عفراء قتلهما أبو جهل، ومن بني سلمة ~~عمير بن الحمام بن الجموح قتله خالد بن الأعلم، ويقال: إنه أول قتيل قتل من ~~الأنصار، وقد روي: أن أول قتيل منهم حارثة بن سراقة، ومن بني زريق رافع بن ~~المعلى قتله عكرمة بن أبي جهل، ومن بني الحارث بن الخزرج يزيد بن ms3200 الحارث ~~قتله نوفل بن معاوية فهؤلاء الثمانية من الأنصار. وروي عن ابن عباس: أن ~~أنسة مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل ببدر، وروي: أن معاذ بن ~~ماعص جرح ببدر فمات من جراحته بالمدينة، وابن عبيد بن السكن جرح فاشتكى ~~جرحه فمات منه. PageV09P018 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 15 - 29 # يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ~~(17) ذلكم وأن الله موهن كيد الكفرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن ~~تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن ~~الله مع المؤمنين (19) يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا ~~عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) ~~إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يأيها الذين ءامنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ~~واعلموا أن الله شديد العقاب (25) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس فئاواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبت لعلكم ~~تشكرون (26) يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم ~~وأنتم تعلمون (27) واعلموا أنما أمولكم وأولدكم فتنة وأن الله عنده أجر ~~عظيم (28) يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) ### |||| AUTO بيان # أوامر ونواه متعلقة بالجهاد الإسلامي مما يناسب سوق القصة، وحث على تقوى ~~الله وإنذار وتخويف من مخالفة الله ورسوله والتعرض لسخطه سبحانه، وفيها ~~إشارة إلى بعض ما جرى في وقعة بدر من منن الله وأياديه ms3201 على المؤمنين. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار" اللقاء مصدر لقي يلقى من المجرد ولاقى يلاقي من المزيد فيه، قال ~~الراغب في مفردات القرآن،: اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته معا، وقد يعبر به ~~عن كل واحد منهما يقال: لقيه يلقاه لقاء ولقيا ولقية، ويقال ذلك في الإدراك ~~بالحس وبالبصر وبالبصيرة قال: لقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه، وقال: ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، وملاقاة الله عبارة عن القيامة وعن المصير ~~إليه قال: واعلموا أنكم ملاقوه، وقال: الذين يظنون أنهم ملاقوا الله، ~~واللقاء الملاقاة، قال: وقال الذين لا يرجون لقاءنا، وقال: إلى ربك كدحا ~~فملاقيه. # انتهى. # وقال في المجمع،: اللقاء الاجتماع على وجه المقاربة لأن الاجتماع قد يكون ~~على غير وجه المقاربة فلا يكون لقاء كاجتماع الأعراض في المحل الواحد. # انتهى. # وقال فيه: الزحف الدنو قليلا قليلا، والتزاحف التداني يقال: زحف يزحف ~~زحفا وأزحفت للقوم إذا دنوت لقتالهم وثبت لهم. # قال الليث الزحف جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة وجمعه زحوف. # انتهى. # وتولية الأعداء الأدبار جعلهم يلونها وهو استدبار العدو واستقبال جهة ~~الهزيمة. # وخطاب الآية عام غير خاص بوقت دون وقت ولا غزوة دون غزوة فلا وجه ~~لتخصيصها بغزوة بدر وقصر حرمة الفرار من الزحف بها كما يحكى عن بعض ~~المفسرين. PageV09P019 # على أنك عرفت أن ظاهر سياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة بدر لا يومها، وأن ~~الآيات ذيل ما في صدر السورة من قوله: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول" الآية، وللكلام تتمة ستوافيك في البحث الروائي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة" ~~إلى آخر الآية. # التحرف. # الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف وهو طرف الشيء وهو أن ينحرف وينعطف ~~المقاتل من جهة إلى جهة أخرى ليتمكن من عدوه ويبادر إلى إلقاء الكيد عليه، ~~والتحيز هو أخذ الحيز وهو المكان، والفئة القطعة من جماعة الناس، والتحيز ~~إلى فئة ms3202 أن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدو إلى فئة من قومه فيلحق بهم ~~ويقاتل معهم. # والبواء الرجوع إلى مكان واستقرار فيه، ولذا قال الراغب: أصل البواء ~~مساواة الأجزاء في المكان خلاف النبوة الذي هو منافاة الأجزاء. # انتهى فمعنى قوله: باء بغضب من الله أي رجع ومعه غضب من الله. # فمعنى الآيتين: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا لقاء زحف أو ~~زاحفين للقتال فلا تفروا منهم ومن يفر منهم يومئذ أي وقتئذ فقد رجع ومعه ~~غضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير إلا أن يكون فراره للتحرف لقتال أو ~~التحيز إلى فئة فلا بأس به. # قوله تعالى: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى" إلى آخر الآية، التدبر في السياق لا يدع شكا في أن الآية تشير إلى ~~وقعة بدر وما صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من رميهم بكف من ~~الحصى، والمؤمنون بوضع السيف فيهم وقتلهم القتل الذريع، وذيل الآية أعني ~~قوله: وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا يدل على أن الكلام جار مجرى الامتنان ~~منه تعالى، وقد أثبت تعالى عين ما نفاه في جملة واحدة أعني قوله: "وما رميت ~~إذ رميت". # فمن جميع هذه الشواهد يتحصل أن المراد بقوله: "فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" نفي أن تكون وقعة بدر وما ظهر فيها ~~من استئصال المشركين والظهور عليهم والظفر بهم جارية على مجرى العادة ~~والمعروف من نواميس الطبيعة، وكيف يسع لقوم هم شرذمة قليلون ما فيهم على ما ~~روي إلا فرس أو فرسان وبضعة أدرع وبضعة سيوف، أن يستأصلوا جيشا مجهزا ~~بالأفراس والأسلحة والرجال والزاد والراحلة، هم أضعافهم عدة ولا يقاسون بهم ~~قوة وشدة، وأسباب الغلبة عندهم، وعوامل البأس معهم، والموقف المناسب للتقدم لهم. # إلا أن الله سبحانه بما أنزل من الملائكة ثبت أقدام المؤمنين وأرعب قلوب ~~المشركين، وألقى الهزيمة بما رماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الحصاة عليهم فشملهم المؤمنين قتلا وأسرا فبطل ms3203 بذلك كيدهم وخمدت أنفاسهم ~~وسكنت أجراسهم. # فبالحري أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدي المؤمنين والرمي الذي شتت ~~شملهم وألقى الهزيمة فيهم إليه سبحانه دون المؤمنين. # فما في الآية من النفي جار مجرى الدعوى بنوع من العناية، بالنظر إلى ~~استناد القتل بأطرافها إلى سبب إلهي غير عادي، ولا ينافي ذلك استنادها بما ~~وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعد ~~المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) راميا ~~لما رماه من الحصاة. # وقوله: "وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا" الظاهر أن ضمير "منه" راجع إلى ~~الله تعالى، والجملة لبيان الغاية وهي معطوفة على مقدر محذوف، والتقدير: ~~إنما فعل الله ما فعل من قتلهم ورميهم لمصالح عظيمة عنده، وليبلي المؤمنين ~~ويمتحنهم بلاء وامتحانا حسنا أو لينعم عليهم بنعمة حسنة، وهو إفناء خصمهم ~~وإعلاء كلمة التوحيد بهم وإغناؤهم بما غنموا من الغنائم. # وقوله: "إن الله سميع عليم" تعليل لقوله: "وليبلي المؤمنين" أي إنه تعالى ~~يبليهم لأنه سميع باستغاثتهم عليم بحالهم فيبليهم منه بلاء حسنا. PageV09P020 # والتفريع الذي في صدر الآية: "فلم تقتلوهم" إلخ متعلق بما يتضمنه الآيات ~~السابقة: "إذ تستغيثون ربكم" إلى آخر الآيات من المعنى، فإنها تعد منن الله ~~عليهم من إنزال الملائكة وإمدادهم بهم وتغشية النعاس إياهم وإمطار السماء ~~عليهم وما أوحي إلى الملائكة من تأييدهم وتثبيت أقدامهم وإلقاء الرعب في ~~قلوب أعدائهم، فلما بلغ الكلام هذا المبلغ فرع عليه قوله: "فلم تقتلوهم ~~ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". # وعلى هذا فقوله: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم" إلى قوله: "وبئس ~~المصير" معترضة متعلقة بقوله: "فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان" ~~أو بمعناه المفهوم من الجمل المسرودة، وقوله: "فلم تقتلوهم" إلخ متصل بما ~~قبله بحسب النظم. # وربما يذكر في نظم الآية وجهان آخران: أحدهما: أن الله سبحانه لما أمرهم ~~بالقتل في الآية المتقدمة ذكر عقيبها أن ما كان من الفتح يوم بدر وقهر ~~المشركين إنما كان بنصرته ومعونته ms3204 تذكيرا للنعمة. # ذكره أبو مسلم. # والثاني: أنهم لما أمروا بالقتال ثم كان بعضهم يقول: أنا قتلت فلانا وأنا ~~فعلت كذا نزلت الآية على وجه التنبيه لهم لئلا يعجبوا بأعمالهم. # وربما قيل: إن الفاء في قوله: "فلم تقتلوهم" لمجرد ربط الجمل بعضها ببعض. # والوجه ما قدمناه. # قوله تعالى: "ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين" قال في المجمع،: "ذلكم" ~~موضعه رفع، وكذلك "أن الله" في موضع رفع، والتقدير: الأمر ذلكم والأمر أن ~~الله موهن، وكذلك الوجه فيما تقدم من قوله: "ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب ~~النار"، ومن قال: إن "ذلكم" مبتدأ و"فذوقوه" خبره فقد أخطأ لأن ما بعد ~~الفاء لا يكون خبرا لمبتدإ، ولا يجوز: زيد فمنطلق، ولا: زيد فاضربه إلا أن ~~تضمر "هذا" تريد: هذا زيد فاضربه. # انتهى. # فمعنى الآية: الأمر ذلكم الذي ذكرناه والأمر أن الله موهن كيد الكافرين. # قوله تعالى: "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح" إلى آخر الآية. # ظاهر الآية بما تشتمل عليه من الجمل المسرودة كقوله: "وإن تنتهوا فهو خير ~~لكم" وقوله: "وإن تعودوا نعد" إلخ أن تكون الخطاب فيه للمشركين دون ~~المؤمنين باشتمال الكلام على الالتفات للتهكم، وهو المناسب لقوله في الآية ~~السابقة: "وأن الله موهن كيد الكافرين". # فالمعنى: إن طلبتم الفتح وسألتم الله أيها المشركون أن يفتح بينكم وبين ~~المؤمنين فقد جاءكم الفتح بما أظهر الله من الحق يوم بدر فكانت الدائرة ~~للمؤمنين عليكم، وإن تنتهوا عن المكيدة على الله ورسوله فهو خير لكم وإن ~~تعودوا إلى مثل ما كدتم نعد إلى مثل ما أوهنا به كيدكم، ولن تغني عنكم ~~جماعتكم شيئا ولو كثرت كما لم تغن في هذه المرة وإن الله مع المؤمنين ولن ~~يغلب من هو معه. # وبهذا يتأيد ما ورد أن أبا جهل قال يوم بدر حين اصطف الفريقان أو حين ~~التقى الفئتان: اللهم إن محمدا أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فانصر ~~عليه، وفي بعض الروايات - وهو الأنسب - كما في المجمع، عن أبي حمزة: قال ~~أبو جهل: اللهم ربنا ديننا القديم ودين ms3205 محمد الحديث فأي الدينين كان أحب ~~إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم. # وذكر بعضهم: أن الخطاب في الآية للمؤمنين ووجهوا مضامين جملها بما لا ~~يرتضيه الذوق السليم، ولا جدوى للإطالة بذكرها والمناقشة فيها فمن أراد ذلك ~~فعليه بالمطولات. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه ~~وأنتم تسمعون" الضمير على ما يفيده السياق راجع إلى الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، والمعنى، ولا تولوا عن الرسول وأنتم تسمعون ما يلقياه إليكم من ~~الدعوة الحقة وما يأمركم به وينهاكم عنه مما فيه صلاح دينك ودنياكم. # ومصب الكلام أوامره الحربية وإن كان لفظه أعم. PageV09P021 # قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون" المعنى ظاهر ~~وفيه نوع تعريض للمشركين إذ قالوا: سمعنا، وهو لا يسمعون، وقد حكى الله ~~عنهم ذلك إذ قال بعد عدة آيات: "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشاء لقلنا مثل هذا": الأنفال: - 31، لكنهم كذبوا ولم يسمعوا ولو سمعوا ~~لاستجابوا كما قال الله تعالى: "ولهم آذان لا يسمعون بها": الأعراف: - 179، ~~وقال تعالى حكاية عن أصحاب السعير: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير": الملك: - 10 فالمراد بالسمع في الآية الأولى تلقي الكلام ~~الحق الذي هو صوت من طريق الأذن، وفي الآية الثانية الانقياد لما يتضمنه ~~الكلام الحق المسموع. # والآيتان - كما ترى - خطاب متعلق بالمؤمنين متصل نوع اتصال بالآية ~~السابقة عليهما وتعريض للمشركين، فهو تعالى لما التفت إلى المشركين فذمهم ~~وتهكم عليهم بسؤالهم الفتح، وذكر لهم أن الغلبة دائما لكلمة الإيمان على ~~كلمة الكفر ولدعوة الحق على دعوة الباطل، التفت إلى حزبه وهم المؤمنون ~~فأمرهم بالطاعة له ولرسوله، وحذرهم عن التولي عنه بعد استماع كلمة الحق، ~~وأن يكونوا كأولئك إذ قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون. # ومن الممكن أن يكون في الآية إشارة إلى عدة من أهل مكة آمنوا بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولما تخلص قلوبهم من الشك خرجوا مع المشركين إلى بدر ~~لحرب رسول الله (صلى الله ms3206 عليه وآله وسلم) فابتلوا بما ابتلي به مشركوا ~~قريش، فقد ورد في الخبر: أن فئة من قريش أسلموا بمكة واحتبسهم آباؤهم ~~فخرجوا مع قريش، يوم بدر، وهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن ~~خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، والحارث بن زمعة، وقيس بن الفاكه بن ~~المغيرة ولما رأوا قلة المسلمين قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم، وسيذكرهم ~~الله بعد عدة آيات بقوله: "وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر ~~هؤلاء دينهم" الآية. # وربما قيل: إن المراد بالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون هم أهل الكتاب من ~~يهود قريظة والنضير. # وهو بعيد. # قوله تعالى: "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" إلى آخر ~~الآيتين. # تعريض وذم للذين سبق ذكرهم من الكفار على ما يعطيه سياق الكلام وما ~~اشتملت عليه الآية من الموصول والضمائر المستعملة في أولي العقل، وعلى هذا ~~فالظاهر أن اللام في قوله: "الصم البكم" للعهد الذكري، ويئول المعنى إلى أن ~~شر جميع ما يدب على الأرض من أجناس الحيوان وأنواعها هؤلاء الصم البكم ~~الذين لا يعقلون، وإنما لم يعقلوا لأنه لا طريق لهم إلى تلقي الحق لفقدهم ~~السمع والنطق فلا يسمعون ولا ينطقون. # ثم ذكر تعالى أن الله إنما ابتلاهم بالصمم والبكمة فلا يسمعون كلمة الحق ~~ولا ينطقون بكلمة الحق، وبالجملة حرمهم نعمة السمع والقبول، لأنه تعالى لم ~~يجد عندهم خيرا ولم يعلم به ولو كان لعلم، لكن لم يعلم فلم يوفقهم للسمع ~~والقبول، ولو أنه تعالى رزقهم السمع والحال هذه لم يثبت السمع والقبول فيهم ~~بل تولوا عن الحق وهم معرضون. # ومن هنا يعلم أن المراد بالخير حسن السريرة الذي يثبت به الاستعداد لقبول ~~الحق ويستقر في القلب، وأن المراد بقوله: "ولو أسمعهم" الأسماع على تقدير ~~عدم الاستعداد الثابت المستقر فافهم ذلك فلا يرد أنه تعالى لو أسمعهم ~~ورزقهم قبول الحق استلزم ذلك تحقق الخير فيهم ولا وجه مع ذلك لتوليهم ~~وإعراضهم وذلك أن الشرط في قوله: "ولو أسمعهم" على تقدير ms3207 فقدهم الخير على ~~ما يفيده السياق. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم" لما دعاهم في قوله: "أطيعوا الله ورسوله" إلخ إلى إطاعة الدعوة ~~الحقة وعدم التولي عنها بعد استماعها أكده ثانيا بالدعوة إلى استجابة الله ~~والرسول في دعوة الرسول، ببيان حقيقة الأمر والركن الواقعي الذي تعتمد عليه ~~هذه الدعوة، وهو أن هذه الدعوة دعوة إلى ما يحيي الإنسان بإخراجه من مهبط ~~الفناء والبوار، وموقفه في الوجود، أن الله سبحانه أقرب إليه من قلبه وأنه ~~سيحشر إليه فليأخذ حذره وليجمع همه ويعزم عزمه. PageV09P022 # الحياة أنعم نعمة وأعلى سلعة يعتقدها الموجود الحي لنفسه كيف لا؟ وهو لا ~~يرى وراءه إلا العدم والبطلان، وأثرها الذي هو الشعور والإرادة هو الذي ~~ترام لأجله الحياة ويرتاح إليه الإنسان ولا يزال يفر من الجهل وافتقاد حرية ~~الإرادة والاختيار وقد جهز الإنسان وهو أحد الموجودات الحية بما يحفظ به ~~حياته الروحية التي هي حقيقة وجوده كما جهز كل نوع من أنواع الخليقة بما ~~يحفظ به وجوده وبقاءه. # وهذا الجهاز الإنساني يشخص له خيراته ومنافعه، ويحذره من مواطن الشر والضر. # وإذ كان هذه الهداية الإلهية التي يسوق النوع الإنسان إلى نحو سعادته ~~وخيره ويندبه نحو منافع وجوده هداية بحسب التكوين وفي طور الخلقة، ومن ~~المحال أن يقع خطأ في التكوين، كان من الحتم الضروري أن يدرك الإنسان سعادة ~~وجوده إدراكا لا يقع فيه شك كما أن سائر الأنواع المخلوقة تسير إلى ما فيه ~~خير وجوده ومنافع شخصه من غير أن يسهو فيه من حيث فطرته، وإنما يقع الخبط ~~فيما يقع من جهة تأثير عوامل وأسباب أخر مضادة تؤثر فيه أثرا مخالفا ينحرف ~~فيه الشيء عما هو خير له إلى ما هو شر، وعما فيه نفعه إلى ما فيه ضرر يعود ~~إليه، وذلك كالجسم الثقيل الأرضي الذي يستقر بحسب الطبيعة الأرضية على بسيط ~~الأرض ثم إنه يبتعد عن الأرض بالحركة إلى جهة العلو بدفع دافع يجبره على ~~خلاف الطبع فإذا بطل أثر ms3208 الدفع عاد إلى مستقره بالحركة نحو الأرض على ~~استقامة إلا أن يمنعه مانع فيخرجه عن السير الاستقامي إلى انحراف واعوجاج. # وهذا هو الذي يصر عليه القرآن الكريم أن الإنسان لا يخفى عليه ما فيه ~~سعادته في الحياة من علم وعمل، وأنه يدرك بفطرته ما هو حق الاعتقاد والعمل ~~قال تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم": الروم: - 30، "وقال تعالى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى - إلى أن ~~قال - فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى:" الأعلى: - 11، ~~وقال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد ~~خاب من دساها:" الشمس: - 10. # نعم ربما أخطأ الإنسان طريق الحق في اعتقاد أو عمل وخبط في مشيته لكن لا ~~لأن الفطرة الإنسانية والهداية الإلهية أوقعته في ضلالة وأوردته في تهلكة ~~بل لأنه أغفل عقله ونسي رشده واتبع هوى نفسه وما زينه جنود الشياطين في ~~عينه، قال تعالى: "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى": النجم: - 23 وقال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم": ~~الجاثية: - 23. # فهذه الأمور التي تدعو إليها الفطرة الإنسانية من حق العلم والعمل لوازم ~~الحياة السعيدة الإنسانية وهي الحياة الحقيقية التي بالحري أن تختص باسم ~~الحياة والحياة السعيدة تستتبعها كما أنها تستلزم الحياة وتستتبعها وتعيدها ~~إلى محلها لو ضعفت الحياة في محلها بورود ما يضادها ويبطل رشد فعلها. # فإذا انحرف الإنسان عن سوي الصراط الذي تهديه إليه الفطرة الإنسانية ~~وتسوقه إليه الهداية، الإلهية فقد فقد لوازم الحياة السعيدة من العلم ~~النافع والعمل الصالح، ولحق بحلول الجهل وفساد الإرادة الحرة والعمل النافع ~~بالأموات ولا يحييه إلا علم حق وعمل حق، وهما اللذان تندب إليهما الفطرة ~~وهذا هو الذي تشير إليه الآية التي نبحث عنها: "يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم". # واللام في قوله: "لما يحييكم". # بمعنى إلى، وهو شائع في الاستعمال، والذي يدعو إليه الرسول (صلى الله ~~عليه ms3209 وآله وسلم) هو الدين الحق وهو الإسلام الذي يفسره القرآن الكريم ~~باتباع الفطرة فيما تندب إليه من علم نافع وعمل صالح. PageV09P023 # وللحياة بحسب ما يراه القرآن الكريم معنى آخر أدق مما نراه بحسب النظر ~~السطحي الساذج فإنا إنما نعرف من الحياة في بادىء النظر ما يعيش به الإنسان ~~في نشأته الدنيوية إلى أن يحل به الموت، وهي التي تصاحب الشعور والفعل ~~الإرادي، ويوجد مثلها أو ما يقرب منها في غير الإنسان أيضا من سائر الأنواع ~~الحيوانية لكن الله سبحانه يقول: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت - 64 ويفيد ذلك أن ~~الإنسان متمتع بهذه الحياة غير مشتغل إلا بالأوهام، وأنه مشغول بها عما هو ~~أهم وأوجب من غايات وجوده وأغراض روحه فهو في حجاب مضروب عليه يفصل بينه ~~وبين حقيقة ما يطلبه ويبتغيه من الحياة. # وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى وهو من خطابات يوم القيامة: "لقد كنت ~~في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: - 22. # فللإنسان حياة أخرى أعلى كعبا وأغلى قيمة من هذه الحياة الدنيوية التي ~~يعدها الله سبحانه لعبا ولهوا، وهي الحياة الأخروية التي سينكشف عن وجهها ~~الغطاء، وهي الحياة التي لا يشوبها اللعب واللهو، ولا يدانيها اللغو ~~والتأثيم، لا يسير فيها الإنسان إلا بنور الإيمان وروح العبودية قال تعالى: ~~"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: - 22 وقال ~~تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام - 122. # فهذه حياة أخرى أرفع قدرا وأعلى منزلة من الحياة الدنيوية العامة التي ~~ربما شارك فيها الحيوان العجم الإنسان، ويظهر من أمثال قوله تعالى: ~~"وأيدناه بروح القدس": البقرة: - 253 وقوله: "وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا" الآية: الشورى: - 52 أن هناك حياة أخرى فوق هاتين الحياتين ~~المذكورتين سيوافيك البحث عنها فيما يناسبها من المورد إن شاء الله. # وبالجملة فللإنسان حياة حقيقية أشرف وأكمل من ms3210 حياته الدينية الدنيوية ~~يتلبس بها إذا تم استعداده بالتحلي بحلية الدين والدخول في زمرة الأولياء ~~الصالحين كما تلبس بالحياة الدنيوية حين تم استعداده للتلبس بها وهو جنين ~~إنساني. # وعلى ذلك ينطبق قوله تعالى في الآية المبحوث عنها: "يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" فالتلبس بما تندب إليه الدعوة ~~الحقة من الإسلام يجر إلى الإنسان هذه الحياة الحقيقية كما أن هذه الحياة ~~منبع ينبع منه الإسلام وينشأ منه العلم النافع والعمل الصالح، وفي معنى هذه ~~الآية قوله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون:" النحل: - 97. # والآية أعني قوله فيها: "إذا دعاكم لما يحييكم" مطلق لا يأبى الشمول ~~لجميع دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) المحيية للقلوب، أو بعضها الذي فيه ~~طبيعة الإحياء أو لنتائجها التي هي أنواع الحياة السعيدة الحقيقية كالحياة ~~السعيدة في جوار الله سبحانه في الآخرة. # ومن هنا يظهر أن لا وجه لتقييد الآية بما قيدها به أكثر المفسرين فقد قال ~~بعضهم: إن المراد بقوله: "إذا دعاكم لما يحييكم" بالنظر إلى مورد النزول: ~~إذا دعاكم إلى الجهاد إذ فيه إحياء أمركم وإعزاز دينكم. # وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الشهادة في سبيل الله في جهاد عدوكم فإن الله ~~سبحانه عد الشهداء أحياء كما في قوله: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: - 169. # وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الإيمان فإنه حياة القلب والكفر موته أو إذا ~~دعاكم إلى الحق. # وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى القرآن والعلم في الدين لأن العلم حياة ~~والجهل موت والقرآن نور وحياة وعلم. # وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الجنة لما فيها من الحياة الدائمة والنعمة ~~الباقية الأبدية. # وهذه الوجوه المذكورة يقبل كل واحد منها انطباق الآية عليه غير أن الآية ~~كما عرفت مطلقة لا موجب لصرفها عما لها من المعنى الوسيع. # قوله تعالى: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ms3211 تحشرون" ~~الحيلولة هي التخلل وسطا، والقلب العضو المعروف. PageV09P024 # ويستعمل كثيرا في القرآن الكريم في الأمر الذي يدرك به الإنسان ويظهر به ~~أحكام عواطفه الباطنة كالحب والبغض والخوف والرجاء والتمني والقلق ونحو ذلك ~~فالقلب هو الذي يقضي ويحكم، وهو الذي يحب شيئا ويبغض آخر، وهو الذي يخاف ~~ويرجو ويتمنى ويسر ويحزن، وهو في الحقيقة النفس الإنسانية تفعل بما جهزت به ~~من القوى والعواطف الباطنة. # والإنسان كسائر ما أبدعه الله من الأنواع التي هي أبعاض عالم الخلقة مركب ~~من أجزاء شتى مجهز بقوى وأدوات تابعة لوجوده يملكها ويستخدمها في مقاصد ~~وجوده، والجميع مربوطة به ربطا يجعل شتات الأجزاء والأبعاض على كثرتها ~~وتفاريق القوى والأدوات على تعددها، واحدا تاما يفعل ويترك، ويتحرك ويسكن، ~~بوحدته وفردانيته. # غير أن الله سبحانه لما كان هو المبدع للإنسان وهو الموجد لكل واحد واحد ~~من أجزاء وجوده وتفاريق قواه وأدواته كان هو الذي يحيط به وبكل واحد من ~~أجزاء وجوده وتوابعه، ويملك كلا منها بحقيقة معنى الملك يتصرف فيه كيف ~~يشاء، ويملك الإنسان ما شاء منها كيف شاء فهو المتوسط الحائل بين الإنسان ~~وبين كل جزء من أجزاء وجوده وكل تابع من توابع شخصه: بينه وبين قلبه، بينه ~~وبين سمعه، بينه وبين بصره، بينه ومن بدنه، بينه وبين نفسه. # يتصرف فيها بإيجادها، ويتصرف فيها بتمليك الأسنان ما شاء منها كيف شاء، ~~وإعطائه ما أعطي، وحرمانه ما حرم. # ونظير الإنسان في ذلك سائر الموجودات فما من شيء في الكون وله ذات وتوابع ~~ذات من قوى وآثار وأفعال إلا والله سبحانه هو المالك بحقيقة معنى الكلمة ~~لذاته ولتوابع ذاته، وهو المملك إياه كلا من ذاته وتوابع ذاته فهو الحائل ~~المتوسط بينه وبين ذاته وبينه وبين توابع ذاته من قواه وآثاره وأفعاله. # فالله سبحانه هو الحائل المتوسط بين الإنسان وبين قلبه وكل ما يملكه ~~الإنسان ويرتبط ويتصل هو به نوعا من الارتباط والاتصال وهو أقرب إليه من كل ~~شيء كما قال تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد": ق: - 16. # وإلى هذه ms3212 الحقيقة يشير قوله: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه ~~إليه تحشرون" فهو تعالى لكونه مالكا لكل شيء ومن جملتها الإنسان ملكا ~~حقيقيا لا مالك حقيقة سواه، أقرب إليه حتى من نفسه وقوى نفسه التي يملكها ~~لأنه سبحانه هو الذي يملكه إياها فهو حائل متوسط بينه وبينها يملكه إياها ~~ويربطها به فافهم ذلك. # ولذلك عقب الجملة بقوله: "وأنه إليه تحشرون" فإن الحشر والبعث هو الذي ~~ينجلي عنده أن الملك الحق لله وحده لا شريك له، ويبطل عند ذلك كل ملك صوري ~~وسلطنة ظاهرية إلا ملكه الحق جل ثناؤه كما قال سبحانه: "لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار:" المؤمن: - 16، وقال: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله:" الإنفطار: - 19. # فكأن الآية تقول: واعلموا أن الله هو المالك بالحقيقة لكم ولقلوبكم وهو ~~أقرب إليكم من كل شيء، وأنه ستحشرون إليه فيظهر حقيقة ملكه لكم وسلطانه ~~عليكم يومئذ فلا يغني عنكم منه شيء. # وأما اتصال الكلام أعني ارتباط قوله: "واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه" إلخ بقوله: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" فلأن ~~حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه، يقطع منبت كل عذر في عدم استجابته لله ~~والرسول إذا دعاه لما يحييه، وهو التوحيد الذي هو حقيقة الدعوة الحقة فإن ~~الله سبحانه لما كان أقرب إليه من كل شيء حتى من قلبه الذي يعرفه بوجدانه ~~قبل كل شيء، فهو تعالى وحده لا شريك له أعرف إليه من قلبه الذي هو وسيلة ~~إدراكه وسبب أصل معرفته وعلمه. # فهو يعرف الله إلها واحدا لا شريك له قبل معرفته قلبه وكل ما يعرفه ~~بقلبه، فمهما شك في شيء أو ارتاب في أمر فلن يشك في إلهه الواحد الذي هو رب ~~كل شيء ولن يضل في تشخيص هذه الكلمة الحقة. PageV09P025 # فإذا دعاه داعي الحق إلى كلمة الحق ودين التوحيد الذي يحييه لو استجاب له، ~~كان عليه أن يستجيب داعي الله فإنه لا عذر له في ترك الاستجابة معللا بأنه ~~لم يعرف حقية ما ms3213 دعي إليه، أو اختلط عليه، أو أعيته المذاهب في الإقبال على ~~الحق الصريح فإن الله سبحانه هو الحق الصريح الذي لا يحجبه حاجب، ولا يستره ~~ساتر إذ كل حجاب مفروض فالله سبحانه أقرب منه إلى الإنسان، وكل ما يختلج في ~~القلب من شبهة أو وسوسة فالله سبحانه متوسط متخلل بينه - مع ما له من ظرف ~~وهو القلب - وبين الإنسان فلا سبيل للإنسان إلى الجهل بالله والشك في توحده. # وأيضا فإن الله سبحانه لما كان حائلا بين المرء وقلبه فهو أقرب إلى قلبه ~~منه كما أنه أقرب إليه من قلبه فإن الحائل المتوسط أقرب إلى كل من الطرفين ~~من الطرف الآخر وإذا كان تعالى أقرب إلى قلب الإنسان منه فهو أعلم بما في ~~قلبه منه. # فعلى الإنسان إذا دعاه داعي الحق إلى ما يحييه من الحق أن يستجيب دعاءه ~~بقلبه كما يستجيبه بلسانه، ولا يضمر في قلبه ما لا يوافق ما لباه بلسانه ~~وهو النفاق فإن الله أعلم بما في قلبه منه وسيحشر إليه فينبئه بحقيقة عمله ~~ويخبره بما طواه في قلبه قال تعالى: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم ~~شيء:" المؤمن: - 16، وقال: "ولا يكتمون الله حديثا:" النساء: - 42. # وأيضا فإن الله سبحانه لما كان هو الحائل بين الإنسان وقلبه وهو المالك ~~للقلب بحقيقة معنى الملك كان هو المتصرف في القلب قبل الإنسان وله أن يتصرف ~~فيه بما شاء فما يجده الإنسان في قلبه من إيمان أو شك أو خوف أو رجاء أو ~~طمأنينة أو قلق واضطراب أو غير ذلك مما ينسب إليه باختيار أو اضطرار، فله ~~انتساب إليه تعالى بتصرفه فيما هو أقرب إليه من كل شيء تصرفا بالتوفيق أو ~~الخذلان أو أي نوع من أنواع التربية الإلهية، يتصرف بما شاء ويحكم بما أراد ~~من غير أن يمنعه مانع أو يهدده ذم أو لوم كما قال تعالى: "والله يحكم لا ~~معقب لحكمه:" الرعد: - 41، وقال تعالى: "له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير:" التغابن: - 1. # فمن الجهل أن يثق ms3214 الإنسان بما يجد في قلبه من الإيمان بالحق أو التلبس ~~بنية حسنة أو عزيمة على خير أو هم بصلاح وتقوى، بمعنى أن يرى استقلاله بملك ~~قلبه وقدرته المطلقة على ما يهم به فإن القلب بين أصابع الرحمن يقلبه كيف ~~يشاء وهو المالك له بحقيقة معنى الملك والمحيط به بتمام معنى الكلمة، قال ~~تعالى: "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة:" الأنعام: - ~~110، فمن الواجب عليه أن يؤمن بالحق ويعزم على الخير على مخافة من الله ~~تعالى أن يقلبه من السعادة إلى الشقاء ويحول قلبه من حال الاستقامة إلى حال ~~الانتكاس والانحراف، ولا يأمن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون. # وكذلك الإنسان إذا وجد قلبه غير مقبل على كلمة الحق والعزم على الخير ~~وصالح العمل، عليه أن يبادر إلى استجابة الله ورسوله فيما يدعوه إلى ما ~~يحييه، ولا ينهزم عما يهجم عليه من أسباب اليأس وعوامل القنوط من ناحية ~~قلبه فإن الله سبحانه يحول بين المرء وقلبه، وهو القادر على أن يصلح سره ~~ويحول قلبه إلى أحسن حال ويشمله بروح منه ورحمة فإنما الأمر إليه، وقد قال: ~~"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون:" يوسف: - 87، وقال: "ومن ~~يقنط من رحمة ربه إلا الضالون:" الحجر: - 56. # فالآية الكريمة - كما ترى - من أجمع الآيات القرآنية تشتمل على معرفة ~~حقيقية من المعارف الإلهية - مسألة الحيلولة - وهي تقطع عذر المتجاهلين في ~~معرفة الله سبحانه من الكفار والمشركين، وتقلع غرة النفاق من أصلها بتوجيه ~~نفوس المنافقين إلى مقام ربهم وأنه أعلم بما في قلوبهم منهم، ويلقي إلى ~~المسلمين والذين هم في طريق الإيمان بالله وآياته مسألة نفسية تعلمهم أنهم ~~غير مستقلين في ملك قلوبهم ولا منقطعون في ذلك من ربهم فيزول بذلك رذيلة ~~الكبر عمن يرى لنفسه استقلالا وسلطنة فيما يملكه فلا يغره ما يشاهده من ~~تقوى القلب وإيمان السر، ورذيلة اليأس والقنوط عمن يحيط بقلبه دواهي الهوى ~~ودواعي أعراض الدنيا فيتثاقل عن الإيمان بالحق والإقبال على الخير، ويورثه ~~ذلك اليأس ms3215 والقنوط. PageV09P026 # ومما تقدم يظهر أن قوله: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" إلخ تعليل ~~لقوله تعالى: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" على جميع ~~التقادير من وجوه معناه. # وبذلك يظهر أيضا أن الآية أوسع معنى مما أورده المفسرون من تفسيرها: كقول ~~من قال: إن المراد أن الله سبحانه أقرب إلى المرء من قلبه نظير قوله: ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد، وفيه تحذير شديد. # وقول من قال: إن المراد أن القلب لا يستطيع أن يكتم الله حديثا فإن الله ~~أقرب إلى قلب الإنسان من نفسه، فما يعلمه الإنسان من قلبه يعلمه الله قبله. # وقول من قال: إن المراد أنه يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت ~~فلا يمكنه استدراك ما فات فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة ودعوا التسويف، ~~وفيه حث على الطاعة قبل حلول المانع. # وقول من قال: معناه أن الله سبحانه يملك تقليب القلوب من حال إلى حال ~~فكأنهم خافوا من القتال فأعلمهم الله سبحانه أنه يبدل خوفهم أمنا بأن يحول ~~بينهم وبين ما يتفكرون فيه من أسباب الخوف. # وقد ورد في الحديث عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بذلك أن ~~الله سبحانه يحول بين الإنسان وبين أن يعلم أن الحق باطل أو أن الباطل حق، ~~وسيجيء في البحث الروائي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن ~~الله شديد العقاب" قرأ علي والباقر (عليهما السلام) من أئمة أهل البيت وكذا ~~زيد بن ثابت والربيع بن أنس وأبو العالية على ما في المجمع: لتصيبن باللام ~~ونون التأكيد الثقيلة، والقراءة المشهورة: لا تصيبن بلا الناهية ونون ~~التأكيد الثقيلة. # وعلى أي تقدير كان، تحذر الآية جميع المؤمنين عن فتنة تختص بالظالمين ~~منهم، ولا يتعداهم إلى غيرهم من الكفار والمشركين، واختصاصها بالظالمين من ~~المؤمنين وأمر عامتهم مع ذلك باتقائها يدل على أنها وإن كانت قائمة ببعض ~~الجماعة لكن السيىء من أثرها يعم الجميع ثم قوله تعالى: "واعلموا أن الله ~~شديد ms3216 العقاب" تهديد للجميع بالعقاب الشديد ولا دليل يدل على اختصاص هذا ~~العقاب بالحياة الدنيا وكونه من العذاب الدنيوي من قبيل الاختلافات القومية ~~وشيوع القتل والفساد وارتفاع الأمن والسلام ونحو ذلك. # ومقتضى ذلك أن تكون الفتنة المذكورة على اختصاصها ببعض القوم مما يوجب ~~على عامة الأمة أن يبادروا على دفعها، ويقطعوا دابرها ويطفئوا لهيب نارها ~~بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر والأمر بالمعروف. # فيئول معنى الكلام إلى تحذير عامة المسلمين عن المساهلة في أمر ~~الاختلافات الداخلية التي تهدد وحدتهم وتوجب شق عصاهم واختلاف كلمتهم، ولا ~~تلبث دون أن تحزبهم أحزابا وتبعضهم أبعاضا، وويكون الملك لمن غلب منهم، ~~والغلبة لكلمة الفساد لا لكلمة الحق والدين الحنيف الذي يشترك فيه عامة ~~المسلمين. # فهذه فتنة تقوم بالبعض منهم خاصة وهم الظالمون غير أن سيىء أثره يعم الكل ~~ويشمل الجميع فيستوعبهم الذلة والمسكنة وكل ما يترقب من مر البلاء بنشوء ~~الاختلاف فيما بينهم، وهم جميعا مسئولون عند الله والله شديد العقاب. # وقد أبهم الله تعالى أمر هذه الفتنة ولم يعرفها بكمال اسمها ورسمها غير ~~أن قوله فيما بعد: "لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" وقوله: "واعلموا أن ~~الله شديد العقاب" - كما تقدم - يوضحها بعض الإيضاح، وهو أنها اختلاف البعض ~~من الأمة مع بعض منها في أمر يعلم جميعه وجه الحق فيه فيجمح البعض عن قبول ~~الحق ويقدم إلى المنكر بظلمه فلا يرد عونه عن ظلمه ولا ينهونه عن ما يأتيه ~~من المنكر، وليس كل ظلم، بل الظلم الذي يسري سوء أثره إلى كافة المؤمنين ~~وعامة الأمة لمكان أمره سبحانه الجميع باتقائه، فالظلم الذي هو لبعض الأمة ~~ويجب على الجميع أن يتقوه ليس إلا ما هو من قبيل التغلب على الحكومة الحقة ~~الإسلامية، والتظاهر بهدم القطعيات من الكتاب والسنة التي هي من حقوقها. # وأيا ما كان ففي الفتن الواقعة في صدر الإسلام ما ينطبق عليه الآية أوضح ~~انطباق وقد انهدمت بها الوحدة الدينية، وبدت الفرقة ونفدت القوة، وذهبت ~~الشوكة على ما اشتملت عليه من ms3217 القتل والسبي والنهب وهتك الأعراض والحرمات ~~وهجر الكتاب وإلغاء السنة، وقال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا. PageV09P027 # ومن شمول مشامتها وتعرق فسادها أن الأمة لا تستطيع الخروج من أليم عذابها ~~حتى بعد التنبه منهم لسوء فعالهم وتفريطهم في جنب الله كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق. # وقد تفطن بعض المفسرين بأن الآية تحذر الأمة وتهددهم بفتنة تشمل عامتهم ~~وتفرق جمعهم، وتشتت شملهم، وتوعدهم بعذاب الله الشديد، وقد أحسن التفطن غير ~~أنه تكلف في توجيه العذاب بالعذاب الدنيوي، وتمحل في تقييد ما في الآية من ~~إطلاق العقاب، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. # ولنرجع إلى لفظ الآية: أما على قراءة أهل البيت (عليهم السلام) وزيد: ~~"واتقوا فتنة لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" فاللام في "لتصيبن" للقسم ~~والنون الثقيلة لتأكيده، والتقدير: واتقوا فتنة أقسم لتصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة، وخاصة حال من الفتنة، والمعنى اتقوا فتنة تختص إصابته بالذين ~~ظلموا منكم أيها المخاطبون وهم الذين آمنوا، وعليك أن تتذكر ما سلف بيانه ~~أن لفظ: "الذين آمنوا" في القرآن خطاب تشريفي للمؤمنين في أول البعثة وبدء ~~انتشار الدعوة لو لا قرينة صارفة عن ذلك، ثم تذكر أن فتن صدر الإسلام تنتهي ~~إلى أصحاب بدر، والآية على أي حال يأمر الجميع أن يتقوا فتنة تثيرها بعضهم، ~~وليس إلا لأن أثرها السيىء يعم الجميع كما تقدم. # وأما على قراءة المشهور: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" ~~فقد ذكروا: أن لا في "لا تصيبن" ناهية والنون لتأكيد النهي، وليس "لا ~~تصيبن" جوابا للأمر في "اتقوا" بل الكلام جار مجرى الابتداء والاستيناف ~~كقوله تعالى: "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده:" ~~النمل: - 18 فقد قال أولا: "واتقوا فتنة" ثم استأنف وقال: "لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة" لاتصال الجملتين معنى. # وربما جوز بعض النحاة أن يكون "لا تصيبن" نهيا واردا في جواب الأمر كما ~~يقال: اتق زيدا لا يضربك أو لا يضربنك والتقدير: اتق زيدا فإنك ms3218 إن اتقيته ~~لا يضربك ولم يشترط في نون التأكيد أن لا يدخل الخبر. # وربما قال بعضهم: إن لا زائدة والمعنى: اتقوا فتنة تصيبن الآية. # وربما ذكر آخرون: "أن أصل لا تصيبن" "لتصيبن" أشبعت فتحة اللام حتى تولدت ~~الألف، وإشباع الفتحة ليس بعزيز في الشعر قال: فأنت من الغوائل حين ترمي ~~ومن ذم الرجال بمنتزاح. # يريد: بمنتزح، والوجهان بعيدان لا يحمل على مثلهما كلامه تعالى. # ومآل المعنى على هذا الوجه أي على قراءة لا "تصيبن" أيضا إلى ما تفيده ~~القراءة الأولى "لتصيبن" كما عرفت. # والآية - كما عرفت - تتضمن خطابا اجتماعيا متوجها إلى مجموع الأمة وذلك ~~يؤيد كون الخطاب في الآية السابقة: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" خطابا اجتماعيا متوجها إلى كافة المؤمنين، ~~ويتفرع عليه أن المراد بالدعوة إلى ما يحييهم الدعوة إلى الاتفاق على ~~الاعتصام بحبل الله وإقامة الدين وعدم التفرق فيه كما قال: "واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا": آل عمران: - 103 وقال: "أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه:" الشورى: - 13 وقوله: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: - 153. # وبهذا يتأيد بعض الوجوه المذكورة سابقا في قوله: "إذا دعاكم لما يحييكم" ~~وكذا في قوله: "إن الله يحول بين المرء وقلبه" وتختص الآية به بحسب السياق ~~وإن كانت تفيد معنى أوسع من ذلك باعتبار أخذها في نفسها مفردة عن السياق، ~~والباحث الناقد لا يعوز عليه تمييز ذلك والله الهادي. # قوله تعالى: "واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس" إلى آخر الآية. # الاستضعاف عد الشيء ضعيفا بتوهين أمره، والتخطف والخطف والاختطاف أخذ ~~الشيء بسرعة انتزاع، والإيواء جعل الإنسان ذا مأوى ومسكن يرجع إليه ويأوي، ~~والتأييد من الأيد وهو القوة. # والسياق يدل على أن المراد بقوله: "إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض" ~~الزمان الذي كان المسلمون محصورين بمكة قبل الهجرة وهم قليل مستضعفون، ~~وبقوله: تخافون أن يتخطفكم الناس" مشركوا العرب وصناديد قريش، وبقوله ~~"فآواكم" أي بالمدينة وبقوله ms3219 "وأيدكم بنصره" ما أسبغ عليهم من نعمة النصر ~~ببدر، وبقوله: "ورزقكم من الطيبات" ما رزقهم من الغنائم وأحلها لهم. PageV09P028 # وما عده في الآية من أحوال المؤمنين ومننه عليهم بالإيواء وإن كانت مما ~~يختص بالمهاجرين منهم دون الأنصار إلا أن المراد الامتنان على جميعهم من ~~المهاجرين والأنصار فإنهم أمة واحدة يوحدهم دين واحد. # على أن فيما ذكره الله في الآية من مننه التأييد بالنصر والرزق من ~~الطيبات وهما يعمان الجميع، هذا بحسب ما تقتضيه الآية من حيث وقوعها في ~~سياق آيات بدر، ولكن هي وحدها وباعتبار نفسها تعم جميع المسلمين من حيث ~~إنهم أمة واحدة يرجع لاحقهم إلى سابقهم فقد بدا ظهور الإسلام فيهم وهم قليل ~~مستضعفون بمكة يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم بالمدينة وكثرهم بالأنصار ~~وأيدهم بنصره في بدر وغيره ورزقهم من جميع الطيبات الغنائم وغيرها من سائر ~~النعم لعلهم يشكرون. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون" إلى آخر الآيتين. # الخيانة نقض الأمانة التي هي حفظ الأمن لحق من الحقوق بعهد أو وصية ونحو ~~ذلك، قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد ~~والأمانة، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق ~~بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة الأمانة يقال: خنت فلانا، وخنت أمانة ~~فلان وعلى ذلك قوله: لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم. # انتهى. # وقوله: "وتخونوا أماناتكم" من الجائز أن يكون مجزوما معطوفا على تخونوا ~~السابق، والمعنى: ولا تخونوا أماناتكم، وأن يكون منصوبا بحذف أن والتقدير: ~~وأن تخونوا أماناتكم ويؤيد الوجه الثاني قوله بعده: "وأنتم تعلمون". # وذلك أن الخيانة وإن كانت إنما يتعلق النهي التحريمي بها عند العلم فلا ~~نهي مع جهل بالموضوع ولا تحريم غير أن العلم من الشرائط العامة التي لا ~~ينجز تكليف من التكاليف المولوية إلا به فلا نكتة ظاهرة في تقييد النهي عن ~~الخيانة بالعلم مع أن العلم لكونه شرطا عاما مستغنى عن ذكره، وظاهر قوله: ~~"وأنتم تعلمون" بحذف متعلقات الفعل أن المراد: ms3220 ولكم علم بأنه خيانة لا ما ~~قيل: إن المعنى: وأنتم تعلمون مفاسد الخيانة وسوء عاقبتها وتحريم الله ~~إياها فإن ذلك لا دليل عليه من جهة اللفظ ولا من جهة السياق. # فالوجه أن تكون الجملة بتقدير: وأن تخونوا أماناتكم، ويكون مجموع قوله: ~~"لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم" نهيا واحدا متعلقا بنوع خيانة ~~هي خيانة أمانة الله ورسوله وهي بعينها خيانة لأمانة المؤمنين أنفسهم فإن ~~من الأمانة ما هي أمانة الله سبحانه عند الناس كأحكامه المشرعة من عنده ~~ومنها ما هي أمانة الرسول كسيرته الحسنة، ومنها ما هي أمانة الناس بعضهم ~~عند بعض كالأمانات من أموالهم أو أسرارهم، ومنها ما يشترك فيه الله ورسوله ~~والمؤمنون، وهي الأمور التي أمر بها الله سبحانه وأجراها الرسول وينتفع بها ~~الناس ويقوم بها صلب مجتمعهم كالأسرار السياسية والمقاصد الحربية التي تضيع ~~بإفشائها آمال الدين وتضل بإذاعتها مساعي الحكومة الإسلامية فيبطل به حق ~~الله ورسوله ويعود ضرره إلى عامة المؤمنين. # فهذا النوع من الأمانة خيانته خيانة لله ورسوله وللمؤمنين فالخائن بهذه ~~الخيانة من المؤمنين يخون الله والرسول وهو يعلم أن هذه الأمانة التي ~~يخونها أمانة لنفسه ولسائر إخوانه المؤمنين وهو يخون أمانة نفسه، ولن يقدم ~~عاقل على الخيانة لأمانة نفسه فإن الإنسان بعقله الموهوب له يدرك قبح ~~الخيانة للأمانة فكيف يخون أمانة نفسه. # فالمراد بقوله: "وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون" - والله أعلم - وتخونوا ~~في ضمن خيانة الله والرسول أماناتكم والحال أنكم تعلمون أنها أمانات أنفسكم ~~وتخونونها، وأي عاقل يقدم على خيانة أمانة نفسه والإضرار بما لا يعود إلا ~~إلى شخصه فتذييل النهي بقوله: "وأنتم تعلمون" لتهييج العصبية الحقة وإثارة ~~قضاء الفطرة لا لبيان شرط من شرائط التكليف. # فكأن بعض أفراد المسلمين كان يفشي أمورا من عزائم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) المكتومة من المشركين أو يخبرهم ببعض أسراره فسماه الله تعالى ~~خيانة ونهى عنه، وعدها خيانة لله والرسول والمؤمنين. PageV09P029 # ويؤيد ذلك قوله بعد هذا النهي: "واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة" إلخ ~~فإن ظاهر السياق أنه متصل ms3221 بما قبله غير مستقل عنه، ويفيد حينئذ أن موعظتهم ~~في أمر الأموال والأولاد مع النهي عن خيانة الله والرسول وأماناتهم إنما هو ~~لإخبار المخبر منهم المشركين بأسرار رسول الله المكتومة، استمالة منهم ~~مخافة أن يتعدوا على أموالهم وأولادهم الذين تركوهم بمكة بالهجرة إلى ~~المدينة، فصاروا يخبرونهم بالأخبار إلقاء للمودة واستبقاء للمال والولد أو ~~ما يشابه ذلك نظير ما كان من أبي لبابة مع بني قريظة. # وهذا يؤيد ما ورد في سبب النزول أن أبا سفيان خرج من مكة بمال كثير فأخبر ~~جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخروجه وأشار عليه بالخروج إليه ~~وكتمان أمره فكتب إليه بعضهم بالخبر فأنزل الله: "يا أيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون" وفي نزول الآية بعض ~~أحاديث أخر سيأتي إن شاء الله في البحث الروائي التالي. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ~~عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم" الفرقان ما يفرق به بين ~~الشيء والشيء، وهو في الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى الفرقان بين ~~الحق والباطل سواء كان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر وكل ~~هدى وضلال أو في العمل بالتمييز بين الطاعة والمعصية وكل ما يرضي الله أو ~~يسخطه، أو في الرأي والنظر بالفصل بين الصواب والخطإ فإن ذلك كله مما تثمره ~~شجرة التقوى، وقد أطلق الفرقان في الآية ولم يقيده قد عد جمل الخير والشر ~~في الآيات السابقة والجميع يحتاج إلى الفرقان. # ونظير الآية بحسب المعنى قوله تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه" وقد تقدم الكلام في معنى ~~تكفير السيئات والمغفرة، والآية بمنزلة تلخيص الكلام في الأوامر والنواهي ~~التي تتضمنها الآيات السابقة أي إن تتقوا الله لم يختلط عندكم ما يرضي الله ~~في جميع ما تقدم بما يسخطه ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل ~~العظيم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن ms3222 عقيل الخزاعي: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~قال: إن الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمتوازرين على الضلال، ضلال ~~في الدين وسلب للدنيا مع الذل والصغار، وفيه استيجاب النار بالفرار من ~~الزحف عند حضرة القتال يقول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا - فلا تولوهم الأدبار" وفي الفقيه، والعلل، بإسناده عن ~~ابن شاذان: أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب ~~مسائله: حرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف ~~بالرسل والأئمة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على ترك ما ~~دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل، وترك الجور وإماتة الفساد، ~~لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين، وما يكون في ذلك من السبي والقتل ~~وإبطال دين الله عز وجل وغيره من الفساد. أقول: وقد استفاضت الروايات عن ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الفرار من الزحف من المعاصي الكبيرة ~~الموبقة، وقد تقدم طرف منها في البحث عن الكبائر في تفسير قوله تعالى: "إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم: النساء: - 31 في الجزء ~~الرابع من الكتاب. # وعلى ذلك روايات من طرق أهل السنة كما في صحيحي البخاري، ومسلم، عن أبي ~~هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اجتنبوا السبع الموبقات ~~قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات، وهناك روايات أخرى عن ابن عباس وغيره تدل على ~~كون الفرار من الزحف من الكبائر. # نعم قوله تعالى: "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين" الآية يقيد إطلاق آية تحريم الفرار بما دون ~~الثلاثة لواحد. PageV09P030 # وقد روي من طرقهم عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة ~~وأبي سعيد الخدري وغيرهم كما في الدر المنثور: أن تحريم الفرار ms3223 من الزحف في ~~هذه الآية خاص بيوم بدر. # وربما وجه ذلك بأن الآية نزلت يوم بدر، وأن الظرف في قوله "ومن يولهم ~~يومئذ دبره" إشارة إلى يوم بدر، وقد عرفت أن سياق الآيات يشهد بنزولها بعد ~~يوم بدر، وأن المراد بقوله: "يومئذ" هو يوم الزحف لا يوم بدر. # على أنه لو فرض نزولها يوم بدر لم يوجب خصوص السبب في عموم مدلول الآية ~~شيئا كما في سائر الآيات التي جمعت بين عموم الدلالة وخصوص السبب. # قال صاحب المنار في تفسيره: وإنما قد يتجه بناء التخصيص على قرينة الحال ~~لو كانت الآية قد نزلت قبل اشتباك القتال - خلافا للجمهور - مع ما لغزوة ~~بدر من الخصائص ككونها أول غزوة في الإسلام لو انهزم فيها المسلمون والنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم لكانت الفتنة كبيرة. # وتأييد المسلمين بالملائكة يثبتونهم، ووعده تعالى بنصرهم وإلقاء الرعب في ~~قلوب أعدائهم. # فإذا نظرنا إلى مجموع الخصائص وقرينة الحال في النهي اتجه كون التحريم ~~المقرون بالوعيد الشديد الذي في الآية خاصا بها. # أضف إلى ذلك أن الله تعالى امتحن الصحابة رض بالتولي والإدبار في القتال ~~مرتين مع وجوده (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم: يوم أحد وفيه يقول الله ~~تعالى 3: 155 إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ويوم حنين، وفيه يقول ~~الله تعالى 9: 25 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين - ~~26، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين إلخ، وهذا لا ينافي كون ~~التولي حراما ومن الكبائر، ولا يقتضي أن يكون كل تول لغير السببين ~~المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير بل قد يكون دون ذلك، ويتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة، ~~وبالنهي عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدم في سورة ms3224 البقرة ~~وسيأتي تفصيله قريبا. # وقد روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن عمر قال: "كنت في ~~سرية من سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحاص الناس حيصة وكنت ~~فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو ~~دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا نفوسنا على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)؟ فإن كان لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة ~~فخرج فقال: من الفرارون؟ فقلنا: نحن الفرارون. قال: بل أنتم العكارون إنا ~~فئتكم وفئة المسلمين. قال: فأتينا حتى قبلنا يده. "ولفظ أبي داود" فقلنا: ~~ندخل المدينة فنبيت فيها لنذهب ولا يرانا أحد فدخلنا فقلنا: لو عرضنا ~~أنفسنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن كانت لنا توبة أقمنا ~~وإن كان غير ذلك ذهبنا فجلسنا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ~~صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون إلخ. # تأول بعضهم هذا الحديث بتوسع في معنى التحيز إلى فئة لا يبقى معه للوعيد ~~معنى ولا للغة حكم، وقد قال الترمذي فيه: حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن ~~أبي زياد أقول: وهو مختلف فيه ضعفه الكثيرون، وقال ابن حبان كان صدوقا إلا ~~أنه لما كبر ساء حفظه وتغير فوقعت المناكير في حديثه فمن سمع منه قبل ~~التغير فسماعه صحيح، وجملة القول: أن هذا الحديث لا وزن له في هذه المسألة ~~لا متنا ولا سندا، وفي معناه أثر عن عمر هو دونه فلا يوضع في ميزان هذه ~~المسألة. # انتهى. # أقول: والذي نقله في أول كلامه من الوجوه والقرائن المحتفة بغزوة بدر من ~~كونه أول غزوة في الإسلام، وكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ~~ونحو ذلك مشتركة بحسب حقيقة الملاك بينها وبين أمثال غزوة أحد والخندق ~~وخيبر وحنين، والإسلام أيامئذ في حاجة شديدة إلى الرجال المقاتلين وثباتهم ~~في الزحوف، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم، والله وعدهم بالنصر ~~وأنزل في بعضها ms3225 الملائكة لتأييدهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم. PageV09P031 # والذي ذكره من الآيات النازلة في فرارهم يوم أحد ويوم حنين لا دلالة فيها ~~على عدم شمول وعيد آية الأنفال لهم إذ ذاك وأي مانع يمنع من ذلك والآية ~~مطلقة وليس هناك مقيد يقيدها. # ومن العجيب تسليمه كون فرارهم في اليومين كبيرة محرمة ثم قوله: إن ذلك لا ~~يقتضي كونه مما يبوء صاحبه بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير بل قد ~~يكون دون ذلك مع أن الكبائر الموبقة هي المعاصي التي أوعد الله عليها النار. # وأعجب منه قوله: إنه يتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة، ~~وبالنهي عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها! مع أن آية رخصة الضعف ~~إنما تدل على الرخصة في الفرار إذا كان يربو عدد الزاحفين من الأعداء على الضعف. # وآية النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لو دلت بعمومها على أزيد مما يدل ~~عليه آية رخصة الضعف لغت آية الأنفال وبقيت بلا مصداق كما أن التأول في ~~قوله تعالى: "أو متحيزا إلى فئة" على حسب ما تقتضيه رواية ابن عمر يوجب ~~إلغاء الآية كما ذكره صاحب المنار فقد تلخص أن لا مناص عن إبقاء الآية على ~~ظاهر إطلاقها. # وفي تفسير العياشي، عن موسى بن جعفر (عليه السلام): في الآية: "إلا ~~متحرفا لقتال" قال متطردا يريد الكرة عليهم "أو متحيزا إلى فئة" يعني ~~متأخرا إلى أصحابه من غير هزيمة، من انهزم حتى يجوز صف أصحابه فقد باء بغضب ~~من الله. # أقول: تشير الرواية إلى نكتة مهمة في لفظ الآية، وهي أن النهي إنما تعلقت ~~في الآية على تولي الأدبار وهي أعم من الانهزام فإذا استثني الموردان أعني ~~التحرف لقتال والتحيز إلى فئة وهي غير موارد الفرار عن هزيمة، بقيت موارد ~~الهزيمة تحت النهي فكل انهزام عن أعداء الدين إذا لم يجوزوا الضعف عددا ~~حرام محرم. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الثعلبي عن ضحاك عن عكرمة عن ابن ~~عباس: في قوله تعالى: "وما رميت إذ ms3226 رميت" أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال لعلي: ناولني كفا من حصى وناوله ورمى به في وجوه قريش فما بقي ~~أحد إلا امتلأت عيناه من الحصى: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن الطبراني ~~وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس وروى العياشي في تفسيره حديث المناولة ~~عن محمد بن كليب الأسدي عن أبيه عن الصادق (عليه السلام) وفي خبر آخر عن ~~علي (عليه السلام). وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد ~~بن كعب رضي الله عنهما قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: ~~شاهت الوجوه فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقتلونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأنزل الله: "وما رميت إذ رميت إلى قوله سميع عليم". # أقول: والمراد بنزول الآية نزولها بعد ذلك وهي تقص القصة لا نزولها ~~وقتئذ، وهو شائع في أسباب النزول. # وقد ذكر ابن هشام في سيرته: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رماهم ~~بالتراب ثم أمر أصحابه بالكرة فكانت الهزيمة. # وفيه أخرج ابن أبي الشيبة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن منده والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل ~~عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل قال حين التقى ~~القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان ذلك ~~استفتاحا منه فنزلت: "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح" الآية. وفي المجمع،: في ~~قوله تعالى: "إن شر الدواب عند الله" الآية قال قال الباقر (عليه السلام): ~~هم بنو عبد الدار لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له: ~~سويبط. وفي جامع الجوامع،: قال الباقر (عليه السلام): هم بنو عبد الدار لم ~~يسلم منهم غير مصعب بن عمير وسويد بن حرملة، وكانوا يقولون: ms3227 نحن صم بكم عمي ~~عما جاء به محمد وقد قتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب اللواء. # أقول: وروي في الدر المنثور، ما في معناه بطرق عن ابن عباس وقتادة، ~~والرواية من قبيل الجري والانطباق، والآية عامة. PageV09P032 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم الآية. قال: قال الحياة الجنة. وفي الكافي، ~~بإسناده عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول ~~الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول - إذا دعاكم لما ~~يحييكم" قال: نزلت في ولاية علي (عليه السلام): أقول: ورواه في تفسير ~~البرهان، عن ابن مردويه عن رجاله مرفوعا إلى الإمام محمد بن علي الباقر، ~~(عليهما السلام) وكذا عن أبي الجارود عنه (عليه السلام) كما رواه القمي في ~~تفسيره، والرواية من قبيل الجري وكذا الرواية السابقة عليها وقد قدمنا في ~~الكلام على الآية أنها عامة. # وفي تفسير القمي، عن أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" يقول: بين المرء ومعصيته أن ~~يقوده إلى النار، ويحول بين الكافر وطاعته أن يستكمل بها الإيمان، واعلموا ~~أن الأعمال بخواتيمها. وفي المحاسن، بإسناده عن علي بن الحكم عن هشام بن ~~سالم عن الصادق (عليه السلام): في قول الله تبارك وتعالى: "واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه" قال: يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حق: أقول: ~~ورواه الصدوق في المعاني، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عنه (عليه ~~السلام). وفي تفسير العياشي، عن يونس بن عمار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: لا يستيقن القلب أن الحق باطل أبدا، ولا يستيقن أن الباطل حق ~~أبدا. وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الآية: "يحول بين المرء ~~وقلبه" قال: يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر وبين الهدى. # أقول: وهو قريب ms3228 من الخبر المتقدم عن أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام) ~~في معنى الآية. # وفي تفسير العياشي، عن حمزة الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~"واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" قال: هو أن يشتهي الشيء بسمعه ~~وبصره ولسانه ويده أما إنه لا يغشى شيئا منها وإن كان يشتهيه فإنه لا يأتيه ~~إلا وقلبه منكر لا يقبل الذي يأتي يعرف أن الحق ليس فيه: أقول: ورواه ~~البرقي في المحاسن بإسناده عن حمزة الطيار عنه (عليه السلام) وروى ما يقرب ~~منه العياشي في تفسيره عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، ويئول معنى ~~الرواية إلى الروايتين المتقدمتين عن هشام بن سالم ويونس بن عمار عن الصادق ~~(عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن الصيقل: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) "واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" قال: أخبرت أنهم أصحاب الجمل. وفي ~~تفسير القمي، قال: قال: نزلت في الطلحة والزبير لما حاربا أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وظلماه. وفي المجمع، عن الحاكم بإسناده عن قتادة عن سعيد بن ~~المسيب عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: "واتقوا فتنة" قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ~~ونبوة الأنبياء من قبلي. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد في ~~الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~الزبير رضي الله عنه قال: لقد قرأنا زمانا وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن ~~المعنيون بها: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة". # وفيه، أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: هذه نزلت في أهل ~~بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا فكان من المقتولين طلحة والزبير وهما ~~من أهل بدر. PageV09P033 # وفيه، أخرج أحمد والبزاز وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن مطرف قال: ~~قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ ~~فقال ms3229 الزبير رضي الله عنه: إنا قرأنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم "واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة" ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت. ~~وفيه، أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ~~علم والله ذوو الألباب من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سيكون ~~فتن. وفيه،: أخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي في مسند الفردوسي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: ~~"واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض - تخافون أن يتخطفكم الناس" قيل: ~~يا رسول الله ومن الناس؟ قال: أهل فارس. # أقول: والرواية لا تلائم سياق الآية. # وفيه،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - لا تخونوا الله والرسول" ~~الآية: أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنه: أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبرائيل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من ~~المنافقين إلى أبي سفيان أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله: "لا ~~تخونوا الله والرسول" الآية. # أقول: ومعنى الرواية قريب الانطباق على ما استفدناه من الآية في البيان ~~المتقدم. # وفيه،: أخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل ~~عثمان رضي الله عنه. # أقول: والآية لا تنطبق عليه بسياقها البتة وفي المجمع، عن الباقر والصادق ~~(عليهما السلام) والكلبي والزهري: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر ~~الأنصاري، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حاصر يهود قريظة ~~إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلح على ما ~~صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات ~~وأريحات من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله (صلى الله عليه ms3230 وآله ~~وسلم) إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة ~~وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فأتاهم فقالوا: ما ترى يا أبا لبابة؟ أننزل على حكم ~~سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: أنه الذبح فلا تفعلوا فأتاه ~~جبرائيل فأخبره بذلك. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى ~~عرفت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية فيه فلما نزلت شد نفسه على سارية ~~من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب ~~الله علي فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ~~ثم تاب الله عليه فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك فقال: لا والله لا أحل ~~نفسي حتى يكون رسول الله هو الذي يحلني فجاءه وحله بيده. ثم قال أبو لبابة: ~~إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وإن انخلع من ~~مالي. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يجزيك الثلث أن تصدق به. # أقول: قصة أبي لبابة وتوبته صحيحة قابلة الانطباق على مضمون الآيتين غير ~~أنها وقعت بعد قصة بدر بكثير، وظاهر الآيتين إذا اعتبرتا وقيستا إلى الآيات ~~السابقة عليهما أن الجميع في سياق واحد نزلت بعد وقعة بدر بقليل. # والله أعلم. PageV09P034 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 30 - 40 # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير المكرين (30) وإذا تتلى عليهم ءايتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أسطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) وما لهم ~~ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه ~~إلا المتقون ولكن ms3231 أكثرهم لا يعلمون (34) وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ~~ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا ~~إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض فيركمه جميعا فيجعله فى جهنم أولئك هم الخسرون (37) قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين (38) وقتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ~~(39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) ### |||| AUTO بيان # الآيات في سياق الآيات السابقة وهي متصلة بها ومنعطفة على آيات أول ~~السورة إلا قوله: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق" الآية والآية التي ~~تليها، فإن ظهور اتصالها دون بقية الآيات، وسيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" إلى ~~آخر الآية، قال الراغب: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: ضرب ~~محمود وذلك أن يتحرى به فعل جميل وعلى ذلك قال: والله خير الماكرين، ومذموم ~~وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال: ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله. # وإذ يمكر بك الذين كفروا. # فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، وقال في الأمرين: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا، ~~وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال ~~أمير المؤمنين رضي الله عنه: من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو ~~مخدوع عن عقله. انتهى. # وفي المجمع،: الإثبات الحبس يقال: رماه فأثبته أي حبسه مكانه، وأثبت ~~الحرب أي جرحه جراحة مثقلة. # انتهى. # ومقتضى سياق الآيات إن يكن قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا" الآية معطوفة ~~على قوله سابقا: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم" فالآية مسوقة ~~لبيان ما أسبغ الله عليهم من نعمته، وأيدهم به من أياديه التي لم يكن لهم ~~فيها صنع. ms3232 # ومعنى الآية: واذكر أو وليذكروا إذ يمكر بك الذين كفروا من قريش لإبطال ~~دعوتك أن يوقعوا بك أحد أمور ثلاثة: إما أن يحبسوك وإما أن يقتلوك وإما أن ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. # والترديد في الآية بين الحبس والقتل والإخراج بيانا لما كانوا يمكرونه من ~~مكر يدل أنه كان منهم شورى يشاور فيها بعضهم بعضا في أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وما كان يهمهم ويهتمون به من إطفاء نور دعوته، وبذلك يتأيد ~~ما ورد من أسباب النزول أن الآية تشير إلى قصة دار الندوة على ما سيجيء في ~~البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. PageV09P035 # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا" إلى آخر الآية الأساطير الأحاديث جمع أسطورة ويغلب في الأخبار ~~الخرافية، وقوله حكاية عنهم: "قد سمعنا" وقوله: "لو نشاء لقلنا" وقوله: ~~"مثل هذا" ولم يقل: مثل هذه أو مثلها كل ذلك للدلالة على إهانتهم بآيات ~~الله وإزرائهم بمقام الرسالة، ونظيرها قولهم: "إن هذا إلا أساطير الأولين". # والمعنى: وإذا تتلى عليهم آياتنا التي لا ريب في دلالتها على أنها من ~~عندنا وهي تكشف عن ما نريده منهم من الدين الحق لجوا واعتدوا بها وهونوا ~~أمرها وأزروا برسالتنا وقالوا قد سمعنا وعقلنا هذا الذي تلي علينا لا حقيقة ~~له إلا أنه من أساطير الأولين، ولو نشاء لقلنا مثله غير أنا لا نعتني به ~~ولا نهتم بأمثال هذه الأحاديث الخرافية. # قوله تعالى: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" إلى آخر ~~الآيتين. # الإمطار هو إنزال الشيء من فوق، وغلب في قطرات الماء من المطر أو هو ~~استعارة إمطار المطر لغيره كالحجارة وكيف كان فقولهم: أمطر علينا حجارة من ~~السماء بالتصريح باسم السماء للدلالة على كونه بنحو الآية السماوية ~~والإهلاك الإلهي محضا. # فإمطار الحجارة من السماء عليهم على ما سألوا أحد أقسام العذاب ويبقى ~~الباقي تحت قولهم: "أو ائتنا بعذاب أليم" ولذلك نكر العذاب وأبهم وصفه ليدل ~~على ms3233 باقي أقسام العذاب، ويفيد مجموع الكلام: أن أمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب آخر غيره يكون أليما، وإنما أفرد إمطار الحجارة من بين ~~أفراد العذاب الأليم بالذكر لكون الرضخ بالحجارة مما يجتمع فيه عذاب الجسم ~~بما فيه من تألم البدن وعذاب الروح بما فيه من الذلة والإهانة. # ثم قوله: "إن كان هذا هو الحق من عندك" يدل بلفظه على أن الذي سمعوه من ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلسان القال أو الحال بدعوته هو قوله: ~~"هذا هو الحق من عند الله" وفيه شيء من معنى الحصر، وهذا غير ما كان يقوله ~~لهم: هذا حق من عند الله فإن القول الثاني يواجه به الذي لا يرى دينا ~~سماويا ونبوة إلهية كما كان يقوله المشركون وهم الوثنية: ما أنزل الله على ~~بشر من شيء، وأما القول الأول فإنما يواجه به من يرى أن هناك دينا حقا من ~~عند الله ورسالة إلهية يبلغ الحق من عنده ثم ينكر كون ما أتى به النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو بعض ما أتى به هو الحق من عند الله تعالى فيواجه ~~بأنه هو الحق من عند الله لا غيره ثم، يرد بالاشتراط في مثل قوله. # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم. # فالأشبه أن لا يكون هذا حكاية عن بعض المشركين بنسبته إلى جميعهم ~~لاتفاقهم في الرأي أو رضا جميعهم بما قاله هذا القائل بل كأنه حكاية عن بعض ~~أهل الردة ممن أسلم ثم ارتد أو عن بعض أهل الكتاب المعتقدين بدين سماوي حق ~~فافهم ذلك. # ويؤيد هذا الآية التالية لهذه الآية: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" أما قوله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم" فإن كان المراد به نفي تعذيب الله كفار قريش بمكة قبل الهجرة والنبي ~~فيهم كان مدلوله أن المانع من نزول العذاب يومئذ هو وجود النبي (صلى الله ~~عليه وآله ms3234 وسلم) بينهم، والمراد بالعذاب غير العذاب الذي جرى عليهم بيد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القتل والأسر كما سماه الله في الآيات ~~السابقة عذابا وقال في مثلها: "قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا:" التوبة: - 52، بل ~~عذاب الاستئصال بآية سماوية كما جرى في أمم الأنبياء الماضين لكن الله ~~سبحانه هددهم بعذاب الاستئصال في آيات كثيرة كقوله تعالى: "فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود:" حم السجدة: - 13، وكيف يلائم أمثال ~~هذه التهديدات قوله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" لو كان المراد ~~بالمعذبين هم كفار قريش ومشركو العرب ما دام النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بمكة. PageV09P036 # ولو كان المراد بالمعذبين جميع العرب أو الأمة، والمراد بقوله: "وأنت فيهم" ~~حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعنى: ولا يعذب الله هذه الأمة ~~وأنت فيهم حيا كما ربما يؤيده قوله بعده: "وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون" كان ذلك نفيا للعذاب عن جميع الأمة ولم يناف نزوله على بعضهم كما ~~سمي وقوع القتل بهم عذابا كما في الآيات السابقة، وكما ورد أن الله تعالى ~~عذب جمعا منهم كأبي لهب والمستهزءين برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وعلى هذا لا تشمل الآية القائلين: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" إلى ~~آخر الآية وخاصة باعتبار ما روي أن القائل به أبو جهل كما في صحيح البخاري ~~أو النضر بن الحارث بن كلدة كما في بعض روايات أخر وقد حقت عليهما كلمة ~~العذاب وقتلا يوم بدر فلا ترتبط الآية: "وما كان الله ليعذبهم" الآية، ~~بهؤلاء القائلين: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية مع أنها مسوقة ~~سوق الجواب عن قولهم. # ويشتد الإشكال بناء على ما وقع في بعض أسباب النزول أنهم قالوا: اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ~~فنزل قوله تعالى: "سأل سائل بعذاب ms3235 واقع للكافرين ليس له دافع" وسيجيء ~~الكلام فيه وفي غيره من أسباب النزول المروية في البحث الروائي التالي إن ~~شاء الله. # والذي تمحل به بعض المفسرين في توجيه مضمون الآية بناء على حملها على ما ~~مر من المعنى أن الله سبحانه أرسل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة ~~للعالمين ونعمة لهذه الأمة لا نقمة وعذابا. # فيه أنه ليس مقتضى الرحمة للعالمين أن يهمل مصلحة الدين، ويسكت عن مظالم ~~الظالمين وإن بلغ ما بلغ وأدي إلى شقاء الصالحين واختلال نظام الدنيا ~~والدين، وقد حكى الله سبحانه عن نفسه بقوله: "ورحمتي وسعت كل شيء "ولم يمنع ~~ذلك من حلول غضبه على من حل به من الأمم الماضية والقرون الخالية كما ذكره ~~في كلامه. # على أنه تعالى سمى ما وقع على كفار قريش من القتل والهلاك في بدر وغيره ~~عذابا ولم يناف ذلك قوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين:" الأنبياء: - ~~107، وهدد هذه الأمة بعذاب واقع قطعي في سور يونس والإسراء والأنبياء ~~والقصص والروم والمعارج وغيرها ولم يناف ذلك كونه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) رحمة للعالمين فما بال نزول العذاب على شرذمة تفوهت بهذه الكلمة: ~~"اللهم إن كان هذا هو الحق" إلخ، ينافي قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نبي الرحمة مع أن من مقتضى الرحمة أن يوفى لكل ذي حق حقه، وأن يقتص ~~للمظلوم من الظالم وأن يؤخذ كل طاغية بطغيانه. # وأما قوله تعالى: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" فظاهره النفي ~~الاستقبالي على ما هو ظاهر الصفة: "معذبهم" وكون قوله: "يستغفرون" مسوقا ~~لإفادة الاستمرار والجملة حالية، والمعنى: ولا يستقبلهم الله بالعذاب ما ~~داموا يستغفرونه. # والآية كيفما أخذت لا تنطبق على حال مشركي مكة وهم مشركون معاندون لا ~~يخضعون لحق ولا يستغفرون عن مظلمة ولا جريمة، ولا يصلح الأمر بما ورد في ~~بعض الآثار أنهم قالوا ما قالوا ثم ندموا على ما قالوا فاستغفروا الله ~~بقولهم: "غفرانك اللهم". # وذلك - مضافا إلى عدم ثبوته - أنه تعالى لا يعبأ في كلامه باستغفار ms3236 ~~المشركين ولا سيما أئمة الكفر منهم، واللاغي من الاستغفار لا أثر له، ولو ~~لم يكن استغفارهم لاغيا وارتفع به ما أجرموه بقولهم: اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية لم يكن وجه لذمهم وتأنيبهم ~~بقوله تعالى: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق" في سياق هذه الآيات ~~المسوقة لذمهم ولومهم وعد جرائمهم ومظالمهم على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والمؤمنين. PageV09P037 # على أن قوله تعالى بعد الآيتين: "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام" الآية لا يلائم نفي العذاب في هاتين الآيتين فإن ظاهر الآية ~~أن العذاب المهدد به هو عذاب القتل بأيدي المؤمنين كما يدل عليه قوله بعده: ~~"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" وحينئذ فلو كان القائلون: "اللهم إن كان ~~هذا هو الحق" الآية مشركي قريش أو بعضهم وكان المراد من العذاب المنفي ~~العذاب السماوي لم يستقم إنكار وقوع العذاب عليهم بالقتل ونحوه فإن الكلام ~~حينئذ يئول إلى معنى التشديد: ومحصله: أنهم كانوا أحق بالعذاب ولهم جرم آخر ~~وراء ما أجرموه وهو الصد عن المسجد الحرام، وهذا النوع من الترقي أنسب ~~بإثبات العذاب لهم لا لنفيه عنهم. # وإن كان المراد بالعذاب المنفي هو القتل ونحوه كان عدم الملاءمة بين ~~قوله: "وما لهم ألا يعذبهم الله" وقوله: "فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" ~~وبين قوله: "وما كان الله ليعذبهم" إلخ، أوضح وأظهر. # وربما وجه الآية بهذا المعنى بعضهم بأن المراد بقوله: "وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم" عذاب أهل مكة قبل الهجرة، وبقوله: "وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون" عذاب الناس كافة بعد هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ~~المدينة وإيمان جمع واستغفارهم ولذا قيل: إن صدر الآية نزلت قبل الهجرة، ~~وذيلها بعد الهجرة!. # وهو ظاهر الفساد فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان فيهم بمكة ~~قبل الهجرة كان معه جمع ممن يؤمن بالله ويستغفره، وهو (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعد الهجرة كان في الناس فما ms3237 معنى تخصيص صدر الآية بقوله: "وأنت ~~فيهم" وذيلها بقوله: "وهم يستغفرون". # ولو فرض أن معنى الآية أن الله لا يعذب هذه الأمة ما دمت فيهم ببركة ~~وجودك، ولا يعذبهم بعدك ببركة استغفارهم لله والمراد بالعذاب عذاب ~~الاستئصال لم يلائم الآيتين التاليتين: "وما لهم ألا يعذبهم الله" إلخ مع ~~ما تقدم من الإشكال عليه. # فقد ظهر من جميع ما تقدم - على طوله - أن الآيتين أعني قوله: "وإذ قالوا ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة" إلى آخر الآيتين لا ~~تشاركان الآيات السابقة واللاحقة المسرودة في الكلام على كفار قريش في ~~سياقها الواحد فهما لم تنزلا معها. # والأقرب أن يكون ما حكي فيهما من قولهم والجواب عنه بقوله: "وما كان الله ~~ليعذبهم" غير مرتبط بهم وإنما صدر هذا القول من بعض أهل الكتاب أو بعض من ~~آمن ثم ارتد من الناس. # ويتأيد بذلك بعض ما ورد أن القائل بهذا القول الحارث بن النعمان الفهري، ~~وقد تقدم الحديث نقلا عن تفسيري الثعلبي والمجمع في ذيل قوله تعالى: "يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" الآية: المائدة: - 67 في الجزء ~~السادس من الكتاب. # وعلى هذا التقدير فالمراد بالعذاب المنفي العذاب السماوي المستعقب ~~للاستئصال الشامل للأمة على نهج عذاب سائر الأمم، والله سبحانه ينفي فيها ~~العذاب عن الأمة ما دام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم حيا، وبعده ~~ما داموا يستغفرون الله تعالى. # ويظهر من قوله تعالى: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون" بضمه إلى الآيات التي توعد هذه الأمة بالعذاب الذي ~~يقضي بين الرسول وبينهم كآيات سورة يونس: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ~~قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: - 47 إلى آخر الآيات أن في مستقبل ~~أمر هذه الأمة يوما ينقطع عنهم الاستغفار ويرتفع من بينهم المؤمن الإلهي ~~فيعذبون عند ذاك. # قوله تعالى: "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما ~~كانوا أولياءه" إلى آخر الآية ms3238 استفهام في معنى الإنكار أو التعجب، وقوله: ~~"وما لهم" بتقدير فعل يتعلق به الظرف ويكون قوله: "ألا يعذبهم" مفعوله أو ~~هو من التضمين نظير ما قيل في قوله: "هل لك إلى أن تزكى:" النازعات: - 18. # والتقدير على أي حال نحو من قولنا: "وما الذي يثبت ويحق لهم عدم تعذيب ~~الله إياهم والحال أنهم يصدون عن المسجد الحرام ويمنعون المؤمنين من دخوله ~~وما كانوا أولياءه". # فقوله: "وهم يصدون" إلخ حال عن ضمير "يعذبهم" وقوله: "وما كانوا أولياءه" ~~حال عن ضمير "يصدون". PageV09P038 # وقوله: "إن أولياؤه إلا المتقون" تعليل لقوله: "وما كانوا أولياءه" أي ليس ~~لهم أن يلوا أمر البيت فيجيزوا ويمنعوا من شاءوا لأن هذا المسجد مبني على ~~تقوى الله فلا يلي أمره إلا المتقون وليسوا بهم. # فقوله: "إن أولياؤه إلا المتقون" جملة خبرية تعلل القول بأمر بين يدركه ~~كل ذي لب، وليست الجملة إنشائية مشتملة على جعل الولاية للمتقين، ويشهد لما ~~ذكرناه قوله بعد: "ولكن أكثرهم لا يعلمون" كما لا يخفى. # والمراد بالعذاب العذاب بالقتل أو الأعم منه على ما يفيده السياق باتصال ~~الآية بالآية التالية، وقد تقدم أن الآية غير متصلة ظاهرا بما تقدمها أي أن ~~الآيتين: "وإذ قالوا اللهم" إلخ "وما كان الله ليعذبهم" إلخ خارجتان عن ~~سياق الآيات، ولازم ذلك ما ذكرناه. # قال في المجمع،: ويسأل فيقال: كيف يجمع بين الآيتين وفي الأولى نفي ~~تعذيبهم، وفي الثانية إثبات ذلك؟ وجوابه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد ~~بالأول عذاب الاصطلام والاستئصال كما فعل بالأمم الماضية، وبالثاني عذاب ~~القتل بالسيف والأسر وغير ذلك بعد خروج المؤمنين من بينهم. # والآخر: أنه أراد: وما لهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة، ويريد بالأول ~~عذاب الدنيا. # عن الجبائي. # والثالث: أن الأول استدعاء للاستغفار. # يريد أنه لا يعذبهم بعذاب دنيا ولا آخرة إذا استغفروا وتابوا فإذا لم ~~يفعلوا عذبوا ثم بين أن استحقاقهم العذاب بصدهم عن المسجد الحرام. # انتهى. # وفيه: أن مبنى الإشكال على اتصال الآية بما قبلها وقد تقدم أنها غير متصلة. # هذا إجمالا. ms3239 # وأما تفصيلا فيرد على الوجه الأول: أن سياق الآية وهو كما تقدم سياق ~~التشدد والترقي، ولا يلائم ذلك نفي العذاب في الأولى مع إثباته في الثانية ~~وإن كان العذاب غير العذاب. # وعلى الثاني أن سياق الآية ينافي كون المراد بالعذاب فيها عذاب الآخرة، ~~وخاصة بالنظر إلى قوله في الآية الثالثة - وهي في سياق الآية الأولى - ~~"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون". # وعلى الثالث: أن ذلك خلاف ظاهر الآية بلا شك حيث إن ظاهرها إثبات ~~الاستغفار لهم حالا مستمرا لاستدعائه وهو ظاهر. # قوله تعالى: "وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون" المكاء بضم الميم الصفير، والمكاء بصيغة المبالغة طائر ~~بالحجاز شديد الصفير، ومنه المثل السائر: بنيك حمري ومكئكيني. # والتصدية التصفيق بضرب اليد على اليد. # وقوله: "وما كان صلاتهم" الضمير لهؤلاء الصادين المذكورين في الآية ~~السابقة وهم المشركون من قريش، وقوله: "فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" ~~بيان إنجاز العذاب الموعد لهم بقرينة التفريع بالفاء. # ومن هنا يتأيد أن الآيتين متصلتان كلاما واحدا وقوله: "وما كان" إلخ جملة ~~حالية والمعنى: وما لهم أن لا يعذبهم الله والحال أنهم يصدون العباد من ~~المؤمنين عن المسجد الحرام وما كان صلاتهم عند البيت إلا ملعبة من المكاء ~~والتصدية فإذا كان كذلك فليذوقوا العذاب بما كانوا يكفرون، والالتفات في ~~قوله: "فذوقوا العذاب" عن الغيبة إلى الخطاب لبلوغ التشديد. # ويستفاد من الآيتين أن الكعبة المشرفة لو تركت بالصد استعقب ذلك المؤاخذة ~~الإلهية بالعذاب قال علي (عليه السلام) في بعض وصاياه: "الله الله في بيت ~~ربكم فإنه إن ترك لم تنظروا". # قوله تعالى: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله" إلى ~~آخر الآية يبين حال الكفار في ضلال سعيهم الذي يسعونه لإبطال دعوة الله ~~والمنع عن سلوك السالكين لسبيل الله، ويشرح ذلك قوله: "فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون" إلخ. # وبهذا السياق يظهر أن قوله: "والذين كفروا إلى جهنم يحشرون" بمنزلة ~~التعليل، ومحصل المعنى أن الكفر سيبعثهم - بحسب سنة الله في ms3240 الأسباب - إلى ~~أن يسعوا في إبطال الدعوة والصد عن سبيل الحق غير أن الظلم والفسق وكل فساد ~~لا يهدي إلى الفلاح والنجاح فسينفقون أموالهم في سبيل هذه الأغراض الفاسدة ~~فتضيع الأموال في هذا الطريق فيكون ضيعتها موجبة لتحسرهم، ثم يغلبون فلا ~~ينتفعون بها، وذلك أن الكفار يحشرون إلى جهنم ويكون ما يأتون به في الدنيا ~~من التجمع على الشر والخروج إلى محاربة الله ورسوله بحذاء خروجهم محشورين ~~إلى جهنم يوم القيامة. PageV09P039 # وقوله: "فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون" إلى آخر الآية من ملاحم ~~القرآن والآية من سورة الأنفال النازلة بعد غزوة بدر فكأنها تشير إلى ما ~~سيقع من غزوة أحد أو هي وغيرها، وعلى هذا فقوله: "فسينفقونها ثم تكون عليهم ~~حسرة" إشارة إلى غزوة أحد أو هي وغيرها، وقوله: "ثم يغلبون" إلى فتح مكة، ~~وقوله: "والذين كفروا إلى جهنم يحشرون" إلى حال من لا يوفق للإسلام منهم. # قوله تعالى: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض ~~فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون" الخباثة والطيب معنيان ~~متقابلان وقد مر شرحهما والتمييز إخراج الشيء عما يخالفه وإلحاقه بما ~~يوافقه بحيث ينفصل عما يخالفه، والركم جمع الشيء فوق الشيء ومنه سحاب مركوم ~~أي مجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض ومجموعها وتراكم الأشياء تراكب بعضها بعضا. # والآية في موضع التعليل لما أخبر به في الآية السابقة من حال الكفار بحسب ~~السنة الكونية، وهو أنهم يسعون بتمام وجدهم ومقدرتهم إلى أن يطفئوا نور ~~الله ويصدوا عن سبيل الله فينفقون في ذلك الأموال ويبذلون في طريقه المساعي ~~غير أنهم لا يهتدون إلى مقاصدهم ولا يبلغون آمالهم بل تضيع أموالهم وتحبط ~~أعمالهم وتضل مساعيهم، ويرثون بذلك الحسرة والهزيمة. # وذلك أن هذه الأعمال والتقلبات تسير على سنة إلهية وتتوجه إلى غاية ~~تكوينية ربانية، وهي أن الله سبحانه يميز في هذا النظام الجاري الشر من ~~الخير والخبيث من الطيب ويركم الخبيث بجعل بعضه على بعض، ويجعل ما اجتمع ~~منه وتراكم في جهنم وهي الغاية ms3241 التي تسير إليها قافلة الشر والخبيث يحلها ~~الجميع وهي دار البوار كما أن الخير والطيب إلى الجنة، والأولون هم ~~الخاسرون كما أن الآخرين هم الرابحون المفلحون. # ومن هنا يظهر أن قوله: "ليميز الله الخبيث من الطيب" إلخ قريب المضمون من ~~قوله تعالى في مثل ضربه للحق والباطل: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو ~~متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث في الأرض: الرعد: - 17 والآية تشير إلى قانون كلي إلهي ~~وهو إلحاق فرع كل شيء بأصله. # قوله تعالى: "قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف" إلى آخر ~~الآية الانتهاء الإقلاع عن الشيء لأجل النهي، والسلوف التقدم، والسنة هي ~~الطريقة والسيرة. # أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم ذلك وفي معناه تطميع ~~وتخويف وحقيقته دعوة إلى ترك القتال والفتنة ليغفر الله لهم بذلك ما تقدم ~~من قتلهم وإيذائهم للمؤمنين فإن لم ينتهوا عما نهوا عنه فقد مضت سنة الله ~~في الأولين منهم بالإهلاك والإبادة وخسران السعي. # قوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير" الآية وما بعدها يشتملان على تكليف المؤمنين ~~بحذاء ما كلف به الكفار في الآية السابقة، والمعنى: قل لهم أن ينتهوا عن ~~المحادة لله ورسوله يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد ~~علموا بما جرى على سابقتهم قل لهم كذا وأما أنت والمؤمنون فلا تهنوا فيما ~~يهمكم من إقامة الدين وتصفية جو صالح للمؤمنين، وقاتلوهم حتى تنتهي هذه ~~الفتن التي تفاجئكم كل يوم، ولا تكون فتنة بعد فإن انتهوا فإن الله يجازيهم ~~بما يرى من أعمالهم، وإن تولوا عن الانتهاء فأديموا القتال والله مولاكم ~~فاعلموا ذلك ولا تهنوا ولا تخافوا. # والفتنة ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة مما يشق عليها، وغلب ~~استعمالها في المقاتل ms3242 وارتفاع الأمن وانتقاض الصلح، وكان كفار قريش يقبضون ~~على المؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة وبعدها إلى مدة ~~في مكة ويعذبونهم ويجبرونهم على ترك الإسلام والرجوع إلى الكفر، وكانت تسمى فتنة. PageV09P040 # وقد ظهر بما يفيده السياق من المعنى السابق أن قوله: "وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة" كناية عن تضعيفهم بالقتال حتى لا يغتروا بكفرهم ولا يلقوا فتنة يفتتن ~~بها المؤمنون ويكون الدين كله لله لا يدعو إلى خلافه أحد، وأن قوله: "فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير" المراد به الانتهاء عن القتال ولذلك ~~أردفه بمثل قوله: "فإن الله بما يعملون بصير" أي عندئذ يحكم الله فيهم بما ~~يناسب أعمالهم وهو بصير بها، وأن قوله: "وإن تولوا" إلخ أي إن تولوا عن ~~الانتهاء، ولم يكفوا عن القتال ولم يتركوا الفتنة فاعلموا أن الله مولاكم ~~وناصركم وقاتلوهم مطمئنين بنصر الله نعم المولى ونعم النصير. # وقد ظهر أن قوله: "ويكون الدين كله لله" لا ينافي إقرار أهل الكتاب على ~~دينهم إن دخلوا في الذمة وأعطوا الجزية فلا نسبة للآية مع قوله تعالى: "حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون:" التوبة: - 29. # بالناسخية والمنسوخية. # ولبعض المفسرين وجوه في معنى الانتهاء والمغفرة وغيرهما من مفردات الآيات ~~الثلاث لا كثير جدوى في التعرض لها تركناها. # وقد ورد في بعض الأخبار كون "نعم المولى ونعم النصير" من أسماء الله ~~الحسنى والمراد بالاسم حينئذ لا محالة غير الاسم بمعناه المصطلح بل كل ما ~~يخص بلفظه شيئا من المصاديق كما ورد نظيره في قوله تعالى: "لا تأخذه سنة ~~ولا نوم" وقد مر استيفاء الكلام في الأسماء الحسنى في ذيل قوله تعالى: ~~"ولله الأسماء الحسنى:" الأعراف - 180 في الجزء الثامن من الكتاب. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا" الآية أنها ~~نزلت بمكة قبل الهجرة. وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن ~~جريح رض: "وإذ يمكر بك الذين كفروا" قال: هي مكية. # أقول: وهو ظاهر ما رواه ms3243 أيضا عن عبد بن حميد عن معاوية بن قرة، لكن عرفت ~~أن سياق الآيات لا يساعد عليه. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو ~~الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك" قال: تشاورت قريش ليلة ~~بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثائق يريدون النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى لحق ~~بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا رضي الله عنه يحسبونه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوه عليا رضي الله عنه رد ~~الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا ~~الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو ~~دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث ثلاث ليال. PageV09P041 # وفي تفسير القمي،: كان سبب نزولها أنه لما أظهر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الدعوة بمكة قدمت عليه الأوس والخزرج فقال لهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): تمنعوني وتكونون لي جارا حتى أتلو كتاب الله عليكم ~~وثوابكم على الله الجنة؟ فقالوا: نعم خذ لربك ولنفسك ما شئت فقال لهم: ~~موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق فحجوا ورجعوا إلى منى ~~وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير. فلما كان اليوم الثاني من أيام التشريق قال ~~لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان الليل فاحضروا دار عبد ~~المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما، ولينسل واحد فواحد فجاء سبعون رجلا ~~من الأوس والخزرج فدخلوا الدار فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم ms3244 على الله الجنة. ~~فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام نعم يا رسول الله ~~اشترط لربك ونفسك ما شئت. فقال: أما ما أشترط لربي فأن تعبدوه ولا تشركوا ~~به شيئا، وما أشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما ~~تمنعون أهليكم وأولادكم. فقالوا فما لنا على ذلك؟ فقال: الجنة في الآخرة، ~~وتملكون العرب، ويدين لكم العجم في الدنيا، وتكونون ملوكا في الجنة فقالوا: ~~قد رضينا. فقال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك ~~كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا فأشار إليهم جبرائيل فقال: هذا ~~نقيب وهذا نقيب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس: فمن الخزرج أسعد بن زرارة ~~والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام أبو جابر بن عبد الله ورافع بن مالك ~~وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وعبد الله بن رواحة وسعد بن ربيع وعبادة بن ~~صامت ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان وهو من اليمن وأسيد بن حصين وسعد بن ~~خيثمة. فلما اجتمعوا وبايعوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صاح ~~إبليس: يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة ~~يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى، وهاجت قريش فأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النداء فقال للأنصار: تفرقوا فقالوا: يا ~~رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لم أومر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم. قالوا: ~~فتخرج معنا؟ قال: أنتظر أمر الله. فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا ~~السلاح وخرج حمزة وأمير المؤمنين (عليه السلام) بالسلاح ومعهما السيوف ~~فوقفا على العقبة فلما نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له؟ ~~فقال حمزة: ما اجتمعنا وما هاهنا أحد والله لا يجوز هذه العقبة أحد إلا ~~ضربته بسيفي. فرجعوا إلى مكة وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من ~~مشائخ قريش في دين ms3245 محمد فاجتمعوا في دار الندوة، وكان لا يدخل دار الندوة ~~إلا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلا من مشائخ قريش، وجاء إبليس ~~في صورة شيخ كبير فقال له البواب، من أنت؟ فقال: أنا شيخ من أهل نجد لا ~~يعدمكم مني رأي صائب إني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل جئت لأشير ~~عليكم فقال: ادخل فدخل إبليس. فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش ~~إنه لم يكن أحد من العرب أعز منا نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة ~~مرتين ويكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع فلم نزل كذلك حتى نشأ ~~فينا محمد بن عبد الله فكنا نسميه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتى إذا ~~بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله وأن أخبار السماء تأتيه فسفه ~~أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، وزعم أنه من مات من ~~أسلافنا ففي النار، ولم يرد علينا شيء أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأيا. ~~قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله فإن طلبت بنو هاشم ~~بديته أعطيناهم عشر ديات. فقال الخبيث: هذا رأي خبيث قالوا: وكيف ذلك؟ قال: ~~لأن قاتل محمد مقتول لا محالة فمن هذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم؟ فإنه إذا ~~قتل محمدا تعصبت بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي ~~قاتل محمد على الأرض فتقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانون. فقال آخر منهم: ~~فعندي رأي آخر. قال: وما هو؟ PageV09P042 # قال: نثبته في بيت ونلقي عليه قوته حتى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات ~~زهير والنابغة وإمرؤ القيس. فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر. قالوا: وكيف ~~ذاك؟ قال: لأن بني هاشم لا ترضى بذلك فإذا جاء موسم من مواسم العرب ~~استغاثوا بهم فاجتمعوا عليكم فأخرجوه. قال آخر منهم: لا ولكنا نخرجه من ~~بلادنا ونتفرغ لعبادة آلهتنا. قال إبليس: هذا أخبث من ذينك الرأيين ~~المتقدمين، قالوا: وكيف؟ قال: لأنكم تعمدون إلى ms3246 أصبح الناس وجها، وأتقن ~~الناس لسانا وأفصحهم لهجة فتحملوه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه ~~فلا يفجئوكم إلا وقد ملأها خيلا ورجلا. فبقوا حائرين. ثم قالوا لإبليس: فما ~~الرأي يا شيخ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد. قالوا: وما هو؟ قال: يجتمع من كل ~~بطن من بطون قريش فيكون معهم من بني هاشم رجل فيأخذون سكينا أو حديدة أو ~~سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها ~~فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه فقد شاركوه فيه فإن سألوكم أن تعطوكم ~~الدية فأعطوهم ثلاث ديات. قالوا: نعم وعشر ديات. قالوا: الرأي رأي الشيخ ~~النجدي فاجتمعوا فيه، ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره ~~أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك فأنزل الله عليه في ذلك: ~~"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك - أو يخرجوك ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين". واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه، ~~وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت فأنزل الله: "وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فالمكاء التصفير والتصدية صفق اليدين ~~وهذه الآية معطوفة على قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا قد كتبت بعد آيات ~~كثيرة. فلما أمسى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاءت قريش ليدخلوا ~~عليه فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل فإن في الدار صبيانا ~~ونساء ولا نأمن أن يقع بهم يد خاطئة فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه ~~فناموا حول حجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وأمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يفرش له فرش فقال لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): ~~أفدني بنفسك قال: نعم يا رسول الله قال: نم على فراشي والتحف ببردتي فنام ~~علي (عليه السلام) على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتحف ~~ببردته. وجاء جبرئيل فأخذ بيد ms3247 رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخرجه ~~على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم: "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا - فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وقال له جبرئيل: خذ على طريق ثور وهو جبل ~~على طريق منى له سنام كسنام الثور فدخل الغار وكان من أمره ما كان. فلما ~~أصبحت قريش وأتوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش فوثب علي (عليه السلام) في ~~وجوههم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: أين محمد؟ قال: أجعلتموني عليه رقيبا؟ ألستم ~~قلتم نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم فأقبلوا على أبي لهب يضربونه ويقولون: ~~أنت تخدعنا منذ الليل. فتفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: ~~أبو كرز يقفو الآثار فقالوا: يا أبا كرز اليوم اليوم فوقف بهم على باب حجرة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لهم: هذه قدم محمد والله إنها ~~لأخت القدم التي في المقام، وكان أبو بكر بن أبي قحافة استقبل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فرده معه فقال أبو كرز: وهذه قدم ابن أبي قحافة ~~أو أبيه ثم قال: وهاهنا غير ابن أبي قحافة، ولا يزال يقف بهم حتى أوقفهم ~~على باب الغار. ثم قال: ما جاوزوا هذا المكان إما أن يكونوا صعدوا إلى ~~السماء أو دخلوا تحت الأرض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء ~~فارس من الملائكة ثم قال: ما في الغار أحد فتفرقوا في الشعاب، وصرفهم الله ~~عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أذن لنبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الهجرة. PageV09P043 # أقول: وروي ما يقرب من هذا المعنى ملخصا في الدر المنثور عن ابن إسحاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن ~~عباس لكن نسب فيه إلى أبي جهل ما نسب في هذه الرواية إلى الشيخ النجدي ثم ~~ذكر أن الشيخ النجدي صدق أبا جهل في رأيه واجتمع القوم على قوله. # وقد روي دخول إبليس عليهم في دار الندوة في ms3248 زي شيخ نجدي في عدة روايات من ~~طرق الشيعة وأهل السنة. # وأما ما في الرواية من قول أبي كرز لما اقتفى أثر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): "هذه قدم محمد، وهذه قدم ابن أبي قحافة، وهاهنا غير ابن ~~أبي قحافة" فقد ورد في الروايات أن ثالثهما هند بن أبي هالة ربيب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. # وقد روى الشيخ في أماليه، بإسناده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ~~عن أبيه وعبد الله بن أبي رافع جميعا عن عمار بن ياسر وأبي رافع وعن سنان ~~بن أبي سنان عن ابن هند بن أبي هالة، وقد دخل حديث عمار وأبي رافع وهند ~~بعضه في بعض، وهو حديث طويل في هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه: ~~واستتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن ~~أبي هالة فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، وثبت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكانه مع علي يأمره في ذلك بالصبر ~~حتى صلى العشاءين ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فحمة ~~العشاء والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام ~~الأعين. فخرج وهو يقرأ هذه الآية "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~- فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وكان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رءوسهم فما ~~شعر القوم به حتى تجاوزهم ومضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معه حتى ~~وصلوا إلى الغار. ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، ودخل رسول الله وأبو بكر الغار. قال بعد سوق القصة الليلة: حتى ~~إذا اعتم من الليلة القابلة انطلق هو يعني عليا (عليه السلام) وهند بن أبي ~~هالة حتى دخلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار فأمر رسول ms3249 ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين فقال أبو ~~بكر قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب فقال: إني ~~لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن قال: فهي لك بذلك فأمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) فأقبضه الثمن ثم وصاه بحفظ ذمته ~~وأداء أمانته. وكانت قريش قد سموا محمدا في الجاهلية: الأمين، وكانت تودعه ~~وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم، وجاءت ~~النبوة والرسالة والأمر كذلك فأمر عليا (عليه السلام) أن يقيم صارخا ~~بالأبطح غدوة وعشيا: من كان له قبل محمد أمانة أو دين فليأت فلنؤد إليه ~~أمانته. قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنهم لن يصلوا من ~~الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا ~~ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما فأمر أن ~~يبتاع رواحل له وللفواطم ومن أزمع الهجرة معه من بني هشام. قال أبو عبيدة: ~~فقلت لعبيد الله يعني ابن أبي رافع: أوكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يجد ما ينفقه هكذا؟ فقال: إني سألت أبي عما سألتني وكان يحدث لي هذا ~~الحديث. فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجة (عليها السلام). قال عبيد الله بن ~~أبي رافع: وقد قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) يذكر مبيته على الفراش ~~ومقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار ثلاثا نظما: وقيت ~~بنفسي خير من وطىء الحصى. ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر. محمد لما خاف أن ~~يمكروا به. فوقاه ربي ذو الجلال من المكر. وبت أراعيهم متى ينشرونني. وقد ~~وطنت نفسي على القتل والأسر. وبات رسول الله في الغار آمنا. هناك وفي حفظ ~~الإله وفي ستر. أقام ثلاثا ثم زمت قلائص. قلائص يفرين الحصى أينما تفري وقد ~~روي الأبيات عنه (عليه السلام) بتفاوت يسير في الدر المنثور عن الحاكم عن ~~علي ms3250 بن الحسين (عليهما السلام). PageV09P044 # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام): قوله: "خير الماكرين" قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قد كان لقي من قومه بلاء شديدا حتى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتى طرحوا ~~عليه رحم شاة فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته ثم أراه ~~الله بعد ذلك الذي يحب. أنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد ثم كان معه ~~يوم الفتح اثنا عشر ألفا حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ~~قال: كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم فلما ~~قدم إلى مكة سمع كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن فقال: قد ~~سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين. # أقول: وهناك بعض روايات أخر في أن القائل بهذا القول كان هو النضر بن ~~الحارث وقد قتل يوم بدر صبرا. # وفيه، أخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن أنس بن مالك رض قال: قال أبو جهل بن هشام: اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" فنزلت: ~~"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم - وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون". # أقول: وروى القمي هذا المعنى في تفسيره، وروى السيوطي أيضا في الدر ~~المنثور، عن ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وعن ابن جرير ~~عن عطاء: أن القائل: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية النضر بن ~~الحارث وقد تقدم في البيان السابق ما يقتضيه سياق الآية. # وفيه، أخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش ~~بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا؟ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك - ~~فأمطر علينا حجارة من السماء ms3251 الآية فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا: ~~غفرانك اللهم فأنزل الله: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون إلى قوله لا ~~يعلمون. وفيه، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن أبزى رض قال: ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة فأنزل الله: "وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم" فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ~~فأنزل الله: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" فلما خرجوا أنزل الله: ~~"وما لهم ألا يعذبهم الله" الآية فأذن في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم. ~~وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~عطية رض: في قوله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" يعني المشركين حتى ~~يخرجك منهم "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" قال: يعني المؤمنين. ثم ~~أعاد المشركين فقال: "وما لهم ألا يعذبهم الله - وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام". وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رض: في قوله: "وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون" يقول: لو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين، وفي ~~قوله: "وما لهم ألا يعذبهم الله - وهم يصدون عن المسجد الحرام" يقول: وكيف ~~لا أعذبهم وهم لا يستغفرون. وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وأبو الشيخ عن مجاهد رض: في قوله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" قال: ~~بين أظهرهم "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" قال: يسلمون. وفيه، أخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رض: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" ~~يعني أهل مكة "وما كان الله معذبهم" وفيهم المؤمنون يستغفرون. وفيه، أخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن رضي عنهما: في قوله: "وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون" قالا: نسختها الآية التي تليها: "وما لهم ألا يعذبهم ~~الله" فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والحصر. # أقول: عدم انطباقها على الآية بظاهرها المؤيد بسياقها ظاهر، وإنما دعاهم ~~إلى هذه التكلفات الاحتفاظ باتصال الآية في التأليف بما ms3252 قبلها وما قبلها من ~~الآيات المتعرضة لحال مشركي أهل مكة، ومن عجيب ما فيها تفسير العذاب في ~~الآية بفتح مكة، ولم يكن إلا رحمة للمشركين والمؤمنين جميعا. PageV09P045 # وفيه، أخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري رض قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أنزل الله علي أمانين لأمتي "وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم - وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار ~~إلى يوم القيامة. # أقول: مضمون الرواية مستفاد من الآية، وقد روي ما في معناها عن أبي هريرة ~~وابن عباس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورواها في نهج البلاغة عن علي ~~(عليه السلام). # وفي ذيل هذه الرواية شيء وهو أنه لا يلائم ما مر في البيان المتقدم من ~~إيعاد القرآن هذه الأمة بعذاب واقع قبل يوم القيامة، ولازمه أن يرتفع ~~الاستغفار من بينهم قبل يوم القيامة. # وفيه، أخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله. وفي الكافي، عن ~~علي بن إبراهيم عن أبيه عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مقامي بين أظهركم خير لكم ~~فإن الله يقول. وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، ومفارقتي إياكم خير لكم. ~~فقالوا: يا رسول الله مقامك بين أظهرنا خير لنا فكيف يكون مفارقتك خير لنا؟ ~~فقال: أما مفارقتي لكم خير لكم فإن أعمالكم تعرض علي كل خميس واثنين فما ~~كان من حسنة حمدت الله عليها، وما كان من سيئة أستغفر الله لكم. # أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره والشيخ في أماليه، عن حنان بن ~~سدير عن أبيه عنه (عليه السلام)، وفي روايتهما أن السائل هو جابر بن عبد ~~الله الأنصاري ع، ورواه أيضا في الكافي، بإسناده عن محمد بن أبي حمزة وغير ~~واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام). PageV09P046 # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد ms3253 وابن جرير عن سعيد بن جبير رض قال: ~~كانت قريش تعارض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الطواف يستهزءون ~~ويصفرون ويصفقون فنزلت: "وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية". وفيه، ~~أخرج أبو الشيخ عن نبيط وكان من الصحابة رض: في قوله: "وما كان صلاتهم عند ~~البيت" الآية قال: كانوا يطوفون بالبيت الحرام وهم يصفرون. وفيه، أخرج ~~الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن ~~قوله عز وجل: "إلا مكاء وتصدية" قال: المكاء صوت القنبرة والتصدية صوت ~~العصافير وهو التصفيق، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ~~إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة كان يصلي قائما بين الحجر والركن اليماني ~~فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح ~~أحدهما كما يصيح المكاء، والآخر يصفق بيده تصدية العصافير ليفسد عليه ~~صلاته. وفي تفسير العياشي، عن إبراهيم بن عمر اليماني عمن ذكره عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قول الله: "وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا ~~أولياءه" يعني أولياء البيت يعني المشركين "إن أولياؤه إلا المتقون" حيث ما ~~كانوا هم أولى به من المشركين "وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية" ~~قال: التصفير والتصفيق. وفي الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال: حدثني الزهري ~~ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمر ~~قال: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى ~~عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش إلى ~~من كان معه تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ~~فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثارا ففعلوا ففيهم كما ~~ذكر عن ابن عباس أنزل الله: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ms3254 سبيل ~~الله إلى قوله والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: في قوله: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم - ليصدوا عن ~~سبيل الله" قال نزلت في أبي سفيان بن حرب. وفيه، أخرج ابن سعد وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير: في قوله: ~~"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم - ليصدوا عن سبيل الله" الآية قال: نزلت في ~~أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى من استجاش من العرب فأنزل الله ~~فيه هذه الآية. وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه: وجئنا إلى ~~موج من البحر وسطه. أحابيش منهم حاسر ومقنع. ثلاثة آلاف ونحن نصية. ثلاث ~~مئين إن كثرن فأربع أقول: ورواه ملخصا عن ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد ~~بن عبد الله بن الزبير. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة - ويكون الدين ~~كله لله" الآية،: قال: روى زرارة وغيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه ~~قال: لم يجيء تأويل هذه الآية ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من ~~تأويل هذه الآية وليبلغن دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بلغ الليل ~~حتى لا يكون مشرك على ظهر الأرض: أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة ~~عنه (عليه السلام)، وفي معناه ما في الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن ~~أبي جعفر (عليه السلام)، وروى هذا المعنى أيضا العياشي عن عبد الأعلى ~~الحلبي عن أبي جعفر (عليه السلام) في رواية طويلة. # وقد تقدم حديث إبراهيم الليثي في تفسير قوله: "ليميز الله الخبيث من ~~الطيب" الآية مع بعض ما يتعلق به من الكلام في ذيل قوله: "كما بدأكم ~~تعودون:" الأعراف: - 29 في الجزء الثامن من الكتاب. PageV09P047 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 41 - 54 # واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن ms3255 لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير (41) إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم فى ~~الميعد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنزعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور ~~(43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ليقضى ~~الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) يأيها الذين ءامنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ~~ورسوله ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصبرين (46) ~~ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله بما يعملون محيط (47) وإذ زين لهم الشيطن أعملهم وقال لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى ~~برىء منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب (48) إذ ~~يقول المنفقون والذين فى قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن ~~الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم ~~وأدبرهم وذوقوا عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلم ~~للعبيد (51) كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بئايت الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب ءال ~~فرعون والذين من قبلهم كذبوا بئايت ربهم فأهلكنهم بذنوبهم وأغرقنا ءال ~~فرعون وكل كانوا ظلمين (54) ### |||| AUTO بيان # تشتمل الآيات على الأمر بتخميس الغنائم وبالثبات عند اللقاء وتذكرهم، ~~وتقص عليهم بعض ما نكب الله به أعداء الدين وأخزاهم بالمكر الإلهي، وأجرى ~~فيهم سنة آل فرعون ms3256 ومن قبلهم من المكذبين لآيات الله الصادين عن سبيله. # قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" إلى آخر الآية. # الغنم والغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة أو عمل أو حرب وينطبق بحسب ~~مورد نزول الآية على غنيمة الحرب، قال الراغب: الغنم - بفتحتين - معروف ~~قال: ومن البقر والغنم ما حرمنا عليهم شحومهما، والغنم - بالضم فالسكون - ~~إصابته والظفر به ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم قال: ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. # والمغنم ما يغنم وجمعه مغانم قال: فعند الله مغانم كثيرة، انتهى. # وذو القربى القريب والمراد به قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ~~خصوص أشخاص منهم على ما يفسره الآثار القطعية، واليتيم هو الإنسان الذي مات ~~أبوه وهو صغير، قالوا: كل حيوان يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإن يتمه من ~~قبل أبيه. PageV09P048 # وقوله: "فأن لله خمسه" إلخ قرىء بفتح أن، ويمكن أن يكون بتقدير حرف الجر ~~والتقدير: واعلموا أن ما غنمتم من شيء فعلى أن لله خمسه أي هو واقع على هذا ~~الأساس محكوم به، ويمكن أن يكون بالعطف على أن الأولى، وحذف خبر الأولى ~~لدلالة الكلام عليه، والتقدير: اعلموا أن ما غنمتم من شيء يجب قسمته ~~فاعلموا أن خمسه لله، أو يكون الفاء لاستشمام معنى الشرط فإن مآل المعنى ~~إلى نحو قولنا: إن غنمتم شيئا فخمسه لله إلخ فالفاء من قبيل فاء الجزاء، ~~وكرر أن للتأكيد، والأصل: اعلموا أن ما غنمتم من شيء أن خمسه لله إلخ، ~~والأصل الذي تعلق به العلم هو: ما غنمتم من شيء خمسه لله وللرسول إلخ، وقد ~~قدم لفظ الجلالة للتعظيم. # وقوله: "إن كنتم آمنتم بالله" إلخ قيد للأمر الذي يدل عليه صدر الآية أي ~~أدوا خمسه إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا، وربما قيل: إنه متصل ~~بقوله تعالى في الآية السابقة: "فاعلموا أن الله مولاكم" هذا والسياق الذي ~~يتم بحيلولة قوله: "واعلموا أنما غنمتم من شيء" إلخ ms3257 لا يلائم ذلك. # وقوله تعالى: "وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان" الظاهر أن المراد به ~~القرآن بقرينة تخصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإنزال، ولو كان ~~المراد به الملائكة المنزلون يوم بدر - كما قيل - لكان الأنسب أولا: أن ~~يقال: ومن أنزلنا على عبدنا، أو ما يؤدي هذا المعنى وثانيا: أن يقال: عليكم ~~لا على عبدنا فإن الملائكة كما أنزلت لنصرة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أنزلت لنصرة المؤمنين معه كما يدل عليه قوله: "فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين:" الأنفال: - 9. # وقوله بعد ذلك: "إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا" ~~إلخ: الأنفال: - 12. # ونظيرهما قوله: "إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ~~من الملائكين منزلين بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين:" آل عمران: - 125. # وفي الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: "إن كنتم آمنتم بالله وما ~~أنزلنا على عبدنا" من بسط اللطف على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~واصطفائه بالقرب ما لا يخفى. # ويظهر بالتأمل فيما قدمناه من البحث في قوله تعالى في أول السورة: ~~"يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول" الآية أن المراد بقوله: "وما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان" هو قوله تبارك وتعالى: "فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا" بما يحتف به من الآيات. # والمراد بقوله: "يوم الفرقان" يوم بدر كما يشهد به قوله بعده: "يوم التقى ~~الجمعان" فإن يوم بدر هو اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل فأحق ~~الحق بنصرته، وأبطل الباطل بخذلانه. # وقوله تعالى: "والله على كل شيء قدير" بمنزلة التعليل لقوله: "يوم ~~الفرقان" بما يدل عليه من تمييزه تعالى بين الحق والباطل كأنه قيل: والله ~~على كل شيء قدير فهو قادر أن يفرق بين الحق والباطل بما فرق. # فمعنى الآية - والله أعلم - واعلموا أن خمس ما غنمتم أي شيء كان هو لله ~~ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فردوه إلى أهله إن ms3258 ~~كنتم آمنتم بالله وما أنزله على عبده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم ~~بدر، وهو أن الأنفال وغنائم الحرب لله ولرسوله لا يشارك الله ورسوله فيها ~~أحد، وقد أجاز الله لكم أن تأكلوا منها وأباح لكم التصرف فيها فالذي أباح ~~لكم التصرف فيها يأمركم أن تئودوا خمسها إلى أهله. # وظاهر الآية أنها مشتملة على تشريع مؤبد كما هو ظاهر التشريعات القرآنية، ~~وأن الحكم متعلق بما يسمى غنما وغنيمة سواء كان غنيمة حربية مأخوذة من ~~الكفار أو غيرها مما يطلق عليه الغنيمة لغة كأرباح المكاسب والغوص والملاحة ~~والمستخرج من الكنوز والمعادن، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب ~~فليس للمورد أن يخصص. # وكذا ظاهر ما عد من موارد الصرف بقوله: "لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل" انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف، وأن لكل ~~منهم سهما بمعنى استقلاله في أخذ السهم كما يستفاد مثله من آية الزكاة من ~~غير أن يكون ذكر الأصناف من قبيل التمثيل. PageV09P049 # فهذا كله مما لا ريب فيه بالنظر إلى المتبادر من ظاهر معنى الآية، وعليه ~~وردت الأخبار من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقد اختلفت ~~كلمات المفسرين من أهل السنة في تفسير الآية وسنتعرض لها في البحث الروائي ~~التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل ~~منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا" ~~العدوة بالضم وقد يكسر شفير الوادي، والدنيا مؤنث أدنى كما أن القصوى وقد ~~يقال: القصيا مؤنث أقصى والركب كما قيل هو العير الذي كان عليه أبو سفيان ~~بن حرب. # والظرف في قوله: "إذ أنتم بالعدوة" بيان ثان لقوله في الآية السابقة: ~~"يوم الفرقان كما أن قوله: "يوم التقى الجمعان" بيان أول له متعلق بقوله: ~~"أنزلنا على عبدنا" وأما ما يظهر من بعضهم أنه بيان لقوله: "والله على كل ~~شيء قدير" بما يفيده بحسب المورد، والمعنى: والله قدير على نصركم وأنتم ~~أذلة إذ أنتم ms3259 نزول بشفير الوادي الأقرب، فلا يخفى بعده ووجه التكلف فيه. # وقوله تعالى: "ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد" سياق ما تقدمه من الجمل ~~الكاشفة عن تلاقي الجيشين، وكون الركب أسفل منهم، وأن الله بقدرته التي ~~قهرت كل شيء فرق بين الحق والباطل، وأيد الحق على الباطل، وكذا قوله بعد: ~~"ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا" كل ذلك يشهد على أن المراد بقوله: "ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد" بيان أن التلاقي على هذا الوجه لم يكن إلا ~~بمشية خاصة من الله سبحانه حيث نزل المشركون وهم ذوو عدة وشدة بالعدوة ~~القصوى وفيها الماء والأرض الصلبة، والمؤمنون على قلة عددهم وهوان أمرهم ~~بالعدوة الدنيا ولا ماء فيها والأرض رملية لا تثبت تحت أقدامهم، وتخلص ~~العير منهم إذ ضرب أبو سفيان في الساحل أسفل، وتلاقى الفريقان لا حاجز ~~بينهما ولا مناص عندئذ عن الحرب، فالتلاقي والمواجهة على هذا الوجه ثم ظهور ~~المؤمنين على المشركين، لم يكن عن أسباب عادية بل لمشية خاصة إلهية ظهرت ~~بها قدرته وبانت بها عنايته الخاصة ونصره وتأييده للمؤمنين. # فقوله: "ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد" بيان أن هذا التلاقي لم يكن عن ~~سابق قصد وعزيمة، ولا روية أو مشورة، ولهذا المعنى عقبه بقوله: "ولكن ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا" بما فيه من الاستدراك. # وقوله "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة" لتعليل ما قضي به من ~~الأمر المفعول أي إن الله إنما قضى هذا الذي جرى بينكم من التلاقي ~~والمواجهة ثم تأييد المؤمنين وخذلان المشركين ليكون ذلك بينة ظاهرة على ~~حقية الحق وبطلان الباطل فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. # وبذلك يظهر أن المراد بالهلاكة والحياة هو الهدى والضلال لأن ذلك هو الذي ~~يرتبط به وجود الآية البينة ظاهرا. # وكذا قوله: "وإن الله لسميع عليم" عطف على قوله: "ليهلك من هلك عن بينة" ~~إلخ، أي وإن الله إنما قضى ما قضى وفعل ما فعل لأنه سميع يسمع دعاءكم عليم ~~يعلم ما في صدوركم، ms3260 وفيه إشارة إلى ما ذكره في صدر الآيات: "إذ تستغيثون ~~ربكم فاستجاب لكم" إلى آخر الآيات. # وعلى هذا السياق - أي لبيان أن مرجع الأمر في هذه الواقعة هو القضاء ~~الخاص الإلهي دون الأسباب العادية - سيق قوله تعالى بعد: "إذ يريكهم الله ~~في منامك قليلا" إلخ، وقوله: "وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم" إلخ، وقوله: ~~"إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم" إلخ. # ومعنى الآية يوم الفرقان هو الوقت الذي أنتم نزول بالعدوة الدنيا وهم ~~نزول بالعدوة القصوى، وقد توافق نزولكم بها ونزولهم بها بحيث لو تواعدتم ~~بينكم أن تلتقوا بهذا الميعاد لاختلفتم فيه ولم تتلاقوا على هذه الوتيرة ~~فلم يكن ذلك منكم ولا منهم ولكن ذلك كان أمرا مفعولا والله قاضيه وحاكمه، ~~وإنما قضى ما قضى ليظهر آية بينة فتتم بذلك الحجة، ولأنه قد استجاب بذلك ~~دعوتكم بما سمع من استغاثتكم وعلم به من حاجة قلوبكم. # قوله تعالى: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا" إلى آخر الآية، الفشل هو ~~الضعف مع الفزع، والتنازع هو الاختلاف وهو من النزع نوع من القلع كأن ~~المتنازعين ينزع كل منهما الآخر عما هو فيه، والتسليم هو النتيجة. PageV09P050 # والكلام على تقدير اذكر أي اذكر وقتا يريكهم الله في منامك قليلا، وإنما ~~أراكهم قليلا ليربط بذلك قلوبكم وتطمئن نفوسكم ولو أراكهم كثيرا ثم ذكرتها ~~للمؤمنين أفزعكم الضعف واختلفتم في أمر الخروج إليهم ولكنه تعالى نجاكم ~~بإراءتهم قليلا عن الفشل والتنازع إنه عليم بذات الصدور وهي القلوب يشهد ما ~~يصلح به حال القلوب في اطمئنانها وارتباطها وقوتها. # والآية تدل على أن الله سبحانه أرى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤيا ~~مبشرة رأى فيها ما وعده الله من إحدى الطائفتين أنها لهم وقد أراهم قليلا ~~لا يعبأ بشأنهم، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر ما رآه للمؤمنين ~~ووعدهم وعد تبشير فعزموا على لقائهم. # والدليل على ذلك قوله: "ولو أراكهم كثيرا لفشلتم" إلخ وهو ظاهر. # قوله تعالى: "وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ms3261 ويقللكم في أعينهم ~~إلى آخر" الآية. # معنى الآية ظاهر، ولا تنافي بين هذه الآية وقوله تعالى: "قد كان لكم آية ~~في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي ~~العين والله يؤيد بنصره من يشاء:" آل عمران: - 13 بناء على أن الآية تشير ~~إلى وقعة بدر. # وذلك أن التقليل الذي يشير إليه في الآية المبحوث عنها مقيد بقوله: "إذ ~~التقيتم" وبذلك يرتفع التنافي كأن الله سبحانه أرى المؤمنين قليلا في أعين ~~المشركين في بادىء الالتقاء ليستحقروا جمعهم ويشجعهم ذلك على القتال ~~والنزال حتى إذا زحفوا واختلطوا، كثر المؤمنين في أعينهم فرأوهم مثليهم رأي ~~العين فأوهن بذلك عزمهم وأطار قلوبهم فكانت الهزيمة فآية الأنفال تشير إلى ~~أول الوقعة، وآية آل عمران إلى ما بعد الزحف والاختلاط وقوله: "ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا" متعلق بقوله: "يريكموهم" وتعليل لمضمونه. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون" إلى آخر الآيات الثلاث. # قال الراغب في المفردات: الثبات - بفتح الثاء - ضد الزوال انتهى فهو في ~~المورد ضد الفرار من العدو، وهو بحسب ما له من المعنى أعم من الصبر الذي ~~يأمر به في قوله: "واصبروا إن الله مع الصابرين" فالصبر ثبات قبال المكروه ~~بالقلب بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع، وبالبدن بأن لا يتكاسل ولا يتساهل ~~ولا يزول عن مكانه ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل فالصبر ثبات خاص. # والريح على ما قيل، العز والدولة، وقد ذكر الراغب أن الريح في الآية ~~بمعنى الغلبة استعارة كأن من شأن الريح أن تحرك ما هبت عليه وتقلعه وتذهب ~~به، والغلبة على العدو يفعل به ما تفعله الريح بالشيء كالتراب فاستعيرت لها. # وقال الراغب: البطر دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام ~~بحقها وصرفها إلى غير وجهها قال عز وجل: "بطرا ورئاء الناس" وقال: "بطرت ~~معيشتها" وأصله: بطرت معيشته فصرف عنه الفعل ونصب، ويقارب البطر الطرب، وهو ~~خفة أكثر ما يعتري من الفرح ms3262 وقد يقال ذلك في الترح، والبيطرة معالجة ~~الدابة. # انتهى. # والرئاء المراءاة. # وقوله: "فاثبتوا" أمر بمطلق الثبوت أمام العدو، وعدم الفرار منه فلا ~~يتكرر بالأمر ثانيا بالصبر كما تقدمت الإشارة إليه. # وقوله: "واذكروا الله كثيرا" أي في جنانكم ولسانكم فكل ذلك ذكر، ومن ~~المعلوم أن الأحوال القلبية الباطنة من الإنسان هي التي تميز مقاصده ~~وتشخصها سواء وافقها اللفظ كالفقير المستغيث بالله من فقره وهو يقول: يا ~~غني والمريض المستغيث به من مرضه وهو يقول: يا شافي ولو قال الفقير في ذلك: ~~يا الله أو قال المريض فيه ذلك لكان معناه: يا غني ويا شافي لأنهما بمقتضى ~~الحال الباعث لهما على الاستغاثة والدعوة لا يريدان إلا ذلك كما هو ظاهر. # والذي يخرج إلى قتال عدوه، ثم لقيه واستعد الظرف للقتال، وليس فيه إلا ~~زهاق النفوس، وسفك الدماء ونقص الأطراف وكل ما يهدد الإنسان بالفناء في ما ~~يحبه فإن حاله يحول فكرته ويصرف إرادته إلى الظفر بما يريده بالقتال، ~~والغلبة على العدو الذي يهدده بالفناء، والذي حاله هذا الحال وتفكيره هذا ~~التفكير إنما يذكر الله سبحانه بما يناسب حاله وتنصرف إليه فكرته. PageV09P051 # وهذا أقوى قرينة على أن المراد بذكر الله كثيرا أن يذكر المؤمن ما علمه ~~تعالى من المعارف المرتبطة بهذا الشأن وهو أنه تعالى إلهه وربه الذي بيده ~~الموت والحياة وهو على نصره لقدير، وأنه هو مولاه نعم المولى ونعم النصير، ~~وقد وعده النصر إذ قال: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، وإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين وإن مآل أمره في قتاله إلى إحدى الحسنيين إما الظفر على ~~عدوه ورفع راية الإسلام وإخلاص الجو لسعادته الدينية، وإما القتل في سبيل ~~الله والانتقال بالشهادة إلى رحمته، والدخول في حظيرة كرامته، ومجاورة ~~المقربين من أوليائه، وما في هذا الصف من المعارف الحقيقية التي تدعو إلى ~~السعادة الواقعية والكرامة السرمدية. # وقد قيد الذكر بالكثير لتتجدد به روح التقوى كلما لاح للإنسان ما يصرف ~~نفسه إلى حب الحياة الفانية والتمتع بزخارف الدنيا الغارة والخطورات ~~النفسانية ms3263 التي يلقيها الشيطان بتسويله. # وقوله: "وأطيعوا الله ورسوله" ظاهر السياق أن المراد بها إطاعة ما صدر من ~~ناحيته تعالى وناحية رسوله من التكاليف والدساتير المتعلقة بالجهاد والدفاع ~~عن حومة الدين وبيضة الإسلام مما تشتمل عليه آيات الجهاد والسنة النبوية ~~كالابتداء بإتمام الحجة وعدم التعرض للنساء والذراري والكف عن تبييت العدو ~~وغير ذلك من أحكام الجهاد. # وقوله: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" أي ولا تختلفوا بالنزاع فيما ~~بينكم حتى يورث ذلكم ضعف إرادتكم وذهاب عزتكم ودولتكم أو غلبتكم فإن اختلاف ~~الآراء يخل بالوحدة ويوهن القوة. # وقوله: "واصبروا إن الله مع الصابرين" أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من ~~مكاره القتال مما يهددكم به العدو، وعلى الإكثار من ذكر الله، وعلى طاعة ~~الله ورسوله من غير أن يهزهزكم الحوادث أو يزجركم ثقل الطاعة أو تغويكم لذة ~~المعصية أو يضلكم عجب النفس وخيلاؤها. # وقد أكد الأمر بالصبر بقوله: "إن الله مع الصابرين" لأن الصبر أقوى عون ~~على الشدائد وأشد ركن تجاه التلون في العزم وسرعة التحول في الإرادة، وهو ~~الذي يخلي بين الإنسان وبين التفكير الصحيح المطمئن حيث يهجم عليه الخواطر ~~المشوشة والأفكار الموهنة لإرادته عند الأهوال والمصائب من كل جانب فالله ~~سبحانه مع الصابرين. # وقوله: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس" الآية نهي ~~عن اتخاذ طريقة هؤلاء البطرين المرائين الصادين عن سبيل الله، وهم على ما ~~يفيده سياق الكلام في الآيات، كفار قريش، وما ذكره من أوصافهم أعني البطر ~~ورئاء الناس والصد عن سبيل الله هو الذي أوجب النهي عن التشبه بهم واتخاذ ~~طريقتهم بدلالة السياق، وقوله: "والله بما يعملون محيط" ينبىء عن إحاطته ~~تعالى بأعمالهم وسلطنته عليها وملكه لها، ومن المعلوم أن لازم ذلك كون ~~أعمالهم داخلة في قضائه متمشية بإذنه ومشيته وما هذا شأنه لا يكون مما يعجز ~~الله سبحانه فالجملة كالكناية عما يصرح به بعد عدة آيات بقوله: "ولا يحسبن ~~الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون:" الأنفال: - 59. # وظاهر أن أخذ هذه القيود أعني قوله: "بطرا ورئاء ms3264 الناس ويصدون عن سبيل ~~الله" يوجب تعلق النهي بها والتقدير: ولا تخرجوا من دياركم إلى قتل أعداء ~~الدين بطرين ومرائين بالتجملات الدنيوية، وصد الناس عن سبيل الله بدعوتهم ~~بأقوالكم وأفعالكم إلى ترك تقوى الله والتوغل في معاصيه والانخلاع عن طاعة ~~أوامره ودساتيره فإن ذلك يحبط أعمالكم ويطفىء نور الإيمان ويبطل أثره عن ~~جمعكم فلا طريق إلى نجاح السعي والفوز بالمقاصد الهامة إلا سوي الصراط الذي ~~يمهده الدين القويم وتسهله الملة الفطرية والله لا يهدي القوم الفاسقين إلى ~~مقاصدهم الفاسدة. # وقد اشتملت الآيات الثلاث على أمور ستة أوجب الله سبحانه على المؤمنين ~~رعايتها في الحروب الإسلامية عند اللقاء وهي الثبات، وذكر الله كثيرا، ~~وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، وأن لا يخرجوا بطرا ورئاء الناس ويصدون ~~عن سبيل الله. PageV09P052 # ومجموع الأمور الستة دستور حربي جامع لا يفقد من مهام الدستورات الحربية ~~شيئا، والتأمل الدقيق في تفاصيل الوقائع في تاريخ الحروب الإسلامية الواقعة ~~في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كبدر وأحد والخندق وحنين وغير ذلك ~~يوضح أن الأمر في الغلبة والهزيمة كان يدور مدار رعاية المسلمين مواد هذا ~~الدستور الإلهي وعدم رعايتها، والمراقبة لها والمساهلة فيها. # قوله تعالى: "وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم" إلى ~~آخر الآية، تزيين الشيطان للإنسان عمله هو إلقاؤه في قلبه كون العمل حسنا ~~جميلا يستلذ به وذلك بتهييج قواه الباطنة وعواطفه الداخلة المتعلقة بذلك ~~العمل فينجذب إليه قلبه، ولا يجد فراغا يعقل ما له من سوء الأثر وشؤم ~~العاقبة. # وليس من البعيد أن يكون قوله: "وقال لا غالب لكم اليوم" الآية مفسرا أو ~~بمنزلة المفسر للتزيين الشيطاني على أن يكون المراد بالأعمال نتائجها وهي ~~ما هيئوه من قوة وسلاح وعدة وما أخرجوه من القيان والمعازف والخمور، وما ~~تظاهروا به من نظام الجيش والجنائب تساق بين أيديهم، ويمكن أن يكون المراد ~~بها نفس الأعمال وهي أنواع تماديهم في الغي والضلال وإصرارهم في محادة الله ~~ورسوله، واسترسالهم في الظلم والفسق فيكون قوله المحكي: "لا ms3265 غالب لكم اليوم ~~من الناس" مما يتم به تزيين الشيطان، وتطيب به نفوسهم فيما اهتموا به من ~~قتال المسلمين، وقد أكمل ذلك بقوله: "وإني جار لكم". # والجوار من سنن العرب في الجاهلية التي كانت تعيش عيشة القبائل، ومن حقوق ~~الجوار نصرة الجار للجار إذا دهمه عدو، وله آثار مختلفة بحسب السنن الجارية ~~في المجتمعات الإنسانية. # وقوله: "فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه" النكوص الإحجام عن الشيء ~~و"على عقبيه" حال والعقب مؤخر القدم أي أحجم وقد رجع القهقرى منهزما وراءه. # وقوله: "إني أرى ما لا ترون" الآية تعليل لقوله: "إني بريء منكم" ولعله ~~إشارة إلى نزول الملائكة المردفين الذين نصر الله المسلمين بهم، وكذا قوله: ~~"إني أخاف الله والله شديد العقاب" تعليل لقوله: "إني بريء منكم" ومفسر ~~للتعليل السابق. # والمعنى ويوم الفرقان هو الوقت الذي زين الشيطان للمشركين ما كانوا ~~يعملونه لمحادة الله ورسوله وقتال المؤمنين، ويتلبسون به للتهيؤ على إطفاء ~~نور الله، فزين ذلك في أنظارهم، وطيب نفوسهم بقوله: لا غالب لكم اليوم من ~~الناس، وإني مجير لكم أذب عنكم فلما تراءت الفئتان فرأى المشركون المؤمنين ~~والمؤمنون المشركين رجع الشيطان القهقرى منهزما وراءه وقال للمشركين إني ~~بريء منكم إني أرى ما لا ترونه من نزول ملائكة النصر للمؤمنين وما عندهم من ~~العذاب الذي يهددكم إني أخاف عذاب الله والله شديد العقاب. # وهذا المعنى - كما ترى - يقبل الانطباق على وسوسة الشيطان لهم في قلوبهم ~~وتهييجهم على المؤمنين وتشجيعهم على قتالهم وتطييب نفوسهم بما استعدوا به ~~حتى إذا تراءت الفئتان ونزل النصر واستولى الرعب على قلوبهم انتكست أوهامهم ~~وتبدلت أفكارهم وعادت مزعمة الغلبة وأمنية الفتح والظفر مخافة مستولية على ~~نفوسهم وخيبة ويأسا شاملة لقلوبهم. # ويقبل الانطباق على تصور شيطاني يبدو لهم فتنجذب إليه حواسهم بأن يكون قد ~~تصور لهم في صورة إنسان ويقول لهم ما حكاه الله من قوله: "لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم" فيغويهم ويسيرهم ويقربهم من القتال حتى إذا ~~تقاربت الفئتان وتراءتا فلما تراءت الفئتان ورأى ms3266 الوضع على خلاف ما كان ~~يؤمله ويطمع فيه نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون من ~~نزول النصر والملائكة إني أخاف الله والله شديد العقاب، وقد ورد في روايات ~~القصة من طرق الشيعة وأهل السنة ما يؤيد هذا الوجه. # وهو أن الشيطان تصور للمشركين في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم ~~المدلجي وكان من أشراف كنانة وقال لهم ما قال وحمل رايتهم حتى إذا تلاقى ~~الفريقان فر منهزما وهو يقول: "إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون" إلى آخر ~~ما حكاه الله تعالى، وستجيء الرواية في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. PageV09P053 # وقد أصر بعض المفسرين على الوجه الأول، ورد الثاني بتزييف الآثار المروية ~~وتضعيف أسناد الأخبار، وهي وإن لم تكن متواترة ولا محفوفة ببعض القرائن ~~القطعية الموجبة للوثوق التام لكن أصل المعنى ليس من المستحيل الذي يدفعه ~~العقل السليم، ولا من القصص التي تدفعها آثار صحيحة، ولا مانع من أن يتمثل ~~لهم الشيطان فيوردهم مورد الضلال والغي حتى إذا تم له ما أراد تركهم في ~~تهلكتهم أو حتى شاهد عذابا إلهيا نكص على عقبيه هاربا. # على أن سياق الآية الكريمة أقرب إلى إفادة هذا الوجه الثاني منه إلى ~~الوجه الأول، وخاصة بالنظر إلى قوله: "وإني جار لكم" وقوله: "فلما تراءت ~~الفئتان نكص على عقبيه" وقوله: "إني أرى ما لا ترون" الآية فإن إرجاع معنى ~~قوله: "إني أرى" إلخ مثلا إلى الخواطر النفسانية بنوع من العناية ~~الاستعارية بعيد جدا. # قوله تعالى: "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ~~"إلى آخر الآية، أي يقول المنافقون وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا ~~الكفر، والذين في قلوبهم مرض وهم الضعفاء في الإيمان ممن لا يخلو نفسه من ~~الشك والارتياب. # يقولون - مشيرين إلى المؤمنين إشارة تحقير واستذلال -: غر هؤلاء دينهم إذ ~~لو لا غرور دينهم لم يقدموا على هذه المهلكة الظاهرة، وهم شرذمة أذلاء لا ~~عدة لهم ولا عدة، وقريش على ما بهم ms3267 من العدة والقوة والشوكة. # قوله تعالى: "ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم" في مقام الجواب عن ~~قولهم وإبانة غرورهم أنفسهم وقوله:: "فإن الله عزيز حكيم" من وضع السبب ~~موضع المسبب، والمعنى: وقد أخطأ هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض في ~~قولهم فإن المؤمنين توكلوا على الله ونسبوا حقيقة التأثير إليه وضموا ~~أنفسهم إلى قوته وحوله، ومن يتوكل أمره على الله فإن الله يكفيه لأنه عزيز ~~ينصر من استنصره حكيم لا يخطىء في وضع كل أمر موضعه الذي يليق به. # وفي الآية دليل على حضور جمع من المنافقين وضعفاء الإيمان ببدر حين تلاقي ~~الفئتين. # أما المنافقون وهم الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فلا معنى ~~لكونهم بين المشركين فلم يكونوا إلا بين المسلمين لكن الشأن في العامل الذي ~~أوجب منهم الثبات واليوم يوم شديد. # وأما الضعفاء الإيمان أو الشاكون في حقيقة الإسلام فمن الممكن أن يكونوا ~~بين المؤمنين أو في فئة المشركين وقد قيل إنهم كانوا فئة من قريش أسلموا ~~بمكة واحتبسهم آباؤهم واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر حتى إذا ~~حضروها وشاهدوا ما عليه المسلمون من القلة والذلة قالوا: مساكين هؤلاء غرهم ~~دينهم، وسيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # وعلى أي حال ينبغي إمعان النظر في البحث عما تفيده هذه الآية من حضور جمع ~~من المنافقين والذين في قلوبهم مرض يوم بدر عند القتال، واستخراج حقيقة ~~السبب الذي أوجب لهؤلاء المنافقين والضعفاء حضور هذه الغزوة، والوقوف في ~~ذلك الموقف الصعب الهائل الذي لا يساعد عليه الأسباب العادية ولا يقف فيه ~~إلا رجال الحقيقة الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان. # وأنهم لما ذا حضروها؟ وكيف ولما ذا صبروا مع الصابرين من فئة الإسلام؟ ~~ولعلنا نوفق لبعض البحث في ذلك فيما سيوافي من آيات سورة التوبة في شأن ~~المنافقين والذين في قلوبهم مرض إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة" إلى تمام الآيتين. # التوفي أخذ الحق بتمامه، ويستعمل في كلامه تعالى ms3268 كثيرا بمعنى قبض الروح، ~~ونسبة قبض أرواحهم إلى الملائكة مع ما في بعض الآيات من نسبته إلى ملك ~~الموت، وفي بعض آخر إلى الله سبحانه كقوله: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم:" الم السجدة: - 11، وقوله: "الله يتوفى الأنفس حين موتها:" الزمر: - ~~42 دليل على أن لملك الموت أعوانا يتولون قبض الأرواح هم بمنزلة الأيدي ~~العمالة له يصدرون عن إذنه ويعملون عن أمره، كما أنه يصدر عن إذن من الله ~~ويعمل عن أمر منه، وبذلك يصح نسبة التوفي إلى الملائكة الأعوان، وإلى ملك ~~الموت، وإلى الله سبحانه. PageV09P054 # وقوله: "يضربون وجوههم وأدبارهم" ظاهره أنهم يضربون مقاديم أبدانهم وخلاف ~~ذلك فيكنى به عن إحاطتهم واستيعاب جهاتهم بالضرب، وقيل: إن الأدبار كناية ~~عن الأستاه فبالمناسبة يكون المراد بوجوههم مقدم رءوسهم، وضرب الوجوه ~~والأدبار بهذا المعنى يراد به الإزراء والإذلال. # وقوله: "وذوقوا عذاب الحريق" أي يقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق ~~وهو النار. # وقوله: "ذلك بما قدمت أيديكم" تتمة لقولهم المحكي أو إشارة إلى مجموع ما ~~يفعل بهم وما يقول لهم الملائكة، والمعنى إنما نذيقكم عذاب الحريق بما قدمت ~~أيديكم أو: نضرب وجوهكم وأدباركم ونذيقكم عذاب الحريق بما قدمت أيديكم. # وقوله: "وأن الله ليس بظلام للعبيد" معطوف على موضع قوله "ما قدمت" أي ~~وذلك بأن الله ليس بظلام للعبيد أي لا يظلم أحدا من عبيده فإنه تعالى على ~~صراط مستقيم لا تخلف ولا اختلاف في فعله فلو ظلم أحدا لظلم كل أحد، ولو كان ~~ظالما لكان ظلاما للعبيد فافهم ذلك. # وسياق الآيات يشهد على أن المراد بهؤلاء الذين يصفهم الله سبحانه بأن ~~الملائكة يتوفاهم ويعذبهم هم المقتولون ببدر من مشركي قريش. # قوله تعالى: "كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله" إلى آخر الآية. # الدأب والديدن: العادة وهي العمل الذي يدوم ويجري عليه الإنسان، والطريقة ~~التي يسلكها، والمعنى كفر هؤلاء يشبه كفر آل فرعون والذين من قبلهم من ~~الأمم الخالية الكافرة كفروا بآيات الله وأذنبوا بذلك فأخذهم الله بذنوبهم ~~إن الله قوي لا ms3269 يضعف عن أخذهم شديد العقاب إذا أخذ. # قوله تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم" إلخ أي إن العقاب الذي يعاقب به الله سبحانه إنما يعقب نعمة ~~إلهية سابقة بسلبها واستخلافها، ولا تزول نعمة من النعم الإلهية ولا تتبدل ~~نقمة وعقابا إلا مع تبدل محله وهو النفوس الإنسانية، فالنعمة التي أنعم بها ~~على قوم إنما أفيضت عليهم لما استعدوا لها في أنفسهم، ولا يسلبونها ولا ~~تتبدل بهم نقمة وعقابا إلا لتغييرهم ما بأنفسهم من الاستعداد وملاك الإفاضة ~~وتلبسهم باستعداد العقاب. # وهذا ضابط كلي في تبدل النعمة إلى النقمة والعقاب، وأجمع منه قوله تعالى: ~~"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:" الرعد: - 11 وإن كان ~~ظاهره أظهر انطباقا على تبدل النعمة إلى النقمة. # وكيف كان فقوله: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا" إلخ من قبيل التعليل بأمر ~~عام وتطبيقه على مورده الخاص أي أخذ مشركي قريش بذنوبهم، وعقابهم بهذا ~~العقاب الشديد، وتبديل نعمة الله عليهم عقابا شديدا إنما هو فرع من فروع ~~سنة جارية إلهية هي أن الله لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم. # وقوله: "وأن الله سميع عليم" تعليل آخر بعد التعليل بقوله: "ذلك بأن الله ~~لم يك مغيرا" إلخ وظاهره - بمقتضى إشعار السياق - أن المراد به: وذلك بأن ~~الله سميع لدعواتكم عليم بحاجاتكم سمع استغاثتكم وعلم بحاجتكم فاستجاب لكم ~~فعذب أعداءكم الكافرين بآيات الله، ويحتمل أن يكون المراد: ذلك بأن الله ~~سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم فعذبهم على ذلك، ويمكن الجمع بين المحتملين. # قوله تعالى: "كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم" إلخ كرر التنظير السابق لمشابهة الفرض مع ما تقدم فقوله: "كدأب آل ~~فرعون" إلخ السابق تنظير لقوله: "ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد" كما أن قوله: "كدأب آل فرعون - إلى قوله - وكل كانوا ظالمين" ثانيا ~~تنظير لقوله: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة" إلخ. PageV09P055 # غير ms3270 أن التنظير الثاني يشتمل على نوع من الالتفات في قوله: "فأهلكناهم ~~بذنوبهم" وقد وقع بحذائه في التنظير الأول: "فأخذهم الله بذنوبهم" من غير ~~التفات ولعل الوجه فيه أن التنظير الثاني لما كان مسبوقا بإفادة أن الله هو ~~المفيض بالنعم على عباده ولا يغيرها إلا عن تغييرهم ما بأنفسهم، وهذا شأن ~~الرب بالنسبة إلى عبيده اقتضى ذلك أن يعد هؤلاء عبيدا غير جارين على صراط ~~عبودية ربهم ولذلك غير بعض سياق التنظير فقال في الثاني: "كذبوا بآيات ~~ربهم" وقد كان بحذائه في الأول قوله: "كفروا بآيات الله" ولذلك التفت هاهنا ~~من الغيبة إلى التكلم مع الغير فقال: "فأهلكناهم بذنوبهم" للدلالة على أنه ~~سبحانه هو ربهم وهو مهلكهم، وقد أخذ المتكلم مع الغير للدلالة على عظمة ~~الشأن وجلالة المقام، وأن له وسائط يعملون بأمره ويجرون بمشيته. # وقوله: "وأغرقنا آل فرعون" أظهر المفعول ولم يقل: وأغرقناهم ليؤمن ~~الالتباس برجوع الضمير إلى آل فرعون والذين من قبلهم جميعا. # وقوله تعالى: "وكل كانوا ظالمين" أي جميع هؤلاء الذين أخذهم العذاب ~~الإلهي من كفار قريش وآل فرعون والذين من قبلهم كانوا ظالمين في جنب الله. # وفيه بيان أن الله سبحانه لا يأخذ بعقابه الشديد أحدا، ولا يبدل نعمته ~~على أحد نقمة إلا إذا كان ظالما ظلما يبدل نعمة الله كفرا بآياته فهو لا ~~يعذب بعذابه إلا مستحقه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسين بن ~~عثمان عن سماعة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال: في كل ما ~~أفاد الناس من قليل أو كثير. وفيه، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن ~~عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح قال: الخمس في خمسة أشياء: من الغنائم ~~والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل ~~لمن جعل الله له، ويقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك. ويقسم ~~بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسوله، ms3271 وسهم لذي القربى وسهم ~~لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل فسهم الله وسهم رسوله لأولي ~~الأمر من بعد رسول الله وراثة فله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له ~~من الله فله نصف الخمس كلا، ونصف الخمس الثاني بين أهل بيته: فسهم ~~ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب ~~والسنة ما يستغنون به في سنتهم فإن فضل منهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو ~~نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده ما يستغنون به، وإنما صار ~~عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم، وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون ~~مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضا لهم عن صدقات الناس تنزيها من الله ~~لقرابتهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكرامة من الله لهم من ~~أوساخ الناس فجعل لهم خاصة من عنده وما يغنيهم به، أن يصيرهم في موضع الذل ~~والمسكنة، ولا بأس بصدقة بعضهم على بعض. وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس ~~هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين ذكرهم الله فقال: "وأنذر ~~عشيرتك الأقربين" وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر منهم والأنثى ليس فيهم ~~من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من ~~مواليهم، وقد تحل صدقات الناس لمواليهم، وهم والناس سواء. ومن كانت أمه من ~~بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له، وليس له من الخمس شيء لأن ~~الله يقول، "ادعوهم لآبائهم". # وفي التهذيب، بإسناده عن علي بن مهزيار قال: قال لي علي بن راشد: قلت له: ~~أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأي شيء ~~حقه؟ فلم أدر ما أجيبه! فقال: يجب عليهم الخمس فقلت: ففي أي شيء؟ فقال: في ~~أمتعتهم وضياعهم قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: ذلك إذا أمكنهم بعد ~~مئونتهم. PageV09P056 # وفيه، بإسناده عن زكريا بن مالك الجعفي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه ~~سئل عن قول الله: ms3272 "واعلموا أنما غنمتم من شيء - فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى - واليتامى والمساكين وابن السبيل" فقال: خمس الله عز وجل للإمام، ~~وخمس الرسول للإمام، وخمس ذي القربى لقرابة الرسول للإمام، واليتامى يتامى ~~آل الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم. # وفيه، بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قال له إبراهيم بن أبي البلاد: وجب عليك زكاة؟ قال: لا ولكن يفضل ~~ونعطي هكذا، وسئل عن قول الله عز وجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء - فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى" فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ قال: للرسول، ~~وما كان للرسول فهو للإمام. قيل: أفرأيت إن كان صنف أكثر من صنف، وصنف أقل ~~من صنف؟ فقال: ذلك للإمام. قيل أفرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كيف يصنع؟ قال: إنما كان يعطي على ما يرى هو، وكذلك الإمام. # أقول: والأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) متواترة في اختصاص ~~الخمس بالله ورسوله والإمام من أهل بيته ويتامى قرابته ومساكينهم وأبناء ~~سبيلهم لا يتعداهم إلى غيرهم، وأنه يقسم ستة أسهم على ما مر في الروايات، ~~وأنه لا يختص بغنائم الحرب بل يعم كل ما كان يسمى غنيمة لغة من أرباح ~~المكاسب والكنوز والغوص والمعادن والملاحة، وفي رواياتهم - كما تقدم - أن ~~ذلك موهبة من الله لأهل البيت بما حرم عليهم الزكوات والصدقات. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: أن نجدة الحروري أرسل يسأله عن سهم ذي القربى الذين ذكر ~~الله فكتب إليه: أنا كنا نرى أنا هم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: ويقول ~~لمن تراه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو لقربى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قسمه لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد كان ~~عمر رض عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن ~~نقبله. ms3273 وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي ~~فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. # أقول: وقوله في الرواية: "قالوا لمن تراه" معناه: قال الذين أرسلهم نجدة ~~الحروري لابن عباس: ويقول نجدة لمن ترى الخمس أي يسألك عن فتواك فيمن يصرف ~~إليه الخمس. # وقوله: هو لقربى رسول الله قسمها لهم "إلخ" ظاهره أنه فسر ذي القربى ~~بأقرباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وظاهر الروايات السابقة عن أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) أنهم فسروا ذي القربى بالإمام من أهل البيت، ~~وظاهر الآية يؤيد ذلك حيث عبر بلفظ المفرد!. # وفيه، أخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سألت عليا رضي ~~الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما في الخمس نصيبكم؟ فقال: أما أبو بكر رض فلم يكن في ولايته أخماس، ~~وأما عمر رض فلم يزل يدفعه إلي في كل خمس حتى كان خمس السوس وجنديسابور ~~فقال وأنا عنده، هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس وقد أحل ببعض المسلمين ~~واشتدت حاجتهم. فقلت، نعم، فوثب العباس بن عبد المطلب فقال، لا تعرض في ~~الذي لنا. فقلت ألسنا من أرفق المسلمين، وشفع أمير المؤمنين، فقبضه فوالله ~~ما قبضناه ولا قدرت عليه في ولاية عثمان رضي الله عنه. ثم أنشأ علي رضي ~~الله عنه يحدث فقال: إن الله حرم الصدقة على رسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فعوضه سهما من الخمس عوضا مما حرم عليه، وحرمها على أهل بيته خاصة ~~دون أمته فضرب لهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سهما عوضا مما ~~حرم عليهم. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): رغبت لكم عن غسالة الأيدي لأن لكم في خمس الخمس ~~ما يغنيكم أو يكفيكم. # أقول: وهو مبني على كون سهم أهل البيت هو ما لذي القربى فحسب. PageV09P057 # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن ms3274 جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قسم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) سهم ذي القربى على بني هاشم وبني المطلب. قال: ~~فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك ~~من بني هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم. أرأيت إخواننا ~~من بني المطلب أعطيتهم دوننا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال: ~~إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: آل محمد الذين ~~أعطوا الخمس: آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. # أقول: والروايات في هذا الباب كثيرة من طرق أهل السنة وقد اختلفت ~~الروايات الحاكية لعمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرقهم بين ما ~~مضمونه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقسم الخمس على أربعة أسهم وبين ~~ما مضمونه التقسيم على خمسة أسهم. # غير أنه يقرب من المسلم فيها أن من سهام الخمس ما يختص بقرابة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهم المعنيون بذي القربى في آية الخمس على خلاف ما في ~~الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # ومما يقرب من المسلم فيها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقسمه ~~بين المطلبيين ما دام حيا، وأنه انقطع عنهم على هذا الوصف في زمن الخلفاء ~~الثلاث ثم جرى على ذلك الأمر بعدهم. # ومن المسلم فيها أيضا أن الخمس يختص بغنائم الحرب - على خلاف ما عليه ~~الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولا يتعداها إلى كل ما يصدق ~~عليه اسم الغنيمة لغة. # وما يتعلق بالآية من محصل البحث التفسيري هو الذي قدمناه وهناك أبحاث أخر ~~كلامية أو فقهية خارجة عن غرضنا. # وهناك بحث حقوقي اجتماعي في ما يؤثره الخمس من الأثر في المجتمع الإسلامي ~~سيوافيك في ضمن الكلام على الزكاة. # بقي الكلام فيما تتضمنه الروايات أن الله سبحانه أراد بتشريع الخمس إكرام ~~أهل بيت النبي (صلى الله ms3275 عليه وآله وسلم) وأسرته وترفيعهم من أن يأخذوا ~~أوساخ الناس في أموالهم، والظاهر أن ذلك مأخوذ من قوله تعالى في آية الزكاة ~~خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم:" التوبة: - 103 فإن التطهير ~~والتزكية إنما يتعلق بما لا يخلو من دنس ووسخ ونحوهما ولم يقع في آية الخمس ~~ما يشعر بذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عروة بن الزبير رض قال: ~~أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقتل في آي من القرآن فكان أول ~~مشهد شهده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدرا، وكان رئيس المشركين ~~يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فالتقوا يوم الجمعة ببدر لسبع أو ست عشرة ~~ليلة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثمائة ~~وبضعة عشر رجلا، والمشركون بين الألف والتسعمائة، وكان ذلك يوم الفرقان يوم ~~فرق الله بين الحق والباطل فكان أول قتيل قتل يومئذ مهجع مولى عمرو رجل من ~~الأنصار، وهزم الله يومئذ المشركين فقتل منهم زيادة على سبعين رجلا، وأسر ~~منهم مثل ذلك. وفيه، أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت ~~من رمضان. أقول: وروي مثل ذلك عن ابن جرير عن الحسن بن علي وعن ابن أبي ~~شيبة عن جعفر عن أبيه، وأيضا عنه عن أبي بكر عن عبد الرحمن بن هشام وعنه عن ~~عامر بن ربيعة البدري: مثله لكن فيه، كان يوم بدر يوم الإثنين لسبع عشرة من رمضان. PageV09P058 # وربما أطلق في بعض أخبار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على التسعة عشر من ~~رمضان يوم يلتقي الجمعان لما عد ليلته في أخبارهم من ليلة القدر، وهذا معنى ~~آخر غير ما أريد في الآية من "يوم الفرقان يوم التقى الجمعان" ففي تفسير ~~العياشي، عن إسحاق بن عمار عن أبي ms3276 عبد الله (عليه السلام) قال: في تسعة عشر ~~من شهر رمضان يلتقي الجمعان. قلت: ما معنى قوله: يلتقي الجمعان؟ قال: يجتمع ~~فيها ما يريد من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه. وفي تفسير العياشي، عن ~~محمد بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: "والركب أسفل منكم" ~~قال: أبو سفيان وأصحابه. وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ليهلك من هلك ~~عن بينة - ويحيى من حي عن بينة" الآية قال: قال: يعلم من بقي أن الله نصره. ~~وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "وإذ يريكموهم إذ التقيتم" الآية: أخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ ~~قال: لا بل مائة. وفيه،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم" ~~إلخ: أخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى رضي الله عنه: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان يكره الصوت عند القتال. وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن ~~النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذا كان عند القتال لم يقاتل أول النهار، وأخره إلى أن تزول الشمس ~~وتهب الرياح وتنزل النصر. وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: "وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم" الآية: بإسناده عن يحيى بن الحسن بن فرات قال: حدثنا أبو ~~المقدم ثعلبة بن زيد الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ~~رحمه الله يقول: تمثل إبليس في أربع صور: تمثل يوم بدر في صورة سراقة بن ~~مالك بن جشعم المدلجي فقال لقريش: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ~~فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم. وتصور يوم العقبة في ~~صورة منبه بن الحجاج فنادى: أن محمدا والصباة معه عند العقبة فأدركوهم. قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار: لا تخافوا فإن صوته لن ~~يعدوه. وتصور ms3277 في يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد ~~وأشار عليهم في أمرهم فأنزل الله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا - ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك - ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. ~~وتصور في يوم قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة المغيرة بن ~~شعبة فقال: أيها الناس لا تجعلوا كسروانية ولا قيصرانية وسعوها تتسع فلا ~~تردوا إلى بني هاشم فينظر بها الحبالى. وفي المجمع، قيل: إنهم لما التقوا ~~كان إبليس في صف المشركين أخذ بيده الحارث بن هشام فنكص على عقبيه فقال له ~~الحارث بن هشام: يا سراقة إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ~~ما لا ترون، فقال: والله ما نرى إلا جعاميس يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق ~~وانهزم الناس. وفلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة ~~فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم فقالوا: إنك أتيتنا يوم كذا ~~فحلف لهم فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان. قال: وروي ذلك عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (عليه السلام) أقول: وروى مثله ابن شهرآشوب عنهما (عليهما ~~السلام)، وفي معنى هاتين الروايتين روايات كثيرة من طرق أهل السنة عن ابن ~~عباس وغيره. # وقد مر في البيان المتقدم استبعاد بعض المفسرين ذلك وتضعيفه ما ورد فيه ~~من الروايات، وهي إنما تثبت أمرا ممكنا غير مستحيل، والاستبعاد الخالي لا ~~يبني عليه في الأبحاث العلمية، والتمثلات البرزخية ليست بشاذة نادرة فلا ~~موجب للإصرار على النفي كما أن الإثبات كذلك غير أن ظاهر الآية أوفق ~~للإثبات. PageV09P059 # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "وإذ زين لهم الشيطان" الآيتين أخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن إسحاق في قوله: "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض" ~~قال: هم الفئة الذين خرجوا مع قريش احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب ~~فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا: غر هؤلاء ~~دينهم حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة ms3278 عددهم وكثرة عدوهم. وهم فئة من ~~قريش مسمون خمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ~~المخزوميان، والحارث بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبه. # أقول: وهذا يقبل الانطباق بوجه على قوله تعالى: "والذين في قلوبهم مرض" ~~فحسب، وفي بعض التفاسير أن القائل: "غر هؤلاء دينهم" هم المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض من أهل المدينة، ولم يخرجوا مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وسياق الآية الظاهر في حضورهم وقولهم ذلك عند التقاء الفئتين يأبى ذلك. # وفي رواية أبي هريرة على ما رواه في الدر المنثور عن الطبراني في الأوسط ~~عنه ما لفظه: وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر، "غر هؤلاء ~~دينهم" فأنزل الله، "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض - غر هؤلاء ~~دينهم". والذي ذكره لا ينطبق على الآية البتة فالقرآن الكريم لا يسمي ~~المشركين منافقين ولا الذين في قلوبهم مرض. # وفي تفسير العياشي، عن أبي علي المحمودي عن أبيه رفعه: في قول الله، ~~يضربون وجوههم وأدبارهم قال، إنما أراد أستاههم. إن الله كريم يكني. وفي ~~تفسير الصافي، عن الكافي عن الصادق (عليه السلام): أن الله بعث نبيا من ~~أنبيائه إلى قومه، وأوحى إليه أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا ناس ~~كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سراء فتحولوا عما أحب إلى ما أكره إلا تحولت ~~لهم عما يحبون إلى ما يكرهون، وإنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ~~معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما ~~يكرهون إلى ما يحبون. وفيه، أيضا عنه (عليه السلام) أنه قال، كان أبي ~~يقول،: إن الله عز وجل قضى قضاء حتما، لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها ~~إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة. PageV09P060 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 55 - 66 # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة ms3279 وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا ~~يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شىء ~~فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ~~الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) ~~يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يأيها النبى حرض ~~المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الئن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصبرين (66) ### |||| AUTO بيان # أحكام ودستورات في الحرب والسلم والمعاهدات ونقضها وغير ذلك، وصدر الآيات ~~يقبل الانطباق على طوائف اليهود التي كانت في المدينة وحولها وقد كان النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عاهدهم بعد هجرته إلى المدينة أن لا يضروه ولا ~~يغدروا به ولا يعينوا عليه عدوا ويقروا على دينهم ويأمنوا في أنفسهم فنقضوا ~~العهد نقضا بعد نقض حتى أمر الله سبحانه بقتالهم فآل أمرهم إلى ما آل إليه، ~~وسيجيء بعض أخبارهم في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # وعلى هذا فالآيات الأربع الأول غير نازلة مع ما سبقها من الآيات ولا ~~متصلة بها كما يعطيه سياقها وأما السبع الباقية فليست بواضحة الاتصال بما ~~قبلها من الآيات الأربع ولا بما قبل ما قبلها. # قوله تعالى: "إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون" الكلام ~~مسوق لبيان ms3280 كون هؤلاء شر جميع الموجودات الحية من غير شك في ذلك لما في ~~تقييد الحكم بقوله: "عند الله" من الدلالة عليه فإن معناه الحكم وما يحكم ~~ويقضي به الله سبحانه لا يتطرق إليه خطأ وقد قال تعالى: "لا يضل ربي ولا ~~ينسى:" طه: - 52. # وقد افتتح هذه القطعة من الكلام المتعلق بهم بكونهم شر الدواب عنده لأن ~~مغزى الكلام التحرز منهم ودفعهم، ومن المغروز في الطباع أن الشر الذي لا ~~يرجى معه خير يجب دفعه بأي وسيلة صحت وأمكنت فناسب ما سيأمره في حقهم ~~بقوله: "فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم" إلخ الافتتاح ببيان ~~كونهم شر الدواب. # وعقب قوله: "الذين كفروا" بقوله: "فهم لا يؤمنون" مبتدأ بفاء التفريع أي ~~إن من وصفهم الذي يتفرع على كفرهم أنهم لا يؤمنون، ولا يتفرع عدم الإيمان ~~على الكفر إلا إذا رسخ في النفس رسوخا لا يرجى معه زواله فلا مطمع حينئذ في ~~دخول الإيمان في قلب هذا شأنه لمكان المضادة التي بين الكفر والإيمان. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "الذين كفروا" الذين ثبتوا على الكفر، ~~وعند هذا يرجع معنى هذه الآية إلى نظيرتها السابقة: "إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون:" الأنفال: - 23. PageV09P061 # على أن الآيتين لما دلتا على حصر الشر عند الله في طائفة معينة من الدواب ~~كانت الآية الأولى مع دلالتها على كون أهلها ممن لا يؤمنون البتة دالة على ~~أن المراد بقوله في الآية الثانية: "الذين كفروا فهم لا يؤمنون" كونهم ~~ثابتين على كفرهم لا يزولون عنه البتة. # قوله تعالى: "الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون" ~~بيان للذين كفروا في الآية السابقة أو بدل منهم بدل البعض من الكل، ويتفرع ~~عليه أن "من" في قوله "منهم" تبعيضية والمعنى: الذين عاهدتهم من بين الذين ~~كفروا، وأما احتمال أن يكون من زائدة والمعنى: الذين عاهدتهم، أو بمعنى مع ~~والمعنى: الذين عاهدت ms3281 معهم فليس: بشيء. # والمراد بكل مرة مرات المعاهدة أن ينقضون عهدهم في كل مرة عاهدتهم وهم لا ~~يتقون الله في نقض العهد أو لا يتقونكم ولا يخافون نقض عهدكم، وفيه دلالة ~~على تكرر النقض منهم. # قوله تعالى: "فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون" قال ~~في المجمع، الثقف الظفر والإدراك بسرعة، والتشريد التفريق على اضطراب. # انتهى، وقوله: "فإما تثقفنهم" أصله إن تثقفهم دخل "ما" التأكيد على إن ~~الشرطية ليصحح دخول نون التأكيد على الشرط والكلام مسوق للتأكيد في ضمن الشرط. # والمراد بتشريد من خلفهم بهم أن يفعل بهم من التنكيل والتشديد ما يعتبر ~~به من خلفهم، ويستولي الرعب والخوف على قلوبهم فيتفرقوا وينحل عقد عزيمتهم ~~واتحاد إرادتهم على قتال المؤمنين وإبطال كلمة الحق. # وعلى هذا فالمراد بقوله: "لعلهم يذكرون" رجاء أن يتذكروا ما لنقض العهد ~~والإفساد في الأرض والمحادة مع كلمة الحق من التبعة السيئة والعاقبة ~~المشئومة فإن الله لا يهدي القوم الفاسقين وإن الله لا يهدي كيد الخائنين. # ففي الآية إيماء إلى الأمر بقتالهم ثم التشديد عليهم والتنكيل بهم عند ~~الظفر بهم وثقفهم، وإيماء إلى أن وراءهم من حاله حالهم في نقض العهد وتربص ~~الدوائر على الحق وأهله. # قوله تعالى: "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا ~~يحب الخائنين" الخيانة - على ما في المجمع، - نقض العهد فيما يؤتمن عليه، ~~وهذا معنى الخيانة في العهود والمواثيق، وأما الخيانة بمعناها العام فهي ~~نقض ما أبرم من الحق في عهد أو أمانة، والنبذ هو الإلقاء ومنه قوله: ~~"فنبذوه وراء ظهورهم:" آل عمران: - 187 والسواء بمعنى الاستواء والعدل. # وقوله: "وإما تخافن" كقوله في الآية السابقة: "فإما تثقفنهم" ومعنى الخوف ~~ظهور أمارات تدل على وقوع ما يجب التحرز منه والحذر عنه وقوله: "إن الله لا ~~يحب الخائنين" تعليل لقوله: "فانبذ إليهم على سواء". # ومعنى الآية: وإن خفت من قوم بينك وبينهم عهد أن يخونوك وينقضوا عهدهم ~~ولاحت آثار دالة على ذلك فانبذ وألق إليهم عهدهم وأعلمهم ms3282 إلغاء العهد ~~لتكونوا أنتم وهم على استواء من نقض عهد أو تكون مستويا على عدل فإن من ~~العدل المعاملة بالمثل والسواء لأنك إن قاتلتهم قبل إلغاء العهد كان ذلك ~~منك خيانة والله لا يحب الخائنين وملخص الآيتين دستوران إلهيان في قتال ~~الذين لا عهد لهم بالنقض أو بخوفه فإن كان أهل العهد من الكفار لا يثبتون ~~على عهدهم بنقضه في كل مرة فعلى ولي الأمر أن يقاتلهم ويشدد عليهم، وإن ~~كانوا بحيث يخاف من خيانتهم ولا وثوق بعهدهم فيعلمون إلغاء عهدهم ثم ~~يقاتلون ولا يبدأ بقتالهم قبل الإعلام فإنما ذلك خيانة، وأما إن كانوا ~~عاهدوا ولم ينقضوا ولم يخف خيانتهم فمن الواجب حفظ عهدهم واحترام عقدهم وقد ~~قال تعالى: "فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم:" التوبة: - 4. # وقال: "أوفوا بالعقود:" المائدة: - 1. # قوله تعالى: "ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون" القراءة ~~المشهورة "تحسبن" بتاء الخطاب، وهو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تطييبا لنفسه وتقوية لقلبه كالخطاب الآتي بعد عدة آيات: "يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" وكالخطاب الملقى بعده لتحريض المؤمنين: ~~"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال". PageV09P062 # والسبق تقدم الشيء على طالب اللحوق به، والإعجاز إيجاد العجز، وقوله: "إنهم ~~لا يعجزون" تعليل لقوله: "ولا تحسبن" إلخ، والمعنى: يا أيها النبي لا تحسبن ~~أن الذين كفروا سبقونا فلا ندركهم، لأنهم لا يعجزون الله وله القدرة على كل شيء. # قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل". # إلى آخر الآية الإعداد تهيئة الشيء للظفر بشيء آخر وإيجاد ما يحتاج إليه ~~الشيء المطلوب في تحققه كإعداد الحطب والوقود للإيقاد وإعداد الإيقاد ~~للطبخ، والقوة كل ما يمكن معه عمل من الأعمال، وهي في الحرب كل ما يتمشى به ~~الحرب والدفاع من أنواع الأسلحة، والرجال المدربين والمعاهد الحربية التي ~~تقوم بمصلحة ذلك كله، والرباط مبالغة في الربط وهو أيسر من العقد يقال: ~~ربطه يربطه ربطا ورابطه يرابطه مرابطة ورباطا فالكل بمعنى غير أن الرباط ~~أبلغ من الربط، ms3283 والخيل هو الفرس، والإرهاب قريب المعنى من التخويف. # وقوله: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" أمر عام بتهيئة ~~المؤمنين مبلغ استطاعتهم من القوى الحربية ما يحتاجون إليه قبال ما لهم من ~~الأعداء في الوجود أو في الفرض والاعتبار فإن المجتمع الإنساني لا يخلو من ~~التآلف من أفراد أو أقوام مختلفي الطباع ومتضادي الأفكار لا ينعقد بينهم ~~مجتمع على سنة قيمة ينافعهم إلا وهناك مجتمع آخر يضاده في منافعه، ويخالفه ~~في سنته، ولا يعيشان معا برهة من الدهر إلا وينشب بينهما الخلاف ويؤدي ذلك ~~إلى التغلب والقهر. # فالحروب المبيدة والاختلافات الداعية إليها مما لا مناص عنها في ~~المجتمعات الإنسانية والمجتمعات هي هذه المجتمعات، ويدل على ذلك ما نشاهده ~~من تجهز الإنسان في خلقه بقوى لا يستفاد منها إلا للدفاع كالغضب والشدة في ~~الأبدان، والفكر العامل في القهر والغلبة، فمن الواجب الفطري على المجتمع ~~الإسلامي أن يتجهز دائما بإعداد ما استطاع من قوة ومن رباط الخيل بحسب ما ~~يفترضه من عدو لمجتمعه الصالح. # والذي اختاره الله للمجتمع الإسلامي بما أنزل عليهم من الدين الفطري الذي ~~هو الدين القيم هي الحكومة الإنسانية التي يحفظ فيها حقوق كل فرد من أفراد ~~مجتمعها، ويراعى فيها مصلحة الضعيف والقوي والغني والفقير والحر والعبد ~~والرجل والمرأة والفرد والجماعة والبعض والكل على حد سواء دون الحكومة ~~الفردية الاستبدادية التي لا تسير إلا على ما تهواه نفس الفرد المتولي لها ~~الحاكم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم بما شاء وأراد، ولا الحكومة ~~الأكثرية التي تطابق أهواء الجمهور من الناس وتبطل منافع آخرين وترضي ~~الأكثرين النصف واحد وتضطهد وتسخط الأقلين النصف - واحد. # ولعل هذا هو السر في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" حيث وجه ~~الخطاب إلى الناس بعد ما كان الخطاب في الآيات السابقة موجها إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله: "فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم" وقوله: "فانبذ إليهم على سواء" وقوله: "ولا تحسبن الذين كفروا ~~سبقوا" وكذا في الآيات ms3284 التالية كقوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" إلى غير ذلك. # وذلك أن الحكومة الإسلامية حكومة إنسانية بمعنى مراعاة حقوق كل فرد ~~وتعظيم إرادة البعض واحترام جانبه أي من كان من غير اختصاص الإرادة المؤثرة ~~بفرد واحد أو بأكثر الأفراد. # فالمنافع التي يهددها عدوهم هي منافع كل فرد فعلى كل فرد أن يقوم بالذب ~~عنها، ويعد ما استطاع من قوة لحفظها من الضيعة، والإعداد وإن كان منه ما لا ~~يقوم بأمره إلا الحكومات بما لها من الاستطاعة القوية والإمكانات البالغة ~~لكن منها ما يقوم بالأفراد بفرديتهم كتعلم العلوم الحربية والتدرب بفنونها ~~فالتكليف تكليف الجميع. # وقوله تعالى: "ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ~~الله يعلمهم" في مقام التعليل لقوله: "وأعدوا لهم" أي وأعدوا لهم ذلك ~~لترهبوا وتخوفوا به عدو الله وعدوكم، وفي عدهم عدوا لله ولهم جميعا بيان ~~للواقع وتأكيد في التحريض. PageV09P063 # وفي قوله: "وآخرين من دونهم لا تعلمونهم" دلالة على أن المراد بالأولين هم ~~الذين يعرفهم المؤمنون بالعداوة لله ولهم، والمراد بهؤلاء الذين لا يعلمهم ~~المؤمنون - على ما يعطيه إطلاق اللفظ - كل من لا خبرة للمؤمنين بتهديده ~~إياهم بالعداوة من المنافقين الذين هم في كسوة المؤمنين وصورتهم يصلون ~~ويصومون ويحجون ويجاهدون ظاهرا، ومن غير المنافقين من الكفار الذين لم يبتل ~~بهم المؤمنون بعد. # والإرهاب بإعداد القوة، وإن كان في نفسه من الأغراض الصحيحة التي تتفرع ~~عليها فوائد عظيمة ظاهرة غير أنه ليس تمام الغرض المقصود من إعداد القوة، ~~ولذلك أردفه بقوله: "وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون" ليدل على جماع الغرض. # وذلك أن الغرض الحقيقي من إعداد القوى هو التمكن من الدفع مبلغ ~~الاستطاعة، وحفظ المجتمع من العدو الذي يهدده في نفوسه وأعراضه وأمواله، ~~وباللفظ المناسب لغرض الدين إطفاء نائرة الفساد الذي يبطل كلمة الحق ويهدم ~~بنيان دين الفطرة الذي به يعبد الله في أرضه ويقوم ملاك العدل في عباده. # وهذا أمر ينتفع به كل فرد من أفراد المجتمع الديني فما ms3285 أنفقه فرد أو ~~جماعة في سبيل الله، وهو الجهاد لإحياء أمره فهو بعينه يرجع إلى نفسه وإن ~~كان في صورة أخرى فإن أنفق في سبيله مالا أو جاها أو أي نعمة من هذا القبيل ~~فهو من الإنفاق في سبيل الضروريات الذي لا يلبث دون أن يرجع إليه نفسه نفعه ~~وما استعقبه من نماء في الدنيا والآخرة، وإن أنفق في سبيله نفسا فهو ~~الشهادة في سبيل الله التي تستتبع حياة باقية خالدة حقة لمثلها فليعمل ~~العاملون لا كما يغر به آحاد الفادين في سبيل المقاصد الدنيوية ببقاء الاسم ~~وخلود الذكر وتمام الفخر فهؤلاء وإن تنبهوا اليوم لهذا التعليم الإسلامي، ~~وأن المجتمع كنفس واحدة تشترك أعضاؤها فيما يعود إليها من نفع وضرر لكنهم ~~خبطوا في مسيرهم واشتبه عليهم الأمر في تشخيص الكمال الإنساني الذي لأجله ~~تندبه الفطرة وتدعوه إلى الاجتماع، وهو التمتع من الحياة الدائمة، فحسبوه ~~الحياة الدنيا الدائرة فضاق عليهم المسلك في أمثال التفدية بالنفس لأجل ~~تمتع الغير بلذائذ المادة. # وبالجملة فإعداد القوة إنما هو لغرض الدفاع عن حقوق المجتمع الإسلامي ~~ومنافعه الحيوية، والتظاهر بالقوة المعدة ينتج إرهاب العدو، وهو أيضا من ~~شعب الدفع ونوع معه، فقوله تعالى: "ترهبون به عدو الله" إلخ يذكر فائدة من ~~فوائد الإعداد الراجعة إلى أفراد المجتمع، وقوله: "وما تنفقوا من شيء في ~~سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" يذكر أن ما أنفقوه في سبيله لا يبطل ~~ولا يفوت بل يرجع إليهم من غير أن يفوت عن ذي حق حقه. # وهذا أعني قوله: "وما تنفقوا من شيء في سبيل الله" إلخ أعم فائدة من مثل ~~قوله: "وما تنفقوا من خير يوف إليكم:" البقرة: - 272 فإن الخير منصرف إلى ~~المال فلا يشمل النفس بخلاف قوله هاهنا: "وما تنفقوا من شيء". # قوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم" في المجمع،: الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر لأنه يميل به في أحد ~~شقيه، ولا جناح عليه أي لا ميل إلى مأثم. # انتهى، ms3286 والسلم بفتح السين وكسرها الصلح. # وقوله: "وتوكل على الله" من تتمة الأمر بالجنوح فالجميع في معنى أمر ~~واحد، والمعنى: وإن مالوا إلى الصلح والمسالمة فمل إليها وتوكل في ذلك على ~~الله ولا تخف من أن يضطهدك أسباب خفية عنك على غفلة منك وعدم تهيؤ لها فإن ~~الله هو السميع العليم لا يغفله سبب ولا يعجزه مكر بل ينصرك ويكفيك وهذا هو ~~الذي يثبته قوله في الآية التالية "وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله". # وقد تقدم فيما أسلفناه من معنى التوكل على الله أنه ليس اعتمادا عليه ~~سبحانه بإلغاء الأسباب الظاهرية بل سلب الاعتماد القطعي على الأسباب ~~الظاهرية لأن الذي يبدو للإنسان منها بعض يسير منها دون جميعها، والسبب ~~التام الذي لا يتخلف عن مسببه هو الجميع الذي يحمل إرادته سبحانه. # فالتوكل هو توجيه الثقة والاعتماد إلى الله سبحانه الذي بمشيته يدور رحى ~~الأسباب عامة، ولا ينافيه أن يتوسل المتوكل بما يمكنه التوسل به من الأسباب ~~اللائحة عليه من غير أن يلغي شيئا منها فيركب مطية الجهل. PageV09P064 # قوله تعالى: "وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين" الآية متصلة بما قبلها وهي بمنزلة دفع الدخل، وذلك أن الله ~~سبحانه لما أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنوح للسلم إن جنحوا له ~~ولم يرض بالخديعة لأنها من الخيانة في حقوق المعاشرة والمواصلة للعامة ~~والله لا يحب الخائنين كان أمره بالجنوح المذكور مظنة سؤال وهو أن من ~~الجائز أن يكون جنوحهم للسلم خديعة منهم يضلون بها المؤمنين ليغيروا عليهم ~~في شرائط وأحوال مناسبة فأجاب سبحانه بأنا أمرناك بالتوكل فإن أرادوا بذلك ~~أن يخدعوك فإن حسبك الله وقد قال تعالى: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن ~~الله بالغ أمره. # وهذا مما يدل على أن هناك أسبابا وراء ما ينكشف لنا من الأسباب الطبيعية ~~العادية تجري على ما يوافق صلاح العبد المتوكل إذا خانته الأسباب الطبيعية ~~العادية ولم تساعده على مطلوبه الحق. # وقوله: "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" ms3287 بمنزلة الاحتجاج على قوله: "فإن ~~حسبك الله" بذكر شواهد تدل على كفايته تعالى وهي أنه أيده بنصره وأيده ~~بالمؤمنين وألف بين قلوبهم وهي شيء متباغضة. # قوله تعالى: "وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم" إلخ، قال الراغب: الإلف اجتماع مع التيام ~~يقال: ألفت بينهم، ومنه الألفة، ويقال: للمألوف إلف وآلف قال تعالى: "إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم" انتهى. # أورد سبحانه في جملة ما استشهد على كفايته لمن توكل عليه أنه كفى نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بتأليف قلوب المؤمنين بعد ذكر تأييده بهم، ~~والكلام مطلق والملاك المذكور فيه عام يشمل جميع المؤمنين وإن كانت الآية ~~أظهر انطباقا على الأنصار حيث أيد الله بهم نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فآووه ونصروه وألف الله سبحانه بدينه بينهم أنفسهم وقد نشبت فيهم الحروب ~~المبيدة وكانت قائمة على ساقها دهرا طويلا وهي حرب "بغاث" بين الأوس ~~والخزرج حتى اصطلحوا بنزول الإسلام في دارهم وأصبحوا بنعمته إخوانا. # وقد امتن الله بتأليفه بين قلوب المسلمين في مواضع من كلامه وبين أهمية ~~موقعه بمثل قوله: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف. بينهم إنه عزيز حكيم". # وذلك أن الإنسان مفطور على حب النعم الحيوية التي تتم بها حياته لا بغية ~~له دونها ولا يريد في الحقيقة شيئا ولا يقصده إلا لينتفع به في نفسه وما ~~ربما يلوح أنه يريد نفعا عائدا إلى غيره فالتأمل الدقيق يكشف عن اشتماله ~~على نفع عائد إليه نفسه، وإذ كان يحب الوجدان فهو يبغض الفقدان. # وبهذين الوصفين الغريزيين أعني الحب والبغض يتم له أمر الحياة ولو أنه ~~أحب كل شيء ومنها الأضداد والمتناقضات لبطلت الحياة ولو أنه أبغض كل شيء ~~حتى المتنافيات لبطلت الحياة، وقد فطره الله سبحانه على الحياة الاجتماعية ~~لقصور ما عنده من القوى والأدوات عن القيام بجميع ما يحتاج إليه من ضروريات ~~حياته ومن الضروري أن الاجتماع لا يتم إلا ms3288 باختصاص كل فرد بما يحرم عنه ~~آخرون من مال أو جاه أو زينة أو جمال أو كل ما يتنافس فيه الطباع الإنساني ~~أو يتعلق به الهوى النفساني على اختلاف فيه بالزيادة والنقيصة. # وهذا أول ما يودع أنواع العداوة والبغضاء في القلوب والشح في النفوس ثم ~~ما ينبسط بينهم من وجوه الحرمان بالظلم والعدوان وبغي البعض على البعض في ~~دم أو عرض أو مال أو غير ذلك مما يتنعمون به ويتنافسون فيه ويعلمون لأجله، ~~تثير في داخل نفوسهم كل بغضاء وشنآن. # وهذا كله أوصاف وغرائز باطنية في الجماعة لا تلبث دون أن تظهر في أعمالهم ~~وتتلاقى في أفعالهم ويماس بعضها بعضا بينهم في مسير حياتهم وفيه البلوى ~~التي تتعقب الفتن والمصائب الاجتماعية التي تبيد النفوس وتهلك الحرث ~~والنسل، وقد شهدت بذلك الحوادث الجارية على توالي القرون والأجيال. # ومهما ظنت الأمم المجتمعة أن بغيتها في اجتماعها هي التمتع من العيشة ~~المادية المحدودة بالحياة الدنيوية فلا سبيل إلى قلع مادة هذا الفساد من ~~أصلها وقطع منابته فإن الدار دار التزاحم، والمجتمع قائم على قاعدة ~~الاختصاص، والنفوس مختلفة في الاستعداد، والحوادث الواقعة والعوامل المؤثرة ~~والأحوال الخارجة دخيلة في معايشهم وحياتهم. PageV09P065 # قال تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا:" المعارج: - 21، وقال: "إن النفس لأمارة بالسوء:" يوسف: - 53، وقال: ~~"ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم:" هود: - 119، إلى غير ذلك ~~من الآيات. # وغاية ما يمكن الإنسان في بسط الألفة وإرضاء القلوب المشحونة بالعداوة ~~والبغضاء أن يقنعهم أو يسكتهم ببذل ما يحبون من مال أو جاه أو سائر النعم ~~الدنيوية المحبوبة عندهم غير أنه إنما ينفع في موارد جزئية خاصة، وأما ~~العداوة والبغضاء العامتان فلا سبيل إلى إزالتهما عن القلوب ببذل النعمة ~~فإنه لا يبطل غريزة الاستزادة والشح الملتهب في كل نفس بما يشاهد من ~~المزايا الحيوية عند غيره. # على أن من النعم ما لا يقبل إلا الاختصاص والانفراد كالملك والرئاسة ~~العالية وأمور أخرى تجري مجراهما حتى أن الأمم الراقية ms3289 ذوي المدنية ~~والحضارة لم يتمكنوا من معالجة هذا الداء إلا بما يزول به بعض شدته، ~~ويستريح جثمان المجتمع من بعض عذابه، وأما البغضاءات المتعلقة بالأمور التي ~~تختص به بعض مجتمعهم كالرئاسة والملك فهي على حالها تتقد بشررها القلوب ولا ~~يزال يأكل بعضها بعضا. # على أن ذلك ينحصر فيما بينهم وأما المجتمعات الخارجة من مجتمعهم فلا يعبأ ~~بحالهم ولا يعتنى من منافعهم الحيوية إلا بما يوافق منافع أولئك وإن أعيتهم ~~طوارق البلاء وعفاهم الدهر بالعناء. # وقد من الله على الأمة الإسلامية إذ أزال الشح عن نفوسهم وألف بين قلوبهم ~~بمعرفة إلهية علمه إياهم وبثه فيما بينهم ببيان أن الحياة الإنسانية حياة ~~خالدة غير محصورة في هذه الأيام القلائل التي ستفنى ويبقى الإنسان ولا خبر ~~عنها، وإن سعادة هذه الحياة الدائمة غير التمتع بلذائذ المادة والرعي في ~~كلإ الخسة بل هي حياة واقعية وعيشة حقيقية يحيى ويعيش بها الإنسان في كرامة ~~عبودية الله سبحانه، ويتنعم بنعم القرب والزلفى ثم يتمتع بما تيسر له من ~~متاع الحياة الدنيا مما ساقه إليه الحظ أو الاكتساب عارفا بحقوق النعمة ثم ~~ينتقل إلى جوار الله ويدخل دار رضوانه ويخالط هناك الصالحين من عباده، ~~ويحيى حق الحياة قال تعالى: "وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع:" ~~الرعد: - 26، وقال تعالى: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون:" العنكبوت: - 64 وقال: "فأعرض عمن ~~تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى:" النجم: - 30. # فعلى المسلم أن يؤمن بربه ويتربى بتربيته، ويعزم عزمه ويجمع بغيته على ما ~~عند ربه فإنما هو عبد مدبر لا يملك ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا ومن كان هذا وصفه لم يكن له شغل إلا بربه الذي بيده الخير والشر ~~والنفع والضر والغنى والفقر والموت والحياة، وكان عليه أن يسير مسير الحياة ~~بالعلم النافع والعمل الصالح فما سعد به ms3290 من مزايا الحياة الدنيا فموهبة من ~~عند ربه وما حرم منه احتسب عند ربه أجره، وما عند الله خير وأبقى. # وليس هذا من إلغاء الأسباب في شيء ولا إبطالا للفطرة الإنسانية الداعية ~~إلى العمل والاكتساب، النادبة إلى التوسل بالفكر والإرادة، المحرضة إلى ~~الاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل، الموصلة إلى المقاصد الإنسانية والأغراض ~~الصحيحة الحيوية فقد فصلنا القول في توضيح ذلك في موارد متفرقة من هذا ~~الكتاب. # وإذا تسنن المسلمون بهذه السنة الإلهية، وحولوا هوى قلوبهم عن ذلك التمتع ~~المادي الذي ليس إلا بغية حيوانية وغرضا ماديا إلى هذا التمتع المعنوي الذي ~~لا تزاحم فيه ولا حرمان عنده، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء، وخلصت ~~نفوسهم من الشح والرين، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وأفلحوا حق الفلاح قال: ~~"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا:" آل عمران: - 103 وقال: "ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون:" الحشر: - 9. PageV09P066 # قوله تعالى: "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" تطييب لنفس ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قال تعالى قبله: "فإن حسبك الله هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" فالمراد - والله أعلم - يكفيك الله بنصره وبمن ~~اتبعك من المؤمنين، وليس المراد أن هناك سببين كافيين أو سببا كافيا ذا ~~جزئين يتألف منهما سبب واحد كاف فالتوحيد القرآني يأبى ذلك. # وربما قيل: إن المعنى حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين بعطف قوله: ~~"من اتبعك" على موضع الكاف من "حسبك". # والكلام على أي حال مسوق للتحريض على القتال على ما يفيده السياق ~~والقرائن الخارجة فإن تأثير المؤمنين في كفايتهم له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إنما هو في القتال على ما يسبق إلى الذهن. # وذكر بعضهم: أن الآية نزلت بالبيداء قبل غزوة بدر، وعلى هذا لا اتصال لها ~~بما بعدها، وأما اتصالها بما قبلها فغير مقطوع به. # قوله تعالى: "يا ms3291 أيها النبي حرض المؤمنين على القتال" إلى آخر الآية. # التحريض والتحضيض والترغيب والحض والحث بمعنى والفقه أبلغ وأغزر من ~~الفهم، وقوله: "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" أي من الذين كفروا ~~كما قيد به الألف بعدا، وكذلك قوله: "وإن يكن منكم مائة" أي مائة صابرة كما ~~قيد بها "عشرون" قبلا. # وقوله: "بأنهم قوم لا يفقهون" الباء للسببية أو الإله والجملة تعليلية ~~متعلقة بقوله: "يغلبوا" أي عشرون صابرون منكم يغلبون مائتين من الذين ~~كفروا، ومائة صابرة منكم يغلبون ألفا من الذين كفروا كل ذلك بسبب أن الكفار ~~قوم لا يفقهون. # وفقدان الفقه في الكفار وبالمقابلة ثبوته في المؤمنين هو الذي أوجب أن ~~يعدل الواحد من العشرين من المؤمنين أكثر من العشرة من المائتين من الذين ~~كفروا حتى يغلب العشرون من هؤلاء المائتين من أولئك على ما بني عليه الحكم ~~في الآية فإن المؤمنين إنما يقدمون فيما يقدمون عن إيمان بالله وهو القوة ~~التي لا يعادله ولا يقاومه أي قوة أخرى لابتنائه على الفقه الصحيح الذي ~~يوصفهم بكل سجية نفسانية فاضلة كالشجاعة والشهامة والجرأة والاستقامة ~~والوقار والطمأنينة والثقة بالله واليقين بأنه على إحدى الحسنيين إن قتل ~~ففي الجنة وإن قتل ففي الجنة وإن الموت بالمعنى الذي يراه الكفار وهو ~~الفناء لا مصداق له. # وأما الكفار فإنما اتكاؤهم على هوى النفس، واعتمادهم على ظاهر ما يسوله ~~لهم الشيطان، والنفوس المعتمدة على أهوائها لا تتفق للغاية وإن اتفقت ~~أحيانا فإنما تدوم عليه ما لم يلح لائح الموت الذي تراه فناء، وما أندر ما ~~تثبت النفس على هواها حتى حال ما تهدد بالموت وهي على استقامة من الفكر بل ~~تميل بأدنى ريح مخالف، وخاصة في المخاوف العامة والمهاول الشاملة كما أثبته ~~التاريخ من انهزام المشركين يوم بدر وهم ألف بقتل سبعين منهم، ونسبة ~~السبعين إلى الألف قريبة من نسبة الواحد إلى أربعة عشر فكان انهزامهم في ~~معنى انهزام الأربعة عشر مقاتلا من مقاتل واحد، وليس ذلك إلا لفقه المؤمنين ~~الذي يستصحب العلم والإيمان، وجهل ms3292 الكفار الذي يلازمه الكفر والهوى. # قوله تعالى: "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن" إلخ أي إن ~~يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من الذين كفروا وإن يكن منكم ألف صابر ~~يغلبوا ألفين من الذين كفروا على وزان ما مر في الآية السابقة. # وقوله: "وعلم أن فيكم ضعفا" المراد به الضعف في الصفات الروحية ولا محالة ~~ينتهي إلى الإيمان فإن الإيقان بالحق هو الذي ينبعث عنه جميع السجايا ~~الحسنة الموجبة للفتح والظفر كالشجاعة والصبر والرأي المصيب وأما الضعف من ~~حيث العدة والقوة فمن الضروري أن المؤمنين لم يزالوا يزيدون عدة وقوة في ~~زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقوله: "بإذن الله" تقييد لقوله: "يغلبوا" أي إن الله لا يشاء خلافه ~~والحال أنكم مؤمنون صابرون، وبذلك يظهر أن قوله: "والله مع الصابرين" يفيد ~~فائدة التعليل بالنسبة إلى الإذن. PageV09P067 # وقوله تعالى في الآية السابقة تعليلا للحكم: "بأنهم قوم لا يفقهون" وكذا في ~~هذه الآية: "وعلم أن فيكم ضعفا" "والله مع الصابرين" وعدم الفقه والضعف ~~الروحي والصبر من العلل والأسباب الخارجية المؤثرة في الغلبة والظفر والفوز ~~بلا شك يدل على أن الحكم في الآيتين مبني على ما اعتبر من الأوصاف الروحية ~~في الفئتين: المؤمنين والكفار، وإن القوى الداخلة الروحية التي اعتبرت في ~~الآية الأولى ما في المؤمن الواحد منها غالبة على القوى الداخلة الروحية في ~~عشر من الكفار عادت بعد زمان يسير يشير إليه بقوله: "الآن خفف الله عنكم" ~~لا يربو ما في المؤمن الواحد منها - من متوسطي المؤمنين - إلا على اثنين من ~~الكفار فقد فقدت القوة من أثرها بنسبة الثمانين في المائة، وتبدلت العشرون ~~والمائتان في الآية الأولى إلى المائة والمائتين في الآية الثانية، والمائة ~~والألف في الأولى إلى الألف والألفين في الثانية. # والبحث الدقيق في العوامل المولدة للسجايا النفسانية بحسب الأحوال ~~الطارئة على الإنسان في المجتمعات يهدي إلى ذلك فإن المجتمعات المنزلية ~~والأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيوية دنيوية أو دينية في أول ~~تكونها ونشأتها ms3293 تحس بالموانع المضادة والمحن الهادمة لبنيانها من كل جانب ~~فتتنبه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، ويستيقظ ما نامت ~~من نفسانياتها للتحذر من المكاره والتفدية في طريق مطلوبها بالمال والنفس. # ولا تزال تجاهد وتفدي ليلها ونهارها، وتتقوى وتتقدم حتى تمهد لنفسها حياة ~~فيها بعض الاستقلال، ويصفو لها الجو بعض الصفاء ويكثر جمعها ويضرب بجرانها ~~الأرض أخذت بالاستفادة من فوائد جهدها والتنعم بنعمة الراحة، والتوسع في ~~متسع الأمن، وشرعت القوى الروحية الباسطة الباعثة للعمل في الخمود. # على أن المجتمع وإن قلت أفراده لا يخلو من اختلاف في الإيمان، والسجايا ~~الروحية الجميلة من قوي فيها وضعيف، وكلما كثرت الأفراد ازداد ضعفاء ~~الإيمان والذين في قلوبهم مرض والمنافقون فتنزلت القوى الروحية في الفرد ~~المتوسط وارتفعت كفة الميزان عما كانت عليه من الثقل. # والجماعات الدينية والأحزاب الدنيوية في ذلك على السواء والسنة الطبيعية ~~الجارية في النظام الإنساني تجري على الجميع على نسق واحد، وقد أثبتت ~~التجربة القطعية أن المجتمعات المؤتلفة لغرض هام كلما قلت أفرادها وقويت ~~رقباؤها ومزاحموها، وأحاطت بها المحن والفتن كانت أكثر نشاطا للعمل وأحد في ~~الأثر وكلما كثرت أفرادها وقلت مزاحماتها والموانع الحائلة بينها وبين ~~مقاصدها ومطالبها كانت أكثر خمودا وأقل تيقظا وأسفه حلما. # والتدبر الكافي في مغازي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينور ذلك فهذه ~~غزوة بدر غلب فيها المسلمون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا على ما بهم من ~~رثاثة الحال وقلة العدة وفقد السلاح والقوة كفار قريش وهم يعدلون ثلاثة ~~أمثال المسلمين أو يزيدون على ما لهم من العزة والشوكة والقوة ثم ما جرى ~~على المسلمين في غزوة أحد ثم في غزوة الخندق ثم في غزوة خيبر ثم في غزوة ~~حنين وهي أعجبها وقد ذكرها الله سبحانه بما لا يبقى لباحث ريبا في ذلك إذ ~~قال: "ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت ثم وليتم مدبرين" إلى آخر الآيات. # فالآية تدل أولا على أن الإسلام كان كلما زاد في ms3294 زمن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عزة وشوكة ظاهرا زادت نقصا وخمودا في قوى المسلمين الروحية ~~العامة ودرجة إيمانهم وسجاياهم الجميلة النفسانية المعنوية باطنا حتى ~~استقرت بعد غزوة بدر - بقليل أو كثير - على خمس ما كانت عليه قبلها كما ~~يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى في الآيات التالية: "ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز ~~حكيم لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم" الآيات. PageV09P068 # وثانيا: أن الظاهر أن الآيتين نزلتا دفعة واحدة فإنهما وإن كانتا تخبران عن ~~حال المؤمنين في زمانين مختلفين كما يشير إليه قوله في الآية الثانية: ~~"الآن خفف الله عنكم" لكن الآيتين تقيسان كما مر طبع قوى المؤمنين الروحية ~~في زمانين مختلفين، وسياق الثانية بالنظر إلى هذا القياس بحيث لا يستقل عن ~~الأولى، ووجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب أن ينزل الآية المتضمنة ~~لأحدهما في زمان غير زمان نزول الأخرى المتضمنة للآخر. # نعم لو كانت الآيتان مقصورتين في بيان الحكم التكليفي فحسب كان الظاهر ~~نزول الثانية بعد زمان نزلت فيه الأولى. # وثالثا: أن ظاهر قوله تعالى: "الآن خفف الله عنكم" كما قيل كون الآيتين ~~مسوقتين لبيان الحكم التكليفي لأن التخفيف لا يكون إلا بعد التكليف فاللفظ ~~لفظ الخبر والمراد به الأمر ومحصل المراد في الآية الأولى: ليثبت الواحد ~~منكم للعشرة من الكفار وفي الآية الثانية: الآن خفف الله في أمره فليثبت ~~الواحد منكم للاثنين من الكفار. # واختصاص التخفيف بباب التكاليف - كما قيل - وإن أمكنت المناقشة فيه لكن ~~ظهور الآيتين في وجود حكمين مختلفين مترتبين بحسب الزمان أحدهما أخف من ~~الآخر لا ينبغي الارتياب فيه. # ورابعا: أن ظاهر التعليل في الآية الأولى بالفقه، وفي الآية الثانية ~~بالصبر مع تقييد المقاتل من المؤمنين في الآيتين جميعا بالصبر يدل على أن ~~الصبر يرجح الواحد في قوة الروح على مثليه، والفقه يرجحه فيها على خمسة ~~أمثاله فإذا اجتمعا في واحد يرجح على عشرة ms3295 أمثال نفسه، والصبر لا يفارق ~~الفقه وإن جاز العكس. # وخامسا: أن الصبر واجب في القتال على أي حال. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البيضاوي، ": في قوله تعالى الذين عاهدت منهم - ثم ينقضون عهدهم ~~في كل مرة" هم يهود بني قريظة عاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن لا يمالئوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم ~~فنكثوا ومالئوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم. # أقول: وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وروي عن سعيد بن جبير أن الآية نزلت ~~في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت. # وإيضاح ما تشير إليه الآية من نقض اليهود ميثاق النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) مرة بعد مرة وما قاساه من المحن من ناحيتهم يحتاج إلى سير ~~إجمالي فيما جرى بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهم من الأمر بعد هجرته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة إلى سبع سنين من الهجرة. # وقد كانت طوائف من اليهود هاجرت من بلادها إلى الحجاز وتوطنوا بها وبنوا ~~فيها الحصون والقلاع، وزادت نفوسهم وكثرت أموالهم وعظم أمرهم وقد مرت في ~~ذيل قوله تعالى: "ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين:" البقرة: - 89 في الجزء الأول من الكتاب روايات في بدء مهاجرتهم ~~إلى الحجاز وكيفية نزولهم حول المدينة وبشارتهم الناس بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # ولما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ودعاهم إلى ~~الإسلام استنكفوا عن الإيمان به فصالح يهود المدينة وعاهدهم بكتاب كتب بينه ~~وبينهم وهم ثلاثة رهط حول المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة ~~أما بنو قينقاع فنكثوا العهد في غزوة بدر فسار إليهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة بعد بضعة وعشرين يوما ~~من وقعة بدر فتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار، وبقوا ms3296 على ذلك خمسة عشر يوما. # ثم نزلوا على حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفوسهم وأموالهم ~~ونسائهم وذراريهم فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن أبي بن سلول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم وألح عليه وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأمرهم ~~أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام ومعهم ~~نساؤهم وذراريهم، وقبض منهم أموالهم غنيمة الحرب، وكانوا ستمائة مقاتل من ~~أشجع اليهود. PageV09P069 # وأما بنو النضير فإنهم كادوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ خرج إليهم ~~في نفر من أصحابه بعد أشهر من غزوة بدر، وكلمهم أن يعينوه في دية نفر أو ~~رجلين من الكلابيين قتلهم عمرو بن أمية الضمري فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ~~اجلس هنا حتى نقضي حاجتك، وخلا بعضهم ببعض فتأمروا بقتله واختاروا من بينهم ~~عمرو بن جحاش أن يأخذ حجر رحى فيصعد فيلقه على رأسه ويشدخه به وحذرهم سلام ~~بن مشكم وقال لهم: لا تفعلوا ذلك فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض ~~العهد الذي بيننا وبينه. # فجاءه الوحي وأخبره ربه بما هموا به فقام (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~مجلسه مسرعا وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه واستفسروه عن قيامه وتوجهه ~~فأخبرهم بما همت به بنو النضير، وبعث إليهم من المدينة أن اخرجوا من ~~المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم فمن وجدته بعد ذلك بها، منكم ضربت ~~عنقه فأقاموا أياما يتجهزون للخروج. # وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي أن لا تخرجوا من دياركم فإن معي ~~ألفين يدخلون معكم حصنكم ويموتون دونكم، وينصركم بنو قريظة وحلفاؤكم من ~~غطفان، وأرضاهم بذلك. # فبعث رئيسهم حيي بن أخطب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنا ~~لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وكبر أصحابه، وأمر عليا (عليه السلام) بحمل الراية والسير إليهم ~~فساروا وأحاطوا بديارهم، وغدر بهم عبد الله بن أبي، ولم ينصرهم بنو قريظة ~~ولا حلفاؤهم من غطفان. # وقد ms3297 كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقطع نخيلهم وإحراقها ~~فجزعوا من ذلك وقالوا: يا محمد لا تقطع فإن كان لك فخذه، وإن كان لنا ~~فاتركه لنا. # ثم قالوا له بعد أيام: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا أموالنا قال: لا ~~ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل فلم يقبلوا ذلك وبقوا أياما على ذلك ثم ~~رضوا وسألوه ذلك قال: لا ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا، ومن وجدنا ~~معه شيئا من ذلك قتلناه فخرجوا فوقع قوم منهم إلى فدك ووادي القرى، وقوم ~~إلى أرض الشام، وكان مالهم فيئا لله ورسوله من غير أن ينال شيئا من ذلك جيش ~~الإسلام، وقصتهم مذكورة في سورة الحشر، ومن كيد بني النضير للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) تخريب الأحزاب من قريش وغطفان وغيرهم عليه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وأما بنو قريظة فقد كانوا على الصلح والسلم حتى وقعت غزوة الخندق وقد كان ~~حيي بن أخطب رئيس بني النضير ركب إلى مكة وحث قريشا على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وحزب الأحزاب، وفي ذلك ركب إلى بني قريظة وجاءهم في ديارهم ~~فلم يزل يوسوس إليهم ويعزهم ويلح عليهم ويكلم رئيسهم كعب بن أسد في ذلك ~~ونقض العهد ومناجزة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أرضاهم بذلك ~~واشترطوا عليه أن يدخل في حصنهم فيصيبه ما أصابهم فقبل ودخل. # فنقضوا العهد ومالوا إلى الأحزاب الذين حاصروا المدينة وأظهروا سب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحدثوا ثلمة أخرى. # فلما فرغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمر الأحزاب أتاه جبرئيل ~~بوحي من الله يأمره بالمسير إليهم فسار إليهم ويحمل رايته علي (عليه ~~السلام) ونازل حصون بني قريظة، وحصرهم خمسة وعشرين يوما. # فلما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يختاروا أحد ثلاث ~~خصال: إما أن يسلموا ويدخلوا في دين محمد، وإما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا ~~إليه بسيوفهم مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم، وإما ms3298 أن ~~يهجموا عليه ويكسبوه يوم السبت لأنهم - يعني المسلمين - قد أمنوا أن ~~يقاتلوهم فيه!. # فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن فبعثوا إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره في الأمر وكان ~~أبو لبابة مناصحا لهم لأن عياله وذريته وماله كانت عندهم. # فأرسله إليهم فلما رأوه قاموا إليه يبكون، وقالوا: له كيف ترى أن ننزل ~~على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنه الذبح، قال أبو لبابة: ~~فوالله ما زلت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، وأوحى الله إلى نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر أبي لبابة. PageV09P070 # فندم أبو لبابة ومضى على وجهه حتى أتى المسجد وربط نفسه على سارية من سواري ~~المسجد تائبا لله، وحلف ألا يحله إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ~~يموت، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: دعوه حتى يتوب الله ~~عليه، ثم إن الله تاب عليه وأنزل توبته وحله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # ثم إن بني قريظة نزلوا على حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانوا ~~موالي أوس فكلمته أوس في أمرهم مستشفعين وآل الأمر إلى تحكيم سعد بن معاذ ~~الأوسي في أمرهم ورضوا ورضي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأحضر سعد ~~وكان جريحا. # ولما كلم سعد رحمه الله في أمرهم قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله ~~لومة لائم ثم حكم فيهم بقتل الرجال وسبي النساء والذراري وأخذ الأموال ~~فأجري عليهم ما حكم به سعد فضربت أعناقهم عن آخرهم، وكانوا ستمائة مقاتل أو ~~سبعمائة، وقيل أكثر، ولم ينج منهم إلا نفر يسير آمنوا قبل تقتيلهم، وهرب ~~عمرو بن سعدى منهم ولم يكن داخلا معهم في نقض العهد، وسبيت النساء إلا ~~امرأة واحدة ضربت عنقها وهي التي طرحت على رأس خلاد بن السويد بن الصامت ~~رحى فقتلته. # ثم أجلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من كان بالمدينة من ms3299 اليهود ثم ~~سار (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يهود خيبر لما كان من كيدهم وسعيهم في ~~حث الأحزاب عليه وتأليفهم من جميع القبائل العربية لحربه فنازل حصونهم ~~وحصرهم أياما، وأرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قتالهم أبا بكر ~~في جمع يوما فانهزم، ثم عمر بن الخطاب في جمع يوما فانهزم. # وعند ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لأعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله ~~على يديه" ولما كان من غد أعطى الراية عليا (عليه السلام) وأرسله إلى قتال ~~القوم فتقدم إليهم وقتل مرحبا الفارس المعروف منهم، وهزمهم وقلع بيده باب ~~حصنهم وفتح الله على يده الحصن، وكان ذلك بعد صلح الحديبية في المحرم سنة ~~سبع من الهجرة. # ثم أجلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بقي من اليهود وقد نصح لهم ~~قبل ذلك أن يبيعوا أموالهم ويأخذوا أثمانها. # انتهى ما أردنا تلخيصه من قصة اليهود مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير العياشي، عن جابر: في قوله تعالى: "إن شر الدواب عند الله" ~~الآية نزلت في بني أمية هم شر خلق الله هم "الذين كفروا" في باطن القرآن، ~~وهم "الذين لا يؤمنون": أقول: وروى مثله القمي عن أبي حمزة عنه (عليه ~~السلام)، وهو من باطن القرآن كما صرح به في الرواية ليس بالظاهر. # وفي الكافي، بإسناده عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه عن عبد الله بن سنان ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا ~~اؤتمن خان، وإن حدث كذب، وإذا وعد أخلف إن الله عز وجل قال في كتابه: "إن ~~الله لا يحب الخائنين" وقال: "إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين" وفي ~~قوله عز وجل: "واذكر في الكتاب إسماعيل - إنه كان صادق الوعد وكان رسولا ~~نبيا" ms3300 وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ~~الآية قال: قال: السلاح. وفي التفسير العياشي، عن محمد بن عيسى عمن ذكره عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام): في الآية قال: سيف وترس. وفي الفقيه، عن ~~الصادق (عليه السلام) مرسلا: في الآية قال: منه الخضاب بالسواد. PageV09P071 # وفي الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): دخل قوم على ~~الحسين بن علي (عليهما السلام) فرأوه مختضبا بالسواد فسألوه عن ذلك فمد يده ~~إلى لحيته ثم قال: أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزاة غزاها ~~أن يختضبوا بالسواد ليقووا به على المشركين. وفي تفسير العياشي، عن جابر ~~الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة" قال: الرمي: أقول: ورواه في الكافي، بإسناده عن عبد الله ~~بن المغيرة رفعه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والزمخشري في ربيع ~~الأبرار، عن عقبة بن عامر عنه، والسيوطي في الدر المنثور، عن أحمد ومسلم ~~وأبي داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وأبي ~~يعقوب إسحاق بن إبراهيم والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة ~~والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الله يدخل بالسهم الواحد ~~ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير والذي يجهز به في سبيل ~~الله، والذي يرمي به في سبيل الله. وقال: ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من ~~أن تركبوا، وقال: كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثة: رميه عن ~~قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق، ومن علم الرمي ثم تركه ~~فهي نعمة كفرها. # أقول: وفي هذه المعاني روايات أخر، وخاصة في الخيل والرمي والروايات على ~~أي حال من باب عد المصاديق. # وفي الدر المنثور، أخرج سعد ms3301 والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن منده ~~والروياني في مسنده وابن مردويه وابن عساكر عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن ~~أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: في قوله: "وآخرين من ~~دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" قال: هم الجن، ولا تخبل الشيطان إنسانا في ~~داره فرس عتيق. # أقول: وفي معناها روايات أخر، ومحصل الروايات ربط قوله: "وآخرين من دونهم ~~لا تعلمونهم الله يعلمهم" بقوله: "ومن رباط الخيل" وهي من قبيل الجري وليس ~~من التفسير في شيء، والمراد من الآية بظاهرها العدو من الإنسان كالكفار ~~والمنافقين. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبزى: أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان يقرأ: وإن جنحوا للسلم. وفيه، أخرج أبو عبيد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها" قال: نسختها هذه الآية: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر - إلى قوله - صاغرون". # أقول: وروي نسخها بآية البراءة: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" والآية ~~لا تخلو عن إيماء إلى كون الحكم مؤجلا حيث قال: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~وتوكل على الله إنه هو السميع العليم". # وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" قلت: ما السلم؟ قال: الدخول في أمرنا، ~~وفي رواية أخرى: الدخول في أمرك. # أقول: وهو من الجري. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا ~~إله إلا أنا وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي وذلك قوله: "هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين:" أقول: ورواه الصدوق في المعاني، بإسناده عن ~~أبي هريرة، وأبو نعيم في حلية الأولياء، بإسناده عنه، وكذا ابن شهرآشوب ~~مسندا عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي تفسير البرهان، عن ~~شرف الدين النجفي قال: تأويله ms3302 ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء بطريقه عن ~~أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب، وهو المعني بقوله: ~~المؤمنين. # أقول: ولفظ الآية لا يساعد على ذلك اللهم إلا أن يكون المراد بالاتباع ~~تمام الاتباع الذي لا يشذ عنه شأن من الشئون، ومن للتبعيض دون البيان إن ~~ساعد عليه السياق. # وفي الدر المنثور، أخرج البزار عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال ~~المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله: "يا أيها النبي حسبك الله ~~- ومن اتبعك من المؤمنين". PageV09P072 # أقول: وروي هذا المعنى في روايات أخر، والاعتبار لا يساعد عليه فإن الزمان ~~الذي أسلم فيه لم يكن على نعت يصحح الخطاب بمثل قوله: "يا أيها النبي حسبك ~~الله ومن اتبعك من المؤمنين" واليوم يوم الفتنة والعسرة، وقد دام الحال على ~~ذلك بعدة سنين متمادية، وما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ ~~يحتاج إلى شيء يعينه العدة، وفي هذه الروايات أنه كان تمام الأربعين أو ~~رابع أربعين. # على أن الظاهر أن الآية مدنية من جملة آيات سورة الأنفال. # وفيه، أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن الزهري: في قوله: "يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" قال: نزلت في الأنصار. # أقول: وسياق الآية في عدم المساعدة عليه كالروايتين السابقتين اللهم إلا ~~أن يكون المراد نزولها يوم آمن به الأنصار أو يوم تابعوه، والظاهر أن الآية ~~نزلت في تطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بجميع من كان معه من ~~المؤمنين: مهاجريهم وأنصارهم، وهي توطئة وتمهيد لما في الآية التالية من ~~الأمر بتحريض المؤمنين على القتال. # وفي تفسير القمي، قال: قال:، كان الحكم في أول النبوة في أصحاب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن الرجل الواحد وجب عليه أن يقاتل عشرة من ~~الكفار فإن هرب منهم فهو الفار من الزحف، والمائة يقاتلون ألفا. ثم علم ~~الله أن فيهم ضعفا لا يقدرون على ذلك فأنزل الله: "الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن ms3303 فيكم ضعفا - فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين" ففرض عليهم أن ~~يقاتل أقل رجل من المؤمنين رجلين من الكفار فإن فر منهما فهو الفار من ~~الزحف فإن كانوا ثلاثة من الكفار وواحدا من المسلمين ففر المسلم منهم فليس ~~هو الفار من الزحف. # أقول: وفي تفسير العياشي، عن الحسين بن صالح عن الصادق عن علي (عليه ~~السلام) ما يقرب منه، وروي ما في معناها في الدر المنثور، بطرق عديدة عن ~~ابن عباس وغيره. # وفي الدر المنثور، أخرج الشيرازي في الألقاب وابن عدي والحاكم وصححه عن ~~ابن عمر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ: "الآن خفف الله عنكم ~~- وعلم أن فيكم ضعفا رفع. PageV09P073 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 67 - 71 # ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الاخرة والله عزيز حكيم (67) لو لا كتب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حللا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~(69) يأيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك ~~فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) ### |||| AUTO بيان # عتاب من الله سبحانه لأهل بدر حين أخذوا الأسرى من المشركين ثم اقترحوا ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يقتلهم ويأخذ منهم الفداء ~~ليصلح به حالهم ويتقووا بذلك على أعداء الدين، وقد شدد سبحانه في العتاب ~~إلا أنه أجابهم إلى مقترحهم وأباح لهم التصرف من الغنائم. # وهي تشتمل الفداء. # وفي آخر الآيات ما هو بمنزلة التطميع والوعد الجميل للأسرى إن أسلموا ~~والاستغناء عنهم إن أرادوا خيانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" إلى آخر ~~الآيات الثلاث، الأسر: الشد على المحارب بما يصير به في قبضة الآخذ له كما ~~قيل والأسير هو ms3304 المشدود عليه، وجمعه الأسرى والأسراء والأسارى والأسارى، ~~وقيل الأسارى جمع جمع وعلى هذا فالسبي أعم موردا من الأسر لصدقه على أخذ من ~~لا يحتاج إلى شد كالذراري. # والثخن بالكسر فالفتح الغلظ، ومنه قولهم: أثخنته الجراح وأثخنه المرض قال ~~الراغب في المفردات،: يقال: ثخن الشيء فهو ثخين إذا غلظ فلم يسل ولم يستمر ~~في ذهابه، ومنه استعير قولهم: أثخنته ضربا واستخفافا قال الله تعالى: "ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" "حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق" فالمراد بإثخان النبي في الأرض استقرار دينه بين الناس كأنه شيء ~~غليظ انجمد فثبت، بعد ما كان رقيقا سائلا مخشي الزوال بالسيلان. # والعرض ما يطرأ على الشيء ويسرع فيه الزوال، ولذلك سمي به متاع الدنيا ~~لدثوره وزواله عما قليل، والحلال وصف من الحل مقابل العقد والحرمة كأن ~~الشيء الحلال كان معقودا عليه محروما منه فحل بعد ذلك وقد مر معنى الطيب ~~وهو الملاءمة للطبع. # وقد اختلف المفسرون في تفسير الآيات بعد اتفاقهم على أنها إنما نزلت بعد ~~وقعة بدر تعاتب أهل بدر وتبيح لهم الغنائم. # والسبب في اختلاف ما ورد في سبب نزولها ومعاني جملها من الأخبار ~~المختلفة، ولو صحت الروايات لكان التأمل فيها قاضيا بتوسع عجيب في نقل ~~الحديث بالمعنى حتى ربما اختلفت الروايات كالأخبار المتعارضة. # فاختلفت التفاسير بحسب اختلافها فمن ظاهر في أن العتاب والتهديد متوجه ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعا، أو إلى النبي ~~والمؤمنين ما عدا عمر، أو ما عدا عمر وسعد بن معاذ، أو إلى المؤمنين دون ~~النبي أو إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعد ما استشارهم. # ومن قال: إن العتاب إنما هو على أخذهم الفداء، أو على استحلالهم الغنيمة ~~قبل الإباحة من جانب الله، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشاركهم في ~~ذلك لما أنه بدا باستشارتهم مع أن القوم إنما أخذوا الفداء بعد نزول الآيات ~~لا قبله حتى يعاتبوا عليه، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من أن ms3305 ~~يجوز في حقه استحلال شيء قبل أن يأذن الله له فيه ويوحي بذلك إليه، وحاشا ~~ساحة الحق سبحانه أن يهدد نبيه بعذاب عظيم ليس من شأنه أن ينزل عليه من غير ~~جرم أجرمه وقد عصمه من المعاصي، والعذاب العظيم ليس ينزل إلا على جرم عظيم ~~لا كما قيل: إن المراد به الصغائر. PageV09P074 # فالذي ينبغي أن يقال: إن قوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض" إن السنة الجارية في الأنبياء الماضين (عليهم السلام) أنهم ~~كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم ~~فيكفوا عن محادة الله ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يثخنوا في الأرض، ~~ويستقر دينهم بين الناس فلا مانع بعد ذلك من الأسر ثم المن أو الفداء كما ~~قال تعالى فيما يوحي إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما علا أمر ~~الإسلام واستقر في الحجاز واليمن: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى ~~إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء:" سورة محمد: - 4. # والعتاب على ما يهدي إليه سياق الكلام في الآية الأولى إنما هو على أخذهم ~~الأسرى كما يشهد به أيضا قوله في الآية الثانية: "لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم" أي في أخذكم وإنما كانوا أخذوا عند نزول الآيات الأسرى دون الفداء ~~وليس العتاب على استباحة الفداء أو أخذه كما احتمل. # بل يشهد قوله في الآية التالية: "فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله ~~إن الله غفور رحيم" - حيث افتتحت بفاء التفريع التي تفرع معناها على ما ~~تقدمها -: على أن المراد بالغنيمة ما يعم الفداء، وأنهم اقترحوا على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يقتل الأسرى ويأخذ منهم الفداء كما سألوه ~~عن الأنفال أو سألوه أن يعطيهموها كما في آية صدر السورة وكيف يتصور أن ~~يسألوه الأنفال، ولا يسألوه أن يأخذ الفداء وقد كان الفداء المأخوذ - على ~~ما في الروايات - يقرب من مائتين وثمانين ألف درهم؟. # فقد كانوا سألوا النبي (صلى الله عليه ms3306 وآله وسلم) أن يعطيهم الغنائم، ~~ويأخذ لهم منهم الفداء فعاتبهم الله من رأس على أخذهم الأسرى ثم أباح لهم ~~ما أخذوا الأسرى لأجله وهو الفداء لا لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~شاركهم في استباحة الفداء واستشارهم في الفداء والقتل حتى يشاركهم في ~~العتاب المتوجه إليهم. # ومن الدليل من لفظ الآية على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ~~يشاركهم في العتاب إن العتاب في الآية متعلق بأخذ الأسرى وليس فيها ما يشعر ~~بأنه استشارهم فيه أو رضي بذلك ولم يرد في شيء من الآثار أنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وصاهم بأخذ الأسرى ولا قال قولا يشعر بالرضا بذلك بل كان ~~ذلك مما أقدمت عليه عامة المهاجرين والأنصار على قاعدتهم في الحروب: إذا ~~ظفروا بعدوهم أخذوا الأسرى للاسترقاق أو الفداء فقد ورد في الآثار أنهم ~~بالغوا في الأسر وكان الرجل يقي أسيره أن يناله الناس بسوء إلا علي (عليه ~~السلام) فقد أكثر من قتل الرجال ولم يأخذ أسيرا. # فمعنى الآيات: "ما كان لنبي" ولم يعهد في سنة الله في أنبيائه "أن يكون ~~له أسرى" ويحق له أن يأخذهم ويستدر على ذلك شيئا "حتى يثخن" ويغلظ "في ~~الأرض" ويستقر دينه بين الناس "تريدون" أنتم معاشر أهل بدر - وخطاب الجميع ~~بهذا العموم المشتمل على عتاب الجميع لكون أكثرهم متلبسين باقتراح الفداء ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - "عرض الدنيا" ومتاعها السريع الزوال ~~"والله يريد الآخرة" بتشريع الدين والأمر بقتال الكفار، ثم في هذه السنة ~~التي أخبر بها في كلامه "والله عزيز" لا يغلب "حكيم" لا يلغو في أحكامه ~~المتقنة. # "لو لا كتاب من الله سبق" يقتضي أن لا يعذبكم ولا يهلككم، وإنما أبهم لأن ~~الإبهام أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن، ولا يتعين ~~له فيهون عنده أمره "لمسكم فيما أخذتم" أي في أخذكم الأسرى فإن الفداء ~~والغنيمة لم يؤخذا قبل نزول الآيات وإخبارهم بحليتها وطيبها "عذاب عظيم" ~~وهو كما تقدم يدل على عظم المعصية ms3307 لأن العذاب العظيم إنما يستحق بالمعصية ~~العظيمة "فكلوا مما غنمتم" وتصرفوا فيما أحرزتم من الفائدة سواء كان مما ~~تسلطتم عليه من أموال المشركين أو مما أخذتم منهم من الفداء "حلالا طيبا" ~~أي حالكونه حلالا طيبا بإباحة الله سبحانه "واتقوا الله إن الله غفور رحيم" ~~وهو تعليل لقوله: "فكلوا مما غنمتم" إلخ أي غفرنا لكم ورحمناكم فكلوا مما ~~غنمتم أو تعليل لجميع ما تقدم أي لم يعذبكم الله بل أباحه لكم لأنه غفور رحيم. PageV09P075 # قوله تعالى: "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى" إلى آخر الآية كون ~~الأسرى بأيديهم استعارة لتسلطهم عليهم تمام التسلط كالشيء يكون في يد ~~الإنسان يقلبه كيف يشاء. # وقوله: "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا" كناية عن الإيمان أو اتباع الحق ~~الذي يلازمه الإيمان فإنه تعالى يعدهم في آخر الآية بالمغفرة، ولا مغفرة مع ~~شرك قال تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء:" ~~النساء - 48. # ومعنى الآية: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى الذين تسلطتم ~~عليهم وأخذت منهم الفداء: أن ثبت في قلوبكم الإيمان وعلم الله منكم ذلك - ~~ولا يعلم إلا ما ثبت وتحقق - يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفداء ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم. # قوله تعالى: "وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم" إلخ ~~أمكنه منه أي أقدره عليه وإنما قال أولا: "خيانتك" ثم قال: "خانوا الله" ~~لأنهم أرادوا بالفدية أن يجمعوا الشمل ثانيا ويعودوا إلى محاربته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وأما خيانتهم لله من قبل فهي كفرهم وإصرارهم على أن ~~يطفئوا نور الله وكيدهم ومكرهم. # ومعنى الآية: إن آمنوا بالله وثبت الإيمان في قلوبهم آتاهم الله خيرا مما ~~أخذ منهم وغفر لهم، وإن أرادوا خيانتك والعود إلى ما كانوا عليه من العناد ~~والفساد فإنهم خانوا الله من قبل فأمكنك منهم وأقدرك عليهم وهو قادر على أن ~~يفعل بهم ذلك ثانيا، والله عليم بخيانتهم لو خانوا حكيم في إمكانك منهم. ms3308 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى" إلخ قال: كان ~~القتلى من المشركين يوم بدر سبعين قتل منهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~سبعة وعشرين، وكان الأسرى أيضا سبعين، ولم يؤسر أحد من أصحاب النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فجمعوا الأسارى، وقرنوهم في الحبال، وساقوهم على ~~أقدامهم، وقتل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تسعة رجال ~~منهم سعد بن خيثمة وكان من النقباء من الأوس. قال: وعن محمد بن إسحاق قال: ~~استشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا: أربعة من قريش، وسبعة من ~~الأنصار، وقيل: ثمانية، وقتل من المشركين بضعة وأربعون رجلا. PageV09P076 # قال: وعن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم ~~بدر والناس محبوسون بالوثاق بات ساهرا أول الليلة فقال له أصحابه: ما لك لا ~~تنام؟ فقال (عليه السلام): سمعت أنين عمي العباس في وثاقه، فأطلقوه فسكت ~~فنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: وروى عبيدة السلماني عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال لأصحابه يوم بدر في الأسارى: ~~إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم، وكانت الأسارى ~~سبعين فقالوا: بل نأخذ الفداء فنستمتع به ونتقوى به على عدونا، وليستشهد ~~منا بعدتهم قال عبيدة طلبوا الخيرتين كلتيهما فقتل منهم يوم أحد سبعون. وفي ~~كتاب علي بن إبراهيم،: لما قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النضر ~~بن الحارث وعقبة بن أبي معيط خافت الأنصار أن يقتل الأسارى فقالوا: يا رسول ~~الله قتلنا سبعين وهم قومك وأسرتك أتجد أصلهم فخذ يا رسول الله منهم ~~الفداء، وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش فلما طلبوا إليه ~~وسألوه نزلت الآية: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" الآيات فأطلق لهم ذلك. ~~وكان أكثر الفداء أربعة آلاف درهم وأقله ألف درهم فبعثت قريش بالفداء أولا ~~فأولا فبعثت زينب بنت رسول الله (صلى الله ms3309 عليه وآله وسلم) من فداء زوجها ~~أبي العاص بن الربيع، وبعثت قلائد لها كانت خديجة جهزتها بها، وكان أبو ~~العاص ابن أخت خديجة، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك ~~القلائد قال: رحم الله خديجة هذه قلائد هي جهزتها بها فأطلقه رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بشرط أن يبعث إليه زينب، ولا يمنعها من اللحوق ~~به فعاهده على ذلك ووفى له. قال: وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كره أخذ الفداء حتى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه فقال: يا رسول الله ~~هذا أول حرب لقينا فئة المشركين والإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء ~~الرجال، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب ~~أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان أضرب عنقه فإن هؤلاء ~~أئمة الكفر، وقال أبو بكر: أهلك وقومك استأن بهم واستبقهم وخذ منهم فدية ~~فيكون لنا قوة على الكفار قال ابن زيد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم أحد غير عمر وسعد بن معاذ. وقال ~~أبو جعفر الباقر (عليه السلام): كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين ~~بأربعين أوقية، والأوقية أربعون مثقالا إلا العباس فإن فداءه كان مائة ~~أوقية، وكان أخذ منه حين أسر عشرون أوقية ذهبا فقال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ذلك غنيمة ففاد نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا فقال: ليس معي ~~شيء. فقال: أين الذهب الذي سلمته إلى أم الفضل وقلت: إن حدث بي حدث فهو لك ~~وللفضل وعبد الله وقثم. فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: الله تعالى فقال: أشهد ~~أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد إلا الله تعالى. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق الفريقين تركنا إيرادها ~~إيثارا للاختصار. PageV09P077 # وفي قرب الإسناد، للحميري عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليه ~~السلام) قال: أوتي النبي (صلى الله عليه ms3310 وآله وسلم) بمال دراهم فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس: يا عباس ابسط رداء وخذ من هذا المال ~~طرفا فبسط رداء وأخذ منه طائفة ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): يا عباس هذا من الذي قال الله تبارك وتعالى: "يا أيها النبي قل لمن ~~في أيديكم من الأسرى - إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ ~~منكم" قال: نزلت في العباس ونوفل وعقيل وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبو البختري فأسروا فأرسل ~~عليا فقال: انظر من هاهنا من بني هاشم؟ قال: فمر على عقيل بن أبي طالب فحاد ~~عنه قال فقال له: يا بن أم علي أما والله لقد رأيت مكاني. قال: فرجع إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: هذا أبو الفضل في يد فلان، وهذا ~~عقيل في يد فلان، وهذا نوفل في يد فلان يعني نوفل بن الحارث فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهى إلى عقيل فقال: يا أبا يزيد قتل أبو ~~جهل! فقال: إذا لا تنازعوا في تهامة. قال: إن كنتم أثخنتم القوم وإلا ~~فاركبوا أكتافهم. قال: فجيء بالعباس فقيل له: أفد نفسك وأفد ابن +" ابني "+ ~~أخيك فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي فقال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) له: أعط مما خلفت عند أم الفضل وقلت لها إن أصابني شيء في وجهي ~~فأنفقيه على ولدك ونفسك. قال: يا ابن أخي من أخبرك بهذا؟ قال: أتاني به ~~جبرئيل. فقال: ومحلوفة ما علم بهذا إلا أنا وهي أشهد أنك رسول الله. قال: ~~فرجع الأسارى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل بن الحارث" وفيهم نزلت ~~هذه الآية: "قل لمن في أيديكم من الأسرى". الآية. # أقول: وروي في الدر المنثور، هذه المعاني بطرق مختلفة عن الصحابة وروي ~~نزول الآية في العباس وابني أخيه عن ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس، وروي ms3311 ~~مقدار الفدية التي فدي بها عن كل رجل من الأسارى، وقصة فدية العباس عنه وعن ~~ابني أخيه الطبرسي في مجمع البيان، عن الباقر (عليه السلام) كما في الحديث. PageV09P078 ### ||| AUTO 8 سورة الأنفال - 72 - 75 # إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين ~~ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~وليتهم من شىء حتى يهاجروا وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير (73) والذين ءامنوا ~~وهاجروا وجهدوا فى سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك ~~منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتب الله إن الله بكل شىء عليم (75) ### |||| AUTO بيان # الآيات تختم السورة، ويرجع معناها نوع رجوع إلى ما افتتحت به السورة ~~وفيها إيجاب الموالاة بين المؤمنين إلا إذا اختلفوا بالمهاجرة وعدمها وقطع ~~موالاة الكافرين. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا" إلى قوله: "أولياء بعض" ~~المراد بالذين آمنوا وهاجروا: الطائفة الأولى من المهاجرين قبل نزول السورة ~~بدليل ما سيذكر من المهاجرين في آخر الآيات، والمراد بالذين آووا ونصروا: ~~هم الأنصار الذين آووا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ~~المهاجرين ونصروا الله ورسوله، وكان ينحصر المسلمون يومئذ في هاتين ~~الطائفتين إلا قليل ممن آمن بمكة ولم يهاجر. # وقد جعل الله بينهم ولاية بقوله: "أولئك بعضهم أولياء بعض" والولاية أعم ~~من ولاية الميراث وولاية النصرة وولاية الأمن، فمن آمن منهم كافرا كان ~~نافذا عند الجميع فالبعض من الجميع ولي البعض من الجميع كالمهاجر هو ولي كل ~~مهاجر وأنصاري، والأنصاري ولي كل أنصاري ومهاجر، كل ذلك بدليل إطلاق ~~الولاية في الآية. # فلا شاهد على صرف الآية إلى ولاية الإرث بالمواخاة التي كان النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) جعلها في بدء الهجرة بين المهاجرين والأنصار وكانوا ~~يتوارثون ms3312 بها زمانا حتى نسخت. # قوله تعالى: "والذين آمنوا ولم يهاجروا" إلى آخر الآية، معناه واضح وقد ~~نفيت فيها الولاية بين المؤمنين المهاجرين والأنصار وبين المؤمنين غير ~~المهاجرين إلا ولاية النصرة إذا استنصروهم بشرط أن يكون الاستنصار على قوم ~~ليس بينهم وبين المؤمنين ميثاق. # قوله تعالى: "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض" أي إن ولايتهم بينهم لا ~~تتعداهم إلى المؤمنين فليس للمؤمنين أن يتولوهم، وذلك أن قوله هاهنا في ~~الكفار: "بعضهم أولياء بعض" كقوله في المؤمنين: "أولئك بعضهم أولياء بعض" ~~إنشاء وتشريع في صورة الإخبار، وجعل الولاية بين الكفار أنفسهم لا يحتمل ~~بحسب الاعتبار إلا ما ذكرناه من نفي تعديه عنهم إلى المؤمنين. # قوله تعالى: "إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" إشارة إلى مصلحة ~~جعل الولاية على النحو الذي جعلت، فإن الولاية مما لا غنى عنها في مجتمع من ~~المجتمعات البشرية سيما المجتمع الإسلامي الذي أسس على اتباع الحق وبسط ~~العدل الإلهي كما أن تولي الكفار وهم أعداء هذا المجتمع يوجب الاختلاط ~~بينهم فيسري فيه عقائدهم وأخلاقهم، وتفسد سيرة الإسلام المبنية على الحق ~~بسيرهم المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان، وقد صدق جريان الحوادث في ~~هذه الآونة ما أشارت إليه هذه الآية. # قوله تعالى: "والذين آمنوا وهاجروا" إلى آخر الآية إثبات لحق الإيمان على ~~من اتصف بآثاره اتصافا حقا، ووعد لهم بالمغفرة والرزق الكريم. # قوله تعالى: "والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم" ~~خطاب للمهاجرين الأولين والأنصار وإلحاق من آمن وهاجر وجاهد معهم بهم ~~فيشاركونهم في الولاية. # قوله تعالى: "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" إلى آخر الآية. # جعل للولاية بين أولي الأرحام والقرابات، وهي ولاية الإرث فإن سائر أقسام ~~الولاية لا ينحصر فيما بينهم. PageV09P079 # والآية تنسخ ولاية الإرث بالمواخاة التي أجراها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بين المسلمين في أول الهجرة، وتثبت الإرث بالقرابة سواء كان هناك ذو ~~سهم أو لم يكن أو كان عصبة أو لم يكن فالآية مطلقة كما هو ظاهر. ### |||| AUTO ms3313 بحث روائي # في المجمع، عن الباقر (عليه السلام): أنهم كانوا يتوارثون بالمواخاة. # أقول: ولا دلالة فيه على أن الآية نزلت في ولاية الإخوة. # في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الخال ~~والخالة يرثان إذا لم يكن معهما أحد إن الله يقول: "وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض - في كتاب الله":. أقول: ورواه العياشي عن أبي بصير عنه مرسلا. ~~وفي تفسير العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله: ~~"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" إن بعضهم أولى بالميراث من ~~بعض لأن أقربهم إليه أولى به. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام)، إنهم أولى ~~بالميت، وأقربهم إليه أمه وأخوه وأخته لأمه وأبيه أليس الأم أقرب إلى الميت ~~من إخوانه وأخواته؟ وفيه، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~لما اختلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعثمان بن عفان في الرجل يموت ~~وليس له عصبة يرثونه وله ذوو قرابة لا يرثونه: ليس له بينهم مفروض، فقال ~~علي (عليه السلام) ميراثه لذوي قرابته لأن الله تعالى يقول: وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" وقال عثمان أجعل ميراثه في بيت مال المسلمين ~~ولا يرثه أحد من قرابته. # أقول: والروايات في نفي القول بالعصبة والاستناد في ذلك إلى الآية كثيرة ~~من أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الطيالسي والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه وورث ~~بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله" فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب. وفي المعاني، بإسناده فيه رفع عن موسى ~~بن جعفر (عليه السلام): فيما جرى بينه وبين هارون وفيه: قال هارون: فلم ~~ادعيتم أنكم ورثتم رسول الله والعم يحجب ابن العم، وقبض رسول الله وقد توفي ~~أبو طالب قبله والعباس عمه حي إلى أن قال فقلت: إن النبي لم يورث من لم ms3314 ~~يهاجر ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر فقال: ما حجتك فيه؟ قلت: قول الله تبارك ~~وتعالى: "والذين آمنوا ولم يهاجروا - ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا" وإن عمي العباس لم يهاجر فقال: إني سائلك يا موسى هل أفتيت بذلك ~~أحدا من أعدائنا أم أخبرت أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشيء؟ فقلت: ~~اللهم لا وما سألني عنها إلا أمير المؤمنين: الحديث. أقول: ورواه المفيد في ~~الإختصاص،. PageV09P080 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 1 - 16 # براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين (1) فسيحوا فى الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزى الكفرين (2) وأذن من ~~الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من المشركين ورسوله ~~فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) ~~فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلم ~~الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون للمشركين عهد ~~عند الله وعند رسوله إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقموا لكم ~~فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا ~~فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فسقون (8) اشتروا ~~بئايت الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا ~~يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا وأقاموا ~~الصلوة وءاتوا الزكوة فإخونكم فى الدين ونفصل الايت لقوم يعلمون (11) وإن ~~نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمن ~~لهم لعلهم ينتهون (12) ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم وهموا بإخراج الرسول ~~وهم بدءوكم أول مرة ms3315 أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) ~~قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~(14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) أم ~~حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ~~ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) ### |||| AUTO بيان # الآيات مفتتح قبيل من الآيات سموها سورة التوبة أو سورة البراءة، وقد ~~اختلفوا في كونها سورة مستقلة أو جزء من سورة الأنفال، واختلاف المفسرين في ~~ذلك ينتهي إلى اختلاف الصحابة ثم التابعين فيه، وقد اختلف في ذلك الحديث عن ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير أن الأرجح بحسب الصناعة ما يدل من ~~حديثهم على أنها ملحقة بسورة الأنفال. # والبحث عن معاني آياتها وما اشتملت عليه من المضامين لا يهدي إلى غرض ~~واحد متعين على حد سائر السور المشتملة على أغراض مشخصة تؤمها أوائلها ~~وتنعطف إليها أواخرها، فأولها آيات تؤذن بالبراءة وفيها آيات القتال مع ~~المشركين، والقتال مع أهل الكتاب، وشطر عظيم منها يتكلم في أمر المنافقين، ~~وآيات في الاستنهاض على القتال وما يتعرض لحال المخلفين، وآيات ولاية ~~الكفار، وآيات الزكاة وغير ذلك، ومعظمها ما يرجع إلى قتال الكفار وما يرجع ~~إلى المنافقين. # وعلى أي حال لا يترتب من جهة التفسير على هذا البحث فائدة مهمة وإن أمكن ~~ذلك من جهة البحث الفقهي الخارج عن غرضنا. PageV09P081 # قوله تعالى: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" قال ~~الراغب: أصل البرء والبراء والتبري -: التفصي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: ~~برأت من المرض وبرئت من فلان وتبرأت، وأبرأته من كذا وبرأته، ورجل بريء ~~وقوم براء وبريئون قال تعالى: براءة من الله ورسوله. # انتهى. # والآية بالنسبة إلى الآيات التالية كالعنوان المصدر به الكلام المشير إلى ~~خلاصة القول على نهج سائر السور المفصلة التي تشير الآية والآيتان من أولها ~~على إجمال الغرض المسرود لأجل بيانه آياتها. # والخطاب في الآية للمؤمنين أو للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولهم ms3316 على ~~ما يدل عليه قوله: "عاهدتم" وقد أخذ الله تعالى ومنه الخطاب ورسوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو الواسطة، والمشركون وهم الذين أريدت البراءة ~~منهم، ووجه الخطاب ليبلغ إليهم جميعا في الغيبة، وهذه الطريقة في الأحكام ~~والفرامين المراد إيصالها إلى الناس نوع تعظيم لصاحب الحكم والأمر. # والآية تتضمن إنشاء الحكم والقضاء بالبراءة من هؤلاء المشركين وليس ~~بتشريع محض بدليل تشريكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في البراءة فإن ~~دأب القرآن أن ينسب الحكم التشريعي المحض إلى الله سبحانه وحده، وقد قال ~~تعالى: "ولا يشرك في حكمه أحدا:" الكهف: - 26 ولا ينسب إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلا الحكم بالمعنى الذي في الولاية والسياسة وقطع الخصومة. # فالمراد بالآية القضاء برفع الأمان عن الذين عاهدوهم من المشركين وليس ~~رفعا جزافيا وإبطالا للعهد من غير سبب يبيح ذلك فإن الله تعالى سيذكر بعد ~~عدة آيات أنهم لا وثوق بعهدهم الذي عاهدوه وقد فسق أكثرهم ولم يراعوا حرمة ~~العهد ونقضوا ميثاقهم، وقد أباح تعالى عند ذلك إبطال العهد بالمقابلة نقضا ~~بنقض حيث قال: "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا ~~يحب الخائنين:" الأنفال: - 58 فأباح إبطال العهد عند مخافة الخيانة ولم يرض ~~مع ذلك إلا بإبلاغ النقض إليهم لئلا يؤخذوا على الغفلة فيكون ذلك من ~~الخيانة المحظورة. # ولو كان إبطالا لعهدهم من غير سبب مبيح لذلك من قبل المشركين لم يفرق بين ~~من دام على عهده منهم وبين من لم يدم عليه، وقد قال تعالى مستثنيا: "إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين". # ولم يرض تعالى بنقض عهد هؤلاء المعاهدين الناقضين لعهدهم دون أن ضرب لهم ~~أجلا ليفكروا في أمرهم ويرتئوا رأيهم ولا يكونوا مأخوذين بالمباغتة ~~والمفاجأة. # فمحصل الآية الحكم ببطلان العهد ورفع الأمان عن جماعة من المشركين كانوا ~~قد عاهدوا المسلمين ثم نقضه أكثرهم ولم يبق إلى من بقي ms3317 منهم وثوق تطمئن به ~~النفس إلى عهدهم وتعتمد على يمينهم وتأمن شرهم وأنواع مكرهم. # قوله تعالى: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله ~~وأن الله مخزي الكافرين" السياحة هي السير في الأرض والجري ولذلك يقال ~~للماء الدائم الجرية في ساحة: السائح. # وأمرهم بالسياحة أربعة أشهر كناية عن جعلهم في مأمن في هذه البرهة من ~~الزمان وتركهم بحيث لا يتعرض لهم بشر حتى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم من ~~البقاء أو الفناء مع ما في قوله: "واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله ~~مخزي الكافرين" من إعلامهم أن الأصلح بحالهم رفض الشرك، والإقبال إلى دين ~~التوحيد، وموعظتهم أن لا يهلكوا أنفسهم بالاستكبار والتعرض للخزي الإلهي. # وقد وجه في الآية الخطاب إليهم بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب لما في ~~توجيه الخطاب القاطع والإرادة الجازمة إلى الخصم من الدلالة على بسط ~~الاستيلاء والظهور عليه واستذلاله واستحقار ما عنده من قوة وشدة. # وقد اختلفت أقوال المفسرين في المراد بقوله: "أربعة أشهر" والذي يدل عليه ~~السياق ويؤيده اعتبار إصدار الحكم وضرب الأجل ليكونوا في فسحة لاختيار ما ~~وجدوه من الحياة أو الموت أنفع بحالهم: أن تبتدأ الأربعة الأشهر من يوم ~~الحج الأكبر الذي يذكره الله تعالى في الآية التالية فإن يوم الحج الأكبر ~~هو يوم الإبلاغ والإيذان والأنسب بضرب الأجل الذي فيه نوع من التوسعة ~~للمحكوم عليهم وإتمام الحجة، أن تبتدأ من حين الإعلام والإيذان. PageV09P082 # وقد اتفقت كلمة أهل النقل أن الآيات نزلت سنة تسع من الهجرة فإذا فرض أن ~~يوم الحج الأكبر هو يوم النحر العاشر من ذي الحجة كانت الأربعة الأشهر هي ~~عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرة أيام من ربيع الآخر. # وعند قوم أن الأربعة الأشهر تبتدأ من يوم العشرين من ذي القعدة وهو يوم ~~الحج الأكبر عندهم فالأربعة الأشهر هي عشرة أيام من ذي القعدة وذو الحجة ~~والمحرم وصفر وعشرون من ربيع الأول، وسيأتي ما فيه. # وذكر آخرون: أن الآيات نزلت أول شوال سنة تسع ms3318 من الهجرة فتكون الأربعة ~~الأشهر هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فتنقضي بانقضاء الأشهر الحرم، ~~وقد حدأهم إلى ذلك القول بأن المراد بقوله تعالى فيما سيأتي: "فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا" الأشهر الحرم المعروفة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~فيوافي انسلاخ الأشهر الحرم انقضاء الأربعة الأشهر، وهذا قول بعيد عن ~~الصواب لا يساعد عليه السياق وقرينة المقام كما عرفت. # قوله تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله" الأذان هو الإعلام، وليست الآية تكرارا لقوله ~~تعالى السابق "براءة من الله ورسوله" فإن الجملتين وإن رجعتا إلى معنى واحد ~~وهو البراءة من المشركين إلا أن الآية الأولى إعلام البراءة وإبلاغه إلى ~~المشركين بدليل قوله في ذيل الآية: "إلى الذين عاهدتم من المشركين" بخلاف ~~الآية الثانية فإن وجه الخطاب فيه إلى الناس ليعلموا براءة الله ورسوله من ~~المشركين، ويستعدوا ويتهيئوا لإنفاذ أمر الله فيهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم ~~بدليل قوله: "إلى الناس وقوله تفريعا: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم" إلى آخر الآية. # وقد اختلفوا في تعيين المراد بيوم الحج الأكبر على أقوال: منها: أنه يوم ~~النحر من سنة التسع من الهجرة لأنه كان يوما اجتمع فيه المسلمون والمشركون ~~ولم يحج بعد ذلك العام مشرك، وهو المؤيد بالأحاديث المروية عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) والأنسب بأذان البراءة، والاعتبار يساعد عليه لأنه ~~كان أكبر يوم اجتمع فيه المسلمون والمشركون من أهل الحج عامة بمنى وقد ورد ~~من طرق أهل السنة روايات في هذا المعنى غير أن مدلول جلها أن الحج الأكبر ~~اسم يوم النحر فيتكرر على هذا كل سنة ولم يثبت من طريق النقل تسمية على هذا النحو. # ومنها: أنه يوم عرفة لأن فيه الوقوف، والحج الأصغر هو الذي ليس فيه وقوف ~~وهو العمرة، وهو استحسان لا دليل عليه، ولا سبيل إلى تشخيص صحته. # ومنها: أنه اليوم الثاني ليوم النحر لأن الإمام يخطب فيه وسقم هذا الوجه ظاهر. # ومنها: أنه جميع ms3319 أيام الحج كما يقال: يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم بغاث، ~~ويراد به الحين والزمان، وهذا القول لا يقابل سائر الأقوال كل المقابلة ~~فإنه إنما يبين أن المراد باليوم جميع أيام الحج، وأما وجه تسمية هذا الحج ~~بالحج الأكبر فيمكن أن يوجه ببعض ما في الأقوال السابقة كما في القول الأول. # وكيف كان فالاعتبار لا يساعد على هذا القول لأن وجود يوم بين أيام الحج ~~يجتمع فيه عامة أهل الحج يتمكن فيه من أذان براءة كل التمكن كيوم النحر ~~يصرف قوله: "يوم الحج الأكبر" إلى نفسه، ويمنع شموله لسائر أيام الحج التي ~~لا يجتمع فيها الناس ذاك الاجتماع. # ثم التفت سبحانه إلى المشركين ثانيا وذكرهم أنهم غير معجزين لله ليكونوا ~~على بصيرة من أمرهم كما ذكرهم بذلك في الآية السابقة بقوله: "واعلموا أنكم ~~غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين" غير أنه زاد عليه في هذه الآية ~~قوله: "فإن تبتم فهو خير لكم" ليكون تصريحا بما لوح إليه في الآية السابقة ~~فإن التذكير بأنهم غير معجزي الله إنما كان بمنزلة العظة وبذل النصح لهم ~~لئلا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة باختيار البقاء على الشرك والتولي عن ~~الدخول في دين التوحيد ففي الترديد تهديد ونصيحة وعظة. PageV09P083 # ثم التفت سبحانه إلى رسوله فخاطبه أن يبشر الذين كفروا بعذاب أليم فقال: ~~"وبشر الذين كفروا بعذاب أليم" والوجه في الالتفات الذي في قوله: "فإن تبتم ~~فهو خير لكم" إلخ ما تقدم في قوله: "فسيحوا في الأرض" إلخ، وفي الالتفات ~~الذي في قوله: "وبشر الذين كفروا" إلخ إنه رسالة لا تتم إلا من جهة مخاطبة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا" إلخ، استثناء من عموم البراءة من المشركين، والمستثنون ~~هم المشركون الذين لهم عهد لم ينقضوه لا مستقيما ولا غير مستقيم فمن الواجب ~~الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم إلى مدتهم. # وقد ظهر بذلك أن المراد من إضافة قوله: "ولم يظاهروا عليكم أحدا" إلى ms3320 ~~قوله: "لم ينقصوكم شيئا" استيفاء قسمي النقض وهما النقض المستقيم كقتلهم ~~بعض المسلمين، والنقض غير المستقيم نظير مظاهرتهم بعض أعداء المسلمين عليهم ~~كإمداد مشركي مكة بني بكر على خزاعة بالسلاح، وكانت بنو بكر في عهد قريش ~~وخزاعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحاربوا فأعانت قريش بني ~~بكر على خزاعة ونقضت بذلك عهد حديبية الذي عقدوه بينهم وبين النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وكان ذلك من أسباب فتح مكة سنة ثمان. # وقوله تعالى: "إن الله يحب المتقين" في مقام التعليل لوجوب الوفاء بالعهد ~~ما لم ينقضه المعاهد المشرك، وذلك يجعل احترام العهد وحفظ الميثاق أحد ~~مصاديق التقوى المطلق الذي لا يزال يأمر به القرآن وقد صرح به في نظائر هذا ~~المورد كقوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى:" المائدة: - 8 وقوله: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان واتقوا الله:" المائدة: - 2. # وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالمتقين الذين يتقون نقض العهد ~~من غير سبب، وذلك أن التقوى بمعنى الورع عن محارم الله عامة كالحقيقة ~~الثانية في القرآن فيحتاج إرادة خلافه إلى قرينة صارفة. # قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد" أصل الانسلاخ من سلخ الشاة وهو نزع ~~جلدها عنها، وانسلاخ الشهر نوع كناية عن خروجه، والحصر هو المنع من الخروج ~~عن محيط، والمرصد اسم مكان من الرصد بمعنى الاستعداد للرقوب. # قال الراغب: الرصد الاستعداد للترقب يقال: رصد له وترصد وأرصدته له، قال ~~عز وجل: "وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل"، وقوله عز وجل: "إن ربك ~~لبالمرصاد تنبيها أنه لا ملجأ ولا مهرب، والرصد يقال للراصد الواحد ~~والجماعة الراصدين وللمرصود واحدا كان أو جمعا، وقوله تعالى: "يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا" يحتمل كل ذلك، والمرصد موضع الرصد. # انتهى. # والمراد بالأشهر الحرم هي الأربعة الأشهر: ms3321 أشهر السياحة التي ذكرها الله ~~سبحانه في قوله: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" وجعلها أجلا مضروبا للمشركين ~~لا يتعرض فيها لحالهم وأما الأشهر الحرم المعروفة أعني ذا القعدة وذا الحجة ~~والمحرم فإنها لا تنطبق على أذان براءة الواقع في يوم النحر عاشر ذي الحجة ~~بوجه كما تقدمت الإشارة إليه. # وعلى هذا فاللام في الأشهر الحرم للعهد الذكري أي إذا انسلخ هذه الأشهر ~~التي ذكرناها وحرمناها للمشركين لا يتعرض لحالهم فيها فاقتلوا المشركين إلخ. # ويظهر بذلك أن لا وجه لحمل قوله: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم" على انسلاخ ~~ذي القعدة وذي الحجة والمحرم بأن يكون انسلاخ الأربعة الأشهر بانسلاخ ~~الأشهر الثلاثة منطبقا عليه أو يكون انسلاخ الأشهر الحرم مأخوذا على نحو ~~الإشارة إلى انقضاء الأربعة الأشهر وإن لم ينطبق الأشهر على الأشهر فإن ذلك ~~كله مما لا سبيل إليه بحسب السياق وإن كان لفظ الأشهر الحرم في نفسه ظاهرا ~~في شهور رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم. PageV09P084 # وقوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" محقق للبراءة منهم ورفع الاحترام ~~عن نفوسهم بإهدار الدماء فلا مانع من أي نازلة نزلت بهم، وفي قوله: "حيث ~~وجدتموهم" تعميم للحكم فلا مانع حاجب عن وجوب قتلهم حيثما وجدوا في حل أو ~~حرم بل ولو ظفر بهم في الشهر الحرام - بناء على تعميم "حيث" للزمان والمكان ~~كليهما - فيجب على المسلمين كائنين من كانوا إذا ظفروا بهم أن يقتلوهم، كان ~~ذلك في الحل أو الحرم في الشهر الحرام أو غيره. # وإنما أمر بقتلهم حيث وجدوا للتوسل بذلك إلى إيرادهم مورد الفناء ~~والانقراض، وتطييب الأرض منهم، وإنجاء الناس من مخالطتهم ومعاشرتهم بعد ما ~~سمح وأبيح لهم ذلك في قوله: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر". # ولازم ذلك أن يكون كل من قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" وقوله: ~~"وخذوهم" وقوله: "واحصروهم" وقوله: "واقعدوا لهم كل مرصد" بيانا لنوع من ~~الوسيلة إلى إفناء جمعهم وإنفاد عددهم، ليتفصى المجتمع من شرهم. # فإن ظفر بهم وأمكن قتلهم قتلوا، وإن لم يمكن ذلك قبض عليهم وأخذوا، وإن ms3322 ~~لم يمكن أخذهم حصروا وحبسوا في كهفهم ومنعوا من الخروج إلى الناس ومخالطتهم ~~وإن لم يعلم محلهم قعد لهم في كل مرصد ليظفر بهم فيقتلوا أو يؤخذوا. # ولعل هذا المعنى هو مراد من قال: إن المراد: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم أو خذوهم واحصروهم على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين، ~~وإن كان لا يخلو عن تكلف من جهة اعتبار الأخذ والحصر والقعود في كل مرصد ~~أمرا واحدا في قبال القتل، وكيف كان فالسياق إنما يلائم ما قدمناه من ~~المعنى. # وأما قول من قال: إن في قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم، ~~تقديما وتأخيرا، والتقدير: فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم فهو من ~~التصرف في معنى الآية من غير دليل مجوز، والآية وخاصة ذيلها يدفع ذلك سياقا. # ومعنى الآية: فإذا انسلخ الأشهر الحرم وانقضى الأربعة الأشهر التي ~~أمهلناهم بها بقولنا: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" فأفنوا المشركين بأي ~~وسيلة ممكنة رأيتموها أقرب وأوصل إلى إفناء جمعهم وإمحاء رسمهم من قتلهم ~~أينما وجدتموهم من حل أو حرم ومتى ما ظفرتم بهم في شهر حرام أو غيره ومن ~~أخذهم أو حصرهم أو القعود لهم في كل مرصد حتى يفنوا عن آخرهم. # قوله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن ~~الله غفور رحيم" اشتراط في معنى الغاية للحكم السابق، والمراد بالتوبة ~~معناها اللغوي وهو الرجوع أي إن رجعوا من الشرك إلى التوحيد بالإيمان ~~ونصبوا لذلك حجة من أعمالهم وهي الصلاة والزكاة والتزموا أحكام دينكم ~~الراجعة إلى الخالق جميعا فخلوا سبيلهم. # وتخلية السبيل كناية عن عدم التعرض لسالكيه وإن عادت مبتذلة بكثرة ~~التداول كان سبيلهم مسدودة مشغولة بتعرض المتعرضين فإذا خلي عنها كان ذلك ~~ملازما أو منطبقا على عدم التعرض لهم. # وقوله: "إن الله غفور رحيم" تعليل لقوله: "فخلوا سبيلهم" إما من جهة ~~الأمر الذي يدل عليه بصورته أو من جهة المأمور به الذي يدل عليه بمادته ~~أعني تخلية سبيلهم. # والمعنى على الأول: وإنما أمر الله بتخلية سبيلهم لأنه غفور رحيم يغفر ms3323 ~~لمن تاب إليه ويرحمه. # وعلى الثاني: خلوا سبيلهم لأن تخليتكم سبيلهم من المغفرة والرحمة، وهما ~~من صفات الله العليا فتتصفون بذلك بصفة ربكم وأظهر الوجهين هو الأول. # قوله تعالى: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله" إلى ~~آخر الآية، الآية تتضمن حكم الإجارة لمن استجار من المشركين لأن يسمع كلام ~~الله، وهي بما تشتمل عليه من الحكم وإن كانت معترضة أو كالمعترضة بين ما ~~يدل على البراءة ورفع الأمان عن المشركين إلا أنها بمنزلة دفع الدخل الواجب ~~الذي لا يجوز إهماله فإن أساس هذه الدعوة الحقة وما يصاحبها من الوعد ~~والوعيد والتبشير والإنذار، وما يترتب عليه من عقد العقود وإبرام العهود أو ~~النقض والبراءة وأحكام القتال كل ذلك إنما هو لصرف الناس عن سبيل الغي ~~والضلال إلى صراط الرشد والهدى، وإنجائهم من شقاء الشرك إلى سعادة التوحيد. PageV09P085 # ولازم ذلك الاعتناء التام بكل طريق يرجى فيه الوصول إلى هداية ضال والفوز ~~بإحياء حق وإن كان يسيرا قليلا فإن الحق حق وإن كان يسيرا، والمشرك غير ~~المعاهد وإن أبرأ الله منه الذمة وأهدر دمه ورفع الحرمة عن كل ما يعود إليه ~~من مال وعرض لكنه تعالى إنما فعل به ذلك ليحيي حق ويبطل باطل فإذا رجي منه ~~الخير منع ذلك من أي قصد سيىء يقصد به حتى يحصل اليأس من هدايته وإنجائه. # فإذا استجار المشرك لينظر فيما تندب إليه الدعوة الحقة ويتبعها إن اتضحت ~~له كان من الواجب إجارته حتى يسمع كلام الله ويرتفع عنه غشاوة الجهل وتتم ~~عليه الحجة فإذا تمادى بعد ذلك في ضلاله وأصر في استكباره صار ممن ارتفع ~~عنه الأمان وبرئت منه الذمة ووجب تطييب الأرض من قذارة وجوده بأية وسيلة ~~أمكنت وأي طريق كان أقرب وأسهل وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى: "وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم ~~لا يعلمون" الآية بما يكتنف به من الآيات. # فمعنى الآية: إن طلب منك بعض هؤلاء المشركين ms3324 الذين رفع عنهم الأمان أن ~~تأمنه في جوارك ليحضر عندك ويكلمك فيما تدعو إليه من الحق الذي يتضمنه كلام ~~الله فأجره حتى يسمع كلام الله ويرتفع عنه غشاوة الجهل ثم أبلغه مأمنه حتى ~~يملك منك أمنا تاما كاملا، وإنما شرع الله هذا الحكم وبذل لهم هذا الأمن ~~التام لأنهم قوم جاهلون ولا بأس على جاهل إذا رجي منه الخير بقبول الحق لو ~~وضح له. # وهذا غاية ما يمكن مراعاته من أصول الفضيلة وحفظ الكرامة ونشر الرحمة ~~والرأفة وشرافة الإنسانية اعتبره القرآن الكريم، وندب إليه الدين القويم. # وقد بان بما قدمناه أولا: أن الآية مخصصة لعموم قوله في الآية السابقة: ~~"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". # وثانيا: أن قوله: "حتى يسمع كلام الله" غاية للاستجارة والإجارة فيتغيا ~~به الحكم، فالاستئمان إنما كان لسمع كلام الله واستفسار ما عند الرسول من ~~مواد الرسالة فيتقدر الأمان الذي يعطاه المستجير المستأمن بقدره فإذا سمع ~~من كلام الله ما يتبين به الرشد من الغي ويتميز به الهدى من الضلال انتهت ~~مدة الاستجارة وحان أن يرد المستجير إلى مأمنه والمكان الخاص به الذي هو في ~~أمن فيه، لا يهدده فيه سيوف المسلمين ليرجع إلى حاله الذي فارقه، ويختار ~~لنفسه ما يشاء على حرية من المشية والإرادة. # وثالثا: أن المراد بكلام الله مطلق آيات القرآن الكريم، نعم يتقيد بما ~~ينفع المستجير من الآيات التي توضح له أصول المعارف الإلهية ومعالم الدين ~~والجواب عما يختلج في صدره من الشبهات كل ذلك بدلالة المقام والسياق. # وبذلك يظهر فساد ما قيل: إن المراد بكلام الله آيات التوحيد من القرآن، ~~وكذا ما قيل: إن المراد به سورة براءة أو خصوص ما بلغوه في الموسم من آيات ~~صدر السورة فإن ذلك كله تخصيص من غير مخصص. # ورابعا: أن المراد بسمع كلام الله الوقوف على أصول الدين ومعالمه وإن ~~أمكن أن يقال: إن لاستماع نفس كلام الله فيما إذا كان المستجير عربيا يفهم ~~الكلام الإلهي دخلا في ذلك أما إذا كان غير عربي ولا يفهم ms3325 الكلام العربي ~~فالمستفاد من السياق أن الغاية في حقه مجرد تفقه أصول الدين ومعالمه. # وخامسا: أن الآية محكمة غير منسوخة ولا قابلة له لأن من الضروري البين من ~~مذاق الدين، وظواهر الكتاب والسنة أن لا مؤاخذة قبل تمام الحجة، ولا تشديد ~~أي تشديد كان إلا بعد البيان فالجاهل السالك في سبيل الفحص أو المستعلم ~~للحق المستفهم للحقيقة لا يرد خائبا ولا يؤخذ غافلا فعلى الإسلام والمسلمين ~~أن يعطوا كل الأمان لمن استأمنهم ليستحضر معارف الدين ويستعلم أصول الدعوة ~~حتى يتبعها إن لاحت له فيها لوائح الصدق، وهذا أصل لا يقبل بطلانا ولا ~~تغييرا ما دام الإسلام إسلاما فالآية محكمة غير قابلة للنسخ إلى يوم ~~القيامة. # ومن هنا يظهر فساد قول من قال: إن قوله: "وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله" الآية منسوخة بالآية الآتية: "وقاتلوا المشركين ~~كافة كما يقاتلونكم كافة" الآية. PageV09P086 # وسادسا: أن الآية إنما توجب إجارة المستجير إذا استجار لأمر ديني يرجى فيه ~~خير الدين، وأما مطلق الاستجارة لا لغرض ديني ولا نفع عائد إليه فلا دلالة ~~لها عليه أصلا بل الآيات السابقة الآمرة بالتشديد عليهم في محلها. # وسابعا: أن قوله في تتميم الأمر بالإجارة: "ثم أبلغه مأمنه" مع تمام ~~قوله: "فأجره حتى يسمع" بدونه في الدلالة على المقصد يدل على كمال العناية ~~بفتح باب الهداية على وجوه الناس، والتحفظ على حرية الناس في حياتهم ~~وأعمالهم الحيوية، والإغماض في طريقه عن كل حكم حتمي وعزيمة قاطعة ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، ولا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. # وثامنا: أن الآية - كما قيل - تدل على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن ~~يكون عن علم يقيني لا يداخله شك ولا يمازجه ريب ولا يكفي فيه غيره ولو كان ~~الظن الراجح، وقد ذم الله تعالى اتباع الظن، وندب إلى اتباع العلم في آيات ~~كثيرة كقوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم:" إسراء: - 36 وقوله: "إن ~~يتبعون إلا الظن وإن ms3326 الظن لا يغني من الحق شيئا:" النجم: - 28 وقوله: "ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون:" الزخرف: - 20. # ولو كفى في أصل الدين الاعتقاد التقليدي لم يستقم الحكم بإجارة من استجار ~~لتفهم أصول الدين ومعارفه لجواز أن يكلف بالتقليد والكف عن البحث عن أنه حق ~~أو باطل هذا. # ولكن المقدار الواجب في ذلك أن يكون عن علم قطعي سواء كان حاصلا عن ~~الاستدلال بطرق فنية أو بغير ذلك من الوجوه المفيدة للعلم ولو على سبيل ~~الاتفاق، وهذا غير القول بأن الاستدلال على أصول المعارف لا يصح إلا من ~~طريق العقل فإن صحة الاستدلال أمر، وجواز الاعتماد على العلم بأي طريق حصل ~~أمر آخر. # قوله تعالى: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله" الآية، تبيين ~~وتوضيح لما مر إجمالا من الحكم بنقض عهد المشركين ممن لا وثوق بوفائه ~~بعهده، وقتلهم إلى أن يؤمنوا بالله ويخضعوا لدين التوحيد، واستثناء من لم ~~ينقض العهد وبقي على الميثاق حتى ينقضي مدة عهدهم. # فالآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات تبين ذلك وتوضح الحكم واستثناء ما ~~استثني منه والغاية والمغيا جميعا. # فقوله: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله" استفهام في مقام ~~الإنكار، وقد بادرت الآية إلى استثناء الذين عاهدوهم من المشركين عند ~~المسجد الحرام لكونهم لم ينقضوا عهدا ولم يساهلوا فيما واثقوا به بدليل ~~قوله تعالى: "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" وذلك أن الاستقامة لمن ~~استقام والسلم لمن يسالم من لوازم التقوى الديني، ولذلك علل قوله ذلك ~~بقوله: "إن الله يحب المتقين" كما جاء مثله بعينه في الآية السابقة: ~~"فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين". # قوله تعالى: "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة" إلى آخر ~~الآية، قال الراغب في المفردات:، الإل كل حالة ظاهرة من عهد حلف، وقرابة ~~تئل: تلمع فلا يمكن إنكاره، قال تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وآل ~~الفرس: أسرع، حقيقته لمع، وذلك استعارة في باب الإسراع نحو برق ms3327 وطار. # انتهى. # وقال أيضا: الذمام - بكسر الذال - ما يذم الرجل على إضاعته من عهد، وكذلك ~~الذمة والمذمة، وقيل: لي مذمة فلا تهتكها، وأذهب مذمتهم بشيء: أي أعطهم ~~شيئا لما لهم من الذمام. # انتهى. # وهو ظاهر في أن الذمة مأخوذة من الذم بالمعنى الذي يقابل المدح. # ولعل إلقاء المقابلة في الآية بين الإل والذمة للدلالة على أنهم لا ~~يحفظون في المؤمنين شيئا من المواثيق التي يجب رقوبها وحفظها سواء كانت ~~مبنية على أصول واقعية تكوينية كالقرابة التي توجب بوجه على القريب رعاية ~~حال قريبه، أو على الجعل والاصطلاح كالعهود والمواثيق المعقودة بحلف ونحوه. # وقد كررت لفظة "كيف" للتأكيد ولرفع الإبهام في البيان الناشىء من تخلل ~~قوله: "إلا الذين عاهدتم" الآية بطولها بين قوله: "كيف يكون للمشركين" ~~الآية وقوله: "وإن يظهروا عليكم" الآية. # فمعنى الآية: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله والحال أنهم إن ~~يظهروا عليكم ويغلبوكم على الأمر لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا ~~من العهود يرضونكم بالكلام المدلس والقول المزوق، ويأبى ذلك قلوبهم، ~~وأكثرهم فاسقون. PageV09P087 # ومن هنا ظهر أن قوله: "يرضونكم بأفواههم" من المجاز العقلي نسب فيه الإرضاء ~~إلى الأفواه وهو في الحقيقة منسوب إلى القول والكلام الخارج من الأفواه ~~المكون فيها. # وقوله: "يرضونكم" الآية تعليل لإنكار وجود العهد للمشركين ولذلك جيء به ~~بالفصل، والتقدير: كيف يكون لهم عهد وهم يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ~~وأكثرهم فاسقون. # وأما قوله: "وأكثرهم فاسقون" ففيه بيان أن أكثرهم ناقضون للعهد والميثاق ~~بالفعل من غير أن ينتظروا ظهورهم جميعا عليكم فالآية توضح حال آحادهم ~~وجميعهم بأن أكثرهم فاسقون بنقض العهد من غير أن يرقبوا في مؤمن إلا ولا ~~ذمة، ولو أنهم ظهروا عليكم جميعا لم يرقبوا فيكم الإل والذمة. # قوله تعالى: "اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا" إلى آخر الآيتين، بيان ~~وتفسير لقوله في الآية السابقة: "وأكثرهم فاسقون" وكان قوله: "اشتروا بآيات ~~الله ثمنا قليلا" إلى آخر الآية توطئة وتمهيد لقوله في الآية الثانية: "لا ~~يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة". # وبذلك ms3328 يظهر أن الأقرب أن المراد بالفسق الخروج عن العهد والذمة دون الفسق ~~بمعنى الخروج عن زي عبودية الله سبحانه وإن كان الأمر كذلك. # وقوله: "وأولئك هم المعتدون" كالتفسير لجميع ما مر من أحوالهم الروحية ~~وأعمالهم الجسمية، وتفيد الجملة مع ذلك جوابا عن سؤال مقدر أو ما يجري ~~مجراه والمعنى: إذا كان هذا حالهم وهذه أفعالهم فلا تحسبوا أن لو نقضتم ~~عهدهم اعتديتم عليهم فأولئك هم المعتدون عليكم لما أضمروه من العداوة ~~والبغضاء ولما أظهره أكثرهم في مقام العمل من الصد عن سبيل الله، وعدم ~~رعاية قرابة ولا عهد في المؤمنين. # قوله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة" إلى آخر الآيتين، الآيتان بيان ~~تفصيلي لقوله فيما تقدم: "فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم ~~غير معجزي الله". # والمراد بالتوبة بدلالة السياق الرجوع إلى الإيمان بالله وآياته، ولذلك ~~لم يقتصر على التوبة فقط بل عطف عليها إقامة الصلاة التي هي أظهر مظاهر ~~عبادة الله، وإيتاء الزكاة الذي هو أقوى أركان المجتمع الديني، وقد أشير ~~بهما إلى نوع الوظائف الدينية التي بإتيانها يتم الإيمان بآيات الله بعد ~~الإيمان بالله عز اسمه فهذا معنى قوله: "تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة". # وأما قوله: "فإخوانكم في الدين" فالمراد به بيان التساوي بينهم وبين سائر ~~المؤمنين في الحقوق التي يعتبرها الإسلام في المجتمع الإسلامي: لهم ما ~~للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. # وقد عبر في الآية عن ذلك بالأخوة في الدين، وقال في موضع آخر: "إنما ~~المؤمنون إخوة:" الحجرات: - 10 اعتبارا بما بينهم من التساوي في الحقوق ~~الدينية فإن الأخوين شقيقان اشتقا من مادة واحدة وهما لذلك متساويان في ~~الشئون الراجعة إلى ذلك في مجتمع المنزل عند والدهما الذي هو رب البيت، وفي ~~مجتمع القرابة عند الأقرباء والعشيرة. # وإذ كان لهذا المعنى المسمى بلسان الدين أخوة أحكام وآثار شرعية اعتنى ~~بها قانون الإسلام فهو اعتبار حقيقة لنوع من الأخوة بين أفراد المجتمع ~~الإسلامي لها آثار مترتبة كما أن الأخوة الطبيعية فيما اعتبرها الإسلام لها ~~آثار مترتبة عقلائية ms3329 ودينية وليست تسمية ذلك أخوة مجرد استعارة لفظية عن ~~عناية مجازية، وفيما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قوله: ~~"المؤمنون إخوة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد واحدة على من سواهم". # وقوله: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم" الآية يدل السياق أنهم غير المشركين الذين أمر ~~الله سبحانه في الآية السابقة بنقض عهدهم وذكر أنهم هم المعتدون لا يرقبون ~~في مؤمن إلا ولا ذمة فإنهم ناكثون للأيمان ناقضون للعهد، فلا يستقيم فيهم ~~الاشتراط الذي ذكره الله سبحانه بقوله: "وإن نكثوا أيمانهم" الآية. # فهؤلاء قوم آخرون لهم مع ولي الأمر من المسلمين عهود وأيمان ينكثون ~~أيمانهم من بعد عهدهم، أي ينقضون عهودهم من بعد عقدها فأمر الله سبحانه ~~بقتالهم وألغى أيمانهم وسماهم أئمة الكفر لأنهم السابقون في الكفر بآيات ~~الله يتبعهم غيرهم ممن يليهم، يقاتلون جميعا لعلهم ينتهون عن نكث الأيمان ~~ونقض العهود. PageV09P088 # قوله تعالى: "ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول" الآية ~~وما بعدها إلى تمام أربع آيات تحريض للمؤمنين وتهييج لهم على قتال المشركين ~~ببيان ما أجرموا به في جنب الله وخانوا به الحق والحقيقة، وعد خطاياهم ~~وطغياناتهم من نكث الأيمان والهم بإخراج الرسول والبدء بالقتال أول مرة. # ثم بتعريف المؤمنين أن لازم إيمانهم بالله الذي يملك كل خير وشر ونفع وضر ~~أن لا يخشوا إلا إياه إن كانوا مؤمنين به ففي ذلك تقوية لقلوبهم وتشجيعهم ~~عليهم، وينتهي إلى بيان أنهم ممتحنون من عند الله بإخلاص الإيمان له والقطع ~~من المشركين حتى يؤجروا بما يؤجر به المؤمن المتحقق في إيمانه. # قوله تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم" إلى آخر الآيتين. # أعاد الأمر بالقتال لأنه صار من جهة ما تقدم من التحريض والتحضيض أوقع في ~~القبول فإن الأمر الأول كان ابتدائيا غير مسبوق بتمهيد وتوطئة بخلاف الأمر ~~الثاني الوارد بعد اشتداد الاستعداد وكمال التهيؤ من المأمورين. # على أن ما اتبع به الأمر من قوله: "يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم" إلى ms3330 ~~قوله: "ويذهب غيظ قلوبهم" يؤكد الأمر ويغري المأمورين على امتثاله وإجرائه ~~على المشركين فإن تذكرهم إن قتل المشركين عذاب إلهي لهم بأيدي المؤمنين، ~~وإن المؤمنين أياد مجرية لله سبحانه وإن في ذلك خزيا للمشركين ونصرة من ~~الله للمؤمنين عليهم وشفاء لصدور قوم مؤمنين وإذهابا لغيظ قلوبهم، يجرئهم ~~للعمل وينشطهم ويصفي إرادتهم. # وقوله: "ويتوب الله على من يشاء" الآية بمنزلة الاستثناء لئلا يجري حكم ~~القتال على إطلاقه. # قوله تعالى: "أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم" إلى ~~آخر الآية بمنزلة تعليل آخر لوجوب قتالهم لينتج تحريضهم على القتال وفيه ~~بيان حقيقة الأمر، ومحصله أن الدار دار الامتحان والابتلاء فإن نفوس ~~الآدميين تقبل الخير والشر والسعادة والشقاوة فهي في أول كينونتها ساذجة ~~مبهمة، ومراتب القرب والزلفى إنما تبذل بإزاء الإيمان الخالص بالله وآياته، ~~ولا يظهر صفاء الإيمان إلا بالامتحان الذي يورد المؤمن مقام العمل، ليميز ~~الله بذلك الطيب من الخبيث، والصافي الإيمان ممن ليس عنده إلا مجرد الدعوى ~~أو المزعمة. # فمن الواجب أن يمتحن هؤلاء المدعون أنهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله بأن ~~لهم الجنة، ويبتلوا بمثل القتال الذي يميز به الصادق من الكاذب ويفصل الذي ~~قطع روابط المحبة والصلة من أعداء الله سبحانه ممن في قلبه بقايا من ~~ولايتهم ومودتهم حتى يحيا هؤلاء ويهلك أولئك. # فعلى المؤمنين أن يمتثلوا أمر القتال بل يتسارعوا إليه ويتسابقوا فيه ~~ليظهروا بذلك صفاء جوهرهم وحقيقة إيمانهم ويحتجوا به على ربهم يوم لا نجاح ~~فيه إلا بحجة الحق. # فقوله: "أم حسبتم أن تتركوا" أي بل أظننتم أن تتركوا على ما أنتم عليه من ~~الحال ولما تظهر حقيقة صدقكم في دعوى الإيمان بالله وبآياته. # وقوله: "ولما يعلم الله" الآية أي ولما يظهر في الخارج جهادكم وعدم ~~اتخاذكم من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فإن تحقق الأشياء علم ~~منه تعالى بها وقد مر نظير الكلام مع بسط ما في تفسير قوله تعالى: "أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم" الآية: ms3331 آل عمران: ~~- 142 في الجزء الرابع من الكتاب. # ومن الدليل على هذا الذي ذكرنا في معنى العلم قوله في ذيل الآية: "والله ~~خبير بما تعملون". # والوليجة على ما في مفردات الراغب، كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس ~~من أهله. PageV09P089 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "براءة من الله ورسوله": حدثني أبي عن ~~محمد بن الفضل عن ابن أبي عمير عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة. قال: وكان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة، ~~وكان سنة من العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف البيت في ثيابه لم يحل له ~~إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف فكان من وافى مكة ~~يستعير ثوبا ويطوف فيه ثم يرده، ومن لم يجده عارية ولا كرى ولم يكن له إلا ~~ثوب واحد طاف بالبيت عريانا. فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوبا ~~عارية أو كرى فلم تجده فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها ~~فقالت: كيف أتصدق وليس لي غيرها؟ فطافت بالبيت عريانة وأشرف لها الناس ~~فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها وقالت شعرا: اليوم يبدو بعضه ~~أو كله فما بدا منه فلا أحله فلما فرغت من الطواف خطبها جماعة فقالت: إن لي ~~زوجا. وكانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول سورة براءة ~~أن لا يقاتل إلا من قاتله ولا يحارب إلا من حاربه وأراده، وقد كان أنزل ~~عليه +" في "+ ذلك "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم - فما ~~جعل الله لكم عليهم سبيلا" فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ~~يقاتل أحدا قد تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة براءة وأمره بقتل ~~المشركين من اعتزله ومن لم ms3332 يعتزله إلا الذين قد عاهدهم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يوم فتح مكة إلى مدة: منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ~~فقال الله عز وجل: "براءة من الله ورسوله - إلى الذين عاهدتم من المشركين - ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" ثم يقتلون حيثما وجدوا بعد. هذه أشهر السياحة: ~~عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر. فلما ~~نزلت الآيات من سورة براءة دفعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ~~أبي بكر وأمره أن يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر فلما خرج ~~أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد ~~لا يؤدي عنك إلا رجل منك. فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في طلب أبي بكر فلحقه بالروحاء وأخذ منه الآيات ~~فرجع أبو بكر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، ~~أنزل الله في شيئا؟ فقال: لا إن الله أمرني أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل ~~مني. وفي تفسير العياشي، عن حرير عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن رسول ~~الله بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس فنزل جبرئيل فقال: ~~لا يبلغ عنك إلا علي فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وأمر ~~أن يركب ناقته العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأها على ~~الناس بمكة فقال أبو بكر: أسخط؟ فقال: لا إلا أنه أنزل عليه أنه لا يبلغ ~~إلا رجل منك. فلما قدم على مكة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج ~~الأكبر قام ثم قال: إني رسول رسول الله إليكم فقرأها عليهم: "براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين - فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" عشرين ~~من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من شهر ربيع الآخر، وقال: ~~لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ms3333 ولا مشرك بعد هذا العام، ومن كان له عهد ~~عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمدته إلى هذه الأربعة أشهر. # أقول: المراد تعيين المدة للعهود التي لا مدة لها بقرينة ما سيأتي من ~~الرواية، وأما العهود التي لها مدة فاعتبارها إلى مدتها مدلول لنفس الآيات ~~الكريمة. # وفي تفسيري العياشي، والمجمع، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: خطب علي (عليه السلام) بالناس واخترط سيفه وقال: لا يطوفن بالبيت ~~عريان، ولا يحجن بالبيت مشرك، ومن كانت له مدة فهو إلى مدته، ومن لم يكن له ~~مدة فمدته أربعة أشهر، وكان خطب يوم النحر، وكانت عشرون من ذي الحجة ~~والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر، وقال: يوم النحر يوم ~~الحج الأكبر. PageV09P090 # أقول: والروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المعاني فوق ~~حد الإحصاء. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت عشر آيات من براءة ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على ~~أهل مكة ثم دعاني فقال: لي أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه. ورجع ~~أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: لا ولكن جبرئيل ~~جاءني فقال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. وفيه، أخرج ابن مردويه عن سعد ~~بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا ~~بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة ثم بعث عليا رضي الله عنه على أثره ~~فأخذها منه فكأن أبا بكر وجد في نفسه فقال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): يا أبا بكر إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني. وفيه، أخرج ابن ~~مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله ms3334 ~~وسلم) أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم فأتى جبرئيل (عليه السلام) ~~فقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فبعث عليا رضي الله عنه على أثره ~~حتى لحقه بين مكة والمدينة فأخذها فقرأها على الناس في الموسم. وفيه، أخرج ~~ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة فلما أرسله بعث إلى ~~علي رضي الله عنه فقال: يا علي لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت، فحمله على ~~ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة. فأتى ~~أبو بكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد ~~أنزلت فيه شيء فلما أتاه قال: ما لي يا رسول الله؟ قال: خير أنت أخي وصاحبي ~~في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني إلا رجل مني. # أقول: وهناك روايات أخرى في معنى ما تقدم، وقد نقل في تفسير البرهان، عن ~~ابن شهرآشوب أنه رواه الطبرسي، والبلاذري، والترمذي، والواقدي، والشعبي، ~~والسدي، والثعلبي، والواحدي، والقرطبي، والقشيري، والسمعاني، وأحمد بن ~~حنبل، وابن بطة، ومحمد بن إسحاق، وأبو يعلى الموصلي، والأعمش، وسماك بن حرب ~~في كتبهم عن عروة بن الزبير، وأبي هريرة، وأنس، وأبي رافع، وزيد بن نفيع، ~~وابن عمر، وابن عباس، واللفظ له: أنه لما نزل: "براءة من الله ورسوله" إلى ~~تسع آيات أنفذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر إلى مكة لأدائها ~~فنزل جبرئيل وقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين: اركب ناقتي العضباء والحق أبا بكر وخذ ~~براءة من يده. قال: ولما رجع أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~جزع وقال: يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه فلما توجهت إليه ~~رددتني منه؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): الأمين هبط إلي ms3335 عن الله ~~تعالى: أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك وعلي مني ولا يؤدي عني إلا علي. # وفيما نقلناه من الروايات وما تركناه منها وهو أكثر وفيما سيجيء في هذا ~~الباب نكتتان أصليتان. # إحداهما: أن بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا ببراءة وعزله أبا ~~بكر إنما كان بأمر من ربه بنزول جبرئيل: "أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل ~~منك" ولم يقيد الحكم في شيء من الروايات ببراءة أو نقض العهد فلم يرد في ~~شيء منها: لا يؤدي براءة أو لا ينقض العهد إلا أنت أو رجل منك فلا دليل على ~~تقييده ببراءة على ما وقع في كثير من التفاسير ويؤيد الإطلاق ما سيأتي. # وثانيتهما: أن عليا (عليه السلام) كما كان ينادي ببراءة، كذلك كان ينادي ~~بحكم آخر وهو أن من كان له مدة فهو إلى مدته ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة ~~أشهر: وهذا أيضا مما يدل عليه آيات براءة. # وبحكم آخر وهو أنه لا يطوفن بالبيت عريان، وهو أيضا حكم إلهي مدلول عليه ~~بقوله تعالى: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد:" الأعراف: - 31 وقد ورد ~~في بعض الروايات ذكر الآية مع الحكم كما سيجيء. PageV09P091 # وحكم آخر أنه لا يطوف أو لا يحج البيت مشرك بعد هذا العام وهو مدلول قوله ~~تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا:" التوبة: - 28. # وهناك أمر خامس ذكر في بعض روايات الباب أنه (عليه السلام) كان ينادي به ~~وهو أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وهذا وإن لم يذكر في سائر الروايات، ~~والاعتبار لا يساعد على ذلك لنزول آيات كثيرة مكية ومدنية في ذلك وخفاء ~~الأمر في ذلك على المشركين إلى سنة تسع من الهجرة كالمحال عادة لكن ذلك ~~أيضا مدلول للآيات الكريمة، وعلى أي حال لم تكن رسالة علي (عليه السلام) ~~مقصورا على تأدية آيات براءة بل لها ولتبليغ ثلاثة أو أربعة أحكام قرآنية ~~أخرى، والجميع مشمول ms3336 لما أنزل به جبرئيل عن الله سبحانه على رسوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، إذ لا دليل على ~~تقييد الكلام على إطلاقه أصلا. # وفي الدر المنثور، أخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره أن ينادي بهؤلاء ~~الكلمات ثم أتبعه عليا رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها فانطلقا فحجا فقام ~~علي رضي الله عنه في أيام التشريق فنادى: أن الله بريء من المشركين ورسوله ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت ~~عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي رضي الله عنه ينادي بها. # أقول: والخبر قريب المضمون مما استفدناه من الروايات. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب ~~عن أبي هريرة: أن أبا بكر رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة في حجة أبي ~~بكر. قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا رضي ~~الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر رضي الله عنه على الموسم كما هو أو ~~قال: على هيئته -. # أقول: وقد ورد في عدة من طرق أهل السنة: أن النبي استعمل أبا بكر على ~~الحج عامه ذلك فكان هو أمير الحاج وعلي ينادي ببراءة وقد روت الشيعة أنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) استعمل للإمارة عليا كما أنه حمله تأدية آيات ~~براءة وقد ذكر ذلك الطبرسي في مجمع البيان ورواه العياشي عن زرارة عن أبي ~~جعفر (عليه السلام)، وربما تأيد ذلك بما ورد أن عليا كان يقضي في سفره ذلك ~~وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا له في ذلك، إذ من المعلوم أن مجرد ~~الرسالة بتأدية براءة لا تتضمن الحكم بالقضاء بين الناس، وأوفق ما يكون ذلك ~~في تلك الأيام ms3337 بالإمارة، والرواية ما سيأتي: في تفسير العياشي، عن الحسن عن ~~علي ع: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعثه ببراءة قال: يا نبي ~~الله إني لست بلسن ولا بخطيب قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يأبى الله ما ~~بي إلا أن أذهب بها أو تذهب أنت قال: فإن كان لا بد فسأذهب أنا قال: فانطلق ~~فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك ثم وضع يده على فمه فقال: انطلق واقرأها ~~على الناس، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): الناس سيتقاضون إليك فإذا أتاك ~~الخصمان فلا تقض لواحد حتى تسمع الآخر فإنه أجدر أن تعلم الحق. # أقول: وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة كما في الدر المنثور، عن أبي ~~الشيخ عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى اليمن ببراءة فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن وأسأل عن ~~القضاء ولا أدري ما أجيب؟ قال: ما بد من أن تذهب بها أو أذهب بها. قلت: إن ~~كان لا بد أنا أذهب، قال: انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك، ثم قال: ~~انطلق واقرأها على الناس. # إلا أن اشتمال الرواية على لفظ اليمن يسيء الظن بها إذ من البين من لفظ ~~آيات براءة أنها مقرة على أهل مكة يوم الحج الأكبر بمكة وأين ذلك من اليمن ~~وأهلها وكان لفظ الرواية كان: "إلى مكة" فوضع موضعه "إلى اليمن" تصحيحا لما ~~اشتملت عليه من حديث القضاء. PageV09P092 # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي ~~هريرة قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، بعث عليا بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون ~~والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عهد فهو إلى عهده، وإن الله ورسوله بريء من المشركين. # أقول: وهذا المعنى مروي عن أبي هريرة بعدة طرق بألفاظ مختلفة لا تخلو من ms3338 ~~شيء في متنها - على ما سيجيء - وأمتن الروايات متنا هذه التي أوردناها. # وفيه، أخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنت ~~مع علي حين بعثه رسول الله إلى أهل مكة ببراءة فكنا ننادي أنه لا يدخل ~~الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت ~~الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ولا يحج هذا البيت بعد ~~العام مشرك. # أقول: وفي متن الرواية اضطراب بين، أما أولا: فلاشتمالها على النداء بأنه ~~لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وقد سبق أنه نزلت في معناه آيات كثيرة مكية ومدنية ~~منذ سنين وقد سمعها الحضري والبدوي والمشرك والمؤمن فأي حاجة متصورة إلى ~~إبلاغها أهل الجمع. # وأما ثانيا: فلأن النداء الثاني أعني قوله: ومن كان بينه وبين رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلخ، لا ينطبق لا على مضامين الآيات ولا على ~~مضامين الروايات المتظافرة السابقة، على أنه قد جعل فيه البراءة بعد مضي ~~أربعة أشهر. # وأما ثالثا: فلما سنذكره ذيلا. # وفيه، أخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ~~عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين ~~بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان ثم أردف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ~~ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وفي تفسير ~~المنار، عن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث ~~أبا بكر إلى أن قال فقام علي أيام التشريق فنادى: ذمة الله وذمة رسوله ~~بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ~~ولا يطوفن بالبيت عريان ms3339 ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن فكان علي ينادي بها ~~فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها. وفيه، أيضا عن أحمد والنسائي من طريق ~~محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلى مكة ببراءة فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس ~~مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك فكنت أنادي حتى صحل صوتي. # أقول: قد عرفت أن الذي وقع في الروايات على كثرتها في قصة بعث علي وعزل ~~أبي بكر من كلمة الوحي الذي نزل به جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) هو قوله: "لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" وكذا ما ذكره النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حين أجاب أبا بكر لما سأله عن سبب عزله، إنما هو متن ~~ما أوحى إليه الله سبحانه، أو قوله - وهو في معناه -: "لا يؤدي عني إلا أنا ~~أو رجل مني". # وكيفما كان فهو كلام مطلق يشمل تأدية براءة وكل حكم إلهي احتاج النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يؤديه عنه مؤد غيره، ولا دليل لا من متون ~~الروايات ولا غيرها يدل على اختصاص ذلك ببراءة، وقد اتضح أن المنع عن طواف ~~البيت عريانا والمنع عن حج المشركين بعد ذلك العام وكذا تأجيل من له عهد ~~إلى مدة أو من غير مدة كل ذلك أحكام إلهية نزل بها القرآن فما معنى إرجاع ~~أمرها إلى أبي بكر أو نداء أبي هريرة بها وحده أو ندائه ببراءة وسائر ~~الأحكام المذكورة في الجمع إذا بح علي (عليه السلام) حتى يصحل صوته من كثرة ~~النداء؟ ولو جاز لأبي هريرة أن يقوم بها والحال هذه فلم لم يجز لأبي بكر ذلك؟. PageV09P093 # نعم أبدع بعض المفسرين كابن كثير وأترابه هنا وجها وجهوا به ما تتضمنه هذه ~~الروايات انتصارا لها وهو ms3340 أن قوله: "لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني" مخصوص ~~بتأدية براءة فقط من غير أن يشمل سائر الأحكام التي كان ينادي بها علي ~~(عليه السلام)، وأن تعيينه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بتبليغ آيات ~~براءة أهل الجمع إنما هو لما كان من عادة العرب أن لا ينقض العهد إلا عاقده ~~أو رجل من أهل بيته ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ براءة وفيها نقض ما للمشركين من عهد - من أبي ~~بكر ويسلمها إلى علي ليستحفظ بذلك السنة العربية فيؤديها عنه بعض أهل بيته. # قالوا: وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما سأله أبو بكر ~~قائلا: يا رسول الله هل نزل في شيء؟ قال: "لا ولكن لا يؤدي عني إلا أنا أو ~~رجل مني" ومعناه أني إنما عزلتك ونصبت عليا لذلك لئلا أنقض هذه السنة ~~العربية الجارية. # ولذلك لم ينفصل أبو بكر من شأنه فقد كان قلده إمارة الحاج وكان لأبي بكر ~~مؤذنون يؤذنون بهذه الأحكام كأبي هريرة وغيره من الرجال الذين لم يذكر ~~أسماؤهم في الروايات، وكان على أحد من عنده لهذا الشأن، ولذا ورد في بعضها: ~~أنه خطب بمنى ولما فرغ من خطبته التفت إلى علي وقال: قم يا علي وأد رسالة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وهذا ما ذكروه ووجهوا به الروايات. # والباحث الناقد إذا راجع هذه الآيات والروايات ثم تأمل ما جرت من ~~المشاجرات الكلامية بين الفريقين: أهل السنة والشيعة في باب الأفضلية لم ~~يرتب في أنهم خلطوا بين البحث التفسيري الذي شأنه تحصيل مداليل الآيات ~~القرآنية، والبحث الروائي الذي شأنه نقد معاني الأحاديث وتمييز غثها من ~~سمينها، وبين البحث الكلامي الناظر في أن أبا بكر أفضل من علي أو عليا أفضل ~~من أبي بكر؟ وفي أن إمارة الحاج أفضل أو الرسالة في تبليغ آيات براءة؟ ولمن ~~كان إمارة الحج إذ ذاك لأبي بكر أو لعلي؟ أما البحث الكلامي فلسنا نشتغل ms3341 به ~~في هذا المقام فهو خارج عن غرضنا، وأما البحث الروائي أو التفسيري فيما ~~يرتبط به الآيات إلى أسباب نزولها مما يتعلق بمعاني الآيات فالذي ينبغي أن ~~يقال بالنظر إليه أنهم أخطئوا في هذا التوجيه. # فليت شعري من أين تسلموا أن هذه الجملة التي نزل بها جبرئيل: "أنه لا ~~يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" مقيدة بنقض العهد لا يدل على أزيد من ذلك، ~~ولا دليل عليه من نقل أو عقل فالجملة ظاهرة أتم ظهور في أن ما كان على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤديه لا يجوز أن يؤديه إلا هو أو رجل ~~منه سواه، كان نقض عهد من جانب الله كما في مورد براءة أو حكما آخر إلهيا ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤديه ويبلغه. # وهذا غير ما كان من أقسام الرسالة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما ليس ~~عليه أن يؤديه بنفسه الشريفة كالكتب التي أرسل بها إلى الملوك والأمم ~~والأقوام في الدعوة إلى الإسلام وكذا سائر الرسالات التي كان يبعث بها ~~رجالا من المؤمنين إلى الناس في أمور يرجع إلى دينهم والإمارات والولايات ~~ونحو ذلك. # ففرق جلي بين هذه الأمور وبين براءة ونظائرها فإن ما تتضمنه آيات براءة ~~وأمثال النهي عن الطواف عريانا، والنهي عن حج المشركين بعد العام أحكام ~~إلهية ابتدائية لم تبلغ بعد ولم تؤد إلى من يجب أن تبلغه، وهم المشركون ~~بمكة والحجاج منهم، ولا رسالة من الله في ذلك إلا لرسوله، وأما سائر ~~الموارد التي كان يكتفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعث الرسل ~~للتبليغ فقد كانت مما فرغ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها من أصل التبليغ ~~والتأدية، بتبليغه من وسعه تبليغه ممن حضر كالدعوة إلى الإسلام وسائر شرائع ~~الدين وكان يقول: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم إذا مست الحاجة إلى تبليغه ~~بعض من لا وثوق عادة ببلوغ الحكم إليه أو لا أثر لمجرد البلوغ إلا أن يعتني ~~لشأنه بكتاب أو ms3342 رسول أو توسل عند ذلك إلى رسالة أو كتاب كما في دعوة ~~الملوك. PageV09P094 # وليتأمل الباحث المنصف قوله "لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" فقد قيل: "لا ~~يؤدي عنك إلا أنت" ولم يقل: "لا يؤدي إلا أنت أو رجل منك" حتى يفيد اشتراك ~~الرسالة، ولم يقل: "لا يؤدي منك إلا رجل منك" حتى يشمل سائر الرسالات التي ~~كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقلدها كل من كان من صالحي المؤمنين فإنما ~~مفاد قوله: "لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" أن الأمور الرسالية التي يجب ~~عليك نفسك أن تقوم بها لا يقوم بها غيرك عوضا منك إلا رجل منك أي لا يخلفك ~~فيما عليك كالتأدية الابتدائية إلا رجل منك. # ثم ليت شعري ما الذي دعاهم إلى أن أهملوا كلمة الوحي التي هي قول الله ~~نزل به جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يؤدي عنك إلا أنت ~~أو رجل منك" وذكروا مكانها أنه "كانت السنة الجارية عند العرب أن لا ينقض ~~العهد إلا عاقده أو رجل من أهل بيته" تلك السنة العربية التي لا خبر عنها ~~في أيامهم ومغازيهم ولا أثر إلا ما ذكره ابن كثير ونسبه إلى العلماء عند ~~البحث عن آيات براءة!. # ثم لو كانت سنة عربية جاهلية على هذا النعت فما وزنها في الإسلام وما هي ~~قيمتها عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان ينسخ كل يوم سنة ~~جاهلية وينقض كل حين عادة قومية، ولم تكن من جملة الأخلاق الكريمة أو السنن ~~والعادات النافعة بل سليقة قبائلية تشبه سلائق الأشراف وقد قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يوم فتح مكة عند الكعبة على ما رواه أصحاب السير: "إلا كل ~~مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية ~~الحاج". # ثم لو كانت سنة عربية غير مذمومة فهل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ذهل عنها ونسيها حين أسلم الآيات إلى أبي بكر وأرسله، وخرج ms3343 هو إلى ~~مكة حتى إذا كان في بعض الطريق ذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نسيه أو ~~ذكره بعض من عنده بما أهمله وذهل عنه من أمر كان من الواجب مراعاته؟ وهو ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) المثل الأعلى في مكارم الأخلاق واعتبار ما يجب ~~أن يعتبر من الحزم وحسن التدبير، وكيف جاز لهؤلاء المذكرين أن يغفلوا عن ~~ذلك وليس من الأمور التي يغفل عنها وتخفى عادة فإنما الذهول عنه كغفلة ~~المقاتل عن سلاحه؟. # وهل كان ذلك بوحي من الله إليه أنه يجب له أن لا يلغي هذه السنة العربية ~~الكريمة، وأن ذلك أحد الأحكام الشرعية في الباب وأنه يحرم على ولي أمر ~~المسلمين أن ينقض عهدا إلا بنفسه أو بيد أحد من أهل بيته؟ وما معنى هذا ~~الحكم؟. # أو أنه حكم أخلاقي اضطر إلى اعتباره لما أن المشركين ما كانوا يقبلون هذا ~~النقض إلا بأن يسمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه أو من أحد ~~من أهل بيته؟ وقد كانت السيطرة يومئذ له (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، ~~والزمام بيده دونهم، والإبلاغ إبلاغ. # أو أن المؤمنين المخاطبين بقوله: "عاهدتم" وقوله: "وأذان من الله ورسوله ~~إلى الناس" وقوله: "فاقتلوا المشركين" ما كانوا يعتبرون هذا النقض نقضا دون ~~أن يسمعوه منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من واحد من أهل بيته وإن علموا ~~بالنقض إذا سمعوا الآيات من أبي بكر؟. # ولو كان كذلك فكيف قبله واعتبره نقضا من سمعه من أبي هريرة الذي كان ~~ينادي به حتى صحل صوته؟ وهل كان أبو هريرة أقرب إلى علي وأمس به من أبي بكر ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فالحق أن هذه الروايات الحاكية ~~لنداء أبي هريرة وغيره غير سديدة لا ينبغي الركون إليها. # قال صاحب المنار في تفسيره: جملة الروايات تدل على أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) جعل أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع وأمره أن يبلغ ~~المشركين الذين يحضرون الحج أنهم ms3344 يمنعون منه بعد ذلك العام ثم أردفه بعلي ~~ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في ~~أمرهم، وإن العهود الموقتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمنة ~~لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة. # وهي أربعون أو ثلاث وثلاثون آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين ~~ثلاثين وأربعين فتعبير بالأعشار مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان. PageV09P095 # وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته ~~القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان ~~يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته. # انتهى. # وقال أيضا: إن بعض الشيعة يكبرون هذه المزية لعلي (عليه السلام) كعادتهم ~~ويضيفون إليها ما لا تصح به رواية، ولا تؤيده دراية فيستدلون بها على ~~تفضيله على أبي بكر رضي الله عنهما وكونه أحق بالخلافة منه، ويزعمون أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عزل أبا بكر من تبليغ سورة براءة لأن ~~جبرئيل أمره بذلك، وأنه لا يبلغ عنه إلا هو أو رجل منه ولا يخصون هذا النفي ~~بتبليغ نبذ العهود وما يتعلق به بل يجعلونه عاما لأمر الدين كله. # مع استفاضة الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة كالجهاد ~~في حمايته والدفاع عنه، وكونه فريضة لا فضيلة فقط ومنها قوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في حجة الوداع على مسمع الألوف من الناس: "ألا فليبلغ ~~الشاهد الغائب" وهو مكرر في الصحيحين وغيرهما، وفي بعض الروايات عن ابن ~~عباس: فوالذي نفسي بيده أنها لوصيته إلى أمته "فليبلغ الشاهد الغائب" إلخ ~~وحديث: "بلغوا عني ولو آية" رواه البخاري في صحيحه والترمذي، ولو لا ذلك ~~لما انتشر الإسلام ذلك الانتشار السريع في العالم. # بل زعم بعضهم - كما قيل - إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عزل أبا بكر من ~~إمارة الحج وولاها عليا، وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة ~~عملية عرفها الخاص والعام. # والحق أن عليا كرم ms3345 الله وجهه كان مكلفا بتبليغ أمر خاص، وكان في تلك ~~الحجة تابعا لأبي بكر في إمارته العامة في إقامة ركن الإسلام الاجتماعي ~~العام حتى كان أبو بكر يعين له الوقت الذي يبلغ ذلك فيه فيقول: يا علي قم ~~فبلغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تقدم التصريح به في ~~الروايات الصحيحة كما أمر بعض الصحابة بمساعدته على هذا التبليغ كما تقدم ~~في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما. # ثم ساق الكلام واستدل بإمارة أبي بكر في تلك الحجة وضم إليها صلاته موضع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبيل وفاته - على تقدمه وأفضليته من جميع ~~الصحابة على من سواه انتهى. # أما قوله: مع استفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة إلى ~~آخر ما قال فيكشف عن أنه لم يحصل معنى كلمة الوحي: "لا يؤدي عنك إلا أنت أو ~~رجل منك" حق التحصيل، ولم يفرق بين قولنا: "لا يؤدي منك إلا رجل منك" وبين ~~قوله: "لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" فزعم أن الكلام بإطلاقه يمنع عن كل ~~تبليغ ديني يتصداه غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو رجل منه فدفع ~~ذلك باستفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة وقيد به إطلاق ~~قوله: "لا يؤدي عنك" إلخ فجعله خاصا بتبليغ نبذ العهد بعد تحويل الحكم ~~الإلهي إلى سنة عربية جاهلية. # وقد ساقه اشتباه معنى الكلمة إلى أن زعم أن إبقاء الكلام على إطلاقه ~~منشؤه الغفلة عن أمر هو كالضروري عند عامة المسلمين أعني وجوب التبليغ ~~العام حتى استدل على ذلك بما في الصحيحين وغيرهما من قوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "فليبلغ الشاهد الغائب"، وقد عرفت ما هو حق المعنى لكلمة الوحي. # وأما قوله: "بل زعم بعضهم كما قيل إنه عزل أبا بكر من إمارة الحج وولاها ~~عليا وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عملية عرفها العام ~~والخاص" فليس ذلك زعما من البعض ولا بهتانا كما بهته بل رواية روتها الشيعة ms3346 ~~وقد أوردناها في ضمن الروايات المتقدمة. # وليس التوغل في مسألة الإمارة مما يهمنا في تفهم معنى قوله: "لا يؤدي عنك ~~إلا أنت أو رجل منك" فإمارة الحاج سواء صحت لأبي بكر أو لعلي، دلت على فضل ~~أو لم تدل إنما هي من شعب الولاية الإسلامية العامة التي شأنها التصرف في ~~أمور المجتمع الإسلامي الحيوية، وإجراء الأحكام والشرائع الدينية، ولا ~~حكومة لها على المعارف الإلهية ومواد الوحي النازلة من السماء في أمر الدين. PageV09P096 # إنما هي ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصب يوما أبا بكر أو ~~عليا لإمارة الحاج، ويؤمر يوما أسامة على أبي بكر وعامة الصحابة في جيشه، ~~ويولي يوما ابن أم مكتوم على المدينة وفيها من هو أفضل منه، ويولي هذا مكة ~~بعد فتحها، وذاك اليمن، وذلك أمر الصدقات، وقد استعمل (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أبا دجانة الساعدي أو سباع بن عرفطة الغفاري على ما في سيرة ابن هشام ~~على المدينة عام حجة الوداع، وفيها أبو بكر لم يخرج إلى الحج على ما رواه ~~البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم وإنما تدل على إذعانه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بصلاحية من نصبه لأمر لتصديه وإدارة رحاه. # وأما الوحي السماوي بما يشتمل عليه من المعارف والشرائع فليس للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولا لمن دونه صنع فيه ولا تأثير فيه مما له من ~~الولاية العامة على أمور المجتمع الإسلامي بإطلاق أو تقييد أو إمضاء أو نسخ ~~أو غير ذلك، ولا تحكم عليه سنة قومية أو عادة جارية حتى توجب تطبيقه على ما ~~يوافقها أو قيام العصبة مقام الإنسان فيما يهمه من أمر. # والخلط بين البابين يوجب نزول المعارف الإلهية من أوج علوها وكرامتها إلى ~~حضيض الأفكار الاجتماعية التي لا حكومة فيها إلا للرسوم والعادات ~~والاصطلاحات، فيعود الإنسان يفسر حقائق المعارف بما يسعه الأفكار العامية ~~ويستعظم ما استعظمه المجتمع دون ما عظمه الله، ويستصغر ما استصغره الناس ~~حتى يقول القائل في معنى كلمة الوحي أنه عادة عربية ms3347 محترمة. # وأنت إذا تأملت هذه القصة - أخذ آيات براءة من أبي بكر وإعطاءها عليا على ~~ما تقصها الروايات - وجدت فيها من مساهلة الرواة وتوسعهم في حفظ القصة بما ~~لها من الخصوصيات - إن لم يستند إلى غرض آخر - أمرا عجيبا ففي بعضها - وهو ~~الأكثر - أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر بالآيات ثم بعث عليا ~~وأمره أن يأخذها منه ويتلوها على الناس فرجع أبو بكر إلخ، وفي بعضها أنه ~~بعث أبا بكر بإمارة الحج ثم بعث عليا بعده بآيات براءة وفي بعضها: أن أبا ~~بكر أمره بالتبليغ وأمر بعض الصحابة أن يشاركه في النداء حتى آل الأمر إلى ~~مثل ما رواه الطبري وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: "براءة من الله ورسوله ~~إلى الذين عاهدتم من المشركين" إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد ~~وغيرهم. # أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك حين فرغ منها فأراد ~~الحج ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا ~~يكون ذلك فأرسل أبا بكر وعليا فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي ~~كانوا يبيعون بها وبالموسم كله فأذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر ~~وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر ~~تخلو من ربيع الأول ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا. # وإذا كان هذا هو الحال فما معنى قوله: "بهتان صريح مخالف لجميع الروايات ~~في مسألة عملية عرفها العام والخاص"؟ فإن كان يعني: عرفها العام والخاص في ~~عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن شاهد الأمر أو سمع ذلك ممن شاهده ~~ووصفه فما ذا ينفعنا ذلك؟. # وإن كان يعني: أن العام والخاص ممن يلي عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو يلي من يليه عرفا ذلك ولم يشك أحد في ذلك فهذا حال الروايات ~~المنقولة عنهم لا يجتمع على كلمة. # منها ما يحكى أن عليا اختص بتأدية براءة وأخرى تدل على ms3348 أن أبا بكر شاركه ~~فيه، وأخرى تدل على أن أبا هريرة شاركه في التأدية ورجال آخرون لم يسموا في ~~الروايات. # ومنها ما يدل على أن الآيات كانت تسع آيات، وأخرى عشرا، وأخرى ست عشرة، ~~وأخرى ثلاثين، وأخرى ثلاثا وثلاثين، وأخرى سبعا وثلاثين، وأخرى أربعين، ~~وأخرى سورة براءة. # ومنها ما يدل على أن أبا بكر ذهب لوجهه أميرا على الحاج وأخرى على أنه ~~رجع حتى أوله بعضهم كابن كثير أنه رجع بعد إتمام الحج، وآخرون أنه رجع ~~ليسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبب عزله، وفي رواية أنس الآتية ~~أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر ببراءة ثم دعاه فأخذها منه. PageV09P097 # ومنها ما يدل على أن الحجة وقعت في ذي الحجة وأن يوم الحج الأكبر تمام أيام ~~تلك الحجة أو يوم عرفة أو يوم النحر أو اليوم التالي ليوم النحر أو غير ذلك ~~وأخرى أن أبا بكر حج في تلك السنة في ذي القعدة. # ومنها ما يدل على أن أشهر السياحة تأخذ من شوال، وأخرى من ذي القعدة، ~~وأخرى من عاشر ذي الحجة، وأخرى من الحادي عشر من ذي الحجة وغير ذلك. # ومنها ما يدل على أن الأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم من تلك ~~السنة و، أخرى على أنها أشهر السياحة تبتدأ من يوم التبليغ أو يوم النزول. # فهذا حال اختلاف الروايات، ومع ذلك كيف يستقيم دعوى أنه أمر عرفه العام ~~والخاص، وبعض المحتملات السابقة وإن كان قولا من مفسري السلف إلا أن ~~المفسرين يعاملون أقوالهم معاملة الروايات الموقوفة. # وأما قوله: والحق أن عليا كان مكلفا بتبليغ أمر خاص وكان في تلك الحجة ~~تابعا لأبي بكر في إمارته إلى آخر ما قال فلا ريب أن الذي بعث به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليا من الأحكام كان أمرا خاصا وهو تلاوة آيات ~~براءة وسائر ما يلحق بها من الأمور الأربعة المتقدمة غير أن الكلام في أن ~~كلمة الوحي: "لا يؤدي عنك إلا أنت ms3349 أو رجل منك" لا تختص في دلالتها بتأدية ~~آيات براءة على ما تقدم بيانه فلا ينبغي الخلط بين ما يدل عليه الكلمة وبين ~~ما أمر به علي في خصوص تلك السفرة. # وأما قوله: وكان في تلك الحجة تابعا "إلخ" فأمر استفادة من كلام أبي ~~هريرة وما يشبه، وقد عرفت الكلام فيه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ببراءة مع أبي بكر رضي الله عنه ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا ~~إلا رجل من أهلي فدعا عليا فأعطاه إياه. # أقول: ذكر صاحب المنار في بعض كلامه: أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"أو رجل مني في رواية السدي قد فسرتها الروايات الأخرى عند الطبري وغيره ~~بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أو رجل من أهل بيتي" وهذا النص الصريح ~~يبطل تأويل كلمة "مني" بأن معناها أن نفس علي كنفس رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأنه مثله وأنه أفضل من كل أصحابه - انتهى -. # والذي أشار إليه من الروايات هو ما رواه قبلا بقوله: وأخرج أحمد بسند حسن ~~عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث ببراءة مع أبي بكر فلما بلغ ~~ذا الحليفة قال: لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي فبعث بها مع علي. # وهذه بعينها - على ما لا يخفى - هي الرواية السابقة التي أوردناها عن ~~أنس، وقد وقع فيها "أو رجل من أهلي" وإن اختلف لفظا الروايتين بما عملت ~~فيهما يد النقل بالمعنى. # وأول ما في كلامه: أن اللفظ: "أو رجل مني" لم يقع إلا في رواية واحدة ~~موقوفة هي رواية السدي التي استضعفها قبيل ذلك بل الأصل في ذلك كلمة الوحي ~~التي أثبتتها معظم الروايات الصحيحة على بلوغ كثرتها، والروايات الآخر ~~المشتملة على قوله: "من أهل بيتي" وهو يستكثرها إنما هي رواية أنس - على ما ~~عثرنا عليها - وقد ms3350 وقع في بعض ألفاظها قوله "من أهلي" مكان "من أهل بيتي". # والثاني: أن الرواية - كما اتضح لك - منقولة بالمعنى، ومع ذلك لا يصلح ما ~~وقع فيها من بعض الألفاظ لتفسير ما اتفقت عليه معظم الروايات الصحيحة ~~الواردة من طرق الفريقين من لفظ الوحي المنقول فيها. # على أن قوله: "من أهل بيتي" في هذه لو صلح لتفسير ما وقع في سائر ~~الروايات من "لفظ رجل منك" أو "رجل مني" لكان الواقع في رواية في سائر ~~الروايات من لفظ رجل منك أو رجل مني لكان الواقع في رواية أبي سعيد الخدري ~~السابقة من قوله (عليه السلام): "يا علي إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت" ~~مفسرا لما في رواية أنس: "إلا رجل من أهل بيتي" أو "إلا رجل من أهلي" وما ~~في سائر الروايات: "إلا رجل منك" أو "إلا رجل مني". # فيعود هذه الألفاظ كناية عن شخص علي (عليه السلام)، بل الكناية بما لها ~~من المعنى مشيرة إلى أنه من نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أهله ~~ومن أهل بيته جميعا، وهذا عين ما فر منه وزيادة. PageV09P098 # والثالث: أن استفادة كونه (عليه السلام) بمنزلة نفسه (عليه السلام) ليست ~~بمستندة إلى مجرد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "رجل مني" كما حسبه فإن ~~مجرد قول القائل: فلان مني لا يدل على تنزيله منزلته في جميع شئون وجوده ~~ومماثلته إياه، وإنما يدل على نوع من الاتصال والاتباع كما في قول إبراهيم ~~(عليه السلام): "فمن تبعني فإنه مني:" إبراهيم: - 36 إلا بنوع من القرينة ~~الدالة على عناية كلامية كقوله تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم". # بل إنما استفيد ذلك من قوله: "رجل مني" أو "رجل منك" بمعونة قوله: "لا ~~يؤدي عنك إلا أنت" على البيان الذي تقدم وعلى هذا فلو كان هناك قوله: "لا ~~يؤدي عني إلا رجل من أهلي أو رجل من أهل بيتي" لاستفيد منه عين ما استفيد ~~من قوله: "لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" وقوله: "لا ms3351 يؤدي عني إلا أنا أو ~~رجل مني" مضافا إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عده منه في خطابه أبا ~~بكر وهو أيضا منه بالاتباع. # والرابع: أنه أهمل في البحث الروايات الصحيحة المستفيضة أو المتواترة ~~التي تدل على أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم: علي وفاطمة ~~والحسنان على ما تقدم في أخبار آية المباهلة وسيجيء معظمها في أخبار آية ~~التطهير إن شاء الله تعالى. # ولا رجل في أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا علي (عليه السلام) ~~فيئول الأمر إلى كون اللفظ كناية عن علي (عليه السلام) فيرجع إلى ما تقدم ~~من الوجه. # وأما ما احتمله من المعنى فهو أن المراد بأهل بيته عامة أقربائه من بني ~~هاشم أو بنو هاشم ونساؤه فينزل اللفظ منزلة عادية من غير أن يحمل شيئا من ~~المزية، والمعنى لا يؤدي نبذ العهد عني إلا رجل من بني هاشم، والقوم يرجعون ~~غالبا في مفاهيم أمثال هذه الألفاظ إلى ما يعطيه العرف اللغوي في ذلك من ~~غير توجه إلى ما اعتبره الشرع، وقد تقدم نظير ذلك في معنى الابن والبنت حيث ~~حسبوا أن كون ابن البنت ابنا للرجل وعدمه مرجعه إلى بحث لغوي يعين كون ~~الابن يصدق بحسب الوضع اللغوي على ابن البنت مثلا أو لا يصدق عليه، وجميع ~~ذلك يرجع إلى الخلط بين الأبحاث اللفظية والأبحاث المعنوية، وكذا الخلط بين ~~الأنظار الاجتماعية والأنظار الدينية السماوية على ما تقدمت الإشارة إليه. # وأعجب من الجميع قوله: وهذا النص الصريح يبطل تأويل كلمة "مني" فإن مراده ~~بدلالة السياق أن كلمة "من أهل بيتي" نص صريح في أن المراد برجل مني رجل من ~~بني هاشم، ولا ندري أي نصوصية أو صراحة لكلمة "أهل البيت" في بني هاشم بعد ~~ما تكاثرت الروايات أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم علي ~~وفاطمة والحسنان (عليه السلام) ثم في قوله: "أهل بيتي" بمعنى بني هاشم أن ~~المراد بكلمة "مني" هو ذلك!. # وفي تفسير العياشي، عن ms3352 زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" قال: عشرين من ذي الحجة ~~والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر. # أقول: وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) أن المراد من الأربعة الأشهر هو ذلك، روى ذلك الكليني والصدوق ~~والعياشي والقمي وغيرهم في كتبهم، وروي ذلك من طرق أهل السنة، وهناك روايات ~~أخرى من طرقهم في غير هذا المعنى حتى وقع في بعضها أن أبا بكر حج بالناس ~~عام تسع في شهر ذي القعدة، وهي غير متأيدة ولذلك أغمضنا عنها. PageV09P099 # وفي تفسير العياشي، عن حكيم بن جبير عن علي بن الحسين (عليهما السلام): في ~~قوله تعالى: "وأذان من الله ورسوله" قال: الأذان أمير المؤمنين (عليه ~~السلام). أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن حريز عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام)، وعن جابر عن جعفر بن محمد وأبي جعفر (عليه السلام)، ورواه القمي ~~عن أبيه عن فضالة عن أبان بن عثمان عن حكيم بن جبير عن علي بن الحسين ~~(عليهما السلام) قال: وفي حديث آخر قال: كنت أنا الأذان في الناس:، ورواه ~~الصدوق أيضا بإسناده عن حكيم عنه (عليه السلام)، ورواه في الدر المنثور عن ~~ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، وقال في ~~تفسير البرهان:، قال السدي وأبو مالك وابن عباس وزين العابدين: الأذان هو ~~علي بن أبي طالب فأدى به. وفي تفسير البرهان، عن الصدوق بإسناده عن الفضيل ~~بن عياض عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الحج الأكبر فقال: ~~عندك فيه شيء؟ فقلت: نعم كان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة يعني أنه ~~من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحج ومن فاته ذلك ~~فاته الحج فجعل ليلة عرفة لما قبلها ولما بعدها، والدليل على ذلك أنه من ~~أدرك ليلة النحر إلى طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأجزي ms3353 عنه من عرفة. فقال أبو ~~عبد الله (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام) الحج الأكبر يوم ~~النحر واحتج بقول الله عز وجل: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" فهي عشرون من ~~ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر، ولو كان ~~الحج الأكبر يوم عرفة لكان السيح أربعة أشهر ويوما، واحتج بقوله عز وجل: ~~"وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر" وكنت أنا الأذان في ~~الناس. قلت: فما معنى هذه اللفظة: الحج الأكبر؟ فقال: إنما سمي الأكبر ~~لأنها كانت سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد تلك السنة. # وفيه، عنه بإسناده عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر والأصغر العمرة. # أقول: وفي الرواية مضافا إلى تفسير اليوم بيوم النحر إشارة إلى وجه تسمية ~~الحج بالأكبر، وقد أطبقت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلا ما ~~شذ على أن المراد بيوم الحج الأكبر في الآية هو يوم الأضحى عاشر ذي الحجة ~~وهو يوم النحر، ورووا ذلك عن علي (عليه السلام). # وروى هذه الرواية الكليني في الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ~~أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وروى ذلك أيضا ~~بإسناده عن ذريح عنه (عليه السلام)، وكذا الصدوق بإسناده إلى ذريح عنه ~~(عليه السلام)، ورواه العياشي عن عبد الرحمن وابن أذينة والفضيل بن عياض ~~عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن أبي أوفى عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أنه قال يوم الأضحى: هذا يوم الحج الأكبر. وفيه، أيضا ~~أخرج البخاري تعليقا وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر: أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج ~~فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم ms3354 النحر قال: هذا يوم الحج الأكبر. PageV09P100 # أقول: وروي ذلك بطرق مختلفة عن علي (عليه السلام) وابن عباس ومغيرة بن شعبة ~~وأبي جحيفة وعبد الله بن أبي أوفى، وقد روي بطرق مختلفة أخرى عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه يوم عرفة، وكذا روي ذلك عن علي وابن عباس وابن ~~الزبير، وروي عن سعيد بن المسيب أنه اليوم التالي ليوم النحر، وروي أنه ~~أيام الحج كلها، وروي أنه الحج في العام الذي حج فيها أبو بكر، وهذا الوجه ~~الأخير لا يأبى الانطباق على ما تقدم من الحديث عن الصادق (عليه السلام): ~~أنه سمي الحج الأكبر لما حج في تلك السنة المسلمون والمشركون جميعا. وفي ~~تفسير العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله: "فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" قال: هي يوم النحر ~~إلى عشر مضين من شهر ربيع الآخر. وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة:" أخرج الحاكم وصححه عن مصعب بن عبد ~~الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال: افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مكة ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ثم ارتحل غدوة وروحة ~~ثم نزل ثم هجر. ثم قال: أيها الناس إني لكم فرط، وإني أوصيكم بعترتي خيرا ~~موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن ~~عليكم رجلا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم. فرأى ~~الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما فأخذ بيد علي رضي الله عنه ~~فقال: هذا. # أقول: يعني (صلى الله عليه وآله وسلم) به الكفر. PageV09P101 # وفي تفسير العياشي، في حديث جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): "فإن تابوا" ~~يعني فإن آمنوا فإخوانكم في الدين. وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره" الآية قال: قال، اقرأ عليه وعرفه ثم لا ~~تتعرض له حتى يرجع إلى مأمنه. وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن تفسير ~~القشيري: ms3355 أن رجلا قال لعلي يا ابن أبي طالب فمن أراد منا أن يلقي رسول الله ~~في بعض الأمر من بعد انقضاء الأربعة فليس له عهد؟ قال علي: بلى لأن الله ~~قال: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره" الآية. وفي الدر المنثور،: في ~~قوله تعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم" الآية: أخرج ابن أبي شيبة ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه: أنهم ذكروا ~~عنده هذه الآية فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. وفيه، أخرج ابن أبي شيبة ~~والبخاري وابن مردويه عن زيد بن وهب: في قوله: "فقاتلوا أئمة الكفر" قال: ~~كنا عند حذيفة رضي الله عنه فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا ~~من المنافقين إلا أربعة. فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبروننا بأمور لا ~~ندري ما هي؟ فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال: ~~أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء ~~البارد لما وجد برده وفي قرب الإسناد، للحميري: حدثني عبد الحميد وعبد ~~الصمد بن محمد جميعا عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: دخل علي أناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير فقلت لهم: كانوا ~~من أئمة الكفر أن عليا يوم البصرة لما صف الخيل قال لأصحابه لا تعجلوا على ~~القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم. فقام إليهم فقال: يا أهل ~~البصرة هل تجدون علي جورا في حكم؟ قالوا: لا. قال: فحيفا في قسم؟ قالوا: ~~لا. قال: فرغبه في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم علي فنكثتم ~~بيعتي؟ قالوا: لا، قال فأقمت فيكم الحدود وعطلتها في غيركم؟ قالوا: لا. ~~قال: فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث إني ضربت الأمر أنفه وعينه فلم ~~أجد إلا الكفر أو السيف. ثم ثنى إلى أصحابه فقال إن الله تبارك وتعالى يقول ~~في كتابه: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ms3356 - فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون" فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة واصطفى محمدا بالنبوة إنهم لأصحاب هذه الآية ~~وما قوتلوا مذ نزلت: أقول: ورواه العياشي عن حنان بن سدير عنه (عليه ~~السلام). وفي أمالي المفيد، بإسناده عن أبي عثمان مؤذن بني قصي قال: سمعت ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين خرج طلحة والزبير على قتاله: عذرني الله ~~من طلحة والزبير، بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث ~~أحدثته ثم تلا هذه الآية: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم - وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر - إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون:" أقول: ورواه ~~العياشي في تفسيره عن أبي عثمان المؤذن وأبي الطفيل والحسن البصري: مثله، ~~ورواه الشيخ في أماليه، عن أبي عثمان المؤذن. وفي حديثه قال بكير: فسألت ~~عنها أبا جعفر (عليه السلام) فقال: صدق الشيخ هكذا قال علي. هكذا كان. وفي ~~الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم ~~والمسور بن مخرمة قال: كان في صلح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم ~~الحديبية بينه وبين قريش أن من شاء أن يدخل في عقد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه ~~فتواثبت خزاعة فقالوا: ندخل في عهد محمد وعقده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: ~~ندخل في عقد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية ~~عشر شهرا. ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على ~~خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهده ليلا ~~بماء لهم يقال له: الوتير قريب من مكة فقالت قريش ما يعلم بنا محمد وهذا ~~الليل وما يرانا أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وركب عمرو بن سالم عند ما كان من ~~أمر خزاعة وبني ms3357 بكر بالوتير حتى قدم المدينة على PageV09P102 رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبيات أنشده إياها: يا رب إني ناشد ~~محمدا. حلف أبينا وأبيه الأتلدا. قد كنتم ولدا وكنا والدا. ثمت أسلمنا فلم ~~ننزع يدا. فانصر هداك الله نصرا أعتدا. وادع عباد الله يأتوا مددا. فيهم ~~رسول الله قد تجردا. إن سيم خسفا وجهه تربدا. في فيلق كالبحر يجري مزبدا. ~~إن قريشا أخلفوك الموعدا. ونقضوا ميثاقك المؤكدا. وجعلوا لي في كداء رصدا. ~~وزعموا أن لست أدعو أحدا. وهم أذل وأقل عددا. هم بيتونا بالوتير هجدا. ~~وقتلونا ركعا وسجدا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نصرت يا ~~عمرو بن سالم فما برح حتى مرت غمامة في السماء فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب، وأمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على ~~قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم. # أقول: أورد الرواية في الدر المنثور، بعد ما روي بطرق عن مجاهد وعكرمة أن ~~قصة نقض قريش عهد الحديبية وإعانتهم بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان هو السبب لنزول قوله تعالى: "ألا تقاتلون ~~قوما" إلى قوله: "ويشف صدور قوم مؤمنين" وهم خزاعة. # ولو كان الأمر على ما ذكروا كانت الآية: "ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم" - إلى تمام ثلاث آيات بل أربع - على ما يعطيه السياق مما نزل قبل ~~فتح مكة فتكون نازلة قبل آيات براءة لا محالة. # لكن القصة التي رواها ابن إسحاق والبيهقي على اعتبارها لمكان المسور بن ~~مخرمة لا تصرح بنزول الآيات في ذلك، وما رواها مجاهد وعكرمة لا اعتماد عليه ~~لمكان الوقف والانقطاع، وسياق الآيات لا يأبى نزولها مع ما تقدم عليها ~~واتصالها بها على ما لا يخفى. # والذي ذكر فيها من قوله: "نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم ~~أول مرة" وإن كان يشير إلى صفات قريش الخاصة بهم لكن من الجائز أن ms3358 تكون ~~الآية مشيرة إلى حلفاء قريش وجيرانهم ممن لم يؤمنوا بعد فتح مكة وهم ~~لاتحادهم مع قريش واتصالهم بهم وصفوا بما يوصف به قريش بالأصالة. # واعلم أن هناك روايات متفرقة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) تطبق ~~الآيات على ظهور المهدي (عليه السلام)، وهي من الجري. # كلام في معنى العهد وأقسامه ووهي من أحكامه # قدمنا في أوائل الجزء السادس من الكتاب كلاما في معنى العقد والعهد ~~ونستأنف البيان هاهنا في معنى ما تقدم وما يستتبعه من الأقسام والأحكام ~~بتقرير آخر في فصول: 1 - قد لاح لك من تضاعيف الأبحاث المتقدمة في هذا ~~الكتاب أن الإنسان في مسير حياته لا يزال يصور أعماله وما يتعلق به أعماله ~~من المادة تصور الأمور الكونية ويمثلها بها ويجري بينها أحكام الأمور ~~الكونية وآثارها من القوانين العامة الجارية في الكون بحسب ما يناسب أغراضه ~~الحيوية كما أنه يأخذ مثلا أصواتا متفرقة هي الزاي والياء والدال، ويؤلفها ~~بشكل مخصوص ويعمل لفظ "زيد" ثم يفترض أنه زيد الإنسان الخارجي فيسميه به ثم ~~كلما أراد أن يحضر زيدا في ذهن مخاطبه ألقى إليه لفظ "زيد" فكان ممثلا لعين ~~زيد عنده، وحصل بذلك غرضه. # وإذا أراد أن يدير أمرا لا يدور إلا بعمل عدة مؤتلفة من الناس اختار ~~جماعة وافترضهم واحدا كالإنسان الواحد، وفرض واحدا منهم للباقين كما يفرض ~~الرأس لبدن الإنسان ويسميه رئيسا، وفرض كلا من الباقين كما يفرض العضو من ~~البدن ذي الأعضاء ويسميه عضوا ثم يرتب على الرأس أحكام الرأس الخارجي، وعلى ~~العضو آثار العضو الخارجي وعلى هذا القياس. # وإلى هذا يئول جميع أفكار الإنسان الاجتماعية بلا واسطة أو بواسطة أو ~~وسائط من التصورات والتصديقات إذا حللت تحليلا صحيحا كما تئول إليه أنظاره ~~الفردية فيما يرتبط بأعماله وأفعاله. # الإنسان شديد الاهتمام بعقد العقود وتمثيل العهود وما يرتبط بها من الحلف ~~واليمين والبيعة ونحو ذلك، والعامل الأولي في ذلك أن الإنسان لا هم له إلا ~~التحفظ على حياته والوصول إلى مزاياها والتمتع بالسعادة التي تستعقبها لو ~~جرت ms3359 على حقيقة مجراها. PageV09P103 # فأي بغية من مبتغياته وجدها وسلط عليها أخذ في التمتع منها بما يناسبها من ~~التمتع كالأكل والشرب وغيرهما بما جهز به من أدوات التمتع، ودفع كل ما ~~يمنعه من التمتع لو عرض هناك مانع عارض ورأى أنه إنما وفق لذلك في ضوء ما ~~أوتيه من السلطة. # وقد أوتي الإنسان سلعة الفكر وبذلك يدبر أمر حياته ويصلح شأن معاشه فيعمل ~~ليومه ويمهد لغده، وأعماله التي هي تصرفات منه في المادة أو عائدة إلى ذلك ~~في عين أنها جميعا متوقفة على انبساط سلطته على الفعل وإحاطته بكل ما يتعلق ~~به عمله، مختلفة في أن بعضها يتم بالسلطة المقصورة على الفعل مقدار زمانه ~~كمن صادف غذاء وهو جوعان فتناوله فأكله، فإنه لا يتوقف على سلطة أوسع من ~~زمان العمل، ولا على تمهيد وتقدمة. # وبعضها - وهو جل الأعمال الإنسانية الاجتماعية - يتوقف على سلطة وسيعة ~~تنبسط على العمل في وقته وعلى زمان قبله فقط أو على زمان قبله وبعده، ~~لحاجته إلى مقدمات يمهدها له، وتدبير سابق يقدمه لوجوده، فما كل عمل يعمله ~~الإنسان بصدفة، بل جل الأمور الحيوية من شأنها أن يتهيأ الإنسان له قبل أوانه. # ومن التهيؤ له أن يتهيأ لجمع أسبابه ونظم الوسائل التي يتوسل بها إليه ~~وأن يتهيأ لرفع موانعه التي من شأنها أن تزاحمه في وجوده وعند حصوله، ~~فالإنسان لا يوفق لعمل ولا ينجح في مسعاه إلا إذا كان في أمن من أن تفوته ~~الأسباب أو تعارضه الموانع والمزاحمات. # والتنبه لهذه الحقيقة هو الذي بعث الإنسان إلى أن يأخذ أمنا من رقبائه في ~~الحياة: أن يعينوه فيما يحتاج من الأمور إلى معين مشارك، أو أن لا يمانعوه ~~من العمل فيما يتوقف إلى ارتفاع الموانع وزوالها. # فالإنسان وهو يريد أن يتخذ لباسا يلبسه من مادة بسيطة كالقطن أو الصوف، ~~والأمر متوقف على أعمال كثيرة يعملها الغزال والنساج والخياط ومن يصنع لهم ~~أدوات الغزل والنسج والخياطة، لا يتم له ما يريده من اتخاذ اللباس ولا ينجح ~~سعيه إلا إذا كان ms3360 في أمن من ناحية هؤلاء الرقباء: أن يعملوا على ما يريده ~~ولا يخلوه وحده فيخيب سعيه ويخسر في عمله. # وكذا الإنسان القاطن في أرض أو الساكن في دار لا يتم له سكناه إلا مع ~~الأمن من ممانعة الناس ومزاحمتهم له في سكناه والتصرف فيه بما يصلح به لذلك. # وهذا هو الذي هدى الإنسان إلى اعتبار العقد وإبرام العهد، فهو يأخذ ما ~~يريده من العمل ويربطه بما يعينه عليه من عمل غيره ويعقدهما: يمثل به عقد ~~الحبال الذي يفيد اتصال بعض أجزائها ببعض وعدم تخلف بعضها عن بعض، ومثله ~~العهد الذي يعهده إليه غيره أن يساعده في ما يريده من الأمر أو أن لا ~~يمانعه في ذلك. # وإلى ذلك يئول أمر عامة العقود لعقد النكاح وعقد البيع والشرى وعقد ~~الإجارة، ويصدق عليها العهد بمعناها العام وهو أن يعطي الإنسان لغيره قولا ~~أو كتابا أن يعينه على كذا أو أن لا يمنعه من كذا إلى أجل مضروب أو لا إلى أجل. # والكلام في المقام في العهد الذي لم يختص باسم خاص كعقد البيع والنكاح ~~وغيرهما من عقود المعاملات فهي خارجة من غرضنا ولها في المجتمعات الإنسانية ~~أحكام خاصة وآثار وخواص مخصوصة بل الكلام في العهد بمعنى ما يعقده الإنسان ~~لغيره من الإعانة أو عدم الممانعة في متفرقات المقاصد الاجتماعية، وما ~~يجعله لذلك من الآثار كمن يعاهد غيره أن يعطيه كل سنة كذا مالا ليستعين به ~~على حوائجه، ويأخذ منه كذا مالا أو نفعا، أو يعاهده أن لا يزاحمه في عمله ~~أو لا يمانعه في مسيره إلى أجل كذا أو لا إلى أجل، وهو نوع إحكام وإبرام لا ~~ينتقض إلا بنقض أحد الطرفين أو بنقضهما معا. # وربما زيد على إحكام العهد بالحلف وهو أن يقيد المعاهد ما يعطيه من العهد ~~ويربطه بأمر عظيم شأنه يقدسه ويحترمه كأنه يجعل ما له من الحرمة والعزة ~~رهنا يرهن به عهده يمثل به أنه لو نقضه فقد أذهب حرمته يقول المعاهد: والله ~~لا أخوننك، ولعمري لأساعدنك، وأقسم ms3361 لأنصرنك، يمثل به أنه لو أخلف وعده ونقض ~~عهده فقد أبطل حرمة ربه، أو حرمة عمره أو حرمة قسمه فلا مروة له. # وربما أبرم العهد والميثاق بالبيعة والصفقة يضع المعاهد يده في يد معاهده ~~يمثل به أنه أعطاه يده التي بها يفعل ما يفعل فلا يفعل ما يكره معاهده لأن ~~يده قبضة يده. PageV09P104 # 2 - العهود والمواثيق كما تمسها حياة الإنسان الذي هو فرد المجتمع كذلك ~~تمسها حياة المجتمع فليس المجتمع إلا المجتمع من أفراد الإنسان، حياته ~~مجموع حياة أجزائه، وأعماله الحيوية مجموع أعمال أجزائه وله من الخير والشر ~~والنفع والضر والصحة والسقم والنشوء والرشد والاستقامة والانحراف والسعادة ~~والشقاوة والبقاء والزوال مجموع ما لأجزائه من ذلك. # فالمجتمع إنسان كبير له من مقاصد الحياة ما للإنسان الصغير، ونسبة ~~المجتمع إلى المجتمع تقرب من نسبة الإنسان الفرد إلى الإنسان الفرد فهو ~~يحتاج في ركوب مقاصده وإتيان أعماله من الأمن والسلامة إلى مثل ما يحتاج ~~إليه الإنسان الفرد بل الحاجة فيه أشد وأقوى لأن العمل يعظم بعظمة فاعله ~~وعظمة غرضه، والمجتمع في حاجة إلى الأمن والسلام من قبل أجزائه لئلا يتلاشى ~~ويتفرق، وإلى الأمن والسلام من قبل رقبائه من سائر المجتمعات. # وعلى هذا جرى ديدن المجتمعات الإنسانية على ما بأيدينا من تاريخ الأمم ~~والأقوام الماضية، وما نسمعه أو نشاهده من الملل الحاضرة فلم يزل ولا يزال ~~المجتمع من المجتمعات الإنسانية في حاجة قائمة إلى أن يعاهد غيره في بعض ~~شئون حياته السياسية والاقتصادية أو الثقافية أو غيرها، فلا يصفو الجو ~~للإقدام على شيء من مقاصد الحياة أو التقدم في شيء من مآربها إلا بالاعتضاد ~~بالأعضاد والأمن من معارضة الموانع. # 3 - الإسلام بما أنه متعرض لأمر المجتمع كالفرد، ويهتم بإصلاح حياة الناس ~~العامة كاهتمامه بإصلاح حياة الفرد الخاصة قنن فيه كليات ما يرجع إلى شئون ~~الحياة الاجتماعية كالجهاد والدفاع ومقاتلة أهل البغي والنكث والصلح والسلم ~~والعهود والمواثيق وغير ذلك. # والعهد الذي نتكلم فيه قد اعتبره اعتبارا تاما وأحكمه إحكاما يعد نقضه من ~~طرف أهله من ms3362 أكبر الإثم إلا أن ينقضه المعاهد الآخر فيقابل بالمثل فإن الله ~~سبحانه أمر بالوفاء بالعهود والعقود، وذم نقض العهود والمواثيق ذما بالغا ~~في آيات كثيرة جدا قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود:" ~~المائدة: - 1، وقال: "والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه - إلى أن قال - ~~أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار:" الرعد: - 25، وقال: "وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسئولا:" إسراء: - 34 إلى غير ذلك. # ولم يبح نقض العهود والمواثيق إلا فيما يبيحه حق العدل وهو أن ينقضه ~~المعاهد المقابل نقضا بالبغي والعتو أو لا يؤمن نقضه لسقوطه عن درجة ~~الاعتبار، وهذا مما لا اعتراض فيه لمعترض ولا لوم للائم، قال تعالى: "وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين:" ~~الأنفال: - 58 فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة ولم يرض بالنقض من غير ~~إخبارهم به واغتيالهم وهم غافلون دون أن قال: "فانبذ إليهم على سواء" فأوجب ~~أن يخبروهم بالنقض المتقابل احترازا من رذيلة الخيانة. # وقال: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر:" براءة: - 2 فلم يرض بالبراءة دون أن وسع عليهم أربعة ~~أشهر حتى يكونوا على مهل من التفكر في أمرهم والتروي في شأنهم فيروا رأيهم ~~على حرية من الفكر فإن شاءوا آمنوا ونجوا وإن لم يشاءوا قتلوا وفنوا، وقد ~~كان من حسن أثر هذا التأجيل أن آمنوا فلم يفنوا. # وقد تمم سبحانه هذه الفائدة أحسن إتمام بقوله بعد إعلام البراءة: "وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون:" التوبة: - 6. # وقال مستثنيا الموفين بعهدهم من المشركين: "كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون:" التوبة: - 8 ~~وقد علل الاستقامة لمن استقام بأنه من التقوى - ذاك التقوى ms3363 الذي لا دعوة في ~~الدين إلا إليه - وإن الله يحب المتقين، وهذا تعليل حي إلى يوم القيامة. PageV09P105 # وقال تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم:" البقرة: ~~- 194 وقال: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان:" المائدة: - 2. # وأما النقض الابتدائي من غير نقض من العدو المعاهد فلا مجوز له في هذا ~~الدين الحنيف أصلا، وقد تقدم قوله تعالى: "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" ~~الآية وقال: "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين:" البقرة: - 190. # وعلى ذلك جرى عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام حياته فقد عاهد ~~بني قينقاع وبني قريظة وغيرهم من اليهود ولم ينقض إلا بعد ما نقضوا، وعاهد ~~قريشا في الحديبية ولم ينقض حتى نقضوا بإظهار بني بكر على خزاعة وقد كانت ~~خزاعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبنو بكر في عهد قريش. # وأما النقض من غير نقض فلا مبيح له في الإسلام وإن كان الوفاء مما يفوت ~~على المسلمين بعض منافعهم، ويجلب إليهم بعض الضرر وهم على قدرة من حفظ ~~منافعهم بالبأس والقوة أو أمكنهم الاعتذار ببعض ما تصور لهم الحجة ظاهرا ~~وتصرف عنهم اللوم والعذل فإن مدار الأمر على الحق، والحق لا يستعقب شرا ولا ~~ضرا إلا على من انحرف عنه وآوى إلى غيره. # 4 - المجتمعات الإنسانية سيما الراقية المتمدنة منها غير المجتمع الديني ~~لا هدف لاجتماعهم ولا غرض لسننهم الجارية إلا التمتع من مزايا الحياة ~~المادية ما قدروا عليه فلا موجب لهم للتحفظ على شيء أزيد مما بأيديهم من ~~القوانين العملية الناظمة لشتات مقاصدهم الحيوية. # ومن الضروري أن الظرف الذي هذا شأنه لا قيمة فيها للمعنويات إلا بمقدار ~~ما يوافق المقاصد الحيوية المادية فالفضائل والرذائل المعنوية كالصدق ~~والفتوة والمروة ونشر الرحمة والرأفة والإحسان وأمثال ذلك لا اعتبار لها ~~إلا بمقدار ما درت بها منافع المجتمع، ولم يتضرروا بها لو لم تعتبر، وأما ~~فيما ينافي منافع القوم ms3364 فلا موجب للعمل بها بل الموجب لخلافها. # ولذلك ترى المؤتمرات الرسمية وأولياء الأمور في المجتمعات لا يرون ~~لأنفسهم وظيفة إلا التحفظ على منافع المجتمع الحيوية، وما يعقد فيها من ~~العهود والمواثيق إنما يعقد على حسب مصلحة الوقت، ويوزن بزنة ما عليه ~~الدولة المعاهدة من القوة والعدة، وما عليه المعاهد المقابل من القوة ~~والعدة في نفسه وبما يضاف إليه من سائر المقتضيات المنضمة إليه المعينة له. # فما كان التوازن على حالة التعادل كان العهد على حاله، وإذا مالت كفة ~~الميزان للدولة المعاهدة على خصمه أبطلت اعتبار العهد بأعذار مصطنعة ~~واتهامات مفتعلة للتوسل إلى نقضه، وإنما يراد بتقديم الأعذار أن يتحفظ على ~~ظاهر القوانين العالمية التي لا عقبى لنقضها والتخلف عنها إلا ما يهدد حياة ~~المجتمع أو بعض منافع حياتهم، ولو لا ذلك لم يكن ما يمنع النقض ولو من غير ~~عذر إذا اقتضته منافع المجتمع القوى الحيوية. # وأما الكذب أو الخيانة أو التعدي لما يتخذه الغير منافع لنفسه فليس مما ~~يمنع مجتمعا من المجتمعات من حيازة ما يراه نافعا لشأنه إذ الأخلاق ~~والمعنويات لا أصالة لها عندهم وإنما تعتبر على حسب ما تقدره غاية المجتمع ~~وغرضه الحيوي وهو التمتع من الحياة. # وأنت إذا تتبعت الحوادث العامة بين المجتمعات سابقها ولاحقها وخاصة ~~الحوادث العالمية الجارية في هذا العصر الأخير عثرت على شيء كثير من العهود ~~الموثقة ونقوضها على ما وصفناه. # وأما الإسلام فلم يعد حياة الإنسان المادية حياة له حقيقية، ولا التمتع ~~من مزاياها سعادة له واقعية، وإنما يرى حياته الحقيقية حياته الجامعة بين ~~المادة والمعنى، وسعادته الحقيقية اللازم إحرازها ما يسعده في دنياه ~~وأخراه. PageV09P106 # ويستوجب ذلك أن يبنى قوانين الحياة على الفطرة والخلقة دون ما يعده الإنسان ~~صالحا لحال نفسه، ويؤسس دعوته الحقة على اتباع الحق والاهتداء به دون اتباع ~~الهوى والاقتداء بما يميل إليه الأكثرية بعواطفهم وإحساساتهم الباطنة قال ~~تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: - 30 وقال: ms3365 "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون:" التوبة: - 33، وقال: ~~"بل أتيناهم بالحق:" المؤمنون: - 90، وقال: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن:" المؤمنون: - 71. # ومن لوازم ذلك أن يراعى حق الاعتقاد وفضيلة الخلق وصالح العمل جميعا فلا ~~غنى للمادة عن المعنى ولا غنى للمعنى عن المادة فمن الواجب رعاية جانب ~~الفضائل الإنسانية نفعت أو ضرت والتجنب عن الرذائل نفعت أو ضرت لأن ذلك من ~~اتباع الحق، وحاشا أن يضر إلا من انحرف عن ميزانه وتخطى ما يخط له الحق. # ومن هنا ما نرى أن الله سبحانه ينقض عهد المشركين لنقضهم عهده ويستعمل ~~الرحمة بإمهالهم أربعة أشهر، ويأمر بالاستقامة لمن استقام في عهده من ~~المشركين وقد استذلهم الحوادث يومئذ وضعفوا دون شوكة الإسلام، وكذا يأمر ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إن خاف من قوم خيانة أن ينقض عهدهم لكن ~~يأمره بإعلامهم ذلك ويعلله بأنه لا يحب الخيانة. # كلام في نسبة الأعمال إلى الأسباب طولا # تقدم في مواضع من هذا الكتاب أن الذي تنتجه الأبحاث العقلية أن الحوادث ~~كما أن لها نسبة إلى أسبابها القريبة المتصلة بها كذلك لها نسبة إلى ~~أسبابها القصوى التي هي أسباب لهذه الأسباب فالحوادث أفعال لها في عين أنها ~~من أفعال أسبابها القريبة المباشرة للعمل فإن الفعل كالحركة مثلا يتوقف على ~~فاعله المحرك ويتوقف على محرك محركه بعين ما يتوقف على محركه، نظير العجلة ~~المحركة للأخرى المحركة لثالثة وليست من الحركة بالعرض. # فللفعل نسبة إلى فاعله، وله انتساب إلى فاعل فاعله بعين هذه النسبة التي ~~إلى فاعله لا بنسبة أخرى منفصلة عنها مستقلة بنفسها غير أنه إذا انتسب إلى ~~فاعل الفاعل عاد الفاعل القريب بمنزلة الإله بالنسبة إلى فاعل الفاعل أي ~~واسطة محضة لا استقلال لها في العمل بمعنى أنه لا يستغني في تأثيره عن فاعل ~~الفاعل إذ فرض عدمه يساوق انعدام الفاعل وانعدام أثره. # وليس من شرط الواسطة أن تكون غير ذات شعور بفعلها أو غير مختارة فإن ms3366 ~~الشعور الذي يؤثر به الفاعل الشاعر في فعله لم يوجده هو لنفسه وإنما أوجده ~~فيه فاعله الذي أوجد الفاعل وشعوره، وكذلك الاختيار لم يوجده الفاعل ~~المختار لنفسه وإنما أوجده الفاعل الذي أوجد الفاعل المختار، وكما يتوقف ~~الفعل في غير موارد الشعور والاختيار إلى فاعله، ويتوقف بعين هذا التوقف ~~إلى فاعل فاعله، كذلك يتوقف الفعل الشعوري والفعل الاختياري إلى فاعله ~~ويتوقف بعين هذا التوقف إلى فاعل فاعله الذي أوجد لفاعله الشعور والاختيار. # ففاعل الفاعل الشاعر أو المختار أراد من الفاعل الشاعر أو المختار أن ~~يفعل من طريق شعوره فعلا كذا أو يفعل باختياره فعلا اختياريا كذا فقد أريد ~~الفعل من طريق الاختيار لأنه أريد الفعل وأهمل الاختيار الذي ظهر به فاعله ~~فافهم ذلك فلا تزل قدم بعد ثبوتها. # وعلى هذه الحقيقة يجري الناس بحسب فهمهم الغريزي فينسبون الفعل إلى السبب ~~البعيد كما ينسبونه إلى السبب القريب المباشر بما أنه أثر مترشح منه يقال: ~~بنى فلان دارا، وحفر بئرا وإنما باشر ذلك البناء والحفار، ويقال: جلد ~~الأمير فلانا، وقتل فلانا، وأسر فلانا، وحارب قوما كذا، وإنما باشر الجلد ~~جلاده، والقتل سيافه، والأسر جلاوزته، والمحاربة جنده، ويقال، أحرق فلان ~~ثوب فلان، وإنما أحرقه النار، وشفى فلان مريضا كذا وإنما شفاه الدواء الذي ~~ناوله وأمره بشربه واستعماله. # ففي جميع ذلك يعتبر أمر الآمر أو توسل المتوسل تأثيرا منه في الفاعل ~~القريب ثم ينسب الفعل المنسوب إلى الفاعل القريب إلى الفاعل البعيد، وليس ~~أصل النسبة إلا نسبة حقيقة من غير مجاز قطعا. PageV09P107 # ومن قال من علماء الأدب وغيرهم إن ذلك كله من المجاز في الكلمة لصحة سلب ~~الفعل عن الفاعل البعيد فإن مالك البناء لم يضع لبنة على لبنة وإنما هو شأن ~~البناء الذي باشر العمل! إنما أراد الفعل بخصوصية صدوره عن الفعل المباشر ~~ومن المسلم أن المباشرة إنما هو شأن الفاعل القريب، ولا كلام لنا فيه، ~~وإنما الكلام فيما يتصور له من الوجود المتوقف إلى فاعل موجد، وهذا المعنى ~~كما يقوم بالفاعل المباشر كذلك ms3367 يقوم بعين هذا القيام بفاعل الفاعل. # واعتبار هذه النكتة هو الذي أوجب لهم أن يميزوا بين الأعمال وينسبوا ~~بعضها إلى الفاعل القريب والبعيد معا، ولا ينسبوا بعضها إلا إلى الفاعل ~~القريب المباشر للعمل فما كان منها يكشف بمفهومه عن خصوصيات المباشرة ~~والاتصال بالعمل كالأكل بمعنى الالتقام والبلع والشرب بمعنى المص والتجرع ~~والقعود بمعنى الجلوس ونحو ذلك لم ينسب إلا إلى الفاعل المباشر فإذا أمر ~~السيد خادمه أن يأكل غذاء كذا ويشرب شرابا كذا ويقعد على كرسي كذا، قيل: ~~أكل الخادم وشرب وقعد ولا يقال: أكله سيده وشربه وقعد عليه، وإنما يقال: ~~تصرف في كذا إذا استعمل كذا أو أنفق كذا ونحو ذلك لما ذكرناه. # وأما الأعمال التي لا تعتبر فيها خصوصيات المباشرة والحركات المادية التي ~~تقوم بالفاعل المباشر للحركة كالقتل والأسر والإحياء والإماتة والإعطاء ~~والإحسان والإكرام ونظائر ذلك فإنها تنسب إلى الفاعل القريب والبعيد على ~~السوية بل ربما كانت نسبتها إلى الفاعل البعيد أقوى منها إلى الفاعل القريب ~~كما إذا كان الفاعل البعيد أقوى وجودا وأشد سلطة وإحاطة. # فهذا ما ينتجه البحث العقلي ويجري عليه الإنسان بفهمه الغريزي، والقرآن ~~الكريم يصدق ذلك أوضح تصديق كقوله تعالى في الآيات السابقة: "قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ ~~قلوبهم" الآيتان. # حيث نسب التعذيب الذي تباشره أيدي المؤمنين إلى نفسه بجعل أيديهم بمنزلة الآلة. # ونظيره قوله تعالى: "والله خلقكم وما تعملون:" الصافات: - 96 فإن المراد ~~بما تعملون إما الأصنام التي كانوا يعملونها من الحجارة أو الأخشاب أو ~~الفلزات فإنما أريد به المادة بما عليها من عمل الإنسان ففيه نسبة الخلق ~~إلى الأعمال كنسبته إلى فواعلها، وأما نفس الأعمال فالأمر أوضح. # ويقرب من ذلك قوله تعالى: "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون:" ~~الزخرف - 12، ففيه نسبة الخلق إلى الفلك والفلك بما هي من عمل الإنسان. # هذا فيما نسب فيه الخلق إلى الأعمال الصادرة عن الشعور والإرادة، وأما ~~الأفعال التي لا تتوقف في صدورها على شعور وإرادة كالأفعال الطبيعية ms3368 فقد ~~ورد نسبتها إلى الله سبحانه في آيات كثيرة جدا لا حاجة إلى إحصائها كإحياء ~~الأرض وإنبات النبات وإخراج الحب وإمطار السماء وإجراء الأنهار وتسيير ~~الفلك التي تجري في البحر بأمره إلى غير ذلك. # ولا منافاة في جميع هذه الموارد بين انتساب الأمر إليه تعالى وانتسابه ~~إلى غيره من الأسباب والعلل الطبيعية وغيرها إذ ليست النسبة عرضية تزاحم ~~إحدى النسبتين الأخرى بل هي طولية لا محذور في تعلقها بأزيد من طرف واحد. # وقد تقدم في مطاوي أبحاثنا السابقة دفع ما اشتبه على الماديين من إسناد ~~الحوادث العامة كالسيول والزلازل والجدب والوباء والطاعون إلى الله سبحانه ~~مع الحصول على أسبابها الطبيعية اليوم حيث خلطوا بين العلل والأسباب ~~العرضية والطولية، وحسبوا أن استنادها إلى عللها الطبيعية يبطل ما أثبته ~~الكتاب العزيز وأذعن به الإلهيون من استنادها إلى مسبب الأسباب الذي إليه ~~يرجع الأمر كله. # وللأشاعرة والمعتزلة بحث غريب في الآية السابقة: "قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم" وما يناظرها من الآيات، أورده الرازي في تفسيره نورده ملخصا. # قال: استدلت الأشاعرة بقوله تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم" الآية ~~على أن أفعال العباد مخلوقة لله، وأن الناس مجبرون في أفعالهم غير مختارين ~~فإن الله سبحانه يخبر فيها أنه هو الذي يعذب المشركين بقتل بعضهم وجرح ~~آخرين بأيدي المؤمنين ويدل ذلك على أن أيدي المؤمنين كسيوفهم ورماحهم آلات ~~محضة لا تأثير لها أصلا وإنما الفعل لله سبحانه، وأن الكسب الذي يعد مناطا ~~للتكليف اسم لا مسمى له. PageV09P108 # وهذه الآية أقوى دلالة على المطلوب من دلالة مثل قوله تعالى: "وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى" إذ فيه إثبات الرمي على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) - وإن كان مع ذلك نفي عنه - وإثبات لإسناده إلى الله سبحانه لكن ~~الآية أعني قوله: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم" إثبات للتعذيب على الله ~~سبحانه وجعل أيدي المؤمنين التي لهم آلات في الفعل لا تأثير لها وفيها أصلا. # وأجاب عنه الجبائي من المعتزلة: بأنه لو جاز أن يقال: إن الله يعذب ~~الكافرين ms3369 بأيدي المؤمنين بحقيقة ما ادعي له من المعنى لجاز أن يقال: إنه ~~يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، وأنه تعالى يكذب أنبياءه بألسنتهم، ويلعن ~~المؤمنين ويسبهم بأفواههم لأنه تعالى خالق لذلك كله، وإذ لم يجز ذلك علمنا ~~أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما أعمالهم خلق أنفسهم. # وبذلك يعلم أن إسناد التعذيب في الآية إليه تعالى بنوع من التوسع لأنه ~~إنما تحقق عن أمره ولطفه كما أنه تعالى ينسب جميع الطاعات والحسنات إلى ~~نفسه لتحققها عن أمره وتوفيقه. # وأجاب عنه الرازي بأن أصحابنا يلتزمون جميع ما ألزم به الجبائي وأصحابه ~~من لزوم إسناد القبائح إليه تعالى ويعتقدون به لبا وإن كانوا لا ينطقون به ~~لسانا أدبا مع الله سبحانه، انتهى ملخصا. # والأبحاث التي قدمناها في هذا الكتاب حول هذه المعاني تكفي لإيضاح الحق ~~وإنارته في هذا المقام، والكشف عما وقع فيه الفريقان جميعا. # أما ما ذكرته الأشاعرة والتزموا به فإنما أوقعهم في ذلك ما ذهبوا إليه من ~~نفي رابطة العلية والمعلولية من بين الأشياء وقصرها فيما بينه تعالى وبين ~~خلقه عامة فلا سبب في الوجود لا استقلالا ولا بالوساطة غيره تعالى، وأما ~~رابطة السببية التي بين الأشياء أنفسها فإنما هي سببية بالاسم فقط لا ~~بالحقيقة، وإنما هي العادة الإلهية جرت بإيجاد ما نسميها مسببات عقيب ما ~~نسميها أسبابا فما بينها وبينه تعالى سببية حقيقية، وما بينها أنفسها يعود ~~إلى الاتفاق الدائم أو الأكثري. # ولازم ذلك إبطال العلية والسببية من أصلها، وببطلانها يبطل ما أثبتوه من ~~انحصار السببية فيه تعالى إذ لو جاز أن يكون نسبة كل شيء إلى كل شيء نسبة ~~واحدة من غير اختلاف بالتأثير والتأثر لم يبق للإنسان ما يتنبه به لأصل ~~معنى السببية فلا سبيل له إلى إثبات سببيته تعالى لكل شيء. # على أن الإنسان يترقب حوادث من حوادث أخرى، ويقطع بالنتائج عن مقدماتها ~~ويبني حياته على التعليم والتربية، وعلى تقديم الأسباب طمعا في مسبباتها ~~سواء اعترف بالصانع أو لم يعترف، ولا يتم له شيء من ذلك إلا عن ms3370 إذعان فطري ~~بأصل العلية والمعلولية، ولو أجازت الفطرة الإنسانية بطلان ذلك وجريان ~~الحوادث على مجرد الاتفاق اختل نظام حياته ببطلان سعيه الفكري والعملي، ~~وانسد طريق إثبات سبب ما فوق طبيعة الحوادث. # على أن الكتاب العزيز يجري في بياناته على تصديق أصل العلية والمعلولية، ~~وينسب كل حسنة إليه تعالى وينفي استناد السيئات والمعاصي إليه ويسميه بكل ~~اسم أحسن ويصفه بكل وصف جميل، وينفي عنه كل هزل وعبث ولغو ولهو وجزاف، ولا ~~يتم شيء من ذلك إلا على أصل العلية والمعلولية، وقد تقدم في الأبحاث ~~السابقة ما يتبين به ذلك كله. # وقد ذهب طائفة من الماديين وخاصة أصحاب المادية المتحولة إلى عين ما ذهب ~~إليه الأشاعرة من ثبوت الجبر ونفي الاختيار عن الأفعال الإنسانية، وإنما ~~الفارق بين قولي الطائفتين هو أن الأشاعرة بنوا ذلك على سببية الواجب تعالى ~~المنحصرة واستنتجوا من ذلك بطلان السببية الاختيارية وانتفاءها عن الإنسان، ~~والماديون بنوه على معلولية الأفعال الإنسانية لمجموع الحوادث المحتفة ~~بالفعل التي هي علة حدوثه، ولا معنى للعلية إلا بالإيجاب، فالإنسان موجب في ~~فعله مجبر عليه. # وقد فات منهم أن الذي نسبة المعلول إليه بالإيجاب إنما هو العلة التامة، ~~وهي مجموع الحوادث المتقدمة على المعلول التي لا يتوقف هو في وجوده على شيء ~~وراءها، وبوجودها جميعا لا يبقى له إلا أن يوجد، وأما بعض أجزاء العلة ~~التامة فإنما نسبة المعلول إليه بالإمكان لا بالوجوب لتوقف وجوده على أشياء ~~أخر وراءه فلا يتحقق بوجود الجزء المفروض جميع ما يتوقف عليه وجوده حتى ~~يعود واجبا وجوده. PageV09P109 # والأفعال الإنسانية يتوقف في وجودها على الإنسان وإرادته وعلى أمور غير ~~محصورة أخرى من المادة والشرائط الزمانية والمكانية فهي إذا نسب إليها ~~جميعا كانت النسبة الحاصلة نسبة الوجوب والضرورة، وأما إذا نسبت إلى ~~الإنسان وحده أو إلى الإنسان المريد فقد نسبت إلى جزء العلة التامة وعادت ~~النسبة إلى الإمكان دون الوجوب، فالأفعال الإرادية الإنسانية اختيارية أي ~~أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل فإن فعل فبمشيته وإرادته، وإن لم يفعل فلم ms3371 ~~يختره ولم يرده وإنما اختار وأراد شيئا آخر، لكنها لا تقع في الخارج إلا ~~واجبة لاستنادها حينئذ إلى جميع أجزاء عللها. # فهؤلاء خلطوا في كلامهم بين النسبتين فوضعوا النسبة الوجوبية التي للفعل ~~إلى مجموع أجزاء علتها التامة موضع النسبة الإمكانية التي للفعل إلى بعض ~~أجزاء علته التامة وهي التي تسمى في الإنسان بالاختيار على نحو من العناية. # وأما ما ذكره المعتزلة أنه لو جاز كونه تعالى هو الفاعل للفعل الذي أتى ~~به المؤمنون وهو التعذيب، وليس لهم إلا مقام الآلية المحضة من غير تأثير ~~لجاز إسناد تعذيب الكفار للمؤمنين وتكذيبهم للأنبياء ولعنهم المؤمنين أيضا ~~إليه، وهو باطل قطعا فأفعال العباد مخلوقة لهم لا صنع لله تعالى فيها. # ففيه أن الملازمة حقة لكن بطلان التالي لا يستلزم كون الأفعال مخلوقة لهم ~~لا نسبة لها إلى الله سبحانه أصلا لجواز كونها منسوبة إليه تعالى بعين ما ~~ينتسب به إليهم فإنهم فاعلون لها وهو فاعل الفاعلين فينتسب إليهم بالصدور ~~عن الفاعل المباشر، وينتسب إليه بالصدور عن الفاعل الذي هو فاعله والنسبتان ~~في الحقيقة نسبة واحدة مختلفة بالقرب والبعد وانتفاء الواسطة وثبوتها، ولا ~~يستلزم ذلك اجتماع فاعلين مستقلين على فعل واحد لكونهما طوليين لا عرضيين. # فإن قلت: فيبقى محذور استناد الحسنات والسيئات والإيمان والكفر إليه ~~تعالى في محله. # قلت: كلا وإنما ينتسب إليه أصل وجودها، وأما عنوان الفعل الذي يشير إلى ~~جهة قيام الحركة والسكون بالموضوع المتحرك كالنكاح والزنا والأكل المحرم ~~والمحلل فإنما ينسب إلى الإنسان لكونه هو الموضوع المادي الذي يتحرك بهذه ~~الحركات: وأما الذي يوجد هذا المتحرك الذي من جملة آثاره حركته وليس بنفسه ~~متحركا بها وإنما يوجدها إيجادا إذا تمت شرائطها وأسبابها فلا يتصف بأنواع ~~هذه الحركات حتى يتصف بفعل النكاح أو الزنا أو أي فعل قائم بالإنسان. # نعم هناك عناوين عامة لا تستتبع معنى الحركة والمادة، لا مانع من إسنادها ~~إلى الإنسان وإليه سبحانه إذا لم يستلزم محذورا كالهداية والإضلال إذا لم ~~يكن إضلالا ابتدائيا، وكالتعذيب والابتلاء، فقتل المؤمن للكافر ms3372 تعذيب إلهي ~~للكافر، وقتل الكافر للمؤمن بلاء حسن للمؤمن يستوجب به أجرا حسنا عند الله، ~~وعلى هذا القياس. # على أن الذي ذهب إليه المعتزلة يوقعهم فيما وقعت فيه الأشاعرة وهو انسداد ~~طريق إثبات الصانع عليهم فإنه لو جاز أن يوجد في العالم حادث من الحوادث عن ~~سبب له وينقطع عما وراء سببه ذلك انقطاعا تاما لا تأثير له فيه جاز في كل ~~ما فرض من الحوادث أن يستند إلى ما يليه من غير أن يرتبط بشيء آخر وراءه، ~~ومن الجائز أن يفنى الفاعل ويبقى أثره فمن الجائز أن يستند كل ما فرض ~~معلولا إلى فاعل له غير واجب الوجود ومن الجائز أن يستند كل عالم مفروض إلى ~~عالم قبله هو فاعله وقد فنى قبله على ما هو المشهود من حوادث هذا العالم ~~المولد بعضها بعضا: والمتولد بعضها من بعض، ولا يلزم محذور التسلسل لعدم ~~تحقق سلسلة ذات أجزاء في وقت من الأوقات إلا في الذهن. # وفي كلامهم مفاسد كثيرة أخرى مبينة في المحل المربوط به، وقد تقدم في ~~الكلام على نسبة الخلق إليه تعالى في الجزء السابع من الكتاب ما ينفع في ~~هذا المقام. # وكيف يسع لمسلم موحد أن يثبت مع الله سبحانه خالقا آخر بحقيقة معنى الخلق ~~والإيجاد وقد قال الله سبحانه: "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا ~~هو": المؤمن: - 62 وقد كرر ذلك في كلامه، وليس في تجاهه إلا نسبة أفعال ~~الإنسان إليه من غير قطع رابطتها إليه تعالى بل مع إثبات النسبة بدليل آيات ~~القدر ودلالة العقل على أن لفعل الفاعل نسبة إلى فاعل فاعله بحسب ما يليق ~~بساحته. PageV09P110 # فالحق أن للأفعال الإنسانية نسبة إلى فواعلها بالمباشرة، ونسبة إليه تعالى ~~بما يليق بساحة قدسه، قال تعالى: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما ~~كان عطاء ربك محظورا: إسراء: - 20. PageV09P111 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 17 - 24 # ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت ~~أعملهم وفى النار هم خلدون (17) إنما ms3373 يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم ~~الاخر وأقام الصلوة وءاتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين (18) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله ~~واليوم الاخر وجهد فى سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدى القوم ~~الظلمين (19) الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا فى سبيل الله بأمولهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضون ~~وجنت لهم فيها نعيم مقيم (21) خلدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) ~~يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخونكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الايمن ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظلمون (23) قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم ~~وإخونكم وأزوجكم وعشيرتكم وأمول اقترفتموها وتجرة تخشون كسادها ومسكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله ~~بأمره والله لا يهدى القوم الفسقين (24) ### |||| AUTO بيان # آيات تبين أن الأعمال إنما تكون حية مرضية إذا صدرت عن حقيقة الإيمان ~~بالله ورسوله واليوم الآخر وإلا فإنما هي حبط لا تهدي صاحبها إلى سعادة، ~~وإن من لوازم الإيمان بحقيقته قصر الولاية والحب والوداد في الله ورسوله. # وهي ظاهرة الاتصال والارتباط فيما بينها أنفسها، وأما اتصالها بما تقدمها ~~من الآيات فليس بذاك الوضوح، وما ذكره بعض المفسرين في وجه اتصالها بما ~~قبلها لا يخلو من تكلف. # قوله تعالى: "ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر" العمارة ضد الخراب يقال: عمر الأرض إذا بنى بها بناء، وعمر البيت ~~إذا أصلح ما أشرف منها على الفساد، والتعمير بمعناه ومنه العمر لأنه عمارة ~~البدن بالروح، والعمرة بمعنى زيارة البيت الحرام لأن فيها تعميره. # والمسجد اسم مكان بمعنى المحل الذي يتعلق به السجدة كالبيت الذي يبنى ~~ليسجد فيه الله تعالى، وأعضاء السجدة التي تتعلق بها السجدة نوع تعلق وهي ~~الجبهة والكفان والركبتان ورءوس إبهامي القدمين. # وقوله: "ما كان للمشركين" الآية لنفي الحق والملك فإن اللام للملك والحق، ~~والنفي الحالي للكون السابق يفيد أنه لم يتحقق ms3374 منهم سبب سابق يوجب لهم أن ~~يملكوا هذا الحق وهو حق أن يعمروا مساجد الله ويرموا ما استرم منها أو ~~يزوروها كقوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى:" الأنفال: - 67 وقوله: ~~"وما كان لنبي أن يغل:" آل عمران: - 161. # والمراد بالعمارة في قوله: "أن يعمروا" إصلاح ما أشرف على الخراب من ~~البناء ورم ما استرم منه دون عمارة المسجد بالزيارة فإن المراد بمساجد الله ~~هي المسجد الحرام وكل مسجد لله ولا عمرة في غير المسجد الحرام، والدخول في ~~المساجد للعبادة فيها وإن أمكن أن يسمى عمارة وزيارة لكن التعبير المعهود ~~من القرآن فيه الدخول. # على أن في قوله في الآية الآتية: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام" تأييدا ما لكون المراد بالعمارة هو إصلاح البناء دون زيارة البيت ~~الحرام. # والمراد بمساجد الله بيوت العبادة المبنية لله لكن السياق يدل على أن ~~المراد نفي جواز عمارتهم للمسجد الحرام، ويؤيده قراءة من قرأ "أن يعمروا ~~مسجد الله" بالإفراد. # ولا ضير في التعبير بالجمع والمقصود الأصيل بيان حكم فرد خاص من أفراده ~~لأن الملاك عام، والتعليل الوارد في الآية غير مقيد بخصوص المسجد الحرام ~~فالكلام في معنى: ما كان لهم أن يعمروا المسجد الحرام لأنه مسجد والمساجد ~~من شأنها ذلك. PageV09P112 # وقوله: "شاهدين على أنفسهم بالكفر" المراد بالشهادة أداؤها وهو الاعتراف ~~إما قولا كمن يعترف بالكفر لفظا، وإما فعلا كمن يعبد الأصنام ويتظاهر بكفره ~~فكل ذلك من الشهادة والملاك واحد. # فمعنى الآية: لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرموا ما استرم من المسجد ~~الحرام كسائر مساجد الله والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم. # قوله تعالى: "أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون" في مقام التعليل ~~لما أفيد من الحكم في قوله: "ما كان" إلخ ولذلك جيء به بالفصل دون الوصل. # والمراد بالجملة الأولى بيان بطلان الأثر وارتفاعه عن أعمالهم، والعمل ~~إنما يؤتى به للتوسل به إلى أثر مطلوب، وإذ كانت أعمالهم حابطة لا أثر لها ~~لم يكن ما يجوز لهم الإتيان ms3375 بها، والأعمال العبادية كعمارة مساجد الله إنما ~~تقصد لما يطمع فيه ويرجى من أثرها وهو السعادة والجنة، والعمل الحابط لا ~~يتعقب سعادة ولا جنة البتة. # والمراد بالجملة الثانية بيان ظرفهم الذي يستقرون فيه لو لا السعادة ~~والجنة وهو النار فكأنه قيل: أولئك لا يهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة ~~بل هم في النار الخالدة، ولا تفيد لهم سعادة بل هم في الشقاوة المؤبدة. # وفي الآية دلالة على أصلين لطيفين من أصول التشريع: أحدهما: أن تشريع ~~الجواز بالمعنى الأعم الشامل للواجبات والمستحبات والمباحات يتوقف على أثر ~~في الفعل ينتفع به فاعله فلا لغو مشروعا في الدين، وهذا أصل يؤيده العقل، ~~وهو منطبق على الناموس الجاري في الكون: أن لا فعل إلا لنفع عائد إلى فاعله. # وثانيهما: أن الجواز في جميع موارده مسبوق بحق مجعول من الله لفاعله في ~~أن يأتي بالفعل من غير مانع. # قوله تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" الآية ~~السياق كاشف عن أن الحصر من قبيل قصر الإفراد كان متوهما يتوهم أن للمشركين ~~والمؤمنين جميعا أن يعمروا مساجد الله فأفرد وقصر ذلك في المؤمنين، ولازم ~~ذلك أن يكون المراد بقوله: "يعمر" إنشاء الحق والجواز في صورة الإخبار دون ~~الإخبار، وهو ظاهر. # وقد اشترط سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتصف العامر بالإيمان ~~بالله واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين أن يكون لهم ذلك ولم يقنع ~~بالإيمان بالله وحده لأن المشركين يذعنون به تعالى بل شفع ذلك بالإيمان ~~باليوم الآخر لأن المشركين ما كانوا مؤمنين به، وبذلك يختص حق العمارة ~~وجوازها بأهل الدين السماوي من المؤمنين. # ولم يقنع بذلك أيضا بل ألحق به قوله: "وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله" لأن المقام مقام بيان من ينتفع بعمله فيحق له بذلك أن يقترفه، ~~ومن كان تاركا للفروع المشروعة في الدين وخاصة الركنين: الصلاة والزكاة فهو ~~كافر بآيات الله لا ينفعه مجرد الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان مسلما، ~~إذا لم ينكرها بلسانه، ولو ms3376 أنكرها بلسانه أيضا كان كافرا غير مسلم. # وقد خص من بينها الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما الركنين الذين لا غنى ~~عنهما في حال من الأحوال. # وبما ذكرنا من اقتضاء المقام يظهر أن المراد بقوله: "ولم يخش إلا الله" ~~الخشية الدينية وهي العبادة دون الخشية الغريزية التي لا يسلم منها إلا ~~المقربون من أولياء الله كالأنبياء قال تعالى: "الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله:" الأحزاب: - 39. # والوجه في التكنية عن العبادة بالخشية أن الأعرف عند الإنسان من علل ~~اتخاذ الإله للعبادة الخوف من سخطه أو الرجاء لرحمته ورجاء الرحمة، أيضا ~~يعود بوجه إلى الخوف من انقطاعها وهو السخط فمن عبد الله سبحانه أو عبد ~~شيئا من الأصنام فقد دعاه إلى ذلك أما الخوف من شمول سخطه أو الخوف من ~~انقطاع نعمته ورحمته فالعبادة ممثلة للخوف والخشية مصداق لها لتمثيلها ~~إياها، وبينهما حالة الاستلزام، ولذلك كني بها عنها، فالمعنى - والله أعلم ~~- ولم يعبد أحدا من دون الله من الآلهة. # وقوله: "فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" أي أولئك الذين آمنوا بالله ~~واليوم الآخر ولم يعبدوا أحدا غير الله سبحانه يرجى في حقهم أن يكونوا من ~~المهتدين، وهذا الرجاء قائم بأنفسهم أو بأنفس المخاطبين بالآية، وأما هو ~~تعالى فمن المستحيل أن يقوم به الرجاء الذي لا يتم إلا مع الجهل بتحقق ~~الأمر المرجو الحصول. PageV09P113 # وإنما أخذ الاهتداء مرجو الحصول لا محقق الوقوع مع أن من آمن بالله واليوم ~~الآخر حقيقة وحققه أعماله العبادية فقد اهتدى حقيقة لأن حصول الاهتداء مرة ~~أو مرات لا يستوجب كون العامل من المهتدين، واستقرار صفة الاهتداء ولزومها ~~له، فالتلبس بالفعل الواقع مرة أو مرات غير التلبس بالصفة اللازمة فأولئك ~~حصول الاهتداء لهم محقق، وأما حصول صفة المهتدين فهو مرجو التحقق لا محقق. # وقد تحصل من الآية أن عمارة المساجد لا تحق ولا تجوز لغير المسلم أما ~~المشركون فلعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وأما أهل الكتاب فلأن القرآن ~~لا يعد إيمانهم بالله إيمانا قال تعالى: "إن الذين ms3377 يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا:" النساء: - 151، وقال أيضا في ~~آية 29 من السورة: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب" الآية. # قوله تعالى: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله" الآية، السقاية كالحكاية والجناية ~~والنكاية مصدر يقال: سقى يسقي سقاية. # والسقاية أيضا الموضع الذي يسقى فيه الماء، والإناء الذي يسقى به قال ~~تعالى: "جعل السقاية في رحل أخيه:" يوسف: - 70، وقد رووا في الآثار أن ~~سقاية الحاج كانت إحدى الشئونات الفاخرة والمآثر التي يباهى بها في ~~الجاهلية، وأن السقاية كانت حياضا من آدم على عهد قصي بن كلاب أحد أجداد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء ~~العذب من الآبار على الإبل، ويسقي الحاج فجعل قصي أمر السقاية عند وفاته ~~لابنه عبد مناف ولم يزل في ولده حتى ورثه العباس بن عبد المطلب. # وسقاية العباس هو الموضع الذي كان يسقى فيه الماء في الجاهلية والإسلام ~~وهو في جهة الجنوب من زمزم بينهما أربعون ذراعا، وقد بني عليه بناء هو ~~المعروف اليوم بسقاية العباس. # والمراد بالسقاية في الآية - على أي حال - معناها المصدري وهو السقي، ~~ويؤيده مقابلتها في الآية عمارة المسجد الحرام والمراد بها المعنى المصدري ~~قطعا بمعنى الشغل. # وقد قوبل في الآية سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، ولا معنى لدعوى المساواة بين الإنسان ~~وبين عمل من الأعمال كالسقاية والعمارة أو نفيها فالمعادلة والمساواة إما ~~بين عمل وعمل أو بين إنسان ذي عمل وإنسان ذي عمل. # ولذلك اضطر المفسرون إلى القول بأن تقدير الكلام: أجعلتم أهل سقاية الحاج ~~وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر حتى يستقيم السياق. # وأوجب منه النظر في قيود الكلام ms3378 المأخوذة في الآية الكريمة فقد أخذ في ~~أحد الجانبين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحدهما من غير أي قيد زائد، ~~وفي الجانب الآخر الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله وإن شئت ~~فقل: الجهاد في سبيل الله مع اعتبار الإيمان معه. # وهو يدل على أن المراد: السقاية والعمارة خاليتين من الإيمان، ويؤيده ~~قوله تعالى في ذيل الآية: "والله لا يهدي القوم الظالمين" على تقدير كونه ~~تعريضا لأهل السقاية والعمارة لا تعريضا لمن يسوى بينهما كما يتبادر من ~~السياق. # وهذا يكشف أولا عن أن هؤلاء الذين كانوا يسوون بين كذا وكذا وبين كذا ~~إنما كانوا يسوون بين عمل جاهلي خال عن الإيمان بالله واليوم الآخر ~~كالسقاية والعمارة من غير أن يكون عن إيمان، وبين عمل ديني عن إيمان بالله ~~واليوم الآخر كالجهاد في سبيل الله عن إيمان، أي كانوا يسوون بين جسد عمل ~~لا حياة فيه وبين عمل حي طيب نفعه فأنكره الله عليهم. # وثانيا: أن هؤلاء المسوين كانوا من المؤمنين يسوون بين عمل من غير إيمان، ~~كان صدر عنهم قبل الإيمان أو صدر عن مشرك غيرهم، وبين عمل صدر عن مؤمن ~~بالله عن محض الإيمان حال إيمانه كما يشهد به سياق الإنكار وبيان الدرجات ~~في الآيات. PageV09P114 # بل يشعر بل يدل ذكر نفس السقاية والعمارة من غير ذكر صاحبهما على أن ~~صاحبيهما كانا من أهل الإيمان عند التسوية فلم يذكرا حفظا لكرامتهما وهما ~~مؤمنان حين الخطاب ووقاية لهما بالنظر إلى التعريض الظاهر الذي في آخر ~~الآية من أن يسميا ظالمين. # بل يدل قوله تعالى في الآية التالية في مقام بيان أجر هؤلاء المجاهدين في ~~سبيل الله عن إيمان: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله" على أن ~~طرفي التسوية في قوله: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن" ~~الآية كانا من أهل مكة، وأن أهل أحد الطرفين وهو الذي آمن وجاهد كان ممن ~~أسلم وهاجر، وأهل الطرف الآخر أسلم ولم يهاجر فإن هذا هو الوجه في ذكره ~~تعالى أولا ms3379 الإيمان والجهاد في أحد الطرفين ثم إضافة الهجرة إلى ذلك عند ما ~~أعيد ثانيا، وقد ذكر تعالى السقاية والعمارة في الجانب الآخر ولم يزد على ~~ذلك شيئا لا أولا ولا ثانيا فما هذه القيود بلاغية في قوله الفصل. # وهذا كله يؤيد ما ورد في سبب نزول الآية أن الآيات نزلت في العباس وشيبة ~~وعلي (عليه السلام) حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج، وشيبة عمارة ~~المسجد الحرام، وعلى الإيمان والجهاد في سبيل الله فنزلت الآيات وستجيء ~~الرواية في البحث الروائي المتعلق بالآيات. # وكيف كان فالآية وما يتلوها من الآيات تبين أن الزنة والقيمة إنما هو ~~للعمل إذا كان حيا بولوج روح الإيمان فيه وأما الجسد الخالي الذي لا روح ~~فيه ولا حياة له فلا وزن له في ميزان الدين ولا قيمة له في سوق الحقائق ~~فليس للمؤمنين أن يعتبروا مجرد هياكل الأعمال، ويجعلوها ملاكات للفضل ~~وأسبابا للقرب منه تعالى إلا بعد اعتبار حياتها بالإيمان والخلوص. # ومن هذه الجهة ترتبط الآية: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام" ~~وما بعدها من الآيات بالآيتين اللتين قبلها: "ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر" إلى آخر الآيتين. # وبذلك كله يظهر أولا أن قوله: "والله لا يهدي القوم الظالمين" جملة حالية ~~تبين وجه الإنكار لحكمهم بالمساواة في قوله: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن" الآية. # وثانيا: أن المراد بالظلم هو ما كانوا عليه من الشرك في حال السقاية ~~والعمارة لا حكمهم بالمساواة بين السقاية والعمارة وبين الجهاد عن إيمان. # وثالثا: أن المراد نفي أن ينفعهم العمل ويهديهم إلى السعادة التي هي عظم ~~الدرجة والفوز والرحمة والرضوان والجنة الخالدة. # قوله تعالى: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم" إلى آخر الآية بيان لحق الحكم الذي عند الله في المسألة بعد إنكار ~~المساواة، وهو أن الذي آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله ما استطاع ببذل ما ~~عنده من مال ونفس، أعظم درجة عند الله وإنما عبر في صورة الجمع - الذين ms3380 ~~آمنوا إلخ - إشارة إلى أن ملاك الفصل هو الوصف دون الشخص. # وما تقدم من دلالة الكلام على أن الأعمال من غير إيمان بالله لا فضل لها ~~ولا درجة لصاحبها عند الله، قرينة على أن ليس المراد بالقياس الذي يدل عليه ~~أفعل التفضيل في قوله: "أعظم درجة" إلخ هو أن بين الفريقين اشتراكا في ~~الدرجات غير أن درجة من جاهد عن إيمان أعظم ممن سقى وعمر. # بل المراد بيان أن النسبة بينهما نسبة الأفضل إلى من لا فضل له كالمقايسة ~~المأخوذة بين الأكثر والأقل فإنها تستدعي وجود حد متوسط بينهما يقاسان إليه ~~فهناك ثلاثة أمور أمر متوسط يؤخذ مقياسا معدلا وآخر يكون أكثر منه، وآخر ~~يكون أقل منه فإذا قيس الأكثر من الأقل كان الأكثر مقيسا إلى ما لا كثرة ~~فيه أصلا. # فقوله: "أعظم درجة عند الله" أي بالقياس إلى هؤلاء الذين لا درجة لهم ~~أصلا، وهذا نوع من الكناية عن أن لا نسبة حقيقة بين الفريقين لأن أحدهما ذو ~~قدم رفيع فيما لا قدم للآخر فيه أصلا. # ويدل على ذلك أيضا قوله: "وأولئك هم الفائزون" بما يدل على انحصار الفوز ~~فيهم وثبوتها لهم على نهج الاستقرار. # قوله تعالى: "يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات" إلى آخر الآيتين ظاهر ~~السياق أن ما يعده من الفضل في حقهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السابقة ~~من فوزهم جيء به بلسان التبشير. PageV09P115 # فالمعنى "يبشرهم" أي هؤلاء المؤمنين "ربهم برحمة منه" عظيمة لا يقدر قدرها ~~"ورضوان" كذلك "وجنات لهم فيها" في تلك الجنات "نعيم مقيم" لا يزول ولا ~~ينفد حالكونهم "خالدين فيها أبدا" لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد. # ثم لما كان المقام مقام التعجب والاستبعاد لكونها بشارة بأمر عظيم لم ~~يعهد في ما نشاهده من أنواع النعيم الذي في الدنيا، رفع الاستبعاد بقوله: ~~"إن الله عنده أجر عظيم". # وسيوافيك الكلام في توضيح معنى رحمته تعالى ورضوانه فيما سيمر من موضع ~~مناسب وقد تقدم بعض الكلام فيهما. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ms3381 تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء" إلى ~~آخر الآية نهى عن تولي الكفار ولو كانوا آباء وإخوانا فإن الملاك عام، ~~والآية التالية تنهى عن تولي الجميع غير أن ظاهر لفظ الآية النهي عن اتخاذ ~~الآباء والإخوان أولياء إن استحبوا الكفر ورجحوه على الإيمان. # وإنما ذكر الآباء والإخوان دون الأبناء والأزواج مع كون القبيلين وخاصة ~~الأبناء محبوبين عندهم كالآباء والإخوان لأن التولي يعطي للولي أن يداخل ~~أمور وليه ويتصرف في بعض شئون حياته، وهذا هو المحذور الذي يستدعي النهي عن ~~تولي الكفار حتى لا يداخلوا في أمورهم الداخلية ولا يأخذوا بمجامع قلوبهم، ~~ولا يكف المؤمنون ولا يستنكفوا عن الإقدام فيما يسوؤهم ويضرهم، ومن المعلوم ~~أن النساء والذراري لا يترقب منهم هذا الأثر السيىء إلا بواسطة، فلذلك خص ~~النهي عن التولي بالآباء والإخوان فهم الذين يخاف نفوذهم في قلوب المؤمنين ~~وتصرفهم في شئونهم. # وقد ورد النهي عن اتخاذ الكفار أولياء في مواضع من كلامه تقدم بعضها في ~~سورة المائدة وآل عمران والنساء والأعراف وفيها إنذار شديد وتهديدات بالغة ~~كقوله تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم:" المائدة: - 51، وقوله: "ويحذركم ~~الله نفسه": آل عمران: - 28، وقوله: "ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء:" ~~آل عمران: - 28، وقوله: "أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا:" ~~النساء: - 144. # وأنذرهم في الآية التي نحن فيها بقوله: "ومن يتولهم منكم فأولئك هم ~~الظالمون" ولم يقل: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" إذ من الجائز أن يتوهم بعض ~~هؤلاء أنه منهم لأنهم آباؤه وإخوانه فلا يؤثر فيه التهديد أثرا جديدا يبعثه ~~نحو رفض الولاية. # وكيف كان فقوله: "ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون" بما في الجملة من ~~المؤكدات كاسمية الجملة، ودخول اللام على الخبر وضمير الفصل يفيد تحقق ~~الظلم منهم واستقراره فيهم، وقد كرر الله في كلامه أن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين، وقال في نظير الآية من سورة المائدة: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين" فهؤلاء محرومون من الهداية الإلهية لا ~~ينفعهم شيء من أعمالهم الحسنة في جلب ms3382 السعادة إليهم، والسماحة بالفوز ~~والفلاح عليهم. # قوله تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم" إلى آخر الآية التفت ~~من مخاطبتهم إلى مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إيماء إلى الإعراض ~~عنهم لما يستشعر من حالهم أن قلوبهم مائلة إلى الاشتغال بما لا ينفع معه ~~النهي عن تولي آبائهم وإخوانهم الكافرين، وإيجاد الداعي في نفوسهم إلى ~~الصدور عن أمر الله ورسوله، وقتال الكافرين جهادا في سبيل الله وإن كانوا ~~آباءهم وإخوانهم. # والذي يمنعهم من ذلك هو الحب المتعلق بغير الله ورسوله والجهاد في سبيل ~~الله، وقد عد الله سبحانه أصول ما يتعلق به الحب النفساني من زينة الحياة ~~الدنيا، وهي الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة - وهؤلاء هم الذين ~~يجمعهم المجتمع الطبيعي بقرابة نسبية قريبة أو بعيدة أو سببية - والأموال ~~التي اكتسبوها وجمعوها، والتجارة التي يخشون كسادها والمساكن التي يرضونها ~~- وهذه أصول ما يقوم به المجتمع في المرتبة الثانية -. # وذكر تعالى أنهم إن تولوا أعداء الدين، وقدموا حكم هؤلاء الأمور على حب ~~الله ورسوله والجهاد في سبيله فليتربصوا ولينتظروا حتى يأتي الله بأمره ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين. PageV09P116 # ومن المعلوم أن الشرط أعني قوله: "إن كان آباؤكم" إلى قوله: "في سبيله" في ~~معنى أن يقال: إن لم تنتهوا عما ينهاكم عنه من اتخاذ الآباء والإخوان ~~الكافرين أولياء باتخاذكم سببا يؤدي إلى خلاف ما يدعوكم إليه، وإهمالكم في ~~أمر غرض الدين وهو الجهاد في سبيل الله. # فقوله في الجزاء: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" لا محالة إما أمر يتدارك ~~به ما عرض على الدين من ثلمة وسقوط غرض في ظرف مخالفتهم، وإما عذاب يأتيهم ~~عن مخالفة أمر الله ورسوله والإعراض عن الجهاد في سبيله. # غير أن قوله تعالى في ذيل الآية: "والله لا يهدي القوم الفاسقين" يعرض ~~لهم أنهم خارجون حينئذ عن زي العبودية، فاسقون عن أمر الله ورسوله فهم ~~بمعزل من أن يهديهم الله بأعمالهم ويوفقهم لنصرة الله ورسوله، وإعلاء كلمة ~~الدين وإمحاء آثار الشرك. # فذيل الآية يهدي إلى أن المراد ms3383 بهذا الأمر الذي يأمرهم الله أن يتربصوا ~~له حتى يأتي به أمر منه تعالى، متعلق بنصرة دينه وإعلاء كلمته فينطبق على ~~مثل قوله تعالى في سورة المائدة بعد آيات ينهى فيها عن تولي الكافرين: "يا ~~أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم:" المائدة: - 54. # والآية بقيودها وخصوصياتها - كما ترى - تنطبق على ما تفيده الآية التي ~~نحن فيها. # فالمراد - والله أعلم - إن اتخذتم هؤلاء أولياء، واستنكفتم عن إطاعة الله ~~ورسوله والجهاد في سبيل الله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، ويبعث قوما لا ~~يحبون إلا الله، ولا يوالون أعداءه ويقومون بنصرة الدين والجهاد في سبيل ~~الله أفضل قيام فإنكم إذا فاسقون لا ينتفع بكم الدين، ولا يهدي الله شيئا ~~من أعمالكم إلى غرض حق وسعادة مطلوبة. # وربما قيل: إن المراد بقوله: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" الإشارة إلى ~~فتح مكة، وليس بسديد فإن الخطاب في الآية للمؤمنين من المهاجرين والأنصار ~~وخاصة المهاجرين، وهؤلاء هم الذين فتح الله مكة بأيديهم، ولا معنى لأن ~~يخاطبوا ويقال لهم: إن كان آباؤكم وأبناؤكم "إلخ" أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فواليتموهم واستنكفتم عن إطاعة الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يفتح الله مكة بأيديكم والله لا يهدي القوم الفاسقين، أو ~~فتربصوا حتى يفتح الله مكة والله لا يهديكم لمكان فسقكم فتأمل. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان،: في قوله تعالى: "أجعلتم سقاية الحاج" الآية: عن أمالي ~~الشيخ بإسناده عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد يرفعه إلى أبي ذر في حديث ~~الشورى: فيما احتج به علي (عليه السلام) على القوم: وقال لهم في ذلك: فهل ~~فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام - ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله" غيري؟ قالوا: لا وفي تفسير ~~القمي، قال: وفي ms3384 رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزلت ~~هذه الآية في علي بن أبي طالب (عليه السلام): "الذين آمنوا وهاجروا إلى ~~قوله الفائزون" ثم وصف ما لعلي (عليه السلام) عنده فقال. يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم". # وفي المجمع، روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي بريدة عن ~~أبيه قال: بينما شيبة والعباس يتفاخران إذ مر عليهما علي بن أبي طالب قال: ~~بما تفتخران؟ قال العباس: لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاج، ~~وقال شيبة: أوتيت عمارة المسجد الحرام، وقال علي: وأنا أقول لكما لقد أوتيت ~~على صغري ما لم تؤتيا فقالا: وما أوتيت يا علي؟ قال: ضربت خراطيمكما بالسيف ~~حتى آمنتما بالله تبارك وتعالى ورسوله. فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أما ترى ما استقبلني به ~~علي؟ فقال: ادعوا لي عليا، فدعي له فقال: ما حملك يا علي على ما استقبلت به ~~عمك؟ فقال: يا رسول الله صدقته الحق فإن شاء فليغضب، وإن شاء فليرض. فنزل ~~جبرئيل (عليه السلام) وقال: يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول: اتل ~~عليهم: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام - كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر" إلى قوله: "إن الله عنده أجر عظيم". PageV09P117 # وفي تفسير الطبري، بإسناده عن محمد بن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة ~~والعباس وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، وقال ~~العباس: وأنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال علي: ما أدري ما تقولان لقد ~~صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: ~~"أجعلتم سقاية الحاج" الآية كلها. وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي عن ابن ~~سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس: أي عم ألا تهاجر؟ ألا ~~تلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: أعمر المسجد الحرام ~~وأحجب البيت فأنزل الله: "أجعلتم سقاية الحاج" الآية، وقال لقوم قد ms3385 سماهم: ~~ألا تهاجرون؟ ألا تلحقون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقالوا: ~~نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا فأنزل الله تعالى: "قل إن كان آباؤكم" ~~الآية كلها وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة ~~والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله: ~~"أجعلتم سقاية الحاج" الآية، يعني أن ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في ~~الشرك. وفيه، أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: كنت ~~عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من أصحابه فقال رجل ~~منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال ~~آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما ~~قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله: ~~"أجعلتم سقاية الحاج" إلى قوله: "والله لا يهدي القوم الظالمين". # أقول: قال صاحب المنار في تفسيره بعد إيراد هذه الروايات الأربع الأخيرة: ~~والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت ~~عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت ~~وحجابته - من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة - وبين الإيمان والجهاد ~~بالمال والنفس والهجرة، وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات ~~تتضمن الرد عليها كلها. # انتهى. # أما ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها بصحة السند ففيه أولا أن ~~رواية القرظي أيضا في مضمونها موافقة لرواية الحاكم في المستدرك وقد صححها. # وثانيا: أن روايات التفسير إذا كانت آحادا لا حجية لها إلا ما وافق ~~مضامين الآيات بقدر ما ms3386 يوافقها على ما بين في فن الأصول فإن الحجية الشرعية ~~تدور مدار الآثار الشرعية المترتبة فتنحصر في الأحكام الشرعية وأما ما ~~وراءها كالروايات الواردة في القصص والتفسير الخالي عن الحكم الشرعي فلا ~~حجية شرعية فيها. # وأما الحجية العقلية أعني العقلائية فلا مسرح لها بعد توافر الدس والجعل ~~في الأخبار سيما أخبار التفسير والقصص إلا ما تقوم قرائن قطعية يجوز ~~التعويل عليها على صحة متنه، ومن ذلك موافقة متنه لظواهر الآيات الكريمة. # فالذي يهم الباحث عن الروايات غير الفقهية أن يبحث عن موافقتها للكتاب ~~فإن وافقتها فهي الملاك لاعتبارها ولو كانت مع ذلك صحيحة السند فإنما هي ~~زينة زينت بها وإن لم توافق فلا قيمة لها في سوق الاعتبار. # وأما ترك البحث عن موافقة الكتاب، والتوغل في البحث عن حال السند - إلا ~~ما كان للتوسل إلى تحصيل القرائن - ثم الحكم باعتبار الرواية بصحة سندها ثم ~~تحميل ما يدل عليه متن الرواية على الكتاب، واتخاذه تبعا لذلك كما هو دأب ~~كثير منهم فمما لا سبيل إليه من جهة الدليل. # وأما ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها من جهة المتن مبينا ذلك ~~بأن الآيات تدل على أن موضوع المساواة أو المفاضلة كان بين خدمة البيت أو ~~حجابته وهي من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة، وبين الإيمان والجهاد ~~والهجرة وهي من أعمال البر النفسية والبدنية الشاقة، والآيات تتضمن الرد ~~عليها كلها. # انتهى. PageV09P118 # ففيه أولا: أن الذي ذكره من مدلول الآيات مشترك بين جميع ما أورده من ~~الروايات: أما رواية ابن عباس التي مضمونها وقوع الكلام في المساواة أو ~~المفاضلة حين أسر العباس يوم بدر بين العباس وبين المسلمين حيث عيروه فقد ~~ذكر فيها صريحا المقايسة بين الإسلام والهجرة والجهاد وبين سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد وفك العاني، وهناك روايات أخر في معناه. # وأما رواية ابن سيرين الدالة على وقوع النزاع بين علي والعباس بمكة حين ~~دعاه إلى الهجرة واللحوق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابه بأن له ~~عمارة المسجد الحرام وحجابة البيت ms3387 وقد روى هذا المعنى ابن مردويه عن الشعبي ~~وفيها: أن العباس قال لعلي: أنا عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنت ~~ابن عمه، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله: "أجعلتم ~~سقاية الحاج" الآية. ورواه أيضا ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~عبد الله بن عبيدة وفيها: أن العباس قال لعلي: أولست في أفضل من الهجرة؟ ~~ألست أسقي الحاج وأعمر المسجد الحرام فنزلت هذه الآية. # وعلى أي حال فالواقع في هذه الرواية أيضا المقايسة بين السقاية والعمارة ~~وبين الهجرة وما يترتب عليا مما يستلزمه اللحوق بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كالجهاد وغيره من الأعمال الشريفة الدينية. # وأما رواية القرظي وما في معناها كالذي رواه الحاكم وصححه، وما رواه عبد ~~الرزاق عن الحسن قال: نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك، ~~وكذا رواية النعمان التي تقدمت فكون المنازعة فيها في السقاية والعمارة ~~والإيمان والجهاد ظاهر فإذا كان الحال هذا الحال فأي مزية في رواية النعمان ~~بن بشير توجب اختصاصها بموافقة الكتاب من بين سائر الروايات. # وثانيا: أن قوله: إن موضوع المفاضلة هي أعمال البر الهينة المستلذة ~~كالسقاية والحجابة وأعمال البر الشاقة كالإيمان والهجرة والجهاد لا يوافق ~~ما يدل عليه الآيات فإنها كما تقدم ظاهرة الدلالة على أن المقايسة كانت ~~بينهم بين أجساد الأعمال الخالية عن روح الإيمان وليست من البر حينئذ وبين ~~أعمال حية بولوج روح الإيمان فيها كالهجرة والجهاد عن إيمان بالله واليوم الآخر. # فالآيات تدل على أنهم كانوا يسوون أو يفضلون غير أعمال البر كالسقاية ~~والعمارة من غير إيمان على أعمال البر كالجهاد عن إيمان وهجرة والهجرة عن ~~إيمان فأين ما ذكره من أعمال البر الهينة قبال أعمال البر الشاقة؟ ودلالة ~~الآيات - بما فيها من القيود المأخوذة - على ذلك بمكان من الظهور والجلاء ~~فقد قيد الجهاد فيها بالإيمان بالله واليوم الآخر، وأطلق السقاية والعمارة ~~من غير تقييد بالإيمان ثم قال تعالى: "لا يستوون عند الله" ثم زاد: "والله ~~لا يهدي القوم الظالمين" ms3388 وحاشا أن يكون الآتي بأعمال البر عند الله من ~~القوم الظالمين المحرومين عن نعمة الهداية الإلهية. # حتى لو فرض أن المراد بالظالمين أولئك المسوون أو المفضلون من المؤمنين ~~للسقاية والعمارة على الجهاد فإن المؤمن على إيمانه إذا حكم بمثل هذا الحكم ~~فإنما هو خاط يهتدي إذا دل على الصواب لا ظالم محروم من الهداية فافهم ذلك. # وثالثا: ما تقدم من أن قوله: "كمن آمن بالله" الآية وقوله: "لا يستوون" ~~الآية دليل على أن للشخص دخلا فيما تتضمن الآيات من الحكم. # والتدبر في الآيات الكريمة والتأمل فيما ذكرناه هنا وهناك يوضح للباحث ~~الناقد أن أضعف الروايات وأبعدها من الانطباق على مضمون الآيات هي رواية ~~النعمان بن بشير فإنها لا تقبل الانطباق على الآيات الكريمة بما فيها من ~~القيود المأخوذة. # ويليها في الضعف رواية ابن سيرين وما في معناها من الروايات فإن ظاهرها ~~أن العباس إنما دعي إلى الهجرة وهو مسلم فافتخر بالسقاية والحجابة والآيات ~~لا تساعد على ذلك كما مر. # على أن الواقع في رواية ابن سيرين ذكر العباس للسقاية وحجابة البيت ولم ~~يكن له حجابة إنما هي السقاية. # ويليها في الضعف رواية ابن عباس فظاهرها أن المقايسة إنما كانت بين ~~الأعمال فقط والآية لا تساعد على ذلك. # على أن فيها أن العباس ذكر فيما ذكر سقاية الحاج وعمارة المسجد وفك ~~العاني وهو الأسير. PageV09P119 # ولو كان لذكر في الآية، وقد وقع في رواية ابن جرير وأبي الشيخ عن الضحاك في ~~هذا المعنى قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر ~~يعيرونهم بالشرك. فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك ~~العاني، ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل الله: "أجعلتم سقاية الحاج" الآية، ~~والكلام في فك العاني وحجابة البيت الواقعين فيها كالكلام في سابقها. # فأسلم الروايات في الباب وأقربها إلى الانطباق على الآيات مضمونا رواية ~~القرظي وما في معناها كرواية الحاكم في المستدرك ورواية عبد الرزاق عن ~~الحسن ورواية أبي نعيم وابن عساكر عن أنس الآتية وقد تقدم توضيح ms3389 ذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس ~~قال: قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران فقال العباس: أنا أشرف منك أنا ~~عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووصي أبيه، وساقي الحجيج، فقال ~~شيبة: أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته وخازنه أفلا ائتمنك كما ~~ائتمنني؟. فاطلع عليهما علي فأخبراه بما قالا فقال علي: أنا أشرف منكما أنا ~~أول من آمن وهاجر فانطلق ثلاثتهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فأخبروه فما أجابهم بشيء فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام فأرسل إليهم ~~فقرأ عليهم: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام" إلى آخر العشر. وفي ~~تفسير القمي، عن أبيه عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): قال: نزلت في علي والعباس وشيبة. قال العباس: أنا أفضل لأن سقاية ~~الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، وقال علي: أنا أفضل ~~فإني آمنت قبلكما ثم هاجرت وجاهدت فرضوا برسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأنزل الله: "أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله - إن الله عنده أجر عظيم": ~~أقول: ورواه العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، وفيه ~~عثمان بن أبي شيبة مكان شيبة. # وفي الكافي، عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى ~~عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام): في قول الله: "أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام - كمن آمن بالله واليوم الآخر" نزلت في ~~حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة، إنهم فخروا بالسقاية والحجابة فأنزل الله ~~عز ذكره: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام - كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر" وكان علي وحمزة وجعفر هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في ~~سبيل الله. لا يستوون عند الله: أقول: ورواه أيضا العياشي في تفسيره عن أبي ~~بصير عن أحدهما (عليهما السلام) مثله. # والرواية لا تلائم ما يثبته النقل القطعي فقد كان حمزة من ms3390 المهاجرين ~~الأولين لحق برسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم استشهد في غزوة أحد في ~~السنة الثالثة من الهجرة، وقد كان جعفر هاجر إلى الحبشة قبل هجرة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رجع إلى المدينة أيام فتح خيبر وقد استشهد ~~حمزة قبل ذلك بمدة فلو كان من الخمسة اجتماع على التفاخر فقد كان قبل ~~الهجرة النبوية وحينئذ فما معنى ما وقع في الرواية: "وكان علي وحمزة وجعفر ~~هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله"؟. # وإن كان المراد بالنزول فيهم انطباق الآية عليهم على سبيل الجري فقد كان ~~العباس مثلهم فإنه آمن يوم أسر ببدر ثم حضر بعض غزوات النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وفي تفسير البرهان، عن الجمع بين الصحاح الستة للعبدي في الجزء الثاني من ~~صحيح النسائي بإسناده قال: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار والعباس بن ~~عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: بيدي مفتاح البيت ولو أشاء بت فيه، ~~وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، وقال ~~علي: ما أدري ما تقولان؟ لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب ~~الجهاد فأنزل الله: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام" الآية. # أقول: المراد بالصلاة ستة أشهر قبل الناس التقدم في الإيمان بالله على ما ~~تعرضت له الآية وإلا كان من الواجب أن تذكر في الآية، وقد ذكر ثالث القوم ~~طلحة بن شيبة، وقد تقدم في بعضها أنه شيبة، وفي بعضها أنه عثمان بن أبي شيبة. PageV09P120 # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء - ~~إن استحبوا الكفر على الإيمان" قال: الإيمان ولاية علي بن أبي طالب. # أقول: هو من باطن القرآن مبني على تحليل معنى الإيمان إلى مراتب كماله. # وفي تفسير القمي،: لما أذن أمير المؤمنين أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك ~~بعد ذلك جزعت ms3391 قريش جزعا شديدا، وقالوا: ذهبت تجارتنا وضاعت عيالنا وخربت ~~دورنا فأنزل الله في ذلك: "قل يا محمد إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم إلى قوله والله لا يهدي القوم الفاسقين". # أقول: وعلى هذا كان من الجري أن يفسر قوله في الآية: "حتى يأتي الله ~~بأمره" بتدارك ما ينزل بهم من الكساد وفتح باب الرزق عليهم من وجه آخر كما ~~وقع مثله في قوله تعالى في ضمن الآيات التالية: "يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم:" التوبة: - 28. # بل اتحد حينئذ موردا الآيتين، ولسان الرفق وكرامة الخطاب بمثل قوله: "يا ~~أيها الذين آمنوا" يأبى أن يكون الخطاب بقوله: "إن كان آباؤكم وأبناؤكم" ~~الآية متوجها إليهم بأعيانهم على ما في آخرها من الخشونة في قوله: "والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين". # على أن الآية تذكر حب الآباء والإخوان والعشيرة والأموال التي اقترفوها، ~~ولم يذكر شيء منها في الرواية، ولا حسبت قريش ضيعة بالنسبة إليها فما معنى ~~ذكرها في الآية والتهديد على اختيار حبها على حب الله ورسوله؟ وما معنى ذكر ~~الجهاد في سبيله في الآية؟ فافهم ذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: ~~والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه. PageV09P121 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 25 - 28 # لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكفرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور ms3392 رحيم (27) ~~يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى قصة غزوة حنين وتمتن بما نصر الله فيه المؤمنين كسائر ~~المواطن من الغزوات التي نصرهم الله بعجيب نصرته على ضعفهم وقلتهم، وأظهر ~~أعاجيب آياته بتأييد نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزال جنود لم يروها ~~وإنزال السكينة على رسوله والمؤمنين وتعذيب الكافرين بأيدي المؤمنين. # وفيها الآية التي تحرم على المشركين أن يدخلوا المسجد الحرام بعد عام تسع ~~من الهجرة، وهي العام الذي أذن فيه علي (عليه السلام) ببراءة، ومنع طواف ~~البيت عريانا، ودخول المشركين في المسجد الحرام. # قوله تعالى: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين - إلى قوله - ثم ~~وليتم مدبرين" المواطن جمع موطن وهو الموضع الذي يسكنه الإنسان ويتوطن فيه. # وحنين اسم واد بين مكة والطائف وقع فيه غزوة حنين قاتل فيه النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هوازن وثقيف وكان يوما شديدا على المسلمين انهزموا ~~أولا ثم أيدهم الله بنصره فغلبوا. # والإعجاب الإسرار والعجب سرور النفس بما يشاهده نادرا، والرحب السعة في ~~المكان وضده الضيق. # وقوله: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة" ذكر لنصرته تعالى لهم في مواطن ~~كثيرة ومواضع متعددة يدل السياق على أنها مواطن الحروب كوقائع بدر وأحد ~~والخندق وخيبر وغيرها، ويدل السياق أيضا أن الجملة كالمقدمة الممهدة لقوله: ~~"ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم" الآية فإن الآيات الثلاث مسوقة لتذكير قصة ~~وقعة حنين، وعجيب ما أفاض الله عليهم من نصرته وخصهم به من تأييده فيها. # وقد استظهر بعض المفسرين كون الآية وما يتلوها إلى تمام الآيات الثلاث ~~تتمة لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أمره ربه أن يواجه به ~~المؤمنين في قوله: "قل إن كان آباؤكم" الآية وتكلف في توجيه الفصل الذي في ~~قوله: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة". # ولا دليل من جهة اللفظ على ذلك بل الدليل على ms3393 خلافه فإن قصة حنين وما ~~يشتمل عليه من الامتنان بنصر الله وإنزال السكينة وإنزال الجنود وتعذيب ~~الكافرين والتوبة على من يشاء أمر مستقل في نفسه ذو أهمية في ذاته وهو أهم ~~هدفا من قوله تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم" الآية أو هو مثله لا يقصر ~~عنه فلا معنى لاتباعه إياه وعطفه عليه في المعنى. # وحينئذ لو كان مما يجب أن يخاطب به القوم لكان من الواجب أن يقال. # وقل لهم لقد نصركم الله في مواطن كثيرة الآية، على ما جرى عليه القرآن في ~~نظائره كقوله تعالى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~- إلى أن قال - قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين:" حم السجدة: - ~~9 وغيره من الموارد. # على أن سياق الآيات وما يجب أن تشتمل عليه من الالتفات وغيره - لو كانت ~~الآيات مقولة للقول - لا تلائم كونها مقولة للقول السابق. # والخطاب في قوله: "لقد نصركم الله" وما يتلوه من قوله: "إذ أعجبتكم ~~كثرتكم" الآية، للمسلمين وهم الذين يؤلفون مجتمعا إسلاميا واحدا حضروا ~~بوحدتهم هذه الوحدة أمثال وقائع بدر وأحد والخندق وخيبرا وحنينا وغيرها. # وهؤلاء فيهم المنافقون والضعفاء في الإيمان والمؤمنون صدقا على اختلافهم ~~في المنازل إلا أن الخطاب متوجه إلى الجميع باعتبار اشتماله على من يصح أن ~~يخاطب بمثل قوله: "إذ أعجبتكم كثرتكم" إلى آخر الآية. PageV09P122 # وقوله: "ويوم حنين" أي ويوما وقعت فيه القتال بينكم وبين أعدائكم بوادي ~~حنين، وإضافة اليوم إلى أمكنة الوقائع العظيمة شائع في العرف كما يقال: يوم ~~بدر ويوم أحد ويوم الخندق نظير إضافته إلى الجماعة المتلبسين بذلك كيوم ~~الأحزاب ويوم تميم، وإضافته إلى نفس الحادثة كيوم فتح مكة. # وقوله: "إذ أعجبتكم كثرتكم" أي أسرتكم الكثرة التي شاهدتموها في أنفسكم ~~فانقطعتم عن الاعتماد بالله والثقة بأيده وقوته واستندتم إلى الكثرة فرجوتم ~~أن ستدفع عنكم كيد العدو وتهزم جمعهم، وإنما هو سبب من الأسباب الظاهرية لا ~~أثر فيها إلا ما شاء الله الذي إليه تسبيب الأسباب. # وبالنظر إلى هذا ms3394 المعنى أردف قوله: "إذ أعجبتكم كثرتكم" بقوله: "فلم تغن ~~عنكم شيئا" أي اتخذتموها سببا مستقلا دون الله فأنساكم الاعتماد بالله، ~~وركنتم إليها فبان لكم ما في وسع هذا السبب الموهوم وهو أن لا غنى عنده حتى ~~يغنيكم فلم يغن عنكم شيئا لا نصرا ولا شيئا آخر. # وقوله: "وضاقت عليكم الأرض بما رحبت" أي مع ما رحبت، وهو كناية عن إحاطة ~~العدو بهم إحاطة لا يجدون مع ذلك مأمنا من الأرض يستقرون فيه ولا كهفا ~~يأوون إليه فيقيهم من العدو، أي فررتم فرارا لا تلوون على شيء. # فهو قريب المعنى من قوله تعالى في قصة الأحزاب: "إذ جاءوكم من فوقكم ومن ~~أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا": ~~الأحزاب: - 10. # وقول بعضهم: أي ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا موضعا تفرون إليه. # غير سديد. # وقوله: "ثم وليتم مدبرين" أي جعلتم العدو يلي أدباركم وهو كناية عن ~~الانهزام وهذا هو الفرار من الزحف ساقهم إليه اطمئنانهم بكثرتهم والانقطاع ~~من ربهم، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره - إلى أن قال - فقد باء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير:" الأنفال: - 16 وقال: "ولقد كانوا عاهدوا الله من ~~قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا:" الأحزاب: - 15. # فهذا كله أعني ضيق الأرض عليهم بما رحبت ثم انهزامهم وفرارهم من الزحف ~~على ما فيه من كبير الإثم، ووقوفهم هذا الموقف الذي يستتبع العتاب من ربهم ~~إنما ساقهم إليه اعتمادهم واطمئنانهم إلى هذه الأسباب السرابية التي لا ~~تغني عنهم شيئا. # والله سبحانه بسعة رحمته وعظم منه امتن عليهم بنصره وإنزال سكينته وإنزال ~~جنود لم يروها، وتعذيب الكافرين ووعد مجمل بمغفرته وعدا ليس بالمقطوع وجوده ~~حتى تبطل به صفة الخوف من قلوبهم، ولا بالمقطوع عدمه حتى تزول صفة الرجاء ~~من نفوسهم بل وعدا يحفظ فيهم الاعتدال والتوسط بين صفتي الخوف والرجاء، ~~ويربيهم تربية حسنة تعدهم وتهيئهم للسعادة الواقعية. # وقد أغرب بعض المفسرين في ms3395 تفسير الآية مستظهرا بما جمع به بين الروايات ~~على اختلافها فأصر على ما ملخصه أن المسلمين لم يفروا على جبن، وإنما ~~انكشفوا عن موضعهم لما فاجأهم من شد كتائب ثقيف وهوازن عليهم شد رجل واحد ~~فاضطربوا اضطرابة زلزلتهم وكشفتهم عن موضعهم دفعة واحدة وهذا أمر طبيعي في ~~الإنسان إذا فاجأه الخطر ودهمته بلية دفعة ومن غير مهل اضطربت نفسه وخلي عن موضعه. # ويشهد به نزول السكينة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليهم ~~جميعا فقد كان الاضطراب شمله وإياهم جميعا، غير أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أصابه ما أصابه من الاضطراب والقلق حزنا وأسفا مما وقع، ~~والمسلمون شملهم ذلك لما فوجئوا به من حملة الكتائب حملة رجل واحد. # ومن الشواهد أنهم بمجرد ما سمعوا نداء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ونداء العباس بن عبد المطلب رجعوا من فورهم وهزموا الكفار بالسكينة النازلة ~~عليهم من عند الله تعالى. # ثم ذكر ما نزل من الآيات في صفة الصحابة كآية بيعة الرضوان، وقوله تعالى: ~~"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار" الآية، وقوله: "إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" الآية، وما ورد من طريق ~~الرواية في مدح صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # انتهى. PageV09P123 # والذي أورده من الخلط بين البحث التفسيري الذي لا هم له إلا الكشف عما يدل ~~عليه الآيات الكريمة، وبين البحث الكلامي الذي يرام به إثبات ما يدعيه ~~المتكلم في شيء من المذاهب من أي طريق أمكن من عقل أو كتاب أو سنة أو إجماع ~~أو المختلط منها والبحث التفسيري لا يبيح لباحثه شيئا من ذلك، ولا تحميل أي ~~نظر من الأنظار العلمية على الكتاب الذي أنزله الله تبيانا. # أما قوله: إنهم لم يفروا جبنا ولا خذلانا للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وإنما كان انكشافا لأمر فاجأهم فاضطربوا وزلزلوا ففروا ثم كروا فهذا ~~مما لا يندفع به صريح قوله تعالى: "ثم وليتم مدبرين" مع اندراج هذا الفعل ~~منهم ms3396 تحت كلية قوله تعالى في آية تحريم الفرار من الزحف: "فلا تولوهم ~~الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره - إلى أن قال - فقد باء بغضب من الله" الآية. # ولم يقيد سبحانه النهي عن تولية الأدبار بأنه يجب أن يكون عن جبن أو لغرض ~~الخذلان، ولا أستثني من حكم التحريم كون الفرار عن اضطراب مفاجىء، ولا أورد ~~في استثنائه إلا ما ذكره بقوله: "إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة" وليس ~~هذان المستثنيان في الحقيقة من الفرار من الزحف. # ولم يورد تعالى أيضا فيما حكي من عهدهم شيئا من الاستثناء إذ قال: "ولقد ~~كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا:" ~~الأحزاب: - 15. # وأما استشهاده على ذلك بأن الاضطراب كان مشتركا بينهم وبين النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، واستدلاله على ذلك بقوله تعالى: "ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" حيث إن نزول السكينة بعد انكشافهم بزمان - ~~على ما تدل عليه كلمة ثم - يلازم نزول الاضطراب عند ذلك على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وإن كان عن حزن وأسف إذ لا يتصور في حقه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) التزلزل في ثباته وشجاعته. # فلننظر فيما اعتبره للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحزن والأسف هل ~~كان ذلك حزنا وأسفا على ما وقع من الأمر من انهزام المسلمين وما ابتلاهم ~~الله به من الفتنة والمحنة جزاء لما أعجبوا من كثرة عددهم، وبالجملة حزنا ~~مكروها عند الله؟ فقد نزهه الله عن ذلك وأدبه بما نزل عليه من كتابه وعلمه ~~من علمه، وقد أنزل عليه مثل قوله عز من قائل: "ليس لك من الأمر شيء:" آل ~~عمران: - 128، وقال: "سنقرئك فلا تنسى:" الأعلى: - 6. # ولم يرد في شيء من روايات القصة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) زال عن ~~مكانه يومئذ أو اضطرب اضطرابا مما نزل على المسلمين من الوهن والانهزام. # وإن كان ذلك حزنا وأسفا على المسلمين لما أصابهم من ناحية خطئهم في ~~الاعتماد بغير الله والركون إلى سراب الأسباب ms3397 الظاهرة، والذهول عن الاعتصام ~~بالله سبحانه حتى أوقعهم في خطيئة الفرار من الزحف لما كان هو (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عليه من الرأفة والرحمة بالمؤمنين فهذا أمر يحبه الله ~~سبحانه وقد مدح رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) به إذ قال: "بالمؤمنين ~~رءوف رحيم:" التوبة: - 128. # وليس يزول مثل هذا الأسف والحزن بنزول السكينة عليه، ولا أن السكينة لو ~~فرض نزولها لأجله مما حدث بعد وقوع الانهزام حتى يكون النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) خاليا عنها قبل ذلك بل كان (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة ~~من ربه منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه، وكانت السكينة بهذا المعنى نازلة ~~عليه حينا بعد حين. PageV09P124 # ثم السكينة التي نزلت على المؤمنين ما هي؟ وما ذا يحسبها؟ أكانت هي الحالة ~~النفسانية التي تحصل من السكون والطمأنينة كما فسرها بها واستشهد عليه بقول ~~صاحب المصباح: أنها تطلق على الرزانة والمهابة والوقار حتى كانت ثبات ~~الكفار وسكونهم في مواقفهم الحربية عن سكينة نازلة إليهم؟ فإن كانت السكينة ~~هي هذه فقد كانت في أول الوقعة عند كفار هوازن وثقيف خصماء المسلمين ثم ~~تركتهم ونزلت على عامة جيش المسلمين من مؤمن ثبت مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومن مؤمن لم يثبت واختار الفرار على القرار، ومن منافق ومن ~~ضعيف الإيمان مريض القلب فإنهم جميعا رجعوا ثانيا إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وثبتوا معه حتى هزموا العدو فهم جميعا أصحاب السكينة أنزلها ~~الله إليهم فما باله تعالى يقصر إنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين إذ ~~يقول: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين". # على أنه إن كانت السكينة هي هذه، وهي مبتذلة مبذولة لكل مؤمن وكافر فما ~~معنى ما امتن الله به على المؤمنين بما ظاهره أنها عطية خاصة غير مبتذلة؟ ~~ولم يذكرها في كلامه إلا في موارد معدودة - بضعة موارد - لا تبلغ تمام ~~العشرة. # وبذلك يظهر أن السكينة أمر وراء السكون والثبات لا أن لها معنى في اللغة ms3398 ~~أو العرف وراء مفهوم الحالة النفسانية الحاصلة من السكون والطمأنينة بل ~~بمعنى أن الذي يريده تعالى من السكينة في كلامه له مصداق غير المصداق الذي ~~نجده عند كل شجاع باسل له نفس ساكنة وجاش مربوط، وإنما هي نوع خاص من ~~الطمأنينة النفسانية له نعت خاص وصفة مخصوصة. # كيف؟ وكلما ذكرها الله سبحانه في كلامه امتنانا بها على رسوله وعلى ~~المؤمنين خصها بالإنزال من عنده فهي حالة إلهية لا ينسى العبد معها مقام ~~ربه لا كما عليه عامة الشجعان أولوا الشدة والبسالة المعجبون ببسالتهم ~~المعتمدون على أنفسهم. # وقد احتفت في كلامه بأوصاف وآثار لا تعم كل وقار وطمأنينة نفسانية كما ~~قال في حق رسوله: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ~~عليه وأيده بجنود لم تروها:" التوبة: - 40 وقال تعالى في المؤمنين "لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم:" الفتح: - 18 فذكر أنه إنما أنزل السكينة عليهم لما علمه من قلوبهم ~~فنزولها يحتاج إلى حالة قلبية طاهرة سابقة يدل السياق على أنها الصدق ~~ونزاهة القلب عن إبطان نية الخلاف. # وقال أيضا: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض:" الفتح: - 4 فذكر أن من أثرها زيادة ~~الإيمان مع الإيمان وقال أيضا: "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى ~~وكانوا أحق بها وأهلها: الفتح: - 26،. # والآية - كما ترى - تذكر أن نزول السكينة من عنده تعالى مسبوق باستعداد ~~سابق وأهلية وأحقية قبلية وهو الذي أشير إليه في الآية السابقة بقوله: ~~"فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة". # وتذكر أن من آثارها لزوم كلمة التقوى، وطهارة ساحة الإنسان عن مخالفة ~~الله ورسوله باقتراف المحارم وورود المعاصي. # وهذا كالمفسر يفسر قوله في الآية الأخرى: "ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" ~~فازدياد الإيمان مع الإيمان بنزول السكينة هو أن يكون الإنسان على وقاية ~~إلهية من اقتراف المعاصي وهتك ms3399 المحارم مع إيمان صادق بأصل الدعوة الحقة. # وهذا نعم الشاهد يشهد أولا: أن المراد بالمؤمنين في قوله في الآية ~~المبحوث عنها "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" غير المنافقين ~~وغير مرضى القلوب وضعفاء الإيمان، ولا يبقى إلا من ثبت من المؤمنين مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم ثلاثة أو أربعة أو تسعة أو عشرة أو ~~ثمانون أو دون المائة على اختلاف الروايات في إحصائهم، ومن فر وانكشف عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا ثم رجع وقاتل ثانيا وفيهم جل أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدة من خواصهم. # فهل المراد بالمؤمنين الذين نزلت عليهم، جميع من ثبت مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومن فر أولا ثم رجع ثانيا، أو أنهم هم الذين ثبتوا معه من ~~المؤمنين حتى نزل النصر؟. PageV09P125 # الذي يستفاد من آيات السكينة أن نزولها متوقف على طهارة قلبية وصفاء نفسي ~~سابق حتى يقرها الله تعالى بالسكينة، وهؤلاء كانوا مقترفين لكبيرة الفرار ~~من الزحف آثمين قلوبا، ولا محل لنزول السكينة على من هذا شأنه فإن كانوا ~~ممن نزلت عليهم السكينة كان من الواجب أن يندموا على ما فعلوا، ويتوبوا إلى ~~ربهم توبة نصوحا بقلوب صادقة حتى يعلم الله ما في قلوبهم فينزل السكينة ~~عليهم فيكونون أذنبوا أولا ثم تابوا ورجعوا ثانيا، فأنزل الله سكينته عليهم ~~ونصرهم على عدوهم، ولعل هذا هو الذي يشير إليه التراخي المفهوم من قوله ~~تعالى "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" حيث عبر بثم". # لكن يبقى عليه أولا: أنه كان من اللازم على هذا أن يتعرض في الكلام ~~لتوبتهم فيختص حينئذ قوله: "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله ~~غفور رحيم" على الكفار الذين أسلموا بعد منهم، ولا أثر من ذلك في الكلام ~~ولا قرينة تخص قوله: "ثم يتوب الله" إلخ بالكافرين الذين أسلموا بعد، فافهم ذلك. # وثانيا: أن في ذلك غمضا عن جميل المسعى والمحنة الحسنة التي امتحن بها ~~أولئك ms3400 النفر القليل الذين ثبتوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ~~تركه جموع المسلمين بين الأعداء وانهزموا فارين لا يلوون على شيء، ومن ~~المستبعد من دأب القرآن أن يهمل أمر من تحمل محنة في ذات الله، وألقى نفسه ~~في أشق المهالك ابتغاء مرضاته - وهو شاكر عليم - فلا يحمده ولا يشكر سعيه. # والمعهود من دأب القرآن أنه إذا عم قوما بعتاب أو توبيخ وذم، وفيهم من هو ~~بريء من استحقاق اللوم أو العتاب أو طاهر من دنس الإثم والخطيئة أن يستثنيه ~~منهم ويخصه بجميل الذكر، ويحمده على عمله وإحسانه كما نراه كثيرا في ~~الخطابات التي تعمم اليهود أو النصارى عتابا أو ذما وتوبيخا فإنه تعالى ~~يخاطبهم بما يخاطب ويوبخهم وينسب إليهم الكفر بآياته والتخلف عن أوامره ~~ونواهيه، ثم يمدح منهم الأقلين الذين آمنوا به وبآياته وأطاعوه فيما أراد منهم. # وأوضح من ذلك ما يتعرض من الآيات لوقعة أحد، وتمتن على المؤمنين بما أنزل ~~الله عليهم من النصرة والكرامة، ويعاتبهم على ما أظهروه من الوهن والفشل ثم ~~يستثني الثابتين منهم على أقدام الصدق، ويعدهم وعدا حسنا إذ قال مرة بعد ~~مرة: "وسيجزي الله الشاكرين:" آل عمران: - 144، "وسنجزي الشاكرين:" آل ~~عمران: - 145. # ونجد مثله في ما يذكره الله سبحانه من أمر وقعة الأحزاب فإن في كلامه ~~عتابا شديدا لجمع من المؤمنين، وتوبيخا وذما للمنافقين والذين في قلوبهم ~~مرض حتى قال فيما قال: "ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ~~وكان عهد الله مسئولا": الأحزاب: - 15، ثم إنه تعالى ختم القصة بمثل قوله: ~~"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا:" الأحزاب: - 23. # فما باله تعالى لم يتعرض لحالهم في قصة حنين، وليست بأهون من غيرها، ولا ~~خصهم بشيء من الشكر، ولا حمدهم بما يمتنون به من لطيف حمده تعالى كغيرهم في غيرها. # فهذا الذي ذكرناه مما يقرب إلى الاعتبار أن يكون المراد بالمؤمنين الذين ~~ذكر نزول السكينة عليهم هم الذين ثبتوا مع النبي ms3401 (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وأما سائر المؤمنين ممن رجع بعد الانكشاف فهم تحت شمول قوله: "ثم ~~يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم" يشمل من شملته العناية ~~منهم كما يشمل من شملته العناية والتوفيق من كفار هوازن وثقيف ومن الطلقاء ~~والذين في قلوبهم مرض. # هذا ما يهدي إليه البحث التفسيري، وأما الروايات فلها شأنها وسيأتي طرف منها. # وأما ما ذكره من شهادة رجوعهم من فورهم حين سمعوا نداء النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ونداء العباس فذلك مما لا يبطل ما قدمناه من ظهور قوله ~~تعالى: "ثم وليتم مدبرين" إذا انضم إلى قوله: "إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ~~فلا تولوهم الأدبار" الآية في أن ما ظهر منهم في الوقعة من الفعل كان فرارا ~~من الزحف فعلوه عن جبن أو تعمد في خذلان أو عن قلق واضطراب وتزلزل. # وأما ما ذكره من الآيات التي تمدحهم وتذكر رضى الرب عنهم واستحقاقهم جزيل ~~الأجر من ربهم. PageV09P126 # ففيه أن هذه المحامد مقيدة فيها بقيود لا يتحتم معها لهم الأمر فإن الآيات ~~إنما تحمد من تحمده منهم لما به من نعوت العبودية كالإيمان والإخلاص والصدق ~~والنصيحة والمجاهدة الدينية فالحمد باق ما بقيت الصفات، والوعد الحسن على ~~اعتباره ما لبثت فيهم النعوت والأحوال الموجبة له فإذا زالت لحادثة أو ~~خطيئة زال بتبعه. # وليس ما عندهم من مبادىء الخير والبركات بأعظم ولا أهم مما عند الأنبياء ~~من صفة العصمة يستحيل معها صدور الذنب منهم، وقد قال الله تعالى بعد ثناء ~~طويل عليهم: "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون:" الأنعام: - 88 وقد ~~قال تعالى قبال ما ظنوا أنهم مصونون عن ما يكرهونه من أقسام المجازاة كرامة ~~لإسلامهم كما ظن نظيره أهل الكتاب: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوء يجز به:" النساء: - 123. # والذي ورد في بيعة الرضوان من قوله: "لقد رضي الله" فإنما رضاه تعالى من ~~صفاته الفعلية التي هي عين أفعاله الخارجية منتزعة منها فهو عين ما أفاض ~~عليهم ms3402 من الحالات الطاهرة النفسية التي تستعقب بطباعها جزيل الجزاء وخير ~~الثواب إن بقيت أعمالهم على ما هي عليها وإن تغيرت تغير الرضى سخطا والنعمة ~~نقمة ولم يأخذ أحد عليه تعالى عهدا أن لا يخلف عهده فيحمله على السعادة ~~والكرامة أحسن أو أساء، أطاع أو عصى، آمن أو كفر. # وليس رضى الرب من صفاته الذاتية التي يتصف بها في ذاته فلا يعرضه تغير أو ~~تبدل ولا يطرأ عليه زوال أو دثور. # قوله تعالى: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" إلى آخر ~~الآية السكينة - كما تقدم - حالة قلبية توجب سكون النفس وثبات القلب ملازمة ~~لازدياد الإيمان مع الإيمان ولكلمة التقوى التي تهدي إلى الورع عن محارم ~~الله على ما تفسرها الآيات. # وهي غير العدالة التي هي ملكة نفسانية تردع عن ركوب الكبائر والإصرار على ~~الصغائر فإن السكينة تردع عن الصغائر والكبائر جميعا. # وقد نسب الله السكينة في كتابه إلى نفسه نسبة تشعر بنوع من الاختصاص كما ~~نسب الروح إلى نفسه دون العدالة ووصفها بالإنزال فلها اختصاص عندي به تعالى ~~بل ربما يشعر بعض الآيات بأنه عدها من جنوده كقوله تعالى: "هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات ~~والأرض:" الفتح: - 4. # وفي غير واحد من الآيات المشتملة على ذكر السكينة ذكر الجنود كقوله: ~~"فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها:" التوبة: - 40، وكما في ~~الآية المبحوث عنها: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل ~~جنودا لم تروها". # والذي يفهم من السياق أن هذه الجنود هي الملائكة النازلة إلى المعركة، أو ~~أن يقال من جملتها الملائكة النازلة والذي ينتسب إلى السكينة والملائكة أن ~~يعذب بهم الكفار ويسدد ويسعد بهم المؤمنون كما اشتملت عليه آيات آل عمران ~~القاصة قصة أحد، وآيات في أول سورة الفتح فراجعها حتى يتبين لك حقيقة الحال ~~إن شاء الله تعالى. # وقد تقدم في قوله تعالى: "فيه سكينة من ربكم:" البقرة: - 248 في الجزء ~~الثاني من الكتاب بعض ما يتعلق بالسكينة ms3403 الإلهية من الكلام مما لا يخلو من ~~نفع في هذا المقام. # قوله تعالى: "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم" قد ~~تقدم مرارا أن التوبة من الله سبحانه هي الرجوع إلى عبده بالعناية والتوفيق ~~أولا ثم بالعفو والمغفرة ثانيا، ومن العبد الرجوع إلى ربه بالندامة ~~والاستغفار، ولا يتوب الله على من لا يتوب إليه. # والإشارة في قوله: "من بعد ذلك" على ما يعطيه السياق إلى ما ذكره في ~~الآيتين السابقتين من خطيئتهم بالركون إلى غير الله سبحانه ومعصيتهم ~~بالفرار والتولي ثم إنزال السكينة وإنزال الجنود وتعذيب الذين كفروا. # والملائم لذلك أن يكون الموصول في "من يشاء" شاملا للمسلمين والكافرين ~~جميعا فقد ذكر من الفريقين جميعا ما يصلح لأن يتوب الله عليهم فيه إن تابوا ~~وهو من الكفار كفرهم ومن المسلمين خطيئتهم ومعصيتهم، ولا وجه لتخصيص التوبة ~~على بعضهم مع ما في آيات التوبة من عموم الحكم وسعته ولم يقيد في هذه الآية ~~المبحوث عنها بما يوجب اختصاصها بأحد الفريقين: المسلمين أو الكافرين مع ~~وجود المقتضي فيهما جميعا. PageV09P127 # ومما ذكرنا يظهر فساد ما فسر به بعضهم الآية مع قصر الإشارة على التعذيب إذ ~~قال: إن معناها ثم يتوب الله تعالى بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا ~~على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام وهم الذين لم يحط بهم خطيئات ~~جهالة الشرك وخرافاته من جميع جوانب أنفسهم، ولم يختم على نفوسهم بالإصرار ~~على الجحود والتكذيب أو الجمود على ما ألفوا بمحض التقليد. # انتهى. # وقد عرفت أن تخصيص الآية بما ذكر والتصرف في سائر قيوده كقصر الإشارة على ~~التعذيب وغير ذلك مما لا دليل عليه البتة. # والوجه في التعبير بالاستقبال في قوله: "ثم يتوب الله" الإشارة إلى ~~انفتاح باب التوبة دائما، وجريان العناية وفيضان العفو والمغفرة الإلهية ~~مستمرا بخلاف ما يشير إليه قوله: "ثم أنزل الله سكينته" الآية، فإن ذلك ~~أمور محدودة غير جارية. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ms3404 ~~الحرام بعد عامهم هذا" قال في المجمع،: كل مستقذر نجس يقال: رجل نجس وامرأة ~~نجس وقوم نجس لأنه مصدر، وإذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل: رجس نجس - ~~بكسر النون - قال: والعيلة الفقر يقال عال يعيل إذا افتقر. # انتهى. # والنهي عن دخول المشركين المسجد الحرام بحسب المتفاهم العرفي يفيد أمر ~~المؤمنين بمنعهم عن دخول المسجد الحرام، وفي تعليله تعالى منع دخولهم ~~المسجد بكونهم نجسا اعتبار نوع من القذارة لهم كاعتبار نوع من الطهارة ~~والنزاهة للمسجد الحرام، وهي كيف كانت أمر آخر وراء الحكم باجتناب ملاقاتهم ~~بالرطوبة وغير ذلك. # والمراد بقوله: "عامهم هذا" سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي أذن فيها ~~علي (عليه السلام) بالبراءة، ومنع طواف البيت عريانا، وحج المشركين البيت. # وقوله: "وإن خفتم عيلة" الآية، أي وإن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ~~ينقطعوا عن الحج، ويتعطل أسواقكم، وتذهب تجارتكم فتفتقروا وتعيلوا فلا ~~تخافوا فسوف يغنيكم الله من فضله، ويؤمنكم من الفقر الذي تخافونه. # وهذا وعد حسن منه تعالى فيه تطييب نفوس أهل مكة ومن كان له تجارة هناك ~~بالموسم، وكان حاضر العالم الإسلامي يبشرهم يومئذ بمضمون هذا الوعد فقد كان ~~الإسلام تعلو كلمته، وينتشر صيته حالا بعد حال، وكانت عامة المشركين في ~~عتبة الاستئصال بعد إيذان براءة لم يبق لهم إلا أربعة أشهر إلا شرذمة قليلة ~~من العرب كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاهدهم عند المسجد الحرام ~~إلى أجل ما بعده من مهل فالجميع كانوا في معرض قبول الإسلام. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن علي بن إبراهيم عن بعض أصحابه ذكره قال: لما سم المتوكل ~~نذر إن عوفي أن يتصدق بمال كثير فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير ~~فاختلفوا عليه فقال بعضهم: مائة ألف، وقال بعضهم: عشرة آلاف فقالوا فيه ~~أقاويل مختلفة فاشتبه عليه الأمر. فقال رجل من ندمائه يقال له صفوان: ألا ~~تبعث إلى هذا الأسود فتسأله عنه؟. فقال له المتوكل: من تعني ويحك؟ فقال: ~~ابن الرضا. فقال له: وهو يحسن ms3405 من هذا شيئا؟ فقال: إن أخرجك من هذا فلي عليك ~~كذا وكذا وإلا فاضربني مائة مقرعة فقال المتوكل: رضيت، يا جعفر بن محمود ~~اذهب إلى أبي الحسن علي بن محمد فاسأله عن حد المال الكثير، فسأله فقال له: ~~الكثير ثمانون. فقال له جعفر بن محمود: يا سيدي إنه يسألني عن العلة فيه ~~فقال له أبو الحسن (عليه السلام): إن الله عز وجل يقول: "لقد نصركم الله في ~~مواطن كثيرة" فعددنا تلك المواطن فكان ثمانين: أقول: ورواه القمي أيضا في ~~تفسيره وبعض أصحابه الذي ذكر في الرواية أنه سماه هو محمد بن عمرو على ما ~~ذكره في التفسير. # ومعنى الرواية أن الثمانين من مصاديق الكثير بدلالة من الكتاب لا أن ~~الكثير معناه الثمانون وهو ظاهر. PageV09P128 # وفي المجمع، ذكر أهل التفسير وأصحاب السير: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لما فتح مكة خرج منها متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في آخر ~~شهر رمضان أو في شوال في سنة ثمان من الهجرة، وقد اجتمع رؤساء هوازن إلى ~~مالك بن عوف النصري، وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم ونزلوا بأوطاس. ~~قال: وكان دريد بن الصمة في القوم، وكان رئيس جشم، وكان شيخا كبيرا قد ذهب ~~بصره من الكبر فقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، لا ~~حزن ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وخوار البقر ~~وثغاء الشاة وبكاء الصبيان؟ فقالوا: إن مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم ~~وأموالهم ونساءهم ليقاتل كل منهم عن أهله وماله فقال دريد: راعي ضأن ورب ~~الكعبة. ثم قال: ائتوني بمالك فلما جاءه قال: يا مالك إنك أصبحت رئيس قومك، ~~وهذا يوم له ما بعده، رد قومك إلى عليا بلادهم، وألق الرجال على متون الخيل ~~فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه وفرسه فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت ~~عليك لا تكون قد فضحت في أهلك وعيالك فقال له مالك: إنك قد كبرت وذهب علمك ~~وعقلك. وعقد ms3406 رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لواءه الأكبر ودفعه إلى ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها، وخرج ~~بعد أن أقام بمكة خمسة عشر يوما وبعث إلى صفوان بن أمية فاستعار منه مائة ~~درع فقال صفوان: عارية أم غصب؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): عارية ~~مضمونة مؤداة، فأعاره صفوان مائة درع وخرج معه، وخرج من مسلمة الفتح ألفا ~~رجل، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل مكة في عشرة آلاف رجل وخرج منها ~~في اثني عشر ألفا. وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلا من ~~أصحابه فانتهى إلى مالك بن عوف وهو يقول لقومه: ليصير كل رجل منكم أهله ~~وماله خلف ظهره، واكسروا جفون سيوفكم، وأكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي ~~السحر فإذا كان في غبش الصبح فاحملوا حملة رجل واحد فهدوا القوم فإن محمدا ~~لم يلق أحدا يحسن الحرب. ولما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بأصحابه الغداة انحدر في وادي حنين فخرجت عليهم كتائب هوازن من كل ناحية، ~~وانهزمت بنو سليم وكانوا على المقدمة وانهزم ما وراءهم، وخلى الله تعالى ~~بينهم وبين عدوهم لإعجابهم بكثرتهم وبقي علي (عليه السلام) ومعه الراية ~~يقاتلهم في نفر قليل ومر المنهزمون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لا يلوون على شيء. وكان العباس بن عبد المطلب أخذ بلجام بغلة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والفضل عن يمينه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب عن يساره، ونوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث في تسعة من بني هاشم، ~~وعاشرهم أيمن بن أم أيمن، وفي ذلك يقول العباس: نصرنا رسول الله في الحرب ~~تسعة. وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا. وقولي إذا ما الفضل كر بسيفه. على ~~القوم أخرى يا بني ليرجعوا. وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه. لما ناله في الله ~~لا يتوجع. ولما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هزيمة القوم عنه ~~قال للعباس وكان ms3407 جهوريا صيتا اصعد هذا الظرب فناد: يا معشر المهاجرين ~~والأنصار يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون؟ هذا رسول ~~الله. فلما سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا وقالوا: لبيك لبيك، وتبادر ~~الأنصار خاصة وقاتلوا المشركين حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): الآن حمي الوطيس. أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، ونزل النصر ~~من عند الله، وانهزمت هوازن هزيمة قبيحة ففروا في كل وجه، ولم يزل المسلمون ~~في آثارهم. وفر مالك بن عوف فدخل حصن الطائف، وقتل منهم زهاء مائة رجل، ~~وأغنم الله المسلمين أموالهم ونساءهم، وأمر رسول الله بالذراري والأموال أن ~~تحدر إلى الجعرانة، وولى على الغنائم بديل بن ورقاء الخزاعي. ومضى (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في أثر القوم فوافى الطائف في طلب مالك بن عوف فحاصر ~~أهل الطائف بقية الشهر فلما دخل ذو القعدة انصرف وأتى الجعرانة، وقسم بها ~~غنائم حنين وأوطاس. قال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم ~~حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ~~يقفوا لنا حلب شاة فلما PageV09P129 كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا: شاهت ~~الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا فكانوا إياها يعني الملائكة. قال ~~الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وكانا قد ~~قتلا يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري، ~~وقال: أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحب إلي من سمعي ~~وبصري فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسي. وقسم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغنائم بالجعرانة وكان معه من سبي هوازن ~~ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاة ما لا ms3408 يدرى عدته. قال أبو ~~سعيد الخدري: قسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمتألفين من قريش ~~ومن سائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير فمشى ~~سعد بن عبادة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله ~~إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر ~~العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): فأين أنت ~~من ذلك يا سعد؟ فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومي فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فجمعهم فخرج رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا ~~معشر الأنصار أولم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف ~~بين قلوبكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر ~~الأنصار؟ فقالوا: وما نقول؟ وبما ذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله. فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا ~~طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فآمناك، ومخذولا فنصرناك. فقالوا: ~~المن لله ولرسوله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وجدتم في ~~أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم ~~إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس ~~إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي ~~بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ولو لا ~~الهجرة لكنت امرأ من الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء ~~أبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله ~~قسما ثم تفرقوا. وقال أنس بن مالك: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أمر مناديا فنادى يوم أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير ~~الحبالى حتى يستبرأن بحيضة. ms3409 ثم أقبلت وفود هوازن وقدمت على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالجعرانة مسلمين فقام خطيبهم وقال: يا رسول الله ~~إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملحنا ~~ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك ~~رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت خير المكفولين ثم أنشد أبياتا. فقال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أي الأمرين أحب إليكم: السبي أو الأموال؟ قالوا: يا رسول ~~الله خيرتنا بين الحسب وبين الأموال، والحسب أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ~~ولا بعير فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما الذي لبني هاشم ~~فهو لكم وسأكلم لكم المسلمين وأشفع لكم فكلموهم وأظهروا إسلامكم. فلما صلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الهاجرة قاموا فتكلموا فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): قد رددت الذي لبني هاشم والذي بيدي عليهم فمن ~~أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل ومن كره أن يعطي فليأخذ الفداء وعلي ~~فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء. ~~وأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مالك بن عوف وقال: إن جئتني ~~مسلما رددت إليك أهلك ومالك ولك عندي مائة ناقة فخرج إليه من الطائف فرد ~~عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل واستعمله على من أسلم من قومه. PageV09P130 # أقول: وروى القمي في تفسيره مثله ولم يرو ما نسب من الرجز إليه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وكذا ما أسنده إلى راو معين كالمسيب والزهري وأنس وأبي ~~سعيد، وروي هذه المعاني بطرق كثيرة من طرق أهل السنة. # وفي رواية علي بن إبراهيم القمي زيادة يسيرة هي ما يأتي: قال علي بن ~~إبراهيم: فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الهزيمة ركض يحوم ~~على بغلته قد شهر سيفه فقال: يا عباس اصعد هذا الظرب وناد: يا أصحاب +" ~~سورة "+ البقرة يا أصحاب الشجرة إلى أين تفرون؟ هذا رسول الله. ثم رفع رسول ms3410 ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده وقال: اللهم لك الحمد ولك الشكر وإليك ~~المشتكى وأنت المستعان فنزل إليه جبرئيل فقال: يا رسول الله دعوت بما دعا ~~به موسى بن عمران حين فلق الله له البحر ونجاه من فرعون. ثم قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفا من حصى فناوله ~~فرماه في وجوه المشركين ثم قال: شاهت الوجوه. ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: ~~اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد. فلما سمعت ~~الأنصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم ينادون: لبيك ومروا ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا ~~بالراية فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس: من هؤلاء يا أبا ~~الفضل؟ فقال: يا رسول الله هؤلاء الأنصار فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): الآن حمي الوطيس فنزل النصر من السماء وانهزمت هوازن. وفي الدر ~~المنثور، أخرج أبو الشيخ عن محمد بن عبيد الله بن عمير الليثي قال: كان مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة آلاف من الأنصار وألف من جهينة، ~~وألف من مزينة وألف من أسلم وألف من غفار وألف من أشجع وألف من المهاجرين ~~وغيرهم فكان معه عشرة آلاف وخرج باثني عشر ألفا وفيها قال الله تعالى في ~~كتابه: "ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا" وفي سيرة ابن ~~هشام، عن ابن إسحاق قال: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في ~~أنفسهم من الضغن: فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وإن ~~الأزلام لمعه في كنانته وصرخ جبلة بن الحنبل قال ابن هشام: كلدة بن الحنبل ~~وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): ألا بطل السحر اليوم، ms3411 فقال له صفوان اسكت فض الله فاك ~~فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. قال ابن ~~إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ~~ثاري وكان أبوه قتل يوم أحد اليوم أقتل محمدا قال: فأدرت برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذاك فعلمت ~~أنه ممنوع مني. # فهرس أسماء شهداء حنين # في سيرة ابن هشام، قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من ~~المسلمين: من قريش ثم من بني هاشم أيمن بن عبيد ومن بني أسد بن عبد العزى ~~يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد جمح به فرس يقال له الجناح فقتل. ~~ومن الأنصار سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان ومن الأشعريين أبو عامر ~~الأشعري. # أقول: وأما الثباة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد عدوا في ~~بعض الروايات ثلاثة وفي بعضها أربعة وفي بعضها تسعة عاشرهم أيمن بن عبيد - ~~وهو ابن أم أيمن - وفي بعضها ثمانين وفي بعضها: دون المائة. # والمتعمد من بينها ما روي عن العباس أنهم كانوا تسعة عاشرهم أيمن وله في ~~ذلك شعر تقدم نقله وذلك أنه كان ممن ثبت مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) طول الوقعة وشاهد ما كان من الأمر وهو الذي كان ينادي المنهزمين ~~ويستلحقهم بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد باهى بما قاله من الشعر. # ومن الممكن أن يثبت جمع بعد انهزام الناس هنيئة ثم يلحقوا بالمنهزمين أو ~~يرجع جمع قبل رجوع غيرهم فيلحقوا بالراية فيعدوا ممن ثبت وقاتل فالحرب ~~العوان لا يجري على ما يجري عليه السلم من النظم. PageV09P131 # ومن هنا يعلم ما في قول بعضهم: إن الأرجح رواية الثمانين كما عن عبد الله ~~بن مسعود وإليها يرجع ما رواه ابن عمر أنهم كانوا دون المائة فإن الحجة لمن ~~حفظ على من لم يحفظ، انتهى ملخصا. ms3412 # وذلك أن كون الحجة لمن حفظ على من لم يحفظ حق لكن الحفظ في حال الحرب على ~~ما فيه من التحول السريع في الأوضاع الحاضرة غير الحفظ في غيره فلا يعتمد ~~إلا على ما شهدت القرائن لصحته وأيد الاعتبار وثاقة حفظه وقد كان العباس ~~مأمورا بما من شأنه حفظ هذا الشأن وما يرتبط به. PageV09P132 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 29 - 35 # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفوههم يضهئون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا لا إله إلا هو سبحنه عما يشركون (31) يريدون ~~أن يطفئوا نور الله بأفوههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكفرون ~~(32) هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أمول الناس بالبطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها فى نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون (35) ### |||| AUTO بيان # الآيات تأمر بقتال أهل الكتاب ممن يمكن تبقيته بالجزية وتذكر أمورا من ~~وجوه انحرافهم عن الحق في الاعتقاد والعمل. # قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب" أهل الكتاب ~~هم اليهود والنصارى على ما يستفاد من آيات كثيرة من القرآن الكريم وكذا ~~المجوس على ما يشعر أو يدل عليه قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ~~إن الله على كل ms3413 شيء شهيد": الحج: - 17 حيث عدوا في الآية مع سائر أرباب ~~النحل السماوية في قبال الذين أشركوا، والصابئون كما تقدم طائفة من المجوس ~~صبوا إلى دين اليهود فاتخذوا طريقا بين الطريقين. # والسياق يدل على أن لفظة "من" في قوله: "من الذين أوتوا الكتاب" بيانية ~~لا تبعيضية فإن كلا من اليهود والنصارى والمجوس أمة واحدة كالمسلمين في ~~إسلامهم وإن تشعبوا شعبا مختلفة وتفرقوا فرقا متشتتة اختلط بعضهم ببعض ولو ~~كان المراد قتال البعض وإثبات الجزية على الجميع أو على ذلك البعض بعينه ~~لاحتاج المقام في إفادة ذلك إلى بيان غير هذا البيان يحصل به الغرض. # وحيث كان قوله: "من الذين أوتوا الكتاب" بيانا لما قبله من قوله: "الذين ~~لا يؤمنون" الآية فالأوصاف المذكورة أوصاف عامة لجميعهم وهي ثلاثة أوصاف ~~وصفهم الله سبحانه بها: عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم تحريم ما حرم ~~الله ورسوله، وعدم التدين بدين الحق. # فأول ما وصفهم به قوله: "الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" وهو ~~تعالى ينسب إليهم في كلامه أنهم يثبتونه إلها وكيف لا؟ وهو يعدهم أهل ~~الكتاب، وما هو إلا الكتاب السماوي النازل من عند الله على رسول من رسله ~~ويحكي عنهم القول أو لازم القول بالألوهية في مئات من آيات كتابه. # وكذا ينسب إليهم القول باليوم الآخر في أمثال قوله: "وقالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة:" البقرة: - 80، وقوله: "وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى:" البقرة: - 111. # غير أنه تعالى لم يفرق في كلامه بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر ~~فالكفر بأحد الأمرين كفر بالله والكفر بالله كفر بالأمرين جميعا، وحكم فيمن ~~فرق بين الله ورسله فآمن ببعض دون بعض أنه كافر كما قال: "إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا:" النساء: - 151. PageV09P133 # فعد أهل الكتاب ممن لم يؤمن بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كفارا ms3414 ~~حقا وإن كان عندهم إيمان بالله واليوم الآخر، لا بلسان أنهم كفروا بآية من ~~آيات الله وهي آية النبوة بل بلسان أنهم كفروا بالإيمان بالله فلم يؤمنوا ~~بالله واليوم الآخر كما أن المشركين أرباب الأصنام كافرون بالله إذ لم ~~يوحدوه وإن أثبتوا إلها فوق الآلهة. # على أنهم يقررون أمر المبدإ والمعاد تقريرا لا يوافق الحق بوجه كقولهم ~~بأن المسيح ابن الله وعزيرا ابن الله يضاهئون في ذلك قول الذين كفروا من ~~أرباب الأصنام والأوثان أن من الآلهة من هو إله أب إله ومن هو إله ابن إله، ~~وقول اليهود في المعاد بالكرامة وقول النصارى بالتفدية. # فالظاهر أن نفي الإيمان بالله واليوم الآخر عن أهل الكتاب إنما هو لكونهم ~~لا يرون ما هو الحق من أمر التوحيد والمعاد وإن أثبتوا أصل القول بالألوهية ~~لا لأن منهم من ينكر القول بألوهية الله سبحانه أو ينكر المعاد فإنهم ~~قائلون بذلك على ما يحكيه عنهم القرآن وإن كانت التوراة الحاضرة اليوم لا ~~خبر فيها عن المعاد أصلا. # ثم وصفهم ثانيا بقوله: "ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله" وذلك كقول اليهود ~~بإباحة أشياء عدها وذكرها لهم القرآن في سورتي البقرة والنساء وغيرهما وقول ~~النصارى بإباحة الخمر ولحم الخنزير، وقد ثبت تحريمهما في شرائع موسى وعيسى ~~ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكلهم أموال الناس بالباطل كما سينسبه ~~إليهم في الآية الآتية: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل". # والمراد بالرسول في قوله: "ما حرم الله ورسوله" أما رسول أنفسهم الذي ~~قالوا بنبوته كموسى (عليه السلام) بالنسبة إلى اليهود، وعيسى (عليه السلام) ~~بالنسبة إلى النصارى فالمعنى لا يحرم كل أمة منهم ما حرمه عليهم رسولهم ~~الذي قالوا بنبوته، واعترفوا بحقانيته وفي ذلك نهاية التجري على الله ~~ورسوله واللعب بالحق والحقيقة. # وأما النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم. # ويكون حينئذ توصيفهم بعدم تحريمهم ما ms3415 حرم الله ورسوله بغرض تأنيبهم ~~والطعن فيهم ولبعث المؤمنين وتهييجهم على قتالهم لعدم اعتنائهم بما حرمه ~~الله ورسوله في شرعهم واسترسالهم في الوقوع في محارم الله وهتك حرماته. # وربما أيد هذا الاحتمال أن لو كان المراد بقوله: "ورسوله" رسول كل أمة ~~بالنسبة إليها كموسى بالنسبة إلى اليهود وعيسى بالنسبة إلى النصارى كان من ~~حق الكلام أن يقال: "ولا يحرمون ما حرم الله ورسله" على ما هو دأب القرآن ~~في نظائره للدلالة على كثرة الرسل كقوله: "ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله:" النساء: - 150، وقوله: "قالت رسلهم أفي الله شك:" إبراهيم: - 10، ~~وقوله: "وجاءتهم رسلهم بالبينات:" يونس: - 13. # على أن النصارى رفضوا محرمات التوراة والإنجيل فلم يحرموا ما حرم موسى ~~وعيسى (عليهما السلام)، وليس من حق الكلام في مورد هذا شأنه: أنهم لا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله. # على أن المتدبر في المقاصد العامة الإسلامية لا يشك في أن قتال أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية ليس لغرض تمتع أولياء الإسلام ولا المسلمين من ~~متاع الحياة الدنيا واسترسالهم وانهماكهم في الشهوات على حد المترفين من ~~الملوك والرؤساء المسرفين من أقوياء الأمم. # وإنما غرض الدين في ذلك أن يظهر دين الحق وسنة العدل وكلمة التقوى على ~~الباطل والظلم والفسق فلا يعترضها في مسيرها اللعب والهوى فتسلم التربية ~~الصالحة المصلحة من مزاحمة التربية الفاسدة المفسدة حتى لا ينجر إلى أن ~~تجذب هذه إلى جانب، وتلك إلى جانب، فيتشوش أمر النظام الإنساني إلا أن لا ~~يرتضي واحد أو جماعة التربية الإسلامية لنفسه أو لأنفسهم فيكونون أحرارا ~~فيما يرتضونه لأنفسهم من تربية دينهم الخاصة على شرط أن يكونوا على شيء من ~~دين التوحيد، وهو اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، وأن لا يتظاهروا ~~بالمزاحمة، وهذا غاية العدل والنصفة من دين الحق الظاهر على غيره. # وأما الجزية فهي عطية مالية مأخوذة منهم مصروفة في حفظ ذمتهم وحسن ~~إدارتهم ولا غنى عن مثلها لحكومة قائمة على ساقها حقة أو باطلة. PageV09P134 # ومن هذا البيان يظهر أن المراد بهذه المحرمات: المحرمات الإسلامية التي عزم ms3416 ~~الله أن لا تشيع في المجتمع الإسلامي العالمي كما أن المراد بدين الحق هو ~~الذي يعزم أن يكون هو المتبع في المجتمع. # ولازم ذلك أن يكون المراد بالمحرمات: المحرمات التي حرمها الله ورسوله ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الصادع بالدعوة الإسلامية، وأن يكون ~~الأوصاف الثلاثة: "الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" الآية في معنى ~~التعليل تفيد حكمة الأمر بقتال أهل الكتاب. # وبذلك كله يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنه لا يعقل أن يحرم أهل ~~الكتاب على أنفسهم ما حرم الله ورسوله علينا إلا إذا أسلموا، وإنما الكلام ~~في أهل الكتاب لا في المسلمين العاصين. # وجه الفساد أنه ليس من الواجب أن يكون الغرض من قتالهم أن يحرموا ما حرم ~~الإسلام وهم أهل الكتاب بل أن لا يظهر في الناس التبرز بالمحرمات من غير ~~مانع يمنع شيوعها والاسترسال فيها كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وأكل المال ~~بالباطل على سبيل العلن بل يقاتلون ليدخلوا في الذمة فلا يتظاهروا بالفساد، ~~ويحتبس الشر فيما بينهم أنفسهم. # ولعله إلى ذلك الإشارة بقوله: "وهم صاغرون" على ما سيجيء في الكلام على ~~ذيل الآية. # ثم وصفهم ثالثا بقوله: "ولا يدينون دين الحق" أي لا يأخذونه دينا وسنة ~~حيوية لأنفسهم. # وإضافة الدين إلى الحق ليست من إضافة الموصوف إلى صفته على أن يكون ~~المراد الدين الذي هو حق بل من الإضافة الحقيقة، والمراد به الدين الذي هو ~~منسوب إلى الحق لكون الحق هو الذي يقتضيه للإنسان ويبعثه إليه، وكون هذا ~~الدين يهدي إلى الحق ويصل متبعيه إليه فهو من قبيل قولنا طريق الحق وطريق ~~الضلال بمعنى الطريق الذي هو للحق والطريق الذي هو للضلال أي إن غايته الحق ~~أو غايته الضلال. # وذلك أن المستفاد من مثل قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم:" الروم: - 30، ~~وقوله: "إن الدين عند الله الإسلام:" آل عمران: - 19، وسائر ما يجري هذا ~~المجرى من الآيات أن لهذا الدين ms3417 أصلا في الكون والخلقة والواقع الحق يدعو ~~إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويندب الناس إلى الإسلام والخضوع له ~~ويسمى اتخاذه سنة في الحياة إسلاما لله تعالى فهو يدعو إلى ما لا مناص ~~للإنسان عن استجابته والتسليم له وهو الخضوع للسنة العملية الاعتبارية التي ~~يهدي إليها السنة الكونية الحقيقية، وبعبارة أخرى التسليم لإرادة الله ~~التشريعية المنبعثة عن إرادته التكوينية. # وبالجملة للحق الذي هو الواقع الثابت دين وسنة ينبعث منه كما أن للضلال ~~والغي دينا يدعو إليه، والأول اتباع للحق كما أن الثاني اتباع للهوى، قال ~~تعالى: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض". # والإسلام دين الحق بمعنى أنه ستة التكوين والطريقة التي تنطبق عليها ~~الخلقة وتدعو إليها الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم. # فتلخص مما تقدم أولا: أن المراد بعدم إيمان أهل الكتاب بالله واليوم ~~الآخر عدم تلبسهم بالإيمان المقبول عند الله، وبعدم تحريمهم ما حرم الله ~~ورسوله عدم مبالاتهم في التظاهر باقتراف المناهي التي يفسد التظاهر بها ~~المجتمع البشري ويخيب بها سعي الحكومة الحقة الجارية فيه، وبعدم تدينهم ~~بدين الحق عدم استنانهم بسنة الحق المنطبقة على الخلقة والمنطبقة عليها ~~الخلقة والكون. # وثانيا: أن قوله: "الذين لا يؤمنون بالله" إلى آخر الأوصاف الثلاثة مسوق ~~لبيان الحكمة في الأمر بقتالهم ويترتب عليه فائدة التحريض والتحضيض عليه. # وثالثا: أن المراد قتال أهل الكتاب جميعا لا بعضهم بجعل "من" في قوله: ~~"من الذين أوتوا الكتاب" للتبعيض. # قوله تعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" قال الراغب في ~~المفردات:، الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها في ~~حقن دمهم. # انتهى. # وفي المجمع:، الجزية فعلة من جزى يجزي مثل العقدة والجلسة وهي عطية ~~مخصوصة جزاء لهم على تمسكهم بالكفر عقوبة لهم. # عن علي بن عيسى. # انتهى. # والاعتماد على ما ذكره الراغب فإنه المتأيد بما ذكرناه آنفا أن هذه عطية ~~مالية مصروفة في جهة حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحسن إدارتهم. PageV09P135 # وقال الراغب أيضا: ms3418 الصغر والكبر من الأسماء المتضادة التي تقال عند اعتبار ~~بعضها ببعض فالشيء قد يكون صغيرا في جنب الشيء وكبيرا في جنب آخر - إلى أن ~~قال - يقال: صغر صغرا - بالكسر فالفتح - في ضد الكبير وصغر صغرا وصغارا - ~~بالفتحتين فيهما - في الذلة. # والصاغر الراضي بالمنزلة الدنية: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" انتهى. # والاعتبار بما ذكر في صدر الآية من أوصافهم المقتضية لقتالهم ثم إعطاؤهم ~~الجزية لحفظ ذمتهم يفيد أن يكون المراد بصغارهم خضوعهم للسنة الإسلامية ~~والحكومة الدينية العادلة في المجتمع الإسلامي فلا يكافئوا المسلمين ولا ~~يبارزوهم بشخصية مستقلة حرة في بث ما تهواه أنفسهم وإشاعة ما اختلقته ~~هوساتهم من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنساني مع ما في إعطاء ~~المال بأيديهم من الهوان. # فظاهر الآية أن هذا هو المراد من صغارهم لا إهانتهم والسخرية بهم من جانب ~~المسلمين أو أولياء الحكومة الدينية فإن هذا مما لا يحتمله السكينة والوقار ~~الإسلامي وإن ذكر بعض المفسرين. # واليد: الجارحة من الإنسان وتطلق على القدرة والنعمة فإن كان المراد به ~~في قوله: "حتى يعطوا الجزية عن يد" هو المعنى الأول فالمعنى حتى يعطوا ~~الجزية متجاوزة عن يدهم إلى يدكم، وإن كان المراد هو المعنى الثاني ~~فالمعنى: حتى يعطوا الجزية عن قدرة وسلطة لكم عليهم وهم صاغرون غير مستعلين ~~عليكم ولا مستكبرين. # فمعنى الآية - والله أعلم - قاتلوا أهل الكتاب لأنهم لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر إيمانا مقبولا غير منحرف عن الصواب ولا يحرمون ما حرمه ~~الإسلام مما يفسد اقترافه المجتمع الإنساني ولا يدينون دينا منطبقا على ~~الخلقة الإلهية قاتلوهم ودوموا على قتالهم حتى يصغروا عندكم ويخضعوا ~~لحكومتكم، ويعطوا في ذلك عطية مالية مضروبة عليهم يمثل صغارهم، ويصرف في ~~حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحاجة إدارة أمورهم. # قوله تعالى: "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله" ~~إلى آخر الآية المضاهاة المشاكلة. # والإفك على ما ذكره الراغب كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه فمعنى ~~"يؤفكون" يصرفون في اعتقادهم عن الحق إلى الباطل. # وقوله: ms3419 "وقالت اليهود عزير ابن الله" عزير هذا هو الذي يسميه اليهود عزرا ~~غيرت اللفظة عند التعريب كما غير لفظ "يسوع" فصار بالتعريب "عيسى" ولفظ ~~"يوحنا" فصار كما قيل "يحيى". # وعزرا هذا هو الذي جدد دين اليهود وجمع أسفار التوراة وكتبها بعد ما ~~افتقدت في غائلة بخت نصر ملك بابل الذي فتح بلادهم وخرب هيكلهم وأحرق كتبهم ~~وقتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم والباقين من ضعفائهم وسيرهم معه إلى بابل ~~فبقوا هنالك ما يقرب من قرن ثم لما فتح "كورش" ملك إيران بابل شفع لهم عنده ~~عزرا وكان ذا وجه عنده فأجاز له أن يعيد اليهود إلى بلادهم وأن يكتب لهم ~~التوراة ثانيا بعد ما افتقدوا نسخها وكان ذلك في حدود سنة 457 قبل المسيح ~~على ما ذكروا فراجت بينهم ثانيا ما جمعه عزرا من التوراة وإن كانوا افتقدوا ~~أيضا في زمن أنتيوكس صاحب سورية الذي فتح بلادهم حدود سنة 161 قم وتتبع ~~مساكنهم فأحرق ما وجده من نسخ التوراة وقتل من وجدت عنده أو أخذت عليه على ~~ما في كتب التاريخ. # ولما نالهم من خدمته عظموا قدره واحترموا أمره وسموه ابن الله ولا ندري ~~أكان دعاؤه بالبنوة بالمعنى الذي يسمي به النصارى المسيح ابن الله - ~~والمراد أن فيه شيئا من جوهر الربوبية أو هو مشتق منه أو هو هو - أو أنها ~~تسمية تشريفية كما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه؟ وإن كان ظاهر سياق الآية ~~التالية: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم" ~~الآية يؤيد الثاني على ما سيأتي. # وقد ذكر بعض المفسرين: أن هذا القول منهم: "عزير ابن الله" كلمة تكلم بها ~~بعض اليهود ممن في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) لا جميع اليهود فنسب إلى ~~الجميع كما أن قولهم: "إن الله فقير ونحن أغنياء" وكذا قولهم: "يد الله ~~مغلولة" مما قاله بعض يهود المدينة ممن عاصر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لأن البعض منهم راضون بما عمله البعض ~~الآخر، ms3420 والجميع ذو رأي متوافق الأجزاء وروية متشابهة التأثير. PageV09P136 # وقوله: "وقالت النصارى المسيح ابن الله" كلمة قالتها النصارى، وقد تقدم ~~الكلام فيها وفي ما يتعلق بها في قصة المسيح (عليه السلام) من سورة آل ~~عمران في الجزء الثالث من الكتاب. # وقوله: "يضاهئون قول الذين كفروا من قبل" تنبىء الآية عن أن القول ~~بالبنوة منهم مضاهاة ومشاكلة لقول من تقدمهم من الأمم الكافرة وهم الوثنيون ~~عبدة الأصنام فإن من آلهتهم من هو إله أب إله ومن هو إله ابن إله و، من هي ~~إلهة أم إله أو زوجة إله، وكذا القول بالثالوث مما كان دائرا بين الوثنيين ~~من الهند والصين ومصر القديم وغيرهم وقد مر نبذة من ذلك فيما تقدم من ~~الكلام في قصة المسيح في ثالث أجزاء هذا الكتاب. # وتقدم هناك أن تسرب العقائد الوثنية في دين النصارى ومثلهم اليهود من ~~الحقائق التي كشف عنها القرآن الكريم في هذه الآية: "يضاهئون قول الذين ~~كفروا من قبل". # وقد اعتنى جمع من محققي هذا العصر بتطبيق ما تضمنته كتب القوم أعني ~~العهدين: العتيق والجديد على ما حصل من مذاهب البوذيين والبرهمائيين فوجدوا ~~معارف العهدين منطبقة على ذلك حذو النعل بالنعل حتى كثيرا من القصص ~~والحكايات الموجودة في الأناجيل فلم يبق ذلك ريبا لأي باحث في أصالة قوله ~~تعالى: "يضاهئون" الآية في هذا الباب. # ثم دعا عليهم بقوله: "قاتلهم الله أنى يؤفكون" وختم به الآية. # قوله تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن ~~مريم" الأحبار جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو العالم وغلب استعماله في ~~علماء اليهود والرهبان جمع راهب وهو المتلبس بلباس الخشية وغلب على ~~المتنسكين من النصارى. # واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم ~~من غير قيد وشرط ولا يطاع كذلك إلا الله سبحانه. # وأما اتخاذهم المسيح بن مريم ربا من دون الله فهو القول بألوهيته بنحو ~~كما هو المعروف من مذاهب النصارى، وفي إضافة المسيح إلى مريم إشارة إلى عدم ~~كونهم محقين في هذا ms3421 الاتخاذ لكونه إنسانا ابن مرأة. # ولكون الاتخاذين مختلفين من حيث المعنى فصل بينهما فذكر اتخاذهم الأحبار ~~والرهبان أربابا من دون الله أولا، ثم عطف عليه قوله: "والمسيح بن مريم". # والكلام كما يدل على اختلاف الربوبيتين كذلك لا يخلو عن دلالة على أن ~~قولهم ببنوة عزير وبنوة المسيح على معنيين مختلفين، وهو البنوة التشريفية ~~في عزير والبنوة بنوع من الحقيقة في المسيح (عليه السلام) فإن الآية أهملت ~~ذكر اتخاذهم عزيرا ربا من دون الله، ولم يذكر مكانه إلا اتخاذهم الأحبار ~~والرهبان أربابا من دون الله. # فهو رب عندهم بهذا المعنى إما لاستلزام التشريف بالبنوة ذلك أو لأنه من ~~أحبارهم وقد أحسن إليهم في تجديد مذهبهم ما لا يقاس به إحسان غيره، وأما ~~المسيح فبنوته غير هذه البنوة. # وقوله: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو" جملة حالية أي ~~اتخذوا لهم أربابا والحال هذه. # وفي الكلام دلالة أولا: على أن الاتخاذ بالربوبية بواسطة الطاعة كالاتخاذ ~~بها بواسطة العبادة فالطاعة إذا كانت بالاستقلال كانت عبادة، ولازم ذلك أن ~~الرب الذي هو المطاع من غير قيد وشرط وعلى نحو الاستقلال إله، فإن الإله هو ~~المعبود الذي من حقه أن يعبد، يدل على ذلك كله قوله تعالى: "وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا" حيث بدل الرب بالإله، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وما ~~أمروا إلا ليتخذوا ربا واحدا فالاتخاذ للربوبية بواسطة الطاعة المطلقة ~~عبادة، واتخاذ الرب معبودا اتخاذ له إلها فافهم ذلك. # وثانيا: على أن الدعوة إلى عبادة الله وحده فيما وقع من كلامه تعالى ~~كقوله تعالى: "لا إله إلا أنا فاعبدون:" الأنبياء: - 25 وقوله فلا تدع مع ~~الله إلها آخر": الشعراء: - 213 وأمثال ذلك كما أريد بها قصر العبادة ~~بمعناها المتعارف فيه تعالى كذلك أريد قصر الطاعة فيه تعالى، وذلك أنه ~~تعالى لم يؤاخذهم في طاعتهم لأحبارهم ورهبانهم إلا بقوله عز من قائل: "وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو". # وعلى هذا المعنى يدل قوله تعالى: "ألم أعهد ms3422 إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم:" يس - 61، وهذا باب ~~ينفتح منه ألف باب. PageV09P137 # وفي قوله: "لا إله إلا هو" تتميم لكلمة التوحيد التي يتضمنها قوله: "وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا" فإن كثيرا من عبدة الأصنام كانوا يعتقدون ~~بوجود آلهة كثيرة، وهم مع ذلك لا يخصون بالعبادة إلا واحدا منها فعبادة إله ~~واحد لا يتم به التوحيد إلا مع القول بأنه لا إله إلا هو. # وقد جمع تعالى بين العبادتين مع الإشارة إلى مغايرة ما بينهما وأن قصر ~~العبادة بكلا معنييها عليه تعالى هو معنى الإسلام له سبحانه الذي لا مفر ~~منه للإنسان فيما أمر به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من دعوة أهل ~~الكتاب بقوله: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون:" آل عمران: - 64. # وقوله تعالى في ذيل الآية: "سبحانه عما يشركون" تنزيه له تعالى عما ~~يتضمنه قولهم بربوبية الأحبار والرهبان، وقولهم بربوبية المسيح (عليه ~~السلام) من الشرك. # والآية بمنزلة البيان التعليلي لقوله تعالى في أول الآيات: "الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" فإن اتخاذ إله أو آلهة دون الله سبحانه لا ~~يجامع الإيمان بالله، ولا الإيمان بيوم لا ملك فيه إلا لله. # قوله تعالى: "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم إلى آخر الآية، الإطفاء ~~إخماد النار أو النور، والباء في قوله: "بأفواههم" للآلة أو السببية. # وإنما ذكر الأفواه لأن النفخ الذي يتوسل به إلى إخماد الأنوار والسرج ~~يكون بالأفواه، قال في المجمع،: وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير ~~شأنهم وتضعيف كيدهم لأن الفم يؤثر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة. # انتهى. # وقال في الكشاف:، مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث ms3423 في الآفاق يريد ~~الله أن يزيده، ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخة ~~ويطمسه. # انتهى، والآية إشارة إلى حال الدعوة الإسلامية، وما يريده منه الكافرون، ~~وفيها وعد جميل بأن الله سيتم نوره. # قوله تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون" الهدى الهداية الإلهية التي قارنها برسوله ليهدي بأمره، ~~ودين الحق هو الإسلام بما يشتمل عليه من العقائد والأحكام المنطبقة على ~~الواقع الحق. # والمعنى أن الله هو الذي أرسل رسوله وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مع الهداية - أو الآيات والبينات - ودين فطري ليظهر وينصر دينه الذي هو دين ~~الحق على كل الأديان ولو كره المشركون ذلك. # وبذلك ظهر أن الضمير في قوله: "ليظهره" راجع إلى دين الحق كما هو ~~المتبادر من السياق، وربما قيل: إن الضمير راجع إلى الرسول، والمعنى ليظهر ~~رسوله ويعلمه معالم الدين كلها وهو بعيد. # وفي الآيتين من تحريض المؤمنين على قتال أهل الكتاب والإشارة إلى وجوب ~~ذلك عليهم ما لا يخفى فإنهما تدلان على أن الله أراد انتشار هذا الدين في ~~العالم البشري فلا بد من السعي والمجاهدة في ذلك، وأن أهل الكتاب يريدون أن ~~يطفئوا هذا النور بأفواههم فلا بد من قتالهم حتى يفنوا أو يستبقوا بالجزية ~~والصغار، وأن الله سبحانه يأبى إلا أن يتم نوره، ويريد أن يظهر هذا الدين ~~على غيره فالدائرة بمشية الله لهم على أعدائهم فلا ينبغي لهم أن يهنوا ~~ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله" الظاهر أن الآية إشارة إلى بعض ~~التوضيح لقوله في أول الآيات: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق" كما أن الآية السابقة كالتوضيح لقوله فيها: "الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر". # أما إيضاح قوله تعالى: "ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله" بقوله: "إن كثيرا ~~من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل" فهو ms3424 إيضاح بأوضح ~~المصاديق وأهمها تأثيرا في إفساد المجتمع الإنساني الصالح، وإبطال غرض الدين. PageV09P138 # فالقرآن الكريم يعد لأهل الكتاب وخاصة لليهود جرائم وآثاما كثيرة مفصلة في ~~سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها لكن الجرائم والتعديات المالية شأنها ~~غير شأن غيرها، وخاصة في هذا المقام الذي تعلق الغرض بإفساد أهل الكتاب ~~المجتمع الإنساني الصالح لو كانوا مبسوطي اليد واستقلالهم الحيوي قائما على ~~ساق، ولا مفسد للمجتمع مثل التعدي المالي. # فإن أهم ما يقوم به المجتمع الإنساني على أساسه هو الجهة المالية التي ~~جعل الله لهم قياما فجل المآثم والمساوي والجنايات والتعديات والمظالم ~~تنتهي بالتحليل إما إلى فقر مفرط يدعو إلى اختلاس أموال الناس بالسرقة وقطع ~~الطرق وقتل النفوس والبخس في الكيل والوزن والغصب وسائر التعديات المالية، ~~وإما إلى غنى مفرط يدعو إلى الإتراف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس ~~والمنكح والمسكن، والاسترسال في الشهوات وهتك الحرمات، وبسط التسلط على ~~أموال الناس وأعراضهم ونفوسهم. # وتنتهي جميع المفاسد الناشئة من الطريقين كليهما بالتحليل إلى ما يعرض من ~~الاختلال على النظام الحاكم في حيازة الأموال واقتناء الثروة، والأحكام ~~المشرعة لتعديل الجهات المملكة المميزة لأكل المال بالحق من أكله بالباطل، ~~فإذا اختل ذلك وأذعنت النفوس بإمكان القبض على ما تحتها من المال، وتتوق ~~إليه من الثروة بأي طريق أمكن لقن ذلك إياها أن يظفر بالمال ويقبض على ~~الثروة بأي طريق ممكن حق أو باطل، وأن يسعى إلى كل مشتهى من مشتهيات النفس ~~مشروع أو غير مشروع أدى إلى ما أدى، وعند ذلك يقوم البلوى بفشو الفساد ~~وشيوع الانحطاط الأخلاقي في المجتمع، وانقلاب المحيط الإنساني إلى محيط ~~حيواني ردي لا هم فيه إلا البطن وما دونه ولا يملك فيه إرادة أحد بسياسة أو ~~تربية ولا تفقه فيه لحكمة ولا إصغاء إلى موعظة. # ولعل هذا هو السبب الموجب لاختصاص أكل المال بالباطل بالذكر، وخاصة من ~~الأحبار والرهبان الذين إليهم تربية الأمة وإصلاح المجتمع. # وقد عد بعضهم من أكلهم أموال الناس بالباطل ما يقدمه الناس إليهم من ~~المال حبا لهم لتظاهرهم ms3425 بالزهد والتنسك، وأكل الربا والسحت، وضبطهم أموال ~~مخالفيهم وأخذهم الرشا على الحكم، وإعطاء أوراق المغفرة وبيعها، ونحو ذلك. # والظاهر أن المراد بها أمثال أخذ الرشوة على الحكم كما تقدم من قصتهم في ~~تفسير قوله تعالى: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" ~~الآية: المائدة: - 41، في الجزء الخامس من الكتاب. # ولو لم يكن من ذلك إلا ما كانت تأتي به الكنيسة من بيع أوراق المغفرة ~~لكفى به مقتا ولوما. # وأما ما ذكره من تقديم الأموال إليهم لتزهدهم، وكذا تخصيصهم بأوقاف ~~ووصايا ومبرات عامة فليس بمعدود من أكل المال بالباطل، وكذا ما ذكره من أكل ~~الربا والسحت فقد نسبه تعالى في كلامه إلى عامة قومهم كقوله تعالى: "وأخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه:" النساء: - 161، وقوله: "سماعون للكذب أكالون للسحت": ~~المائدة: - 42، وإنما كلامه تعالى في الآية التي نحن فيها فيما يخص أحبارهم ~~ورهبانهم من أكل المال بالباطل لا ما يعمهم وعامتهم. # إلا أن الحق أن زعماء الأمة الدينية ومربيهم في سلوك طريق العبودية ~~المعتنين بإصلاح قلوبهم وأعمالهم إذا انحرفوا عن طريق الحق إلى سبيل الباطل ~~كان جميع ما أكلوه لهذا الشأن واستدروه من منافعه سحتا محرما لا يبيحه لهم ~~شرع ولا عقل. # وأما إيضاح قوله تعالى: "ولا يدينون دين الحق" بقوله: "ويصدون عن سبيل ~~الله" فهو أيضا مبني على ما قدمناه من النكتة في توصيفهم بالأوصاف الثلاثة ~~التي ثالثها قوله: "ولا يدينون دين الحق" وهو بيان ما يفسد من صفاتهم ~~وأعمالهم المجتمع الإنساني ويسد طريق الحكومة الدينية العادلة دون البلوغ ~~إلى غرضها من إصلاح الناس وتكوين مجتمع حي فعال بما يليق بالإنسان الفطري ~~المتوجه إلى سعادته الفطرية. # ولذا خص بالذكر من مفاسد عدم تدينهم بدين الحق ما هو العمدة في إفساد ~~المجتمع الصالح، وهو صدهم عن سبيل الله ومنعهم الناس عن أن يسلكوه بما ~~قدروا عليه من طرقه الظاهرة والخفية، ولا يزالون مصرين على هذه السليقة منذ ~~عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى اليوم. PageV09P139 # قوله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ms3426 ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم" قال الراغب: الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من ~~كنزت التمر في الوعاء، وزمن الكناز وقت ما يكنز فيه التمر، وناقة كناز ~~مكتنزة اللحم، وقوله: "والذين يكنزون الذهب والفضة" أي يدخرونها، انتهى. # ففي مفهوم الكنز حفظ المال المكنوز وادخاره ومنعه من أن يجري بين الناس ~~في وجوه المعاملات فينمو نماء حسنا، ويعم الانتفاع به في المجتمع فينتفع به ~~هذا بالأخذ وذاك بالرد، وذلك بالعمل عليه وقد كان دأبهم قبل ظهور البنوك ~~والمخازن العامة أن يدفنوا الكنوز في الأرض سترا عليها من أن تقصد بسوء. # والآية وإن اتصلت في النظم اللفظي بما قبلها من الآيات الذامة لأهل ~~الكتاب والموبخة لأحبارهم ورهبانهم في أكلهم أموال الناس بالباطل والصد عن ~~سبيل الله إلا أنه لا دليل من جهة اللفظ على نزولها فيهم واختصاصها بهم البتة. # فلا سبيل إلى القول بأن الآية إنما نزلت في أهل الكتاب وحرمت الكنز ~~عليهم، وأما المسلمون فهم وما يقتنون من ذهب وفضة يصنعون بأموالهم ما ~~يشاءون من غير بأس عليهم. # والآية توعد الكانزين إيعادا شديدا، ويهددهم بعذاب شديد غير أنها تفسر ~~الكنز المدلول عليه بقوله: "الذين يكنزون الذهب والفضة" بقوله: "ولا ~~ينفقونها في سبيل الله" فتدل بذلك على أن الذي يبغضه الله من الكنز ما ~~يلازم الكف عن إنفاقه في سبيل الله إذا كان هناك سبيل. # وسبيل الله على ما يستفاد من كلامه تعالى هو ما توقف عليه قيام دين الله ~~على ساقه وأن يسلم من انهدام بنيانه كالجهاد وجميع مصالح الدين الواجب ~~حفظها، وشئون مجتمع المسلمين التي ينفسخ عقد المجتمع لو انفسخت، والحقوق ~~المالية الواجبة التي أقام الدين بها صلب المجتمع الديني، فمن كنز ذهبا أو ~~فضة والحاجة قائمة والضرورة عاكفة فقد كنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل ~~الله فليبشر بعذاب أليم فإنه آثر نفسه على ربه وقدم حاجة نفسه أو ولده ~~الاحتمالية على حاجة المجتمع الديني القطعية. # ويستفاد هذا مما في الآية التالية من قوله: ms3427 "هذا ما كنزتم لأنفسكم" فإنه ~~يدل على أن توجه العتاب عليهم لكونهم خصوه بأنفسهم وآثروها فيما خافوا ~~حاجتها إليه على سبيل الله الذي به حياة المجتمع الإنساني في الدنيا ~~والآخرة، وقد خانوا الله ورسوله في ذلك من جهة أخرى وهي الستر والتغييب إذ ~~لو كان ظاهرا جاريا على الأيدي كان من الممكن أن يأمره ولي الأمر بإنفاقه ~~في حاجة دينية قائمة لكن إذا كنز كنزا وأخفى عن الأنظار لم يلتفت إليه، ~~وبقيت الحاجة الضرورية قائمة في جانب والمال المكنوز الذي هو الوسيلة ~~الوحيدة لرفع الحاجة في جانب مع عدم حاجة من كنزه إليه. # فالآية إنما تنهى عن الكنز لهذه الخصيصة التي هي إيثار الكانز نفسه ~~بالمال من غير حاجة إليه على سبيل الله مع قيام الحاجة إليه، وناهيك أن ~~الإسلام لا يحد أصل الملك من جهة الكمية بحد فلو كان لهذا الكانز أضعاف ما ~~كنزه من الذهب والفضة ولم يدخرها كنزا بل وضعها في معرض الجريان يستفيد به ~~لنفسه الوفا والوفا، ويفيد غيره ببيع أو شراء أو عمل وغير ذلك لم يتوجه ~~إليه نهي ديني لأنه حيث نصبها على أعين الناس وأجراها في مجرى النماء ~~الصالح النافع لم يخفها ولم يمنعها من أن يصرف في سبيل الله فهو وإن لم ~~ينفقها في سبيل الله إلا أنه بحيث لو أراد ولي أمر المسلمين لأمره بالإنفاق ~~فيما يرى لزوم الإنفاق فيه فليس هو إذا لم ينفق وهو بمرأى ومسمع من ولي ~~الأمر بخائن ظلوم. # فالآية ناظرة إلى الكنز الذي يصاحبه الامتناع عن الإنفاق في الحقوق ~~المالية الواجبة لا بمعنى الزكاة الواجبة فقط بل بمعنى يعمها وغيرها من كل ~~ما يقوم عليه ضرورة المجتمع الديني من الجهاد وحفظ النفوس من الهلكة ونحو ذلك. PageV09P140 # وأما الإنفاق المستحب كالتوسعة على العيال، وإعطاء المال وبذله على الفقراء ~~في الزائد على ضرورة حياتهم فهو وإن أمكن أن يطلق عليه فيما عندنا الإنفاق ~~في سبيل الله إلا أن نفس أدلته المبينة لاستحبابه تكشف عن أنه ليس من هذا ms3428 ~~الإنفاق في سبيل الله المذكور في هذه الآية فكنز المال وعدم إنفاقه إنفاقا ~~مندوبا مع عدم سبيل ضروري ينفق فيه ليس من الكنز المنهي عنه في هذه الآية ~~فهذا ما تدل عليه الآية الكريمة، وقد طال فيها - لما يتعلق بها من بعض ~~الأبحاث الكلامية - المشاجرة بين المفسرين، وسنورد فيه كلاما بعد الفراغ عن ~~البحث الروائي المتعلق بالآيات إن شاء الله تعالى. # وقوله في ذيل الآية: "فبشرهم بعذاب أليم" إيعاد بالعذاب يدل على تحريمه ~~الشديد. # قوله تعالى: "يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم" إلى آخر الآية. # إحماء الشيء جعله حارا في الإحساس، والإحماء عليه الإيقاد ليتسخن ~~والإحماء فوق التسخين، والكي إلصاق الشيء الحار بالبدن. # والمعنى: أن ذلك العذاب المبشر به في يوم يوقد على تلك الكنوز في نار ~~جهنم فتكون محماة بالنار فتلصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم ويقال لهم عند ذلك: ~~"هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون": فقد عاد عذابا عليكم تعذبون به. # ولعل تخصيص الجباه والجنوب والظهور لأنهم خضعوا لها وهو السجدة التي تكون ~~بالجباه ولاذوا إليها واللواذ بالجنوب، واتكئوا عليها والاتكاء بالظهور، ~~وقيل غير ذلك والله أعلم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~حديث الأسياف الذي ذكره عن أبيه قال: وأما السيوف الثلاثة المشهورة فسيف ~~على مشركي العرب، قال الله عز وجل: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". قال: ~~والسيف الثاني على أهل الذمة قال الله عز وجل: "وقولوا للناس حسنا" نزلت ~~هذه الآية في أهل الذمة ثم نسخها قوله عز وجل: "قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر - ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله - ولا يدينون دين ~~الحق من الذين أوتوا الكتاب - حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" فمن كان ~~منهم في دار الإسلام فلن يقبل منه إلا الجزية أو القتل ومالهم فيء وذراريهم ~~سبي، وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلت ~~لنا مناكحتهم، ومن كان منهم ms3429 في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم ولم يحل ~~مناكحتهم، ولم يقبل إلا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل. وفيه، ~~بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جرت السنة أن ~~لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب على عقله. وفيه، بإسناده عن أبي ~~يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ~~المجوس أكان لهم شيء؟ فقال: نعم أما بلغك كتاب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلى أهل مكة: أن أسلموا وإلا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أن خذ منا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان. ~~فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لست آخذ الجزية إلا من ~~أهل الكتاب. فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا ~~من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر. فكتب إليهم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب أحرقوه. أتاهم نبيهم ~~بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور. # أقول: وفي هذه المعاني روايات أخرى مودعة في جوامع الحديث واستيفاء ~~الكلام في مسائل الجزية والخراج وغيرهما في الفقه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: القتال قتالان: قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون، وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فإذا ~~فاءت أعطيت العدل. وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد: في قوله: "قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله" الآية قال: نزلت هذه حين أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأصحابه بغزوة تبوك. PageV09P141 # أقول: وقد تقدمت الروايات في ذيل آية المباهلة أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أقر الجزية على نصارى نجران، وكان ذلك على ما دل عليه أمثل ~~الروايات سنة ست من ms3430 الهجرة قبل غزوة تبوك بسنين، وكذا دعوته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ملوك الروم ومصر والعجم وهم من أهل الكتاب كانت سنة ست. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: أخذ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الجزية من مجوس أهل هجر ومن يهود اليمن ونصاراهم من كل حالم ~~دينار. وفيه، أخرج مالك والشافعي وأبو عبيد في كتاب الأموال وابن أبي شيبة ~~عن جعفر عن أبيه أن عمر بن الخطاب استشار الناس في المجوس في الجزية فقال ~~عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب. وفيه، أخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن أبي طالب: ~~أنه سئل عن أخذ الجزية من المجوس فقال: والله ما على الأرض اليوم أحد أعلم ~~بذلك مني إن المجوس كانوا أهل كتاب يعرفونه، وعلم يدرسونه فشرب أميرهم ~~الخمر فسكر فوقع على أخته فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته: إنك ~~قد صنعت بها كذا وكذا، وقد رآك نفر لا يسترون عليك فدعا أهل الطمع ثم قال ~~لهم قد علمتم أن آدم (عليه السلام) قد أنكح بنيه بناته. فجاء أولئك الذين ~~رأوه فقالوا: ويل للأبعد إن في ظهرك حد الله فقتلهم أولئك الذين كانوا عنده ~~ثم جاءت امرأة فقالت له: بلى قد رأيتك فقال لها: ويحا لبغي بني فلان قالت: ~~أجل والله قد كانت بغية ثم تابت فقتلها، ثم أسري على ما في قلوبهم وعلى ~~كتبهم فلم يصبح عندهم شيء. وفي تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "وقالت ~~اليهود عزير ابن الله" الآية: عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا: ~~عزير ابن الله، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، ~~واشتد غضب الله على من أراق دمي وآذاني في عترتي. وفي الدر المنثور، أخرج ~~البخاري في تاريخه عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان ms3431 يوم أحد شج رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في وجهه وكسرت رباعيته فقام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يومئذ رافعا يديه يقول: إن الله عز وجل اشتد غضبه على ~~اليهود أن قالوا: عزير ابن الله واشتد غضبه على النصارى أن قالوا المسيح ~~ابن الله وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي. # أقول: وقد روي في الدر المنثور، وغيره عن ابن عباس وكعب الأحبار والسدي ~~وغيرهم روايات في قصة عزير هي أشبه بالإسرائيليات، والظاهر أن الجميع تنتهي ~~إلى كعب. # وفي الإحتجاج، للطبرسي عن علي (عليه السلام) قال: "قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون" أي لعنهم الله أنى يؤفكون فسمى اللعنة قتالا، وكذلك: "قتل الإنسان ~~ما أكفره" أي لعن الإنسان: أقول: وروي ذلك من طرق أهل السنة عن ابن عباس ~~وهو على أي حال تفسير يلازم المعنى لا بالمراد اللفظي. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قلت له: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" فقال: أما والله ما ~~دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن ~~أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون. # أقول: وروى هذا المعنى البرقي في المحاسن، ورواه العياشي في تفسيره عن ~~أبي بصير وعن جابر جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) وعن حذيفة، ورواه ~~في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الطرق عن حذيفة. # وفي تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" قال: أما المسيح ~~فبعض عظموه في أنفسهم حتى زعموا أنه إله وأنه ابن الله، وطائفة منهم قالوا: ~~ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله. وأما قوله: "أحبارهم ورهبانهم" ~~فإنهم أطاعوا وأخذوا بقولهم، واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه ~~فاتخذوهم أربابا بطاعتهم لهم وتركهم أمر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ~~ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتبعوهم وأطاعوهم ms3432 وعصوا الله. ~~الحديث. PageV09P142 # وفي تفسير البرهان، عن المجمع قال: وروى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم ~~قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عنقي صليب من ذهب فقال ~~لي: يا عدي اطرح هذا الربق. وفي تفسير البرهان، عن الصدوق بإسناده عن أبي ~~بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): في قوله عز وجل: "هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق" الآية والله ما نزل تأويلها بعد ولا ينزل تأويلها ~~حتى يخرج القائم فإذا خرج القائم لم يبق كافر بالله ولا مشرك بالإمام إلا ~~كره خروجه حتى لو كان الكافر في بطن صخرة قالت: يا مؤمن في بطني كافر ~~فاكسرني واقتله. # أقول: وروى ما في معناه العياشي عن أبي المقدام عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) وعن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وكذا الطبرسي مثله عن ~~أبي جعفر (عليه السلام)، وفي تفسير القمي، أنها نزلت في القائم من آل محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعنى نزولها فيه كونه تأويلها كما يدل عليه ~~رواية الصدوق. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ~~جابر: في قوله: "ليظهره على الدين كله" قال: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ~~ولا نصراني صاحب ملة إلا الإسلام حتى تأمن الشاة الذئب، والبقرة الأسد، ~~والإنسان الحية، وحتى لا تقرض فأرة جرابا، وحتى يوضع الجزية ويكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير، وذلك إذا نزل عيسى بن مريم (عليهما السلام). # أقول: والمراد بوضع الجزية أن تصير متروكة لا حاجة إليها لعدم الموضوع ~~بقرينة صدر الحديث، وما دلت عليه هذه الروايات من عدم بقاء كفر ولا شرك ~~يومئذ يؤيدها روايات أخرى، وهناك روايات أخرى تدل على وضع المهدي (عليه ~~السلام) الجزية على أهل الكتاب بعد ظهوره. # وربما أيده قوله تعالى في أهل الكتاب: "وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ~~إلى يوم القيامة:" المائدة: - 64، "فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة": المائدة: - 14، وما في معناه من الآيات فإنها لا تخلو من ظهور ما ms3433 ~~في بقائهم إلى يوم القيامة إن لم تكن كناية عن ارتفاع المودة بينهم ارتفاعا ~~أبديا، وقد تقدم في ذيل الآيات بعض الكلام في هذا المعنى. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر: أن عثمان بن ~~عفان لما أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلقوا الواو التي في براءة: ~~"والذين يكنزون الذهب والفضة" قال أبي: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي ~~فألحقوها. وفي أمالي الشيخ، قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل وساق إسناده ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لما نزلت هذه الآية: ~~"والذين يكنزون الذهب والفضة - ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم" كل ما يؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لا يؤدى ~~زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. # أقول: وروي ما في معناه في الدر المنثور، عن ابن عدي والخطيب عن جابر عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا بطرق أخرى عن ابن عباس وغيره. # وفيه، أيضا بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه أبي جعفر ~~(عليه السلام): أنه سئل عن الدنانير والدراهم وما على الناس. فقال أبو جعفر ~~(عليه السلام): هي خواتيم الله في أرضه جعلها الله مصلحة لخلقه، وبها ~~يستقيم شئونهم ومطالبهم فمن أكثر له منها فقال بحق الله تعالى فيها أدى ~~زكاتها فذاك الذي طلبه، وخلص له، ومن أكثر له منها فبخل بها ولم يؤد حق ~~الله فيها واتخذ منها الأبنية فذاك الذي حق عليه وعيد الله عز وجل في كتابه ~~يقول الله تعالى: "يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم - هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون". # أقول: والرواية تؤيد ما استفدناه سابقا من الآية. # وفي تفسير القمي، قال: كان أبو ذر الغفاري يغدو كل يوم وهو في الشام ~~فينادي بأعلى صوته: بشر أهل الكنوز بكي في الجباه، وكي في الجنوب وكي في ~~الظهور حتى يتردد الحر في أجوافهم. # أقول: وقد استفاد الطبرسي ms3434 في المجمع، من الرواية الوجه في تخصيص الجباه ~~والجنوب والظهور من بين أعضاء الإنسان بالذكر في الآية، وأن الغرض من ~~تعذيبهم بهذا الوجه إيراد حر النار في أجوافهم وهي داخل الرءوس فتكوى ~~جباههم وداخل الصدور والبطون فتكوى جنوبهم وظهورهم. PageV09P143 # ويمكن تتميم ما ذكره بأنهم يكبون على وجوههم ورءوسهم منكوسة على ما يشعر به ~~الأخبار وبعض الآيات ثم تكوى أعضاؤهم من فوق فينتج ذلك كي الجباه والجنوب ~~والظهور. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي ذر قال: بشر أصحاب ~~الكنوز بكي في الجباه وفي الجنوب وفي الظهور. وفيه، أخرج ابن سعد وابن أبي ~~شيبة والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن زيد بن وهب قال: ~~مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام ~~فقرأت: "والذين يكنزون الذهب والفضة - ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم" فقال معاوية: ما هذه فينا هذه في أهل الكتاب. قلت أنا: إنها ~~لفينا وفيهم. وفيه، أخرج مسلم وابن مردويه عن الأحنف بن قيس قال: جاء أبو ~~ذر فقال: بشر الكانزين بكي من قبل ظهورهم يخرج من جنوبهم، وكي من جباههم ~~يخرج من أقفائهم، فقلت: ما ذا؟ قال: ما قلت إلا ما سمعت من نبيهم (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). وفيه، أخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر المنكدر قال: بعث ~~حبيب بن سلمة إلى أبي ذر وهو أمير الشام بثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها ~~على حاجتك فقال أبو ذر: أرجع بها إليه أما وجد أحدا أغر بالله منا ما لنا ~~إلا الظل نتوارى به، وثلاثة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدق علينا ~~بخدمتها ثم إني لأنا أتخوف الفضل. # وفيه، أخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملإ من قريش ~~فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال: بشر ~~الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج ~~من نغض كتفه، ويوضع ms3435 على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل. ثم ولى ~~وجلس إلى سارية فتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو؟ فقلت: لا أرى القوم ~~إلا قد كرهوا ما قلت، قال: إنهم لا يعقلون شيئا قال لي خليلي. قلت: من ~~خليلك؟ قال: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أتبصر أحدا؟ قلت: نعم. قال: ~~ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير وإن هؤلاء لا ~~يعقلون إنما يجمعون للدنيا والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ~~ألقى الله عز وجل. وفي تاريخ الطبري، عن شعيب عن سيف عن محمد بن عوف عن ~~عكرمة عن ابن عباس: أن أبا ذر دخل على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال ~~لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي لمؤدي ~~الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات. ~~فقال: كعب من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه، فرفع أبو ذر محجنه فضربه فشجه ~~فاستوهبه عثمان فوهبه له وقال: يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك، وقد ~~كان قال له: يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا. # أقول: وقصص أبي ذر واختلافه مع عثمان ومعاوية معروفة مضبوطة في كتب ~~التاريخ والتدبر فيما مر من أحاديثه وما قاله لمعاوية إن الآية لا تختص ~~بأهل الكتاب وما خاطب به عثمان وواجه به كعبا يدل على أنه إنما فهم من ~~الآية ما قدمناه أنها توعد على الكف عن الإنفاق في السبيل الواجب. # ويؤيده تحليل الحال الحاضر يومئذ فقد كان الناس يومئذ انقسموا قسمين ~~وتبعضوا شطرين عامة لا يقدرون على قوت اليوم، ولا يجدون ما يستر عوراتهم ~~وما لهم إلى أوجب حوائجهم سبيل، وخاصة أسكرتهم الدنيا بجماع ما فيها من مال ~~ومنال يكنزون مئات الألوف وألوف الألوف من عطايا الخلافة وغنائم الحروب ~~ومال الخراج. # ويكفيك في التبصر فيه أن تراجع ما ضبطته التواريخ من أموال الصحابة من ~~نقد ورقيق وضيعة وشامخات القصور وناجمات الدور، ms3436 وما أحدثه معاوية وسائر بني ~~أمية بالشام وغيره من أزياء قيصرانية وكسروانية. # والإسلام لا يرتضي شيئا من ذلك ولا ينفذ هذا الاختلاف الفاحش دون أن ~~تتقارب الطبقات بالإنفاق، وتصلح عامة الأوضاع بانعطاف الأغنياء على ~~الفقراء، والأقوياء على الضعفاء. # وربما قيل: إن أبا ذر كان يرى باجتهاد منه أن الزائد على القدر الواجب من ~~المال الذي ينفق لسد الجوع وستر العورة كنز يجب إنفاقه في سبيل الله أو أنه ~~كان يدعو إلى الزهد في الدنيا. PageV09P144 # لكن الذي يوجد من بعض كلامه في الروايات يكذبه فإنه لا يستند في شيء مما ~~قاله إلى اجتهاده ورأي نفسه بل بقوله: ما قلت لهم إلا ما سمعت من نبيهم، ~~وقال خليلي كذا وكذا، وقد صحت الرواية واستفاضت من طرق الفريقين عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا ~~لهجة أصدق من أبي ذر". # وبذلك يظهر فساد ما ذكره شداد بن أوس فيما روى عنه أحمد والطبراني قال: ~~"كان أبو ذر يسمع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يخرج إلى ~~باديته ثم يرخص فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك فيحفظ من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرخصة فلا يسمعها أبو ذر فيأخذ أبو ~~ذر بالأمر الأول الذي سمع قبل ذلك. # وذلك أن الذي ذكر من أبي ذر أنما هو قوله: إن آية الكنز لا تختص بأهل ~~الكتاب بل يعمهم والمسلمين، وليس هذا مصداقا لما ذكره في الرواية من ~~العزيمة والرخصة، وكذا قوله: إن تأدية الزكاة فحسب لا يكفي في جواز الكنز ~~وعدم إنفاقه في الواجب من سبيل الله، وكيف يتصور في حقه أن لا يكون يسمع أن ~~الإنفاق منه مستحب كما أن منه واجبا وأن لا يعلم أن أدلة الإنفاق المندوب ~~أحسن مبين لآية الكنز. # وأوهن من ذلك ما تعلق به الطبري في تاريخه فقد روي عن شعيب عن سيف عن ~~عطية عن يزيد الفقعسي قال: لما ورد ابن ms3437 السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا ~~أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال الله ألا إن كل شيء لله: كأنه ~~يريد أن يحتجبه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما ~~يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا ~~عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني ~~لا أقول: إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين. قال: وأتى ابن السوداء ~~أبا الدرداء فقال له: من أنت؟ أظنك والله يهوديا؟ فأتى عبادة بن الصامت ~~فتعلق به فأتى به معاوية فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر. وقام أبو ~~ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء وأسوأ الفقراء بشر الذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكان من نار تكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم. الحديث. # ومحصله أن أبا ذر إنما بادر إلى ما بادر وألح عليه بتسويل من ابن السوداء ~~وهذان اللذان روي عنهما الحديث وعنهما يروى جل قصص عثمان أعني شعيبا وسيفا ~~هما من الكذابين الوضاعين المشهورين ذكرهما علماء الرجال وقدحوا فيهما. # والذي اختلقاه من حديث ابن السوداء وهو الذي سموه عبد الله بن سبإ، ~~وإليهما ينتهي حديثه، من الأحاديث الموضوعة، وقد قطع المحققون من أصحاب ~~البحث أخيرا أن ابن السوداء هذا من الموضوعات الخرافية التي لا أصل لها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): ما من ذي كنز لا يؤدي حقه إلا جيء به يوم القيامة تكوى به ~~جبينه وجبهته، وقيل له: هذا كنزك الذي بخلت به. وفيه، أخرج الطبراني في ~~الأوسط وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن علي قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم القدر ~~الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يمنع ~~أغنياؤهم. ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا أو يعذبهم ms3438 عذابا أليما. وفيه، ~~أخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن أبي سعيد الخدري عن بلال قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا بلال الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا. ~~قلت: وكيف لي بذلك؟ قال: إذا رزقت فلا تخبأ، وإذا سئلت فلا تمنع، قلت: وكيف ~~لي بذلك؟ قال: هو ذاك وإلا فالنار. # كلام في معنى الكنز PageV09P145 لا ريب أن المجتمع الذي أوجده الإنسان بحسب طبعه الأولي إنما يقوم بمبادلة ~~المال والعمل، ولو لا ذلك لم يعش المجتمع الإنساني ولا طرفة عين فإنما ~~يتزود الإنسان من مجتمعه بأن يحرز أمورا من أوليات المادة الأرضية ويعمل ~~عليها ما يسعه من العمل ثم يقتني من ذلك لنفسه ما يحتاج إليه، ويعوض ما ~~يزيد على حاجته من سائر ما يحتاج إليه مما عند غيره من أفراد المجتمع ~~كالخباز يأخذ لنفسه من الخبز ما يقتات به ويعوض الزائد عليه من الثوب الذي ~~نسجه النساج وهكذا فإنما أعمال المجتمعين في ظرف اجتماعهم بيع وشرى ومبادلة ~~ومعاوضة. # والذي يتحصل من الأبحاث الاقتصادية أن الإنسان الأولي كان يعوض في ~~معاملاته العين بالعين من غير أن يكونوا متنبهين لأزيد من ذلك غير أن النسب ~~بين الأعيان كانت تختلف عندهم باشتداد الحاجة وعدمه، وبوفور الأعيان ~~المحتاج إليها واعوازها فكلما كانت العين أمس بحاجة الإنسان أو قل وجودها ~~توفرت الرغبات إلى تحصيلها، وارتفعت نسبتها إلى غيرها، وكلما بعدت عن مسيس ~~الحاجة أو ابتذلت بالكثرة والوفور انصرفت النفوس عنها وانخفضت نسبتها إلى ~~غيرها وهذا هو أصل القيمة. # ثم إنهم عمدوا إلى بعض الأعيان العزيزة الوجود عندهم فجعلوها أصلا في ~~القيمة تقاس إليه سائر الأعيان المالية بمالها من مختلف النسب كالحنطة ~~والبيضة والملح فصارت مدارا تدور عليها المبادلات السوقية، وهذه السليقة ~~دائرة بينهم في بعض المجتمعات الصغيرة في القرى وبين القبائل البدوية حتى اليوم. # ولم يزالوا على ذلك حتى ظفروا ببعض الفلزات كالذهب والفضة والنحاس ونحوها ~~فجعلوها أصلا إليه يعود نسب سائر الأعيان من جهة قيمها، ومقياسا واحدا يقاس ~~إليها غيرها فهي ms3439 النقود القائمة بنفسها وغيرها يقوم بها ثم آل الأمر إلى أن ~~يحوز الذهب المقام أول والفضة تتلوه، ويتلوها غيرهما، وسكت الجميع بالسكك ~~الملوكية أو الدولية فصارت دينارا ودرهما وفلسا وغير ذلك بما يطول شرحه على ~~خروجه من غرض البحث. # فلم يلبث النقدان حتى عادا أصلا في القيمة بهما يقوم كل شيء، وإليهما ~~يقاس ما عند الإنسان من مال أو عمل، وفيهما يرتكز ارتفاع كل حاجة حيوية، ~~وهما ملاك الثروة والوجد كالمتعلق بهما روح المجتمع في حياته يختل أمره ~~باختلال أمرهما، إذا جريا في سوق المعاملات جرت المعاملات بجريانهما، وإذا ~~وقفا وقفت. # وقد أوضحت ما عليهما من الوظيفة المحولة إليهما في المجتمعات الإنسانية ~~من حفظ قيم الأمتعة والأعمال، وتشخيص نسب بعضها إلى بعض، الأوراق الرسمية ~~الدائرة اليوم فيما بين الناس كالبوند والدولار وغيرهما والصكوك البنجية ~~المنتشرة فإنها تمثل قيم الأشياء من غير أن تتضمن عينية لها قيمة في نفسها ~~فهي قيم خالصة مجردة تقريبا. # فالتأمل في مكانة الذهب والفضة الاجتماعية بما هما نقدان حافظان للقيم ~~ومقياسان يقاس إليهما الأمتعة والأموال بما لها من النسب الدائرة بينها ~~تنور أنهما ممثلان لنسب الأشياء بعضها إلى بعض، وإذ كانت بحسب الاعتبار ~~ممثلات للنسب - وإن شئت فقل: نفس النسب - تبطل النسب ببطلان اعتبارها، ~~وتحبس بحبسها ومنع جريانها وتقف بوقوفها. # وقد شاهدنا في الحربين العالميين الأخيرين ما ذا أوجده بطلان اعتبار نقود ~~بعض الدول؟ كالمنات في الدولة التزارية والمارك في الجرمن من البلوى وسقوط ~~الثروة واختلال أمر الناس في حياتهم، والحال في كنزهما ومنع جريانهما بين ~~الناس هذا الحال. # وإلى ذلك يشير قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية الأمالي المتقدمة: ~~"جعلها الله مصلحة لخلقه وبها يستقيم شئونهم ومطالبهم". # ومن هنا يظهر أن كنزهما إبطال لقيم الأشياء وإماتة لما في وسع المكنوز ~~منهما من إحياء المعاملات الدائرة وقيام السوق في المجتمع على ساقه، ~~وببطلان المعاملات وتعطل الأسواق تبطل حياة المجتمع، وبنسبة ما لها من ~~الركود والوقوف تقف وتضعف. # لست أريد خزنهما في مخازن تختص بهما فإن ms3440 حفظ نفائس الأموال وكرائم ~~الأمتعة من الضيعة من الواجبات التي تهدي إليه الغريزة الإنسانية ويستحسنه ~~العقل السليم فكلما جرت وجوه النقد في سبيل المعاملات كيفما كان فهو وإذا ~~رجعت فمن الواجب أن تختزن وتحفظ من الضيعة وما يهددها من أيادي الغصب ~~والسرقة والغيلة والخيانة. PageV09P146 # وإنما أعني به كنزهما وجعلهما في معزل عن الجريان في المعاملات السوقية ~~والدوران لإصلاح أي شأن من شئون الحياة ورفع الحوائج العاكفة على المجتمع ~~كإشباع جائع وإرواء عطشان وكسوة عريان وربح كاسب وانتفاع عامل ونماء مال ~~وعلاج مريض وفك أسير وإنجاء غريم والكشف عن مكروب والتفريج عن مهموم وإجابة ~~مضطر والدفع عن بيضة المجتمع الصالح وإصلاح ما فسد من الجو الاجتماعي. # وهي موارد لا تحصى واجبة أو مندوبة أو مباحة لا يتعدى فيها حد الاعتدال ~~إلى جانبي الإفراط والتفريط والبخل والتبذير، والمندوب من الإنفاق وإن لم ~~يكن في تركه مأثم ولا إجرام شرعا ولا عقلا غير أن التسبب إلى إبطال ~~المندوبات من رأس والاحتيال لرفع موضوعها من أشد الجرم والمعصية. # اعتبر ذلك فيما بين يديك من الحياة اليومية بما يتعلق به من شئون المسكن ~~والمنكح والمأكل والمشرب والملبس تجد أن ترك النفل المستحب من شئون الحياة ~~والمعاش والاقتصار دقيقا على الضروري منها - الذي هو بمنزلة الواجب الشرعي ~~- يوجب اختلال أمر الحياة اختلالا لا يجبره جابر ولا يسد طريق الفساد فيه ساد. # وبهذا البيان يظهر أن قوله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" ليس من البعيد أن يكون مطلقا ~~يشمل الإنفاق المندوب بالعناية التي مرت فإن في كنز الأموال رفعا لموضوع ~~الإنفاق المندوب كالإنفاق الواجب لا مجرد عدم الإنفاق مع صلاحية الموضوع لذلك. # وبذلك يتبين أيضا معنى ما خاطب به أبو ذر عثمان بن عفان لما دخل عليه على ~~ما تقدم في رواية الطبري حيث قال له: "لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى ~~يبذلوا المعروف، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى ~~الجيران والإخوان ويصل ms3441 القرابات". # فإن لفظه كالصريح أو هو صريح في أنه لا يرى كل إنفاق فيما يفضل من ~~المئونة بعد الزكاة واجبا، وأنه يقسم الإنفاق في سبيل الله إلى ما يجب وما ~~ينبغي غير أنه يعترض بانقطاع سبيل الإنفاق من غير جهة الزكاة وانسداد باب ~~الخيرات بالكلية وفي ذلك إبطال غرض التشريع وإفساد المصلحة العامة المشرعة. # يقول: ليست هي حكومة استبدادية قيصرانية أو كسروانية، لا وظيفة لها إلا ~~بسط الأمن وكف الأذى بالمنع عن إيذاء بعض الناس بعضا ثم الناس أحرار فيما ~~فعلوا غير ممنوعين عن ما اشتهوا من عمل أفرطوا أو فرطوا، أصلحوا أو أفسدوا، ~~اهتدوا أو ضلوا وتاهوا، والمتقلد لحكومتهم حر فيما عمل ولا يسأل عما يفعل. # وإنما هي حكومة اجتماعية دينية لا ترضى عن الناس بمجرد كف الأذى بل تسوق ~~الناس في جميع شئون معيشتهم إلى ما يصلح لهم ويهيىء لكل من طبقات المجتمع ~~من أميرهم ومأمورهم ورئيسهم ومرءوسهم ومخدومهم وخادمهم وغنيهم وفقيرهم ~~وقويهم وضعيفهم ما يسع له من سعادة حياتهم فترفع حاجة الغني بإمداد الفقير ~~وحاجة الفقير بمال الغني وتحفظ مكانة القوي باحترام الضعيف وحياة الضعيف ~~برأفة القوي ومراقبته، ومصدرية العالي بطاعة الداني وطاعة الداني بنصفة ~~العالي وعدله، ولا يتم هذا كله إلا بنشر المبرات وفتح باب الخيرات، والعمل ~~بالواجبات على ما يليق بها والمندوبات على ما يليق بها وأما القصر على ~~القدر الواجب، وترك الإنفاق المندوب من رأس فإن فيه هدما لأساس الحياة ~~الدينية، وإبطالا لغرض الشارع، وسيرا حثيثا إلى نظام مختل وهرج ومرج وفساد ~~عريق لا يصلحه شيء كل ذلك عن المسامحة في إحياء غرض الدين، والمداهنة مع ~~الظالمين إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. # وكذلك قول أبي ذر لمعاوية فيما تقدم من رواية الطبري: "ما يدعوك إلى أن ~~تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله ~~والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره قال: فلا تقله". PageV09P147 # فإن الكلمة التي كان يقولها معاوية وعماله ومن بعده من خلفاء بني ms3442 أمية وإن ~~كانت كلمة حق وقد رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويدل عليها كتاب ~~الله لكنهم كانوا يستنتجون منه خلاف ما يريده الله سبحانه فإن المراد به أن ~~المال لا يختص به أحد بعزة أو قوة أو سيطرة وإنما هو لله ينفق في سبيله على ~~حسب ما عينه من موارد إنفاقه فإن كان مما اقتناه الفرد بكسب أو إرث أو ~~نحوهما فله حكمة، وإن كان مما حصلته الحكومة الإسلامية من غنيمة أو جزية أو ~~خراج أو صدقات أو نحو ذلك فله أيضا موارد إنفاق معينة في الدين، وليس في ~~شيء من ذلك لوالي الأمر أن يخص نفسه أو واحدا من أهل بيته بشيء يزيد على ~~لازم مئونته فضلا أن يكنز الكنوز ويرفع به القصور ويتخذ الحجاب ويعيش عيشة ~~قيصر وكسرى. # وأما هؤلاء فإنما كانوا يقولونه دفعا لاعتراض الناس عليهم في صرف مال ~~المسلمين في سبيل شهواتهم وبذله فيما لا يرضى الله، ومنعه أهلية ومستحقيه ~~أن المال للمسلمين تصرفونه في غير سبيلهم! فيقولون: إن المال مال الله ونحن ~~أمناءه نعمل فيه بما نراه فيستبيحون بذلك اللعب بمال الله كيف شاءوا ~~ويستنتجون به صحة عملهم فيه بما أرادوا وهو لا ينتج إلا خلافه، ومال الله ~~ومال المسلمين بمعنى واحد، وقد أخذوهما لمعنيين اثنيين يدفع أحدهما الآخر. # ولو كان مراد معاوية بقوله: "المال مال الله" هو الصحيح من معناه لم يكن ~~معنى لخروج أبي ذر من عنده وندائه في الملإ من الناس: بشر الكانزين بكي في ~~الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور. # على أن معاوية قد قال لأبي ذر إنه يرى أن آية الكنز خاصة بأهل الكتاب ~~وربما كان من أسباب سوء ظنه بهم إصرارهم عند كتابة مصحف عثمان أن يحذفوا ~~الواو من قوله: "والذين يكنزون الذهب" إلخ حتى هددهم أبي بالقتال إن لم ~~يلحقوا الواو فألحقوها وقد مرت الرواية. # فالقصة في حديث الطبري عن سيف عن شعيب وإن سيقت بحيث تقضي على أبي ذر ~~بأنه كان مخطئا في ms3443 ما اجتهد به كما اعترف به الطبري في أول كلامه غير أن ~~أطراف القصة تقضي بإصابته. # وبالجملة فالآية تدل على حرمة كنز الذهب والفضة فيما كان هناك سبيل لله ~~يجب إنفاقه فيه وضرورة داعية إليه لمستحقي الزكاة مع الامتناع من تأديتها، ~~والدفاع الواجب مع عدم النفقة وانقطاع سبيل البر والإحسان بين الناس. # ولا فرق في تعلق وجوب الإنفاق بين المال الظاهر الجاري في الأسواق وبين ~~الكنز المدفون في الأرض غير أن الكنز يختص بشيء زائد وهو خيانة ولي الأمر ~~في ستر المال وغروره كما تقدم ذكره في البيان المتقدم. PageV09P148 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 36 - 37 # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتب الله يوم خلق السموت والأرض ~~منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقتلوا المشركين ~~كافة كما يقتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) إنما النسىء زيادة ~~فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما ~~حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعملهم والله لا يهدى القوم ~~الكفرين (37) ### |||| AUTO بيان # في الآيتين بيان حرمة الأشهر الحرم ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب ~~الفرد وتثبيت حرمتها وإلغاء نسيء الجاهلية، وفيها الأمر بقتال المشركين كافة. # قوله تعالى: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السموات والأرض" الشهر كالسنة والأسبوع مما يعرفه عامة الناس منذ أقدم ~~أعصار الإنسانية، وكان لبعضها تأثيرا في تنبههم للبعض فقد كان الإنسان ~~يشاهد تحول السنين ومرورها بمضي الصيف والشتاء والربيع والخريف وتكررها ~~بالعود ثم العود ثم تنبهوا لانقسامها إلى أقسام هي أقصر منها مدة حسب ما ~~ساقهم إليه مشاهدة اختلاف أشكال القمر من الهلال إلى الهلال، وينطبق على ما ~~يقرب من ثلاثين يوما وتنقسم بذلك السنة إلى اثني عشر شهرا. # والسنة التي ينالها الحس شمسية تتألف من ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وبعض ~~يوم لا تنطبق على اثني عشر شهرا قمريا هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما ~~تقريبا إلا برعاية ms3444 حساب الكبيسة غير أن ذلك هو الذي يناله الحس وينتفع به ~~عامة الناس من الحاضر والبادي والصغير والكبير والعالم والجاهل. # ثم قسموا الشهر إلى الأسابيع وإن كان هو أيضا لا ينطبق عليها تمام ~~الانطباق لكن الحس غلب هناك أيضا الحساب الدقيق، وهو الذي أثبت اعتبار ~~الأسبوع وأبقاه على حاله من غير تغيير مع ما طرأ على حساب السنة من الدقة ~~من جهة الإرصاد، وعلى حساب الشهور من التغيير فبدلت الشهور القمرية شمسية ~~تنطبق عليها السنة الشمسية تمام الانطباق. # وهذا بالنسبة إلى النقاط الاستوائية وما يليها من النقاط المعتدلة أو ما ~~يتصل بها من الأرض إلى عرض سبع وستين الشمالي والجنوبي تقريبا، وفيها معظم ~~المعمورة وأما ما وراء ذلك إلى القطبين الشمالي والجنوبي فيختل فيها حساب ~~السنة والشهر والأسبوع، والسنة في القطبين يوم وليلة، وقد اضطر ارتباط بعض ~~أجزاء المجتمع الإنساني ببعض سكان هذه النقاط - وهم شرذمة قليلون - أن ~~يراعوا في حساب السنة والشهر والأسبوع واليوم ما يعتبره عامة سكان المعمورة ~~فحساب الزمان الدائر بيننا إنما هو بالنسبة إلى جل سكان المعمورة من الأرض. # على أن هذا إنما هو بالنسبة إلى أرضنا التي نحن عليها، وأما سائر الكواكب ~~فالسنة - وهي زمان الحركة الانتقالية من الكوكب حول الشمس دورة واحدة كاملة ~~- فيها تختلف وتتخلف عن سنتنا نحن، وكذلك الشهر القمري فيما كان له قمر أو ~~أقمار منها على ما فصلوه في فن الهيئة. # فقوله تعالى: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا" إلخ ناظر إلى ~~الشهور القمرية التي تتألف منها السنون وهي التي لها أصل ثابت في الحس وهو ~~التشكلات القمرية بالنسبة إلى أهل الأرض. # والدليل على كون المراد بها الشهور القمرية - أولا - قوله بعد: "منها ~~أربعة حرم" لقيام الضرورة على أن الإسلام لم يحرم إلا أربعة من الشهور ~~القمرية التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، والأربعة من القمرية ~~دون الشمسية. # وثانيا: قوله: "عند الله" وقوله: "في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض" ~~فإن هذه القيود تدل على أن ms3445 هذه العدة لا سبيل للتغير والاختلاف إليها ~~لكونها عند الله كذلك ولا يتغير علمه، وكونها في كتاب الله كذلك يوم خلق ~~السماوات والأرض فجعل الشمس تجري لمستقر لها، والقمر قدره منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ~~وكل في فلك يسبحون فهو الحكم المكتوب في كتاب التكوين، ولا معقب لحكمه تعالى. PageV09P149 # ومن المعلوم أن الشهور الشمسية وضعية اصطلاحية وإن كانت الفصول الأربعة ~~والسنة الشمسية على غير هذا النعت فالشهور الاثنا عشر التي هي ثابتة ذات ~~أصل ثابت هي الشهور القمرية. # فمعنى الآية إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا تتألف منها السنون، وهذه العدة ~~هي التي في علم الله سبحانه، وهي التي أثبتها في كتاب التكوين يوم خلق ~~السماوات والأرض وأجرى الحركات العامة التي منها حركة الشمس وحركة القمر ~~حول الأرض وهي الأصل الثابت في الكون لهذه العدة. # ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بكتاب الله في الآية ~~القرآن أو كتاب مكتوب فيه عدة الشهور على حد الكتب والدفاتر التي عندنا ~~المؤلفة من قراطيس وأوراق يضبط فيها الألفاظ بخطوط خاصة وضعية. # قوله تعالى: "منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" ~~الحرم جمع حرام وهو الممنوع منه، والقيم هو القائم بمصلحة الناس المهيمن ~~على إدارة أمور حياتهم وحفظ شئونها. # وقوله: "منها أربعة حرم" هي الأشهر الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~ورجب بالنقل القطعي، والكلمة كلمة تشريع بدليل قوله: "ذلك الدين القيم" إلخ. # وإنما جعل الله هذه الأشهر الأربعة حرما ليكف الناس فيها عن القتال ~~وينبسط عليهم بساط الأمن، ويأخذوا فيها الأهبة للسعادة، ويرجعوا إلى ربهم ~~بالطاعات والقربات. # وكانت حرمتها من شريعة إبراهيم، وكانت العرب تحترمها حتى في الجاهلية ~~حينما كانوا يعبدون الأوثان غير أنهم ربما كانوا يحولون الحرمة من شهر إلى ~~شهر سنة أو أزيد منها بالنسيء الذي تتعرض له الآية التالية. # وقوله: "ذلك الدين القيم"، الإشارة إلى حرمة الأربعة المذكورة، والدين ~~كما تطلق على ms3446 مجموع ما أنزله الله على أنبيائه تطلق على بعضها فالمعنى أن ~~تحريم الأربعة من الشهور القمرية هو الدين الذي يقوم بمصالح العباد. # كما يشير إليه في قوله: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~والشهر الحرام" الآية: المائدة: - 97 وقد تقدم الكلام فيه في الجزء السادس ~~من الكتاب. # وقوله: "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" الضمير إلى الأربعة إذ لو كان راجعا إلى ~~"اثنا عشر" المذكور سابقا لكان الظاهر أن يقال "فيها" كما نقل عن الفراء، ~~وأيضا لو كان راجعا إلى "اثنا عشر" وهي تمام السنة لكان قوله: "فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم" كما قيل في معنى قولنا: فلا تظلموا أبدا أنفسكم، وكان الكلام ~~متفرعا على كون عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرا، ولا تفرع له عليه ظاهرا ~~فالمعنى لما كانت هذه الأربعة حرما تفرع على حرمتها عند الله أن تكفوا فيها ~~عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها وعظم منزلتها عند الله سبحانه. # فالنهي عن الظلم فيها يدل على عظم الحرمة وتأكدها لتفرعها على حرمتها ~~أولا ولأنها نهي خاص بعد النهي العام كما يفيده قولنا: لا تظلم أبدا ولا ~~تظلم في زمان كذا. # والجملة أعني قوله: "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" وإن كانت بحسب إطلاق لفظها ~~نهيا عن كل ظلم ومعصية لكن السياق يدل على كون المقصود الأهم منها النهي عن ~~القتال في الأشهر الحرم. # قوله تعالى: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله ~~مع المتقين" قال الراغب في المفردات،: الكف كف الإنسان وهي ما بها يقبض ~~ويبسط، وكففته أصبت كفه، وكففته أصبته بالكف ودفعته بها، وتعورف الكف ~~بالدفع على أي وجه كان، بالكف كان أو غيرها حتى قيل: رجل مكفوف لمن قبض بصره. # وقوله: "وما أرسلناك إلا كافة للناس أي كافا لهم عن المعاصي، والهاء فيه ~~للمبالغة كقولهم: راوية وعلامة ونسابة، وقوله: "وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة" قيل: معناه كافين لهم كما يقاتلونكم كافين وقيل معناه ~~جماعة كما يقاتلونكم جماعة، وذلك أن الجماعة يقال لهم: الكافة كما يقال ~~لهم: الوازعة ms3447 لقوتهم باجتماعهم، وعلى هذا قوله: "يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم كافة" انتهى. # وقال في المجمع،: كافة بمعنى الإحاطة مأخوذ من كفة الشيء وهي طرفه وإذا ~~انتهى الشيء إلى ذلك كف عن الزيادة، وأصل الكف المنع. # انتهى. PageV09P150 # وقوله: "كافة" في الموضعين حال عن الضمير الراجع إلى المسلمين أو المشركين ~~أو في الأول عن الأول وفي الثاني عن الثاني أو بالعكس فهناك وجوه أربعة، ~~والمتبادر إلى الذهن هو الوجه الرابع للقرب اللفظي الذي بين الحال وذي ~~الحال حينئذ، ومعنى الآية على هذا: وقاتلوا المشركين جميعهم كما يقاتلونكم ~~جميعكم. # فالآية توجب قتال جميع المشركين فتصير نظيره قوله تعالى: "فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم" الآية ينسخ هذه ما ينسخ تلك وتتخصص أو تتقيد بما ~~تخصص أو تقيد به هي. # والآية مع ذلك إنما تتعرض لحال القتال مع المشركين وهم عبدة الأوثان غير ~~أهل الكتاب فإن القرآن وإن كان ربما نسب الشرك تصريحا أو تلويحا إلى أهل ~~الكتاب لكنه لم يطلق المشركين على طريق التوصيف إلا على عبدة الأوثان، وأما ~~الكفر فعلا أو وصفا فقد نسب إلى أهل الكتاب وأطلق عليهم كما نسب وأطلق إلى ~~عبدة الأوثان. # فالآية أعني قوله: "وقاتلوا المشركين كافة" الآية لا هي ناسخة لآية أخذ ~~الجزية من أهل الكتاب، ولا هي مخصصة أو مقيدة بها. # وقد قيل في الآية بعض وجوه أخر تركناه لعدم جدوى في التعرض له. # وقوله: "واعلموا أن الله مع المتقين" تعليم وتذكير وفيه حث على الاتصاف ~~بصفة التقوى يترتب عليه من الفائدة: أولا: الوعد الجميل بالنصر الإلهي ~~والغلبة والظفر فإن حزب الله هم الغالبون. # وثانيا: منعهم أن يتعدوا حدود الله في الحروب والمغازي بقتل النساء ~~والصبيان ومن ألقى إليهم السلام كما قتل خالد في غزوة حنين مرأة فأرسل إليه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهاه عن ذلك وقتل رجالا من بني جذيمة وقد ~~أسلموا فوداهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتبرأ إلى الله من فعله ~~ثلاثا، وقتل أسامة يهوديا أظهر له الإسلام فنزل قوله ms3448 تعالى: "ولا تقولوا ~~لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم ~~كثيرة: النساء: - 94 وقد تقدم. # قوله تعالى: "إنما النسيء زيادة في الكفر" إلى آخر الآية يقال: نسأ الشيء ~~ينسؤه نسأ ومنسأة ونسيئا إذا أخره تأخيرا، وقد يطلق النسيء على الشهر الذي ~~أخر تحريمه على ما كانت العرب تفعله في الجاهلية فإنهم ربما كانوا يؤخرون ~~حرمة بعض الأشهر الحرم إلى غيره وأما أنه كيف كان ذلك فقد اختلف فيه كلام ~~المفسرين كأهل التاريخ. # والذي يظهر من خلال الكلام المسرود في الآية أنه كانت لهم فيما بينهم سنة ~~جاهلية في أمر الأشهر الحرم وهي المسماة بالنسيء، وهو يدل بلفظه على تأخير ~~الحرمة من شهر حرام إلى بعض الشهور غير المحرمة الذي بعده، وأنهم إنما ~~كانوا يؤخرون الحرمة ولا يبطلونها برفعها من أصلها لإرادتهم بذلك أن ~~يتحفظوا على سنة قومية ورثوها عن أسلافهم عن إبراهيم (عليه السلام). # فكانوا لا يتركون أصل التحريم لغي وإنما يؤخرونه إلى غير الشهر سنة أو ~~أزيد ليواطئوا عدة ما حرم الله، وهي الأربعة ثم يعودون ويعيدون الحرمة إلى ~~مكانها الأول. # وهذا نوع تصرف في الحكم الإلهي بعد كفرهم بالله باتخاذ الأوثان شركاء له ~~تعالى وتقدس، ولذا عده الله سبحانه في كلامه زيادة في الكفر. # وقد ذكر الله سبحانه من الحكم الخاص بحرمة الأشهر الحرم النهي عن ظلم ~~الأنفس حيث قال: "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" وأظهر مصاديقه القتال كما أنه ~~المصداق الوحيد الذي استفتوا فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحكاه ~~الله سبحانه بقوله: "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه" الآية: البقرة: - ~~217 وكذا ما في معناه من قوله: "لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام:" ~~المائدة: - 2 وقوله: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر ~~الحرام والهدي والقلائد:" المائدة: - 97. # وكذلك الأثر الظاهر من حرمة البيت أو الحرم هو جعل الأمن فيه كما قال: ~~"ومن دخله كان آمنا:" آل عمران: - 97 وقال: "أولم نمكن لهم حرما آمنا: ~~القصص: - 57. # فالظاهر أن النسيء ms3449 الذي تذكره الآية عنهم إنما هو تأخير حرمة الشهر ~~الحرام. # للتوسل بذلك إلى قتال فيه لا لتأخير الحج الذي هو عبادة دينية مختصة ~~ببعضها. PageV09P151 # وهذا كله يؤيد ما ذكروه أن العرب كانت تحرم هذه الأشهر الحرم، وكان ذلك مما ~~تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، وهم كانوا أصحاب غارات ~~وحروب فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها ~~فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك ~~زمانا ثم يعود التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك أي إنساء حرمة المحرم ~~إلى صفر إلا في ذي الحجة. # وأما ما ذكره بعضهم أن النسيء هو ما كانوا يؤخرون الحج من شهر إلى شهر ~~فمها لا ينطبق على لفظ الآية البتة، وسيجيء تفصيل الكلام فيه في البحث ~~الروائي الآتي إن شاء الله. # ولنرجع إلى ما كنا فيه. # فقوله تعالى: "إنما النسيء زيادة في الكفر" أي تأخير الحرمة التي شرعها ~~الله لهذه الأشهر الحرم من شهر منها إلى شهر غير حرام زيادة في الكفر لأنه ~~تصرف في حكم الله المشروع وكفر بآياته بعد الكفر بالله من جهة الشرك فهو ~~زيادة في الكفر. # وقوله: "يضل به الذين كفروا" أي ضلوا فيه بإضلال غيرهم إياهم بذلك، وفي ~~الكلام إشعار أو دلالة على أن هناك من يحكم بالنسيء، وقد ذكروا أن المتصدي ~~لذلك كان بعض بني كنانة، وسيجيء تفصيله في البحث الروائي إن شاء الله. # وقوله: "يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما ~~حرم الله في موضع التفسير للإنساء، والضمير للشهر الحرام المعلوم من سياق ~~الكلام أي وهو أنهم يحلون الشهر الحرام الذي نسئوه بتأخير حرمته عاما ~~ويحرمونه عاما، أي يحلونه عاما بتأخير حرمته إلى غيره، ويحرمونه عاما ~~بإعادة حرمته إليه. # وإنما يعملون على هذه الشاكلة بالتأخير سنة والإثبات أخرى ليواطئوا ~~ويوافقوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله في حال حفظهم أصل العدد أي ~~إنهم يريدون التحفظ على حرمة الأشهر الأربعة بعددها مع ms3450 التغيير في محل ~~الحرمة ليتمكنوا مما يريدونه من الحروب والغارات مع الاستنان بالحرمة. # وقوله: "زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين" المزين هو ~~الشيطان كما وقع في آيات من الكتاب، وربما نسب إلى الله سبحانه كما في آيات ~~أخر، ولا ينسب الشر إليه سبحانه إلا ما قصد به الجزاء على الشر كما قال ~~تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين:" البقرة: - 26. # وذلك بأن يفسق العبد فيمنعه الله الهداية فيكون ذلك إذنا لداعي الضلال ~~وهو الشيطان أن يزين له سوء عمله فيغويه ويضله، ولذلك قال تعالى: "زين لهم ~~سوء أعمالهم" ثم عقبه بقوله: "والله لا يهدي القوم الكافرين" كأنه لما قيل: ~~زين لهم سوء أعمالهم قيل: كيف أذن الله فيه ولم يمنع ذلك قيل: إن هؤلاء ~~كافرون والله لا يهدي القوم الكافرين. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي خالد الواسطي في حديث ثم قال يعني أبا جعفر ~~(عليه السلام) حدثني أبي عن علي بن الحسين عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ثقل في مرضه قال: أيها الناس ~~إن السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثم قال بيده: رجب مفرد وذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم ثلاث متواليات. # أقول: وقد ورد في عدة روايات تأويل الشهور الاثني عشر، بالأئمة الاثني ~~عشر، وتأويل الأربعة الحرم بعلي أمير المؤمنين وعلي بن الحسين وعلي بن موسى ~~وعلي بن محمد (عليهما السلام)، وتأويل السنة برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وانطباقها على الآية بما لها من السياق لا يخلو عن خفاء. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بكرة: أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها ~~أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو ms3451 القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مفرد الذي بين ~~جمادى وشعبان. # أقول: وهي من خطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المشهورة، وقد رويت ~~بطرق أخرى عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وعن أبي حمزة الرقاشي عن عمه ~~وكانت له صحبة وغيرهم. PageV09P152 # والمراد باستدارة الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض استقرار ~~الأحكام الدينية على ما تقتضيه الفطرة والخلقة وتمكن الدين القيم من ~~الرقابة في أعمال الناس، ومن ذلك حرمة الأشهر الأربعة الحرم وإلغاء النسيء ~~الذي هو زيادة في الكفر. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال: وقف رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالعقبة فقال: إن النسيء من الشيطان زيادة في الكفر ~~يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما فكانوا يحرمون المحرم عاما ~~ويحرمون صفر عاما ويستحلون وهو النسيء. وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان جنادة بن عوف الكناني يوفي ~~الموسم كل عام وكان يكنى أبا ثمادة فينادي: ألا إن أبا ثمادة لا يخاف ولا ~~يعاب ألا إن صفر الأول حلال. وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على ~~بعض عدوهم أتوه فقالوا: أحل لنا هذا الشهر يعنون صفر، وكانت العرب لا تقاتل ~~في الأشهر الحرم فيحله لهم عاما، ويحرمه عليهم في العام الآخر، ويحرم ~~المحرم في قابل ليواطئوا عدة ما حرم الله يقول: ليجعلوا الحرم أربعة غير ~~أنهم جعلوا صفر عاما حلالا وعاما حراما. وفيه، أخرج ابن المنذر عن قتادة: ~~في قوله: "إنما النسيء زيادة في الكفر" الآية قال: عمد أناس من أهل الضلالة ~~فزادوا صفر في الأشهر الحرم، وكان يقوم قائمهم في الموسم فيقول: إن آلهتكم ~~قد حرمت صفر فيحرمونه ذلك العام وكان يقال لهما الصفران. وكان أول من نسأ ~~النسيء بنو مالك من كنانة، وكانوا ثلاثة أبو ثمامة صفوان بن أمية وأحد بني ~~فقيم بن الحارث، ثم أحد بني كنانة. وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي: في ~~الآية ms3452 قال: كان رجل من بني كنانة يقال له جنادة بن عوف يكنى أبا أمامة ~~ينسىء الشهور، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم ~~على بعض فإذا أراد أن يغير على أحد قام يوما بمنى فخطب فقال: إني قد أحللت ~~المحرم وحرمت صفر مكانه فيقاتل الناس في المحرم فإذا كان صفر عمدوا ووضعوا ~~الأسنة ثم يقوم في قابل فيقول: إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم فيواطئوا ~~أربعة أشهر فيحلوا المحرم. وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: ~~"يحلونه عاما ويحرمونه عاما" قال: هو صفر كانت هوازن وغطفان يحلونه سنة ~~ويحرمونه سنة. # أقول: محصل الروايات - كما ترى - أن العرب كانت تدين بحرمة الأشهر الحرم ~~الأربعة رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم ثم إنهم ربما كانوا يتحرجون من ~~القعود عن الحروب والغارات ثلاثة أشهر متواليات فسألوا بعض بني كنانة أن ~~يحل لهم ثالث الشهور الثلاثة فقام فيهم بعض أيام الحج بمنى وأحل لهم المحرم ~~ونسأ حرمته إلى صفر فذهبوا لوجههم عامهم ذلك يقاتلون العدو ثم رد الحرمة ~~إلى مكانه في قابل وهذا هو النسيء. # وكان يسمى المحرم صفر الأول وصفر الثاني وهما صفران كالربيعين والجماديين ~~والنسيء إنما ينال صفر الأول ولا يتعدى صفر الثاني فلما أقر الإسلام الحرمة ~~لصفر الأول عبروا عنه بشهر الله المحرم ثم لما كثر الاستعمال خففت وقيل: ~~المحرم، واختص اسم صفر بصفر الثاني فالمحرم من الألفاظ الإسلامية كما ذكره ~~السيوطي في المزهر. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد: ~~في قوله: "إنما النسيء زيادة في الكفر" قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، ~~وكان المشركون يسمون الأشهر ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى ~~وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة ثم يحجون فيه. ثم ~~يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه ثم يعودون فيسمون صفر صفر ثم يسمون رجب جمادى ~~الآخرة ثم يسمون شعبان رمضان ورمضان شوال، ويسمون ذا القعدة شوال ثم يسمون ~~ذا الحجة ذا ms3453 القعدة ثم يسمون المحرم ذا الحجة ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو ~~الحجة. ثم عادوا إلى مثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عاما حتى وافق ~~حجة أبي بكر الآخرة من العام في ذي القعدة ثم حج النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حجته التي حج فيها فوافق ذو الحجة فذلك حين يقول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في خطبته: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. PageV09P153 # أقول: ومحصله على ما فيه من التشويش والاضطراب أن العرب كانت قبل الإسلام ~~يحج البيت في ذي الحجة غير أنهم أرادوا أن يحجوا كل عام في شهر فكانوا ~~يدورون بالحج الشهور شهرا بعد شهر وكل شهر وصلت إليه النوبة عامهم ذلك سموه ~~ذا الحجة وسكتوا عن اسمه الأصلي. # ولازم ذلك أن يتألف كل سنة فيها حجة من ثلاثة عشر شهرا وأن يتكرر اسم بعض ~~الشهور مرتين أو أزيد كما يشعر به الرواية، ولذا ذكر الطبري أن العرب كانت ~~تجعل السنة ثلاثة عشر شهرا، وفي رواية اثني عشر شهرا وخمسة وعشرين يوما. # ولازم ذلك أيضا أن تتغير أسماء الشهور كلها، وأن لا يواطىء اسم الشهر نفس ~~الشهر إلا في كل اثنتي عشرة سنة مرة إن كان التأخير على نظام محفوظ، وذلك ~~على نحو الدوران. # ومثل هذا لا يقال له الإنساء والتأخير فإن أخذ السنة ثلاثة عشر وتسمية ~~آخرها ذا الحجة تغيير لأصل التركيب لا تأخير لبعض الشهور بحسب الحقيقة. # على أنه مخالف لسائر الأخبار والآثار المنقولة ولا مأخذ لذلك إلا هذه ~~الرواية وما ضاهاها كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت العرب ~~يحلون عاما شهرا وعاما شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة ~~مرة وهو النسيء الذي ذكر الله تعالى في كتابه فلما كان عام الحج الأكبر ثم ~~حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من العام المقبل فاستقبل الناس ~~الأهلة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الزمان قد استدار ms3454 ~~كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وهو في الاضطراب كخبر مجاهد. # على أن الذي ذكره من حجة أبي بكر في ذي القعدة هو الذي ورد من طرق أهل ~~السنة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل أبا بكر أميرا للحج عام تسع ~~فحج بالناس، وقد ورد في بعض روايات أخر أيضا أن الحجة عامئذ كانت في ذي ~~القعدة. # وهذه الحجة على أي نعت فرضت كانت بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وإمضائه، ولا يأمر بشيء ولا يمضي أمرا إلا ما أمر به ربه تعالى، ~~وحاشا أن يأمر الله سبحانه بحجة في شهر نسيء ثم يسميها زيادة في الكفر. # فالحق أن النسيء هو ما تقدم أنهم كانوا يتحرجون من توالي شهور ثلاثة ~~محرمة فينسئون حرمة المحرم إلى صفر ثم يعيدونها مكانها في العام المقبل. # وأما حجهم في كل شهر سنة أو في كل شهر سنتين أو في شهر سنة وفي شهر سنتين ~~فلم يثبت عن مأخذ واضح يوثق به، وليس من البعيد أن تكون عرب الجاهلية ~~مختلفين في ذلك لكونهم قبائل شتى وعشائر متفرقة كل متبع لهوى نفسه غير أن ~~الحج كان عبادة ذات موسم لا يتخلفون عنه لحاجتها إلى أمن لنفوسهم وحرمة ~~لدمائهم، وما كانوا يتمكنون من ذلك لو كان أحل الشهر بعضهم وحرمه آخرون على ~~اختلاف في شاكلة التحريم، وهو ظاهر. PageV09P154 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 38 - 48 # يأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة فما متع الحيوة الدنيا فى الاخرة ~~إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا والله على كل شىء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا ms3455 وثقالا وجهدوا ~~بأمولكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان ~~عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو ~~استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكذبون (42) عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكذبين (43) لا يستئذنك ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين (44) إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت ~~قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القعدين (46) لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خللكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمعون لهم والله ~~عليم بالظلمين (47) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء ~~الحق وظهر أمر الله وهم كرهون (48) ### |||| AUTO بيان # تعرض للمنافقين وفيه بيان لجمل أوصافهم وعلائمهم، وشرح ما لقي الإسلام ~~والمسلمون من كيدهم ومكرهم وما قاسوه من المصائب من جهة نفاقهم، وفي مقدمها ~~عتاب المؤمنين في تثاقلهم عن الجهاد، وحديث خروج النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من مكة وذكر الغار. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض" الآية اثاقلتم أصله تثاقلتم على وزان اداركوا ~~وغيره، وكأنه أشرب معنى الميل ونحوه فعدي بإلى وقيل: اثاقلتم إلى الأرض أي ~~ملتم إلى الأرض متثاقلين أو تثاقلتم مائلين إلى الأرض والمراد بالنفر في ~~سبيل الله الخروج إلى الجهاد. # وقوله: "أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة" كان الرضا أشرب معنى القناعة ~~فعدي بمن كما يقال: رضيت من المال بطيبه، ورضيت من القوم بخلة فلان، وعلى ~~هذا ففي الكلام نوع من العناية المجازية كأن الحياة الدنيا نوع حقير من ~~الحياة الآخرة قنعوا بها منها، ويشعر بذلك قوله بعده: "فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل". # فمعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قال لكم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) - لم يصرح باسمه صونا ms3456 وتعظيما - اخرجوا إلى الجهاد أبطأتم ~~كأنكم لا تريدون الخروج أقنعتم بالحياة الدنيا راضين بها من الآخرة فما ~~متاع الحياة الدنيا بالنسبة إلى الحياة الآخرة إلا قليل. # وفي الآية وما يتلوها عتاب شديد للمؤمنين وتهديد عنيف وهي تقبل الانطباق ~~على غزوة تبوك كما ورد ذلك في أسباب النزول. # قوله تعالى: "إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم" إلى آخر ~~الآية العذاب الذي أنذروا به مطلق غير مقيد فلا وجه لتخصيصه بعذاب الآخرة ~~بل هو على إبهامه، وربما أيد السياق كون المراد به عذاب الدنيا أو عذاب ~~الدنيا والآخرة جميعا. PageV09P155 # وقوله: "يستبدل قوما غيركم" أي يستبدل بكم قوما غيركم لا يتثاقلون في ~~امتثال أوامر الله والنفر في سبيل الله إذا قيل لهم: انفروا، والدليل على ~~هذا المعنى قرينة المقام. # وقوله: "ولا تضروه شيئا" إشارة إلى هوان أمرهم على الله سبحانه لو أراد ~~أن يذهب بهم ويأتي بآخرين فإن الله لا ينتفع بهم بل نفعهم لأنفسهم فضررهم ~~على أنفسهم، وقوله: "والله على كل شيء قدير" تعليل لقوله: "يعذبكم عذابا ~~أليما ويستبدل قوما غيركم". # قوله تعالى: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار" ثاني اثنين أي أحدهما، والغار الثقبة العظيمة في الجبل، ~~والمراد به غار جبل ثور قرب مني وهو غير غار حراء الذي ربما كان النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يأوي إليه قبل البعثة للأخبار المستفيضة، والمراد ~~بصاحبه هو أبو بكر للنقل القطعي. # وقوله: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" أي لا تحزن خوفا مما ~~تشاهده من الوحدة والغربة وفقد الناصر وتظاهر الأعداء وتعقيبهم إياي فإن ~~الله سبحانه معنا ينصرني عليهم. # وقوله: "فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها" أي أنزل الله ~~سكينته على رسوله وأيد رسوله بجنود لم تروها يصرفون القوم عنهم بوجوه من ~~الصرف بجميع العوامل التي عملت في انصراف القوم عن دخول الغار والظفر به ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد روي في ذلك أشياء ستأتي في ms3457 البحث الروائي ~~إن شاء الله تعالى. # والدليل على رجوع الضمير في قوله: "فأنزل الله سكينته عليه" إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أولا: رجوع الضمائر التي قبله وبعده إليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كقوله: "إلا تنصروه" و"نصره" و"أخرجه" و"يقول" ~~و"لصاحبه" و"أيده" فلا سبيل إلى رجوع ضمير "عليه" من بينها وحده إلى غيره ~~من غير قرينة قاطعة تدل عليه. # وثانيا: أن الكلام في الآية مسوق لبيان نصر الله تعالى نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) حيث لم يكن معه أحد ممن يتمكن من نصرته إذ يقول تعالى: ~~"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ" الآية وإنزال السكينة والتقوية بالجنود من ~~النصر فذاك له (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة. # ويدل على ذلك تكرار "إذ" وذكرها في الآية ثلاث مرات كل منها بيان لما ~~قبله بوجه فقوله "إذ أخرجه الذين كفروا" بيان لوقت قوله: "فقد نصره الله" ~~وقوله: "إذ هما في الغار" بيان لتشخيص الحال الذي هو قوله: "ثاني اثنين" ~~وقوله: "إذ يقول لصاحبه" بيان لتشخيص الوقت الذي يدل عليه قوله: "إذ هما في ~~الغار". # وثالثا: أن الآية تجري في سياق واحد حتى يقول: "وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى وكلمة الله هي العليا" ولا ريب أنه بيان لما قبله، وأن المراد بكلمة ~~الذين كفروا هي ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وإطفاء نور الله، وبكلمة الله هي ما وعده من نصره وإتمام ~~نوره، وكيف يجوز أن يفرق بين البيان والمبين وجعل البيان راجعا إلى نصره ~~تعالى إياه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمبين راجعا إلى نصره غيره. # فمعنى الآية: إن لم تنصروه أنتم أيها المؤمنون فقد أظهر الله نصره إياه ~~في وقت لم يكن له أحد ينصره ويدفع عنه وقد تظاهرت عليه الأعداء وأحاطوا به ~~من كل جهة وذلك إذ هم المشركون به وعزموا على قتله فاضطر إلى الخروج من مكة ~~في حال لم يكن إلا أحد رجلين اثنين، وذلك إذ هما ms3458 في الغار إذ يقول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لصاحبه وهو أبو بكر: لا تحزن مما تشاهده من ~~الحال إن الله معنا بيده النصر فنصره الله. # حيث أنزل سكينته عليه وأيده بجنود غائبة عن أبصاركم، وجعل كلمة الذين ~~كفروا - وهي قضاؤهم بوجوب قتله وعزيمتهم عليه - كلمة مغلوبة غير نافذة ولا ~~مؤثرة، وكلمة الله - وهي الوعد بالنصر وإظهار الدين وإتمام النور - هي ~~العليا العالية القاهرة والله عزيز لا يغلب حكيم لا يجهل ولا يغلط في ما ~~شاءه وفعله. PageV09P156 # وقد تبين مما تقدم أولا أن قوله: "فأنزل الله سكينته عليه" متفرع على قوله: ~~"فقد نصره الله" في عين أنه متفرع على قوله: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن" فإن ~~الظرف ظرف للنصرة على ما تقدم، والكلام مسوق لبيان نصره تعالى إياه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لا غيره فالتفريع تفريع على الظرف بمظروفه الذي هو ~~قوله: "فقد نصره الله" لا على قوله: "يقول لصاحبه لا تحزن". # وربما استدل لذلك بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل على سكينة ~~من ربه فإنزال السكينة في هذا الظرف خاصة يكشف عن نزوله على صاحبه. # ويدفعه أولا قوله تعالى: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" ~~في قصة حنين، والقول بأن نفسه الشريفة اضطربت بعض الاضطراب في وقعة حنين ~~فناسب نزول السكينة بخلاف الحال في الغار. # يدفعه أنه من الافتعال بغير علم فالآية لا تذكر منه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حزنا ولا اضطرابا ولا غير ذلك إلا ما تذكر من فرار المؤمنين. # على أنه يبطل أصل الاستدلال أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل ~~على سكينة من ربه لا يتجدد له شيء منها فكيف جاز له أن يضطرب في حنين فتنزل ~~عليه سكينة جديدة اللهم إلا أن يريدوا به أنه لم يزل في الغار كذلك. # ونظيرتها الآية الناطقة بنزول السكينة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وعلى المؤمنين في سورة الفتح: "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية ms3459 فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:" الفتح: - 26. # ويدفعه ثانيا: لزوم تفرع قوله: "وأيده بجنود لم تروها" على أثر تفرع ~~قوله: "فأنزل الله سكينته عليه" لأنهما في سياق واحد، ولازمه عدم رجوع ~~التأييد بالجنود إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو التفكيك في السياق ~~الواحد من غير مجوز يجوزه. # وربما التزم بعضهم - فرارا من شناعة لزوم التفكيك - أن الضمير في قوله ~~تعالى: "وأيده" أيضا راجع إلى صاحبه، ولازمه كون إنزال السكينة والتأييد ~~بالجنود عائدين إلى أبي بكر دون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وربما أيده بعض آخر بأن الوقائع التي تذكر الآيات فيها نزول جنود لم ~~يروها كوقعة حنين والأحزاب وكذا نزول الملائكة لوقعة بدر وإن لم تذكر ~~نزولهم على المؤمنين ولم تصرح بتأييدهم بهم لكنهم حيث كانوا إنما نزلوا ~~للنصر وفيه نصر المؤمنين وإمدادهم فلا مانع من القول بأن الجنود التي لم ~~يروها إنما أيدت أبا بكر، وتأييدهم المؤمنين جميعا أو أبا بكر خاصة تأييد ~~منهم في الحقيقة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والأولى على هذا البيان أن يجعل الفرع الثالث الذي هو قوله: "وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى" الآية مترتبا على ما تقدمه من الفرعين لئلا يلزم ~~التفكيك في السياق. # ولا يخفى عليك أن هذا الذي التزموا به يخرج الآية عن مستقر معناها ~~الوحداني إلى معنى متهافت الأطراف يدفع آخره أوله، وينقض ذيله صدره فقد ~~بدئت الآية بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم على الله وأعز من أن ~~يستذله ويحوجه إلى نصرة هؤلاء بل هو تعالى وليه القائم بنصره حيث لم يكن ~~أحد من هؤلاء الحافين حوله المتبعين أثره ثم إذا شرعت في بيان نصره تعالى ~~إياه بين نصره غيره بإنزال السكينة عليه وتأييده بجنود لم يروها إلى آخر الآية. # هب أن نصره تعالى بعض المؤمنين به (صلى الله عليه وآله وسلم) أو جميعهم ~~نصر منه له بالحقيقة لكن الآية في مساق يدفعه البتة فإن الآية السابقة يجمع ~~المؤمنين في خطاب واحد - يا أيها ms3460 الذين آمنوا - ويعاتبهم ويهددهم على ~~التثاقل عن إجابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما أمرهم به من ~~النفر في سبيل الله والخروج إلى الجهاد ثم الآية الثانية تهددهم بالعذاب ~~والاستبدال إن لم ينفروا وتبين لهم أن الله ورسوله في غنى عنهم ولا يضرونه ~~شيئا، ثم الآية الثالثة توضح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غنى عن ~~نصرهم لأن ربه هو وليه الناصر له، وقد نصره حيث لم يكن لأحد منهم صنع فيه ~~وهو نصره إياه إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. PageV09P157 # ومن البين الذي لا مرية فيه أن مقتضى هذا المقام بيان نصره (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الخاص به المتعلق بشخصه من الله سبحانه خاصة من دون صنع لأحد من ~~المؤمنين في ذلك لا بيان نصره إياه بالمؤمنين أو ببعضهم وقد جمعهم في خطاب ~~المعاتبة، ولا بيان نصره بعض المؤمنين به ممن كان معه. # ولا أن المقام مقام يصلح لأن يشار بقوله: "إذ أخرجه الذين كفروا ثاني ~~اثنين" إشارة إجمالية إلى نصره العزيز لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ~~يؤخذ في تفصيل ما خص به صاحبه من الخصيصة بإنزال السكينة والتأييد بالجنود ~~فإن المقام على ما تبين لك يأبى ذلك. # ويدفعه ثالثا: أن فيه غفلة عن حقيقة معنى السكينة وقد تقدم الكلام فيها ~~في ذيل قوله تعالى: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:" الآية: ~~- 26 من السورة. # والأمر الثاني: أن المراد بتأييده (صلى الله عليه وآله وسلم) بجنود لم ~~يروها تأييده بذلك يومئذ على ما يفيده السياق، وأما قول بعضهم: إن المراد ~~به ما أيده بالجنود يوم الأحزاب ويوم حنين على ما نطقت به الآيات فمما لا ~~دليل عليه من اللفظ البتة. # والأمر الثالث: أن المراد بالكلمة في قوله: "وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى، هو ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ms3461 وإبطال دعوته الحقة بذلك، وبقوله: "وكلمة الله هي العليا" هو ما ~~وعد الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من النصر وإظهار دينه على الدين كله. # وذلك أن هذه الآية بما تتضمنه من قوله: "فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا" تشير إلى ما يقصه قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين: "الأنفال: - 30، ~~والذي في ذيل الآية من إبطال كلمتهم وإحقاق الكلمة الإلهية مرتبط بما في ~~صدر الآية من حديث الإخراج أي الاضطرار إلى الخروج لا محالة، والذي اضطره ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الخروج هو عزمهم على قتله حسب ما اتفقوا ~~عليه من القضاء بقتله فهذه هي الكلمة التي أبطلها الله سبحانه وجعلها ~~السفلى وتقابلها كلمة الله وليست إلا النصر والإظهار. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم إن المراد بكلمة الذين كفروا الشرك والكفر، ~~وبكلمة الله تعالى التوحيد والإيمان غير سديد فإن الشرك وإن كان كلمة لهم، ~~والتوحيد كلمة لله لكنه لا يستلزم كونهما المرادين كلما ذكرت الكلمتان حتى ~~مع وجود القرينة على الخلاف. # قوله تعالى: "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون" الخفاف والثقال جمعا خفيف وثقيل، والثقل بقرينة المقام ~~كناية عن وجود الموانع الشاغلة الصارفة للإنسان عن الخروج إلى الجهاد نظير ~~كثرة المشاغل المالية وحب الأهل والولد والأقرباء والأصدقاء الذي يوجب ~~كراهة مفارقتهم، وفقد الزاد والراحلة والسلاح ونحو ذلك، والخفة كناية عن ~~خلاف ذلك. # فالأمر بالنفر خفافا وثقالا وهما حالان متقابلان في معنى الأمر بالخروج ~~على أي حال، وعدم اتخاذ شيء من ذلك عذرا يعتذر به لترك الخروج كما أن الجمع ~~بين الأموال والأنفس في الذكر في معنى الأمر بالجهاد بأي وسيلة أمكنت. # وقد ظهر بذلك أن الأمر في الآية مطلق لا يأبى التقييد بالأعذار التي يسقط ~~معها وجوب الجهاد كالمرض والعمى والعرج ونحو ذلك فإن المراد بالخفة والثقل ~~أمر وراء ذلك. # قوله تعالى: "لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ms3462 لاتبعوك" إلى آخر الآية. # العرض ما يسرع إليه الزوال ويطلق على المال الدنيوي وهو المراد في الآية ~~بقرينة السياق، والمراد بقربه كونه قريبا من التناول، والقاصد من القصد وهو ~~التوسط في الأمر، والمراد بكون السفر قاصدا كونه غير بعيد المقصد سهلا على ~~المسافر، والشقة: المسافة لما في قطعها من المشقة. # والآية كما يلوح من سياقها تعيير وذم للمنافقين المتخلفين عن الخروج مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجهاد في غزوة تبوك إذ الغزوة التي ~~خرج فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتخلف عنه المنافقون وهي على بعد ~~من المسافة هي غزوة تبوك لا غيرها. PageV09P158 # ومعنى الآية: لو كان ما أمرتهم به ودعوتهم إليه عرضا قريب التناول وغنيمة ~~حاضرة وسفرا قاصدا قريبا هينا لاتبعوك يا محمد وخرجوا معك طمعا في الغنيمة ~~ولكن بعدت عليهم الشقة والمسافة فاستصعبوا السير وتثاقلوا فيه. # وسيحلفون بالله إذا رجعتم إليهم ولمتموهم على تخلفهم: لو استطعنا الخروج ~~لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم بما أخذوه من الطريقة: من الخروج إلى القتال ~~طمعا في عرض الدنيا إذا استيسروا القبض عليه، والتخلف عنه إذا شق عليهم ثم ~~الاعتذار بالعذر الكاذب على نبيهم والحلف في ذلك بالله كاذبين، أو يهلكون ~~أنفسهم بهذا الحلف الكاذب، والله يعلم إنهم لكاذبون. # قوله تعالى: "عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين" الجملة الأولى دعاء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو نظير ~~الدعاء على الإنسان بالقتل في قوله: "قتل الإنسان ما أكفره:" عبس: - 17، ~~وقوله: "فقتل كيف قدر": المدثر: - 19 وقوله: "قاتلهم الله أنى يؤفكون:" ~~التوبة: - 30. # والجملة متعلقة بقوله: "لم أذنت لهم" أي في التخلف والقعود، ولما كان ~~الاستفهام للإنكار أو التوبيخ كان معناه: كان ينبغي أن لا تأذن لهم في ~~التخلف والقعود، ويستقيم به تعلق الغاية التي يشتمل عليها قوله: "حتى يتبين ~~لك الذين صدقوا" الآية. # بقوله: "لم أذنت لهم" فالتعلق إنما هو بالمستفهم عنه دون الاستفهام وإلا ~~أفاد خلاف المقصود، والكلام مسوق لبيان ظهور كذبهم وأن ms3463 أدنى الامتحان كالكف ~~عن إذنهم في القعود يكشف عن فصاحتهم. # ومعنى الآية: عفا الله عنك لم أذنت لهم في التخلف والقعود؟ ولو شئت لم ~~تأذن لهم - وكانوا أحق به - حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ~~فيتميز عندك كذبهم ونفاقهم. # والآية - كما ترى وتقدمت الإشارة إليه - في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم ~~وأنهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به، ومن مناسبات هذا المقام إلقاء ~~العتاب إلى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنه هو الذي ستر عليهم فضائح ~~أعمالهم وسوء سريرتهم، وهو نوع من العناية الكلامية يتبين به ظهور الأمر ~~ووضوحه لا يراد أزيد من ذلك فهو من أقسام البيان على طريق: "إياك أعني ~~واسمعي يا جارة". # فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى لا الكشف عن تقصير النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وسوء تدبيره في إحياء أمر الله، وارتكابه بذلك ذنبا - ~~حاشاه - وأولوية عدم الإذن لهم معناها كون عدم الإذن أنسب لظهور فضيحتهم ~~وأنهم أحق بذلك لما بهم من سوء السريرة وفساد النية لا لأنه كان أولى وأحرى ~~في نفسه وأقرب وأمس بمصلحة الدين. # والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعد ثلاث آيات: "لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم" إلى ~~آخر الآيتين، فقد كان الأصلح أن يؤذن لهم في التخلف ليصان الجمع من الخبال ~~وفساد الرأي وتفرق الكلمة، والمتعين أن يقعدوا فلا يفتنوا المؤمنين بإلقاء ~~الخلاف بينهم والتفتين فيهم وفيهم ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب وهم سماعون ~~لهم يسرعون إلى المطاوعة لهم ولو لم يؤذن لهم فأظهروا الخلاف كانت الفتنة ~~أشد والتفرق في كلمة الجماعة أوضح وأبين. # ويؤكد ذلك قوله تعالى بعد آيتين: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين" فقد كان تخلفهم ونفاقهم ~~ظاهرا لائحا من عدم إعدادهم العدة يتوسمه في وجوههم كل ذي لب، ولا يخفى مثل ~~ذلك على مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد نبأه الله بأخبارهم قبل ~~نزول هذه السورة كرارا ms3464 فكيف يصح أن يعاتب هاهنا عتابا جديا بأنه لم لم يكف ~~عن الإذن ولم يستعلم حالهم حتى يتبين له نفاقهم ويميز المنافقين من ~~المؤمنين، فليس المراد بالعتاب إلا ما ذكرناه. # ومما تقدم يظهر فساد قول من قال: إن الآية تدل على صدور الذنب عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لأن العفو لا يتحقق من غير ذنب، وإن الإذن كان قبيحا ~~منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن صغائر الذنوب لأنه لا يقال في المباح لم ~~فعلته؟ انتهى. # وهذا من لعبهم بكلام الله سبحانه، ولو اعترض معترض على ما يهجون به في ~~مثل المقام الذي سيقت الآية فيه لم يرضوا بذلك، وقد أوضحنا أن الآية مسوقة ~~لغرض غير غرض الجد في العتاب. PageV09P159 # على أن قولهم: إن المباح لا يقال فيه: لم فعلت؟ فاسد فإن من الجائز إذا ~~شوهد من رجح غير الأولى على الأولى أن يقال له: لم فعلت ذلك ورجحته على ما ~~هو أولى منه؟ على أنك قد عرفت أن الآية غير مسوقة لعتاب جدي. # ونظيره ما ذكره بعض آخر حيث قال: إن بعض المفسرين ولا سيما الزمخشري قد ~~أساءوا الأدب في التعبير عن عفو الله تعالى عن رسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في هذه الآية، وكان يجب أن يتعلموا أعلى الأدب معه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إذ أخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب، وهو منتهى التكريم ~~واللطف. # وبالغ آخرون كالرازي في الطرف الآخر فأرادوا أن يثبتوا أن العفو لا يدل ~~على الذنب، وغايته أن الإذن الذي عاتبه الله عليه هو خلاف الأولى. # وهو جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب وهو المعصية، ~~وما كان ينبغي لهم أن يهربوا من إثبات ما أثبته الله في كتابه تمسكا ~~باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له والمدلول اللغة أيضا. # فالذنب في اللغة كل عمل يستتبع ضررا أو فوت منفعة أو مصلحة، مأخوذ من ذنب ~~الدابة، وليس مرادفا للمعصية بل أعم منها. # والإذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية ms3465 وهي تبين ~~الذين صدقوا والعلم بالكاذبين، وقد قال تعالى: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" الآية: الفتح: - 2. # ثم ذكر في كلام له طويل أن ذلك كان اجتهادا منه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيما لا وحي فيه من الله وهو جائز وواقع من الأنبياء (عليهم السلام) ~~وليسوا بمعصومين من الخطإ فيه وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحي ~~ببيانه والعمل به فيستحيل على الرسول أن يكذب أو يخطىء فيما يبلغه عن ربه ~~أو يخالفه بالعمل. # ومنه ما تقدم في سورة الأنفال من عتابه تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في أخذ الفدية من أسارى بدر حيث قال: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة:" الأنفال: - 67 ثم ~~بين أنه كان مقتضيا لنزول عذاب أليم لو لا كتاب من الله سبق فكان مانعا ~~انتهى كلامه بنوع من التلخيص. # وليث شعري ما الذي زاد في كلامه على ما تفصى به الرازي وغيره حيث ذكروا ~~أن ذلك من ترك الأولى، ولا يسمونه ذنبا في عرف المتشرعين وهو الذي يستتبع ~~عقابا، وذكر هو أنه من ترك الأصلح وسماه ذنبا لغة. # على أنك قد عرفت فيما تقدم أنه لم يكن ذنبا لا عرفا ولا لغة بدلالة ناصة ~~من الآيات على أن عدم خروجهم كان هو الأصلح لحال جيش المسلمين لتخلصهم بذلك ~~عن غائلة وقوع الفتنة واختلاف الكلمة، وكانت هذه العلة بعينها موجودة لو لم ~~يأذن لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وظهر منهم ما كانوا أبطنوه من ~~الكفر والخلاف وأن الذي ذكره الله بقوله: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له ~~عدة" إن عدم إعدادهم العدة كان يدل على عدم إرادتهم الخروج، كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من أن يخفى عليه ذلك وهم بمرأى منه ومسمع. # مضافا إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرفهم في لحن القول كما ~~قال تعالى: "ولتعرفنهم ms3466 في لحن القول:" سورة محمد: - 30 وكيف يخفى على من ~~سمع من أحدهم مثل قوله: "ائذن لي ولا تفتني" أو يقول للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "هو أذن" أو يلمزه في الصدقات ولا ينصح له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إن ذلك من طلائع النفاق يطلع منهم وما وراءه إلا كفر وخلاف. # فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوسم منهم النفاق والخلاف ~~ويعلم بما في نفوسهم، ومع ذلك فعتابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه لم لم ~~يكف عن الإذن ولم يستعلم حالهم ولم يميزهم من غيرهم؟ ليس إلا عتابا غير جدي ~~للغرض الذي ذكرناه. PageV09P160 # وأما قوله: "إن الإذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية ~~وهي تبين الذين صدقوا والعلم بالكاذبين" ففيه أن الذي تشتمل عليه الآية من ~~المصلحة هو تبين الذين صدقوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلمه هو ~~بالكاذبين لا مطلق تبينهم ولا مطلق العلم بالكاذبين، وقد ظهر مما تقدم أنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يخفى عليه ذلك، وأن حقيقة المصلحة إنما ~~كانت في الإذن وهي سد باب الفتنة واختلاف الكلمة فإنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يعلم من حالهم أنهم غير خارجين البتة سواء أذن لهم في القعود أم ~~لم يأذن فبادر إلى الإذن حفظا على ظاهر الطاعة ووحدة الكلمة. # وليس لك أن تتصور أنه لو بان نفاقهم يومئذ وظهر خلافهم بعدم إذن النبي ~~لهم بالقعود لتخلص الناس من تفتينهم وإلقائهم الخلاف لما في الإسلام يومئذ ~~- وهو يوم خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك - من الشوكة ~~والقوة، وله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نفوذ الكلمة. # فإن الإسلام يومئذ إنما كان يملك القوة والمهابة في أعين الناس من غير ~~المسلمين كانوا يرتاعون شوكته ويعظمون سواد أهله ويخافون حد سيوفهم، وأما ~~المسلمون في داخل مجتمعهم وبين أنفسهم فلم يخلصوا بعد من النفاق ومرض ~~القلوب، ولم يستول عليهم بعد وحدة الكلمة وجد الهمة والعزيمة، ms3467 والدليل على ~~ذلك نفس هذه الآيات وما يتلوها إلى آخر السورة تقريبا. # وقد كانوا تظاهروا بمثل ذلك يوم أحد وقد هجم عليهم العدو في عقر دارهم ~~فرجع ثلث الجيش الإسلامي من المعركة ولم يؤثر فيهم عظة ولا إلحاح حتى ~~قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فكان ذلك أحد الأسباب العاملة في انهزام ~~المسلمين. # وأما قوله: ومن عتابه تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطئه في ~~اجتهاده ما تقدم في سورة الأنفال من عتابه في أخذ الفدية من أسارى بدر حيث ~~قال: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" الآية. # ففيه أولا: أنه من سوء الفهم فمن البين الذي لا يرتاب فيه أن الآية ~~بلفظها لا تعاتب على أخذ الفدية من الأسرى وإنما تعاتب على نفس أخذ الأسرى ~~- ما كان لنبي أن يكون له أسرى - ولم تنزل آية ولا وردت رواية في أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمرهم بالأسر بل روايات القصة تدل على أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أمر بقتل بعض الأسرى خاف الناس أن ~~يقتلهم عن آخرهم فكلموه وألحوا عليه في أخذ الفدية منهم ليتقووا بذلك على ~~أعداء الدين وقد رد الله عليهم ذلك بقوله: "تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة". # وهذا من أحسن الشواهد على أن العتاب في الآية متوجه إلى المؤمنين خاصة من ~~غير أن يختص به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يشاركهم فيه وأن أكثر ~~ما ورد من الأخبار في هذا المعنى موضوعة أو مدسوسة. # وثانيا: أن العتاب في الآية لو اختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ~~شمله وغيره لم يكن من العتاب على ما ذكره على الذنب بمعناه اللغوي وهو ~~تفويت المصلحة بوجه فإن هذا العتاب مذيل بقوله تعالى في الآية التالية: "لو ~~لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم:" الأنفال: - 68 فلا يرتاب ~~ذو لب في أن التهديد بالعذاب العظيم لا يتأتى إلا مع كون المهدد ms3468 عليه من ~~المعصية المصطلحة بل ومن كبائر المعاصي، وهذا أيضا من الشواهد على أن ~~العتاب في الآية متوجه إلى غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر" إلى آخر ~~الآيتين تذكر الآيتان أحد ما يعرف به المنافق ويتميز به من المؤمن وهو ~~الاستيذان في التخلف عن الجهاد في سبيل الله. # وقد بين الله سبحانه ذلك بأن الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس من ~~لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر بحقيقة الإيمان لما يورثه هذا الإيمان من ~~صفة التقوى، والمؤمن لما كان على تقوى من قبل الإيمان بالله واليوم الآخر ~~كان على بصيرة من وجوب الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه. # ولا يدعه ذلك أن يتثاقل عنه فيستأذن في القعود لكن المنافق لعدم الإيمان ~~بالله واليوم الآخر فقد صفة التقوى فارتاب قلبه ولا يزال يتردد في ريبة ~~فيحب التطرف، ويستأذن في التخلف والقعود عن الجهاد. PageV09P161 # قوله تعالى: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة" إلى آخر الآية، العدة ~~الأهبة، والانبعاث - على ما في المجمع، - الانطلاق بسرعة في الأمر، ~~والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه. # والآية معطوفة على ما تقدم من قوله: "والله يعلم إنهم لكاذبون" بحسب ~~المعنى أي هم كاذبون في دعواهم عدم استطاعتهم الخروج بل ما كانوا يريدونه ~~ولو أرادوه لأعدوا له عدة لأن من آثار من يريد أمرا من الأمور أن يتأهب له ~~بما يناسبه من العدة والأهبة ولم يظهر منهم شيء من ذلك. # وقوله: "ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم" أي جزاء بنفاقهم وامتنانا عليك ~~وعلى المؤمنين لئلا يفسدوا جمعكم، ويفرقوا كلمتكم بالتفتين وإلقاء الخلاف. # وقوله: "وقيل اقعدوا مع القاعدين" أمر غير تشريعي لا ينافي الأمر ~~التشريعي بالنفر والخروج، فقد أمرهم الله بلسان نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالنفر والخروج - وهو أمر تشريعي - وأمرهم من ناحية سريرتهم الفاسدة ~~والريب المتردد في قلوبهم وسجاياهم الباطنية الخبيثة بالقعود - وهو أمر غير ~~تشريعي - ولا تنافي بينهما. # ولم ينسب قول: "اقعدوا مع القاعدين" إلى نفسه تنزيها ms3469 لنفسه عن الأمر بما ~~لا يرتضيه وهناك أسباب متخللة آمرة بذلك كالشيطان والنفس، وإنما ينسب إليه ~~تعالى بالواسطة لانطباق معنى الجزاء والامتنان على المؤمنين عليه. # وليتوافق الأمران المتخالفان صورة في السياق أعني قوله: "قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله" وقوله: "قيل اقعدوا مع القاعدين". # قوله تعالى: "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم" الآية ~~الخبال هو الفساد واضطراب الرأي، والإيضاح: الإسراع في الشر، والخلال: ~~البين! والبغي هو الطلب فمعنى يبغونكم الفتنة أي يطلبون لكم أو فيكم الفتنة ~~على ما قيل، والفتنة هي المحنة كالفرقة واختلاف الكلمة على ما يناسب الآية ~~من معانيها، والسماع السريع الإجابة والقبول. # والآية في مقام التعليل لقوله: "ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم" امتنانا، ~~ولذا جيء بالفصل من غير عطف، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق ~~وظهر أمر الله وهم كارهون" أي أقسم لقد طلبوا المحنة واختلاف الكلمة وتفرق ~~الجماعة من قبل هذه الغزوة - وهي غزوة تبوك - كما في غزوة أحد حين رجع عبد ~~الله بن أبي بن سلول بثلث القوم وخذل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وقلبوا لك الأمور بدعوة الناس إلى الخلاف وتحريضهم على المعصية وخذلانهم عن ~~الجهاد وبعث اليهود والمشركين على قتال المؤمنين والتجسس وغير ذلك حتى جاء ~~الحق - وهو الحق الذي يجب أن يتبع - وظهر أمر الله - وهو الذي يريده من ~~الدين - وهم كارهون لجميع ذلك. # والآية تستشهد على الآية السابقة بذكر الأمثال كما يستدل على الأمر ~~بمثله، وتوجيه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة بعد عمومه ~~في الآية السابقة لاختصاص الأمر فيه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعني ~~تقليب الأمور عليه بخلاف ما في الآية السابقة من خروجهم في الناس. PageV09P162 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "إلا تنصروه فقد نصره الله" الآية: ~~أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من ms3470 الليل لحق بغار ثور قال: وتبعه أبو بكر فلما ~~سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسه خلفه خاف أن يكون الطلب فلما ~~رأى ذلك أبو بكر تنحنح فلما سمع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عرفه فقام له حتى تبعه فأتيا الغار. فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من ~~قافة بني مدلج فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة فبال في ~~أصلها القائف ثم قال: ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان قال فعند ذلك ~~حزن أبو بكر فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تحزن إن الله ~~معنا. قال: فمكث هو وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر ~~بن فهيرة وعلي يجهزهم فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم ~~دليلا فلما كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي بالإبل والدليل فركب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راحلته وركب أبو بكر أخرى فتوجهوا نحو ~~المدينة، وقد بعثت قريش في طلبه. وفيه، أخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي ~~وعائشة بنت أبي بكر وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في بعض ~~قالوا: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والقوم جلوس على بابه فأخذ ~~حفنة من البطحاء فجعل يذرها على رءوسهم ويتلو: "يس والقرآن الحكيم" الآيات ~~ومضى. فقال لهم قائل ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: قد والله مر بكم ~~قالوا: والله ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب من رءوسهم، وخرج رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه وضربت العنكبوت على ~~بابه بعشاش بعضها على بعض. وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهوا إلى باب الغار ~~فقال بعضهم: إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد. وفي إعلام الورى،: في حديث ~~سراقة بن جعشم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الذي اشتهر في ~~العرب يتقاولون فيه الأشعار ويتفاوضونه في الديار أنه تبعه وهو متوجه إلى ~~المدينة طالبا ms3471 لغرته (صلى الله عليه وآله وسلم) ليحظى بذلك عند قريش، حتى ~~إذا أمكنته الفرصة في نفسه وأيقن أن قد ظفر ببغيته ساخت قوائم فرسه حتى ~~تغيبت بأجمعها في الأرض وهو بموضع جدب وقاع صفصف فعلم أن الذي أصابه أمر ~~سماوي فنادى يا محمد: ادع ربك يطلق لي فرسي وذمة الله أن لا أدل عليك أحدا، ~~فدعا له فوثب جواده كأنه أفلت من أنشوطة وكان رجلا داهية، وعلم بما رأى أنه ~~سيكون له نبأ فقال: اكتب لي أمانا فكتب له وانصرف. قال محمد بن إسحاق: إن ~~أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتا فأجابه سراقة نظما: أبا حكم واللات لو كنت ~~شاهدا. لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه. عجبت ولم تشكك بأن محمدا. نبي ببرهان ~~فمن ذا يكاتمه؟. عليك بكف الناس عنه فإنني. أرى أمره يوما ستبدو معالمه: ~~أقول: ورواه في الكافي، بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام)، وفي الدر المنثور، بعدة طرق، وأورده الزمخشري في ربيع الأبرار. ~~وفي الدر المنثور، أخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن مصعب قال: أدركت أنس بن ~~مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون: أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فسترته وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار. وأقبل ~~فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وأسيافهم وهراويهم حتى إذا كانوا من النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قدر أربعين ذراعا فعجل بعضهم فنظر في الغار فرجع ~~إلى أصحابه فقالوا: ما لك لم تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار ~~فعرفت أن ليس فيه أحد. الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري: في قوله: "إذ ~~هما في الغار" قال: الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثورا. # أقول: وقد استفاضت الروايات بكون الغار المذكور في القرآن الكريم ms3472 هو غار ~~جبل ثور، وهو على أربعة فراسخ من مكة تقريبا. PageV09P163 # وفي إعلام الورى، وقصص الأنبياء،: وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الغار ثلاثة أيام ثم أذن الله تعالى له بالهجرة، وقال: اخرج من ~~مكة يا محمد فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب فخرج رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). وأقبل راع لبعض قريش يقال له: ابن أريقط فدعاه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا ابن أريقط آتمنك على دمي؟ فقال: إذن ~~والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد؟ قال: يثرب. قال: ~~لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيها أحد فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ائت عليا وبشره بأن الله قد أذن لي في الهجرة فهيىء لي زادا وراحلة. ~~وقال له أبو بكر: ائت أسماء ابنتي وقل لها: تهيئي لي زادا وراحلتين، وأعلم ~~عامر بن فهيرة أمرنا، وكان من موالي أبي بكر وكان قد أسلم، وقل له: ائتنا ~~بالزاد والراحلتين. فجاء ابن أريقط إلى علي (عليه السلام) فأخبره بذلك فبعث ~~علي بن أبي طالب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزاد وراحلة، ~~وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من الغار وأخذ به ابن أريقط على طريق نخلة بين الجبال فلم يرجعوا إلى ~~الطريق إلا بقديد فنزلوا على أم معبد هناك. قال: وقد كانت الأنصار بلغهم ~~خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم وكانوا يتوقعون قدومه إلى ~~أن وافى مسجد قبا ونزل فخرج الرجال والنساء يستبشرون بقدومه. # أقول: والأخبار في تفاصيل قصص الهجرة بالغة في الكثرة رواها أصحاب النقل ~~وأرباب السير من الشيعة وأهل السنة، وهي على كثرتها متدافعة مضطربة لا يسع ~~نقدها واستخراج الصافي منها مجال هذا الكتاب، وللدلالة على إجمال القصة ~~فيما أوردناه كفاية وهو كالمتفق عليه بين أخبار الفريقين. # وفي الدر المنثور، أخرج خيثمة بن سليمان الطرابلسي في فضائل الصحابة وابن ~~عساكر ms3473 عن علي بن أبي طالب قال: إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر فقال: ~~إلا تنصروه فقد نصره الله - إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار - إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. # أقول: نقد البحث في مضامين الآيات الحافة بالقصة وما ينضم إليها من النقل ~~الصحيح يوجب سوء الظن بهذه الرواية فإن الآيات التي تذم المؤمنين - أو ~~الناس كلهم كما في الرواية - وإليها تشير آية الغار بما فيها من قوله: "إلا ~~تنصروه" هي قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض" الآية، والنقل القطعي يدل على أن التثاقل ~~المذكور لم يكن من عامة المؤمنين وجميعهم، وإن كثيرا منهم سارع إلى إجابة ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أمر به من النفر، وإنما تثاقل جماعة ~~من الناس من مؤمن ومنافق. # فخطاب "يا أيها الذين آمنوا" الشامل لجميع المؤمنين، والذم المتعقب له ~~إنما هو من خطاب الجماعة بشأن بعضهم كخطاب اليهود بقوله: "فلم تقتلون ~~أنبياء الله:" البقرة: - 91 وغيره، وهو كثير في القرآن غير أن ديدن القرآن ~~في مثل هذه الموارد أن لا يضيع حق الصالحين ولا أجر المحسنين أعني الأقلين ~~الذين تعمهم أمثال هذه الخطابات العامة بالذم والتوبيخ فيتدارك أمرهم ~~ويستثنيهم ويذكرهم بالجميل كما فعل ذلك فيما سيأتي في هذه السورة من الآيات ~~المادحة للمؤمنين الشاكرة لجميل مساعيهم بقوله: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض" الآية، وغيره. # وإذا كانت الآيات - وقد نزلت في غزوة تبوك - تعم المؤمنين جميعا ~~المسارعين في الخروج والمتثاقلين فيه من غير استثناء فهي تشمل عامة الصحابة ~~والمؤمنين وفيهم أبو بكر نفسه غير أنه تعالى تدارك ما لحق بالمسارعين في ~~الطاعة والإجابة منهم في آيات تالية وشكر سعيهم. PageV09P164 # فلو كان قوله في الآية: "إلا تنصروه" وهو يشير إلى ما تقدم من حديث التثاقل ~~ويومىء إليه ذما للناس كلهم كان ذما لأبي بكر كما هو ذم لغيره بعدم نصرتهم ~~للنبي (صلى الله عليه ms3474 وآله وسلم) أو تثاقلهم في نصره، ومع ذلك لا تسمح ~~الآية بالدلالة على نصر أبي بكر له (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فيها من ~~قوله: "فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" بل لو دل لدل على نصر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لأبي بكر حيث طيب قلبه وسلاه بقوله: "لا تحزن إن الله معنا". # على أنك قد عرفت في البيان السابق أن الآية بمقتضى المقام لا تتعرض إلا ~~لنصر الله سبحانه وحده نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعينه وشخصه، قبال ~~ما يفرض من عدم نصر كافة المؤمنين له وخذلانهم إياه فدلالة الآية على أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغار لم ينصره إلا الله سبحانه وحده ~~دلالة قطعية. # وهذا المعنى في نفسه أدل شاهد على أن الضمائر في تتمة جمل الآية: "فأنزل ~~الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والجمل مسوقة لبيان ~~قيامه تعالى وحده بنصره نصرا عزيزا غيبيا لا صنع فيه لأحد من الناس، وهو ~~إنزال السكينة عليه وتأييده بجنود غائبة عن الأبصار، وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى وإعلاء كلمة الحق والله عزيز حكيم. # وأما غير نصره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المناقب التي يمدح ~~الإنسان عليها فلو كان هناك شيء من ذلك لكان هو ما في قوله: "ثاني اثنين" ~~وما في قوله: "لصاحبه" فلنسلم أن كون الإنسان ثانيا لاثنين أحدهما النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكونه صاحبا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مذكورا في القرآن بالصحبة من المفاخر التي يتنفس لها لكنها من المناقب ~~الاجتماعية التي تقدر لها في المجتمعات قيمة ونفاسة، وأما القرآن الكريم ~~فللقيمة فيه ملاك آخر، وللفضل والشرف في منطقه معنى آخر متكىء على حقيقة هي ~~أعلى من المقاصد الوضعية الاجتماعية، وهي كرامة العبودية ودرجات القرب ms3475 ~~والزلفى. # ومجرد الصحابة الجسمانية والدخول في العدد لا يدل على شيء من ذلك، وقد ~~تكرر في كلامه تعالى أن التسمي بمختلف الأسماء والتلبس بما يتنفس فيه عامة ~~الناس ويستعظمه النظر الاجتماعي لا قيمة له عند الله سبحانه، وأن الحساب ~~على ما في القلوب دون ما يتراءى من ظواهر الأعمال وتقدمة الأحساب والأنساب. # وقد أفصح عنه في مورد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وملازميه ~~خاصة بأبلغ الإفصاح قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما:" الفتح: - 29 فانظر إلى ما في صدر ~~الآية من المدح وما في ذيله من القيد وتدبر. # هذه نبذة مما يتعلق بالآية والرواية من البحث، والزائد على هذا المقدار ~~يخرجنا من البحث التفسيري إلى البحث الكلامي الذي هو خارج عن غرضنا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: في قوله: "فأنزل الله سكينته ~~عليه" قال: على أبي بكر لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل ~~السكينة معه. وفيه، أخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت: "فأنزل ~~الله سكينته عليه" قال: على أبي بكر فأما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقد كانت عليه السكينة. # أقول: قد حقق فيما تقدم أن الضمير راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على ما يهدي إليه السياق، والروايتان على ما بهما من الوقف ضعيفتان، ~~ولا حجية لقول ابن عباس ولا حبيب لغيرهما. # وأما الحجة التي أورداهما فيهما وهي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لم تزل السكينة معه فمدخولة يدفعها قوله تعالى في قصة حنين: "ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" الآية: التوبة: - 26 ونظيرته آية سورة ~~الفتح المشيرة إلى قصة الحديبية وهما تصرحان بنزول السكينة عليه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في خصوص المورد فليكن الأمر ms3476 على تلك الوتيرة في الغار. PageV09P165 # وكان بعضهم أحس بالإشكال فحمل قولهما في الروايتين: أن السكينة لم تزل مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على معنى آخر وهو كون السكينة ملازمة ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار فيكون قرينة على كون التي نزلت ~~فيه إنما نزلت على صاحبه دونه، ولعل رواية حبيب أقرب دلالة على ما ذكره. # قال بعد إيراد رواية ابن عباس ثم رواية حبيب: وقد أخذ بهذه الرواية بعض ~~مفسري اللغة والمعقول ووضحوا ما فيها من التعليل بأنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لم يحدث له وقتئذ اضطراب ولا خوف ولا حزن، وقواها بعضهم بأن الأصل في ~~الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور. # وليس هذا بشيء. # وذهب آخرون إلى أن الضمير يعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن ~~إنزال السكينة عليه لا يقتضي أن يكون خائفا أو مضطربا أو منزعجا. # وهذا ضعيف لعطف إنزال السكينة على ما قبلها الدال على وقوعه بعده وترتبه ~~عليه، وأن نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن. # انتهى. # أما ما ذكروه من عدم طرو خوف واضطراب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وقتئذ فإن كانوا استفادوه من عدم ذكر شيء من ذلك في الآية أو في رواية ~~معتمد عليها فكلامه تعالى في قصة حنين والحديبية أيضا خال عن ذكر النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بخوف أو حزن أو اضطراب، ولم ترد رواية معتمد ~~عليها تدل على ذلك فكيف استقام ذكر نزول السكينة عليه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيهما؟. # وإن قالوا باستلزام إنزال السكينة الاضطراب والخوف والحزن فهو ممنوع كما ~~تقدم كيف؟ ونزول نعمة من النعم الإلهية لا يتوقف على سبق الاتصاف بحالة ~~مضادة لها ونقمة مقابلة لها كنزول الرحمة بعد الرحمة والنعمة بعد النعمة ~~والإيمان والهداية بعد الإيمان والهداية وغير ذلك، وقد نص القرآن الكريم ~~بأمور كثيرة من هذا القبيل. # وأما قوله: إن رجوع الضمير إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضعيف ~~لعطف إنزال السكينة على ms3477 ما قبلها الدال على وقوعه بعده وترتبه عليه وأن ~~نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن. # انتهى. # ففيه: أنه لا ريب أن فاء التفريع تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها ~~ووقوعه بعده لكن بعدية رتبية لا بعدية زمانية ولم يقل أحد بوجوب كونها ~~زمانية دائما. # فمن الواجب فيما نحن فيه أن يترتب قوله: "فأنزل الله سكينته عليه وأيده" ~~على ما تقدم عليه من الكلام لا على ما هو أقرب إليه من غيره إلا على القول ~~بأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وقد ضعفه في سابق كلامه. # والذي يصلح من سابق ليتعلق به التفريع المذكور هو قوله: فقد نصره الله في ~~كذا وكذا وقتا وتفرع هذه الفروع عليه من قبيل تفرع التفصيل على الإجمال ~~والسياق على استقامته: "فقد نصره الله في وقت كذا فأنزل سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى. # فظهر أن ما أجاب به أخيرا هو عين ما ضعفه أولا من حديث أصل قرب المرجع من ~~الضمير - ذاك الأصل الذي لا أصل له - كرره ثانيا بتغيير ما في اللفظ. # ومن هنا يظهر جهة المناقشة في رواية أخرى رواها في الدر المنثور، عن ابن ~~مردويه عن أنس بن مالك "قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر ~~غار حراء فقال أبو بكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو أن أحدهم يبصر ~~موضع قدمه لأبصرني وإياك فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما إن الله أنزل ~~سكينته عليك وأيدني بجنود لم تروها. # على أن الرواية تذكر غار حراء وقد ثبت بالمستفيض المتكاثر من الأخبار أن ~~الغار كان غار ثور لا غار حراء. # على أن الرواية مشتملة على تفكيك السياق صريحا بما فيها من قوله: أنزل ~~سكينته عليك وأيدني بجنود، إلخ. # وقد أورد الآلوسي في روح المعاني، الرواية هكذا: "إن الله أنزل سكينته ~~عليك وأيدك بجنود لم تروها، فأرجع الضميرين إلى أبي بكر دون النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # ولا ms3478 ندري أي اللفظين هو الأصل وأيهما المحرف غير أنه يضاف على رواية ~~"وأيدك بجنود لم تروها" إلى ما ذكر من الإشكال آنفا إشكالات أخرى تقدمت في ~~البيان السابق مضافا إلى إشكال آخر جديد من جهة قوله: "لم تروها" بخطاب ~~الجمع ولا مخاطب يومئذ جمعا. PageV09P166 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا": في ~~رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "لو كان عرضا قريبا ~~وسفرا قاصدا" يقول: غنيمة قريبة "لاتبعوك". وفي تفسير العياشي، عن زرارة ~~وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله: "لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك" الآية إنهم يستطيعون وقد ~~كان في علم الله أنه لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لفعلوا: أقول: ورواه ~~الصدوق في المعاني، بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) مثله. PageV09P167 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولكن بعدت عليهم الشقة" يعني إلى تبوك ~~وسبب ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسافر سفرا أبعد منه ~~ولا أشد منه. وكان سبب ذلك أن الصيافة كانوا يقدمون المدينة من الشام ومعهم ~~الدرموك والطعام. وهم الأنباط فأشاعوا بالمدينة أن الروم قد اجتمعوا يريدون ~~غزو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عسكر عظيم، وأن هرقل قد سار في ~~جمع جنوده، وجلب معهم غسان وجذام وبهراء وعاملة، وقد قدم عساكره البلقاء ~~ونزل هو حمص. فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه إلى تبوك ~~وهي من بلاد البلقاء، وبعث إلى القبائل حوله، وإلى مكة، وإلى من أسلم من ~~خزاعة ومزينة وجهينة فحثهم على الجهاد. وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعسكره فضرب في ثنية الوداع، وأمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوة به، ~~ومن كان عنده شيء أخرجه، وحملوا وقووا وحثوا على ذلك. وخطب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها ms3479 الناس إن أصدق ~~الحديث كتاب الله. وأولى القول كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير ~~السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير ~~الأمور عزائمها وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف ~~القتلى الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير ~~الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى، وما ~~قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة محضر الموت، وشر الندامة يوم ~~القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا. ومنهم من لا يذكر الله إلا ~~هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد ~~التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والارتياب ~~من الكفر، والتباعد من عمل الجاهلية، والغلول من قيح جهنم، والسكر جمر ~~النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل إبليس، والشباب ~~شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر الأكل أكل مال اليتيم، والسعيد ~~من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة ~~أذرع، والأمر إلى آخره وملاك الأمر خواتيمه، وأربى الربا الكذب، وكلما هو ~~آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، ~~وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن توكل على الله كفاه، ومن صبر ظفر، ومن يعف يعف ~~الله عنه، ومن كظم الغيظ آجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن ~~تبع السمعة يسمع الله به، ومن يصم يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه، ~~اللهم اغفر لي ولأمتي. اللهم اغفر لي ولأمتي أستغفر الله لي ولكم. قال: ~~فرغب الناس في الجهاد لما سمعوا هذا من رسول الله، وقدمت القبائل من العرب ~~ممن استنفرهم، وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم، ولقي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) الجد بن قيس فقال له: يا أبا وهب ألا تنفر معنا في هذه ~~الغزاة؟ لعلك إن تحتفد من بنات الأصفر فقال يا رسول ms3480 الله: والله إن قومي ~~ليعلمون أن ليس فيهم أشد عجبا بالنساء مني وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر ~~إذا رأيت بنات الأصفر فلا تفتني وائذن لي أن أقيم. وقال للجماعة من قومه: ~~لا تخرجوا في الحر. فقال ابنه: ترد على رسول الله وتقول له ما تقول ثم تقول ~~لقومك: لا تنفروا في الحر والله لينزلن الله في هذا قرآنا يقرؤه الناس إلى ~~يوم القيامة فأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك: ~~"ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني - ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين". ثم قال الجد بن قيس: أيطمع محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم. ~~لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا. # أقول: وقد روي هذه المعاني في روايات أخرى كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة. PageV09P168 # وفي العيون، بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده ~~الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) فقال له: يا ابن رسول الله أليس من ~~قولك: إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، فقال له المأمون فيما سأله يا أبا ~~الحسن فأخبرني عن قول الله تعالى: "عفا الله عنك لم أذنت لهم". قال الرضا ~~(عليه السلام): "هذا مما نزل: إياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله تعالى ~~بذلك نبيه وأراد به أمته، وكذلك قوله عز وجل: "لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين"، وقوله تعالى: "ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا". قال: صدقت يا ابن رسول الله. # أقول: ومضمون الرواية ينطبق على ما قدمناه في بيان الآية، دون ما ذكروه ~~من كون إذنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم في القعود من قبيل ترك الأولى ~~فإنه لا يستقيم معه كون الآية من قبيل "إياك أعني واسمعي يا جارة". # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير، عن عمرو بن ~~ميمون الأودي قال: اثنتان فعلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ~~يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من ms3481 الأسارى فأنزل الله: "عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم" الآية. # أقول: وقد تقدم الكلام على مضمون الرواية. PageV09P169 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة" الآية ~~وما بعدها قال: وتخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل نيات ~~وبصائر لم يكن يلحقهم شك ولا ارتياب ولكنهم قالوا: نلحق برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). منهم أبو خيثمة وكان قويا وكان له زوجتان وعريشان، ~~وكانتا زوجتاه قد رشتا عريشتيه، وبردتا له الماء، وهيأتا له طعاما فأشرف ~~على عريشتيه فلما نظر إليهما قال: لا والله ما هذا بإنصاف، رسول الله قد ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قد خرج في الفيح والريح، وقد حمل ~~السلاح يجاهد في سبيل الله، وأبو خيثمة قوي قاعد في عريشه وامرأتين حسناوين ~~لا والله ما هذا بإنصاف. ثم أخذ ناقته فشد عليها رحله ولحق برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فنظر الناس إلى راكب على الطريق فأخبروا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~كن أبا خيثمة فأقبل، وأخبر النبي بما كان منه فجزاه خيرا ودعا له. وكان أبو ~~ذر تخلف عن رسول الله ثلاثة أيام وذلك أن جمله كان أعجف، فلحق بعد ثلاثة ~~أيام به ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره فلما ~~ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): كن أبا ذر فقالوا: هو أبو ذر فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أدركوه فإنه عطشان فأدركوه بالماء. ووافى أبو ذر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): يا أبا ذر معك ماء وعطشت؟ قال: نعم يا رسول الله بأبي أنت ~~وأمي انتهيت إلى صخرة عليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد فقلت: لا ~~أشربه حتى يشرب رسول الله. ms3482 فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ~~أبا ذر رحمك الله، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنة وحدك، ~~يسعد بك قوم من أهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك. ثم ~~قال: وقد كان تخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوم من ~~المنافقين وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق: منهم كعب بن ~~مالك الشاعر ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية الرافعي فلما تاب الله عليهم ~~قال كعب. ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلى تبوك، وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم، ~~وكنت أقول: أخرج غدا بعد غد فإني مقوى، وتوانيت وثقلت بعد خروج النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أياما أدخل السوق ولا أقضي حاجة فلقيت هلال بن أمية ~~ومرارة بن الربيع وقد كانا تخلفا أيضا فتوافقنا أن نبكر إلى السوق فلم نقض ~~حاجة فما زلنا نقول: نخرج غدا وبعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فندمنا. فلما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~استقبلناه نهنئه السلامة فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام وأعرض عنا، ~~وسلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا ~~وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد ولا يكلمنا فجاءت نساؤنا إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا ~~أفنعتزلهم؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تعتزلنهم ولكن لا ~~يقربوكن. فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قالوا: ما يقعدنا ~~بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا إخواننا ولا ~~أهلونا؟ فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو ~~نموت. فخرجوا إلى ذباب جبل بالمدينة فكانوا يصومون وكان أهلوهم يأتونهم ~~بالطعام فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم ولا يكلمونهم. فبقوا على هذا أياما ms3483 ~~كثيرة يبكون بالليل والنهار ويدعون الله أن يغفر لهم فلما طال عليهم الأمر ~~قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله، وقد سخط علينا أهلونا، ~~وإخواننا قد سخطوا علينا فلا يكلمنا أحد فلم لا يسخط بعضنا على بعض؟ ~~فتفرقوا في الجبل وحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله ~~عليه فبقوا على ذلك ثلاثة أيام، وكل واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى ~~أحد منهم صاحبه ولا يكلمه. فلما كان في الليلة الثالثة، ورسول PageV09P170 الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: "لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين ~~والأنصار - الذين اتبعوه في ساعة العسرة" قال الصادق (عليه السلام): هكذا ~~نزلت وهو أبو ذر وأبو خيثمة وعمير بن وهب الذين تخلفوا ثم لحقوا برسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). ثم قال في هؤلاء الثلاثة: "وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا" فقال العالم (عليه السلام): إنما أنزل: على الثلاثة الذين خالفوا ~~ولو خلفوا لم يكن عليهم عيب "حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت" حيث لا ~~يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا إخوانهم ولا أهلوهم فضاقت ~~عليهم المدينة حتى خرجوا منها "وضاقت عليهم أنفسهم" حيث حلفوا أن لا يكلم ~~بعضهم بعضا فتفرقوا وتاب الله عليهم لما عرف من صدق نياتهم. # أقول: وسيأتي الكلام في الآيتين وما ورد فيهما من الروايات. # وفي تفسير العياشي، عن المغيرة قال: سمعته يقول: في قول الله عز وجل: ~~"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة" قال: يعني بالعدة النية "يقول: "لو كان ~~لهم نية لخرجوا. # أقول: الرواية على ضعفها وإرسالها وإضمارها لا تنطبق على لفظ الآية والله أعلم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن الحسن البصري قال: كان ~~عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل ورفاعة بن زيد بن تابوت من عظماء ~~المنافقين، وكانوا ممن يكيد الإسلام وأهله، وفيهم أنزل الله: "لقد ms3484 ابتغوا ~~الفتنة من قبل - وقلبوا لك الأمور" إلى آخر الآية. PageV09P171 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 49 - 63 # ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكفرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم ~~متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فسقين ~~(53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ~~يأتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كرهون (54) فلا تعجبك ~~أمولهم ولا أولدهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحيوة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كفرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون (56) لو يجدون ملجئا أو مغرت أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ~~ومنهم من يلمزك فى الصدقت فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله رغبون (59) إنما الصدقت للفقراء ~~والمسكين والعملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغرمين وفى سبيل ~~الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) ومنهم الذين يؤذون ~~النبى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة ~~للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) يحلفون بالله ~~لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) ألم يعلموا ~~أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خلدا فيها ذلك الخزى العظيم (63) ### |||| AUTO بيان # الآيات تعقب القول في المنافقين وبيان حالهم وفيها ذكر أشياء من أقوالهم ~~وأفعالهم، والبحث عما يكشف عنه من خبائث أوصافهم الباطنة واعتقاداتهم ~~المبنية على الضلال. # قوله تعالى: "ومنهم من يقول ائذن لي ms3485 ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا" ~~الآية الفتنة هاهنا - على ما يهدي إليه السياق - إما الإلقاء إلى ما يفتتن ~~ويغر به، وإما الإلقاء في الفتنة والبلية الشاملة. # والمراد على الأول: ائذن لي في القعود وعدم الخروج إلى الجهاد، ولا تلقني ~~في الفتنة بتوصيف ما في هذه الغزوة من نفائس الغنائم ومشتهيات الأنفس ~~فافتتن بها واضطر إلى الخروج، وعلى الثاني ائذن لي ولا تلقني إلى ما في هذه ~~الغزوة من المحنة والمصيبة والبلية. # فأجاب الله عن قولهم بقولهم: "ألا في الفتنة سقطوا" ومعناه أنهم يحترزون ~~بحسب زعمهم عن فتنة مترقبة من قبل الخروج، وقد أخطئوا فإن الذي هم عليه من ~~الكفر والنفاق وسوء السريرة، ومن آثاره هذا القول الذي تفوهوا به هو بعينه ~~فتنة سقطوا فيها فقد فتنهم الشيطان بالغرور، ووقعوا في مهلكة الكفر والضلال ~~وفتنته. # هذا حالهم في هذه النشأة الدنيوية وأما في الآخرة فإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين على حذو إحاطة الفتنة بهم في الدنيا وسقوطهم فيها فقوله: "ألا في ~~الفتنة سقطوا" وقوله: "وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" كأنهما معا يفيدان معنى ~~واحدا وهو أن هؤلاء واقعون في الفتنة والتهلكة أبدا في الدنيا والآخرة. PageV09P172 # ويمكن أن يفهم من قوله: "وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" الإحاطة بالفعل دون ~~الإحاطة الاستقبالية كما تهدي إليه الآيات الدالة على تجسم الأعمال. # قوله تعالى: "إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا ~~من قبل" المراد بالحسنة والسيئة بقرينة السياق ما تتعقبه الحروب والمغازي ~~لأهلها من حسنة الفتح والظفر والغنيمة والسبي، ومن سيئة القتل والجرح ~~والهزيمة. # وقوله: "يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل" كناية عن الاحتراز عن الشر قبل ~~وقوعه كأن أمرهم كان خارجا من أيديهم فأخذوه وقبضوا وتسلطوا عليه فلم يدعوه ~~يفسد ويضيع. # فمعنى الآية إن هؤلاء المنافقين هواهم عليك: إن غنمت وظفرت في وجهك هذا ~~ساءهم ذلك، وإن قتلت أو جرحت أو أصبت بأي مصيبة أخرى قالوا قد احترزنا عن ~~الشر من قبل وتولوا وهم فرحون. # وقد أجاب الله سبحانه عن ذلك بجوابين ms3486 اثنين في آيتين: قوله: "قل لن ~~يصيبنا" إلخ وقوله: "قل هل تربصون" إلخ. # قوله تعالى: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون" محصله أن ولاية أمرنا إنما هي لله سبحانه فحسب - على ما ~~يدل عليه قوله: "هو مولانا" من الحصر - لا إلى أنفسنا ولا إلى شيء من هذه ~~الأسباب الظاهرة، بل حقيقة الأمر لله وحده وقد كتب كتابة حتم ما سيصيبنا من ~~خير أو شر أو حسنة أو سيئة، وإذا كان كذلك فعلينا امتثال أمره والسعي ~~لإحياء أمره والجهاد في سبيله ولله المشية فيما يصيبنا في ذلك من حسنة أو ~~سيئة فما على العبيد إلا ترك التدبير وامتثال الأمر وهو التوكل. # وبذلك يظهر: أن المراد بقوله: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" ليس كلاما ~~مستأنفا بل معطوف على ما قبله متمم له، والمعنى أن ولاية أمرنا لله ونحن ~~مؤمنون به، ولازمه أن نتوكل عليه ونرجع الأمر إليه من غير أن نختار لأنفسنا ~~شيئا من الحسنة والسيئة فلو أصابتنا حسنة كان المن له وإن أصابتنا سيئة ~~كانت المشية والخيرة له، ولا لوم علينا ولا شماتة تتعلق بنا، ولا حزن ولا ~~مساءة يطرأ على قلوبنا. # وقد قال تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم:" الحديد: - 23، وقال: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه:" التغابن: - 11 وقال: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا:" ~~سورة محمد: - 11، وقال: "والله ولي المؤمنين:" آل عمران: - 68، وقال: ~~"فالله هو الولي:" الشورى: - 9. # والآيات - كما ترى - تتضمن أصول هذه الحقيقة التي تنبىء عنه الآية التي ~~نتكلم فيها جوابا عن وهم المنافقين، وهي أن حقيقة الولاية لله سبحانه ليس ~~إلى أحد من دونه من الأمر شيء فإذا آمن الإنسان به وعرف مقام ربه علم ذلك ~~وكان عليه أن يتوكل على ربه ويرجع إليه حقيقة المشية والخيرة فلا ms3487 يفرح ~~بحسنة أصابته، ولا يحزن لسيئة أصابته. # ومن الجهل أن يسوء الإنسان ما أصابت عدوه من حسنة أو يسره ما أصابته من ~~سيئة فليس له من الأمر شيء، وهذا هو الجواب الأول عن مساءتهم بما أصاب ~~المؤمنين من الحسنة وفرحهم بما أصابتهم من السيئة. # وظاهر كلام بعض المفسرين أن المولى في الآية بمعنى الناصر، وكذا ظاهر ~~كلام بعضهم: أن قوله: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" جملة مستأنفة أمر الله ~~فيها المؤمنين بالتوكل عليه، والسياق المشهود من الآيتين لا يساعد عليه. # قوله تعالى: "قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم" الآية ~~الحسنيان هما الحسنة والسيئة على ما يدل عليه الآية الأولى الحاكية أنهم ~~يسوؤهم ما أصاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حسنة، وتسرهم ما أصابه ~~من سيئة فيقولون قد أخذنا أمرنا من قبل فهم على حال تربص ينتظرون ما يقع به ~~وبالمؤمنين من الحسنة أو السيئة. # والحسنة والسيئة كلتاهما حسنيان بحسب النظر الديني فإن في الحسنة حسنة ~~الدنيا وعظيم الأجر عند الله، وفي السيئة التي هي الشهادة أو أي تعب وعناء ~~أصابهم مرضاة الله وثواب خالد دائم. PageV09P173 # ومعنى الآية أنا نحن وأنتم كل يتربص بصاحبه غير أنكم تتربصون بنا إحدى ~~خصلتين كل واحدة منهما خصلة حسنى وهما: الغلبة على العدو مع الغنيمة، ~~والشهادة في سبيل الله، ونحن نتربص بكم أن يعذبكم الله بعذاب من عنده ~~كالعذاب السماوي أو بعذاب يجري بأيدينا كأن يأمرنا بقتالكم وتطهير الأرض من ~~قذارة وجودكم فنحن فائزون على أي حال، إن وقع شيء مما تربصتم سعدنا، وإن ~~وقع ما تربصنا سعدنا فتربصوا إنا معكم متربصون، وهذا جواب ثان عن ~~المنافقين. # وقد ذكر في الآية الأولى إصابة الحسنة والسيئة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وفي مقام الجواب في الآيتين الثانية والثالثة إصابتهما النبي ~~والمؤمنين جميعا لملازمتهم إياه ومشاركتهم إياه فيما أصابه من حسنة أو سيئة. # قوله تعالى: "قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين" لفظ أمر في معنى ms3488 الشرط. # والترديد للتعميم ولفظ الأمر في هذه الموارد كناية عن عدم النهي وسد ~~السبيل إيماء إلى أن الفعل لغو لا يترتب عليه أثر، وقوله: "لن يتقبل منكم" ~~تعليل للأمر كما أن قوله تعالى: "إنكم كنتم قوما فاسقين" تعليل لعدم ~~القبول. # ومعنى الآية: لا نمنعكم عن الإنفاق في حال من طوع أو كره فإنه لغو غير ~~مقبول لأنكم فاسقون، ولا يقبل عمل الفاسقين، قال تعالى: "إنما يتقبل الله ~~من المتقين:" المائدة: - 27 والتقبل أبلغ من القبول. # قوله تعالى: "وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله" إلخ الآية تعليل تفصيلي لعدم تقبل نفقاتهم، وبعبارة أخرى بمنزلة ~~الشرح لفسقهم، وقد عدت الكفر بالله تعالى ورسوله والكسل في إقامة الصلاة ~~والكره في الإنفاق أركانا لنفاقهم. # قوله تعالى: "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها" ~~إلى آخر الآية، الإعجاب بالشيء السرور بما يشاهد فيه من جمال أو كمال أو ~~نحوهما، والزهوق خروج الشيء بصعوبة وأصله الهلاك على ما قيل. # وقد نهى الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإعجاب بأموال ~~المنافقين وأولادهم أي بكثرتها على ما يعطيه السياق، وعلل ذلك بأن هذه ~~الأموال والأولاد - وهي شاغلة للإنسان لا محالة - ليست من النعمة التي تهتف ~~لهم بالسعادة بل من النقمة التي تجرهم إلى الشقاء فإن الله وهو الذي خولهم ~~إياها إنما أراد بها تعذيبهم في الحياة الدنيا، وتوفيهم وهم كافرون. # فإن الحياة التي يعدها الموجود الحي سعادة لنفسه وراحة لذاته إنما تكون ~~سعادة فيها الراحة والبهجة إذا جرت على حقيقة مجراها وهو أن يتلبس الإنسان ~~بواقع آثارها من العلم النافع والعمل الصالح من غير أن يشتغل بغير ما فيه ~~خيره ونفعه، فهذه هي الحياة التي لا موت فيها، والراحة التي لا تعب معها، ~~واللذة التي لا ألم دونها، وهي الحياة في ولاية الله، قال تعالى: "ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون:" يونس: - 62. # وأما من اشتغل بالدنيا وجذبته زيناتها من مال وبنين إلى نفسها ms3489 وغرته ~~الآمال والأماني الكاذبة التي تتراءى له منها واستهوته الشياطين فقد وقع في ~~تناقضات القوى البدنية وتزاحمات اللذائذ المادية، وعذب أشد العذاب بنفس ما ~~يرى فيه سعادته ولذته فمن المشاهد المعاين أن الدنيا كلما زادت إقبالا على ~~الإنسان، ومتعته بكثرة الأموال والأولاد أبعدته عن موقف العبودية وقربته ~~إلى الهلاكة وعذاب الروح فلا يزال يتقلب بين هذه الأسباب الموافقة ~~والمخالفة، والأوضاع والأحوال الملائمة والمزاحمة، فالذي يسميه هؤلاء ~~المغفلون سعة العيش هو بالحقيقة ضنك كما قال تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فإن ~~له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى:" طه: - 126. # فغاية إعراض الإنسان عن ذكر ربه، وانكبابه على الدنيا يبتغي به سعادة ~~الحياة وراحة النفس ولذة الروح أن يعذب بين أطباق هذه الفتن التي يراها ~~نعما، ويكفر بربه بالخروج عن زي العبودية كما قال: "إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها وتزهق أنفسهم وهم كافرون" وهو الإملاء والاستدراج الذين يذكرهما في ~~قوله: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين:" الأعراف: - 183. PageV09P174 # قوله تعالى: "ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم" إلى آخر الآيتين، ~~الفرق انزعاج النفس من ضرر متوقع، والملجأ الموضع الذي يلتجأ إليه ويتحصن ~~فيه، والمغار المحل الذي يغور فيه الإنسان فيستره عن الأنظار، ويطلق على ~~الغار وهو الثقب الذي يكون في الجبال، والمدخل من الافتعال الطريق الذي ~~يتدسس بالدخول فيه، والجماح مضي المار مسرعا على وجهه لا يصرفه عنه شيء، ~~والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون" اللمز العيب، وإنما كانوا يعيبونه فيها إذا لم ~~يعطهم منها لعدم استحقاقهم ذلك أو لأسباب أخر كما يدل عليه ذيل الآية. # قوله تعالى: "ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله" إلى آخر الآية، "لو" ~~للتمني وقوله: "رضوا ما آتاهم الله" كأن الرضى ضمن معنى الأخذ ولذا عدي ~~بنفسه أي أخذوا ذلك راضين به أو ms3490 رضوا آخذين ذلك، والإيتاء الإعطاء، وحسبنا ~~الله أي كفانا فيما نرغب إليه ونأمله. # وقوله: "سيؤتينا الله من فضله ورسوله" بيان لما يرغب إليه ويطمع فيه وليس ~~إخبارا عما سيكون، وقوله: "إنا إلى الله راغبون" كالتعليل لقوله: "سيؤتينا ~~الله" إلى آخر الآية. # والمعنى وكان مما يتمنى لهم أن يكونوا أخذوا ما أعطاهم الله ورسوله بأمر ~~منه من مال الصدقات أو غيره، وقالوا كفانا الله سبحانه من سائر الأسباب ~~ونحن راغبون في فضله ونطمع أن يؤتينا من فضله ويؤتينا رسوله. # وفي الآية ما لا يخفى من لطيف البيان حيث نسب الإيتاء إلى الله وإلى ~~رسوله وخص الكفاية والفضل والرغبة بالله على ما هو لازم دين التوحيد. # قوله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل" الآية، بيان ~~لموارد تصرف إليها الصدقات الواجبة وهي الزكوات بدليل قوله في آخر الآية: ~~"فريضة من الله" وهي ثمانية. # وارد على ظاهر ما يعطيه سياق الآية ولازمه أن يكون الفقير والمسكين ~~موردين أحدهما غير الآخر. # وقد اختلفوا في الفقير والمسكين أنهما صنف واحد أو صنفان، ثم على الثاني ~~في معناهما على أقوال كثيرة لا ينتهي أكثرها إلى حجة بينة، والذي يعطيه ~~ظاهر لفظهما أن الفقير هو الذي اتصف بالعدم وفقدان ما يرفع حوائجه الحيوية ~~من المال قبال الغني الذي اتصف بالغنى وهو الجدة واليسار. # وأما المسكين فهو الذي حلت به المسكنة والذلة مضافة إلى فقدان المال وذلك ~~إنما يكون بأن يصل فقره إلى حد يستذله بذلك كمن لا يجد بدا من أن يبذل ماء ~~وجهه ويسأل كل كريم ولئيم من شدة الفقر وكالأعمى والأعرج فالمسكين أسوأ ~~حالا من الفقير. # والفقير والمسكين وإن كانا بحسب النسبة أعم وأخص فكل مسكين من جهة الحاجة ~~المالية فقير ولا عكس غير أن العرف يراهما صنفين متقابلين لمكان مغايرة ~~الوصفين في نفسهما فلا يرد أن ذكر الفقير على هذا المعنى مغن عن ذكر ~~المسكين لمكان أعميته وذلك أن المسكنة هي وصف الذلة كالزمانة ms3491 والعرج والعمى ~~وإن كان بعض مصاديقه نهاية الذلة من جهة فقد المال. # وأما العاملون عليها أي على الصدقات فهم الساعون لجمع الزكوات وجباتها. # وأما المؤلفة قلوبهم فهم الذين يؤلف قلوبهم بإعطاء سهم من الزكاة ليسلموا ~~أو يدفع بهم العدو أو يستعان بهم على حوائج الدين. # وأما قوله: "وفي الرقاب" فهو متعلق بمقدر والتقدير: والمصرف في الرقاب أي ~~في فكها كما في المكاتب الذي لا يقدر على تأدية ما شرطه لمولاه على نفسه ~~لعتقه أو الرق الذي كان في شدة. # وقوله: "والغارمين" أي وللصرف في الغارمين الذين ركبتهم الديون فيقضى ~~ديونهم بسهم من الزكاة. # وقوله: "وفي سبيل الله" أي وللصرف في سبيل الله، وهو كل عمل عام يعود ~~عائدته إلى الإسلام والمسلمين وتحفظ به مصلحة الدين ومن أظهر مصاديقه ~~الجهاد في سبيل الله، ويلحق به سائر الأعمال التي تعم نفعه وتشمل فائدته ~~كإصلاح الطرق وبناء القناطر ونظائر ذلك. # وقوله: "وابن السبيل" أي وللصرف في ابن السبيل وهو المنقطع عن وطنه ~~الفاقد لما يعيش به وإن كان غنيا ذا يسار في بلده فيرفع حاجته بسهم من ~~الزكاة. PageV09P175 # وقد اختلف سياق العد فيما ذكر في الآية من الأصناف الثمانية فذكرت الأربعة ~~الأول باللام: "للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم" ثم غير ~~السياق في الأربعة الباقية فقيل: "وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل" فإن ظاهر السياق الخاص بهذه الأربعة أن التقدير: وفي الرقاب وفي ~~الغارمين وفي سبيل الله وفي ابن السبيل. # أما الأربعة الأول: "للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم" ~~فاللام فيها للملك بمعنى الاختصاص في التصرف فإن الآية بحسب السياق كالجواب ~~عن المنافقين الذين كانوا يطمعون في الصدقات وهم غير مستحقين لها وكانوا ~~يلمزون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حرمانهم منها فأجيبوا بالآية أن ~~للصدقات مواضع خاصة تصرف فيها ولا تتعداها، والآية ليست بظاهرة في أزيد من ~~هذا المقدار من الاختصاص. # وأما كون ملكهم للصدقات هو الملك بمعناه المعروف فقها؟ وكذا حقيقة هذا ~~الملك مع كون المالكين أصنافا بعناوينهم ms3492 الصنفية لا ذوات شخصية؟ ونسبة سهم ~~كل صنف إلى بقية السهام؟ فإنما هي مسائل فقهية خارجة عن غرضنا، وقد اختلفت ~~أقوال الفقهاء فيها اختلافا شديدا فليرجع إلى الفقه. # وأما الأربعة الباقية: "وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل" ~~فقد قيل في تغيير السياق فيها وفي تأخيرها عن الأربعة الأول وجوه: منها: أن ~~الترتيب لبيان الأحق فالأحق من الأصناف، فأحق الأصناف بها الفقراء ثم ~~المساكين وهكذا على الترتيب، ولكون الأربعة الأخيرة بحسب ترتيب الأحقية ~~واقعة في المراتب الأربع الأخيرة وضع كل في موضعه الخاص، ولو لا هذا ~~الترتيب لكان الأنسب أن يذكر الأصناف ثم تذكر موارد المصالح فيقال: للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل ثم يقال: ~~وفي الرقاب وسبيل الله. # والحق أن دلالة الترتيب بما فيه من التقديم والتأخير على أهمية الملاك ~~وقوة المصلحة في أجزاء الترتيب لا ريب فيه فإن كان مراده بالأحق فالأحق ~~الأهم ملاكا فالأهم فهو، ولو كان المراد التقدم والتأخر من حيث الإعطاء ~~والصرف وما يشبه ذلك فلا دلالة من جهة اللفظ عليه البتة كما لا يخفى والذي ~~أيده به من الوجه لا جدوى فيه. # ومنها: أن العدول عن اللام في الأربعة الأخيرة إلى "في" للإيذان بأنهم ~~أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره لأن "في" للوعاء فنبه على أنهم ~~أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبا، وذلك لما في فك ~~الرقاب من الكتابة أو الرق والأسر، وفي فك الغارمين من الغرم والتخليص ~~والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، ~~وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال. # وتكرير "في" في قوله: "وفي سبيل الله وابن السبيل" فيه فضل ترجيح لهذين ~~على الرقاب والغارمين. # كذا ذكره في الكشاف. # وفيه: أنه معارض بكون الأربعة الأول مدخولة للام الملك فإن المملوك أشد ~~لزوما واتصالا بالنسبة إلى مالكه من المظروف بالنسبة إلى ظرفه، وهو ظاهر. # ومنها: أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما ~~يأخذونه ms3493 ملكا فكان دخول اللام لائقا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ~~ما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن في مصالح تتعلق بهم. # فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون ~~فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما ~~يصرف نحوهم، وإنما هم محال لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به، وكذلك ~~الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم، وأما سبيل ~~الله فواضح ذلك فيه، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل الله، وإنما ~~أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعا وعطفه على ~~المجرور باللام ممكن ولكنه على القريب منه أقرب. # وهذا الوجه لا يخلو عن وجه غير أن إجراءه في ابن السبيل لا يخلو عن تكلف، ~~وما ذكر من دخوله في سبيل الله هو وجه مشترك بينه وبين غيره. PageV09P176 # ولو قال قائل بكون الغارمين وابن السبيل معطوفين على المجرور باللام ثم ذكر ~~الوجه الأول بالمعنى الذي ذكرناه وجها للترتيب والوجه الأخير وجها لاختصاص ~~الرقاب وسبيل الله بدخول "في" لم يكن بعيدا عن الصواب. # وقوله في ذيل الآية: "فريضة من الله والله عليم حكيم" إشارة إلى كون ~~الزكاة فريضة واجبة مشرعة على العلم والحكمة لا تقبل تغيير المغير، ولا ~~يبعد أن يتعلق الفرض بتقسمها إلى الأصناف الثمانية كما ربما يؤيده السياق ~~فإن الغرض في الآية إنما تعلق ببيان مصارف الصدقات لا بفرض أصلها فالأنسب ~~أن يكون قوله: "فريضة من الله" إشارة إلى أن تقسمها إلى الأصناف الثمانية ~~أمر مفروض من الله لا يتعدى عنه على خلاف ما كان يطمع فيه المنافقون في ~~لمزهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # ومن هنا يظهر أن الآية لا تخلو عن إشعار بكون الأصناف الثمانية على سهمها ~~من غير اختصاص بزمان دون زمان خلافا لما ذكره بعضهم: أن المؤلفة قلوبهم ~~كانوا جماعة من الأشراف في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ألف قلوبهم ~~بإعطاء سهم من الصدقات إياهم، وأما بعده ms3494 (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ظهر ~~الإسلام على غيره، وارتفعت الحاجة إلى هذا النوع من التأليفات، وهو وجه ~~فاسد وارتفاع الحاجة ممنوع. # قوله تعالى: "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم" الأذن جارحة السمع ~~المعروفة، وقد أطلقوا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الأذن وسموه بها ~~إشارة إلى أنه يصغي لكل ما قيل له ويستمع إلى كل ما يذكر له فهو أذن. # وقوله: "قل أذن خير لكم" من الإضافة الحقيقية أي سماع يسمع ما فيه خيركم ~~حيث يسمع من الله سبحانه الوحي وفيه خير لكم، ويسمع من المؤمنين النصيحة ~~وفيها خير لكم ويمكن أن يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة أي أذن هي خير لكم ~~لأنه لا يسمع إلا ما ينفعكم ولا يضركم. # والفرق بين الوجهين أن اللازم على الأول أن يكون مسموعه خيرا لهم كالوحي ~~من الله والنصيحة من المؤمنين، واللازم على الثاني أن يكون استماعه استماع ~~خير وإن لم يكن مسموعه خيرا كأن يستمع إلى بعض ما ليس خيرا لهم لكنه يستمع ~~إليه فيحترم بذلك قائله ثم يحمل ذلك القول منه على الصحة فلا يهتك حرمته ~~ولا يسيء الظن به ثم لا يرتب أثر الخبر الصادق المطابق للواقع عليه فلا ~~يؤاخذ من قيل فيه بما قيل فيه فيكون قد احترم إيمانه كما احترم إيمان ~~القائل الذي جاءه بالخبر. # ومن هنا يظهر أن الأنسب بسياق الآية هو الوجه الثاني لما عقبه بقوله: ~~"يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين" الآية. # وذلك أن الإيمان هو التصديق، وقد ذكر متعلق الإيمان في قوله: "يؤمن ~~بالله" وأما قوله: "ويؤمن للمؤمنين" فلم يذكر متعلقه وإنما ذكر أن هذا ~~التصديق لنفع المؤمنين لمكان اللام، والتصديق الذي يكون فيه نفع المؤمنين ~~حتى في الخبر الذي يتضمن ما يضرهم إنما هو التصديق بمعنى إعطاء الصدق ~~المخبري دون الخبري أي فرض أن المخبر صادق بمعنى أنه معتقد بصدق خبره وإن ~~كان كاذبا لا يطابق الواقع. # وهذا كما ms3495 في قوله تعالى: "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون:" المنافقون: - 1 ~~فالله سبحانه يكذب المنافقين لا من حيث خبرهم برسالة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بل من حيث إخبارهم بخلاف ما يعتقدونه وهذا بخلاف قول المؤمنين ~~فيما حكى الله سبحانه: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله:" الأحزاب: - 22 فهم يصدقون الله ورسوله في الخبر ~~لا في الاعتقاد. # وبالجملة ظاهر قوله: "يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين" إنه يصدق الله فيما ~~أخبره به من الوحي، ويصدق لنفع المؤمنين كل من ألقى إليه منهم خبرا بحمل ~~فعله على الصحة وعدم رميه بالكذب وسوء النية من غير أن يرتب أثرا على كل ما ~~يسمعه ويستمع إليه وإلا لم يكن تصديقه لنفع المؤمنين واختل الأمر، وهذا ~~المعنى كما ترى يؤيد الوجه الثاني المذكور. PageV09P177 # وكأن المراد بالمؤمنين المجتمع المنسوب إليهم وإن اشتمل على أفراد من غيرهم ~~كالمنافقين وعلى هذا كان المراد بالذين آمنوا منهم المؤمنون من قومهم حقا ~~فمعنى الكلام أنه يصدق ربه ويصدق كل فرد من أفراد مجتمعكم احتراما لظاهر ~~حاله من الانتساب إلى المؤمنين وهو رحمة للذين آمنوا منكم حقا لأنه يهديهم ~~إلى مستقيم الصراط. # وإن كان المراد من الذين آمنوا هم الذين آمنوا في أول البعثة قبل الفتح - ~~كما تقدم سابقا أن "الذين آمنوا" اسم تشريفي في القرآن للمؤمنين الأولين في ~~الإسلام - كان المراد بالمؤمنين في قوله: "ويؤمن للمؤمنين" المؤمنون منهم ~~حقا كما أطلق بهذا المعنى في قوله: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ~~ما وعدنا الله ورسوله:" الأحزاب: - 22. # وربما قيل: إن اللام في قوله: "ويؤمن للمؤمنين" للتعدية كما في قوله: ~~"يؤمن بالله" فالإيمان يتعدى بالحرفين جميعا كما في قوله: "فآمن له لوط:" ~~العنكبوت: - 26 وقوله: "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه:" يونس: - 83 ~~وقوله: "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون": الشعراء: - 111. # وربما قيل: إن اللفظ جار على طريقة التضمين بتضمين الإيمان معنى الجنوح ~~المتعدي باللام ms3496 والمعنى يجنح للمؤمنين مؤمنا بهم أو يؤمن جانحا لهم ~~والوجهان وإن كانا لا بأس بهما في نفسهما لكن يبعد ذلك لزوم التفكيك في ~~قوله: "يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين" بين "يؤمن" الأول والثاني من غير نكتة ~~ظاهرة إلا أن يحمل على التفنن في التعبير ومع ذلك فالنتيجة هي النتيجة ~~السابقة فإن إيمانه بالمؤمنين لا يختص بالمخبرين خاصة حتى يصدق خبرهم ~~ويؤاخذ آخرين إذا أخبر بما يضرهم بل إيمان يعم جميع المؤمنين فيصدق المخبر ~~في خبره بمعنى إعطاء الصدق المخبري ويصدق المخبر عنه بحمل فعله على الصحة ~~فافهم ذلك. # وعده تعالى نبيه في قوله: "ورحمة للذين آمنوا منكم" رحمة لقوم خاص في هذه ~~الآية مع عده رحمة للناس كلهم في قوله عز وجل: "وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين:" الأنبياء: - 107 إنما هو لاختلاف المراد بالرحمة في الآيتين ~~فالمراد بها هاهنا الرحمة الفعلية وهناك الرحمة الشأنية. # وبعبارة أخرى هو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لمن آمن به حقا بمعنى أن ~~الله سبحانه أنقذه به من الضلالة وختم له بالسعادة والكرامة، ورحمة للناس ~~كلهم مؤمنهم وكافرهم، من معاصريه وممن يأتي بعده بمعنى أن الله بعثه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بملة بيضاء وسنة طيبة فحول المجتمع البشري وصرفه عن ~~مسيره المنحرف عن الاستقامة إلى طريق الشقاوة والهلاك، وأنار بمشعلته صراط ~~الفطرة الإلهية فمن راكب على السبيل فائز بالغاية المطلوبة، ومن خارج عن ~~مسير الردى والهلكة ولما يركب متن الصراط الفطري، ومن قاصد للخروج والورود ~~ولما يخرج وهذا حال المجتمع العام البشري بعد طلوع الإسلام وبسطة معارفه ~~بين الناس وإيصاله إلى سمع كل سامع وتأثيره في كل من السنن الاجتماعية بما ~~في وسعه أن يتأثر به، وهذا مما لا يرتاب فيه باحث عن طبيعة المجتمع ~~الإنساني، وهذا الوجه قريب المأخذ من الوجه السابق أو راجع إليه بالحقيقة. # قوله تعالى: "يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين" قال في المجمع:، "الفرق بين الأحق والأصلح أن الأحق قد يكون ~~من غير ms3497 صفات الفعل كقولك: زيد أحق بالمال، والأصلح لا يقع هذا الموقع لأنه ~~من صفات الفعل وتقول: الله أحق بأن يطاع ولا تقول أصلح". # انتهى. # والسبب الأصلي فيه أن الصلاحية والصلوح يحمل معنى الاستعداد والتهيؤ، ~~والحق يحمل معنى الثبوت واللزوم، والله سبحانه لا يتصف بشيء من معنى ~~الاستعداد والقبول المستلزم لتأثير الغير فيه وتأثره عنه. # وقد حول الله الخطاب في الآية عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ~~المؤمنين التفاتا وكأن الوجه فيه التلويح لهم بما يشتمل عليه قوله: "والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين" من الحكم وهو أن من الواجب على كل ~~مؤمن أن يرضي الله ورسوله، ولا يحاد الله ورسوله فإن فيه خزيا عظيما نار ~~جهنم خالدا فيها. PageV09P178 # ومن أدب التوحيد في الآية ما في قوله: "أحق أن يرضوه" من إفراد الضمير ولم ~~يقل: أحق أن يرضوهما صونا لمقامه تعالى من أن يعدل به أحد فإن أمثال هذه ~~الحقوق وكذا الأوصاف التي يشاركه تعالى غيره من حيث الإطلاق والإجراء، له ~~تعالى بالذات ولنفسه ولغيره بالتبع أو بالعرض ومن جهته كوجوب الإرضاء ~~والتعظيم والطاعة وغيرها، وكالاتصاف بالعلم والحياة والإحياء والإماتة ~~وغيرها. # وقد روعي نظير هذا الأدب في القرآن في موارد كثيرة فيما يشارك النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) غيره من الأمة من الشئون فأخرج النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من بينهم وأفرد بالذكر كما في قوله: "يوم لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا:" التحريم: - 8 وقوله: "فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين:" الفتح: - 26 وقوله: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون": البقرة: - 285 وغير ذلك. # قوله تعالى: "ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم" إلى ~~آخر الآية قال في المجمع،: المحادة مجاوزة الحد بالمشاقة، وهي والمخالفة ~~والمجانبة والمعاداة نظائر، وأصله المنع والمحادة ما يلحق الإنسان من النزق ~~لأنه يمنعه من الواجب وقال: والخزي الهوان وما يستحيى منه. # انتهى. # والاستفهام في الآية للتعجيب، والكلام مسوق لبيان كونه تعالى وكون ms3498 رسوله ~~أحق بالإرضاء ومحصله أنهم يعلمون أن محادة الله ورسوله والمشاقة والمعاداة ~~مع الله ورسوله والإسخاط يوجب خلود النار، وإذا حرم إسخاط الله ورسوله وجب ~~إرضاؤه وإرضاء رسوله على من كان مؤمنا بالله ورسوله. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "وإن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة" الآية أما الحسنة فهي الغنيمة ~~والعافية، وأما المصيبة فالبلاء والشدة. وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي ~~حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبار السوء، ويقولون: إن محمدا ~~وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأصحابه فساءهم ذلك فأنزل الله تعالى: "إن تصبك حسنة ~~تسؤهم" الآية. وفي الكافي، بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: قلت له: قول الله عز وجل "هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين" قال: إما ~~موت في طاعة الإمام أو إدراك ظهور إمام "ونحن نتربص بكم" مع ما نحن فيه من ~~المشقة "أن يصيبكم الله بعذاب من عنده" قال: هو المسخ "أو بأيدينا" وهو ~~القتل، قال الله عز وجل لنبيه: "فتربصوا إنا معكم متربصون". # أقول: وهو من الجري دون التفسير. # في المحاسن، بإسناده عن يوسف بن ثابت عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~لا يضر مع الإيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل. ثم قال: ألا ترى أن الله ~~تبارك وتعالى قال: "وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم - إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله". أقول: ورواه العياشي والقمي عنه وكذا الكليني في الكافي، عنه في ~~حديث مفصل والرواية تبينها آيات وروايات أخرى فالإيمان ما دام باقيا لا ~~يضره معصية بإيجاب خلود النار، والكفر ما دام كفرا لا ينفع معه حسنة. PageV09P179 # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "مدخلا" الآية قال: سربا: عن أبي جعفر (عليه ~~السلام). وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن غالب قال: قال ms3499 أبو عبد الله ~~(عليه السلام): يا إسحاق كم ترى أهل هذه الآية: فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون" قال: هم أكثر من ثلثي الناس: أقول: ورواه ~~العياشي في تفسيره والحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن إسحاق عنه (عليه ~~السلام). وفي الدر المنثور، أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: بينما النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال: ~~اعدل. يا رسول الله فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب: ~~يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر ~~في نضيه فلا يرى فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يرى فيه شيء، ثم ينظر في ~~نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى ثديه أو ~~قال: ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدر در يخرجون على حين فرقة من ~~الناس قال: فنزلت فيهم: "ومنهم من يلمزك في الصدقات" الآية. قال أبو سعيد: ~~أشهد أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشهد أن عليا ~~حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). وفي تفسير القمي،: في الآية: أنها نزلت لما جاءت الصدقات ~~وجاء الأغنياء وظنوا أن الرسول يقسمها بينهم فلما وضعها رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في الفقراء تغامزوا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ولمزوه، وقالوا: نحن الذين نقوم في الحرب ونغزو معه ونقوي أمره ثم ~~يدفع الصدقات إلى هؤلاء الذين لا يعينونه ولا يغنون عنه شيئا فأنزل الله: ~~"ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ms3500 ورسوله - وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله - إنا إلى الله راغبون". ثم فسر الله عز وجل الصدقات لمن هي ~~وعلى من يجب؟ فقال: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين - والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين - وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة ~~من الله والله عليم حكيم" فأخرج الله من الصدقات جميع الناس إلا هذه ~~الثمانية الأصناف الذين سماهم. وبين الصادق (عليه السلام) من هم؟ فقال: ~~الفقراء هم الذين لا يسألون وعليهم مئونات من عيالهم، والدليل على أنهم لا ~~يسألون قول الله تعالى في سورة البقرة: "للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ~~لا يستطيعون ضربا في الأرض - يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم ~~بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا. والمساكين هم أهل الزمانة من العميان ~~والعرجان والمجذومين وجميع أصناف الزمنى من الرجال والنساء والصبيان. ~~والعاملين عليها هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤديها إلى ~~من يقسمها. والمؤلفة قلوبهم قوم وحدوا الله ولم يدخل المعرفة قلوبهم أن ~~محمدا رسول الله فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتألفهم ويعلمهم ~~كيما يعرفوا فجعل الله لهم نصيبا في الصدقات كي يعرفوا ويرغبوا. # أقول: وقد وردت في تأييد هذا الذي أرسله من الرواية روايات كثيرة مسندة ~~من طرق أهل البيت (عليهم السلام). # وفي بعض الروايات تعارض ما، وليرجع في تفصيل الروايات على كثرتها وتنقيح ~~المطلب إلى جوامع الحديث وكتب الفقه. PageV09P180 # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد ~~الخدري قال: بعث علي بن أبي طالب من اليمن إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بذهبية فيها تربتها فقسمها بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حابس ~~الحنظلي وعلقمة بن علاثة العامري وعيينة بن بدر الفزاري وزيد الخيل الطائي، ~~فقالت قريش والأنصار: أتقسم بين صناديد أهل نجد وتدعنا؟ فقال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إنما أتألفهم. وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يحيى بن أبي كثير قال: المؤلفة ~~قلوبهم من ms3501 بني هاشم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ومن بني أمية أبو ~~سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع ومن بني ~~أسد حكيم بن حزام، ومن بني عامر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، ومن بني ~~جمح صفوان بن أمية، ومن بني سهم عدي بن قيس، ومن ثقيف العلاء بن جارية أو ~~حارثة، ومن بني فزارة عيينة بن حصن، ومن بني تميم الأقرع بن حابس، ومن بني ~~نصر مالك بن عوف، ومن بني سليم العباس بن مرداس. أعطى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد ~~العزى فإنه أعطى كل واحد منهما خمسين. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~المؤلفة قلوبهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وسهيل بن عمرو وهو من بني عامر ~~بن لؤي وهشام ابن عمرو أخوه: أخو بني عامر بن لؤي وصفوان بن أمية بن خلف ~~القرشي ثم الجمحي، والأقرع بن حابس التميمي أحد بني حازم وعيينة بن حصن ~~الفزاري ومالك بن عوف وعلقمة بن علاثة. بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان يعطي الرجل منهم مائة من الإبل ورعاتها وأكثر من ذلك وأقل. # أقول: وهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) تأليفا لقلوبهم، وليس المراد حصر المؤلفة قلوبهم وهم صنف من الأصناف ~~الثمانية المذكور في الآية في هؤلاء الأشخاص بأعيانهم. # وفي تفسير العياشي، عن ابن إسحاق عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) ~~قال: سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها، قال: يؤدى من مال الصدقة ~~إن الله يقول في كتابه: "وفي الرقاب" وفيه، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد ~~الله (عليه السلام): عبد زنى؟ قال: يجلد نصف الحد، قال: قلت: فإن هو عاد؟ ~~قال: يضرب مثل ذلك، قال: قلت: فإن هو عاد؟ قال: لا يزاد على نصف الحد. ms3502 قال: ~~قلت: فهل يجب عليه الرجم في شيء من فعله؟ قال: نعم يقتل في الثامنة إن فعل ~~ذلك ثمان مرات. قال: قلت: فما الفرق بينه وبين الحر وإنما فعلهما واحد؟ ~~فقال له: إن الله رحمه أن يجمع عليه ربق الرق وحد الحر. قال: ثم قال: وعلى ~~إمام المسلمين أن يدفع ثمنه إلى مولاه من سهم الرقاب. وفيه، عن الصباح بن ~~سيابة قال: أيما مسلم مات وترك دينا لم يكن في فساد وعلى إسراف فعلى الإمام ~~أن يقضيه فإن لم يقض فعليه إثم ذلك إن الله يقول: "إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين - والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين" فهو من ~~الغارمين وله سهم عند الإمام فإن حبسه فإثمه عليه. وفيه، عن محمد بن القسري ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الصدقة فقال: اقسمها فيمن قال ~~الله ولا يعطي من سهم الغارمين الذين يغرمون في مهور النساء ولا الذين ~~ينادون نداء الجاهلية قال: قلت: وما نداء الجاهلية؟ قال: الرجل يقول: يا آل ~~بني فلان فيقع بينهم القتل ولا يؤدى ذلك من سهم الغارمين، ولا الذين لا ~~يبالون ما صنعوا بأموال الناس. وفيه، عن الحسن بن محمد قال: قلت: لأبي عبد ~~الله (عليه السلام) إن رجلا أوصى لي في السبيل قال: فقال لي: اصرف في الحج ~~قال: قلت: إنه أوصى في السبيل! قال: اصرفه في الحج فإني لا أعلم سبيلا من ~~سبله أفضل من الحج. # أقول: والروايات في الباب أكثر من أن تحصى، وإنما أوردنا منها ما يجري ~~مجرى الأنموذج. PageV09P181 # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "ومنهم الذين يؤذون النبي" الآية:، أخرج ~~ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحارث ~~يأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيجلس إليه فيسمع ثم ينقل حديثه ~~إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه، فأنزل ~~الله فيه: "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن" الآية. وفي تفسير ~~القمي،: في الآية ms3503 قال: سبب نزولها أن عبد الله بن نبتل كان منافقا وكان ~~يقعد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع كلامه وينقله إلى ~~المنافقين فينم عليه فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال: يا محمد إن رجلا من المنافقين ينم وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من هو؟ قال: الرجل الأسود الوجه ~~الكثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنهما قدران، وينطق بلسان شيطان. فدعاه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره فحلف أنه لم يفعل فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): قد قبلت منك فلا تفعل فرجع إلى أصحابه فقال: إن ~~محمدا أذن. أخبره الله أني أنم عليه وأنقل أخباره فقبله، وأخبرته أني لم ~~أقل ولم أفعل فقبله!. فأنزل الله على نبيه: "ومنهم الذين يؤذون النبي ~~ويقولون هو أذن - قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين" أي يصدق الله ~~فيما يقول له، ويصدقكم فيما تعتذرون إليه ولا يصدقكم في الباطن، ويؤمن ~~للمؤمنين يعني المقرين بالإيمان من غير اعتقاد. # أقول: وروي ما يقرب منه في نهج البيان، عن الصادق (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اجتمع ناس من ~~المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن صامت وجحش بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا ~~أن يقعوا في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهى بعضهم بعضا، وقالوا: إنا ~~نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم، وقال بعضهم: إن محمدا أذن نحلف له فيصدقنا ~~فنزل: "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن" الآية. وفي تفسير العياشي، ~~عن حماد بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إني أردت أن أستبضع ~~فلانا بضاعة إلى اليمن فأتيت إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: إني أريد أن ~~أستبضع فلانا فقال لي. أما علمت أنه يشرب الخمر؟ فقلت: قد بلغني من ~~المؤمنين إنهم يقولون ذلك، فقال: صدقهم إن الله عز وجل يقول: "يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين" فقال: يعني ms3504 يصدق الله ويصدق للمؤمنين لأنه كان رءوفا رحيما ~~بالمؤمنين. PageV09P182 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 64 - 74 # يحذر المنفقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم قل استهزءوا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل ~~أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم ~~إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) المنفقون ~~والمنفقت بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم إن المنفقين هم الفسقون (67) وعد الله المنفقين والمنفقت ~~والكفار نار جهنم خلدين فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) ~~كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أمولا وأولدا فاستمتعوا بخلقهم ~~فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلقهم وخضتم كالذى خاضوا ~~أولئك حبطت أعملهم فى الدنيا والاخرة وأولئك هم الخسرون (69) ألم يأتهم نبأ ~~الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبرهيم وأصحب مدين والمؤتفكت أتتهم ~~رسلهم بالبينت فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) ~~والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ومسكن طيبة فى جنت عدن ورضون من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ~~(72) يأيها النبى جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلمهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا ~~والاخرة وما لهم فى الأرض من ولى ولا نصير (74) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات شأنا آخر من شئون المنافقين، وتكشف عن سوأة أخرى من سوءاتهم ~~ستروا عليها بالنفاق، وكانوا يحذرون أن تظهر عليهم وتنزل فيها سورة تقص ما ~~هموا به منها. # والآيات تنبىء عن أنهم كانوا جماعة ذوي عدد كما يدل ms3505 عليه قوله: "إن نعف ~~عن طائفة منكم نعذب طائفة" وأنه كان لهم بعض الاتصال والتوافق مع جماعة ~~آخرين من المنافقين كما في قوله: "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض" ~~الآية وأنهم كانوا على ظاهر الإسلام والإيمان حتى اليوم وإنما نافقوا يومئذ ~~أي تفوهوا بكلمة الكفر فيما بينهم وأسروا بها يومئذ كما في قوله: "قد كفرتم ~~بعد إيمانكم". # وأنهم تواطئوا على أمر دبروه فيما بينهم فأظهروا عند ذلك كلمة الكفر ~~وهموا على أمر عظيم فحال الله بينهم وبينه فخاب سعيهم ولم يؤثر كيدهم كما ~~في قوله: "ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا". PageV09P183 # وأنه ظهر مما هموا به بعض ما يستدل عليه من الآثار والقرائن فسألوا عن ذلك ~~فاعتذروا بما هو مثله قبحا وشناعة كما في قوله: "ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب" والآيات التالية لهذه الآيات في سياق متصل منسجم تدل على ~~أن هذه الوقعة أيا ما كانت وقعت بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى غزوة تبوك ولما يرجع إلى المدينة كما يدل عليه قوله: "فإن رجعك الله ~~إلى طائفة منهم" الآية: آية: - 83 من السورة: وقوله: "سيحلفون بالله لكم ~~إذا انقلبتم إليهم" آية: - 95 من السورة. # فيتلخص من الآيات أن جماعة ممن خرج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تواطئوا على أن يمكروا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأسروا عند ذلك ~~فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم ثم هموا أن يفعلوا ما اتفقوا عليه ~~بفتك أو نحوه فأبطل الله كيدهم وفضحهم وكشف عنهم فلما سئلوا عن ذلك قالوا: ~~إنما كنا نخوض ونلعب فعاتبهم الله بلسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بأنه استهزاء بالله وآياته ورسوله، وهددهم بالعذاب إن لم يتوبوا، وأمر نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجاهدهم ويجاهد الكافرين. # فالآيات - كما ترى - أوضح انطباقا على حديث العقبة منها على غيره من ~~القصص التي تتضمنها الروايات الآخر الواردة في بيان سبب نزول الآيات، ~~وسنورد جلها في البحث ms3506 الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم" ~~إلى آخر الآية. # كان المنافقون يشاهدون أن جل ما يستسرون به من شئون النفاق ويناجي به ~~بعضهم بعضا من كلمة الكفر ووجوه الهمز واللمز والاستهزاء أو جميع ذلك لا ~~يخفى على الرسول، ويتلى على الناس في آيات من القرآن يذكر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أنه من وحي الله، ولا محالة كانوا لا يؤمنون بأنه وحي نزل ~~به الروح الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقدرون أن ذلك ~~مما يتجسسه المؤمنون فيخبرون به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخرجه ~~لهم في صورة كتاب سماوي نازل عليهم وهم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم ~~وخروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة لأن السلطنة والظهور كانت للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عليهم يجري فيهم ما يأمر به ويحكم عليه. # فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر وهموا به من ~~تقليب الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقصده بما يبطل به نجاح ~~دعوته وتمام كلمته فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم أن ~~الله عالم بما في صدورهم مخرج ما يحذرون خروجه وظهوره بنزول سورة من عنده ~~أي يخبرهم بأن الله منزل سورة هذا نعتها. # وبهذا يستنير معنى الآية فقوله: "يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة" ~~الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجه الكلام إليه، وهو يعلم بتعليم ~~الله أن هذا الكلام الذي يتلوه على الناس كلام إلهي وقرآن منزل من عنده ~~فيصف سبحانه الكلام الذي يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أنه سورة منزلة من الله على الناس ومنهم ~~المنافقون لا على ما يراه المنافقون أنه كلام بشري يدعى كونه كلام الله. # فهم كانوا يحذرون أن يتلو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم وعلى ~~الناس كلاما هذا نعته الواقعي ms3507 وهو أنه سورة منزلة عليهم بما أنها متوجهة ~~بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم ينبئهم هذه السورة النازلة بما في قلوبهم فيظهر ~~على الناس ويفشو بينهم ما كانوا يسرونه من كفرهم وسوء نياتهم، وهذا الظهور ~~في الحقيقة هو الذي كانوا يحذرونه من نزول السورة. # وقوله: "قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون" كأن المراد بالاستهزاء هو ~~نفاقهم وما يلحق به من الآثار فإن الله سمى نفاقهم استهزاء حاكيا في ذلك ~~قولهم حيث قال: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون:" البقرة: - 14 فالمراد بالاستهزاء هو ~~ستر ما يحذرون ظهوره، والأمر تعجيزي أي دوموا على نفاقكم وستركم ما تحذرون ~~خروجه من عندكم إلى مرأى الناس ومسمعهم فإن الله مخرج ذلك وكاشف عن وجهه ~~الغطاء، ومظهر ما أخفيتموه في صدوركم. PageV09P184 # فصدر الآية وإن كان يذكر أنهم يحذرون تنزيل سورة كذا وكذا لكنهم إنما كانوا ~~يحذرونها لما فيها من الأنباء التي يحذرون أن يطلع عليها النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وتنجلي للناس، وهذا هو الذي يذكر ذيلها أنهم يحذرونه ~~فالكلام بمنزلة أن يقال: يحذر المنافقون تنزيل سورة قل إن الله منزلها، أو ~~يقال: يحذر المنافقون انكشاف باطن أمرهم وما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله ~~سيكشف ذلك وينبىء عما في قلوبكم. # وبما تقدم يظهر سقوط ما أشكل على الآية أولا: بأن المنافقين لكفرهم في ~~الحقيقة لم يكونوا يرون أن القرآن كلام منزل من عند الله فكيف يصح القول ~~أيحذرون أن تنزل عليهم سورة؟. # وثانيا: أنهم لما لم يكونوا مؤمنين في الواقع فكيف يصح أن يطلق أن سورة ~~قرآنية نزلت عليهم ولا تنزل السورة إلا على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو على المؤمنين؟. # وثالثا: أن حذرهم نزول السورة وهو حال داخلي جدي فيهم لا يجامع كونه ~~استهزاء. # ورابعا: أن صدر الآية يذكر أنهم يحذرون أن تنزل سورة وذيلها يقول: إن ~~الله مخرج ما تحذرون فهو في معنى أن يقال: إن الله مخرج سورة أو ms3508 مخرج تنزيل سورة. # وقد يجاب عن الإشكال الأول بأن قوله: يحذر المنافقون "إلخ" إنشاء في صورة ~~خبر أي ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة "إلخ". # وهو ضعيف إذ لا دليل عليه أصلا على أن ذيل الآية لا يلائم ذلك إذ لا معنى ~~لقولنا: ليحذر المنافقون كذا قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون أي ما يجب ~~عليكم حذره. # وهو ظاهر. # وقد يجاب عنه بأنهم إنما كانوا يظهرون الحذر استهزاء لا جدا وحقيقة. # وفيه أن لازمه أنهم كانوا على ثقة بأن ما في قلوبهم من الأنباء وما ~~أبطنوه من الكفر والفسوق لا سبيل للظهور والانجلاء إليه، ولا طريق لأحد إلى ~~الاطلاع عليه، ويكذبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقص ما عقدوا عليه ~~القلوب من الكفر والفسوق وهموا به من الخدعة والمكيدة كالآيات من سورة ~~البقرة وسورة المنافقين وغيرهما، وإذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم ومطويات ~~قلوبهم عيانا مرة بعد مرة فلا معنى لثقتهم بأنها لا تنكشف أصلا وإظهارهم ~~الحذر استهزاء لا جدا، وقد قال تعالى: "يحسبون كل صيحة عليهم:" المنافقون: - 4. # وقد يجاب عنه بأن أكثر المنافقين كانوا على شك من صدق الدعوة النبوية من ~~غير أن يستيقنوا كذبه، وهؤلاء كانوا يجوزون تنزيل سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم احتمالا عقليا، وهذا الحذر والإشفاق كما ذكروه أثر طبيعي للشك ~~والارتياب فلو كانوا موقنين بكذب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خطر ~~لهم هذا الخوف على بال، ولو كانوا موقنين بصدقه لما كان هناك محل لهذا ~~الخوف والحذر لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان. # وهذا الجواب - وهو الذي اعتمد عليه جمهور المفسرين - وإن كان بظاهره لا ~~يخلو عن وجه غير أن فيه أنه إنما يحسم مادة الإشكال لو كان الواقع من ~~التعبير في الآية نحوا من قولنا: يخاف المنافقون أن تنزل عليهم سورة، ولذا ~~قرروا الجواب بأن الخوف يناسب الشك دون اليقين. # لكن الآية تعبر عن شأنهم بالحذر، ويخبر أنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة ~~"إلخ" والحذر فيه شيء من معنى الاحتراز والاتقاء، ولا يتم ذلك ms3509 إلا بالتوسل ~~إلى أسباب ووسائل تحفظ الحاذر مما يحذره ويحترز منه، وتصونه من شر مقبل ~~إليه من ناحية ما يخافه. # ولو كان مجرد شك من غير مشاهدة أثر من الآثار وإصابة شيء مما يتقونه ~~إياهم لما صح الاحتراز والاتقاء، فحذرهم يشهد أنهم كانوا يخافون أن يقع بهم ~~هذه المرة نظير ما وقع بهم قبل ذلك من جهة آيات البقرة وغيرها، فهذا هو ~~الوجه لحذرهم دون الشك والارتياب فالمعتمد في الجواب ما قدمناه. # وقد يجاب عن الإشكال الثاني بأن "على" في قوله: "أن تنزل عليهم" بمعنى: ~~في كما في قوله: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان:" البقرة: - ~~102، والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزل فيهم أي في شأنهم وبيان حالهم سورة ~~تكشف عما في ضمائرهم. # وفيه أنه لا بأس به لو لا قوله بعده: "تنبئهم بما في قلوبهم" على ما ~~سنوضحه. # وقد يجاب عنه بأن الضمير في قوله: "عليهم" راجع إلى المؤمنين دون ~~المنافقين والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبىء ~~المنافقين بما في قلوب المنافقين أو تنبىء المؤمنين بما في قلوب المنافقين. PageV09P185 # ورد عليه بأنه يستلزم تفكيك الضمائر. # ودفع بأن تفكيك الضمائر غير ممنوع ولا أنه مناف للبلاغة إلا إذا كان ~~المعنى معه غير مفهوم، وربما أيد بعضهم هذا الجواب بأنه ليس هاهنا تفكيك ~~للضمائر فإنه قد سبق أن المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم ثم وبخهم الله ~~بأن الله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فقد بين هاهنا بطريقة ~~الاستئناف أنهم يحذرون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبئهم بما في قلوبهم ~~فتبطل ثقتهم بهم فأعيد الضمير إلى المؤمنين لأن سياق الكلام فيهم فلا أثر ~~من التفكيك. # وفيه أن من الواضح الذي لا يرتاب فيه أن موضوع الكلام في هذه الآيات ~~وآيات كثيرة مما يتصل بها من قبل ومن بعد، هم المنافقون، والسياق سياق ~~الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا غيره، وإنما كان خطاب المؤمنين ~~في قوله: "يحلفون بالله لكم ليرضوكم خطابا التفاتيا للتنبيه على غرض خاص ~~أومأنا ms3510 إليه ثم عاد الكلام إلى سياقها الأصلي من خطاب النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بتبدل خطابهم إلى خطابه فلا معنى لقوله: إن سياق الكلام في ~~المؤمنين. # ولو كان السياق هو الذي ذكره لكان من حق الكلام أن يقال: أن تنزل عليكم ~~سورة تنبئكم بما في قلوبهم، فما معنى العدول إلى ضمير الغيبة، ولم يتقدم في ~~سابق الكلام ذكر لهم على هذا النعت؟. # على أن قوله: إن الآية - يحذر المنافقون - بيان من طريق الاستئناف لسبب ~~حلفهم للمؤمنين ليرضوهم، إخراج لهذه الطائفة من الآيات من استقلال غرضها ~~الأصلي الذي بحثنا عنه في أول الكلام، ويختل بذلك ما يتراءى من فقرات ~~الآيات من الاتصال والارتباط. # فالآية - يحذر المنافقون إلخ - ليست بيانا لسبب حلفهم المذكور سابقا بل ~~استئناف مسوق لغرض آخر يهدي إليه مجموع الآيات الإحدى عشرة. # وبالجملة الآيات السابقة على هذه الآية خالية عن ذكر المؤمنين ذكرا يوجب ~~انعطاف الذهن إليه حينما يلقي ضميرا يمكن عوده إليهم وهذا هو التفكيك ~~المذكور، وهو مع ذلك تفكيك ممنوع لإيجابه إبهاما في البيان ينافي بلاغته. # والحق أن الضمير في قوله: "أن تنزل عليهم" للمنافقين - كما تقدمت الإشارة ~~إليه - ولا بأس بأن يسمى تنزيل سورة لبيان حالهم وذكر مثالبهم وتوبيخهم على ~~نفاقهم تنزيلا للسورة عليهم وهم في جماعة المؤمنين غير متميزين منهم كما ~~عبر بنظير التعبير في مورد المؤمنين حيث قال: "واذكروا نعمة الله عليكم وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به:" البقرة: - 231. # وقد أتى سبحانه بنظير هذا التعبير في أهل الكتاب حيث قال: "يسألك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء:" النساء: - 153، وفي المشركين حيث ~~حكى عنهم قولهم: "ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه:" إسراء: - ~~93، وليست نسبة المنافقين وهم في المؤمنين إلى نزول القرآن عليهم بأبعد من ~~نسبة المشركين وأهل الكتاب إلى نزوله عليهم، والنزول والإنزال والتنزيل ~~يقبل التعدي بإلى بعناية الانتهاء وبعلى بعناية الاستعلاء والإتيان من ~~العلو، والتعدية بكل واحد منهما كثير في تعبيرات القرآن، والمراد بنزول ~~الكتاب إلى قوم ms3511 وعلى قوم تعرضه لشئونهم وبيانه لما ينفعهم في دنياهم ~~وأخراهم. # وقد يجاب عن الإشكال الثالث بأن قوله تعالى: "قل استهزءوا" دليل على أنهم ~~كانوا يستهزءون بالحذر ولم يكن من جد الحذر في شيء. # وفيه أن الآيات الكثيرة النازلة في سورة البقرة والنساء وغيرها - وكل ذلك ~~قبل هذه الآيات نزولا - المخرجة لكثير من خبايا قلوبهم الكاشفة عن أسرارهم ~~تدل على أن هذا الحذر كان منهم على حقيقته من غير استهزاء وسخرية. # على أنه تعالى وصفهم في سورة المنافقون بمثل قوله: "يحسبون كل صيحة ~~عليهم:" المنافقون: - 4، وقال في مثل ضربه لهم وفيهم: "يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الصواعق حذر الموت:" البقرة: - 19 وقد ذكر في الآية التالية. # والحق أن استهزاءهم إنما هو نفاقهم وقولهم في الظاهر خلاف ما في باطنهم ~~كما يؤيده قوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون:" البقرة: - 14. PageV09P186 # والجواب عن الإشكال الرابع أن الشيء الذي كانوا يحذرونه في الحقيقة هو ظهور ~~نفاقهم وانكشاف ما في قلوبهم، وإنما كانوا يحذرون نزول السورة لأجل ذلك ~~فالمحذور الذي ذكر في صدر الآية والذي في ذيل الآية أمر واحد، ومعنى قوله ~~"إن الله مخرج ما تحذرون" إنه مظهر لما أخفيتموه من النفاق ومنبىء لما في ~~قلوبكم. # قوله تعالى: "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون" الخوض - على ما في المجمع، - دخول القدم فيما كان ~~مائعا من الماء والطين ثم كثر حتى استعمل في غيره. # وقال الراغب في المفردات:، الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ~~ويستعار في الأمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه. # انتهى. # ولم يذكر الله سبحانه متعلق السؤال وأن المسئول عنه الذي إن سأل النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) سأل عنه ما هو؟ غير أن قوله: "ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب" بما له من السياق المصدر بإنما يدل على أنه كان فعلا صادرا ~~منهم له نوع تعلق بالنبي (صلى ms3512 الله عليه وآله وسلم)، وكان أمرا مرئيا يسيء ~~الظن بهم، ولم يكن في وسعهم أن يعتذروا منه بعد ما تبين وانكشف للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إلا بأنه إنما كان منهم خوضا ولعبا لم يريدوا به غير ذلك. # والخوض واللعب الذين اعتذروا بهما من الأعمال السيئة التي لا يعترف بهما ~~الناس في حالهم العادي وخاصة المؤمنون وسائر المتظاهرين بالإيمان وخاصة إذا ~~كان ذلك في أمر يرجع إلى الله ورسوله غير أنهم لم يجدوا وصفا يصفون به ~~فعلهم لإخراجه عن ظاهر ما يدل عليه، دون أن يعنونوه بأنه كان خوضا ولعبا. # ولذا أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوبخهم على ما اعتذروا به ~~فقال: "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون" ثم فسر عملهم في آخر الآيات ~~بقوله: "يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ~~وهموا بما لم ينالوا" الآية. # ويتحصل من مجموع هذه القرائن أن المنافقين كانوا أرادوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بسوء كالفتك به ومفاجأته بما يهلكه وأقدموا على ما قصدوه ~~وتكلموا عند ذلك بشيء من الكلام الردي لكنهم أخطئوا في ما أوقعوه عليه ~~واندفع الشر عنه، ولم يصب السهم هدفه فلما خاب سعيهم وبان أمرهم سألهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك وما تصدوه به اعتذروا بأنهم كانوا ~~يخوضون ويلعبون فوبخهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون" ورد الله سبحانه إليهم عذرهم الذي اعتذروا به ~~وبين حقيقة ما قصدوا بذلك. # وبالجملة معنى الآية: وأقسم لئن سألتهم عن فعلهم الذي شوهد منهم: ما الذي ~~أرادوا به؟ وكان ظاهره أنهم هموا بأمر فيك ليقولن: لم يكن قصد سوء ولا ~~بالذي ظننت فأسأت الظن بنا، وإنما كنا نخوض ونلعب خوض الركب في الطريق لا ~~على سبيل الجد ولكن لعبا. # وهذا اعتذار منهم بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله فإنهم يعترفون بأنهم ~~فعلوا فيك ما فعلوه خوضا ولعبا فقد استهزءوا بالله ورسوله فقل: أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ms3513 أي أتعتذرون عن سيىء فعلكم بسيئة أخرى هي ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وهو كفر؟. # وليس من البعيد أن يكون الغرض الأصيل بيان كونه استهزاء بالرسول، وإنما ~~ذكر الله وآياته للدلالة على معنى الاستهزاء بالرسول، وأنه لما كان من آيات ~~الله كان الاستهزاء به استهزاء بآيات الله، والاستهزاء بآيات الله استهزاء ~~بالله العظيم فالاستهزاء برسول الله استهزاء بالله وآياته ورسوله. # قوله تعالى: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة" الآية، قال الراغب في المفردات،: الطوف المشي حول الشيء ومنه الطائف ~~لمن يدور حول البيوت حافظا - إلى أن قال - والطائفة من الناس جماعة منهم ~~ومن الشيء القطعة منه. # وقوله تعالى: "فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين" قال ~~بعضهم: قد يقع ذلك على الواحد فصاعدا، وعلى ذلك قوله: "وإن طائفتان من ~~المؤمنين. # إذ همت طائفتان منكم". # والطائفة إذا أريد بها الجمع فجمع طائف، "وإذا أريد بها الواحد فيصح أن ~~يكون جمعا ويكنى به عن الواحد، ويصح أن يجعل كراوية وعلامة ونحو ذلك. # انتهى. PageV09P187 # وقد خطأ بعضهم القول بجواز صدق الطائفة على الواحد والاثنين من الناس كما ~~تصدق على الثلاثة فصاعدا، وبالغ في ذلك حتى عده غلطا ولا دليل له على ما ~~ذكره، ومادة اللفظ لا يستوجب شيئا معينا من العدد، وإطلاقها على القطعة من ~~الشيء يؤيد استعمالها في الواحد. # وقوله: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" نهي عن الاعتذار بدعوى أنه لغو ~~كما يدل عليه قوله: "قد كفرتم بعد إيمانكم" فإن الاعتذار لا فائدة تترتب ~~عليه بعد الحكم بكفرهم بعد إيمانهم. # والمراد بإيمانهم هو ظاهر الإيمان الذي كانوا يتظاهرون به لا حقيقة ~~الإيمان الذي هو من الهداية الإلهية التي لا يعقبها ضلال، ويؤيده قوله ~~تعالى في آخر هذه الآيات: "ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم" فبدل ~~الإيمان إسلاما وهو ظاهر الشهادتين. # ويمكن أن يقال: إن من مراتب الإيمان ما هو اعتقاد وإذعان ضعيف غير آب عن ~~الزوال كإيمان الذين في قلوبهم ms3514 مرض وقد عدهم الله من المؤمنين وذكرهم مع ~~المنافقين لأمنهم، ولا مانع من أن ينسلخوا هذا الإيمان. # وكيف لا؟ وقد سلخ الله الإيمان ممن هو أرسخ إيمانا منهم كالذي يقصه في ~~قوله: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان ~~من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه:" ~~الأعراف: - 176. # وقال أيضا: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا:" النساء: - 137 وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الكفر بعد الإيمان فلا ~~مانع من زوال الاعتقاد القلبي قبل رسوخه وهو اعتقاد. # نعم الإيمان المستقر والاعتقاد الراسخ لا سبيل إلى عروض الزوال له قال ~~تعالى: "من يهد الله فهو المهتدي:" الأعراف: - 178 وقال: "فإن الله لا يهدي ~~من يضل:" النحل: - 37. # وقوله: "إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة" يدل على أن هؤلاء المنافقين ~~المذكورين في الآيات كانوا ذوي عدد وكثرة، وأن كلمة العذاب وقعت عليهم لا ~~بد لهم من العذاب فلو شمل بعضهم عفو إلهي لمصلحة في ذلك وقع العذاب على ~~الباقين فهذا معنى الجملة: "إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة" بحسب ما يفهم ~~من نظمه وسياقه. # وبعبارة أخرى رابطة اللزوم بين الشرط والجزاء بترتب الجزاء وتفرعه على ~~الشرط إنما هي بالتبع وأصله ترتب الجزاء هاهنا على أمر يتعلق به الشرط وهو ~~أن العذاب وجب على جماعتهم فإن عفي عن بعضهم تعين الباقون من غير تخلف. # وقد ظهر بما قدمناه أولا: وجه ترتب قوله: "نعذب طائفة" على قوله: "إن نعف ~~عن طائفة" واندفع ما استشكله بعضهم على الآية أنه لا ملازمة بين العفو عن ~~البعض وعذاب البعض فما معنى الاشتراط؟. # والجواب: أن اللزوم بحسب الأصل بين وجوب نزول العذاب على الجماعة وبين ~~نزوله على بعضهم ثم انتقل إلى ما بين العفو عن البعض وبين نزوله على بعضهم ~~كما قررناه. # وثانيا: أن المراد بالعفو هو ترك العذاب لمصلحة من مصالح الدين دون العفو ~~بمعنى المغفرة المستندة إلى التوبة إذ لا وجه ms3515 ظاهرا لمثل قولنا: إن غفرنا ~~لطائفة منكم لتوبتهم نعذب طائفة لجرمهم مع أنهم لو تابوا جميعا لم يعذبوا قطعا. # وقد ندب الله إليهم جميعا أن يتوبوا حيث قال في آخر الآيات: "فإن يتوبوا ~~يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة". # وثالثا: أن العفو في الآية بل والعذاب المذكور فيها هو العفو عن العذاب ~~الدنيوي وتركها وكذا القول في العذاب فإن العفو من العذاب الأخروي على ما ~~تنص عليه الآيات القرآنية إنما يكون لتوبة أو شفاعة، ولا تحقق لواحد منهما ~~فيما نحن فيه أما التوبة فلما تبين أنها غير مرادة في الآية، وأما الشفاعة ~~فلما ثبت بآيات الشفاعة أن الشفاعة لا ينالها في الآخرة إلا مؤمن مرضي ~~الإيمان، وقد استوفينا البحث عنها في الجزء الأول من الكتاب. # ورابعا: أنه لا مانع من كون الآية أعني قوله: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم أن نعف عن طائفة" الآية من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فإن المراد بالعفو والعذاب هو العذاب الدنيوي بالسياسة وتركه، ولا ~~مانع من نسبتهما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV09P188 # لكن ظاهر الآيات التالية هو كونه من قول الله سبحانه خطابا للمنافقين فيكون ~~التفاتا من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خطابهم والنكتة فيه ~~إظهار كمال الغضب واشتداد السخط من صنعهم حتى كأنه لا يفي بإيذانه وإعلامه ~~الرسالة فواجههم بنفسه وخاطبهم بشخصه فهددهم بعذاب واقع لا مرد له ولا مفر منه. # قوله تعالى: "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض" إلى آخر الآيتين، ذكروا ~~أنه استئناف يتعرض لحال عامة المنافقين بذكر أوصافهم العامة الجامعة ~~وتعريفهم بها وما يجازيهم الله في عاقبة أمرهم ثم يتعرض لحال عامة المؤمنين ~~ويعرفهم بصفاتهم الجامعة ويذكر ما ينبئهم الله به على سبيل المقابلة ~~استتماما للقسمة، ومن الدليل على هذا الاستيفاء ذكر جزاء الكفار مع ~~المنافقين في قوله: "وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار" الآية. # والظاهر أن الآية في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة: "إن نعف ms3516 عن ~~طائفة منكم نعذب طائفة" وسياق مخاطبة المنافقين جار لم ينقطع بعد. # فالآية السابقة لما دلت على أنه تعالى لا يترك المنافقين حتى يعذبهم ~~بأجرامهم فإن ترك بعضا منهم لحكمة ومصلحة أخذ آخرين منهم بالعذاب كان هناك ~~مظنة أن يسأل فيقال: ما وجه أخذ البعض إذا ترك غيره؟ وهل هو إلا كأخذ الجار ~~بجرم الجار فأجيب ببيان السبب وهو أن المنافقين جميعا بعضهم من بعض ~~لاشتراكهم في خبائث الصفات والأعمال، واشتراكهم في جزاء أعمالهم وعاقبة حالهم. # ولعله ذكر المنافقات مع المنافقين مع عدم سبق لذكرهن للدلالة على كمال ~~الاتحاد والاتفاق بينهم في نفسيتهم، وليكون تلويحا على أن من النساء أيضا ~~أجزاء مؤثرة في هذا المجتمع النفاقي الفاسد المفسد. # فمعنى الآية لا ينبغي أن يستغرب أخذ بعض المنافقين إذا ترك البعض الآخر ~~لأن المنافقين والمنافقات يحكم عليهم نوع من الوحدة النفسية يوحد كثرتهم ~~فيرجع بعضهم إلى بعض، فيشركهم في الأوصاف والأعمال وما يجازون به بوعد من ~~الله تعالى. # فهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويمسكون عن الإنفاق في سبيل الله ~~وبعبارة أخرى نسوا الله تعالى بالإعراض عن ذكره لأنهم فاسقون خارجون عن زي ~~العبودية فنسيهم الله فلم يثبهم بما أثاب عباده الذاكرين مقام ربهم. # ثم ذكر ما وعدهم على ذلك فقال: "وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار - ~~وعطف عليهم الكفار لأنهم جميعا سواء - نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم" من ~~الجزاء لا يتعدى فيهم إلى غيرها "ولعنهم الله" وأبعدهم "ولهم عذاب مقيم" ~~ثابت لا يزول عنهم البتة. # وقد ظهر بذلك أن قوله تعالى: "نسوا الله فنسيهم" إلخ؟ بيان لما تقدمه من ~~قوله: "يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم". # ويتفرع على ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنفاق في سبيل ~~الله من الذكر. # قوله تعالى: "كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم" إلخ، قال الراغب: الخلاق ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة ~~بخلقه قال تعالى: "وما له في الآخرة من خلاق" انتهى وفسره غيره بمطلق ~~النصيب. # والآية ms3517 من تتمة مخاطبة المنافقين التي في قوله: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم" الآية في سياق واحد متصل وفي الآية تشبيه حال المنافقين بحال من ~~كان قبلهم من الكفار والمنافقين وقياسهم إليهم ليستشهد بذلك على ما قيل: إن ~~المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض وأنهم جميعا والكفار ذوو طبيعة واحدة في ~~الإعراض عن ذكر الله والإقبال على الاستمتاع بما أوتوا من أعراض الدنيا من ~~أموال وأولاد والخوض في آيات الله ثم في حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~والخسران. # ومعنى الآية - والله أعلم - أنتم كالذين من قبلكم كانت لهم قوة وأموال ~~وأولاد بل أشد وأكثر في ذلك منكم، فاستمتعوا بنصيبهم وقد تفرع على هذه ~~المماثلة أنكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كما خاضوا أولئك حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون وأنتم أيضا أمثالهم في الحبط ~~والخسران ولذا وعدكم النار الخالدة ولعنكم. # وذكر كون قوة من قبلهم أشد وأموالهم وأولادهم أكثر للإيماء إلى أنهم لم ~~يعجزوا الله بذلك، ولم يدفع ذلك عنهم غائلة الحبط والخسران فكيف بكم وأنتم ~~أضعف قوة وأقل أموالا وأولادا؟. PageV09P189 # قوله تعالى: "ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ~~إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات" الآية رجوع إلى السياق الأول وهو سياق ~~مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع افتراض الغيبة في المنافقين، ~~وتذكير لهم بما قص عليهم القرآن من قصص الأمم الماضين. # فذاك قوم نوح عمهم الله سبحانه بالغرق، وعاد وهم قوم هود أهلكهم بريح ~~صرصر عاتية، وثمود وهم قوم صالح عذبهم بالرجفة، وقوم إبراهيم أهلك ملكهم ~~نمرود وسلب عنهم النعمة، والمؤتفكات وهي القرى المنقلبات على وجهها - من ~~ائتفكت الأرض إذا انقلبت - قرى قوم لوط جعل عاليها سافلها. # وقوله: "أتتهم رسلهم بالبينات" أي بالواضحات من الآيات والحجج والبراهين ~~وهو بيان إجمالي لنبئهم أي كان نبؤهم أن أتتهم رسلهم بالآيات البينة ~~فكذبوها فانتهى أمرهم إلى الهلاك، ولم يكن من شأن السنة الإلهية أن يظلمهم ~~لأنه بين لهم الحق والباطل، وميز الرشد من الغي، والهدى من الضلال، ms3518 ولكن ~~كان أولئك الأقوام والأمم أنفسهم يظلمون بالاستمتاع من نصيب الدنيا والخوض ~~في آيات الله وتكذيب رسله. # قوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" إلى آخر الآية. # ثم وصف الله سبحانه حال المؤمنين عامة محاذاة لما وصف به المنافقين فقال: ~~"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" ليدل بذلك على أنهم مع كثرتهم ~~وتفرقهم من حيث العدد ومن الذكورة والأنوثة ذوو كينونة واحدة متفقة لا تشعب ~~فيها ولذلك يتولى بعضهم أمر بعض ويدبره. # ولذلك كان يأمر بعضهم بعضا بالمعروف وينهى بعضهم بعضا عن المنكر فلولاية ~~بعض المجتمع على بعض ولاية سارية في جميع الأبعاض دخل في تصديهم الأمر ~~بالمعروفة والنهي عن المنكر فيما بينهم أنفسهم. # ثم وصفهم بقوله: "ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة" وهما الركنان الوثيقان ~~في الشريعة فالصلاة ركن العبادات التي هن الرابطة بين الله وبين خلقه، ~~والزكاة في المعاملات التي هي رابطة بين الناس أنفسهم. # ثم وصفهم بقوله: "ويطيعون الله ورسوله" فجمع في إطاعة الله جميع الأحكام ~~الشرعية الإلهية وجمع في إطاعة رسوله جميع الأحكام الولائية التي يصدرها ~~رسوله في إدارة أمور الأمة وإصلاح شئونهم كفرامينه في الغزوات، وأحكامه في ~~القضايا وإجراء الحدود وغير ذلك. # على أن إطاعة شرائع الله النازلة من السماء من جهة أخرى منطوية في إطاعة ~~الرسول فإن الرسول هو الصادع بالحق القائم بالدعوة إلى أصول الدين وفروعه. # وقوله: "أولئك سيرحمهم الله" إخبار عما في القضاء الإلهي من شمول الرحمة ~~الإلهية لهؤلاء القوم الموصوفين بما ذكر، وكان في هذه الجملة محاذاة لما ~~سرد في المنافقين من قوله تعالى: "نسوا الله فنسيهم" والظاهر أيضا أن قوله: ~~"إن الله عزيز حكيم" تعليل لما ذكر من الرحمة فلا مانع من رحمته لعزته، ولا ~~اختلال أو وهنا وجزافا في حكمته. # قوله تعالى: "وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار" ~~إلى آخر الآية، العدن مصدر بمعنى الإقامة والاستقرار يقال: عدن بالمكان أي ~~أقام فيه واستقر ومنه المعدن للأرض التي تستقر فيه الجواهر والفلزات ~~المعدنية، وعلى هذا فمعنى جنات عدن جنات إقامة ms3519 واستقرار وخلود. # وقوله: "ورضوان من الله أكبر" أي رضى الله سبحانه عنهم أكبر من ذلك كله - ~~على ما يفيده السياق - وقد نكر "رضوان" إيماء إلى أنه لا يقدر بقدر ولا ~~يحيط به وهم بشر أو لأن رضوانا ما منه ولو كان يسيرا أكبر من ذلك كله لا ~~لأن ذلك كله مما يتفرع على رضاه تعالى ويترشح منه وإن كان كذلك في نفسه - ~~بل لأن حقيقة العبودية التي يندب إليها كتاب الله هي عبوديته تعالى حبا له: ~~لا طمعا في جنة، أو خوفا من نار، وأعظم السعادة والفوز عند المحب أن يستجلب ~~رضى محبوبه دون أن يسعى لإرضاء نفسه. # وكأنه للإشارة إلى ذلك ختم الآية بقوله: "ذلك هو الفوز العظيم" وتكون في ~~الجملة دلالة على معنى الحصر أي إن هذا الرضوان هو حقيقة كل فوز عظيم حتى ~~الفوز العظيم بالجنة الخالدة إذ لو لا شيء من حقيقة الرضى الإلهي في نعيم ~~الجنة كان نقمة لا نعمة. PageV09P190 # قوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير" جهاد القوم ومجاهدتهم بذل غاية الجهد في مقاومتهم وهو ~~يكون باللسان وباليد حتى ينتهي إلى القتال، وشاع استعماله في الكتاب في ~~القتال وإن كان ربما استعمل في غيره كما في قوله: "والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا" الآية. # واستعماله في قتال الكفار على رسله لكونهم متجاهرين بالخلاف والشقاق، ~~وأما المنافقون فهم الذين لا يتظاهرون بكفر ولا يتجاهرون بخلاف، وإنما ~~يبطنون الكفر ويقلبون الأمور كيدا ومكرا ولا معنى للجهاد معهم بمعنى قتالهم ~~ومحاربتهم؟ ولذلك ربما يسبق إلى الذهن أن المراد بجهادهم مطلق ما تقتضيه ~~المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم فإن اقتضت المصلحة هجروا ولم ~~يخالطوا ولم يعاشروا، وإن اقتضت وعظوا باللسان، وإن اقتضت أخرجوا وشردوا ~~إلى غير الأرض أو قتلوا إذا أخذ عليهم الردة، أو غير ذلك. # وربما شهد لهذا المعنى أعني كون المراد بالجهاد في الآية مطلق بذل الجهد ~~تعقيب قوله: "جاهد الكفار والمنافقين" بقوله: "وأغلظ عليهم" أي شدد عليهم ms3520 ~~وعاملهم بالخشونة. # وأما قوله: "ومأواهم جهنم وبئس المصير" فهو عطف على ما قبله من الأمر، ~~ولعل الذي هون الأمر في عطف الإخبار على الإنشاء هو كون الجملة السابقة في ~~معنى قولنا: "إن هؤلاء الكفار والمنافقين مستوجبون للجهاد". # والله أعلم. # قوله تعالى: "يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا" الآية. # سياق الآية يشعر بأنهم أتوا بعمل سيىء وشفعوه بقول تفوهوا به عند ذلك، ~~وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاتبهم على قولهم مؤاخذا لهم فحلفوا ~~بالله ما قالوا كما تقدم في قوله: "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب" إلى آخر الآية إنهم كانوا يعتذرون بذلك عن عملهم أنه كان خوضا ولعبا ~~لا غير ذلك. # والله سبحانه يكذبهم في الأمرين جميعا: أما في إنكارهم القول فبقوله: ~~"ولقد قالوا كلمة الكفر" وفسره ثانيا بقوله: "وكفروا بعد إسلامهم" للدلالة ~~على جد القول فيتفرع عليه الكفر بعد الإسلام. # ولعله قال هاهنا: "وكفروا بعد إسلامهم" وقد قيل سابقا: "قد كفرتم بعد ~~إيمانكم" لأن القول السابق للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجاري على ~~ظاهر حالهم وهو الإيمان الذي كانوا يدعونه ويتظاهرون به، والقول الثاني لله ~~العالم بالغيب والشهادة فيشهد بأنهم لم يكونوا مؤمنين ولم يتعدوا الشهادتين ~~بلسانهم فهم كانوا مسلمين لا مؤمنين، وقد كفروا بقولهم وخرجوا عن الإسلام ~~إلى الكفر، وفي هذا إيماء إلى أن قولهم كان كلمة فيه الرد على الشهادتين أو ~~إحداهما. # أو لأن القول الأول في قبال عملهم الذي أرادوا إيقاع الشر بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، والعمل الخالي من القول وهو لم يصب الغرض لا يضر ~~بالإسلام الذي هو نصيب اللفظ والشهادة، وإنما يضر بالإيمان الذي هو نصيب ~~الاعتقاد، والقول الثاني في قبال قولهم الذي تفوهوا به، وهو ينافي الإسلام ~~الذي يكتسب باللفظ دون الإيمان الذي هو نوع من الاعتقاد القلبي. # وأما في إنكارهم العمل السيىء الذي أتوا به وتأويلهم إياه إلى الخوض ~~واللعب فبقوله: "وهموا بما لم ينالوا". # ثم قال ms3521 في مقام ذمهم وتعييرهم: "وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله" أي بسبب أن أغناهم الله ورسوله، أي كان سبب نقمتهم هذه أن الله ~~أغناهم من فضله بما رزقهم من الغنائم وبسط عليهم الأمن والرفاهية فمكنهم من ~~توليد الثروة وإنماء المال من كل جهة، وكذا رسوله حيث هداهم إلى عيشة صالحة ~~تفتح عليهم أبواب بركات السماء والأرض، وقسم بينهم الغنائم وبسط عليهم العدل. # فهو من قبيل وضع الشيء موضع ضده: وضع فيه الإغناء وهو بحسب الطبع سبب ~~للرضى والشكر موضع سبب النقمة والسخطة كالظلم والغضب وإن شئت قلت: وضع فيه ~~الإحسان موضع الإساءة، ففيه نوع من التهكم المشوب بالذم نظير ما في قوله ~~تعالى: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون:" الواقعة: - 82 أي تجعلون رزقكم سببا ~~للتكذيب بآيات الله وهو سبب بحسب الطبع لشكر النعمة والرضا بالموهبة على ما ~~قيل: إن المعنى: وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون. PageV09P191 # والضمير في قوله: "من فضله" راجع إلى الله سبحانه، قال في المجمع،: وإنما ~~لم يقل: من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيما ~~لله، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن سمعه يقول: "من أطاع ~~الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى": بئس خطيب القوم أنت فقال: كيف ~~أقول يا رسول الله؟ قال: قل: ومن يعص الله ورسوله، وهكذا القول في قوله ~~سبحانه: "والله ورسوله أحق أن يرضوه" وقيل: إنما لم يقل من فضلهما لأن فضل ~~الله منه وفضل رسوله من فضله، انتهى كلامه. # وهناك وراء التعظيم أمر آخر قدمنا القول فيه في تفسير قوله تعالى: "لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة:" المائدة: - 73 في الجزء السادس من ~~الكتاب، وهو أن وحدته تعالى ليست من سنخ الوحدة العددية حتى يصح بذلك ~~تأليفها مع وحدة غيره واستنتاج عدد من الأعداد منه. # ثم بين الله سبحانه لهؤلاء المنافقين أن لهم مع هذه الذنوب المهلكة وصريح ~~كفرهم بالله وهمهم بما لم ينالوا أن يرجعوا إلى ms3522 ربهم، وبين عاقبة أمر هذه ~~التوبة وعاقبة التولي والإعراض عنها فقال: "فإن يتوبوا يك خيرا لهم" لأدائه ~~إلى المغفرة والجنة "وإن يتولوا" ويعرضوا عن التوبة "يعذبهم الله عذابا ~~أليما في الدنيا" بالسياسة والنكال أو بإغراء النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عليهم أو بالمكر والاستدراج، ولو لم يكن من عذابهم إلا أنهم مخالفون ~~بنفاقهم نظام الأسباب المبني على الصدق والإيمان فتقادمهم سلسلة الأسباب ~~وتحطمهم وتفضحهم لكان فيه كفاية، وقد قال الله: "والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين:" التوبة: - 24 "والآخرة" بعذاب النار. # وقوله تعالى: "وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير" معناه أن هؤلاء لا ولي ~~لهم في الأرض يتولى أمرهم ويصرف العذاب عنهم، ولا نصير ينصرهم ويمدهم بما ~~يدفعون به العذاب الموعود عن أنفسهم لأن سائر المنافقين أيضا منهم وكلمة ~~الفساد يجمعهم وأصلهم الفاسد منقطع عن سائر الأسباب الكونية فلا ولي لهم ~~يتولى أمرهم ولا ناصر لهم ينصرهم ولعل هذه الجملة من الآية إشارة إلى ما ~~أومأنا إليه في معنى عذاب الدنيا. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة" الآية، ~~قيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عند رجوعه من تبوك فأخبر جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم. وعمار كان يقود ~~دابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: اضرب ~~وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ ~~قال: لم أعرف منهم أحدا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنه ~~فلان وفلان حتى عدهم كلهم فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره ~~أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم: عن ابن كيسان. وروي عن أبي ~~جعفر الباقر (عليه السلام): مثله إلا أنه قال: ائتمروا بينهم ليقتلوه وقال ~~بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن ms3523 نقتله. # وقيل: إن جماعة من المنافقين قالوا في غزوة تبوك: يظن هذا الرجل أن يفتح ~~قصور الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على ذلك فقال: احبسوا على الركب، فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا. # فقالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب وحلفوا على ذلك فنزلت الآية: ~~"ولئن سألتهم ليقولن" إلخ، عن الحسن وقتادة. # وقيل: كان ذلك عند منصرفه من غزوة تبوك إلى المدينة وكان بين يديه أربعة ~~نفر أو ثلاثة يستهزءون ويضحكون، وأحدهم يضحك ولا يتكلم فنزل جبرئيل وأخبر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فدعا عمار بن ياسر وقال: إن ~~هؤلاء يستهزءون بي وبالقرآن أخبرني جبرئيل بذلك، ولئن سألتهم ليقولن: كنا ~~نتحدث بحديث الركب فاتبعهم عمار وقال: مم تضحكون؟ قالوا: نتحدث بحديث الركب ~~فقال عمار: صدق الله ورسوله احترقتم أحرقكم الله، فأقبلوا إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يعتذرون فأنزل الله تعالى الآيات. # عن الكلبي وعلي بن إبراهيم وأبي حمزة. PageV09P192 # وقيل: إن رجلا قال في غزوة تبوك: ما رأيت أكذب لسانا ولا أجبن عند اللقاء ~~من هؤلاء يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، فقال له عوف ~~بن مالك: كذبت ولكنك منافق، وأراد أن يخبر رسول الله بذلك فجاء وقد سبقه ~~الوحي فجاء الرجل معتذرا، وقال: إنما كنا نخوض ونلعب ففيه نزلت الآية، عن ~~ابن عمر وزيد بن أسلم ومحمد بن كعب. # وقيل: إن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا ~~وكذا وما يدريه ما الغيب؟ فنزلت الآية، عن مجاهد. # وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ورهطه، عن الضحاك. # وفي المجمع، أيضا: في قوله تعالى: "يحلفون بالله ما قالوا" الآية، اختلف ~~في من نزلت فيه هذه الآية فقيل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كان جالسا في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني الشيطان، ~~فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله ms3524 وسلم) ~~فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله: ~~ما قالوا فأنزل الله هذه الآية: عن ابن عباس. # وقيل: خرج المنافقون مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تبوك ~~فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأصحابه وطعنوا في الدين فنقل ذلك حذيفة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال لهم: ما هذا الذي بلغني عنكم فحلفوا بالله: ما قالوا شيئا من ذلك. # عن الضحاك. # وقيل: نزلت في جلاس بن سويد بن الصامت، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم، فقال ~~الجلاس: والله لئن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر ~~بن قيس فقال: أجل والله إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره ~~بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله. # فأمرهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحلفا عند المنبر فقام ~~الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قال ثم قام عامر فحلف بالله: لقد قال، ثم ~~قال: اللهم أنزل على نبيك الصادق منا الصدق، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل (عليه السلام) قبل أن يتفرقا بهذه ~~الآية حتى بلغ: "فإن يتوبوا يك خيرا لهم". # فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة صدق عامر بن ~~قيس فيما قال لك لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك منه. # عن الكلبي ومحمد بن إسحاق ومجاهد. # وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول حين قال: "لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل" عن قتادة. # وقيل: نزلت في أهل العقبة فإنهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في عقبة ms3525 عند مرجعهم من تبوك، وأرادوا أن يقطعوا أنساع ~~راحلته ثم ينخسوا به فأطلعه الله على ذلك، وكان من جملة معجزاته لأنه لا ~~يمكن معرفة مثل ذلك إلا بوحي من الله تعالى. # فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في العقبة، وعمار وحذيفة معه، ~~أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي، وكان ~~الذين هموا بقتله اثني عشر رجلا أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه عرفهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسماهم واحدا واحدا، عن الزجاج ~~والواقدي والكلبي، والقصة مشروحة في كتاب الواقدي. # وقال الباقر (عليه السلام): كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب. # أقول: والذي ذكره رحمه الله مما جمعه واختاره من الروايات مروية في كتب ~~التفسير بالمأثور وجوامع الحديث من كتب الفريقين وهناك روايات أخرى تركها ~~وأحرى بها أن تترك فتركنا أكثرها كما ترك. # وأما الذي أورده من الروايات فشيء منها لا ينطبق على الآيات غير حديث ~~العقبة الذي أورده تارة في تفسير الآية الأولى: "يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة الآية، وتارة في تفسير الآية: "يحلفون بالله ما قالوا" الآية. PageV09P193 # وأما سائر الروايات الواردة فإنما هي روايات تتضمن من متفرقات القصص ~~والوقائع ما لو صحت وثبتت كانت من قصص المنافقين من غير أن ترتبط بهذه ~~الآيات وهي كما عرفت في البيان السابق إحدى عشرة آية متصل بعضها ببعض ~~مسرودة لغرض واحد، وهو الإشارة إلى قصة من قصص المنافقين هموا فيها باغتيال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكلموا عند ذلك بكلمة الكفر فحال ~~الله سبحانه بينهم وبين أن ينالوا ما هموا به فسألهم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن أمرهم وما تفوهوا به فأولوا فعلهم وأنكروا قولهم وحلفوا ~~على ذلك فكذبهم الله تعالى فيه. # فهذا إجمال ما يلوح من خلال الآيات، ولا ينطبق من بين الروايات إلا على ~~الروايات المشتملة على قصة العقبة في الجملة دون سائرها. # ولا مسوغ للاستناد إليها في تفسير الآيات إلا على مسلك ms3526 القوم من تحكيم ~~الروايات بحسب مضمونها على الآيات سواء ساعدت على ذلك ألفاظ الآيات أو لم ~~تساعد على ما فيها - أعني الروايات - من الاختلاف الفاحش الذي يوجب سوء ~~الظن بها كما يظهر لمن راجعها. # على أن في الروايات مغمزا آخر وهو ظهورها في تقطع الآيات وتشتت بعضها ~~وانفصاله عن بعض بنزول كل لسبب آخر وتعقيبه غرضا آخر، وقد عرفت أن الآيات ~~ذات سياق واحد متصل ليس من شأنه إلا أن يعقب غرضا واحدا. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الكلبي: أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ~~ثلاثة رهط استهزءوا بالله ورسوله وبالقرآن قال: كان رجل منهم لم يمالئهم في ~~الحديث يسير مجانبا لهم يقال له: يزيد بن وديعة فنزلت: "إن نعف عن طائفة ~~منكم نعذب طائفة" فسمى طائفة وهو واحد. # أقول: وهذا هو منشأ قول بعضهم: إن الطائفة تطلق على الواحد كما تطلق على ~~الكثير مع أن الآية جارية مجرى الكناية دون التسمية ونظير ذلك كثير في ~~الآيات القرآنية كما تقدمت الإشارة إليه. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رهط من ~~المنافقين من بني عمرو بن عوف فيهم وديعة بن ثابت، ورجل من أشجع حليف لهم ~~يقال له: مخشي بن حمير كانوا يسيرون مع رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال ~~غيرهم والله لكأنا بكم غدا تقادون في الحبال. قال مخشي بن حمير لوددت أني ~~أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد ~~احترقوا فسلهم عما قالوا فإن هم أنكروا وكتموا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا ~~فأدركهم فقال لهم فجاءوا يعتذرون فأنزل الله: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم أن نعف عن طائفة منكم" ms3527 الآية فكان الذي عفا الله عنه مخشي بن حمير ~~فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمقتله فقتل باليمامة ~~لا يعلم مقتله ولا من قتله ولا يرى له أثر ولا عين. # أقول: وقصة مخشي بن حمير وردت في عدة روايات غير أنها على تقدير صحتها لا ~~تستلزم نزول الآيات فيها على ما بينها وبين مضامين الآيات من البون البعيد. # وليس من الواجب علينا إذا عثرنا على شيء من القصص الواقعة في زمن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أي قصة كانت أن نلجم بها آية من آيات القرآن ~~الكريم ثم نعود فنفسر الآية بالقصة ونحكمها عليها. PageV09P194 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن عباس قال: ما أشبه الليلة بالبارحة: "كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم ~~قوة إلى قوله وخضتم كالذي خاضوا" هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي ~~بيده لتتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه: أقول: ورواه في المجمع، ~~أيضا عنه. وفي المجمع، عن تفسير الثعلبي عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ~~ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب ~~لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل ~~الناس إلا هم؟ وفيه، أيضا عن تفسير الثعلبي عن حذيفة قال: المنافقون الذين ~~فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه. وفي ~~العيون، بإسناده عن القاسم بن مسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم قال: سألت ~~الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "نسوا الله فنسيهم" فقال: إن الله ~~تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وإنما ينسى ويسهو المخلوق المحدث ألا تسمعه ~~عز وجل يقول: "وما كان ربك نسيا"، وإنما يجازي من نسيه ونسي لقاء ms3528 يومه أن ~~ينسيهم أنفسهم كما قال عز وجل: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله - فأنساهم ~~أنفسهم أولئك هم الفاسقون" +" و"+ قوله عز وجل "فاليوم ننساهم كما نسوا ~~لقاء يومهم هذا" أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا. وفي تفسير ~~العياشي، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): "نسوا الله" قال: تركوا طاعة ~~الله "فنسيهم" قال: فتركهم. وفيه، عن أبي معمر السعداني قال: قال علي (عليه ~~السلام): في قوله: "نسوا الله فنسيهم" فإنما يعني أنهم نسوا الله في دار ~~الدنيا فلم يعملوا له بالطاعة ولم يؤمنوا به وبرسوله فنسيهم في الآخرة أي ~~لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا فصاروا منسيين من الخير: أقول: ورواه الصدوق في ~~المعاني، بإسناده عن أبي معمر عنه (عليه السلام). وفي الكافي، بإسناده عن ~~أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في حديث قلت: "والمؤتفكات أتتهم ~~رسلهم بالبينات" قال: أولئك قوم لوط ائتفكت عليهم أي انقلبت وصارت عاليها ~~سافلها. وفي التهذيب، بإسناده عن صفوان بن مهران قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام) تأتيني المرأة المسلمة قد عرفتني بعملي وأعرفها بإسلامها ليس ~~لها محرم فأحملها، قال: فاحملها فإن المؤمن محرم للمؤمنة. ثم تلا هذه ~~الآية: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض": أقول: ورواه العياشي في ~~تفسيره عن صفوان الجمال عنه (عليه السلام). وفي تفسير العياشي، عن ثوير عن ~~علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: إذا صار أهل الجنة في الجنة ودخل ولي ~~الله إلى جناته ومساكنه، واتكأ، كل مؤمن على أريكته حفته خدامه، وتهدلت ~~عليه الأثمار، وتفجرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له ~~الزرابي، ووضعت له النمارق، وأتته الخدام بما شاءت هواه من قبل أن يسألهم ~~ذلك قال: وتخرج عليه الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ما شاء الله. ثم ~~إن الجبار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري ~~الأهل أنبئكم بخير مما أنتم فيه؟ فيقولون: ربنا وأي شيء خير مما نحن فيه: ~~فيما اشتهت أنفسنا ولذت أعيننا من النعم في ms3529 جوار الكريم؟. قال: فيعود عليهم ~~القول فيقولون ربنا نعم فأتنا بخير مما نحن فيه فيقول تبارك وتعالى لهم: ~~رضاي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم مما أنتم فيه قال: فيقولون: نعم يا ربنا ~~رضاك عنا ومحبتك لنا خير وأطيب لأنفسنا. ثم قرأ علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) هذه الآية: "وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار - خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن - ورضوان من الله أكبر ذلك ~~هو الفوز العظيم". وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله: ~~هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا وهل بقي شيء؟ إلا قد أنلتناه؟ ~~فيقول: نعم رضائي فلا أسخط عليكم أبدا. # أقول: وهذا المعنى وارد في روايات كثيرة من طرق الفريقين. PageV09P195 # وفي جامع الجوامع، عن أبي الدرداء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): عدن ~~دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة: ~~النبيون والصديقون والشهداء يقول الله: طوبى لمن دخلك. # أقول: ولا ينافي خصوص سكنة الجنة في الرواية عمومهم في الآية لدلالة قوله ~~تعالى: "والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم:" ~~الحديد: - 19 على أن الله سبحانه سيلحق عامة المؤمنين بالصديقين والشهداء. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين" الآية: قال حدثني أبي عن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: جاهد الكفار والمنافقين بإلزام الفرائض. وفي الدر ~~المنثور، أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: لما نزلت: "يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يجاهد بيده فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فليلقه بوجه مكفهر. # أقول: وفي الرواية تشويش من حيث ترتب أجزائها فالجهاد بالقلب بعد الجميع ~~وقد تخلل بينها. PageV09P196 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 75 - 80 # ومنهم من عهد ms3530 الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصلحين (75) ~~فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا فى ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علم الغيوب (78) الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقت والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ~~والله لا يهدى القوم الفسقين (80) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات طائفة أخرى من المنافقين تخلفوا عن حكم الصدقات فامتنعوا عن ~~إيتاء الزكاة، وقد كانوا فقراء فعاهدوا الله إن أغناهم وآتاهم من فضله ~~ليصدقن وليكونن من الصالحين فلما آتاهم مالا بخلوا به وامتنعوا. # وتذكر آخرين من المنافقين يعيبون أهل السعة من المؤمنين بإيتاء الصدقات ~~وكذلك يلمزون أهل العسرة منهم ويسخرون منهم والله سبحانه يسمي هؤلاء جميعا ~~منافقين، ويقضي فيهم بعدم المغفرة البتة. # قوله تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين" إلى آخر الآيتين. # الإيتاء الإعطاء، وقد كثر إطلاق الإيتاء من الفضل على إعطاء المال، ومن ~~القرائن عليه في الآية قوله "لنصدقن" أي لنتصدقن مما آتانا من المال وكذلك ~~ما في الآية التالية من ذكر البخل به. # والسياق يفيد أن الكلام متعرض لأمر واقع، والروايات تدل على أن الآيات ~~نزلت في ثعلبة في قصة سيأتي نقلها في البحث الروائي التالي إن شاء الله ~~تعالى، ومعنى الآيتين ظاهر. # قوله تعالى: "فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه" الآية. # الأعقاب الإيراث قال في المجمع،: وأعقبه وأورثه وأداه نظائر وقد يكون ~~أعقبه بمعنى جازاه. # انتهى وهو مأخوذ من العقب، ومعناه الإتيان بشيء عقيب شيء. # والضمير في قوله: "فأعقبهم" راجع إلى البخل أو إلى فعلهم الذي منه البخل، ~~وعلى هذا فالمراد بقوله: "يوم يلقونه" يوم لقاء البخل أي جزاء البخل بنحو ~~من العناية. # ويمكن أن يرجع الضمير ms3531 إليه تعالى والمراد بيوم يلقونه يوم يلقون الله وهو ~~يوم القيامة على ما هو المعروف من كلامه تعالى من تسمية يوم القيامة بيوم ~~لقاء الله أو يوم الموت كما هو الظاهر من قوله تعالى: "من كان يرجوا لقاء ~~الله فإن أجل الله لآت": العنكبوت: - 5. # وهذا الثاني هو الظاهر على الثاني لأن الأنسب عند الذهن أن يقال: فهم على ~~نفاقهم إلى أن يموتوا. # دون أن يقال: فهم على نفاقهم إلى أن يبعثوا إذ لا تغير لحالهم فيما بعد ~~الموت على أي حال. # وقوله: "بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون" الباء في الموضعين ~~منه للسببية أي إن هذا البخل أورثهم نفاقا بما كان فيه من الخلف في الوعد ~~والاستمرار على الكذب الموجبين لمخالفة باطنهم لظاهرهم وهو النفاق. # ومعنى الآية: فأورثهم البخل والامتناع عن إيتاء الصدقات نفاقا في قلوبهم ~~يدوم لهم ذلك ولا يفارقهم إلى يوم موتهم وإنما صار هذا البخل والامتناع ~~سببا لذلك لما فيه من خلف الوعد لله والملازمة والاستمرار على الكذب. # أو المعنى: جازاهم الله نفاقا في قلوبهم إلى يوم لقائه وهو يوم الموت ~~لأنهم أخلفوه ما وعدوه وكانوا يكذبون. # وفي الآية دلالة أولا: على أن خلف الوعد وكذب الحديث من أسباب النفاق ~~وأماراته. # وثانيا: أن من النفاق ما يعرض الإنسان بعد الإيمان كما أن من الكفر ما هو ~~كذلك وهو الردة، وقد قال الله سبحانه: "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى ~~أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون:" الروم: - 10 فذكر أن الإساءة ~~ربما أدى بالإنسان إلى تكذيب آيات الله، والتكذيب ربما كان ظاهرا وباطنا ~~معا وهو الكفر، أو باطنا فحسب وهو النفاق. PageV09P197 # قوله تعالى: "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم" الآية النجوى الكلام ~~الخفي والاستفهام للتوبيخ والتأنيب. # قوله تعالى: "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم" الآية التطوع الإتيان بما لا تكرهه النفس ولا تحسبه شاقا ~~ولذلك يستعمل غالبا في المندوبات لما في الواجبات من شائبة التحميل على ~~النفس بعدم ms3532 الرضى بالترك. # ومقابلة المطوعين من المؤمنين في الصدقات بالذين لا يجدون إلا جهدهم ~~قرينة على أن المراد بالمطوعين فيها الذين يؤتون الزكاة على السعة والجدة ~~كأنهم لسعتهم وكثرة مالهم يؤتونها على طوع ورغبة من غير أن يشق ذلك عليهم ~~بخلاف الذين لا يجدون إلا جهدهم أي مبلغ جهدهم وطاقتهم أو ما يشق عليهم ~~القنوع بذلك. # وقوله: "الذين يلمزون" الآية كلام مستأنف أو هو وصف للذين ذكروا بقوله: ~~"ومنهم من عاهد الله" الآية كما قالوا. # والمعنى: الذين يعيبون الذين يتطوعون بالصدقات من المؤمنين الموسرين ~~والذين لا يجدون من المال إلا جهد أنفسهم من الفقراء المعسرين فيعيبون ~~المتصدقين موسرهم ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم ويسخرون منهم سخر الله منهم ولهم ~~عذاب أليم، وفيه جواب لاستهزائهم وإيعاد بعذاب شديد. # قوله تعالى: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم" الترديد بين الأمر والنهي كناية عن تساوي الفعل والترك أي ~~لغوية الفعل كما مر نظيره في قوله: "أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم:" ~~التوبة: - 53. # فالمعنى أن هؤلاء المنافقين لا تنالهم مغفرة من الله ويستوي فيهم طلب ~~المغفرة وعدمها لأن طلبها لهم لغو لا أثر له. # وقوله: "إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم" تأكيدا لما ذكر قبله ~~من لغوية الاستغفار لهم، وبيان أن طبيعة المغفرة لا تنالهم البتة سواء سألت ~~المغفرة في حقهم أو لم تسأل، وسواء كان الاستغفار مرة أو مرات قليلا أو كثيرا. # فذكر السبعين كناية عن الكثرة من غير أن يكون هناك خصوصية للعدد حتى يكون ~~الواحد والاثنان من الاستغفار حتى يبلغ السبعين غير مؤثر في حقهم فإذا جاوز ~~السبعين أثر أثره، ولذلك علله بقوله: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله" أي إن ~~المانع من شمول المغفرة هو كفرهم بالله ورسوله، ولا يختلف هذا المانع بعدم ~~الاستغفار. # ولا وجوده واحدا أو كثيرا فهم على كفرهم. # ومن هنا يظهر أن قوله: "والله لا يهدي القوم الفاسقين" متمم لسابقه ~~والكلام مسوق سوق الاستدلال القياسي والتقدير: أنهم ms3533 كافرون بالله ورسوله ~~فهم فاسقون خارجون عن عبودية الله، والله لا يهدي القوم الفاسقين، لكن ~~المغفرة هداية إلى سعادة القرب والجنة فلا تشملهم المغفرة ولا تنالهم البتة. # واستعمال السبعين في الكثرة المجردة عن الخصوصية كاستعمال المائة والألف ~~فيها كثير في اللغة. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الأنصار فقال للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ادع الله أن يرزقني مالا فقال: يا ثعلبة قليل ~~تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي ~~بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك فقال: ~~يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله ~~مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم ارزق ~~ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ~~فنزل واديا من أوديتها ثم كثرت نموا حتى تباعد من المدينة فاشتغل بذلك عن ~~الجمعة والجماعة، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه المصدق ~~ليأخذ الصدقة فأبى وبخل وقال: ما هذه إلا أخت الجزية فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، وأنزل الله الآيات:. عن ~~أبي أمامة الباهلي وروي ذلك مرفوعا. # وقيل: إن ثعلبة أتى مجلسا من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من ~~فضله تصدقت منه وآتيت كل ذي حق حقه ووصلت منه القرابة فابتلاه الله فمات ~~ابن عم له فورثه مالا فلم يف بما قال فنزلت. # عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة. # وقيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما من بني عمرو بن عوف ~~قالا: لئن رزقنا الله مالا لنصدقن فلما رزقهما الله المال بخلا به. PageV09P198 # عن الحسن ومجاهد. # أقول: ما ذكروه من الروايات لا يدفع بعضها البعض فمن الجائز أن يكون ~~ثعلبة عاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ثم ms3534 أشهد عليه جماعة من ~~الأنصار، وأن يكون معه في ذلك غيره فتتأيد الروايات بعضها ببعض. # وتتأيد أيضا بما روي عن الضحاك أن الآيات نزلت في رجال من المنافقين: ~~نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير. # وأما ما رواه في المجمع، عن الكلبي: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة كان ~~له مال بالشام فأبطأ عنه وجهد لذلك جهدا شديدا فحلف لئن آتاه الله ذلك ~~المال ليصدقن فأتاه الله تعالى ذلك فلم يفعل فهو بعيد الانطباق على الآيات ~~لأن إيصال المال إلى صاحبه لا يسمى إيتاء من الفضل، وإنما هو الإعطاء ~~والرزق. وفي تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في الآية قال: هو ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عوف كان محتاجا فعاهد ~~الله فلما آتاه بخل به. وفي الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: آية ~~المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان. # أقول: وهو مروي بغير واحد من الطرق عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ~~وقد تقدم بعضها. # وفيه،: في قوله تعالى: "الذين يلمزون المطوعين" الآية: أخرج البخاري ~~ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في ~~المعرفة عن ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء ~~رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مراء، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون: ~~إن الله لغني عن صدقة هذا فنزلت: "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات - والذين لا يجدون إلا جهدهم" الآية. # أقول: والروايات في سبب نزول الآية كثيرة وأمثلها ما أوردناه، وفي قريب ~~من معناه روايات أخرى، وظاهرها أن الآية مستقلة عما قبلها مستأنفة في نفسها ~~وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة: أن عبد الله بن ~~أبي قال لأصحابه: لو لا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو ~~القائل: ms3535 ليخرجن الأعز منها الأذل فأنزل الله عز وجل: "استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة - فلن يغفر الله لهم" قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لأزيدن على السبعين فأنزل الله: سواء عليهم أستغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر عن مجاهد قال: لما نزلت: "إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم" قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سأزيد على سبعين فأنزل ~~الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون "لن يغفر الله لهم". وفيه، أخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لما ~~نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة ~~لعل الله أن يغفر لهم فقال الله من شدة غضبه عليهم: "سواء عليهم أستغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم - لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين". # أقول: مما لا ريب فيه أن هذه الآيات مما نزلت في أواخر عهد النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقد سبقتها في النزول السور المكية عامة وأكثر السور ~~والآيات المدنية قطعا، ومما لا ريب فيه لمن يتدبر كتاب الله أنه لا رجاء في ~~نجاة الكفار والمنافقين وهم أشد منهم إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، ولا ~~مطمع في شمول المغفرة الإلهية لهم فهناك آيات كثيرة مكية ومدنية صريحة ~~قاطعة في ذلك. # والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من أن يخفى عليه ما أنزله الله ~~إليه أو أن لا يثق بما وعدهم الله من العذاب المخلد وعدا حتميا فيطمع في ~~نقض القضاء المحتوم بالإصرار عليه تعالى والإلحاح في طلب الغفران لهم. # أو أن يخفى عليه أن الترديد في الآية لبيان اللغوية وأن لا خصوصية لعدد ~~السبعين حتى يطمع في مغفرتهم لو زاد على السبعين. PageV09P199 # وليت شعري ما ذا يزيد قوله تعالى في سورة المنافقون: "سواء عليهم أستغفرت ~~لهم ms3536 أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين" ~~على قوله تعالى في هذه الآية "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين" وقد علل الله سبحانه نفي المغفرة نفيا مؤبدا فيهما بأنهم ~~فاسقون والله لا يهدي القوم الفاسقين. # فقد تلخص أن هذه الروايات وما في معناها موضوعة يجب طرحها. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم ~~والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: سمعت ~~عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) للصلاة عليه فقام عليه فلما وقف قلت: أعلى عدو الله عبد الله بن أبي ~~القائل كذا وكذا والقائل كذا وكذا؟ أعدد أيامه ورسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يتبسم حتى إذا أكثرت قال: يا عمر أخر عني إني قد خيرت قد قيل ~~لي: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة" فلو أعلم أني ~~إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها. ثم صلى عليه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه فعجبت لي ولجرأتي ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والله ورسوله أعلم فوالله ما كان ~~إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره" فما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على منافق بعده حتى ~~قبضه الله عز وجل. # أقول: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرواية: "فلو أعلم أني إن زدت ~~على السبعين" إلخ صريح في أنه كان آئسا من شمول المغفرة له، وهو يشهد بأن ~~المراد من قوله: "إني قد خيرت قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" إن ~~الله قد ردد الأمر ولم ينهه ms3537 عن الاستغفار لا أنه خيره بين الاستغفار وعدمه ~~تخييرا حقيقيا حتى ينتج تأثير الاستغفار في حصول المغفرة أو رجاء ذلك. # ومن ذلك يعلم أن استغفاره (صلى الله عليه وآله وسلم) لعبد الله وصلاته ~~عليه وقيامه على قبره إن ثبت شيء من ذلك لم يكن شيء من ذلك لطلب المغفرة ~~والدعاء له جدا كما سيأتي في رواية القمي، وفي الروايات كلام سيأتي. PageV09P200 # وفيه، عن ابن أبي حاتم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال: لقد أصبت في ~~الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا ~~لقد قال الله: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قد خيرني ربي ~~فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فقعد رسول الله على شفير القبر فجعل ~~الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): الحباب اسم شيطان أنت عبد الله. وفي تفسير ~~القمي،: في قوله تعالى: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" الآية أنها نزلت لما ~~رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة ومرض عبد الله بن أبي ~~وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمنا فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأبوه يجود بنفسه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إنك إن لم ~~تأت أبي كان ذلك عارا علينا فدخل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمنافقون عنده فقال ابنه عبد الله بن عبد الله استغفر له فاستغفر له. ~~فقال عمر: ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي على أحد أو تستغفر له؟ فأعرض ~~عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعاد عليه فقال له: ويلك إني قد ~~خيرت فاخترت إن الله يقول: "استغفر لهم أو ms3538 لا تستغفر لهم - إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم". فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن رأيت أن ~~تحضر جنازته فحضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام على قبره فقال ~~له عمر: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبدا وأن ~~تقيم على قبره؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ويلك وهل تدري ~~ما قلت؟ إنما قلت: اللهم احش قبره نارا وجوفه نارا وأصله النار فبدا من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم يكن يحب. # أقول: وفي الروايات تتمة كلام سيوافيك في ذيل الآيات التالية. PageV09P201 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 81 - 96 # فرح المخلفون بمقعدهم خلف رسول الله وكرهوا أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم فى ~~سبيل الله وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ~~(81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك ~~الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقتلوا ~~معى عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخلفين (83) ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فسقون (84) ولا تعجبك أمولهم وأولدهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها فى ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كفرون (85) وإذا أنزلت سورة أن ءامنوا بالله ~~وجهدوا مع رسوله استئذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القعدين (86) ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول ~~والذين ءامنوا معه جهدوا بأمولهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرت وأولئك هم ~~المفلحون (88) أعد الله لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ذلك الفوز ~~العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ms3539 ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على ~~المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا ~~مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى ~~الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون ~~(94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم ~~رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ~~ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفسقين (96) ### |||| AUTO بيان # الآيات تقبل الاتصال بالآيات التي قبلها وهي تعقب غرضا يعقبه ما تقدمها. # قوله تعالى: "فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله" الآية الفرح والسرور ~~خلاف الغم وهما حالتان نفسيتان وجدانيتان ملذة ومؤلمة، والمخلفون اسم مفعول ~~من قولهم خلفه إذا تركه بعده والمقعد كالقعود مصدر قعد يقعد وهو كناية عن ~~عدم الخروج إلى الجهاد. # والخلاف كالمخالفة مصدر خالف يخالف، وربما جاء بمعنى بعد كما قيل ولعل ~~منه قوله: "وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا" وكان قياس الكلام أن يقال: ~~"خلافك" لأن الخطاب فيه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما قيل: "خلاف ~~رسول الله" للدلالة على أنهم إنما يفرحون على مخالفة الله العظيم فما على ~~الرسول إلا البلاغ. # والمعنى فرح المنافقون الذين تركتهم بعدك بعدم خروجهم معك خلافا لك - أو ~~بعدك - وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. PageV09P202 # وقوله تعالى: "وقالوا لا تنفروا في الحر" خاطبوا بذلك غيرهم ليخذلوا النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ويبطلوا مسعاه في تنفير الناس إلى الغزوة، ولذلك ~~أمره الله تعالى أن يجيب عن قولهم ذلك بقوله: "قل نار جهنم أشد حرا" أي إن ~~الفرار عن الحر بالقعود إن أنجاكم منه لم ينجكم مما هو أشد ms3540 منه وهو نار ~~جهنم التي هي أشد حرا فإن الفرار عن هذا الهين يوقعكم في ذاك الشديد. # ثم أفاد بقوله: "لو كانوا يفقهون" المصدر بلو التمني اليأس من فقههم ~~وفهمهم. # قوله تعالى: "فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون" تفريع ~~على تخلفهم عن الجهاد بالأموال والأنفس وفرحهم بالقعود عن هذه الفريضة ~~الإلهية الفطرية التي لا سعادة للإنسان في حياته دونها. # وقوله: "جزاء بما كانوا يكسبون" والباء للمقابلة أو السببية دليل على أن ~~المراد بالضحك القليل هو الذي في الدنيا فرحا بالتخلف والقعود ونحو ذلك، ~~وبالبكاء الكثير ما كان في الآخرة في نار جهنم التي هي أشد حرا فإن الذي ~~فرع عليه الضحك والبكاء هو ما في الآية السابقة، وهو فرحهم بالتخلف وخروجهم ~~من حر الهواء إلى حر نار جهنم. # فالمعنى: فمن الواجب بالنظر إلى ما عملوه واكتسبوه أن يضحكوا ويفرحوا ~~قليلا في الدنيا وأن يبكوا ويحزنوا كثيرا في الآخرة فالأمر بالضحك والبكاء ~~للدلالة على إيجاب السبب وهو ما كسبوه من الأعمال لذلك. # وأما حمل الأمر في قوله: "فليضحكوا" وقوله: "وليبكوا" على الأمر المولوي ~~لينتج تكليفا من التكاليف الشرعية فلا يناسبه قوله: "جزاء بما كانوا ~~يكسبون". # ويمكن أن يكون المراد الأمر بالضحك القليل والبكاء الكثير معا ما هو في ~~الدنيا جزاء لسابق أعمالهم فإنها هدتهم إلى راحة وهمية في أيام قلائل وهي ~~أيام قعودهم خلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم إلى هوان وذلة ~~عند الله ورسوله والمؤمنين ما داموا أحياء في الدنيا ثم إلى شديد حر النار ~~في الآخرة بعد موتهم. # قوله تعالى: "فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج" إلى آخر ~~الآية المراد بالقعود أول مرة التخلف عن الخروج في أول مرة كان عليهم أن ~~يخرجوا فيها فلم يخرجوا، ولعلها غزوة تبوك كما يهدي إليه السياق. # والمراد بالخالفين المتخلفون بحسب الطبع كالنساء والصبيان والمرضى ~~والزمنى وقيل: المتخلفون من غير عذر، وقيل: الخالفون هم أهل الفساد، ~~والباقي واضح. # وفي قوله: "فإن رجعك الله إلى طائفة منهم" ms3541 الآية دلالة على أن هذه الآية ~~وما في سياقها المتصل من الآيات السابقة واللاحقة نزلت ورسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في سفره ولما يرجع إلى المدينة، وهو سفره إلى تبوك. # قوله تعالى: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون" نهي عن الصلاة لمن مات من المنافقين ~~والقيام على قبره وقد علل النهي بأنهم كفروا وفسقوا وماتوا على فسقهم، وقد ~~علل لغوية الاستغفار لهم في قوله تعالى: السابق: "استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم:" آية - 80 من السورة، وكذا في قوله "سواء عليهم استغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين:" المنافقون: ~~- 6 بالكفر والفسق أيضا. # ويتحصل من الجميع أن من فقد الإيمان بالله باستيلاء الكفر على قلبه ~~وإحاطته به فلا سبيل له إلى النجاة يهتدي به، وأن الآيات الثلاث جميعا تكشف ~~عن لغوية الاستغفار للمنافقين والصلاة على موتاهم والقيام على قبورهم ~~للدعاء لهم. # وفي الآية إشارة إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي على ~~موتى المسلمين ويقوم على قبورهم للدعاء. # قوله تعالى: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم" الآية تقدم بعض ما يتعلق ~~بالآية من الكلام في الآية 55 من السورة. # قوله تعالى: "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله" إلى آخر ~~الآيتين. # الطول القدرة والنعمة، والخوالف هم الخالفون والكلام فيه كالكلام فيه، ~~والباقي ظاهر. PageV09P203 # قوله تعالى: "لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم" لما ذم ~~المنافقين في الآيتين السابقتين بالرضا بالقعود مع الخوالف والطبع على ~~قلوبهم استدرك بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين آمنوا معه - ~~والمراد بهم المؤمنون حقا الذين خلصت قلوبهم من رين النفاق بدليل المقابلة ~~مع المنافقين - ليمدحهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم أي إنهم لم يرضوا بالقعود ~~ولم يطبع على قلوبهم بل نالوا سعادة الحياة والنور الإلهي الذي يهتدون به ~~في مشيهم كما قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ms3542 يمشي به ~~في الناس:" الأنعام: - 122. # ولذلك عقب الكلام بقوله: "وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون" فلهم ~~جميع الخيرات - على ما يقتضيه الجمع المحلى باللام - من الحياة الطيبة ونور ~~الهدى والشهادة وسائر ما يتقرب به إلى الله سبحانه، وهم المفلحون الفائزون ~~بالسعادة. # قوله تعالى: "أعد الله لهم جنات تجري" الآية الإعداد هو التهيئة وقد عبر ~~بالإعداد دون الوعد لأن الأمور بخواتيمها وعواقبها فلو كان وعدا وهو وعد ~~لجميع من آمن معه لكان قضاء حتميا واجب الوفاء سواء بقي الموعودون على صفاء ~~إيمانهم وصلاح أعمالهم أو غيروا والله لا يخلف الميعاد. # والأصول القرآنية لا تساعد على ذلك، ولا الفطرة السليمة ترضى أن ينسب إلى ~~الله سبحانه أن يطبع بطابع المغفرة والجنة الحتمية على أحد لعمل عمله من ~~الصالحات ثم يخلي بينه وبين ما شاء وأراد. # ولذلك نجده سبحانه إذا وعد وعدا علقه على عنوان من العناوين العامة ~~كالإيمان والعمل الصالح يدور معه الوعد الجميل من غير أن يخص به أشخاصا ~~بأعيانهم فيفيد التناقض بالجمع بين التكليف والتأمين كما قال تعالى: "وعد ~~الله المؤمنين والمؤمنات جنات:" الآية - 72 من السورة، وقال تعالى: "محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم - إلى أن قال - وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما:" الفتح: - 29. # قوله تعالى: "وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم" الآية. # الظاهر أن المراد بالمعذرين هم أهل العذر كالذي لا يجد نفقة ولا سلاحا ~~بدليل قوله: "وقعد الذين كذبوا" الآية، والسياق يدل على أن في الكلام قياسا ~~لإحدى الطائفتين إلى الأخرى ليظهر به لؤم المنافقين وخستهم وفساد قلوبهم ~~وشقاء نفوسهم، حيث إن فريضة الجهاد الدينية والنصرة لله ورسوله هيج لذلك ~~المعذرين من الأعراب وجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يستأذنونه، ولم يؤثر في هؤلاء الكاذبين شيئا. # قوله تعالى: "ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج" المراد بالضعفاء بدلالة سياق الآية: الذين لا قوة لهم على ~~الجهاد بحسب الطبع كالزمنى كما ms3543 أن المرضى لا قوة لهم عليه بحسب عارض مزاجي، ~~والذين لا يجدون ما ينفقون لا قوة لهم عليه من جهة فقد المال ونحوه. # فهؤلاء مرفوع عنهم الحرج والمشقة أي الحكم بالوجوب الذي لو وضع كان حكما ~~حرجيا، وكذا ما يستتبعه الحكم من الذم والعقاب على تقرير المخالفة. # وقد قيد الله تعالى رفع الحرج عنهم بقوله: "إذا نصحوا لله ورسوله" وهو ~~ناظر إلى الذم والعقاب على المخالفة والقعود فإنما يرفع الذم والعقاب عن ~~هؤلاء المعذورين إذا نصحوا لله ورسوله، وأخلصوا من الغش والخيانة ولم يجروا ~~في قعودهم على ما يجري عليه المنافقون المتخلفون من تقليب الأمور وإفساد ~~القلوب في مجتمع المؤمنين، وإلا فيجري عليهم ما يجري على المنافقين من الذم ~~والعقاب. # وقوله: "ما على المحسنين من سبيل" في مقام التعليل لنفي الحرج عن الطوائف ~~المذكورين بشرط أن ينصحوا لله ورسوله أي لأنهم يكونون حينئذ محسنين وما على ~~المحسنين من سبيل فلا سبيل يتسلط عليهم يؤتون منه فيصابون بما يكرهونه. # ففي السبيل كناية عن كونهم في مأمن مما يصيبهم من مكروه كأنهم في حصن ~~حصين لا طريق إلى داخله يسلكه الشر إليهم فيصيبهم، والجملة عامة بحسب ~~المعنى وإن كان مورد التطبيق خاصا. # قوله تعالى: "ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت" الآية قال في ~~المجمع،: الحمل إعطاء المركوب من فرس أو بعير أو غير ذلك تقول: حمله يحمله ~~حملا إذا أعطاه ما يحمل عليه قال: ألا فتى عنده خفان يحملني. PageV09P204 # عليهما إنني شيخ على سفر. # قال: والفيض الجري عن امتلاء من قولهم: فاض الإناء بما فيه، والحزن ألم ~~في القلب لفوت أمر مأخوذ من حزن الأرض وهي الأرض الغليظة المسلك. # انتهى. # وقوله: "ولا على الذين" الآية. # موصول صلته قوله: "تولوا" الآية، وقوله: "إذا ما أتوك لتحملهم" كالشرك ~~والجزاء والمجموع ظرف لقوله: تولوا" وحزنا مفعول له، و"ألا يجدوا" منصوب ~~بنزع الخافض. # والمعنى: ولا حرج على الفقراء الذين إذا ما أتوك لتعطيهم مركوبا يركبونه ~~وتصلح سائر ما يحتاجون إليه من السلاح وغيره قلت ms3544 لا أجد ما أحملكم عليه ~~تولوا والحال أن أعينهم تمتلىء وتسكب دموعا للحزن من أن لا يجدوا - أو لأن ~~لا يجدوا - ما ينفقونه في سبيل الله للجهاد مع أعدائه. # وعطف هذا الصنف على ما تقدمه من عطف الخاص على العام عناية بهم لأنهم في ~~أعلى درجة من النصح وإحسانهم ظاهر. # قوله تعالى: "إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء" الآية، القصر ~~للإفراد والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم" إلى آخر الآية. # خطاب الجمع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعا، وقوله: "لن ~~نؤمن لكم" أي لن نصدقكم على ما تعتذرون به بناء على تعدية الإيمان باللام ~~كالباء - أو لن نصدق تصديقا ينفعكم - بناء على كون اللام للنفع - والجملة ~~تعليل لقوله: "لا تعتذروا" كما أن قوله: "قد نبأنا الله من أخباركم" تعليل ~~لهذه الجملة. # والمعنى يعتذر المنافقون إليكم عند رجوعكم من الغزوة إليهم قل يا محمد ~~لهم: لا تعتذروا إلينا لأنا لن نصدقكم فيما تعتذرون به لأن الله قد أخبرنا ~~ببعض أخباركم مما يظهر به نفاقكم وكذبكم فيما تعتذرون به، وسيظهر عملكم ~~ظهور شهود لله ورسوله ثم تردون إلى الله الذي يعلم الغيب والشهادة يوم ~~القيامة فيخبركم بحقائق أعمالكم. # وفي قوله: "وسيرى الله عملكم ورسوله" إلخ في إيضاحه كلام سيمر بك عن قريب. # قوله تعالى: "سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ~~عنهم" الآية أي لتعرضوا عنهم فلا تتعرضوا لهم بالعتاب والتقريع وما يتعقب ~~ذلك فأعرضوا عنهم لا تصديقا لهم فيما يحلفون له من الأعذار بل لأنهم رجس ~~ينبغي أن لا يقترب منهم ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. # قوله تعالى: "يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين" أي هذا الحلف منهم كما كان للتوسل إلى صرفكم عنهم ليأمنوا ~~الذم والتقريع كذلك هو للتوسل إلى رضاكم عنهم أما الإعراض فافعلوه لأنهم ~~رجس لا ينبغي لنزاهة الإيمان وطهارته أن تتعرض لرجس النفاق والكذب وقذارة ~~الكفر والفسق، وأما الرضى فاعلموا ms3545 أنكم إن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى ~~عنهم لفسقهم والله لا يرضى عن القوم الفاسقين. # فالمراد أنكم إن رضيتم عنهم فقد رضيتم عمن لم يرض الله عنه أي رضيتم ~~بخلاف رضى الله، ولا ينبغي لمؤمن أن يرضى عما يسخط ربه فهو أبلغ كناية عن ~~النهي عن الرضا عن المنافقين. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "فرح المخلفون" الآية: أخرج ابن أبي ~~حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: كانت غزوة تبوك آخر غزوة ~~غزاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي غزوة الحر "قالوا لا ~~تنفروا في الحر" وهي غزوة العسرة. وفيه، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الناس أن ~~ينبعثوا معه وذلك في الصيف فقال رجال. يا رسول الله إن الحر شديد ولا ~~نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحر فقال الله "قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون" فأمره بالخروج. # أقول: ظاهر الآية أنهم إنما قالوه ليخذلوا الناس عن الخروج، وظاهر الحديث ~~أنهم إنما قالوه إشارة فلا يتطابقان. # وفيه، أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: خرج رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في حر شديد إلى تبوك فقال رجل من بني سلمة: لا ~~تنفروا في الحر فأنزل الله: "قل نار جهنم أشد حرا" الآية. # أقول: تقدمت أخبار في قوله تعالى: "ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني" ~~الآية أن القائل لقوله: "لا تنفروا في الحر" هو جد بن قيس. PageV09P205 # وفي الدر المنثور، أيضا: في قوله تعالى: "ولا تصل على أحد منهم" الآية: ~~أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول أتى ~~ابنه عبد الله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسأله أن يعطيه قميصه ~~ليكفنه فيه فأعطاه ثم سأله أن يصلي ms3546 عليه فقام رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلي عليه ~~وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: إن ربي خيرني وقال: استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم - إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، وسأزيد على ~~السبعين فقال: إنه منافق فصلى عليه فأنزل الله تعالى: "ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" فترك الصلاة عليهم. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخرى رواها أصحاب الجوامع ورواة الحديث عن ~~عمر بن الخطاب وجابر وقتادة، وفي بعضها أنه كفنه في قميصه ونفث في جلده ~~ونزل في قبره. # وفيه، أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم والنحاس وابن ~~حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما ~~توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة عليه ~~فقام عليه فلما وقف قلت: أتصلي على عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا ~~وكذا والقائل كذا وكذا أعدد أيامه ورسول الله يتبسم حتى إذا أكثرت قال: يا ~~عمر أخر عني إني قد خيرت قد قيل لي. استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة، فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ثم صلى ~~عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومشى معه حتى قام على قبره حتى ~~فرغ منه. فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والله ~~ورسوله أعلم فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: "ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" فما صلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل. وفيه، أخرج ابن أبي حاتم ~~عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال: لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها ~~قط أراد رسول الله (صلى الله عليه ms3547 وآله وسلم) أن يصلي على عبد الله بن أبي ~~فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا. لقد قال الله: "استغفر لهم أو ~~لا تستغفر لهم - إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم "فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قد خيرني ربي فقال "استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم". فقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على شفير القبر ~~فجعل الناس يقولون لابنه، يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الحباب اسم شيطان أنت عبد الله. وفيه، ~~أخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: أن ابن عبد ~~الله بن أبي قال له أبوه، اطلب لي ثوبا من ثياب النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فكفني فيه ومره أن يصلي علي قال: فأتاه فقال: يا رسول الله قد عرفت ~~شرف عبد الله وهو يطلب إليك ثوبا من ثيابك نكفنه فيه وتصلي عليه. فقال عمر: ~~يا رسول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي ~~عليه؟ فقال: وأين؟ فقال: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم" قال: فإني سأزيد على سبعين فأنزل الله: "ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" الآية قال: فأرسل إلى عمر ~~فأخبره بذلك وأنزل الله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم". # أقول: وقد ورد استغفار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعبد الله بن أبي ~~وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أيضا أوردها العياشي والقمي ~~في تفسيريهما، وقد تقدم خبر القمي. PageV09P206 # وهذه الروايات على ما فيها من بعض التناقض والتدافع واشتمالها على التعارض ~~فيما بينها يدفعها الآيات الكريمة دفعا بينا لا مرية فيه: أما أولا فلظهور ~~قوله تعالى: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم" ظهورا بينا في أن المراد بالآية بيان ms3548 لغوية الاستغفار ~~للمنافقين دون التخيير، وأن العدد جيء به لمبالغة الكثرة لا لخصوصية في ~~السبعين بحيث ترجى المغفرة مع الزائد على السبعين. # والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من أن يجهل هذه الدلالة فيحمل ~~الآية على التخيير ثم يقول سأزيد على سبعين ثم يذكره غيره بمعنى الآية فيصر ~~على جهله حتى ينهاه الله عن الصلاة وغيرها بآية أخرى ينزلها عليه. # على أن جميع هذه الآيات المتعرضة للاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم ~~كقوله: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" وقوله: "سواء عليهم أستغفرت لهم أم ~~لم تستغفر لهم" وقوله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا" تعلل النهي ~~واللغوية بكفرهم وفسقهم، حتى قوله تعالى في النهي عن الاستغفار للمشركين: ~~"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم:" آية: - 113 من السورة ينهى عن ~~الاستغفار معللا ذلك بالكفر وخلود النار، وكيف يتصور مع ذلك جواز الاستغفار ~~لهم والصلاة عليهم؟. # وثانيا: أن سياق الآيات التي منها قوله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا" ~~الآية صريح في أن هذه الآية إنما نزلت والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~سفره إلى تبوك ولما يرجع إلى المدينة، وذاك في سنة ثمان، وقد وقع موت عبد ~~الله بن أبي بالمدينة سنة تسع من الهجرة كل ذلك مسلم من طريق النقل. # فما معنى قوله في هذه الروايات: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى ~~على عبد الله وقام على قبره ثم أنزل الله عليه: "ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا" الآية؟. # وأعجب منه ما وقع في بعض الروايات السابقة أن عمر قال للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أتصلي عليه وقد نهاك عن الصلاة للمنافقين فقال: إن ربي ~~خيرني ثم أنزل الله: "ولا تصل على أحد منهم" الآية. # وأعجب منه ما في الرواية الأخيرة من نزول قوله: "سواء عليهم أستغفرت لهم ~~أم لم تستغفر لهم" الآية، والآية من سورة المنافقون وقد نزلت ms3549 بعد غزاة بني ~~المصطلق وكانت في سنة خمس وعبد الله بن أبي حي عندئذ وقد حكي في السورة ~~قوله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. # وقد اشتمل بعض هذه الروايات وتعلق به بعض من انتصر لها على أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إنما استغفر وصلى على عبد الله ليستميل قلوب رجال ~~منافقين من الخزرج إلى الإسلام، وكيف يستقيم ذلك؟ وكيف يصح أن يخالف النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) النص الصريح من الآيات استمالة لقلوب المنافقين ~~ومداهنة معهم؟ وقد هدده الله على ذلك بأبلغ التهديد في مثل قوله: "إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف المماة" الآية: إسراء: - 75. # فالوجه أن هذه الروايات موضوعة يجب طرحها بمخالفة الكتاب. # وفي الدر المنثور،: في قوله: "رضوا بأن يكونوا مع الخوالف" الآية: أخرج ~~ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص: أن علي بن أبي طالب خرج مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) حتى جاء ثنية الوداع يريد تبوك، وعلي يبكي ويقول: تخلفني ~~مع الخوالف؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة. # أقول: والرواية مروية بطرق كثيرة من طرق الفريقين. PageV09P207 # وفي تفسير العياشي عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف" قال: مع النساء. وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق في ~~المصنف وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس: أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قفل من غزوة تبوك فأشرف على ~~المدينة قال: لقد تركتم بالمدينة رجالا ما سرتم في مسير ولا أنفقتم من نفقة ~~ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فيه. قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا ~~وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر. وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى" الآيتين قيل: إن الآية الأولى نزلت في عبد الله بن ~~زائدة وهو ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر جاء إلى رسول الله ms3550 (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: يا نبي الله إني شيخ ضرير خفيف الحال نحيف الجسم وليس لي ~~قائد فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأنزل الله الآية. عن الضحاك، وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه. ~~عن قتادة. والآية الثانية نزلت في البكاءين وهم سبعة نفر: منهم عبد الرحمن ~~بن كعب وعلبة بن زيد وعمرو بن ثعلبة بن غنمة وهؤلاء من بني النجار، وسالم ~~بن عمير وهرمي بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن عوف +" أو "+ وعبد الله بن ~~مغفل من مزينة جاءوا إلى رسول الله فقالوا يا رسول الله احملنا فإنه ليس ~~لنا ما نخرج عليه فقال. لا أجد ما أحملكم عليه عن أبي حمزة الثمالي. وقيل: ~~نزلت في سبعة من قبائل شتى أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا ~~له: احملنا على الخفاف والنعال. عن محمد بن كعب وابن إسحاق. وقيل: كانوا ~~جماعة من مزينة. عن مجاهد، وقيل: كانوا سبعة من فقراء الأنصار فلما بكوا ~~حمل عثمان منهم رجلين، والعباس بن عبد المطلب رجلين، ويامين بن كعب النضري ~~ثلاثة عن الواقدي قال: وكان الناس بتبوك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ثلاثين ألفا منهم عشرة آلاف فارس. # أقول: والروايات في أسماء البكاءين مختلفة اختلافا شديدا. # وفي تفسير القمي، قال: قال: وإنما سأل هؤلاء البكاءون نعلا يلبسونها. وفي ~~المعاني، بإسناده عن ثعلبة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قول الله عز وجل: "عالم الغيب والشهادة" فقال: الغيب ما لم يكن والشهادة ~~ما قد كان. أقول: وهو من باب إراءة بعض المصاديق واللفظ أعم. # وفي تفسير القمي، قال: ولما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك ~~كان أصحابه المؤمنون يتعرضون المنافقين ويؤذونهم فأنزل الله: "سيحلفون ~~بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم" إلى آخر الآيتين. وفي المجمع،: ~~قيل: نزلت الآيات في جد بن قيس ومتعب بن قشير وأصحابهما من المنافقين ~~وكانوا ms3551 ثمانين رجلا، ولما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة ~~راجعا عن تبوك قال: لا تجالسوهم ولا تكلموهم: عن ابن عباس. PageV09P208 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 97 - 106 # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم ~~الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن بالله ~~واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربت عند الله وصلوت الرسول ألا إنها قربة لهم ~~سيدخلهم الله فى رحمته إن الله غفور رحيم (99) والسبقون الأولون من ~~المهجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسن رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ~~جنت تجرى تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) وممن حولكم ~~من الأعراب منفقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صلحا وءاخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) خذ ~~من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم والله سميع ~~عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقت وأن ~~الله هو التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~وستردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وءاخرون ~~مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) ### |||| AUTO بيان # الكلام جار على الغرض السابق يبين به حال الأعراب في كفرهم ونفاقهم ~~وإيمانهم وفي خلال الآيات آية الصدقة. # قوله تعالى: "الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله" الآية، قال الراغب في المفردات،: العرب ولد إسماعيل، ~~والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسما لسكان البادية: "قالت الأعراب آمنا" ~~والأعراب أشد كفرا ونفاقا. # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر"، وقيل في جمع الأعراب: أعاريب، ~~قال الشاعر: أعاريب ذوو فخر بإفك. # وألسنة لطاف في المقال. # والأعرابي في التعارف صار اسما للمنسوب إلى سكان ms3552 البادية، والعربي المفصح ~~والإعراب البيان، انتهى موضع الحاجة. # يبين تعالى حال سكان البادية وأنهم أشد كفرا ونفاقا لأنهم لبعدهم عن ~~المدنية والحضارة، وحرمانهم من بركات الإنسانية من العلم والأدب أقسى ~~وأجفى، فهم أجدر وأحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله من المعارف الأصلية ~~والأحكام الشرعية من فرائض وسنن وحلال وحرام. # قوله تعالى: "ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر" ~~الآية، قال في المجمع:، المغرم الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير خيانة، ~~وأصله لزوم الأمر، ومنه قوله: إن عذابها كان غراما، وحب غرام أي لازم ~~والغريم يقال لكل واحد من المتداينين للزوم أحدهما الآخر وغرمته كذا أي ~~ألزمته إياه في ماله، انتهى. # والدائرة الحادثة وتغلب في الحوادث السوء كأن الحوادث السوء تدور بين ~~الناس فتنزل كل يوم بقوم فتربص الدوائر بالمؤمنين انتظار نزول الحوادث ~~السوء عليهم للتخلص من سلطتهم والرجوع إلى رسوم الشرك والضلال. # وقوله: "يتخذ ما ينفق مغرما" أي يفرض الإنفاق غرما أو المال الذي ينفقه ~~مغرما - على أن يكون ما مصدرية أو موصولة - والمراد الإنفاق في الجهاد أو ~~أي سبيل من سبل الخير على ما قيل، ويمكن أن يكون المراد الإنفاق في خصوص ~~الصدقات ليكون الكلام كالتوطئة لما سيجيء بعد عدة آيات من حكم أخذ الصدقة ~~من أموالهم، ويؤيده ما في الآية التالية من قوله: "ويتخذ ما ينفق قربات عند ~~الله وصلوات الرسول" فإنه كالتوطئة لقوله في آية الصدقة: "وصل عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم". PageV09P209 # فمعنى الآية: ومن سكان البادية من يفرض الإنفاق في سبيل الخير أو في خصوص ~~الصدقات غرما وخسارة وينتظر نزول الحوادث السيئة بكم، عليهم دائرة السوء - ~~قضاء منه تعالى أو دعاء عليهم - والله سميع للأقوال عليم بالقلوب. # قوله تعالى: "ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق ~~قربات عند الله وصلوات الرسول" إلخ، الظاهر أن قوله: "صلوات الرسول" عطف ~~على قوله: "ما ينفق" وأن الضمير في قوله: "إلا أنها قربة" عائد إلى ما ينفق ~~وصلوات الرسول. # ومعنى الآية: ms3553 ومن الأعراب من يؤمن بالله فيوحده من غير شرك ويؤمن باليوم ~~الآخر فيصدق الحساب والجزاء ويتخذ إنفاق المال لله وما يتبعه من صلوات ~~الرسول ودعواته بالخير والبركة، كل ذلك قربات عند الله وتقربات منه إليه ~~إلا أن هذا الإنفاق وصلوات الرسول قربة لهم، والله يعدهم بأنه سيدخلهم في ~~رحمته لأنه غفور للذنوب رحيم بالمؤمنين به والمطيعين له. # قوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان" إلخ القراءة المشهورة "والأنصار" بالكسر عطفا على "المهاجرين" ~~والتقدير: السابقون الأولون من المهاجرين والسابقون الأولون من الأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان وقرأ يعقوب: والأنصار بالرفع فالمراد به جميع ~~الأنصار دون السابقين الأولين منهم فحسب. # وقد اختلفت الكلمة في المراد بالسابقين الأولين فقيل: المراد بهم من صلى ~~إلى القبلتين، وقيل: من بايع بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية، وقيل: هم أهل ~~بدر خاصة، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، وهذه جميعا وجوه لم يوردوا ~~لها دليلا من جهة اللفظ. # والذي يمكن أن يؤيده لفظ الآية بعض التأييد هو أن بيان الموضوع - ~~السابقون الأولون - بالوصف بعد الوصف من غير ذكر أعيان القوم وأشخاصهم يشعر ~~بأن الهجرة والنصرة هما الجهتان اللتان روعي فيهما السبق والأولية. # ثم الذي عطف عليهم من قوله: "والذين اتبعوهم بإحسان" يذكر قوما ينعتهم ~~بالاتباع ويقيده بأن يكون بإحسان والذي يناسب وصف الاتباع أن يترتب عليه هو ~~وصف السبق دون الأولية فلا يقال: أول وتابع وإنما يقال: سابق وتابع، وتصديق ~~ذلك قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم" إلى ~~أن قال: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم" إلى أن قال: "والذين ~~جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" ~~الآيات: الحشر: - 10. # فالمراد بالسابقين هم السابقون إلى الإيمان من بين المسلمين من لدن طلوع ~~الإسلام إلى يوم القيامة. # ولكون السبق ويقابله اللحوق والاتباع من الأمور النسبية، ولازمه كون ~~مسلمي كل عصر سابقين في الإيمان بالقياس إلى مسلمي ما بعد عصرهم كما أنهم ~~لاحقون بالنسبة إلى من قبلهم قيد "السابقون" بقوله: "الأولون" ms3554 ليدل على كون ~~المراد بالسابقين هم الطبقة الأولى منهم. # وإذ ذكر الله سبحانه ثالث الأصناف الثلاثة بقوله: "والذين اتبعوهم ~~بإحسان" ولم يقيده بتابعي عصر دون عصر ولا وصفهم بتقدم وأولية ونحوهما وكان ~~شاملا لجميع من يتبع السابقين الأولين كان لازم ذلك أن يصنف المؤمنون غير ~~المنافقين من يوم البعثة إلى يوم البعث في الآية ثلاثة أصناف: السابقون ~~الأولون من المهاجرين، والسابقون الأولون من الأنصار، والذين اتبعوهم ~~بإحسان، والصنفان الأولان فاقدان لوصف التبعية وإنما هما إمامان متبوعان ~~لغيرهما والصنف الثالث ليس متبوعا إلا بالقياس. # وهذا نعم الشاهد على أن المراد بالسابقين الأولين هم الذين أسسوا أساس ~~الدين ورفعوا قواعده قبل أن يشيد بنيانه ويهتز راياته صنف منهم بالإيمان ~~واللحوق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصبر على الفتنة والتعذيب، ~~والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصنف بالإيمان ~~ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين ~~قبل وقوع الوقائع. # وهذا ينطبق على من آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة ثم ~~هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر أو آمن بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه وتهيأ لنصرته عند ما هاجر إلى المدينة. PageV09P210 # ثم إن قوله: "والذين اتبعوهم بإحسان" قيد فيه اتباعهم بإحسان ولم يرد ~~الاتباع في الإحسان بأن يكون المتبوعون محسنين ثم يتبعهم التابعون في ~~إحسانهم ويقتدوا بهم فيه - على أن يكون الباء بمعنى في - ولم يرد الاتباع ~~بواسطة الإحسان - على أن يكون الباء للسببية أو الآلية - بل جيء بالإحسان ~~منكرا، والأنسب له كون الباء بمعنى المصاحبة فالمراد أن يكون الاتباع ~~مقارنا لنوع ما من الإحسان مصاحبا له، وبعبارة أخرى يكون الإحسان وصفا ~~للاتباع. # وإنا نجده تعالى في كتابه لا يذم من الاتباع إلا ما كان عن جهل وهوى ~~كاتباع المشركين آباءهم، واتباع أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم وأسلافهم عن ~~هوى واتباع الهوى واتباع الشيطان فمن اتبع شيئا من هؤلاء فقد أساء في ~~الاتباع ومن اتبع الحق لا لهوى ms3555 متعلق بالأشخاص وغيرهم فقد أحسن في الاتباع، ~~قال تعالى: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله:" ~~الزمر: - 18 ومن الإحسان في الاتباع كمال مطابقة عمل التابع لعمل المتبوع ~~ويقابله الإساءة فيه. # فالظاهر أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان أن يتبعوهم بنوع من الإحسان في ~~الاتباع وهو أن يكون الاتباع بالحق - وهو اتباعهم لكون الحق معهم - ويرجع ~~إلى اتباع الحق بالحقيقة بخلاف اتباعهم لهوى فيهم أو في اتباعهم، وكذا ~~مراقبة التطابق. # هذا ما يظهر من معنى الاتباع بإحسان، وأما ما ذكروه من أن المراد كون ~~الاتباع مقارنا لإحسان في المتبع عملا بأن يأتي بالأعمال الصالحة والأفعال ~~الحسنة فهو لا يلائم كل الملاءمة التنكير الدال على النوع في الإحسان، وعلى ~~تقدير التسليم لا مفر فيه من التقييد بما ذكرنا فإن الاتباع للحق وفي الحق ~~يستلزم الإتيان بالأعمال الحسنة الصالحة دون العكس وهو ظاهر. # فقد تلخص أن الآية تقسم المؤمنين من الأمة إلى ثلاثة أصناف: صنفان هما ~~السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والصنف الثالث هم الذين اتبعوهم ~~بإحسان. # وظهر مما تقدم أولا: أن الآية تمدح الصنفين الأولين، بالسبق إلى الإيمان ~~والتقدم في إقامة صلب الدين ورفع قاعدته، وتفضيلهم على غيرهم على ما يفيده ~~السياق. # وثانيا: أن "من" في قوله: "من المهاجرين والأنصار" تبعيضية لا بيانية لما ~~تقدم من وجه فضلهم، ولما أن الآية تذكر أن الله رضي عنهم ورضوا عنه، ~~والقرآن نفسه يذكر أن منهم من في قلبه مرض ومنهم سماعون للمنافقين، ومنهم ~~من يسميه فاسقا، ومنهم من تبرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من عمله ~~ولا معنى لرضى الله عنهم، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين. # وثالثا: أن الحكم بالفضل ورضى الله سبحانه في الآية مقيد بالإيمان والعمل ~~الصالح على ما يعطيه السياق فإن الآية تمدح المؤمنين في سياق تذم فيه ~~المنافقين بكفرهم وسيئات أعمالهم ويدل على ذلك سائر المواضع التي مدحهم ~~الله فيها أو ذكرهم بخير ووعدهم وعدا جميلا فقد قيد جميع ذلك بالإيمان ~~والعمل الصالح كقوله تعالى: "للفقراء ms3556 المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله" إلى آخر الآيات ~~الثلاث: الحشر: - 8. # وقوله فيما حكاه من دعاء الملائكة لهم: "ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت ~~كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم:" ~~المؤمن: - 8. # وقوله: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم - إلى ~~أن قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما:" ~~الفتح: - 29. # وقوله: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين:" الطور: - 21 انظر إلى ~~موضع قوله: "بإيمان" وقوله: كل امرىء "إلخ". PageV09P211 # ولو كان الحكم في الآية غير مقيد بقيد الإيمان والعمل الصالح وكانوا مرضيين ~~عند الله مغفورا لهم أحسنوا أو أساءوا واتقوا أو فسقوا كان ذلك تكذيبا ~~صريحا لقوله تعالى: "فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين:" التوبة: - 96، ~~وقوله: "والله لا يهدي القوم الفاسقين:" التوبة: - 80، وقوله: "والله لا ~~يحب الظالمين:" آل عمران: - 57 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة ~~مطابقة أو التزاما أن الله لا يرضى عن الظالم والفاسق وكل من لا يطيعه في ~~أمر أو نهي، وليست الآيات مما يقبل التقييد أو النسخ وكذا أمثال قوله تعالى ~~خطابا للمؤمنين: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به:" ~~النساء: - 123. # على أن لازم عدم تقييد الحكم في هذه الآية تقييد جميع الآيات الدالة على ~~الجزاء والمشتملة على الوعيد والتهديد، وهي آيات جمة في تقييدها اختلال ~~نظام الوعد والوعيد وإلغاء معظم الأحكام والشرائع، وبطلان الحكمة، ولا فرق ~~في ذلك بين أن نقول بكون "من" تبعيضية والفضل لبعض المهاجرين والأنصار أو ~~بيانية والفضل للجميع والرضى الإلهي للكل، وهو ظاهر. # وقوله تعالى: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" الرضى منا موافقة النفس لفعل من ~~الأفعال من غير تضاد وتدافع يقال: رضي بكذا أي وافقه ولم يمتنع منه، ويتحقق ~~بعدم كراهته ms3557 إياه سواء أحبه أو لم يحبه ولم يكرهه فرضى العبد عن الله هو أن ~~لا يكره بعض ما يريده الله ولا يحب بعض ما يبغضه ولا يتحقق إلا إذا رضي ~~بقضائه تعالى وما يظهر من أفعاله التكوينية، وكذا بحكمه وما أراده منه ~~تشريعا، وبعبارة أخرى إذا سلم له في التكوين والتشريع وهو الإسلام والتسليم ~~لله سبحانه. # وهذا بعينه شاهد آخر على ما تقدم أن الحكم في الآية مقيد بالإيمان والعمل ~~الصالح بمعنى أن الله سبحانه إنما يمدح من المهاجرين والأنصار والتابعين من ~~آمن به وعمل صالحا، ويخبر عن رضاه عنه وإعداده له جنات تجري تحتها الأنهار. # وليس مدلول الآية أن من صدق عليه أنه مهاجر أو أنصاري أو تابع فإن الله ~~قد رضي عنه رضا لا سخط بعده أبدا وأوجب في حقه المغفرة والجنة سواء أحسن ~~بعد ذلك أو أساء، اتقى أو فسق. # وأما رضاه تعالى فإنما هو من أوصافه الفعلية دون الذاتية فإنه تعالى لا ~~يوصف لذاته بما يصير معه معرضا للتغيير والتبدل كأن يعرضه حال السخط إذا ~~عصاه ثم الرضى إذا تاب إليه، وإنما يرضى ويسخط بمعنى أنه يعامل عبده معاملة ~~الراضي من إنزال الرحمة وإيتاء النعمة أو معاملة الساخط من منع الرحمة ~~وتسليط النقمة والعقوبة. # ولذلك كان من الممكن أن يحدث له الرضى ثم يتبدل إلى السخط أو بالعكس غير ~~أن الظاهر من سياق الآية أن المراد بالرضى هو الرضى الذي لا سخط بعده فإنه ~~حكم محمول على طبيعة أخيار الأمة من سابقيهم وتابعيهم في الإيمان والعمل ~~الصالح، وهذا أمر لا مداخلة للزمان فيه حتى يصح فرض سخط بعد رضى وهو بخلاف ~~قوله تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" الآية: ~~الفتح: - 18 فإنه رضى مقيد بزمان خاص يصلح لنفسه لأن يفرض بعده سخط. # قوله تعالى: "وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة" الآية حول ~~الشيء ما يجاوره من المكان من أطرافه وهو ظرف، والمرد العتو والخروج عن ~~الطاعة، والممارسة والتمرين على الشر ms3558 وهو المعنى المناسب لقوله في الآية: ~~"مردوا على النفاق" أي مرنوا عليه ومارسوا حتى اعتادوه. # ومعنى الآية: وممن في حولكم أو حول المدينة من الأعراب الساكنين في ~~البوادي منافقون مرنوا على النفاق ومن أهل المدينة أيضا منافقون معتادون ~~على النفاق لا تعلمهم أنت يا محمد نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم. # وقد اختلفت كلماتهم في المراد من تعذيبهم مرتين ما هما المرتان؟ فقيل: ~~يعني مرة في الدنيا بالسبي والقتل ونحوهما ومرة بعذاب القبر، وقيل: في ~~الدنيا بأخذ الزكاة وفي الآخرة بعذاب القبر، وقيل بالجوع مرتين وقيل مرة ~~عند الاحتضار ومرة في القبر وقيل: بإقامة الحدود وعذاب القبر، وقيل: مرة ~~بالفضيحة في الدنيا ومرة بالعذاب في القبر، وقيل غير ذلك، ولا دليل على شيء ~~من هذه الأقوال، وإن كان ولا بد فأولها أولاها. PageV09P212 # قوله تعالى: "وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا" الآية، ~~أي ومن الأعراب جماعة آخرون مذنبون لا ينافقون مثل غيرهم بل اعترفوا ~~بذنوبهم لهم عمل صالح وعمل آخر سيىء خلطوا هذا بذلك من المرجو أن يتوب الله ~~عليهم إن الله غفور رحيم. # وفي قوله: "عسى الله أن يتوب عليهم" إيجاد الرجاء في نفوسهم لتكون نفوسهم ~~واقعة بين الخوف والرجاء من غير أن يحيط بها اليأس والقنوط، وفي قوله: "إن ~~الله غفور رحيم" ترجيح جانب الرجاء. # قوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم والله سميع عليم" التطهير إزالة الأوساخ والقذارات من الشيء ليصفى ~~وجوده ويستعد للنشوء والنماء وظهور آثاره وبركاته، والتزكية إنماؤه وإعطاء ~~الرشد له بلحوق الخيرات وظهور البركات كالشجر يقطع الزوائد من فروعها فتزيد ~~في حسن نموها وجودة ثمرتها فالجمع بين التطهير والتزكية في الآية من لطيف ~~التعبير. # فقوله: "خذ من أموالهم صدقة" أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخذ ~~الصدقة من أموال الناس ولم يقل: من مالهم ليكون إشارة إلى أنها مأخوذة من ~~أصناف المال، وهي النقدان: الذهب والفضة، والأنعام الثلاثة: الإبل والبقر ~~والغنم، ms3559 والغلات الأربع: الحنطة والشعير والتمر والزبيب. # وقوله: "تطهرهم وتزكيهم بها" خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس ~~وصفا لحال الصدقة، والدليل عليه ضمير بها الراجع إلى الصدقة أي خذ يا محمد ~~من أصناف أموالهم صدقة تطهرهم أنت وتزكيهم بتلك الصدقة أي أخذها. # وقوله: "وصل عليهم" الصلاة عليهم هي الدعاء لهم والسياق يفيد أنه دعاء ~~لهم ولأموالهم بالخير والبركة وهو المحفوظ من سنة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فكان يدعو لمعطي الزكاة ولماله بالخير والبركة. # وقوله: "إن صلاتك سكن لهم" السكن ما يسكن إليه الشيء والمراد به أن ~~نفوسهم تسكن إلى دعائك وتثق به وهو نوع شكر لسعيهم في الله كما أن قوله ~~تعالى في ذيل الآية: "والله سميع عليم" سكن يسكن إليه نفوس المكلفين ممن ~~يسمع الآية أو يتلوها. # والآية تتضمن حكم الزكاة المالية التي هي من أركان الشريعة والملة على ما ~~هو ظاهر الآية في نفسها، وقد فسرتها بذلك أخبار متكاثرة من طرق أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) وغيرهم. # قوله تعالى: "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ~~وإن الله هو التواب الرحيم" استفهام إنكاري بداعي تشويق الناس إلى إيتاء ~~الزكاة، وذلك أنهم إنما يؤتون الصدقة لله وإنما يسلمونها إلى الرسول أو إلى ~~عامله وجابيه بما أنه مأمور من قبل الله في أخذها فإيتاؤه إيتاء لله، وأخذه ~~أخذ من الله فالله سبحانه هو الأخذ لها بالحقيقة، وقد قال تعالى في أمثاله: ~~"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم:" الفتح: - 10 ~~وقال: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى:" الأنفال: - 13 وقال قولا عاما: ~~"من يطع الرسول فقد أطاع الله:" النساء: - 80. # فإذا ذكر الناس بمثل قوله: "ألم يعلموا أن الله" الآية، انبعثت رغباتهم ~~واشتاقوا أن يعاملوا ربهم فيصافحوه ويمسوا بأيديهم يده تنزه عن عوارض ~~الأجسام وتعالى عن ملابسة الحدثان. # ومقارنته الصدقة بالتوبة لما أن التوبة تطهر وإيتاء الصدقة تطهر فالتصدق ~~بصدقة توبة مالية كما أن التوبة بمنزلة الصدقة في الأعمال والحركات، ms3560 ولذلك ~~عطف على صدر الآية قوله ذيلا: "وإن الله هو التواب الرحيم" فذكر عباده ~~باسميه التواب والرحيم، وجمع فيهما التوبة والتصدق. # وقد بان من الآية أن التصدق وإيتاء الزكاة نوع من التوبة. # قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" الآية، ~~الآية على ظاهر اتصالها بما قبلها كأنها تخاطب المؤمنين وتسوقهم وتحرضهم ~~إلى إيتاء الصدقات. # غير أن لفظها مطلق لا دليل على تخصيص خطابها بالمتصدقين من المؤمنين ولا ~~بعامة المؤمنين بل هي تشمل كل ذي عمل من الناس من الكفار والمنافقين ~~والمؤمنين ولا أقل من شمولها للمنافقين والمؤمنين جميعا. PageV09P213 # إلا أن نظير الآية الذي مر أعني قوله في سياق الكلام على المنافقين: "وسيرى ~~الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون:" التوبة: - 94 حيث ذكر الله ورسوله في رؤية عملهم ولم يذكر ~~المؤمنين لا يخلو من إيماء إلى أن الخطاب في الآية التي نحن فيها للمؤمنين ~~خاصة فإن ضم إحدى الآيتين إلى الأخرى يخطر بالبال أن حقيقة أعمال المنافقين ~~أعني مقاصدهم من أعمالهم لما كانت خفية على ملإ الناس فإنما يعلم بها الله ~~ورسوله بوحي من الله تعالى، وأما المؤمنون فحقائق أعمالهم أعني مقاصدهم ~~منها وآثارها وفوائدها التي تتفرع عليها وهي شيوع التقوى وإصلاح شئون ~~المجتمع الإسلامي وإمداد الفقراء في معايشهم وزكاة الأموال ونماؤها يعلمها ~~الله تعالى ورسوله ويشاهدها المؤمنون فيما بينهم. # لكن ظهور الأعمال بحقائق آثارها وعامة فوائدها أو مضراتها في محيط ~~كينونتها وتبدلها بأمثالها وتصورها في أطوارها زمانا بعد زمان وعصرا بعد ~~عصر مما لا يختص بعمل قوم دون عمل قوم، ولا مشاهدتها والتأثر بها بقوم دون قوم. # فلو كان المراد من رؤية المؤمنين أعمالا لعاملين ظهور آثارها ونتائجها ~~وبعبارة أخرى ظهور أنفسها في ألبسة نتائجها لهم لم يختص المشاهدة بقوم دون ~~قوم ولا بعمل قوم دون عمل قوم فما بال الأعمال يراها المؤمنون ولا يراها ~~المنافقون وهم أهل مجتمع واحد؟ وما بال أعمال المنافقين لا يشاهدها ~~المؤمنون وقد كونت في مجتمعهم ms3561 وداخلت أعمالهم؟. # وهذا مع ما في الآية من خصوص السياق مما يقرب الذهن أن يفهم من الآية ~~معنى آخر فإنه قوله: "وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون" يدل أولا على أن قوله: "فسيرى الله عملكم" الآية ناظر إلى ما قبل ~~البعث وهي الدنيا لمكان قوله: "وستردون" فإنه يشير إلى يوم البعث وما قبله ~~هو الدنيا. # وثانيا: أنهم إنما يوقفون على حقيقة أعمالهم يوم البعث وأما قبل ذلك ~~فإنما يرون ظاهرها، وقد نبهنا على هذا المعنى كرارا في أبحاثنا السابقة، ~~وإذ قصر علمهم بحقائق أعمالهم على إنبائه تعالى إياهم بها يوم القيامة وذكر ~~رؤية الله ورسوله والمؤمنين أعمالهم قبل يوم البعث في الدنيا وقد ذكر الله ~~مع رسوله وغيره وهو عالم بحقائقها وله أن يوحي إلى نبيه بها كان المراد بها ~~مشاهدة الله سبحانه ورسوله والمؤمنون حقيقة أعمالهم، وكان المراد بالمؤمنين ~~شهداء الأعمال منهم لا عامة المؤمنين كما يدل عليه أمثال قوله تعالى "وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا:" ~~البقرة: - 143 وقد مر الكلام فيه في الجزء الأول من الكتاب. # وعلى هذا فمعنى الآية: وقل يا محمد اعملوا ما شئتم من عمل خيرا أو شرا ~~فسيشاهد الله سبحانه حقيقة عملكم ويشاهدها رسوله والمؤمنون - وهم شهداء ~~الأعمال - ثم تردون إلى الله عالم الغيب والشهادة يوم القيامة فيريكم حقيقة عملكم. # وبعبارة أخرى: ما عملتم من عمل خير أو شر فإن حقيقته مرئية مشهودة لله ~~عالم الغيب والشهادة ثم لرسوله والمؤمنين في الدنيا ثم لكم أنفسكم معاشر ~~العاملين يوم القيامة. # فالآية مسوقة لندب الناس إلى مراقبة أعمالهم بتذكيرهم أن لأعمالهم من خير ~~أو شر حقائق غير مستورة بستر، وإن لها رقباء شهداء سيطلعون عليها ويرون ~~حقائقها وهم رسول الله وشهداء الأعمال من المؤمنين والله من ورائهم محيط ~~فهو تعالى يراها وهم يرونها، ثم إن الله سبحانه سيكشف عنها الغطاء يوم ~~القيامة للعاملين أنفسهم كما قال: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك ms3562 اليوم حديد:" ق: - 22 ففرق عظيم بين أن يأتي الإنسان بعمل في ~~الخلوة لا يطلع عليه أحد، وبين أن يعمل ذلك العمل بعينه بين ملإ من ~~الناظرين جلوة وهو يرى أنه كذلك. PageV09P214 # هذا في الآية التي نحن فيها، وأما الآية السابقة: "يعتذرون إليكم إذا رجعتم ~~إليهم قل لا تعتذروا قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم ~~تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون" فإن وجه الكلام ~~فيها إلى أشخاص من المنافقين بأعيانهم يأمر الله فيها نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يرد إليهم اعتذارهم، ويذكر لهم أولا أن الله قد نبأهم أي ~~النبي والذين معه من المؤمنين في جيش الإسلام أخبارهم بنزول هذه الآيات ~~التي تقص أخبار المنافقين وتكشف عن مساوي أعمالهم. # ثم يذكر لهم أن حقيقة أعمالهم غير مستورة عن الله سبحانه ولا خفية عليه ~~وكذلك رسوله وحده ولم يكن معه أحد من شهداء الأعمال ثم الله يكشف لهم ~~أنفسهم عن حقيقة أعمالهم يوم القيامة. # فهذا هو الفرق بين الآيتين مع اتحادهما في ظاهر السياق حيث ذكر في الآية ~~التي نحن فيها: الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآية السابقة: الله ورسوله، ~~واقتصر على ذلك. # فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية ومن لم يقنع بذلك ولم يرض دون أن ~~يصور للآية معنى ظاهريا فليقل إن ذكره تعالى "الله ورسوله" في خطاب ~~المنافقين إنما هو لأجل أنهم إنما يريدون أن يكيدوا الله ورسوله ولا هم لهم ~~في المؤمنون، وأما ذكره تعالى: "الله ورسوله والمؤمنين" في الخطاب العام ~~فإنما الغرض فيه تحريضهم على العمل الصالح في مشهد من الملإ الصالح ولم ~~يعبأ بحال غيرهم من الكفار والمنافقين. # فتدبر. # قوله تعالى: "وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله ~~عليم حكيم" الإرجاء التأخير، والآية معطوفة على قوله: "وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم" ومعنى إرجائهم إلى أمر الله أنهم لا سبب عندهم يرجح لهم جانب ~~العذاب أو جانب المغفرة فأمرهم يئول إلى أمر الله ما شاء وأراد فيهم ms3563 فهو ~~النافذ في حقهم. # وهذه الآية تنطبق بحسب نفسها على المستضعفين الذين هم كالبرزخ بين ~~المحسنين والمسيئين، وإن ورد في أسباب النزول أن الآية نازلة في الثلاثة ~~الذين خلفوا ثم تابوا فأنزل الله توبتهم على رسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وسيجيء إن شاء الله تعالى. # وكيف كان فالآية تخفي ما يئول إليه عاقبة أمرهم وتبقيها على إبهامها حتى ~~فيما ذيلت به من الاسمين الكريمين: العليم والحكيم الدالين على أن الله ~~سبحانه يحكم فيهم بما يقتضيه علمه وحكمته، وهذا بخلاف ما ذيل قوله: "وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم" حيث قال: "عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله: "ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر - ويتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله" أيثيبهم عليه؟ قال: نعم. وفيه، عن أبي عمرو الزبيري ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما سبق بين ~~الخيل يوم الرهان. قلت: أخبرني عما ندب الله المؤمن من الإسباق إلى ~~الإيمان. قال: قول الله تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم - وجنة عرضها ~~كعرض السماء والأرض - أعدت للذين آمنوا بالله ورسله" وقال: "السابقون ~~السابقون أولئك المقربون". وقال: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~- والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه" فبدأ بالمهاجرين الأولين ~~على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين وأمرهم بإحسان فوضع كل ~~قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده. وفي تفسير البرهان، عن مالك بن أنس عن ~~أبي صالح عن ابن عباس قال: "والسابقون الأولون" نزلت في أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وهو أسبق الناس كلهم بالإيمان وصلى على القبلتين، وبايع ~~البيعتين بيعة بدر وبيعة الرضوان، وهاجر الهجرتين مع جعفر من مكة إلى ~~الحبشة ومن الحبشة إلى المدينة. # أقول: وفي معناها روايات أخر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن كثير ~~والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة ms3564 وحسان بن عطية أنهم سمعوا جماعة من ~~أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: لما أنزلت هذه الآية: ~~"والسابقون الأولون إلى قوله ورضوا عنه" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): هذا لأمتي كلهم، وليس بعد الرضا سخط. PageV09P215 # أقول: معناه أن من رضي الله عنهم ورضوا عنه هم الذين جمعتهم الآية لا أن ~~الآية تدل على رضاه تعالى عن الأمة كلهم فهذا مما يدفعه الكتاب بالمخالفة ~~القطعية، وكذا قوله: "وليس بعد الرضا سخط"، مراده ليس بعد الرضا المذكور في ~~الآية سخط، وقد قررناه فيما تقدم لا أنه ليس بعد مطلق رضى الله سخط فهو مما ~~لا يستقيم البتة. # وفيه، أخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد ~~بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما ~~أريد الفتن: فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم. قلت: وفي أي موضع أوجب ~~الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرأ: "والسابقون الأولون" الآية أوجب ~~لجميع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجنة والرضوان، وشرط على ~~التابعين شرطا لم يشترطه فيهم. قلت: وما أشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن ~~يتبعوهم بإحسان يقول: يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ~~ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى ~~قرأها علي محمد بن كعب. # أقول: هو - كما ترى - يسلم أن في أعمالهم حسنة وسيئة وطاعة وفسقا غير أن ~~الله رضي عنهم في جميع ذلك وغفرها لهم فلا يجازيهم بالسيئة سيئة، وهو الذي ~~ذكرنا في البيان المتقدم أن مقتضاه تكذيب آيات كثيرة قرآنية تدل على أن ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين والظالمين وأنه لا يحبهم ولا يهديهم، وتقيد ~~آيات أكثر من ذلك وهي أكثر الآيات القرآنية الدالة على عموم جزاء الحسنة ~~بالحسنة والسيئة بالسيئة من غير مقيد وعليها تعتمد ms3565 آيات الأمر والنهي وهي ~~آيات الأحكام بجملتها. # ولو كان مدلول الآية هذا الذي ذكره لكانت الصحابة على عربيتهم المحضة ~~واتصالهم بزمان النبوة ونزول الوحي أحق أن يفهموا من الآية ذلك، ولو كانوا ~~فهموا منها ذلك لما عامل بعضهم بعضا بما ضبطه النقل الصحيح. # وكيف يمكن أن يتحقق كلهم بمضمون قوله: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" ويفهموا ~~ذلك منه ثم لا يرضى بعضهم عن بعض وقد رضي الله عنه، والراضي عن الله راض ~~عما رضي الله عنه، ولا يندفع هذا الإشكال بحديث اجتهادهم فإن ذلك لو سلم ~~يكون عذرا في مقام العمل لا مصححا للجمع بين صفتين متضادتين وجدانا وهما ~~الرضا عن الله وعدم الرضا عما رضي الله عنه والكلام طويل. # وفيه، أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب ~~الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب قرأ "والسابقون الأولون ~~من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان" فرفع الأنصار ولم يلحق الواو ~~في الذين فقال له زيد بن ثابت: والذين فقال عمر: الذين فقال زيد: أمير ~~المؤمنين أعلم فقال عمر: ائتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبي: ~~والذين فقال عمر: فنعم إذن نتابع أبيا. # أقول: ومقتضى قراءة عمر اختصاص المهاجرين بما يتضمنه قوله: "والسابقون ~~الأولون" من المنقبة ومنقبة أخرى وهي كونهم متبوعين للأنصار كما يشير إليه ~~الحديث الآتي. # وفيه، أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: مر عمر برجل ~~يقرأ "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار" فأخذ عمر بيده فقال: من ~~أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب. قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه فلما جاءه ~~قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم قال: وسمعتها من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: نعم. قال: كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا ~~يبلغها أحد بعدنا. فقال أبي: تصديق ذلك في أول سورة الجمعة: "وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم" وفي سورة الحشر: "والذين جاءوا من بعدهم - يقولون ms3566 ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" وفي الأنفال: "والذين آمنوا من ~~بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم". وفي الكافي، بإسناده عن موسى بن ~~بكر عن رجل قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): "الذين خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا" فأولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها المؤمنون ~~ويكرهونها فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم. # أقول: ورواه العياشي عن زرارة عنه (عليه السلام) إلا أن فيه "مذنبون" ~~"مكان مؤمنون". PageV09P216 # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وآخرون اعترفوا بذنوبهم" الآية قال: أبو حمزة ~~الثمالي: بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو كنانة بن عبد المنذر وثعلبة ~~بن وديعة وأوس بن حذام تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ~~مخرجه إلى تبوك فلما بلغهم ما أنزل الله فيمن تخلف عن نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أيقنوا بالهلاك وأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلم يزالوا كذلك ~~حتى قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأل عنهم فذكر له أنهم ~~أقسموا أن لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله يحلهم، وقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): وأنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أومر فيهم ~~بأمر. فلما نزل: "عسى الله أن يتوب عليهم" عمد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إليهم فحلهم فانطلقوا فجاءوا بأموالهم إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فخذها وتصدق بها عنا. ~~قال: ما أمرت فيها، فنزل: "خذ من أموالهم صدقة الآيات. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخرى رواها في الدر المنثور بينها اختلاف في ~~أسامي الرجال، وفيها نزول آية الصدقة في خصوص أموالهم، ويضعفها تظافر ~~الروايات في نزول الآية في الزكاة الواجبة. # وفيه، وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): أنها نزلت في أبي لبابة ~~ولم يذكر غيره معه وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال: إن ~~نزلتم على حكمه فهو الذبح. وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله ms3567 بن سنان قال: ~~قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما نزلت هذه الآية: "خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها" وأنزلت في شهر رمضان فأمر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) مناديه فنادى في الناس: أن الله فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم ~~الصلاة ففرض الله عز وجل عليهم من الذهب والفضة وفرض الصدقة من الإبل ~~والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب فنادى بهم بذلك في شهر ~~رمضان، وعفا لهم عما سوى ذلك. قال: ثم لم يفرض لشيء من أموالهم حتى حال ~~عليه الحول من قابل فصاموا وأفطروا فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها ~~المسلمون زكوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال: ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق. ~~وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ~~وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتي بصدقة قال: اللهم صل على آل فلان ~~فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى. وفي تفسير البرهان، عن ~~الصدوق بإسناده عن سليمان بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "ويأخذ الصدقات" قال: يقبلها من أهلها ويثيب عليها. وفي تفسير ~~العياشي، عن مالك بن عطية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال علي بن ~~الحسين (عليهما السلام): ضمنت على ربي أن الصدقة لا تقع في يد العبد حتى ~~تقع في يد الرب، وهو قوله: "هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات". # أقول: وفي معناه روايات أخرى مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وعلي وأبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # وفي بصائر الدرجات، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: سألت عن الأعمال هل تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ~~قال: ما فيه شك. قال: أرأيت قول الله "اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون" فقال: لله شهداء في خلقه. # أقول: وفي ms3568 معناه روايات متظافرة متكاثرة مروية في جوامع الشيعة عن أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام)، وفي أكثرها: أن "المؤمنون" في الآية هم الأئمة، ~~وانطباقها على ما قدمناه من التفسير ظاهر. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله ~~"وآخرون مرجون لأمر الله" قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفرا ~~وأشباههما من المسلمين ثم إنهم دخلوا في الإسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك، ~~ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فيجب لهم الجنة، ولم ~~يكونوا على جحودهم فيكفروا فيجب لهم النار فهم على تلك الحال مرجون لأمر ~~الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم: أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة ~~عنه (عليه السلام) وفي معناه روايات أخر. PageV09P217 # وفي تفسير العياشي، عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~المستضعفين قال: هم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفار فهم المرجون لأمر الله. ~~وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن عكرمة: في قوله: "وآخرون مرجون لأمر ~~الله" قال: هم الثلاثة الذين خلفوا: أقول: وروي مثله عن مجاهد وقتادة وأن ~~أسماءهم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج، ~~ولا تنطبق قصتهم على هذه الآية وسيجيء إن شاء الله تعالى. # كلام في الزكاة وسائر الصدقة # الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية وسائر الأبحاث المرتبطة بها جعلت اليوم ~~حاجة المجتمع من حيث إنه مجتمع إلى مال يختص به ويصرف لرفع حوائجه العامة ~~في صف البديهيات التي لا يشك فيها شاك ولا يداخلها ريب فكثير من المسائل ~~الاجتماعية والاقتصادية - ومنها هذه المسألة - كانت في الأعصار السالفة مما ~~يغفل عنها عامة الناس ولا يشعرون بها إلا شعورا فطريا إجماليا وهي اليوم من ~~الأبجديات التي يعرفها العامة والخاصة. # غير أن الإسلام بحسب ما بين من نفسية الاجتماع وهويته وشرع من الأحكام ~~المالية الراجعة إليها، والأنظمة والقوانين التي رتبها في أطرافها ومتونها ~~له اليد العليا في ذلك. # فقد بين القرآن الكريم أن الاجتماع يصيغ من عناصر الأفراد المجتمعين صيغة ~~جديدة فيكون منهم هوية جديدة ms3569 حية هي المجتمع، وله من الوجود والعمر والحياة ~~والموت والشعور والإرادة والضعف والقوة والتكليف والإحسان والإساءة ~~والسعادة والشقاوة أمثال أو نظائر ما للإنسان الفرد وقد نزلت في بيان ذلك ~~كله آيات كثيرة قرآنية كررنا الإشارة إليها في خلال الأبحاث السابقة. # وقد عزلت الشريعة الإسلامية سهما من منافع الأموال وفوائدها للمجتمع ~~كالصدقة الواجبة التي هي الزكاة وكالخمس من الغنيمة ونحوها ولم يأت في ذلك ~~ببدع فإن القوانين والشرائع السابقة عليها كشريعة حمورابي وقوانين الروم ~~القديم يوجد فيها أشياء من ذلك بل سائر السنن القومية في أي عصر، وبين أية ~~طائفة دارت لا يخلو عن اعتبار جهة مالية لمجتمعها فالمجتمع كيفما كان يحس ~~بالحاجة المالية في سبيل قيامه ورشده. # غير أن الشريعة الإسلامية تمتاز في ذلك من سائر السنن والشرائع بأمور يجب ~~إمعان النظر فيها للحصول على غرضها الحقيقي ونظرها المصيب في تشريعها وهي: ~~أولا: أنها اقتصرت في وضع هذا النوع من الجهات المالية على كينونة الملك ~~وحدوثه موجودا ولم يتعد ذلك، وبعبارة أخرى إذا حدثت مالية في ظرف من الظروف ~~كغلة حاصلة عن زراعة أو ربح عائد من تجارة أو نحو ذلك بادرت فوضعت سهما ~~منها ملكا للمجتمع وبقية السهام ملكا لمن له رأس المال أو العمل مثلا، وليس ~~عليه إلا أن يرد مال المجتمع وهو السهم إليه. # بل ربما كان المستفاد من أمثال قوله تعالى: "خلق لكم ما في الأرض جميعا:" ~~البقرة: - 29 وقوله: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما:" ~~النساء: - 5 أن الثروة الحادثة عند حدوثها للمجتمع بأجمعها ثم اختص سهم ~~منها للفرد الذي نسميه المالك أو العامل، وبقي سهم أعني سهم الزكاة أو سهم ~~الخمس في ملك المجتمع كما كان فالمالك الفرد مالك في طول مالك وهو المجتمع، ~~وقد تقدم بعض البحث عن ذلك في تفسير الآيتين. # وبالجملة فالذي وضعته الشريعة من الحقوق المالية كالزكاة والخمس مثلا ~~إنما وضعته في الثروة الحادثة عند حدوثها فشركت المجتمع مع الفرد من رأس ثم ~~الفرد في حرية من ms3570 ماله المختص به يضعه حيث يشاء من أغراضه المشروعة من غير ~~أن يعترضه في ذلك معترض إلا أن يدهم المجتمع من المخاطر العامة ما يجب معه ~~صرف شيء من رءوس الأموال في سبيل حفظ حياته كعدو هاجم يريد أن يهلك الحرث ~~والنسل، والمخمصة العامة التي لا تبقي ولا تذر. # وأما الوجوه المالية المتعلقة بالنفوس أو الضياع والعقار أو الأموال ~~التجارية عند حصول شرائط أو في أحوال خاصة كالعشر المأخوذ في الثغور ونحو ~~ذلك فإن الإسلام لا يرى ذلك بل يعده نوعا من الغصب وظلما يوجب تحديدا في ~~حرية المالك في ملكه. PageV09P218 # ففي الحقيقة لا يأخذ المجتمع من الفرد إلا مال نفسه الذي يتعلق بالغنيمة ~~والفائدة عند أول حدوثه ويشارك الفرد في ملكه على نحو يبينه الفقه الإسلامي ~~مشروحا، وأما إذا انعقد الملك واستقر لمالكه فلا اعتراض لمعترض على مالك في ~~حال أو عند شرط، يوجب قصور يده وزوال حريته. # وثانيا: أن الإسلام يعتبر حال الأفراد في الأموال الخاصة بالمجتمع كما ~~يعتبر حال المجتمع بل الغلبة في ما يظهر من نظره لحالهم على حاله فإنه يجعل ~~السهام في الزكاة ثمانية لا يختص بسبيل الله منها إلا سهم واحد وباقي ~~السهام للأفراد كالفقراء والمساكين والعاملين والمؤلفة قلوبهم وغيرهم، وفي ~~الخمس ستة لم يجعل لله سبحانه إلا سهم واحد والباقي للرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل. # وذلك أن الفرد هو العنصر الوحيد لتكون المجتمع، ورفع اختلاف الطبقات الذي ~~هو من أصول برنامج الإسلام، وإلقاء التعادل والتوازن بين قوى المجتمع ~~المختلفة وتثبيت الاعتدال في مسيره بأركانه وأجزائه لا يتم إلا بإصلاح حال ~~الأجزاء أعني الأفراد وتقريب أحوالهم بعضهم من بعض. # وأما قصر مال المجتمع في صرفه في إيجاد الشوكة العامة والتزيينات ~~المشتركة ورفع القصور المشيدة العالية والأبنية الرفيعة الفاخرة وتخلية ~~القوي والضعيف أو الغني والفقير على حالهما لا يزيدان كل يوم إلا ابتعادا ~~فلتدل التجربة الطويلة القطعية أنه لا يدفع غائلا ولا يغني طائلا. # وثالثا: أن للفرد من المسلمين أن يصرف ما عليه ms3571 من الحق المالي الواجب ~~كالزكاة مثلا في بعض أرباب السهام كالفقير والمسكين من دون أنه يؤديه إلى ~~ولي الأمر أو عامله في الجملة فيرده هو إلى مستحقيه. # وهذا نوع من الاحترام الاستقلالي الذي اعتبره الإسلام لأفراد مجتمعه نظير ~~إعطاء الذمة الذي لكل فرد من المسلمين أن يقوم به لمن شاء من الكفار ~~المحاربين وليس للمسلمين ولا لولي أمرهم أن ينقض ذلك. # نعم لولي الأمر إذا رأى في مورد أن مصلحة الإسلام والمسلمين في خلاف ذلك ~~أن ينهى عن ذلك فيجب الكف عنه لوجوب طاعته. PageV09P219 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 107 - 110 # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكذبون ~~(107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنينه على ~~تقوى من الله ورضون خير أم من أسس بنينه على شفا جرف هار فانهار به فى نار ~~جهنم والله لا يهدى القوم الظلمين (109) لا يزال بنينهم الذى بنوا ريبة فى ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات طائفة أخرى من المنافقين بنوا مسجد الضرار وتقيس حالهم إلى ~~حال جماعة من المؤمنين بنوا مسجدا لتقوى الله. # قوله تعالى: "والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا" إلى آخر الآية، الضرار ~~والمضارة إيصال الضرر، والإرصاد اتخاذ الرصد والانتظار والترقب. # وقوله: "والذين اتخذوا مسجدا ضرارا" إن كانت الآيات نازلة مع ما تقدمها ~~من الآيات النازلة في المنافقين فالعطف على من تقدم ذكرهم من طوائف ~~المنافقين المذكورين بقوله: ومنهم، ومنهم أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا. # وإن كانت مستقلة بالنزول فالوجه كون الواو استئنافية وقوله: "الذين ~~اتخذوا" مبتدأ خبره قوله: "لا تقم فيه أبدا" ويمكن إجراء هذا الوجه على ~~التقدير السابق أيضا، وقد ذكر المفسرون في إعراب الآية وجوها أخرى لا تخلو ~~عن تكلف تركناها. # وقد بين الله غرض هذه الطائفة ms3572 من المنافقين في اتخاذ هذا المسجد وهو ~~الضرار بغيرهم والكفر والتفريق بين المؤمنين والإرصاد لمن حارب الله ~~ورسوله، والأغراض المذكورة خاصة ترتبط إلى قصة خاصة بعينها، وهي على ما ~~اتفق عليه أهل النقل أن جماعة من بني عمرو بن عوف بنوا مسجد قبا وسألوا ~~النبي أن يصلي فيه فصلى فيه فحسدهم جماعة من بني غنم بن عوف وهم منافقون ~~فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا ليضروا به ويفرقوا المؤمنين منه وينتظروا ~~لأبي عامر الراهب الذي وعدهم أن يأتيهم بجيش من الروم ليخرجوا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من المدينة، وأمرهم أن يستعدوا للقتال معهم. # ولما بنوا المسجد أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهز إلى ~~تبوك وسألوه أن يأتيه ويصلي فيه ويدعو لهم بالبركة فوعدهم إلى الفراغ من ~~أمر تبوك والرجوع إلى المدينة فنزلت الآيات. # فكان مسجدهم لمضارة مسجد قبا، وللكفر بالله ورسوله، ولتفريق المؤمنين ~~المجتمعين في قبا، ولإرصاد أبي عامر الراهب المحارب لله ورسوله من قبل، وقد ~~أخبر الله سبحانه عنهم إنهم ليحلفن إن أردنا من بناء هذا المسجد إلا الفعلة ~~الحسنى وهو التسهيل للمؤمنين بتكثير معابد يعبد فيها الله، وشهد تعالى ~~بكذبهم بقوله: "وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون". # قوله تعالى: "لا تقم فيه أبدا" إلى آخر الآية، بدأ بنهي النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن أن يقوم فيه ثم ذكر مسجد قبا ورجح القيام فيه بعد ما ~~مدحه بقوله: "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه" فمدحه بحسن ~~نية مؤسسيه من أول يوم وبنى عليه رجحان القيام فيه على القيام في مسجد ~~الضرار. # والجملة وإن لم تفد تعين القيام في مسجد قبا حيث عبر بقوله: "أحق، غير أن ~~سبق النهي عن القيام في مسجد الضرار يوجب ذلك، وقوله تعالى: "فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا" تعليل للرجحان السابق، وقوله: "والله يحب المطهرين" متمم ~~للتعليل المذكور، وهذا هو الدليل على أن المراد بقوله: "لمسجد أسس" إلخ هو ~~مسجد ms3573 قبا لا مسجد النبي أو غيره. # ومعنى الآية: لا تقم أي للصلاة في مسجد الضرار أبدا، أقسم، لمسجد قبا ~~الذي هو مسجد أسس على تقوى الله من أول يوم أحق وأحرى أن تقوم فيه للصلاة ~~وذلك أن فيه رجالا يحبون التطهر من الذنوب أو من الأرجاس والأحداث والله ~~يحب المطهرين وعليك أن تقوم فيهم. PageV09P220 # وقد ظهر بذلك أن قوله: "لمسجد أسس" إلخ، بمنزلة التعليل لرجحان المسجد على ~~المسجد وقوله: "فيه رجال" إلخ، لإفادة رجحان أهله على أهله، وقوله الآتي: ~~"أفمن أسس بنيانه" إلخ، لبيان الرجحان الثاني. # قوله تعالى: "أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير" إلى آخر ~~الآية شفا البئر طرفه، وجرف الوادي جانبه الذي انحفر بالماء أصله وهار ~~الشيء يهار فهو هائر وربما يقال: هار بالقلب وانهار ينهار انهيارا أي سقط ~~عن لين فقوله: "على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم" استعارة تخييلية ~~شبه فيها حالهم بحال من بنى بنيانا على نهاية شفير واد لا ثقة بثباتها ~~وقوامها فتساقطت بما بني عليه من البنيان وكان في أصله جهنم فوقع في ناره، ~~وهذا بخلاف من بنى بنيانه على تقوى من الله ورضوان منه أي جرى في حياته على ~~اتقاء عذاب الله وابتغاء رضاه. # وظاهر السياق أن قوله: "أفمن أسس بنيانه على تقوى" إلخ، وقوله: "أم من ~~أسس بنيانه على شفا جرف" إلخ، مثلان يمثل بهما بنيان حياة المؤمنين ~~والمنافقين وهو الدين والطريق الذي يجريان عليه فيها فدين المؤمن هو تقوى ~~الله وابتغاء رضوانه عن يقين به، ودين المنافق مبني على التزلزل والشك. # ولذلك أعقبه الله تعالى وزاد في بيانه بقوله: "لا يزال بنيانهم" يعني ~~المنافقين "الذي بنوا ريبة" وشكا "في قلوبهم" لا يتعدى إلى مرحلة اليقين ~~"إلا أن تقطع قلوبهم" فتتلاشى الريبة بتلاشيها "والله عليم حكيم" ولذلك يضع ~~هؤلاء ويرفع أولئك. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قال المفسرون: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قبا، وبعثوا ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ms3574 يأتيهم فأتاهم وصلى فيه فحسدهم ~~جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا: نبني مسجدا فنصلي فيه ولا ~~نحضر جماعة محمد، وكانوا اثني عشر رجلا، وقيل: خمسة عشر رجلا، منهم: ثعلبة ~~بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل بن الحارث فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا. فلما ~~بنوه أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: ~~يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة الممطرة ~~والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا وتدعو بالبركة فقال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إني على جناح سفر ولو قدمنا أتيناكم إن شاء ~~الله فصلينا لكم فيه، فلما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد. قال: فوجه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم وكان ~~مالك من بني عمرو بن عوف فقال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ~~فأهدماه وحرقاه، وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا فحرقاه، وأمر بأن يتخذ ~~كناسة يلقى فيها الجيف. أقول: وفي رواية القمي: أنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعث لذلك مالك بن دخشم الخزاعي وعامر بن عدي أخا بني عمرو بن عوف ~~فجاء مالك وقال لعامر: انتظرني حتى أخرج نارا من منزلي، فدخل وجاء بنار ~~وأشعل في سعف النخل ثم أشعله في المسجد فتفرقوا، وقعد زيد بن حارثة حتى ~~احترقت البنية ثم أمر بهدم حائطه. # والقصة مروية بطرق كثيرة من طرق أهل السنة، والروايات متقاربة إلا أن في ~~أسامي من بعثه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختلافا. PageV09P221 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: كان ~~الذين بنوا مسجد الضرار اثني عشر رجلا: خذام بن خالد بن عبيد بن زيد، ~~وثعلبة بن حاطب وهلال بن أمية، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد ~~بن حنيف، وجارية بن عامر وابناه ms3575 مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، وبخدج بن ~~عثمان ووديعة بن ثابت. وفي المجمع،: في قوله: "وإرصادا لمن حارب الله ~~ورسوله" قال: هو أبو عامر الراهب، قال وكان من قصته أنه كان قد ترهب في ~~الجاهلية ولبس المسوح فلما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة ~~حسده، وحزب عليه الأحزاب ثم هرب بعد فتح مكة إلى الطائف فلما أسلم أهل ~~الطائف لحق بالشام، وخرج إلى الروم وتنصر وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي ~~قتل مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد وكان جنبا فغسلته ~~الملائكة. وسمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا عامر الفاسق، وكان ~~قد أرسل إلى المنافق أن استعدوا وابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر وآتي من ~~عنده بجنود، وأخرج محمدا من المدينة فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن ~~يجيئهم أبو عامر فمات قبل أن يبلغ ملك الروم. # أقول: وفي معناه عدة من الروايات. # وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته ~~عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجد قبا: أقول: ورواه العياشي في ~~تفسيره، وروي هذا المعنى أيضا في الكافي، بإسناده عن معاوية بن عمار عنه ~~(عليه السلام). # وقد روي في الدر المنثور، بغير واحد من الطرق عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنه قال: هو مسجدي هذا، وهو مخالف لظاهر الآية وخاصة قوله: "فيه ~~رجال" إلخ، فإن الكلام موضوع في القياس بين المسجدين: مسجد قبا ومسجد ~~الضرار والقياس بين أهليهما ولا غرض يتعلق بمسجد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). وفي تفسير العياشي، عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته ~~عن قول الله: "فيه رجال يحبون أن يتطهروا" قال: الذين يحبون أن يتطهروا نظف ~~الوضوء وهو الاستنجاء بالماء وقال: قال نزلت هذه في أهل قبا. وفي المجمع،: ~~في الآية قال: يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط والبول: وهو المروي عن ~~السيدين: الباقر والصادق (عليهما السلام)، وروي عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنه قال: ms3576 لأهل قبا: ما ذا تفعلون في طهركم فإن الله تعالى قد ~~أحسن عليكم الثناء؟ قالوا: نغسل أثر الغائط. فقال: أنزل الله فيكم: "والله ~~يحب المطهرين". وفيه،: في قراءة قوله: "إلا أن تقطع قلوبهم" وقرأ يعقوب ~~وسهل: "إلى أن" على أنه حرف الجر، وهو قراءة الحسن وقتادة والجحدري وجماعة: ~~ورواه البرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام). PageV09P222 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 111 - 123 # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأمولهم بأن لهم الجنة يقتلون فى سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والانجيل والقرءان ومن أوفى ~~بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) ~~التئبون العبدون الحمدون السئحون الركعون السجدون الامرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحفظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما كان للنبى ~~والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين ~~لهم أنهم أصحب الجحيم (113) وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبرهيم لأوه حليم (114) ~~وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شىء عليم (115) إن الله له ملك السموت والأرض يحى ويميت وما لكم من دون ~~الله من ولى ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبى والمهجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه فى ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب ~~عليهم إنه بهم رءوف رحيم (117) وعلى الثلثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم ~~تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصدقين (119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ~~ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ms3577 لهم به عمل صلح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب ~~لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يأيها الذين ءامنوا قتلوا الذين يلونكم ~~من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) ### |||| AUTO بيان # آيات في أغراض متفرقة يجمعها غرض واحد مرتبط بغرض الآيات السابقة فإنها ~~تتكلم حول القتال فمنها ما يمدح المؤمنين ويعدهم وعدا جميلا على جهادهم في ~~سبيل الله ومنها ما ينهى عن التودد إلى المشركين والاستغفار لهم، ومنها ما ~~يدل على توبته تعالى للثلاثة المخلفين عن غزوة تبوك، ومنها ما يفرض على أهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يخرجوا مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذا أراد الخروج إلى قتال ولا يتخلفوا عنه، ومنها ما يفرض على الناس ~~أن يلازم بعضهم البيضة للتفقه في الدين ثم تبليغه إلى قومهم إذا رجعوا ~~إليهم ومنها ما يقضي بقتال الكفار ممن يلي بلاد الإسلام. # قوله تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" ~~إلى آخر الآية، الاشتراء هو قبول العين المبيعة بنقل الثمن في المبايعة. # والله سبحانه يذكر في الآية وعده القطعي للذين يجاهدون في سبيل الله ~~بأنفسهم وأموالهم بالجنة، ويذكر أنه ذكر ذلك في التوراة والإنجيل كما يذكره ~~في القرآن. PageV09P223 # وقد قلبه سبحانه في قالب التمثيل فصور ذلك بيعا، وجعل نفسه مشتريا ~~والمؤمنين بائعين، وأنفسهم وأموالهم سلعة ومبيعا، والجنة ثمنا، والتوراة ~~والإنجيل والقرآن سندا للمبايعة، وهو من لطيف التمثيل ثم يبشر المؤمنين ~~ببيعهم ذلك، ويهنئهم بالفوز العظيم. # قوله تعالى: "التائبون العابدون الحامدون السائحون" إلى آخر الآية، يصف ~~سبحانه المؤمنين بأجمل صفاتهم، والصفات مرفوعة بالقطع أي المؤمنون هم ~~التائبون العابدون إلخ، فهم التائبون لرجوعهم من غير الله إلى الله سبحانه ~~العابدون له ويعبدونه بألسنتهم فيحمدونه بجميل الثناء، وبأقدامهم فيسيحون ~~ويجولون ms3578 من معهد من المعاهد الدينية ومسجد من مساجد الله إلى غيره، ~~وبأبدانهم فيركعون له ويسجدون له. # هذا شأنهم بالنسبة إلى حال الانفراد وأما بالنسبة إلى حال الاجتماع فهم ~~آمرون بالمعروف في السنة الدينية وناهون عن المنكر فيها ثم هم حافظون لحدود ~~الله لا يتعدونه في حالتي انفرادهم واجتماعهم خلوتهم وجلوتهم، ثم يأمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يبشرهم وقد بشرهم تعالى نفسه في الآية ~~السابقة، وفيه من كمال التأكيد ما لا يقدر قدره. # وقد ظهر بما قررنا أولا: وجه الترتيب بين الأوصاف التي عدها لهم فقد بدأ ~~بأوصافهم منفردين وهي التوبة والعبادة والسياحة والركوع والسجود ثم ذكر ما ~~لهم من الوصف الخاص بهم المنبعث عن إيمانهم مجتمعين وهو الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وختم بما لهم من جميل الوصف في حالتي انفرادهم واجتماعهم ~~وهو حفظهم لحدود الله، وفي التعبير بالحفظ مضافا إلى الدلالة على عدم ~~التعدي دلالة على الرقوب والاهتمام. # وثانيا: أن المراد بالسياحة - ومعناه السير في الأرض - على ما هو الأنسب ~~بسياق الترتيب هو السير إلى مساكن ذكر الله وعبادته كالمساجد، وأما القول ~~بأن المراد بالسياحة الصيام أو السياحة في الأرض للاعتبار بعجائب قدرة الله ~~وما جرى على الأمم الماضية مما تحكيه ديارهم وآثارهم أو المسافرة لطلب ~~العلم أو المسافرة لطلب الحديث خاصة فهي وجوه غير سديدة. # أما الأول: فلا دليل عليه من جهة اللفظ البتة، وأما الوجوه الأخر فإنها ~~وإن كانت ربما استفيد الندب من مثل قوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم:" المؤمن: - 82، وقوله: "فلو لا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين:" الآية - 122 من السورة إلا أن ~~إرادتها من قوله: "السائحون" تبطل جودة الترتيب بين الصفات المنضودة. # وثالثا: أن هذه الصفات الشريفة هي التي يتم بها إيمان المؤمن المستوجب ~~للوعد القطعي بالجنة المستتبع للبشارة الإلهية والنبوية وهي الملازمة ~~للقيام بحق الله المستلزمة لقيام الله سبحانه بما جعله من الحق على نفسه. # قوله تعالى: "ما كان ms3579 للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى" إلى آخر الآيتين، معنى الآية ظاهر غير أنه تعالى لما ذكر في ~~الآية الثانية التي تبين سبب استغفار إبراهيم لأبيه مع كونه كافرا أنه تبرأ ~~منه بعد ذلك لما تبين له أنه عدو لله، فدل ذلك على أن تبين كون المشركين ~~أصحاب الجحيم إنما يرشد إلى عدم جواز الاستغفار لكونه ملازما لكونهم أعداء ~~لله فإذا تبين للنبي والذين آمنوا أن المشركين أعداء لله كشف ذلك لهم عن ~~حكم ضروري وهو عدم جواز الاستغفار لكونه لغوا لا يترتب عليه أثر وخضوع ~~الإيمان مانع أن يلغو العبد مع ساحة الكبرياء. # وذلك أنه تارة يفرض الله تعالى عدوا للعبد مبغضا له لتقصير من ناحيته ~~وسوء من عمله فمن الجائز بالنظر إلى سعة رحمة الله أن يستغفر له ويسترحم ~~إذا كان العبد متذللا غير مستكبر، وتارة يفرض العبد عدوا لله محاربا له ~~مستكبرا مستعليا كأرباب الجحود والعناد من المشركين، والعقل الصريح حاكم ~~بأنه لا ينفعه حينئذ شفاعة بمسألة أو استغفار إلا أن يتوب ويرجع إلى الله ~~وينسلخ عن الاستكبار والعناد ويتلبس بلباس الذلة والمسكنة فلا معنى لسؤال ~~الرحمة والمغفرة لمن يأبى عن القبول، ولا للاستعطاء لمن لا يخضع للأخذ ~~والتناول إلا الهزء بمقام الربوبية واللعب بمقام العبودية وهو غير جائز ~~بضرورة من حكم الفطرة. PageV09P224 # وفي الآية نفي الجواز بنفي الحق بدليل قوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا" ~~أي ما كانوا يملكون الاستغفار بعد ما تبين لهم كذا وكذا، وقد تقدم في ذيل ~~قوله تعالى: "ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله:" الآية - 17 من السورة ~~أن حكم الجواز مسبوق في الشرع بجعل الحق. # والمعنى أن النبي والذين آمنوا بعد ما ظهر وتبين بتبيين الله لهم أن ~~المشركين أعداء لله مخلدون في النار لم يكن لهم حق يملكون به أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى منهم، وأما استغفار إبراهيم لأبيه المشرك ~~فإنه ظن أنه ليس بعدو معاند لله وإن كان مشركا فاستعطفه بوعد وعدها ms3580 إياه ~~فاستغفر له فلما تبين له أنه عدو لله معاند على شركه وضلاله تبرأ منه. # وقوله: "إن إبراهيم لأواه حليم" تعليل لوعد إبراهيم واستغفاره لأبيه بأنه ~~تحمل جفوة أبيه ووعده وعدا حسنا لكونه حليما واستغفر له لكونه أواها، ~~والأواه هو الكثير التأوه خوفا من ربه وطمعا فيه. # قوله تعالى: "وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~إلى آخر الآيتين الآيتان متصلتان بالآيتين قبلهما المسوقتين للنهي عن ~~الاستغفار للمشركين. # أما الآية الأولى أعني قوله: "وما كان الله ليضل" إلخ ففيه تهديد ~~للمؤمنين بالإضلال بعد الهداية إن لم يتقوا ما بين الله لهم أن يتقوه ~~ويجتنبوا منه، وهو بحسب ما ينطبق على المورد أن المشركين أعداء لله لا يجوز ~~الاستغفار لهم والتودد إليهم فعلى المؤمنين أن يتقوا ذلك وإلا فهو الضلال ~~بعد الهدى، وعليك أن تذكر ما قدمناه في تفسير قوله تعالى: "اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون:" المائدة: - 3 في الجزء الخامس من ~~الكتاب وفي تفسير آيات ولاية المشركين وأهل الكتاب الواقعة في السور ~~المتقدمة. # والآية بوجه في معنى قوله تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:" الأنفال: - 53 وما في معناه من الآيات، ~~وهي جميعا تهتف بأن من السنة الإلهية أن تستمر على العبد نعمته وهدايته حتى ~~يغير هو ما عنده بالكفران والتعدي فيسلب الله منه النعمة والهداية. # وأما الآية الثانية أعني قوله: "إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ~~ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير" فذيلها بيان لعلة الحكم السابق ~~المدلول عليه بالآية السابقة وهو النهي عن تولي أعداء الله أو وجوب التبري ~~منهم إذ لا ولي ولا نصير حقيقة إلا الله سبحانه وقد بينه للمؤمنين فعليهم ~~بدلالة من إيمانهم أن يقصروا التولي عليه تعالى أو من أذن في توليهم له من ~~أوليائه وليس لهم أن تعتدوا ذلك إلى تولي أعدائه كائنين من كانوا. # وصدر الآية بيان لسبب ms3581 هذا السبب وهو أن الله سبحانه هو الذي يملك كل شيء ~~وبيده الموت والحياة فإليه تدبير كل أمر فهو الولي لا ولي غيره. # وقد ظهر من عموم البيان والعلة في الآيات الأربع أن الحكم عام وهو وجوب ~~التبري أو حرمة التولي لأعداء الله سواء كان التولي بالاستغفار أو بغير ذلك ~~وسواء كان العدو مشركا أو كافرا أو منافقا أو غيرهم من أهل البدع الكافرين ~~بآيات الله أو المصرين على بعض الكبائر كالمرابي المحارب لله ورسوله. # قوله تعالى: "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين" إلى آخر ~~الآيتين، الساعة مقدار من الزمان فساعة العسرة الزمان الذي تعسر فيه الحياة ~~لابتلاء الإنسان بما تشق معه العيشة عليه كعطش أو جوع أو حر شديد أو غير ~~ذلك، والزيغ هو الخروج من الطريق والميل عن الحق، وإضافة الزيغ إلى القلوب ~~وذكر ساعة العسرة وسائر ما يلوح من سياق الكلام دليل على أن المراد بالزيغ ~~الاستنكاف عن امتثال أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والخروج عن طاعته ~~بالتثاقل عن الخروج إلى الجهاد أو الرجوع إلى الأوطان بقطع السير تحرجا من ~~العسرة والمشقة التي واجهتهم في مسيرهم. # والتخليف - على ما في المجمع، - تأخير الشيء عمن مضى فأما تأخير الشيء ~~عنك في المكان فليس بتخليف، وهو من الخلف الذي هو مقابل لجهة الوجه يقال ~~خلفه أي جعله خلفه فهو مخلف. # انتهى والرحب هو السعة التي تقابل الضيق، وبما رحبت أي برحبها فما ~~مصدرية. PageV09P225 # والآيتان وإن كانت كل واحدة منهما ناظرة إلى جهة دون جهة الأخرى فالأولى ~~تبين التوبة على النبي والمهاجرين والأنصار والثانية تبين توبة الثلاثة ~~المخلفين مضافا إلى أن نوع التوبة على أهل الآيتين مختلف فأهل الآية الأولى ~~أو بعضهم تاب الله عليهم من غير معصية منهم وأهل الآية الثانية تيب عليهم ~~وهم عاصون مذنبون. # وبالجملة الآيتان مختلفتان غرضا ومدلولا غير أن السياق يدل على أنهما ~~مسوقتان لغرض واحد ومتصلتان كلاما واحدا تبين فيه توبته تعالى للنبي ~~والمهاجرين والأنصار والثلاثة الذين خلفوا، ومن الدليل ms3582 عليه قوله: "لقد تاب ~~الله على النبي إلى أن قال: "وعلى الثلاثة" إلخ فالآية الثانية غير مستقلة ~~عن الأولى بحسب اللفظ وإن استقلت عنها في المعنى، وذلك يستدعي نزولهما معا ~~وتعلق غرض خاص بهذا الاتصال والامتزاج. # ولعل الغرض الأصلي بيان توبة الله سبحانه لأولئك الثلاثة المخلفين وقد ضم ~~إليها ذكر توبته تعالى للمهاجرين والأنصار حتى للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لتطيب قلوبهم بخلطهم بغيرهم وزوال تميزهم من سائر الناس وعفو أثر ذلك ~~عنهم حتى يعود الجميع على نعت واحد وهو أن الله تاب عليهم برحمته فهم فيه ~~سواء من غير أن يرتفع بعضهم عن بعض أو ينخفض بعضهم عن بعض. # وبهذا تظهر النكتة في تكرار ذكر التوبة في الآيتين فإن الله سبحانه يبدأ ~~بذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار ثم يقول: "ثم تاب عليهم" وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا ثم يقول: "ثم تاب عليهم ليتوبوا" فليس إلا أن الكلام ~~مسوق على منهج الإجمال والتفصيل ذكر فيه توبته تعالى على الجميع إجمالا ثم ~~أشير إلى حال كل من الفريقين على حدته فذكرت عند ذلك توبته الخاصة به. # ولو كانت كل واحدة من الآيتين ذات غرض مستقل من غير أن يجمعها غرض جامع ~~لكان ذلك تكرارا من غير نكتة ظاهرة. # على أن في الآية الأولى دلالة واضحة على أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لم يكن له في ذلك ذنب ولا زيغ ولا كاد أن يزيغ قلبه فإن في الكلام ~~مدحا للمهاجرين والأنصار باتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يزغ ~~قلبه ولا كاد أن يزيغ حتى صار متبعا يقتدى به ولو لا ما ذكرناه من الغرض لم ~~يكن لذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) مع سائر المذكورين وجه ظاهر. # فيئول معنى الآية إلى أن الله - أقسم لذلك - تاب ورجع برحمته رجوعا إلى ~~النبي والمهاجرين والأنصار والثلاثة الذين خلفوا فأما توبته ورجوعه بالرحمة ~~على المهاجرين والأنصار فإنهم اتبعوا النبي في ساعة العسرة وزمانها وهو ~~أيام مسيرهم إلى تبوك - اتبعوه من ms3583 بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ويميل عن ~~الحق بترك الخروج أو ترك السير فبعد ما اتبعوه تاب الله عليهم إنه بهم ~~لرءوف رحيم. # وأما الثلاثة الذين خلفوا فإنهم آل أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت ووسعت - وكان ذلك بسبب أن الناس لم يعاشروهم ولا كلموهم حتى أهلهم فلم ~~يجدوا أنيسا يأنسون به - وضاقت عليهم أنفسهم - من دوام الغم عليهم - ~~وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه بالتوبة والإنابة فلما كان ذلك كله ~~تاب الله عليهم وانعطف ورجع برحمته إليهم ليتوبوا إليه فيقبل توبتهم أنه هو ~~التواب - كثير الرجوع إلى عباده يرجع إليهم بالهداية والتوفيق للتوبة إليه ~~ثم بقبول تلك التوبة - والرحيم بالمؤمنين. # وقد تبين بذلك كله أولا: أن المراد بالتوبة على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) محض الرجوع إليه بالرحمة، ومن الرجوع إليه بالرحمة، الرجوع إلى ~~أمته بالرحمة فالتوبة عليهم توبة عليه فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~الواسطة في نزول الخيرات والبركات إلى أمته. # وأيضا فإن من فضله تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن: كلما ~~ذكر أمته أو الذين معه بخير أفرده من بينهم وصدر الكلام بذكره تشريفا له ~~كما في قوله: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون:" البقرة: - 285 ~~وقوله: "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:" التوبة "- 26، ~~وقوله: "لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا:" التوبة - 88 إلى غير ذلك من ~~الموارد. # وثانيا: أن المراد بما ذكر ثانيا وثالثا من التوبة بقوله: "ثم تاب عليهم" ~~في الموضعين هو تفصيل ما ذكره إجمالا بقوله: "لقد تاب الله". PageV09P226 # وثالثا: أن المراد بالتوبة في قوله: "ثم تاب عليهم" في الموضعين رجوعه ~~تعالى إليهم بالهداية إلى الخير والتوفيق فقد ذكرنا مرارا في الأبحاث ~~السابقة أن توبة العبد محفوفة بتوبتين من الرب تعالى، وأنه يرجع إليه ~~بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهو التوبة الأولى منه فيهتدي العبد إلى ~~الاستغفار وهو توبته فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه وهو التوبة ~~الثانية منه ms3584 تعالى. # والدليل على أن المراد بها في الموضعين ذلك أما في الآية الأولى فلأنه لم ~~يذكر منهم فيها ذنبا يستغفرون له حتى تكون توبته عليهم توبة قبول، وإنما ~~ذكر أنه كان من المتوقع زيغ قلوب بعضهم وهو يناسب التوبة الأولى منه تعالى ~~دون الثانية، وأما في الآية الثانية فلأنه ذكر بعدها قوله: "ليتوبوا" وهو ~~الاستغفار، أخذ غاية لتوبته تعالى فتوبته تعالى قبل توبتهم ليست إلا التوبة ~~الأولى منه. # وربما أيد ذلك قوله تعالى في مقام تعليل توبته عليهم: "إنه بهم رءوف ~~رحيم" حيث لم يذكر من أسمائه ما يدل بلفظه على قبول توبتهم كما لم يذكر ~~منهم توبة بمعنى الاستغفار. # ورابعا: أن المراد بقوله في الآية الثانية: "ليتوبوا" توبة الثلاثة الذين ~~خلفوا المترتب على توبته تعالى الأولى عليهم، فالمعنى ثم تاب الله على ~~الثلاثة ليتوب الثلاثة فيتوب عليهم ويغفر لهم إنه هو التواب الرحيم. # فإن قلت: فالآية لم تدل على قبول توبتهم وهذا مخالف للضرورة الثابتة من ~~جهة النقل أن الآية نزلت في توبتهم. # قلت: القصة ثابتة نقلا غير أنه لا توجد دلالة في لفظ الآية إلا أن الآية ~~تدل بسياقها على ذلك فقد قال تعالى في مقام الإجمال: "لقد تاب الله" وهو ~~أعم بإطلاقه من التوبة بمعنى التوفيق وبمعنى القبول، وكذا قوله بعد: "إن ~~الله هو التواب الرحيم" وخاصة بالنظر إلى ما في الجملة من سياق الحصر ~~الناظر إلى قوله: "وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه" فإذا كانوا أقدموا ~~على التوبة ليأخذوا ملجأ من الله يأمنون فيه وقد هداهم الله إليه بالتوبة ~~فتابوا فمن المحال أن يردهم الله من بابه خائبين وهو التواب الرحيم، وكيف ~~يستقيم ذلك؟ وهو القائل عز من قائل: "إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم:" النساء: - 17. # وربما قيل: إن معنى "ثم تاب عليهم ليتوبوا" ثم سهل الله عليهم التوبة ~~ليتوبوا. # وهو سخيف. # وأسخف منه قول من قال: إن المراد بالتوبة في "ليتوبوا" الرجوع إلى ms3585 حالتهم ~~الأولى قبل المعصية. # وأسخف منه قول آخرين: "إن الضمير في "ليتوبوا" راجع إلى المؤمنين والمعنى ~~ثم تاب على الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتوب ~~المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله قابل التوب. # وخامسا: أن الظن يفيد في الآية مفاد العلم لا لدلالة لفظية بل لخصوص ~~المورد. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" الصدق ~~بحسب الأصل مطابقة القول والخبر للخارج، ويوصف به الإنسان إذا طابق خبره ~~الخارج ثم لما عد كل من الاعتقاد والعزم - الإرادة - قولا توسع في معنى ~~الصدق فعد الإنسان صادقا إذا طابق خبره الخارج وصادقا إذا عمل بما اعتقده ~~وصادقا إذا أتى بما يريده ويعزم عليه على الجد. # وما في الآية من إطلاق الأمر بالتقوى وإطلاق الصادقين وإطلاق الأمر ~~بالكون معهم - والمعية هي المصاحبة في العمل وهو الاتباع - يدل على أن ~~المراد بالصدق هو معناه الوسيع العام دون الخاص. # فالآية تأمر المؤمنين بالتقوى واتباع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وهو ~~غير الأمر بالاتصاف بصفتهم فإنه الكون منهم لا الكون معهم وهو ظاهر. # قوله تعالى: "ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب" إلى آخر الآيتين ~~الرغبة ميل خاص نفساني والرغبة في الشيء الميل إليه لطلب منفعة فيه، ~~والرغبة عن الشيء الميل عنه بتركه والباء للسببية فقوله: "ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه" معناه وليس لهم أن يشتغلوا بأنفسهم عن نفسه فيتركوه عند ~~مخاطر المغازي وفي تعب الأسفار ودعثائها ويقعدوا للتمتع من لذائذ الحياة، ~~والظمأ العطش، والنصب التعب والمخمصة المجاعة، والغيظ أشد الغضب، والموطأ ~~الأرض التي توطأ بالأقدام. PageV09P227 # والآية تسلب حق التخلف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل المدينة ~~والأعراب الذين حولها ثم تذكر أن الله قابل هذا السلب منهم بأنه يكتب لهم ~~في كل مصيبة تصيبهم في الجهاد من جوع وعطش وتعب وفي كل أرض يطئونها فيغيطون ~~به الكفار أو نيل نالوه منهم عملا صالحا فإنهم محسنون والله لا يضيع أجر ~~المحسنين، وهذا معنى قوله: "ذلك ms3586 بأنهم لا يصيبهم ظمأ" إلخ. # ثم ذكر أن نفقاتهم صغيرة يسيرة كانت أو كبيرة خطيرة وكذا كل واد قطعوه ~~فإنه مكتوب لهم محفوظ لأجلهم ليجزوا به أحسن الجزاء. # وقوله: "ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون" غاية متعلقه بقوله: "كتب لهم ~~أي غاية هذه الكتابة هي أن يجزيهم بأحسن أعمالهم، وإنما خص جزاء أحسن ~~الأعمال بالذكر لأن رغبة العامل عاكفة عليه، أو لأن الجزاء بأحسنها يستلزم ~~الجزاء بغيره، أو لأن المراد بأحسن الأعمال الجهاد في سبيل الله لكونه ~~أشقها وقيام الدعوة الدينية به. # وهاهنا معنى آخر وهو أن جزاء العمل في الحقيقة إنما هو نفس العمل عائدا ~~إلى الله فأحسن الجزاء هو أحسن العمل فالجزاء بأحسن الأعمال في معنى الجزاء ~~بأحسن الجزاء ومعنى آخر وهو أن يغفر الله سبحانه سيئاتهم المشوبة بأعمالهم ~~الحسنة ويستر جهات نقصها فيكون العمل أحسن بعد ما كان حسنا ثم يجزيهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون فافهم ذلك وربما رجع المعنيان إلى معنى واحد. # قوله تعالى: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين" السياق يدل على أن المراد بقوله: "لينفروا كافة" ~~لينفروا وليخرجوا إلى الجهاد جميعا، وقوله: "فرقة منهم" الضمير للمؤمنين ~~الذين ليس لهم أن ينفروا كافة، ولازمه أن يكون النفر إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) منهم. # فالآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول أن ينفروا إلى الجهاد ~~كافة بل يحضضهم أن ينفر طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~للتفقه في الدين وينفر إلى الجهاد غيرهم. # والأنسب بهذا المعنى أن يكون الضمير في قوله "رجعوا" للطائفة المتفقهين، ~~وفي قوله: "إليهم" لقومهم والمراد إذا رجع هؤلاء المتفقهون إلى قومهم، ~~ويمكن العكس بأن يكون المعنى: إذا رجع قومهم من الجهاد إلى هؤلاء الطائفة ~~بعد تفقههم ورجوعهم إلى أوطانهم. # ومعنى الآية لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعا فهلا نفر ~~وخرج إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طائفة من كل فرقة من فرق ms3587 ~~المؤمنين ليتحققوا الفقه والفهم في الدين فيعملوا به لأنفسهم ولينذروا بنشر ~~معارف الدين وذكر آثار المخالفة لأصوله وفروعه قومهم إذا رجعت هذه الطائفة ~~إليهم لعلهم يحذرون ويتقون. # ومن هنا يظهر أولا: أن المراد بالتفقه تفهم جميع المعارف الدينية من أصول ~~وفروع لا خصوص الأحكام العملية وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة، ~~والدليل عليه قوله: "لينذروا قومهم" فإن ذلك أمر إنما يتم بالتفقه في جميع ~~الدين وهو ظاهر. # وثانيا: أن النفر إلى الجهاد موضوع عن طلبة العلم الديني بدلالة من الآية. # وثالثا: أن سائر المعاني المحتملة التي ذكروها في الآية بعيدة عن السياق ~~كقول بعضهم: إن المراد بقوله: "لينفروا كافة" نفرهم إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) للتفقه، وقول بعضهم في "فلو لا نفر" أي إلى الجهاد، ~~والمراد بقوله: "ليتفقهوا" أي الباقون المتخلفون فينذروا قومهم النافرين ~~إلى الجهاد إذا رجعوا إلى أولئك المتخلفين. # فهذه ونظائرها معان بعيدة لا جدوى في التعرض لها والإطناب في البحث عنها. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين" أمر بالجهاد العام الذي فيه توسع ~~الإسلام حتى يشيع في الدنيا فإن قتال كل طائفة من المؤمنين من يليهم من ~~الكفار لا ينتهي إلا باتساع الإسلام اتساعا باستقرار سلطنته على الدنيا ~~وإحاطته بالناس جميعا. # والمراد بقوله: "وليجدوا فيكم غلظة" أي الشدة في ذات الله وليس يعني بها ~~الخشونة والفظاظة وسوء الخلق والقساوة والجفاء فجميع الأصول الدينية تذم ~~ذلك وتستقبحه، ولحن آيات الجهاد ينهى عن كل تعد واعتداء وجفاء كما مر في ~~سورة البقرة. PageV09P228 # وفي قوله: "واعلموا أن الله مع المتقين" وعد إلهي بالنصر بشرط التقوى، ~~ويئول معناه إلى إرشادهم إلى أن يكونوا دائما مراقبين لأنفسهم ذاكرين مقام ~~ربهم منهم، وهو أنه معهم ومولاهم فهم الأعلون إن كانوا يتقون. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله ~~قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه ms3588 وآله وسلم) وهو في ~~المسجد: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم" الآية فكبر الناس في المسجد ~~فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت ~~هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. وفي ~~الكافي، بإسناده عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لقي عباد ~~البصري علي بن الحسين (عليهما السلام) في طريق مكة فقال له: يا علي بن ~~الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينته إن الله يقول: "إن الله ~~اشترى" إلخ، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا رأينا هؤلاء الذين هذه ~~صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج. # أقول: يريد (عليه السلام) ما في الآية الثانية: "التائبون العابدون" ~~الآية من الأوصاف. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سياحة أمتي في المساجد. # أقول: وروي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن ~~السائحين هم الصائمون. وعن أبي أمامة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ~~سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، وقد تقدم الكلام فيه. # وفي المجمع،: "التائبين العابدين" إلى آخرها بالياء عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام). وفي الدر المنثور،: في قوله: "ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين": أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب ~~الوفاة دخل عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده أبو جهل وعبد الله ~~بن أبي أمية فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أي عم قل لا إله إلا ~~الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا ~~طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعانوانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ~~ما كلمهم هو: على ms3589 ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت: "ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" الآية، وأنزل الله في أبي ~~طالب فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء". # أقول: وفي معناه روايات أخرى من طرق أهل السنة، وفي بعضها أن المسلمين ~~لما رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر لعمه وهو مشرك استغفروا ~~لآبائهم المشركين فنزلت الآية، وقد اتفقت الرواية عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) أنه كان مسلما غير متظاهر بإسلامه ليتمكن بذلك من حماية النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وفيما روي بالنقل الصحيح من أشعاره شيء كثير يدل على ~~توحيده وتصديقه النبوة، وقد قدمنا نبذة منها. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر قال: الأواه الدعاء. وفي ~~المجمع،: في قوله تعالى: "وما كان الله ليضل قوما" الآية قيل: مات قوم من ~~المسلمين على الإسلام قبل أن تنزل الفرائض فقال المسلمون: يا رسول الله ~~إخواننا المسلمون ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فنزل: "وما كان الله ليضل ~~قوما" الآية: عن الحسن. وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: في ~~الآية قال: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى قال: لم يكن لكم ~~أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه حتى يبين ~~لهم ما يتقون. قال: حتى ينهاهم قبل ذلك. # أقول: ظاهر الروايتين أنهما من التطبيق دون النزول بمعناه المصطلح عليه، ~~واتصال الآية بالآيتين قبلها ودخولها في سياقهما ظاهر، وقد تقدم توضيحه. PageV09P229 # وفي الكافي، بإسناده عن حمزة بن محمد الطيار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله: "وما كان الله ليضل قوما - بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون" قال: يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه. الحديث: أقول: ورواه أيضا ~~عن عبد الأعلى عنه (عليه السلام)، ورواه البرقي أيضا ms3590 في المحاسن. وفي تفسير ~~القمي،: "لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار - الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة" قال الصادق (عليه السلام): هكذا نزلت وهم أبو ذر وأبو خيثمة ~~وعمير بن وهب الذين تخلفوا ثم لحقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # أقول: وقد استخرجناه من حديث طويل أورده القمي في تفسيره في قوله تعالى: ~~"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة:" الآية: - 46 من السورة، وروى قراءة ~~"بالنبي" في المجمع، عنه وعن الرضا (عليه السلام). # وفي المجمع،: في قوله: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا" وقرأ علي بن الحسين ~~زين العابدين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) وأبو ~~عبد الرحمن السلمي. خالفوا. وفيه،: في قوله: "لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار" الآية نزلت في غزاة تبوك وما لحق المسلمين فيها من ~~العسرة حتى هم قوم بالرجوع ثم تداركهم لطف الله سبحانه قال الحسن: كان ~~العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثم ~~ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم الشعير المسوس والتمر المدود والإهالة ~~السنخة وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التميرات بينهم فإذا بلغ الجوع ~~من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب ~~عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة. ~~وفيه،: في قوله: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا" الآية نزلت في شأن كعب بن مالك ~~ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وذلك أنهم تخلفوا عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ولم يخرجوا معه لا عن نفاق ولكن عن توان ثم ندموا فلما قدم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة جاءوا إليه واعتذروا فلم يكلمهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد ~~منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقلن له: يا رسول الله نعتزلهم؟ فقال: ولكن لا يقربوكن. فضاقت ~~عليهم المدينة فخرجوا ms3591 إلى رءوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ~~ولا يكلمونهم فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس ولا يكلمنا أحد منهم فهلا ~~نتهاجر نحن أيضا؟ فتفرقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وبقوا على ذلك خمسين يوما ~~يتضرعون إلى الله تعالى ويتوبون إليه، فقبل الله تعالى توبتهم وأنزل فيهم ~~هذه الآية. # أقول: وقد تقدمت القصة في حديث طويل نقلناه من تفسير القمي في الآية 46 ~~من السورة، ورويت القصة بطرق كثيرة. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب من تفسير أبي يوسف بن يعقوب بن سفيان ~~حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله" قال: أمر الله الصحابة أن يخافوا الله. ثم قال: "وكونوا مع الصادقين" ~~يعني مع محمد وأهل بيته (عليهم السلام). # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقد ~~روي في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن ابن عباس، وأيضا عن ابن عساكر عن ~~أبي جعفر: في قوله: "وكونوا مع الصادقين" قالا: مع علي بن أبي طالب. وفي ~~الكافي، بإسناده عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ~~إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: أين قول الله عز وجل: "فلو لا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين - ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون" قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ~~ينتظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة عن الأئمة (عليهم السلام)، وهو مما ~~يدل على أن المراد بالتفقه في الآية أعم من تعلم الفقه بالمعنى المصطلح ~~عليه اليوم. # واعلم أن هناك أقوالا أخرى في أسباب نزول بعض الآيات السابقة تركناها ~~لظهور ضعفها ووهنها. PageV09P230 ### ||| AUTO 9 سورة التوبة - 124 - 129 # وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمنا فأما الذين ~~ءامنوا فزادتهم إيمنا وهم يستبشرون (124) وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كفرون (125) أولا ms3592 يرون أنهم يفتنون فى كل عام ~~مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر ~~بعضهم إلى بعض هل يرام من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا ~~يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم (129) ### |||| AUTO بيان # هي آيات تختتم بها آيات براءة وهي تذكر حال المؤمنين والمنافقين عند ~~مشاهدة نزول السور القرآنية، يتحصل بذلك أيضا أمارة من أمارات النفاق يعرف ~~بها المنافق من المؤمن، وهو قولهم عند نزول القرآن: أيكم زادته هذه إيمانا؟ ~~ونظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد؟. # وفيها وصفه تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفا يحن به إليه قلوب ~~المؤمنين، وأمره بالتوكل عليه إن أعرضوا عنه. # قوله تعالى: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا" ~~إلى آخر الآيتين. # نحو السؤال في قولهم: هل يراكم من أحد؟! يدل على أن سائله لا يخلو من شيء ~~في قلبه فإن هذا السؤال بالطبع سؤال من لا يجد في قلبه أثرا من نزول القرآن ~~وكأنه يذعن أن قلوب غيره كقلبه فيما يتلقاه فيتفحص عمن أثر في قلبه نزول ~~القرآن كأنه يرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعي أن القرآن يصلح ~~كل قلب سواء كان مستعدا مهيئا للصلاح أم لا وهو لا يذعن بذلك وكلما تليت ~~عليه سورة جديدة ولم يجد في قلبه خشوعا لله ولا ميلا وحنانا إلى الحق زاد ~~شكا فبعثه ذلك إلى أن يسأل سائر من حضر عند النزول عن ذلك حتى يستقر في شكه ~~ويزيد ثباتا في نفاقه. # وبالجملة السؤال سؤال من لا يخلو قلبه من نفاق. # وقد فصل الله سبحانه أمر القلوب وفرق بين قلوب المؤمنين والذين في قلوبهم ~~مرض فقال: "فأما الذين آمنوا" وهم الذين قلوبهم خالية عن النفاق بريئة من ~~المرض وهم على يقين من ms3593 دينهم بقرينة المقابلة "فزادتهم" السورة النازلة ~~"إيمانا" فإنها بإنارتها أرض القلب بنور هدايتها توجب اشتداد نور الإيمان ~~فيه، وهذه زيادة في الكيف، وباشتمالها على معارف وحقائق جديدة من المعارف ~~القرآنية والحقائق الإلهية، وبسطها على القلب نور الإيمان بها توجب زيادة ~~إيمان جديد على سابق الإيمان وهذه زيادة في الكمية ونسبة زيادة الإيمان إلى ~~السورة من قبيل النسبة إلى الأسباب الظاهرة وكيف كان فالسورة تزيد المؤمنين ~~إيمانا فتنشرح بذلك صدورهم وتتهلل وجوههم فرحا "وهم يستبشرون". # "وأما الذين في قلوبهم مرض" وهم أهل الشك والنفاق "فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم" أي ضلالا جديدا إلى ضلالهم القديم وقد سمى الله سبحانه الضلال رجسا ~~في قوله: "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون:" الأنعام: - 125 والمقابلة الواقعة ~~بين "الذين آمنوا" و"الذين في قلوبهم مرض" يفيد أن هؤلاء ليس في قلوبهم ~~إيمان صحيح وإنما هو الشك أو الجحد وكيف كان فهو الكفر ولذلك قال "وماتوا ~~وهم كافرون". # والآية تدل على أن السورة من القرآن لا تخلو عن تأثير في قلب من استمعه ~~فإن كان قلبا سليما زادته إيمانا واستبشارا وسرورا، وإن كان قلبا مريضا ~~زادته رجسا وضلالا نظير ما يفيده قوله: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا:" إسراء: - 82. PageV09P231 # قوله تعالى: "أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين" الآية ~~الاستفهام للتقرير أي ما لهم لا يتفكرون ولا يعتبرون وهم يرون أنهم يبتلون ~~ويمتحنون كل عام مرة أو مرتين فيعصون الله ولا يخرجون من عهدة المحنة ~~الإلهية وهم لا يتوبون ولا يتذكرون ولو تفكروا في ذلك انتبهوا لواجب أمرهم ~~وأيقنوا أن الاستمرار على هذا الشأن ينتهي بهم إلى تراكم الرجس على الرجس ~~والهلاك الدائم والخسران المؤبد. # قوله تعالى: "وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد" ~~الآية وهذه خصيصة أخرى من خصائصهم وهي أنهم عند نزول سورة قرآنية - ولا ~~محالة هم ms3594 حاضرون - ينظر بعضهم إلى بعض نظر من يقول: هل يراكم من أحد، وهذا ~~قول من يسمع حديثا لا يطيقه ويضيق بذلك صدره فيتغير لونه ويظهر القلق ~~والاضطراب في وجهه فيخاف أن يلتفت إليه ويظهر السر الذي طواه في قلبه فينظر ~~إلى بعض من كان قد أودعه سره وأوقفه على باطن أمره كأنه يستفسره هل يطلع ~~على ما بنا من القلق والاضطراب أحد. # فقوله: "نظر بعضهم إلى بعض" أي بعض المنافقين، وهذا من الدليل على أن ~~الضمير في قوله في الآية السابقة: "فمنهم من يقول" أيضا للمنافقين، وقوله: ~~"نظر بعضهم إلى بعض" أي نظر قلق مضطرب يحذر ظهور أمره وانهتاك ستره، وقوله: ~~"هل يراكم من أحد" في مقام التفسير للنظر أي نظر بعضهم إلى بعض نظر من ~~يقول: هل يراكم من أحد؟ ومن للتأكيد وأحد فاعل يراكم. # وقوله: "ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون" ظاهر السياق أن ~~المعنى ثم انصرفوا من عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال صرف الله ~~قلوبهم عن وعي الآيات الإلهية والإيمان بها بسبب أنهم قوم لا يفقهون الكلام ~~الحق فالجملة حالية على ما يجوزه بعضهم. # وربما احتمل كون قوله: "صرف الله قلوبهم" دعاء منه تعالى على المنافقين، ~~وله نظائر في القرآن، والدعاء منه تعالى على أحد إيعاد له بالشر. # قوله تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم" العنت هو الضرر والهلاك، وما في قوله: "ما عنتم" ~~مصدرية التأويل عنتكم، والمراد بالرسول على ما يشهد سياق الآيتين محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وقد وصفه بأنه من أنفسهم والظاهر أن المراد به أنه ~~بشر مثلكم ومن نوعكم إذ لا دليل يدل على تخصيص الخطاب بالعرب أو بقريش ~~خاصة، وخاصة بالنظر إلى وجود رجال من الروم وفارس والحبشة بين المسلمين في ~~حال الخطاب. # والمعنى لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم، من أوصافه أنه يشق عليه ~~ضركم أو هلاككم وأنه حريص عليكم جميعا من مؤمن ms3595 أو غير مؤمن، وأنه رءوف رحيم ~~بالمؤمنين منكم خاصة فيحق عليكم أن تطيعوا أمره لأنه رسول لا يصدع إلا عن ~~أمر الله، وطاعته طاعة الله، وأن تأنسوا به وتحنوا إليه لأنه من أنفسكم، ~~وأن تجيبوا دعوته وتصغوا إليه كما ينصح لكم. # ومن هنا يظهر أن القيود المأخوذة في الكلام من الأوصاف أعني قوله "رسول" ~~و"من أنفسكم" و"عزيز عليه ما عنتم" إلخ، جميعها مسوقة لتأكيد الندب إلى ~~إجابته وقبول دعوته، ويدل عليه قوله في الآية التالية: "فإن تولوا فقل حسبي الله". # قوله تعالى: "فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب ~~العرش العظيم" أي وإن تولوا عنك وأعرضوا عن قبول دعوتك فقل حسبي الله لا ~~إله إلا هو أي هو كافي لا إله إلا هو. # فقوله: "لا إله إلا هو" في مقام التعليل لانقطاعه من الأسباب واعتصامه ~~بربه فهو كاف لا كافي سواه لأنه الله لا إله غيره، ومن المحتمل أن تكون ~~كلمة التوحيد جيء بها للتعظيم نظير قوله: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه:" ~~البقرة: - 116. # وقوله: "عليه توكلت" وفيه معنى الحصر تفسير يفسر به قوله: "حسبي الله" ~~الدال على معنى التوكل بالالتزام، وقد تقدم في بعض الأبحاث السابقة أن معنى ~~التوكل هو اتخاذ العبد ربه وكيلا يحل محل نفسه ويتولى تدبير أموره أي ~~انصرافه عن التسبب بذيل ما يعرفه من الأسباب، ولا محالة هو بعض الأسباب ~~الذي هو علة ناقصة والاعتصام بالسبب الحقيقي الذي إليه ينتهي جميع الأسباب. # ومن هنا يظهر وجه تذليل الكلام بقوله: "وهو رب العرش العظيم" أي الملك ~~والسلطان الذي يحكم به على كل شيء ويدبر به كل أمر. PageV09P232 # وإنما قال تعالى: "فقل حسبي الله" الآية ولم يقل: فتوكل على الله لإرشاده ~~إلى أن يتوكل على ربه وهو ذاكر هذه الحقائق التي تنور حقيقة معنى التوكل، ~~وأن النظر المصيب هو أن لا يثق الإنسان بما يدركه من الأسباب الظاهرة التي ~~هي لا محالة بعض الأسباب بل يأخذ بما يعلمه منها على ما طبعه ms3596 الله عليه ~~ويثق بربه ويتوكل عليه في حصول بغيته وغرضه. # وفي الآية من الدلالة على عجيب اهتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~باهتداء الناس ما ليس يخفى فإنه تعالى يأمره بالتوكل على ربه فيما يهتم به ~~من الأمر وهو ما تبينه الآية السابقة من شدة رغبته وحرصه في اهتداء الناس ~~وفوزهم بالسعادة فافهم ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في حديث طويل يذكر فيه تمام الإيمان ونقصه، قال: قلت: قد فهمت نقصان ~~الإيمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته؟ فقال: قول الله عز وجل: "وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا - فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون - وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم" وقال: "نحن نقص عليك نبأهم بالحق - إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم ~~هدى". ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على ~~الآخر، ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الإيمان ~~دخل المؤمنون الجنة وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند ~~الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار. وفي تفسير العياشي، عن زرارة بن أعين ~~عن أبي جعفر (عليه السلام): "وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم" يقول شكا إلى شكهم. وفي الدر المنثور،: في قوله: "لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم": أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لم يلتق أبواي قط على سفاح. لم يزل الله ينقلني من ~~الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان إلا كنت في ~~خيرهما. # أقول: وقد أورد فيه روايات كثيرة في هذا المعنى عن رجال من الصحابة ~~وغيرهم كالعباس وأنس وأبي هريرة وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمر ~~وابن عباس وعلي ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ~~وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج ms3597 ابن الضريس في فضائل القرآن وابن الأنباري في المصاحف وابن ~~مردويه عن الحسن أن أبي بن كعب كان يقول: إن أحدث القرآن عهدا بالله وفي ~~لفظ بالسماء هاتان الآيتان: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" إلى آخر الآية: ~~أقول: والرواية مروية من طريق آخر عن أبي بن كعب وهي لا تخلو عن تعارض مع ~~ما سيأتي من الرواية وكذا مع ما تقدم من الروايات في قوله تعالى: "واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله" الآية: البقرة: - 281 أنها آخر آية نزلت من ~~القرآن. # على أن لفظ الآيتين لا يلائم كونهما آخر ما نزلت من القرآن إلا أن يكون ~~إشارة إلى بعض الحوادث الواقعة في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كحديث الدواة والقرطاس. # وفيه، أخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل وابن أبي داود عن عباد بن عبد الله ~~بن الزبير قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة: "لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم إلى قوله "وهو رب العرش العظيم" إلى عمر فقال: من معك ~~على هذا؟ فقال: لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا ~~سورة من القرآن فألحقوها فألحقت في آخر براءة. أقول: وفي رواية أخرى: أن ~~عمر قال للحارث: لا أسألك عليها بينة أبدا كذلك كان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وفي هذا المعنى أحاديث أخرى، وسنستوفي الكلام في تأليف ~~القرآن وما يتعلق به من الأبحاث في تفسير سورة الحجر إن شاء الله تعالى. PageV09P233 # وقد كنا نرجو أن نفرد كلاما في آخر براءة نبحث فيه عن شأن المنافقين في ~~الإسلام ونستخرج ما يشرحه القرآن في أمرهم مع تحليل في تاريخهم وتبيين لما ~~أودعوه من الفساد والبلوى بين المسلمين لكن طول الكلام في تفسير الآيات ~~عاقنا عن ذلك فأخرناه إلى موضع آخر يناسبه والله نسأل ms3598 التوفيق فهو وليه. # تم والحمد لله PageV09P234 تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء العاشر PageV10P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 1 - 10 # بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك ءايت الكتب الحكيم (1) أكان للناس عجبا ~~أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق ~~عند ربهم قال الكفرون إن هذا لسحر مبين (2) إن ربكم الله الذى خلق السموت ~~والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله ~~حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت بالقسط ~~والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) هو الذى ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الايت لقوم يعلمون (5) إن فى اختلف اليل والنهار ~~وما خلق الله فى السموت والأرض لايت لقوم يتقون (6) إن الذين لا يرجون ~~لقاءنا ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءايتنا غفلون (7) ~~أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~يهديهم ربهم بإيمنهم تجرى من تحتهم الأنهر فى جنت النعيم (9) دعواهم فيها ~~سبحنك اللهم وتحيتهم فيها سلم وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العلمين (10) ### |||| AUTO بيان # السورة - كما يلوح من آياتها - مكية من السور النازلة في أوائل البعثة ~~وقد نزلت دفعة للاتصال الظاهر بين كرائم آياتها، وقد استثنى بعضهم قوله ~~تعالى: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك" ~~إلى تمام ثلاث آيات فذكر أنها مدنية، وبعضهم قوله تعالى: "ومنهم من يؤمن به ~~ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين" فذكر أنها نزلت في اليهود ~~بالمدينة، ولا دليل من جهة اللفظ على شيء من القولين. # وغرض السورة وهو الذي أنزلت لأجل بيانه هو تأكيد القول في التوحيد من ~~طريق الإنذار والتبشير كأنها أنزلت عقيب إنكار المشركين الوحي النازل على ms3599 ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتسميتهم القرآن بالسحر فرد الله سبحانه ~~ذلك عليهم ببيان أن القرآن كتاب سماوي نازل بعلمه تعالى، وأن الذي يتضمنه ~~من معارف التوحيد كوحدانيته تعالى وعلمه وقدرته وانتهاء الخلقة إليه وعجائب ~~سننه في خلقه ورجوعهم جميعا إليه بأعمالهم التي سيجزون بها خيرا أو شرا كل ~~ذلك مما تدل عليه آيات السماء والأرض ويهتدي إليه العقل السليم فهي معان ~~حقة ولا يدل على مثلها إلا كلام حكيم لا سحر مزوق باطل. # والدليل على ما ذكرنا افتتاح السورة بالكلام على تكذيبهم القرآن: "أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا - إلى قوله - قال الكافرون إن هذا لساحر مبين" ~~واختتامها بمثل قوله: "واتبع ما يوحى إليك واصبر" الآية ثم عوده تعالى إلى ~~مسألة الإيحاء بالقرآن وتكذيبهم له في تضاعيف الآيات مرة بعد مرة كقوله: ~~"وإذا تتلى عليهم آياتنا الآية وقوله: "وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ~~الله" الآية، وقوله: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة" الآية، وقوله: "فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك" الآية. # فتكرر هذه الآيات والافتتاح والاختتام بها يدل على أن الكلام مبني على ~~تعقيب إنكارهم لكلام الله وتكذيبهم الوحي ولذلك كان من عمدة الكلام في هذه ~~السورة الوعيد على مكذبي آيات الله من هذه الأمة بعذاب يقضي بين النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وبينهم وأن ذلك من سنة الله في خلقه، وعلى تعقيبه ~~تختتم السورة حتى كاد يكون بيان هذه الحقيقة من مختصات هذه السورة فمن ~~الحري أن تعرف السورة بأنها سورة الإنذار بالقضاء العدل بين النبي وبين ~~أمته وقد اختتمت بقوله: "واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين". PageV10P002 # قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب الحكيم" الإشارة باللفظ الدال على البعد ~~للدلالة على ارتفاع مكانة القرآن وعلو مقامه فإنه كلام الله النازل من عنده ~~وهو العلي الأعلى رفيع الدرجات ذو العرش. # والآية - ومعناها العلامة - وإن كان من الجائز أن يسمى بها ما هو من قبيل ~~المعاني أو الأعيان الخارجية كما في قوله: "أولم يكن ms3600 لهم آية أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل:" الشعراء - 197 وفي قوله: "وجعلناها وابنها آية ~~للعالمين": الأنبياء - 91 وكذا ما هو من قبيل القول كما في قوله ظاهرا: ~~"وإذا بدلنا آية مكان آية": النحل: - 101 ونحو ذلك لكن المراد بالآيات ~~هاهنا هي أجزاء الكلام الإلهي قطعا فإن الكلام في الوحي النازل على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو كلام متلو مقرو بأي معنى من المعاني صورنا ~~نزول الوحي. # فالمراد بالآيات أجزاء الكتاب الإلهي وتتعين في الجملة من جهة المقاطع ~~التي تفصل الآيات بعضها من بعض مع إعانة ما من ذوق التفاهم ولذلك ربما وقع ~~الخلاف في عدد آيات بعض السور بين علماء الإحصاء كالكوفيين والبصريين ~~وغيرهم. # والمراد بالكتاب الحكيم هو الكتاب الذي استقرت فيه الحكمة، وربما قيل: إن ~~الحكيم من الفعيل بمعنى المفعول والمراد به المحكم غير القابل للانثلام ~~والفساد، والكتاب الذي هذا شأنه - وقد وصفه تعالى في الآية التالية بأنه من ~~الوحي - هو القرآن المنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وربما قيل: إن الكتاب الحكيم هو اللوح المحفوظ، وكون الآيات آياته هو ~~أنها نزلت منه وهي محفوظة فيه، وهو وإن لم يخل عن وجه بالنظر إلى أمثال ~~قوله تعالى: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ:" البروج: - 22 وقوله: "إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون:" الواقعة - 78 لكن الأظهر من الآية التي نحن ~~فيها وسائر ما في سياقها من آيات أوائل هذه السور المفتتحة بالحروف "الر" ~~وسائر الآيات المشابهة لها أو الناظرة إلى وصف القرآن أن المراد بالكتاب ~~وبآياته هو هذا القرآن المتلو المقرو وآياته المتلوة المقروة بما أنه من ~~اللوح المحفوظ من التغيير والبطلان كالكتاب المأخوذ بوجه من الكتاب كما ~~يستفاد من مثل قوله تعالى: "تلك آيات الكتاب وقرآن مبين:" الحجر - 1، ~~وقوله: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير:" هود: - 1، وغير ذلك. # قوله تعالى: "أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم" إلى آخر الآية ~~الاستفهام للإنكار فهو إنكار لتعجبهم من إيحاء الله إلى ms3601 رجل منهم ما اشتملت ~~عليه الدعوة القرآنية. # وقوله: "أن أنذر الناس" إلخ تفسير لما أوحاه إليه، ويتبين به أن الذي ~~ألقاه إليه من الوحي هو بالنسبة إلى عامة الناس إنذار وبالنسبة إلى الذين ~~آمنوا منهم خاصة تبشير فهو لا محالة يضر الناس على بعض التقادير وهو تقدير ~~الكفر والعصيان وينفعهم على تقدير الإيمان والطاعة. # وقد فسر البشرى الذي أمره أن يبشر به المؤمنين بقوله: "إن لهم قدم صدق ~~عند ربهم" والمراد بقدم الصدق هو المنزلة الصادقة كما يشير إليه قوله: "في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر: القمر - 55 فإن الإيمان لما استتبع الزلفى ~~والمنزلة عند الله كان الصدق في الإيمان يستتبع الصدق في المنزلة التي ~~يستتبعها فلهم منزلة الصدق كما أن لهم إيمان الصدق. # فإطلاق القدم على المنزلة والمكانة من الكناية ولما كان إشغال المكان ~~عادة إنما هو بالقدم استعملت القدم في المكان إن كان في الماديات، وفي ~~المكانة والمنزلة إن كان في المعنويات ثم أضيفت القدم إلى الصدق، وهو صدق ~~صاحب القدم في شأنه أي قدم منسوبة إلى صدق صاحبها أو قدم هي صادقة لصدق ~~صاحبها في شأنه. # وهناك معنى آخر وهو أن يراد بالصدق طبيعته كأن للصدق قدما وللكذب قدما ~~وقدم الصدق هي التي تثبت ولا تزول. # وقوله: "قال الكافرون إن هذا لساحر مبين" أي النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وقرىء: "إن هذا لسحر مبين" أي القرآن ومآل القراءتين واحد فإنهم ~~إنما كانوا يرمونه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر من جهة القرآن الكريم. PageV10P003 # والجملة كالتعليل لقوله: "كان للناس عجبا" يمثل به معنى تعجبهم وهو أنهم ~~لما سمعوا ما تلاه عليهم من القرآن وجدوه كلاما من غير نوع كلامهم خارقا ~~للعادة المألوفة في سنخ الكلام يأخذ بمجامع القلوب وتتوله إليه النفوس ~~فقالوا: إنه لسحر مبين، وإن الجائي به لساحر مبين. # قوله تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام" لما ذكر ~~في الآية السابقة عجبهم من نزول الوحي وهو القرآن على النبي (صلى الله ms3602 عليه ~~وآله وسلم) وتكذيبهم له برميه بالسحر شرع تعالى في بيان ما كذبوا به من ~~الجهتين أعني من جهة أن ما كذبوا به من المعارف المشتمل عليها القرآن حق لا ~~ريب فيه ومن جهة أن القرآن الذي رموه بالسحر كتاب إلهي حق وليس من السحر ~~الباطل في شيء. # فقوله: "إن ربكم الله" إلخ، شروع في بيان الجهة الأولى وهي أن ما يدعوكم ~~إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يعلمكم القرآن حق لا ريب فيه ~~ويجب عليكم أن تتبعوه. # والمعنى: أن ربكم معاشر الناس هو الله الذي خلق هذا العالم المشهود كله ~~سماواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على عرش قدرته وقام مقام التدبير الذي ~~إليه ينتهي كل تدبير وإدارة فشرع يدبر أمر العالم، وإذا انتهى إليه كل ~~تدبير من دون الاستعانة بمعين أو الاعتضاد بأعضاد لم يكن لشيء من الأشياء ~~أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور - وهو الشفاعة - إلا من بعد إذنه تعالى ~~فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه، ومن دونه من ~~الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه. # وإذا كان كذلك كان الله تعالى هو ربكم الذي يدبر أمركم لا غيره مما ~~اتخذتموها أربابا من دون الله وشفعاء عنده وهو المراد بقوله: "ذلكم الله ~~ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون" أي هلا انتقلتم انتقالا فكريا إلى ما يستنير به ~~أن الله هو ربكم لا رب غيره بالتأمل في معنى الألوهية والخلقة والتدبير. # وقد تقدم الكلام في معنى العرش والشفاعة والإذن وغير ذلك في ذيل قوله: ~~"إن ربكم الله:" الأعراف: - 54 في الجزء الثامن من الكتاب. # قوله تعالى: "إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا" تذكير بالمعاد بعد التذكير ~~بالمبدإ، وقوله: "وعد الله حقا" من قيام المفعول المطلق مقام فعله والمعنى: ~~وعده الله وعدا حقا. # والحق هو الخبر الذي له أصل في الواقع يطابق الخبر فكون وعده تعالى ~~بالمعاد حقا معناه كون الخلقة الإلهية بنحو لا تتم خلقة إلا برجوع الأشياء ~~- ومن جملتها الإنسان - إليه ms3603 تعالى وذلك كالحجر الهابط من السماء فإنه يعد ~~بحركته السقوط على الأرض فإن حركته سنخ أمر لا يتم إلا بالاقتراب التدريجي ~~من الأرض والسقوط والاستقرار عليها، والأشياء على حال كدح إلى ربها حتى ~~تلاقيه، قال تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه:" ~~الانشقاق: - 6 فافهم ذلك. # قوله تعالى: "إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط" إلخ تأكيد لقوله: "إليه مرجعكم جميعا" وتفصيل لإجمال ما ~~يتضمنه من معنى الرجوع والمعاد. # ويمكن أن يكون في مقام التعليل لما تقدمه من قوله: "إليه مرجعكم إلخ أشير ~~به إلى حجتين من الحجج المستعملة في القرآن لإثبات المعاد: أما قوله: "إنه ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده" فلأن الجاري من سنة الله سبحانه أنه يفيض الوجود على ~~ما يخلقه من شيء ويمده من رحمته بما تتم له به الخلقة فيوجد ويعيش ويتنعم ~~برحمة منه تعالى ما دام موجودا حتى ينتهي إلى أجل معدود. # وليس انتهاؤه إلى أجله المعدود المضروب له فناء منه وبطلانا للرحمة ~~الإلهية التي كان بها وجوده وبقاؤه وسائر ما يلحق بذلك من حياة وقدرة وعلم ~~ونحو ذلك بل بقبضه تعالى ما بسطه عليه من الرحمة فإن ما أفاضه الله عليه من ~~عنده هو وجهه تعالى ولن يهلك وجهه. # فنفاد وجود الأشياء وانتهائها إلى أجلها ليس فناء منها وبطلانا لها على ~~ما نتوهمه بل رجوعا وعودا منها إلى عنده وقد كانت نزلت من عنده، وما عند ~~الله باق فلم يكن إلا بسطا ثم قبضا فالله سبحانه يبدأ الأشياء ببسط الرحمة ~~ويعيدها إليه بقبضها وهو المعاد الموعود. PageV10P004 # وأما قوله: "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط" إلخ فإن الحجة فيه ~~أن العدل والقسط الإلهي - وهو من صفات فعله - يأبى أن يستوي عنده من خضع له ~~بالإيمان به وعمل صالحا ومن استكبر عليه وكفر به وبآياته، والطائفتان لا ~~يحس بينهما بفرق في الدنيا فإنما السيطرة فيها للأسباب الكونية بحسب ما ~~تنفع وتضر بإذن الله. # فلا يبقى إلا أن يفرق الله بينهما ms3604 بعدله بعد إرجاعهما إليه فيجزي ~~المؤمنين المحسنين جزاء حسنا والكفار المسيئين جزاء سيئا من جهة ما يتلذذون ~~به أو يتألمون. # فالحجة معتمدة على تمايز الفريقين بالإيمان والعمل الصالح وبالكفر وعلى ~~قوله: "بالقسط هذا، وقوله: "ليجزي" متعلق بقوله: "إليه مرجعكم جميعا" على ~~ظاهر التقرير. # ويمكن أن يكون قوله: "ليجزي" إلخ متعلقا بقوله: "ثم يعيده" ويكون الكلام ~~مسوقا للتعليل وإشارة إلى حجة واحدة وهي الحجة الثانية المذكورة، والأقرب ~~من جهة اللفظ هو الأخير. # قوله تعالى: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا" إلى آخر الآية، الضياء ~~- على ما قيل - مصدر ضاء يضوء ضوء وضياء كعاذ يعوذ عوذا وعواذا، وربما كان ~~جمع ضوء كسياط جمع سوط، واللفظ - على ما قيل - على تقدير مضاف والأصل جعل ~~الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور. # وكذلك قوله: "وقدره منازل" أي وقدر القمر ذا منازل في مسيره ينزل كل ليلة ~~منزلا من تلك المنازل غير ما نزله في الليلة السابقة فلا يزال يتباعد من ~~الشمس حتى يوافيها من الجانب الآخر، وذلك في شهر قمري كامل فترتسم بذلك ~~الشهور وترتسم بالشهور السنون، ولذلك قال: "لتعلموا عدد السنين والحساب". # والآية تنبىء عن حجة من الحجج الدالة على توحده تعالى في ربوبيته للناس ~~وتنزهه عن الشركاء، والمعنى أنه هو الذي جعل الشمس ضياء تستفيدون منه في ~~جميع شئون حياتكم كما يستفيد منه ما في عالمكم الأرضي من موجود مخلوق، وكذا ~~جعل القمر نورا يستفاد منه، وقدره ذا منازل يؤدي اختلاف منازله إلى تكون ~~الشهور والسنين فتستفيدون من ذلك في العلم بعدد السنين والحساب ولم يخلق ما ~~خلق من ذلك بما يترتب عليه من الغايات والفوائد إلا بالحق فإنها غايات ~~حقيقية منتظمة تترتب على خلقة ما خلق فليست بلغو باطل ولا صدفة اتفاقية. # فهو تعالى إنما خلق ذلك ورتبه على هذا الترتيب لتدبير شئون حياتكم وإصلاح ~~أمور معاشكم ومعادكم فهو ربكم الذي يملك أمركم ويدبر شأنكم لا رب سواه. # وقوله: "يفصل الآيات لقوم يعلمون" من المحتمل أن يراد به التفصيل بحسب ~~التكوين ms3605 الخارجي أو بحسب البيان اللفظي، ولعل الأول أقرب إلى سياق الآية. # قوله تعالى: "إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات ~~والأرض لآيات لقوم يتقون" قال في المجمع، الاختلاف ذهاب كل واحد من الشيئين ~~في جهة غير جهة الآخر فاختلاف الليل والنهار ذهاب أحدهما في جهة الضياء ~~والآخر في جهة الظلام، انتهى. # والظاهر أنه مأخوذ من الخلف، والأصل في معناه أخذ أحد الشيئين الآخر في ~~جهة خلفه ثم اتسع فاستعمل في كل تغاير كائن بين شيئين. # يقال اختلفه أي جعله خلفه، واختلف الناس في كذا ضد اتفقوا فيه، واختلف ~~الناس إليه أي ترددوا بالدخول عليه والخروج من عنده فجعل بعضهم بعضا خلفه. # والمراد باختلاف الليل والنهار إما ورود كل منهما على الأرض خلف الآخر ~~وهو توالي الليل والنهار الراسم للأسابيع والشهور والسنين، وإما اختلاف كل ~~من الليل والنهار في أغلب بقاع الأرض المسكونة فالليل والنهار يتساويان في ~~الاعتدال الربيعي ثم يأخذ النهار في الزيادة في المناطق الشمالية فيزيد ~~النهار كل يوم على النهار السابق عليه حتى يبلغ أول الصيف فيأخذ في النقيصة ~~حتى يبلغ الاعتدال الخريفي وهو أول الخريف فيتساويان. # ثم يأخذ الليل في الزيادة على النهار إلى أول الشتاء وهو منتهى طول ~~الليالي ثم يعود راجعا إلى التساوي حتى ينتهي إلى الاعتدال الربيعي وهو أول ~~الربيع هذا في المناطق الشمالية والأمر في المناطق الجنوبية بالخلاف منه ~~فكلما زاد النهار طولا في أحد الجانبين زاد الليل طولا في الجانب الآخر ~~بنفس النسبة. PageV10P005 # والاختلاف الأول بالليل والنهار هو الذي يدبر أمر أهل الأرض بتسليط حرارة ~~الأشعة ثم بسط برد الظلمة ونشر الرياح وبعث الناس للحركة المعاشية ثم جمعهم ~~للسكن والراحة، قال تعالى: "وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا ~~النهار معاشا:" النبأ: - 11. # والاختلاف الثاني هو الذي يرسم الفصول الأربعة السنوية التي يدبر بها أمر ~~الأقوات والأرزاق كما قال تعالى: "وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين": حم السجدة: - 10. # والنهار واليوم مترادفان إلا أن في النهار - على ما قيل ms3606 - فائدة اتساع ~~الضياء ولعله لذلك لا يستعمل النهار إلا بعناية مقابلته الليل بخلاف اليوم ~~فإنه يستعمل فيما لا عناية فيه بذلك كما في مورد الإحصاء يقال: عشرة أيام ~~وعشرين يوما وهكذا، ولا يقال: عشرة نهارات وعشرين نهارا وهكذا. # والآية تشتمل على حجة تامة على توحده تعالى في ربوبيته فإن اختلاف الليل ~~والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض يحمل نظاما واحدا عاما متقنا يدبر ~~به أمر الموجودات الأرضية والسماوية وخاصة العالم الإنساني تدبيرا واحدا ~~يتصل بعض أجزائه ببعض على أحسن ما يتصور. # وهو يكشف عن ربوبية واحدة ترب كل شيء ومنه الإنسان فلا رب إلا الله ~~سبحانه لا شريك له في ربوبيته. # ومن المحتمل أن يكون قوله: "إن في اختلاف الليل والنهار" إلخ، في مقام ~~التعليل لقوله في الآية السابقة: "يفصل الآيات لقوم يعلمون" لمكان إن، ~~والأنسب على هذا أن يكون المراد باختلاف الليل والنهار تواليهما على الأرض ~~دون الاختلاف بالمعنى الآخر فإن هذا المعنى من الاختلاف هو الذي يسبق إلى ~~الذهن من قوله في الآية السابقة: "جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل" ~~وهو ظاهر. # قوله تعالى: "إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها" إلى آخر الآيتين. # شروع في بيان ما يتفرع على الدعوة السابقة المذكورة بقوله: "ذلكم الله ~~ربكم فاعبدوه" من حيث عاقبة الأمر في استجابته ورده وطاعته ومعصيته. # فبدأ سبحانه بالكافرين بهذا الأمر فقال: "إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون" فوصفهم أولا بعدم ~~رجائهم لقاءه وهو الرجوع إلى الله بالبعث يوم القيامة وقد تقدم الكلام في ~~وجه تسميته بلقاء الله في مواضع من هذا الكتاب ومنها ما في تفسير آية ~~الرؤية من سورة الأعراف فهؤلاء هم المنكرون ليوم الجزاء وبإنكاره يسقط ~~الحساب والجزاء فالوعد والوعيد والأمر والنهي، وبسقوطها يبطل الوحي والنبوة ~~وما يتفرع عليه من الدين السماوي. # وبإنكار البعث والمعاد ينعطف هم الإنسان على الحياة الدنيا فإن الإنسان ~~وكذا كل موجود ذي حياة له هم ms3607 فطري ضروري في بقائه وطلب لسعادة تلك الحياة ~~فإن كان مؤمنا بحياة دائمة تسع الحياة الدنيوية والأخروية معا فهو، وإن لم ~~يذعن إلا بهذه الحياة المحدودة الدنيوية علقت همته الفطرية بها، ورضي بها ~~وسكن بسببها عن طلب الآخرة، وهو المراد بقوله: "ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها". # ومن هنا يظهر أن الوصف الثاني أعني قوله: "ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها" من لوازم الوصف الأول أعني قوله: "لا يرجون لقاءنا" وهو بمنزلة المفسر ~~بالنسبة إليه، وأن الباء في قوله: "اطمأنوا بها" للسببية أي سكنوا بسببها ~~عن طلب اللقاء وهو الآخرة. # وقوله: "والذين هم عن آياتنا غافلون" في محل التفسير لما تقدمه من الوصف ~~لمكان ما بينهما من التلازم فإن نسيان الآخرة وذكر الدنيا لا ينفك عن ~~الغفلة عن آيات الله. # والآية قريبة المضمون من قوله تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~الآية: النجم - 30 حيث دل على أن الإعراض عن ذكر الله وهو الغفلة عن آياته ~~يوجب قصر علم الإنسان في الحياة الدنيا وشئونها فلا يريد إلا الحياة الدنيا ~~وهو الضلال عن سبيل الله، وقد عرف هذا الضلال بنسيان يوم الحساب في قوله: ~~"إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب:" ص - 26. PageV10P006 # فقد تبين أن إنكار اللقاء ونسيان يوم الحساب يوجب رضى الإنسان بالحياة ~~الدنيا والاطمئنان إليها من الآخرة وقصر العلم عليه وانحصار الطلب فيه، وإذ ~~كان المدار على حقيقة الذكر والطلب لم يكن فرق بين إنكاره والرضى بالحياة ~~الدنيا قولا وفعلا أو فعلا مع القول الخالي به. # وتبين أيضا أن الاعتقاد بالمعاد أحد الأصول التي يتقوم بها الدين إذ ~~بسقوطه يسقط الأمر والنهي والوعد والوعيد والنبوة والوحي وهو بطلان الدين ~~الإلهي من رأس. # وقوله: "أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون" بيان لجزائهم بالنار ~~الخالدة قبال أعمالهم التي كسبوها. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم" إلى ms3608 ~~آخر الآية، هذا بيان لعاقبة أمر المؤمنين وما يثيبهم الله على استجابتهم ~~لدعوته وطاعتهم لأمره. # ذكر سبحانه أنه يهديهم بإيمانهم، وإنما يهديهم إلى ربهم لأن الكلام في ~~عاقبة أمر من يرجو لقاء الله، وقد قال تعالى: "ويهدي إليه من أناب:" الرعد: - 27. # فإنما يهدي الإيمان بإذن الله إلى الله سبحانه وكلما اهتدى المؤمنون إلى ~~الحق أو إلى الصراط المستقيم أو غير ذلك مما يشتمل عليه كلامه فإنما هي ~~وسائل ومدارج تنتهي بالآخرة إليه تعالى قال تعالى: "وإن إلى ربك المنتهى:" ~~النجم: - 42. # وقد وصف المؤمنين بالإيمان والأعمال الصالحة ثم نسب هدايتهم إليه إلى ~~الإيمان وحده فإن الإيمان هو الذي يصعد بالعبد إلى مقام القرب، وليس للعمل ~~الصالح إلا إعانة الإيمان وإسعاده في عمله كما قال تعالى: "يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات:" المجادلة: - 11 حيث ذكر للرفع ~~الإيمان والعلم وسكت عن العمل الصالح، وأوضحه منه في الدلالة قوله تعالى: ~~"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه:" فاطر: - 10. # هذا في الهداية التي هي شأن الإيمان، وأما نعم الجنة فإن للعمل الصالح ~~دخلا فيها كما أن للعمل الطالح دخلا في أنواع العذاب وقد ذكر تعالى في ~~المؤمنين قوله: "تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم" كما ذكر في ~~الكافرين قوله: "أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون". # وليتنبه الباحث المتدبر أنه تعالى ذكر لهؤلاء المهتدين بإيمانهم من مسكن ~~القرب جنات النعيم، ومن نعيمها الأنهار التي تجري من تحتهم فيها، وقد تقدم ~~في تفسير قوله تعالى: "صراط الذين أنعمت عليهم:" الحمد: - 7 وقوله: "فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم" الآية: النساء: - 69 أن النعيم بحقيقة معناه في ~~القرآن الكريم هو الولاية الإلهية، وقد خص الله أولياءه المقربين بنوع من ~~شراب الجنة اعتنى به في حقهم كما قال: "إن الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا:" الإنسان - 6، ~~وقال أيضا "إن الأبرار لفي نعيم - إلى أن قال - يسقون من رحيق مختوم - إلى ~~أن قال - عينا يشرب بها المقربون:" ms3609 المطففين: - 28، وعليك بالتدبر في ~~الآيات وتطبيق بعضها على بعض حتى ينجلي لك بعض ما أودعه الله سبحانه في ~~كلامه من الأسرار اللطيفة. # قوله تعالى: "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم ~~أن الحمد لله رب العالمين" أول ما يكرم به الله سبحانه أولياءه - وهم الذين ~~ليس في قلوبهم إلا الله ولا مدبر لأمرهم غيره - أنه يطهر قلوبهم عن محبة ~~غيره فلا يحبون إلا الله فلا يتعلقون بشيء إلا الله وفي الله سبحانه فهم ~~ينزهونه عن كل شريك يجذب قلوبهم إلى نفسه عن ذكر الله سبحانه وعن أي شاغل ~~يشغلهم عن ربهم. # وهذا تنزيه منهم لربهم عن كل ما لا يليق بساحة قدسه من شريك في الاسم أو ~~في المعنى أو نقص أو عدم، وتسبيح منهم له لا في القول واللفظ فقط بل قولا ~~وفعلا ولسانا وجنانا، وما دون ذلك فإن له شوبا من الشرك، وقد قال تعالى: ~~"وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:" يوسف - 106. # وهؤلاء الذين طهر الله قلوبهم عن قذارة حب غيره الشاغلة عن ذكره وملأها ~~بحبه فلا يريدون إلا إياه وهو سبحانه الخير الذي لا شر معه قال: "والله ~~خير:" طه: - 73. # فلا يواجهون بقلوبهم التي هي ملأى بالخير والسلام أحدا إلا بخير وسلام ~~اللهم إلا أن يكون الذي واجهوه بقلوبهم هو الذي يبدل الخير والسلام شرا ~~وضرا كما أن القرآن شفاء لمن استشفى به لكنه لا يزيد الظالمين إلا خسارا. PageV10P007 # ثم إن هذه القلوب الطاهرة لا تواجه شيئا من الأشياء إلا وهي تجده وتشاهده ~~نعمة لله سبحانه حاكية لصفات جماله ومعاني كماله واصفة لعظمته وجلاله فكلما ~~وصفوا شيئا من الأشياء وهم يرونه نعمة من نعم الله ويشاهدون فيه جماله ~~تعالى في أسمائه وصفاته ولا يغفلون ولا يسهون عن ربهم في شيء كان وصفهم ~~لذلك الشيء وصفا منهم لربهم بالجميل من أفعاله وصفاته فيكون ثناء منهم عليه ~~وحمدا منهم له فليس الحمد إلا الثناء على الجميل من الفعل الاختياري. # فهذا شأن أوليائه تعالى وهم قاطنون في ms3610 دار العمل يجتهدون في يومهم لغد ~~فإذا لقوا ربهم فوفى لهم بوعده وأدخلهم في رحمته وأسكنهم دار كرامته أتم ~~لهم نورهم الذي كان خصهم به في الدنيا كما قال تعالى: "نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا:" التحريم - 8. # فسقاهم شرابا طهورا يطهر به سرائرهم من كل شرك جلي وخفي، وغشيهم بنور ~~العلم واليقين، وأجرى من قلوبهم على ألسنتهم عيون التوحيد فنزهوا الله ~~وسبحوه أولا وسلموا على رفقائهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~ثم حمدوا الله سبحانه وأثنوا عليه بأبلغ الحمد وأحسن الثناء. # وهذا هو الذي يقبل الانطباق عليه - والله أعلم - قوله في الآيتين: "تجري ~~من تحتهم الأنهار في جنات النعيم" وفيه ذكر جنة الولاية وتطهير قلوبهم: ~~"دعواهم فيها سبحانك اللهم" وفيه تنزيهه تعالى وتسبيحه عن كل نقص وحاجة ~~وشريك تنزيها على وجه الحضور لأنهم غير محجوبين عن ربهم "وتحيتهم فيها ~~سلام" وهو توسيم اللقاء بالأمن المطلق، ولا يوجد في غيرها من الأمن إلا ~~اليسير النسبي "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" وفيه ذكر ثنائهم على ~~الله بالجميل بعد تسبيحهم له وتنزيههم، وهذا آخر ما ينتهي إليه أهل الجنة ~~في كمال العلم. # وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى: "الحمد لله رب العالمين:" الحمد: - 2 أن ~~الحمد توصيف، ولا يسع وصفه تعالى لأحد من خلقه إلا للمخلصين من عباده الذين ~~أخلصهم لنفسه وخصهم بكرامة من القرب لا واسطة فيها بينهم وبينه قال تعالى: ~~"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين:" الصافات: - 160. # ولذلك لم يحك في كلامه حمده إلا عن آحاد من كرام أنبيائه كنوح وإبراهيم ~~ومحمد وداود وسليمان (عليهما السلام) كقوله فيما أمر به نوحا: "فقل الحمد ~~لله الذي نجانا من القوم الظالمين:" المؤمنون: - 28، وقوله حكاية عن ~~إبراهيم: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق:" إبراهيم - 39، ~~وقوله فيما أمر به محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدة مواضع: "قل ~~الحمد لله:" النمل - 93، وقوله حكاية عن داود وسليمان: "وقالا الحمد لله:" ~~النمل: - 15. # وقد حكى سبحانه ms3611 حمده عن أهل الجنة في عدة مواضع من كلامه كقوله: "وقالوا ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا:" الأعراف - 43، وقوله أيضا: "وقالوا الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن:" فاطر: - 34، وقوله أيضا: "وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده:" الزمر: - 74، وقوله في هذه الآية: "وآخر دعواهم أن الحمد لله ~~رب العالمين". # والآية تدل على أن الله سبحانه يلحق أهل الجنة من المؤمنين بالآخرة ~~بعباده المخلصين ففيها وعد جميل وبشارة عظيمة للمؤمنين. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن يونس بن عبد الرحمن عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله تعالى: "وبشر الذين آمنوا - أن لهم قدم صدق عند ربهم" ~~الآية قال الولاية وفي الكافي، بإسناده عن إبراهيم بن عمر اليماني عمن ذكره ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: "وبشر الذين آمنوا - أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم" قال: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أقول: ~~ورواه القمي في تفسيره، مسندا والعياشي، في تفسيره مرسلا عن إبراهيم بن عمر ~~عمن ذكره عنه (عليه السلام). # والظاهر أن المراد به شفاعته (صلى الله عليه وآله وسلم). # ويدل على ذلك ما رواه الطبرسي في المجمع، حيث قال: قيل: قدم صدق شفاعة ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام). # وما رواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن علي بن أبي طالب: في قوله: ~~"قدم صدق عند ربهم" قال: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) شفيع لهم يوم ~~القيامة. PageV10P008 # وفي تفسير العياشي، عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن التسبيح قال: هو اسم من أسماء الله ودعوى أهل الجنة. # أقول: ومراده بالتسبيح قولنا سبحان الله ومعنى اسميته دلالته على تنزيهه تعالى. # وفي الإختصاص، بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده الحسين بن علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في حديث طويل ~~مع يهودي وقد سأله عن مسائل: قال (صلى ms3612 الله عليه وآله وسلم): إذا قال ~~العبد: سبحان الله سبح كل شيء معه ما دون العرش فيعطى قائلها عشر أمثالها، ~~وإذا قال: الحمد لله أنعم الله عليه بنعيم الدنيا حتى يلقاه بنعيم الآخرة، ~~وهي الكلمة التي يقولها أهل الجنة إذا دخلوها، والكلام ينقطع في الدنيا ما ~~خلا الحمد لله، وذلك قوله تحيتهم يوم يلقونه سلام. # أقول: وقوله: "والكلام ينقطع في الدنيا ما خلا الحمد لله" أي جميع الكلام ~~المستعمل في الدنيا لمقاصد تعود إلى مستعمله كالكلام المستعمل لمقاصد ~~المعاش كجميع المحاورات الإنسانية والكلام المستعمل في العبادات لغرض ~~الثواب ونحو ذلك ينقطع بانقطاع الدنيا إذ لا خبر بعد ذلك عن هذه المقاصد ~~الدنيوية، ولا يبقى بعدئذ إلا الحمد لله والثناء عليه بالجميل وهو كلام أهل ~~الجنة فيها. # وقوله: وذلك قوله: "تحيتهم يوم يلقونه سلام" معناه أن كون التحية يومئذ ~~هو السلام المطلق يدل على أن ليس هناك إلا موافقة كل شيء وملائمته لما ~~يريده الإنسان فكل ما يريده فهو له فلا يستعمل هناك كلام لتحصيل غاية من ~~الغايات على حد الكلام الدنيوي إلا الثناء على جميل ما يشاهد منه تعالى ~~فافهم ذلك. PageV10P009 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 11 - 14 # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا فى طغينهم يعمهون (11) وإذا مس الانسن الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون (12) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ~~وجاءتهم رسلهم بالبينت وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين (13) ثم ~~جعلنكم خلئف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر سبحانه الأصلين من أصول الدعوة الحقة وهما التوحيد والمعاد واحتج ~~عليهما من طريق العقل الفطري ثم أخبر عن عاقبة الإيمان والكفر بهما بحث عن ~~سبب إمهال الناس وعدم تعجيل نزول العذاب بساحتهم مع تماديهم في غيهم ~~وضلالتهم وعمههم في طغيانهم وما هو السبب الذي يوجب لهم ذلك ms3613 فبين أن الأمر ~~بين لا ستر عليه، وقد بينه لهم رسل الله بالبينات لكن الشيطان زين لهؤلاء ~~المسرفين أعمالهم فأغفلهم عن ذكر المعاد فذهلوا ونسوا بعد ما ذكروا ثم لم ~~يعجل الله لهم العذاب بل أمهلهم في الدنيا إلى حين ليبتليهم ويمتحنهم فإنما ~~الدار دار ابتلاء وامتحان. # قوله تعالى: "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير" إلخ، تعجيل ~~الشيء الإتيان به بسرعة وعجلة والاستعجال بالشيء طلب حصوله بسرعة وعجلة، ~~والعمه شدة الحيرة. # ومعنى الآية: ولو يعجل الله للناس الشر وهو العذاب كما يستعجلون بالخير ~~كالنعمة لأنزل عليهم العذاب بقضاء أجلهم لكنه تعالى لا يعجل لهم الشر فيذر ~~هؤلاء المنكرين للمعاد المارقين عن ربقة الدين يتحيرون في طغيانهم أشد ~~التحير. # وتوضيحه أن الإنسان عجول بحسب طبعه يستعجل بما فيه خيره ونفعه أي أنه ~~يطلب من الأسباب أن تسرع في إنتاج ما يبتغيه ويريده فهو في الحقيقة يطلب ~~الإسراع المذكور من الله سبحانه لأنه السبب في ذلك بالحقيقة فهذه سنة ~~الإنسان وهي مبنية على الأهواء النفسانية فإن الأسباب الواقعة ليست في ~~نظامها تابعة لهوى الإنسان بل العالم الإنساني هو التابع الجاري على ما ~~يجريه عليه نظام الأسباب اضطرارا أحب ذلك أو كرهه. # ولو أن السنة الإلهية في خلق الأشياء والإتيان بالمسببات عقيب أسبابها ~~اتبعت أو شابهت هذه السنة الإنسانية المبنية على الجهل فعجلت المسببات ~~والآثار عقيب أسبابها لأسرع الشر وهو الهلاك بالعذاب إلى الإنسان فإن سببه ~~قائم معه، وهو الكفر بعدم رجاء لقاء الله والطغيان في الحياة الدنيا لكنه ~~تعالى لا يعجل الشر لهم كاستعجالهم بالخير لأن سنته مبنية على الحكمة بخلاف ~~سنتهم المبنية على الجهالة فيذرهم في طغيانهم يعمهون. # وقد بان بذلك أولا: أن في قوله "لقضي إليهم أجلهم" نوعا من التضمين فقد ~~ضمن فيه "قضي" معنى مثل الإنزال أو الإبلاغ ولذا عدي بإلى. # والمعنى قضي منزلا أو مبلغا إليهم أجلهم أو أنزل أو أبلغ إليهم أجلهم ~~مقضيا وهو كناية عن نزول العذاب فالكلمة من الكناية المركبة. # وثانيا: أن في قوله: ms3614 "فنذر الذين" التفاتا من الغيبة إلى التكلم مع ~~الغير، ولعل النكتة فيه الإشارة إلى توسيط الأسباب في ذلك فإن المذكور من ~~أفعاله تعالى في الآية وما بعدها كتركهم في عمههم وكشف الضر والتزيين ~~والإهلاك أمور يتوسل إليها بتوسيط الأسباب، والعظماء إذا أرادوا أن يشيروا ~~إلى دخل أعوانهم وخدمهم في بعض أمورهم أتوا بصيغة المتكلم مع الغير. # قوله تعالى: "وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما" إلى ~~آخر الآية. PageV10P010 # الضر بالضم ما يمس الإنسان من الضرر في نفسه، وقوله: "دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قائما" أي دعانا منبطحا لجنبه إلخ، والظاهر أن الترديد للتعميم أي دعانا ~~على أي حال من أحواله فرض من انبطاح أو قعود أو قيام مصرا على دعائه لا ~~ينسانا في حال ويمكن أن يكون "لجنبه" إلخ، أحوالا ثلاثة من الإنسان لا من ~~فاعل دعانا والعامل فيه "مس" والمعنى إذا مس الإنسان الضر وهو منبطح أو ~~قاعد أو قائم دعانا في تلك الحال وهذا معنى ما ورد في بعض المرسلات: "دعانا ~~لجنبه" العليل الذي لا يقدر أن يجلس "أو قاعدا" الذي لا يقدر أن يقوم "أو ~~قائما" الصحيح. # وقوله: "مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه" كناية عن النسيان والغفلة عما كان ~~لا يكاد ينساه. # والمعنى: وإذا مس الإنسان الضر لم يزل يدعونا لكشف ضره وأصر على الدعاء ~~فإذا كشفنا عنه ضره الذي مسه نسينا وترك ذكرنا وانجذبت نفسه إلى ما كان ~~يتمتع به من أعماله كذلك زين للمسرفين المفرطين في التمتع بالزخارف ~~الدنيوية أعمالهم فأورثهم نسيان جانب الربوبية والإعراض عن ذكر الله تعالى. # وفي الآية بيان السبب في تمادي منكري المعاد في غيهم وضلالتهم وخصوصية ~~سببه وهو أن هؤلاء مثلهم كمثل الإنسان يمسه الضر فيذكر ربه ويلح عليه ~~بالدعاء لكشف ضره حتى إذا كشف عنه الضر - ولذلك كان يدعوه - مر لوجهه ~~متوغلا في شهواته وقد نسي ما كان يدعوه ويذكره فلم يكن تركه لدعاء ربه بعد ~~ذكره إلا معلولا لما زين له من عمله ms3615 فأورثه النسيان بعد الذكر. # فكذلك هؤلاء المسرفون زين لهم أعمالهم فجذبتهم إلى نفسها فنسوا ربهم بعد ~~ذكره، وقد ذكرهم الله مقامه بإرسال الرسل إلى من قبلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا وإهلاك القرون من قبلهم بظلمهم وهذه هي السنة الإلهية يجزي القوم ~~المجرمين. # ومن هنا يظهر أن الآية التالية: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم" إلخ، متمم ~~للبيان في هذه الآية: "وإذا مس الإنسان الضر دعانا إلى آخر الآية. # قوله تعالى: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم" إلى آخر الآية، قد ظهر معناه ~~مما تقدم، وفي الآية التفات في قوله: "من قبلكم" من الغيبة إلى الخطاب، ~~وكان النكتة فيه التشديد في الإنذار لأن الإنذار والتخويف بالمشافهة أوقع ~~أثرا وأبلغ من غيره. # ثم في قوله: "كذلك نجزي القوم المجرمين التفات آخر بتوجيه الخطاب إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والنكتة فيه أنه إخبار عن السنة الإلهية ~~في أخذ المجرمين، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأهل لفهمه ~~والإذعان بصدقه دونهم ولو أذعنوا بصدقة لآمنوا به ولم يكفروا، وهذا بخلاف ~~قوله: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم... وجاءتهم رسلهم" فإنه خبر تاريخي لا ~~ضير في تصديقهم به. # قوله تعالى: "ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" ~~معناه ظاهر، وفيه بيان أن سنة الامتحان والابتلاء عامة جارية. PageV10P011 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 15 - 25 # وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينت قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاى نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى ~~إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بئايته إنه لا يفلح المجرمون (17) ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم فى السموت ولا فى الأرض سبحنه وتعلى عما ms3616 يشركون (18) وما ~~كان الناس إلا أمة وحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما ~~فيه يختلفون (19) ويقولون لو لا أنزل عليه ءاية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إنى معكم من المنتظرين (20) وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء ~~مستهم إذا لهم مكر فى ءاياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ~~(21) هو الذى يسيركم فى البر والبحر حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشكرين (22) ~~فلما أنجاهم إذا هم يبغون فى الأرض بغير الحق يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متع الحيوة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) ~~إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعم حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قدرون ~~عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلنها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك ~~نفصل الايت لقوم يتفكرون (24) والله يدعوا إلى دار السلم ويهدى من يشاء إلى ~~صرط مستقيم (25) ### |||| AUTO بيان # احتجاجات يلقنها الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليرد بها ما ~~قالوه في كتاب الله أو في آلهتهم أو اقترحوه في نزول الآية. # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ~~ائت بقرآن غير هذا أو بدله" هؤلاء المذكورون في الآية كانوا قوما وثنيين ~~يقدسون الأصنام ويعبدونها، ومن سننهم التوغل في المظالم والآثام واقتراف ~~المعاصي، والقرآن ينهى عن ذلك كله، ويدعو إلى توحيد الله تعالى ورفض ~~الشركاء، وعبادة الله مع التنزه عن الظلم والفسق واتباع الشهوات. # ومن المعلوم أن كتابا هذا شأنه إذا تليت آياته على قوم ذلك شأنهم لم يكن ~~ليوافق ما تهواه أنفسهم بما يشتمل عليه من الدعوة المخالفة فلو قالوا: ائت ~~بقرآن غير هذا دل على أنهم يقترحون قرآنا لا يشتمل ms3617 على ما يشتمل عليه هذا ~~القرآن من الدعوة إلى رفض الشركاء واتقاء الفحشاء والمنكر، وإن قالوا: بدل ~~القرآن كان مرادهم تبديل ما يخالف آراءهم من آياته إلى ما يوافقها حتى يقع ~~منهم موقع القبول، وذلك كالشاعر ينشد من شعره أو القاص يقص القصة فلا ~~تستحسنه طباع السامعين فيقولون: ائت بغيره أو بدله، وفي ذلك تنزيل القرآن ~~أنزل مراتب الكلام وهو لهو الحديث الذي إنما يلقى لتلهو به نفس سامعه وتنشط ~~به عواطفه ثم لا يستطيبه السامع فيقول: ائت بغير هذا أو بدله. PageV10P012 # فبذلك يظهر أن قولهم إذا تليت عليهم آيات القرآن: "ائت بقرآن غير هذا" ~~يريدون به قرآنا لا يشتمل من المعارف على ما يتضمنه هذا القرآن بأن يترك ~~هذا ويؤتى بذاك، وقولهم: "أو بدله" أن يغير ما فيه من المعارف المخالفة ~~لأهوائهم إلى معان يوافقها مع حفظ أصله فهذا هو الفرق بين الإتيان بغيره ~~وبين تبديله. # فما قيل: إن الفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يكون معه وتبديله لا يكون ~~إلا برفعه، غير سديد فإنهم ما كانوا يريدون أن يأتيهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بهذا القرآن وغيره معا قطعا. # وكذا ما ذكره بعضهم أن قولهم: "ائت بقرآن غير هذا أو بدله" إنما أرادوا ~~به أن يمتحنوه بذلك فيغروه حتى إذا أجابهم إلى ذلك كان ذلك نقضا منه لدعوى ~~نفسه أنه كلام الله، وذلك أنهم لما سمعوا ما بلغهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من آيات القرآن وتلاه عليهم وتحداهم بالإتيان بمثله وعجزوا عن ~~الإتيان بمثله، وكانوا في ريب من كونه كلام الله، وفي ريب من كونه من النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه ولم يكن يفوقهم في الفصاحة والبلاغة ~~والعلم، بل كانوا يرونه دون كبار فصحائهم ومصاقع خطبائهم أرادوا أن يمتحنوه ~~بهذا القول حتى إذا أتاهم بما سألوه كان ذلك ناقضا لأصل دعواه أنه كلام الله. # وكان قصارى أمره أنه امتاز عليهم بهذا النوع من البيان لقوة نفسية فيه ~~كانت خفية عليهم كأسباب السحر لا ms3618 بوحي. # هذا. # وفيه مضافا إلى مناقضة آخره أوله أنه مدفوع بما يلقنه الله سبحانه من ~~الحجة فإن السؤال الذي لم يصدر إلا بداعي الامتحان والاختبار من غير داع ~~جدي لا معنى للجواب عنه بالإثبات الجدي بحجة جدية وهو ظاهر. # وفي قوله: "وإذا تتلى عليهم آياتنا" التفات من الخطاب إلى الغيبة، ~~والظاهر أن النكتة فيه أن يكون توطئة إلى إلقاء الأمر إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بقوله: "قل ما يكون لي أن أبدله" إلخ، فإن ذلك لا يتم إلا ~~بصرف الخطاب عنهم وتوجيهه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي" إلى آخر الآية التلقاء بكسر التاء مصدر كاللقاء نظير التبيان والبيان ~~ويستعمل ظرفا. # والله سبحانه على ما أجاب عن مقترحهم بقولهم: "ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله" في أثناء كلامه بقوله "بينات" فإن الآيات إذا كانت بينات ظاهرة ~~الاستناد إلى الله سبحانه كشفت كشفا قطعيا عما يريده الله سبحانه منهم من ~~رفض الأصنام والاجتناب من كل ما لا يرتضيه بما أوحى إلى رسوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من تفصيل دينه رد سؤالهم إليهم تفصيلا بتلقين نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) الحجة في ذلك بقوله: "قل ما يكون لي" إلى آخر الآيات ~~الثلاث. # فقوله: "قل ما يكون لي أن أبدله" إلخ، جواب عن قولهم: "أو بدله" ومعناه: ~~قل لا أملك - وليس لي بحق - أن أبدله من عند نفسي لأنه ليس بكلامي وإنما هو ~~وحي إلهي أمرني ربي أن أتبعه ولا أتبع غيره، وإنما لا أخالف أمر ربي لأني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم وهو يوم لقائه. # فقوله: "ما يكون لي أن أبدله" نفي الحق وسلب الخيرة، وقوله: "إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي" في مقام التعليل بالنسبة إلى قوله: "ما يكون لي" وقوله: "إني ~~أخاف إن عصيت ربي" إلخ، في مقام التعليل بالنسبة إلى قوله: "إن أتبع" إلخ، ~~بما يلوح ms3619 منه أنه مما تعلق به الأمر الإلهي. # وفي قوله: "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" نوع محاذاة لما في صدر ~~الكلام من قوله: "قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن" إلخ فإن الإتيان ~~بالوصف للإشعار بأن الباعث لهم أن يقولوا ما قالوا إنما هو إنكارهم للمعاد ~~وعدم رجائهم لقاء الله فقابلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من ~~ربه بقوله: "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" فيئول المعنى إلى أنكم ~~تسألون ما تسألون لأنكم لا ترجون لقاء الله لكنني لا أشك فيه فلا يمكنني ~~إجابتكم إليه لأني أخاف عذاب يوم اللقاء، وهو يوم عظيم. # وفي تبديل يوم اللقاء بيوم عظيم فائدة الإنذار مضافا إلى أن العذاب لا ~~يناسب اللقاء تلك المناسبة. PageV10P013 # قوله تعالى: "قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله أفلا تعقلون" أدراكم به أي أعلمكم الله به، والعمر بضمتين أو ~~بالفتح فالسكون هو البقاء، وإذا استعمل في القسم كقولهم: لعمري ولعمرك تعين الفتح. # وهذه الآية تتضمن رد الشق الأول من سؤالهم وهو قولهم: "ائت بقرآن غير ~~هذا" ومعناها على ما يساعد عليه السياق: أن الأمر فيه إلى مشية الله لا إلى ~~مشيتي فإنما أنا رسول ولو شاء الله أن ينزل قرآنا غير هذا ولم يشأ هذا ~~القرآن ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فإني مكثت فيكم عمرا من قبل نزول ~~القرآن وعشت بينكم وعاشرتكم وعاشرتموني وخالطتكم وخالطتموني فوجدتموني لا ~~خبر عندي من وحي القرآن، ولو كان ذلك إلي وبيدي لبادرت إليه قبل ذلك، وبدت ~~من ذلك آثار ولاحت لوائحه، فليس إلي من الأمر شيء، وإنما الأمر في ذلك إلى ~~مشية الله وقد تعلقت مشيته بهذا القرآن لا غيره أفلا تعقلون؟. # قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون" استفهام إنكاري أي لا أحد أظلم وأشد إجراما من هذين ~~الفريقين: المفتري على الله كذبا، والمكذب بآياته فإن الظلم ms3620 يعظم بعظمة من ~~يتعلق به وإذا اختص بجنب الله كان أشد الظلم. # وظاهر سياق الاحتجاج في الآيتين أن هذه الآية من تمامها والمعنى: لا ~~أجيبكم إلى ما اقترحتم علي من الإتيان بقرآن غير هذا أو تبديله فإن ذلك ليس ~~إلي ولا لي حق فيه، ولو أجبتكم إليه لكنت أظلم الناس وأشدهم إجراما ولا ~~يفلح المجرمون فإني لو بدلت القرآن وغيرت بعض مواضعه مما لا ترتضونه لكنت ~~مفتريا على الله كذبا ولا أظلم منه، ولو تركت هذا القرآن وجئتكم بغيره مما ~~ترتضونه لكنت مكذبا لآيات الله، ولا أظلم منه. # وربما احتمل كون الاستفهام الإنكاري بشقيه تعريضا للمشركين أي أنتم أظلم ~~الناس بإثباتكم لله شركاء وهو افتراء الكذب على الله وبتكذيبكم بنبوتي ~~والآيات النازلة علي وهو تكذيب بآيات الله ولا يفلح المجرمون. # وذكر بعضهم أن الأول من شقي الترديد للنبي على تقدير إجابتهم والثاني ~~للمشركين، أي لا أحد أظلم عند الله من هذين الفريقين: المفترين على الله ~~والمكذبين بآياته، وأنا أنعى عليكم الثاني منهما فكيف أرضى لنفسي بالأول ~~وهو شر منه؟ وأي فائدة لي من هذا الإجرام العظيم وأنا أريد الإصلاح؟. # والذي ذكره من المعنى لا بأس به في نفسه لكن الشأن في استفادته من الآية ~~ودلالة لفظها عليه، وكذا الوجه السابق عليه بالنظر إلى السياق. # قوله تعالى: "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله" إلى آخر الآية الكلام: موجه نحو عبدة الأصنام من ~~المشركين وإن كان ربما شمل غيرهم كأهل الكتاب بحسب سعة معناه، وذلك لمكان ~~"ما" وكون السورة مكية من أوائل ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من القرآن. # وقد كانت عبدة الأصنام يعبدون الأصنام ليتقربوا بعبادتها إلى أربابها ~~وبأربابها إلى رب الأرباب وهو الله سبحانه، ويقولون: "إننا على ما بنا من ~~ألواث البشرية المادية وقذارات الذنوب والآثام لا سبيل لنا إلى رب الأرباب ~~لطهارة ساحته وقدسها ولا نسبة بيننا وبينه. # فمن الواجب أن نتقرب إليه بأحب خلائقه إليه وهم ms3621 أرباب الأصنام الذين فوض ~~الله إليهم أمر تدبير خلقه، ونتقرب إليهم بأصنامهم وتماثيلهم وإنما نعبد ~~الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله لتجلب إلينا الخير وتدفع عنا الشر فتقع ~~العبادة للأصنام حقيقة، والشفاعة لأربابها وربما نسبت إليها. # وقد وضع في الكلام قوله: "ما لا يضرهم ولا ينفعهم" موضع الأصنام للتلويح ~~إلى موضع خطئهم في مزعمتهم، وهو أن هذا السعي إنما كان ينجح منهم لو كانت ~~هذه الأصنام ضارة نافعة في الأمور وكانت ذوات شعور بالعبادة والتقرب حتى ~~ترضى عن عبادها بعبادتهم لها فتشفع أو يشفع أربابها لهم عند الله إن كان ~~الله يرتضي شفاعتهم وهؤلاء أجسام ميتة لا تشعر بشيء ولا تضر ولا تنفع شيئا. PageV10P014 # وقد أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحتج على بطلان ~~دعواهم الشفاعة - مضافا إلى ما يلوح إليه قوله: "لا يضرهم ولا ينفعهم" - ~~بقوله: "قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض" ومحصله أن ~~الله سبحانه لا علم له بهذه الشفعاء في شيء من السماوات والأرض فدعواكم هذه ~~إخبار منكم إياه بما لا يعلم، وهو من أقبح الافتراء وأشنع المكابرة، وكيف ~~يكون في الوجود شيء لا يعلم به الله وهو يعلم ما في السماوات والأرض؟. # فالاستفهام إنكاري، ونفي العلم بوجود الشفعاء كناية عن نفي وجودها، ولعل ~~اختيار هذا التعبير لكون الشفاعة مما يتقوم بالعلم لذاته فإن الشفاعة إنما ~~تتحقق إذا كان المشفوع عنده عالما بوجود الشافع وشفاعته فإذا فرض أنه لا ~~يعلم بالشفعاء فكيف تتحقق الشفاعة عنده وهو لا يعلم. # وقوله: "سبحانه وتعالى عما يشركون" كلمة تنزيه، وهي من كلام الله وليست ~~مقولة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن ظرف المشركين بالنسبة إليه ~~هو الخطاب دون الغيبة فلو كان من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لقيل: عما تشركون بالخطاب. # قوله تعالى: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا" قد تقدم في تفسير ~~قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب ms3622 بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم:" البقرة: - 213 أن الآية ~~تكشف عن نوعين من الاختلاف بين الناس. # أحدهما: الاختلاف من حيث المعاش وهو الذي يرجع إلى الدعاوي وينقسم به ~~الناس إلى مدع ومدعى عليه وظالم ومظلوم ومتعد ومتعدى عليه وآخذ بحقه وضائع ~~حقه، وهذا هو الذي رفعه الله سبحانه بوضع الدين وبعث النبيين وإنزال الكتاب ~~معهم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويعلمهم معارف الدين ويواجههم ~~بالإنذار والتبشير. # وثانيهما: الاختلاف في نفس الدين وما تضمنه الكتاب الإلهي من المعارف ~~الحقة من الأصول والفروع، وقد صرح القرآن في مواضع من آياته أن هذا النوع ~~من الاختلاف ينتهي إلى علماء الكتاب بغيا بينهم، وليس مما يقتضيه طباع ~~الإنسان كالقسم الأول، وبذلك ينقسم الطريق إلى طريقي الهداية والضلال فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، وقد ذكر سبحانه في مواضع من ~~كلامه بعد ذكر هذا القسم من الاختلاف أنه لو لا قضاء من الله سبق لحكم ~~بينهم فيما اختلفوا فيه ولكن يؤخرهم إلى أجل، قال تعالى: "وما تفرقوا إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ~~لقضي بينهم:" الشورى: - 14 إلى غير ذلك من الآيات. # وسياق الآية السابقة أعني قوله تعالى: "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم" إلخ، لا يناسب من الاختلافين المذكورين إلا الاختلاف الثاني ~~وهو الاختلاف في نفس الدين لأنها تذكر ركوب الناس طريق الضلال بعبادتهم ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم واتخاذهم شفعاء عند الله ومقتضى ذلك أن يكون المراد من ~~كون الناس سابقا أمة واحدة كونهم على دين واحد وهو دين التوحيد ثم اختلفوا ~~فتفرقوا فريقين موحد ومشرك. # فذكر الله فيها أن اختلافهم كان يقضي أن يحكم الله بينهم بإظهار الحق على ~~الباطل وفيه هلاك المبطلين وإنجاء المحقين لكن السابق من الكلمة الإلهية ~~منعت من القضاء بينهم، والكلمة هي قوله تعالى لما ms3623 أهبط الإنسان إلى الدنيا: ~~"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:" البقرة: - 36. # وللمفسرين في الآية أقوال عجيبة منها: أن المراد بالناس هم العرب كانوا ~~على دين واحد حق وهو دين إبراهيم (عليه السلام) إلى زمن عمرو بن لحي الذي ~~زوج بينهم الوثنية فانقسموا إلى حنفاء مسلمين، وعبدة أصنام مشركين وأنت ~~خبير أنه لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة. # ومنها: أن المراد بالناس جميعهم، والمراد من كونهم أمة واحدة كونهم على ~~فطرة الإسلام وإن كانوا مختلفين دائما، فلفظة "كان" منسلخ الزمان، والآية ~~تحكي عما عليه الناس بحسب الطبع وهو التوحيد، وما هم عليه بحسب الفعلية وهو ~~الاختلاف فليس الناس بحسب الطبع الفطري إلا أمة واحدة موحدين لكنهم اختلفوا ~~على خلاف فطرتهم. PageV10P015 # وفيه أنه خلاف ظاهر الآية والآية التي في سورة البقرة، وكذا ظاهر سائر ~~الآيات كقوله: "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم:" الشورى: ~~- 14 وقوله: "وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم:" آل عمران: - 19. # على أن القول بوجود الاختلاف الدائم بين الناس مع عدم رجوعه إلى الفطرة ~~مما لا يجتمعان. # ومنها: أن المراد أن الناس جميعا كانوا على ملة واحدة هي الكفر والشرك ثم ~~اختلفوا فكان مسلم وكافر. # وهذا أسخف الأقوال في الآية فإنه مضافا إلى كونه قولا بغير دليل يأباه ~~ظاهر الآيات فإن ظاهرها أن ظهور الاختلاف لانتهائه إلى بغي الناس من بعد ما ~~جاءهم العلم أي ظهور الكفر والشرك عن بغي كان هو المقتضي للحكم بينهم ~~والقضاء عليهم بنزول العذاب والهلاك فإذا كانوا جميعا على الكفر والشرك من ~~غير سابقة هدى وإيمان فما معنى استناد الاقتضاء إلى البغي عن علم؟ وما معنى ~~خلق الجميع ووجود المقتضي لإهلاكهم جميعا إلا انتقاض الغرض الإلهي؟. # وهذا القول أشبه بما قالته النصارى في مسألة التفدية إن الله خلق الإنسان ~~ليطعمه فيسكنه الجنة دائما لكنه عصاه ونقض بذلك غرض الخلقة فتداركه الله ~~بتفدية المسيح. # ومنها: قول بعضهم: إن المراد بالكلمة في قوله: "ولو ms3624 لا كلمة سبقت من ربك" ~~إلخ قوله تعالى فهذه السورة: "إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون:" الآية - 93. # وفيه: أن المراد بالسبق إن كان هو السبق بحسب البيان فالآية متأخرة عن ~~هذه الآية لوقوعها في أواخر السورة، والآيات متصلة جارية. # على أن الآية في بني إسرائيل خاصة والضمير في قوله: "بينهم" راجع إليهم ~~وهي قوله: "ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما ~~اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون:" يونس - 93. # على أن قوله في بعض الآيات: "ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي ~~بينهم:" الشورى: - 14 لا يلائم هذا المعنى من السبق. # وإن كان المراد بالسبق السبق بحسب القضاء فينبغي أن يتبع في ذلك أول كلمة ~~قالها الله تعالى في ضلال الناس وشركهم ومعصيتهم، وليست إلا ما قاله عند ~~أول ما أسكن الإنسان الأرض وهو ما قدمناه من الآية. # قوله تعالى: "ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين" الآية كقوله قبلها: "ويعبدون من دون الله" ~~وقوله قبله: "وإذا تتلى عليهم آياتنا" تعد أمورا من مظالم المشركين في ~~أقوالهم وأعمالهم ثم ترد عليها بحجج تلقنها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ليقيمها عليهم كما مر في أول الآيات فقوله: "ويقولون لو لا أنزل" ~~إلخ، عطف على قوله في أول الآيات: "وإذا تتلى عليهم آياتنا". # وفيها مع ذلك عود بعد عود إلى إنكارهم أمر القرآن فإن مرادهم بقولهم: "لو ~~لا أنزل عليه آية من ربه" وإن كان طلب آية أخرى غير القرآن لكنهم إنما ~~قالوه إزراء وتحقيرا لأمر القرآن واستخفافا به لعدم عده آية إلهية والدليل ~~عليه قوله تعالى: "فقل إنما الغيب لله" ولم يقل: "قل" كما قال في سائر ~~الآيات كأنه يقول: ويطلبون منك آية أخرى غير مكتفين بالقرآن ولا راضين به ~~فإذا لم يكتفوا به آية فقل: إنما الآيات من الغيب المختص بالله وليست ms3625 بيدي ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين. # فهذا هو المستفاد من الآية وفيها دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان ينتظر آية فاصلة بين الحق والباطل غير القرآن قاضية بينه وبين ~~أمته، وسيجيء الوعد الصريح منه بهذه الآية - التي يأمر بانتظارها هاهنا - ~~في قوله: "وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم:" يونس: - ~~46 إلى تمام عدة آيات. PageV10P016 # قوله تعالى: "وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ~~آياتنا" إلى آخر الآية مضمون الآية وإن كان من المعاني العامة الجارية في ~~أغلب الناس في أكثر الأوقات فإن الفرد من الإنسان لا يخلو عن أن يمسه سراء ~~بعد ضراء بل قلما يتفق أن لا يتكرر في حقه ذلك لكن الآية من جهة السياق ~~المتقدم كأنها مسوقة للتعريض للمشركين ومكرهم في آيات الله، والدليل عليه ~~قوله: "قل الله أسرع مكرا" فقد كان النظر معطوفا على مكر طائفة خاصة وهم ~~المخاطبون بهذه الآيات حيث كانوا يمكرون بآيات السراء والضراء بعد ظهورها، ~~ومن مكرهم مكرهم في القرآن الذي هو آية إلهية ورحمة أذاقهم الله إياها بعد ~~ضراء الجهالة العالقة بهم وشمول ضنك العيش والذلة والتفرقة وتباعد القلوب ~~وبغضائها لهم وهم يمكرون به فتارة يقولون "ائت بقرآن غير هذا أو بدله" ~~وتارة يقولون: "لو لا أنزل عليه آية من ربه". # فالآية تبين لهم أن هذا كله مكر يمكرونه في آيات الله، وتبين لهم أن ~~المكر بآيات الله لا يعقب إلا السوء من غير أن ينفعهم شيئا فإن الله أسرع ~~مكرا يأخذهم مكره قبل أن يأخذ مكرهم آياته فإن مكرهم بآيات الله عين مكر ~~الله بهم. # فمعنى الآية: "وإذا أذقنا الناس" عبر عن الإصابة بالإذاقة للإيماء إلى ~~التذاذهم بالرحمة وعناية بالقلة فإن الذوق يستعمل في القليل من التغذي ~~"رحمة من بعد ضراء مستهم" والتعبير بالرحمة في موضع السراء للإشارة إلى ~~أنها من الرحمة الإلهية من غير أن يستوجبوا ذلك فكان من الواجب عليهم أن ~~يقوموا بحقه، ويخضعوا لما تدعو ms3626 إليه الآية وهو توحيد ربهم وشكر نعمته لكنهم ~~يفاجئون بغير ذلك "إذا لهم مكر في آياتنا" كتوجيه الحوادث بما تبطل به ~~دلالة الآيات كقولهم قد مس آباءنا السراء والضراء، والاعتذار بما لا يرتضيه ~~الله كقولهم: "لو لا أنزل عليه آية" وقولهم: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا". # فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم بقوله: "قل الله ~~أسرع مكرا" ثم علله بقوله: "إن رسلنا يكتبون ما تمكرون" فلنا عليكم شهداء ~~رقباء أرسلناهم إليكم يكتبون أعمالكم ويحفظونها وبمجرد، ما عملتم عملا حفظ ~~عليكم وتعين جزاؤه لكم قبل أن يؤثر مكركم أثره أو لا يؤثر كما فسروه. # وهنا شيء وهو أن الظاهر من قوله تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون:" الجاثية: - 29 على ما سيجيء من البيان في ~~تفسير الآية إن شاء الله تعالى أن معنى كتابة الملائكة أعمال العباد هو ~~إخراجهم الأعمال من كمون الاستعدادات إلى مرحلة الفعلية الخارجية ورسم نفس ~~الأعمال في صحيفة الكون وبذلك تنجلي علية كتابة الرسل لأعمالهم لكونه تعالى ~~أسرع مكرا تمام الانجلاء فإن حقيقة المعنى على هذا: أنا نحن نخرج أعمالكم ~~التي تمكرون بها من داخل ذواتكم ونضعها في الخارج فكيف يخفى علينا كونكم ~~تريدون بنا المكر بذلك؟ وهل المكر إلا صرف الغير عما يقصده بحيلة وستر عليه ~~بل ذاك الذي تزعمونه مكرا بنا مكر منا بكم حيث نجعلكم تزعمونه مكرا وتقدمون ~~على المكر بنا، وهذه المزعمة والإقدام ضلال منكم وإضلال منا لكم جزاء بما ~~كسبته أيديكم، وسيأتي نظير هذا المعنى في قوله: "يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم": الآية - 23 من السورة. # وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: "إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون" على قراءة تمكرون بتاء الخطاب وهي القراءة المشهورة وهو من عجيب ~~الالتفات الواقع في القرآن ولعل النكتة فيه تمثيل معنى قوله: "قل الله أسرع ~~مكرا" في العين كأنه تعالى لما قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "قل ms3627 ~~الله أسرع مكرا" أراد أن يوضحه لهم عيانا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة فكلمهم ~~وأوضح لهم السبب في كونه أسرع مكرا ثم حجبهم عن نفسه فعادوا إلى غيبتهم ~~وعاد الكلام إلى حاله، وخوطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببقية ~~الخطاب: "هو الذي يسيركم" إلخ، وهذا من لطيف الالتفات. PageV10P017 # قوله تعالى: "هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم" إلى آخر الآية، الفلك السفينة وتستعمل مفردا وجمعا، والمراد بها هاهنا ~~الجمع بدليل قوله: "وجرين بهم" والريح العاصف: الشديدة الهبوب، وقوله: ~~"أحيط بهم" كناية عن الإشراف على الهلاك وتقديره أحاط بهم البلاء أو ~~الأمواج، والإشارة بقوله: "من هذه" إلى الشدة. # ومعنى الآية ظاهر. # وفيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: "وجرين ~~بهم بريح طيبة - إلى قوله - بغير الحق" ولعل النكتة فيه إرجاعهم إلى الغيبة ~~وتوجيه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصف أعجب جزء من هذه ~~القصة الموصوفة له ليسمعه ويتعجب منه، ويكون فيه مع ذلك إعراض عن الأمر ~~بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول. # قوله تعالى: "فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق" أصل البغي هو ~~الطلب ويكثر استعماله في مورد الظلم لكونه طلبا لحق الغير بالتعدي عليه ~~ويقيد حينئذ بغير الحق، ولو كان بمعنى الظلم محضا لكان القيد زائدا. # والجملة من تتمة الآية السابقة، والمجموع أعني قوله: "هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر - إلى قوله - بغير الحق" بمنزلة الشاهد والمثال بالنسبة إلى ~~عموم قوله قبله: "وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم" إلى آخر الآية، ~~أو لخصوص قوله: "قل الله أسرع مكرا" وعلى أي حال فقوله: "يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم" إلخ، مما يتوقف عليه تمام الغرض من الكلام في الآية ~~السابقة وإن لم يكن من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فافهم ذلك. # قوله تعالى: "يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيوة الدنيا ثم ~~إلينا مرجعكم" إلى آخر الآية، في الكلام ms3628 التفات من الغيبة إلى الخطاب ~~فقوله: "يا أيها الناس" إلخ، خطاب منه تعالى للناس بلا واسطة، وليس من كلام ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أمره الله سبحانه أن يخاطب به الناس. # والدليل على ذلك قوله تعالى "ثم إلينا مرجعكم" إلى آخر الآية، فإنه لا ~~يصلح أن يكون من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والنكتة في هذا الالتفات هي نظير النكتة التي قدمنا ذكرها في قوله تعالى ~~في أول الكلام: "إن رسلنا يكتبون ما تمكرون" فكأنه سبحانه يفاجئهم بالاطلاع ~~عليهم أثناء ما يخاطبهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يحسبون أن ~~ربهم غائب عنهم غافل عن نياتهم ومقاصدهم في أعمالهم فيشرف عليهم ويمثل بذلك ~~كونه معهم في جميع أحوالهم وإحاطته بهم ويقول لهم: أنا أقرب إليكم وإلى ~~أعمالكم منكم فما تعملونه من عمل تريدون به أن تبتغوا علينا وتمكروا بنا ~~إنما توجد بتقديرنا وتجري بأيدينا فكيف يمكنكم أن تبغوا بها علينا؟ بل هي ~~بغي منكم على أنفسكم فإنها تبعدكم منا وتكتب آثامها في صحائف أعمالكم ~~فبغيكم على أنفسكم وهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به أياما قلائل ثم إلينا ~~مرجعكم فنخبركم ونوضح لكم هناك حقائق أعمالكم. # وقوله: "متاع الحيوة الدنيا" بالنصب في قراءة حفص عن عاصم والتقدير: ~~تتمتعون متاع الحياة الدنيا، وبالرفع في قراءة غيره وهو خبر لمبتدإ محذوف، ~~والتقدير هو أي بغيكم وعملكم متاع الحياة الدنيا. # وعلى كلتا القراءتين فقوله: "متاع الحيوة الدنيا" إلى آخر الآية، تفصيل ~~لإجمال قوله: "إنما بغيكم على أنفسكم" فقوله "متاع" إلخ، في مقام التعليل ~~بالنسبة إلى كون بغيهم على أنفسهم من قبيل تعليل الإجمال بالتفصيل وبيانه به. # قوله تعالى: "إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض" إلى آخر الآية، لما ذكر سبحانه في الآية السابقة متاع الحياة ~~الدنيا مثل له بهذا المثل يصف فيه من حقيقة أمره ما يعتبر به المعتبرون، ~~وهو من الاستعارة التمثيلية وليس من تشبيه المفرد بالمفرد من شيء وإن أوهم ~~ذلك قوله: ms3629 "كماء أنزلناه" ابتداء، ونظائره شائعة في أمثال القرآن، والزخرف ~~الزينة والبهجة، وقوله: "لم تغن" من غني في المكان إذا أقام فيه فأطال ~~المقام، والباقي ظاهر. PageV10P018 # قوله تعالى: "والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" ~~الدعاء والدعوة عطف نظر المدعو إلى ما يدعى إليه وجلب توجهه وهو أعم من ~~النداء فإن النداء يختص بباب اللفظ والصوت، والدعاء يكون باللفظ والإشارة ~~وغيرهما، والنداء إنما يكون بالجهر ولا يقيد به الدعاء. # والدعاء في الله سبحانه تكويني وهو إيجاد ما يريده لشيء كأنه يدعوه إلى ~~ما يريده، قال تعالى: "يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده": إسراء: - 52 أي يدعوكم ~~إلى الحياة الأخروية فتستجيبون إلى قبولها، وتشريعي وهو تكليف الناس بما ~~يريده من دين بلسان آياته، والدعاء من العبد لربه عطف رحمته وعنايته إلى ~~نفسه بنصب نفسه في مقام العبودية والمملوكية، ولذا كانت العبادة في الحقيقة ~~دعاء لأن العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكية والاتصال بمولاه بالتبعية ~~والذلة ليعطفه بمولويته وربوبيته إلى نفسه وهو الدعاء. # وإلى ذلك يشير قوله تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين: "المؤمن - 60 حيث عبر أولا ~~بالدعاء ثم بدله ثانيا العبادة. # وقد التبس الأمر على صاحب المنار فقال في تفسيره: إن قول بعض المفسرين ~~وغيرهم: إن من معاني الدعاء العبادة لا يصح على إطلاقه في العبادة الشرعية ~~التكليفية فإن الصيام لا يسمى دعاء لغة ولا شرعا وإنما الدعاء هو مخ ~~العبادة الفطرية وأعظم أركان التكليفية منها كما ورد في الحديث فكل دعاء ~~شرعي عبادة وما كل عبادة شرعية دعاء. # انتهى ومنشأ خطئه زعمه أن معنى الدعاء هو النداء للطلب وغفلته عما تقدم ~~من تحليل معناه. # والأصل في معنى السلام على ما ذكره الراغب في المفردات، هو التعري عن ~~الآفات الظاهرة والباطنة، وإليه يرجع معناه في جميع مشتقاته، والسلام ~~والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة، والظاهر أن السلام والأمن متقاربان معنى، ~~وإنما الفارق أن السلام هو الأمن مأخوذا في نفسه، والأمن هو السلام ms3630 مضافا ~~إلى ما يسلم منه يقال: هو في سلام، وهو في أمن من كذا وكذا. # والسلام من أسمائه تعالى لأن ذاته المتعالية نفس الخير الذي لا شر فيه، ~~وتسمى الجنة دار السلام حيث لا شر فيها ولا ضر على ساكنها، وقيل: إنما سميت ~~دار السلام لأنها دار الله الذي هو السلام، والمال واحد في الحقيقة لأنه ~~تعالى إنما سمي سلاما لبراءته من كل شر وسوء، وفي سياق الآية ما يشعر بكون ~~معنى السلام الوصفي مقصودا في الكلام. # وقد أطلق سبحانه السلام ولم يقيده بشيء ولا ورد في كلامه ما يقيده ببعض ~~الحيثيات فهو دار السلام على الإطلاق وليست إلا الجنة فإن ما يوجد عندنا في ~~الدنيا من السلام إنما هو الإضافي دون المطلق فما من شيء إلا وهو مزاحم ~~ممنوع من بعض ما يحبه ويهواه، وما من حال إلا وفيه مقارنات من الأضداد ~~والأنداد. # فإذا أخذت معنى السلام مطلقا غير نسبي تحصل عندك ما عليه الجنة من الوصف، ~~وانكشف أن توصيفها بهذه الصفة نظير توصيفها في قوله: "لهم ما يشاءون فيها:" ~~ق - 35، فإن سلامة الإنسان من كل ما يكرهه ولا يحبه تلازم سلطانه على كل ما ~~يشاؤه ويحبه. # وفي تقييد دار السلام بكونها عند ربهم دلالة على قرب الحضور وعدم غفلتهم ~~عنه سبحانه هناك أصلا، وقد تقدم الكلام في معنى الهداية ومعنى الصراط ~~المستقيم في مواضع من الأبحاث السابقة كتفسير سورة الحمد وغيره. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "قال الذين لا يرجون لقاءنا - ائت بقرآن ~~غير هذا الآية، قال فإن قريشا قالت: يا رسول الله ائتنا بقرآن غير هذا فإن ~~هذا شيء تعلمته من اليهود والنصارى، قال الله: قل لهم: لو شاء الله ما ~~تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم أربعين سنة قبل أن يوحى إلي، ولم ~~أتكلم بشيء منه حتى أوحي إلي. # أقول: وفي انطباق مضمونه على الآية خفاء، على ما فيه من مخاطبتهم النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة. # وفي تفسير ms3631 العياشي، عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ~~لم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم حتى نزلت سورة الفتح فلم يعد إلى ذلك الكلام. # أقول: والرواية لا تخلو عن شيء. PageV10P019 # وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: فر عكرمة بن أبي ~~جهل يوم الفتح فركب البحر فأخذته الريح فنادى باللات والعزى، فقال أصحاب ~~السفينة: لا يجوز هاهنا أحد يدعو شيئا إلا الله وحده مخلصا، فقال عكرمة: ~~والله لئن كان في البحر وحده إنه لفي البر وحده، فأسلم. # أقول: والرواية مروية بطرق كثيرة مختلفة. # وفي تفسير العياشي، عن منصور بن يونس عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~ثلاث يرجعن على صاحبهن: النكث والبغي والمكر، قال الله: يا أيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم. # أقول: وهو مروي عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ثلاث هن ~~رواجع على أهلها: النكث والمكر والبغي. ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم" "ولا يحيق المكر السيىء ~~إلا بأهله" "ومن نكث فإنما ينكث على نفسه": أورده في الدر المنثور،. وفي ~~الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ما من ~~عبادة أفضل من أن تسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثوابا ~~البر، وأسرع الشر عقوبة البغي وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى ~~عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه ~~بما لا يعنيه. وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما. وفي تفسير ~~البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت أبا ~~جعفر (عليه السلام) يقول: في قول الله عز وجل: "والله يدعوا إلى دار ~~السلام" فقال إن ms3632 السلام هو الله عز وجل وداره التي خلقها لأوليائه الجنة. ~~وفيه، عن ابن شهرآشوب عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه وزيد بن علي بن ~~الحسين (عليهما السلام): في قوله تعالى: "والله يدعوا إلى دار السلام" يعني ~~به الجنة "ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" يعني ولاية علي بن أبي طالب. # أقول: إن كانت الرواية موقوفة فهي من الجري أو من الباطن من معنى القرآن، ~~وفي معناها روايات أخر. PageV10P020 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 26 - 30 # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحب ~~الجنة هم فيها خلدون (26) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ~~ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما أولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) ~~فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغفلين (29) هنالك تبلوا ~~كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) ### |||| AUTO بيان # استئناف يعود فيه إلى ذكر جزاء الأعمال وعود الجميع إلى الله الحق، وقد ~~تقدم إيماء إلى ذلك، وفيه إثبات توحيد الربوبية. # قوله تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة" ~~إلخ، الحسنى مؤنث أحسن والمراد المثوبة الحسنى، والمراد بالزيادة الزيادة ~~على الاستحقاق بناء على أن الله جعل من فضله للعمل مثلا من الجزاء والثواب ~~ثم جعله حقا للعامل في مثل قوله: "لهم أجرهم عند ربهم: آل عمران - 199 ثم ~~ضاعفه وجعل المضاعف منه أيضا حقا للعامل كما في قوله: "من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها": الأنعام - 160 وعند ذلك كان مفاد قوله: "للذين أحسنوا ~~الحسنى" استحقاقهم للجزاء والمثوبة الحسنى، وتكون الزيادة هي الزيادة على ~~مقدار الاستحقاق من المثل أو العشرة الأمثال نظير ما يفيده قوله: "فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله": النساء: - 173. # ولو كان المراد بالحسنى في ms3633 قوله: "للذين أحسنوا الحسنى" العاقبة الحسنى، ~~وليس فيما يعقل فوق الحسنى شيء كان معنى قوله: "وزيادة" الزيادة على ما ~~يعقله الإنسان من الفضل الإلهي كما يشير إليه قوله: "فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين": الم السجدة - 17 وما في قوله: "لهم ما يشاءون فيها ~~ولدينا مزيد": ق - 35 فإن من المعلوم أن كل أمر حسن يشاؤه الإنسان فالمزيد ~~على ما يشاؤه أمر فوق ما يدركه فافهم ذلك. # والرهق بفتحتين اللحوق والغشيان يقال: رهقه الدين أي لحق به وغشيه، ~~والقتر الدخان الأسود أو الغبار الأسود، وفي توصيفهم بقوله: "ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة" محاذاة لما في الآية التالية من وصف أهل النار بسواد ~~وجوههم بالقتر وهو سواد صوري والذلة وهي سواد معنوي. # والمعنى: للذين أحسنوا في الدنيا المثوبة الحسنى وزيادة من فضل الله - أو ~~العاقبة الحسنى وزيادة لا تخطر ببالهم - ولا يغشى وجوههم سواد من قتر ولا ~~ذلة، وأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. # قوله تعالى: "والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة" إلى ~~آخر الآية، جملة "جزاء سيئة بمثلها" مبتدأ لخبر محذوف والتقدير: لهم جزاء ~~سيئة بمثلها من العذاب، والجملة خبر للمبتدإ الذي هو قوله: "الذين كسبوا ~~السيئات" والمراد أن الذين كسبوا السيئات لا يجزون إلا مثل ما عملوه من ~~العقوبات السيئة فجزاء فعلة سيئة عقوبة سيئة. # وقوله: "ما لهم من الله من عاصم" أي ما لهم عاصم يعصمهم من الله أي من ~~عذابه وفيه نفي لشركائهم الذين يظنونهم شفعاء على وجه ينفي كل عاصم مانع ~~سواء كان شريكا شفيعا أو ضدا قويا ممانعا أو أي عاصم غيرهما. # وقوله: "كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما" القطع جمع قطعة ومظلما ~~حال من الليل، والمراد كان الليل المظلم قسم إلى قطع فأغشيت وجوههم تلك ~~القطع فاسودت بالتمام، والمتبادر منه أن يغشى وجه كل من المشركين بقطعة من ~~تلك القطع لا كما فسره بعضهم أن المراد أن الوجوه أغشيت تلك القطع قطعة بعد ~~قطعة فصارت ظلمات بعضها ms3634 فوق بعض. # فليس في الكلام ما يدل على ذلك. # وقوله: "أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" يدل على دوام بقائهم في النار ~~للدلالة الصحابة والخلود عليه كما أن نظيره في أصحاب الجنة يدل على نظيره. PageV10P021 # قوله تعالى: "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم" إلى آخر الآية. # المراد حشر جميع من سبق ذكره من المؤمنين والمشركين وشركائهم فإنه تعالى ~~يذكر المشركين وشركاءهم في هذه الآية وما يتلوها ثم يشير إلى الجميع بقوله ~~في الآية التالية: "هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت". # وقوله: "ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم" أي الزموا مكانكم ~~أنتم وليلزم شركاؤكم مكانهم وتفرع على هذا الخطاب أن زيلنا بينهم، وقطعنا ~~الرابطة التي كانت تربطهم بشركائهم وهي رابطة الوهم والحسبان التي يتصلون ~~بسببها بشركائهم فانقطعوا عن شركائهم وانقطع شركاؤهم عنهم فبان أن عبادتهم ~~لم تقع عليهم ولم تتعلق بهم لأنهم إنما عبدوا الشركاء وهم ليسوا بشركاء. # والدليل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى بعده: "وقال شركاؤهم ما كنتم ~~إيانا تعبدون" فالكلام على ظاهره من النفي الجدي الصادق لعبادتهم إياهم، ~~وليسوا يكذبون في كلامهم هذا بدليل استنادهم إلى شهادة الله سبحانه، ولا ~~أنهم يريدون أنا لم نكن ندعوكم إلى عبادتنا فإن الكلام لا يلائم هذا ~~المعنى، ولا أن مرادهم التعريض لهم بأنكم كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم ~~المغوين لكم في الحقيقة فإن ذلك لا يلائم دعواهم الغفلة، وكذا لا يلائمه ~~قوله بعده: "هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت" إلخ، على ما سيجيء من معناه بل ~~مرادهم نفي العبادة حقيقة بنفي حقيقة الشركة، والاستشهاد على ذلك بشهادة ~~الله وعلمه بغفلتهم عن عبادتهم. # والعبادة التي هي اتصال ما بالمملوكية والتذلل من العابد بالمعبود إنما ~~تكون عبادة إذا اتصلت وارتبطت بالمعبود - حتى يتم به معنى اللام في قولنا: ~~العبادة له - ولا يكون ذلك إلا بشعور من المعبود وعلم منه بذلك فإذا لم ~~يتحقق هناك علم لم تتحقق عبادة حقيقة، وإنما هي صورة عبادة. # فقد تبين أن المراد بقوله: "ثم ms3635 نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ~~فزيلنا بينهم" إظهاره وإبرازه تعالى يومئذ حقيقة الأمر الذي سترت عليه ~~الأوهام وحجبته الأهواء في الدنيا وهو أن حقيقة المولوية ومالكية زمان ~~التدبير لله سبحانه وليس لغيره من المولوية والربوبية شيء حتى يصح الالتجاء ~~إليه وتصدق عبادته. # فإذا كشف الله الغطاء عن وجه هذه الحقيقة يومئذ بأن للمشركين أن شركاءهم ~~لم يكونوا شركاء ولا معبودين لهم في الحقيقة - لغفلتهم عن عبادتهم، وإنما ~~كانوا يأتون لهم بصورة العبادة التي كان الوهم والهوى يصور أنها عبادة ~~وليست بها. # وإليه يشير أيضا قوله تعالى: "وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا ~~هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون:" ~~النحل: - 86. # وقد تبين بذلك أيضا أن قوله: "وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون" قول من ~~شركائهم لهم على الجد والحقيقة، ويظهر به فساد قول بعضهم: المراد أنكم لم ~~تعبدونا بأمرنا ودعائنا لا أنكم لم تعبدونا أصلا لأن ذلك كذب لا يجوز أن ~~يقع في الآخرة لكونهم ملجئين فيها إلى ترك القبيح. # فإن نفي أصل العبادة بما عرفت من معناه هو حق الصدق وإثبات العبادة وإن ~~لم يكن كذبا إلا أنه لا يخلو عن مجاز في الجملة بالنظر إلى حقيقة الأمر على ~~أن ما ذكره أن المراد نفي العبادة بأمرهم ودعوتهم معنى لا دليل عليه من جهة اللفظ. # على أن الكذب إنما لا يقع في الآخرة إذا كان عملا وكسبا وإما بمعنى نتيجة ~~الملكات الدنيوية فلا مانع من إمكانه بل هو واقع كما يحكيه تعالى في قوله: ~~"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا ~~على أنفسهم": الأنعام: - 24 وغيره من الآيات. # وكذا قول بعضهم: إن المراد ما كنتم تخصوننا بالعبادة، وإنما كنتم تعبدون ~~أهواءكم وشهواتكم وشياطينكم المغوية لكم - فإن صدق عبادة الأهواء والشيطان ~~على عملهم من جهة أنه اتباع للهوى والشيطان لا ينفي عنه صدق كونه عبادة ~~للأصنام كما أنه تعالى يصدق في كلامه الجهات الثلاث جميعا ms3636 قال تعالى: ~~"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم:" يونس: - 18 وقال: "أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه": الجاثية: - 23، وقال: "إن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين:" يس: - 60. PageV10P022 # ومن المعلوم أن الشركاء يحتجون لنفي كونهم معبودين لهم لا لإثبات كون الهوى ~~والشيطان معبودين لهم مع الشركاء فإن هذا لا ينفعهم في الحجة البتة، ~~ويستلزم لغوية إثباتهم الغفلة لأنفسهم في قولهم: "إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين" لأن الأهواء أيضا ما كانت شاعرة بعبادتهم كما أن الأصنام وهي ~~أجسام ميتة كذلك. # ولعل القائل اعتمد في قوله على الحصر المفهوم من قوله: "ما كنتم إيانا ~~تعبدون" بتقديم المفعول على فعله، وظاهره أنه قصر قلب مدلوله نفي المعبودية ~~عن أنفسهم وإثباته لغيرهم، ليس نفيا لأصل العبادة فإنهم يثبتونها في قولهم: ~~"عن عبادتكم" فإن إضافة المصدر إلى معموله يفيد الثبوت. # لكن الحق أن هؤلاء الشركاء إنما قالوا لهم: "ما كنتم إيانا تعبدون" تجاه ~~ما قاله المشركون على ما حكاه الله: "ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك": النحل: - 86 فنفوا عبادتهم عن الله سبحانه وأثبتوها للشركاء ~~والشركاء لم يكن ينفعهم إلا نفي عبادة المشركين عن أنفسهم، وأما أنها ثابتة ~~لمن؟ فلا غرض لهم يتعلق بذلك وإنما همهم تنزيه أنفسهم عن دعوى الشركة، وقد ~~احتجوا على ذلك بإثبات الغفلة عن ذلك لأنفسهم، ولو كانوا شاعرين بعبادتهم ~~وعبدوهم كان لزمهم أعني الشركاء دعوى الشركة. # قوله تعالى: "فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم" إلى آخر الآية، ظهر معناه ~~بما مر من التقرير والفاء في قوله: "فكفى بالله يفيد التعليل كقولنا: اعبد ~~الله فهو ربك، وهو شائع في الكلام. # قوله تعالى: "هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت" إلى آخر الآية، البلاء ~~الاختبار، والإشارة بقوله: "هنالك" إلى الموقف الذي ذكره بقوله: "ثم نقول ~~للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم". # فذلك الموقف موقف تختبر وتمتحن كل نفس ما أسلفت وقدمت من الأعمال فتنكشف ~~لها حقيقة أعمالها وتشاهدها مشاهدة عيان لا مجرد الذكر أو البيان، وبمشاهدة ~~الحق من كل ms3637 شيء عيانا ينكشف أن المولى الحق هو الله سبحانه، وتسقط وتنهدم ~~جميع الأوهام، وتضل جميع الدعاوي التي يفتريها الإنسان بأوهامه وأهوائه على الحق. # فهذه الافتراءات والدعاوي جميعا إنما نشأت من حيث الروابط التي نضعها في ~~هذه الدنيا بين الأسباب والمسببات والاستقلال والمولوية التي نعطيها ~~الأسباب ولا إله إلا الله ولا مولى حقا إلا هو سبحانه فإذا انجلت حقيقة ~~الأمر، وانكشف غيم الوهم وانهتك حجاب الدعاوي ظهر أن لا مولى حقا إلا هو ~~سبحانه، وبطل جميع الآلهة التي إنما أثبتها الافتراء من الإنسان، وسقطت ~~وحبطت جميع الأعمال إلا ما عبد به الله سبحانه عبادة حق. # فالفقرات الثلاث من الآية أعني قوله: "تبلوا كل نفس" إلخ، وقوله: "ردوا ~~إلى الله" إلخ، وقوله: "وضل عنهم" إلخ، كل منها تعين الأخريين على إفادة ~~حقيقة معناها، ومحصل مفاد المجموع ظهور حقيقة الولاية الإلهية يومئذ ظهور ~~عيان وأن ليس لغيره تعالى إلا الفقر والمملوكية المحصنة فيبطل عند ذلك كل ~~دعوى باطلة وينهدم بنيان الأوهام. # كما يشير إلى ذلك قوله: "هنالك الولاية لله الحق: الكهف: - 44، وقوله: ~~"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار: المؤمن: - 16: "وقوله والأمر يومئذ لله: الانفطار: - 19، إلى غير ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في أمالي المفيد، بإسناده إلى أبي إسحاق الهمداني عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): فيما كتب إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر وأمره أن يقرأه على ~~الناس، وفيما كتب: قال الله تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" والحسنى ~~هي الجنة والزيادة هي الدنيا. وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن ~~أبي جعفر (عليه السلام) في الآية: فأما الحسنى فهي الجنة، وأما الزيادة ~~فالدنيا ما أعطاهم الله في الدنيا يحاسبهم الله في الآخرة، ويجمع الله لهم ~~ثواب الدنيا والآخرة. # الحديث. # أقول: والروايتان ناظرتان إلى المعنى الأول الذي قدمناه في البيان ~~المتقدم وروى ما في معنى الثاني الطبرسي في المجمع، عن الباقر (عليه ~~السلام). PageV10P023 # وفي تفسير البرهان، روي في نهج البيان عن علي بن إبراهيم ms3638 قال: قال الزيادة ~~هبة الله عز وجل. وفي الدر المنثور، أخرج الدارقطني وابن مردويه عن صهيب في ~~الآية قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الزيادة النظر إلى ~~وجه الله: أقول: وروي هذا المعنى بعدة طرق من طرق أهل السنة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقد تقدم توضيح معناها في تفسير قوله تعالى. "رب أرني ~~أنظر إليك": الأعراف: - 143 في الجزء الثامن من الكتاب. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قوله: "كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما" قال: أما ترى البيت إذا ~~كان الليل كان أشد سوادا من خارج فكذلك وجوههم يزدادون سوادا: أقول: ورواه ~~العياشي عن أبي بصير عنه (عليه السلام) وكأنه (عليه السلام) يريد تفسير ~~القطع من الليل الواقعة في الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن السدي: في قوله: "وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق" قال: نسختها قوله: "مولى الذين آمنوا - وإن الكافرين لا مولى لهم". # أقول: وهو من أسخف القول بل الآيتان ناظرتان إلى جهتين مختلفتين من ~~المعنى وهما الظاهر والباطن. PageV10P024 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 31 - 36 # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصر ومن يخرج الحى من ~~الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلل فأنى تصرفون (32) ~~كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من شركائكم ~~من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل ~~هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم ~~إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36) ### |||| AUTO بيان # حجج ساطعة على توحيده تعالى في الربوبية يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله ms3639 ~~وسلم) بإقامتها على المشركين، وهي ثلاث حجج مرتبة بحسب الدقة والمتانة ~~فالحجة الأولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون وعبدة الأصنام فإنهم ~~إنما يعبدون أرباب الأصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون فيعبدون كلا منهم ~~لأجل ما يخص به من الشأن، وما يرجع إليه من التدبير ليرضى بذلك عمن يعبده ~~فيفيض عليه بركاته أو ليؤمنه فلا يرسل إليه سخطه وعقابه كما كان يعبد سكان ~~السواحل رب البحر، وأهل الجبال وأهل البر وأهل العلوم والصنائع وأهل الحروب ~~والغارات وغيرهم كل يعبد من يناسب تدبيره الشأن الذي يهمه ليرضى عنه ربه ~~فيبارك عليه برضاه أو يكف عنه غضبه. # ومحصل الحجة أن تدبير العالم الإنساني وسائر الموجودات جميعا يقوم به ~~الله سبحانه لا غير على ما يعترفون به فمن الواجب أن يوحدوه بالربوبية ولا ~~يعبدوا إلا إياه. # والحجة الثانية ما يعتبره عامة المؤمنين وذلك أنهم لا يلتفتون كثيرا إلى ~~زخارف هذه النشأة من لذائذ المادة، وإنما جل اعتنائهم بالحياة الدائمة ~~الأخروية التي تتعين سعادتها وشقاوتها بالجزاء الإلهي بأعمالهم فإذا قامت ~~البينة العقلية على الإعادة كالبدء كان من الواجب أن لا يعبد إلا الله ~~سبحانه، ولا يتخذ أرباب من دونه طمعا في ثوابه وخوفا من عقابه. # والحجة الثالثة وهي التي تحن إليها قلوب الخاصة من المؤمنين وهي أن ~~المتبع عند العقل هو الحق، ولما كان الحق سبحانه هو الهادي إلى الحق دون ما ~~يدعونه من الأرباب من دون الله فليكن هو المتبع دون ما يدعونه من الأرباب، ~~وسيأتي في تفسير الآيات توضيح هذه الحجج الثلاث بما تنجلي به مزيد انجلاء ~~إن شاء الله. # ولو لا اعتبار هذه النكتة كان الظاهر أن تذكر أولا الحجة الثانية ثم ~~الثالثة ثم الأولى أو تذكر الثانية ثم يجمع بين الأولى والثالثة فيذكر بعدها. # قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار" ~~إلى آخر الآية. # الرزق هو العطاء الجاري، ورزقه تعالى للعالم الإنساني من السماء هو نزول ~~الأمطار والثلوج ونحوه، ومن الأرض هو بإنباتها نباتها وتربيتها ms3640 الحيوان ~~ومنهما يرتزق الإنسان، وببركة هذه النعم الإلهية يبقى النوع الإنساني ~~والمراد بملك السمع والأبصار كونه تعالى متصرفا في الحواس الإنسانية التي ~~بها ينتظم له أنواع التمتع من الأرزاق المختلفة التي أذن الله تعالى أن ~~يتمتع بها فإنما هو يشخص ويميز ما يريده مما لا يريده بإعمال السمع والبصر ~~واللمس والذوق والشم فيتحرك نحو ما يريده، ويتوقف أو يفر مما يكرهه بها. # فالحواس هي التي تتم بها فائدة الرزق الإلهي، وإنما خص السمع والبصر من ~~بينها بالذكر لظهور آثارهما في الأعمال الحيوية أكثر من غيرهما، والله ~~سبحانه هو الذي يملكهما ويتصرف فيهما بالإعطاء والمنع والزيادة والنقيصة. # وقوله: "ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" الحياة بحسب النظر ~~البادىء في الإنسان هي المبدأ الذي يظهر به العلم والقدرة في الشيء فيصدر ~~أعماله عن العلم والقدرة ما دامت الحياة، وإذا بطلت بطل الصدور كذلك. PageV10P025 # ثم اكتشف من طريق النظر العلمي أن ذلك لا يختص بأقسام الحيوان كما كان ~~يعطيه النظر الابتدائي فإن الملاك الذي كان يوجب للحيوان كونه ذا حياة - ~~وهو كونه ذا نفس يصدر عنها أعمال مختلفة لا على وتيرة واحدة طبيعية كحركته ~~إلى جهات مختلفة بحركات مختلفة وسكونه من غير حركة - موجود في النبات. # وكذلك الأبحاث الجارية على الطرق الحديثة تعطي ذلك فإن جراثيم الحياة ~~الموجودة في الحيوان التي إليها تنتهي أعماله الحيوية توجد في النبات ~~نظيرها فهو ذو حياة كمثل الحيوان فالنظر العلمي على أي حال يهدي إلى عموم ~~الحياة لجميع أنواع الحيوان والنبات. # ثم الحياة وهي تقابل الموت الذي هو بطلان مبدإ الأعمال الحيوية تعود بحسب ~~التحليل إلى كون الشيء بحيث تترتب عليه آثاره المطلوبة منه كما أن الموت ~~عدم كونه كذلك فحياة الأرض هي كونها نابتة مخضرة وموتها خلافه، وحياة العمل ~~كونه بحيث ينتهي إلى الغرض الذي أتي به لأجله وموته خلافه، وحياة الكلمة ~~كونها بحيث تؤثر في السامع أثرا مطلوبا وموتها خلافه، وحياة الإنسان كونه ~~جاريا على ما تهدي إليه الفطرة الإنسانية ككونه ذا ms3641 عقل سليم ونفس زاكية، ~~ولذا عد القرآن الشريف الدين حياة للإنسان لأنه يرى أن الدين الحق وهو ~~الإسلام هو الفطرة الإلهية. # إذا تبين هذا اتضح أن خروج الحي من الميت وخروج الميت من الحي يختلف. # معناه بحسب اختلاف المراد بالحياة والموت فعلى النظرتين الأوليين هو خروج ~~الحيوان أو الحيوان والنبات بالكينونة من غيرها كالمني والبيضة والبذر فإن ~~الحي كما لا تدوم له هذه الحياة بقاء إلى غير النهاية لا تذهب أيضا بحسب ~~البدء في حياة غير متناهية ولا طريق إلى إثباته، وخروج أجزاء غير ذات حياة ~~من الحيوان أو الحيوان والنبات بالانفصال. # وعلى النظرة الأخيرة أعني نظرة تعميم الحياة لكل ما يترتب عليه آثارها ~~المطلوبة منها هو أن يخرج من الأمور غير المفيدة في باب أمور مفيدة في ذلك ~~الباب بالكينونة والتولد كخلق الإنسان الحي والحيوان الحي والنبات الحي من ~~التراب الميت وبالعكس، وكخروج الإنسان العاقل الصالح من الإنسان الذي لا ~~عقل له ولا صلاح وبالعكس، وخروج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. # وظاهر الآية الكريمة بالنظر إلى سياقها ومقام المخاطبة فيها أن يكون ~~المراد بإخراج الحي من الميت وبالعكس فيها هو هذا المعنى الأخير، وذلك أن ~~الآية تقيم الحجة على المشركين من المسلك الذي كانوا يسلكونه في الاحتجاج ~~على اتخاذ الآلهة المختلفة وهو أن العالم المشهود مجموعة من موجودات مختلفة ~~متشتتة علوية وسفلية والسفلية من إنسان وحيوان ونبات وبحر وبر وأمور وراء ~~ذلك كثيرة، وكل منها تحت تدبير مدبر شفيع عند الله نعبده بعبادة صنمه ~~ليقربنا إلى الله زلفى وبالجملة انتهاء التدبيرات على اختلافها إلى مدبرات ~~مختلفة يوجب وجود أرباب من دون الله كثيرة. # والآية ترد عليهم حجتهم ببيان انتهاء التدبيرات المختلفة إليه تعالى وأن ~~ذلك يدل على أن الله سبحانه رب كل شيء وحده، فهي تخاطبهم بأنكم تعترفون بأن ~~ما يخصكم من التدبير كرزقكم وما يعمكم وغيركم منه ينتهي إلى الله سبحانه ~~فهو المدبر لأمركم وأمر غيركم فهو الرب لا رب سواه. # وقد بدأت في التعداد بما يخص ms3642 الإنسان أعني قوله: "قل من يرزقكم من السماء ~~والأرض" وختمت بما يعمه وغيره أعني قوله: "ومن يدبر الأمر" وظاهر السياق أن ~~يكون المراد بقوله: "أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت" هو ~~التدبير الخاص بالإنسان فيكون المراد ملك السمع والأبصار التي لأفراد ~~الإنسان، وكذا إخراج الحي من الإنسان من ميتة وبالعكس، وقد تبين أن الحياة ~~المخصوصة بالإنسان هو كونه ذا نعمة العقل والدين. # فالمراد بإخراج الحي من الميت وبالعكس - والله أعلم - إخراج الإنسان الحي ~~بالسعادة الإنسانية من الإنسان الميت الذي لا سعادة له وبالعكس. PageV10P026 # فالله سبحانه يلقن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة على توحيده ~~بالربوبية فأمره بقوله: "قل" إن يقول لهم في سياق الاستفهام "من يرزقكم من ~~السماء والأرض" بالأمطار والإنبات والتكوين "أمن يملك السمع والأبصار" منكم ~~فتتم بهما فائدة رزقكم حيث ترتزقون بتشخيصهما من طيبات الرزق، ولولاهما لم ~~توفقوا لذلك وفنيتم عن آخركم "ومن يخرج الحي من الميت" أي كل أمر مفيد في ~~بابه من غيره "ويخرج الميت من الحي" فيتولد الإنسان السعيد من الشقي والشقي ~~من السعيد "ومن يدبر الأمر" في جميع الخليقة. # "فسيقولون الله" اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في ~~الإنسان وغيره لأن الوثنيين يعتقدون ذلك فأمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يوبخهم أولا على ترك تقوى الله بعبادة غيره مع ظهور الحجة ثم ~~يستنتج لهم من الحجة وجوب توحيده تعالى فقال: "فقل أفلا تتقون" ثم قال: ~~"فذلكم الله ربكم". # قوله تعالى: "فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون" الجملة الأولى نتيجة الحجة السابقة، وقد وصف الرب بالحق ليكون ~~توضيحا لمفاد الحجة، وتوطئة وتمهيدا لقوله بعده: "فما ذا بعد الحق إلا ~~الضلال". # وقوله: "فما ذا بعد الحق إلا الضلال" أخذ بلازم الحجة السابقة لاستنتاج ~~أنهم ضالون في عبادة الأصنام فإنه إذا كانت ربوبيته تعالى حقة فإن الهدى في ~~اتباعه وعبادته فإن الهدى مع الحق لا غير فلا يبقى عند غيره الذي هو الباطل ms3643 ~~إلا الضلال. # فتقدير الكلام: فما ذا بعد الحق الذي معه الهدى إلا الباطل الذي معه ~~الضلال فحذف من كل من الطرفين شيء وأقيم الباقي مقامه إيجازا، وقيل: فما ذا ~~بعد الحق إلا الضلال، ولذا قال بعضهم: إن في الآية احتباكا - وهو من ~~المحسنات البديعية - وهو أن يكون هناك متقابلان فيحذف من كل منهما شيء يدل ~~عليه الآخر فإن تقدير الكلام: فما ذا بعد الحق إلا الباطل؟ وما ذا بعد ~~الهدى إلا الضلال؟ فحذف الباطل من الأول والهدى من الثاني وبقي قوله: فما ~~ذا بعد الحق إلا الضلال؟ والوجه هو الذي قدمناه. # ثم تمم الآية بقوله: "فأنى تصرفون" أي إلى متى تصرفون عن الحق الذي معه ~~الهدى إلى الضلال الذي مع الباطل. # قوله تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون" ظاهر ~~السياق أن الكلمة التي تكلم الله سبحانه بها على الفاسقين هي أنهم لا ~~يؤمنون أي أنه سبحانه قضى عليهم قضاء حتما وهو أن الفاسقين وهم على فسقهم - ~~لا يؤمنون ولا تنالهم الهداية الإلهية إلى الإيمان، وقد قال تعالى: "والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين:" المائدة: - 108. # وعلى هذا فالإشارة بقوله: "كذلك" إلى ما تحصل من الآية السابقة: أن ~~المشركين صرفوا عن الحق وفسقوا عنه فوقعوا في الضلال إذ ليس بعد الحق إلا ~~الضلال. # فمعنى قوله: "كذلك حقت كلمة ربك" إلخ، أن الكلمة الإلهية والقضاء الحتمي ~~الذي قضي به في الفاسقين - وهو أنهم لا يؤمنون - هكذا حقت وثبتت في الخارج ~~وأخذت مصداقها وهو أنهم خرجوا عن الحق فوقعوا في الضلال أي أنا لم نقض عدم ~~هدى الفاسقين وعدم إيمانهم ظلما ولا جزافا وإنما قضينا ذلك لأنهم صرفوا عن ~~الحق وفسقوا فوقعوا في الضلال ولا واسطة بينهما فافهم ذلك. # وفي الآية دلالة على أن الأمور الضرورية والأحكام والقوانين البينة التي ~~تجري في النظام المشهود كقولنا: لا واسطة بين الحق والباطل ولا بين الهدى ~~والضلال لها نوع استناد إلى القضاء الإلهي، وليست ثابتة في ملكه تعالى من ~~تلقاء نفسها. # وربما ذكر ms3644 بعض المفسرين: أن المراد بالكلمة في الآية كلمة العذاب وقوله: ~~"أنهم لا يؤمنون" في موضع التعليل بتقدير لامه، والتقدير كثبوت هذه الحجة ~~عليهم حقت كلمة ربك على الذين فسقوا وهي وعيدهم بالعذاب وإنما حقت عليهم ~~العذاب لأنهم لا يؤمنون. # ولا يخلو عن سقم فإن وجه الشبه غير ظاهر ولا متفق فيهما فالحجة ثابتة ~~عليهم بذاتها وأما العذاب فليس ثبوته كذلك بل لأمر آخر وهو أنهم لا يؤمنون. PageV10P027 # والحجة - كما سمعت في البيان المتقدم - حجة ساذجة يعترف بحقيتها الوثنية، ~~وقد صرفوها عن وجهها وأقاموا على ما يدعونها من ربوبية أربابهم واستحقاقها ~~للعبادة من دون الله حيث قالوا: إن تدبير كل شأن من شئون العالم العامة إلى ~~واحد من هذه الأرباب فهو رب ذلك الشأن، وإنما نعبد أصنامها وتماثيلها ~~لنرضيها بذلك فتشفع لنا عند الله بما لها من القرب عنده. # فأخذت الآية اعترافهم بأن هذه التدابير لله سبحانه - وكيف لا تكون له وهو ~~خالق الكل ومبقيها؟ - فله سبحانه وحده حقيقة الربوبية وهو المستحق للعبادة ~~لا غيره. # قوله تعالى: "قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده" إلى آخر الآية. # تلقين للاحتجاج من جهة المبدإ والمعاد فإن الذي يبدأ كل شيء ثم يعيده ~~يستحق أن يعبده الإنسان اتقاء من يوم لقائه ليأمن من أليم عذابه وينال عظيم ~~ثوابه يوم المعاد. # ولما كان المشركون - وهم المخاطبون بالحجة - غير قائلين بالمعاد أمر ~~تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتصدى جواب سؤاله بنفسه وقال: "قل ~~الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون" وإلى متى تصرفون عن الحق. # وليس اعتماد الآية على مسألة الإبداء والإعادة في احتجاجها اعتمادا على ~~مقدمة غير بينة ولا مبينة فقد احتج عليها في كلامه تعالى من طرق مختلفة ~~كالاحتجاج من طريق لزوم الغاية في فعله، ومن طريق وجوب الجزاء على الأعمال ~~في العدل وغير ذلك وقد نفى سبحانه الريب عن البعث والقيامة فيما يبلغ عشر ~~مواضع من كلامه. # والحجة - كما تقدم الإيماء إليه - حجة عامة المؤمنين الذين يعبدونه تعالى ms3645 ~~خوفا من العقاب أو رغبة في الثواب الذي أعد لهم يوم القيامة. # قوله تعالى: "قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق" إلى ~~آخر الآية، يهدي للحق وإلى الحق بمعنى واحد فالهداية تتعدى بكلتا الحرفين، ~~وقد ورد تعديتها باللام في مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله: "أولم يهد ~~لهم:" الم السجدة: - 26، وقوله: "يهدي للتي هي أقوم:" إسراء: - 9 إلى غير ~~ذلك فما ذكره بعضهم من كون اللام في قوله: "يهدي للحق للتعليل ليس بشيء. # لقن سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الحجة وهي ثالثة الحجج، ~~وهي حجة عقلية يعتمد عليها الخاصة من المؤمنين، وتوضيحها أن من المرتكز في ~~الفطرة الإنسانية وبه يحكم عقله أن من الواجب على الإنسان أن يتبع الحق حتى ~~إنه إن انحرف في شيء من أعماله عن الحق واتبع غيره لغلط أو شبهة أو هوى ~~فإنما اتبعه لحسبانه إياه حقا والتباس الأمر عليه، ولذا يعتذر عنه بما ~~يحسبه حقا فالحق واجب الاتباع على الإطلاق ومن غير قيد أو شرط. # والهادي إلى الحق واجب اتباعه لما عنده من الحق، ومن الواجب ترجيحه على ~~من لا يهدي إليه أو يهدي إلى غيره لأن اتباع الهادي إلى الحق اتباع لنفس ~~الحق الذي معه وجوب اتباعه ضروري. # وقد اعتمد في الحجة على هذه المقدمة الضرورية فافتتح الكلام فيها بسؤالهم ~~عن شركائهم هل فيهم من يهدي إلى الحق؟ ومن البين أن لا جواب للمشركين في ~~ذلك مثبتا إذ شركاؤهم سواء أكانوا جمادا غير ذي حياة كالأوثان والأصنام أم ~~كانوا من الإحياء كالملائكة وأرباب الأنواع والجن والطواغيت من فرعون ~~ونمرود وغيرهما لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. # وإذ لم يكن لهم في ذلك جواب مثبت فإنهم لا يجيبون، ولذلك أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يخلفهم في الجواب فيجيب في ذلك - أعني الهداية إلى ~~الحق - بإثباتها لله سبحانه فقيل: "قل الله يهدي للحق" فإن الله سبحانه هو ~~الذي يهدي ms3646 كل شيء إلى مقاصده التكوينية والأمور التي يحتاج إليها في بقائه ~~كما في قوله: "ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى: طه - 50 وقوله الذي خلق ~~فسوى والذي قدر فهدى:" الأعلى: - 3 وهو الذي يهدي الإنسان إلى سعادة الحياة ~~ويدعوه إلى الجنة والمغفرة بإذنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع ~~الشرائع، وأمرهم ببث الدعوة الحقة الدينية بين الناس. # وقد مر في تفسير قوله تعالى: "الحق من ربك فلا تكن من الممترين:" آل ~~عمران: - 60 إن الحق من الاعتقاد والقول والفعل إنما يكون حقا بمطابقة ~~السنة الجارية في الكون للذي هو فعله فالحق بالحقيقة إنما يكون حقا بمشيته ~~وإرادته. PageV10P028 # وإذ تحقق أنه ليس من شركائهم من يهدي إلى الحق، وأن الله سبحانه يهدي إلى ~~الحق سألهم بقوله: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى"؟ أن يقضوا في الترجيح بين اتباعه تعالى واتباع شركائهم وهو تعالى ~~يهدي إلى الحق وهم لا يهدون ولا يهتدون إلا بغيرهم، ومن المعلوم أن الرجحان ~~لمن يهدي على من لا يهدي أي لاتباعه تعالى على اتباعهم، والمشركون يحكمون ~~بالعكس، ولذلك لامهم ووبخهم بقوله: "فما لكم كيف تحكمون"؟. # والتعبير في الترجيح في قوله: "أحق أن يتبع بأفعل التفضيل الدال على مطلق ~~الرجحان دون التعين والانحصار مع أن اتباعه تعالى حق لا غير واتباعهم لا ~~نصيب له من الحق إنما هو بالنظر إلى مقام الترجيح وليسهل بذلك قبولهم للقول ~~من غير إثارة لعصبيتهم وتهييج لجهالتهم. # وقد أبدع تعالى في قوله "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا ~~أن يهدى" والقراءة الدائرة: "لا يهدي" بكسر الهاء وتشديد الدال وأصله ~~يهتدي، وظاهر قوله: "لا يهدي إلا أن يهدى" وقد حذف متعلقات الفعل فيه أنه ~~إنما يهتدي بغيره لا بنفسه. # والكلام قد قوبل فيه قوله: "يهدي إلى الحق" بقوله: "من لا يهدي" مع أن ~~الهداية إلى الحق يقابلها عدم الهداية إلى الحق، وعدم الاهتداء إلى الحق ~~يقابله الاهتداء إلى الحق فلازم هذه ms3647 المقابلة الملازمة بين الاهتداء بالغير ~~وعدم الهداية إلى الحق، وكذا الملازمة بين الهداية إلى الحق والاهتداء ~~بالذات فالذي يهدي إلى الحق يجب أن يكون مهتديا بنفسه لا بهداية غيره والذي ~~يهتدي بغيره ليس يهدي إلى الحق أبدا. # هذا ما تدل عليه الآية بحسب ظاهرها الذي لا ريب فيه وهو أعدل شاهد على أن ~~الكلام موضوع فيها على الحقيقة دون التجوزات المبنية على المساهلة التي ~~نبني عليها ونداولها فيما بيننا معاشر أهل العرف فننسب الهداية إلى الحق ~~إلى كل من تكلم بكلمة حق ودعا إليها وإن لم يعتقد بها أو اعتقد ولم يعمل ~~بها أو عمل ولم يتحقق بمعناها، وسواء اهتدى إليها بنفسه أو هداه إليها غيره. # بل الهداية إلى الحق أعني الإيصال إلى صريح الحق ومتن الواقع ليس إلا لله ~~سبحانه أو لمن اهتدى بنفسه أي هداه الله سبحانه من غير واسطة تتخلل بينه ~~وبينه فاهتدى بالله وهدى غيره بأمر الله سبحانه، وقد تقدمت نبذة من الكلام ~~في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن:" ~~الآية البقرة: - 124. # وقد تبين بما قدمناه في معنى الآية أمور: أحدها: أن المراد بالهداية إلى ~~الحق ما هو بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون ما هو بمعنى إراءة الطريق ~~المنتهي إلى الحق فإن من الضروري أن وصف طريق الحق يتأتى من كل أحد سواء ~~اهتدى إلى الحق بنفسه أو بغيره أو لم يهتد. # وثانيها: أن المراد بقوله: "من لا يهدي إلا أن يهدى" من لا يهتدي بنفسه، ~~وهذا أعم من أن يكون ممن يهتدي بغيره أو يكون ممن لا يهتدي أصلا، لا بنفسه ~~ولا بغيره كالأوثان والأصنام التي هي جماد لا يقبل هداية من غيره، وذلك أن ~~قوله: "إلا أن يهدى" استثناء من قوله: "من لا يهدي" الأعم من أن لا يهتدي ~~أصلا أو يهتدي بغيره والمأخوذ في قوله: "أن يهدى" فعل دخلت عليه أن ~~المصدرية المأولة إلى المصدر، والجملة الفعلية المأولة إلى المصدر كذلك لا ~~يدل على التحقق بخلاف المصدر ms3648 المضاف إلى معموله ففرق بين قوله: "أن تصوموا ~~خير لكم:" البقرة: - 184 فلا يدل على الوقوع وبين نحو قوله: "إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين:" يونس: - 29 فيدل على الوقوع، ويقال: ضربك زيدا عجيب إذا ~~ضربته، وأن تضرب زيدا عجيب إذا هممت أن تضربه. # فقوله: "من لا يهدي إلا أن يهدى" معناه من لا يكون هداه من نفسه إلا أن ~~تأتيه الهداية من ناحية الغير، ومن المعلوم أنها إنما تأتيه من الغير إذا ~~كان في طبعه أن يقبل ذلك، وأما إذا لم يقبل فإنما يبقى له من الوصف أنه لا ~~يهتدي فافهم ذلك. # وللمفسرين في معنى هذا الاستثناء أقوال عجيبة: منها: أنه استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال لأن من نفى عنهم الهداية ممن اتخذوا شركاء لله تعالى يشمل ~~المسيح عيسى بن مريم وعزيرا والملائكة (عليهم السلام)، وهؤلاء كانوا يهدون ~~إلى الحق بهداية الله ووحيه كما قال تعالى في الأنبياء من سورتهم: ~~"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:" الأنبياء: - 73. PageV10P029 # وفيه: أن محصله أن المعنى لا يهدي إلا أن يهديه الله تعالى فيهدي غيره بعد ~~اهتدائه بهدايته تعالى، وقد اختل عليه معنى الآية من أصله فإن من لا يهتدي ~~إلى الحق بنفسه لا يتأتى له أن يهدي إلى الحق فإنه إنما يماس الحق من وراء ~~حجاب فكيف يوصل إليه؟. # على أن ما ذكره لا ينطبق على الأصنام التي هي مورد الاحتجاج في الآية ~~فإنها لا تقبل الهداية من أصلها، وقد ذكر المسيح وعزيرا وهما ممن قدسته ~~النصارى واليهود وليس وجه الكلام في الآية إليهم وإن شملتهما وغيرهما الآية ~~بحسب عموم الملاك. # ومنها: أن الاستثناء منقطع والمراد بمن لا يهدي الأصنام التي لا تقبل ~~الهداية أصلا فحسب، والمعنى: أم من لا يهتدي أصلا كالأصنام إلا أن يهديه ~~الله فيهتدي حينئذ. # وفيه: أنه لا يفي بتوجيه المقابلة التي بين قوله: "من يهدي إلى الحق" ~~وقوله: "من لا يهدي" فإن الهداية إلى الحق والاهتداء إليه لا يتقابلان إلا ~~أن يئول المعنى إلى مثل قولنا: أفمن يهدي إلى الحق ms3649 أحق أن يتبع أم من لا ~~يهتدي أصلا إلا أن يهديه الله فيهتدي فيهدي غيره، ويرد عليه أنه لا وجه ~~حينئذ لتخصيصه بمثل الأصنام ممن لا يهتدي أصلا حتى يصير الاستثناء منقطعا ~~بل يعم ما لا يهتدي أصلا لا بنفسه ولا بغيره، ومن لا يهتدي بنفسه ويهتدي ~~بغيره كالملائكة مثلا، ويرد عليه ما ورد على الوجه السابق. # ومنها: أن المراد بمن لا يهدي الأصنام التي لا تقبل الهداية و"إلا" بمعنى ~~حتى والمعنى لا يهتدي ولا يقبل الهداية حتى يهدى. # وفيه: أن الترديد يرجع حينئذ إلى مثل قولنا: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن ~~يتبع أم من لا يهتدي أصلا حتى يهدى إلى الحق، ويعود الاستثناء مستدركا لا ~~يتعلق به غرض في الكلام. # مضافا إلى أن مجيء إلا بمعنى حتى غير ثابت وعلى تقدير ثبوته قليل في ~~الكلام لا يحمل على مثله أفصح الكلام. # ومنها: أن المراد بمن لا يهدي إلا أن يهدى الملائكة والجن ممن يعبدون من ~~دون الله وهم يقبلون الهداية من الله وإن لم يهتدوا من عند أنفسهم أو ~~المراد الرؤساء المضلون الذين يدعون إلى الكفر فإنهم وإن لم يهتدوا لكنهم ~~يقبلون الهداية ولو هدوا إلى الحق لهدوا إليه. # وفيه: أن الآيات واقعة في سياق الاحتجاج على عبدة الأصنام، والقول بأن ~~المراد بمن لا يهدي إلا أن يهدى الملائكة والجن أو الرؤساء المضلون يخرجها ~~عن صلاحية الانطباق على المورد. # وثالثها: أن الهداية إلى الحق بمعنى الإيصال إليه إنما هي شأن من يهتدي ~~بنفسه أي لا واسطة بينه وبين الله سبحانه في أمر الهداية إما من بادىء أمره ~~أو بعناية خاصة من الله سبحانه كالأنبياء والأوصياء من الأئمة، وأما ~~الهداية بمعنى إراءة الطريق ووصف السبيل فلا يختص به تعالى ولا بالأئمة من ~~الأنبياء والأوصياء كما يحكيه الله تعالى عن مؤمن آل فرعون إذ يقول: "وقال ~~الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد:" المؤمن: - 38 وقال: "إنا ~~هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا:" الإنسان: - 3. # وأما قوله تعالى خطابا للنبي ms3650 (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو إمام: "إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء:" القصص: - 56 وغيره من الآيات ~~فهي مسوقة لبيان الإصالة والتبع كما في آيات التوفي وعلم الغيب ونحو ذلك ~~مما سيقت لبيان أن الله سبحانه هو المالك لها بالذات والحقيقة، وغيره ~~يملكها بتمليك الله ملكا تبعيا أو عرضيا، ويكون سببا لها بإذن الله، قال ~~تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:" الأنبياء: - 73 وفي الأحاديث إشارة ~~إلى ذلك وأن الهداية إلى الحق شأن النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وقد مر بعض الكلام في الهداية فيما تقدم. # وقوله في ذيل الآية: "فما لكم كيف تحكمون" استفهام للتعجيب استغرابا ~~لحكمهم باتباع شركائهم مع حكم العقل الصريح بعدم جواز اتباع من لا يهتدي ~~ولا يهدي إلى الحق. # قوله تعالى: "وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا" ~~أغنى يغني يتعدى بمن وعن كلتيهما وقد جاء في الكلام الإلهي بكل من الوجهين ~~فعدي بمن كما في الآية، وبعن كما في قوله: "ما أغنى عني ماليه:" الحاقة: - 29. PageV10P030 # وإنما نسب اتباع الظن إلى أكثرهم لأن الأقل منهم وهم أئمة الضلالة على يقين ~~من الحق، ولم يؤثروا عليه الباطل ويدعوا إليه إلا بغيا كما قال تعالى: "وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم:" البقرة: - 213. # وأما الأكثرون فإنما اتبعوا آباءهم تقليدا لهم لحسن ظنهم بهم. # وقوله: "إن الله عليم بما يفعلون" تعليل لقوله: "وما يتبع أكثرهم إلا ~~ظنا" والمعنى أن الله عليم بما يأتونه من الأعمال يعلم أنها اتباع للظن. PageV10P031 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 37 - 45 # وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذى بين يديه ~~وتفصيل الكتب لا ريب فيه من رب العلمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صدقين (38) بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان ms3651 ~~عقبة الظلمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم ~~بالمفسدين (40) وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا برىء مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو ~~كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا ~~يبصرون (43) إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ~~ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى أمر القرآن وأنه كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه وتلقين الحجة ~~في ذلك، وللآيات اتصال بما تقدمها من قوله: "قل هل من شركائكم من يهدي إلى ~~الحق قل الله يهدي للحق" الآية، فقد تقدم أن من هدايته تعالى إلى الحق ~~هدايته الناس إلى دينه الذي يرتضيه من طريق الوحي إلى أنبيائه والكتب التي ~~أنزلها إليهم ككتب نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وهذه الآيات تذكرها وتقيم الحجة على أن القرآن منها هاد إلى الحق، ~~ولذلك أشير إليها معه حيث قيل: "ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ~~ريب فيه من رب العالمين". # وفي آخر الآيات الرجوع إلى ذكر الحشر وهو من مقاصد السورة كما تقدم. # قوله تعالى: "وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله" إلى آخر الآية، ~~قد تقدمت الإشارة إلى أن نفي صفة أو معنى بنفي الكون يفيد نفي الشأن ~~والاستعداد، وهو أبلغ من نفيه نفسه ففرق بين قولنا ما كان زيد ليقوم، ~~وقولنا: لم يقم أو ما قام زيد إذ الأول يدل على أن القيام لم يكن من شأن ~~زيد ولا استعد له استعدادا، والثاني ينفي القيام عنه فحسب، وفي القرآن منه ~~شيء كثير كقوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل:" يونس: - 74 ~~وقوله: "ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان:" الشورى: - 53: "وقوله وما كان ~~الله ليظلمهم:" العنكبوت: - 40. # فقوله: "وما كان هذا ms3652 القرآن أن يفترى من دون الله" نفي لشأنية الافتراء ~~عن القرآن كما قيل وهو أبلغ من نفي فعليته، والمعنى ليس من شأن هذا القرآن ~~ولا في صلاحيته أن يكون افتراء من دون الله يفتريه على الله سبحانه. # وقوله: "ولكن تصديق الذي بين يديه" أي تصديقا لما هو حاضر منزل من الكتاب ~~وهو التوراة والإنجيل كما حكى عن المسيح قوله: "يا بني إسرائيل إني رسول ~~الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة:" الصف: - 6، وإنما وصفهما بما ~~بين يديه مع تقدمهما لأن هناك كتابا غير الكتابين ككتاب نوح وكتاب إبراهيم ~~(عليه السلام) فإذا لوحظ تقدم جميعها عليه كان الأقرب منها زمانا إليه وهو ~~التوراة والإنجيل موصوفا بأنه بين يديه. # وربما قيل: إن المراد بما بين يديه هو ما يستقبل نزوله من الأمور كالبعث ~~والنشور والحساب والجزاء، وليس بشيء. # وقوله: "وتفصيل الكتاب" عطف على "تصديق" والمراد بالكتاب بدلالة من ~~السياق جنس الكتاب السماوي النازل من عند الله سبحانه على أنبيائه والتفصيل ~~إيجاد الفصل بين أجزائها المندمجة بعضها في بعض المنطوية جانب منها في آخر ~~بالإيضاح والشرح. # وفيه دلالة على أن الدين الإلهي المنزل على أنبيائه (عليهم السلام) واحد ~~لا اختلاف فيه إلا بالإجمال والتفصيل، والقرآن يفصل ما أجمله غيره كما قال ~~تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام:" آل عمران: - 19. PageV10P032 # وإن القرآن الكريم مفصل لما أجمله الكتب السماوية السابقة مهيمن عليها ~~جميعا كما قال تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمنا عليه:" المائدة: - 48 وقوله: "لا ريب فيه من رب العالمين" ~~أي لا ريب فيه هو من رب العالمين، والجملة الثانية كالتعليل للأولى. # قوله تعالى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله" إلى آخر الآية، أم ~~منقطعة والمعنى بل يقولون افتراه، والضمير للقرآن، واتصاف السورة بكونها ~~مثل القرآن شاهد على أن القرآن يصدق على الكثير منه والقليل. # والمعنى قل للذين يقولون افتراه: إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا بسورة ~~مثل هذا القرآن المفترى وادعوا كل من استطعتم من ms3653 دون الله مستمدين مستظهرين ~~فإنه لو كان كلاما مفترى كان كلاما بشريا وجاز أن يؤتى بمثله وفي ذلك تحد ~~ظاهر بسورة واحدة من سور القرآن طويلة كانت أو قصيرة. # ومن هنا يظهر أولا: أن التحدي ليس بسورة معينة فإنهم لم يرموا بالافتراء ~~بعض القرآن دون بعض بل جميعه، وهو يكلفهم أن يأتوا بسورة مثل ما يدعون أنه ~~افتراه، وإنما ادعوه لجميع القرآن دون بعضه. # ولا يصغي إلى قول من يقول: إن التنكير في "سورة" للتعظيم أو للتنويع ~~والمراد سورة من السور يذكر فيها قصص الأنبياء وأخبار وعيد الدنيا والآخرة ~~لأن الافتراء إنما يتهم به الإخبار دون الإنشاء. # أو يقول: المراد سورة طويلة مثل هذه السورة سورة يونس - في اشتمالها على ~~أصول الدين والوعد والوعيد. # وذلك أن القرآن بجميع آياته منسوب إلى الله سبحانه، ولا يختلف في ذلك ما ~~يتضمن الإخبار وما يتضمن الإنشاء، وما كانت سورة طويلة أو قصيرة حتى الآية ~~الواحدة، والرمي بالافتراء يصح أن يتعلق بالجميع لأنه تكذيب للنسبة ~~المتعلقة بالجميع. # وثانيا: أن الآية لا تتحدى ببلاغة القرآن وفصاحته فحسب بل السياق في هذه ~~الآية وفي سائر الآيات التي وردت مورد التحدي يشهد على أن التحدي إنما هو ~~بما عليه القرآن من صفة الكمال ونعت الفضيلة من اشتماله على مخ المعارف ~~الإلهية، وجوامع الشرائع من الأحكام العبادية والقوانين المدنية السياسية ~~والاقتصادية والقضائية، والأخلاق الكريمة والآداب الحسنة، وقصص الأنبياء ~~والأمم الماضية، والملاحم والأخبار الغيبية، ووصف الملائكة والجن والسماء ~~والأرض والحكمة والموعظة والوعد والوعيد، وأخبار البدء والعود، وقوة الحجة ~~وجذالة البيان والنور والهداية من غير أن يختلف جزء منه عن جزء، أضف إلى ~~ذلك وقوعه في بلاغته وفصاحته موقعا يقصر عن البلوغ إليه أيدي البشر. # ولقد قصر الباحثون من علماء الصدر الأول ومن يتلونهم إذ قصروا إعجازه على ~~بلاغته وفصاحته وكتبوا في ذلك كتبا وألفوا رسائل فصرفهم ذلك عن التدبر في ~~حقائقه والتعمق في معارفه وأنهاهم إلى أن عدوا المعاني أمورا مطروحة في ~~الطريق يستوي فيه البدوي والحضري والعامي والخاصي ms3654 والجاهل والعالم، وأن ~~الفضل لنظم اللفظ على نظم المعنى ولا قيمة لما وراء ذلك. # وقد وصفه الله تعالى بكل وصف جميل دخيل في التحدي كوصفه بأنه نور ورحمة ~~وهدى وحكمة وموعظة وبرهان وتبيان لكل شيء وتفصيل الكتاب وشفاء للمؤمنين ~~وقول فصل وما هو بالهزل، وأنه مواقع للنجوم، وأنه لا اختلاف فيه ولم يصرح ~~ببلاغته بعينها. # وأطلق القول بأنهم لا يأتون بمثله ولو دعوا من استطاعوا من دون الله، ولو ~~اجتمع على ذلك الجن والإنس وكان بعضهم لبعض ظهيرا ولم يقيد الكلام بالبلاغة ~~والفصاحة. # وقد فصلنا القول في إعجاز القرآن في تفسير قوله: "وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله:" البقرة: - 23 في الجزء الأول من ~~الكتاب. # قوله تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله" إلى آخر الآية. # الآية تبين وجه الحقيقة في عدم إيمانهم به وقولهم إنه افتراء وهو أنهم ~~كذبوا من القرآن بما لم يحيطوا بعلمه أو كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا ~~بعلمه ففيه معارف حقيقية من قبيل العلوم الواقعية لا يسعها علمهم، ولم ~~يأتهم تأويله بعد أي تأويل ذاك الذي كذبوا به حتى يضطرهم إلى تصديقه. PageV10P033 # هذا ما يقتضيه السياق من المعنى فقوله: "ولما يأتهم تأويله" يشير إلى يوم ~~القيامة كما يؤيده قوله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو ~~نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل:" الأعراف - 53. # وهذا يؤيد ما قدمناه في تفسير قوله: "ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما ~~يعلم تأويله إلا الله:" آل عمران - 7 في الجزء الثالث من الكتاب أن المراد ~~بالتأويل في عرف القرآن هو الحقيقة التي يعتمد عليها معنى من المعاني من ~~حكم أو معرفة أو قصة أو غير ذلك من الحقائق الواقعية من غير أن يكون من ~~قبيل المعنى، وأن لجميع القرآن وما يتضمنه من معرفة أو حكم أو خبر أو غير ~~ذلك تأويلا. # ويؤيد ذلك أيضا ms3655 قوله بعد: "كذلك كذب الذين من قبلهم" فإن التشبيه يعطي أن ~~المراد أن الذين من قبلهم من المشركين أيضا كذبوا بما دعاهم إليه أنبياؤهم ~~لكونهم لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، فلما جاء به سائر الأنبياء من ~~أجزاء الدعوة الدينية من معارف وأحكام تأويل كما أن لمعارف القرآن وأحكامه ~~تأويلا من غير أن يكون من قبيل المفاهيم ومعاني الألفاظ كما توهموه. # فمحصل المعنى أن هؤلاء المشركين الرامين للقرآن بأنه افتراء مثل المشركين ~~والكفار من الأمم السابقة استقبلتهم من الدعوة الدينية بمعارفها وأحكامها ~~أمور لم يحيطوا بها علما حتى يوقنوا بها ويصدقوا، فحملهم الجهل على التكذيب ~~بها ولما يأتهم اليوم الذي يظهر لهم فيه تأويلها وحقيقة أمرها ظهورا يضطرهم ~~على الإيقان والتصديق بها وهو يوم القيامة الذي يكشف لهم فيه الغطاء عن وجه ~~الحقائق بواقعيتها فهؤلاء كذبوا وظلموا كما كذب الذين من قبلهم وظلموا ~~فانظر كيف كان عاقبة أولئك الظالمين حتى تحدس بما سيصيب هؤلاء. # هذا ما يعطيه دقيق البحث في معنى الآية، وللمفسرين فيها أقوال شتى مختلفة ~~مبنية على ما ذهبوا إليه من معنى التأويل لا جدوى في التعرض لها وقد ~~استقصينا أقوالهم سابقا. # قوله تعالى: "ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين" ~~قسمهم قسمين من يؤمن بالقرآن ومن لا يؤمن به ثم كنى عمن لا يؤمن به أنهم ~~مفسدون فتحصل من ذلك أن الذين يكذبون بما في القرآن إنما كذبوا به لأنهم ~~مفسدون. # فالآية لبيان حالهم الذي هم عليه من إيمان البعض وكفر البعض وأن الكفر ~~ناش من رذيلة الإفساد. # وأما ما ذكره بعضهم في تفسير الآية: أن المراد أن قومك لن يكونوا كأولئك ~~الظالمين من قبلهم الذين كذبوا رسلهم إلا قليلا منهم فكان عاقبتهم عذاب ~~الاستئصال بل سيكون قومك قسمين قسم سيؤمن بهذا القرآن وقسم لا يؤمن به أبدا ~~فهو معنى خارج عن مدلول الآية البتة. # قوله تعالى: "وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم" إلى آخر الآية، تلقين ~~للتبري على تقدير تكذيبهم ms3656 له، وهو من مراتب الانتصار للحق ممن انتهض ~~لإحيائه فالطريق هو حمل الناس عليه إن حملوا وإلا فالتبري منهم لئلا يحملوه ~~على باطلهم. # وقوله: "أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون" تفسير لقوله: "لي ~~عملي ولكم عملكم". # قوله تعالى: "ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون" الاستفهام للإنكار، وقوله: "ولو كانوا لا يعقلون" قرينة على أن ~~المراد بنفي السمع نفي ما يقارنه من تعقل ما يدل عليه الكلام المسموع وهو ~~المسمى بسمع القلب. # والمعنى: ومنهم الذين يستمعون إليك وهم صم لا سمع لقلوبهم، ولست أنت ~~قادرا على إسماعهم ولا سمع لهم. # قوله تعالى: "ومنهم من ينظر إليك" إلى آخر الآية. # الكلام فيها نظير الكلام في سابقتها. # قوله تعالى: "إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون" مسوق ~~للإشارة إلى أن ما ابتلي به هؤلاء المحرومون من السمع والبصر من جهة الصمم ~~والعمى من آثار ظلمهم أنفسهم من غير أن يكون الله تعالى ظلمهم بسلب السمع ~~والبصر عنهم فإنهم إنما أوتوا ما أوتوا من قبل أنفسهم. # قوله تعالى: "ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون ~~بينهم" "إلخ" ظاهر الآية أن يكون "يوم" ظرفا متعلقا بقوله: "قد خسر" إلخ، ~~وقوله: "كأن لم يلبثوا إلا ساعة" إلخ، حالا من ضمير الجمع في "يحشرهم" ~~وقوله: "يتعارفون بينهم" حالا ثانيا مبينا للحال الأول. PageV10P034 # والمعنى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله في يوم يحشرهم إليه حال كونهم ~~يستقلون هذه الحياة الدنيا فيعدونها كمكث ساعة من النهار وهم يتعارفون ~~بينهم من غير أن ينكر بعضهم بعضا أو ينساه. # وقد ذكر بعضهم أن قوله: "كأن لم يلبثوا" صفة ليوم أو صفة للمصدر المحذوف ~~المدلول عليه بقوله: "يحشرهم"، وذكر بعض آخر أن قوله: "يتعارفون بينهم" صفة ~~لساعة، وهما من الاحتمالات البعيدة التي لا يساعد عليها اللفظ. # وكيف كان ففي الآية رجوع إلى حديث اللقاء المذكور في أول السورة وانعطاف ~~على ما ذكره آنفا أن من المتوقع أن يأتيهم تأويل ms3657 الدين. # فكأنها تقول: إنهم وإن لم يأتهم تأويل القرآن بعد لا ينبغي لهم أن يغتروا ~~بالجمود على مظاهر هذه الحياة الدنيا ويستكثروا الأمد ويستبطئوا الأجل ~~فإنهم سوف يحشرون إلى الله فيشاهدون أن ليست الحياة الدنيا إلا متاعا ~~قليلا، ولا اللبث فيها إلا لبثا يسيرا كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ~~يتعارفون بينهم. # فيومئذ يظهر لهم خسرانهم في تكذيبهم بلقاء الله ظهور عيان وذلك بإتيان ~~تأويل الدين وانكشاف حقيقة الأمر وظهور نور التوحيد على ما كان، ووضوح أن ~~الملك يومئذ لله الواحد القهار جل شأنه. PageV10P035 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 46 - 56 # وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ~~(47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (48) قل لا أملك لنفسى ضرا ولا ~~نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستئخرون ساعة ولا ~~يستقدمون (49) قل أرءيتم إن أتاكم عذابه بيتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه ~~المجرمون (50) أثم إذا ما وقع ءامنتم به ءالئن وقد كنتم به تستعجلون (51) ~~ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ~~ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ولو أن لكل ~~نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما فى السموت والأرض ألا إن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحى ويميت وإليه ترجعون (56) ### |||| AUTO بيان # الآيات تنبىء عن سنة إلهية جارية، وهي أن الله سبحانه قضى قضاء حق لا يرد ~~ولا يبدل أن يرسل إلى كل أمة رسولا يبلغهم رسالته ثم يحكم بينه وبينهم حكما ~~فصلا بإنزال العذاب عليهم وإنجاء المؤمنين وإهلاك المكذبين. # ثم تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخبرهم أن هذه الأمة يجري ~~فيهم ما جرى في الأمم الماضية من السنة الإلهية ms3658 من غير أن يستثنوا من ~~كليتها غير أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يذكر لهم فيما لقنه الله من ~~جواب سؤالهم عن وقت العذاب إلا أن القضاء حتم وللأمة عمرا وأجلا كالفرد ~~ينتهي إليه أمد حياتها، وأما وقت النزول فقد أبهم إبهاما. # وقد قدمنا في قوله تعالى: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون:" الأنفال: - 33 أن الآية لا تخلو عن إشعار بأن الأمة ~~ستنتزع منهم نعمة الاستغفار بعد زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فينزل ~~عليهم العذاب، وقد تقدم أن الشواهد قائمة على كون الآية مدنية فهي بعد هذه ~~الآيات المكية من قبيل الإيضاح في الجملة بعد الإبهام ومن ملاحم القرآن. # وقد حمل بعض المفسرين ما وقع من حديث العذاب في هذه الآيات على عذاب ~~الآخرة، وسياق الآيات يأبى ذلك. # قوله تعالى: "وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون" إما نرينك أصله: إن نرك، زيد عليه ما والنون ~~الثقيلة للتأكيد، والترديد بين الإرادة والتوفي للتسوية واستيعاب التقادير، ~~والمعنى إلينا مرجعهم على أي تقدير، ولفظة ثم للتراخي بحسب ترتيب الكلام ~~دون الزمان والآية مسوقة لتطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ولتكون كالتوطئة لحديث قضاء العذاب الذي ستفصله الآيات التالية لهذه الآية. # والمعنى طب نفسا فإنا موقعون بهم ما نعدهم سواء أريناك بعض ذاك أو ~~توفيناك قبل أن نريك ذاك فإن أمرهم إلينا ونحن شاهدون لأفعالهم المستوجبة ~~للعذاب لا تغيب عنا ولا ننساها. # والالتفات من قوله: "نرينك إلى قوله: "ثم الله شهيد" للدلالة على علة ~~الحكم فإن الله سبحانه شهيد على كل فعل بمقتضى ألوهيته. # قوله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون" قضاء إلهي منحل إلى قضاءين أحدهما: أن لكل أمة من الأمم رسولا يحمل ~~رسالة الله إليهم ويبلغها إياهم، وثانيهما: أنه إذا جاءهم وبلغهم رسالته ~~فاختلفوا من مصدق له ومكذب فإن الله يقضي ويحكم بينهم بالقسط ms3659 والعدل من غير ~~أن يظلمهم. # هذا ما يعطيه سياق الكلام من المعنى. PageV10P036 # ومنه يظهر أن قوله: "فإذا جاء رسولهم" فيه إيجاز بالحذف والإضمار والتقدير: ~~فإذا جاء رسولهم إليهم وبلغ الرسالة فاختلف قومه بالتكذيب والتصديق، ويدل ~~على ذلك قوله: "قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون" فإن القضاء إنما يكون فيما ~~اختلف فيه، ولذا كان السؤال عن القسط وعدم الظلم في القضاء في مورد العذاب ~~والضرار أسبق إلى الذهن. # وقد تقدم الفرق بين الرسول والنبي في مباحث النبوة في الجزء الثاني من ~~الكتاب، وهذا القضاء المذكور في الآية من خواص الرسالة دون النبوة. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" سؤال منهم عن وقت ~~هذا القضاء الموعود، وهو القضاء بينهم في الدنيا، والسائلون هم بعض ~~المشركين من معاصري النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والدليل عليه أمره أن ~~يجيبهم بقوله: "قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة ~~أجل" إلخ، فقول بعضهم: إن السؤال عن عذاب يوم القيامة أو إن السائلين بعض ~~المشركين من الأمم السابقة لا يلتفت إليه. # قوله تعالى: "قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة ~~أجل" إلى آخر الآية، لما كان قولهم: "متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" في ~~معنى قولنا: أي وقت يفي ربك بما وعدك أو يأتي بما أوعدنا به أنه يقضي بيننا ~~وبينك فيهلكنا وينجيك والمؤمنين بك فيصفو لكم الجو ويكون لكم الأرض وتخلصون ~~من شرنا؟ فهلا عجل لكم ذلك وذلك - أن كلامهم مسوق سوق الاستعجال تعجيزا ~~واستهزاء كما تدل على استعجالهم الآيات التالية وهذا نظير قولهم: "لو ما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين:" الحجر: - 7. # لقن سبحانه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبدأهم في الجواب ببيان ~~أنه لا يملك لنفسه ضرا حتى يدفعه عنها ولا نفعا حتى يجلبه إليها ويستعجل ~~ذلك إلا ما شاء الله أن يملكه من ضر ونفع فالأمر إلى الله سبحانه جميعا، ~~واقتراحهم عليه بأن يعجل لهم ms3660 القضاء والعذاب من الجهل. # ثم يجيب عن سؤالهم عن أصل تعيين الوقت جوابا إجماليا بالإعراض عن تعيين ~~الوقت والإقبال على ذكر ضرورة الوقوع، أما الأول فإنه من الغيب الذي لا ~~يعلمه إلا الله، وأمره الذي لا يتسلط عليه إلا هو، وقد تقدم قوله في آيات ~~السورة: "ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين:" الآية - 20 من السورة. # وأما الثاني أعني ذكر ضرورة الوقوع فقد بين ذلك بالإشارة إلى حقيقة هي من ~~النواميس العامة الجارية في الكون تنحل بها العقدة وتندفع بها الشبهة، وهي ~~أن لكل أمة أجلا لا يتخطاهم ولا يتخطونه فهو آتيهم لا محالة، وإذا أتاهم لم ~~يخبط في وقوعه موقعه ولا ساعة، وهو قوله تعالى: "لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم ~~فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" أي وأنتم أمة من الأمم فلا محالة لكم أيضا ~~أجل كمثلهم إذا جاءكم لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون. # فإذا فقهوا هذا الكلام وتدبروه بأن لهم أن لكل أمة حياة اجتماعية وراء ~~الحياة الفردية التي لكل واحد من أفرادها ولحياتها من البقاء والعمر ما قضى ~~به الله سبحانه لها ولها، من السعادة والشقاوة والتكليف والرشد والغي ~~والثواب والعقاب نصيبها، وهي مما اعتنى بها التدبير الإلهي نظير الفرد من ~~الإنسان حذو النعل بالنعل. # ويدلهم على ذلك ما يحدثهم به التاريخ ويفصح عنه الآثار من ديارهم الخربة ~~ومساكنهم الخالية، وقد قص عليهم القرآن أخبار بعضهم كقوم نوح، وعاد قوم ~~هود، وثمود قوم صالح، وكلدة قوم إبراهيم وأهل سدوم وسائر المؤتفكات قوم لوط ~~والقبط قوم فرعون وغيرهم. # فهؤلاء أمم منقرضة سكنت أجراسهم وخمدت أنفاسهم ولم ينقرضوا إلا بعذاب ~~وهلاك، ولم يعذبوا إلا بعد ما جاءتهم رسلهم بالبينات ولم يأت قوما منهم ~~رسوله إلا واختلفوا في الحق الذي جاءهم فمنهم من آمن به ومنهم من كذب به ~~وهم الأكثرون. # فهذا يدلهم على أن هذه الأمة - وقد اختلفوا في الحق لما جاءهم - سيقضي ~~الله بين رسوله وبينهم فيأخذهم ms3661 بما أخذ به من خلت من قبلهم من الأمم وإن ~~الله لبالمرصاد. PageV10P037 # وعلى الباحث المتدبر أن يتنبه لأن الله سبحانه وإن بدأ في وعيده بالمشركين ~~غير أنه هدد في أثناء كلامه المجرمين فتعلق الوعيد بهم، ومن أهل القبلة ~~مجرمون كغيرهم فلينتظروا عذابا واصبا يفصل به الله بينهم وبين نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ولينسوا ما يلقيه الشيطان في روعهم أن أمتهم هذه أمة ~~مرحومة رفع الله عنهم عذاب الدنيا إكراما منه لنبيهم نبي الرحمة فهم في أمن ~~من عذاب الله وإن انهمكوا في كل إثم وخطيئة وهتكوا كل حجاب مع أنه لا كرامة ~~عند الله إلا بالتقوى وقد خاطب المؤمنين من هذه الأمة بمثل قوله: "ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به:" النساء: - 123. # وربما تعدى المتعدي فعطف عذاب الآخرة على عذاب الدنيا فذكر أن الأمة ~~مغفور لهم محسنهم ومسيئهم فلا يبقى لهم في الدنيا إلا كرامة أن لهم أن ~~يفعلوا ما شاءوا فقد أسدل الله عليهم حجاب الأمن ولا في الآخرة إلا المغفرة ~~والجنة. # ولا يبقى على هذا للملة والشريعة إلا أنها تكاليف وأحكام جزافية لعب بها ~~رب العالمين ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # فهذا كله من الإعراض عن ذكر الله وهجر كتابه، وقال الرسول يا رب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه ~~المجرمون" إلى آخر الآيتين، البيات والتبييت الإتيان ليلا ويغلب في الشر ~~كقصد العدو عدوه ليلا. # ولما كان قولهم: "متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" في معنى استعجال آية ~~العذاب التي يلجئهم إلى الإيمان رجع بعد بيان تحقق الوقوع إلى توبيخهم ~~وذمهم من الجهتين فوبخهم أولا على استعجالهم بالعذاب، وهو عذاب فجائي من ~~الحزم أن يكون الإنسان منه على حذر لا أن يستعجل فيه فقال تعالى ملقنا ~~لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "قل أرأيتم" وأخبروني "إن أتاكم عذابه ~~بياتا" ليلا "أو نهارا" ms3662 فإنه عذاب لا يأتيكم إلا بغتة إذ لستم تعلمون وقت ~~نزوله "ما ذا يستعجل منه" من العذاب "المجرمون" أي ما ذا تستعجلون منه ~~وأنتم مجرمون لا يتخطاكم إذا أتاكم. # ففي قوله: "ما ذا يستعجل منه المجرمون" التفات من الخطاب إلى الغيبة وكان ~~النكتة فيه رعاية حالهم أن لا يشافهوا بصريح الشر وليكون تعرضا لملاك نزول ~~العذاب عليهم وهو إجرامهم. # ووبخهم ثانيا على تأخير إيمانهم إلى حين لا ينفعهم الإيمان فيه وهو حين ~~نزول العذاب فإن آية العذاب يلجئهم إلى الإيمان قطعا على ما هو المجرب من ~~إيمان الإنسان عند إشراف الهلكة، ومن جهة أخرى الإيمان توبة والتوبة غير ~~مقبولة عند ظهور آية العذاب والإشراف على الموت. # فقال تعالى: "أثم إذا ما وقع" العذاب "آمنتم به" أي بالقرآن أو بالدين أو ~~بالله "الآن" أي أتؤمنون به في هذا الآن والوقت "وقد كنتم به تستعجلون" ~~وكان معنى استعجالهم عدم الاعتناء بشأن هذا العذاب وتحقيره بالاستهزاء به. # قوله تعالى: "ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم ~~تكسبون" الأشبه أن تكون الآية متصلة بقوله تعالى: "لكل أمة أجل" إلخ، فتكون ~~الآية الأولى تبين تحقق وقوع العذاب عليهم وإهلاكه إياهم، والآية الثانية ~~تبين أنه يقال لهم بعد الوقوع والهلاك: ذوقوا عذاب الخلد وهو عذاب الآخرة ~~ولا تجزون إلا أعمالكم التي كنتم تكسبونها وذنوبكم التي تحملونها والخطاب ~~تكويني كني به عن شمول العذاب لهم ونيله إياهم، وعلى هذا المعنى فالآيتان: ~~"قل أرأيتم - إلى قوله - تستعجلون" واردتان مورد الاعتراض. # قوله تعالى: "ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين" إلى ~~آخر الآية - يستنبؤنك - أي يستخبرونك وقوله: "أحق هو" بيان له، والضمير على ~~ما يفيده السياق راجع إلى القضاء أو العذاب، والمآل واحد، وقد أمر سبحانه ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤكد القول في إثباته من جميع جهاته، ~~وبعبارة أخرى أن يجيبهم بوجود المقتضي وعدم المانع. # فقوله: "قل إي وربي إنه لحق" إثبات لتحققه وقد أكد الكلام بالقسم ms3663 والجملة ~~الاسمية وإن واللام، وقوله: "وما أنتم بمعجزين" بيان أنه لا مانع هناك يمنع ~~من حلول العذاب بكم. PageV10P038 # قوله تعالى: "ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به" إلى آخر الآية، ~~إشارة إلى شدة العذاب وأهمية التخلص منه عندهم، وإسرار الندامة إخفاؤها ~~وكتمانها خشية الشماتة ونحوها، والظاهر أن المراد بالقضاء والعذاب في الآية ~~هو القضاء والعذاب الدنيويان لا غير. # قوله تعالى: "ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون" الآية وما بعدها بيان برهاني على حقية ما ذكره من كونه ~~حقا واقعا لا يمنع عنه مانع فإن كل شيء مما في السماوات والأرض إذا كان ~~مملوكا لله وحده لا شريك له كان كل تصرف مفروض فيها إليه تعالى، ولم يكن ~~لغيره شيء من التصرف إلا بإذنه فإذا تصرف في شيء كان مستندا إلى إرادته فقط ~~من غير أن يستند إلى مقتض آخر خارج يتصرف في ذاته المقدسة فيحمله على ~~الفعل، أو يتقيد بعدم مانع خارجي إذا وجد تصرف فيه سبحانه بمنعه عن الفعل، ~~فهو تعالى يفعل ما يفعل عن نفسه من غير أن يرتبط إلى مقتض من خارج أو مانع ~~من خارج فإذا أراد سبحانه شيئا فعله من غير ممد أو عائق، وإذا وعد وعدا كان ~~حقا لا مرد له من غير أن يتغير عن وعده بصارف. # فإمعان النظر في ملكه تعالى المطلق الحقيقي يهدي إلى العلم بأن وعده حق ~~لا يمازجه باطل ولكن أكثرهم وهم العامة من الناس لا يعلمون لعجزهم عن ~~الإمعان في هذه الأبحاث الحقيقية أو إعجابهم بسذاجة الفهم وانسلاكهم في سلك ~~العامة. # فهم على ذلك يقيسون ملكه تعالى إلى ملك العظماء المستعلين من الإنسان ~~فإنهم يجدون الواحد من عظمائهم وقد أوتي ملكا وسلطانا ومن كل ما يتنافس فيه ~~فيرون له القدرة المطلقة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ثم يجدونه ربما يهم ~~ويسعى ولا يقع ما اهتم به أو وعد وعدا ثم لم يف به رعاية ms3664 لمصلحة شخصه أو ~~غيره أو لمانع عائق فيقيسون أمره تعالى إلى أمره، ووعده إلى وعده. # على أن الوعد عندهم قول من شأنه جواز أن ينطبق على الخارج وأن لا ينطبق. # مع أن حقيقة معنى ملكه وسلطانه وسعة قدرته ونفوذ إرادته أن الناس يعتقدون ~~له ذلك ويتصورونه عظيما فيهم ولو طحنته نازلات الدهر يوما فأهلكته أو تغيرت ~~عليه عقائد الناس بسبب من الأسباب سلبته ما عنده من ملك وقدرة، ومعنى وقوع ~~ما أراده أو أحبه أن الأسباب الكونية ساعدته على ذلك ووافقته على ما أحبه، ~~ولو لم تساعده ولم توافقه كلية الأسباب لم يكن له أن يضطرها إلى الخضوع لما ~~يتوهم لنفسه من القدرة كما لا توافقه على مثل الموت والحياة والشباب والشيب ~~والصحة والمرض وأمور أخرى كثيرة فليس له من الأمر شيء. # لكنه سبحانه مالك لخلقه بمعنى أن وجود كل شيء قائم به متكون متحول بأمره ~~منوط بإذنه، وما تصرف فيه من شيء فإنما يتصرف عن نفسه لا عن اقتضاء من مقتض ~~خارج مؤثر فيه أو عدم مانع يعوقه عن فعله فلا ينتسب شيء إلا إليه تعالى ~~نفسه أو إلى غيره بإذنه بمقدار ما أذن فكيف يمكن أن يتخلف عن مشيته شيء ~~فيرجع إلى غيره ولا غير هناك يرجع نحوه وينتسب إليه؟. # وقوله تعالى فعله بما يدل بنفسه على مراده فكيف يتسرب إليه الكذب وهو متن ~~الخارج، والعين الخارجي لا كذب فيه؟ وإنما الكذب والخطأ شأن المفاهيم ~~الذهنية من حيث انطباقها على الخارج، وكيف يكون وعده باطلا ووعده لنا هو ~~فعله الغائب عن نظرنا المستقبل لنا، وقد وجه كلية الأسباب إليه ولا مرد له؟. # فإمعان النظر في هذه الحقائق ينور للباحث المتدبر معنى ملكه تعالى لما في ~~السماوات والأرض، وأن لازم ذلك أن وعد الله حق، وأن الارتياب فيه إنما هو ~~من الجهل بمقامه تعالى. # ولذلك قال تعالى أولا: "ألا إن لله ما في السماوات والأرض" ثم عقبه بقوله ~~كالاستنتاج منه: "ألا إن وعد الله حق" ثم استدرك فقال: "ولكن ms3665 أكثرهم لا ~~يعلمون" ثم بين ملكه بقوله: "هو يحيي ويميت" إلخ في الآية التالية. # قوله تعالى: "هو يحيي ويميت وإليه ترجعون" احتجاج على ما تقدم في الآية ~~السابقة من ملكه تعالى بالنسبة إلى نوع الإنسان كأنه تعالى يقول: إن أمركم ~~جميعا من حياة وموت ورجوع إليه تعالى فكيف لا تكونون ملكا له. PageV10P039 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا" يعني ليلا" أو نهارا ما ذا يستعجل ~~منه المجرمون" فهذا عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة وهم ~~يجحدون نزول العذاب عليهم. # أقول: والرواية تتأيد بالآيات وتؤيد ما أسلفناه من البيان. # وفيه، بإسناده عن الحسن بن موسى الخشاب، عن رجل، عن حماد بن عيسى عمن ~~رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن قوله تبارك وتعالى: ~~"وأسروا الندامة - لما رأوا العذاب" قال: قيل له ما ينفعهم أسرار الندامة ~~وهم في العذاب؟ قال: كرهوا شماتة الأعداء. PageV10P040 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 57 - 70 # يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) ~~قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا قل ءالله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيمة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) وما تكون فى ~~شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر إلا فى كتب مبين (61) ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (62) الذين ءامنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى فى الحيوة ~~الدنيا وفى الاخرة لا تبديل لكلمت الله ذلك هو الفوز العظيم (64) ولا يحزنك ~~قولهم إن العزة لله ms3666 جميعا هو السميع العليم (65) ألا إن لله من فى السموت ~~ومن فى الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن ~~وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن ~~فى ذلك لايت لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا سبحنه هو الغنى له ما ~~فى السموت وما فى الأرض إن عندكم من سلطن بهذا أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متع فى ~~الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) ### |||| AUTO بيان # عاد الكلام في الآيات إلى وصف القرآن الكريم بما له من كرائم الأوصاف ~~ويتلوه متفرقات ترتبط بسابق القول في غرض السورة، وفيها موعظة وحكمة وحجة ~~على مقاصد شتى، وفيها وصف أولياء الله وبشارتهم. # قوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم" إلى آخر الآية. # قال الراغب في المفردات: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو ~~التذكير بالخير فيما يرق له، القلب والعظة والموعظة الاسم، انتهى. # والصدر معروف والناس لما وجدوا القلب في الصدر وهم يرون أن الإنسان إنما ~~يدرك ما يدرك بقلبه وبه يعقل الأمور ويحب ويبغض ويريد ويكره ويشتاق ويرجو ~~ويتمنى، عدوا الصدر خزانة لما في القلب من أسراره والصفات الروحية التي في ~~باطن الإنسان من فضائل ورذائل، وفي الفضائل صحة القلب واستقامته، وفي ~~الرذائل سقمه ومرضه، والرذيلة داء يقال: شفيت صدري بكذا إذا ذهب به ما في ~~صدره من ضيق وحرج، ويقال: شفيت قلبي، فشفاء الصدور وشفاء ما في الصدور ~~كناية عن ذهاب ما فيها من الصفات الروحية الخبيثة التي تجلب إلى الإنسان ~~الشقاء وتنغص عيشته السعيدة وتحرمه خير الدنيا والآخرة. # والهدى هي الدلالة على المطلوب بلطف على ما ذكره الراغب، وقد تقدم في ذيل ~~قوله تعالى: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام:" الأنعام: - 125 في ~~الجزء السابع من الكتاب بحث فيها. # والرحمة تأثر خاص في القلب عن مشاهدة ضر أو ms3667 نقص في الغير يبعث الراحم إلى ~~جبر كسره وإتمام نقصه، وإذا نسبت إليه تعالى كان بمعنى النتيجة دون أصل ~~التأثر لتنزهه تعالى عن ذلك فينطبق على مطلق عطيته تعالى وإفاضته الوجود ~~على خلقه. PageV10P041 # وعطيته إذا نسبت إلى مطلق خلقه كانت هي ما ينسب إليه تعالى من وجودهم ~~وبقائهم ورزقهم الذي يمد به بقاؤهم وسائر ما ينعم به عليهم من نعمة التي لا ~~تحصى كثرة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وإذا نسبت إلى المؤمنين خاصة ~~كانت هي ما يختص بهم من سعادة الحياة الإنسانية بمظاهرها المختلفة التي ~~ينعم الله بها عليهم من المعارف الحقة الإلهية والأخلاق الكريمة والأعمال ~~الصالحة، والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة والجنة والرضوان. # ومن ثم إذا وصف القرآن بأنه رحمة للمؤمنين كان معناه أنه يغشى المؤمنين ~~أنواع الخيرات والبركات التي كنزها الله فيه لمن تحقق بحقائقها وتلبس ~~بمعانيها، قال تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا:" إسراء: - 82. # وإذا أخذت هذه النعوت الأربعة التي عدها الله سبحانه للقرآن في هذه الآية ~~أعني أنه موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة، وقيس بعضها إلى بعض ثم ~~اعتبرت مع القرآن كانت الآية بيانا جامعا لعامة أثره الطيب الجميل وعلمه ~~الزاكي الطاهر الذي يرسمه في نفوس المؤمنين منذ أول ما يقرع أسماعهم إلى ~~آخر ما يتمكن من نفوسهم ويستقر في قلوبهم. # فإنه يدركهم أول ما يدركهم وقد غشيهم يم الغفلة وأحاطت بهم لجة الحيرة ~~فأظلمت باطنهم بظلمات الشك والريب، وأمرضت قلوبهم بأدواء الرذائل وكل صفة ~~أو حالة ردية خبيثة فيعظهم موعظة حسنة ينبههم بها عن رقدة الغفلة، ويزجرهم ~~عما بهم من سوء السريرة والأعمال السيئة، ويبعثهم نحو الخير والسعادة. # ثم يأخذ في تطهير سرهم عن خبائث الصفات، ولا يزال يزيل آفات العقول ~~وأمراض القلوب واحدا بعد آخر حتى يأتي على آخرها. # ثم يدلهم على المعارف الحقة والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة دلالة ~~بلطف برفعهم درجة بعد درجة، وتقريبهم منزلة فمنزلة حتى يستقروا في مستقر ~~المقربين، ms3668 ويفوزوا فوز المخلصين. # ثم يلبسهم لباس الرحمة وينزلهم دار الكرامة ويقرهم على أريكة السعادة حتى ~~يلحقهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ويدخلهم ~~في زمرة عبادة المقربين في أعلى عليين. # فالقرآن واعظ شاف لما في الصدور هاد إلى مستقيم الصراط مفيض للرحمة بإذن ~~الله سبحانه، وإنما يعظ بما فيه ويشفي الصدور ويهدي ويبسط الرحمة بنفسه لا ~~بأمر آخر فإنه السبب الموصول بين الله وبين خلقه فهو موعظة وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. # فافهم ذلك. # وقد افتتح سبحانه الآية بقوله: "يا أيها الناس" وهو خطاب لعامة الناس دون ~~المشركين أو مشركي مكة خاصة وإن كانت الآية واقعة في سياق الكلام معهم وذلك ~~لأن النعوت المذكورة فيها بقوله: "قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" تتعلق بعامتهم دون قبيل خاص منهم. # ومن غريب التفسير قول بعضهم: إن المراد بالرحمة ما يتصف به المؤمنون من ~~الرحمة والرأفة فيما بينهم وهو خطأ يدفعه السياق البتة. # قوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" ~~الفضل هو الزيادة، وتسمى العطية فضلا لأن المعطي إنما يعطي غالبا ما لا ~~يحتاج إليه من المال ففي تسمية ما يفيضه الله على عباده فضلا إشارة إلى ~~غناه تعالى وعدم حاجته في إفاضته إلى ما يفيضه ولا إلى من يفيض عليه. # وليس من البعيد أن يكون المراد بالفضل ما يبسطه الله من عطائه على عامة ~~خلقه، وبالرحمة خصوص ما يفيضه على المؤمنين فإن رحمة السعادة الدينية إذا ~~انضمت إلى النعمة العامة من حياة ورزق وسائر البركات العامة كان المجموع ~~منهما أحق بالفرح والسرور وأحرى بالانبساط والابتهاج. # ومن الممكن أن يتأيد ذلك بقوله: "بفضل الله وبرحمته" حيث أدخلت باء ~~السببية على كل من الفضل والرحمة، وهو مشعر بكون كل واحد منهما سببا مستقلا ~~وإن جمع بينهما ثانيا بقوله: "فبذلك فليفرحوا" للدلالة على استحقاق ~~مجموعهما لأن ينحصر فيه الفرح. # ويمكن أن يكون المراد بالفضل غير الرحمة من الأمور المذكورة في الآية ms3669 ~~السابقة أعني الموعظة وشفاء ما في الصدر والهدى، والمراد بالرحمة الرحمة ~~بمعناها المذكور في الآية السابقة وهي العطية الخاصة الإلهية التي هي سعادة ~~الحياة في الدنيا والآخرة. PageV10P042 # والمعنى على هذا أن ما تفضل الله به عليهم من الموعظة وشفاء ما في الصدور ~~والهدى، وما رحم المؤمنين به من الحياة الطيبة ذلك أحق أن يفرحوا به دون ما ~~يجمعونه من المال. # وربما تأيد هذا الوجه بقوله سبحانه: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء:" النور: - 21 حيث نسب زكاتهم ~~إلى الفضل والرحمة معا واستناد الزكاة إلى الفضل بمعنى العطية العامة بعيد ~~عن الفهم، ومما يؤيد هذا الوجه ملائمته لما ورد في الرواية من تفسير الآية ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) أو بالقرآن والاختصاص ~~به وسيجيء إن شاء الله. # وقوله: "فبذلك فليفرحوا" ذكروا أن الفاء في قوله: "فليفرحوا" زائدة كقول ~~الشاعر: "فإذا قتلت فعند ذلك فاجزعي". # والظرف أعني قوله: "فبذلك" بدل من قوله: "بفضل الله وبرحمته"، ومتعلق ~~بقوله: "فليفرحوا" قدم عليه لإفادة الحصر، وقوله: "هو خير مما يجمعون" بيان ~~ثان لمعنى الحصر. # فظهر بذلك كله أن الآية تفريع على مضمون الآية السابقة فإنه تعالى لما ~~خاطب الناس امتنانا عليهم بأن هذا القرآن موعظة لهم وشفاء لما في صدورهم ~~وهدى ورحمة للمؤمنين منهم فرع عليه أنه ينبغي لهم حينئذ أن يفرحوا بهذا ~~الذي امتن به عليهم من الفضل والرحمة لا بالمال الذي يجمعونه فإن ذلك - ~~وفيه سعادتهم وما تتوقف عليه سعادتهم - خير من المال الذي ليس إلا فتنة ~~ربما أهلكتهم وأشقتهم. # قوله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا" إلى آخر الآية. # نسبة الرزق وهو ما يمد الإنسان في بقائه من الأمور الأرضية من مأكول ~~ومشروب وملبوس وغيرها إلى الإنزال مبني على حقيقة يفيدها القرآن وهي أن ~~الأشياء لها خزائن عند الله تتنزل من هناك على حسب ما قدرها الله سبحانه، ~~قال تعالى: ms3670 "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:" ~~الحجر: - 21 وقال تعالى: "وفي السماء رزقكم وما توعدون:" الذاريات: - 22 ~~وقال: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج:" الزمر: - 6 وقال: "وأنزلنا ~~الحديد:" الحديد: - 25. # وأما ما قيل: إن التعبير بالإنزال إنما هو لكون أرزاق العباد من المطر ~~الذي ينزله الله من السماء، فوجه بسيط لا يطرد على تقدير صحته في جميع ~~الموارد التي عبر فيها عن كينونتها بالإنزال كما في الأنعام وفي الحديد، ~~والرزق الذي تذكر الآية أن الله أنزله لهم فجعلوا منه حراما وحلالا هو ~~الأنعام من الإبل والغنم كالوصيلة والسائبة والحام وغيرها. # واللام في قوله: "لكم" للغاية وتفيد معنى النفع أي أنزل الله لأجلكم ~~ولتنتفعوا به، وليست للتعدية فإن الإنزال إنما يتعدى بعلى أو إلى، ومن هنا ~~أفاد الكلام معنى الإباحة والحل أي أنزلها الله فأحلها، وهذا هو النكتة في ~~تقديم التحريم على الإحلال في قوله: "فجعلتم منه حراما وحلالا" أي كان الله ~~أحله لكم بإنزاله رزقا لكم تنتفعون به في حياتكم وبقائكم ولكنكم قسمتموه ~~قسمين من عند أنفسكم فحرمتم قسما وأحللتم آخر فالمعنى: قل لهم يا محمد: ~~أخبروني عما أنزل الله لكم ولأجلكم من الرزق الحلال فقسمتموه قسمين وجعلتم ~~بعضه حراما وبعضه حلالا ما هو السبب في ذلك؟ ومن البين أنه افتراء على الله ~~لا عن إذن منه تعالى. # وقوله: "قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون" سؤال عن سبب تقسيمهم الرزق ~~إلى حرام وحلال، وإذ كان من البين أنه ليس ذلك عن إذن منه تعالى لعدم ~~اتصالهم بربهم بوحي أو رسول كان من المتعين أنه افتراء فالاستفهام في سياق ~~الترديد كناية عن إثبات الافتراء لهم وتوبيخ وذم. # والذي يقضي به النظر الابتدائي أن الترديد في الآية غير حاصر إذ كما يجوز ~~أن يكون تقسيمهم رزق الله إلى حرام وحلال عن إذن من الله أو افتراء عليه ~~تعالى كذلك يجوز أن يكون عن مصلحة أحرزوها أو زعموها في ذلك أو عن هوى لهم ~~فيه من ms3671 غير أن ينسبوه إلى الله تعالى فيكون افتراء عليه. PageV10P043 # ومن وجه آخر الترديد في الآية بين إذن الله والافتراء على الله يشعر بأن ~~الحكم إنما هو لله فالحكم بكون بعض الرزق حراما وبعضه حلالا وهو دائر بينهم ~~إما أن يكون من الله أو افتراء عليه، ومن الممكن أن يمنع ذلك في بادىء ~~النظر فكثير من السنن الدائرة بين الناس كونتها طبيعة مجتمعهم أو عادتهم ~~القومية وغير ذلك. # لكن التدبر في كلامه تعالى والبحث العميق يدفع ذلك فإن القرآن يرى أن ~~الحكم يختص بالله تعالى، وليس لأحد من خلقه أن يبادر إلى تشريع حكم ووضعه ~~في المجتمع الإنساني، قال تعالى: "إن الحكم إلا لله:" يوسف: - 40. # وقد أشار تعالى إلى لم ذلك في قوله: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم:" الروم: - 30 ~~فتبين به أن معنى كون الحكم لله كونه معتمدا على الخلقة والفطرة منطبقا ~~عليها غير مخالف لما ينطق به الكون والوجود. # وذلك أن الله سبحانه لم يخلق الخلق عبثا كما قال: "أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا:" المؤمنون: - 115 بل خلقهم لأغراض إلهية وغايات كمالية يتوجهون إليها ~~بحسب جبلتهم ويسيرون نحوها بفطرتهم بما جهزهم به من الأسباب والأدوات ~~وهداهم إليه من السبيل الميسر لهم كما قال: "أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:" طه: ~~- 50، وقال: "ثم السبيل يسره:" عبس: - 20. # فوجود الأشياء في بدء خلقها مناسب لما هيىء لها من منزلة الكمال مجهز ~~بقوى وأدوات يتوسل بها إلى غايتها، ولا يسير شيء منها إلى كماله المهيا له ~~إلا من طريق الصفات الاكتسابية والأعمال، فمن الواجب بالنظر إلى ذلك أن ~~يكون الدين أعني القوانين الجارية في الصفات والأعمال الاكتسابية منطبقا ~~على الخلقة والفطرة فإن الفطرة لا تنسى غايتها ولا تتخطاها، ولا تبعث نحو ~~فعل ولا تزجر عن فعل إلا لدعوة ما جهزت به إليه، ولا يدعو الجهاز إلا لأجل ~~ما جهز لأجله وهو الغاية. # فالإنسان لما كان مجهزا بجهاز التغذية والنكاح كان حكمه الحقيقي ms3672 في دين ~~الفطرة هو التغذي والنكاح دون الجوكية والرهبانية مثلا، ولما كان مطبوعا ~~على الاجتماع والتعاون كان من حكمه أن يشارك سائر الناس في مجتمعهم ويقوم ~~بالأعمال الاجتماعية، وعلى هذا القياس. # فالذي يتعين للإنسان من الأحكام والسنن هو الذي يدعوه إليه الكون العالمي ~~الذي هو جزء حقير منه، وقد جهز وجوده بما يسوقه إليه من مرحلة الكمال، فهذا ~~الكون العام المرتبط بعض أجزائه ببعض، وهو مركب إرادة الله تعالى هو الحامل ~~للشريعة الفطرية الإنسانية، والداعي إلى دين الله الحنيف. # فالدين الحق هو حكم الله سبحانه لا حكم إلا له، وهو المنطبق على الخلقة ~~الإلهية، وما وراءه من حكم هو باطل لا يسوق الإنسان إلا إلى الشقاء والهلاك ~~ولا يهديه إلا إلى عذاب السعير. # ومن هنا ينحل ما تقدم من العقدتين فإن الحكم لما كان لله سبحانه وحده كان ~~كل حكم دائر بين الناس إما حكما لله حقيقة مأخوذا من لدنه بوحي أو رسالة أو ~~حكما مفترى على الله، ولا ثالث للقسمين. # على أن المشركين كانوا ينسبون أمثال هذه الأحكام التي ابتدعوها واستنوا ~~بها فيما بينهم إلى الله سبحانه كما يشير إليه قوله تعالى: "وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها:" الآية الأعراف: - 28. # قوله تعالى: "وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة" إلى آخر ~~الآية، لما كان جواب الاستفهام المتقدم: "آلله أذن لكم أم على الله تفترون" ~~معلوما من المورد، وهو أنه افتراء، استعظم وخامة عاقبته فإنه افتراء على ~~الله سبحانه والافتراء من الآثام والذنوب بحكم البداهة فلا محالة له أثر ~~سيىء، ولذلك قال تعالى إيعادا وتهديدا: "وما ظن الذين يفترون على الله ~~الكذب يوم القيامة". # وأما قوله: "إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون" فهو شكوى ~~وعتبى يشار به إلى ما اعتاد عليه الناس من كفران أكثرهم لنعمة الله، وعدم ~~شكرهم قبال عطيته ونعمته، والمراد بالفضل هاهنا هو العطية الإلهية فإن ~~الكلام في الرزق الذي أنزله الله لهم وهو الفضل وتحريمهم بعضه ms3673 وهو الكفران ~~وعدم الشكر. PageV10P044 # وبرجوع ذيل الآية إلى صدرها يكون الافتراء على الله من مصاديق كفران نعمته، ~~والمعنى أن الله ذو فضل وعطاء على الناس ولكن أكثرهم كافرون لنعمته وفضله ~~فما ظن الذين يكفرون بنعمة الله ورزقه بتحريمه افتراء على الله الكذب يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: "وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا" إلى آخر الآية، قال الراغب: الشأن الحال والأمر الذي ~~يتفق ويصلح، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور قال: "كل يوم هو في ~~شأن" انتهى. # وقوله: "وما تتلوا منه من قرآن" الظاهر أن الضمير إلى الله سبحان ومن ~~الأولى للابتداء والنشوء والثانية للبيان، والمعنى ولا تتلو شيئا هو القرآن ~~ناشئا ونازلا من قبله تعالى، والإفاضة في الفعل الخوض فيه جمعا. # وقد وقع في قوله: "إلا كنا عليكم شهودا" التفات من الغيبة إلى التكلم مع ~~الغير، والنكتة فيه الإشارة إلى كثرة الشهود فإن لله شهودا على أعمال الناس ~~من الملائكة والناس والله من ورائهم محيط، والعظماء يتكلمون عنهم وعن غيرهم ~~للدلالة على أن لهم أعوانا وخدمة. # وليس ينبغي أن يغفل عن أن أصل الالتفات يبدأ من أول الآية فإن الآيات ~~السابقة كانت تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأخذ المشركين على ~~الغيبة وتكلمهم بوساطته من غير أن تواجهه بشيء من الخطاب يخص نفسه، وقد ~~حولت هذه الآية وجه الكلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يخص به ~~نفسه فقالت: "وما تكون من شأن وما تتلوا منه من قرآن" ثم جمعته والمشركين ~~وغيرهم جميعا في خطاب واحد فقالت: "ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا" ~~وذلك بضمهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم على غيبتهم وبسط ~~الخطاب على الجميع بنوع من التغليب كما تقول لمخاطبك أنت وقومك تفعلون كذا وكذا. # والدليل على أن هذا الخطاب بنحو الضم والتغليب قوله بعده: "وما يعزب عن ~~ربك" إلخ، فإنه يكشف عن كون الخطاب معه (صلى ms3674 الله عليه وآله وسلم) جاريا ~~على ما كان. # وعلى أي حال فالتحول المذكور في خطاب الآية للإشارة إلى أن السلطنة ~~والإحاطة التامة الإلهية واقعة على الأعمال شهادة وعلما على أتم ما يكون من ~~كل جهة من غير أن يستثني منه نبي ولا مؤمن ولا مشرك أو يغفل عن عمل من ~~الأعمال فلا يتوهمن أحد أن الله يخفى عليه شيء من أمره فلا يحاسبه عليه يوم ~~القيامة، وليكن هذا هو ظنه بربه يوم القيامة وليأخذ حذره. # وذكر تلاوة القرآن مستقلا مع دخوله في قوله قبلا: "وما تكون في شأن" فإن ~~أحد شئونه (صلى الله عليه وآله وسلم) للإيماء إلى أهمية أمرها ومزيد ~~العناية بها. # وفي الآية أولا تشديد في العظة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى ~~أمته وثانيا: أن الذي يتلوه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن ~~للناس من وحي الله وكلامه لا يطرقه تغيير ولا يدب فيه باطل لا في تلقيه من ~~الله ولا في تلاوته للناس فالآية قريبة المضمون من قوله: "عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم:" الجن: - 28. # وقوله: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة" إلى آخر الآية. # العزوب الغيبة والتباعد والخفاء، وفيه إشارة إلى حضور الأشياء عنده تعالى ~~من غير غيبة وحفظه لها في كتاب من غير زوال، وقد تقدم بعض ما يتعلق به من ~~الكلام في ذيل قوله: "وعنده مفاتح الغيب:" الأنعام: - 59 في الجزء السابع ~~من الكتاب. # قوله تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" استئناف في ~~الكلام غير أنه متعلق بغرض السورة وهو الدعوة إلى الإيمان بكتاب الله ~~والندب إلى توحيد الله تعالى بمعناه الوسيع. # وللدلالة على أهمية المطلب افتتح بلفظة "ألا" التنبيهية، والله سبحانه ~~يذكر في هذه الآية والآيتين بعدها أولياءه ويعرفهم ويصف آثار ولايتهم وما ~~يختصون به من الخصيصة. PageV10P045 # والولاية وإن ذكروا لها معاني ms3675 كثيرة لكن الأصل في معناها ارتفاع الواسطة ~~الحائلة بين الشيئين بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما، ثم استعيرت لقرب ~~الشيء من الشيء بوجه من وجوه القرب كالقرب نسبا أو مكانا أو منزلة أو ~~بصداقة أو غير ذلك ولذلك يطلق الولي على كل من طرفي الولاية، وخاصة بالنظر ~~إلى أن كلا منهما يلي من الآخر ما لا يليه غيره فالله سبحانه ولي عبده ~~المؤمن لأنه يلي أمره ويدبر شأنه فيهديه إلى صراطه المستقيم ويأمره وينهاه ~~فيما ينبغي له أو لا ينبغي وينصره في الحياة الدنيا وفي الآخرة. # والمؤمن حقا ولي ربه لأنه يلي منه إطاعته في أمره ونهيه ويلي منه عامة ~~البركات المعنوية من هداية وتوفيق وتأييد وتسديد وما يعقبها من الإكرام ~~بالجنة والرضوان. # فأولياء الله - على أي حال - هم المؤمنون فإن الله يعد نفسه وليا لهم في ~~حياتهم المعنوية حيث يقول: "والله ولي المؤمنين:" آل عمران: - 68. # غير أن الآية التالية لهذه الآية المفسرة للكلمة تأبى أن تكون الولاية ~~شاملة لجميع المؤمنين وفيهم أمثال الذين يقول الله سبحانه فيهم: "وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:" يوسف: - 106 فإن قوله في الآية التالية: ~~"الذين آمنوا وكانوا يتقون" يعرفهم بالإيمان والتقوى مع الدلالة على كونهم ~~على تقوى مستمر سابق على إيمانهم من حيث الزمان حيث قيل: "آمنوا" ثم قيل ~~عطفا عليه: "وكانوا يتقون" فدل على أنهم كانوا يستمرون على التقوى قبل تحقق ~~هذا الإيمان منهم ومن المعلوم أن الإيمان الابتدائي غير مسبوق بالتقوى بل ~~هما متقاربان أو هو قبل التقوى وخاصة التقوى المستمر. # فالمراد بهذه الإيمان مرتبة أخرى من مراتب الإيمان غير المرتبة الأولى منه. # فقد تقدم في الجزء الأول من الكتاب آية 130 من البقرة أن لكل من الإيمان ~~والإسلام وكذا الشرك والكفر مراتب مختلفة بعضها فوق بعض فالمرتبة الأولى من ~~الإسلام إجراء الشهادتين لسانا والتسليم ظاهرا، وتليه المرتبة الأولى من ~~الإيمان وهو الإذعان بمؤدى الشهادتين قلبا إجمالا وإن لم يسر إلى جميع ما ~~يعتقد في الدين من الاعتقاد الحق، ms3676 ولذا كان من الجائز أن يجتمع مع الشرك من ~~بعض الجهات، قال تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:" يوسف: - 106. # ولا يزال إسلام العبد يصفو وينمو حتى يستوعب تسليمه لله سبحانه في كل ما ~~يرجع إليه وإليه مصير كل أمر، وكلما ارتفع الإسلام درجة ورقي مرتبة كان ~~الإيمان المناسب له الإذعان بلوازم تلك المرتبة حتى يسلم العبد لربه حقيقة ~~معنى ألوهيته وينقطع عنه السخط والاعتراض فلا يسخط لشيء من أمره من قضاء ~~وقدر وحكم، ولا يعترض على شيء من إرادته، وبإزاء ذلك الإيمان باليقين بالله ~~وجميع ما يرجع إليه من أمر، وهو الإيمان الكامل الذي تتم به للعبد عبوديته. # قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما:" النساء: - 65، والأشبه أن تكون ~~هذه المرتبة من الإيمان أو ما يقرب منه هو المراد بالآية أعني قوله: "الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون" فإنه الإيمان المسبوق بتقوى مستمر دون الإيمان بمرتبته ~~الأولى كما تقدم. # على أن توصيفه أهل هذا الإيمان بأنهم "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" يدل ~~على أن المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتم معه معنى العبودية ~~والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أن الملك لله وحده لا شريك له، وأن ~~ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته أو يحزن لفقده. # وذلك أن الخوف إنما يعرض للنفس عن توقع ضرر يعود إليها، والحزن إنما يطرأ ~~عليها لفقد ما تحبه أو تحقق ما تكرهه مما يعود إليها نفعه أو ضرره، ولا ~~يستقيم تحقق ذلك إلا فيما يرى الإنسان لنفسه ملكا أو حقا متعلقا بما يخاف ~~عليه أو يحزن لفقده من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك. # وأما ما لا علقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلا فلا يخاف الإنسان عليه ~~ولا يحزن لفقده البتة. PageV10P046 # والذي يرى كل شيء ملكا طلقا لله سبحانه لا يشاركه في ملكه أحد لا يرى لنفسه ~~ملكا أو حقا بالنسبة إلى ms3677 شيء حتى يخاف في أمره أو يحزن، وهذا هو الذي يصفه ~~الله من أوليائه إذ يقول: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ~~فهؤلاء لا يخافون شيئا ولا يحزنون لشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا أن ~~يشاء الله وقد شاء أن يخافوا من ربهم وأن يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن ~~فاتهم وهذا كله من التسليم لله فافهم ذلك. # فإطلاق الآية يفيد اتصافهم بهذين الوصفين: عدم الخوف وعدم الحزن في ~~النشأتين الدنيا والآخرة، وأما مثل قوله تعالى: "إلا المتقين يا عباد لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين:" ~~الزخرف: - 70 فإن ظاهر الآيات وإن كان هو أنها تريد الأولياء بالمعنى الذي ~~تصفه الآية التي نحن فيها إلا أن إثبات عدم الخوف والحزن لهم يوم القيامة ~~لا ينفي ذلك عنهم في غيره. # نعم هناك فرق من جهة أخرى وهو خلوص النعمة والكرامة وبلوغ صفائها يوم ~~القيامة وكونها مشوبة غير خالصة في غيره. # ونظيرها قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن ~~أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة:" فصلت: - 31 فإن الآيات وإن كانت ~~ظاهرة في كون هذا التنزل والقول والبشارة يوم الموت لمكان قوله: "كنتم ~~توعدون" وقوله: "أبشروا" غير أن الإثبات في وقت لا يكفي للنفي في وقت آخر ~~كما عرفت. # هذا ما يدل عليه الآية بحسب إطلاق لفظها وتأييد سائر الآيات لها، وقد قيد ~~أكثر المفسرين قوله: "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" - بالاستناد إلى آيات ~~الآخرة - بيوم الموت والقيامة، وأهملوا ما تفيده خصوصية اللفظ في قوله: ~~"الذين آمنوا وكانوا يتقون" وأخذوا الإيمان والتقوى أمرين متقارنين فرجع ~~المعنى إلى أن أولياء الله هم المتقون من أهل الإيمان ولا خوف عليهم في ~~الآخرة ولا هم يحزنون وهذا - كما عرفت - من التقييد من غير مقيد. # وعمم بعضهم نفي الخوف والحزن فذكر أنهم متصفون به في الدنيا والآخرة غير ms3678 ~~أنه أفسد المعنى من جهة أخرى فقال: إن المراد بالأولياء على ما تفسرهم به ~~الآية الثانية جميع المتقين من المؤمنين، والمراد بعدم خوفهم وحزنهم أنهم ~~لا يخافون في الآخرة مما يخاف منه الكافرون والفاسقون والظالمون من أهوال ~~الموقف وعذاب الموقف وعذاب الآخرة ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم وأنهم ~~لا يخافون في الدنيا كخوف الكفار ولا يحزنون كحزنهم. # قال: وأما أصل الخوف والحزن فهو من الأعراض البشرية التي لا يسلم منها ~~أحد في الدنيا، وإنما يكون المؤمنون الصالحون أصبر الناس وأرضاهم بسنن الله ~~اعتقادا وعلما بأنه إذا ابتلاهم بشيء مما يخيف أو يحزن فإنما يربيهم بذلك ~~لتكميل نفوسهم وتمحيصها بالجهاد في سبيله الذي يزداد به أجرهم كما صرحت ~~بذلك الآيات الكثيرة. # انتهى. # أما تقييده الآية بأن المنفي عن الأولياء هو الخوف والحزن اللذين يعرضان ~~للكفار دون ما يعرض لعامة المؤمنين بحسب الطبع البشري واستناده في ذلك إلى ~~الآيات الكثيرة فهو من التقييد من غير مقيد، وأما قوله إن أصل الخوف والحزن ~~مما لا يسلم منه أحد أصلا فهو من عدم تحصيل المراد بالكلام لعدم تعمقه في ~~البحث عن الأخلاق العالية والمقامات المعنوية الإنسانية فحمله ذلك على أن ~~يقيس حال المكرمين من عباد الله المقربين من الأنبياء والأولياء إلى ما ~~يجده من حال المتوسطين من عامة الناس فزعم أن ما يغشى العامة من الأعراض ~~التي سماها أحوالا طبيعية يغشى الخاصة لا محالة، وأن ما يتعذر أو يتعسر على ~~المتوسطين من الأحوال فهو كذلك عند الكاملين، ولا يبقى حينئذ للمقامات ~~المعنوية والدرجات الحقيقية إلا أنها أسماء ليس وراءها حقيقة، واعتبارات ~~وضعية اصطلح عليها نظير المقامات الوهمية والدرجات الرسمية الاجتماعية التي ~~نتداولها في مجتمعاتنا لمصلحة الاجتماع. PageV10P047 # فلا وفى حق البحث العلمي حتى يهديه إلى حق النتيجة فيتبين أن التوحيد ~~الكامل يقصر حقيقة الملك في الله سبحانه فلا يبقى لغيره شيء من الاستقلال ~~في التأثير حتى يتعلق به لنفسه حب أو بغض أو خوف أو حزن ولا فرح ولا أسى ~~ولا غير ذلك، ms3679 وإنما يخاف هذا الذي غشيه التوحيد ويحزن أو يحب أو يكره بالله ~~سبحانه، ويرتفع التناقض حينئذ بين قولنا: إنه لا يخاف شيئا إلا الله وبين ~~قولنا: إنه يخاف كثيرا مما يضره ويحذر أمورا يكرهها فافهم ذلك. # ولا البحث القرآني أتقن واستفرغ فيه الوسع حتى يظهر له أن قوله تعالى: ~~"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" أطلق فيه نفي الخوف ~~والحزن من غير تقييد بشيء أو حال إلا ما صرح به آيات من وجوب مخافة الله ~~فهؤلاء لا يخافون من شيء في دنيا ولا آخرة إلا من الله سبحانه ولا يحزنون. # وأما الآيات الكثيرة التي تصف المؤمنين بعدم الخوف والحزن عند الموت أو ~~يوم القيامة فهي إنما تصف أحوالهم في ظرف ولا يستوجب نفي شيء أو إثباته في ~~مورد خلافه في غيره وهو ظاهر. # والآية مع ذلك تدل على أن هذا الوصف إنما هو لطائفة خاصة من المؤمنين ~~يمتازون عن غيرهم بمرتبة خاصة من الإيمان تخصهم دون غيرهم من عامة المؤمنين ~~وذلك بما يفسرها من قوله: "الذين آمنوا وكانوا يتقون" بما تقدم من تقرير ~~دلالته. # وبالجملة ارتفاع الخوف من غير الله والحزن عن الأولياء ليس معناه أن ~~الخير والشر والنفع والضرر والنجاة والهلاك والراحة والعناء واللذة والألم ~~والنعمة والبلاء متساوية عندهم ومتشابهة في إدراكهم فإن العقل الإنساني بل ~~الشعور العام الحيواني لا يقبل ذلك. # بل معناه أنهم لا يرون لغيره تعالى استقلالا في التأثير أصلا، ويقصرون ~~الملك والحكم فيه تعالى فلا يخافون إلا إياه أو ما يحب الله ويريد أن ~~يحذروا منه أو يحزنوا عليه. # قوله تعالى: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات ~~الله ذلك هو الفوز العظيم" يبشرهم الله تعالى بشارة إجمالية بما تقر به ~~أعينهم فإن كان قوله: "لهم البشرى" إنشاء للبشارة كان معناه وقوع ما بشر به ~~في الدنيا وفي الآخرة كلتيهما، وإن كان إخبارا بأن الله سيبشرهم بشرى كانت ~~البشارة واقعة في الدنيا وفي الآخرة، وأما المبشر به فهل ms3680 يقع في الآخرة فقط ~~أو في الدنيا والآخرة معا؟ الآية ساكتة عن ذلك. # وقد وقع في كلامه تعالى بشارات للمؤمنين بما ينطبق على أوليائه تعالى ~~كقوله تعالى: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين:" الروم: - 47 وقوله: "إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد:" المؤمن: - ~~51 وقوله: "بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار:" الحديد: - 12 إلى ~~غير ذلك. # وقوله: "لا تبديل لكلمات الله" إشارة إلى أن ذلك من القضاء المحتوم الذي ~~لا سبيل للتبدل إليه، وفيه تطييب لنفوسهم. # قوله تعالى: "ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم" ~~تأديب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعزيته وتسليته فيما كانوا يؤذونه ~~به بالوقوع في ربه والطعن في دينه والاعتزاز بشركائهم وآلهتهم كما يشعر به ~~القول في الآية التالية فكاد يحزن لله فسلاه الله وطيب نفسه بتذكيره ما ~~يسكن وجده وهو أن العزة لله وأنه سميع لمقالهم عليهم بحاله وحالهم وإذ كان ~~له تعالى كل العزة فلا يعبأ بما اعتزوا به من العزة الوهمية فهذوا ما هذوا، ~~وإذ كان سميعا عليما فلو شاء لأخذهم بالنكال وإذ كان لا يأخذهم فإنما في ~~ذلك مصلحة الدعوة وخير العاقبة. # ومن هنا يظهر أن كلا من قوله: "إن العزة لله" وقوله: "هو السميع العليم" ~~علة مستقلة للنهي ولذا جيء بالفصل من غير عطف. # قوله تعالى: "ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض" إلى آخر الآية فيه ~~بيان مالكيته تعالى لكل من في السماوات والأرض التي بها يتم للإله معنى ~~الربوبية فإن الرب هو المالك المدبر لأمر مملوكه، وهذا الملك لله وحده لا ~~شريك له فما يدعون له من الشركاء ليس لهم من معنى الشركة إلا ما في ظن ~~الداعين وفي خرصهم من المفهوم الذي لا مصداق له. # فالآية تقيس شركاءهم إليه تعالى وتحكم أن نسبتهم إليه تعالى نسبة الظن ~~والخرص إلى الحقيقة والحق، والباقي ظاهر. PageV10P048 # وقد قيل: "من في السماوات ومن في الأرض" ولم يقل: ما في السماوات وما ms3681 في ~~الأرض لأن الكلام في ربوبية العباد من ذوي الشعور والعقل وهم الملائكة ~~والثقلان. # قوله تعالى: "هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا" الآية. # الآية تتمم البيان الذي أورد في الآية السابقة لإثبات ربوبيته تعالى ~~والربوبية - كما تعلم - هي الملك والتدبير، وقد ذكر ملكه تعالى في الآية ~~السابقة، فبذكر تدبير من تدابيره العامة في هذه الآية تصلح به عامة معيشة ~~الناس وتستبقي به حياتهم يتم له معنى الربوبية. # وللإشارة إلى هذا التدبير ذكر مع الليل سكنهم فيه، ومع النهار إبصارهم ~~فيه الباعث لهم إلى أنواع الحركات والتنقلات لكسب مواد الحياة وإصلاح شئون ~~المعاش فليس يتم أمر الحياة الإنسانية بالحركة فقط أو بالسكون فقط فدبر ~~الله سبحانه الأمر في ذلك بظلمة الليل الداعية إلى تجديد تجهيز القوى بعد ~~ما لحقها من العي والتعب والنصب وإلى الارتياح والأنس بالأهل والتمتع مما ~~جمع واكتسب بالنهار والفراغ للعبودية، وبضوء النهار الباعث إلى الرؤية ~~فالاشتياق فالطلب. # قوله تعالى: "قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما ~~في الأرض" إلى آخر الآية الاستيلاد بمعناه المعروف عند الناس هو أن يفصل ~~الموجود الحي بعض أجزاء مادته فيربيه بالحمل أو البيض تربية تدريجية حتى ~~يتكون فردا مثله، والإنسان من بينها خاصة ربما يطلب الولد ليكون عونا له ~~على نوائب الدهر وذخرا ليوم الفاقة، وهذا المعنى بجميع جهاته محال عليه ~~تعالى فهو عز اسمه منزه عن الأجزاء متعال عن التدريج في فعله بريء عن المثل ~~والشبه مستغن عن غيره بذاته. # وقد نفى القرآن الولد عنه بالاحتجاج عليه من كل من الجهات المذكورة كما ~~تعرض لنفيه من جميعها في قوله: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون:" البقرة: - 117 وقد مرت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآيات ~~في الجزء الأول من الكتاب. # وأما الآية التي نحن فيها فهي مسوقة للاحتجاج على نفي الولد من الجهة ~~الأخيرة ms3682 فحسب وهو أن الغرض من وجوده الاستعانة به عند الحاجة وذلك إنما ~~يتصور فيمن كان بحسب طبعه محتاجا فقيرا، والله سبحانه هو الغني الذي لا ~~يخالطه فقر فإنه المالك لما فرض في السماوات والأرض من شيء. # وقوله: "إن عندكم من سلطان أي برهان" بهذا" إثبات لكونهم إنما قالوه جهلا ~~من غير دليل فيكون محصل المعنى أنه لا دليل لكم على ما قلتموه بل الدليل ~~على خلافه وهو أنه تعالى غني على الإطلاق، والولد إنما يطلبه من به فاقة ~~وحاجة، والكلام على ما اصطلح عليه في فن المناظرة من قبيل المنع مع السند. # وقوله: "أتقولون على الله ما لا تعلمون" توبيخ لهم في قولهم ما ليس لهم ~~به علم، وهو مما يستقبحه العقل الإنساني ولا سيما في ما يرجع إلى رب ~~العالمين عز اسمه. # قوله تعالى: "قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" تخويف وإنذار ~~بشؤم العاقبة، وفي الآيتين من لطيف الالتفات ما هو ظاهر فقد حكى الله أولا ~~عنهم من طريق الغيبة قولهم: "اتخذ الله ولدا" ثم خاطبهم خطاب الساخط ~~الغضبان مما نسبوا إليه وافتروا عليه فقال: "إن عندكم من سلطان بهذا ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون" وإنما خاطبهم متنكرا من غير أن يعرفهم نفسه ~~حيث قال: "على الله" ولم يقل: علي أو علينا صونا لعظمة مقامه أن يخالطهم ~~معروفا ثم أعرض عنهم تنزها عن ساحة جهلهم ورجع إلى خطاب رسوله قائلا: "قل ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" لأنه إنذار والإنذار شأنه. # قوله تعالى: "متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد ~~بما كانوا يكفرون" خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه بيان وجه عدم ~~فلاحهم بأنه كفر بالله ليس بحذائه إلا متاع قليل في الدنيا ثم الرجوع إلى ~~الله والعذاب الشديد الذي يذوقونه. PageV10P049 ### |||| AUTO بحث روائي # في أمالي الشيخ، قال: أخبرنا أبو عمرو قال: أخبرنا أحمد قال: حدثنا يعقوب ~~بن يوسف بن زياد قال: حدثنا نصر بن مزاحم قال: حدثنا ms3683 محمد بن مروان عن ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: بفضل الله وبرحمته" بفضل الله النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبرحمته علي (عليه السلام): أقول: ورواه ~~الطبرسي وابن الفارسي عنه مرسلا، ورواه أيضا في الدر المنثور، عن الخطيب ~~وابن عساكر عنه. وفي المجمع، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): فضل الله ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورحمته علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام). # أقول: وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نعمة أنعم الله بها على ~~العالمين بما جاء به من الرسالة ومواد الهداية، وعلي (عليه السلام) هو أول ~~فاتح لباب الولاية وفعلية التحقق بنعمة الهداية فهو الرحمة فينطبق الخبر ~~على ما قدمناه في تفسير الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي عن ابن عباس: قل بفضل الله القرآن وبرحمته" حين جعلهم من أهل ~~القرآن. # أقول: أي الفضل مواد المعارف والأحكام التي فيه، والرحمة فعلية تحقق ذلك ~~في العاملين به فيرجع إلى ما قدمناه في تفسير الآية فتبصر، ولا مخالفة بين ~~هذه الرواية والرواية السابقة حينئذ بحسب الحقيقة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وما تكون في شأن" الآية قال: كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قرأ هذه الآية بكى بكاء شديدا: أقول: ~~ورواه في المجمع، عن الصادق (عليه السلام). وفي أمالي المفيد، بإسناده عن ~~عباية الأسدي عن ابن عباس قال: سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) عن قوله تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ~~فقيل له: من هؤلاء الأولياء؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قوم أخلصوا ~~لله في عبادته، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها فعرفوا ~~آجلها حين غرت الخلق سواهم بعاجلها فتركوا ما علموا أنه سيتركهم، وأماتوا ~~منها ما علموا أنه سيميتهم. ثم قال: أيها المطل نفسه بالدنيا الراكض على ~~حبائلها المجتهد في عمارة ما سيخرب منها ألم تر ms3684 إلى مصارع آبائك في البلاد ~~ومصارع أبنائك تحت الجنادل والثرى؟ كم مرضت ببدنك وعللت بكفنك تستوصف لهم ~~الأطباء وتستغيث لهم الأحباء فلم تغن عنهم غناءك، ولا ينجع عنهم دواؤك؟ وفي ~~تفسير العياشي، عن مرثد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في ~~كتاب علي بن الحسين (عليهما السلام): "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون" # قال: إذا أدوا فرائض الله، وأخذوا بسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وتورعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما ~~عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله، ولا يريدون هذا التفاخر والتكاثر ثم ~~أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة فأولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا ~~ويثابون على ما قدموا لآخرتهم. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والحكيم والترمذي عن عمرو بن الجموح أنه سمع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنه لا يحق العبد حق صريح الإيمان ~~حتى يحب لله ويبغض لله تعالى فإذا أحب الله وأبغض الله فقد استحق الولاء من ~~الله. الحديث. # أقول: والروايات الثلاث في معنى الولاية يرجع بعضها إلى بعض وينطبق ~~الجميع على ما قدمناه في تفسير الآية. # وفيه، أخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عن سعيد بن جبير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" قال: يذكر الله لرؤيتهم. # أقول: ينبغي أن يحمل إلى أن من آثار ولايتهم ذلك لا أن كل من كان كذلك ~~كان من أهل الولاية إلا أن يراد أنهم كذلك في جميع أحوالهم وأعمالهم، وفي ~~معناها ما روي عن أبي الضحى وسعد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في ~~الآية قال: إذا رأوا ذكر الله. PageV10P050 # وفيه، أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو ~~القاسم بن منده في كتاب سؤال القبر من طريق أبي جعفر عن جابر بن عبد الله ~~قال: أتى رجل من أهل ms3685 البادية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا ~~رسول الله أخبرني عن قول الله: "الذين آمنوا وكانوا يتقون - لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ~~قوله لهم البشرى في الحياة الدنيا" فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها ~~في دنياه، وأما قوله: "وفي الآخرة" فإنها بشارة المؤمن عند الموت أن الله ~~قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق أهل السنة ورواها الصدوق مرسلا ~~وقوله: "ترى للمؤمن" بصيغة المجهول أعم من أن يراها هو نفسه أو غيره وقوله: ~~"عند الموت" قد أضيف إليه في بعض الروايات البشرى يوم القيامة بالجنة. # وفي المجمع،: في قوله: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة": عن أبي ~~جعفر (عليه السلام): في معنى البشارة في الدنيا: الرؤيا الصالحة يراها ~~المؤمن لنفسه أو ترى له، وفي الآخرة الجنة وهي ما يبشرهم به الملائكة عند ~~خروجهم من القبور، وفي القيامة إلى أن يدخلوا الجنة يبشرونهم حالا بعد حال: ~~أقول: وقال بعد ذلك وروي ذلك في حديث مروي عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) انتهى وروي مثله عن الصادق (عليه السلام) ورواه القمي في تفسيره، مضمرا. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن زريق عن الصادق (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "لهم البشرى في الحياة الدنيا" قال: هو أن يبشراه بالجنة عند ~~الموت يعني محمدا وعليا (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن أبان بن عثمان عن عقبة أنه سمع أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: إن الرجل إذا وقعت نفسه في صدره رأى. قلت: جعلت فداك ~~وما يرى؟ قال: يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول له رسول ~~الله. أنا رسول الله أبشر، ثم قال: ثم يرى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~فيقول: أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحب أما لأنفعنك اليوم. قال: قلت له: ~~أيكون أحد من الناس يرى هذا ثم يرجع إلى ms3686 الدنيا؟ قال: إذا رأى هذا أبدا مات ~~وأعظم ذلك قال: وذلك في القرآن قول الله عز وجل: "الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~لهم البشرى - في الحياة الدنيا وفي الآخرة - لا تبديل لكلمات الله". # أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بطرق كثيرة جدا ~~وقوله: "وأعظم ذلك" أي عده عظيما. # وقد أخذ في الحديث قوله تعالى: "الذين آمنوا وكانوا يتقون" كلاما مستقلا ~~ففسره بما فسر، وتقدم نظيره في رواية الدر المنثور، عن جابر بن عبد الله عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أن ظاهر السياق كون الآية مفسرة لقوله ~~قبلها: "ألا إن أولياء الله" الآية وهو يؤيد ما قدمناه في بعض الأبحاث ~~السابقة أن جميع التقادير من التركيبات الممكنة في كلامه تعالى حجة يحتج ~~بها كما في قوله: "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون:" الأنعام: - 91 وقوله: ~~"قل الله ثم ذرهم في خوضهم" وقوله: "قل الله ثم ذرهم" وقوله: "قل الله". # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه ~~عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الرسالة والنبوة ~~قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي ولكن المبشرات. قالوا: يا رسول الله وما ~~المبشرات قال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة: أقول: وروي ما في ~~معناه عن أبي قتادة وعائشة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا اقترب الزمان لم ~~تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من ستة ~~وأربعين جزء من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ~~والرؤيا من تحزن والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه. وإذا رأى أحدكم ما يكره ~~فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس الحديث. PageV10P051 # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ms3687 الرؤيا على ثلاثة: تخويف من الشيطان ليحزن به ابن ~~آدم ومنه الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنه جزء من ستة ~~وأربعين جزء من النبوة. # أقول: أما انقسام الرؤيا إلى الأقسام الثلاثة كما ورد في الروايتين وفي ~~معناهما روايات أخرى من طرق أهل السنة وأخرى من طرق أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) فسيجيء توضيحه في تفسير سورة يوسف إن شاء الله تعالى. # وأما كون الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة فقد وردت به ~~روايات كثيرة من طرق أهل السنة رواها عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع من ~~الصحابة كأبي هريرة وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وأبي رزين، وروى أنس ~~وأبو قتادة وعائشة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنها من أجزاء النبوة ~~كما تقدم. # وعن الصفدي أنه وجه الرواية بأن مدة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ثلاث وعشرون سنة دعا فيها إلى ربه ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وعشر ~~سنين بعدها، وقد ورد أن الوحي كان يأتيه ستة أشهر من أولها من طريق الرؤيا ~~الصالحة حتى نزل القرآن، والنسبة بين الستة الأشهر وبين الثلاث وعشرين سنة ~~نسبة الواحد إلى الستة والأربعين. # وقد روي عن ابن عمر وأبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنها جزء ~~من سبعين جزء من النبوة فإن صحت هذه الرواية كان المراد بالتعداد مجرد ~~التكثير من غير خصوصية لعدد السبعين. # واعلم أن الرؤيا ربما أطلقت في لسان القرآن والحديث على ما يشاهده الرائي ~~ما لا يشاهده غيره وإن لم ينم نومه الطبيعي، وقد نبهنا عليه في مباحث ~~النبوة في الجزء الثاني من الكتاب وأحسن كلمة في تفسيرها قوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): تنام عيني ولا ينام قلبي. PageV10P052 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 71 - 74 # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى ~~بئايت الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلى ms3688 ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجينه ومن معه فى ~~الفلك وجعلنهم خلئف وأغرقنا الذين كذبوا بئايتنا فانظر كيف كان عقبة ~~المنذرين (73) ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينت فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات إجمال قصة نوح (عليه السلام) ومن بعده من الرسل إلى زمن موسى ~~وهارون (عليهما السلام)، وما عامل به الله سبحانه أممهم المكذبين لرسلهم ~~حيث أهلكهم ونجا رسله والمؤمنين بهم ليعتبر بها أهل التكذيب من هذه الأمة. # قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ نوح" إلى آخر الآية المقام مصدر ميمي واسم ~~زمان ومكان من القيام، والمراد به الأول أو الثالث أي قيامي بأمر الدعوة ~~إلى توحيد الله أو مكانتي ومنزلتي وهي منزلة الرسالة، والإجماع العزم وربما ~~يتعدى بعلى قال الراغب: وأجمعت كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوسل إليه ~~بالفكرة نحو فأجمعوا كيدكم وشركاءكم. # والغمة هي الكربة والشدة وفيه معنى التغطية كان الهم يغطي القلب، ومنه ~~الغمام للغيم سمي به لتغطيته وجه السماء، والقضاء إلى الشيء إتمام أمره ~~بقتل وإفناء ونحو ذلك. # ومعنى الآية: "واتل" يا محمد "عليهم نبأ نوح" وخبره العظيم حيث واجه قومه ~~وهو واحد يتكلم عن نفسه، وهو مرسل إلى أهل الدنيا فتحدى عليهم بأن يفعلوا ~~به ما بدا لهم إن قدروا على ذلك، وأتم الحجة على مكذبيه في ذلك "إذ قال ~~لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي" ونهضتي لأمر الدعوة إلى التوحيد أو ~~منزلتي من الرسالة "وتذكيري بآيات الله" وهو داعيكم لا محالة إلى قتلي ~~وإيقاع ما تقدرون عليه من الشر بي لإراحة أنفسكم مني "فعلى الله توكلت" ~~قبال ما يهددني من تحرج صدوركم وضيق نفوسكم علي بإرجاع أمري إليه وجعله ~~وكيلا يتصرف في شئوني ومن غير أن أشتغل بالتدبير "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" ~~الذين تزعمون أنهم ينصرونكم في الشدائد، واعزموا علي بما بدا لكم، ms3689 وهذا أمر ~~تعجيزي، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة" إن لم تكونوا اجتهدتم في التوسل إلى كل ~~سبب في دفعي "ثم اقضوا إلي" بدفعي وقتلي "ولا تنظرون" ولا تمهلوني. # وفي الآية تحديه (عليه السلام) على قومه بأن يفعلوا به ما بدا لهم، ~~وإظهار أن ربه قدير على دفعهم عنه وإن أجمعوا عليه وانتصروا بشركائهم ~~وآلهتهم. # قوله تعالى: "فإن توليتم فما سألتكم من أجر" إلى آخر الآية. # تفريع على توكله بربه، وقوله: "فما سألتكم" إلخ، بمنزلة وضع السبب موضع ~~المسبب والتقدير فإن توليتم وأعرضتم عن استجابة دعوتي فلا ضير لي في ذلك ~~فإني لا أتضرر في إعراضكم شيئا لأني إنما كنت أتضرر بإعراضكم عني لو كنت ~~سألتكم أجرا على ذلك يفوت بالإعراض وما سألتكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله. # وقوله: "وأمرت أن أكون من المسلمين" أي الذين يسلمون الأمر إليه فيما ~~أراده لهم وعليهم، ولا يستكبرون عن أمره بالتسليم لسائر الأسباب الظاهرة ~~حتى يخضعوا لها ويتوقعوا به إيصال نفع أو دفع شر. # قوله تعالى: "فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف" إلى آخر ~~الآية، الخلائف جمع خليفة أي جعلنا هؤلاء الناجين خلائف في الأرض والباقين ~~من بعدهم يخلفون سلفهم ويقومون مقامهم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم" إلى آخر الآية، يريد ~~بالرسل من جاء منهم بعد نوح إلى زمن موسى (عليه السلام). PageV10P053 # وظاهر السياق أن المراد بالبينات الآيات المعجزة التي اقترحتها الأمم على ~~أنبيائهم بعد مجيئهم ودعوتهم وتكذيبهم لهم فأتوا بها وكان فيها القضاء ~~بينهم وبين أممهم، ويؤيده قوله بعده: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل" إلخ، فإن السابق إلى الذهن أنهم جاءوهم بالآيات البينات لكن الله قد ~~كان طبع على قلوبهم لاعتدائهم فلم يكن في وسعهم أن يؤمنوا ثانيا بما كذبوا ~~به أولا. # ولازم ذلك أن يكون تكذيبهم بذلك قبل مجيء الرسل بتلك الآيات البينات فقد ~~كانت الرسل بثوا دعوتهم فيهم ودعوهم إلى توحيد الله فكذبوا به وبهم ثم ms3690 ~~اقترحوا عليهم آية معجزة فجاءوهم بها فلم يؤمنوا. # وقد أسلفنا بعض البحث عن هذه الآية في تفسير قوله: "فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا من قبل: الأعراف: - 101 في الجزء الثامن من الكتاب، وبينا هناك ~~أن في الآية إشارة إلى عالم الذر غير أنه لا ينافي إفادتها لما قدمناه من ~~المعنى آنفا فليراجع. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن ~~صالح بن عقبة عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مماأحب فكان مما 1 أحب ~~أن خلقه من طين الجنة وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغضه أن خلقه من طينة ~~النار ثم بعثهم في الظلال، فقلت: وأي شيء الظلال؟ فقال: ألم تر إلى ظلك في ~~الشمس شيء وليس بشيء. ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله عز ~~وجل: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين ~~فأقر بعض وأنكر بعض، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها ~~من أبغض، وهو قوله: "ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل". ثم قال أبو ~~جعفر (عليه السلام): كان التكذيب من قبل:. أقول: ورواه في العلل، بإسناده ~~إلى محمد بن إسماعيل عن صالح عن عبد الله وعقبة عنه (عليه السلام)، ورواه ~~العياشي عن الجعفي عنه (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام): خلق الخلق وهم أظلة فأرسل رسوله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن ~~به في الأظلة وجحده من جحده يومئذ فقال: "ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل". # أقول: قد فصلنا القول في ما يسمى عالم الذر في تفسير قوله تعالى: "وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ms3691 وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى" الآية. # وأوضحنا هناك أن آيات الذر تثبت عالما إنسانيا آخر غير هذا العالم ~~الإنساني المادي التدريجي المشوب بالآلام والمصائب والمعاصي والآثام ~~المشهود لنا من طريق الحس. # وهو مقارن لهذا العالم المحسوس نوعا من المقارنة لكنه غير محكوم بهذه ~~الأحكام المادية، وليس تقدمه على عالمنا هذا تقدما بالزمان بل بنوع آخر من ~~التقدم نظير التقدم المستفاد من قوله: "أن يقول له كن فيكون:" يس: - 82 فإن ~~"كن" و"يكون" يحكيان عن مصداق واحد وهو وجود الشيء خارجا لكن هذا الوجود ~~بعينه بوجهه الذي إلى الله متقدم عليه بوجهه الآخر، وهو بوجهه الرباني غير ~~تدريجي ولا زماني ولا غائب عن ربه ولا منقطع عنه بخلاف وجهه إلى الخلق على ~~التفصيل الذي تقدم هناك. # والذي أوردناه من الرواية في هذا البحث الروائي تشير إلى عالم الذر كالذي ~~مرت سابقا غير أنها تختص بمزية وهي ما فيها من لطيف التعبير بالظلال فإن ~~بإجادة التأمل في هذا التعبير يتضح المراد أحسن الاتضاح فإن في الأشياء ~~الكونية أمورا هي كالظلال في أنها لازمة لها حاكية لخصوصيات وجودها وآثار ~~وجودها، ومع ذلك فهي هي وليست هي. # فإنا إذا نظرنا إلى الأشياء وجردنا النظر ومحضناه في كونها صنع الله ~~وفعله المحض غير المنفك منه ولا المنفصل عنه - وهي نظرة حقة واقعية - لم ~~يتحقق فيها إلا التسليم لله والخضوع لإرادته والتذلل لكبريائه والتعلق ~~برحمته وأمر ربوبيته والإيمان بوحدانيته وبما أرسل به رسله وأنزله إليهم من دينه. PageV10P054 # وهذه الوجودات ظلال - أشياء وليست بأشياء - إذا قيست إلى وجودات الأشياء ~~المادية، وأخذ العالم المادي أصلا مقيسا إليه وهو الذي بنت عليه الآيات من ~~جهة كون غرضها بيان ثبوت التكليف بالتوحيد تكليفا لا محيص عنه مسئولا عنه ~~يوم القيامة. # ولو أخذت جهة الرب تعالى أصلا وقيس إليه هذا العالم المادي بما فيه من ~~الموجودات المادية - وهو أيضا نظر حق - كان هذا العالم هو الظل وكانت جهة ~~الرب تعالى هو الأصل والشخص الذي له الظل كما يشير إليه ms3692 قوله تعالى: "كل ~~شيء هالك إلا وجهه:" القصص: - 88، وقوله: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك:" ~~الرحمن - 27،. # وأما ما رواه العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل" قال: "بعث الله الرسل إلى ~~الخلق وهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء فمن صدق حينئذ صدق بعد ذلك، ومن ~~كذب حينئذ كذب بعد ذلك". # فظاهره أن للبعث تعلقا بالنطف التي في الأصلاب والأرحام. # وهم أحياء عقلاء مكلفون، وهذا مما يدفعه الضرورة كما تقدم في الكلام على ~~آية الذر اللهم إلا أن يحمل على أن المراد كون عالم الذر محيطا بهذا العالم ~~المادي التدريجي الزماني من جهة كونه غير زماني فلا يتعلق الوجود الذري ~~بزمان دون زمان وهو مع ذلك محمل بعيد. PageV10P055 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 75 - 93 # ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملايه بئايتنا فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) ~~قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح السحرون (77) قالوا ~~أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا وتكون لكما الكبرياء فى الأرض وما ~~نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ائتونى بكل سحر عليم (79) فلما جاء ~~السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم ~~به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق ~~بكلمته ولو كره المجرمون (82) فما ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من ~~فرعون وملايهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال فى الأرض وإنه لمن المسرفين (83) ~~وقال موسى يقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) ~~فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين (85) ونجنا ~~برحمتك من القوم الكفرين (86) وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما ~~بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة وبشر المؤمنين (87) وقال ~~موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه زينة وأمولا فى الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا ~~عن سبيلك ربنا ms3693 اطمس على أمولهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين ~~لا يعلمون (89) وجوزنا ببنى إسرءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا ~~حتى إذا أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إله إلا الذى ءامنت به بنوا إسرءيل ~~وأنا من المسلمين (90) ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ~~ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية وإن كثيرا من الناس عن ءايتنا لغفلون (92) ~~ولقد بوأنا بنى إسرءيل مبوأ صدق ورزقنهم من الطيبت فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (93) ### |||| AUTO بيان # ثم ساق الله سبحانه نبأ موسى وأخيه ووزيره هارون مع فرعون وملئه وقد أوجز ~~في القصة غير أنه ساقها سوقا ينطبق بفصولها على المحصل من حديث بعثة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته عتاة قومه والطواغيت من قريش وغيرهم، ~~وعدم إيمانهم به إلا ضعفاؤهم الذين كانوا يفتنونهم حتى التجئوا إلى الهجرة ~~فهاجر هو (صلى الله عليه وآله وسلم) وجمع من المؤمنين به إلى المدينة فعقبه ~~فراعنة هذه الأمة وملؤهم فأهلكهم الله بذنوبهم وبوأ الله المؤمنين ببركة ~~الإسلام مبوأ صدق ورزقهم من الطيبات ثم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ~~وسيقضي الله بينهم. # فكان ذلك كله تصديقا لما أسر الله سبحانه إلى نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في هذه الآيات فيما سيستقبله وقومه من الحوادث، ولقوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يخاطب أصحابه وأمته: لتتبعن سنة بني إسرائيل حتى أنهم لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه. # قوله تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون" إلخ، أي ثم بعثنا من بعد ~~نوح والرسل الذين من بعده موسى وأخاه هارون بآياتنا إلى فرعون والجماعة ~~الذين يختصون به من قومه وهم القبط فاستكبروا عن آياتنا وكانوا مستمرين على ~~الإجرام. PageV10P056 # قوله تعالى: "فلما جاءهم الحق من عندنا" إلخ، الظاهر أن المراد بالحق هو ~~الآية الحقة كالثعبان واليد البيضاء، وقد جعلهما الله آية لرسالته بالحق ~~فلما جاءهم الحق ms3694 قالوا وأكدوا القول: إن هذا - يشيرون إلى الحق من الآية - ~~لسحر مبين واضح كونه سحرا، وإنما سمى الآية حقا قبال تسميتهم إياها سحرا. # قوله تعالى: "قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا" إلخ، أي فلما ~~سمع مقالتهم تلك ورميهم الحق بأنه سحر مبين قال لهم منكرا لقولهم في صورة ~~الاستفهام: "أتقولون للحق لما جاءكم" إنه لسحر؟ ثم كرر الإنكار مستفهما ~~بقوله: "أسحر هذا"؟ فمقول القول في الجملة الاستفهامية محذوف إيجازا لدلالة ~~الاستفهام الثاني عليه، وقوله: "ولا يفلح الساحرون" يمكن أن يكون جملة ~~حالية معللة للإنكار الذي يدل عليه قوله: "أسحر هذا"، ويمكن أن يكون إخبارا ~~مستقلا بيانا للواقع يبرىء به نفسه من أن يقترف السحر لأنه يرى لنفسه ~~الفلاح وللساحرين أنهم لا يفلحون. # قوله تعالى: "قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا" إلخ، اللفت هو ~~الصرف عن الشيء، والمعنى: قال فرعون وملؤه لموسى معاتبين له: "أجئتنا ~~لتلفتنا" وتصرفنا "عما وجدنا عليه آباءنا" يريدون سنة قدمائهم وطريقتهم ~~"وتكون لكما الكبرياء في الأرض" يعنون الرئاسة والحكومة وانبساط القدرة ~~ونفوذ الإرادة يؤمون بذلك أنكما اتخذتما الدعوة الدينية وسيلة إلى إبطال ~~طريقتنا المستقرة في الأرض، ووضع طريقة جديدة أنتما واضعان مبتكران لها ~~موضعها تحوزان بإجرائها في الناس وإيماننا بكما وطاعتنا لكما الكبرياء ~~والعظمة في المملكة. # وبعبارة أخرى إنما جئتما لتبدلا الدولة الفرعونية المتعرقة في القبط إلى ~~دولة إسرائيلية تدار بإمامتكما وقيادتكما، وما نحن لكما بمؤمنين حتى تنالا ~~بذلك أمنيتكما وتبلغا غايتكما من هذه الدعوة المزورة. # قوله تعالى: "وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم" كان يأمر به ملأه فيعارض ~~بسحر السحرة معجزة موسى كما فصل في سائر الآيات القاصة للقصة وتدل عليه ~~الآيات التالية. # قوله تعالى: "فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا" إلخ، أي لما جاءوا ~~وواجهوا موسى وتهيئوا لمعارضته قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقوه من الحبال ~~والعصي، وقد كانوا هيئوها ليلقوها فيظهروها في صور الحيات والثعابين ~~بسحرهم. # قوله تعالى: "فلما ألقوا قال لهم موسى ما جئتم به السحر" ما قاله ms3695 (عليه ~~السلام) بيان لحقيقة من الحقائق لينطبق عليها ما سيظهره الله من الحق على ~~يديه من صيرورة العصا ثعبانا يلقف ما ألقوه من الحبال والعصي وأظهروه في ~~صور الحيات والثعابين بسحرهم. # والحقيقة التي بينها لهم أن الذي جاءوا به سحر والسحر شأنه إظهار ما ليس ~~بحق واقع في صورة الحق الواقع لحواس الناس وأنظارهم، وإذ كان باطلا في نفسه ~~فإن الله سيبطله لأن السنة الإلهية جارية على إقرار الحق وإحقاقه في ~~التكوين وإزهاق الباطل وإبطاله فالدولة للحق وإن كانت للباطل جولة أحيانا. # ولذا علل قوله: "إن الله سيبطله" بقوله: "إن الله لا يصلح عمل المفسدين" ~~فإن الصلاح والفساد شأنان متقابلان، وقد جرت السنة الإلهية أن يصلح ما هو ~~صالح ويفسد ما هو فاسد أي إن يرتب على كل منهما أثره المناسب له المختص به ~~وأثر العمل الصالح أن يناسب ويلائم سائر الحقائق الكونية في نظامها الذي ~~تجري هي عليه، ويمتزج بها ويخالطها فيصلحه الله سبحانه ويجريه على ما كان ~~من طباعه، وأثر العمل الفاسد أن لا يناسب ولا يلائم سائر الحقائق الكونية ~~فيما تقتضيه بطباعها وتجري عليه بجبلتها فهو أمر استثنائي في نفسه، ولو ~~أصلحه الله في فساده كان ذلك إفسادا للنظام الكوني. # فيعارضه سائر الأسباب الكونية بما لها من القوى والوسائل المؤثرة، وتعيده ~~إلى السيرة الصالحة إن أمكن وإلا أبطلته وأفنته ومحته عن صحيفة الوجود البتة. # وهذه الحقيقة تستلزم أن السحر وكل باطل غيره لا يدوم في الوجود وقد قررها ~~الله سبحانه في كلامه في مواضع مختلفة كقوله: "والله لا يهدي القوم ~~الظالمين" وقوله: "والله لا يهدي القوم الفاسقين" وقوله: "إن الله لا يهدي ~~من هو مسرف كذاب:" المؤمن: - 28، ومنها قوله في هذه الآية: "إن الله لا ~~يصلح عمل المفسدين". PageV10P057 # وأكده بتقريره في جانب الإثبات بقوله في الآية التالية: "ويحق الله الحق ~~بكلماته ولو كره المجرمون" كما سيأتي توضيحه. # قوله تعالى: "ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون" لما كشف الله عن ~~الحقيقة المتقدمة في جانب النفي بقوله: "إن ms3696 الله لا يصلح عمل المفسدين" ~~أبان عنه في جانب الإثبات أيضا في هذه الآية بقوله: "ويحق الله الحق ~~بكلماته" وقد جمع تعالى بين معنيي النفي والإثبات في قوله: "ليحق الحق ~~ويبطل الباطل ولو كره المجرمون:" الأنفال: - 8. # ومن هنا يقوى احتمال أن يكون المراد بالكلمات في الآية أقسام الأقضية ~~الإلهية في شئون الأشياء الكونية الجارية على الحق فإن قضاء الله ماض وسنته ~~جارية أن يضرب الحق والباطل في نظام الكون ثم لا يلبث الباطل دون أن يفنى ~~ويعفى أثره ويبقى الحق على جلائه، وذلك قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض:" الرعد: - 17، وسيجيء ~~استيفاء البحث فيه في ذيل الآية إن شاء الله تعالى. # والحاصل أن موسى (عليه السلام) إنما ذكر هذه الحقيقة لهم ليوقفهم على سنة ~~إلهية حقة غفلوا عنها، وليهيىء نفوسهم لما سيظهره عملا من غلبة الآية ~~المعجزة على السحر وظهور الحق على الباطل، ولذا بادروا إلى الإيمان حين ~~شاهدوا المعجزة، وألقوا أنفسهم على الأرض ساجدين على ما فصله الله سبحانه ~~في مواضع أخرى من كلامه. # وقوله: "ولو كره المجرمون" ذكر الإجرام من بين أوصافهم لأن فيه معنى ~~القطع فكأنهم قطعوا سبيل الحق على أنفسهم وبنوا على ذلك بنيانهم فهم على ~~كراهية من ظهور الحق، ولذلك نسب الله كراهة ظهور الحق إليهم بما هم مجرمون ~~في قوله: "ولو كره المجرمون" وفي معناه قوله في أول الآيات: "فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين". # قوله تعالى: "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم" ~~إلى آخر الآيتين ذكر بعض المفسرين أن الضمير في "قومه" راجع إلى فرعون، ~~والذرية الذين آمنوا من قومه كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط ~~فتبعوا أمهاتهم في الإيمان بموسى، وقيل: الذرية بعض أولاد القبط، وقيل: ~~أريد بها امرأة فرعون ومؤمن آل ms3697 فرعون، وقد ذكرا في القرآن وجارية وامرأة هي ~~مشاطة امرأة فرعون. # وذكر آخرون أن الضمير لموسى (عليه السلام) والمراد بالذرية جماعة من بني ~~إسرائيل تعلموا السحر وكانوا من أصحاب فرعون، وقيل: هم جميع بني إسرائيل ~~وكانوا ستمائة ألف نسمة سماهم ذرية لضعفهم، وقيل: ذرية آل إسرائيل ممن بعث ~~إليهم موسى وقد هلكوا بطول العهد، وهذه الوجوه - كما ترى - لا دليل على شيء ~~منها في الآيات من جهة اللفظ. # والذي يفيده السياق وهو الظاهر من الآية أن يكون الضمير راجعا إلى موسى ~~والمراد بالذرية من قوم موسى بعض الضعفاء من بني إسرائيل دون ملئهم ~~الأقوياء والشرفاء، والاعتبار يساعد على ذلك فإنهم جميعا كانوا أسراء للقبط ~~محكومين بحكمهم بأجمعهم، والعادة الجارية في أمثال هذه الموارد أن يتوسل ~~الشرفاء والأقوياء بأي وسيلة أمكنت إلى حفظ مكانتهم الاجتماعية وجاههم ~~القومي، ويتقربوا إلى الجبار المسيطر عليهم بإرضائه بالمال والتظاهر ~~بالخدمة ومراءاة النصح والتجنب عما لا يرتضيه فلم يكن في وسع الملإ من بني ~~إسرائيل أن يعلنوا موافقة موسى على بغيته، ويتظاهروا بالإيمان به. # على أن قصص بني إسرائيل في القرآن أعدل شاهد على أن كثيرا من عتاة بني ~~إسرائيل ومستكبريهم لم يؤمنوا بموسى إلى أواخر عهده وإن كانوا يتسلمون له ~~ويطيعونه في عامة أوامره التي كان يصدرها لبذل المساعي في سبيل نجاة بني ~~إسرائيل لما كان فيها صلاح قوميتهم وحرية شعبهم ومنافع أشخاصهم، فالإطاعة ~~في هذه الأمور أمر والإيمان بالله وما جاء به الرسول أمر آخر. PageV10P058 # ويستقيم على هذا معنى قوله: "وملئهم" بأن يكون الضمير إلى الذرية ويفيد ~~الكلام أن الذرية الضعفاء كانوا في إيمانهم يخافون الملأ والأشراف من بني ~~إسرائيل فإنهم ربما كانوا يمنعونهم لعدم إيمانهم أنفسهم أو تظاهروا بذلك ~~ليرضوا به فرعون وقومه ويطيبوا أنفسهم فلا يضيقوا عليهم وينقصوا من إيذائهم ~~والتشديد عليهم. # وأما ما قيل: إن الضمير راجع إلى فرعون لأنه ذو أصحاب أو للذرية لأنهم ~~كانوا من القبط فمما لا يصار إليه البتة وخاصة أول الوجهين. # وقوله: "أن يفتنهم" أي يعذبهم ms3698 ليعودوا إلى ملته وقوله: "وإن فرعون لعال ~~في الأرض" أي والظرف هذا الظرف وهو أن فرعون عال في الأرض مسرف في الأمر. # فالمعنى - والله أعلم - فتفرع على قصة بعثهما واستكبار فرعون وملئه أنه ~~لم يؤمن بموسى إلا ضعفاء من بني إسرائيل وهم يخافون ملأهم ويخافون فرعون أن ~~يعذبهم لإيمانهم وكان ينبغي لهم ومن شأنهم أن يخافوا فإن فرعون كان يومئذ ~~عاليا في الأرض مسلطا عليهم وإنه كان من المسرفين لا يعدل فيما يحكم ويجاوز ~~الحد في الظلم والتعذيب. # ولو صح أن يراد بقومه كل من بعث إليهم موسى وبلغهم الرسالة وهم القبط ~~وبنو إسرائيل استقام الكلام من طريق آخر من غير حاجة إلى ما تقدم من ~~تكلفاتهم. # قوله تعالى: وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين" لما كان الإيمان بالله بما يفيده للمؤمن من العلم بمقام ربه ولو ~~إجمالا وأنه سبب فوق الأسباب إليه ينتهي كل سبب، وهو المدبر لكل أمر، يدعوه ~~إلى تسليم الأمر إليه والتجنب عن الاعتماد بظاهر ما يمكنه التسبب به من ~~الأسباب فإنه من الجهل، ولازم ذلك إرجاع الأمر إليه والتوكل عليه، وقد ~~أمرهم في الآية بالتوكل على الله، علقه أولا على الشرط الذي هو الإيمان ثم ~~تمم الكلام بالشرط الذي هو الإسلام. # فالكلام في تقدير: إن كنتم آمنتم بالله ومسلمين له فتوكلوا عليه. # وقد فرق بين الشرطين ولعله لم يجمع بينهما فيقول: "إن كنتم آمنتم وأسلمتم ~~فتوكلوا" لاختلاف الشرطين بحسب الحال فقد كان الإيمان واقعا محرزا منهم، ~~وأما الإسلام فهو من كمال الإيمان، وليس من الواجب الضروري أن يكون كل مؤمن ~~مسلما بل من الأولى الأحرى أن يكمل إيمانه بالإسلام. # فالتفريق بين الشرطين للإشعار بكون أحدهما واجبا واقعا منهم، والآخر مما ~~ينبغي لهم أن يتحققوا به فالمعنى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله - وقد آمنتم ~~- وكنتم مسلمين له - وينبغي أن تكونوا كذلك - فتوكلوا على الله ففي الكلام ~~من لطيف الصنعة ما لا يخفى. # قوله تعالى: "فقالوا على الله توكلنا ms3699 ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين" إلى آخر الآيتين، إنما توكلوا على الله لينجيهم من فرعون وملئه ~~فدعاؤهم بما دعوا به من قولهم: "ربنا لا تجعلنا فتنة" إلخ، سؤال منهم نتيجة ~~توكلهم وهو أن ينزع الله منهم لباس الضعف والذلة، وينجيهم من القوم ~~الكافرين. # أما الأول فقد أشاروا إليه بقولهم: "ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين" ~~وذلك أن الذي يغري الأقوياء الظالمين على الضعفاء المظلومين هو ما يشاهدون ~~فيهم من الضعف فيفتتنون به فيظلمونهم فالضعيف بما له من الضعف فتنة للقوي ~~الظالم كما أن الأموال والأولاد بما عندها من جاذبة الحب فتنة للإنسان قال ~~تعالى: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة:" التغابن: - 15، والدنيا فتنة لطالبها ~~فسؤالهم ربهم أن لا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين سؤال منهم أن يسلبهم الضعف ~~والذلة بسلب الغرض منه وهو سلب الشيء بسلب سببه. # وأما الثاني أعني التنجية فهو الذي ذكره حكاية عنهم في الآية الثانية: ~~"ونجنا برحمتك من القوم الكافرين". # قوله تعالى: "وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا" إلخ، ~~التبوي أخذ المسكن والمنزل، ومصر بلد فرعون، والقبلة في الأصل بناء نوع من ~~المصدر كجلسة أي الحالة التي يحصل بها التقابل بين الشيء وغيره فهو مصدر ~~بمعنى الفاعل أي اجعلوا بيوتكم متقابلة يقابل بعضها بعضا وفي جهة واحدة ~~وكان الغرض أن يتمكنا منهم بالتبليغ ويتمكنوا من إقامة الصلاة جماعة كما ~~يدل عليه أو يشعر به قوله بعده: "وأقيموا الصلاة" لوقوعه بعده. PageV10P059 # وأما قوله: "وبشر المؤمنين" فالسياق يدل على أن المراد به البشارة بإجابة ~~ما سألوه في دعائهم المذكور آنفا: "ربنا لا تجعلنا فتنة" إلى آخر الآيتين. # والمعنى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما مساكن من البيوت في ~~مصر - وكأنهم لم يكونوا إلى ذاك الحين إلا كهيئة البدويين يعيشون في ~~الفساطيط أو عيشة تشبهها - واجعلا أنتما وقومكما بيوتكم متقابلة وفي جهة ~~واحدة يتصل بذلك بعضكم ببعض ويتمشى أمر التبليغ والمشاورة والاجتماع في ~~الصلوات، وأقيموا الصلاة وبشر يا موسى أنت المؤمنين بأن الله سينجيهم من ~~فرعون وقومه. ms3700 # قوله تعالى: "وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا" إلخ، ~~الزينة بناء نوع من الزين وهي الهيأة التي تجذب النفس إلى الشيء، والنسبة ~~بين الزينة والمال العموم من وجه فبعض الزينة ليس بمال يبذل بإزائه الثمن ~~كحسن الوجه واعتدال القامة، وبعض المال ليس بزينة كالأنعام والأراضي، وبعض ~~المال زينة كالحلي والتقابل الواقع بين الزينة والمال يعطي أن يكون المراد ~~بالزينة جهة الزينة من غير نظر إلى المالية كالحلي والرياش والأثاث ~~والأبنية الفاخرة وغيرها. # وقوله: "ربنا ليضلوا عن سبيلك" قيل اللام للعاقبة، والمعنى وعاقبة أمرهم ~~أنهم يضلون عن سبيلك ولا يجوز أن يكون لام الغرض لأنا قد علمنا بالأدلة ~~الواضحة أن الله سبحانه لا يبعث الرسول ليأمر الخلق بالضلال ولا يريد أيضا ~~منهم الضلال، وكذلك لا يؤتيهم المال ليضلوا. # انتهى. # وهو حق لكن في الإضلال الابتدائي المستحيل عليه تعالى، وأما الإضلال ~~بعنوان المجازاة ومقابلة السوء بالسوء فلا دليل على امتناعه على الله ~~سبحانه بل يثبته كلامه في موارد كثيرة، وقد كان فرعون وملؤه مصرين على ~~الاستكبار والإفساد ملحين على الإجرام فلا مانع من أن يؤتيهم الله بذلك ~~زينة وأموالا ليضلوا عن سبيله جزاء بما كسبوا. # وربما قيل: إن اللام في "ليضلوا" للدعاء، وربما قيل: إن الكلام بتقدير لا ~~أي لئلا يضلوا عن سبيلك، والسياق لا يساعد على شيء من الوجهين. # والطمس - كما قيل - تغير إلى الدثور والدروس فمعنى "اطمس على أموالهم" ~~غيرها إلى الفناء والزوال، وقوله: "واشدد على قلوبهم" من الشد المقابل للحل ~~أي أقس قلوبهم واربط عليها ربطا لا ينشرح للحق فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم فهو الطبع على القلوب، وقول بعضهم: إن المراد بالشد تثبيتهم على ~~المقام بمصر بعد الطمس على أموالهم ليكون ذلك أشد عليهم وآلم، وكذا قول ~~آخرين: إنه كناية عن إماتتهم وإهلاكهم من الوجوه البعيدة. # فمعنى الآية: وقال موسى - وكان ذلك بعد يأسه من إيمان فرعون وملئه ويقينه ~~بأنهم لا يدومون إلا على الضلال والإضلال كما يدل عليه سياق كلامه في دعائه ~~- ربنا ms3701 إنك جازيت فرعون وملأه على كفرهم وعتوهم جزاء السوء فآتيتهم زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا إرادة منك لأن يضلوا من اتبعهم عن سبيلك، ~~وإرادتك لا تبطل وغرضك لا يلغو ربنا أدم على سخطك عليهم واطمس على أموالهم ~~وغيرها عن مجرى النعمة إلى مجرى النقمة واجعل قلوبهم مشدودة مربوطة فلا ~~يؤمنوا حتى يقفوا موقفا لا ينفعهم الإيمان وهو زمان يرون فيه العذاب ~~الإلهي. # وهذا الدعاء من موسى (عليه السلام) على فرعون وملئه إنما هو بعد يأسه ~~التام من إيمانهم، وعلمه أنه لا يترقب منهم في الحياة إلا أن يضلوا ويضلوا ~~كدعاء نوح على قومه فيما حكاه الله: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا:" نوح: - 27، ~~وحاشا ساحة الأنبياء (عليهم السلام) أن يتكلموا على الخرص والمظنة في موقف ~~يشافهون فيه رب العالمين جلت كبرياؤه وعز شأنه. # قوله تعالى: "قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون" الخطاب - على ما يدل عليه السياق - لموسى وهارون ولم يحك الدعاء في ~~الآية السابقة إلا عن موسى، وهذا يؤيد ما ذكره المفسرون: أن موسى (عليه ~~السلام) كان يدعو، وكان هارون يؤمن له وآمين دعاء فقد كانا معا يدعوان وإن ~~كان متن الدعاء لموسى (عليه السلام) وحده. PageV10P060 # والاستقامة هو الثبات على الأمر، وهو منهما (عليه السلام) الثبات على ~~الدعوة إلى الله وعلى إحياء كلمة الحق، والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة من ~~شعب إسرائيل وقد وصفهم موسى (عليه السلام) بالجهل كما في قوله: "قال إنكم ~~قوم تجهلون:" الأعراف: - 138. # والمعنى: "قال" الله مخاطبا لموسى وهارون "قد أجيبت دعوتكما" من سؤال ~~العذاب الأليم لفرعون وملئه، والطمس على أموالهم والشد على قلوبهم ~~"فاستقيما" واثبتا على ما أمرتما به من الدعوة إلى الله وإحياء كلمة الحق ~~"ولا تتبعان" البتة "سبيل الذين لا يعلمون" بإجابة ما يقترحون عليكما عن ~~أهواء أنفسهم ودواعي شهواتهم، وفيه نوع تلويح إلى أنهم سيسألون أمورا فيها ~~إحياء سنتهم القومية وسيرتهم الجاهلية. # وبالجملة فالآية ms3702 تذكر إجابة دعوتهما المتضمنة لعذاب فرعون وملئه وعدم ~~توفيقهم للإيمان ووعدهما بذلك ولذلك ذكر في الآية التالية وفاؤه تعالى بهذا ~~الوعد بخصوصيته التي فيه. # ولم يكن في الدعاء ما يدل على مسألة الفور أو التراخي في القضاء عليهم ~~بالعذاب وعلى ذلك جرى أيضا سياق الآية الدالة على القبول والإجابة وكذا ~~الآية المخبرة عن كيفية إنجازه، وقد نقل في المجمع، عن ابن جريح: أن فرعون ~~مكث بعد هذا الدعاء أربعين سنة: قال: وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام)، ورواه عنه (عليه السلام) في الإحتجاج، وكذا في الكافي، وتفسير ~~العياشي، عن هشام بن سالم عنه (عليه السلام) وفي تفسير القمي، عن أبيه عن ~~النوفلي عن السكوني عنه (عليه السلام). # قوله تعالى: "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ~~وعدوا" إلى آخر الآية، البغي والعدو كالعدوان الظلم وإدراك الشيء اللحوق به ~~والتسلط عليه كما أن إتباع الشيء طلب اللحوق به. # وقوله: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل" أي آمنت بأنه. # وقد وصف الله بالذي آمنت به بنو إسرائيل ليظفر بما ظفروا به بإيمانهم وهو ~~مجاوزة البحر والأمان من الغرق، ولذلك أيضا جمع بين الإيمان والإسلام ليزيل ~~بذلك أثر ما كان يصر عليه من المعصية وهو الشرك بالله والاستكبار على الله، ~~والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ءالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين" آلآن بالمد أصله ~~أالآن أي أتؤمن بالله الآن وهو حين أدركك العذاب ولا إيمان وتوبة حين غشيان ~~العذاب ومجيء الموت من كل مكان، وقد عصيت قبل هذا وكنت من المفسدين، وأفنيت ~~أيامك في معصيته، ولم تقدم التوبة لوقتها فما ذا ينفعك الإيمان بعد فوت ~~وقته وهذا هو الذي كان موسى وهارون سألاه ربهما أن يأخذه بعذاب أليم ويسد ~~سبيله إلى الإيمان إلا حين يغشاه العذاب فلا ينفعه الإيمان ولا تغني عنه ~~التوبة شيئا. # قوله تعالى: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس ~~عن آياتنا لغافلون" التنجية والإنجاء تفعيل وإفعال من النجاة ms3703 كالتخليص ~~والإخلاص من الخلاص وزنا ومعنى. # وتنجيته ببدنه تدل على أن له أمرا آخر وراء البدن فقده بدنه بغشيان ~~العذاب وهو النفس التي تسمى أيضا روحا، وهذه النفس المأخوذة هي التي ~~يتوفاها الله ويأخذها حين موتها كما قال تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها:" الزمر: - 42، وقال: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم:" الم ~~السجدة: - 11، وهي التي يخبر عنها الإنسان بقوله: "أنا" وهي التي بها تتحقق ~~للإنسان إنسانيته، وهي التي تدرك وتريد وتفعل الأفعال الإنسانية بواسطة ~~البدن بما له من القوى والأعضاء المادية، وليس للبدن إلا أنه آلة وأداة ~~تعمل بها النفس أعمالها المادية. # ولمكان الاتحاد الذي بينها وبين البدن يسمى باسمها البدن وإلا فأسماء ~~الأشخاص في الحقيقة لنفوسهم لا لأبدانهم، وناهيك في ذلك التغير المستمر ~~الذي يعرض البدن مدة الحياة، والتبدل الطبيعي الذي يطرء عليه حينا بعد حين ~~حتى ربما تبدل البدن بجميع أجزائه إلى أجزاء أخر تتركب بدنا آخر فلو كان ~~زيد هو البدن الذي ولدته أمه يوم ولدته والاسم له لكان غيره وهو ذو سبعين ~~وثمانين قطعا والاسم لغيره حتما، ولم يثب ولم يعاقب الإنسان وهو شائب على ~~ما عمله وهو شاب لأن الطاعة والمعصية لغيره. PageV10P061 # فهذه وأمثالها شواهد قطعية على أن إنسانية الإنسان بنفسه دون بدنه، ~~والأسماء للنفوس لا للأبدان يدركها الإنسان ويعرفها إجمالا وإن كان ربما ~~أنكرها في مقام التفصيل. # وبالجملة فالآية: "اليوم ننجيك ببدنك" كالصريح أو هو صريح في أن النفوس ~~وراء الأبدان، وأن الأسماء للنفوس دون الأبدان إلا ما يطلق على الأبدان ~~بعناية الاتحاد. # فمعنى "ننجيك ببدنك" نخرج بدنك من أليم وننجيه، وهو نوع من تنجيتك - لما ~~بين النفس والبدن من الاتحاد القاضي بكون العمل الواقع على أحدهما واقعا ~~بنحو على الآخر - لتكون لمن خلفك آية، وهذا بوجه نظير قوله تعالى: "منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم:" طه: - 55 فإن الذي يعاد إلى الأرض هو جسد الإنسان ~~دون الإنسان التام فليست نسبة الإعادة إلى الإنسان إلا لما بين نفسه وبدنه ~~من الاتحاد. # وقد ذكر المفسرون ms3704 أن الإنجاء والتنجية لما كان دالا بلفظه على سلامة الذي ~~أنجي إنجاء كان مفاد قوله: "ننجيك" أن يكون فرعون خارجا من أليم حيا وقد ~~أخرجه الله ميتا فالمتعين أخذ قوله: "ننجيك" من النجوة وهي الأرض المرتفعة ~~التي لا يعلوها السيل، والمعنى اليوم نخرج بدنك إلى نجوة من الأرض. # وربما قال بعضهم إن المراد بالبدن الدرع، وقد كان لفرعون درع من ذهب يعرف ~~به فأخرجه الله فوق الماء بدرعه ليكون لمن خلفه آية وعبرة، وربما قال بعضهم ~~إن التعبير بالتنجية تهكم به. # والحق أن هذا كله تكلف لا حاجة إليه، ولم يقل: "ننجيك" وإنما قيل "ننجيك ~~ببدنك" ومعناه ننجي بدنك، والباء للآلية أو السببية، والعناية هي الاتحاد ~~الذي بين النفس والبدن. # على أن جعل ننجيك ببدنك" بمعنى نجعلك على نجوة من الأرض لا يفي بدفع ~~الإشكال من أصله فإن الذي جعل على نجوة هو بدن فرعون على قولهم، وهو غير ~~فرعون قطعا وإلا كان حيا سالما، ولا مناص إلا أن يقال: إن ذلك بعناية ~~الاتحاد الذي بين الإنسان وبدنه، ولو صححت هذه العناية إطلاق اسم الإنسان ~~على بدنه من غير نفس لكان لها أن تصحح نسبة التنجية إلى الإنسان من جهة ~~وقوع التنجية ببدنه، وخاصة مع وجود القرينة الدالة على أن المراد بالتنجية ~~هي التي للبدن دون التي للإنسان المستتبع لحفظ حياته وسلامته نفسا وبدنا، ~~والقرينة هي قوله: "ببدنك". # قوله تعالى: "ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات" أي ~~أسكناهم مسكن صدق، وإنما يضاف الشيء إلى الصدق نحو وعد صدق وقدم صدق ولسان ~~صدق ومدخل صدق ومخرج صدق للدلالة على أن لوازم معناه وآثاره المطلوبة منه ~~موجودة فيه صدقا من غير أن يكذب في شيء من آثاره التي يعدها بلسان دلالته ~~الالتزامية لطالبه فوعد صدق مثلا هو الوعد الذي سيفي به واعده، ويسر ~~بالوفاء به موعوده، ويحق أن يطمع فيه ويرجى وقوعه. # فإن لم يكن كذلك فليس بوعد صدق بل وعد كذب كأنه يكذب في معناه ولوازم معناه. # وعلى ms3705 هذا فقوله: "مبوأ صدق" يدل على أن الله سبحانه بوأهم مبوءا يوجد فيه ~~جميع ما يطلبه الإنسان من المسكن من مقاصد السكنى كطيب الماء والهواء ~~وبركات الأرض ووفور نعمها والاستقرار فيها وغير ذلك، وهذه هي نواحي بيت ~~المقدس والشام التي أسكن الله بني إسرائيل فيها وسماها الأرض المقدسة ~~المباركة وقد قص القرآن دخولهم فيها. # وأما قول بعضهم: إن المراد بهذا المبوء مصر دخلها بنو إسرائيل واتخذوا ~~فيها بيوتا فأمر لم يذكره القرآن. # على أنهم لو فرض دخولهم فيها ثانيا لم يستقروا فيها استقرارا مستمرا، ~~وتسمية ما هذا شأنه مبوأ صدق مما لا يساعد عليه معنى اللفظ. # والآية أعني قوله: "ولقد بوأنا بني إسرائيل - إلى قوله - من الطيبات" ~~مسوقة سوق الشكوى والعتبى، ويشهد به تذييلها بقوله: "فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم، وقوله: "إن ربك يقضي بينهم إلى آخر الآية بيان لعاقبة اختلافهم عن ~~علم وبمنزلة أخذ النتيجة من القصة. # والمعنى: أنا أتممنا على بني إسرائيل النعمة وبوأناهم مبوأ صدق ورزقناهم ~~من الطيبات بعد حرمانهم من ذلك مدة طويلة كانوا فيها في إسارة القبط فوحدنا ~~شعبهم وجمعنا شملهم فكفروا النعمة وفرقوا الكلمة واختلفوا في الحق، ولم يكن ~~اختلافهم عن عذر الجهل وإنما اختلفوا عن علم إن ربك يقضي بينهم فيما كانوا ~~فيه يختلفون. PageV10P062 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 94 - 103 # فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بئايت ~~الله فتكون من الخسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ~~ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الأليم (97) فلو لا كانت قرية ءامنت ~~فنفعها إيمنها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحيوة ~~الدنيا ومتعنهم إلى حين (98) ولو شاء ربك لامن من فى الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ما ذا ms3706 فى السموت ~~والأرض وما تغنى الايت والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل ~~أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين (102) ثم ننجى ~~رسلنا والذين ءامنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات الاستشهاد على حقية ما أنزله الله في السورة من المعارف ~~الراجعة إلى المبدإ والمعاد وما قصة من قصص الأنبياء وأممهم - ومنهم نوح ~~وموسى ومن بينهما من الأنبياء (عليهم السلام) وأممهم - إجمالا بما قرأه أهل ~~الكتب السماوية فيها قبل نزول القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # ثم تذكر ما هو كالفذلكة والمعنى المحصل من البيانات السابقة وهو أن الناس ~~لن يملكوا من أنفسهم أن يؤمنوا بالله وآياته إلا بإذن الله، وإنما يأذن ~~الله في إيمان من لم يطبع على قلبه ولم يجعل الرجس عليه وإلا فمن حقت عليه ~~كلمة الله لن يؤمن بالله وآياته حتى يرى العذاب. # فالسنة الجارية أن الناس منذ خلقوا واختلفوا بين مكذب بآيات الله ومصدق ~~لها، وقد جرت سنة الله على أن يقضي فيهم بالحق بعد مجيء رسلهم إليهم فينجي ~~الرسل والمؤمنين بهم، ويأخذ غيرهم بالهلاك. # قوله تعالى: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك" إلى آخر الآية الشك الريب، ~~والمراد بقوله: "مما أنزلنا إليك" المعارف الراجعة إلى المبدإ والمعاد ~~والسنة الإلهية في القضاء على الأمم مما تقدم في السورة، وقوله: "يقرءون ~~الكتاب من قبلك" "يقرءون" فعل مضارع استعمل في الاستمرار و"من قبلك" حال من ~~الكتاب عامله متعلقة المقدر، والتقدير منزلا من قبلك. # كل ذلك على ما يعطيه السياق. # والمعنى "فإن كنت" أيها النبي "في شك" وريب "مما أنزلنا إليك" من المعارف ~~الراجعة إلى المبدإ والمعاد وما قصصنا عليك إجمالا من قصص الأنبياء الحاكية ~~لسنة الله الجارية في خلقه من الدعوة أولا ثم القضاء بالحق "فاسأل" أهل ~~الكتاب "الذين" لا يزالون "يقرءون" جنس "الكتاب" منزلا من السماء "من قبلك" ~~أقسم "لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" المترددين. # وهذا لا يستلزم وجود ريب ms3707 في قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ~~تحقق شك منه فإن هذا النوع من الخطاب كما يصح أن يخاطب من يجوز عليه الريب ~~والشك كذلك يصح أن يخاطب به من هو على يقين من القول وبينه من الأمر على ~~نحو التكنية عن كون المعنى الذي أخبر به المخبر مما تعاضدت عليه الحجج ~~وتجمعت عليه الآيات فإن فرض من المخاطب أو السامع شك في واحدة منها كان له ~~أن يأخذ بالأخرى. # وهذه طريقة شائعة في عرف التخاطب والتفاهم يأخذ بها العقلاء فيما بينهم ~~جريا على ما تدعوهم إليه قرائحهم ترى الواحد منهم يقيم الحجة على أمر من ~~الأمور ثم يقول: فإن شككت في ذلك أو سلمنا أنها لا توجب المطلوب فهناك حجة ~~أخرى على ذلك وهي أن كذا كذا وذلك كناية عن أن الحجج متوفرة متعاضدة ~~كالدعائم المضروبة على ما لا يحتاج إلى أزيد من واحد منها لكن الغرض من ~~تكثيرها هو أن تكون العريشة قائمة عليها على تقدير قيام الكل والبعض. PageV10P063 # فيئول معنى الكلام إلى أن هذه معارف بينها الله لك بحجج تضطر العقول إلى ~~قبولها وقصص تحكي سنة الله في خلقه والآثار تدل عليها، بينها في كتاب لا ~~ريب فيه، فعلى ما بينه حجة وهناك حجة أخرى وهي أن أهل الكتب السماوية ~~الموفين لها حق قراءتها يجدون ذلك فيما يقرءونه من الكتاب فهناك مبدأ ~~ومعاد، وهناك دين إلهي بعث به رسله يدعون إليه، ولم يدعوا أمة من الأمم إلا ~~انقسموا قبيلين مؤمن ومكذب فأنزل الله آية فاصلة بين الحق والباطل وقضى بينهم. # وهذا أمر لا يسع أهل الكتاب أن ينكروه، وإنما كانوا ينكرون بشارات النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض ما يختص به الإسلام من المعارف وما غيروه ~~في الكتب من الجزئيات، ومن لطيف الإشارة أن الله سبحانه لم يذكر في القصص ~~المذكورة في هذه السورة قصة هود وصالح لعدم تعرض التوراة الموجودة عندهم ~~لقصتهما وكذا قصة شعيب وقصة المسيح لعدم توافق أهل الكتاب عليها وليس ms3708 إلا ~~لمكان أن يستشهد في هذه الآية بما لا يمتنعون من تصديقه. # فهذه الآية في إلقاء الحجة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزانها ~~وزان قوله تعالى: "أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل:" الشعراء: ~~- 197 في إلقاء الحجة إلى الناس. # على أن السورة من أوائل السور النازلة بمكة، ولم تشتد الخصومة يومئذ بين ~~المسلمين وأهل الكتاب وخاصة اليهود اشتدادها بالمدينة، ولم يركبوا بعد من ~~العناد واللجاج ذاك المركب الصعب الذي ركبوه بعد هجرة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، ونشوب الحروب بينهم وبين المسلمين حتى بلغوا المبلغ الذي ~~قالوا: "ما أنزل الله على بشر من شيء:" الأنعام: - 91. # فهذا ما يعطيه سياق الآية من المعنى، وأظنك إن أمعنت في تدبر الآية وسائر ~~الآيات التي تناسبها مما يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحقية ما ~~نزل إليه من ربه، ويتحدى على البشر بعجزهم عن إتيان مثله، وما يصف النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه على بصيرة من أمره، وأنه على بينه من ربه ~~أقنعك ذلك فيما قدمناه من المعنى، وأغناك عن التمحلات التي ارتكبوها في ~~تفسير الآية بما لا جدوى في نقلها والبحث عنها. # قوله تعالى: "ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين" ~~نهى عن الارتياب والامتراء أولا ثم ترقى إلى النهي عن التكذيب بآيات الله ~~وهو العناد مع الحق استكبارا على الله فإن الآية لا تكون آية إلا مع وضوح ~~دلالتها وظهور بيانها وتكذيب ما هذا شأنه لا يكون مبينا إلا على العناد ~~واللجاج. # وقوله: "فتكون من الخاسرين" تفريع على التكذيب بآيات الله فهو نتيجته ~~وعاقبته فهو المنهي عنه بالحقيقة. # والمعنى: ولا تكن من الخاسرين، والخسران زوال رأس المال بانتقاصه أو ذهاب ~~جميعه، وهو الإيمان بالله وآياته الذي هو رأس مال الإنسان في سعادة حياته ~~في الدنيا والآخرة على ما يستفاد من الآية التالية حيث يعلل خسرانهم بأنهم ~~لا يؤمنون. # قوله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم ms3709 كل آية" ~~إلخ، تعليل للنهي السابق ببيان ما للمنهي عنه من الشأن فإن أصل النظم بحسب ~~المعنى المستفاد من السياق أن يقال: لا تكونن من المكذبين لأن المكذبين لا ~~يؤمنون فيكونون خاسرين لأن رأس مال السعادة هو الإيمان فوضع قوله "الذين ~~حقت عليهم كلمة ربك" موضع "المكذبين" للأدلة على سبب الحكم وأن المكذبين ~~إنما يخسرون لأن كلمة الله سبحانه تحق عليهم فالأمر على كل حال إلى الله ~~سبحانه. # والكلمة الإلهية التي حقت على المكذبين بآيات الله هي قوله يوم شرع ~~الشريعة العامة لآدم وزوجته فمن بعدهما من ذريتهما: "قلنا اهبطوا منها ~~جميعا - إلى قوله - والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون:" البقرة: - 39. # وهذا هو الذي يريده بقوله في مقام بيان سبب خسران المكذبين: إن الذين حقت ~~عليهم كلمة ربك" وهم المكذبون حقت عليهم كلمة العذاب فهم "لا يؤمنون" ولذلك ~~كانوا خاسرين لأنهم ضيعوا رأس مال سعادتهم وهو الإيمان فحرموه وحرموا ~~بركاته في الدنيا والآخرة، وإذ حق عليهم أنهم لا يؤمنون فلا سبيل لهم إلى ~~الإيمان ولو جاءتهم كل آية "حتى يروا العذاب الأليم" ولا فائدة في الإيمان ~~الاضطراري. PageV10P064 # وقد كرر الله سبحانه في كلامه هذا القول واستتباعه للخسران وعدم الإيمان ~~كقوله: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون:" يس: - 7، وقوله: "لينذر ~~من كان حيا ويحق القول على الكافرين:" يس: - 70 أي بتكذيبهم بالآيات ~~المستتبع لعدم إيمانهم فخسرانهم، وقوله: "وحق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس أنهم كانوا خاسرين:" حم السجدة: - 25 إلى غير ذلك. # وقد ظهر من الآيات أولا أن العناد مع الحق والتكذيب بآيات الله يحق كلمة ~~العذاب الخالد على الإنسان. # وثانيا: أن رأس مال سعادة الحياة للإنسان هو الإيمان. # وثالثا: أن كل إنسان فهو مؤمن لا محالة إما إيمانا اختياريا مقبولا يسوقه ~~إلى سعادة الحياة الدنيا والآخرة، وإما إيمانا اضطراريا غير مقبول حيثما ~~يرى العذاب الأليم. # قوله تعالى: "فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ms3710 ~~آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي" إلخ، ظاهر السياق أن لو لا للتحضيض، وأن ~~المراد بقوله: "آمنت" الإيمان الاختياري الصحيح كما يشعر به قوله بعده: ~~"فنفعها إيمانها" ولوقوع التحضيض على أمر ماض لم يتحقق أفادت الجملة معنى ~~اليأس المساوق للنفي فاستقام الاستثناء الذي في قوله: "إلا قوم يونس". # والمعنى: هلا كانت قرية - من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم - آمنت ~~قبل نزول العذاب إيمانا اختياريا فنفعها إيمانها. # لا ولم يؤمن إلا قوم يونس لما آمنت كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم بالحياة إلى حين آجالهم العادية الطبيعية. # ومنه يعلم أن الاستثناء متصل. # وذكر بعضهم أن المعنى لم يكن فيما خلا أن يؤمن أهل قرية بأجمعهم حتى لا ~~يشذ منهم أحد إلا قوم يونس فهلا كانت القرى كلها هكذا. # وفيه أنه في نفسه معنى لا بأس فيه إلا أن الآية بلفظها لا تنطبق عليه بما ~~فيه من الخصوصيات وهو ظاهر. # وذكر بعض آخر: أن المعنى لم يكن معهودا من حال قرية من القرى أن يكفر ثم ~~يؤمن فينفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنت كشفنا عنهم العذاب ومتعناهم. # والإشكال عليه كالإشكال على سابقه. # قوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" أي لكنه لم يشأ ~~ذلك فلم يؤمن جميعهم ولا يؤمن فالمشيئة في ذلك إلى الله سبحانه ولم يشأ ذلك ~~فلا ينبغي لك أن تطمع فيه ولا أن تجتهد لذلك لأنك لا تقدر على إكراههم ~~وإجبارهم على الإيمان، والإيمان الذي نريده منهم هو ما كان عن حسن الاختيار ~~لا ما كان عن إكراه وإجبار. # ولذلك قال بعد ذلك في صورة الاستفهام الإنكاري: "أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين" أي بعد ما بينا أن أمر المشية إلى الله وهو لم يشأ إيمان ~~جميع الناس فلا يؤمنون باختيارهم البتة لم يبق لك إلا أن تكره الناس ~~وتجبرهم على الإيمان، وأنا أنكر ذلك عليك فلا أنت تقدر على ذلك ولا أنا ~~أقبل الإيمان الذي هذا نعته. # قوله تعالى: "وما كان ms3711 لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين ~~لا يعقلون" لما ذكر في الآية السابقة أن الأمر إلى الله سبحانه لو شاء أن ~~يؤمن أهل الأرض جميعا لآمنوا لكنه لم يشأ فلا مطمع في إيمان الجميع زاد في ~~هذه الآية في بيان ذلك ما محصله أن الملك - بالكسر - لله فله أصالة التصرف ~~في كل أمر لا يشاركه في ذلك مشارك إلا أن يأذن لبعض ما خلقه في بعض ~~التصرفات. # والإيمان بالله عن اختيار والاهتداء إليه أمر من الأمور يحتاج في تحققه ~~إلى سبب يخصه، ولا يؤثر هذا السبب ولا يتصرف في الكون بإيجاد مسببه إلا عن ~~إذن من الله سبحانه في ذلك لكن الله سبحانه بجعل الرجس والضلال على أهل ~~العناد والجحود لم يأذن في إيمانهم، ولا رجاء في سعادتهم. # ولو أنه تعالى أذن في ذلك لأحد لأذن في إيمان غير أولئك المكذبين فقوله: ~~"وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله" حكم عام حقيقي ينيط تملك النفوس ~~للإيمان إلى إذن الله، وقوله: "ويجعل الرجس" إلخ، يسلب عن الذين لا يعقلون ~~استعداد حصول الإذن فيبقى غيرهم. # وقد أريد في الآية بالرجس ما يقابل الإيمان من الشك والريب بمعنى أنه هو ~~المصداق المنطبق عليه الرجس في المقام لما قوبل بالإيمان، وقد عرف في قوله ~~تعالى: "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون:" الأنعام: - 125. PageV10P065 # وقد أريد أيضا بقوله: "الذين لا يعقلون" أهل التكذيب بآيات الله من جهة ~~أنهم ممن حقت عليه كلمة العذاب فإنهم الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا ~~يعقلون قال: "وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون:" التوبة: - 93. # قوله تعالى: "قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض" أي من المخلوقات ~~المختلفة المتشتتة التي كل واحد منها آية من آيات الله تعالى تدعو إلى ~~الإيمان، وقوله: "وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" ظاهره أن "ما" ~~استفهامية والجملة مسوقة بداعي الإنكار وإظهار الأسف كقول ms3712 الطبيب: بما ذا ~~أعالج الموت؟ أي أنا أمرناك أن تنذرهم بقولنا: "قل انظروا ما ذا في ~~السموات" إلخ، لكن أي تأثير للنذر فيهم أو للآيات فيهم وهم لا يؤمنون أي ~~عازمون مجمعون على أن لا يؤمنوا بالطبع الذي على قلوبهم وربما قيل: إن ما نافية. # قوله تعالى: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم" تفريع على ~~ما في الآية السابقة من قوله: "وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" ~~أي إذا لم تغن الآيات والنذر عنهم شيئا وهم لا يؤمنون البتة فهم لا ينتظرون ~~إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم، وإنما يحبسون نفوسهم لآية العذاب الإلهي ~~التي تفصل بينك وبينهم فتقضي عليهم لأنهم حقت عليهم كلمة العذاب. # ولذا أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم ذلك بقوله: "قل ~~فانتظروا" أي مثل أيام الذين خلوا من قبلكم يعني يوم العذاب الذي يفصل بيني ~~وبينكم فتؤمنون ولا ينفعكم إيمانكم "إني معكم من المنتظرين". # وقد تبين بما مر أن الاستفهام في الآية إنكاري. # قوله تعالى: "ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا" الجملة تتمة صدر الآية السابقة ~~وقوله: "قل فانتظروا "إلخ، جملة معترضة والنظم الأصلي بحسب المعنى "فهل ~~ينتظرون" أي قومك هؤلاء "إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم" من الأمم الذين ~~كانت تحق عليهم كلمة العذاب فنرسل إليهم آية العذاب "ثم ننجي رسلنا والذين ~~آمنوا". # وإنما اعترض بقوله: "قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين" بين الكلام لأنه ~~يتعلق بالجزء الذي يتقدمه من مجموع الكلام المستفهم عنه فإنه المناسب لأن ~~يجعل جوابا لهم، وهو يتضمن انتظار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للقضاء ~~بينه وبينهم، وأما تنجيته وتنجية المؤمنين به فإن المنتظر لها هو النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون لا هو وحده ولا يتعلق هذا الانتظار ~~بفصل القضاء بل بالنجاة من العذاب وهو مع ذلك لا يتعلق به غرض في المقام ~~الذي سيق فيه الكلام لإنذار المشركين لا لتبشير النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والمؤمنين فافهم ms3713 ذلك. # وأما قوله: "كذلك حقا علينا ننج المؤمنين" فمعناه كما كنا ننجي الرسل ~~والذين آمنوا في الأمم السابقة عند نزول العذاب كذلك ننجي المؤمنين بك من ~~هذه الأمة حق علينا ذلك حقا، فقوله: "حقا علينا" مفعول مطلق قام مقام فعله ~~المحذوف، واللام في "المؤمنين" للعهد والمراد به مؤمنوا هذه الأمة، وهذا هو ~~الوعد الجميل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين من هذه الأمة ~~بالإنجاء. # وليس من البعيد أن يستفاد من قوله: "ننج المؤمنين" أن فيه تلويحا إلى أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدرك هذا القضاء، وإنما يقع بعد ~~ارتحاله حيث ذكر المؤمنون ولم يذكر معهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مع أنه تعالى ذكر في السابقين رسله مع المؤمنين بهم كما ربما يخطر بالبال ~~من تكرر قوله تعالى في كلامه: "فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون" أو ما في معناه. PageV10P066 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن محمد بن سعيد الأسدي أن موسى بن محمد بن الرضا ~~أخبره أن يحيى بن أكثم كتب إليه يسأله عن مسائل: أخبرني عن قول الله تبارك ~~وتعالى: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك - فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك" من المخاطب بالآية؟ فإن كان المخاطب فيها النبي فقد شك فيما أنزل ~~الله، وإن كان المخاطب بها غيره فعلى غيره إذا نزل الكتاب. قال موسى: فسألت ~~أخي عن ذلك. قال: فأما قوله: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك - فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك" فإن المخاطب بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ولم يكن في شك مما أنزل الله، ولكن قالت الجهلة: كيف لم يبعث إلينا ~~نبيا من الملائكة؟ أنه لم يفرق بينه وبين غيره في الاستغناء في المأكل ~~والمشرب والمشي في الأسواق فأوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك بمحضر الجهلة هل بعث الله رسولا من قبلك ~~إلا وهو يأكل الطعام ويشرب ويمشي في ms3714 الأسواق؟ ولك بهم أسوة. وإنما قال: فإن ~~كنت في شك، ولم يكن ولكن ليتبعهم كما قال له: "قل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم - ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم - ثم نبتهل فنجعل لعنة الله ~~على الكاذبين"، ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم لم يكونوا ~~يجيئون للمباهلة، وقد عرف أن نبيه مؤد عنه رسالته وما هو من الكاذبين، كذلك ~~عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه صادق فيما يقول ولكن أحب أن ينصف ~~من نفسه: أقول: ورواه الصدوق في المعاني، بإسناده عن موسى بن محمد بن علي، ~~وهو يرجع إلى ما قدمناه، وقد ورد في بعض الروايات أن الآية نزلت ليلة ~~المعراج فأمره الله أن يسأل أرواح الأنبياء عن ذلك، وهم الذين أرادهم ~~بقوله: "الذين يقرءون الكتاب من قبلك" وروي الوجه أيضا عن الزهري لكن في ~~انطباقه على لفظ الآية خفاء. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: ذكر ~~لنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا أشك ولا أسأل. # وفي تفسير العياشي، عن معمر قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): إن ~~يونس أمره الله بما أمره فأعلم قومه فأظلهم العذاب ففرقوا بينهم وبين ~~أولادهم وبين البهائم وأولادها ثم عجوا إلى الله وضجوا فكف الله العذاب عنهم. # الحديث. # أقول: وسيأتي إن شاء الله قصة يونس وقومه في ذيل بعض الآيات المتعرضة ~~لتفصيل قصته (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن علي بن أبي ~~طالب قال: إن الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء يرد القدر، وذلك في كتاب ~~الله: "إلا قوم يونس لما آمنوا - كشفنا عنهم عذاب الخزي" الآية:. أقول: ~~وروي ما في معناه عن ابن النجار عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الكافي، والبصائر، مسندا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: الرجس هو الشك ولا نشك في ديننا أبدا. PageV10P067 ### ||| AUTO 10 سورة يونس - 104 - 109 # قل يأيها ms3715 الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ~~ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن أقم وجهك ~~للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ~~ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظلمين (106) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو ~~الغفور الرحيم (107) قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما ~~يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحكمين (109) ### |||| AUTO بيان # الآيات، ختام السورة تفرغ المحصل من بياناتها فتشير إجمالا إلى التوحيد ~~والمعاد والنبوة، وتأمر باتباع القرآن والصبر في انتظار حكم الله بينه وبين أمته. # قوله تعالى: "قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني" إلخ، قد تقدم غير ~~مرة أن الدين هو السنة المعمول بها في الحياة لنيل سعادتها وفيه معنى ~~الطاعة كما في قوله تعالى: "وأخلصوا دينهم لله:" النساء: - 146 وربما ~~استعمل بمعنى الجزاء. # وقوله: "إن كنتم في شك من ديني" أي في طريقتي التي أسلكها وأثبت عليها ~~وشك الإنسان في دين غيره وطريقته المعمولة له إنما يكون في ثباته عليه هل ~~يستقر عليه ويستقيم؟ وقد كان المشركون يطمعون في دينه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وربما رجوا أن يحولوه عنه فينجوا من دعوته إلى التوحيد ورفض الشرك ~~بالآلهة. # فالمعنى: إن كنتم تشكون فيما أدين به وأدعو إليه هل أستقيم عليه؟ أو ~~شككتم في ديني ما هو؟ ولم تحصلوا الأصل الذي يبتني عليه فإني أصرح لكم ~~القول فيه وأبينه لكم وهو أني لا أعبد آلهتكم وأعبد الله وحده. # وقد أخذ في قوله: "ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم" له تعالى وصف توفيهم دون ~~غيره من أوصافه تعالى لأنهم إنما كانوا يعبدون الإله لزعمهم الحاجة إليه في ~~دفع الضرر وجلب النفع، ms3716 والتوفي أمر لا يشكون أنه سيصيبهم وأنه لله وحده ~~فمساس الحاجة إلى الأمن من ضرره يوجب عبادة الله سبحانه. # على أن اختيار التوفي للذكر ليكون في الكلام تلويح إلى تهديدهم فإن ~~الآيات. # السابقة وعدتهم العذاب وعدا قطعيا، ووفاة المشركين ميعاد عذابهم، ويؤيد ~~ذلك اتباع قوله: "ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم" بقوله: "أمرت أن أكون من ~~المؤمنين" فإن نجاتهم من العذاب جزء الوعد الذي ذكره الله في الآيتين ~~السابقتين على هذه الآية: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم - ~~- إلى قوله ننج المؤمنين". # والمعنى: فاعلموا واستيقنوا أني لا أعبد آلهتكم ولكن أعبد الله الذي وعد ~~عذاب المكذبين منكم وإنجاء المؤمنين وأمرني أن أكون منهم كما أمرني أن ~~أجتنب عبادة الآلهة. # قوله تعالى: "وأن أقم وجهك للدين حنيفا" عطف على موضع قوله: "وأمرت أن" ~~إلخ، فإنه في معنى وكن من المؤمنين، وقد مر الكلام في معنى إقامة الوجه ~~للدين الحنيف غير مرة. # قوله تعالى: "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك" نهي بعد نهي عن ~~الشرك، وبيان أن الشرك يدخل الإنسان في زمرة الظالمين فيحق عليه ما أوعد ~~الله به الظالمين في كلامه. # ومن لطيف التعبير قوله حين ذكر الدعاء: "ما لا ينفعك ولا يضرك" وحين ذكر ~~العبادة: "الذين تعبدون من دون الله" فإن العبادة بالطبع يعطي للمعبود ~~شعورا وعقلا فناسب أن يعبر عنه بنحو "الذين" المستعمل في ذوي العلم والعقل، ~~والدعاء وإن كان كذلك لمساوقته العبادة غير أنه لما وصف المدعو بما لا ينفع ~~ولا يضر، وربما توهم أن ذوي العلم والعقل يصح أن تنفع وتضر، عبر بلفظة "ما" ~~ليلوح إلى أنها جماد لا يتخيل في حقهم إرادة نفع أو ضرر. # وفي التعبير نفسه أعني قوله: "ما لا ينفعك ولا يضرك" إعطاء الحجة على ~~النهي عن الدعاء. PageV10P068 # قوله تعالى: "إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو" إلخ، الجملة حالية وهي ~~تتمة البيان في الآية السابقة، والمعنى: ولا تدع من دون الله ما لا نفع ms3717 لك ~~عنده ولا ضرر، والحال أن ما مسك الله به من ضر لا يكشفه غيره وما أرادك به ~~من خير لا يرده غيره فهو القاهر دون غيره يصيب بالخير عباده بمشيئته ~~وإرادته، وهو مع ذلك غفور رحيم يغفر ذنوب عباده ويرحمهم، واتصافه بهذه ~~الصفات الكريمة وكون غيره صفر الكف منها يقتضي تخصيص العبادة والدعوة به. # قوله تعالى: "قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم" وهو القرآن أو ما ~~يشتمل عليه من الدعوة الحقة، وقوله: "فمن اهتدى" إلى آخر الآية، إعلام لهم ~~بكونهم مختارين فيما ينتخبونه لأنفسهم من غير أن يسلبوا الخيرة ببيان حقيقة ~~هي أن الحق - وقد جاءهم - من حكمه أن من اهتدى إليه فإنما يهتدي ونفعه عائد ~~إليه، ومن ضل عنه فإنما يضل وضرره على نفسه فلهم أن يختاروا لأنفسهم ما ~~يحبونه من نفع أو ضرر، وليس هو (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيلا لهم يتصدى ~~من الفعل ما هو لهم فالآية كناية عن وجوب اهتدائهم إلى الحق لأن فيه نفعهم. # قوله تعالى: "واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين" ~~أمر باتباع ما يوحى إليه والصبر على ما يصيبه في جنب هذا الاتباع من ~~المصائب والمحن، ووعد بأن الله سبحانه سيحكم بينه وبين القوم، ولا يحكم إلا ~~بما فيه قرة عينه فالآية تشتمل على أمره بالاستقامة في الدعوة وتسليته فيما ~~يصيبه، ووعده بأن العاقبة الحسنى له. # وقد اختتمت الآية بحكمه تعالى، وهو الذي عليه يعتمد معظم آيات السورة في ~~بيانها. # والله أعلم. PageV10P069 ### || AUTO ### ||| AUTO 11 سورة هود - 1 - 4 # بسم الله الرحمن الرحيم الر كتب أحكمت ءايته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~(1) ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذى فضل فضله وإن تولوا ~~فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير (4) ### |||| AUTO بيان # السورة كما يظهر من مفتتحها ومختتمها ms3718 والسياق الذي يجري عليه آياتها تبين ~~غرض الآيات القرآنية على كثرتها وتشتتها، وتصف المحصل من مقاصدها على ~~اختلافها والملخص من مضامينها. # فتذكر أنها على احتوائها معارف الدين المختلفة من أصول المعارف الإلهية ~~والأخلاق الكريمة الإنسانية، والأحكام الشرعية الراجعة إلى كليات العبادات ~~والمعاملات والسياسات والولايات ثم وصف عامة الخليقة كالعرش والكرسي واللوح ~~والقلم والسماء والأرض والملائكة والجن والشياطين والنبات والحيوان ~~والإنسان، ووصف بدء الخليقة وما ستعود إليه من الفناء والرجوع إلى الله ~~سبحانه. # وهو يوم البعث بما يتقدمه من عالم القبر وهو البرزخ ثم القيام لرب ~~العالمين والحشر والجمع والسؤال والحساب والوزن وشهادة الأشهاد ثم فصل ~~القضاء ثم الجنة أو النار بما فيهما من الدرجات والدركات. # ثم وصف الرابطة التي بين خلقة الإنسان وبين عمله وما بين عمله، وما ~~يستتبعه من سعادة أو شقاوة ونعمة أو نقمة ودرجة أو دركة، وما يتعلق بذلك من ~~الوعد والوعيد والإنذار والتبشير بالموعظة والمجادلة الحسنة والحكمة. # فالآيات القرآنية على احتوائها تفاصيل هذه المعارف الإلهية والحقائق ~~الحقة تعتمد على حقيقة واحدة هي الأصل وتلك فروعه، وهي الأساس الذي بني ~~عليه بنيان الدين وهو توحيده تعالى توحيد الإسلام بأن يعتقد أنه تعالى هو ~~رب كل شيء لا رب غيره ويسلم له من كل وجهة فيوفي له حق ربوبيته، ولا يخشع ~~في قلب ولا يخضع في عمل إلا له جل أمره. # وهذا أصل يرجع إليه على إجماله جميع تفاصيل المعاني القرآنية من معارفها ~~وشرائعها بالتحليل، وهو يعود إليها على ما بها من التفصيل بالتركيب. # فالسورة تبين ذلك بنحو الإجمال في هذه الآيات الأربع التي افتتحت بها ثم ~~تأخذ في بيانه التفصيلي بسمة الإنذار والتبشير بذكر ما لله من السنة ~~الجارية في عباده، وإيراد أخبار الأمم الماضية، وقصص أقوام نوح وهود وصالح ~~ولوط وشعيب وموسى (عليه السلام)، وما ساقهم إليه الاستكبار عن إجابة الدعوة ~~الإلهية والإفساد في الأرض والإسراف في الأمر، ووصف ما وعد الله به الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وما أوعد الله به الذين كفروا وكذبوا بالآيات، وتبين ms3719 ~~في خلال ذلك أمورا من المعارف الإلهية الراجعة إلى التوحيد والنبوة ~~والمعاد. # ومما تقدم يظهر ما في قول بعضهم عند ما ذكر غرض هذه السورة: أنها في معنى ~~سورة يونس وموضوعها، وهو أصول عقائد الإسلام في الإلهيات والنبوات والبعث ~~والجزاء وعمل الصالحات وقد فصل فيها ما أجمل في سورة يونس من قصص الرسل ~~(عليهم السلام). # انتهى. # وقد عرفت أن السورتين مسوقتان لغرضين مختلفين لا يرجع أحدهما إلى الآخر ~~البتة فسورة يونس تبين أن السنة الإلهية جارية على القضاء بين الرسل وبين ~~أممهم المكذبين لهم، ثم توعد هذه الأمة بما جرى مثله على الذين من قبلهم، ~~وسورة هود تبين أن المعارف القرآنية ترجع بالتحليل إلى التوحيد الخالص كما ~~أن التوحيد يعود بحسب التركيب إلى تفاصيل المعارف الأصلية والفرعية. # والسورة - على ما تشهد به آياتها بمضامينها والاتصال الظاهر بينها - مكية ~~نازلة دفعة واحدة، وقد روي عن بعضهم استثناء قوله تعالى: "فلعلك تارك بعض ~~ما يوحى إليك:" الآية - 12 فذكر أنها مدنية. # واستثنى بعضهم قوله: "أفمن كان على بينة من ربه:" الآية - 17، وبعضهم ~~قوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل:" الآية - 114، ولا ~~دليل على شيء من ذلك من طريق اللفظ، وظاهر اتصالها أنها جميعا مكية. PageV10P070 # قوله تعالى: "الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" المقابلة بين ~~الإحكام والتفصيل الذي هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشيء المتصل بعضها ببعض، ~~والتفرقة بين الأمور المندمجة كل منها في آخر تدل على أن المراد بالإحكام ~~ربط بعض الشيء ببعضه الآخر وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر بحيث يعود الجميع ~~شيئا واحدا بسيطا غير ذي أجزاء وأبعاض. # ومن المعلوم أن الكتاب إذا اتصف بالإحكام والتفصيل بهذا المعنى الذي مر ~~فإنما يتصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون لا من جهة ألفاظه ~~أو غير ذلك، وأن حال المعاني في الإحكام والتفصيل والاتحاد والاختلاف غير ~~حال الأعيان فالمعاني المتكثرة إذا رجعت إلى معنى واحد كان هذا الواحد هو ~~الأصل المحفوظ في الجميع ms3720 وهو بعينه على إجماله هذه التفاصيل، وهي بعينها ~~على تفاصيلها ذاك الإجمال وهذا كله ظاهر لا ريب فيه. # وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أولا ثم مفصلة ثانيا معناه أن الآيات ~~الكريمة القرآنية على اختلاف مضامينها وتشتت مقاصدها وأغراضها ترجع إلى ~~معنى واحد بسيط، وغرض فارد أصلي لا تكثر فيه ولا تشتت بحيث لا تروم آية من ~~الآيات الكريمة مقصدا من المقاصد ولا ترمي إلى هدف إلا والغرض الأصلي هو ~~الروح الساري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه. # فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتت آياته وتفرق أبعاضه إلا غرض واحد ~~متوحد إذا فصل كان في مورد أصلا دينيا وفي آخر أمرا خلقيا وفي ثالث حكما ~~شرعيا وهكذا كلما تنزل من الأصول إلى فروعها ومن الفروع إلى فروع الفروع لم ~~يخرج من معناه الواحد المحفوظ، ولا يخطي غرضه فهذا الأصل الواحد بتركبه ~~يصير كل واحد واحد من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال، وهي ~~بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على أجسادها تعود إلى ذاك ~~الأصل الواحد. # فتوحيده تعالى بما يليق بساحة عزه وكبريائه مثلا في مقام الاعتقاد هو ~~إثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وفي مقام الأخلاق هو التخلق بالأخلاق ~~الكريمة من الرضا والتسليم والشجاعة والعفة والسخاء ونحو ذلك والاجتناب عن ~~الصفات الرذيلة، وفي مقام الأعمال والأفعال الإتيان بالأعمال الصالحة ~~والورع عن محارم الله. # وإن شئت فقل: إن التوحيد الخالص يوجب في كل من مراتب العقائد والأخلاق ~~والأعمال ما يبينه الكتاب الإلهي من ذلك كما أن كلا من هذه المراتب وكذلك ~~أجزاؤها لا تتم من دون توحيد خالص. # فقد تبين أن الآية في مقام بيان رجوع تفاصيل المعارف والشرائع القرآنية ~~إلى أصل واحد هو بحيث إذا ركب في كل مورد من موارد العقائد والأوصاف ~~والأعمال مع خصوصية ذلك المورد أنتج حكما يخصه من الأحكام القرآنية، وبذلك ~~يظهر: أولا: أن قوله: "كتاب" خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: هذا كتاب، والمراد ~~بالكتاب هو ما بأيدينا من القرآن المقسم إلى السور والآيات، ولا ينافي ذلك ms3721 ~~ما ربما يذكر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أو القرآن بما هو في اللوح ~~فإن هذا الكتاب المقرو متحد مع ما في اللوح اتحاد التنزيل مع التأويل. # وثانيا: أن لفظة "ثم" في قوله: "ثم فصلت" إلخ، لإفادة التراخي بحسب ترتيب ~~الكلام دون التراخي الزماني إذ لا معنى للتقدم والتأخر الزماني بين المعاني ~~المختلفة بحسب الأصلية والفرعية أو بالإجمال والتفصيل. # ويظهر أيضا ما في بعض ما ذكره أرباب التفاسير في معنى الآية كقول بعضهم: ~~إن معناها أحكمت آياته فلم تنسخ منها كما نسخت الكتب والشرائع ثم فصلت ~~ببيان الحلال والحرام وسائر الأحكام. # وفيه: أن الواجب على هذا المعنى أن يقيد عدم النسخ بعدم النسخ بكتاب غير ~~القرآن ينسخ القرآن بعده كما نسخ القرآن غيره فإن وجود النسخ بين الآيات ~~القرآنية نفسها مما لا ينبغي الارتياب فيه. # والتقييد المذكور لا دلالة عليه من جهة لفظ الآية. # وكقول بعضهم: إن المراد أحكمت آياته بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب. # وفيه أنه تحكم لا دليل عليه أصلا. # وكقول بعضهم: إن المراد إحكام لفظها بجعلها على أبلغ وجوه الفصاحة حتى ~~صار معجزا، وتفصيلها بالشرح والبيان. # والكلام في هذا الوجه كسابقه. PageV10P071 # وكقول بعضهم: المراد بإحكام آياته جعلها محكمة متقنة لا خلل فيها ولا باطل، ~~والمراد بتفصيلها جعلها متتابعة بعضها إثر بعض. # وفيه: أن التفصيل بهذا المعنى غير معهود لغة إلا أن يفسر بمعنى التفرقة ~~والتكثير ويرجع حينئذ إلى ما قدمناه من المعنى. # وكقول بعضهم: إن المراد أحكمت آياته جملة ثم فرقت في الإنزال آية بعد آية ~~ليكون المكلف أمكن من النظر والتأمل. # وفيه: أن الأحرى بهذا الوجه أن يذكر في مثل قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة:" الدخان: - 3، وقوله: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على ~~مكث ونزلناه تنزيلا:" إسراء: - 106 وما في هذا المعنى من الآيات مما يدل ~~على أن للقرآن مرتبة عند الله هي أعلى من سطح الأفهام ثم نزل إلى مرتبة ~~تقبل التفهم والتفقه رعاية لحال الأفهام العادية كما يشير إليه ms3722 أيضا قوله: ~~"والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب ~~لدينا لعلي حكيم:" الزخرف: - 4. # وأما آيتنا التي نحن فيها كتاب أحكمت آياته ثم فصلت" إلخ، فقد علق فيها ~~الإحكام والتفصيل معا على الآيات، وليس ذلك إلا من جهة معانيها فتفيد أن ~~الإحكام والتفصيل هما في معاني هذه الآيات المتكثرة فلها جهة وحدة وبساطة ~~وجهة كثرة وتركب، وينطبق على ما قدمناه من المعنى لا على ما ذكره الراجع ~~إلى مسألة التأويل والتنزيل فافهم ذلك. # وكقول بعضهم: إن المراد بالإحكام والتفصيل إجمال بعض الآيات وتبيين البعض ~~الآخر، وقد مثل لذلك بقوله تعالى في هذه السورة: "مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع:" الآية: - 24، فإنه مجمل محكم يتبين بما ورد فيها ~~من قصة نوح وهود وصالح. # وهكذا. # وفيه: أن ظاهر الآية أن الإحكام والتفصيل متحدان من حيث المورد بمعنى أن ~~الآيات التي ورد عليها الإحكام بعينها هي التي ورد عليها التفصيل لا أن ~~الإحكام وصف لبعض آياته والتفصيل وصف بعضها الآخر كما هو لازم ما ذكره. # وقوله تعالى: "من لدن حكيم خبير" الحكيم من أسمائه الحسنى الفعلية يدل ~~على إتقان الصنع، وكذا الخبير من أسمائه الحسنى يدل على علمه بجزئيات أحوال ~~الأمور الكائنة ومصالحها، وإسناد إحكام الآيات وتفصيلها إلى كونه تعالى ~~حكيما خبيرا لما بينهما من النسبة. # قوله تعالى: "ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه" الآية، وما بعدها تفسير لمضمون الآية الأولى: "كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" وإذ كانت الآية تتضمن أنه كتاب من ~~الله إلى... له آيات محكمة ثم مفصلة كانت العناية في تفسيرها متوجه إلى ~~إيضاح هذه الجهات. # ومن المعلوم أن هذا الكتاب الذي أنزله الله تعالى من عنده إلى رسوله ~~ليتلوه على الناس ويبلغهم له وجه خطاب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ووجه خطاب إلى الناس بوساطته أما وجه خطابه إلى الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وهو الذي يتلقاه الرسول من ms3723 وحي الله فهو أن أنذر وبشر وادع ~~الناس إلى كذا وكذا، وهذا الوجه هو الذي عني به في أول سورة يونس حيث قال ~~تعالى: "أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم:" يونس: - 2. # وأما وجه خطابه إلى الناس وهو الذي يتلقاه الناس من الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فهو ما يلقيه إلى الناس من المعنى في ضمن تلاوته كلام الله ~~عليهم بعنوان الرسالة أني أدعوكم إلى الله دعوة نذير وبشير، وهذا الوجه من ~~الخطاب هو الذي عنى به في قوله: "ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ~~وبشير" إلخ. # فالآية من كلام الله تفسر معنى إحكام آيات الكتاب ثم تفصيلها بحكاية ما ~~يتلقاه الناس من دعوة الرسول إياهم بتلاوة كتاب الله عليهم، وليس كلاما ~~للرسول بطريق الحكاية ولا بتقدير القول ولا من الالتفات في شيء، ولا أن ~~التقدير: أمركم بأن لا تعبدوا أو: "فصلت آياته لأن لا تعبدوا إلا الله" بأن ~~يكون قوله: "لا تعبدوا" نفيا لا نهيا فإن قوله بعد: "وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه" معطوف على قوله: ألا تعبدوا إلا الله، وهو يشهد بأن "لا ~~تعبدوا" نهي لا نفي. # على أن التقدير لا يصار إليه من غير دليل فافهم ذلك فإنه من لطيف صنعة ~~البلاغة في الآية. PageV10P072 # وعلى هذا فقوله: "ألا تعبدوا إلا الله" دعوة إلى توحيد العبادة بالنهي عن ~~عبادة غير الله من الآلهة المتخذة شركاء لله، وقصر العبادة فيه تعالى، ~~وقوله: "وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه" أمر بطلب المغفرة من الله وقد ~~اتخذوه ربا لهم برفض عبادة غيره ثم أمر بالتوبة والرجوع إليه بالأعمال ~~الصالحة ويتحصل من الجميع سلوك الطريق الطبيعي الموصل إلى القرب والزلفى ~~منه تعالى، وهو رفض الآلهة دون الله ثم طلب المغفرة والطهارة النفسانية ~~للحضور في حظيرة القرب ثم الرجوع إليه تعالى بالأعمال الصالحة. # وقد جيء بأن التفسيرية ثانيا في قوله: "وأن استغفروا" إلخ، لاختلاف ما ~~بين المرحلتين اللتين يشير إليهما ms3724 قوله: "ألا تعبدوا إلا الله" وهي مرحلة ~~التوحيد بالعبادة مخلصا، وقوله: "وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه" وهي ~~مرحلة العمل الصالح وإن كانت الثانية من نتائج الأولى وفروعها. # ولكون التوحيد هو الأصل الأساسي والاستغفار والتوبة نتيجة وفرعا متفرعا ~~عليه أورد النذر والبشارة بعد ذكر التوحيد، والوعد الجميل الذي يتضمنه ~~قوله: "يمتعكم" إلخ، بعد ذكر الاستغفار والتوبة فقال: "ألا تعبدوا إلا الله ~~إنني لكم منه نذير وبشير" فبين به أن النذر والبشرى كائنين ما كانا يرجعان ~~إلى التوحيد ويتعلقان به ثم قال: "وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا" إلخ فإن الآثار القيمة والنتائج الحسنة المطلوبة إنما تترتب ~~على الشيء بعد ما تم في نفسه وكمل بصفاته وفروعه ونتائجه، والتوحيد وإن كان ~~هو الأصل الوحيد للدين على سعته لكن شجرته لا تثمر ما لم تقم على ساقها ~~ويتفرع عليها فروعها وأغصانها، "كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". # والظاهر أن المراد بالتوبة في الآية الإيمان كما في قوله تعالى: "فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك:" المؤمنون: - 7 فيستقيم الجمع بين الاستغفار ~~والتوبة مع عطف التوبة عليه بثم، والمعنى اتركوا عبادة الأصنام بعد هذا ~~واطلبوا من ربكم غفران ما قدمتم من المعصية ثم آمنوا بربكم. # وقيل: إن المعنى اطلبوا المغفرة واجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليه بالتوبة ~~وهو غير جيد ومن التكلف ما ذكره بعضهم أن المعنى: استغفروا من ذنوبكم ~~الماضية ثم توبوا إليه كلما أذنبتم في المستقبل وكذا قول آخر: إن "ثم" في ~~الآية بمعنى الواو لأن التوبة والاستغفار واحد. # وقوله: "يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى" الأجل المسمى هو الوقت الذي ~~ينتهي إليه الحياة لا تتخطاه البتة، فالمراد هو التمتيع في الحياة الدنيا ~~بل بالحياة الدنيا لأن الله سبحانه سماها في مواضع من كلامه متاعا، فالمتاع ~~الحسن إلى أجل مسمى ليس إلا الحياة الدنيا الحسنة. # فيئول معنى قوله: "يمتعكم متاعا حسنا" على تقدير كون "متاعا" مفعولا ~~مطلقا إلى نحو من قولنا: يمتعكم ms3725 تمتيعا حسنا بالحياة الحسنة الدنيوية ~~"ومتاع الحياة إنما يكون حسنا إذا ساق الإنسان إلى سعادته الممكنة له، ~~وهداه إلى أماني الإنسانية من التنعم بنعم الدنيا في سعة وأمن ورفاهية وعزة ~~وشرافة فهذه الحياة الحسنة تقابل المعيشة الضنك التي يشير إليها في قوله: ~~"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا:" طه: - 124. # ولا حسن لمتاع الحياة الدنيا ولا سعة في المعيشة لمن أعرض عن ذكر الله ~~ولم يؤمن بربه فإن البعض من الناس وإن أمكن أن يؤتى سعة من المال وعلوا في ~~الأرض ثم يحسب أن لا أمنية من أماني الإنسانية إلا وقد أوتيها لكنه في غفلة ~~عن ابتهاج من تحقق بحقيقة الإيمان بالله ودخل في ولاية الله فآتاه الله ~~الحياة الطيبة الإنسانية، وآمنه من ذلة الحياة الحيوانية التي لا حكومة ~~فيها إلا للحرص والشره والافتراس والتكلب والجهالة، فالنفس الحرة الإنسانية ~~تذم من الحياة ما يستأثره النفوس الرذيلة الخسيسة وإن استتبع الذلة ~~والمسكنة وكل شناعة. # فالحياة الحسنة لمجتمع صالح حر أن يشتركوا في التمتع من مزايا النعم ~~الأرضية التي خلقها الله لهم اشتراكا عن تراحم بينهم وتعاون وتعاضد من غير ~~تعد وتزاحم بحيث يطلب كل خير نفسه ونفعها في خير مجتمعه ونفعه من غير أن ~~يعبد نفسه ويستعبد الآخرين. PageV10P073 # وبالجملة التمتع بالحياة الحسنة إلى أجل مسمى هو تمتع الفرد بالحياة على ما ~~تستحسنه الفطرة الإنسانية وهو الاعتدال في التمتعات المادية في ضوء العلم ~~النافع والعمل الصالح هذا إذا نسب إلى الفرد، وأما إذا نسب إلى المجتمع فهو ~~الانتفاع العام من نعم الحياة الأرضية الطيبة بتخصيص ما يناله الأفراد ~~بكدهم وسعيهم بالمجتمع الملتئم الأجزاء من غير تضاد بين أبعاضه أو تناقض. # وقوله: "ويؤت كل ذي فضل فضله" الفضل هو الزيادة وإذ نسب الفضل في قوله: ~~"كل ذي فضل" إلى من عنده الفضل من الأفراد كان ذلك قرينة على كون الضمير في ~~"فضله" راجعا إلى ذي الفضل دون اسم الجلالة كما احتمله بعضهم والفضل ~~والزيادة من المعاني النسبية التي إنما تتحقق بقياس شيء ms3726 إلى شيء وإضافته إليه. # فالمعنى: ويعطي كل من زاد على غيره بشيء من صفاته وأعماله وما يقتضيه من ~~الاختصاص بمزيد الأجر وخصوصه موهبة السعادة تلك الزيادة من غير أن يبطل حقه ~~أو يغصب فضله أو يملكه غيره كما يشاهد في المجتمعات غير الدينية وإن كانت ~~مدنية راقية فلم تزل البشرية منذ سكنت الأرض وكونت أنواع المجتمعات الهمجية ~~أو الراقية أو ما هي أرقى تنقسم إلى طائفتين مستعلية مستكبرة قاهرة، ~~ومستذلة مستعبدة مقهورة، وليس يعدل هذا الإفراط والتفريط ولا يسوي هذا ~~الاختلاف إلا دين التوحيد. # فدين التوحيد هو السنة الوحيدة التي تقصر المولوية والسيادة في الله ~~سبحانه وتسوي بين القوي والضعيف والمتقدم والمتأخر والكبير والصغير والأبيض ~~والأسود والرجل والمرأة وتنادي بمثل قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم:" الحجرات: - 13، وقوله: "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض:" آل عمران: - 195. # ثم إن وقوع قوله: "ويؤت كل ذي فضل فضله" الحاكي عن الاعتناء بفضل كل ذي ~~فضل بعد قوله: "يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى" الدال على تمتيع الجميع ~~مشعر: أولا: بأن المراد بالجملة الأولى المتاع العام المشترك بين أفراد ~~المجتمع وبعبارة أخرى حياة المجتمع العامة الحسنة، وبالجملة الثانية ~~المزايا التي يؤتاها بعض الأفراد قبال ما يختصون به من الفضل. # وثانيا: أن الجملة الأولى تشير إلى التمتيع بمتاع الحياة الدنيا والثانية ~~إلى إيتاء ثواب الآخرة قبال الأعمال الصالحة القائمة بالفرد أو إيتاء كل ذي ~~فضل فضله في الدنيا والآخرة معا بتخصيص كل من جاء بزيادة في جهة دنيوية بما ~~تقتضيه زيادته من المزية في جهات الحياة بإقامة كل ذي فضيلة في صفة أو عمل ~~مقامه الذي تقتضيه صفته أو عمله ووضعه موضعه من غير أن يسوي بين الفاضل ~~والمفضول في دينهما أو تزاح الخصوصيات وتبطل الدرجات والمنازل بين الأعمال ~~والمساعي الاجتماعية فلا يتفاوت حال الناشط في عمله والكسلان، ولا يختلف ~~أمر المجتهد في العمل الدقيق ms3727 المهم في بابه واللاعب بالعمل الحقير الهين وهكذا. # وقوله: "وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير" أي فإن تتولوا إلخ ~~بالخطاب، والدليل عليه قوله: "عليكم" وما تقدم في الآيتين من الخطابات ~~المتعددة فلا يصغي إلى قول من يأخذ قوله: "تولوا" جمعا مذكرا غائبا من ~~الفعل الماضي فإنه ظاهر الفساد. # وقد أغرب بعض المفسرين حيث قال في قوله تعالى: "يمتعكم متاعا حسنا إلى ~~أجل مسمى": والآية تتضمن نجاة هذه الأمة المحمدية من عذاب الاستئصال كما ~~بيناه في تفسير سورة يونس أيضا انتهى، ولست أدري كيف استفاد من الآية ما ~~ذكره ولعله بنى ذلك على أن الآية اشترطت للأمة الحياة الحسنة من غير ~~استئصال إن آمنوا بالله وآياته ثم إنهم آمنوا وانتشر الإسلام في الدنيا، ~~لكن من المعلوم أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل إلى أهل الدنيا ~~عامة ولم يؤمن به عامتهم، ولا أن المؤمنين به أخلصوا جميعا إيمانهم من ~~النفاق وسرى الإيمان من ظاهرهم إلى باطنهم ومن لسانهم إلى جنانهم. PageV10P074 # ولو كان مجرد إيمان بعض الأمة مع كفر الآخرين كافيا في تحقق الشرط وارتفاع ~~عذاب الاستئصال لكفى في أمة نوح وهود (عليهما السلام) وغيرهما وقد دعوا ~~أممهم إلى ما دعا إليه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، واشترطوا لهم مثل ~~ما اشترط لأمته ثم عمهم الله بعذاب الاستئصال وكان حقا عليه نصر المؤمنين. # وقد حكى الله سبحانه عن نوح قوله لقومه في ضمن دعوته: "استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا:" نوح: - 12 وحكى عن هود قوله: "ويا قوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا ~~مجرمين:" هود: - 52، وحكى جملة عن نوح وهود وصالح والذين من بعدهم قولهم: ~~"أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى:" إبراهيم: - 10. # وأما قوله: "وقد بيناه في سورة يونس أيضا" فلم يأت هناك إلا بدعوى خالية ~~وقد ms3728 قدمنا هناك أن آيات سورة يونس صريحة في أن الله سيقضي بين هذه الأمة ~~بين نبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) فيعذبهم وينجي المؤمنين سنة الله التي ~~قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا. # قوله تعالى: "إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير" في مقام التعليل لما ~~يفيده قوله: "وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير" من المعاد، وذيل ~~الآية، مسوق لإزاحة ما يمكن أن يختلج في صدورهم من استبعاد البعث بعد عروض ~~الموت، والمعنى وإن تتولوا عن إخلاص العبادة له ورفض الشركاء فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير سيستقبلكم فتواجهونه وهو يوم البعث بعد الموت لأن ~~مرجعكم إلى الله والله على كل شيء قدير فلا يعجز عن إحيائكم بعد الإماتة ~~فإياكم أن تستبعدوا ذلك. # فالآية قرينة على أن المراد باليوم الكبير يوم القيامة، وروى القمي في ~~تفسيره، مضمرا: أن المراد بعذاب يوم كبير الدخان والصيحة. PageV10P075 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 5 - 16 # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) وما من دابة فى الأرض إلا على ~~الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل فى كتب مبين (6) وهو الذى خلق ~~السموت والأرض فى ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (8) ولئن أذقنا ~~الانسن منا رحمة ثم نزعنها منه إنه ليئوس كفور (9) ولئن أذقنه نعماء بعد ~~ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور (10) إلا الذين صبروا ~~وعملوا الصلحت أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ~~وضائق به صدرك أن يقولوا لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير ~~والله على كل شىء وكيل (12) أم يقولون افتراه قل ms3729 فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريت وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صدقين (13) فإلم يستجيبوا ~~لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) ~~من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم فى الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وبطل ما كانوا يعملون (16) ### |||| AUTO بيان # جمل وفصول من أعمال المشركين وأقوالهم في الرد على نبوة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وما نزل عليه من الكتاب تذكرها الآيات وتجيب عنها بإلقاء ~~الحجة كاستخفائهم من الله، وقولهم: ما يحبس العذاب عنا، وقولهم: لو لا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك، وقولهم: إنه افترى القرآن. # وفيها بعض معارف أخر. # قوله تعالى: "ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه" إلى آخر الآية، ثنى ~~الشيء يثناه ثنيا كفتح يفتح فتحا أي عطفه وطواه ورد بعضه على بعض قال في ~~المجمع،: أصل الثني العطف تقول: ثنيته عن كذا أي عطفته، ومنه الاثنان لعطف ~~أحدهما على الآخر في المعنى، ومنه الثناء لعطف المناقب في المدح، ومنه ~~الاستثناء لأنه عطف عليه بالإخراج منه، انتهى. # وقال أيضا: الاستخفاء طلب خفاء الشيء يقال: استخفى وتخفى بمعنى، وكذلك ~~استغشى وتغشى، انتهى. # فالمراد بقوله: "يثنون صدورهم ليستخفوا منه" أنهم يميلون بصدورهم إلى خلف ~~ويطأطئون رءوسهم ليتخفوا من الكتاب أي من استماعه حين تلاوته وهو كناية عن ~~استخفائهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حضر عنده حين تلاوة ~~القرآن عليهم للتبليغ لئلا يروا هناك فتلزمهم الحجة. # وقوله: "ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم" إلخ، كأنهم كانوا يسترون رءوسهم ~~أيضا بثيابهم عند استخفائهم بثني الصدور فذكر الله سبحانه ذلك وأخبر أنه ~~تعالى يعلم عند ذلك ما يسرون وما يعلنون فما يغنيهم التخفي عن استماع ~~القرآن والله يعلم سرهم وعلانيتهم. # وقيل: إن المراد باستغشائهم ثيابهم هو الاستغشاء في بيوتهم ليلا عند أخذ ~~المضاجع للنوم، وهو أخفى ما يكون فيه الإنسان وأخلى أحواله، والمعنى: أنهم ~~يثنون صدورهم ms3730 ليستخفوا من هذا الكتاب عند تلاوته عليهم، والله يعلم سرهم ~~وعلانيتهم في أخفى ما يكونون عليه من الحال وهو حال تغشيهم بثيابهم للنوم، ~~ولا يخلو الوجه من ظهور. PageV10P076 # هذا ما يفيده السياق في معنى الآية، وربما ذكر لها معان أخر بعيدة من ~~السياق منها قولهم: إن الضمير في ليستخفوا منه" راجع إليه تعالى أو إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها قول بعضهم: "يثنون صدورهم" أي ~~يطوونها على الكفر، وقول آخرين: أي يطوونها على عداوة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلى غير ذلك من المعاني المذكورة وهي جميعا معان بعيدة. # قوله تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" إلى آخر الآية، ~~الدابة على ما في كتب اللغة كل ما يدب ويتحرك، ويكثر استعماله في النوع ~~الخاص منه، وقرينة المقام تقتضي كون المراد منه العموم لظهور أن الكلام ~~مسوق لبيان سعة علمه تعالى، ولذلك عقب به قوله: "ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور". # وهذا المعنى أعني كون ذكر وجوب رزق كل دابة على الله لبيان سعة علمه لكل ~~دابة في جميع أحوالها يستوجب أن يكون قوله: "ويعلم مستقرها ومستودعها" ~~بمنزلة عطف التفسير لقوله: "على الله رزقها" فيعود المعنى إلى أن كل دابة ~~من دواب الأرض على الله أن يرزقها - ولن تبقى بغير رزق - فهو تعالى عليم ~~بها خبير بحالها أينما كانت فإن كانت في مستقر لا تخرج منه كالحوت في الماء ~~وكالصدف فيما وقعت واستقرت فيه من الأرض رزقها هناك وإن كانت خارجة من ~~مستقرها وهي في مستودع ستتركه إلى مستقرها كالطير في الهواء أو كالمسافر ~~الغارب عن وطنه أو كالجنين في الرحم رزقها هناك وبالجملة هو تعالى عالم ~~بحال كل دابة في الأرض وكيف لا وعليه تعالى رزقها ولا يصيب الرزق المرزوق ~~إلا بعلم من الرازق بالمرزوق وخبرة منه بما حل فيه من محل دائم أو معجل ~~ومستقر أو مستودع. # ومن هنا يظهر أن المراد بالمستقر والمستودع المحل ms3731 الذي تستقر فيه الدابة ~~ما دامت دابة تدب في الأرض وتعيش عيشة دنيوية والمحل الذي تحل فيه ثم تودعه ~~وتفارقه، وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالمستقر والمستودع أماكنها ~~في الحياة وبعد الممات أو أن المراد بهما الأصلاب والأرحام أو أن المراد ~~بهما مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت ~~بعد بالقوة فمعان بعيدة عن سياق الآية اللهم إلا أن يجعل قوله: "ويعلم ~~مستقرها ومستودعها" كلاما مستأنفا بحياله غير مفسر لما قبله. # وقد تقدم في قوله تعالى: "وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع:" ~~الأنعام - 98 ما يناسب هذا المقام فليراجع إليه من شاء. # وأما قوله: "على الله رزقها" فهو دال على وجوب الرزق عليه تعالى وقد تكرر ~~في القرآن أن الرزق من أفعاله تعالى المختصة به وأنه حق للخلق عليه تعالى ~~قال تعالى: "أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه:" الملك: - 21، وقال تعالى: ~~"إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين:" الذاريات: - 58 وقال تعالى: "وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون:" ~~الذاريات: - 23. # ولا ضير في أن يثبت عليه تعالى حق لغيره إذا كان تعالى هو الجاعل الموجب ~~لذلك على نفسه من غير أن يداخل فيه غيره، ولذلك نظائر في كلامه تعالى كما ~~قال: "كتب على نفسه الرحمة:" الأنعام: - 12، وقال: "وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين:" الروم: - 47 إلى غير ذلك من الآيات. # والاعتبار العقلي يؤيد ذلك فإن الرزق هو ما يديم به المخلوق الحي وجوده ~~وإذ كان وجوده من فيض جوده تعالى فما يتوقف عليه من الرزق من قبله، وإذ لا ~~شريك له تعالى في إيجاده لا شريك له في ما يتوقف عليه وجوده كالرزق. # وقد تقدم بعض الكلام في معنى الكتاب المبين في سورة الأنعام آية: 59 وفي ~~سورة يونس آية: 61 فليراجع. # قوله تعالى: "وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء" الكلام المستوفى في توصيف خلق السماوات والأرض على ms3732 ما يظهر من كلامه ~~تعالى ويفسره ما ورد في ذلك عن أهل العصمة (عليهم السلام) موكول إلى ما ~~سيأتي من تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى. PageV10P077 # وإجمال القول الذي يظهر به معنى قوله: "ستة أيام" وقوله: "وكان عرشه على ~~الماء" هو أن الظاهر أن ما يذكره تعالى من السماوات - بلفظ الجمع - ~~ويقارنها بالأرض ويصف خلقها في ستة أيام طبقات من الخلق الجسماني المشهود ~~تعلو أرضنا فكل ما علاك وأظلك فهو سماء على ما قيل والعلو والسفل من ~~المعاني الإضافية. # فهي طبقات من الخلق الجسماني المشهود تعلو أرضنا وتحيط بها فإن الأرض ~~كروية الشكل على ما يفيده قوله تعالى: "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا:" ~~الأعراف - 54. # والسماء الأولى هي التي تزينه مصابيح النجوم والكواكب فهي الطبقة التي ~~تتضمنها أو هي فوقها وتتزين بها كالسقف يتزين بالقناديل والمشاكي وأما ما ~~فوق السماء الدنيا فلم يرد في كلامه شيء من صفتها غير ما في قوله تعالى سبع ~~سماوات طباقا:" الملك: - 3، وقوله: "ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا:" نوح: - 16 حيث يدل على ~~مطابقة بعضها بعضا. # وقد ذكر الله سبحانه في صفة خلقها أنها كانت رتقاء ففتقها ومتفرقة ~~متلاشية فجمعها وركمها وأنها كانت دخانا فصيرها سماوات، قال تعالى: "أولم ~~ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء ~~كل شيء حي أفلا يؤمنون:" الأنبياء: - 30: "وقال ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها:" حم السجدة - 12 فأفاد أن خلق ~~السماوات إنما تم في يومين، واليوم مقدار معتد به من الزمان وليس من الواجب ~~أن يطابق اليوم في كل ظرف ووعاء يوم أرضنا الحاصل من دورة واحدة من حركتها ~~الوضعية كما أن اليوم الواحد في القمر الذي لهذه الأرض يعدل تسعة وعشرين ~~يوما ونصفا تقريبا من أيام الأرض واستعمال اليوم في البرهة من الزمان ms3733 شائع ~~في الكلام. # فقد خلق الله سبحانه السماوات السبع في برهتين من الزمان كما قال في ~~الأرض: "خلق الأرض في يومين - إلى أن قال - وقدر فيها أقواتها في أربعة ~~أيام:" حم السجدة: - 10 فأنبأ عن خلقها في يومين وهما عهدان وطوران وجعل ~~الأقوات في أربعة أيام وهي الفصول الأربعة. # فالمتحصل من الآيات أولا: أن خلق السماوات والأرض على ما هي عليه اليوم ~~من الصفة والشكل لم يكن عن عدم بحت بل هي مسبوقة الوجود بمادة متشابهة ~~مركومة مجتمعة ففصل بعض أجزائها عن بعض فجعلت أرضا في برهتين من الزمان وقد ~~كانت السماء دخانا ففصلت وقضيت سبع سماوات في برهتين من الزمان. # وثانيا: أن ما نراه من الأشياء الحية إنما جعلت من الماء فمادة الماء هي ~~مادة الحياة. # وبما قدمنا يظهر معنى الآية التي نحن فيها فقوله: "هو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام" المراد بخلقها جمع أجزائها وفصلها وفتقها من سائر ما ~~يختلط بها من المادة المتشابهة المركومة، وقد تم أصل الخلق والرتق في ~~السماوات في يومين وفي الأرض أيضا في يومين ويبقى من الستة الأيام يومان ~~لغير ذلك. # وأما قوله: "وكان عرشه على الماء" فهو حال والمعنى وكان عرشه يوم خلقهن ~~على الماء وكون العرش على الماء يومئذ كناية عن أن ملكه تعالى كان مستقرا ~~يومئذ على هذا الماء الذي هو مادة الحياة فعرش الملك مظهر ملكه، واستقراره ~~على محل هو استقرار ملكه عليه كما أن استواءه على العرش احتواءه على الملك ~~وأخذه في تدبيره. # وقول بعضهم: إن المراد بالعرش البناء أخذا من قوله تعالى: "مما يعرشون:" ~~النحل: - 68 أي يبنون كلام بعيد عن الفهم. # قوله تعالى: "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" اللام للغاية والبلاء الامتحان ~~والاختبار، وقوله: "أيكم أحسن عملا" بيان للاختبار والامتحان في صورة ~~الاستفهام والمراد أنه تعالى خلق السماوات والأرض على ما خلق لغاية ~~امتحانكم وتمييز المحسنين منكم من المسيئين. PageV10P078 # ومن المعلوم أن البلاء والامتحان أمر مقصود لغيره وهو تمييز الجيد من الردي ~~والحسن من السيىء، ms3734 وكذلك الحسنة والسيئة إنما يراد تمييزهما لأجل ما يترتب ~~عليهما من الجزاء، وكذلك الجزاء إنما يراد لأجل ما فيه من إنجاز الوعد الحق ~~ولذلك نجده تعالى يذكر كل واحد من هذه الأمور المترتبة غاية للخلقة فقال في ~~كون الابتلاء غاية للخلقة: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا:" الكهف: - 7، وقال في معنى التمييز والتمحيص: "ليميز الله ~~الخبيث من الطيب:" الأنفال: - 37، وقال في خصوص الجزاء: "وخلق الله ~~السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون:" الجاثية: - ~~22 وقال في كون الإعادة لإنجاز الوعد: "كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين:" الأنبياء: - 104 إلى غير ذلك من الآيات، وقال في كون ~~العبادة غرضا في خلق الثقلين: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون:" ~~الذاريات: - 56. # وعد العمل الصالح أو الإنسان المحسن غاية للخلقة لا ينافي اشتمال الخلقة ~~على غايات أخرى بعد ما كان الإنسان أحد تلك الغايات حقيقة لأن الوحدة ~~والاتصال الحاكم على العالم يصحح كون كل واحد من أنواع الموجودات غاية ~~للخلقة بما أنه محصول الارتباط ونتيجة الازدواج العام بين أجزائه فمن ~~الجائز أن يخاطب كل نوع من أنواع الخليقة أنه المطلوب المقصود من خلق ~~السماوات والأرض بما أنها تؤدي إليه. # على أن الإنسان أكمل وأتقن المخلوقات الجسمانية من السماوات والأرض وما ~~فيهما صنعا ولئن نمى في جانب العلم والعمل نماء حسنا كان أفضل ذاتا مما ~~سواه وأرفع مقاما وأعلى درجة من غيره وإن كان بعض الخليقة كالسماء أشد منه ~~خلقا كما ذكره الله تعالى ومن المعلوم أن كمال الصنع هو المقصود منه إذا ~~اشتمل على ناقص ولذا كنا نعد مراحل وجود الإنسان المختلفة من المنوية ~~والجنينية والطفولية وغيرها مقدمة لوجود الإنسان السوي الكامل وهكذا. # وبهذا البيان يظهر أن أفضل أفراد الإنسان - إن كان فيهم من هو أفضل مطلقا ~~- غاية لخلق السماوات والأرض، ولفظ الآية أيضا لا يخلو عن إشارة أو دلالة ~~على ذلك فإن قوله: "أيكم أحسن عملا" يفيد أن القصد إلى ms3735 تمييز من هو أحسن ~~عملا من غيره سواء كان ذلك الغير محسنا أو مسيئا فمن كان عمله أحسن من سائر ~~الأفراد سواء كانوا محسنين وأعمالهم دون عمله أو مسيئين كان تمييزه منهم هو ~~الغرض المقصود من الخلقة، وبذلك يستصح ما ورد في الحديث القدسي من خطابه ~~تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "لولاك لما خلقت الأفلاك" فإنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الخلق. # وفي المجمع،: قال الجبائي: وفي الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السماوات ~~والأرض والملائكة لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه ~~لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلا بد حينئذ من حي مكلف، وقال علي بن عيسى: ~~لا يمتنع أن يكون في الإخبار بذلك مصلحة للمكلفين فلا يجب ما قاله الجبائي ~~وهو الذي اختاره المرتضى قدس الله روحه. # انتهى. # أقول: وما ذكراه مبنى على ما ذهب إليه المعتزلة: أن أفعال الله سبحانه ~~معللة بالأغراض وتابعة للمصالح وجهات الحسن ولو كان ذلك بأن يخلق خلقا ~~ليخبر بذلك المكلفين فيعتبروا به ويؤمنوا له فيتم بذلك مصلحة من مصالحهم، ~~وقد تقدم في أبحاثنا السابقة أن الله سبحانه لا يحكم عليه ولا يؤثر فيه ~~غيره سواء كان ذلك الغير مصلحة أو أي شيء آخر مفروض وأن غيره أي شيء فرض ~~مخلوق له مدبر بأمره إن كان أمرا ذا واقعية ووجود إن الحكم إلا لله والله ~~خالق كل شيء. # فجهات الحسن والمصلحة وهي التي تحكم علينا وتبعثنا نحو أفعالنا أمور ~~خارجة عن أفعالنا مؤثرة فينا من جهة كوننا فاعلين نروم بها إلى سعادة ~~الحياة، وأما هو سبحانه فإنه أجل من ذلك. # وذلك أن جهات الحسن والمصلحة هذه إنما هي قوانين عامة مأخوذة من نظام ~~الكون والروابط الدائرة بين أجزاء الخلقة، ومن الضروري أن الكون وما فيه من ~~النظام الجاري فعله سبحانه، ومن الممتنع جدا أن يتقدم المفهوم المنتزع على ~~ما انتزع منه من الفعل ثم يتخطاه ولا يقنع حتى يتقدم على فاعله الموجد له. PageV10P079 # وأما ms3736 ما في الآية من تعليل خلق السماوات والأرض بقوله: "ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا" ونظائره الكثيرة في القرآن فإنما هو وأمثاله من قبيل التعليل ~~بالفوائد المترتبة والمصالح المتفرعة وقد أخبر تعالى أن فعله لا يخلو من ~~الحسن إذ قال: "الذي أحسن كل شيء خلقه:" الم السجدة: - 7، فهو سبحانه هو ~~الخير لا شر فيه وهو الحسن لا قبح عنده وما كان كذلك لم يصدر عنه شر ولا ~~قبيح البتة. # وليس مقتضى ما تقدم أن يكون معنى الحسن هو ما صدر عنه تعالى أو الذي أمر ~~به وإن استقبحه العقل، ومعنى القبيح هو ما لا يصدر عنه أو الذي نهى عنه وإن ~~استحسنه العقل واستصوبه فإن ذلك يأباه أمثال قوله تعالى: "قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء:" الأعراف: - 28. # قوله تعالى: "ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين" لما كان قوله: "ليبلوكم" إلخ، يشير إلى المعاد أشار إلى ~~ما كان يواجه به الكفار ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) للمعاد برميه بأنه ~~سحر من القول. # فظاهر الآية أنهم كما كانوا يسمون لفظ القرآن الكريم بما فيه من الفصاحة ~~وبلاغة النظم سحرا، كذلك كانوا يسمون ما يخبر به القرآن أو النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من حقائق المعارف التي لا يصدقه أحلامهم كالبعث بعد الموت ~~سحرا، وعلى هذا فهو من مبالغتهم في الافتراء على كتاب الله والتعنت والعناد ~~مع الحق الصريح حيث تعدوا عن رمي اللفظ لفصاحته وبلاغته بالسحر إلى رمي ~~المعنى لصحته واستقامته بالسحر. # ومن الممكن أن يكون المراد بالسحر المغالطة والتمويه بإظهار الباطل في ~~صورة الحق على نحو إطلاق الملزوم وإرادة اللازم لكن لا يلائمه ظاهر قوله ~~تعالى في نظير المورد: "قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون:" المؤمنون: - 89. # قوله تعالى: "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه" ~~إلى آخر الآية. # اللام في صدر الآية للقسم ولذلك أكد الجواب ms3737 أعني قوله: "ليقولن" باللام ~~والنون والمعنى: وأقسم لئن أخرنا عن هؤلاء الكفار ما يستحقونه من العذاب ~~قالوا مستهزءين: ما الذي يحبس هذا العذاب الموعود عنا ولما ذا لا ينزل ~~علينا ولا يحل بنا. # وفي هذا إشارة أو دلالة على أنهم سمعوا من كلامه تعالى أو من كلام النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يوعدهم بعذاب لا محيص منه وإن الله أخر ذلك ~~تأخيرا رحمة لهم فاستهزءوا به وسخروا منه بقولهم: "ما يحبسه" ويؤيده قوله ~~تعالى عقيب ذلك: "ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم" إلخ. # وبهذا يتأيد أن السورة - سورة هود - نزلت بعد سورة يونس لمكان قوله تعالى ~~فيها: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط" إلى آخر الآيات. # وقوله: "إلى أمة معدودة" الأمة الحين والوقت كما في قوله تعالى: "وقال ~~الذي نجا منهما وادكر بعد أمة:" يوسف: - 45 أي بعد حين ووقت. # وربما أمكن أن يراد بالأمة الجماعة فقد وعد الله سبحانه أن يؤيد هذا ~~الدين بقوم صالحين لا يؤثرون على دينه شيئا ويمكن عند ذلك للمؤمنين دينهم ~~الذي ارتضى لهم قال: "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم:" المائدة: - ~~54، وقال: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم - إلى أن قال ~~- يعبدونني لا يشركون بي شيئا:" النور: - 55، وهذا وجه لا بأس به. # وقيل: إن المراد بالأمة الجماعة وهم قوم يأتي الله بهم بعد هؤلاء فيصرون ~~على الكفر فيعذبهم بعذاب الاستئصال كما فعل بقوم نوح، أو هم قوم يأتون بعد ~~هؤلاء فيصرون على معصية الله فتقوم عليهم القيامة. # والوجهان سخيفان لبنائهما على كون المعذبين غير هؤلاء المستهزءين من ~~الكفار وظاهر قوله تعالى: "ألا يوم يأتيهم" إلخ، إن المعذبين هم المستهزءون ~~بقولهم: "ما يحبسه". PageV10P080 # وقوله: "ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون" ~~بمنزلة الجواب عن قولهم: "ما ms3738 يحبسه" الواقع موقع الاستهزاء فإنه في معنى ~~الرد على ما أوعدوا به من العذاب، ومحصله أن هذا العذاب الذي يهددنا لو كان ~~حقا لم يكن لحبسه سبب فإنا كافرون غير عادلين عن الكفر ولا تاركين له فتأخر ~~نزول العذاب من غير موجب لتأخره بل مع الموجب لتعجيله كاشف عن كونه من قبيل ~~الوعد الكاذب. # فأجاب الله عن ذلك بأنه سيأتيهم ولا يصرفه يومئذ عنهم صارف ويحيق بهم هذا ~~العذاب الذي كانوا به يستهزءون. # وبما تقدم يظهر أن هذا العذاب الذي يهددون به عذاب دنيوي سيحيق بهم وينزل ~~عليهم دون عذاب الآخرة، وعلى هذا فهذه الآية والتي قبلها يذكر كل منهما ~~شيئا من ما تهوس به الكفار بجهالتهم فالآية السابقة تذكر أنهم إذا ذكر لهم ~~البعث وأنذروا بعذاب يوم القيامة قالوا: إن هذا إلا سحر مبين، وهذه الآية ~~تذكر أن الله إذا أخر عنهم العذاب إلى أمة وأخبروا بذلك قالوا مستهزءين: ما يحبسه. # قوله تعالى: "ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس ~~كفور" قال في المجمع،: الذوق تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم، وسمى الله ~~سبحانه إحلال اللذات بالإنسان إذاقة لسرعة زوالها تشبيها بما يذاق ثم يزول ~~كما قيل: أحلام نوم أو كظل زائل والنزع قلع الشيء عن مكانه، واليئوس فعول ~~من يئس - صيغة مبالغة - واليأس القطع بأن الشيء المتوقع لا يكون ونقيضه ~~الرجاء. # انتهى. # وقد وضعت الرحمة في الآية مكان النعمة للإشعار بأن النعم التي يؤتيها ~~الله الإنسان عنوانها الرحمة وهي رفع حاجة الإنسان فيما يحتاج إليه من غير ~~استحقاق وإيجاب والمعنى: أنا إن آتينا الإنسان شيئا من النعم التي يتنعم ~~بها ثم نزعناها يئس منها واشتد يأسه حتى كأنه لا يرى عودها إليه ثانيا ~~ممكنا وكفر بنعمتنا كأنه يرى تلك النعمة من حقه الثابت علينا ويرانا غير ~~مالكين لها فالإنسان مطبوع على اليأس عما أخذ منه والكفران، وقد أخذ في ~~الآية لفظ الإنسان - وهو لفظ دال على نوعه - للدلالة على أن الذي يذكر من ~~صفته من طبع ms3739 نوعه. # قوله تعالى: "ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني ~~إنه لفرح فخور" قال في المجمع،: النعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه والضراء ~~مضرة يظهر الحال بها لأنهما أخرجتا مخرج الأحوال الظاهرة مثل حمراء وعيناء ~~مع ما فيهما من المبالغة، والفرح والسرور من النظائر وهو انفتاح القلب بما ~~يلتذ به وضده الغم - إلى أن قال: - والفخور الذي يكثر فخره وهو التطاول ~~بتعديد المناقب وهي صفة ذم إذا أطلقت لما فيها من التكبر على من لا يجوز أن ~~يتكبر عليه. # انتهى. # والمراد بالسيئات بقرينة المقام المصائب والبلايا التي يسوء الإنسان ~~نزولها عليه، والمعنى: ولئن أصبناه بالنعمة بعد الضراء ليقولن ذهب الشدائد ~~عني، وهو كناية عن الاعتقاد بأن هاتيك الشدائد والنوازل لا تعود بعد زوالها ~~ولا تنزل بعد ارتفاعها ثانيا. # وقوله: "إنه لفرح فخور" بمنزلة التعليل لقوله: "ذهب السيئات عني" فإنه ~~يفرح ولا يزال على ذلك لما ذاقه من النعماء بعد الضراء، ولو كان يرى أن ما ~~عنده من النعماء جائز الزوال لا وثوق على بقائه ولا اعتماد على دوامه، وأن ~~الأمر ليس إليه بل إلى غيره ومن الجائز أن يعود إليه ما تركه من السيئات لم ~~يكن فرحا بذلك فإنه لا فرح في أمر مستعار غير ذي قرار. # وإنه ليفخر بما أوتي من النعماء على غيره، ولا فخر إلا بكرامة أو منقبة ~~يملكها الإنسان فهو يرى ما عنده من النعمة أمرا بيده زمامه ليس لغيره أن ~~يسلبه وينزعه منه ويعيد إليه ما ذهب عنه من السيئات ولذلك يفخر ويكثر من الفخر. PageV10P081 # قوله تعالى: "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير" ~~ذكر سبحانه ما الإنسان مطبوع عليه عند الشدة والبلاء من اليأس والكفر وعند ~~الرخاء والنعماء من الفرح والفخر، ومغزى الكلام أنه مخلوق كليل البصر قصير ~~النظر إنما يرى ما يجده في حاله الحاضرة، ويذهل عما دون ذلك فإن زالت عنه ~~نعمة لم ير لها عودة وأنها كانت من عند الله سبحانه، وله تعالى أن يعيدها ms3740 ~~إليه إن شاء حتى يصبر على بلائه ويتعلق قلبه به بالرجاء والمسألة، وإن عادت ~~إليه نعمة بعد زوالها رأى أنه يملكها ففرح وفخر ولم ير لله تعالى صنعا في ~~ذلك حتى يشكره عليها ويكف عن الفرح وعن التطاول على غيره بالفخر. # استثنى سبحانه طائفة من الإنسان ووصفهم بقوله: "الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات" ثم وعدهم وعدا حسنا بقوله: "أولئك لهم مغفرة وأجر كبير" وذلك أن ~~التخلص من هذا الطبع المذموم إنما يتمشى من الصابرين الذين يصبرون عند ~~الضراء فلا يحملهم الجزع على اليأس والكفر، ويعملون الصالحات من الشكر ~~بثنائه تعالى على ما كشف الضراء وأعقب بالنعماء وصرف نعمه في ما يرضيه ~~ويريح خلقه فلا يحملهم الاستغناء على الفرح والفخر. # وهؤلاء هم المتخلصون الناجون يغفر لهم ربهم بإمحاء آثار ذلك الطبع ~~المذموم ووضع الخصال المحمودة موضعه ولهم عند ربهم مغفرة وأجر كبير. # وفي الآية دلالة على أن الصبر مع العمل الصالح لا ينفك عن الإيمان فإنها ~~تعد هؤلاء الصابرين مغفرة وأجرا كبيرا، والمغفرة لا تنال المشركين، قال ~~تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به:" النساء: - 116. # وقد ورد الوعد بعين ما ذكر في هذه الآية أعني المغفرة والأجر الكبير ~~للمؤمنين في قوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~كبير:" فاطر: - 7، وقوله تعالى: "إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة ~~وأجر كبير:" الملك: - 12. # واتصال الآيات الثلاث بما قبلها ظاهر فإن الكلام كان في الآيات السابقة ~~مسوقا في كفر الكافرين ورميهم الوعد بالبعث بالسحر ومقابلتهم الإيعاد بنزول ~~العذاب بالاستهزاء، فذكر سبحانه أنهم على حالهم الطبعي لا يرون لما عندهم ~~من نعمة الله زوالا بنزول العذاب ولا لما بهم من رث الحال تبدلا إلى العيش ~~الهنيء والمتاع الحسن الذي وعدهم الله به في صدر السورة. # قوله تعالى: "فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك" إلى آخر الآية، ~~لما كانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أيدت به من القرآن ~~الكريم والآيات البينات والحجج والبراهين مما لا يسع لذي عقل ms3741 إنكارها ولا ~~لإنسان صحيح المشاعر ردها والكفر بها كان ما حكى من كفر الكافرين وإنكار ~~المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطبع، وإذا كان وقوع أمر على صفة من الصفات ~~مستبعدا أخذ الإنسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد طلبا للمخرج ~~من نسبة الوقوع إلى ما يستبعده الطبع. # ولما كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام وكان ما حكاه الله سبحانه ~~من كفر المنكرين وإنكار المشركين لما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إليهم من الحق الصريح وما أنزل إليه من كلام الله تعالى مع ما يتلوه ~~من البينات والحجج مما لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا بين تعالى لذلك وجها ~~بعد وجه على سبيل الترجي فقال: "ولعلك تارك بعض ما يوحى إليك" إلخ، "أم ~~يقولون افتراه" إلخ. # فكأنه قيل: من المستبعد أن تهديهم إلى الحق الواضح ويسمعوا منك كلامي ثم ~~لا يستجيبوا دعوتك ويكفروا بالحق بعد وضوحه فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ~~وغير داعيهم إليه ولذلك جبهوك بالإنكار أم يقولون إن القرآن ليس من كلام ~~الله بل هو افتراء افتريته على الله ولذلك لم يؤمنوا به. # فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات فإنما أنت نذير ~~وليس لك إلا ما شاء الله، وأن يقولوا افتراه فقل لهم يأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات "إلخ". PageV10P082 # ومما تقدم يظهر أن إيراد الكلام مورد الترجي والاحتمال لرعاية ما يقتضيه ~~المقام من طبع الاستبعاد فالمقام مقام الاستبعاد ومقتضاه ذكر كل سبب محتمل ~~التأثير في الحادثة المستبعدة، اعتبر ذلك في ملك ينتهي إليه تمرد بعض ضعفاء ~~رعيته فيبعث بعض عماله إلى دعوتهم إلى السمع والطاعة ويكتب في ذلك كتابا ~~يأمره أن يقرأه عليهم ويلومهم على تمردهم واستكبارهم على ما بهم من الضعف ~~والذلة ولمولاهم من القوة والسطوة والعزة ثم يبلغ الملك أنهم ردوا على ~~رسوله ما بلغهم من قبله، ويكتب إليه كتابا ثانيا يأمره بقراءته عليهم وإذا ~~فيه: لعلك لم تقرأ كتابي عليهم مخافة أن يقترحوا عليك بما ms3742 لا تقدر عليه أو ~~أنهم زعموا أن الكتاب ليس من قبلي وإنما افتريته علي افتراء فإن كان الأول ~~فإنك رسول ليس عليك إلا البلاغ وإن كان الثاني فإن الكتاب بخطي كتبته بيدي ~~وختمت عليه بخاتمي ولا يقدر أحد غيري أن يقلدني في ذلك. # والتأمل في هذا المثال يعطي أن المقام فيما يتضمنه الكتاب الثاني من ~~الخطاب مقام الاستبعاد وأن القصد من ذكر الاحتمالين ترك الإبلاغ وزعم ~~الافتراء ليس هو توبيخ الرسول جدا أو احتمال زعمهم الكذب والفرية جدا، ~~وإنما ذكر الوجهان لداعي أن يكونا كالمقدمة لذكر ما يزول به الشبهتان وهو ~~أن الرسول ليس له من الأمر شيء حتى يقترح، عليه بما يقترح وأن الكتاب للملك ~~ليس فيه ريب ولا شك. # ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: "فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به ~~صدرك" إلخ، ليس يفيد الترجي الجدي ولا مسوقا لتوبيخ النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولا مرادا به تسليته وتطييب نفسه إثر ما كان يناله من الحزن ~~والأسى بكفرهم وجحودهم لما أتى به من الحق الصريح بل الكلام مسوق ليتوصل به ~~إلى ذكر قوله: "إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل". # فما ذكره بعض المفسرين أن الكلام مسرود لنهي النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن الحزن وضيق الصدر بما كانوا يواجهونه به من الكفر والجحود، والنهي ~~نهي تسلية وتطييب للنفس نظير ما في قوله: "ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق ~~مما يمكرون:" النحل: - 127، وقوله: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن ~~نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين:" الشعراء: - 4 كلام ~~ليس في محله. # ويظهر أيضا أن قوله: "فلعلك تارك" إلخ، وقوله: "أم يقولون افتراه" إلخ، ~~كشقي الترديد ويتصلان معا بما قبلهما من وجه واحد كما ذكرناه. # وقوله: "تارك بعض ما يوحى إليك" إنما ذكر البعض لأن الآيات السابقة ~~متضمنة لتبليغ الوحي في الجملة أي لعلك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن ~~فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم ms3743 الحق كل الانكشاف حتى لا يجبهوك بما جبهوك ~~به من الرد والجحود، وذلك أن القرآن بعضه يوضح بعضا وشطر منه يقرب شطرا منه ~~من القبول كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدعاوي، وآيات الثواب ~~والعقاب تقرب الحق من القبول بالتطميع والتخويف، وآيات القصص والعبر تستميل ~~النفوس وتلين القلوب. # وقوله: "وضائق به صدرك أن يقولوا" إلخ، قال في المجمع، ضائق وضيق بمعنى ~~واحد إلا أن ضائق هاهنا أحسن لوجهين: أحدهما: أنه عارض والآخر أنه أشكل ~~بقوله تارك انتهى. # والظاهر أن ضمير "به" راجع إلى قوله: "بعض ما يوحى" وإن ذكر بعضهم أن ~~الضمير راجع إلى قولهم: "لو لا أنزل عليه كنز" إلخ، أو إلى اقتراحهم وهذا ~~أوفق بكون قوله "أن يقولوا" إلخ، بدلا من الضمير في "به" وما ذكرناه أوفق ~~بكونه مفعولا له لقوله: "تارك" والتقدير: لعلك تارك ذلك مخافة أن يقولوا: ~~لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك. # وقوله: "إنما أنت نذير" جواب عن اقتراحهم بقولهم: لو لا أنزل عليه كنز أو ~~جاء معه ملك، وقد تكرر في مواضع من كلامه تعالى ذكر ما اقترحوه اقتصر في ~~بعضها على ذكر مجيء الملك وزيد في بعضها عليه غيره كاقتراح الإتيان بالله ~~سبحانه ليشهد على الرسالة وأن يكون له جنة يأكل منها وأن ينزل من السماء ~~كتابا يقرءونه. PageV10P083 # وقد أجاب الله سبحانه عنها جميعا بمثل ما أجاب به هاهنا وهو أن رسوله ليس ~~له إلا الرسالة فليس بيده وهو بشر رسول أن يجيبهم إلى ما اقترحوا به عليه ~~إلا أن يشاء الله في ذلك شيئا ويأذن في إتيان آية كما قال: "وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله:" المؤمن: - 78. # ثم عقب قوله: "إنما أنت نذير" بقوله: "والله على كل شيء وكيل" لتتميم ~~الجواب عن اقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمعجزات ومحصله: ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر مثلهم ولم يؤمر إلا بالإنذار وهو ~~الرسالة بإعلام الخطر، والقيام بالأمور كلها وتدبيرها سواء كانت جارية ms3744 على ~~العادة أو خارقة لها إنما هو إلى الله سبحانه فلا وجه لتعلقهم بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيما ليس إليه. # وذلك أن الله سبحانه هو الموجد للأشياء كلها وفاطرها وهو القائم على كل ~~شيء فيما يجري عليه من النظام فما من شيء إلا وهو تعالى المبدأ في أمره ~~وشأنه والمنتهى سواء الأمور الجارية على العادة والخارقة لها فهو تعالى ~~الذي يسلم إليه أمره ويدبر شأنه فهو تعالى الوكيل عليه فإن الوكيل هو الذي ~~يسلم إليه الأمر وينفذ فيه منه الحكم فهو تعالى على كل شيء وكيل. # وبذلك يظهر أن قوله: "والله على كل شيء وكيل" بمعونة من قوله: "إنما أنت ~~نذير" يفيد قصر القلب فإنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرا ~~ليس إليه وإنما هو إلى الله تعالى. # قوله تعالى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور" قد تقدم من الكلام ما ~~يصح به أخذ "أم" متصلة لكون قوله: "فلعلك تارك" إلخ، في معنى الاستفهام، ~~والتقدير: أفأنت تارك بعض ما يوحى إليك خوفا من اقتراحهم المعجزة أم يقولون ~~إنك افتريته علينا فإن من المستبعد أن يقرأ عليهم كلامي ثم لا يؤمنوا به ~~وقيل: إن أم مقطعة والمعنى: بل يقولون افتراه. # وقوله: "قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات" في الكلام تحد ظاهر والضمير ~~راجع إلى القرآن أو إلى السورة بما أنها قرآن والفاء في "فأتوا" تفيد تفريع ~~الأمر على قوله: "افتراه" وفي الكلام حذف وإيصال رعاية للإيجاز، والتقدير: ~~قل لهم: إن كان هذا القرآن مما افتريته على الله كان من عندي وكان من ~~الجائز أن يأتي بمثله غيري فإن كنتم صادقين في دعواكم ومجدين غير هازلين ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات واستعينوا في ذلك بدعوة كل من تستطيعون من دون ~~الله من أوثانكم الذين تزعمون أنهم آلهة تتسرعون إليهم في الحاجات وغيرهم ~~من سائر الخلق حتى يتم لكم جميع الأسباب والوسائل ولا يبقى أحد ممن يطمع في ~~تأثير إعانته ويرجى نفعه في ذلك فلو كان من عندي ms3745 لا من عند الله جاز أن ~~تأتوا حينئذ بمثله. # وقد بان بهذا البيان أن التحدي بالقرآن في الآية الكريمة ليس من حيث نظمه ~~وبلاغته فحسب فإنه تعالى يأمرهم بالاستمداد من كل من استطاعوا دعوته من دون ~~الله سواء في ذلك آلهتهم وغير آلهتهم وفيهم من لا يعرف الكلام العربي أو ~~جزالة نظمه وصفة بلاغته فالتحدي عام لكل ما يتضمنه القرآن الكريم من معارف ~~حقيقية والحجج والبراهين الساطعة والمواعظ الحسنة والأخلاق الكريمة ~~والشرائع الإلهية والأخبار الغيبية والفصاحة والبلاغة نظير ما في قوله ~~تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا:" إسراء: - 88، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ~~في الكلام على إعجاز القرآن في الجزء الأول من الكتاب. # وبذلك يظهر فساد ما قيل إن جهة إعجاز القرآن إنما هي البلاغة والفصاحة في ~~هذا النظم المخصوص لأنه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة ~~بالافتراء والاختلاق لأن البلاغة ثلاث طبقات فأعلى طبقاتها معجز وأدناها ~~وأوسطها ممكن فالتحدي في الآية إنما وقع في الطبقة العليا منها، ولو كان ~~وجه الإعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز. # والمثل المذكور في الآية لا يجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس لأن ~~مثله في الجنس يكون حكايته فلا يقع بها التحدي، وإنما يرجع في ذلك إلى ما ~~هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا كما اشتهر من مناقضات امرىء القيس ~~وعلقمة وعمر بن كلثوم والحارث بن حلزة وجرير والفرزدق وغيرهم. # انتهى. PageV10P084 # فإن فيه أولا: أن لو كانت جهة الإعجاز في القرآن هي بلاغته فحسب وهي أمر لا ~~يعرفه غير العرب لم يكن لتشريك غيرهم في التحدي معنى، ولم يرجع قوله: ~~"وادعوا من استطعتم من دون الله" على ما فيه من العموم وكذا قوله: "لئن ~~اجتمعت الإنس والجن" الآية إلى معنى محصل ولكان من الواجب أن يقال: لئن ~~اجتمعت العرب" وادعوا من استطعتم من آلهتكم ومن أهل لغتكم. # وثانيا: ms3746 أنه لو كانت جهة الإعجاز هي البلاغة فقط لم يصح الاحتجاج بمثل ~~قوله: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا:" النساء: - 82، ~~الظاهر في نفي مطلق الاختلاف فإن أكثر الاختلافات وهي التي يرجع إلى ~~المعاني لا تضر بلاغة اللفظ. # وثالثا: أنه تعالى يتحدى بمثل قوله: "فليأتوا بحديث مثله:" الطور: - 34، ~~وبقوله في سورة يونس: "فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله:" ~~آية - 38، وقد استفدنا فيما تقدم أن سورة يونس قبل سورة هود في ترتيب ~~النزول ويؤيده الأثر، ثم بقوله في هذه السورة: "فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله" ولو كان جهة الإعجاز هي البلاغة ~~خاصة لكانت هذه التحديات خارجة عن النظم الطبيعي إذ لا يصح أن يكلف البلغاء ~~من العرب المنكرين لكون القرآن من عند الله بإتيان مثل سورة منه ثم بعده ~~بإتيان عشر سور مفتريات بل مقتضى الطبع أن يتحدى بتكليفهم بإتيان مثل ~~القرآن أجمع فإن عجزوا فبإتيان عشر سور مثله مفتريات فإن عجزوا فبإتيان ~~سورة مثله. # وقد ذكر بعضهم في التفصي عن هذا الإشكال أن الترتيب بين السور ونزول ~~بعضها قبل بعض لا يستلزم الترتيب بين آيات السور فكم من آية مكية موضوعة في ~~سورة مدنية وبالعكس فمن الجائز حينئذ أن تكون آيات التحدي بتمام القرآن ~~نازلة قبل غيرها مطلقا ثم تكون آية التحدي بعشر سور مفتريات نازلة بعدها، ~~وآية التحدي بسورة واحدة نازلة بعد الجميع. # وفيه: أنه إنما ينفع لو صح نزول الآيات على ما صوره وإلا فالإشكال على ~~حاله والحق أن القرآن معجز في جميع صفاته المختصة به من بلاغة وفصاحة وما ~~فيه من المعارف الحقيقية والأخلاق الكريمة والشرائع الإلهية والقصص والعبر ~~والإخبار بالمغيبات وما له من السلطان على القلوب والجمال الحاكم في ~~النفوس. # وأما الوجه في التحدي بعشر سور مع ما في سورة يونس من التحدي بواحدة فقد ~~قال في المجمع،: فإن قيل: لم ذكر التحدي مرة بعشر سور ومرة بسورة ومرة ~~بحديث مثله؟ فالجواب: أن التحدي ms3747 إنما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظوم ~~الكلام فيجوز أن يتحدى مرة بالأقل ومرة بالأكثر. # انتهى. # أقول: وهو يصلح وجها لأصل التحدي بالواحد والكثير وأما التحدي بالعشر بعد ~~الواحدة ولا سيما على ما يراه من كون إعجازه بالبلاغة فحسب فلا. # وذكر بعضهم في توجيه ذلك أن القرآن الكريم معجز في جميع ما يتضمنه من ~~المعارف والأخلاق والأحكام والقصص وغيرها وينعت به من الفصاحة والبلاغة ~~وانتفاء الاختلاف، وإنما يظهر صحة المعارضة والإتيان بالمثل عند إتيان عدة ~~من السور يظهر به ارتفاع الاختلاف وخاصة من بين القصص المودعة فيها مع سائر ~~الجهات كالفصاحة والبلاغة والمعارف وغيرها. # وإنما يتم ذلك بإتيان أمثال السور الطويلة التي تشتمل على جميع الشئون ~~المذكورة وتتضمن المعرفة والقصة والحجة وغير ذلك كسورتي الأعراف والأنعام. # والتي نزلت من السور الطويلة القرآنية مما يشتمل على جميع الفنون ~~المذكورة قبل سورة هود على ما ورد في الرواية هي سورة الأعراف وسورة يونس ~~وسورة مريم وسورة طه وسورة الشعراء وسورة النمل وسورة القصص وسورة القمر ~~وسورة ص فهذه تسع من السور عاشرتها سورة هود، وهذا الوجه هو في التحدي ~~بأمرهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، انتهى بتلخيص منا وقد أطنب في كلامه. # أقول: فيه أولا: أن لا تعويل على الأثر الذي عول عليه في ترتيب نزول ~~السور فإنما هو من الآحاد التي لا تخلو عن ضعف ولا ينبغي بناء البحث ~~التفسيري على أمثالها. PageV10P085 # وثانيا: أن ظاهر قوله: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات" ~~أن رميهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء على الله سبحانه قول ~~تقولوه بالنسبة إلى جميع السور القرآنية طويلتها وقصيرتها من غير أن يخصوا ~~به سورة دون سورة فمن الواجب أن يجابوا بما يحسم مادة الشبهة بالنسبة إلى ~~كل سورة قرآنية، والتحدي بما يفي بذلك، وعجزهم عن إتيان عشر سور مفتريات ~~طويلة تجمع الفنون القرآنية لا يثبت به كون الجميع حتى السور القصار كسورتي ~~الكوثر والعصر من عند الله اللهم إلا ببيان آخر ms3748 يضم إليه واللفظ خال من ذلك. # وثالثا: أن قوله: "بعشر سور مثله" إن كان ما فيه من الضمير راجعا إلى ~~القرآن كما هو ظاهر كلام هذا القائل أفاد التحدي بإتيان عشر سور مفتريات ~~مثله مطلقا سواء في ذلك الطوال والقصار فتخصيص التحدي بعشر سور طويلة جامعة ~~تقييد للفظ الآية من غير مقيد وهو تحكم وأشد منه تحكما القول بأن المراد ~~بالمثل مثل السور العشر التي عدها. # وإن كان الضمير راجعا إلى سورة هود كان مستبشعا من القول وكيف يستقيم أن ~~يقال لمن يقول: إن سورة الكوثر والمعوذتين من الافتراء على الله: ائت بعشر ~~سور مفتريات مثل سورة هود ويقتصر على ذلك؟ اللهم إلا أن يهذروا بأن سورة ~~هود وحدها من الافتراء على الله تعالى فيتحدى عندئذ بأن يأتوا بمثلها، ولم ~~نسمع أحدا منهم تفوه بذلك. # ويمكن أن يقال في وجه الاختلاف الذي يلوح من آيات التحدي كقوله: "فأتوا ~~بسورة مثله:" يونس: - 38 الظاهر في التحدي بسورة واحدة وقوله: "فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات" الظاهر في التحدي بعدد خاص فوق الواحد وقوله: "فليأتوا ~~بحديث مثله:" الطور: - 34 الظاهر في التحدي بحديث يماثل القرآن وإن كان دون ~~السورة أن كل واحدة من الآيات تؤم غرضا خاصا في التحدي. # بيان ذلك: أن جهات القرآن وشئونه التي تتقوم به حقيقته وهو كتاب إلهي ~~مضافا إلى ما في لفظه من الفصاحة وفي نظمه من البلاغة إنما ترجع إلى معانيه ~~ومقاصده لست أعني من المعنى ما يقصده علماء البلاغة في قولهم: إن البلاغة ~~من صفات المعنى والألفاظ مطروحة في الطريق يعنون به المفاهيم من جهة ترتبها ~~الطبعي في الذهن فإن الذي يعنون به من المعنى موجود في الكذب الصريح من ~~الكلام وفي الهزل وفي الفحش والهجو والفرية إذا جرت على أسلوب البلاغة ~~وتوجد في الكلام الموروث من البلغاء نظما ونثرا شيء كثير من هذه الأمور. # بل المراد من معنى القرآن ومقصده ما يصفه تعالى بأنه كتاب حكيم، ونور ~~مبين، وقرآن عظيم، وفرقان، وهاد يهدي إلى الحق ms3749 وإلى طريق مستقيم، وقول فصل ~~وليس بالهزل، وكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذكر ~~وأنه يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا، وأنه تبيان لكل شيء ولا يمسه إلا المطهرون. # فمن البين أن هذه كلها صفات لمعنى القرآن. # وليست صفات لما يقصده علماء البلاغة بالمعنى البليغ الذي ربما يشتمل عليه ~~الباطل من الكلام الذي يسميه القرآن الكريم لغوا من القول وإثما وينهى ~~الإنسان عن تعاطيه والتفوه به وإن كان بليغا بل المعنى المتصف بهذه الصفات ~~هو شيء من المقاصد الإلهية التي تجري على الحق الذي لا يخالطه باطل، وتقع ~~في صراط الهداية، ويكون الكلام المشتمل على معنى هذا نعته وغرض هذا شأنه هو ~~الذي تتعلق العناية الإلهية بتنزيله وجعله رحمة للمؤمنين وذكرا للعالمين. # وهذا هو الذي يصح أن يتحدى به بمثل قوله: "فليأتوا بحديث مثله" فإنا لا ~~نسمي الكلام حديثا إلا إذا اشتمل على غرض هام يتحدث به فينقل من ضمير إلى ~~ضمير، وكذا قوله: "فأتوا بسورة مثله" فإن الله لا يسمي جماعة من آيات كتابه ~~وإن كانت ذات عدد سورة إلا إذا اشتملت على غرض إلهي تتميز بها من غيرها. PageV10P086 # ولو لا ذلك لم يتم التحدي بالآيات القرآنية وكان للخصم أن يختار من مفردات ~~الآيات عددا ذا كثرة كقوله تعالى: "والضحى" "والعصر" "والطور" "في كتاب ~~مكنون" "مدهامتان" "الحاقة" "ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة" "الرحمن" "ملك ~~الناس" "إله الناس" "وخسف القمر" "كلا والقمر" "سندع الزبانية" إلى غير ذلك ~~من مفردات الآيات ثم يقابل كلا منها بما يناظرها من الكلام العربي من غير ~~أن يضمن ارتباط بعضها ببعض واشتمالها على غرض يجمعها ويخرجها في صورة ~~الوحدة. # فالذي كلف به الخصم في هذه التحديات هو أن يأتي بكلام يماثل القرآن مضافا ~~إلى بلاغة لفظه في بيان بعض المقاصد الإلهية المشتملة على أغراض منعوته ~~بالنعوت التي ذكرها الله سبحانه. # والكلام الإلهي مع ما تحدى به في آيات التحدي يختلف ms3750 بحسب ما يظهر من ~~خاصته فمجموع القرآن الكريم يختص بأنه كتاب فيه ما يحتاج إليه نوع الإنسان ~~إلى يوم القيامة من معارف أصلية وأخلاق كريمة وأحكام فرعية، والسورة من ~~القرآن تختص ببيان جامع لغرض من الأغراض الإلهية المتعلقة بالهدى ودين الحق ~~على بلاغتها الخارقة وهذه خاصة غير الخاصة التي يختص بها مجموع القرآن ~~الكريم، والعدة من السور كالعشر والعشرين منها تختص بخاصة أخرى وهي بيان ~~فنون من المقاصد والأغراض والتنوع فيها فإنها أبعد من احتمال الاتفاق فإن ~~الخصم إذا عجز عن الإتيان بسورة واحدة كان من الممكن أن يختلج في باله أن ~~عجزه عن الإتيان بها إنما يدل على عجز الناس عن الإتيان بمثلها لا على ~~كونها نازلة من عند الله موحاة بعلمه فمن الجائز أن يكون كسائر الصفات ~~والأعمال الإنسانية التي من الممكن في كل منها أن يتفرد به فرد من بين ~~أفراد النوع اتفاقا لتصادق أسباب موجبة لذلك كفرد من الإنسان موصوف بأنه ~~أطول الأفراد أو أكبرهم جثة أو أشجعهم أو أسخاهم أو أجبنهم أو أبخلهم. # وهذا الاحتمال وإن كان مدفوعا عن السورة الواحدة من القرآن أيضا التي ~~يقصدها الخصم بالمعارضة فإنها كلام بليغ مشتمل على معان حقة ذات صفات كريمة ~~خالية عن مادة الكذب، وما هذا شأنه لا يقع عن مجرد الاتفاق والصدفة من غير ~~أن يكون مقصودا في نفسه ذا غرض يتعلق به الإرادة. # إلا أنه أعني ما مر من احتمال الاتفاق والصدفة عن السور المتعددة أبعد ~~لأن إتيان السورة بعد السورة وبيان الغرض بعد الغرض والكشف عن خبيىء بعد ~~خبيىء لا يدع مجالا لاحتمال الاتفاق والصدفة وهو ظاهر. # إذا تبين ما ذكرناه ظهر أن من الجائز أن يكون التحدي بمثل قوله: "قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا:" إسراء: - 88 واردا مورد التحدي بجميع القرآن لما جمع ~~فيه من الأغراض الإلهية ويختص بأنه جامع لعامة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم ~~القيامة، وقوله: ms3751 "قل فأتوا بسورة مثله" لما فيها من الخاصة الظاهرة وهي أن ~~فيها بيان غرض تام جامع من أغراض الهدى الإلهي بيانا فصلا من غير هزل، ~~وقوله: "قل فأتوا بعشر سور" تحديا بعشر من السور القرآنية لما في ذلك من ~~التفنن في البيان والتنوع في الأغراض من جهة الكثرة، والعشرة من ألفاظ ~~الكثرة كالمائة والألف قال تعالى: "يود أحدهم لو يعمر ألف سنة:" البقرة: - 96. # فالمراد بعشر سور - والله أعلم - السور الكثيرة الحائزة لبعض مراتب ~~الكثرة المعروفة بين الناس فكأنه قيل: فأتوا بعده من سورها ولتكن عشرا ~~ليظهر به أن تنوع الأغراض القرآنية في بيانه المعجز ليس إلا من قبل الله. # وأما قوله: "فليأتوا بحديث مثله" فكأنه تحد بما يعم التحديات الثلاثة ~~السابقة فإن الحديث يعم السورة والعشر سور والقرآن كله فهو تحد بمطلق ~~الخاصة القرآنية وهو ظاهر. # بقي هنا أمران أحدهما أنه: لم يقع في شيء من آيات التحدي المذكورة توصيف ~~ما يأتي به الخصم بالافتراء إلا في هذه الآية إذ قيل فيها: "فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات" بخلاف قوله: "فأتوا بسورة مثله" فلم يقل فيه: "فأتوا بسورة ~~مثله مفتراة" وكذا في سائر آيات التحدي. PageV10P087 # ولعل الوجه في ذلك أن نوع العناية في الآية المبحوث عنها غير نوع العناية ~~في سائر آيات التحدي فإن العناية في سائر الآيات متعلقة بأنهم لا يقدرون ~~على الإتيان بمثل القرآن أو بمثل السورة لما أنه قرآن مشتمل على جهات لا ~~تتعلق بها قدرة الإنسان ولا يظهر عليها غيره تعالى وقد أطلق القول فيها ~~إطلاقا. # وأما هذه الآية فلما عقبت بقوله: "فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله" دل ذلك على أن التحدي فيها إنما هو بكون القرآن متضمنا لما يختص ~~علمه بالله تعالى ولا سبيل لغيره إليه، وهذا أمر لا يقبل الافتراء بذاته ~~فكأنه قيل: إن هذا القرآن لا يقبل بذاته افتراء فإنه متضمن لأمور من العلم ~~الإلهي الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، وإن ارتبتم في ذلك فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات ms3752 تدعون أنها افتراء، واستعينوا بمن استطعتم من دون الله فإن لم ~~تقدروا عليه فاعلموا أنه من العلم المخصوص به تعالى. # فافهم ذلك. # وثانيهما: معنى التحدي بالمثل حيث قيل: "بمثل هذا القرآن" "بحديث مثله" ~~"بسورة مثله" "بعشر سور مثله" والوجه الظاهر فيه أن الكلام لما كان آية ~~معجزة فلو أتى إنسان بما يماثله لكفى في إبطال كونه آية معجزة ولم يحتج إلى ~~الإتيان بما يترجح عليه في صفاته ويفضل عليه في خواصه. # وربما يورد عليه أن عدم قدرة غيره (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك لا ~~يدل على كونه معجزة غير مستندة إليه لأن صفات الكمال التي توجد في النوع ~~الإنساني كالبلاغة والكتابة والشجاعة والسخاء وغيرها لها مراتب متفاوتة ~~مختلفة يفضل بعضها على بعض، وإذا كان كذلك كان من المراتب ما هو فوق الجميع ~~وهو غاية ما يمكن أن ترتقي إليه النفس الإنسانية البتة. # فكل صفة من صفات الكمال يوجد بين الأفراد الموصوفين بها من هو حامل ~~للدرجة العليا والغاية القصوى منها بحيث لا يعدله غيره ولا يعارضه أحد ممن ~~سواه فبالضرورة بين أفراد الإنسان عامة من هو أبلغهم أو أكتبهم أو أشجعهم ~~أو أسخاهم كما أن بينهم من هو أطولهم قامة وأكبرهم جثة، ولم لا يجوز أن ~~يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح الناس جميعا وأبلغهم والقرآن من ~~كلامه الذي لا يسع لأحد أن يعارضه فيه لوقوفه موقفا ليس لغيره فيه موضع قدم ~~فلا؟ يكون عندئذ عجز غيره عن الإتيان دليلا على كونه كلاما إلهيا غير بشري ~~لجواز كونه كلاما بشريا مختصا به (صلى الله عليه وآله وسلم) مضنونا عن غيره. # هذا. # ويدفعه أن الصفات الإنسانية التي يقع فيها التفاضل وإن كانت على ما ذكر ~~لكنها أياما كانت فهي مما تسمح بها الطبيعة الإنسانية بما أودع الله فيها ~~من الاستعداد من غير أن تنشأ عن اتفاق ومن غير سبب يمكن الفرد الموصوف من ~~الاتصاف بها. # وإذا كان كذلك وفرض فرد من الإنسان اختص بصفة فاضلة لا يعدله ms3753 غيره ولا ~~يفوقه سواه كان لغيره أن يسلك ما مهده من السبيل ويتعود بالتمرن والتدرب ~~والارتياض بما يأتيه من الأعمال التي تصدر عما عنده من صفة الكمال فيأتي ~~بما يماثل بعض ما يختص به من الكمال ويقلده في نبذة من أعماله وإن لم يقدر ~~على أن يزاحمه في الجميع ويماثله في الكل، ويبقى للفرد النابغ المذكور مقام ~~الأصالة والسبقة والتقدم في ذلك فالحاتم مثلا وإن كان هو المتفرد غير ~~المعارض في سخائه وجوده من غير أن يسع غيره أن يتقدم عليه ويسبقه لكن من ~~الممكن أن يرتاض مرتاض في سبيله فيتمرن ويتدرب فيه فيأتي بشيء من نوع سخائه ~~وجوده وإن لم يقدر على مزاحمته في الجميع وفي أصل مقامه، والكمالات ~~الإنسانية التي هي منابع للأعمال سبيلها جميعا هذا السبيل، ويتمكن الإنسان ~~بالتمرن والتدرب على سلوك سبيل السابقين المبدعين فيها والإتيان بشيء من ~~أعمالهم وإن لم يسع مزاحمتهم في أصل موقفهم. # فلو كان القرآن من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على فرض أنه ~~أبلغ إنسان وأفصحه كان من الجائز أن يهتم غيره فيتمرن على سلوك ما أبدعه في ~~كلامه من النظم البديع فيقدر على تقليده في شيء من الكلام وإتيان شيء من ~~القول بسورة مثله وإن لم يقدر على تقليد القرآن كله والإتيان بجميعه. PageV10P088 # ولم يقل فيما تحدى به: فليأتوا بحديث أبلغ منه أو أحسن أو بسورة هي أبلغ أو ~~أحسن حتى يقال: إن القرآن أبلغ كلام بشري أو أحسنه ليس هناك ما هو أبلغ أو ~~أحسن منه حتى يأتي به آت فلا يدل عدم القدرة على الإتيان بذلك على كونه ~~كلاما لغير البشر، بل إنما قال: "فليأتوا بحديث مثله" "قل فأتوا بسورة ~~مثله" وهكذا وفي وسع البشر الإتيان بمثل كلام غيره من البشر وإن فرض كون ~~ذلك الغير ذا موقف من الكلام لا يعارضه غيره على ما بيناه فالشبهة مندفعة ~~بقوله تعالى "مثله". # قوله تعالى: "فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا ~~إله إلا ms3754 هو فهل أنتم مسلمون" إجابة الدعوة واستجابتها بمعنى. # والظاهر من السياق أن الخطاب في الآية للمشركين، وأنه من تمام كلام النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر بقوله تعالى: "قل" إن يلقيه إليهم، ~~وعلى هذا فضمير الجمع في قوله: "لم يستجيبوا" راجع إلى الآلهة وكل من ~~استعانوا به المدلول عليهم بقوله: "وادعوا من استطعتم من دون الله". # والمعنى: فإن لم يستجب لكم معاشر المشركين هؤلاء الذين دعوتموهم من ~~آلهتكم ومن بلغاء أهل لسانكم العارفين بأساليب الكلام وعلماء أهل الكتاب ~~الذين عندهم الكتب السماوية وأخبار الأنبياء والأمم والكهنة المستمدين من ~~إلقاء شياطين الجن، وجهابذة العلم والفهم من سائر الناس المتعمقين في ~~المعارف الإنسانية بأطرافها فاعلموا أنما أنزل هذا القرآن بعلم الله ولم ~~يختلق عن علمي أنا ولا غيري ممن تزعمون أنه يعلمني ويملي علي، واعلموا أيضا ~~أن ما أدعوكم إليه من التوحيد حق فإنه لو كان هناك إله من دون الله لنصركم ~~على ما دعوتموه إليه فهل أنتم أيها المشركون مسلمون لله تعالى منقادون ~~لأمره؟. # فقوله تعالى: "فإن لم يستجيبوا لكم" في معنى قولنا: فإن لم تقدروا على ~~المعارضة بعد الاستعانة والاستمداد بمن استطعتم أن تدعوهم من دون الله، ~~وذلك أن الأسباب التي توجب قدرتهم على المعارضة هي ما عندهم من قدرة البيان ~~وقريحة البلاغة وهم يرون أن ذلك من مواهب آلهتهم من دون الله وكذا ما عند ~~آلهتهم مما لم يهبوهم بعد، ولهم أن يؤيدوهم به إن شاءوا على زعمهم، وأيضا ~~ما عند غير آلهتهم من المدد، وإذا لم يستجبهم الذين يدعونهم في معارضة ~~القرآن فقد ارتفع جميع الأسباب الموجبة لقدرتهم وارتفعت بذلك قدرتهم فعدم ~~إجابته الشركاء على معارضة القرآن ملازم لعدم قدرتهم عليها حتى بما عند ~~أنفسهم من القدرة ففي الكلام كناية. # وقوله: "فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" الظاهر أن المراد بعلم الله هو ~~العلم المختص به وهو الغيب الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه إلا بإذنه كما ~~قال تعالى: "لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه:" ms3755 النساء: - 166، ~~وقال: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك:" يوسف: - 102، وقال: "عالم الغيب ~~فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول:" الجن: - 27، وقال: "إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين:" ~~الواقعة: - 80. # فالمعنى: فإن لم تقدروا على معارضته بأي سبب ممد تعلقتم به من دون الله ~~فتيقنوا أنه لم ينزل إلا عن سبب غيبي وأنه من أنباء الغيب الذي يختص به ~~تعالى فهو الذي أنزله علي وكلمني به وأراد تفهيمي وتفهيمكم بما فيه من ~~المعارف الحقة وذخائر الهداية. # وذكر بعضهم أن المراد به أنه إنما أنزل على علم من الله بنزوله وشهادة ~~منه له، وذكر آخرون أن المراد أنه إنما أنزل بعلم من الله أنه لا يقبل ~~المعارضة أو بعلم من الله بنظمه وترتيبه ولا يعلم غيره ذلك وهذه معان واهية ~~بعيدة عن الفهم. # والجملة أعني قوله: "إنما أنزل بعلم الله" إحدى النتيجتين المأخوذتين من ~~عدم استجابة شركائهم لهم. # والنتيجة الأخرى قوله: "وأن لا إله إلا هو" ولزوم هذه النتيجة من وجهين: ~~أحدهما: أنهم إذا دعوا آلهتهم لما يهمهم من الأمور فلم يجيبوهم كشف ذلك عن ~~أنهم ليسوا بآلهة فليس الإله إلا من يجيب المضطر إذا دعاه وخاصة إذا دعاه ~~لما فيه نفع الإله المدعو فإن القرآن الذي أتى به النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان يقطع دابرهم ويميت ذكرهم ويصرف الناس عن التوجه إليهم فإذا ~~لم يجيبوا أولياءهم إذا دعوهم لمعارضة كتاب هذا شأنه كان ذلك من أوضح ~~الدليل على نفي ألوهيتهم. PageV10P089 # وثانيهما: أنه إذا صح أن القرآن حق نازل من عند الله صادق فيما يخبر به، ~~ومما يخبر به أنه ليس مع الله إله آخر علم بذلك أنه لا إله إلا الله ~~سبحانه. # وقوله: "فهل أنتم مسلمون" أي لما علمتم واتضح لكم من جهة عدم استجابة ~~شركائكم من دون الله وعجزكم عن المعارضة فهل أنتم مسلمون لما وقع عليه ~~علمكم هذا من توحيد الله سبحانه وكون هذا القرآن كتابا نازلا ms3756 بعلمه؟ وهو ~~أمر بالإسلام في صورة الاستفهام هذا كله ما يقتضيه ظاهر الآية. # وقيل: إن الخطاب في قوله: "فإن لم يستجيبوا لكم" إلخ، للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) خوطب بلفظ الجمع تعظيما له وتفخيما لشأنه وضمير الجمع ~~الغائب راجع إلى المشركين أي فإن لم يستجب المشركون لما دعوتهم أيها النبي ~~إليه من المعارضة فاعلم أنه منزل بعلم الله وأن الله واحد فهل أنت مسلم لأمره. # وفيه أنه قد صح أن التعظيم بلفظ الجمع والكثرة يختص في الكلام العربي ~~بالمتكلم وأما الخطاب والغيبة فلا تعظيم فيها بلفظ الجمع. # مضافا إلى أن استناد الوحي الإلهي والتكليم الرباني إليه تعالى استناد ~~ضروري لا يقبل الشك حتى يستعان عليه بالدليل فما يتلقاه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) دلالته على كونه كلاما من الله دلالة ضرورية غير محتاجة ~~إلى حجة حتى يحتج عليه بعدم إجابة المشركين إلى معارضة القرآن وعجزهم عنها ~~بخلاف كلام المخلوقين من الإنسان والجن والملك وأي هاتف آخر فإنه يحتاج في ~~حصول العلم باستناده إلى متكلمه إلى دليل خارجي من حسن أو عقل، وقد تقدمت ~~إشارة إلى ذلك في قصة زكريا من سورة آل عمران، وسيجيء البحث المستوفى عن ~~ذلك فيما يناسبه من المورد إن شاء الله تعالى. # على أن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل قوله: "وأن لا إله إلا ~~هو"، وقوله: "فهل أنتم مسلمون" لا يخلو عن بشاعة. # على أن نفس الاستدلال أيضا غير تام كما سنبين. # وقيل: إن الخطاب في الآية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ~~جميعا أو للمؤمنين خاصة لأن المؤمنين يشاركونه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في الدعوة الدينية والتحدي بالقرآن الذي هو كتاب ربهم المنزل عليهم ~~والمعنى: فإن لم يستجب المشركون لكم في المعارضة فاعلموا أن القرآن منزل ~~بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل تسلمون أنتم لله؟. # ولما تفطن بعضهم أن لا معنى لدعوة المؤمنين وهم مؤمنون بالله وحده ~~وبكتابه إلى العلم بأنه كتاب نازل من عند الله ms3757 وبأنه تعالى واحد لا شريك له ~~أصلحه بأن المراد فاثبتوا على علمكم أنه إنما أنزل بعلم الله وازدادوا به ~~إيمانا ويقينا وأنه لا إله إلا هو ولا يستحق العبادة سواه فهل أنتم ثابتون ~~على إسلامكم والإخلاص فيه؟. # وفيه أنه تقييد للآية من غير مقيد والحجة غير تامة وذلك أن المشركين لو ~~كانوا وقفوا موقف المعارضة بما عندهم من البضاعة واستعانوا عليها بدعوة ~~آلهتهم وسائر من يطمعون فيه من الجن والإنس ثم عجزوا كان ذلك دليلا واضحا ~~يدلهم على أن القرآن فوق كلام البشر وتمت بذلك الحجة عليهم، وأما عدم ~~استجابة الكفار للمعارضة فليس يدل على كونه من عند الله لأنهم لم يأتمروا ~~بما أمروا به بقوله: "فأتوا بعشر سور مثله مفتريات" إما لعلمهم بأنه كلام ~~الله الحق وإنما كان قولهم: "افتراه" قولا ناشئا عن العناد واللجاج لا عن ~~إذعان به أو شك فيه، أو لأنهم كانوا آيسين من استجابة شركائهم للدعوة على ~~المعارضة، أو لأنهم كانوا هازلين في قولهم ذلك يهذرون هذرا. # وبالجملة عدم استجابة المشركين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ~~للمؤمنين أو لهم جميعا لا يدل بنفسه على كون القرآن نازلا من عند الله إلا ~~إذا كان عدم الاستجابة المذكورة بعد تحقق دعوتهم شركاءهم إلى المعارضة وعدم ~~استجابتهم لهم، ولم يتحقق من المشركين دعوة على هذه الصفة، ومجرد عدم ~~استجابة المشركين أنفسهم لا ينفع شيئا، ولا يبقى إلا أن يقال: إن معنى ~~الآية: فإن دعا المشركون من استطاعوا من دون الله فلم يستجيبوا لهم ولم ~~يستجب المشركون لكم أيها النبي ومعاشر المؤمنين فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله إلخ، وهذا هو الذي أومأنا إليه آنفا أنه تقييد للآية من غير مقيد. PageV10P090 # على أن فيه أمرا للمؤمنين أن يهتدوا في إيمانهم ويقينهم بأمر فرضي غير واقع ~~وكلامه تعالى يجل عن ذلك، ولو أريدت الدلالة على أنهم غير قادرين على ذلك ~~وإن دعوا شركاءهم إلى المعارضة كان من حق الكلام أن يقال: فإن لم يستجيبوا ~~لكم ولن يستجيبوا فاعلموا إلخ، ms3758 كما قيل كذلك في نظيره قال تعالى: "وإن كنتم ~~في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون ~~الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين:" البقرة: - 24. # قوله تعالى: "من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون" التوفية إيصال الحق إلى صاحبه وإعطاؤه له بكماله، ~~والبخس نقص الأجر. # وفي الآية تهديد لهؤلاء الذين لا يخضعون للحق لما جاءهم ولا يسلمون له ~~إيثارا للحياة الدنيا ونسيانا للآخرة، وبيان لشيء من سنة الأسباب القاضية ~~عليهم باليأس من نعيم الحياة الآخرة. # وذلك أن العمل كيفما كان فإنما يسمح للإنسان بالغاية التي أرادها به ~~وعمله لأجلها، - فإن كانت غاية دنيوية تصلح شئون الحياة الدنيا من مال ~~وجمال وحسن حال ساقه العمل - إن أعانته سائر الأسباب العاملة - إلى ما ~~يرجوه بالعمل وأما الغايات الأخروية فلا خبر عنها لأنها لم تقصد حتى تقع، ~~ومجرد صلاحية العمل لأن يقع في طريق الآخرة وينفع في الفوز بنعيمها كالبر ~~والإحسان وحسن الخلق لا يوجب الثواب وارتفاع الدرجات ما لم يقصد به وجه ~~الله ودار ثوابه. # ولذلك عقبه بقوله تعالى: "أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ~~ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون" فأخبر أنهم إذا وردوا الحياة الآخرة ~~وقعوا في دار حقيقتها أنها نار تأكل جميع أعمالهم في الحياة كما تأكل النار ~~الحطب وتبير وتهلك كل ما تطيب به نفوسهم من محاسن الوجود، وتحبط جميع ما ~~صنعوا فيها وتبطل ما أسلفوا من الأعمال في الدنيا، ولذلك سماها سبحانه في ~~موضع آخر بدار البوار أي الهلاك فقال تعالى: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها:" إبراهيم: - 29، وبذلك ~~يظهر أن كلا من قوله: "وحبط ما صنعوا فيها" وقوله: "وباطل ما كانوا يعملون" ~~يفسر قوله: "أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار" نوعا ما من التفسير. # وبما تقدم يظهر أولا: أن ms3759 المراد من توفية أعمالهم إليهم توفية نتائجها ~~وإيصال الآثار التي لها بحسب نظام الأسباب والمسببات لا ما يقصده الفاعل ~~بفعله ويرجوه بمسعاه فإن الذي يناله الفاعل في هذه النشأة بفعله هو نتيجة ~~الفعل التي يعينه سائر الأسباب العاملة عليها لا ما يؤمه الفاعل كيفما كان ~~فما كل ما يتمنى المرء يدركه. # وقد عبر تعالى عن هذه الحقيقة في موضع آخر بقوله: "ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب:" الشورى: - 20، فقال تعالى: ~~"نؤته منها" ولم يقل: نؤته إياها، وقال في موضع آخر: "من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا:" ~~إسراء: - 18 فذكر ما يريده الإنسان من الدنيا ويناله منها وزاد بيانا أنه ~~ليس كل من يريد أمرا يناله ولا كل ما يراد ينال بل الأمر إلى الله سبحانه ~~يعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء ويقدم من يريد ويؤخر من يريد على ما تجري عليه ~~سنة الأسباب. # وثانيا: أن الآيتين أعني قوله: "من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم" إلى آخر الآيتين تبينان حقيقة من الحقائق الإلهية. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي،: في قوله تعالى: "ألا إنهم يثنون صدورهم" الآية: بإسناده عن ~~ابن محبوب عن جميل بن صالح عن سدير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أخبرني ~~جابر بن عبد الله أن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) حول البيت طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا وغطى رأسه بثوب لا يراه ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: "ألا إنهم يثنون" الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن أبي رزين قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشي بثوبه. # وفي المجمع، روي عن علي بن الحسين وأبي جعفر وجعفر بن محمد (عليهما ~~السلام): يثنوني على يعفوعل. PageV10P091 # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن الفضيل عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) ms3760 ~~قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من أهل البادية فقال: يا ~~رسول الله إن لي بنين وبنات وإخوة وأخوات وبني بنين وبني بنات وبني إخوة ~~وبني أخوات والمعيشة علينا خفيفة فإن رأيت يا رسول الله أن تدعو الله أن ~~يوسع علينا. قال: وبكى فرق له المسلمون فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "ما من دابة في الأرض - إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ~~- كل في كتاب مبين" من كفل بهذه الأفواه المضمونة على الله رزقها صب الله ~~عليه الرزق صبا كالماء المنهمر إن قليل فقليلا وإن كثير فكثيرا. قال: ثم ~~دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمن له المسلمون. قال: قال أبو ~~جعفر (عليه السلام): فحدثني من رأى الرجل في زمن عمر فسأله عن حاله فقال: ~~من أحسن من خوله حلالا وأكثرهم مالا. # وفي الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة حتى إذا بلغ ~~أقصى أثره منها فيقبض فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني. # أقول: والرواية غير ظاهرة في تفسير الآية. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع: ألا إن الروح ~~الأمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا ~~في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله ~~فإن الله تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله ~~وصبر أتاه رزقه من حله، ومن هتك حجاب ستر الله عز وجل وأخذه من غير حله قص ~~به من رزقه الحلال وحوسب عليه. # أقول: الرواية من المشهورات رواها العامة والخاصة بطرق كثيرة. # وفي تفسير العياشي، عن أبي الهذيل عن أبي عبد ms3761 الله (عليه السلام) قال: إن ~~الله قسم الأرزاق بين عباده وأفضل فضلا كبيرا لم يقسمه بين أحد قال الله: ~~"واسألوا الله من فضله": أقول: والرواية مروية عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقد تقدمت بعض ما في هذا المعنى من الأخبار في ذيل قوله تعالى: ~~"وترزق من تشاء بغير حساب:" سورة آل عمران آية - 27، وقوله تعالى: "واسألوا ~~الله من فضله:" سورة النساء: آية - 32. # وفي الكافي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا أن الله جل وعز لم يجعل للعبد ~~وإن اشتد جهده، وعظمت حيلته وكثرت مكايده أن يسبق ما سمي له في الذكر ~~الحكيم. أيها الناس إنه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه، ولن ينقص امرؤ نقيرا ~~لحمقه فالعالم بهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته والعالم بهذا ~~التارك له أعظم الناس شغلا في مضرته، ورب منعم عليه مستدرج بالإحسان إليه ~~ورب مغرور في الناس مصنوع له. فاتق الله أيها الساعي عن سعيك، وقصر من ~~عجلتك، وانتبه من سنة غفلتك وتفكر فيما جاء عن الله عز وجل على لسان نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # الحديث. PageV10P092 # وفي الكافي، بإسناده عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن الحجاج عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: إن محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أظن أن علي ~~بن الحسين يدع خلقا أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت أن أعظه ~~فوعظني فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟ فقال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ~~ساعة حارة فلقيني أبو جعفر محمد بن علي وكان رجلا بادنا ثقيلا وهو متكىء ~~على غلامين أسودين أو موليين فقلت في نفسي: سبحان الله شيخ من أشياخ قريش ~~في هذه الساعة على مثل هذه الحالة في طلب الدنيا أما إني لأعظنه. فدنوت منه ~~وسلمت عليه فرد علي بنهر وهو ينصاب عرقا فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ ~~قريش في هذه الساعة على هذه ms3762 الحالة في طلب الدنيا أرأيت لو جاء أجلك وأنت ~~على هذه الحال؟ فقال: لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في ~~طاعة من طاعة الله عز وجل أكف بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وإنما كنت ~~أخاف أن جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله. فقلت: صدقت يرحمك الله ~~أردت أن أعظك فوعظتني. # وفيه، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: استقبلت أبا عبد الله في ~~بعض طرق المدينة في يوم صائف شديد الحر فقلت: جعلت فداك حالك عند الله عز ~~وجل وقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنت تجهد نفسك في مثل ~~هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى خرجت في طلب الرزق لأستغني به عن مثلك. # أقول: ولا منافاة بين القضاء بالرزق وبين الأمر بطلبه. # وهو ظاهر. # وفي الدر المنثور، أخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن ~~جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق ~~خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء. # أقول: العماء الغيم الذي يمنع نفوذ البصر فيه، و"ما" في قوله: "ما تحته ~~هواء وما فوقه هواء" موصولة والمراد بالهواء هو الخالي من كل شيء كما في ~~قوله تعالى: "وأفئدتهم هواء" أو أنها نافية والمراد بالهواء معناه المعروف، ~~والمراد به أنه كان عماء لا يحيط به الهواء على خلاف سائر العماءات. # والرواية من أخبار التجسم ولذا وجه بأن قوله: في عماء إلخ كناية عن غيب ~~الذات الذي تكل عنه الأبصار وتتحير فيه الألباب. # وفيه، أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو الشيخ في العظمة وابن ~~مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمران بن حصين قال: قال أهل اليمن: ~~يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله قبل كل شيء، ~~وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر ms3763 كل شيء، وخلق السماوات ~~والأرض. فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا بن الحصين فانطلقت فإذا هي يقطع دونها ~~السراب فوالله لوددت أني تركتها. # أقول: وروى عدة من رجال الحديث هذه الرواية عن بريدة: وقال بريدة في ~~آخرها: "ثم أتاني آت فقال: هذه ناقتك قد ذهبت فخرجت والسراب ينقطع دونها ~~فلوددت أني كنت تركتها" وهذا مما يوهن الحديثين. # وفيه،: في قوله تعالى: "ليبلوكم أيكم أحسن عملا": أخرج داود بن المحبر في ~~كتاب العقل وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن ~~عمر قال: تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: "ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا" فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: ليبلوكم أيكم أحسن ~~عقلا. ثم قال: وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم الله وأعلمكم 1 بطاعة الله. # وفي الكافي، مسندا عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول الله عز وجل: "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" قال: قال: ليس يعني أكثركم عملا ~~ولكن أصوبكم عملا، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة. ثم قال: ~~الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص: الذي لا تريد أن ~~يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل والنية أفضل من العمل ألا إن النية هي ~~العمل ثم تلا قوله عز وجل: "قل كل يعمل على شاكلته" يعني على نيته. # أقول: قوله ألا إن النية هي العمل يعني ليس للعمل أثر إلا لما معه من النية. PageV10P093 # وفي تفسير النعماني، بإسناده عن إسحاق بن عبد العزيز عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله: "لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة" قال: العذاب ~~خروج القائم (عليه السلام) والأمة المعدودة أهل بدر وأصحابه: أقول: وروى ~~هذا المعنى الكليني في الكافي، والقمي والعياشي في تفسيريهما عن علي ~~والباقر والصادق (عليهما السلام). # وفي المجمع، قيل: إن الأمة المعدودة هم أصحاب المهدي ثلاثمائة وبضعة عشر ~~رجلا كعدة أهل بدر يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف قال: وهو ~~المروي ms3764 عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله: "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" قال: قال: ~~صبروا في الشدة وعملوا الصالحات في الرخاء. # وفي الدر المنثور،: في قوله: "من كان يريد الحيوة الدنيا": أخرج البيهقي ~~في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان ~~يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله خالصا، وفرقة يعبدون ~~الله رياء، وفرقة يعبدون الله يصيبون به دنيا فيقول للذي كان يعبد الله ~~للدنيا: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ فيقول: الدنيا فيقول: لا جرم لا ~~ينفعك ما جمعت ولا ترجع إليه انطلقوا به إلى النار، ويقول للذي يعبد الله ~~رياء: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال: الرياء فيقول: إنما كانت عبادتك ~~التي كنت ترائي بها لا يصعد إلي منها شيء ولا ينفعك اليوم انطلقوا به إلى ~~النار. ويقول للذي كان يعبد الله خالصا: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ ~~فيقول: بعزتك وجلالك لأنت أعلم به مني كنت أعبدك لوجهك ولدارك قال: صدق ~~عبدي انطلقوا به إلى الجنة. PageV10P094 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 17 - 24 # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتب موسى إماما ورحمة ~~أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك فى مرية منه ~~إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~ألا لعنة الله على الظلمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~وهم بالاخرة هم كفرون (19) أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض وما كان لهم من ~~دون الله من أولياء يضعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون (20) أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا ~~جرم أنهم فى الاخرة هم الأخسرون (22) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون (23) مثل الفريقين ~~كالأعمى والأصم والبصير ms3765 والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) ### |||| AUTO بيان # ظاهر الآيات أنها واقعة موقع التطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وتقوية إيمانه بكتاب الله وتأكيد ما عنده من البصيرة في أمره فالكلام ~~جار على ما كان عليه من خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان وجه ~~الكلام إليه حتى انتهى إلى ما اتهموه به من الافتراء على الله سبحانه فأمره ~~أن يتحدى عليهم بإتيان عشر سور مثله مفتريات ثم أمره أن يطيب نفسا ويثبت ~~على ما عنده من العلم بأنه منزل من عند الله فإنما هو على الحق وليس بمفتر ~~فلا يستوحش من إعراض الأكثرين ولا يرتاب. # قوله تعالى: "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة" الجملة تفريع على ما مضى من الكلام الذي هو في محل ~~الاحتجاج على كون القرآن كتابا منزلا من عند الله سبحانه، و"من" مبتدأ خبره ~~محذوف والتقدير: كغيره، أو ما يؤدي معناه، والدليل عليه قوله تلوا: "أولئك ~~يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده". # والاستفهام إنكاري والمعنى: ليس من كان كذا وكذا كغيره ممن ليس كذلك وأنت ~~على هذه الصفات فلا تك في مرية من القرآن. # وقوله: "على بينة من ربه" البينة صفة مشبهة معناها الظاهرة الواضحة غير ~~أن الأمور الظاهرة الواضحة ربما أوضحت ما ينضم إليها ويتعلق بها كالنور ~~الذي هو بين ظاهر ويظهر به غيره، ولذلك كثر استعمال البينة فيما يتبين به ~~غيره كالحجة والآية، ويقال للشاهد على دعوى المدعي بينة. # وقد سمى الله تعالى الحجة بينة كما في قوله: "ليهلك من هلك عن بينة:" ~~الأنفال: - 42 وسمى آيته بينة كما في قوله: "قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ~~ناقة الله لكم آية:" الأعراف: - 73 وسمى البصيرة الخاصة الإلهية التي ~~أوتيها الأنبياء بينة كما في قوله حكاية عن نوح (عليه السلام): "يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده:" هود: - 28 أو مطلق ~~البصيرة الإلهية كما ms3766 هو ظاهر قوله تعالى: "أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم:" سورة محمد: - 14 وقد قال تعالى في ~~معناه: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها:" الأنعام: - 122. # والظاهر أن المراد بالبينة في المقام هو هذا المعنى الأخير العام بقرينة ~~قوله بعد: "أولئك يؤمنون به" وإن كان المراد به بحسب المورد هو النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فإن الكلام مسوق ليتفرع عليه قوله: "فلا تك في مرية منه". PageV10P095 # فالمراد بها البصيرة الإلهية التي أوتيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لا نفس القرآن النازل عليه فإنه لا يحسن ظاهرا أن يتفرع عليه قوله: "فلا تك ~~في مرية منه" وهو ظاهر ولا ينافيه كون القرآن في نفسه بينة من الله من جهة ~~كونه آية منه تعالى كما في قوله: "قل إني على بينة من ربي وكذبتم به:" ~~الأنعام: - 57 فإن المقام غير المقام. # وبما مر يظهر أن قول من يقول: إن المراد بمن كان إلخ، النبي خاصة إرادة ~~استعمالية ليس في محله وإنما هو مراد بحسب انطباق المورد. # وكذا قول من قال: إن المراد به المؤمنون من أصحاب النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فلا دليل على التخصيص. # ويظهر أيضا فساد القول بأن المراد بالبينة هو القرآن، وكذا القول بأنها ~~حجة العقل وأضيفت إلى الرب تعالى لأنه ينصب الأدلة العقلية والنقلية. # ووجه فساده أنه لا دليل على التخصيص ولا تقاس البينة القائمة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من ناحيته تعالى بالتعريف الإلهي القائم لنا من ناحية ~~العقول. # وقوله تعالى: "ويتلوه شاهد منه" المراد بالشهادة تأدية الشهادة التي تفيد ~~صحة الأمر المشهود له دون تحملها فإن المقام مقام تثبيت حقية القرآن وهو ~~إنما يناسب الشهادة بمعنى التأدية لا بمعنى التحمل. # والظاهر أن المراد بهذا الشاهد بعض ما أيقن بحقية القرآن وكان على بصيرة ~~إلهية من أمره فآمن به عن بصيرته وشهد بأنه حق منزل ms3767 من عند الله تعالى كما ~~يشهد بالتوحيد والرسالة فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان ~~مرية الاستيحاش وريب التفرد فإن الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرد فيه ربما ~~أوحشه التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به أما إذا قال به غيره من ~~الناس وأيد نظره في ذلك زالت عنه الوحشة وقوي قلبه وارتبط جأشه وقد احتج ~~تعالى بما يماثل هذا المعنى في قوله: "قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم:" الأحقاف: - 10. # وعلى هذا فقوله: "يتلوه" من التلو لا من التلاوة، والضمير فيه راجع إلى ~~"من" أو إلى "بينة" باعتبار أنه نور أو دليل، ومآل الوجهين واحد فإن الشاهد ~~الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه والضمير في قوله: "منه" راجع ~~إلى "من" دون قوله: "ربه" وعدم رجوعه إلى البينة ظاهر ومحصل المعنى: من كان ~~على بصيرة إلهية من أمر ولحق به من هو من نفسه فشهد على صحة أمره ~~واستقامته. # وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد في روايات الفريقين أن المراد بالشاهد علي ~~(عليه السلام) إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد لا بمعنى الإرادة ~~الاستعمالية. # وللقوم في معنى الجملة أقوال شتى فقيل: إن "يتلو" من التلاوة كما قيل: ~~إنه من التلو، وقيل: إن الضمير في "يتلوه" راجع إلى "بينة" كما قيل: إنه ~~راجع إلى "من". # وقيل: المراد بالشاهد القرآن: وقيل: جبرائيل يتلو القرآن على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولعله مأخوذ من قوله تعالى: "لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون:" النساء: - 166، وقيل: الشاهد ملك يسدد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحفظه القرآن، ولعله لنوع من الاستناد ~~إلى الآية المذكورة. # وقيل: الشاهد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قال تعالى: "يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا:" الأحزاب: 45، وقيل: شاهد منه ~~لسانه أي يتلو القرآن بلسانه. # وقيل: الشاهد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ms3768 وقد وردت به عدة روايات من ~~طرق الشيعة وأهل السنة. # والتأمل في سياق الآية وظاهر جملها يكفي مئونة إبطال هذه الوجوه غير ما ~~قدمناه من معنى الآية فلا نطيل الكلام بالبحث عنها والمناقشة فيها. PageV10P096 # وقوله تعالى: "ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة" الضمير راجع إلى الموصول أو ~~إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير "يتلوه" والجملة حال بعد حال أي أفمن ~~كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق منزل من عند الله والحال أن ~~معه شاهدا منه يشهد بذلك عن بصيرة والحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه ~~كتاب موسى إماما ورحمة أو قبل بينته التي منها القرآن أو هي القرآن المشتمل ~~على المعارف والشرائع الهادية إلى الحق كتاب موسى إماما فليس هو أو ما عنده ~~من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل ونظير بل هناك طريق مسلوك من قبل ~~يهدي إليه كتاب موسى. # ومن هنا يظهر وجه توصيف كتاب موسى وهو التوراة بالإمام والرحمة فإنه ~~مشتمل على معارف حقة وشريعة إلهية يؤتم به في ذلك ويتنعم بنعمته، وقد ذكره ~~الله بهذا الوصف في موضع آخر من كلامه فقال: "قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم - إلى أن قال ~~- وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق ~~لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين:" الأحقاف: - 12. # والآيات - كما ترى - أقرب الآيات مضمونا من الآية المبحوث عنها تذكر ~~أولا: أن القرآن بينة إلهية أو أمر قامت عليه بينة إلهية ثم تذكر شهادة ~~الشاهد من بني إسرائيل عليه وتأيده بها ثم تذكر أنه مسبوق فيما يتضمنه من ~~المعارف والشرائع بكتاب موسى الذي كان إماما ورحمة يأتم به الناس ويهتدون، ~~وطريقا مسلوكا مجربا، والقرآن كتاب مثله مصدق له منزل من عند الله لإنذار ~~الظالمين وتبشير المحسنين. # ومن ms3769 هنا يظهر أيضا: أن قوله: "إماما ورحمة" حال من كتاب موسى لا من قوله: ~~"شاهد منه" على ما ذكره بعضهم. # قوله تعالى: "أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" ~~المشار إليهم بقوله: "أولئك" بناء على ما تقدم من معنى صدر الآية هم الذين ~~كانوا على بينة من ربهم المدلول عليهم بقوله: "أفمن كان" إلخ، وأما إرجاع ~~الإشارة إلى المؤمنين لدلالة السياق عليهم فبعيد عن الفهم. # وكذا الضمير في قوله: "به" راجع إلى القرآن من جهة أنه بينة منه تعالى أو ~~أمر قامت عليه البينة، وأما إرجاعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فلا يلائم ما قررناه من معنى الآية فإن في صدر الآية بيان حال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بنحو العموم حتى يتفرع عليه قوله: "فلا تك في مرية ~~منه" كأنه قيل: إنك على بينة كذا ومعك شاهد وقبلك كتاب موسى، ومن كان على ~~هذه الصفة يؤمن بما أوتي من كتاب الله، ولا يصح أن يقال: ومن كان على هذه ~~الصفة يؤمن بك، والكلام في الضمير في "ومن يكفر به" كالكلام في ضمير ~~"يؤمنون به". # وأمر الآية فيما يحتمله مفردات ألفاظها وضمائرها عجيب فضرب بعضها في بعض ~~يرقى إلى ألوف من المحتملات بعضها صحيح وبعضها خلافه. # قوله تعالى: "فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون" المرية كجلسة النوع من الشك، والجملة تفريع على صدر الآية، والمعنى ~~أن من كان على بينة من ربه في أمر وقد شهد عليه شاهد منه وقبله إمام ورحمة ~~ككتاب موسى ليس كغيره من الناس الغافلين المغفلين فهو يؤمن بما عنده من أمر ~~الله ولا يوحشه إعراض أكثر الناس عما عنده، وأنت كذلك فإنك على بينة من ربك ~~ويتلوك شاهد ومن قبلك كتاب موسى إماما ورحمة وإذا كان كذلك فلا تك في مرية ~~من أمر ما أنزل إليك من القرآن إنه محض الحق من جانب الله ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون. # وقوله: "إنه ms3770 الحق من ربك" تعليل للنهي وقد أكد بإن ولام الجنس للدلالة ~~على توافر الأسباب النافية للمرية وهي قيام البينة وشهادة الشاهد وتقدم ~~كتاب موسى إماما ورحمة. # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا" إلى آخر الآية، من ~~الممكن أن يكون ذيلا للسياق السابق من حيث كان تطييبا لنفس النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فيئول المعنى إلى أنك إذ كنت على بينة من ربك لست بظالم ~~فحاشاك أن تكون مفتريا على الله الكذب لأن المفتري على الله كذبا من أظلم ~~الظالمين، ولهم من وبال كذبهم كذا وكذا. PageV10P097 # وكيف كان فالمراد بافتراء الكذب على الله سبحانه توصيفه تعالى بما ليس فيه ~~أو نسبة شيء إليه بغير الحق أو بغير علم، والافتراء من أظهر أفراد الظلم ~~والإثم، ويعظم الظلم بعظم متعلقه حتى إذا انتهى إلى ساحة العظمة والكبرياء ~~كان من أعظم الظلم. # والكلام واقع موقع قلب الدعوى عليهم إذ كانوا يقولون للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إنه افترى على الله كذبا بنسبة القرآن إليه فقلب القول ~~عليهم أنهم هم الذين افتروا على الله كذبا إذا أثبتوا له شركاء بغير علم ~~وهو الله لا إله إلا هو، وإذ صدوا عن سبيل الله ومعناه نفي كونه سبيلا لله ~~وهو افتراء، وإذ طلبوا سبيلا أخرى فاستنوا بها في حياتهم وكان ذلك تغييرا ~~لسبيل الله التي تهدي إليها الفطرة والنبوة، وإذ كفروا بالآخرة فنفوها وذلك ~~إثبات مبدإ من غير معاد ونسبة اللغو وفعل الباطل إليه تعالى وهو افتراء عليه. # وبالجملة انتحالهم بغير دين الله ونحلته، وأخذهم بالعقائد الباطلة في ~~المبدإ والمعاد واستنانهم بغير سنة الله في حياتهم الدنيوية الاجتماعية - ~~والذي من الله إنما هو الحق ولا سنة عند الله إلا دين الحق - افتراء على ~~الله، وسيشهد عليهم الأشهاد بذلك يوم يعرضون على ربهم. # وقوله تعالى: "أولئك يعرضون على ربهم" العرض إظهار الشيء ليرى ويوقف ~~عليه، ولما كان ارتفاع الحجب بينهم وبين ربهم يوم القيامة بظهور آياته ~~ووضوح الحق الصريح من غير شاغل يشغل ms3771 عنه حضورا اضطراريا منهم لفصل القضاء ~~سماه عرضا لهم على ربهم كما سمي بوجه آخر بروزا منهم لله فقال: "يوم هم ~~بارزون لا يخفى على الله منهم شيء:" المؤمن: - 16، وقال: "وبرزوا لله ~~الواحد القهار:" إبراهيم: - 48 فقال: "أولئك يعرضون على ربهم" أي يأتي بهم ~~الملائكة الموكلون بهم فيوقفونهم موقفا ليس بينهم وبين ربهم حاجب حائل لفصل ~~القضاء. # وقوله: "ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم" الأشهاد جمع شهيد ~~كأشراف جمع شريف وقيل: جمع شاهد كأصحاب جمع صاحب، ويؤيد الأول قوله تعالى: ~~"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد:" النساء: - 41 وقوله: "وجاءت كل نفس معها ~~سائق وشهيد:" ق: - 21. # وقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم شهادة منهم عليهم بالافتراء على ~~الله أي سجل عليهم بأنهم المفترون من جهة شهادة الأشهاد عليهم بذلك في موقف ~~لا يذكر فيه إلا الحق ولا مناص فيه عن الاعتراف والقبول كما قال تعالى: "لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا:" النبأ: - 38 وقال تعالى: "يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا:" آل عمران: - 30. # قوله تعالى: "ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله" إلخ، ~~تتمة قول الأشهاد، والدليل عليه قوله تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله ~~على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون:" ~~الأعراف: - 45. # وهذا القول منهم المحكي في كلامه تعالى تثبيت منهم للبعد واللعن على ~~الظالمين وتسجيل للعذاب، وليس اللعن والرحمة يوم القيامة كاللعن والرحمة في ~~الدنيا كما في قوله تعالى: "أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون:" البقرة: ~~- 159 وذلك أن الدنيا دار عمل ويوم القيامة يوم جزاء فما فيه من لعنة أو ~~رحمة هو إيصال ما ادخر لهم إليهم فلعن اللاعن أحدا يوم القيامة طرده من ~~رحمة الله الخاصة بالمؤمنين وتسجيل عذاب البعد عليه. # ثم فسر سبحانه الظالمين بقوله حكاية عنهم: "الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم ms3772 كافرون" فهم الذين لا يذعنون بيوم الحساب حتى ~~يعملوا له وإنما يعملون للدنيا ويسلكون من طريق الحياة ما يتمتعون به ~~للدنيا المادية فحسب، وهو السنة الاجتماعية غير المعتنية بما يريده الله من ~~عباده من دين الحق وملة الفطرة فهؤلاء سواء اعتقدوا بصانع وعملوا بسنة ~~محرفة منحرفة عن دين الفطرة وهو الإسلام أم لم يعتقدوا به ممن يقول: إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ظالمون مفترون على ~~الله الكذب، وقد تقدم بعض الكلام المتعلق بهذه المعاني في سورة الأعراف آية ~~44 - 45. # وقد بان مما تقدم من البحث في الآيتين أولا: أن الدين في عرف القرآن هو ~~السنة الاجتماعية الدائرة في المجتمع. PageV10P098 # وثانيا: أن السنن الاجتماعية إما دين حق فطري وهو الإسلام أو دين محرف عن ~~الدين الحق وسبيل الله عوجا. # قوله تعالى: "أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله ~~من أولياء" إلى آخر الآية. # الإشارة إلى المفترين على الله الموصوفين بما مر في الآيتين السابقتين. # والمقام يدل على أن المراد من كونهم غير معجزين في الأرض أنهم لم يكونوا ~~معجزين لله سبحانه في حياتهم الأرضية حيث خرجوا عن زي العبودية فأخذوا ~~يفترون على الله الكذب ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجا فكل ذلك لا لأن ~~قدرتهم المستعارة فاقت قدرة الله سبحانه ومشيتهم سبقت مشيته، ولا لأنهم ~~خرجوا من ولاية الله فدخلوا في ولاية غيره وهم الذين اتخذوهم أولياء من ~~أصنامهم وكذا سائر الأسباب التي ركنوا إليها، وذلك قوله: "وما كان لهم من ~~دون الله من أولياء". # وبالجملة لا قدرتهم غلبت قدرة الله سبحانه ولا شركاؤهم الذين يسمونهم ~~أولياء لأنفسهم أولياء لهم بالحقيقة يدبرون أمرهم ويحملونهم على ما يأتون ~~به من البغي والظلم بل الله سبحانه هو وليهم وهو المدبر لأمرهم يجازيهم على ~~سوء نياتهم وأعمالهم بما يجرهم إلى سوء العذاب ويستدرجهم من حيث لا يشعرون ~~كما قال تعالى: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم:" الصف: - 5، وقال: "يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما ms3773 يضل به إلا الفاسقين:" البقرة: - 26. # وقوله: "يضاعف لهم العذاب" ذلك لأنهم فسقوا ثم لجوا عليه أو لأنهم عصوا ~~الله بأنفسهم وحملوا غيرهم على معصية الله فيضاعف لهم العذاب كما ضاعفوا ~~المعصية قال تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم:" النحل: - 25 وقال: "ونكتب ما قدموا وآثارهم:" يس: - 12. # وقوله: "ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون" في مقام التعليل ولذا ~~جيء بالفصل يقول تعالى إنهم لم يكفروا ولم يعصوا لظهور إرادتهم على إرادة ~~الله ولا لأن لهم أولياء من دون الله يستظهرون بهم على الله بل لأنهم ما ~~كانوا يستطيعون أن يسمعوا ما يأتيهم من الإنذار والتبشير من ناحيته أو يذكر ~~لهم من البعث والزجر من قبله وما كانوا يبصرون آياته حتى يؤمنوا بها كما ~~وصفهم في قوله: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان ~~لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل:" الأعراف: - 179، وفي قوله: ~~"ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة:" الأنعام: - 110، ~~وقوله: "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة:" البقرة: - 7، ~~وآيات أخرى كثيرة تدل على أنه تعالى سلبهم عقولهم وأعينهم وآذانهم غير أنه ~~تعالى يحكي عنهم مثل قولهم: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير فاعترفوا بذنبهم:"، الملك: - 11، واعترافهم بأن عدم سمعهم وعقلهم ~~كان ذنبا منهم مع أن ذلك مستند إلى سلبه تعالى منهم ذلك يدل على أنهم ~~أنفسهم توسلوا إلى سلب هذه النعم بالذنوب كما يدل عليه ما تقدم من قوله ~~تعالى: "وما يضل به إلا الفاسقين:" البقرة: - 26 وغيره. # وذكروا في معنى قوله: "ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون" وجوها ~~أخرى: منها: أن قوله: ما كانوا "إلخ"، في محل النصب بنزع الخافض وهو متعلق ~~بقوله: يضاعف "إلخ"، والأصل: بما كانوا يستطيعون السمع وبما كانوا يبصرون، ~~والمعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون وبما كانوا ~~يستطيعون الإبصار فلا يبصرون. # ومنها: أنه عنى بقوله: "ما كانوا ms3774 يستطيعون" إلخ، نفي السمع والبصر عن ~~آلهتهم وأوثانهم، وتقدير الكلام أولئك الكفار وآلهتهم لم يكونوا معجزين في ~~الأرض، وقال مخبرا عن الآلهة: ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون. # ومنها: أن لفظة ما في "ما كانوا" ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم: ~~لأواصلنك ما لاح نجم، والمعنى أنهم معذبون ما داموا أحياء. # ومنها: أن نفي السمع والبصر بمعنى نفي الفائدة فإنهم لاستثقالهم استماع ~~آيات الله والنظر فيها وكراهيتهم لذلك أجروا مجرى من لا يستطيع السمع ولا ~~يبصر فالكلام على الكناية. # وأعدل الوجوه آخرها وهي جميعا سخيفة ظاهرة السخافة والوجه ما قدمناه. PageV10P099 # قوله تعالى: "أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" أما ~~خسرانهم فإن الإنسان لا يملك بالحقيقة - وذلك بتمليك من الله تعالى - إلا ~~نفسه وإذا اشترى لنفسه ما فيه هلاكها وضيعتها بالكفر والمعصية فقد خسر في ~~هذه المعاملة التي أقدم عليها نفسه فخسران النفس كناية عن الهلاك، وأما ~~ضلال ما كانوا يفترون فإنه كان كذبا وافتراء ليس له وجود في الخارج من ~~أوهامهم ومزاعمهم التي زينتها لهم الأهواء والهوسات الدنيوية وبانطواء بساط ~~الحياة الدنيا يزول وينمحي تلك الأوهام ويضل ما لاح واستقر فيها من الكذب ~~والافتراء ويومئذ يعلمون أن الله هو الحق المبين، ويبدو لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون. # قوله تعالى: "لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون" عن الفراء: أن "لا جرم" ~~في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة ثم كثرت فحولت إلى معنى القسم وصارت بمعنى ~~"حقا" ولهذا تجاب باللام نحو لا جرم لأفعلن كذا. # انتهى، وقد ذكروا أن "جرم" بفتحتين بمعنى القطع فلعلها كانت في الأصل ~~تستعمل في نتائج الكلام كلفظة "لا محالة" وتفيد أنه لا يقطع هذا القول قاطع ~~أن كذا كذا كما يتصور نظير المعنى في "لا محالة" فمعنى الآية على هذا: حقا ~~إنهم في الآخرة هم الأخسرون. # ووجه كونهم في الآخرة هم الأخسرين أن فرض أنهم أخسر بالنسبة إلى غيرهم من ~~أهل المعاصي هو أنهم خسروا أنفسهم بإهلاكها وإضاعتها بالكفر ms3775 والعناد فلا ~~مطمع في نجاتهم من النار في الآخرة كما لا مطمع في أن يفوزوا في الدنيا ~~ويسعدوا بالإيمان ما داموا على العناد، قال تعالى: "الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون:" الأنعام: - 12. # وقال تعالى في هؤلاء المختوم على سمعهم وأبصارهم وقلوبهم: "وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون:" يس: - 10. # وقال أيضا في سبب عدم إمكان إيمانهم: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد ~~الله:" الجاثية: - 23. # وإن فرض أنهم أخسر بالنسبة إلى الدنيا فذلك لكونهم بكفرهم وصدهم عن سبيل ~~الله حرموا سعادة الحياة التي يمهدها لهم الدين الحق فخسروا في الدنيا كما ~~خسروا في الآخرة لكنهم في الآخرة أخسر لكونها دائمة مخلدة وأما الدنيا ~~فليست إلا قليلا، قال تعالى: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة ~~من نهار:" الأحقاف: - 35. # على أن الأعمال تشتد وتتضاعف في الآخرة بنتائجها كما قال تعالى: "ومن كان ~~في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا:" إسراء: - 72، وأحسن الوجهين ~~أولهما لأن ظاهر الآية حصر الأخسرين فيهم دون إثبات أخسريتهم في الآخرة ~~قبال الدنيا. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم" إلى آخر ~~الآية، قال الراغب في المفردات،: الخبت المطمئن من الأرض وأخبت الرجل قصد ~~الخبت أو نزله نحو أسهل وأنجد ثم استعمل الإخبات في استعمال اللين والتواضع ~~قال الله تعالى: وأخبتوا إلى ربهم، وقال: وبشر المخبتين أي المتواضعين نحو ~~لا يستكبرون عن عبادته، وقوله: فتخبت له قلوبهم أي تلين وتخشع. # انتهى. # فالمراد بإخباتهم إلى الله اطمئنانهم إليه بحيث لا يتزلزل ما في قلوبهم ~~من الإيمان به فلا يزيغون ولا يرتابون كالأرض المطمئنة التي تحفظ ما استقر ~~فيها فلا وجه لما قيل إن الأصل، أخبتوا لربهم فإن ما في معنى الاطمئنان ~~يتعدى بإلى دون اللام. # وتقييده تعالى الإيمان والعمل الصالح بالإخبات إليه يدل على أن ms3776 المراد ~~بهم طائفة خاصة من المؤمنين وهم المطمئنون منهم إلى الله ممن هم على بصيرة ~~من ربهم، وهو الذي أشرنا إليه في صدر الآيات عند قوله: "أفمن كان على بينة ~~من ربه" إلخ أن الآيات تقيس ما بين فريقين خاصين من الناس وهم أهل البصيرة ~~الإلهية ومن عميت عين بصيرته. # ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين أن هذه الآيات السبع يعني قوله: ~~"أفمن كان على بينة من ربه - إلى قوله - أفلا تذكرون" بيان لحال الفريقين ~~وهم الذين يكفرون بالقرآن والذين يؤمنون به. PageV10P100 # قوله تعالى: "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ~~أفلا تذكرون المثل هو الوصف، وغلب في المثل السائر وهو بيان معنى من ~~المعاني الخفية على المستمع بأمر محسوس أو كالمحسوس يأنس به ذهنه ويتلقاه ~~فهمه لينتقل به إلى المعنى المعقول المقصود بيانه، والمراد بالفريقين من ~~بين حالهما في الآيات السابقة، والباقي واضح. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أحمد بن عمر الخلال قال: سألت أبا الحسن (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" ~~فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الشاهد من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ورسول الله على بينة من ربه. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن جده علي بن الحسين عن الحسن (عليهم السلام): في خطبة طويلة خطبها بمحضر ~~معاوية منها فأدت الأمور وأفضت الدهور إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) للنبوة واختاره للرسالة، وأنزل عليه كتابه ثم أمره بالدعاء ~~إلى الله عز وجل فكان أبي أول من استجاب لله عز وجل ولرسله وأول من آمن ~~وصدق الله ورسوله، وقد قال الله عز وجل في كتابه المنزل على نبيه المرسل: ~~"أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" فرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الذي على بينة من ربه، وأبي الذي يتلوه وهو شاهد ms3777 منه. # الخطبة. # أقول: وكلامه (عليه السلام) أحسن شاهد على ما قدمناه في معنى الآية أن ~~إرادته (عليه السلام) بالشاهد من باب الانطباق. # وفي بصائر الدرجات، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): لو كسرت لي الوسادة فقعدت عليها لقضيت بين أهل التوراة ~~بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل الفرقان بفرقانهم بقضاء يصعد إلى الله ~~يزهر، والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا وقد علمت فيمن ~~أنزلت، ولا أحد ممن مر على رأسه المواسي إلا وقد أنزلت آية فيه من كتاب ~~الله تسوقه إلى الجنة أو النار. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما ~~الآية التي نزلت فيك؟ قال: أما سمعت الله يقول: "أفمن كان على بينة من ربه ~~- ويتلوه شاهد منه" فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة من ربه ~~وأنا الشاهد له ومنه: أقول: وروى هذا المعنى المفيد في الأمالي، مسندا وفي ~~كشف الغمة، مرسلا عن عباد بن عبد الله الأسدي عنه (عليه السلام)، والعياشي ~~في تفسيره مرسلا عن جابر عن عبد الله بن يحيى عنه (عليه السلام) وكذا ابن ~~شهرآشوب عن الطبري بإسناده عن جابر بن عبد الله عنه (عليه السلام) وكذا عن ~~الأصبغ وعن زين العابدين والباقر والصادق (عليهما السلام) عنه (عليه ~~السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة ~~من القرآن فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود "أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~بينة من ربه، وأنا شاهد منه: أقول: وفي تفسير البرهان، عن تفسير الثعلبي ~~بإسناده عن الشعبي يرفعه إلى علي (عليه السلام) مثله وفيه عن ابن المغازلي ~~يرفعه إلى عباد بن عبد الله عن علي (عليه السلام) مثله. وكذا عن كنوز ~~الرموز للرسعني ms3778 مثله. # وفيه، أخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أفمن كان على بينة من ربه" أنا "ويتلوه ~~شاهد منه قال: علي: أقول: وفي تفسير البرهان، عن ابن المغازلي في تفسير ~~الآية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله. # وفي تفسير البرهان، عن ابن المغازلي بإسناده عن علي بن حابس قال: دخلت ~~أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء قال أبو مريم: حدث علينا الحديث الذي ~~حدثتني به عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر علينا ابن عبد ~~الله بن سلام قلت: جعلت فداك هذا ابن الذي عنده علم الكتاب، قال: لا ولكنه ~~صاحبكم علي بن أبي طالب الذي نزلت فيه آيات من كتاب الله تعالى: "من عنده ~~علم الكتاب" "أفمن كان على بينة من ربه - ويتلوه شاهد منه" "إنما وليكم ~~الله - ورسوله والذين آمنوا". PageV10P101 # وفيه، عن ابن شهرآشوب عن الحافظ أبي نعيم بثلاثة طرق عن ابن عباس قال: قال ~~سمعت عليا يقول: قول الله تعالى: "أفمن كان على بينة من ربه - ويتلوه شاهد ~~منه" رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة وأنا الشاهد. # وفيه، أيضا عن موفق بن أحمد قال: قوله تعالى: "أفمن كان على بينة من ربه ~~- ويتلوه شاهد منه" قال ابن عباس: هو علي يشهد للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهو منه. # أقول: ورواه عن الثعلبي في تفسيره يرفعه إلى ابن عباس: "أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" علي خاصة. # أقول: قال صاحب المنار، في تفسير الآية عند ذكر معاني الشاهد: ومنها: أنه ~~علي رضي الله عنه ترويه الشيعة ويفسرونه بالإمامة، وروي: أنه كرم الله وجهه ~~سئل عنه فأنكره وفسره بأنه لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقابلهم ~~خصومهم بمثلها فقالوا: أنه أبو بكر، وهما من التفسير بالهوى. # انتهى أما قوله: "إن الشيعة ترويه" فقد عرفت أن رواته من أهل السنة أكثر ~~من ms3779 الشيعة، وأما قوله: "إنه مثل تفسيره بأبي بكر من التفسير بالهوى" فيكفيك ~~في ذلك ما تقدم في معنى الآية فراجع. # وفي الكافي، بإسناده عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قلت له: إن عندنا رجلا يقال له: كليب فلا يجيء عنكم شيء إلا قال: أنا أسلم ~~فسميناه كليب تسليم قال: فترحم عليه ثم قال: أتدرون ما التسليم؟ فسكتنا ~~فقال: هو والله الإخبات قول الله عز وجل: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات - ~~وأخبتوا إلى ربهم:" أقول: وروى مثله العياشي في تفسيره والكشي وكذا صاحب ~~البصائر عن أبي أسامة زيد الشحام عنه (عليه السلام). PageV10P102 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 25 - 35 # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله ~~إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين (27) قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ~~ربى وءاتاخ رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كرهون (28) ~~ويقوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~ءامنوا إنهم ملقوا ربهم ولكنى أراش قوما تجهلون (29) ويقوم من ينصرنى من ~~الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ~~الله أعلم بما فى أنفسهم إنى إذا لمن الظلمين (31) قالوا ينوح قد جدلتنا ~~فأكثرت جدلنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين (32) قال إنما يأتيكم به ~~الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فعلى إجرامى وأنا برىء مما تجرمون (35) ### |||| AUTO بيان # شروع في قصص الأنبياء (عليهم السلام) وقد بدأ بنوح وعقبه بجماعة ممن بعده ~~كهود وصالح ms3780 وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى (عليه السلام). # وقد قسم قصة نوح إلى فصول أولها احتجاجه (عليه السلام) على قومه في ~~التوحيد فهو (عليه السلام) أول الأنبياء الناهضين للتوحيد على الوثنية على ~~ما ذكره الله تعالى في كتابه، وأكثر ما قص من احتجاجه (عليه السلام) مع ~~قومه من المجادلة بالتي هي أحسن وبعضه من الموعظة وقليل منه من الحكمة وهو ~~الذي يناسب تفكر البشر الأولي والإنسان القديم الساذج وخاصة تفكرهم ~~الاجتماعي الذي لا ظهور فيه إلا للمركوم من أفكار الأفراد المتوسطين في الفهم. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين" القراءة ~~المعروفة "إني" بكسر الهمزة على تقدير القول وقرىء أني بفتح الهمزة بنزع ~~الخافض والتقدير بأني لكم نذير مبين، والجملة أعني قوله: "إني لكم نذير ~~مبين" على أي حال بيان إجمالي لما أرسل به فإن جميع ما بلغه قومه عن ربه ~~وأرسل به إليهم إنذار مبين فهو نذير مبين. # فكما أنه لو قال: ما سألقيه إليكم من القول إنذار مبين كان بيانا لجميع ~~ما أرسل به إليهم بأوجز كلمة كذا قوله: إني لكم نذير مبين بيان لذلك ~~بالإجمال غير أنه يزيد على سابقه ببيان سمة نفسه وهي أنه رسول من الله ~~إليهم لينذرهم بعذاب الله، وليس له من الأمر شيء أزيد من أنه واسطة يحمل ~~الرسالة. # قوله تعالى: "أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم". # بيان ثان لما أرسل به أو بيان لقوله: "إني لكم نذير مبين" ومآل الوجهين ~~واحد، وأن على أي حال مفسرة، والمعنى أن محصل رسالته النهي عن عبادة غير ~~الله تعالى من طريق الإنذار والتخويف. # وذكر بعض المفسرين أن الجملة أعني قوله: "أن لا تعبدوا" إلخ، بدل من ~~قوله: "إني لكم نذير مبين" أو مفعول لقوله مبين. # ولعل السياق يؤيد ما قدمناه. # والظاهر أن المراد بعذاب يوم أليم عذاب الاستئصال دون عذاب يوم القيامة ~~أو الأعم من العذابين يدل على ذلك قولهم له فيما سيحكيه الله تعالى عنهم: ~~"يا نوح ms3781 قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال ~~إنما يأتيكم به الله إن شاء" الآية، فإنه ظاهر في عذاب الاستئصال. PageV10P103 # فهو (عليه السلام) كان يدعوهم إلى رفض عبادة الأوثان ويخوفهم من يوم ينزل ~~عليهم من الله عذاب أليم أي مؤلم ونسبة الإيلام إلى اليوم دون العذاب في ~~قوله: "عذاب يوم أليم" من قبيل وصف الظرف بصفة المظروف. # وبما تقدم يندفع ما ربما قيل: إن تعذيب المشركين مقطوع لا محتمل فما ~~الوجه في خوفه (عليه السلام) من تعذيبهم المقطوع؟ والخوف إنما يستقيم في ~~محتمل الوقوع لا مقطوعه. # وبالجملة كان (عليه السلام) يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه بتخويفهم من ~~العذاب، وإنما كان يخوفهم لأنهم كانوا يعبدون الأوثان خوفا من سخطهم ~~فقابلهم نوح (عليه السلام) بأن الله سبحانه هو الذي خلقهم ودبر شئون حياتهم ~~وأمور معاشهم بخلق السماوات والأرض وإشراق الشمس والقمر وإنزال الأمطار ~~وإنبات الأرض وإنشاء الجنات وشق الأنهار على ما يحكيه تعالى عنه (عليه ~~السلام) في سورة نوح. # وإذ كان كذلك كان الله سبحانه هو ربهم لا رب سواه فليخافوا عذابه ~~وليعبدوه وحده. # وهذه الحجة في الحقيقة حجة برهانية مبنية على اليقين لكنهم إنما كانوا ~~يتلقونها حجة جدلية مبنية على الظن لأنهم لسذاجة أفهامهم كانوا يتوقعون سخط ~~الرب وعذابه على المخالفة لأنهم يرونه وليا لأمرهم مصلحا لشأنهم فيقيسون ~~أمره بأمر الأولياء من الإنسان الحاكمين في من دونهم من أفراد المجتمع ~~الذين يجب الخضوع لمقامهم والتسليم لإرادتهم ولو استكبر عن الخضوع لهم ~~والتسليم لإرادتهم من دونهم سخطوا عليهم وعاقبوهم بما أجرموا وتمردوا. # وعلى هذا القياس يجب إرضاء الرب أو الأرباب الذين يرجع إليهم أمر الكون ~~وولاية النظام الجاري فيه فيجب إرضاؤه وإخماد نار غضبه بالخضوع له والتقرب ~~إليه بتقديم القرابين والتضحية وسائر أنحاء العبادة فهكذا كانوا يعتقدون ~~وهو مبني على الظن. # لكن مسألة نزول العذاب على الاستنكاف عن عبادة الله تعالى والاستكبار عن ~~التسليم والخضوع لساحة الربوبية مسألة حقيقية يقينية فإن من النواميس ~~الكلية الجارية في الكون لزوم ms3782 خضوع الضعيف للقوي والمتأثر المقهور للمؤثر ~~القاهر فما قولك في الله الواحد القهار الذي إليه مصير الأمور. # وقد أبدع الله سبحانه أجزاء الكون وربط بعضها ببعض ثم أجرى الحوادث على ~~نظام الأسباب وعلى ذلك يجري كل شيء في نظام وجوده فلو انحرف عما يخطه له ~~سائر الأسباب من الخط أدى ذلك إلى اختلال نظامها وكان ذلك منازعة منه لها ~~وعند ذلك ينتهض سائر الأسباب الكونية من أجزاء الوجود لتعديل أمره وإرجاعه ~~إلى خط يلائمها تدفع بذلك الشر عن نفسها فإن استقام هذا الجزء المنحرف عن ~~خطه المخطوط له فهو وإلا حطمتها حاطمات الأسباب ونازلات النوائب والبلايا، ~~وهذا أيضا من النواميس الكلية. # والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون له في حياته خط خطه له الصنع والإيجاد ~~فإن سلكه هداه إلى سعادته ووافق بذلك سائر أجزاء الكون وفتحت له أبواب ~~السماء ببركاتها وسمحت له الأرض بكنوز خيراتها، وهذا هو الإسلام الذي هو ~~الدين عند الله تعالى المدعو إليه بدعوة نوح ومن بعده من الأنبياء والرسل ~~(عليهم السلام). # وإن تخطاه وانحرف عنه فقد نازع أسباب الكون وأجزاء الوجود في نظامها ~~الجاري وزاحمها في شئون حياتها فليتوقع مر البلاء ولينتظر العذاب والعناء ~~فإن استقام في أمره وخضع لإرادة الله سبحانه وهي ما تحطمه من الأسباب ~~العامة فمن المرجو أن تتجدد له النعمة بعد النقمة وإلا فهو الهلاك والفناء ~~وإن الله لغني عن العالمين، وقد تقدم هذا البحث في بعض أجزاء الكتاب ~~السابقة. # قوله تعالى: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا" ~~إلى آخر الآية، الفاء في صدر الآية لتفريع جوابهم عن قول نوح (عليه ~~السلام)، وفيه إشارة إلى أنهم بادروه بالرد والإنكار من دون أن يفكروا في ~~أنفسهم فيختاروا ما هو أصلح لهم. PageV10P104 # والمجيبون هم الملأ من قومه والأشراف والكبراء الذين كفروا به ولم يتعرضوا ~~في جوابهم لما ألقى إليهم من حجة التوحيد بل إنما اشتغلوا بنفي رسالته ~~والاستكبار عن طاعته فإن قوله: "إني لكم نذير مبين" إلى آخر الآيتين، ms3783 كان ~~مشتملا على دعوى الرسالة وملوحا إلى وجوب الاتباع وقد صرح به فيما حكي عنه ~~في موضع آخر، قال تعالى: "قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون:" نوح: - 3. # ومحصل ما نقله الله تعالى من جوابهم هو أنه لا دليل على لزوم اتباعك بل ~~الدليل على خلافه فهو في الحقيقة حجتان منظومتان على طريق الإضراب والترقي ~~ولذلك أخر قولهم: "بل نظنكم كاذبين". # والحجة الأولى التي مدلولها عدم الدليل على وجوب اتباعه مبينة بطرق ثلاث ~~هي قوله: "ما نراك إلا بشرا" إلخ، وقوله: "وما نراك اتبعك" إلخ، وقوله: ~~"وما نرى لكم علينا". # إلخ. # والحجة بجميع أجزائها مبنية على إنكار ما وراء الحس كما سنبين ولذلك ~~كرروا فيه قولهم: ما نراك ونرى. # فقوله: "ما نراك إلا بشرا مثلنا" أول جوابهم عما يدعيه نوح (عليه السلام) ~~من الرسالة، وقد تمسكوا فيه بالمماثلة كما هو دأب سائر الأمم مع أنبيائهم ~~على ما حكاه الله تعالى في كتابه وتقريره: أنك مثلنا في البشرية ولو كنت ~~رسولا إلينا من عند الله لم تكن كذلك ولا نشاهد منك إلا أنك بشر مثلنا، وإذ ~~كنت بشرا مثلنا لم يكن هناك موجب لاتباعك. # ففي الكلام تكذيب لرسالته (عليه السلام) بأنه ليس إلا بشرا مثلهم ثم ~~استنتاج من ذلك أنه لا دليل على لزوم اتباعه، والدليل على ما ذكرنا قول نوح ~~(عليه السلام) فيما سيحكيه الله تعالى من كلامه: "يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي" إلخ. # وقد اشتبه الأمر على بعض المفسرين فقرر قولهم: "ما نراك إلا بشرا مثلنا" ~~بأنهم ساووه بأنفسهم في الزنة الاجتماعية واستنتجوا منها أنه لا وجه ~~لاتباعهم له، قال في تفسير الآية: أجابوه بأربع حجج داحضة. # إحداها: أنه بشر مثلهم فساووه بأنفسهم في الجملة، وهذا يدل على أنه (عليه ~~السلام) كان من طبقتهم أو ما يقرب منها في بيته وفي شخصه وهكذا كان كل رسول ~~من وسط قومه، ووجه الجواب أن المساواة تنافي دعوى تفوق أحد المتساويين على ~~الآخر ms3784 بجعل أحدهما تابعا طائعا والآخر متبوعا مطاعا لأنه ترجيح بغير مرجح. # انتهى. # ولو كان المعنى ما ذكره لكان من حق الكلام أن يقال: أنت مثلنا أو نراك ~~مثلنا دون أن يقال: ما نراك إلا بشرا مثلنا فيذكر أنه بشر ولا حاجة إلى ~~الإشارة إلى بشريته، ولكان معنى الكلام عائدا إلى المراد من قولهم بعد: وما ~~نرى لكم علينا من فضل، وكان فضلا من الكلام. # ومن العجب استفادته من الكلام مساواته (عليه السلام) لهم في البيت ~~والشخصية ثم قوله: "وهكذا كان كل رسول من وسط قومه" وفي الرسل مثل إبراهيم ~~وسليمان وأيوب (عليهما السلام). # وقوله: "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي" قال في ~~المفردات،: الرذل - بفتح الراء - والرذال - بكسرها - المرغوب عنه لرداءته ~~قال تعالى: "ومنكم من يرد إلى أرذل العمر" وقال: "إلا الذين هم أراذلنا ~~بادي الرأي" وقال: "قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون" جمع الأرذل. # وقال في المجمع،: الرذل الخسيس الحقير من كل شيء والجمع أرذل ثم يجمع على ~~أراذل كقولك: كلب وأكلب وأكالب، ويجوز أن يكون جمع الأرذل فيكون مثل أكابر ~~جمع أكبر. # وقال: والرأي الرؤية من قوله: "يرونهم مثليهم رأي العين" أي رؤية العين ~~والرأي أيضا ما يراه الإنسان في الأمر وجمعه آراء. # انتهى. # وقال في المفردات،: وقوله: "بادىء الرأي" أي ما يبدأ من الرأي وهو الرأي ~~الفطير، وقرىء: بادي بغير همزة أي الذي يظهر من الرأي ولم يترو فيه. # انتهى. # وقوله: "بادىء الرأي" يحتمل أن يكون قيدا لقوله: "هم أراذلنا" أي كونهم ~~أراذل وسفلة فينا معلوم في ظاهر الرأي والنظر أو في أول نظرة. # ويحتمل كونه قيدا لقوله: "اتبعك أي اتبعوك في ظاهر الرأي أو في أوله من ~~غير تعمق وتفكر ولو تفكروا قليلا وقلبوا أمرك ظهرا لبطن ما اتبعوك، وهذا ~~الاحتمال لا يستغني عن تكرار الفعل ثانيا والتقدير: اتبعوك بادي الأمر وإلا ~~اختل المعنى لو لم يتكرر وقيل: ما نراك اتبعك في بادي الرأي إلا الذين هم ~~أراذلنا. PageV10P105 # وبالجملة معنى الآية: أنا نشاهد أن ms3785 متبعيك هم الأراذل والأخساء من القوم ~~ولو اتبعناك ساويناهم ودخلنا في زمرتهم وهذا ينافي شرافتنا ويحط قدرنا في ~~المجتمع، وفي الكلام إيماء إلى بطلان رسالته (عليه السلام) بدلالة الالتزام ~~فإن من معتقدات العامة أن القول لو كان حقا نافعا لتبعه الشرفاء والعظماء ~~وأولوا القوة والطول فلو استنكفوا عنه أو اتبعه الأخساء والضعفاء كالعبيد ~~والمساكين والفقراء ممن لا حظ له من مال أو جاه ولا مكانة له عند العامة ~~فلا خير فيه. # وقوله: "وما نرى لكم علينا من فضل" المراد نفي مطلق الفضل من متاع دنيوي ~~يختصون بالتنعم به أو شيء من الأمور الغيبية كعلم الغيب أو التأيد بقوة ~~ملكوتية وذلك لكون النكرة - فضل - واقعة في سياق النفي فتفيد العموم. # وقد أشركوا أتباع نوح (عليه السلام) والمؤمنين به منهم في دعوته إذ ~~قالوا: "وما نرى لكم علينا" ولم يقولوا: "ولا نرى لك" لأنهم كانوا يحثونهم ~~ويرغبونهم في اتباع ما اتبعوه من الطريقة. # والمعنى أن دعوتكم إيانا - وعندنا ما نتمتع به من مزايا الحياة الدنيا ~~كالمال والبنين والعلم والقوة - إنما يستقيم ويؤثر أثره لو كان لكم شيء من ~~الفضل تفضلون به علينا من زينة الحياة الدنيا أو علم من الغيب أو قوة من ~~الملكوت حتى يوجب ذلك خضوعا منا لكم ولا نرى شيئا من ذلك عندكم فأي موجب ~~يوجب علينا اتباعكم؟. # وإنما عممنا الفضل في كلامه للفضل من حيث الجهات المادية وغيره كعلم ~~الغيب والقوة الملكوتية خلافا لأكثر المفسرين حيث فسروا الفضل بالفضل ~~المادي كالمال والكثرة وغيرهما، لما يستفاد من كلامهم من العموم لوقوع ~~النكرة في سياق النفي. # مضافا إلى أن ما يحاذي قولهم هذا من جواب نوح (عليه السلام) يدل على ذلك ~~وهو قوله: "ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك" ~~إلخ على ما سيأتي. # وقوله تعالى: "بل نظنكم كاذبين" إضراب في الاحتجاج كما تقدمت الإشارة ~~إليه فمحصله أنا لا نرى معكم أمرا يوجب اتباعنا لكم بل هناك أمر يوجب عدم ~~الاتباع وهو أنا نظنكم ms3786 كاذبين. # ومعناه على ما يعطيه السياق - والله أعلم - أنه لما لم يكن عندكم ما ~~يشاهد معه صحة دعوتكم وأنكم تلحون علينا بالسمع والطاعة وأنتم صفر الأيدي ~~من مزايا الحياة من مال وجاه وهذه الحال تستدعي الظن بأنكم كاذبون في ~~دعواكم تريدون بها نيل ما بأيدينا من أماني الحياة بهذه الوسيلة وبالجملة ~~هذه أمارة توجب عادة الظن بأنها أكذوبة يتوسل بها إلى اقتناء الأموال ~~والقبض على ثروة الناس والاستعلاء عليهم بالحكم والرئاسة، وهذا كما حكى ~~الله سبحانه عنهم في مثل القصة إذ قال: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم:" المؤمنون: - 24. # وبهذا يظهر وجه تعليقهم الكذب بالظن دون الجزم، وأن المراد بالكذب الكذب ~~المخبري دون الخبري. # قوله تعالى: "قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي" إلى آخر الآية ~~بيان لما أجاب به نوح (عليه السلام) عن حجتهم إلى تمام أربع آيات، والتعمية ~~الإخفاء فمعنى عميت عليكم بالبناء للمفعول أخفيت عليكم من ناحية جهلكم ~~وكراهتكم للحق. # وقرىء عميت بالتخفيف والبناء للفاعل أي خفيت عليكم تلك الرحمة. # لما كانت حجتهم مبنية على الحس ونفي ما وراءه وقد استنتجوا منها أولا عدم ~~الدليل على وجوب طاعته واتباعه ثم أضربوا عنه بالترقي إلى استنتاج الدليل ~~على عدم الوجوب بل على وجوب العدم أجابهم (عليهم السلام) بإثبات ما حاولوا ~~نفيه من رسالته وما يتبعه، ونفي ما حاولوا إثباته باتهامه واتهام أتباعه ~~بالكذب غير أنه استعطفهم بخطاب يا قوم - بالإضافة إلى ضمير التكلم - مرة ~~بعد مرة ليجلبهم إليه فيقع نصحه موقع القبول منهم. PageV10P106 # وقد أبدع الآيات الكريمة في تقرير حجته (عليه السلام) في جوابهم فقطعت ~~حجتهم فصلا فصلا وأجابت عن كل فصل بوجهيه أعني من جهة إنتاجه أن لا دليل ~~على اتباعه (عليه السلام) وأن الدليل على خلافه وذلك قوله: "يا قوم أرأيتم ~~إن كنت على بينة" إلخ، وقوله: "وما أنا بطارد الذين آمنوا" إلخ، وقوله: ~~"ولا أقول لكم عندي خزائن الله" إلخ، ثم أخذت من ms3787 كل حجة سابقة شيئا يجري ~~مجرى التلخيص فإضافته إلى الحجة اللاحقة بادئة به فامتزجت الحجة بالحجة على ~~ما لكل منها من الاستقلال والتمام. # فتمت الحجج ثلاثا كل واحدة منها مبدوءة بالخطاب وهي قوله: "يا قوم أرأيتم ~~إن كنت على بينة" إلخ، وقوله: "ويا قوم لا أسألكم عليه مالا" إلخ، وقوله: ~~"ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم" إلخ، فتدبر فيها. # فقوله: "قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي" جواب عن قولهم: "ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا" يريدون به أنه ليس معه إلا البشرية التي يماثلهم فيها ~~ويماثلونه فبأي شيء يدعي وجوب اتباعهم له؟ بل هو كاذب يريد بما يدعيه من ~~الرسالة أن يصطادهم فيقتنص بذلك أموالهم ويترأس عليهم. # وإذ كان هذا القول منهم متضمنا لنفي رسالته وسندهم في ذلك أنه بشر لا أثر ~~ظاهر معه يدل على الرسالة والاتصال بالغيب كان من الواجب تنبيههم على ما ~~يظهر به صدقه في دعوى الرسالة وهو الآية المعجزة الدالة على صدق الرسول في ~~دعوى الرسالة فإن الرسالة نوع من الاتصال بالغيب خارق للعادة الجارية لا ~~طريق إلى العلم بتحققه إلا بوقوع أمر غيبي آخر خارق للعادة يوقن به كون ~~الرسول صادقا في دعواه الرسالة، ولذلك أشار (عليه السلام) بقوله: "يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي" إلى أن معه بينة من الله وآية معجزة تدل ~~على صدقه في دعواه. # ومن هنا يظهر أن المراد بالبينة الآية المعجزة التي تدل على ثبوت الرسالة ~~لأن ذلك هو الذي يعطيه السياق فلا يعبأ بما ذكره بعض المفسرين أن المراد ~~بالبينة في الآية العلم الضروري الذي يعلم به النبي أنه نبي وذلك لكونه ~~معنى أجنبيا عن السياق. # وقوله: "وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم" الظاهر أنه (عليه السلام) يشير ~~به إلى ما آتاه الله تعالى من الكتاب والعلم، وقد تكرر في القرآن الكريم ~~تسمية الكتاب وكذا تسمية العلم بالله وآياته رحمة قال تعالى: "ومن قبله ~~كتاب موسى إماما ورحمة:" هود: - 17، وقال: ms3788 "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء وهدى ورحمة:" النحل: - 89، وقال: "فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من ~~عندنا:" الكهف: - 65، وقال: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من ~~لدنك رحمة:" آل عمران: - 8. # وأما قوله: "فعميت عليكم فالظاهر أن ضميره راجع إلى الرحمة، والمراد أن ~~ما عندي من العلم والمعرفة أخفاها عليكم جهلكم وكراهتكم للحق بعد ما ذكرتكم ~~به وبثثته فيكم. # وقوله: "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون" الإلزام جعل الشيء مع الشيء بحيث ~~لا يفارقه ولا ينفك منه، والمراد بإلزامهم الرحمة وهم لها كارهون إجبارهم ~~على الإيمان بالله وآياته والتلبس بما يستدعيه المعارف الإلهية من النور ~~والبصيرة. # ومعنى الآية - والله أعلم - أخبروني إن كانت عندي آية معجزة تصدق رسالتي ~~مع كوني بشرا مثلكم وكانت عندي ما تحتاج إليه الرسالة من كتاب وعلم يهديكم ~~الحق لكن لم يلبث دون أن أخفاه عليكم عنادكم واستكباركم أيجب علينا عندئذ ~~أن نجبركم عليها؟ أي عندي جميع ما يحتاج إليه رسول من الله في رسالته وقد ~~أوقفتكم عليه لكنكم لا تؤمنون به طغيانا واستكبارا وليس علي أن أجبركم ~~عليها، إذ لا إجبار في دين الله سبحانه. # ففي الكلام تعريض لهم أنه قد تمت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة فلم ~~يؤمنوا لكنهم مع ذلك يريدون أمرا يؤمنون لأجله وليس إلا الإجبار والإلزام ~~على كراهية، فهم في قولهم: لا نراك إلا بشرا مثلنا، لا يريدون إلا الإجبار، ~~ولا إجبار في دين الله. # والآية، من جملة الآيات النافية للإكراه في الدين تدل على أن ذلك من ~~الأحكام الدينية المشرعة في أقدم الشرائع وهي شريعة نوح (عليه السلام) وهو ~~باق على اعتباره حتى اليوم من غير نسخ. PageV10P107 # وقد ظهر مما تقدم أن الآية، أعني قوله: "يا قوم أرأيتم إن كنت" إلخ، جواب ~~عن قولهم: "ما نراك إلا بشرا مثلنا" ويظهر بذلك فساد قول بعضهم: إنه جواب ~~عن قولهم: "بل نظنكم كاذبين" وقول آخرين: إنه جواب عن قولهم: "ما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادىء الرأي" وقول طائفة أخرى ms3789 أنه جواب عن ~~قولهم: "وما نرى لكم علينا من فضل" ولا نطيل الكلام بالتعرض لتوضيحها وردها. # قوله تعالى: "ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله" يريد به ~~الجواب عما اتهموه به من الكذب ولازمه أن تكون دعوته طريقا إلى جلب أموالهم ~~وأخذ ما في أيديهم طمعا فيه فإنه إذا لم يسألهم شيئا من أموالهم لم يكن لهم ~~أن يتهموه بذلك. # قوله تعالى: "وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم ~~قوما تجهلون" جواب عن قولهم: "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادىء ~~الرأي" وقد بدل لفظة الأراذل - وهي لفظة إرزاء وتحقير - من قوله: الذين ~~آمنوا تعظيما لأمر إيمانهم وإشارة إلى ارتباطهم بربهم. # نفى في جوابه أن يكون يطردهم وعلل ذلك بقوله: "إنهم ملاقوا ربهم" إيذانا ~~بأن لهم يوما يرجعون فيه إلى الله فيحاسبهم على أعمالهم فيجازيهم على ما ~~عملوه من خير أو شر فحسابهم على ربهم وليس لغيره من الأمر شيء، فليس على ~~نوح (عليه السلام) أن يحاسبهم فيجازيهم بشيء لكن القوم لجهالتهم يتوقعون ~~على الفقراء والمساكين والضعفاء أن يطردوا من مجتمع الخير ويسلبوا النعمة ~~والشرافة والكرامة. # فظهر أن المراد بقوله: "إنهم ملاقوا ربهم" الإيمان إلى محاسبة الله ~~سبحانه إياهم يوم يرجعون فيه إليه فيلاقونه كما وقع في نظير هذا المعنى في ~~قوله تعالى: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين:" الأنعام: - 57. # وأما قول من قال: إن معنى قوله: "إنهم ملاقوا ربهم" إنه لا يطردهم لأنهم ~~ملاقوا ربهم فيجازي من ظلمهم وطردهم، أو أنهم ملاقوا ثواب ربهم فكيف يكونون ~~أراذل وكيف يجوز طردهم وهم لا يستحقون ذلك، فبعيد عن الفهم. # على أن أول المعنيين يجعل الآية التالية أعني قوله: "ويا قوم من ينصرني ~~من الله إن طردتهم" الآية زائدة مستغنى عنها كما هو ظاهر. # وظهر أيضا أن المراد بقوله: "ولكني أراكم قوما تجهلون" جهلهم بأمر ms3790 المعاد ~~وأن الحساب والجزاء إلى الله لا إلى غيره، وأما ما ذكره بعضهم أن المراد به ~~الجهالة المضادة للعقل والحلم أي تسفهون عليهم أو المراد أنكم تجهلون أن ~~حقيقة الامتياز بين إنسان وإنسان باتباع الحق وعمل البر والتحلي بالفضائل ~~لا بالمال والجاه كما تظنون فهو معنى بعيد عن السياق. # قوله تعالى: "ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون" النصر ~~مضمن معنى المنع أو الإنجاء ونحوهما والمعنى من يمنعني أو من ينجيني من ~~عذاب الله إن طردتهم أفلا تتذكرون أنه ظلم، والله سبحانه ينتصر للمظلوم من ~~الظالم وينتقم منه، والعقل جازم بأن الله سبحانه لا يساوي بين الظالم ~~والمظلوم، ولا يدع الظالم يظلم دون أن يجازيه على ظلمه بما يسوؤه ويشفي به ~~غليل صدر المظلوم والله عزيز ذو انتقام. # قوله تعالى: "ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ~~ملك" جواب عن قولهم: "وما نرى لكم علينا من فضل" يرد عليهم قولهم بأني لست ~~أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعون مني أن أدعيه بما أني أدعي الرسالة فإنكم ~~تزعمون أن على الرسول أن يملك خزائن الرحمة الإلهية فيستقل بإغناء الفقير ~~وشفاء العليل وإحياء الموتى والتصرف في السماء والأرض وسائر أجزاء الكون ~~بما شاء وكيف شاء. # وأن يملك علم الغيب فيحصل على كل خير محجوب عن العيون مستور عن الأبصار ~~فيجلبه إلى نفسه، ويدفع كل شر مستقبل كامن عن نفسه وبالجملة يستكثر من ~~الخيرات ويصان من المكاره. # وأن يرتفع عن درجة البشرية إلى مقام الملكية أي يكون ملكا منزها من ألواث ~~الطبيعة ومبرى من حوائج البشرية ونقائصها فلا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ~~يقع في تعب اكتساب الرزق واقتناء لوازم الحياة وأمتعتها. PageV10P108 # فهذه هي جهات الفضل التي تزعمون أن الرسول يجب أن يؤتاها ويمتلكها فيستقل ~~بها، وقد أخطأتم فليس للرسول إلا الرسالة وإني لست أدعي شيئا من ذلك فلا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك، وبالجملة لست ~~أدعي ms3791 شيئا من الفضل الذي تتوقعونه حتى تكذبوني بفقده، وإنما أقول إني على ~~بينة من ربي تصدق رسالتي وآتاني رحمة من عنده. # والمراد بقوله: "خزائن الله" جميع الذخائر والكنوز الغيبية التي ترزق ~~المخلوقات منها ما يحتاجون إليه في وجودهم وبقائهم ويستعينون به على تتميم ~~نقائصهم وتكميلها. # فهاتيك هي التي تزعم العامة أن الأنبياء والأولياء يؤتون مفاتيحها ~~ويمتلكون بها من القدرة ما يفعلون بها ما يشاءون ويحكمون ما يريدون كما ~~اقترح على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد حكاه الله تعالى إذ يقول: ~~"وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن ~~نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا:" إسراء: - 93. # وإنما قال: "ولا أعلم الغيب" ولم يقل: ولا أقول إني أعلم الغيب لأن هذا ~~النوع من العلم لما كان مما يضن به ولا يسمح بإظهاره لم يكن قول القائل: لا ~~أقول إني أعلم الغيب نافيا لوجوده عند القائل بل يحتاج إلى أن يقال: لا ~~أعلم الغيب ليفيد النفي بخلاف قوله: "لا أقول لكم عندي خزائن الله" وقوله: ~~"ولا أقول إني ملك"، ولم يكرر قوله: "لكم" لحصول الكفاية بالواحدة. # وقد أمر الله سبحانه نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب قومه ~~بما خاطب به نوح (عليه السلام) قومه ثم ذيله بما يظهر به المراد إذ قال: ~~"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون:" الأنعام: - 50. # انظر إلى قوله: "لا أقول لكم" إلخ، ثم إلى قوله: "إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي" ثم إلى قوله: "قل هل يستوي الأعمى والبصير" إلخ، فهو ينفي أولا الفضل ~~الذي يتوقعه عامة ms3792 الناس من نبيهم ثم يثبت للرسول الرسالة فحسب ثم يبادر إلى ~~إثبات الفضل من جهة أخرى غير الجهة التي يتوقعها الناس وهو أنه بصير بإبصار ~~الله تعالى وأن غيره بالنسبة إليه كالأعمى بالنسبة إلى البصير وهذا هو ~~الموجب لاتباعهم له كما يتبع الأعمى البصير، وهو المجوز له أن يدعوهم إلى ~~اتباعه. # كلام في قدرة الأنبياء والأولياء فلسفي قرآني # الناس في جهل بمقام ربهم وغفلة عن معنى إحاطته وهيمنته فهم مع ما تهديهم ~~الفطرة الإنسانية إلى وجوده وأحديته يسوقهم الابتلاء بعالم المادة والطبيعة ~~والتوغل في الأحكام والقوانين الطبيعية ثم السنن والنواميس الاجتماعية ~~والأنس بالكثرة والبينونة إلى قياس العالم الربوبي بما ألفوا من عالم ~~المادة فالله سبحانه عندهم مع خلقه كجبار من جبابرة البشر مع عبيده ورعيته. # فهناك فرد من الإنسان نسميه مثلا ملكا أو جبارا دونه وزراء وأمراء ~~والجنديون والجلاوزة يجرون ما يأمر به أو ينهى أنه وله عطايا ومواهب لمن ~~شاء وإرادة وكراهة وأخذ ورد وقبض وإطلاق ورحمة وسخط وقضاء ونسخ إلى غير ذلك. # وكل من الملك وخدمه وأياديه العمالة ورعاياه وما يدور بأيديهم من النعم ~~وأمتعة الحياة أمر موجود محدود مستقل الوجود منفصلة عن غيره إنما يرتبط ~~بعضهم ببعض بأحكام وقوانين وسنن اصطلاحية لا موطن لها سوى ذهن الذاهن ~~واعتقاد المعتقد. # وقد طبقوا العالم الربوبي أعني ما يخبر به النبوة من مقام الرب تعالى ~~وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله على هذا النظام فهو تعالى يريد ويكره ~~ويعطي ويمنع ويدبر نظام الخلقة كما يفعل ذلك الواحد منا المسمى ملكا، وهو ~~محدود الوجود منعزل الكون وكل من ملائكته وسائر خليقته مستقل الوجود يملك ~~ما عنده من الوجود والنعم الموهوبة دون الله سبحانه، وقد كان تعالى في أزل ~~الزمان وحده لا شيء معه من خلقه ثم أبدع في جانب الأبد الخلق فكانوا معه. PageV10P109 # فقد أثبتوا - كما ترى - موجودا محدودا منطبق الوجود على الزمان غير أن ~~وجوده الزماني دائمي، وله قدرة على كل شيء، وعلم بكل شيء، وإرادة لا تنكسر ~~وقضاء لا ترد، ms3793 يستقل بما عنده من الصفات والأعمال كما يستقل الواحد منا ~~فيملك ما عنده من الحياة والعلم والقدرة وغير ذلك فحياته حياة له وليست ~~لله، وعلمه علمه لا علم الله، وقدرته قدرته لا قدرة الله وهكذا، وإنما يقال ~~لوجودنا أو حياتنا أو علمنا أو قدرتنا أنها لله كما يقال لما عند الرعية من ~~النعمة أنها للملك بمعنى أنها كانت عنده فأخرجها من عنده ووضعها عندنا ~~نتصرف فيها فجميع ذلك - كما ترى - يقوم على أساس المحدودية والانعزال. # لكن البراهين اليقينية تقضي بفساد ذلك كله فإنها تحكم بسريان الفقر ~~والحاجة إلى الموجودات الممكنة في ذواتها وآثار ذواتها وإذا كانت الحاجة ~~إليه تعالى في مقام الذات استحال الاستقلال عنه والانعزال منه على الإطلاق ~~إذ لو فرض استقلال لشيء منه تعالى في وجوده أو شيء من آثار وجوده - بأي وجه ~~فرض في حدوث أو بقاء - استغنى عنه من تلك الجهة وهو محال. # فكل ممكن غير مستقل في شيء من ذاته وآثار ذاته، والله سبحانه هو الذي ~~يستقل في ذاته وهو الغني الذي لا يفتقر في شيء ولا يفقد شيئا من الوجود ~~وكمال الوجود كالحياة والقدرة والعلم فلا حد له يتحدد به. # وقد تقدم بعض التوضيح لهذه المسألة في ذيل تفسير قوله تعالى: "لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة:" المائدة: - 73. # وعلى ما تقدم كان ما للممكن من الوجود أو الحياة أو القدرة أو العلم ~~متعلق الوجود به تعالى غير مستقل منه بوجه، ولا فرق في ذلك بين القليل ~~والكثير ما كانت خصيصة عدم الاستقلال محفوظة فيه فلا مانع من فرض ممكن له ~~علم بكل شيء أو قدرة على كل شيء أو حياة دائمة ما دام غير مستقل الوجود عن ~~الله سبحانه ولا منعزل الكون منه كما لا مانع من تحقق الممكن مع وجود موقت ~~ذي أمد أو علم أو قدرة متعلقين ببعض الأشياء دون بعض. # نعم فرض الاستقلال يبطل الحاجة الإمكانية ولا فرق فيه بين الكثير والقليل ~~كما عرفت، هذا من جهة العقل. # وأما ms3794 من جهة النقل فالكتاب الإلهي وإن كان ناطقا باختصاص بعض الصفات ~~والأفعال به تعالى كالعلم بالمغيبات والإحياء والإماتة والخلق كما في قوله: ~~"وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو:" الأنعام: - 59، وقوله: "وأنه هو ~~أمات وأحيا:" النجم: - 44: "وقوله الله يتوفى الأنفس حين موتها:" الزمر: - ~~42، وقوله: "الله خالق كل شيء:" الزمر: - 62، إلى غير ذلك من الآيات لكنها ~~جميعا مفسرة بآيات أخر كقوله: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول:" الجن: - 27، وقوله: "قل يتوفاكم ملك الموت:" الم السجدة: - ~~11، وقوله عن عيسى (عليه السلام): "وأحيا الموتى بإذن الله:" آل عمران: - ~~49، وقوله: "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا ~~بإذني:" المائدة: - 110 إلى غير ذلك من الآيات. # وانضمام الآيات إلى الآيات لا يدع شكا في أن المراد بالآيات النافية ~~اختصاص هذه الأمور به تعالى بنحو الأصالة والاستقلال والمراد بالآيات ~~المثبتة إمكان تحققها في غيره تعالى بنحو التبعية وعدم الاستقلال. # فمن أثبت شيئا من العلم المكنون أو القدرة الغيبية أعني العلم من غير ~~طريق الفكر والقدرة من غير مجراها العادي الطبيعي لغيره تعالى من أنبيائه ~~وأوليائه كما وقع كثيرا في الأخبار والآثار ونفى معه الأصالة والاستقلال ~~بأن يكون العلم والقدرة مثلا له تعالى وإنما ظهر ما ظهر منه بالتوسيط ووقع ~~ما وقع منه بإفاضته وجوده فلا حجر عليه. # ومن أثبت شيئا من ذلك على نحو الأصالة والاستقلال طبق ما يثبته الفهم ~~العامي وإن أسنده إلى الله سبحانه وفيض رحمته لم يخل من غلو وكان مشمولا ~~لمثل قوله: "لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق:" النساء: - 171. # قوله تعالى: "ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم ~~بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين" قال في المفردات،: زريت عليه عبته ~~وأزريت به قصدت به وكذلك ازدريت به وأصله افتعلت قال: تزدري أعينكم أي ~~تستقلهم تقديره تزدريهم أعينهم أي تستقلهم وتستهين بهم. # انتهى. PageV10P110 # وهذا الفصل من كلامه (عليه السلام) إشارة إلى ما كان يعتقده ms3795 الملأ الذين ~~كفروا من قومه وبنوا عليه سنة الأشرافية وطريقة السيادة، وهو أن أفراد ~~الإنسان تنقسم إلى قسمين الأقوياء والضعفاء، أما الأقوياء فهم أولوا الطول ~~وأرباب القدرة المعتضدون بالمال والعدة، وأما الضعفاء فهم الباقون. # والأقوياء هم السادة في المجتمع الإنساني لهم النعمة والكرامة، ولأجلهم ~~انعقاد المجتمع، وغيرهم من الضعفاء مخلوقون لأجلهم مقصودون لهم أضاحي ~~منافعهم كالرعية بالنسبة إلى كرسي الحكومة المستبدة، والعبيدة بالنسبة إلى ~~الموالي، والخدم والعملة بالنسبة إلى المخدومين والنساء بالنسبة إلى ~~الرجال، وبالأخرة كل ضعيف بالنسبة إلى القوي المستعلي عليه. # وبالجملة كان معتقدهم أن الضعيف في المجتمع إنسان منحط أو حيوان في صورة ~~إنسان إنما يرد داخل المجتمع ويشاركهم في الحياة ليستفيد الشريف من عمله ~~وينتفع من كد يمينه لحياته من غير عكس بل هو محروم من الكرامة مطرود عن ~~حظيرة الشرافة آيس من الرحمة والعناية. # فهذا هو الذي كانوا يرونه وكان هو المعتمد عليه في مجتمعهم، وقد رد نوح ~~(عليه السلام) ذلك إليهم بقوله: "ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم ~~الله خيرا". # ثم بين خطأهم في معتقدهم بقوله: "الله أعلم بما في نفوسهم" أي إن أعينكم ~~إنما تزدريهم وتستحقرهم وتستهين أمرهم لما تحس ظاهر ضعفهم وهوانهم، وليس هو ~~الملاك في إحراز الخير ونيل الكرامة بل الملاك في ذلك وخاصة الكرامات ~~والمثوبات الإلهية أمر النفس وتحليها بحلي الفضيلة والمنقبة المعنوية، ولا ~~طريق لي ولا لكم إلى العلم ببواطن النفوس وخبايا القلوب إلا لله سبحانه ~~فليس لي ولا لكم أن نحكم بحرمانهم من الخير والسعادة. # ثم بين بقوله: "إني إذا لمن الظالمين" السبب في تحاشيه عن هذا القول ~~ومعناه أنه قول بغير علم، وتحريم الخير على من يمكن أن يستحقه جزافا من غير ~~دليل ظلم لا ينبغي أن يرومه الإنسان فيدخل بذلك في زمرة الظالمين. # وهذا المعنى هو الذي يشير تعالى إليه فيما يحكيه من كلام أهل الأعراف يوم ~~القيامة خطابا لهؤلاء الطاغين إذ يقول: "ونادى أصحاب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ms3796 تستكبرون أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم الله برحمة:" الأعراف: - 49. # وفي الكلام أعني قول نوح (عليه السلام): "ولا أقول للذين تزدري أعينكم" ~~إلخ، تعريض لهم أنهم كما كانوا يحرمون على ضعفاء المجتمع المزايا الحيوية ~~الاجتماعية كذلك كانوا يحرمون عليهم الكرامة الدينية ويقولون: إنهم لا ~~يسعدون بدين وإنما يسعد به أشراف المجتمع وأقوياؤهم، وفيه أيضا تعريض بأنهم ~~ظالمون. # وإنما عقب نوح (عليه السلام) قوله: "ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول إني ملك" وهو ينفي فيه جهات الامتياز التي كانوا ~~يتوقعونها في الرسول عن نفسه، بقوله: "ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن ~~يؤتيهم الله خيرا" إلخ، مع أنه راجع إلى الضعفاء الذين آمنوا به من قومه ~~لأن الملأ ألحقوهم به في قولهم: "وما نرى لكم علينا من فضل". # وتوضيحه أن معنى قولهم هذا أن اتباعنا لك ولمن آمن بك من هؤلاء الأراذل ~~إنما يستقيم لفضل يتم لكم علينا ولا نرى لكم علينا من فضل أما أنت فليس معك ~~ما يختص به الرسول من قدرة ملكوتية أو علم بالغيب أو أن تكون ملكا منزها من ~~ألواث المادة والطبيعة، وأما المؤمنون بك فإنما هم أراذلنا الآيسون من ~~كرامة الإنسانية المحرومون من الرحمة والعناية. # فأجاب عنهم نوح بما معناه: أما أنا فلا أدعي شيئا مما تتوقعون من رسالتي ~~فليست للرسول إلا الرسالة وأما هؤلاء الضعفاء الذين لهم هوان عندكم فمن ~~الجائز أن يعلم الله من نفوسهم خيرا فيؤتيهم خيرا وفضلا فهو أعلم بأنفسهم، ~~وملاك الكرامة الدينية والرحمة الإلهية زكاء النفس وسلامة القلب دون الظاهر ~~الذي تزدريه أعينكم فلست أقول: لن يؤتيهم الله خيرا، فإنه ظلم يدخلني في ~~زمرة الظالمين. PageV10P111 # قوله تعالى: "قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين" كلام ألقوه إلى نوح (عليه السلام) بعد ما عجزوا عن دحض ~~حجته وإبطال ما دعا إليه من الحق، وهو مسوق سوق التعجيز والمراد بقولهم: ~~"ما تعدنا" ما أنذرهم به في أول دعوته من عذاب يوم أليم. ms3797 # وقد أورد الله سبحانه قولهم هذا فصلا من غير تفريع لأنهم إنما قالوه بعد ~~ما لبث فيهم أمدا بعيدا يدعوهم إلى التوحيد ويخاصمهم ويحاجهم بفنون الخصام ~~والحجاج حتى قطع جميع معاذيرهم وأنار الحق لهم كما يدل عليه قوله تعالى ~~فيما يحكي عنه (عليه السلام) في دعائه: "قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ~~- إلى أن قال - ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا:" ~~نوح: - 9 وفي سورة العنكبوت: "فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما:" ~~العنكبوت: - 14. # فهذا الذي أورده الله من حجاجه قومه وجوابهم في شكل محاورة واحدة إنما ~~وقع في مآت من السنين، وهو كثير النظير في القرآن الكريم ولا بدع فيه فإن ~~الذي يقتص ذلك هو الله سبحانه المحيط بالدهر وبكل ما فيه والذي يسمعها ~~بالوحي هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أوتي من سعة النظر ما يجتمع ~~عنده أشتات الأمم وأطراف الزمان. # والمعنى - والله أعلم - يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا حتى سئمنا ~~ومللنا وما نحن لك بمؤمنين فأتنا بما تعدنا من العذاب، وهم لا يعترفون ~~بالعجز عن خصامه وجداله بل يؤيسونه من أنفسهم في الحجاج ويطلبون منه أن ~~يشتغل بما يشتغل الداعي الآيس من السمع والطاعة وهو الشر الذي يهددهم به ~~ويذكره وراء نصحه. # قوله تعالى: "قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين" لما كان ~~قولهم: "فأتنا بما تعدنا" إلخ، طلبا منه أن يأتيهم بالعذاب وليس ذلك إليه ~~فإنما هو رسول، أجاب عن اقتراحهم هذا أيضا - في سياق قصر القلب - أن ~~الإتيان بالعذاب ليس إلي بل إنما هو إلى الله فهو الذي يملك أمركم فيأتيكم ~~بالعذاب الذي وعدتكموه بأمره فهو ربكم وإليه مرجع أمركم كله، ولا يرجع إلي ~~من أمر التدبير شيء حتى أن وعدي إياكم بالعذاب واقتراحكم علي بطلبه لا يؤثر ~~في ساحة كبريائه شيئا فإن يشأ يأتكم به وأن لم يشأ فلا. # ومن هنا يظهر أن قوله (عليه السلام): "إن شاء" من ألطف القيود في ms3798 هذا ~~المقام أفيد به حق التنزيه وهو أن الله سبحانه لا يحكم فيه شيء ولا يقهره ~~قاهر يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره نظير ما سيأتي في آخر السورة من ~~الاستثناء في قوله: "خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~عطاء غير مجذوذ:" هود: - 108. # وقوله: "وما أنتم بمعجزين" تنزيه آخر لله سبحانه وهو مع ذلك جواب عن ~~الأمر التعجيزي الذي ألقوه إليه (عليه السلام) فإن ظاهره أنهم لا يعبئون ~~بما هددهم به من العذاب كأنهم معجزون لا يقدر عليهم. # قوله تعالى: "ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم" إلخ، قال في المفردات،: النصح تجري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه - ~~قال - وهو من قولهم نصحت له الود أي أخلصته وناصح العسل خالصه أو من قولهم: ~~نصحت الجلد خطته والناصح الخياط والنصاح الخيط. # وقال أيضا: الغي جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من الإنسان ~~غير معتقد اعتقادا لا صالحا ولا فاسدا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا ~~النحو الثاني يقال له غي قال تعالى: ما ضل صاحبكم وما غوى، وقال: وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي. # انتهى. # وعلى هذا فالفرق بين الإغواء والإضلال أن الإضلال إخراج من الطريق مع ~~بقاء المقصد في ذكر الضال، والإغواء إخراجه منه مع زواله عن ذكره لاشتغاله ~~بغيره جهلا. # والإرادة والمشية كالمترادفتين، وهي من الله سبحانه تسبيب الأسباب ~~المؤدية لوجود شيء بالضرورة فكون الشيء مرادا له تعالى أنه تمم أسباب وجوده ~~وأكملها فهو كائن لا محالة، وأما أصل السببية الجارية فهي مرادة بنفسها ~~ولذا قيل: خلق الله الأشياء بالمشية والمشية بنفسها. PageV10P112 # وبالجملة قوله: "ولا ينفعكم نصحي" إلخ، كأحد شقي الترديد والشق الآخر قوله: ~~"وما أنتم بمعجزين" كأنه (عليه السلام) يقول: أمركم إلى الله إن شاء أن ~~يعذبكم أتاكم بالعذاب ولا يدفع عذابه ولا يقهر مشيته شيء فلا أنتم معجزوه، ~~ولا نصحي ينفعكم إن أردت أن أنصح لكم بعد ما أراد الله أن ms3799 يغويكم لتكفروا ~~به فيحق عليكم كلمة العذاب، وقيد نصحه بالشرط لأنهم لم يكونوا يسلمون له ~~أنه ينصحهم. # والإغواء كالإضلال وإن لم يجز نسبته إليه تعالى إذا كان إغواء ابتدائيا ~~لكنه جائز إذا كان بعنوان المجازاة كان يعصي الإنسان ويستوجب به الغواية ~~فيمنعه الله أسباب التوفيق ويخليه ونفسه فيغوي ويضل عن سبيل الحق قال ~~تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين:" البقرة: - 26. # وفي الكلام إشارة إلى أن نزول عذاب الاستئصال عليهم مسبوق بالإغواء ~~الإلهي كما يلوح إليه قوله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا:" إسراء: - 16، وقال: "وقيضنا ~~لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول:" حم ~~السجدة: - 25. # وقوله: "هو ربكم وإليه ترجعون" تعليل لقوله: "ولا ينفعكم نصحي" إلخ، أو ~~لقوله: "إنما يأتيكم به الله إن شاء - إلى قوله - يريد أن يغويكم" جميعا ~~ومحصله أن أمر تدبير العباد إلى الرب الذي إليه يرجع الأمور، والله سبحانه ~~هو ربكم وإليه ترجعون فليس لي أن آتيكم بعذاب موعود، وليس لكم أن تعجزوه إن ~~شاء أن يأتيكم بالعذاب فأتاكم به لاستئصالكم وليس لنصحي أن ينفعكم إن أراد ~~هو أن يغويكم ليعذبكم. # وقد ذكروا في قوله: "إن كان الله يريد أن يغويكم" وجوها من التأويل: ~~منها: أن المعنى يعاقبكم على كفركم، وقد سمى الله تعالى العذاب غيا في ~~قوله: "فسوف يلقون غيا:" مريم: - 59. # ومنها: أن المراد إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم ~~ومن عادة العرب أن يسمي العقوبة باسم الشيء المعاقب عليه، ومن هذا الباب ~~قوله: "الله يستهزىء بهم" أي يعاقبهم على استهزائهم وقوله: "ومكروا ومكر ~~الله:" آل عمران: - 54 أي عذبهم على مكرهم إلى غير ذلك. # ومنها: أن الإغواء بمعنى الإهلاك فالمعنى يريد أن يهلككم فهو من قولهم: ~~غوي الفصيل إذا فسد من كثرة شرب اللبن. # ومنها: أن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى يضل عباده عن الدين، وأن ~~ما هم عليه بإرادة ms3800 الله، ولو لا ذلك لغيره وأجبرهم على خلافه فقال لهم نوح ~~على وجه التعجب لقولهم والإنكار لذلك أن نصحي لا ينفعكم إن كان القول كما ~~تقولون. # وأنت بالتأمل فيما قدمناه تعرف أن الكلام في غنى من هذه التأويلات. # قوله تعالى: "أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون" أصل الجرم - على ما ذكره الراغب في مفرداته - قطع الثمرة من الشجرة ~~وأجرم أي صار ذا جرم، واستعير لكل اكتساب مكروه فالجرم بضم الجيم وفتحها ~~بمعنى الاكتساب المكروه وهو المعصية. # والآية، واقعة موقع الاعتراض، والنكتة فيه أن دعوة نوح واحتجاجاته على ~~وثنية قومه وخاصة ما أورده الله تعالى في هذه السورة من احتجاجه أشبه شيء ~~بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واحتجاجه على وثنية أمته. # وإن شئت زيادة تصديق في ذلك فارجع إلى سورة الأنعام - وهي في الحقيقة ~~سورة الاحتجاج - وقابل ما حكاه الله تعالى عن نوح في هذه السورة ما أمر ~~الله به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك السورة بقوله: "قل لا أقول ~~لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك - إلى أن قال - ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - إلى أن قال - قل لا أتبع ~~أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به". # ولك أن تطبق سائر ما ذكر من حججه ع في سورة نوح والأعراف على ما ذكر من ~~الحجج في سورة الأنعام وفي هذه السورة فتشاهد صدق ما ادعيناه. PageV10P113 # ولهذه المشابهة والمناسبة ناسب أن يعطف بعد ذكر حجج نوح (عليه السلام) في ~~إنذاره قومه بأمر من الله سبحانه على ما اتهموا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ورموه بالافتراء على الله، وهو لا ينذرهم ولا يلقي إليهم من الحجج ~~إلا كما أنذر به نوح (عليه السلام) وألقاه من الحجج إلى قومه، وهذا كما ~~ينذر رسول الملك قومه والمتمردين المستنكفين عن الطاعة ويلقي إليهم النصح ~~ويتم عليهم الحجة ms3801 فيرمونه بأنه مفتر على الملك ولا طاعة ولا وظيفة فيرجع ~~إليهم بالنصح ثانيا، ويذكر لهم قصة رسول ناصح آخر من الملك إلى قوم آخرين ~~نصح لهم بمثل ما نصح هو لهم فلم يتبصروا به فهلكوا فحيثما يذكر لهم حججه ~~ومواعظه يبعثه الوجد والأسف إلى أن يتذكر رميهم إياه بالافتراء فيأسف لذلك ~~قائلا: إنكم ترمونني بالافتراء ولم أذكر لكم إلا ما بثه هذا الرسول في قومه ~~من كلمة الحكمة والنصيحة لا جرم إن افتريته فعلي إجرامي ولا تقبلوا قولي ~~غير أني بريء من عملكم. # وقد عاد سبحانه إلى الأمر بمثل هذه المباراة ثانيا في آخر السورة بعد ~~إيراد قصص عدة من الرسل حيث قال: "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك - إلى أن قال - وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~وانتظروا إنا منتظرون:" هود: - 122. # وذكر بعض المفسرين أن الآية، من تمام القصة والخطاب فيها لنوح، والمعنى ~~أم يقول قوم نوح افتراه نوح قل يا نوح إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون، وعلى هذا فالكلام مشتمل على نوع التفات من الغيبة إلى الخطاب ~~وهذا بعيد عن سياق الكلام غايته. # وفي قوله: "وأنا بريء مما تجرمون" إثبات إجرام مستمر لهم وقد أرسل إرسال ~~المسلمات كما في قوله: "فعلي إجرامي" من إثبات الجرم وذلك أن الذي ذكر من ~~حجج نوح إن كان من الافتراء كان كذبا من حيث إن نوحا (عليه السلام) لم يحتج ~~بهذه الحجج وهي حقة، لكنها من حيث إنها حجج عقلية قاطعة لا تقبل الكذب وهي ~~تثبت لهؤلاء الكفار إجراما مستمرا في رفض ما يهديهم إليه من الإيمان والعمل ~~الصالح فهم في خروجهم عن مقتضى هذه الحجج مجرمون قطعا، والنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مجرم لا قطعا بل على تقدير أن يكون مفتريا وليس بمفتر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن ابن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام) قال: قال الله في نوح (عليه السلام) ولا ينفعكم نصحي ms3802 - إن أردت أن ~~أنصح لكم - إن كان الله يريد أن يغويكم" قال: الأمر إلى الله يهدي ويضل. # أقول: قد مر بيانه وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: "أم يقولون ~~افتراه" الآية:، الشيباني في نهج البيان عن مقاتل قال: إن كفار مكة قالوا: ~~إن محمدا افترى القرآن. قال: وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). PageV10P114 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 36 - 49 # وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخطبنى فى الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن وما ءامن معه ~~إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم ~~(41) وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يبنى اركب ~~معنا ولا تكن مع الكفرين (42) قال سئاوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ~~(43) وقيل يأرض ابلعى ماءك ويسماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على ~~الجودى وقيل بعدا للقوم الظلمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من ~~أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين (45) قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه ~~عمل غير صلح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجهلين (46) ~~قال رب إنى أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من ~~الخسرين (47) قيل ينوح اهبط بسلم منا وبركت عليك وعلى أمم ممن معك وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت ms3803 تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العقبة للمتقين (49) ### |||| AUTO بيان # تتمة قصة نوح (عليه السلام) وهي تشتمل على فصول كإخباره (عليه السلام) ~~بنزول العذاب على قومه، وأمره بصنع الفلك، وكيفية نزول العذاب وهو الطوفان، ~~وقصة ابنه الغريق، وقصة نجاته ونجاة من معه لكنها جميعا ترجع من وجه إلى ~~فصل واحد وهو فصل القضاء بينه (عليه السلام) وبين قومه. # قوله تعالى: "وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون" الابتئاس من البؤس وهو حزن مع استكانة. # وقوله: "لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" إيئاس وإقناط له (عليه السلام) ~~من إيمان الكفار من قومه بعد ذلك، ولذلك فرع عليه قوله: "فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون" لأن الداعي إلى أمر إنما يبتئس ويغتم من مخالفة المدعوين ~~وتمردهم ما دام يرجو منهم الإيمان والاستجابة لدعوته، وأما إذا يئس من ~~إجابتهم فلا يهتم بهم ولا يتعب نفسه في دعوتهم إلى السمع والطاعة والإلحاح ~~عليهم بالإقبال إليه ولو دعاهم بعدئذ فإنما يدعوهم لغرض آخر كإتمام الحجة ~~وإبراز المعذرة. # وعلى هذا ففي قوله: "فلا تبتئس بما كانوا يفعلون" تسلية من الله لنوح ~~(عليه السلام) وتطيب لنفسه الشريفة من جهة ما في الكلام من الإشارة إلى ~~حلول حين فصل القضاء بينه وبين قومه، وصيانة لنفسه من الوجد والغم لما كان ~~يشاهد من فعلهم به وبالمؤمنين به من قومهم من إيذائهم إياهم في دهر طويل ~~مما يقرب من ألف سنة لبث فيه بينهم. PageV10P115 # ويظهر من كلام بعضهم أنه استفاد من قوله: "لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" ~~أن من كفر منهم فليس يؤمن بعد هذا الحين أبدا كما أن الذين آمنوا به ثابتون ~~على إيمانهم دائمون عليه وفيه أن العناية في الكلام إنما تعلقت ببيان عدم ~~إيمان الكفار بعد ذلك فحسب وأما إيمان المؤمنين فلم يعن به إلا بمجرد ~~التحقق سابقا ولا دلالة في الاستثناء على أزيد من ذلك، وأما ثباتهم ودوامهم ~~على ms3804 الإيمان فلا دليل عليه. # ويستفاد من الآية أولا: أن الكفار لا يعذبون ما كان الإيمان مرجوا منهم ~~فإذا ثبتت فيهم ملكة الكفر ورجس الشرك حق عليهم كلمة العذاب. # وثانيا: أن ما حكاه الله سبحانه من دعاء نوح بقوله: "وقال نوح رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا:" نوح: - 27 كان واقعا بين قوله: "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن" إلخ، وبين قوله: "واصنع الفلك - إلى قوله - إنهم مغرقون". # وذلك لأنه - كما ذكر بعضهم - لا سبيل إلى العلم بعدم إيمان الكفار في ~~المستقبل من طريق العقل وإنما طريقه السمع بالوحي فهو (عليه السلام) علم ~~أولا من وحيه تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن أن أحدا منهم ~~لا يؤمن بعد ذلك ولا في نسلهم من سيؤمن بالله ثم دعا عليهم بالعذاب وذكر في ~~دعائه ما أوحي إليه فلما استجاب الله دعوته وأراد إهلاكهم أمره (عليه ~~السلام) باتخاذ السفينة وأخبره أنهم مغرقون. # قوله تعالى: "واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون" الفلك هي السفينة مفردها وجمعها واحد والأعين جمع قلة للعين ~~وإنما جمع للدلالة على كثرة المراقبة وشدتها فإن الجملة كناية عن المراقبة ~~في الصنع. # وذكر الأعين قرينة على أن المراد بالوحي ليس هو هذا الوحي أعني قوله: ~~"واصنع الفلك" إلخ، حتى يكون وحيا للحكم بل وحي في مقام العمل وهو تسديد ~~وهداية عملية بتأييده بروح القدس الذي يشير إليه أن افعل كذا وافعل كذا كما ~~ذكره تعالى في الأئمة من آل إبراهيم ع بقوله: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين:" الأنبياء: - 73، وقد تقدمت ~~الإشارة إليه في المباحث السابقة وسيجيء إن شاء الله في تفسير الآية. # وقوله: "ولا تخاطبني في الذين ظلموا" أي لا تسألني في أمرهم شيئا تدفع به ~~الشر والعذاب وتشفع لهم لتصرف عنهم السوء لأن القضاء فصل والحكم حتم وبذلك ~~يظهر أن ms3805 قوله: "إنهم مغرقون" في محل التعليل لقوله: "ولا تخاطبني" إلخ، أو ~~لمجموع قوله: "واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا" ~~ويظهر أيضا أن قوله: "ولا تخاطبني" إلخ، كناية عن الشفاعة. # والمعنى: واصنع السفينة تحت مراقبتنا الكاملة وتعليمنا إياك ولا تسألني ~~صرف العذاب عن هؤلاء الذين ظلموا فإنهم مقضي عليهم الغرق قضاء حتم لا مرد له. # قوله تعالى: "ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون" قال في المجمع،: السخرية إظهار خلاف ~~الإبطان على وجه يفهم منه استضعاف العقل، ومنه التسخير لتذليل يكون ~~استضعافا بالقهر، والفرق بين السخرية واللعب أن في السخرية خديعة واستنقاصا ~~ولا تكون إلا في الحيوان وقد يكون اللعب بجماد، انتهى. # وقال الراغب في المفردات،: سخرت منه واستسخرته للهزء منه قال تعالى: "إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون" "بل عجبت ويسخرون" ~~وقيل: رجل سخر - بالضم فالفتح - لمن سخر وسخرة - بالضم فالسكون - لمن يسخر ~~منه، والسخرية - بالضم - والسخرية - بالكسر - لفعل الساخر، انتهى. # وقوله: "ويصنع الفلك" حكاية الحال الماضية يمثل بها ما يجري على نوح ~~(عليه السلام) من إيذاء قومه وقيام طائفة منهم بعد طائفة على إهانته ~~والاستهزاء به في عمل السفينة وصبره عليه في جنب الدعوة الإلهية وإقامة ~~الحجة عليهم من غير أن يفشل وينثني. # وقوله: "كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه" حال من فاعل يصنع والملأ ~~هاهنا الجماعة الذين يعبأ بهم، وفي الكلام دلالة على أنهم كانوا يأتونه وهو ~~يصنع الفلك جماعة بعد جماعة بالمرور عليه ساخرين، وأنه (عليه السلام) كان ~~يصنعها في مرأى منهم وممر عام. PageV10P116 # وقوله: "قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون" في موضع الجواب ~~لسؤال مقدر كان قائلا قال: فما ذا قال نوح (عليه السلام)؟ فقيل: "قال إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم" ولذا فصل الكلام من غير عطف. # ولم يقل (عليه السلام): إن تسخروا مني فإني أسخر منكم ليدفع به عن نفسه ms3806 ~~وعن عصابة المؤمنين به وكأنه كان يستمد من أهله واتباعه في ذلك وكانوا ~~يشاركونه في عمل السفينة وكانت السخرية تتناولهم جميعا فظاهر الكلام أن ~~الملأ كانوا يواجهون نوحا ومن معه في عمل السفينة بسخرية نوح ورميه (عليه ~~السلام) بالخبل والجنون فيشمل هزؤهم نوحا ومن معه وإن كانوا لم يذكروا في ~~هزئهم إلا نوحا فقط. # على أن الطبع والعادة يقضيان أن يكونوا يسخرون من أتباعه أيضا كما كانوا ~~يسخرون منه فهم أهل مجتمع واحد تربط المعاشرة بعضهم ببعض وإن كانت سخريتهم ~~من أتباعه سخرية منه في الحقيقة لأنه هو الأصل الذي تقوم به الدعوة، ولذا ~~قيل: "سخروا منه" ولم يقل: سخروا منه ومن المؤمنين. # والسخرية وإن كانت قبيحة ومن الجهل إذا كانت ابتدائية لكنها جائزة إذا ~~كانت مجازاة وبعنوان المقابلة وخاصة إذا كانت تترتب عليها فائدة عقلائية ~~كإنفاذ العزيمة وإتمام الحجة قال تعالى: "فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم ~~عذاب أليم:" التوبة: - 79، ويدل على اعتبار المجازاة والمقابلة بالمثل في ~~الآية قوله: "كما تسخرون". # قوله تعالى: "فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم" ~~السياق يقضي أن يكون قوله: "فسوف تعلمون" تفريعا على الجملة الشرطية ~~السابقة "أن تسخروا منا فإنا نسخر منكم" وتكون الجملة المتفرعة هو متن ~~السخرية التي أتى بها نوح (عليه السلام) ويكون قوله: "من يأتيه عذاب يخزيه" ~~إلخ، متعلقا بتعلمون على أنه معلوم العلم. # والمعنى: أن تسخروا منا فإنا نسخر منكم فنقول لكم: سوف تعلمون من يأتيه ~~العذاب؟ نحن أو أنتم؟ وهذه سخرية بقول حق. # وقوله: "من يأتيه عذاب يخزيه" المراد به عذاب الاستئصال في الدنيا وهو ~~الغرق الذي أخزاهم وأذلهم، والمراد بقوله: "ويحل عليه عذاب مقيم" أي ينزل ~~عليه عذاب ثابت لازم لا يفارق، هو عذاب النار في الآخرة، والدليل على ما ~~ذكرنا من كون العذاب الأول هو الذي في الدنيا والثاني هو عذاب الآخرة هو ~~المقابلة وتكرر العذاب - منكرا - في اللفظ وتوصيف الأول بالإخزاء والثاني ~~بالإقامة. # وربما أخذ بعضهم قوله: "فسوف تعلمون" تاما من غير ms3807 ذكر متعلق العلم وقوله: ~~"من يأتيه عذاب يخزيه" إلخ، ابتداء كلام من نوح وهو بعيد عن السياق. # قوله تعالى: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور" إلى آخر الآية، يقال: فار ~~القدر يفور فورا وفورانا إذا غلا واشتد غليانه، وفارت النار إذا اشتعلت ~~وارتفع لهيبها، والتنور تنور الخبز، وهو مما اتفقت فيه اللغتان: العربية ~~والفارسية أو الكلمة فارسية في الأصل. # وفوران التنور نبع الماء وارتفاعه منه، وقد ورد في الروايات: أن أول ما ~~ابتداء الطوفان يومئذ كان ذلك بتفجر الماء من تنور، وعلى هذا فاللام في ~~التنور للعهد يشار بها إلى تنور معهود في الخطاب، ويحتمل اللفظ أن يكون ~~كناية عن اشتداد غضب الله تعالى فيكون من قبيل قولهم: "حمي الوطيس" إذا ~~اشتد الحرب. # فقوله: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور": أي كان الأمر على ذلك حتى إذا ~~جاء أمرنا أي تحقق الأمر الربوبي وتعلق بهم وفار الماء من التنور أو اشتد ~~غضب الرب تعالى قلنا له كذا وكذا. # وفي التنور أقوال أخر بعيدة من الفهم كقول من قال إن المراد به طلوع ~~الفجر وكان عند ذلك أول ظهور الطوفان، وقول بعضهم: إن المراد به أعلى الأرض ~~وأشرفها أي انفجر الماء من الأمكنة المرتفعة ونجود الأرض، وقول آخرين: إن ~~التنور وجه الأرض هذا. # وقوله: "قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين" أي أمرنا نوحا (عليه السلام) ~~أن يحمل في السفينة من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين وهي الذكر ~~والأنثى. PageV10P117 # وقوله: "وأهلك إلا من سبق عليه القول" أي واحمل فيها أهلك وهم المختصون به ~~من زوج وولد وأزواج الأولاد وأولادهم إلا من سبق عليه قولنا وتقدم عليه ~~عهدنا أنه هالك، وكان هذا المستثنى زوجته الخائنة التي يذكرها الله تعالى ~~في قوله: "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين ~~من عبادنا صالحين فخانتاهما:" التحريم: - 10. # وابن نوح الذي يذكره الله تعالى في الآيات التالية وكان نوح (عليه ~~السلام) يرى أن المستثنى هو امرأته فحسب حتى بين الله ms3808 سبحانه أن ابنه ليس ~~من أهله وأنه عمل غير صالح فعند ذلك علم أنه من الذين ظلموا. # وقوله: "ومن آمن وما آمن معه إلا قليل" أي واحمل فيها من آمن بك من قومك ~~غير أهلك لأن من آمن به من أهله أمر بحمله بقوله: "وأهلك" ولم يؤمن به من ~~القوم إلا قليل. # في قوله: "وما آمن معه" دون أن يقال: وما آمن به تلويح إلى أن المعنى: ~~وما آمن بالله مع نوح إلا قليل، وذلك أنسب بالمقام وهو مقام ذكر من أنجاه ~~الله من عذاب الغرق، والملاك فيه هو الإيمان بالله والخضوع لربوبيته، وكذا ~~في قوله: "إلا قليل" دون أن يقال إلا قليل: منهم بلوغا في استقلالهم إن من ~~آمن كان قليلا في نفسه لا بالقياس إلى القوم فقد كانوا في نهاية القلة. # قوله تعالى: "وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور ~~رحيم" قرىء مجراها بفتح الميم وهو مجرى السفينة وسيرها، ومجراها بضم الميم ~~وهو إجراء السفينة وسياقها، ومرساها بضم الميم مصدر ميمي مرادف الإرساء، ~~والإرساء الإثبات والإيقاف، قال تعالى: "والجبال أرساها:" النازعات: - 32. # وقوله: "وقال اركبوا فيها" معطوف على قوله في الآية السابقة: "جاء أمرنا" ~~أي حتى إذا قال نوح إلخ، وخطابه لأهله وسائر المؤمنين أو لجميع من في ~~السفينة. # وقوله: "بسم الله مجراها ومرساها" تسمية منه (عليه السلام) يجلب به الخير ~~والبركة لجري السفينة وإرسائها فإن في تعليق فعل من الأفعال أو أمر من ~~الأمور على اسم الله تعالى وربطه به صيانة له من الهلاك والفساد واتقاء من ~~الضلال والخسران لما أنه تعالى رفيع الدرجات منيع الجانب لا سبيل للدثور ~~والفناء والعي والعناء إليه فما تعلق به مصون لا محالة من تطرق عارض السوء. # فهو (عليه السلام) يعلق جري السفينة وإرساءها باسم الله وهذان هما ~~السببان الظاهران في نجاة السفينة ومن فيها من الغرق، وإنما ينجح هذان ~~السببان لو شملت العناية الإلهية من ركبها، وإنما تشمل العناية بشمول ~~المغفرة الإلهية لخطايا ركابها والرحمة الإلهية لهم لينجوا ms3809 من الغرق ~~ويعيشوا على رسلهم في الأرض، ولذلك علل (عليه السلام) تسميته بقوله: "إن ~~ربي لغفور رحيم" أي إنما أذكر اسم الله على مجرى سفينتي ومرساها لأنه ربي ~~الغفور الرحيم، له أن يحفظ مجراها ومرساها من الاختلال والتخبط حتى ننجو ~~بذلك من الغرق بمغفرته ورحمته. # ونوح (عليه السلام) أول إنسان حكى الله سبحانه عنه التسمية باسمه الكريم ~~فيما أوحاه من كتابه فهو (عليه السلام) أول فاتح فتح هذا الباب كما أنه أول ~~من أقام الحجة على التوحيد، وأول من جاء بكتاب وشريعة وأول من انتهض لتعديل ~~الطبقات ورفع التناقض عن المجتمع الإنساني. # وما قدمناه من معنى قوله: "بسم الله مجراها ومرساها" مبني على ما هو ~~الظاهر من كون الجملة تسمية من نوح (عليه السلام) والمجرى والمرسى مصدرين ~~ميميين وربما احتمل كونه تسمية ممن مع نوح بأمره أو كون مجراها ومرساها ~~اسمين للزمان أو المكان فيختلف المعنى. # قال في الكشاف، في الآية: يجوز أن يكون كلاما واحدا وكلامين: فالكلام ~~الواحد أن يتصل باسم الله باركبوا حالا من الواو بمعنى اركبوا فيها مسمين ~~الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها إما لأن المجرى والمرسى ~~للوقت وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف ~~كقولهم: خفوق النجم ومقدم الحاج، ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، ~~وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل أو بما فيه من إرادة القول. PageV10P118 # والكلامان أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة من مبتدإ وخبر مقتضبة 1 أي ~~بسم الله إجراؤها وإرساؤها، يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله ~~فجرت، وإذا أن ترسو قال: بسم الله فرست، ويجوز أن يقحم 1. # الاسم كقوله: ثم اسم السلام عليكما ويراد بالله إجراؤها وإرساءها. # قال: وقرىء مجراها ومرساها بفتح الميم من جرى ورسى إما مصدرين أو وقتين ~~أو مكانين، وقرأ مجاهد: مجريها ومرسيها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله. # قوله تعالى: "وهي تجري بهم في موج كالجبال" الضمير للسفينة، والموج اسم ~~جنس كتمر أو جمع ms3810 موجة - على ما قيل - وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء ~~وفي الآية إشعار بأن السفينة كانت تسير على الماء ولم تكن تسبح جوف الماء ~~كالحيتان كما قيل. # قوله تعالى: "ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين" المعزل اسم مكان من العزل وقد عزل ابنه نفسه عن أبيه والمؤمنين ~~في مكان لا يقرب منهم، ولذلك قال: "ونادى نوح ابنه" ولم يقل: وقال نوح لابنه. # والمعنى: ونادى نوح ابنه وكان ابنه في مكان منعزل بعيد منهم وقال في ~~ندائه: يا بني - بالتصغير والإضافة دلالة على الإشفاق والرحمة - اركب معنا ~~السفينة ولا تكن مع الكافرين فتشاركهم في البلاء كما شاركتهم في الصحبة ~~وعدم ركوب السفينة، ولم يقل (عليه السلام): ولا تكن من الكافرين لأنه لم ~~يكن يعلم نفاقه وأنه غير مؤمن إلا باللفظ، ولذلك دعاه إلى الركوب. # قوله تعالى: "قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر ~~الله" إلخ، قال الراغب: المأوى مصدر أوى يأوي أويا ومأوى تقول: أوى إلى ~~كذا: انضم إليه يأوي أويا ومأوى وآواه غيره يؤويه إيواء، انتهى. # والمعنى: قال ابن نوح مجيبا لأبيه رادا لأمره: سأنضم إلى جبل يعصمني ~~ويقيني من الماء فلا أغرق، قال نوح: لا عاصم اليوم - وهو يوم اشتد غضب الله ~~وقضى بالغرق لأهل الأرض إلا من التجأ منهم إلى الله - من الله لا جبل ولا ~~غيره، وحال بين نوح وابنه الموج فكان ابنه من المغرقين ولو لم يحل الموج ~~بينهما ولم ينقطع الكلام بذلك لعرف كفره وتبرأ منه. # وفي الكلام إشارة إلى أن أرضهم كانت أرضا جبلية لا مئونة زائدة في صعود ~~الإنسان إلى بعض جبال كانت هناك. # قوله تعالى: "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي ~~الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين" البلع إجراء الشيء في ~~الحلق إلى الجوف، والإقلاع الإمساك وترك الشيء من أصله، والغيض جذب الأرض ~~المائع الرطب من ظاهرها إلى باطنها وهو ms3811 كالنشف يقال: غاضت الأرض الماء أي نقصته. # والجودي مطلق الجبل والأرض الصلبة، وقيل: هو جبل بأرض موصل في سلسلة جبال ~~تنتهي إلى أرمينية وهي المسماة "آرارات". # وقوله: "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي" نداء صادر من ساحة ~~العظمة والكبرياء لم يصرح باسم قائله وهو الله عز اسمه للتعظيم، والأمر ~~تكويني تحمله كلمة "كن" الصادرة من ذي العرش تعالى يترتب عليه من غير فصل ~~أن تبتلع الأرض ما على وجهها من الماء المتفجر من عيونها، وأن تكف السماء ~~عن أمطارها. # وفيه دلالة على أن الأرض والسماء كانتا مشتركتين في إطغاء الماء بأمر ~~الله كما يبينه قوله تعالى: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض ~~عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر:" القمر: - 12. # وقوله: "وغيض الماء" أي نقص الماء ونشف عن ظاهر الأرض وانكشف البسيط، ~~وذلك إنما يكون بالطبع باجتماع ما يمكن اجتماعه منه في الغدران وتشكيل ~~البحار والبحيرات، وانتشاف ما على سائر البسيطة. # وقوله: "وقضي الأمر" أي أنجز ما وعد لنوح (عليه السلام) من عذاب القوم ~~وأنفذ الأمر الإلهي بغرقهم وتطهر الأرض منهم أي كان ما قيل له كن كما قيل ~~فقضاء الأمر كما يقال على جعل الحكم وإصداره كذلك يقال على إمضائه وإنفاذه ~~وتحقيقه في الخارج، غير أن القضاء الإلهي والحكم الربوبي الذي هو عين ~~الوجود الخارجي جعله وإنفاذه واحد، وإنما الاختلاف بحسب التعبير. # وقوله: "واستوت على الجودي" أي استقرت السفينة على الجبل أو على جبل ~~الجودي المعهود، وهو إخبار عن اختتام ما كان يلقاه نوح ومن معه من أمر ~~الطوفان. PageV10P119 # وقوله: "وقيل بعدا للقوم الظالمين" أي قال الله عز اسمه: بعدا للقوم ~~الظالمين أي ليبعدوا بعدا فأبعدهم بذلك من رحمته وطردهم عن دار كرامته، ~~والكلام في ترك ذكر فاعل "قيل" هاهنا كالكلام فيه في "قيل" السابق. # والأمر أيضا في قوله: "بعدا للقوم الظالمين" كالأمرين السابقين: "يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي" تكويني فهو عين ما أنفذه الله فيهم من الغرق ~~المؤدي إلى خزيهم في الدنيا وخسرانهم ms3812 في الآخرة، وإن كان من وجه آخر من جنس ~~الأمر التشريعي لتفرعه على مخالفتهم الأمر الإلهي بالإيمان والعمل، وكونه ~~جزاء لهم على استكبارهم واستعلائهم على الله عز وجل. # وللصفح عن ذكر الفواعل في قوله: "وقيل يا أرض" إلخ، وقوله: "وقضي الأمر" ~~وقوله: "وقيل بعدا" إلخ، في الآية وجه آخر مشترك وهو أن هذه الأمور العظيمة ~~الهائلة المدهشة لن يقدر عليها إلا الواحد القاهر الذي لا شريك له في أمره ~~فلا يذهب الوهم إلى غيره لو لم يذكر على فعله فما هو إلا فعله ذكر أم لم يذكر. # ولمثل هذه النكتة حذف فاعل "غيض الماء" وهو الأرض، وفاعل "استوت على ~~الجودي" وهو السفينة، ولم يعين القوم الظالمون بأنهم قوم نوح، ولا الناجون ~~بأنهم نوح (عليه السلام) ومن معه في السفينة فإن الآية بلغت في بلاغتها ~~العجيبة من حيث سياق القصة مبلغا ليس فيه إلا سماء تنزل أمطارها، وأرض ~~انفجرت بعيونها وانغمرت بالماء وسفينة تجري في أمواجه، وأمر مقضي، وقوم ~~ظالمون هم قوم نوح وأمر إلهي بوعد القوم بالهلاك فلو غيض الماء فإنما تغيضه ~~الأرض، ولو استقر شيء واستوى فإنما هي السفينة تستقر على الأرض كما أنه لو ~~قيل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وقيل: بعدا للقوم الظالمين فإنما ~~القائل هو الله عز اسمه والقوم الظالمون هم المقضي عليهم بالعذاب، ولو قيل: ~~قضي الأمر فإنما القاضي هو الله سبحانه، والأمر هو ما وعده نوحا ونهاه أن ~~يراجعه في ذلك وهو أنهم مغرقون، ولو قيل للسماء: أقلعي بعد ما قيل للأرض: ~~ابلعي ماءك فإنما يراد إقلاعها وإمساكها ماءها. # ففي الآية الكريمة اجتماع عجيب من أسباب الإيجاز وتوافق لطيف فيما بينها ~~كما أن الآية واقفة على موقف عجيب من بلاغة القرآن المعجزة يبهر العقول ~~ويدهش الألباب وإن كانت الآيات القرآنية كلها معجزة في بلاغتها. # وقد اهتم بأمرها رجال البلاغة وعلماء البيان فغاصوا لجي بحرها وأخرجوا ما ~~استطاعوا نيله من لئاليها، وما هو - وقد اعترفوا بذلك - إلا كغرفة من بحر ~~أو حصاة من ms3813 بر. # قوله تعالى: "ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين" دعاء نوح (عليه السلام) لابنه الذي تخلف عن ركوب السفينة ~~وقد كان آخر عهده به يوم ركب السفينة فوجده في معزل فناداه وأمره بركوب ~~السفينة فلم يأتمر ثم حال بينهما الموج فوجد نوح (عليه السلام) وهو يرى أنه ~~مؤمن بالله من أهله وقد وعده الله بإنجاء أهله. # ولما به من الوجد والحزن رفع صوته بالدعاء كما يدل عليه قوله تعالى: ~~"ونادى نوح ربه" ولم يقل: سأل أو قال أو دعا، ورفع الصوت بالاستغاثة من ~~المضطر الذي اشتد به الضر وهاج به الوجد أمر طبعي. # والدعاء أعني نداء نوح (عليه السلام) ربه في ابنه وإن ذكر في القصة بعد ~~ذكر إنجاز غرق القوم وظاهره كون النداء بعد تمام الأمر واستواء الفلك لكن ~~مقتضى ظاهر الحال أن يكون النداء بعد حيلولة الموج بينهما وعلى هذا فذكره ~~بعد ذكر انقضاء الطوفان إنما هو لمكان العناية ببيان جميع ما في القصة من ~~الهيئة الهائلة في محل واحد لتكميل تمثيل الواقعة ثم الأخذ ببيان بعض جهاته ~~الباقية. PageV10P120 # وقد كان (عليه السلام) رسولا أحد الأنبياء أولي العزم عالما بالله عارفا ~~بمقام ربه بصيرا بموقف نفسه في العبودية، والظرف ظهرت فيه آية الربوبية ~~والقهر الإلهي أكمل ظهورها فأغرقت الدنيا وأهلها، ونودي من ساحة العظمة ~~والكبرياء على الظالمين بالبعد، فأخذ نوح (عليه السلام) يدعو لابنه والظرف ~~هذا الظرف لم يجترىء (عليه السلام) - على ما يقتضيه أدب النبوة - على أن ~~يسأل ما يريده من نجاة ابنه بالتصريح، بل أورد القول كالمستفسر عن حقيقة ~~الأمر، وابتدر بذكر ما وعده الله من نجاة أهله حين أمره أن يجمع الناجين ~~معه في السفينة فقال له: "احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك". # وكان أهله - غير امرأته - حتى ابنه هذا مؤمنين به ظاهرا ولو لم يكن ابنه ~~هذا على ما كان يراه نوح (عليه السلام) مؤمنا لم يدعه البتة إلى ركوب ~~السفينة فهو (عليه السلام) ms3814 الداعي على الكافرين السائل هلاكهم بقوله: "رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا" فقد كان يرى ابنه هذا مؤمنا ولم يكن ~~مخالفته لأمر أبيه إذ أمره بركوب السفينة كفرا أو مؤديا إلى الكفر وإنما هي ~~معصية دون الكفر. # ولذلك كله قال (عليه السلام): "رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق" فذكر ~~وعد ربه وضم إليه أن ابنه من أهله - على ما في الكلام من دلالة "رب" على ~~الاسترحام، ودلالة الإضافة في "ابني" على الحجة في قوله: "من أهلي" ودلالة ~~التأكيد بإن ولام الجنس في قوله: "وإن وعدك الحق" على أداء حق الإيمان. # وكانت الجملتان: "إن ابني من أهلي" "وإن وعدك الحق" ينتجان بانضمام ~~بعضهما إلى بعض الحكم بلزوم نجاة ابنه لكنه (عليه السلام) لم يأخذ بما ~~ينتجه كلامه من الحكم أدبا في مقام العبودية فلا حكم إلا لله بل سلم الحكم ~~الحق والقضاء الفصل إلى الله سبحانه فقال: "وأنت أحكم الحاكمين". # فالمعنى: رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك حق كل الحق، وإن ذلك يدل على أن ~~لا تأخذه بعذاب القوم بالغرق ومع ذلك فالحكم الحق إليك فأنت أحكم الحاكمين ~~كأنه (عليه السلام) يستوضح ما هو حقيقة الأمر ولم يذكر نجاة ابنه ولا زاد ~~على هذا الذي حكاه الله عنه شيئا وسيوافيك بيان ذلك. # قوله تعالى: "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ~~ليس لك به علم" إلخ. # بين سبحانه لنوح (عليه السلام) وجه الصواب فيما ذكره بقوله: "إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك" إلخ، وهو يستوجب به نجاة ابنه فقال تعالى: "إنه ليس من ~~أهلك" فارتفع بذلك أثر حجته. # والمراد بكونه ليس من أهله - والله أعلم - أنه ليس من أهله الذين وعده ~~الله بنجاتهم لأن المراد بالأهل في قوله: "وأهلك إلا من سبق عليه القول" ~~الأهل الصالحون، وهو ليس بصالح وإن كان ابنه ومن أهله بمعنى الاختصاص، ~~ولذلك علل قوله: "إنه ليس من أهلك" بقوله: "إنه عمل غير صالح". # فإن ms3815 قلت: لازم ذلك أن يكون امرأته الكافرة من أهله لأنها إنما خرجت من ~~الحكم بالاستثناء وهي داخلة موضوعا في قوله: "وأهلك" ويكون ابنه ليس من ~~أهله وخارجا موضوعا لا بالاستثناء وهو بعيد. # قلت: المراد بالأهل في قوله: "وأهلك إلا من سبق عليه القول" هم الأهل ~~بمعنى الاختصاص وبالمستثنى - من سبق عليه القول - غير الصالحين ومصداقه ~~امرأته وابنه هذا، وأما الأهل الواقع في قوله هذا: "إنه ليس من أهلك" فهم ~~الصالحون من المختصين به (عليه السلام) طبقا لما وقع في قوله: "رب إن ابني ~~من أهلي" فإنه (عليه السلام) لا يريد بالأهل في قوله هذا غير الصالحين من ~~أولي الاختصاص وإلا شمل امرأته وبطلت حجته فافهم ذلك. # فهذا هو الظاهر من معنى الآية، ويؤيده بعض ما ورد عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) مما سيأتي في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # وذكروا في تفسير الآية معان أخر: منها: أن المراد أنه ليس على دينك فكأن ~~كفره أخرجه عن أن يكون له أحكام أهله. # ونسب إلى جماعة من المفسرين. # وفيه أنه في نفسه معنى لا بأس به إلا أنه غير مستفاد من سياق الآية لأن ~~الله سبحانه ينفي عنه الأهلية بالمعنى الذي كان يثبتها له به نوح (عليه ~~السلام) ولم يكن نوح يريد بأهليته أنه مؤمن غير كافر بل إنما كان يريد أنه ~~أهله بمعنى الاختصاص والصلاح وإن كان لازمه الإيمان. # اللهم إلا أن يرجع إلى المعنى المتقدم. PageV10P121 # ومنها: أنه لم يكن ابنه على الحقيقة وإنما ولد على فراشه فقال نوح (عليه ~~السلام): إنه ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله أن الأمر على خلاف ذلك، ~~ونبهه على خيانة امرأته. # وينسب إلى الحسن ومجاهد. # وفيه: أنه على ما فيه من نسبة العار والشين إلى ساحة الأنبياء (عليهم ~~السلام)، والذوق المكتسب من كلامه تعالى يدفع ذلك عن ساحتهم وينزه جانبهم ~~عن أمثال هذه الأباطيل، أنه ليس مما يدل عليه اللفظ بصراحة ولا ظهور فليس ~~في القصة إلا قوله: "إنه ليس من أهلك إنه ms3816 عمل غير صالح" وليس بظاهر فيما ~~تجرءوا عليه وقوله في امرأة نوح: "امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما:" التحريم: - 10 وليس إلا ظاهرا في أنهما كانتا ~~كافرتين تواليان أعداء زوجيهما وتسران إليهم بأسرارهما وتستنجدانهم عليهما. # ومنها: أنه كان ابن امرأته (عليه السلام) وكان ربيبه لا ابنه من صلبه. # وفيه أنه مما لا دليل عليه من جهة اللفظ. # على أنه لا يلائم قوله في تعليل أنه ليس من أهله: "إنه عمل غير صالح" ولو ~~كان كذلك كان من حق الكلام أن يقال: إنه ابن المرأة. # على أن من المستبعد جدا أن لا يكون نوح (عليه السلام) عالما بأنه ربيبه ~~وليس بابنه حتى يخاطب ربه بقوله: "إن ابني من أهلي" أو يكون عالما بذلك ~~ويتكلم بالمجاز ويحتج على ربه العليم الخبير بذلك فينبه أنه ليس ابنه وإنما ~~هو ربيب. # وقوله: "إنه عمل غير صالح" ظاهر السياق أن الضمير لابن نوح (عليه السلام) ~~فيكون هو العمل غير الصالح، وعده عملا غير صالح نوع من المبالغة نحو زيد ~~عدل أي ذو عدل، وقولها: فإنما هي إقبال وإدبار، أي ذات إقبال وإدبار. # فالمعنى: إن ابنك هذا ذو عمل غير صالح فليس من أهلك الذين وعدتك أن ~~أنجيهم. # ويؤيد هذا المعنى قراءة من قرأ: "إنه عمل غير صالح" بالفعل الماضي أي عمل ~~عملا غير صالح. # وذكر بعضهم: أن الضمير راجع إلى سؤال نوح (عليه السلام) المفهوم من قوله: ~~"رب إن ابني من أهلي" أي إن سؤالك نجاة ابنك عمل غير صالح لأنه سؤال لما ~~ليس لك به علم ولا ينبغي لنبي أن يخاطب ربه بمثل ذلك وهو من أسخف التفسير ~~فإنه معنى لا يلائم شيئا من الجملتين المكتنفتين به لا قوله: "إنه ليس من ~~أهلك" ولا قوله: "فلا تسئلن ما ليس لك به علم" وهو ظاهر، ولو كان كذلك كان ~~من حق الكلام أن يتقدم على قوله: "إنه ليس من أهلك" ويتصل بقول نوح (عليه ~~السلام). # على أنك عرفت أن قول ms3817 نوح (عليه السلام): "رب إن ابني من أهلي" إلخ، لا ~~يتضمن سؤالا وإنما كان يسوقه - لو جرى في كلامه - إلى السؤال لكن العناية ~~الإلهية حالت بينه وبين السؤال. # وقوله: "فلا تسئلن ما ليس لك به علم" كان قول نوح (عليه السلام): "رب إن ~~ابني من أهلي وإن وعدك الحق" في مظنة أن يسوقه إلى سؤال نجاة ابنه وهو لا ~~يعلم أنه ليس من أهله فأخذته العناية الإلهية، وحال التسديد الغيبي بينه ~~وبين السؤال فأدركه النهي بقوله: "لا تسئلن ما ليس لك به علم" بتفريع النهي ~~على ما تقدم أي فإذ ليس من أهلك لكونه عملا غير صالح وأنت لا سبيل لك إلى ~~العلم بذلك فإياك أن تبادر إلى سؤال نجاته لأنه سؤال ما ليس لك به علم. # والنهي عن السؤال بغير علم لا يستلزم تحقق سؤال ذلك منه (عليه السلام) لا ~~مستقلا ولا في ضمن قوله: "رب إن ابني من أهلي" لأن النهي عن الشيء لا ~~يستلزم الارتكاب قبلا، وقد قال تعالى: "لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم:" الحجر: - 88 فنهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حب ~~الدنيا والافتتان بزينتها وحاشاه عن ذلك. # وإنما يفتقر النهي في صحة تعلقه بفعل ما أن يكون فعلا اختياريا يمكن أن ~~يبتلي به المكلف، وما نهي عنه الأنبياء (عليهم السلام) على هذه الصفة وإن ~~كانوا ذوي عصمة إلهية وتسديد غيبي، فإن من العصمة والتسديد أن يراقبهم الله ~~سبحانه في أعمالهم وكلما اقتربوا مما من شأنه أن يزل فيه الإنسان نبههم على ~~وجه الصواب ويدعوهم إلى السداد والتزام طريق العبودية، قال تعالى: "ولو لا ~~أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا:" إسراء: - 75 فأنبأ تعالى أنه هو الذي ~~ثبته ولم يدعه يقترب من الركون إليهم فضلا عن نفس الركون. PageV10P122 # وقال تعالى ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما ms3818 يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما:" النساء: - 113. # ومن الدليل على أن النهي - "فلا تسئلن" إلخ - نهي عما لم يقع بعد قول نوح ~~(عليه السلام) بعد استماع هذا النهي: "رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي ~~به علم" ولو كان سأل شيئا لقيل: أعوذ بك من سؤالي ذلك ليفيد المصدر المضاف ~~إلى المعمول التحقق والارتكاب. # ومن الدليل أيضا على أنه (عليه السلام) لم يسأل ذلك تعقيب قوله: "فلا ~~تسئلن ما ليس لك به علم" بقوله: "إني أعظك أن تكون من الجاهلين" فإن معناه: ~~أني أنصح لك في القول أن لا تكون بسؤالك ذلك من الجاهلين، ولو كان نوح سأل ~~ذلك لكان من الجاهلين لأنه سأل ما ليس له به علم. # فإن قلت: إنه تعالى قال: "أن تكون من الجاهلين" أي ممن استقرت فيه صفة ~~الجهل، واستقرارها إنما يكون بالتكرار لا بالمرة والدفعة، وبذلك يعلم أنه ~~سأل ما سأل وتحقق منه الجهل مرة وإنما وعظه الله تعالى بما وعظ لئلا يعود ~~إلى مثله فيتكرر منه ذلك فيدخل في زمرة الجاهلين. # قلت: زنة الفاعل كجاهل لا تدل على الاستقرار والتكرر وإنما تفيده الصفة ~~المشبهة كجهول على ما ذكروه، ويشهد لذلك قوله تعالى في قصة البقرة: "قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين:" البقرة: - 67، وقوله في ~~قصة يوسف: "وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين:" يوسف: - 33 ~~وقوله خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "ولو شاء الله لجمعهم على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين:" الأنعام: - 35. # وأيضا لو كان المراد من النهي عن السؤال أن لا يتكرر منه ذلك بعد ما وقع ~~مرة لكان الأنسب أن يصرح بالنهي عن العود إلى مثله دون النهي عن أصله كما ~~وقع في نظير المورد من قوله تعالى: "إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم - إلى أن قال - يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا:" ~~النور: - 17. # قوله ms3819 تعالى: "قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين" لما تبين لنوح (عليه السلام) أنه لو ساقه طبع ~~الخطاب الذي خاطب به ربه إلى السؤال كان سائلا ما ليس له به علم وكان من ~~الجاهلين وإن عناية الله حالت بينه وبين الهلكة، شكر ربه فاستعاذ بمغفرته ~~ورحمته عن ذلك السؤال المخسر فقال: "رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم". # والكلام في الاستعاذة مما لم يقع بعد من الأمور المهلكة والمعاصي الموبقة ~~كالنهي عما لم يقع من الذنوب والآثام وقد تقدم الكلام فيه وقد أمر الله ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستعاذة من الشيطان وهو معصوم لا سبيل ~~للشيطان إليه، قال تعالى: "قل أعوذ برب الناس - إلى أن قال - من شر الوسواس ~~الخناس الذي يوسوس في صدور الناس:" الناس: - 5 وقال: "وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون:" المؤمنون: - 98 والوحي مصون عن مس الشياطين كما قال تعالى: "عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم:" الجن: - 28. # وقوله: "وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين كلام صورته صورة التوبة ~~وحقيقته الشكر على ما أنعم الله عليه من التعليم والتأديب. # أما صورة توبته فإن في ذلك رجوعا إلى ربه تعالى بالاستعاذة ولازمها طلب ~~مغفرة الله ورحمته أي ستره على الإنسان ما فيه زلته وهلاكته وشمول عنايته ~~لحاله وقد تقدم في أواخر الجزء السادس من الكتاب بيان أن الذنب أعم من ~~مخالفة الأمر التشريعي بل كل وبال وأثر سيىء الإنسان بوجه، وأن المغفرة أعم ~~من الستر على المعصية المعروفة عند المتشرعة بل كل ستر إلهي يسعد الإنسان ~~ويجمع شمله. # وأما حقيقة الشكر فإن العناية الإلهية التي حالت بينه وبين السؤال الذي ~~كان يوجب دخوله في زمرة الجاهلين وعصمته ببيان وجه الصواب كانت سترا إلهيا ~~على زلة في طريقه ورحمة ونعمة أنعم ms3820 الله سبحانه بها عليه فقوله (عليه ~~السلام): "وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين" أي إن لم تعذني من الزلات ~~لخسرت، ثناء وشكر لصنعه الجميل. PageV10P123 # قوله تعالى: "قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك" ~~إلخ، السلام هو السلامة أو التحية غير أن ذكر مس العذاب في آخر الآية يؤيد ~~كون المراد به في صدرها السلامة من العذاب وكذا تبديل البركة في آخر الآية ~~إلى التمتع يدل على أن المراد بالبركات ليس مطلق النعم وأمتعة الحياة بل ~~النعم من حيث تسوق الإنسان إلى الخير والسعادة والعاقبة المحمودة. # فقوله: "قيل - ولم يذكر القائل وهو الله سبحانه للتعظيم - يا نوح اهبط ~~بسلام منا وبركات عليك" معناه - والله أعلم - يا نوح انزل مع سلامة من ~~العذاب - الطوفان - ونعم ذوات بركات وخيرات نازلة منا عليك أو أنزل بتحية ~~وبركات نازلة منا عليك. # وقوله: "وعلى أمم ممن معك" معطوف على قوله: "عليك" وتنكير أمم يدل على ~~تبعيضهم لأن من الأمم من يذكره تعالى بعد في قوله: "وأمم سنمتعهم". # والخطاب أعني قوله تعالى: "يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك" إلى آخر ~~الآية بالنظر إلى ظرف صدوره وليس وقتئذ متنفس على وجه الأرض من إنسان أو ~~حيوان وقد أغرقوا جميعا ولم يبق منهم إلا جماعة قليلة في السفينة وقد رست ~~واستوت على الجودي، وقد قضي أن ينزلوا إلى الأرض فيعمروها ويعيشوا فيها إلى حين. # خطاب عام شامل للبشر من لدن خروجهم منها إلى يوم القيامة نظير ما صدر من ~~الخطاب الإلهي يوم أهبط آدم (عليه السلام) من الجنة إلى الأرض وقد حكاه ~~الله تعالى في موضع بقوله: "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين - إلى أن قال - قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:" البقرة: - 39 وفي موضع آخر ~~بقوله: "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون:" ms3821 الأعراف: - 25. # وهذا الخطاب خطاب ثان مشابه لذاك الخطاب الأول موجه إلى نوح (عليه ~~السلام) ومن معه من المؤمنين - وإليهم ينتهي نسل البشر اليوم - متعلق بهم ~~وبمن يلحق بهم من ذراريهم إلى يوم القيامة، وهو يتضمن تقدير حياتهم الأرضية ~~والإذن في نزولهم إليها واستقرارهم فيها وإيوائهم إياها. # وقد قسم الله هؤلاء المأذون لهم قسمين فعبر عن إذنه لطائفة منهم بالسلام ~~والبركات وهم نوح (عليه السلام) وأمم ممن معه، ولطائفة أخرى بالتمتيع، وعقب ~~التمتيع بمس العذاب لهم كما كلمتي السلام والبركات لا تخلوان من بشرى الخير ~~والسعادة بالنسبة إلى من تعلقتا به. # فقد بان من ذلك أن الخطاب بالهبوط في هذه الآية مع ما يرتبط به من سلام ~~وبركات وتمتيع موجه إلى عامة البشر من حين هبوط أصحاب السفينة إلى يوم ~~القيامة، ووزانه وزان خطاب الهبوط الموجه إلى آدم وزوجته (عليه السلام)، ~~وفي هذا الخطاب إذن في الحياة الأرضية ووعد لمن أطاع الله سبحانه ووعيد لمن ~~عصاه كما أن في ذلك الخطاب ذلك طابق النعل بالنعل. # وظهر بذلك أن المراد بقوله: "وعلى أمم ممن معك" الأمم الصالحون من أصحاب ~~السفينة ومن سيظهر من نسلهم من الصالحين، والظاهر على هذا أن يكون "من" في ~~قوله "ممن معك" ابتدائية لا بيانية، والمعنى وعلى أمم يبتدي تكونهم ممن ~~معك، وهم أصحاب السفينة والصالحون من نسلهم. # وظاهر هذا المعنى أن يكون أصحاب السفينة كلهم سعداء ناجين، والاعتبار ~~يساعد ذلك فإنهم قد محصوا بالبلاء تمحيصا وآثروا ما عند الله من زلفى وقد ~~صدق الله سبحانه إيمانهم مرتين في أثناء القصة حيث قال عز من قائل: "إلا من ~~قد آمن:" آية - 36 من السورة، وقال: "ومن آمن وما آمن معه إلا قليل:" آية - ~~40 من السورة. # وقوله: "وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم" كأنه مبتدأ لخبر محذوف ~~والتقدير: وممن معك أمم أو وهناك أمم سنمتعهم إلخ، وقد أخرجهم الله سبحانه ~~من زمرة المخاطبين بخطاب الإذن فلم يقل: ومتاع لأمم آخرين سيعذبون طردا لهم ~~من موقف الكرامة، فأخبر ms3822 أن هناك أمما آخرين سنمتعهم ثم نعذبهم وهم غير ~~مأذون لهم في التصرف في أمتعة الحياة إذن كرامة وزلفى. # وفي الآية جهات من تعظيم القائل لا تخفى كالبناء للمفعول في "قيل" وتخصيص ~~نوح (عليه السلام) بخطاب الهبوط والتكلم مع الغير في قوله: "منا في موضعين ~~و"سنمتعهم" وغير ذلك. PageV10P124 # وظهر أيضا: أن ما فسروا به قوله: "على أمم ممن معك" أن معناه: على أمم من ~~ذرية من معك ليس على ما ينبغي مع ما فيه من خروج من معه من الخطاب وكذا قول ~~من قال: يعني بالأمم سائر الحيوان الذين كانوا معه لأن الله جعل فيهم ~~البركة. # وفساده أظهر. # قوله تعالى: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك" أي هذه القصص أو هذه القصة ~~من أنباء الغيب نوحيها إليك. # وقوله: "ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا" أي كانت وهي على محوضة ~~الصدق والصحة مجهولة لك ولقومك من قبل هذا، والذي عند أهل الكتاب منها محرف ~~مقلوب عن وجه الصواب كما سيوافيك ما في التوراة الحاضرة من قصته (عليه ~~السلام). # وقوله: "فاصبر إن العاقبة للمتقين" أمر منتزع عن تفصيل القصة أي إذا علمت ~~ما آل إليه أمر نوح (عليه السلام) وقومه من هلاك قومه ونجاته ونجاة من معه ~~من المؤمنين وقد ورثهم الله الأرض على ما صبروا، ونصر نوحا على أعدائه على ~~ما صبر فاصبر على الحق فإن العاقبة للمتقين، وهم الصابرون في جنب الله ~~سبحانه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن نوحا ~~(عليه السلام) كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم ~~يخرج فيدعوهم حتى إذا أيس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على ~~عصا فقال: يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك قال: يا أبت أمكني من العصا ثم ~~أخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه ~~وسالت الدماء. قال نوح ms3823 (عليه السلام): رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يكن ~~لك في عبادك حاجة فاهدهم، وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير ~~الحاكمين فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه وأخبره أنه لم يبق في أصلاب ~~الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن قال: يا نوح إنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون يعني لا تحزن عليهم واصنع الفلك. قال: ~~يا رب وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء فأغرق أهل معصيتي ~~وأطهر أرضي منهم. قال: يا رب وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاء قدير. PageV10P125 # وفي الكافي، بإسناده عن المفضل قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ~~بالكوفة أيام قدم على أبي العباس فلما انتهينا إلى الكناسة قال: هاهنا صلب ~~عمي زيد رحمه الله ثم مضى حتى انتهى إلى طاق الزياتين وهو آخر السراجين ~~فنزل وقال: انزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي كان خطه آدم ~~وأنا أكره أن أدخله راكبا. قلت: فمن غيره عن خطته؟ قال، أما أول ذلك ~~فالطوفان في زمن نوح ثم غيره أصحاب كسرى والنعمان ثم غيره بعد زياد بن أبي ~~سفيان فقلت: وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح؟ فقال لي: نعم يا مفضل وكان ~~منزل نوح وقومه في قرية على منزل من الفرات مما يلي غربي الكوفة. قال: وكان ~~نوح رجلا نجارا فجعله الله عز وجل نبيا وانتجبه، ونوح أول من عمل سفينة ~~تجري على ظهر الماء. قال: ولبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم ~~إلى الله عز وجل فيهزءون به ويسخرون منه فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم فقال: ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا ~~يلدوا - إلا فاجرا كفارا، فأوحى الله عز وجل إلى نوح أن اصنع سفينة وأوسعها ~~وعجل عملها فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده، فأتى بالخشب من بعد حتى ~~فرغ منها. قال ms3824 المفضل: ثم انقطع حديث أبي عبد الله (عليه السلام) عند زوال ~~الشمس فقام أبو عبد الله (عليه السلام) فصلى الظهر والعصر ثم انصرف من ~~المسجد فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار الدارين وهي موضع دار ابن ~~حكيم وذلك فرات اليوم فقال: يا مفضل وهاهنا نصبت أصنام قوم نوح: يغوث ويعوق ~~ونسر. ثم مضى حتى ركب دابته. فقلت: جعلت فداك في كم عمل نوح سفينته؟ قال ~~في: دورين. قلت: وكم الدوران؟ قال: ثمانين 1 سنة. قلت: فإن العامة يقولون ~~عملها في خمس مائة سنة؟ فقال: كلا. كيف؟ والله يقول: "ووحينا" قال: قلت: ~~فأخبرني عن قول الله عز وجل: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور" فأين كان ~~موضعه؟ وكيف كان؟ فقال: كان التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبله ميمنة ~~المسجد. قلت له: فأين ذلك؟ قال: موضع زاوية باب الفيل اليوم. ثم قلت له: ~~وكان بدء خروج الماء من ذلك التنور؟ فقال نعم: إن الله عز وجل أحب أن يرى ~~قوم نوح آية ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل عليهم المطر يفيض فيضا والعيون ~~كلهن فيضا فغرقهم الله وأنجى نوحا ومن معه في السفينة - الحديث. # أقول: والرواية على طولها غير متعلقة بالتفسير غير أنا أوردناها لتكون ~~كالأنموذجة من روايات كثيرة وردت في هذه المعاني من طرق الشيعة وأهل السنة ~~ولتكون عونا لفهم قصص الآيات من طريق الروايات. # وفي الرواية استفادة التعجيل في صنع السفينة من قوله تعالى: "واصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا" الآية، وفي الرواية نسبة زياد إلى أبي سفيان ولعل الوارد ~~في لفظ الإمام "زياد" فأضيف إليه "ابن أبي سفيان" في لفظ بعض الرواة. # وفيه، بإسناده عن أبي رزين الأسدي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ~~إن نوحا (عليه السلام) لما فرغ من السفينة وكان ميعاده فيما بينه وبين ربه ~~في إهلاك قومه أن يفور التنور ففار التنور في بيت امرأة فقالت إن التنور قد ~~فار فقام إليه فختمه فقام الماء وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد ms3825 أن ~~يخرج ثم جاء إلى خاتمه فنزعه، يقول الله عز وجل: ففتحنا أبواب السماء بماء ~~منهمر - وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر - وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر. قال: وكان نجره في وسط مسجدكم. ولقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع. # أقول: وكون فوران التنور علامة له (عليه السلام) يعلم به اقتراب الطوفان ~~من الوقوع واقع في عدة من روايات الخاصة والعامة وسياق الآية: "فلما جاء ~~أمرنا وفار التنور قلنا احمل" الآية، لا يخلو من ظهور في كونه ميعادا. PageV10P126 # وفيه، بإسناده عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان شريعة ~~نوح أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد وهي الفطرة التي فطر ~~الناس عليها وأخذ الله ميثاقه على نوح والنبيين أن يعبدوا الله تبارك ~~وتعالى ولا يشركوا به شيئا وأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والحلال والحرام، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرائض مواريث فهذه شريعته. ~~فلبث فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم سرا وعلانية فلما أبوا وعتوا ~~قال: "رب إني مغلوب فانتصر" فأوحى الله عز وجل إليه: "لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن - فلا تبتئس بما كانوا يفعلون" فذلك قول نوح: "ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا" فأوحى الله إليه: "أن اصنع الفلك:. أقول: ورواه العياشي عن ~~الجعفي مرسلا وظاهر الرواية أن له (عليه السلام) دعاءين على قومه أحدهما ~~وهو أولهما قوله: "رب إني مغلوب فانتصر" الواقع في سورة القمر، وثانيهما ~~بعد ما أيأسه الله من إيمان قومه وهو قوله: "رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا" ~~الواقع في سورة نوح. # وفي معاني الأخبار، بإسناده عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل "وما آمن معه إلا قليل" قال: كانوا ثمانية: أقول: ورواه ~~العياشي أيضا عن حمران عنه (عليه السلام)، وللناس في عددهم أقوال أخر: ستة ~~أو سبعة أو عشرة أو اثنان وسبعون أو ثمانون ولا ms3826 دليل على شيء منها. # وفي العيون، بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قال الرضا (عليه ~~السلام): لما هبط نوح إلى الأرض كان نوح وولده ومن تبعه ثمانين نفسا فبنى ~~حيث نزل قرية فسماها قرية الثمانين. # أقول: ولا تنافي بين الروايتين لجواز كون ما عدا الثمانية من أهل نوح ~~(عليه السلام) وقد عمر ما يقرب من ألف سنة يومئذ. # وفيه، بإسناده عن الحسن بن علي الوشاء عن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته ~~يقول: قال أبي: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل قال لنوح: ~~"إنه ليس من أهلك" لأنه كان مخالفا له، وجعل من اتبعه من أهله. قال: وسألني ~~كيف يقرءون هذه الآية في ابن نوح؟ فقلت: يقرؤها الناس على وجهين: إنه عمل ~~غير صالح، وإنه عمل غير صالح. فقال: كذبوا هو ابنه ولكن الله نفاه عنه حين ~~خالفه في دينه. # أقول: ولعله (عليه السلام) يشير بقوله: "وجعل من اتبعه من أهله" إلى قوله ~~تعالى "فنجيناه وأهله من الكرب العظيم:" الأنبياء - 76. # فإن الظاهر أن المراد بأهله جميع من نجا معه. # وكان المراد من قراءة الآية تفسيرها والراوي يشير بإيراد القراءتين إلى ~~تفسير من فسر الآية بأن المراد أن امرأة نوح حملت الابن من غيره فألحقه ~~بفراشه ولذلك قرأ بعضهم: "ونادى نوح ابنها" أو "ونادى نوح ابنه" بفتح الهاء ~~مخفف ابنها ونسبوا القراءتين إلى علي وبعض الأئمة من ولده (عليهم السلام). # قال في الكشاف،: وقرأ علي رضي الله عنه "ابنها" والضمير لامرأته، وقرأ ~~محمد بن علي وعروة بن الزبير "ابنه" بفتح الهاء يريدان "ابنها" فاكتفيا ~~بالفتحة عن الألف وبه ينصر مذهب الحسن قال قتادة: سألته فقال: والله ما كان ~~ابنه فقلت: إن الله حكى عنه "إن ابني من أهلي" وأنت تقول: لم يكن ابنه، ~~وأهل الكتاب لا يختلفون أنه كان ابنه! فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب؟ ~~واستدل بقوله من أهلي ولم يقل: مني. # انتهى. # واستدلاله بما استدل به سخيف فإن الله وعده بنجاة أهله ولم ms3827 يعده بنجاة من ~~كان منه حتى يضطر إلى قول: إن ابني مني عند سؤال نجاته، وقد تقدم بيان أن ~~لفظ الآيات لا يلائم هذا الوجه. # وما ذكر من عدم الخلاف بين أهل الكتاب منظور فيه فإن التوراة ساكتة عن ~~قصة ابن نوح هذا الغريق. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن علي رضي ~~الله عنه: أنه قرأ: "ونادى نوح ابنها". # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر ~~محمد بن علي: في قوله: "ونادى نوح ابنه" قال هي بلغة طيىء لم يكن ابنه وكان ~~ابن امرأته:. أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عنه (عليه ~~السلام). PageV10P127 # وفي تفسير العياشي، عن موسى عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله: "ونادى نوح ابنه" قال ليس بابنه إنما هو ابن امرأته ~~وهي لغة طيىء يقولون لابن امرأته: ابنه. # الحديث. # وفيه، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول نوح: "يا بني اركب ~~معنا" قال: ليس بابنه. قال: قلت: إن نوحا قال: يا بني؟ قال: فإن نوحا قال ~~ذلك وهو لا يعلم. # أقول: والمعتمد ما تقدم من رواية الوشاء عن الرضا (عليه السلام). # وفيه، عن إبراهيم بن أبي العلاء عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لما قال ~~الله: "يا أرض ابلعي ماءك - ويا سماء أقلعي" قالت الأرض: إنما أمرت أن أبلع ~~مائي أنا فقط، ولم أومر أن أبلع ماء السماء فبلعت الأرض ماءها وبقي ماء ~~السماء فصير بحرا حول الدنيا. # وفيه، عن أبي بصير عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): في حديث ذكر فيه ~~الجودي قال: وهو جبل بالموصل. # وفيه، عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام): "استوت على ~~الجودي" هو فرات الكوفة. # أقول: ويؤيد الرواية السابقة روايات أخر. # وفيه، عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~لما ركب نوح (عليه السلام) في السفينة قيل: بعدا للقوم ms3828 الظالمين. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "قيل يا أرض ابلعي ماءك" الآية قال: ويروى ~~أن كفار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن فعكفوا على لباب البر ولحوم ~~الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم فلما أخذوا فيما أرادوا سمعوا ~~هذه الآية فقال بعضهم لبعض هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام، ولا يشبه كلام ~~المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا. ### |||| AUTO أبحاث حول قصة نوح في فصول وهي أبحاث قرآنية وروائية ~~وتاريخية وفلسفية # 1 - الإشارة إلى قصته: # ذكر اسمه (عليه السلام) في القرآن في بضع وأربعين موضعا يشار فيها إلى ~~شيء من قصته إجمالا أو تفصيلا، ولم تستوف قصته (عليه السلام) في شيء منها ~~استيفاء على نهج الاقتصاص التاريخي بذكر نسبه وبيته ومولده ومسكنه ونشوئه ~~وشغله وعمره ووفاته ومدفنه وسائر ما يتعلق بحياته الشخصية لما أن القرآن لم ~~ينزل كتاب تاريخ يقتص تواريخ الناس من بر أو فاجر. # وإنما هو كتاب هداية يصف للناس ما فيه سعادتهم، ويبين لهم الحق الصريح ~~ليأخذوا به فيفوزوا في حياتهم الدنيا والآخرة، وربما أشار إلى طرف من قصص ~~الأنبياء والأمم لتظهر به سنة الله في عباده، ويعتبر به من شملته العناية ~~ووفق للكرامة، وتتم به الحجة على الباقين. # وقد فصلت قصة نوح (عليه السلام) في ست من السور القرآنية وهي سورة ~~الأعراف وسورة هود، وسورة المؤمنون، وسورة الشعراء، وسورة القمر، وسورة نوح ~~وأكثرها تفصيلا سورة هود التي ذكرت قصته (عليه السلام) فيها في خمس وعشرين ~~آية 25 - 49. # 2 - قصته (عليه السلام) # في القرآن: # بعثه وإرساله: # كان الناس بعد آدم (عليه السلام) يعيشون أمة واحدة على بساطة وسذاجة، وهم ~~على الفطرة الإنسانية حتى فشا فيهم روح الاستكبار وآل إلى استعلاء البعض ~~على البعض تدريجيا واتخاذ بعضهم بعضا أربابا وهذه هي النواة الأصلية التي ~~لو نشأت واخضرت وأينعت لم تثمر إلا دين الوثنية والاختلاف الشديد بين ~~الطبقات الاجتماعية باستخدام القوي للضعيف، واسترقاق العزيز واستدراره ~~للذليل، وحدوث المنازعات والمشاجرات بين الناس. # فشاع في زمن نوح (عليه السلام) ms3829 الفساد في الأرض، وأعرض الناس عن دين ~~التوحيد وعن سنة العدل الاجتماعي وأقبلوا على عبادة الأصنام، وقد سمى الله ~~سبحانه منها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا سورة نوح. # وتباعدت الطبقات فصار الأقوياء بالأموال والأولاد يضيعون حقوق الضعفاء ~~والجبابرة يستضعفون من دونهم ويحكمون عليهم بما تهواه أنفسهم الأعراف هود - نوح. # فبعث الله نوحا (عليه السلام) وأرسله إليهم بالكتاب والشريعة يدعوهم إلى ~~توحيد الله سبحانه وخلع الأنداد والمساواة فيما بينهم البقرة آية 213 ~~بالتبشير والإنذار. # دينه وشريعته (عليه السلام) PageV10P128 : كان (عليه السلام) يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه ورفض الشركاء كما يظهر ~~من جميع قصصه القرآنية والإسلام لله كما يظهر من سورتي نوح ويونس وسورة آل ~~عمران آية 19 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يظهر من سورة هود آية ~~27 والصلاة كما يظهر من آية 103 من سورة النساء وآية 8 من سورة الشورى ~~والمساواة والعدالة وأن لا يقربوا الفواحش والمنكرات وصدق الحديث والوفاء ~~بالعهد سورة الأنعام آية 151 - 152 وهو (عليه السلام) أول من حكي عنه في ~~القرآن التسمية باسم الله في الأمور الهامة سورة هود آية 41. # اجتهاده (عليه السلام) # في دعوته: وكان (عليه السلام) يدعو قومه إلى الإيمان بالله وآياته، ويبذل ~~في ذلك غاية وسعه فيندبهم إلى الحق ليلا ونهارا وإعلانا وإسرارا فلا ~~يجيبونه إلا بالعناد والاستكبار وكلما زاد في دعائهم زادوا في عتوهم ~~وكفرهم، ولم يؤمن به غير أهله وعدة قليلة من غيرهم حتى أيس من إيمانهم وشكا ~~ذلك إلى ربه وطلب منه النصر سورة نوح والقمر والمؤمنون. # لبثه في قومه: # لبث (عليه السلام) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ~~سبحانه فلم يجيبوه إلا بالهزء والسخرية ورميه بالجنون وأنه يقصد به أن ~~يتفضل عليهم حتى استنصر ربه سورة العنكبوت فأوحى إليه ربه أنه لن يؤمن من ~~قومه إلا من قد آمن وعزاه فيهم سورة هود فدعا عليهم بالتبار والهلاك، وأن ~~يطهر الله الأرض منهم عن آخرهم سورة نوح فأوحى الله إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا ms3830 ووحينا سورة هود. # صنعه (عليه السلام) # الفلك: أمره الله تعالى أن يصنع الفلك بتأييده سبحانه وتسديده فأخذ في ~~صنعها وكان القوم يمرون عليه طائفة بعد طائفة فيسخرون منه وهو يصنعها على ~~بسيط الأرض من غير ماء، ويقول (عليه السلام): إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ~~كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم سورة هود ~~وقد نصب الله لنزول العذاب علما وهو أن يفور الماء من التنور سورتا هود ~~والمؤمنون. # نزول العذاب ومجيء الطوفان: # حتى إذا تمت صنعة الفلك وجاء أمر الله وفار التنور أوحى الله تعالى إليه ~~أن يحمل في السفينة من كل من الحيوان زوجين اثنين وأن يحمل أهله إلا من سبق ~~عليه القول الإلهي بالغرق وهو امرأته الخائنة وابنه الذي تخلف عن ركوب ~~السفينة، وأن يحمل الذين آمنوا سورتا هود والمؤمنون فلما حملهم وركبوا ~~جميعا فتح الله أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيونا فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر سورة القمر وعلا الماء وارتفعت السفينة عليه وهي تسير في موج ~~كالجبال سورة هود فأخذ الناس الطوفان وهم ظالمون وقد أمره الله تعالى إذا ~~استوى هو ومن معه على الفلك أن يحمد الله على ما نجاه من القوم الظالمين ~~وأن يسأله البركة في نزوله فيقول: الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، ~~ويقول: رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين. # قضاء الأمر ونزوله ومن معه إلى الأرض: # فلما عم الطوفان وأغرق الناس كما يظهر من سورة الصافات آية 77 أمر الله ~~الأرض أن تبلع ماءها والسماء أن تقلع وغيض الماء واستوت السفينة على جبل ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين، وأوحي إلى نوح (عليه السلام) أن اهبط إلى ~~الأرض بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك فلا يأخذهم بعد هذا طوفان ~~عام، ومنهم أمم سيمتعهم الله بأمتعة الحياة ثم يمسهم عذاب أليم فخرج هو ومن ~~معه ونزلوا الأرض يعبدون الله بالتوحيد والإسلام، وتوارثت ذريته (عليهم ~~السلام) الأرض وجعل الله ذريته هم الباقين سورتا ms3831 هود والصافات. # قصة ابن نوح الغريق: # كان نوح (عليه السلام) عند ما ركب السفينة لم يركبها واحد من أبنائه، ~~وكان لا يصدق أباه في أن من تخلف عنها فهو غريق لا محالة فرآه أبوه وهو في ~~معزل فناداه: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين فرد على أبيه قائلا: ~~سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح (عليه السلام): لا عاصم اليوم من ~~الله إلا من رحم - يريد أهل السفينة - فلم يلتفت الابن إلى قوله وحال ~~بينهما الموج فكان من المغرقين. PageV10P129 # ولم يكن نوح (عليه السلام) يعلم منه إبطان الكفر كما كان يعلم ذلك من ~~امرأته ولو كان علم ذلك لم يحزنه أمره وهو القائل في دعائه: "رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا:" الدعاء نوح: - 27 وهو القائل: "فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن ~~معي من المؤمنين:" الشعراء: - 118 وقد سمع قوله تعالى فيما أوحى إليه: "ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون:" هود: - 37. # فوجد نوح (عليه السلام) وحزن فنادى ربه من وجده قائلا: رب إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك الحق وعدتني بإنجاء أهلي وأنت أحكم الحاكمين لا تجور في حكمك ~~ولا تجهل في قضائك، فما الذي جرى على ابني؟ فأخذته العناية الإلهية وحالت ~~بينه وبين أن يصرح بالسؤال في نجاة ابنه - وهو سؤال لما ليس له به علم - ~~وأوحى الله إليه: يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فإياك أن ~~تواجهني فيه بسؤال النجاة فيكون سؤالا فيما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين. # فانكشف الأمر لنوح (عليه السلام) والتجأ إلى ربه تعالى قائلا رب إني أعوذ ~~بك أن أسألك ما ليس لي به علم أسألك أن تشملني بعنايتك وتستر علي بمغفرتك، ~~وتعطف علي برحمتك، ولو لا ذلك لكنت من الخاسرين. # 3 - خصائص نوح (عليه السلام) # : هو (عليه السلام) أول أولي العزم سادة الأنبياء أرسله الله إلى عامة ~~البشر ms3832 بكتاب وشريعة فكتابه أول الكتب السماوية المشتملة على شرائع الله، ~~وشريعته أول الشرائع الإلهية. # وهو (عليه السلام) الأب الثاني للنسل الحاضر من الإنسان إليه ينتهي ~~أنسابهم والجميع ذريته لقوله تعالى: "وجعلنا ذريته هم الباقين:" الصافات: - ~~77 وهو (عليه السلام) أبو الأنبياء المذكورين في القرآن ما عدا آدم وإدريس ~~(عليهما السلام) قال تعالى: "وتركنا عليه في الآخرين:" الصافات: - 78. # وهو (عليه السلام) أول من فتح باب التشريع وأتى بكتاب وشريعة وكلم الناس ~~بمنطق العقل وطريق الاحتجاج مضافا إلى طريق الوحي فهو الأصل الذي ينتهي ~~إليه دين التوحيد في العالم فله المنة على جميع الموحدين إلى يوم القيامة، ~~ولذلك خصه الله تعالى بسلام عام لم يشاركه فيه أحد غيره فقال عز من قائل: ~~"سلام على نوح في العالمين:" الصافات: - 79. # وقد اصطفاه الله على العالمين آل عمران آية 33 وعده من المحسنين الأنعام ~~84 الصافات 80 وسماه عبدا شكورا إسراء آية 3 وعده من عباده المؤمنين ~~الصافات 81 وسماه عبدا صالحا التحريم 10. # وآخر ما نقل من دعائه قوله: "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا:" نوح: - 28. # 4 - قصته (عليه السلام) # في التوراة الحاضرة: وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم ~~بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. # فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا فقال الرب لا يدين روحي في ~~الإنسان إلى الأبد. # لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة. # كان في الأرض طغاة في تلك الأيام. # وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا هؤلاء هم ~~الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم. # ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض. # وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. # فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. # وتأسف في قلبه. # فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. # الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. # لأني حزنت أني عملتهم. # وأما نوح فوجد نعمة في ms3833 عين الرب. # هذه مواليد نوح. # كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله - وسار نوح مع الله. # وولد نوح ثلاثة بنين ساما وحاما ويافث. # وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلما. # ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت. # إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض. # فقال الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت أمامي. # لأن الأرض امتلأت ظلما منهم. # فها أنا مهلكهم مع الأرض. # اصنع لنفسك فلكا من خشب جفر، تجعل الفلك مساكن. # وتطليه من داخل ومن خارج بالقار. # وهكذا تصنعه. # ثلاث مائة ذراع يكون طول الفلك وخمسين ذراعا عرضه وثلاثين ذراعا ارتفاعه. # وتصنع كوا للفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق. # وتضع باب الفلك في جانبه. # مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية تجعله. PageV10P130 # فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت ~~السماء. # كل ما في الأرض يموت. # ولكن أقيم عهدي معك. # فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك. # ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. # تكون ذكرا وأنثى. # من الطيور كأجناسها. # ومن البهائم كأجناسها ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. # اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها. # وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه عندك. # فيكون لك ولها طعاما. # ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. # هكذا فعل. # وقال الرب لنوح: ادخل أنت وجميع بنيك إلى الفلك. # لأني إياك رأيت بارا لدي في هذا الجيل. # من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. # ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكر وأنثى. # ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة ذكرا وأنثى. # لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض. # لأني بعد سبعة أيام أيضا أمطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة. # وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته. # ففعل نوح حسب كل ما أمره به الرب. # ولما كان نوح ابن ستمائة سنة صار طوفان الماء على الأرض. # فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك ms3834 من وجه مياه الطوفان. # ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب ~~على الأرض. # دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك ذكر وأنثى. # كما أمر الله نوحا. # وحدث بعد السبعة الأيام أن مياه الطوفان صارت على الأرض. # في سنة ستمائة من حياة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر ~~في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء. # وكان المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة. # في ذلك اليوم عينه دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح وامرأة نوح وثلاث ~~نساء بنيه معهم إلى الفلك. # هم وكل الوحوش كأجناسها وكل الدبابات التي تدب على الأرض كأجناسها وكل ~~الطيور كأجناسها كل عصفور ذي جناح. # ودخل إلى نوح إلى الفلك اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة. # والداخلات دخلت ذكرا وأنثى من كل ذي جسد كما أمره الله. # وأغلق الرب عليه. # وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض. # وتكاثرت المياه ورفعت الفلك فارتفع عن الأرض. # وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض فكان الفلك يسير على وجه المياه. # وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت ~~كل السماء. # خمسة عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه فتغطت الجبال. # فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش وكل ~~الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس. # كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات. # فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض. # الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء فانمحت من الأرض. # وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط. # وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يوما. # ثم 1 ذكر الله نوحا وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك وأجاز الله ~~ريحا على الأرض فهدأت المياه. # وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء فامتنع المطر من السماء. # ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا وبعد مائة وخمسين يوما نقصت المياه. # واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع ms3835 عشر من الشهر على جبال ~~أراراط. # وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر وفي العاشر في أول ~~الشهر ظهرت رءوس الجبال. # وحدث من بعد أربعين يوما أن نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها. # وأرسل الغراب فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الأرض. # ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض. # فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها فرجعت إليه إلى الفلك لأن مياها كانت على ~~وجه كل الأرض فمد يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك. # فلبث أيضا سبعة أيام أخر وعاد فأرسل الحمامة من الفلك. # فأتت إليه الحمامة عند المساء وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها فعلم نوح أن ~~المياه قد قلت عن الأرض. # فلبث أيضا سبعة أيام أخر فأرسل الحمامة فلم يعد يرجع إليه أيضا. # وكان في السنة الواحدة والستمائة في الشهر الأول في أول الشهر أن المياه ~~نشفت عن الأرض فكشف نوح الغطاء عن الفلك ونظر فإذا وجه الأرض قد نشف. # وفي الشهر الثاني في اليوم السابع والعشرين من الشهر جفت الأرض. PageV10P131 # وكلم الله نوحا قائلا: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك. # وكل الحيوانات التي معك من كل ذي جسد الطيور والبهائم وكل الدبابات التي ~~تدب على الأرض أخرجها معك ولتتوالد في الأرض وتثمر وتكثر على الأرض. # فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه، وكل الحيوانات وكل الدبابات وكل ~~الطيور كل ما يدب على الأرض كأنواعها خرجت من الفلك. # وبنى نوح مذبحا للرب. # وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على ~~المذبح. # فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضا من ~~أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ولا أعود أيضا أميت كل ~~حي كما فعلت. # مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل لا يزال. # وبارك الله 1 نوحا وبنيه وقال لهم أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض ولتكن ~~خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل ms3836 طيور السماء مع كل ما يدب على ~~الأرض وكل أسماك البحر قد دفعت إلى أيديكم. # كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع. # غير أن لحما بجنابة دمه لا تأكلوه. # وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط من يد كل حيوان أطلبه ومن يد الإنسان أطلب ~~نفس الإنسان من يد الإنسان أخيه. # سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه لأن الله على صورته عمل الإنسان. # فأثمروا أنتم وأكثروا وتوالدوا في الأرض وتكاثروا فيها. # وكلم الله نوحا وبنيه معه قائلا. # وها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. # ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم الطيور والبهائم وكل وحوش الأرض التي ~~معكم من جميع الخارجين من الفلك حتى كل حيوان الأرض. # أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضا بمياه الطوفان ولا يكون أيضا ~~طوفان ليخرب الأرض. # وقال الله هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم وبين كل ذوات ~~الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر. # وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض. # فيكون متى أنشر سحابا على الأرض وتظهر القوس في السحاب. # إني أذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد فلا يكون ~~أيضا المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد. # فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقا أبديا بين الله وبين كل ~~نفس حية في كل جسد على الأرض. # وقال الله لنوح: هذه علامة الميثاق الذي أنا أقمته بيني وبين كل ذي جسد ~~على الأرض. # وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث وحام هو أبو كنعان ~~هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. # وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما. # وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. # فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجا. # فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة ~~أبيهما ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما. # فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل ms3837 به ابنه الصغير. # فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته. # وقال: مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدا لهم ليفتح الله ليافث فيسكن ~~في مساكن سام وليكن كنعان عبدا لهم. # وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة. # فكانت كل أيام نوح تسع مائة وخمسين سنة ومات. # انتهى ما قصدنا إيراده. # وهو - كما ترى - يخالف ما جاء في القرآن الكريم من وجوه: منها: أنه لم ~~يذكر فيه حديث استثناء امرأة نوح بل صرح بدخولها الفلك ونجاتها مع بعلها، ~~وقد اعتذر عنه بعض: أن من الجائز أن يكون لنوح زوجان أغرقت إحداهما ونجت ~~الأخرى. # ومنها: أنه لم يذكر فيه ابن نوح الغريق وقد قصه القرآن. # ومنها: أنه لم يذكر فيه المؤمنون غير نوح وأهله بل اقتصر عليه وعلى بنيه ~~وامرأته ونساء بنيه. # ومنها: أنه ذكر فيه جملة عمر نوح تسع مائة وخمسين سنة، وظاهر الكتاب ~~العزيز أنها المدة التي لبث فيها بين قومه يدعوهم إلى الله قبل الطوفان. # قال تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون:" العنكبوت: - 14. PageV10P132 # ومنها: ما ذكر فيه من حديث قوس قزح وقصة إرسال الغراب والحمامة للاستخبار ~~وخصوصيات السفينة من عرضها وطولها وارتفاعها وطبقاتها الثلاث ومدة الطوفان ~~وارتفاع الماء وغير ذلك فهي خصوصيات لم تذكر في القرآن الكريم وبعضها بعيد ~~مستبعد كالميثاق بالقوس، وقد كثر الاقتصاص بمثل هذه المعاني في قصة نوح ~~(عليه السلام) في لسان الصحابة والتابعين، وأكثرها بالإسرائيليات أشبه. # 5 - ما جاء في أمر الطوفان في أخبار الأمم وأساطيرهم: # قال صاحب المنار في تفسيره،: قد ورد في تواريخ الأمم القديمة ذكر للطوفان ~~منها الموافق لخبر سفر التكوين إلا قليلا ومنها المخالف له إلا قليلا. # وأقرب الروايات إليه رواية الكلدانيين، وهم الذين وقع الطوفان في بلادهم ~~فقد نقل عنهم "برهوشع" و"يوسيفوس" أن "زيزستروس" رأى في الحلم بعد موت ~~والده "أوتيرت" أن المياه ستطغى وتغرق جميع البشر، وأمره ببناء سفينة يعتصم ~~فيها هو وأهل بيته وخاصة أصدقائه ففعل. # وهو ms3838 يوافق سفر التكوين في أنه كان في الأرض جيل من الجبارين طغوا فيها ~~وأكثروا الفساد فعاقبهم الله بالطوفان. # وقد عثر بعض الإنجليز على ألواح من الأجر نقشت فيها هذه الرواية بالحروف ~~المسمارية في عصر آشور بانيبال من نحو ستمائة وستين سنة قبل ميلاد المسيح، ~~وأنها منقولة من كتابة قديمة من القرن السابع عشر قبل المسيح أو قبله فهي ~~أقدم من سفر التكوين. # وروى اليونان خبرا عن الطوفان أورده أفلاطون وهو أن كهنة المصريين قالوا ~~لسولون - الحكيم اليوناني - إن السماء أرسلت طوفانا غير وجه الأرض فهلك ~~البشر مرارا بطرق مختلفة فلم يبق للجيل الجديد شيء من آثار من قبله ~~ومعارفهم. # وأورد "مانيتون" خبر طوفان حدث بعد هرمس الأول الذي كان بعد ميناس الأول، ~~وهذا أقدم من تاريخ التوراة أيضا، وروي عن قدماء اليونان خبر طوفان عم ~~الأرض كلها إلا "دوكاليون" وامرأته "بيرا" فقد نجوا منه. # وروي عن قدماء الفرس طوفان أغرق الله به الأرض بما انتشر فيها من الفساد ~~والشرور بفعل أهريمان إله الشر، وقالوا: إن هذا الطوفان فار أولا من تنور ~~العجوز زول كوفه إذ كانت تخبز خبزها فيه، ولكن المجوس أنكروا عموم الطوفان ~~وقالوا: إنه كان خاصا بإقليم العراق وانتهى إلى حدود كردستان. # وكذا قدماء الهنود يثبتون وقوع الطوفان سبع مرات في شكل خرافي آخرها أن ~~ملكهم نجا هو وامرأته في سفينة عظيمة أمره بصنعها إلهه فشنو وسدها بالدسر ~~حتى استوت على جبل جيمافات - هملايا - ولكن البراهمة كالمجوس ينكرون وقوع ~~طوفان عام أغرق الهند كلها، وروي تعدد الطوفان عن اليابان والصين وعن ~~البرازيل والمكسيك وغيرهما، وكل هذه الروايات تتفق في أن سبب ذلك عقاب الله ~~للبشر بظلمهم وشرورهم. # انتهى. # وقد 1 وقع في "أوستا" وهو كتاب المجوس المقدس أن "أهورامزدا" أوحى إلى ~~"إيما" وتعتقد المجوس أنه جمشيد الملك أنه سيقع طوفان يغرق الأرض، وأمره أن ~~يبني حائطا مرتفعا غايته يحفظ من في داخله من الغرق، وأن يجمع في داخله ~~جماعة من الرجال والنساء صالحة للنسل، ويدخل فيه من كل ms3839 جنس من أجناس ~~الحيوان زوجين اثنين، ويبني في داخل السور بيوتا وقبابا في طبقات مختلفة ~~يسكنها الناس المجتمعون هناك ويأوي إليها الدواب والطيور، وأن يغرس في ~~داخله ما ينفع في حياة الناس من الأشجار المثمرة، ويحرث ما يرتزق به الناس ~~من الحبوب الكريمة فيحتفظ بذلك ما به حياة الدنيا وعمارتها. # وفي تاريخ الأدب الهندي 2 في قصة الطوفان: أنه بينما كان "مانو" هو ابن ~~الإله عند الوثنيين يغسل يديه إذ جاءت في يده سمكة، ومما اندهش به أن ~~السمكة كلمته وطلبت إنقاذها من الهلاك ووعدته جزاء عليه أنها ستنقذ "مانو" ~~في المستقبل من خطر عظيم، والخطر العظيم المحدق الذي أنبأت به السمكة كان ~~طوفانا سيجرف جميع المخلوقات وعلى ذلك حفظ "مانو" السمكة في المرتبان. # فلما كبرت أخبرت "مانو" عن السنة التي سيأتي فيها الطوفان ثم أشارت على ~~مانو أن يصنع سفينة كبيرة ويدخل فيها عند طوفان الماء قائلة: أنا أنقذك من ~~الطوفان، فمانو صنع السفينة والسمكة كبرت أكثر من سعة المرتبان لذلك ألقاها ~~في البحر. PageV10P133 # ثم جاء الطوفان كما أنبأت السمكة، وحين دخل "مانو" السفينة عامت السمكة ~~إليه فربط السفينة بقرن على رأسها فجرتها إلى الجبال الشمالية، وهنا ربط ~~مانو السفينة بشجرة، وعند ما تراجع الماء وجف بقي مانو وحده. # انتهى. # 6 - هل كانت نبوته ع عامة للبشر؟ # مسألة اختلفت فيها آراء العلماء. # فالمعروف عند الشيعة عموم رسالته، وقد ورد من طرق أهل البيت (عليهم ~~السلام) ما يدل عليه، وعلى أن أولي العزم من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا مبعوثين إلى الناس كافة. # وأما أهل السنة فمنهم من قال بعموم رسالته مستندا إلى ظاهر الآيات ~~الناطقة بشمول الطوفان لأهل الأرض كلهم كقوله: "رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا:" نوح: - 26 وقوله: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم:" هود: - 43، وقوله: "وجعلنا ذريته هم الباقين:" الصافات - 77، وما ورد ~~في الصحيح من حديث الشفاعة أن نوحا أول رسول أرسله الله ms3840 إلى أهل الأرض ~~ولازمه كونه مبعوثا إليهم كافة. # ومنهم من أنكر ذلك مستندا إلى ما ورد في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" ~~وأجابوا عن الآيات أنها قابلة للتأويل فمن الجائز أن يكون المراد بالأرض هي ~~التي كانوا يسكنونها وهي وطنهم كقول فرعون لموسى وهارون: "وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض:" يونس: - 78. # فمعنى الآية الأولى: لا تذر على هذه الأرض من كافري قومي ديارا، وكذا ~~المراد بالثانية: لا عاصم اليوم لقومي من أمر الله، والمراد بالثالثة: ~~وجعلنا ذريته هم الباقين من قومه. # والحق أن البحث لم يستوف حقه في كلامهم، والذي ينبغي أن يقال: إن النبوة ~~إنما ظهرت في المجتمع الإنساني عن حاجة واقعية إليها ورابطة حقيقية بين ~~الناس وبين ربهم وهي تعتمد على حقيقة تكوينية لا اعتبارية جزافية فإن من ~~القوانين الحقيقية الحاكمة في نظام الكون ناموس تكميل الأنواع وهدايتها إلى ~~غاياتها الوجودية، وقد قال تعالى: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى:" الأعلى: ~~- 3، وقال: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:" طه: - 50. # فكل نوع من أنواع الكون متوجه منذ أول تكونه إلى كمال وجوده وغاية خلقه ~~الذي فيه خيره وسعادته، والنوع الإنساني أحد هذه الأنواع غير مستثنى من ~~بينها فله كمال وسعادة يسير إليها ويتوجه نحوها أفراده فرادى ومجتمعين ومن ~~الضروري عندنا أن هذا الكمال لا يتم للإنسان وحده لوفور حوائجه الحيوية ~~وكثرة الأعمال التي يجب أن يقوم بها لأجل رفعها فالعقل العملي الذي يبعثه ~~إلى الاستفادة من كل ما يمكنه الاستفادة منه واستخدام الجماد وأصناف النبات ~~والحيوان في سبيل منافعه يبعثه إلى الانتفاع بأعمال غيره من بني نوعه. # غير أن الأفراد أمثال وفي كل واحد منهم من العقل العملي والشعور الخاص ~~الإنساني ما في الآخر ويبعثه من الانتفاع إلى مثل ما يبعث إليه الآخر ما ~~عنده من العقل العملي، واضطرهم ذلك إلى الاجتماع التعاوني بأن يعمل الكل ~~للكل وينتفع من عمل الغير بمثل ما ينتفع الغير ms3841 من عمله فيتسخر كل لغيره ~~بمقدار ما يسخره كما قال تعال: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا:" الزخرف: - 32. # وهذا الذي ذكرناه من بناء الإنسان على الاجتماع التعاوني اضطراري له ~~ألزمه عليه حاجة الحياة وقوة الرقباء فهو في الحقيقة مدني تعاوني بالطبع ~~الثاني وإلا فطبعه الأولي أن ينتفع بكل ما يتيسر له الانتفاع حتى أعمال ~~أبناء نوعه، ولذلك مهما قوي الإنسان واستغنى واستضعف غيره عدا عليه وأخذ ~~يسترق الناس ويستثمرهم من غير عوض قال تعالى: "إن الإنسان لظلوم كفار:" ~~إبراهيم: - 34 وقال: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى:" ~~العلق: - 8. PageV10P134 # ومن الضروري أن الاجتماع التعاوني بين الأفراد لا يتم إلا بقوانين يحكم ~~فيها وحفاظ تقوم بها، وهذا مما استمرت سيرة النوع عليه فما من مجتمع من ~~المجتمعات الإنسانية كاملا كان أو ناقصا، راقيا كان أو منحطا إلا ويجري فيه ~~رسوم وسنن جريانا كليا أو أكثريا، والتاريخ والتجربة والمشاهدة أعدل شاهد ~~في تصديقه وهذه الرسوم والسنن وإن شئت فسمها القوانين هي مواد وقضايا فكرية ~~تطبق عليها أعمال الناس تطبيقا كليا أو أكثريا في المجتمع فينتج سعادتهم ~~حقيقة أو ظنا فهي أمور متخللة بين كمال الإنسان ونقصه، وأشياء متوسطة بين ~~الإنسان وهو في أول نشأته وبينه وهو مستكمل في حياته عائش في مجتمعه تهدي ~~الإنسان إلى غاية وجوده فافهم ذلك. # وقد علم أن من الواجب في عناية الله أن يهدي الإنسان إلى سعادة حياته ~~وكمال وجوده على حد ما يهدي سائر الأنواع إليه فكما هداه بواجب عنايته من ~~طريق الخلقة والفطرة إلى ما فيه خيره وسعادته وهو الذي يبعثها إليه نظام ~~الكون والجهازات التي جهز بها إلى أن يشعر بما فيه نفعه ويميز خيره من شره ~~وسعادته من شقائه كما قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ~~قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها:" الشمس: - 10. # يهديه بواجب عنايته إلى أصول وقوانين اعتقادية وعملية يتم له بتطبيق شئون ~~حياته ms3842 عليها كماله وسعادته فإن العناية الإلهية بتكميل الأنواع بما يناسب ~~نوع وجودها توجب هذا النوع من الهداية كما توجب الهداية التكوينية المحضة. # ولا يكفي في ذلك ما جهز به الإنسان من العقل - وهو هاهنا العملي منه - ~~فإن العقل كما سمعت يبعث نحو الاستخدام ويدعو إلى الاختلاف، ومن المحال أن ~~يفعل شيء من القوى الفعالة فعلين متقابلين ويفيد أثرين متناقضين، على أن ~~المتخلفين من هذه القوانين والمجرمين بأنواع الجرائم المفسدة للمجتمع كلهم ~~عقلاء ممتعون بمتاع العقل مجهزون به. # فظهر أن هناك طريقا آخر لتعليم الإنسان شريعة الحق ومنهج الكمال والسعادة ~~غير طريق التفكر والتعقل وهو طريق الوحي، وهو نوع تكليم إلهي يعلم الإنسان ~~ما يفوز بالعمل به والاعتقاد له في حياته الدنيوية والأخروية. # فإن قلت: الأمر سواء فإن شرع النبوة لم يأت بأزيد مما لو كان العقل لأتى ~~به فإن العالم الإنساني لم يخضع لشرائع الأنبياء كما لم يصغ إلى نداء ~~العقل، ولم يقدر الوحي أن يدير المجتمع الإنساني ويركبه صراط الحق فما هي ~~الحاجة إليه؟ قلت: لهذا البحث جهتان: جهة أن العناية الإلهية من واجبها أن ~~تهدي المجتمع الإنساني إلى تعاليم تسعده وتكمله لو عمل بها وهي الهداية ~~بالوحي ولا يكفي فيها العقل، وجهة أن الواقع في الخارج والمتحقق بالفعل ما ~~هو؟ وإنما نبحث في المقام من الجهة الأولى دون الثانية، ولا يضر بها أن هذه ~~الطريقة لم تجر بين الناس إلى هذه الغاية إلا قليلا. # وذلك كما أن العناية الإلهية تهدي أنواع النبات والحيوان إلى كمال خلقها ~~وغاية وجودها ومع ذلك يسقط أكثر أفراد كل نوع دون الوصول إلى غايته النوعية ~~ويفسد ويموت قبل البلوغ إلى عمره الطبيعي. # وبالجملة فطريق النبوة مما لا مناص منه في تربية النوع بالنظر إلى ~~العناية الإلهية وإلا لم تتم الحجة بمجرد العقل لأن له شغلا غير الشغل وهو ~~دعوة الإنسان إلى ما فيه صلاح نفسه، ولو دعاه إلى شيء من صلاح النوع فإنما ~~يدعوه إليه بما فيه صلاح نفسه فافهم ذلك وأحسن التدبر ms3843 في قوله تعالى: "إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا ~~داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله ~~موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وكان الله عزيزا حكيما:" النساء: - 165. # فمن الواجب في العناية أن ينزل الله على المجتمع الإنساني دينا يدينون به ~~وشريعة يأخذون بها في حياتهم الاجتماعية دون أن يخص بها قوما ويترك الآخرين ~~سدى لا عناية بهم، ولازمه الضروري أن يكون أول شريعة نزلت عليهم شريعة عامة. PageV10P135 # وقد أخبر الله سبحانه عن هذه الشريعة بقوله عز من قائل: "كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه:" البقرة: - 213، فبين أن الناس كانوا أول ما نشئوا ~~وتكاثروا على فطرة ساذجة لا يظهر فيهم أثر الاختلافات والمنازعات الحيوية ~~ثم ظهر فيهم الاختلافات فبعث الله الأنبياء بشريعة وكتاب يحكم بينهم بالحق ~~فيما اختلفوا فيه، ويحسم مادة الخصومة والنزاع. # ثم قال تعالى فيما امتن به على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى:" الشورى: - 13. # ومقام الامتنان يقضي بأن الشرائع الإلهية المنزلة على البشر هي هذه التي ~~ذكرت لا غير، وأول ما ذكر من الشريعة هي شريعة نوح، ولو لم يكن عامة للبشر ~~كلهم وخاصة في زمنه (عليه السلام) لكان هناك إما نبي آخر ذو شريعة أخرى ~~لغير قوم نوح ولم يذكر في الآية ولا في موضع آخر من كلامه تعالى، وإما ~~إهمال سائر الناس غير قومه (عليه السلام) في زمنه وبعده إلى حين. # فقد بان أن نبوة نوح (عليه السلام) كانت عامة، وأن له كتابا وهو المشتمل ~~على شريعته الرافعة للاختلاف، وأن كتابه أول الكتب السماوية المشتملة على ~~الشريعة، وأن قوله تعالى في الآية السابقة "وأنزل معهم ms3844 الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه" هو كتابه أو كتابه وكتاب غيره من أولي العزم: ~~إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # وظهر أيضا أن ما يدل من الروايات على عدم عموم دعوته (عليه السلام) مخالف ~~للكتاب وفي حديث الرضا (عليه السلام): أن أولي العزم من الأنبياء خمسة لكل ~~منهم شريعة وكتاب ونبوتهم عامة لجميع من سواهم نبيا أو غير نبي، وقد تقدم ~~الحديث في ذيل قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة:" البقرة - 213، في الجزء ~~الثاني من الكتاب. # 7 - هل الطوفان كانت عامة لجميع الأرض؟ # تبين الجواب عن هذا السؤال في الفصل السابق فإن عموم دعوته (عليه السلام) ~~يقضي بعموم العذاب، وهو نعم القرينة على أن المراد بسائر الآيات الدالة ~~بظاهرها على العموم ذلك كقوله تعالى حكاية عن نوح (عليه السلام): "رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا:" نوح - 26، وقوله حكاية عنه: "لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم:" هود: - 43، وقوله: "وجعلنا ذريته هم ~~الباقين:" الصافات: - 77. # ومن الشواهد من كلامه تعالى على عموم الطوفان ما ذكر في موضعين من كلامه ~~تعالى أنه أمر نوحا أن يحمل من كل زوجين اثنين فمن الواضح أنه لو كان ~~الطوفان خاصا بصقع من أصقاع الأرض وناحية من نواحيها كالعراق - كما قيل - ~~لم يكن أي حاجة إلى أن يحمل في السفينة من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين. # وهو ظاهر. # واختار بعضهم كون الطوفان خاصا بأرض قوم نوح (عليه السلام) قال صاحب ~~المنار في تفسيره،: أما قوله في نوح (عليه السلام) بعد ذكر تنجيته وأهله: ~~"وجعلنا ذريته هم الباقين" فالحصر فيهم يجوز أن يكون إضافيا أي الباقين دون ~~غيرهم من قومه، وأما قوله: "وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا" فليس نصا في أن المراد بالأرض هذه الكرة كلها فإن المعروف من كلام ~~الأنبياء والأقوام وفي أخبارهم أن تذكر الأرض ويراد بها أرضهم ووطنهم كقوله ~~تعالى حكاية عن خطاب فرعون لموسى وهارون: "وتكون لكما ms3845 الكبرياء في الأرض" ~~يعني أرض مصر، وقوله: "وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها" فالمراد ~~بها مكة، وقوله: "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين" ~~والمراد بها الأرض التي كانت وطنهم، والشواهد عليه كثيرة. PageV10P136 # ولكن ظواهر الآيات تدل بمعونة القرائن والتقاليد الموروثة عن أهل الكتاب ~~على أنه لم يكن في الأرض كلها في زمن نوح إلا قومه وأنهم هلكوا كلهم ~~بالطوفان ولم يبق بعده فيها غير ذريته، وهذا يقتضي أن يكون الطوفان في ~~البقعة التي كانوا فيها من الأرض سهلها وجبلها لا في الأرض كلها إلا إذا ~~كانت اليابسة منها في ذلك الزمن صغيرة لقرب العهد بالتكوين وبوجود البشر ~~عليها فإن علماء التكوين وطبقات الأرض - الجيولوجية - يقولون إن الأرض كانت ~~عند انفصالها من الشمس كرة نارية ملتهبة ثم صارت كرة مائية ثم ظهرت فيها ~~اليابسة بالتدريج. # ثم أشار إلى ما استدل به بعض أهل النظر على عموم الطوفان لجميع الأرض من ~~أنا نجد بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال وهذه الأشياء مما ~~لا تتكون إلا في البحر فظهورها في رءوس الجبال دليل على أن الماء قد صعد ~~إليها مرة من المرات، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض هذا. # ورد عليه بأن وجود الأصداف والحيوانات البحرية في قلل الجبال لا يدل على ~~أنه من أثر ذلك الطوفان بل الأقرب أنه من أثر تكون الجبال وغيرها من ~~اليابسة في الماء كما قلنا آنفا فإن صعود الماء إلى الجبال أياما معدودة لا ~~يكفي لحدوث ما ذكر فيها. # ثم قال ما ملخصه: أن هذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن ولذلك ~~لم يبينها بنص قطعي فنحن نقول بما تقدم أنه ظاهر النصوص ولا نتخذه عقيدة ~~دينية قطعية فإن أثبت علم الجيولوجية خلافه لا يضرنا لأنه لا ينقض نصا ~~قطعيا عندنا. # انتهى. # أقول: أما ما ذكره من تأويل الآيات فهو من تقييد الكلام من غير دليل، ~~وأما قوله في رد قولهم بوجود الأصداف والأسماك في قلل الجبال: إن صعود ms3846 ~~الماء إليها في أيام معدودة لا يكفي في حدوثها! ففيه أن من الجائز أن ~~تحملها أمواج الطوفان العظيمة إليها ثم تبقى عليها بعد النشف فإن ذلك من ~~طوفان يغمر الجبال الشامخة في أيام معدودة غير عزيز. # وبعد ذلك كله قد فاته ما ينص عليه الآيات أنه (عليه السلام) أمر أن يحمل ~~من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين فإن ذلك كالنص في أن الطوفان عم ~~البقاع اليابسة من الأرض جميعا أو معظمها الذي هو بمنزلة الجميع. # فالحق أن ظاهر القرآن الكريم - ظهورا لا ينكر - أن الطوفان كان عاما ~~للأرض، وأن من كان عليها من البشر أغرقوا جميعا ولم يقم لهذا الحين حجة ~~قطعية تصرفها عن هذا الظهور. # وقد كنت سألت صديقي الفاضل الدكتور سحابي المحترم أستاذ الجيولوجيا بكلية ~~طهران أن يفيدني بما يرشد إليه الأبحاث الجيولوجية في أمر هذا الطوفان ~~العام إن كان فيها ما يؤيد ذلك على وجه كلي فأجابني بإيفاد مقال محصله ما ~~يأتي مفصلا في فصول: # 1 - الأراضي الرسوبية: # تطلق الأراضي الرسوبية في الجيولوجيا على الطبقات الأرضية التي كونتها ~~رسوبات المياه الجارية على سطح الأرض كالبطائح والمسيلات التي غطتها الرمال ~~ودقاق الحصى. # نعرف الأراضي الرسوبية بما تراكم فيها من الرمال ودقاق الحصى الكروية ~~المدورة فإنها كانت في الأصل قطعات من الحجارة حادة الأطراف والزوايا ~~حولتها إلى هذه الحالة الاصطكاكات الواقعة بينها في المياه الجارية والسيول ~~العظيمة ثم إن الماء حملها وبسطها على الأرض في غايات قريبة أو بعيدة ~~بالرسوب. # وليست تنحصر الأراضي الرسوبية في البطائح فغالب الأراضي الترابية من هذا ~~القبيل تخالطها أو تكونها رمال بالغة في الدقة، وقد حملها لدقتها وخفتها ~~إليها جريان المياه والسيول. # نجد الأراضي الرسوبية وقد غطتها طبقات مختلفة من الرمل والتراب بعضها فوق ~~بعض من غير ترتيب ونظم، وذلك - أولا - أمارة أن تلك الطبقات لم تتكون في ~~زمان واحد بعينه و- ثانيا - أن مسير المياه والسيول أو شدة جريانها قد تغير ~~بحسب اختلاف الأزمنة. # ويتضح بذلك أن الأراضي الرسوبية كانت مجاري ومسائل ms3847 في الأزمنة السابقة ~~لمياه وسيول هامة وإن كانت اليوم في معزل من ذلك. PageV10P137 # وهذه الأراضي التي تحكي عن جريان مياه كثيرة جدا وسيلان سيول هائلة عظيمة ~~توجد في أغلب مناطق الأرض منها أغلب نقاط إيران كأراضي طهران وقزوين وسمنان ~~وسبزوار ويزد وتبريز وكرمان وشيراز وغيرها، ومنها مركز بين النهرين وجنوبه، ~~وما وراء النهر، وصحراء الشام، والهند، وجنوب فرنسا، وشرقي الصين، ومصر، ~~وأكثر قطعات أمريكا، وتبلغ صخامة الطبقة الرسوبية في بعض الأماكن إلى مئات ~~الأمتار كما أنها في أرض طهران تجاوز أربعمائة مترا. # وينتج مما مر أولا: أن سطح الأرض في عهد ليس بذاك البعيد على ما سيأتي ~~توضيحه كان مجرى سيول هائلة عظيمة ربما غطت معظم بقاعها. # وثانيا: أن الطغيان والطوفان - بالنظر إلى صخامة القشر الرسوبي في بعض ~~الأماكن - لم يحدث مرة واحدة ولا في سنة أو سنين معدودة بل دام أو تكرر في ~~مئات من السنين كلما حدث مرة كون طبقة رسوبية ثم إذا انقطع غطتها طبقة ~~ترابية ثم إذا عاد كون أخرى وهكذا وكذلك اختلاف الطبقات الرسوبية في دقة ~~رمالها وعدمها يدل على اختلاف السيلان بالشدة والضعف. # 2 - الطبقات الرسوبية أحدث القشور والطبقات الجيولوجية: # ترسب الطبقات الرسوبية عادة رسوبا أفقيا ولكن ربما وقعت أجزاؤها ~~المتراكمة تحت ضغطات جانبية قوية شديدة على ما بها من الدفع من فوق ومن تحت ~~فتخرج بذلك تدريجا عن الأفقية إلى التدوير والالتواء، وهذا غير ظاهر الأثر ~~في الأزمنة القصيرة المحدودة لكن إذا تمادى الزمان بطوله كمرور الملايين من ~~السنين ظهر الأثر وتكونت بذلك الجبال بسلاسلها الملتوية بعض تلالها في بعض ~~وترتفع بقللها من سطوح البحار. # ويستنتج من ذلك أن الطبقات الرسوبية والقشور الأفقية الباقية على حالها ~~من أحدث الطبقات المتكونة على البسيط، والدلائل الفنية الموجودة تدل على أن ~~عمرها لا يجاوز عشرة آلاف إلى خمس عشرة ألف سنة من زماننا هذا 1. # 3 - انبساط البحار واتساعها بانحدار المياه إليها: # كأن تكون القشور الرسوبية الجديدة عاملا في انبساط أكثر بحار الكرة ~~واتساعها بأطرافها فارتفعت مياهها ms3848 وغطت أكثر سواحلها وعملت جزائر في ~~السواحل أحاطت بها من معظم جوانبها. # فمن ذلك جزيرة بريطانية انقطعت في هذا الحين من فرنسا وانفصلت من أوربا ~~بالكلية، وكانت أوربا من ناحية جنوبها وإفريقا من ناحية شمالها مرتبطتين ~~برابط بري إلى هذا الحين فانفصلتا باتساع البحر المتوسط مديترانة وتكون ~~بذلك شبه جزيرة إيطاليا وشبه جزيرة تونس من شمالها الشرقي وجزائر صقلية ~~وسردينيا وغيرها وكانت جزائر أندونيسيا من ناحية جاوا وسوماترا إلى جنوبي ~~جزيرة اليابان متصلة بآسيا من جهة الجنوب الشرقي إلى هذا الحين فانفصلت ~~وتحولت إلى صورتها الفعلية، وكذا انقطاع أمريكا الشمالية من جهة شمالها عن ~~شمال أوربا أحد الآثار الباقية من هذا العهد عهد الطوفان. # وللحركات والتحولات الأرضية الداخلية آثار في سير هذه المياه واستقرارها ~~في البقاع الخافضة المنحدرة ولذلك كان ينكشف الماء عن بعض البقاع الساحلية ~~المغمورة بماء البحار في حين كان الطوفان مستوليا على أكثر البسيط يكون ~~بحيرات ويوسع بحارا، ومن هذا الباب سواحل خوزستان الجنوبية انكشف عنها ماء ~~الخليج 1. # 4 - العوامل المؤثرة في ازدياد المياه وغزارة عملها في عهد الطوفان: # الشواهد الجيولوجية التي أشرنا إلى بعضها تؤيد أن النزولات الجوية كانت ~~غير عادية في أوائل الدور الحاضر من أدوار الحياة الإنسانية وهو عهد ~~الطوفان، وقد كان ذلك عن تغيرات جوية هامة خارقة للعادة قطعا. # فكان الهواء حارا في هذه الدورة نسبة لكن كان ذلك مسبوقا ببرد شديد وقد ~~غطى معظم النصف الشمالي من الكرة الثلج والجمد والجليد فمن المحتمل قويا أن ~~المتراكم من جمد الدورة السابقة عليه كان باقيا لم يذب بعد في النجود في ~~أكثر بقاع المنطقة المعتدلة الشمالية. # فعمل الحرارة في سطح الأرض في دورتين متواليتين على ما به من متراكم ~~الجمد والجليد يوجب تغيرا شديدا في الجو وانقلابا عظيما مؤثرا في ارتفاع ~~بخار الماء إليه وتراكمه فيه تراكما هائلا غير عادي وتعقبه نزولات شديدة ~~وأمطار غزيرة غير معهودة. PageV10P138 # نزول هذه الأمطار الغزيرة الهاطلة ثم استدامتها النزول على الارتفاعات ~~والنجود وخاصة على سلاسل الجبال الجديدة الحدوث ms3849 في جنوب آسيا ومغربها وجنوب ~~أوربا وشمال إفريقا كجبال 2 ألبرز وهيماليا وآلب وفي مغرب أمريكا عقب جريان ~~سيول عظيمة هائلة عليها تنحت الصخور وتحفر الأرض وتقلع أحجارا وتحملها إلى ~~الأراضي والبقاع المنحدرة وتحدث أودية جديدة وتعمق أخرى قديمة وتوسعها ثم ~~تبسط ما تحمله من الحجارة والحصى والرمل تجاهها قشورا رسوبية جديدة. # ومما كان يمد الطوفان السماوي في شدة عمله ويزيد حجم السيول الجارية أن ~~حفر الأودية الجديدة كان يكشف عن ذخائر مائية في بطن الأرض هي منابع الآبار ~~والعيون الجارية فيزيل القشور الحافظة لها المانعة من سيلانها فيفجر العيون ~~ويجريها مع السيول المطرية، ويزيد في قوة تخريبها ويعينها في إغراق ما على ~~الأرض من سهل وجبل وغمره. # غير أن الذخائر الأرضية متناهية محدودة تنفد بالسيلان وبنفادها وإمساك ~~السماء عن الإمطار ينقضي الطوفان وتنحدر المياه إلى البحار والأراضي ~~المنخفضة وإلى بعض الخلاء والسرب الموجود في داخل الأرض الذي أفرغته السيول ~~بالتفجير والمص. # 5 - نتيجة البحث: # وعلى ما قدمناه من البحث الكلي يمكن أن ينطبق ما قصه الله تعالى من ~~خصوصيات الطوفان الواقع في زمن نوح (عليه السلام) كقوله تعالى: "ففتحنا ~~أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر:" ~~القمر: - 12، وقوله: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور:" هود: - 40، وقوله: ~~"وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر:" هود: - 44. # انتهى. # ومما يناسب هذا المقام ما نشره بعض جرائد 1 طهران في هذه الأيام وملخصه: ~~أن جماعة من رجال العلم من أمريكا بهداية من بعض رجال الجند التركي عثروا ~~في بعض قلل جبل آراراط في شرقي تركيا في مرتفع 1400 قدم على قطعات أخشاب ~~يعطي القياس أنها قطعات متلاشية من سفينة قديمة وقعت هناك تبلغ بعض هذه ~~القطعات من القدمة 2500 قبل الميلاد. # والقياس يعطي أنها قطعات من سفينة يعادل حجمه ثلثي حجم مركب "كوئين ماري" ~~الإنجليزية التي طولها 1019 قدما وعرضها 118 قدما، وقد حملت الأخشاب إلى ~~سانفرانسيسكو لتحقيق أمرها وأنها هل تقبل ms3850 الانطباق على ما تعتقده أرباب ~~النحل من سفينة نوح؟ (عليه السلام). # 8 - عمره (عليه السلام) # الطويل: القرآن الكريم يدل على أنه (عليه السلام) عمر طويلا، وأنه دعا ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله سبحانه، وقد استبعده بعض ~~الباحثين لما أن الأعمار الإنسانية لا تتجاوز في الأغلب المائة أو المائة ~~والعشرين سنة حتى ذكر بعضهم أن القدماء كانوا يعدون كل شهر من الشهور سنة ~~فالألف سنة إلا خمسين عاما يعدل ثمانين سنة إلا عشرة شهور. # وهو بعيد غايته. # وذكر بعضهم أن طول عمره (عليه السلام) كان كرامة له خارقة للعادة، قال ~~الثعلبي في قصص الأنبياء في خصائصه (عليه السلام): وكان أطول الأنبياء عمرا ~~وقيل له أكبر الأنبياء وشيخ المرسلين، وجعل معجزته في نفسه لأنه عمر ألف ~~سنة ولم ينقص له سن ولم تنقص له قوة. # انتهى. # والحق أنه لم يقم حتى الآن دليل على امتناع أن يعمر الإنسان مثل هذه ~~الأعمار بل الأقرب في الاعتبار أن يعمر البشر الأولي بأزيد من الأعمار ~~الطبيعية اليوم بكثير لما كان لهم من بساطة العيش وقلة الهموم وقلة الأمراض ~~المسلطة علينا اليوم وغير ذلك من الأسباب الهادمة للحياة، ونحن كلما وجدنا ~~معمرا عمر مائة وعشرين إلى مائة وستين وجدناه بسيط العيش قليل الهم ساذج ~~الفهم فليس من البعيد أن يرتقي بعض الأعمار في السابقين إلى مئات من ~~السنين. # على أن الاعتراض على كتاب الله في مثل عمر نوح (عليه السلام) وهو يذكر من ~~معجزات الأنبياء الخارقة للعادة شيئا كثيرا لعجيب. # وقد تقدم كلام في المعجزة في الجزء الأول من الكتاب. # 9 - أين هو جبل الجودي: # ذكروا أنه بديار بكر من موصل في جبال تتصل بجبال أرمينية، وقد سماه في ~~التوراة آراراط. PageV10P139 # قال في القاموس: والجودي جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح (عليه السلام)، ~~ويسمى في التوراة "آراراط" انتهى، وقال في مراصد الاطلاع،: الجودي مشددة ~~جبل مطل على جزيرة ابن عمر في شرقي دجلة من أعمال الموصل استوت عليه سفينة ~~نوح لما نضب ms3851 الماء. # 10 - ربما قيل: هب أنه أغرق قوم نوح بذنبهم فما هو ذنب سائر الحيوان الذي ~~على الأرض حيث هلكت بطاغية المياه؟ وهذا من أسقط الاعتراض فما كل هلاك ولو ~~كان عاما عقوبة وانتقاما، والحوادث العامة التي تهلك الألوف ثم الألوف مثل ~~الزلازل والطوفانات والوباء والطاعون كثير الوقوع في الدهر، ولله فيما يقضي حكم. # كلام في عبادة الأصنام في فصول # 1 - الإنسان واطمئنانه إلى الحس: # الإنسان يجري في حياته الاجتماعية على اعتبار قانون العلية والمعلولية ~~الكلي وسائر القوانين الكلية التي أخذها من هذا النظام العام المشهود، وهو ~~على خلاف ما نشاهده من أعمال سائر الحيوان وأفعاله يجري في التفكر ~~والاستدلال أعني القياس والاستنتاج إلى غايات بعيدة. # وهو مع ذلك لا يستقر في فحصه وبحثه على قرار دون أن يحكم في علة هذا ~~العالم المشهود الذي هو أحد أجزائه بشيء من الإثبات والنفي لما يرى أن ~~سعادة حياته التي لا بغية عنده أحب منها تختلف على تقديري إثبات هذه العلة ~~الفاعلة المسماة بالإله عز اسمه ونفيه اختلافا جوهريا فمن البين أن لا ~~مضاهاة بين حياة الإنسان المتأله الذي يثبت للعالم إلها حيا عليما قديرا لا ~~مناص عن الخضوع لعظمته وكبريائه والجري على ما يحبه ويرضاه، وبين حياة ~~الإنسان الذي يرى العالم سدى لا مبدأ له ولا غاية، وليس فيه للإنسان إلا ~~الحياة المحدودة التي تفنى بالموت وتبطل بالفوت، ولا موقف للإنسانية فيه ~~إلا ما للحيوان العجم من موقف الشهوة والغضب وبغية البطن والفرج. # فهذه نزعة فكرية أولى للإنسان إلى الحكم بأنه: هل للوجود من إله؟ وتتلوه ~~نزعة ثانية وهي القضاء الفطري بالإثبات، والحكم بأن للعالم إلها خلق كل شيء ~~بقدرته وأجرى النظام العام بربوبيته فهدى كل شيء إلى غايته وكمال وجوده ~~بمشيته وسيعود كل إلى ربه كما بدىء. # هذا. # ثم إن مزاولة الإنسان للحس والمحسوس مدى حياته وانكبابه على المادة ~~وإخلاده إلى الأرض عوده أن يمثل كل ما يعقله ويتصوره تمثيلا حسيا وإن كان ~~مما لا طريق للحس والخيال إليه البتة ms3852 كالكليات والحقائق المنزهة عن المادة ~~على أن الإنسان إنما ينتقل إلى المعقولات من طريق الإحساس والتخيل فهو أنيس ~~الحس وأليف الخيال. # وقد قضت هذه العادة اللازمة على الإنسان أن يصور لربه صورة خيالية على ~~حسب ما يألفه من الأمور المادية المحسوسة حتى أن أكثر الموحدين ممن يرى ~~تنزه ساحة رب العالمين تعالى وتقدس عن الجسمية وعوارضها يثبت في ذهنه له ~~تعالى صورة مبهمة خيالية معتزلة للعالم تبادر ذهنه إذا توجه إليه في مسألة ~~أو حدث عنه بحديث غير أن التعليم الديني أصلح ذلك بما قرر من الجمع بين ~~النفي والإثبات والمقارنة بين التشبيه والتنزيه يقول الموحد المسلم: أنه ~~تعالى شيء ليس كمثله شيء له قدرة لا كقدرة خلقه، وعلم لا كالعلوم وعلى هذا ~~القياس. # وقل إن يتفق لإنسان أن يتوجه إلى ساحة العزة والكبرياء ونفسه خالية عن ~~هذه المحاكاة، وما أشذ أن يسمح الوجود برجل قد أخلص نفسه لله سبحانه غير ~~متعلق القلب بمن دونه، ولا ممسوس بالتسويلات الشيطانية، قال تعالى: "سبحان ~~الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين:" الصافات: - 160، وقال حكاية عن ~~إبليس: "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين:" ص: - 83. # وبالجملة الإنسان شديد الولع بتخيل الأمور غير المحسوسة في صورة الأمور ~~المحسوسة فإذا سمع أن وراء الطبيعة الجسمية ما هو أقوى وأقدر وأعظم وأرفع ~~من الطبيعة وأنه فعال فيها محيط بها أقدم منها مدبر لها حاكم فيها لا يوجد ~~شيء إلا بأمره ولا يتحول عن حال إلى حال إلا بإرادته ومشيته لم يتلق من ~~جميع ذلك إلا ما يضاهي أوصاف الجسمانيات وما يتحصل من قياس بعضها إلى بعض. PageV10P140 # وكثيرا ما حكاه في نفسه بصورة إنسان فوق السماوات جالس على عرش الملك يدبر ~~أمر العالم بالتفكر ويتممه بالإرادة والمشية والأمر والنهي، وقد صرحت ~~التوراة الموجودة بأن الله سبحانه كذلك، وأنه تعالى خلق الإنسان على صورته، ~~وظاهر الأناجيل أيضا ذلك. # فقد تحصل أن الأقرب إلى طبع الإنسان وخاصة الإنسان الأولي الساذج أن يصنع ~~لربه المنزه عن الشبه والمثل صورة ms3853 يضاهي بها الذوات الجسمانية وتناسب ~~الأوصاف والنعوت التي يصفها بها كما يمثل الثالوث بإنسان ذو وجوه ثلاثة كأن ~~كلا من النعوت العامة وجه للرب يواجه به خلقه. # 2 - الإقبال إلى الله بالعبادة: # إذا قضى الإنسان أن للعالم إلها خلقه بعلمه وقدرته لم يكن له بد من أن ~~يخضع له خضوع عبادة اتباعا للناموس العالم الكوني وهو خضوع الضعيف للقوي ~~ومطاوعة العاجز للقادر، وتسليم الصغير الحقير للعظيم الكبير فإنه ناموس عام ~~جار في الكون حاكم في جميع أجزاء الوجود، وبه يؤثر الأسباب في مسبباتها ~~وتتأثر المسببات عن أسبابها. # وإذا ظهر الناموس المذكور لذوات الشعور والإرادة من الحيوان كان مبدأ ~~للخضوع والمطاوعة من الضعيف للقوي كما نشاهده من حال الحيوانات العجم إذا ~~شعر الضعيف منها بقوة القوي آئسا من الظهور عليه والقدرة على مقاومته. # وظهوره في العالم الإنساني أوسع وأبين من سائر الحيوان لما في هذا النوع ~~من عمق الإدراك وخصيصة الفكر فهو متفنن في إجرائه في غالب مقاصده وأعماله ~~جلبا للنفع أو دفعا للضرر كخضوع الرعية للسلطان والفقير للغني والمرءوس ~~للرئيس والمأمور للآمر والخادم للمخدوم والمتعلم للعالم والمحب للمحبوب ~~والمحتاج للمستغني والعبد للسيد والمربوب للرب. # وجميع هذه الخضوعات من نوع واحد وهو تذلل وهوان نفساني قبال عزة وقهر ~~مشهود، والعمل البدني الذي يظهر هذا التذلل والهوان هي العبادة أيا ما ~~كانت؟ وممن ولمن تحققت؟ ولا فرق في ذلك بين الخضوع للرب تعالى وبينه إذا ~~تحقق من العبد بالنسبة إلى مولاه أو من الرعية بالنسبة إلى السلطان أو من ~~المحتاج بالنسبة إلى المستغني أو غير ذلك فالجميع عبادة. # وعلى أي حال لا سبيل إلى ردع الإنسان عن هذا الخضوع لاستناده إلى قضاء ~~فطري ليس للإنسان أن يتجافى عنه إلا أن يتبين له أن الذي كان يظنه قويا ~~ويستضعف نفسه دونه ليس على ما كان يظنه بل هما سواء مثلا. # ومن هنا ما نرى أن الإسلام لم ينه عن اتخاذ آلهة دون الله وعبادتهم إلا ~~بعد ما بين للناس أنهم مخلوقون مربوبون أمثالهم، ms3854 وأن العزة والقوة لله ~~جميعا قال تعالى: "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم:" الأعراف: - ~~194 وقال: "والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون:" الأعراف: - ~~198 وقال تعالى: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون:" آل عمران: - 64 ختم الآية بحديث ~~التسليم لله تعالى بعد ما دعاهم إلى ترك عبادة غير الله تعالى من الآلهة ~~ورفض الخضوع لسائر المخلوقين المماثلين لهم وقال تعالى: "إن القوة لله ~~جميعا:" البقرة: - 165، وقال: "فإن العزة لله جميعا:" النساء: - 139 وقال: ~~"ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع:" الم السجدة: - 4 إلى غير ذلك من الآيات. # فليس عند غيره تعالى ما يدعو إلى الخضوع له فلا يسوغ الخضوع لأحد ممن ~~دونه إلا أن يئول إلى الخضوع لله ويرجع تعزيره أو تعظيمه وولايته إلى ~~ناحيته قال تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي - إلى أن قال - فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون:" ~~الأعراف: - 157، وقال: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - إلى قوله - ~~وهم راكعون:" المائدة: - 55، وقال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر:" التوبة: - 71، وقال: "ومن يعظم شعائر ~~الله فإنها من تقوى القلوب:" الحج: - 32، فلا خضوع في الإسلام لأحد دون ~~الله إلا ما يرجع إليه تعالى ويقصد به. # 3 - كيف نشأت الوثنية؟ PageV10P141 # وبما ذا بدأت؟ اتضح في الفصل المتقدم أن الإنسان في مزلة من تجسيم الأمور ~~المعنوية وسبك غير المحسوس في قالب المحسوس بالتمثيل والتصوير وهو مع ذلك ~~مفطور للخضوع أمام أي قوة فائقة قاهرة والاعتناء بشأنها. # ولذا كانت روح الشرك والوثنية سارية في المجتمع الإنساني سراية تكاد لا ~~تقبل التحرز والاجتناب حتى في المجتمعات الراقية الحاضرة وحتى في المجتمعات ~~المبنية على أساس رفض الدين ms3855 فترى فيها من النصب وتماثيل الرجال وتعظيمها ~~واحترامها والبلوغ في الخضوع لها ما يمثل لك وثنية العهود الأولى والإنسان ~~الأولي. # على أن اليوم من الوثنية على ظهر الأرض ما يبلغ مئات الملايين قاطنين في ~~شرقها وغربها. # ومن هنا يتأيد بحسب الاعتبار أن تكون الوثنية مبتدئة بين الناس باتخاذ ~~تماثيل الرجال العظماء ونصب أصنامهم وخاصة بعد الموت ليكون في ذلك ذكرى ~~لهم، وقد ورد في روايات أئمة أهل البيت ما يؤيد ذلك ففي تفسير القمي، مضمرا ~~وفي علل الشرائع، مسندا عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "وقالوا ~~لا تذرن آلهتكم" الآية، قال: كانوا يعبدون الله عز وجل فماتوا فضج قومهم ~~وشق ذلك عليهم فجاءهم إبليس لعنه الله وقال لهم: أتخذ لكم أصناما على صورهم ~~فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله، فأعد لهم أصناما على مثالهم ~~فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام، فلما جاءهم الشتاء ~~والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت. فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ~~ذلك القرن ونشأ أولادهم فقالوا: إن آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء فعبدوهم من ~~دون الله عز وجل فذلك قول الله تبارك وتعالى: "ولا تذرن ودا ولا سواعا" الآية. # وكان رب البيت في الروم واليونان القديمين - على ما يذكره التاريخ - يعبد ~~في بيته فإذا مات اتخذ له صنم يعبده أهل بيته، وكان كثير من الملوك ~~والعظماء معبودين في قومهم، وقد ذكر القرآن الكريم منهم نمرود الملك ~~المعاصر لإبراهيم (عليه السلام) الذي حاجه في ربه، وفرعون موسى. # وهو ذا يوجد في بيوت الأصنام الموجودة اليوم وكذا بين الآثار العتيقة ~~المحفوظة عنهم أصنام كثير من عظماء رجال الدين كصنم بوذا وأصنام كثير من ~~البراهمة وغيرهم. # واتخاذهم أصنام الموتى وعبادتهم لها من الشواهد على أنهم كانوا يرون أنهم ~~لا يبطلون بالموت وأن أرواحهم باقية بعده، لها من العناية والأثر ما كان في ~~حال حياتهم بل هي بعد الموت أقوى وجودا وأنفذ إرادة وأشد تأثيرا لما أنها ~~خلصت من شوب المادة ونجت من التأثرات الجسمانية والانفعالات الجرمانية، ms3856 ~~وكان فرعون موسى يعبد أصناما له وهو إله ومعبود في قومه، قال تعالى: "وقال ~~الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك:" ~~الأعراف: - 127. # 4 - اتخاذ الأصنام لأرباب الأنواع وغيرهم: # كان اتخاذ تماثيل الرجال هو الذي نبه الناس على اتخاذ صنم الإله إلا أنه ~~لم يعهد منهم أن يتخذوا تمثالا لله سبحانه المتعالي أن يحيط به حد أو يناله ~~وهم، وكأن هذا هو الذي صرفهم عن اتخاذ صنمه بل تفرقوا في ذلك فأخذ كل ما ~~يهمه من جهات التدبير المشهود في العالم فتوسلوا إلى عبادة الله بعبادة من ~~وكله إلى الله على تدبير تلك الجهة المعنى بها بزعمهم. # فالقاطنون في سواحل البحار عبدوا رب البحر لينعم عليهم بفوائدها ويسلموا ~~من الطوفان والطغيان، وسكان الأودية رب الوادي، وأهل الحرب رب الحرب، وهكذا. # ولم يلبثوا دون أن اتخذ كل منهم ما يهواه من إله فيما يتوهمه من الصورة ~~والشكل، ومما يختاره من فلز أو خشب أو حجارة أو غير ذلك حتى روي أن بني ~~حنيفة من اليمامة اتخذوا لهم صنما من أقط ثم أصابهم جدب وشملهم الجوع ~~فهجموا عليه فأكلوه. # وكان الرجل إذا وجد شجرة حسنة أو حجرا حسنا وهواه عبده، وكانوا يذبحون ~~غنما أو ينحرون إبلا فيلطخونه بدمه فإذا أصاب مواشيهم داء جاءوا بها إليه ~~فمسحوها به، وكانوا يتخذون كثيرا من الأشجار أربابا فيتبركون بها من غير أن ~~يمسوها بقطع أو كسر ويتقربون إليها بالقرابين ويأتون إليها بالنذورات ~~والهدايا. PageV10P142 # وساقهم هذا الهرج إلى أن ذهبوا في أمر الأصنام مذاهب شتى لا يكاد يضبطها ~~ضابط، ولا يحيط بها إحصاء غير أن الغالب في معتقداتهم أنهم يتخذونها شفعاء ~~يستشفعون بها إلى الله سبحانه ليجلب إليهم الخير ويدفع عنهم الشر، وربما ~~أخذها بعض عامتهم معبودة لنفسها مستقلة بالألوهية من غير أن تكون شفعاء ~~وربما كانوا يتخذونها شفعاء ويقدمونها أو يفضلونها على الله سبحانه كما ~~يحكيه القرآن في قوله تعالى: "فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان ~~لله فهو يصل ms3857 إلى شركائهم:" الآية، الأنعام: - 136. # وكان بعضهم يعبد الملائكة وآخرون يعبدون الجن، وقوم يعبدون الكواكب ~~الثابتة كشعرى، وطائفة تتخذ بعض السيارات إلها - وقد أشير إلى جميع ذلك في ~~الكتاب الإلهي - كل ذلك طمعا في خيرها أو خوفا من شرها. # وقل أن يتخذ إله من دون الله ولا يتخذ له صنم يتوجه إليه في العبادات به ~~بل كانوا إذا اتخذوا شيئا من الأشياء إلها شفيعا عملوا له صنما من خشب أو ~~حجر أو فلز، ومثلوا به ما يتوهمونه عليه من صورة الحياة فيسوونه في صورة ~~إنسان أو حيوان وإن كان صاحب الصنم على غير الهيئة التي حكوه بها كالكواكب ~~الثابتة والسيارة وإله العلم والحب والرزق والحرب ونحوها. # وكان الوجه في اتخاذ أصنام الشركاء قولهم: إن الإله لتعاليه عن الصورة ~~المحسوسة كأرباب الأنواع وسائر الآلهة غير المادية أو لعدم ثباته على حالة ~~الظهور كالكوكب الذي يتحول من طلوع إلى غروب يصعب التوجه إليه كلما أريد ~~بالتوجه فمن الواجب أن يتخذ له صنم يمثله في صفاته ونعوته فيصمد إليه ~~بوسيلته كلما أريد. # 5 - الوثنية الصابئة. # الوثنية وإن رجعت - بالتقريب - إلى أصل واحد هو اتخاذ الشفعاء إلى الله ~~وعبادة أصنامها وتماثيلها، ولعلها استولت على الأرض وشملت العالم البشري ~~مرارا كما يحكيه القرآن الكريم عن الأمم المعاصرة لنوح وإبراهيم وموسى ~~(عليهما السلام) إلا أن اختلاف المنتحلين بها بلغ من التشتت واتباع الأهواء ~~والخرافات مبلغا كان حصر المذاهب الناشئة فيها كالمحال وأكثرها لا تبتني ~~على أصول متقررة وقواعد منتظمة متلائمة. # ومما يمكن أن يعد منها مذهبا قريبا من الانتظام والتحصل مذهب الصابئة ~~والوثنية البرهمية والبوذية: أما الوثنية الصابئة فهي تبتني على ربط الكون ~~والفساد وحوادث العالم الأرضي إلى الأجرام العلوية كالشمس والقمر وعطارد ~~والزهرة ومريخ والمشتري وزحل وأنها بما لها من الروحانيات المتعلقة بها هي ~~المدبرة للنظام المشهود يدبر كل منها ما يتعلق به من الحوادث على ما يصفه ~~فن أحكام النجوم، ويتكرر بتكرر دوراتها الأدوار والأكوار من غير أن تقف أو ~~تنتهي إلى أمد. # فهي وسائط ms3858 بين الله سبحانه وبين هذا العالم المشهود تقرب عبادتها الإنسان ~~منه تعالى ثم من الواجب أن يتخذ لها أصنام وتماثيل فيتقرب إليها بعبادة تلك ~~الأصنام والتماثيل. # وذكر المورخون أن الذي أسس بنيانها وهذب أصولها وفروعها هو "يوذاسف" ~~المنجم ظهر بأرض الهند في زمن طهمورث ملك إيران، ودعا إلى مذهب الصابئة ~~فاتبعه خلق كثير، وشاع مذهبه في أقطار الأرض كالروم واليونان وبابل وغيرها، ~~وبنيت لها هياكل ومعابد مشتملة على أصنام الكواكب، ولهم أحكام وشرائع ~~وذبائح وقرابين يتولاها كهنتهم. # وربما ينسب إليهم ذبح الناس. # وهؤلاء يوحدون الله في ألوهيته لا في عبادته، وينزهونه عن النقائص ~~والقبائح، ويصفونه بالنفي لا بالإثبات كقولهم لا يعجز ولا يجهل ولا يموت ~~ولا يظلم ولا يجور، ويسمون ذلك بالأسماء الحسنى مجازا وليسوا بقائلين باسم ~~حقيقة وقد قدمنا شيئا من تاريخهم في تفسير قوله تعالى: "إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين:" الآية، البقرة: - 62 في الجزء الأول من ~~هذا الكتاب. # 6 - الوثنية البرهمية: # والبرهمية - على ما تقدم - من مذاهب الوثنية المتأصلة، ولعلها أقدمها بين ~~الناس فإن المدنية الهندية من أقدم المدنيات الإنسانية لا يضبط بدء تاريخي ~~لها على التحقيق، ولا يضبط بدء تاريخي لوثنية الهند غير أن بعض المورخين ~~كالمسعودي وغيره ذكروا أن برهمن اسم أول ملوك الهند الذي عمر بلادها وأسس ~~قواعد المدنية فيها وبسط العدل بين أهلها. PageV10P143 # ولعل البرهمية نشأت بعده باسمه فكثيرا ما كانت الأمم الماضية يعبدون ملوكهم ~~والأعاظم من أقوامهم لاعتقادهم أنهم ذوو سلطة غيبية وأن اللاهوت ظهر فيهم ~~نوع ظهور، ويؤيده بعض التأييد أن الظاهر من "ويدا" وهو كتابهم المقدس أنه ~~مجموع من رسائل ومقالات شتى ألف كل شطر منها بعض رجال الدين في أزمنة ~~مختلفة ورثوها من بعدهم فجمعت وألفت كتابا يشير إلى دين ذي نظام وقد صرح به ~~علماء سانسكريت ولازم ذلك أن يكون البرهمية كغيرها من مذاهب الوثنية مبتدئة ~~من أفكار عامية غير قيمة، متطورة في مراحل التكامل حتى بلغت حظها من ~~الكمال. # ذكر البستاني في دائرة المعارف ما ms3859 ملخصه: برهم بفتحتين فسكون أو بفتح ~~الباء والهاء وسكون الراء هو المعبود الأول والأكبر عند الهنود وهو عندهم ~~أصل كل الموجودات واحد غير متغير وغير مدرك أزلي مطلق سابق كل مخلوق خلق ~~العالم كله بمجرد ما أراد دفعة واحدة بقوله: أوم أي كن. # وحكاية برهم تشبه من كل وجه حكاية "اىبوذة" فليس الفرق إلا في الاسم ~~والصفات وكثيرا ما يجعلون نفس برهم اسما للأقانيم الثلاثة المؤلف منها ~~ثالوث الهنود، وهي: "برهما ووشنو وسيوا" ويقال لعبدة برهم: البرهميون أو ~~البراهمة. # وأما برهما فهو نفس برهم معبود الهنود بعد أن شرع في أعماله بدليل زيادة ~~الألف في آخره وهو من اصطلاحاتهم وهو الأقنوم الأول من الثالوث الهندي أي ~~إن برهم ينبثق في نفسه في ثلاثة أقانيم كل مرة في أقنوم فالأقنوم الأول ~~الذي يظهر به أول مرة هو برهما، والثاني وشنو، والثالث سيوا. # فلما انبثق برهما لبث مدة طويلة جالسا على سدرة تسمى بالهندية "كمالا" ~~وبالسنسكريتية بدما، وكان ينظر من كل جهة، وكان له أربعة رءوس بثماني أعين ~~فلم ير إلا فضاء واسعا مظلما مملوء ماء فارتاع لذلك ولم يقدر أن يدرك سر ~~أصله فلبث ساكتا أبكم غارقا في التأملات. # فمضت على ذلك أجيال وإذا بصوت قد طرق أذنيه بغتة ونبهه من سباته وأشار ~~عليه أن يفزع إلى "باغادان" وهو لقب برهم فظهر برهم بصورة رجل له ألف رأس ~~فسجد له برهما وجعل يسبحه فانشرح صدر باغادان وأبدع النور وكشف الظلمات، ~~وأظهر لعبده حالة كينونته والكائنات بصور جراثيم متخدرة وأعطاه القوة ~~لإخراجها من هذا الخمول. # فبقي برهما يتأمل في ذلك مائة سنة إلهية وهي عبارة عن ستة وثلاثين ألف ~~سنة شمسية ثم ابتدأ بالعمل فأبدع أولا سبع السماوات المسماة عندهم "سورغة" ~~وأنارها بالأجرام المسماة "ديقانة" ثم أبدع "مريثلوكا" أي مقر الموت ثم ~~الأرض وقمرها، ثم المساكن السبعة السفلى المسماة بتالة، وأنارها بثمانية ~~جواهر موضوعة على رءوس ثماني حيات. # فالسماوات السبع والمساكن السفلى السبعة هي العوالم الأربعة عشر في ~~الميثولوجيا الهندية. # ثم خلق ms3860 الأزواج السبعة لكي تعينه في أعماله فامتنع من مساعدته عشرة منها ~~وهي "موني" والريشة التسعة التي منها "ناريدا أو نوردام" واقتصرت على ~~التأملات الدنيوية فتزوج حينئذ أخته "ساراسواتي" وأولدها مائة ولد، وكان ~~البكر اسمه "دكشا" فولد لدكشا خمسون بنتا فتزوجت ثلاث عشرة منهن "كاسيابا" ~~الذي يسمونه أحيانا برهمان الأول، وهو الذي ولد لبرهما ولدا يسمى مارتشي". # وولدت إحدى البنات المذكورات واسمها "أديتي" الأرواح المنيرة المسماة ~~"ديقانة" وهي التي تفعل الخير وتسكن السماوات، وأما أختها "ديتي" فولدت ~~جمهورا غفيرا من الأرواح الشريرة المسماة "داتينة" أو "أسورة" وهي سكان ~~الظلام وفاعلة كل شر في العالم. # وكانت الأرض إلى ذلك الوقت خالية من السكان فقال بعضهم: إن برهما أخرج من ~~نفسه "مانوسويامبوقا" الذي يقول الآخرون: إنه سابق له وإنه نفس برهم ~~المعبود الواحد ثم إن برهما زوجه "ساتاروبا" وقال لهما أن يكثرا وينميا. # وقال آخرون: إن برهما ولد أربعة أولاد وهم برهمان وكشتريا وقايسيا ~~وسودارا فالأول خرج من فمه، والثاني من ذراعه اليمنى، والثالث من فخذه ~~اليمنى والرابع من رجله اليمنى فكانوا أربع أرومات لأربع فرق أصلية. PageV10P144 # وتزوج الثلاثة الأخيرون بثلاث نساء منه أيضا خرجت واحدة من ذراعه اليمنى ~~والثانية من فخذه اليسرى، والثالثة من رجله اليسرى، وسمين باسم بعولتهن ~~بزيادة علامة التأنيث وهي "نى"، وتزوج برهمان أيضا زوجة من أبيه، ولكن كانت ~~من نسل الأسورة الشريرة، فهذا ما في الفيداس عن كيفية خلق العالم. # ثم إن برهما بعد أن كان الإله الخالق القدير سقط عن رتبة وشنو الأقنوم ~~الثاني وسيوا الأقنوم الثالث وذلك أنه انتفخ بالكبرياء والعجب، وظن نفسه ~~نظير العلي فسقط في ناراك أي الجحيم، ولم ينل العفو إلا بشرط أن يتجسد مرة ~~في كل من الأجيال الأربعة، فتجسد أول مرة بصورة غراب شاعر اسمه ~~"كاكابوسندا" وفي الثانية بصورة "بارباقلميكي" فكان أولا لصا ثم رجلا عبوسا ~~رزينا نادما ثم ترجمانا مشهورا للفيداس ومؤلفا للراميانا، وفي المرة ~~الثالثة بصورة "قياسا" وهو شاعر ومؤلف "المهابارانا" والبغاقة وعدة ~~بورانات، وفي المرة الرابعة وهو العصر ms3861 الحالي المسمى "كالييوغ" بصورة ~~"كاليداسا" الشاعر التشخيصي العظيم ومؤلف "ساكنتالا" ومنقح مؤلفات ~~"قلميكي". # ثم إن برهما ظهر في ثلاث أحوال ففي، الحال الأولى كان الواحد الصمد والكل ~~الأعظم العلي، وفي الحال الثانية ظهر منبثقا من الأول أي شارعا في العمل ~~وفي الحال الثالثة ظهر متجسدا بصورة إنسان وحكيم. # وليس لبرهما عبادة عامة في الهند، وله هناك هيكل واحد فقط غير أن ~~البراهمة يجعلونه موضوع عبادتهم، ويدعونه مساء وصباحا، وهم يرمون الماء ~~ثلاث مرات براحة أيديهم على الأرض ونحو الشمس، ويجددون له عبادتهم وقت ~~الظهر بتقديمهم له زهرة، وفي تقديس النار يقدمون له سمنا مصفى كما يقدمون ~~لإله النار، وهذا التقديس أهم وأقدس من كل ما سواه. # واسمه هوم أو هوما ورغيب. # ويمثل برهما بصورة رجل ذي لحية طويلة بإحدى يديه سلسلة الكائنات وبالأخرى ~~الإناء الذي فيه ماء الحياة السماوي راكبا الهمسا وهو الطير الإلهي الذي ~~يشبه اللقلق والنسر. # وأما برهمان فهو ابن برهما البكر أخرجه من فيه كما تقدم، وجعل نصيبه ~~أربعة الكتب المقدسة المسماة "فيداس" كناية عن الكلمات الأربع التي نطق بها ~~بأفواهه الأربعة. # فلما أراد برهمان أن يتزوج نظير إخوته قال له برهما: إنك ولدت للدرس ~~والصلاة فيجب أن تبتعد عن العلاقات الجسدية فلم يقتنع برهمان بقول أبيه ~~فغضب برهما وزوجه بواحدة من جنيات الشر المسماة أسورة، ومن هذا ولد ~~البراهمة وهم الكهنة المقدسون الذين خصوا بتفسير الفيداس، وكانوا يتولون ~~أمر كل التقدمات التي يقدمها الهنود للآلهة. # وولد كشتريا صنف الحربيين من البراهمة، وقايسيا صنف أهل الزراعة منهم، ~~وسودرا صنف العبيد، فالبراهمة أربعة أصناف، انتهى ملخصا من دائرة المعارف ~~للبستاني. # وذكر غيره أن البرهمية منقسمة إلى طبقات أربع هم البراهمة علماء المذهب ~~والحربيون والزراع والتجار، ولا يعبأ بغيرهم كالنساء والعبيد، وقد نقلنا في ~~ذيل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم:" الآية، المائدة: - ~~105 في الجزء السادس من الكتاب في بحث علمي عن كتاب ما للهند من مقولة لأبي ~~ريحان البيروني شيئا من وظائف البراهمة وعباداتهم، وكذا ms3862 عن الملل والنحل ~~للشهرستاني شطرا من شرائع الصابئين. # والمذاهب الوثنية الهندية وكان الصابئين مثلهم أيضا مطبقون على القول ~~بالتناسخ وهو أن العوالم غير متناهية من ناحيتي الأزل والأبد ولكل منها حظا ~~من البقاء مؤجلا فإذا انقضى أمد بقائه بطلت صورته وتولد منه عالم آخر يعيش ~~فيموت فيحدث ثالث وهكذا، والنفوس الإنسانية المتعلقة بالأبدان لا تموت بموت ~~أبدانها بل موت أبدانها مبدأ حياة جديدة لها فإنها تتعلق بأبدان أخر تعيش ~~فيها عيشة سعيدة إن كسبت في بدنها السابق فضائل نفسانية وعملت عملا صالحا، ~~وعيشة شقية إن تلبست بالرذائل واقترفت السيئات إلا الكاملون في معرفة ~~البرهم الله سبحانه فإنهم أحياء بحياة الأبد آمنون من التولد الثاني خارجون ~~عن سلطان التناسخ. # 7 - الوثنية البوذية: PageV10P145 # وقد أصلحت الوثنية البرهمية 1 بالبوذية منسوبة إلى بوذا "سقياموني" المتوفى ~~سنة خمس مائة وثلاث وأربعين قبل المسيح على ما نقل عن التاريخ السيلاني ~~وقيل غير ذلك حتى إن الاختلاف في ذلك ينسحب إلى ألفي سنة، ولذلك ربما ظن ~~أنه شخص خرافي لا حقيقة له لكن الحفريات الأخيرة التي وقعت في غايا الحديثة ~~وآثارا أخرى في بطنه دلت على صحة وجوده، وقد انكشفت بها آثار أخرى من تاريخ ~~حياته وتعاليمه التي ألقاها إلى تلامذته وأتباعه. # وكان بوذا من بيت الملك ابن ملك يدعى "سوذودانا" فعزفت نفسه الدنيا ~~وشهواتها واعتزل الناس في شبابه ولبث في بعض الغابات الموحشة سنين من عمره ~~مكبا على التزهد والارتياض حتى تنورت نفسه بالمعرفة فخرج إلى الناس وهو ابن ~~ست وثلاثين سنة على ما قيل فدعاهم إلى التخلص عن الشقاء والآلام والفوز ~~بالراحة الكبرى والحياة السماوية الأبدية السرمدية، ووعظهم وحثهم على ~~التمسك بذيل شريعته بالتخلق بالأخلاق الكريمة ورفض الشهوات واجتناب ~~الرذائل. # وكان بوذا - على ما نقل - يقول عن نفسه من دون كبرياء برهمية: "أنا 1 ~~متسول، ولا توجد إلا شريعة واحدة للجميع وهي العقاب الشديد للمجرمين ~~والثواب العظيم للصالحين، وشريعتي شريعة نعمة للجميع، وفيها كالسماء مكان ~~للرجال والنساء والصبيان والبنات والأغنياء والفقراء على أنه يعسر ms3863 على ~~الغني أن يسلك طريقها". # وكان تعليمه على ما عند البوذيين: أن الطبيعة ذات فراغ وأنها وهمية خداعة ~~وأن العدم يوجد في كل مكان وكل زمان، وهو مملوء من الغش، ونفس هذا العدم ~~يزيل كل الحواجز بين أصناف الناس وجنسياتهم وأحوالهم الدنيوية، ويجعل أحقر ~~الديدان إخوة للبوذيين. # وهم يعتقدون أن آخر عبارة نطق بها سقياموني هي "كل مركب فان" والغاية ~~القصوى عندهم هي نجاة النفس من كل ألم وغرور، وأن دور التناسخ الذي لا ~~نهاية له ينتهي أو ينقطع بمنع النفس أن تولد ثانية، ويتوصل إلى ذلك ~~بتطهيرها حتى من رغبة الوجود. # فهذه القواعد الأساسية للبوذية موجودة صريحا في أقدم تعليمها المدرج في ~~"الأرياني ستيانس" وهي أربع حقائق سامية تنسب إلى سقياموني ذكرها في عظته ~~الأولى التي قام بها في غابة تعرف بغابة الغزال بالقرب من بنارس. # وتلك الحقائق الأربع تتعلق بالألم وأصله وملاشاته وبالطريقة المؤدية إلى ~~الملاشاة فالألم هو الولادة والسن والمرض والموت ومصادفة المكروه ومفارقة ~~المحبوب والعجز عما يرام، وأسباب الألم الشهوات النفسانية والجسدية ~~والأهواء، وملاشاة جميع هذه الأسباب هي الحقيقة الثالثة، ولطريقة الملاشاة ~~أيضا ثمانية أقسام وهي: نظر صحيح وحس صحيح، ونطق صحيح، وفعل صحيح، ومركز ~~صحيح، وجد صحيح وذكر صحيح، وتأمل صحيح، فهذه صورة الإيمان عندهم وقد وجدت ~~محفورة على أبنية كثيرة ومدونة في عدة كتب. # وأما خلاصة الأدب البوذي فهي اجتناب كل شيء ردي، وعمل كل شيء صالح وتهذيب العقل. # فهذا هو الذي سلموه من تعليم بوذا وما عداه من العبادات والذبائح ~~والكهنوت والفلسفة والأسرار أمور أضيفت إليه بكرور الأيام ومرور الدهور، ~~وهي تشتمل على أقاويل وآراء عجيبة في خلق العالم ونظمه وغير ذلك. # ومما يقال إن بوذا لم يتكلم عن الإله قط، غير أن ذلك لم يكن لإعراض منه ~~عن مبدإ الوجود ولا لإنكار بل لأن الرجل كان يبذل كل جهده في تجهيز الناس ~~بالزهد عن زهرة الحياة الدنيا وتنفيرهم عن هذه الدار الغارة. # 8 - وثنية العرب. # وهم أول من عارضهم الإسلام بالدعوة إلى ms3864 التوحيد من عبدة الأوثان، كان ~~معظم العرب في عهد الجاهلية بدويين وأهل الحضارة منهم كاليمن في طبع ~~البداوة يحكم فيهم من السنن والآداب رسوم مختلطة مختلفة مأخوذة من جيرانهم ~~الأقوياء كالفرس والروم ومصر والحبشة والهند، ومنها السنن الدينية. PageV10P146 # وكان أسلافهم الأقدمون وهم العرب العاربة ومنهم عاد إرم وثمود على دين ~~الوثنية كما يحكيه الله سبحانه في كتابه عن قوم هود وصالح وعن أصحاب مدين ~~وعن أهل سبإ في قصة سليمان والهدهد، حتى أن جاء إبراهيم (عليه السلام) ~~بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى أرض مكة وهي واد غير ذي زرع وبها قبيلة جرهم، ~~وأسكنهما هناك فنشأ إسماعيل (عليه السلام) وبنيت بلدة مكة، وبنى إبراهيم ~~(عليه السلام) الكعبة البيت الحرام ودعا الناس إلى دينه الحنيف وهو الإسلام ~~فاستجيب له في الحجاز وما والاها وشرع لهم الحج كما يدل على جملة ذلك قول ~~الله تعالى له فيما يحكيه القرآن: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر يأتين من كل فج عميق:"، الحج: - 27. # ثم تهود بعض الأعراب لمعاشرة كانت بينهم وبين اليهود النازلين بالحجاز، ~~وتسربت النصرانية إلى بعض أقطار الجزيرة، والمجوسية إلى بعضها الآخر. # ثم وقعت وقائع بين آل إسماعيل وجرهم بمكة حتى آل إلى غلبة آل إسماعيل ~~وإجلاء جرهم منها واستولى عمرو بن لحي على مكة وما والاها. # ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن البلقاء من أرض الشام حمة لو استحممت ~~بها برأت فقصدها واستحم بها فبرأ، ورأى هناك قوما يعبدون الأصنام فسألهم ~~عنها فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية ~~نستنصر بها فننصر ونستسقي بها فنسقي فأعجبه ذلك فطلب منهم صنما من أصنامهم ~~فدفعوا إليه هبل فرجع إلى مكة ووضعه على الكعبة، وكان معه إساف ونائلة وهما ~~صنمان على شكل زوجين - كما في الملل والنحل - أو شابين - كما في غيره - ~~فدعا الناس إلى عبادة الأصنام وروج ذلك بين قومه فعادوا يعبدونها بعد ~~إسلامهم وقد كانوا يسمون حنفاء لاتباعهم ملة إبراهيم (عليه السلام) فبقي ~~عليهم الاسم ms3865 وهجرهم المعنى وصار الحنفاء اسما للوثنيين 1 منهم. # وكان مما يقربهم إلى الوثنية أن الكعبة المشرفة كان يعظمها اليهود ~~والنصارى والمجوس والوثنية جميعا فكان لا يظعن من مكة ظاعن إلا حمل معه ~~شيئا من حجارة الحرم تبركا وصبابة، وحيثما حلوا وضعوه وطافوا به تيمنا وحبا ~~للكعبة والحرم. # وعن هذه الأسباب شاعت الوثنية بين العرب عاربهم ومستعربهم ولم يبق من أهل ~~التوحيد بينهم إلا آحاد لا يذكرون، وكان من الأصنام المعروفة بينهم هبل ~~وإساف ونائلة، وهي التي أتى بها عمرو بن لحي ودعا إليها الناس، واللات ~~والعزى ومناة وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وقد ذكرت هذه الثمان في القرآن ~~ونسبت الخمس الأواخر منها إلى قوم نوح. # وروي في الكافي، بإسناده إلى عبد الرحمن بن الأشل بياع الأنماط عن الصادق ~~(عليه السلام): أن يغوث كان موضوعا قبالة باب الكعبة، وكان يعوق عن يمين ~~الكعبة ونسر عن يسارها. # وفي الرواية أيضا: أن هبل كان على سطح الكعبة وإساف ونائلة على الصفا ~~والمروة. # وفي تفسير القمي، قال: كانت ود لكلب، وكانت سواع لهذيل ويغوث لمراد، ~~وكانت يعوق لهمدان، وكانت نسر لحصين. # وكانت في الوثنية التي عندهم آثار من وثنية الصابئة كالغسل من الجنابة وغيره. # وفيها آثار من البرهمية كالقول بالأنواء والقول بالدهر كما تقدم عن وثنية ~~بوذة قال تعالى: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا ~~إلا الدهر:" الجاثية: - 24 وإن ذكر بعضهم أنه قول الماديين المنكرين لوجود ~~الصانع. # وفيها شيء من الدين الحنيف وهو إسلام إبراهيم (عليه السلام) كالختنة ~~والحج إلا أنهم خلطوه بسنن وثنية كالتمسح بالأصنام التي حول الكعبة والطواف ~~عريانا، والتلبية بقولهم: لبيك لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو ~~لك، تملكه وما ملك. # وعندهم أمور أخر اختلقوه من عند أنفسهم كالقول بالبحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام والقول بالصدى والهام والأنصاب والأزلام وأمور أخر مذكورة ~~في التواريخ وقد تقدم تفسير البحيرة والسائبة والوصيلة والحام في سورة ~~المائدة في ذيل آية 103 وكذا ذكر الأزلام والأنصاب في ذيل ms3866 آية 3 وآية 90. # 9 - دفاع الإسلام عن التوحيد ومنازلته الوثنية. PageV10P147 # لم تزل الدعوة الإلهية تخاصم الوثنية وتقاومه وتندب إلى التوحيد كما ذكره ~~الله في كتابه فيما يقصه من دعوة الأنبياء والرسل كنوح وهود وصالح وإبراهيم ~~وشعيب وموسى (عليه السلام)، وأشير إلى ذلك في قصص عيسى ولوط ويونس (عليهما ~~السلام). # وقد أجمل القول في ذلك في قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون:" الأنبياء: - 25. # وقد بدأ النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته العامة بدعاء ~~الوثنيين من قومه إلى التوحيد بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن فلم ~~يجيبوه إلا بالاستهزاء والأذى وفتنة من آمن به منهم وتعذيبه أشد العذاب حتى ~~اضطر جمع من المسلمين إلى ترك مكة والهجرة إلى الحبشة، ثم مكروا لقتله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فهاجر إلى المدينة ثم هاجر إليها بعده عدة من ~~المؤمنين. # ولم يلبثوا حتى تعلقوا به بالقتال، وقاتلوه ببدر وأحد والخندق وفي غزوات ~~أخرى كثيرة حتى أظهره الله تعالى عليهم بفتح مكة فظهر (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) البيت والحرم من أوثانهم، وكسر الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة، ~~وكان هبل منصوبا على سطح الكعبة فأصعد عليا (عليه السلام) إليه فرماه إلى ~~الأرض وكان - على ما يقال - أعظم أصنامهم فدفن - على ما ذكروه - في عتبة ~~باب المسجد. # والإسلام شديد العناية بحسم مادة الوثنية وتخلية القلوب عن الخواطر ~~الداعية إليها وصرف النفوس حتى عن الحومان حولها والإشراف عليها، وذلك ~~مشهود مما ندب إليه من المعارف الأصلية والأخلاق الكريمة والأحكام الشرعية ~~فتراه يعد الاعتقاد الحق أنه لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى يملك كل ~~شيء، له الوجود الأصيل الذي يستقل بذاته وهو الغني عن العالمين، وكل ما هو ~~غيره منه يبتدىء وإليه يعود، وإليه يفتقر في جميع شئون ذاته حدوثا وبقاء ~~فمن أسند إلى شيء شيئا من الاستقلال بالقياس إليه تعالى - لا بالقياس إلى ~~غيره - في شيء من ذاته أو صفاته أو أعماله فهو ms3867 مشرك بحسبه. # وتراه يأمر بالتوكل على الله، والثقة بالله، والدخول تحت ولاية الله، ~~والحب في الله، والبغض في الله، وإخلاص العمل لله، وينهى عن الاعتماد بغير ~~الله، والركون إلى غيره، والاطمئنان إلى الأسباب الظاهرة ورجاء من دونه، ~~والعجب والكبر إلى غير ذلك مما يوجب إعطاء الاستقلال لغيره والشرك به. # وتراه ينهى عن السجدة لغيره تعالى، وينهى عن اتخاذ التماثيل ذوات الأظلال ~~وعن تصوير ذوي الأرواح، وينهى عن طاعة غير الله والإصغاء إليه فيما يأمر ~~وينهى إلا ما رجع إلى طاعة الله كطاعة الأنبياء وأئمة الدين، وينهى عن ~~البدعة واتباعها وعن اتباع خطوات الشيطان. # والأخبار المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) متظافرة في أن الشرك ينقسم إلى جلي وخفي، وأن الشرك ~~ذو مراتب كثيرة لا يسلم من جميعها إلا المخلصون، وأنه أخفى من دبيب النمل ~~على الصفا في الليلة الظلماء، وقد روي في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): ~~في قوله تعالى: "يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم:" ~~الشعراء: - 89، القلب السليم الذي يلقى ربه ليس فيه أحد سواه، قال: وكل قلب ~~فيه شرك أو شك فهو ساقط وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم ~~للآخرة. # وورد أيضا: أن عبادته تعالى طمعا في الجنة عبادة الأجراء، وعبادته خوفا ~~من النار عبادة العبيد، وحق العبادة أن يعبد تعالى حبا له وتلك عبادة ~~الكرام، وهذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون وقد تقدمت عدة من هذه ~~الروايات في بعض الأبحاث السابقة من الكتاب. # 10 - بناء سيرة النبي على التوحيد ونفي الشركاء: # أجمل تعالى سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) التي أمره باتخاذها والسير ~~بها في المجتمع البشري في قوله: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون:" آل عمران: - 64، ~~وقال تعالى يشير إلى ما داخل دينهم من ms3868 عقائد الوثنية: "قل يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل:" المائدة - 77. PageV10P148 # وقال أيضا يذم أهل الكتاب: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون:" التوبة: - 31. # وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سوى بين الناس في إجراء الأحكام ~~والحدود وقارب بين طبقات المجتمع كالحاكم والمحكوم، والرئيس والمرءوس، ~~والخادم والمخدوم، والغني والفقير، والرجل والمرأة، والشريف والوضيع فلا ~~كرامة ولا فخر ولا تحكم لأحد على أحد إلا كرامة التقوى والحساب إلى الله ~~والحكم إليه. # وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم بالسوية، وينهى عن تظاهر القوي ~~بقوته بما يتأثر وينكسر به قلب الضعيف المهين كتظاهر الأغنياء بزينتهم على ~~الفقير المسكين، والحكام والرؤساء بشوكتهم على الرعية. # وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعيش كأحد من الناس لا يمتاز منهم في ~~مأكل أو مشرب أو ملبس أو مجلس أو مشية أو غير ذلك، وقد تقدم جوامع سيرته في ~~آخر الجزء السادس من هذا الكتاب. # كلام آخر ملحق بالكلام السابق # نزن فيه تعليم القرآن الكريم بقياسه إلى تعاليم ويدا، وأوستا، والتوراة، ~~والإنجيل على نحو الإجمال والكلية في فصول وهذا بحث تحليلي شريف. # 1 - التناسخ عند الوثنيين: # من الأصول الأولية التي تبتني عليها البرهمية ومثلها البوذية والصابئية ~~هو التناسخ وهو أن العالم محكوم بالكون والفساد دائما فهذا العالم المشهود ~~لنا وكذا ما فيه من الأجزاء مكون عن عالم مثله سابق عليه وهكذا إلى غير ~~النهاية، وسيفسد هذا العالم كما لا يزال يفسد أجزاؤه ويتكون منه عالم آخر ~~وهكذا إلى غير النهاية، والإنسان يعيش في كل من هذه العوالم على ما اكتسبه ~~في عالم يسبقه فمن عمل صالحا واكتسب ملكة حسنة فستتعلق نفسه بعد مفارقة ~~البدن بالموت ببدن سعيد ويعيش على السعادة، وهو ثوابه، ومن أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فسوف يعيش بعد الموت في بدن ms3869 شقي ويقاسي فيه أنواع العذاب إلا من ~~عرف البرهم واتحد به فإنه ينجو من الولادة الثانية ويعود ذاتا أزلية أبدية ~~هي عين البهاء والسرور والحياة والقدرة والعلم لا سبيل للفناء والبطلان إليها. # ولذلك كان من الواجب الديني على الإنسان أن يؤمن بالبرهم وهو الله أصل كل ~~شيء ويتقرب إليه بالقرابين والعبادات، ويتحلى بالأخلاق الكريمة والأعمال ~~الصالحة فإن عزفت نفسه الدنيا وتخلق بكرائم الأخلاق وتحلى بصوالح الأعمال ~~وعرف البرهم بمعرفة نفسه صار برهمنا واتحد بالبرهم وصار هو هو، وهو السعادة ~~الكبرى والحياة البحتة، وإلا فليؤمن بالبرهم وليعمل صالحا حتى يسعد في ~~حياته التالية وهي آخرته. # لكن البرهم لما كان ذاتا مطلقة محيطا بكل شيء غير محاط لشيء كان أعلى ~~وأجل من أن يعرفه الإنسان إلا بنوع من نفي النقائص أو يناله بعبادة أو ~~قربان فمن الواجب علينا أن نتقرب بالعبادة إلى أوليائه وأقوياء خلقه حتى ~~يكونوا شفعاء لنا عنده، وهؤلاء هم الآلهة الذين يعبدون من دون الله بعبادة ~~أصنامهم، وهم على كثرتهم إما من الملائكة أو من الجن أو من أرواح المكملين ~~من البراهمة، وإنما يعبد الجن خوفا من شرهم، وغيرهم طمعا في رحمتهم وخوفا ~~من سخطهم ومنهم الأزواج والبنون والبنات لله تعالى. # فهذه جمل ما تتضمنه البرهمية ويعلمه علماء المذهب من البراهمة. # لكن الذي يتحصل من أوبانيشاد" 1 وهو القسم الرابع من كتاب "ويدا" المقدس ~~ربما لم يوافق ما تقدم من كليات عقائدهم وإن أوله علماء المذهب من ~~البراهمة. # فإن الباحث الناقد يجد أن رسائل "أوبانيشاد" المعلمة للمعارف الإلهية وإن ~~كانت تصف العالم الألوهي والشئون المتعلقة به من الأسماء والصفات والأفعال ~~من إبداء وإعادة وخلق ورزق وإحياء وأماته وغير ذلك بما يوصف به الأمور ~~الجسمانية المادية كالانقسام والتبعض والسكون والحركة والانتقال والحلول ~~والاتحاد والعظم والصغر وسائر الأحوال الجسمانية المادية إلا أنها تصرح في ~~مواضع منها أن برهم 2 ذات مطلقة متعالية من أن يحيط به حد له الأسماء ~~الحسنى والصفات العليا من حياة وعلم وقدرة، منزه عن نعوت النقص وأعراض ms3870 ~~المادة والجسم ليس كمثله شيء. # وتصرح 3 بأنه تعالى إحدى الذات لم يولد من شيء ولم يلد شيئا وليس له كفو ~~ومثل البتة. PageV10P149 # وتصرح 1 بأن الحق أن لا يعبد غيره تعالى ولا يتقرب إلى غيره بقربان بل ~~الحري بالعبادة هو وحده لا شريك له. # وتصرح 2 كثيرا بالقيامة وأنه الأجل الذي ينتهي إليه الخلقة، وتصف ثواب ~~الأعمال وعقابها بعد الموت بما لا يأبى الانطباق على البرزخ من دون أن ~~يتعين حمله على التناسخ. # ولا خبر في هذه الأبحاث الإلهية الموردة فيها عن الأوثان والأصنام وتوجيه ~~العبادات وتقديم القرابين إليها. # وهذه التي نقلناها من "أوبانيشاد" - وما تركناه أكثر - حقائق سامية ~~ومعارف حقة تطمئن إليها الفطرة الإنسانية السليمة، وهي - كما ترى - تنفي ~~جميع أصول الوثنية الموردة في أول البحث. # والذي يهدي إليه عميق النظر أنها كانت حقائق عالية كشفها آحاد من أهل ~~ولاية الله ثم أخبروا بما وجدوا بعض تلامذتهم الآخذين منهم غير أنهم تكلموا ~~غالبا بالرمز واستعملوا في تعاليمهم الأمثال. # ثم جعل ما أخذ من هؤلاء أساسا تبتني عليه سنة الحياة التي هي الدين ~~المجتمع عليه عامة الناس، وهي معارف دقيقة لا يحتملها إلا الآحاد من أهل ~~المعرفة لارتفاع سطحها عن الحس والخيال اللذين هما حظ العامة من الإدراك ~~وكمال صعوبة إدراكها على العقول الراجلة غير المتدربة في المعارف الحقة. # واختصاص نيلها بالأقلين من الناس وحرمان الأكثرين من ذلك وهي دين إنساني ~~أول المحذور فإن الفطرة أنشأت العالم الإنساني مغروزة على الاجتماع المدني، ~~وانفصال بعضهم عن بعض في سنة الحياة وهي الدين إلغاء لسنة الفطرة وطريقة ~~الخلقة. # على أن في ذلك تركا لطريق العقل وهو أحد الطرق الثلاث الوحي والكشف ~~والعقل، وأعمها وأهمها بالنظر إلى حياة الإنسان الدنيوية فالوحي لا يناله ~~إلا أهل العصمة من الأنبياء المكرمين، والكشف لا يكرم به إلا الآحاد من أهل ~~الإخلاص واليقين، والناس حتى أهل الوحي والكشف في حاجة مبرمة إلى تعاطي ~~الحجة العقلية في جميع شئون الحياة الدنيوية ولا غنى لها عن ذلك، وفي ms3871 إهمال ~~هذا الطريق تسليط التقليد الإجباري على جميع شئون المجتمع الحيوية من ~~اعتقادات وأخلاق وأعمال، وفي ذلك سقوط الإنسانية. # على أن في ذلك إنفاذا لسنة الاستعباد في المجتمع الإنساني ويشهد بذلك ~~التجارب التاريخي المديد في الأمم البشرية التي عاشت في دين الوثنية أو جرت ~~فيهم سنن الاستعباد باتخاذ أرباب من دون الله. # 2 - سريان هذه المحاذير إلى سائر الأديان: # الأديان العامة الآخر على ما فيها من القول بتوحيد الألوهية لم تسلم من ~~شرك العبادة فساقهم ذلك إلى الابتلاء بعين ما ابتليت به الوثنية البرهمية ~~من المحاذير التي أهمها الثلاثة المتقدمة. # أما البوذية والصابئة فذلك فيهم ظاهر والتاريخ يشهد بذلك، وقد تقدم شيء ~~مما يتعلق بعقائدهم وأعمالهم. # وأما المجوس فهم يوحدون "أهورامزدا" بالألوهية لكنهم يخضعون بالتقديس ~~ليزدان وأهريمن والملائكة الموكلين بشئون الربوبية وللشمس والنار وغير ذلك، ~~والتاريخ يقص ما كانت تجري فيهم من سنة الاستعباد واختلاف الطبقات والتدبر ~~والاعتبار يقضي أنه إنما تسرب ذلك كله إليهم من ناحية تحريف الدين الأصيل، ~~وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم: "أنه كان لهم نبي فقتلوه ~~وكتاب فأحرقوه". # وأما اليهود فالقرآن يقص كثيرا من أعمالهم وتحريفهم كتاب الله واتخاذهم ~~العلماء أربابا من دون الله، وما ابتلاهم الله به من انتكاس الفطرة ورداءة ~~السليقة. # وأما النصارى فقد فصلنا القول فيما انحرفوا فيه من النظر والعمل في الجزء ~~الثالث من الكتاب فراجع وإن شئت فطبق مفتتح إنجيل يوحنا ورسائل بولس على ~~سائر الأناجيل وتممه بمراجعة تاريخ الكنيسة فالكلام في ذلك طويل. # فالبحث العميق في ذلك كله ينتج أن المصائب العامة في المجتمعات الدينية ~~في العالم الإنساني من مواريث الوثنية الأولى التي أخذت المعارف الإلهية ~~والحقائق العالية الحقة مكشوفة القناع مهتوكة الستر فجعلتها أساس السنن ~~الدينية، وحملتها على الأفهام العامة التي لا تأنس إلا بالحس والمحسوس ~~فأنتج ذلك ما أنتج. # 3 - إصلاح الإسلام لهذه المفاسد: PageV10P150 # أما الإسلام فإنه أصلح هذه المفاسد إذ قلب هذه المعارف العالية في قالب ~~البيان الساذج الذي يصلح لهضم الأفهام ms3872 الساذجة والعقول العادية فصارت ~~تلامسها من وراء حجاب وتتناولها ملفوفة محفوفة، وهذا هو الذي يصلح به حال ~~العامة وأما الخاصة فإنهم ينالونها مسفرة مكشوفة في جمالها الرائع وحسنها ~~البديع آمنين مطمئنين وهم في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، قال الله تعالى: "والكتاب ~~المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي ~~حكيم:" الزخرف: - 4، وقال: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون:" الواقعة: - 79، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنا ~~معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم". # وعالج غائلة الشرك والوثنية في مرحلة التوحيد بنفي الاستقلال في الذات ~~والصفات عن كل شيء إلا الله سبحانه فهو تعالى القيوم على كل شيء، وركز ~~الأفهام في معرفة الألوهية بين التشبيه والتنزيه فوصفه تعالى بأن له حياة ~~لكن لا كحياتنا، وعلما لا كعلمنا، وقدرة لا كقدرتنا وسمعا لا كسمعنا، وبصرا ~~لا كبصرنا، وبالجملة ليس كمثله شيء وأنه أكبر من أن يوصف، وأمر الناس مع ~~ذلك أن لا يقولوا في ذلك قولا إلا عن علم، ولا يركنوا إلى اعتقاد إلا عن ~~حجة عقلية يهضمها عقولهم وأفهامهم. # فوفق بذلك أولا لعرض الدين على العامة والخاصة شرعا سواء، وثانيا أن يعمل ~~العقل السليم من غير أن يترك هذه الموهبة الإلهية سدى لا ينتفع بها، وثالثا ~~أن قرب بين الطبقات المختلفة في المجتمع الإنساني غاية ما يمكن فيها من ~~التقريب من غير أن ينعم على هذا ويحرم ذاك أو يقدم واحدا ويؤخر آخر قال ~~تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون:" الأنبياء: - 92 وقال: ~~"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم:" الحجرات: - 13. # وهذا إجمال من القول يمكنك أن تعثر على تفصيل القول في أطرافه في أبحاث ~~متفرقة تقدمت في هذا الكتاب والله المستعان. # 4 - ربما يظن أن ما ورد في الأدعية من الاستشفاع بالنبي وآله المعصومين ~~(عليهم السلام) ms3873 ومسألته تعالى بحقهم وزيارة قبورهم وتقبيلها والتبرك ~~بتربتهم وتعظيم آثارهم من الشرك المنهي عنه وهو الشرك الوثني محتجا بأن هذا ~~النوع من التوجه العبادي فيه إعطاء تأثير ربوبي لغيره تعالى وهو شرك وأصحاب ~~الأوثان إنما أشركوا لقولهم في أوثانهم: إن هؤلاء شفعاؤنا عند الله. # وقولهم: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ولا فرق في عبادة غير الله ~~سبحانه بين أن يكون ذلك الغير نبيا أو وليا أو جبارا من الجبابرة أو غيرهم ~~فالجميع من الشرك المنهي عنه. # وقد فاتهم أولا أن ثبوت التأثير سواء كان ماديا أو غير مادي في غيره ~~تعالى ضروري لا سبيل إلى إنكاره، وقد أسند تعالى في كلامه التأثير بجميع ~~أنواعه إلى غيره ونفي التأثير عن غيره تعالى مطلقا يستلزم إبطال قانون ~~العلية والمعلولية العام الذي هو الركن في جميع أدلة التوحيد، وفيه هدم ~~بنيان التوحيد. # نعم المنفي من التأثير عن غيره تعالى هو الاستقلال في التأثير ولا كلام ~~لأحد فيه، وأما نفي مطلق التأثير ففيه إنكار بديهة العقل والخروج عن الفطرة ~~الإنسانية. # ومن يستشفع بأهل الشفاعة الذين ذكرهم الله في مثل قوله: "ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون:" الزخرف: - 86 وقوله: ~~"ولا يشفعون إلا لمن ارتضى:" الأنبياء: - 28. # أو يسأل الله بجاههم ويقسمه بحقهم الذي جعله لهم عليه بمثل قوله مطلقا: ~~"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون:" الصافات: - 173 وقوله: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا:" المؤمن: - 51. # أو يعظمهم ويظهر حبهم بزيارة قبورهم وتقبيلها والتبرك بتربتهم بما أنهم ~~آيات الله وشعائره تمسكا بمثل قوله تعالى: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من ~~تقوى القلوب:" الحج: - 32، وآية القربى وغير ذلك من كتاب وسنة. PageV10P151 # فهو في جميع ذلك يبتغي بهم إلى الله الوسيلة وقد قال تعالى: "يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة:" المائدة: - 35 فشرع به ابتغاء ~~الوسيلة، وجعلهم بما شرع من حبهم وتعزيرهم وتعظيمهم وسائل إليه، ولا معنى ~~لإيجاب حب شيء وتعظيمه وتحريم ms3874 آثار ذلك فلا مانع من التقرب إلى الله بحبهم ~~وتعظيم أمرهم وما لذلك من الآثار إذا كان على وجه التوسل والاستشفاع من غير ~~أن يعطوا استقلال التأثير والعبادة البتة. # وثانيا: أنه فاتهم الفرق بين أن يعبد غير الله رجاء أن يشفع عند الله أو ~~يقرب إلى الله، وبين أن يعبد الله وحده مع الاستشفاع والتقرب بهم إليه ففي ~~الصورة الأولى إعطاء الاستقلال وإخلاص العبادة لغيره تعالى وهو الشرك في ~~العبودية والعبادة، وفي الصورة الثانية يتمحض الاستقلال لله تعالى ويختص ~~العبادة به وحده لا شريك له. # وإنما ذم تعالى المشركين لقولهم: "إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى" ~~حيث أعطوهم الاستقلال وقصدوهم بالعبادة دون الله سبحانه، ولو قالوا: إنما ~~نعبد الله وحده ونرجو مع ذلك أن يشفع لنا ملائكته أو رسله وأولياؤه بإذنه ~~أو نتوسل إلى الله بتعظيم شعائره وحب أوليائه، لما كفروا بذلك بل عادت ~~شركاؤهم كمثل الكعبة في الإسلام هي وجهة وليست بمعبودة، وإنما يعبد بالتوجه ~~إليها الله. # وليت شعري ما ذا يقول هؤلاء في الحجر الأسود وما شرع في الإسلام من ~~استلامه وتقبيله؟ وكذا في الكعبة؟ فهل ذلك كله من الشرك المستثنى من حكم ~~الحرمة؟ فالحكم حكم ضروري عقلي لا يقبل تخصصا ولا استثناء، أو أن ذلك من ~~عبادة الله محضا وللحجر حكم الطريق والجهة، وحينئذ فما الفرق بينه وبين ~~غيره إذا لم يكن تعظيمه على وجه إعطاء الاستقلال وتمحيض العبادة، ومطلقات ~~تعظيم شعائر الله وتعزير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبه ومودته وحب ~~أهل بيته ومودتهم وغير ذلك في محلها. PageV10P152 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 50 - 60 # وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون (50) يقوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذى فطرنى أفلا ~~تعقلون (51) ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ~~ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يهود ما جئتنا ببينة ~~وما نحن بتاركى ءالهتنا عن قولك وما نحن لك ms3875 بمؤمنين (53) إن نقول إلا ~~اعتراك بعض ءالهتنا بسوء قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما تشركون ~~(54) من دونه فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون (55) إنى توكلت على الله ربى ~~وربكم ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها إن ربى على صرط مستقيم (56) فإن ~~تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما غيركم ولا تضرونه ~~شيئا إن ربى على كل شىء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا ونجينهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بئايت ربهم وعصوا ~~رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيمة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات قصة هود النبي وقومه وهم عاد الأولى، وهو (عليه السلام) أول ~~نبي يذكره الله تعالى في كتابه بعد نوح (عليه السلام)، ويشكر مسعاه في ~~إقامة الدعوة الحقة والانتهاض على الوثنية، ويعقب ذكر قوم نوح بذكر قوم ~~هود، قال تعالى في عدة مواضع من كلامه: "قوم نوح وعاد وثمود". # قوله تعالى: "وإلى عاد أخاهم هودا" كان أخاهم في النسب لكونه منهم وأفراد ~~القبيلة يسمون إخوة لانتسابهم جميعا إلى أب القبيلة، والجملة معطوفة على ~~قوله تعالى سابقا: "نوحا إلى قومه" والتقدير: "ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم ~~هودا" ولعل حذف الفعل هو الموجب لتقديم الظرف على المفعول في المعطوف على ~~خلاف المعطوف عليه حيث قيل: "وإلى عاد أخاهم" إلخ، ولم يقل: وهودا إلى عاد ~~مثلا كما قال: "نوحا إلى قومه" لأن دلالة الظرف أعني: "إلى عاد" على تقدير ~~الإرسال أظهر وأوضح. # قوله تعالى: "قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا ~~مفترون" الكلام وارد مورد الجواب كان السامع لما سمع قوله: "وإلى عاد أخاهم ~~هودا" قال: فما ذا قال لهم؟ فقيل: "قال يا قوم اعبدوا الله" إلخ، ولذا جيء ~~بالفصل من غير عطف. # وقوله: "اعبدوا الله" في مقام الحصر أي اعبدوه ولا تعبدوا غيره من آلهة ~~اتخذتموها أربابا ms3876 من دون الله تعبدونها لتكون لكم شفعاء عند الله من غير أن ~~تعبدوه تعالى. # والدليل على الحصر المذكور قوله بعد: "ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا ~~مفترون" حيث يدل على أنهم كانوا قد اتخذوا آلهة يعبدونها افتراء على الله ~~بالشركة والشفاعة. # قوله تعالى: "يا قوم لا أسألكم عليه أجرا" إلى آخر الآية، قال في المجمع، ~~الفطر الشق عن أمر الله كما ينفطر الورق عن الشجر، ومنه فطر الله الخلق ~~لأنه بمنزلة ما شق منه فظهر. # انتهى، وقال الراغب: أصل الفطر الشق طولا يقال: فطر فلان كذا فطرا وأفطر ~~هو فطورا وانفطر انفطارا - إلى أن قال - وفطر الله الخلق وهو إيجاد الشيء ~~وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال فقوله: فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته، وفطرة ~~الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله: ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله. # انتهى. PageV10P153 # والظاهر أن الفطر هو الإيجاد عن عدم بحت، والخصوصية المفهومة من مثل قوله: ~~"فطرة الله التي فطر الناس عليها" إنما نشأت من بناء النوع الذي تشتمل عليه ~~فطرة وهي فعلة، وعلى هذا فتفسير بعضهم الفطرة بالخلقة بعيد من الصواب، ~~وإنما الخلق هو إيجاد الصورة عن مادة على طريق جمع الأجزاء، قال تعالى: ~~"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير:" المائدة: - 110. # والكلام مسوق لرفع التهمة والعبث والمعنى يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم ~~أجرا وجزاء حتى تتهموني أني أستدر به نفعا يعود إلي وإن أضر بكم، ولست ~~أدعوكم من غير جزاء مطلوب حتى يكون عبثا من الفعل بل إنما أطلب به جزاء من ~~الله الذي أوجدني وأبدعني أفلا تعقلون عني ما أقوله لكم حتى يتضح لكم أني ~~ناصح لكم في دعوتي، ما أريد إلا أن أحملكم على الحق. # قوله تعالى: "ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم ~~مدرارا" إلى آخر الآية تقدم الكلام في معنى قوله: ms3877 "استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه" في صدر السورة. # وقوله: "يرسل السماء عليكم مدرارا" في موقع الجزاء لقوله: "استغفروا ~~ربكم" إلخ، أي إن تستغفروه وتتوبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا، والمراد ~~بالسماء السحاب فإن كل ما علا وأظل فهو سماء، وقيل المطر وهو شائع في ~~الاستعمال، والمدرار مبالغة من الدر، وأصل الدر اللبن ثم استعير للمطر ولكل ~~فائدة ونفع فإرسال السماء مدرارا إرسال سحب تمطر أمطارا متتابعة نافعة تحيى ~~بها الأرض وينبت الزرع والعشب، وتنضر بها الجنات والبساتين. # وقوله: "ويزدكم قوة إلى قوتكم" قيل المراد بها زيادة قوة الإيمان على قوة ~~الأبدان وقد كان القوم أولي قوة وشدة في أبدانهم ولو أنهم آمنوا انضافت قوة ~~الإيمان على قوة أبدانهم وقيل المراد بها قوة الأبدان كما قال نوح لقومه: ~~"استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال ~~وبنين:" نوح: - 12 ولعل التعميم أولى. # وقوله: "ولا تتولوا مجرمين" بمنزلة التفسير لقوله: "استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه" أي إن عبادتكم لما اتخذتموه من الآلهة دون الله إجرام منكم ~~ومعصية توجب نزول السخط الإلهي عليكم فاستغفروا الله من إجرامكم وارجعوا ~~إليه بالإيمان حتى يرحمكم بإرسال سحب هاطلة ممطرة وزيادة قوة إلى قوتكم. # وفي الآية "أولا" إشعار أو دلالة على أنهم كانوا مبتلين بإمساك السماء ~~والجدب والسنة كما ربما أومأ إليه قوله: "يرسل السماء" وكذا قولهم على ما ~~حكاه الله تعالى في موضع آخر: "فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا ~~عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم:" الأحقاف: - 24. # وثانيا: أن هناك ارتباطا تاما بين الأعمال الإنسانية وبين الحوادث ~~الكونية التي تمسه فالأعمال الصالحة توجب فيضان الخيرات ونزول البركات، ~~والأعمال الطالحة تستدعي تتابع البلايا والمحن، وتجلب النقمة والشقوة ~~والهلكة كما يشير إليه قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض:" الآية الأعراف: - 96، وقد تقدم تفصيل ~~الكلام فيه في بيان الآيات 94 - 102 من سورة الأعراف في الجزء الثامن من ~~الكتاب، وفي أحكام الأعمال ms3878 في الجزء الثاني منه. # قوله تعالى: "قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ~~وما نحن لك بمؤمنين" سألهم هود في قوله: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره" إلى آخر الآيات الثلاث أمرين هما أن يتركوا آلهتهم ويعودوا إلى عبادة ~~الله وحده وأن يؤمنوا به ويطيعوه فيما ينصح لهم فردوا عليه القول بما في ~~هذه الآية إجمالا وتفصيلا: أما إجمالا فبقولهم: "ما جئتنا ببينة" يعنون أن ~~دعوتك خالية عن الحجة والآية المعجزة ولا موجب للإصغاء إلى ما هذا شأنه. # وأما تفصيلا فقد أجابوا عن دعوته إياهم إلى رفض الشركاء بقولهم: "وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك" وعن دعوته إياهم إلى الإيمان والطاعة بقولهم: "وما ~~نحن لك بمؤمنين" فآيسوه في كلتا المسألتين. PageV10P154 # ثم ذكروا له ما ارتأوا فيه من الرأي لييأس من إجابتهم بالمرة فقالوا: "إن ~~نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء" والاعتراء الاعتراض والإصابة يقولون: ~~إنما نعتقد في أمرك أن بعض آلهتنا أصابك بسوء كالخبل والجنون لشتمك إياها ~~وذكرك لها بسوء فذهب بذلك عقلك فلا يعبأ بما تفوهت به في صورة الدعوة. # قوله تعالى: "قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون" أجاب هود (عليه السلام) عن قولهم بإظهار ~~البراءة من شركائهم من دون الله ثم التحدي عليهم بأن يكيدوا به جميعا ولا ~~ينظروه. # فقوله: "إني بريء مما تشركون من دونه" إنشاء وليس بإخبار كما هو المناسب ~~لمقام التبري، ولا ينافي ذلك كونه بريئا من أول أمره فإن التبرز بالبراءة ~~لا ينافي تحققها من قبل، وقوله: "فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون" أمر ونهي ~~تعجيزيان. # وإنما أجاب (عليه السلام) بما أجاب ليشاهد القوم من آلهتهم أنها لا تمسه ~~(عليه السلام) بسوء مع تبرزه بالبراءة، ولو كانت آلهة ذات علم وقدرة لقهرته ~~وانتقمت منه لنفسها كما ادعوا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء وهذه حجة بينة على ~~أنها ليست بآلهة وعلى أنها لم تعتره بسوء كما ادعوه، ثم ms3879 يشاهدوا من أنفسهم ~~أنهم لا يقدرون عليه بقتل أو تنكيل مع كونهم ذوي شدة وقوة لا يعادلهم غيرهم ~~في الشدة والبطش، ولو لا أنه نبي من عند الله صادق في ما يقوله مصون من عند ~~ربه لقدروا عليه بكل ما أرادوه من عذاب أو دفع. # ومن هنا يظهر وجه إشهاده (عليه السلام) في تبريه ربه سبحانه وقومه أما ~~إشهاده الله فليكون تبريه على حقيقته وعن ظهر القلب من غير تزويق ونفاق، ~~وأما إشهاده إياهم فليعلموا به ثم يشاهدوا ما يجري عليه الأمر من سكوت ~~آلهتهم وعجز أنفسهم من الانتقام منه ومن تنكيله. # وظهر أيضا صحة ما احتمله بعضهم أن هذا التعجيز هو معجزة هود (عليه ~~السلام) وذلك أن ظاهر الجواب أن يقطع به ما ذكر من الرد في صورة الحجة، ~~وفيها قولهم: "ما جئتنا ببينة" ومن المستبعد جدا أن يهمل النبي هود (عليه ~~السلام) في دعوته وحجته التعرض للجواب عنه مع كون هذا التحدي والتعجيز ~~صالحا في نفسه لأن يتخذ آية معجزة كما أن التبري من الشركاء من دون الله ~~صالح لأن يكشف عن عدم كونهم آلهة من دون الله وعن أن بعض آلهتهم لم يعتره بسوء. # فالحق أن قوله: "إني أشهد الله واشهدوا" إلى آخر الآيتين مشتمل على حجة ~~عقلية على بطلان ألوهية الشركاء، وعلى آية معجزة لصحة رسالة هود (عليه ~~السلام). # وفي قوله: "جميعا" إشارة إلى أن مراده تعجيزهم وتعجيز آلهتهم جميعا فيكون ~~أتم دلالة على كونه على الحق وكونهم على الباطل. # قوله تعالى: "إني توكلت على الله ربي وربكم" إلى آخر الآية. # لما كان الأمر الذي في صورة التعجيز صالحا لأن يكون بداعي إظهار عجز ~~الخصم وعدم قدرته، وصالحا لأن يصدر بداعي أن الآمر لا يخاف الخصم وإن كان ~~الخصم قادرا على الإتيان بما يؤمر به لكنه غير قادر على تخويفه وإكراهه على ~~الطاعة وحمله على ما يريد منه كقول السحرة لفرعون: "فاقض ما أنت قاض إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا:" طه: - 72. # وكان قوله: "فكيدوني جميعا ثم ms3880 لا تنظرون" محتملا لأن يكون المراد به ~~إظهار أنه لا يخافهم وإن فعلوا به ما فعلوا، عقبه لدفع هذا الاحتمال بقوله: ~~"إني توكلت على الله ربي وربكم" فذكر أنه متوكل في أمره على الله الذي هو ~~يدبر أمره وأمرهم ثم عقبه بقوله: "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي ~~على صراط مستقيم" فذكر أنه ناجح في توكله هذا فإن الله محيط بهم جميعا قاهر ~~لهم يحكم على سنة واحدة هي نصرة الحق وإظهاره على الباطل إذا تقابلا ~~وتغالبا. # فتبريه من أصنامهم وتعجيزهم على ما هم عليه من الحال بقوله: "فكيدوني ~~جميعا ثم لا تنظرون" ثم لبثه بينهم في عافية وسلامة لا يمسونه بسوء ولا ~~يستطيعون أن ينالوه بشر آية معجزة وحجة سماوية على أنه رسول الله إليهم. PageV10P155 # وقوله: "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" الدابة كل ~~ما يدب في الأرض من أصناف الحيوان، والأخذ بالناصية كناية عن كمال السلطة ~~ونهاية القدرة، وكونه تعالى على صراط مستقيم هو كون سنته في الخليقة واحدة ~~ثابتة غير متغيرة وهو تدبير الأمور على منهاج العدل والحكمة فهو يحق الحق ~~ويبطل الباطل إذا تعارضا. # فالمعنى أني توكلت على الله ربي وربكم في نجاة حجتي التي ألقيتها إليكم ~~وهو التبرز بالبراءة من آلهتكم وأنكم وآلهتكم لا تضرونني شيئا فإنه المالك ~~ذو السلطنة علي وعليكم وعلى كل دابة، وسنته العادلة ثابتة غير متغيرة فسوف ~~ينصر دينه ويحفظني من شركم. # ولم يقل: "إن ربي وربكم على صراط مستقيم" على وزان قوله: "على الله ربي ~~وربكم" فإنه في مقام الدعاء لنفسه على قومه يتوقع أن يحفظه الله من شرهم، ~~وهو يأخذه تعالى ربا بخلاف القوم فكان الأنسب أن يعده ربا لنفسه ويستمسك ~~برابطة العبودية التي بينه وبين ربه حتى ينجح طلبته، وهذا بخلاف مقام قوله: ~~"توكلت على الله ربي وربكم" فإنه يريد هناك بيان عموم السلطة والإحاطة. # قوله تعالى: "فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم" وهذه الجملة من ~~كلامه ms3881 (عليه السلام) ناظر إلى قولهم في آخر جدالهم: "إن نقول إلا اعتراك ~~بعض آلهتنا بسوء" الدال على أنهم قاطعون على أن لا يؤمنوا به ودائمون على ~~الجحد، والمعنى إن تتولوا وتعرضوا عن الإيمان بي والإطاعة لأمري فقد ~~أبلغتكم رسالة ربي وتمت عليكم الحجة ولزمتكم البلية. # قوله تعالى: "ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء ~~حفيظ" هذا وعيد وإخبار بالتبعة التي يستتبعها إجرامهم، فإنه كان وعدهم إن ~~يستغفروا الله ويتوبوا إليه أن يرسل السماء عليهم مدرارا ويزيد قوة إلى ~~قوتهم، ونهاهم أن يتولوا مجرمين ففيه العذاب الشديد. # وقوله: "ويستخلف ربي قوما غيركم" أي يجعل قوما غيركم خلفاء في الأرض ~~مكانكم فإن الإنسان خليفة منه في الأرض كما قال تعالى: "إني جاعل في الأرض ~~خليفة:" البقرة: - 30، وقد كان (عليه السلام) بين لهم أنهم خلفاء في الأرض ~~من بعد قوم نوح كما قال تعالى حكاية عن قوله لقومه: "واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة:" الآية، الأعراف: - 69. # وظاهر السياق أن الجملة الخبرية معطوفة على أخرى مقدرة، والتقدير: وسيذهب ~~بكم ربي ويستخلف قوما غيركم على حد قوله: "إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ~~ما يشاء:" الأنعام: - 133. # وقوله: "ولا تضرونه شيئا" ظاهر السياق أنه تتمة لما قبله أي لا تقدرون ~~على إضراره بشيء من الفوت وغيره إن أراد أن يهلككم ولا أن تعذيبكم وإهلاككم ~~يفوت منه شيئا مما يريده فإن ربي على كل شيء حفيظ لا يعزب عن علمه عازب ولا ~~يفوت من قدرته فائت، وللمفسرين في الآية وجوه أخر بعيدة عن الصواب أعرضنا عنها. # قوله تعالى: "ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~ونجيناهم من عذاب غليظ" المراد بمجيء الأمر نزول العذاب وبوجه أدق صدور ~~الأمر الإلهي الذي يستتبع القضاء الفاصل بين الرسول وبين قومه كما قال ~~تعالى: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي ~~بالحق وخسر هنالك المبطلون:" المؤمن: - 78. # وقوله: "برحمة منا" الظاهر ms3882 أن المراد بها الرحمة الخاصة بالمؤمنين ~~المستوجبة نصرهم في دينهم وإنجاءهم من شمول الغضب الإلهي وعذاب الاستئصال، ~~قال تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد:" المؤمن: - 51. # وقوله: "ونجيناهم من عذاب غليظ" ظاهر السياق أنه العذاب الذي شمل الكفار ~~من القوم فيكون من قبيل عطف التفسير بالنسبة إلى ما قبله، وقيل: المراد به ~~عذاب الآخرة وليس بشيء. # قوله تعالى: "وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد" الآية وما بعدها تلخيص بعد تلخيص لقصة عاد فأول التلخيصين قوله: ~~"وتلك عاد - إلى قوله - ويوم القيامة" يذكر فيه أنهم جحدوا بآيات ربهم من ~~الحكمة والموعظة والآية المعجزة التي أبانت لهم طريق الرشد وميزت لهم الحق ~~من الباطل فجحدوا بها بعد ما جاءهم من العلم. PageV10P156 # وعصوا رسل ربهم وهم هود ومن قبله من الرسل فإن عصيان الواحد منهم عصيان ~~للجميع فكلهم يدعون إلى دين واحد فهم إنما عصوا شخص هود وعصوا بعصيانه سائر ~~رسل الله وهو ظاهر قوله في موضع آخر: "كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~هود ألا تتقون:" الشعراء: - 124. # ويشعر به أيضا قوله: "واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر ~~من بين يديه ومن خلفه:" الأحقاف: - 21، ومن الممكن أن يكون لهم رسل آخرون ~~بعثوا إليهم فيما بين هود ونوح (عليهما السلام) لم يذكروا في الكتاب العزيز ~~لكن سياق الآيات لا يساعد على ذلك. # واتبعوا أمر كل جبار عنيد من جبابرتهم فألهاهم ذلك عن اتباع هود وما كان ~~يدعو إليه، والجبار العظيم الذي يقهر الناس بإرادته ويكرههم على ما أراد ~~والعنيد الكثير العناد الذي لا يقبل الحق، فهذا ملخص حالهم وهو الجحد ~~بالآيات وعصيان الرسل وطاعة الجبابرة. # ثم ذكر الله وبال أمرهم بقوله: "وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة" أي وأتبعهم الله في هذه الدنيا لعنة وإبعادا من الرحمة، ومصداق ~~هذا اللعن العذاب الذي عقبهم فلحق بهم، أو الآثام والسيئات التي تكتب عليهم ~~ما دامت الدنيا فإنهم سنوا سنة ms3883 الإشراك والكفر لمن بعدهم، قال تعالى: ~~"ونكتب ما قدموا وآثارهم:" يس: - 12. # وقيل: المعنى لحقت بهم لعنة في هذه الدنيا فكان كل من علم بحالهم من ~~بعدهم، ومن أدرك آثارهم، وكل من بلغهم الرسل من بعدهم خبرهم يلعنونهم. # وأما اللعنة يوم القيامة فمصداقه العذاب الخالد الذي يلحق بهم يومئذ فإن ~~يوم القيامة يوم جزاء لا غير. # وفي تعقيب قوله في الآية: "واتبعوا" بقوله: "وأتبعوا" لطف ظاهر. # قوله تعالى: "ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود" أي كفروا ~~بربهم فهو منصوب بنزع الخافض وهذا هو التلخيص الثاني الذي أشرنا إليه لخص ~~به التلخيص الأول فقوله: "ألا إن عادا" إلخ، يحاذي به وصف حالهم المذكور في ~~قوله: "وتلك عاد جحدوا" إلخ، وقوله: "ألا بعدا لعاد" إلخ، يحاذي به قوله: ~~"وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة" إلخ. # ويتأيد من هذه الجملة أن المراد باللعنة السابقة اللعنة الإلهية دون لعن ~~الناس، والأنسب به أحد الوجهين الأولين من الوجوه الثلاثة السابقة وخاصة ~~الوجه الثاني دون الوجه الثالث. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي عمرو السعدي قال: قال علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام): في قوله: "إن ربي على صراط مستقيم" يعني أنه على حق يجزي بالإحسان ~~إحسانا، وبالسيىء سيئا، ويعفو عمن يشاء ويغفر، سبحانه وتعالى. # أقول: وقد تقدم توضيحه، وقد ورد في الرواية عنهم (عليهم السلام): أن عادا ~~كانت بلادهم في البادية، وكان لهم زرع ونخيل كثيرة، ولهم أعمار طويلة ~~وأجساد طويلة فعبدوا الأصنام، وبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام ~~وخلع الأنداد فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه فكفت عنهم السماء سبع سنين حتى قحطوا. # الحديث. # وروي إمساك السماء عنهم من طريق أهل السنة عن الضحاك أيضا قال: أمسك عن ~~عاد القطر ثلاث سنين فقال لهم هود: "استغفروا ربكم ثم توبوا إليه - يرسل ~~السماء عليكم مدرارا" فأبوا إلا تماديا، وقد تقدم أن الآيات لا تخلو من ~~إشارة إليه. # واعلم أن الروايات في قصة هود وعاد كثيرة إلا أنها تشتمل على أمور لا ms3884 ~~سبيل إلى تصحيحها من طريق الكتاب ولا إلى تأييدها بالاعتبار ولذلك طوينا ذكرها. # وورد أيضا أخبار أخر من طرق الشيعة وأهل السنة في وصف جنة عاد التي تنسب ~~إلى شداد الملك وهي المذكورة في قوله تعالى: "إرم ذات العماد التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد:" الفجر: - 8، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في ~~تفسير سورة الفجر. # كلام في قصة هود # 1 - عاد قوم هود: # هؤلاء قوم من العرب من بشر ما قبل التاريخ كانوا يسكنون الجزيرة انقطعت ~~أخبارهم وانمحت آثارهم لا يحفظ التاريخ من حياتهم إلا أقاصيص لا يطمئن ~~إليها وليس في التوراة الموجودة منهم ذكر. # والذي يذكره القرآن الكريم من قصتهم هو أن عادا - وربما يسميهم عادا ~~الأولى النجم: 50 وفيه إشارة إلى أن هناك عادا ثانية - كانوا قوما يسكنون ~~الأحقاف 1 من شبه جزيرة العرب" الأحقاف: 21 بعد قوم نوح الأعراف: 69. PageV10P157 # كانت لهم أجساد طويلة القمر: 20، الحاقة: 7 وكانوا ذوي بسطة في الخلق ~~الأعراف: 69 أولي قوة وبطش شديد حم السجدة: 15، الشعراء: 130 وكان لهم تقدم ~~ورقي في المدنية والحضارة، لهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ~~ومقام كريم الشعراء وغيرها، وناهيك في رقيهم وعظيم مدنيتهم قوله تعالى في ~~وصفهم: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد:" الفجر: - 8. # لم يزل القوم يتنعمون بنعمة الله حتى غيروا ما بأنفسهم فتعرقت فيهم ~~الوثنية وبنوا بكل ريع آية يعبثون واتخذوا مصانع لعلهم يخلدون وأطاعوا ~~طغاتهم المستكبرين فبعث الله إليهم أخاهم هودا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إلى ~~أن يعبدوا الله ويرفضوا الأوثان، ويعملوا بالعدل والرحمة الشعراء: 130 ~~فبالغ في وعظهم وبث النصيحة فيهم، وأنار الطريق وأوضح السبيل، وقطع عليهم ~~العذر فقابلوه بالآباء والامتناع، وواجهوه بالجحد والإنكار ولم يؤمن به إلا ~~شرذمة منهم قليلون وأصر جمهورهم على البغي والعناد، ورموه بالسفه والجنون، ~~وألحوا عليه بأن ينزل عليهم العذاب الذي كان ينذرهم ويتوعدهم به قال: "إنما ~~العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ms3885 ولكني أراكم قوما تجهلون: الأحقاف: - 23. # فأنزل الله عليهم العذاب وأرسل إليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت ~~عليه إلا جعلته كالرميم الذاريات: 42 ريحا صرصرا في أيام نحسات سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية الحاقة: 7 ~~وكانت تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر القمر: 20. # وكانوا بادىء ما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم استبشروا وقالوا: عارض ممطرنا ~~وقد أخطئوا بل كان هو الذي استعجلوا به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء ~~بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم الأحقاف: 25 فأهلكهم الله عن آخرهم ~~وأنجى هودا والذين آمنوا معه برحمة منه هود: 58. # 2 - شخصية هود المعنوية: # وأما هود (عليه السلام) فهو من قوم عاد وثاني الأنبياء الذين انتهضوا ~~للدفاع عن الحق ودحض الوثنية ممن ذكر الله قصته وما قاساه من المحنة والأذى ~~في جنب الله سبحانه، وأثنى عليه بما أثنى على رسله الكرام وأشركه بهم في ~~جميل الذكر عليه سلام الله. PageV10P158 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 61 - 68 # وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم ~~من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب (61) ~~قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ءاباؤنا ~~وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة ~~من ربى وءاتاخ منه رحمة فمن ينصرنى من الله إن عصيته فما تزيدوننى غير ~~تخسير (63) ويقوم هذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل فى أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ثلثة ~~أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صلحا والذين ءامنوا معه ~~برحمة منا ومن خزى يومئذ إن ربك هو القوى العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة فأصبحوا فى ديرهم جثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ~~ربهم ألا بعدا لثمود (68) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات الكريمة قصة صالح النبي (عليه السلام) ms3886 وقومه وهم ثمود، وهو ~~(عليهما السلام) ثالث الأنبياء القائمين بدعوة التوحيد الناهضين على ~~الوثنية. # دعا ثمود إلى التوحيد وتحمل الأذى والمحنة في جنب الله حتى قضي بينه وبين ~~قومه بهلاكهم ونجاته ونجاة من معه من المؤمنين. # قوله تعالى: "وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره" تقدم الكلام في نظيرة الآية في قصة هود. # قوله تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" إلى آخر الآية. # قال الراغب الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان ~~قال: "هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار". # انتهى، وقال: العمارة ضد الخراب يقال: عمر أرضه يعمرها عمارة قال: ~~"وعمارة المسجد الحرام" يقال: عمرته فعمر فهو معمور قال: "وعمروها أكثر مما ~~عمروها" "والبيت المعمور" وأعمرته الأرض واستعمرته إذا فوضت إليه العمارة ~~قال: "واستعمركم فيها" انتهى، فالعمارة تحويل الأرض إلى حال تصلح بها أن ~~ينتفع من فوائدها المترقبة منها كعمارة الدار للسكنى والمسجد للعبادة ~~والزرع للحرث والحديقة لاجتناء فاكهتها والتنزه فيها والاستعمار هو طلب ~~العمارة بأن يطلب من الإنسان أن يجعل الأرض عامرة تصلح لأن ينتفع بما يطلب ~~من فوائدها. # وعلى ما مر يكون معنى قوله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" - ~~والكلام يفيد الحصر - أنه تعالى هو الذي أوجد على المواد الأرضية هذه ~~الحقيقة المسماة بالإنسان ثم كملها بالتربية شيئا فشيئا وأفطره على أن ~~يتصرف في الأرض بتحويلها إلى حال ينتفع بها في حياته، ويرفع بها ما يتنبه ~~له من الحاجة والنقيصة أي إنكم لا تفتقرون في وجودكم وبقائكم إلا إليه ~~تعالى وتقدس. # فقول صالح: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" في مقام التعليل وحجة ~~يستدل بها على ما ألقاه إليهم من الدعوة بقوله: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره" ولذلك جيء بالفصل كأنه قيل له: لم نعبده وحده؟ فقال: لأنه هو ~~الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها. # وذلك لأنهم إنما كانوا يعبدون الأوثان ويتخذونها شركاء لله تعالى لأنهم ~~كانوا يقولون - على مزعمتهم - إن ms3887 الله سبحانه أعظم من أن يحيط به فهم وأرفع ~~وأبعد من أن تناله عبادة أو ترتفع إليه مسألة، ولا بد للإنسان من ذلك فمن ~~الواجب أن نعبد بعض مخلوقاته الشريفة التي فوض إليه أمر هذا العالم الأرضي ~~وتدبير النظام الجاري فيه ونتقرب بالتضرع إليه حتى يرضى عنا فينزل علينا ~~الخيرات، ولا يسخط علينا ونأمن بذلك الشرور، وهذا الإله الرب بالحقيقة ~~شفيعنا عند الله لأنه إله الآلهة ورب الأرباب، وإليه يرجع الأمر كله. PageV10P159 # فدين الوثنية مبني على انقطاع النسبة بين الله سبحانه وبين الإنسان ~~واستقرارها بينه وبين تلك الوسائط الشريفة التي يتوجهون إليها مع استقلال ~~هذه الوسائط في التأثير، وشفاعتها عند الله. # ولما كان الله تعالى هو الذي أنشأ الإنسان من الأرض واستعمره فيها فهو ~~تعالى ذو نسبة إلى الإنسان قريب منه، ولا استقلال لشيء من هذه الأسباب التي ~~نظمها وأجراها في هذا العالم حتى يرجى منها خير بالإرضاء أو يترقب شر ~~بالإسخاط. # فالله سبحانه هو الذي يجب أن يعبد فيرجى بذلك رضاه، ويتقى بذلك سخطه ~~لمكان أنه هو الخالق للإنسان ولكل شيء المدبر أمره وأمر كل شيء فقوله: "هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" مسوق لتعليل سابقه والاحتجاج عليه من طريق ~~إثبات النسبة بينه تعالى وبين الإنسان ونفي الاستقلال من الأسباب. # ولذلك عقبه بقوله: "فاستغفروه ثم توبوا إليه" على وجه التفريع أي فإذا ~~كان الله تعالى هو الذي يجب عليكم أن تعبدوه وتتركوا غيره لكونه هو خالقكم ~~المدبر لأمر حياتكم فاسألوه أن يغفر لكم معصيتكم بعبادة غيره، وارجعوا إليه ~~بالإيمان به وعبادته. # إنه قريب مجيب. # وقد علل قوله: "فاستغفروه" إلخ، بقوله: "إن ربي قريب مجيب" لأنه استنتج ~~من حجته المذكورة أنه تعالى يقوم بإيجاد الإنسان وتربيته وتدبير أمر حياته، ~~وأنه لا استقلال لشيء من الأسباب العمالة في الكون بل الله تعالى هو الذي ~~يسوق هذا إلى هنا، ويصرف ذاك عن هناك فهو تعالى الحائل بين الإنسان وبين ~~حوائجه وجميع الأسباب العمالة فيها، القريب منه لا كما يزعمون أنه لا يدركه ms3888 ~~فهم ولا يناله عبادة وقربان، وإذا كان قريبا فهو مجيب، وإذا كان قريبا ~~مجيبا وهو الله لا إله غيره فمن الواجب أن يستغفروه ثم يتوبوا إليه. # قوله تعالى: "قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ~~ما يعبد آباؤنا" إلخ، الرجاء إنما يتعلق بالإنسان لا من جهة ذاته بل من جهة ~~أفعاله وآثاره، ولا يرجى منها إلا الخير والنفع فكونه مرجوا هو أن يوجد ذا ~~رشد وكمال في شخصه وبيته فيستهل منه الخير ويترقب منه النفع، وقوله: "قد ~~كنت فينا" دليل على كونه مرجوا لعامتهم وجمهورهم. # فقولهم: "يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا" معناه أن ثمود كانت ترجو ~~منك أن تكون من أفرادها الصالحة تنفع بخدماتك مجتمعهم وتحمل الأمة على صراط ~~الترقي والتعالي لما كانت تشاهد فيك من أمارات الرشد والكمال لكنهم يئسوا ~~منك ومن رزانة رأيك اليوم بما أبدعت من القول وأقمت من الدعوة. # وقولهم: "أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا" استفهام إنكاري بداعي المذمة ~~والملامة، والاستفهام في مقام التعليل لما قبله محصله أن سبب يأسهم منك ~~اليوم أنك تنهاهم من إقامة سنة من سنن مليتهم وتمحو أظهر مظاهر قوميتهم فإن ~~اتخاذ الأوثان من سنن هذا المجتمع المقدسة، واستمرار إقامة السنن المقدسة ~~من المجتمع دليل على أنهم ذوو أصل عريق ثابت، ووحدة قومية لها استقامة في ~~الرأي والإرادة. # والدليل على ما ذكرنا قوله: "أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا" الدال على ~~معنى العبادة المستمرة باتصال عبادة الأبناء بعبادة الآباء ولم يقل: ~~أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا؟ والفرق بين التعبيرين من جهة المعنى واضح. # ومن هنا يظهر أن تفسير بعض المفسرين كصاحب المنار وغيره قوله: "أن نعبد ~~ما يعبد آباؤنا" بقولهم: "أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا" من الخطإ. # وقوله: "وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب" حجة ثانية لهم في رد دعوة ~~صالح (عليه السلام)، وحجتهم الأولى ما يتضمنه صدر الآية ومحصلها أن ما تدعو ~~إليه من رفض عبادة الأصنام بدعة ms3889 منكرة تذهب بسنة ثمود المقدسة وتهدم بنيان ~~مليتهم، وتميت ذكرهم فعلينا أن نرده، والثانية أنك لم تأت بحجة بينة على ما ~~تدعو إليه تورث اليقين وتميط الشك عنا فنحن في شك مريب مما تدعونا إليه ~~وليس لنا أن نقبل ما تندب إليه على شك منا فيه. # والإرابة الاتهام وإساءة الظن يقال: رابني منه كذا إذا أوجب فيه الشك ~~وأرابني كذا إرابة إذا حملك على اتهامه وسوء الظن به. # قوله تعالى: "قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة" ~~إلى آخر الآية. PageV10P160 # المراد بالبينة الآية المعجزة وبالرحمة النبوة، وقد تقدم الكلام في نظير ~~الآية من قصة نوح (عليه السلام) في السورة. # وقوله: "فمن ينصرني من الله إن عصيته" جواب الشرط، وحاصل المعنى: أخبروني ~~إن كنت مؤيدا بآية معجزة تنبىء عن صحة دعوتي وأعطاني الله الرسالة فأمرني ~~بتبليغ رسالته فمن ينجني من الله ويدفع عني إن أطعتكم فيما تسألون ووافقتكم ~~فيما تريدونه مني وهو ترك الدعوة. # ففي الكلام جواب عن كلتا حجتيهم واعتذار عما لاموه عليه من الدعوة ~~المبتدعة. # وقوله: "فما تزيدونني غير تخسير" تفريع على قوله السابق الذي ذكره في ~~مقام دحض الحجتين والاعتذار عن مخالفتهم والقيام بدعوتهم إلى خلاف سنتهم ~~القومية فالمعنى فما تزيدونني في حرصكم على ترك الدعوة والرجوع إليكم ~~واللحوق بكم غير أن تخسروني فما مخالفة الحق إلا خسارة. # وقيل: المراد أنكم ما تزيدونني في قولكم: أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا؟ غير نسبتي إياكم إلى الخسارة. # وقيل: المعنى ما تزيدونني إلا بصيرة في خسارتكم والوجه الأول أوجه. # قوله تعالى: "ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب" إضافة الناقة إلى الله إضافة تشريف كبيت ~~الله وكتابة الله. # وكانت الناقة آية معجزة له (عليه السلام) تؤيد نبوته، وقد أخرجها عن ~~مسألتهم من صخر الجبل بإذن الله، وقال لهم: أنها تأكل في أرض الله محررة، ~~وحذرهم أن يمسوها بسوء أي يصيبوها بضرب أو جرح ms3890 أو قتل. # وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك أخذهم عذاب قريب معجل، وهذا معنى الآية. # قوله تعالى: "فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب" عقر الناقة نحرها، والدار هي المكان الذي يبنيه الإنسان فيسكن فيه ~~ويأوي إليه هو وأهله، والمراد بها في الآية المدينة سميت دارا لأنها تجمع ~~أهلها كما تجمع الدار أهلها، وقيل المراد بالدار الدنيا، وهو بعيد. # والمراد بتمتعهم في مدينتهم العيش والتنعم بالحياة لأن الحياة الدنيا ~~متاع يتمتع به، أو الالتذاذ بأنواع النعم التي هيئوها فيها من مناظر ذات ~~بهجة والأثاث والمأكول والمشروب والاسترسال في أهواء أنفسهم. # وقوله: "ذلك وعد غير مكذوب" الإشارة إلى قوله: "تمتعوا" إلخ، و"وعد غير ~~مكذوب" بيان له. # قوله تعالى: "فلما جاء أمرنا نجينا صالحا" إلى آخر الآية. # أما قوله: "فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا" فقد ~~تقدم الكلام في مثله في قصة هود. # وأما قوله: "ومن خزي يومئذ" فمعطوف على محذوف والتقدير نجيناهم من العذاب ~~ومن خزي يومئذ، والخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيي من إظهاره أو أن ~~التقدير: نجيناهم من القوم ومن خزي يومئذ على حد قوله: "ونجني من القوم ~~الظالمين". # وقوله: "إن ربك هو القوي العزيز" في موضع التعليل لمضمون صدر الآية وفيه ~~التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة، وقد تقدم نظيره في آخر قصة هود في ~~قوله: "ألا إن عادا كفروا ربهم" والوجه فيه ذكر صفة الربوبية ليدل به على ~~خروجهم من زي العبودية وكفرهم بالربوبية وكفرانهم نعم ربهم. # قوله تعالى: "وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين" يقال: ~~جثم جثوما إذا وقع على وجهه، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "كأن لم يغنوا فيها" غني بالمكان أي أقام فيه والضمير راجع ~~إلى الديار. # قوله تعالى: "ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود" الجملتان تلخيص ما ~~تقدم تفصيله من القصة فالجملة الأولى تلخيص ما انتهى إليه أمر ثمود ودعوة ~~صالح (عليه السلام)، والثانية تلخيص ما جازاهم الله به، وقد تقدم نظيرة ~~الآية ms3891 في آخر قصة هود. PageV10P161 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، مسندا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت ~~له: "كذبت ثمود بالنذر - فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه - إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر" قال: هذا فيما كذبوا صالحا، وما أهلك الله عز وجل قوما قط حتى يبعث ~~قبل ذلك الرسل فيحتجوا عليهم. فبعث الله إليهم صالحا فلم يجيبوه وعتوا ~~عليه، وقالوا لن نؤمن لك حتى تخرج إلينا من هذه الصخرة ناقة عشراء وكانت ~~الصخرة يعظمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة ويجتمعون عندها، ~~فقالوا: إن كنت كما تزعم نبيا رسولا فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه ~~الصخرة الصماء ناقة عشراء فأخرجها الله كما طلبوا منه. ثم أوحى الله تبارك ~~وتعالى إليه أن يا صالح قل لهم: إن الله قد جعل لهذه الناقة لها شرب يوم ~~ولكم شرب يوم فكانت الناقة إذا كان يومها شربت الماء ذلك اليوم فيحبسونها ~~فلا يبقى صغير وكبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك فإذا كان الليل وأصبحوا ~~غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم فمكثوا ~~بذلك ما شاء الله. ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض قال: اعقروا ~~هذه الناقة واستريحوا منها لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم. ثم ~~قالوا: من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا ما أحب؟ فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ~~ولد زنا لا يعرف له أب يقال له: قدار شقي من الأشقياء مشئوم عليهم فجعلوا ~~له جعلا. فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت ~~وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم يعمل شيئا فضربها ~~ضربة أخرى فقتلها وخرت على الأرض على جنبها، وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل ~~فرغا ثلاث مرات إلى السماء، وأقبل قوم صالح فلم يبق منهم أحد إلا شركه في ~~ضربته، واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل ~~منها. فلما ms3892 رأى ذلك صالح أقبل إليهم وقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم؟ ~~أعصيتم أمر ربكم؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح (عليه السلام): إن قومك ~~قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثها الله إليهم حجة عليهم ولم يكن لهم فيها ~~ضرر وكان لهم أعظم المنفعة فقل لهم: إني مرسل إليهم عذابي إلى ثلاثة أيام ~~فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا ~~بعثت إليهم عذابي في اليوم الثالث. فأتاهم صالح وقال: يا قوم إني رسول ربكم ~~إليكم وهو يقول لكم: إن تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم، فلما ~~قال لهم ذلك +" قالوا ظ "+ كانوا أعتى ما قالوا وأخبث وقالوا: يا صالح ~~ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال: يا قوم إنكم تصبحون غدا ووجوهكم ~~مصفرة، واليوم الثاني وجوهكم محمرة واليوم الثالث وجوهكم مسودة فلما أن كان ~~أول يوم أصبحوا وجوههم مصفرة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال ~~صالح فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله وإن كان عظيما. ~~فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا ~~قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح فقال العتاة منهم لو أهلكنا جميعا ما سمعنا ~~قول صالح ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ولم يتوبوا ولم يرجعوا ~~فلما كان اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم مسودة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا ~~قوم أتاكم ما قال لكم صالح فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح. ~~فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ لهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم ~~وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم وقد كانوا في تلك الثلاثة الأيام قد تحنطوا ~~وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا جميعا في طرفة عين: صغيرهم ~~وكبيرهم فلم يبق لهم ناعقة ولا راعية ولا شيء إلا أهلكه الله فأصبحوا في ~~ديارهم ومضاجعهم موتى فأرسل الله إليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقهم ~~أجمعين، وكانت هذه قصتهم. # أقول: واشتمال ms3893 الحديث على أمور خارقة للعادة كشرب الناس جميعا من لبن ~~الناقة وكذا تغير ألوان وجوههم يوما فيوما لا ضير فيه بعد ما كان أصل ~~وجودها عن إعجاز، وقد نص القرآن الكريم بذلك، وبأنها كانت لها شرب يوم ~~ولأهل المدينة كلهم شرب يوم معلوم. PageV10P162 # وأما كون الصيحة من جبرئيل فلا ينافي كونها صاعقة سماوية نازلة عليهم ~~إماتتهم بصوتها وأحرقتهم بنارها إذ لا مانع من نسبة حادث من الحوادث ~~الكونية خارق للعادة أو جار عليها إلى ملك روحاني إذا كان هو في مجرى صدوره ~~كما أن سائر الحوادث الكونية من الموت والحياة والرزق وغيرها منسوبة إلى ~~الملائكة العمالة. # وقوله (عليه السلام): إنهم قد كانوا في الثلاثة الأيام قد تحنطوا وتكفنوا ~~كأنه كناية عن تهيئهم للموت. # وقد وقع في بعض الروايات في وصف الناقة أنه كانت بين جنبيها مسافة ميل ~~وهو مما يوهن الرواية لا لاستحالة وقوعه فإن ذلك ممكن الدفع من جهة أن ~~كينونتها كانت عن إعجاز بل لأن اعتبار النسبة بين أعضائها حينئذ يوجب بلوغ ~~ارتفاع سنامها مما يقرب من ثلاثة أميال ولا يتصور مع ذلك أن يتمكن واحد من ~~الناس من قتله بسيفه ولم يقع ذلك عن إعجاز من عاقر الناقة قطعا، ومع ذلك لا ~~يخلو قوله تعالى: "لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم" من دلالة أو إشعار على ~~كون جثتها عظيمة جدا. # كلام في قصة صالح في فصول # 1 - ثمود قوم صالح (عليه السلام) # : ثمود قوم من العرب العاربة كانوا يسكنون وادي القرى بين المدينة ~~والشام، وهم من بشر ما قبل التاريخ لا يضبط التاريخ إلا شيئا يسيرا من ~~أخبارهم، ولقد عفت الدهور آثارهم فلا اعتماد على ما يذكر من جزئيات قصصهم. # والذي يقصه كتاب الله من أخبارهم أنهم كانوا أمة من العرب على ما يدل ~~عليه اسم نبيهم وقد كان منهم هود: 61 نشئوا بعد قوم عاد ولهم حضارة ومدنية ~~يعمرون الأرض ويتخذون من سهولها قصورا وينحتون من الجبال بيوتا آمنين ~~الأعراف: 74 ومن شغلهم الفلاحة بإجراء ms3894 العيون وإنشاء الجنات والنخيل والحرث ~~الشعراء: 148. # كانت ثمود تعيش على سنة الشعوب والقبائل يحكم فيهم سادتهم وشيوخهم وقد ~~كانت في المدينة التي بعث فيها صالح تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ~~النمل: 48 فطغوا في الأرض وعبدوا الأصنام وأفرطوا عتوا وظلما. # 2 - بعثة صالح (عليه السلام) # : لما نسيت ثمود ربها وأسرفوا في أمرهم أرسل الله إليهم صالحا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وكان من بيت الشرف والفخار معروفا بالعقل والكفاية ~~هود 62 - النمل 49 فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وأن يتركوا عبادة الأصنام ~~وأن يسيروا في مجتمعهم بالعدل والإحسان، ولا يعلوا في الأرض ولا يسرفوا ولا ~~يطغوا وأنذرهم بالعذاب" هود - الشعراء - الشمس وغيرها. # فقام (عليه السلام) بالدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة وصبر ~~على الأذى في جنب الله فلم يؤمن به إلا جماعة قليلة من ضعفائهم الأعراف: 75 ~~وأما الطغاة المستكبرون وعامة من تبعهم فأصروا على كفرهم واستذلوا الذين ~~آمنوا به ورموه بالسفاهة والسحر الأعراف 66 - الشعراء 153 - النمل 47. # وطلبوا منه البينة على مقاله، وسألوه آية معجزة تدل على صدقه في دعوى ~~الرسالة، واقترحوا له أن يخرج لهم من صخر الجبل ناقة فأتاهم بناقة على ما ~~وصفوها به، وقال لهم: إن الله يأمركم أن تشربوا من عين مائكم يوما وتكفوا ~~عنها يوما فتشربها الناقة فلها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، وأن تذروها ~~تأكل في أرض الله كيف شاءت ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب الأعراف 72 - ~~هود 64 - الشعراء 156. # وكان الأمر على ذلك حينا ثم إنهم طغوا ومكروا وبعثوا أشقاهم لقتل الناقة ~~فعقرها، وقالوا لصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. # قال صالح (عليه السلام): تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب: ~~هود - 65. # ثم مكرت شعوب المدينة وأرهاطها بصالح وتقاسموا بينهم لنبيتنه وأهله ثم ~~نقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، ومكروا مكرا ومكر الله مكرا ~~وهم لا يشعرون النمل 50 فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون: الذاريات - 44 والرجفة ~~والصيحة فأصبحوا في دارهم ms3895 جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين الأعراف 79 - هود 67 وأنجى الله ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون حم السجدة 18 ونادى بعدهم المنادي الإلهي: ألا إن ~~ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود. # 3 - شخصية صالح (عليه السلام) # : لم يرد لهذا النبي الصالح في التوراة الحاضرة ذكر. PageV10P163 # كان (عليه السلام) من قوم ثمود ثالث الأنبياء المذكورين في القرآن بالقيام ~~بأمر الله والنهضة للتوحيد على الوثنية يذكره الله تعالى بعد نوح وهود، ~~ويحمده ويثني عليه بما أثنى به على أنبيائه ورسله، وقد اختاره وفضله ~~كسائرهم على العالمين (عليهم السلام). PageV10P164 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 69 - 76 # ولقد جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى قالوا سلما قال سلم فما لبث أن جاء بعجل ~~حنيذ (69) فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ~~إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرنها بإسحق ومن وراء ~~إسحق يعقوب (71) قالت يويلتى ء ألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشىء ~~عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت إنه ~~حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبرهيم الروع وجاءته البشرى يجدلنا فى قوم لوط ~~(74) إن إبرهيم لحليم أوه منيب (75) يإبرهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ~~ربك وإنهم ءاتيهم عذاب غير مردود (76) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات قصة بشرى إبراهيم (عليه السلام) بالولد، وأنها كالتوطئة لما ~~سيذكر بعده من قصة ذهاب الملائكة إلى لوط النبي (عليه السلام) لإهلاك قومه ~~فإن تلك القصة ذيل هذه القصة وفي آخر قصة البشرى ما يتبين به وجه قصة ~~الإهلاك وهو قوله: "إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود" الآية. # قوله تعالى: "ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى" إلى آخر الآية البشرى هي ~~البشارة، والعجل ولد البقرة، والحنيذ فعيل بمعنى المفعول أي المحنوذ وهو ~~اللحم المشوي على حجارة محماة بالنار كما أن القديد هو المشوي على حجارة ~~محماة بالشمس على ما ذكره بعض اللغويين، وذكر ms3896 بعضهم أنه المشوي الذي يقطر ~~ماء وسمنا، وقيل: هو مطلق المشوي، وقوله تعالى في سورة الذاريات في القصة: ~~"فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين" لا يخلو من تأييد ما للمعنى الثاني. # وقوله: "ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى" معطوف على قوله سابقا: "ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه" قال في المجمع،: وإنما دخلت اللام لتأكيد الخبر ~~ومعنى قد هاهنا أن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع ~~فجاءت لتؤذن أن السامع في حال توقع. # انتهى. # والرسل هم الملائكة المرسلون إلى إبراهيم للبشارة وإلى لوط لإهلاك قومه ~~وقد اختلفت كلمات المفسرين في عددهم مع القطع بكونهم فوق الاثنين لدلالة ~~لفظ الجمع - الرسل - على ذلك، وفي بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) أنهم كانوا أربعة من الملائكة الكرام، وسيأتي نقلها إن شاء الله في ~~البحث الروائي. # والبشرى التي جاءت بها الرسل إبراهيم (عليه السلام) لم يذكر بلفظها في ~~القصة، والتي ذكرت فيها منها هي البشارة لامرأته، وإنما ذكرت بشارة إبراهيم ~~نفسه في غير هذا المورد كسورتي الحجر والذاريات، ولم يصرح فيهما باسم من ~~بشر به إبراهيم أهو إسحاق أم إسماعيل (عليهما السلام) أو أنهم بشروه ~~بكليهما؟ وظاهر سياق القصة في هذه السورة أنها البشارة بإسحاق، وسيأتي ~~البحث المستوفى عن ذلك في آخر القصة. # وقوله: "قالوا سلاما قال سلام" أي تسالموا هم وإبراهيم فقالوا: سلاما أي ~~سلمنا عليك سلاما، وقال إبراهيم: سلام أي عليكم سلام. # والسلام الواقع في تحية إبراهيم (عليه السلام) نكرة ووقوعه نكرة في مقام ~~التحية دليل على أن المراد به الجنس أو أن له وصفا محذوفا للتفخيم ومزيد ~~التكريم والتقدير: عليكم سلام زاك طيب أو ما في معناه، ولذا ذكر بعض ~~المفسرين: أن رفع السلام أبلغ من نصبه فقد حياهم بأحسن تحيتهم فبالغ في ~~إكرامهم ظنا منه أنهم ضيف وقوله: "فما لبث أن جاء بعجل حنيذ" أي ما أبطأ في ~~أن قدم إليهم عجلا مشويا يقطر ماء وسمنا وأسرع في ذلك. # قوله تعالى: "فلما رأى أيديهم لا تصل ms3897 إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة" عدم ~~وصول أيديهم إليه كناية عن أنهم ما كانوا يمدون أيديهم إلى الطعام، وذلك ~~أمارة العداوة وإضمار الشر، ونكرهم وأنكرهم بمعنى واحد وإنما كان أنكرهم ~~لإنكاره ما شاهد منهم من فعل غير معهود. PageV10P165 # والإيجاس الخطور القلبي، قال الراغب: الوجس الصوت الخفي، والتوجس التسمع، ~~والإيجاس وجود ذلك النفس قال: وأوجس منهم خيفة، والواجس قالوا: هو حالة ~~تحصل من النفس بعد الهاجس لأن الهاجس مبتدأ التفكير ثم يكون الواجس الخاطر. # انتهى. # فالجملة من الكناية كان لطروق الخيفة - وهو النوع من الخوف - وخطوره في ~~النفس صوتا تسمع بالسمع القلبي، والمراد أنه استشعر في نفسه خوفا ولذلك ~~أمنوه وطيبوا نفسه بقولهم: "لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط". # ومعنى الآية أن إبراهيم (عليه السلام) لما قدم إليهم العجل المشوي رآهم ~~لا يأكلون منه كالممتنع من الأكل - وذلك أمارة الشر - استشعر في نفسه منهم ~~خوفا قالوا تأمينا له وتطييبا لنفسه: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط فعلم ~~أنهم من الملائكة الكرام المنزهين من الأكل والشرب وما يناظر ذلك من لوازم ~~البدن المادية، وأنهم مرسلون لخطب جليل. # ونسبة استشعار الخوف إلى إبراهيم (عليه السلام) لا ينافي ما كان عليه من ~~مقام النبوة الملازم للعصمة الإلهية من المعصية والرذائل الخلقية فإن مطلق ~~الخوف وهو تأثر النفس عن مشاهدة المكروه التي تبعثها إلى التحذر منه ~~والمبادرة إلى دفعه ليس من الرذائل، وإنما الرذيلة هي التأثر الذي يستوجب ~~بطلان مقاومة النفس وظهور العي والفزع والذهول عن التدبير لدفع المكروه وهو ~~المسمى بالجبن كما أن عدم التأثر عن مشاهدة المكروه مطلقا وهو المسمى تهورا ~~ليس من الفضيلة في شيء. # وذلك أن الله سبحانه لم يخلق هذه الحالات النفسانية التي تظهر في النفوس ~~ومنها التأثر والانفعال عند مشاهدة المكروه والشر كالشوق والميل والحب وغير ~~ذلك عند مشاهدة المحبوب والخير عبثا باطلا فإن جلب الخير والنفع ودفع الشر ~~والضرر مما فطر على ذلك أنواع الموجودات على كثرتها وعليه يدور رحى الوجود ~~في نظامه العام. # ولما كان ms3898 هذا النوع المسمى بالإنسان إنما يسير في مسير بقائه بالشعور ~~والإرادة كان عمل الجلب والدفع فيه مترشحا عن شعوره وإرادته، ولا يتم إلا ~~عن تأثر نفساني يسمى في جانب الحب ميلا وشهوة وفي جانب البغض والكراهة خوفا ووجلا. # ثم لما كانت هذه الأحوال النفسانية الباطنة ربما ساقت الإنسان إلى أحد ~~جانبي الإفراط والتفريط كان من الواجب على الإنسان أن يقوم من الدفع على ما ~~ينبغي وهو فضيلة الشجاعة كما أن من الواجب عليه أن يبادر من الجلب إلى ما ~~ينبغي على ما ينبغي وهو فضيلة العفة وهما حدا الاعتدال بين الإفراط ~~والتفريط، وأما انتفاء التأثر بأن يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة الصريحة ~~في باب الدفع وهو التهور، أولا تنزع نفسه إلى شيء مطلوب قط في باب الجلب ~~والشهوة وهو الخمول وكذا بلوغ التأثر من القوة إلى حيث ينسى الإنسان نفسه ~~ويذهل عن واجب رأيه وتدبيره فيجزع عن كل شبح يتراءى له في باب الدفع وهو ~~الجبن أو ينكب على كل ما تهواه نفسه وتشتهيه كالبهيمة على عليقها في باب ~~الشهوة وهو الشره فجميع هذه من الرذائل. # والذي آثر الله سبحانه به أنبياءه من العصمة إنما يثبت في نفوسهم فضيلة ~~الشجاعة دون التهور، وليست الشجاعة تقابل الخوف الذي هو مطلق التأثر عن ~~مشاهدة المكروه، وهو الذي يدعو النفس إلى القيام بواجب الدفع، وإنما تقابل ~~الجبن الذي هو بلوغ التأثر النفساني إلى حيث يبطل الرأي والتدبير ويستتبع ~~العي والانهزام. # قال تعالى: "الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله:" ~~الأحزاب: - 39، وقال مخاطبا لموسى (عليه السلام): "لا تخف إنك أنت الأعلى:" ~~طه: - 68، وقال حكاية عن قول شعيب له (عليه السلام): "لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين:" القصص: - 25، وقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء:" الأنفال: - 58. PageV10P166 # والخليل (عليه السلام) هو النبي الكريم الذي قام بالدعوة الحقة إذ لا يذكر ~~اسم الله وحده، ونازع وثنية قومه فحاج أباه آزر وقومه وحاج الملك الجبار ms3899 ~~نمرود وكان يدعي الألوهية، وكسر أصنام القوم حتى ألقوه في النار فأنجاه ~~الله من النار فلم يجبنه شيء من تلك المهاول، ولا هزمه في جهاده في سبيل ~~الله هازم، ومثل هذا النبي على ما له من الموقف الروحي إن خاف من شيء أو ~~وجل من أحد أو ارتاعه أمر - على اختلاف تعبير الآيات - فإنما يخافه خوف حزم ~~ولا يخافه خوف جبن، وإذا خاف من شيء على نفسه أو عرضه أو ماله فإنما يخاف ~~لله لا لهوى من نفسه. # قوله تعالى: "وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب" ~~ضحكت من الضحك بفتح الضاد أي حاضت، ويؤيده تفريع البشارة عليه في قوله ~~عقيبه: "فبشرناها" إلخ، ويكون ضحكها أمارة تقرب البشرى إلى القبول، وآية ~~تهيىء نفسها للإذعان بصدقهم فيما يبشرون به، ويكون ذكر قيامها لتمثيل ~~المقام وأنها ما كانت تخطر ببالها أنها ستحيض وهي عجوز، وإنما كانت قائمة ~~تنظر ما يجري عليه الأمر بين بعله وبين الضيفان النازلين به وتحادثهم. # والمعنى أن إبراهيم (عليه السلام) كان يكلمهم ويكلمونه في أمر الطعام ~~والحال أن امرأته قائمة هناك تنظر إلى ما يجري بين الضيفان وبين إبراهيم ~~وما كان يخطر ببالها شيء دون ذلك ففاجأها أنها حاضت فبشرته الملائكة ~~بالولد. # وأكثر المفسرين أخذوا الكلمة من الضحك بكسر الضاد ضد البكاء ثم اختلفوا ~~في توجيه سببه، وأقرب الوجوه هو أن يقال: إنها كانت قائمة هناك وقد ذعرت من ~~امتناع الضيوف من الأكل وهو يهتف بالشر فلما لاحت لها أنهم ملائكة مكرمون ~~نزلوا ببيتهم وأن لا شر في ذلك يتوجه إليهم سرت وفرحت فضحكت فبشروه بإسحاق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب. # وهناك وجوه أخر ذكروها خالية عن الدليل كقولهم إنها ضحكت تعجبا من غفلة ~~قوم لوط، وقولهم: إنها ضحكت تعجبا من امتناع الضيوف من الأكل والحال أنها ~~تخدمهم بنفسها، وقولهم: إنها كانت أشارت إلى إبراهيم أن يضم إليه لوطا لأن ~~فحشاء قومه سيعقبهم العذاب والهلاك فلما سمعت من الملائكة قولهم: إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط سرت وضحكت ms3900 لإصابتها في الرأي، وقولهم: إنها ضحكت تعجبا ~~مما بشروها به من الولد وهي عجوز عقيم، وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير ~~والتقدير: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت. # وقوله: "فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب" إسحاق هو ابنها من ~~إبراهيم، ويعقوب هو ابن إسحاق (عليه السلام) فالمراد أن الملائكة بشروها ~~بأنها ستلد إسحاق وإسحاق سيولد له يعقوب ولد بعد ولد. # هذا على قراءة يعقوب بالفتح وهو منزوع الخافض وقرىء برفع يعقوب وهو بيان ~~لتتمة البشارة، والأولى أرجح. # وكان في هذا التعبير: "ومن وراء إسحق يعقوب" إشارة إلى وجه تسمية يعقوب ~~(عليه السلام) بهذا الاسم، وهو أنه كان يعقب بحسب هذه البشارة أباه إسحاق ~~وقد ذكر فيها أنه وراءه، ويكون فيها تخطئة لما في التوراة من السبب في ~~تسمية يعقوب به. # قال في التوراة الحاضرة: وكان إسحاق ابن أربعين سنة لما اتخذ لنفسه زوجه ~~"رفقة" بنت بنوئيل الأرامي أخت لابان الأرامي من فدان الأرام، وصلى إسحاق ~~إلى الرب لأجل امرأته لأنها كانت عاقرا فاستجاب له الرب فحبلت رفقة امرأته ~~وتزاحم الولدان في بطنها فقالت: إن كان هكذا فلما ذا أنا، فمضت لتسأل الرب ~~فقال لها الرب: في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان: شعب يقوى على شعب، ~~وكبير يستعبد لصغير. # فلما كملت أيامها لتلد إذا في بطنها توأمان فخرج الأول أحمر كله كفروة ~~شعر فدعي اسمه عيسو، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب. # انتهى موضع الحاجة وهذا من لطائف القرآن الكريم. # قوله تعالى: "قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء ~~عجيب" الويل القبح وكل مساءة توجب التحسر من هلكة أو مصيبة أو فجيعة، أو ~~فضيحة ونداؤه كناية عن حضوره وحلوله يقال: يا ويلي أي حضرني وحل بي ما فيه ~~تحسري، ويا ويلتا بزيادة التاء عند النداء مثل يا أبتا. PageV10P167 # والعجوز الشيخة من النساء، والبعل زوج المرأة والأصل في معناه القائم ~~بالأمر المستغني عن الغير يقال للنخل الذي يستغني بماء السماء ms3901 عن سقي ~~الأنهار والعيون بعل، ويقال للصاحب وللرب: بعل. # ومنه بعلبك لأنه كان فيه هيكل بعض أصنامهم. # والعجيب صفة مشبهة من العجب وهو الحال العارض للإنسان من مشاهدة ما لا ~~يعلم سببه، ولذا يكثر في الأمور الشاذة النادرة للجهل بسببها عادة وقولها: ~~"يا ويلتى أألد" إلخ، وارد مورد التعجب والتحسر فإنها لما سمعت بشارة ~~الملائكة تمثل لها الحال بتولد ولد من عجوز عقيم وشيخ هرم بالغين في الكبر ~~لا يعهد من مثلهما الاستيلاد فهو أمر عجيب على ما فيه من العار والشين عند ~~الناس فيضحكون منهما ويهزءون بهما وذلك فضيحة. # قوله تعالى: "قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت إنه حميد مجيد" المجد هو الكرم والمجيد الكريم كثير النوال وقد تقدم ~~معنى بقية مفردات الآية. # وقولهم: "أتعجبين من أمر الله" استفهام إنكاري أنكرت الملائكة تعجبها ~~عليها لأن التعجب إنما يكون للجهل بالسبب واستغراب الأمر، والأمر المنسوب ~~إلى الله سبحانه وهو الذي يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير لا وجه للتعجب منه. # على أنه تعالى خص بيت إبراهيم بعنايات عظيمة ومواهب عالية يتفردون بها من ~~بين الناس فلا ضير إن ضم إلى ما مضى من نعمه النازلة عليهم نعمة أخرى مختصة ~~بهم من بين الناس وهو ولد من زوجين شائخين لا يولد من مثلهما ولد عادة. # ولهذا الذي ذكرنا قالت الملائكة لها في إنكار ما رأوا من تعجبها أولا: ~~"أتعجبين من أمر الله" فأضافوا الأمر إلى الله لينقطع بذلك كل استعجاب ~~واستغراب لأن ساحة الألوهية لا يشق شيء عليها وهو الخالق لكل شيء. # وثانيا: "رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت" فنبهوها بذلك أن الله أنزل ~~رحمته وبركاته عليهم أهل البيت، وألزمهم ذلك فليس من البعيد أن يكون من ذلك ~~تولد مولود من والدين في غير سنهما العادي المألوف لذلك. # وقوله: "إنه حميد مجيد" في مقام التعليل لقوله: "رحمة الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت" أي إنه تعالى مصدر كل فعل محمود ومنشأ كل كرم وجود يفيض ms3902 من ~~رحمته وبركاته على من يشاء من عباده. # قوله تعالى: "فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم ~~لوط" الروع الخوف والرعب والمجادلة في الأصل الإلحاح في البحث والمساءلة ~~للغلبة في الرأي، والمعنى أنه لما ذهب عن إبراهيم ما اعتراه من الخيفة ~~بتبين أن النازلين به لا يريدون به سوءا ولا يضمرون له شرا. # وجاءته البشرى بأن الله سيرزقه وزوجه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب أخذ ~~يجادل الملائكة في قوم لوط يريد بذلك أن يصرف عنهم العذاب. # فقوله: "يجادلنا في قوم لوط" لحكاية الحال الماضية أو بتقدير فعل ماض ~~قبله وتقديره: أخذ يجادلنا إلخ، لأن الأصل في جواب لما أن يكون فعلا ماضيا. # ويظهر من الآية أن الملائكة أخبروه أولا: بأنهم مرسلون إلى قوم لوط ثم ~~ألقوا إليه البشارة ثم جرى بينهم الكلام في خصوص عذاب قوم لوط فأخذ إبراهيم ~~(عليه السلام) يجادلهم ليصرف عنهم العذاب فأخبروه بأن القضاء حتم، والعذاب ~~نازل لا مرد له. # والذي ذكره الله من مجادلته (عليه السلام) الملائكة هو قوله في موضع آخر: ~~"ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين:" العنكبوت: - 32. # قوله تعالى: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب" الحليم هو الذي لا يعاجل ~~العقوبة والانتقام، والأواه كثير التأوه مما يصيبه أو يشاهده من السوء، ~~والمنيب من الإنابة وهو الرجوع والمراد الرجوع في كل أمر إلى الله. # والآية مسوقة لتعليل قوله في الآية السابقة: "يجادلنا في قوم لوط" وفيه ~~مدح بالغ لإبراهيم (عليه السلام) وبيان أنه إنما كان يجادل فيهم لأنه كان ~~حليما لا يعاجل نزول العذاب على الظالمين رجاء أن يأخذهم التوفيق فيصلحوا ~~ويستقيموا، وكان كثير التأثر من ضلال الناس وحلول الهلاك بهم مراجعا إلى ~~الله في نجاتهم. # لا أنه (عليه السلام) كان يكره عذاب الظالمين وينتصر لهم بما هم ظالمون ~~وحاشاه عن ذلك. PageV10P168 # قوله تعالى: "يا إبراهيم أعرض ms3903 عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب ~~غير مردود" هذا حكاية قول الملائكة لإبراهيم (عليه السلام) وبذلك قطعوا ~~عليه جداله فانقطع حيث علم أن الإلحاح في صرف العذاب عنهم لن يثمر ثمرا فإن ~~القضاء حتم والعذاب واقع لا محالة. # فقولهم: "يا إبراهيم أعرض عن هذا" أي انصرف عن هذا الجدال ولا تطمع في ~~نجاتهم فإنه طمع فيما لا مطمع فيه. # وقولهم: "إنه قد جاء أمر ربك" أي بلغ أمره مبلغا لا يدفع بدافع ولا يتبدل ~~بمبدل ويؤيده قوله في الجملة التالية: "وإنهم آتيهم عذاب غير مردود" فإن ~~ظاهره المستقبل ولو كان الأمر صادرا لم يتخلف القضاء عن المقضي البتة ~~ويؤيده أيضا قوله في ما سيأتي من آيات قصة قوم لوط: "فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها:" إلخ، آية - 82 من السورة. # وقولهم: "وإنهم آتيهم عذاب غير مردود" أي غير مدفوع عنهم بدافع فلله ~~الحكم لا معقب لحكمه، والجملة بيان لما أمر به جيء بها تأكيدا للجملة ~~السابقة والمقام مقام التأكيد، ولذلك جيء في الجملة الأولى بضمير الشأن وقد ~~المفيد للتحقيق، وصدرت الجملتان معا بأن، وأضافوا الأمر إلى رب إبراهيم ~~(عليه السلام) دون أمر الله ليعينهم ذلك على انقطاعه عن الجدال. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي يزيد الحمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: إن الله بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ~~وكروبيل فمروا بإبراهيم فسلموا عليه وهم معتمون فلم يعرفهم، ورأى هيئة حسنة ~~فقال: لا يخدم هؤلاء إلا أنا بنفسي وكان صاحب ضيافة فشوى لهم عجلا سمينا ~~حتى أنضجه فقربه إليهم فلما وضع بين أيديهم رأى أيديهم لا تصل إليه فنكرهم ~~وأوجس منهم خيفة فلما رأى ذلك جبرئيل حسر العمامة عن وجهه فعرفه إبراهيم ~~فقال: أنت هو؟ قال: نعم فمرت به امرأته فبشرها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ~~فقالت: ما قال الله عز وجل وأجابوها بما في الكتاب. فقال لهم إبراهيم: لما ~~ذا جئتم؟ فقالوا في إهلاك قوم لوط. ms3904 قال: إن كان فيها مائة من المؤمنين ~~أتهلكونها؟ قال جبرئيل: لا. قال: وإن كان فيهم خمسون؟ قال: لا. قال: وإن ~~كان فيهم ثلاثون؟ قال: لا. قال: وإن كان فيهم عشرون؟ قال: لا. قال: وإن كان ~~فيهم عشرة؟ قال: لا. قال: وإن كان فيهم خمسة؟ قال: لا. قال: وإن كان فيهم ~~واحد؟ قال: لا. قال: فإن فيها لوطا. قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ثم مضوا. قال: وقال الحسن بن علي: لا ~~أعلم هذا القول إلا وهو يستبقيهم وهو قول الله عز وجل: "يجادلنا في قوم ~~لوط" الحديث وله تتمة ستوافيك في قصة لوط. # أقول: وقوله: "لا أعلم هذا القول إلا وهو يستقبيهم" يمكن استفادته من ~~قوله تعالى: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب" فإنه أنسب بكون غرضه استبقاء ~~القوم لا استبقاء نبي الله لوط. # على أن قوله: "يجادلنا في قوم لوط" وقوله: "إنهم آتيهم عذاب غير مردود" ~~إنما يناسب استبقاء القوم. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: جاء بعجل حنيذ مشويا نضيجا. # وفي معاني الأخبار، بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله عز وجل: فضحكت - فبشرناها بإسحق قال: حاضت. PageV10P169 # وفي الدر المنثور، أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك ~~عن ابن عباس قال: لما رأى إبراهيم أنه لا تصل إلى العجل أيديهم نكرهم ~~وخافهم، وإنما كان خوف إبراهيم أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا هم أحدهم ~~بامرىء سوء لم يأكل عنده يقول: إذا أكرمت بطعامه حرم على أذاه، فخاف ~~إبراهيم أن يريدوا به سوء فاضطربت مفاصله. وامرأته سارة قائمة تخدمهم، وكان ~~إذا أراد أن يكرم ضيفا أقام سارة ليخدمهم فضحكت سارة، وإنما ضحكت أنها ~~قالت: يا إبراهيم وما تخاف؟ إنهم ثلاثة نفر وأنت وأهلك وغلمانك. قال لها ~~جبرئيل: أيتها الضاحكة أما إنك ستلدين غلاما يقال له: إسحاق ومن ورائه غلام ~~يقال له: ms3905 يعقوب فأقبلت في صرة فصكت وجهها فأقبلت والهة تقول: وا ويلتاه ~~ووضعت يدها على وجهها استحياء فذلك قوله: فصكت وجهها، وقالت: أألد وأنا ~~عجوز وهذا بعلي شيخا. قال: لما بشر إبراهيم يقول الله: فلما ذهب عن إبراهيم ~~الروع وجاءته البشرى بإسحاق يجادلنا في قوم لوط، وكان جداله أنه قال: يا ~~جبرئيل أين تريدون؟ وإلى من بعثتم؟ قال: إلى قوم لوط وقد أمرنا بعذابهم. ~~فقال إبراهيم إن فيها لوطا. قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته، وكانت فيما زعموا تسمى والقة. فقال إبراهيم: إن كان فيهم مائة مؤمن ~~أتعذبونهم؟ قال جبرئيل: لا. قال: فإن كان فيهم تسعون مؤمنون تعذبونهم؟ قال ~~جبرئيل: لا. قال: فإن كان فيهم ثمانون مؤمنون تعذبونهم؟ قال جبرئيل: لا حتى ~~انتهى في العدد إلى واحد مؤمن قال جبرئيل: لا. فلما لم يذكروا لإبراهيم أن ~~فيها مؤمنا واحدا قال: إن فيها لوطا. قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته. # أقول: وفي متن الحديث اضطراب ما من حيث ذكره قول إبراهيم: إن فيها لوطا ~~أولا وثانيا لكن المراد واضح. # وفي تفسير العياشي، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~إن الله تبارك وتعالى لما قضى عذاب قوم لوط وقدره أحب أن يعوض إبراهيم من ~~عذاب قوم لوط بغلام عليم يسلي به مصابه بهلاك قوم لوط. قال: فبعث الله رسلا ~~إلى إبراهيم يبشرونه بإسماعيل. قال: فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم وخاف أن ~~يكونوا سراقا فلما رأته الرسل فزعا مذعورا قالوا: سلاما. قال: سلام إنا ~~منكم وجلون. قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال أبو جعفر (عليه ~~السلام): والغلام العليم إسماعيل من هاجر فقال إبراهيم للرسل: أبشرتموني ~~على أن مسني الكبر فبم تبشرون. قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. ~~قال إبراهيم للرسل: فما خطبكم بعد البشارة؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين قوم لوط إنهم كانوا قوما فاسقين لننذرهم عذاب رب العالمين، قال أبو ~~جعفر (عليه السلام): قال إبراهيم: إن فيها لوطا. قالوا: ms3906 نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين. فلما عذبهم الله أرسل ~~الله إلى إبراهيم رسلا يبشرونه بإسحاق ويعزونه بهلاك قوم لوط، وذلك قوله: ~~ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى - قالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ يعني زكيا مشويا نضيجا فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة. ~~قال أبو جعفر (عليه السلام): إنما عنوا سارة قائمة فبشروها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب فضحكت يعني فعجبت من قولهم. # أقول: والرواية - كما ترى - تجعل قصة البشارة قصتين: البشارة بإسماعيل ~~والبشارة بإسحاق وقد ولد بعد إسماعيل بسنين. # ثم تحمل آيات سورة الحجر - ولم يذكر فيها تقديم العجل المشوي إلى الضيوف ~~- على البشرى بإسماعيل ولما يقع العذاب على قوم لوط حين ذاك، وتحمل آيات ~~سورتي الذاريات وهود - وقد اختلطتا في الرواية - على البشرى لسارة بإسحاق ~~ويعقوب، وأنها إنما كانت بعد هلاك قوم لوط فراجعوا إبراهيم وأخبروه بوقوع ~~العذاب وبشروه البشارة الثانية. # أما آيات سورة الحجر فإنها في نفسها تحتمل الحمل على البشارة بإسماعيل ~~وكذا الآيات الواقعة في سورة الذاريات تحتمل أن تقص عما بعد هلاك قوم لوط ~~وتكون البشرى بإسحاق ويعقوب عند ذلك. PageV10P170 # وأما آيات سورة هود فإنها صريحة في البشرى بإسحاق ويعقوب، ولكن ما في ذيلها ~~من قوله: "يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب" إلى آخر الآيات ~~تأبى أن تنطبق على ما بعد هلاك قوم لوط، وإن كان ما في صدرها من قوله: "إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط" لا يأبى وحدة الحمل على ما بعد الهلاك، وكذا جملة "إنه ~~قد جاء أمر ربك" لو لا ما يحفها من قيود الكلام. # وبالجملة مفاد الآيات في سورة هود هو وقوع البشرى بإسحاق قبل هلاك قوم ~~لوط، وعند ذلك كان جدال إبراهيم (عليه السلام)، ومقتضى ذلك أن تكون ما وقع ~~من القصة في سورة الذاريات هي الواقعة قبل هلاك القوم لا ms3907 بعد الهلاك، وكذا ~~كون ما وقع من القصة في سورة الحجر وفيه التصريح بكونه قبل هلاكهم وفيه ~~جدال إبراهيم (عليه السلام) خاليا عن بشرى إسحاق ويعقوب لا بشرى إسماعيل. # والحاصل أن اشتمال آيات هود على بشرى إسحاق وجدال إبراهيم (عليه السلام) ~~الظاهر في كونها قبل هلاك قوم لوط يوجب أن يكون المذكور من البشرى في جميع ~~السور الثلاث: هود والحجر والذاريات قصة واحدة هي قصة البشرى بإسحاق قبل ~~وقوع العذاب، وهذا مما يوهن الرواية جدا. # وفي الرواية شيء آخر وهو أنها أخذت الضحك بمعنى العجب وأخذت قوله: "فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" من التقديم والتأخير، وأن التقدير: ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت" وهو خلاف الظاهر من غير نكتة ظاهرة. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن الفضل بن أبي قرة قال: سمعت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: أوحى الله إلى إبراهيم أنه سيلد لك فقال لسارة فقالت: ~~أألد وأنا عجوز؟ فأوحى الله إليه: أنها ستلد ويعذب أولادها أربعمائة سنة ~~بردها الكلام علي. قال: فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجوا وبكوا إلى ~~الله أربعين صباحا فأوحى الله إلى موسى وهارون أن يخلصهم من فرعون فحط عنهم ~~سبعين ومائة سنة. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): هكذا أنتم. لو ~~فعلتم فرج الله عنا فأما إذا لم تكونوا فإن الأمر ينتهي إلى منتهاه. # أقول: وجود الرابطة بين أحوال الإنسان وملكاته وبين خصوصيات تركيب بدنه ~~مما لا شك فيه فلكل من جانبي الربط استدعاء وتأثير خاص في الآخرة ثم النطفة ~~مأخوذة من المادة البدنية حاملة لما في البدن من الخصوصيات المادية ~~والروحية طبعا فمن الجائز أن يرث الأخلاف بعض خصوصيات أخلاق أسلافهم ~~المادية والروحية. # وقد تقدم كرارا في المباحث السابقة أن بين صفات الإنسان الروحية وأعماله ~~وبين الحوادث الخارجية خيرا وشرا رابطة تامة كما يشير إليه قوله تعالى: ~~"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض:" ~~الأعراف: - 96، وقوله: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم:" ms3908 الشورى: - 30. # فمن الجائز أن يصدر عن فرد من أفراد الإنسان أو عن مجتمع من المجتمعات ~~الإنسانية عمل من الأعمال صالح أو طالح أو تظهر صفة من الصفات فضيلة أو ~~رذيلة ثم يظهر أثره الجميل أو وباله السيىء في أعقابه، والملاك في ذلك نوع ~~من الوراثة كما مر، وقد تقدم في ذيل قوله تعالى: "وليخش الذين لو تركوا من ~~خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم:" النساء: - 9 كلام في هذا المعنى في الجزء ~~الرابع من الكتاب. # وفيه، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) وعن عبد ~~الرحمن عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: "إن إبراهيم لحليم ~~أواه منيب" قال: دعاء: أقول: وروي في الكافي، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) مثله. # وفيه، عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن إبراهيم جادل في ~~قوم لوط وقال: إن فيها لوطا. قالوا: نحن أعلم بمن فيها فزاده إبراهيم فقال ~~جبرئيل: يا إبراهيم أعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن حسان بن ~~أبجر قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس: ما فعل ~~فلان؟ قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء. فقال ابن عباس: ~~"فبشرناها بإسحاق - ومن وراء إسحاق يعقوب" قال: ولد الولد. # كلام في قصة البشرى PageV10P171 قصة البشرى وسماها الله تعالى حديث ضيف إبراهيم (عليه السلام) وقعت في خمس ~~من السور القرآنية كلها مكية وهي على ترتيب القرآن سورة هود والحجر ~~والعنكبوت والصافات والذاريات. # فالأولى ما في سورة هود 69 - 76 قوله تعالى: "ولقد جاءت رسلنا إبراهيم ~~بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ. # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط. # وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. # قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز ms3909 وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب. # قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط. # إن إبراهيم لحليم أواه منيب. # يا إبراهيم أعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود". # والثانية ما في سورة الحجر: 51 - 60 قوله تعالى: "ونبئهم عن ضيف إبراهيم. # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون. # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. # قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون. # قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. # قال فما خطبكم أيها المرسلون. # قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. # إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين. # إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين". # والثالثة ما في سورة العنكبوت: 31 - 32 قوله تعالى: "ولما جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين. # قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت ~~من الغابرين". # والرابعة ما في سورة الصافات: 99 - 113 قوله تعالى: "وقال إني ذاهب إلى ~~ربي سيهدين. # رب هب لي من الصالحين. # فبشرناه بغلام حليم. # فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. # فلما أسلما وتله للجبين. # وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. # إن هذا لهو البلاء المبين. # وفديناه بذبح عظيم. # وتركنا عليه في الآخرين. # سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين. # إنه من عبادنا المؤمنين. # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين". # والخامسة ما في سورة الذاريات 24 - 30 قوله تعالى: "هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين. # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل ms3910 سمين. # فقربه إليهم قال ألا تأكلون. # فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة ~~فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم. # قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم". # ويقع البحث في قصة البشرى من وجوه: أحدها: أنها هل هي بشرى واحدة وهي ~~المشتملة على بشرى إبراهيم وسارة بإسحاق ويعقوب وقد وقعت قبيل هلاك قوم لوط ~~أو أنها قصتان: إحداهما تشتمل على البشرى بإسماعيل والأخرى تتضمن البشرى ~~بإسحاق ويعقوب. # ربما رجح الثاني بناء على أن ما وقع من القصة في سورة الذاريات صريح في ~~تقديم العجل المشوي، وأن إبراهيم خافهم لما امتنعوا من الأكل ثم بشروه ~~وامرأته العجوز العقيم وهي سارة أم إسحاق قطعا، وذيل الآيات ظاهر في كون ~~ذلك بعد إهلاك قوم لوط حيث يقول الملائكة: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين - إلى ~~أن قالوا - فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم" الآيات ونظير ذلك ما ~~في سورة هود وقد قال فيها الملائكة لإزالة الروع عن إبراهيم ابتداء: إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط. # وأما ما في سورة الحجر فليس يتضمن حديث تقديم العجل المشوي بل ظاهره أن ~~إبراهيم وأهله خافوهم لدى دخولهم عليه فأسكنوا رعبه بالبشارة كما يقول ~~تعالى: "إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا ~~نبشرك بغلام عليم" وذيل الآيات ظاهر في كون ذلك قبل هلاك لوط. # ونظيره ما في سورة العنكبوت من القصة وهي أظهر في كون ذلك قبل الهلاك ~~ويتضمن جدال إبراهيم في قوم لوط، وقد تقدمت في البحث الروائي السابق حديث ~~العياشي في هذا المعنى. PageV10P172 # لكن الحق أن الآيات في جميع السور الأربع سورة هود والحجر والعنكبوت ~~والذاريات إنما تقص قصة البشارة بإسحاق ويعقوب دون إسماعيل. # وأما ما في ذيل آيات الذاريات من قوله: "قالوا إنا أرسلنا الظاهر في ~~المضي والفراغ عن الأمر فنظيره واقع في آيات الحجر مع تسليمهم أنها تقص ما ~~قبل ms3911 الفراغ. # على أن قول الملائكة المرسلين وهم بعد في الطريق: "إنا أرسلنا" لا مانع ~~منه بحسب اللغة والعرف. # وأما قوله: "فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين" إلى آخر الآيات فهو من ~~كلامه تعالى وليس من تتمة كلام الملائكة لإبراهيم كما يدل عليه سياق القصص ~~الواردة في سورة الذاريات. # وأما ذكر الوجل في آيات الحجر في أول القصة بخلاف سورتي الذاريات وهود ~~فالوجه فيه عدم ذكر تقديم العجل المشوي في آيات الحجر بخلافهما، على أن ~~الارتباط التام بين أجزاء قصة مما يجوز أن يقدم بعضها على بعض حينا ويعكس ~~الأمر حينا آخر كما أنه تعالى يذكر إنكار إبراهيم في آيات الذاريات في صدر ~~القصة بعد سلامهم وفي سورة هود في وسط القصة بعد امتناعهم من الأكل، وهذا ~~كثير الورود في نظم القرآن. # على أن آيات هود صريحة في البشرى بإسحاق ويعقوب وهي تتضمن جدال إبراهيم ~~في قوم لوط في سياق لا يشك معه أنه كان قبل هلاك لوط، ولازمه كون بشرى ~~إسحاق قبله لا بعده. # على أن من المتفق عليه أن إسماعيل كان أكبر سنا من إسحاق وبين ولادتيهما ~~سنون، ولو كانت هؤلاء الملائكة بشروا إبراهيم بإسماعيل في مسيرهم إلى هلاك ~~قوم لوط قبيل الهلاك وبشروه بإسحاق في منصرفهم عن هلاكهم بعيدة كان الفصل ~~بين البشريين يوما أو يومين فيكون الفصل بين البشرى بإسحاق وبين ولادته ~~سنون من الزمان والبشرى لا تطلق إلا على الإخبار بالجميل إذا كان مشرفا على ~~الوقوع إلا إذا كانت هناك عناية خاصة وأما الإخبار بمطلق الجميل فهو وعد ~~ونحو ذلك. # وثانيها أنه هل هناك بشرى بإسماعيل؟ والحق أن ما ذكرت من البشرى في صدر ~~آيات الصافات إنما هي بشرى بإسماعيل وهي غير ما ذكرت في ذيل الآيات من ~~البشرى بإسحاق صريحا فإن سياق الآيات في ذيل قوله: "فبشرناه بغلام حليم" ثم ~~استيناف البشارة بإسحاق في قوله أخيرا: "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" ~~لا يدع ريبا لمرتاب أن الغلام الحليم الذي بشر به أولا غير إسحاق الذي ms3912 بشر ~~به ثانيا، وليس إلا إسماعيل. # وذكر الطبري في تاريخه أن المراد بالبشارة الأولى في هذه السورة أيضا ~~البشارة بإسحاق قياسا على ذكر من البشارة في سائر السور، وهو كما ترى. # وقد تقدم كلام في هذا المعنى في قصص إبراهيم (عليه السلام) في الجزء ~~السابع من الكتاب. # وثالثها: البحث في القصة من جهة تطبيق ما في التوراة الحاضرة منها على ما ~~استفيد من القرآن الكريم، وسيوافيك ذلك عند الكلام على قصة لوط (عليه ~~السلام) في ذيل الآيات التالية. # ورابعها: البحث فيها من جهة جدال إبراهيم الملائكة وقد وقع فيها مثل ~~قوله: "يجادلنا في قوم لوط" وقوله: "يا إبراهيم أعرض عن هذا". # وقد تقدم أن سياق الآيات وخاصة قوله: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب" لا ~~يدل إلا على نعته بالجميل فلم يكن جداله إلا حرصا منه في نجاة عباد الله ~~رجاء أن يهتدوا إلى صراط الإيمان. PageV10P173 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 77 - 83 # ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) ~~وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتى ~~هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا ~~لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لى بكم ~~قوة أو ءاوى إلى ركن شديد (80) قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر ~~بأهلك بقطع من اليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن ~~موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا عليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما هى من الظلمين ~~ببعيد (83) ### |||| AUTO بيان # الآيات تذكر عذاب قوم لوط، وهي من وجه تتمة الآيات السابقة التي قصت نزول ~~الملائكة ودخولهم على إبراهيم (عليه السلام) وتبشيره بإسحاق فإنما كانت ~~كالتوطئة لقصة عذاب قوم لوط. # قوله تعالى: "ولما جاءت رسلنا لوطا سيىء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب" يقال: ms3913 ساءه الأمر مساءة أي أوقع عليه السوء، وسيء بالأمر بالبناء ~~للمجهول أي أوقع عليه من ناحيته وبسببه. # والذرع مقايسة الأطوال مأخوذ من الذراع العضو المعروف لأنهم كانوا يقيسون ~~بها، ويطلق على نفس المقياس أيضا، ويقال: ضاق بالأمر ذرعا وهو كناية عن ~~انسداد طريق الحيلة والعجز عن الاهتداء إلى مخلص ينجو به الإنسان من ~~النائبة كالذي يذرع ما لا ينطبق عليه ذرعه. # والعصيب فعيل بمعنى المفعول من العصب بمعنى الشد واليوم العصيب هو اليوم ~~الذي شد بالبلاء شدا لا يقبل الانحلال ولا بعض أجزائه ينفك عن بعض. # والمعنى لما جاءت رسلنا لوطا وهم الملائكة النازلون بإبراهيم (عليه ~~السلام) ساء مجيئهم لوطا، وعجز عن الاحتيال لنجاتهم من شر القوم فإنهم ~~دخلوا عليه في صور غلمان مرد صبيحي المنظر وكان قومه ذوي حرص شديد على ~~إتيان الفحشاء ما كان من المترقب أن يعرضوا عنهم ويتركوهم على حالهم، ولذلك ~~لم يملك لوط نفسه دون أن قال: "هذا يوم عصيب" أي شديد ملتف بعض شره ببعض. # قوله تعالى: "وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات" قال ~~الراغب: يقال: هرع وأهرع ساقه سوقا بعنف وتخويف، انتهى. # وعن كتاب العين، الإهراع السوق الحثيث، انتهى. # وقوله: "ومن قبل كانوا يعملون السيئات" أي ومن قبل ذلك كانوا يقترفون ~~المعاصي ويأتون بالمنكرات فكانوا مجترءين على إيقاع الفحشاء معتادين بذلك ~~لا ينصرفون عنه بصارف، ولا يحجبهم عن ذلك استحياء أو استشناع، ولا ينزجرون ~~بموعظة أو ملامة أو مذمة لأن العادة تسهل كل صعب وتزين كل قبيح ووقيح. # والجملة كالمعترضة بين قوله: "وجاءه قومه يهرعون إليه" وقوله: "قال يا ~~قوم هؤلاء بناتي" إلخ، وهي نافعة في مضمون طرفيها أما فيما قبلها فإنها ~~توضح أن الذي كان يهرعهم ويسوقهم إلى لوط (عليه السلام) هو أنهم كانوا ~~يعملون السيئات وصاروا بذلك معتادين على إتيان الفحشاء ولعين به فساقهم ذلك ~~إلى المجيء إليه وقصد السوء بأضيافه. # وأما فيما بعدها فإنها تفيد أنهم لرسوخ الملكة واستقرار العادة سلبوا سمع ~~القبول وأن يزجرهم زاجر من ms3914 عظة أو نصيحة، ولذلك بدأ لوط في تكليمهم بعرض ~~بناته عليهم ثم قال لهم: "اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي" إلخ. # قوله تعالى: "قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم" إلى آخر الآية، لما ~~رآهم تجمعوا على الشر لا يصرفهم عن ذلك مجرد القول بعظة أو أغلاظ في الكلام ~~أراد أن يصرفهم عنه بتبديل ما يريدون من الفحشاء مما لا معصية فيه من ~~الحلال فعرض بناته عليهم ورجحه لهم بأنهن أطهر لهم. # وإنما المراد بصيغة التفضيل - أطهر - مجرد الاشتمال على الطهارة من غير ~~شوب بقذارة، والمراد هي طهارة محضا، وهو استعمال شائع، قال تعالى: "ما عند ~~الله خير من اللهو:" الجمعة: - 11، وقال "والصلح خير:" النساء: - 128. PageV10P174 # وتفيد معنى الأخذ بالمتيقن. # وتقييد قوله: "هؤلاء بناتي" بقوله: "هن أطهر لكم" شاهد صدق على أنه إنما ~~عرض لهم مسهن عن نكاح لا عن سفاح وحاشا مقام نبي الله عن ذلك، وذلك لأن ~~السفاح لا طهارة فيه أصلا وقد قال تعالى: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا:" إسراء: - 32، وقال: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن:" الأنعام: - 151، وقد تقدم في تفسير هذه الآية أن ما تتضمنه هو من ~~الأحكام العامة المشرعة في جميع الشرائع الإلهية النازلة على أنبيائه. # ومن هنا يظهر فساد قول من يقول: إنه عرض عليهم بناته من غير تقييده بنكاح. # ولست أدري ما معنى علاج فحشاء بفحشاء غيرها؟ وما معنى قوله حينئذ: ~~"فاتقوا الله"؟ ولو كان يريد دفع الفضيحة والعار عن نفسه فقط لاكتفى بقوله: ~~"ولا تخزون في ضيفي". # وربما قيل: إن المراد بقوله: "هؤلاء بناتي" الإشارة إلى نساء القوم لأن ~~النبي أبو أمته فنساؤهم بناته كما أن رجالهم بنوه، يريد أن قصد الإناث وهو ~~سبيل فطري خير لكم وأطهر من قصد الذكور من طريق الفحشاء. # وهو تحكم لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة، وأما كونهم كفارا وبناته ~~مسلمات ولا يجوز إنكاح المسلمة من الكافر فليس من المعلوم أن ذلك من شريعة ~~إبراهيم حتى يتبعه لوط (عليه ms3915 السلام) فمن الجائز أن يكون تزويج المؤمنة ~~بالكافر جائزا في شرعه كما أنه كان جائزا في صدر الإسلام، وقد زوج النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بنته من أبي العاص بن الربيع وهو كافر قبل ~~الهجرة ثم نسخ ذلك. # على أن قولهم في جوابه: "لقد علمت ما لنا في بناتك من حق" لا يلائم كون ~~المراد بالبنات في كلامه إنما هي نساؤهم لا بناته من صلبه فإنهم ما كانوا ~~مؤمنين به حتى يعترفوا بكون نسائهم بناته إلا أن يكون المراد التهكم ولا ~~قرينة عليه. # لا يقال تعبيره (عليه السلام) بالبنات وليس له عندئذ إلا بنتان يدل على ~~أن مراده بناته من نساء أمته لا بنتاه غير الصادق عليه لفظ الجمع. # لأنا نقول: لا دليل على ذلك من كلامه تعالى ولا وقع ذلك في نقل يعتمد ~~عليه، نعم وقع في التوراة الحاضرة أنه كان للوط بنتان فقط. # ولا اعتماد على ما تتضمنه. # وقوله: "فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي" بيان للمطلوب، وقوله: "ولا تخزون ~~في ضيفي" عطف تفسيري لقوله: "فاتقوا الله" فإنه (عليه السلام) إنما كان ~~يطلب منهم أن لا يتعرضوا لضيفه لتقوى الله لا لهوى نفسه وعصبية جاهلية منه، ~~ولم يكن عنده فرق بين ضيفه وغيرهم فيما كان يردعهم، وقد وعظهم بالردع عن ~~هذا الذنب الشنيع وألح على ذلك سنين متمادية. # وإنما علق الردع على معنى الضيافة وإضافة الضيف إلى نفسه وذكر الخزي ~~الوارد عليه من التعرض لهم كل ذلك رجاء أن يهيج صفة الفتوة والكرامة فيهم ~~ولذلك عقب ذلك بالاستغاثة والاستنصار بقوله: "أليس منكم رجل رشيد" لعله يجد ~~فيهم ذا رشد إنساني فينتصر له وينجيه وضيوفه من أيدي أولئك الظالمين لكن ~~القوم كانوا كما قال الله تعالى: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون:" الحجر: - ~~72 ولم يؤثر ذلك فيهم أثرا ولم ينتهوا عن قوله بل أجابوا بما أيأسوه به من ~~أي إلحاح في ذلك. # قوله تعالى: "قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد" ~~هذا ms3916 جواب القوم عما دعاهم إليه لوط من النكاح المباح أجابوا بنفي أن يكون ~~لهم في بناته من حق وأنه يعلم ذلك ويعلم ما هو بغيتهم في هذا الهجوم وما ذا ~~يريدون. # وقد قيل في معنى نفيهم الحق: إن معناه ما لنا في بناتك من حاجة وما ليس ~~للإنسان فيه حاجة فكأنه لا حق له فيه ففي الكلام نوع استعارة. # وقيل: إن المراد ليس لنا في بناتك من حق لأنا لا نتزوجهن ومن لم يتزوج ~~بامرأة فلا حق له فيها فالمراد بنفي الحق نفي سببه وهو الازدواج. # وقيل: المراد بالحق هو الحظ والنصيب دون الحق الشرعي أو العرفي أي لا ~~رغبة لنا فيهن لأنهن نساء ولا ميل لنا إليهن. PageV10P175 # والذي يجب الالتفات إليه أنهم لم يقولوا: ما لنا في بناتك من حق بل قالوا: ~~"لقد علمت ما لنا في بناتك من حق" فلم يجيبوا عنه بذلك بل بعلمه بذلك وبين ~~القولين فرق فالظاهر أنهم ذكروه بما كان يعلم من السنة القومية الجارية ~~بينهم، وهو المنع من التعرض لنساء الناس وخاصة بالقهر والغلبة أو ترك إتيان ~~النساء بالمرة واستباحة التعرض للغلمان وقضاء الوطر منهم، وقد كان لوط ~~يردعهم عن سنتهم ذلك إذ يقول لهم: "إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون ~~النساء:" الأعراف: - 81 "أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم:" الشعراء: - 166 "أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر:" العنكبوت: - 29، ولا شك أن السنة القومية ~~الجارية على فعل شيء يثبت حقا فيه، والجارية على تركه ينفي الحق. # وبالجملة هم يلفتون نظره (عليه السلام) إلى ما يعلم من انتفاء حقهم عن ~~بناته بما هن نساء بحسب السنة القومية وما يعلم من إرادتهم في الهجوم على ~~داره هذا ولعل هذا أحسن الوجوه، وبعده الوجه الثالث. # قوله تعالى: "قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد" "يقال: أوى إلى ~~كذا يأوي أويا ومأوى أي انضم إليه، وآواه إليه يؤويه إيواء أي ضمه إليه. # والركن هو ما ms3917 يعتمد عليه البناء بعد الأساس. # الظاهر أنه لما وعظهم لوط (عليه السلام) بالأمر بتقوى الله وتهييج فتوتهم ~~في حفظ موقعه ورعاية حرمته في عدم التعرض لضيفه بما يجلب إليه العار ~~والخزي، وقد قطع عذرهم بعرض بناته عليهم بالنكاح ثم استغاث بالاستنصار من ~~أولي الرشد منهم رجاء أن يوجد فيهم رجل رشيد ينصره عليهم ويدفعهم عنه فلم ~~يجبه أحد فيما سأل ولا انماز من بينهم ذو رشد ينصره ويدفع عنه بل أيأسوه ~~بقولهم: "لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد" لم يبق له ~~إلا أن يظهر ما به من البث والحزن في صورة التمني فتمنى أن يكون له منهم ~~قوة يقوى به على دفع عتاتهم الظالمين - وهو الرجل الرشيد الذي كان يسأل عنه ~~في استغاثته - أو يكون له ركن شديد وعشيرة منيعة ينضم إليهم فيدفعهم بهم. # فقوله: "لو أن لي بكم قوة" أي ليت لي قدرة بسببكم بانضمام رجل منكم رشيد ~~إلي يقوم بنصرتي فأدفعكم به، وقوله: "أو آوي إلى ركن شديد" أي أو كنت أنضم ~~إلى ركن شديد أي عشيرة منيعة يمنعكم مني هذا ما يعطيه ظاهر السياق. # وقيل: إن معنى قوله: "لو أن لي بكم قوة" أتمنى أن يكون لي منعة وقدرة ~~وجماعة أتقوى بها عليكم فأدفعكم عن أضيافي. # وفيه أن فيه تبديل قوله: "بكم" إلى قولنا: بهم عليكم. # وهو كما ترى. # وقيل: إن معنى "لو أن لي بكم قوة" لو قويت عليكم بنفسي. # وفيه أنه أبعد من لفظ الآية. # وقيل: إن الخطاب في الآية للأضياف دون القوم، ومعنى الآية أنه قال ~~لأضيافه: أتمنى أن يكون لي بسببكم قوة ألقاهم بها. # وفيه أن الانتقال من خطاب القوم إلى خطاب الأضياف ولا دليل من اللفظ ~~ظاهرا يدل عليه إبهام وتعقيد من غير موجب، وكلامه تعالى أجل من ذلك. # قوله تعالى: "قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك" إلى آخر الآية عدم ~~وصولهم إليه كناية عن عدم قدرتهم على ما يريدون، والمعنى لما بلغ ms3918 الأمر هذا ~~المبلغ قالت الملائكة مخاطبين للوط: إنا رسل ربك فأظهروا له أنهم ملائكة ~~وعرفوه أنهم مرسلون من عند الله، وطيبوا نفسه أن القوم لن يصلوا إليه ولن ~~يقدروا أن يصيبوا منه ما يريدون فكان ما ذكره الله تعالى في موضع آخر من ~~كلامه: "ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم:" القمر: - 37، فأذهب الله ~~بأبصار الذين تابعوا على الشر وازدحموا على بابه فصاروا عميانا يتخبطون. # وقوله: "فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد" الإسراء والسري ~~بالضم السير بالليل فيكون قوله: "بقطع من الليل" نوع توضيح له، والباء ~~للمصاحبة أو بمعنى في. # والقطع من الشيء طائفة منه وبعضه، والالتفات افتعال من اللفت، قال ~~الراغب: يقال: لفته عن كذا صرفه عنه، قال تعالى: "قالوا أجئتنا لتلفتنا" أي ~~تصرفنا، ومنه التفت فلان إذا عدل عن قبله بوجهه، وامرأة لفوت تلفت من زوجها ~~إلى ولدها من غيره. # انتهى. PageV10P176 # والقول دستور من الملائكة للوط (عليه السلام) إرشادا له إلى النجاة من ~~العذاب النازل بالقوم صبيحة ليلتهم هاتيك، وفيه معنى الاستعجال كما يشعر به ~~قوله بعد: "إن موعدهم الصبح". # والمعنى أنا مرسلون لعذاب القوم وهلاكهم فانج أنت بنفسك وأهلك وسيروا أنت ~~وأهلك بقطع من هذا الليل وأخرجوا من ديارهم فإنهم هالكون بعذاب الله صبيحة ~~ليلتهم هذه، ولا كثير وقت بينك وبين الصبح ولا ينظر أحدكم إلى وراء. # وما ذكره بعضهم أن المراد بالالتفات الالتفات إلى مال أو متاع في المدينة ~~يأخذه معه أو الالتفات بمعنى التخلف عن السري مما لا يلتفت إليه. # وقوله: "إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم" ظاهر السياق أنه استثناء من ~~قوله: "أهلك" لا من قوله: "أحد" وفي قوله: "إنه مصيبها ما أصابهم" بيان ~~السبب لاستثنائها، وقال تعالى في غير هذا الموضع: "إلا امرأته قدرنا إنها ~~لمن الغابرين:" الحجر: - 60. # وقوله: "إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" أي موعد هلاكهم الصبح وهو صدر ~~النهار بعد طلوع الفجر حين الشروق، كما قال تعالى في موضع آخر: "فأخذتهم ~~الصيحة مشرقين:" الحجر: - 73. # والجملة الأولى تعليل لقوله: ms3919 "فأسر بأهلك بقطع من الليل" وفيه نوع ~~استعجال كما تقدم، ويؤكده قوله: "أليس الصبح بقريب" ومن الجائز أن يكون لوط ~~(عليه السلام) يستعجلهم في عذاب القوم فيجيبوه بقولهم: "إن موعدهم الصبح ~~أليس الصبح بقريب" أي إن من المقدر أن يهلكوا بالصبح وليس موعدا بعيدا أو ~~يكون الجملة الأولى استعجالا من الملائكة، والثانية تسلية منهم للوط في ~~استعجاله. # ولم يذكر في الآيات ما هي الغاية لسراهم والمحل الذي يتوجهون إليه، وقد ~~قال تعالى في موضع آخر من كلامه: "فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ~~ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون:" الحجر: - 65، وظاهره أن الملائكة ~~لم يذكروا له المقصد وأحالوا ذلك إلى ما سيأتيه من الدلالة بالوحي الإلهي. # قوله تعالى: "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من ~~سجيل منضود مسومة عند ربك" ضمائر التأنيث الثلاث راجعة إلى أرض القوم أو ~~القرية أو بلادهم المعلومة من السياق، والسجيل على ما في المجمع، بمعنى ~~السجين وهو النار، وقال الراغب: السجين حجر وطين مختلط، وأصله فيما قيل ~~فارسي معرب، انتهى. # يشير إلى ما قيل إن أصله سنكك كل، وقيل: إنه مأخوذ من السجل بمعنى الكتاب ~~كأنها كتب فيها ما فيها من عمل الإهلاك، وقيل: مأخوذ من أسجلت بمعنى أرسلت. # والظاهر أن الأصل في جميع هذه المعاني هو التركيب الفارسي المعرب المفيد ~~معنى الحجر والطين، والسجل بمعنى الكتاب أيضا منه فإنهم على ما قيل كانوا ~~يكتبون على الحجر المعمول ثم توسع فسمي كل كتاب سجلا وإن كان من قرطاس، ~~والإسجال بمعنى الإرسال مأخوذ من ذلك. # والنضد هو النظم والترتيب، والتسويم جعل الشيء ذا علامة من السيماء بمعنى ~~العلامة. # والمعنى: ولما جاء أمرنا بالعذاب وهو أمره تعالى الملائكة بعذابهم وهو ~~كلمة "كن" التي أشار إليها في قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له - ~~كن:" يس: - 83، جعلنا عالي أرضهم وبلادهم سافلها بتقليبها عليهم وأمطرنا ~~عليها حجارة من سجيل منضود معلمة عند ربك وفي علمه ليس لها أن تخطىء هدفها ~~الذي رميت ms3920 لأجل إصابته. # وذكر بعضهم أن القلب وقع على بلادهم والإمطار بالسجيل عذب به الغائبون منهم. # وقيل: إن القرية هي التي أمطرت حين رفعها جبرئيل ليخسفها. # وقيل: إنما أمطرت عليهم الحجارة بعد ما قلبت قريتهم تغليظا في العقوبة. # والأقوال جميعا من التحكم من غير دليل من اللفظ. # وفي قوله تعالى في غير هذا الموضع: "فأخذتهم الصيحة مشرقين:" الحجر: - ~~73، فقد كان هناك قلب وصيحة وإمطار بالحجارة ومن الممكن أن يكون ذلك بحدوث ~~بركان من البراكين بالقرب من بلادهم وتحدث به زلزلة في أرضهم وانفجار أرضي ~~بصيحة توجب قلب مدنهم، ويمطر البركان عليهم من قطعات الحجارة التي يثيرها ~~ويرميها، والله أعلم. PageV10P177 # قوله تعالى: "وما هي من الظالمين ببعيد" قيل المراد بالظالمين ظالموا أهل ~~مكة أو المشركون من قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والكلام مسوق ~~للتهديد، والمعنى وليست هذه الحجارة من ظالمي مكة ببعيد أو المعنى: ليست ~~هذه القرى المخسوفة من ظالمي قومك ببعيد فإنه في طريقهم بين مكة والشام، ~~كما قال تعالى في موضع آخر: "وإنها لسبيل مقيم:" الحجر: - 76، وقال: "وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون:" الصافات: - 138. # ويؤيده العدول من سياق التكلم إلى الغيبة في قوله: "مسومة عند ربك" فكأنه ~~تعالى عدل عن مثل قولنا: مسومة عندنا إلى هذا التعبير ليتعرض لقومه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالتهديد أو بإنهاء الحديث إلى حسهم ليكون أقوى ~~تأثيرا في الحجاج عليهم. # وربما احتمل أن المراد تهديد مطلق الظالمين والمراد أنه ليست الحجارة أي ~~أمطارها من عند الله من معشر الظالمين ومنهم قوم لوط الظالمون ببعيد، ويكون ~~وجه الالتفات في قوله: "عند ربك" أيضا التعريض لقوم النبي الظالمين ~~المشركين. PageV10P178 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن زكريا بن محمد +" عن أبيه "+ عن عمرو عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم الله فطلبهم إبليس الطلب ~~الشديد، وكان من فضلهم وخيرتهم أنهم إذا خرجوا إلى العمل خرجوا بأجمعهم ~~وتبقى النساء خلفهم فلم يزل إبليس يعتادهم فكانوا إذا رجعوا خرب ms3921 إبليس ما ~~يعملون. فقالوا بعضهم لبعض: تعالوا نرصد هذا الذي يخرب متاعنا فرصدوه فإذا ~~هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان فقالوا له: أنت الذي تخرب متاعنا مرة بعد ~~أخرى، فاجتمع رأيهم على أن يقتلوه فبيتوه عند رجل فلما كان الليل صاح له ~~فقال له: ما لك؟ فقال فإن: أبي ينومني على بطنه فقال له: تعال فنم على ~~بطني. قال: فلم يزل يدلك الرجل حتى علمه أن يفعل بنفسه فأولا علمه إبليس ~~والثاني علمه هو ثم انسل يفر منهم، فأصبحوا فجعل الرجل يخبر بما فعل ~~بالغلام ويعجبهم منه وهم لا يعرفونه فوضعوا أيديهم فيه حتى اكتفى الرجال ~~بعضهم ببعض ثم جعلوا يرصدون مارة الطريق فيفعلون بهم حتى تنكب مدينتهم ~~الناس ثم تركوا نسائهم وأقبلوا على الغلمان. فلما رأى أنه قد أحكم أمره في ~~الرجال جاء إلى النساء فصير نفسه امرأة فقال لهن: إن رجالكن يفعل بعضهم ~~ببعض؟ قلن: نعم رأينا ذلك وكل ذلك يعظهم لوط ويوصيهم وإبليس يغويهم حتى ~~استغنى النساء بالنساء. فلما كملت عليهم الحجة بعث الله جبرئيل وميكائيل ~~وإسرافيل في زي غلمان عليهم أقبية فمروا بلوط وهو يحرث. قال: أين تريدون؟ ~~ما رأيت أجمل منكم قط. فقالوا: إنا رسل سيدنا إلى رب هذه البلدة. قال: أولم ~~يبلغ سيدكم ما يفعل أهل هذه القرية؟ إنهم والله يأخذون الرجال فيفعلون بهم ~~حتى يخرج الدم. قالوا: أمرنا سيدنا أن نمر وسطها. قال: فلي إليكم حاجة. ~~قالوا: وما هي؟ قال: تصبرون هنا إلى اختلاط الظلام. قال: فجلسوا. قال: فبعث ~~ابنته. قال: فجيئي لهم بخبز وجيئي لهم بماء في القرعة وجيئي لهم بعباء ~~يتغطون بها من البرد فلما أن ذهبت الابنة أقبل المطر والوادي فقال لوط: ~~الساعة تذهب بالصبيان الوادي قال: قوموا حتى نمضي، وجعل لوط يمشي في أصل ~~الحائط، وجعل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل يمشون وسط الطريق. قال: يا بني ~~امشوا هاهنا فقالوا أمرنا سيدنا أن نمر في وسطها وكان لوط يستغنم الظلام. ~~ومر إبليس فأخذ من حجر امرأة صبيا فطرحه في البئر ms3922 فتصايح أهل المدينة كلهم ~~على باب لوط فلما أن نظروا إلى الغلمان في منزل لوط قالوا: يا لوط قد دخلت ~~في عملنا؟ فقال: هؤلاء ضيفي فلا تفضحون في ضيفي. قالوا: هم ثلاثة خذ واحدا ~~وأعطنا اثنين. قال: وأدخلهم الحجرة وقال: لو أن لي أهل بيت تمنعوني منكم. ~~قال: وتدافعوا على الباب وكسروا باب لوط وطرحوا لوطا فقال له جبرئيل: إنا ~~رسل ربك لن يصلوا إليك فأخذ كفا من بطحاء فضرب بها وجوههم وقال: شاهت ~~الوجوه فعمي أهل المدينة كلهم فقال لهم لوط: يا رسل ربي فما أمركم ربي ~~فيهم؟ قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسحر. قال: فلي إليكم حاجة. قالوا: وما ~~حاجتك؟ قال: تأخذوهم الساعة فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم. فقالوا: يا لوط ~~إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب لمن يريد أن يأخذ فخذ أنت بناتك وامض ودع ~~امرأتك. فقال أبو جعفر (عليه السلام): رحم الله لوطا لو علم من معه في ~~الحجرة لعلم أنه منصور حيث يقول: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد" ~~أي ركن أشد من جبرئيل معه في الحجرة؟ فقال عز وجل لمحمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "وما هي من الظالمين ببعيد" من ظالمي أمتك إن عملوا ما عمل قوم ~~لوط، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ألح في وطي الرجال لم ~~يمت حتى يدعو الرجال إلى نفسه. # أقول: والرواية لا تخلو من تشويش ما في اللفظ، وقد ذكر فيها الملائكة ~~المرسلون ثلاثة، وفي بعض الروايات - كالرواية المذكورة في الباب السابق عن ~~أبي يزيد الحمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) - أنهم كانوا أربعة بزيادة ~~كروبيل، وفي بعض الروايات من طرق أهل السنة أنهم كانوا ثلاثة وهم جبرئيل ~~وميكائيل ورفائيل، والظاهر من الرواية أنها تأخذ قول لوط: "لو أن لي بكم ~~قوة" إلخ خطابا منه للملائكة لا للقوم، وقد تقدمت الإشارة إليه في بيان ~~الآيات. PageV10P179 # وقوله (عليه السلام): رحم الله لوطا لو علم "إلخ" في معنى قول النبي (صلى ms3923 ~~الله عليه وآله وسلم) - على ما روي عنه - رحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ~~ركن شديد. # وقوله (عليه السلام): فقال عز وجل لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلخ ~~إشارة إلى ما تقدم من احتمال كون الآية، مسوقا لتهديد قريش. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قوله: "وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود" قال: ما من عبد يخرج من الدنيا ~~يستحل عمل قوم لوط إلا رماه الله جندلة من تلك الحجارة تكون منيته فيه ولكن ~~الخلق لا يرونه. # أقول: وروي في الكافي، بإسناده عن ميمون البان عنه (عليه السلام) مثله. ~~وفيه: من بات مصرا على اللواط لم يمت حتى يرميه الله بحجارة تكون فيه منيته ~~ولا يراه أحد، وفي الحديثين إشعار بكون قوله: "وما هي من الظالمين ببعيد" ~~غير خاص بقريش، وإشعار بكون العذاب المذكور روحانيا غير مادي. # وفي الكافي، بإسناده عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول لوط: "هؤلاء بناتي هن أطهر لكم" قال: عرض عليهم التزويج. # وفي التهذيب عن الرضا (عليه السلام): عن إتيان الرجل المرأة من خلفها ~~فقال: أحلتها آية من كتاب الله عز وجل: قول لوط: "هؤلاء بناتي هي أطهر لكم" ~~قد علم أنهم لا يريدون الفرج. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: ~~عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته إنه إن كف يده عنهم كف يدا واحدة، ~~وكفوا عنه أيدي كثيرة مع مودتهم وحفاظتهم ونصرتهم حتى لربما غضب الرجل ~~للرجل وما يعرفه إلا بحسبه وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله تعالى فتلا ~~هذه الآية: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد". قال علي رضي الله عنه: ~~والركن الشديد العشيرة فلم يكن للوط عشيرة فوالذي لا إله غيره ما بعث الله ~~نبيا بعد لوط إلا في ثروة من قومه. # أقول: وآخر الرواية مروي من طرق أهل السنة والشيعة. # وفي الكافي، ms3924 في حديث أبي يزيد الحمار عن أبي جعفر (عليه السلام) المنقول ~~في البحث الروائي السابق قال: فأتوا يعني الملائكة لوطا وهو في زراعة قرب ~~القرية فسلموا عليه وهم معتمون فلما رأى هيئة حسنة عليهم ثياب بيض وعمائم ~~بيض قال لهم: المنزل فقالوا: نعم فتقدمهم ومشوا خلفه فندم على عرضه المنزل ~~عليهم فقال: أي شيء صنعت؟ آتي بهم قومي وأنا أعرفهم؟ فقال: إنكم لتأتون ~~شرارا من خلق الله. قال جبرئيل: لا نعجل عليهم حتى يشهد عليهم ثلاث مرات. ~~فقال جبرئيل: هذه واحدة فمشى ساعة ثم التفت إليهم فقال: إنكم لتأتون شرارا ~~من خلق الله فقال جبرئيل: هذه ثنتان. ثم مشى فلما بلغ باب المدينة التفت ~~إليهم ثم قال: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله. فقال جبرئيل: هذه الثالثة ثم ~~دخل ودخلوا معه حتى دخل منزلة. فلما رأتهم امرأته رأت هيئة حسنة فصعدت فوق ~~السطح فصفقت فلم يسمعوا فدخنت فلما رأوا الدخان أقبلوا إلى الباب يهرعون ~~حتى جاءوا على الباب فنزلت إليهم فقالت: عندنا قوم ما رأيت قط قوما أحسن ~~منهم هيئة فجاءوا إلى الباب ليدخلوا. فلما رآهم لوط قام إليهم فقال لهم: يا ~~قوم اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد؟ ثم قال: هؤلاء بناتي ~~هن أطهر لكم فدعاهم كلهم إلى الحلال فقالوا: ما لنا في بناتك من حق وإنك ~~لتعلم ما نريد، فقال لهم: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، فقال ~~جبرئيل: لو يعلم أي قوة له. فتكاثروه حتى دخلوا الباب فصاح بهم جبرئيل ~~فقال: يا لوط دعهم يدخلون فلما دخلوا أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت ~~أعينهم وهو قول الله عز وجل: "فطمسنا أعينهم" ثم ناداه جبرئيل فقال له: إنا ~~رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل. وقال له جبرئيل: إنا ~~بعثنا في إهلاكهم فقال: يا جبرئيل عجل فقال: إن موعدهم الصبح أليس الصبح ~~بقريب. فأمره يتحمل ومن معه إلا امرأته ثم اقتلعها يعني المدينة جبرئيل ~~بجناحه من سبع أرضين ms3925 ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نياح الكلاب وصراخ ~~الديوك ثم قلبها وأمطر عليها وعلى من حول المدينة بحجارة من سجيل. PageV10P180 # أقول: وما اشتمل عليه آخر الرواية من اقتلاعها من سبع أرضين ثم رفعها إلى ~~حيث سمع أهل السماء الدنيا نياح كلابهم وصراخ ديوكهم أمر خارق للعادة، وهو ~~وإن كان لا يستبعد من قدرة الله سبحانه لكنه مما لا يكفي في ثبوته أمثال ~~هذه الرواية وهي من الآحاد. # على أن السنة الإلهية جارية على أن تقتفي في الكرامات والمعجزات الحكمة ~~وأي حكمة في رفعهم إلى هذا الحد ولا أثر له في عذابهم ولا في تشديده؟ وقول ~~بعض أهل الكلام: من الجائز أن يكون هذا الفعال العجيب الخارق للعادة لطفا ~~من الله ليكون الإخبار بذلك من طريق المعصومين مقربا للمؤمنين إلى الطاعة ~~مبعدا لهم من المعصية كلام مدخول فإن خلق الأمور العظيمة المعجبة والحوادث ~~الخارقة للعادة ليتأكد بها إيمان المؤمنين ويعتبر بها المعتبرون وإن كان لا ~~يخلو من لطف إلا أنه إنما يكون لطفا فيما كان بلوغه لهم من طريق الحس أو أي ~~طريق علمي آخر، وأما رواية واحدة أو ضعيفة وهي خالية عن الحجية لا يعبأ بها ~~فلا معنى لإيجاد الأمور الخارقة والحوادث العجيبة لأجل حصول اعتبار أو ~~مخافة من طريقها، ولا وجه لتشديد عذاب قوم ليعتبر به قوم آخرون إلا في سنة ~~الجهال من طغاة البشر وجبابرتهم. # قال صاحب المنار في تفسيره: وفي خرافات المفسرين المروية عن الإسرائيليات ~~أن جبرئيل قلعها من تخوم الأرض بجناحه وصعد بها إلى عنان السماء حتى سمع ~~أهل السماء أصوات الكلاب والدجاج فيها ثم قلبها قلبا مستويا فجعل عاليها ~~سافلها. # وهذا تصور مبني على اعتقاد متصوره إن الأجرام السماوية المأهولة بالسكان ~~مما يمكن أن يقرب منهم سكان الأرض وما فيها من الحيوان ويبقون أحياء. # وقد ثبت بالمشاهدة والاختبار الفعلي في هذه الأيام التي يكتب هذا فيها أن ~~الطيارات والمناطيد التي تخلق في الجو تصل إلى حيث يخف ضغط الهواء ويستحيل ~~حياة الناس فيها، ms3926 وهم يصنعون أنواعا منها يصنعون فيها من أكسجين الهواء ما ~~يكفي استنشاقه وتنفسه للحياة في طبقات الجو العليا ويصعدون فيها. # وقد أشير في الكتاب العزيز إلى ما يكون للتصعيد في جو السماء من التأثير ~~في ضيق الصدر من عسر التنفس بقوله تعالى: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء". # فإن قيل: إن هذا الفعل المروي عن جبرئيل من الممكنات العقلية وكان وقوعه ~~من خوارق العادات فلا يصح أن يجعل تصديقه موقوفا على ما عرف من سنن ~~الكائنات. # قلت: نعم ولكن الشرط الأول لقبول الرواية في أمر جاء على غير السنن ~~والنواميس التي أقام الله بها نظام العالم من عمران وخراب أن تكون الرواية ~~عن وحي إلهي نقل بالتواتر عن المعصوم أو بسند صحيح متصل الإسناد لا شذوذ ~~فيه ولا علة على الأقل، ولم يذكر في كتاب الله تعالى، ولم يرد فيه حديث ~~مرفوع إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تظهر حكمة الله فيه، وإنما ~~روي عن بعض التابعين دون الصحابة. # ولا شك أنه من الإسرائيليات. # ومما قالوه فيها: أن عدد أهلها كان أربعة آلاف ألف وبلاد فلسطين كلها لا ~~تسع هذا العدد فأين كان هؤلاء الملايين يسكنون من تلك القرى الأربع؟ انتهى. # والذي ذكره أن الحديث إنما روي عن التابعين دون الصحابة فإنه أن هذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس وعن الحذيفة بن اليمان، ففي رواية ابن عباس كما في ~~الدر المنثور، عن إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك ~~عنه: "فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها من رجالها ~~ونسائها وثمارها وطيرها فحواها وطواها ثم قلعها من تخوم الثرى ثم احتملها ~~تحت جناحه ثم رفعها إلى السماء الدنيا فسمع سكان سماء الدنيا أصوات الكلاب ~~والطير والنساء والرجال من تحت جناح جبرئيل ثم أرسلها منكوسة ثم أتبعها ~~بالحجارة، وكانت الحجارة للرعاة والتجار ومن كان خارجا عن ms3927 مدائنهم" الحديث. # وفي رواية حذيفة بن اليمان على ما في الدر المنثور، عن عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه: "فاستأذن جبرئيل في هلاكهم فأذن له ~~فاحتمل الأرض التي كانوا عليها، وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا صغاء ~~كلابهم وأوقد تحتهم نارا ثم قلبها بهم فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم ~~فالتفتت فأصابها العذاب، وتبعت سفارهم الحجارة" الحديث. PageV10P181 # وأما من التابعين فقد روي هذا المعنى عن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي صالح ~~ومحمد بن كعب القرظي وعن السدي ما هو أغلظ من ذلك قال: "لما أصبحوا نزل ~~جبرئيل فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ السماء الدنيا ثم أهوى ~~بها جبرئيل إلى الأرض" الحديث. # وأما ما ذكره من أنه "يشترط في قبول الرواية أن تكون منقولة بالتواتر عن ~~المعصوم أو بسند صحيح متصل الإسناد لا شذوذ فيه ولا علة" فمسألة أصولية، ~~والذي استقر عليه النظر اليوم في المسألة أن الخبر إن كان متواترا أو ~~محفوفا بقرينة قطعية فلا ريب في حجيتها، وأما غير ذلك فلا حجية فيه إلا ~~الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية الفرعية إذا كان الخبر موثوق الصدور ~~بالظن النوعي فإن لها حجية. # وذلك أن الحجية الشرعية من الاعتبارات العقلائية فتتبع وجود أثر شرعي في ~~المورد يقبل الجعل والاعتبار الشرعي والقضايا التاريخية والأمور الاعتقادية ~~لا معنى لجعل الحجية فيها لعدم أثر شرعي ولا معنى لحكم الشارع بكون غير ~~العلم علما وتعبيد الناس بذلك، والموضوعات الخارجية وإن أمكن أن يتحقق فيها ~~أثر شرعي إلا أن آثارها جزئية والجعل الشرعي لا ينال إلا الكليات وليطلب ~~تفصيل القول في المسألة من علم الأصول. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): رحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد. # أقول: مقتضى المقام الذي كان يجاري فيه لوط قومه ويأمرهم بتقوى الله ~~والاجتناب عن الفجور، وظاهر سياق الآيات الحاكية للمشاجرة بينه وبين قومه ~~أن لوطا إنما ms3928 كان يتمنى أنصارا أولي رشد من بين قومه أو من غيرهم فقوله: ~~"أو آوي إلى ركن شديد" يريد به أنصارا من غير القوم من عشيرة أو أخلاء ~~وأصدقاء في الله ينصرونه في الدفع عن أضيافه هذا والركن الشديد معه في داره ~~وهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ولذلك لبوه من غير فصل وقالوا: يا لوط إنا ~~رسل ربك لن يصلوا إليك. # ولم يكن ليغفل في حال من تلك الأحوال عن ربه وأن كل النصر من عنده حتى ~~ينساه ويتمنى ناصرا غيره، وحاشا مقام هذا النبي الكريم عن مثل هذا الجهل ~~المذموم وقد قال الله تعالى في حقه: "آتيناه حكما وعلما - إلى أن قال - ~~وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين:" الأنبياء: - 75. # فقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن كان ليأوي إلى ركن شديد" ~~معناه أن معه جبرئيل وسائر الملائكة وهو لا يعلم بذلك، وليس معناه أن معه ~~الله سبحانه وهو جاهل بمقام ربه. # فما في بعض الروايات الناقلة للفظة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من الإشعار بأن مراده بالركن الشديد هو الله سبحانه دون الملائكة إنما نشأ ~~عن فهم بعض رواة الحديث كما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): رحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد يعني الله تعالى. # الحديث. # وكما عنه من طريق آخر قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~"يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد" ولعل فيه نقلا بالمعنى وأن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رحم الله لوطا فغيره الراوي إلى ~~قوله: يغفر الله للوط المشعر بكون لوط أهمل أدبا من آداب العبودية أو أذنب ~~ذنبا بجهله مقام ربه ونسيانه ما لم يكن له أن ينساه. # كلام في قصة لوط وقومه في فصول # 1 - قصته وقصة قومه في القرآن: # كان لوط (عليه السلام) من كلدان في أرض بابل ومن السابقين الأولين ممن ~~آمن بإبراهيم (عليه السلام) آمن به وقال: "إني مهاجر إلى ربي: ms3929 العنكبوت - ~~26 فنجاه الله مع إبراهيم إلى الأرض المقدسة أرض فلسطين الأنبياء: 71 فنزل ~~في بعض بلادها وهي مدينة سدوم على ما في التواريخ والتوراة وبعض الروايات. # وكان أهل المدينة وما والاها من المدائن وقد سماها الله في كلامه ~~بالمؤتفكات التوبة 70 يعبدون الأصنام، ويأتون بالفاحشة: اللواط، وهم أول ~~قوم شاع فيهم ذلك الأعراف: 80 حتى كانوا يأتون به في نواديهم من غير إنكار ~~العنكبوت: 29 ولم يزل تشيع الفاحشة فيهم حتى عادت سنة قومية ابتلت به ~~عامتهم وتركوا النساء وقطعوا السبيل العنكبوت: 29. PageV10P182 # فأرسل الله لوطا إليهم الشعراء: 162 فدعاهم إلى تقوى الله وترك الفحشاء ~~والرجوع إلى طريق الفطرة وأنذرهم وخوفهم فلم يزدهم إلا عتوا ولم يكن جوابهم ~~إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، وهددوه بالإخراج من ~~بلدتهم وقالوا له: لئن لم تنته لتكونن من المخرجين الشعراء: 167 وقالوا ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون النمل: 56. # 2 - عاقبة أمرهم: # لم يزل لوط (عليه السلام) يدعوهم إلى سبيل الله وملازمة سنة الفطرة وترك ~~الفحشاء وهم يصرون على عمل الخبائث حتى استقر بهم الطغيان وحقت عليهم كلمة ~~العذاب فبعث الله رسلا من الملائكة المكرمين لإهلاكهم فنزلوا أولا على ~~إبراهيم (عليه السلام) وأخبروه بما أمرهم الله به من إهلاك قوم لوط فجادلهم ~~إبراهيم (عليه السلام) لعله يرد بذلك عنهم العذاب، وذكرهم بأن فيهم لوطا ~~فردوا عليه بأنهم أعلم بموقع لوط وأهله، وأنه قد جاء أمر الله وأن القوم ~~آتيهم عذاب غير مردود العنكبوت: 32 - هود: 76. # فمضوا إلى لوط في صور غلمان مرد ودخلوا عليه ضيفا فشق ذلك على لوط وضاق ~~بهم ذرعا لما كان يعلم من قومه أنهم سيتعرضون لهم وأنهم غير تاركيهم البتة ~~فلم يلبث دون أن سمع القوم بذلك وأقبلوا يهرعون إليه وهم يستبشرون وهجموا ~~على داره فخرج إليهم وبالغ في وعظهم واستثارة فتوتهم ورشدهم حتى عرض عليهم ~~بناته وقال: يا قوم إن هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ~~ضيفي ثم ms3930 استغاث وقال: أليس منكم رجل رشيد فردوا عليه أنه ليس لهم في بناته ~~إربة وأنهم غير تاركي أضيافه البتة حتى أيس لوط وقال: لو أن لي بكم قوة أو ~~آوي إلى ركن شديد: هود: - 80. # قالت الملائكة عند ذلك يا لوط: إنا رسل ربك طب نفسا إن القوم لن يصلوا ~~إليك فطمسوا أعين القوم فعادوا عميانا يتخبطون وتفرقوا القمر: 37. # ثم أمروا لوطا (عليه السلام) أن يسري بأهله من ليلته بقطع من الليل ويتبع ~~أدبارهم ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته فإنه مصيبها ما أصابهم، وأخبروه ~~أنهم سيهلكون القوم مصبحين هود: 81 - الحجر: 66. # فأخذت الصيحة القوم مشرقين، وأرسل الله عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك ~~للمسرفين، وقلب مدائنهم عليهم فجعل عاليها سافلها وأخرج من كان فيها من ~~المؤمنين فلم يجد فيها غير بيت من المسلمين وهو بيت لوط وترك فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم الذاريات: 37 - وغيرها. # وفي اختصاص الإيمان والإسلام بيت لوط (عليه السلام)، وشمول العذاب ~~لمدائنهم دلالة - أولا - على أن القوم كانوا كفارا غير مؤمنين و- ثانيا - ~~على أن الفحشاء ما كانت شائعة فيما بين الرجال منهم فحسب إذ لو كان الأمر ~~على ذلك والنساء بريئات منها وكان لوط يدعو الناس إلى الرجوع إلى سبيل ~~الفطرة وسنة الخلقة التي هي مواصلة الرجال والنساء لاتبعته عدة من النساء ~~واجتمعن حوله وآمن به طبعا، ولم يذكر من ذلك شيء في كلامه سبحانه. # وفي ذلك تصديق ما تقدم في الأخبار المأثورة أن الفحشاء شاعت بينهم، ~~واكتفى الرجال بالرجال باللواط، والنساء بالنساء بالسحق. # 3 - شخصية لوط المعنوية: # كان (عليه السلام) رسولا من الله إلى أهل المؤتفكات وهي مدينة سدوم وما ~~والاها من المدائن - ويقال: كانت أربع مدائن: سدوم وعمورة وصوغر وصبوييم ~~وقد أشركه في جميع المقامات الروحية التي وصف بها أنبياءه الكرام. # ومما وصفه به خاصة ما في قوله: "ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من ~~القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في ~~رحمتنا إنه من الصالحين:" الأنبياء: - 75. # 4 ms3931 - لوط وقومه في التوراة: # ذكرت 1 التوراة أن لوطا كان ابن أخي أبرام - إبراهيم - هاران بن تارخ ~~وكان هو وأبرام في بيت تارخ في أور الكلدانيين ثم هاجر تارخ أورا قاصدا أرض ~~الكنعانيين فأقام بلدة حاران ومعه أبرام ولوط ومات هناك. # ثم إن أبرام بأمر من الرب خرج من حاران ومعه لوط ولهما مال كثير وغلمان ~~اكتسبا ذلك في حاران فأتى أرض كنعان، وكان يرتحل أبرام ارتحالا متواليا نحو ~~الجنوب، ثم أتى مصر، ثم صعد من هناك جنوبا نحو بيت إيل فأقام هناك. PageV10P183 # ولوط السائر مع أبرام أيضا كان له غنم وبقر وخيام ولم يحتملهما الأرض أن ~~يسكنا ووقعت مخاصمة بين رعاة مواشيهما فتفرقا فأحذرا من وقوع النزاع ~~والتشاجر فاختار لوط دائرة الأردن وسكن في مدن الدائرة ونقل خيامه إلى ~~سدوم، وكان أهل سدوم أشرارا وخطاة لدى الرب جدا، ونقل أبرام خيامه وأقام ~~عند بلوطات ممرا التي في حبرون. # ثم وقعت حرب بين ملوك سدوم وعمورة وإدمة وصبوييم، وصوغر من جانب وأربعة ~~من جيرانهم من جانب، انهزم فيها ملك سدوم ومن معه من الملوك، وأخذ العدو ~~جميع أملاك سدوم وعمورة وجميع أطعمتهم، وأسر لوط فيمن أسر وسبي جميع ~~أمواله، وانتهى الخبر إلى أبرام فخرج فيمن معه من الغلمان، وكانوا يزيدون ~~على ثلاث مائة فحاربهم وهزمهم، وأنجى لوطا وجميع أمواله من الأسر والسبي، ~~ورده إلى مكانه الذي كان مقيما فيه ملخص ما في التوراة من صدر قصة لوط. # قالت التوراة 1: وظهر له - لأبرام - الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في ~~باب الخيمة وقت حر النهار. # فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. # فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض. # وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك. # ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت هذه الشجرة. # فأخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون لأنكم قد مررتم على عبدكم. # فقالوا: هكذا نفعل كما تكلمت. # فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: أسرعي بثلاث ms3932 كيلات دقيقا سميدا ~~اعجني واصنعي خبز ملة، ثم ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلا رخصا وجيدا ~~وأعطاه للغلام فأسرع ليعمله. # ثم أخذ زبدا ولبنا والعجل الذي عمله ووضعها قدامهم. # وإذ كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا. # وقالوا له: أين سارة امرأتك، فقال: ها هي في الخيمة، فقال: إني أرجع إليك ~~نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن. # وكانت سارة سامعة في باب الخيمة وهو وراءه. # وكان إبراهيم وسارة شيخين متقدمين في الأيام. # وقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء. # فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ؟ فقال ~~الرب لإبراهيم: لما ذا ضحكت سارة قائلة: أفبالحقيقة ألد وأنا قد شخت؟ هل ~~يستحيل على الرب شيء؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ~~ابن، فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك، لأنها خافت. # فقال: لا بل ضحكت. # ثم قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم، وكان إبراهيم ماشيا معهم ~~ليشيعهم. # فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ وإبراهيم يكون أمة كبيرة ~~وقوية ويتبارك به جميع أمم الأرض. # لأني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا برا ~~وعدلا لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به. # فقال الرب: إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيئتهم قد عظمت جدا. # أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخها الآتي إلي وإلا فأعلم. # وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم. # وأما إبراهيم فكان لم يزل قائما أمام الرب. # فتقدم إبراهيم وقال: أفتهلك البار مع الأثيم؟ عسى أن يكون خمسون بارا في ~~المدينة. # أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارا الذين فيه؟ حاشا لك أن ~~تفعل مثل هذا الأمر أن تميت البار مع الأثيم فيكون البار كالأثيم، حاشاك. # أديان كل الأرض لا يصنع عدلا؟ فقال الرب: إن وجدت في سدوم خمسين بارا في ~~المدينة فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم. # فأجاب إبراهيم وقال: إني قد شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد ربما ms3933 نقص ~~الخمسون بارا خمسة أتهلك كل المدينة بالخمسة؟ فقال الرب: لا أهلك إن وجدت ~~هناك خمسة وأربعين. # فعاد يكلمه أيضا وقال: عسى أن يوجد هناك أربعون، فقال: لا أفعل من أجل ~~الأربعين. # فقال: لا يسخط المولى فأتكلم عسى أن يوجد هناك ثلاثون. # فقال: لا أفعل إن وجدت هناك ثلاثين. # فقال: إني قد شرعت أكلم المولى عسى أن يوجد هناك عشرون، فقال: لا أهلك من ~~أجل العشرين. # فقال: لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط عسى أن يوجد هناك عشرة، فقال: ~~لا أهلك من أجل العشرة. # وذهب الرب عند ما فرغ من الكلام مع إبراهيم ورجع إبراهيم إلى مكانه. # فجاء 1 الملأكان إلى سدوم مساء وكان لوط جالسا في باب سدوم فلما رآهما ~~لوط قام لاستقبالهما وسجد بوجهه إلى الأرض. PageV10P184 # وقال: يا سيدي ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما ثم تبكران وتذهبان ~~في طريقكما، فقالا: لا بل في الساحة نبيت، فألح عليهما جدا، فمالا إليه ~~ودخلا بيته، فصنع لهما ضيافة وخبزا فطيرا فأكلا. # وقبل ما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة رجال سدوم من الحدث إلى الشيخ ~~كل الشعب من أقصاها فنادوا لوطا وقالوا له: أين الرجلان اللذان دخلا إليك ~~الليلة؟ أخرجهما إلينا لنعرفهما. # فخرج إليهم لوط إلى الباب وأغلق الباب وراءه. # وقال: لا تفعلوا شرا يا إخوتي. # هو ذا لي ابنتان لم يعرفا رجلا أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في ~~عيونكم. # وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئا لأنهما قد دخلا تحت ظل سقفي. # فقالوا: ابعد إلى هناك. # ثم قالوا: جاء هذا الإنسان ليتغرب وهو يحكم حكما. # الآن نفعل بك شرا أكثر منهما. # فألحوا على الرجل لوط جدا وتقدموا ليكسروا الباب فمد الرجلان أيديهما ~~وأدخلا لوطا إليهما إلى البيت وأغلقا الباب وأما الرجال الذين على باب ~~البيت فضرباهم بالعمى من الصغير إلى الكبير فعجزوا عن أن يجدوا الباب. # وقال الرجلان للوط: من لك أيضا هاهنا أصهارك وبنوك وبناتك وكل من لك في ~~المدينة أخرج من المكان لأننا مهلكان هذا ms3934 المكان إذ قد عظم صراخهم أمام ~~الرب فأرسلنا الرب لنهلكهم. # فخرج لوط وكلم أصهاره الآخذين بناته وقال: قوموا اخرجوا من هذا المكان ~~لأن الرب مهلك المدينة، فكان كمازح في أعين أصهاره. # ولما طلع الفجر كان الملأكان يعجلان لوطا قائلين: قم خذ امرأتك وابنتيك ~~الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة. # ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه ~~وأخرجاه وضعاه خارج المدينة. # وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال: اهرب لحياتك. # لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة. # اهرب إلى الجبل لئلا تهلك فقال لهما لوط: لا يا سيد هو ذا عبدك قد وجد ~~نعمة في عينيك وعظمت لطفك الذي صنعت إلي باستبقاء نفسي. # وأنا لا أقدر أن أهرب إلى الجبل لعل الشر يدركني فأموت. # هو ذا المدينة هذه قريبة للهرب إليها. # وهي صغيرة أهرب إلى هناك أليست هي صغيرة فتحيا نفسي. # فقال له: إني قد رفعت وجهك في هذا الأمر أيضا أن لا أقلب المدينة التي ~~تكلمت عنها. # أسرع اهرب إلى هناك لأني لا أستطيع أن أفعل شيئا حتى تجيء إلى هناك - ~~لذلك دعي اسم المدينة صوغر. # وإذا أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر فأمطر الرب على سدوم وعمورة ~~كبريتا ونارا من عند الرب من السماء. # وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض. # ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح. # وبكر إبراهيم في الغد إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب وتطلع نحو سدوم ~~وعمورة ونحو كل أرض الدائرة. # ونظر وإذا دخان الأرض يصعد كدخان الأتون. # وحدث لما أخرب الله مدن الدائرة أن الله ذكر إبراهيم. # وأرسل لوطا من وسط الانقلاب حين قلب المدن التي سكن فيها لوط. # وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه لأنه خاف أن يسكن في صوغر ~~فسكن في المغارة هو وابنتاه. # وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة ~~كل الأرض هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه فنحيي ms3935 من أبينا نسلا. # فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة. # ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها وحدث في ~~الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. # نسقيه خمرا الليلة أيضا فادخلي اضطجعي معه فنحيي من أبينا نسلا. # فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا. # وقامت الصغيرة واضطجعت معه. # ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. # فحبلت ابنتا لوط من أبيهما. # فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم والصغيرة ~~أيضا ولدت ابنا ودعت اسمه بن عمى وهو أبو بني عمون إلى اليوم. # انتهى. # هذا ما قصته التوراة في لوط وقومه نقلناه على طوله ليتضح به ما تخالف ~~القرآن الكريم من وجه القصة ومن وجوه غيرها. # ففيها كون الملك المرسل للبشرى والعذاب ملكين اثنين. # وقد عبر القرآن بالرسل - بلفظ الجمع وأقله ثلاثة -. # وفيها أن أضياف إبراهيم أكلوا مما صنعه وقدمه إليهم، والقرآن ينفي ذلك ~~ويقص أن إبراهيم خاف إذ رأى أن أيديهم لا تصل إليه. PageV10P185 # وفيها: إثبات بنتين للوط، والقرآن يعبر بلفظ البنات. # وفيها كيفية إخراج الملائكة لوطا وكيفية تعذيب القوم وصيرورة المرأة ~~عمودا من ملح وغير ذلك. # وفيها نسبة التجسم صريحة إلى الله سبحانه، وما ذكرته من قصة لوط مع بنتيه ~~أخيرا، والقرآن ينزه ساحة الحق سبحانه عن التجسم ويبرىء أنبياءه ورسله عن ~~ارتكاب ما لا يليق بساحة قدسهم. PageV10P186 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 84 - 95 # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إنى أرام بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ~~ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا ~~فى الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم ~~بحفيظ (86) قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا أو أن نفعل ~~فى أمولنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يقوم أرءيتم إن كنت على ~~بينة من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم ms3936 إلى ما أنهام عنه إن ~~أريد إلا الاصلح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ~~(88) ويقوم لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صلح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى ~~رحيم ودود (90) قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ~~ولو لا رهطك لرجمنك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يقوم أرهطى أعز عليكم من ~~الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط (92) ويقوم اعملوا على ~~مكانتكم إنى عمل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كذب وارتقبوا إنى ~~معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديرهم جثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ~~ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات قصة شعيب (عليه السلام) وقومه وهم أهل مدين، وكانوا يعبدون ~~الأصنام، وكان قد شاع التطفيف في الكيل والوزن عندهم واشتد الفساد فيهم ~~فأرسل الله سبحانه شعيبا (عليه السلام) إليهم فدعاهم إلى التوحيد وتوفية ~~الميزان والمكيال بالقسط وترك الفساد في الأرض، وبشرهم وأنذرهم وبالغ في ~~عظتهم وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: كان شعيب خطيب ~~الأنبياء. # فلم يجبه القوم إلا بالرد والعصيان، هددوه بالرجم والطرد من بينهم ~~وبالغوا في إيذائه وإيذاء شرذمة من الناس آمنوا به وصدهم عن سبيل الله ~~وداموا على ذلك حتى سأل الله أن يقضي بينه وبينهم فأهلكهم الله تعالى. # قوله تعالى: "وإلى مدين أخاهم شعيبا" إلى آخر الآية عطف على ما تقدمه من ~~قصص الأنبياء وأممهم، ومدين اسم مدينة كان يسكنها قوم شعيب ففي نسبة إرسال ~~شعيب إلى مدين وكان مرسلا إلى أهله نوع من المجاز في الإسناد كقولنا: جرى ~~الميزاب، وفي عد شعيب (عليه السلام) أخا لهم دلالة على أنه كان ينتسب إليهم. # وقوله: "قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" تقدم تفسيره في ms3937 ~~نظائره. # وقوله: "ولا تنقصوا المكيال والميزان" المكيال والميزان اسما آلة بمعنى ~~ما يكال به وما يوزن به، ولا يوصفان بالنقص وإنما يوصف بالنقص كالزيادة ~~والمساواة المكيل والموزون فنسبة النقص إلى المكيال والميزان من المجاز ~~العقلي. # وفي تخصيص نقص المكيال والميزان من بين معاصيهم بالذكر دلالة على شيوعه ~~بينهم وإقبالهم عليه وإفراطهم فيه بحيث ظهر فساده وبان سيىء أثره فأوجب ذلك ~~شدة اهتمام به من داعي الحق فدعاهم إلى تركه بتخصيصه بالذكر من بين ~~المعاصي. PageV10P187 # وقوله: "إني أراكم بخير" أي أشاهدكم في خير، وهو ما أنعم الله تعالى عليكم ~~من المال وسعة الرزق والرخص والخصب فلا حاجة لكم إلى نقص المكيال والميزان، ~~واختلاس اليسير من أشياء الناس طمعا في ذلك من غير سبيله المشروع وظلما ~~وعتوا، وعلى هذا فقوله: "إني أراكم بخير" تعليل لقوله: "ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان". # ويمكن تعميم الخير بأن يراد به أنكم مشمولون لعناية الله معنيون بنعمه ~~آتاكم عقلا ورشدا ورزقكم رزقا فلا مسوغ لأن تعبدوا الآلهة من دونه وتشركوا ~~به غيره، وأن تفسدوا في الأرض بنقص المكيال والميزان، وعلى هذا يكون تعليلا ~~لما تقدمه من الجملتين أعني قوله: "اعبدوا الله" إلخ، وقوله: "ولا تنقصوا" ~~إلخ، كما أن قوله: "وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط" كذلك. # فمحصل قوله: "إني أراكم" إلى آخر الآية أن هناك رادعين يجب أن يردعاكم عن ~~معصية الله: أحدهما: أنكم في خير ولا حاجة لكم إلى بخس أموال الناس من غير ~~سبيل حلها. # وثانيهما: أن وراء مخالفة أمر الله يوما محيطا يخاف عذابه. # وليس من البعيد أن يراد بقوله: "إني أراكم بخير" إني أراكم برؤية خير أي ~~أنظر إليكم نظر الناصح المشفق الذي لا يصاحب نظره إلا الخير ولا يريد بكم ~~غير السعادة، وعلى هذا يكون قوله: "وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط" كعطف ~~التفسير بالنسبة إليه. # وقوله: "وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط" يشير به إلى يوم القيامة أو يوم ~~نزول عذاب الاستئصال ومعنى كون اليوم - وهو يوم القضاء بالعذاب - محيطا أنه ~~لا ms3938 مخرج منه ولا مفر ولا ملاذ من دون الله فلا يدفع فيه ناصر ولا معين، ولا ~~ينفع فيه توبة ولا شفاعة، ويئول معنى الإحاطة إلى كون العذاب قطعيا لا مناص ~~منه ومعنى الآية أن للكفر والفسوق عذابا غير مردود أخاف أن يصيبكم ذلك. # قوله تعالى: "ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم" ~~إلخ، الإيفاء إعطاء الحق بتمامه والبخس النقص كرر القول في المكيال ~~والميزان بالأخذ بالتفصيل بعد الإجمال مبالغة في الاهتمام بأمر لا غنى ~~لمجتمعهم عنه، وذلك أنه دعاهم أولا إلى الصلاح بالنهي عن نقص المكيال ~~والميزان، وعاد ثانيا فأمر بإيفاء المكيال والميزان ونهى عن بخس الناس ~~أشياءهم إشارة إلى أن مجرد التحرز عن نقص المكيال والميزان لا يكفي في ~~إعطاء هذا الأمر حقه - وإنما نهى عنه أولا لتكون معرفة إجمالية هي كالمقدمة ~~لمعرفة التكليف تفصيلا - بل يجب أن يوفي الكائل والوازن مكياله وميزانه ~~ويعطياهما حقهما ولا يبخسا ولا ينقصا الأشياء المنسوبة إلى الناس بالمعاملة ~~حتى يعلما أنهما أديا إلى الناس أشياءهم وردا إليهم مالهم على ما هو عليه. # وقوله: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" قال الراغب: العيث والعثي يتقاربان ~~نحو جذب وجبذ إلا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسا والعثي ~~فيما يدرك حكما يقال: عثي يعثى عثيا، وعلى هذا "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" ~~وعثا يعثو عثوا. # انتهى. # وعلى هذا فقوله: "مفسدين" حال من ضمير "لا تعثوا" لإفادة التأكيد نظير ما ~~يفيده قولنا: لا تفسدوا إفسادا. # والجملة أعني قوله: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" نهي مستأنف عن الفساد في ~~الأرض من قتل أو جرح أو أي ظلم مالي أو جاهي أو عرضي لكن لا يبعد أن يستفاد ~~من السياق كون الجملة عطفا تفسيريا للنهي السابق فيكون نهيا تأكيديا عن ~~التطفيف ونقص المكيال والميزان لأنه من الفساد في الأرض. # بيان ذلك: أن الاجتماع المدني الدائر بين أفراد النوع الإنساني مبني على ~~المبادلة حقيقة فما من مواصلة ومرابطة بين فردين من أفراد النوع إلا وفيه ms3939 ~~إعطاء وأخذ فلا يزال المجتمعون يتعاونون في شئون حياتهم يفيد فيه الواحد ~~غيره ليستفيد منه ما يماثله أو يزيد عليه ويدفع إليه نفعا ليجذب منه إلى ~~نفسه نفعا وهو المعاملة والمبادلة. # ومن أظهر مصاديق هذه المبادلة المعاملات المالية وخاصة في الأمتعة التي ~~لها حجم أو وزن مما يكتال أو يوزن فإن ذلك من أقدم ما تنبه الإنسان لوجوب ~~إجراء سنة المبادلة فيه. PageV10P188 # فالمعاملات المالية وخاصة البيع والشرى من أركان حياة الإنسان الاجتماعية ~~يقدر الواحد منهم ما يحتاج إليه في حياته الضرورية بالكيل أو الوزن، وما ~~يجب عليه أن يبذله في حذائه من الثمن ثم يسير في حياته بانيا لها على هذا ~~التقدير والتدبير. # فإذا خانه معامله ونقص المكيال والميزان من حيث لا يشعر هو فقد أفسد ~~تدبيره وأبطل تقديره، واختل بذلك نظام معيشته من الجهتين معا من جهة ما ~~يقتنيه من لوازم الحياة بالاشتراء ومن جهة ما يبذله من الثمن الزائد الذي ~~يتعب نفسه في تحصيله بالاكتساب فيسلب إصابة النظر وحسن التدبير في حياته ~~ويتخبط في مسيرها خبط العشواء وهو الفساد. # وإذا شاع ذلك في مجتمع فقد شاع الفساد فيما بينهم ولم يلبثوا دون أن ~~يسلبوا الوثوق والاطمئنان واعتماد بعضهم على بعض ويرتحل بذلك الأمن العام ~~من بينهم وهو النكبة الشاملة التي تحيط بالصالح والطالح والمطفف والذي يوفي ~~المكيال والميزان على حد سواء، وعاد بذلك اجتماعهم اجتماعا على المكر ~~وإفساد الحياة لا اجتماعا على التعاون لسعادتها، قال تعالى: "وأوفوا الكيل ~~إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا:" إسراء: - 35. # قوله تعالى: "بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ" ~~البقية بمعنى الباقي والمراد به الربح الحاصل للبائع وهو الذي يبقى له بعد ~~تمام المعاملة فيضعه في سبيل حوائجه، وذلك أن المبادلة وإن لم يوضع بالقصد ~~الأول على أساس الاسترباح، وإنما كان الواحد منهم يقتني شيئا من متاع ~~الحياة، فإذا كان يزيد على ما يحتاج إليه بدل الزائد المستغنى عنه من متاع ~~آخر يحتاج إليه ولا يملكه ms3940 ثم أخذت نفس التجارة وتبديل الأمتعة من الأثمان ~~حرفة يكتسب بها المال ويقتني بها الثروة فأخذ الواحد منهم متاعا من نوع ~~واحد أو أنواع شتى وعرضه على أرباب الحاجة للمبادلة، وأضاف إلى رأس ماله ~~فيه شيئا من الربح بإزاء عمله في الجمع والعرض ورضي بذلك الناس المشترون ~~لما فيه من تسهيل أمر المبادلة عليهم فللتاجر في تجارته ربح مشروع يرتضيه ~~المجتمع بحسب فطرتهم يقوم معيشته ويحول إليه ثروة يقتنيها ويقيم بها صلب حياته. # فالمراد أن الربح الذي هو بقية إلهية هداكم الله إليه من طريق فطرتكم هو ~~خير لكم من المال الذي تقتنونه من طريق التطفيف ونقص المكيال والميزان إن ~~كنتم مؤمنين فإن المؤمن إنما ينتفع من المال بالمشروع الذي ساقه الله إليه ~~من طريق حله، وأما غير ذلك مما لا يرتضيه الله ولا يرتضيه الناس بحسب ~~فطرتهم فلا خير له فيه ولا حاجة له إليه. # وقيل: إن الاشتراط بالإيمان في قوله: "إن كنتم مؤمنين" للدلالة على ~~اشتراط الإيمان للعلم بذلك لا لأصله والمعنى إن كنتم مؤمنين علمتم صحة ~~قولي: إن بقية الله خير لكم. # وقيل معنى الآية ثواب طاعة الله - بكون البقية بمعنى ثواب الطاعة الباقي ~~- خير لكم إن كنتم مؤمنين. # وقيل غير ذلك. # وقوله: "وما أنا عليكم بحفيظ" أي وما يرجع إلى قدرتي شيء مما عندكم من ~~نفس أو عمل أو طاعة أو رزق ونعمة فإنما أنا رسول ليس عليه إلا البلاغ، لكم ~~أن تختاروا ما فيه رشدكم وخيركم أو تسقطوا في مهبط الهلكة من غير أن أقدر ~~على جلب خير إليكم أو دفع شر منكم فهو كقوله تعالى: "فمن أبصر فلنفسه ومن ~~عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ:" الأنعام: - 104. # قوله تعالى: "قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا" إلى ~~آخر الآية، رد منهم لحجة شعيب عليه، وهو من ألطف التركيب، ومغزى مرادهم أنا ~~في حرية فيما نختاره لأنفسنا من دين أو نتصرف به في أموالنا من وجوه التصرف ~~ولست تملكنا حتى تأمرنا بكل ما ms3941 أحببت أو تنهانا عن كل ما كرهت فإن ساءك شيء ~~مما تشاهد منا بما تصلي وتتقرب إلى ربك وأردت أن تأمر وتنهى فلا تتعد نفسك ~~لأنك لا تملك إلا إياها. PageV10P189 # وقد أدوا مرادهم هذا في صورة بديعة مشوبة بالتهكم واللوم معا ومسبوكة في ~~قالب الاستفهام الإنكاري وهو أن الذي تريده منا من ترك عبادة الأصنام، وترك ~~ما شئنا من التصرف في أموالنا هو الذي بعثتك إليه صلاتك وشوهته في عينك ~~فأمرتك به لما أنها ملكتك لكنك أردت منا ما أرادته منك صلاتك ولست تملكنا ~~أنت ولا صلاتك لأننا أحرار في شعورنا وإرادتنا لنا أن نختار أي دين شئنا ~~ونتصرف في أموالنا أي تصرف أردنا من غير حجر ولا منع ولم ننتحل إلا ديننا ~~الذي هو دين آبائنا ولم نتصرف إلا في أموالنا ولا حجر على ذي مال في ماله. # فما معنى أن تأمرك إياك صلاتك بشيء ونكون نحن الممتثلون لما أمرتك به؟ ~~وبعبارة أخرى ما معنى أن تأمرك صلاتك بفعلنا القائم بنا دونك؟ فهل هذا إلا ~~سفها من الرأي؟ وإنك لأنت الحليم الرشيد والحليم لا يعجل في زجر من يراه ~~مسيئا وانتقام من يراه مجرما حتى ينجلي له وجه الصواب، والرشيد لا يقدم على ~~أمر فيه غي وضلال فكيف أقدمت على مثل هذا الأمر السفهي الذي لا صورة له إلا ~~الجهالة والغي؟ وقد ظهر بهذا البيان أولا: أنهم إنما نسبوا الأمر إلى ~~الصلاة لما فيها من البعث والدعوة إلى معارضة القوم في عبادتهم الأصنام ~~ونقصهم المكيال والميزان، وهذا هو السر في تعبيرهم عن ذلك بقولهم: "أصلاتك ~~تأمرك أن نترك" إلخ، دون أن يقولوا: أصلاتك تنهاك أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ ~~مع أن التعبير عن المنع بالنهي عن الفعل أقرب إلى الطبع من التعبير بالأمر ~~بالترك ولذلك عبر عنه شعيب بالنهي في جوابه عن قولهم إذ قال: "وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه" ولم يقل إلى ما آمركم بتركه. # والمراد - على أي حال - منعه إياهم عن عبادة الأصنام والتطفيف ms3942 فافهم ذلك ~~فإنه من لطائف هذه الآية التي ملئت لطافة وحسنا. # وثانيا: أنهم إنما قالوا: "أن نترك ما يعبد آباؤنا" دون أن يقولوا: أن ~~نترك آلهتنا أو أن نترك الأوثان ليشيروا بذلك إلى الحجة في ذلك وهي أن هذه ~~الأصنام دام على عبادتها آباؤنا فهي سنة قومية لنا، ولا ضير في الجري على ~~سنة قومية ورثها الخلف من السلف، ونشأ عليها الجيل بعد الجيل فإنا نعبد ~~آلهتنا وندوم على ديننا وهو دين آبائنا ونحفظ رسما مليا عن الضيعة. # وثالثا: أنهم إنما قالوا: "أن نفعل في أموالنا" فذكروا الأموال مضافة إلى ~~أنفسهم ليكون في ذلك إيماء إلى الحجة فإن الشيء إذا صار مالا لأحد لم يشك ~~ذو ريب في أن له أن يتصرف فيه وليس لغيره ممن يعترف بماليته له أن يعارضه ~~في ذلك، وللمرء أن يسير في مسير الحياة ويتدبر في أمر المعيشة بما يستطيعه ~~من الحذق والاحتيال، ويهديه إليه الذكاء والكياسة. # ورابعا: أن قولهم: "أصلاتك تأمرك - إلى قوله - إنك لأنت الحليم الرشيد" ~~مبني على التهكم والاستهزاء إلا أن التهكم في تعليقهم أمر الصلاة شعيبا على ~~تركهم ما يعبد آباؤهم، وكذا في نسبة الأمر إلى الصلاة لا غير، وأما نسبة ~~الحلم والرشد إليه فليس فيها تهكم واستهزاء، ولذلك أكد قوله: "إنك لأنت ~~الحليم الرشيد" بإن واللام وإتيان الخبر جملة اسمية ليكون أقوى في إثبات ~~الحلم والرشد له فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه، وأن الذي لا شك في ~~حلمه ورشده قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السفهي، وينتهض على سلب ~~حرية الناس واستقلالهم في الشعور والإرادة. # وظهر بذلك أن ما ذكره كثير منهم أنهم وصفوه بالحلم والرشد على سبيل ~~الاستهزاء يعنون به أنه موصوف بضدهما وهو الجهالة والغي. # ليس بصواب. # قوله تعالى: "قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا ~~حسنا" إلى آخر الآية، المراد بكونه على بينة من ربه كونه على آية بينة وهي ~~آية النبوة والمعجزة الدالة على صدق النبي في ms3943 دعوى النبوة، والمراد بكونه ~~رزق من الله رزقا حسنا أن الله آتاه من لدنه وحي النبوة المشتمل على أصول ~~المعارف والشرائع، وقد مر توضيح نظير هاتين الكلمتين فيما تقدم. PageV10P190 # والمعنى: أخبروني إن كنت رسولا من الله إليكم وخصني بوحي المعارف والشرائع ~~وأيدني بآية بينة يدل على صدق دعواي فهل أنا سفيه في رأيي؟ وهل ما أدعوكم ~~إليه دعوة سفهية؟ وهل في ذلك تحكم مني عليكم أو سلب مني لحريتكم؟ فإنما هو ~~الله المالك لكل شيء ولستم بأحرار بالنسبة إليه بل أنتم عباده يأمركم بما ~~شاء، وله الحكم وإليه ترجعون. # وقوله: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه" تعدية المخالفة بإلى ~~لتضمينه معنى ما يتعدى بها كالميل ونحوه؟ والتقدير: أخالفكم مائلا إلى ما ~~أنهاكم عنه أو أميل إلى ما أنهاكم عنه مخالفا لكم. # والجملة جواب عن ما اتهموه به أنه يريد أن يسلب عنهم الحرية في أعمالهم ~~ويستعبدهم ويتحكم عليهم، ومحصله أنه لو كان مريدا ذلك لخالفهم فيما ينهاهم ~~عنه، وهو لا يريد مخالفتهم فلا يريد ما اتهموه به وإنما يريد الإصلاح ما ~~استطاع. # توضيحه: أن الصنع الإلهي وإن أنشأ الإنسان مختارا في فعله حرا في عمله له ~~أن يميل في مظان العمل إلى كل من جانبي الفعل والترك فله بحسب هذه النشأة ~~حرية تامة بالقياس إلى بني نوعه الذين هم أمثاله وأشباهه في الخلقة لهم ما ~~له وعليهم ما عليه فليس لأحد أن يتحكم على آخر عن هوى من نفسه. # إلا أنه أفطره على الاجتماع فلا تتم له الحياة إلا في مجتمع من أفراد ~~النوع يتعاون فيه الجميع على رفع حوائج الجميع ثم يختص كل منهم بما له من ~~نصيب بمقدار ما له من الزنة الاجتماعية، ومن البديهي أن الاجتماع لا يقوم ~~على ساق إلا بسنن وقوانين تجري فيها، وحكومة يتولاها بعضهم تحفظ النظم ~~وتجري القوانين كل ذلك على حسب ما يدعو إليه مصالح المجتمع. # فلا مناص من أن يفدي المجتمعون بعض حريتهم قبال القانون والسنة الجارية ~~بالحرمان من ms3944 الانطلاق والاسترسال ليسعدوا لذلك بنيل بعض مشتهياتهم وإحياء ~~البعض الباقي من حريتهم. # فالإنسان الاجتماعي لا حرية له قبال المسائل الحيوية التي تدعو إليه ~~مصالح المجتمع ومنافعه، والذي يتحكمه الحكومة في ذلك من الأمر والنهي ليس ~~من الاستعباد والاستكبار في شيء إذ إنها إنما يتحكم فيما لا حرية للإنسان ~~الاجتماعي فيه، وكذا الواحد من الناس المجتمعين إذا رأى من أعمال إخوانه ~~المجتمعين ما يضر بحال المجتمع أو لا ينفع لإبطاله ركنا من أركان المصالح ~~الأساسية فيها فبعثه ذلك إلى وعظهم بما يرشدهم إلى اتباع سبيل الرشد فأمرهم ~~بما يجب عليهم العمل به ونهاهم عن اقتراف ما يجب عليهم الانتهاء عنه لم يكن ~~هذا الواحد متحكما عن هوى النفس مستعبدا للأحرار المجتمعين من بني نوعه ~~فإنه لا حرية لهم قبال المصالح العالية والأحكام اللازمة المراعاة في ~~مجتمعهم، وليس ما يلقيه إليهم من الأمر والنهي في هذا الباب أمرا أو نهيا ~~له في الحقيقة بل كان أمرا ونهيا ناشئين عن دعوة المصالح المذكورة قائمين ~~بالمجتمع من حيث هو مجتمع بشخصيته الوسيعة، وإنما الواحد الذي يلقي إليهم ~~الأمر والنهي بمنزلة لسان ناطق لا يزيد على ذلك. # وأمارة ذلك أن يأتمر هو نفسه بما يأمر به وينتهي هو نفسه عما ينهى عنه من ~~غير أن يخالف قوله فعله ونظره عمله، إذ الإنسان مطبوع على التحفظ على ~~منافعه ورعاية مصالحه فلو كان فيما يدعو إليه غيره من العمل خير وهو مشترك ~~بينهما لم يخالفه بشخصه، ولم يترك لنفسه ما يستحسنه لغيره، ولذلك قال (عليه ~~السلام) فيما ألقاه إليهم من الجواب: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه" وقال أيضا كما حكاه الله تتميما للفائدة ودفعا لأي تهمة تتوجه إليه: ~~"وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين:" الشعراء: - 180. # فهو (عليه السلام) يشير بقوله: "وما أريد أن أخالفكم" إلخ، إلى أن الذي ~~ينهاهم عنه من الأمور التي فيها صلاح مجتمعهم الذي هو أحد أفراده، ويجب على ~~الجميع مراعاتها وملازمتها، وليس اقتراحا استعباديا عن ms3945 هوى من نفسه، ولذلك ~~عقبه بقوله: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت". # وملخص المقام أنهم لما سمعوا من شعيب (عليه السلام) الدعوة إلى ترك عبادة ~~الأصنام والتطفيف ردوه بأن ذلك اقتراح منه مخالف لما هم عليه من الحرية ~~الإنسانية التي تسوغ لهم أن يعبدوا من شاءوا ويفعلوا في أموالهم ما شاءوا. PageV10P191 # فرد عليهم شعيب (عليه السلام) بأن الذي يدعوهم إليه ليس من قبل نفسه حتى ~~ينافي مسألتهم ذلك حريتهم ويبطل به استقلالهم في الشعور والإرادة بل هو ~~رسول من ربهم إليهم وله على ذلك آية بينة، والذي أتاهم به من عند الله الذي ~~يملكهم ويملك كل شيء وهم عباده لا حرية لهم قباله، ولا خيرة لهم فيما يريده منهم. # على أن الذي ألقاه إليهم من الأمور التي فيها صلاح مجتمعهم وسعادة أنفسهم ~~في الدنيا والآخرة، وأمارة ذلك أنه لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه ~~بل هو مثلهم في العمل به، وإنما يريد الإصلاح ما استطاع، ولا يريد منهم على ~~ذلك أجرا إن أجره إلا على رب العالمين. # وقوله: "وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" في مقام الاستثناء ~~من الاستطاعة فإنه (عليه السلام) لما ذكر لهم أنه يريد إصلاح مجتمعهم ~~بالعلم النافع والعمل الصالح على مقدار ما له من الاستطاعة وفي ضوئها أثبت ~~لنفسه استطاعة وقدرة وليست للعبد باستقلاله وحيال نفسه استطاعة دون الله ~~سبحانه أتم ما في كلامه من النقص والقصور بقوله: "وما توفيقي إلا بالله" أي ~~إن الذي يترشح من إرادتي باستطاعة مني من تدبير أمور مجتمعكم وتوفيق ~~الأسباب بعضها ببعض الناتجة لسعادته إنما هو بالله سبحانه لا غنى عنه ولا ~~مخرج من إحاطته ولا استقلال في أمر دونه فهو الذي أعطاني ما هو عندي من ~~الاستطاعة، وهو الذي يوفق الأسباب من طريق استطاعتي فاستطاعتي منه وتوفيقي به. # بين (عليه السلام) هذه الحقيقة، واعترف بأن توفيقه بالله، وذلك من فروع ~~كونه تعالى هو الفاطر لكل نفس والحافظ عليها والقائم على كل نفس بما كسبت ~~كما ms3946 قال: "الحمد لله فاطر السماوات والأرض:" الفاطر: - 1، وقال: "وربك على ~~كل شيء حفيظ:" السبأ: - 21، وقال: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت:" ~~الرعد: - 33، وقال: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا:" الفاطر: - 41 ~~ومحصله أنه تعالى هو الذي أبدع الأشياء وأعمالها والروابط التي بينها ~~وأظهرها بالوجود، وهو الذي قبض على كل شيء فأمسكه وأمسك آثاره والروابط ~~التي بينها أن تزول وتغيب وراء ستر البطلان. # ولازم ذلك أنه تعالى وكيل كل شيء في تدبير أموره فهي منسوبة إليه تعالى ~~في تحققها وتحقق الروابط التي بينها لما أنه محيط بها قاهر عليها ولها مع ~~ذلك نسبة إلى ذلك الشيء بإذنه تعالى. # ومن الواجب للعبد العالم بمقام ربه العارف بهذه الحقيقة أن يمثلها بإنشاء ~~التوكل على ربه والإنابة والرجوع إليه، ولذلك لما ذكر شعيب (عليه السلام) ~~أن توفيقه بالله عقبه بإنشاء التوكل والإنابة فقال: "عليه توكلت وإليه أنيب". # كلام في معنى حرية الإنسان في عمله # الإنسان بحسب الخلقة موجود ذو شعور وإرادة له أن يختار لنفسه ما يشاء من ~~الفعل وبعبارة أخرى له في كل فعل يقف عليه أن يختار جانب الفعل وله أن ~~يختار جانب الترك فكل فعل من الأفعال الممكنة الإتيان إذا عرض عليه كان هو ~~بحسب الطبع واقفا بالنسبة إليه على نقطة يلتقي فيها طريقان: الفعل والترك ~~فهو مضطر في التلبس والاتصاف بأصل الاختيار لكنه مختار في الأفعال المنتسبة ~~إليه الصادرة عنه باختياره أي إنه مطلق العنان بالنسبة إلى الفعل والترك ~~بحسب الفطرة غير مقيد بشيء من الجانبين ولا مغلول، وهو المراد بحرية ~~الإنسان تكوينا. # ولازم هذه الحرية التكوينية حرية أخرى تشريعية يتقلد بها في حياته ~~الاجتماعية وهو أن له أن يختار لنفسه ما شاء من طرق الحياة ويعمل بما شاء ~~من العمل، وليس لأحد من بني نوعه أن يستعلي عليه فيستعبده ويتملك إرادته ~~وعمله فيحمل بهوى نفسه عليه ما يكرهه فإن أفراد النوع أمثال لكل منهم ما ~~لغيره من الطبيعة الحرة، قال تعالى: "ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا ms3947 من دون ~~الله:" آل عمران: - 64 وقال: "وما كان لبشر - إلى أن قال - ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله:" آل عمران: - 79. PageV10P192 # هذا ما للإنسان بالقياس إلى أمثاله من بني نوعه، وإما بالقياس إلى العلل ~~والأسباب الكونية التي أوجدت الطبيعة الإنسانية فلا حرية له قبالها فإنها ~~تملكه وتحيط به من جميع الجهات وتقلبه ظهرا لبطن، وهي التي بإنشائها ونفوذ ~~أمرها فعلت بالإنسان ما فعلت فأظهرته على ما هو عليه من البنيان والخواص من ~~غير أن يكون له الخيرة من أمره فيقبل ما يحبه ويرد ما يكرهه بل كان كما ~~أريد لا كما أراد حتى إن أعمال الإنسان الاختيارية وهي ميدان الحرية ~~الإنسانية إنما تطيع الإنسان فيما أذنت فيه هذه العلل والأسباب فليس كل ما ~~أحبه الإنسان وأراده بواقع ولا هو في كل ما اختاره لنفسه بموفق له، وهو ظاهر. # وهذه العلل والأسباب هي التي جهزت الإنسان بجهازات تذكره حوائجه ونواقص ~~وجوده، وتبعثه إلى أعمال فيها سعادته وارتفاع نواقصه وحوائجه كالغاذية مثلا ~~التي تذكره الجوع والعطش وتهديه إلى الخبز والماء لتحصيل الشبع والري وهكذا ~~سائر الجهازات التي في وجوده. # ثم إن هذه العلل والأسباب أوجبت إيجابا تشريعيا على الإنسان الفرد أمورا ~~ذات مصالح واقعية لا يسعه إنكارها ولا الاستنكاف بالاستغناء عنها كالأكل ~~والشرب والإيواء والاتقاء من الحر والبرد والدفاع تجاه كل ما يضاد منافع وجوده. # ثم أفطرته بالحياة الاجتماعية فأذعن بوجوب تأسيس المجتمع المنزلي والمدني ~~والسير في مسير التعاون والتعامل، ويضطره ذلك إلى الحرمان عن موهبة الحرية ~~من جهتين: إحداهما أن الاجتماع لا يتم من الفرد إلا بإعطائه الأفراد ~~المتعاونين له حقوقا متقابلة محترمة عنده ليعطوه بإزائها حقوقا يحترمونها ~~وذلك بأن يعمل للناس كما يعملون له، وينفعهم بمقدار ما ينتفع بهم، ويحرم عن ~~الانطلاق والاسترسال في العمل على حسب ما يحرمهم فليس له أن يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد بل هو حر فيما لا يزاحم حرية الآخرين، وهذا حرمان عن بعض ~~الحرية للحصول على بعضها. # وثانيتهما: أن المجتمع ms3948 لا يقوم له صلب دون أن يجري فيه سنن وقوانين ~~يتسلمها الأفراد المجتمعون أو أكثرهم تضمن تلك السنن والقوانين منافعهم ~~العامة بحسب ما للاجتماع من الحياة الراقية أو المنحطة الردية، ويستحفظ بها ~~مصالحهم العالية الاجتماعية. # ومن المعلوم أن احترام السنن والقوانين يسلب الحرية عن المجتمعين في ~~مواردها فالذي يستن سنة أو يقنن قانونا سواء كان هو عامة المجتمعين أو ~~المندوبين منهم أو السلطان أو كان هو الله ورسوله - على حسب اختلاف السنن ~~والقوانين - يحرم الناس بعض حريتهم ليحفظ به البعض الآخر منها، قال الله ~~تعالى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة:" القصص: - 68، وقال ~~تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا:" الأحزاب: - 36. # فتلخص أن الإنسان إنما هو حر بالقياس إلى أبناء نوعه فيما يقترحونه لهوى ~~من أنفسهم، وأما بالنسبة إلى ما تقتضيه مصالحه الملزمة وخاصة المصالح ~~الاجتماعية العامة على ما تهديه إليها وإلى مقتضياتها العلل والأسباب فلا ~~حرية له البتة، ولا أن الدعوة إلى سنة أو أي عمل يوافق المصالح الإنسانية ~~من ناحية القانون أو من بيده إجراؤه أو الناصح المتبرع الذي يأمر بمعروف أو ~~ينهى عن منكر متمسكا بحجة بينة، من التحكم الباطل وسلب الحرية المشروعة في شيء. # ثم إن العلل والأسباب المذكورة وما تهدي إليه من المصالح مصاديق لإرادة ~~الله سبحانه أو إذنه - على ما يهدي إليه ويبينه تعليم التوحيد في الإسلام - ~~فهو سبحانه المالك على الإطلاق، وليس لغيره إلا المملوكية من كل جهة، ولا ~~للإنسان إلا العبودية محضا فمالكيته المطلقة تسلب أي حرية متوهمة للإنسان ~~بالنسبة إلى ربه كما أنها هي تعطيه الحرية بالقياس إلى سائر بني نوعه كما ~~قال تعالى: "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله:" آل عمران: - 64. PageV10P193 # فهو سبحانه الحاكم على الإطلاق والمطاع من غير قيد وشرط كما قال: "إن الحكم ~~إلا لله" وقد أعطى ms3949 حق الأمر والنهي والطاعة لرسله ولأولي الأمر وللمؤمنين ~~من الأمة الإسلامية فلا حرية لأحد قبال كلمة الحق التي يأتون به ويدعون ~~إليه، قال تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم:" النساء: ~~- 59، وقال تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر:" التوبة: - 71. # قوله تعالى: "ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح" ~~الجرم بالفتح فالسكون - على ما ذكره الراغب - قطع الثمرة عن الشجر وقد ~~استعير لكل اكتساب مكروه، والشقاق المخالفة والمعاداة. # والمعنى: احذروا أن يكتسب لكم مخالفتي ومعاداتي بسبب ما أدعوكم إليه ~~أصابه مصيبة مثل مصيبة قوم نوح وهي الغرق أو قوم هود وهي الريح العقيم أو ~~قوم صالح وهي الصيحة والرجفة. # وقوله: "وما قوم لوط منكم ببعيد" أي لا فصل كثيرا بين زمانهم وزمانكم وقد ~~كانت الفاصلة الزمانية بين القومين أقل من ثلاثة قرون، وقد كان لوط معاصرا ~~لإبراهيم (عليه السلام) وشعيب معاصرا لموسى (عليه السلام). # وقيل: المراد به نفي البعد المكاني، والإشارة إلى أن بلادهم الخربة قريبة ~~منكم لقرب مدين من سدوم وهو بالأرض المقدسة، فالمعنى: وما مكان قوم لوط ~~منكم ببعيد تشاهدون مدائنهم المخسوفة وآثارهم الباقية الظاهرة. # والسياق لا يساعد عليه والتقدير خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل. # قوله تعالى: "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود" قد تقدم ~~الكلام في معنى قوله: "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه" أي استغفروا الله من ~~ذنوبكم وارجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله إن الله ذو رحمة ومودة يرحم ~~المستغفرين التائبين ويحبهم. # وقد قال أولا: "استغفروا ربكم فأضاف الرب إليهم ثم قال في مقام تعليله: ~~"إن ربي رحيم ودود" ولعل الوجه فيه أنه ذكر في مرحلة الأمر بالاستغفار ~~والتوبة من الله سبحانه صفة ربوبيته لأنها الصفة التي ترتبط بها العبادة ~~ومنها الاستغفار والتوبة، وأضاف ربوبيته إليهم بقوله: "ربكم" لتأكيد ~~الارتباط وللإشعار بأنه هو ربهم لا ما يتخذونها من الأرباب من دون الله. # وكان من حق الكلام أن يقول في تعليله: إن ربكم ms3950 رحيم ودود لكنه لما كان مع ~~كونه تعليلا ثناء على الله سبحانه، وقد أثبت سابقا أنه رب القوم إضافة ~~ثانيا إلى نفسه ليفيد الكلام بمجموعه معنى أن ربكم وربي رحيم ودود. # على أن في هذه الإضافة معنى المعرفة والخبرة فتفيد تأييدا لصحة القول ~~فإنه في معنى أنه تعالى رحيم ودود وكيف لا؟ وهو ربي أعرفه بهذين الوصفين. # والودود من أسماء الله تعالى، وهو فعول من الود بمعنى الحب إلا أن ~~المستفاد من موارد استعماله أنه نوع خاص من المحبة وهو الحب الذي له آثار ~~وتبعات ظاهرة كالألفة والمراودة والإحسان، قال تعالى: "ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة:" الروم: - 21. # والله سبحانه يحب عباده ويظهر آثار حبه بإفاضة نعمه عليهم "وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها:" إبراهيم: - 34 فهو تعالى ودود لهم. # قوله تعالى: "قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا" إلى آخر الآية، الفقه أبلغ من الفهم وأقوى، ورهط الرجل عشيرته ~~وقومه، وقيل: إنه من الثلاثة إلى السبعة أو العشرة وعلى هذا ففي قولهم: ~~رهطك، إشارة إلى قلتهم وهوان أمرهم، والرجم هو الرمي بالحجارة. # لما حاجهم شعيب (عليه السلام) وأعياهم بحجته لم يجدوا سبيلا دون أن ~~يقطعوا عليه كلامه من غير طريق الحجة فذكروا له: أولا: أن كثيرا مما يقوله ~~غير مفهوم لهم فيذهب كلامه لغى لا أثر له، وهذا كناية عن أنه يتكلم بما لا ~~فائدة فيه. # ثم عقبوه بقولهم: "وإنا لنراك فينا ضعيفا" أي لا نفهم ما تقول ولست قويا ~~فينا حتى تضطرنا قوتك على الاجتهاد في فهم كلامك والاهتمام بأخذه، والسمع ~~والقبول له فإنا لا نراك فينا إلا ضعيفا لا يعبأ بأمره ولا يلتفت إلى قوله. PageV10P194 # ثم هددوه بقولهم: "ولو لا رهطك لرجمناك" أي ولو لا هذا النفر القليل الذين ~~هم عشيرتك لرجمناك لكنا نراعي جانبهم فيك، وفي تقليل العشيرة إيماء إلى ~~أنهم لو أرادوا قتله يوما قتلوه من غير أن يبالوا بعشيرته، وإنما كفهم ms3951 عن ~~قتله نوع احترام وتكريم منهم لعشيرته. # ثم عقبوه بقولهم: "وما أنت علينا بعزيز" تأكيدا لقولهم: "لو لا رهطك ~~لرجمناك" أي لست بقوي منيع جانبا علينا حتى يمنعنا ذلك من قتلك بشر القتل، ~~وإنما يمنعنا رعاية جانب رهطك. # فمحصل قولهم إهانة شعيب وأنهم لا يعبئون به ولا بما قال، وإنما يراعون في ~~ترك التعرض له جانب رهطه. # قوله تعالى: "قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا" الظهري نسبة إلى الظهر بفتح الظاء المعجمة وإنما غير بالنسب وهو ~~الشيء الذي وراء الظهر فيترك نسيا منسيا يقال: اتخذه وراءه ظهريا أي نسيه ~~ولم يذكره ولم يعتن به. # وهذا نقض من شعيب لقولهم: "ولو لا رهطك لرجمناك" أي كيف تعززون رهطي ~~وتحترمون جانبهم، ولا تعززون الله سبحانه ولا تحترمون جانبه وإني أنا الذي ~~أدعوكم إليه من جانبه؟ فهل رهطي أعز عليكم من الله؟ وقد جعلتموه نسيا منسيا ~~وليس لكم ذلك وما كان لكم أن تفعلوه إن ربي بما تعملون محيط بما له من ~~الإحاطة بكل شيء وجودا وعلما وقدرة. # وفي الآية طعن في رأيهم بالسفه كما طعنوا في الآية السابقة في رأيه ~~بالهوان. # قوله تعالى: "ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل" إلى آخر الآية. # قال في المجمع:، المكانة الحال التي يتمكن بها صاحبها من عمل. # انتهى وهو في الأصل. # كما قيل - من مكن مكانة كضخم ضخامة إذا قوي على العمل كل القوة ويقال - ~~تمكن من كذا أي أحاط به قوة. # وهذا تهديد من شعيب لهم أشد التهديد فإنه يشعر بأنه على وثوق مما يقول لا ~~يأخذه قلق ولا اضطراب من كفرهم به وتمردهم عن دعوته فليعملوا على ما لهم من ~~القوة والتمكن فلهم عملهم وله عمله فسوف يفاجئهم عذاب مخز يعلمون عند ذلك ~~من هو الذي يأخذه العذاب. # هم أو هو؟ ويعلمون من هو كاذب؟ فليرتقبوا وهو معهم رقيب لا يفارقهم. # قوله تعالى: "ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا - إلى قوله - جاثمين" تقدم ما ~~يتضح به معنى الآية. # قوله ms3952 تعالى: "كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود" غني في ~~المكان إذا أقام فيه. # وقوله: "ألا بعدا لمدين" إلخ. # فيه لعنهم كما لعنت ثمود، وقد تقدم بعض الكلام فيه في القصص السابقة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، قال: قال: بعث الله شعيبا إلى مدين وهي قرية على طريق ~~الشام فلم يؤمنوا به. # وفي تفسير العياشي، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قول الله: "إني أراكم بخير" قال: كان سعرهم رخيصا. # وفيه، عن محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن انتظار ~~الفرج فقال: أوليس تعلم أن انتظار الفرج من الفرج؟ ثم قال: إن الله تبارك ~~وتعالى يقول: "وارتقبوا إني معكم رقيب". # أقول: قوله: ليس تعلم بمعنى لا تعلم وهي لغة مولدة. # وفي المعاني، بإسناده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: قلت: فقوله عز وجل: "وما توفيقي إلا بالله" وقوله عز ~~وجل: "إن ينصركم الله فلا غالب لكم - وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من ~~بعده"؟ فقال: إذا فعل العبد ما أمر الله عز وجل به من الطاعة كان فعله وفقا ~~لأمر الله عز وجل وسمي العبد موفقا، وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من ~~معاصي الله فحال الله تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه ~~لها بتوفيق الله تعالى، ومتى خلى بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها ~~حتى يتركها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه. # أقول: محصل بيانه (عليه السلام) أن توفيقه تعالى وخذلانه من صفاته ~~الفعلية فالتوفيق هو نظمه الأسباب بحيث تؤدي العبد إلى العمل الصالح أو عدم ~~إيجاده بعض الأسباب التي يستعان بها على المعصية. # والخذلان خلاف ذلك. # وعلى ذلك فمتعلق التوفيق الأسباب لأنه إيجاد التوافق بينها وهي المتصفة ~~بها، وأما توصيف العبد به فمن قبيل الوصف بحال المتعلق. PageV10P195 # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قلت: ms3953 يا رسول الله ~~أوصني. قال: قل: ربي الله ثم استقم. قلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب. قال: ليهنئك العلم أبا الحسن لقد شربت العلم شربا ~~ونهلته نهلا. # أقول: وقد تقدمت الإشارة إلى نبذة من معنى الجملة. # وفيه، أخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): بكى شعيب (عليه السلام) من حب الله حتى عمي فرد الله ~~عليه بصره، وأوحى الله إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ أشوقا إلى الجنة أم ~~خوفا من النار؟ فقال: لا ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ~~ما الذي تصنع بي؟ فأوحى الله إليه: يا شعيب إن يكن ذلك حقا فهنيئا لك ~~لقائي، يا شعيب لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي. # أقول: المراد بالنظر إليه تعالى هو النظر القلبي دون النظر الحسي ~~المستلزم للجسمية، تعالى عن ذلك، وقد تقدم توضيحه في تفسير قوله تعالى: ~~"ولما جاء موسى لميقاتنا:" الأعراف: - 143 في الجزء الثامن من الكتاب. # وفيه، أخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه خطب فتلا هذه ~~الآية في شعيب: "وإنا لنراك فينا ضعيفا" قال: كان مكفوفا فنسبوه إلى الضعف. ~~"ولو لا رهطك لرجمناك" قال علي: فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ~~ربهم ما هابوا إلا العشيرة. # كلام في قصة شعيب وقومه في القرآن في فصول # 1 - # هو (عليه السلام) ثالث الرسل من العرب الذين ذكرت أسماؤهم في القرآن وهم ~~هود وصالح وشعيب ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر الله تعالى طرفا من ~~قصصه في سور الأعراف وهود والشعراء والقصص والعنكبوت. # كان (عليه السلام) من أهل مدين - مدينة في طريق الشام من الجزيرة - وكان ~~معاصرا لموسى (عليه السلام)، وقد زوجه إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج ~~وإن أتم عشرا فمن عنده القصص: 27 فخدمه موسى عشر سنين ثم ودعه وسار بأهله ~~إلى مصر. # وكان قومه من أهل مدين يعبدون الأصنام وكانوا ms3954 قوما منعمين بالأمن ~~والرفاهية والخصب ورخص الأسعار فشاع الفساد بينهم والتطفيف بنقص المكيال ~~والميزان هود: 84 وغيرها فأرسل الله إليهم شعيبا وأمره أن ينهاهم عن عبادة ~~الأصنام وعن الفساد في الأرض ونقص المكيال والميزان فدعاهم إلى ما أمر به ~~ووعظهم بالإنذار والتبشير وذكرهم ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط. # وبالغ (عليه السلام) في الاحتجاج عليهم وعظتهم فلم يزدهم إلا طغيانا ~~وكفرا وفسوقا الأعراف وهود وغيرهما من السور ولم يؤمنوا به إلا عدة قليلة ~~منهم فأخذوا في إيذائهم والسخرية بهم وتهديدهم عن اتباع شعيب (عليه ~~السلام)، وكانوا يقعدون بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن به ~~ويبغونها عوجا الأعراف: 86. # وأخذوا يرمونه (عليه السلام) بأنه مسحور وأنه كاذب الشعراء: 185، 186 ~~وأخافوه بالرجم، وهددوه والذين آمنوا به بالإخراج من قريتهم أو ليعودن في ~~ملتهم الأعراف: 88 ولم يزالوا به حتى أيأسوه من إيمانهم فتركهم وأنفسهم ~~هود: 93 ودعا الله بالفتح قال: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين. # فأرسل الله إليهم عذاب يوم الظلة الشعراء: 189 وقد كانوا يستهزءون به أن ~~أسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين وأخذتهم الصيحة هود: 94 ~~والرجفة الأعراف: 91 - العنكبوت: 37 فأصبحوا في ديارهم جاثمين ونجى شعيبا ~~ومن معه من المؤمنين هود: 94 فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ~~ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين: الأعراف: - 93. # 2 - شخصيته المعنوية، # كان (عليه السلام) من زمرة الرسل المكرمين وقد أشركه الله تعالى فيما ~~أثناهم به من الثناء الجميل في كتابه، وقد حكى عنه فيما كلم به قومه وخاصة ~~في سور الأعراف وهود والشعراء شيئا كثيرا من حقائق المعارف والعلوم الإلهية ~~والأدب البارع مع ربه ومع الناس. # وقد سمى نفسه الرسول الأمين الشعراء: 178 ومصلحا هود: 88 وأنه من ~~الصالحين الشعراء: 27 فحكى الله ذلك عنه حكاية إمضاء، وقد خدمه الكليم موسى ~~بن عمران (عليهما السلام) زهاء عشر سنين سلام الله عليه. # 3 - ذكره في التوراة، ms3955 PageV10P196 لم تقص التوراة قصته مع قومه وإنما أشارت إليه في ضمن ما ذكرت قصة قتل موسى ~~القبطي وفراره من مصر إلى مديان القصة فسمته "رعوئيل كاهن مديان". PageV10P197 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 96 - 99 # ولقد أرسلنا موسى بئايتنا وسلطن مبين (96) إلى فرعون وملايه فاتبعوا أمر ~~فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار وبئس ~~الورد المورود (98) وأتبعوا فى هذه لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود (99) ### |||| AUTO بيان # إشارة إلى قصة موسى - الكليم - (عليه السلام)، وهو أكثر الأنبياء ذكرا في ~~القرآن ذكر باسمه في مائة ونيف وثلاثين موضعا منه في بضع وثلاثين سورة وقد ~~اعتنى بتفصيل قصته أكثر من غيره غير أنه تعالى أجمل القول فيها في هذه ~~السورة فاكتفى بالإشارة الإجمالية إليها. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين" الباء في قوله ~~بآياتنا للمصاحبة أي ولقد أرسلنا موسى مصحوبا لآياتنا وذلك أن الذين بعثهم ~~الله من الأنبياء والرسل وأيدهم بالآيات المعجزة طائفتان منهم من أوتي ~~الآية المعجزة على حسب ما اقترحه قومه كصالح (عليه السلام) المؤيد بآية ~~الناقة، وطائفة أيدوا بآية من الآيات في بدء بعثتهم كموسى وعيسى ومحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، كما قال تعالى خطابا لموسى (عليه السلام): "اذهب أنت ~~وأخوك بآياتي:" طه: - 42، وقال في عيسى (عليه السلام): "ورسولا إلى بني ~~إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم" إلخ:، آل عمران: - 49، وقال في محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) "هو الذي أرسل رسوله بالهدى:" الصف: - 9، والهدى ~~القرآن بدليل قوله: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين:" البقرة: - 2، ~~وقال تعالى: "واتبعوا النور الذي أنزل معه:" الأعراف: - 157. # فموسى (عليه السلام) مرسل مع آيات وسلطان مبين، وظاهر أن المراد بهذه ~~الآيات الأمور الخارقة التي كانت تجري على يده، ويدل على ذلك سياق قصصه ~~(عليه السلام) في القرآن الكريم. # وأما السلطان وهو البرهان والحجة القاطعة التي يتسلط على العقول والأفهام ~~فيعم الآية المعجزة والحجة العقلية، وعلى تقدير كونه بهذا المعنى يكون عطفه ~~على الآيات من قبيل عطف العام ms3956 على الخاص. # وليس من البعيد أن يكون المراد بإرساله بسلطان مبين أن الله سبحانه سلطه ~~على الأوضاع الجارية بينه وبين آل فرعون ذاك الجبار الطاغي الذي ما ابتلي ~~بمثله أحد من الرسل غير موسى (عليه السلام) لكن الله تعالى أظهر موسى عليه ~~حتى أغرقه وجنوده ونجى بني إسرائيل بيده، ويشعر بهذا المعنى قوله: "قالا ~~ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع ~~وأرى:" طه: - 46، وقوله لموسى (عليه السلام): "لا تخف إنك أنت الأعلى:" طه: - 68. # وفي هذه الآية ونظائرها دلالة واضحة على أن رسالة موسى (عليه السلام) ما ~~كانت تختص بقومه من بني إسرائيل بل كانت تعمهم وغيرهم. # قوله تعالى: "إلى فرعون وملإيه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد" ~~نسبة رسالته إلى فرعون وملئه - والملأ هم أشراف القوم وعظماؤهم الذين ~~يملئون القلوب هيبة - دون جميع قومه لعلها للإشارة إلى أن عامتهم لم يكونوا ~~إلا أتباعا لا رأي لهم إلا ما رآه لهم عظماؤهم. # وقوله: "فاتبعوا أمر فرعون" إلخ، الظاهر أن المراد بالأمر ما هو الأعم من ~~القول والفعل كما حكى الله عن فرعون في قوله: "قال فرعون ما أريكم إلا ما ~~أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد:" المؤمن: - 29، فينطبق على السنة والطريقة ~~التي كان يتخذها ويأمر بها. # وكان الآية محاذاة لقول فرعون هذا فكذبه الله تعالى بقوله: "وما أمر ~~فرعون برشيد". # والرشيد فعيل من الرشد خلاف الغي أي وما أمر فرعون بذي رشد حتى يهدي إلى ~~الحق بل كان ذا غي وجهالة، وقيل: الرشيد بمعنى المرشد. # وفي الجملة أعني قوله: "وما أمر فرعون برشيد" وضع الظاهر موضع المضمر ~~والأصل "أمره" ولعل الفائدة فيه ما يفيده اسم فرعون من الدليل على عدم رشد ~~الأمر ولا يستفاد ذلك من الضمير البتة. # قوله تعالى: "يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود" ~~أي يقدم فرعون قومه فإنهم اتبعوا أمره فكان إماما لهم من أئمة الضلال، قال ~~تعالى: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار:" القصص: - 41. PageV10P198 # وقوله: "فأوردهم ms3957 النار" تفريع على سابقه أي يقدمهم فيوردهم النار، والتعبير ~~بلفظ الماضي لتحقق الوقوع، وربما قيل: تفريع على قوله: "فاتبعوا أمر فرعون" ~~أي اتبعوه فأوردهم الاتباع النار، وقد استدل لتأييد هذا المعنى بقوله: ~~"وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب:" المؤمن: - 46 حيث تدل الآيات على ~~تعذيبهم من حين الموت قبل يوم القيامة هذا، ولا يخفى أن الآيات ظاهرة في ~~خلاف ما استدل بها عليه لتعبيرها في العذاب قبل يوم القيامة بالعرض غدوا ~~وعشيا، وفي يوم القيامة بالدخول في أشد العذاب الذي سجل فيها أنه النار. # وقوله: "وبئس الورد المورود" الورد هو الماء الذي يرده العطاش من الحيوان ~~والإنسان للشرب، قال الراغب في المفردات،: الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل ~~في غيره يقال: وردت الماء أرد ورودا فأنا وارد والماء مورود. # وقد أوردت الإبل الماء قال: "ولما ورد ماء مدين" والورد الماء المرشح ~~للورود. # انتهى. # وعلى هذا ففي الكلام استعارة لطيفة بتشبيه الغاية التي يقصدها الإنسان في ~~الحياة لمساعيه المبذولة بالماء الذي يقصده العطشان فعذب السعادة التي ~~يقصدها الإنسان بأعماله ورد يرده، وسعادة الإنسان الأخيرة هي رضوان الله ~~والجنة لكنهم لما غووا باتباع أمر فرعون وأخطئوا سبيل السعادة الحقيقية ~~تبدلت غايتهم إلى النار فكانت النار هو الورد الذي يردونه، وبئس الورد ~~المورود لأن الورد، هو الذي يخمد لهيب الصدر ويروي الحشا العطشان وهو عذب ~~الماء ونعم المنهل السائغ وأما إذا تبدل إلى عذاب النار فبئس الورد ~~المورود. # قوله تعالى: "وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود" أي هم ~~اتبعوا أمر فرعون فأتبعتهم لعنة من الله في هذه الدنيا وإبعاد من رحمته ~~وطرد من ساحة قربه، ومصداق اللعن الذي أتبعوه هو الغرق، أو أنه الحكم منه ~~تعالى بإبعادهم من الرحمة المكتوب في صحائف أعمالهم الذي من آثاره الغرق ~~وعذاب الآخرة. # وقوله: "ويوم القيامة بئس الرفد المرفود" الرفد هو العطية والأصل في ~~معناه العون، وسميت العطية رفدا ومرفودا لأنه عون ms3958 للآخذ على حوائجه والمعنى ~~وبئس الرفد رفدهم يوم القيامة وهو النار التي يسجرون فيها، والآية نظيرة ~~قوله في موضع آخر: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين:" القصص: - 42. # وربما أخذ: "يوم القيامة" ظرفا فالآية متعلقا بقوله: "أتبعوا" أو بقوله: ~~"لعنة" نظير قوله: "في هذه"، والمعنى: وأتبعهم الله في الدنيا والآخرة لعنة ~~أو فأتبعهم الله لعنة الدنيا والآخرة ثم استؤنف فقيل: بئس الرفد المرفود ~~اللعن الذي أتبعوه أو الإتباع باللعن. تم والحمد الله. PageV10P199 ### || CHECK [تتميم سورة هود] # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الحادي عشر PageV11P001 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 100 - 108 # ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمنهم ولكن ~~ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء ~~أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظلمة ~~إن أخذه أليم شديد (102) إن فى ذلك لاية لمن خاف عذاب الاخرة ذلك يوم مجموع ~~له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففى النار لهم ~~فيها زفير وشهيق (106) خلدين فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما شاء ربك إن ~~ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففى الجنة خلدين فيها ما دامت ~~السموت والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) ### |||| AUTO بيان # فيها رجوع إلى القصص السابقة بنظر كلي يلخص سنة الله في عباده وما ~~يستتبعه الشرك في الأمم الظالمة من الهلاك في الدنيا والعذاب الخالد في ~~الآخرة ليعتبر بذلك أهل الاعتبار. # قوله تعالى: "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد" الإشارة إلى ~~ما تقدم من القصص، ومن تبعيضية أي الذي قصصناه عليك هو بعض أخبار المدائن ~~والبلاد أو أهلهم نقصه عليك. # وقوله: "منها قائم وحصيد" الحصد قطع الزرع، شبهها بالزرع يكون قائما ~~ويكون حصيدا، والمعنى إن كان المراد بالقرى نفسها أن من القرى التي قصصنا ~~أنباءها ms3959 عليك ما هو قائم لم تذهب بقايا آثارها التي تدل عليها بالمرة كقرى ~~قوم لوط حين نزول قصتهم في القرآن كما قال: "ولقد تركنا منها آية بينة لقوم ~~يعقلون": العنكبوت: 35 وقال: "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا ~~تعقلون": الصافات: 138، ومنها ما انمحت آثاره وانطمست أعلامه كقرى قوم نوح وعاد. # وإن كان المراد بالقرى أهلها فالمعنى أن من تلك الأمم والأجيال من هو ~~قائم لم يقطع دابرهم البتة كأمة نوح وصالح، ومنهم من قطع الله دابرهم كقوم ~~لوط لم ينج منهم إلا أهل بيت لوط ولم يكن لوط منهم. # قوله تعالى: "وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم" إلى آخر الآية، أي ما ~~ظلمناهم في إنزال العذاب عليهم وإهلاكهم إثر شركهم وفسوقهم ولكن ظلموا ~~أنفسهم حين أشركوا وخرجوا عن زي العبودية، وكلما كان عمل وعقوبة عليه كان ~~أحدهما ظلما إما العمل وإما العقوبة عليه فإذا لم تكن العقوبة ظلما كان ~~الظلم هو العمل استتبع العقوبة. # فمحصل القول أنا عاقبناهم بظلمهم ولذا عقبه بقوله: "فما أغنت عنهم ~~آلهتهم" إلخ... لأن محصل النظم أخذناهم فما أغنت عنهم آلهتهم، فالمفرع عليه ~~هو الذي يدل عليه قوله: "وما ظلمناهم" إلخ، والمعنى أخذناهم فلم يكفهم في ~~ذلك آلهتهم، التي كانوا يدعونها من دون الله لتجلب إليهم الخير وتدفع عنهم ~~الشر، ولم تغنهم شيئا لما جاء أمر ربك وحكمه بأخذهم أو لما جاء عذاب ربك. # وقوله: "وما زادوهم غير تتبيب" التتبيب التدمير والإهلاك من التب وأصله ~~القطع لأن عبادتهم الأصنام كان ذنبا مقتضيا لعذابهم ولما أحسوا بالعذاب ~~والبؤس فالتجئوا إلى الأصنام ودعوها لكشفه ودعاؤها ذنب آخر زاد ذلك في ~~تشديد العذاب عليهم وتغليظ العقاب لهم فما زادوهم غير هلاك. # ونسبة التتبيب إلى آلهتهم مجاز وهو منسوب في الحقيقة إلى دعائهم إياها، ~~وهو عمل قائم بالحقيقة بالداعي لا بالمدعو. # قوله تعالى: "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" ~~الإشارة إلى ما تقدم من أنباء القرى، وذلك بعض مصاديق أخذه تعالى بالعقوبة ~~قاس به مطلق ms3960 أخذه القرى في أنه أليم شديد، وهذا من قبيل التشبيه الكلي ببعض ~~مصاديقه في الحكم للدلالة على أن الحكم عام شامل لجميع الأفراد وهو نوع من ~~فن التشبيه شائع وقوله: "إن أخذه أليم شديد" بيان لوجه الشبه وهو الألم ~~والشدة. PageV11P002 # والمعنى كما أخذ الله سبحانه هؤلاء الأمم الظالمة: قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب وقوم فرعون أخذا أليما شديدا، كذلك يأخذ سائر القرى الظالمة إذا ~~أخذها فليعتبر بذلك المعتبرون. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة" إلى آخر الآية الإشارة ~~إلى ما أنبأه الله من قصص تلك القرى الظالمة التي أخذها بظلمها أخذا أليما شديدا. # وأنبأ أن أخذه كذلك يكون، وفي ذلك آية لمن خاف عذاب الحياة الآخرة وعلامة ~~تدل على أن الله سبحانه وتعالى سيأخذ في الآخرة المجرمين بأجرامهم، وإن ~~أخذه سيكون أليما شديدا فيوجب اعتباره بذلك وتحرزه مما يستتبع سخط الله تعالى. # وقوله: "ذلك يوم مجموع له الناس" أي ذلك اليوم الذي يقع فيه عذاب الآخرة ~~يوم مجموع له الناس فالإشارة إلى اليوم الذي يدل عليه ذكر عذاب الآخرة، ~~"ولذلك أتي بلفظ المذكر" كما قيل، ويمكن أن يكون تذكير الإشارة ليطابق ~~المبتدأ الخبر. # ووصف اليوم الآخر بأنه مجموع له الناس دون أن يقال. # سيجمع أو يجمع له الناس إنما هو للدلالة على أن جمع الناس له من أوصافه ~~المقضية له التي تلزمه ولا تفارقه من غير أن يحتاج إلى الإخبار عنه بخبر. # فمشخص هذا اليوم أن الناس مجموعون لأجله - واللام للغاية - فلليوم شأن من ~~الشأن لا يتم إلا بجمع الناس بحيث لا يغادر منهم أحد ولا يتخلف عنه متخلف: ~~وللناس شأن من الشأن يرتبط به كل واحد منهم بالجميع، ويمتزج فيه الأول مع ~~الآخر والآخر مع الأول ويختلط فيه الكل بالبعض والبعض بالكل، وهو حساب ~~أعمالهم من جهة الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، وبالجملة من حيث السعادة ~~والشقاوة. # فإن من الواضح أن العمل الواحد من إنسان واحد يرتضع من جميع أعماله ~~السابقة المرتبطة بأحواله الباطنة، ويرتضع ms3961 منه جميع أعماله اللاحقة ~~المرتبطة أيضا بما له من الأحوال القلبية، وكذلك عمل الواحد بالنسبة إلى ~~أعمال من معه من بني نوعه من حيث التأثير والتأثر، وكذلك أعمال الأولين ~~بالنسبة إلى أعمال الآخرين وأعمال اللاحقين بالنسبة إلى أعمال السابقين، ~~وفي المتقدمين أئمة الهدى والضلال المسئولون عن أعمال المتأخرين، وفي ~~المتأخرين الأتباع والأذناب المسئولون عن غرور متبوعيهم المتقدمين، قال ~~تعالى: "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": الأعراف 6، وقال: ~~"ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين": يس: 12. # ثم الجزاء لا يتخلف الحكم الفصل. # وهذا الشأن على هذا النعت لا يتم إلا باجتماع من الناس بحيث لا يشذ منهم شاذ. # ومن هنا يظهر أن مسألة الآحاد من الناس في قبورهم وجزاءهم فيها بشيء من ~~الثواب والعقاب على ما تشير إليه آيات البرزخ وتذكره بالتفصيل الأخبار ~~الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) غير ما أخبر الله تعالى به من حساب يوم القيامة والجزاء المقضي به ~~هناك من الجنة والنار الخالدتين فإن الذي يستقبل الإنسان في البرزخ هو ~~المسألة لتكميل صحيفة أعماله ليدخر لفصل القضاء يوم القيامة، وما يسكن فيه ~~في البرزخ من جنة أو نار إنما هو كالنزل المعجل للنازل المتهيء للقاء ~~والحكم، وليس ما هناك حسابا تاما ولا حكما فصلا ولا جزاء قاطعا كما يشير ~~إليه نظائر قوله. # "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب": المؤمن: 46، وقوله: "يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون": ~~المؤمن: 72 فترى الآية تعبر عن عذابهم بالعرض على النار ثم يوم القيامة ~~بدخولها وهو أشد العذاب، وتعبر عن عذابهم بالسحب في الحميم ثم بالسجر في ~~النار وهو الاشتعال وقوله تعالى: "بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما ~~آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون": آل عمران: 170 فالآية صريحة في عالم القبر ولم تذكر حسابا ~~ولا جنة الخلد وإنما ذكرت شيئا من ms3962 التنعم إجمالا. PageV11P003 # وقوله تعالى: "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون": المؤمنون: ~~100 تذكر الآية أنهم بعد الموت في حياة برزخية متوسطة بين الحياة الدنيوية ~~التي هي لعب ولهو والحياة الأخروية التي هي حقيقة الحياة كما قال: "وما هذه ~~الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون": العنكبوت: 64. # وبالجملة الدنيا دار عمل والبرزخ دار تهيؤ للحساب والجزاء، والآخرة دار ~~حساب وجزاء، قال تعالى: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا": ~~التحريم: 8 فهم يحضرونه بما كسبوه في الدنيا من النور وهيئوه في البرزخ ثم ~~يسألونه يوم القيامة إتمام نورهم وإذهاب ما معهم من بقايا عالم اللهو ~~واللعب. # وقوله: "وذلك يوم مشهود" كالمتفرع بظاهره على الجملة السابقة. # "ذلك يوم مجموع له الناس" إذ الجمع يوجب المشاهدة غير أن اللفظ غير مقيد ~~بالناس وإطلاقه يشعر بأنه مشهود لكل من له أن يشهد كالناس والملائكة والجن، ~~والآيات الكثيرة الدالة على حشر الجن والشياطين وحضور الملائكة هناك يؤيد ~~إطلاق الشهادة كما ذكر. # قوله تعالى: "وما نؤخره إلا لأجل معدود" أي إن لذلك اليوم أجلا قضى الله ~~أن لا يقع قبل حلول أجله والله يحكم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا ~~يؤخر اليوم إلا لأجل يعده فإذا تم العدد وحل الأجل حق القول ووقع اليوم. # قوله تعالى: "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه" فاعل "يأت" ضمير راجع إلى ~~الأجل السابق الذكر أي يوم يأتي الأجل الذي تؤخر القيامة إليه لا تتكلم نفس ~~إلا بإذنه، قال تعالى: "من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت": ~~العنكبوت: 5. # وذكر بعضهم كما في المجمع أن المعنى يوم يأتي القيامة والجزاء، ولازمه ~~إرجاع الضمير إلى القيامة والجزاء لدلالة سابق الكلام إليه بوجه، وهو تكلف ~~لا حاجة إليه. # وذكر آخرون - كما في تفسير ms3963 صاحب المنار - أن المعنى في الوقت الذي يجيء ~~فيه ذلك اليوم المعين لا تتكلم نفس من الأنفس الناطقة إلا بإذن الله تعالى ~~فالمراد باليوم في الآية مطلق الوقت أي غير المحدود لأنه ظرف لليوم المحدود ~~الموصوف بما ذكر الذي هو فاعل يأتي. # وهو خطأ لاستلزامه ظرفية اليوم لليوم لعود المعنى حقيقة إلى قولنا: في ~~الوقت الذي يجيء فيه ذلك الوقت المعين أو اليوم الذي يجيء فيه ذلك اليوم ~~المعين، والتفرقة بين اليومين يجعل أحدهما خاصا ومعينا والآخر عاما ومرسلا ~~لا ينفع في دفع محذور ظرفية الشيء لنفسه ومظروفية الزمان - وهو ظرف بذاته - ~~لزمان آخر وهو محال لا ينقلب ممكنا بتغيير اللفظ. # وما ذكره من التفرقة بين اليومين بالإطلاق والتحديد مجرد تصوير لا تغني ~~شيئا فإن اليوم الذي يأتي فيه ذلك اليوم الموصوف وذلك اليوم الموصوف ~~متساويان إطلاقا وتحديدا وسعة وضيقا، نعم ربما يؤخذ الزمان متحدا بما يقع ~~فيه من الحوادث فيصير حادثا من الحوادث وتلغى ظرفيته فيجعل مظروفا لزمان ~~آخر كما يقال يوم الأضحى في شهر ذي الحجة ويوم عاشوراء في المحرم، قال ~~تعالى: "ويوم تقوم الساعة": الجاثية: 27 فإن صحت هذه العناية في الآية أمكن ~~به أن يعود ضمير يأتي إلى اليوم. # وقوله: "لا تكلم نفس إلا بإذنه" أي لا تتكلم نفس ممن حضر إلا بإذن الله ~~سبحانه، وحذف أحد التاءين المجتمعين في المستقبل من باب التفعل شائع قياسي. # والباء في قوله: "بإذنه" للمصاحبة فالاستثناء في الحقيقة من الكلام لا من ~~المتكلم كما في قوله: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن": النبأ: 38 ~~والمعنى لا تتكلم نفس بشيء من الكلام إلا بالكلام الذي يصاحب إذنه لا ~~كالدنيا يتكلم فيها الواحد منهم بما اختاره وأراده، أذن فيه الله إذن تشريع ~~أم لم يأذن. # وقد ذكرت الصفة أعني عدم تكلم نفس إلا بإذنه من خواص يوم القيامة المعرفة ~~له، وليست بمختصة به فإنه لا تتكلم أي نفس من النفوس ولا يحدث أي حادث من ~~الحوادث دائما إلا بإذنه من غير ms3964 أن يختص ذلك بيوم القيامة. PageV11P004 # وقد تقدم في بعض أبحاثنا السابقة أن غالب ما ورد في القرآن الكريم من ~~معرفات يوم القيامة في سياق الأوصاف الخاصة به يعمه وغيره كقوله تعالى: ~~"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء: المؤمن - 16 وقوله يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم: المؤمن: 33 وقوله: "يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19 إلى غير ذلك من الآيات، ومن المعلوم ~~أنه تعالى لا يخفى عليه شيء دائما، وليس لشيء منه عاصم دائما، ولا يملك نفس ~~لنفس شيئا إلا بإذنه دائما، وله الخلق والأمر دائما. # لكن الذي يهدي إليه التدبر في أمثال قوله تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 وقوله حكاية عن المجرمين: "ربنا ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون": الم السجدة: 12، وقوله: ~~"ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم - إلى أن قال هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم ~~الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون": يونس: 30 إن يوم القيامة ظرف يجمع الله ~~فيه العباد ويزيل الستر والحجاب دونهم فيظهر فيه الحقائق ظهورا تاما وينجلي ~~ما هو وراء غطاء الغيب في هذه النشأة وعند ذلك لا يختلج في صدورهم شك أو ~~ريب، ولا يهجس قلوبهم هاجس، ويعاينون أن الله هو الحق المبين، ويشاهدون أن ~~القوة لله جميعا، وأن الملك والعصمة والأمر والقهر له وحده لا شريك له. # وتسقط الأسباب عما كان يتوهم لها من الاستقلال في نشأة الدنيا وينقطع ~~البين وتزول روابط التأثير التي بين الأشياء وعند ذلك تنتثر كواكب الأسباب ~~وتنطمس نجوم كانت تهتدي به الأوهام في ظلماتها، ولا تبقى لذي ملك ملك يستقل ~~به، ولا لذي سلطان وقوة ما يتعزز معه، ولا لشيء ملجأ وملاذ يلجأ إليه ويلوذ ~~به ويعتصم بعصمته، ولا ستر يستر شيئا عن شيء ويحجبه دونه، والأمر كله لله ~~الواحد القهار لا يملك إلا ms3965 هو. # وهذا معنى قوله: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" وقوله: "ما ~~لكم من الله من عاصم" وقوله: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله" ~~إلى غير ذلك من الآيات وهي جميعا تنفي ما تزينه أوهام الناس في هذه النشأة ~~الدنيوية التي ليست إلا لهوا ولعبا إن هذه الأسباب تملك معنى التأثير، ~~وتتلبس بأوصاف الملك والسلطنة والقوة والعصمة والعزة والكرامة تلبسا حقيقيا ~~استقلاليا، وأنها هي المعطية والمانعة والنافعة والضارة لا بغية في سواها ~~ولا خير فيما عداها. # ومن هنا يمكن الاستئناس بمعنى قوله. # "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه" وقد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى بما ~~يقرب من هذا اللفظ كقوله تعالى: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا": النبأ: 38، وقوله: هذا يوم لا ينطقون": المرسلات: 35. # وذلك أن الله تعالى يقول فيما يصف هذا اليوم "يوم تبلى السرائر: الطارق - ~~9 ويقول: "إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284 ~~فيبين أن الحساب يومئذ بما في النفوس من الأحوال والأعراض الحسنة أو السيئة ~~لا بما يستكشف منها بأسباب الكشف كما في هذه النشأة الدنيوية. # فما كان تحت أستار الخفاء في الدنيا من خبايا النفوس ومطويات القلوب فهو ~~ظاهر مكشوف الغطاء يوم القيامة، وما هو من الغيب اليوم فهو شهادة غدا، ~~والتكلم الذي نتداوله نحن معاشر الناس فيما بيننا إنما هو باستخدام أصوات ~~مؤلفة تدل بنحو من الوضع والاعتبار على معان تستكن في ضمائرنا، وإنما ~~الباعث لنا على وضعها وتداولها الحاجة الاجتماعية إلى اهتداء بعضنا إلى ما ~~في ضمير آخرين لامتناعه من تعلق الحس به. # والتكلم من الأسباب الاجتماعية نتوسل به لكشف ما في الضمير من المعاني ~~المكنونة وهو متقوم بخروج ما في الأذهان عن إحاطة الإنسان، ولو كنا ممدين ~~بحس ينال المعاني الذهنية ويعاينها كما يهتدي - مثلا البصر إلى الأضواء ~~والألوان واللمس إلى الحرارة والبرودة والخشونة - والملاسة لم نحتج إلى وضع ~~اللغات والتكلم بها ولا كان بيننا ما ms3966 يسمى كلمة أو كلاما، وكذا لو كان ~~النوع الإنساني يعيش في حياته الدنيا عيشة انفرادية غير اجتماعية لم يكن من ~~النطق خبر ولا انعقدت له نطفة. PageV11P005 # كل ذلك لأن النشأة الدنيا كالمؤلف من شهادة وغيب وهو المحسوس المعاين وما ~~هو وراء الحس، والناس في حاجة مبرمة إلى الكشف عما في ضميرهم من المقاصد ~~والاطلاع عليه، فلو فرضت نشأة من الحياة ممحضة في الشهادة مؤلفة من أمور ~~معاينة لم يكن فيها ما يحوج إلى التكلم والنطق ولو تبرعنا إطلاق الكلام على ~~شيء من الحالات الموجودة هناك لكان مصداقه ظهور بعض ما في نفوس الناس ~~لبعضهم واطلاع ذلك البعض على ذلك. # وهذه النشأة الموصوفة بذلك هي نشأة القيامة على ما يصفه الله سبحانه ~~بأمثال قوله: "يوم تبلى السرائر"، وهذا هو الذي يظهر من قوله تعالى: "لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جان" إلى أن قال: "يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام:" الرحمن: 41. # فإن قلت فعلى هذا لا معنى لتحقق الكذب والزور هناك وقد نص القرآن الكريم ~~عليه كما في قوله تعالى: "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين ~~شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما ~~كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم": الأنعام: 24، وقوله تعالى: "يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون: المجادلة - 18. # قلت: هذا من ظهور الملكات كما أن الإنسان عند التفكير يشاهد خبايا نفسه ~~من غير حاجة إلى أن يخبر نفسه بما يفكر فيه ويكشف عما في ضميره لنفسه ~~بالتكلم لأنه على شهادة من باطن نفسه لا في غيب، وهو مع ذلك يتصور صورة ~~كلام يدل ما يطالعه من المعاني الذهنية، وربما يتكلم بلسانه أيضا بما يخطره ~~بباله من أجزاء الفكرة والباعث له على ذلك ما اعتاده من التكلم والنطق عند ~~ما يلفظ ما في ضميره إلى الغير. # وهؤلاء المشركون والمنافقون لما اعتادوا الكذب في نشأتهم الدنيا وعاشوا ~~على كذبات الوهم ظهر ms3967 منهم ذلك يوم يظهر فيه الملكات والعادات النفسانية ~~وإلا فمن المحال أن يوقف الإنسان عند ربه وهو تعالى يعاين باطنه وظاهره ~~وأعماله محضرة، وصحيفته منشورة، والأشهاد قائمة وجوارحه بما عملت ناطقة، ~~والأسباب ومنها الكذب ساقطة هالكة، وقد انقلب سره علانية ثم يكذب رجاء أن ~~يغر الله سبحانه وتعالى فيظهر عليه بحجة مدلسة كاذبة، وينجو بذلك. # وهذا نظير دعوتهم يوم القيامة إلى السجود ثم عدم استطاعتهم، قال تعالى: ~~"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون": القلم: 43 فعدم استطاعتهم للسجود ~~ليس إلا لرسوخ ملكة الاستكبار في نفوسهم، ولو كان بمنع جديد من جانبه تعالى ~~لكانت الحجة لهم عليه. # فإن قلت: لو كان كما ذكرت ولم يكن هناك إلى التكلم حاجة ولا له مصداق فما ~~معنى الاستثناء الذي في قوله: "لا تكلم نفس إلا بإذنه" وما في معناها من ~~الآيات؟ وما معنى ما تكرر في مواضع من كلامه تعالى من حكاية أقوالهم. # قلت: لا ريب أن الإنسان وهو في هذه النشأة مختار في أعماله التي منها ~~التكلم فله نسبة متساوية إلى كل فعل من أفعاله وتركه وهما بالقياس إليه ~~سواء، فإذا اقترف الفعل مثلا تعين أحد الجانبين تعينا اضطراريا لا خبر عن ~~الاختيار بعد ذلك، والآثار الضرورية التي تترتب على الفعل ومنها الجزاء ~~الذي يكتسب بالفعل حالها حال الفعل بعد التحقق. PageV11P006 # والنشأة الآخرة دار جزاء لا دار عمل فلا خبر هناك عن الاختيار الإنساني ~~وليس هناك إلا الإنسان وعمله الذي أتى به وقد لزمه لزوما ضروريا، وما يرتبط ~~به العمل من الصحائف والأشهاد وربه الذي إليه يرجع الأمر وبيده الحكم الفصل ~~فإذا دعي استجاب اضطرارا، كما قال تعالى "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له:" ~~طه: 108 وقد كانوا في الدنيا يدعون إلى الحق فلا يستجيبون، وإذا تكلم عن ~~سؤال لم يكن من سنخ التكلم الدنيوي الذي كان ناشئا عن اختياره وكاشفا عن ~~أمر خبيء في نفسه فقد ختم على ms3968 فمه ولا سبيل له إلى التكلم بما يريد، وكيفما ~~يريد، قال تعالى: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون": يس: 65، وقال: "هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون": ~~المرسلات: 36 فإن العذر إنما يكون في الجزاء الذي فيه شوب اختيار ولتحققه ~~إمكان وجود وعدم وأما العمل السيىء المفروغ منه والجزاء الذي تعقبه ضرورة ~~فلا مجرى للعذر فيه، قال تعالى: "يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7 أي إن جزاءكم نفس عملكم الذي ~~عملتموه، ولا يتغير ذلك بعذر ولا تعلل وإنما كان يتغير لو كان جزاء دنيويا ~~أمره بيد الحاكم المجازي يختار فيه ما يراه ويشاؤه. # وبالجملة: إذا تكلم هو عن سؤال كان تكلمه عن اضطرار إليه ومطابقا لما ~~عنده من العمل الظاهر الذي لا ستر عليه هناك البتة، ولو تكلم كذبا كان ذلك ~~من قبيل ظهور الملكات كما تقدم وعملا من أعماله يظهر ظهورا لا كلاما يعد ~~جوابا لسؤال فيختم على فيه ويستنطق سمعه وبصره وجلده ويده ورجله ويحضر ~~العمل الذي عمله ويستشهد الأشهاد والله على كل شيء شهيد. # فقد تلخص من جميع ما قدمناه أن معنى قوله: "لا تكلم نفس إلا بإذنه" أن ~~التكلم يومئذ ليس على وتيرة التكلم الدنيوي كشفا اختياريا عما في الضمير ~~بحيث يمكن معه للمتكلم أن يصدق في كلامه أو يكذب فإن هذا التملك الاختياري ~~الذي هو من لوازم دار العمل مرفوع هناك فلا اختيار للإنسان في تكلمه وإنما ~~هو منوط بإذن الله ومشيئته، وإن أحسنت التدبر وجدت أن مآل هذا الوجه أعني ~~ارتفاع حكم الاختيار عن تكلم الإنسان وسائر أفعاله وإحاطة معنى الاضطرار ~~بالجميع يومئذ يرجع إلى ما افتتحنا به الكلام أن خاصة هذا اليوم هي انكشاف ~~حقائق الأشياء فيه ورجوع الغيب شهادة وعليك بإحكام التدبر في المعارف التي ~~يلقنها الكلام الإلهي في المعاد فإنها معضلة عويصة عميقة. # وذكر بعضهم أن معنى قوله: "لا تكلم نفس إلا بإذنه" أنها لا تتكلم فيه ms3969 إلا ~~بالكلام الحسن المأذون فيه شرعا لأن الناس ملجئون هناك إلى ترك القبائح فلا ~~يقع منهم قبيح وأما غير القبيح فهو مأذون فيه. # وفيه أنه تخصيص من غير مخصص فاليوم ليس بيوم عمل حتى يؤذن فيه في إتيان ~~الفعل الحسن ولا يؤذن في القبيح، والإلجاء الذي منشؤه كون الظرف ظرف جزاء ~~لا عمل لا يفرق فيه بين العمل الحسن والقبيح مع كون كليهما اختياريين لأن ~~الحسن والقبح إنما يعنون بهما الأفعال الاختيارية. # على أن الله تعالى يقول: "هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون" ومن ~~المعلوم أن الإتيان بالأعذار ليس من الفعل القبيح في شيء. # وقال آخرون: إن معنى الآية أنه لا يتكلم أحد في الآخرة بكلام نافع من ~~شفاعة ووسيلة إلا بإذنه. # وهذا إرجاع للآية بحسب المدلول إلى مثل قوله تعالى: "يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن": طه: 109 وفيه أن ذلك تقييد من غير شاهد ~~عليه ولو كان المراد ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: لا تكلم نفس عن نفس أو ~~في نفس إلا بإذنه كما وقع في نظيره من قوله: "لا يملك نفس لنفس شيئا". # وقد تحصل مما قدمناه وجه الجمع بين الآيات المثبتة للتكلم يوم القيامة ~~والآيات النافية له. # توضيحه: أن الآيات المتعرضة لمسألة التكلم فيه صنفان: صنف ينفي التكلم أو ~~يثبته لأفراد الناس من غير استثناء كقوله: "لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان": ~~الرحمن: 39، وقوله: "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها": النحل: 111. # وصنف ينفي الكلام على أي نعت كان من صدق أو كذب كقوله: "هذا يوم لا ~~ينطقون": المرسلات: 35، وقوله: "فما لنا من شافعين ولا صديق حميم": ~~الشعراء: 101. PageV11P007 # والصنف الأول يجمع بين طرفيه بمثل قوله تعالى: "لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن": النبأ: 38 والصنف الثاني يرتفع التنافي بين طرفيه بالآية المبحوث ~~عنها: "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه" لكن بالبناء على ما تقدم توضيحه في ~~معنى إناطة التكلم بإذنه حتى يفيد أنهم ملجئون في ما ms3970 تكلموا به مضطرون إلى ~~ما يأذن الله سبحانه فيه ليس لهم أن يتكلموا بما يختارون ويريدون كما كان ~~لهم ذلك في الدنيا ليكون ذلك مما يختص بيوم القيامة من الوصف. # وبذلك يظهر وجه القصور فيما ذكره صاحب المنار في تفسيره حيث قال في تفسير ~~الآية: ونفي الكلام في ذلك اليوم إلا بإذنه تعالى يفسر لنا الجمع بين ~~الآيات النافية له مطلقا والمثبتة له مطلقا انتهى. # وقد ذكر قبله آيات فيها مثل قوله: "هذا يوم لا ينطقون" وقوله: "اليوم ~~نختم على أفواههم الآية. # وذلك أنه - أولا - لم يفرق بين الصنفين من الآيات فأوهم ذلك أن نفي ~~الكلام إلا بإذنه في الآية المبحوث عنها كاف في رفع التنافي بين الآيات ~~مطلقا، وليس كذلك. # و- ثانيا - لم يبين معنى كون الكلام بإذنه تعالى فتوجه إليه إشكال تخصيص ~~يوم القيامة في الآية بما لا يختص به. # وقد يجاب عن إشكال التنافي بوجه آخر وهو أن يوم القيامة يشتمل على مواقف ~~قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف، ولم يؤذن لهم في الكلام في ~~بعضها، وقد ورد ذلك في بعض الروايات. # وهذا الجواب وإن كان بظاهره متميزا من الوجه السابق إلا أنه لا يستغني عن ~~مسألة الإذن فهو في الحقيقة راجع إليه. # وقد يجاب بأن المراد بعدم التكلم والنطق أنهم لا ينطقون بحجة، وإنما ~~يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولو بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذنوب على بعض، ~~وهذا كما يقول القائل لمن أكثر من الكلام ولا يشتمل على حجة: ما تكلمت بشيء ~~ولا نطقت بشيء فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه غير متكلم لأنه لم يأت بحق ~~الكلام الذي كان من الواجب أن يشتمل على حجة فكأنه ليس بكلام فنفي التكلم ~~ناظر إلى عد الكلام الذي لا جدوى فيه غير كلام ادعاء. # وفيه: أنه لو صح فإنما يصح في مثل قوله: "هذا يوم لا ينطقون" وأما مثل ~~قوله: "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه" فلا يرجع إلى معنى محصل. # وقد يجاب كما نقله الآلوسي ms3971 عن الغرر والدرر للمرتضى أن يوم القيامة يوم ~~طويل ممتد فيجوز أن يمنعوا النطق في بعضه، ويؤذن لهم في بعض آخر منه. # وفيه أن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله، وعلى قولهم يكون مثلا معنى قوله: ~~"هذا يوم لا ينطقون" هذا يوم لا ينطقون في بعضه وهو خلاف الظاهر، ويرد نظير ~~الإشكال على الوجه الثاني الذي أجيب فيه عن الإشكال باختلاف المواقف فإن ~~مرجع الوجهين أعني الوجه الثاني وهذا الوجه الرابع واحد وإنما الفرق أن ~~الوجه الثاني يرفع التنافي باختلاف الأمكنة وهذا الوجه يرفعه باختلاف ~~الأزمنة كما أن الوجه الثالث يرفعه باختلاف الكلام باشتماله على الجدوى ~~وعدم اشتماله عليه. # وقد يجاب بما يظهر من قول بعضهم: أن الاستثناء في قوله: "لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه" منقطع لا متصل أي لا تتكلم نفس باقتدار من عندها إلا بإذنه تعالى ~~ومحصل الوجه أن الممنوع من التكلم يوم القيامة هو الذي يكون بقدرة من ~~الإنسان، والجائز الواقع ما يكون بإذنه تعالى. # وفيه: أن تكلم الإنسان كسائر أفعاله الاختيارية ليس مستندا إلى قدرته ~~محضا في وقت قط بل هو منسوب إلى قدرته مستمدا من قدرة الله تعالى وإذنه ~~فكلما تكلم الإنسان أو فعل فعلا بقدرته صدر عنه ذلك عن قدرته بمصاحبة من ~~إذن الله تعالى ويعود معنى الاستثناء حينئذ إلى إلغاء جميع الأسباب العاملة ~~في التكلم يوم القيامة إلا واحدا منها هو إذنه تعالى، ويصير الاستثناء ~~متصلا ويرجع إلى ما قدمناه من الوجه أولا أن التكلم الممنوع هو الاختياري ~~منه على حد التكلم الدنيوي، والجائز ما كان مستندا إلى السبب الإلهي فقط ~~وهو إذنه وإرادته، والظرف ظرف الاضطرار والإلجاء لكنهم يرون أن سبب الإلجاء ~~يوم القيامة مشاهدة أهواله فإن الناس ملجئون عند مشاهدة الأهوال إلى ~~الاعتراف والإقرار وقول الصدق واتباع الحق، وقد قدمنا أن السبب في ذلك كون ~~الظرف ظرف جزاء لا عمل وبروز الحقائق عند ذلك. PageV11P008 # قوله تعالى: "فمنهم شقي وسعيد" السعادة والشقاوة متقابلان فسعادة كل شيء أن ~~ينال ما لوجوده من الخير الذي ms3972 يكمل بسببه ويلتذ به فهي في الإنسان - وهو ~~مركب من روح وبدن - أن ينال الخير بحسب قواه البدنية والروحية فيتنعم به ~~ويلتذ، وشقاوته أن يفقد ذلك ويحرم منه، فهما بحسب الاصطلاح من العدم ~~والملكة، والفرق بين السعادة والخير إن السعادة هي الخير الخاص بالنوع أو ~~الشخص والخير أعم. # وظاهر قوله تعالى: "فمنهم شقي وسعيد" لا تفيد حصر أهل الجمع في الفريقين. # وهو الملائم ظاهرا لتقسيمه تعالى الناس إلى مؤمن وكافر ومستضعف كالأطفال ~~والمجانين وكل من لم تتم عليه الحجة في الدنيا إلا أن الغرض المسرودة له ~~الآيات ليس بيان أصناف الناس بحسب العمل والاستحقاق بل من حيث شأن هذا ~~اليوم وهو أنه يوم مجموع له الناس ويوم مشهود لا يتخلف عنه أحد، وأنه ينتهي ~~إلى جنة أو نار. # والمستضعفون وإن كانوا صنفا ثالثا بالنسبة إلى من استحق بعمله الجنة ومن ~~استحق بعمله النار لكن من الضروري أنهم لا يذهبون سدى ولا يدوم عليهم الحال ~~بالإبهام والانتظار فهم بالآخرة ملحقون بإحدى الطائفتين: السعداء أو ~~الأشقياء داخلون فيما دخلوا فيه من جنة أو نار، قال تعالى: "وآخرون مرجون ~~لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم": التوبة: 106 ولازم ~~هذا السياق أن ينحصر أهل الجمع في الفريقين: السعداء والأشقياء فما منهم ~~إلا سعيد أو شقي. # فالآية نظير قوله تعالى في موضع آخر: "وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق ~~في الجنة وفريق في السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة ولكن يدخل من يشاء في ~~رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير": الشورى: 8 حيث إن الجملة "فريق ~~في الجنة وفريق في السعير" بمعونة السياق تفيد الحصر وإن كانت وحدها بمعزل ~~من الدلالة. # والذي تدل عليه الآية أن من كان هناك من أهل الجمع إما شقي متصف بالشقاء ~~وإما سعيد متلبس بالسعادة وأما إن هذين الوصفين بما ذا ثبتا لموضوعيهما؟ ~~وأنهما هل هما ذاتيان لموصوفيهما أو ثابتان بإرادة أزلية لا يتخلف مرادها ~~عنها أو يثبتان لهما عن اكتساب وعمل مع ms3973 كون الموضوعين خاليين عنهما بالنظر ~~إلى ذاتهما؟ فلا نظر في الآية إلى شيء من ذلك غير أن وقوع الآية في سياق ~~الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح، والندب إلى اختيار الطاعة وترك المعصية ~~يدل على تيسير سبيل الوصول إلى السعادة كما قال تعالى: "ثم السبيل يسره": ~~عبس: 20. # وبذلك يظهر فساد ما استفاده بعضهم من الآية من لزوم السعادة والشقاوة ~~للإنسان من حكمه تعالى في الآية بذلك قال الرازي في تفسيره في ذيل الآية: ~~اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيد وعلى بعضهم بأنه ~~شقي، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه. # وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا وعلمه جهلا، وذلك محال فثبت أن ~~السعيد لا ينقلب شقيا، وإن الشقي لا ينقلب سعيدا. # قال: وروي عن عمر أنه قال: لما نزل قوله تعالى: "فمنهم شقي وسعيد" قلت: ~~يا رسول الله فعلى ما ذا نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ ~~فقال: على شيء قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار ولكن كل ~~ميسر لما خلق له. قال وقالت المعتزلة: روي عن الحسن أنه قال: فمنهم شقي ~~بعمله وسعيد بعمله. قلنا الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات. # وأيضا فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك ~~العمل حاصلا بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا. # انتهى. # وهو من عجيب المغالطة أما الذي سماه دليلا قاطعا فقد غالط فيه بأخذ زمان ~~الحكم زمانا لنتيجته وأثره فمن البديهي أن الحكم الحق الآن باتصاف موضوع ما ~~بصفة في المستقبل لا يستلزم الاتصاف بها إلا في المستقبل لا في زمان الحكم ~~القائم بالحاكم وهو الآن كما أن حكمنا في الليل بأن الهواء مضيء بعد كم ~~ساعة - وهو حكم حق - لا يوجب إضاءة الهواء ليلا. # وحكمنا بأن الصبي سيصبح شيخا فانيا بعد ثمانين سنة، لا يستدعي كونه شيخا ~~فانيا في زمان الحكم. ms3974 PageV11P009 # فقوله: "فمنهم شقي وسعيد" وهو خبر منه تعالى بأن جماعة منهم أشقياء يوم ~~القيامة وآخرون سعداء يوم القيامة أن كان حكما بشقاوتهم وسعادتهم كذلك ~~فإنما هو حكم صادر منه في هذا الآن بأنهم كذا وكذا يوم القيامة ومن المسلم ~~أنه لا يتغير عما هو عليه في ظرفه وإلا لزم أن يكون خبره تعالى كذبا وعلمه ~~جهلا لا أنه حكم صادر منه هذا الآن بأنهم كذا وكذا هذا الآن، ولا أنه حكم ~~صادر منه هذا الآن بأنهم كذا وكذا دائما. # وهو ظاهر. # وليت شعري ما الذي منعه أن يحكم بمثل هذا الحكم في سائر ما أخبر الله ~~تعالى به من صفات الناس يوم القيامة فيحكم بأنهم مؤمنون دائما أو كافرون ~~دائما وفي الجنة قبل يوم القيامة وفي النار قبل يوم القيامة لجريان دليله ~~فيها وفي غيرها كالشقاوة والسعادة على حد سواء. # وأما ما أورده من الرواية وفيها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"ولكن كل ميسر لما خلق له" فلا دلالة لها على ما ذكره أصلا وسيجيء توضيح ~~ذلك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # وأما قوله أخيرا: "لا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما ~~كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا" يريد ~~أن تعلق القضاء بالعمل - ومن المحال أن يتخلف متعلقه عما قضى عليه - توجب ~~صيرورته ضروري الثبوت، ويكون الفعل بذلك مجبرا عليه لا اختياريا متساوي ~~الفعل والترك بالنسبة إلى الفاعل، لا تأثير للفاعل فيه ولا تأثير للعمل في ~~حصول شقاوة أو سعادة، وإنما بين الفاعل وفعله، وبين الفعل والأثر الحاصل ~~بعده من شقاوة أو سعادة، صحابة اتفاقية جرت عادة الله سبحانه أن يوجد هذا ~~قبل ذلك وذلك بعد هذا من غير رابطة حقيقية بين الأمرين ولا تأثير حقيقي ~~لأحدهما في الآخر. # وهذه مغالطة أخرى ناشئة من الخلط بين نسبة الوجوب ونسبة الإمكان فإن ~~للعمل علة تامة يجب بها وجوده، وهي إرادة الإنسان، وسلامة أدوات العمل منه، ~~ووجود ms3975 مادة قابلة للعمل، والزمان، والمكان، وعدم الموانع والعوائق إلى غير ~~ذلك فإذا اجتمعت وتمت وكملت كان ثبوت العمل ضروريا، فللعمل إليها نسبة هي ~~نسبة الوجوب، وله إلى كل واحد من أجزاء علته التامة ومن جملتها إرادة ~~الإنسان نسبة هي نسبة الإمكان فإن العمل لا يجب وجوده بمجرد تحقق الإرادة ~~فقط بل يمكن وإنما يجب لو انضمت إليه بقية أجزاء العلة. # فالعمل المتحقق بضرورة العلة التامة في عين هذا الحال له نسبة الوجوب إلى ~~مجموع العلة التامة، ونسبة الإمكان إلى إرادة الإنسان، ولا تبطل نسبته ~~الوجوبية إلى العلة التامة نسبته الإمكانية إلى إرادة الإنسان، ولا تقلبها ~~عن الإمكان إلى الضرورة بل نسبة العمل إلى الإنسان بالإمكان دائما كما أن ~~نسبته إلى المجموع الحاصل من الإنسان وبقية أجزاء العلة التامة بالوجوب ~~دائما وطرفا الفعل والترك متساويان بالنسبة إلى الإنسان أبدا كما أن أحد ~~الطرفين من الفعل والترك متعين بالنظر إلى العلة التامة أبدا. # ينتج أن الفعل اختياري للإنسان في عين أنه لا يخلو في وجوده عن علة تامة ~~موجبة له، والقضاء الحتم من صفاته تعالى الفعلية منتزع عن مقام الفعل وهو ~~سلسلة العلل المترتبة بحسب نظام الوجود، وكون المعلولات ضرورية بالنسبة إلى ~~عللها أي ضرورة كل مقضي بالنسبة إلى ما تعلق به من القضاء الإلهي لا ينافي ~~كونه اختياريا للإنسان نسبته إليه نسبة الإمكان. # فقد بان أنه أخذ نسبة العمل إلى الإنسان نسبة وجوب لا إمكان بتوهم أن كون ~~العمل واجب الثبوت بالقضاء الإلهي يوجب كونه واجب الثبوت بالنسبة إلى ~~الإنسان لا ممكنه. PageV11P010 # وبتقرير آخر واضح تعلق علمه تعالى مثلا بأن خشبة كذا ستحرق بالنار يوجب ~~وجوب تحقق الاحتراق المقيد بالنار لأنه الذي تعلق به العلم الحق لا وجوب ~~تحقق الاحتراق مطلقا سواء كانت هناك نار أو لم تكن إذ لم يتحقق علم بهذه ~~الصفة، وكذا علمه تعالى بأن الإنسان سيعمل باختياره وإرادته عملا أو أنه ~~سيشقى لعمل اختياري كذا يوجب وجوب تحقق العمل من طريق اختيار الإنسان لا ~~وجوب تحقق عمل ms3976 كذا سواء كان هناك اختيار أو لم يكن وسواء كان هناك إنسان أو ~~لم يكن حتى تنقطع به رابطة التأثير بين الإنسان وعمله، ونظيره علمه بأن ~~إنسانا كذا سيشقى بكفره اختياريا يستوجب تحقق الشقوة التي عن الكفر دون ~~الشقوة مطلقة سواء كان هناك كفر أو لا. # فاتضح أن علمه تعالى بعمل الإنسان لا يستوجب بطلان الاختيار وثبوت ~~الإجبار وإن كان معلومه تعالى لا يتخلف عن علمه له الحكم لا معقب لحكمه. # قوله تعالى: "فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق" قال في ~~المجمع، الزفير أول نهاق الحمار والشهيق آخر نهاقه انتهى. # وقال في الكشاف،: الزفير إخراج النفس والشهيق رده انتهى. # وقال الراغب في المفردات، الزفير تردد النفس حتى ينتفخ الضلوع منه. # وقال: الشهيق طول الزفير وهو رده والزفير مده، قال تعالى: "لهم فيها زفير ~~وشهيق" "سمعوا لها تغيظا وزفيرا" وقال تعالى: "سمعوا لها شهيقا" وأصله من ~~جبل شاهق أي متناهي الطول. # انتهى. # والمعاني - كما ترى - متقاربة وكان في الكلام استعارة، والمراد أنهم ~~يردون أنفاسهم إلى صدورهم ثم يخرجونها فيمدونها برفع الصوت بالبكاء والأنين ~~من شدة حر النار وعظم الكربة والمصيبة كما يفعل الحمار ذلك عند نهيقه. # وكان الظاهر من سياق قوله: "فمنهم شقي وسعيد" أن يقال بعده: فأما الذي ~~شقي ففي النار له فيها زفير وشهيق "إلخ" لكن السياق السابق عليه الذي افتتح ~~به وصف يوم القيامة أعني قوله: "ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود" ~~مبني على الكثرة والجماعة، ومقتضاها المضي على هيئة الجمع: الذين شقوا ~~والذين سعدوا، وإنما عبر بقوله، شقي وسعيد لما قيل قبله: "لا تكلم نفس" ~~فاختير المفرد المنكر ليفيد النفي بذلك الاستغراق والعموم فلما حصل الغرض ~~بقوله: "لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد" عاد السياق السابق المبني ~~على الكثرة والجماعة فقيل: "فأما الذين شقوا" بلفظ الجمع إلى آخر الآيات ~~الثلاث. # قوله تعالى: "خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك ~~فعال لما يريد". # بيان لمكث أهل ms3977 النار فيها كما أن الآية التالية: "وأما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ" ~~بيان لمكث أهل الجنة فيها وتأييد لاستقرارهم في مأواهم. # قال الراغب في المفردات: الخلود هو تبري الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه ~~على الحالة التي هو عليها، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد يصفه العرب ~~بالخلود كقولهم للأثافي: خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها يقال خلد ~~يخلد خلودا قال تعالى: "لعلكم تخلدون" والخلد - بالفتح فالسكون - اسم للجزء ~~الذي يبقى من الإنسان على حالته فلا يستحيل ما دام الإنسان حيا استحالة ~~سائر أجزائه، وأصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة، ومنه قيل: رجل مخلد لمن ~~أبطأ عنه الشيب، ودابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها ثم ~~استعير للمبقي دائما. # والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض ~~الفساد عليها قال تعالى: "أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون" "أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون" "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها". # وقوله تعالى: "يطوف عليهم ولدان مخلدون" قيل: مبقون بحالتهم لا يعتريهم ~~الفساد، وقيل: مقرطون بخلدة، والخلدة ضرب من القرطة، وإخلاد الشيء جعله ~~مبقى والحكم عليه بكونه مبقى، وعلى هذا قوله سبحانه: "ولكنه أخلد إلى ~~الأرض" أي ركن إليها ظانا أنه يخلد فيها. # انتهى. # وقوله: "ما دامت السماوات والأرض" نوع من التقييد يفيد تأكيد الخلود ~~والمعنى دائمين فيها دوام السماوات والأرض لكن الآيات القرآنية ناصة على أن ~~السماوات والأرض لا تدوم دوام الأبد وهي مع ذلك ناصة على بقاء الجنة والنار ~~بقاء لا إلى فناء وزوال. PageV11P011 # ومن الآيات الناصة على الأول قوله تعالى: "ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3، وقوله: "يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين": ~~الأنبياء: 104، وقوله: "والسماوات مطويات بيمينه": الزمر: 67، وقوله: "إذا ~~رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا": الواقعة: 6. # ومنها في النص ms3978 على الثاني قوله تعالى: "جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا": التغابن: 9، وقوله: "وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا ~~لا يجدون وليا ولا نصيرا": الأحزاب: 65. # وعلى هذا يشكل الأمر في الآيتين من جهتين: إحداهما تحديد الخلود المؤبد ~~بمدة دوام السماوات والأرض وهما غير مؤبدتين لما مر من الآيات. # وثانيتهما تحديد الأمر الخالد الذي تبتدىء من يوم القيامة وهو كون ~~الفريقين في الجنة والنار واستقرارهما فيهما، بما ينتهي أمد وجوده إلى يوم ~~القيامة وهو السماوات والأرض، وهذا الإشكال الثاني أصعب من الأول لأنه وارد ~~حتى على من لا يرى الخلود في النار أو في الجنة والنار معا بخلاف الأول. # والذي يحسم الإشكال أنه تعالى يذكر في كلامه أن في الآخرة أرضا وسماوات ~~وإن كانت غير ما في الدنيا بوجه، قال تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار": إبراهيم: 48، وقال حاكيا عن أهل ~~الجنة: "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة ~~حيث نشاء": الزمر: 74، وقال يعد المؤمنين ويصفهم: "أولئك لهم عقبى الدار": ~~الرعد: 22. # فللآخرة سماوات وأرض كما أن فيها جنة ونارا ولهما أهلا وقد وصف الله ~~سبحانه الجميع بأنها عنده، وقال: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: ~~96 فحكم بأنها باقية غير فانية. # وتحديد بقاء الجنة والنار وأهلهما بمدة دوام السماوات والأرض إنما هو من ~~جهة أن السماوات والأرض مطلقا ومن حيث أنهما سماوات وأرض مؤبدة غير فانية، ~~وإنما تفنى هذه السماوات والأرض التي في هذه الدنيا على النظام المشهود ~~وأما السماوات التي تظل الجنة مثلا والأرض التي تقلها وقد أشرقت بنور ربها ~~فهي ثابتة غير زائلة فالعالم لا تخلو منهما قط، وبذلك يندفع الإشكالان جميعا. # وقد أشار في الكشاف إلى هذا الوجه إجمالا حيث قال: "والدليل على أن لها ~~سماوات وأرضا قوله سبحانه: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" وقوله ~~سبحانه: "وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء" ولأنه لا بد لأرض الآخرة ~~مما تقلهم وتظلهم إما سماء يخلقها الله ms3979 تعالى أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك ~~فهو سماء" انتهى. # وإن كان الوجه الذي أشار إليه ثانيا سخيفا لأنه إثبات للسماء والأرض من ~~جهة الإضافة وأن الجنة والنار لا بد أن يتصور لهما فوق وتحت فيكون الجنة ~~والنار أصلا وسماؤهما وأرضهما تبعين لهما في الوجود، ولازمه تحديد بقاء ~~سمائهما وأرضهما بمدة دوامها لا بالعكس كما فعل في الآية. # على أن لازم هذا الوجه لزوم أن يتحقق للجنة والنار أرض وسماء وأما ~~السماوات بلفظ الجمع كما في الآية فلا، فيبقى الإشكال في السماوات على حاله. # وبما تقدم يندفع أيضا ما أورده عليه القاضي في تفسيره حيث قال: وفيه نظر ~~لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما عرفه بما ~~يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه. # انتهى. # ومراده أن الآية تشبه دوام الجنة والنار بأهلهما بدوام السماوات والأرض ~~فلو كان المراد بهما سماوات الآخرة وأرضها ولا يعرف أكثر الخلق وجودها ~~ودوامها كان ذلك من تشبيه الأجلى بالأخفى وهو غير جائز في الكلام البليغ. # وجوابه: أنا إنما عرفنا دوام الجنة والنار بأهلهما من كلامه تعالى كما ~~عرفنا وجود سماوات وأرض لهما وكذا أبدية الجميع من كلامه فأي مانع من تحديد ~~إحدى حقيقتين مكشوفتين من كلامه من حيث البقاء بالأخرى في كلامه، وإن كانت ~~إحدى الحقيقتين أعرف عند الناس من الأخرى بعد ما كانت كلتاهما مأخوذتين من ~~كلامه لا من خارج. # ويندفع به أيضا ما ذكره الآلوسي في ذيل هذا البحث أن المتبادر من ~~السماوات والأرض هذه الأجرام المعهود عندنا فالأولى أن يلتمس هناك وجه آخر ~~غير هذا الوجه انتهى ملخصا. PageV11P012 # وجه الاندفاع أن الآيات القرآنية إنما تتبع فهم أهل اللسان في مفاهيمها ~~الكلية التي تعطيها اللغة والعرف، وأما في مقاصدها وتشخيص المصاديق التي ~~تجري عليها المفاهيم فلا، بل السبيل المتبع فيها هو التدبر الذي أمر به ~~الله سبحانه وإرجاع المتشابه إلى المحكم وعرض الآية على الآية فإن القرآن ~~يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض ويصدق ms3980 بعضه بعضا - كما في الروايات - ~~فليس لنا إذا سمعناه تعالى يقول: إنه واحد أحد أو عالم قادر حي مريد سميع ~~بصير أو غير ذلك أن نحملها على ما هو المتبادر عند العرف من المصاديق بل ~~على ما يفسرها نفس كلامه تعالى ويكشفه التدبر البالغ من معانيها، وقد ~~استوفينا هذا البحث في الكلام على المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من ~~الكتاب. # وقد وردت في الروايات وفي كلمات المفسرين توجيهات أخرى للآية نورد منها ~~ما عثرنا عليه وليكن الذي أوردناه أولها. # الوجه الثاني: أن المراد سماوات الجنة والنار وأرضهما أي ما يظلهما وما ~~يقلهما فإن كل ما علاك وأظلك فهو سماء وما استقرت عليه قدمك فهو أرض، ~~وبعبارة أخرى المراد بهما ما هو فوقهما وما تحتهما. # وهذا هو الوجه الذي ذكره الزمخشري في آخر ما نقلناه من كلامه آنفا، وقد ~~عرفت الإشكال فيه. # على أن هذا الوجه لا يفي لبيان السبب في إيراد السماوات في الآية بلفظ ~~الجمع كما تقدم. # الوجه الثالث: أن المراد ما دامت الآخرة وهي دائمة أبدا كما أن دوام ~~السماء والأرض في الدنيا قدر مدة بقائها، ولعل المراد أن قوله: "ما دامت ~~السماوات والأرض" موضوع وضع التشبيه كقولك: كلمته تكليم المستهزىء الهازىء ~~به أي مثل تكليم من يستهزىء ويهزأ به. # وفيه: أنه لو أريد بذلك التشبيه كما ذكرناه أفاد خلاف المقصود أعني ~~الانقطاع، ولو أريد غير ذلك لم يف بذلك اللفظ. # الوجه الرابع: أن المراد به التبعيد وإفادة الأبدية لا أن المراد به ~~التحديد بمدة بقاء السماوات والأرض بعينها فإن للعرب ألفاظا كثيرة ~~يستخدمونها في إفادة التأبيد من غير أن يريدوا بها المعاني التي تحت تلك ~~الألفاظ كقولهم: الأمر كذا وكذا ما اختلف الليل والنهار، وما ذر شارق، وما ~~طلع نجم، وما هبت نسيم، وما دامت السماوات وقد استراحوا إليها وإلى أشباهها ~~ظنا منهم أن هذه الأشياء دائمة باقية لا تبيد أبدا ثم استعملوها كأنها ~~موضوعة للتبعيد. # وفيه: أنهم إنما استعملوها في التأبيد وأكثروا منه ظنا منهم أن ms3981 هذه ~~الأمور دائمة مؤبدة، وأما من يصرح في كلامه بأنها مؤجلة الوجود منقطعة ~~فانية ويعد الإيمان بذلك إحدى فرائض النفوس فلا يحسن منه وضعها في الكلام ~~موضع التأبيد بأي صورة تصورت. # كيف لا؟ وقد قال تعالى: "ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وأجل مسمى": الأحقاف: 3 وكيف يصح مع ذلك أن يقال: إن الجنة والنار خالدتان ~~أبدا ما دامت السماوات والأرض. # الوجه الخامس: أن يكون المراد أنهم خالدون بمدة بقاء السماوات والأرض ~~التي يعلم انقطاعها ثم يزيدهم الله سبحانه على ذلك، ويخلدهم ويؤبد مقامهم، ~~وهذا مثل أن يقال: هم خالدون كذا وكذا سنة، ثم يضيف تعالى إلى ذلك ما لا ~~يتناهى من الزمان كما يقال في قوله تعالى: "لابثين فيها أحقابا": النبأ: 23 ~~أي أحقابا ثم يزادون على ذلك. # وفيه: أنه على الظاهر مبني على استفادة بعض المدة من قوله: "ما دامت ~~السماوات والأرض" والبعض الآخر الذي لا يتناهى من قوله: "إلا ما شاء ربك" ~~ودلالته على ذلك تتوقف على تقدير أمور لا دلالة عليه من اللفظ أصلا. # الوجه السادس: أن المراد بالنار والجنة نار البرزخ وجنتها وهما خالدتان ~~ما دامت السماوات والأرض، وإذا انتهت مدة بقاء السماوات والأرض بقيام ~~القيامة خرجوا منها لفصل القضاء في عرصات المحشر. # وفيه: أنه خلاف سياق الآيات فإن الآيات تفتتح بذكر يوم القيامة وتوصيفها ~~بما له من الأوصاف، ومن المستبعد أن يشرع في البيان بذكر أنه يوم مجموع له ~~الناس، وأنه يوم مشهود، وأنه يوم إذا أتى لا تكلم نفس إلا بإذنه حتى إذا ~~اتصل بأخص أوصافه وأوضحها وهو الجزاء بالجنة والنار الخالدتين عدل إلى ذكر ~~ما في البرزخ من الجنة والنار الخالدتين إلى ظهور يوم القيامة المنقطعتين به. PageV11P013 # على أن الله سبحانه يذكر عذاب أهل البرزخ بالعرض على النار لا بدخول النار ~~قال تعالى: "وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم ~~تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب": المؤمن: 46. # الوجه السابع: أن المراد بدخول النار الدخول في ms3982 ولاية الشيطان وبالكون في ~~الجنة الكون في ولاية الله فإن ولاية الله هي التي تظهر جنة في الآخرة ~~يتنعم فيها السعداء. # وولاية الشيطان هي التي تتصور بصورة النار فتعذب المجرمين يوم القيامة ~~كما تفيده الآيات الدالة على تجسم الأعمال. # فالأشقياء بسبب شقائهم يدخلون النار وربما خرجوا منها إن أدركتهم العناية ~~والتوفيق كالكافر يؤمن بعد كفره والمجرم يتوب عن إجرامه، والسعداء يدخلون ~~الجنة بسعادتهم وربما خرجوا منها إن أضلهم الشيطان وأخلدوا إلى الأرض ~~واتبعوا أهواءهم كالمؤمن يرتد كافرا والصالح يعود طالحا. # وفيه: ما أوردناه على سابقه من كونه خلاف ما يظهر بمعونة السياق فإن ~~الآيات تعد ما ليوم القيامة من الأوصاف الخالصة الهائلة المدهشة التي تذوب ~~القلوب وتطير العقول باستماعها والتفكر فيها لتنذر به أولوا الاستكبار ~~والجحود من الكفار ويرتدع به أهل المعاصي والذنوب. # فيستبعد أن يذكر فيها أنه يوم مجموع له الناس ويوم مشهود ويوم لا تتكلم ~~فيه نفس إلا بإذنه ثم يذكر أن الكفار وأهل المعاصي في نار منذ كفروا ~~وأجرموا إلى يوم القيامة، وأهل الإيمان والعمل الصالح في جنة منذ آمنوا ~~وعملوا صالحا فإن هذا البيان لا يلائم السياق - أولا - من جهة أن الآيات ~~تذكر أوصاف يوم القيامة الخاصة به لا ما قبله المنتهي إليه، و- ثانيا - من ~~جهة أن الآيات مسوقة للإنذار والتبشير، وهؤلاء الكفار والمجرمون أهل ~~الاستكبار والطغيان لا يعبئون بمثل هذه الحقائق المستورة عن حواسهم، ولا ~~يرون لها قيمة، ولا ينتهون بالخوف من مثل هذه الشقاوة والرجاء لمثل هذه ~~السعادة المعنوية وهو ظاهر، نعم هو معنى صحيح في نفسه في باطن القرآن. # وهاهنا وجوه أخر يمكن أن تستفاد من مختلف أنظارهم في تفسير قوله تعالى: ~~"إلا ما شاء ربك" طوينا ذكرها هاهنا إيثارا للاختصار لأنها تشترك مع الوجوه ~~الآتية التي سنوردها في تفسير الجملة، ما يرد عليها من الإشكال فنكتف بذلك. # وقوله تعالى: "إلا ما شاء ربك" استثناء مما سبقه من حديث الخلود في ~~النار، ونظيرتها الجملة الواقعة بعد ذكر الخلود في الجنة، و"ما" في قوله: ms3983 ~~"ما شاء ربك" مصدرية والتقدير - على هذا - إلا أن يشاء ربك عدم خلودهم ولكن ~~يضعفه قوله بعد: "إن ربك فعال لما يريد" فإن "ما" هاهنا موصولة، والمراد ~~بقوله "ما شاء" وقوله: "ما يريد" واحد. # وإما موصولة والاستثناء من مدة البقاء المحكوم بالدوام الذي يستفاد من ~~السياق، والمعنى هم خالدون في جميع الأزمنة المستقبلة المتتالية إلا ما شاء ~~ربك من الزمان، أو الاستثناء من ضمير الجمع المستتر في خالدين والمعنى هم ~~جميعا خالدون فيها إلا من شاء الله أن يخرج منها ويدخل في الجنة فيكون ~~تصديقا لما في الأخبار أن المذنبين والعصاة من المؤمنين لا يدومون في النار ~~بل يخرجون منها ويدخلون الجنة بالآخرة للشفاعة، فإن خروج البعض من النار ~~كاف في انتفاض العموم وصحة الاستثناء. # ويبقى الكلام في إيقاع ما في قوله ما شاء على من يعقل ولا ضير فيه وإن لم ~~يكن شائعا لوقوعه في كلامه تعالى كقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء: ~~النساء - 3. # والكلام في الآية التالية وأما الذين سعدوا إلخ نظير الكلام في هذه الآية ~~لاشتراكهما في السياق غير أن الاستثناء في آية الجنة يعقبه قوله عطاء غير ~~مجذوذ ولازمه أن لا يكون الاستثناء مشيرا إلى تحقق الوقوع فإنه لا يلائم ~~كون الجنة عطاء غير مقطوع بل مشيرا إلى إمكان الوقوع والمعنى أن أهل الجنة ~~فيها أبدا إلا أن يخرجهم الله منها لكن العطية دائمية وهم غير خارجين والله ~~غير شاء ذلك أبدا. PageV11P014 # فيكون الاستثناء مسوقا لإثبات قدرة الله المطلقة وإن قدرة الله سبحانه لا ~~تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة وسلطنته لا تنفد وملكه لا يزول ولا يبطل ~~وإن الزمان بيده وقدرته وإحاطته باقية على ما كانت عليه قبل فله تعالى أن ~~يخرجهم من الجنة وإن وعد لهم البقاء فيها دائما لكنه تعالى لا يخرجهم لمكان ~~وعده والله لا يخلف الميعاد. # والكلام في الاستثناء الواقع في هذه الآية أعني آية النار نظيره في آية ~~الجنة لوحدة السياق بالمقابلة والمحاذاة وإن اختتمت الآية بقوله إن ربك ~~فعال ms3984 لما يريد وفيه من الإشارة إلى التحقق ما لا يخفى. # فأهل الخلود في النار كأهل الخلود في الجنة لا يخرجون منها أبدا إلا أن ~~يشاء الله سبحانه ذلك لأنه على كل شيء قدير ولا يوجب فعل من الأفعال إعطاء ~~أو منع سلب قدرته على خلافه أو خروج الأمر من يده لأن قدرته مطلقة غير ~~مقيدة بتقدير دون تقدير أو بأمر دون أمر قال تعالى ويفعل الله ما يشاء: ~~إبراهيم - 27 وقال يمحوا الله ما يشاء ويثبت: الرعد - 39 إلى غير ذلك من ~~الآيات. # ولا منافاة بين هذا الوجه وبين ما ورد في الأخبار من خروج بعض المجرمين ~~منها بمشية الله كما لا يخفى. # هذا وجه في الاستثناء وهنا وجوه أخر أنهى الجميع في مجمع البيان، إلى ~~عشرة فليكن ما ذكرناه أولها. # وثانيهما أنه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من ~~النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما ~~يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا ~~فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل وعلى هذا ~~فيكون إلا بمعنى سوى أي سوى ما شاء ربك كما يقال ما كان معنا رجل إلا زيد ~~أي سوى زيد. # وفيه أنه مبني على عدم إفادة قوله ما دامت السماوات والأرض الدوام ~~والأبدية وقد عرفت خلافه. # وثالثها أن الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر لأنهم ليسوا في جنة ولا ~~نار ومدة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت والحياة لأنه تعالى لو قال ~~خالدين فيها أبدا ولم يستثن لظن الظان أنهم يكونون في النار والجنة من لدن ~~نزول الآية أو من بعد انقطاع التكليف فحصل للاستثناء فائدة. # فإن قيل كيف يستثنى من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها فالجواب أن ~~ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل الدخول فيها. # وفيه أنه لا دليل عليه من جهة اللفظ على أن هذا الوجه بظاهره مبني على ~~إفادة ms3985 قوله فمنهم شقي وسعيد الشقاوة والسعادة الجبريتين من غير اكتساب ~~واختيار وقد عرفت ما فيه. # ورابعها أن الاستثناء الأول متصل بقوله لهم فيها زفير وشهيق وتقديره إلا ~~ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ولا يتعلق الاستثناء ~~بالخلود وفي أهل الجنة متصل بما دل عليه الكلام فكأنه قال لهم فيها نعيم ~~إلا ما شاء ربك من أنواع النعيم وإنما دل عليه قوله عطاء غير مجذوذ. # وفيه أنه قطع لاتصال السياق ووحدته من غير دليل وفيه أخذ إلا الأولى ~~بمعنى سوى وإلا الثانية بمعنى الاستثناء على أنه لا قرينة هناك على تعلق ~~إلا الأولى بقوله لهم فيها زفير وشهيق ولا أن قوله عطاء غير مجذوذ يدل على ~~ما ذكره فإنه إنما يدل على دوام العطاء لا على جميع أنواع العطاء أو بعضها. # ثم أية فائدة في استثناء بعض أنواع النعيم وإظهار ذلك للسامعين والمقام ~~مقام التطميع والتبشير والظرف ظرف الدعوة والترغيب فهذا من أسخف الوجوه. # وخامسها أن إلا بمعنى الواو وإلا كان الكلام متناقضا والمعنى خالدين فيها ~~ما دامت السماوات والأرض وما شاء ربك من الزيادة على ذلك. # وفيه أن كون إلا بمعنى الواو لم يثبت وإنما ذكره الفراء لكنهم ضعفوه على ~~أن الوجه مبني على عدم إفادة التقدير والتحديد السابق على الاستثناء في ~~الآيتين الدوام وقد عرفت ما فيه. # وسادسها أن المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل التوحيد وهم الذين ~~ضموا إلى إيمانهم وطاعتهم ارتكاب معاص توجب دخول النار فأخبر سبحانه أنهم ~~معاقبون في النار إلا ما شاء ربك من إخراجهم منها إلى الجنة وإيصال ثواب ~~طاعاتهم إليهم. PageV11P015 # وأما الاستثناء الذي في أهل الجنة فهو استثناء من خلودهم أيضا لأن من ينقل ~~من النار إلى الجنة ويخلد فيها لا بد في الإخبار عنه بتأبيد خلوده من ~~استثناء ما تقدم من حاله فكأنه قال إنهم في الجنة خالدين فيها إلا ما شاء ~~ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار. # قالوا والذين شقوا في هذا القول هم ms3986 الذين سعدوا بأعيانهم وإنما أجري ~~علهيم كل من الوصفين في الحال الذي يليق به ذلك فإذا أدخلوا في النار ~~وعوقبوا فيها فهم أهل شقاء وإذا أدخلوا في الجنة وأثبتوا فيها فهم أهل ~~سعادة ونسبوا هذا القول إلى ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ~~من الصحابة وجماعة من التابعين. # وفيه أنه لا يلائم السياق فإنه تعالى بعد ما ذكر في صفة يوم القيامة أنه ~~يوم مجموع له الناس قسم أهل الجمع إلى قسمين بقوله فمنهم شقي وسعيد ومن ~~المعلوم أن قوله فأما الذين شقوا إلخ وقوله وأما الذين سعدوا مبدوين بأما ~~التفصيلية مسوقان لتفصيل ما أجمل في قوله فمنهم شقي وسعيد ولازم ذلك كون ~~المراد بالذين شقوا جميع أهل النار لا طائفة منهم خاصة والمراد بالذين ~~سعدوا جميع أصحاب الجنة لا خصوص من أخرج من النار وأدخل الجنة. # اللهم إلا أن يقال المراد بقوله فمنهم شقي وسعيد أيضا وصف طائفة خاصة ~~بأعيانهم كما أن المراد بالذين شقوا والذين سعدوا طائفة واحدة بأعيانهم ~~والمعنى أن بعض أهل الجمع شقي وسعيد معا وهم الذين أدخلوا النار واستقروا ~~فيها خالدين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها ~~ويدخلهم الجنة ويسعدهم بها فيخلدوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ~~مقدارا من الزمان كانوا فيه أشقياء ساكنين في النار قبل أن يدخلوا الجنة. # لكن ينتقل ما قدمناه من الإشكال حينئذ إلى ما ادعي من معنى قوله فمنهم ~~شقي وسعيد فالسياق الظاهر في وصف أهل الجمع عامة لا يساعد على إرادة طائفة ~~خاصة منهم بقوله فمنهم شقي وسعيد أولا ثم تفصيل حالهم بتفريقهم وهم جماعة ~~واحدة بعينهم وإيرادهم في صورة موضوعين اثنين لحكمين مع تحديدين بدوام ~~السماوات والأرض ثم استثناءين ليس المراد بهما إلا واحد وأي فائدة في هذا ~~التفصيل دون أن يورث لبسا في المعنى وتعقيدا في النظم ويمكن أن يقرر هذا ~~الوجه على وجه التعميم بأن يقال المراد بقوله فمنهم شقي وسعيد تقسيم عامة ~~أهل الجمع إلى الشقي ms3987 والسعيد والمراد بقوله الذين شقوا جميع أهل النار ~~وبقوله الذين سعدوا جميع أصحاب الجنة ويكون المراد بالاستثناء في الموضعين ~~استثناء حال الفساق من أهل التوحيد الذين يخرجهم الله تعالى من النار ~~ويدخلهم الجنة وحينئذ يسلم من جل ما كان يرد على الوجه السابق من الإشكال. # وسابعها أن التعليق بالمشية إنما هو على سبيل التأكيد للخلود والتبعيد ~~للخروج لأن الله سبحانه لا يشاء إلا خلودهم على ما حكم به فكأنه تعليق لما ~~لا يكون بما لا يكون لأنه لا يشاء أن يخرجهم منها. # وهذا الوجه يشارك الوجه الأول في دعوى أن الاستثناء في الموردين غير مسوق ~~لنقض الخلود غير أن الوجه الأول يختص بدعوى أن الاستثناء لبيان إطلاق ~~القدرة الإلهية وهذا الوجه يختص بدعوى أن الاستثناء لبيان أن الخلود لا ~~ينتقض بسبب من الأسباب إلا أن يشاء الله انتقاضه ولن يشاء أصلا. # وهذا هو وجه الضعف فيه فإن قوله ولن يشاء أصلا لا دليل عليه هب أن قوله ~~في أهل الجنة عطاء غير مجذوذ يشعر أو يدل على ذلك لكن قوله إن ربك فعال لما ~~يريد لا يشعر به ولا يدل عليه لو لم يشعر بخلافه كما هو ظاهر. # وثامنها أن المراد به استثناء الزمان الذي سبق فيه طائفة من أهل النار ~~دخولها قبل طائفة وكذا في الطوائف الذين يدخلون الجنة فإنه تعالى يقول وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا فالزمرة منهم ~~يدخل بعد الزمرة ولا بد أن يقع بينهما تفاوت في الزمان وهو الذي يستثنيه ~~تعالى بقوله إلا ما شاء ربك ونقل الوجه عن سلام بن المستنير البصري. # وفيه أن الظاهر من قوله: "ففي النار خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض" وكذا في قوله: "ففي الجنة خالدين" إلخ أن الوصف ناظر إلى مدة الكون ~~في النار أو الجنة من جهة النهاية لا من جهة البداية. PageV11P016 # على أن المبدأ للاستقرار في النار أو في الجنة على أي حال هو يوم القيامة، ~~ولا يتفاوت الحال في ms3988 ذلك من جهة دخول زمرة بعد زمرة والتفاوت الزماني ~~الحاصل من ذلك. # وتاسعها: أن المعنى كونهم خالدين في النار معذبين فيها مدة كونهم في ~~القبور ما دامت السماوات والأرض في الدنيا، وإذا فنيتا وعدمتا انقطع عذابهم ~~إلى أن يبعثهم الله للحساب، وقوله: "إلا ما شاء ربك" استثناء وقع على ما ~~يكون في الآخرة، نقله في مجمع البيان، عن شيخنا أبي جعفر الطوسي في تفسيره ~~ناقلا عن جمع من أصحابنا في تفاسيرهم. # وفيه: أن مرجعه إلى الوجه الثاني المبني على أخذ "إلا" بمعنى سوى مع ~~اختلاف ما في التقرير، وقد عرفت ما يرد عليه. # وعاشرها: أن المراد إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار ~~فالاستثناء من الضمير العائد إلى الذين شقوا، والتقدير فأما الذين شقوا ~~فكائنون في النار إلا من شاء ربك، والظاهر أن هذا القائل يوجه الاستثناء في ~~ناحية أهل الجنة "وأما الذين سعدوا - إلى قوله - إلا ما شاء ربك" بأن ~~المراد به أهل التوحيد الخارجون من النار إلى الجنة كما تقدم في بعض الوجوه ~~السابقة، والمعنى أن السعداء في الجنة خالدين فيها إلا الفساق من أهل ~~التوحيد فإنهم في النار ثم يخرجون فيدخلون الجنة، ونسب الوجه إلى أبي مجاز. # وفيه: أن ما ذكره إنما يجري في أول الاستثنائين فالثاني من الاستثناءين ~~لا بد أن يوجه بوجه آخر، وهو كائنا ما كان يوجب انتقاض وحدة السياق في ~~الآيتين. # على أن العصاة من المؤمنين الذين يعفو عنهم الله سبحانه فلا يدخلهم النار ~~من رأس لا يعفى عنهم جزافا وإنما يعفى لصالح عمل عملوه أو لشفاعة فيصيرون ~~بذلك سعداء فيدخلون في الآية الثانية: "وأما الذين سعدوا ففي الجنة" إلخ من ~~غير أن يدخلوا في زمرة الأشقياء ثم يستثنوا لعدم دخولهم النار، وبالجملة هم ~~ليسوا بأشقياء حتى يستثنوا بل سعداء داخلون في الجنة من أول. # وقوله: "إن ربك فعال لما يريد" تعليل للاستثناء، وتأكيد لثبوت قدرته ~~تعالى مع العمل على حال إطلاقها كما تقدم. # قوله تعالى: "وأما الذين سعدوا ففي ms3989 الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ" قرىء سعدوا بالبناء للمجهول ~~وبالبناء للمعلوم والثاني أوفق باللغة لأن مادة سعد لازمة في المعروف من ~~استعمالهم لكن الأول وهو سعدوا بالبناء للمجهول مع كون "شقوا" في الآية ~~السابقة بالبناء للمعلوم لا يخلو عن إشارة لطيفة إلى أن السعادة والخير من ~~الله سبحانه والشر الملحق بهم هو من عندهم كما قال تعالى: "ولو لا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21. # والجذ: هو القطع وعطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع، وعده تعالى الجنة عطاء ~~غير مجذوذ مع سبق الاستثناء من الخلود بقوله: "إلا ما شاء ربك" من أحسن ~~الشواهد على أن مراده باستثناء المشية إثبات بقاء إطلاق قدرته وأنه مالك ~~الأمر لا يخرج زمامه من يده قط. # ويجري في هذه الآية جميع ما تقدم من الأبحاث المشابهة في الآية السابقة ~~إلا ما كان من الوجوه مبنيا على كون المستثنى في قوله: "إلا ما شاء ربك" من ~~دخل النار أولا ثم خرج منها إلى الجنة ثانيا، وذلك أن من الجائز أن يخرج من ~~نار الآخرة بعض من دخله لكن لا يخرج من جنة الآخرة وهي جنة الخلد أحد ممن ~~دخلها جزاء أبدا، وهو كالضروري من الكتاب والسنة، وقد تكاثرت الآيات ~~والروايات في ذلك بحيث لا يرتاب في دلالتها على ذلك ذو ريب، وإن كانت دلالة ~~الكتاب على خروج بعض من في النار منها ليس بذاك الوضوح. # قال في مجمع البيان، في وجوب دخول أهل الطاعة الجنة وعدم جواز خروجهم ~~منها: لإجماع الأمة على أن من استحق الثواب فلا بد أن يدخل الجنة، وأنه لا ~~يخرج منها بعد دخوله فيها. # انتهى. PageV11P017 # مسألة "وجوب دخول أهل الثواب الجنة" مبنية على قاعدة عقلية مسلمة وهي أن ~~الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد لأن الذي تعلق به الوعد حق للموعود ~~له، وعدم الوفاء به إضاعة لحق الغير وهو من الظلم وأما الوعيد فهو جعل حق ~~للموعد على ms3990 التخلف الذي يوعد به له، وليس من الواجب لصاحب الحق أن يستوفي ~~حقه بل له أن يستوفي وله أن يترك والله سبحانه وعد عباده المطيعين الجنة ~~بإطاعتهم، وأوعد العاصين النار بعصيانهم فمن الواجب أن يدخل أهل الطاعة ~~الجنة توفية للحق الذي جعله لهم على نفسه، وأما عقاب العاصين فهو حق جعله ~~لنفسه عليهم فله أن يعاقبهم فيستوفي حقه وله أن يتركهم بترك حق نفسه. # وأما مسألة عدم الخروج من الجنة بعد دخولها فهو مما تكاثرت عليه الآيات ~~والروايات، والإجماع الذي ذكره مبني على الذي تسلموه من دلالة الكتاب ~~والسنة أو العقل على ذلك، وليس بحجة مستقلة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن الله سبحانه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: ~~"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى - وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" وفيه،: أخرج ~~الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت: "فمنهم شقي وسعيد" قلت: يا ~~رسول الله فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل ~~على شيء قد فرغ منه، وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له ~~أقول: وهذا اللفظ مروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بطرق متعددة من طرق ~~أهل السنة كما في صحيح البخاري عن عمران بن الحصين قال: قلت يا رسول الله ~~فيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" وفيه، أيضا عن علي كرم الله ~~وجهه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):، أنه كان في جنازة فأخذ عودا ~~فجعل ينكت في الأرض فقال ما منكم أحد إلا كتب مقعده من الجنة أو من النار. ~~قالوا: ألا نتكل؟ ms3991 قال: اعملوا "فكل ميسر لما خلق له" وقرأ: "فأما من أعطى ~~واتقى" إلخ. # ولتوضيح ذلك نقول: إنه لا يخفى على ذي مسكة أن كلا من الحوادث الجارية في ~~هذا العالم من أعيان وآثارها ما لم يلبس لباس التحقق والوجود فهو على حد ~~الإمكان وللإمكان نسبة إلى الوجود والعدم معا، فالخشبة ما لم تصر رمادا ~~بالاحتراق لها إمكان أن تصير رمادا وأن لا تصير، والمني ما لم يصر إنسانا ~~بالفعل فلها إمكان الإنسانية أي أنها تحمل استعداد أن يصير إنسانا إن اجتمع ~~معها بقية أجزاء العلة الموجبة للإنسانية واستعداد أن يبطل فيصير شيئا غير ~~الإنسان. # وإذا تلبس بلباس الوجود وصار مثلا رمادا بالفعل وإنسانا بالفعل بطل عند ~~ذلك عنه الإمكان الذي كان ينسبه إلى الرماد وغيره معا وإلى الإنسان وعدمه ~~معا، وصار إنسانا فحسب يمتنع غيره ورمادا يمتنع مع هذه الفعلية غيره. # وبهذا يتضح أنا إذا أخذنا الفعليات ونسبناها إلى عللها الموجبة لها وهكذا ~~نسبنا عللها إلى علل العلل كان العالم بهذه النظرة سلسلة من الفعليات لا ~~يتغير شيء منها عما هو عليه، وبطل الإمكانات والاستعدادات والاختيارات ~~جميعا، وإذا نظرنا إلى الأمور من جهة الإمكانات والاستعدادات التي تحملها ~~بالنسبة إلى غايات حركاتها لم يخرج شيء من الأشياء المادية من حيز الإمكان ~~ومستقر الاختيار. # فللكون وجهان: وجه ضرورة وفعلية يتعين فيه كل جزء من أجزائه من عين أو ~~أثر عين، ولا يقبل أي إبهام وتردد، وأي تغيير وتبديل وهو الوجه الذي تقوم ~~فيه المسببات بأسبابها الموجبة والمعلولات بعللها التامة التي لا تنفك عن ~~مقتضياتها ولا تتخلف معلولاتها عنها ولا تنفع في تغييرها عما هي عليه حيلة، ~~ولا في تبديلها سعي ولا حركة. PageV11P018 # ووجه آخر هو وجه الإمكان وصورة الاستعداد والقابلية لا يتعين بحسبه شيء إلا ~~بعد الوقوع، ولا يخرج عن الإبهام والإجمال إلا بعد التحقق، وعليه يقوم ~~ناموس الاختيار، وبه يتقوم السعي والحركات، ويبتني العمل والاكتساب، وإليه ~~تركن التعاليم والتربية والخوف والرجاء والأماني والأهواء، وبه تنجح الدعوة ~~والأمر والنهي ويصح الثواب والعقاب. ms3992 # ومن الضروري أن الوجهين لا يتدافعان في الوجود ولا يبطل أحدهما الآخر ~~فللفعلية ظرفها وللإمكان والاستعداد ظرفه كما لا يدفع إبهام الحادثة ~~الفلانية تعينها بعد التحقق، ولا تعينها بعده إبهامها قبله. # والوجه الأول هو وجه القضاء الإلهي، ولا يبطل تعيين الحوادث بحسبه عدم ~~تعينها بحسب ظرف الدعوة والعمل والاكتساب، وسنستوفي البحث في ذلك عند ما ~~نضع الكلام في القضاء والقدر فيما يناسبه من الموضع إن شاء الله تعالى. # ولنرجع إلى الأحاديث: التأمل في سياقها يعطي أنهم فهموا من كتابه السعادة ~~والشقاوة والجنة والنار وجريان القلم بذلك، الضرورة والوجوب، وتوهموا من ~~ذلك أولا لزوم بطلان المقدمات الموصلة إلى الغايات، وارتفاع الروابط بين ~~المسببات وأسبابها، وأنه إذا قضي للإنسان بالجنة تحتم له ذلك سواء عمل أو ~~لم يعمل وسواء عمل صالحا أو اقترف سيئا. # وتوهموا ثانيا أن تلك المقدمات والأسباب نظائر للغايات والمسببات واقعة ~~تحت القضاء مكتوبة محتومة فلا يبقى للاختيار معنى ولا للسعي والاكتساب مجال. # والذي وقع في الأحاديث من سؤالهم كقولهم: "يا رسول الله فعلام نعمل، على ~~شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟" وقولهم: "يا رسول الله فيم يعمل ~~العاملون؟" وقولهم: "ألا نتكل؟" أي ألا نترك العمل اتكالا على ما كتبه الله ~~كتابه لا تتغير ولا تتبدل؟ كل ذلك يشير إلى التوهم الأول، وكأن الذي كانوا ~~يشاهدونه في أنفسهم من صفة الاختيار والاستطاعة صرفهم عن الإشارة إلى ثاني ~~التوهمين وإن كان ناشبا على قلوبهم فإنهما متلازمان. # وقد أجاب (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سؤالهم بقوله: "كل ميسر لما خلق ~~له" وهو مأخوذ من قوله تعالى في صفة خلق الإنسان: "ثم السبيل يسره": عبس: ~~20 أي أن كلا من أهل الجنة الذي خلقه الله لها، ومن أهل النار الذي خلقه ~~الله لها كما قال: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس": الأعراف: 179. # له غاية في خلقه وقد يسره الله السبيل إلى تلك الغاية وسهل له السلوك منه إليها. # فبين الإنسان الذي كتبت له الجنة وبين الجنة ms3993 سبيل لا مناص من قطعه للوصول ~~إليها، وبينه وبين النار التي كتبت له كذلك، وسبيل الجنة هو الإيمان ~~والتقوى، وسبيل النار هو الشرك والمعصية، فالإنسان الذي كتب الله له الجنة ~~إنما كتب له الجنة التي سبيلها الإيمان والتقوى فلا بد من سلوكه، ولم يكتب ~~له الجنة سواء عمل أو لم يعمل وسواء عمل صالحا أو سيئا، وكذلك الذي كتب له ~~النار إنما كتب له النار من طريق الشرك والمعصية لا مطلقا. # ولذلك أعقب (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: "كل ميسر لما خلق له" - على ~~ما في رواية علي (عليه السلام) - بتلاوة قوله تعالى: "فأما من أعطى واتقى ~~وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره ~~للعسرى": الليل: 10. # فالمتوقع لإحدى الغايتين من غير طريقه كالطامع في الشبع من غير أكل أو ~~الري من غير شرب أو الانتقال من مكان إلى آخر من غير حركة فإنما الدار دار ~~سعي وحركة لا تنال فيها غاية إلا بسلوك ونقله، قال تعالى وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى": النجم، 41. # ولم يهمل (صلى الله عليه وآله وسلم) الجواب عن ثاني التوهمين حيث عبر ~~بالتيسير فإن التيسير هو التسهيل، ومن المعلوم أن التسهيل إنما يتحقق في ~~أمر لا ضرورة تحتمه ولا وجوب يعينه ويسد باب عدمه، ولو كان سبيل الجنة ~~ضروري السلوك حتمي القطع على الإطلاق للإنسان الذي كتبت له، كان ثابتا لا ~~يتغير، ولم يكن معنى لتيسيره وتسهيل سلوكه له وهو ظاهر. PageV11P019 # فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، "كل ميسر لما خلق له" يدل على أن لما ~~يئول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاء وجهين وجه ضرورة وقضاء حتم لا ~~يتغير عن سبيل مثله، ووجه إمكان واختيار ميسر للإنسان يسلك إليه بالعمل ~~والاكتساب، والدعوة الإلهية إنما تتوجه إليه من الوجه الثاني دون الوجه الأول. # وقد تقدم كلام في الجبر والاختيار في تفسير قوله، "وما يضل به إلا ~~الفاسقين": البقرة، 26 في الجزء الأول من ms3994 الكتاب. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن قتادة:، أنه ~~تلا هذه الآية، "فأما الذين شقوا" فقال، حدثنا أنس أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: "يخرج قوم من النار" ولا نقول كما قال أهل حروراء. # أقول: وقوله: "ولا نقول كما قال أهل حروراء" هو من كلام قتادة، وأهل ~~حروراء قوم من الخوارج، وهم يقولون بخلود من دخل النار فيها. # وفيه: أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) "فأما الذين شقوا إلى قوله إلا ما شاء ربك" قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار ~~فيدخلهم الجنة فعل وفي تفسير البرهان، عن الحسين بن سعيد الأهوازي في كتاب ~~الزهد بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~الجهنميين فقال: كان أبو جعفر يقول: يخرجون منها فينتهي بهم إلى عين عند ~~باب الجنة تسمى عين الحيوان فينضح عليهم من مائها فينبتون كما ينبت الزرع ~~تنبت لحومهم وجلودهم وشعورهم: أقول: ورواه أيضا بإسناده عن عمر بن أبان عنه ~~(عليه السلام): والمراد بالجهنميين طائفة خاصة من أهل النار وهم أهل ~~التوحيد الخارجون منها بالشفاعة، ويسمون الجهنميين، لا عامة أهل النار كما ~~يدل عليه ما سيأتي. # وفيه،: عنه بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ~~إن أناسا يخرجون من النار. حتى إذا صاروا حمما أدركتهم الشفاعة. قال: ~~فينطلق بهم إلى نهر يخرج من مرشح أهل الجنة فيغتسلون فيه فتنبت لحومهم ~~ودماؤهم، ويذهب عنهم قشف النار، ويدخلون الجنة يقولون أهل الجنة الجهنميين ~~فينادون بأجمعهم: اللهم أذهب عنا هذا الاسم قال: فيذهب عنهم. ثم قال يا أبا ~~بصير إن أعداء علي هم المخلدون في النار ولا تدركهم الشفاعة. # وفيه،: عنه بإسناده عن عمر بن أبان قال: سمعت عبدا صالحا يقول في ~~الجهنميين: إنهم يدخلون النار بذنوبهم، ويخرجون بعفو الله. # وفيه،: عنه بإسناده عن ms3995 حمران قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنهم ~~يقولون: لا تعجبون من قوم يزعمون أن الله يخرج قوما من النار ليجعلهم من ~~أهل الجنة مع أولياء الله؟ فقال: أما يقرءون قول الله تبارك وتعالى: "ومن ~~دونهما جنتان" أنها جنة دون جنة ونار دون نار. إنهم لا يساكنون أولياء الله ~~فقال: بينهما والله منزلة، ولكن لا أستطيع أن أتكلم، إن أمرهم لأضيق من ~~الحلقة، إن القائم إذا قام بدأ بهؤلاء. # أقول: قوله: "إن القائم" إلخ، أي إذا ظهر بدأ بهؤلاء المستهزءين بأهل ~~الحق انتقاما. # وفي تفسير العياشي، عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ~~قوله: "خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك" قال: هذه في ~~الذين يخرجون من النار. # وفيه،: عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "فمنهم شقي ~~وسعيد" قال: في ذكر أهل النار استثنى، وليس في ذكر أهل الجنة استثنى "وأما ~~الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ~~ربك عطاء غير مجذوذ". # أقول: يشير (عليه السلام) إلى أن الاستثناء بالمشية في أهل الجنة لما ~~عقبه الله بقوله. # "عطاء غير مجذوذ" لم يكن استثناء دالا على إخراج بعض أهل الجنة منها، ~~وإنما يدل على إطلاق القدرة بخلاف الاستثناء في أهل النار فإنه معقب بقوله: ~~"إن ربك فعال لما يريد" المشعر بوقوع الفعل، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. PageV11P020 # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن السدي: في قوله: "فأما الذين شقوا" ~~الآية قال: فجاء بعد ذلك من مشية الله فنسخها فأنزل الله بالمدينة: "إن ~~الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا" إلى آخر ~~الآية فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها وأوجب لهم خلود الأبد، وقوله: ~~"وأما الذين سعدوا" الآية قال: فجاء بعد ذلك من مشية الله ما نسخها فأنزل ~~بالمدينة: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات إلى قوله ظلا ظليلا" ~~فأوجب لهم خلود الأبد. # أقول: ما ذكره من نسخ الآيتين ms3996 زعما منه أنهما تدلان على الانقطاع قد عرفت خلافه. # على أن النسخ في مثل الموردين لا ينطبق على عقل ولا نقل. # على أن ذلك لا يوافق الصريح من آية الجنة. # على أن خلود الفريقين مذكور في كثير من السور المكية كالأنعام والأعراف ~~وغيرهما. # وفيه، أخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر قال: لو لبث أهل النار في النار ~~كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. # وفيه، أخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا ~~يبقى فيها أحد، وقرأ: "فأما الذين شقوا". # وفيه، أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى ~~لأهل النار من هذه الآية: "خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ~~ربك" قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها. # أقول: ما ورد في الروايات الثلاث من أقوال الصحابة ولا حجة فيها على ~~غيرهم، ولو فرضت روايات موقوفة لكانت مطروحة بمخالفة الكتاب وقد قال تعالى ~~في الكفار: "وما هم بخارجين من النار": البقرة: 167. # وفي تفسير البرهان، عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد بإسناده عن حمران ~~قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه بلغنا أنه يأتي على جهنم حتى. ~~يصفق أبوابها. فقال: لا والله إنه الخلود. قلت: "خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك" فقال: هذه في الذين يخرجون من النار. # أقول: والروايات الدالة على خلود الكفار في النار من طرق أئمة أهل البيت ~~كثيرة جدا، وقد قدمنا بحثا فلسفيا في خلود العذاب وانقطاعه في ذيل قوله: ~~"وما هم بخارجين من النار": البقرة: 167 في الجزء الأول من الكتاب. PageV11P021 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 109 - 119 # فلا تك فى مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه ~~ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفى شك منه مريب (110) وإن كلا ~~لما ليوفينهم ربك ms3997 أعملهم إنه بما يعملون خبير (111) فاستقم كما أمرت ومن ~~تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (113) وأقم ~~الصلوة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنت يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) فلو لا كان من ~~القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا قليلا ممن أنجينا ~~منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116) وما كان ربك ~~ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة وحدة ولا ~~يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) ### |||| AUTO بيان # لما فصل تعالى فيما قصة لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قصص الأمم ~~الغابرة وما أداهم إليه شركهم وفسقهم وجحودهم لآيات الله واستكبارهم عن ~~قبول الحق الذي كان يدعوهم إليه أنبياؤهم وساقهم إلى الهلاك وعذاب ~~الاستئصال ثم إلى عذاب النار الخالد في يوم مجموع له الناس، ثم لخص القول ~~في أمرهم في الآيات السابقة. # أمر في هذه الآيات نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعتبر هو ومن معه ~~بذلك، ويستيقنوا أن الشرك بالله والفساد في الأرض لا يهدي الإنسان إلا إلى ~~الهلاك والبوار فعليهم أن يلزموا طريق العبودية ويمسكوا بالصبر والصلاة ولا ~~يركنوا إلى الذين ظلموا فتمسهم النار وما لهم من دون الله من أولياء ثم لا ~~ينصرون، ويعلموا أن كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى وإن ~~مهلتهم فيما يمهلهم الله ليس إلا لتحقيق كلمة الحق التي سبقت منه وستتم بما ~~يجازيهم به يوم القيامة. # قوله تعالى: "فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد ~~آباؤهم" إلخ تفريع لما تقدم من تفصيل قصص الأمم الماضية التي ظلموا أنفسهم ~~باتخاذ الشركاء والفساد في الأرض فأخذهم الله بالعذاب، والمشار إليهم ~~بقوله: "هؤلاء" هم قوم النبي (صلى الله عليه ms3998 وآله وسلم)، وقوله: "ما يعبدون ~~إلا كما يعبد آباؤهم" أي إنهم يعبدونها تقليدا كآبائهم فالآخرون يسلكون ~~الطريق الذي سلكه الأولون من غير حجة، والمراد بنصيبهم ما هو حظهم قبال ~~شركهم وفسقهم. # وقوله: "غير منقوص" حال من النصيب وفيه تأكيد لقوله: "لموفوهم" فإن ~~التوفية تأدية حق الغير بالتمام والكمال، وفيه إيئاس الكافرين من العفو ~~الإلهي. # ومعنى الآية: فإذا سمعت قصص الأولين وأنهم كانوا يعبدون آلهة من دون الله ~~ويكذبون بآياته، وعلمت سنة الله تعالى فيهم وأنها الهلاك في الدنيا والمصير ~~إلى النار الخالدة في الآخرة لا تكن في شك ومرية من عبادة هؤلاء الذين هم ~~قومك ما يعبدون إلا كعبادة آبائهم على التقليد من غير حجة ولا بينة، وإنا ~~سنعطيهم ما هو نصيبهم من جزاء أعمالهم من غير أن ننقص من ذلك شيئا بشفاعة ~~أو عفو كيفما كان. # ويمكن أن يكون المراد بآبائهم، الأمم الماضية الهالكة دون آباء العرب بعد ~~إسماعيل مثلا وذلك أن الله سماهم آباء لهم أولين كما في قوله: "أفلم يدبروا ~~القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين": المؤمنون: 68 وهذا أنسب وأحسن ~~والمعنى - على هذا - فلا تكن في شك من عبادة قومك ما يعبد هؤلاء إلا كمثل ~~عبادة أولئك الأمم الهالكة الذين هم آباؤهم، ولا شك أنا سنعطيهم حظهم من ~~الجزاء كما فعلنا ذلك بآبائهم. PageV11P022 # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب" لما كانت هذه الآيات مسوقة للاعتبار ~~بالقصص المذكورة في السورة، وكانت القصص نفسها سردت ليتعظ بها القوم ويقضوا ~~بالحق في اتخاذهم شركاء لله سبحانه، وتكذيبهم بآيات الله ورمي القرآن بأنه ~~افتراء على الله تعالى. # تعرض في هذه الآيات - المسوقة للاعتبار - لأمر اتخاذهم الآلهة وتكذيب ~~القرآن فذكر تعالى أن عبادة القوم للشركاء كعبادة أسلافهم من الأمم الماضية ~~لها وسينالهم العذاب كما نال أسلافهم وإن اختلافهم في كتاب الله كاختلاف ~~أمة موسى (عليه السلام) فيما آتاه الله من الكتاب وأن الله سيقضي ms3999 بينهم ~~فيما اختلفوا فيه، فقوله: "ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه" إشارة إلى ~~اختلاف اليهود في التوراة بعد موسى. # وقوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم" كرر سبحانه في كتابه ذكر أن ~~اختلاف الناس في أمر الدنيا أمر فطروا عليها لكن اختلافهم في أمر الدين لا ~~منشأ له إلا البغي بعد ما جاءهم العلم، قال تعالى: "وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا": يونس: 19 وقال: "وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم": آل عمران: 19، وقال: "كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم": البقرة: 213. # وقد قضى الله سبحانه أن يوفي الناس أجر ما عملوه وجزاء ما اكتسبوه، وكان ~~مقتضاه أن يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه حينما اختلفوا لكنه تعالى قضى قضاء ~~آخر أن يمتعهم في الأرض إلى يوم القيامة ليعمروا به الدنيا، ويكتسبوا في ~~دنياهم لأخراهم كما قال: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36، ~~ومقتضى هذين القضاءين أن يؤخر القضاء بين المختلفين في دين الله وكتابه ~~بغيا، إلى يوم القيامة. # فإن قلت: فما بال الأمم الماضية أهلكهم الله لظلمهم فهلا أخرهم إلى يوم ~~القيامة لكلمة سبقت منه. # قلت: ليس منشأ إهلاكهم كفرهم ولا معاصيهم وبالجملة مجرد اختلافهم في أمر ~~الدين حتى يعارضه القضاء الآخر ويؤخره إلى يوم القيامة، بل قضاء آخر ثالث ~~يشير إليه قوله سبحانه: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ~~وهم لا يظلمون": يونس: 47. # وبالجملة قوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم" يشير إلى أن اختلاف ~~الناس في الكتاب ملتقى قضاءين من الله سبحانه يقتضي أحدهما الحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه، ويقتضي الآخر أن يمتعهم الله إلى يوم القيامة فلا ~~يجازيهم بأعمالهم، ومقتضى ذلك كله أن يتأخر عذابهم إلى يوم القيامة. # وقوله: "وإنهم لفي شك منه مريب" ms4000 الإرابة إلقاء الشك في القلب، فتوصيف ~~الشك بالمريب من قبيل قوله: "ظلا ظليلا" و"حجابا مستورا" و"حجرا محجورا" ~~وغير ذلك، ويفيد تأكدا لمعنى الشك. # والظاهر أن مرجع الضمير في قوله: "وإنهم" أمة موسى وهم اليهود، وحق لهم ~~أن يشكوا فيه فإن سند التوراة الحاضرة ينتهي إلى ما كتبه لهم رجل من كهنتهم ~~يسمى عزراء عند ما أرادوا أن يرجعوا من بابل بعد انقضاء السبي إلى الأرض ~~المقدسة، وقد أحرقت التوراة قبل ذلك بسنين عند إحراق الهيكل فانتهاء سندها ~~إلى واحد يوجب الريب فيها طبعا ونظيرها الإنجيل من جهة سنده. # على أن التوراة الحاضرة يوجد فيها أشياء لا ترضى الفطرة الإنسانية أن ~~تنسبها إلى كتاب سماوي ومقتضاه الشك فيها. # وأما إرجاع الضمير في قوله: "وإنهم" إلى مشركي العرب، وفي قوله: "منه" ~~إلى القرآن كما فعله بعض المفسرين فبعيد من الصواب لأن الله سبحانه قد أتم ~~الحجة عليهم في صدر السورة أنه كتابه المنزل من عنده على نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وتحدى بمثل قوله: "قل فأتوا بعشر سور من مثله مفتريات" ولا ~~معنى مع ذلك لإسناد شك إليهم. PageV11P023 # قوله تعالى: "وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير" لفظة ~~إن هي المشبهة بالفعل واسمها قوله: "كلا" منونا مقطوعا عن الإضافة والتقدير ~~كلهم أي المختلفين، وخبرها قوله: "ليوفينهم" واللام والنون لتأكيد الخبر، ~~وقوله: "لما" مؤلف من لام تدل على القسم وما مشددة تفصل بين اللامين، وتفيد ~~مع ذلك تأكيدا، وجواب القسم محذوف يدل عليه خبر إن. # والمعنى - والله أعلم - وإن كل هؤلاء المختلفين أقسم ليوفينهم ويعطينهم ~~ربك أعمالهم أي جزاءها أنه بما يعملون من أعمال الخير والشر خبير. # ونقل في روح المعاني، عن أبي حيان عن ابن الحاجب أن "لما" في الآية هي ~~لما الجازمة وحذف مدخولها شائع في الاستعمال يقال: خرجت ولما، وسافرت ولما. # ثم قال: والأولى على هذا أن يقدر: لما يوفوها أي وإن كلا منها لما يوفوا ~~أعمالهم ليوفينهم ربك إياها. # وهذا وجه وجيه. # ولأهل التفسير في ms4001 مفردات الآية ونظمها أبحاث أدبية طويلة لا يهمنا منها ~~أزيد مما أوردناه، ومن شاء الوقوف عليها فليراجع مطولات التفاسير. # قوله تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون ~~بصير" يقال: قام كذا وثبت وركز بمعنى واحد كما ذكره الراغب وغيره، والظاهر ~~أن الأصل المأخوذ به في ذلك قيام الإنسان وذلك أن الإنسان في سائر حالاته ~~وأوضاعه غير القيام كالقعود والانبطاح والجثو والاستلقاء والانكباب لا يقوى ~~على جميع ما يرومه من الأعمال كالقبض والبسط والأخذ والرد وسائر ما الإنسان ~~مهيمن عليه بالطبع لكنه إذا قام على ساقه قياما كان على أعدل حالاته الذي ~~يسلطه على عامة أعماله من ثبات وحركة وأخذ ورد وإعطاء ومنع وجلب ودفع، وثبت ~~مهيمنا على ما عنده من القوى وأفعالها، فقيام الإنسان يمثل شخصيته ~~الإنسانية بما له من الشئون. # ثم استعير في كل شيء لأعدل حالاته الذي يسلط معه على آثاره وأعماله فقيام ~~العمود أن يثبت على طوله وقيام الشجر أن يركز على ساقه متعرقا بأصله في ~~الأرض، وقيام الإناء المحتوي على مائع أن يقف على قاعدته فلا يهراق ما فيه ~~وقيام العدل أن ينبسط على الأرض، وقيام السنة والقانون أن تجري في البلاد. # والإقامة جعل الشيء قائما أي جعله بحال يترتب عليه جميع آثاره بحيث لا ~~يفقد شيئا منها كإقامة العدل وإقامة السنة وإقامة الصلاة وإقامة الشهادة، ~~وإقامة الحدود، وإقامة الدين ونحو ذلك. # والاستقامة طلب القيام من الشيء واستدعاء ظهور عامة آثاره ومنافعه ~~فاستقامة الطريق اتصافه بما يقصد من الطريق كالاستواء والوضوح وعدم إضلاله ~~من ركبه، واستقامة الإنسان في أمر أن يطلب من نفسه القيام به وإصلاحه بحيث ~~لا يتطرق إليه فساد ولا نقص، ويأتي تاما كاملا، قال تعالى: "قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه": حم السجدة: 6 أي ~~قوموا بحق توحيده في ألوهيته، وقال: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا": حم السجدة: 30 أي ثبتوا على ما قالوا في جميع شئون حياتهم لا ms4002 ~~يركنون في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم إلا إلى ما يوافق التوحيد ويلائمه أي ~~يراعونه ويحفظونه في عامة ما يواجههم في باطنهم وظاهرهم. # وقال: "فأقم وجهك للدين حنيفا": الروم: 30 فإن المراد بإقامة الوجه إقامة ~~النفس من حيث تستقبل العمل وتواجهه، وإقامة الإنسان نفسه في أمر هي ~~استقامته فيه فافهم. # فقوله: "فاستقم كما أمرت" أي كن ثابتا على الدين موفيا حقه طبق ما أمرت ~~بالاستقامة، وقد أمر به في قوله: "وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من ~~المشركين": يونس: 105، وقوله: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون": الروم: 30. # قال في روح المعاني،: أمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستقامة ~~مثل الاستقامة التي أمر بها وهذا يقتضي أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بوحي آخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد، والظاهر أن هذا أمر بالدوام على ~~الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط، ~~وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق. # انتهى. PageV11P024 # أما احتماله أن يكون هناك وحي آخر غير متلو يشير إليه قوله تعالى: "كما ~~أمرت" أي استقم كما أمرت سابقا بالاستقامة فبعيد عن سنة القرآن وحاشا أن ~~يعتمد بالبيان القرآني على أمر مجهول أو أصل مستور غير مذكور، وقد عرفت أن ~~الإشارة بذلك على ما أمره الله به من إقامة وجهه للدين حنيفا، وإقامة الوجه ~~للدين هو الاستقامة في الدين، وقد ورد قوله: "أقم وجهك للدين" - كما عرفت - ~~في سورتين كلتاهما مكيتان، وسورة يونس التي هي إحداهما نازلة قبل هذه ~~السورة قطعا وإن لم يسلم ذلك في السورة الأخرى التي هي سورة الروم. # وأما قوله: "إن المراد بقوله: "استقم" الدوام على الاستقامة وهي لزوم ~~المنهج المستقيم المتوسط بين الإفراط والتفريط فقد عرفت أن معنى استقامة ~~الإنسان في أمر ثبوته على حفظه وتوفية حقه بتمامه وكماله، واستقامة الإنسان ~~مطلقا ركوزه وثبوته لما يرد عليه من الوظائف بتمام قواه ms4003 وأركانه بحيث لا ~~يترك شيئا من قدرته واستطاعته لغى لا أثر له. # ولو كان المراد بالأمر بالاستقامة هو الأمر بلزوم الاعتدال بين الإفراط ~~والتفريط لكان الأنسب أن يردف هذا الأمر بالنهي عن الإفراط والتفريط معا مع ~~أنه تعالى عقبه بقوله: "ولا تطغوا" فنهى عن الإفراط فقط، وهو بمنزلة عطف ~~التفسير لقوله: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك" وهذا أحسن شاهد على أن ~~المراد بقوله: "فاستقم" إلخ الأمر بإظهار الثبات على العبودية ولزوم القيام ~~بحقها، ثم نهى عن تعدي هذا الطور والاستكبار عن الخضوع لله والخروج بذلك عن ~~زي العبودية فقيل: "ولا تطغوا" كما فعل ذلك الأمم الماضية، ولم يكونوا ~~مبتلين إلا بالإفراط دون التفريط والاستكبار دون التذلل. # وقوله: "ومن تاب معك" عطف على الضمير المستكن في "استقم" أي استقم أنت ~~ومن تاب معك أي استقيموا جميعا وإنما أخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من بينهم وأفرده بالذكر معهم تشريفا لمقام النبوة، وعلى ذلك تجري سنته ~~تعالى في كلامه كقوله تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون": ~~البقرة: 285 وقوله: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه": التحريم: 8. # على أن الأمر الذي تقيد به قوله: "فاستقم" أعني قوله: "كما أمرت" يختص ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يشاركه فيه غيره فإن ما ذكر من مثل ~~قوله: "فأقم وجهك للدين" "إلخ" خاص به فلو قيل: فاستقيموا لم يصح تقييده ~~بالأمر السابق. # والمراد بمن تاب مع النبي المؤمنون الذين رجعوا إلى الله بالإيمان وإطلاق ~~التوبة على أصل الإيمان - وهو رجوع من الشرك - كثير الورود في القرآن كقوله ~~تعالى: "ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك": المؤمن: 7 إلى غير ذلك. # وقوله: "ولا تطغوا" أي لا تتجاوزوا حدكم الذي خطته لكم الفطرة والخلقة ~~وهو العبودية لله وحده كما تجاوزه الذين قبلكم فأفضاهم إلى الشرك وساقهم ~~إلى الهلكة، والظاهر أن الطغيان بهذا المعنى مأخوذ من طغى الماء إذا جاوز ~~حده، ثم استعير لهذا ms4004 الأمر المعنوي الذي هو طغيان الإنسان في حياته لتشابه ~~الأثر وهو الفساد. # وقوله: "إنه بما تعملون بصير" تعليل لمضمون ما تقدمه، ومعنى الآية اثبت ~~على دين التوحيد والزم طريق العبودية من غير تزلزل وتذبذب، وليثبت الذين ~~آمنوا معك، ولا تتعدوا الحد الذي حد لكم لأن الله بصير بما تعملون فيؤاخذكم ~~لو خالفتم أمره. # وفي الآية الكريمة من لحن التشديد ما لا يخفى فلا يحس فيها بشيء من آثار ~~الرحمة وأمارات الملاطفة وقد تقدمها من الآيات ما يتضمن من حديث مؤاخذة ~~الأمم الماضية والقرون الخالية بأعمالهم واستغناء الله سبحانه عنهم ما تصعق ~~له النفوس وتطير القلوب. # غير ما في قوله: "فاستقم كما أمرت" من أفراد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالذكر وإخراجه من بين المؤمنين تشريفا لمقامه لكن ذلك يفيد بلوغ ~~التشديد في حقه فإن تخصيصه قبلا بالذكر يوجب توجه هول الخطاب وروع التكليم ~~من مقام العزة والكبرياء إليه وحده عدل ما يتوجه إلى جميع الأمة إلى يوم ~~القيامة كما وقع نظير التشديد في قوله تعالى: "ولو لا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف المماة": إسراء: 75. PageV11P025 # ولذلك ذكر أكثر المفسرين أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "شيبتني سورة ~~هود" ناظر إلى هذه الآية، وسيوافيك الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن ~~شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون" قال في الصحاح،: ركن إليه كنصر، ركونا: مال ~~وسكن، والركن بالضم الجانب الأقوى. # والأمر العظيم والعز والمنعة انتهى وعن لسان العرب، مثله، وعن المصباح، ~~أن الركون هو الاعتماد على الشيء. # وقال الراغب:، ركن الشيء جانبه الذي يسكن إليه، ويستعار للقوة، قال ~~تعالى: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد" وركنت إلى فلان أركن بالفتح ~~والصحيح أن يقال: ركن يركن - كنصر - وركن يركن كعلم - قال تعالى: "ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا" وناقة مركنة الضرع له أركان تعظمه ms4005 والمركن ~~الإجابة، وأركان العبادات جوانبها التي عليها مبناها، وبتركها بطلانها. # انتهى وهذا قريب مما ذكره في المصباح،. # والحق أنه الاعتماد على الشيء عن ميل إليه لا مجرد الاعتماد فحسب ولذلك ~~عدي بإلى لا بعلى وما ذكره أهل اللغة تفسير له بالأعم من معناه على ما هو دأبهم. # فالركون إلى الذين ظلموا هو نوع اعتماد عليهم عن ميل إليهم إما في نفس ~~الدين كأن يذكر بعض حقائقه بحيث ينتفعون به أو يغمض عن بعض حقائقه التي ~~يضرهم إفشاؤها وإما في حياة دينية كان يسمح لهم بنوع من المداخلة في إدارة ~~أمور المجتمع الديني بولاية الأمور العامة أو المودة التي تقضي إلى ~~المخالطة والتأثير في شئون المجتمع أو الفرد الحيوية. # وبالجملة الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا بنوع ~~من الاعتماد والاتكاء يخرج الدين أو الحياة الدينية عن الاستقلال في ~~التأثير ويغيرهما عن الوجهة الخالصة، ولازم ذلك السلوك إلى الحق من طريق ~~الباطل أو إحياء حق بإحياء باطل وبالآخرة إماتة الحق لإحيائه. # والدليل على هذا الذي ذكرنا أنه تعالى جمع في خطابه في هذه الآية الذي هو ~~من تتمة الخطاب في الآية السابقة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين ~~المؤمنين من أمته، والشئون التي له ولأمته هي المعارف الدينية والأخلاق ~~والسنن الإسلامية في تبليغها وحفظها وإجرائها والحياة الاجتماعية بما ~~يطابقها، وولاية أمور المجتمع الإسلامي، وانتحال الفرد بالدين واستنانه ~~بسنة الحياة الدينية فليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا لأمته أن ~~يركنوا في شيء من ذلك إلى الذين ظلموا. # على أن من المعلوم أن هاتين الآيتين كالنتيجة المأخوذة من قصص القرى ~~الظالمة التي أخذهم الله بظلمهم وهما متفرعتان عليها ناظرتان إليها، ولم ~~يكن ظلم هؤلاء الأمم الهالكة في شركهم بالله تعالى وعبادة الأصنام فحسب بل ~~كان مما ذمه الله من فعالهم اتباع الظالمين والفساد في الأرض بعد إصلاحها ~~وهو الاستنان بالسنن الظالمة التي يقيمها الولاة الجائرون، ويستن بها الناس ~~وهم بذلك ظالمون. # ومن المعلوم أيضا من السياق ms4006 أن الآيتين مترتبتان في غرضهما فالأولى تنهى ~~عن أن يكونوا من أولئك الذين ظلموا، والثانية تنهى أن يقتربوا منهم ويميلوا ~~إليهم ويعتمدوا في حقهم على باطلهم فقوله: "لا تركنوا إلى الذين ظلموا" نهي ~~عن الميل إليهم والاعتماد عليهم والبناء على باطلهم في أمر أصل الدين ~~والحياة الدينية جميعا. # ووقوع الآيتين موقع النتيجة المتفرعة على ما تقدم من القصص المذكورة يفيد ~~أن المراد بالذين ظلموا في الآية ليس من تحقق منه الظلم تحققا ما وإلا لعم ~~جميع الناس إلا أهل العصمة ولم يبق للنهي حينئذ معنى، وليس المراد بالذين ~~ظلموا الظالمين أي المتلبسين بهذا الوصف المستمرين في ظلمهم فإن لإفادة ~~الفعل الدال على مجرد التحقق معنى الصفة الدالة على التلبس والاستمرار ~~أسبابا لا يوجد في المقام منها شيء ولا دلالة لشيء على شيء جزافا. PageV11P026 # بل المراد بالذين ظلموا أناس حالهم في الظلم حال أولئك الذين قصهم الله في ~~الآيات السابقة من الأمم الهالكة، وكان الشأن في قصتهم أنه تعالى أخذ الناس ~~جملة واحدة في قبال الدعوة الإلهية المتوجهة إليهم ثم قسمهم إلى من قبلها ~~منهم وإلى من ردها ثم عبر عمن قبلها بالذين آمنوا في بضعة مواضع من القصص ~~المذكورة وعمن ردها بالذين ظلموا وما يقرب منه في أكثر من عشر مواضع كقوله: ~~"ولا تخاطبني في الذين ظلموا" وقوله: "وأخذت الذين ظلموا الصيحة" وقوله: ~~"وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد" وقوله: ~~"ألا إن ثمود كفروا ربهم" وقوله: "ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود" إلى غير ذلك. # فقد عبر سبحانه عن ردهم وقبولهم قبال الدعوة الإلهية وبالقياس إليها ~~بالفعل الماضي الدال على مجرد التحقق والوقوع، وأما في الخارج من مقام ~~القياس والنسبة فإن التعبير بالصفة كقوله: "وقيل بعدا للقوم الظالمين" ~~وقوله: "وما هي من الظالمين" وقوله: "ولا تتولوا مجرمين" إلى غير ذلك وهو كثير. # ومقتضى مقام القياس والنسبة إلى الدعوة قبولا وردا أن يكتفي بمجرد الوقوع ~~والتحقق، ويبين أنهم وسموا بإحدى السمتين: الإيمان أو الظلم، ولا ms4007 حاجة إلى ~~ذكر الاتصاف والاستمرار بالتلبس فمفاد قوله: ظلموا وعصوا واتبعوا أمر فرعون ~~أنهم وسموا بسمة الظلم والعصيان واتباع أمر فرعون، ومعنى نجينا الذين آمنوا ~~نجينا الذين اتسموا بسمة الإيمان وتعلموا بعلامته. # فكان التعبير بالماضي كافيا في إفادة أصل الاتسام المذكور وإن كان مما ~~يلزمه الاتصاف، وبعبارة أخرى الذين ظلموا من قوم نوح صاروا بذلك ظالمين لكن ~~العناية إنما تعلقت بحسب المقام بتحقق الظلم منهم لا بصيرورته وصفا لهم لا ~~يفارقهم بعد ذلك، ولذا ترى أنه كلما خرج الكلام عن مقام القياس والنسبة ~~بوجه عاد إلى التعبير بالصفة كقوله: "بعدا للقوم الظالمين" وقوله: "ولا تكن ~~مع الكافرين" فافهم ذلك. # ومن هنا يظهر ما في تفسير القوم قوله: "الذين ظلموا" حيث أخذه بعضهم دالا ~~على مجرد تحقق ظلم ما، وآخرون بمعنى الوصف أي لا تركنوا إلى الظالمين، قال ~~صاحب المنار في تفسيره،: فسر الزمخشري "الذين ظلموا" بقوله: أي إلى الذين ~~وجد منهم الظلم ولم يقل: إلى الظالمين، وحكى أن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ ~~بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له، فقال؟ هذا فيمن ركن إلى ظلم فكيف ~~بالظالم انتهى. # ومعنى هذا أن الوعيد في الآية يشمل من مال ميلا يسيرا إلى من وقع منه ظلم ~~قليل أي ظلم كان، وهذا غلط أيضا وإنما المراد بالذين ظلموا في الآية فريق ~~الظالمين من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ~~ليردوهم عنه فهم كالذين كفروا في الآيات الكثيرة التي يراد بها فريق ~~الكافرين لا كل فرد من الناس وقع منه كفر في الماضي وحسبك منه قوله تعالى: ~~"إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6، ~~والمخاطبون بالنهي هم المخاطبون في الآية السابقة بقوله: "فاستقم كما أمرت ~~ومن تاب معك". # وقد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا كما عبر عن أقوام الرسل ~~الأولين في قصصهم من هذه السورة به في الآيات 37، 67، 94، وعبر عنهم فيها ~~بالظالمين أيضا كقوله: "وقيل بعدا للقوم الظالمين" فلا فرق في ms4008 هذه الآيات ~~بين التعبير بالوصف والتعبير بالذي وصلته فإنهما في الكلام عن الأقوام ~~بمعنى واحد - انتهى. # أما قول صاحب الكشاف: "إن المراد بالذين ظلموا" الذين وجد منهم الظلم ولم ~~يقل: "إلى الظالمين" فهو كذلك لكنه لا ينفعه فإن التعبير بالفعل في ما ~~قررناه من المقام وإن كان لا يفيد أزيد من تحقق المعنى الحدثي ووقوعه لكنه ~~ينطبق على معنى الوصف كما في قوله تعالى: "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ~~فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة ~~هي المأوى": النازعات: 41 حيث عبر بالفعل وهو منطبق على معنى الصفة. PageV11P027 # وأما قول صاحب المنار: "إنما المراد بالذين ظلموا في الآية فريق الظالمين ~~من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردوهم ~~عنه" فتحكم محض، وأي دليل يدل على قصور الآية عن الشمول للظالمين من أهل ~~الكتاب وقد ذكرهم الله أخيرا في زمرة الظالمين باختلافهم في كتاب الله ~~بغيا، وقد نهى الله عن ولايتهم وشدد فيه حتى قال: "ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم": المائدة: 51، وقال في ولاية مطلق الكافرين، "ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء": آل عمران: 28. # وأي مانع يمنع الآية أن تشمل الظالمين من هذه الأمة وفيهم من هو أشقى من ~~جبابرة عاد وثمود وأطغى من فرعون وهامان وقارون. # ومجرد كون الإسلام عند نزول السورة مبتلى بقريش ومشركي مكة وحواليها لا ~~يوجب تخصيصا في اللفظ فإن خصوص المورد لا يخصص عموم اللفظ فالآية تنهى عن ~~الركون إلى كل من اتسم بسمة الظلم، أي من كان مشركا أو موحدا مسلما أو من ~~أهل الكتاب. # وأما قوله: إن المراد بقوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون" المعنى الوصفي وإن كان فعلا أي الكافرون لا كل فرد من ~~الناس وقع من كفر في الماضي. # ففيه أنا بينا في الكلام على تلك الآية وفي مواضع أخرى تقدمت في الكتاب ~~أن الآية خاصة بالكفار من صناديد قريش الذين شاقوا ms4009 النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في بادىء أمره حتى كفاه الله إياهم وأفناهم ببدر وغيره، وأنهم ~~المسمون بالذين كفروا. # وليست الآية عامة، ولو كانت الآية عامة وكان المراد بالذين كفروا هم ~~الكافرين كما قاله لم تصدق الآية فيما تخبر به فما أكثر من آمن من الكافرين ~~حتى من كفار مكة بعد نزول هذه الآية. # ولو قيل: إن المراد بهم الذين لم يؤمنوا إلى آخر عمرهم لم تفد الآية شيئا ~~إذ لا معنى لقولنا: إن الكافرين الذين لا يؤمنون إلى آخر عمرهم لا يؤمنون ~~فلا مناص من أخذها آية خاصة غير عامة، وكون المراد بالذين كفروا طائفة خاصة ~~بأعيانهم. # وقد ذكرنا فيما تقدم أن "الذين آمنوا" أيضا فيما لا دليل في المورد يدل ~~على خلافه اسم تشريفي لمن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول ~~دعوته الحقة، وبهم تختص خطابات "يا أيها الذين آمنوا" في القرآن وإن شاركهم ~~غيرهم في الأحكام. # وأما قوله في آخر كلامه: وقد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا ~~كما عبر عن أقوام الرسل الأولين في قصصهم من هذه السورة به وعبر عنهم فيها ~~بالظالمين أيضا فلا فرق بين التعبيرين "إلخ" ومحصله أن التعبير عنهم تارة ~~بالذين ظلموا وتارة بالظالمين دليل على أن المراد بالكلمتين واحد. # ففيه أنه خفي عليه وجه العناية الكلامية الذي تقدمت الإشارة إليه واتحاد ~~مصداق اللفظتين لا يوجب وحدة العناية المتعلقة بهما. # فالمحصل من مضمون الآية نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته عن ~~الركون إلى من اتسم بسمة الظلم بأن يميلوا إليهم ويعتمدوا على ظلمهم في أمر ~~دينهم أو حياتهم الدينية فهذا هو المراد بقوله: "ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا". # وقوله: "فتمسكم النار" تفريع على الركون أي عاقبة الركون هو مس النار، ~~وقد جعلت عاقبة الركون إلى ظلم أهل الظلم مس النار وعاقبة نفس الظلم النار، ~~وهذا هو الفرق بين الاقتراب من الظلم والتلبس بالظلم نفسه. # وقوله: "وما لكم من دون الله من أولياء" في موضع الحال ms4010 من مفعول "فتمسكم" ~~أي تمسكم النار في حال ليس لكم فيها من دون الله من أولياء وهو يوم القيامة ~~الذي يفقد فيه الإنسان جميع أوليائه من دون الله. # أو حال الركون إن كان المراد بالنار العذاب، والمراد بقوله: "ثم لا ~~تنصرون" نفي الشفاعة على الأول والخذلان الإلهي على الثاني. # والتعبير بثم في قوله: "ثم لا تنصرون" للدلالة على اختتام الأمر على ذلك ~~بالخيبة والخذلان كأنه قيل: تمسكم النار وليس لكم إلا الله فتدعونه فلا ~~يجيبكم وتستنصرونه فلا ينصركم فيئول أمركم إلى الخسران والخيبة والخذلان. PageV11P028 # وقد تحصل مما تقدم من الأبحاث في الآية أمور: الأول: أن المنهي عنه في ~~الآية إنما هو الركون إلى أهل الظلم في أمر الدين أو الحياة الدينية ~~كالسكوت في بيان حقائق الدين عن أمور يضرهم أو ترك فعل ما لا يرتضونه أو ~~توليتهم المجتمع وتقليدهم الأمور العامة أو إجراء الأمور الدينية بأيدهم ~~وقوتهم وأشباه ذلك. # وأما الركون والاعتماد عليهم في عشرة أو معاملة من بيع وشرى والثقة بهم ~~وائتمانهم في بعض الأمور فإن ذلك كله غير مشمول للنهي الذي في الآية لأنها ~~ليست بركون في دين أو حياة دينية، وقد وثق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عند ما خرج من مكة ليلا إلى الغار برجل مشرك استأجر منه راحلة للطريق ~~وائتمنه ليوافيه بها في الغار بعد ثلاثة أيام وكان يعامل هو وكذا المسلمون ~~بمرأى ومسمع منه الكفار والمشركين. # الثاني: أن الركون المنهي عنه في الآية أخص من الولاية المنهي عنها في ~~آيات أخرى كثيرة فإن الولاية هي الاقتراب منهم بحيث يجعل المسلمين في معرض ~~التأثر من دينهم أو أخلاقهم أو السنن الظالمة الجارية في مجتمعاتهم وهم ~~أعداء الدين، وأما الركون إليهم فهو بناء الدين أو الحياة الدينية على ~~ظلمهم فهو أخص من الولاية موردا أي أن كل مورد فيه ركون ففيه ولاية من غير ~~عكس كلي، وبروز الأثر في الركون بالفعل وفي الولاية أعم مما يكون بالفعل. # ويظهر من جمع من المفسرين أن الركون المنهي ms4011 عنه في الآية هو الولاية ~~المنهي عنها في آيات أخر. # قال صاحب المنار في تفسيره، بعد ما نقل عن الزمخشري قوله: إن النهي في ~~الآية متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم ~~وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم والتزيي بزيهم، ومد العين ~~إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله: "ولا تركنوا" فإن ~~الركون هو الميل اليسير، وقوله: "إلى الذين ظلموا" أي إلى الذين وجد منهم ~~الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين. # انتهى. # أقول: كل ما أدغمه في النهي عن الركون إلى الذين ظلموا قبيح في نفسه لا ~~ينبغي للمؤمن اجتراحه، وقد يكون من لوازم الركون الحقيرة ولكن لا يصح أن ~~يجعل شيء منه تفسيرا للآية مرادا منها، والمخاطب الأول بها رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والسابقون الأولون إلى التوبة من الشرك والإيمان معه، ~~ولم يكن أحد منهم مظنة للانقطاع بظلمة المشركين، والانحطاط في هواهم، ~~والرضا بأعمالهم. # إلى آخر ما أطنب فيه. # وقد ناقض فيه نفسه أولا حيث اعترف بكون بعض الأمور المذكورة من لوازم ~~الركون لكنه استحقرها ونفى شمول الآية لها، والمعصية كلها عظيمة لا يستهان ~~بها غير أن أكثر المفسرين هذا دأبهم لا ينقبضون عن نسبة بعض المساهلات إلى ~~بيانه تعالى. # وأفسد من ذلك قوله: إن المخاطب الأول بهذا النهي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والسابقون الأولون ولم يكونوا مظنة للانقطاع إلى ظلمة ~~المشركين والانحطاط في هواهم والرضا بأعمالهم إلخ فإن فيه أولا: أن الخطاب ~~خطاب واحد موجه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أمته، ولا أول فيه ولا ~~ثاني، وتقدم بعض المخاطبين على بعض زمانا لا يوجب قصور الخطاب عن شمول بعض ~~ما في اللاحقين مما ليس في السابقين إذا شمله اللفظ. # وثانيا: أن عدم كون المخاطب مظنة للمعصية لا يمنع من توجيه النهي إليه ~~وخاصة النواهي الصادرة عن مقام التشريع وإنما يمنع عن تأكيده والإلحاح عليه ~~وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عما هو أعظم من الركون إلى ms4012 الذين ~~ظلموا كالشرك بالله وعن ترك تبليغ بعض أوامره ونواهيه، قال تعالى: "ولقد ~~أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين": ~~الزمر: 65، وقال: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته": المائدة: 67، وقال: "يا أيها النبي اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك": ~~الأحزاب: 2 ولا يظن به (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشرك بربه البتة، ولا ~~أن لا يبلغ ما أنزل إليه من ربه أو يطيع الكافرين والمنافقين أو لا يتبع ما ~~يوحى إليه من ربه إلى غير ذلك من النواهي. PageV11P029 # وكذا السابقون الأولون نهوا عن أمور هي أعظم من الركون المذكور أو مثله ~~كقوله: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" نزلت في أهل بدر ~~وفيهم السابقون الأولون وقد وصف بعضهم بقوله: "الذين ظلموا" وهو أشد لحنا ~~من قوله: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا"، وكعدة من النواهي الواردة في كلامه ~~في قصص بدر وأحد وحنين، والنواهي الموجهة إلى نساء النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فكل ذلك مما لم يكن يظن بالسابقين الأولين أن يبتلوا به على أن ~~بعضهم ابتلي ببعضها بعد. # الثالث: أن الآية بما لها من السياق المؤيد بإشعار المقام إنما تنهى عن ~~الركون إلى الذين ظلموا فيما هم فيه ظالمون أي بناء المسلمين دينهم الحق أو ~~حياتهم الدينية على شيء من ظلمهم وهو أن يراعوا في قولهم الحق وعملهم الحق ~~جانب ظلمهم وباطلهم حتى يكون في ذلك إحياء للحق بسبب إحياء الباطل، ومآله ~~إلى إحياء حق بإماتة حق آخر كما تقدمت الإشارة إليه. # وأما الميل إلى شيء من ظلمهم وإدخاله في الدين أو إجراؤه في المجتمع ~~الإسلامي أو في ظرف الحياة الشخصية فليس من الركون إلى الظالمين بل هو دخول ~~في زمرة الظالمين. # وقد اختلط هذا الأمر على كثير من المفسرين فأوردوا في المقام أبحاثا لا ~~تمس الآية أدنى مس، وقد ms4013 أغمضنا عن إيرادها والبحث في صحتها وسقمها إيثارا ~~للاختصار ومن أراد الوقوف عليها فليراجع تفاسيرهم. # قوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات" إلخ، طرفا النهار هو الصباح والمساء والزلف جمع زلفى كقرب جمع ~~قربى لفظا ومعنى على ما قيل، وهو وصف ساد مسد موصوفه كالساعات ونحوها، ~~والتقدير وساعات من الليل أقرب من النهار. # والمعنى أقم الصلاة في الصباح والمساء وفي ساعات من الليل هي أقرب من ~~النهار، وينطبق من الصلوات الخمس اليومية على صلاة الصبح والعصر وهي صلاة ~~المساء والمغرب والعشاء الآخرة، وقتهما زلف من الليل كما قاله بعضهم، أو ~~على الصبح والمغرب ووقتهما طرفا النهار والعشاء الآخرة ووقتها زلف من الليل ~~كما قاله آخرون، وقيل غير ذلك. # لكن البحث لما كان فقهيا كان المتبع فيه ما ورد عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأئمة أهل بيته (عليهم السلام) من البيان، وسيجيء في البحث ~~الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # وقوله: "إن الحسنات يذهبن السيئات" تعليل لقوله: "وأقم الصلاة" وبيان أن ~~الصلوات حسنات واردة على نفوس المؤمنين تذهب بآثار المعاصي وهي ما تعتريها ~~من السيئات، وقد تقدم كلام في هذا الباب في مسألة الحبط في الجزء الثاني من ~~هذا الكتاب. # وقوله: "ذلك ذكرى للذاكرين" أي هذا الذي ذكر وهو أن الحسنات يذهبن ~~السيئات على رفعة قدرة تذكار للمتلبسين بذكر الله تعالى من عباده. # قوله تعالى: "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" ثم أمره (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالصبر بعد ما أمره بالصلاة كما جمع بينهما في قوله: ~~"واستعينوا بالصبر والصلاة": البقرة: 45 وذلك أن كلا منهما في بابه من أعظم ~~الأركان أعني الصلاة في العبادات، والصبر في الأخلاق وقد قال تعالى في ~~الصلاة: "ولذكر الله أكبر": العنكبوت: 45 وقال في الصبر: "إن ذلك لمن عزم ~~الأمور": الشورى: 43. # واجتماعهما أحسن وسيلة يستعان بها على النوائب والمكاره فالصبر يحفظ ~~النفس عن القلق والجزع والانهزام، والصلاة توجهها إلى ناحية الرب تعالى ~~فتنسى ما تلقاه ms4014 من المكاره، وقد تقدم بيان في ذلك في تفسير الآية 45 من ~~سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب. # وإطلاق الأمر بالصبر يعطي أن المراد به الأعم من الصبر على العبادة ~~والصبر عن المعصية والصبر عند النائبة، وعلى هذا يكون أمرا بالصبر على جميع ~~ما تقدم من الأوامر والنواهي أعني قوله: "فاستقم" "ولا تطغوا" "ولا تركنوا" ~~"وأقم الصلاة". PageV11P030 # لكن أفراد الأمر وتخصيصه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفيد أنه صبر في ~~أمر يختص به وإلا قيل: و"اصبروا" جريا على السياق، وهذا يؤيد قول من قال: ~~إن المراد اصبر على أذى قومك في طريق دعوتك إلى الله سبحانه وظلم الظالمين ~~منهم، وأما قوله: "وأقم الصلاة" فإنه ليس أمرا بما يخصه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من الصلاة بل أمر بإقامته الصلاة بمن تبعه من المؤمنين جماعة ~~فهو أمر لهم جميعا بالصلاة فافهم ذلك. # وقوله: "فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" تعليل للأمر بالصبر. # قوله تعالى: "فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض" إلخ لو لا بمعنى هلا وإلا يفيد التعجيب والتوبيخ، والمعنى هلا ~~كان من القرون التي كانت من قبلكم وقد أفنيناها بالعذاب والهلاك أولوا بقية ~~أي قوم باقون ينهون عن الفساد في الأرض ليصلحوا بذلك فيها ويحفظوا أمتهم من ~~الاستئصال. # وقوله: "إلا قليلا ممن أنجينا منهم" استثناء من معنى النفي في الجملة ~~السابقة فإن المعنى: من العجب أنه لم يكن من القرون الماضية مع ما رأوا من ~~آيات الله وشاهدوا من عذابه بقايا ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن ~~أنجينا من العذاب والهلاك منهم فإنهم كانوا ينهون عن الفساد. # وقوله: "واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين" بيان حال الباقي ~~منهم بعد الاستثناء وهم أكثرهم وعرفهم بأنهم الذين ظلموا وبين أنهم اتبعوا ~~لذائذ الدنيا التي أترفوا فيها وكانوا مجرمين. # وقد تحصل بهذا الاستثناء وهذا الباقي الذي ذكر حالهم تقسيم الناس إلى ~~صنفين مختلفين: الناجون بإنجاء الله والمجرمون ولذلك عقبه ms4015 بقوله: "ولو شاء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك". # قوله تعالى: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" أي لم يكن من ~~سنته تعالى إهلاك القرى التي أهلها مصلحون لأن ذلك ظلم ولا يظلم ربك أحدا ~~فقوله: "بظلم" قيد توضيحي لا احترازي، ويفيد أن سنته تعالى عدم إهلاك القرى ~~المصلحة لكونه من الظلم "وما ربك بظلام للعبيد". # قوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك - إلى قوله - أجمعين" الخلف خلاف القدام وهو الأصل فيما اشتق من ~~هذه المادة من المشتقات يقال: خلف أباه أي سد مسده لوقوعه بعده، وأخلف وعده ~~أي لم يف به كأنه جعله خلفه، ومات وخلف ابنا أي تركه خلفه، واستخلف فلانا ~~أي طلب منه أن ينوب عنه بعد غيبته أو موته أو بنوع من العناية كاستخلاف ~~الله تعالى آدم وذريته في الأرض، وخالف فلان فلانا وتخالفا إذا تفرقا في ~~رأي أو عمل كأن كلا منهما يجعل الآخر خلفه، وتخلف عن أمره إذا أدبر ولم ~~يأتمر به، واختلف القوم في كذا إذا خالف بعضهم بعضا فيه فجعله خلفه، واختلف ~~القوم إلى فلان إذا دخلوا عليه واحدا بعد واحد، واختلف فلان إلى فلان إذا ~~دخل عليه مرات كل واحدة بعد أخرى. # ثم الاختلاف ويقابله الاتفاق من الأمور التي لا يرتضيها الطبع السليم لما ~~فيه من تشتيت القوى وتضعيفها وآثار أخرى غير محمودة من نزاع ومشاجرة وجدال ~~وقتال وشقاق كل ذلك يذهب بالأمن والسلام غير أن نوعا منه لا مناص منه في ~~العالم الإنساني وهو الاختلاف من حيث الطبائع المنتهية إلى اختلاف البنى ~~فإن التركيبات البدنية مختلفة في الأفراد وهو يؤدي إلى اختلاف الاستعدادات ~~البدنية والروحية وبانضمام اختلاف الأجواء والظروف إلى ذلك يظهر اختلاف ~~السلائق والسنن والآداب والمقاصد والأعمال النوعية والشخصية في المجتمعات ~~الإنسانية، وقد أوضحت الأبحاث الاجتماعية أن لو لا ذلك لم يعش المجتمع ~~الإنساني ولا طرفة عين. # وقد ذكره الله تعالى في ms4016 كتابه ونسبه إلى نفسه حيث قال: "نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا": الزخرف: 32. # ولم يذمه تعالى في شيء من كلامه إلا إذا صحب هوى النفس وخالف هدى العقل. PageV11P031 # وليس منه الاختلاف في الدين فإن الله سبحانه يذكر أنه فطر الناس على معرفته ~~وتوحيده وسوى نفس الإنسان فألهمها فجورها وتقواها، وأن الدين الحنيف هو من ~~الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ولذلك نسب الاختلاف في ~~الدين في مواضع من كلامه إلى بغي المختلفين فيه وظلمهم "فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم". # وقد جمع الله الاختلافين في قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه - وهذا هو الاختلاف الأول في الحياة والمعيشة - وما اختلف فيه ~~- وهذا هو الاختلاف الثاني في الدين - إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه": ~~البقرة: 213 فهذا ما يعطيه كلامه تعالى في معنى الاختلاف. # والذي ذكره بقوله: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" يريد به رفع ~~الاختلاف من بينهم وتوحيدهم على كلمة واحدة يتفقون فيه، ومن المعلوم أنه ~~ناظر إلى ما ذكره تعالى في الآيات السابقة على هذه الآية من اختلافهم في ~~أمر الدين وانقسامهم إلى طائفة أنجاهم الله وهم قليل وطائفة أخرى وهم الذين ظلموا. # فالمعنى أنهم وإن اختلفوا في الدين فإنهم لم يعجزوا الله بذلك ولو شاء ~~الله لجعل الناس أمة واحدة لا يختلفون في الدين فهو نظير قوله: "وعلى الله ~~قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين": النحل: 9 وقوله: "أفلم ييأس ~~الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا": الرعد: 31. # وعلى هذا فقوله: "ولا يزالون مختلفين" إنما يعني به الاختلاف في الدين ~~فحسب فإن ذلك هو الذي يذكر لنا أن لو شاء لرفعه من بينهم، والكلام في ~~تقدير: لو ms4017 شاء الله لرفع الاختلاف من بينهم لكنه لم يشأ ذلك فهم مختلفون دائما. # على أن قوله: "إلا من رحم ربك" يصرح أنه رفعه عن طائفة رحمهم، والاختلاف ~~في غير الدين لم يرفعه الله تعالى حتى عن الطائفة المرحومة، وإنما رفع عنهم ~~الاختلاف الديني الذي يذمه وينسبه إلى البغي بعد العلم بالحق. # وقوله: "إلا من رحم ربك" استثناء من قوله: "ولا يزالون مختلفين" أي الناس ~~يخالف بعضهم بعضا في الحق أبدا إلا الذين رحمهم الله فإنهم لا يختلفون في ~~الحق ولا يتفرقون عنه، والرحمة هي الهداية الإلهية كما يفيده قوله: "فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه": البقرة: 213. # فإن قلت: معنى اختلاف الناس أن يقابل بعضهم بعضا بالنفي والإثبات فيصير ~~معنى قوله: "ولا يزالون مختلفين" أنهم منقسمون دائما إلى محق ومبطل، ولا ~~يصح حينئذ ورود الاستثناء عليه إلا بحسب الأزمان دون الأفراد وذلك أن ~~انضمام قوله: "إلا من رحم ربك" إليه يئول المعنى إلى مثل قولنا: إنهم ~~منقسمون دائما إلى مبطلين ومحقين إلا من رحم ربك منهم فإنهم لا ينقسمون إلى ~~قسمين، بل يكونون محقين فقط، ومن المعلوم أن المستثنين منهم هم المحقون ~~فيرجع معنى الكلام إلى مثل قولنا: إن منهم مبطلين ومحقين والمحقون محقون لا ~~مبطل فيهم، وهذا كلام لا فائدة فيه. # على أنه لا معنى لاستثناء المحقين من حكم الاختلاف أصلا وهم من الناس ~~المختلفين، والاختلاف قائم بهم وبالمبطلين معا. # قلت: الاختلاف المذكور في هذه الآية وسائر الآيات المتعرضة له الذامة ~~لأهله إنما هو الاختلاف في الحق ومخالفة البعض للبعض في الحق وإن كانت توجب ~~كون بعض منهم على الحق وعلى بصيرة من الأمر لكنه إذا نسب إلى المجموع وهو ~~المجتمع كان لازمه ارتياب المجتمع وتفرقهم عن الحق وعدم اجتماعهم عليه ~~وتركهم إياه بحياله، ومقتضاه اختفاء الحق عنهم وارتيابهم فيه. # والله سبحانه إنما يذم الاختلاف من جهة لازمة هذا وهو التفرق والإعراض عن ~~الحق والآيات تشهد بذلك فإنه تعالى يذم فيها جميع المختلفين باختلافهم لا ~~المبطلين ms4018 من بينهم فلو لا أن المراد بالمختلفين أهل الآراء أو الأعمال ~~المختلفة التي تفرقهم عن الحق لم يصح ذلك. PageV11P032 # ومن أحسن ما يؤيده قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه": الشورى: 13 حيث عبر عن الاختلاف بالتفرق، وكذا قوله: "وإن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: 153 وهذا ~~أوضح دلالة من سابقه فإنه يجعل أهل الحق الملازمين لسبيله خارجا من أهل ~~التفرق والاختلاف. # ولذلك ترى أنه سبحانه في غالب ما يذكر اختلافهم في الكتاب يردفه ~~بارتيابهم فيه كقوله فيما مرت من الآيات: "ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب": آية - 110 ~~من السورة وقد كرر هذا المعنى في مواضع من كلامه. # وقال تعالى: "عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون": النبأ: ~~3 أي يأتي فيه كل بقول يبعدهم من الحق فيتفرقون وقال: "إنكم لفي قول مختلف ~~يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون": الذاريات: 10 أي قول لا يقف على وجه ولا ~~يبتني على علم بل الخرص والظن هو الذي أوجده فيكم. # وفي هذا المعنى قوله تعالى: "يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون": آل عمران: 71 فإن هذا اللبس المذموم منهم إنما ~~كان بإظهار قول يشبه الحق وليس به وهو إلقاء التفرق الذي يختفي به الحق. # فالمراد باختلافهم إيجادهم أقوالا وآراء يتفرقون بها عن الحق ويظهر بها ~~الريب فهم لاتباعهم أهواءهم المخالفة للحق يظهرون آراءهم الباطلة في صور ~~متفرقة تضاهي صورة الحق ليحجبوه عن أفهام الناس بغيا وعدوانا بعد علمهم ~~بالحق فهو اختلافهم في الحق بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. # ويتبين بما تقدم على طوله أن الإشارة بقوله: "ولذلك خلقهم" إلى الرحمة ~~المدلول عليه بقوله: "إلا من رحم ربك" والتأنيث اللفظي في لفظ الرحمة لا ~~ينافي تذكير ms4019 اسم الإشارة لأن المصدر جائز الوجهين، قال تعالى: "إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين": الأعراف: 56 وذلك لأنك عرفت أن هذا الاختلاف بغي ~~منهم يفرقهم عن الحق ويستره ويظهر الباطل ولا يجوز كون الباطل غاية حقيقية ~~للحق تعالى في خلقه، ولا معنى لأن يوجد الله سبحانه العالم الإنساني ليبغوا ~~ويميتوا الحق ويحيوا الباطل فيهلكهم ثم يعذبهم بنار خالدة، فالقرآن الكريم ~~يدفع هذا بجميع بياناته. # على أن سياق الآيات - مع الغض عما ذكر - يدفع ذلك فإنها في مقام بيان أن ~~الله تعالى يدعو الناس برأفته ورحمته إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم من غير أن ~~يريد بهم ظلما ولا شرا، ولكنهم بظلمهم واختلافهم في الحق يستنكفون عن ~~دعوته، ويكذبون بآياته، ويعبدون غيره، ويفسدون في الأرض فيستحقون العذاب، ~~وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، ولا أن يخلقهم ليبغوا ويفسدوا ~~فيهلكهم فالذي منه هو الرحمة والهداية، والذي من بغيهم واختلافهم وظلمهم ~~يرجع إليهم أنفسهم، وهذا هو الذي يعطيه سياق الآيات. # وكون الرحمة أعني الهداية غاية مقصودة في الخلقة إنما هو لاتصالها بما هو ~~الغاية الأخيرة وهو السعادة كما في قوله حكاية عن أهل الجنة: "وقالوا الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا": الأعراف: 43 وهذا نظير عد العبادة غاية لها لاتصالها ~~بالسعادة في قوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": الذاريات: 56. # وقوله: "وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" أي حقت كلمته ~~تعالى وأخذت مصداقها منهم بما ظلموا واختلفوا في الحق من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم، والكلمة هي قوله: "لأملأن جهنم" إلخ. # والآية نظيره قوله: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": الم السجدة: 13 والأصل في هذه الكلمة ~~ما ألقاه الله تعالى إلى إبليس لعنه الله إذ قال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين": ص: 85 والآيات متحدة المضمون يفسر بعضها بعضا. PageV11P033 # هذه جملة ما يعطيه التدبر في ms4020 معنى الآيتين وقد تلخص بذلك: أولا أن المراد ~~بقوله: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" توحيدهم برفع التفرق والخلاف من ~~بينهم وقيل: إن المراد هو الإلجاء إلى الإسلام ورفع الاختيار لكنه ينافي ~~التكليف ولذلك لم يفعل ونسب إلى قتادة، وقيل: المعنى لو شاء لجمعكم في ~~الجنة لكنه أراد بكم أعلى الدرجتين لتدخلوه بالاكتساب ثوابا لأعمالكم، ونسب ~~إلى أبي مسلم. # وأنت خبير بأن سياق الآيات لا يساعد على شيء من المعنيين. # وثانيا: أن المراد بقوله: "ولا يزالون مختلفين" دوامهم على الاختلاف في ~~الدين ومعناه التفرق عن الحق وستره بتصويره في صور متفرقة باطلة تشبه الحق. # وقال بعضهم: هو الاختلاف في الأرزاق والأحوال وبالجملة الاختلاف غير ~~الديني ونسب إلى الحسن. # وقد عرفت أنه أجنبي من سياق الآيات السابقة. # وقال آخرون: إن معنى "مختلفين" يخلف بعضهم بعضا في تقليد أسلافهم وتعاطي ~~باطلهم، وهو كسابقه أجنبي من مساق الآيات وفيها قوله: "ولقد آتينا موسى ~~الكتاب فاختلف فيه" الآية. # وثالثا: أن المراد بقوله: "إلا من رحم" إلا من هداه الله من المؤمنين. # ورابعا: أن الإشارة بقوله: "ولذلك خلقهم" إلى الرحمة وهي الغاية التي ~~أرادها الله من خلقه ليسعدوا بذلك سعادتهم. # وذكر بعضهم. # أن المعنى خلقهم للاختلاف ونسب إلى الحسن وعطاء. # وقد عرفت أنه سخيف ردي جدا نعم لو جاز عود ضمير "خلقهم" إلى الباقي من ~~الناس بعد الاستثناء جاز عد الاختلاف غاية لخلقهم وكانت الآية قريبة ~~المضمون من قوله: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس": الآية الأعراف: 179. # وذكر آخرون: أن الإشارة إلى مجموع ما يدل عليه الكلام من مشيته تعالى في ~~خلقهم مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم وشعورهم وما ~~يتبع ذلك من إرادتهم واختيارهم في أعمالهم ومن ذلك الدين والإيمان والطاعة ~~والعصيان، وبالجملة الغاية هو مطلق الاختلاف أعم مما في الدين أو في غيره. # ونسب إلى ابن عباس بناء على ما روي عنه أنه قال: خلقهم فريقين فريقا يرحم ~~فلا يختلف، وفريقا لا يرحم فيختلف، وإلى مالك بن أنس إذ قال ms4021 في معنى الآية: ~~خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير، وقد عرفت ما فيه من وجوه ~~السخافة فلا نطيل بالإعادة. # وخامسا: أن المراد بتمام الكلمة هو تحققها وأخذها مصداقها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإن كلا لما ليوفينهم ربك" الآية قال: ~~قال (عليه السلام): في القيامة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما نزلت ~~هذه الآية: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك" قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكا. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "فاستقم كما أمرت" الآية قال ابن عباس: ما ~~نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آية كانت أشد عليه ولا أشق من ~~هذه الآية، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: أسرع إليك الشيب يا رسول الله. ~~شيبتني هود والواقعة. # أقول: والحديث مشهور في بعض الألفاظ شيبتني هود وأخواتها، وعدم اشتمال ~~الواقعة على ما يناظر قوله: "فاستقم كما أمرت" الآية يبعد أن تكون إليه ~~الإشارة في الحديث، والمشترك فيه بين السورتين حديث القيامة والله أعلم. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا تركنوا" الآية قال: قال (عليه ~~السلام): ركون مودة ونصيحة وطاعة:. أقول: ورواه أيضا في المجمع، مرسلا عنهم ~~(عليهم السلام). # وفي تفسير العياشي، عن عثمان بن عيسى عن رجل عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار" قال: أما إنه لم ~~يجعلها خلودا ولكن "تمسكم النار" فلا تركنوا إليهم. # أقول: أي ولكن قال: تمسكم النار فجعله مسا. # وفيه، عن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أقم الصلاة طرفي ~~النهار" وطرفاه المغرب والغداة "وزلفا من الليل" وهي صلاة العشاء الآخرة. # وفي التهذيب، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث في ~~الصلوات الخمس اليومية: وقال تعالى في ذلك "أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل" وهي صلاة العشاء الآخرة. # أقول: الحديث لا يخلو من ظهور في تفسير طرفي النهار بما قبل الظهر وما ~~بعدها ليشمل أوقات ms4022 الخمس. PageV11P034 # وفي المعاني، بإسناده عن إبراهيم بن عمر عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "إن الحسنات يذهبن السيئات" قال: صلاة المؤمن ~~بالليل تذهب بما عمل من ذنب النهار:. أقول: والحديث مروي في الكافي، وتفسير ~~العياشي، وأمالي المفيد، وأمالي الشيخ،: وفي المجمع، عن الواحدي بإسناده عن ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ ~~غصنا يابسا منها فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أبا عثمان ألا تسألني لم ~~أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله قال هكذا فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقه، ثم قال: ~~ألا تسألني يا سلمان لم أفعل هذا؟ قلت: ولم فعلته؟ قال: إن المسلم إذا توضأ ~~فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما تحات هذا الورق. ثم ~~قرأ هذه الآية: وأقم الصلاة إلى آخرها:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ~~الطيالسي وأحمد والدارمي وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه، وابن ~~مردويه غير مسلسل:. # وفيه، عنه بإسناده عن الحارث عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنا ~~مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد ننتظر الصلاة فقام رجل ~~فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنبا، فأعرض عنه فلما قضى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) الصلاة قام الرجل فأعاد القول فقال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): أليس قد صليت معنا هذه الصلاة وأحسنت لها الطهور؟ قال: بلى. ~~قال: فإنها كفارة ذنبك:. أقول: والرواية مروية بطرق كثيرة عن ابن مسعود ~~وأبي أمامة ومعاذ بن جبل وابن عباس وبريدة وواثلة بن الأسقع وأنس وغيرهم ~~وفي سرد القصة اختلاف ما في ألفاظهم، ورواه الترمذي وغيره عن أبي اليسر وهو ~~صاحب القصة:. # وفي تفسير العياشي، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أحدهما (عليهما ~~السلام) يقول: إن عليا (عليه السلام) أقبل على الناس فقال: أي آية في ms4023 كتاب ~~الله أرجى عندكم؟ فقال بعضهم: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء" قال: حسنة وليست إياها. فقال بعضهم: "يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم - لا تقنطوا من رحمة الله" قال: حسنة وليست إياها. وقال بعضهم: ~~"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم - ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم" ~~قال: حسنة وليست إياها. قال: ثم أحجم الناس فقال: ما لكم يا معشر المسلمين؟ ~~قالوا: لا والله ما عندنا شيء. قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقول: أرجى آية في كتاب الله: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل" وقرأ الآية كلها، وقال: يا علي والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا إن ~~أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط من جوارحه الذنوب فإذا استقبل بوجهه وقلبه لم ~~ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أمه فإذا أصاب شيئا بين ~~الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عد الصلوات الخمس. ثم قال: يا علي إنما منزلة ~~الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار على باب أحدكم فما ظن أحدكم لو كان في جسده ~~درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم؟ أكان يبقى في جسده درن؟ ~~فكذلك والله الصلوات الخمس لأمتي:. أقول: وقد روي المثل المذكور في آخر ~~الحديث من طرق أهل السنة عن عدة من الصحابة كأبي هريرة وأنس وجابر وأبي ~~سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV11P035 # وفيه، عن إبراهيم الكرخي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل ~~عليه رجل من أهل المدينة فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا فلان من ~~أين جئت؟ قال: ولم يقل في جوابه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): جئت من ~~هنا وهاهنا. انظر بما تقطع به يومك فإن معك ملكا موكلا يحفظ ويكتب ما تعمل ~~فلا تحتقر سيئة وإن كانت صغيرة فإنها ستسوؤك يوما، ولا تحتقر حسنة فإنه ليس ~~شيء أشد طلبا من الحسنة أنها تدرك الذنب العظيم القديم فتحذفه وتسقطه وتذهب ~~به بعدك، ms4024 وذلك قول الله "إن الحسنات يذهبن السيئات - ذلك ذكرى للذاكرين" ~~وفيه، عن سماعة بن مهران قال: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجل من أهل ~~الجبال عن رجل أصاب مالا من أعمال السلطان فهو يتصدق منه ويصل قرابته ويحج ~~ليغفر له ما اكتسب، وهو يقول: إن الحسنات يذهبن السيئات. فقال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة ولكن الحسنة تكفر الخطيئة. ثم ~~قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن خلط الحلال حراما فاختلطا جميعا فلم ~~يعرف الحلال من الحرام فلا بأس. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيقوم ~~فيتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي فيحسن الصلاة إلا غفرت له ما بينها وبين الصلاة ~~التي كانت قبلها من ذنوبه. # أقول: والروايات في هذا الباب كثيرة من أراد استقصاءها فليراجع جوامع ~~الحديث. # وفيه، أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير قال: سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسأل عن تفسير هذه الآية: "وما كان ~~ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): وأهلها ينصف بعضهم بعضا. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون ~~مختلفين - إلا من رحم ربك" فقال: كانوا أمة واحدة فبعث الله النبيين ليتخذ ~~علهيم الحجة:. أقول: ورواه الصدوق في المعاني، عنه (عليه السلام) مثله. # وفي المعاني، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله عز وجل: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" قال: خلقهم ~~ليأمرهم بالعبادة، قال: وسألته عن قوله عز وجل: "ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم" قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم. # وفي تفسير القمي، عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "ولا ms4025 ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك" يعني آل محمد وأتباعهم يقول الله: "ولذلك ~~خلقهم" يعني أهل الرحمة لا يختلفون في الدين. # وفي تفسير العياشي، عن يعقوب بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" قال: خلقهم ~~للعبادة. قال: قلت: قوله: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" ~~قال: نزلت هذه بعد تلك. # أقول: يشير إلى كون الآية الثانية أعني قوله: "إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم" لكونها خاصة ناسخة للآية الأولى العامة، وقد تقدم في الكلام على ~~النسخ أنه في عرفهم (عليهم السلام) أعم مما اصطلح عليه علماء الأصول، ~~والآيات الخاصة التكوينية ظاهرة في حكمها على الآيات العامة فإن العوامل ~~والأسباب الخاصة أنفذ حكما من العامة فافهمه. PageV11P036 ### ||| AUTO 11 سورة هود - 120 - 123 # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عملون ~~(121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السموت والأرض وإليه يرجع الأمر ~~كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغفل عما تعملون (123) ### |||| AUTO بيان # الآيات تلخص للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القول في غرض السورة ~~المسرودة له آياتها، وتنبئه أن السورة تبين له حق القول في المبدأ والمعاد ~~وسنة الله الجارية في عباده فهي بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) تعليم للحق، وبالنسبة إلى المؤمنين موعظة وذكرى، وبالنسبة إلى ~~الكافرين المستنكفين عن الإيمان قطع خصام، فقل لهم آخر ما تحاجهم: اعملوا ~~بما ترون ونحن عاملون بما نراه، وننتظر جميعا صدق ما قص الله علينا من سنته ~~الجارية في خلقه من إسعاد المصلحين وإشقاء المفسدين، وتختم بأمره (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بعبادته والتوكل عليه لأن الأمر كله إليه. # قوله تعالى: "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك" إلى آخر ~~الآية أي وكل القصص نقص عليك تفصيلا أو إجمالا، وقوله: "من أنباء الرسل" ~~بيان لما أضيف ms4026 إليه كل، وقوله: "ما نثبت به فؤادك" عطف بيان للأنباء أشير ~~به إلى فائدة القصص بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو تثبيت ~~فؤاده وحسم مادة القلق والاضطراب منه. # والمعنى نقص عليك أنباء الرسل لنثبت به فؤادك ونربط جأشك في ما أنت عليه ~~من سلوك سبيل الدعوة إلى الحق، والنهضة على قطع منابت الفساد، والمحنة من ~~أذى قومك. # ثم ذكر تعالى من فائدة السورة ما يعمه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه ~~مؤمنين وكافرين فقال فيما يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~فائدة نزول السورة: "وجاءك في هذه الحق" والإشارة إلى السورة أو إلى الآيات ~~النازلة فيها أو الإنباء على وجه، ومجيء الحق فيها هو ما بين الله تعالى في ~~ضمن القصص وقبلها وبعدها من حقائق المعارف في المبدأ والمعاد وسنته تعالى ~~الجارية في خلقه بإرسال الرسل ونشر الدعوة ثم إسعاد المؤمنين في الدنيا ~~بالنجاة، وفي الآخرة بالجنة، وإشقاء الظالمين بالأخذ في الدنيا والعذاب ~~الخالد في الآخرة. # وقال فيما يرجع إلى المؤمنين: "وموعظة وذكرى للمؤمنين" فإن فيما ذكر فيها ~~من حقائق المعارف تذكرة للمؤمنين يذكرون بها ما نسبوه من علوم الفطرة في ~~المبدأ والمعاد وما يرتبط بهما، وفيما ذكر فيها من القصص والعبر موعظة ~~يتعظون بها. # قوله تعالى: "وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~وانتظروا إنا منتظرون وهذا فيما يرجع إلى غير المؤمنين يأمر نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يختم الحجاج معهم ويقطع خصامهم بعد ما تلا القصص عليهم ~~بهذه الجمل فيقول لهم: أما إذا لم تؤمنوا ولم تنقطعوا عن الشرك والفساد بما ~~ألقيت إليكم من التذكرة والعبر ولم تصدقوا بما قصه الله من أنباء الأمم ~~وأخبر به من سنته الجارية فيهم فاعملوا على ما أنتم عليه من المكانة ~~والمنزلة، وبما تحسبونه خيرا لكم إنا عاملون، وانتظروا ما سيستقبلكم من ~~عاقبة عملكم إنا منتظرون فسوف تعرفون صدق النبإ الإلهي وكذبه. # وهذا قطع للخصام ونوع تهديد أورده الله في القصص الماضية قصة ms4027 نوح وهود ~~وصالح (عليهما السلام)، وفي قصة شعيب (عليه السلام) حاكيا عنه: "ويا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب": آية 93 من السورة. # قوله تعالى: "ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله" لما كان ~~أمره تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمرهم بالعمل بما تهوى ~~أنفسهم والانتظار، وإخبارهم بأنه ومن آمن معه عاملون ومنتظرون، في معنى ~~أمره ومن تبعه بالعمل والانتظار عقبه بهاتين الجملتين ليكون على طيب من ~~النفس وثبات من القلب من أن الدائرة ستكون له عليهم. PageV11P037 # والمعنى فاعمل وانتظر أنت ومن تبعك فغيب السماوات والأرض الذي يتضمن عاقبة ~~أمرك وأمرهم إنما يملكه ربك الذي هو الله سبحانه دون آلهتهم التي يشركون ~~بها ودون الأسباب التي يتوكلون عليها حتى يديروا الدائرة لأنفسهم ويحولوا ~~العاقبة إلى ما ينفعهم، وإلى ربك الذي هو الله يرجع الأمر كله فيظهر من ~~غيبه عاقبة الأمر على ما شاءه وأخبر به، فالدائرة لك عليهم، وهذا من عجيب ~~البيان. # ومن هنا يظهر وجه تبديل قوله: "ربك" المكرر في هذه الآيات بلفظ الجلالة ~~"الله" لأن فيه من الإشعار بالإحاطة بكل ما دق وجل ما ليس في غيره، والمقام ~~يقتضي الاعتماد والالتجاء إلى ملجإ لا يقهره قاهر ولا يغلب عليه غالب، وهو ~~الله سبحانه ولذلك ترى أنه يعود بعد انقضاء هذه الجمل إلى ما كان يكرره من ~~صفة الرب، وهو قوله: "وما ربك بغافل عما تعملون". # قوله تعالى: "فاعبده وتوكل عليه" الظاهر أنه تفريع لقوله: "وإليه يرجع ~~الأمر كله" أي إذا كان الأمر كله مرجوعا إليه تعالى فلا يملك غيره شيئا ولا ~~يستقل بشيء فاعبده سبحانه واتخذه وكيلا في جميع الأمور ولا تتوكل على شيء ~~من الأسباب دونه لأنها أسباب بتسبيبه غير مستقلة دونه، فمن الجهل الاعتماد ~~على شيء منها. # وما ربك بغافل عما تعملون فلا يجوز التساهل في عبادته والتوكل عليه. PageV11P038 ### || AUTO ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 1 - 3 # بسم الله الرحمن ms4028 الرحيم الر تلك ءايت الكتب المبين (1) إنا أنزلنه قرءنا ~~عربيا لعلكم تعقلون (2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا ~~القرءان وإن كنت من قبله لمن الغفلين (3) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة بيان ولاية الله لعبده الذي أخلص إيمانه له تعالى إخلاصا ~~وامتلأ بمحبته تعالى لا يبتغي له بدلا ولم يلو إلى غيره تعالى من شيء، وأن ~~الله تعالى يتولى هو أمره فيربيه أحسن تربية فيورده مورد القرب ويسقيه ~~فيرويه من مشرعه الزلفى فيخلصه لنفسه ويحييه حياة إلهية وإن كانت الأسباب ~~الظاهرة أجمعت على هلاكه، ويرفعه وإن توفرت الحوادث على ضعته، ويعزه وإن ~~دعت النوائب ورزايا الدهر إلى ذلته وحط قدره. # وقد بين تعالى ذلك بسرد قصة يوسف الصديق (عليه السلام). # ولم يرد في سور القرآن الكريم تفصيل قصة من القصص باستقصائها من أولها ~~إلى آخرها غير قصته (عليه السلام)، وقد خصت السورة بها من غير شركة ما من غيرها. # فقد كان (عليه السلام) عبدا مخلصا في عبوديته فأخلصه الله لنفسه وأعزه ~~بعزته وقد تجمعت الأسباب على إذلاله وضعته فكلما ألقته في إحدى المهالك ~~أحياه الله تعالى من نفس السبيل التي كانت تسوقه إلى الهلاكة: حسده إخوته ~~فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس دراهم معدودة فذهب به ذلك إلى مصر ~~وأدخله في بيت الملك والعزة، راودته التي هو في بيتها عن نفسه واتهمته عند ~~العزيز ولم تلبث دون أن اعترفت عند النسوة ببراءته ثم اتهمته وأدخلته السجن ~~فكان ذلك سبب قربه عند الملك، وكان قميصه الملطخ بالدم الذي جاءوا به إلى ~~أبيه يعقوب أول يوم هو السبب الوحيد في ذهاب بصره فصار قميصه بعينه وقد ~~أرسله بيد إخوته من مصر إلى أبيه آخر يوم هو السبب في عود بصره إليه، وعلى ~~هذا القياس. # وبالجملة كلما نازعه شيء من الأسباب المخالفة أو اعترضه في طريق كماله ~~جعل الله تعالى ذلك هو السبب في رشد أمره ونجاح طلبته، ولم يزل سبحانه ~~يحوله من حال إلى حال حتى آتاه الحكم والملك ms4029 واجتباه وعلمه من تأويل ~~الأحاديث وأتم نعمته عليه كما وعده أبوه. # وقد بدأ الله سبحانه قصته بذكر رؤيا رآها في بادىء الأمر وهو صبي في حجر ~~أبيه والرؤيا من المبشرات ثم حقق بشارته وأتم كلمته فيه بما خصه به من ~~التربية الإلهية، وهذا هو شأنه تعالى في أوليائه كما قال تعالى: "ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز ~~العظيم": يونس: 64. # وفي قوله تعالى بعد ذكر رؤيا يوسف وتعبير أبيه (عليه السلام) لها: "لقد ~~كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين" إشعار بأنه كان هناك قوم سألوا النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عما يرجع إلى هذه القصة، وهو يؤيد ما ورد أن ~~قوما من اليهود بعثوا مشركي مكة أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عن سبب انتقال بني إسرائيل إلى مصر وقد كان يعقوب (عليه السلام) ساكنا في ~~أرض الشام فنزلت السورة. # وعلى هذا فالغرض بيان قصته (عليه السلام) وقصة آل يعقوب، وقد استخرج ~~تعالى ببيانه ما هو الغرض العالي منها وهو طور ولاية الله لعباده المخلصين ~~كما هو اللائح من مفتتح السورة ومختتمها، والسورة مكية على ما يدل عليه ~~سياق آياتها، وما ورد في بعض الروايات عن ابن عباس أن أربعا من آياتها ~~مدنية، وهي الآيات الثلاث التي في أولها، وقوله "لقد كان في يوسف وإخوته ~~آيات للسائلين" مدفوع بما تشتمل عليه من السياق الواحد. # قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب المبين" الإشارة بلفظ البعيد للتعظيم ~~والتفخيم، والظاهر أن يكون المراد بالكتاب المبين هذا القرآن المتلو وهو ~~مبين واضح في نفسه ومبين موضح لغيره ما ضمنه الله تعالى من المعارف الإلهية ~~وحقائق المبدأ والمعاد. # وقد وصف الكتاب في الآية بالمبين لا كما في قوله في أول سورة يونس: "تلك ~~آيات الكتاب الحكيم" لكون هذه السورة نازلة في شأن قصة آل يعقوب وبيانها، ~~ومن المحتمل أن يكون المراد ms4030 بالكتاب المبين اللوح المحفوظ. PageV11P039 # قوله تعالى: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" الضمير للكتاب بما أنه ~~مشتمل على الآيات الإلهية والمعارف الحقيقية، وإنزاله قرآنا عربيا هو ~~إلباسه في مرحلة الإنزال لباس القراءة والعربية، وجعله لفظا متلوا مطابقا ~~لما يتداوله العرب من اللغة كما قال تعالى في موضع آخر "إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4. # وقوله: "لعلكم تعقلون" من قبيل توسعة الخطاب وتعميمه فإن السورة مفتتحة ~~بخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "تلك آيات الكتاب"، وعلى ذلك يجري ~~بعد كما في قوله: "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك" إلخ. # فمعنى الآية - والله أعلم - أنا جعلنا هذا الكتاب المشتمل على الآيات في ~~مرحلة النزول ملبسا بلباس اللفظ العربي محلى بحليته ليقع في معرض التعقل ~~منك ومن قومك أو أمتك، ولو لم يقلب في وحيه في قالب اللفظ المقرو أو لم ~~يجعل عربيا مبينا لم يعقل قومك ما فيه من أسرار الآيات بل اختص فهمه بك ~~لاختصاصك بوحيه وتعليمه. # وفي ذلك دلالة ما على أن لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعينها بالاستناد ~~إلى الوحي وكونها عربية دخلا في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف، ولو أنه ~~أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعناه وكان اللفظ الحاكي له ~~لفظه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في الأحاديث القدسية مثلا أو ترجم إلى ~~لغة أخرى خفي بعض أسرار آياته البينات عن عقول الناس ولم تنله أيدي تعقلهم ~~وفهمهم. # وعنايته تعالى فيما أوحى من كتابه باللفظ مما لا يرتاب فيه المتدبر في ~~كلامه كيف؟ وقد قسمه إلى المحكمات والمتشابهات وجعل المحكمات أم الكتاب ~~ترجع إليها المتشابهات قال تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات": آل عمران: 7 وقال تعالى أيضا: "ولقد ~~نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين": النحل 103. # قوله تعالى: "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك ms4031 هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين" قال الراغب في المفردات،: القص تتبع الأثر يقال: ~~قصصت أثره، والقصص الأثر قال: فارتدا على آثارهما قصصا، وقالت لأخته قصيه. # قال: والقصص الأخبار المتتبعة قال تعالى: لهو القصص الحق. # في قصصهم عبرة، وقص عليه القصص، نقص عليك أحسن القصص. # انتهى فالقصص هو القصة وأحسن القصص أحسن القصة والحديث، وربما قيل: إنه ~~مصدر بمعنى الاقتصاص. # فإن كان اسم مصدر فقصة يوسف (عليه السلام) أحسن قصة لأنها تصف إخلاص ~~التوحيد في العبودية، وتمثل ولاية الله سبحانه لعبده وأنه يربيه بسلوكه في ~~صراط الحب ورفعه من حضيض الذلة إلى أوج العزة، وأخذه من غيابة جب الإسارة ~~ومربط الرقية وسجن النكال والنقمة إلى عرش العزة وسرير الملك. # وإن كان مصدرا فالاقتصاص عن قصته بالطريق الذي اقتص سبحانه به أحسن ~~الاقتصاص لأنه اقتصاص لقصة الحب والغرام بأعف ما يكون وأستر ما يمكن. # والمعنى - والله أعلم - نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب وحينا هذا القرآن ~~إليك وأنك كنت قبل اقتصاصنا عليك هذه القصة من الغافلين عنها. PageV11P040 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 4 - 6 # إذ قال يوسف لأبيه يأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ~~سجدين (4) قال يبنى لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطن ~~للانسن عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته ~~عليك وعلى ءال يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبرهيم وإسحق إن ربك عليم ~~حكيم (6) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات رؤيا رآها يوسف وقصها على أبيه يعقوب (عليهما السلام) فعبرها ~~أبوه له ونهاه أن يقصها على إخوته، وهذه الرؤيا بشرى بشر الله سبحانه يوسف ~~بها ليكون مادة روحية لتربيته تعالى عبده في صراط الولاية والقرب من ربه، ~~وهي بمنزلة المدخل في قصته (عليه السلام). # قوله تعالى: "إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين" لم يذكر يعقوب (عليه السلام) باسمه بل كنى عنه ~~بالأب للدلالة على ما بينهما من ms4032 صفة الرحمة والرأفة والشفقة كما يدل عليه ~~ما في الآية التالية: "قال يا بني لا تقصص" إلخ. # وقوله: "رأيت" و"رأيتهم" من الرؤيا وهي ما يشاهده النائم في نومته أو ~~الذي خمدت حواسه الظاهرة بإغماء أو ما يشابهه، ويشهد به قوله في الآية ~~التالية: "لا تقصص رؤياك على إخوتك" وقوله في آخر القصة: "يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي". # وتكرار ذكر الرؤية لطول الفصل بين قوله "رأيت" وقوله "لي ساجدين" ومن ~~فائدة التكرير الدلالة على أنه إنما رآهم مجتمعين على السجود جميعا لا فرادى. # على أن ما حصل له من المشاهدة نوعان مختلفان فمشاهدة أشخاص الكواكب ~~والشمس والقمر مشاهدة أمر صوري ومشاهدة سجدتهم وخضوعهم وتعظيمهم له مشاهدة ~~أمر معنوي. # وقد عبر عن الكواكب والنيرين في قوله: "رأيتهم لي ساجدين" بما يختص بأولى ~~العقل - ضمير الجمع المذكر وجمع المذكر السالم - للدلالة على أن سجدتهم ~~كانت عن علم وإرادة كما يسجد واحد من العقلاء لآخر. # وقد افتتح سبحانه قصته (عليه السلام) بذكر هذه الرؤيا التي أراها له وهي ~~بشرى له تمثل له ما سيناله من الولاية الإلهية ويخص به من اجتباء الله إياه ~~وتعليمه تأويل الأحاديث وإتمام نعمته عليه، ومن هناك تبتدىء التربية ~~الإلهية له لأن الذي بشر به في رؤياه لا يزال نصب عينيه في الحياة لا يتحول ~~من حال إلى حال، ولا ينتقل من شأن إلى شأن، ولا يواجه نائبة، ولا يلقى ~~مصيبة، إلا وهو ذاكر لها مستظهر بعناية الله سبحانه عليها موطن نفسه على ~~الصبر عليها. # وهذه هي الحكمة في أن الله سبحانه يخص أولياءه بالبشرى بجمل ما سيكرمهم ~~به من مقام القرب ومنزلة الزلفى كما في قوله: "ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون - إلى أن قال - لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة": يونس: 64. # قوله تعالى: "قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين" ذكر في المفردات،: أن الكيد ضرب من الاحتيال، ~~وقد يكون مذموما وممدوحا وإن كان ms4033 يستعمل في المذموم أكثر وكذلك الاستدراج ~~والمكر. # انتهى. # وقد ذكروا أن الكيد يتعدى بنفسه وباللام. # والآية تدل على أن يعقوب لما سمع ما قصة عليه يوسف من الرؤيا أيقن بما ~~يدل عليه أن يوسف (عليه السلام) سيتولى الله أمره ويرفع قدره، يسنده على ~~أريكة الملك وعرش العزة، ويخصه من بين آل يعقوب بمزيد الكرامة فأشفق على ~~يوسف (عليه السلام) وخاف من إخوته عليه وهم عصبة أقوياء أن لو سمعوا الرؤيا ~~- وهي ظاهرة الانطباق على يعقوب (عليه السلام) وزوجه وأحد عشر من ولده غير ~~يوسف، وظاهرة الدلالة على أنهم جميعا سيخضعون ويسجدون ليوسف - حملهم الكبر ~~والأنفة أن يحسدوه فيكيدوا له كيدا ليحولوا بينه وبين ما تبشره به رؤياه. PageV11P041 # ولذلك خاطب يوسف (عليه السلام) خطاب الإشفاق كما يدل عليه قوله: "يا بني" ~~بلفظ التصغير، ونهاه عن اقتصاص رؤياه على إخوته قبل أن يعبرها له وينبئه ~~بما تدل عليه رؤياه من الكرامة الإلهية المقضية في حقه، ولم يقدم النهي على ~~البشارة إلا لفرط حبه له وشدة اهتمامه به واعتنائه بشأنه، وما كان يتفرس من ~~إخوته أنهم يحسدونه وأنهم امتلئوا منه بغضا وحنقا. # والدليل على بلوغ حسدهم وظهور حنقهم وبغضهم قوله: "لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا" فلم يقل: إني أخاف أن يكيدوا، أو لا آمنهم عليك ~~بتفريع الخوف من كيدهم أو عدم الأمن من جهتهم بل فرع على اقتصاص الرؤيا نفس ~~كيدهم وأكد تحقق الكيد منهم بالمصدر - المفعول المطلق - إذ قال: "فيكيدوا ~~لك كيدا" ثم أكد ذلك بقوله ثانيا في مقام التعليل: "إن الشيطان للإنسان عدو ~~مبين" أي إن لكيدهم سببا آخر منفصلا يؤيد ما عندهم من السبب الذي هو الحسد ~~ويثيره ويهيجه ليؤثر أثره السيىء وهو الشيطان الذي هو عدو للإنسان مبين لا ~~خلة بينه وبينه أبدا يحمل الإنسان بوسوسته وتسويله على أن يخرج من صراط ~~الاستقامة والسعادة إلى سبيل عوج فيه شقاء دنياه وآخرته فيفسد ما بين ~~الوالد وولده وينزع بين الشقيق وشقيقه ويفرق بين الصديق وصديقه ليضلهم عن ms4034 ~~الصراط. # فكأن المعنى: قال يعقوب ليوسف (عليهما السلام): يا بني لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فإنهم يحسدونك ويغتاظون من أمرك فيكيدونك عندئذ بنزغ وإغراء من ~~الشيطان وقد تمكن من قلوبهم ولا يدعهم يعرضوا عن كيدك فإن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين. # قوله تعالى: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك ~~وعلى آل يعقوب" إلى آخر الآية الاجتباء من الجباية وهي الجمع يقال: جبيت ~~الماء في الحوض إذا جمعته فيه، ومنه جباية الخراج أي جمعه قال تعالى: "يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء": القصص: 57 ففي معنى الاجتباء جمع أجزاء الشيء وحفظها ~~من التفرق والتشتت، وفيه سلوك وحركة من الجابي نحو المجبي فاجتباه الله ~~سبحانه عبدا من عباده هو أن يقصده برحمته ويخصه بمزيد كرامته فيجمع شمله ~~ويحفظه من التفرق في السبل المتفرقة الشيطانية المفرقة للإنسان ويركبه ~~صراطه المستقيم وهو أن يتولى أمره ويخصه بنفسه فلا يكون لغيره فيه نصيب كما ~~أخبر تعالى بذلك في يوسف (عليه السلام) إذ قال: "إنه من عبادنا المخلصين": ~~الآية 24 من السورة. # وقوله: "ويعلمك من تأويل الأحاديث" التأويل هو ما ينتهي إليه الرؤيا من ~~الأمر الذي تتعقبه، وهو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه بصورة من ~~الصور المناسبة لمداركه ومشاعره كما تمثل سجدة أبوي يوسف وإخوته الأحد عشر ~~في صورة أحد عشر كوكبا والشمس والقمر وخرورها أمامه ساجدة له، وقد تقدم ~~استيفاء البحث عن معنى التأويل في تفسير قوله تعالى. # "فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" الآية: آل عمران: 7 ~~في الجزء الثالث من الكتاب. # والأحاديث جمع الحديث وربما أريد به الرؤى لأنها من حديث النفس فإن نفس ~~الإنسان تصور له الأمور في المنام كما يصور المحدث لسماعه الأمور في اليقظة ~~فالرؤيا حديث مثله ومنه يظهر ما في قول بعضهم: إن الرؤى سميت أحاديث ~~باعتبار حكايتها والتحديث بها وهو كما ترى. # وكذا ما قيل: إنها سميت أحاديث لأنها من حديث الملك إن كانت صادقة ومن ~~حديث الشيطان إن كانت كاذبة. # انتهى، ms4035 وفيه أنها ربما لم تستند إلى ملك ولا إلى شيطان كالرؤيا المستندة ~~إلى حالة مزاجية عارضة لنائم تأخذه حمى أو سخونة اتفاقية فتحكيها نفسه في ~~صورة حمام يستحم فيه أو حر قيظ ونحوهما أو يتسلط عليه برد فتحكيه نفسه ~~بتصوير الشتاء ونزول الثلج ونحوهما. # ورده بعضهم بأنه يخالف الواقع فإن رؤيا يوسف ليس فيها حديث وكذا رؤيا ~~صاحبيه في السجن ورؤيا ملك مصر انتهى. PageV11P042 # وقد اشتبه عليه معنى الحديث وظن أن المراد بقولهم: إن الرؤيا من حديث الملك ~~أو الشيطان، الحديث على نحو التكليم باللفظ، وليس كذلك بل المراد أن المنام ~~يصور له القصة أو حادثا من الحوادث بصورة مناسبة كما أن تصوره المتكلم ~~اللافظ يصور ذلك بصورة لفظية يستدل بها السامع على الأصل المراد وهذا كما ~~يقال لمن يقصد أمرا ويعزم على فعل أو ترك أنه حدثه نفسه أن يفعل كذا أو ~~يترك كذا أي أنه يصوره فأراد فعله أو تركه كأن نفسه حدثته بأنه يجب عليك ~~كذا أو لا يجوز لك كذا، وبالجملة معنى كون الرؤيا من الأحاديث أنها من قبيل ~~تصور الأمور للنائم كما يتصور الأنباء والقصص بالتحديث اللفظي فهي حديث إما ~~ملكي أو شيطاني أو نفسي كما تقدم لكن الحق أنها من أحاديث النفس بالمباشرة، ~~وسيجيء استيفاء البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. # هذا. # لكن الظاهر المتحصل من قصته (عليه السلام) المسرودة في هذه السورة أن ~~الأحاديث التي علمه الله تعالى تأويلها أعم من أحاديث الرؤيا، وإنما هي ~~الأحاديث أعني الحوادث والوقائع التي تتصور للإنسان أعم من أن تتصور له في ~~يقظة أو منام فإن بين الحوادث والأصول التي تنشأ هي منها والغايات التي ~~تنتهي إليها اتصالا لا يسع إنكاره، وبذلك يرتبط بعضها ببعض فمن الممكن أن ~~يهتدي عبد بإذن الله تعالى إلى هذه الروابط فينكشف له تأويل الأحاديث ~~والحقائق التي تنتهي هي إليها. # ويؤيده فيما يرجع إلى المنام ما حكاه الله تعالى من بيان يعقوب تأويل ~~رؤيا يوسف (عليه السلام)، وتأويل يوسف لرؤيا نفسه ms4036 ورؤيا صاحبيه في السجن ~~ورؤيا عزيز مصر وفيما يرجع إلى اليقظة ما حكاه عن يوسف في السجن بقوله: ~~"قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي": الآية 37 من السورة، وكذا قوله: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون": ~~الآية 15 من السورة وسيوافيك توضيحه إن شاء الله تعالى. # وقوله: "ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب" قال الراغب في المفردات،: النعمة ~~بالكسر فالسكون الحالة الحسنة، وبناء النعمة بناء الحالة التي يكون عليها ~~الإنسان كالجلسة والركبة، والنعمة بالفتح فالسكون التنعم وبناؤها بناء ~~المرة من الفعل كالضربة والشتمة، والنعمة للجنس تقال للقليل والكثير. # قال: والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير، ولا يقال إلا إذا كان الموصل ~~إليه من جنس الناطقين فإنه لا يقال: أنعم فلان على فرسه، قال تعالى: "أنعمت ~~عليهم" "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه" والنعماء بإزاء الضراء. # قال: والنعيم النعمة الكثيرة قال تعالى: "في جنات النعيم" وقال تعالى: ~~"جنات النعيم"، وتنعم تناول ما فيه النعمة وطيب العيش، يقال: نعمه تنعيما ~~فتنعم أي لين عيش وخصب قال تعالى: "فأكرمه ونعمه" وطعام ناعم وجارية ناعمة انتهى. # ففي الكلمة - كما ترى شيء - من معنى اللين والطيب والملاءمة فكأنها ~~مأخوذة من النعومة وهي الأصل في معناها، وقد اختص استعمالها بالإنسان لأن ~~له عقلا يدرك به النافع من الضار فيستطيب النافع ويستلئمه ويتنعم به بخلاف ~~غيره الذي لا يميز ما ينفعه مما يضره، كما أن المال والأولاد وغيرهما مما ~~يعد نعمة يكون نعمة لواحد ونقمة لآخر ونعمة للإنسان في حال ونقمة في أخرى. # ولذا كان القرآن الكريم لا يعد هذه العطايا الإلهية كالمال والجاه ~~والأزواج والأولاد وغير ذلك نعمة بالنسبة إلى الإنسان إلا إذا وقعت في طريق ~~السعادة ومنصبغة بصبغة الولاية الإلهية تقرب الإنسان إلى الله زلفى، وأما ~~إذا وقعت في طريق الشقاء وتحت ولاية الشيطان فإنما هي نقمة وليست بنعمة، ~~والآيات في ذلك كثيرة. PageV11P043 # نعم ms4037 إذا نسبت إلى الله سبحانه فهي نعمة منه وفضل ورحمة لأنه خير يفيض الخير ~~ولا يريد في موهبته شرا ولا سوء، وهو رءوف رحيم غفور ودود، قال تعالى: "وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34 والخطاب في الآية لعامة الناس، ~~وقال تعالى: "وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا": المزمل: 11، وقال ~~تعالى: "ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم": الزمر: 49 فهذه ~~وأمثالها نعمة إذا نسبت إليه تعالى لكنها نقمة إذا نسبت إلى الكافر بها قال ~~تعالى "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7. # وبالجملة إذا كان الإنسان في ولاية الله كان جميع الأسباب التي يتسبب بها ~~في استبقاء الحياة والتوصل إلى السعادة نعما إلهية بالنسبة إليه، وإن كان ~~في ولاية الشيطان تبدلت الجميع نقما وهي جميعا من الله سبحانه نعم وإن كانت ~~مكفورا بها. # ثم إن وسائل الحياة إن كانت ناقصة لا تفي بجميع جهات السعادة في الحياة ~~كانت نعمة كمن أوتي مالا وسلب الأمن والسلام فلا يتمكن من أن يتمتع به كما ~~يريده ومتى وأينما يريده، وإذا كان له من ذلك ما يمكنه التوصل به إلى سعادة ~~الحياة من غير نقص فيه فذلك تمام النعمة. # فقوله: "ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب" يريد أن الله أنعم عليكم بما ~~تسعدون به في حياتكم لكنه يتم ذلك في حقك وفي حق آل يعقوب وهم يعقوب وزوجه ~~وسائر بنيه كما كان رآه في رؤياه. # وقد جعل يوسف (عليه السلام) أصلا وآل يعقوب معطوفا عليه إذ قال: "عليك ~~وعلى آل يعقوب" كما يدل عليه الرؤيا إذ رأى يوسف نفسه مسجودا له ورأى آل ~~يعقوب في هيئة الشمس معها القمر وأحد عشر كوكبا سجدا له. # وقد ذكر الله تعالى مما أتم به النعمة على يوسف (عليه السلام) أنه آتاه ~~الحكم والنبوة والملك والعزة في مصر مضافا إلى أن جعله من المخلصين وعلمه ~~من تأويل الأحاديث، ومما أتم به النعمة على آل يعقوب أنه أقر عين يعقوب ~~بابنه يوسف ms4038 (عليهما السلام)، وجاء به وبأهله جميعا من البدو ورزقهم الحضارة ~~بنزول مصر. # وقوله: "كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق" أي نظير ما أتم ~~النعمة من قبل على إبراهيم وإسحاق وهما أبواك فإنه آتاهما خير الدنيا ~~والآخرة فقوله: "من قبل" متعلق بقوله: "أتمها" وربما احتمل كونه ظرفا ~~مستقرا وصفا لقوله "أبويك" والتقدير كما أتمها على أبويك الكائنين من قبل. # و"إبراهيم وإسحاق" بدل أو عطف بيان لقوله "أبويك" وفائدة هذا السياق ~~الإشعار بكون النعمة مستمرة موروثة في بيت إبراهيم من طريق إسحاق حيث أتمها ~~الله على إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف (عليه السلام) وسائر آل يعقوب. # ومعنى الآية: وكما رأيت في رؤياك يخلصك ربك لنفسه بإنقائك من الشرك فلا ~~يكون فيك نصيب لغيره، ويعلمك من تأويل الأحاديث وهو ما يئول إليه الحوادث ~~المصورة في نوم أو يقظة ويتم نعمته هذه وهي الولاية الإلهية بالنزول في مصر ~~واجتماع الأهل والملك والعزة عليك وعلى أبويك وإخوتك وإنما يفعل ربك بك ذلك ~~لأنه عليم بعباده خبير بحالهم حكيم يجري عليهم ما يستحقونه فهو عليم بحالك ~~وما يستحقونه من غضبه. # والتدبر في الآية الكريمة يعطي: أولا: أن يعقوب أيضا كان من المخلصين وقد ~~علمه الله من تأويل الأحاديث فإنه (عليه السلام) أخبر كما في هذه الآية ~~بتأويل رؤيا يوسف وما كان ليخبر عن خرص وتخمين دون أن يعلمه الله ذلك. # على أن الله بعد ما حكى عنه لبنيه "يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا ~~من أبواب متفرقة" إلخ قال في حقه: "وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون". PageV11P044 # على أنه بعد ما حكى عن يوسف في السجن فيما يحاور صاحبيه أنه قال: "لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ~~ربي" فأخبر أنه من تأويل الحديث وقد علمه ذلك ربه ثم علل التعليم بقوله: ~~"إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وبالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك ms4039 بالله من شيء" إلخ فأخبر أنه ~~مخلص - بفتح اللام - لله كآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب نقي الوجود سليم ~~القلب من الشرك مطلقا ولذلك علمه ربه فيما علمه تأويل الأحاديث، والاشتراك ~~في العلة - كما ترى - يعطي أن آباءه الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب كهو ~~مخلصون لله معلمون من تأويل الأحاديث. # ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر: "واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار: ص: 46 ويعطي أن ~~العلم بتأويل الأحاديث من فروع الإخلاص لله سبحانه. # وثانيا: أن جميع ما أخبر به يعقوب (عليه السلام) منطبق على متن ما رآه ~~يوسف (عليه السلام) من الرؤيا وهو سجدة الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا له ~~وذلك أن سجدتهم له وفيهم يعقوب الذي هو من المخلصين ولا يسجد إلا لله وحده ~~تكشف عن أنهم إنما سجدوا أمام يوسف لله ولم يأخذوا يوسف إلا قبلة كالكعبة ~~التي يسجد إليها ولا يقصد بذلك إلا الله سبحانه فلم يكن عند يوسف ولا له ~~إلا الله تعالى، وهذا هو كون العبد مخلصا - بفتح اللام - لربه مخصوصا به لا ~~يشاركه تعالى فيه شيء كما يومىء إليه يوسف بقوله: "ما كان لنا أن نشرك ~~بالله من شيء" وقد تقدم آنفا أن العلم بتأويل الأحاديث متفرع على الإخلاص. # ومن هنا قال يعقوب في تعبير رؤياه: "وكذلك - أي كما رأيت نفسك مسجودا لها ~~- يجتبيك ربك - أي يخلصك لنفسه - ويعلمك من تأويل الأحاديث". # وكذلك رؤية آل يعقوب في صورة الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا وهي أجرام ~~سماوية رفيعة المكان ساطعة الأنوار واسعة المدارات تدل على أنهم سترتفع ~~مكانتهم ويعلوا كعبهم في حياتهم الإنسانية السعيدة، وهي الحياة الدينية ~~العامرة للدنيا والآخرة ويمتازون في ذلك من غيرهم. # ومن هنا مضى يعقوب في حديثه وقال: "ويتم نعمته عليك - أي وحدك متميزا من ~~غيرك كما رأيت نفسك كذلك - وعلى آل يعقوب - أي علي وعلى زوجي وولدي جميعا ~~كما رأيتنا مجمتمعين متقاربي الصور - كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ~~وإسحاق إن ربك عليم حكيم". ms4040 # وثالثا: أن المراد بإتمام النعمة تعقيب الولاية برفع سائر نواقص الحياة ~~السعيدة وضم الدنيا إلى الآخرة، ولا تنافي بين نسبة إتمام النعمة إلى ~~الجميع وبين اختصاص الاجتباء وتعليم تأويل الأحاديث بيعقوب ويوسف (عليهما ~~السلام) من بينهم لأن النعمة وهي الولاية مختلفة الدرجات متفاوتة المراتب، ~~وحيث نسبت إلى الجميع يأخذ كل منهم نصيبه منها. # على أن من الجائز أن ينسب أمر إلى المجموع باعتبار اشتماله على أجزاء ~~بعضها قائم بمعنى ذلك الأمر كما في قوله: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات": الجاثية: 16 وإيتاء الكتاب والحكم ~~والنبوة مختص ببعضهم دون جميعهم بخلاف الرزق من الطيبات. # ورابعا: أن يوسف كان هو الوسيلة في إتمام الله سبحانه نعمته على آل يعقوب ~~ولذلك جعله يعقوب أصلا في الحديث وعطف عليه غيره حتى ميزه من بين آله ~~وأفرده بالذكر حيث قال: "ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب". # ولذلك أيضا نسب هذه العناية والرحمة إلى ربه حيث قال مرة بعد مرة: "ربك" ~~ولم يقل: "يجتبيك الله" ولا "أن الله عليم حكيم فهذا كله يشهد بأنه هو ~~الأصل في إتمام النعمة على آل يعقوب، وأما أبواه إبراهيم وإسحاق فإن ~~التعبير بما يشعر بالتنظير: "كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق" ~~يخرجهما من تحت أصالة يوسف فافهم ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: تأويل هذه الرؤيا أنه سيملك مصر ويدخل عليه أبواه وإخوته. فأما الشمس ~~فأم يوسف راحيل، والقمر يعقوب، وأما أحد عشر كوكبا فإخوته، فلما دخلوا عليه ~~سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه، وكان ذلك السجود لله. PageV11P045 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن عباس: في قوله تعالى: "أحد عشر ~~كوكبا" قال: إخوته "والشمس" قال: أمه "والقمر" قال: أبوه، ولأمه راحيل ثلث الحسن. # أقول: والروايتان - كما ترى - تفسران الشمس بأمه والقمر بأبيه ولا تخلوان ~~من ضعف، وربما روي أن التي دخلت عليه بمصر هي خالته دون أمه فقد ms4041 ماتت أمه ~~قبل ذلك، وكذلك وردت في التوراة. # وفي تفسير القمي، عن الباقر (عليه السلام): كان له أحد عشر أخا، وكان له ~~من أمه أخ واحد يسمى بنيامين. قال: فرآى يوسف هذه الرؤيا وله تسع سنين ~~فقصها على أبيه فقال: يا بني لا تقصص الآية. # أقول: وفي بعض الروايات أنه كان يومئذ ابن سبع سنين وفي التوراة أنه كان ~~ابن ست عشر سنة. # وهو بعيد. # وفي قصة الرؤيا روايات أخرى سيجيء بعضها في البحث الروائي الآتي إن شاء ~~الله تعالى. PageV11P046 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 7 - 21 # لقد كان فى يوسف وإخوته ءايت للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلل مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ~~يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صلحين (9) قال قائل منهم لا تقتلوا ~~يوسف وألقوه فى غيبت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فعلين (10) قالوا ~~يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لنصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ~~ويلعب وإنا له لحفظون (12) قال إنى ليحزننى أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله ~~الذئب وأنتم عنه غفلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخسرون ~~(14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاءو أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يأبانا ~~إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صدقين (17) وجاءو على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون (18) وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى ~~دلوه قال يبشرى هذا غلم وأسروه بضعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن ~~بخس درهم معدودة وكانوا فيه من الزهدين (20) وقال الذى اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف فى ~~الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (21) ### |||| AUTO بيان # شروع في القصة بعد ذكر ms4042 البشارة التي هي كالمقدمة الملوحة إلى إجمال ~~الغاية التي تنتهي إليها القصة، والآيات تتضمن الفصل الأول من فصول القصة ~~وفيه مفارقة يوسف ليعقوب (عليهما السلام) وخروجه من بيت أبيه إلى استقراره ~~في بيت العزيز بمصر، وقد حدث خلال هذه الأحوال أن ألقاه إخوته في البئر، ~~وأخرجته السيارة منها، وباعه إخوته من السيارة، وهم حملوه إلى مصر وباعوه ~~من العزيز فبقي عنده. # قوله تعالى: "لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين" شروع في القصة وفيه ~~التنبيه على أن القصة مشتملة على آيات إلهية دالة على توحيد الله سبحانه، ~~وأنه هو الولي يلي أمور عباده المخلصين حتى يرفعهم إلى عرش العزة، ويثبتهم ~~في أريكة الكمال فهو تعالى الغالب على أمره يسوق الأسباب إلى حيث يشاء لا ~~إلى حيث يشاء غيره ويستنتج منها ما يريد لا ما هو اللائح الظاهر منها. # فهذه إخوة يوسف (عليه السلام) حسدوا أخاهم وكادوه وألقوه في قعر بئر ثم ~~شروه من السيارة عبدا يريدون بذلك أن يسوقوه إلى الهلاك فأحياه الله بعين ~~هذا السبب اللائح منه الهلاك. # وأن يذللوه فأعزه الله بعين سبب التذليل، ووضعوه فرفعه الله بعين سبب ~~الوضع والخفض، وأن يحولوا حب أبيهم إلى أنفسهم فيخلوا لهم وجه أبيهم فعكس ~~الله الأمر، وذهبوا ببصر أبيهم حيث نعوا إليه يوسف بقميصه الملطخ بالدم ~~فأعاد الله إليه بصره بقميصه الذي جاء به إليه البشير وألقاه على وجهه. PageV11P047 # ولم يزل يوسف (عليه السلام) كلما قصده قاصد بسوء أنجاه الله منه وجعل فيه ~~ظهور كرامته وجمال نفسه، وكلما سير به في مسير أو ركب في سبيل يهديه إلى ~~هلكة أو رزية هداه الله بعين ذلك السبيل إلى غاية حسنة ومنقبة شريفة ظاهرة، ~~وإلى ذلك يشير يوسف (عليه السلام) حيث يعرف نفسه لإخوته ويقول: "أنا يوسف ~~وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين": الآية 91 من السورة، ويقول لأبيه بحضرة من إخوته: "يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ms4043 حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء ~~بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي" ثم تأخذه الجذبية ~~الإلهية فيقبل بكلية نفسه الوالهة إلى ربه ويعرض عن غيره فيقول: "رب قد ~~آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي ~~في الدنيا والآخرة": الآية 101 من السورة. # وفي قوله تعالى: "للسائلين" دلالة على أنه كان هناك جماعة سألوا النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن القصة أو عما يرجع بوجه إلى القصة فأنزلت في ~~هذه السورة. # قوله تعالى: "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا ~~لفي ضلال مبين" ذكر في المجمع، أن العصبة هي الجماعة التي يتعصب بعضها ~~لبعض، ويقع على جماعة من عشرة إلى خمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى ~~الأربعين، ولا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والنفر. # انتهى. # وقوله: "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا" القائلون هم أبناء ~~يعقوب ما خلا يوسف وأخاه الذي ذكروه معه، وكانت عدتهم عشرة وهم رجال أقوياء ~~بيدهم تدبير بيت أبيهم يعقوب وإدارة مواشيه وأمواله كما يدل عليه قولهم: ~~"ونحن عصبة". # وقولهم: "ليوسف وأخوه" بنسبته إلى يوسف مع أنهم جميعا أبناء ليعقوب وإخوة ~~فيما بينهم يشعر بأن يوسف وأخاه هذا كانا أخوين لأم واحدة وأخوين لهؤلاء ~~القائلين لأب فقط، الروايات تذكر أن اسم أخي يوسف هذا "بنيامين"، والسياق ~~يشهد أنهما كانا صغيرين لا يقومان بشيء من أمر بيت يعقوب وتدبير مواشيه ~~وأمواله. # وقولهم: "ونحن عصبة" أي عشرة أقوياء مشدود ضعف بعضنا بقوة بعض، وهو حال ~~عن الجملة السابقة يدل على حسدهم وحنقهم لهما وغيظهم على أبيهم يعقوب في ~~حبه لهما أكثر منهم، وهو بمنزلة تمام التعليل لقولهم بعده: "إن أبانا لفي ~~ضلال مبين". # وقولهم: "إن أبانا لفي ضلال مبين" قضاء منهم على أبيهم بالضلال ويعنون ~~بالضلال الاعوجاج في السليقة وفساد السيرة دون الضلال في الدين. # أما أولا: فلأن ذلك هو مقتضى ما تذاكروا فيما بينهم إنهم ms4044 جماعة إخوان ~~أقوياء متعاضدون متعصب بعضهم لبعض يقومون بتدبير شئون أبيهم الحيوية وإصلاح ~~معاشه ودفع كل مكروه يواجهه، ويوسف وأخوه طفلان صغيران لا يقويان من أمور ~~الحياة على شيء، وليس كل منهما إلا كلا عليه وعليهم، وإذا كان كذلك كان ~~توغل أبيهم في حبهما واشتغاله بكليته بهما دونهم وإقباله عليهما بالإعراض ~~عنهم طريقة معوجة غير مرضية فإن حكمة الحياة تستدعي أن يهتم الإنسان بكل من ~~أسبابه ووسائله على قدر ما له من التأثير، وقصر الإنسان اهتمامه على من هو ~~كل عليه ولا يغني عنه طائلا، والإعراض عمن بيده مفاتيح حياته وأزمة معاشه ~~ليس إلا ضلالا من صراط الاستقامة واعوجاجا في التدبير، وأما الضلال في ~~الدين فله أسباب أخر كالكفر بالله وآياته ومخالفة أوامره ونواهيه. # وأما ثانيا: فلأنهم كانوا مؤمنين بالله مذعنين بنبوة أبيهم يعقوب كما ~~يظهر من قولهم: "وتكونوا من بعده قوما صالحين" وقولهم أخيرا: "يا أبانا ~~استغفر لنا ذنوبنا": الآية 97 من السورة وقولهم ليوسف أخيرا: "تالله لقد ~~آثرك الله علينا" وغير ذلك، ولو أرادوا بقولهم: "إن أبانا لفي ضلال مبين" ~~ضلاله في الدين لكانوا بذلك كافرين. PageV11P048 # وهم مع ذلك كانوا يحبون أباهم ويعظمونه ويوقرونه، وإنما فعلوا بيوسف ما ~~فعلوا ليخلص لهم حب أبيهم كما قالوا: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم ~~وجه أبيكم" فهم - كما يدل عليه هذا السياق - كانوا يحبونه ويحبون أن يخلص ~~لهم حبه، ولو كان خلاف ذلك لانبعثوا بالطبع إلى أن يبدءوا بأبيهم دون أخيهم ~~وأن يقتلوا يعقوب أو يعزلوه أو يستضعفوه حتى يخلو لهم الجو ويصفو لهم الأمر ~~ثم الشأن في يوسف عليهم أهون. # ولقد جبهوا أباهم أخيرا بمثل قولهم هذا حين قال لهم: "إني لأجد ريح يوسف ~~لو لا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم": الآية 95 من السورة، ~~ومن المعلوم أن ليس المراد به الضلال في الدين بل الإفراط في حب يوسف ~~والمبالغة في أمره بما لا ينبغي. # ويظهر من الآية وما يرتبط بها من الآيات أنه كان يعقوب ms4045 (عليه السلام) ~~يسكن البدو وكان له اثنا عشر ابنا وهم أولاد علة، وكان عشرة منهم كبارا هم ~~عصبة أولو قوة وشدة يدور عليهم رحى حياته ويدبر بأيديهم أمور أمواله ~~ومواشيه، وكان اثنان منهم صغيرين أخوين لأم واحدة في حجر أبيهما وهما يوسف ~~وأخوه لأمه وأبيه، وكان يعقوب (عليه السلام) مقبلا إليهما يحبهما حبا شديدا ~~لما يتفرس في ناصيتهما من آثار الكمال والتقوى لا لهوى نفساني فيهما كيف؟ ~~وهو من عباد الله المخلصين الممدوح بمثل قوله تعالى: "إنا أخلصناهم بخالصة ~~ذكرى الدار": ص: 46 وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. # فكان هذا الحب والإيثار يثير حسد سائر الإخوة لهما ويؤجج نائرة الأضغان ~~منهم عليهما ويعقوب (عليه السلام) يتفرس ذلك ويبالغ في حبهما وخاصة في حب ~~يوسف وكان يخافهم عليه ولا يرضى بخلوتهم به ولا يأمنهم عليه وذلك يزيد في ~~حسدهم وغيظهم فصار يتفرس من وجوههم الشر والمكر كما مرت استفادته من قوله ~~فيكيدوا لك كيدا" حتى رأى يوسف الرؤيا وقصها لأبيه فزاد بذلك إشفاق أبيه ~~عليه وازداد حبه له ووجده فيه، وأوصاه أن يكتم رؤياه ولا يخبر إخوته بها ~~لعله يأمن بذلك كيدهم لكن التقدير غلب تدبيره. # فاجتمع الكبار من بني يعقوب وتذاكروا فيما بينهم ما كانوا يشاهدونه من ~~أمر أبيهم وما يصنعه بيوسف وأخيه حيث يشتغل بهما عنهم ويؤثرهما عليهم وهما ~~طفلان صغيران لا يغنيان عنه بطائل وهم عصبة أولو قوة وشدة أركان حياته ~~وأياديه الفعالة في دفع كل رزية عادية وجلب منافع المعيشة وإدارة الأموال ~~والمواشي، وليس من حسن السيرة واستقامة الطريقة إيثار هذين الضعيفين على ~~ضعفهما على أولئك العصبة القوية على قوتهم فذموا سيرة أبيهم وحكموا بأنه في ~~ضلال مبين من جهة طريقته هذه. # ولم يريدوا برمي أبيهم بالضلال الضلال في الدين حتى يكفروا بذلك بل ~~الضلال في مشيته الاجتماعية كما توفرت بذلك شواهد الآيات وقد تقدمت الإشارة إليها. # وبذلك يظهر ما في مختلف التفاسير من الانحراف في تقرير معنى الآية: منها: ~~ما ذكره بعضهم أن هذا الحكم منهم ms4046 بضلال أبيهم عن طريق العدل والمساواة جهل ~~مبين وخطأ كبير لعل سببه اتهام إياه بإفراطه في حب أمهما من قبل فيكون ~~مثاره الأول اختلاف الأمهات بتعدد الزوجات ولا سيما الإماء منهن وهو الذي ~~أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار الأولاد وضعافهم وكانا ~~أصغر أولاده. # قال: ومن فوائد القصة وجوب عناية الوالدين بمداراة الأولاد وتربيتهم على ~~المحبة والعدل، وإنقاء وقوع التحاسد والتباغض بينهم ومنه اجتناب تفضيل ~~بعضهم على بعض بما يعده المفضول إهانة له ومحاباة لأخيه بالهوى، وقد نهى ~~عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مطلقا، ومنه سلوك سبيل الحكمة في ~~تفضيل من فضل الله تعالى بالمواهب الفطرية كمكارم الأخلاق والتقوى والعلم ~~والذكاء. # وما كان يعقوب بالذي يخفى عليه هذا وما نهى يوسف عن قص رؤياه عليهم إلا ~~من علمه بما يجب فيه، ولكن ما يفعل الإنسان بغريزته وقلبه وروحه؟ أيستطيع ~~أن يحول دون سلطانها على جوارحه؟ كلا. # انتهى. PageV11P049 # أما قوله: إن منشأ حسدهم وبغيهم اختلاف الأمهات وخاصة الإماء منهن "إلخ" ~~ففيه: أن استدعاء اختلاف الأمهات اختلاف الأولاد وإن كان مما لا يسوغ ~~إنكاره، ووجود ذلك في المورد محتمل، لكن السبب المذكور في كلامه تعالى لذلك ~~غير هذا، ولو كان هو السبب الوحيد لفعلوا بأخي يوسف ما فعلوا به ولم يقنعوا به. # وأما قوله: "وهو الذي أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار ~~الأولاد وضعافهم" ومفاده أن محبة يعقوب ليوسف إنما كانت رقة وترحما غريزيا ~~منه لصغرهما كما هو المشهود من الآباء بالنسبة إلى صغار أولادهم ما داموا ~~صغارا فإذا كبروا انتقلت إلى من هو أصغر منهم. # ففيه: أن هذا النوع من الحب المشوب بالرقة والترحم مما يسلمه الكبار ~~للصغار وينقطعون عن مزاحمتهم ومعارضتهم في ذلك، ترى كبراء الأولاد إذا ~~شاهدوا زيادة اهتمام الوالدين بصغارهم وضعفائهم واعترضوا بأن ذلك خلاف ~~التعديل والتسوية فأجيبوا بأنهم صغار ضعفاء يجب أن يرق لهم ويرحموا ويعانوا ~~حتى يصلحوا للقيام على ساقهم في أمر الحياة سكتوا وانقطعوا عن الاعتراض ~~وأقنعهم ms4047 ذلك. # فلو كانت صورة حب يعقوب ليوسف وأخيه صورة الرقة والرأفة والرحمة لهما ~~لصغرهما وهي التي يعهدها كل من العصبة في نفسه ويذكرها من أبيه له في حال ~~صغره لم يعيبوها ولم يذموا أباهم عليها ولكان قولهم "ونحن عصبة" دليلا ~~عليهم يدل على ضلالهم في نسبة أبيهم إلى الضلال لا دليلا لهم يدل على ضلال ~~أبيهم في زيادة حبه لهما. # على أنهم قالوا لأبيهم حينما كلموا أباهم في أمر يوسف: "ما لك لا تأمنا ~~على يوسف وإنا له لناصحون" ومن المعلوم أن إكرامه ليوسف وضمه إليه ومراقبته ~~له وعدم أمن أحد منهم عليه، أمر وراء المحبة بالرقة والرحمة له ولصغره وضعفه. # وأما قوله: وما كان يعقوب يخفى عليه هذا إلى آخر ما قال ومعناه أن هوى ~~يعقوب في ابنه صرفه عن الواجب في تربية أولاده على علم منه بأن ذلك خلاف ~~العدل والإنصاف وأنه سيدفعه إلى بلوى في أولاده ثم تعذيره بأن مخالفة هوى ~~القلب وعلقة الروح مما لا يستطيعه الإنسان. # ففيه أنه إفساد للأصول المسلمة العقلية والنقلية التي يستنتج منها حقائق ~~مقامات الأنبياء والعلماء بالله من الصديقين والشهداء والصالحين وما بني ~~عليه البحث عن كرائم الأخلاق أن الإنسان بحسب فطرته في سعة من التخلق بها ~~ومحق الرذائل النفسانية التي أصلها وأساسها اتباع هوى النفس وإيثار مرضاة ~~الله سبحانه على كل مرضاة وبغية، وهذا أمر نرجوه من كل من ارتاض بالرياضات ~~الخلقية من أهل التقوى والورع فما الظن بالأنبياء ثم بمثل يعقوب (عليه ~~السلام) منهم. # وليت شعري إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يخالف هوى نفسه في أمثال هذه ~~الأمور فما معنى هذه الأوامر والنواهي الجمة في الدين المتعلقة بها وهل هي ~~إلا مجازفة صريحة. # على أن فيما ذكره إزراء لمقامات أنبياء الله وأوليائه وحطا لمواقفهم ~~العبودية إلى درجة المتوسطين من الناس أسراء هوى أنفسهم الجاهلين بمقام ~~ربهم، وقد عرف سبحانه الأنبياء بمثل قوله "واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط ~~مستقيم" الأنعام: 87 وقال في يعقوب وأبويه إبراهيم وإسحاق (عليهما السلام): ms4048 ~~"وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاء وكانوا لنا عابدين": الأنبياء: 73، وقال فيهم ~~أيضا: "إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": ص 46. # فأخبر أنه هداهم إلى مستقيم صراطه ولم يقيد ذلك بقيد، وأنه اجتباهم ~~وجمعهم وأخلصهم لنفسه فهم مخلصون - بفتح اللام - لله سبحانه لا يشاركه فيهم مشارك. # فلا يبتغون إلا ما يريده من الحق ولا يؤثرون على مرضاته مرضاة غيره سواء ~~كان ذلك الغير أنفسهم أو غيره، وقد كرر سبحانه في كلامه حكاية إغواء بني ~~آدم عن الشيطان واستثنى المخلصين: "لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين": ص 83. # فالحق أن يعقوب إنما كان يحب يوسف وأخاه في الله سبحانه لما كان يتفرس ~~منهما التقوى والكمال ومن يوسف خاصة ما كانت تدل عليه رؤياه أن الله ~~سيجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب، ولم يكن ~~حبه هوى البتة. PageV11P050 # ومنها ما ذكره بعضهم أن مرادهم من قولهم: "إن أبانا لفي ضلال مبين" ضلاله ~~في الدين، وقد عرفت أن سياق الآيات الكريمة يدفعه. # ويقابل هذا القول بوجه قول آخرين: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء وإنما نسبوا ~~أباهم إلى الضلال في سيرته والعدول في أمرهم عن العدل والاستقامة، وإذا ~~اعترض عليهم بما ارتكبوه من المعصية والظلم في أخيهم وأبيهم. # أجابوا عنه بأن ذلك كانت معصية صغيرة صدرت عنهم قبل النبوة أو لا بأس به ~~بناء على جواز صدور الصغائر عن الأنبياء قبل النبوة وربما أجيب بجواز أن ~~يكونوا حين صدور المعصية صغارا مراهقين ومن الجائز صدور أمثال هذه الأمور ~~عن الأطفال المراهقين. # وهذه أوهام مدفوعة، وليس قوله تعالى: "وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط: النساء: 163 الظاهر في نبوة الأسباط صريحا في إخوة يوسف. # والحق أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء بل كانوا أولاد أنبياء حسدوا يوسف ~~وأذنبوا بما ظلموا يوسف الصديق ثم تابوا إلى ربهم وأصلحوا وقد استغفر لهم ~~يعقوب ويوسف (عليه السلام) كما حكى الله عن أبيهم قوله: "سوف أستغفر لكم ~~ربي": ms4049 الآية: 98 من السورة بعد قولهم: "يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين" وعن يوسف قوله: "يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين": الآية: 92 من ~~السورة بعد اعترافهم له بقولهم: "وإن كنا لخاطئين". # ومنها: قول بعضهم: إن إخوة يوسف إنما حسدوه بعد ما قص عليهم رؤياه وقد ~~كان يعقوب نهاه أن يقص رؤياه على إخوته والحق أن الرؤيا إنما أوجبت زيادة ~~حسدهم وقد لحق بهم الحسد قبل ذلك كما مر بيانه. # قوله تعالى: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من ~~بعده قوما صالحين" تتمة قول إخوة يوسف والآية تتضمن الفصل الثاني من ~~مؤامرتهم في مؤتمرهم الذي عقدوه في أمر يوسف ليرسموا بذلك خطة تريح نفوسهم ~~منه كما ذكره تعالى بقوله: "وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون": ~~الآية 102 من السورة. # وقد ذكر الله سبحانه متن مؤامرتهم في هذه الآيات الثلاث: "قالوا ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة - إلى قوله - إن كنتم فاعلين". # فأوردوا أولا ذكر مصيبتهم في يوسف وأخيه إذ صرفا وجه يعقوب عنهم إلى ~~أنفسهما وجذبا نفسه إليهما عن سائر الأولاد فصار يلتزمها ولا يعبأ بغيرهما ~~ما فعلوا، وهذه محنة حالة بهم توعدهم بخطر عظيم في مستقبل الأمر فيه سقوط ~~شخصيتهم وخيبة مسعاهم وذلتهم بعد العزة وضعفهم بعد القوة، وهو انحراف من ~~يعقوب في سيرته وطريقته. # ثم تذاكروا ثانيا في طريق التخلص من الرزية بطرح كل منهم ما هيأه من ~~الخطة ويراه من الرأي فأشار بعضهم إلى لزوم قتل يوسف، وآخرون إلى طرحه أرضا ~~بعيدة لا يستطيع معه العود إلى أبيه واللحوق بأهله فينسى بذلك اسمه ويمحو ~~رسمه فيخلو وجه أبيهم لهم وينبسط حبه وحبائه فيهم. # ثم اتفقوا على ما يقرب من الرأي الثاني وهو أن يلقوه في قعر بئر ليلتقطه ~~بعض السيارة ويذهبوا به إلى بعض البلاد النائية البعيدة فينقطع بذلك خبره ~~ويعفى أثره. # فقوله تعالى: "اقتلوا يوسف" حكاية لأحد الرأيين منهم في أمره، وفي ذكرهم ~~يوسف وحده - وقد ms4050 ذكروا في مفتتح كلامهم في المؤامرة يوسف وأخاه معا: "ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا" - دليل على أنه كان مخصوصا بمزيد حب يعقوب وبلوغ ~~عنايته واهتمامه وإن كان أخوه أيضا محبوا بالحب والإكرام من بينهم وكيف لا؟ ~~ويوسف هو الذي رأى الرؤيا وبشر بأخص العنايات الإلهية والكرامات الغيبية، ~~وقد كان أكبرهما والخطر المتوجه من قبله إليهم أقرب مما من قبل أخيه، ولعل ~~في ذكر الأخوين معا إشارة إلى حب يعقوب لأمهما الموجب لحبه بالطبع لهما ~~وتهييج حسد الإخوة وغيظهم وحقدهم بالنسبة إليهما. # وقوله: "أو اطرحوه أرضا" حكاية رأيهم الثاني فيه، والمعنى صيروه أو غربوه ~~في أرض لا يقدر معه على العود إلى بيت أبيه فيكون كالمقتول ينقطع أثره ~~ويستراح من خطره كإلقائه في بئر أو تغريبه إلى مكان ناء ونظير ذلك. # والدليل عليه تنكير "أرض" ولفظ الطرح الذي يستعمل في إلقاء الإنسان ~~المتاع أو الأثاث الذي يستغني عنه ولا ينتفع به للإعراض عنه. PageV11P051 # وفي نسبة الرأيين بالترديد إليهم، دليل على أن مجموع الرأيين كان هو المرضي ~~عند أكثر الإخوة حتى قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف إلخ. # وقوله: "يخل لكم وجه أبيكم" أي افعلوا به أحد الأمرين حتى يخلو لكم وجه ~~أبيكم وهو كناية عن خلوص حبه لهم بارتفاع المانع الذي يجلب الحب والعطف إلى ~~نفسه كأنهم ويوسف إذا اجتمعوا وأباهم حال يوسف بينه وبينهم وصرف وجهه إلى ~~نفسه فإذا ارتفع خلا وجه أبيهم لهم واختص حبه بهم وانحصر إقباله عليهم. # وقوله: "وتكونوا من بعده قوما صالحين" أي وتكونوا من بعد يوسف أو من بعد ~~قتله أو نفيه - والمال واحد - قوما صالحين بالتوبة من هذه المعصية. # وفي هذا دليل على أنهم كانوا يرونه ذنبا، وإثما، وكانوا يحترمون أمر ~~الدين ويقدسونه لكن غلبهم الحسد وسولت لهم أنفسهم اقتراف الذنب وارتكاب ~~المظلمة وآمنهم من عقوبة الذنب بتلقين طريق يمكنهم من الاقتراف من غير لزوم ~~العقوبة الإلهية وهو أن يقترفوا الذنب ثم يتوبوا. # وهذا من الجهل فإن التوبة التي شأنها هذا الشأن غير ms4051 مقبولة البتة فإن من ~~يوطن نفسه من قبل على المعصية ثم التوبة منها لا يقصد بتوبته الرجوع إلى ~~الله والخضوع لمقامه حقيقة بل إنما يقصد المكر بربه في دفع ما أوعده من ~~العذاب والعقوبة مع المخالفة لأمره أو نهيه، فتوبته ذيل لما وطن عليه نفسه ~~أولا: أن يذنب فيتوب فهي في الحقيقة تتمة ما رامه أولا من نوع المعصية وهو ~~الذنب الذي تعقبه توبة وليست رجوعا إلى ربه بالندم على ما فعل. # وقد تقدم البحث عن معنى التوبة في تفسير قوله تعالى: "إنما التوبة على ~~الله للذين يعملون السوء بجهالة" الآية:. النساء: 17 في الجزء الرابع من ~~الكتاب. # وقيل المراد بالصلاح في الآية صلاح الأمر من حيث سعادة الحياة الدنيا ~~وانتظام الأمور فيها والمعنى وتكونوا من بعده قوما صالحين بصلاح أمركم مع أبيكم. # قوله تعالى: "قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه ~~بعض السيارة إن كنتم فاعلين" الجب هو البئر التي لم يطو أي لم يبن داخلها ~~بالحجارة، وإن بني بها سميت البئر طويا، والغيابة بفتح الغين المنهبط من ~~الأرض الذي يغيب ما فيه من الأنظار وغيابة الجب قعره الذي لا يرى لما فيه ~~من الظلمة. # وقد اختار هذا القائل الرأي الثاني المذكور في الآية السابقة الذي يشير ~~إليه قوله: "أو اطرحوه أرضا" إلا أنه قيده بما يؤمن معه القتل أو أمر آخر ~~يؤدي إلى هلاكه كأن يلقى في بئر ويترك فيها حتى يموت جوعا أو ما يشاكل ذلك، ~~فما أبداه من الرأي يتضمن نفي يوسف من الأرض من غير أن يتسبب إلى هلاكه ~~بقتل أو موت أو نقص يشبهه فيكون إهلاكا لذي رحم، وهو أن يلقى في بعض الآبار ~~التي على طريق المارة حتى يعثروا به عند الاستقاء فيأخذوه ويسيروا به إلى ~~بلاد نائية تعفو أثره وتقطع خبره، والسياق يشهد بأنهم ارتضوا هذا الرأي إذ ~~لم يذكر رد منهم بالنسبة إليه وقد جرى عملهم عليه كما هو مذكور في الآيات ~~التالية. # واختلف المفسرون في اسم ms4052 هذا القائل بعد القطع بأنه كان أحد إخوته لقوله ~~تعالى "قال قائل منهم" فقيل: هو روبين ابن خالة يوسف، وقيل: هو يهوذا، وقد ~~كان أسنهم وأعقلهم، وقيل: هو لاوى، ولا يهمنا البحث فيه بعد ما سكت القرآن ~~عن تعريفه باسمه لعدم ترتب فائدة هامة عليه. # وذكر بعضهم: أن تعريف الجب باللام يدل على أنه كان جبا معهودا فيما بينهم. # وهو حسن لو لم يكن اللام للجنس، وقد اختلفوا أيضا في أن هذا الجب أين ~~كان؟ هو على أقوال مختلفة لا يترتب على شيء منها فائدة طائلة. # قوله تعالى: "قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون" ~~أصل "لا تأمنا" لا تأمننا ثم أدغم بالإدغام الكبير. # والآية تدل على أن الإخوة أجمعوا على قول القائل: لا تقتلوا يوسف وألقوه ~~في غيابة الجب، وأجمعوا على أن يمكروا بأبيهم فيأخذوا يوسف ويفعلوا به ما ~~عزموا عليه وقد كان أبوهم لا يأمنهم على يوسف ولا يخليه وإياهم فكان من ~~الواجب قبلا أن يزكوا أنفسهم عند أبيهم ويجلوا قلبه من كدر الشبهة ~~والارتياب حتى يتمكنوا من أخذه والذهاب به. PageV11P052 # ولذلك جاءوا أباهم وخاطبوه بقولهم: "يا أبانا - وفيه إثارة للعطف والرحمة ~~وإيثار للمودة - ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون" أي والحال أنا ~~لا نريد به إلا الخير ولا نبتغي إلا ما يرضيه ويسره. # ثم سألوه ما يريدونه وهو أن يرسله معهم إلى مرتعهم الذي كانوا يخرجون ~~إليه ماشيتهم وغنمهم ليرتع ويلعب هناك، وهم حافظون له فقالوا: "أرسله معنا" إلخ. # قوله تعالى: "أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون" الرتع هو توسع ~~الحيوان في الرعي والإنسان في التنزه وأكل الفواكه ونحو ذلك. # وقولهم "أرسله معنا غدا يرتع ويلعب" اقتراح لمسئولهم كما تقدمت الإشارة ~~إليه وقولهم: "وإنا له لحافظون" أكدوه بوجوه التأكيد: إن واللام والجملة ~~الاسمية على وزان قولهم: "وإنا له لناصحون" كما يدل أن كل واحدة من ~~الجملتين تتضمن نوعا من التطيب لنفس أبيهم كأنهم قالوا: ما لك لا ms4053 تأمنا على ~~يوسف فإن كنت تخاف عليه إيانا معشر الإخوة كأن نقصده بسوء فإنا له لناصحون ~~وإن كنت تخاف عليه غيرنا مما يصيبه أو يقصده بسوء كان يدهمه المكروه ونحن ~~مساهلون في حفظه ومستهينون في كلاءته فإنا له لحافظون. # فالكلام مسوق على ترتيبه الطبعي: ذكروا أولا أنه في أمن من ناحيتهم دائما ~~ثم سألوا أن يرسله معهم غداة غد ثم ذكروا أنهم حافظون له ما دام عندهم، ~~وبذلك يظهر أن قولهم: "وإنا له لناصحون" تأمين له دائمي من ناحية أنفسهم، ~~وقولهم: "وإنا له لحافظون" تأمين له موقت من غيرهم. # قوله تعالى: "قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ~~عنه غافلون" هذا ما ذكر أبوهم جوابا لما سألوه، ولم ينف عن نفسه أنه لا ~~يأمنهم عليه وإنما ذكر ما يأخذه من الحالة النفسانية لو ذهبوا به فقال وقد ~~أكد كلامه: "إني ليحزنني أن تذهبوا به" وقد كشف عن المانع أنه نفسه التي ~~يحزنها ذهابهم به ولا ذهابهم به الموجب لحزنه تلطفا في الجواب معهم ولئلا ~~يهيج ذلك عنادهم ولجاجهم وهو من لطائف النكت. # واعتذر إليهم في ذلك بقوله: "وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون" وهو ~~عذر موجه فإن الصحاري ذوات المراتع التي تأوي إليها المواشي وترتع فيها ~~الأغنام لا تخلو طبعا من ذئاب أو سباع تقصدها وتكمن فيها للافتراس ~~والاصطياد فمن الجائز أن يقبلوا على بعض شأنهم ويغفلوا عنه فيأكله الذئب. # قوله تعالى: "قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون" تجاهلوا ~~لأبيهم كأنهم لم يفقهوا إلا أنه يأمنهم عليه لكن يخاف أن يأكله الذئب على ~~حين غفلة منهم فردوه رد منكر مستغرب، وذكروا لتطيب نفسه أنهم جماعة أقوياء ~~متعاضدون ذوو بأس وشدة، وأقسموا بالله إن أكل الذئب إياه وهم عصبة يقضي ~~بخسرانهم ولن يكونوا خاسرين البتة، وإنما أقسموا - كما يدل عليه لام القسم ~~- ليطيبوا نفسه ويذهبوا بحزنه فلا يمنعهم من الذهاب به، وهذا شائع في ~~الكلام "وفي الكلام وعد ضمني منهم له أنهم لن ms4054 يغفلوا" لكنهم لم يلبثوا يوما ~~حتى كذبوا أنفسهم فيما أقسموا له وأخلفوه ما وعدوه إذ قالوا: "يا أبانا إنا ~~ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب" الآية. # قوله تعالى: "ولما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب قال الراغب: ~~أجمعت على كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة نحو فأجمعوا ~~أمركم وشركاءكم. # قال: ويقال أجمع المسلمون على كذا اتفقت آراؤهم عليه. # انتهى. # وفي المجمع،: أجمعوا أي عزموا جميعا أن يجعلوه في غيابة الجب أي قعر ~~البئر واتفقت دواعيهم عليه فإن من دعاه داع واحد إلى الشيء لا يقال فيه أنه ~~أجمع عليه فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي. # انتهى. # والآية تشعر بأنهم أقنعوا أباهم بما قالوا له من القول وأرضوه أن لا ~~يمنعهم أن يخرجوا يوسف معهم إلى الصحراء فحملوه معهم لإنفاذ ما أزمعوا عليه ~~من إلقائه في غيابة الجب. PageV11P053 # وجواب لما محذوف للدلالة على فجاعة الأمر وفظاعته، وهي صنعة شائعة في ~~الكلام ترى المتكلم يصف أمرا فظيعا كقتل فجيع يحترق به القلب ولا يطيقه ~~السمع فيشرع في بيان أسبابه والأحوال التي تؤدي إليه فيجري في وصفه حتى إذا ~~بلغ نفس الحادثة سكت سكوتا عميقا ثم وصف ما بعد القتل من الحوادث فيدل بذلك ~~على أن صفة القتل بلغت من الفجاعة مبلغا لا يسع المتكلم أن يصرح به ولا ~~يطيق السامع أن يسمعه. # فكأن الذي يصف القصة - عز اسمه - لما قال: "ولما ذهبوا به وأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيابة الجب" سكت مليا وأمسك عن ذكر ما فعلوا به أسى وأسفا لأن ~~السمع لا يطيق وعي ما فعلوا بهذا الطفل المعصوم المظلوم النبي ابن الأنبياء ~~ولم يأت بجرم يستحق به شيئا مما ارتكبوه فيه وهم إخوته وهم يعلمون مبلغ حب ~~أبيه النبي الكريم يعقوب له فيا قاتل الله الحسد يهلك شقيقا مثل يوسف ~~الصديق بأيدي إخوته، ويثكل أبا كريما مثل يعقوب بأيدي أبنائه، ويزين بغيا ~~شنيعا كهذا في أعين رجال ربوا في حجر النبوة ونشئوا في بيت ms4055 الأنبياء. # ولما حصل الغرض بالسكوت عن جواب لما جرى سبحانه في ذيل القصة فقال: ~~"وأوحينا إليه" إلخ. # قوله تعالى: "وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون" الضمير ~~ليوسف وظاهر الوحي أنه من وحي النبوة، والمراد بأمرهم هذا إلقاؤهم إياه في ~~غيابة الجب، وكذا الظاهر أن جملة "وهم لا يشعرون" حال من الإيحاء المدلول ~~عليه بقوله: "وأوحينا" "إلخ" ومتعلق "لا يشعرون" هو الأمر أي لا يشعرون ~~بحقيقة أمرهم هذا أو الإيحاء أي وهم لا يشعرون بما أوحينا إليه. # والمعنى - والله أعلم - وأوحينا إلى يوسف أقسم لتخبرنهم بحقيقة أمرهم هذا ~~وتأويل ما فعلوا بك فإنهم يرونه نفيا لشخصك وإنساء لاسمك وإطفاء لنورك ~~وتذليلا لك وحطا لقدرك وهو في الحقيقة تقريب لك إلى أريكة العزة وعرش ~~المملكة وإحياء لذكرك وإتمام لنورك ورفع لقدرك وهم لا يشعرون بهذه الحقيقة ~~وستنبئهم بذلك وهو قوله لهم وقد اتكى على أريكة العزة وهم قيام أمامه ~~يسترحمونه بقولهم: "يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ~~فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين" إذ قال: "هل علمتم ما ~~فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون - إلى أن قال - أنا يوسف وهذا أخي قد من ~~الله علينا" إلخ. # انظر إلى موضع قوله: "هل علمتم" فإنه إشارة إلى أن هذا الذي تشاهدونه ~~اليوم من الحال هو حقيقة ما فعلتم بيوسف، وقوله: "إذ أنتم جاهلون" فإنه ~~يحاذي من هذه الآية التي نحن فيها قوله: "وهم لا يشعرون". # وقيل: في معنى الآية وجوه أخر: منها: أنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في ~~وقت لا يعرفونك، وهو الذي أخبرهم به في مصر وهم لا يعرفونه ثم عرفهم نفسه. # ومنها: أن المراد بإنبائه إياهم مجازاتهم بسوء ما فعلوا كمن يتوعد من ~~أساء إليه فيقول: لأنبئنك ولأعرفنك. # ومنها: قول بعضهم كما روي عن ابن عباس أن المراد بإنبائه إياهم بأمرهم ما ~~جرى له مع إخوته بمصر حيث رآهم فعرفهم وهم له منكرون فأخذ جاما فنقره فظن ~~فقال: إن هذا الجام يخبرني أنكم ms4056 كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب ~~وبعتموه بثمن بخس. # وهذه وجوه لا تخلو من سخافة والوجه ما قدمناه، وقد كثر ورود هذه اللفظة ~~في كلامه تعالى في معنى بيان حقيقة العمل كقوله تعالى: "إلى الله مرجعكم ~~جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون": المائدة: 105 وقوله: "وسوف ينبئهم الله ~~بما كانوا يصنعون": المائدة: 14 وقوله: "يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا": المجادلة: 6 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة. # ومنها: قول بعضهم إن المعنى وأوحينا إليه ستخبرهم بما فعلوا بك وهم لا ~~يشعرون بهذا الوحي. # وهذا الوجه غير بعيد لكن الشأن في بيان نكتة لتقييد الكلام بهذا القيد ~~ولا حاجة إليه ظاهرا. # ومنها: قول بعضهم: إن معنى الآية لتخبرنهم برقي حياتك وعزتك وملكك بأمرهم ~~هذا إذ يظهرك الله عليهم ويذلهم لك ويجعل رؤياك حقا وهم لا يشعرون يومئذ ~~بما آتاك الله. # وعمدة الفرق بين هذا القول وما قدمناه من الوجه أن في هذا القول صرف ~~الإنباء عن الإنباء الكلامي إلى الإنباء بالحال الخارجي والوضع العيني، ولا ~~موجب له بعد ما حكاه سبحانه عنه قوله: "هل علمتم ما فعلتم بيوسف" إلخ. PageV11P054 # قوله تعالى: "وجاءوا أباهم عشاء يبكون" العشاء آخر النهار، وقيل: من صلاة ~~المغرب إلى العتمة، وإنما كانوا يبكون ليلبسوا الأمر على أبيهم فيصدقهم ~~فيما يقولون ولا يكذبهم. # قوله تعالى: "قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا ~~فأكله الذئب" إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات،: أصل السبق التقدم في ~~السير نحو "فالسابقات سبقا" والاستباق التسابق وقال: "إنا ذهبنا نستبق" ~~"واستبقا الباب" انتهى، وقال الزمخشري في الكشاف،: نستبق أي نتسابق، ~~والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل والارتماء والترامي وغير ~~ذلك، والمعنى نتسابق في العدو أو في الرمي. # انتهى. # وقال صاحب المنار في تفسيره،: إنا ذهبنا نستبق أي ذهبنا من مكان اجتماعنا ~~إلى السباق يتكلف كل منا أن يسبق غيره فالاستباق تكلف السبق وهو الغرض من ~~المسابقة والتسابق بصيغتي المشاركة التي يقصد بها الغلب. # وقد يقصد لذاته أو ms4057 لغرض آخر في السبق، ومنه "فاستبقوا الخيرات" فهذا يقصد ~~به السبق لذاته لا للغلب، وقوله الآتي في هذه السورة "واستبقا الباب" كان ~~يقصد به يوسف الخروج من الدار هربا من حيث تقصد امرأة العزيز باتباعه ~~إرجاعه، وصيغة المشاركة لا تؤدي هذا المعنى، ولم يفطن الزمخشري علامة اللغة ~~ومن تبعه لهذا الفرق الدقيق انتهى. # أقول: والذي مثل به من قوله تعالى: "فاستبقوا الخيرات" من موارد الغلب ~~فإن من المندوب شرعا أن لا يؤثر الإنسان غيره على نفسه في الخيرات ~~والمثوبات والقربات وأن يتقدم على من دونه في حيازه البركات فينطبق ~~الاستباق حينئذ قهرا على التسابق وكذا قوله تعالى: "واستبقا الباب" فإن ~~المراد به قطعا أن كلا منها كان يريد أن يسبق الآخر إلى الباب هذا ليفتحه ~~وهذه لتمنعه من الفتح وهو معنى التسابق فالحق أن معنيي الاستباق والتسابق ~~متحدان صدقا على المورد، وفي الصحاح،: سابقته فسبقته سبقا واستبقنا في ~~العدو أي تسابقنا. # انتهى، وفي لسان العرب،: سابقته فسبقته، واستبقنا في العدو، أي تسابقنا. # انتهى. # ولعل الوجه في تصادق استبق وتسابق أن نفس السبق معنى إضافي في نفسه، وزنة ~~"افتعل" تفيد تأكد معنى "فعل" وإمعان الفاعل في فعله وأخذه حلية لنفسه كما ~~يشاهد في مثل كسب واكتسب وحمل واحتمل وصبر واصطبر وقرب واقترب وخفي واختفى ~~وجهد واجتهد ونظائرها، وطرو هذه الخصوصية على معنى السبق على ما به من ~~الإضافة يفيد جهد الفاعل أن يخص السبق لنفسه ولا يتم إلا مع تسابق في ~~المورد. # وقوله: "بمؤمن لنا" أي بمصدق لقولنا، والإيمان يتعدى باللام كما يتعدى ~~بالباء قال تعالى: "فآمن له لوط": العنكبوت: 26. # والمعنى - أنهم حينما جاءوا أباهم عشاء يبكون - قالوا لأبيهم: يا أبانا ~~إنا معشر الإخوة ذهبنا إلى البيداء نتسابق في عدو أو رمي - ولعله كان في ~~عدو - فإن ذلك أبلغ في إبعادهم من رحلهم ومتاعهم وكان عنده يوسف على ما ~~ذكروا - وتركنا يوسف عند رحلنا ومتاعنا فأكله الذئب، ومن خيبتنا ومسكنتنا ~~أنك لست بمصدق لنا فيما نقوله ونخبر به ولو كنا صادقين ms4058 فيه. # وقولهم: "وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين" كلام يأتي بمثله المعتذر إذا ~~انقطع عن الأسباب وانسدت عليه طرق الحيلة، للدلالة على أن كلامه غير موجه ~~عند من يعتذر إليه وعذره غير مسموع وهو يعلم بذلك لكنه مع ذلك مضطر أن يخبر ~~بالحق ويكشف عن الصدق وإن كان غير مصدق فيه، فهو كناية عن الصدق في المقال. # قوله تعالى: "وجاءوا على قميصه بدم كذب" الكذب بالفتح فالكسر مصدر أريد ~~به الفاعل للمبالغة أي بدم كاذب بين الكذب. # وفي الآية إشعار بأن القميص وعليه دم - وقد نكر الدم للدلالة على هوان ~~دلالته وضعفها على ما وصفوه - كان على صفة تكشف عن كذبهم في مقالهم فإن من ~~افترسته السباع وأكلته لم تترك له قميصا سالما غير ممزق. # وهذا شأن الكذب لا يخلو الحديث الكاذب ولا الأحدوثة الكاذبة من تناف بين ~~أجزائه وتناقض بين أطرافه أو شواهد من أوضاع وأحوال خارجية تحف به وتنادي ~~بالصدق وتكشف القناع عن قبيح سريرته وباطنه وإن حسنت صورته. # كلام في أن الكذب لا يفلح PageV11P055 من المجرب أن الكذب لا يدوم على اعتباره وإن الكاذب لا يلبث دون أن يأتي ~~بما يكذبه أو يظهر ما يكشف القناع عن بطلان ما أخبر به أو ادعاه، والوجه ~~فيه أن الكون يجري على نظام يرتبط به بعض أجزائه ببعض بنسب وإضافات غير ~~متغيرة ولا متبدلة فلكل حادث من الحوادث الخارجية الواقعة لوازم وملزومات ~~متناسبة لا ينفك بعضها من بعض، ولها جميعا فيما بينها أحكام وآثار يتصل ~~بعضها ببعض، ولو اختل واحد منها لاختل الجميع وسلامة الواحد تدل على سلامة ~~السلسلة. # وهذا قانون كلي غير قابل لورود الاستثناء عليه. # فلو انتقل مثلا جسم من مكان إلى مكان آخر في زمان كان من لوازمه أن يفارق ~~المكان الأول ويبتعد منه ويغيب عنه وعن كل ما يلازمه ويتصل به ويخلو عنه ~~المكان الأول ويشغل به الثاني وأن يقطع ما بينهما من الفصل إلى غير ذلك من ~~اللوازم، ولو اختل واحد منها كأن يكون ms4059 في الزمان المفروض شاغلا للمكان ~~الأول اختلت جميع اللوازم المحتفة به. # وليس في وسع الإنسان ولا أي سبب مفروض إذا ستر شيئا من الحقائق الكونية ~~بنوع من التلبيس أن يستر جميع اللوازمات والملزومات المرتبطة به أو أن ~~يخرجها عن محالها الواقعية أو يحرفها عن مجراها الكونية فإن ألقى سترا على ~~واحدة منها ظهرت الأخرى وإلا فالثالثه وهكذا. # ومن هنا كانت الدولة للحق وإن كانت للباطل جولة، وكانت القيمة للصدق وإن ~~تعلقت الرغبة أحيانا بالكذب قال تعالى: "إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار": ~~الزمر: 3 وقال: "إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب": المؤمن: 28. # وقال: "إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون": النحل: 116 وقال: "بل ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج": ق: 5 وذلك أنهم لما عدوا الحق ~~كذبا بنوا على الباطل واعتمدوا عليه في حياتهم فوقعوا في نظام مختل يناقض ~~بعض أجزائه بعضا ويدفع طرف منه طرفا. # قوله تعالى: "قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون" هذا جواب يعقوب وقد فوجىء بنعي ابنه وحبيبه يوسف دخلوا عليه وليس ~~معهم يوسف وهم يبكون يخبرونه أن يوسف قد أكله الذئب وهذا قميصه الملطخ ~~بالدم، وقد كان يعلم بمبلغ حسدهم له وهم قد انتزعوه من يده بإلحاح وإصرار ~~وجاءوا بقميصه وعليه دم كذب ينادي بكذبهم فيما قالوه وأخبروا به. # فأضرب عن قولهم: "إنا ذهبنا نستبق" إلخ بقوله: "بل سولت لكم أنفسكم أمرا" ~~والتسويل الوسوسة أي ليس الأمر على ما تخبرون بل وسوست لكم أنفسكم فيه ~~أمرا، وأبهم الأمر ولم يعينه ثم أخبر أنه صابر في ذلك من غير أن يؤاخذهم ~~وينتقم منهم لنفسه انتقاما وإنما يكظم ما هجم نفسه كظما. # فقوله: "بل سولت لكم أنفسكم أمرا" تكذيب لما أخبروا به من أمر يوسف وبيان ~~أنه على علم من أن فقد يوسف لا يستند إلى ما ذكروه من افتراس السبع وإنما ~~يستند إلى مكر مكروه وتسويل من أنفسهم لهم، والكلام بمنزلة ms4060 التوطئة لما ~~ذكره بعد من قوله: "فصبر جميل" إلى آخر الآية. # وقوله فصبر جميل مدح للصبر وهو من قبيل وضع السبب موضع المسبب والتقدير: ~~سأصبر على ما أصابني فإن الصبر جميل وتنكير الصبر وحذف صفته وإبهامها ~~للإشارة إلى فخامة أمره وعظم شأنه أو مرارة طعمه وصعوبة تحمله. # وقد فرع قوله: "فصبر جميل" على ما تقدم للإشعار بأن الأسباب التي أحاطت ~~به وأفرغت عليه هذه المصيبة هي بحيث لا يسمع له معها إلا أن يسلك سبيل ~~الصبر، وذلك أنه (عليه السلام) فقد أحب الناس إليه يوسف وهو ذا يذكر له أنه ~~صار أكلة للذئب وهذا قميصه ملطخا بالدم وهو يرى أنهم كاذبون فيما يخبرونه ~~به، ويرى أن لهم صنعا في افتقاده ومكرا في أمره ولا طريق له إلى التحقيق ~~فيما جرى على يوسف والتجسس مما آل إليه أمره وأين هو؟ وما حاله؟ فإنما ~~أعوانه على أمثال هذه النوائب وأعضاده لدفع ما يقصده من المكاره إنما هم ~~أبناؤه وهم عصبة أولوا قوة وشدة فإذا كانوا هم الأسباب لنزول النائبة ووقوع ~~المصيبة فبمن يقع فيهم؟ وبما ذا يدفعهم عن نفسه؟ فلا يسعه إلا الصبر. PageV11P056 # غير أن الصبر ليس هو أن يتحمل الإنسان ما حمله من الرزية وينقاد لمن يقصده ~~بالسوء انقيادا مطلقا كالأرض الميتة التي تطؤها الأقدام وتلعب بها الأيدي ~~فإن الله سبحانه طبع الإنسان على دفع المكروه عن نفسه وجهزه بما يقدم به ~~على النوائب والرزايا ما استطاع، ولا فضيلة في إبطال هذه الغريزة الإلهية ~~بل الصبر هو الاستقامة في القلب وحفظ النظام النفساني الذي به يستقيم أمر ~~الحياة الإنسانية من الاختلال، وضبط الجمعية الداخلية من التفرق والتلاشي ~~ونسيان التدبير واختباط الفكر وفساد الرأي فالصابرون هم القائمون في ~~النوائب على ساق لا تزيلهم هجمات المكاره، وغيرهم المنهزمون عند أول هجمة ~~ثم لا يلوون على شيء. # ومن هنا يعلم أن الصبر نعم السبيل على مقاومة النائبة وكسر سورتها إلا ~~أنه ليس تمام السبب في إعادة العافية وإرجاع السلامة فهو كالحصن يتحصن به ~~الإنسان ms4061 لدفع العدو المهاجم، وأما عود نعمة الأمن والسلامة وحرية الحياة ~~فربما احتاج إلى سبب آخر يجر إليه الفوز والظفر، وهذا السبب في ملة التوحيد ~~هو الله عز سلطانه فعلى الإنسان الموحد إذا نابته نائبة ونزلت عليه مصيبة ~~أن يتحصن أولا بالصبر حتى لا يختل ما في داخله من النظام العبودي ولا ~~يتلاشى معسكر قواه ومشاعره ثم يتوكل على ربه الذي هو فوق كل سبب راجيا أن ~~يدفع عنه الشر ويوجه أمره إلى غاية صلاح حاله، والله سبحانه غالب على أمره، ~~وقد تقدم شيء من هذا البحث في تفسير قوله تعالى: "واستعينوا بالصبر ~~والصلاة": البقرة: 45 في الجزء الأول من الكتاب. # ولهذا كله لما قال يعقوب (عليه السلام): "فصبر جميل" عقبه بقوله: "والله ~~المستعان على ما تصفون" فتمم كلمة الصبر بكلمة التوكل نظير ما أتى به في ~~قوله في الآيات المستقبلة: "فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو ~~العليم الحكيم": الآية 83 من السورة. # فقوله: "والله المستعان على ما تصفون" - وهو من أعجب الكلام - بيان ~~لتوكله على ربه يقول: إني أعلم أن لكم في الأمر مكرا وإن يوسف لم يأكله ذئب ~~لكني لا أركن في كشف كذبكم والحصول على يوسف بالأسباب الظاهرة التي لا تغني ~~طائلا بغير إذن من الله ولا أتشحط بينها بل أضبط استقامة نفسي بالصبر وأوكل ~~ربي أن يظهر على ما تصفون أن يوسف قد قضى نحبه وصار أكلة لذئب. # فظهر أن قوله: "والله المستعان على ما تصفون" دعاء في موقف التوكل ~~ومعناه: اللهم إني توكلت عليك في أمري هذا فكن عونا لي على ما يصفه بني ~~هؤلاء، والكلمة مبنية على توحيد الفعل فإنها مسوقة سوق الحصر ومعناها أن ~~الله سبحانه هو المستعان لا مستعان لي غيره فإنه (عليه السلام) كان يرى أن ~~لا حكم حقا إلا حكم الله كما قال فيما سيأتي من كلامه: "إن الحكم إلا لله ~~عليه توكلت"، ولتكميل هذا التوحيد بما هو أعلى منه لم يذكر نفسه فلم يقل: ~~سأصبر ولم ms4062 يقل والله أستعين على ما تصفون بل ترك نفسه وذكر اسم ربه وإن ~~الأمر منوط بحكمه الحق وهو من كمال توحيده وهو مستغرق في وجده وأسفه وحزنه ~~ليوسف غير أنه ما كان يحب يوسف ولا يتوله فيه ولا يجد لفقده إلا لله وفي الله. # قوله تعالى: "وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا ~~غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون" قال الراغب: الورود أصله قصد ~~الماء ثم يستعمل في غيره. # انتهى، وقال: دلوت الدلو إذا أرسلتها، وأدليتها إذا أخرجتها. # انتهى، وقيل بالعكس، وقال: الإسرار خلاف الإعلان. # انتهى. # وقوله: "قال يا بشرى هذا غلام" إيراده بالفصل مع أنه متفرع وقوعا على ~~إدلاء الدلو للدلالة على أنه كان أمرا غير مترقب الوقوع فإن الذي يترقب ~~وقوعه عن الإدلاء هو خروج الماء دون الحصول على غلام فكان مفاجئا لهم ولذا ~~قال: "قال يا بشرى" ونداء البشرى كنداء الأسف والويل ونظائرهما للدلالة على ~~حضوره وجلاء ظهوره. # وقوله: "والله عليم بما يعملون" مفاده ذم عملهم والإبانة عن كونه معصية ~~محفوظة عليهم سيؤاخذون بها، ويمكن أن يكون المراد به أن ذلك إنما كان بعلم ~~من الله أراد بذلك أن يبلغ يوسف مبلغه الذي قدر له فإنه لو لم يخرج من الجب ~~ولم يسر بضاعة لم يدخل بيت العزيز بمصر فلم يؤت ما أوتيه من الملك والعزة. PageV11P057 # ومعنى الآية: وجاءت جماعة مارة إلى هناك فأرسلوا من يطلب لهم الماء فأرسل ~~دلوه في الجب ثم لما أخرجها فاجأهم بقوله: يا بشرى هذا غلام - وقد تعلق ~~يوسف بالحبل فخرج - فأخفوه بضاعة يقصد بها البيع والتجارة والحال أن الله ~~سبحانه عليم بما يعملون يؤاخذهم عليه أو أن ذلك كان بعلمه تعالى وكان يسير ~~يوسف هذا المسير ليستقر في مستقر العزة والملك والنبوة. # قوله تعالى: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين" الثمن ~~البخس هو الناقص عن حق القيمة، ودراهم معدودة أي قليلة والوجه فيه - على ما ~~قيل - إنهم كانوا إذا كثرت الدراهم أو الدنانير وزنوها ms4063 ولا يعدون إلا ~~القليلة منها والمراد بالدراهم النقود الفضية الدائرة بينهم يومئذ، والشراء ~~هو البيع، والزهد هو الرغبة عن الشيء أو هو كناية عن الاتقاء. # والظاهر من السياق أن ضميري الجمع في قوله: "وشروه" "وكانوا" للسيارة ~~والمعنى أن السيارة الذين أخرجوه من الجب وأسروه بضاعة باعوه بثمن بخس ناقص ~~وهي دراهم معدودة قليلة وكانوا يتقون أن يظهر حقيقة الحال فينتزع هو من ~~أيديهم. # ومعظم المفسرين على أن الضميرين لإخوة يوسف والمعنى أنهم باعوا يوسف من ~~السيارة بعد أن ادعوا أنه غلام لهم سقط في البئر وهم إنما حضروا هناك ~~لإخراجه من الجب فباعوه من السيارة وكانوا يتقون ظهور الحال. # أو أن أول الضميرين للإخوة والثاني للسيارة والمعنى أن الإخوة باعوه بثمن ~~بخس دراهم معدودة وكانت السيارة من الراغبين عنه يظهرون من أنفسهم الزهد ~~والرغبة لئلا يعلو قيمته أو يرغبون عن اشترائه حقيقة لما يحدسون أن الأمر ~~لا يخلو من مكر وإن الغلام ليس فيه سيماء العبيد. # وسياق الآيات لا يساعد على شيء من الوجهين فضمائر الجمع في الآية السابقة ~~للسيارة ولم يقع للإخوة بعد ذلك ذكر صريح حتى يعود ضمير "وشروه" و"كانوا" ~~أو أحدهما إليهم على أن ظاهر قوله في الآية التالية: "وقال الذي اشتراه من ~~مصر" أنه اشتراه متحقق بهذا الشراء. # وأما ما ورد في الروايات "أن إخوة يوسف حضروا هناك وأخذوا يوسف منهم ~~بدعوى أنه عبدهم سقط في البئر ثم باعوه منهم بثمن بخس" فلا يدفع ظاهر ~~السياق في الآيات ولا أنه يدفع الروايات. # وربما قيل: إن الشراء في الآية بمعنى الاشتراء وهو مسموع وهو نظير ~~الاحتمالين السابقين مدفوع بالسياق. # قوله تعالى: "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا" السياق يدل على أن السيارة حملوا يوسف معهم إلى مصر وعرضوه ~~هناك للبيع فاشتراه بعض أهل مصر وأدخله في بيته. # وقد أعجبت الآيات في ذكر هذا الذي اشتراه وتعريفه فذكر فيها أولا بمثل ~~قوله تعالى: "وقال الذي اشتراه من مصر" فأنبأت أنه ms4064 كان رجلا من أهل مصر، ~~وثانيا بمثل قوله: "وألفيا سيدها لدى الباب" فعرفته بأنه كان سيدا مصمودا ~~إليه، وثالثا بمثل قوله: "وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها ~~عن نفسه" فأوضحت أنه كان عزيزا في مصر يسلم له أهل المدينة العزة والمناعة، ~~ثم أشارت إلى أنه كان له سجن وهو من شئون مصدرية الأمور والرئاسة بين ~~الناس، وعلم بذلك أن يوسف كان ابتيع أول يوم لعزيز مصر ودخل بيت العزة. # وبالجملة لم يعرف الرجل كل مرة في كلامه تعالى إلا بمقدار ما يحتاج إليه ~~موقف الحديث من القصة، ولم يكن لأول مرة في تعريفه حاجة إلى أزيد من وصفه ~~بأنه كان رجلا من أهل مصر وبها بيته فلذا اقتصر في تعريفه بقوله: "وقال ~~الذي اشتراه من مصر". # وكيف كان، الآية تنبىء على إيجازها بأن السيارة حملوا يوسف معهم وأدخلوه ~~مصر وشروه من بعض أهلها فأدخله بيته ووصاه امرأته قائلا: أكرمي مثواه عسى ~~أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. PageV11P058 # والعادة الجارية تقضي أن لا يهتم السادة والموالي بأمر أرقائهم دون أن ~~يتفرسوا في وجه الرقيق آثار الأصالة والرشد، ويشاهد في سيماه الخير ~~والسعادة، وعلى الخصوص الملوك والسلاطين والرؤساء الذين كان يدخل كل حين في ~~بلاطاتهم عشرات ومئات من أحسن أفراد الغلمان والجواري فما كانوا ليتولعوا ~~في كل من اقتنوه ولا ليتولهوا كل من ألفوه فكان لأمر العزيز بإكرام مثواه ~~ورجاء الانتفاع به أو اتخاذه ولدا معنى عميق وعلى الأخص من جهة أنه أمر ~~بذلك امرأته وسيدة بيته وليس من المعهود أن تباشر الملكات والعزيزات جزئيات ~~الأمور وسفاسفها ولا أن تتصدى السيدات المنيعة مكانا، أمور العبيد ~~والغلمان. # نعم: إن يوسف (عليه السلام) كان ذا جمال بديع يبهر العقول ويوله الألباب، ~~وكان قد أوتي مع جمال الخلق حسن الخلق صبورا وقورا لطيف الحركات مليح ~~اللهجة حكيم المنطق كريم النفس نجيب الأصل، وهذه صفات لا تنمو في الإنسان ~~إلا وأعراقها ناجمة فيه أيام صباوته وآثارها لائحة من سيماه من بادىء أمره. # فهذه هي التي ms4065 جذبت نفس العزيز إلى يوسف - وهو طفل صغير - حتى تمنى أن ~~ينشأ يوسف عنده في خاصة بيته فيكون من أخص الناس به ينتفع به في أموره ~~الهامة ومقاصده العالية أو يدخل في أرومته ويكون ولدا له ولامرأته بالتبني ~~فيعود وارثا لبيته. # ومن هنا يمكن أن يستظهر أن العزيز كان عقيما لا ولد له من زوجته ولذلك ~~ترجى أن يتبنى هو وزوجته يوسف. # فقوله: "وقال الذي اشتراه من مصر" أي العزيز "لامرأته" وهي العزيزة ~~"أكرمي مثواه" أي تصدي بنفسك أمره واجعلي له مقاما كريما عندك "عسى أن ~~ينفعنا" في مقاصدنا العالية وأمورنا الهامة "أو نتخذه ولدا" بالتبني. # قوله تعالى: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله ~~غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" قال في المفردات، المكان عند أهل ~~اللغة الموضع الحاوي للشيء قال ويقال: مكنته ومكنت له فتمكن، قال تعالى: ~~"ولقد مكناكم في الأرض" "ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه" "أولم نمكن لهم" ~~"ونمكن لهم في الأرض" قال: قال الخليل: المكان مفعل من الكون، ولكثرته في ~~الكلام أجرى مجرى فعال فقيل: تمكن وتمسكن مثل تمنزل. # انتهى. # فالمكان هو مقر الشيء من الأرض، والإمكان والتمكين الإقرار والتقرير في ~~المحل، وربما يطلق المكان المكانة لمستقر الشيء من الأمور المعنوية ~~كالمكانة في العلم وعند الناس ويقال: أمكنته من الشيء فتمكن منه أي أقدرته ~~فقدر عليه وهو من قبيل الكناية. # ولعل المراد من تمكين يوسف في الأرض إقراره فيه بما يقدر معه على التمتع ~~من مزايا الحياة والتوسع فيها بعد ما حرم عليه إخوته القرار على وجه الأرض ~~فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس ليسير به الركبان من أرض إلى أرض ~~ويتغرب عن أرضه ومستقر أبيه. # وقد ذكر تعالى تمكينه ليوسف في الأرض في خلال قصته مرتين إحداهما بعد ذكر ~~خروجه من غيابة الجب وتسيير السيارة إياه إلى مصر وبيعه من العزيز وهو قوله ~~في هذه الآية "ولقد مكنا ليوسف في الأرض" وثانيتهما بعد ذكر خروجه من سجن ms4066 ~~العزيز وانتصابه على خزائن أرض مصر حيث قال تعالى: "وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء": الآية 56 من السورة والعناية في الموضعين واحدة. # وقوله: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض" الإشارة إلى ما ذكره من إخراجه من ~~الجب وبيعه واستقراره في بيت العزيز فإن كان المراد من تمكينه في الأرض هذا ~~المقدار من التمكين الذي حصل له من دخوله في بيت العزيز واستقراره فيه على ~~أهنإ عيش بتوصية العزيز فالتشبيه من قبيل تشبيه الشيء بنفسه ليدل به على ~~غزاره الأوصاف المذكورة له وليس من القسم المذموم من تشبيه الشيء بنفسه ~~كقوله: كأننا والماء من حولنا. # قوم جلوس حولهم ماء. # بل المراد أن ما فعلنا به من التمكين في الأرض كان يماثل هذا الذي وصفناه ~~وأخبرنا عنه فهو يتضمن من الأوصاف الغزيرة ما يتضمنه ما حدثناه فهو تلطف في ~~البيان بجعل الشيء مثل نفسه بالتشبيه دعوى ليلفت به ذهن السامع إلى غزاره ~~أوصافه وأهميتها وتعلق النفس بها كما هو شأن التشبيه. PageV11P059 # ومن هذا الباب قوله تعالى: "ليس كمثله شيء": الشورى: 11 وقوله تعالى: "لمثل ~~هذا فليعمل العاملون": الصافات: 61 والمراد أن كل ما اتصف من الصفات بما ~~اتصف به الله سبحانه لا يشبهه ولا يماثله شيء، وإن كل ما اشتمل من الصفات ~~على ما اشتملت عليه الجنة وماثلها في صفاتها فليعمل العاملون لأجل الفوز به. # وإن كان المراد بالتمكين مطلق تمكينه في الأرض فتشبيهه بما ذكر من الوصف ~~من قبيل تشبيه الكلي ببعض أفراده ليدل به على أن سائر الأفراد حالها حال ~~هذا الفرد أو تشبيه الكل ببعض أجزائه للدلالة على أن الأجزاء الباقية حالها ~~حال ذاك الجزء المذكور فيكون المعنى كان تمكيننا ليوسف في الأرض يجري على ~~هذا النمط المذكور في قصة خروجه من الجب ودخوله مصر واستقراره في بيت ~~العزيز على أحسن حال فإن إخوته حسدوه وحرموا عليه القرار على وجه الأرض عند ~~أبيه فألقوه في غيابة الجب وسلبوه نعمة التمتع في وطنه في البادية وباعوه ~~من ms4067 السيارة ليغربوه من أهله فجعل الله سبحانه كيدهم هذا بعينه سببا يتوسل ~~به إلى التمكن والاستقرار في بيت العزيز بمصر على أحسن حال ثم تعلقت به ~~امرأة العزيز وراودته هي ونسوة مصر ليوردنه في الصبوة والفحشاء فصرف الله ~~عنه كيدهن وجعل ذلك بعينه وسيلة لظهور إخلاصه وصدقه في إيمانه ثم بدا لهم ~~أن يجعلوه في السجن ويسلبوا عنه حرية معاشرة الناس والمخالطة لهم فتسبب ~~الله سبحانه بذلك بعينه إلى تمكينه في الأرض تمكينا يتبوأ من الأرض حيث ~~يشاء لا يمنعه مانع ولا يدفعه دافع. # وبالجملة الآية على هذا التقدير من قبيل قوله تعالى: "كذلك يضل الله ~~الكافرين": المؤمن 74 وقوله: "كذلك يضرب الله الأمثال": الرعد: 17 أي إن ~~إضلاله تعالى للكافرين يجري دائما هذا المجرى، وضربه الأمثال أبدا على هذا ~~النحو من المثل المضروب وهو أنموذج ينبغي أن يقاس إليه غيره. # وقوله: "ولنعلمه من تأويل الأحاديث" بيان لغاية التمكين المذكور واللام ~~للغاية، وهو معطوف على مقدر والتقدير: مكنا له في الأرض لنفعل به كذا وكذا ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث وإنما حذف المعطوف عليه للدلالة على أن هناك ~~غايات أخر لا يسعها مقام التخاطب، ومن هذا القبيل قوله تعالى: "وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75 ونظائره. # وقوله: "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" الظاهر أن ~~المراد بالأمر الشأن وهو ما يفعله في الخلق مما يتركب منه نظام التدبير قال ~~تعالى: "يدبر الأمر": يونس: 3، وإنما أضيف إليه تعالى لأنه مالك كل أمر كما ~~قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين: الأعراف: 54. # والمعنى أن كل شأن من شئون الصنع والإيجاد من أمره تعالى وهو تعالى غالب ~~عليه وهو مغلوب له مقهور دونه يطيعه فيما شاء، ينقاد له فيما أراد، ليس له ~~أن يستكبر أو يتمرد فيخرج من سلطانه كما ليس له أن يسبقه تعالى ويفوته قال ~~تعالى: "إن الله بالغ أمره": الطلاق: 3. # وبالجملة هو تعالى غالب على هذه الأسباب الفعالة بإذنه يحمل ms4068 عليها ما ~~يريده فليس لها إلا السمع والطاعة ولكن أكثر الناس لا يعلمون لحسبانهم أن ~~الأسباب الظاهرة مستقلة في تأثيرها فعاله برءوسها فإذا ساقت الحوادث إلى ~~جانب لم يحولها عن وجهتها شيء وقد أخطئوا. PageV11P060 ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: صليت مع علي بن الحسين ~~(عليهما السلام) الفجر بالمدينة يوم الجمعة فلما فرغ من صلاته وتسبيحه نهض ~~إلى منزله وأنا معه فدعا مولاة له تسمى سكينة فقال لها: لا يعبر على بابي ~~سائل إلا أطعمتموه فإن اليوم يوم الجمعة. قلت: ليس كل من يسأل مستحقا فقال: ~~يا ثابت أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقا فلا نطعمه ونرده فينزل بنا أهل ~~البيت ما نزل بيعقوب وآله أطعموهم. إن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشا فيتصدق ~~به ويأكل هو وعياله منه، وإن سائلا مؤمنا صواما محقا له عند الله منزلة ~~وكان مجتازا غريبا اعتر على باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره يهتف على ~~بابه: أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم. يهتف بذلك على ~~بابه مرارا قد جهلوا حقه ولم يصدقوا قوله. فلما أيس أن يطعموه وغشيه الليل ~~استرجع واستعبر وشكى جوعه إلى الله وبات طاويا وأصبح صائما جائعا صابرا ~~حامدا لله وبات يعقوب وآل يعقوب شباعا بطانا، وأصبحوا وعندهم من فضل ~~طعامهم. قال: فأوحى الله عز وجل إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت ~~يا يعقوب عبدي ذلة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي ونزول عقوبتي ~~وبلواي عليك وعلى ولدك يا يعقوب إن أحب أنبيائي إلي وأكرمهم علي من رحم ~~مساكين عبادي وقربهم إليه وأطعمهم وكان لهم مأوى وملجأ. يا يعقوب ما رحمت ~~دميال عبدي المجتهد في عبادته القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لما ~~اعتر ببابك عند أوان إفطاره ويهتف بكم أطعموا السائل الغريب المجتاز ~~القانع، فلم تطعموه شيئا فاسترجع واستعبر وشكى ما به إلي، وبات جائعا ~~وطاويا حامدا وأصبح لي صائما وأنت يا يعقوب وولدك شباع وأصبحت وعندكم فضل ms4069 ~~من طعامكم. أوما علمت يا يعقوب إن العقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منها ~~إلى أعدائي؟ وذلك حسن النظر مني لأوليائي واستدراج مني لأعدائي. أما وعزتي ~~لأنزلن بك بلواي، ولأجعلنك وولدك غرضا لمصابي، ولأؤدبنك بعقوبتي فاستعدوا ~~لبلواي وارضوا بقضائي واصبروا للمصائب. فقلت لعلي بن الحسين (عليهما ~~السلام): جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا؟ فقال: في تلك الليلة التي بات ~~فيها يعقوب وآل يعقوب شباعا، وبات فيها دميال طاويا جائعا فلما رأى يوسف ~~الرؤيا وأصبح يقصها على أبيه يعقوب اغتم يعقوب لما سمع من يوسف وبقي مغتما ~~فأوحى الله إليه أن استعد للبلاء فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فإني أخاف أن يكيدوا لك كيدا فلم يكتم يوسف رؤياه، وقصها على إخوته. ~~قال علي بن الحسين (عليهما السلام): إن أول بلوى نزل بيعقوب وآل يعقوب ~~الحسد ليوسف لما سمعوا منه الرؤيا. قال: فاشتدت رقة يعقوب على يوسف وخاف أن ~~يكون ما أوحى الله عز وجل إليه من الاستعداد للبلاء إنما هو في يوسف خاصة ~~فاشتدت رقته عليه من بين ولده. فلما رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف، ~~وتكرمته إياه، وإيثاره إياه عليهم اشتد ذلك عليهم وبدا البلاء فيهم فتأمروا ~~فيما بينهم و"قالوا ليوسف وأخوه - أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا ~~لفي ضلال مبين - اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم - وتكونوا ~~من بعده قوما صالحين" أي تتوبون. فعند ذلك "قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا ~~على يوسف وإنا له لناصحون" فقال يعقوب "إني ليحزنني أن تذهبوا به - وأخاف ~~أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون" فانتزعه مقدرا حذرا عليه منه أن يكون ~~البلوى من الله عز وجل على يعقوب من يوسف خاصة لموقعه في قلبه وحبه له. ~~قال: فغلب قدرة الله وقضاؤه ونافذ أمره في يعقوب ويوسف وإخوته فلم يقدر ~~يعقوب على دفع البلاء عن نفسه ولا يوسف وولده، فدفعه إليهم وهو لذلك كاره ~~متوقع البلوى من الله في يوسف. فلما خرجوا من منزلهم لحقهم ms4070 مسرعا فانتزعه ~~من أيديهم وضمه إليه واعتنقه وبكى ودفعه إليهم فانطلقوا به مسرعين مخافة أن ~~يأخذه منهم ولا يدفعه إليهم فلما أمعنوا به أتوا به غيضة أشجار فقالوا: ~~نذبحه ونلقيه تحت هذه الشجرة فيأكله الذئب الليلة فقال كبيرهم: "لا تقتلوا ~~يوسف" ولكن "ألقوه في غيابة الجب - يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين. ~~فانطلقوا به إلى الجب فألقوه فيه وهم يظنون أنه يغرق فيه فلما صار في قعر ~~الجب ناداهم: يا ولد رومين أقرءوا يعقوب PageV11P061 السلام مني فلما رأوا كلامه، قال بعضهم لبعض: لا تزولوا من هاهنا حتى ~~تعلموا أنه قد مات فلم يزالوا بحضرته حتى أيسوا "ورجعوا إلى أبيهم عشاء ~~يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب". فلما سمع مقالتهم استرجع واستعبر وذكر ما أوحى الله عز وجل إليه من ~~الاستعداد للبلاء فصبر وأذعن للبلوى وقال لهم: "بل سولت لكم أنفسكم أمرا" ~~وما كان الله ليطعم لحم يوسف الذئب من قبل أن أرى تأويل رؤياه الصادقة. قال ~~أبو حمزة: ثم انقطع حديث علي بن الحسين (عليهما السلام) عند هذا. قال أبو ~~حمزة: فلما كان من الغد غدوت إليه وقلت له: جعلت فداك إنك حدثتني أمس بحديث ~~ليعقوب وولده ثم قطعته فيما كان من قصة إخوة يوسف وقصة يوسف بعد ذاك؟ فقال: ~~إنهم لما أصبحوا قالوا: انطلقوا بنا حتى ننظر ما حال يوسف: أمات أم هو حي؟. ~~فلما انتهوا إلى الجب وجدوا بحضرة الجب سيارة وقد أرسلوا واردهم فأدلى دلوه ~~فإذا جذب دلوه فإذا هو غلام معلق بدلوه فقال لأصحابه: يا بشرى هذا غلام ~~فلما أخرجوه أقبل إليهم إخوة يوسف فقالوا: هذا عبدنا سقط منا أمس في هذا ~~الجب وجئنا اليوم لنخرجه فانتزعوه من أيديهم ونحوا به ناحية فقالوا له: إما ~~أن تقر لنا أنك عبد لنا فنبيعك بعض السيارة أو نقتلك فقال لهم يوسف: لا ~~تقتلوني واصنعوا ما شئتم. فأقبلوا به إلى السيارة فقالوا: من يشتري منكم ~~هذا العبد منا؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين ms4071 درهما وكان إخوته فيه من الزاهدين ~~وسار به الذي اشتراه من البدو حتى أدخله مصر فباعه الذي اشتراه من البدو من ~~ملك مصر وذلك قول الله عز وجل: "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته - أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا". قال أبو حمزة: فقلت لعلي بن الحسين ~~(عليهما السلام): ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجب؟ فقال: ابن تسع سنين ~~فقلت: كم كان بين منزل يعقوب يومئذ وبين مصر فقال: مسيرة اثنا عشر يوما. # الحديث. # أقول: وللحديث ذيل سنورده في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى ~~وفيه نكات ربما لم تلائم ظاهر ما تقدم من بيان الآيات لكنها ترتفع بأدنى تأمل. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الأنبياء ~~على خمسة أنواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ما عني به، ومنهم ~~من ينبأ في منامه مثل يوسف وإبراهيم (عليهما السلام)، ومنهم من يعاين، ~~ومنهم من نكت في قلبه ويوقر في أذنه. # وفيه، عن أبي خديجة عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما ~~ابتلي يعقوب بيوسف أنه ذبح كبشا سمينا ورجل من أصحابه يدعى بيوم بقوم محتاج ~~لم يجد ما يفطر عليه فأغفله ولم يطعمه فابتلي بيوسف، وكان بعد ذلك كل صباح ~~مناديه ينادي: من لم يكن صائما فليشهد غداء يعقوب، فإذا كان المساء نادى من ~~كان صائما فليشهد عشاء يعقوب. # وفي تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله: "لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون" يقول: لا يشعرون أنك أنت ~~يوسف. أتاه جبرئيل وأخبره بذلك. # وفيه، وفي رواية أبي الجارود: في قول الله: "وجاءوا على قميصه بدم كذب" ~~قال: إنهم ذبحوا جديا على قميصه. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده: ms4072 في قوله عز وجل: "فصبر جميل" قال: بلا شكوى. # أقول: وكان الرواية عن الصادق (عليه السلام) بقرينة كونه مسبوقا بحديث ~~عنه، وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن حيان بن جبلة عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وفي المضامين السابقة روايات أخر. PageV11P062 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 22 - 34 # ولما بلغ أشده ءاتينه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (22) ورودته التى ~~هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الأبوب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربى أحسن ~~مثواى إنه لا يفلح الظلمون (23) ولقد همت به وهم بها لو لا أن رءا برهن ربه ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا الباب ~~وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ~~إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هى رودتنى عن نفسى وشهد شاهد من أهلها ~~إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصدقين (27) فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن ~~كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) ~~وقال نسوة فى المدينة امرأت العزيز ترود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا ~~لنراها فى ضلل مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا ~~وءاتت كل وحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ~~وقلن حش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذى لمتننى ~~فيه ولقد رودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من ~~الصغرين (32) قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه وإلا تصرف عنى كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو ~~السميع العليم (34) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات قصته (عليه السلام) أيام لبثه في بيت العزيز وقد ابتلي فيها ~~بحب امرأة العزيز له ومراودتها إياه عن نفسه، ومني بتعلق نساء المدينة به ms4073 ~~ومراودتهن إياه عن نفسه، وكان ذلك بلوى، وقد ظهر خلال ذلك من عفة نفسه ~~وطهارة ذيله أمر عجيب، ومن تولهه في محبة ربه ما هو أعجب. # قوله تعالى: "ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين" بلوغ ~~الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد به قوى بدنه وتتقوى به أركانه بذهاب آثار ~~الصباوة، ويأخذ ذلك من ثمانية عشر من عمره إلى سن الكهولة التي عندها يكمل ~~العقل ويتم الرشد. # والظاهر أن المراد به الانتهاء إلى أول سن الشباب دون التوسط فيه أو ~~الانتهاء إلى آخره كالأربعين، والدليل عليه قوله تعالى في موسى (عليه ~~السلام): "ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما": القصص: 14 حيث دل على ~~التوسط فيه بقوله: "استوى"، وقوله: "حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك" الآية: الأحقاف: 15 فلو كان بلوغ الأشد هو بلوغ ~~الأربعين لم تكن حاجة إلى تكرار قوله: "بلغ". # فلا مجال لما ذكره بعضهم: أن المراد ببلوغ الأشد بلوغ الثلاثين أو الثلاث ~~والثلاثين، وكذا ما قاله آخرون إن المراد به بلوغ الأربعين وهو سن ~~الأربعين. # على أن من المضحك أن تصبر امرأة العزيز عن يوسف مدى عنفوان شبابه وريعان ~~عمره حتى إذا بلغ الأربعين من عمره وأشرف على الشيخوخة تعلقت به وراودته عن نفسه. # وقوله: "آتيناه حكما" الحكم هو القول الفصل وإزالة الشك والريب من الأمور ~~القابلة للاختلاف - على ما يتحصل من اللغة - ولازمه إصابة النظر في عامة ~~المعارف الإنسانية الراجعة إلى المبدإ والمعاد والأخلاق النفسانية والشرائع ~~والآداب المرتبطة بالمجتمع البشري. PageV11P063 # وبالنظر إلى قوله (عليه السلام) لصاحبيه في السجن: "إن الحكم إلا لله": ~~الآية 40 من السورة، وقوله بعد: "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان": الآية 41 ~~من السورة يعلم أن هذا الحكم الذي أوتيه كان هو حكم الله فكان حكمه حكم ~~الله، وهذا هو الذي سأله إبراهيم (عليه السلام) من ربه إذ قال: "رب هب لي ~~حكما وألحقني بالصالحين": الشعراء: 83. # وقوله: "وعلما" وهذا العلم المذكور المنسوب إلى إيتائه ms4074 تعالى كيفما كان ~~وأي مقدار كان علم لا يخالطه جهل كما أن الحكم المذكور معه حكم لا يخالطه ~~هوى نفساني ولا تسويل شيطاني كيف؟ والذي آتاهما هو الله سبحانه وقد قال ~~تعالى: "والله غالب على أمره": الآية 21 من السورة، وقال: "إن الله بالغ ~~أمره": الطلاق: 3 فما آتاه من الحكم لا يخالطه تزلزل الريب والشك، وما ~~يؤتيه من العلم لا يكون جهلا البتة. # ثم من المعلوم أن هذه المواهب الإلهية ليست بأعمال جزافية ولا لغوا أو ~~عبثا منه تعالى فالنفوس التي تؤتى هذا الحكم والعلم لا تستوي هي والنفوس ~~الخاطئة في حكمها المنغمرة في جهلها، وقد قال تعالى: "والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58 وإلى ذلك الإشارة ~~بقوله: "وكذلك نجزي المحسنين" حيث يدل على أن هذا الحكم والعلم اللذين ~~آتاهما الله إياه لم يكونا موهبتين ابتدائيتين لا مستدعي لهما أصلا بل هما ~~من قبيل الجزاء جزاه الله بهما لكونه من المحسنين. # وليس من البعيد أن يستفاد من قوله: "وكذلك نجزي المحسنين" إن الله تعالى ~~يجزي كل محسن - على اختلاف صفات الإحسان - شيئا من الحكم والعلم يناسب ~~موقعه في الإحسان وقد قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد: 28 وقال ~~تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": ~~الأنعام: 122. # وهذا العلم المذكور في الآية يتضمن ما وعد الله سبحانه تعليمه ليوسف من ~~تأويل الأحاديث فإنه واقع بين قوله تعالى في الآيات السابقة: "ولنعلمه من ~~تأويل الأحاديث" وقوله حكاية عن يوسف في قوله لصاحبيه في السجن: "ذلكما مما ~~علمني ربي" فافهم ذلك. # قوله تعالى: "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت ~~لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" قال في ~~المفردات،: الرود هو التردد في طلب الشيء برفق ومنه الرائد لطالب الكلاء، ~~قال: والإرادة منقولة من راد ms4075 يرود إذا سعى في طلب شيء، قال: والمراودة أن ~~تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد أو ترود غير ما يرود، وراودت ~~فلانا عن كذا، قال تعالى: "هي راودتني عن نفسي" وقال: "تراود فتاها عن ~~نفسه" أي تصرفه عن رأيه، وعلى ذلك قوله: "ولقد راودته عن نفسه" "سنراود عنه ~~أباه" انتهى. # وفي المجمع،: المراودة المطالبة بأمر بالرفق واللين ليعمل به ومنه المرود ~~لأنه يعمل به، ولا يقال في المطالبة بدين: راوده، وأصله من راد يرود إذا ~~طلب المرعى، وفي المثل: الرائد لا يكذب أهله، والتغليق إطباق الباب بما ~~يعسر فتحه، وإنما شدد ذلك لتكثير الإغلاق أو للمبالغة في الإيثاق، انتهى. # وهيت لك اسم فعل بمعنى هلم، ومعاذ الله أي أعوذ بالله معاذا فهو مفعول ~~مطلق قائم مقام فعله. # والآية الكريمة "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت ~~هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" على ما ~~فيها من الإيجاز تنبىء عن إجمال قصة المراودة غير أن التدبر في القيود ~~المأخوذة فيها والسياق الذي هي واقعة فيه وسائر ما يلوح من أطراف قصته ~~الموردة في السورة يجلي عن حقيقة الحال ويكشف القناع عن تفصيل ما خبىء من الأمر. PageV11P064 # يوسف: هو ذا طفل صغير حولته أيدي المقادير إلى بيت العزيز عليه سيما العبيد ~~ولعله لم يسأل إلا عن اسمه، ولم يتكلم إلا أن قال: اسمي يوسف أو قيل عنه ~~ذلك ولم يلح من لهجته إلا أنه كان قد نشأ بين العبريين، ولم يسأل عن بيته ~~ونسبه فليس للعبيد بيوت ولم يكن من المعهود أن يحفظ للأرقاء أنساب وهو ساكت ~~مختوم على لسانه لا يتكلم بشيء وكم من حديث بين جوانحه فلم يعرف نسبه إلا ~~بعد سنين من ذلك حينما قال لصاحبيه في السجن "واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب" ولا كشف عما في سره من توحيد العبودية لله بين أولئك ~~الوثنيين إلا ما ذكره لامرأة العزيز حين راودته عن نفسه بقوله: "معاذ ms4076 الله ~~إنه ربي" إلخ. # هو اليوم حليف الصمت والسكوت لكن قلبه مليء بما يشاهده من لطيف صنع الله ~~به فهو على ذكر مما بثه إليه أبوه يعقوب النبي من حقيقة التوحيد ومعنى ~~العبودية ثم ما بشر به من الرؤيا أن الله سيخلصه لنفسه ويلحقه بآبائه ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وليس ينسى ما فعله به إخوته ثم ما وعده به ربه في ~~غيابة الجب حين ما انقطع عن كافة الأسباب: أنه تحت الولاية الإلهية ~~والتربية الربوبية معني بأمره وسينبأ إخوته بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. # فكان (عليه السلام) مملوء الحس مستغرق النفس في مشاهدة ألطاف ربه الخفية ~~يرى نفسه تحت ولاية الله محبورا بصنائعه الجميلة لا يرد إلا على خير ولا ~~يواجه إلا جميلا. # وهذا هو الذي هون عليه ما نزل به من النوائب، وتواتر عليه من المحن ~~والبلايا فصبر عليها على ما بها من المرارة فلم يشك ولم يجزع ولم يضل ~~الطريق وقد ذكر ذلك لإخوته حين عرفهم نفسه بقوله: "إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين": الآية 90 من السورة. # فلم يزل يوسف (عليه السلام) تنجذب نفسه إلى جميل صنائع ربه ويمعن قلبه في ~~لطيف الإشارات إليه، ويزداد كل يوم حبا بما يجده من شواهد الولاية ويشاهد ~~أن ربه هو القائم على كل نفس بما كسبت وهو على كل شيء شهيد حتى تمكنت ~~المحبة الإلهية منه واستقر الوله والهيمان في سره فكان همه في ربه لا يشغله ~~عنه شاغل ولا يصرفه عنه صارف ولا طرفة عين، وهذا بمكان من الوضوح لمن تدبر ~~فيما تحكي عنه السورة من المحاورات كقوله: "معاذ الله إنه ربي" وقوله: "ما ~~كان لنا أن نشرك بالله من شيء" وقوله: "إن الحكم إلا لله" وقوله: "أنت وليي ~~في الدنيا والآخرة" وغير ذلك كما سنبين إن شاء الله تعالى. # فهذا ما عند يوسف (عليه السلام) فقد كان شبحا ما وراءه إلا محبة إلهية ~~أنسته نفسه وشغلته عن كل شيء، وصورة معناها أنها خالصة أخلصها الله ms4077 لنفسه ~~فلم يشاركه فيه أحد. # ولم يظهر للعزيز منه أول يوم إذ حل في بيته إلا أنه غلام صغير عبري مملوك ~~له غير أن قوله لامرأته: "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" يكشف ~~أنه شاهد منه وقارا وتمكينا وتفرس فيه عظمة وكبرياء نفسانية أطمعته في أن ~~ينتفع به أو يلحقه بنفسه بالتبني على ما في يوسف من عجيب الجمال والحسن. # امرأة العزيز: امرأة العزيز وهي عزيزة مصر "وصاها العزيز يوسف أن تكرم ~~مثواه وأعلمها أن له فيه إربة وأمنية فلم تزل تجتهد في إكرام يوسف وتحسن ~~مثواه وتهتم بأمره لا كما يهتم في أمر رقيق مملوك بل كما يعنى بأمر جوهر ~~كريم أو قطعة كبد وتحبه لبديع جماله وغزير كماله وتزداد كلما مضت الأيام ~~حبا إلى حب حتى إذا بلغ الحلم واستوى على مستوى الرجال لم تملك نفسها دون ~~أن تعشقه وتذل على ما لها من مناعة الملك والعزة وعصمة العفة والخدارة تجاه ~~هواه القاطن بسرها الآخذ بمجامع قلبها. # وقد كان يوسف يلازمها في العشرة ولا يفارق بينها من جانب وكانت عزيزة لا ~~يثني أمرها ولا ترد عزيمتها وكانت فيما تزعم سيدة يوسف وهو عبدها المملوك ~~لا يسعه إلا أن يطيعها وينقاد لها، ولبيوت الملوك والأعزة أن تحتال لشتى ~~مقاصدها ومآربها بأنواع الحيل والمكايد فإن عامة الأسباب وإن عزت وامتنعت ~~ميسرة لها، وكانت العزيزة ذات جمال وزينة فإن حريم الملوك لا تدخلها كل ~~شوهاء دميمة ولا تحل بها إلا غوان ذوات حسن فتانات. PageV11P065 # والعادة تحكم أن هذه الأسباب - وقد اجتمعت على عزيزة مصر - أسعرت في سرها ~~كل لهيب، وأججت كل نار حتى استغرقت في حب يوسف وتولهت في غرامه واشتغلت به ~~عن كل شيء، وقد أحاط بقلبها من كل جانب، هو أول منطقها إذا تكلمت وفي ~~ضميرها إذا سكتت فلا هم لها إلا يوسف ولا بغية لها إلا فيه "قد شغفها حبا" ~~وليوسف الجمال الذي يأخذ بمجامع القلوب فكيف إذا امتلأت به عين محب واله ~~وأدام النظر إليه ms4078 مهيم ذو غرام. # يوسف وامرأة العزيز: لم تزل عزيزة مصر تعد نفسها وتمنيها بوصال يوسف ~~والظفر بما تبتغيه منه وتلاطفه في عشرته وتشفع ذلك بما لربات الحسن والزينة ~~من الغنج والدلال لتصطاده بما عندها كما اصطاده بما عنده، ولعل الذي كانت ~~تشاهده من صبر يوسف وسكوته كان يغرها فيما ترومه ويغريها عليه. # حتى إذا تاقت نفسها له وبلغت بها وأعيتها المذاهب خلت به في بيتها وقد ~~غلقت الأبواب فلم يبق فيه إلا هي ويوسف. # وهي لا تشك أن سيطيعها يوسف في أمرها ولا يمتنع عليها لما كانت ولا تزال ~~تراه بالسمع والطاعة، وتشاهد أن الأوضاع والأحوال الحاضرة تقضي بفوزها ~~ونيلها ما تريده منه. # فتى واله في حبه وفتاة تائقة في غرامها اجتمعا في بيت خالية أما هي ~~فمشغوفة بحب يوسف تريد أن تصرفه عن نفسه إلى نفسها وتتوسل إلى ذلك بتغليق ~~الأبواب ومراودته عن نفسه والاعتماد على ما لها من العزة والملك حيث تدعوه ~~إلى نفسها بلفظ الأمر "هيت لك" لتقهره على ما تريده منه. # وأما هو فقد استغرق في حب ربه وأخلص وصفى ذلك نفسه فلم يترك لشيء في قلبه ~~محلا غير حبيبه فهو في خلوة مع ربه وحضرة منه يشاهد فيه جماله وجلاله وقد ~~طارت الأسباب الكونية على ما لها من ظاهر التأثير من نظره فهو على خلافها ~~لا يتبجح بالأسباب ولا يركن إلى الأعضاد. # ترى أنها تتوسل عليه بالأسباب بتغليق الأبواب والمراودة والأمر بقولها: ~~"هيت لك" وأما هو فقد قابلها بقوله: "معاذ الله" فلم يجبها بتهديد ولم يقل: ~~إني أخاف العزيز أو لا أخونه أو إني من بيت النبوة والطهارة أو إن عفتي أو ~~عصمتي تمنعني من الفحشاء، ولم يقل إني أرجو ثواب الله أو أخاف عذابه إلى ~~غير ذلك، ولو كان قلبه متعلقا بشيء من الأسباب الظاهرة لذكره وبدأ به عند ~~مفاجأة الشدة ونزول الاضطرار على ما هو مقتضى طبع الإنسان. # بل استمسك بعروة التوحيد وأجاب بالعياذ بالله فحسب ولم يكن في قلبه أحد ~~سوى ربه ms4079 ولا تعدى بصره إياه إلى غيره فهذا هو التوحيد الخالص الذي هدته ~~إليه المحبة الإلهية وأولهه في ربه فأنساه الأسباب كلها حتى أنساه نفسه فلم ~~يقل إني أعوذ منك بالله أو ما يؤدي معناه، وإنما قال "معاذ الله" وكم من ~~الفرق بين قوله هذا وبين قول مريم للروح لما تمثل لها بشرا سويا: "إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا": مريم: 18. # وأما قوله لها ثانيا: "إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" فإنه ~~يوضح كلمة التوحيد الذي أفاده بقوله: "معاذ الله" ويجليه، يقول: إن الذي ~~أشاهده أن إكرامك مثواي عن قول العزيز لك "أكرمي مثواه" فعل من ربي وإحسان ~~منه إلي فربي أحسن مثواي وإن انتسب إليك ذلك بوجه فهو الذي يجب علي أن أعوذ ~~به وألوذ إليه، وإنما أعوذ به لأن إجابتك فيما تسألين وارتكاب هذه المعصية ~~ظلم ولا يفلح الظالمون فلا سبيل إلى ارتكابه. # فقد أفاد (عليه السلام) بقوله: "إنه ربي أحسن مثواي" أولا: أنه موحد لا ~~يرى شرك الوثنية فليس ممن يتخذ أربابا من دون الله كما تقول به الوثنية ~~يتخذون مع الله أربابا أخرى ينسبون إليهم تدبير العالم بل هو يقول بأن الله ~~هو ربه لا رب سواه. # وثانيا: أنه ليس ممن يوحد الله سبحانه قولا ويشرك به فعلا بإعطاء ~~الاستقلال لهذه الأسباب الظاهرة تؤثر ما تؤثر بإذن الله بل هو يرى ما ينسب ~~من جميل الآثار إلى الأسباب فعلا جميلا لله سبحانه في عين هذا الانتساب ~~فيما تراه امرأة العزيز أنها هي التي أكرمت مثواه عن وصية العزيز وأنها ~~وبعلها ربان له يتوليان أمره يرى هو أن الله سبحانه هو الذي أحسن مثواه ~~وأنه ربه الذي يتولى تدبير أمره فعليه أن يعوذ به. PageV11P066 # وثالثا: أنه إنما تعوذ بالله مما تدعوه إليه لأنه ظلم لا يفلح المتلبس به ~~ولا يهتدي إلى سعادته ولا يتمكن في حضرة الأمن عند ربه كما قال تعالى حكاية ~~عن جده إبراهيم (عليه السلام): "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك ms4080 ~~لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82. # ورابعا: أنه مربوب - أي مملوك مدبر - لله سبحانه ليس له من الأمر شيء، ~~ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله له أو أحب أن يأتي به ولذلك ~~لم يرد ما سألته منه بصريح اللفظ بل بالكناية عنه بقوله: "معاذ الله" إلخ ~~فلم يقل: لا أفعل ما تأمريننى به ولم يقل: لا أرتكب كذا، ولم يقل: أعوذ ~~بالله منك، وما يشابه ذلك حذرا من دعوى الحول والقوة، وإشفاقا من وسمة ~~الشرك والجهالة اللهم إلا ما في قوله: "إنه ربي أحسن مثواي" حيث أشار فيه ~~إلى نفسه مرتين وليس فيه إلا تثبيت المربوبية وتأكيد الذلة والحاجة، ولهذه ~~العلة بعينها بدل الإكرام إحسانا فأتى حذاء قول العزيز: "أكرمي مثواه" ~~بقوله: "أحسن مثواي" لما في الإكرام من الإشعار باحترام الشخصية وتعظيمها. # وبالجملة الواقعة وإن كانت مراجعة ومغالبة بين امرأة العزيز ويوسف (عليه ~~السلام) بحسب ظاهر الحال فهي كانت تنازعا بين حب وهيمان إلهي وعشق وغرام ~~حيواني يتشاجران في يوسف كل منهما يجذبه إلى نفسه، وكانت كلمة الله هي ~~العليا فأخذته الجذبة السماوية الإلهية ودافعت عنه المحبة الإلهية والله ~~غالب على أمره. # فقوله تعالى: "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه" يدل على أصل المراودة، ~~والإتيان بالوصف أعني كونه في بيتها للدلالة على أن الأوضاع والأحوال كانت ~~لها عليه وأن الأمر كان عليه شديدا، وكذا قوله: "وغلقت الأبواب" حيث عبر ~~بالتغليق وهو يدل على المبالغة وعلق الغلق بالأبواب وهو جمع محلى باللام ~~وكذا قوله: "وقالت هيت لك" حيث عبر بالأمر المولوي الدال على إعمال ~~المولوية والسيادة مع إشعاره بأنها هيأت له من نفسها ما ليس بينه وبين ~~طلبتها إلا مجرد إقبال من يوسف ولا بين يوسف - على ما هيأت من العلل ~~والشرائط ونظمتها بزعمها وبين الإقبال عليها شيء حائل غير أن الله كان أقرب ~~إلى يوسف من نفسه ومن العزيزة امرأة العزيز، ولله سبحانه العزة جميعا. # وقوله: "قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي" إلى آخر الآية ms4081 جواب ليوسف ~~يقابل به مسألتها بالعياذ بالله يقول: "أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه ~~لأنه ربي الذي تولى أمري وأحسن مثواي وجعلني بذلك سعيدا مفلحا ولو اقترفت ~~هذا الظلم لتغربت به عن الفلاح وخرجت به من تحت ولايته. # وقد راعى (عليه السلام) في كلامه هذا أدب العبودية كله كما تقدم وقد أتى ~~أولا بلفظة "الجلالة" ثم بصفة الربوبية ليدل به على أنه لا يعبد ربا غير ~~الله ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # واحتمل عدة من المفسرين أن يكون الضمير في قوله: "إنه ربي أحسن مثواي" ~~للشأن، والمراد أن ربي ومولاي وهو العزيز - بناء على ظاهر الأمر فقد اشترى ~~يوسف من السيارة - أحسن مثواي حيث أمركم بإكرام مثواي، ولو أجبتك على ما ~~تسألين لكان ذلك خيانة له وما كنت لأخونه. # ونظير الوجه قول بعضهم: إن الضمير عائد إلى العزيز وهو اسم إن وخبرها ~~قوله: ربي، وقوله: أحسن مثواي، خبر بعد خبر. # وفيه أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: إنه لا يفلح الخائنون كما قال ~~للرسول وهو في السجن: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين": الآية - 52 من السورة ولم: يقل إني لم أظلمه بالغيب. # على أنه (عليه السلام) لم يكن ليعد العزيز ربا لنفسه، وهو حر غير مملوك ~~له وإن كان الناس يزعمون ذلك بناء على الظاهر، وقد قال لأحد صاحبيه في ~~السجن: "اذكرني عند ربك": الآية 42 من السورة، وقال لرسول الملك: "ارجع إلى ~~ربك": الآية 51 من السورة ولم يعبر عن الملك بلفظ ربي على عادتهم في ذكر ~~الملوك، وقال أيضا لرسول الملك: "اسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ~~إن ربي بكيدهن عليم" حيث يأخذ الله سبحانه ربا لنفسه قبال ما يأخذ الملك ~~ربا للرسول. # ويؤيد ما ذكرنا أيضا قوله في الآية التالية: "لو لا أن رءا برهان ربه". PageV11P067 # قوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا ms4082 المخلصين" التدبر البالغ في أطراف القصة ~~وإمعان النظر فيما محتف به الجهات والأسباب والشرائط العاملة فيها يعطي أن ~~نجاة يوسف منها لم تكن إلا أمرا خارقا للعادة وواقعة هي أشبه بالرؤيا منها ~~باليقظة. # فقد كان يوسف (عليه السلام) رجلا ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء، ~~وكان شابا بالغا أشده وذلك أوان غليان الشهوة وثوران الشبق، وكان ذا جمال ~~بديع يدهش العقول ويسلب الألباب والجمال والملاحة يدعو إلى الهوى والترح، ~~وكان مستغرقا في النعمة وهنيء العيش محبورا بمثوى كريم وذلك من أقوى أسباب ~~التهوس والإتراف، وكانت الملكة فتاة فائقة الجمال وكذلك تكون حرم الملوك ~~والعظماء. # وكانت لا محالة متزينة بما يأخذ بمجامع كل قلب، وهي عزيزة مصر وهي عاشقة ~~والهة تتوق إليها النفوس وتتوق نفسها إليه، وكانت لها سوابق الإكرام ~~والإحسان والإنعام ليوسف وذلك كله مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان، وقد ~~تعرضت له ودعته إلى نفسها والصبر مع التعرض أصعب، وقد راودته هذه الفتانة ~~وأتت فيها بما في مقدرتها من الغنج والدلال، وقد ألحت عليه فجذبته إلى ~~نفسها حتى قدت قميصه والصبر معها أصعب وأشق، وكانت عزيزة لا يرد أمرها ولا ~~يثنى رأيها، وهي ربته خصه بها العزيز، وكانا في قصر زاه من قصور الملوك ذي ~~المناظر الرائقة التي تبهر العيون وتدعو إلى كل عيش هنيء. # وكانا في خلوة وقد غلقت الأبواب وأرخت الستور، وكان لا يأمن الشر مع ~~الامتناع، وكان في أمن من ظهور الأمر وانهتاك الستر لأنها كانت عزيزة بيدها ~~أسباب الستر والتعمية، ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كان مفتاحا لعيش ~~هنيء طويل، وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل ~~بها إلى كثير من آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزة والمال. # فهذه أسباب وأمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدته أو أقبلت على صخرة صماء ~~لأذابتها ولم يكن هناك مما يتوهم مانعا إلا الخوف من ظهور الأمر أو مناعة ~~نسب يوسف أو قبح الخيانة للعزيز. # أما الخوف من ظهور الأمر فقد مر أنه كان في ms4083 أمن منه. # ولو كان بدأ من ذلك شيء لكان في وسع العزيزة أن تؤوله تأويلا كما فعلت ~~فيما ظهر من أمر مراودتها فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاء فلم يؤاخذها ~~بشيء وقلبت العقوبة ليوسف حتى سجن. # وأما مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عما هو أعظم من الزنا ~~وأشد إثما فإنهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم. # شرافة النسب من أن يهموا بقتله ويلقوه في غيابت الجب ويبيعوه من السيارة ~~بيع العبيد ويثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي (عليه السلام) فبكى حتى ابيضت عيناه. # وأما قبح الخيانة وحرمتها فهو من القوانين الاجتماعية والقوانين ~~الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة، ~~وذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية والحكومة ~~العادلة، وأما لو أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن ~~نظرها أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشيء من هذه القوانين كما سنتكلم ~~فيه عن قريب. # فلم يكن عند يوسف (عليه السلام) ما يدفع به عن نفسه ويظهر به على هذه ~~الأسباب القوية التي كانت لها عليه إلا أصل التوحيد وهو الإيمان بالله. # وإن شئت فقل المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه فلم تترك لغيرها ~~محلا ولا موضع إصبع فهذا هو ما يفيده التدبر في القصة. # ولنرجع إلى متن الآية. # فقوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين" لا ريب أن الآية تشير إلى وجه ~~نجاة يوسف من هذه الغائلة، والسياق يعطي أن المراد بصرف السوء والفحشاء عنه ~~إنجاؤه مما أريد منه وسئل بالمراودة والخلوة، وأن المشار إليه بقوله: ~~"كذلك" هو ما يشتمل عليه قوله: "أن رءا برهان ربه". # فيئول معنى قوله: "كذلك لنصرف" إلى آخر الآية إلى أنه (عليه السلام) لما ~~كان من عبادنا المخلصين صرفنا عنه السوء والفحشاء بما رأى من برهان ربه ~~فرؤية برهان ربه هي السبب الذي ms4084 صرف الله سبحانه به السوء والفحشاء عن يوسف ~~(عليه السلام). PageV11P068 # ولازم ذلك أن يكون الجزاء المقدر لقوله: "لو لا أن رءا برهان ربه" هو ~~ارتكاب السوء والفحشاء، ولازم ذلك أن يكون "لو لا أن رءا" إلخ قيدا لقوله: ~~"وهم بها" وذلك يقتضي أن يكون المراد بهمه بها نظير همها به هو القصد إلى ~~المعصية ويكون حينئذ همه بها داخلا تحت الشرط، والمعنى أنه لو لا أن رءا ~~برهان ربه لهم بها وأوشك أن يرتكب فإن "لو لا" وإن كانت ملحقة بأدوات الشرط ~~وقد منع النحاة تقدم جزائها عليها قياسا على إن الشرطية إلا أن قوله: "وهم ~~بها" ليس جزاء لها بل هو مقسم به بالعطف على قوله: "ولقد همت به" وهو في ~~معنى الجزاء استغنى به عن ذكر الجزاء فهو كقولنا: والله لأضربنه إن يضربني ~~والمعنى: والله إن يضربني أضربه. # ومعنى الآية: والله لقد همت به والله لو لا أن رءا برهان ربه لهم بها ~~وأوشك أن يقع في المعصية، وإنما قلنا: أوشك أن يقع، ولم نقل: وقع لأن الهم ~~- كما قيل - لا يستعمل إلا فيما كان مقرونا بالمانع كقوله تعالى: "وهموا ~~بما لم ينالوا": التوبة: 74، وقوله: "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا": آل ~~عمران: 122، وقول صخر: أهم بأمر الحزم لا أستطيعه. # وقد حيل بين العير والنزوان. # فلو لا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم والاقتراب دون الارتكاب ~~والاقتراف، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: "لنصرف عنه السوء والفحشاء" ولم ~~يقل: لنصرفه من السوء والفحشاء فتدبر فيه. # ومن هنا يظهر أن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو الهم بها والميل إليها ~~كما أن المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهي الزنا فهو (عليه السلام) لم ~~يفعل ولم يكد، ولو لا ما أراه الله من البرهان لهم وكاد أن يفعل، وهذا ~~المعنى هو الذي يؤيده ما قدمناه من الاعتبار والتأمل في الأسباب والعوامل ~~المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه. # فقوله تعالى: "ولقد همت به" اللام فيه للقسم، والمعنى وأقسم لقد ms4085 قصدت ~~يوسف بما تريده منه ولا يكون الهم إلا بأن تشفع الإرادة بشيء من العمل. # وقوله: "وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه" معطوف على مدخول لام القسم من ~~الجملة السابقة، والمعنى أقسم لو لا رؤيته برهان ربه لهم بها وكاد أن ~~يجيبها لما تريده منه. # والبرهان هو السلطان ويراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب ~~كالمعجزة قال تعالى: "فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه": القصص: 32، ~~وقال: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم": النساء: 174، وقال: "أإله ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين": النمل: 64 وهو الحجة اليقينية ~~التي تجلي الحق ولا تدع ريبا لمرتاب. # والذي رآه يوسف (عليه السلام) من برهان ربه وإن لم يوضحه كلامه تعالى كل ~~الإيضاح لكنه - على أي حال - كان سببا من أسباب اليقين لا يجامع الجهل ~~والضلال بتاتا، ويدل على أنه كان من قبيل العلم قول يوسف (عليه السلام) ~~فيما يناجي ربه كما سيأتي: "وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين": الآية 33 من السورة، ويدل على أنه ليس من العلم المتعارف بحسن ~~الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها إن هذا النوع من العلم قد يجامع الضلال ~~والمعصية وهو ظاهر قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على ~~علم": الجاثية: 23 وقال: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14. # فالبرهان الذي أراه به وهو الذي يريه الله عباده المخلصين نوع من العلم ~~المكشوف واليقين المشهود تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى ~~معصية أصلا، وسنورد فيه بعض الكلام إن شاء الله تعالى. # وقوله: "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء" اللام في "لنصرف" للغاية أو ~~التعليل والمآل واحد و"كذلك" متعلق بقوله "لنصرف" والإشارة إلى ما ذكر من ~~رؤية برهان ربه، والسوء هو الذي يسوء صدوره من العبد بما هو عبد وهو مطلق ~~المعصية أو الهم بها، والفحشاء هو ارتكاب الأعمال الشنيعة كالزنا، وقد تقدم ~~أن ظاهر السياق انطباق السوء والفحشاء على الزنا والهم به. # والمعنى: الغاية - أو السبب - في ms4086 أن رءا برهان ربه هي أن نصرف عنه ~~الفحشاء والهم بها. PageV11P069 # ومن لطيف الإشارة في الآية ما في قوله: "لنصرف عنه السوء والفحشاء" حيث أخذ ~~السوء والفحشاء مصروفين عنه لا هو مصروفا عنهما، لما في الثاني من الدلالة ~~على أنه كان فيه ما يقتضي اقترافهما المحوج إلى صرفه عن ذلك، وهو ينافي ~~شهادته تعالى بأنه من عباده المخلصين وهم الذين أخلصهم الله لنفسه فلا ~~يشاركه فيهم شيء فلا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أي داع ~~يدعو من دون الله سبحانه. # وقوله: "إنه من عبادنا المخلصين" في مقام التعليل لقوله: "كذلك لنصرف" ~~"إلخ" والمعنى: عاملنا يوسف كذلك لأنه من عبادنا المخلصين، وهم يعاملون هذه ~~المعاملة. # ويظهر من الآية أن من شأن المخلصين من عباد الله أن يروا برهان ربهم، وإن ~~الله سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصية ولا يهمون بها بما ~~يريهم الله من برهانه، وهذه هي العصمة الإلهية. # ويظهر أيضا أن هذا البرهان سبب علمي يقيني لكن لا من العلوم المتعارفة ~~المعهودة لنا. # وللمفسرين من العامة والخاصة في تفسير الآية أقوال مختلفة: # 1 منها: ما ذكره بعضهم ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة والحسن ~~وغيرهم: أن المعنى أنها همت بالفاحشة وأنه هم بمثله لو لا أن رءا برهان ربه لفعل. # وقد وصفوا همه (عليه السلام) بما يجل عنه مقام النبوة ويتنزه عنه ساحة ~~الصديق فذكروا أنه قصدها بالفاحشة ودنا منها حتى حل السراويل وجلس منها ~~مجلس الخاتن فأدركه برهان من ربه أبطل الشهوة ونجاة من الهلكة، وذكروا في ~~وصف هذا البرهان أمورا كثيرة مختلفة. # قال الغزالي في تفسيره لهذه السورة: اختلفوا فيه - يعني في البرهان - ما ~~هو؟ قال بعضهم: إن طائرا وقع على كتفه فقال في أذنه: لا تفعله فإن فعلت ~~سقطت من درجة الأنبياء. # وقيل: إنه رأى يعقوب عاضا على إصبعه، وهو يقول: يا يوسف أما تراني: وقال ~~الحسن البصري: رآها وهي تغطي شيئا فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أغطي وجه ms4087 ~~صنمي لئلا يراني فقال يوسف: أنت تستحيين الجماد الذي لا يعقل ولا يرى فأنا ~~أولى أن أستحيي ممن يراني ويعلم سري وعلانيتي. # قال أرباب اللسان: إنه نودي في سره يا يوسف اسمك مكتوب في ديوان ~~الأنبياء، وتريد أن تفعل فعل السفهاء. # وقيل: رأى كفا قد خرج من الحائط مكتوب عليها: ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا. # وقيل: انفرج سقف البيت فرأى صورة حسنة تقول: يا رسول العصمة لا تفعل فإنك معصوم. # وقيل: نكس رأسه فرأى على الأرض مكتوبا: ومن يعمل سوءا يجز به. # وقيل: أتاه ملك ومسح جناحيه على ظهره فخرجت شهوته من أصابع رجليه. # وقيل: رأى الملك في البيت وهو يقول: ألست هاهنا؟ وقيل: وقع بينهما حجاب ~~فلا يرى أحد صاحبه. # وقيل: رأى جارية من جواري الجنة فتحير من حسنها فقال لها: لمن أنت؟ قالت: ~~لمن لا يزني. # وقيل: جاز عليه طائر فناداه: يا يوسف لا تعجل فإنها لك حلال ولك خلقت. # وقيل: رأى ذلك الجب الذي كان بحذائه وعليه ملك قائم يقول يا يوسف أنسيت ~~هذا الجب. # وقيل: رأى زليخا على صورة قبيحة فهرب منها. # وقيل رأى شخصا فقال: يا يوسف انظر إلى يمينك فنظر فرأى ثعبانا أعظم ما ~~يكون فقال: الزاني في بطني غدا فهرب منه. # انتهى. # ومما قيل فيه أنه تمثل له يعقوب فضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من ~~أطراف أنامله رواه في الدر المنثور، عن مجاهد وعكرمة وابن جبير إلى غير ذلك ~~من الوجوه المختلفة التي أوردها في التفسير بالمأثور. # والجواب عنه مضافا إلى أنه (عليه السلام) كان نبيا ذا عصمة إلهية تحفظه ~~من المعصية، وقد تقدم إثبات ذلك، أن الذي أورده الله تعالى من كرائم صفاته ~~وإخلاص عبوديته لا يبقى شكا في أنه أطهر ساحة وأرفع منزلة من أن ينسب إليه ~~أمثال هذه الألواث فقد ذكر تعالى أنه من عباده الذين أخلصهم لنفسه واجتباهم ~~لعبوديته وآتاهم حكما وعلما، وعلمه من تأويل الأحاديث، وأنه كان عبدا متقيا ~~صبورا في الله غير ms4088 خائن ولا ظالم ولا جاهل، وكان من المحسنين وقد ألحقه ~~بآبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # وكيف يستقيم هذه المقامات العالية والدرجات الرفيعة إلا لإنسان طاهر في ~~وجدانه منزه في أركانه صالح في أعماله مستقيم في أحواله. PageV11P070 # وأما من ذهب لوجهه في معصية الله وهم بما هو من أفحش الإثم في دين الله وهو ~~زنا ذات البعل وخيانة من أحسن إليه أبلغ الإحسان في عرضه وأصر عليه حتى حل ~~التكة وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فأتته لصرفه آية بعد آية فلم ينصرف، ~~وازدجر بنداء بعد نداء من كل جانب فلم يستحي ولم يكف حتى ضرب في صدره ضربة ~~خرجت بها شهوته من رءوس أصابعه، وشاهد ثعبانا أعظم ما يكون من عن يمينه ~~فذعر منه وهرب من هول ما رأى، فمثله أحرى به أن لا يسمى إنسانا فضلا أن ~~يتكىء على أريكة النبوة والرسالة، ويأتمنه الله على وحيه، ويسلم إليه ~~مفاتيح دينه، ويؤتيه حكمه وعلمه ويلحقه بمثل إبراهيم الخليل. # لكن هؤلاء المتعلقين بهذه الأقاويل المختلفة والإسرائيليات والآثار ~~الموضوعة إذ يتهمون جده إبراهيم (عليه السلام) في زوجته سارة لا يبالون أن ~~يتهموا نجله (عليه السلام) في زوجة غيره. # قال في الكشاف،: وقد فسر هم يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس ~~المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على ~~قفاها وفسر البرهان بأنه سمع صوتا إياك وإياها فلم يكترث له فسمعه ثانيا ~~فلم يعمل به فسمع ثالثا: أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضا على ~~أنملته، وقيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. # وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا ~~من أجل ما نقص من شهوته حين هم، وقيل. # صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له، وقيل: ~~بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها: "وإن عليكم لحافظين ~~كراما كاتبين" فلم ينصرف ms4089 ثم رأى فيها: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا" فلم ينته ثم رأى فيها: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" فلم ~~ينجع فيه فقال الله لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل ~~وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟. # وقيل: رأى تمثال العزيز، وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته ~~وقالت: أستحيي منه أن يرانا فقال يوسف: استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر ولا ~~أستحيي من السميع البصير العليم بذات الصدور؟. # وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى ~~وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل. # ولو وجدت من يوسف (عليه السلام) أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته ~~واستغفاره كما نعيت على آدم زلته، وعلى داود وعلى نوح وعلى أيوب وعلى ذي ~~النون وذكرت توبتهم واستغفارهم كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصا؟. # فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي ~~القوة والعزم ناظرا في دليل التحريم ووجه القبح حتى استحق من الله الثناء ~~فيما أنزل من كتب الأولين ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصدق ~~لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته، وضرب سورة كاملة عليها ليجعل له لسان ~~صدق في الآخرين كما جعله لجده الخليل إبراهيم (عليه السلام). # وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في ~~مواقع العثار. # فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي ~~هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله في ~~القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث ~~مرات، ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن وبالتوبيخ العظيم ~~وبالوعيد الشديد وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه وهو ~~جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا يتنبه حتى يتداركه الله بجبريل ~~وبإجباره، ولو أن أوقح ms4090 الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة أجلحهم وجها لقي بأدنى ~~ما لقي به مما ذكروا لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرك فيا له من مذهب ما ~~أفحشه ومن ضلال ما أبينه. # انتهى. # وما أحسن ما قال بعض أهل التفسير في ذم أصحاب هذا القول إنهم يتهمونه ~~(عليه السلام) في هذه الواقعة وقد شهد ببراءته وطهارته كل من لها تعلق ما ~~بها فالله سبحانه يشهد بذلك إذ يقول: "إنه من عبادنا المخلصين" والشاهد ~~الذي شهد له من أهلها إذ قال: "إن كان قميصه قد من قبل" إلى آخر الآيتين، ~~والعزيز إذ قال لامرأته. PageV11P071 # "إنه من كيدكن" وامرأة العزيز إذ قالت: "الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه ~~وإنه لمن الصادقين" والنسوة إذ قلن: "حاش لله ما علمنا عليه من سوء" ويوسف ~~ينفي ذلك عن نفسه وقد سماه الله صديقا إذ قال: "إني لم أخنه بالغيب". # وعمدة السبب في تعاطيهم هذا القول أمران: أحدهما: إفراطهم في الركون إلى ~~الآثار وقبول الحديث كيفما كان وإن خالف صريح العقل ومحكم الكتاب فلعبت ~~بأحلامهم الإسرائيليات وما يلحق بها من الأخبار الموضوعة المدسوسة، وأنستهم ~~كل حق وحقيقة وصرفتهم عن المعارف الحقيقية. # ولذلك تراهم لا يرون لمعارف الدين محتدا وراء الحس، ولا للمقامات ~~المعنوية الإنسانية كالنبوة والولاية والعصمة والإخلاص أصلا إلا الوضع ~~والاعتبار نظائر المقامات الوهمية الاعتبارية الدائرة في مجتمع الإنسان ~~الاعتباري التي ليست لها وراء التسمية والمواضعة حقيقة تتكىء عليها وتطمئن إليها. # فيقيسون نفوس الأنبياء الكرام على سائر النفوس العامية التي تنقلب بين ~~الأهواء وبلغت بها الجهالة والخساسة فإن ارتقت فإنما ترتقي إلى منزلة ~~التقوى ورجاء الثواب وخوف العقاب تصيب كثيرا وتخطىء وإن لحقت بها عصمة ~~إلهية في مورد أو موارد فإنما هي قوة حاجزة بين الإنسان والمعصية لا تعمل ~~عملها إلا بإبطال سائر الأسباب والقوى التي جهز بها الإنسان وإلجاء الإنسان ~~واضطراره إلى فعل الجميل واقتراف الحسنة، ولا جمال لفعل ولا حسن لعمل ولا ~~مدح لإنسان مع الإلجاء والاضطرار وللكلام تتمة سنوردها في بحث يختص ms4091 به. # الثاني: ظاهر قوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه" ~~بناء على ما ذكره النحاة أن جزاء "لو لا" لا يتقدم عليها قياسا على إن ~~الشرطية، وعلى هذا يصير قوله "وهم بها" جملة تامة غير متعلقه بالشرط، وجواب ~~لو لا قولنا "لفعل" أو ما يشبه ذلك والتقدير: ولقد همت امرأة العزيز بيوسف ~~وهم يوسف بها لو لا أن رءا برهان ربه لفعل، وهو المطلوب. # وقد عرفت فساد ذلك وإن الجملتين معا أعني قوله: "ولقد همت به" وقوله: ~~"وهم بها" قسميتان، وإن جزاء لو لا في معنى الجملة الثانية حذف لدلالتها ~~عليه، والكلام على تقدير: وأقسم لقد همت به وأقسم لو لا أن رءا برهان ربه ~~لهم بها نظير قولهم: والله لأضربنه إن ضربني. # على أن الذي قدروه من المعنى كان الأنسب به أن يقال: "ولو لا أن رءا ~~برهان ربه" بالوصل، ولا وجه ظاهرا من جهة السياق يوجه به الفصل. # 2 - ومن الأقوال في الآية أن المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع ~~وانتزاع الغريزة قال في الكشاف،: فإن قلت كيف جاز على نبي الله أن يكون منه ~~هم بالمعصية وقصد إليها؟ قلت: المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت ~~إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه وكما تقتضيه ~~صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم، وهو يكسر ما به ويرده ~~بالنظر إلى برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم. # ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند ~~الله بالامتناع لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء ~~وشدته، ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين. # ويجوز أن يريد بقوله: "وهم بها" وشارف أن يهم بها كما يقول الرجل: قتلته ~~لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته كأنه شرع فيه. # ثم قال: فإن قلت: لم جعلت جواب لو لا محذوفا يدل عليه هم بها، ms4092 وهلا جعلته ~~هو الجواب مقدما. # قلت: لأن لو لا لا يتقدم عليها جوابها من قبل أنه في حكم الشرط، وللشرط ~~صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، ولا يجوز تقديم ~~بعض الكلمة على بعض، وأما حذف بعضها إذا دل الدليل عليه فجائز. # فإن قلت: فلم جعلت لو لا متعلقة بهم بها وحده؟ ولم تجعلها متعلقة بجملة ~~قوله: "ولقد همت به وهم بها" لأن الهم لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني فلا ~~بد من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا باثنين معا فكأنه قيل: ولقد ~~هما بالمخالطة لو لا أن منع مانع أحدهما. PageV11P072 # قلت: نعم ما قلت ولكن الله سبحانه قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث ~~قال: "ولقد همت به وهم بها" فكان إغفاله إلغاء له فوجب أن يكون التقدير: ~~ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أن المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما ~~هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها لو ~~لا أن رءا برهان ربه فترك التوصل إلى حظه من الشهوة فلذلك كانت "لو لا" ~~حقيقة بأن تعلق بهم بها وحده انتهى. # ولخصه البيضاوي في تفسيره، حيث قال: المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع ~~ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق ~~بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو ~~مشارفة الهم كقولك: قتلته لو لم أخف الله. # انتهى. # ورد هذا القول بأنه مخالف لما ثبت في اللغة من معنى الهم وهو القصد إلى ~~الفعل مع مقارنته ببعض الأعمال الكاشفة عن ذلك من حركة إلى الفعل المراد أو ~~شروع في بعض مقدماته كمن يريد ضرب رجل فيقوم إليه وأما مجرد ميل الطبع ~~ومنازعة القوة الشهوانية فليس يسمى هما البتة والهم بمعناه اللغوي مذموم لا ~~ينبغي صدوره من نبي كريم، والطبع وإن كان غير مذموم لخروجه عن تحت التكليف ~~لكنه لا يسمى هما. # أقول: هذا إنما يصلح ms4093 جوابا لقولهم: إن المراد بهمه (عليه السلام) ميل ~~الطبع ومنازعة الشهوة، وأما تجويزه أن يكون المراد بالهم الإشراف على الهم ~~فلا، بل هو قول على حدة في معنى الآية وهو أن يفرق بين الهمين المذكورين ~~فالمراد بهمها القصد العمدي إلى المخالطة وبهمه إشرافه (عليه السلام) على ~~الهم بها من دون تحقق للهم بالفعل والقرينة عليه هو وصفه تعالى إياه بما ~~فيه مدح بالغ، ولو كان همه حقيقيا بالقصد العمدي إلى مخالطتها كان فعلا ~~مذموما لا يتعلق به مدح أصلا فمن هنا يعلم أن المراد بهمه (عليه السلام) ~~إشرافه على الهم لا الهم بالفعل. # والجواب: أنه معنى مجازي لا يصار إليه إلا مع عدم إمكان الحمل على المعنى ~~الحقيقي، وقد تقدم أنه بمكان من الإمكان. # على أن الذي ذكروه في معنى رؤيته برهان ربه وأن المراد بها الرجوع إلى ~~الحجة العقلية القاضية بوجوب الانتهاء عن النواهي الشرعية والمحارم الإلهية ~~معنى بعيد من اللفظ إذ الرؤية لا تستعمل إلا في الإبصار الحسي أو المشاهدة ~~القلبية التي هي بمنزلتها أو أظهر منها، وأما مجرد التفكر العقلي فلا يسمى ~~رؤية البتة. # 3 - ومن الأقوال في الآية: أن المراد بالهمين مختلف فهمها هو قصدها ~~مخالطته وهمه بها هو قصده أن يضربها للدفاع عن نفسه، والدليل على التفرقة ~~بين الهمين شهادته تعالى على أنه من عباده المخلصين وقيام الحجة عقلا على ~~عصمة الأنبياء (عليهم السلام). # قال في مجمع البيان،: إن الهم في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق ~~العزم به على الحقيقة لأنه قال: "ولقد همت به وهم بها" فعلق الهم بهما ~~وذاتاهما لا يجوز أن يراد ويعزم عليهما لأن الموجود الباقي لا يصح أن يراد ~~ويعزم عليه فإذا حملنا الهم في الآية على العزم فلا بد من تقدير أمر محذوف ~~يتعلق العزم به. # وقد أمكن أن نعلق عزمه بغير القبيح، ونجعله متناولا لضربها أو دفعها عن ~~نفسه فكأنه قال: ولقد همت بالفاحشة منه وأرادت ذلك وهم يوسف بضربها ودفعها ~~عن نفسه كما يقال ms4094 هممت بفلان أي بضربه وإيقاع مكروه به. # وعلى هذا فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهانا على أنه إن ~~أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أو قتلوه أو ادعت عليه المراودة على القبيح ~~وقذفته بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه ~~السوء والفحشاء اللذين هما القتل وظن اقتراف الفاحشة به، ويكون التقدير: لو ~~لا أن رءا برهان ربه لفعل ذلك، ويكون جواب لو لا محذوفا كما حذف في قوله ~~تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله رءوف رحيم" انتهى موضع ~~الحاجة. # والجواب: أنه قول لا بأس به لكنه مبني على التفرقة بين الهمين وهو خلاف ~~الظاهر لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن حملهما على معنى واحد وقد عرفت إمكان ذلك. PageV11P073 # على أن لازمه أن يكون المراد بالبرهان الذي رآه ما يدل على أنه إن ضربها ~~استتبع ذلك هلاكه أو مصيبة أخرى تصيبه ويكون المراد بالسوء والفحشاء القتل ~~والتهمة - كما أشار إليه في المجمع، - وهذا خلاف ما يستفاد من السياق قطعا. # وأما ما ذكره في المجمع، من عدم جواز إرادة العزم على المخالطة من الهمين ~~معا، ومحصله أن الهم إنما يتعلق بمن لا ينقاد للعازم الهام فيما يريده، ~~وإذا فرض تحقق الهم من أحد الطرفين لم يصح تحققه مع ذلك من الطرف الآخر إذ ~~لا معنى لتعلق الإرادة بالمريد والطلب من الطالب وبعث من هو مبعوث بالفعل. # ففيه أنه لا مانع من تحقق الهم من الطرفين إذا فرض تحققهما دفعة واحدة من ~~دون سبق ولحوق أو قارن ذلك عناية زائدة كإنسانين يريدان الاقتراب والاجتماع ~~فربما يثبت أحدهما ويتحرك إليه الآخر، وربما يتحركان ويقتربان ويتدليان معا ~~وجسمين يريدان الانجذاب والاتصال فربما يجذب أحدهما وينجذب إليه الآخر ~~وربما يتجاذبان ويتدانيان. # 4 - ومن الأقوال في الآية: أن المراد بالهم في الموردين معا الهم بالضرب ~~والدفاع فهي لما راودته وردها بالامتناع والاستنكاف ثارت منها داعية الغضب ~~والانتقام وهاج في باطنها الوجد الممزوج بالسخط والأسف فهمت ms4095 به لتضربه على ~~تمرده من امتثال ما أمرته به، وهو # لما شاهد ذلك استعد للدفاع عن نفسه وضربها إن مستها بسوء غير أن ضربه ~~إياها ومقاومته لدفعها لما كان ربما يتهمه في أنه راودها عن نفسه ودعاها ~~إلى الفحشاء أراه الله سبحانه بفضله برهانا فهم منه ذلك وألهم أن يختار ~~للدفاع عن نفسه سبيل الفرار فقصد باب البيت ليفتحه ويخرج من عندها فعقبته ~~فاستبقا الباب. # ولا مساغ لحمل الهم على الهم بالمخالطة أما في قوله: "ولقد همت به" فلان ~~الهم لا يكون إلا بفعل للهام، والوقاع ليس من أفعال المرأة فتهم به، وإنما ~~نصيبها منه قبولها لمن يطلبه منها بتمكينه منه. # هذا أولا. # على أن يوسف لم يطلب من امرأة العزيز هذا الفعل فيسمى قبولها لطلبه ~~ورضاها بتمكينه منه هما لها فإن نصوص الآيات قبل هذه الآية وبعدها تبرئة من ~~ذلك بل من وسائله ومقدماته أيضا. # وهذا ثانيا. # على أن ذلك لو وقع لكان الواجب في التعبير عنه أن يقال: ولقد هم بها وهمت ~~به لأن الأول هو المقدم في الطبع والوضع وهو الهم الحقيقي، والهم الثاني ~~متوقف عليه لا يتحقق بدونه. # وهذا ثالثا. # على أنه قد علم من القصة أن هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلبا ~~جازما مصرة عليه ليس عندها أدنى تردد فيه ولا مانع منه يعارض المقتضي له، ~~فإذن لا يصح أن يقال: إنها همت به مطلقا حتى لو فرض جدلا أنه كان قبولا ~~لطلبه ومواتاة له إذ الهم مقاربة الفعل المتردد فيه، وأما الهم بمعنى قصدها ~~له بالضرب تأديبا فيصح ذلك فيه بأهون تقدير. # وهذا رابعا. # انتهى ملخصا مما أورده صاحب المنار في تفسيره،. # والجواب: أنه يشارك القول السابق في معنى همه بها فيرد عليه ما أوردناه ~~على سابقه، وأما ما يختص به أن المراد بهمها به قصدها إياه بضرب ونحوه فمما ~~لا دليل عليه أصلا، وأما مجرد اتفاق ذلك في بعض نظائر القصة فليس يوجب حمل ~~الكلام عليه من غير قرينة تدل على ms4096 ذلك. # وأما ما ذكره في استبعاد أن يراد من قوله: "ولقد همت به" الهم على ~~المخالطة أو عدم صحته فوجوه سخيفة جدا فإن من المعلوم أن هذه المخالطة ~~تتألف عادة من حركات وسكنات شأن المرأة فيها الفعل دون الانفعال والعمل دون ~~القبول فلو همت به بضم أو ما يناظره ليلتهب بذلك ما خمدت من نار غريزته ~~الكامنة، وتلجئه إلى إجابتها فيما تريده منه صح أن يقال: إنها همت به أي ~~بمخالطته وليس من الواجب أن يفسر همها به بقصدها خصوص ما هي قابلة له حتى ~~لا يصح به إطلاق الهم عليه. # وأما ما ذكره أخيرا أنها كانت جازمة غير مترددة فلا يصح أن يراد بهمها ~~الهم على ما تريده من المخالطة ففيه أنها إنما كانت جازمة في إرادتها منه ~~وعزيمتها عليه، وأما في تحقق الفعل ووقوعه على ما قدرته فلا كيف؟ وقد شاهدت ~~من يوسف الامتناع والإباء عن مراودتها، وإنما همت به لما قابلها بالاستنكاف ~~ولا جزم لها مع ذلك بإجابته لها ومطاوعته لما أرادته منه وهو ظاهر. PageV11P074 # 5 - ومن الأقوال في الآية: حمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون التقدير: ~~ولقد همت به ولو لا أن رءا برهان ربه لهم بها، ولما رءا برهان ربه لم يهم ~~بها، ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لو لا أني تداركتك، وقد كنت قتلت ~~لو لا أني خلصتك، والمعنى: لو لا تداركي لهلكت - ولو لا تخليصي لقتلت وإن ~~كان لم يقع هلاك وقتل، ومثله قول الشاعر: فلا تدعني قومي ليوم كريهة. # لئن لم أعجل ضربة أو أعجل. # وفي القرآن الكريم: "إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها" نسبه في ~~المجمع، إلى أبي مسلم المفسر. # والجواب: أنه إن كان المراد به ما ربما يقوله المفسرون: إن في القرآن ~~تقديما وتأخيرا فإنما ذلك فيما يكون هناك جمل متعددة بعضها متقدمة على ~~بعضها بالطبع فأهمل النظم واكتفى بمجرد العد من غير ترتيب لعناية تعلقت به ~~كما قيل في قوله تعالى: "وامرأته قائمة ms4097 فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب": هود: 71 إنه من التقديم والتأخير، وإن التقدير: فبشرناها ~~فضحكت وأما قوله: "وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه" فالمعنى يختلف فيه ~~بالتقديم والتأخير فهو إذا قدم كان هما مطلقا من غير تقييد لعدم جواز كونه ~~جوابا للو لا مقدما عليها على ما ذكروه، وإذا أخر كان هما مقيدا بالشرط. # وإن كان المراد أنه جواب للو لا مقدم عليها فالنحاة لا يجوزونه قياسا على ~~إن الشرطية ويؤولون ما سمع من ذلك اللهم إلا أن يكون ذلك خلافا منه لهم ~~لعدم الدليل على هذا القياس، ولا موجب لتأويل ما ورد في الكلام مما ظاهره ذلك. # 6 - ومن الأقوال في الآية: ما ذكروا أنها أول ما همت به في منامها وهم ~~بها لأنه رآها في منامه فعند ذلك علم أنها له فلذلك هم بها. # أورده الغزالي في تفسيره، قال: وهذا وجه حسن لأن الأنبياء كانوا معصومين ~~لا يقصدون المعاصي. # انتهى. # والجواب أنه إن أريد به أن قوله: "وهم بها" حكاية ما رآه يوسف (عليه ~~السلام) في المنام فهو تحكم لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة، وإن أريد به ~~أنه (عليه السلام) رآها في المنام وهم بها فيه، واعتقد من هناك أنها له ~~وخاصة بناء على أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم هم بها في اليقظة في مجلس ~~المراودة بالمضي على اعتقاده فيها فأدركته رؤية برهان من ربه يبين له أنه ~~قد أخطأ في زعمه ففيه إثبات خطإ الأنبياء في تلقي الوحي، وليس ذلك بأقل ~~محذورا من تجويز إقدامهم على المعاصي. # على أن الآية السابقة - وقد عد فيها المخالطة ظلما لا يفلح صاحبه واستعاذ ~~بالله منه - تناقض ذلك فكيف يزعم أنها له وهو يعده ظلما ويستعيذ منه بالله ~~سبحانه؟. # فهذه عمدة الأقوال في الآية وهي مع ما قدمناه أولا ترتقي إلى سبعة أو ~~ثمانية، وقد علمت أن معنى رؤية البرهان يختلف بحسب اختلاف الأقوال فمن قائل ~~إنه سبب يقيني شاهده يوسف (عليه السلام)، ومن قائل ms4098 إنه الآيات والأمور التي ~~ظهرت له فردعته عن اقتراف الخطيئة، ومن قائل إنه العلم بحرمة الزنا وعذابه، ~~ومن قائل إنه ملكة العفة، ومن قائل إنه العصمة والطهارة وقد عرفت ما هو ~~الحق منها وسنعود إليه في كلام خاص به بعد تمام البحث عن الآيات إن شاء ~~الله تعالى. # قوله تعالى: "واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر" الاستباق هو التسابق وقد ~~تقدم، والقد القط هو الشق إلا أن القد هو الشق طولا والقط هو الشق عرضا، ~~والدبر والقبل كالخلف والأمام. # والسياق يعطي أن استباقها كان لغرضين مختلفين فكان يوسف (عليه السلام) ~~يريد أن يفتحه ويتخلص منها بالخروج من البيت، وامرأة العزيز كانت تريد أن ~~تسبقه إليه فتمنعه من الفتح والخروج لعلها تفوز بما تريده منه، وإن يوسف ~~سبقها إلى الباب فاجتذبته من قميصه من الوراء فقدته ولم ينقد إلا لأنه كان ~~في حال الهرب مبتعدا منها وإلا لم ينشق طولا. # وقوله: "وألفيا سيدها لدى الباب" الإلفاء الوجدان يقال: ألفيته كذا أي ~~وجدت والمراد بسيدها زوجها. # قيل: إنه جري على عرف مصر وقد كانت النساء بمصر يلقبن زوجهن بالسيد، وهو ~~مستمر إلى هذا الزمان. PageV11P075 # قوله تعالى: "قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم" ~~لما ألفيا سيدها لدى الباب انقلب مجلس المراودة إلى موقف التحقيق، وإنما ~~أوجد هذا الموقف وجود العزيز لدى الباب وحضورهما والهيئة هذه الهيئة عنده، ~~ويتكفل ما جرى في هذا الموقف قوله: "وألفيا سيدها لدى الباب" إلى تمام خمس آيات. # فبدأت امرأة العزيز تشكو يوسف إليه وتسأله أن يجازيه فذكرت أنه أراد بها ~~سوءا وعليه أن يسجنه أو يعذبه عذابا أليما لكنها لم تصرح بذلك ولا بشيء من ~~أطراف الواقعة بل كنت وأتت بحكم عام عقلائي يتضمن مجازاة من قصد ذوات البعل ~~بالفحشاء فقالت: "ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم" ~~فلم يصرح باسم يوسف وهو المريد، ولا باسم نفسها وهي الأهل، ولا باسم السوء ~~وهو الزنا بذات البعل ms4099 كل ذلك تأدبا في حضرة العزيز وتقديسا لساحته. # ولم يتعين الجزاء بل رددته بين السجن والعذاب الأليم لأن قلبها الواله ~~إليه المليء بحبه ما كان يساعدها على التعيين فإن في الإبهام نوعا من الفرج ~~إلا أن في تعبيرها بقولها: "بأهلك" نوعا من التحريض عليه وتهييجه على ~~مؤاخذته ولم يكن ذلك إلا كيدا منها للعزيز بالتظاهر بالوجد والأسى لئلا ~~يتفطن بواقع الأمر فيؤاخذها أما إذا صرفته عن نفسها المجرمة فإن صرفه عن ~~مؤاخذة يوسف (عليه السلام) لم يكن صعبا عليها تلك الصعوبة. # قوله تعالى: "قال هي راودتني عن نفسي" لم يبدأ يوسف (عليه السلام) بالقول ~~أدبا مع العزيز وصونا لها أن يرميها بالجرم لكن لما اتهمته بقصدها بالسوء ~~لم ير بدا دون أن يصرح بالحق فقال: "هي راودتني عن نفسي" وفي الكلام دلالة ~~على القصر وهي من قصر القلب أي لم أردها بالسوء بل هي التي أرادت ذلك ~~فراودتني عن نفسي. # وفي كلامه هذا - وهو خال عن أقسام التأكيد كالقسم ونحوه - دلالة على سكون ~~نفسه (عليه السلام) وطمأنينته وأنه لم يحتشم ولم يجزع ولم يتملق حين دعوى ~~براءته مما رمته به إذ كان لم يأت بسوء ولا يخافها ولا ما اتهمته وقد ~~استعاذ بربه حين قال: "معاذ الله". # قوله تعالى: "وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين" إلى آخر الآيتين. # لما كانت الشهادة في معنى القول كان قوله: "إن كان قميصه" "إلخ" بمنزلة ~~مقول القول بالنسبة إليه فلا حاجة إلى تقدير القول قبل قوله: "إن كان ~~قميصه" "إلخ"، وقد قيل: إن هذا القول لما أدى مؤدى الشهادة عبر عنه بلفظ ~~الشهادة. # وقد أشار هذا الشاهد إلى دليل ينحل به العقدة ويتضح طريق القضية فتكلم ~~فقال: "إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين" فإن من البين أن ~~أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب، وكون القد من قبل يدل على منازعتهما ~~ومصارعتهما بالمواجهة فالقضاء لها عليه، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ms4100 وهو ~~من الصادقين فإن كون القد من دبر يدل على هربه منها وتعقيبها إياه ~~واجتذابها له إلى نفسها فالقضاء له عليها. # وهو ظاهر. # وأما من هذا الشاهد؟ فقد اختلف فيه المفسرون فقال بعضهم: كان رجلا حكيما ~~أشار للعزيز بما أشار كما عن الحسن وقتادة وعكرمة، وقيل: كان رجلا وهو ابن ~~عم المرأة وكان جالسا مع زوجها لدى الباب، وقيل: لم يكن من الإنس ولا الجن ~~بل خلقا من خلق الله كما عن مجاهد، ورد بمنافاته الصريحة لقوله تعالى: "من ~~أهلها". # ومن طرق أهل البيت (عليهم السلام) وبعض طرق أهل السنة أنه كان صبيا في ~~المهد من أهلها، وسيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # والذي ينبغي أن ينظر فيه أن الذي أتى به هذا الشاهد بيان عقلي ودليل فكري ~~يؤدي إلى نتيجة هي القاضية لأحد هذين المتداعيين على الآخر، ومثل هذا لا ~~يسمى شهادة عرفا فإنها هي البيان المتعمد على الحس أو ما في حكمه وبالجملة ~~القول الذي لا يعتمد على التفكير والتعقل كما في قوله: "شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم": حم السجدة: 20، وقوله: "قالوا نشهد إنك لرسول الله": ~~المنافقون: 1 فإن الحكم بصدق الرسالة وإن كان في نفسه مستندا إلى التفكر ~~والتعقل لكن المراد بالشهادة تأدية ما عنده من الحق المعلوم قطعا من غير ~~ملاحظة كونه عن تفكر وتعقل كما في موارد يعبر عنه فيها بالقول ونحوه. PageV11P076 # فليس من البعيد أن يكون في التعبير عن قول هذا القائل بمثل "وشهد شاهد" ~~إشارة إلى كون ذلك كلاما صدر عنه من غير ترو وفكر فيكون شهادة لعدم اعتماده ~~على تفكر وتعقل لا قولا يعبر به عرفا عن البيان الذي يبتني على ترو وتفكر، ~~وبهذا يتأيد ما ورد من الرواية أنه كان صبيا في المهد فقد كان ذلك بنوع من ~~الإعجاز أيد الله سبحانه به قول يوسف (عليه السلام). # قوله تعالى: "فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم" ~~أي فلما رأى العزيز قميص يوسف ms4101 والحال أنه مقدود مشقوق من خلف، قال إن الأمر ~~من كيدكن معاشر النساء إن كيدكن عظيم فمرجع الضمائر معلوم من السياق. # ونسبة الكيد إلى جماعة النساء مع كونه من امرأته للدلالة على أنه إنما ~~صدر منها بما أنها من النساء، وكيدهن معهود معروف، ولذا استعظمه وقال ~~ثانيا: "إن كيدكن عظيم" وذلك أن الرجال أوتوا من الميل والانجذاب إليهن ما ~~ليس يخفى وأوتين من أسباب الاستمالة والجلب ما في وسعهن أن يأخذن بمجامع ~~قلوب الرجال ويسخرن أرواحهم بجلوات فتانة وأطوار سحارة تسلب أحلامهم، ~~وتصرفهم إلى إرادتهن من حيث لا يشعرون وهو الكيد وإرادة الإنسان بالسوء ~~ومفاد الآية أن العزيز لما شاهد أن قميصه مقدود من خلف قضى ليوسف (عليه ~~السلام) على امرأته. # قوله تعالى: "يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين" من ~~مقول قول العزيز أي إنه بعد ما قضى له عليها أمر يوسف أن يعرض عن الأمر ~~وأمر امرأته أن تستغفر لذنبها ومن خطيئتها. # فقوله: "يوسف أعرض عن هذا" يشير إلى ما وقع من الأمر ويعزم على يوسف أن ~~يعرض عنه ويفرضه كأن لم يكن فلا يحدث به ولا يذيعه، ولم يرد في كلامه تعالى ~~ما يدل على أن يوسف (عليه السلام) حدث به أحدا وهو الظن به (عليه السلام) ~~كما نرى أنه لم يظهر حديث المراودة للعزيز حتى اتهمته بسوء القصد فذكر الحق ~~عند ذلك لكن كيف يخفى حديث استمر عهدا ليس بالقصير، وقد استولى عليها الوله ~~وسلب منها الغرام كل حلم وحزم، ولم تكن المراودة مرة أو مرتين والدليل على ~~ذلك ما سيأتي من قول النسوة: "امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا". # وقوله: "واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين" يقرر لها الذنب ويأمرها أن ~~تستغفر ربها لذلك الذنب لأنها كانت بذلك من أهل الخطيئة، ولذلك قيل: "من ~~الخاطئين" ولم يقل من الخاطئات. # وهذا كله من كلام العزيز على ما يعطيه السياق لا من كلام الشاهد لأنه ~~قضاء وحكم والقضاء للعزيز لا للشاهد. ms4102 # ومن الخطإ قول بعضهم: إن معنى "واستغفري لذنبك" سلي زوجك أن لا يعاقبك ~~على ذنبك انتهى. # بناء على أن الجملة من كلام الشاهد لا من كلام العزيز وكذا قول آخر: ~~معناه: استغفري الله من ذنبك وتوبي إليه فإن الذنب كان منك لا من يوسف ~~فإنهم كانوا يعبدون الله تعالى مع عبادة الأصنام. # انتهى. # وذلك أن الوثنيين يقرون بالله سبحانه في خالقيته لكنهم لا يعبدون إلا ~~الآلهة والأرباب من دون الله سبحانه - وقد تقدم الكلام في ذلك في الجزء ~~السابق من الكتاب - على أن الآية لا تشتمل إلا على قوله: "واستغفري" من دون ~~أن يذكر المتعلق، وهو ربها المعبود لها في مذهبها. # وربما قيل: إن الآية تدل على أن العزيز كان فاقدا للغيرة، والحق أن الذي ~~تدل عليه أنه كان شديد الحب لامرأته. # قوله تعالى: "وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين" قصة نسوة مصر مع يوسف في بيت العزيز ~~تتضمنها الآية إلى تمام ست آيات. # والذي يعطيه التدبر فيها بما ينضم إليها من قرائن الأحوال وما يستوجبه ~~طبع القصة أنه لما كان من أمر يوسف والعزيزة ما كان، شاع الخبر في المدينة ~~تدريجا، وصارت النساء وهن سيدات المدينة يتحدثن به في مجامعهن ومحافلهم ~~فيما بينهن ويعيرن بذلك عزيزة مصر ويعبنها أنها تولهت إلى فتاها وافتتنت به ~~وقد أحاط بها حبا فظلت تراوده عن نفسه، وضلت به ضلالا مبينا. PageV11P077 # وكان ذلك مكرا منهن بها على ما في طبع أكثر النساء من الحسد والعجب فإن ~~المرأة تغلبه العواطف الرقيقة والإحساسات اللطيفة وركوز لطف الخلقة وجمال ~~الطبيعة فيها مشعوفة القلب بالزينة والجمال متعلقة الفؤاد برسوم الدلال، ~~ويورث ذلك فيها وخاصة في الفتيات إعجابا بالنفس وحسدا للغير. # وبالجملة كان تحديثهن بحديث الحب والمراودة مكرا منهن بالعزيزة - وفيه ~~بعض السلوة لنفوسهن والشفاء لغليل صدورهن - ولما يرين يوسف، ولا شاهدن منه ~~ما شاهدته العزيزة فولها وهتك سترها وإنما كن يتخيلن شيئا ويقايسن قياسا، ~~وأين الرواية ms4103 من الدراية والبيان من العيان. # وشاع التحديث به في المسامرات حق بلغ الخبر امرأة العزيز تلك التي لا هم ~~لها إلا أن تفوز في طلب يوسف وبلوغ ما تريد منه ولا تعبأ في حبه بشيء من ~~الملك والعزة إلا لأن تتوصل به إلى حبه لها وميله إليها وإنجاحه لطلبتها ~~فاستيقظت من رقدتها وعلمت بمكرهن بها فأرسلت إليهن للحضور لديها وأنهن ~~سيدات ونساء أشراف المدينة وأركان البلاد ممن له رابطة المعاشرة مع بيت ~~العزيز أو لياقة الحضور فيه. # فتهيأن للحضور وتبرزن بأحسن الجمال وأوقع الزينة على ما هو الدأب في ~~أمثال هذه الاحتفالات من أمثال هؤلاء السيدات، وكل تتمنى أن ترى يوسف ~~وتشاهد ما عنده من الحسن الذي أوقع على العزيزة ما أوقع وفضحها. # والعزيزة لا هم لها يومئذ إلا أن تريهن يوسف حتى يعذرنه ويشتغلن عنها ~~بأنفسهن فتتخلص من لسانهن فتأمن مكرهن، وهي لا تعبأ بافتتانهن بيوسف ولا ~~تخاف عليه منهن لأنها - على ما تزعم - مولاته وصاحبته ومالكة أمره، وهو ~~فتاها المخصوص بها، وهي تعلم أن يوسف ليس بالذي يرغب فيهن أو يصبو إليهن ~~وهو لا ينقاد لها فيما تريده منه بما عنده من الاستعصام والاعتزاز عن هذه ~~الأهواء والأميال. # ثم لما حضرن عند العزيزة وأخذن مقاعدهن، ووقع الأنس وجرت المحادثة ~~والمفاوضة وأخذن في التفكه آتت كل واحد منهن سكينا وقد هيأت لهن وقدمت ~~إليهن الفاكهة، عند ذلك أمرت يوسف أن يخرج إليهن وقد كان مستورا عنهن. # فلما طلع يوسف عليهن ووقعت عليه أعينهن طارت عقولهن وطاحت أحلامهن ولم ~~يدرين دون أن قطعن أيديهن مكان الفاكهة التي فيها لما دخل عليهن من البهت ~~والذهول، وهذه خاصة الوله والفزع فإن نفس الإنسان إذا انجذبت إلى شيء مما ~~تفرط في حبه أو تخافه وتهوله اضطربت وبهتت ففاجأها الموت أو سلبت الشعور ~~اللازم في تدبير القوى والأعضاء وتنظيم الأمر، فربما أقدم مسرعا إلى الخطر ~~الذي أدهشه لقاؤه وربما نسي الفرار فبقي كالجماد الذي لا حراك به، وربما ~~يفعل غير ما هو قاصده وفاعله ms4104 اختباطا، ونظائرها في جانب الحب كثيرة وحكايات ~~المغرمين والمتولهين من العشاق مشهورة. # وكان هذا هو الفرق بين العزيزة وبينهن فإن استغراقها في حب يوسف إنما حصل ~~لها تدريجا، وأما نساء المدينة فإنهن فوجئن به دفعة فغشيت قلوبهن غاشية ~~الجمال، وغادرهن الحب ففضحهن وأطار عقلهن وأضل رأيهن فنسين الفاكهة وقطعن ~~أيديهن وتركن كل تجلد واصطبار، وأبدين ما في أنفسهن من وله الحب، وقلن: ~~"حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم". # هذا وهن في بيت العزيز وهو بيت يجب فيه التحفظ على كل أدب ووقار، وكان ~~يجب أن يتقينها ويحتشمن موقعها وهن شريفات ذوات جمال وذوات بعولة وذوات خدر ~~وستر وهذه كلها جهات مانعة عن الخلاعة والتهتك، وهن لم ينسين ما كن بالأمس ~~يتحدثن به ويلمن ويذممن امرأة العزيز في حبها ليوسف وهما في بيت واحد منذ سنين. # فكان من الواجب على كل منهن أن تتقي صواحبها فلا تتهتك وهن يعلمن ما انجر ~~إليه أمر امرأة العزيز من سوء الذكر وفضاحة الشهرة هذا كله ويوسف واقف ~~أمامهن يسمع قولهن ويشاهد صنعهن. # لكن الذي شاهدنه على المفاجأة من حسن يوسف نسخ ما قدرنه من قبل في أنفسهن ~~وبدل مجلس الأدب والاحتشام حفلة عيش لا يكتم محتفلوها من أنفسهم ضميرا، ولا ~~يبالي حضارها ما قيل أو يقال فيهم ولم يلبثن دون أن قلن حاش لله ما هذا ~~بشرا إن هذا إلا ملك كريم" وقد قلن غير بعيد: "امرأة العزيز تراود فتاها عن ~~نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين". PageV11P078 # وكلامهن هذا بعد قولهن ذاك إعذار منهن فمفاده أن الذي كنا نقوله قبل إنما ~~هو حق لو كان هذا بشرا وليس به وإنما يذم الإنسان ويعاب لو ابتلي بهوى بشر ~~ومراودته وكان في وسعه أن يكتفي عنه بما يكافئه ويغني عنه، وأما الجمال ~~الذي لا يعادله جمال، ويسلب كل حزم واختيار، فلا لوم على هواه. # ولا ذم في غرامه. # ولهذا انقلب المجلس دفعة، وانقطعت قيود الاحتشام فانبسطن وتظاهرن بالقول ~~في ms4105 حسن يوسف وكل تتكلم بما في ضميرها منه، وقالت امرأة العزيز: "فذلكن الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم" فأبدت سرا ما كانت تعترف به قبل ~~ثم هددت يوسف تجلدا وحفظا لمقامها عندهن وطمعا في مطاوعته وانقياده: "ولئن ~~لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين". # وأما يوسف فلم يأخذه شيء من تلك الوجوه الحسان بألحاظها الفتانة ولا ~~التفت إلى شيء من لطيف كلامهن ونعيم مراودتهن أو هائل تهديدها فقد كان وجهة ~~نفسه جمال فوق كل جمال، وجلال يذل عنده كل عزة وجلال فلم يكلمهن بشيء ولم ~~يلتفت إلى ما كانت امرأة العزيز تسمعه من القول، وإنما رجع إلى ربه فقال: ~~"رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين". # وكلامه هذا إذا قيس إلى ما قاله لامرأة العزيز وحدها في مجلس المراودة: ~~"معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" دل بسياقه على أن هذا ~~المقام كان أشق وأمر على يوسف (عليه السلام) إذ كان بالأمس يقاوم هم امرأة ~~العزيز ويعالج كيدها وحدها، وقد توجهت إليه اليوم همهن ومكايدهن جميعا، ~~وكان ما بالأمس واقعة في خلوة على تستر منها، وهي وهن اليوم متجاهرات في ~~حبه متظاهرات في إغوائه ملجآت على مراودته، وجميع الأسباب والمقتضيات اليوم ~~قاضية لهن عليه أشد مما كانت عليه بالأمس. # ولذا تضرع إلى ربه سبحانه في دفع كيدهن هاهنا، واكتفى بالاستعاذة إليه ~~سبحانه هناك فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم. # ولنرجع إلى البحث عن الآيات. # فقوله تعالى: "وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها" إلخ، ~~النسوة اسم جمع للمرأة وتقييد بقوله: في المدينة تفيد أنهن كن من جهة العدد ~~أو الشأن بحال تؤثر قولهن في شيوع الفضيحة. # وامرأة العزيز هي التي كان يوسف في بيتها وقد راودته عن نفسه والعزيز ~~معناه معروف، وقد كان يلقب به السيد الذي اشترى يوسف من السيارة وكان يلقب ~~به الرؤساء بمصر كما لقب به يوسف ms4106 بعد ما جعل على خزائن الأرض. # وفي قوله: "تراود" دلالة على الاستمرار وهو أفحش المراودة، والفتى الغلام ~~الشاب والمرأة فتاة، وقد شاع تسمية العبد فتى وكأنه بهذه العناية أضيف إلى ~~ضميرها فقيل: "فتاها". # وفي المفردات،: "شغفها حبا" أي أصاب شغاف قلبها أي باطنه. # عن الحسن، وقيل: وسطه. # عن أبي علي، وهما يتقاربان انتهى. # وشغاف القلب غلافه المحيط به. # والمعنى: وقال عدة من نساء المدينة لا يخلو قولهن من أثر فيها وفي حقها: ~~امرأة تستمر في مراودة عبدها عن نفسه ولا يحري بها ذلك لأنها مرأة ومن ~~القحة أن تراود المرأة الرجل بل ذاك - إن كان - من طبع الرجال وأنها امرأة ~~العزيز فهي عزيزة مصر فمن الواجب الذي لا معدل عنه أن تراعي شرف بيتها وعزة ~~زوجها ومكانة نفسها، وإن الذي علقت به عبدها من الشنيع أن يتوله مثلها وهي ~~عزيزة مصر بعبد عبراني من جملة عبيده، وأنها أحبته وتعدت ذلك إلى مراودته ~~فامتنع من إجابتها فلم تنته حتى ألحت واستمرت على مراودته وذلك أقبح وأشنع ~~وأمعن في الضلال. # ولذلك عقبن قولهن: "امرأة العزيز تراود" إلخ بقولهن: "إنا لنراها في ضلال مبين". # قوله تعالى: "فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأ وآتت كل ~~واحدة منهن سكينا" قال في المجمع،: المكر هو الفتل بالحيلة على ما يراد من ~~الطلبة. # انتهى. # وتسمية هذا القول منهن مكرا بامرأة العزيز لما فيه من فضاحتها وهتك سترها ~~من ناحية رقيباتها حسدا وبغيا، وإنما أرسلت إليهن لتريهن يوسف وتبتليهن بما ~~ابتليت به نفسها فيكففن عن لومها ويعذرنها في حبه. # وعلى هذا إنما سمي قولهن مكرا ونسب السمع إليه لأنه صدر منهن حسدا وبغيا ~~لغاية فضاحتها بين الناس. PageV11P079 # وقيل: إنما كان قولهن مكرا لأنهن جعلنه ذريعة إلى لقاء يوسف لما سمعن من ~~حسنه البديع فإنما قلن هذا القول لتسمعه امرأة العزيز فترسل إليهن ليحضرن ~~عندها فتريهن إياه ليعذرنها فيما عزلنها له فيتخذن ذلك سبيلا إلى أن ~~يراودنه عن نفسه هذا، والوجه الأول أقرب إلى سياق الآيات. # وقوله: ms4107 "أرسلت إليهن" معناه معلوم وهو كناية عن الدعوة إلى الحضور عندها. # وقوله: "واعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا" الإعتاد الإعداد ~~والتهيئة أي أعدت وهيأت، والمتكأ بضم الميم وتشديد التاء اسم المفعول من ~~الاتكاء، والمراد به ما يتكأ عليه من نمرق أو كرسي كما كان معمولا في بيوت ~~العظماء. # وفسر المتكأ بالأترج وهو نوع من الفاكهة كما قرىء في الشواذ "متكأ" بالضم ~~فالسكون وهو الأترج وقرىء "متكأ" بضم الميم وتشديد التاء من غير همز. # وقوله: "وآتت كل واحدة منهن سكينا" أي لقطع ما يرون أكله من الفاكهة ~~كالأترج أو ما يشابهه من الفواكه المأكولة بالقطع وقوله: "وقالت اخرج ~~عليهن" أي أمرت يوسف أن يخرج عليهن وهن خاليات الأذهان فارغات القلوب ~~مشتغلات بأخذ الفاكهة وقطعها، وفي اللفظ دلالة على أنه (عليه السلام) كان ~~غائبا عنهن وكان في مخدع هناك أو بيت آخر في داخل بيت المأدبة الذي كن فيه ~~فإنها قالت: "اخرج عليهن" ولو كان في خارج من البيت لقالت: "ادخل عليهن". # وفي السياق دلالة على أن هذا التدبير كان مكرا منها تجاه مكرهن ليفتضحن ~~به فيعذرنها فيما عذلنها وقد أصابت في رأيها حيث نظمت برنامج الملاقاة ~~فاعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا، وأخفت يوسف عن أعينهن ثم ~~فاجأتهن بإظهاره دفعة لهن ليغبن عن عقولهن، ويندهشن بذاك الجمال البديع ~~ويأتين بما لا يأتي به ذو شعور البتة وهو تقطيع الأيدي مكان الفواكه لا من ~~الواحدة والثنتين منهن بل من الجميع. # قوله تعالى: "فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم" الإكبار الإعظام وهو كناية عن اندهاشهن وغيبتهن عن ~~شعورهن وإرادتهن بمفاجأة مشاهدة ذاك الحسن الرائع طبقا للناموس الكوني ~~العام وهو خضوع الصغير للكبير وقهر العظيم للحقير فإذا ظهر العظيم الكبير ~~بعظمته وكبريائه لشعور الإنسان قهر سائر ما في ذهنه من المقاصد والأفكار ~~فأنساها وصار يتخبط في أعماله. # ولذلك لما رأينه قهرت رؤيته شعورهن فقطعن أيديهن تقطيعا مكان الفاكهة ~~التي كن ms4108 يردن قطعها، وفي صيغة التفعيل دلالة على الكثرة يقال: قتل القوم ~~تقتيلا وموتهم الجدب تمويتا. # وقوله: "وقلن حاش لله" تنزيه لله سبحانه في أمر يوسف وهذا كقوله تعالى: ~~"ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم": النور: 16 وهو من أدب ~~الكلام عند المليين إذا جرى القول في أمر فيه نوع تنزيه وتبرئة لأحد يبدأ ~~فينزه الله سبحانه ثم يشتغل بتنزيه من أريد تنزيهه فهن لما أردن تنزيهه ~~(عليه السلام) بقولهن "ما هذا بشرا" إلخ، بدأن بتنزيهه تعالى، ثم أخذن ~~ينزهنه. # وقوله: "ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم" نفي أن يكون يوسف (عليه ~~السلام) بشرا وإثبات أنه ملك كريم، وهذا بناء على ما يعتقده المليون ومنهم ~~الوثنيون أن الملائكة موجودات شريفة هم مبادىء كل خير وسعادة في العالم ~~منهم يترشح كل حياة وعلم وحسن وبهاء وسرور وسائر ما يتمنى ويؤمل من الأمور ~~ففيهم كل جمال صوري ومعنوي، وإذا مثلوا تخيلوا في حسن لا يقدر بقدر، ~~ويتصوره أصحاب الأصنام في صور إنسانية حسنة بهية. # ولعل هذا هو السبب في قولهن: "إن هذا إلا ملك كريم" حيث لم يصفنه بما يدل ~~على حسن الوجه وجمال المنظر مع أن الذي فعل بهن ما فعل هو حسن وجهه واعتدال ~~صورته بل سمينه ملكا كريما لتكون فيه إشارة إلى حسن صورته وسيرته معا، ~~وجمال خلقه وخلقه وظاهره وباطنه جميعا. # والله أعلم. PageV11P080 # وتقدم قولهن هذا على قول امرأة العزيز: "فذلكن الذي لمتنني فيه" يدل على ~~أنهن لم يفهمن بهذا الكلام إعذار لامرأة العزيز في حبها له وتيمها وغرامها ~~به، وإنما كان ذلك اضطرارا منهن على الثناء عليه وإظهارا قهريا لانجذاب ~~نفوسهن وتوله قلوبهن إليه فقد كان فيه فضاحتهن، ولم تقل امرأة العزيز: ~~"فذلكن الذي لمتنني فيه" إلا بعد ما فضحتهن فعلا وقولا بتقطيع الأيدي ~~وتنزيه الحسن فلم يبق لهن إلا أن يصدقنها فيما تقول ويعذرنها فيما تفعل. # قوله تعالى: "قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم" ~~إلى آخر الآية، ms4109 الكلام في موضع دفع الدخل كان قائلا يقول: فما ذا قالت ~~امرأة العزيز لهن؟ فقيل: "قالت فذلكن الذي لمتنني فيه". # وقد فرعت كلامها على ما تقدمه من قولهن وفعلهن وأشارت إلى شخص الذي لمنها ~~فيه ووصفته بأنه الذي لمنها فيه ليكون هو بعينه جوابا لما رمينها به من ترك ~~شرف بيتها وعزة زوجها وعفة نفسها في حبه، وعذرا قبال لومهن إياها في ~~مراودته، وأقوى البيان أن يحال السامع إلى العيان، ومن هذا الباب قوله ~~تعالى "أهذا الذي يذكر آلهتكم": الأنبياء: 36، وقوله: "ربنا هؤلاء أضلونا": ~~الأعراف: 38. # ثم اعترفت بالمراودة وذكرت لهن أنها راودته لكنه أخذ بالعفة وطلب العصمة، ~~وإنما استرسلت وأظهرت لهن ما لم تزل تخفيه لما رأت موافقة القلوب على ~~التوله فيه فبثت الشكوى لهن ونبهت يوسف أنها غير تاركته فليوطن نفسه على ~~طاعتها فيما تأمر به، وهذا معنى قولها: "ولقد راودته عن نفسه فاستعصم". # ثم ذكرت لهن ما عزمت عليه من إجباره على الموافقة وسياسته لو خالفت ~~فقالت: "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين" وقد أكدت الكلام ~~بوجوه من التأكيد كالقسم والنون واللام ونحوها ليدل على أنها عزمت على ذلك ~~عزيمة جازمة، وعندها ما يجبره على ما أرادته ولو استنكف فليوطن نفسه على ~~السجن بعد الراحة، والصغار والهوان بعد الإكرام والاحترام، وفي الكلام تجلد ~~ونوع تعزز وتمنع بالنسبة إليهن ونوع تنبيه وتهديد بالنسبة إلى يوسف (عليه ~~السلام). # وهذا التهديد الذي يتضمنه قولها: "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا ~~من الصاغرين" أشد وأهول مما سألته زوجها يوم المراودة بقولها: "ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم". # أما أولا: فلأنها رددت الجزاء هناك بين السجن والعذاب الأليم وجمع هاهنا ~~بين الجزاءين وهو السجن والكون من الصاغرين. # وأما ثانيا فلأنها هاهنا قامت بالتهديد بنفسها لا بأن تسأل زوجها، ~~وكلامها كلام من لا يتردد فيما عزم عليه ولا يرجع عما جزم به. # وقد حققت أنها تملك قلب زوجها وتقدر أن تصرفه مما يريده إلى ms4110 ما تريده، ~~وتقوى على التصرف في أمره كيفما شاءت؟. # قوله تعالى: "قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين" قال الراغب في المفردات،: صبا فلان يصبو صبوا ~~وصبوة إذا نزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، قال تعالى: "أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين" انتهى وفي المجمع،: الصبوة لطافة الهوى. # انتهى. # تفاوضت امرأة العزيز والنسوة فقالت وقلن واسترسلن في بت ما في ضمائرهن ~~ويوسف (عليه السلام) واقف أمامهن يدعونه ويراودنه عن نفسه لكن يوسف (عليه ~~السلام) لم يلتفت إليهن ولا كلمهن ولا بكلمة بل رجع إلى ربه الذي ملك قلبه ~~بقلب لا مكان فيه إلا له ولا شغل له إلا به "وقال: رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه" إلخ. # وقوله هذا ليس بدعاء على نفسه بالسجن وأن يصرف الله عنه ما يدعونه إليه ~~بإلقائه في السجن، وإنما هو بيان حال لربه وأنه عن تربية إلهية يرجح عذاب ~~السجن في جنب الله على لذة المعصية والبعد منه، فهذا الكلام منه نظير ما ~~قاله لامرأة العزيز حين خلت به وراودته عن نفسه: "معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي إنه لا يفلح الظالمون" ففي الكلامين معا تمنع وتعزز بالله، وإنما ~~الفرق أنه يخاطب بأحدهما امرأة العزيز وبالآخر ربه القوي العزيز وليس شيء ~~من الكلامين دعاء البتة. # وفي قوله: "رب السجن أحب إلي" إلخ، نوع توطئة لقوله "وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن" إلخ، الذي هو دعاء في صورة بيان الحال. PageV11P081 # فمعنى الآية: رب إني لو خيرت بين السجن وبين ما يدعونني إليه لاخترت السجن ~~على غيره وأسألك أن تصرف عني كيدهن فإنك إن لا تصرف عني كيدهن أنتزع وأمل ~~إليهن وأكن من الجاهلين فإني إنما أتوقى شرهن بعلمك الذي علمتنيه وتصرف به ~~عني كيدهن فإن أمسكت عن إفاضته علي صرت جاهلا ووقعت في مهلكة الصبوة ~~والهوى. # وقد ظهر من الآية بمعونة السياق: أولا: أن قوله: "رب السجن أحب إلي" إلخ، ~~ليس دعاء من يوسف (عليه السلام) ms4111 على نفسه بالسجن بل بيان حال منه لربه ~~بالإعراض عنهن والرجوع إليه، ومعنى "أحب إلي" أني أختاره على ما يدعونني ~~إليه لو خيرت، وليس فيه دلالة على كون ما يدعونه إليه محبوبا عنده بوجه إلا ~~بمقدار ما تدعو إليه داعية الطبع الإنساني والنفس الأمارة. # وإن قوله تعالى: "فاستجاب له ربه" إشارة إلى استجابة ما يشتمل عليه قوله: ~~"وإلا تصرف عني كيدهن" إلخ، من معنى الدعاء. # ويؤيده تعقيبه بقوله: "فصرف عنه كيدهن"، وليس استجابة لدعائه بالسجن على ~~نفسه كما توهمه بعضهم. # ومن الدليل عليه قوله بعد في قصة دخوله السجن: "ثم بدا لهم من بعد ما ~~رأوا الآيات ليسجننه حتى حين" ولو كان دعاء بالسجن واستجابة الله سبحانه ~~وقدر له السجن لم يكن التعبير بثم وفصل المعنى عما تقدمه بأنسب فافهم. # وثانيا: أن النسوة دعونه وراودنه كما دعته امرأة العزيز إلى نفسها ~~وراودته عن نفسه، وأما أنهن دعونه إلى أنفسهن أو إلى امرأة العزيز أو أتين ~~بالأمرين فدعينه بحضرة من امرأة العزيز إليها ثم أسرت كل واحدة منهن داعية ~~إياه إلى نفسها فالآية ساكتة عن ذلك سوى ما يستفاد من قوله: "وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن" إذ لو لا دعوة منهن إلى أنفسهن لم يكن معنى ظاهر للصبوة إليهن. # والذي يشعر به قوله تعالى حكاية عن قوله في السجن لرسول الملك: "ارجع إلى ~~ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن - إلى أن قال - قلن حاش لله ~~ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه ~~وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين": الآيات: 50 - 52 من السورة. # أنهن دعينه إلى امرأة العزيز وقد أشركهن في القصة ثم قال: "لم أخنه ~~بالغيب" ولم يقل: لم أخن بالغيب ولا قال: لم أخنه وغيره فتدبر فيه. # ومع ذلك فمن المحال عادة أن يرين منه ما يغيبهن عن شعورهن ويدهش عقولهن ~~ويقطعن أيديهن ثم ينسللن انسلالا ولا يتعرض له ms4112 أصلا ويذهبن لوجوههن بل ~~العادة قاضية أنهن ما فارقن المجلس إلا وهن متيمات فيه والهات لا يصبحن ولا ~~يمسين إلا وهو همهن وفيه هواهن يفدينه بالنفس ويطمعنه بأي زينة في مقدرتهن ~~ويعرضن له أنفسهن ويتوصلن إلى ما يردنه منه بكل ما يستطعن. # وهو ظاهر مما حكاه الله من يوسف في قوله: "رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن" فإنه لم يعرض عن تكليمهن إلى مناجاة ~~ربه الخبير بحاله السميع لمقاله إلا لشدة الأمر عليه وإحاطة المحنة ~~والمصيبة من ناحيتهن به. # وثالثا: أن تلك القوة القدسية التي استعصم بها يوسف (عليه السلام) كانت ~~كأمر تدريجي يفيض عليه آنا بعد آن من جانب الله سبحانه، وليست الأمر الدفعي ~~المفروغ عنه وإلا لانقطعت الحاجة إليه تعالى، ولذا عبر عنه بقوله: "وإلا ~~تصرف عني" ولم يقل: وإن لم تصرف عني وإن كانت الجملة الشرطية منسلخة الزمان ~~لكن في الهيئة إشارات. # ولذلك أيضا قال تعالى: "فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن" إلخ فنسب دفع ~~الشر عنه إلى استجابة وصرف جديد. # ورابعا: أن هذه القوة القدسية من قبيل العلوم والمعارف ولذا قال (عليه ~~السلام): "وأكن من الجاهلين" ولم يقل: وأكن من الظالمين، كما قال لامرأة ~~العزيز: "إنه لا يفلح الظالمون" أو أكن من الخائنين كما قال للملك: "وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين" وقد فرق في نحو الخطاب بينهما وبين ربه ~~فخاطبهما بظاهر الأمر رعاية لمنزلتهما في الفهم فقال: إنه ظلم والظالم لا ~~يفلح، وإنه خيانة والله لا يهدي كيد الخائن، وخاطب ربه بحقيقة الأمر وهو أن ~~الصبوة إليهن من الجهل. # وستوافيك حقيقة الحال في هذين الأمرين في أبحاث ملحقة بالبيان إن شاء ~~الله تعالى. PageV11P082 # قوله تعالى: "فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم" أي ~~استجاب الله مسألته في صرف كيدهن عنه حين قال: "وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن" إنه هو السميع بأقوال عباده العليم بأحوالهم. ### |||| AUTO أبحاث حول التقوى الديني ودرجاته # في فصول # 1 - القانون ms4113 والأخلاق الكريمة والتوحيد: # لا يسعد القانون إلا بإيمان تحفظه الأخلاق الكريمة والأخلاق الكريمة لا ~~تتم إلا بالتوحيد فالتوحيد هو الأصل الذي عليه تنمو شجرة السعادة الإنسانية ~~وتتفرع بالأخلاق الكريمة، وهذه الفروع هي التي تثمر ثمراتها الطيبة في ~~المجتمع، قال تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما ~~لها من قرار": إبراهيم: 26. # فجعل الإيمان بالله كشجرة لها أصل وهو التوحيد لا محالة وأكل تؤتيه كل ~~حين بإذن ربها" وهو العمل الصالح، وفرع وهو الخلق الكريم كالتقوى والعفة ~~والمعرفة والشجاعة والعدالة والرحمة ونظائرها. # وقال تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الفاطر: 10 ~~فجعل سعادة الصعود إلى الله وهو القرب منه تعالى للكلم الطيب وهو الاعتقاد ~~الحق وجعل العمل الذي يصلح له ويناسبه هو الذي يرفعه ويمده في صعوده. # بيان ذلك: أن من المعلوم أن الإنسان لا يتم له كماله النوعي ولا يسعد في ~~حياته التي لا بغية له أعظم من إسعادها إلا باجتماع من أفراد يتعاونون على ~~أعمال الحياة على ما فيها من الكثرة والتنوع وليس يقوى الواحد من الإنسان ~~على الإتيان بها جميعا. # وهذا هو الذي أحوج الإنسان الاجتماعي إلى أن يتسنن بسنن وقوانين يحفظ بها ~~حقوق الأفراد عن الضيعة والفساد حتى يعمل كل منهم ما في وسعه العمل به ثم ~~يبادلوا أعمالهم فينال كل من النتائج المعدة ما يعادل عمله ويقدره وزنه ~~الاجتماعي من غير أن يظلم القوي المقتدر أو يظلم الضعيف العاجز. # ومن المسلم أن هذه السنن والقوانين لا تثبت مؤثرة إلا بسنن وقوانين أخرى ~~جزائية تهدد المتخلفين عن السنن والقوانين المتعدين على حقوق ذوي الحقوق، ~~وتخوفهم بالسيئة قبال السيئة وبأخرى تشوقهم وترغبهم في عمل الخيرات وتضمن ~~إجراء الجميع القوة الحاكمة التي تحكم فيهم وتتسيطر عليهم بالعدل والصدق. # وإنما تتحقق هذه الأمنية إذا كانت القوة المجرية للقوانين ms4114 عالمة بالجرم ~~وقوية على المجرم، وأما إذا جهلت ووقع الأجرام على جهل منها أو غفلة - وكم ~~له من وجود - فلا مانع يمنع من تحققه، والقوانين لا أيدي لها تبطش بها، ~~وكذا إذا ضعفت الحكومة بفقد القوى اللازمة أو مساهلة في السياسة والعمل ~~فظهر عليها المجرم أو كان المجرم أشد قوة ضاعت القوانين وفشت التخلفات ~~والتعديات على حقوق الناس، والإنسان - كما مر مرارا في المباحث السابقة من ~~هذا الكتاب - مستخدم بالطبع يجر النفع إلى نفسه ولو أضر غيره. # ويشتد هذا البلوى إذا تمركزت هذه القوة في القوة المجرية أو من يتولى ~~أزمة جميع الأمور فاستضعف الناس وسلب منهم القدرة على رده إلى العدل ~~وتقويمه بالحق فصار ذا قوة وشوكة لا يقاوم في قوته ولا يعارض في إرادته. # والتواريخ المحفوظة مملوءة من قصص الجبابرة والطواغيت وتحكماتهم الجائرة ~~على الناس، وهو ذا نصب أعيننا في أكثر أقطار الأرض. # فالقوانين والسنن وإن كانت عادلة في حدود مفاهيمها، وأحكام الجزاء وإن ~~كانت بالغة في شدتها لا تجري على رسلها في المجتمع ولا تسد باب الخلاف ~~وطريق التخلف إلا بأخلاق فاضلة إنسانية تقطع دابر الظلم والفساد كملكة ~~اتباع الحق واحترام الإنسانية والعدالة والكرامة والحياة ونشر الرحمة ~~ونظائرها. PageV11P083 # ولا يغرنك ما تشاهده من القوة والشوكة في الأمم الراقية والانتظام والعدل ~~الظاهر فيما بينهم ولم يوضع قوانينهم على أسس أخلاقية حيث لا ضامن لإجرائها ~~فإنهم أمم يفكرون فكرة اجتماعية لا يرى الفرد منهم إلا نفع الأمة وخيرها ~~ولا يدفع إلا ما يضر أمته، ولا هم لأمته إلا استرقاق سائر الأمم الضعيفة ~~واستدرارهم، واستعمار بلادهم، واستباحة نفوسهم وأعراضهم وأموالهم فلم ~~يورثهم هذا التقدم والرقي إلا نقل ما كان يحمله الجبابرة الماضون على ~~الأفراد إلى المجتمعات فقامت الأمة اليوم مقام الفرد بالأمس، وهجرت الألفاظ ~~معانيها إلى أضدادها تطلق الحرية والشرافة والعدالة والفضيلة ولا يراد بها ~~إلا الرقية والخسة والظلم والرذيلة. # وبالجملة السنن والقوانين لا تأمن التخلف والضيعة إلا إذا تأسست على ~~أخلاق كريمة إنسانية واستظهرت بها. # ثم الأخلاق لا تفي ms4115 بإسعاد المجتمع ولا تسوق الإنسان إلى صلاح العمل إلا ~~إذا اعتمدت على التوحيد وهو الإيمان بأن للعالم - ومنه الإنسان - إلها ~~واحدا سرمديا لا يعزب عن علمه شيء، ولا يغلب في قدرته عن أحد خلق الأشياء ~~على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها وسيعيدهم إليه فيحاسبهم فيجزي المحسن ~~بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته ثم يخلدون منعمين أو معذبين. # ومن المعلوم أن الأخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة لم يبق للإنسان هم ~~إلا مراقبة رضاه تعالى في أعماله، وكان التقوى رادعا داخليا له عن ارتكاب ~~الجرم ولو لا ارتضاع الأخلاق من ثدي هذه العقيدة عقيدة التوحيد لم يبق ~~للإنسان غاية في أعماله الحيوية إلا التمتع بمتاع الدنيا الفانية والتلذذ ~~بلذائذ الحياة المادية، وأقصى ما يمكنه أن يعدل به معاشه فيحفظ به القوانين ~~الاجتماعية الحيوية أن يفكر في نفسه أن من الواجب عليه أن يلتزم القوانين ~~الدائرة حفظا للمجتمع من التلاشي وللاجتماع من الفساد، وإن من اللازم عليه ~~أن يحرم نفسه من بعض مشتهياته ليحتفظ به المجتمع فينال بذلك البعض الباقي، ~~ويثني عليه الناس ويمدحوه ما دام حيا أو يكتب اسمه في أوراق التاريخ بخطوط ذهبية. # أما ثناء الناس وتقديرهم العمل فإنما يجري في أمور هامة علموا بها أما ~~الجزئيات وما لم يعلموا بها كالأعمال السرية فلا وقاء يقيها وأما الذكر ~~الجاري والاسم السامي ويؤثر غالبا فيما فيه تفدية وتضحية من الأمور كالقتل ~~في سبيل الوطن وبذل المال والوقت في ترفيع مباني الدولة ونحو ذلك فليس ممن ~~يبتغيه ويذعن به ثم لا يذعن بما وراء الحياة الدنيا إلا اعتقادا خرافيا إذ ~~لا إنسان - على هذا - بعد الموت والفوت حتى يعود إليه شيء من النفع بثناء ~~أو حسن ذكر وأي عاقل يشتري تمتع غيره بحرمان نفسه من غير أي فائدة عائدة أو ~~يقدم الحياة لغيره باختيار الموت لنفسه وليس عنده بعد الموت إلا البطلان ~~والاعتقاد الخرافي يزول بأدنى تنبه والتفات. # فقد تبين أن شيئا عن هذه الأمور ليس من شأنه أن يقوم مقام التوحيد، ولا ms4116 ~~أن يخلفه في صد الإنسان عن المعصية ونقض السنن والقوانين وخاصة إذا كان ~~العمل مما من طبعه أن لا يظهر للناس وخاصة إذا كان من طبعه أن لو ظهر ظهر ~~على خلاف ما هو عليه لأسباب تقتضي ذلك كالتعفف الذي يزعم أنه كان شرها ~~وبغيا كما تقدم من حديث مراودة امرأة العزيز يوسف (عليه السلام)، وقد كان ~~أمره يدور بين خيانة العزيز في امرأته وبين اتهام المرأة إياه عند العزيز ~~بقصدها بالسوء فلم يمنعه (عليه السلام) - ولا كان من الحري أن يمنعه - شيء ~~إلا العلم بمقام ربه. # 2 - يحصل التقوى الديني بأحد أمور ثلاثة وإن شئت فقل: # إنه سبحانه يعبد بأحد طرق ثلاثة: الخوف والرجاء والحب، قال تعالى: "في ~~الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور": الحديد: 20 فعلى المؤمن أن يتنبه لحقيقة الدنيا وهي أنها متاع ~~الغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فعليه أن ~~لا يجلعها غاية لأعماله في الحياة، وأن يعلم أن له وراءها دارا وهي الدار ~~الآخرة فيها ينال غاية أعماله، وهي عذاب شديد للسيئات يجب أن يخافه ويخاف ~~الله فيه، ومغفرة من الله قبال أعماله الصالحة يجب أن يرجوها ويرجو الله ~~فيها، ورضوان من الله يجب أن يقدمه لرضى نفسه. PageV11P084 # وطباع الناس مختلفة في إيثار هذه الطرق الثلاثة واختيارها فبعضهم وهو ~~الغالب يغلب على نفسه الخوف، وكلما فكر فيما أوعد الله الظالمين والذين ~~ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أعد لهم زاد في نفسه خوفا ~~ولفرائصه ارتعادا ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفا من عذابه. # وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء وكلما فكر فيما وعده الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة زاد رجاء وبالغ في التقوى ~~والتزام الأعمال الصالحات طمعا في المغفرة والجنة. # وطائفة ثالثا وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفا من عقابه ولا طمعا ~~في ثوابه وإنما يعبدونه لأنه أهل للعبادة وذلك لأنهم عرفوه بما يليق به من ms4117 ~~الأسماء الحسنى والصفات العليا فعلموا أنه ربهم الذي يملكهم وإرادتهم ~~ورضاهم وكل شيء غيرهم، ويدبر الأمر وحده وليسوا إلا عباد الله فحسب، وليس ~~للعبد إلا أن يعبد ربه، ويقدم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته، فهم ~~يعبدون الله ولا يريدون في شيء من أعمالهم فعلا أو تركا إلا وجهه، ولا ~~يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم، ولا إلى ثواب يرجيهم، وإن خافوا عذابه ورجوا ~~رحمته، وإلى هذا يشير قوله (عليه السلام): "ما عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة ~~في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك". # وهؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء مرضات ربهم ومحضوا أعمالهم في ~~طلب غاية هو ربهم تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية وذلك أنهم يعرفون ربهم بما ~~عرفهم به نفسه، وقد سمى نفسه بأحسن الأسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة ومن ~~خاصة النفس الإنسانية أن تنجذب إلى الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق وقال ~~تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه": الأنعام: 102 ~~ثم قال: "الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة: 7 فأفاد أن الخلقة تدور مدار ~~الحسن وأنهما متلازمان متصادقان ثم ذكر سبحانه في آيات كثيرة أن ما خلقه من ~~شيء آية تدل عليه وإن في السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب فليس في ~~الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكي شيئا من جماله وجلاله. # فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدل على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ~~ويثني على حسنه الذي لا يفنى، ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدل ~~على غناه المطلق وتسبح وتنزه ساحة القدس والكبرياء كما قال تعالى: "وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44. # فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربهم وعرفها لهم وهو ~~أنها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله، وليس لها من النفسية والأصالة ~~والاستقلال إلا أنها كمرائي تجلى بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي ~~وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق، وبذلتها واستكانتها ما فوقها ~~من العزة والكبرياء، ms4118 ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب ~~نفسه إلى ساحة العزة والعظمة ويغشى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسيه نفسه ~~وكل شيء، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانية عن باطنه، ويبدل فؤاده قلبا ~~سليما ليس فيه إلا الله عز اسمه قال تعالى: "والذين آمنوا أشد حبا لله": ~~البقرة: 165. # ولذلك يرى أهل هذا الطريق أن الطريقين الآخرين أعني طريق العبادة خوفا ~~وطريق العبادة طمعا لا يخلوان من شرك فإن الذي يعبده تعالى خوفا من عذابه ~~يتوسل به تعالى إلى دفع العذاب عن نفسه كما أن من يعبده طمعا في ثوابه ~~يتوسل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة، ولو أمكنه الوصول إلى ما ~~يبتغيه من غير أن يعبده لم يعبده ولا حام حول معرفته، وقد تقدمت الرواية - ~~عن الصادق (عليه السلام): "هل الدين إلا الحب" وقوله (عليه السلام) في ~~حديث: "وإني أعبده حبا له وهذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون" الحديث، ~~وإنما كان أهل الحب مطهرين لتنزههم عن الأهواء النفسانية والألواث المادية ~~فلا يتم الإخلاص في العبادة إلا من طريق الحب. # 3 - كيف يورث الحب الإخلاص؟ PageV11P085 # عبادته تعالى: خوفا من العذاب تبعث الإنسان إلى التروك وهو الزهد في الدنيا ~~للنجاة في الآخرة فالزاهد من شأنه أن يتجنب المحرمات أو ما في معنى الحرام ~~أعني ترك الواجبات، وعبادته تعالى طمعا في الثواب تبعث إلى الأفعال وهو ~~العبادة في الدنيا بالعمل الصالح لنيل نعم الآخرة والجنة فالعابد من شأنه ~~أن يلتزم الواجبات أو ما في معنى الواجب وهو ترك الحرام، والطريقان معا ~~إنما يدعوان إلى الإخلاص للدين لا لرب الدين. # وأما محبة الله سبحانه فإنها تطهر القلب من التعلق بغيره تعالى من زخارف ~~الدنيا وزينتها من ولد أو زوج أو مال أو جاه حتى النفس وما لها من حظوظ ~~وآمال، وتقصر القلب في التعلق به تعالى وبما ينسب إليه من دين أو نبي أو ~~ولي وسائر ما يرجع إليه تعالى بوجه فإن حب الشيء حب لآثاره. # فهذا الإنسان يحب من الأعمال ms4119 ما يحبه الله ويبغض منها ما يبغضه الله ~~ويرضى برضا الله ولرضاه ويغضب بغضب الله ولغضبه، وهو النور الذي يضيء له ~~طريق العمل، قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس": الأنعام: 122. # والروح الذي يشير إليه بالخيرات والأعمال الصالحات، قال تعالى: "وأيدهم ~~بروح منه": المجادلة: 22 وهذا هو السر في أنه لا يقع منه إلا الجميل والخير ~~ويتجنب كل مكروه وشر. # وأما الموجودات الكونية والحوادث الواقعة فإنه لا يقع بصره على شيء منها ~~خطير أو حقير، كثير أو يسير إلا أحبه واستحسنه لأنه لا يرى منها إلا أنها ~~آيات محضة تجلى له ما وراءها من الجمال المطلق والحسن الذي لا يتناهى ~~العاري من كل شين ومكروه. # ولذلك كان هذا الإنسان محبورا بنعمة ربه بسرور لا غم معه ولذة وابتهاج لا ~~ألم ولا حزن معه، وأمن لا خوف معه، فإن هذه العوارض السوء إنما تطرأ عن ~~إدراك للسوء وترقب للشر والمكروه، ومن كان لا يرى إلا الخير والجميل ولا ~~يجد إلا ما يجري على وفق إرادته ورضاه فلا سبيل للغم والحزن والخوف وكل ما ~~يسوء الإنسان ويؤذيه إليه بل ينال من السرور والابتهاج والأمن ما لا يقدره ~~ولا يحيط به إلا الله سبحانه وهذا أمر ليس في وسع النفوس العادية أن تتعقله ~~وتكتنهه إلا بنوع من التصور الناقص. # وإليه يشير أمثال قوله تعالى: "إلا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون": يونس: 63، وقوله: "الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82. # وهؤلاء هم المقربون الفائزون بقربه تعالى إذ لا يحول بينهم وبين ربهم شيء ~~مما يقع عليه الحس أو يتعلق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان فإن ~~كل ما يتراءى لهم ليس إلا آية كاشفة عن الحق المتعال لا حجابا ساترا فيفيض ~~عليهم ربهم علم اليقين، ويكشف لهم عما عنده من الحقائق المستورة عن هذا ~~الأعين المادية العمية بعد ما يرفع الستر فيما بينه ms4120 وبينهم كما يشير إليه ~~قوله تعالى: "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم ~~يشهده المقربون": المطففين: 21، وقوله تعالى: "كلا لو تعلمون علم اليقين ~~لترون الجحيم": التكاثر: 6 وقد تقدم كلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: ~~"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم": المائدة: 105 في الجزء السادس من ~~الكتاب. # وبالجملة هؤلاء في الحقيقة هم المتوكلون على الله المفوضون إليه الراضون ~~بقضائه المسلمون لأمره إذ لا يرون إلا خيرا ولا يشاهدون إلا جميلا فيستقر ~~في نفوسهم من الملكات الشريفة والأخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد فهم ~~مخلصون لله في أخلاقهم كما كانوا مخلصين له في أعمالهم، هذا معنى إخلاص ~~العبد دينه لله قال تعالى: "هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين": المؤمن: 65. # 4 - وأما إخلاصه تعالى عبده له فهو ما يجده العبد في نفسه من الإخلاص له ~~منسوبا إليه تعالى فإن العبد لا يملك من نفسه شيئا إلا بالله، والله سبحانه ~~هو المالك لما ملكه إياه فإخلاصه دينه - وإن شئت فقل: إخلاصه نفسه لله هو ~~إخلاصه تعالى إياه لنفسه. PageV11P086 # نعم هاهنا شيء وهو أن الله سبحانه خلق بعض عباده هؤلاء على استقامة الفطرة ~~واعتدال الخلقة فنشئوا من بادىء الأمر بأذهان وقادة وإدراكات صحيحة ونفوس ~~طاهرة وقلوب سليمة فنالوا بمجرد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ~~ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب بل أعلى وأرقى لطهارة داخلهم من التلوث ~~بألواث الموانع والمزاحمات والظاهر أن هؤلاء هم المخلصون - بالفتح - لله في ~~عرف القرآن. # وهؤلاء هم الأنبياء والأئمة، وقد نص القرآن بأن الله اجتباهم أي جمعهم ~~لنفسه وأخلصهم لحضرته، قال تعالى: "واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم": ~~الأنعام: 87، وقال: "هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج": الحج: 78. # وآتاهم الله سبحانه من العلم ما هو ملكة تعصمهم من اقتراف الذنوب وارتكاب ~~المعاصي، وتمتنع معه صدور شيء منها عنهم صغيرة أو كبيرة، وبهذا يمتاز ~~العصمة من العدالة فإنهما معا تمنعان من صدور المعصية لكن العصمة يمتنع ms4121 ~~معها الصدور بخلاف العدالة. # وقد تقدم آنفا أن من خاصة هؤلاء القوم أنهم يعلمون من ربهم ما لا يعلمه ~~غيرهم، والله سبحانه يصدق ذلك بقوله: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله ~~المخلصين": الصافات: 160، وإن المحبة الإلهية تبعثهم على أن لا يريدوا إلا ~~ما يريده الله وينصرفوا عن المعاصي والله سبحانه يقرر ذلك بما حكاه عن ~~إبليس في غير مورد من كلامه كقوله: "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين": ص: 83. # ومن الدليل على أن العصمة من قبيل العلم قوله تعالى خطابا لنبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) "ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن ~~يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما": النساء: 113 وقد ~~فصلنا الكلام في معنى الآية في تفسير سورة النساء. # وقوله تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): "قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين": يوسف: 33 ~~وقد أوضحنا وجه دلالة الآية على ذلك. # ويظهر من ذلك أولا: أن هذا العلم يخالف سائر العلوم في أن أثره العملي ~~وهو صرف الإنسان عما لا ينبغي إلى ما ينبغي قطعي غير متخلف دائما بخلاف ~~سائر العلوم فإن الصرف فيها أكثري غير دائم، قال تعالى: "وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم": النمل 14: وقال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم": الجاثية: 23، وقال: "فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم": الجاثية: 17. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله ~~المخلصين": الصافات: 160، وذلك أن هؤلاء المخلصين من الأنبياء والأئمة ~~(عليهم السلام) قد بينوا لنا جمل المعارف المتعلقة بأسمائه تعالى وصفاته من ~~طريق السمع، وقد حصلنا العلم به من طريق البرهان أيضا، والآية مع ذلك تنزهه ~~تعالى عن ما نصفه به دون ما يصفه به أولئك المخلصون فليس إلا أن العلم غير ~~العلم وإن ms4122 كان متعلق العلمين واحدا من وجه. # وثانيا: أن هذا العلم أعني ملكة العصمة لا يغير الطبيعة الإنسانية ~~المختارة في أفعالها الإرادية ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار كيف؟ ~~والعلم من مبادىء الاختيار، ومجرد قوة العلم لا يوجب إلا قوة الإرادة كطالب ~~السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سما قاتلا من حينه فإنه يمتنع باختياره من ~~شربه قطعا وإنما يضطر الفاعل ويجبر إذا أخرج من يجبره أحد طرفي الفعل ~~والترك من الإمكان إلى الامتناع. # ويشهد على ذلك قوله: "واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله ~~يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: ~~88 تفيد الآية أنهم في إمكانهم أن يشركوا بالله وإن كان الاجتباء والهدى ~~الإلهي مانعا من ذلك، وقوله: "يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته": المائدة: 67 إلى غير ذلك من الآيات. # فالإنسان المعصوم إنما ينصرف عن المعصية بنفسه واختياره وإرادته ونسبة ~~الصرف إلى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى. PageV11P087 # ولا ينافي ذلك أيضا ما يشير إليه كلامه تعالى ويصرح به الأخبار أن ذلك من ~~الأنبياء والأئمة بتسديد من روح القدس فإن النسبة إلى روح القدس كنسبة ~~تسديد المؤمن إلى روح الإيمان ونسبة الضلال والغواية إلى الشيطان وتسويله ~~فإن شيئا من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلا صادرا عن فاعله مستندا إلى ~~اختياره وإرادته فافهم ذلك. # نعم هناك قوم زعموا أن الله سبحانه إنما يصرف الإنسان عن المعصية لا من ~~طريق اختياره وإرادته بل من طريق منازعة الأسباب ومغالبتها بخلق إرادة أو ~~إرسال ملك يقاوم إرادة الإنسان فيمنعها عن التأثير أو يغير مجراها ويحرفها ~~إلى غير ما من طبع الإنسان أن يقصده كما يمنع الإنسان القوي الضعيف عما ~~يريده من الفعل بحسب طبعه. # وبعض هؤلاء وإن كانوا من المجبرة لكن الأصل المشترك الذي يبتني عليه ~~نظرهم هذا وأشباهه أنهم يرون أن حاجة الأشياء إلى البارىء الحق سبحانه ms4123 إنما ~~هي في حدوثها، وأما في بقائها بعد ما وجدت فلا حاجة لها إليه فهو سبحانه ~~سبب في عرض الأسباب إلا أنه لما كان أقدر وأقوى من كل شيء كان له أن يتصرف ~~في الأشياء حال البقاء أي تصرف شاء من منع أو إطلاق وإحياء أو إماتة ~~ومعافاة أو تمريض وتوسعة أو تقتير إلى غير ذلك بالقهر. # فإذا أراد الله سبحانه أن يصرف عبدا عن شر مثلا أرسل إليه ملكا ينازعه في ~~مقتضى طبعه ويغير مجرى إرادته مثلا عن الشر إلى الخير أو أراد أن يضل عبدا ~~لاستحقاقه ذلك سلط عليه إبليس فحوله من الخير إلى الشر وإن كان ذلك لا ~~بمقدار يوجب الإجبار والاضطرار. # وهذا مدفوع بما نشاهده من أنفسنا في أعمال الخير والشر مشاهدة عيان أنه ~~ليس هناك سبب آخر يغايرنا وينازعنا فيغلب علينا غير أنفسنا التي تعمل ~~أعمالها عن شعور بها وإرادة مترتبة عليه قائمين بها فالذي يثبته السمع ~~والعقل وراء نفوسنا من الأسباب كالملك والشيطان سبب طولي لا عرضي وهو ظاهر. # مضافا إلى أن المعارف القرآنية من التوحيد وما يرجع إليه يدفع هذا القول ~~من أصله، وقد تقدم شطر وافر من ذلك في تضاعيف الأبحاث السالفة. ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن السجاد (عليه السلام) في ~~حديث تقدم صدره في البحث الروائي السابق. قال (عليه السلام): وكان يوسف من ~~أجمل أهل زمانه فلما راهق يوسف راودته امرأة الملك عن نفسه فقال: معاذ الله ~~إنا أهل بيت لا يزنون فغلقت الأبواب عليها وعليه وقالت: لا تخف وألقت نفسها ~~عليه فأفلت منها هاربا إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته ~~منه فأفلت يوسف منها في ثيابه فالفيا سيدها لدى الباب قالت: ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال: فهم الملك بيوسف ليعذبه ~~فقال له يوسف: ما أردت بأهلك سوءا بل هي راودتني عن نفسي فسل هذا الصبي ~~أينا راود صاحبه عن نفسه؟ قال: كان عندها ms4124 من أهلها صبي زائر لها فأنطق الله ~~الصبي لفصل القضاء فقال: أيها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدودا من ~~قدامه فهو الذي راودها، وإن كان مقدودا من خلفه فهي التي راودته. فلما سمع ~~الملك كلام الصبي وما اقتصه أفزعه ذلك فزعا شديدا فجيء بالقميص فنظر إليه ~~فلما رآه مقدودا من خلفه قال لها: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. وقال ليوسف: ~~أعرض عن هذا ولا يسمعه منك أحد واكتمه. قال: فلم يكتمه يوسف وأذاعه في ~~المدينة حتى قلن نسوة منهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه فبلغها ذلك ~~فأرسلت إليهن، وهيأت لهن طعاما ومجلسا ثم أتتهن بأترنج وآتت كل واحدة منهن ~~سكينا ثم قالت ليوسف اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ما ~~قلن يعني النساء فقالت لهن: هذا الذي لمتنني فيه تعني في حبه. وخرجن النسوة ~~من تحتها فأرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صاحبتها تسأله الزيارة فأبى ~~عليهن وقال: إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين وصرف الله عنه ~~كيدهن. فلما شاع أمر يوسف وامرأة العزيز والنسوة في مصر بدا للملك بعد ما ~~سمع قول الصبي ليسجنن يوسف فسجنه في السجن ودخل السجن مع يوسف فتيان، وكان ~~من قصتهما وقصة يوسف ما قصه الله في الكتاب. قال أبو حمزة: ثم انقطع حديث ~~علي بن الحسين (عليهما السلام). PageV11P088 # أقول وروى ما في معناه العياشي في تفسيره عن أبي حمزة عنه (عليه السلام) ~~باختلاف يسير، وقوله (عليه السلام): "قال معاذ الله إنا أهل بيت لا يزنون" ~~تفسير بقرينة المحاذاة لقوله في الآية: "إنه ربي أحسن مثواي" إلخ وهو يؤيد ~~ما قدمناه في بيان الآية أن الضمير إلى الله سبحانه لا إلى عزيز مصر كما ~~ذهب إليه أكثر المفسرين فافهم ذلك. # وقوله: فأبى عليهن وقال: "إلا تصرف عني" إلخ ظاهر في أنه (عليه السلام) ~~لم يأخذ قوله: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" جزءا من الدعاء فيوافق ~~ما قدمناه في بيان الآية أنه ms4125 ليس بدعاء. # وفي العيون، بإسناده عن حمدان عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس ~~المأمون وعنده الرضا علي بن موسى فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس ~~من قولك: إن الأنبياء معصومون: قال: بلى وذكر الحديث إلى أن قال فيه: ~~فأخبرني عن قول الله تعالى: "ولقد همت به وهم بها لو لا أن رءا برهان ربه" ~~فقال الرضا (عليه السلام): لقد همت به ولو لا أن رءا برهان ربه لهم بها ~~لكنه كان معصوما، والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه. ولقد حدثني أبي عن أبيه ~~الصادق (عليه السلام) أنه قال: همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل فقال المأمون: ~~لله درك يا أبا الحسن. # أقول: تقدم أن ابن الجهم هذا لا يخلو عن شيء لكن صدر الحديث أعني جواب ~~الرضا (عليه السلام) يوافق ما قدمناه في بيان الآية وأما ما نقله عن جده ~~الصادق (عليه السلام) "أنها همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل" فلعل المراد به ~~ما ذكره الرضا (عليه السلام) من الجواب لقبوله الانطباق عليه ولعل المراد ~~به همه بقتلها كما يؤيده الحديث الآتي فينطبق على بعض الاحتمالات المتقدمة ~~في بيان الآية. # وفيه، بإسناده عن أبي الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى ~~الرضا (عليهما السلام) أهل المقالات من أهل الإسلام ومن الديانات من اليهود ~~والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه ~~حجته كأنه ألقم حجرا. قام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال: يا ابن رسول ~~الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ فقال: نعم. فقال له فما تقول في قوله عز وجل في ~~يوسف: "ولقد همت به وهم بها"؟ فقال له: أما قوله تعالى في يوسف: "ولقد همت ~~به وهم بها" فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظيم ما تداخله ~~فصرف الله عنه قتلها والفاحشة. وهو قوله عز وجل: "كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء" والسوء القتل والفحشاء الزنا. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية عن ms4126 علي بن أبي طالب: في قوله: ~~"ولقد همت به وهم بها" قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل ~~التكة فقامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض ~~بينها وبينه فقال: أي شيء تصنعين؟ فقالت: أستحيي من إلهي أن يراني على هذه ~~الصورة فقال يوسف (عليه السلام): تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا ~~أستحيي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: لا تنالينها ~~مني أبدا. وهو البرهان الذي رأى. # أقول: والرواية من الموضوعات كيف؟ وكلامه وكلام سائر أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) مشحون بذكر عصمة الأنبياء ومذهبهم في ذلك مشهور. # على أن سترها الصنم وانتقاله من ذلك إلى ما ذكره لها من الحجة لا يعد من ~~رؤية البرهان، وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات من طرق أهل البيت (عليهم ~~السلام) لكنها آحاد لا تعويل عليها. # نعم لا يبعد أن تقوم المرأة إلى ستر صنم كان هناك فتنزع نفس يوسف (عليه ~~السلام) إلى مشاهدة آية التوحيد عند ذلك فيرتفع الحجاب بينه وبين ساحة ~~الكبرياء فيرى ما يصرفه عن كل سوء وفحشاء كما كان له ذلك من قبل، وقد قال ~~تعالى في حقه: إنه من عبادنا المخلصين. # فإن صح شيء من هذه الروايات فليكن هذا معناه. # وفيه،: أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: عثر يوسف (عليه السلام) ثلاث ~~عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال: "اذكرني عند ربك" فلبث في السجن بضع ~~سنين فأنساه الشيطان ذكر ربه. وحين قال: "إنكم لسارقون" قالوا: إن يسرق فقد ~~سرق أخ له من قبل. PageV11P089 # أقول: والرواية تخالف صريح كلامه تعالى حيث يذكر أن الله اجتباه وأخلصه ~~لنفسه وأن الشيطان لا سبيل له إلى من أخلصه الله لنفسه وكيف يستقيم لمن هم ~~على أفحش معصية وأنساه الشيطان ذكر ربه ثم كذب في مقاله فعاقبه الله بالسجن ~~ثم بلبثه فيه بضع سنين وجبه بالسرقة أن يعده الله صديقا من عباده المخلصين ms4127 ~~والمحسنين، ويذكر أنه آتاه الحكم والعلم واجتباه وأتم عليه نعمته، وعلى هذا ~~السبيل روايات جمة رواها في الدر المنثور، وقد تقدم نقل شطر منها عند بيان ~~الآيات، ولا تعويل على شيء منها. # وفيه، أخرج أحمد وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، ~~وشاهد يوسف، وصاحب جريح، وعيسى بن مريم. # وفي تفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله: "قد شغفها حبا" يقول: قد حجبها حبه عن الناس فلا تعقل غيره، ~~والحجاب هو الشغاف، والشغاف هو حجاب القلب. # وفيه، في حديث جمعها النسوة وتقطيعهن أيديهن قال: فما أمسى يوسف (عليه ~~السلام) في ذلك اليوم حتى بعثت إليه كل امرأة رأته تدعوه إلى نفسها فضجر ~~يوسف في ذلك اليوم فقال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه - وإلا تصرف ~~عني كيدهن أصب إليهن - وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه - فصرف عنه كيدهن. # الحديث. PageV11P090 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 35 - 42 # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الايت ليسجننه حتى حين (35) ودخل معه السجن ~~فتيان قال أحدهما إنى أراخ أعصر خمرا وقال الاخر إنى أراخ أحمل فوق رأسى ~~خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36) قال لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمنى ~~ربى إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كفرون (37) واتبعت ~~ملة ءاباءى إبرهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء ذلك من ~~فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يصحبى السجن ء ~~أرباب متفرقون خير أم الله الوحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطن إن الحكم إلا لله أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) يصحبى ~~السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما ms4128 الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى ~~الأمر الذى فيه تستفتيان (41) وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند ربك ~~فأنساه الشيطن ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين (42) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات شطرا من قصته (عليه السلام) وهو دخوله السجن ومكثه فيه بضع ~~سنين وهو مقدمة تقربه التام عند الملك ونيله عزة مصر، وفيه دعوته في السجن ~~إلى دين التوحيد، وقد جاء ببيان عجيب، وإظهاره لأول مرة أنه من أسرة ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # قوله تعالى "ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين" البداء ~~هو ظهور رأي بعد ما لم يكن يقال؟ بدا لي في أمر كذا أي ظهر لي فيه رأي ~~جديد، والضمير في قوله: "لهم" إلى العزيز وامرأته ومن يتلوهما من أهل ~~الاختصاص وأعوان الملك والعزة. # والمراد بالآيات الشواهد والأدلة الدالة على براءة يوسف (عليه السلام) ~~وطهارة ذيله مما اتهموه به كشهادة الصبي وقد القميص من خلفه واستباقهما ~~الباب معا، ولعل منها تقطيع النسوة أيديهن برؤيته واستعصامه عن مراودتهن ~~إياه عن نفسه واعتراف امرأة العزيز لهن أنها راودته عن نفسه فاستعصم. # وقوله: "ليسجننه" اللام فيه للقسم أي أقسموا وعزموا ليسجننه البتة، وهو ~~تفسير للرأي الذي بدا لهم، ويتعلق به قوله: "حتى حين" ولا يخلو من معنى ~~الانتظار بالنظر إلى قطع حين عن الإضافة والمعنى على هذا ليسجننه حتى ينقطع ~~حديث المراودة الشائع في المدينة وينساه الناس. # ومعنى الآية: ثم ظهر للعزيز ومن يتلوه من امرأته وسائر مشاوريه رأي جديد ~~في يوسف من بعد ما رأوا هذه الآيات الدالة على براءته وعصمته وهو أن يسجنوه ~~حينا من الزمان حتى ينسى حديث المراودة الذي يجلب لهم العار والشين وأقسموا ~~على ذلك. # ويظهر بذلك أنهم إنما عزموا على ذلك لمصلحة بيت العزيز وصونا لأسرته عن ~~هوان التهمة والعار، ولعل من غرضهم أن يتحفظوا على أمن المدينة العام ولا ~~يخلوا الناس وخاصة النساء أن يفتتنوا به فإن هذا الحسن الذي أوله امرأة ~~العزيز والسيدات من شرفاء المدينة وفعل ms4129 بهم ما فعل من طبعه أن لا يلبث دون ~~أن يقيم في المدينة بلوى. # لكن الذي يظهر من قوله في السجن لرسول الملك: "ارجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن" إلى آخر ما قال، ثم قول الملك لهن: ما ~~خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، وقولهن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء ثم ~~قول امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ~~كل ذلك يدل على أن المرأة ألبست الأمر بعد على زوجها وأرابته في براءة يوسف ~~(عليه السلام) فاعتقد خلاف ما دلت عليه الآيات أو شك في ذلك، ولم يكن ذلك ~~إلا عن سلطة تامة منها عليه وتمكن كامل من قلبه ورأيه. PageV11P091 # وعلى هذا فقد كان سجنه بتوسل أو بأمر منها لتدفع بذلك تهمة الناس عن نفسها ~~وتؤدب يوسف لعله ينقاد لها ويرجع إلى طاعتها فيما كانت تأمره به كما هددته ~~به بمحضر من النسوة بقولها: "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين". # قوله تعالى: "ودخل معه السجن فتيان" إلى آخر الآية الفتى العبد وسياق ~~الآيات يدل على أنهما كانا عبدين من عبيد الملك، وقد وردت به الروايات كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقوله: "قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا" فصل قوله: "قال أحدهما" للدلالة ~~على الفصل بين حكاية الرؤيا وبين الدخول كما يشعر به ما في السياق من قوله: ~~"أراني" وخطابه له بصاحب السجن. # وقوله: "أراني" لحكاية الحال الماضية كما قيل، وقوله: "أعصر خمرا" أي ~~أعصر عنبا كما يعصر ليتخذ خمرا فقد سمي العنب خمرا باعتبار ما يؤول إليه. # والمعنى أصبح أحدهما وقال ليوسف (عليه السلام) إني رأيت فيما يرى النائم ~~إني أعصر عنبا للخمر. # وقوله: "وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه" أي ~~تنهشه وهي رؤيا أخرى ذكرها صاحبه. # وقوله: "نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين" أي قالا نبئنا بتأويله ~~فاكتفى عن ذكر الفعل بقوله: "قال" "وقال" وهذا من لطائف تفنن القرآن، ms4130 ~~والضمير في قوله: "بتأويله" راجع إلى ما يراه المدلول عليه بالسياق، وفي ~~قوله: "إنا نراك من المحسنين" تعليل لسؤالهما التأويل و"نراك" أي نعتقدك من ~~المحسنين لما نشاهد فيك من سيماهم، وإنما أقبلا عليه في تأويل رؤياهما ~~لإحسانه، لما يعتقد عامة الناس أن المحسنين الأبرار ذوو قلوب طاهرة ونفوس ~~زاكية فهم ينتقلون إلى روابط الأمور وجريان الحوادث انتقالا أحسن وأقرب إلى ~~الرشد من انتقال غيرهم. # والمعنى: قال أحدهما ليوسف: إني رأيت فيما يرى النائم كذا وقال الآخر: ~~إني رأيت كذا، وقالا له: أخبرنا بتأويل ما رآه كل منا لأنا نعتقد من ~~المحسنين، ولا يخفى لهم أمثال هذه الأمور الخفية لزكاء نفوسهم وصفاء ~~قلوبهم. # قوله تعالى: "قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما" لما أقبل صاحبا السجن على يوسف (عليه السلام) في سؤاله عن تأويل ~~رؤيا رأياها عن حسن ظن به من جهة ما كانا يشاهدان منه سيماء المحسنين اغتنم ~~(عليه السلام) الفرصة في بث ما عنده من أسرار التوحيد والدعوة إلى ربه ~~سبحانه الذي علمه ذلك فأخبرهما أنه عليم بذلك بتعليم من ربه خبير بتأويل ~~الأحاديث وتوسل بذلك إلى الكشف عن سر التوحيد ونفي الشركاء ثم أول رؤياهما. # فقال أولا: لا يأتيكما طعام ترزقانه - وأنتما في السجن - إلا نبأتكما ~~بتأويله - أي بتأويل ذاكما الطعام وحقيقته وما يؤول إليه أمره - فأنا خبير ~~بذلك فليكن آية لصدقي فيما أدعوكما إليه من دين التوحيد. # هذا على تقدير عود الضمير في قوله: "بتأويله" إلى الطعام، ويكون عليه ~~إظهارا منه (عليه السلام) لآية نبوته نظير قول المسيح (عليه السلام) لبني ~~إسرائيل: "وأنبؤكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين": آل عمران: 49، ويؤيد هذا المعنى بعض الروايات الواردة من طرق ~~أهل البيت (عليهم السلام) كما سيأتي في بحث روائي إن شاء الله تعالى. # وأما على تقدير عود ضمير "بتأويله" إلى ما رأياه من الرؤيا فقوله: "لا ~~يأتيكما طعام" إلخ، وعد منه لهما تأويل رؤياهما ووعد بتسريعه ms4131 غير أن هذا ~~المعنى لا يخلو من بعد بالنظر إلى السياق. # قوله تعالى: "ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب" بين (عليه ~~السلام) أن العلم والتنبؤ بتأويل الأحاديث ليس من العلم العادي الاكتسابي ~~في شيء بل هو مما علمه إياه ربه ثم علل ذلك بتركه ملة المشركين واتباعه ملة ~~آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب أي رفضه دين الشرك وأخذه بدين التوحيد. PageV11P092 # والمشركون من أهل الأوثان يعتقدون بالله سبحانه ويثبتون يوم الجزاء بالقول ~~بالتناسخ كما تقدم في الجزء السابق من الكتاب لكن دين التوحيد يحكم أن الذي ~~يقدر له شركاء في التأثير أو في استحقاق العبادة ليس هو الله وكذا عود ~~النفوس بعد الموت بأبدان أخرى تتنعم فيها أو تعذب ليس من المعاد في شيء، ~~ولذلك نفى (عليه السلام) عنهم الإيمان بالله وبالآخرة، وأكد كفرهم بالآخرة ~~بتكرار الضمير حيث قال: "وهم بالآخرة هم كافرون" وذلك لأن من لا يؤمن بالله ~~فأحرى به أن لا يؤمن برجوع العباد إليه. # وهذا الذي يقصه الله سبحانه من قول يوسف (عليه السلام): "واتبعت ملة ~~آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب" هو أول ما أنبأ في مصر نسبه وأنه من أهل بيت ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام). # قوله تعالى: "ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا ~~وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" أي لم يجعل الله سبحانه لنا أهل ~~البيت سبيلا إلى أن نشرك به شيئا ومنعنا من ذلك، ذلك المنع من فضل الله ~~ونعمته علينا أهل البيت وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله تعالى ~~بل يكفرون به. # وأما أنه تعالى جعلهم بحيث لا سبيل لهم إلى أن يشركوا به فليس جعل إجبار ~~وإلجاء بل جعل تأييد وتسديد حيث أنعم عليهم بالنبوة والرسالة والله أعلم ~~حيث يجعل الرسالة فاعتصموا بالله عن الشرك ودانوا بالتوحيد. # وأما أن ذلك من فضل الله عليهم وعلى الناس فلأنهم أيدوا بالحق ms4132 وهو أفضل ~~الفضل والناس في وسعهم أن يرجعوا إليهم فيفوزوا باتباعهم ويهتدوا بهداهم. # وأما أن أكثر الناس لا يشكرون فلأنهم يكفرون بهذه النعمة وهي النبوة ~~والرسالة فلا يعبئون بها ولا يتبعون أهلها أو لأنهم يكفرون بنعمة التوحيد ~~ويتخذون لله سبحانه شركاء من الملائكة والجن والإنس يعبدونهم من دون الله. # هذا ما ذكره أكثر المفسرين في معنى الآية. # ويبقى عليه شيء وهو أن التوحيد ونفي الشركاء ليس مما يرجع فيه إلى بيان ~~النبوة فإنه مما يستقل به العقل وتقضي به الفطرة فلا معنى لعده فضلا على ~~الناس من جهة الاتباع بل هم والأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحد وشرع ~~سواء ولو كفروا بالتوحيد فإنما كفروا لعدم إجابتهم لنداء الفطرة لا لعدم ~~اتباع الأنبياء. # لكن يجب أن يعلم أنه كما أن من الواجب في عناية الله سبحانه أن يجهز نوع ~~الإنسان مضافا إلى الهامة من طريق العقل الخير والشر والتقوى والفجور بما ~~يدرك به أحكام دينه وقوانين شرعه وهو سبيل النبوة والوحي، وقد تكرر توضيحه ~~في أبحاثنا السابقة كذلك من الواجب في عنايته أن يجهز أفرادا منه بنفوس ~~طاهرة وقلوب سليمة مستقيمة على فطرتها الأصلية لازمة لتوحيده ممتنعة عن ~~الشرك به يستبقي به أصل التوحيد عصرا بعد عصر ويحيى به روح السعادة جيلا ~~بعد جيل، والبرهان عليه هو البرهان على النبوة والوحي فإن الواحد من ~~الإنسان العادي لا يمتنع عليه الشرك ونسيان التوحيد، والجائز على الواحد ~~جائز على الجميع وفي تلبس الجميع بالشرك فساد النوع في غايته وبطلان الغرض ~~الإلهي في خلقته. # فمن الواجب أن يكون في النوع رجال متلبسون بإخلاص التوحيد يقومون بأمره ~~ويدافعون عنه وينبهون الناس عن رقدة الغفلة والجهالة بإلقاء حججه وبث ~~شواهده وآياته وبينهم وبين الناس رابطة التعليم والتعلم دون السوق ~~والاتباع. # وهذه النفوس إن كانت فهي نفوس الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وفي ~~خلقهم وبعثهم فضل من الله سبحانه عليهم بتعليم توحيده لهم، وعلى الناس بنصب ~~من يذكرهم الحق الذي تقضي به فطرتهم ويدافع عن الحق تجاه ms4133 غفلتهم وضلالتهم ~~فإن اشتغال الناس بالأعمال المادية ومزاولتهم للأمور الحسية تجذبهم إلى ~~اللذات الدنيوية وتحرضهم على الإخلاد إلى الأرض فتبعدهم عن المعنويات ~~وتنسيهم ما في فطرهم من المعارف الإلهية، ولو لا رجال متألهون متولهون في ~~الله الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار في كل برهة من الزمان لأحيطت الأرض ~~بالعماء، وانقطع السبب الموصول بين الأرض والسماء، وبطلت غاية الخلقة، ~~وساخت الأرض بأهلها. PageV11P093 # ومن هنا يظهر أن الحق أن تنزل الآية على هذه الحقيقة فيكون معنى الآية: لم ~~يجعل لنا بتأييد من الله سبيل إلى أن نشرك بالله شيئا، ذلك أي كوننا في أمن ~~من الشرك من فضل الله علينا لأنه الهدى الذي هو سعادة الإنسان وفوزه ~~العظيم. # وعلى الناس لأن في ذلك تذكيرهم إذا نسوا وتنبيههم إذا غفلوا، وتعليمهم ~~إذا جهلوا، وتقويمهم إذا عوجوا ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله بل يكفرون ~~بهذا الفضل فلا يعبئون به ولا يقبلون عليه بل يعرضون عنه. # هذا. # وذكر بعضهم في معنى الآية: أن المشار إليه بقوله: "ذلك من فضل الله ~~علينا" إلخ، هو العلم بتأويل الأحاديث. # وهو كما ترى بعيد من سياق الآية. # قوله تعالى: "يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار" ~~لفظة الخير بحسب الوزن صفة من قولهم: خار يخار خيرة إذا انتخب واختار أحد ~~شيئين يتردد بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه فالخير منهما هو ~~الذي يفضل على الآخر في صفة المطلوبية فيتعين الأخذ به فخير الفعلين هو ~~المطلوب منهما الذي يتعين القيام به وخير الشيئين هو المطلوب منهما من جهة ~~الأخذ به كخير المالين من جهة التمتع به وخير الدارين من جهة سكناها وخير ~~الإنسانين من جهة مصاحبته، وخير الرأيين من جهة الأخذ به، وخير الإلهين من ~~جهة عبادته، ومن هنا ذكر أهل الأدب أن الخير في الأصل "أخير" أفعل تفضيل، ~~والحقيقة أنه صفة مشبهة تفيد بحسب المادة ما يفيده أفعل التفضيل من الفضل ~~في القياس. # وبما مر يتبين أن قوله (عليه السلام): "أأرباب متفرقون ms4134 خير أم الله ~~الواحد القهار" إلخ مسوق لبيان الحجة على تعينه تعالى للعبادة إذا فرض تردد ~~الأمر بينه وبين سائر الأرباب التي تدعى من دون الله لا لبيان أنه تعالى هو ~~الحق الموجود دون غيره من الأرباب أو أنه تعالى هو الإله الذي تنتهي إليه ~~الأشياء بدءا وعودا دونها أو غير ذلك فإن الشيء إنما يسمى خيرا من جهة طلبه ~~وتعيينه بالأخذ به بنحو فقوله (عليه السلام): أهو خير أم سائر الأرباب يريد ~~به السؤال عن تعين أحد الطرفين من جهة الأخذ به والأخذ بالرب هو عبادته. # ثم إنه (عليه السلام) سمى آلهتهم أربابا متفرقين لأنهم كانوا يعبدون ~~الملائكة وهم عندهم صفات الله سبحانه أو تعينات ذاته المقدسة التي تستند ~~إليها جهات الخير والسعادة في العالم فيفرقون بين الصفات بتنظيمها طولا ~~وعرضا ويعبدون كلا بما يخصه من الشأن فهناك إله العلم وإله القدرة وإله ~~السماء وإله الأرض وإله الحسن وإله الحب وإله الأمن والخصب وغير ذلك، ~~ويعبدون الجن وهم مبادىء الشر في العالم كالموت والفناء والفقر والقبح ~~والألم والغم وغير ذلك، ويعبدون أفرادا كالكملين من الأولياء والجبابرة من ~~السلاطين والملوك وغيرهم، وهم جميعا متفرقون من حيث أعيانهم ومن حيث ~~أصنامهم والتماثيل المتخذة لهم المنصوبة للتوجه بها إليهم. # وقابل الأرباب المتفرقين بذكر الله عز اسمه ووصفه بالواحد القهار حيث ~~قال: "أم الله الواحد القهار" فالكلمة تفيد بحسب المعنى خلاف ما يفيده ~~قوله: "أأرباب متفرقون" لضرورة التقابل بين طرفي الترديد. # فالله علم بالغلبة يراد به الذات المقدسة الإلهية التي هي حقيقة لا سبيل ~~للبطلان إليه ووجود لا يتطرق العدم والفناء إليه، والوجود الذي هذا شأنه لا ~~يمكن أن يفرض له حد محدود ولا أمد ممدود لأن كل محدود فهو معدوم وراء حده، ~~والممدود باطل بعد أمده فهو تعالى ذات غير محدود ووجود غير متناه بحب، وإذا ~~كان كذلك لم يمكن أن يفرض له صفة خارجة عن ذاته مباينة لنفسه كما هو الحال ~~في صفاته لتأدية هذه المغايرة إلى كونه تعالى محدودا غير ms4135 موجود في ظرف ~~الصفة وفاقرا لا يجد الصفة في ذاته ولم يمكن أيضا فرض المغايرة والبينونة ~~بين صفاته الذاتية كالحياة والعلم والقدرة لأن ذلك يؤدي إلى وجود حدود في ~~داخل الذات لا يوجد ما في داخل حد في خارجه فيتغاير الذات والصفات ويتكثر ~~جميعا ويحد، وهذا كله مما اعترفت به الوثنية على ما بأيدينا من معارفهم. PageV11P094 # فمما لا يتطرق إليه الشك عند المثبتين لوجود الإله سبحانه لو تفطنوا أن ~~الله سبحانه موجود في نفسه ثابت بذاته لا موجود بهذا النعت غيره، وإن ما له ~~من صفات الكمال فهو عينه غير زائد عليه ولا بعض صفات كماله صفات زائد على ~~بعض فهو علم وقدرة وحياة بعينه. # فهو تعالى أحدي الذات والصفات أي أنه واحد في وجوده بذاته ليس قباله شيء ~~إلا موجودا به لا مستقلا بالوجود وواحد في صفاته أي ليس هناك صفة له حقيقية ~~إلا أن تكون عين الذات فهو الذي يقهر كل شيء لا يقهره شيء. # والإشارة إلى هذا كله هي التي دعته (عليه السلام) أن يصف الله سبحانه ~~بالواحد القهار حيث قال: "أم الله الواحد القهار" أي أنه تعالى واحد لكن لا ~~واحد عددي إذا أضيف إليه آخر صار اثنين بل واحد لا يمكن أن يفرض قباله ذات ~~إلا وهي موجودة به لا بنفسها ولا أن يفرض قباله صفة له إلا وهي عينه وإلا ~~صارت باطلة كل ذلك لأنه بحث غير محدود بحد ولا منته إلى نهاية. # وقد تمت الحجة على الخصم منه (عليه السلام) في هذا السؤال بما وصف ~~الأرباب بكونهم متفرقين، وإياه تعالى بالواحد القهار لأن كون ذاته ~~المتعالية واحدا قهارا يبطل التفرقة - أي تفرقة مفروضة - بين الذات ~~والصفات، فالذات عين الصفات والصفات بعضها عين بعض فمن عبد الذات عبد الذات ~~والصفات ومن عبد علمه فقد عبد ذاته، وإن عبد علمه ولم يعبد ذاته فلم يعبد ~~لا علمه ولا ذاته وعلى هذا القياس. # فإذا فرض تردد العبادة بين أرباب متفرقين وبين الله الواحد القهار تعالى ~~وتقدس ms4136 تعينت عبادته دونهم إذ لا يمكن فرض أرباب متفرقين ولا تفرقة في ~~العبادة. # نعم يبقى هناك شيء وهو الذي يعتمد عليه عامة الوثنية من أن الله سبحانه ~~أجل وأرفع ذاتا من أن تحيط به عقولنا أو يناله أفهامنا فلا يمكننا التوجه ~~إليه بعبادته ولا يسعنا التقرب منه بعبوديته والخضوع له، والذي يسعنا هو أن ~~نتقرب بالعبادة إلى بعض مخلوقاته الشريفة التي هي مؤثرات في تدبير النظام ~~العالمي حتى يقربونا منه ويشفعوا لنا عنده فأشار (عليه السلام) في الشطر ~~الثاني من كلامه أعني قوله: "ما تعبدون من دونه إلا أسماء" إلخ إلى دفعه. # قوله تعالى: "ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه" إلخ، بدأ ~~(عليه السلام) بخطاب صاحبيه في السجن أولا ثم عمم الخطاب للجميع لأن الحكم ~~مشترك بينهما وبين غيرهما من عبدة الأوثان. # ونفي العبادة إلا عن الأسماء كناية عن أنه لا مسميات وراء هذه الأسماء ~~فتقع العبادة في مقابل الأسماء كلفظة إله السماء وإله الأرض وإله البحر ~~وإله البر والأب والأم وابن الإله ونظائر ذلك. # وقد أكد كون هذه الأسماء ليس وراءها مسميات بقوله: "أنتم وآباؤكم" فإنه ~~في معنى الحصر أي لم يضع هذه الأسامي أحد غيركم بل أنتم وآباؤكم وضعتموها، ~~ثم أكده ثانيا بقوله: "ما أنزل الله بها من سلطان" والسلطان هو البرهان ~~لتسلطه على العقول أي ما أنزل الله بهذه الأسماء أو بهذه التسمية من برهان ~~يدل على أن لها مسميات وراءها، وحينئذ كان يثبت لها الألوهية أي المعبودية ~~فصحت عبادتكم لها. # ومن الجائز أن يكون ضمير "بها" عائدا إلى العبادة أي ما أنزل الله حجة ~~على عبادتها بأن يثبت لها شفاعة واستقلالا في التأثير حتى تصح عبادتها ~~والتوجه إليها فإن الأمر إلى الله على كل حال. # وإليه أشار بقوله بعده: "إن الحكم إلا لله". # وهو أعني قوله: "إن الحكم إلا لله" مما لا ريب فيه البتة إذ الحكم في ms4137 أمر ~~ما لا يستقيم إلا ممن يملك تمام التصرف، ولا مالك للتصرف والتدبير في أمور ~~العالم وتربية العباد حقيقة إلا الله سبحانه فلا حكم بحقيقة المعنى إلا له. # وهو أعني قوله: "إن الحكم إلا لله" مفيد فيما قبله وما بعده صالح ~~لتعليلهما معا، أما فائدته في قوله قبل: "ما أنزل الله بها من سلطان" فقد ~~ظهرت آنفا، وأما فائدته في قوله بعد: "أمر ألا تعبدوا إلا إياه" فلأنه ~~متضمن لجانب إثبات الحكم كما أن قوله قبل: "ما أنزل الله بها من سلطان" ~~متضمن لجانب السلب، وحكمه تعالى نافذ في الجانبين معا فكأنه لما قيل: "ما ~~أنزل الله بها من سلطان" قيل: "فما ذا حكم به في أمر العبادة" فقيل: "أمر ~~ألا تعبدوا إلا إياه" ولذلك جيء بالفعل. PageV11P095 # ومعنى الآية - والله أعلم - ما تعبدون من دون الله إلا أسماء خالية عن ~~المسميات لم يضعها إلا أنتم وآباؤكم من غير أن ينزل الله سبحانه من عنده ~~برهانا يدل على أن لها شفاعة عند الله أو شيئا من الاستقلال في التأثير حتى ~~يصح لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها، أو طمعا في خيرها أو خوفا من شرها. # وأما قوله: "ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" فيشير به إلى ما ~~ذكره من توحيد الله ونفي الشريك عنه، والقيم هو القائم بالأمر القوي على ~~تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل والمتضعضع، والمعنى أن دين التوحيد ~~وحده هو القوي على إدارة المجتمع وسوقه إلى منزل السعادة، والدين المحكم ~~غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غي والحقية من غير بطلان، ولكن أكثر ~~الناس لأنسهم بالحس والمحسوس وانهماكهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا ~~سلامة القلب واستقامة العقل لا يعلمون ذلك، وإنما يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة معرضون. # أما أن التوحيد دين فيه الرشد ومطابقة الواقع فيكفي في بيانه ما أقامه ~~(عليه السلام) من البرهان، وأما أنه هو القوي على إدارة المجتمع الإنساني ~~فلأن هذا النوع إنما يسعد في مسير حياته إذا بنى ms4138 سنن حياته وأحكام معاشه ~~على مبنى حق مطابق للواقع فسار عليها لا إذا بناها على مبنى باطل خرافي لا ~~يعتمد على أصل ثابت. # فقد بان من جميع ما تقدم أن الآيتين جميعا أعني قوله: "يا صاحبي السجن" - ~~إلى قوله - "ألا تعبدوا إلا إياه" برهان واحد على توحيد العبادة، محصله أن ~~عبادة المعبود أن كانت لألوهيته في نفسه ووجوب وجوده بذاته فالله سبحانه في ~~وجوده واحد قهار لا يتصور له ثان ولا مع تأثيره مؤثر آخر فلا معنى لتعدد ~~الآلهة، وإن كانت لكون آلهة غير الله شركاء له شفعاء عنده فلا دليل على ~~ثبوت الشفاعة لهم من قبل الله سبحانه بل الدليل على خلافه فإن الله حكم من ~~طريق العقل وبلسان أنبيائه أن لا يعبد إلا هو. # وبذلك يظهر فساد ما أورده البيضاوي في تفسيره تبعا للكشاف أن الآيتين ~~تتضمنان دليلين على التوحيد فما في الأولى وهو قوله: "أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار" دليل خطابي، وما في الثانية وهو قوله: "ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء" إلخ برهان تام. # قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة بين لهم أولا رجحان ~~التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ~~ويعبدونها لا تستحق الإلهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير ~~وكلا القسمين منتف عنهما ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي ~~لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دونه. # انتهى. # ولعل الذي حدأه إلى ذلك ما في الآية الأولى من لفظة الخير فاستظهر منه ~~الرجحان الخطابي، وقد فاته ما فيها من قيد "الواحد القهار" وقد عرفت تقرير ~~ما تتضمنه الآيتان من البرهان، وأن الذي ذكره من معنى الآية الثانية هو ~~مدلول مجموع الآيتين دون الثانية فحسب. # وربما يقرر مدلول الآيتين برهانين على التوحيد بوجه آخر ملخصه أن الله ~~الواحد الذي يقهر بقدرته الأسباب المتفرقة التي تفعل في الكون ويسوقها على ~~تلائم آثارها المتفرقة المتنوعة بعضها مع بعض حتى ينتظم ms4139 منها نظام واحد غير ~~متناقض الأطراف كما هو المشهود من وحدة النظام وتوافق الأسباب خير من أرباب ~~متفرقين تترشح منها لتفرقها ومضادتها أنظمة مختلفة وتدابير متضادة تؤدي إلى ~~انفصام وحدة النظام الكوني وفساد التدبير الواحد العمومي. # ثم الآلهة المعبودة من دون الله أسماء لا دليل على وجود مسمياتها في ~~الخارج بتسميتكم لا من جانب العقل ولا من جانب النقل لأن العقل لا يدل إلا ~~على التوحيد والأنبياء لم يؤمروا من جهة الوحي إلا بأن لا يعبد إلا الله وحده. # انتهى. # وهذا التقرير - كما ترى - ينزل الآية الأولى على معنى قوله تعالى "لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا": الأنبياء: 22، ويعمم الآية الثانية على نفي ~~ألوهية آلهة إلا الله بذاتها ونفي ألوهيتها من جهة إذن الله في شفاعتها. PageV11P096 # ويرد عليه أولا: أن فيه تقييدا لإطلاق قوله: "القهار" من غير مقيد فإن الله ~~سبحانه كما يقهر الأسباب في تأثيرها يقهر كل شيء في ذاته وصفته وآثاره فلا ~~ثاني له في وجوده ولا ثاني له في استقلاله في نفسه وفي تأثيره فلا يتأتى مع ~~وحدته القاهرة على الإطلاق أن يفرض شيء يستقل عنه في وجوده، ولا أمر يستقل ~~عنه في أمره، والإله الذي يفرض دونه إما مستقل عنه في ذاته وآثار ذاته ~~جميعا وإما مستقل عنه في آثار ذاته فحسب، وكلا الأمرين محال كما ظهر. # وثانيا: أن فيه تعميما لخصوص الآية الثانية من غير معمم فإن الآية - كما ~~عرفت - تنيط كونها آلهة بإذن الله وحكمه كما هو ظاهر قوله: "ما أنزل الله ~~بها من سلطان إن الحكم إلا لله" إلخ ومن الواضح أن هذه الألوهية المنوطة ~~بإذنه تعالى وحكمه ألوهية شفاعة لا ألوهية ذاتية أي ألوهية بالغير لا ما هو ~~أعم من الألوهية بالذات وبالغير جميعا. # قوله تعالى: "يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان" معنى الآية ظاهر، وقرينة ~~المناسبة قاضية بأن قوله: "أما أحدكما" إلخ، تأويل رؤيا من قال ms4140 منهما: "إني ~~أراني أعصر خمرا" وقوله: "وأما الآخر" إلخ، تأويل لرؤيا الآخر. # وقوله: "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان" لا يخلو من إشعار بأن الصاحبين أو ~~أحدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا ولعله الثاني لما سمع تأويل رؤياه بالصلب ~~وأكل الطير من رأسه، ويتأيد بهذا ما ورد من الرواية من طرق أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام): أن الثاني من الصاحبين قال له: إني كذبت فيما قصصت عليك من ~~الرؤيا فقال (عليه السلام): "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان" أي إن التأويل ~~الذي استفتيتما فيه مقضي مقطوع لا مناص عنه. # قوله تعالى: "وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين" الضمائر في قوله: "قال" و"ظن" و"لبث" ~~راجعة إلى يوسف أي قال يوسف للذي ظن هو أنه سينجو منهما: اذكرني عند ربك ~~بما يثير رحمته لعله يخرجني من السجن. # وإطلاق الظن على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنه من المقضي المقطوع به ~~وتصريحه بأن ربه علمه تأويل الأحاديث لعله من إطلاق الظن على مطلق الاعتقاد ~~وله نظائر في القرآن كقوله تعالى: "الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم": البقرة: 46. # وأما قول بعضهم: إن إطلاق الظن على اعتقاده يدل على أنه إنما أول ما أول ~~عن اجتهاد منه. # يفسده ما قدمنا الإشارة إليه أنه صرح لهما بعلمه في قوله: "قضي الأمر ~~الذي فيه تستفتيان" والله سبحانه أيد ذلك بقوله: "ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث" وهذا ينافي الاجتهاد الظني. # وقد احتمل أن يكون ضمير "ظن" راجعا إلى الموصول أي قال يوسف لصاحبه الذي ~~ظن ذلك الصاحب أنه ناج منهما. # وهذا المعنى لا بأس به إن ساعده السياق. # وقوله: "فأنساه الشيطان ذكر ربه" إلخ، الضميران راجعان إلى "الذي" أي ~~فأنسى الشيطان صاحبه الناجي أن يذكره لربه أو عند ربه فلبث يوسف في السجن ~~بضع سنين والبضع ما دون العشرة فإضافة الذكر إلى ربه من قبيل إضافة المصدر ~~إلى معموله المعدى إليه بالحرف أو إلى المظروف بنوع من الملابسة. # وأما إرجاع الضميرين ms4141 إلى يوسف حتى يفيد أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله ~~سبحانه فتعلق بذيل غيره في نجاته من السجن فعوقب على ذلك فلبث في السجن بضع ~~سنين كما ذكره بعضهم وربما نسب إلى الرواية. # فمما يخالف نص الكتاب فإن الله سبحانه نص على كونه (عليه السلام) من ~~المخلصين ونص على أن المخلصين لا سبيل للشيطان إليهم مضافا إلى ما أثنى ~~الله عليه في هذه السورة. # والإخلاص لله لا يستوجب ترك التوسل بالأسباب فإن ذلك من أعظم الجهل لكونه ~~طمعا فيما لا مطمع فيه بل إنما يوجب ترك الثقة بها والاعتماد عليها وليس في ~~قوله: "اذكرني عند ربك" ما يشعر بذلك البتة. # على أن قوله تعالى بعد آيتين: "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" إلخ، ~~قرينة صالحة على أن الناسي هو الساقي دون يوسف. PageV11P097 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات - ليسجننه حتى حين" فالآيات شهادة ~~الصبي والقميص المخرق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على ~~الباب، فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتى حبسه. ودخل معه السجن فتيان ~~يقول: عبدان للملك أحدهما خباز والآخر صاحب الشراب، والذي كذب ولم ير ~~المنام هو الخباز. # وذكر الحديث علي بن إبراهيم القمي قال: ووكل الملك بيوسف رجلين يحفظانه ~~فلما دخل السجن قالوا له: ما صناعتك؟ قال: أعبر الرؤيا. فرأى أحد الموكلين ~~في منامه كما قال يعصر خمرا. قال يوسف: تخرج وتصير على شراب الملك وترتفع ~~منزلتك عنده، وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، ~~ولم يكن رأى ذلك فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من ~~رأسك، فضحك الرجل وقال: إني لم أر ذلك فقال يوسف كما حكى الله: "يا صاحبي ~~السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا - وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه - ~~قضي الأمر الذي فيه تستفتيان". فقال أبو عبد الله (عليه السلام) في قوله: ms4142 ~~"إنا نراك من المحسنين" قال: كان يقوم على المريض، ويلتمس للمحتاج، ويوسع ~~على المحبوس فلما أراد من يرى في نومه يعصر خمرا الخروج من الحبس قال له ~~يوسف: "اذكرني عند ربك" فكان كما قال الله: "فأنساه الشيطان ذكر ربه". # أقول: وفي الرواية اضطراب لفظي، وظاهرها أن صاحبيه في السجن لم يكونا ~~مسجونين وإنما كانا موكلين عليه من قبل الملك، ولا يلائم ذلك ظاهر قوله ~~تعالى: "وقال للذي ظن أنه ناج منهما" وقوله: "قال الذي نجا منهما". # وفي تفسير العياشي، عن سماعة: عن قول الله: "اذكرني عند ربك" قال: هو ~~العزيز. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن جرير ~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث ~~يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى. # أقول: ورواه عن ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولفظه: "رحم الله يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ~~ربك ما لبث في السجن طول ما لبث" وروي مثله عن عكرمة والحسن وغيرهما. # وروى ما في معناه العياشي في تفسيره، عن طربال وعن ابن أبي يعقوب وعن ~~يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ولفظ الأخير قال: "قال الله ~~ليوسف: ألست الذي حببتك إلى أبيك وفضلتك على الناس بالحسن؟ أولست الذي سقت ~~إليك السيارة فأنقذتك وأخرجتك من الجب؟ أولست الذي صرفت عنك كيد النسوة؟ ~~فما حملك على أن ترفع رعية أو تدعو مخلوقا هو دوني؟ فالبث لما قلت بضع ~~سنين، وقد تقدم أن هذه وأمثالها روايات تخالف نص الكتاب. # ومثلها ما في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن ابن عباس قال: عثر يوسف ~~(عليه السلام) ثلاث عثرات: قوله: "اذكرني عند ربك" وقوله لإخوته: "إنكم ~~لسارقون" وقوله: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" فقال له جبرئيل: ولا حين ~~هممت؟ فقال: "وما ms4143 أبرىء نفسي" وفي الرواية نسبة الفرية والكذب الصريح إلى ~~الصديق (عليه السلام). # وفي بعض هذه الروايات أن عثراته الثلاث هي همه بها، وقوله: اذكرني عند ~~ربك، وقوله: إنكم لسارقون. # والله سبحانه يبرئه من هذه المفتريات بنص كتابه. PageV11P098 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 43 - 57 # وقال الملك إنى أرى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر ~~يابست يأيها الملأ أفتونى فى رءيى إن كنتم للرءيا تعبرون (43) قالوا أضغث ~~أحلم وما نحن بتأويل الأحلم بعلمين (44) وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة ~~أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرت سمان ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يابست لعلى أرجع إلى الناس لعلهم ~~يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا ~~مما تأكلون (47) ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون (48) ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) ~~وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة التى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ رودتن ~~يوسف عن نفسه قلن حش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الئن حصحص ~~الحق أنا رودته عن نفسه وإنه لمن الصدقين (51) ذلك ليعلم أنى لم أخنه ~~بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين (52) وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم (53) وقال الملك ائتونى به أستخلصه ~~لنفسى فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (54) قال اجعلنى على خزائن ~~الأرض إنى حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ~~نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولأجر الاخرة خير للذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون (57) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات قصة خروجه (عليه السلام) من السجن ونيله عزة مصر والأسباب ~~المؤدية إلى ذلك، وفيها تحقيق الملك ثانيا في اتهامه وظهور براءته التام. # قوله تعالى: ms4144 "وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف" إلى ~~آخر الآية. # رؤيا للملك يخبر بها الملأ والدليل عليه قوله: "يا أيها الملأ أفتوني في ~~رؤياي" وقوله: "إني أرى" حكاية حال ماضية، ومن المحتمل أنها كانت رؤيا ~~متكررة كما يحتمل مثله في قوله سابقا: "إني أراني أعصر خمرا" "إني أراني ~~أحمل" إلخ. # والسمان جمع سمينة والعجاف جمع عجفاء بمعنى المهزولة، قال في المجمع: ولا ~~يجمع فعلاء على فعال غير العجفاء على عجاف والقياس في جمعه العجف بضم العين ~~وسكون الجيم كالحمراء والخضراء والبيضاء على حمر وخضر وبيض، وقال غيره: إن ~~ذلك من قبيل الاتباع والجمع القياسي عجف. # والإفتاء إفعال من الفتوى والفتيا، قال في المجمع،: الفتيا الجواب عن حكم ~~المعنى وقد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يكون فتيا انتهى. # وقوله: "تعبرون" من العبر وهو بيان تأويل الرؤيا وقد يسمى تعبيرا، وهو ~~على أي حال مأخوذ من عبور النهر ونحوه كان العابر يعبر من الرؤيا إلى ما ~~وراءها من التأويل، وهو حقيقة الأمر التي تمثلت لصاحب الرؤيا في صورة خاصة ~~مألوفة له. # قال في الكشاف، في قوله: "سبع بقرات سمان" إلخ فإن قلت: هل من فرق بين ~~إيقاع سمان صفة للمميز وهو بقرات دون المميز وهو سبع وإن يقال: سبع بقرات ~~سمانا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات فقد قصدت إلى أن تميز السبع بنوع من ~~البقرات وهي السمان منهن لا بجنسهن، ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز ~~السبع بجنس البقرات لا بنوع منها ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن. PageV11P099 # فإن قلت: هلا قيل: سبع عجاف على الإضافة؟ قلت: التمييز موضوع لبيان الجنس ~~والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده فإن قلت: فقد يقال: ثلاثة فرسان وخمسة ~~أصحاب قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت ~~حكمها وجاز فيها ما لم يجز في غيرها، ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثة ضخام ~~وأربعة غلاظ. # انتهى. # وقال أيضا: فإن قلت: هل في الآية دليل على أن السنبلات اليابسة كانت ms4145 سبعا ~~كالخضر؟ قلت: الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان ~~والعجاف والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الآخر السبع، ويكون قوله: ~~"وأخر يابسات" بمعنى وسبعا أخر. # فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله: "وأخر يابسات" على "سنبلات خضر" فيكون ~~مجرور المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافع وهو أن عطفها على سنبلات خضر يقتضي أن ~~يدخل في حكمها فيكون معها مميزا للسبع المذكورة، ولفظ الأخر يقتضي أن يكون ~~غير السبع بيانه أنك تقول: عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر فيصح لأنك ميزت ~~السبعة برجال موصوفين بقيام وقعود على أن بعضهم قيام وبعضهم قعود فلو قلت: ~~عنده سبعة رجال قيام وآخرين قعود تدافع ففسد. # انتهى، وكلامه على اشتماله على نكتة لطيفة لا ينتج أزيد من الظن بكون ~~السنبلات اليابسات سبعا كغيرها أما وجوب الدلالة من الكلام فلا البتة. # ومعنى الآية: وقال ملك مصر لملئه إني أرى في منامي سبع بقرات سمان يأكلهن ~~سبع بقرات مهازيل وأرى سبع سنبلات خضر وسنبلات أخر يابسات يا أيها الملأ ~~بينوا لي ما عندكم من حكم رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون. # قوله تعالى: "قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين" الأحلام ~~جمع حلم بضمتين وقد يسكن وسطه هو ما يراه النائم في منامه وكان الأصل في ~~معناه ما يتصور للإنسان من داخل نفسه من غير توصله إليه بالحس، ومنه تسمية ~~العقل حلما لأنه استقامة التفكر، ومنه أيضا الحلم لزمان البلوغ قال تعالى. # "وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم": النور: 59 أي زمان البلوغ، بلوغ العقل، ~~ومنه الحلم بكسر الحاء بمعنى الأناءة ضد الطيش وهو ضبط النفس والطبع عن ~~هيجان الغضب وعدم المعاجلة في العقوبة فإنه إنما يكون عن استقامة التفكر. # وذكر الراغب: أن الأصل في معناه الحلم بكسر الحاء، ولا يخلو من تكلف. # وقال الراغب: الضغث قبضة ريحان أو حشيش أو قضبان وجمعه أضغاث، قال تعالى: ~~"وخذ بيدك ضغثا" وبه شبه الأحلام المختلفة التي لا تتبين حقائقها "قالوا ~~أضغاث أحلام" حزم أخلاط من الأحلام انتهى. ms4146 # وتسمية الرؤيا الواحدة بأضغاث الأحلام كأنه بعناية دعوى كونها صورا ~~متفرقة مختلطة مجتمعة من رؤى مختلفة لكل واحد منها تأويل على حدة فإذا ~~اجتمعت واختلطت عسر للمعبر الوقوف على تأويلها، والإنسان كثيرا ما ينتقل في ~~نومة واحدة من رؤيا إلى أخرى ومنهما إلى ثالثة وهكذا فإذا اختلطت أبعاضها ~~كانت أضغاث أحلام وامتنع الوقوف على حقيقتها ويدل على ما ذكرنا من العناية ~~التعبير بأضغاث أحلام بتنكير المضاف والمضاف إليه معا كما لا يخفى. # على أن الآية أعني قوله: "وقال الملك إني أرى" إلخ، غير صريحة في كونه ~~رؤيا واحدة وفي التوراة أنه رأى البقرات السمان والعجاف في رؤيا والسنبلات ~~الخضر واليابسات في رؤيا أخرى. # وقوله: "وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين" إن كان الألف واللام للعهد ~~فالمعنى وما نحن بتأويل هذه المنامات التي هي أضغاث أحلام بعالمين. # وإن كان لغير العهد والجمع المحلى باللام يفيد العموم فالمعنى وما نحن ~~بتأويل جميع المنامات بعالمين وإنما نعبر غير أضغاث الأحلام منها، وعلى أي ~~حال لا تدافع بين عدهم رؤياه أضغاث أحلام وبين نفيهم العلم بتأويل الأحلام ~~عن أنفسهم، ولو كان المراد بالأحلام الأحلام الصحيحة فحسب كان كل من شطري ~~كلامهم يغني عن الآخر. # ومعنى الآية قالوا أي قال الملأ للملك: ما رأيته أضغاث أحلام وأخلاط من ~~منامات مختلفة وما نحن بتأويل هذا النوع من المنامات بعالمين أو وما نحن ~~بتأويل جميع المنامات بعالمين وإنما نعلم تأويل الرؤى الصالحة. PageV11P100 # قوله تعالى: "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون" الأمة الجماعة التي تقصد لشأن ويغلب استعمالها في الإنسان، ~~والمراد بها هاهنا الجماعة من السنين وهي المدة التي نسي فيها هذا القائل ~~وهو ساقي الملك أن يذكر يوسف عند ربه وقد سأله يوسف ذلك فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين. # والمعنى: وقال الذي نجا من السجن من صاحبي يوسف فيه وادكر بعد جماعة من ~~السنين ما سأله يوسف في السجن حين أول رؤياه: أنا أنبئكم بتأويل ما رآه ~~الملك ms4147 في منامه فأرسلوني إلى يوسف في السجن حتى أخبركم بتأويل ذلك. # وخطاب الجمع في قوله: "أنبئكم" وقوله "فأرسلون" تشريك لمن حضر مع الملك ~~وهم الملأ من أركان الدولة وأعضاد المملكة الذين يلون أمور الناس، والدليل ~~عليه قوله الآتي: "لعلي أرجع إلى الناس" كما سيأتي. # قوله تعالى: "يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان" إلى آخر الآية، ~~في الكلام حذف وتقدير إيجازا، والتقدير: فأرسلوه فجاء إلى يوسف في السجن ~~فقال: يا يوسف أيها الصديق أفتنا في رؤيا الملك وذكر الرؤيا وذكر أن الناس ~~في انتظار تأويله وهذا الأسلوب من لطائف أساليب القرآن الكريم. # سمى يوسف صديقا وهو كثير الصدق المبالغ فيه لما كان رأى من صدقه فيما عبر ~~به منامه ومنام صاحبه في السجن وأمور أخرى شاهدها من فعله وقوله في السجن، ~~وقد أمضى الله سبحانه كونه صديقا بنقله ذلك من غير رد. # وقد ذكر متن الرؤيا من غير أن يصرح أنه رؤيا فقال: "أفتنا في سبع بقرات ~~سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات" لأن قوله: "أفتنا" وهو ~~سؤال الحكم الذي يؤدي إليه نظره، وكون المعهود فيما بينه وبين يوسف تأويل ~~الرؤيا، وكذا ذيل الكلام يدل على ذلك ويكشف عنه. # وقوله: "لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون" لعل الأول تعليل لقوله: ~~"أفتنا" ولعل الثاني تعليل لقوله "أرجع" والمراد أفتنا في أمر هذه الرؤيا ~~ففي إفتائك رجاء أن أرجع به إلى الناس وأخبرهم بها وفي رجوعي إليهم رجاء أن ~~يعلموا به فيخرجوا به من الحيرة والجهالة. # ومن هنا يظهر أن قوله: "أرجع" في معنى أرجع بذلك فمن المعلوم أنه لو أفتى ~~فيه فرجع المستفتي إلى الناس كان رجوعه رجوع عالم بتأويله خبير بحكمه ~~فرجوعه عندئذ إليهم رجوع بمصاحبة ما ألقي إليه من التأويل فافهم ذلك. # وفي قوله أولا: "أفتنا" وثانيا: "لعلي أرجع إلى الناس" دلالة على أنه كان ~~يستفتيه بالرسالة عن الملك والملأ ولم يكن يسأله لنفسه حتى يعلمه ثم يخبرهم ~~به بل ليحمله إليهم ولذلك لم يخصه ms4148 يوسف بالخطاب بل عم الخطاب له ولغيره ~~فقال: "تزرعون" إلخ. # وفي قوله: "إلى الناس" إشعار أو دلالة على أن الناس كانوا في انتظار أن ~~يرتفع بتأويله حيرتهم، وليس إلا أن الملأ كانوا هم أولياء أمور الناس ~~وخيرتهم في الأمر خيرة الناس أو أن الناس أنفسهم كانوا على هذا الحال ~~لتعلقهم بالملك واهتمامهم برؤياه لأن الرؤيا ناظرة غالبا إلى ما يهتم به ~~الإنسان من شئون الحياة والملوك إنما يهتمون بشئون المملكة وأمور الرعية. # قوله تعالى: "قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا ~~قليلا مما تأكلون" قال الراغب: الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا قال ~~تعالى: "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" والدأب العادة المستمرة دائما على ~~حاله قال تعالى: "كدأب آل فرعون" أي كعادتهم التي يستمرون عليها. # انتهى وعليه فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة، وقيل: هو من ~~دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد واجتهاد، ويمكن أن يكون حالا أي تزرعون ~~دائبين مستمرين أو مجدين مجتهدين فيه. # ذكروا أن "تزرعون" خبر في معنى الإنشاء، وكثيرا ما يؤتى بالأمر في صورة ~~الخبر مبالغة في وجوب الامتثال كأنه واقع يخبر عنه كقوله تعالى: "تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله": الصف: 11، والدليل عليه قوله بعد: ~~"فما حصدتم فذروه في سنبله"، قيل: وإنما أمر بوضعه وتركه في سنبله لأن ~~السنبل لا يقع فيه سوس ولا يهلك وإن بقي مدة من الزمان، وإذا ديس وصفي أسرع ~~إليه الهلاك. # والمعنى: ازرعوا سبع سنين متواليات فما حصدتم فذروه في سنبله لئلا يهلك ~~واحفظوه كذلك إلا قليلا وهو ما تأكلون في هذه السنين. PageV11P101 # قوله تعالى: "ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون" الشداد جمع شديد من الشدة بمعنى الصعوبة لما في سني الجدب ~~والمجاعة من الصعوبة والحرج على الناس أو هو من شد عليه إذا كر، وهذا أنسب ~~لما بعده من توصيفها بقوله: "يأكلن ما قدمتم لهن". # وعليه فالكلام يشتمل على تمثيل لطيف كان هذه ms4149 السنين سباع ضارية تكر على ~~الناس لافتراسهم وأكلهم فيقدمون إليها ما ادخروه عندهم من الطعام فتأكله ~~وتنصرف عنهم. # والإحصان الإحراز والإدخار، والمعنى ثم يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من ~~السنين الخصبة سبع سنين شداد يشددن عليكم يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحرزون وتدخرون. # قوله تعالى: "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون" يقال: ~~غاثه الله وأغاثه أي نصره، ويغيثه بفتح الياء وضمها أي ينصره وهو من الغوث ~~بمعنى النصرة وغاثهم الله يغيثهم من الغيث وهو المطر، فقوله: "فيه يغاث ~~الناس" إن كان من الغوث كان معناه: ينصرون فيه من قبل الله سبحانه بكشف ~~الكربة ورفع الجدب والمجاعة وإنزال النعمة والبركة، وإن كان من الغيث كان ~~معناه: يمطرون فيرتفع الجدب من بينهم. # وهذا المعنى الثاني أنسب بالنظر إلى قوله بعده: "وفيه يعصرون" ولا يصغى ~~إلى قول من يدعي: أن المعنى الأول هو المتبادر من سياق الآية إلا على قراءة ~~"يعصرون" بالبناء للمجهول ومعناه يمطرون. # وما أورده بعض المستشرقين على المعنى الثاني أنه لا ينطبق على مورد الآية ~~فإن خصب مصر إنما يكون بفيضان النيل لا بالمطر فالأمطار لا تؤثر فيها أثرا. # رد عليه بأن الفيضان نفسه لا يكون إلا بالمطر الذي يمده في مجاريه من ~~بلاد السودان. # على أن من الجائز أن يكون "يغاث" مأخوذا من الغيث بمعنى النبات، قال في ~~لسان العرب،: والغيث الكلاء ينبت من ماء السماء انتهى، وهذا أنسب من ~~المعنيين السابقين بالنظر إلى قوله: "وفيه يعصرون". # وقوله: "وفيه يعصرون" من العصر وهو إخراج ما في الشيء من ماء أو دهن ~~بالضغط كإخراج ماء العنب والتمر للدبس وغيره وإخراج دهن الزيت والسمسم ~~للائتدام والاستصباح وغيرهما، ويمكن أن يراد بالعصر الحلب أي يحلبون ضروع ~~أنعامهم كما فسره بعضهم به. # والمعنى ثم يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السبع الشداد عام فيه تنبت ~~أراضيهم - أو يمطرون أو ينصرون - وفيه يتخذون الأشربة والأدهنة من الفواكه ~~والبقول أو يحلبون ضروع أنعامهم. # وفيه ms4150 كناية عن توفر النعمة عليهم وعلى أنعامهم ومواشيهم. # قال البيضاوي في تفسيره،: وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات ~~السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ~~وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ~~ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب أو بأن السنة الإلهية أن ~~يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم. # انتهى وذكر غيره نحوا مما ذكره. # وقال صاحب المنار في تفسيره، في الآية: والمراد أن هذا العام عظيم الخصب ~~والإقبال يكون للناس فيه كل ما يبغون من النعمة والإتراف، والإنباء بهذا ~~زائد على تأويل الرؤيا لجواز أن يكون العام الأول بعد سني الشدة والجدب دون ~~ذلك فهذا التخصيص والتفصيل لم يعرفه يوسف إلا بوحي من الله عز وجل لا مقابل ~~له في رؤيا الملك ولا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل. # انتهى. # والذي أرى أنهم سلكوا تفسير آيات الرؤيا وتأويلها سبيل المساهلة ~~والمسامحة وذلك أنا إذا تدبرنا في كلامه (عليه السلام) في التأويل أعني ~~قوله: "تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون" وجدناه (عليه السلام) لم يبن كلامه على أساس إخبارهم بما سيستقبلهم ~~من السنين السبع المخصبة ثم السنين السبع المجدبة، ولو أنه أراد ذلك لكان ~~من حق الكلام أن يقول مثلا: يأتي عليكم سبع مخصبات ثم يأتي من بعدها سبع ~~شداد يذهبن بما عندكم من الذخائر ثم إذا سئل عن دفع هذه المخمصة وطريق ~~النجاة من هذه المهلكة العامة، قال: تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه ~~في سنبله إلى آخر ما قال. PageV11P102 # بل بنى كلامه على ذكر ما يجب عليهم من العمل وبين أن أمره بذلك توطئة ~~وتقدمة للتخلص عما يهددهم من المجاعة والمخمصة وهو ظاهر، وهذا دليل على أن ~~الذي رآه الملك من الرؤيا إنما كان مثال ما يجب عليه من اتخاذ التدبير ms4151 ~~لإلجاء الناس من مصيبة الجدب، وإشارة إلى ما هو وظيفته قبال مسئوليته في ~~أمر رعيته وهو أن يسمن بقرات سبعا لتأكلهن بقرات مهازيل ستشد عليهم ويحفظ ~~السنابل الخضر السبع بعد ما يبست على حالها من غير دوس وتصفية لذلك. # فكأن نفس الملك شاهدت في المنام ما يجب عليه من العمل قبال ما يهدد الأرض ~~من سنة الجدب فحكت السنين المخصبة والمجدبة أي الرزق الذي يرتزقون به فيها ~~في صورة البقرة ثم حكت ما في السبع الأول من تكثير المحصول بزرعها دأبا في ~~صورة السمن وما في السبع الآخر في صورة الهزال، وحكت نفاد ما ادخروه في ~~السبع الأولى في السبع الثانية بأكل العجاف للسمان، وحكت ما يجب عليهم في ~~حفظ ذخائر الرزق بالسنبلات اليابسة قبال السنبلات الخضر. # ولم يزد يوسف (عليه السلام) في تأويله على ذلك شيئا إلا أمورا ثلاثة: ~~أحدها ما استثناه بقوله: "إلا قليلا مما تأكلون" وليس جزء من التأويل وإنما ~~هو إباحة وبيان لمقدار التصرف الجائز فيما يجب أن يذروه في سنبله. # وثانيها: قوله: "إلا قليلا مما تحصنون" وهو الذي يجب أن يدخروه للعام ~~الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ليتخذ بذرا ومددا احتياطيا، وكأنه (عليه ~~السلام) أخذه من قوله في حكاية الرؤيا: "يأكلهن سبع عجاف" حيث لم يقل: ~~أكلتهن بل عبر عن اشتغالهن بأكلهن ولما يفنيهن بأكل كلهن ولو كانت ذخائرهم ~~تنفد في السنين السبع الشداد لرأى أنهن أكلتهن عن آخرهن. # وثالثها: قوله: "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون" ~~والظاهر أنه (عليه السلام) استفاده من عدد السبع الذي تكرر في البقرات ~~السمان والعجاف والسنبلات الخضر، وقوله: "ثم يأتي من بعد ذلك عام" وإن كان ~~إخبارا صورة عن المستقبل لكنه كناية عن أن هذا العام الذي سيستقبلهم بعد ~~مضي السبع الشداد في غنى عن اجتهادهم في أمر الزرع والإدخار، ولا تكليف فيه ~~يتوجه إليهم بالنسبة إلى أرزاق الناس. # ولعله لهذه الثلاثة غير السياق فقال: "فيه يغاث الناس وفيه يعصرون" ولم ~~يقل: فيه ms4152 تغاثون وفيه تعصرون بالجري على نحو الخطاب في الآيتين السابقتين ~~ففيه إشارة إلى أن الناس في هذا العام في غنى عن اجتهادكم في أمر معاشهم ~~وتصديكم لإدارة أرزاقهم بل يغاثون ويعصرون لنزول النعمة والبركة في سنة مخصبة. # ومن هنا يظهر اندفاع ما ذكره صاحب المنار، في كلامه المتقدم أن هذا ~~التخصيص لم يعرفه يوسف (عليه السلام) إلا بوحي من الله لا مقابل له في رؤيا ~~الملك ولا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل. # انتهى. # فإن تبدل سني الجدب بسنة الخصب مما يستفاد من الرؤيا بلا ريب فيه، وأما ~~ما ذكره من كون هذه السنة ذات مزية بالنسبة إلى سائر سني الخصب تزيد عليها ~~في وفور الرزق فلا دليل عليها من جهة اللفظ البتة. # ومما ذكرنا أيضا تظهر النكتة في ترك توصيف السنبلات اليابسات في الآية ~~بالسبع حيث قيل: "وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات" حيث عرفت أن الرؤيا لا تجلي ~~نفس حادثة الخصب والجدب، وإنما تجلي ما هو التكليف العملي قبال الحادثة ~~فيكون توصيف السنابل اليابسة بالسبع مستدركا مستغنى عنه بخلاف ما لو كان ~~ذلك إشارة إلى نفس السنين المجدبة فافهم ذلك. # ومما تقدم يظهر أيضا أن الأنسب أن يكون المراد بقوله: "يغاث" وقوله: ~~"يعصرون" الإمطار أو إعشاب الكلاء وحلب المواشي لأن ذلك هو المناسب لما رآه ~~في منامه من البقرات السبع سمانا وعجافا فإن هذا هو المعهود، ومنه يظهر وجه ~~تخصيص الغيث والعصر بالذكر في هذه الآية، والله أعلم. # قوله تعالى: "وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم" في الكلام ~~حذف وإضمار إيجازا، والتقدير - على ما يدل عليه السياق والاعتبار بطبيعة ~~الأحوال - وجاء الرسول وهو الساقي فنبأهم بما ذكره يوسف من تأويل الرؤيا ~~وقال الملك بعد ما سمعه: ائتوني به. PageV11P103 # وظاهر أن الذي أنبأهم به من جدب سبع سنين متوالية كان أمرا عظيما، والذي ~~أشار إليه من الرأي البين الصواب أعظم منه وأغرب عند ms4153 الملك المهتم بأمر ~~أمته المعتني بشئون مملكته، وقد أفزعه ما سمع وأدهشه، ولذلك أمر بإحضاره ~~ليكلمه ويتبصر بما يقوله مزيد تبصر، ويشهد بهذا ما حكاه الله تعالى من ~~تكليمه إياه بقوله: "فلما جاءه وكلمه" إلخ. # ولم يكن أمره بإتيانه به إشخاصا له بل إطلاقا من السجن وإشخاصا للتكليم ~~و، لو كان إشخاصا وإحضارا لمسجون يعود إلى السجن بعد التكليم لم يكن ليوسف ~~(عليه السلام) أن يستنكف عن الحضور بل أجبر عليه إجبارا بل كان إحضارا عن ~~عفو وإطلاق فوسعه أن يأتي الحضور ويسأله أن يقضي فيه بالحق، وكانت نتيجة ~~هذا الإباء والسؤال أن يقول الملك ثانيا: ائتوني به أستخلصه لنفسي بعد ما ~~قال أولا: ائتوني به. # وقد راعى (عليه السلام) أدبا بارعا في قوله للرسول: "ارجع إلى ربك فاسأله ~~ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن" فلم يذكر امرأة العزيز بما يسوؤه وليس ~~يريد إلا أن يقضي بينه وبينها، وإنما أشار إلى النسوة اللاتي راودنه، ولم ~~يذكرهن أيضا بسوء إلا بأمر يظهر بالتحقيق فيه براءته ولا براءته من مراودة ~~امرأة العزيز بل نزاهته من أي مراودة وفحشاء تنسب إليه فقد كان بلاؤه عظيما. # ولم يذكرهن بشيء من المكروه إلا ما في قوله: "إن ربي بكيدهن عليم" وليس ~~إلا نوعا من بث الشكوى لربه. # وما ألطف قوله في صدر الآية وذيلها حيث يقول للرسول: "ارجع إلى ربك ~~فاسأله" ثم يقول: "إن ربي بكيدهن عليم" وفيه نوع من تبليغ الحق، وليكن فيه ~~تنبه لمن يزعم أن مراده من "ربي" فيما قال لامرأة العزيز: "إنه ربي أحسن ~~مثواي" هو زوجها، وأنه يسميه ربا لنفسه. # وما ألطف قوله: "ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن" والبال هو الأمر الذي ~~يهتم به يقول: ما هو الأمر العظيم والشأن الخطير الذي أوقعهن فيما وقعن ~~فيه، وليس إلا هواهن فيه وولههن في حبه حتى أنساهن أنفسهن فقطعن الأيدي ~~مكان الفاكهة تقطيعا فليفكر الملك في نفسه أن الابتلاء بمثل هذه العاشقات ~~الوالهات عظيم جدا، والكف عن معاشقتهن والامتناع من إجابتهن ms4154 بما يردنه وهن ~~يفدينه بالأنفس والأموال أعظم، ولم يكن المراودة بالمرة والمرتين ولا ~~الإلحاح والإصرار يوما أو يومين ولن تتيسر المقاومة والاستقامة تجاه ذلك ~~إلا لمن صرف الله عنه السوء والفحشاء ببرهان من عنده. # قوله تعالى: "قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا ~~عليه من سوء" الآية، قال الراغب: الخطب الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ~~قال تعالى: "فما خطبك يا سامري" "فما خطبكم أيها المرسلون". # انتهى. # وقال أيضا: حصحص الحق أي وضح وذلك بانكشاف ما يظهره، وحص وحصحص نحو كف ~~وكفكف وكب وكبكب، وحصة قطع منه إما بالمباشرة وإما بالحكم - إلى أن قال - ~~والحصة القطعة من الجملة، ويستعمل استعمال النصيب. # انتهى. # وقوله: "قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟" جواب عن سؤال مقدر على ما ~~في الكلام من حذف وإضمار إيجازا - كل ذلك يدل عليه السياق - والتقدير: كان ~~سائلا يسأل فيقول: فما الذي كان بعد ذلك؟ وما فعل الملك؟ فقيل: رجع الرسول ~~إلى الملك وبلغه ما قاله يوسف وسأله من القضاء فأحضر النسوة وسألهن عما يهم ~~من شأنهن في مراودتهن ليوسف: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: "حاش ~~لله ما علمنا عليه من سوء" فنزهنه عن كل سوء، وشهدن أنهن لم يظهر لهن منه ~~ما يسوء فيما راودنه عن نفسه. # وذكرهن كلمة التنزيه: "حاش لله" نظير تنزيههن حينما رأينه لأول مرة: "حاش ~~لله ما هذا بشرا" يدل على بلوغه (عليه السلام) النهاية في النزاهة والعفة ~~فيما علمنه كما أنه كان بالغا في الحسن. # والكلام في فصل قوله: "قالت امرأة العزيز" نظير الكلام في قوله "قال ما ~~خطبكن" وقوله: "قلن حاش لله" فعند ذلك تكلمت امرأة العزيز وهي الأصل في هذه ~~الفتنة واعترفت بذنبها وصدقت يوسف (عليه السلام) فيما كان يدعيه من البراءة ~~قالت: الآن حصحص ووضح الحق وهو أنه: أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~فنسبت المراودة إلى نفسها وكذبت نفسها في اتهامه بالمراودة، ولم تقنع بذلك ~~بل برأته ms4155 تبرئة كاملة أنه لم يراود ولا أجابها في مراودتها بالطاعة. PageV11P104 # واتضحت بذلك براءته (عليه السلام) من كل وجه، وفي قول النسوة وقول امرأة ~~العزيز جهات من التأكيد بالغة في ذلك كنفي السوء عنه بالنكرة في سياق النفي ~~مع زيادة من: "ما علمنا عليه من سوء" مع كلمة التنزيه: "حاش لله" في قولهن، ~~واعترافها بالذنب في سياق الحصر: "أنا راودته عن نفسه" وشهادتها بصدقه ~~مؤكدة بأن واللام والجملة الاسمية: "وإنه لمن الصادقين" وغير ذلك في قولها. # وهذا ينفي عنه (عليه السلام) كل سوء أعم من الفحشاء والمراودة لها وأي ~~ميل ونزعة إليها وكذب وافتراء، بنزاهه من حسن اختياره. # قوله تعالى: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين" من كلام يوسف (عليه السلام) على ما يدل عليه السياق، وكأنه قاله ~~عن شهادة النسوة على براءة ساحته من كل سوء واعتراف امرأة العزيز بالذنب ~~وشهادتها بصدقه وقضاء الملك ببراءته. # وحكاية القول كثير النظير في القرآن كقوله: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله": البقرة: 285 أي قالوا لا نفرق "إلخ"، وقوله: "وإنا لنحن الصافون ~~وإنا لنحن المسبحون": الصافات: 166. # وعلى هذا فالإشارة بقوله: "ذلك" إلى إرجاع الرسول إلى الملك وسؤاله ~~القضاء، والضمير في "ليعلم" و"لم أخنه" عائد إلى العزيز والمعنى إنما أرجعت ~~الرسول إلى الملك وسألته أن يحقق الأمر ويقضي بالحق ليعلم العزيز أني لم ~~أخنه بالغيب بمراودة امرأته وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين. # يذكر (عليه السلام) لما فعله من الإرجاع والسؤال غايتين: أحدهما: أن يعلم ~~العزيز أنه لم يخنه وتطيب نفسه منه ويزول عنها وعن أمره أي شبهة وريبة. # والثاني: أن يعلم أن الخائن مطلقا لا ينال بخيانته غايته وأنه سيفتضح لا ~~محالة سنة الله التي قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا فإن الخيانة ~~من الباطل، والباطل لا يدوم وسيظهر الحق عليه ظهورا، ولو اهتدى الخائن إلى ~~بغيته لم تفتضح ms4156 النسوة اللاتي قطعن أيديهن وأخذن بالمراودة ولا امرأة ~~العزيز فيما فعلت وأصرت عليه فالله لا يهدي كيد الخائنين. # وكان الغرض من الغاية الثانية: "وأن الله لا يهدي كيد الخائنين" وتذكيره ~~وتعليمه للملك، الحصول على لازم فائدة الخبر وهو أن يعلم الملك أنه (عليه ~~السلام) عالم بذلك مذعن بحقيقته فإذا كان لم يخنه في عرضه بالغيب ولا يخون ~~في شيء البتة كان جديرا بأن يؤتمن على كل شيء نفسا كان أو عرضا أو مالا. # وبهذا الامتياز البين يتهيأ ليوسف ما كان بباله أن يسأل الملك إياه وهو ~~قوله بعد أن أشخص عند الملك: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم". # والآية ظاهرة في أن هذا الملك هو غير عزيز مصر زوج المرأة الذي أشير إليه ~~بقوله: "وألفيا سيدها لدى الباب" وقوله: "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ~~أكرمي مثواه". # وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية والتي بعدها تتمة قول امرأة العزيز: ~~"الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين" وسيأتي الكلام عليه. # قوله تعالى: "وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ~~ربي غفور رحيم" تتمة كلام يوسف (عليه السلام) وذلك أن قوله: "أني لم أخنه ~~بالغيب" كان لا يخلو من شائبة دعوى الحول والقوة وهو (عليه السلام) من ~~المخلصين المتوغلين في التوحيد الذين لا يرون لغيره تعالى حولا ولا قوة ~~فبادر (عليه السلام) إلى نفي الحول والقوة عن نفسه ونسبة ما ظهر منه من عمل ~~صالح أو صفة جميلة إلى رحمة ربه، وتسوية نفسه بسائر النفوس التي هي بحسب ~~الطبع مائلة إلى الأهواء أمارة بالسوء فقال: "وما أبرىء نفسي إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" فقوله هذا كقول شعيب (عليه السلام): "إن ~~أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله": هود: 88. PageV11P105 # فقوله: "وما أبرىء نفسي" إشارة إلى قوله: "أني لم أخنه بالغيب" وأنه لم يقل ~~هذا القول بداعي تنزيه نفسه وتزكيتها بل بداعي حكاية رحمة من ربه، وعلل ذلك ~~بقوله ms4157 "إن النفس لأمارة بالسوء" أي إن النفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من ~~السيئات على كثرتها ووفورها فمن الجهل أن تبرأ من الميل إلى السوء، وإنما ~~تكف عن أمرها بالسوء ودعوتها إلى الشر برحمة من الله سبحانه تصرفها عن ~~السوء وتوفقها لصالح العمل. # ومن هنا يظهر أن قوله: "إلا ما رحم ربي" يفيد فائدتين؟. # إحداهما: تقييد إطلاق قوله: "إن النفس لأمارة بالسوء" فيفيد أن اقتراف ~~الحسنات الذي هو برحمة من الله سبحانه من أمر النفس وليس يقع عن إلجاء ~~وإجبار من جانبه تعالى. # وثانيتهما: الإشارة إلى أن تجنبه الخيانة كان برحمة من ربه. # وقد علل الحكم بقوله: "إن ربي غفور رحيم" فأضاف مغفرته تعالى إلى رحمته ~~لأن المغفرة تستر النقيصة اللازمة للطبع والرحمة يظهر بها الأمر الجميل، ~~ومغفرته تعالى كما تمحو الذنوب وآثارها كذلك تستر النقائض وتبعاتها وتتعلق ~~بسائر النقائص كما تتعلق بالذنوب، قال تعالى. # "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم": الأنعام: 145 وقد تقدم ~~الكلام فيها في آخر الجزء السادس من الكتاب. # ومن لطائف ما في كلامه من الإشارة تعبيره (عليه السلام) عن الله عز اسمه ~~بلفظ "ربي" فقد كرره ثلاثا حيث قال: "إن ربي بكيدهن عليم" "إلا ما رحم ربي" ~~"إن ربي غفور رحيم" لأن هذه الجمل تتضمن نوع إنعام من ربه بالنسبة إليه ~~فأثنى على الرب تعالى بإضافته إلى نفسه لتبليغ مذهبه وهو التوحيد باتخاذ ~~الله سبحانه ربا لنفسه معبودا خلافا للوثنيين، وأما قوله: "وأن الله لا ~~يهدي كيد الخائنين" فهو خال عن هذه النسبة ولذلك عبر بلفظ الجلالة. # وقد ذكر جمع من المفسرين أن الآيتين أعني قوله: "ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب" "إلخ" من تمام كلام امرأة العزيز، والمعنى على هذا أن امرأة العزيز ~~لما اعترفت بذنبها وشهدت بصدقه قالت: "ذلك" أي اعترافي بأني راودته عن نفسه ~~وشهادتي بأنه من الصادقين "ليعلم" إذا بلغه عني هذا الكلام "أني لم أخنه ~~بالغيب" بل اعترفت بأن المراودة كانت من قبلي أنا وأنه كان صادقا ms4158 "وأن الله ~~لا يهدي كيد الخائنين" كما أنه لم يهد كيدي أنا إذ كدته بأنواع المراودة ~~وبالسجن بضع سنين حتى أظهر صدقه في قوله وطهارة ذيله وبراءة نفسه وفضحني ~~أمام الملك والملأ ولم يهد كيد سائر النسوة في مراودتهن "وما أبرىء نفسي" ~~من السوء مطلقا فإني كدت له بالسجن ليلجأ به إلى أن يفعل ما آمره "إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم". # وهذا وجه رديء جدا أما أولا: فلأن قوله: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" ~~لو كان من كلام امرأة العزيز لكان من حق الكلام أن يقال: وليعلم أني أخنه ~~بالغيب - بصيغة الأمر - فإن قوله "ذلك" على هذا الوجه إشارة إلى اعترافها ~~بالذنب وشهادتها بصدقه فقوله: "لم أخنه بالغيب" إن كان عنوانا لاعترافها ~~وشهادتها مشارا به إلى ذلك خلى الكلام عن الفائدة فإن محصل معناه حينئذ: ~~إنما اعترفت وشهدت ليعلم أني اعترفت وشهدت له بالغيب. # مضافا إلى أن ذلك يبطل معنى الاعتراف والشهادة لدلالته على أنها إنما ~~اعترفت وشهدت ليسمع يوسف ذلك ويعلم به، لا لإظهار الحق وبيان حقيقة الأمر. # وإن كان عنوانا لأعمالها طول غيبة إذ لبث بضع سنين في السجن أي إنما ~~اعترفت وشهدت له ليعلم أني لم أخنه طول غيبته، فقد خانته إذ كادت به فسجن ~~ولبث في السجن بضع سنين مضافا إلى أن اعترافها وشهادتها لا يدل على عدم ~~خيانتها له بوجه من الوجوه وهو ظاهر. # وأما ثانيا: فلانه لا معنى حينئذ لتعليمها يوسف إن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين، وقد ذكرها يوسف به أول حين إذ راودته عن نفسه فقال: "إنه لا يفلح ~~الظالمون". # وأما ثالثا: فلأن قولها: "وما أبرىء نفسي فقد خنته بالكيد له بالسجن" ~~يناقض قولها: "لم أخنه بالغيب" كما لا يخفى مضافا إلى أن قوله: "إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم" على ما فيه من المعارف ~~الجليلة التوحيدية ليس بالحري أن يصدر من امرأة أحاطت بها الأهواء وهي تعبد ms4159 ~~الأصنام. PageV11P106 # وذكر بعضهم وجها آخر في معنى الآيتين بإرجاع ضمير "ليعلم" و"لم أخنه" إلى ~~العزيز وهو زوجها فهي كأنها تقول: ذاك الذي حصل أقررت به ليعلم زوجي أني لم ~~أخنه بالفعل فيما كان من خلواتي بيوسف في غيبته عنا، وأن كل ما وقع أني ~~راودته عن نفسه فاستعصم وامتنع فبقي عرض زوجي مصونا وشرفه محفوظا، ولئن ~~برئت يوسف من الإثم فما أبرىء منه نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. # وفيه: أن الكلام لو كان من كلامها وهي تريد أن تطيب به نفس زوجها وتزيل ~~أي ريبة عن قلبه أنتج خلاف المطلوب فإن قولها. # "الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين" إنما يفيد العلم ~~بأنها راودته عن نفسه، وأما شهادتها أنه امتنع ولم يطعها فيما أمرته به فهي ~~شهادة لنفسها لا عليها، وكان من الممكن أنها إنما شهدت له لتطيب نفس زوجها ~~وتزيل ما عنده من الشك والريب فاعترافها وشهادتها لا توجب في نفسها علم ~~العزيز أنها لم تخنه بالغيب. # مضافا إلى أن قوله: "وما أبرىء نفسي" إلخ يكون حينئذ تكرارا لمعنى قولها: ~~"أنا راودته عن نفسه" وظاهر السياق خلافه. # على أن بعض الاعتراضات الواردة على الوجه السابق وارد عليه. # قوله تعالى: "وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين" يقال: استخلصه أي جعله خالصا، والمكين صاحب المكانة ~~والمنزلة، وفي قوله: "فلما كلمه" حذف للإيجاز والتقدير: فلما أتي به إليه ~~وكلمه قال إنك اليوم "إلخ" وفي تقييد الحكم باليوم إشارة إلى التعليل، ~~والمعنى أنك اليوم وقد ظهر من مكارم أخلاقك في التجنب عن السوء والفحشاء ~~والخيانة والظلم، والصبر على كل مكروه وصغار في سبيل طهارة نفسك، واختصاصك ~~بتأييد من ربك غيبي وعلم بالأحاديث والرأي والحزم والحكمة والعقل لدينا ذو ~~مكانة وأمانة، وقد أطلق قوله: "مكين أمين" فأفاد بذلك عموم الحكم. # والمعنى: وقال الملك ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي وخاصة لي فلما أتي ~~به إليه وكلمه قال له إنك اليوم ms4160 وقد ظهر من كمالك ما ظهر لدينا ذو مكانة ~~مطلقة وأمانة مطلقة يمكنك من كل ما تريد ويأتمنك على جميع شئون الملك وفي ~~ذلك حكم صدارته. # قوله تعالى: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" لما عهد الملك ~~ليوسف أنك اليوم لدينا مكين أمين وأطلق القول سأله يوسف (عليه السلام) أن ~~ينصبه على خزائن الأرض ويفوض إليه أمرها، والمراد بالأرض أرض مصر. # ولم يسأله ما سأل إلا ليتقلد بنفسه إدارة أمر الميرة وأرزاق الناس ~~فيجمعها ويدخرها للسنين السبع الشداد التي سيستقبل الناس وتنزل عليهم جدبها ~~ومجاعتها ويقوم بنفسه لقسمة الأرزاق بين الناس وإعطاء كل منهم ما يستحقه من ~~الميرة من غيره حيف. # وقد علل سؤاله ذلك بقوله: "إني حفيظ عليم" فإن هاتين الصفتين هما اللازم ~~وجودهما فيمن يتصدى مقاما هو سائله ولا غنى عنهما له، وقد أجيب إلى ما سأل ~~واشتغل بما كان يريده كل ذلك معلوم من سياق الآيات وما يتلوها. # قوله تعالى: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين" التمكين هو الإقدار والتبوء أخذ ~~المكان. # والإشارة بقوله: "كذلك" إلى ما ساقه من القصة بما انتهى إلى نيله (عليه ~~السلام) عزة مصر، وهو حديث السجن وقد كانت امرأة العزيز هددته بالصغار ~~بالسجن فجعله الله سببا للعزة، وعلى هذا النمط كان يجري أمره (عليه السلام) ~~أكرمه أبوه فحسده إخوته فكادوا به بإلقائه في غيابة الجب وبيعه من السيارة ~~ليذلوه فأكرم الله مثواه في بيت العزيز، وكادت به امرأة العزيز ونسوة مصر ~~ليوردنه مورد الفجور فأبان الله عصمته ثم كادت به بالسجن لصغاره فتسبب الله ~~بذلك لعزته. # وللإشارة إلى أمر السجن وحبسه وسلبه حرية الاختلاط والعشرة، قال تعالى: ~~"وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء" أي رفعنا عنه حرج السجن ~~الذي سلب منه إطلاق الإرادة فصار مطلق المشية له أن يتبوأ في أي بقعة يشاء ~~فهذا الكلام بوجه يحاذي قوله تعالى السابق فيه حين دخل بيت العزيز ووصاه ms4161 ~~امرأته: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب ~~على أمره". PageV11P107 # وبهذه المقايسة يظهر أن قوله هاهنا: "نصيب برحمتنا من نشاء" في معنى قوله ~~هناك: "والله غالب على أمره" وإن المراد أن الله سبحانه إذا شاء أن يصيب ~~برحمته أحدا لم يغلب في مشيته ولا يسع لأي مانع مفروض أن يمنع من إصابته. # ولو وسع لسبب أن يبطل مشية الله في أحد لوسع في يوسف الذي تعاضدت الأسباب ~~القاطعة وتظاهرت لخفضه فرفعه الله ولإذلاله فأعزه الله، إن الحكم إلا لله. # وقوله: "ولا نضيع أجر المحسنين" إشارة إلى أن هذا التمكين أجر أوتيه يوسف ~~(عليه السلام)، ووعد جميل للمحسنين جميعا أن الله لا يضيع أجرهم. # قوله تعالى: "ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون" أي لأولياء ~~الله من عباده فهو وعد جميل أخروي لأوليائه تعالى خاصة وكان يوسف (عليه ~~السلام) منهم. # والدليل على أنه لا يعم عامة المؤمنين الجملة الحالية: "وكانوا يتقون" ~~الدالة على أن هذا الإيمان وهو حقيقة الإيمان لا محالة كان منهم مسبوقا ~~بتقوى مستمر حقيقي وهذا التقوى لا يتحقق من غير إيمان فهو إيمان بعد إيمان ~~وتقوى وهو المساوق لولاية الله سبحانه قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة": يونس: 64. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: ثم إن الملك رأى رؤيا فقال لوزرائه إني رأيت في نومي ~~سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف أي مهازيل ورأيت سبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات وقال أبو عبد الله (عليه السلام): سبع سنابل ثم قال: يا أيها الملأ ~~أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون فلم يعرفوا تأويل ذلك. فذكر الذي ~~كان على رأس الملك رؤياه التي رآها، وذكر يوسف بعد سبع سنين، وهو قوله: ~~"وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين "أنا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون" فجاء إلى يوسف فقال: "، أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان - ~~يأكلهن سبع عجاف ms4162 - وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات". قال يوسف: تزرعون سبع ~~سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون أي لا تدوسوه ~~فإنه يفسد في طول سبع سنين وإذا كان في سنبله لا يفسد ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن في السبع سنين الماضية قال الصادق (عليه ~~السلام): إنما نزل ما قربتم لهن ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ~~وفيه يعصرون أي يمطرون. وقال أبو عبد الله (عليه السلام). قرأ رجل على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه ~~يعصرون" على البناء للفاعل فقال ويحك أي شيء يعصرون يعصرون الخمر؟ قال ~~الرجل: يا أمير المؤمنين كيف أقرؤها؟ فقال: إنما نزلت: وفيه يعصرون أي ~~يمطرون بعد سني المجاعة، والدليل على ذلك قوله: "وأنزلنا من المعصرات ماء ~~ثجاجا". فرجع الرجل إلى الملك فأخبره بما قال يوسف فقال الملك ائتوني به ~~فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى ربك يعني إلى الملك فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم. فجمع الملك النسوة فقال: ما خطبكن ~~إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة ~~العزيز: "الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه - وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لا أكذب عليه الآن ~~كما كذبت عليه من قبل ثم قالت: وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء - ~~إلا ما رحم ربي. فقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما نظر إلى يوسف ~~قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين فاسأل حاجتك قال: اجعلني على خزائن الأرض - ~~إني حفيظ عليم يعني الكناديج والأنابير فجعله عليها، وهو قوله: "وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض - يتبوأ منها حيث يشاء". # أقول: قوله: وقرأ الصادق (عليه السلام): "سبع سنابل" في رواية العياشي عن ~~ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام) أنه قرأ: "سبع سنبلات" وقوله (عليه ~~السلام): إنما ms4163 نزل ما قربتم لهن أي إن التقديم بحسب التنزيل بمعنى التقريب، ~~وقوله (عليه السلام): إنما نزلت: وفيه يعصرون أي يمطرون، أي بالبناء ~~للمفعول ومنه يعلم أنه (عليه السلام) يأخذ قوله: يغاث من الغيث دون الغوث ~~وروى هذا المعنى أيضا العياشي في تفسيره عن علي بن معمر عن أبيه عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام). PageV11P108 # وقوله: "أي لا أكذب عليه الآن كما كذبت عليه من قبل" ظاهر في أخذ قوله: ~~"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" إلى آخر الآيتين من كلام امرأة العزيز وقد ~~عرفت الكلام عليه في البيان المتقدم. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني ~~وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه والله يغفر له حيث أرسل إليه ليستفتي في ~~الرؤيا وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه والله يغفر له ~~أتي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره ولو كنت أنا لبادرت الباب ولكنه أحب ~~أن يكون له العذر. # أقول: وقد روي هذا المعنى بطرق أخرى ومن طرق أهل البيت (عليهم السلام) ما ~~في تفسير العياشي عن أبان عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ~~إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل ~~إليه الملك يسأله عنه رؤياه ما حدثته حتى أشترط عليه أن يخرجني من السجن ~~وعجبت لصبره عن شأن امرأة الملك حتى أظهر الله عذره. # أقول: وهذا النبوي لا يخلو من شيء فإن فيه أحد المحذورين إما الطعن في ~~حسن تدبير يوسف (عليه السلام) وتوصله إلى الخروج من السجن وقد أحسن التدبير ~~في ذلك فلم يكن يريد مجرد الخروج منه ولا هم لامرأة العزيز ونسوة مصر إلا ~~في مراودته عن نفسه وإلجائه إلى موافقة هواهن وهو القائل: رب السجن أحب إلي ~~مما يدعونني إليه، وإنما كان يريد الخروج في جو يظهر فيه براءته وتيأس منه ~~امرأة ms4164 العزيز والنسوة، ويوضع في موضع يليق به من المكانة والمنزلة. # ولذا أنبأ وهو في السجن أولا: بما هو وظيفة الملك الواجبة إثر رؤياه من ~~جمع الأرزاق العامة وادخارها فتوصل به إلى قول الملك "ائتوني به" ثم لما ~~أمر بإخراجه أبى إلا أن يحكم بينه وبين النسوة حكما بالقسط فتوصل به إلى ~~قوله: "ائتوني به أستخلصه لنفسي" وهذا أحسن تدبير يتصور لما كان يبتغيه من ~~العزة في مصر وبسط العدل والإحسان في الأرض. # مضافا إلى ما ظهر للملك وملئه في خلال هذه الأحوال من عظيم صبره وعزمه في ~~الأمور وتحمله الأذى في جنب الحق وعلمه الغزير وحكمه القويم. # وإما الطعن في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاشاه أن يقول: إنه لو ~~كان مكان يوسف طاش ولم يصبر مع الاعتراف بأن الحق كان معه في صبره، وهو ~~اعتراف بأن من شأنه أن لا يصبر فيما يجب الصبر فيه، وحاشاه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يأمر الناس بشيء وينسى نفسه، وقد صبر وتحمل الأذى في جنب ~~الله قبل الهجرة وبعدها من الناس حتى أثنى الله عليه بمثل قوله: "وإنك لعلى ~~خلق عظيم". # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج الحاكم في تاريخه وابن مردويه والديلمي عن ~~أنس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية: "ذلك ~~ليعلم - أني لم أخنه بالغيب" قال: لما قالها يوسف قال له جبريل: يا يوسف ~~اذكر همك. قال: وما أبرىء نفسي. # أقول: وهذا المعنى مروي في عدة روايات بألفاظ متقاربة ففي رواية ابن ~~عباس: لما قالها يوسف "فغمزه جبريل فقال: ولا حين هممت بها؟" وفي رواية عن ~~حكيم بن جابر: "فقال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟" ونحو من ذلك في ~~روايات أخر عن مجاهد وقتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد والسدي والحسن وابن ~~جريح وأبي صالح وغيرهم. # وقد تقدم في البيان السابق أن هذه وأمثالها من موضوعات الأخبار مخالفة ~~لنص الكتاب، وحاشا مقام يوسف الصديق (عليه السلام) أن يكذب بقوله: "لم أخنه ~~بالغيب ثم ms4165 يصلح ما أفسده بغمز من جبريل. # قال في الكشاف،: ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة فزعموا أن يوسف حين ~~قال: إني لم أخنه بالغيب قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ وقالت له امرأة ~~العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف؟ وذلك لتهالكهم على بهت الله ~~ورسوله. # انتهى. # وفي تفسير العياشي، عن سماعة قال: سألته عن قول الله: "ارجع إلى ربك" ~~الآية يعني العزيز. PageV11P109 # أقول: وفي تفسير البرهان، عن الطبرسي في كتاب النبوة بالإسناد عن أحمد بن ~~محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن إلياس قال: سمعت الرضا (عليه السلام) ~~يقول: وأقبل يوسف على جمع الطعام في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن ~~فلما مضت تلك السنون وأقبلت السنون المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام ~~فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها ~~دينار ولا درهم إلا صار في ملك يوسف. وباعهم في السنة الثانية بالحلي ~~والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جواهر إلا صار في ملكه، وباعهم ~~في السنة الثالثة بالدواب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها دابة ولا ~~ماشية إلا صار في ملكه، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم ~~يبق. بمصر وما حولها عبد ولا أمة إلا صار في ملكه وباعهم في السنة الخامسة ~~بالدور والفناء حتى لم يبق في مصر وما حولها دار ولا فناء إلا صار في ملكه، ~~وباعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر ~~ولا مزرعة إلا صار في ملكه، وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق ~~بمصر وما حولها عبد ولا حر إلا صار عبدا ليوسف. فملك أحرارهم وعبيدهم ~~وأموالهم وقال الناس: ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه من الملك ما أعطى هذا ~~الملك حكما وعلما وتدبيرا، ثم قال يوسف للملك: ما ترى فيما خولني ربي من ~~ملك مصر وما حولها؟ أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم، ولم أنجهم من ~~البلاء ليكون بلاء عليهم ولكن ms4166 الله أنجاهم بيدي قال الملك: الرأي رأيك. قال ~~يوسف: إني أشهد الله وأشهدك أيها الملك إني قد أعتقت أهل مصر كلهم، ورددت ~~عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك الملك وخاتمك وسريرك وتاجك على أن لا ~~تسير إلا بسيرتي ولا تحكم إلا بحكمي. قال له الملك: إن ذلك توبتي وفخري أن ~~لا أسير إلا بسيرتك ولا أحكم إلا بحكمك ولولاك ما توليت عليك ولا اهتديت له ~~وقد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له وأنك رسوله فأقم على ما وليتك فإنك لدينا مكين أمين. # أقول: والروايات في هذا المقام كثيرة أغلبها غير مرتبطة بغرض تفسير ~~الآيات ولذلك تركنا نقلها. # وفي تفسير العياشي، قال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): ما يجوز أن يزكي الرجل نفسه؟ قال نعم إذا اضطر إليه أما سمعت قول ~~يوسف: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" وقول العبد الصالح: إني لكم ~~ناصح أمين. # أقول: الظاهر أن المراد بالعبد الصالح هو هود إذ يقول لقومه: "وأبلغكم ~~رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين": الأعراف: 68. # وفي العيون، بإسناده عن العياشي قال حدثنا محمد بن نصر عن الحسن بن موسى ~~قال: روى أصحابنا عن الرضا (عليه السلام) أنه قال له رجل: أصلحك الله كيف ~~صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ فكأنه أنكر ذلك عليه. فقال له أبو الحسن ~~الرضا (عليه السلام): أيما أفضل النبي أو الوصي: فقال: لا بل النبي. قال: ~~فأيما أفضل مسلم أو مشرك؟ قال: لا بل مسلم. قال: فإن عزيز مصر كان مشركا ~~وكان يوسف نبيا، وإن المأمون مسلم وأنا وصي ويوسف سأل العزيز أن يوليه حتى ~~قال: استعملني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، والمأمون أجبرني على ما أنا ~~فيه. قال: وقال في قوله: "حفيظ عليم" قال: حافظ على ما في يدي عالم بكل ~~لسان: أقول: وقوله: استعملني على خزائن الأرض نقل الآية بالمعنى، ورواه ~~العياشي في تفسيره، وروي آخر الحديث في المعاني، أيضا ms4167 عن فضل بن أبي قرة عن ~~الصادق (عليه السلام). PageV11P110 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 58 - 62 # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم ~~بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير ~~المنزلين (59) فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون (60) قالوا ~~سنرود عنه أباه وإنا لفعلون (61) وقال لفتينه اجعلوا بضعتهم فى رحالهم ~~لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) ### |||| AUTO بيان # فصل آخر مختار من قصة يوسف (عليه السلام) يذكر الله تعالى فيه مجيء إخوته ~~إليه في خلال سني الجدب لاشتراء الطعام لبيت يعقوب، وكان ذلك مقدمة لضم ~~يوسف (عليه السلام) أخاه من أمه - وهو المحسود المذكور في قوله تعالى حكاية ~~عن الإخوة ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة - إليه ثم تعريفهم نفسه ~~ونقل بيت يعقوب (عليه السلام) من البدو إلى مصر. # وإنما لم يعرفهم نفسه ابتداء لأنه أراد أن يلحق أخاه من أمه إلى نفسه ~~ويرى إخوته من أبيه عند تعريفهم نفسه صنع الله بهما ومن الله عليهما أثر ~~تقواهما وصبرهما على ما آذوهما عن الحسد والبغي ثم يشخصهم جميعا، والآيات ~~الخمس تتضمن قصة دخولهم مصر واقتراحه أن يأتوا بأخيهم من أبيهم إليه إن ~~عادوا إلى اشتراء الطعام والميرة وتقبلهم ذلك. # قوله تعالى: "وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون" في ~~الكلام حذف كثير وإنما ترك الاقتصاص له لعدم تعلق غرض هام به، وإنما الغرض ~~بيان لحوق أخي يوسف من أمه به وإشراكه معه في النعمة والمن الإلهي ثم ~~معرفتهم بيوسف ولحوق بيت يعقوب به فهو شطر مختار من قصته وما جرى عليه بعد ~~عزة مصر. # والذي جاء إليه من إخوته هم العصبة ما خلا أخيه من أمه فإن يعقوب (عليه ~~السلام) كان يأنس به ولا يخلي بينه وبينهم بعد ما كان، من أمر يوسف ما كان ~~والدليل على ذلك كله ما سيأتي من الآيات. # وكان بين دخولهم هذا على أخيهم يوسف وبين ms4168 انتصابه على خزائن الأرض وتقلده ~~عزة مصر بعد الخروج من السجن أكثر من سبع سنين فإنهم إنما جاءوا إليه في ~~بعض السنين المجدبة وقد خلت السبع السنون المخصبة، ولم يروه منذ سلموه إلى ~~السيارة يوم أخرج من الجب وهو صبي وقد مر عليه سنون في بيت العزيز ولبث بضع ~~سنين في السجن وتولى أمر الخزائن منذ أكثر من سبع سنين، وهو اليوم في زي ~~عزيز مصر لا يظن به أنه رجل عبري من غير القبط، وهذا كله صرفهم عن أن يظنوا ~~به أنه أخوهم ويعرفوه لكنه عرفهم بكياسته أو بفراسة النبوة كما قال تعالى: ~~"وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون". # قوله تعالى: "ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون ~~إني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين" قال الراغب في المفردات،: الجهاز ما يعد ~~من متاع وغيره، والتجهيز حمل ذلك أو بعثه. # انتهى. # فالمعنى ولما حملهم ما أعد لهم من الجهاز والطعام الذي باعه منهم أمرهم ~~بأن يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم وقال ائتوني "إلخ". # وقوله: "ألا ترون إني أوفي الكيل - أي لا أبخس فيه ولا أظلمكم بالاتكاء ~~على قدرتي وعزتي - وأنا خير المنزلين" أكرم النازلين بي وأحسن مثواهم، وهذا ~~تحريض لهم أن يعودوا إليه ثانيا ويأتوا إليه بأخيهم من أبيهم كما أن قوله ~~في الآية التالية: "فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون" تهديد ~~لهم لئلا يعصوا أمره، وكما أن قولهم في الآية الآتية: "سنراود عنه أباه ~~وإنا لفاعلون" تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب لنفس يوسف (عليه السلام). # ثم من المعلوم أن قوله (عليه السلام) أوان خروجهم: "ائتوني بأخ لكم من ~~أبيكم" مع ما فيه من التأكيد والتحريض والتهديد ليس من شأنه أن يورد كلاما ~~ابتدائيا من غير مقدمة وتوطئة تعمي عليهم وتصرفهم أن يتفطنوا أنه يوسف أو ~~يتوهموا فيه ما يريبهم في أمره. # وهو ظاهر. # وقد أورد المفسرون في القصة من مفاوضته لهم وتكليمه إياهم أمورا كثيرة لا ms4169 ~~دليل على شيء منها من كلامه تعالى في سياق القصة ولا أثر يطمأن إليه في ~~أمثال المقام. PageV11P111 # وكلامه تعالى خال عن التعرض لذلك، وإنما الذي يستفاد منه أنه سألهم عن ~~خطبهم فأخبروه وهم عشرة أنهم إخوة وأن لهم أخا آخر بقي عند أبيهم لا يفارقه ~~أبوه ولا يرضى أن يفارقه لسفر أو غيره فأحب العزيز أن يأتوا به إليه فيراه. # قوله تعالى: "فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون" الكيل بمعنى ~~المكيل وهو الطعام، ولا تقربون أي لا تقربوني بدخول أرضي والحضور عندي ~~للامتيار واشتراء الطعام. # ومعنى الآية ظاهر، وهو تهديد منه لهم لو خالفوا عن أمره كما تقدم. # قوله تعالى: "قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون" المراودة كما تقدم هي ~~الرجوع في أمر مرة بعد مرة بالإلحاح أو الاستخدام، ففي قولهم ليوسف (عليه ~~السلام) "سنراود عنه أباه" دليل على أنهم قصوا عليه قصته أن أباهم يضن به ~~ولا يرضى بمفارقته له ويأبى أن يبتعد منه لسفر أو أي غيبة، وفي قولهم: ~~"أباه" ولم يقولوا: أبانا تأييد لذلك. # وقولهم: "وإنا لفاعلون" أي فاعلون للإتيان به أو للمراودة لحمله معهم ~~والإتيان به إليه، ومعنى الآية ظاهر، وفيه تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب ~~لنفس يوسف (عليه السلام) كما تقدم. # قوله تعالى: "وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون" الفتيان جمع الفتى وهو الغلام، وقال ~~الراغب: البضاعة قطعة وافرة من المال يقتنى للتجارة يقال: أبضع بضاعة ~~وابتضعها، قال تعالى: "هذه بضاعتنا ردت إلينا" وقال تعالى: "ببضاعة مزجاة" ~~والأصل في هذه الكلمة البضع - بفتح الباء - وهو جملة من اللحم يبضع أي يقطع ~~- قال - وفلان بضعة مني أي جار مجرى بعض جسدي لقربه مني - قال - والبضع ~~بالكسر المنقطع من العشرة، ويقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة وقيل: بل ~~هو فوق الخمس ودون العشرة. # انتهى، والرحال جمع رحل وهو الوعاء والأثاث، والانقلاب الرجوع. # ومعنى الآية: وقال يوسف (عليه السلام) لغلمانه: اجعلوا مالهم وبضاعتهم ~~التي ms4170 قدموها ثمنا لما اشتروه من الطعام في أوعيتهم لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا ورجعوا إلى أهلهم - وفتحوا الأوعية - لعلهم يرجعون إلينا ويأتوا ~~بأخيهم فإن ذلك يقع في قلوبهم ويطمعهم إلى الرجوع والتمتع من الإكرام ~~والإحسان. PageV11P112 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 63 - 82 # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل ~~وإنا له لحفظون (63) قال هل ءامنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ~~فالله خير حفظا وهو أرحم الرحمين (64) ولما فتحوا متعهم وجدوا بضعتهم ردت ~~إليهم قالوا يأبانا ما نبغى هذه بضعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ~~ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من ~~الله لتأتننى به إلا أن يحاط بكم فلما ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول ~~وكيل (66) وقال يبنى لا تدخلوا من باب وحد وادخلوا من أبوب متفرقة وما أغنى ~~عنكم من الله من شىء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ~~(67) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شىء إلا ~~حاجة فى نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمنه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(68) ولما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ثم أذن مؤذن ~~أيتها العير إنكم لسرقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون (71) قالوا ~~نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد ~~علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سرقين (73) قالوا فما جزؤه إن كنتم ~~كذبين (74) قالوا جزؤه من وجد فى رحله فهو جزؤه كذلك نجزى الظلمين (75) ~~فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما ~~كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجت من نشاء وفوق كل ~~ذى علم عليم (76) قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها ms4171 يوسف فى نفسه ~~ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يأيها ~~العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) ~~قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده إنا إذا لظلمون (79) فلما ~~استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو ~~يحكم الله لى وهو خير الحكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك ~~سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حفظين (81) وسئل القرية التى ~~كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها وإنا لصدقون (82) ### |||| AUTO بيان # الآيات تقتص رجوع إخوة يوسف (عليه السلام) من عنده إلى أبيهم وإرضاءهم ~~أباهم أن يرسل معهم أخا يوسف من أمه للاكتيال ثم مجيئهم ثانيا إلى يوسف ~~وأخذ يوسف أخاه إليه عن حيلة احتالها لذلك. # قوله تعالى: "فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل ~~معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون" الاكتيال أخذ الطعام كيلا إن كان مما ~~يكال، قال الراغب: الكيل كيل الطعام يقال: كلت له الطعام إذا توليت له ذلك، ~~وكلته الطعام إذا أعطيته كيلا، واكتلت عليه إذا أخذت منه كيلا، قال تعالى: ~~"ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس - يستوفون - وإذا كالوهم". PageV11P113 # وقوله: "قالوا يا أبانا منع منا الكيل" أي لو لم نذهب بأخينا ولم يذهب معنا ~~إلى مصر، بدليل قوله: "فأرسل معنا أخانا" فهو إجمال ما جرى بينهم وبين عزيز ~~مصر من أمره بمنعهم من الكيل أن لم يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم، يقصونه ~~لأبيهم ويسألونه أن يرسله معهم ليكتالوا ولا يحرموا. # وقولهم: "أخانا" إظهار رأفة وإشفاق لتطييب نفس أبيهم من أنفسهم كقولهم: ~~"وإنا له لحافظون" بما فيه من التأكيد البالغ. # قوله تعالى: "قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله ~~خير حافظا وهو أرحم الراحمين" قال في المجمع،: الأمن ms4172 اطمئنان القلب إلى ~~سلامة الأمر يقال: أمنه يأمنه أمنا انتهى فقوله: "هل آمنكم عليه" إلخ، أي ~~هل اطمأن إليكم في ابني هذا إلا مثل ما اطمأننت إليكم في أخيه يوسف من قبل ~~هذا فكان ما كان. # ومحصله أنكم تتوقعون مني أن أثق فيه بكم وتطمئن نفسي إليكم كما وثقت بكم ~~واطمأننت إليكم في أخيه من قبل وتعدونني بقولكم: "وإنا له لحافظون" أن ~~تحفظوه كما وعدتم في يوسف بقولكم: "وإنا له لحافظون" وقد أمنتكم بمثل هذا ~~الأمن على يوسف فلم تغنوا عني شيئا وجئتم بقميصه الملطخ بالدم أن الذئب ~~أكله وأمني لكم على هذا الأخ مثل أمني على أخيه من قبل أمن لمن لا يغني ~~أمنه والاطمئنان إليه شيئا ولا بيده حفظ ما سلم إليه واؤتمن له. # وقوله: "فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين" تفريع على سابق كلامه: "هل ~~آمنكم عليه" إلخ، وتفيد الاستنتاج أي إذا كان الاطمئنان إليكم في أمره لغا ~~لا أثر له ولا يغني شيئا فخير الاطمئنان والاتكال ما كان اطمئنانا إلى الله ~~سبحانه من حيث حفظه، وإذا تردد الأمر بين التوكل عليه والتفويض إليه وبين ~~الاطمئنان إلى غيره كان الوثوق به تعالى هو المختار المتعين. # وقوله: "وهو أرحم الراحمين" في موضع التعليل لقوله: "فالله خير حافظا" أي ~~إن غيره تعالى ربما أمن في أمر واؤتمن عليه في أمانة سلم له فلم يرحم ~~المؤتمن وضيع الأمانة لكنه سبحانه أرحم الراحمين لا يترك الرحمة في محل ~~الرحمة ويترحم العاجز الضعيف الذي فوض إليه أمرا وتوكل عليه، ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه. # ومن هنا يظهر أن مراده (عليه السلام) ليس بيان لزوم اختياره تعالى في ~~الاعتماد عليه من جهة أنه سبب مستقل في سببيته غير مغلوب البتة بخلاف سائر ~~الأسباب وإن كان الأمر كذلك قال تعالى: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن ~~الله بالغ أمره": الطلاق: 3 كيف والاطمئنان إلى غيره تعالى بهذا المعنى من ~~الشرك الذي يتنزه عنه ساحة الأنبياء، وقد نص تعالى على أن يعقوب (عليه ms4173 ~~السلام) من المخلصين أهل الاجتباء وأنه من الأئمة الهداة المهديين، وهو ~~(عليه السلام) يعترف في قوله: "إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل" أنه أمنهم ~~على يوسف ولو كان من الشرك لم يقدم عليه البتة. # على أنه أمنهم على أخي يوسف أيضا بعد ما أعطوه موثقا من الله تعالى كما ~~تدل عليه الآيات التالية. # بل يريد بيان لزوم اختياره تعالى في الاطمئنان إليه دون غيره من جهة أنه ~~تعالى متصف بصفات كريمة يؤمن معها أن يستغش عباده المتوكلين عليه المسلمين ~~له أمورهم فإنه رءوف بعباده رحيم غفور ودود كريم حكيم عليم ويجمع الجميع ~~أنه أرحم الراحمين على أنه لا يغلب في أمره لا يقهر في مشيته، وأما الناس ~~إذا أمنوا على أمر واطمأن إليهم في شيء فإنهم أسراء الأهواء وملاعب الهوسات ~~النفسانية ربما أخذتهم كرامة النفس وشيمة الوفاء وصفة الرحمة فحفظوا ما في ~~اختيارهم أن يحفظوه ولا يخونوه وربما خانوا ولم يحفظوا. # على أنهم لا استقلال لهم في قدرة ولا استغناء لهم في قوة وإرادة. PageV11P114 # وبالجملة مراده (عليه السلام) أن الاطمئنان إلى حفظ الله سبحانه خير من ~~الاطمئنان إلى حفظ غيره لأنه تعالى أرحم الراحمين لا يخون عبده فيما أمنه ~~عليه واطمأن فيه إليه بخلاف الناس فإنهم ربما لم يفوا لعهد الأمانة ولم ~~يرحموا المؤتمن المتوسل بهم فخانوه، ولذلك لما كلف بنيه ثانيا أن يؤتوه ~~موثقا من الله قال: "إن تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم" ~~فاستثنى ما ليس في اختيارهم من الحفظ وهو حفظه إذا أحيط بهم فإنه فوق ~~استطاعتهم ومقدرتهم وليسوا بمسئولين عنه، وإنما سألهم الموثق في إتيانه ~~فيما لا يخرج من اختيارهم كالقتل والنفي ونحو ذلك فافهم ذلك. # ومما تقدم يظهر أن في قوله (عليه السلام): "وهو أرحم الرحمين" نوع تعريض ~~لهم وتلويح إلى أنهم لم يستوفوا الرحم - أو لم يرحموه أصلا - في أمر يوسف ~~حين أمنهم عليه، والآية على أي حال في معنى الرد لما سألوه. # قوله تعالى: "ولما فتحوا متاعهم وجدوا ms4174 بضاعتهم ردت إليهم" إلى آخر الآية. # البغي هو الطلب ويستعمل كثيرا في الشر ومنه البغي بمعنى الظلم والبغي ~~بمعنى الزنا، وقال في المجمع،: الميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد ~~ويقال: مرتهم أميرهم ميرا: إذا أتيتهم بالميرة، ومثله: امترتهم امتيارا. # انتهى. # وقوله: "يا أبانا ما نبغي" استفهام أي لما فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم ~~ردت إليهم وكان ذلك دليلا على إكرام العزيز لهم وأنه غير قاصد بهم سوءا وقد ~~سلم إليهم الطعام ورد إليهم الثمن فكان ذهابهم إلى مصر للامتيار خير سفر ~~نفعا ودرا راجعوا أباهم وقالوا: يا أبانا ما الذي نطلب من سفرنا إلى مصر ~~وراء هذا؟ فقد أوفى لنا الكيل ورد إلينا ما بذلناه من البضاعة ثمنا. # فقولهم: "يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا" أرادوا به تطييب نفس ~~أبيهم ليرضى بذهاب أخيهم معهم لأنه في أمن من العزيز وهم يحفظونه كما وعدوه ~~و"لذلك عقبوه بقولهم: "ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل ~~يسير" أي سهل. # وربما قيل: إن "ما" في قوله: "ما نبغي" للنفي أي ما نطلب بما أخبرناك من ~~العزيز وإكرامه لنا الكذب فهذه بضاعتنا ردت إلينا، وكذا قيل: إن اليسير ~~بمعنى القليل أي إن الذي جئنا به إليك من الكيل قليل لا يقنعنا فنحتاج إلى ~~أن نضيف إليه كيل بعير أخينا. # قوله تعالى: "قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا ~~أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل" الموثق بكسر ~~الثاء ما يوثق به ويعتمد عليه، والموثق من الله هو أمر يوثق به ويرتبط مع ~~ذلك بالله وإيتاء موثق إلهي وإعطاؤه هو أن يسلط الإنسان على أمر إلهي يوثق ~~به كالعهد واليمين بمنزلة الرهينة، والمعاهد والمقسم بقوله عاهدت الله أن ~~أفعل كذا أو بالله لأفعلن كذا يراهن كرامة الله وحرمته فيضعها رهينة عند من ~~يعاهده أو يقسم له، ولو لم يف بما قال خسر في رهينته وهو مسئول عند الله لا محالة. # والإحاطة ms4175 من حاط بمعنى حفظ ومنه الحائط للجدار الذي يدور حول المكان ~~ليحفظه والله سبحانه محيط بكل شيء أي مسلط عليه حافظ له من كل جهة لا يخرج ~~ولا شيء من أجزائه من قدرته، وأحاط به البلاء والمصيبة أي نزل به على نحو ~~انسدت عليه جميع طرق النجاة فلا مناص له منه، ومنه قولهم: أحيط به أي هلك ~~أو فسد أو انسدت عليه طرق النجاة والخلاص قال تعالى: "وأحيط بثمره فأصبح ~~يقلب كفيه على ما أنفق فيها": الكهف: 42، وقال: "وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا ~~الله مخلصين له الدين": يونس: 22 ومنه قوله في الآية: "إلا أن يحاط بكم" أي ~~أن ينزل بكم من النازلة ما يسلب منكم كل استطاعة وقدرة فلا يسعكم الإتيان ~~به إلي. PageV11P115 # والوكالة نوع تسلط على أمر يعود إلى الغير ليقوم به، وتوكيل الإنسان غيره ~~في أمر تسليطه عليه ليقوم في إصلاحه مقامه، والتوكل عليه اعتماده ~~والاطمئنان إليه في أمر، وتوكيله تعالى والتوكل عليه في الأمور ليس بعناية ~~أنه خالق كل شيء ومالكه ومدبره بل بعناية أنه أذن في نسبة الأمور إلى ~~مصادرها والأفعال إلى فواعلها وملكها إياها بنحو من التمليك وهي فاقدة ~~للأصالة والاستقلال في التأثير والله سبحانه هو السبب المستقل القاهر لكل ~~سبب الغالب عليه فمن الرشد إذا أراد الإنسان أمرا وتوصل إليه بالأسباب ~~العادية التي بين يديه أن يرى الله سبحانه هو السبب الوحيد المستقل بتدبير ~~الأمر وينفي الاستقلال والأصالة عن نفسه وعن الأسباب التي استعملها في طريق ~~الوصول إليه فيتوكل عليه سبحانه. # فليس التوكل هو قطع الإنسان أو نفيه نسبة الأمور إلى نفسه أو إلى الأسباب ~~بل هو نفيه دعوى الاستقلال عن نفسه وعن الأسباب وإرجاع الاستقلال والأصالة ~~إليه تعالى مع إبقاء أصل النسبة غير المستقلة التي إلى نفسه وإلى الأسباب. # ولذلك نرى أن يعقوب (عليه السلام) فيما تحكيه الآيات من توكله على الله ~~لم يلغ الأسباب ولم يهملها بل تمسك بالأسباب العادية فكلم أولا بنيه في ~~أخيهم ثم أخذ منهم موثقا من الله ms4176 ثم توكل على الله وكذا فيما وصاهم في ~~الآية الآتية بدخولهم من أبواب متفرقة ثم توكله على ربه تعالى. # فالله سبحانه على كل شيء وكيل من جهة الأمور التي لها نسبة إليها كما أنه ~~ولي لها من جهة استقلاله بالقيام على الأمور المنسوبة إليها وهي عاجزة عن ~~القيام بها بحول وقوة، وأنه رب كل شيء من جهة أنه المالك المدبر لها. # ومعنى الآية: "قال" يعقوب لبنيه: "لن أرسله" أي أخاكم من أم يوسف "معكم ~~حتى تؤتون" وتعطوني "موثقا من الله" أثق به وأعتمد عليه من عهد أو يمين ~~"لتأتنني به" واللام للقسم ولما كان إيتاؤهم موثقا من الله إنما كان يمضي ~~ويفيد فيما كان راجعا إلى استطاعتهم وقدرتهم استثنى فقال "إلا أن يحاط بكم" ~~وتسلبوا الاستطاعة والقدرة "فلما آتوه موثقهم" من الله "قال" يعقوب "الله ~~على ما نقول وكيل" أي إنا قاولنا جميعا فقلت وقلتم وتوسلنا بذلك إلى هذه ~~الأسباب العادية للوصول إلى غرض نبتغيه فليكن الله سبحانه وكيلا على هذه ~~الأقاويل يجريها على رسلها فمن التزم بشيء فليأت به كما التزم وإن تخلف ~~فليجازه الله وينتصف منه. # قوله تعالى: "وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة" إلى آخر الآية، هذه كلمة ألقاها يعقوب (عليه السلام) إلى بنيه حين ~~آتوه موثقا من الله وتجهزوا واستعدوا للرحيل، ومن المعلوم من سياق القصة ~~أنه خاف على بنيه وهم أحد عشر عصبة - لا من أن يراهم عزيز مصر مجتمعين صفا ~~واحدا لأنه كان من المعلوم أنه سيشخصهم إليه فيصطفون عنده صفا واحدا وهم ~~أحد عشر إخوة لأب واحد - بل إنما كان يخاف عليهم أن يراهم الناس فيصيبهم ~~عين على ما قيل أو يحسدون أو يخاف منهم فينالهم ما يتفرق به جمعهم من قتل ~~أو أي نازلة أخرى. # وقوله بعده: "وما أغنى عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله" لا يخلو من ~~دلالة أو إشعار بأنه كان يخاف ذلك جدا فكأنه (عليه السلام) - والله أعلم - ~~أحس حينما ms4177 تجهزوا للسفر واصطفوا أمامه للوداع إحساس إلهام أن جمعهم وهم على ~~هذه الهيئة الحسنة سيفرق وينقص من عددهم فأمرهم أن لا يتظاهروا بالإجماع ~~كذلك وحذرهم عن الدخول من باب واحد وعزم عليهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة ~~رجاء أن يندفع بذلك عنهم بلاء التفرقة بينهم والنقص في عددهم. # ثم رجع إلى إطلاق كلامه الظاهر في كون هذا السبب الذي ركن إليه في دفع ما ~~خطر بباله من المصيبة سببا أصيلا مستقلا - ولا مؤثر في الوجود بالحقيقة إلا ~~الله سبحانه - فقيد كلامه بما يصلحه فقال مخاطبا لهم: "وما أغنى عنكم من ~~الله من شيء" ثم علله بقوله "إن الحكم إلا لله" أي لست أرفع حاجتكم إلى ~~الله سبحانه بما أمرتكم به من السبب الذي تتقون به نزول النازلة وتتوسلون ~~به إلى السلامة والعافية ولا أحكم بأن تحفظوا بهذه الحيلة فإن هذه الأسباب ~~لا تغني من الله شيئا ولا لها حكم دون الله سبحانه فليس الحكم مطلقا إلا ~~لله بل هذه أسباب ظاهريه إنما تؤثر إذا أراد الله لها أن تؤثر. PageV11P116 # ولذلك عقب كلامه هذا بقوله: "عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون" أي إن ~~هذا سبب أمرتكم باتخاذه لدفع ما أخافه عليكم من البلاء وتوكلت مع ذلك على ~~الله في أخذ هذا السبب وفي سائر الأسباب التي أخذتها في أموري، وعلى هذا ~~المسير يجب أن يسير كل رشيد غير غوي يرى أنه لا يقوى باستقلاله لإدارة ~~أموره ولا أن الأسباب العادية باستقلالها تقوى على إيصاله إلى ما يبتغيه من ~~المقاصد بل عليه أن يلتجىء في أموره إلى وكيل يصلح شأنه ويدبر أمره أحسن ~~تدبير فذلك الوكيل هو الله سبحانه القاهر الذي لا يقهره شيء الغالب الذي لا ~~يغلبه شيء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # وقد تبين بالآية أولا معنى التوكل وأنه تسليط الغير على أمر له نسبة إلى ~~المتوكل والموكل. # وثانيا: أن هذه الأسباب العادية لما لم تكن مستقلة في تأثيرها ولا غنية ~~في ذاتها غير مفتقرة إلى ما وراءها كان من ms4178 الواجب على من يتوسل إليها في ~~مقاصده الحيوية أن يتوكل مع التوسل إليها على سبب وراءها ليتم لها التأثير ~~ويكون ذلك منه جريا في سبيل الرشد والصواب لا أن يهمل الأسباب التي بنى ~~الله نظام الكون عليها فيطلب غاية من غير طريق فإنه من الغي والجهل. # وثالثا: أن ذاك السبب الذي يجب التوكل عليه في الأمور هو الله سبحانه ~~وحده لا شريك له فإنه الله لا إله إلا هو رب كل شيء وهذا هو المستفاد من ~~الحصر الذي يدل عليه قوله: "وعلى الله فليتوكل المتوكلون". # قوله تعالى: "ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها" إلى آخر الآية. # الذي يعطيه سياق الآيات السابقة واللاحقة والتدبر فيها - والله أعلم - أن ~~يكون المراد بدخولهم من حيث أمرهم أبوهم أنهم دخلوا مصر أو دار العزيز فيها ~~من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم حينما ودعوه للرحيل، وإنما اتخذ يعقوب ~~(عليه السلام) هذا الأمر وسيلة لدفع ما تفرسه من نزول مصيبة بهم تفرق جمعهم ~~وتنقص من عددهم كما أشير إليه في الآية السابقة لكن اتخاذ هذه الوسيلة وهي ~~الدخول من حيث أمرهم أبوهم لم يكن ليدفع عنهم البلاء وكان قضاء الله سبحانه ~~ماضيا فيهم وأخذ العزيز أخاهم من أبيهم لحديث سرقة الصواع وانفصل منهم ~~كبيرهم فبقي في مصر وأدى ذلك إلى تفرق جمعهم ونقص عددهم فلم يغن يعقوب أو ~~الدخول من حيث أمرهم من الله من شيء. # لكن الله سبحانه قضى بذلك حاجة في نفس يعقوب (عليه السلام) فإنه جعل هذا ~~السبب الذي تخلف عن أمره وأدى إلى تفرق جمعهم ونقص عددهم بعينه سببا لوصول ~~يعقوب إلى يوسف (عليه السلام) فإن يوسف أخذ أخاه إليه ورجع سائر الإخوة إلا ~~كبيرهم إلى أبيهم ثم عادوا إلى يوسف يسترحمونه ويتذللون لعزته فعرفهم نفسه ~~وأشخص أباه وأهله إلى مصر فاتصلوا به. # فقوله: "ما كان يغني عنهم من الله من شيء" أي لم يكن من شأن يعقوب ms4179 أو هذا ~~الأمر الذي اتخذه وسيلة لتخلصهم من هذه المصيبة النازلة أن يغني عنهم من ~~الله شيئا البتة ويدفع عنهم ما قضى الله أن يفارق اثنان منهم جمعهم بل أخذ ~~منهم واحد وفارقهم ولزم أرض مصر آخر وهو كبيرهم. # وقوله: "إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها" قيل: إن "إلا" بمعنى لكن أي لكن ~~حاجة في نفس يعقوب قضاها الله فرد إليه ولده الذي فقده وهو يوسف. # ولا يبعد أن يكون "إلا" استثنائية فإن قوله: "ما كان يغني عنهم من الله ~~من شيء" في معنى قولنا: لم ينفع هذا السبب يعقوب شيئا أو لم ينفعهم جميعا ~~شيئا ولم يقض الله لهم جميعا به حاجة إلا حاجة في نفس يعقوب، وقوله: ~~"قضاها" استئناف وجواب سؤال كان سائلا يسأل فيقول: ما ذا فعل بها؟ فأجيب ~~بقوله: "قضاها". # وقوله: "وإنه لذو علم لما علمناه" الضمير ليعقوب أي إن يعقوب لذو علم ~~بسبب ما علمناه من العلم أو بسبب تعليمنا إياه وظاهر نسبة التعليم إليه ~~تعالى أنه علم موهبي غير اكتسابي وقد تقدم أن إخلاص التوحيد يؤدي إلى مثل ~~هذه العناية الإلهية، ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى بعده: "ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون" إذ لو كان من العلم الاكتسابي الذي يحكم بالأسباب الظاهرية ويتوصل ~~إليه من الطرق العادية المألوفة لعلمه الناس واهتدوا إليه. PageV11P117 # والجملة: "وإنه لذو علم لما علمناه" إلخ، ثناء على يعقوب (عليه السلام)، ~~والعلم الموهبي لا يضل في هدايته ولا يخطىء في إصابته والكلام كما يفيده ~~السياق يشير إلى ما تفرس له يعقوب (عليه السلام) من البلاء وتوسل به من ~~الوسيلة وحاجته في يوسف في نفسه لا ينساها ولا يزال يذكرها، فمن هذه الجهات ~~يعلم أن في قوله: "وإنه لذو علم لما علمناه" إلخ، تصديقا ليعقوب (عليه ~~السلام) فيما قاله لبنيه وتصويبا لما اتخذه من الوسيلة لحاجته بأمرهم بما ~~أمر وتوكله على الله فقضى الله له حاجة في نفسه. # هذا ما يعطيه التدبر في سياق الآيات وللمفسرين أقوال عجيبة في معنى الآية ~~كقول ms4180 بعضهم: إن المراد بقوله: "ما كان يغني عنهم - إلى قوله - قضاها" إنه ~~لم يكن دخولهم كما أمرهم أبوهم يغني عنهم أو يدفع عنهم شيئا أراد الله ~~إيقاعه بهم من حسد أو أصابه عين وكان يعقوب (عليه السلام) عالما بأن الحذر ~~لا يدفع القدر ولكن كان ما قاله لبنيه حاجة في نفسه فقضى يعقوب تلك الحاجة ~~أي أزال به اضطراب قلبه وأذهب به القلق عن نفسه. # وقول بعضهم: إن المعنى أن الله لو قدر أن تصيبهم العين لإصابتهم وهم ~~متفرقون كما تصيبهم مجتمعين. # وقول بعضهم: إن معنى قوله: "وإنه لذو علم لما علمناه" إلخ إنه لذو يقين ~~ومعرفة بالله لأجل تعليمنا إياه ولكن أكثر الناس لا يعلمون مرتبته. # وقول بعضهم: إن اللام في "لما علمناه" للتقوية والمعنى أنه يعلم ما ~~علمناه فيعمل به لأن من علم شيئا وهو لا يعمل به كان كمن لا يعلم. # إلى غير ذلك من أقاويلهم. # قوله تعالى: "ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون" الإيواء إليه ضمه وتقريبه منه في مجلسه ونحوه، ~~والابتئاس اجتلاب البؤس والاغتمام والحزن، وضمير الجمع للإخوة. # ومعنى الآية: "ولما دخلوا على يوسف" بعد دخولهم مصر "آوى" وقرب "إليه ~~أخاه" الذي أمرهم أن يأتوا به إليه وكان أخا له من أبيه وأمه "قال" له "إني ~~أنا أخوك" أي يوسف الذي فقدته منذ سنين - والجملة خبر بعد خبر أو جواب سؤال ~~مقدر "فلا تبتئس" ولا تغتم "بما كانوا" أي الإخوة "يعملون" من أنواع الأذى ~~والمظالم التي حملهم عليها حسدهم لي ولك ونحن أخوان من أم أو لا تبتئس بما ~~كان غلماني يعملون فإنه كيد لحبسك عندي. # وظاهر السياق أنه عرفه نفسه بإسرار القول إليه وسلاه على ما عمله الإخوة ~~وطيب نفسه فلا يعبأ بقول بعضهم إن معنى قوله: إني أنا أخوك: أنا أخوك مكان ~~أخيك الهالك - وقد كان أخبره أنه كان له أخ من أمه هلك من قبل فبقي وحده لا ~~أخ له من أمه ms4181 - ولم يعترف يوسف له بالنسب ولكنه أراد أن يطيب نفسه. # وذلك أنه ينافيه ما في قوله: "إني أنا أخوك" من وجوه التأكيد وذلك إنما ~~يناسب تعريفه نفسه بالنسب ليستيقن أنه هو يوسف. # على أنه ينافي أيضا ما سيأتي من قوله لإخوته عند تعريفهم نفسه: "أنا يوسف ~~وهذا أخي قد من الله علينا" فإنه إنما يناسب ما إذا علم أخوه أنه أخوه ~~فاعتز بعزته كما لا يخفى. # قوله تعالى: "فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن ~~أيتها العير إنكم لسارقون" السقاية الظرف الذي يشرب فيه، والرحل ما يوضع ~~على البعير للركوب، والعير القوم الذين معهم أحمال الميرة وذلك اسم للرجال ~~والجمال الحاملة للميرة وإن كان قد يستعمل في كل واحد من دون الآخر، ذكر ~~ذلك الراغب في مفرداته. # ومعنى الآية ظاهر وهذه حيلة احتالها يوسف (عليه السلام) ليأخذ بها أخاه ~~إليه كما قصة وفصله الله تعالى وجعل ذلك مقدمة لتعريفهم نفسه في حال التحق ~~به أخوه وهما منعمان بنعمة الله مكرمان بكرامته. # وقوله: "ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون" الخطاب لإخوة يوسف وفيهم ~~أخوه لأمه، ومن الجائز توجيه الخطاب إلى الجماعة في أمر يعود إلى بعضهم إذا ~~كان لا يمتاز عن الآخرين، وفي القرآن منه شيء كثير، وهذا الأمر الذي سمي ~~سرقة وهو وجود السقاية في رحل البعير كان قائما بواحد منهم وهو أخو يوسف ~~لأمه لكن عدم تعينه بعد من بينهم كان مجوزا لخطابهم جميعا بأنكم سارقون فإن ~~معنى هذا الخطاب في مثل هذا المقام أن السقاية مفقودة وهي عند بعضكم ممن لا ~~يتعين إلا بعد الفحص والتفتيش. PageV11P118 # ومن المعلوم من السياق أن أخا يوسف لأمه كان عالما بهذا الكيد مستحضرا منه ~~ولذلك لم يتكلم من أول الأمر إلى آخره ولا بكلمة ولا نفى عن نفسه السرقة ~~ولا اضطرب كيف؟ وقد عرفه يوسف أنه أخاه وسلاه وطيب نفسه فليس إلا أن يوسف ~~(عليه السلام) كان عرفه ما هو غرضه من هذا الصنع، وأنه إنما يريد ms4182 بتسميته ~~سارقا وإخراج السقاية من رحله أن يقبض عليه ويأخذه إليه فتسميته سارقا إنما ~~كان اتهاما في نظر الإخوة وأما بالنسبة إليه وفي نظره فلم يكن تسمية جدية ~~وتهمة حقيقة بل توصيفا صوريا فحسب لمصلحة لازمة جازمة. # فنسبه السرقة إليهم - بالنظر إلى هذه الجهات - لم تكن من الافتراء ~~المذموم عقلا المحرم شرعا، على أن القائل هو المؤذن الذي أذن بذلك. # وذكر بعض المفسرين: أن القائل: "إنكم لسارقون. # بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غيره أمره ولم يعلم أن يوسف أمر بجعل ~~الصاع في رحالهم. # وقال بعضهم: إن يوسف (عليه السلام) أمر المنادي أن ينادي به ولم يرد به ~~سرقة الصاع، وإنما عنى به أنكم سرقتم يوسف من أبيه وألقيتموه في الجب، ونسب ~~ذلك إلى أبي مسلم المفسر. # وقال بعضهم: إن الجملة استفهامية، والتقدير: أإنكم لسارقون؟ بحذف همزة ~~الاستفهام، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من البعد. # قوله تعالى: "قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون" الفقد - كما قيل - غيبة ~~الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، والضمير في قوله: "قالوا" للإخوة وهم ~~العير، وقوله: "ما ذا تفقدون" مقول القول والضمير في قوله: "عليهم" ليوسف ~~وفتيانه كما يدل عليه السياق. # والمعنى قال إخوة يوسف المقبلين ليوسف وفتيانه: ما ذا تفقدون؟ وفي السياق ~~دلالة على أن المنادي إنما ناداهم من ورائهم وقد أخذوا في السير. # قوله تعالى: "قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم" ~~الصواع بالضم السقاية وقيل: إن الصواع هو الصاع الذي يكال به، وكان صواع ~~الملك إناء يشرب فيه ويكال به ولذلك سمي تارة سقاية وأخرى صواعا، ويجوز فيه ~~التذكير والتأنيث، ولذلك قال: "ولمن جاء به" وقال: "ثم استخرجها". # والحمل ما يحمله الحامل من الأثقال، وقد ذكر الراغب أن الأثقال المحمولة ~~في الظاهر كالشيء المحمول على الظهر تختص باسم الحمل بكسر الحاء، والأثقال ~~المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة ~~تختص باسم الحمل بفتح الحاء. # وقال في المجمع،: الزعيم ms4183 والكفيل والضمين نظائر والزعيم أيضا القائم بأمر ~~القوم وهو الرئيس. # ولعل القائل: "نفقد صواع الملك" هو فتيان يوسف والقائل: "ولمن جاء به حمل ~~بعير وأنا به زعيم" يوسف (عليه السلام) نفسه لأنه هو الرئيس الذي يقوم بأمر ~~الإعطاء والمنع والضمانة والكفالة والحكم، ويعود معنى الكلام على هذا إلى ~~نحو من قولنا: أجاب عنهم يوسف وفتيانه أما فتيانه فقالوا: نفقد صواع الملك، ~~وأما يوسف فقال: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم، وهذه جعالة. # وظاهر بعض المفسرين: أن قوله: "ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم" تتمة ~~قول المؤذن: "أيتها العير إنكم لسارقون" وعلى هذا فقوله: "قالوا وأقبلوا ~~عليهم - إلى قوله - صواع الملك" معترض. # قوله تعالى: "قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا ~~سارقين" المراد بالأرض أرض مصر وهي التي جاءوها ومعنى الآية ظاهر. # وفي قولهم: "لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض" دلالة على أنهم فتشوا ~~وحقق في أمرهم أول ما دخلوا مصر للميرة بأمر يوسف (عليه السلام) بدعوى ~~الخوف من أن يكونوا جواسيس وعيونا أو نازلين بها لأغراض فاسدة أخرى فسألوا ~~عن شأنهم ومحلهم ونسبهم وأمثال ذلك، وبه يتأيد ما ورد في بعض الروايات أن ~~يوسف أظهر لهم أنه في ريب من أمرهم فسألهم عن شأنهم ومكانهم وأهلهم وعند ~~ذلك ذكروا أن لهم أبا شائخا وأخا من أبيهم فأمر بإتيانهم به، وسيأتي في ~~البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # وقولهم: "وما كنا سارقين" نفي أن يكونوا متصفين بهذه الصفة الرذيلة من ~~قبل أو يعهد منهم أهل البيت ذلك. # قوله تعالى: "قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين" أي قال فتيان يوسف أو هو ~~وفتيانه سائلين منهم عن الجزاء: ما جزاء السرق أو ما جزاء الذي سرق منكم إن ~~كنتم كاذبين في إنكاركم. PageV11P119 # والكلام في قولهم: "إن كنتم كاذبين" في نسبة الكذب إليهم يقرب من الكلام في ~~قولهم: "إنكم لسارقون" وقد تقدم. # قوله تعالى: "قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي ms4184 الظالمين" ~~مرادهم أن جزاء السرق نفس السارق أو جزاء السارق نفسه بمعنى أن من سرق مالا ~~يصير عبدا لمن سرق ماله وهكذا كان حكمه في سنة يعقوب (عليه السلام) كما يدل ~~عليه قولهم: "كذلك نجزي الظالمين" أي هؤلاء الظالمين وهم السراق لكنهم ~~عدلوا عنه إلى قولهم: "جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه" للدلالة على أن ~~السرقة إنما يجازى بها نفس السارق لا رفقته وصحبه وهم أحد عشر نسمة لا ~~ينبغي أن يؤاخذ منهم لو تحققت السرقة إلا السارق بعينه من غير أن يتعدى إلى ~~نفوس الآخرين ورحالهم ثم للمسروق منه أن يملك السارق نفسه يفعل به ما يشاء. # قوله تعالى: "فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه" فيه ~~تفريع على ما تقدم أي أخذ بالتفتيش والفحص بالبناء على ما ذكروه من الجزاء ~~فبدأ بأوعيتهم وظروفهم قبل وعاء أخيه للتعمية عليهم حذرا من أن يتنبهوا ~~ويتفطنوا أنه هو الذي وضعها في رحل أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه وعند ذلك ~~استقر الجزاء عليه لكونها في رحله. # قوله تعالى: "كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن ~~يشاء الله" إلى آخر الآية. # الإشارة إلى ما جرى من الأمر في طريق أخذ يوسف (عليه السلام) أخاه لأمه ~~من عصبة إخوته، وقد كان كيدا لأنه يوصل إلى ما يطلبه منهم من غير أن يعلموا ~~ويتفطنوا به ولو علموا لما رضوا به ولا مكنوه منه، وهذا هو الكيد غير أنه ~~كان بإلهام من الله سبحانه أو وحي منه إليه علمه به طريق التوصل إلى أخذ أخيه. # ولذلك نسب الله سبحانه ذلك إلى نفسه مع توصيفه بالكيد فقال: "كذلك كدنا ~~ليوسف". # وليس كل كيد بمنفي عنه تعالى وإنما تتنزه ساحة قدسه عن الكيد الذي هو ظلم ~~ونظيره المكر والإضلال والاستدراج وغيرها. # وقوله: "ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله" بيان للسبب ~~الداعي إلى الكيد، وهو أنه كان يريد أن يأخذ أخاه إليه، ولم يكن ms4185 في دين ~~الملك أي سنته الجارية في أرض مصر طريق يؤدي إلى أخذه، ولا أن السرقة حكمها ~~استعباد السارق ولذلك كادهم يوسف - بأمر من الله - بجعل السقاية في رحله ثم ~~إعلام أنهم سارقون حتى ينكروه فيسألهم عن جزائه إن كانوا كاذبين فيخبروا أن ~~جزاء السرق عندهم أخذ السارق واستعباده فيأخذهم بما رضوا به لأنفسهم. # وعلى هذا فلم يكن له أن يأخذ أخاه في دين الملك إلا في حال يشاء الله ذلك ~~وهو هذا الحال الذي رضوا فيه أن يجازوا بما رضوا به لأنفسهم. # ومن هنا يظهر أن الاستثناء يفيد أنه كان من دين الملك أن يؤخذ المجرم بما ~~يرضاه لنفسه من الجزاء وهو أشق، وكان ذلك متداولا في كثير من السنن القومية ~~وسياسات الملوك. # وقوله: "نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم" امتنان على يوسف (عليه ~~السلام) بما رفعه الله على إخوته، وبيان لقوله: "كذلك كدنا ليوسف" وكان ~~امتنانا عليه. # وفي قوله: "وفوق كل ذي علم عليم" بيان أن العلم من الأمور التي لا يقف ~~على حد ينتهي إليه بل كل ذي علم يمكن أن يفرض من هو أعلم منه. # وينبغي أن يعلم أن ظاهر قوله: "ذي علم" هو العلم الطارىء على العالم ~~الزائد على ذاته لما في لفظة "ذي" من الدلالة على المصاحبة والمقارنة فالله ~~سبحانه وعلمه الذي هو صفة ذاته عين ذاته، وهو تعالى علم غير محدود كما أن ~~وجوده أحدي غير محدود، خارج بذاته عن إطلاق الكلام. # على أن الجملة "وفوق كل ذي علم عليم" إنما تصدق فيما أمكن هناك فرض "فوق" ~~والله سبحانه لا فوق له ولا تحت له ولا وراء لوجوده ولا حد لذاته ولا نهاية. # ولا يبعد أن يكون قوله: "وفوق كل ذي علم عليم" إشارة إلى كونه تعالى فوق ~~كل ذي علم بأن يكون المراد بعليم هو الله سبحانه أورد في هيئة النكرة صونا ~~للسان عن تعريفه للتعظيم. PageV11P120 # قوله تعالى: "قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل" إلى آخر ms4186 الآية، القائلون ~~هم إخوة يوسف (عليه السلام) لأبيه، ولذلك نسبوا يوسف إلى أخيهم المتهم ~~بالسرقة لأنهما كانا من أم واحدة، والمعنى أنهم قالوا: إن يسرق هذا صواع ~~الملك فليس ببعيد منه لأنه كان له أخ وقد تحققت السرقة منه من قبل فهما ~~يتوارثان ذلك من ناحية أمهما ونحن مفارقوهما في الأم. # وفي هذا نوع تبرئة لأنفسهم من السرقة لكنه لا يخلو من تكذيب لما قالوه ~~آنفا: "وما كنا سارقين" لأنهم كانوا ينفون به السرقة عن أبناء يعقوب جميعا ~~وإلا لم يكن ينفعهم البتة فقولهم: "فقد سرق أخ له من قبل" يناقضه وهو ظاهر. # على أنهم أظهروا بهذه الكلمة ما في نفوسهم من الحسد ليوسف وأخيه - ولعلهم ~~لم يشعروا به - وهذا يكشف عن أمور مؤسفة كثيرة فيما بينهم. # وبهذا يتضح بعض الاتضاح معنى قول يوسف: "أنتم شر مكانا" كما أن الظاهر أن ~~قوله: "أنتم شر مكانا" إلى آخر الآية كالبيان لقوله: "فأسرها يوسف في نفسه ~~ولم يبدها لهم" وكما أن قوله: "ولم يبدها لهم" عطف تفسير لقوله: "فأسرها ~~يوسف في نفسه". # والمعنى - والله أعلم - "فأسرها" أي أخفى هذه الكلمة التي قالوها أي لم ~~يتعرض لما نسبوا إليه من السرقة ولم ينفه ولم يبين حقيقة الحال بل "أسرها ~~يوسف في نفسه ولم يبدها لهم" وكان هناك قائلا يقول: كيف أسرها في نفسه ~~فأجيب أنه "قال: أنتم شر مكانا" وأسوأ حالا لما في أقوالكم من التناقض وفي ~~نفوسكم من غريزة الحسد الظاهرة واجترائكم على الكذب في حضرة العزيز بعد هذا ~~الإكرام والإحسان كله "والله أعلم بما تصفون" إنه قد سرق أخ له من قبل فلم ~~يكذبهم في وصفهم ولم ينفه. # وذكر بعض المفسرين أن معنى قوله: "أنتم شر مكانا" إلخ: أنكم أسوأ حالا ~~منه لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم والله أعلم أسرق أخ له من قبل أم لا. # وفيه: أن من الجائز أن يكون هذا المعنى بعض ما قصده يوسف بقوله: "أنتم شر ~~مكانا" لكن الكلام فيما تلقاه إخوته من قوله هذا والظرف ms4187 هذا الظرف هم ~~ينكرون يوسف (عليه السلام) وهو لا يريد أن يعرفهم نفسه، ولا ينطبق قوله في ~~مثل هذا الظرف إلا بما تقدم. # وربما ذكر بعضهم أن التي أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم هي كلمته: ~~"أنتم شر مكانا" فلم يخاطبهم بها ثم جهر بقوله: "والله أعلم بما تصفون" ~~وهذا بعيد غير مستفاد من السياق. # قوله تعالى: "قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه ~~إنا نراك من المحسنين" سياق الآيات يدل على أنهم إنما قالوا هذا القول لما ~~شاهدوا أنه استحق الأخذ والاستعباد، وذكروا أنهم أعطوا أباهم موثقا من الله ~~أن يرجعوه إليه فلم يكن في مقدرتهم أن يرجعوا إلى أبيهم ولا يكون معهم، ~~فعند ذلك عزموا أن يفدوه بواحد منهم إن قبل العزيز، وكلموا العزيز في ذلك ~~أن يأخذ أي من شاء منهم، ويخلي عن سبيل أخيهم المتهم ليرجعوه إلى أبيه. # ومعنى الآية ظاهر، وفي اللفظ ترقيق واسترحام وإثارة لصفة الفتوة والإحسان ~~من العزيز. # قوله تعالى: "قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون" رد منه (عليه السلام) لسؤالهم أن يأخذ أحدهم مكانه ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا" إلى آخر الآية قال في ~~المجمع،: اليأس قطع الطمع من الأمر يقال يئس ييأس وأيس يأيس لغة، واستفعل ~~مثل استيأس واستأيس. # قال: ويئس واستيأس بمعنى مثل سخر واستسخر وعجب واستعجب. # والنجي القوم يتناجون الواحد والجمع فيه سواء قال سبحانه: "وقربناه نجيا" ~~وإنما جاز ذلك لأنه مصدر وصف به، والمناجاة المسارة وأصله من النجوة هو ~~المرتفع من الأرض فإنه رفع السر من كل واحد إلى صاحبه في خفية، والنجوى ~~يكون اسما ومصدرا قال سبحانه: "وإذ هم نجوى" أي يتناجون، وقال في المصدر: ~~"إنما النجوى من الشيطان" وجمع النجي أنجية قال: وبرح الرجل براحا إذا تنحى ~~عن موضعه. # انتهى. PageV11P121 # والضمير في قوله: "فلما استيئسوا منه" ليوسف ويمكن أن يكون لأخيه والمعنى ~~"فلما استيئسوا" أي إخوة يوسف "منه" ms4188 أي من يوسف أن يخلي عن سبيل أخيه ولو ~~بأخذ أحدهم بدلا منه "خلصوا" وخرجوا من بين الناس إلى فراغ "نجيا" يتناجون ~~في أمرهم أيرجعون إلى أبيهم وقد أخذ منهم موثقا من الله أن يعيدوا أخاهم ~~إليه أم يقيمون هناك ولا فائدة في إقامتهم؟ ما ذا يصنعون؟. # "قال كبيرهم" مخاطبا لسائرهم "ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من ~~الله" ألا ترجعوا من سفركم هذا إليه إلا بأخيكم، "ومن قبل" هذه الواقعة "ما ~~فرطتم" أي تفريطكم وتقصيركم "في" أمر "يوسف" عهدتم أباكم أن تحفظوه وتردوه ~~إليه سالما فألقيتموه في الجب ثم بعتموه من السيارة ثم أخبرتم أباكم أنه ~~أكله الذئب. # "فلن أبرح الأرض" أي فإذا كان الشأن هذا الشأن لن أتنحى ولن أفارق أرض ~~مصر "حتى يأذن لي أبي" برفعه اليد عن الموثق الذي واثقته به "أو يحكم الله ~~لي وهو خير الحاكمين" فيجعل لي طريقا إلى النجاة من هذه المضيقة التي سدت ~~لي كل باب وذلك إما بخلاص أخي من يد العزيز من طريق لا أحتسبه أو بموتي أو ~~بغير ذلك من سبيل!!. # أما أنا فأختار البقاء هاهنا وأما أنتم فارجعوا إلى أبيكم إلى آخر ما ذكر ~~في الآيتين التاليتين. # قوله تعالى: "ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا ~~إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين" قيل المراد بقوله: "وما شهدنا إلا بما ~~علمنا" إنا لم نشهد في شهادتنا هذه: "إن ابنك سرق" إلا بما علمنا من سرقته، ~~وقيل المراد ما شهدنا عند العزيز أن السارق يؤخذ بسرقته ويسترق إلا بما ~~علمنا من حكم المسألة، قيل وإنما قالوا ذلك حين قال لهم يعقوب: ما يدري ~~الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته ويسترق؟ وإنما علم ذلك بقولكم، وأقرب المعنيين ~~إلى السياق أولهما. # وقوله: "وما كنا للغيب حافظين" قيل أي لم نكن نعلم أن ابنك سيسرق فيؤخذ ~~ويسترق وإنما كنا نعتمد على ظاهر الحال ولو كنا نعلم ذلك لما بادرنا إلى ~~تسفيره معنا ولا أقدمنا على الميثاق. ms4189 # والحق أن المراد بالغيب كونه سارقا مع جهلهم بها ومعنى الآية إن ابنك سرق ~~وما شهدنا في جزاء السرقة إلا بما علمنا وما كنا نعلم أنه سرق السقاية وأنه ~~سيؤخذ بها حتى نكف عن تلك الشهادة فما كنا نظن به ذلك. # قوله تعالى: "وأسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا ~~لصادقون" أي وأسأل جميع من صاحبنا في هذه السفرة أو شاهد جريان حالنا عند ~~العزيز حتى لا يبقى لك أدنى ريب في أنا لم نفرط في أمره بل أنه سرق فاسترق. # فالمراد بالقرية التي كانوا فيها بلدة مصر - على الظاهر - وبالعير التي ~~أقبلوا فيها القافلة التي كانوا فيها وكان رجالها يصاحبونهم في الخروج إلى ~~مصر والرجوع منها ثم أقبلوا مصاحبين لهم، ولذلك عقبوا عرض السؤال بقولهم: ~~"وإنا لصادقون" أي فيما نخبرك من سرقته واسترقاقه لذلك، ونكلفك السؤال ~~لإزالة الريب من نفسك. PageV11P122 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 83 - 92 # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يأسفى على يوسف وابيضت عيناه من ~~الحزن فهو كظيم (84) قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهلكين (85) قال إنما أشكوا بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون (86) يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روح الله ~~إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكفرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا ~~يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق ~~علينا إن الله يجزى المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ ~~أنتم جهلون (89) قالوا أءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله ~~علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله ~~لقد ءاثرك الله علينا وإن كنا لخطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الرحمين (92) ### |||| AUTO بيان # الآيات تتضمن محاورة يعقوب بنيه بعد رجوعهم ثانيا من ms4190 مصر وإخبارهم إياه ~~خبر أخي يوسف وأمره برجوعهم ثالثا إلى مصر وتحسسهم من يوسف وأخيه إلى أن ~~عرفهم يوسف (عليه السلام) نفسه. # قوله تعالى: "قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني ~~بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم" في المقام حذف كثير يدل عليه قوله: ~~"ارجعوا إلى أبيكم فقولوا" إلى آخر الآيتين والتقدير ولما رجعوا إلى أبيهم ~~وقالوا ما وصاهم به كبيرهم قال أبوهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا "إلخ". # وقوله: "قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا" حكاية ما أجابهم به يعقوب (عليه ~~السلام) ولم يقل (عليه السلام) هذا القول تكذيبا لهم فيما أخبروه به وحاشاه ~~أن يكذب خبرا يحتف بقرائن الصدق وتصاحبه شواهد يمكن اختباره بها، ولا رماهم ~~بقوله: "بل سولت لكم أنفسكم أمرا" رميا بالمظنة بل ليس إلا أنه وجد بفراسة ~~إلهية أن هذه الواقعة ترتبط وتتفرع على تسويل نفساني منهم إجمالا وكذلك كان ~~الأمر فإن الواقعة من أذناب واقعة يوسف وكانت واقعته من تسويل نفساني منهم. # ومن هنا يظهر أنه (عليه السلام) لم ينسب إلى تسويل أنفسهم عدم رجوع أخي ~~يوسف فحسب بل عدم رجوعه وعدم رجوع كبيرهم الذي توقف بمصر ولم يرجع إليه، ~~ويشهد لذلك قوله: "عسى الله أن يأتيني بهم جميعا" فجمع في ذلك بين يوسف ~~وأخيه وكبير الإخوة فلم يذكر أخا يوسف وحده ولا يوسف وأخاه معا، فظاهر ~~السياق أن ترجيه رجوع بنيه الثلاثة مبني على صبره الجميل قبال ما سولت لهم ~~أنفسهم أمرا. # فالمعنى - والله أعلم - أن هذه الواقعة مما سولت لكم أنفسكم كما قلت ذلك ~~في واقعة يوسف فصبر جميل قبال تسويل أنفسكم عسى الله أن يأتيني بأبنائي ~~الثلاثة جميعا. # ومن هنا يظهر أن قولهم: إن المعنى: ما عندي أن الأمر على ما تصفونه بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا فيما أظن، ليس في محله. # وقوله: "عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم" ترج مجرد ~~لرجوعهم جميعا مع ما فيه من الإشارة إلى أن يوسف حي ms4191 لم يمت - على ما يراه - ~~وليس مشربا معنى الدعاء، ولو كان في معنى الدعاء لم يختمه بقوله: "إنه هو ~~العليم الحكيم" بل بمثل قولنا: إنه هو السميع العليم أو الرءوف الرحيم أو ~~ما يناظرهما كما هو المعهود في الأدعية المنقولة في القرآن الكريم. PageV11P123 # بل هو رجاء لثمرة الصبر فهو يقول: إن واقعة يوسف السابقة وهذه الواقعة التي ~~أخذت مني ابنين آخرين إنما هما لأمر ما سولته لكم أنفسكم فسأصبر صبرا وأرجو ~~به أن يأتيني الله بأبنائي جميعا ويتم نعمته على آل يعقوب كما وعدنيه أنه ~~هو العليم بمورد الاجتباء وإتمام النعمة حكيم في فعله يقدر الأمور على ما ~~تقتضيه الحكمة البالغة فلا ينبغي للإنسان أن يضطرب عند البلايا والمحن ~~بالطيش والجزع ولا أن ييأس من روحه ورحمته. # والاسمان: العليم الحكيم هما اللذان ذكرهما يعقوب ليوسف (عليهما السلام) ~~لأول مرة أول رؤياه فقال: "إن ربك عليم حكيم" ثم ذكرهما يوسف ليعقوب ~~(عليهما السلام) ثانيا حيث رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فقال: "يا ~~أبت هذا تأويل رؤياي - إلى أن قال - هو العليم الحكيم". # قوله تعالى: "وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم" قال الراغب في المفردات،: الأسف الحزن والغضب معا، وقد يقال لكل ~~واحد منهما على الانفراد وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ~~ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا - ~~إلى أن قال - وقوله تعالى: "فلما آسفونا انتقمنا منهم" أي أغضبونا قال أبو ~~عبد الله الرضا: إن الله لا يأسف كأسفنا ولكن له أولياء يأسفون ويرضون فجعل ~~رضاهم رضاه وغضبهم غضبه. قال: وعلى ذلك قال: من أهان لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة. # انتهى. # وقال: الكظم مخرج النفس يقال: أخذ بكظمه، والكظوم احتباس النفس ويعبر به ~~عن السكوت كقولهم: فلان لا يتنفس إذا وصف بالمبالغة في السكوت، وكظم فلان ~~حبس نفسه قال تعالى: "إذ نادى وهو مكظوم" وكظم الغيظ حبسه قال تعالى: ~~"والكاظمين الغيظ"، ومنه ms4192 كظم البعير إذا ترك الاجترار وكظم السقاء شده بعد ~~ملئه مانعا لنفسه. # انتهى. # وقوله: "وابيضت عيناه من الحزن" ابيضاض العين أي سوادها هو العمى وبطلان ~~الإبصار وربما يجامع قليل إبصار لكن قوله الآتي: "اذهبوا بقميصي هذا فألقوه ~~على وجه أبي يأت بصيرا": الآية 93 من السورة يشهد بأنه كناية عن ذهاب البصر. # ومعنى الآية: "ثم تولى" وأعرض يعقوب (عليه السلام) "عنهم" أي عن أبنائه ~~بعد ما خاطبهم بقوله: بل سولت لكم أنفسكم أمرا "وقال: يا أسفى" ويا حزني ~~"على يوسف وابيضت عيناه" وذهب بصره "من الحزن" على يوسف "فهو كظيم" حابس ~~غيظه متجرع حزنه لا يتعرض لبنيه بشيء. # قوله تعالى: "قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين" الحرض والحارض المشرف على الهلاك وقيل: هو الذي لا ميت فينسى ولا ~~حي فيرجي، والمعنى الأول أنسب بالنظر إلى مقابلته الهلاك، والحرض لا يثنى ~~ولا يجمع لأنه مصدر. # والمعنى: نقسم بالله لا تزال تذكر يوسف وتديم ذكره منذ سنين لا تكف عنه ~~حتى تشرف على الهلاك أو تهلك، وظاهر قولهم هذا أنهم إنما قالوه رقة بحاله ~~ورأفة به، ولعلهم إنما تفوهوا به تبرما ببكائه وسأمة من طول نياحه ليوسف، ~~وخاصة من جهة أنه كان يكذبهم في ما كانوا يدعونه من أمر يوسف، وكان ظاهر ~~بكائه وتأسفه أنه يشكوهم كما ربما يؤيده قوله: "إنما أشكوا" إلخ. # قوله تعالى: "قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون" قال في المجمع،: البث الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه أي ~~يفرقه، وكل شيء فرقته فقد بثثته ومنه قوله: "وبث فيها من كل دابة" انتهى ~~فهو من المصدر بمعنى المفعول أي المبثوث. # والحصر الذي في قوله: "إنما أشكوا" إلخ، من قصر القلب فيكون مفاده أني ~~لست أشكو بثي وحزني إليكم معاشر ولدي وأهلي، ولو كنت أشكوه إليكم لانقطع في ~~أقل زمان كما يجري عليه دأب الناس في بثهم وحزنهم عند المصائب، وإنما أشكو ~~بثي وحزني إلى ms4193 الله سبحانه، ولا يأخذه ملل ولا سأمة فيما يسأله عنه عباده ~~ويبرمه أرباب الحوائج ويلحون عليه وأعلم من الله ما لا تعلمون فلست أيأس من ~~روحه ولا أقنط من رحمته. # وفي قوله: "وأعلم من الله ما لا تعلمون" إشارة إجمالية إلى علمه بالله لا ~~يستفاد منه إلا ما يساعد على فهمه المقام كما أشرنا إليه. PageV11P124 # قوله تعالى: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله ~~إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" قال في المجمع،: التحسس - ~~بالحاء - طلب الشيء بالحاسة والتجسس - بالجيم - نظيره وفي الحديث: لا ~~تحسسوا ولا تجسسوا، وقيل إن معناهما واحد ونسق أحدهما على الآخر لاختلاف ~~اللفظين كقول الشاعر "متى ادن منه ينأى عنه ويبعد". # وقيل: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس، وبالحاء الاستماع لحديث قوم ~~وسئل ابن عباس عن الفرق بينهما؟ قال: لا يبعد أحدهما عن الآخر: التحسس في ~~الخير والتجسس في الشر. # انتهى. # وقوله: "ولا تيئسوا من روح الله" الروح بالفتح فالسكون النفس أو النفس ~~الطيب ويكنى به عن الحالة التي هي ضد التعب وهي الراحة وذلك أن الشدة التي ~~فيها انقطاع الأسباب وانسداد طرق النجاة تتصور اختناقا وكظما للإنسان ~~وبالمقابلة الخروج إلى فسحة الفرج والظفر بالعافية تنفسا وروحا لقولهم يفرج ~~الهم وينفس الكرب فالروح المنسوب إليه تعالى هو الفرج بعد الشدة بإذن الله ~~ومشيته، وعلى من يؤمن بالله أن يعتقد أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ~~لا قاهر لمشيته ولا معقب لحكمه، وليس له أن ييأس من روح الله ويقنط من ~~رحمته فإنه تحديد لقدرته وفي معنى الكفر بإحاطته وسعة رحمته كما قال تعالى ~~حاكيا عن لسان يعقوب (عليه السلام): "أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون" وقال حاكيا عن لسان إبراهيم (عليه السلام): "ومن يقنط من رحمة ~~ربه إلا الضالون": الحجر: 56، وقد عد اليأس من روح الله في الأخبار ~~المأثورة من الكبائر الموبقة. # ومعنى الآية - ثم قال يعقوب لبنيه آمرا لهم - "يا بني اذهبوا ms4194 فتحسسوا" من ~~يوسف وأخيه" الذي أخذ بمصر وابحثوا عنهما لعلكم تظفرون بهما "ولا تيئسوا من ~~روح الله" والفرج الذي يرزقه الله بعد الشدة "أنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون" الذين لا يؤمنون بأن الله يقدر أن يكشف كل غمة وينفس عن كل كربة. # قوله تعالى: "فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ~~وجئنا ببضاعة مزجاة" إلخ، البضاعة المزجاة المتاع القليل، وفي الكلام حذف ~~والتقدير فساروا بني يعقوب إلى مصر ولما دخلوا على يوسف قالوا "إلخ". # كانت لهم - على ما يدل عليه السياق - حاجتان إلى العزيز ولا مطمع لهم ~~بحسب ظاهر الأسباب إلى قضائهما واستجابته عليهم فيهما. # إحداهما: أن يبيع منهم الطعام ولا ثمن عندهم يفي بما يريدونه من الطعام ~~على أنهم عرفوا بالكذب وسجل عليهم السرقة من قبل وهان أمرهم على العزيز لا ~~يرجى منه أن يكرمهم بما كان يكرمهم به في الجيئة الأولى. # وثانيتهما: أن يخلي عن سبيل أخيهم المأخوذ بالسرقة، وقد استيأسوا منه بعد ~~ما كانوا ألحوا عليه فأبى العزيز حتى عن تخلية سبيله بأخذ أحدهم مكانه. # ولذلك لما حضروا عند يوسف العزيز وكلموه وهم يريدون أخذ الطعام وإعتاق ~~أخيهم أوقفوا أنفسهم موقف التذلل والخضوع وبالغوا في رقة الكلام استرحاما ~~واستعطافا فذكروا أولا ما مسهم وأهلهم من الضر وسوء الحال ثم ذكروا قلة ما ~~أتوا به من البضاعة ثم سألوه إيفاء الكيل، وأما حديث أخيهم المأخوذ فلم ~~يصرحوا بسؤال تخلية سبيله بل سألوه أن يتصدق عليهم وإنما يتصدق بالمال ~~والطعام مال وأخوهم المسترق مال العزيز ظاهرا ثم حرضوه بقولهم: "إن الله ~~يجزي المتصدقين" وهو في معنى الدعاء. # فمعنى الآية: "يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر" وأحاط بنا جميعا المضيقة ~~وسوء الحال "وجئنا" إليك "ببضاعة مزجاة" ومتاع قليل لا يعدل ما نسألك من ~~الطعام غير أنه نهاية ما في وسعنا "فأوف لنا الكيل وتصدق علينا" وكأنهم ~~يريدون به أخاهم أو إياه والطعام "إن الله يجزي المتصدقين" خيرا. # وقد بدءوا القول بخطاب "يا أيها ms4195 العزيز" وختموه بما في معنى الدعاء وأتوا ~~خلاله بذكر سوء حالهم والاعتراف بقلة بضاعتهم وسؤاله أن يتصدق عليهم وهو من ~~أمر السؤال والموقف موقف الاسترحام ممن لا يستحق ذلك لسوء سابقته، وهم عصبة ~~قد اصطفوا أمام عزيز مصر. PageV11P125 # وعند ذلك تمت الكلمة الإلهية أنه سيرفع يوسف وأخاه ويضع عنده سائر بني ~~يعقوب لظلمهم، ولذلك لم يلبث يوسف (عليه السلام) دون أن أجابهم بقوله: "هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه" وعرفهم نفسه، وقد كان يمكنه (عليه السلام) أن ~~يخبر أباه وإخوته مكانه وأنه بمصر طول هذه المدة غير القصيرة لكن الله ~~سبحانه شاء أن يوقف إخوته أمامه ومعه أخوه المحسود موقف المذلة والمسكنة ~~وهو متك على أريكة العزة. # قوله تعالى: "قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون" إنما ~~يخاطب المخطىء المجرم بمثل هل علمت وأتدري وأرأيت ونحوها وهو عالم بما فعل ~~لتذكيره جزاء عمله ووبال ذنبه لكنه (عليه السلام) أعقب استفهامه بقوله: "إذ ~~أنتم جاهلون" وفيه تلقين عذر. # فقوله: "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه" مجرد تذكير لعملهم بهما من غير ~~توبيخ ومؤاخذة ليعرفهم من الله عليه وعلى أخيه وهذا من عجيب فتوة يوسف ~~(عليه السلام)، ويا لها من فتوة. # قوله تعالى: "قالوا ء إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينا" إلى آخر الآية تأكيد الجملة المستفهم عنها للدلالة على أن الشواهد ~~القطعية قامت على تحقق مضمونها وإنما يستفهم لمجرد الاعتراف فحسب. # وقد قامت الشواهد عندهم على كون العزيز هو أخاهم يوسف ولذلك سألوه ~~بقولهم: "ء إنك لأنت يوسف" مؤكدا بإن واللام وضمير الفصل فأجابهم بقوله: ~~"أنا يوسف وهذا أخي" وإنما ألحق أخاه بنفسه ولم يسألوا عنه وما كانوا ~~يجهلونه ليخبر عن من الله عليهما، وهما معا المحسودان ولذا قال: "قد من ~~الله علينا". # ثم أخبر عن سبب المن الإلهي بحسب ظاهر الأسباب فقال: "إنه من يتق ويصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" وفيه دعوتهم إلى الإحسان وبيان أنه يتحقق ~~بالتقوى والصبر. ms4196 # قوله تعالى: "قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين" الإيثار ~~هو الاختيار والتفضيل، والخطأ ضد الصواب والخاطىء والمخطىء من خطأ خطأ ~~وأخطأ إخطاء بمعنى واحد، ومعنى الآية ظاهر وفيها اعترافهم بالخطإ وتفضيل ~~الله يوسف عليهم. # قوله تعالى: "قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" ~~التثريب التوبيخ والمبالغة في اللوم وتعديد الذنوب، وإنما قيد نفي التثريب ~~باليوم ليدل على مكانة صفحه وإغماضه عن الانتقام منهم والظرف هذا الظرف هو ~~عزيز مصر أوتي النبوة والحكم وعلم الأحاديث ومعه أخوه وهم أذلاء بين يديه ~~معترفون بالخطيئة وإن الله آثره عليهم بالرغم من قولهم أول يوم: "ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين". # ثم دعا لهم واستغفر بقوله: "يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" وهذا دعاء ~~واستغفار منه لإخوته الذين ظلموه جميعا وإن كان الحاضرون عنده اليوم بعضهم ~~لا جميعهم كما يستفاد من قوله تعالى الآتي: "قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم" وسيجيء إن شاء الله تعالى. PageV11P126 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث: ~~قال: لما فقد يعقوب يوسف (عليهما السلام) اشتد حزنه عليه وبكاؤه حتى ابيضت ~~عيناه من الحزن واحتاج حاجة شديدة وتغيرت حالته، وكان يمتار القمح من مصر ~~لعياله في السنة مرتين: للشتاء والصيف، وإنه بعث عدة من ولده ببضاعة يسيرة ~~إلى مصر فرفع لهم رفقة خرجت. فلما دخلوا على يوسف وذلك بعد ما ولاه العزيز ~~مصر فعرفهم يوسف ولم يعرفه إخوته لهيبة الملك وعزته فقال لهم: هلموا ~~بضاعتكم قبل الرفاق، وقال لفتيانه عجلوا لهؤلاء الكيل وأوفهم فإذا فرغتم ~~فاجعلوا بضاعتهم هذه في رحالهم ولا تعلموهم بذلك ففعلوا ثم قال لهم يوسف: ~~قد بلغني أنه قد كان لكم أخوان من أبيكم فما فعلا؟ قالوا: أما الكبير منهما ~~فإن الذئب أكله، وأما الصغير فخلفناه عند أبيه وهو به ضنين وعليه شفيق. ~~قال: فإني أحب أن تأتوني به معكم إذا جئتم لتمتاروا فإن ms4197 لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا: سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون. فلما رجعوا ~~إلى أبيهم وفتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم في رحالهم قالوا: يا أبانا ما نبغي؟ ~~هذه بضاعتنا ردت إلينا وكيل لنا كيل قد زاد حمل بعير فأرسل معنا أخانا نكتل ~~وإنا له لحافظون قال: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل. فلما ~~احتاجوا بعد ستة أشهر بعثهم يعقوب وبعث معهم بضاعة يسيرة وبعث معهم ابن ~~يامين وأخذ عنهم بذلك موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم أجمعين ~~فانطلقوا مع الرفاق حتى دخلوا على يوسف فقال: هل معكم ابن يامين؟ قالوا: ~~نعم هو في الرحل قال لهم: فأتوني به وهو في دار الملك قد خلا وحده فأدخلوه ~~عليه فضمه إليه وبكى وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما تراني أعمل ~~واكتم ما أخبرتك به ولا تحزن ولا تخف. ثم أخرجه إليهم وأمر فتيانه أن ~~يأخذوا بضاعتهم ويعجلوا لهم الكيل فإذا فرغوا جعلوا المكيال في رحل ابن ~~يامين ففعلوا به ذلك وارتحل القوم مع الرفقة فمضوا فلحقهم يوسف وفتيته ~~فنادوا فيهم قال: أيتها العير إنكم لسارقون، قالوا وأقبلوا عليهم: ما ذا ~~تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا: ~~تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا: فما جزاؤه ~~إن كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه. قال: فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه قالوا: إن يسرق فقد سرق ~~أخ له من قبل فقال لهم يوسف: ارتحلوا عن بلادنا. قالوا: يا أيها العزيز إن ~~له أبا شيخا كبيرا وقد أخذ علينا موثقا من الله لنرد به إليه فخذ أحدنا ~~مكانه إنا نراك من المحسنين إن فعلت، قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده فقال كبيرهم: إني لست أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله ~~لي. ومضى إخوة يوسف حتى ms4198 دخلوا على يعقوب فقال لهم: فأين ابن يامين؟ قالوا: ~~ابن يامين سرق مكيال الملك فأخذه الملك بسرقته فحبس عنده فاسأل أهل القرية ~~والعير حتى يخبروك بذلك فاسترجع واستعبر واشتد حزنه حتى تقوس ظهره. # وفيه، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ~~صواع الملك الطاس الذي يشرب فيه. # أقول: وفي بعض الروايات أنه كان قدحا من ذهب وكان يكتال به يوسف (عليه ~~السلام). # وفيه، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) وفي نسخة عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: قيل له وأنا عنده إن سالم بن حفصة روى عنك أنك تكلم على ~~سبعين وجها لك منها المخرج. قال: ما يريد سالم مني؟ أيريد أن أجيء ~~بالملائكة فوالله ما جاء بهم النبيون، ولقد قال إبراهيم: إني سقيم ووالله ~~ما كان سقيما وما كذب، ولقد قال إبراهيم: بل فعله كبيرهم وما فعله كبيرهم ~~وما كذب، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا ~~وما كذب. # وفيه، عن رجل من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت عن قول ~~الله في يوسف: "أيتها العير إنكم لسارقون قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه ألا ~~ترى أنه قال لهم حين قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع ~~الملك ولم يقولوا: سرقتم صواع الملك إنما عنى أنكم سرقتم يوسف من أبيه. PageV11P127 # وفي الكافي، بإسناده عن الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): إنا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف "أيتها العير ~~إنكم لسارقون" فقال: والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم: "بل فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون" فقال: والله ما فعل وما كذب. قال: ~~فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما عندكم فيها يا صيقل؟ قلت: ما عندنا ~~فيها إلا التسليم. قال: فقال: إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين أحب الخطو ~~فيما بين الصفين وأحب الكذب في الإصلاح، وأبغض الخطو في الطرقات وأبغض ~~الكذب في ms4199 غير الإصلاح، إن إبراهيم إنما قال: بل فعله كبيرهم إرادة الإصلاح ~~ودلالة على أنهم لا يفعلون، وقال يوسف إرادة الإصلاح. # أقول: قوله (عليه السلام) إنه أراد الإصلاح لا ينافي ما في الرواية ~~السابقة أنه أراد به سرقهم يوسف من أبيه فكون ظاهر الكلام مما لا يطابق ~~الواقع غير كون المتكلم مريدا به معنى صحيحا في نفسه غير مفهوم منه في ظرف ~~التخاطب، والدليل على ذلك قوله (عليه السلام) إنه أراد الإصلاح ودل على ~~أنهم لا يفعلون حيث جمع بين المعنيين وللفظ بحسب أحدهما - وهو الثاني - ~~مطابق دون الآخر فافهمه وارجع إلى ما قدمناه في البيان. # وفي معنى الأحاديث الثلاثة الأخيرة أخبار أخر مروية في الكافي، والمعاني، ~~وتفسيري العياشي، والقمي،. # وفي تفسير العياشي، عن إسماعيل بن همام قال: قال الرضا (عليه السلام): في ~~قول الله تعالى: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل - فأسرها يوسف في نفسه ولم ~~يبدها لهم" قال: كان لإسحاق النبي منطقة يتوارثها الأنبياء والأكابر، وكانت ~~عند عمة يوسف، وكان يوسف عندها وكانت تحبه فبعث إليه أبوه أن ابعثه إلي ~~وأرده إليك فبعثت إليه أن دعه عندي الليلة لأشمه ثم أرسله إليك غدوة فلما ~~أصبحت أخذت المنطقة فربطها في حقوه وألبسته قميصا فبعثت به إليه وقالت: ~~سرقت المنطقة فوجدت عليه، وكان إذا سرق أحد في ذلك الزمان دفع إلى صاحب ~~السرقة فأخذته فكان عندها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): في قوله "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل" قال: سرق يوسف (عليه ~~السلام) صنما لجده أبي أمه من ذهب وفضة فكسره وألقاه في الطريق فعيره بذلك إخوته. # أقول: والرواية السابقة أقرب إلى الاعتماد، وقد رويت بطرق أخرى عن الأئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام)، ويؤيدها ما روي بغير واحد من طرق أهل البيت وطرق ~~غيرهم: أن السجان قال ليوسف: إني لأحبك فقال: لا تحبني فإن عمتي أحبتني ~~فنسبت إلي السرقة وأبي أحبني فحسدني إخوتي وألقوني في ms4200 الجب، وامرأة العزيز ~~أحبتني فألقوني في السجن. # وفي الكافي، بإسناده عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "إنا نراك من المحسنين" قال: كان يوسف يوسع ~~المجلس ويستقرض المحتاج ويعين الضعيف. # وفي تفسير البرهان، عن الحسين بن سعيد في كتاب التمحيص عن جابر قال: قلت ~~لأبي جعفر (عليه السلام): ما الصبر الجميل؟ قال: ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى ~~أحد من الناس إن إبراهيم بعث يعقوب إلى راهب من الرهبان عابد من العباد في ~~حاجة فلما رآه الراهب حسبه إبراهيم فوثب إليه فاعتنقه ثم قال: مرحبا بخليل ~~الرحمن فقال له يعقوب: لست بخليل الرحمن ولكن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ~~قال له الراهب: فما الذي بلغ بك ما أرى من الكبر؟ قال: الهم والحزن والسقم. ~~قال: فما جاز عتبة الباب حتى أوحى الله إليه: يا يعقوب شكوتني إلى العباد ~~فخر ساجدا عند عتبة الباب يقول: رب لا أعود فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك ~~فلا تعد إلى مثلها فما شكى شيئا مما أصابه من نوائب الدنيا إلا أنه قال ~~يوما: "إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله - وأعلم من الله ما لا تعلمون". # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن مسلم بن يسار يرفعه إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من بث لم يصبر ثم قرأ "إنما أشكوا ~~بثي وحزني إلى الله". PageV11P128 # أقول: ورواه أيضا عن ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): وفي الكافي، بإسناده عن حنان بن سدير عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن قول يعقوب لبنيه: "اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف وأخيه" إنه كان يعلم أنه حي وقد فارقهم منذ عشرين سنة؟ قال: نعم. قلت: ~~كيف علم؟ قال: إنه دعا في السحر وقد سأل الله أن يهبط عليه ملك الموت فهبط ~~عليه تربال وهو ملك الموت فقال له تربال: ما حاجتك يا يعقوب؟ ms4201 قال: أخبرني ~~عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة؟ فقال: بل أقبضها متفرقة روحا روحا. ~~قال: فمر بك روح يوسف؟ قال: لا، فعند ذلك علم أنه حي فعند ذلك قال لولده: ~~"اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه". # أقول: ورواه في المعاني، بإسناده عن حنان بن سدير عن أبيه عنه (عليه ~~السلام) وفيه: قال يعني يعقوب لملك الموت: أخبرني عن الأرواح تقبضها جملة ~~أو تفاريق؟ قال: يقبضها أعواني متفرقة وتعرض علي مجتمعة قال: فأسألك بإله ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف؟ قال: لا، فعند ذلك ~~علم أنه حي. # وفي الدر المنثور، أخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره وابن أبي الدنيا في ~~كتاب الفرج بعد الشدة وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ ~~والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وفيه: أتى جبريل فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ~~ويقول لك: أبشر وليفرح قلبك فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاما ~~للمساكين فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين. وتدري لم أذهبت بصرك وقوست ~~ظهرك وصنع إخوة يوسف به ما صنعوا؟ إنكم ذبحتم شاة فأتاكم مسكين وهو صائم ~~فلم تطعموه منه شيئا. فكان يعقوب (عليه السلام) إذا أراد الغداء أمر مناديا ~~ينادي ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب وإذا كان صائما أمر ~~مناديا فنادى ألا من كان صائما من المساكين فليفطر مع يعقوب. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "فالله خير حافظا" الآية: ورد في الخبر: أن ~~الله سبحانه قال: فبعزتي لأردنهما إليك من بعد ما توكلت علي. PageV11P129 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 93 - 102 # اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم أجمعين ~~(93) ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون (94) ~~قالوا تالله إنك لفى ضللك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه ~~فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون (96) قالوا ~~يأبانا ms4202 استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربى إنه ~~هو الغفور الرحيم (98) فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه وقال ادخلوا ~~مصر إن شاء الله ءامنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يأبت ~~هذا تأويل رءيى من قبل قد جعلها ربى حقا وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن ~~وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى إن ربى لطيف لما ~~يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) رب قد ءاتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل ~~الأحاديث فاطر السموت والأرض أنت ولى فى الدنيا والاخرة توفنى مسلما ~~وألحقنى بالصلحين (101) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ ~~أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) ### |||| AUTO بيان # ختام قصة يوسف (عليه السلام) وتتضمن الآيات أمر يوسف إخوته بحمل قميصه ~~إلى أبيه وإتيانهم إليه بأهلهم أجمعين ثم دخولهم مصر ولقاؤه أبويه. # قوله تعالى: "اذهبوا بقميصي هذا وألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني ~~بأهلكم أجمعين" تتمة كلام يوسف (عليه السلام) يأمر فيه إخوته أن يذهبوا ~~بقميصه إلى أبيه فيلقوه على وجهه ليشفي الله به عينيه ويأتي بصيرا بعد ما ~~صار من كثرة الحزن والبكاء ضريرا لا يبصر. # وهذا آخر العنايات البديعة التي أظهرها الله سبحانه في حق يوسف (عليه ~~السلام) على ما يقصه في هذه السورة مما غلب الله الأسباب فحولها إلى خلاف ~~الجهة التي كانت تجري إليها حسده إخوته فاستذلوه وغربوه عن مستقره بإلقائه ~~في الجب وبيعه من السيارة بثمن بخس فجعل الله سبحانه هذا السبب بعينه سببا ~~لقراره في بيت عزيز مصر في أكرم مثوى ثم أقره في أريكة عزة تضرع إليه ~~أمامها إخوته بقولهم "يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ~~فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين". # ثم أحبته امرأة العزيز ونسوة مصر فراودنه عن نفسه ليوردنه في مهلكة ~~الفجور فحفظه الله وجعل ذلك سببا لظهور براءة ساحته وكمال عفته، ثم استذلوه ~~فسجنوه فجعله الله سببا لعزته وملكه. ms4203 # وجاء إخوته إلى أبيه يوم ألقوه في غيابة الجب بقميصه الملطخ بالدم ~~فأخبروه بموته كذبا فكان القميص سببا لحزن أبيه وبكائه في فراق ابنه حتى ~~ابيضت عيناه وذهب بصره فرد الله سبحانه به بصره إليه وبالجملة اجتمعت ~~الأسباب على خفضه وأراد الله سبحانه رفعه فكان ما أراده الله دون الذي ~~توجهت إليه الأسباب والله غالب على أمره. # وقوله: "وأتوني بأهلكم أجمعين" أمر منه بانتقال بيت يعقوب من يعقوب وأهله ~~وبنيه وذراريه جميعا من البدو إلى مصر ونزولهم بها. # قوله تعالى: "ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لو لا أن ~~تفندون" الفصل القطع والانقطاع والتفنيد تفعيل من الفند بفتحتين وهو ضعف ~~الرأي، والمعنى لما خرجت العير الحاملة لقميص يوسف من مصر وانقطعت عنها قال ~~أبوهم يعقوب لمن عنده من بنيه: إني لأجد ريح يوسف لو لا أن ترموني بضعف ~~الرأي أي إني لأحس بريحه وأرى أن اللقاء قريب ومن حقه أن تذعنوا بما أجده ~~لو لا أن تخطئوني لكن من المحتمل أن تفندوني فلا تذعنوا بقولي. PageV11P130 # قوله تعالى: "قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم" القديم مقابل الجديد ~~والمراد به المتقدم وجودا، وهذا ما واجهه به بعض بنيه الحاضرين عنده، وهو ~~من سيء حظهم في هذه القصة تفوهوا بمثله في بدء القصة إذ قالوا: "إن أبانا ~~لفي ضلال مبين" وفي ختمها وهو قولهم هذا: "تالله إنك لفي ضلالك القديم". # والظاهر أن مرادهم بالضلال هاهنا هو مرادهم بالضلال هناك وهو المبالغة في ~~حب يوسف وذلك أنهم كانوا يرون أنهم أحق بالحب من يوسف وهم عصبة إليهم تدبير ~~بيته والدفاع عنه لكن أباهم قد ضل عن مستوى طريق الحكمة وقدم عليهم في الحب ~~طفلين صغيرين لا يغنيان عنه شيئا فأقبل بكله إليهما ونسيهم، ثم لما فقد ~~يوسف جزع له ولم يزل يجزع ويبكي حتى ذهبت عيناه وتقوس ظهره. # فهذا هو مرادهم من كونه في ضلاله القديم ليسوا يعنون به الضلال في الدين ~~حتى يصيروا بذلك كافرين:. # أما أولا: فلأن ما ذكر ms4204 من فصول كلامهم في خلال القصة يشهد على أنهم كانوا ~~موحدين على دين آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام). # وأما ثانيا: فلأن المقام هاهنا وكذا في بدء القصة حين قالوا: إن أبانا ~~لفي ضلال مبين" لا مساس له بالضلال في الدين حتى يحتمل رميهم أباهم فيه، ~~وإنما يمس أمرا عمليا حيويا وهو حب أب لبعض أولاده وتقديمه في الكرامة على ~~آخرين فهو المعنى بالضلال. # قوله تعالى: "فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون" البشير حامل البشارة وكان حامل القميص ~~وقوله "ألم أقل لكم إني أعلم" يشير (عليه السلام) إلى قوله لهم حين لاموه ~~على ذكر يوسف: "إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون"، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين" القائلون ~~بنو يعقوب بدليل قولهم: "يا أبانا" ويريدون بالذنوب ما فعلوه به في أمر ~~يوسف وأخيه، وأما يوسف فقد كان استغفر لهم قبل. # قوله تعالى: "قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم" أخر (عليه ~~السلام) الاستغفار لهم كما هو مدلول قوله: "سوف أستغفر لكم ربي" ولعله إنما ~~أخره ليتم له النعمة بلقاء يوسف وتطيب نفسه به كل الطيب بنسيان جميع آثار ~~الفراق ثم يستغفر لهم وفي بعض الأخبار: أنه أخره إلى وقت يستجاب فيه الدعاء ~~وسيجيء إن شاء الله. # قوله تعالى: "فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين" في الكلام حذف والتقدير فخرج يعقوب وآله من أرضهم وساروا إلى ~~مصر ولما دخلوا "إلخ". # وقوله: "آوى إليه أبويه" فسروه بضمهما إليه، وقوله: "وقال ادخلوا مصر إلخ. # ظاهر في أن يوسف خرج من مصر لاستقبالهما وضمهما إليه هناك ثم عرض لهما ~~دخول مصر إكراما وتأدبا وقد أبدع (عليه السلام) في قوله: "إن شاء الله ~~آمنين" حيث أعطاهم الأمن وأصدر لهم حكمه على سنة الملوك وقيد ذلك بمشية ~~الله ms4205 سبحانه للدلالة على أن المشية الإنسانية لا تؤثر أثرها كسائر الأسباب ~~إلا إذا وافقت المشية الإلهية على ما هو مقتضى التوحيد الخالص، وظاهر هذا ~~السياق أنه لم يكن لهم الدخول والاستقرار في مصر إلا بجواز من ناحية الملك، ~~ولذا أعطاهم الأمن في مبتدإ الأمر. # وقد ذكر سبحانه "أبويه" والمفسرون مختلفون في أنهما كانا والديه أباه ~~وأمه حقيقة أو أنهما يعقوب وزوجه خالة يوسف بالبناء على أن أمه ماتت وهو ~~صغير، ولا يوجد في كلامه تعالى ما يؤيد أحد المحتملين غير أن الظاهر من ~~الأبوين هما الحقيقيان. # ومعنى الآية "فلما دخلوا" أي أبواه وإخوته وأهلهم "على يوسف" وذلك في ~~خارج مصر "آوى" وضم "إليه أبويه وقال" لهم مؤمنا لهم "ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين". # قوله تعالى: "ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي" إلى آخر الآية، العرش هو السرير العالي ويكثر استعماله فيما يجلس ~~عليه الملك ويختص به، والخرور السقوط على الأرض والبدو البادية فإن يعقوب ~~كان يسكن البادية. PageV11P131 # وقوله: "ورفع أبويه على العرش" أي رفع يوسف أبويه على عرش الملك الذي كان ~~يجلس عليه ومقتضى الاعتبار وظاهر السياق أنهما رفعا على العرش بأمر من يوسف ~~تصداه خدمه لا هو بنفسه كما يشعر به قوله: "وخروا له سجدا" فإن الظاهر أن ~~السجدة إنما وقعت لأول ما طلع عليهم يوسف فكأنهم دخلوا البيت واطمأن بهم ~~المجلس ثم دخل عليهم يوسف فغشيهم النور الإلهي المتلألىء من جماله البديع ~~فلم يملكوا أنفسهم دون أن خروا له سجدا. # وقوله: "وخروا له سجدا" الضمير ليوسف كما يعطيه السياق فهو المسجود له، ~~وقول بعضهم: إن الضمير لله سبحانه نظرا إلى عدم جواز السجود لغير الله لا ~~دليل عليه من جهة اللفظ، وقد وقع نظيره في القرآن الكريم في قصة آدم ~~والملائكة قال تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس:" ~~طه: 116. # والدليل على أنها لم تكن منهم سجدة عبادة ليوسف أن بين هؤلاء الساجدين ~~يعقوب (عليه السلام) وهو ممن ms4206 نص القرآن الكريم على كونه مخلصا - بالفتح - ~~لله لا يشرك به شيئا، ويوسف (عليه السلام) - وهو المسجود له - منهم بنص ~~القرآن وهو القائل لصاحبيه في السجن: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ولم ~~يردعهم. # فليس إلا أنهم إنما أخذوا يوسف آية لله فاتخذوه قبلة في سجدتهم وعبدوا ~~الله بها لا غير كالكعبة التي تؤخذ قبلة فيصلي إليها فيعبد بها الله دون ~~الكعبة، ومن المعلوم أن الآية من حيث إنها آية لا نفسية لها أصلا فليس ~~المعبود عندها إلا الله سبحانه وتعالى، وقد تكرر الكلام في هذا المعنى فيما ~~تقدم من أجزاء الكتاب. # ومن هنا يظهر أن ما ذكروه في توجيه الآية كقول بعضهم: إن تحية الناس ~~يومئذ كانت هي السجدة كما أنها في الإسلام السلام، وقول بعضهم: إن سنة ~~العظيم كانت إذ ذاك السجدة ولم ينه عنها لغير الله بعد كما في الإسلام، ~~وقول بعضهم: كان سجودهم كهيئة الركوع كما يفعله الأعاجم كل ذلك غير وجيه. # قوله تعالى: "قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا" إلى ~~آخر الآية لما شاهد (عليه السلام) سجدة أبويه وإخوته الأحد عشر ذكر الرؤيا ~~التي رأى فيها أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين وأخبر بها أباه وهو ~~صغير فأولها له، فأشار إلى سجودهم له وقال: "يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ~~قد جعلها - أي الرؤيا - ربي حقا". # ثم أثنى على ربه شاكرا له فقال: "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن" فذكر ~~إحسان ربه به في إخراجه من السجن وهو ضراء وبلاء دفعه الله عنه بتبديله ~~سراء ونعمة من حيث لا يحتسب حيث جعله وسيلة لنيله العزة والملك. # ولم يذكر إخراجه من الجب قبل ذلك لحضور إخوته عنده وكان لا يريد أن يذكر ~~ما يسوؤهم ذكره كرما وفتوة بل أشار إلى ذلك بأحسن لفظ يمكن أن يشار به إليه ~~من غير أن يتضمن طعنا فيهم وشنآنا فقال: "وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ ~~الشيطان ms4207 بيني وبين إخوتي" والنزغ هو الدخول في أمر لإفساده. # والمراد: وقد أحسن بي من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي فكان من ~~الأمر ما كان فأدى ذلك إلى فراق بيني وبينكم فساقني ربي إلى مصر فأقرني في ~~أرغد عيش وأرفع عزة وملك ثم قرب بيننا بنقلكم من البادية إلي في دار ~~المدنية والحضارة. # يعني أنه كانت نوائب نزلت بي إثر إفساد الشيطان بيني وبين إخوتي ومما ~~أخصه بالذكر من بينها فراق بيني وبينكم ثم رزية السجن فأحسن بي ربي ودفعها ~~عني واحدة بعد أخرى ولم يكن من المحن والحوادث العادية بل رزايا صماء ~~وعقودا لا تنحل لكن ربي نفذ فيها بلطفه ونفوذ قدرته فبدلها أسباب حياة ~~ونعمة بعد ما كانت أسباب هلاك وشقاء ولهذه الثلاثة الأخيرة عقب قوله: "وقد ~~أحسن بي" إلخ بقوله: "إن ربي لطيف لما يشاء". # فقوله: "إن ربي لطيف لما يشاء" تعليل لإخراجه من السجن ومجيئهم من البدو، ~~ويشير به إلى ما خصه الله به من العناية والمنة وإن البلايا التي أحاطت به ~~لم تكن لتنحل عقدتها أو لتنحرف عن مجراها لكن الله لطيف لما يشاء نفذ فيها ~~فجعل عوامل الشدة عوامل رخاء وراحة وأسباب الذلة والرقية وسائل عزة وملك. PageV11P132 # واللطيف من أسمائه تعالى يدل على حضوره وإحاطته تعالى بما لا سبيل إلى ~~الحضور فيه والإحاطة به من باطن الأشياء وهو من فروع إحاطته تعالى بنفوذ ~~القدرة والعلم قال تعالى: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير": الملك: 14 ~~والأصل في معناه الصغر والدقة والنفوذ يقال: لطف الشيء بالضم يلطف لطافة ~~إذا صغر ودق حتى نفذ في المجاري والثقب الصغار، ويكنى به عن الإرفاق ~~والملاءمة والاسم اللطف. # وقوله: "هو العليم الحكيم" تعليل لجميع ما تقدم من قوله: "يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا" إلخ، وقد علل (عليه السلام) الكلام ~~وختمه بهذين الاسمين محاذاة لأبيه حيث تكلم في رؤياه وقال: "وكذلك يجتبيك ~~ربك - إلى أن قال - إن ربك عليم حكيم" وليس يبعد ms4208 أن يفيد اللام في قوله: ~~"العليم الحكيم" معنى العهد فيفيد تصديقه لقول أبيه (عليه السلام) والمعنى: ~~وهو ذاك العليم الحكيم الذي وصفته لي يوم أولت رؤياي. # قوله تعالى: "رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث" إلى آخر ~~الآية لما أثنى (عليه السلام) على ربه وعد ما دفع عنه من الشدائد والنوائب ~~أراد أن يذكر ما خصه به من النعم المثبتة وقد هاجت به المحبة الإلهية ~~وانقطع بها عن غيره تعالى فترك خطاب أبيه وانصرف عنه وعن غيره ملتفتا إلى ~~ربه وخاطب ربه عز اسمه فقال: "رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث". # وقوله: "فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة" إضراب وترق في ~~الثناء، ورجوع منه (عليه السلام) إلى ذكر أصل الولاية الإلهية بعد ما ذكر ~~بعض مظاهرها الجلية كإخراجه من السجن والمجيء بأهله من البدو وإيتائه من ~~الملك وتعليمه من تأويل الأحاديث فإن الله سبحانه رب فيما دق وجل معا، ولي ~~في الدنيا والآخرة جميعا. # وولايته تعالى أعني كونه قائما كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله منشأها ~~إيجاده تعالى إياها جميعا وإظهاره لها من كتم العدم فهو فاطر السماوات ~~والأرض ولذا يتوجه إليه تعالى قلوب أوليائه والمخلصين من عباده من طريق هذا ~~الاسم الذي يفيد وجوده تعالى لذاته وإيجاده لغيره قال تعالى: "قالت رسلهم ~~أفي الله شك فاطر السموات والأرض": إبراهيم: 10. # ولذا بدأ به يوسف (عليه السلام) - وهو من المخلصين - في ذكر ولايته فقال: ~~"فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة" أي إني تحت ولايتك ~~التامة من غير أن يكون لي صنع في نفسي واستقلال في ذاتي وصفاتي وأفعالي أو ~~أملك لنفسي شيئا من نفع أو ضر أو موت أو حياة أو نشور. # وقوله: "توفني مسلما وألحقني بالصالحين" لما استغرق (عليه السلام) في ~~مقام الذلة قبال رب العزة وشهد بولايته له في الدنيا والآخرة سأله سؤال ~~المملوك المولى عليه أن يجعله كما يستدعيه ولايته عليه في الدنيا والآخرة ~~وهو الإسلام ما دام حيا ms4209 في الدنيا والدخول في زمرة الصالحين في الآخرة فإن ~~كمال العبد المملوك أن يسلم لربه ما يريده منه ما دام حيا ولا يظهر منه ما ~~يكرهه ولا يرتضيه فيما يرجع إليه من الأعمال الاختيارية وأن يكون صالحا ~~لقرب مولاه لائقا لمواهبه السامية فيما لا يرجع إلى العبد واختياره، وهو ~~سؤاله (عليه السلام) الإسلام في الدنيا والدخول في زمرة الصالحين في الآخرة ~~وهو الذي منحه الله سبحانه لجده إبراهيم (عليه السلام): "ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين": البقرة: 131. # وهذا الإسلام الذي سأله (عليه السلام) أقصى درجات الإسلام وأعلى مراتبه، ~~وهو التسليم المحض لله سبحانه، وهو أن لا يرى العبد لنفسه ولا لآثار نفسه ~~شيئا من الاستقلال حتى لا يشغله شيء من نفسه ولا صفاتها ولا أعمالها من ~~ربه، وإذا نسب إليه تعالى كان إخلاصه عبده لنفسه. # ومما تقدم يظهر أن قوله: "توفني مسلما" سؤال منه لبقاء الإخلاص واستمرار ~~الإسلام ما دام حيا وبعبارة أخرى أن يعيش مسلما حتى يتوفاه الله فهو كناية ~~عن أن يثبته الله على الإسلام حتى يموت، وليس يراد به أن يموت في حال ~~الإسلام ولو لم يكن قبل ذلك مسلما، ولا سؤالا للموت وهو مسلم حتى يكون ~~المعنى أني مسلم فتوفني. PageV11P133 # ويتبين بذلك فساد ما روي عن عدة من قدماء المفسرين أن قوله: "توفني مسلما" ~~دعاء منه يسأل به الموت من الله سبحانه حتى قال بعضهم: لم يسأل أحد من ~~الأنبياء الموت من الله ولا تمناه إلا يوسف (عليه السلام). # قوله تعالى: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا ~~أمرهم وهم يمكرون" الإشارة إلى نبإ يوسف (عليه السلام)، والخطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وضمير الجمع لإخوة يوسف والإجماع العزم والإرادة. # وقوله: "وما كنت لديهم" إلخ، حال من ضمير الخطاب من "إليك" وقوله: "نوحيه ~~إليك وما كنت" إلى آخر الآية بيان لقوله: "ذلك من أنباء الغيب" والمعنى أن ~~نبأ يوسف ms4210 من أنباء الغيب فإنا نوحيه إليك والحال أنك ما كنت عند إخوة يوسف ~~إذ عزموا على أمرهم وهم يمكرون في أمر يوسف. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل ~~قال: قال يوسف لإخوته: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا بقميصي ~~هذا" الذي بلته دموع عيني "فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا" لو قد نشر ريحي ~~"وأتوني بأهلكم أجمعين" وردهم إلى يعقوب في ذلك اليوم، وجهزهم بجميع ما ~~يحتاجون إليه فلما فصلت عيرهم من مصر وجد يعقوب ريح يوسف فقال لمن بحضرته ~~من ولده إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون. قال: وأقبل ولده يحثون السير ~~بالقميص فرحا وسرورا بما رأوا من حال يوسف والملك الذي آتاه الله والعز ~~الذي صاروا إليه في سلطان يوسف، وكان مسيرهم من مصر إلى بلد يعقوب تسعة ~~أيام فلما أن جاء البشير ألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا، وقال لهم: ما ~~فعل ابن يامين؟ قالوا: خلفناه عند أخيه صالحا. قال: فحمد الله يعقوب عند ~~ذلك، وسجد لربه سجدة الشكر ورجع إليه بصره وتقوم له ظهره، وقال لولده: ~~تحملوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم فساروا إلى يوسف ومعهم يعقوب وخالة ~~يوسف "ياميل" فأحثوا السير فرحا وسرورا فساروا تسعة أيام إلى مصر. # أقول: كون امرأة يعقوب التي سارت معه إلى مصر وهي أم بنيامين خالة يوسف ~~لا أمه الحقيقية وقعت في عدة الروايات وظاهر الكتاب وبعض الروايات أنها ~~كانت أم يوسف وأنه وبنيامين كانا أخوين لأم وإن لم يكن ظهورا يدفع به تلك ~~الروايات. # وفي المجمع، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "ولما ~~فصلت العير قال أبوهم - إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون" قال: وجد يعقوب ~~ريح يوسف حين فصلت من مصر وهو بفلسطين من مسيرة عشرة ليال. # أقول: وقد ورد في عدة روايات من طرق العامة والخاصة أن القميص الذي أرسله ~~يوسف إلى يعقوب (عليهما ms4211 السلام) كان نازلا من الجنة، وأنه كان قميص إبراهيم ~~أنزله إليه جبريل حين ألقي في النار فألبسه إياه فكانت عليه بردا وسلاما ثم ~~أورثه إسحاق ثم ورثه يعقوب ثم جعله يعقوب تميمة وعلقه على يوسف حين ولد ~~فكان على عنقه حتى أخرجه يوسف من التميمة ففاحت ريح الجنة فوجدها يعقوب، ~~وهذه أخبار لا سبيل لنا إلى تصحيحها مضافا إلى ما فيها من ضعف الأسناد. # ومثلها روايات أخرى من الفريقين تتضمن كتابا كتبه يعقوب إلى يوسف وهو ~~يحسبه عزيز آل فرعون لاستخلاص بنيامين يذكر فيها أنه ابن إسحاق ذبيح الله ~~الذي أمر الله جده إبراهيم بذبحه ثم فداه بذبح عظيم. # وقد تقدم في الجزء السابق من الكتاب أن الذبيح هو إسماعيل دون إسحاق. # وفي تفسير العياشي، عن نشيط بن ناصح البجلي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): أكان إخوة يوسف أنبياء؟ قال: لا ولا بررة أتقياء وكيف؟ وهم يقولون ~~لأبيهم: تالله إنك لفي ضلالك القديم. # أقول: وفي الروايات من طرق أهل السنة وفي بعض الضعاف من روايات الشيعة ~~أنهم كانوا أنبياء، وهذه الروايات مدفوعة بما ثبت من طريق الكتاب والسنة ~~والعقل من عصمة الأنبياء (عليهم السلام)، وما ورد في الكتاب مما ظاهره كون ~~الأسباط أنبياء كقوله تعالى: "وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط": النساء: 163 غير صريح في كون المراد بالأسباط هم إخوة يوسف، ~~والأسباط تطلق على جميع الشعوب من بني إسرائيل الذين ينتهي نسبهم إلى يعقوب ~~(عليه السلام) قال تعالى: "وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما": الأعراف: 160. PageV11P134 # وفي الفقيه، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول يعقوب لبنيه: "سوف أستغفر لكم ربي" قال: أخرهم إلى السحر من ليلة ~~الجمعة. # أقول: وفي هذا المعنى بعض روايات أخر، وفي الدر المنثور، عن ابن جرير ~~وأبي الشيخ عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قول أخي ~~يعقوب لبنيه: "سوف أستغفر لكم ربي" يقول: حتى يأتي ليلة الجمعة. # وفي الكافي، بإسناده عن الفضل ms4212 بن أبي قرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خير وقت دعوتم الله فيه ~~الأسحار، وتلا هذه الآية في قول يعقوب "سوف أستغفر لكم ربي" أخرهم إلى السحر. # أقول: وروي نظيره في الدر المنثور، عن أبي الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل لم أخر يعقوب بنيه في ~~الاستغفار؟ قال: أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب. # وقد تقدم في بيان الآيات كلام في وجه التأخير ولقد أقبل يوسف (عليه ~~السلام) على إخوته حين عرفوه بالفتوة والكرامة من غير أن يجبههم بأدنى ما ~~يسوؤهم ولازم ذلك أن يعفو عنهم ويستغفر لهم بلا مهل ولم يكن موقف يعقوب ~~معهم حين ارتد إليه بصره بإلقاء القميص عليه ذاك الموقف. # وفي تفسير القمي، حدثني محمد بن عيسى: أن يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمد ~~بن علي بن موسى مسائل فعرضها على أبي الحسن، وكان أحدها: أخبرني عن قول ~~الله: "ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا" أسجد يعقوب وولده ليوسف وهم ~~أنبياء؟. فأجاب أبو الحسن (عليه السلام): أما سجود يعقوب وولده ليوسف فإنه ~~لم يكن ليوسف وإنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة لله وتحية ليوسف كما كان ~~السجود من الملائكة لآدم ولم يكن لآدم وإنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية ~~لآدم فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا لله تعالى لاجتماع شملهم ألم تر أنه ~~يقول في شكره ذلك الوقت: رب قد آتيتني من الملك - وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض - أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما - ~~وألحقني بالصالحين. الحديث. # أقول: وقد تقدم بعض الكلام في سجدتهم ليوسف في بيان الآيات، وظاهر الحديث ~~أن يوسف أيضا سجد معهم كما سجدوا وقد استدل عليه بقول يوسف في شكره: رب قد ~~آتيتني من الملك "إلخ" وفي دلالته على ذلك إبهام. # وقد روى الحديث العياشي في تفسيره، عن محمد بن سعيد الأزدي صاحب موسى بن ~~محمد ms4213 بن الرضا (عليه السلام): قال لأخيه: إن يحيى بن أكثم كتب إليه يسأله ~~عن مسائل فأخبرني عن قول الله: "ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا" أسجد ~~يعقوب وولده ليوسف؟. قال: فسألت أخي عن ذلك فقال: أما سجود يعقوب وولده ~~ليوسف فشكرا لله تعالى لاجتماع شملهم ألا ترى أنه يقول في شكر ذلك الوقت: ~~"رب قد آتيتني من الملك - وعلمتني من تأويل الأحاديث" الآية. # وما رواه العياشي أوفق بلفظ الآية وأسلم من الإشكال مما رواه القمي. # وفي تفسير العياشي، عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله: "ورفع أبويه على العرش" قال: العرش السرير، ~~وفي قوله: "وخروا له سجدا" قال: كان سجودهم ذلك عبادة لله. # وفيه، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: فسار تسعة ~~أيام إلى مصر فلما دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه فقبله وبكى، ~~ورفع خالته على سرير الملك ثم دخل منزله فادهن واكتحل ولبس ثياب العز ~~والملك ثم رجع إليهم وفي نسخة ثم خرج إليهم فلما رأوه سجدوا جميعا إعظاما ~~وشكرا لله فعند ذلك قال: "يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل إلى قوله - بيني ~~وبين إخوتي". # قال: ولم يكن يوسف في تلك العشرين السنة يدهن ولا يكتحل ولا يتطيب ولا ~~يضحك ولا يمس النساء حتى جمع الله ليعقوب شمله، وجمع بينه وبين يعقوب ~~وإخوته". PageV11P135 # وفي الكافي، بإسناده عن العباس بن هلال الشامي مولى أبي الحسن (عليه ~~السلام) عنه قال: قلت له: جعلت فداك ما أعجب إلى الناس من يأكل الجشب ويلبس ~~الخشن ويخشع. فقال: أما علمت أن يوسف نبي ابن نبي كان يلبس أقبية الديباج ~~مزرورة بالذهب فكان يجلس في مجالس آل فرعون يحكم فلم يحتج الناس إلى لباسه ~~وإنما احتاجوا إلى قسطه. وإنما يحتاج من الإمام في أن إذا قال صدق، وإذا ~~وعد أنجز، وإذا حكم عدل لأن الله لا يحرم طعاما ولا شرابا من حلال وحرم ~~الحرام قل أو ms4214 كثر وقد قال الله: "قل من حرم زينة الله - التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق". # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ~~كم عاش يعقوب مع يوسف بمصر بعد ما جمع الله ليعقوب شمله، وأراه تأويل رؤيا ~~يوسف الصادقة؟ قال: عاش حولين. قلت: فمن كان يومئذ الحجة لله في الأرض؟ ~~يعقوب أم يوسف؟ قال: كان يعقوب الحجة وكان الملك ليوسف فلما مات يعقوب حمل ~~يوسف عظام يعقوب في تابوت إلى أرض الشام فدفنه في بيت المقدس ثم كان يوسف ~~ابن يعقوب الحجة. # أقول: والروايات في قصته (عليه السلام) كثيرة اقتصرنا منها بما فيها مساس ~~بالآيات الكريمة على أن أكثرها لا يخلو من تشوش في المتن وضعف في السند. # ومما ورد في بعضها أن الله سبحانه جعل النبوة من آل يعقوب في صلب لاوي ~~وهو الذي منع إخوته عن قتل يوسف حيث قال: "لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة ~~الجب" الآية وهو القائل لإخوته حين أخذ يوسف أخاه باتهام السرقة: "فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين" فشكر الله له ذلك. # ومما ورد في عدة منها أن يوسف (عليه السلام) تزوج بامرأة العزيز وهي التي ~~راودته عن نفسه، وذلك بعد ما مات العزيز في خلال تلك السنين المجدبة، ولا ~~يبعد أن يكون ذلك شكرا منه تعالى لها حين صدقت يوسف بقولها: "الآن حصحص ~~الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين" لو صح الحديث. # كلام في قصة يوسف في فصول # 1 - قصته في القرآن: # هو يوسف النبي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل كان أحد أبناء يعقوب ~~الاثني عشر وأصغر إخوته غير أخيه بنيامين أراد الله سبحانه أن يتم عليه ~~نعمته بالعلم والحكم والعزة والملك ويرفع به قدر آل يعقوب فبشره وهو صغير ~~برؤيا رآها كان أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدة له فذكر ذلك لأبيه فوصاه ~~أبوه أن لا يقص رؤياه على إخوته فيحسدوه ثم أول ms4215 رؤياه أن الله سيجتبيه ~~ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب كما أتمها على ~~أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق. # كانت هذه الرؤيا نصب عين يوسف آخذة بمجامع قلبه، ولا يزال تنزع نفسه إلى ~~حب ربه والتوله إليه على ما به من علو النفس وصفاء الروح والخصائص الحميدة، ~~وكان ذا جمال بديع يبهر القول ويدهش الألباب. # وكان يعقوب يحبه حبا شديدا لما يشاهد فيه من الجمال البديع ويتفرس فيه من ~~صفاء السريرة ولا يفارقه ولا ساعة فثقل ذلك على إخوته الكبار واشتد حسدهم ~~له حتى اجتمعوا وتآمروا في أمره فمن مشير على قتله، ومن قائل: اطرحوه أرضا ~~يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين، ثم اجتمع رأيهم على ما ~~أشار به عليهم بعضهم وهو أن يلقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة وعقدوا ~~على ذلك. # فلقوا أباهم وكلموه أن يرسل يوسف معهم غدا يرتع ويلعب وهم له حافظون فلم ~~يرض به يعقوب واعتذر أنه يخاف أن يأكله الذئب فلم يزالوا به يراودونه حتى ~~أرضوه وأخذوه منه وذهبوا به معهم إلى مراتع أغنامهم بالبر فألقوه في جب ~~هناك وقد نزعوا قميصه. # ثم جاءوا بقميصه ملطخا بدم كذب إلى أبيهم وهو يبكون فأخبروه أنهم ذهبوا ~~اليوم للاستباق وتركوا يوسف عند متاعهم فأكله الذئب وهذا قميصه الملطخ بدمه. # فبكى يعقوب وقال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون، ولم يقل ذلك إلا بتفرس إلهي ألقي في روعه، ولم يزل يعقوب يذكر ~~يوسف ويبكي عليه ولا يتسلى عنه بشيء حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. # ومضى بنوه يراقبون الجب حتى جاءت سيارة فأرسلوا واردهم للاستقاء فأدلى ~~دلوه فتعلق يوسف بالدلو فخرج فاستبشروا به فدنى منهم بنو يعقوب وادعوا أنه ~~عبد لهم ثم ساوموهم حتى شروه بثمن بخس دراهم معدودة. PageV11P136 # وسارت به السيارة إلى مصر وعرضوه للبيع فاشتراه عزيز مصر وأدخله بيته وقال ~~لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وذلك لما كان ms4216 يشاهد في ~~وجهه من آثار الجلال وصفاء الروح على ما له من الجمال البديع فاستقر يوسف ~~في بيت العزيز في كرامة وأهنإ عيش، وهذا أول ما ظهر من لطيف عناية الله ~~بيوسف وعزيز ولايته له حيث توسل إخوته بإلقائه في الجب وبيعه من السيارة ~~إلى إماتة ذكره وتحريمه كرامة الحياة في بيت أبيه أما إماتة الذكر فلم ينسه ~~أبوه قط، وأما مزية الحياة فإن الله سبحان بدل له بيت الشعر وعيشة البدوية ~~قصرا ملكيا وحياة حضرية راقية فرفع الله قدره بعين ما أرادوا أن يحطوه ~~ويضعوه، وعلى ذلك جرى صنع الله به ما سار في مسير الحوادث. # وعاش يوسف في بيت العزيز في أهنإ عيش حتى كبر وبلغ أشده ولم يزل تزكو ~~نفسه ويصفو قلبه ويشتغل بربه حتى توله في حبه وأخلص له فصار لا هم له إلا ~~فيه فاجتباه الله وأخلصه لنفسه وآتاه حكما وعلما وكذلك يفعل بالمحسنين. # وعشقته امرأة العزيز وشغفها حبه حتى راودته عن نفسه وغلقت الأبواب ودعته ~~إلى نفسها و: "قالت هيت. # لك فامتنع يوسف واعتصم بعصمة إلهية وقال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ~~إنه لا يفلح الظالمون، واستبقا الباب واجتذبته وقدت قميصه من خلف وألفيا ~~سيدها لدى الباب فاتهمت يوسف بأنه كان يريد بها سوءا وأنكر يوسف ذلك غير أن ~~العناية الإلهية أدركته فشهد صبي هناك في المهد ببراءته فبرأه الله. # ثم ابتلي بحب نساء مصر ومراودتهن وشاع أمر امرأة العزيز حتى آل الأمر إلى ~~دخوله السجن، وقد توسلت امرأة العزيز بذلك إلى تأديبه ليجيبها إلى ما تريد، ~~والعزيز إلى أن يسكت هذه الأراجيف الشائعة التي كانت تذهب بكرامة بيته ~~وتشوه جميل ذكره. # فدخل يوسف السجن ودخل معه السجن فتيان للملك فذكر أحدهما أنه رأى في ~~منامه أنه يعصر خمرا والآخر رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، ~~وسألاه أن يؤول منامهما فأول رؤيا الأول أنه سيخرج فيصير ساقيا للملك، ~~ورؤيا الثاني أنه سيصلب فتأكل الطير من رأسه فكان كما قال: وقال ms4217 يوسف للذي ~~رأى أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن ~~بضع سنين. # وبعد بضع من السنين رأى الملك رؤيا هالته فذكرها لملإه وقال: إني أرى سبع ~~بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ ~~أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل ~~الأحلام بعالمين، وعند ذلك ادكر الساقي يوسف وتعبيره لمنامه فذكر ذلك للملك ~~واستأذنه أن يراجع السجن ويستفتي يوسف في أمر الرؤيا فأذن له في ذلك وأرسله إليه. # ولما جاءه واستفتاه في أمر الرؤيا وذكر أن الناس ينتظرون أن يكشف لهم ~~أمرها قال: تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحسنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. # فلما سمع الملك ما أفتى به يوسف أعجبه ذلك وأمر بإطلاقه وإحضاره ولما ~~جاءه الرسول لتنفيذ أمر الملك أبى الخروج والحضور إلا أن يحقق الملك ما جرى ~~بينه وبين النسوة ويحكم بينه وبينهن ولما أحضرهن وكلمهن في أمره اتفقن على ~~تبرئته من جميع ما اتهم به وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء، وقالت امرأة ~~العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فاستعظم ~~الملك أمره في علمه وحكمه واستقامته وأمانته فأمر بإطلاقه وإحضاره معززا ~~وقال: ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما حضر وكلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين وقد محصت أحسن التمحيص واختبرت أدق الاختبار. PageV11P137 # قال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض أرض مصر إني حفيظ عليم حتى أهيىء الدولة ~~في هذه السنين السبع المخصبة التي تجري على الناس لإنجائهم مما يهددهم من ~~السنين السبع المجدبة فأجابه الملك على ذلك فقام يوسف بالأمر وأمر بإجادة ~~الزرع وإكثاره وجمع الطعام والميرة وحفظه في المخازن بالحزم والتدبير حتى ~~إذا دهمهم السنون المجدبة وضع فيهم الأرزاق وقسم بينهم الطعام حتى ms4218 أنجاهم ~~الله بذلك من المخمصة، وفي هذه السنين انتصب يوسف لمقام عزة مصر، واستولى ~~على سرير الملك فكان السجن طريقا له يسلك به إلى أريكة العزة والملك بإذن ~~الله، وقد كانوا تسببوا به إلى إخماد ذكره، وإنسائه من قلوب الناس، وإخفائه ~~من أعينهم. # وفي بعض تلك السنين المجدبة دخل على يوسف إخوته لأخذ الطعام فعرفهم وهم ~~له منكرون فاستفسرهم عن شأنهم وعن أنفسهم فذكروا له أنهم أبناء يعقوب وأنهم ~~أحد عشر أخا أصغرهم عند أبيهم يأنس به ولا يدعه يفارقه قط فأظهر يوسف أنه ~~يشتاق أن يراه فيعرف ما باله يخصه أبوه بنفسه فأمرهم أن يأتوه به إن رجعوا ~~إليه ثانيا للامتيار، وزاد في إكرامهم وإيفاء كيلهم فأعطوه العهد بذلك، ~~وأمر فتيانه أن يدسوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون. # ولما رجعوا إلى أبيهم حدثوه بما جرى بينهم وبين عزيز مصر وأنه منع منهم ~~الكيل إلا أن يرجعوا إليه بأخيهم بنيامين فامتنع أبوهم من ذلك ولما فتحوا ~~متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم فراجعوا أباهم وذكروا له ذلك وأصروا على ~~إرسال بنيامين معهم إلى مصر وهو يأبى حتى وافقهم على ذلك بعد أن أخذ منهم ~~موثقا من الله ليأتنه به إلا أن يحاط بهم. # ثم تجهزوا ثانيا وسافروا إلى مصر ومعهم بنيامين ولما دخلوا على يوسف آوى ~~إليه أخاه وعرفه نفسه وقال: إني أنا أخوك وأخبره أنه يريد أن يحبسه عنده ~~فعليه أن لا يبتئس بما سيشاهد من الكيد. # ولما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه فأذن مؤذن أيتها العير إنكم ~~لسارقون قالوا - وأقبلوا عليهم - ما ذا تفقدون قالوا: نفقد صواع الملك ولمن ~~جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض وما كنا سارقين. قالوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا: جزاؤه من ~~وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي السارق فيما بيننا فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء ~~أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ثم أمر بالقبض عليه ms4219 واسترقه بذلك. # فراجعه إخوته في إطلاقه حتى سألوه أن يأخذ أحدهم مكانه رحمة بأبيه الشيخ ~~الكبير فلم ينفع فرجعوا إلى أبيهم آيسين غير أن كبيرهم قال لهم: ألم تعلموا ~~أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين فبقي بمصر وساروا. # فلما رجعوا إلى أبيهم وقصوا عليه القصص قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ثم تولى عنهم وقال، يا أسفى على ~~يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم فلما لاموه على حزنه الطويل ووجده ~~ليوسف قال: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ثم ~~قال لهم: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله فإني ~~أرجو أن تظفروا بهما. # فسار نفر منهم إلى مصر واستأذنوا على يوسف فلما شخصوا عنده تضرعوا إليه ~~واسترحموه في أنفسهم وأهلهم وأخيهم الذي استرقه قائلين: يا أيها العزيز قد ~~مسنا وأهلنا الضر بالجدب والسنة وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق ~~علينا بأخينا الذي تملكته بالاسترقاق إن الله يجزي المتصدقين. # وعند ذلك حقت كلمته تعالى ليعزن يوسف بالرغم من استذلالهم له وليرفعن ~~قدره وقدر أخيه وليضعن الباغين الحاسدين لهما فأراد يوسف أن يعرفهم نفسه ~~وقال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ قالوا: أإنك لأنت ~~يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ~~فاعترفوا بذنبهم وشهدوا أن الأمر إلى الله يعز من يشاء ويذل من يشاء وأن ~~العاقبة للمتقين وأن الله مع الصابرين. PageV11P138 # فقابلهم يوسف بالعفو والاستغفار وقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وقربهم إليه وزاد في إكرامهم. # ثم أمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم ويذهبوا بقميصه فيلقوه على وجه أبيه يأت ~~بصيرا فتجهزوا ms4220 للسير ولما فصلت العير قال يعقوب لمن عنده من بنيه: إني لأجد ~~ريح يوسف لو لا أن تفندون قال من عنده من بنيه: تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم، ولما جاءه البشير ألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا فرد الله ~~سبحانه إليه بصره بعين ما ذهب به وهو القميص قال يعقوب لبنيه: ألم أقل لكم: ~~إني أعلم من الله ما لا تعلمون قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين قال: سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور رحيم. # ثم تجهزوا للمسير إلى يوسف واستقبلهم يوسف وضم إليه أبويه وأعطاهم الأمن ~~وأدخلهم دار الملك ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا يعقوب وامرأته وأحد ~~عشر من ولده، قال يوسف يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ثم ~~شكر الله على لطيف صنعه في دفع النوائب العظام عنه وإيتائه الملك والعلم. # وبقي آل يعقوب بمصر، وكان أهل مصر يحبون يوسف حبا شديدا لفضل نعمته عليهم ~~وحسن بلائه فيهم، وكان يدعوهم إلى دين التوحيد وملة آبائه إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب (عليهما السلام) كما ورد في قصة السجن وفي سورة المؤمن. # 2 - ما أثنى الله عليه ومنزلته المعنوية: # - كان (عليه السلام) من المخلصين وكان صديقا وكان من المحسنين، وقد آتاه ~~الله حكما وعلما وعلمه من تأويل الأحاديث وقد اجتباه الله وأتم نعمته عليه ~~وألحقه بالصالحين سورة يوسف وأثنى عليه بما أثنى على آل نوح وإبراهيم (عليه ~~السلام) من الأنبياء وقد ذكره فيهم سورة الأنعام. # 3 - قصته في التوراة الحاضرة: # قالت التوراة: وكان بنو يعقوب اثني عشرة: بنو ليئة رأوبين بكر يعقوب ~~وشمعون ولاوي ويهودا ويساكر وزنولون، وابنا راحيل يوسف، وبنيامين، وابنا ~~بلهة جارية راحيل دان، ونفتالي، وابنا زلفة جارية ليئة جاد، وأشير. # هؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا في فدان أرام. # قالت يوسف إذ كان ابن سبع عشرة سنة كان يرعى مع إخوته الغنم وهو غلام عند ~~بني بلهة وبني زلفة امرأتي أبيه، وأتى يوسف بنميمتهم الردية إلى أبيهم، ~~وأما إسرائيل ms4221 فأحب يوسف أكثر من سائر بنيه لأنه ابن شيخوخته فصنع له قميصا ~~ملونا فلما رأى إخوته أن أباهم أحبه أكثر من جميع إخوته أبغضوه ولم ~~يستطيعوا أن يكلموه بسلام. # وحلم يوسف حلما فأخبر إخوته فازدادوا أيضا بغضا له فقال لهم: اسمعوا هذا ~~الحلم الذي حلمت: فها نحن حازمون حزما في الحفل وإذا حزمتي قامت وانتصبت ~~فاحتاطت حزمكم وسجدت لحزمتي. # فقال له إخوته ألعلك تملك علينا ملكا أم تتسلط علينا تسلطا، وازدادوا ~~أيضا بغضا له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه. # ثم حلم أيضا حلما آخر وقصه على إخوته فقال: إني قد حلمت حلما أيضا وإذا ~~الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي، وقصه على أبيه وعلى إخوته فانتهره ~~أبوه وقال له: ما هذا الحلم الذي حلمت؟ هل يأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك ~~إلى الأرض فحسده إخوته وأما أبوه فحفظ الأمر. # ومضى إخوته ليرعوا غنم أبيهم عند شكيم فقال إسرائيل ليوسف: أليس إخوتك ~~يرعون عند شكيم؟ تعال فأرسلك إليهم، فقال له: ها أنا ذا فقال له: اذهب انظر ~~سلامة إخوتك وسلامة الغنم ورد لي خبرا فأرسله من وطاء حبرون فأتى إلى شكيم ~~فوجده رجل وإذا هو ضال في الحفل فسأله الرجل قائلا: ما ذا تطلب؟ فقال: أنا ~~طالب إخوتي أخبرني أين يرعون؟ فقال الرجل: قد ارتحلوا من هنا لأني سمعتهم ~~يقولون: لنذهب إلى دوثان فذهب يوسف وراء إخوته فوجدهم في دوثان. # فلما أبصروه من بعيد قبل ما اقترب إليهم احتالوا له ليميتوه فقال بعضهم ~~لبعض: هو ذا هذا صاحب الأحلام قادم فلآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى هذه ~~الآبار ونقول: وحش ردي أكله فنرى ما ذا يكون أحلامه؟ فسمع رأوبين وأنقذه من ~~أيديهم وقال: لا نقتله وقال لهم رأوبين: لا تسفكوا دما اطرحوه في هذه البئر ~~التي في البرية ولا تمدوا إليه يدا لكي ينقذه من أيديهم ليرده إلى أبيه ~~فكان لما جاء يوسف إلى إخوته أنهم خلعوا عن يوسف قميصه القميص الملون الذي ~~عليه وأخذوه وطرحوه في البئر وأما ms4222 البئر فكانت فارغة ليس فيها ماء. PageV11P139 # ثم جلسوا ليأكلوا طعاما فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة ~~من جلعاد، وجمالهم حاملة كتيراء وبلسانا ولادنا ذاهبين لينزلوا بها إلى مصر ~~فقال يهوذا لإخوته: ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه؟ تعالوا فنبيعه ~~للإسماعيليين ولا تكن أيدينا عليه لأنه أخونا ولحمنا فسمع له إخوته. # واجتاز رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوا يوسف ~~للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا بيوسف إلى مصر، ورجع رأوبين إلى البئر ~~وإذا يوسف ليس في البئر فمزق ثيابه ثم رجع إلى إخوته وقال: الولد ليس ~~موجودا، وأنا إلى أين أذهب؟. # فأخذوا قميص يوسف وذبحوا تيسا من المعزى وغمسوا القميص في الدم، وأرسلوا ~~القميص الملون وأحضروه إلى أبيهم وقالوا: وجدنا هذا، حقق أقميص ابنك هو أم ~~لا؟ فتحققه وقال: قميص ابني وحش ردي أكله افترس يوسف افتراسا فمزق يعقوب ~~ثيابه ووضع مسحا على حقويه وناح على ابنه أياما كثيرة فقام جميع بنيه وجميع ~~بناته ليعزوه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية ~~وبكى عليه أبوه. # قالت التوراة: وأما يوسف فأنزل إلى مصر واشتراه - فوطيفار خصي فرعون رئيس ~~الشرط رجل مصري - من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه إلى هناك، وكان الرب مع ~~يوسف - فكان رجلا ناجحا وكان في بيت سيده المصري. # ورأى سيده أن الرب معه، وأن كل ما يصنع كان الرب ينجحه بيده - فوجد يوسف ~~نعمة في عينيه وخدمه فوكله إلى بيته - ودفع إلى يده كل ما كان له، وكان من ~~حين وكله على بيته - وعلى كل ما كان له أن الرب بارك بيت المصري بسبب يوسف، ~~وكانت بركة الرب على كل ما كان له في البيت - وفي الحفل فترك كل ما كان له ~~في يد يوسف - ولم يكن معه يعرف شيئا إلا الخبز الذي يأكل، وكان يوسف حسن ~~الصورة وحسن المنظر. # وحدث بعد هذه الأمور - أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف - وقالت: ~~اضطجع معي فأبى - وقال لامرأة سيده: هو ذا سيدي لا ms4223 يعرف معي ما في البيت - ~~وكل ماله قد دفعه إلي ليس هو في هذا البيت، ولم يمسك عني شيئا غيرك لأنك ~~امرأته - فكيف أصنع هذا الشر العظيم؟ وأخطىء إلى الله؟ وكان إذ كلمت يوسف ~~يوما فيوما - أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها. # ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله - ولم يكن إنسان من أهل ~~البيت هناك في البيت - فأمسكته بثوبه قائلة: اضطجع معي - فترك ثوبه في يدها ~~وهرب وخرج إلى خارج، وكان لما رأت أنه ترك ثوبه في يدها وهرب إلى خارج - ~~أنها نادت أهل بيتها وكلمتهم قائلة: انظروا! قد جاء إلينا برجل عبراني ~~ليداعبنا. # دخل إلي ليضطجع معي فصرخت بصوت عظيم، وكان لما سمع أني رفعت صوتي - وصرخت ~~أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب وخرج إلى خارج. # فوضعت ثوبه بجانبها حتى جاء سيده إلى بيته - فكلمته بمثل هذا الكلام ~~قائلة: دخل إلي العبد العبراني الذي جئت به إلينا ليداعبني - وكان لما رفعت ~~صوتي - وصرخت أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب إلى خارج. # فكان لما سمع سيده كلام امرأته الذي كلمته به قائلة - بحسب هذا الكلام ~~صنع بي عبدك أن غضبه حمي - فأخذ يوسف سيده ووضعه في بيت السجن - المكان ~~الذي كان أسرى الملك محبوسين فيه، وكان هناك في بيت السجن. # ولكن الرب كان مع يوسف وبسط إليه لطفا - وجعل نعمة له في عيني رئيس بيت ~~السجن - فدفع رئيس بيت السجن إلى يد يوسف جميع الأسرى - الذين في بيت ~~السجن، وكل ما كانوا يعملون هناك كان هو العامل، ولم يكن رئيس بيت السجن ~~ينظر شيئا البتة مما في يده - لأن الرب كان معه، ومهما صنع كان الرب ينجحه. # ثم ساقت التوراة قصة صاحبي السجن ورؤياهما ورؤيا فرعون مصر - وملخصه ~~أنهما كانا رئيس سقاة فرعون ورئيس الخبازين - أذنباه فحبسهما فرعون في سجن ~~رئيس الشرط عند يوسف - فرأى رئيس السقاة في منامه أنه يعصر خمرا، والآخر أن ~~الطير تأكل من طعام حمله على رأسه - فاستفتيا يوسف فعبر رؤيا ms4224 الأول - ~~برجوعه إلى سقي فرعون شغله السابق، والثاني بصلبه وأكل الطير من لحمه، وسأل ~~الساقي أن يذكره عند فرعون - لعله يخرج من السجن لكن الشيطان أنساه ذلك. PageV11P140 # ثم بعد سنتين رأى فرعون في منامه - سبع بقرات سمان حسنة المنظر خرجت من نهر ~~- وسبع بقرات مهزولة قبيحة المنظر وقفت على الشاطىء - فأكلت المهازيل ~~السمان فاستيقظ فرعون - ثم نام فرأى سبع سنابل خضر حسنة سمينة - وسبع سنابل ~~رقيقة ملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها - فأكلت الرقيقة السمينة فهال ~~فرعون ذلك - وجمع سحرة مصر وحكمائها - وقص عليهم رؤياه فعجزوا عن تعبيره. # وعند ذلك ادكر رئيس السقاة يوسف - فذكره لفرعون وذكر ما شاهده من عجيب ~~تعبيره للمنام - فأمر فرعون بإحضاره - فلما أدخل عليه كلمه - واستفتاه فيما ~~رآه في منامه مرة بعد أخرى - فقال يوسف لفرعون حلم فرعون واحد - قد أخبر ~~الله فرعون بما هو صانع: البقرات السبع الحسنة في سبع سنين - وسنابل سبع ~~الحسنة في سبع سنين هو حلم واحد، والبقرات السبع الرقيقة القبيحة - التي ~~طلعت وراءها هي سبع سنين - والسنابل السبع الفارغة الملفوحة بالريح الشرقية ~~- يكون سبع سنين جوعا. # هو الأمر الذي كلمت به فرعون - قد أظهر الله لفرعون وما هو صانع، هو ذا ~~سبع سنين قادمة شعبا عظيما في كل أرض مصر - ثم تقوم بعدها سبع سنين جوعا - ~~فينسى كل السبع في أرض مصر ويتلف الجوع الأرض، ولا يعرف السبع في الأرض من ~~أجل ذلك الجوع بعده - لأنه يكون شديدا جدا، وأما عن تكرار الحلم على فرعون ~~مرتين - فلأن الأمر مقرر من عند الله والله مسرع لصنعه. # فلآن لينظر فرعون رجلا بصيرا وحكيما - ويجعله على أرض مصر يفعل فرعون ~~فيوكل نظارا على الأرض - ويأخذ خمس غلة أرض مصر في سبع سني الشبع - فيجمعون ~~جميع طعام هذه السنين الجيدة القادمة - ويخزنون قمحا تحت يد فرعون طعاما في ~~المدن - ويحفظونه فيكون الطعام ذخيرة للأرض - لسبع سني الجوع التي تكون في ~~أرض مصر - فلا تنقرض الأرض بالجوع. # قالت التوراة ما ملخصه - أن فرعون استحسن كلام يوسف ms4225 وتعبيره وأكرمه - ~~وأعطاه إمارة المملكة في جميع شئونها - وخلع عليه بخاتمه وألبسه ثياب بوص - ~~ووضع طوق ذهب في عنقه - وأركبه في مركبته الخاصة ونودي أمامه: أن اركعوا، ~~وأخذ يوسف يدبر الأمور في سني الخصب - ثم في سني الجدب أحسن إدارة. # ثم قالت التوراة ما ملخصه - أنه لما عمت السنة أرض كنعان - أمر يعقوب ~~بنيه أن يهبطوا إلى مصر - فيأخذوا طعاما فساروا ودخلوا على يوسف - فعرفهم ~~وتنكر لهم وكلمهم بجفاء وسألهم من أين جئتم؟ قالوا: من أرض كنعان لنشتري ~~طعاما - قال يوسف: بل جواسيس أنتم جئتم إلى أرضنا لتفسدوها - قالوا: نحن ~~جميعا أبناء رجل واحد في كنعان - كنا اثني عشر أخا فقد منا واحد - وبقي ~~أصغرنا ها هو اليوم عند أبينا، والباقون بحضرتك - ونحن جميعا أمناء لا نعرف ~~الفساد والشر. # قال يوسف: لا وحياة فرعون نحن نراكم جواسيس - ولا نخلي سبيلكم حتى ~~تحضرونا أخاكم الصغير - حتى نصدقكم فيما تدعون فأمر بهم فحبسوا ثلاثة أيام ~~- ثم أحضرهم وأخذ من بينهم شمعون وقيده أمام عيونهم - وأذن لهم أن يرجعوا ~~إلى كنعان ويجيئوا بأخيهم الصغير. # ثم أمر أن يملأ أوعيتهم قمحا وترد فضة كل واحد منهم إلى عدله - ففعل ~~فرجعوا إلى أبيهم وقصوا عليه القصص - فأبى يعقوب أن يرسل بنيامين معهم - وقال. # أعدمتموني الأولاد يوسف مفقود وشمعون مفقود - وبنيامين تريدون أن تأخذوه ~~لا يكون ذلك أبدا - وقال: قد أسأتم في قولكم للرجل: إن لكم أخا تركتموه ~~عندي قالوا: إنه سأل عنا وعن عشيرتنا قائلا: هل أبوكم حي بعد؟ وهل لكم أخ ~~آخر - فأخبرناه كما سألنا وما كنا نعلم أنه سيقول. # جيئوا إلي بأخيكم. # فلم يزل يعقوب يمتنع - حتى أعطاه يهودا الموثق أن يرد إليه بنيامين - ~~فأذن في ذهابهم به معهم، وأمرهم أن يأخذوا من أحسن متاع الأرض هدية إلى ~~الرجل - وأن يأخذوا معهم أصرة الفضة - التي ردت إليهم في أوعيتهم ففعلوا. # ولما وردوا مصر لقوا وكيل يوسف على أموره - وأخبروه بحاجتهم وأن بضاعتهم ~~ردت إليهم في رحالهم - وعرضوا له هديتهم فرحب بهم وأكرمهم - وأخبرهم ms4226 أن ~~فضتهم لهم وأخرج إليهم شمعون الرهين - ثم أدخلهم على يوسف فسجدوا له وقدموا ~~إليه هديتهم - فرحب بهم واستفسرهم عن حالهم وعن سلامة أبيهم - وعرضوا عليه ~~أخاهم الصغير فأكرمه ودعا له - ثم أمر بتقديم الطعام فقدم له وحده، ولهم ~~وحدهم ولمن عنده من المصريين وحدهم. PageV11P141 # ثم أمر وكيله أن يملأ أوعيتهم طعاما - وأن يدس فيها هديتهم - وأن يضع طاسة ~~في عدل أخيهم الصغير ففعل - فلما أضاء الصبح من غد شدوا الرحال على الحمير ~~وانصرفوا. # فلما خرجوا من المدينة - ولما يبتعدوا قال لوكيله أدرك القوم وقل لهم: ~~بئس ما صنعتم جازيتم الإحسان بالإساءة - سرقتم طاس سيدي الذي يشرب فيه - ~~ويتفأل به فتبهتوا من استماع هذا القول، وقالوا: حاشانا من ذلك، هو ذا ~~الفضة التي وجدناها في أفواه عدالنا جئنا بها إليكم من كنعان - فكيف نسرق ~~من بيت سيدك فضة أو ذهبا، من وجد الطاس في رحله يقتل - ونحن جميعا عبيد ~~سيدك - فرضي بما ذكروا له من الجزاء فبادروا إلى عدولهم، وأنزل كل واحد ~~منهم عدله وفتحه - فأخذ يفتشها وابتدأ من الكبير - حتى انتهى إلى الصغير ~~وأخرج الطاس من عدله. # فلما رأى ذلك إخوته مزقوا ثيابهم - ورجعوا إلى المدينة ودخلوا على يوسف - ~~وأعادوا عليه قولهم معتذرين معترفين بالذنب - وعليهم سيماء الصغار والهوان ~~والخجل - فقال: حاشا أن نأخذ إلا من وجد متاعنا عنده، وأما أنتم فارجعوا ~~بسلام إلى أبيكم. # فتقدم إليه يهوذا وتضرع إليه واسترحمه - وذكر له قصتهم مع أبيهم - حين ~~أمرهم يوسف بإحضار بنيامين - فسألوا أباهم ذلك فأبى أشد الإباء - حتى آتاه ~~يهوذا الميثاق على أن يرد بنيامين إليه - وذكر أنهم لا يستطيعون أن يلاقوا ~~أباهم - وليس معهم بنيامين، وأن أباهم الشيخ لو سمع منهم ذلك لمات من وقته ~~- ثم سأله أن يأخذه مكان بنيامين عبدا لنفسه ويطلق بنيامين - لتقر بذلك عين ~~أبيهم المستأنس به بعد فقد أخيه من أمه يوسف. # قالت التوراة: فلم يستطع يوسف أن يضبط نفسه لدى جميع الواقفين عنده - ~~فصرخ أخرجوا كل إنسان عني فلم يقف أحد عنده ms4227 - حين عرف يوسف إخوته بنفسه ~~فأطلق صوته بالبكاء - فسمع المصريون وسمع بيت فرعون، وقال يوسف لإخوته: أنا ~~يوسف أحي أبي بعد؟ فلما يستطيع إخوته أن يجيبوه لأنهم ارتاعوا منه. # وقال يوسف لإخوته: تقدموا إلي، فتقدموا فقال: أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه ~~إلى مصر - والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا - لأنه ~~لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم - لأن للجوع في الأرض الآن سنتين وخمس ~~سنين أيضا - لا يكون فيها فلاحة ولا حصاد - فقد أرسلني الله قدامكم ليجعل ~~لكم بقية في الأرض - وليستبقي لكم نجاة عظيمة فالآن ليس أنتم أرسلتموني إلى ~~هنا - بل الله وهو قد جعلني أبا لفرعون وسيدا لكل بيته - ومتسلط على كل أرض مصر. # أسرعوا وأصعدوا إلى أبي وقولوا له - هكذا يقول ابنك يوسف: أنزل إلي لا ~~تقف فتسكن في أرض جاسان - وتكون قريبا مني أنت وبنوك وبنو بيتك - وغنمك ~~وبقرك وكل ما لك، وأعولك هناك لأنه يكون أيضا خمس سنين جوعا - لئلا تفتقر ~~أنت وبيتك وكل ما لك، وهو ذا عيونكم ترى وعينا أخي بنيامين - أن فمي هو ~~الذي يكلمكم، وتخبرون أني بكل مجدي في مصر وبكل ما رأيتم وتستعجلون - ~~وتنزلون بأبي إلى هنا ثم وقع على عين بنيامين أخيه وبكى، وبكى بنيامين على ~~عنقه وقبل جميع إخوته وبكى عليهم. # ثم قالت التوراة: ما ملخصه - أنه جهزهم أحسن التجهيز وسيرهم إلى كنعان - ~~فجاءوا أباهم وبشروه بحياة يوسف - وقصوا عليه القصص فسر بذلك وسار بأهله ~~جميعا إلى مصر - وهم جميعا سبعون نسمة ووردوا أرض جاسان من مصر - وركب يوسف ~~إلى هناك يستقبل أباه - ولقيه قادما فتعانقا وبكى طويلا - ثم أنزله وبنيه ~~وأقرهم هناك - وأكرمهم فرعون إكراما بالغا وآمنهم - وأعطاهم ضيعة في أفضل ~~بقاع مصر - وعالهم يوسف ما دامت السنون المجدبة - وعاش يعقوب في أرض مصر ~~بعد لقاء يوسف سبع عشرة سنة. # هذا ما قصته التوراة من قصة يوسف فيما يحاذي القرآن أوردناها ملخصه إلا ~~في بعض فقرأتها لمسيس الحاجة. # كلام في الرؤيا في فصول # 1 - الاعتناء بشأنها. ms4228 # كان الناس كثير العناية بأمر الرؤى والمنامات منذ عهود قديمة لا يضبط لها ~~بدء تاريخي، وعند كل قوم قوانين وموازين متفرقة متنوعة يزنون بها المنامات ~~ويعبرونها بها ويكشفون رموزها، ويحلون بها مشكلات إشاراتها فيتوقعون بذلك ~~خيرا أو شرا أو نفعا أو ضرا بزعمهم. PageV11P142 # وقد اعتني بشأنها في القرآن الكريم كما حكى الله سبحانه فيه رؤيا إبراهيم ~~في ابنه (عليه السلام) قال: فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر - إلى أن قال - ~~وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا": الصافات: 105. # ومنها ما حكاه تعالى من رؤيا يوسف (عليه السلام): "إذ قال يوسف لأبيه يا ~~أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين": يوسف: 4. # ومنها رؤيا صاحبي يوسف في السجن: "قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال ~~الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك ~~من المحسنين": يوسف: 36. # ومنها رؤيا الملك: "وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي": يوسف: 43. # ومنها رؤيا أم موسى قال تعالى: "إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم": طه: 39 على ما ورد في الروايات أنه كان رؤيا. # ومنها ما ذكر من رؤى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: "إذ ~~يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر": ~~الأنفال: 43، وقال: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون": الفتح: 27 وقال: "وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس": الإسراء: 60. # وقد وردت من طريق السمع روايات كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) تصدق ذلك وتؤيده. # لكن الباحثين من علماء الطبيعة من أوربا لا يرون لها حقيقة ولا للبحث عن ms4229 ~~شأنها وارتباطها بالحوادث الخارجية وزنا علميا إلا بعضهم من علماء النفس ~~ممن اعتنى بأمرها، واحتج عليهم ببعض المنامات الصحيحة التي تنبىء عن حوادث ~~مستقبلة أو أمور خفية إنباء عجيبا لا سبيل إلى حمله على مجرد الاتفاق ~~والصدفة، وهي منامات كثيرة جدا مروية بطرق صحيحة لا يخالطها شك، كاشفة عن ~~حوادث خفية أو مستقبلة أوردها في كتبهم. # 2 - وللرؤيا حقيقة. # ما منا واحد إلا وقد شاهد من نفسه شيئا من الرؤى والمنامات دله على بعض ~~الأمور الخفية أو المشكلات العلمية أو الحوادث التي ستستقبله من الخير أو ~~الشر أو قرع سمعه بعض المنامات التي من هذا القبيل، ولا سبيل إلى حمل ذلك ~~على الاتفاق وانتفاء أي رابطة بينها وبين ما ينطبق عليها من التأويل. # وخاصة في المنامات الصريحة التي لا تحتاج إلى تعبير. # نعم مما لا سبيل أيضا إلى إنكاره أن الرؤيا أمر إدراكي وللخيال فيها عمل، ~~والمتخيلة من القوى الفعالة دائما ربما تدوم في عملها من جهة الأنباء ~~الواردة عليها من ناحية الحس كاللمس والسمع، وربما تأخذ صورا بسيطة أو ~~مركبة من الصور والمعاني المخزونة عندها فتحلل المركبات كتفصيل صورة ~~الإنسان التامة إلى رأس ويد ورجل وغير ذلك وتركب البسائط كتركيبها إنسانا ~~مما اختزن عندها من أجزائه وأعضائه فربما ركبته بما يطابق الخارج وربما ~~ركبته بما لا يطابقه كتخيل إنسان لا رأس له أو له عشرة رءوس. # وبالجملة للأسباب والعوامل الخارجية المحيطة بالبدن كالحر والبرد ونحوها ~~والداخلية الطارئة عليه كأنواع الأمراض والعاهات وانحرافات المزاج وامتلاء ~~المعدة والتعب وغيرها تأثير في المتخيلة فلها تأثير في الرؤيا. # فترى أن من عملت فيه حرارة أو برودة بالغة يرى في منامه نيرانا مؤججة أو ~~الشتاء والجمد ونزول الثلوج، وأن من عملت فيه السخونة فألجمه العرق يرى ~~الحمام وبركان الماء ونزول الأمطار ونحو ذلك، وأن من انحرف مزاجه أو امتلأت ~~معدته يرى رؤيا مشوشة لا ترجع إلى طائل. # وكذلك الأخلاق والسجايا الإنسانية شديدة التأثير في نوع تخيله فالذي يحب ~~إنسانا أو عملا لا ينفك بتخيله ms4230 في يقظته ويراه في نومته والضعيف النفس ~~الخائف الذعران إذا فوجىء بصوت يتخيل إثره أمور هائلة لا إلى غاية، وكذلك ~~البغض والعداوة والعجب والكبر والطمع ونظائرها كل منها يجر الإنسان إلى ~~تخيله صور متسلسلة تناسبه وتلائمه، وقل ما يسلم الإنسان من غلبة بعض هذه ~~السجايا على طبعه. PageV11P143 # ولذلك كان أغلب الرؤى والمنامات من التخيلات النفسانية التي ساقها إليها ~~شيء من الأسباب الخارجية والداخلية الطبيعية والخلقية ونحوها فلا تحكي ~~النفس بحسب الحقيقة إلا كيفية عمل تلك الأسباب وأثرها فيها فحسب لا حقيقة ~~لها وراء ذلك. # وهذا هو الذي ذكره منكرو حقيقة الرؤيا من علماء الطبيعة لا يزيد على ~~تعداد هذه الأسباب المؤثرة في الخيال العمالة في إدراك الإنسان. # ومن المسلم ما أورده غير أنه لا ينتج إلا أن كل الرؤيا ليس ذا حقيقة وهو ~~غير المدعى وهو أن كل منام ليس ذا حقيقة فإن هناك منامات صالحة ورؤيا صادقة ~~تكشف عن حقائق ولا سبيل إلى إنكارها ونفي الرابطة بينها وبين الحوادث ~~الخارجية والأمور المستكشفة كما تقدم. # فقد ظهر مما بينا أن جميع الرؤى لا تخلو عن حقيقة بمعنى أن هذه الإدراكات ~~المتنوعة المختلفة التي تعرض النفس الإنسانية في المنام وهي المسماة بالرؤى ~~لها أصول وأسباب تستدعي وجودها للنفس وظهورها للخيال وهي على اختلافها تحكي ~~وتمثل بأصولها وأسبابها التي استدعتها فلكل منام تأويل وتعبير غير أن تأويل ~~بعضها السبب الطبيعي العامل في البدن في حال النوم، وتأويل بعضها السبب ~~الخلقي وبعضها أسباب متفرقة اتفاقية كمن يأخذه النوم وهو متفكر في أمر ~~مشغول النفس به فيرى في حلمه ما يناسب ما كان ذاهنا له. # وإنما البحث في نوع واحد من هذه المنامات، وهي لرؤى التي لا تستند إلى ~~أسباب خارجية طبيعية، أو مزاجية أو اتفاقية ولا إلى أسباب داخلية خلقية أو ~~غير ذلك، ولها ارتباط بالحوادث الخارجية. # والحقائق الكونية. # 3 - المنامات الحقة. # المنامات التي لها ارتباط بالحوادث الخارجية وخاصة المستقبلة منها لما ~~كان أحد طرفي الارتباط أمرا معدوما بعد كمن يرى أن حادثة ms4231 كذا وقعت ثم وقعت ~~بعد حين كما رأى. # ولا معنى للارتباط الوجودي بين موجود ومعدوم، أو أمرا غائبا عن النفس لم ~~يتصل بها من طريق شيء من الحواس كمن رأى أن في مكان كذا دفينا فيه من الذهب ~~المسكوك كذا ومن الفضة كذا في وعاء صفته كذا وكذا ثم مضى إليه وحفر كما دل ~~عليه فوجده كما رأى، ولا معنى للارتباط الإدراكي بين النفس وبين ما هو غائب ~~عنها لم ينله شيء من الحواس. # ولذا قيل: إن الارتباط إنما استقر بينها وبين النفس النائمة من جهة اتصال ~~النفس بسبب الحادثة الواقعة الذي فوق عالم الطبيعة فترتبط النفس بسبب ~~الحادثة ومن طريق سببها بنفسها. # توضيح ذلك أن العوالم ثلاثة: عالم الطبيعة وهو العالم الدنيوي الذي نعيش ~~فيه والأشياء الموجودة فيها صور مادية تجري على نظام الحركة والسكون ~~والتغير والتبدل. # وثانيها: عالم المثال وهو فوق عالم الطبيعة وجودا، وفيه صور الأشياء بلا ~~مادة منها تنزل هذه الحوادث الطبيعة وإليها تعود، وله مقام العلية ونسبة ~~السببية لحوادث عالم الطبيعة. # وثالثها: عالم العقل وهو فوق عالم المثال وجودا وفيه حقائق الأشياء ~~وكلياتها من غير مادة طبيعية ولا صورة، وله نسبة السببية لما في عالم ~~المثال. # والنفس الإنسانية لتجردها لها مسانخة مع العالمين عالم المثال وعالم ~~العقل فإذا نام الإنسان وتعطل الحواس انقطعت النفس طبعا عن الأمور الطبيعية ~~الخارجية ورجعت إلى عالمها المسانخ لها وشاهدت بعض ما فيها من الحقائق بحسب ~~ما لها من الاستعداد والإمكان. # فإن كانت النفس كاملة متمكنة من إدراك المجردات العقلية أدركتها واستحضرت ~~أسباب الكائنات على ما هي عليها من الكلية والنورية، وإلا حكتها حكاية ~~خيالية بما تأنس بها من الصور والأشكال الجزئية الكونية كما نحكي نحن مفهوم ~~السرعة الكلية بتصور جسم سريع الحركة، ونحكي مفهوم العظمة بالجبل، ومفهوم ~~الرفعة والعلو بالسماء وما فيها من الأجرام السماوية ونحكي الكائد المكار ~~بالثعلب والحسود بالذئب والشجاع بالأسد إلى غير ذلك. # وإن لم تكن متمكنة من إدراك المجردات على ما هي عليها والارتقاء إلى ms4232 ~~عالمها توقفت في عالم المثال مرتقية من عالم الطبيعة فربما شاهدت الحوادث ~~بمشاهدة عللها وأسبابها من غير أن تتصرف فيها بشيء من التغيير، ويتفق ذلك ~~غالبا في النفوس السليمة المتخلقة بالصدق والصفاء، وهذه هي المنامات ~~الصريحة. PageV11P144 # وربما حكت ما شاهدته منها بما عندها من الأمثلة المأنوس بها كتمثيل ~~الإزدواج بالاكتساء والتلبس، والفخار بالتاج والعلم بالنور والجهل بالظلمة ~~وخمود الذكر بالموت، وربما انتقلنا من الضد إلى الضد كانتقال أذهاننا إلى ~~معنى الفقر عند استماع الغنى وانتقالنا من تصور النار إلى تصور الجمد ومن ~~تصور الحياة إلى تصور الموت وهكذا، ومن أمثلة هذا النوع من المنامات ما نقل ~~أن رجلا رأى في المنام أن بيده خاتما يختم به أفواه الناس وفروجهم فسأل ابن ~~سيرين عن تأويله فقال: إنك ستصير مؤذنا في شهر رمضان فيصوم الناس بأذانك. # وقد تبين مما قدمناه أن المنامات الحقة تنقسم انقساما أوليا إلى منامات ~~صريحة لم تتصرف فيها نفس النائم فتنطبق على ما لها من التأويل من غير ~~مئونة، ومنامات غير صريحة تصرفت فيها النفس من جهة الحكاية بالأمثال ~~والانتقال من معنى إلى ما يناسبه أو يضاده، وهذه هي التي تحتاج إلى التعبير ~~بردها إلى الأصل الذي هو المشهود الأولي للنفس كرد التاج إلى الفخار، ورد ~~الموت إلى الحياة والحياة إلى الفرج بعد الشدة ورد الظلمة إلى الجهل ~~والحيرة أو الشقاء. # ثم هذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين أحدهما ما تتصرف فيه النفس بالحكاية ~~فتنتقل من الشيء إلى ما يناسبه أو يضاده ووقفت في المرة والمرتين مثلا بحيث ~~لا يعسر رده إلى أصله كما مر من الأمثلة. # وثانيهما ما تتصرف فيه النفس من غير أن تقف على حد كان تنتقل مثلا من ~~الشيء إلى ضده ومن الضد إلى مثله ومن مثل الضد إلى ضد المثل وهكذا بحيث ~~يتعذر أو يتعسر للمعبر أن يرده إلى الأصل المشهود، وهذا النوع من المنامات ~~هي المسماة بأضغاث الأحلام ولا تعبير لها لتعسره أو تعذره. # وقد بان بذلك أن هذه المنامات ثلاثة أقسام ms4233 كلية: وهي المنامات الصريحة ~~ولا تعبير لها لعدم الحاجة إليه، وأضغاث الأحلام ولا تعبير فيها لتعذره أو ~~تعسره والمنامات التي تصرفت فيها النفس بالحكاية والتمثيل وهي التي تقبل ~~التعبير. # هذا إجمال ما أورده علماء النفس من قدمائنا في أمر الرؤيا واستقصاء البحث ~~فيها أزيد من هذا المقدار موكول إلى كتبهم في هذا الشأن. # 4 - وفي القرآن ما يؤيد ذلك -: # قال تعالى: "وهو الذي يتوفاكم بالليل": الأنعام: 60، وقال: "الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى": الزمر: 42 وظاهره أن النفوس متوفاة ومأخوذة من الأبدان مقطوعة ~~التعلق بالحواس الظاهرة راجعة إلى ربها نوعا من الرجوع يضاهي الموت. # وقد أشير في كلامه إلى كل واحد من الأقسام الثلاثة المذكورة فمن القسم ~~الأول ما ذكر من رؤيا إبراهيم (عليه السلام) ورؤيا أم موسى وبعض رؤى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن القسم الثاني ما في قوله تعالى: "قالوا ~~أضغاث أحلام" الآية: يوسف: 44 ومن القسم الثالث رؤيا يوسف ومناما صاحبيه في ~~السجن ورؤيا ملك مصر المذكورة في سورة يوسف. PageV11P145 ### ||| AUTO 12 سورة يوسف - 103 - 111 # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ~~ذكر للعلمين (104) وكأين من ءاية فى السموت والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن ~~تأتيهم غشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل ~~هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحن الله وما أنا من ~~المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ولدار الاخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ~~جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان ~~فى قصصهم عبرة لأولى الألبب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين ms4234 يديه ~~وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) ### |||| AUTO بيان # الآيات خاتمة السورة يذكر فيها أن الإيمان الكامل وهو التوحيد الخالص ~~عزيز المنال لا يناله إلا أقل قليل من الناس وأما الأكثرون فليسوا بمؤمنين ~~ولو حرصت بإيمانهم واجتهدت في ذلك جهدك، والأقلون وهم المؤمنون ما لهم إلا ~~إيمان مشوب بالشرك فلا يبقى للإيمان المحض والتوحيد الخالص إلا أقل قليل. # وهذا التوحيد الخالص هو سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يدعو ~~إليه على بصيرة هو ومن اتبعه، وأن الله ناصره ومنجي من اتبعه من المؤمنين ~~من المهالك التي تهدد توحيدهم وإيمانهم وعذاب الاستئصال الذي سيصيب ~~المشركين كما كان ذلك عادة الله في أنبيائه الماضين كما يظهر من قصصهم. # وفي قصصهم عبرة وبيان للحقائق وهدى ورحمة للمؤمنين. # قوله تعالى: "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" أي ليس من شأن أكثر الناس ~~لانكبابهم على الدنيا وانجذاب نفوسهم إلى زينتها وسهوهم عما أودع في فطرهم ~~من العلم بالله وآياته أن يؤمنوا به، ولو حرصت وأحببت إيمانهم، والدليل على ~~هذا المعنى الآيات التالية. # قوله تعالى: "وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين" الواو ~~حالية أي ما هم بمؤمنين والحال أنك ما تسألهم على إيمانهم أو على هذا ~~القرآن الذي ننزله عليك وتتلوه عليهم من أجر حتى يصدهم الغرامة المالية ~~وإنفاق ما يحبونه من المال عن قبول دعوته والإيمان به. # وقوله: "إن هو إلا ذكر للعالمين" بيان لشأن القرآن الواقعي وهو أنه ممحض ~~في أنه ذكر للعالمين يذكرون به ما أودع الله في قلوب جماعات البشر من العلم ~~به وبآياته فما هو إلا ذكر يذكرون به ما أنستهم الغفلة والإعراض وليس من ~~الأمتعة التي يكتسب بها الأموال أو ينال بها عزة أو جاه أو غير ذلك. # قوله تعالى: "وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون" الواو حالية ويحتمل الاستئناف والمرور على الشيء هو موافاته ثم ~~تركه بموافاة ما وراءه فالمرور على الآيات السماوية والأرضية مشاهدتها ~~واحدة بعد ms4235 أخرى. # والمعنى أن هناك آيات كثيرة سماوية وأرضية تدل بوجودها والنظام البديع ~~الجاري فيها على توحيد ربهم وهم يشاهدونها واحدة بعد أخرى فتتكرر عليهم ~~والحال أنهم معرضون عنها لا يتنبهون. # ولو حمل قوله: "يمرون عليها" على التصريح دون الكناية كان من الدليل على ~~ما يبتني عليه الهيأة الحديثة من حركة الأرض وضعا وانتقالا فإنا نحن ~~المارون على الأجرام السماوية بحركة الأرض الانتقالية والوضعية لا بالعكس ~~على ما يخيل إلينا في ظاهر الحس. PageV11P146 # قوله تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" الضمير في "أكثرهم" ~~راجع إلى الناس باعتبار إيمانهم أي أكثر الناس ليسوا بمؤمنين وإن لم تسألهم ~~عليه أجرا وإن كانوا يمرون على الآيات السماوية والأرضية على كثرتها والذين ~~آمنوا منهم - وهم الأقلون - ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم متلبسون بالشرك. # وتلبس الإنسان بالإيمان والشرك معا مع كونهما معنيين متقابلين لا يجتمعان ~~في محل واحد نظير تلبسه بسائر الاعتقادات المتناقضة والأخلاق المتضادة إنما ~~يكون من جهة كونها من المعاني التي تقبل في نفسها القوة والضعف فتختلف ~~بالنسبة والإضافة كالقرب والبعد فإن القرب والبعد المطلقين لا يجتمعان إلا ~~أنهما إذا كانا نسبيين لا يمتنعان الاجتماع والتصادق كمكة فإنها قريبة ~~بالنسبة إلى المدينة بعيدة بالنسبة إلى الشام، وكذا هي بعيدة من الشام إذا ~~قيست إلى المدينة قريبة منه إذا قيست إلى بغداد. # والإيمان بالله والشرك به وحقيقتهما تعلق القلب بالله بالخضوع للحقيقة ~~الواجبية وتعلق القلب بغيره تعالى مما لا يملك شيئا إلا بإذنه تعالى ~~يختلفان بحسب النسبة والإضافة فإن من الجائز أن يتعلق الإنسان مثلا بالحياة ~~الدنيا الفانية وزينتها الباطلة وينسى مع ذلك كل حق وحقيقة، ومن الجائز أن ~~ينقطع عن كل ما يصد النفس ويشغلها عن الله سبحانه ويتوجه بكله إليه ويذكره ~~ولا يغفل عنه فلا يركن في ذاته وصفاته إلا إليه ولا يريد إلا ما يريده ~~كالمخلصين من أوليائه تعالى. # وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه وهي التي ~~يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع، ومن الدليل ms4236 على ذلك الأخلاق والصفات ~~المتمكنة في النفوس التي تخالف مقتضى ما تعتقده من حق أو باطل، والأعمال ~~الصادرة منها كذلك ترى من يدعي الإيمان بالله يخاف وترتعد فرائصه من أي ~~نائبة أو مصيبة تهدده وهو يذكر أن لا قوة إلا بالله، ويلتمس العزة والجاه ~~من غيره وهو يتلو قوله تعالى: "إن العزة لله جميعا" ويقرع كل باب يبتغي ~~الرزق وقد ضمنه الله، ويعصي الله ولا يستحيي وهو يرى أن ربه عليم بما في ~~نفسه سميع لما يقول بصير بما يعمل ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء، وعلى هذا القياس. # والمراد بالشرك في الآية بعض مراتبه الذي يجامع بعض مراتب الإيمان وهو ~~المسمى باصطلاح فن الأخلاق بالشرك الخفي. # فما قيل: إن المراد بالمشركين في الآية مشركوا مكة في غير محله، وكذا ما ~~قيل: إنهم المنافقون، وهو تقييد لإطلاق الآية من غير مقيد. # قوله تعالى: "أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة ~~بغتة وهم لا يشعرون" الغاشية صفة سادة مسد الموصوف المحذوف لدلالة كلمة ~~العذاب عليه، والتقدير عقوبة غاشية تغشاهم وتحيط بهم. # والبغتة الفجأة. # وقوله: "وهم لا يشعرون" حال من ضمير الجمع أي تفاجئهم الساعة في إتيانها ~~والحال أنهم لا يشعرون بإتيانها لعدم مسبوقيتها بعلامات تعين وقتها وتشخص ~~قيامها والاستفهام للتعجيب، والمعنى أن أمرهم في إعراضهم عن آيات السماء ~~والأرض وعدم إخلاصهم الإيمان لله وتماديهم في الغفلة عجيب أفأمنوا عذابا من ~~الله يغشاهم أو ساعة تفاجئهم وتبهتهم؟. # قوله تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين" لما ذكر سبحانه أن محض الإيمان به ~~والإخلاص التوحيد له عزيز المنال وهو الحق الصريح الذي تدل عليه آيات ~~السماوات والأرض أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين لهم أن سبيله ~~هو الدعاء إلى هذا التوحيد على بصيرة. # فقوله: "هذه سبيلي" إعلان لسبيله، وقوله: "أدعوا إلى الله على بصيرة" ~~بيان للسبيل، وقوله: "وسبحان الله" اعتراض للتنزيه، وقوله: "وما ms4237 أنا من ~~المشركين" تأكيد لمعنى الدعوة إلى الله وبيان أن هذه الدعوة ليست دعوة إليه ~~تعالى كيف كان بل دعوة على أساس التوحيد الخالص لا معدل عنه إلى شرك أصلا. # وأما قوله: "أنا ومن اتبعني" فتوسعة وتعميم لحمل الدعوة وأن السبيل وإن ~~كانت سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مختصة به لكن حمل الدعوة ~~والقيام به لا يختص به بل من اتبعه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم بها لنفسه. PageV11P147 # لكن السياق يدل على أن الإشراك ليس بذاك العموم الذي يتراءى من لفظ "من ~~اتبعني" فإن السبيل التي تعرفها الآية هي الدعوة عن بصيرة ويقين إلى إيمان ~~محض وتوحيد خالص وإنما يشاركه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها من كان مخلصا ~~لله في دينه عالما بمقام ربه ذا بصيرة ويقين وليس كل من صدق عليه أنه اتبعه ~~على هذا النعت، ولا أن الاستواء على هذا المستوي مبذول لكل مؤمن حتى الذين ~~عدهم الله سبحانه في الآية السابقة من المشركين وذمهم بأنهم غافلون عن ربهم ~~آمنون من مكره معرضون عن آياته، وكيف يدعو إلى الله من كان غافلا عنه آمنا ~~من مكره معرضا عن آياته وذكره؟ وقد وصف الله في آيات كثيرة أصحاب هذه ~~النعوت بالضلال والعمى والخسران ولا تجتمع هذه الخصال بالهداية والإرشاد البتة. # قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى" إلى ~~آخر الآية، لما ذكر سبحانه حال الناس في الإيمان به ثم حال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في دعوته إياهم عن رسالة إلهية من غير أن يسألهم فيها أجرا ~~أو يجر لنفسه نفعا بين أن ذلك ليس ببدع من الأمر بل مما جرت عليه السنة ~~الإلهية في الدعوة الدينية فلم يكن الرسل الماضون ملائكة وإنما بعثوا من ~~بين هؤلاء الناس وكانوا رجالا من أهل القرى يخالطون الناس ويعرفون عندهم ~~أوحى الله إليهم وأرسلهم نحوهم يدعونهم إليه كما أن النبي كذلك، ومن الممكن ~~أن يسير هؤلاء المدعوون في الأرض فينظروا كيف ms4238 كان عاقبة الذين من قبلهم ~~فبلادهم الخربة ومساكنهم الخالية تفصح عما آل إليه أمرهم، وتنبىء عن عاقبة ~~كفرهم وجحودهم وتكذيبهم لآيات الله. # فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدعوهم إلا كما كان يدعوهم الأنبياء ~~من قبله، وليس يدعوهم إلا إلى ما فيه خيرهم وصلاح حالهم وهو أن يتقوا الله ~~فيفلحوا ويفوزوا بسعادة خالدة ونعيم مقيم في دار باقية ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون. # فقوله: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى" تطبيق ~~لدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على دعوة من قبله من الرسل. # ولعل توصيفهم بأنهم كانوا من أهل القرى للدلالة على أنهم كانوا من أنفسهم ~~يعيشون بينهم ومعروفين عندهم بالمعاشرة والمخالطة ولم يكونوا ملائكة ولا من ~~غير أنفسهم، ويؤيد ذلك توصيفهم بأنهم كانوا رجالا فإن الرجال كانوا أقرب ~~إلى المعرفة من النساء ذوات الخدر. # وقوله: "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم" ~~إنذار لأمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل ما أنذر به الأمم الخالية ~~فلم يسمعوا فذاقوا وبال أمرهم. # وقوله: "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون" بيان النصح وأن ما ~~يدعون إليه وهو التقوى ليس وراءه إلا ما فيه كل خيرهم وجماع سعادتهم. # قوله تعالى: "حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا" إلى ~~آخر الآية ذكروا أن يأس واستيئس بمعنى، ولا يبعد أن يقال: إن الاستيئاس هو ~~الاقتراب من اليأس بظهور آثاره لمكان هيئة الاستفعال وهو مما يعد يأسا عرفا ~~وليس باليأس القاطع حقيقة. # وقوله: "حتى إذا استيئس" إلخ متعلق الغاية بما يتحصل من الآية السابقة ~~والمعنى تلك الرسل الذين كانوا رجالا أمثالك من أهل القرى وتلك قراهم ~~البائدة دعوهم فلم يستجيبوا وأنذروهم بعذاب الله فلم ينتهوا حتى إذا استيئس ~~الرسل من إيمان أولئك الناس، وظن الناس أن الرسل قد كذبوا أي أخبروا ~~بالعذاب كذبا جاء نصرنا فنجيء بذلك من نشاء وهم المؤمنون ولا يرد بأسنا أي ~~شدتنا عن القوم ms4239 المجرمين. # أما استيئس الرسل من إيمان قومهم فكما أخبر في قصة نوح: "وأوحي إلى نوح ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن": هود: 36 "وقال نوح رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا": نوح: 27 ويوجد نظيره في قصص هود وصالح وشعيب وموسى وعيسى (عليهما ~~السلام). # وأما ظن أممهم أنهم قد كذبوا فكما أخبر عنه في قصة نوح من قولهم: "بل ~~نظنكم كاذبين": هود: 27، وكذا في قصة هود وصالح وقوله: "فقال له فرعون إني ~~لأظنك يا موسى مسحورا": أسرى 101. PageV11P148 # وأما تنجية المؤمنين بالنصر فكقوله تعالى: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين:" ~~الروم: 47 وقد أخبر به في هلاك بعض الأمم أيضا كقوله: "نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه": هود: 58 "نجينا صالحا والذين آمنوا معه": هود: 66 "نجينا شعيبا ~~والذين آمنوا معه": هود: 4، إلى غير ذلك. # وأما إن بأس الله لا يرد عن المجرمين فمذكور في آيات كثيرة عموما وخصوصا ~~كقوله: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون:" ~~يونس: 47، وقوله: "وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من ~~وال": الرعد: 11 إلى غير ذلك من الآيات. # هذا أحسن ما أوردوه في الآية من المعاني، والدليل عليه كون الآية ~~بمضمونها غاية لما تتضمنه سابقتها كما قدمناه، وقد أوردوا لها معاني أخرى ~~لا يخلو شيء منها من السقم والإضراب عنها أوجه. # قوله تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب" إلى آخر الآية قال ~~الراغب أصل العبر تجاوز من حال إلى حال فأما العبور فيختص بتجاوز الماء - ~~إلى أن قال - والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد ~~إلى ما ليس بمشاهد قال تعالى: إن في ذلك لعبرة. # انتهى. # والضمير في قصصهم للأنبياء ومنهم يوسف صاحب القصة في السورة، واحتمل ~~رجوعه إلى يوسف وإخوته والمعنى أقسم لقد كان في قصص الأنبياء أو يوسف ~~وإخوته عبرة لأصحاب العقول، ما كان القصص ms4240 المذكور في السورة حديثا يفترى ~~ولكن تصديق الذي بين يدي القرآن، وهو التوراة المذكور فيها القصة يعني ~~توراة موسى (عليه السلام). # وقوله: "وتفصيل كل شيء" إلخ أي بيانا وتمييزا لكل شيء مما يحتاج إليه ~~الناس في دينهم الذي عليه بناء سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهدى إلى ~~السعادة والفلاح ورحمة خاصة من الله سبحانه لقوم يؤمنون به فإنه رحمة من ~~الله لهم يهتدون بهدايته إلى صراط مستقيم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول ~~الله تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" قال شرك طاعة وليس شرك ~~عبادة، والمعاصي التي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا ~~بالله الطاعة لغيره وليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير الله. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) قال: شرك ~~لا يبلغ به الكفر. # وفيه، عن مالك بن عطية عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الآية قال: هو ~~الرجل يقول: لو لا فلان لهلكت ولو لا فلان لأصبت كذا وكذا ولضاع عيالي ألا ~~ترى أنه جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه؟ قال: قلت: فيقول: لو لا أن ~~من الله علي بفلان لهلكت قال: نعم لا بأس بهذا. # وفيه، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله "وما يؤمن ~~أكثرهم بالله - إلا وهم مشركون" قال: من ذلك قول الرجل: لا وحياتك. # أقول: يعني القسم بغير الله لما فيه من تعظيمه بما لا يستحقه بذاته ~~والأخبار في هذه المعاني كثيرة. # وفي الكافي، بإسناده عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" قال: ذاك ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين والأوصياء من بعدهما. # وفيه، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~الآية قال: يعني على أول من اتبعه على الإيمان والتصديق له وبما جاء به ms4241 من ~~عند الله عز وجل من الأمة التي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق ممن لم ~~يشرك بالله قط ولم يلبس إيمانه بظلم وهو الشرك. # أقول: والروايتان تؤيدان ما قدمناه في بيان الآية وفي معناهما روايات، ~~ولعل ذكر المصداق من باب التطبيق. # وفيه، بإسناده عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله "سبحان الله" ما يعني به؟ قال: أنفة لله. # وفيه، بإسناده عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عز ~~وجل: "سبحان الله" قال: تنزيه. PageV11P149 # وفي المعاني، بإسناده عن السيار عن الحسن بن علي عن آبائه عن الصادق (عليه ~~السلام) في حديث قال فيه مخاطبا: أولست تعلم أن الله تعالى لم يخل الدنيا ~~قط من نبي أو إمام من البشر؟ أوليس الله تعالى يقول: "وما أرسلنا من قبلك" ~~يعني إلى الخلق "إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى" فأخبر أنه لم يبعث ~~الملائكة إلى الأرض فيكونوا أئمة وحكاما وإنما أرسلوا إلى الأنبياء. # وفي العيون، بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون ~~وعنده الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) فقال له المأمون: يا بن رسول الله ~~أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى وذكر الحديث إلى أن قال فيه ~~قال المأمون لأبي الحسن: فأخبرني عن قول الله تعالى: "حتى إذا استيئس الرسل ~~- وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا" قال الرضا: يقول الله: حتى إذا استيئس ~~الرسل من قومهم فظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا. # أقول: وهو يؤيد ما قدمناه في بيان الآية، وما في بعض الروايات أن الرسل ~~ظنوا أن الشيطان تمثل لهم في صورة الملائكة لا يعتمد عليه. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ~~لم يخف رسول الله فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟ ~~قال: فقال: إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة والوقار وكان ~~الذي يأتيه ms4242 من الله مثل الذي يراه بعينه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم عن أبي حمزة ~~الجزري قال: صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا منهم سعيد بن جبير والضحاك ~~بن مزاحم فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله كيف تقرأ ~~هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة: "حتى إذا ~~استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" قال: نعم حتى إذا استيئس الرسل من قومهم ~~أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فقال الضحاك: لو رحلت في ~~هذه إلى اليمن لكان قليلا. PageV11P150 ### || AUTO ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 1 - 4 # بسم الله الرحمن الرحيم المر تلك ءايت الكتب والذى أنزل إليك من ربك الحق ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) الله الذى رفع السموت بغير عمد ترونها ثم ~~استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل ~~الايت لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذى مد الأرض وجعل فيها روسى ~~وأنهرا ومن كل الثمرت جعل فيها زوجين اثنين يغشى اليل النهار إن فى ذلك ~~لايت لقوم يتفكرون (3) وفى الأرض قطع متجورت وجنت من أعنب وزرع ونخيل صنوان ~~وغير صنوان يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل إن فى ذلك لايت ~~لقوم يعقلون (4) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة بيان حقية ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الكتاب وأنه آية الرسالة وأن قولهم: "لو لا أنزل عليه آية من ربه" وهم ~~يعرضون به للقرآن ولا يعدونه آية كلام مردود إليهم ولا ينبغي للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يصغي إليه ولا لهم أن يتفوهوا به. # ويدل على ذلك ابتداء السورة بمثل قوله: "والذي أنزل إليك من ربك الحق ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" واختتامها بقوله: "ويقول الذين كفروا لست مرسلا ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم" الآية، وتكرار حكاية قولهم: لو لا أنزل ~~عليه آية من ربه. # ومحصل البيان على خطاب النبي ms4243 (صلى الله عليه وآله وسلم) أن هذا القرآن ~~النازل عليك حق لا يخالطه باطل فإن الذي يشتمل عليه من كلمة الدعوة هو ~~التوحيد الذي تدل عليه آيات الكون من رفع السماوات ومد الأرض وتسخير الشمس ~~والقمر وسائر ما يجري عليه عجائب تدبيره وغرائب تقديره تعالى. # وتدل على حقية دعوته أيضا أخبار الماضين وآثارهم جاءتهم الرسل بالبينات ~~فكفروا وكذبوا فأخذهم الله بذنوبهم. # فهذا ما يتضمنه هذا الكتاب وهو آية دالة على رسالتك. # وقولهم: "لو لا أنزل عليه آية" تعريضا منهم للقرآن مردود إليهم أولا بأنك ~~لست إلا منذرا وليس لك من الأمر شيء حتى يقترح عليك بمثل هذه الكلمة وثانيا ~~أن الهداية والإضلال ليسا كما يزعمون في وسع الآيات حتى يرجوا الهداية من ~~آية يقترحونها وإنما ذلك إلى الله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء على ~~نظام حكيم وأما قولهم: لست مرسلا فيكفيك من الحجة شهادة الله في كلامه على ~~رسالتك ودلالة ما فيه من المعارف الحقة على ذلك. # ومن الحقائق الباهرة المذكورة في هذه السورة ما يتضمنه قوله: "أنزل من ~~السماء ماء" الآية، وقوله: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، وقوله: "يمحوا ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب"، وقوله: "فلله المكر جميعا". # والسورة مكية كلها على ما يدل عليه سياق آياتها وما تشتمل عليه من ~~المضامين، ونقل عن بعضهم أنها مكية إلا آخر آية منها فإنها نزلت بالمدينة ~~في عبد الله بن سلام، وعزي ذلك إلى الكلبي ومقاتل، ويدفعه أنها مختتم ~~السورة قوبل بها ما في مفتتحها من قوله: "والذي أنزل إليك من ربك الحق". # وقيل: إن السورة مدنية كلها إلا آيتين منها وهما قوله: "ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال" الآية والآية التي بعدها، ونسب ذلك إلى الحسن وعكرمة ~~وقتادة، ويدفعه سياق الآيات بما تشتمل عليه من المضامين فإنها لا تناسب ما ~~كان يجري عليه الحال في المدينة وبعد الهجرة. # وقيل: إن المدني منها قوله تعالى: "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا قارعة" الآية والباقي مكي وكان ms4244 القائل اعتمد في ذلك على قبولها ~~الانطباق على أوائل حال الإسلام بعد الهجرة إلى الفتح وسيأتي في بيان معنى ~~الآية ما يتضح به اندفاعه. # قوله تعالى: "المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق" إلخ، ~~الحروف المصدرة بها السورة هي مجموع الحروف التي صدرت بها سور "الم" وسور ~~"الر" كما أن المعارف المبينة في السورة كأنها المجموع من المعارف المعنية ~~في ذينك الصنفين من السور، وفي الرجاء أن نشرح القول في ذلك فيما سيأتي إن ~~شاء الله العزيز. PageV11P151 # وقوله: "تلك آيات الكتاب" ظاهر سياق الآية وما يتلوها من الآيات الثلاث على ~~ما بها من الاتصال وهي تعد الآيات الكونية من رفع السماوات ومد الأرض ~~وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك الدالة على توحيد الله سبحانه الذي يفصح عنه ~~القرآن الكريم وتندب إليه الدعوة الحقة، وهي تذكر أن التدبر في تفصيلها ~~والتفكر فيها يورث اليقين بالمبدإ والمعاد والعلم، بأن الذي أنزل إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) حق. # فظاهر ذلك كله أن يكون المراد بالآيات المشار إليها بقوله: "تلك آيات ~~الكتاب" الموجودات الكونية والأشياء الخارجية المسخرة في النظام العام ~~الإلهي، والمراد بالكتاب هو مجموع الكون الذي هو بوجه اللوح المحفوظ أو ~~المراد به القرآن الكريم بما يشتمل على الآيات الكونية بنوع من العناية ~~والمجاز. # وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى نوعين من الدلالة وهما الدلالة ~~الطبيعية التي تتلبس بها الآيات الكونية من السماء والأرض وما بينهما، ~~والدلالة اللفظية التي تتلبس بها الآيات القرآنية المنزلة من عنده تعالى ~~إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويكون قوله: "ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون" استدراكا متعلق بالجملتين معا أعني بقوله: "تلك آيات الكتاب" ~~وقوله: "والذي أنزل إليك من ربك الحق" لا بالجملة الأخيرة فحسب. # والمعنى - والله أعلم - تلك الأمور الكونية - وقد أشير بلفظ البعيد دلالة ~~على ارتفاع مكانتها - آيات الكتاب العام الكوني دالة على أن الله سبحانه ~~واحد لا شريك له في ربوبيته والقرآن الذي أنزل إليك من ربك حق ليس ms4245 بباطل - ~~واللام في قوله: "الحق" للحصر فتفيد المحوضة - فتلك آيات قاطعة في دلالتها ~~وهذا حق في نزوله ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، لا بتلك الآيات العينية ولا ~~بهذا الحق النازل، وفي لحن الكلام شيء من اللوم والعتاب. # وقد بان مما مر أن اللام في قوله: "الحق" للحصر، ومفاده أن الذي أنزل ~~إليه حق فحسب وليس بباطل ولا مختلطا من حق وباطل. # وللمفسرين في تركيب الآية ومعنى مفرداتها كالمراد باسم الإشارة والمراد ~~بالآيات وبالكتاب ومعنى الحصر في قوله: "الحق" والمراد بأكثر الناس أقوال ~~متنوعة مختلفة والأظهر الأنسب لسياق الآيات هو ما قدمناه وعلى من أراد ~~الاطلاع على تفصيل أقوالهم أن يراجع المطولات. # قوله تعالى: "الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على ~~العرش" إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات،: العمود ما تعتمد عليه ~~الخيمة وجمعه عمد - بضمتين - وعمد - بفتحتين - قال: في عمد ممددة، وقرىء في ~~عمد، وقال: بغير عمد ترونها انتهى. # وقيل: إن العمد بفتحتين اسم جمع للعماد لا جمع. # والمراد بالآية التذكير بدليل ربوبيته تعالى وحده لا شريك له وإن ~~السماوات مرفوعة بغير عمد تعتمد عليها تدركها أبصاركم وهناك نظام جار وهناك ~~شمس وقمر مسخران يجريان إلى أجل مسمى، ولا بد ممن يقوم على هذه الأمور ~~فيرفع السماء وينظم النظام ويسخر الشمس والقمر ويدبر الأمر ويفصل هذه ~~الآيات بعضها عن بعض تفصيلا فيه رجاء أن توقنوا بلقاء ربكم فالله سبحانه هو ~~ذاك القائم بما ذكر من أمر رفع السماوات وتنظيم النظام وتسخير الشمس والقمر ~~وتدبير الأمر وتفصيل الآيات فهو تعالى رب الكل لا رب غيره. # فقوله: "الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها" رفع السماوات هو فصلها من ~~الأرض فصلا يتسلط به على الأرض بإلقاء أشعتها وإنزال أمطارها وصواعقها ~~عليها وغير ذلك فهي مرفوعة على الأرض من غير عمد محسوسة للإنسان تعتمد ~~عليها فعلى الإنسان أن يتفطن أن لها رافعا حافظا لها أن تتحول من مكانها ~~ممسكا لها أن تزول من مستقرها. # وذلك أن استقرار السماوات في رفيع ms4246 مستقرها من غير عمد وإن لم يكن بأعجب ~~من استقرار الأرض في مستقرها وهما محتاجتان في ذلك إليه تعالى قائمتان ~~مقامهما بقدرته وإرادته ذلك من طريق أسباب مختصة بهما بإذنه تعالى، ولو ~~كانت السماوات مرفوعة معتمدة على عمد منصوبة لم يغنها ذلك عن الحاجة إليه ~~تعالى والافتقار إلى قدرته وإرادته فالأشياء كلها في حالاتها محتاجة إليه ~~تعالى احتياجا مطلقا لا يزول عنها أبدا ولا في حال. PageV11P152 # لكن الإنسان - في عين أنه يرى قانون العلية الكلي ويذعن بحاجة الحوادث إلى ~~علل موجدة، وفي فطرته البحث عن علل الحوادث والأمور الممكنة - إذا وجد بعض ~~الحوادث مقرونا بعلله وتكرر ذلك على حسه أقنعه ذلك ولم يتعجب من مشاهدته ~~على حاله ولا بحث عنه فإذا رأى الأجرام الثقيلة تسقط على الأرض ثم وجد سقفا ~~مرتفعا عن الأرض لا تسقط عليها تعجب وبحث عن ذلك حتى يحصل على أركان أو ~~أعمدة يقوم عليها السقف وعند ذلك مع ما فيه من التكرر على الحس تقف نفسه عن ~~البحث في كل مورد يشاهد فيه شيئا رفيعا معتمدا على أعمدة أو أركان. # أما إذا وجد أمرا يخرق هذه العادة المألوفة له كالأجرام العلوية القائمة ~~على سمكها من غير عماد تعتمد عليه والطير الصافات ويقبضن فعند ذلك تنتزع ~~نفسه إلى البحث عن السبب الفاعل له كالمتنبه من رقدته. # فقوله تعالى: "رفع السماوات بغير عمد ترونها" إنما وصف السماوات فيه ~~بقوله: "بغير عمد ترونها" لا للدلالة على نفي مطلق العماد عنها على أن يكون ~~قوله: "ترونها" وصفا توضيحيا لا مفهوم له، أو الدلالة على نفي العماد ~~المحسوس فيفيد على التقديرين أنها لما لم تكن لها عمد كان الله سبحانه هو ~~الرافع الممسك لها من غير توسيط سبب، ولو كانت لها أعمدة كسائر ما يعتمد ~~على عماد لكانت الأعمدة هي الرافعة الممسكة لها من غير حاجة إلى الله ~~سبحانه كما ربما يذهب إليه أوهام العامة أن الذي يستند إلى الله من الأمور ~~هو ما يجهل سببه كالأمور السماوية والحوادث الجوية والروح ms4247 وأمثال ذلك. # فإن كلامه تعالى ينص أولا على أن كل ما يصدق عليه الشيء ما خلا الله فهو ~~مخلوق لله وكل خلق وأمر لا يخلو عن الاستناد إليه كما قال تعالى: "الله ~~خالق كل شيء": الرعد: 16، وقال: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54. # وثانيا: على أن سنة الأسباب جارية مطردة وأنه تعالى على صراط مستقيم فلا ~~معنى لكون حكم الأسباب جاريا في بعض الأمور الجسمانية غير جار في بعض. # واستناد بعض الحوادث كالحوادث الأرضية إليه تعالى بواسطة الأسباب، ~~واستناد بعضها الآخر كالأمور السماوية مثلا إليه تعالى بلا واسطة، فإن قام ~~سقف مثلا على عمود فقد قام بسبب خاص به بإذن الله، وإن قام جرم سماوي من ~~غير عمود يقوم عليه فقد قام أيضا بسبب خاص به كطبيعته الخاصة أو التجاذب ~~العام مثلا بإذن الله. # بل إنما قيد رفع السماوات بقوله: "بغير عمد ترونها" لتنبيه فطرة الناس ~~وإيقاظها لتنتزع إلى البحث عن السبب وينتهي ذلك لا محالة إلى الله سبحانه، ~~وقد سلك نظير هذا المسلك في قوله في الآية التالية: "وهو الذي مد الأرض ~~وجعل فيها رواسي وأنهارا" على ما سنوضحه. # ولما كان المطلوب في المقام - على ما يهدي إليه سياق الآيات - هو توحيد ~~الربوبية وبيان أن الله سبحانه رب كل شيء لا رب سواه لا أصل إثبات الصانع ~~عقب قوله: "رفع السماوات" إلخ بقوله: "ثم استوى على العرش وسخر الشمس ~~والقمر" إلخ، الدال على التدبير العام المتحد باتصال بعض أجزائه ببعض ليثبت ~~به أن رب الجميع ومالكها المدبر لأمرها واحد. # وذلك أن الوثنية الذين يناظرهم القرآن لا ينكرون أن خالق الكل وموجده ~~واحد لا شريك له في إيجاده وإبداعه، وهو الله سبحانه، وإنما يرون أنه فوض ~~تدبير كل شأن من شئون الكون ونوع من أنواعه كالأرض والسماء والإنسان ~~والحيوان والبر والحرب والسلم والحياة والموت إلى واحد من الموجودات القوية ~~فينبغي أن يعبد ليجلب بها خيره ويتقي بها شره فلا ينفع في ردهم إلا قصر ~~الربوبية في الله سبحانه وإثبات أنه رب ms4248 لا رب سواه، وأما توحيد الألوهية ~~بمعنى إثبات أن الواجب الوجود واحد لا واجب غيره وإليه ينتهي كل وجود فهو ~~أمر لا تنكره الوثنية ولا يضرهم شيئا. # ومن هنا يظهر أن قوله: "الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها" موضوع في صدر ~~الآية توطئة وتمهيدا لقوله: "ثم استوى على العرش" إلخ من غير أن يكون ~~مقصودا بالذات فيما سيق من البرهان فوزان هذا الصدر من ذيله وزان الصدر من ~~الذيل في قوله تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش" إلخ: الأعراف: 54، يونس: 3، وما يشابهها من الآيات. PageV11P153 # ويظهر أيضا: أن قوله: "بغير عمد" متعلق برفع و"ترونها" وصف للعمد والمراد ~~رفعها بغير عمد محسوسة مرئية، وأما قول من يجعل: "ترونها" جملة مستأنفة ~~تفيد دفع الدخل كأن السامع لما سمع قوله: "رفع السماوات بغير عمد" قال: ما ~~الدليل على ذلك؟ فأجيب وقيل: "ترونها" أي الدليل على ذلك أنها مرئية لكم، فبعيد. # إلا على تقدير أن يكون المراد بالسماوات مجموع جهة العلو على ما فيها من ~~أجرام النجوم والكواكب والهواء المتراكم فوق الأرض والسحب والغمام فإنها ~~جميعا مرفوعة من غير عمد ومرئية للإنسان. # وقوله: "ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر" تقدم الكلام في معنى ~~العرش والاستواء والتسخير في تفسير سورة الأعراف الآية 54. # وقوله: "كل يجري لأجل مسمى" أي كل منهما يجري إلى أجل معين يقف عنده ولا ~~يتعداه كذا قيل ومن الجائز بل الراجح أن يكون الضمير المحذوف ضمير جمع ~~راجعا إلى الجميع والمعنى كل من السماوات والشمس والقمر يجري إلى أجل مسمى ~~فإن حكم الجري والحركة عام مطرد في جميع هذه الأجسام. # وقد تقدم الكلام في معنى الأجل المسمى في تفسير سورة الأنعام الآية 1 فراجع. # وقوله: "يدبر الأمر" التدبير هو الإتيان بالشيء عقيب الشيء ويراد به ~~ترتيب الأشياء المتعددة المختلفة ونظمها بوضع كل شيء في موضعه الخاص به ~~بحيث يلحق بكل منها ما يقصد به من الغرض والفائدة ولا يختل الحال بتلاشي ~~الأصل وتفاسد ms4249 الأجزاء وتزاحمها يقال: دبر أمر البيت أي نظم أموره والتصرفات ~~العائدة إليه بحيث أدى إلى صلاح شأنه وتمتع أهله بالمطلوب من فوائده. # فتدبير أمر العالم نظم أجزائه نظما جيدا متقنا بحيث يتوجه به كل شيء إلى ~~غايته المقصودة منه وهي آخر ما يمكنه من الكمال الخاص به ومنتهى ما ينساق ~~إليه من الأجل المسمى، وتدبير الكل إجراء النظام العام العالمي بحيث يتوجه ~~إلى غايته الكلية وهي الرجوع إلى الله وظهور الآخرة بعد الدنيا. # وقوله: "يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون" ظاهر السياق أن المراد ~~بالآيات هي الآيات الكونية فالمراد بتفصيلها هو تمييز بعضها من بعض وفتقها ~~بعد رتقها، وهذا من سنته تعالى يفصل الأشياء ويميز كل شيء من كل شيء ويخرج ~~من كل شيء ما هو كامن فيه مستخف في باطنه فينفصل به النور من الظلمة والحق ~~من الباطل والخير من الشر والصالح من الطالح والمثيب من المجرم. # ولذا عقبه بقوله: "لعلكم بلقاء ربكم توقنون" فإن يوم اللقاء هو الساعة ~~التي سماها الله بيوم الفصل ووعد فيه تمييز المتقين من المجرمين والفجار ~~قال: "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين": الدخان 40، وقال: "وامتازوا اليوم ~~أيها المجرمون": يس: 59، وقال: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون": الأنفال: 37. # والأشهر عند المفسرين أن المراد بالآيات آيات الكتب المنزلة من عند الله ~~فالمراد بتفصيلها لغرض كذا شرحها وكشفها بالبيان في الكتب المنزلة على ~~أنبياء الله ليتدبر فيها الناس ويتفكروا ويفقهوا فإن في ذلك رجاء أن يوقنوا ~~بلقاء الله تعالى والرجوع إليه وما قدمناه من المعنى أوضح لزوما وأمس ~~بالسياق. # وفي قوله: "لعلكم بلقاء ربكم" ولم يقل: لعلكم بلقائه، وضع الظاهر موضع ~~المضمر والوجه فيه الإصرار على تثبيت الربوبية والتأكيد له والإشارة إلى أن ~~الذي خلق العالم ودبر أمره فصار ربا له هو رب لكم أيضا فلا رب إلا رب واحد ~~لا شريك له. # قوله تعالى: "وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا" إلى آخر ms4250 الآية ~~الرواسي جمع راسية من رسا إذا ثبت وقر، والمراد بها الجبال لثباتها في ~~مقرها، والزوج خلاف الفرد ويطلق على مجموع الأمرين وعلى أحدهما فهما زوج ~~وهما زوجان، وربما يقيد الزوجان باثنين تأكيدا للدلالة على أن المراد هو ~~اثنان لا أربعة كما في الآية. # وقوله: "هو الذي مد الأرض" أي بسطها بسطا صالحا لأن يعيش فيه الحيوان ~~وينبت فيه الزرع والشجر، والكلام في نسبة مد الأرض إليه تعالى وكونه ~~كالتوطئة والتمهيد لما يلحق به من قوله: "وجعل فيها رواسي وأنهارا" إلخ، ~~نظير الكلام في قوله في الآية السابقة: "الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها". PageV11P154 # وقوله: "وجعل فيها رواسي وأنهارا" الضمير للأرض والكلام مسوق بحيث يستتبع ~~بعض أجزائه بعضا والغرض - والله أعلم - بيان تدبيره تعالى أمر سكنة الأرض ~~من إنسان وحيوان في حركته لطلب الرزق وسكونه للارتياح فقد مد الله سبحانه ~~الأرض ولو لا ذلك لم يصلح لبقاء نوع الإنسان والحيوان ولو كانت ممدودة فحسب ~~من غير ارتفاع وانخفاض في سطحها لم تصلح لظهور ما ادخر فيها من خزائن الماء ~~على سطحها لشرب الزروع والبساتين فجعل سبحانه فيها الجبال الرواسي وادخر ~~فيها ما ينزل على الأرض من ماء السماء وشق من أطرافها أنهارا وفجر منها ~~عيونا مطلة على السهل تسقي الزروع والجنان فيخرج به ثمرات مختلفة حلوة ومرة ~~صيفية وشتوية برية وأهلية، وسلط على وجه الأرض الليل والنهار وهما عاملان ~~قويان في رشد الأثمار والفواكه بتسليط الحرارة والبرودة المؤثرتين في النضج ~~والنمو والانبساط والانقباض، وتسليط الضوء والظلمة النظامين لحركة الدواب ~~والإنسان وسعيهما في طلب الرزق وسكونهما للنوم والرقدة. # فمد الأرض يسهل الطريق لجعل الجبال الرواسي وذلك لشق الأنهار وذلك لجعل ~~الثمرات المزدوجة المختلفة وبالليل والنهار يتم المطلوب وفي ذلك كله تدبير ~~متصل متحد يكشف عن مدبر حكيم واحد لا شريك له في ربوبيته، وإن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون. # وقوله: "ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين" أي ومن جميع الثمرات ~~الممكنة الكينونة جعل في الأرض أنواعا متخالفة نوعا يخالف ms4251 آخر كالصيفي ~~والشتوي والحلو وغيره والرطب واليابس. # هذا هو المعروف في تفسير زوجين اثنين فالمراد بالزوجين الصنف يخالفه صنف ~~آخر سواء كانا صنفين لا ثالث لهما أم لا، نظير ما تأتي فيه التثنية للتكرير ~~كقوله تعالى: "ثم ارجع البصر كرتين": الملك: 4 أريد به الرجوع كرة بعد كرة ~~وإن بلغ من الكثرة ما بلغ. # وقال في تفسير الجواهر في قوله تعالى: "زوجين اثنين": جعل فيها من كل ~~أصناف الثمرات الزوجين اثنين ذكر وأنثى في أزهارها عند تكونها فقد أظهر ~~الكشف الحديث أن كل شجر وزرع لا يتولد ثمره وحبه إلا من بين اثنين ذكر وأنثى. # فعضو الذكر قد يكون مع عضو الأنثى في شجرة واحدة كأغلب الأشجار وقد يكون ~~عضو الذكر في شجرة والآخر في شجرة أخرى كالنخل، وما كان العضوان فيه في ~~شجرة واحدة إما أن يكونا معا في زهرة واحدة، وإما أن يكون كل منهما في زهرة ~~وحده والثاني كالقرع والأول كشجرة القطن فإن عضو التذكير مع عضو التأنيث في ~~زهرة واحدة. # انتهى. # وما ذكره وإن كان من الحقائق العلمية التي لا غبار عليها إلا أن ظاهر ~~الآية الكريمة لا يساعد عليه فإن ظاهرها أن نفس الثمرات زوجان اثنان لا ~~أنها مخلوقة من زوجين اثنين ولو كان المراد ذلك لكان الأنسب به أن يقال: ~~وكل الثمرات جعل فيها من زوجين اثنين. # نعم لا بأس أن يستفاد ذلك من مثل قوله تعالى: "سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها مما تنبت الأرض": يس: 36 وقوله: "وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها ~~من كل زوج كريم": لقمان: 10 وقوله: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون": ~~الذاريات: 49. # وذكر بعضهم أن زوجين اثنين الذكر والأنثى والحلو والحامض وسائر الأصناف ~~فيكون الزوجان أربعة أفراد الذكر والأنثى وكل منهما مختلف بصفات هي أكثر من ~~واحد كالحلو وغيره والصيفي وخلافه. # وهو كما ترى. # وقوله: "يغشي الليل النهار" أي يلبس ظلمة الليل ضوء النهار فيظلم الهواء ~~بعد ما كان مضيئا، وذكر بعضهم أن المراد به إغشاء كل ms4252 من الليل والنهار غيره ~~وتعقيب الليل النهار والنهار الليل، ولا قرينة تدل على ذلك. # ثم ختم الآية بقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" فإن التفكر في ~~النظام الجاري عليها الحاكم فيها القاضي باتصال بعضها ببعض وتلاؤم بعضها مع ~~بعض المؤدي إلى توجه المجموع وكل جزء من أجزائها إلى غايات تخصها يكشف عن ~~ارتباطها بتدبير واحد عقلي في غاية الإتقان والإحكام فيدل على أن لها ربا ~~واحدا لا شريك له في ربوبيته عليما لا يعتريه جهل قديرا لا يغلب في قدرته ~~ذا عناية بكل شيء وخاصة بالإنسان يسوقه إلى ما فيه سعادته الخالدة. PageV11P155 # قوله تعالى: "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان" إلى آخر الآية، قال الراغب: الصنو الغصن الخارج عن أصل الشجرة يقال: ~~هما صنوا نخلة وفلان صنو أبيه والتثنية صنوان وجمعه صنوان قال تعالى: صنوان ~~وغير صنوان. # انتهى، وقال: والأكل لما يؤكل بضم الكاف وسكونه قال تعالى: "أكلها دائم" ~~والأكلة للمرة والأكلة كاللقمة. # انتهى. # والمعنى أن من الدليل على أن هذا النظام الجاري قائم بتدبير مدبر وراءه ~~يخضع له الأشياء بطبائعها ويجريها على ما يشاء وكيف يشاء أن في الأرض قطعا ~~متجاورات متقاربة بعضها من بعض متشابهة في طبع ترابها وفيها جنات من أعناب ~~والعنب من الثمرات التي تختلف اختلافا عظيما في الشكل واللون والطعم ~~والمقدار واللطافة والجودة وغير ذلك، وفيها زرع مختلف في جنسه وصنفه من ~~القمح والشعير وغير ذلك، وفيها نخيل صنوان أي أمثال نابتة على أصل مشترك ~~فيه وغير صنوان أي متفرقة تسقي الجميع من ماء واحد ونفضل بعضها على بعض بما ~~فيه من المزية المطلوبة في شيء من صفاته. # فإن قيل: هذه الاختلافات راجعة إلى طبائعها الخاصة بكل منها أو العوامل ~~الخارجية التي تعمل فيها فتتصرف في إشكالها وألوانها وسائر صفاتها على ما ~~تفصل الأبحاث العلمية المتعرضة لشئونها الشارحة لتفاصيل طبائعها وخواصها، ~~والعوامل التي تؤثر في كيفية تكونها وتتصرف في صفاتها. # قيل: نعم لكن ينتقل السؤال حينئذ إلى سبب ms4253 اختلاف هذه الطبائع الداخلية ~~والعوامل فما هي العلة في اختلافها المؤدية إلى اختلاف الآثار؟ وتنتهي ~~بالأخرة إلى المادة المشتركة بين الكل المتشابهة الأجزاء، ومثلها لا يصلح ~~لتعليل هذا الاختلاف المشهود فليس إلا أن هناك سببا فوق هذه الأسباب أوجد ~~هو المادة المشتركة، ثم أوجد فيها من الصور والآثار ما شاء، وبعبارة أخرى ~~هناك سبب واحد ذي شعور وإرادة تستند هذه الاختلافات إلى إراداته المختلفة ~~ولولاه لم يتميز شيء من شيء ولا اختلف في شيء هذا. # ومن الواجب على الباحث المتدبر في هذه الآيات أن يتنبه أن استناد اختلاف ~~الخلقة إلى اختلاف إرادة الله سبحانه ليس إبطالا لقانون العلة والمعلول كما ~~ربما يتوهم فإن إرادة الله سبحانه ليست صفة طارئة لذاته كإرادتنا حتى تتغير ~~ذاته بتغير الإرادات بل هذه الإرادات المختلفة صفة فعله ومنتزعة من العلل ~~التامة للأشياء فليكن عندك إجمال هذا المطلب حتى يوافيك توضيحه في محل ~~يناسبه إن شاء الله. # ولما كانت الحجة مبنية على مقدمات عقلية لا تتم بدونها عقبها بقوله: "إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون". # وقد ظهر من البيان المتقدم أن نسبة اختلاف الأكل إليه تعالى من غير ذكر ~~الواسطة أو الوسائط مثل نسبة رفع السماء بغير عمد مرئية ومد الأرض وجعل ~~الجبال والأنهار إليه تعالى بإسقاط الوسائط، والمراد بذلك تنبيه فطرة ~~السامعين لتنتزع إلى البحث عن سبب الاختلافات وتنتهي بالآخرة إلى الله عز ~~من سبب. # وفي الآية التفات لطيف من الغيبة إلى التكلم بالغير وهو ما في قوله ~~تعالى: "ونفضل بعضها على بعض في الأكل" ولعل النكتة فيه تعريف السبب ~~الحقيقي بأوجز بيان كأنه قيل: ويفضل بعضها على بعض في الأكل وليس المفضل ~~إلا الله سبحانه ثم عرف المتكلم نفسه وأظهر بلفظ التعظيم أنه هو السبب الذي ~~يبحث عنه الباحثون وإلى حضرته ينتهي هذا التفضيل ثم أوجز هذا التفضيل فقيل: ~~"ونفضل بعضها على بعض في الأكل" ولا يخلو التعبير بلفظ المتكلم مع الغير عن ~~إشعار بأن هناك أسبابا إلهية دون الله سبحانه عاملة بأمره ومنتهية ms4254 إليه ~~سبحانه. # وقد ظهر مما تقدم أن الآية إنما سيقت حجة لتوحيد الربوبية لا لإثبات ~~الصانع أو توحيد الذات، وملخصها أن اختلاف الآثار في الأشياء مع وحدة الأصل ~~يكشف عن استنادها إلى سبب وراء الطبيعة المشتركة المتحدة وانتظامها عن ~~مشيته وتدبيره فالمدبر لها هو الله سبحانه وهو ربها لا رب غيره، فما يتراءى ~~من المفسرين أن الآية مسوقة لإثبات الصانع في غير محله. PageV11P156 # على أن الآيات على ما يظهر من سياقها مسوقة للاحتجاج على الوثنيين وهم إنما ~~ينكرون وحدة الربوبية ويثبتون أربابا شتى ويعترفون بوحدة ذات الواجب الحق ~~عز اسمه فلا معنى للاحتجاج عليهم بما ينتج أن للعالم صانعا، وقد تنبه به ~~بعضهم فذكر أن الآية احتجاج على دهرية العرب المنكرين لوجود الصانع وهو ~~مردود بأنه لا دليل من ناحية سياق الآيات يدل على ما ادعاه. # وظهر أيضا أن الفرق بين الحجتين أعني ما في قوله: "وهو الذي مد الأرض" ~~إلخ وما في قوله: "وفي الأرض قطع متجاورات" إلخ أن الأولى تسلك من طريق ~~الوحدة في الكثرة والارتباط والاتصال في التدبير المتعلق بهذه الأشياء ~~المختلفة وذلك يؤدي إلى وحدة مدبرها، والثانية تسلك من طريق الكثرة في ~~الوحدة واختلاف الآثار والخواص في الأشياء التي لها أصل واحد وذلك يكشف عن ~~أن المبدىء المفيض لهذه الآثار والخواص المختلفة المتفرقة أمر وراء طبائعها ~~وسبب فوق هذه الأسباب الراجعة إلى أصل واحد وهو رب الجميع لا رب غيره. # وأما الحجة الأولى المذكورة قبل الحجتين أعني ما في قوله تعالى: "الله ~~الذي رفع السماوات" إلخ فهي كالسالكة من المسلكين معا فإنها تذكر التدبير ~~وفيه توحيد الكثير وجمع متفرقات الأمور، والتفصيل وفيه تكثير الواحد وتفريق ~~المجتمعات. # ومحصلها أن أمر العالم على تشتته وتفرقه تحت تدبير واحد فله رب واحد هو ~~الله سبحانه، وأنه تعالى يفصل الآيات فيميز كل شيء من كل شيء فيفصل السعيد ~~من الشقي والحق من الباطل وهو المعاد، ولذلك استنتج منها الربوبية والمعاد ~~معا إذ قال: "لعلكم بلقاء ربكم توقنون". ### |||| AUTO بحث روائي ms4255 # في تفسير العياشي، عن الخطاب الأعور رفعه إلى أهل العلم والفقه من آل ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "وفي الأرض قطع متجاورات" يعني هذه ~~الأرض الطيبة تجاور مجاورة هذه الأرض المالحة وليست منها كما يجاور القوم ~~القوم وليسوا منهم. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهر آشوب عن الخركوشي في شرف المصطفى والثعلبي ~~في الكشف والبيان والفضل بن شاذان في الأمالي واللفظ له بإسناده عن جابر بن ~~عبد الله قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لعلي (عليه ~~السلام): الناس من شجرة شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ثم قرأ: "جنات من ~~أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان - يسقى بماء واحد" بالنبي وبك: قال: ~~ورواه النطنزي في الخصائص عن سلمان، وفي رواية: أنا وعلي من شجرة والناس من ~~أشجار شتى:. قال صاحب البرهان،: وروي حديث جابر بن عبد الله الطبرسي، وعلي ~~بن عيسى في كشف الغمة،. # أقول: ورواه في الدر المنثور، عن الحاكم وابن مردويه عن جابر قال: سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يا علي الناس من شجر شتى وأنا ~~وأنت يا علي من شجرة واحدة ثم قرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "وجنات ~~من أعناب وزرع ونخيل - صنوان وغير صنوان". # وفي الدر المنثور، أخرج الترمذي وحسنه والبزاز وابن جرير وابن المنذر ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~في قوله تعالى: "ونفضل بعضها على بعض في الأكل" قال: الدقل والفارسي والحلو ~~والحامض. PageV11P157 ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 5 - 6 # وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا تربا أءنا لفى خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلل فى أعناقهم وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (5) ~~ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلت وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ### |||| AUTO بيان # عطف على بعض ما كان يتفوه به المشركون في الرد على الدعوة والرسالة ~~كقولهم: أنى يمكن بعث الإنسان ms4256 بعد موته وصيرورته ترابا؟ وقولهم: لو لا أنزل ~~علينا العذاب الذي ينذرنا به ومتى هذا الوعد إن كنت من الصادقين؟ والجواب ~~عن ذلك بما يناسب المقام. # قوله تعالى: "وإن تعجب فعجب قولهم ء إذا كنا ترابا ء إنا لفي خلق جديد" ~~إلى آخر الآية قال في المجمع،: العجب والتعجب هجوم ما لا يعرف سببه على ~~النفس والغل طوق تشد به اليد إلى العنق انتهى. # أشار تعالى في مفتتح كلامه إلى حقية ما أنزله إلى نبيه من معارف الدين في ~~كتابه ملوحا إلى أن آيات التكوين تهدي إليه وتدل عليه وأصولها التوحيد ~~والرسالة والبعث ثم فصل القول في دلالة الآيات التكوينية على ذلك واستنتج ~~من حجج ثلاث ذكرها توحيد الربوبية والبعث بالتصريح، ويستلزم ذلك حقية ~~الرسالة والكتاب المنزل الذي هو آيتها، فلما اتضح ذلك واستنار تمهدت الطريق ~~لذكر شبه الكفار فيما يرجع إلى الأصول الثلاثة فأشار في هذه الآية إلى ~~شبهتهم في البعث وسيتعرض لشبههم وأقاويلهم في الرسالة والتوحيد في الآيات ~~التالية. # وشبهتهم في ذلك قولهم: "ء إذا كنا ترابا ء إنا لفي خلق جديد" أورده ~~بعنوان أنه عجب أحرى به أن يتعجب منه لظهور بطلانه وفساده ظهورا لا مسوغ ~~لإنسان سليم العقل أن يرتاب فيه فلو تفوه به إنسان لكان من موارد العجب ~~فقال: "وإن تعجب فعجب قولهم" إلخ. # ومعنى الجملة على ما يرشد إليه حذف متعلق "تعجب" إن تحقق منك تعجب ولا ~~محالة يتحقق لأن الإنسان لا يخلو منه - فقولهم هذا عجيب يجب أن يتعلق به ~~تعجبك، فالتركيب كناية عن وجوب التعجب من قولهم هذا لكونه قولا ظاهر ~~البطلان لا يميل إليه ذو لب وحجى. # وقولهم: "ء إذا كنا ترابا ء إنا لفي خلق جديد" مرادهم من التراب بقرينة ~~السياق ما يصير إليه بدن الإنسان بعد الموت من صورة التراب وينعدم عند ذلك ~~الإنسان الذي هو الهيكل اللحمي الخاص المركب من أعضاء خاصة المجهز بقوى ~~مادية على زعمهم وكيف يشمل الخلقة أمرا منعدما من أصله فيعود مخلوقا ~~جديدا؟. # ولشبهتهم ms4257 هذه جهات مختلفة أجاب الله سبحانه في كلامه عن كل واحدة منها ~~بما يناسبها ويحسم مادتها: فمنها: استبعاد أن يستحيل التراب إنسانا سويا، ~~وقد أجيب عنه بأن إمكان استحالة المواد الأرضية منيا ثم المني علقة ثم ~~العلقة مضغة ثم المضغة بدن إنسان سوي ووقوع ذلك بعد إمكانه لا يدع ريبا في ~~جواز صيرورة التراب ثانيا إنسانا سويا قال تعالى: "يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ~~مخلقة وغير مخلقة" الآية:. الحج: 5. # ومنها: استبعاد إيجاد الشيء بعد عدمه. # وأجيب بأنه مثل الخلق الأول فليجز كما جاز قال تعالى: "وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة": ~~يس: 79. # ومنها: أن الإنسان تنتفي ذاته بالموت فلا ذات حتى تتلبس بالخلق الجديد ~~ولا إنسان بعد الموت والفوت إلا في تصور المتصور دون الخارج بنحو. # وقد أجيب في كلامه تعالى عنه ببيان أن الإنسان ليس هو البدن المركب من ~~عدة أعضاء مادية حتى ينعدم من أصله ببطلان التركيب وانحلاله بل حقيقته روح ~~علوية - وإن شئت قلت: نفس - متعلق بهذا المركب المادي تستعمله في أغراضه ~~ومقاصده وبها حياة البدن يبقى بها الإنسان محفوظ الشخصية وإن تغير بدنه ~~وتبدل بمرور السنين ومضي العمر ثم الموت هو أن يأخذها الله من البدن وتقطع ~~علقتها به ثم البعث هو أن يجدد الله خلق البدن وتعليقها به وهو القيام لله ~~لفصل القضاء. PageV11P158 # قال تعالى: "وقالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ~~ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون": الم ~~السجدة: 11 يقول إنكم بالموت لا تضلون في الأرض ولا تنعدمون بل الملك ~~الموكل بالموت يأخذ الأمر الذي تدل عليه لفظة "كم" و"نا" وهي النفوس فتبقى ~~في قبضته ولا تضل ثم إذا بعثتم ترجعون إلى الله بلحوق أبدانكم إلى نفوسكم ~~وأنتم أنتم. # فللإنسان حياة ms4258 باقية غير محدودة بما في هذه الدنيا الفانية وله عيشة في ~~دار أخرى باقية ببقاء الله ولا يتمتع في حياته الثانية إلا بما يكتسبه في ~~حياته الأولى من الإيمان بالله والأعمال الصالحة ويعده في يومه لغده من ~~مواد السعادة فإن اتبع الحق وآمن بآيات الله سعد في أخراه بكرامة القرب ~~والزلفى وملك لا يبلى، وإن أخلد إلى الأرض وانكب على الدنيا وأعرض عن ~~الذكرى بقي في دار الشقاء والبوار وغل بأغلال الخيبة والخسران في مهبط ~~اللعن وحضيض البعد وكان من أصحاب النار. # وإذا عرفت هذا الذي قدمناه وتأملته تأملا كافيا بان لك أن قوله تعالى: ~~"أولئك الذين كفروا بربهم" إلى آخر الآية ليس بمجرد تهديد بالعذاب لهؤلاء ~~القائلين: "ء إذا كنا ترابا ء إنا لفي خلق جديد" على ما يتخيل في بادىء ~~النظر بل جواب بلازم القول. # وتوضيح ذلك أن لازم قولهم: إن الإنسان إذا مات وصار ترابا بطلت الإنسانية ~~وانعدمت الشخصية أن يكون الإنسان صورة مادية قائمة بهذا الهيكل البدني ~~المادي العائش بحياة مادية من غير أن تكون له حياة أخرى خالدة بعد الموت ~~يبقى فيها ببقاء الرب تعالى ويسعد بقربه ويفوز عنده وبعبارة أخرى تكون ~~حياته محدود بهذه الحياة المادية غير أن تنبسط على ما بعد الموت وتدوم ~~أبدا، وهذا في الحقيقة إنكار للعالم الربوبي إذ لا معنى لرب لا معاد إليه. # ولازم ذلك أن يقصر الإنسان همه في المقاصد الدنيوية والغايات المادية من ~~غير أن يرتقي فهمه إلى ما عند الله من النعيم المقيم والملك العظيم فيسعى ~~لقربه تعالى ويعمل في يومه لغده كالمغلول الذي لا يستطيع حراكا ولا يقدر ~~على السعي لواجب أمره. # ولازم ذلك أن يثبت الإنسان في شقاء لازم وعذاب دائم فإنه أفسد استعداد ~~السعادة وقطع الطريق وهذه اللوازم الثلاث هي التي أشار تعالى إليه بقوله: ~~"أولئك الذين كفروا" إلخ. # فقوله: "أولئك الذين كفروا بربهم" إشارة إلى اللازم الأول وهو إعراض ~~منكري المعاد عن العالم الربوبي والحياة الباقية والستر على ما عند الله من ms4259 ~~النعيم المقيم والكفر به. # وقوله: "وأولئك الأغلال في أعناقهم" إشارة إلى اللازم الثاني وهو الإخلاد ~~إلى الأرض والركون إلى الهوى والتقيد بقيود الجهل وأغلال الجحد والإنكار، ~~وقد مر في تفسير قوله تعالى: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا" الآية: ~~البقرة: 26 في الجزء الأول من الكتاب كلام في كون هذه التعبيرات القرآنية ~~حقائق أو مجازات فراجع إليه. # وقوله: "أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" إشارة إلى اللازم الثالث وهو ~~مكثهم في العذاب والشقاء. # قوله تعالى: "ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات" ~~إلى آخر الآية. # قال في المجمع،: الاستعجال طلب التعجيل بالأمر والتعجيل تقديم الأمر قبل ~~وقته، والسيئة خصلة تسوء النفس ونقيضها الحسنة وهي خصلة تسر النفس، ~~والمثلات العقوبات واحدها مثلة بفتح الميم وضم الثاء، ومن قال في الواحد: ~~مثلة بضم الميم وسكون الثاء قال في الجمع: مثلات بضمتين نحو غرفة وغرفات، ~~وقيل في الجمع: مثلات ومثلات - أي بسكون الثاء وفتحها - انتهى. # وقال الراغب في المفردات،: المثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع ~~به غيره وذلك كالنكال وجمعه مثلات ومثلات - أي بضم الميم أو فتحها وضم ~~الثاء - وقد قرىء: من قبلهم المثلات، والمثلات بإسكان الثاء على التخفيف ~~نحو عضد وعضد. # انتهى. PageV11P159 # وقوله: "يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة" ضمير الجمع للذين كفروا المذكورين ~~في الآية السابقة، والمراد باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة سؤالهم نزول ~~العذاب إليهم استهزاء بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل سؤال الرحمة ~~والعافية، والدليل عليه قوله: "وقد خلت من قبلهم المثلات" - والجملة في ~~موضع الحال - فإن المراد به العقوبات النازلة على الأمم الماضين القاطعة ~~لدابرهم. # والمعنى: يسألك الذين كفروا أن تنزل عليهم العقوبة الإلهية قبل الرحمة ~~والعافية بعد ما سمعوك تنذرهم بعذاب الله استهزاء وهم على علم بالعقوبات ~~النازلة قبلهم على الأمم الماضين الذين كفروا برسلهم والآية في مقام ~~التعجيب. # وقوله: "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب" ~~استئناف أو في موضع الحال، ويفيد بيان السبب في كون استعجالهم أمرا عجيبا ~~أي ms4260 إن ربك ذو رحمة واسعة تسع الناس في جميع أحوالهم حتى حال ظلمهم وذو غضب ~~شديد وقد سبقت رحمته غضبه فما بالهم يعرضون عن وسيع رحمته ومغفرته ويسألون ~~شديد عقابه وهم مستعجلون؟ إن ذلك لعجيب. # ويظهر من هذا المعنى الذي يعطيه السياق: أولا: أن التعبير عنه تعالى ~~بقوله: "ربك" إنما هو للدلالة على كونهم مشركين وثنيين لا يأخذونه تعالى ~~ربا بل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي يأخذه ربا من بين قومه. # وثانيا: أن المراد بالمغفرة والعقاب هو الأعم من المغفرة والعقوبة ~~الدنيويتين فإن المشركين إنما كانوا يستعجلون بالسيئة والعقوبة الدنيويتين، ~~والمثلات التي يذكر الله تعالى أنها خلت من قبلهم إنما هي العقوبات ~~الدنيوية النازلة عليهم. # على أن العفو والمغفرة لا يختصان بما بعد الموت أو بيوم القيامة ولا أن ~~آثارهما تختص بذلك، وقد تقدم ذلك مرارا فله تعالى أن يبسط مغفرته على كل من ~~شاء حتى على الظالم حين هو ظالم فيغفر له مظلمته إن اقتضته الحكمة، وله أن ~~يعاقب قال تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم": المائدة: 118. # ولهذه النكتة عبر تعالى عن مورد المغفرة بقوله: "للناس" ولم يقل للمؤمنين ~~أو للتائبين ونحو ذلك فلو التجأ أي واحد من الناس إلى رحمته وسأله المغفرة ~~كان له أن يغفر له سواء في ذلك الكافر والمؤمن والمعاصي الكبيرة والصغيرة ~~غير أن المشرك لو سأله أن يغفر له شركه انقلب بذلك مؤمنا غير مشرك، والله ~~سبحانه لا يغفر المشرك ما لم يعد إلى التوحيد قال تعالى: "إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 48. # فكان على هؤلاء الذين كفروا أن يسألوه تعالى - ويستعجلوا به - أن يغفر ~~لهم شركهم أو ما يتفرع على شركهم من المعاصي بتقديم الإيمان به وبرسوله أو ~~أن يسألوه العافية والبركة وخير المال والولد على كونهم ظالمين فإنه برحمته ~~الواسعة يفعل ذلك حتى بمن لا يؤمن به ولا ينقاد له، وأما الظلم حال ما ~~يتلبس ms4261 به الظالم فإن المغفرة لا تجامعه وقد قال تعالى: "والله لا يهدي ~~القوم الظالمين": الجمعة: 5. # وثالثا: أن قوله: "لذو مغفرة" ولم يقل: لغفور أو غافرة كأنه للتحرز من أن ~~يدل على فعلية المغفرة لجميع الظالمين على ظلمهم كأنه قيل: عنده مغفرة ~~للناس على ظلمهم لا يمنعه من إعمال هذه المغفرة عند المصلحة شيء. # ويمكن أن يستفاد من الجملة معنى آخر وهو أنه تعالى عنده مغفرة الناس له ~~أن يغفر بها لمن شاء منهم، ولا يستوجب ظلم الناس أن يغضب تعالى فيترك ~~الاتصاف بالمغفرة من أصلها فلا يغفر لأحد، وهذا يوجب تغيرا في بعض ما تقدم ~~من نكت الآية غير أنه غير ظاهر من السياق. # وفي الآية مشاجرات بين المعتزلة وغيرهم من أهل السنة وهي مطلقة لا دليل ~~على تقييدها بشيء إلا بما في قوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" ~~الآية: النساء: 48. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس: "وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم - وإن ربك لشديد العقاب" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لو لا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولو لا وعيده وعقابه لا ~~تكل كل أحد. PageV11P160 ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 7 - 16 # ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه ءاية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شىء ~~عنده بمقدار (8) علم الغيب والشهدة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار (10) له معقبت من بين ~~يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11) ~~هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد ~~بحمده والملئكة من خيفته ويرسل الصوعق فيصيب بها من يشاء وهم يجدلون فى ~~الله وهو شديد ms4262 المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشىء إلا كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببلغه وما دعاء الكفرين ~~إلا فى ضلل (14) ولله يسجد من فى السموت والأرض طوعا وكرها وظللهم بالغدو ~~والاصال (15) قل من رب السموت والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى ~~الظلمت والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشبه الخلق عليهم قل الله ~~خلق كل شىء وهو الوحد القهر (16) ### |||| AUTO بيان # تتعرض الآيات لقولهم: "لو لا أنزل عليه آية من ربه" وترده عليهم أن ~~الرسول ليس له إلا أنه منذر أرسله الله على سنة الهداية إلى الحق ثم تسوق ~~الكلام فيما يعقبه. # قوله تعالى: "ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه" إلى آخر ~~الآية ليس المراد بهذه الآية الآية القاضية بين الحق والباطل المهلكة للأمة ~~وهي المذكورة في الآية السابقة بقوله: "ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة" بأن ~~يكون تكرارا لها وذلك لعدم إعانة السياق على ذلك، ولو أريد ذلك لكان من حق ~~الكلام أن يقال: ويقولون لو لا "إلخ". # بل المراد أنهم يقترحون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية أخرى ~~غير القرآن تدل على صدقه في دعوى الرسالة وكانوا يحقرون أمر القرآن الكريم ~~ولا يعبئون به ويسألون آية أخرى معجزة كما أوتي موسى وعيسى وغيرهما (عليهم ~~السلام) فكان في قولهم: "لو لا أنزل عليه آية" تعريض منهم للقرآن. # وأما قوله: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" فإعطاء جواب للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وفي توجيه الخطاب إليه دونهم وعدم أمره أن يبلغ الجواب ~~إياهم تعريض لهم أنهم لا يستحقون جوابا لعدم فقههم به وفقدهم القدر اللازم ~~من العقل والفهم وذلك أن اقتراحهم الآية مبني على زعمهم - كما يدل عليه ~~كثير مما حكى عنهم القرآن في هذا الباب على أن من الواجب أن يكون للرسول ~~قدرة غيبية مطلقة على كل ما ms4263 يريد فله أن يوجد ما أراد وعليه أن يوجد ما ~~أريد منه. # والحال أن الرسول ليس إلا بشرا مثلهم أرسله الله إليهم لينذرهم عذاب الله ~~ويحذرهم أن يستكبروا عن عبادته ويفسدوا في الأرض بناء على السنة الإلهية ~~الجارية في خلقه أنه يهدي كل شيء إلى كماله المطلوب ويدل عباده على ما فيه ~~صلاح معاشهم ومعادهم. # فالرسول بما هو رسول بشر مثلهم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا ~~حياة ولا نشورا وليس عليه إلا تبليغ رسالة ربه وأما الآيات فأمرها إلى الله ~~ينزلها إن شاء وكيف شاء فاقتراحها على الرسول جهل محض. # فالمعنى: أنهم يقترحون عليك آية - وعندهم القرآن أفضل آية - وليس إليك ~~شيء من ذلك وإنما أنت هاد تهديهم من طريق الإنذار وقد جرت سنة الله في ~~عباده أن يبعث في كل قوم هاديا يهديهم. PageV11P161 # والآية تدل على أن الأرض لا تخلو من هاد يهدي الناس إلى الحق إما نبي منذر ~~وإما هاد غيره يهدي بأمر الله وقد مر بعض ما يتعلق بالمقام في أبحاث النبوة ~~في الجزء الثاني وفي أبحاث الإمامة في الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل ~~شيء عنده بمقدار" قال في المفردات،: غاض الشيء وغاضه غيره نحو نقص ونقصه ~~غيره قال تعالى: "وغيض الماء" "وما تغيض الأرحام" أي تفسده الأرحام فتجعله ~~كالماء الذي تبتلعه الأرض والغيضة المكان الذي يقف فيه الماء فيبتلعه وليلة ~~غائضة أي مظلمة انتهى. # وعلى هذا فالأنسب أن تكون الأمور الثلاثة المذكورة في الآية أعني قوله: ~~"ما تحمل كل أنثى" و"ما تغيض الأرحام" و"ما تزداد" إشارة إلى ثلاثة من ~~أعمال الأرحام في أيام الحمل فما تحمله كل أنثى هو الجنين الذي تعيه وتحفظه ~~وما تغيضه الأرحام هو دم الحيض تنصب فيها فتصرفه الرحم في غذاء الجنين، وما ~~تزداده هو الدم التي تدفعها إلى خارج كدم النفاس والدم أو الحمرة التي ~~تراها أيام الحمل أحيانا وهو الذي يظهر من بعض ms4264 ما روي عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) وربما ينسب إلى ابن عباس. # وأكثر المفسرين على أن المراد بما تغيض الأرحام الوقت الذي تنقصه الأرحام ~~من مدة الحمل وهي تسعة أشهر، والمراد بما تزداد ما تزيد على ذلك. # وفيه خلوة عن شاهد يشهد عليه فإن الغيض بهذا المعنى نوع من الاستعارة ~~التي لا غنى لها عن القرينة. # ويروى عن بعضهم أن المراد بما تغيض الأرحام ما تنقص عن أقل مدة الحمل وهي ~~ستة أشهر وهو السقط وبما تزداد ما يولد لأقصى مدة الحمل، وعن بعض آخر أن ~~الغيض النقصان من الأجل والإزدياد الإزدياد فيه. # ويرد على الوجهين ما أوردناه على سابقهما، وقد عرفت أن الأنسب بسياق ~~الآية النقص والزيادة فيما يقذف في الرحم من الدم. # وقوله: "وكل شيء عنده بمقدار" المقدار هو الحد الذي يحد به الشيء ويتعين ~~ويمتاز به من غيره إذ لا ينفك الشيء الموجود عن تعين في نفسه وامتياز من ~~غيره ولو لا ذلك لم يكن موجدا البتة. # وهذا المعنى أعني كون كل شيء مصاحبا لمقدار وقرينا لحد لا يتعداه حقيقة ~~قرآنية تكرر ذكرها في كلامه تعالى كقوله: "قد جعل الله لكل شيء قدرا": ~~الطلاق: 3، وقوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم": الحجر: 21 وغير ذلك من الآيات. # فإذا كان الشيء محدودا بحد لا يتعداه وهو مضروب عليه ذلك الحد عند الله ~~وبأمره ولن يخرج من عنده وإحاطته ولا يغيب عن علمه شيء كما قال: "إن الله ~~على كل شيء شهيد": الحج: 17 وقال: "ألا إنه بكل شيء محيط": حم السجدة: 54، ~~وقال: "لا يعزب عنه مثقال ذرة": السبأ: 3 فمن المحال أن لا يعلم تعالى ما ~~تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. # فذيل الآية أعني قوله: "وكل شيء عنده بمقدار" تعليل لصدرها أعني قوله: ~~"الله يعلم ما تحمل كل أنثى" إلخ والآية وما يتلوها كالتذييل للآية السابقة ~~أن الله يعلم بكل شيء ويقدر على كل شيء ويجيب الدعوة ويخضع له ms4265 كل شيء فهو ~~أحق بالربوبية فإليه أمر الآيات لا إليك وإنما أنت منذر. # قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" الغيب والشهادة كما ~~سمعت مرارا معنيان إضافيان فالشيء الواحد يمكن أن يكون غيبا بالنسبة إلى ~~شيء وشهادة بالنسبة إلى آخر وذلك أن الأشياء - كما تقدم - لا تخلو من حدود ~~تلزمها ولا تنفك عنها فما كان من الأشياء داخلا في حد الشيء غير خارج عنه ~~فهو شهادة بالنسبة إليه مشهود لإدراكه وما كان خارجا عن حد الشيء غير داخل ~~فيه فهو غيب بالنسبة إليه غير مشهود لإدراكه. # ومن هنا يظهر أن الغيب لا يعلم به إلا الله سبحانه أما أنه لا يصير ~~معلوما لشيء فلأن العلم نوع إحاطة ولا معنى لإحاطة الشيء بما هو خارج عن حد ~~وجوده أجنبي عن إحاطته، وأما أنه تعالى يعلم الغيب فلأنه تعالى غير محدود ~~الوجود بحد وهو بكل شيء محيط فلا يمتنع شيء عنه بحده فلا يكون غيبا بالنسبة ~~إليه وإن فرض أنه غيب بالنسبة إلى غيره. PageV11P162 # فيرجع معنى علمه بالغيب والشهادة بالحقيقة إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه بل ~~الغيب والشهادة اللذان يتحققان فيما بين الأشياء بقياس بعضها إلى بعض هما ~~معا شهادتان بالنسبة إليه تعالى، ويصير معنى قوله: "عالم الغيب والشهادة" ~~أن الذي يمكن أن يعلم به أرباب العلم وهو الذي لا يخرج عن حد وجودهم والذي ~~لا يمكن أن يعلموا به لكونه غيبا خارجا عن حد وجودهم هما معا معلومان ~~مشهودان له تعالى لإحاطته بكل شيء. # وقوله "الكبير المتعال" اسمان من أسمائه تعالى الحسنى، والكبر ويقابله ~~الصغر من المعاني المتضائفة فإن الأجسام إذا قيس بعضها إلى بعض من حيث ~~حجمها المتفاوت فما احتوى على مثل حجم الآخر وزيادة كان كبيرا وما لم يكن ~~كذلك كان صغيرا ثم توسعوا فاعتبروا ذلك في غير الأجسام، والذي يناسب ساحة ~~قدسه تعالى من معنى الكبرياء أنه تعالى يملك كل كمال لشيء ويحيط به فهو ~~تعالى كبير أي له كمال كل ذي كمال وزيادة. # والمتعال صفة من ms4266 التعالي وهو المبالغة في العلو كما يدل عليه قوله: ~~"تعالى عما يقولون علوا كبيرا": أسرى: 43 فإن قوله: "علوا كبيرا" مفعول ~~مطلق لقوله: "تعالى" وموضوع في محل قولنا: "تعاليا" فهو سبحانه علي ومتعال ~~أما أنه علي فلأنه علا كل شيء وتسلط عليه والعلو هو التسلط، وأما أنه متعال ~~فلأن له غاية العلو لأن علوه كبير بالنسبة إلى كل علو فهو العالي المتسلط ~~على كان عال من كل جهة. # ومن هنا تظهر النكتة في تعقيب قوله: "عالم الغيب والشهادة" بقوله: ~~"الكبير المتعال" لأن مفاد مجموع الاسمين أنه سبحانه محيط بكل شيء متسلط ~~عليه ولا يتسلط عليه ولا يغلبه شيء من جهة البتة فهو يعلم الغيب كما يعلم ~~الشهادة ولا يتسلط عليه ولا يغلبه غيب حتى يعزب عن علمه بغيبته كما لا ~~يتسلط عليه شهادة فهو عالم الغيب والشهادة لأنه كبير متعال. # قوله تعالى: "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل ~~وسارب بالنهار" السرب بفتحتين والسروب الذهاب في حدور وسيلان الدمع والذهاب ~~في مطلق الطريق يقال سرب سربا وسروبا نحو مر مرا ومرورا. # كذا في المفردات، فالسارب هو الذاهب في الطريق المعلن بنفسه. # والآية كالتفريع على الآية السابقة أي إذا كان الله سبحانه عالما بالغيب ~~والشهادة على سواء فسواء منكم من أسر القول ومن جهر به أي بالقول والله ~~سبحانه يعلم بقولهما ويسمع حديثهما من غير أن يخفى عليه إسرار من أسر ~~بقوله، وسواء منكم من هو مستخف بالليل يستمد بظلمة الليل وإرخاء سدولها لأن ~~يخفى من أعين الناظرين ومن هو سارب بالنهار ذاهب في طريقه متبرز غير مخف ~~لنفسه فالله يعلم بهما من غير أن يخفى المستخفي بالليل بمكيدته. # قوله تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" إلخ ~~ظاهر السياق أن الضمائر الأربع "له" "يديه" "خلفه" "يحفظونه" مرجعها واحد ~~ولا مرجع يصلح لها جميعا إلا ما في الآية السابقة أعني الموصول في قوله: ~~"من أسر القول" إلخ، فهذا الإنسان الذي يعلم ms4267 به الله سبحانه في جميع أحواله ~~هو الذي له معقبات من بين يديه ومن خلفه. # وتعقيب الشيء إنما يكون بالمجيء بعده والإتيان من عقبه فتوصيف المعقبات ~~بقوله: "من بين يديه ومن خلفه" إنما يتصور إذا كان سائرا في طريق، ثم طاف ~~عليه المعقبات حوله وقد أخبر سبحانه عن كون الإنسان سائرا هذا السير بقوله: ~~"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": الانشقاق: 6 وفي معناه ~~سائر الآيات الدالة على رجوعه إلى ربه كقوله: "وإليه ترجعون": يس: 83 ~~"وإليه تقلبون": العنكبوت: 21 فللإنسان وهو سائر إلى ربه معقبات تراقبه من ~~بين يديه ومن خلفه. # ثم من المعلوم من مشرب القرآن أن الإنسان ليس هو هذا الهيكل الجسماني ~~والبدن المادي فحسب بل هو موجود تركب من نفس وبدن والعمدة فيما يرجع إليه ~~من الشئون هي نفسه فلها الشعور والإرادة وإليها يتوجه الأمر والنهي وبها ~~يقوم الثواب والعقاب والراحة والألم والسعادة والشقاء، وعنها يصدر صالح ~~الأعمال وطالحها، وإليها ينسب الإيمان والكفر وإن كان البدن كالآلة التي ~~يتوسل بها في مقاصدها ومآربها. PageV11P163 # وعلى هذا يتسع معنى ما بين يدي الإنسان وما خلفه فيعم الأمور الجسمانية ~~والروحية جميعا فجميع الأجسام والجسمانيات التي تحيط بجسم الإنسان مدى ~~حياته بعضها واقعة أمامه وبين يديه وبعضها واقعة خلفه، وكذلك جميع المراحل ~~النفسانية التي يقطعها الإنسان في مسيره إلى ربه والحالات الروحية التي ~~يعتورها ويتقلب فيها من قرب وبعد وغير ذلك والسعادة والشقاء والأعمال ~~الصالحة والطالحة وما ادخر لها من الثواب والعقاب كل ذلك واقعة خلف الإنسان ~~أو بين يديه ولهذه المعقبات التي ذكرها الله سبحانه شأن فيها بما أن لها ~~تعلقا بالإنسان. # والإنسان الذي وصفه الله بأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا ~~حياة ولا نشورا لا يقدر على حفظ شيء من نفسه ولا آثار نفسه الحاضرة عنده ~~والغائبة عنه، وإنما يحفظها له الله سبحانه قال تعالى: "الله حفيظ عليهم": ~~الشورى: 6 وقال: "وربك على كل شيء حفيظ": السبأ: 21 وقال يذكر الوسائط ms4268 في ~~هذا الأمر "وإن عليكم لحافظين": الانفطار: 10. # فلو لا حفظه تعالى إياها بهذه الوسائط التي سماها حافظين تارة ومعقبات ~~أخرى لشمله الفناء من جهاتها وأسرع إليها الهلاك من بين أيديها ومن خلفها ~~غير أنه كما أن حفظها بأمر من الله عز شأنه كذلك فناؤها وهلاكها وفسادها ~~بأمر من الله لأن الملك لله لا يدبر أمره ولا يتصرف فيه إلا هو سبحانه فهو ~~الذي يهدي إليه التعليم القرآني، والآيات في هذه المعاني متكاثرة لا حاجة ~~إلى إيرادها. # والملائكة أيضا إنما يعملون ما يعملون بأمره قال تعالى: "ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره": النحل: 2، وقال: "لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": ~~الأنبياء: 27. # ومن هنا يظهر أن هذه المعقبات الحفاظ كما يحفظون ما يحفظون بأمر الله ~~كذلك يحفظونه من أمر الله فإن جانب الفناء والهلاك والضيعة والفساد بأمر ~~الله كما أن جانب البقاء والاستقامة والصحة بأمر الله فلا يدوم مركب جسماني ~~إلا بأمر الله كما لا ينحل تركيبه إلا بأمر الله، ولا تثبت حالة روحية أو ~~عمل أو أثر عمل إلا بأمر من الله كما لا يطرقه الحبط ولا يطرأ عليه الزوال ~~إلا بأمر من الله فالأمر كله لله وإليه يرجع الأمر كله. # وعلى هذا فهذه المعقبات كما يحفظونه بأمر الله كذلك يحفظونه من أمر الله، ~~وعلى هذا ينبغي أن ينزل قوله في الآية المبحوث عنها: "يحفظونه من أمر الله". # وبما تقدم يظهر وجه اتصال قوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم" وأنه في موضع التعليل لقوله: "يحفظونه من أمر الله" ~~والمعنى أنه تعالى إنما جعل هذه المعقبات ووكلها بالإنسان يحفظونه بأمره من ~~أمره ويمنعونه من أن يهلك أو يتغير في شيء مما هو عليه لأن سنته جرت أن لا ~~يغير ما بقوم من الأحوال حتى يغيروا ما بأنفسهم من الحالات الروحية كأن ~~يغيروا الشكر إلى الكفر والطاعة إلى المعصية والإيمان إلى الشرك فيغير الله ~~النعمة إلى النقمة والهداية إلى الإضلال والسعادة إلى الشقاء وهكذا. # والآية أعني قوله: "إن ms4269 الله لا يغير" إلخ، يدل بالجملة على أن الله قضى ~~قضاء حتم بنوع من التلازم بين النعم الموهوبة من عنده للإنسان وبين الحالات ~~النفسية الراجعة إلى الإنسان الجارية على استقامة الفطرة فلو جرى قوم على ~~استقامة الفطرة وآمنوا بالله وعملوا صالحا أعقبهم نعم الدنيا والآخرة كما قال. # "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ~~ولكن كذبوا": الأعراف: 96 والحال ثابتة فيهم دائمة عليهم ما داموا على ~~حالهم في أنفسهم فإذا غيروا حالهم في أنفسهم غير الله سبحانه حالهم ~~الخارجية بتغيير النعم نقما. # ومن الممكن أن يستفاد من الآية العموم وهو أن بين حالات الإنسان النفسية ~~وبين الأوضاع الخارجية نوع تلازم سواء كان ذلك في جانب الخير أو الشر فلو ~~كان القوم على الإيمان والطاعة وشكر النعمة عمهم الله بنعمه الظاهرة ~~والباطنة ودام ذلك عليهم حتى يغيروا فيكفروا ويفسقوا فيغير الله نعمه نقما ~~ودام ذلك عليهم حتى يغيروا فيؤمنوا ويطيعوا ويشكروا فيغير الله نقمه نعما وهكذا. # هذا. PageV11P164 # ولكن ظاهر السياق لا يساعد عليه وخاصة ما تعقبه من قوله "وإذا أراد الله ~~بقوم سوء فلا مرد له" فإنه أصدق شاهد على أنه يصف معنى تغييره تعالى ما ~~بقوم حتى يغيروا فالتغيير لما كان إلى السيئة كان الأصل أعني "ما بقوم" لا ~~يراد به إلا الحسنة فافهم ذلك. # على أن الله سبحانه يقول: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا ~~عن كثير": الشورى: 30 فيذكر أنه يعفو عن كثير من السيئات فيمحو آثارها فلا ~~ملازمة بين أعمال الإنسان وأحواله وبين الآثار الخارجية في جانب الشر بخلاف ~~ما في جانب الخير كما قال تعالى في نظير الآية: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53. # وأما قوله تعالى: "وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له" فإنما دخل في ~~الحديث لا بالقصد الأولي لكنه تعالى لما ذكر أن كل شيء عنده بمقدار وإن لكل ~~إنسان معقبات يحفظونه بأمره من أمره ولا ms4270 يدعونه يهلك أو يتغير أو يضطرب في ~~وجوده والنعم التي أوتيها، وهم على حالهم من الله لا يغيرها عليهم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وجب أن يذكر أن هذا التغيير من السعادة إلى الشقاء ومن ~~النعمة إلى النقمة أيضا من الأمور المحكمة المحتومة التي ليس لمانع أن يمنع ~~من تحققها، وإنما أمره إلى الله لا حظ فيه لغيره، وبذلك يتم أن الناس لا ~~مناص لهم من حكم الله في جانبي الخير والشر وهم مأخوذ عليهم وفي قبضته. # فالمعنى: وإذا أراد الله بقوم سوء ولا يريد ذلك إلا إذا غيروا ما بأنفسهم ~~من سمات معبودية ومقتضيات الفطرة فلا مرد لذلك السوء من شقاء أو نقمة أو نكال. # ثم قوله: "وما لهم من دونه من وال" عطف تفسيري على قوله: "إذا أراد الله ~~بقوم سوء فلا مرد له" ويفيد معنى التعليل له فإنه إذا لم يكن لهم من وال ~~يلي أمرهم إلا الله سبحانه لم يكن هناك أحد يرد ما أراد الله بهم من السوء. # فقد بان من جميع ما تقدم أن معنى الآية - على ما يعطيه السياق - والله ~~أعلم - أن لكل من الناس على أي حال كان معقبات يعقبونه في مسيره إلى الله ~~من بين يديه ومن خلفه أي في حاضر حاله وماضيه يحفظونه بأمر الله من أن ~~يتغير حاله بهلاك أو فساد أو شقاء بأمر آخر من الله، وهذا الأمر الآخر الذي ~~يغير الحال إنما يؤثر أثره إذا غير قوم ما بأنفسهم فعند ذلك يغير الله ما ~~عندهم من نعمة ويريد بهم السوء وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له لأنهم ~~لا والي لهم يلي أمرهم من دونه حتى يرد ما أراد الله بهم من سوء. # وقد تبين بذلك أمور: أحدها: أن الآية كالبيان التفصيلي لما تقدم في ~~الآيات السابقة من قوله: "وكل شيء عنده بمقدار" فإن الجملة تفيد أن للأشياء ~~حدودا ثابتة لا تتعداها ولا تتخلف عنها عند الله حتى تعزب عن علمه، وهذه ~~الآية تفصل القول في الإنسان ms4271 أن له معقبات من بين يديه ومن خلفه موكلة عليه ~~يحفظونه وجميع ما يتعلق به من أن يهلك أو يتغير عما هو عليه، ولا يهلك ولا ~~يتغير إلا بأمر آخر من الله. # الثاني: أنه ما من شيء من الإنسان من نفسه وجسمه وأوصافه وأحواله وأعماله ~~وآثاره إلا وعليه ملك موكل يحفظه، ولا يزال على ذلك في مسيره إلى الله حتى ~~يغير فالله سبحانه هو الحافظ وله ملائكة حفظة عليها، وهذه حقيقة قرآنية. # الثالث: أن هناك أمرا آخر يرصد الناس لتغيير ما عندهم وقد ذكر الله ~~سبحانه من شأن هذا الأمر أنه يؤثر فيما إذا غير قوم ما بأنفسهم فعند ذلك ~~يغير الله ما بهم من نعمة بهذا الأمر الذي يرصدهم، ومن موارد تأثيره مجيء ~~الأجل المسمى الذي لا يختلف ولا يتخلف، قال تعالى: "ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3 وقال: "إن أجل الله ~~إذا جاء لا يؤخر": نوح: 4. # الرابع: أن أمره تعالى هو المهيمن المتسلط على متون الأشياء وحواشيها على ~~أي حال وأن كل شيء حين ثباته وحين تغيره مطيع لأمره خاضع لعظمته، وأن الأمر ~~الإلهي وإن كان مختلفا بقياس بعضه إلى بعض منقسما إلى أمر حافظ وأمر مغير ~~ذو نظام واحد لا يتغير وقد قال تعالى: "إن ربي على صراط مستقيم": هود 56، ~~وقال: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء": يس: 83. PageV11P165 # الخامس: أن من القضاء المحتوم والسنة الجارية الإلهية التلازم بين الإحسان ~~والتقوى والشكر في كل قوم وبين توارد النعم والبركات الظاهرية والباطنية ~~ونزولها من عند الله إليهم وبقاؤها ومكثها بينهم ما لم يغيروا كما يشير ~~إليه قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون": الأعراف: 96 وقوله: ~~"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 وقال: "هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان": الرحمن: 60. # هذا هو الظاهر من الآية في التلازم ms4272 بين شيوع الصلاح في قوم ودوام النعمة ~~عليهم، وأما شيوع الفساد فيهم أو ظهوره من بعضهم ونزول النقمة عليهم فالآية ~~ساكتة عن التلازم بينهما وغاية ما يفيده قوله: "لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا" جواز تغيره تعالى عند تغييرهم وإمكانه لا وجوبه وفعليته، ولذلك غير ~~السياق فقال: "وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له" ولم يقل: فيريد الله ~~بهم من السوء ما لا مرد له. # ويؤيد هذا المعنى قوله: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن ~~كثير": الشورى: 30 حيث يدل صريحا على أن بعض التغيير عند التغيير معفو عنه. # وأما الفرد من النوع فالكلام الإلهي يدل على التلازم بين صلاح عمله وبين ~~النعم المعنوية وعلى التغير عند التغير دون التلازم بين صلاحه والنعم ~~الجسمانية. # والحكمة في ذلك كله ظاهرة فإن التلازم المذكور مقتضى حكم التلاؤم ~~والتوافق بين أجزاء النظام وسوق الأنواع إلى غاياتها فإن الله جعل للأنواع ~~غايات وجهزها بما يسوقها إلى غاياتها ثم بسط تعالى التلاؤم والتوافق بين ~~أجزاء هذا النظام كان المجموع شيئا واحدا لا معاندة ولا مضادة بين أجزائه ~~فمقتضى طباعها أن يعيش كل نوع في عافية ونعمة وكرامة حتى يبلغ غايته فإذا ~~لم ينحرف النوع الإنساني عن مقتضى فطرته الأصلية ولا منحرف من الأنواع ~~ظاهرا غيره جرى الكون على سعادته ونعمته ولم يعدم رشدا، وأما إذا انحرف عن ~~ذلك وشاع فيه الفساد أفسد ذلك التعادل بين أجزاء الكون وأوجب ذلك هجرة ~~النعمة واختلال المعيشة وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~ليذيقهم الله بعض ما عملوا لعلهم يرجعون. # وهذا المعنى كما لا يخفى إنما يتم في النوع دون الشخص ولذلك كان التلازم ~~بين صلاح النوع والنعم العامة المفاضة عليهم ولا يجري في الأشخاص لأن ~~الأشخاص ربما بطلت فيها الغايات بخلاف الأنواع فإن بطلان غاياتها من الكون ~~يوجب اللعب في الخلقة قال تعالى: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين": الدخان: 38 وقد تقدم بعض الكلام في هذا الباب في أبحاث ms4273 الأعمال في ~~الجزء الثاني من الكتاب. # وبما تقدم يظهر فساد الاعتراض على الآية حيث إنها تفيد بظاهرها أنه لا ~~يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي مع أن ذلك خلاف ما قررته ~~الشريعة من عدم جواز أخذ العامة بذنوب الخاصة هذا فإنه أجنبي عن مفاد الآية ~~بالكلية. # هذا بعض ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وللمفسرين في تفسيرها اختلاف ~~شديد من جهات شتى: من ذلك اختلافهم في مرجع الضمير في قوله: "له معقبات" ~~فمن قائل: إن الضمير راجع إلى "من" في قوله: "من أسر القول" إلخ، كما ~~قدمناه، ومن قائل: إنه يرجع إليه تعالى أي لله ملائكة معقبات من بين يدي ~~الإنسان ومن خلفه يحفظونه. # وفيه أنه يستلزم اختلاف الضمائر. # على أنه يوجب وقوع الالتفات في قوله: "من أمر الله" من غير نكتة ظاهرة، ~~ومن قائل: إن الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والآية تذكر أن ~~الملائكة يحفظونه. # وفيه أنه كسابقه يستلزم اختلاف الضمائر والظاهر خلافه. # على أنه يوجب عدم اتصال الآية بسوابقها ولم يتقدم للنبي - (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ذكر. # ومن قائل: إن الضمير عائد إلى من هو سارب بالنهار. # وهذا أسخف الوجوه وسنعود إليه. PageV11P166 # ومن ذلك اختلافهم في معنى المعقبات فقيل: إن أصله المعتقبات صار معقبات ~~بالنقل والإدغام يقال: اعتقبه إذا حبسه واعتقب القوم عليه أي تعاونوا ورد ~~بأنه خطأ، وقيل: هو من باب التفعيل والتعقيب هو أن يتبع آخر في مشيته كأنه ~~يطأ عقبه أي مؤخر قدمه فقيل: إن المعقبات ملائكة يعقبون الإنسان في مسيره ~~إلى الله لا يفارقونه ويحفظونه كما تقدم، وقيل: المعقبات كتاب الأعمال من ~~ملائكة الليل والنهار يعقب بعضهم بعضا فملائكة الليل تعقب ملائكة النهار ~~وهم يعقبون ملائكة الليل يحفظون على الإنسان عمله. # وفيه: أنه خلاف ظاهر قوله: "له معقبات" على أن فيه جعل يحفظونه بمعنى ~~يحفظون عليه. # وقيل: المراد بالمعقبات الأحراس والشرط والمواكب الذين يعقبون الملوك ~~والأمراء والمعنى: أن لمن هو سارب بالنهار وهم الملوك والأمراء معقبات من ~~الأحراس ms4274 والشرط يحيطون بهم ويحفظونهم من أمر الله أي قضائه وقدره توهما ~~منهم أنهم يقدرون على ذلك، وهذا الوجه على سخافته لعب بكلامه تعالى. # ومن ذلك اختلافهم في قوله: "من بين يديه ومن خلفه" فقيل: إنه متعلق ~~بمعقبات أي يعقبونه من بين يديه ومن خلفه. # وفيه أن التعقيب لا يتحقق إلا من خلف، وقيل: متعلق بقوله: "يحفظونه" وفي ~~الكلام تقديم وتأخير والترتيب: يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله. # وفيه عدم الدليل على ذلك، وقيل: متعلق بمقدر كالوقوع والإحاطة ونحوهما أو ~~بنحو التضمين والمعنى له معقبات يحيطون به من بين يديه ومن خلفه وقد تقدم. # ومن جهة أخرى قيل: إن المراد بما بين يديه وما خلفه ما هو من جهة المكان ~~أي يحيطون به من قدامه وخلفه يحفظونه من المهالك والمخاطر، وقيل: المراد ~~بهما ما تقدم من أعماله وما تأخر يحفظها عليه الملائكة الحفظ ويكتبونها ولا ~~دليل على ما في الوجهين من التخصيص، وقيل: المراد بما بين يديه ومن خلفه ما ~~للإنسان من الشئون الجسمية والروحية مما له في حاضر حاله وما خلفه وراءه ~~وهو الذي قدمناه. # ومن ذلك اختلافهم في معنى قوله: "يحفظونه" فقيل هو بمعنى يحفظون عليه، ~~وقيل: هو مطلق الحفظ، وقيل: هو الحفظ من المضار. # ومن ذلك اختلافهم في قوله: "من أمر الله" فقيل: هو متعلق بقوله: "معقبات" ~~وإن قوله: "من بين يديه ومن خلفه" وقوله: "يحفظونه" وقوله: "من أمر الله" ~~ثلاث صفات لمعقبات. # وفيه أنه خلاف الظاهر، وقيل: هو متعلق بقوله: "يحفظونه" و"من" بمعنى ~~الباء للسببية أو المصاحبة والمعنى يحفظونه بسبب أمر الله أو بمصاحبة أمر ~~الله، وقيل: متعلق بيحفظونه و"من" للابتداء أو للنشو أي يحفظونه مبتدأ ذلك ~~أو ناشئا ذلك من أمر الله، وقيل: هو كذلك لكن "من" بمعنى "عن" أي يحفظونه ~~عن أمر الله أن يحل به ويغشاه وفسروا الحفظ من أمر الله بأن الأمر بمعنى ~~البأس أي يحفظونه من بأس الله بأن يستمهلوا كلما أذنب ويسألوا الله سبحانه ~~أن يؤخر عنه المؤاخذة ms4275 والعقوبة أو إمضاء شقائه لعله يتوب ويرجع، وفساد أغلب ~~هذه الوجوه ظاهر غني عن البيان. # ومن ذلك اختلافهم في اتصال قوله: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه" إلخ ~~فقيل: متصل بقوله: "سارب بالنهار" وقد تقدم معناه، وقيل: متصل بقوله: "الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى" أو قوله: "عالم الغيب والشهادة" أي كما يعلمهم جعل ~~عليهم حفظة يحفظونهم. # وقيل متصل بقوله: "إنما أنت منذر" الآية يعني أنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) محفوظ بالملائكة. # والحق أنه متصل بقوله: "وكل شيء عنده بمقدار" ونوع بيان له، وقد تقدم ذكره. # ومن ذلك اختلافهم في اتصال قوله: "إن الله لا يغير ما بقوم" إلخ فقيل: ~~إنه متصل بقوله: "ويستعجلونك بالعذاب" الآية أي أنه لا ينزل العذاب إلا على ~~من يعلم من جهتهم بالتغيير حتى لو علم أن فيهم من سيؤمن بالله أو من في ~~صلبه ممن سيولد ويعيش بالإيمان لم ينزل عليهم العذاب، وقيل: متصل بقوله: ~~"سارب بالنهار" يعني أنه إذا اقترف المعاصي فقد غير ما به من سمة العبودية ~~وبطل حفظه ونزل عليه العذاب. # والقولان - كما ترى - بعيدان من السياق والحق أن قوله: "إن الله لا يغير ~~ما بقوم" إلخ، تعليل لما تقدمه من قوله: "يحفظونه من أمر الله" وقد مر بيانه. PageV11P167 # قوله تعالى: "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال" السحاب ~~بفتح السين جمع سحابة بفتحها ولذلك وصف بالثقال. # والإراء إظهار ما من شأنه أن يحس بالبصر للمبصر ليبصره أو جعل الإنسان ~~على صفة الرؤية والإبصار، والتقابل بين قوله: "يريكم" وقوله: "ينشىء" يؤيد ~~المعنى الأول. # وقوله: "خوفا وطمعا" مفعول له أي لتخافوا وتطمعوا، ويمكن أن يكون مصدرين ~~بمعنى الفاعل حالين من ضمير "كم" أي خائفين وطامعين. # والمعنى: هو الذي يظهر لعيونكم البرق ليظهر فيكم صفتا الخوف والطمع كما ~~أن المسافر يخافه والحاضر يطمع فيه، وأهل البحر يخافونه وأهل البر يطعمون ~~فيه ويخاف صاعقته ويطمع في غيثه، ويخلق بإنشائه السحابات التي تثقل بالمياه ~~التي تحملها، وفي ذكر آية البرق بالإراءة ms4276 وآية السحاب بالإنشاء لطف ظاهر. # قوله تعالى: "ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء" إلخ، الصواعق جمع صاعقة ~~وهو القطعة النارية النازلة من السماء عن برق ورعد، والجدل المفاوضة ~~والمنازعة في القول على سبيل المغالبة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت ~~فتله، والمحال بكسر الميم مصدر ماحله يماحله إذا ماكره وقاواه ليتبين أيهما ~~أشد وجادله لإظهار مساويه ومعائبه فقوله: "وهم يجادلون في الله وهو شديد ~~المحال" معناه - والله أعلم - أن الوثنيين - وإليهم وجه الكلام في إلقاء ~~هذه الحجج - يجادلون في ربوبيته تعالى بتلفيق الحجة على ربوبية أربابهم ~~كالتمسك بدأب آبائهم والله سبحانه شديد المماحلة لأنه عليم بمساويهم ~~ومعائبهم قدير على إظهارها وفضاحتهم. # قوله تعالى: "له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء" ~~إلى آخر الآية الدعاء والدعوة توجيه نظر المدعو إلى الداعي ويتأتى غالبا ~~بلفظ أو إشارة، والاستجابة والإجابة إقبال المدعو على الداعي عن دعائه، ~~وأما اشتمال الدعاء على سؤال الحاجة واشتمال الاستجابة على قضائها فذلك ~~غاية متممة لمعنى الدعاء والاستجابة غير داخلة في مفهوميهما. # نعم: الدعاء إنما يكون دعاء حقيقة إذا كان المدعو ذا نظر يمكن أن يوجه ~~إلى الداعي وذا جدة وقدرة يمكنه بهما استجابة الدعاء وأما دعاء من لا يفقه ~~أو يفقه ولا يملك ما ترفع به الحاجة فليس بحق الدعاء وإن كان في صورته. # ولما كانت الآية الكريمة قرر فيها التقابل بين قوله "له دعوة الحق" وبين ~~قوله: "والذين يدعون من دونه" إلخ، الذي يذكر أن دعاء غيره خال عن ~~الاستجابة ثم يصف دعاء الكافرين بأنه في ضلال علمنا بذلك أن المراد بقوله: ~~"دعوة الحق" الدعوة الحقة غير الباطلة وهي الدعوة التي يسمعها المدعو ثم ~~يستجيبها البتة، وهذا من صفاته تعالى وتقدس فإنه سميع الدعاء قريب مجيب وهو ~~الغني ذو الرحمة وقد قال: "أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 وقال: ~~"ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 فأطلق ولم يشترط في الاستجابة إلا أن تتحقق ~~هناك حقيقة الدعاء وأن يتعلق ذلك الدعاء به تعالى لا ms4277 غير. # فلفظة دعوة الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أو من الإضافة الحقيقة ~~بعناية أن الحق والباطل كأنهما يقتسمان الدعاء فقسم منه للحق وهو الذي لا ~~يتخلف عن الاستجابة، وقسم منه للباطل وهو الذي لا يهتدي إلى هدف الإجابة ~~كدعاء من لا يسمع أو لا يقدر على الاستجابة. # فهو تعالى لما ذكر في الآيات السابقة أنه عليم بكل شيء وأن له القدرة ~~العجيبة ذكر في هذه الآية أن له حقيقة الدعاء والاستجابة فهو مجيب الدعاء ~~كما أنه عليم قدير، وقد ذكر ذلك في الآية بطريقي الإثبات والنفي أعني إثبات ~~حق الدعاء لنفسه ونفيه عن غيره. PageV11P168 # أما الأول فقوله: "له دعوة الحق" وتقديم الظرف يفيد الحصر ويؤيده ما بعده ~~من نفيه عن غيره، وأما الثاني فقوله: "والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه" وقد أخبر فيه ~~أن الذين يدعوهم المشركون من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء وقد بين ذلك في ~~مواضع من كلامه فإن هؤلاء المدعوين إما أصنام يدعوهم عامتهم وهي أجسام ميتة ~~لا شعور فيها ولا إرادة، وإما أرباب الأصنام من الملائكة أو الجن وروحانيات ~~الكواكب والبشر كما ربما يتنبه له خاصتهم فهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكيف بغيرهم ولله الملك كله وله القوة ~~كلها فلا مطمع عند غيره تعالى. # ثم استثنى من عموم نفي الاستجابة صورة واحدة فقط وهي ما يشبه مورد المثل ~~المضروب بقوله: "كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه". # فإن الإنسان العطشان إذا أراد شرب الماء كان عليه أن يدنو من الماء ثم ~~يبسط كفيه فيغترفه ويتناوله ويبلغ فاه ويرويه وهذا هو حق الطلب يبلغ بصاحبه ~~بغيته في هدى ورشاد، وأما الظمآن البعيد من الماء يريد الري لكن لا يأتي من ~~أسبابه بشيء غير أنه يبسط إليه كفيه يبلغ فاه فليس يبلغ البتة فاه وليس له ~~من طلبه إلا صورته فقط. # ومثل من يدعو ms4278 غير الله سبحانه مثل هذا الباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ~~وليس له من الدعاء إلا صورته الخالية من المعنى واسمه من غير مسمى فهؤلاء ~~المدعوون من دون الله لا يستجيبون للذين يدعونهم بشيء ولا يقضون حاجتهم إلا ~~كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ويقضي حاجته أي لا يحصل لهم إلا ~~صورة الدعاء كما لا يحصل لذلك الباسط إلا صورة الطلب ببسط الكفين. # ومن هنا يعلم أن هذا الاستثناء "إلا كباسط كفيه" إلخ، لا ينتقض به عموم ~~النفي في المستثنى منه ولا يتضمن إلا صورة الاستثناء فهو يفيد تقوية الحكم ~~في جانب المستثنى منه فإن مفاده أن الذين يدعون من دون الله لا يستجاب لهم ~~إلا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ولن يستجاب له، وبعبارة أخرى لن ~~ينالوا بدعائهم إلا أن لا ينالوا شيئا أي لن ينالوا شيئا البتة. # وهذا من لطيف كلامه تعالى ويناظر من وجه قوله تعالى الآتي: "قل أفاتخذتم ~~من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا" وآكد منه كما سيجيء إن شاء الله. # وقد تبين بما تقدم: أولا: أن قوله: "دعوة الحق" المراد به حق الدعاء وهو ~~الذي يستجاب ولا يرد البتة، وأما قول بعضهم: إن المراد كلمة الإخلاص شهادة ~~أن لا إله إلا الله فلا شاهد عليه من جهة السياق. # وثانيا: أن تقدير قوله "والذين يدعون" إلخ بإظهار الضمائر: الذين يدعوهم ~~المشركون من دون الله لا يستجيب أولئك المدعوون للمشركين بشيء. # وثالثا: أن الاستثناء من قوله: "لا يستجيبون لهم بشيء" وفي الكلام حذف ~~وإيجاز والمعنى: لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينيلونهم شيئا إلا كما يستجاب ~~لباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وينال من بسطه، ولعل الاستجابة مضمن معنى ~~النيل ونحوه. # ثم أكد سبحانه الكلام بقوله: "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" مع ما فيه ~~من الإشارة إلى حقيقة أصيلة أخرى وهي أنه لا غرض لدعاء إلا الله سبحانه ~~فإنه العليم القدير والغني ذو الرحمة فلا طريق له إلا طريق التوجه إليه ms4279 ~~تعالى فمن دعا غيره وجعله الهدف لدعائه فقد الارتباط بالغرض والغاية وخرج ~~بذلك عن الطريق فضل دعاؤه فإن الضلال هو الخروج عن الطريق وسلوك ما لا يوصل ~~إلى المطلوب. # قوله تعالى: "ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال" السجود الخرور على الأرض بوضع الجبهة أو الذقن عليها قال تعالى: ~~"وخروا له سجدا": يوسف: 100، وقال: "يخرون للأذقان سجدا": أسرى: 107. # والواحدة منه سجدة. # والكره ما يأتي به الإنسان من الفعل بمشقة فإن حمل عليه من خارج فهو ~~الكره بفتح الكاف وما حمل عليه من داخل نفسه فهو الكره بضمها والطوع يقابل ~~الكره مطلقا. PageV11P169 # وقال الراغب: الغدوة والغداة من أول النهار، وقوبل في القرآن الغدو بالآصال ~~نحو قوله: "وبالغدو والآصال" وقوبل الغداة بالعشي قال: "بالغداة والعشي" ~~انتهى والغدو جمع غداة كقنى وقناة وقال في المجمع،: الآصال جمع أصل - ~~بضمتين - وأصل جمع أصيل فهو جمع الجمع مأخوذ من الأصل فكأنه أصل الليل الذي ~~ينشأ منه وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس. # انتهى. # والأعمال الاجتماعية التي يؤتى بها لأغراض معنوية كالتصدر الذي يمثل به ~~الرئاسة والتقدم الذي يمثل به السيادة والركوع الذي يظهر به الصغر والصغار ~~والسجود الذي يظهر به نهاية تذلل الساجد وضعته قبال تعزز المسجود له ~~واعتلائه تسمى غاياتها بأساميها كما تسمى نفسها فكما يسمى التقدم تقدما ~~كذلك تسمى السيادة تقدما وكما أن الانحناء الخاص ركوع كذلك الصغر والصغار ~~الخاص ركوع وكما أن الخرور على الأرض سجود كذلك التذلل سجود كل ذلك بعناية ~~أن الغاية من العمل هي المطلوبة بالحقيقة دون ظاهر هيئة العمل. # وهذه النظرة هي التي يعتبرها القرآن الكريم في نسبة السجود وما يناظره من ~~القنوت والتسبيح والحمد والسؤال ونحو ذلك إلى الأشياء كقوله تعالى: "كل له ~~قانتون": البقرة: 116 وقوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده": أسرى: 44 وقوله: ~~"يسأله من في السماوات والأرض": الرحمن: 29 وقوله: "ولله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض": النحل: 49. # والفرق بين هذه الأمور المنسوبة إلى الأشياء الكونية وبينها ms4280 وهي واقعة في ~~ظرف الاجتماع الإنساني أن الغايات موجودة في القسم الأول بحقيقة معناها ~~بخلاف القسم الثاني فإنها إنما توجد فيها بنوع من الوضع والاعتبار فذلة ~~المكونات وضعتها تجاه ساحة العظمة والكبرياء ذلة وضعة حقيقية بخلاف الخرور ~~على الأرض ووضع الجبهة عليها فإنه ذلة وضعة بحسب الوضع والاعتبار ولذلك ~~ربما يتخلف. # فقوله تعالى: "ولله يسجد من في السماوات والأرض" أخذ بما تقدم من النظر ~~ولعله إنما خص أولي العقل بالذكر حيث قال: "من في السماوات والأرض" مع شمول ~~هذه الذلة والضعة جميع الموجودات كما في آية النحل المتقدمة وكما يشعر به ~~ذيل الآية حيث قال: "وظلالهم" إلخ، لأن الكلام في السورة مع المشركين ~~والاحتجاج عليهم فكان في ذلك بعثا لهم أن يسجدوا لله طوعا كما يسجد له من ~~دونهم من عقلاء السماوات والأرض طوعا حتى أن ظلالهم تسجد له. # ولذلك أيضا تعلقت العناية بذكر سجود الظلال ليكون آكد في استنهاضهم ~~فافهمه. # ثم إن هذا التذلل والتواضع، الذي هو من عامة الموجودات لساحة ربهم عز ~~وعلا، خضوع ذاتي لا ينفك عنها ولا يتخلف فهو بالطوع البتة وكيف لا وليس لها ~~من نفسها شيء حتى يتوهم لها كراهة أو امتناع وجموح وقد قال تعالى: "فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11. # فالعناية المذكورة توجب الطوع لجميع الموجودات في سجودهم لله تعالى وتقطع ~~دابر الكره عنهم البتة غير أن هناك عناية أخرى ربما صححت نسبة الكره إلى ~~بعضها في الجملة وهي أن بعض هذه الأشياء واقعة في مجتمع التزاحم مجهزة ~~بطباع ربما عاقتها عن البلوغ إلى غاياتها ومبتغياتها أسباب أخر وهي الأشياء ~~المستقرة في عالمنا هذا عالم المادة التي ربما زوحمت في مآربها ومنعتها عن ~~البلوغ إلى مقتضيات طباعها موانع متفرقة ولا شك أن مخالف الطبع مكروه كما ~~أن ما يلائمه مطلوب. # فهذه الأشياء ساجدة لله خاضعة لأمره في جميع الشئون الراجعة إليها غير ~~أنها فيما يخالف طباعها كالموت والفساد وبطلان الآثار والآفات والعاهات ~~ونحو ذلك ساجدة له ms4281 كرها، وفيما يلائم طباعها كالحياة والبقاء والبلوغ إلى ~~الغايات والظفر بالكمال ساجدة له طوعا كالملائكة الكرام الذين لا يعصون ~~الله فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # ومما تقدم يظهر فساد قول بعضهم إن المراد بالسجدة هو الحقيقي منها يعني ~~الخرور على الأرض بوضع الجبهة عليها مثلا فهم جميعا ساجدون غير أن المؤمن ~~يسجد طوعا والكافر يسجد خوفا من السيف وقد نسب القول به إلى الحسن. # وكذا قول بعض: إن المراد بالسجود الخضوع فله يخضع الكل إلا أن ذلك من ~~المؤمن خضوع طوع ومن الكافر خضوع كره لما يحل به من الآلام والأسقام ونسب ~~إلى الجبائي. PageV11P170 # وكذا قول آخرين: إن المراد بالآية خضوع جميع ما في السماوات والأرض من أولي ~~العقل وغيرهم والتعبير بلفظ يخص أولي العقل للتغليب. # وأما قوله. # "وظلالهم بالغدو والآصال" ففيه إلحاق أظلال الأجسام الكثيفة بها في ~~السجود فإن الظل وإن كان عدميا من حجب الجسم بكثافته عن نفوذ النور إلا أن ~~له آثارا خارجية وهو يزيد وينقص في طرفي النهار ويختلف اختلافا ظاهرا للحس ~~فله نحو من الوجود ذو آثاره يخضع في وجوده وآثاره لله ويسجد له. # وهي تسجد لله سبحانه سجدة طوع في جميع الأحيان، وإنما خص الغدو والآصال ~~بالذكر لا لما قيل: إن المراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأبيد إذ لو ~~أريد سجودها الدائم لكان الأنسب به أن يقال: بأطراف النهار حتى يعم جميع ما ~~قبل الظهر وما بعده كما وقع في قوله: "ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ~~لعلك ترضى": طه: 130. # بل النكتة فيه - والله أعلم - أن الزيادة والنقيصة دائمتان للأظلال في ~~الغداة والأصيل فيمثلان للحس السقوط على الأرض وذلة السجود، وأما وقت ~~الظهيرة وأوساط النهار فربما انعدمت الأظلال فيها أو نقصت وكانت كالساكنة ~~لا يظهر معنى السجدة منها ذلك الظهور. # ولا شك في أن سقوط الأظلال على الأرض وتمثيلها لخرور السجود منظور إليه ~~في نسبة السجود إلى الأظلال في تفيؤها، وليس النظر مقصورا على مجرد طاعتها ~~التكوينية في جميع أحوالها وآثارها والدليل ms4282 على ذلك قوله: "أولم يروا إلى ~~ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون": ~~النحل: 48 فإن العناية بذلك ظاهرة فيه. # وليس ذلك قولا شعريا وتصويرا تخييليا يتوسل به في الدعوة الحقة في كلامه ~~تعالى - وحاشاه - وقد نص أنه ليس بشعر بل الحقائق المتعالية عن الأوهام ~~الثابتة عند العقل السليم البعيدة بطباعها عن الحس إذا صادفت موارد أمكن أن ~~يظهر فيها للحس نوع ظهور ويتمثل لها بوجه كان من الحري أن يستمد به في ~~تعليم الأفهام الساذجة والعقول البسيطة ونقلها من مرتبة الحس والخيال إلى ~~مرحلة العقل السليم المدرك للحقائق من المعارف فإنه من الحس والخيال الحق ~~المستظهر بالحقائق المؤيد بالحق فلا بأس بالركون إليه. # ومن هذا الباب عده تعالى ما يشاهد من الضلال المتفيئة من الأجسام ~~المنتصبة بالغدو والآصال ساجدة لله سبحانه لما فيها من السقوط على الأرض ~~كخرور السجود من أولي العقل. # ومن هذا الباب أيضا ما تقدم من قوله: "ويسبح الرعد بحمده" حيث أطلق ~~التسبيح على صوت الرعد الهائل الذي يمثل لسانا ناطقا بتنزيهه تعالى عن ~~مشابهة المخلوقين والثناء عليه لرحمته المبشر به بالريح والسحاب والبرق مع ~~أن الأشياء قاطبة مسبحة بحمده بوجوداتها القائمة به تعالى المعتمدة عليه، ~~وهذا تسبيح ذاتي منهم ودلالته دلالة ذاتية عقلية غير مرتبطة بالدلالات ~~اللفظية التي توجد في الأصوات بحسب الوضع والاعتبار لكن الرعد بصوته الشديد ~~الهائل يمثل للسمع والخيال هذا التسبيح الذاتي فذكره الله سبحانه بما له من ~~الشأن لينتقل به الأذهان البسيطة إلى معنى التسبيح الذاتي الذي يقوم بذات ~~كل شيء من غير صوت قارع ولا لفظ موضوع. # ويقرب من هذا الباب ما تقدم في مفتتح السورة في قوله تعالى: "رفع ~~السماوات بغير عمد ترونها" وقوله: "وفي الأرض قطع متجاورات" الآية إن ~~التمسك في مقام الاحتجاج عليه تعالى بالأمور المجهول أسبابها عند الحس ليس ~~لأن سببيته تعالى مقصورة على هذا النوع من الموجودات والأمور المعلومة ~~الأسباب في غنى عنه تعالى فإن القرآن الكريم ينص ms4283 على عموم قانون السببية ~~وأنه تعالى فوق الجميع بل لأن الأمور التي لا تظهر أسبابها على الحس لبادىء ~~نظرة تنبه الأفهام البسيطة وتمثل لها الحاجة إلى سبب أحسن تمثيل فتنتزع إلى ~~البحث عن أسبابها وينتهي البحث لا محالة إلى سبب أول هو الله سبحانه، وفي ~~القرآن الكريم من ذلك شيء كثير. # وبالجملة فتسمية سقوط ظلال الأشياء بالغدو والآصال على الأرض سجودا منها ~~لله سبحانه مبنية على تمثيلها في هذه الحال معنى السجدة الذاتية التي لها ~~في ذواتها بمثال حسي ينبه الحس لمعنى السجدة الذاتية ويسهل للفهم البسيط ~~طريق الانتقال إلى تلك الحقيقة العقلية. PageV11P171 # هذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى، وأما حمل هذه المعاني على محض ~~الاستعارة الشعرية أو جعلها مجازا مثلا يراد به انقياد الأشياء لأمره تعالى ~~بمعنى أنها توجد كما شاء أو القول بأن المراد بالظل هو الشخص فإن من يسجد ~~يسجد ظله معه فإن هذه معان واهية لا ينبغي الالتفات إليها. # قوله تعالى: "قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا" الآية بما تشتمل على أمر النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاحتجاج على المشركين بمنزلة الفذلكة من ~~الآيات السابقة. # وذلك أن الآيات السابقة تبين بأوضح البيان أن تدبير السماوات والأرض وما ~~فيهما من شيء إلى الله سبحانه كما أن خلقها منه وأنه يملك ما يفتقر إليه ~~الخلق والتدبير من العلم والقدرة والرحمة وأن كل من دونه مخلوق مدبر لا ~~يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وينتج ذلك أنه الرب دون غيره. # فأمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسجل عليهم نتيجة بيانه ~~السابق ويسألهم بعد تلاوة الآيات السابقة عليهم الكاشفة عن وجه الحق لهم ~~بقوله: "من رب السماوات والأرض" أي من هو الذي يملك السماوات والأرض وما ~~فيهما ويدبر أمرها؟ ثم أمره أن يجيب هو نفسه عن السؤال ويقول: "الله" لأنهم ~~وهم مشركون معاندون يمتنعون عن الإقرار بتوحيد الربوبية وفي ذلك تلويح إلى ~~أنهم ms4284 لا يعقلون حجة ولا يفقهون حديثا. # ثم استنتج بمعونة هذه النتيجة نتيجة ثانية بها يتضح بطلان شركهم أوضح ~~البيان وهي أن مقتضى ربوبيته تعالى الثابتة بالحجج السابقة أنه هو المالك ~~للنفع والضرر فكل من دونه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فكيف لغيره؟ فاتخاذ ~~أرباب من دون الله أي فرض أولياء من دونه يلون أمر العباد ويملكون لهم نفعا ~~وضرا في الحقيقة فرض لأولياء ليسوا بأولياء لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ~~ولا ضرا فكيف يملكون لغيرهم ذلك؟. # وهذا هو المراد بقوله مفرعا على السؤال السابق: "قل أفاتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا" أي فكيف يملكون لغيرهم ذلك: أي إذا ~~كان الله سبحانه هو رب السماوات والأرض فقد قلتم باتخاذكم أولياء آلهة من ~~دونه قولا يكذبه نفسه وهو عدم ولايتهم في عين ولايتهم وهو التناقض الصريح ~~بأنهم أولياء غير أولياء وأرباب لا ربوبية لهم. # وبالتأمل فيما قدمناه أن الآية بمنزلة الفذلكة من سابق البيانات يعود ~~مفاد الآية إلى مثل قولنا: إذا تبين ما تقدم فمن رب السماوات والأرض إلا ~~الله؟ أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون نفعا ولا ضرا؟ فالعدول عن التفريع ~~إلى أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: قل كذا وقل كذا وتكراره ~~مرة بعد مرة إنما هو للتنزه عن خطابهم على ما بهم من قذارة الجهل والعناد ~~وهذا من لطيف نظم القرآن. # قوله تعالى: "قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور" ~~مثلان ضربهما الله سبحانه بعد تمام الحجة وإتمامها عليهم وأمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يضربهما لهم يبين بأحدهما حال المؤمن والكافر ~~فالكافر بالحجة الحقة والآيات البينات غير المسلم لها أعمى والمؤمن بها ~~بصير فالعاقل لا يسوي بينهما ببديهة عقله، ويبين بالثاني أن الكفر بالحق ~~ظلمات كما أن الكافر الواقع فيها غير بصير والإيمان بالحق نور كما أن ~~المؤمن الأخذ به بصير ولا يستويان البتة فمن الواجب على المشركين إن كان ~~لهم عقول سليمة - كما يدعون - أن ms4285 يسلموا للحق ويرفضوا الباطل ويؤمنوا بالله وحده. # قوله تعالى: "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه - إلى قوله - وهو الواحد ~~القهار" في التعبير بقوله: "جعلوا" و"عليهم" دون أن يقال جعلتم وعليكم دليل ~~على أن الكلام مصروف عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يؤمر ~~بإلقائه إليهم. PageV11P172 # ثم العود في جواب هذا الاحتمال الذي يتضمنه قوله: "أم جعلوا لله شركاء ~~خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم" إلى الأمر بإلقائه إليهم بقوله: "قل الله ~~خلق كل شيء وهو الواحد القهار" دليل على أن السؤال إنما هو عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والمطلوب من إلقاء توحيد الخالق إليهم هو الإلقاء ~~الابتدائي لا الإلقاء بنحو الجواب، وليس إلا لأنهم لا يقولون بخالق غير ~~الله سبحانه كما قال تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله": لقمان: 25، الزمر: 38 وقد كرر تعالى نقل ذلك عنهم. # فهؤلاء الوثنيون ما كانوا يرون لله سبحانه شريكا في الخلق والإيجاد وإنما ~~كانوا ينازعون الإسلام في توحيد الربوبية لا في توحيد الألوهية بمعنى الخلق ~~والإيجاد، وتسليمهم توحيد الخالق المبدع وقصر ذلك على الله يبطل قولهم ~~بالشركاء في الربوبية وتتم الحجة عليهم لأن اختصاص الخلق والإيجاد بالله ~~سبحانه ينفي استقلال الوجود والعلم والقدرة عن غيره تعالى ولا ربوبية مع ~~انتفاء هذه النعوت الكمالية. # ولذلك لم يبق لهم في القول بربوبية شركائهم مع الله سبحانه إلا أن ينكروا ~~توحده تعالى في الخلق والإيجاد ويثبتوا بعد الخلق والإيجاد لآلهتهم وهم لا ~~يفعلونه وهذا هو الموجب لذكره تعالى هذا الاحتمال لنبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من دون أن يخاطبهم به أو يأمره أن يخاطبهم. # فكأنه تعالى إذ يقول: "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق ~~عليهم" يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): هؤلاء تمت عليهم الحجة في ~~توحيد الربوبية من جهة اختصاصه تعالى بالخلق والإيجاد فلم يبق لهم إلا أن ~~يقولوا بشركة شركائهم في الخلق والإيجاد فهل هم قائلون بأن شركائهم خلقوا ~~خلقا كخلقه ثم تشابه الخلق ms4286 عليهم فقالوا بربوبيتهم إجمالا مع الله. # ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلقي إليهم ما يقطع دابر هذا ~~الاحتمال فقال: "قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار" والجملة صدرها ~~دعوى دليلها ذيلها أي أنه تعالى واحد في خالقيته لا شريك له فيها، وكيف ~~يكون له فيها شريك وله وحدة يقهر كل عدد وكثرة وقد تقدم في تفسير قوله ~~تعالى: "ء أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار:" يوسف: 39 بعض الكلام ~~في معنى كونه تعالى هو الواحد القهار، وتبين هناك أن مجموع هاتين الصفتين ~~ينتج صفة الأحدية. # وقد بان مما ذكرناه وجه تغيير السياق في قوله: "أم جعلوا لله شركاء خلقوا ~~كخلقه فتشابه الخلق عليهم" والإعراض عن سياق الخطاب السابق فتأمل في ذلك ~~واعلم أن أكثر المفسرين اشتبه عليهم الحال في الحجج التي تقيمها الآيات ~~القرآنية لإثبات ربوبيته تعالى وتوحيده فيها ونفي الشريك عنه فخلطوا بينها ~~وبين ما أقيمت لإثبات الصانع فتنبه لذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن عبد الرحيم القصير عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قول الله تبارك وتعالى "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" فقال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أنا المنذر وعلي الهادي الحديث. # أقول: وروى هذا المعنى الكليني في الكافي، والصدوق في المعاني، والصفار ~~في البصائر، والعياشي والقمي في تفسيريهما وغيرهم بأسانيد كثيرة مختلفة. # ومعنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا المنذر وعلي الهادي" أني ~~مصداق المنذر والإنذار هداية مع دعوة وعلى مصداق للهادي من غير دعوة وهو ~~الإمام لا أن المراد بالمنذر هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمراد بالهادي هو علي (عليه السلام) فإن ذلك مناف لظاهر الآية البتة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة ~~والديلمي وابن عساكر وابن النجار قال: لما نزلت: "إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد" وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدره فقال: أنا ~~المنذر وأومأ بيده ms4287 إلى منكب علي فقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون ~~من بعدي:. أقول: ورواه الثعلبي في الكشف، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV11P173 # وفي مستدرك الحاكم، بإسناده عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن أبيه عن الحكم ~~بن جرير عن أبي بريدة الأسلمي قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالطهور وعنده علي بن أبي طالب فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بيد علي بعد ما تطهر فألصقها بصدره ثم قال: "إنما أنت منذر" ويعني ~~نفسه ثم ردها إلى صدر علي ثم قال: "ولكل قوم هاد" ثم قال له: أنت منار ~~الأنام وغاية الهدى وأمير القراء أشهد على ذلك أنك كذلك:. أقول: ورواه ابن ~~شهرآشوب عن الحاكم في شواهد التنزيل، والمرزباني في ما نزل من القرآن في ~~أمير المؤمنين. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن أبي حاتم ~~والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي ~~طالب: في قوله تعالى: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" قال: رسول الله المنذر ~~وأنا الهادي. وفي لفظ: والهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه. # أقول: ومن طرق أهل السنة في هذا المعنى روايات أخرى كثيرة. # وفي المعاني، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام) في قوله تعالى: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" قال: كل إمام هاد لكل ~~قوم في زمانهم. # وفي الكافي، بإسناده عن فضيل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: "ولكل قوم هاد" فقال: كل إمام هاد للقرن الذي هو فيهم. # وفيه، بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): "إنما ~~أنت منذر ولكل قوم هاد" فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~أنا المنذر وعلي الهادي. يا با محمد هل من هاد اليوم؟ فقلت: جعلت فداك ما ms4288 ~~زال منكم هاد من بعد هاد حتى رفعت إليك فقال: رحمك الله يا با محمد لو كانت ~~إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب ولكنه يجري ~~فيمن بقي كما جرى فيما مضى. # أقول: والرواية تشهد على ما قدمناه أن شمول الآية لعلي (عليه السلام) من ~~الجري وكذلك يجري في باقي الأئمة، وهذا الجري هو المراد مما ورد أنها نزلت ~~في علي (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام" قال: ~~ما لم يكن حملا. "وما تزداد" قال: الذكر والأنثى جميعا. # أقول: وقوله: الذكر والأنثى جميعا، يريد ما يزيد على الواحد من الواحد ~~بدليل الرواية التالية. # وفيه، عن محمد بن مسلم وغيره عنهما (عليهما السلام) قال: "ما تحمل" كل من ~~أنثى أو ذكر "وما تغيض الأرحام" قال: ما لم يكن حملا "وما تزداد" عن أنثى ~~أو ذكر. # وفي الكافي، بإسناده عن حريز عمن ذكره عن أحدهما (عليهما السلام): في قول ~~الله عز وجل: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى - وما تغيض الأرحام وما تزداد" ~~قال: الغيض كل حمل دون تسعة أشهر "وما تزداد" كل شيء تزداد على تسعة أشهر ~~فكلما رأت المرأة الدم الخالص في حملها من الحيض فإنها تزداد بعدد الأيام ~~التي رأت في حملها من الدم. # أقول: وهذا معنى آخر ونقل عن بعض قدماء المفسرين. # وفي المعاني، بإسناده عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله عز وجل: "عالم الغيب والشهادة" قال: الغيب ما ~~لم يكن والشهادة ما قد كان. # أقول: ليس المراد من "ما لم يكن" المعدوم الذي ليس بشيء بل الأمر الذي ~~بالقوة ما لم يدخل في ظرف الفعلية، وما ذكره (عليه السلام) بعض المصاديق ~~وهو ظاهر. PageV11P174 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن ~~مردويه وأبو نعيم ms4289 في الدلائل من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن أربد بن ~~قيس وعامر بن الطفيل قدما المدينة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه فقال عامر ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم قال: ~~أتجعل لي إن أسلمت الأمر من بعدك؟ قال: ليس لك ولا لقومك ولكن لك أعنة ~~الخيل. قال: فاجعل لي الوبر ولك المدر فقال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا. فلما قفى من عنده قال: لأملأنها عليك خيلا ورجالا، قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): يمنعك الله. فلما خرج أربد وعامر قال عامر: يا ~~أربد إني سألهي محمدا عنك بالحديث فأضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلت محمدا ~~لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية فقال أربد: ~~افعل، فأقبلا راجعين فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك فقام منه فخليا إلى ~~الجدار ووقف معه عامر يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده على سيفه يبست على ~~قائم السيف فلا يستطيع سل سيفه وأبطأ أربد على عامر بالضرب فالتفت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما، وقال ~~عامر لأربد: ما لك حشمت قال: وضعت يدي على قائم السيف فيبست. فلما خرج عامر ~~وأربد من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا كانا بحرة رقم ~~نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال: أشخصا يا عدوي الله ~~لعنكما الله ووقع بهما. فقال عامر: من هذا يا سعد؟ فقال سعد: هذا أسيد بن ~~حضير الكتائب. فقال: أما والله إن كان حضير صديقا لي. حتى إذا كان بالرقم ~~أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل الله ~~عليه قرحة فأدركه الموت فيها فأنزل الله: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى" إلى ~~قوله له معقبات من بين يديه" قال: المعقبات من ms4290 أمر الله يحفظون محمدا (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). ثم ذكر أربد وما قتله فقال: "هو الذي يريكم البرق ~~إلى قوله وهو شديد المحال". # أقول: وروي ما في معناه عن الطبري وأبي الشيخ عن ابن زيد وفي آخره: وقال ~~لبيد في أخيه أربد وهو يبكيه. # أخشى على أربد الحتوف ولا. # أرهب نوء السماء والأسد. # فجعني الرعد والصواعق بالفارس. # يوم الكريهة النجد. # وما تذكره الرواية من نزول هذه الآيات في القصة لا يلائم سياق آيات ~~السورة الظاهر في كونها مكية بل لا يناسب سياق نفس الآيات أيضا على ما مر ~~من معناها. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن علي: "له معقبات ~~من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" قال: ليس من عبد إلا ومعه ~~ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو يتردى في بئر أو يأكله سبع أو غرق ~~أو حرق فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر. # أقول: وروي أيضا ما في معناه عن أبي داود في القدر وابن أبي الدنيا وابن ~~عساكر عنه. # وروي ما في معناه عن الصادقين (عليهما السلام). # وفي تفسير العياشي، عن فضيل بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال ~~حدثنا هذه الآية: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه" الآية قال: من المقدمات ~~المؤخرات المعقبات الباقيات الصالحات. # أقول: ظاهره أن الباقيات الصالحات من مصاديق المعقبات المذكورة في الآية ~~تحفظ صاحبها من سوء القضاء ولا تحفظه إلا بالملائكة الموكلة عليها فيرجع ~~معناه إلى ما قدمناه في بيان الآية، ويمكن أن تكون المقدمات المؤخرات نفس ~~الباقيات الصالحات ورجوعه إلى ما قدمناه ظاهر. # وفيه، عن أبي عمرو المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبي ~~كان يقول: إن الله قضى قضاء حتما لا ينعم على عبد بنعمة فسلبها إياه قبل أن ~~يحدث العبد ما يستوجب بذلك الذنب سلب تلك النعمة وذلك قول الله: "إن الله ~~لا يغير ما بقوم - حتى يغيروا ما بأنفسهم". # وفيه، عن أحمد بن ms4291 محمد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): في قول الله: ~~"إن الله لا يغير ما بقوم - حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء ~~- فلا مرد له" فصار الأمر إلى الله تعالى. # أقول: إشارة إلى ما قدمناه من معنى الآية. PageV11P175 # وفي المعاني، بإسناده عن عبد الله بن الفضل عن أبيه قال. سمعت أبا خالد ~~الكابلي يقول: سمعت زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: ~~الذنوب التي تغير النعم البغي على الناس والزوال عن العادة في الخير ~~واصطناع المعروف وكفران النعم وترك الشكر، قال الله عز وجل: "إن الله لا ~~يغير ما بقوم - حتى يغيروا ما بأنفسهم". # وفيه، بإسناده عن الحسن بن فضال عن الرضا (عليه السلام): في قوله: "هو ~~الذي يريكم البرق خوفا وطمعا" قال: خوفا للمسافر وطمعا للمقيم. # وفي تفسير النعماني، عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "وهو شديد المحال" يريد المكر. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن أنس بن مالك: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بعث رجلا إلى فرعون من فراعنة العرب يدعوه إلى الله عز وجل فقال ~~للرسول: أخبرني عن هذا الذي تدعوني إليه أمن فضة هو أم من ذهب أم من حديد؟ ~~فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بقوله فقال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ارجع إليه فادعه قال: يا نبي الله إنه اعتاص من ذلك. ~~قال: ارجع إليه فرجع فقال كقوله فبينا هو يكلمه إذ رعدت سحابة رعدة فألقت ~~على رأسه صاعقة ذهبت بقحف رأسه فأنزل الله جل ثناؤه "ويرسل الصواعق فيصيب ~~بها من يشاء - وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال". # أقول: الكلام في آخره كالكلام في آخر ما مر من قصة عامر وأربد ويزيد هذا ~~الخبر أن قوله: "ويرسل الصواعق" إلخ بعض من آية ولا وجه لتقطيع الآيات في ~~النزول. # وفي التفسير القمي، قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قوله: "ولله يسجد من في السماوات ms4292 والأرض" الآية: أما من يسجد ~~من أهل السماوات طوعا فالملائكة يسجدون لله طوعا، وأما من يسجد من أهل ~~الأرض ممن ولد في الإسلام فهو يسجد له طوعا، وأما من يسجد له كرها فمن جبر ~~على الإسلام وأما من لم يسجد فظله يسجد له بالغدو والآصال. # أقول: ظاهر الرواية يخالف سياق الآية الكريمة فإن الآية مسوقة لبيان عموم ~~قهره تعالى بعظمته وعلوه من في السماوات والأرض أنفسهم وأظلالهم وهي تنبىء ~~عن سجودها له تعالى بحقيقة السجدة، وظاهر الرواية أن السجدة بمعنى الخرور ~~ووضع الجبهة أو ما يشبه السجدة عامة موجودة إما فيهم وإما في ظلالهم فإن ~~سجدوا حقيقة طوعا أو كرها فهي وإلا فسقوط ظلالهم على الأرض يشبه السجدة ~~وهذا معنى لا جلالة فيه لله الكبير المتعال. # على أنه لا يوافق العموم المتراءى من قوله: "وظلالهم بالغدو والآصال" ~~وأوضح منه العموم الذي في قوله: "أولم يروا إلى ما خلق الله شيء يتفيؤ ~~ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات ~~وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون:" النحل: 49. PageV11P176 ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 17 - 26 # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والبطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب ~~الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو ~~أن لهم ما فى الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ~~ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن ~~هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألبب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~الميثق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما ~~رزقنهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنت ~~عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم ms4293 وأزوجهم وذريتهم والملئكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك ~~لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا ~~بالحيوة الدنيا وما الحيوة الدنيا فى الاخرة إلا متع (26) ### |||| AUTO بيان # لما أتم الحجة على المشركين في ذيل الآيات السابقة ثم أبان لهم الفرق ~~الجلي بين الحق والباطل والفرق بين من يأخذ بهذا أو يتعاطى ذاك بقوله: "قل ~~هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور" أخذ في البيان ~~التفصيلي للفرق بين الطريقين طريق الحق الذي هو الإيمان بالله والعمل ~~الصالح وطريق الباطل الذي هو الشرك والعمل السيىء وأهلهما الذين هم ~~المؤمنون والمشركون، وأن للأولين السلام وعاقبة الدار وللآخرين اللعنة ولهم ~~سوء الدار والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وبدأ سبحانه الكلام في ذلك كله ~~بمثل يبين به حال الحق والباطل وأثر كل منهما الخاص به ثم بنى الكلام على ~~ذلك في وصف حال الطريقين والفريقين. # قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء" إلى آخر الآية قال في مجمع البيان،: ~~الوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر، ومنه اشتقاق ~~الدية لأنه جمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتيل، والقدر اقتران الشيء ~~بغيره من غير زيادة ولا نقصان والوزن يزيد وينقص فإذا كان مساويا فهو ~~القدر، وقرأ الحسن بقدرها بسكون الدال، وهما لغتان يقال: أعطي قدر شبر وقدر ~~شبر، والمصدر بالتخفيف لا غير. # قال: والاحتمال رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له، ويقال: علا صوته على ~~فلان فاحتمله ولم يغضبه، والزبد وضر الغليان وهو خبث الغليان ومنه زبد ~~القدر وزبد السيل. # والجفاء ممدود مثل الغثاء وأصله الهمز يقال: جفأ الوادي جفاء قال أبو ~~زيد: يقال: جفأت الرجل إذا صرعته وأجفأت القدر بزبدها إذا ألقيت زبدها ~~عنها، قال الفراء: كل شيء ينضم بعضه إلى بعض فإنه يجيء على فعال مثل الحطام ~~والقماش والغثاء والجفاء. ms4294 # والإيقاد إلقاء الحطب في النار استوقدت النار، واتقدت وتوقدت، والمتاع ما ~~تمتعت به، والمكث السكون في المكان على مرور الزمان يقال: مكث ومكث - بفتح ~~الكاف وضمها - وتمكث أي تلبث. # انتهى. PageV11P177 # وقال الراغب: الباطل نقيض الحق وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه قال تعالى: ~~"ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل" وقد يقال ذلك في ~~الاعتبار إلى المقال والفعال يقال: بطل بطولا وبطلا بطلانا وأبطله غيره قال ~~عز وجل: "وبطل ما كانوا يعملون" وقال: "لم تلبسون الحق بالباطل". # انتهى موضع الحاجة. # فبطلان الشيء هو أن يقدر للشيء نوع من الوجود ثم إذا طبق على الخارج لم ~~يثبت على ما قدر ولم يطابقه الخارج والحق بخلافه فالحق والباطل يتصف بهما ~~أولا الاعتقاد ثم غيره بعناية ما. # فالقول نحو السماء فوقنا والأرض تحتنا يكون حقا لمطابقة الواقع إياه إذا ~~فحص عنه وطبق عليه، ولقولنا: السماء تحتنا والأرض فوقنا كان باطلا لعدم ~~ثباته في الواقع على ما قدر له من الثبات، والفعل يكون حقا إذا وقع على ما ~~قدر له من الغاية أو الأمر كالأكل للشبع والسعي للرزق وشرب الدواء للصحة ~~مثلا إذا أثر أثره وبلغ غرضه، ويكون باطلا إذا لم يقع على ما قدر عليه من ~~الغاية أو الأمر والشيء الموجود في الخارج حق من جهة أنه موجود كما اعتقد ~~كوجود الحق تعالى، والشيء غير الموجود وقد اعتقد له الوجود باطل وكذا لو ~~كان موجودا لكن قدر له من خواص الوجود ما ليس له كتقدير الاستقلال والبقاء ~~للموجود الممكن فالموجود الممكن باطل من جهة عدم الاستقلال أو البقاء ~~المقدر له وإن كان حقا من جهة أصل الوجود قال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. # وكل نعيم لا محالة زائل. # والآية الكريمة من غرر الآيات القرآنية تبحث عن طبيعة الحق والباطل فتصف ~~بدء تكونهما وكيفية ظهورهما والآثار الخاصة بكل منهما وسنة الله سبحانه ~~الجارية في ذلك ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا. # بين ms4295 تعالى ذلك بمثل ضربه للناس، وليس بمثلين كما قاله بعضهم ولا بثلاثة ~~أمثال كما ذكره آخرون كما سنشير إليه إن شاء الله وإنما هو مثل واحد ينحل ~~إلى أمثال فقال تعالى: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا" وقوله: "أنزل" فعل فاعله هو الله سبحانه لم يذكر لوضوحه، ~~وتنكير "ماء" للدلالة على النوع وهو الماء الخالص الصافي يعني نفس الماء من ~~غير أن يختلط بشيء أو يشوبه تغير، وتنكير "أودية" للدلالة على اختلافها في ~~الكبر والصغر والطول والقصر وتغايرها في السعة والوعي، ونسبة السيلان إلى ~~الأودية نسبة مجازية نظير قولنا: جرى الميزاب وتوصيف الزبد بالرابي لكونه ~~طافيا يعلو سيل دائما وهذا كله بدلالة السياق، وإنما مثل بالسيل لأن احتمال ~~الزبد الرابي فيه أظهر. # والمعنى: أنزل الله سبحانه من السماء وهي جهة العلو ماء بالأمطار فسالت ~~الأدوية الواقعة في محل الأمطار المختلفة بالسعة والضيق والكبر والصغر ~~بقدرها أي كل بقدره الخاص به فالكبير بقدره والصغير بقدره فاحتمل السيل ~~الواقع في كل واحد من الأودية المختلفة زبدا طافيا عاليا هو الظاهر على ~~الحس يستر الماء سترا. # ثم قال تعالى: "ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله" ~~من نشوية وما يوقدون عليه أنواع الفلزات والمواد الأرضية القابلة للإذابة ~~المصوغة منها آلات الزينة وأمتعة الحياة التي يتمتع بها والمعنى ويخرج من ~~الفلزات والمواد الأرضية التي يوقدون عليها في النار طلبا للزينة كالذهب ~~والفضة أو طلبا لمتاع كالحديد وغيره يتخذ منه الآلات والأدوات، زبد مثل ~~الزبد الذي يربو السيل يطفو على المادة المذابة ويعلوه. # ثم قال تعالى: "كذلك يضرب الله الحق والباطل" أي يثبت الله الحق والباطل ~~نظير ما فعل في السيل وزبده وما يوقدون عليه في النار وزبده. PageV11P178 # فالمراد بالضرب - والله أعلم - نوع من التثبيت من قبيل قولنا: ضربت الخيمة ~~أي نصبتها وقوله: ضربت عليهم الذلة والمسكنة أي أوقعت وأثبتت وضرب بينهم ~~بسور أي أوجد وبني، واضرب لهم طريقا في البحر أي افتح وثبت وإلى هذا ms4296 المعنى ~~أيضا يعود ضرب المثل لأنه تثبيت ونصب لما يماثل الممثل حتى يتبين به حاله، ~~والجميع في الحقيقة من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللازم فإن الضرب وهو ~~إيقاع شيء على شيء بقوة وعنف لا ينفك عادة عن تثبيت أمر في ما وقع عليه ~~الضرب كثبوت الوتد في الأرض بضرب المطرقة وحلول الألم في جسم الحيوان بضربه ~~فقد أطلق الضرب وهو الملزوم وأريد التثبيت وهو الأمر اللازم. # ومن هنا يظهر أن قول المفسرين إن في الجملة حذفا أو مجازا والتقدير كذلك ~~يضرب الله مثل الحق والباطل أو مثل الحق ومثل الباطل - على اختلاف تفسيرهم ~~- في غير محله فإنه تكلف من غير موجب ولا دليل يدل عليه. # على أنه لو أريد به ذلك لكان موضعه المناسب له هو آخر الكلام وقد وقع فيه ~~قوله تعالى: "كذلك يضرب الله الأمثال" وهو يغني عنه. # على أن ما ذكروه من المعنى يرجع إلى ما ذكرناه بالآخرة فإن كون حديث ~~السيل والزبد أو ما يوقد عليه والزبد مثلا للحق والباطل يوجب كون ثبوت الحق ~~نظير ثبوت السيل وثبوت ما يوقد عليه، وكون ثبوت الباطل نظير ثبوت الزبد فلا ~~موجب للتقدير مع استقامة المعنى بدونه. # ثم قال تعالى: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض" جمع بين الزبدين أعني زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه وقد كانا ~~متفرقين في الذكر لاشتراك الجميع فيما يذكر من الخاصة وهو أنه يذهب جفاء، ~~ولذا قدمنا آنفا أن الآية تتضمن مثلا واحدا وإن انحل إلى غير واحد من ~~الأمثال. # وقد عدل عن ذكر الماء وغيره إلى قوله: "وأما ما ينفع الناس" للدلالة على ~~خاصة يختص بها الحق وهو أن الناس ينتفعون به وهو الغاية المطلوبة لهم. # والمعنى: فأما الزبد الذي كان يطفو على السيل ويعلوه أو يخرج مما يوقدون ~~عليه في النار فيذهب جفاء ويصير باطلا متلاشيا، وأما الماء الخالص أو العين ~~الأرضية المصوغة وفيهما انتفاع الناس وتمتعهم في معاشهم فيمكث في الأرض ~~ينتفع به الناس. # ثم ms4297 قال تعالى: "كذلك يضرب الله الأمثال" وختم به القول أي إن الأمثال ~~المضروبة للناس في كلامه تعالى يشابه المثل المضروب في هذه الآية في أنها ~~تميز الحق من الباطل وتبين للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم. # ولا يبعد أن تكون الإشارة بقوله: "كذلك" إلى ما ذكره من أمر نزول المطر ~~وجريان الأدوية بسيولها المزبدة وإيقاد المواد الأرضية وخروج زبدها، أعني ~~أن تكون الإشارة إلى نفس هذه الحوادث الخارجية والتكونات العينية لا القول ~~فيدل على أن هذه الوقائع الكونية والحوادث الواقعة في عالم الشهادة أمثال ~~مضروبة تهدي أولي النهي والبصيرة إلى ما في عالم الغيب من الحقائق كما أن ~~ما في عالم الشهادة آيات دالة على ما في عالم الغيب على ما تكرر ذكره في ~~القرآن الكريم، ولا كثير فرق بين كون هذه المشهودات أمثالا مضروبة أو آيات ~~دالة وهو ظاهر. # وقد تبين بهذا المثل المضروب في الآية أمور هي من كليات المعارف الإلهية: ~~أحدها: أن الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات الذي هو بمنزلة ~~الرحمة السماوية والمطر النازل من السحاب على ساحة الأرض خال في نفسه عن ~~الصور والأقدار وإنما يتقدر من ناحية الأشياء أنفسها كماء المطر الذي يحتمل ~~من القدر والصورة وما يطرأ عليه من ناحية قوالب الأودية المختلفة في ~~الأقدار والصور فإنما تنال الأشياء من العطية الإلهية بقدر قابليتها ~~واستعداداتها وتختلف باختلاف الاستعدادات والظروف والأوعية. # وهذا أصل عظيم يدل عليه أو يلوح إليه آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله: ~~"وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 وقوله: ~~"وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6 ومن الدليل عليه جميع آيات القدر. PageV11P179 # ثم إن هذه الأمور المسماة بالأقدار وإن كانت خارجة عن الإفاضة السماوية ~~مقدرة لها لكنها غير خارجة عن ملك الله سبحانه وسلطانه ولا واقعة من غير ~~إذنه وقد قال تعالى، "إليه يرجع الأمر كله": هود: 123، وقال: "بل لله الأمر ~~جميعا": الآية: 31 من السورة وبانضمام هذه الآيات إلى الآيات السابقة ms4298 يظهر ~~أصل آخر أدق معنى وأوسع مصداقا. # وثانيها: أن تفرق هذه الرحمة السماوية في أودية العالم وتقدرها بالأقدار ~~المقارنة لها لا ينفك عن أخباث وفضولات تعلوها وتظهر منها غير أنها باطلة ~~أي زائلة غير ثابتة بخلاف تلك الرحمة النازلة المتقدرة بالأقدار فإنها ~~باقية ثابتة أي حقة وعند ذلك ينقسم ما في الوجود إلى حق وهو الثابت الباقي ~~وباطل وهو الزائل غير الثابت. # والحق من الله سبحانه والباطل ليس إليه وإن كان بإذنه قال تعالى: "الحق ~~من ربك": آل عمران: 60 وقال: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا": ~~ص: 27 فهذه الموجودات يشتمل كل منها على جزء حق ثابت غير زائل سيعود إليه ~~ببطلان ما هو الباطل منها كما قال: "ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3 وقال: "ويحق الله الحق بكلماته": يونس: ~~82 وقال: "إن الباطل كان زهوقا": أسرى: 81 وقال: "بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق": الأنبياء: 18. # وثالثها: أن من حكم الحق أنه لا يعارض حقا غيره ولا يزاحمه بل يمده ~~وينفعه في طريقه إلى كماله ويسوقه إلى ما يسلك إليه من السعادة، يدل على ~~ذلك تعليقه البقاء والمكث في الآية على الحق الذي ينفع الناس. # وليس المراد بنفي التعارض ارتفاع التنازع والتزاحم من بين الأشياء في ~~عالمنا المشهود فإنما هو دار التنازع والتزاحم لا يرى فيه إلا نار يخمدها ~~ماء وماء تفنيها نار وأرض يأكلها نبات ونبات يأكله حيوان ثم الحيوان يأكل ~~بعضه بعضا ثم الأرض يأكل الجميع بل المراد أن هذه الأشياء على ما بينها من ~~الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهية ويتسبب بعضها ببعض ~~للوصول إلى مقاصدها النوعية فمثلها مثل القدوم والخشب فإنهما مع تنازعهما ~~يتعاونان في خدمة النجار في صنعة الباب مثلا، ومثل كفتي الميزان فإنهما في ~~تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن، وهذا بخلاف ~~الباطل كوجود كلال في القدوم أو بخس في المثقال فإنه يعارض الغرض الحق ~~ويخيب السعي فيفسد من ms4299 غير إصلاح ويضر من غير نفع. # ومن هذا الباب غالب آيات التسخير في القرآن كقوله: "وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه": الجاثية: 13 فكل شيء منها يفعل ما ~~يقتضيه طبعه غير أنه يسلك في ذلك إلى تحصيل ما أراده الله سبحانه من الأمر. # وهذه الأصول المستفادة من الآية الكريمة هي المنتجة لتفاصيل أحكام الصنع ~~والإيجاد، ولئن تدبرت في الآيات القرآنية التي تذكر الحق والباطل وأمعنت ~~فيها رأيت عجبا. # واعلم أن هذه الأصول كما تجري في الأمور العينية والحقائق الخارجية كذلك ~~تجري في العلوم والاعتقادات فمثل الاعتقادات الحق في نفس المؤمن مثل الماء ~~النازل من السماء الجاري في الأودية على اختلاف سعتها وينتفع به الناس ~~وتحيى قلوبهم ويمكث فيهم الخير والبركة، ومثل الاعتقاد الباطل في نفس ~~الكافر كمثل الزبد الذي يربو السيل لا يلبث دون أن يذهب جفاء ويصير سدى، ~~قال تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27. # قوله تعالى: "للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له" إلى ~~آخر الآية المهاد الفراش الذي يوطأ لصاحبه والمكان الممهد الموطأ وسميت ~~جهنم مهادا لأنها مهدت لاستقرارهم فيها لكفرهم وأعمالهم السيئة. # والآية وما بعدها من الآيات التسعة متفرعة على المثل المضروب في الآية ~~السابقة - كما تقدمت الإشارة إليه يبين الله سبحانه فيها آثار الاعتقاد ~~الحق والإيمان به والاستجابة لدعوته، وآثار الاعتقاد الباطل والكفر به وعدم ~~استجابة دعوته ويشهد بذلك سياق الآيات فإن الحديث فيها يدور حول عاقبة ~~الإيمان والكفر وأن العاقبة المحمودة التي للإيمان لا يقوم مقامها شيء ولو ~~كان ضعف ما في الدنيا من نعمة. PageV11P180 # وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد بالحسنى العاقبة الحسنى وما ذكره بعضهم أن ~~المراد بها المثوبة الحسنى أو الجنة وإن كان حقا بحسب المآل فإن عاقبة ~~الإيمان والعمل الصالح المحمودة هي المثوبة الإلهية الحسنى وهي الجنة لكن ~~المثوبة أو الجنة غير مقصودة في المقام بما أنها مثوبة أو جنة بل ms4300 بما أنها ~~عاقبة أمرهم وينتهي إليها سعيهم. # ويؤيده بل يدل عليه قوله تعالى فيهم في الآيات التالية بعد تعريفهم ~~بصفاتهم المختصة بهم: "أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها" الآية. # وعلى هذا أيضا فقوله: "لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا ~~به" موضوع موضع الغاية المحذوفة للدلالة على فخامة أمرها وبلوغها الغاية من ~~حمل الهول والدهشة والشر والشقوة بما لا يذكر. # والمعنى: والذين لم يستجيبوا لربهم يحل بهم أمر - أو يفوتهم أمر وهو ~~نتيجة الاستجابة وعاقبتها الحسنى من صفته أنه لو أن لهم ما في الأرض من ~~نعمة تلتذ بها النفس الإنسانية وهو غاية ما يمكن لإنسان أن يأمله ويتمناه ~~ثم أضيف إليه مثله وهو فوق منية الإنسان وبعبارة ملخصة لو كانوا يملكون ~~غاية مناهم في الحياة وما فوق هذه الغاية رضوا أن يفتدوا بهذا الذي يملكونه ~~فرضا عما يفوتهم من الحسنى، وفي بعض كلمات علي (عليه السلام): في وصفه: ~~"غير موصوف ما نزل بهم". # ثم أخبر تعالى عن هذا الذي لا يوصف من عاقبة أمرهم فقال: "أولئك لهم سوء ~~الحساب ومأواهم جهنم" وسوء الحساب الحساب الذي يسوؤهم ولا يسرهم فهو من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف ثم ذم تعالى ذلك مشيرا إلى سوء العاقبة بقوله: ~~"وبئس المهاد" أي بئس المهاد مهادهم الذي مهد لهم ويستقرون فيه، ومجموع ~~قوله: "أولئك لهم سوء الحساب" إلخ في موضع التعليل لما ذكر من الافتداء ~~والتعليل بالإشارة كثير في الكلام يقال: افعل بفلان كذا وكذا ذاك الذي من ~~صفته كذا وكذا. # ومعنى الآية والله أعلم - للذين استجابوا لدعوة ربهم الحقة العاقبة ~~الحسنى والذين لم يستجيبوا له لهم من عاقبة الأمر ما يرضون أن يفدوا للتخلص ~~منه فوق ما يمكنهم أن يتمنوه لأن الذي يحل بهم من العاقبة السيئة يتضمن أو ~~يقارن سوء الحساب والقرار في وبئس المهاد مهادهم. # وقد وضع في الآية الاستجابة وعدم الاستجابة مكان الإيمان والكفر لمناسبة ~~المثل المضروب في الآية السابقة من نزول الماء من السماء وقبول الأودية منه ms4301 ~~كل بقدره، والاستجابة قبول الدعوة. # قوله تعالى: "أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما ~~يتذكر أولوا الألباب" استفهام إنكاري وهو في موضع التعليل لما تتضمنه الآية ~~السابقة، وبيان تفصيلي لعاقبة حال الفريقين من حيث استجابة دعوة الحق ~~وعدمها. # وملخص البيان: أن الحق يستقر في قلوب هؤلاء الذين استجابوا لربهم فتصير ~~قلوبهم ألبابا وقلوبا حقيقية لها آثارها وبركاتها وهو التذكر والتبصر، ومن ~~خواص هذه القلوب التي يعرف بها صاحبوها أن أولي الألباب يثبتون على الوفاء ~~بعهد الله المأخوذ عنهم بفطرتهم فلا ينقضون ميثاق ربهم، ويثبتون على احترام ~~ما وصلهم الله به وهي الرحم التي أجرى الله الخلقة من طريقها فيصلونها وهم ~~خاشعون خائفون، ويثبتون بالصبر عند المصائب وعن المعصية وعلى الطاعة، ~~ويجرون بالتوجه إلى ربهم وهو الصلاة، وإصلاح المجتمع وهو الإنفاق، ودرء ~~السيئات بالحسنات. # فهؤلاء لهم عاقبة الدار المحمودة وهي الجنة يدخلونها وتنعكس إليهم فيها ~~مثوبات أعمالهم الحسنة المذكورة فيصاحبون فيها الصالحين من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم كما وصلوا الرحم في الدنيا، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~مسلمين عليهم بما صبروا كما فتحوا أبواب العبادات والطاعات المختلفة في ~~الدنيا فهذا هو أثر الحق. # وقوله: "أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى" الاستفهام ~~فيه للإنكار - كما تقدم - وفيه نفي التساوي بين من استقر في قلبه العلم ~~بالحق ومن جهل الحق وفي توصيف الجاهل بالحق بالأعمى إيماء إلى أن العالم به ~~يصير وقد سماه بالأعمى والبصير في قوله آنفا: "قل هل يستوي الأعمى والبصير" ~~الآية، فالعلم بالحق بصيرة والجهل به عمى والتبصر يفيد التذكر ولذا عده من ~~خواص أولي العلم بقوله: "إنما يتذكر". PageV11P181 # وقوله: "إنما يتذكر أولوا الألباب" في مقام التعليل لما سبقه أعني قوله: ~~"أفمن يعلم" إلخ، أي أنهما لا يستويان لأن لأولي العلم تذكر ليس لأولي ~~العمى والجهل، وقد وضع في موضع أولي العلم أولوا الألباب فدل على دعوى أخرى ~~تفيد فائدة التعليل كأنه قيل: لا يستويان لأن لأحد الفريقين تذكرا ليس ms4302 ~~للآخر، وإنما اختص التذكر بهم لأن لهم ألبابا وقلوبا وليس ذلك لغيرهم. # قوله تعالى: "الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق" ظاهر السياق أن ~~الجملة الثانية عطف تفسيري على الجملة الأولى فالمراد بالميثاق الذي لا ~~ينقضونه هو عهد الله الذي يوفون به، والمراد بهذا العهد والميثاق بقرينة ما ~~ذكر في الآية السابقة من تذكرهم هو ما عاهدوا به ربهم وواثقوه بلسان فطرتهم ~~أن يوحدوه ويجروا على ما يقتضيه توحيده من الآثار فإن الإنسان مفطور على ~~توحيده تعالى وما يهتف به توحيده، وهذا عهد عاهدته الفطرة وعقد عقدته. # وأما العهود والمواثيق المأخوذة بوسيلة الأنبياء والرسل عن أمر من الله ~~والأحكام والشرائع فكل ذلك من فروع الميثاق الفطري فإن الدين فطري. # قوله تعالى: "والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل" إلخ، الظاهر أن ~~المراد بالأمر هو الأمر التشريعي النازل بشهادة ذيل الآية "ويخافون سوء ~~الحساب" فإن الحساب على الأحكام النازلة في الشريعة ظاهرا وإن كانت مدركة ~~بالفطرة كقبح الظلم وحسن العدل فإن المستضعف الذي لم يبلغه الحكم الإلهي ~~ولم يقصر لا يحاسب عليه كما يحاسب غيره، وقد تقدم في أبحاثنا السابقة أن ~~الحجة لا تتم على الإنسان بمجرد الإدراك الفطري لو لا انضمام طريق الوحي ~~إليه قال تعالى: "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165. # والآية مطلقة فالمراد به كل صلة أمر الله سبحانه بها ومن أشهر مصاديقه ~~صلة الرحم التي أمر الله بها وأكد القول في وجوبها، قال تعالى: "واتقوا ~~الله الذي تساءلون به والأرحام": النساء: 1. # وقد أكد القول فيه بما في ذيل الآية من قوله: "ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب" فأشار إلى أن في ترك الصلة مخالفة لأمر الله فليخش الله في ذلك ~~وعملا سيئا مكتوبا في صحيفة العمل محفوظا على الإنسان يجب أن يخاف من حسابه ~~السيىء. # والظاهر أن الفرق بين الخشية والخوف أن الخشية تأثر القلب من إقبال الشر ~~أو ما في حكمه، والخوف هو التأثر عملا بمعنى الإقدام على تهيئة ما يتقى به ~~المحذور ms4303 وإن لم يتأثر القلب ولذا قال سبحانه في صفة أنبيائه: "ولا يخشون ~~أحدا إلا الله": الأحزاب: 39. # فنفى عنهم الخشية عن غيره وقد أثبت الخوف لهم عن غيره في مواضع من كلامه ~~كقوله: "فأوجس في نفسه خيفة موسى": طه: 67 وقوله: "وإما تخافن من قوم ~~خيانة": الأنفال: 58. # ولعله إليه يرجع ما ذكره الراغب في الفرق بينهما أن الخشية خوف يشوبه ~~تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم. # ولذا خص العلماء بها في قوله. # "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وكذا قول بعضهم: إن الخشية أشد الخوف ~~لأنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية أي يابسة. # وكذا قول بعضهم: إن الخوف يتعلق بالمكروه وبمنزله يقال: خفت المرض وخفت ~~زيدا بخلاف الخشية فإنها تتعلق بالمنزل دون المكروه نفسه يقال: خشيت الله. # ولو لا رجوعها إلى ما قدمناه لكانت ظاهرة النقض وذكر بعضهم أن الفرق ~~أغلبي لا كلي، والآخرون أن لا فرق بينهما أصلا وهو مردود بما قدمناه من ~~الآيات. # قوله تعالى: "والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا" إلى ~~آخر الآية، إطلاق الصبر يدل على اتصافهم بجميع شعبه وأقسامه وهي الصبر عند ~~المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية لكنه مع ذلك مقيد بقوله: ~~"ابتغاء وجه ربهم" أي طلبا لوجه ربهم فصفتهم التي يمدحون بها أن يكون صبرهم ~~لوجه الله لأن الكلام في صفاتهم التي تنشأ وتنمو فيهم من استجابتهم لربهم ~~وعلمهم بحقية ما أنزل إليهم من ربهم لا كل صفة يمدحها الناس فيما بينهم وإن ~~لم ترتبط بعبوديتهم وإيمانهم بربهم كالصبر عند الكريهة تمنعا وعجبا بالنفس ~~أو طلبا لجميل الثناء ونحوه كما قيل: وقولي كلما جشأت وجاشت. # مكانك تحمدي أو تستريحي. PageV11P182 # والمراد بوجه الرب تعالى هو الجهة المنسوبة إليه تعالى من العمل ونحوه وهي ~~الجهة التي عليها يظهر ويستقر العمل عنده تعالى أعني المثوبة التي له عنده ~~الباقية ببقائه وقد قال تعالى: "والله عنده حسن الثواب": آل عمران: 195، ~~وقال: "وما عند الله باق": النحل: 96 وقال: "كل شيء هالك إلا وجهه": القصص: ms4304 88. # وقوله: "وأقاموا الصلاة" أي جعلوها قائمة غير ساقطة بالإخلال بأجزائها ~~وشرائطها أو بالاستهانة بأمرها، وعطف الصلاة وما بعدها على الصبر من عطف ~~الخاص على العام اعتناء بشأنه وتعظيما لأمره. # كما قيل. # وقوله: "وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية" المراد به مطلق الإنفاق أعم من ~~الواجب وغيره، والآية مكية لم ينزل وجوب الزكاة عند نزولها بعد، وتقييد ~~الإنفاق بقوله: "سرا وعلانية" للدلالة على استيفائهم حقه فإن من الإنفاق ما ~~يحسن فيه الإسرار ومنه ما يحسن فيه الإعلان فعلى من آمن بما أنزله الله ~~بالحق أن يستوفي من كل حقه فيسر بالإنفاق إذا كان في إعلانه مظنة الرياء أو ~~السمعة أو أهانة أو إذهاب ماء الوجه، ويعلن فيه فيما كان في إعلانه تشويق ~~الناس على البر والمعروف ودفع التهمة ونحو ذلك. # وقوله: "ويدرؤن بالحسنة السيئة" الدرء الدفع والمعنى إذا صادفوا سيئة ~~جاءوا بحسنة تزيد عليها أو تعادلها فيدفعون بها السيئة، وهذا أعم من أن ~~يكون ذلك في سيئة صدرت من أنفسهم فدفعوها بحسنة جاءوا بها فإن الحسنات ~~يذهبن السيئات أو دفعوها بتوبة إلى ربهم فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ~~أو في سيئة أتى بها غيرهم بالنسبة إليهم كمن ظلمهم فدفعوه بالعفو أو ~~بالإحسان إليه أو من جفاهم فقابلوه بحسن الخلق والبشر كما إذا خاطبهم ~~الجاهلون فقالوا. # سلاما أو أتى بمنكر فنهوا عنه أو ترك معروف فأمروا به. # فذلك كله من درء السيئة بالحسنة ولا دليل من جانب اللفظ يدل على التخصيص ~~ببعض هذه الوجوه البتة. # وقد اختلف التعبير في هذه الصفات المذكورة لأولي الألباب: "الذين يوفون، ~~ولا ينقضون، ويصلون، ويخشون، ويخافون، وصبروا، وأقاموا، وأنفقوا، ويدرءون" ~~فأتي في بعضها - وهي ستة بلفظ المضارع، وفي بعضها - وهي ثلاثة - بلفظ ~~الماضي. # وقد نقل عن بعضهم في وجه ذلك أن التعبير في قوله: "والذين صبروا ابتغاء ~~وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم" إلخ بلفظ الماضي وفيما تقدم ~~بلفظ المضارع على سبيل التفنن في الفصاحة لأن هذه الأفعال وقعت صلة للموصول ~~يعني "الذين" والموصول ms4305 وصلته في معنى اسم الشرط مع الجملة الشرطية، والماضي ~~والمضارع يستويان معنى في الجملة الشرطية نحو إن ضربت ضربت وإن تضرب أضرب ~~فكذا فيما بمعناه. # ولذا قال النحويون: إذا وقع الماضي صلة أو صفة لنكرة عامة احتمل أن يراد ~~به المضي وأن يراد به الاستقبال فمن الأول "الذين قال لهم الناس" ومن ~~الثاني "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم". # وفيه أن إلغاء خصوصية زمان الفعل من المضي والاستقبال في الشرط وما في ~~معناه لا يستوجب إلغاء لوازم الأزمنة كالتحقق في الماضي والجريان ~~والاستمرار ونحوهما في المضارع فإن في الماضي مثلا عناية بالتحقق وإن كان ~~ملغى الزمان فصحة السؤال عن نكتة اختلاف التعبير في محله بعد. # ويستفاد من كلام بعض آخر في وجهه أن المراد بالأوصاف المتقدمة أعني ~~الوفاء بالعهد والصلة والخشية والخوف الاستصحاب والاستمرار لكن الصبر لما ~~كان مما يتوقف على تحققه التلبس بتلك الأوصاف اعتني بشأنه فعبر بلفظ الماضي ~~الدال على التحقق وكذا في الصلاة والإنفاق اعتناء بشأنهما. # وفيه أن بعض الصفات السابقة لا يقصر في الأهمية عن الصبر والصلاة ~~والإنفاق كالوفاء بعهد الله الذي أريد به الإيمان بالله بإجابة دعوة الفطرة ~~فلو كان الاعتناء بالشأن هو الوجه كان من الواجب أن يعبر عنه بلفظ الماضي ~~كغيره من الصبر والصلاة والإنفاق. PageV11P183 # والذي أحسب - والله أعلم - أن مجموع قوله تعالى: "والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة ~~السيئة" مسوق لبيان معنى واحد وهو الإتيان بالعمل الصالح أعني إتيان ~~الواجبات وترك المحرمات وتدارك ما يقع فيه من الخلل استثناء بالحسنة فالعمل ~~الصالح هو المقصود بالأصالة ودرء السيئة بالحسنة الذي هو تدارك الخلل ~~الواقع في العمل مقصود بالتبع كالمتمم للنقيصة. # فلو جرى الكلام على السياق السابق وقيل: "والذين يصبرون ابتغاء وجه ربهم ~~ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة" ~~فاتت هذه العناية وبطل ما ذكر من حديث الأصالة والتبعية لكن قيل: "والذين ~~صبروا ابتغاء وجه ربهم" فأخذ جميع الصبر المستقر ms4306 أمرا واحدا مستمرا ليدل ~~على وقوع كل الصبر منهم ثم قيل: "ويدرؤن" إلخ ليدل على دوام مراقبتهم ~~بالنسبة إليه لتدارك ما وقع فيه من الخلل وكذا في الصلاة والإنفاق فافهمه. # وهذه العناية بوجه نظيرة العناية في قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة" الآية، حيث يدل على تفرع تنزل ~~الملائكة على تحقق قولهم "ربنا الله" واستقامتهم دون الاستمرار عليه. # وقوله: "أولئك لهم عقبى الدار" أي عاقبتها المحمودة فإنها هي العاقبة ~~حقيقة لأن الشيء لا ينتهي بحسب ما جبله الله عليه إلا إلى عاقبة تناسبه ~~وتكون فيها سعادته، وأما العاقبة المذمومة السيئة ففيها بطلان عاقبة الشيء ~~لخلل واقع فيه، وإنما تسمى عاقبة بنحو من التوسع، ولذلك أطلق في الآية عقبى ~~الدار وأريدت بها العاقبة المحمودة وقوبلت فيما يقابلها من الآيات بقوله: ~~"ولهم سوء الدار"، ومن هنا يظهر أن المراد بالدار هذه الدار الدنيا أي حياة ~~الدار فالعاقبة عاقبتها. # قوله تعالى: "جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم" ~~العدن الاستقرار يقال: عدن بمكان كذا إذا استقر فيه ومنه المعدن لمستقر ~~الجواهر الأرضية وجنات عدن أي جنات نوع من الاستقرار فيه خلود وسلام من كل جهة. # وجنات عدن "إلخ" بدل أو عطف بيان من قوله: "عقبى الدار" أي عاقبة هذه ~~الدار المحمودة هي جنات العدن والخلود فليست هذه الحياة الدنيا بحسب ما ~~طبعها الله عليه إلا حياة واحدة متصلة أولها عناء وبلاء وآخرها رخاء نعيم ~~وسلام، وهذا الوعد هو الذي يحكي وفاءه تعالى به حكاية عن أهل الجنة بقوله: ~~"وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء": الزمر: 74. # والآية - كما سمعت - تحاذي قوله: "يصلون ما أمر الله به أن يوصل" وبيان ~~لعاقبة هذا الحق الذي أخذوه وعملوا به وبشرى لهم أنهم سيصاحبون الصالحين من ~~أرحامهم وأهليهم من الآباء والأمهات والذراري والإخوان والأخوات وغيرهم ~~ويشمل الجميع قوله: "آبائهم وأزواجهم وذرياتهم" لأن الأمهات أزواج الآباء ~~والإخوان والأخوات والأعمام والأخوال وأولادهم ذريات الآباء والآباء، ms4307 من ~~الداخلين فمعهم أزواجهم وذرياتهم ففي الآية إيجاز لطيف. # قوله تعالى: "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ~~فنعم عقبى الدار" وهذا عقبى أعمالهم الصالحة التي داموا عليها في كل باب من ~~أبواب الحياة بالصبر على الطاعة وعن المعصية وعند المصيبة مع الخشية ~~والخوف. # وقوله: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" قول الملائكة وقد خاطبوهم ~~بالأمن والسلام الخالد وعقبى محمودة لا يعتريها ذم وسوء أبدا. # قوله تعالى: "والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه" إلى آخر الآية، بيان ~~حال غير المؤمنين بطريق المقابلة وقد قوبل بقوله: "ويفسدون في الأرض" بقية ~~ما ذكر في الآيات السابقة بعد الوفاء بعهد الله والصلة، من الأعمال الصالحة ~~وفيه إيماء إلى أن الأعمال الصالحة هي التي تضمن صلاح الأرض وعمارة الدار ~~على نحو يؤدي إلى سعادة النوع الإنساني ورشد المجتمع البشري، وقد تقدم ~~بيانه في دليل النبوة العامة. # وقد بين تعالى جزاء عملهم وعاقبة أمرهم بقوله: "أولئك لهم اللعنة ولهم ~~سوء الدار" واللعن الإبعاد من الرحمة والطرد من كل كرامة، وليس ذلك إلا ~~لانكبابهم على الباطل ورفضهم الحق النازل من الله، وليس للباطل إلا البوار. PageV11P184 # قوله تعالى: "الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" إلى آخر الآية بيان أن ما ~~أوتي الفريقان من العاقبة المحمودة والجنة الخالدة ومن اللعنة وسوء الدار ~~هو من الرزق الذي يرزقه الله من يشاء وكيف يشاء من غير حجر عليه أو إلزام. # وقد بين أن فعله تعالى يستمر على وفق ما جعله من نظام الحق والباطل ~~فالاعتقاد الحق والعمل به ينتهي إلى الارتزاق بالجنة والسلام والباطل من ~~الاعتقاد والعمل به ينتهي إلى اللعنة وسوء الدار ونكد العيش. # وقوله: "وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع" ~~يريد به - على ما يفيده السياق - أن الرزق هو رزق الأخرى لكنهم لميلهم إلى ~~ظاهر الحياة الدنيا وزينتها ركنوا إليها وفرحوا بها، وقد أخطئوا فإنها حياة ~~غير مقصودة بنفسها ولا خالدة في بقائها بل مقصودة لغيرها الذي هو الحياة ms4308 ~~الآخرة فهي بالنسبة إلى الآخرة متاع يتمتع به في غيره ولغيره غير مطلوب ~~لنفسه فالحياة الدنيا بالقياس إلى الحياة الآخرة إنما تكون من الحق إذا ~~أخذت مقدمة لها يكتسب بها رزقها وأما إذا أخذت مطلوبة بالاستقلال فليست إلا ~~من الباطل الذي يذهب جفاء ولا ينتفع به في شيء، قال تعالى: "وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": ~~العنكبوت: 64. ### |||| AUTO بحث روائي # في الاحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): في حديث يذكر فيه أحوال ~~الكفار قوله: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" ~~الزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ~~ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه، فالتنزيل الذي لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله. والأرض في هذا الموضع هي محل العلم ~~وقراره. # أقول: المراد بالتنزيل المراد الحقيقي من كلامه تعالى، وبكلام الملحدين ~~المثبت في القرآن هو ما فسروه برأيهم، وما ذكره (عليه السلام) بعض المصاديق ~~والآية أعم مدلولا كما مر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة: في ~~قوله: "الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق" عليكم بالوفاء بالعهد ~~ولا تنقضوا الميثاق فإن الله قد نهى عنه وقدم فيه أشد التقدمة، وذكره في ~~بضع وعشرين آية نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم، وإنما يعظم الأمور بما ~~عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل وأهل العلم بالله، وذكر لنا أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول في خطبته: لا إيمان لمن لا أمانة له ~~ولا دين لمن لا عهد له. # أقول: ظاهر كلامه حمل العهد والميثاق في الآية الكريمة على ما يدور بين ~~الناس أنفسهم وقد عرفت أن ظاهر السياق خلافه. # وفي الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل" قال: ~~قرابتك. ms4309 # وفيه، أيضا بإسناد آخر عنه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): "الذين ~~يصلون ما أمر الله به - أن يوصل" قال: نزلت في رحم آل محمد وقد يكون في ~~قرابتك. ثم قال: ولا تكونن ممن يقول في الشيء أنه في شيء واحد. # أقول: يعني لا تقصر القرآن على معنى واحد إذا احتمل معنى آخر فإن للقرآن ~~ظهرا وبطنا وقد جعل الله مودة ذي القربى - وهي من الصلة - أجر الرسالة في ~~قوله: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى": الشورى: 23 ويدل على ~~ما ذكرنا الرواية الآتية. # وفي تفسير العياشي، عن عمر بن مريم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله: "الذين يصلون ما أمر الله به - أن يوصل" قال: من ذلك صلة ~~الرحم وغاية تأويلها صلتك إيانا. # وفيه، عن محمد بن الفضيل قال: سمعت العبد الصالح يقول: "الذين يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل" قال هي رحم آل محمد معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من ~~وصلني واقطع من قطعني، وهي تجري في كل رحم. # أقول: وفي هذه المعاني روايات أخر، وقد تقدم معنى تعلق الرحم بالعرش في ~~تفسير أوائل سورة النساء في الجزء الرابع من الكتاب. # وفي الكافي، بإسناده عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: ومما فرض الله عز وجل أيضا في المال من غير الزكاة قوله عز وجل: ~~"الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل". # أقول: ورواه العياشي في تفسيره. PageV11P185 # وفي تفسير العياشي، عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه ~~قال لرجل: فلان ما لك ولأخيك؟ قال: جعلت فداك كان لي عليه حق فاستقصيت منه ~~حقي. قال أبو عبد الله (عليه السلام) أخبرني عن قول الله: "ويخافون سوء ~~الحساب" أتراهم خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم: لا والله خافوا الاستقصاء ~~والمداقة:. أقول: ورواه في المعاني، وتفسير القمي،. # وفيه، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: "ويخافون ~~سوء الحساب" ms4310 قال: الاستقصاء والمداقة، وقال: يحسب عليهم السيئات ولا يحسب ~~لهم الحسنات. # أقول: وذيل الحديث مروي بطرق مختلفة عنه (عليه السلام)، وعدم حساب ~~الحسنات إنما هو لمكان المداقة والحصول على وجوه الخلل الخفية كما تدل عليه ~~الرواية التالية. # وفيه، عن هشام عنه (عليه السلام): في الآية قال: يحسب عليهم السيئات ولا ~~يحسب لهم الحسنات وهو الاستقصاء. # وفيه، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): بر الوالدين وصلة الرحم يهون الحساب ثم تلا هذه الآية: ~~"الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل - ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب". # وفي الدر المنثور،: في قوله: "جنات عدن": أخرج ابن مردويه عن علي قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جنة عدن قضيب غرسه الله بيده ثم ~~قال له: كن فكان. # وفي الكافي، بإسناده عن عمرو بن شمر اليماني يرفع الحديث إلى علي (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الصبر ثلاثة صبر ~~عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى ~~يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما ~~بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين ~~الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب ~~الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى ~~منتهى العرش. PageV11P186 ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 27 - 35 # ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه ءاية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدى إليه من أناب (27) الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب (28) الذين ءامنوا وعملوا الصلحت طوبى لهم وحسن مئاب ~~(29) كذلك أرسلنك فى أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذى أوحينا ~~إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ~~(30) ولو أن ms4311 قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل ~~لله الأمر جميعا أفلم يايئس الذين ءامنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ~~ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى ~~يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك ~~فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس ~~بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم فى الأرض أم ~~بظهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما ~~له من هاد (33) لهم عذاب فى الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة أشق وما لهم من ~~الله من واق (34) مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهر أكلها ~~دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكفرين النار (35) ### |||| AUTO بيان # عود ثان إلى قول الكفار: "لو لا أنزل عليه آية من ربه" نراها فنهتدي بها ~~ونعدل بذلك عن الشرك إلى الإيمان ويجيب تعالى عنه بأن الهدى والضلال ليس ~~شيء منهما إلى ما ينزل من آية بل إن ذلك إليه تعالى يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء وقد جرت السنة الإلهية على هداية من أناب إليه وكان له قلب يطمئن إلى ~~ذكره وأولئك لهم حسن المآب وعقبى الدار. # وإضلال من كفر بآياته الواضحة وأولئك لهم عذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أشق وما لهم من دون الله من واق. # وأن الله أنزل عليهم آية معجزة مثل القرآن لو أمكنت هداية أحد من غير ~~مشية الله لكانت به لكن الأمر إلى الله وهو سبحانه لا يريد هداية من كتب ~~عليهم الضلال من أهل الكفر والمكر ومن يضلل الله فما له من هاد. # قوله تعالى: "ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله ~~يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب" عود إلى قول الكفار "لو لا أنزل عليه آية ~~من ربه" وإنما أرادوا ms4312 به أنه لو أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~آية من ربه لاهتدوا به واستجابوا له وهم لا يعدون القرآن النازل إليه آية. # والدليل على إرادتهم هذا المعنى قوله بعده: "قل إن الله يضل من يشاء" إلخ ~~وقوله بعد: "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال - إلى قوله - بل لله الأمر جميعا" ~~وقوله بعد: "وصدوا عن السبيل" إلى آخر الآية. # فأجاب تعالى عن قولهم بقوله آمرا نبيه أن يلقيه إليهم: "قل إن الله يضل ~~من يشاء ويهدي إليه من أناب" فأفاد أن الأمر ليس إلى الآية حتى يهتدوا ~~بنزولها ويضلوا بعدم نزولها بل أمر الإضلال والهداية إلى الله سبحانه يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء. # ولما لم يؤمن أن يتوهموا منه أن الأمر يدور مدار مشية جزافية غير منتظمة ~~أشار إلى دفعه بتبديل قولنا: ويهدي إليه من يشاء من قوله: "ويهدي إليه من ~~أناب" فبين أن الأمر إلى مشية الله تعالى جارية على سنة دائمة ونظام متقن ~~مستمر وذلك أنه تعالى يشاء هداية من أناب ورجع إليه ويضل من أعرض ولم ينب ~~فمن تلبس بصفة الإنابة والرجوع إلى الحق ولم يتقيد بأغلال الأهواء هداه ~~الله بهذه الدعوة الحقة ومن كان دون ذلك ضل عن الطريق وإن كان مستقيما ولم ~~تنفعه الآيات وإن كانت معجزة وما تغن الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. PageV11P187 # ومن هنا يظهر أن قوله: "إن الله يضل" إلخ، على تقدير: أن الله يضل بمشيته ~~من لم ينب إليه ويهدي إليه بمشيته من أناب إليه. # ويظهر أيضا أن الضمير "إليه" في "يهدي إليه" راجع إليه تعالى وأن ما ذكره ~~بعضهم أنه راجع إلى القرآن. # وآخرون أنه راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير وجيه. # قوله تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب" الاطمئنان السكون والاستقرار والاطمئنان إلى الشيء السكون إليه. # وظاهر السياق أن صدر الآية بيان لقوله في ذيل الآية السابقة: "من أناب" ~~فالإيمان واطمئنان القلب بذكر الله هو الإنابة، ms4313 وذلك من العبد تهيؤ ~~واستعداد يستعقب عطية الهداية الإلهية كما أن الفسق والزيغ في باب الضلال ~~تهيؤ واستعداد يستعقب الإضلال من الله كما قال: "وما يضل به إلا الفاسقين": ~~البقرة: 26 وقال: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين": الصف: 5. # وليس الإيمان بالله تعالى مثلا مجرد إدراك أنه حق فإن مجرد الإدراك ربما ~~يجامع الاستكبار والجحود كما قال تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": ~~النمل: 14 مع أن الإيمان لا يجامع الجحود فليس الإيمان بشيء مجرد إدراك أنه ~~حق مثلا بل مطاوعة وقبول خاص من النفس بالنسبة إلى ما أدركته يوجب تسليمها ~~له ولما يقتضيه من الآثار وآيته مطاوعة سائر القوى والجوارح وقبولها له كما ~~طاوعته النفس وقبلته فترى المعتاد ببعض الأعمال المذمومة ربما يدرك وجه ~~القبح أو المساءة فيه غير أنه لا يكف عنه لأن نفسه لا تؤمن به ولا تستسلم ~~له وربما طاوعته وسلمت له بعد ما أدركته وكفت عنه عند ذلك بلا مهل وهو ~~الإيمان. # وهذا هو الذي يظهر من قوله تعالى: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء: ~~الأنعام: 125 فالهداية من الله سبحانه تستدعي من قلب العبد أو صدره ~~وبالأخرة من نفسه أمرا نسبته إليها نسبة القبول والمطاوعة إلى الأمر ~~المقبول المطاوع، وقد عبر عنه في آية الأنعام بشرح الصدر وتوسعته، وفي ~~الآية المبحوث عنها بالإيمان واطمئنان القلب وهو أن يرى الإنسان نفسه في ~~أمن من قبوله ومطاوعته ويسكن قلبه إليه ويستقر هو في قلبه من غير أن يضطرب ~~منه أو ينقلع عنه. # ومن ذلك يظهر أن قوله: "وتطمئن قلوبهم بذكر الله" عطف تفسيري على قوله: ~~"آمنوا" فالإيمان بالله يلازم اطمئنان القلب بذكر الله تعالى. # ولا ينافي ذلك ما في قوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم": الأنفال: 2 فإن الوجل المذكور فيه حالة قلبية متقدمة على ~~الاطمئنان المذكور في الآية المبحوث عنها كما يرشد إليه قوله ms4314 تعالى: "الله ~~نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء": الزمر: ~~23 وذلك أن النعمة هي النازلة من عنده سبحانه وأما النقمة أيا ما كانت فهي ~~بالحقيقة إمساك منه عن إفاضة النعمة وإنزال الرحمة وليست فعلا ثبوتيا صادرا ~~منه تعالى على ما يفيده قوله:، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده": فاطر: 2. # وإذا كان الخوف والخشية إنما هو من شر متوقع ولا شر عنده سبحانه فحقيقة ~~الخوف من الله هي خوف الإنسان من أعماله السيئة التي توجب إمساك الرحمة ~~وانقطاع الخير المفاض من عنده، والنفس الإنسانية إذا قرعت بذكر الله سبحانه ~~التفتت أولا إلى ما أحاطت به من سمات القصور والتقصير فأخذتها القشعريرة في ~~الجلد والوجل في القلب ثم التفتت ثانيا إلى ربه الذي هو غاية طلبة فطرته ~~فسكنت إليه واطمأنت بذكره. # وقال في مجمع البيان،: وقد وصف الله المؤمن هاهنا بأنه يطمئن قلبه إلى ~~ذكر الله، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه لأن المراد بالأول ~~أنه يذكر ثوابه وإنعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن ~~إليه، وبالثاني أنه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه. PageV11P188 # انتهى، وهذا الوجه أوفق بتفسير من فسر الذكر في الآية بالقرآن الكريم وقد ~~سماه الله تعالى ذكرا في مواضع كثيرة من كلامه كقوله: "وهذا ذكر مبارك": ~~الأنبياء: 50 وقوله: "إنا نحن نزلنا الذكر": الحجر: 9 وغير ذلك. # لكن الظاهر أن يكون المراد بالذكر أعم من الذكر اللفظي وأعني به مطلق ~~انتقال الذهن والخطور بالبال سواء كان بمشاهدة آية أو العثور على حجة أو ~~استماع كلمة، ومن الشاهد عليه قوله بعده: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" ~~فإنه كضرب القاعدة يشمل كل ذكر سواء كان لفظيا أو غيره، وسواء كان قرآنا أو غيره. # وقوله: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" فيه تنبيه للناس أن ms4315 يتوجهوا إليه ~~ويريحوا قلوبهم بذكره فإنه لا هم للإنسان في حياته إلا الفوز بالسعادة ~~والنعمة ولا خوف له إلا من أن تغتاله الشقوة والنقمة والله سبحانه هو السبب ~~الوحيد الذي بيده زمام الخير وإليه يرجع الأمر كله، وهو القاهر فوق عباده ~~والفعال لما يريد وهو ولي عباده المؤمنين به اللاجئين إليه فذكره للنفس ~~الأسيرة بيد الحوادث الطالبة لركن شديد يضمن له السعادة، المتحيرة في أمرها ~~وهي لا تعلم أين تريد ولا أنى يراد بها؟ كوصف الترياق للسليم تنبسط به روحه ~~وتستريح معه نفسه، والركون إليه والاعتماد عليه والاتصال به كتناول ذاك ~~السليم لذلك الترياق وهو يجد من نفسه نشاط الصحة والعافية آنا بعد آن. # فكل قلب - على ما يفيده الجمع المحلى باللام من العموم - يطمئن بذكر الله ~~ويسكن به ما فيه من القلق والاضطراب نعم إنما ذلك في القلب الذي يستحق أن ~~يسمى قلبا وهو القلب الباقي على بصيرته ورشده، وأما المنحرف عن أصله الذي ~~لا يبصر ولا يفقه فهو مصروف عن الذكر محروم عن الطمأنينة والسكون قال ~~تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور": الحج: ~~46، وقال: "لهم قلوب لا يفقهون بها": الأعراف: 179 وقال: "نسوا الله ~~فنسيهم": التوبة: 67. # وفي لفظ الآية ما يدل على الحصر حيث قدم متعلق الفعل أعني قوله: "بذكر ~~الله" عليه فيفيد أن القلوب لا تطمئن بشيء غير ذكر الله سبحانه، وما قدمناه ~~من الإيضاح ينور هذا الحصر إذ لا هم لقلب الإنسان وهو نفسه المدركة إلا نيل ~~سعادته والأمن من شقائه وهو في ذلك متعلق بذيل الأسباب، وما من سبب إلا وهو ~~غالب في جهة ومغلوب من أخرى إلا الله سبحانه فهو الغالب غير المغلوب الغني ~~ذو الرحمة فبذكره أي به سبحانه وحده تطمئن القلوب ولا يطمئن القلب إلى شيء ~~غيره إلا غفلة عن حقيقة حاله ولو ذكر بها أخذته الرعدة والقلق. # ومما قيل في الآية الكريمة أعني قوله: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله" إلخ إنها استئناف، وقوله: "الذين آمنوا" ms4316 مبتدأ خبره قوله في الآية ~~التالية: "طوبى لهم وحسن مآب" وقوله: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" بدل من ~~المبتدإ وقوله: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" اعتراض بين المبتدإ وخبره، ~~وهو تكلف بعيد من السياق. # قوله تعالى: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب" طوبى على ~~وزن فعلى بضم الفاء مؤنث أطيب فهي صفة لمحذوف وهو على ما يستفاد من السياق ~~- الحياة أو المعيشة وذلك أن النعمة كائنة ما كانت إنما تغتبط وتهنأ إذا ~~طابت للإنسان ولا تطيب إلا إذا اطمأن القلب إليه وسكن ولم يضطرب ولا يوجد ~~ذلك إلا لمن آمن بالله وعمل عملا صالحا فهو الذي يطمئن منه القلب ويطيب له ~~العيش فإنه في أمن من الشر والخسران وسلام مما يستقبله ويدركه وقد أوى إلى ~~ركن لا ينهدم واستقر في ولاية الله لا يوجه إليه ربه إلا ما فيه سعادته إن ~~أعطى شيئا فهو خير له وإن منع فهو خير له. # وقد قال في وصف طيب هذه الحياة: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون": النحل: 97 ~~وقال في صفة من لم يرزق اطمئنان القلب بذكر الله: "ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى": طه: 124، ولعل وصف الحياة أو المعيشة ~~في الآية التي نحن فيها بزيادة الطيب تلميحا إلى أنها نعمة لا تخلو من طيب ~~على أي حال إلا أنها فيمن اطمأن قلبه بذكر الله أكثر طيبا لخلوصها من شوائب ~~المنغصات. PageV11P189 # فقوله: "طوبى لهم" في تقدير لهم حياة أو معيشة طوبى، فطوبى مبتدأ و"لهم" ~~خبره وإنما قدم المبتدأ المنكر على الظرف لأن الكلام واقع موقع التهنئة وفي ~~مثله يقدم ما به التهنئة استعجالا بذكر ما يسر السامع ذكره نظير قولهم في ~~البشارة: بشرى لك. # وبالجملة في الآية تهنئة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله اطمئنانا مستمرا - بأطيب الحياة أو العيش وحسن ~~المرجع، وبذلك يظهر اتصالها بما قبلها فإن ms4317 طيب العيش من آثار اطمئنان القلب ~~كما تقدم. # وقال في مجمع البيان،: "طوبى لهم" وفيه أقوال: أحدها: أن معناه فرح لهم ~~وقرة عين. # عن ابن عباس. # والثاني: غبطة لهم. # عن الضحاك. # والثالث: خير لهم وكرامة. # عن إبراهيم النخعي. # والرابع: الجنة لهم. # عن مجاهد. # والخامس: معناه العيش المطيب لهم. # عن الزجاج، والحال المستطابة لهم، عن ابن الأنباري لأنه فعلى من الطيب، ~~وقيل: أطيب الأشياء لهم وهو الجنة. # عن الجبائي. # والسادس: هنيئا يطيب العيش لهم. # والسابع: حسنى لهم. # عن قتادة. # والثامن: نعم ما لهم. # عن عكرمة. # التاسع: طوبى لهم دوام الخير لهم. # العاشر: أن طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وفي دار كل مؤمن منها غصن عن عبيد بن عمير ووهب وأبي هريرة وشهر بن ~~حوشب وروي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. # انتهى موضع الحاجة. # وأكثر هذه المعاني من باب الانطباق وهي خارجة عن دلالة اللفظ. # قوله تعالى: "كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم" إلى آخر الآية ~~متاب مصدر ميمي للتوبة وهي الرجوع، والإشارة بقوله: "كذلك" إلى ما ذكره ~~تعالى من سنته الجارية من دعوة الأمم إلى دين التوحيد ثم إضلال من يشاء ~~وهداية من يشاء على وفق نظام الرجوع إلى الله والإيمان به وسكون القلب ~~بذكره وعدم الرجوع إليه. # والمعنى: وأرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم إرسالا يماثل هذه السنة ~~الجارية ويجري في أمره على وفق هذا النظام لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ~~وتبلغهم ما يتضمنه هذا الكتاب وهم يكفرون، بالرحمن وإنما قيل بالرحمن، دون ~~أن يقال: "بنا" على ما يقتضيه ظاهر السياق إيماء إلى أنهم في ردهم هذا ~~الوحي الذي يتلوه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم وهو القرآن وعدم ~~اعتنائهم بأمره حيث يقولون مع نزوله: "لو لا أنزل عليه آية من ربه" يكفرون ~~برحمة إلهية عامة تضمن لهم سعادة دنياهم وأخراهم لو أخذوه وعملوا به. # ثم أمر تعالى: أن يصرح لهم القول في التوحيد فقال: "قل ms4318 هو ربي لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وإليه متاب" أي هو وحده ربي من غير شريك كما تقولون ولربوبية ~~لي وحده أتخذه القائم على جميع أموري وبها، وأرجع إليه في حوائجي وبذلك ~~يظهر أن قوله: "عليه توكلت وإليه متاب" من آثار الربوبية المتفرعة عليها ~~فإن الرب هو المالك المدبر فمحصل المعنى هو وكيلي وإليه أرجع. # وقيل: إن المراد بالمتاب هو التوبة من الذنوب لما في المعنى الأول من ~~لزوم كون "إليه متاب" تأكيدا لقوله: "عليه توكلت" وهو خلاف ظاهر. # وفيه منع رجوعه إلى التأكيد ثم منع كونه خلاف الظاهر وهو ظاهر. # وذكر بعضهم: أن المعنى إليه متابي ومتابكم. # وفيه أنه مستلزم لحذف وتقدير لا دليل عليه ومجرد كون مرجعهم إليه في ~~الواقع لا يوجب التقدير من غير أن يكون في الكلام ما يوجب ذلك. # قوله تعالى: "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى بل لله الأمر جميعا" المراد بتسيير الجبال قلعها من أصولها وإذهابها ~~من مكان إلى مكان وبتقطيع الأرض شقها وجعلها قطعة قطعة، وبتكليم الموتى ~~إحياؤهم لاستخبارهم عما جرى عليهم بعد الموت ليستدل على حقية الدار الآخرة ~~فإن هذا هو الذي كانوا يقترحونه. # فهذه أمور عظيمة خارقة للعادة فرضت آثارا لقرآن فرضه الله سبحانه بقوله: ~~"ولو أن قرآنا" إلخ، وجزاء لو محذوف لدلالة الكلام عليه فإن الكلام معقب ~~بقوله: "بل لله الأمر جميعا" والآيات - كما عرفت - مسوقة لبيان أن أمر ~~الهداية ليس براجع إلى الآية التي يقترحونها بقولهم: "لو لا أنزل عليه آية" ~~بل الأمر إلى الله يضل من يشاء كما أضلهم ويهدي إليه من أناب. PageV11P190 # وعلى هذا يجري سياق الآيات كقوله تعالى بعد: "بل زين للذين كفروا مكرهم ~~وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد"، وقوله: "وكذلك أنزلناه حكما ~~عربيا ولئن اتبعت أهواءهم" الآية، وقوله: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله" الآية إلى غير ذلك، وعلى مثله جرى سياق الآيات السابقة. # فجزاء لو المحذوف ms4319 هو نحو من قولنا: ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء ~~الله والمعنى ولو فرض أن قرآنا من شأنه أنه تسير به الجبال أو تقطع به ~~الأرض أو يحيا به الموتى فتكلم ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله ~~بل الأمر كله لله ليس شيء منه لغيره حتى يتوهم متوهم أنه لو أنزلت آية ~~عظيمة هائلة مدهشة أمكنها أن تهديهم لا بل الأمر لله جميعا والهداية راجعة ~~إلى مشيته. # وعلى هذا فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى: "ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله": الأنعام: 111. # وما قيل: إن جزاء لو المحذوف نحو من قولنا: لكان ذلك هذا القرآن، والمراد ~~بيان عظم شأن القرآن وبلوغه الغاية القصوى في قوة البيان ونفوذ الأمر ~~وجهالة الكفار حيث أعرضوا عنه واقترحوا آية غيره. # والمعنى: أن القرآن في رفعة القدر وعظمة الشأن بحيث لو فرض أن قرآنا سيرت ~~به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى - أو في الموضعين لمنع الخلو ~~لا لمنع الجمع - لكان ذلك هذا القرآن لكن الله لم ينزل قرآنا كذلك فالآية ~~بوجه نظيرة قوله: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله": الحشر: 21. # وفيه أن سياق الآيات كما عرفت لا يساعد على هذا التقدير ولا يلائمه قوله ~~بعده: "بل لله الأمر جميعا" وكذا قوله بعده: "أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو ~~يشاء الله لهدى الناس جميعا" كما سنشير إليه إن شاء الله ولذلك تكلفوا في ~~قوله: "بل لله الأمر جميعا" بما لا يخلو عن تكلف. # فقيل: إن المعنى لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هو هذا القرآن ولكن لم يفعل ~~الله سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده. # وقيل: إن حاصل الإضراب أنه لا تكون هذه الأمور العظيمة الخارقة بقرآن بل ~~تكون بغيره مما أراده الله فإن جميع الأمر له تعالى وحده. ms4320 # وقيل: إن الأحسن أن يكون قوله: "بل لله الأمر جميعا. # معطوفا على محذوف والتقدير: ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعا. # وأنت ترى أن السياق لا يساعد على شيء من هذه المعاني، وأن حق المعنى الذي ~~يساعد عليه السياق أن يكون إضرابا عن نفس الشرطية السابقة على تقدير الجزاء ~~نحوا من قولنا: لم يكن لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله. # قوله تعالى: "أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا" ~~تفريع على سابقه. # ذكر بعضهم أن اليأس بمعنى العلم وهي لغة هوازن وقيل لغة حي من النخع ~~وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني. # ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم. # وقول رباح بن عدي: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه. # وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا. # ومحصل التفريع على هذا أنه إذا كانت الأسباب لا تملك من هدايتهم شيئا حتى ~~قرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى وأن الأمر لله ~~جميعا فمن الواجب أن يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ هداية الذين كفروا لو ~~يشاء الله لهدى الناس جميعا الذين آمنوا والذين كفروا لكنه لم يهد الذين ~~كفروا فلم يهتدوا ولن يهتدوا. # وذكر بعضهم أن اليأس بمعناه المعروف وهو القنوط غير أن قوله: "أفلم ييأس" ~~مضمن معنى العلم والمراد بيان لزوم علمهم بأن الله لم يشأ هدايتهم ولو شاء ~~ذلك لهدى الناس جميعا ولزوم قنوطهم عن اهتدائهم وإيمانهم. # فتقدير الكلام بحسب الحقيقة: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ ~~هدايتهم ولو يشاء لهدى الناس جميعا أولم ييأسوا من اهتدائهم وإيمانهم؟ ثم ~~ضمن اليأس معنى العلم ونسب إليه من متعلق العلم الجملة الشرطية فقط أعني ~~قوله: "لو يشاء الله لهدى الناس جميعا" إيجازا وإيثارا للاختصار. PageV11P191 # وذكر بعضهم: أن قوله "أفلم ييأس" على ظاهر معناه من غير تضمين وقوله: "أن ~~لو يشاء الله" إلخ، متعلق بقوله: "آمنوا" بتقدير الباء ومتعلق "ييأس" محذوف ms4321 ~~وتقدير الكلام أفلم ييأس الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من ~~إيمانهم وذلك أن الذين آمنوا يرون أن الأمر لله جميعا ويؤمنون بأنه تعالى ~~لو يشاء لهدى الناس جميعا ولو لم يشأ لم يهد فإذ لم يهد ولم يؤمنوا ~~فليعلموا أنه لم يشأ وليس في مقدره سبب من الأسباب أن يهديهم ويوفقهم ~~للإيمان فلييأسوا من إيمانهم. # وهذه وجوه ثلاثة لعل أعدلها أوسطها والآية على أي حال لا تخلو من إشارة ~~إلى أن المؤمنين كانوا يودون أن يؤمن الكفار ولعلهم لمودتهم ذلك لما سمعوا ~~قول الكفار: "لو لا أنزل عليه آية من ربه" طمعوا في إيمانهم ورجوا منهم ~~الاهتداء إن أنزل الله عليهم آية أخرى غير القرآن فسألوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يجيبهم على ذلك فأيأسهم الله من إيمانهم في هذه الآيات، ~~وفي آيات أخرى من كلامه مكية ومدنية كقوله في سورة يس وهي مكية: "وسواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": آية 10، وقوله في سورة البقرة وهي ~~مدنية: "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": آية 6. # قوله تعالى: "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا ~~من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد" سياق الآيات يشهد أن ~~المراد بقوله: "بما صنعوا" كفرهم بالرحمن قبال الدعوة الحقة، والقارعة هي ~~المصيبة تقرع الإنسان قرعا كأنها تؤذنه بأشد من نفسها وفي الآية تهديد ~~ووعيد قطعي للذين كفروا بعذاب غير مردود وذكر علائم وأشراط له تقرعهم مرة ~~بعد مرة حتى يأتيهم العذاب الموعود. # والمعنى: ولا يزال هؤلاء الذين كفروا بدعوتك الحقة تصيبهم بما صنعوا من ~~الكفر بالرحمن مصيبة قارعة أو تحل تلك المصيبة القارعة قريبا من دارهم فلا ~~يزالون كذلك حتى يأتي ما وعدهم الله من العذاب لأن الله لا يخلف ميعاده ولا ~~يبدل قوله. # والتأمل في كون السورة مكية على ما يشهد به مضامين آياتها ثم في الحوادث ~~الواقعة بعد البعثة وقبل الهجرة وبعدها إلى ms4322 فتح مكة يعطي أن المراد بالذين ~~كفروا هم كفار العرب من أهل مكة وغيرهم الذين ردوا أول الدعوة وبالغوا في ~~الجحود والعناد وألحوا على الفتنة والفساد. # والمراد بالذين تصيبهم القارعة من كان في خارج الحرم منهم تصيبهم قوارع ~~الحروب وشن الغارات، وبالذين تحل القارعة قريبا من دارهم أهل الحرم من قريش ~~تقع حوادث السوء قريبا من دارهم فتصيبهم معرتها وتنالهم وحشتها وهمها وسائر ~~آثارها السيئة، والمراد بما وعدهم عذاب السيف الذي أخذهم في غزوة بدر ~~وغيرها. # واعلم أن هذا العذاب الموعود للذين كفروا في هذه الآيات غير العذاب ~~الموعود المتقدم في سورة يونس في قوله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون - إلى قوله ثانيا - وقضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47 - 54 فإن الذي في سورة يونس وعيد عام ~~للأمة، والذي في هذه الآيات وعيد خاص بالذين كفروا في أول الدعوة النبوية ~~من قريش وغيرهم، وقد تقدم في قوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6 في الجزء الأول من الكتاب أن المراد ~~بقوله: "الذين كفروا" في القرآن إذا أطلق إطلاقا المعاندون من مشركي العرب ~~في أول الدعوة كما أن المراد بالذين آمنوا إذا أطلق كذلك السابقون إلى ~~الإيمان في أول الدعوة. # واعلم أيضا أن للمفسرين في الآية أقوالا شتى تركنا إيرادها إذ لا طائل ~~تحت أكثرها وفيما ذكرناه من الوجه كفاية للباحث المتدبر، وسيوافيك بعضها في ~~البحث الروائي التالي إن شاء الله. # قوله تعالى: "ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم ~~فكيف كان عقاب" تأكيد لما في الآية السابقة من الوعيد القطعي ببيان نظائر ~~له تدل على إمكان وقوعه أي لا يتوهمن متوهم أن هذا الذي نهددهم به وعيد خال ~~لا دليل على وقوعه كما قالوا: "لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا ~~إلا أساطير الأولين": النمل: 68. PageV11P192 # وذلك أنه قد استهزىء برسل من قبلك بالكفر وطلب الآيات كما كفر هؤلاء ms4323 بدعوتك ~~ثم اقترحوا عليك آية مع وجود آية القرآن فأمليت وأمهلت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم بالعذاب فكيف كان عقابي؟ أكان وعيدا خاليا لا شيء وراءه؟ أم كان ~~أمرا يمكنهم أن يتقوه أو يدفعوه أو يتحملوه؟ فإذا كان ذلك قد وقع بهم ~~فليحذر هؤلاء وفعالهم كفعالهم أن يقع مثله بهم. # ومن ذلك يظهر أن قولهم: إن الآية تسلية وتعزية للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في غير محله. # وقد بدل الاستهزاء في الآية ثانيا من الكفر إذ قيل: "للذين كفروا" ولم ~~يقل بالذين استهزءوا للدلالة على أن استهزاءهم كان استهزاء كفر كما أن ~~كفرهم كان كفر استهزاء فهم الكافرون المستهزءون بآيات الله كالذين كفروا ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا مستهزئين بالقرآن وهو آية: لو لا ~~أنزل عليه آية من ربه. # قوله تعالى: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء" القائم ~~على شيء هو المهيمن المتسلط عليه والقائم بشيء من الأمر هو الذي يدبره نوعا ~~من التدبير والله سبحانه هو القائم على كل نفس بما كسبت أما قيامه عليها ~~فلأنه محيط بذاتها قاهر عليها شاهد لها، وأما قيامه بما كسبت فلأنه يدبر ~~أمر أعمالها فيحولها من مرتبة الحركة والسكون إلى أعمال محفوظة عليها في ~~صحائف الأعمال ثم يحولها إلى المثوبات والعقوبات في الدنيا والآخرة من قرب ~~وبعد وهدى وضلال ونعمة ونقمة وجنة ونار. # والآية متفرعة على ما تقدمها أي إذا كان الله سبحانه يهدي من يشاء ~~فيجازيه بأحسن الثواب ويضل من يشاء فيجازيه بأشد العقاب وله الأمر جميعا ~~فهو قائم على كل نفس بما كسبت ومهيمن مدبر لنظام الأعمال فهل يعدله غيره ~~حتى يشاركه في ألوهيته؟. # ومن ذلك يظهر أن الخبر في قوله: "أفمن هو قائم" إلخ، محذوف يدل عليه ~~قوله: "وجعلوا لله شركاء" ومن سخيف القول ما نسب إلى الضحاك أن المراد ~~بقوله: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت" الملائكة لكونهم موكلين على ~~الأعمال والمعنى أفيكون الملائكة الموكلون على الأعمال بأمره شركاء له ms4324 ~~سبحانه؟ وهو معنى بعيد من السياق غايته. # قوله تعالى: "قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من ~~القول" لما ذكر سبحانه قوله: "وجعلوا لله شركاء" عاد إليهم ببيان يبطل به ~~قولهم ذلك مأخوذ من البيان السابق بوجه. # فأمر نبيه بأن يحاجهم بنوع من الحجاج عجيب في بابه فقال: "قل سموهم" أي ~~صفوهم فإن صفات الأشياء هي التي تتعين بها شئونها وآثارها فلو كانت هذه ~~الأصنام شركاء لله شفعاء عنده وجب أن يكون لها من الصفات ما يسوي لها ~~الطريق لهذا الشأن كما يقال فيه تعالى إنه حي عليم قدير خالق مالك مدبر فهو ~~رب كل شيء لكن الأصنام إذا ذكرت فقيل: هبل أو اللات أو العزى لم يوجد لها ~~من الصفات ما يظهر به أنها شريكة لله شفيعة عنده. # ثم قال: "أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض" وأم منقطعة أي بل أتنبئونه ~~بكذا والمعنى أن اتخاذكم الأصنام شركاء له إنباء له في الحقيقة بما لا يعلم ~~فلو كان له شريك في الأرض لعلم به لأن الشريك في التدبير يمتنع أن يخفى ~~تأثيره في التدبير على شريكه والله سبحانه يدبر الأمر كله ولا يرى لغيره ~~أثرا في ذلك لا موافقا ولا مخالفا، والدليل على أنه لا يرى لنفسه شريكا في ~~الأمر أنه تعالى هو القائم على كل نفس بما كسبت، وبعبارة أخرى أن له الخلق ~~والأمر وهو على كل شيء شهيد بالبرهان الذي لا سبيل للشك إليه، والآية ~~بالجملة كقوله في موضع آخر: "قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا ~~في الأرض": يونس: 18. # ثم قال: "أم بظاهر من القول" أي بل أتنبئونه بأن له شركاء بظاهر من القول ~~من غير حقيقة وهذا كقوله: "إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": النجم: 23. # وعن بعضهم أن المراد بظاهر من القول ظاهر كتاب نازل من الله تسمى فيه ~~الأصنام آلهة حقة وحاصل الآية نفي الدليل العقلي والسمعي معا على ألوهيتها ~~وكونها شركاء لله سبحانه وهو بعيد من ms4325 اللفظ. PageV11P193 # ووجه الارتباط بين هذه الحجج الثلاث أنهم في عبادتهم الأصنام وجعلهم لله ~~شركاء مترددون بين محاذير ثلاثة إما أن يقولوا بشركتها من غير حجة إذ ليس ~~لها من الأوصاف ما يعلم به أنها شركاء لله، وإما أن يدعوا أن لها أوصافا ~~كذلك هم يعلمونها ولا يعلم بها الله سبحانه، وإما أن يكونوا متظاهرين ~~بالقول بشركتها من غير حقيقة وهم يغرون الله بذلك تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # قال الزمخشري في الكشاف،: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها ~~مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف على نفسه ~~انتهى كلامه. # قوله تعالى: "بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله ~~فما له من هاد" إضراب عن الحجج المذكورة ولوازمها والمعنى دع هذه الحجج ~~فإنهم لا يجعلون له شركاء لشيء من هذه الوجوه بل مكر زينه لهم الشيطان ~~وصدهم بذلك عن سبيل الله تعالى وذلك أنهم على علم بأنه لا حجة على شركتها ~~وأن مجرد الدعوى لا ينفعهم لكنهم يريدون بترويج القول بألوهيتها وتوجيه ~~قلوب العامة إليها عرض الدنيا وزينتها، ودعوتك إلى سبيل الله مانعة دون ذلك ~~فهم في تصلبهم في عبادتها ودعوة الناس إليها والحث على الأخذ بها يمكرون بك ~~من وجه وبالناس من وجه آخر وقد زين لهم هذا المكر وهو السبب في جعلهم إياها ~~شركاء لا غير ذلك من حجة أو غيرها وصدوا بذلك عن السبيل. # فهم زين لهم المكر وصدوا به عن السبيل والذي زين لهم وصدهم هو الشيطان ~~بإغوائهم، وأضلوا والذي أضلهم هو الله سبحانه بإمساك نعمة الهدى منهم ومن ~~يضلل الله فما له من هاد. # قوله تعالى: "لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من ~~الله من واق" أشق أفعل من المشقة وواق اسم فاعل من الوقاية بمعنى الحفظ. # وفي الآية إيجاز القول فيما وعد الله الذين كفروا من العذاب في الآيات ~~السابقة، وفي قوله: "وما لهم من الله من واق" نفي ms4326 الشفاعة وتأثيرها في حقهم ~~أصلا، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "مثل الجنة التي وعد المتقون أكلها دائم وظلها تلك عقبى ~~الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار" المثل هو الوصف يمثل الشيء. # وفي قوله: "مثل الجنة" إلخ بيان ما خص الله به المتقين من الوعد الجميل ~~مقابلة لما أوعد به الذين كفروا وليكون تمهيدا لما يختم به القول من ~~الإشارة إلى محصل سعي الفريقين في مسيرهم إلى ربهم ورجوعهم إليه وقد قابل ~~الذين كفروا بالمتقين إشارة إلى أن الذين ينالون هذه العاقبة الحسنى هم ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون المؤمنين من غير عمل صالح فإنهم مؤمنون ~~بالله كافرون بآياته. # ومن لطيف الإشارة في الكلام المقابلة بين المؤمنين والمشركين أولا بتعبير ~~"المتقون والذين كفروا" وأخيرا بقوله "الذين اتقوا والكافرون" ولعل فيه ~~تلويحا إلى أن الفعل الماضي والصفة هاهنا واحد مدلولا ومجموع أعمالهم في ~~الدنيا مأخوذ عملا واحدا، ولازم ذلك أن يكون تحقق العمل وصدور الفعل مرة ~~واحدة عين اتصافهم به مستمرا، ويفيد حينئذ قولنا: "الكافرون والمتقون" ~~الدالان على ثبوت الاتصاف وقولنا: "الذين كفروا والذين اتقوا" الدالان على ~~تحقق ما للفعل مفادا واحدا، وهو قصر الموصوف على صفته، وأما من تبدل عليه ~~العمل كأن تحقق منه كفر أو تقوى ثم تبدل بغيره ولم يختتم له العمل بعد فهو ~~خارج عن مساق الكلام فافهم ذلك. # واعلم أن في الآيات السابقة وجوها مختلفة من الالتفات كقوله: "كذلك ~~أرسلناك" ثم قوله: "بل لله الأمر" ثم قوله: "فأمليت للذين كفروا" ثم قوله ~~"وجعلوا لله شركاء" والوجه فيه غير خفي فالتعبير بمثل "أرسلناك" للدلالة ~~على أن هناك وسائط كملائكة الوحي مثلا. # والتعبير بمثل "بل لله الأمر جميعا" للدلالة على رجوع كل أمر ذي وسط أو ~~غير ذي وسط إلى مقام الألوهية القيوم على كل شيء، والتعبير بمثل "فأمليت ~~للذين كفروا ثم أخذتهم" للدلالة على أنه لا واسطة في الحقيقة يكون شريكا أو ~~شفيعا كما يدعيه المشركون. PageV11P194 # ثم قوله تعالى: "تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار" إشارة إلى ~~خاتمة ms4327 أمر الفريقين وعقباهما كما تقدم - وبه يختتم البحث في المؤمنين ~~والمشركين من حيث آثار الحق والباطل في عقيدتهما وأعمالهما، فقد عرفت أن ~~هذه الآيات التسع التي نحن فيها من تمام الآيات العشر السابقة المبتدئة ~~بقوله: "أنزل من السماء ماء" الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن خالد بن نجيح عن جعفر بن محمد (عليهما السلام): في ~~قوله: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" فقال بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تطمئن القلوب وهو ذكر الله وحجابه. # أقول: وفي كلامه تعالى: "قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا". # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لأصحابه حين نزلت هذه الآية: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" ~~أتدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: من أحب الله ورسوله ~~وأحب أصحابي. # وفي تفسير العياشي، عن ابن عباس: أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله - ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب" ثم قال لي: أتدري يا بن أم سليم من هم؟ قلت: من هم يا رسول الله؟ ~~قال: نحن أهل البيت وشيعتنا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لما نزلت هذه الآية "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" قال: ذاك من ~~أحب الله ورسوله وأحب أهل بيتي صادقا غير كاذب وأحب المؤمنين شاهدا وغائبا ~~ألا بذكر الله يتحابون. # أقول: والروايات جميعا من باب الانطباق والجري فإن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والطاهرون من أهل بيته والخيار من الصحابة والمؤمنين من مصاديق ~~ذكر الله لأن الله يذكر بهم، والآية الكريمة أعم دلالة. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام): في حديث الإسراء بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: فإذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها سبعمائة سنة وليس في الجنة ~~منزل إلا ms4328 وفيه غصن منها فقلت: ما هذه يا جبرئيل؟ فقال: هذه شجرة طوبى قال ~~الله تعالى: "طوبى لهم وحسن مآب". # أقول: وهذا المعنى مروي في روايات كثيرة وفي عدة منها: أن جبرئيل ناولني ~~منها ثمرة فأكلتها فحول الله ذلك إلى ظهري فلما أن هبطت إلى الأرض واقعت ~~خديجة فحملت بفاطمة فما قبلت فاطمة إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها. # وفي كتاب الخرائج، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا فاطمة ~~إن بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي أن الله عز وجل زوج عليا بفاطمة ~~وأمر رضوان خازن الجنة فهز شجرة طوبى فحملت رقاعا بعدد محبي أهل بيتي فأنشأ ~~ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك خطا فإذا استوت القيامة بأهلها فلا تلقى ~~الملائكة محبا لنا إلا دفعت إليه صكا فيه براءة من النار:. أقول: وفي تفسير ~~البرهان، عن المرفق بن أحمد في كتاب المناقب بإسناده عن بلال بن حمامة عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مثله وروي هذا المعنى أيضا عن أم سلمة ~~وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب: وفيها أن الله لما أن أشهد على تزوج ~~فاطمة من علي بن أبي طالب ملائكته أمر شجرة طوبى أن ينثر حملها وما فيها من ~~الحلي والحلل فنثرت الشجرة ما فيها والتقطته الملائكة والحور العين ~~لتهادينه وتفتخرن به إلى يوم القيامة وروي أيضا ما يقرب منه عن الرضا (عليه ~~السلام). # وفي المجمع، روى الثعلبي بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ~~طوبى شجرة أصلها في دار علي في الجنة وفي دار كل مؤمن منها غصن. قال: ورواه ~~أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير البرهان، عن تفسير الثعلبي يرفع الإسناد إلى جابر عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طوبى فقال: ~~شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة فقالوا: يا رسول الله ~~سألناك فقلت: أصلها في داري وفرعها على ms4329 أهل الجنة فقال: داري ودار علي ~~واحدة في الجنة بمكان واحد:. أقول: ورواه أيضا في المجمع، بإسناده عن ~~الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مثله. PageV11P195 # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة مروية من طرق الشيعة وأهل السنة، ~~والظاهر أن الروايات غير ناظرة إلى تفسير الآية، وإنما هي ناظرة إلى بطنها ~~دون ظهرها فإن حقيقة المعيشة الطوبى هي ولاية الله سبحانه وعلي (عليه ~~السلام) صاحبها وأول فاتح لبابها من هذه الأمة والمؤمنون من أهل الولاية ~~أتباعه وأشياعه، وداره (عليه السلام) في جنة النعيم وهي جنة الولاية ودار ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدة لا اختلاف بينهما ولا تزاحم فافهم ذلك. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريح: في قوله: "وهم ~~يكفرون بالرحمن" قال: هذا لما كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قريشا في الحديبية كتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: لا نكتب الرحمن وما ~~ندري ما الرحمن؟ وما نكتب إلا باسمك اللهم فأنزل الله: "وهم يكفرون ~~بالرحمن":. أقول: ورواه أيضا عن ابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ~~قتادة وأنت تعلم أن الآيات على ما يعطيه سياقها مكية وصلح الحديبية من ~~حوادث ما بعد الهجرة. # على أن سياق الآية وحدها أيضا لا يساعد على نزول جزء من أجزائها في قصة ~~وتقطعه عن الباقي. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عطية ~~العوفي قال: قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): لو سيرت لنا جبال مكة ~~حتى تتسع فنحرث فيها أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان (عليه السلام) يقطع ~~لقومه بالريح أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه فأنزل ~~الله تعالى: "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال" الآية إلى قوله: "أفلم ييأس ~~الذين آمنوا" قال: أفلم يتبين الذين آمنوا. قالوا: هل تروي هذا الحديث عن ~~أحد من أصحاب النبي (صلى الله ms4330 عليه وآله وسلم)؟ قال: عن سعيد الخدري عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # أقول: وفيما يقرب من هذا المضمون روايات أخرى. # وفي تفسير القمي، قال: لو كان شيء من القرآن كذلك لكان هذا. # وفي الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره عن محمد بن ~~حماد عن أخيه أحمد بن حماد عن إبراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الأول (عليه ~~السلام) في حديث: وإن الله يقول في كتابه: "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال - ~~أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى" وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما ~~تسير به الجبال وتقطع به البلدان ويحيى به الموتى. # الحديث. # أقول: والحديثان ضعيفان سندا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن علي: أنه قرأ: "أفلم يتبين الذين ~~آمنوا":. أقول: وروي هذه القراءة أيضا عن ابن عباس. # وفي المجمع،: قرأ علي (عليه السلام) وابن عباس وعلي بن الحسين (عليهما ~~السلام) وزيد بن علي وجعفر بن محمد (عليهما السلام) وابن أبي مليكة ~~والجحدري وأبو يزيد المدني: أفلم يتبين والقراءة المشهورة: أفلم ييأس. # وفي تفسير القمي، قال وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قوله: "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة" وهي النقمة "أو ~~تحل قريبا من دارهم" فتحل بقوم غيرهم فيرون ذلك ويسمعون به والذين حلت بهم ~~عصاة كفار مثلهم ولا يتعظ بعضهم ببعض ولا يزالون كذلك حتى يأتي وعد الله ~~الذي وعد المؤمنين من النصر، ويخزي الله الكافرين. PageV11P196 ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 36 - 42 # والذين ءاتينهم الكتب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مئاب (36) وكذلك ~~أنزلنه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله ~~من ولى ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزوجا وذرية وما ~~كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا ms4331 الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتب (39) وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك ~~فإنما عليك البلغ وعلينا الحساب (40) أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من ~~قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار (42) ### |||| AUTO بيان # تتمة الآيات السابقة وتعقب قولهم: "لو لا أنزل عليه آية من ربه". # قوله تعالى: "والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك" إلى آخر الآية. # الظاهر أن المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى أو هم والمجوس فإن ~~هذا هو المعهود من إطلاقات القرآن والسورة مكية وقد أثبت التاريخ أن اليهود ~~ما كانوا يعاندون النبوة العربية في أوائل البعثة وقبلها ذاك العناد الذي ~~ساقتهم إليه حوادث ما بعد الهجرة وقد دخل جمع منهم في الإسلام أوائل الهجرة ~~وشهدوا على نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكونه مبشرا به في كتبهم ~~كما قال تعالى: "وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم": ~~الأحقاف: 10. # وأنه كان من النصارى يومئذ قوم على الحق من غير أن يعاندوا دعوة الإسلام ~~كقوم من نصارى الحبشة على ما نقل من قصة هجرة الحبشة وجمع من غيرهم، وقد ~~قال تعالى في أمثالهم: "الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون": ~~القصص: 52 وقال: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون": الأعراف: 159 ~~وكذا كانت المجوس ينتظرون الفرج بظهور منج ينشر الحق والعدل وكانوا لا ~~يعاندون الحق كما يعانده المشركون. # فالظاهر أن يكونوا هم المعنيون بالآية وخاصة المحقون من النصارى وهم ~~القائلون بكون المسيح بشرا رسولا كالنجاشي وأصحابه، ويؤيده ما في ذيل الآية ~~من قوله: "قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا" فإنه أنسب أن ~~يخاطب به النصارى. # وقوله: "ومن الأحزاب من ينكر بعضه" اللام للعهد أي ومن أحزاب أهل الكتاب ~~من ينكر بعض ما أنزل إليك وهو ما دل منه على التوحيد ونفي التثليث وسائر ما ms4332 ~~يخالف ما عند أهل الكتاب من المعارف والأحكام المحرفة. # وقوله: "قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به" دليل على أن المراد من ~~البعض الذي ينكرونه ما يرجع إلى التوحيد في العبادة أو الطاعة وقد أمره ~~الله أن يخاطبهم بالموافقة عليه بقوله: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~أربابا من دون الله": آل عمران: 64. # ثم تمم الكلام بقوله: "إليه أدعوا وإليه مآب" أي مرجعي فكان أول الكلام ~~مفصحا عن بغيته في نفسه ولغيره، وآخره عن سيرته أي أمرت لأعبد الله وحده في ~~عملي ودعوتي، وعلى ذلك أسير بين الناس فلا أدعو إلا إليه ولا أرجع في أمر ~~من أموري إلا إليه فذيل الآية في معنى قوله: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين": يوسف: 108. # ويمكن أن يكون المراد بقوله: "وإليه مآب" المعاد ويفيد حينئذ فائدة ~~التعليل أي إليه أدعوه وحده لأن مآبي إليه وحده. # وقد فسر بعضهم الكتاب في الآية بالقرآن والذين أوتوا الكتاب بأصحاب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والأحزاب بالأعراب الذين تحزبوا على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأداروا عليه الدوائر من قريش وسائر القبائل. PageV11P197 # وفيه أنه خلاف المعهود من إطلاق القرآن لفظة: "الذين أوتوا الكتاب" على أن ~~ذلك يؤدي إلى كون الآية مشتملة على معنى مكرر. # وربما ذكر بعضهم أن المراد بهم اليهود خاصة والكتاب هو التوراة والمراد ~~بإنكار بعض أحزابهم بعض القرآن وهو ما لا يوافق أحكامهم المحرفة مع أن ~~الجميع ينكرون ما لا يوافق ما عندهم إنكاره من غير فرح وأما الباقون فكانوا ~~فرحين ومنكرين وقد أطالوا البحث عن ذلك. # وعن بعضهم: أن المراد بالموصول عامة المسلمين، وبالأحزاب اليهود والنصارى ~~والمجوس، وعن بعضهم أن تقدير قوله: "وإليه مآب" وإليه مآبي ومآبكم. # وهذه أقوال لا دليل من اللفظ على شيء منها ولا جدوى في إطالة البحث عنها. # قوله ms4333 تعالى "وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم ما لك من الله من ولي ولا واق" الإشارة بقوله: "كذلك" إلى الكتاب ~~المذكور في الآية السابقة وهو جنس الكتاب النازل على الأنبياء الماضين ~~كالتوراة والإنجيل. # والمراد بالحكم هو القضاء والعزيمة فإن ذلك هو شأن الكتاب النازل من ~~السماء المشتمل على الشريعة كما قال: "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 212 فالكتاب حكم إلهي بوجه وحاكم بين ~~الناس بوجه فهذا هو المراد بالحكم دون الحكمة كما قيل. # وقوله: "عربيا" صفة لحكم وإشارة إلى كون الكتاب بلسان عربي وهو لسانه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة الله التي قد خلت في عباده، قال تعالى: "وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه": إبراهيم: 4 وهذا - كما لا يخفى - من ~~الشاهد على أن المراد بالمذكورين في الآية السابقة اليهود والنصارى، وأن ~~هذه الآيات متعرضة لشأنهم كما كانت الآيات السابقة عليها متعرضة لشأن ~~المشركين. # وعلى هذا فالمراد بقوله: "ولئن اتبعت أهواءهم" إلخ، النهي عن اتباع أهواء ~~أهل الكتاب، وقد ذكر في القرآن من ذلك شيء كثير، وعمدة ذلك أنهم كانوا ~~يقترحون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية غير القرآن كما كان ~~المشركون يقترحونها، وكانوا يطمعون أن يتبعهم فيما عندهم من الأحكام ~~لإحالتهم النسخ في الأحكام، وهذان الأمران ولا سيما أولهما عمدة ما تتعرض ~~له هذه الآيات. # والمعنى: وكما أنزلنا على الذين أوتوا الكتاب كتابهم أنزلنا هذا القرآن ~~عليك بلسانك مشتملا على حكم أو حاكما بين الناس ولئن اتبعت أهواء أهل ~~الكتاب فتمنيت أن ينزل عليك آية غير القرآن كما يقترحون أو داهنتهم وملت ~~إلى اتباع بعض ما عندهم من الأحكام المنسوخة أو المحرفة أخذناك بالعقوبة ~~وليس لك ولي يلي أمرك من دون الله ولا واق يقيك منه فالخطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو المراد به دون الأمة كما ذكره بعضهم. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما ms4334 كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب" لما نهى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن اتباع أهوائهم فيما اقترحوا عليه من إنزال آية غير ~~القرآن ذكره بحقيقة الحال التي تؤيسه من الطمع في ذلك ويعزم عليه أن يتوكل ~~على الله ويرجع إليه الأمور. # وهو أن سنة الله الجارية في الرسل أن يكونوا بشرا جارين على السنة ~~المألوفة بين الناس من غير أن يتعدوها فيملكوا شيئا مما يختص بالغيب كأن ~~يكونوا ذا قوة غيبية فعالة لما تشاء قديرة على كل ما أرادت أو أريد منها ~~حتى تأتي بكل آية شاءت إلا أن يأذن الله له فليس للرسول وهو بشر كسائرهم من ~~الأمر شيء بل لله الأمر جميعا. # فهو الذي ينزل الآية إن شاء غير أنه سبحانه إنما ينزل من الآيات إذا ~~اقتضته الحكمة الإلهية وليست الأوقات مشتركة متساوية في الحكم والمصالح ~~وإلا لبطلت الحكمة واختل نظام الخليقة بل لكل وقت حكمة تناسبه وحكم يناسبه ~~فلكل وقت آية تخصه. # وهذا هو الذي تشير إليه الآية فقوله: "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية" إشارة إلى السنة الجارية في الرسل من البشرية العادية، ~~وقوله: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله" إشارة إلى حرمانهم من ~~القدرة الغيبية المستقلة بكل ما أرادت إلا أن يمدهم الإذن الإلهي. PageV11P198 # وقوله: "لكل أجل" أي وقت محدود "كتاب" أي حكم مقضي مكتوب يخصه إشارة إلى ما ~~يلوح إليه استثناء الإذن وسنة الله الجارية فيه، والتقدير فالله سبحانه هو ~~الذي ينزل ما شاء ويأذن فيما شاء لكنه لا ينزل ولا يأذن في كل آية في كل ~~وقت فإن لكل وقت كتابا كتبه لا يجري فيه إلا ما فيه. # ومما تقدم يظهر أن ما ذكره بعضهم أن قوله: "لكل أجل كتاب" من باب القلب ~~وأصله: لكل كتاب أجل أي إن لكل كتاب منزل من عند الله وقتا مخصوصا ينزل فيه ~~ويعمل عليه فللتوراة وقت وللإنجيل وقت وللقرآن وقت. # وجه لا يعبأ ms4335 به. # قوله تعالى: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" محو الشيء هو ~~إذهاب رسمه وأثره يقال: محوت الكتاب إذا أذهبت ما فيه من الخطوط والرسوم ~~قال تعالى: "ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته": الشورى: 24 أي يذهب ~~بآثار الباطل كما قال: "فأما الزبد فيذهب جفاء" وقال: "وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة": أسرى: 12 أي ~~أذهبنا أثر الإبصار من الليل فالمحو قريب المعنى من النسخ يقال: نسخت الشمس ~~الظل أي ذهبت بأثره ورسمه. # وقد قوبل المحو في الآية بالإثبات وهو إقرار الشيء في مستقره بحيث لا ~~يتحرك ولا يضطرب يقال: أثبت الوتد في الأرض إذا ركزته فيها بحيث لا يتحرك ~~ولا يخرج من مركزه فالمحو هو إزالة الشيء بعد ثبوته برسمه ويكثر استعماله ~~في الكتاب. # ووقوع قوله: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" بعد قوله: "لكل أجل كتاب" ~~واتصاله به من جانب وبقوله: "وعنده أم الكتاب" من جانب ظاهر في أن المراد ~~محو الكتب وإثباتها في الأوقات والآجال فالكتاب الذي أثبته الله في الأجل ~~الأول إن شاء محاه في الأجل الثاني وأثبت كتابا آخر فلا يزال يمحى كتاب ~~ويثبت كتاب آخر. # وإذا اعتبرنا ما في الكتاب من آية وكل شيء آية صح أن يقال لا يزال يمحو ~~آية ويثبت آية كما يشير إليه قوله: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها": البقرة: 106، وقوله: "وإذا بدلنا آية مكان آية" الآية: النحل: 101. # فقوله: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" على ما فيه من الإطلاق يفيد فائدة ~~التعليل لقوله: "لكل أجل كتاب" والمعنى أن لكل وقت كتابا يخصه فيختلف ~~فاختلاف الكتب باختلاف الأوقات والآجال إنما ظهر من ناحية اختلاف التصرف ~~الإلهي بمشيته لا من جهة اختلافها في أنفسها ومن ذواتها بأن يتعين لكل أجل ~~كتاب في نفسه لا يتغير عن وجهه بل الله سبحانه هو الذي يعين ذلك بتبديل ~~كتاب مكان كتاب ومحو كتاب وإثبات آخر. # وقوله: "وعنده أم الكتاب" أي أصله فإن الأم ms4336 هي الأصل الذي ينشأ منه الشيء ~~ويرجع إليه، وهو دفع للدخل وإبانة لحقيقة الأمر فإن اختلاف حال الكتاب ~~المكتوب لأجل بالمحو والإثبات أي تغير الحكم المكتوب والقول المقضي به حينا ~~بعد حين ربما أوهم أن الأمور والقضايا ليس لها عند الله سبحانه صورة ثابتة ~~وإنما يتبع حكمه العلل والعوامل الموجبة له من خارج كأحكامنا وقضايانا ~~معاشر ذوي الشعور من الخلق أو أن حكمه جزافي لا تعين له في نفسه ولا مؤثر ~~في تعينه من خارج كما ربما يتوهم أرباب العقول البسيطة أن الذي له ملك - ~~بكسر اللام - مطلق وسلطنة مطلقة له أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد على حرية ~~مطلقة من رعاية أي قيد وشرط وسلوك أي نظام أو لا نظام في عمله فلا صورة ~~ثابتة لشيء من أفعاله وقضاياه عنده، وقد قال تعالى: "ما يبدل القول لدي": ~~ق: 29، وقال: "وكل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8 إلى غير ذلك من الآيات. # فدفع هذا الدخل بقوله: "وعنده أم الكتاب" أي أصل جنس الكتاب والأمر ~~الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تمحى وتثبت بحسب الأوقات والآجال ولو ~~كان هو نفسه تقبل المحو والإثبات لكان مثلها لا أصلا لها ولو لم يكن من ~~أصله كان المحو والإثبات في أفعاله تعالى إما تابعا لأمور خارجة تستوجب ذلك ~~فكان تعالى مقهورا مغلوبا للعوامل والأسباب الخارجية مثلنا والله يحكم لا ~~معقب لحكمه. # وإما غير تابع لشيء أصلا وهو الجزاف الذي يختل به نظام الخلقة والتدبير ~~العام الواحد بربط الأشياء بعضها ببعض جلت عنه ساحته، قال تعالى: "وما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق": الدخان: 39. PageV11P199 # فالملخص من مضمون الآية أن لله سبحانه في كل وقت وأجل كتابا أي حكما وقضاء ~~وأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والأحكام والأقضية ويثبت ما يشاء أي يغير ~~القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر لكن عنده ~~بالنسبة إلى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والإثبات وهو الأصل الذي ms4337 ~~يرجع إليه الأقضية الآخر وتنشأ منه فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو. # ويتبين بالآية أولا: أن حكم المحو والإثبات عام لجميع الحوادث التي ~~تداخله الآجال والأوقات وهو جميع ما في السماوات والأرض وما بينهما، قال ~~تعالى: "ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": ~~الأحقاف: 3. # وذلك لإطلاق قوله: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" واختصاص المورد بآيات ~~النبوة لا يوجب تخصيص الآية لأن المورد لا يخصص. # وبذلك يظهر فساد قول بعضهم: إن ذلك في الأحكام وهو النسخ وقول ثان: إن ~~ذلك في المباحات المثبتة في صحائف الأعمال يمحوها الله ويثبت مكانها طاعة ~~أو معصية مما فيه الجزاء، وقول ثالث: إنه محو ذنوب المؤمنين فضلا وإثبات ~~ذنوب للكفار عقوبة، وقول رابع: إنه في موارد يؤثر فيها الدعاء والصدقة في ~~المحن والمصائب وضيق المعيشة ونحوها، وقول خامس: إن المحو إزالة الذنوب ~~بالتوبة والإثبات تبديل السيئات حسنات، وقول سادس: إنه محو ما شاء الله من ~~القرون والإثبات إنشاء قرون آخرين بعدهم، وقول سابع: إنه محو القمر وإثبات ~~الشمس وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، وقول ثامن: إنه محو الدنيا ~~وإثبات الآخرة، وقول تاسع: إن ذلك في الأرواح حالة النوم يقبضها الله فيرسل ~~من يشاء منهم ويمسك من يشاء، وقول عاشر: إن ذلك في الآجال المكتوبة في ليلة ~~القدر يمحو الله ما يشاء منها ويثبت ما يشاء. # فهذه وأمثالها أقوال لا دليل على تخصيص الآية الكريمة بها من جهة اللفظ ~~البتة وللآية إطلاق لا ريب فيه ثم المشاهدة الضرورية تطابقه فإن ناموس ~~التغير جار في جميع أرجاء العالم المشهود، وما من شيء قيس إلى زمانين في ~~وجوده إلا لاح التغير في ذاته وصفاته وأعماله، وفي عين الحال إذا اعتبرت في ~~نفسها وبحسب وقوعها وجدت ثابتة غير متغيرة فإن الشيء لا يتغير عما وقع عليه. # فللأشياء المشهودة جهتان جهة تغير يستتبع الموت والحياة والزوال والبقاء ~~وأنواع الحيلولة والتبدل، وجهة ثبات لا تتغير عما هي عليها وهما إما نفس ~~كتاب المحو والإثبات ms4338 وأم الكتاب، وإما أمران مترتبان على الكتابين وعلى أي ~~حال تقبل الآية الصدق على هاتين الجهتين. # وثانيا: أن لله سبحانه في كل شيء قضاء ثابتا لا يتغير وبه يظهر فساد ما ~~ذكره بعضهم أن كل قضاء يقبل التغيير واستدل عليه بمتفرقات الروايات ~~والأدعية الدالة على ذلك والآيات والأخبار الدالة على أن الدعاء والصدقة ~~يدفعان سوء القضاء. # وفيه أن ذلك في القضاء غير المحتوم. # وثالثا: أن القضاء ينقسم إلى قضاء متغير وغير متغير وستستوفي تتمة البحث ~~في الآية عن قريب إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب" "إن ما" هو إن الشرطية وما الزائدة للتأكيد والدليل عليه ~~دخول نون التأكيد في الفعل بعده. # وفي الآية إيضاح لما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوظيفة وهو ~~الاشتغال بأمر الإنذار والتبليغ فحسب فلا ينبغي له أن يتبع أهواءهم في نزول ~~آية عليه كما اقترحوا حتى أنه لا ينبغي له أن ينتظر نتيجة بلاغه أو حلول ما ~~أوعدهم الله من العذاب بهم. # وفي الآية دلالة على أن الحساب الإلهي يجري في الدنيا كما يجري في ~~الآخرة. # قوله تعالى: "أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" إلخ كلام مسوق ~~للعبرة بعد ما قدم إليهم الوعيد بالهلاك، ومنه يعلم أن إتيان الأرض ونقصها ~~من أطرافها كناية عن نقص أهلها بالإماتة والإهلاك فالآية نظيرة قوله: "بل ~~متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها ~~من أطرافها أفهم الغالبون": الأنبياء: 44. PageV11P200 # وقول بعضهم إن المراد به أولم ير أهل مكة أنا نأتي أرضهم فننقصها من ~~أطرافها بفتح القرى واحدة بعد واحدة للمسلمين فليخافوا أن نفتح بلدتهم ~~وننتقم منهم يدفعه أن السورة مكية وتلك الفتوحات إنما كانت تقع بعد الهجرة. # على أن الآيات بوعيدها ناظرة إلى هلاكهم بغزوة بدر وغيرها لا إلى فتح مكة. # وقوله: "والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب" يريد به أن الغلبة ~~لله سبحانه فإنه يحكم ms4339 وليس قبال حكمه أحد يعقبه ليغلبه بالمنع والرد وهو ~~سبحانه يحاسب كل عمل بمجرد وقوعه بلا مهلة حتى يتصرف فيه غيره بالإخلال ~~فقوله: "والله يحكم" إلخ في معنى قوله في ذيل آية سورة الأنبياء المتقدمة: ~~"أفهم الغالبون". # قوله تعالى: "وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا" إلى آخر الآية. # أي وقد مكر الذين من قبلهم فلم ينفعهم مكرهم ولم يقدروا على صدنا من أن ~~نأتي الأرض فننقصها من أطرافها فالله سبحانه يملك المكر كله ويبطله ويرده ~~إلى أهله فليعتبروا. # وقوله: "يعلم ما تكسب كل نفس" في مقام التعليل لملكه تعالى كل مكر فإن ~~المكر إنما يتم مع جهل الممكور به وأما إذا علم به فعنده بطلانه. # وقوله: "وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار قطع للحجاج بدعوى أن مسألة انتهاء ~~الأمور إلى عواقبها من الأمور الضرورية العينية لا تتخلف عن الوقوع ~~وسيشهدونها شهود عيان فلا حاجة إلى الإطالة والإطناب في إعلامهم ذلك ~~فسيعلمون. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله": ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر فأنزلت هذه الآية ~~تخويفا لهم ووعيدا لهم "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" إنا إن شئنا أحدثنا له ~~من أمرنا ما شئنا. # أقول: والآية كما تقدم بيانه أجنبية عن هذا المعنى، وفي ذيل هذا الحديث ~~ويحدث الله في كل رمضان فيمحو الله ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم ~~وما يعطيهم وما يقسم لهم، وفي رواية أخرى عن جابر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): في الآية: قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه. # وهذا من قبيل التمثيل والآية أعم. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~سئل عن قوله: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" قال: ذلك كل ليلة القدر يرفع ~~ويخفض ويرزق ms4340 غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة فإن ذلك لا يزول. # أقول: والرواية على معارضتها الروايات الكثيرة جدا المأثورة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة تخالف ~~إطلاق الآية وحجة العقل، ومثلها ما عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقوة والسعادة والحياة والموت ~~وفيه، أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي: أنه سأل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن هذه الآية فقال له: لأقرن عينيك بتفسيرها ولأقرن عين ~~أمتي بعدي بتفسيرها. الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف يحول ~~الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء. # أقول: والرواية لا تزيد على ذكر بعض مصاديق الآية. # وفي الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم وحفص بن البختري وغيرهما عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في هذه الآية: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" قال: فقال: ~~وهل يمحى إلا ما كان ثابتا؟ وهل يثبت إلا ما لم يكن؟: أقول: ورواه العياشي ~~في تفسيره عن جميل عنه (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار قال. سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ~~يقول: من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة ومن الأمور أمور موقوفة عند ~~الله يقدم فيها ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت منها ما يشاء لم يطلع على ذلك ~~أحدا يعني الموقوفة فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيه ~~ولا ملائكته. # أقول: وروي بطريق آخر وكذا في الكافي بإسناده عن الفضيل عنه (عليه ~~السلام) ما في معناه. PageV11P201 # وفيه، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) يقول: لو لا آية في كتاب الله لحدثتكم بما كان وبما يكون إلى يوم ~~القيامة فقلت له. أية آية؟ فقال: قال الله: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب". # أقول: معناه أن اللائح من الآية أن الله سبحانه لا يريد من خلقه إلا أن ~~يعيشوا على جهل بالحوادث ms4341 المستقبلة ليقوموا بواجب حياتهم بهداية من الأسباب ~~العادية وسياقة من الخوف والرجاء، وظهور الحوادث المستقبلة تمام ظهورها ~~يفسد هذه الغاية الإلهية فهو سبب الكف عن التحديث لا الخوف من أن يكذبه ~~الله بالبداء فإنه مأمون منه فلا تعارض بين الرواية وما قبلها. # وفيه، عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله ~~تبارك وتعالى كتب كتابا فيه ما كان وما هو كائن فوضعه بين يديه فما شاء منه ~~قدم وما شاء منه أخر وما شاء منه محى وما شاء منه كان وما لم يشأ لم يكن. # وفيه، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله يقدم ما ~~يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب، وقال: كل ~~أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يضعه، وليس شيء يبدو له إلا وقد كان في ~~علمه أن الله لا يبدو له من جهل. # أقول: والروايات في البداء عنهم (عليهم السلام) متكاثرة مستفيضة فلا يعبأ ~~بما نقل عن بعضهم أنه خبر واحد. # والرواية كما ترى تنفي البداء بمعنى علمه تعالى ثانيا بما كان جاهلا به ~~أولا بمعنى تغير علمه في ذاته كما ربما يتفق فينا تعالى عن ذلك، وإنما هو ~~ظهور أمر منه تعالى ثانيا بعد ما كان الظاهر منه خلافه أولا فهو محو الأول ~~وإثبات الثاني والله سبحانه عالم بهما جميعا. # وهذا مما لا يسع لذي لب إنكاره فإن للأمور والحوادث وجودا بحسب ما تقتضيه ~~أسبابها الناقصة من علة أو شرط أو مانع ربما تخلف عنه، ووجودا بحسب ما ~~تقتضيه أسبابها وعللها التامة وهو ثابت غير موقوف ولا متخلف، والكتابان ~~أعني كتاب المحو والإثبات وأم الكتاب إما أن يكونا أمرين تتبعهما هاتان ~~المرحلتان من وجود الأشياء اللتان إحداهما تقبل المحو والإثبات والأخرى لا ~~تقبل إلا الثبات. # وإما أن يكونا عين تينك المرحلتين، وعلى أي حال ظهور أمر أو إرادة منه ~~تعالى بعد ما كان الظاهر خلافه واضح لا ms4342 ينبغي الشك فيه. # والذي أحسب أن النزاع في ثبوت البداء كما يظهر من أحاديث أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) ونفيه كما يظهر من غيرهم نزاع لفظي ولهذا لم نعقد لهذا ~~البحث فصلا مستقلا على ما هو دأب الكتاب ومن الدليل على كون النزاع لفظيا ~~استدلالهم على نفي البداء عنه تعالى بأنه يستلزم التغير في علمه مع أنه ~~لازم البداء بالمعنى الذي يفسر به البداء فينا لا البداء بالمعنى الذي ~~يفسره به الأخبار فيه تعالى. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم عن أبي الدرداء: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قرأ "يمحوا الله ما يشاء ويثبت" مخففة. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): في قوله: "ننقصها من أطرافها" قال: ذهاب العلماء. # وفي المجمع، عن أبي عبد الله (عليه السلام): ننقصها بذهاب علمائها ~~وفقهائها وأخيارها. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن علي عمن ذكره عن جابر عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إنه ليسخي نفسي في ~~سرعة الموت أو القتل فينا قول الله عز وجل: "أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها" فقال: فقد العلماء. # أقول: كأن المراد أنه يسخي نفسي أن الله تعالى نسب توفي العلماء إلى نفسه ~~لا إلى غيره فيهنأ لي الموت أو القتل. PageV11P202 ### ||| AUTO 13 سورة الرعد - 43 # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده ~~علم الكتب (43) ### |||| AUTO بيان # الآية خاتمة السورة وتعطف الكلام على ما في مفتتحها من قوله: "والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" وهي كرة ثالثة على منكري حقية ~~كتاب الله يستشهد فيها بأن الله يشهد على الرسالة ومن حصل له العلم بهذا ~~الكتاب يشهد بها. # قوله تعالى: "ويقول الذين كفروا لست مرسلا" إلخ بناء الكلام في السورة ~~على إنكارهم حقية الكتاب وعدم عدهم إياه آية إلهية للرسالة ولذا كانوا ~~يقترحون آية غيره كما حكاه ms4343 الله تعالى في خلال الآيات مرة بعد مرة وأجاب ~~عنه بما يرد عليهم قولهم فكأنهم لما يئسوا مما اقترحوا أنكروا أصل الرسالة ~~لعدم إذعانهم بما أنزل الله من آية وعدم إجابتهم فيما اقترحوه من آية ~~فكانوا يقولون: "لست مرسلا". # فلقن الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة عليهم لرسالته بقوله: ~~"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" وهو حجة قاطعة وليس ~~بكلام خطابي ولا إحالة إلى ما لا طريق إلى حصول العلم به. # فقوله: "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم" استشهاد بالله سبحانه وهو ولي ~~أمر الإرسال وإنما هي شهادة تأدية لا شهادة تحمل فقط فإن أمثال قوله تعالى: ~~"إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم" من آيات القرآن وكونه آية معجزة من ~~الله ضروري، وكونه قولا وكلاما له سبحانه ضروري واشتماله على تصديق الرسالة ~~بدلالة المطابقة المعتمدة على علم ضروري أيضا ضروري، ولا نعني بشهادة ~~التأدية إلا ذلك. # ومن فسر شهادته تعالى من المفسرين بأنه تعالى قد أظهر على رسالتي من ~~الأدلة والحجج ما فيه غنى عن شهادة شاهد آخر ثم قال: وتسمية ذلك شهادة مع ~~أنه فعل وهي قول من المجاز حيث إنه يغني غناها بل هو أقوى منها. # انتهى. # فقد قصد المطلوب من غير طريقه. # وذلك أن الأدلة والحجج الدالة على حقية رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إما القرآن وهو الآية المعجزة الخالدة، وإما غيره من الخوارق والمعجزات ~~وآيات السورة - كما ترى - لا تجيب الكفار على ما اقترحوه من هذا القسم ~~الثاني ولا معنى حينئذ للاستشهاد بما لم يجابوا عليه، وأما القرآن فمن ~~البين أن الاستناد إليه من جهة أنه معجزة تصدق الرسالة بدلالتها عليها أي ~~كلام له تعالى يشهد بالرسالة، وإذا كان كذلك فما معنى العدول عن كونه كلاما ~~له تعالى يدل على حقية الرسالة أي شهادة لفظية منه تعالى على ذلك بحقيقة ~~معنى الشهادة إلى كونه دليلا فعليا منه عليها سمي مجازا بالشهادة؟. # على أن كون فعله تعالى أقوى دلالة على ms4344 ذلك من قوله ممنوع. # فقد تحصل أن معنى قوله: "الله شهيد بيني وبينكم" أن ما وقع في القرآن من ~~تصديق الرسالة شهادة إلهية بذلك. # وأما جعل الشهادة شهادة تحمل ففيه إفساد المعنى من أصله وأي معنى لإرجاع ~~أمر متنازع فيه إلى علم الله واتخاذ ذلك حجة على الخصم ولا سبيل له إلى ما ~~في علم الله في أمره؟ أهو كما يقول أو فرية يفتريها على الله؟. # وقوله: "ومن عنده علم الكتاب" أي وكفى بمن عنده علم الكتاب شهيدا بيني ~~وبينكم، وقد ذكر بعضهم أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويتعين على هذا أن ~~يكون المراد بالموصول هو الله سبحانه فكأنه قيل: كفى بالله الذي عنده علم ~~الكتاب شهيدا "إلخ". # وفيه أولا أنه خلاف ظاهر العطف، وثانيا أنه من عطف الذات مع صفته إلى نفس ~~الذات وهو قبيح غير جائز في الفصيح ولذلك ترى الزمخشري لما نقل في الكشاف، ~~هذا القول عن الحسن بقوله: وعن الحسن: "لا والله ما يعني إلا الله" قال ~~بعده: والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا ~~هو شهيدا بيني وبينكم. # انتهى فاحتال إلى تصحيحه بتبديل لفظة الجلالة "الله" من "الذي يستحق ~~العبادة" وتبديل "من" من "الذي" ليعود المعطوف والمعطوف عليه وصفين فيكون ~~في معنى عطف أحد وصفي الذات على الآخر وإناطة الحكم بالذات بما له من ~~الوصفين كدخالتهما فيه فافهم ذلك. # لكن من المعلوم أن تبديل لفظ من لفظ يستقيم إفادته لمعنى لا يوجب استقامة ~~ذلك في اللفظ الأول وإلا لبطلت أحكام الألفاظ. PageV11P203 # على أن التأمل فيما تقدم في معنى هذه الشهادة وأن المراد به تصديق القرآن ~~لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي أن وضع لفظة الجلالة في هذا ~~الموضع لا للتلميح إلى معناه الوصفي بل لإسناده الشهادة إلى الذات المقدسة ~~المستجمعة لجميع صفات الكمال لأن شهادته أكبر الشهادات قال سبحانه: "قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم". # وذكر آخرون: أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل أو ms4345 خصوص التوراة والمعنى ~~وكفى بعلماء الكتاب شهداء بيني وبينكم لأنهم يعلمون بما بشر الله به ~~الأنبياء في ويقرءون نعتي في الكتاب. # وفيه أن الذي أخذ في الآية هو الشهادة دون مجرد العلم، والسورة مكية ولم ~~يؤمن أحد من علماء أهل الكتاب يومئذ كما قيل ولا شهد للرسالة بشيء فلا معنى ~~للاحتجاج بالاستناد إلى شهادة لم يقم بها أحد بعد. # وقيل: المراد القوم الذين أسلموا من علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وتميم الداري والجارود وسلمان الفارسي، وقيل هو عبد الله بن سلام، ورد بأن ~~السورة مكية وهؤلاء إنما أسلموا بالمدينة. # وللقائلين بأنه عبد الله بن سلام جهد بليغ في الدفاع عنه فقال بعضهم: إن ~~مكية السورة لا تنافي كون بعض آياتها مدنية فلم لا يجوز أن تكون هذه الآية ~~مدنية مع كون السورة مكية. # وفيه أولا: أن مجرد الجواز لا يثبت ذلك ما لم يكن هناك نقل صحيح قابل ~~للتعويل عليه. # على أن الجمهور نصوا على أنها مكية كما نقل عن البحر. # وثانيا: أن ذلك إنما هو في بعض الآيات الموضوعة في خلال آيات السور ~~النازلة وأما في مثل هذه الآية التي هي ختام ناظرة إلى ما افتتحت به السورة ~~فلا إذ لا معنى لإرجاء بعض الكلام المرتبط الأجزاء إلى أمد غير محدود. # وقال بعضهم: إن كون الآية مكية لا ينافي أن يكون الكلام إخبارا عما سيشهد به. # وفيه أن ذلك يوجب رداءة الحجة وسقوطها فأي معنى لأن يحتج على قوم يقولون: ~~"لست مرسلا" فيقال: صدقوا به اليوم لأن بعض علماء أهل الكتاب سوف يشهدون به. # وقال بعضهم: إن هذه الشهادة شهادة تحمل لا يستلزم إيمان الشهيد حين ~~الشهادة فيجوز أن تكون الآية مكية والمراد بها عبد الله بن سلام أو غيره من ~~علماء اليهود والنصارى وإن لم يؤمنوا حين نزول الآية. # وفيه أن المعنى حينئذ يعود إلى الاحتجاج بعلم علماء أهل الكتاب وإن لم ~~يعترفوا به ولم يؤمنوا، ولو كان كذلك لكان المتعين أن يستشهد بعلم الذين ~~كفروا ms4346 أنفسهم فإن الحجة كانت قد تمت عليهم بكون القرآن كلام الله ولا يكون ~~ذلك إلا عن علمهم به فما الموجب للعدول عنهم إلى غيرهم وهم مشتركون في ~~الكفر بالرسالة ونفيها على أنه تقدم أن الشهادة في الآية ليست إلا شهادة ~~أداء دون التحمل. # وقال بعضهم: - وهو ابن تيمية وقد أغرب - أن الآية مدنية بالاتفاق. # وهو كما ترى. # وذكر بعضهم: أن المراد بالكتاب القرآن الكريم، والمعنى أن من تحمل هذا ~~الكتاب وتحقق بعلمه واختص به فإنه يشهد على أنه من عند الله وأني مرسل به ~~فيعود مختتم السورة إلى مفتتحها من قوله: "تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك ~~من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" وينعطف آخرها على أولها وعلى ما في ~~أواسطها من قوله: "أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما ~~يتذكر أولوا الألباب". # وهذا في الحقيقة انتصار وتأييد منه تعالى لكتابه قبال ما أزرى به ~~واستهانه الذين كفروا حيث قالوا: "لو لا أنزل عليه آية من ربه" مرة بعد مرة ~~و"لست مرسلا" فلم يعبئوا بأمره ولم يبالوا به وأجاب الله عن قولهم مرة بعد ~~مرة ولم يتعرض لأمر القرآن ولم يذكر أنه أعظم آية للرسالة وكان من الواجب ~~ذلك فقوله: "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" استيفاء ~~لهذا الغرض الواجب الذي لا يتم البيان دونه وهذا من أحسن الشواهد على ما ~~تقدم أن الآية كسائر السورة مكية. PageV11P204 # وبهذا يتأيد ما ذكره جمع ووردت به الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) أن الآية نزلت في علي (عليه السلام) فلو انطبق قوله: "ومن عنده علم ~~الكتاب" على أحد ممن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ لكان هو ~~فقد كان أعلم الأمة بكتاب الله وتكاثرت الروايات الصحيحة على ذلك ولو لم ~~يرد فيه إلا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المتواتر من ~~طرق الفريق: "لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" لكان فيه كفاية. ### |||| AUTO ms4347 بحث روائي # في البصائر، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~يقول: في الآية: علي (عليه السلام):. أقول: ورواه أيضا بأسانيد عن جابر ~~وبريد بن معاوية وفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) وبإسناده عن عبد ~~الله بن بكير وعبد الله بن كثير الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~وبإسناده عن سلمان الفارسي عن علي (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن بريد بن معاوية: في الآية قال: إيانا عنى وعلي ~~أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المعاني، بإسناده عن خلف بن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: ~~سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قول الله جل ثناؤه: "قال الذي ~~عنده علم من الكتاب" قال: ذاك وصي أخي سليمان بن داود فقلت له: يا رسول ~~الله فقول الله: "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" قال ~~ذاك أخي علي بن أبي طالب. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر (عليه ~~السلام): هذا ابن عبد الله بن سلام بن عمران يزعم أن أباه الذي يقول الله: ~~"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم - ومن عنده علم الكتاب" قال: كذب، هو علي ~~بن أبي طالب. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب قال: عن محمد بن مسلم وأبي حمزة ~~الثمالي وجابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام) وعلي بن فضال وفضيل بن ~~داود عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) وأحمد بن محمد الكلبي ومحمد بن ~~الفضيل عن الرضا (عليه السلام) وقد روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) وعن ~~زيد بن علي وعن محمد بن الحنفية وعن سلمان الفارسي وعن أبي سعيد الخدري ~~وإسماعيل السدي أنهم قالوا: في قوله تعالى: "قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب" هو علي بن أبي طالب (عليه السلام). # وفي تفسير البرهان، عن الثعلبي في تفسيره بإسناده عن معاوية عن الأعمش عن ~~أبي ms4348 صالح عن ابن عباس وروي عن عبد الله بن عطاء عن أبي جعفر: أنه قيل له: ~~زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام قال: لا ذلك علي بن أبي طالب. # وروي: أنه سئل سعيد بن جبير "ومن عنده علم الكتاب" عبد الله بن سلام؟ ~~قال: لا وكيف؟ وهذه السورة مكية:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن سعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن جبير. # وفي تفسير البرهان، أيضا عن الفقيه ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن علي ~~بن عابس قال: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء قال يا أبا مريم حدث ~~عليا بالحديث الذي حدثتني عن أبي جعفر. قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر ~~عليه ابن عبد الله بن سلام. قلت: جعلني الله فداك هذا ابن الذي عنده علم ~~الكتاب. قال: لا ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب الذي نزلت فيه آيات من كتاب ~~الله عز وجل: "ومن عنده علم الكتاب" "أفمن كان على بينة من ربه - ويتلوه ~~شاهد منه" "إنما وليكم الله ورسوله" الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير ~~أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سلام: قد أنزل ~~الله في القرآن "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب". # أقول: وروي ما في معناه عن ابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه وعن جندب، ~~وقد عرفت حال الرواية فيما تقدم، وقد روي عن ابن المنذر عن الشعبي: ما نزل ~~في عبد الله بن سلام شيء من القرآن. # تم والحمد لله. PageV11P205 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الثاني عشر PageV12P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 14 سورة إبراهيم - 1 - 5 # بسم الله الرحمن الرحيم الر كتب أنزلنه إليك لتخرج الناس من الظلمت إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صرط العزيز الحميد (1) الله الذى له ما فى السموت وما ~~فى الأرض ms4349 وويل للكفرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحيوة الدنيا على ~~الاخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك فى ضلل بعيد (3) وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء ~~وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى بئايتنا أن أخرج قومك من الظلمت ~~إلى النور وذكرهم بأيام الله إن فى ذلك لايت لكل صبار شكور (5) ### |||| AUTO بيان # السورة الكريمة تصف القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من حيث إنه آية رسالته يخرج به الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى ~~صراط الله سبحانه الذي هو عزيز حميد أي غالب غير مغلوب وغني غير محتاج إلى ~~الناس وجميل في فعله منعم عليهم، وإذا كان المنعم غالبا غنيا حميد الأفعال ~~كان على المنعم عليهم أن يجيبوا دعوته ويلبوا نداءه حتى يسعدوا بما أفاض ~~عليهم من النعم، وأن يخافوا سخطه وشديد عذابه فإنه قوي غير محتاج إلى أحد، ~~له أن يستغني عنهم فيذهب بهم ويأتي بآخرين كما فعل بالذين كفروا بنعمته من ~~الأمم الماضين فإن آيات السماوات والأرض ناطقة بأن النعمة كلها له وهو رب ~~العزة وولي الحمد لا رب سواه. # وبهذا تختتم السورة إذ يقول عز من قائل: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به ~~وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب". # ولعل ما ذكرنا هو مراد من قال: إن السورة مفتتحة ببيان الغرض من الرسالة ~~والكتاب يشير إلى قوله تعالى: "لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم". # والسورة مكية على ما يدل عليه سياق آياتها، ونسب إلى ابن عباس والحسن ~~وقتادة: أنها مكية إلا آيتين منها نزلتا في قتلى بدر من المشركين: "ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس ~~القرار" وسيأتي أن الآيتين غير صريحتين ولا ظاهرتين في ذلك. # قوله تعالى: "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم" أي هذا كتاب أنزلناه إليك فهو خبر لمبتدإ محذوف على ما ms4350 يعطيه ~~السياق وقيل غير ذلك. # وقوله: "لتخرج الناس من الظلمات إلى النور" ظاهر السياق عموم الناس لا ~~خصوص قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا خصوص المؤمنين منهم إذ لا دليل ~~على التقييد من جهة اللفظ، وكلامه تعالى صريح في عموم الرسالة كقوله: ~~"ليكون للعالمين نذيرا": الفرقان: 1 وقوله: "لأنذركم به ومن بلغ": الأنعام ~~- 19، وقوله: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا": الأعراف: 158 ~~والآيات الصريحة في دعوة اليهود وعامة أهل الكتاب، وعمله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في دعوتهم وقبول إيمان من آمن منهم كعبد الله بن سلام وسلمان ~~وبلال وصهيب وغيرهم تؤيد ذلك. # على أن آخر السورة: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به" الآية، وقد قوبل به ~~أولها يؤيد أن المراد بالناس أعم من المؤمنين الذين خرجوا من الظلمات إلى ~~النور بالفعل. # وقد نسب الإخراج من الظلمات إلى النور إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لكونه أحد الأسباب الظاهرية لذلك وإليه ينتهي إيمان المؤمنين بدعوته ~~بلا واسطة أو بواسطة ولا، ينافيه قوله: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء": القصص: 56 فإن الآية إنما تنفي أصالته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الهداية واستقلاله فيها من غير أن تنفي عنه مطلق الهداية حتى ما ~~يكون على نحو الوساطة وبإذن من الله، والدليل عليه قوله تعالى: "وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم": الشورى: 52، ولذلك قيد سبحانه قوله "لتخرج" بقوله "بإذن ربهم". PageV12P002 # والمراد بالظلمات والنور والضلال والهدى وقد تكرر في كلامه تعالى اعتبار ~~الهدى نورا وعد الضلال ظلمة وجمع الظلمات دون النور لأن الهدى من الحق ~~والحق واحد لا تغاير بين أجزائه ومصاديقه ولا كثرة بخلاف الضلال فإنه من ~~اتباع الهوى والأهواء مختلفة متغاير بعضها مع بعض لا وحدة بينها ولا اتحاد ~~لأبعاضها ومصاديقها قال تعالى: "وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: 153. # واللام في قوله: "لتخرج الناس" إلخ، لام الغرض بناء على عموم الناس كما ~~هو ظاهر الآية، وليس ms4351 بلام المعاقبة إذ لو كان كذلك لكان الناس كلهم مؤمنين، ~~والمعلوم خلافه. # وأما ما اعترض عليه بعضهم أن التربية الإلهية بإخراج الناس من الظلمات ~~إلى النور وإيصالهم إلى السعادة والكمال مشروطة بالتهيؤ والاستعداد مع كون ~~الفيض عاما فالمقدار الممكن من هذه العاقبة على تقدير عمومه هو هذا ~~المقدار. # ففيه أنه اعتراف بأن كون اللام للعاقبة خلاف ظاهر الآية، فإن الذي ذكره ~~لا يتم إلا بتقييد "الناس" بالمستعدين، لكن الذي يجب أن يعلم أن هذا الغرض ~~غرض تشريعي معناه أن للحكم غاية مقصودة وهي المصلحة التي يستعقبها، فإن ~~الله سبحانه يدعو الناس ليغفر لهم ويهديهم إلى الإيمان والعمل الصالح ~~ليسعدهم بذلك ويدخلهم الجنة، ويرسل الرسل وينزل عليهم الكتاب ليخرجوا الناس ~~من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ويريد بما يوجهه إليهم من الأمر والنهي أن ~~يطهرهم ويذهب عنهم رجز الشيطان، والآيات الدالة على ذلك كثيرة لا موجب ~~لإيرادها وكذا الروايات ولعلها تزهو الألوف. # وقد قال سبحانه: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف: - 3 ~~وقال: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء": الآية: - 4 من السورة، فبين أن ما نعقله من كتابه ويظهر ~~لنا من بيان رسوله حجة لا مناص عنه، ونحن لا نعقل من قوله مثلا: "يدعوكم ~~ليغفر لكم": إبراهيم: - 10، إلا أن المغفرة غرض الدعوة كما لا نعقل من قول ~~السيد لعبده أو أي متبوع لتابعه: ايتني بماء لأشربه أو بغذاء لآكله أو اكس ~~فلانا ليستر به عورته إلا أن الشرب والأكل وستر العورة أغراض لأوامرها، ~~فلله سبحانه فيما ينزله من الأحكام والشرائع أغراض وغايات مقصودة. # نعم بين سبحانه أن ساحته منزهة عن الفقر والحاجة مبرأة عن النقص والشين ~~إذ قال: "إن الله لغني عن العالمين": العنكبوت: 6، وقال: "وربك الغني ذو ~~الرحمة": الأنعام: 133، وقال: "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله ~~هو الغني": فاطر: 15، فأفاد أنه في غنى عن كل شيء لا ينتفع بشيء من هذه ~~الأغراض وليست أفعاله تعالى بالعبث ms4352 والجزاف حتى تخلو عن الغرض، كيف؟ وقد ~~وصف نفسه بالحكمة والحكيم لا يعبث ولا يجازف، ونص على انتفاء العبث من ~~فعله: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا" : المؤمنون: 115، والأمر والنهي اللذان ~~يتم بهما الكمال في العالم الإنساني يعودان بالآخرة إلى ما يتم به الخلقة. # فلله سبحانه في خلقه وأمره أغراض، وإن كان لا يستكمل بأغراض أفعاله كما ~~نستكمل نحن بأغراض أفعالنا لكنه سبحانه لا يتأثر عن أغراضه وبعبارة أخرى ~~الحكم والمصالح لا تؤثر فيه تعالى كما أن مصلحة الفعل تؤثر فينا فيبعثنا ~~تعقلها نحو الفعل ونرجح الفعل على الترك، فإنه سبحانه هو القاهر غير ~~المقهور والغالب غير المغلوب، يملك كل شيء ولا يملكه شيء، ويحكم على كل شيء ~~ولا يحكم عليه شيء، ولم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل، فلا يكون ~~تعالى محكوما بعقل بل هو الذي يهدي العقل إلى ما يعقله، ولا تضطره مصلحة ~~إلى فعل ولا مفسدة إلى ترك بل هو الهادي لهما إلى ما توجبانه. # فالغرض والمصلحة منتزعة من مقام فعله بمعنى أن فعله يتوقف على المصلحة ~~لكنها لا تحكم في ذاته تعالى ولا تضطره إلى الفعل، فكما أنه تعالى إذا خلق ~~شيئا وقال له: كن فكان كزيد مثلا انتزع العقل من العين الخارجية نفسها أنها ~~إيجاد من الله تعالى ووجود لزيد وحكم بأن وجوده يتوقف على إيجاده، كذلك ~~ينتزع العقل من فعله تعالى بالنظر إلى ما أشرنا إليه من صفاته العليا أنه ~~فعله وأنه ذو مصلحة مقصودة ثم يحكم بأن تحقق الفعل يتوقف على كونه ذا مصلحة. PageV12P003 # فهذا هو الذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى في كون أفعاله تعالى مشتملة على ~~الحكم والمصالح متوقفة على الأغراض والمتحصل من ذلك أن له تعالى في أفعاله ~~أغراضا لكنها راجعة إلى خلقه دونه. # وملخصه أن غرضه في فعله يفارق أغراضنا في أفعالنا من وجهين: أحدهما أنه ~~تعالى لا يستكمل بأغراض أفعاله وغاياتها بخلافنا معاشر ذوي الشعور والإرادة ~~من الإنسان وسائر الحيوان، وثانيهما أن المصلحة والمفسدة لا تحكمان فيه ms4353 ~~تعالى بخلاف غيره. # وأما النزاع المعروف بين الأشاعرة والمعتزلة في أن أفعال الله معللة ~~بالأغراض أم لا؟ بمعنى أنه تعالى هل هو محكوم بالمصلحة الواقعية في فعله ~~بحيث إن المصلحة ترجح له الفعل على الترك ولولاها لم يكن له ليفعل؟ أو أنه ~~لا غاية له في فعله وإنما يفعل بإرادة جزافية من غير غرض؟. # فذلك مما لا يهدي إلى شيء من طرفيه النظر المستوفى والحق خلاف القولين ~~جميعا، وهو أمر بين الأمرين كما أشرنا إليه ولعلنا نوفق فيما سيأتي من ~~الكتاب لعقد بحث مستقل في المسألة نستوفي فيه النظر العقلي والنقلي فيها إن ~~شاء الله تعالى. # وفي قوله: "بإذن ربهم" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة والنكتة فيه ~~التخلص إلى ذكر صفة الربوبية وتسجيل أنه تعالى هو رب هؤلاء المشركين الذين ~~اتخذوا له أندادا فإن وجه الكلام في الحقيقة إليهم وإن كان المخاطب به هو ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دونهم ولتكون هذه التسمية وهي في مفتتح ~~الكلام مبدأ لما سيذكر في السورة من الحجة على توحيد الربوبية. # قوله تعالى: "إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض" العزة تقابل الذلة، قال الراغب: العزة حالة مانعة للإنسان من أن ~~يغلب من قولهم: أرض عزاز أي صلبة، قال تعالى: "أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا" وتعزز اللحم اشتد وعز كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه، ~~انتهى موضع الحاجة. # فعزة العزيز هي كونه بحيث يصعب نيله والوصول إليه ومنه عزيز القوم وهو ~~الذي يقهر ولا يقهر لأنه ذو مقام لا يصل إليه من قصده دون أن يمنع قبل ~~الوصول إليه ويقهر، ومنه العزيز لما قل وجوده لصعوبة نيله، ومنه العزيز ~~بمعنى الشاق لأن الذي يشق على الإنسان يصعب حصوله، قال تعالى: "عزيز عليه ~~ما عنتم"،: التوبة: 128، ومنه قوله: "وعزني في الخطاب"،: (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): 23، أي غلبني على ما فسر به. # والله سبحانه عزيز لأنه الذات الذي لا يقهره شيء من جهة ms4354 وهو يقهر كل شيء ~~من كل جهة ولذلك انحصرت العزة فيه تعالى فلا توجد عند غيره إلا باكتساب منه ~~وبإذنه قال تعالى: "أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا": النساء: ~~139، وقال "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا": فاطر: 10. # والحميد فعيل بمعنى المفعول من الحمد وهو الثناء على الجميل الاختياري، ~~وإذ كان كل جمال ينتهي إليه سبحانه كان جميع الحمد له كما قال: "الحمد لله ~~رب العالمين": سورة الحمد: 2 ومن غريب القول ما عن الإمام الرازي على ما ~~سننقله: أن الحميد معناه العالم الغني. # وقوله: "إلى صراط العزيز الحميد" بدل من قوله: "إلى النور" يبين به ما ~~يوصل إليه الكتاب الذي أنزله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانا بعد ~~بيان فنبه أولا بأنه نور يميز الحق من الباطل والخير من الشر والسعادة من ~~الشقاوة، وثانيا بأنه طريق واضح يجمع سالكيه في متنه وينتهي بهم جميعا إلى ~~الله العزيز الحميد. # والوجه في ذكر الصفتين الكريمتين: "العزيز الحميد" أنهما مبدءان لما ~~سيورد في السورة من الكلام الموجه إليهم فإن عمدة الكلام في السورة هي ~~تذكيرهم أن الله أنعم عليهم بربوبيته كل نعمة عظيمة، ثم عزم عليهم من طريق ~~رسله أن يشكروه ولا يكفروه ووعد رسله أنهم إن آمنوا أدخلهم الجنة، وإن ~~كفروا انتقم منهم وأوردهم مورد الشقاء والعذاب، فليخافوا ربهم وليحذروا ~~مخالفة أمره وكفران نعمته لأن له كل العزة لا نمنع عن حلول سخطه بهم ونزول ~~عذابه عليهم شيء، حميد لا يذم في إثابته المؤمنين، ولا في تعذيب الكافرين، ~~كما لا يذم فيما بسط عليهم من نعمه التي لا تحصى. PageV12P004 # فجل الكلام في هذه السورة فيما يقتضيه الصفات الثلاث: توحده تعالى ~~بالربوبية وعزته وكونه حميدا في أفعاله فليخف من عزته المطلقة، وليشكر ~~وليوثق بما وعد وليتذكر من آيات ربوبيته. # وفي روح المعاني عن أبي حيان: النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله ~~تعالى لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ناسب ذكر ~~هاتين الصفتين صفة ms4355 العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب ~~المعجز الذي لا يقدر عليه سواه، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج ~~الناس من الظلمات إلى النور. # قال: ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر انتهى. # وهو أجنبي عن سياق آيات السورة البتة ولعله مأخوذ من قوله تعالى في وصف ~~القرآن: "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل ~~من حكيم حميد": حم السجدة: 42، لكن المقام غير المقام. # وعن الإمام في تفسيره: إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد لأن الصحيح أن ~~أول العلم بالله تعالى العلم بكونه قادرا ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ثم ~~بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات والعزيز هو القادر، والحميد هو العالم ~~الغني فلما كان العلم بكونه قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا ~~عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد. # انتهى، وهو مجازفة عجيبة. # وقريب منه في المجازفة قول بعضهم: قدم العزيز على الحميد اعتناء بأمر ~~الصفات السلبية كما يؤذن به قولهم: التخلية أولى من التحلية فإن العزة - ~~كما تقدم - من الصفات السلبية بخلاف الحمد. # وربما قيل في وجه تخصيص الوصفين بالذكر أنه للترغيب في سلوك هذا الصراط ~~لأنه صراط العزيز الحميد فيعز سالكه ويحمد سابله، انتهى. # وهو وجه الأحرى به أن يجعل من الفوائد المتفرعة دون السبب الموجب، والوجه ~~ما قدمناه. # وأما قوله "الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" فبيان للعزيز ~~الحميد، والمراد بما في السماوات والأرض كل ما في الكون فيشمل نفس السماوات ~~والأرض كما يشمل ما فيهما، فهو تعالى يملك كل شيء من كل جهة بحقيقة معنى الملك. # وفيه إشارة إلى الحجة في كونه تعالى عزيزا حميدا، فإنه تعالى وإن كان هو ~~الذي يحق الحق بكلماته وهو الذي ينجح كل حجة في دلالتها، لكنه جارى عباده ~~في كلامه على ما فطرهم عليه، وذلك أنه تعالى لما ملك كل خلق وأمر بحقيقة ~~معنى الملك فهو المالك لكل قهر وغلبة فلا قهر إلا ms4356 منه ولا غلبة إلا له فهو ~~تعالى عزيز وله أن يتصرف في ما يشاء بما يشاء ولا يكون تصرفه إلا محمودا ~~غير مذموم لأن التصرف إنما يكون مذموما إذا كان المتصرف لا يملكه إما عقلا ~~أو شرعا أو عرفا، وأي تصرف نسبه إليه تعالى عقل أو شرع أو عرف فإنه يملكه، ~~فهو تعالى حميد محمود الأفعال. # قوله تعالى: "وويل للكافرين من عذاب شديد" بيان لما تقتضيه صفة العزة من ~~القهر لمن يرد دعوته ويكفر بنعمته. # قوله تعالى "الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا" إلخ، قال الراغب في المفردات: وقوله عز وجل: "إن استحبوا ~~الكفر على الإيمان" أي إن آثروه عليه، وحقيقة الاستحباب أن يتحرى الإنسان ~~في الشيء أن يحبه، واقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار، وعلى هذا قوله تعالى: ~~"وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"، انتهى. # ومعنى استحباب الدنيا على الآخرة اختيار الدنيا وترك الآخرة رأسا، ~~ويقابله اختيار الآخرة على الدنيا بمعنى أخذ الآخرة غاية للسعي وجعل الدنيا ~~مقدمة لها يتوسل بها إليها، وأما اختيار الآخرة وترك الدنيا من أصلها فإنه ~~مضاف إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة يوجب اختلال أمر الآخرة، وينجر إلى ~~تركها بالآخرة، فالحياة الدنيا حياة منقطعة والحياة الآخرة حياة دائمة ~~يتوسل إلى سعادتها من طريق الدنيا بالاكتساب، فمن اختار الآخرة وأثبتها ~~لزمه إثبات الدنيا لمكان مقدميتها، ومن اختار الدنيا وجعلها غاية لزمه نفي ~~الآخرة من أصلها لأنها لو ثبتت ثبتت غاية وإذ لم يجعل غاية انتفت، فليس بين ~~يدي الإنسان إلا خصلتان: اختيار الآخرة على الدنيا بجعل الآخرة غاية وإثبات ~~الدنيا معها للمقدمية، واختيار الدنيا على الآخرة بجعل الدنيا غاية ونفي ~~الآخرة من أصلها. PageV12P005 # وإيضاح المقام أن الإنسان لا بغية له إلا سعادة حياته وحبه لها فطري، وقد ~~أوضحنا ذلك في مواضع متفرقة فيما تقدم، والذي يثبته كتاب الله من أمر ~~الحياة أنها دائمة غير منقطعة بالموت فلا محالة تنقسم بالنظر إلى تخلل ~~الموت إلى حياتين: الحياة الدنيا المؤجلة بالموت ms4357 والحياة الآخرة بعد الموت، ~~وهي تتفرع في سعادتها وشقائها على الحياة الدنيا وما يكتسبه الإنسان في ~~الدنيا من ناحية الأعمال الحيوية من حسنة أو سيئة، ولا مفر للإنسان من هذه ~~الأعمال لما عنده من حب الحياة الفطري. # وهذه الأعمال أعني السنة التي يستن بها الإنسان في حياته الدنيا الكاسبة ~~له التقوى أو الفجور والحسنة أو السيئة هي التي تسمى في كتاب الله دينا ~~وسبيلا، فلا مفر للإنسان من سنة حسنة أو سيئة ودين حق أو باطل. # ولما كان من سنة الله سبحانه الجارية أن يهدي كل نوع من الأنواع إلى ~~سعادته وكماله ومن كمال الإنسان وسعادته أن يعيش عيشة اجتماعية ويستن بسنة ~~حيوية، شرع الله سبحانه له دينا مبنيا على فطرته التي فطر عليها وهو سبيل ~~الله الذي يسلكه ودينه الذي يتدين به، فإن جرى على ما شرعته له الربوبية ~~وهدته إليه الفطرة فقد سلك سبيل الله وابتغاه مستقيما، وإن اتبع الهوى وصد ~~نفسه عن سبيل الله واشتغل بما يزينه له الشيطان فقد ابتغى سبيل الله عوجا ~~منحرفا. # أما أنه يبتغي سبيل الله فإن الله هو الذي فطره على طلب السبيل وابتغاء ~~الصراط ولا يهدي البتة إلا إلى ما يرتضيه وهو سبيل نفسه، وأما أنه منحرف ذو ~~عوج فلأنه لا يهدي إلى الحق وما ذا بعد الحق إلا الضلال؟ والآيات القرآنية ~~الدالة على هذا الذي قدمناه متكاثرة لا حاجة إلى إيرادها. # إذا عرفت هذا لاح لك أن قوله في تفسير الكافرين: "الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة" مفاده أنهم يتعلقون تمام التعلق بالحياة الدنيا ويعرضون ~~عن الآخرة بنفيها، وهو الكفر بالمعاد المستلزم للكفر بالتوحيد والنبوة. # وقوله: "ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا" مفاده أنهم يكفون أنفسهم عن ~~الاستنان بسنة الله والتدين بدينه أو يصدون ويصرفون الناس عن الإيمان بالله ~~واليوم الآخر والتشرع بشريعته عنادا منهم للحق، ويطلبون سنة الله عوجا ~~ومنحرفة بالاستنان بغيرها من سنة اجتماعية أيا ما كانت ثم سجل عليهم الضلال ~~بقوله سبحانه: ويظهر بما تقدم فساد قول ms4358 بعضهم إن المراد بقوله: "يبغونها ~~عوجا" يبغون لها عوجا أي يطلبون لها زيغا واعوجاجا حتى يعيبوها به ويصدوا ~~الناس عنها بسببه. # وقول بعضهم: المعنى يطلبون أن يروا فيها عوجا يكون قادحا فيقدحوا فيها به. # وقول بعضهم: المعنى يطلبون لأهلها أن يعوجوا وينحرفوا بالرد فهو المراد ~~بطلبهم الدين منحرفا، وانحرافه فساد ما عند المؤمنين من معارفه وفساد هذه ~~الأقوال ظاهر. # قوله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" إلى آخر الآية. # اللسان هو اللغة، قال تعالى: "بلسان عربي مبين": الشعراء: 195. # والضمير في "قومه" عائد إلى "رسول" وفي "لهم" إلى "قومه" والمحصل ما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم ذلك الرسول ليبين لقومه، ومن الخطإ إرجاع ~~ضمير قومه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليفيد أن الله سبحانه كان ~~يوحي إلى جميع الرسل بالعربية لفساد المعنى بذلك لرجوع ضمير "لهم" إلى ~~"قومه" فيفيد أن الله أنزل التوراة لموسى مثلا بالعربية ليبين للعرب كما في ~~الكشاف. # والمراد بإرسال الرسول بلسان قومه إرساله بلسان القوم الذين كان يعيش ~~فيهم ويخالطهم ويعاشرهم وليس المراد به الإرسال بلسان القوم الذين هو منهم ~~نسبا لأنه سبحانه يصرح بمهاجرة لوط (عليه السلام) من كلدة وهم سريانية ~~اللسان إلى المؤتفكات، وهم عبرانيون وسماهم قومه وأرسله إليهم ثم أنجاه ~~وأهله إلا امرأته وهي منهم وأهلكهم قال تعالى: "فآمن له لوط وقال إني مهاجر ~~إلى ربي": العنكبوت: 26 وفي مواضع من كلامه تعالى "قوم لوط". PageV12P006 # وأما من أرسل إلى أزيد من أمة وهم أولوا العزم من الرسل فمن الدليل على ~~أنهم كانوا يدعون أقواما من غير أهل لسانهم ما حكاه الله من دعوة إبراهيم ~~(عليه السلام) عرب الحجاز إلى الحج، ودعوة موسى (عليه السلام) فرعون وقومه ~~إلى الإيمان وعموم دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اشتمل القرآن ~~على دعوة اليهود والنصارى وغيرهم وقبول إيمان من آمن منهم بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وكذا ما يستفاد من عموم دعوة نوح (عليه السلام). # وعلى هذا فالمراد ms4359 بقوله: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" ~~و- الله أعلم - أن الله لم يبن إرسال الرسل والدعوة الدينية على أساس معجز ~~خارق للعادة الجارية ولا فوض إلى رسله من الأمر شيئا بل أرسلهم باللسان ~~العادي الذي كانوا يكالمون قومهم ويحاورونهم به ليبينوا لهم مقاصد الوحي ~~فليس لهم إلا البيان، وأما ما وراء ذلك من الهداية والإضلال فإلى الله ~~سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره. # فتعود الآية كالبيان والإيضاح لقوله تعالى قبل: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" وإن معنى إخراجك الناس من الظلمات ~~إلى النور أن تبين لهم ما أنزل الله لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله: ~~"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم": النحل: 44. # وأما قوله: "فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء" فإشارة إلى ما أومأنا إليه ~~أن أمر الهدى والضلال إلى الله لا يتحقق شيء منهما إلا عن مشية منه تعالى ~~غير أنه سبحانه أخبرنا أن هذه المشية منه ليست جزافية غير منتظمة بل لها ~~نظم ثابت فمن اتبع الحق ولم يعانده هداه الله، ومن جاحده واتبع هواه أضله ~~الله فهو إضلال مجازاة غير الإضلال الابتدائي المذموم. # وقد قدم سبحانه الإضلال على الهداية إذ قال: "فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء" لأن ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أن الكلام مبني على عزته المطلقة ~~فكان من الواجب أن يبين أن ضلال من يضل عن السبيل كهدى من اهتدى إليها إنما ~~هو بمشية منه تعالى ولم يغلب في إرادته ولم يزاحم في ملكه حتى لا يخيل إلى ~~كل مغفل من الناس أن الله يصف نفسه بالعزة المطلقة وأنه غالب غير مغلوب ~~وقاهر غير مقهور ثم يدعو الناس فلا يستجيبون دعوته ويأمرهم وينهاهم فيعصون ~~ولا يطيعون وهل هذا إلا غلبة منهم وقهر وهو مغلوب مقهور؟. # فكأنه تعالى أجاب عن ذلك بأن معنى دعوته تعالى أن يرسل رسولا بلسان قومه ~~فيبين لهم ما يسعدهم مما يشقيهم وأما ms4360 ضلال من ضل من الناس كهدى من اهتدى ~~منهم فبمشية من الله وإذنه، وحاشاه أن يقهر في سلطانه أو يتصرف في ملكه أحد ~~بغير إذنه. # فضلال من ضل منهم دليل عزته فضلا أن يكون ناقضا لها كما أن هدى من اهتدى ~~كذلك، ولذلك ذيل الكلام بقوله: "وهو العزيز الحكيم" فهو سبحانه عزيز لا ~~يغلبه ولا يضره ضلال من ضل منهم، ولا ينفعه هدى من اهتدى حكيم لا يشاء ما ~~شاء جزافا وعبثا بل عن نظام متقن دائمي. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى ~~النور" إلى آخر الآية، إذ كان الكلام في السورة مبنيا على الإنذار والتذكير ~~بعزة الله سبحانه ناسب أن يذكر إرسال موسى بالآيات لهداية قومه فإن قصة ~~رسالته من أوضح مصاديق ظهور العزة الإلهية من بين الرسل وقد قال تعالى فيه: ~~"ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين": المؤمن: 23، وقال حاكيا عنه (عليه ~~السلام): "وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين": الدخان: 19. # فوزان الآية أعني قوله: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور"، من قوله: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم" وزان التنظير بداعي التأييد وتطييب النفس كما في ~~قوله: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء، 16. # وأما ما ذكر بعضهم أن الآية شروع في تفصيل ما أجمل في قوله: "وما أرسلنا ~~من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" فبعيد كل البعد. # ونظيره في البعد قول بعضهم: إن المراد بالآيات التي أرسل بها موسى آيات ~~التوراة دون المعجزات التي أرسل (عليه السلام) بها كالثعبان واليد البيضاء ~~وغيرهما. PageV12P007 # على أن الله سبحانه وتعالى لم يعد في كلامه التوراة من آيات رسالة موسى ولا ~~ذكر أنه أرسله بها قط وإنما ذكر أنه أنزلها عليه وآتاه إياها. # ولم يقيد قوله: "أن أخرج قومك" - إلخ - بالإذن كما قيد به قوله للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) "لتخرج الناس" إلخ لأن قوله هاهنا: ms4361 "أخرج قومك" ~~أمر يتضمن معنى الإذن بخلاف قوله هناك: "لتخرج الناس". # وقوله: "وذكرهم بأيام الله" لا شك أن المراد بها أيام خاصة، ونسبة أيام ~~خاصة إلى الله سبحانه مع كون جميع الأيام وكل الأشياء له تعالى ليست إلا ~~لظهور أمره تعالى فيها ظهورا لا يبقى معه لغيره ظهور، فهي الأزمنة والظروف ~~التي ظهرت أو سيظهر فيها أمره تعالى وآيات وحدانيته وسلطنته كيوم الموت ~~الذي يظهر فيه سلطان الآخرة وتسقط فيه الأسباب الدنيوية عن التأثير، ويوم ~~القيامة الذي لا يملك فيه نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وكالأيام التي ~~أهلك الله فيها قوم نوح وعاد وثمود فإن هذه وأمثالها أيام ظهر فيها الغلبة ~~والقهر الإلهيان وأن العزة لله جميعا. # ويمكن أن يكون منها أيام ظهرت فيها النعم الإلهية ظهورا ليس فيه لغيره ~~تعالى صنع كيوم خروج نوح (عليه السلام) وأصحابه من السفينة بسلام من الله ~~وبركات ويوم إنجاء إبراهيم من النار وغيرهما فإنها أيضا كسوابقها لا نسبة ~~لها في الحقيقة إلى غيره تعالى فهي أيام الله منسوبة إليه كما ينسب الأيام ~~إلى الأمم والأقوام ومنه أيام العرب كيوم ذي قار ويوم فجار ويوم بغاث وغير ذلك. # وتخصيص بعضهم الأيام بنعماء الله سبحانه بالنظر إلى ما سيأتي من ذكر نعمه ~~تعالى كتخصيص آخرين لها بنقماته تعالى خال عن الوجه بعد ما كان الكلام ~~جاريا في السورة على ما تقتضيه عزته تعالى، ومن مقتضى صفة عزته الإنعام على ~~العباد والأخذ الشديد إن كفروا بنعمته. # ثم تمم الكلام بقوله: "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" أي كثير الصبر عند ~~الضراء وكثير الشكر على النعماء. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أحمد عن أبي ذر قال قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لم يبعث الله نبيا إلا بلسان قومه وفيه، أخرج النسائي وعبد ~~الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه ms4362 ~~وآله وسلم) في قوله: "وذكرهم بأيام الله" قال: بنعم الله وآلائه. # أقول: وهو بيان بعض المصاديق، وروى ما في معناه الطبرسي والعياشي عن ~~الصادق (عليه السلام). # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله في حديث ~~طويل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أيام الله نعماؤه وبلاؤه وهو ~~مثلاته سبحانه. # وفي تفسير القمي، قال: قال أيام الله ثلاثة: يوم القائم ويوم الموت ويوم ~~القيامة. # أقول: المراد بيان أيامه تعالى العظيمة لا حصر مطلق أيامه. # وفي المعاني، بإسناده عن مثنى الحناط عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) قالا: أيام الله ثلاثة: يوم يقوم القائم ويوم الكرة ويوم القيامة. # أقول: وهي كسابقتها واختلاف الروايات في تعداد المصاديق يؤيد ما قدمناه ~~في بيان الآية. PageV12P008 ### ||| AUTO 14 سورة إبراهيم - 6 - 18 # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد ~~(7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد (8) ~~ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينت فردوا أيديهم فى أفوههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم أفى ~~الله شك فاطر السموت والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا ~~فأتونا بسلطن مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن ~~على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن ~~على ما ءاذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا ~~لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن ms4363 فى ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظلمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد (14) ~~واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم أعملهم كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف ~~لا يقدرون مما كسبوا على شىء ذلك هو الضلل البعيد (18) ### |||| AUTO بيان # الآيات تشتمل على ذكر نبذة من نعم الله ونقمه في أيامه وظاهر سياق الآيات ~~أنها من كلام موسى (عليه السلام) غير قوله تعالى: "وإذ تأذن ربكم" الآية ~~فهي حكاية قول موسى يذكر فيها قومه ببعض أيام الله سبحانه على ما يقتضيه ~~عزته المطلقة من إنزال النعم والنقم، ووضع كل في موضعه الذي يليق به حسب ما ~~اقتضته حكمته البالغة. # قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم" إلى آخر الآية، ~~السوم على ما ذكره الراغب بمعنى الذهاب في ابتغاء الشيء فهو لفظ لمعنى ~~يتركب من الذهاب والابتغاء فكأنه في الآية بمعنى إذاقة العذاب، والاستحياء ~~استبقاء الحياة. # والمعنى واذكر أيها الرسول لزيادة التثبت في أن الله عزيز حميد إذ قال ~~موسى لقومه وهم بنو إسرائيل: اذكروا نعمة الله عليكم يوم أنجاكم من آل ~~فرعون وخاصة من القبط والحال أنهم مستمرون على إذاقتكم سوء العذاب ويكثرون ~~ذبح الذكور من أولادكم وعلى استبقاء حياة نسائكم للاسترقاق، وفي ذلكم بلاء ~~ومحنة من ربكم عظيم. # قوله تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد" قال في المجمع التأذن الإعلام يقال: آذن وتأذن ومثله أوعد وتوعد انتهى. # وقوله: "وإذ تأذن ربكم" إلخ معطوف على قوله: "وإذ قال موسى لقومه" وموقع ~~الآية التالية: "وقال موسى" إلخ، من هذه الآية كموقع قوله: "ولقد أرسلنا ~~موسى" إلخ، من قوله: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور" ~~إلخ، فافهم ذلك فهو الأنسب بسياق كلامه تعالى. PageV12P009 # وذكر بعضهم أنه داخل في مقول موسى وليس ms4364 بكلام مبتدإ وعليه فهو معطوف على ~~قوله: "نعمة الله عليكم" والتقدير: اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا إذ تأذن ~~ربكم إلخ، وفيه أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: اذكروا إذ أنجاكم ~~فأنعم عليكم وإذ تأذن ربكم إلخ، لما فيه من رعاية حكم الترتيب. # وقيل: إنه معطوف على قوله: "إذ أنجاكم" والمعنى اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ تأذن ربكم، فإن هذا التأذن نفسه نعمة لما فيه من الترغيب والترهيب ~~الباعثين إلى نيل خير الدنيا والآخرة. # وفيه أن هذا التأذن ليس إلا نعمة للشاكرين منهم خاصة وأما غيرهم فهو نقمة ~~عليهم وخسارة فنظمه في سلك ما تقدمه من غير تقييد أو استثناء ليس على ما ينبغي. # فالظاهر أنه كلام مبتدأ وقد بين تعالى هذه الحقيقة أعني كون الشكر - الذي ~~حقيقته استعمال النعمة بنحو يذكر إنعام المنعم ويظهر إحسانه ويئول في مورده ~~تعالى إلى الإيمان به والتقوى - موجبا لمزيد النعمة والكفر لشديد العذاب، ~~في مواضع من كلامه، وقد حكى عن نوح فيما ناجى ربه ودعا على قومه: "فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال ~~وبنين" إلخ: نوح: 12. # ومن لطيف كرمه تعالى اللائح من الآية - كما ذكره بعضهم - اشتمالها على ~~التصريح بالوعد والتعريض في الوعيد حيث قال: "لأزيدنكم" وقال إن عذابي ~~لشديد ولم يقل لأعذبنكم وذلك من دأب الكرام في وعدهم ووعيدهم غالبا. # والآية مطلقة لا دليل على اختصاص ما فيها من الوعد والوعيد بالدنيا ولا ~~بالآخرة، وتأثير الإيمان والكفر والتقوى والفسق في شئون الحياة الدنيا ~~والآخرة معا معلوم من القرآن. # وقد استدل بالآية على وجوب شكر المنعم، والحق أن الآية لا تدل على أزيد ~~من أن الكافر على خطر من كفره فإن الله سبحانه لم يصرح بفعلية العذاب على ~~كل كفر إذ قال: "ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" ولم يقل: لأعذبنكم. # قوله تعالى: "وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني ~~حميد" لما أمر تعالى بشكر نعمه بذكر ما تأذن به من الزيادة ms4365 على الشكر ~~والعذاب على الكفر على ما تقتضيه العزة المطلقة ذكر في تأييده من كلام موسى ~~(عليه السلام) ما يجري مجرى التنظير فقال: "وقال موسى" والكلام جار على هذا ~~النمط إلى تمام عشر آيات. # وأما أن الله غني وإن كفر من في الأرض جميعا فإنه غني بالذات عن كل شيء ~~فلا ينتفع بشكر ولا يتضرر بكفر، وإنما يعود النفع والضرر إلى الإنسان فيما ~~أتى به، وأما أنه حميد فلأن الحمد هو إظهار الحامد بلسانه ما لفعل المحمود ~~من الجمال والحسن وفعله تعالى حسن جميل من كل جهة فهو جميل ظاهر الجمال ~~يمتنع خفاؤه وإخفاؤه، فهو تعالى محمود سواء حمده حامد باللسان أو لم يحمد. # على أن كل شيء يحمده بتمام وجوده حتى الكافر بنعمته كما قال تعالى: "وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده": الإسراء: 44، فهو تعالى محمود سواء حمده الناس ~~بألسنتهم أو لم يحمدوه، وله كل الحمد سواء قصد به هو أو قصد به غيره. # قوله تعالى: "ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود" إلى آخر الآية. # من كلام موسى (عليه السلام) يذكر قومه من أيام الله في الأمم الماضين ممن ~~فنيت أشخاصهم وخمدت أنفاسهم وعفت آثارهم وانقطعت أخبارهم فلا يعلمهم بحقيقة ~~حالهم تفصيلا إلا الله كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم. # ومن هنا يعلم أولا: أن المراد بالنبأ، في قوله: "ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم" خبر هلاكهم وانقراضهم، فإن النبأ هو الخبر الذي يعتنى بأمره فلا ~~ينافي ما يتعقبه من قوله: "لا يعلمهم إلا الله". # وثانيا: أن قوله: "قوم نوح وعاد وثمود"، من قبيل ذكر الأمثلة، وإن قوله: ~~"لا يعلمهم إلا الله" بيان لقوله: "من قبلكم" والمراد بعدم العلم بهم لغير ~~الله الجهل بحقيقة حالهم وعدم الإحاطة بتفاصيل تاريخ حياتهم. # ومن الممكن أن يكون قوله: "لا يعلمهم إلا الله" اعتراضا وإن كان ما ~~ذكرناه أنسب للسياق، وأما احتمال أن يكون خبرا لقوله: "والذين من بعدهم" ~~كما ذكره بعضهم فسخافته ظاهرة، وأسخف منه تجويز بعضهم ms4366 أن يكون حالا من ضمير ~~من بعدهم وكون قوله: "جاءتهم رسلهم" خبرا لقوله: "والذين من بعدهم". PageV12P010 # وقوله: "جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم" الظاهر أن المراد ~~به أن رسلهم جاءوهم بحجج بينة تبين الحق وتجليه من غير أي إبهام وريب ~~فمنعوهم أن يتفوهوا بالحق وسدوا عليهم طريق التكلم. # فالضميران في: "أيديهم" و"أفواههم" للرسل، ورد أيديهم في أفواههم كناية ~~عن إجبارهم على أن يسكتوا ويكفوا عن التكلم بالحق كأنهم أخذوا بأيدي رسلهم ~~وردوها في أفواههم إيذانا بأن من الواجب عليكم أن تكفوا عن الكلام، ويؤيده ~~قوله بعد: "وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه ~~مريب" فإن دعوى الشك والريب قبال الحجة البينة والحق الصريح الذي لا يبقي ~~مجالا للشك لا تتحقق إلا من جاحد مكابر متحكم مجازف لا يستطيع أن يسمع كلمة ~~الحق فيجبر قائلها على السكوت والصمت. # وللقوم في معنى الآية أقوال أخر: منها قول بعضهم المعنى أن الكفار ردوا ~~أيديهم في أفواه الرسل تكذيبا لهم وردا لما جاءوا به، فالضمير الأول للكفار ~~والثاني للرسل، وفيه أنه مستلزم لاختلاف مرجع الضميرين من غير قرينة ظاهرة. # ومنها: أن المراد أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم مومين به إلى ~~الرسل أن اسكتوا كما يفعله الواحد من الناس مع غيره إذا أراد إسكاته ~~فالضميران معا للكفار. # ومنها: أن المعنى عضوا أصابعهم من شدة الغيظ من استماع دعوة الرسل، ~~فالضميران للكفار كما في الوجه السابق وفيه أنه كناية بعيدة غير مفهومة من اللفظ. # ومنها: أن المراد بالأيدي الحجج وهي إما جمع اليد بمعنى الجارحة لكون ~~الحجة بمنزلة اليد التي بها البطش والدفع، وإما جمع اليد بمعنى النعمة لكون ~~حجج الرسل نعما منهم على الناس والمعنى أنهم ردوا حجج الرسل إلى أفواههم ~~التي خرجت منها. # وقريب من هذا الوجه قول بعضهم: إن المراد بالأيدي نعم الرسل وهي أوامرهم ~~ونواهيهم والضميران أيضا للرسول، والمعنى أنهم كذبوا الرسل في أوامرهم ~~ونواهيهم. # وقريب منه أيضا قول آخرين: إن المراد بالأيدي النعم، ms4367 وضمير "أيديهم" ~~للرسل، و"في" في قوله "في أفواههم" بمعنى الباء والضمير للكفار والمعنى كذب ~~الكفار بأفواههم نعم الرسل وهي حججهم. # وأنت خبير بأن هذه معان بعيدة عن الفهم يجل كلامه تعالى أن يحمل عليها ~~وعلى أمثالها. # وأما قوله: "وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا ~~إليه مريب" فهو نحو بيان لقوله: "فردوا أيديهم في أفواههم" والجملة الأولى ~~أعني قولهم: "إنا كفرنا بما أرسلتم به" إنكار للشريعة الإلهية التي هي متن ~~الرسالة، والجملة الثانية أعني قولهم: "وإنا لفي شك" إلخ... إنكار لما ~~جاءوا به من الحجج والبينات وإظهار ريب فيما كانوا يدعون إليه وهو توحيد ~~الربوبية. # قوله تعالى: "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى" أصل الفطر على ما ذكره الراغب الشق ~~طولا يقال: فطرت الشيء فطرا أي شققته طولا، وأفطر الشيء فطورا وانفطر ~~انفطارا أي قبل الفطر، واستعمل في القرآن فيما انتسب إليه تعالى بمعنى ~~الإيجاد بنوع من العناية كأنه تعالى شق العدم شقا فأظهر من بطنه الأشياء ~~فهي ظاهرة ما أمسك هو تعالى على شقي العدم موجودة ما كان ممسكا لها ولو ترك ~~الإمساك لانعدمت وزالت كما قال تعالى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده: فاطر: 41. # وعلى هذا فتفسير الفطر بالخلق الذي هو جمع الأجزاء والأبعاض كما وقع في ~~بعض العبارات ليس على ما ينبغي، ويؤيد ذلك أن الفطر لو كان بمعنى الخلق ~~لكان البرهان الذي أشير إليه بقوله: "فاطر السماوات والأرض" مسوقا لإثبات ~~وجود الخالق فكان أجنبيا عن المقام لأن الوثنية لا تنكر وجود خالق للعالم ~~وأنه هو الله عز اسمه لا غير، وإنما ينكرون توحيد الربوبية والعبادة وهو أن ~~يكون الله سبحانه هو الرب المعبود لا غير، والبرهان على كونه تعالى خالقا ~~للسماوات والأرض لا ينفع فيه شيئا. PageV12P011 # وكيف كان فقوله: "قالت رسلهم أفي الله شك" إلخ، كلام قوبل به قولهم: ~~"وقالوا إنا كفرنا ms4368 بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب" وقد ~~عرفت أن قولهم هذا يتضمن إنكارين: إنكارهم للرسالة وتشككهم في توحيد ~~الربوبية فكلام الرسل المورد جوابا منهم عن قولهم بالمقابلة متضمن لجزءين. # فقولهم: "أفي الله شك فاطر السماوات والأرض" برهان على توحيد الربوبية إذ ~~لو سيق لمجرد الإنكار على الكفار من غير إشارة إلى برهان لم يكن حاجة إلى ~~ذكر الوصف "فاطر السماوات والأرض"، ففي ذكره دلالة على أنه مزيل كل شك وريب ~~عنه تعالى. # وذلك أنا نرى في أول ما نعقل أن لهذا العالم المشهود الذي هو مؤلف من ~~أشياء كثيرة كل واحد منها محدود في نفسه متميز من غيره وجودا، وليس وجوده ~~ولا وجود شيء من أجزائه من نفسه وقائما بذاته وإلا لم يتغير ولم ينعدم ~~فوجوده ووجود أجزائه وكذا كل ما يرجع إلى الوجود من الصفات والآثار من ~~غيرها ولغيرها وهذا الغير هو الذي نسميه "الله" عز اسمه. # فهو تعالى الذي يوجد العالم وكل جزء من أجزائه ويحده ويميزه من غيره فهو ~~في نفسه موجود غير محدود وإلا لاحتاج إلى آخر يحدده فهو تعالى واحد لا يقبل ~~الكثرة لأن ما لا يحد بحد لا يقبل الكثرة. # وهو بوحدته يدبر كل أمر كما أنه يوجده لأنه هو المالك لوجودها والكل أمر ~~يرجع إلى وجودها، ولا يشاركه غيره في شيء لأن شيئا من الموجودات غيره لا ~~يملك لنفسه ولا لغيره فهو تعالى رب كل شيء لا رب غيره، كما أنه موجد كل شيء ~~لا موجد غيره. # وهذا برهان تام سهل التناول حتى للأفهام البسيطة يناله الإنسان الذي يذعن ~~بفطرته أن للعالم المشهود حقيقة وواقعية من غير أن يكون وهما مجردا كما ~~يبديه السفسطة والشك، ويثبت به توحد الألوهية والربوبية ولذلك تمسك به في ~~هذا المقام الذي هو مقام خصام الوثنية. # ومن هنا يظهر فساد زعم من زعم أن قوله: "أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض" حجة مسوقة لإثبات خالق للعالم، وكذا قول من قال: إنه دليل اتصال ~~التدبير ms4369 لتوحيد الربوبية بل هو برهان عليه تعالى من جهة قيام وجود كل شيء ~~وآثار وجوده به من كل جهة فينتج توحده في الربوبية ويزول به ما أيدوه من ~~الشك بقولهم: "وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب". # ثم قولهم: "يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى" إشارة إلى ~~برهان النبوة التي أنكروها بقولهم: "إنا كفرنا بما أرسلتم به" يريدون به ~~دين الرسل والشريعة السماوية بالوحي. # وبيانه أن من سنته تعالى الجارية هداية كل شيء إلى كماله وسعادته ~~النوعية، والإنسان أحد هذه الأنواع المشمولة للهداية الإلهية فمن الواجب في ~~العناية الإلهية أن يهتدي إلى سعادة حياته. # ولكن له حياة خالدة غير محدودة بالدنيا ولا منقطعة بالموت، وسعادته في ~~الحياة أن يعيش في الدنيا عيشة مطمئنة على أساس تعديل قواه في التمتع من ~~أمتعة الحياة من مأكول ومشروب ولباس ونكاح وغير ذلك وهي الأعمال الصالحة، ~~وفي الآخرة أن يعيش على ما اكتسبه من الاعتقاد الحق والعمل الصالح. # وهو وإن كان مجهزا بفطرة تذكره حق الاعتقاد وصالح العمل لكنه مجبول من ~~جهة أخرى على العيشة الاجتماعية التي تدعوه إلى اتباع الأهواء والظلم ~~والفسق، فمجرد ذكرى الفطرة لا يكفي في حمله على سنة حقة عادلة تحصل له ~~الاستقامة في الاعتقاد والعمل، وإلا لم يفسد المجتمع الإنساني ولا واحد من ~~أجزائه قط وهم مجهزون بالفطرة. # فمن الواجب في العناية أن يمد النوع الإنساني مع ما له من الفطرة الداعية ~~إلى الصلاح والسعادة بأمر آخر تتلقى به الهداية الإلهية وهو النبوة التي هي ~~موقف إنساني طاهر ينكشف له عنده الاعتقاد الحق والعمل الصالح بوحي إلهي ~~وتكليم غيبي يضمن اتباعه سعادة الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة. # أما سعادة الدنيا فلما تقدم كرارا أن بين المعاصي والمظالم وبين النكال ~~والعقوبة الإلهية التي تنتهي إلى الهلاك ملازمة فلو لم يفسد المجتمع وداموا ~~على الصلاح الفطري لم يختر منهم الهلاك ولم يفاجئهم النكال وعاشوا ما قدر ~~لهم من الآجال الطبيعية. # والعيشة المغبوطة. PageV12P012 # وأما سعادة الآخرة فلأن اتباع الدعوة ms4370 الإلهية وبعبارة أخرى الإيمان والتقوى ~~يحليان النفس بالهيأة الصالحة ويذهبان بدرن النفس الذي هو الذنوب بمقدار ~~الاتباع. # فربوبيته تعالى لكل شيء المستوجبة لتدبيرها أحسن تدبير وهدايته كل نوع ~~إلى غايته السعيدة تستدعي أن تعني بالناس بإرسال رسل منهم إليهم ودعوته ~~الناس بلسان رسله إلى الإيمان والعمل الصالح ليتم بذلك سعادتهم في الدنيا ~~والآخرة، أما في الدنيا فبالتخلص عن النكال والعقوبة القاضية عليهم، وأما ~~في الآخرة فبالمغفرة الإلهية بمقدار ما تلبسوا به من الإيمان والعمل ~~الصالح. # إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أن قوله تعالى حاكيا عن الرسل: "يدعوكم ليغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى" إشارة منهم (عليهم السلام) إلى حجة ~~النبوة العامة وأن قوله: "ليغفر لكم" إلخ، إشارة إلى غاية الدعوة الأخروية ~~وقوله: "ويؤخركم" إلخ إشارة إلى غايتها الدنيوية، وقدم ما للآخرة على ما ~~للدنيا لأن الآخرة هي المقصودة بالذات وهي دار القرار. # وقد نسبوا الدعوة في كلامهم إلى الله سبحانه للتنبيه لما هو الحق تجاه ~~قول الكفار "تدعوننا إليه" حيث نسبوها إلى الرسل، وقوله: "من ذنوبكم" ظاهر ~~في التبعيض، ولعله للدلالة على أن المغفرة على قدر الطاعة، والمجتمع ~~الإنساني لا يخلو عن المعصية المستوجبة للمؤاخذة البتة، فالمغفور على أي ~~حال بعض ذنوب المجتمع لا جميعها فافهم ذلك. # وربما ذكر بعضهم أن المراد به أنه يغفر حقوق الله لا حقوق الناس، ورد ~~بأنه صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الإسلام يجب ما قبله. # وربما قيل: إن "من" زائدة وأيد بقوله تعالى في موضع آخر: "يغفر لكم ~~ذنوبكم" بدون من. # وفيه أن من إنما يزاد في النفي دون الإثبات كقولهم: ما جاءني من رجل ~~وتدخل على النكرة دون المعرفة كما قيل. # على أن مورد الآيتين مختلف فإن قوله: "يغفر لكم ذنوبكم" الظاهر في مغفرة ~~الجميع إنما هو في مورد الإيمان والجهاد وهو قوله: "تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم - إلى أن قال - يغفر لكم ذنوبكم": ~~الصف: 12 والذي حكاه الله عن نوح (عليه ms4371 السلام) في مثل المقام وهو أول ~~هؤلاء الرسل المذكورين في الآية قوله: "أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى": نوح: 4، وهو يوافق الآية التي نحن ~~فيها فالتبعيض لا مفر منه ظاهرا. # ومما قيل في توجيه الآية أن المراد بالبعض الكل توسعا، ومن ذلك أن المراد ~~مغفرة ما قبل الإيمان من الذنوب وأما ما بعد ذلك فمسكوت عنه، ومن ذلك أن ~~المراد مغفرة الكبائر وهي بعض الذنوب إلى غير ذلك، وهذه وجوه ضعيفة لا يعبأ بها. # وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله: "من ~~ذنوبكم"؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين بقوله: "واتقوه ~~وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم" "يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم"، وقال في خطاب المؤمنين: "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم - إلى أن قال - يغفر لكم ذنوبكم" وغير ذلك مما يقفك عليه ~~الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوي بين الفريقين في ~~الميعاد. # انتهى. # وكأن مراده أن المغفور من الذنوب في الفريقين واحد وهو جميع الذنوب، إلا ~~أن تشريف مقام الإيمان أوجب أن يصرح في المؤمنين بمغفرة الجميع، ويقتصر في ~~وعد الكفار على مغفرة البعض والسكوت عن الباقي، ومغفرة بعضها لا تنافي ~~مغفرة البعض الآخر، فليكن هذا مراده وإلا فمجرد التفرقة بين الخطابين لا ~~ينتج ارتكاب مخالفة الواقع بتاتا. # وقوله: "ويؤخركم إلى أجل مسمى" أي لا يعاجلكم بالعقوبة والهلاك ويؤخركم ~~إلى الأجل الذي لا يؤخر وقد سماه لكم ولا يبدل القول لديه، وقد تقدم في ~~تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل أجلان: أجل موقوف معلق، وأجل مسمى لا يؤخر. # ومن الدليل على هذا الذي ذكرناه قول نوح لقومه في هذا المقام على ما حكاه ~~الله سبحانه: "ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر": نوح: 4. PageV12P013 # قوله تعالى: "قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قد ms4372 تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من ~~الكتاب أن الآية المعجزة حجة عامة على نبوة النبي لا حجة عامية وخاصة الوحي ~~والنبوة التي هي نوع اتصال بالغيب أمر خارق للعادة الجارية بين أفراد ~~الإنسان لا يجدونها من أنفسهم فعلى من يدعيها الإثبات ولا طريق إلى إثباتها ~~إلا بالإتيان بخارق عادة آخر يدل على صحة هذا الاتصال الغيبي لأن حكم ~~الأمثال واحد، وإذا جاز أن تخترق العادة بشيء جاز أن تخترق بما يماثله. # والرسل (عليهم السلام) لما احتجوا على كفار أممهم في النبوة العامة ~~بقولهم: "يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى" عادت الكفار ~~إليهم بطلب الدليل منهم على ما يدعونه من النبوة لأنفسهم معتذرين في ذلك ~~بقولهم: "إن أنتم إلا بشر مثلنا"، ثم صرحوا بما يطلبونه من الدليل وهو ~~الآية المعجزة بقولهم: "فأتونا بسلطان مبين". # فالمعنى سلمنا أن من مقتضى العناية الإلهية أن يدعونا إلى المغفرة ~~والرحمة، لكنا لا نسلم لكم أن هذه الدعوة قائمة بكم كما تدعون فإنكم بشر ~~مثلنا لا تزيدون علينا بشيء، ولو كان مجرد البشرية يوجب ذلك لكنا وجدناه من ~~أنفسنا ونحن بشر، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فأتونا بسلطان مبين أي ~~ببرهان قاطع يتسلط على عقولنا ويضطرنا إلى الإذعان بنبوتكم وهو آية معجزة ~~غيبية تخرق العادة كما أن ما تدعونه خارق مثلها. # وبهذا البيان يظهر أولا أن كلامهم هذا من قبيل منع الدعوى، وقولهم: "إن ~~أنتم إلا بشر مثلنا" سند المنع، وقولهم: "فأتونا بسلطان مبين" تصريح بطلب ~~الدليل. # وثانيا أن قولهم: "تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا" من قبيل ~~الاعتراض الواقع بين المنع وسنده ومعناه أنكم لما كنتم بشرا مثلنا لا فضل ~~لكم علينا بشيء فلا وجه لأن نقبل منكم ما لا نجده من أنفسنا ولا نعهده من ~~أمثالنا، والذي نعهده من أمثال هذه الأمور أنها إنما تظهر عن أغراض ومطامع ~~دنيوية مادية فليس إلا أنكم تريدون أن تصرفونا عن سنتنا القومية وطريقتنا ~~المثلى. # قوله تعالى: "قالت لهم رسلهم إن ms4373 نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من ~~يشاء" إلى آخر الآية جواب الرسل عما أوردوه على رسالتهم بأنكم بشر مثلنا ~~فلستم ذوي هوية ملكوتية حتى تتصلوا بالغيب فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه ~~القدرة الغيبية فأتونا بسلطان مبين. # ومحصل الجواب أن كوننا بشرا مثلكم مسلم لكنه يوجب خلاف ما استوجبتموه أما ~~قولكم إن كونكم بشرا مثلنا يوجب أن لا تختصوا بخصيصة لا نجدها من أنفسنا ~~وهي الوحي والرسالة فجوابه: أن المماثلة في البشرية لا توجب المماثلة في ~~جميع الكمالات الصورية والمعنوية الإنسانية كما أن اعتدال الخلقة وجمال ~~الهيئة وكذا رزانة العقل وإصابة الرأي والفهم والذكاء كمالات صورية ومعنوية ~~توجد في بعض أفراد الإنسان دون بعض، فمن الجائز أن ينعم الله بالوحي ~~والرسالة على بعض عباده دون بعض فإن الله يمن على من يشاء منهم. # وأما قولكم: "فأتونا بسلطان مبين" فإنه مبني على كون النبي ذا شخصية ~~ملكوتية وقدرة غيبية فعالة لما تشاء، وليس كذلك فما النبي إلا بشر مثلكم ~~يوحى إليه بالرسالة وليس له من الأمر شيء، وما كان له أن يأتي بآية من عنده ~~إلا أن يشاء الله ذلك ويأذن فيه. # فقوله: "إن نحن إلا بشر مثلكم" تسليم من الرسل لقولهم: "إن أنتم إلا بشر ~~مثلنا" لاستنتاج خلاف ما استنتجوه منه، وقوله: "ولكن الله يمن على من يشاء" ~~إشارة إلى مقدمة بانضمامها يستنتج المطلوب، وقوله: "وما كان لنا أن نأتيكم ~~بسلطان إلا بإذن الله" جواب منهم استنتجوه من كونهم بشرا مثلهم. # وتذييل هذا الكلام بقولهم: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" للإشارة إلى ما ~~يجري مجرى حجة ثانية على إرجاع الأمر كله - ومنه أمر الآية المعجزة - إلى ~~الله وهي حجة خاصة بالمؤمنين، وملخصها أن الإيمان بالله سبحانه يقتضي منهم ~~أن يذعنوا بأن الإتيان بالآية إنما هو إلى الله لأن الحول والقوة له خاصة ~~لا يملك غيره من ذلك شيئا إلا بإذنه. PageV12P014 # وذلك لأنه هو الله عز شأنه، فهو الذي يبدأ منه وينتهي إليه ويقوم به كل شيء ~~فهو رب ms4374 كل شيء المالك لتدبير أمره لا يملك شيء أمرا إلا بإذنه فهو وكيل كل ~~شيء القائم بما يرجع إليه من الأمر، فعلى المؤمن أن يتخذ ربه وكيلا في جميع ~~ما يرجع إليه حتى في أعماله التي تنسب إليه لما أن القوة كلها له سبحانه ~~وعلى الرسول أن يذعن بأن ليس له الإتيان بآية معجزة إلا بإذن الله. # والآية ظاهرة في أن الرسل (عليهم السلام) لم يدعوا امتناع إتيانهم بالآية ~~المعجزة المسماة سلطانا مبينا، وإنما ادعوا امتناع أن يستقلوا بذلك من غير ~~حاجة فيه إلى إذن الله سبحانه واحتجوا على ذلك أولا، وثانيا. # قوله تعالى: "وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون" ما استفهامية والاستفهام للإنكار، ~~وقوله: "وقد هدانا سبلنا" حال من الضمير في "لنا" وسبل الأنبياء والرسل ~~الشرائع التي كانوا يدعون إليها، قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله ~~على بصيرة": يوسف: 108 والمعنى ما الذي نملكه من العذر في أن لا نتوكل على ~~الله والحال أنه تعالى هدانا سبلنا ولم يكن لنا صنع في هذه النعمة والسعادة ~~التي من بها علينا فإذا كان سبحانه فعل بنا هذا الفعل الذي هو كل الخير فمن ~~الواجب أن نتوكل عليه في سائر الأمور. # وهذا في الحقيقة حجة ثانية على وجوب التوكل عليه وإلقاء الزمام إليه سلك ~~فيها من طريق الآثار الدالة على وجوب التوكل عليه كما أن الحجة السابقة سلك ~~فيها من النظر في نفس المؤثر، وتقرير الحجة أن هدايته تعالى إيانا إلى ~~سبلنا دليل على وجوب التوكل عليه لأنه لا يخون عباده ولا يريد بهم إلا ~~الخير ومع وجود الدليل على التوكل لا معنى لوجود دليل على عدم التوكل يكون ~~عذرا لنا فيه فلا سبيل لنا إلى عدم التوكل عليه تعالى. # فقوله تعالى: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" يجري مجرى اللم، وقوله: "وما ~~لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا" مجرى الإن فتدبر في هذا البيان ~~العذب والاحتجاج السهل الممتنع ms4375 الذي قدمه القرآن الكريم إلى متدبريه في ~~أوجز لفظ. # وقوله: "ولنصبرن على ما آذيتمونا" من تفريع الصبر على ما بين من وجوب ~~التوكل عليه أي إذا كان من الواجب أن نتوكل عليه ونحن مؤمنون به وقد هدانا ~~سبلنا فلنصبرن على إيذائكم لنا في سبيل الدعوة إليه متوكلين عليه حتى يحكم ~~بما يريد ويفعل ما يشاء من غير أن نأوي في ذلك إلى ما عندنا من ظاهر الحول ~~والقوة. # وقوله: "وعلى الله فليتوكل المتوكلون" كلام مبني على الترقي أي كل من ~~تلبس بالتوكل فعليه أن يتوكل على الله سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن إذ لا ~~دليل غيره غير أن المتوكل بحقيقة التوكل لا يكون إلا مؤمنا فإنه مذعن أن ~~الأمر كله لله فلا يسعه إلا أن يطيعه فيما يأمر وينتهي عما ينهى ويرضى بما ~~رضي به ويسخط عما سخط عنه وهذا هو الإيمان. # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا" هذا تهديد منهم بعد ما عجزوا في مناظرتهم وخسروا في محاجتهم، ~~والخطاب في قولهم: "لنخرجنكم" إلخ للرسل والذين آمنوا معهم فما كانوا ~~ليرضوا أن يعود الرسل في ملتهم ويبقى أتباعهم على دين التوحيد. # على أن الله سبحانه صرح بذلك في قصص بعضهم كقوله في شعيب: "قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو ~~لتعودن في ملتنا": الأعراف: 88. # وقوله: "أو لتعودن في ملتنا" عاد من الأفعال الناقصة بمعنى الصيرورة وهي ~~الحيلولة من حال إلى حال سواء كان عليها سابقا أو لا ومن الدليل عليه - كما ~~قيل - قوله: "في ملتنا" ولو كان بمعنى الرجوع إلى ما كان لتعين أن يقال: ~~إلى ملتنا. # ومن هنا يظهر فساد ما قيل: إن ظاهر الآية أن الرسل كانوا قبل الرسالة في ~~ملتهم فكلفهم الكفار أن يعودوا إلى ما كانوا عليه. # على أن خطابهم لم يكن للرسل خاصة بل لهم ولمن آمن بهم ممن كان على ملة ~~الكفار من قبل فالخطاب لهم ولرسلهم بالعود ms4376 إلى ملتهم على تقدير كون العود ~~بمعنى الرجوع، إنما هو من باب التغليب. PageV12P015 # ومن لطيف الصناعة في الآية دخول لام القسم ونون التأكيد على طرفي الترديد: ~~"لنخرجنكم أو لتعودن" مع أن أو للاستدراك وتفيد معنى الاستثناء ولا معنى ~~لأن يقال: إلا أن تعودوا والله في ملتنا، إلا أن عودهم لما كان بإجبار من ~~الكفار كان في معنى الإعادة وعاد قوله: "لتعودن" طرف الترديد وصح دخول ~~اللام والنون وآل المعنى إلى قولنا: والله لنخرجنكم من أرضنا أو نعيدنكم في ملتنا. # قوله تعالى: "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم" إلى آخر الآية، ضمير الجميع الأول والثاني للرسل والثالث للذين ~~كفروا بدلالة السياق، والتعبير عنهم بالظالمين للإشارة إلى سببية ظلمهم ~~للإهلاك فإن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية كما أن قوله: "ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد" مشعر بعليه الخوف للإسكان. # وقوله: "مقامي" مصدر ميمي أريد به قيامه تعالى على الأمر كله أو اسم مكان ~~أريد به مرتبة قيمومته تعالى للأمر كله، والمراد من وعيده تعالى ما أوعد به ~~المخالفين عن أمره من العذاب. # فالمراد بالخوف من مقامه تعالى تقواه بما أنه الله القائم بأمر عباده ~~والمراد بالخوف من وعيده تقواه بما أنه الله الذي حذر عباده من مخالفة أمره ~~بلسان أنبيائه ورسله فيعود على أي حال إلى التقوى وينطبق على قول موسى ~~لقومه: "استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين": الأعراف: 128 كما أشار إليه في الكشاف. # والمعنى فأوحى رب الرسل إليهم - وقد أخذت صفة الربوبية الخاصة بهم لمكان ~~توكلهم الجالب للرحمة والعناية - وأقسم لنهلكن هؤلاء المهددين لكم بظلمهم ~~ولنسكننكم هذه الأرض التي هددوكم بالإخراج منها ونورثكم إياها لصفة مخافتكم ~~مني ومن وعيدي وكذلك نفعل فنورث الأرض عبادنا المتقين. # قوله تعالى: "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" الاستفتاح طلب الفتح والنصر. # والخيبة انقطاع الرجاء والخسران والهلاك، والعنيد هو اللجوج ومنه ~~المعاند. # والضمير في "واستفتحوا" للرسل أي طلبوا النصر من الله لما انقطعت بهم ~~الأسباب من ms4377 كل جانب وبلغ بهم ظلم الظالمين وتكذيب المعاندين كقول نوح فيما ~~حكاه الله: "أني مغلوب فانتصر": القمر: 10، ويمكن رجوع الضمير إلى الرسل ~~والكفار جميعا فإن الكفار أيضا كانوا يصرون على أن يأتيهم الرسل بما يقضي ~~بينهم كقولهم: "متى هذا الفتح": الم السجدة: 28 "متى هذا الوعد: يس: 48، ~~وعلى هذا التقدير يكون المعنى: واستفتح الرسل والكفار جميعا، وكانت الخيبة ~~للجبارين وهو عذاب الاستئصال. # قوله تعالى: "من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد" إلى آخر الآيتين. # الصديد القيح السائل من الجرح، وهو بيان للماء الذي يسقونه في جهنم. # والتجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار، والإساغة إجراء الشراب ~~في الحلق يقال: ساغ الشراب وأسغته أنا كذا في المجمع والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف" إلى آخر الآية، يوم عاصف شديد الريح تمثيل لأعمال الكفار من حيث ~~تترتب نتائجها عليها وبيان أنها حبط باطلة لا أثر لها من جهة السعادة فهو ~~كقوله تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا": الفرقان: ~~23 فأعمالهم كذرات من الرماد اشتدت به الريح في يوم شديد الريح فنثرته ولم ~~يبق منه شيئا هذا مثلهم من جهة أعمالهم. # ومن هنا يظهر أن لا حاجة إلى تقدير شيء في الكلام وإرجاعه إلى مثل قولنا: ~~مثل أعمال الذين كفروا "إلخ"، والظاهر أن الآية ليست من تمام كلام موسى بل ~~هي كالنتيجة المحصلة من كلامه المنقول. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~من أعطي الشكر أعطي الزيادة يقول الله عز وجل: "لئن شكرتم لأزيدنكم". PageV12P016 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ~~زهير يحيى بن عطارد بن مصعب عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ما أعطي أحد أربعة فمنع أربعة: ما أعطي أحد الشكر فمنع الزيادة ~~لأن الله يقول: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، وما أعطي أحد الدعاء فمنع الإجابة ms4378 ~~لأن الله يقول: "ادعوني أستجب لكم" وما أعطي أحد الاستغفار فمنع المغفرة ~~لأن الله يقول: "استغفروا ربكم إنه كان غفارا" وما أعطي أحد التوبة فمنع ~~التقبل لأن الله يقول: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده": الشورى: 25. # وفيه، أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مالك بن أنس عن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين قال: لما قال له سفيان الثوري: لا أقوم حتى تحدثني قال جعفر: ~~أما إني أحدثك وما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة ~~فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها فإن الله تعالى قال في ~~كتابه: "لئن شكرتم لأزيدنكم" وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن ~~الله تعالى قال في كتابه: "استغفروا ربكم إنه كان غفارا - يرسل السماء ~~عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين يعني في الدنيا والآخرة ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا". يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من لا ~~حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق الفريقين. # وفي الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: شكر كل نعمة وإن عظمت أن تحمد الله وفيه، بإسناده عن حماد بن ~~عثمان قال: خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المسجد وقد ضاعت دابته فقال: ~~لئن ردها الله علي لأشكرن الله حق شكره فما لبث أن أتي بها فقال: الحمد ~~لله. فقال قائل له: جعلت فداك ألست قلت: لأشكرن الله حق شكره؟ فقال أبو عبد ~~الله (عليه السلام): ألم تسمعني قلت: الحمد لله؟ وفيه، بإسناده عن أبي بصير ~~قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل للشكر حد إذا فعله العبد كان ~~شاكرا؟ قال: نعم، قلت: وما هو؟ قال: الحمد لله، على كل نعمة عليه في أهل ~~ومال، وإن كان فيما أنعم الله عليه في ماله حق أداه، ومنه قوله عز وجل: ~~"سبحان الذي سخر لنا هذا ms4379 وما كنا له مقرنين" ومنه قوله: "أنزلني منزلا ~~مباركا وأنت خير المنزلين"، وقوله: "رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق - ~~واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا". # وفي تفسير العياشي، عن أبي ولاد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ~~أرأيت هذه النعمة الظاهرة علينا من الله أليس إن شكرناه عليها وحمدناه ~~زادنا كما قال الله في كتابه: "لئن شكرتم لأزيدنكم" فقال: نعم من حمد الله ~~على نعمه وشكره وعلم أن ذلك منه لا من غيره زاد الله نعمه. # أقول: والروايتان الأخيرتان تفسران الشكر أحسن تفسير، وينطبق عليهما ما ~~قدمناه في البيان أن الشكر إظهار النعمة اعتقادا وقولا وفعلا، ويؤيده إطلاق ~~قوله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث": الضحى: 11. # وفي تفسير القمي، قال: حدثني أبي رفعه عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): قال: من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره. وهو قوله: "وقال ~~الذين كفروا لرسلهم - إلى قوله - فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم". # وفي التفسيرين المجمع، وروح المعاني، عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): من آذى جاره أورثه الله داره. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال: قال رجل لعلي بن أبي ~~طالب: أنا أنسب الناس. قال: إنك لا تنسب الناس. قال: بلى. فقال له علي: ~~أرأيت قوله تعالى: "وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا"؟ قال ~~أنا أنسب ذلك الكثير. قال: أرأيت قوله: "ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم ~~نوح - وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله" فسكت. # وفي المجمع، عن أبي عبد الله (عليه السلام): الصديد هو الدم والقيح من ~~فروج الزواني في النار. PageV12P017 # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا في صفة ~~النار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم ~~في الحلية وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي أمامة عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: "ويسقى من ماء صديد يتجرعه" ms4380 قال: ~~يقرب إليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع ~~أمعاءه حتى يخرج من دبره يقول الله تعالى: "فسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" ~~وقال: "وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه". # وفي تفسير القمي، في الآية قال: قال: يقرب إليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى ~~وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شرب تقطعت أمعاؤه ومزقت تحت قدميه وإنه ليخرج من ~~أحدهم مثل الوادي صديد وقيح. # الحديث. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): العنيد المعرض عن الحق. PageV12P018 ### ||| AUTO 14 سورة إبراهيم - 19 - 34 # ألم تر أن الله خلق السموت والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~(19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفؤا للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء قالوا ~~لو هدانا الله لهدينكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) ~~وقال الشيطن لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم ~~ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى إنى كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظلمين ~~لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم (23) ألم تر كيف ضرب الله ~~مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء (24) تؤتى أكلها كل ~~حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة ~~خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين ~~ءامنوا بالقول الثابت فى الحيوة الدنيا وفى الاخرة ويضل الله الظلمين ويفعل ~~الله ما يشاء (27) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن ~~سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا ~~الصلوة وينفقوا مما رزقنهم سرا ms4381 وعلانية من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلل (31) الله الذى خلق السموت والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرت رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهر (32) ~~وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم اليل والنهار (33) وءاتاكم من كل ما ~~سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الانسن لظلوم كفار (34) ### |||| AUTO بيان # تشتمل الآيات على تذكرة الناس في صورة خطاب النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مرة بعد مرة بقوله: "ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق" "ألم ~~تر كيف ضرب الله مثلا" "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا". # يذكر تعالى بها أن الخلقة مبنية على الحق فهم سيبرزون جميعا فالذين ساروا ~~بالحق وآمنوا بالحق وعملوا الحق ينالون السعادة والجنة، والذين اتبعوا ~~الباطل وعبدوا الشيطان وأطاعوا الطغاة المستكبرين منهم غرورا بظاهر عزتهم ~~وقدرتهم لزمهم شقاء لازم وتبرأ منهم متبوعوهم من الجن والإنس ولله العزة ~~والحمد. # ثم يذكر أن هذا التقسم إلى فريقين إنما هو لانقسام سلوكهم إلى قسمين: ~~سلوك هدى وسلوك ضلال، والذي يلزمه الهدى هو المؤمن والذي يلزمه الضلال هو ~~الظالم والقاضي بذلك هو الله سبحانه يفعل ما يشاء وله العزة والحمد. # ثم يذكر بالأمم الماضية الهالكة وما وقعوا فيه من البوار بسبب كفرانهم ~~بنعمة الله العزيز الحميد ويعاتب الإنسان بظلمه وكفره بالنعم الإلهية التي ~~ملأت الوجود وإن تعدوها لا تحصوها. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق" المراد بالرؤية ~~هو العلم القاطع، فإنه الصالح لأن يتعلق بكيفية خلق السماوات والأرض دون ~~الرؤية البصرية. PageV12P019 # ثم الفعل الحق ويقابله الباطل هو الذي يكون لفاعله فيه غاية مطلوبة يسلك ~~إليه بذاته فمن المشهود أن كل واحد من الأنواع من أول تكونه متوجه إلى غاية ~~مؤجلة لا بغية له دون أن يصل إليها ثم البعض منها غاية للبعض ينتفع به في ~~طريق كينونته ويصلح به في حدوثه وبقائه كالعناصر الأرضية التي ينتفع بها ~~النبات، والنبات الذي ms4382 ينتفع به الحيوان وهكذا قال تعالى: "وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون": الدخان: 39. # وقال: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا": ص: 27. # فلا تزال الخلقة تقع مرحلة بعد مرحلة وتنال غاية بعد غاية حتى تتوقف في ~~غاية لا غاية بعدها، وذلك رجوعها إلى الله سبحانه، قال تعالى: "وأن إلى ربك ~~المنتهى": النجم: 42. # وبالجملة الفعل إنما يكون فعلا حقا إذا كان له أمر يقصده الفاعل بفعله ~~وغاية يسلك بالفعل إليها، وأما إذا كان فعلا لا يقصد به إلا نفسه من غير أن ~~يكون هناك غرض مطلوب فهو الفعل الباطل، وإذا كان الفعل الباطل ذا نظام ~~وترتيب فهو الذي يسمى لعبا كما يلعب الصبيان بإتيان حركات منظمة مرتبة لا ~~غاية لهم وراءها ولا أن لهم هما إلا إيجاد ما تخيلوه من صورة الفعل لشوق ~~نفساني منهم إلى ذلك. # وفعله تعالى ملازم للحق مصاحب له فخلق السماوات والأرض يخلف عالما باقيا ~~بعد زواله، ولو لم يكن كذلك كان باطلا لا أثر له ولا خلف يخلفه، وكان ~~العالم المشهود بما فيه من النظام البديع لعبا منه سبحانه اتخذه لحاجة منه ~~إليه كالتنفس من كرب وسأمة والتفرج من هم أو التخلص من وحشة وحدة ونحو ذلك ~~وهو سبحانه العزيز الحميد لا تمسه حاجة ولا يذله فقر وفاقة. # وبما مر يظهر أن الباء في قوله: "بالحق" للمصاحبة وأن قول بعضهم: إن ~~الباء للسببية أو الآلة وإن المعنى كيف خلقها بقوله الحق أو للغرض الحق ليس ~~على ما ينبغي. # قوله تعالى: "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" أي ~~بشاق صعب والخطاب لعامة البشر بجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثالا ~~لهم يمثلون به لأن الخطاب متوجه إليه في قوله قبل وبعد: "ألم تر" "وما ذلك". # قد تقدم أن كون الخلقة بالحق هو مقتضى كونه تعالى عزيزا غنيا بالذات إذ ~~لو لم يقتض غناه ذلك وأمكن صدور اللعب منه ms4383 تعالى وكان هذا الخلق المشهود ~~بما له من النظام البديع لعبا لا يقصد به إلا حدوث وفناء كان ذلك لشوق ~~خيالي منه إليه وحاجة داخلية كتنفيس كرب وتفريج هم أو أنس عن وحشة وسأمة ~~ونحو ذلك وغناه تعالى بالذات يدفع ذلك. # ولعل هذه النكتة هي التي أوجبت تعقيب قوله: "إن الله خلق السماوات ~~والأرض" بقوله: "إن يشأ يذهبكم" إلخ فقوله: "إن يشأ يذهبكم" إلخ، في موضع ~~البيان لما تقدمه والمعنى ألم تعلم أن الله خلق هذا الخلق المشهود عن عزة ~~منه وغنى وأنه إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك عليه تعالى بعزيز وهو ~~الله عز اسمه له الأسماء الحسنى وكل العزة والكبرياء. # وبهذا يظهر أن وضع الظاهر في موضع المضمر في قوله: "على الله" للدلالة ~~على الحجة وأن عدم عزة ذلك عليه تعالى من جهة كونه هو الله عز اسمه. # فإن قلت: لو كان الإتيان بقوله: "إن يشأ" إلخ، للدلالة على غناه المطلق ~~وعدم كونه لاعبا بالخلق لكان الأنسب الاقتصار على قوله: "إن يشأ يذهبكم" ~~وترك قوله: "ويأت بخلق جديد" فإن إذهاب القديم والإتيان بجديد لا ينفي ~~اللعب لجواز أن يكون نفس إذهاب بعض وإتيان بعض لعبا. # قلت: هذا كذلك لو قيل: إن يشأ يذهب جميع الخلق ويأت بخلق جديد ولكن لما ~~قيل: "إن يشأ يذهبكم" إلخ والخطاب لعامة البشر أو لأمة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقط أو للموجودين في عصره كان من اللازم أن يعقبه بقوله: ~~"ويأت بخلق جديد" فإن هذا الخلق المشهود بما بين أجزائه من الارتباط ~~والتعلق لا يتم الغرض منه إلا بهذه الصفة الموجودة والتركب والتآلف الخاص، ~~ولو أذهب الناس على بقاء من السماوات والأرض بحالها الحاضرة كان ذلك باطلا ~~ولعبا من جهة أخرى. PageV12P020 # وبعبارة أخرى إذهاب الإنسان فقط من غير إتيان بخلق جديد على إبقاء لسائر ~~الخلق المشهود لعب باطل كما أن إذهاب الخلق من أصله من غير غاية مترتبة لعب ~~باطل، وإنما الحق الذي يكشف عن غناه تعالى أن يذهب ms4384 قوما ويأتي بآخرين وهو ~~الذي تذكره الآية الكريمة فافهم ذلك. # قوله تعالى: "وبرزوا لله جميعا" إلى آخر الآية، البروز هو الخروج إلى ~~البراز بفتح الباء وهو الفضاء يقال: برز إليه إذا خرج إليه بحيث لا يحجبه ~~عنه حاجب، ومنه المبارزة والبراز كخروج المقاتل من الصف إلى كفئه من العدو. # والتبع بفتحتين جمع تابع كخدم وخادم، وقيل: اسم جمع، وقيل: مصدر جيء به ~~للمبالغة، والإغناء الإفادة وضمن معنى الدفع ولذا عدي بعن كما قيل، والجزع ~~والصبر متقابلان، والمحيص اسم مكان من حاص يحيص حيصا وحيوصا إذا زال عن ~~المكروه كما في المجمع فالمحيص هو المكان الذي يزول إليه الإنسان عن ~~المكروه والشدة. # وقوله: "وبرزوا لله جميعا" أي ظهروا له تعالى ظهورا لا يحجبهم عنه حاجب ~~وهذا بالنسبة إلى أنفسهم حيث كانوا يتوهمون في الدنيا أن ربهم في غيبة عنهم ~~وهم غائبون عنه، فإذا كان يوم القيامة زال كل ستر متوهم وشاهدوا أن لا حاجب ~~هناك يحجبهم عنه، وأما هو تعالى فلا ساتر يستر عنه في دنيا ولا آخرة، قال ~~تعالى: "إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء": آل عمران: 5. # ويمكن أن تكون الجملة كناية عن خلوصهم لحساب الأعمال وتعلق المشيئة ~~الإلهية بانقطاع الأعمال وإنجاز الجزاء الموعود كما قال: "سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان": الرحمن: 31. # وقوله: "فقال الضعفاء للذين استكبروا - إلى قوله - من شيء" تخاصم بين ~~الكفار يوم القيامة - على ما يعطيه السياق - فالضعفاء هم المقلدون المطيعون ~~لأوليائهم من الكفار، والمستكبرون هم أولياؤهم المتبوعون أولوا الطول ~~والقوة المستنكفون عن الإيمان بالله وآياته. # والمعنى فقال الضعفاء المقلدون للذين استكبروا منهم إنا كنا في الدنيا ~~لكم تابعين مطيعين من غير أن نسألكم حجة على ما تأمروننا به فهل أنتم ~~مفيدون لنا اليوم تدفعون عنا شيئا من عذاب الله الذي قضي علينا. # وعلى هذا فلفظة "من" في قوله "من عذاب الله" للبيان، وفي قوله "من شيء" ~~زائدة للتأكيد كما في قولنا: ما جاءني من أحد، والنفي والاستفهام متقاربان ~~حكما ولا دليل على ms4385 امتناع تقدم البيان على المبين وخاصة مع اتصالهما وعدم ~~الفصل بينهما. # وقوله: "قالوا لو هدانا الله لهديناكم" ظاهر السياق أن المراد بالهداية ~~هنا الهداية إلى طريق التخلص من العذاب ويمكن أن يكون المراد بها الهداية ~~إلى الدين الحق في الدنيا، والمآل واحد لما بين الدنيا والآخرة من التطابق، ~~ولا يبرز في الأخرى إلا ما كان كامنا في الأولى، قال تعالى حكاية عن أهل ~~الجنة: "وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا ~~الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق": الأعراف: 43 مزجوا الهدايتين بعضا ببعض كما ~~هو ظاهر. # وقوله: "سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص" سواء والاستواء ~~والتساوي واحد، وسواء خبر لمبتدإ محذوف والجملة الاستفهامية بيان لذلك، ~~وقوله: "ما لنا من محيص" بيان آخر للتساوي، والمعنى الأمران متساويان علينا ~~وبالنسبة إلينا وهما الجزع والصبر لا مهرب لنا عن العذاب اللازم. # قوله تعالى: "وقال الشيطان لما قضي الأمر" إلى آخر الآية في المجمع ~~الإصراخ الإغاثة بإجابة الصارخ ويقال: استصرخني فلان فأصرخته أي استغاث بي ~~فأغثته. # انتهى. # وهذا كلام جامع يلقيه الشيطان يوم القيامة إلى الظالمين يبين فيه موقعه ~~منهم وينبىء أهل الجمع منهم بوجه الحق في الرابطة التي كانت بينه وبينهم في ~~الدنيا وقد وعد الله سبحانه أنه سينبؤهم يوم القيامة بما كانوا فيه ~~يختلفون، وأن الحق سيظهر يوم القيامة عن قبل كل من كان له من قبله خفاء أو ~~التباس، فالملائكة يتبرءون من شركهم والجن والقرناء من الشياطين يطردونهم ~~والأصنام والآلهة التي اتخذوها أربابا من دون الله يكفرون بشركهم، وكبراؤهم ~~وأئمة الضلال لا يستجيبون لهم، والمجرمون أنفسهم يعترفون بضلالهم وجرمهم، ~~كل ذلك واقعة في آيات كثيرة غير خفية على المتتبع المتدبر فيها. PageV12P021 # والشيطان وإن كان بمعنى الشرير وربما أطلق في كلامه تعالى على كل شرير من ~~الجن والإنس كقوله: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن": ~~الأنعام: 112، لكن المراد به في الآية الشيطان الذي هو مصدر كل غواية وضلال ~~في بني آدم ms4386 وهو إبليس فإن ظاهر السياق أنه يخاطب بكلامه هذا عامة الظالمين ~~من أهل الجمع ويعترف أنه كان يدعوهم إلى الشرك، وقد نص القرآن على أن الذي ~~له هذا الشأن هو إبليس وقد ادعى هو ذلك ولم يرد الله ذلك عليه كما في قوله: ~~"قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين - إلى أن قال - ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85. # وأما ذريته وقبيله الذين يذكرهم القرآن بقوله: "إنه يراكم هو وقبيله من ~~حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27، ~~وقوله: "أفتتخذونه وذريته أولياء": الكهف: 50 فولاية الواحد منهم إما لبعض ~~الناس دون بعض أو في بعض الأعمال دون بعض وأما ولاية على نحو العونية فهو ~~العون، والأصل الذي ينتهي إليه أمر الإضلال والإغواء هو إبليس. # فهذا القائل: "إن الله وعدكم وعد الحق" إلخ هو إبليس يريد بكلامه رد ~~اللوم على فعل المعاصي إليهم والتبري من شركهم فقوله: "إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم" أي وعدكم الله وعدا حققه الوقوع وصدقته المشاهدة من ~~البعث والجمع والحساب وفصل القضاء والجنة والنار، ووعدتكم أنا أن لا بعث ~~ولا حساب ولا جنة ولا نار ولم أف بما وعدت حيث ظهر خلاف ما وعدت. # كذا ذكره المفسرون. # وعلى هذا فالموعود جميع ما يرجع إلى المعاد إثباتا ونفيا أثبته الله ~~سبحانه ونفاه إبليس، وإخلاف الوعد كناية عن ظهور الكذب وعدم الوقوع من ~~إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. # ومن الممكن - بل هو الوجه - أن يشمل الوعد ما يترتب على الإيمان والشرك ~~في الدنيا والآخرة جميعا لأنهما متطابقتان فقد وعد الله أهل الإيمان حياة ~~طيبة وعيشة سعيدة، وأهل الشرك المعرضين عن ذكره معيشة ضنكا وتحرجا في ~~صدورهم وعذابا في قلوبهم في الدنيا، ووعد الجميع بعثا وحسابا وجنة ونارا في ~~الآخرة. # ووعد إبليس أولياءه بالأهواء اللذيذة والآمال الطويلة وأنساهم الموت ~~وصرفهم عن البعث والحساب وخوفهم الفقر والذلة وملامة الناس، وكان مفتاحه في ~~جميع ذلك إغفالهم عن مقام ربهم وتزيين ما بين أيديهم من ms4387 الأسباب مستقلة ~~بالتأثير خالقة لآثارها وتصوير نفوسهم لهم في صورة الاستقلال مهيمنة على ~~سائر الأسباب تدبرها كيف شاءت فتغريهم على الاعتماد بأنفسهم دون الله ~~وتسخير الأسباب في سبيل الآمال والأماني. # وبالجملة وعدهم الله فيما يرجع إلى الدنيا والآخرة بما وفى لهم فيه، ~~ودعاهم إبليس من طريق الإغفال والتزيين إلى الأوهام والأماني وهي بين ما لا ~~يناله الإنسان قطعا وما إذا ناله وجده غير ما كان يظنه، فيتركه إلى ما يظنه ~~كما يريد هذا في الدنيا وأما الآخرة فينسيه شئونها كما تقدم. # وقوله: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي" السلطان - ~~كما ذكره الراغب - هو السلاطة وهو التمكن من القهر، وتسمى الحجة أيضا ~~سلطانا لما فيها من التمكن من قهر العقول على ما لها من النتائج، وكثيرا ما ~~يطلق ويراد به ذو السلطان كالملك وغيره. # والظاهر أن المراد ما هو أعم من السلطة الصورية والمعنوية فالمعنى وما ~~كان في الدنيا لي عليكم من تسلط لا من جهة أشخاصكم وأعيانكم فأجبركم على ~~معصية الله بسلب اختياركم وتحميل إرادتي عليكم، ولا من جهة عقولكم فأقيم ~~لكم الحجة على الشرك كيفما شئت فتضطر عقولكم لقبوله وتطيعها نفوسكم فيما ~~تأمرها به. # والظاهر أيضا أن يكون الاستثناء في قوله: "إلا أن دعوتكم" منقطعا والمعنى ~~لكن دعوتكم من غير أي سلطان فاستجبتم لي، ودعوته الناس إلى الشرك والمعصية ~~وإن كانت بإذن الله لكنها لم تكن تسليطا فإن الدعوة إلى فعل ليست تسلطا من ~~الداعي على فعل المدعو وإن كان نوع تسلط على نفس الدعوة، ومن الدليل عليه ~~قوله تعالى فيما يأذن له "واستفزز من استطعت منهم بصوتك - إلى أن قال - ~~وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا": إسراء: 65. PageV12P022 # ومن هنا يظهر سقوط ما وجه به الرازي في تفسيره كون الاستثناء متصلا إذ قال: ~~إن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل وتارة ~~تكون بتقوية الداعية في قلبه، وذلك بإلقاء الوسواس إليه، ms4388 وهذا نوع من أنواع ~~التسلط فكأنه قال: ما كان لي تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب ونحوه. # وجه السقوط: أن عدم كون مجرد الدعوة سلطانا وتمكنا من القهر على المدعو ~~بديهي لا يقبل التشكيك فعده من أنواع التسلط مما لا يصغى إليه. # نعم: ربما انبعثت من المدعو ميل نفساني إلى المدعو إليه فانقاد للدعوة ~~وسلط الداعي بدعوته على نفسه، لكنه تسليط من المدعو لا تسلط من الداعي ~~وبعبارة أخرى هي سلطة يملكها المدعو من نفسه فيملكها الداعي وليس الداعي ~~يملكها عليه من نفسه، وإبليس إنما ينفي التسلط الذي يملكه من نفسه لا ما ~~يسلطونه على أنفسهم بالانقياد بقرينة قوله: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم". # وهذا هو التسلط الذي يثبته الله سبحانه له في قوله: "إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون": النحل: 100، أو قوله: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين": الحجر: 42، والآيات - كما ترى - ظاهرة في أن سلطانه ~~متفرع على الاتباع والتولي والإشراك لا بالعكس. # ولانتفاء سلطانه عليهم بالمرة استنتج قوله بعد: "فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم" والفاء للتفريع أي إذا لم يكن لي عليكم سلطان بوجه من الوجوه - كما ~~يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي والتأكيد بمن في قوله: "وما كان لي ~~عليكم من سلطان" - فلا يعود إلى شيء من اللوم العائد إليكم من جهة الشرك ~~والمعصية فلا يحق لكم أن تلوموني بل الواجب عليكم أن تلوموا أنفسكم لأن لكم ~~السلطان على عملكم. # وقوله: "ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي" أي ما أنا بمغيثكم ومنجيكم وما ~~أنتم بمغيثي ومنجي فلا أنا شافع لكم ولا أنتم شافعون لي اليوم. # وقوله: "إني كفرت بما أشركتمون من قبل" أي إني تبرأت من إشراككم إياي في ~~الدنيا، والمراد بالإشراك الإشراك في الطاعة دون الإشراك في العبادة كما ~~يظهر من قوله تعالى خطابا لأهل الجمع: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ms4389 مبين وأن اعبدوني": يس: 61. # وهذا الكلام منه تبر من شركهم كما حكى سبحانه تبري كل متبوع باطل من ~~تابعه يوم القيامة وهو إظهار أن إشراكهم إياه بالله في الدنيا لم يكن إلا ~~وهما سرابيا قال تعالى: "ويوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 وقال: ~~"وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا: البقرة: 167 ~~وقال: "قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما ~~غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم": القصص: 64. # وقوله: "إن الظالمين لهم عذاب أليم" من تمام كلام إبليس على ما يعطيه ~~السياق يسجل عليهم العذاب الأليم لأنهم ظالمون ظلما لا يرجع إلا إلى ~~أنفسهم. # وظاهر السياق أن قوله: "ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي" كناية عن انتفاء ~~الرابطة بينه وبين تابعيه كما يشير تعالى إليه في مواضع أخرى بمثل قوله: ~~"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام: 94 وقوله: "فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون": يونس: 28. # وذلك لظهور أنه لو لم يكن كناية لكان قوله: "وما أنتم بمصرخي" مستدركا ~~مستغنى عنه لعدم تعلق غرض به فلا هم يتوهمون أنهم قادرون على إغاثة إبليس ~~والشفاعة له ولا هو يتوهم ذلك ولا المقام يوهم ذلك فهو يقول: "لا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم" لأن الرابطة مقطوعة بيني وبينكم لا ينفعكم أني كنت متبوعكم ~~ولا ينفعني أنكم كنتم أتباعي إني تبرأت من شرككم فلست بشريك له تعالى، ~~وإنما تبرأت لأنكم ظالمون في أنفسكم والظالمون لهم عذاب أليم لا مسوغ يومئذ ~~للحماية عنهم والتقرب منهم. PageV12P023 # وهذا السياق - كما ترى - يشهد أن تابعي إبليس يلومونه يوم القيامة على ما ~~أصابهم من المصيبة على اتباعه متوقعين منه أن يشاركهم في مصابهم بنحو، وهو ~~يرد عليهم ذلك بأنه لا رابط بينه وبينهم فلا يلحق لومهم إلا بأنفسهم ولا ~~يسعه أن يماسهم ويقترب منهم لأنه يخاف العذاب الأليم الذي هيىء للظالمين ~~وهم ظالمون، فهو قريب المعنى من قوله تعالى: "كمثل ms4390 الشيطان إذ قال للإنسان ~~اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين": الحشر: 16. # ولعله من هنا قال بعضهم إن المراد بقوله: "إني كفرت" إلخ... كفره في ~~الدنيا على أن يكون "من قبل" متعلقا بقوله: "كفرت" فقط، أو به وبقوله: ~~"أشركتمون" على سبيل التنازع. # وبالجملة المطلوب العمدة في الآية أن الإنسان هو المسئول عن عمله لأن ~~السلطان له لا لغيره فلا يلومن إلا نفسه، وأما رابطة التابعية والمتبوعية ~~فهي وهمية لا حقيقة لها وسيظهر هذه الحقيقة يوم القيامة عند ما يتبرأ منه ~~الشيطان ويعيد لائمته إلى نفسه كما بين في الآية السابقة أن الرابطة بين ~~الضعفاء والمستكبرين وهمية لا تغني عنهم شيئا عند ما تقع إليها الحاجة يوم ~~القيامة حين انكشاف الحقائق. # وللمفسرين في فقرات الآية أقوال شتى مختلفة أغمضنا عن إيرادها، ومن أراد ~~الاطلاع عليها فليراجع مطولات التفاسير. # وفي الآية دلالة واضحة على أن للإنسان سلطانا على عمله هو الذي يوجب ~~ارتباط الجزاء به ويسلبه عن غيره، وهو الذي يعيد اللائمة إليه لا إلى غيره، ~~وأما كونه مستقلا بهذا السلطان فلا دلالة فيها على ذلك البتة، وقد تكلمنا ~~في ذلك في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله: "وما يضل به إلا الفاسقين": ~~البقرة: 26. # قوله تعالى: "وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات" إلخ بيان ما ينتهي ~~إليه حال السعداء من المؤمنين، وفي قوله: "تحيتهم فيها سلام" مقابلة حالهم ~~من انعكاس السلام والتحية المباركة من بعضهم إلى بعض مع حال غيرهم ~~المذكورين في الآيتين السابقتين من الخصام وتجبيه بعضهم بعضا بالكفر ~~والتبري والإيئاس. # قوله تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" ذكروا أن "كلمة" بدل اشتمال ~~من "مثلا" و"كشجرة" صفة بعد صفة لقوله "كلمة" أو خبر مبتدإ محذوف والتقدير ~~هي كشجرة، وقيل: إن "كلمة" مفعول أول متأخر لضرب و"مثلا" مفعوله الثاني قدم ~~لدفع محذور الفصل بين "كلمة" وصفتها وهي "كشجرة" والتقدير ضرب ms4391 الله كلمة ~~طيبة كشجرة طيبة إلخ... مثلا. # وقيل: "ضرب" متعد لواحد و"كلمة" منصوب بفعل مقدر كجعل واتخذ والتقدير ضرب ~~الله مثلا جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة إلخ، وأظن أن هذا أحسن الوجوه لو وجه ~~بكون "كلمة طيبة" إلخ عطف بيان لقوله: "ضرب الله مثلا" من بيان الجملة ~~للجملة، ويتعين حينئذ نصب "كلمة" بمقدر هو جعل أو اتخذ لأن المدلول أنه مثل ~~الكلمة بالشجرة وشبهها بها وهو معنى قولنا: اتخذ كلمة طيبة كشجرة إلخ. # وقوله: "أصلها ثابت" أي مرتكز في الأرض ضارب بعروقه فيها، وقوله: "وفرعها ~~في السماء" أي ما يتفرع على ذلك الأصل من أغصانها في جهة العلو فكل ما علا ~~وأظل سماء، وقوله: "تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" أي تثمر ثمرها المأكول كل ~~زمان بإذن الله، وهذا نهاية ما تفيده شجرة من البركات. # واختلفوا في الآية أولا في المراد من الكلمة الطيبة فقيل: هي شهادة أن لا ~~إله إلا الله، وقيل: الإيمان، وقيل: القرآن، وقيل: مطلق التسبيح والتنزيه، ~~وقيل: الثناء على الله مطلقا، وقيل: كل كلمة حسنة، وقيل: جميع الطاعات، ~~وقيل: المؤمن. # وثانيا في المراد من الشجرة الطيبة فقيل: النخلة وهو قول الأكثرين، وقيل: ~~شجرة جوز الهند، وقيل: كل شجرة تثمر ثمرة طيبة كالتين والعنب والرمان، ~~وقيل: شجرة صفتها ما وصفه الله وإن لم تكن موجودة بالفعل. # ثم اختلفوا في المراد بالحين فقيل: شهران، وقيل: ستة أشهر، وقيل: سنة ~~كاملة، وقيل: كل غداة وعشي، وقيل: جميع الأوقات. # والاشتغال بأمثال هذه المشاجرات مما يصرف الإنسان عما يهمه من البحث عن ~~معارف كتاب الله والحصول على مقاصد الآيات الكريمة وأغراضها. PageV12P024 # والذي يعطيه التدبر في الآيات أن المراد بالكلمة الطيبة التي شبهت بشجرة ~~طيبة من صفتها كذا وكذا هو الاعتقاد الحق الثابت فإنه تعالى يقول بعد وهو ~~كالنتيجة المأخوذة من التمثيل: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة" الآية والقول هي الكلمة ولا كل كلمة بما هي لفظ ~~بل بما هي معتمدة على اعتقاد وعزم يستقيم عليه ms4392 الإنسان ولا يزيغ عنه عملا. # وقد تعرض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله: "إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون": الأحقاف: ~~13، وقوله: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا": حم السجدة: 30، وقوله: "إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه: فاطر: 10. # وهذا القول والكلمة الطيبة هو الذي يرتب تعالى عليه تثبيته في الدنيا ~~والآخرة أهله وهم الذين آمنوا ثم يقابله بإضلال الظالمين ويقابله بوجه آخر ~~بشأن المشركين، وبهذا يظهر أن المراد بالممثل هو كلمة التوحيد وشهادة أن لا ~~إله إلا الله حق شهادته. # فالقول بالوحدانية والاستقامة عليه هو حق القول الذي له أصل ثابت محفوظ ~~عن كل تغير وزوال وبطلان وهو الله عز اسمه أو أرض الحقائق، وله فروع نشأت ~~ونمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقة فرعية وأخلاق زاكية وأعمال ~~صالحة يحيي بها المؤمن حياته الطيبة ويعمر بها العالم الإنساني حق عمارته ~~وهي التي تلائم سير النظام الكوني الذي أدى إلى ظهور الإنسان بوجوده ~~المفطور على الاعتقاد الحق والعمل الصالح. # والكمل من المؤمنين وهم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فتحققوا بهذا ~~القول الثابت والكلمة الطيبة مثلهم كمثل قولهم الذي ثبتوا لا يزال الناس ~~منتفعين بخيرات وجودهم ومنعمين ببركاتهم. # وكذلك كل كلمة حقة وكل عمل صالح مثله هذا المثل، له أصل ثابت وفروع رشيدة ~~وثمرات طيبة مفيدة نافعة. # فالمثل المذكور في الآية يجري في الجميع كما يؤيده التعبير بكلمة طيبة ~~بلفظ النكرة غير أن المراد في الآية على ما يعطيه السياق هو أصل التوحيد ~~الذي يتفرع عليه سائر الاعتقادات الحقة، وينمو عليه الأخلاق الزاكية وتنشأ ~~منه الأعمال الصالحة. # ثم ختم الله سبحانه الآية بقوله: "ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون" ليتذكر به المتذكر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقق بكلمة ~~التوحيد والاستقامة عليها. # قوله تعالى: "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار" ms4393 الاجتثاث الاقتلاع، يقال: جثته واجتثته أي قلعته واقتلعته، والجث ~~بالضم ما ارتفع من الأرض كالأكمة، وجثة الشيء شخصه الناتىء. # كذا في المفردات. # والكلمة الخبيثة ما يقابل الكلمة الطيبة ولذا اختلفوا فيها فقال كل قوم ~~فيها ما يقابل ما قاله في الكلمة الطيبة وكذا اختلفوا في المراد بالشجرة ~~الخبيثة فقيل: هي الحنظلة، وقيل: الكشوث وهو نبت يلتف على الشوك والشجر لا ~~أصل له في الأرض ولا ورق عليه، وقيل: شجرة الثوم، وقيل: شجرة الشوك، وقيل: ~~الطحلب، وقيل: الكمأة، وقيل: كل شجرة لا تطيب لها ثمرة. # وقد عرفت حال هذه الاختلافات في الآية السابقة، وعرفت أيضا ما يعطيه ~~التدبر في معنى الكلمة الطيبة وما مثلت به ويجري ما يقابله في الكلمة ~~الخبيثة وما مثلت به حرفا بحرف فإنما هي كلمة الشرك مثلت بشجرة خبيثة ~~مفروضة اقتلعت من فوق الأرض ليس لها أصل ثابت وما لها من قرار، وإذ كانت ~~خبيثة فلا أثر لها إلا الضر والشر. # قوله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت" إلى آخر الآية الظاهر ~~أن "بالقول" متعلق بقوله: "يثبت" لا بقوله: "آمنوا"، والباء للآلة أو ~~السببية لا للتعدية، وأن قوله: "في الحياة الدنيا وفي الآخرة" متعلق أيضا ~~بقوله: "يثبت" لا بقوله: "الثابت". # فيعود المعنى إلى أن الذين آمنوا إذا ثبتوا على إيمانهم واستقاموا ثبتهم ~~الله عليه في الدنيا والآخرة، ولو لا تثبيته تعالى لهم لم ينفعهم الثبات من ~~أنفسهم شيئا ولم يستفيدوا شيئا من فوائده فإليه تعالى يرجع الأمر كله، ~~فقوله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت"، في باب الهداية يوازن ~~قوله: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف - 5، في باب الإضلال. PageV12P025 # غير أن بين البابين فرقا وهو أن الهدى يبتدىء من الله سبحانه ويترتب عليه ~~اهتداء العبد والضلال يبتدىء من العبد بسوء اختياره فيجازيه الله بالضلال ~~على الضلال، كما قال: "وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 وقد تكاثرت ~~الآيات القرآنية أن الهداية من الله سبحانه ليس لغيره فيها صنع. # وتوضيح المقام أن الله سبحانه خلق الإنسان ms4394 على فطرة سليمة ركز فيها معرفة ~~ربوبيته وألهمها فجورها وتقواها، وهذه هداية فطرية أولية ثم أيدها بالدعوة ~~الدينية التي قام بها أنبياؤه ورسله. # ثم إن الإنسان لو جرى على سلامة فطرته واشتاق إلى المعرفة والعمل الصالح ~~هداه الله فاهتدى العبد للإيمان عن هدايته تعالى، وأما جريه على سلامة ~~الفطرة فلو سمي اهتداء فإنما هو اهتداء متفرع على السلامة الفطرية لو سميت هداية. # ولو انحرف الإنسان عن صراط الفطرة بسوء اختياره وجهل مقام ربه وأخلد إلى ~~الأرض واتبع الهوى وعاند الحق فهو ضلال منه غير مسبوق بإضلال من الله ~~وحاشاه سبحانه لكنه يستعقب إضلاله عن الطريق مجازاة وتثبيته على ما هو عليه ~~بقطع الرحمة منه وسلب التوفيق عنه وهذا إضلال مسبوق بضلالة من نفسه بسوء ~~اختياره وإزاغة له عن زيغ منه. # ومن هنا وجه اختلاف السياق في الآيتين أما قوله: "فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم" فقد فرض فيه زيغ منهم ثم أزاغه منه تعالى وأما قوله: "يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت" فقد فرض فيه إيمان ثابت على التثبيت وهو في ~~نفسه يستلزم هداية منه واهتداء منهم ثم أضيف إلى ذلك القول الثابت وهو ~~ثباتهم واستقامتهم بحسن اختيارهم على ما آمنوا به وهو فعلهم فيعقبه الله ~~بتثبيتهم بسبب ذاك القول الثابت وحفظهم من الزيغ والزلل يدفع عنهم بذلك ~~مخاطر الحياة في الدنيا والآخرة وهذا هداية منه تعالى غير مسبوقة باهتداء ~~من عند أنفسهم يرتبط بها فافهم ذلك. # وكيف كان فهذا التثبيت بالنظر إلى التمثيل بمنزلة إحكام الشجرة الطيبة من ~~جهة ثبوت أصلها في الأرض، وإذا ثبت أصل الشجرة نمت وتفرعت بالفروع وأتت ~~بالأثمار في كل حين والدنيا والآخرة تحاذيان: "كل حين" فإن الدنيا والآخرة ~~تشملان جميع الأحيان فهذا ما يعطيه السياق من معنى الآية. # وقيل: إن المعنى يثبت الله الذين آمنوا ويقرهم في كرامته وثوابه بالقول ~~الثابت الذي وجد منهم وهو كلمة الإيمان لأنه ثابت بالحجج والأدلة فالمراد ~~بتثبيتهم تقريبهم منه وإسكانهم الجنة وبثبوت قولهم تأيده بالحجة والبرهان، ~~وفيه أنه تقييد ms4395 من غير مقيد. # وقيل: المعنى أنه يثبتهم بالتمكين في الأرض والنصرة والفتح والغلبة في ~~الدنيا وإسكان الجنة في الآخرة. # وهو بعيد من السياق. # وقوله: "ويضل الله الظالمين" ظاهر المقابلة بين الظالمين والذين آمنوا في ~~الجملة السابقة أن المراد بهم أهل الكفر بالله وبآياته على أنه تعالى فسر ~~الظالمين بقول مطلق في بعض كلامه بما يقرب منه إذ قال: "إن لعنة الله على ~~الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون": ~~الأعراف: 45. # والجملة كالنتيجة المستخرجة من المثل الثاني المذكور: "ومثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار" والمعنى أن الله يضل أهل ~~الكفر بحرمانهم من صراط الهداية فلا يهتدون إلى عيشة سعيدة في الدنيا ولا ~~إلى نعمة باقية ورضوان من الله في الآخرة فلا يوجد عندهم إن كشف عن قلوبهم ~~إلا الشك والتردد والقلق والاضطراب والأسى والأسف والحسرة. # وقوله: "ويفعل الله ما يشاء" أي يجري تثبيت هؤلاء وإضلال أولئك على ما ~~تقتضيه مشيته لا مانع له ولا دافع فلا حائل بين مشيته وفعله. # ويظهر من ذلك أن الله تعالى قد شاء تثبيت هؤلاء وإضلال أولئك وهو فاعلهما ~~لا محالة فمن القضاء المحتوم سعادة المؤمن وشقاء الكافر وقد وردت به ~~الرواية. # ووقوع لفظ الجلالة في قوله: "ويضل الله" وقوله: "ويفعل الله" من وقوع ~~الظاهر موقع المضمر ويدل على فخامة الأمر ومهابة الموقف كما قيل. PageV12P026 # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار" قال في المجمع: الإحلال وضع الشيء في محل إما بمجاورة إن كان من ~~قبيل الأجسام أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض، والبوار الهلاك يقال: بار ~~الشيء يبور بورا إذا هلك ورجل بور أي هالك وقوم بور أيضا. # انتهى. # وقال الراغب: البوار فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما ~~قيل: كسد حتى فسد، عبر بالبوار عن الهلاك يقال: بار الشيء يبور بورا وبؤرا ~~قال عز وجل: "تجارة لن تبور" انتهى. # والآية تذكر حال ms4396 أئمة الكفر ورؤساء الضلال في ظلمهم وكفرانهم نعمة الله ~~سبحانه التي أحاطت بهم من كل جهة بدل أن يشكروها ويؤمنوا بربهم، وقد ذكر ~~قبل كيفية خلقه تعالى السماوات والأرض على غنى منه وهي نعمة، ثم ذكر كلمة ~~الحق التي يدعو إليها وما لها من الآثار الثابتة الطيبة وهي نعمة. # والآية مطلقة لا دليل على تقييدها بكفار مكة أو كفار قريش وإن كان الخطاب ~~فيها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان في ذيلها مثل قوله: "قل تمتعوا ~~فإن مصيركم إلى النار" لظهور أن ذلك لا يوجب تقييدا في الآية مع إطلاق ~~مضمونها وشمولها للطواغيت من الأمم وما صنعوا بأقوامهم. # فقوله: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" يذكر حال أئمة الكفر ~~ورؤساء الضلال من الأمم السابقة ومن هذه الأمة والدليل على اختصاصه بهم ~~قوله: "وأحلوا قومهم دار البوار" المشعر بكونهم نافذي الكلمة مطاعين في ~~قومهم فهم الأئمة والرؤساء. # والمراد بتبديلهم نعمة الله كفرا تبديلهم شكر نعمته الواجب عليهم كفرا ~~ففي الجملة مضاف محذوف والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفرا، ويمكن أن يراد ~~تبديل نفس النعمة كفرا بنوع من التجوز، ونظير الآية في هذه العناية قوله ~~تعالى: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون": الواقعة: 82. # وذكر إحلالهم قومهم دار البوار يستلزم إحلال أنفسهم فيها لأنهم أئمة ~~الضلال ضلوا ثم أضلوا والتبعة تبعة الضلال، ونظير الآية في هذا المعنى قوله ~~في فرعون: "يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار": هود: 98. # والمعنى ألم تنظر إلى الأئمة والرؤساء من الأمم السابقة ومن أمتك الذين ~~بدلوا شكر نعمة الله كفرا واتبعتهم قومهم فحلوا وأحلوا قومهم دار الهلاك ~~وهو الشقاء والنار. # قوله تعالى: "جهنم يصلونها وبئس القرار" بيان لدار البوار، واحتمال بعضهم ~~أن يكون: "جهنم" منصوبا بالاشتغال والتقدير يصلون جهنم يصلونها والجملة ~~مستأنفة خال عن الوجه لأن النصب مرجوح ولا نكتة تستوجب الاستئناف. # ومن هنا يظهر فساد قول من قال إن الآيات مدنية والمراد بالذين كفروا هم ~~عظماء مكة وصناديد قريش الذين جمعوا الجموع على النبي (صلى الله عليه ms4397 وآله ~~وسلم) وحاربوه ببدر فقتلوا وأحلوا قومهم دار البوار. # وذلك أنك عرفت من معنى الآية أنها مطلقة ولا موجب لتخصيصها بقتلى بدر من ~~الكفار أصلا، بل الآية تشمل كل إمام ضلال أحل قومه دار البوار ممن تقدم ~~وتأخر، والمراد بإحلال دار البوار إقرارهم في شقاء النار وإن لم يقتلوا ولا ~~ماتوا ولا دخلوا النار بعد. # على أن ظاهر الآية التالية "وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا ~~فإن مصيركم إلى النار" أن ضمير الجمع راجع إلى الذين كفروا المذكورين في ~~هذه الآية ولازمه كون خطاب قل تمتعوا خطابا للباقين منهم وهم الذين أسلموا ~~يوم الفتح وهو إيعاد بشقاء قطعي منجز من غير استثناء. # قوله تعالى: "وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم ~~إلى النار" الأنداد جمع ند وهو المثل وهم الآلهة الذين اتخذوهم آلهة من دون ~~الله من الملائكة والجن والإنس. # وإنما جعلوها أندادا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون لله سبحانه من جهة أنهم ~~سموهم آلهة وأربابا ونسبوا إليهم تدبير أمر العالم ثم عبدوهم خوفا وطمعا مع ~~أن الأمر والخلق كله لله وقد اعترفت بذلك فطرتهم وأيد الله ذلك بما ألهمه ~~أنبياءه ورسله من الآيات والحجج الدالة على وحدانيته. PageV12P027 # فهم كانوا على بصيرة من أمر التوحيد لم يتخذوا الأنداد عن غفلة أو خطإ بل ~~عمدوا إلى ذلك ابتغاء عرض الحياة الدنيا وليستعبدوا الناس ويستدروهم ~~بإضلالهم عن سبيل الله، ولذلك علل اتخاذهم الأنداد بقوله: "ليضلوا عن ~~سبيله" ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوعدهم بالنار التي ~~إليها مرجعهم لا مرجع لهم سواها فقال: "قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار". # وكان من طبع الكلام أن يقال لهم: اتخذوا الأنداد أو أضلوا عن سبيل الله ~~فإن مصيركم إلى النار، لكن بدل من قوله: "تمتعوا" ليصرح بغرضهم الفاسد الذي ~~كانوا يخفونه ليكون أبلغ في فضاحتهم. # قوله تعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال" ms4398 لما توعدهم على لسان ~~رسوله بعذاب يوم القيامة لإضلالهم الناس عن سبيل الله، أمره أن يأمر عباده ~~الذين آمنوا بالتزام سبيله من قبل أن يأتي يوم القيامة فلا يسعهم تدارك ما ~~فات منهم من السعادة بشيء من الأسباب الدائرة بينهم لذلك وهي ترجع إلى أحد ~~شيئين: إما المعارضة بإعطاء شيء وأخذ ما يعادله وهو البيع بالمعنى الأعم، ~~وإما الخلة والمحبة، ولا أثر من هذه الأسباب في يوم محض للحساب والجزاء فإن ~~ذلك شأن يوم القيامة لا شأن له دون ذلك. # ومن هنا يظهر أن قوله: "يقيموا الصلاة وينفقوا" بيان لسبيل الله وقد ~~اكتفى بهذين الركنين اللذين بهما يلحق سائر الوظائف الشرعية مما يصلح حياة ~~الإنسان الدنيوية فيما بينه وبين ربه وما بينه وبين سائر أفراد نوعه. # وقوله: "يقيموا الصلاة وينفقوا" إلخ مجزومان لوقوعهما في جواب الأمر ~~ومقول القول محذوف لدلالة الفعلين عليه، والتقدير: قل: أقيموا الصلاة ~~وأنفقوا "إلخ" يقيموا الصلاة وينفقوا "إلخ". # والإشكال فيه بأن المجزوم في جواب الأمر يجب أن يكون مترتبا عليه ولا ~~يلزم من الأمر بالصلاة والإنفاق أن يطيعوا ذلك. # ساقط فإن اللازم فيه أن يكون الجواب مما يقتضيه الأمر بوجه، وأمر عباده ~~المؤمنين وهم عباد مؤمنون مما يقتضي الطاعة بلا إشكال. # والإنفاق المذكور في الآية مطلق الإنفاق في سبيل الله فإن السورة مكية ~~ولم تنزل آية الزكاة بعد، والمراد بالإنفاق سرا وعلانية أن يجري الإنفاق ~~على ما يقتضيه الأدب الديني الحق فيسر به فيما يحسن الإسرار ويعلن فيما ~~يحسن الإعلان، والمطلوب بذلك على أي حال الإتيان بما يصلح ما في مظنة ~~الفساد ويقيم أود المجتمع من أمور المسلمين. # ولا ينافي ما في هذه الآية من نفي المخالة قوله تعالى: "الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين": الزخرف: 67 فإن النسبة بين الآيتين نسبة ~~العموم والخصوص المطلق فتخصص هذه الآية بتلك الآية ويتحصل المراد من ~~الآيتين أن كل خلة من غير جهة التقوى ترتفع يوم القيامة، وأما الخلة التي ~~من جهتها وهي الخلة في ذات الله فإنها ms4399 تثبت وتنفع فنفي الخلال مطلقا ثم ~~إثبات بعضه في الآيتين نظير نفي الشفاعة مطلقا في قوله: "ولا خلة ولا ~~شفاعة": البقرة: 254 ثم إثباتها فيما كان بإذن الله كما في قوله: "إلا من ~~شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86. # وما قيل في نفي التنافي: إن المراد بالخلال في الآية النافية المخالة ~~التي هي من الأسباب الدنيوية لتدارك ما فات بخلاف ما في الآية المثبتة، ~~وكذا ما قيل إن المراد بالمخالة المنفية هي التي تكون بحسب ميل الطبع ورغبة ~~النفس بخلاف المخالة المثبتة فإنها التي تكون في ذات الله، مرجعهما ~~بالحقيقة إلى ما ذكرناه. # قوله تعالى: "الله الذي خلق السماوات والأرض" إلخ، لما ذكر سبحانه جعلهم ~~لله أندادا لإضلال الناس عن سبيل الله وأوعد عليه أورد في هذه الآية إلى ~~تمام ثلاث آيات الحجة على اختصاص الربوبية بنفسه تعالى وتقدس من طريق ~~اختصاص التدبير العام به من نظم الخلقة وإنزال الماء وإخراج الرزق وتسخير ~~البحار - الفلك - والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار. # وأشار في آخر الآيات إلى أنها وما لا تحصى من غيرها نعمة منه تعالى ~~للإنسان لأن البيان في هذه السورة - كما تقدمت الإشارة إليه - يجري في ضوء ~~الاسمين: العزيز الحميد. # فقوله: "الله الذي خلق" إلخ، في معنى قولنا: فهو الرب وحده دون الذين ~~جعلتموهم أندادا له. PageV12P028 # وقوله: "وأنزل من السماء ماء فأخرج به" إلخ، المراد بالسماء جهة العلو وهو ~~معناها اللغوي، والماء النازل منها هو المطر النازل منها فإليه ينتهي الماء ~~في الأرض الذي تعيش به ذوات الحياة من النبات والحيوان. # قوله تعالى: "وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار" ~~تسخير الفلك للناس هو جعلها بحيث تنفعهم في مقاصدهم وهي العبور بأنفسهم ~~وأحمالهم وغير ذلك من غير أن ترسب في الماء أو تمتنع عن الحركة. # وأما قول بعضهم: تسخيرها لهم هو إقدارهم على صنعتها واستعمالها بإلهامهم ~~طريق ذلك بعيد، فإن الظاهر من تسخير شيء للإنسان هو التصرف فيه بجعله ~~موافقا لما يقصده من منافع نفسه دون التصرف في ms4400 الإنسان نفسه بإلهام ونحوه. # وكان من طبع الكلام أن يقال: وسخر لكم البحر لتجري فيه الفلك بأمره وسخر ~~لكم الأنهار غير أنه عكس، وقيل: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره لكون ~~الفلك من أوضح النعم البحرية وإن لم تنحصر فيها نعمه ولعل ذلك هو السبب في ~~العكس، لأن المقام مقام عد النعمة والنعمة في الفلك أوضح وإن كانت في البحر أعظم. # وإسناد جريها في البحر إلى أمره تعالى مع كونه مستندا إلى الأسباب ~~الطبيعية العاملة كالريح والبخار وسائر الأسباب، لكونه تعالى هو السبب ~~المحيط الذي إليه ينتهي كل سبب. # وقوله: "وسخر لكم الأنهار وهي المياه الجارية في مختلف أقطار الأرض ~~وتسخيرها هو تدليلها بحيث ينتفع بها الإنسان بالشرب والغسل وإزالة الأوساخ ~~وغير ذلك ويعيش بها الحيوان والنبات المسخران له. # قوله تعالى: "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار" قال ~~الراغب: الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا، قال تعالى: "وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين" والدأب العادة المستمرة دائما على حالة، قال تعالى: "كدأب ~~آل فرعون" أي كعادتهم التي يستمرون عليها. # انتهى، ومعنى الآية واضح. # قوله تعالى: "وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار" السؤال هو الطلب ويفارقه أن السؤال إنما يكون ممن يعقل ~~والطلب أعم وإنما تنبه الإنسان للسؤال من جهة الحاجة الداعية إليه فأظهر له ~~أن يرفع ما حلت به من حاجة وكانت الوسيلة العادية إليه هي اللفظ فتوسل به ~~إليه وربما توسل إليه بإشارة أو كتابة وسمي سؤالا حقيقة من غير تجوز. # وإذ كان الله سبحانه هو الذي يرفع حاجة كل محتاج ممن سواه لا يتعلق شيء ~~بذاته فيما يحتاج إليه في وجوده وبقائه إلا بذيل جوده وكرمه سواء أقر به أو ~~أنكره وهو تعالى أعلم بهم وبحاجاتهم ظاهرة وباطنة من أنفسهم كان كل من سواه ~~عاكفا على باب جوده سائلا يسأله رفع ما حلت به من حاجة سواء أعطاه أو منعه ~~وسواء أجابه في جميع ما ms4401 سأل أو بعضه. # هذا هو حق السؤال وحقيقته يختص به تعالى لا يتعداه إلى غيره، ومن السؤال ~~ما هو لفظي - كما تقدم - ربما يسأل به الله سبحانه وربما يسأل به غيره فهو ~~تعالى مسئول يسأله كل شيء بحقيقة السؤال ويسأله بعض الناس من المؤمنين به ~~بالسؤال اللفظي. # هذا بالنسبة إلى السؤال وأما بالنسبة إلى الإيتاء وهو الإعطاء فقد أطلق ~~من غير أن يقيد باستثناء ونحوه فيدل على أنه ما من سؤال إلا وعنده إعطاء ~~وهذه قرينة أن الخطاب للنوع كما يؤيده أيضا قوله ذيلا إن الإنسان لظلوم كفار". # والمعنى أن النوع الإنساني لم يحتج بنوعيته إلى نعمة من النعم إلا رفع ~~الله حاجته إما كلا أو بعضا وإن كان الفرد منه ربما احتاج وسأل ولم يقض حاجته. # وهذا المعنى هو الذي يؤيده قوله تعالى: "أجيب دعوة الداع إذا دعان": ~~البقرة: 186 فقد مر في تفسير الآية أنه تعالى لا يرد دعاء من دعاه إلا أن ~~لا يكون دعاء حقيقة أو يكون دعاء إلا أنه ليس دعاءه بل دعاء غيره والفرد من ~~الإنسان ربما لم يواطىء لسانه قلبه أو لغا في دعائه لكن النوع بنوعيته لا ~~يعرف هذرا ولا نفاقا ولا يعرف ربا غيره سبحانه فكلما مسته حاجة فإنه يسأله ~~حقيقة ولا يسأله إلا من ربه فجميع أدعيته مستجابة وسؤالاته مؤتاة وحاجاته مقضية. PageV12P029 # وقد ظهر مما تقدم أن "من" في قوله: "من كل ما سألتموه" ابتدائية تفيد أن ~~الذي يؤتيه الله مأخوذ مما سألوه سواء كان جميع ما سألوه كما في بعض ~~الموارد أو بعضه كما في بعضها الآخر، ولو كانت من تبعيضية لأفادت أنه تعالى ~~يؤتي في كل سؤال بعض المسئول والواقع خلافه كما أنه لو قيل: وآتاكم كل ما ~~سألتموه أفاد إيتاء الجميع وليس كذلك ولو قيل: مما سألتموه أفاد أن من ~~الجائز أن لا يستجاب بعض الأدعية ويرد بعض الأسئلة من أصله والآية - وهي في ~~مقام الامتنان - تأبى ذلك. # فبالجملة معنى الآية أن الله تعالى أعطى النوع الإنساني ms4402 ما سأله فما من ~~حاجة من حوائجه إلا رفع كلها أو بعضها حسب ما تقتضيه حكمته البالغة. # وربما قيل: إن تقدير الكلام: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه وهو ~~مبني على كون المراد بالسؤال هو السؤال اللفظي وقد تقدم خلافه، وسياق الآية ~~لا يساعد عليه. # وقوله: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" قال الراغب: الإحصاء: التحصيل ~~بالعدد يقال: أحصيت كذا وذلك من لفظ الحصى واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم ~~كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه على الأصابع. # انتهى. # وفي الجملة إشارة إلى خروج النعم عن طوق الإحصاء ولازمه كون حوائج ~~الإنسان التي رفعها الله بنعمه غير مقدور للإنسان إحصاؤها. # وكيف يمكن إحصاء نعمه تعالى وعالم الوجود بجميع أجزائه وما يلحق بها من ~~الأوصاف والأحوال مرتبطة منتظمة نافع بعضها في بعض متوقف بعضها على بعض، ~~فالجميع نعمه بالنسبة إلى الجميع وهذا أمر لا يحيط به إحصاء. # ولعل ذلك هو السر في إفراد النعمة في قوله: "نعمة الله" فإن الحق أن ليس ~~هناك إلا النعمة فلا حاجة إلى تفخيمها بالجمع ليدل على الكثرة، والمراد ~~بالنعمة جنس المنعم فيفيد ما يفيده الجمع. # وقوله: "إن الإنسان لظلوم كفار" أي كثير الكفران يظلم نفسه فلا يشكر نعمة ~~الله ويكفر بها فيؤديه ذلك إلى البوار والخسران، أو كثير الظلم لنعم الله ~~لا يشكرها ويكفر بها، والجملة استئناف بياني يؤكد بها ما يستفاد من البيان ~~السابق، فإن الواقف على ما مر بيانه من حال نعمه تعالى وما آتى الإنسان من ~~كل ما سأله منها لا يرتاب في أن الإنسان وهو غافل عنها طبعا ظالم لنفسه ~~كافر بنعمة ربه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن حيان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس قال: أتي رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقناع من بسر فقال: "مثلا كلمة طيبة كشجرة ~~طيبة حتى بلغ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قال: هي النخلة. ومثل كلمة ~~خبيثة ms4403 كشجرة خبيثة - حتى بلغ ما لها من قرار. قال: هي الحنظلة. # أقول: وكون الشجرة الطيبة هي النخلة مروي في عدة روايات عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وهي لا تدل على أزيد من انطباق المثل عليها، وذيل الرواية ~~ينافي الرواية التالية. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قعد ناس من أصحاب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فذكروا هذه الآية: اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار فقالوا: يا رسول الله نراه الكمأة، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء ~~من السم. # أقول: والكلام يجري في الحنظلة فإن لها خواص طبية هامة. # وفيه، أخرج البيهقي في سننه عن علي قال: الحين ستة أشهر. # أقول: والكلام فيه كالكلام في سابقه. # وفي الكافي، بإسناده عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: "كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء" قال: فقال: ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصلها وأمير المؤمنين فرعها والأئمة ~~من ذريتهما أغصانها وعلم الأئمة ثمرتها وشيعتهم المؤمنون ورقها هل في هذا ~~فضل؟ قال: قلت: لا والله. قال: والله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها، وإن ~~المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها. PageV12P030 # أقول: والرواية مبنية على كون المراد بالكلمة الطيبة هو النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وقد أطلقت الكلمة في كلامه على الإنسان كقوله: "بكلمة منه ~~اسمه المسيح عيسى بن مريم": آل عمران - 45، ومع ذلك فالرواية من باب ~~التطبيق ومن الدليل عليه اختلاف الروايات في كيفية التطبيق ففي بعضها أن ~~الأصل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والفرع علي (عليه السلام) ~~والأغصان الأئمة (عليهم السلام) والثمرة علمهم والورق الشيعة كما في هذه ~~الرواية، وفي بعضها أن الشجرة رسول الله وفرعها علي والغصن فاطمة وثمرها ~~أولادها وورقها شيعتنا كما فيما رواه الصدوق عن جابر عن أبي جعفر (عليه ~~السلام)، وفي بعضها أن النبي والأئمة هم الأصل الثابت ms4404 والفرع الولاية لمن ~~دخل فيها كما في الكافي، بإسناده عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام). # وفي المجمع، روى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): أن هذا يعني ~~قوله: كشجرة خبيثة إلخ مثل بني أمية. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الرحمن بن سالم الأشل عن أبيه عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): "ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة" الآيتين قال: هذا مثل ~~ضربه الله لأهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولمن عاداهم هو مثل ~~كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار أقول: قال ~~الآلوسي في تفسير روح المعاني، ما لفظه: وروى الإمامية وأنت تعرف حالهم عن ~~أبي جعفر رضي الله عنه تفسيرها يعني الشجرة الخبيثة ببني أمية وتفسير ~~الشجرة الطيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي كرم الله وجهه ~~وفاطمة رضي الله عنها وما تولد منهما، وفي بعض روايات أهل السنة ما يعكر ~~على تفسير الشجرة الخبيثة ببني أمية، فقد أخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله تعالى قلب العباد ~~ظهرا وبطنا فكان خير عباده العرب وقلب العرب ظهرا وبطنا فكان خير العرب ~~قريشا وهي الشجرة المباركة التي قال الله تعالى في كتابه "مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة" لأن بني أمية من قريش. # انتهى موضع الحاجة. # وهو عجيب فإن كون أمة أو طائفة مباركة بحسب طبعهم لا يوجب كون جميع الشعب ~~المنشعبة منها كذلك فالرواية على تقدير تسليمها لا تدل إلا على أن قريشا ~~شجرة مباركة وأما أن جميع الشعب المنشعبة منها مباركة طيبة كبني عبد الدار ~~مثلا أو كون كل فرد منهم كذلك كأبي جهل وأبي لهب فلا قطعا فأي ملازمة بين ~~كون شجرة بحسب أصلها مباركة طيبة وبين كون بعض فروعها التي انفصلت منها ~~ونمت نماء فاسدا، مباركا طيبا؟. # وقد روى ابن مردويه هذا عن عائشة: أنها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول ~~الله ms4405 (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة الملعونة في ~~القرآن. # وروى أصحاب التفاسير كالطبري وغيره عن سهل بن ساعد وعبد الله بن عمر ~~ويعلى بن مرة والحسين بن علي وسعيد بن المسيب: أنهم الذين نزل فيهم قوله ~~تعالى: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس - والشجرة الملعونة ~~في القرآن" الآية، ولفظ سعد: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني ~~فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات، ~~وأنزل الله: "وما جعلنا الرؤيا" الآية. # وستأتي الرواية عن عمر وعن علي: في تفسير قوله: "الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا" أنهم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية. # وفي تفسير العياشي، عن صفوان بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا فيأتيه عند موته ويأتيه عن يمينه وعن ~~يساره ليصده عما هو عليه فيأبى الله ذلك وكذلك قال الله: "يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة". PageV12P031 # وفيه، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) قالا: إذا وضع الرجل في قبره أتاه ملكان ملك عن يمينه وملك عن ~~شماله وأقيم الشيطان بين يديه عيناه من نحاس فيقال له: ما تقول في هذا ~~الرجل الذي خرج من بين ظهرانيكم يزعم أنه رسول الله؟ فيفزع لذلك فزعة فيقول ~~إن كان مؤمنا: محمد رسول الله فيقال عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها ويفسح له ~~في قبره تسعة أذرع ويرى مقعده من الجنة وهو قول الله: "يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا" وإن كان كافرا قالوا: من هذا الرجل ~~الذي كان بين ظهرانيكم يقول: إنه رسول الله؟ فيقول: ما أدري فيخلى بينه ~~وبين الشيطان. # وفي الدر المنثور، أخرج الطيالسي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~البراء بن عازب أن رسول الله (صلى الله عليه ms4406 وآله وسلم) قال: المسلم إذا ~~سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله ~~سبحانه: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت - في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة". # وفيه، أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في هذه الآية: "يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت - في الحياة الدنيا وفي الآخرة" قال: في الآخرة القبر. # أقول: وهناك روايات كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة وردت في تفصيل سؤال ~~القبر وإتيان الملكين منكر ونكير وثبات المؤمن وضلال الكافر عند ذلك وقد ~~وقع في كثير منها التمسك بالآية. # وظاهرها أن المراد بالآخرة هو القبر وعالم الموت، ولعل ذلك مبني على ظاهر ~~معنى التثبيت فإن الظاهر من إعطاء الثبات أن يكون في مقام يجوز فيه الزلل ~~والخبط، وهذا إنما يتصور في غير يوم القيامة الذي ليس فيه إلا المجازاة ~~بالأعمال وأما بالنظر إلى أن كل ثابت في الوجود فإنما ثباته بالله سبحانه ~~سواء كان مما يجوز عليه الزوال أم لا فلا فرق بين البرزخ والقيامة في أن ~~المؤمن ثابت بتثبيت الله سبحانه والأولى أخذ الروايات من قبيل التطبيق. # وفي تفسير العياشي، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في قوله: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" قال: نحن نعمة ~~الله التي أنعم الله بها على العباد. # أقول: وهو من الجري والتطبيق. # وفيه، عن معصم المسرف عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله: "وأحلوا ~~قومهم دار البوار" قال: هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة: أقول: ~~ورواه أيضا في البرهان، عن ابن شهر آشوب عن أبي الطفيل عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في ~~الأوسط وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله: "ألم ~~تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" قال: هما الأفجران من قريش بنو ms4407 أمية ~~وبنو المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر وأما بنو أمية ~~فمتعوا إلى حين. # أقول: وهو مروي عن عمر كما يأتي. # وفيه، أخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمر ~~بن الخطاب في قوله: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" قال: هما ~~الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم ~~بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين هذه ~~الآية: "الذين بدلوا نعمة الله كفرا" قال: هم الأفجران من قريش أخوالي ~~وأعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم ~~إلى حين. # وفي تفسير العياشي، عن ذريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته ~~يقول: جاء ابن الكواء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسأله عن قول الله: ~~"ألم تر إلى الذين بدلوا" الآية قال: تلك قريش بدلوا نعمة الله كفرا وكذبوا ~~نبيه يوم بدر. # أقول: واختلاف التطبيق في كلامه (عليه السلام) من الشاهد على أنه من باب ~~بيان انطباق الآية لا من قبيل سبب النزول. PageV12P032 # وفي الكافي، عن علي بن محمد عن بعض أصحابه رفعه قال: كان علي بن الحسين ~~(عليهما السلام) إذا قرأ هذه الآية: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" يقول: ~~سبحان الذي لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها ~~كما لم يجعل في أحد +" من "+ معرفة إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه فشكر ~~جل وعز معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا ~~كما علم علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله علما. # الحديث. PageV12P033 ### ||| AUTO 14 سورة إبراهيم - 35 - 41 # وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا البلد ءامنا واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام ~~(35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور ~~رحيم (36) ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ms4408 ~~ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرت لعلهم ~~يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شىء فى ~~الأرض ولا فى السماء (38) الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسمعيل وإسحق إن ~~ربى لسميع الدعاء (39) رب اجعلنى مقيم الصلوة ومن ذريتى ربنا وتقبل دعاء ~~(40) ربنا اغفر لى ولولدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات تذكرة ثانية بجملة من نعمه عقيب التذكرة الأولى التي ~~يتضمنها قوله: "وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل ~~فرعون" الآية فذكر سبحانه أولا نعمته على جمع من عباده المؤمنين وهم بنو ~~إسرائيل من ولد إبراهيم ثم ذكر ثانيا نعمته على جمع آخر منهم وهم بنو ~~إسماعيل من ولد إبراهيم وهي التي يتضمنها دعاء إبراهيم (عليه السلام): "رب ~~اجعل هذا البلد آمنا" إلى آخر دعائه وفيها نعمة توفيقه تعالى لهم أن ~~يجتنبوا عبادة الأصنام ونعمة الأمن بمكة وميل الأفئدة إلى أهله ورزقهم من ~~الثمرات وغير ذلك كل ذلك لأن الله سبحانه هو العزيز الحميد. # قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا" أي واذكر إذ قال ~~إبراهيم والإشارة إلى مكة شرفها الله تعالى. # وقد حكى الله سبحانه نظير هذا الدعاء على اختصار فيه عن إبراهيم (عليه ~~السلام) في موضع آخر بقوله: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ~~ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير: البقرة: 126. # ومن الممكن أن يستفاد من اختلاف المحكيين في التعبير أعني قوله: "اجعل ~~هذا بلدا آمنا" وقوله: "اجعل هذا البلد آمنا" أنهما دعاءان دعا (عليه ~~السلام) بهما في زمانين مختلفين، وأنه بعد ما أسكن إسماعيل وأمه أرض مكة ~~ورجع إلى أرض فلسطين ثم عاد إليهما وجد من إقبال جرهم إلى مجاورتهما مكانا ~~ما سر بذلك فدعا عند ذلك مشيرا إلى مكانهم "رب اجعل هذا بلدا آمنا" فسأل ~~ربه ms4409 أن يجعل المكان بلدا ولم يكن به وأن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات، ثم ~~لما عاد إليهم بعد ذلك بزمان وجد المكان بلدا فسأل ربه أن يجعل البلد آمنا. # ومما يؤيد كونهما دعاءين ما فيهما من الاختلاف من غير هذه الجهة ففي آية ~~البقرة الدعاء لأهل البلد بالرزق من الثمرات وفي الآيات المبحوث عنها ~~الدعاء بذلك لذريته خاصة مع أمور أخرى دعا بها لهم. # وعلى هذا يكون هذا الدعاء المحكي عن إبراهيم (عليه السلام) في هذه الآيات ~~آخر ما أورده الله تعالى في كتابه من كلام إبراهيم (عليه السلام) ودعائه، ~~وقد دعا به بعد ما أسكن إسماعيل وأمه بها وجاورتهما قبيلة جرهم وبنى البيت ~~الحرام وبنيت بلدة مكة بأيدي القاطنين هناك كما تدل عليه فقرات الآيات. # وعلى تقدير أن يكون المحكيان دعاء واحدا يكون قوله: "رب اجعل" إلخ ~~تقديره: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا وقد حذف في إحدى الآيتين المشار إليه ~~وفي الأخرى الموصوف اختصارا. PageV12P034 # والمراد بالأمن الذي سأله (عليه السلام) الأمن التشريعي دون التكويني - كما ~~تقدم في تفسير آية البقرة - فهو يسأل ربه أن يشرع لأرض مكة حكم الحرمة ~~والأمن، وهو - على خلاف ما ربما يتوهم - من أعظم النعم التي أنعم الله بها ~~على عباده فإنا لو تأملنا هذا الحكم الإلهي الذي شرعه إبراهيم (عليه ~~السلام) بإذن ربه أعني حكم الحرمة والأمن وأمعنا فيما يعتقده الناس من ~~تقديس هذا البيت العتيق وما أحاط به من حرم الله الآمن وقد ركز ذلك في ~~نفوسهم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم وجدنا ما لا يحصى من الخيرات والبركات ~~الدينية والدنيوية عائدة إلى أهلها وإلى سائر أهل الحق ممن يحن إليهم ~~ويتعلق قلبه بهم، وقد ضبط التاريخ من ذلك شيئا كثيرا وما لم يضبط أكثر ~~فجعله تعالى مكة بلدا آمنا من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده. # قوله تعالى: "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~- إلى قوله - غفور رحيم" يقال: جنبه وأجنبه أي أبعده، ms4410 وسؤاله (عليه السلام) ~~أن يجنبه الله ويبعده وبنيه من عبادة الأصنام لواذ والتجاء إليه تعالى من ~~الإضلال الذي نسبه إليهن في قوله: "رب إنهن أضللن" إلخ. # ومن المعلوم أن هذا الإبعاد والإجناب منه تعالى كيفما كان وأيا ما كان ~~تصرف ما وتأثير منه تعالى في عبده بنحو، غير أنه ليس بنحو يؤدي إلى الإلجاء ~~والاضطرار ولا ينجر إلى القهر والإجبار بسلب صفة الاختيار منه إذ لا مزية ~~لمثل هذا الابتعاد حتى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل الله. # فرجع بالحقيقة إلى ما تقدم في قوله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت" الآية، أن كل خير من فعل أو ترك فإنه منسوب إليه تعالى أولا، ثم ~~إلى العبد ثانيا بخلاف الشر من فعل أو ترك فإنه منسوب إلى العبد ابتداء ولو ~~نسب إليه تعالى فإنما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة، وقد أوضحنا ذلك. # فالاجتناب من عبادة الأصنام إنما يتحقق عن إجناب من الله رحمة منه لعبده ~~وعناية، وليس في الحقيقة إلا أمرا تلبس واتصف به العبد غير أنه إنما يملكه ~~بتمليك الله سبحانه فهو المالك له بذاته والعبد يملكه بأمر منه وإذن كما أن ~~العبد إنما يهتدي عن هداية من الله، وليس هناك إلا هدى واحد لكنه مملوك لله ~~سبحانه لذاته والعبد إنما يملكه بتمليك منه سبحانه، وأبسط كلمة في هذا ~~المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أن الله يوفق عبده لفعل الخير وترك الشر هذا. # فتلخص أن المراد بقوله (عليه السلام) "واجنبني" سؤال ما لله سبحانه من ~~الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام وبعبارة أخرى هو يسأل ربه أن يحفظه وبنيه ~~من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحق إن هم عرضوا أنفسهم لذلك وأن يفيض عليهم ~~إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا وأن ~~يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائه (عليه السلام). # ومنه يعلم أن نتيجة الدعاء لبعض المدعوين لهم وإن كان بلفظ يستوعب ~~الجميع، وهذا البعض هم المستعدون لذلك ms4411 دون المعاندين والمستكبرين منهم ~~وسنزيده بيانا. # ثم هو (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء لنفسه وبنيه: "واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام" وبنوه جميع من جاء من نسله بعده وهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق ~~فإن الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره، ويصدق ذلك ~~القرآن الكريم قال تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم": الحج: 78 وقد تكرر إطلاق ~~بني إسرائيل على اليهود في نيف وأربعين موضعا من كلامه تعالى. # فهو (عليه السلام) يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه ولجميع من بعده من ~~بنيه بالمعنى الذي تقدم، اللهم إلا أن يقال: إن قرائن الحال والمقال تدل ~~على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعم بني إسحاق. # ثم عقب (عليه السلام) دعاءه: "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" بقوله: "رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس" وهو في مقام التعليل لدعائه وقد أعاد النداء ~~"رب" إثارة للرحمة الإلهية، أي إني إنما أسألك أن تبعدني وبني عن عبادتهن ~~لأنهن أضللن كثيرا من الناس ونسبة الإضلال إلى الأصنام لمكان الربط الذي ~~بين الضلال وبينهن وإن لم يكن ارتباطا شعوريا وليس من اللازم في نسبة أي ~~فعل أو أثر إلى شيء أن يقوم به قياما شعوريا وهو ظاهر. PageV12P035 # ثم قوله (عليه السلام): "فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" ~~تفريع على ما تقدم من كلامه أي إذا كان كثير من الناس أضلتهم الأصنام ~~بعبادتهن واستعذت بك وعرضت نفسي وبني عليك أن تجنبنا من عبادتهن افترقنا ~~نحن والناس طائفتين: الضالون عن طريق توحيدك والعارضون لأنفسهم على حفظك ~~وإجنابك فمن تبعني "إلخ". # وقد عبر (عليه السلام) في تفريعه بقوله: "فمن تبعني" والاتباع إنما يكون ~~في طريق - وقد لوح إلى الطريق أيضا بقوله: "أضللن" لأن الضلال إنما يكون عن ~~الطريق - فمراده باتباعه التدين بدينه والسير بسيرته لا مجرد الاعتقاد ~~بوحدانيته تعالى بل سلوك طريقته المبنية على توحيد الله سبحانه ليكون في ~~ذلك عرض النفس على رحمته تعالى وإجنابه من عبادة الأصنام. # ومن الدليل على كون المراد ms4412 بالاتباع هو سلوك سبيله قوله في ما يعادله من ~~كلامه: "ومن عصاني" فإنه نسب العصيان إلى نفسه ولم يقل: ومن كفر بك أو عصاك ~~أو فسق عن الحق ونحو ذلك كما لم يقل فمن آمن بك أو أطاعك أو اتقاك وما أشبهه. # فمراده باتباعه سلوك طريقه والتدين بجميع ما أتى به من الاعتقاد والعمل ~~وبعصيانه ترك سيرته وما أتى به من الشريعة اعتقادا وعملا كأنه (عليه ~~السلام) يقول: من تبعني وعمل بشريعتي وسار بسيرتي فإنه ملحق بي ومن أبنائي ~~تنزيلا أسألك أن تجنبني وإياه أن نعبد الأصنام، ومن عصاني بترك طريقتي كلها ~~أو بعضها سواء كان من بني أو غيرهم فلا ألحقه بنفسي ولا أسألك إجنابه ~~وإبعاده بل أخلي بينه وبين مغفرتك ورحمتك. # ومن هنا يظهر أولا أن قوله (عليه السلام): "فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم" تفسير لقوله: "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" بالتصرف في ~~البنين تعميما وتخصيصا فهو كتعميم البنين لكل من تبعه من جهة وتخصيصه ~~بالعاصين له منهم من جهة أخرى فليسوا منه ولا ملحقين به، وبالجملة هو (عليه ~~السلام) يلحق الذين اتبعوه من بعده بنفسه وأما غير متبعيه فيخلي بينهم وبين ~~ربهم الغفور الرحيم كما قال تعالى: "إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا": آل عمران: 68. # وهذه التوسعة والتضييق منه (عليه السلام) نظير مجموع ما وقع منه ومن ربه ~~في الفقرة الأخرى من دعائه على ما يحكيه آية البقرة: "وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره ~~إلى عذاب النار وبئس المصير" حيث سأل الرزق أولا لأهل البلد ثم خصه لمن آمن ~~منهم فعممه الله سبحانه بقوله: "ومن كفر" ثانيا. # وثانيا: أن من الممكن أن يستفاد من قوله (عليه السلام) فيمن تبعه: إنه ~~مني وسكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه وبنيه أن ذلك تبن منه لكل ~~من تبعه وإلحاق له بنفسه، ونفي لكل من عصاه عن نفسه وإن ms4413 كان من بنيه ~~بالولادة، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة ~~السكوت في النفي. # ولا إشكال في ذلك بعد ظهور الدليل فإن الولادة الطبيعية لا يجب أن تكون ~~هي الملاك في النسب إثباتا ونفيا، ولا تجد واحدة من الأمم يقتصرون في النسب ~~إثباتا ونفيا على مجرد الولادة الطبيعية بل لا يزالون يتصرفون بالتوسعة ~~والتضييق وللإسلام أيضا تصرفات في ذلك كنفي الدعي والمولود من الزنا ~~والكافر والمرتد وإلحاق الرضيع والمولود على الفراش إلى غير ذلك، وفي كلامه ~~تعالى في ابن نوح: "إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح": هود: 46. # وثالثا: أنه (عليه السلام) وإن لم يسأل المغفرة والرحمة صريحا لمن عصاه ~~وإنما عرضهم للمغفرة والرحمة بقوله: "ومن عصاني فإنك غفور رحيم" لكنه لا ~~يخلو عن إيماء ما إلى الطلب لمن ترك طريقته وسيرته التي تعد الإنسان للرحمة ~~الإلهية بحفظه من عبادة الأصنام، وهذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول ~~الرحمة وإن لم يكن مقتضيا أيضا لذلك، وليس المراد به نفس الشرك بالله حتى ~~ينافي سؤال المغفرة كما قال تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء": النساء: 116. # هذا محصل ما يعطيه التدبر في الآيتين الكريمتين وهو في معزل عما استشكله ~~المفسرون في أطراف الآيتين ثم ذهبوا في التخلص عنه مذاهب شتى بعيدة عن ~~الذوق السليم. PageV12P036 # فقد استشكلوا أولا قوله (عليه السلام): "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" من ~~حيث إن ظاهره سؤال الحفظ عن عبادة الأصنام لنفسه ولبنيه جميعا فيكون دعاء ~~غير مستجاب فإن قريشا من بنيه وقد كانوا وثنيين يعبدون الأصنام، وكيف يمكن ~~أن يدعو مثل الخليل (عليه السلام) ثم لا يستجاب له؟ أم كيف يمكن أن يذكر ~~تعالى دعاءه وهو لغو غير معني به ثم لا يذكر رده على خلاف مسلك القرآن في ~~جميع المواضع المشابهة؟ ثم كيف يمكن أن يسأل لنفسه المصونية والعصمة عن ~~عبادة الأصنام وهو نبي والأنبياء معصومون؟ وقد قيل في الجواب عن إشكال ms4414 عدم ~~استجابة دعائه في بنيه إن المراد ببنيه أبناؤه بلا واسطة كإسماعيل وإسحاق ~~وغيرهما وقد استجيب دعاؤه فيهم، وقيل: المراد الموجودون من بنيه وقت الدعاء ~~وهم موحدون، وقيل: إن الله قد استجاب دعاءه في بعض بنيه دون بعض ولا نقص فيه. # وقيل: إن المشركين من بنيه لم يكونوا يعبدون الأصنام وإنما كانوا ~~يتخذونها شفعاء، وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأوثان دون الأصنام وبينهما فرق ~~فإن الأصنام هي التماثيل المصورة والأوثان هي التماثيل غير المصورة، وقيل: ~~إنهم ما كانوا يعبدون الأصنام بل كان الواحد منهم ينصب حجرا ويقول: هذا حجر ~~والبيت حجر، فكان يدور حوله ويسمونه الدوار. # وسقوط هذه الوجوه ظاهرة: أما الأول والثاني فلكونهما خلاف ظاهر اللفظ ~~وأما الثالث فلأن الإشكال ليس في ورود نقص على النبي بعدم استجابة دعائه أو ~~بعضه لحكمة بل من جهة منافاته لمسلك القرآن في حكاية لغو الكلام من غير ~~رده، وأما باقي الوجوه فلأن ملاك الضلال في عبادة الأصنام هو شرك العبادة ~~وهو موجود في جميع ما افترضوه من الوجوه. # وقيل في الجواب عن إشكال سؤال النبي الإبعاد والإجناب عن الشرك وهو نبي ~~معصوم: إن المراد الثبات والدوام على ذلك، وقيل إنه (عليه السلام) ذكر ذلك ~~هضما لنفسه وإظهارا للحاجة إلى فضله تعالى، وقيل: المراد سؤال الحفظ عن ~~الشرك الخفي وإلا فالأنبياء مصونون عن الشرك الجلي هذا. # وهذه وجوه ردية، أما الأول فلأنه لا ينحسم به مادة الإشكال إذ العصمة ~~والمصونية كما أنها لازمة للنبوة حدوثا لازمة لها بقاء فلو لم يصح للنبي أن ~~يسأل حدوثها لمكان اللزوم لم يصح له أن يسأل بقاءها لذلك بعينه، والأصل في ~~جوابهم هذا أنهم يزعمون انفصال الفيض عن المفيض واستقلال المستفيض فيما ~~استفاضه بمعنى أن الله سبحانه إذا أفاض بشيء على شيء خرج ما أفاضه من ملكه ~~ووقع في ملك المستفيض ولا معنى للسؤال ممن لا يملك وإذا قضى سبحانه بشيء ~~حدوثا أو بقاء قضاء حتم لا يتغير عما هو عليه فإنه لا يتعلق على خلافه قدرة ~~ولا ms4415 مشية وهو خطأ فإن الحاجة من جانب المستفيض باقية على حالها قبل الإفاضة ~~لا تختلف أصلا وملكه تعالى باق بعد الإفاضة على ما كان عليه قبلها ولا يزال ~~سبحانه قادرا له أن يشاء ما يشاء وإن كان لا يشاء فيما قضى بخلافه قضاء ~~حتم، والسؤال والطلب من آثار الحاجة لا من آثار الفقدان فافهم ذلك وقد ~~أشبعنا القول في هذا المعنى في المباحث المتقدمة مرارا. # وأما الثاني فلأن هضم النفس إنما يستقيم في غير الضروريات وأما الأمور ~~الضرورية فلا، فلا معنى لقول القائل: لست إنسانا وهو يريد نفي الماهية هضما ~~لنفسه اللهم إلا أن يريد نفي الكمال وكذا القول في إظهار الحاجة وهم لا ~~يرون في الأمور الضرورية المحتومة كالعصمة في الأنبياء حاجة. # وأما الثالث فلأن الشرك الخفي هو الركون والتوجه إلى غير الله على ~~مراتبه، وإبراهيم (عليه السلام) يعلل قوله: "واجنبني" إلخ بقوله "إنهن ~~أضللن" إلخ فهو إنما يسأل الإبعاد من عبادة هذه الأصنام وهي الشرك الجلي ~~دون الحفظ عن الركون والتوجه إلى غير الله تعالى اللهم إلا أن يدعى أن ~~المراد بالصنم كل ما يتوجه إليه غير الله سبحانه، وكذا المراد بالعبادة ~~مطلق التوجه والالتفات وهو دعوى لا دليل عليها. # ثم استشكلوا في قوله (عليه السلام) "ومن عصاني فإنك غفور رحيم" من حيث ~~اشتماله على طلب المغفرة للمشركين، ولا تتعلق المغفرة بالشرك بنص قوله ~~تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" الآية. PageV12P037 # وقد قيل في الجواب عن الإشكال: أن الشرك كان جائز المغفرة في الشرائع ~~السابقة وإنما رفع ذلك في هذه الشريعة بقوله: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" ~~الآية فإبراهيم (عليه السلام) جرى في دعائه على ما كان عليه الأمر في ~~شريعته. # وقيل: إن المراد: ومن عصاني فإنك غفور رحيم له بعد توبته ففي الكلام قيد ~~محذوف، وقيل: المراد ومن عصاني وأقام على الشرك فإنك غفور رحيم بأن تنقله ~~من الشرك إلى التوحيد فتغفر له وترحمه. # وقيل: المراد بالمغفرة والرحمة الستر على الشرك في الدنيا ms4416 والرحمة بعدم ~~معاجلة العقاب فالمعنى ومن عصاني بالإقامة على الشرك فاستر عليه ذلك وارحمه ~~بتأخير العقاب عنه، وقيل: إن الكلام على ظاهره وكان ذلك منه (عليه السلام) ~~قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك، ولا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة الشرك ~~جائزة عقلا وإنما منع منها الدليل السمعي وليس من الواجب أن يعلم بجميع ~~الأدلة السمعية في يوم واحد، وقيل: المراد بالمعصية ما دون الشرك. # وهذه أجوبة فاسدة أما الأول فلأن دعوى كون الشرك جائز المغفرة في الشرائع ~~السابقة دعوى لا دليل عليها بل الدليل على خلافها فقد خاطب الله آدم (عليه ~~السلام) بمثل قوله: - وهو أول الشرائع السابقة - "والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 39، وحكى عن المسيح ~~(عليه السلام) وشريعته آخر الشرائع السابقة قوله: "إنه من يشرك بالله فقد ~~حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار": المائدة: 72، ~~والتدبر في آيات القيامة والجنة والنار وفي آيات الشفاعة وفي دعوات ~~الأنبياء المحكية في القرآن لا يدع شكا في أن الشرك لا نجاة لصاحبه بشفاعة ~~أو غيره إلا بالتوبة قبل الموت. # وأما الثاني فلأن تقييد المغفرة والرحمة بالتوبة تقييد من غير مقيد على ~~أن تقييد المعصية بالتوبة يفسد المعادلة في قوله: "فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني" إلخ، فإن العاصي التائب يعود ممن تبعه ويلحق به (عليه السلام) فلا ~~يبقى للمعادلة أزيد من طرف واحد. # وأما الثالث والرابع فلما فيهما من ارتكاب خلاف الظاهر فإن ظاهر طلب ~~المغفرة للعاصي أن يغفر الله له حينما هو عاص لا أن يغفر الله له بعد خروجه ~~بالتوبة عن المعصية إلى الطاعة وكذا ظاهر مغفرة العصيان رفع تبعات معصيته ~~مطلقا أو في الآخرة، وأما رفع التبعة الدنيوية فقط فأمر بعيد عن الفهم. # وأما الخامس فهو أبعد الوجوه، وكيف يجوز الاجتراء على مثل الخليل (عليه ~~السلام) وهو في أواخر عمره - كما تقدم - أن يجهل ما هو من واضحات المعارف ~~الدينية ثم يجري على جهله فيشفع عند ربه للمشركين ms4417 ويسأل لهم المغفرة من غير ~~أن يستأذن الله في ذلك ولو استأذنه لأنبأه أن ذلك مما لا يكون ثم يورد الله ~~سبحانه في كلامه ما ارتكبه من لغو الكلام جهلا ولا يرده ببيان ما هو الحق ~~في ذلك، وقد اعتذر سبحانه عن استغفاره لأبيه المشرك ورفع عن ساحته كل غميضة ~~فيما قال: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": التوبة: 114. # وأما السادس فتقييد المعصية بما دون الشرك تقييد من غير مقيد، اللهم إلا ~~أن يقرر بما يرجع إلى ما قدمناه. # فهذه جملة ما ذكره المفسرون في ذيل الآيتين أوردناها ملخصه وقد وقعوا ~~فيما وقعوا لإهمالهم تحقيق القول في معنى حفظه تعالى عن الشرك، ومعنى تفرع ~~قوله: "فمن تبعني فإنه مني" إلخ على ما تقدمه. # قوله تعالى: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم" ~~إلى آخر الآية "من ذريتي" في تأويل مفعول "أسكنت" أو ساد مسده و"من" فيه ~~للتبعيض" ومراده (عليه السلام) ببعض ذريته ابنه إسماعيل ومن سيولد له من ~~الأولاد دون إسماعيل وحده بدليل قوله: بعد "ربنا ليقيموا الصلاة". # والمراد بغير ذي زرع غير المزروع وهو آكد وأبلغ لأنه يدل - كما قيل - على ~~عدم صلاحيته لأن يزرع لكونه أرضا حجرية رملية خالية عن المواد الصالحة ~~للزرع وهذا كقوله: "قرآنا غير ذي عوج". # ونسبة البيت إلى الله سبحانه لأنه مبني لغرض لا يصلح إلا له تعالى وهو ~~عبادته، وكونه محرما هو ما جعل الله له من الحرمة تشريعا والظرف أعني قوله ~~"عند بيتك المحرم" متعلق بقوله "أسكنت". PageV12P038 # وهذه الجملة من دعائه (عليه السلام) أعني قوله: "ربنا إني أسكنت - إلى قوله ~~- المحرم" من الشاهد على ما قدمناه من أنه (عليه السلام) إنما دعا بهذا ~~الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة وبنى الناس بلدة مكة وعمروها كما ~~أن من الشاهد عليه أيضا قوله: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق". # وبذلك يندفع ما ms4418 ربما يستشكل فيقال: كيف سماه بيتا وقال أسكنت من ذريتي ~~عنده ولم يبنه بعد؟ كأن السائل يقدر أنه إنما دعا به يوم أتى بإسماعيل وأمه ~~إلى أرض مكة وكانت أرضا قفراء لا أنيس بها ولا نبت. # ولا حاجة إلى دفعه بأنه كان يعلم بما علمه الله أنه سيبني هناك بيتا لله ~~أو بأن البيت كان قبل ذلك وإنما خربه بعض الطوائف أو رفعه الله إلى السماء ~~في الطوفان وليت شعري إذا اندفع بهما هذا الإشكال فكيف يندفع بهما ما يتوجه ~~من الإشكال على هذا التقدير إلى ظاهر قوله رب اجعل هذا البلد آمنا وظاهر ~~قوله: "وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق". # وقوله: "ربنا ليقيموا الصلاة" بيان لغرضه من إسكانهم هناك، وهو بانضمام ~~ما تقدم من قوله: "بواد غير ذي زرع" وما يعقبه من قوله: "فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات" يفيد أنه (عليه السلام) إنما اختار ~~واديا غير ذي زرع أعزل من أمتعة الحياة من ماء عذب ونبات ذي خضرة وشجر ذي ~~بهجة وهواء معتدل خاليا من السكنة ليتمحضوا في عبادة الله من غير أن يشغلهم ~~شواغل الدنيا. # وقوله: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" إلخ من الهوي بمعنى السقوط أي ~~تحن وتميل إليهم بالمساكنة معهم أو بالحج إلى البيت فيأنسوا بهم، وارزقهم ~~من الثمرات، بالنقل إليهم تجارة لعلهم يشكرون. # قوله تعالى: "ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن" إلى آخر الآية معناه ظاهر، ~~وقوله: "وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء" من تمام كلام ~~إبراهيم (عليه السلام) أو من كلامه تعالى، وعلى الأول ففي قوله: "على الله" ~~التفات وجهه الإشارة إلى علة الحكم كأنه قيل: إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ~~لأنك الله الذي ما يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يبعد أن ~~يستفاد من هذا التعليل أن المراد بالسماء ما هو خفي علينا غائب عن حسنا ~~والأرض بخلافه فافهم ذلك. # قوله تعالى: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ms4419 إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء" كالجملة المعترضة بين فقرات دعائه دعاه إلى إيراده تذكره في ~~ضمن ما أورده من الأدعية عظيم نعمة الله عليه إذ وهب له ولدين صالحين ~~مثلهما بعد ما انقطع عنه الأسباب العادية المؤدية إلى ظهور النسل، وأنه ~~إنما وهبهما له باستجابة دعائه للولد فحمد الله على ما وهبهما وأثنى عليه ~~على استجابة دعائه في ذلك. # قوله تعالى: "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء الكلام" ~~في استناد إقامته الصلاة إلى الله سبحانه نظير الكلام في استناد إجنابه أن ~~يعبد الأصنام فإن لإقامة الصلاة نسبة إليه تعالى بالإذن والمشية كما أن لها ~~نسبة إلى العبد بالتصدي والعمل وقد مر الكلام فيه. # وهذه الفقرة ثاني دعاء يشترك فيه هو (عليه السلام) وذريته ويعقب في ~~الحقيقة قوله أولا: "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" كما يلحق به دعاؤه ~~الثالث المشترك فيه: "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين". # وقد أفرد نفسه في جميع الفقرات الثلاث عن غيره إذ قال: "واجنبني" ~~"واجعلني مقيم الصلاة" "اغفر لي" لأن مطلوبه لحوق ذريته به كما قال في موضع ~~آخر: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين": الشعراء: 84 وفي موضع آخر كما حكاه ~~الله بقوله: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي": البقرة: 124. # وأما قوله في الفقرة الأولى "واجنبني وبني" وهاهنا "اجعلني مقيم الصلاة ~~ومن ذريتي" فقد تقدم أن المراد ببنيه بعضهم لا جميعهم فتتطابق الفقرتان. # ومن تطابق الفقرتين أنه أكد دعاءه في هذه الفقرة بقوله: "ربنا وتقبل ~~دعاء" فإن سؤال تقبل الدعاء إلحاح وإصرار وتأكيد كما أن التعليل في الفقرة ~~الأولى، بقوله: "رب إنهن أضللن كثيرا من الناس" تأكيد في الحقيقة لما فيها ~~من الدعاء، بقوله: "واجنبني" إلخ. PageV12P039 # قوله تعالى: "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب" ختم (عليه ~~السلام) دعاءه - وهو آخر ما ذكر من دعائه في القرآن الكريم كما تقدم - بطلب ~~المغفرة للمؤمنين يوم القيامة ويشبه آخر ما دعا به نوح (عليه السلام) ms4420 مما ~~ذكر في القرآن: "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات": نوح: 28. # وفي الآية دليل على أنه (عليه السلام) لم يكن ولد آزر المشرك لصلبه فإنه ~~(عليه السلام) - كما ترى - يستغفر لوالديه وهو على الكبر وفي آخر عهده "وقد ~~تبرأ من آزر في أوائل عهده بعد ما استغفر له عن موعدة وعده إياه قال تعالى: ~~"قال سلام عليك سأستغفر لك ربي": مريم: 47، وقال: "واغفر لأبي إنه كان من ~~الضالين": الشعراء: 86، وقال: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": التوبة: 114 وقد تقدم ~~تفصيل القول في قصصه (عليه السلام) في سورة الأنعام في الجزء السابع من ~~الكتاب. # ومن لطيف ما في دعائه (عليه السلام) اختلاف النداء المكرر الذي فيه بلفظ ~~"رب" و"ربنا" والعناية فيما أضيف إلى نفسه بما يختص بنفسه من السبقة ~~والإمامة، وفيما أضيف إلى نفسه وغيره إلى المشتركات. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الدلائل عن عقيل بن أبي طالب: أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس ~~إليهم عند جمرة العقبة فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه ~~فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه فقرأ من سورة إبراهيم: "وإذ قال إبراهيم ~~رب اجعل هذا البلد آمنا - واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" إلى آخر السورة ~~فرق القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه. # وفي تفسير العياشي، عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من ~~أحبنا فهو منا أهل البيت فقلت: جعلت فداك منكم؟ قال: منا والله أما سمعت ~~قول الله وهو قول إبراهيم (عليه السلام): "فمن تبعني فإنه مني". # وفيه، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من اتقى الله ~~منكم وأصلح فهو منا أهل البيت قال: منكم أهل البيت؟ قال: منا أهل البيت قال ~~فيها إبراهيم: "فمن تبعني فإنه مني" قال عمر بن يزيد: قلت ms4421 له: من آل محمد؟ ~~قال إي والله من آل محمد إي والله من أنفسهم أما تسمع قول الله تعالى: "إن ~~أولى الناس بإبراهيم - للذين اتبعوه" وقول إبراهيم: "فمن تبعني فإنه مني"؟. # أقول: وقد ورد في بعض الروايات أن بني إسماعيل لم يعبدوا صنما قط إثر ~~دعاء إبراهيم: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، وأنهم إنما قالوا: هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله والظاهر أن الرواية موضوعة، وقد تقدمت الإشارة إليه في ~~البيان السابق. # وكذا ما ورد في بعض الروايات من طرق العامة والخاصة أن أرض الطائف كانت ~~في الأردن من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم (عليه السلام) لبنيه بقوله: ~~"وارزقهم من الثمرات" أمر الله بها فسارت بترابها إلى مكة فطافت على البيت ~~سبعة أشواط ثم استقرت حيث الطائف الآن. # وهذا وإن كان ممكن الوقوع في نفسه من طريق الإعجاز لكن لا يكفي لثبوته ~~أمثال هذه الروايات الضعيفة والمرسلة على أن هذه الآيات في مقام الامتنان ~~ولو قارن هذا الدعاء واستجابته تعالى له مثل هذه الآية العظيمة العجيبة ~~والمعجزة الباهرة لأشير إليها مزيدا للامتنان. # والله أعلم. # وفي مرسلة العياشي، عن حريز عمن ذكره عن أحدهما (عليهما السلام): أنه كان ~~يقرأ "رب اغفر لي ولولدي" يعني: إسماعيل وإسحاق، وفي مرسلته الأخرى عن جابر ~~عن أبي جعفر (عليه السلام): مثله وظاهر هذه الرواية أن القراءة مبنية على ~~كفر والد إبراهيم والروايتان ضعيفتان لا يعبأ بهما. PageV12P040 ### ||| AUTO 14 سورة إبراهيم - 42 - 52 # ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظلمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصر ~~(42) مهطعين مقنعى رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر ~~الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) وسكنتم ~~فى مسكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ~~(45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) ~~فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ms4422 (47) يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسموت وبرزوا لله الوحد القهار (48) وترى المجرمين يومئذ ~~مقرنين فى الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) ليجزى ~~الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا بلغ للناس ولينذروا به ~~وليعلموا أنما هو إله وحد وليذكر أولوا الألبب (52) ### |||| AUTO بيان # لما أنذر وبشر سبحانه في الآيات السابقة ودعا إلى صراطه بما أنه العزيز ~~الحميد ختم بيانه بدفع ما ربما يسبق إلى أوهام ضعفاء العقول من الناس من أن ~~الأمر لو كان على ما ذكر وكانت هذه الدعوة دعوة نبوية من لدن رب عزيز حميد ~~فما بال هؤلاء الظالمين يتمتعون بما شاءوا؟ وما باله لا يأخذ الظالمين ~~بظلمهم ولا يلجم المتخلفين عن دعوته المخالفين عن أمره؟ أهو في غفلة عما ~~يعملونه أم هو مخلف وعده رسله يعدهم بالنصر ثم لا يفي بوعده؟. # فأجاب تعالى أنه ليس بغافل عما يعمل الظالمون ولا مخلف وعده رسله كيف؟ ~~وهو تعالى عليم بما يمكرون وعزيز ذو انتقام بل إنما يؤخرهم ليوم شديد وهو ~~يوم الجزاء. # على أنه تعالى ربما أخذهم بذنوبهم في الدنيا كما أخذ الأمم الماضين. # ثم ختم السورة بقوله: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولوا الألباب" وهي آية جامعة لغرض السورة كما سيجيء بيانه إن ~~شاء الله. # قوله تعالى: "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون" إلى آخر الآيتين ~~يقال: شخص بصره أي سكن بحيث لا يطرف جفنه، ويقال: بعير مهطع إذا صوب عنقه ~~أي رفعه وهطع وأهطع بمعنى، ويقال: أقنع رأسه إذا رفعه، وقوله: لا يرتد ~~إليهم طرفهم أي لا يقدرون على أن يطرفوا من هول ما يشاهدونه، وقوله: ~~وأفئدتهم هواء أي قلوبهم خالية عن التعقل والتدبير لشدة الموقف أو أنها زائلة. # والمعنى: ولا تحسبن الله ولا تظننه غافلا عما يعمل هؤلاء الظالمون بما ~~تشاهد من تمتعهم وإترافهم في العيش وإفسادهم في الأرض إنما يمهلهم الله ~~ويؤخر عقابهم إلى يوم يسكن فيه أبصارهم فلا تطرف والحال أنهم مادون ~~لأعناقهم ms4423 رافعون لرءوسهم لا يقدرون على رد طرفهم وقلوبهم مدهوشة خالية عن ~~كل تحيل وتدبير من شدة هول يوم القيامة وفي الآية إنذار للظالمين وتعزية ~~لغيرهم. # قوله تعالى: "وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب" إلى آخر الآية. # في الآية إنذار بعد إنذار وبين الإنذارين فرق من جهتين: إحداهما: أن ~~الإنذار في الآيتين السابقتين إنذار بما أعد الله من أهوال يوم القيامة ~~وأليم العذاب فيه، وأما الذي في هذه الآية وما يتلوها فهو إنذار بعذاب ~~الاستئصال في الدنيا ومن الدليل عليه قوله: "فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا ~~إلى أجل قريب" إلخ. # وبذلك يظهر أن لا وجه لما ذكره بعضهم أن المراد بهذا اليوم الذي يأتيهم ~~فيه العذاب هو يوم القيامة، وكذا ما ذكره آخرون أن المراد به يوم الموت. PageV12P041 # والثانية: أن الإنذار الأول إنذار بعذاب قطعي لا صارف له عن أمة ظالمة ولا ~~فرد ظالم من أمة وأما الإنذار الثاني فهو إنذار بعذاب غير مصروف عن أمة ~~ظالمة وأما الفرد فربما صرف عنه، ولذلك ترى أنه تعالى يقول أولا: "وأنذر ~~الناس" ثم يقول: "فيقول الذين ظلموا" إلخ ولم يقل: فيقولون أي الناس لأن ~~عذاب الاستئصال لا يصيب المؤمنين قال تعالى: "ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ~~كذلك حقا علينا ننج المؤمنين": يونس: 103 وإنما يصيب الأمة الظالمة بحلول ~~أجلهم وهم طائفة من ظالمي الأمة لا جميع أفرادها. # وبالجملة فقوله: "وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب" إنذار للناس بعذاب ~~الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم، وقد تقدم في تفسير سورة يونس ~~وغيره أن ذلك مكتوب على الأمم قضاء بينهم وبين رسولهم حتى هذه الأمة ~~المحمدية وقد تكرر هذا الوعيد منه تعالى في عدة مواضع من كلامه. # وهذا هو اليوم الذي يطهر الله الأرض فيه من قذارة الشرك والظلم ولا يعبد ~~عليها يومئذ إلا الله سبحانه فإن الدعوة عامة والأمة هم أهل الأرض فإذا محا ~~الله عنهم الشرك لم يبق منهم إلا المؤمنون ويكون الدين كله لله، قال تعالى: ~~"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن ms4424 الأرض يرثها عبادي الصالحون". # ومما تقدم يظهر الجواب عما أورد على كون المراد بالعذاب في الآية عذاب ~~الاستئصال أن القصر في الآية السابقة ينافيه فإن قوله: "إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار" يقصر أخذهم وعقابهم في يوم القيامة. # وذلك لما عرفت أن العذاب المنذر به في الآيتين السابقتين هو العذاب الذي ~~لا يصرفه عنهم صارف ولا يتخلف عنه أحد من الظالمين وهو مقصور في عذاب يوم ~~القيامة، ولا ينافي انحصاره في يوم القيامة وجود نوع آخر من العذاب في ~~الدنيا. # على أن القصر لو تم على ما يريده المعترض لدفع ما يدل عليه الآيات ~~الكثيرة الدالة على نزول العذاب بهذه الأمة كما أشرنا إليه. # على أن حمل العذاب في الآية على عذاب يوم القيامة يوجب صرف الآيات عن ~~ظهورها ورفع اليد عما يعطيه السياق فيها ولا مساغ له. # وقوله: "فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع ~~الرسل" المراد به الظالمون من الناس وهم الذين يأخذهم العذاب المستأصل ولا ~~يتخطاهم، ومرادهم بقولهم: "أخرنا إلى أجل قريب" الاستمهال بمدة قصيرة تضاف ~~إلى عمرهم في الدنيا حتى يتداركوا فيه ما فوتوه بظلمهم والدليل عليه قولهم: ~~"نجب دعوتك ونتبع الرسل". # والتعبير بالرسل بلفظ الجمع في قولهم: "ونتبع الرسل مع أن الآية تصف حال ~~ظالمي هذه الأمة ظاهرا وكان مقتضى ذلك أن يقال: ونتبع الرسول إنما هو ~~للدلالة على أن الملاك في نزول هذا العذاب القضاء بين الرسالة وبين منكريها ~~من غير اختصاص ذلك برسول دون رسول كما يفيده قوله: "ولكل أمة رسول فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47. # وقوله: "أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال" الإقسام تعليق الحكم ~~في الكلام بأمر شريف من جهة شرافته ليدل به على صدقه إذ لو كذب المتكلم وقد ~~أقسم في كلامه لأذهب بذلك شرف المقسم به كقولنا: والله إن كذا لكذا ولعمري ~~إن الأمر على كذا، ويعد القسم أقوى أسباب التأكيد. # ولا يبعد أن يكون الإقسام في ms4425 الآية كناية عن إيراد الكلام في صورة جازمة ~~غير قابلة للترديد. # والكلام على تقدير القول والمعنى يقال لهم توبيخا وتبكيتا: ألم تكونوا ~~أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال وأنكم بما عندكم من القوة ~~والسطوة ووسائل الدفاع أمة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم تستمهلون إلى ~~أجل قريب. # قوله تعالى: "وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم" إلى آخر الآية معطوف ~~على محل قوله: "أقسمتم" في الآية السابقة، والمعنى: أولم تكونوا سكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم من الأمم السابقة، وظهر لكم أن هذه الدعوة حقة ~~ويتعقبها لو ردت عذاب مستأصل، من جهتين: جهة المشاهدة حيث تبين لكم كيف ~~فعلنا بأولئك الظالمين الذين سكنتم في مساكنهم؟ وجهة البيان حيث ضربنا لكم ~~الأمثال وأنذرناكم عذابا مستأصلا يتعقبه إنكار الحق ورد الدعوة النبوية ~~ويقطع دابر الظالمين. PageV12P042 # قوله تعالى: "وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال" حال من الضمير في "فعلنا" في الآية السابقة أو من الضمير في "بهم" ~~فيها أو من الضميرين جميعا على ما قيل، وضمائر الجمع راجعة إلى "الذين ~~ظلموا". # والمراد بكون مكرهم عند الله إحاطته تعالى به بعلمه وقدرته، ومن المعلوم ~~أن المكر إنما يكون مكرا إذا لم يحط به الممكور به وجهله، وأما إذا كان ~~الممكور به عالما بما هيأه الماكر من المكر وقادرا على دفعه لغا المكر أو ~~عاد مكرا على نفس الماكر كما قال تعالى: "وما يمكرون إلا بأنفسهم وما ~~يشعرون": الأنعام: 123. # وقوله: "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" إن وصلية - على ما قيل - واللام ~~في "لتزول" متعلق بمقدر يدل عليه لفظ المكر كقولنا يقتضي أو يوجب وما أشبه ~~ذلك، والتقدير: الله محيط بمكرهم عالم به قادر على دفعه إن كان مكرهم دون ~~هذه الشدة وإن كان على هذه الشدة. # والمعنى تبين لكم كيف فعلنا بهم والحال أنهم مكروا ما في وسعهم من المكر ~~والله محيط بمكرهم وإن كان مكرهم عظيما موجبا لزوال الجبال. # وربما قيل: إن "إن" نافية واللام ms4426 هي الداخلة على المنفي والمراد بالجبال ~~الآيات والمعجزات كناية والمعنى وما كان مكرهم لتبطل به آيات الله ومعجزاته ~~التي هي كالجبال الراسيات التي لا تزول عن مكانها، وأيد هذا المعنى بقراءة ~~ابن مسعود "وما كان مكرهم" وهو معنى بعيد. # وقرىء أيضا: "لتزول" بفتح اللام الأولى وضم اللام الثانية، وعلى هذا تكون ~~"إن" مخففة من المشددة والمعنى والتحقيق أن مكرهم كان من العظمة بحيث تزول ~~منه الجبال. # قوله تعالى: "فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام" ~~تفريع على ما تقدم أن ترك مؤاخذة الظالمين بعملهم إنما هو لتأخيرهم إلى يوم ~~القيامة أي إذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن الله مخلفا لما وعد رسله من نصرهم ~~ومؤاخذة المتخلفين عن دعوتهم، وكيف يخلف وعده وهو عزيز ذو انتقام شديد ~~ولازم عزته المطلقة أن لا يخلف وعده فإن إخلاف الوعد إما لكون الواعد غير ~~قادر على إنجاز ما وعده أو لتغير من الرأي بعروض حال ثانية تقهره على خلاف ~~ما بعثته إليه الحال الأولى التي أوجبت عليه الوعد والله سبحانه عزيز على ~~الإطلاق لا يتصف بعجز ولا تقهره حال ولا شيء آخر وهو الواحد القهار. # ولازم اتصافه بالانتقام أن ينتقم للحق ممن استكبر عنه واستعلى عليه ~~وينتصف للمظلوم من الظالم. # وذو انتقام من أسمائه تعالى الحسنى التي سمى الله تعالى بها نفسه في ~~مواضع من كلامه وقارنه في جميعها باسمه العزيز، قال تعالى: "والله عزيز ذو ~~انتقام": آل عمران: 4، المائدة: 95، وقال: "أليس الله بعزيز ذو انتقام": ~~الزمر: 37، وقال في الآية المبحوث عنها: "إن الله عزيز ذو انتقام" ومن ذلك ~~يظهر أن "ذا انتقام" من فروع اسم "العزيز. # كلام في معنى الانتقام ونسبته إليه تعالى # الانتقام هو العقوبة لكن لا كل عقوبة بل عقوبة خاصة وهي أن تذيق غيرك من ~~الشر ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه قال تعالى: "ومن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله". # وهو أصل حيوي معمول به عند الإنسان وربما يشاهد ms4427 من بعض الحيوان أيضا ~~أعمال يشبه أن تكون منه، وأيا ما كان يختلف الغرض الذي يبعث الإنسان إليه ~~فالداعي إليه في الانتقام الفردي هو التشفي غالبا فإذا سلب الواحد من ~~الإنسان غيره شيئا من الخير أو أذاقه شيئا من الشر وجد الذي فعل به ذلك في ~~نفسه من الأسى والأسف ما لا تسكن فورته ولا تخمد ناره إلا بأن يذيقه من ~~الشر ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه فالعامل الذي يدعو إليه هو الإحساس ~~الباطني وأما العقل فربما أجازه وأنفذه وربما استنكف. # والانتقام الاجتماعي ونعني به القصاصات وأنواع المؤاخذات التي نعثر عليها ~~في السنن والقوانين الدائرة في المجتمعات أعم من الراقية والهمجية الغالب ~~فيه أن يكون الغرض الداعي إليه غاية فكرية ومطلوبا عقليا وهو حفظ النظام عن ~~الاختلال وسد طريق الهرج والمرج فلو لا أصل الانتقام ومؤاخذة المجرم الجاني ~~بما أجرم وجنى اختل الأمن العام وارتحل السلام من بين الناس. PageV12P043 # ولذا كان هذا النوع من الانتقام حقا من حقوق المجتمع وإن كان ربما استصحب ~~حقا فرديا كمن ظلم غيره بما فيه مؤاخذة قانونية فربما يؤاخذ الظالم استيفاء ~~لحق المجتمع وإن أبطل المظلوم حقه بالعفو. # فقد تبين أن من الانتقام ما يبتني على الإحساس وهو الانتقام الفردي الذي ~~غايته التشفي، ومنه ما يبتني على العقل وهو الانتقام الاجتماعي الذي غايته ~~حفظ النظام وهو من حقوق المجتمع وإن شئت قلت من حقوق السنة أو القانون ~~الجاري في المجتمع فإن استقامة الأحكام المعدلة لحياة الناس وسلامتها في ~~نفسها تقتضي مؤاخذة المجرم المتخلف عنها وإذاقته جزاء سيئته المر، فهو من ~~حقوق السنة والقانون كما أنه من حقوق المجتمع. # إذا عرفت هذا علمت أن ما ينسب إليه تعالى في الكتاب والسنة من الانتقام ~~هو ما كان حقا من حقوق الدين الإلهي والشريعة السماوية وإن شئت فقل من حقوق ~~المجتمع الإسلامي وإن كان ربما استصحب الحق الفردي فيما إذا انتصف سبحانه ~~للمظلوم من ظالمه فهو الولي الحميد. # وأما الانتقام الفردي المبني على الإحساس لغاية ms4428 التشفي فساحته المقدسة ~~أعز من أن يتضرر بإجرام المجرمين ومعصية المسيئين أو ينتفع بطاعة المحسنين. # ومن هنا يظهر سقوط ما ربما استشكله بعضهم أن الانتقام إنما يكون لتشفي ~~القلب وإذ كان تعالى لا ينتفع ولا يتضرر بشيء من أعمال عباده خيرا أو شرا ~~طاعة أو معصية فلا وجه لنسبة الانتقام إليه كما أن رحمته غير المتناهية ~~تأبى أن يعذبهم بعذاب خالد غير متناه كيف لا؟ والواحد من أرباب الرحمة يرحم ~~المجرم المقدم على أي معصية إذا كان عن جهالة منه وهو تعالى يصف الإنسان - ~~وهو مخلوقه المعلوم له حاله - بذلك إذ يقول: "إنه كان ظلوما جهولا": ~~الأحزاب: 72. # وجه السقوط أن فيه خلطا بين الانتقام الفردي والاجتماعي، والذي يثبت فيه ~~تعالى هو الاجتماعي منه دون الفردي كما توهم كما أن فيه خلطا بين الرحمة ~~النفسانية التي هي تأثر وانفعال قلبي من الإنسان وبين الرحمة العقلية التي ~~هي تتميم نقص الناقص المستعد لذلك، والتي تثبت فيه تعالى هي الرحمة العقلية ~~دون الرحمة النفسانية ولم يثبت الخلود في العذاب إلا فيما إذا بطل استعداد ~~الرحمة وإمكان الإفاضة قال تعالى: "بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 81. # وهاهنا نكتة يجب أن تتنبه لها وهي أن الذي تقدم من معنى الانتقام المنسوب ~~إليه تعالى إنما يتأتى على مسلك المجازاة والثواب والعقاب، وأما على مسلك ~~نتائج الأعمال فترجع حقيقته إلى لحوق الصور السيئة المؤلمة بالنفس ~~الإنسانية عن الملكات الرديئة التي اكتسبتها في الحياة الدنيا، بعد الموت، ~~وقد تقدم البحث في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله تعالى: "إن الله لا ~~يستحي أن يضرب مثلا ما" الآية: البقرة: 26 في جزاء الأعمال. # قوله تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار" الظرف متعلق بقوله: "ذو انتقام" وتخصيص انتقامه تعالى بيوم القيامة ~~مع عمومه لجميع الأوقات والظروف إنما هو لكون اليوم أعلى مظاهر الانتقام ~~الإلهي كما أن تخصيص بروزهم لله بذلك اليوم كذلك، وعلى هذا النسق جل ms4429 ~~الأوصاف المذكورة في كلامه تعالى ليوم القيامة كقوله: "الأمر يومئذ لله": ~~الانفطار: 19، وقوله: "ما لكم من الله من عاصم": المؤمن: 33، إلى غير ذلك ~~وقد تقدمت الإشارة إليه كرارا. # والظاهر أن اللام في الأرض للعهد في الموضعين معا وكذا في السماوات ~~والسماوات معطوفة على الأرض الأولى والمعنى تبدل هذه الأرض غير هذه الأرض ~~وتبدل هذه السماوات غير هذه السماوات. # وللمفسرين في معنى تبدل الأرض والسماوات أقوال مختلفة: فقيل: تبدل الأرض ~~فضة والسماوات ذهبا وربما قيل إن الأرض تبدل من أرض نقية كالفضة والسماوات كذلك. # وقيل: تبدل الأرض نارا والسماوات جنانا. # وقيل: تبدل الأرض خبزة نقية يأكل الناس منها طول يوم القيامة. # وقيل: تبدل الأرض لكل فريق مما يقتضيه حاله فتبدل لبعض المؤمنين خبزة ~~يأكل منها ما دام في العرصات ولبعض آخر فضة وتبدل للكافر نارا. PageV12P044 # وقيل: التبديل هو أنه يزاد في الأرض وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها ~~وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم وتصير مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ~~وتتغير السماوات بذهاب الشمس والقمر والنجوم وبالجملة يتغير كل من الأرض ~~والسماوات عما هو عليه في الدنيا من الصفات والأشكال. # ومنشأ اختلافهم في تفسير التبديل اختلاف الروايات الواردة في تفسير الآية ~~مع أن الروايات لو صحت واتصلت كان اختلافها أقوى شاهد على أن ظاهرها غير ~~مراد وأن بياناتها واقعة موقع التمثيل للتقريب. # والتدبر الكافي في الآيات التي تحوم حول تبديل الأرض والسماء يفيد أن أمر ~~التبديل أعظم مما تتصوره من بسط الجبل على السهل أو تبديل التراب فضة أو ~~خبزا نقيا مثلا كقوله تعالى: "وأشرقت الأرض بنور ربها": الزمر - 69 وقوله: ~~"وسيرت الجبال فكانت سرابا": النبأ: 20، وقوله: "وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهي تمر مر السحاب": النمل: 88 إن كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة إلى ~~غير ذلك من الآيات. # فالآيات تنبىء عن نظام غير هذا النظام الذي نعهده وشئون دون ما نتصوره ~~فإشراق الأرض يومئذ بنور ربها غير إشراق بسيطها بنور الشمس أو الكواكب أو ~~غيرها، وسير الجبال ينتهي عادة إلى ms4430 زوالها عن مكانها وتلاشيها مثلا لا إلى ~~كونها سرابا، وهكذا نرجو أن يوفقنا الله سبحانه لبسط الكلام في هذا المعنى ~~فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقوله: "وبرزوا لله الواحد القهار" معنى بروزهم وظهورهم لله يومئذ - مع ~~كون الأشياء بارزة غير خفية عليه دائما - سقوط جميع العلل والأسباب التي ~~كانت تحجبهم عنه تعالى ما داموا في الدنيا فلا يبقى يومئذ - على ما يشاهدون ~~- شيء من الأسباب يملكهم ويتولى أمرهم ويستقل بالتأثير فيهم إلا الله ~~سبحانه كما يدل عليه آيات كثيرة فهم لا يلتفتون إلى جانب ولا يتوجهون إلى ~~جهة في ظاهرهم وباطنهم وحاضرهم والماضي الغائب من أحوالهم وأعمالهم إلا ~~وجدوه سبحانه شاهدا مهيمنا عليه محيطا به. # والدليل على هذا الذي ذكرناه توصيفه تعالى بالواحد القهار المشعر بنوع من ~~الغلبة فبروزهم لله يومئذ إنما هو ناشىء عن كونه تعالى هو الواحد الذي يقوم ~~به وجود كل شيء ويقهر كل من دونه من مؤثر فلا يحول بينهم وبينه حائل فهم ~~بارزون له بروزا مطلقا. # قوله تعالى: "وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران ~~وتغشى وجوههم النار" المقرنين من التقرين وهو جمع الشيء إلى نظيره والأصفاد ~~جمع الصفد وهو الغل الذي يجمع اليد إلى العنق أو هو مطلق السلسلة يقرن بين ~~المقيدين، والسرابيل جمع السربال وهو القميص والقطران شيء أسود منتن يطلى ~~به الإبل فإنهم يطلون به فيصير كالقميص عليهم والغشاوة بالفتح الستر ~~والتغطية يقال: غشي يغشى غشاوة أي ستره وغطاه، ومعنى الآيتين واضح. # قوله تعالى: "ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب" معنى الآية ~~واضح، وهي بظاهرها تدل على أن الذي تجزى به كل نفس هو عين ما كسبته من حسنة ~~أو سيئة وإن تبدلت صورته، فهي من الآيات الدالة على أن الذي يلحق بهم يوم ~~القيامة هو نتيجة أعمالهم. # فالآية تفسر أولا معنى الجزاء في يوم الجزاء، وثانيا معنى انتقامه تعالى ~~يومئذ وأنه ليس من قبيل عقوبة المجرم العاصي تشفيا منه بل إلحاق ما يستدعيه ~~عمل ms4431 المجرم به وإن شئت فقل إيصال ما اكتسبه المجرم بعينه إليه. # وفي تعليل هذا الجزاء وهو في يوم القيامة بقوله: "إن الله سريع الحساب" ~~إيماء إلى أن الجزاء واقع من غير فصل ومهل إلا أن ظرف ظهوره هو ذلك اليوم ~~لا غير، أو أن الحكم بالجزاء وكتابته واقع عند العمل وتحققه يوم القيامة ~~ومآل الوجهين واحد في الحقيقة. # قوله تعالى: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ~~وليذكر أولوا الألباب" البلاغ بمعنى التبليغ على ما ذكره الراغب أو بمعنى ~~الكفاية على ما ذكره غيره. # والآية خاتمة السورة فالأنسب أن تكون الإشارة بهذا إلى ما أورد في السورة ~~من البيان لا إلى مجموع القرآن كما ذكره بعضهم ولا إلى ما ذكر من قوله ~~تعالى: "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون" إلى آخر السورة كما ذكره آخرون. PageV12P045 # وقوله: "ولينذروا به" إلخ، اللام فيه للغاية وهو معطوف على محذوف إنما حذف ~~لفخامة أمره وعظم شأنه لا يحيط به أفهام الناس لاشتماله من الأسرار الإلهية ~~على ما لا يطيقونه، وإنما تسع عقولهم ما ذكر من غاياته وهو الإنذار والعلم ~~بوحدانيته تعالى والتذكر، فهم ينذرون بما ذكر فيها من مؤاخذته تعالى ~~الظالمين عاجلا وآجلا، وتتم عليهم الحجة بما ذكر فيها من آيات التوحيد، ~~ويتذكر المؤمنون منهم خاصة بما فيها من المعارف الإلهية. # وبهذا يتطابق مختتم السورة ومفتتحها أعني قوله في أول السورة: "كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد" فقد تقدم أن مدلول الآية أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالدعوة والتبليغ إلى صراط الله بما أنه تعالى ربهم العزيز الحميد ليخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذنه فإنهم إن استجابوا الدعوة وآمنوا خرجوا ~~بذلك من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالفعل وإن لم يستجيبوا أنذروا ووقفوا ~~على التوحيد الحق وخرجوا من الجهل إلى العلم وهو نوع خروج من الظلمة إلى ~~النور وإن كان وبالا عليهم وخسارا ففي الدعوة - على أي حال ms4432 - إنذار للناس ~~وإعلامهم أنما هو إله واحد وتذكر لأولي الألباب منهم خاصة وهم المؤمنون. ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، بإسناده عن ثوبان: أن يهوديا جاء إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: يا محمد فرفعه ثوبان برجله وقال: قل: يا رسول الله فقال: ~~لا أدعوه إلا بأسماء أهله قال: أرأيت قول الله: "يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات" أين الناس يومئذ قال: في الظلمة دون المحشر. قال: فما أول ما ~~يأكل أهل الجنة إذا دخلوها؟ قال كبد الحوت قال: فما شرابهم على إثر ذلك، ~~قال: السلسبيل. قال صدقت يا محمد. # أقول: وروي الحديث في الدر المنثور، عن مسلم وابن جرير والحاكم والبيهقي ~~في الدلائل عن ثوبان: مثله إلى قوله: في الظلمة وروي أيضا عن عدة عن عائشة: ~~أنها سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال: على الصراط. # وفي تفسير العياشي، عن ثوير بن أبي فاختة عن الحسين بن علي (عليهما ~~السلام) قال: "تبدل الأرض غير الأرض" يعني بأرض لم يكتسب عليها الذنوب ~~بارزة ليست عليها جبال ولا نبات كما دحاها أول مرة. # أقول: ورواه القمي أيضا في تفسيره، وفيه دلالة على حدوث الجبال وكذا ~~النبات بعد تمام خلقة الأرض. # وفي الدر المنثور، أخرج البزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في قول الله: يوم تبدل الأرض غير الأرض". قال: أرض بيضاء كأنها فضة ~~لم يسفك فيها دم حرام ولم تعمل فيها خطيئة. # أقول: ورواه أيضا عن ابن مردويه عن علي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): مثله. # وفيه، أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن علي بن أبي طالب في الآية قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب. # أقول: وحمل بعضهم الكلام على التشبيه كما وقع في حديث ابن مسعود السابق. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سأله ms4433 أبرش ~~الكلبي عن قول الله عز وجل: "يوم تبدل الأرض غير الأرض" قال: تبدل خبزة ~~نقية يأكل الناس منها حتى يفرغ من الحساب. فقال الأبرش: فقلت: إن الناس ~~يومئذ لفي شغل من الأكل فقال أبو جعفر (عليه السلام) فهم في النار لا ~~يشتغلون عن أكل الضريع وشرب الحميم وهم في عذاب فكيف يشتغلون عنه في ~~الحساب؟. # أقول: وقوله: "تبدل خبزة نقية" يحتمل التشبيه كما ربما يستفاد من الخبر الآتي. PageV12P046 # وفي إرشاد المفيد، واحتجاج الطبرسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال: ~~حج هشام بن عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكئا على ولد سالم مولاه ومحمد ~~بن علي بن الحسين (عليهما السلام) جالس في المسجد فقال له سالم مولاه يا ~~أمير المؤمنين هذا محمد بن علي قال هشام: المفتونون به أهل العراق؟ قال: ~~نعم. فقال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس ~~ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة قال أبو جعفر (عليه السلام): يحشر ~~الناس على مثل قرص نقي فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من ~~الحساب. قال: فرأى هشام أنه قد ظفر به فقال: الله أكبر اذهب إليه فقل: ما ~~أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ. فقال أبو جعفر (عليه السلام): هم في النار ~~أشغل ولم يشتغلوا عن ذلك قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. ~~فسكت هشام لا يرجع كلاما وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أفلح مولى ~~أبي أيوب: أن رجلا من يهود سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض" ما الذي تبدل به؟ فقال: خبزة، فقال اليهودي: درمكة بأبي ~~أنت، قال: فضحك ثم قال: قاتل الله اليهود هل تدرون ما الدرمكة؟ لباب الخبز. # وفيه، أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن أبي ~~أيوب الأنصاري قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حبر من اليهود ~~وقال: أرأيت إذ يقول الله: "يوم تبدل الأرض غير الأرض" فأين الخلق ms4434 عند ذلك؟ ~~قال: أضياف الله لن يعجزهم ما لديه. # أقول: واختلاف الروايات في تفسير التبديل لا يخلو عن دلالة على أنها ~~أمثال مضروبة للتقريب والمسلم من معنى التبدل أن حقيقة الأرض والسماء وما ~~فيهما يومئذ هي هي غير أن النظام الجاري فيهما يومئذ هو غير النظام الجاري ~~فيهما في الدنيا. # وفي المعاني، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ~~يقول: لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس فيهم من ولد ~~آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه. ثم خلق ~~الله عز وجل آدم أبا البشر وخلق ذريته منه لا والله ما خلت الجنة من أرواح ~~المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكفار والعصاة منذ خلقها عز ~~وجل لعلكم ترون إذا كان يوم القيامة وصير أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في ~~الجنة وصير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار إن الله تعالى لا يعبد في ~~بلاده ولا يخلق خلقا يعبدونه ويوحدونه؟ بلى والله ليخلقن الله خلقا من غير ~~فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه ويخلق لهم أرضا تحملهم وسماء ~~تظلهم أليس الله عز وجل يقول: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات"؟ وقد ~~قال عز وجل: "أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد". # أقول: ورواه العياشي، في تفسيره عن محمد بن مسلم عنه (عليه السلام): ~~مثله، وهو غير المعاني التي أوردناها سابقا. # وفي تفسير القمي، قوله: "يوم تبدل الأرض غير الأرض" قال تبدل خبزة بيضاء ~~في الموقف يأكل منها المؤمنون "وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد" ~~قال: قال: مقرنين بعضهم إلى بعض "سرابيلهم من قطران" قال: قال: السرابيل ~~القميص. # قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: ~~"سرابيلهم من قطران" هو الصفر الحار المذاب انتهى حره يقول الله عز وجل: ~~"وتغشى وجوههم النار" سربلوا ذلك الصفر وتغشى وجوههم النار. # أقول: يعني أن المراد بالجملتين: "سرابيلهم من قطران وتغشى ms4435 وجوههم النار" ~~جميعا بيان أنهم مستورون مغشيون أما أبدانهم فبالقطران وأما وجوههم ~~فبالنار. PageV12P047 ### || AUTO ### ||| AUTO 15 سورة الحجر - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك ءايت الكتب وقرءان مبين (1) ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون (3) وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة ~~أجلها وما يستئخرون (5) وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) ~~لو ما تأتينا بالملئكة إن كنت من الصدقين (7) ما ننزل الملئكة إلا بالحق ~~وما كانوا إذا منظرين (8) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون (9) ### |||| AUTO بيان # تشتمل السورة على الكلام حول استهزاء الكفار بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ورميه بالجنون ورمي القرآن الكريم بأنه من إهذار المجانين ففيها ~~تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره بالصبر والثبات والصفح عنهم ~~وتطييب لنفسه الشريفة وإنذار وتبشير. # وهي مكية على ما تشهد به آياتها، ونقل في المجمع عن الحسن استثناء قوله: ~~"ولقد آتيناك سبعا من المثاني" الآية، وقوله "كما أنزلنا على المقتسمين ~~الذين جعلوا القرآن عضين" وسيأتي ما فيه. # وتشتمل السورة على قوله تعالى: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" إلخ، ~~والآية تقبل الانطباق على ما ضبطه التاريخ أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) اكتتم في أول البعثة ثلاث سنين أو أربعا أو خمسا لا يعلن دعوته ~~لاشتداد الأمر عليه فكان لا يدعو إلا آحادا ممن يرجو منهم الإيمان يدعوهم ~~خفية ويسر إليهم الدعوة حتى أذن له ربه في ذلك وأمره أن يعلن دعوته. # وتؤيده الروايات المأثورة من طرق الشيعة وأهل السنة أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان يكتتم في أول بعثته سنين لا يظهر فيها دعوته لعامة الناس ~~حتى أنزل الله تعالى عليه: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك ~~المستهزءين" فخرج إلى الناس وأظهر الدعوة، وعليه فالسورة مكية نازلة في أول ~~الدعوة العلنية. # ومن غرر الآيات القرآنية المشتملة على حقائق جمة في السورة قوله تعالى: ~~"وإن من شيء إلا ms4436 عندنا خزائنه" الآية، وقوله: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون". # قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين" الإشارة إلى الآيات ~~الكريمة القرآنية فالمراد بالكتاب القرآن، وتنكير القرآن للدلالة على عظم ~~شأنه وفخامة أمره كما أن التعبير بتلك وهي للإشارة إلى البعيد لذلك. # والمعنى هذه الآيات العالية منزلة الرفيعة درجة التي ننزلها إليك آيات ~~الكتاب الإلهي وآيات قرآن عظيم الشأن فاصل بين الحق. # والباطل على خلاف ما يرميها به الكفار بما يرمونك بالجنة مستهزءين بكلام الله. # ومن الممكن أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ فإن القرآن منه وفيه قال ~~تعالى:" إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون": الواقعة: 78، وقال: "بل هو قرآن ~~مجيد في لوح محفوظ": البروج: 22 فيكون قوله: "تلك آيات الكتاب وقرآن مبين" ~~كالملخص من قوله: "والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4. # قوله تعالى: "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين توطئة لما سيتعرض له ~~من قولهم للنبي: "يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون" يشير به إلى ~~أنهم سيندمون على ما هم عليه من الكفر ويتمنون الإسلام لله والإيمان بكتابه ~~يوم لا سبيل لهم إلى تحصيل ذلك. # فقوله: "ربما يود" المراد به ودادة التمني لا مطلق الودادة والحب، ~~والدليل على ذلك قوله في بيان هذه المودة: "لو كانوا مسلمين" فإن لفظي "لو" ~~و"كانوا" تدلان على أن ودادتهم ودادة تمن وأنهم يتمنون الإسلام بالنسبة إلى ~~ماضي حالهم مما فاتهم ولن يعود إليهم فليس إلا الإسلام ما داموا في الدنيا. # فالآية تدل على أن الذين كفروا سيندمون على كفرهم ويتمنون أن لو كانوا ~~مسلمين بعد انطواء بساط الحياة الدنيا. # قوله تعالى: "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون" الإلهاء ~~الصرف والإشغال يقال: ألهاه كذا عن كذا أي شغله عنه وأنساه ذكره. PageV12P048 # وقوله: "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل" أمر برفع اليد عنهم وتركهم وما ~~هم فيه من الباطل، وهو كناية عن النهي عن الجدال معهم والاحتجاج عليهم ~~لإثبات هذه الحقيقة ms4437 وهي أنهم سوف يودون الإسلام ويتمنونه ولا سبيل لهم إلى ~~تحصيله وتدارك ما فات منه، وقوله: "فسوف يعلمون" في موضع التعليل للأمر أي ~~ذرهم ولا تجادلهم ولا تحاجهم فلا حاجة إلى ذلك لأنهم سوف يعلمون ذلك فإن ~~الحق ظاهر لا محالة. # وفي الآية تعريض لهم أنهم لا غاية لهم في حياتهم إلا الأكل والتمتع بلذات ~~المادة والتلهي بالآمال والأماني فلا منطق لهم إلا منطق الأنعام والحيوان ~~العجم فمن الحري أن يتركوا وما هم فيه، ولا يلقى إليهم الحجج الحقة المبنية ~~على أساس العقل السليم والمنطق الإنساني. # قوله تعالى: "وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم" إلى آخر الآيتين ~~تثبيت وتوكيد لقوله في الآية السابقة: "فسوف يعلمون" على ما يعطيه السياق ~~والمعنى دعهم فإنهم لا يسلمون في هذه الحياة الدنيا وإنما يودون الإسلام ~~بعد حلول أجلهم ونزول الهلاك بهم، والناس ليسوا بذوي خيرة في ذلك بل لكل ~~أمة كتاب معلوم عند الله مكتوب فيه أجلهم لا يقدرون أن يستقدموه ولا ~~يستأخروه ساعة. # وفي الآيتين دلالة على أن الأمة من الإنسان لها كتاب كما أن للفرد منه ~~كتابا، قال تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا": إسراء: 13. # قوله تعالى: "وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون" كلام خارج ~~مخرج الاستهزاء ولذلك خاطبوه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا باسمه بل بوصف ~~نزول الذكر عليه كما كان يدعيه، وجاءوا بالفعل المجهول للدلالة على أن ~~منزله غير معلوم عندهم ولا اعتماد ولا وثوق لهم بما يدعيه هو أن الله تعالى ~~هو الذي أنزله، وتوصيفه بالذي نزل عليه الذكر وكذا تسمية النازل عليه ذكرا ~~كل ذلك من الاستهزاء كما أن قولهم: "إنك لمجنون" رمي وتكذيب. # قوله تعالى: "لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين" لو ما مثل هلا ~~للتحضيض أي هلا تأتينا بالملائكة إن كنت صادقا في دعوى النبوة ليشهدوا على ~~صدق دعواك وينذر معك، فهو قريب المعنى من قولهم على ما حكاه الله: ms4438 "لو لا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا": الفرقان: 7. # ووجه اقتراحهم على الأنبياء أن يأتوا بالملائكة ويظهروهم لهم اعتقادهم أن ~~البشرية كينونة مادية مغمورة في قذارة الشهوة والغضب لا نسبة بينها وبين ~~العالم السماوي الذي هو محض النورانية والطهارة فمن ادعى نوعا من الاتصال ~~بذاك العالم الروحاني فعليه أن يأتي ببعض أهله من الملائكة الكرام ليصدقوه ~~في دعواه ويعينوه في دعوته. # على أن الملائكة عند الوثنيين آلهة دون الله سبحانه فدعوتهم إلى التوحيد ~~معناها أن هؤلاء الآلهة في معزل من الشفاعة والعبادة بأمر من الله سبحانه ~~وهو إله الآلهة ولا دليل على ذلك كاعترافهم به فلينزلوا وليعترفوا ويصدقوا ~~النبوة. # قوله تعالى: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين" جواب عما ~~اقترحوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم بالملائكة حتى ~~يصدقوه، ومحصل الجواب أن السنة الإلهية جارية على ستر ملائكته عنهم تحت ~~أستار الغيب فلو أنزلهم وأظهرهم لهم عن اقتراحهم ذلك كان ذلك آية سماوية ~~خارقة للعادة نازلة عن اقتراحهم، ومن شأن الآية المعجزة النازلة عن اقتراح ~~الناس أن يعقبها عذاب الاستئصال والهلاك القطعي إن لم يؤمنوا بها، وهؤلاء ~~الكفار المعاندون ليسوا بمؤمنين فهو الهلاك. # وبالجملة لو أنزل الله الملائكة والحال هذا الحال - هم يقترحون آية فاصلة ~~تظهر الحق وتميط الباطل لأنزلهم بالحق الفاصل المميز وما كانوا إذا منظرين ~~بل يهلكون ويقطع دابرهم، هذا محصل ما ذكره بعضهم. # وقيل: المراد بالحق في الآية الموت والمعنى ما نزل الملائكة على الناس ~~إلا مصاحبا للحق الذي هو الموت وما كانوا إذا منظرين، وكأنه مأخوذ من قوله ~~تعالى: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين" الآية. # وقيل: المراد بالحق الرسالة أي ما نزل الملائكة إلا بالوحي والرسالة ~~وكأنه مأخوذ من نحو قوله: "قد جاءكم الرسول بالحق": النساء: 170، "وقوله ~~فقد كذبوا بالحق لما جاءهم: الأنعام: 5. PageV12P049 # فهذه وجوه مذكورة في تفسير الآية ودونها وجوه مذكورة في مختلف التفاسير وهي ~~جميعا لا تخلو من شيء وهو أن شيئا منها لا ينطبق على ms4439 الحصر الموجود في ~~قوله: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق" فنزول الملائكة لا يختص بعذاب ~~الاستئصال فقط ولا بالموت فقط، ولا بالوحي والرسالة فقط، وتوجيه الآية بما ~~يختص بأحد المعاني الثلاث المذكورة للحق يحتاج إلى تقييدها بقيود كثيرة ~~يدفعها إطلاق الآية كما هو ظاهر لمن راجع الوجوه المقررة آنفا. # ويمكن أن يقرر معنى الآية باستمداد من التدبر في آيات أخر أن ظرف الحياة ~~المادية أعني هذه النشأة الدنيوية ظرف يختلط فيه الحق والباطل من غير أن ~~يتمحض الحق في الظهور بجميع خواصه وآثاره كما يشير إليه قوله تعالى: "كذلك ~~يضرب الله الحق والباطل: الرعد: 17، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك فما يظهر ~~فيه شيء من الحق إلا وهو يحتمل شيئا من اللبس والشك كما يصدقه استقراء ~~الموارد التي صادفناها مدى أعمارنا، ومن الشاهد عليه قوله تعالى: "ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون": الأنعام: 9، والظرف ~~ظرف الامتحان والاختيار ولا اختيار إلا مع إمكان التباس الحق بالباطل ~~واختلاط الخير والشر بنحو حتى يقف الإنسان على ملتقى الطريقين ومنشعب ~~النجدين فيستدل على الخير والشر بآثارهما وأماراتهما ثم يختار ما يستحقه من ~~السعادة والشقاوة. # وأما عالم الملائكة وظرف وجودهم فإنما هو عالم الحق غير مشوب بشيء من ~~الباطل كما يدل عليه قوله تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون": التحريم: 6، وقوله: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون": الأنبياء: 27. # فمقتضى الآيات وما في معناها أنهم في أنفسهم مخلوقات شريفة ووجودات طاهرة ~~نورانية منزهة عن النقص والشين لا تحتمل الشر والشقاء وليس عندها إمكان ~~الفساد والمعصية والتقصير فلا يحكم فيها هذا النظام المادي المبني على أساس ~~الإمكان والاختيار وجواز الصلاح والفساد والطاعة والمعصية والسعادة والشقاء ~~جميعا، وسيوافيك البحث المستوفى فيه فيما يناسبه من المورد إن شاء الله. # وسيأتي أيضا أن الإنسان لا طريق له إلى هذا الظرف الحق ما دام متوغلا في ~~هذا العالم المادي متورطا في ورطات الشهوات والأهواء كأهل الكفر والفسوق ~~إلا ببطلان عالمهم وخروجهم إلى العالم ms4440 الحق وظهوره عليهم وانكشاف الغطاء ~~عنهم كما يشير إليه قوله: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد": ق - 22، وهذا هو العالم الذي يسمى بالنسبة إلى الإنسان آخرة. # فتبين أن ظهور عالم الملائكة للناس المتوغلين في عالم المادة متوقف على ~~تبدل الظرف والانتقال من الدنيا إلى الآخرة وهو الموت اللهم إلا في ~~المصطفين من عباد الله وأوليائه المطهرين من أقذار الذنوب الملازمين لساحة ~~قربه لهم أهلية مشاهدة الغيب وهم في عالم الشهادة كالأنبياء (عليهم ~~السلام). # ولعل ما قدمناه هو المراد بقوله: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا ~~إذا منظرين"، فإنهم إنما اقترحوا نزول الملائكة ليشاهدوهم في صورهم الأصلية ~~حتى يصدقوا وهذا الحال لا تتمهد لهم إلا بالموت كما قال تعالى: "وقال الذين ~~لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة - إلى أن قال - يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا وقدمنا إلى ما عملوا ~~من عمل فجعلناه هباء منثورا": الفرقان: 23. # وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: "وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون": الأنعام: 9، يقول تعالى: لو أنزلنا عليه الملائكة آية ~~خارقة للعادة مصدقة للنبوة كان لازمه القضاء عليهم وهلاكهم ولو قلدنا الملك ~~النبوة والرسالة كان لازمه أن نصوره في صورة رجل من الإنسان، وأن نوقفه ~~موقفا يحتمل اللبس فإن الرسالة إحدى وسائل الامتحان والابتلاء الإلهي ولا ~~امتحان إلا بما يحتمل السعادة والشقاء والفوز والخيبة ويجوز معه النجاة ~~والهلاك ولو توصل إلى الرسالة بما يضطر العقول إلى الإيمان ويلجىء النفوس ~~إلى القبول واليقين لبطل ذلك كله. PageV12P050 # قوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" صدر الآية مسوق سوق ~~الحصر، وظاهر السياق أن الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردهم القرآن بأنه من ~~أهذار الجنون وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مجنون لا عبرة بما صنع ولا ~~حجر ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدقوه في دعوته ms4441 وأن القرآن كتاب ~~سماوي حق. # والمعنى - على هذا والله أعلم - أن هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتى ~~يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدة بطشهم وتتكلف لحفظه ثم لا تقدر، وليس نازلا من ~~عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إياه بل نحن أنزلنا هذا الذكر ~~إنزالا تدريجيا وإنا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية ~~الكاملة به. # فهو ذكر حي خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله، مصون من الزيادة عليه ~~بما يبطل به كونه ذكرا مصون من النقص كذلك، مصون من التغيير في صورته ~~وسياقه بحيث يتغير به صفة كونه ذكرا لله مبينا لحقائق معارفه. # فالآية تدل على كون كتاب الله محفوظا من التحريف بجميع أقسامه من جهة ~~كونه ذكرا لله سبحانه فهو ذكر حي خالد. # ونظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ الله مصونا من ~~التحريف والتصرف بأي وجه كان من جهة كونه ذكرا له سبحانه قوله تعالى: "إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد": حم السجدة: 42. # وقد ظهر بما تقدم أن اللام في الذكر للعهد الذكري وأن المراد بالوصف ~~لحافظون هو الاستقبال كما هو الظاهر من اسم الفاعل فيندفع به ما ربما يورد ~~على الآية أنها لو دلت على نفي التحريف من القرآن لأنه ذكر لدلت على نفيه ~~من التوراة والإنجيل أيضا لأن كلا منهما ذكر مع أن كلامه تعالى صريح في ~~وقوع التحريف فيهما. # وذلك أن الآية بقرينة السياق إنما تدل على حفظ الذكر الذي هو القرآن بعد ~~إنزاله إلى الأبد، ولا دلالة فيها على علية الذكر للحفظ الإلهي ودوران ~~الحكم مداره. # وسنستوفي البحث عما يرجع إلى هذا الشأن إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن ~~رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم ms4442 القيامة نادى مناد ~~من عند الله: لا يدخل الجنة إلا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين. ثم قال: "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل" أي شغلهم فسوف ~~يعلمون". # أقول: وروى العياشي، عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): في تفسير الآية مثله. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح عن ~~جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ناسا ~~من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم ~~أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا ~~أخرجه الله تعالى من النار. ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"ربما يود الذين كفرا لو كانوا مسلمين". # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق أخرى عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري ~~وأنس بن مالك عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV12P051 # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة عن علي بن أبي طالب قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم ~~كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين من دخل منهم جهنم لا ~~تزرق أعينهم، ولا تسود وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل، ~~ولا يجرعون الحميم، ولا يلبسون القطران حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل ~~التوحيد، وصورهم على النار من أجل السجود. فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه، ~~ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه، ومنهم من ~~تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم ~~وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ~~ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى. ~~فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل ~~الأديان والأوثان ms4443 لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله ~~فنحن وأنتم اليوم في النار سواء فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشيء فيما ~~مضى فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل ~~السيل ثم يدخلون الجنة مكتوب في جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن ~~فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا. ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك ~~الاسم عنهم فيبعث الله ملكا فيمحوه ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار ~~فيطبقونها على من بقي فيها يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه، ~~ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم، وذلك قوله: "ربما يود الذين كفروا ~~لو كانوا مسلمين". # أقول: الطرثوث نبت وحميل السيل غثاؤه، وقد روي من طرق الشيعة ما يقرب من ~~الحديث مضمونا. # وفيه، أخرج أحمد وابن مردويه عن أبي سعيد: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) غرس عودا بين يديه وآخر إلى جنبه وآخر بعده. قال: أتدرون ما ~~هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن هذا الإنسان وهذا أجله وهذا أمله ~~فيتعاطى الأمل فيختلجه الأجل دون ذلك: أقول: وروي ما يقرب من معناه بطرق عن ~~أنس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المجمع، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن أخوف ما أخاف ~~عليكم اثنان: اتباع الهوى، وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول ~~الأمل ينسي الآخرة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق - وما ~~كانوا إذا منظرين" قال: قال (عليه السلام): لو أنزلنا بالملائكة لم ينظروا ~~وهلكوا. # كلام في أن القرآن مصون عن التحريف في فصول: # الفصل 1 # من ضروريات التاريخ أن النبي العربي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء ~~قبل أربعة عشر قرنا - تقريبا - وادعى النبوة وانتهض للدعوة وآمن به أمة من ~~العرب وغيرهم، وأنه جاء بكتاب يسميه القرآن وينسبه إلى ربه متضمن لجمل ~~المعارف وكليات الشريعة التي كان يدعو إليها، وكان يتحدى به ويعده آية ~~لنبوته، وأن القرآن ms4444 الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به وقرأه على ~~الناس المعاصرين له في الجملة بمعنى أنه لم يضع من أصله بأن يفقد كله ثم ~~يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه وينسب إليه ويشتهر بين الناس ~~بأنه القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # فهذه أمور لا يرتاب في شيء منها إلا مصاب في فهمه ولا احتمل بعض ذلك أحد ~~من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين والمؤالفين. # وإنما احتمل بعض من قال به من المخالف أو المؤالف زيادة شيء يسير كالجملة ~~أو الآية أو النقص أو التغيير في جملة أو آية في كلماتها أو إعرابها، وأما ~~جل الكتاب الإلهي فهو على ما هو في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ~~يضع ولم يفقد. # ثم إنا نجد القرآن يتحدى بأوصاف ترجع إلى عامة آياته ونجد ما بأيدينا من ~~القرآن أعني ما بين الدفتين واجدا لما وصف به من أوصاف تحدى بها من غير أن ~~يتغير في شيء منها أو يفوته ويفقد. PageV12P052 # فنجده يتحدى بالبلاغة والفصاحة ونجد ما بأيدينا مشتملا على ذلك النظم ~~العجيب البديع لا يعدله ولا يشابهه شيء من كلام البلغاء والفصحاء المحفوظ ~~منهم والمروي عنهم من شعر أو نثر أو خطبة أو رسالة أو محاورة أو غير ذلك ~~وهذا النظم موجود في جميع الآيات سواء كتابا متشابها مثاني تقشعر منه ~~الجلود والقلوب. # ونجده يتحدى بقوله: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا": النساء: 82 بعدم وجود اختلاف فيه ونجد ما بأيدينا من ~~القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء وأوفاه فما من إبهام أو خلل يتراءى في آية إلا ~~ويرفعه آية أخرى، وما من خلاف أو مناقضة يتوهم بادىء الرأي من شطر إلا ~~وهناك ما يدفعه ويفسره. # ونجده يتحدى بغير ذلك مما لا يختص فهمه بأهل اللغة العربية كما في قوله: ~~"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان ms4445 بعضهم لبعض ظهيرا": إسراء: 88، وقوله: "إنه لقول فصل وما هو ~~بالهزل": الطارق: 14، ثم نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح ~~الحق الذي لا مرية فيه، ويهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من أصول المعارف ~~الحقيقية وكليات الشرائع الفطرية وتفاصيل الفضائل الخلقية من غير أن نعثر ~~فيها على شيء من النقيصة والخلل أو نحصل على شيء من التناقض والزلل بل نجد ~~جميع المعارف على سعتها وكثرتها حية بحياة واحدة مدبرة بروح واحد هو مبدأ ~~جميع المعارف القرآنية والأصل الذي إليه ينتهي الجميع ويرجع وهو التوحيد ~~فإليه ينتهي الجميع بالتحليل وهو يعود إلى كل منها بالتركيب. # ونجده يغوص في أخبار الماضين من الأنبياء وأممهم ونجد ما عندنا من كلام ~~الله يورد قصصهم ويفصل القول فيها على ما يليق بطهارة الدين ويناسب نزاهة ~~ساحة النبوة وخلوصها للعبودية والطاعة وكلما طبقنا قصة من القصص القرآنية ~~على ما يماثلها مما ورد في العهدين انجلى ذلك أحسن الانجلاء. # ونجده يورد آيات في الملاحم ويخبر عن الحوادث الآتية في آيات كثيرة ~~بالتصريح أو بالتلويح ثم نجدها فيما هو بأيدينا من القرآن على تلك الشريطة ~~صادقة مصدقة. # ونجده يصف نفسه بأوصاف زاكية جميلة كما يصف نفسه بأنه نور وأنه هاد يهدي ~~إلى صراط مستقيم وإلى الملة التي هي أقوم ونجد ما بأيدينا من القرآن لا ~~يفقد شيئا من ذلك ولا يهمل من أمر الهداية والدلالة ولا دقيقة. # ومن أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه أنه ذكر لله فإنه يذكر به ~~تعالى بما أنه آية دالة عليه حية خالدة وبما أنه يصفه بأسمائه الحسنى ~~وصفاته العليا، ويصف سنته في الصنع والإيجاد، ويصف ملائكته وكتبه ورسله، ~~ويصف شرائعه وأحكامه، ويصف ما ينتهي إليه أمر الخلقة وهو المعاد ورجوع الكل ~~إليه سبحانه، وتفاصيل ما يئول إليه أمر الناس من السعادة والشقاء، والجنة ~~والنار. # ففي جميع ذلك ذكر الله، وهو الذي يرومه القرآن بإطلاق القول بأنه ذكر ~~ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئا من معنى الذكر. # ولكون ms4446 الذكر من أجمع الصفات في الدلالة على شئون القرآن عبر عنه بالذكر ~~في الآيات التي أخبر فيها عن حفظه القرآن عن البطلان والتغيير والتحريف ~~كقوله تعالى: "إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في ~~النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون ~~بصير، إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد": حم السجدة: 42، فذكر تعالى أن ~~القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل ولا يدخل فيه حالا ولا في مستقبل ~~الزمان لا بإبطال ولا بنسخ ولا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريته عنه. # وكقوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون": الحجر: 9، فقد ~~أطلق الذكر وأطلق الحفظ فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كل زيادة ونقيصة وتغيير ~~في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذكرية ويبطل كونه ذكرا لله سبحانه بوجه. # ومن سخيف القول إرجاع ضمير "له" إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فإنه مدفوع بالسياق وإنما كان المشركون يستهزءون بالنبي لأجل القرآن الذي ~~كان يدعي نزوله عليه كما يشير إليه بقوله سابقا: "وقالوا يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون" وقد مر تفسير الآية. PageV12P053 # فقد تبين مما فصلناه أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل مصون بصيانة إلهية عن الزيادة ~~والنقيصة والتغيير كما وعد الله نبيه فيه. # وخلاصة الحجة أن القرآن أنزله الله على نبيه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف ~~خاصة لو كان تغير في شيء من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ ~~أو ترتيب مؤثر فقد آثار تلك الصفة قطعا لكنا نجد القرآن الذي بأيدينا واجدا ~~لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن وأحسن ما يكون فلم يقع فيه ~~تحريف يسلبه شيئا من صفاته فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي ~~(صلى الله عليه وآله ms4447 وسلم) بعينه فلو فرض سقوط شيء منه أو تغير في إعراب أو ~~حرف أو ترتيب وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شيء من أوصافه كالإعجاز ~~وارتفاع الاختلاف والهداية والنورية والذكرية والهيمنة على سائر الكتب ~~السماوية إلى غير ذلك، وذلك كآية مكررة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو إعراب ~~ونحوها. # الفصل 2 # ويدل على عدم وقوع التحريف الأخبار الكثيرة المروية عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من طرق الفريقين الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند الفتن وفي ~~حل عقد المشكلات. # وكذا حديث الثقلين المتواتر من طرق الفريقين: "إني تارك فيكم الثقلين ~~كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا" الحديث ~~فلا معنى للأمر بالتمسك بكتاب محرف ونفي الضلال أبدا ممن تمسك به. # وكذا الأخبار الكثيرة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب، وما ذكره بعضهم ~~أن ذلك في الأخبار الفقهية ومن الجائز أن نلتزم بعدم وقوع التحريف في خصوص ~~آيات الأحكام ولا ينفع ذلك سائر الآيات مدفوع بأن أخبار العرض مطلقة ~~فتخصيصها بذلك تخصيص من غير مخصص. # على أن لسان أخبار العرض كالصريح أو هو صريح في أن الأمر بالعرض إنما هو ~~لتمييز الصدق من الكذب والحق من الباطل ومن المعلوم أن الدس والوضع غير ~~مقصورين في أخبار الفقه بل الدواعي إلى الدس والوضع في المعارف الاعتقادية ~~وقصص الأنبياء والأمم الماضين وأوصاف المبدإ والمعاد أكثر وأوفر ويؤيد ذلك ~~ما بأيدينا من الإسرائيليات وما يحذو حذوها مما أمر الجعل فيها أوضح وأبين. # وكذا الأخبار التي تتضمن تمسك أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بمختلف ~~الآيات القرآنية في كل باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا حتى في ~~الموارد التي فيها آحاد من الروايات بالتحريف، وهذا أحسن شاهد على أن ~~المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم (عليهم السلام) كذا نزل هو ~~التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل. # وكذا الروايات الواردة عن أمير المؤمنين ms4448 وسائر الأئمة من ذريته (عليهم ~~السلام) في أن ما بأيدي الناس قرآن نازل من عند الله سبحانه وإن كان غير ما ~~ألفه علي (عليه السلام) من المصحف ولم يشركوه (عليه السلام) في التأليف في ~~زمن أبي بكر ولا في زمن عثمان ومن هذا الباب قولهم (عليهم السلام) لشيعتهم: ~~اقرءوا كما قرأ الناس". # ومقتضى هذه الروايات أن لو كان القرآن الدائر بين الناس مخالفا لما ألفه ~~علي (عليه السلام) في شيء فإنما يخالفه في ترتيب السور أو في ترتيب بعض ~~الآيات التي لا يؤثر اختلال ترتيبها في مدلولها شيئا ولا في الأوصاف التي ~~وصف الله سبحانه بها القرآن النازل من عنده ما يختل به آثارها. # فمجموع هذه الروايات على اختلاف أصنافها يدل دلالة قاطعة على أن الذي ~~بأيدينا من القرآن هو القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من غير أن يفقد شيئا من أوصافه الكريمة وآثارها وبركاتها. # الفصل 3 # ذهب جماعة من محدثي الشيعة والحشوية وجماعة من محدثي أهل السنة إلى وقوع ~~التحريف بمعنى النقص والتغيير في اللفظ أو الترتيب دون الزيادة فلم يذهب ~~إليها أحد من المسلمين كما قيل. # واحتجوا على نفي الزيادة بالإجماع وعلى وقوع النقص والتغيير بوجوه كثيرة. PageV12P054 # أحدها: الأخبار الكثيرة المروية من طرق الشيعة وأهل السنة الدالة على سقوط ~~بعض السور والآيات وكذا الجمل وأجزاء الجمل والكلمات والحروف في الجمع ~~الأول الذي ألف فيه القرآن في زمن أبي بكر وكذا في الجمع الثاني الذي كان ~~في زمن عثمان وكذا التغيير وهذه روايات كثيرة روتها الشيعة في جوامعها ~~المعتبرة وغيرها، وقد ادعى بعضهم أنها تبلغ ألفي حديث، وروتها أهل السنة في ~~صحاحهم كصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والسنائي وأحمد وسائر الجوامع ~~وكتب التفاسير وغيرها وقد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حد الإحصاء. # وهذا غير ما يخالف فيه مصحف عبد الله بن مسعود المصحف المعروف مما ينيف ~~على ستين موضعا، وما يخالف فيه مصحف أبي بن كعب المصحف العثماني وهو في بضع ~~وثلاثين موضعا، ms4449 وما يختلف فيه المصاحف العثمانية التي اكتتبها وأرسلها إلى ~~الآفاق وهي خمسة أو سبعة أرسلها إلى مكة وإلى الشام وإلى البصرة وإلى ~~الكوفة وإلى اليمن وإلى البحرين وحبس واحدا بالمدينة والاختلاف الذي فيما ~~بينها يبلغ خمسة وأربعين حرفا، وقيل: بضع وخمسين حرفا. # وغير الاختلاف في الترتيب بين المصاحف العثمانية والجمع الأول في زمن أبي ~~بكر فقد كانت سورة الأنفال في التأليف الأول في المثاني وسورة براءة في ~~المئين وهما في الجمع الثاني موضوعتان في الطوال على ما ستجيء روايته. # وغير الاختلاف في ترتيب السور الموجود بين مصحفي عبد الله بن مسعود وأبي ~~ابن كعب على ما وردت به الرواية وبين المصاحف العثمانية وغير الاختلافات ~~القرائية الشاذة التي رويت عن الصحابة والتابعين فربما بلغ عدد المجموع ~~الألف أو زاد عليه. # الوجه الثاني: أن العقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقا متشتتا منتشرا ~~عند الناس وتصدى لجمعه غير المعصوم يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا ~~للواقع. # الوجه الثالث: ما روته العامة والخاصة: أن عليا (عليه السلام) اعتزل ~~الناس بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يرتد إلا للصلاة حتى ~~جمع القرآن ثم حمله إلى الناس وأعلمهم أنه القرآن الذي أنزله الله على نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جمعه فردوه واستغنوا عنه بما جمعه لهم زيد ~~بن ثابت ولو لم يكن بعض ما فيه مخالفا لبعض ما في مصحف زيد لم يكن لحمله ~~إليهم وإعلامهم ودعوتهم إليه وجه، وقد كان (عليه السلام) أعلم الناس بكتاب ~~الله بعد نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أرجع الناس إليه في حديث ~~الثقلين المتواتر وقال في الحديث المتفق عليه: علي مع الحق والحق مع علي. # الوجه الرابع: ما ورد من الروايات أنه يقع في هذه الأمة ما وقع في بني ~~إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة، بالقذة وقد حرفت بنو إسرائيل كتاب نبيهم ~~على ما يصرح به القرآن الكريم والروايات المأثورة، فلا بد أن يقع نظيره في ~~هذه الأمة فيحرفوا كتاب ربهم ms4450 وهو القرآن الكريم. # ففي صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لتبعتموه قلنا: يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا اليهود والنصارى؟ ~~قال: فمن؟: والرواية مستفيضة مروية في جوامع الحديث عن عدة من الصحابة كأبي ~~سعيد الخدري كما مر وأبي هريرة وعبد الله بن عمر، وابن عباس وحذيفة وعبد ~~الله بن مسعود وسهل بن سعد وعمر بن عوف وعمرو بن العاص وشداد بن أوس ~~والمستورد بن شداد في ألفاظ متقاربة. # وهي مروية مستفيضة من طرق الشيعة عن عدة من أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في تفسير القمي، عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لتركبن سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة ~~بالقذة لا تخطئون طريقهم ولا تخطىء شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع حتى أن ~~لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه قالوا: اليهود والنصارى تعني يا رسول ~~الله؟ قال: فمن أعني؟ لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فيكون أول ما تنقضون من ~~دينكم الأمانة وآخره الصلاة. # والجواب عن استدلالهم بإجماع الأمة على نفي تحريف القرآن بالزيادة بأنها ~~حجة مدخولة لكونها دورية. PageV12P055 # بيان ذلك: أن الإجماع ليس في نفسه حجة عقلية يقينية بل هو عند القائلين ~~باعتباره حجة شرعية لو أفاد شيئا من الاعتقاد فإنما يفيد الظن سواء في ذلك ~~محصله ومنقوله على خلاف ما يزعمه كثير منهم أن الإجماع المحصل مفيد للقطع ~~وذلك أن الذي يفيده الإجماع من الاعتقاد لا يزيد على مجموع الاعتقادات التي ~~تفيدها آحاد الأقوال والواحد من الأقوال المتوافقة لا يفيد إلا الظن بإصابة ~~الواقع، وانضمام القول الثاني الذي يوافقه إليه إنما يفيد قوة الظن دون ~~القطع لأن القطع اعتقاد خاص بسيط مغاير للظن وليس بالمركب من عدة ظنون. # وهكذا كلما انضم قول إلى قول وتراكمت الأقوال المتوافقة زاد الظن قوة ~~وتراكمت الظنون واقتربت من القطع من ms4451 غير أن تنقلب إليه كما تقدم، هذا في ~~المحصل من الإجماع وهو الذي نحصله بتتبع جميع الأقوال والحصول على كل قول ~~قول، وأما المنقول منه الذي ينقله الواحد والاثنان من أهل العلم والبحث ~~فالأمر فيه أوضح فهو كآحاد الروايات لا يفيد إلا الظن إن أفاد شيئا من ~~الاعتقاد. # فالإجماع حجة ظنية شرعية دليل اعتبارها عند أهل السنة مثلا قوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): "لا تجتمع أمتي على خطإ أو ضلال" وعند الشيعة دخول ~~قول المعصوم في أقوال المجمعين أو كشف أقوالهم عن قوله بوجه. # فحجية الإجماع بالجملة متوقفة على صحة النبوة وذلك ظاهر، وصحة النبوة ~~اليوم متوقفة على سلامة القرآن من التحريف المستوجب لزوال صفات القرآن ~~الكريمة عنه كالهداية وفصل القول وخاصة الإعجاز فإنه لا دليل حيا خالدا على ~~خصوص نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير القرآن الكريم بكونه آية ~~معجزة، ومع احتمال التحريف بزيادة أو نقيصة أو أي تغيير آخر لا وثوق بشيء ~~من آياته ومحتوياته أنه كلام الله محضا وبذلك تسقط الحجة وتفسد الآية، ومع ~~سقوط كتاب الله عن الحجية يسقط الإجماع عن الحجية. # ولا ينفع في المقام ما قدمناه في أول الكلام أن وجود القرآن المنزل على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بأيدينا من القرآن في الجملة من ~~ضروريات التاريخ. # وذلك لأن مجرد اشتمال ما بأيدينا منه على القرآن الواقعي لا يدفع احتمال ~~زيادة أو نقيصة أو أي تغيير آخر في كل آية أو جملة أريد التمسك بها لإثبات مطلوب. # والجواب عن الوجه الأول الذي أقيم لوقوع التحريف بالنقص والتغيير وهو ~~الذي تمسك فيه بالأخبار: أما أولا فبأن التمسك بالأخبار بما أنها حجة شرعية ~~يشتمل من الدور على ما يشتمل عليه التمسك بالإجماع بنظير البيان الذي تقدم آنفا. # فلا يبقى للمستدل بها إلا أن يتمسك بها بما أنها أسناد ومصادر تاريخية ~~وليس فيها حديث متواتر ولا محفوف بقرائن قطعية تضطر العقل إلى قبوله بل هي ~~آحاد متفرقة متشتتة مختلفة منها صحاح ومنها ms4452 ضعاف في أسنادها ومنها قاصرة في ~~دلالتها فما أشذ منها ما هو صحيح في سنده تام في دلالته. # وهذا النوع على شذوذه وندرته غير مأمون فيه الوضع والدس فإن انسراب ~~الإسرائيليات وما يلحق بها من الموضوعات والمدسوسات بين رواياتنا لا سبيل ~~إلى إنكاره ولا حجية في خبر لا يؤمن فيه الدس والوضع. # ومع الغض عن ذلك فهي تذكر من الآيات والسور ما لا يشبه النظم القرآني ~~بوجه، ومع الغض عن جميع ذلك فإنها مخالفة للكتاب مردودة: أما ما ذكرنا أن ~~أكثرها ضعيفة الأسناد فيعلم ذلك بالرجوع إلى أسانيدها فهي مراسيل أو مقطوعة ~~الأسناد أو ضعيفتها، والسالم منها من هذه العلل أقل قليل. # وأما ما ذكرنا أن منها ما هو قاصر في دلالتها فإن كثيرا مما وقع فيها من ~~الآيات المحكية من قبيل التفسير وذكر معنى الآيات لا من حكاية متن الآية ~~المحرفة وذلك كما في روضة الكافي، عن أبي الحسن الأول: في قول الله: "أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم - فأعرض عنهم فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء ~~وسبق لهم العذاب وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا. # وما في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "وإن تلووا أو ~~تعرضوا" قال: "إن تلووا الأمر وتعرضوا عما أمرتم به فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا" إلى غير ذلك من روايات التفسير المعدودة من أخبار التحريف. PageV12P056 # ويلحق بهذا الباب ما لا يحصى من الروايات المشيرة إلى سبب النزول المعدودة ~~من أخبار التحريف كالروايات التي تذكر هذه الآية هكذا: "يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك في علي" والآية نازلة في حقه (عليه السلام)، وما روي: أن وفد ~~بني تميم كانوا إذا قدموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقفوا على ~~باب الحجرة ونادوه أن اخرج إلينا فذكرت الآية فيها هكذا: "إن الذين ينادونك ~~من وراء الحجرات بنو تميم أكثرهم لا يعقلون" فظن أن في الآية سقطا. # ويلحق بهذا الباب أيضا ما لا يحصى من الأخبار الواردة في جري القرآن ~~وانطباقه ms4453 كما ورد في قوله: "وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم" وما ورد من ~~قوله: "ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة من بعده فقد فاز فوزا ~~عظيما" وهي كثيرة جدا. # ويلحق بها أيضا ما أتبع فيه القراءة بشيء من الذكر والدعاء فتوهم أنه من ~~سقط القرآن كما في الكافي، عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا (عليه ~~السلام) عن التوحيد فقال: كل من قرأ قل هو الله أحد وآمن بها فقد عرف ~~التوحيد، قال: +" قلت "+ كيف نقرؤها؟ قال: كما يقرؤها الناس وزاد فيه كذلك ~~الله ربي كذلك الله ربي. # ومن قبيل قصور الدلالة ما نجد في كثير من الآيات المعدودة من المحرفة ~~اختلاف الروايات في لفظ الآية كالتي وردت في قوله تعالى: "ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة" ففي بعضها أن الآية هكذا: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~ضعفاء" وفي بعضها: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم قليل. # وهذا الاختلاف ربما كان قرينة على أن المراد هو التفسير بالمعنى كما في ~~الآية المذكورة ويؤيده ما ورد في بعضها من قوله (عليه السلام): لا يجوز ~~وصفهم بأنهم أذلة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وربما لم يكن إلا من التعارض والتنافي بين الروايات القاضي بسقوطها كآية ~~الرجم على ما ورد في روايات الخاصة والعامة وهي في بعضها: "إذا زنى الشيخ ~~والشيخة فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة. وفي بعضها. "الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة، وفي بعضها "بما قضيا من ~~اللذة" وفي بعضها آخرها: "نكالا من الله والله عليم حكيم" وفي بعضها: ~~"نكالا من الله والله عزيز حكيم". # وكآية الكرسي على التنزيل التي وردت فيها روايات فهي في بعضها هكذا: الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في ~~الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه ~~أحدا من ذا الذي يشفع عنده - إلى قوله - وهو العلي العظيم والحمد لله رب ~~العالمين. ms4454 # وفي بعضها - إلى قوله - هم فيها خالدون والحمد لله رب العالمين، وفي ~~بعضها هكذا: "له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ~~عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم" إلخ. # وفي بعضها: "عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم بديع السماوات والأرض ذو ~~الجلال والإكرام رب العرش العظيم" وفي بعضها: عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الحكيم". # وما ذكره بعض المحدثين أن اختلاف هذه الروايات في الآيات المنقولة غير ~~ضائر لاتفاقها في أصل التحريف. # مردود بأن ذلك لا يصلح ضعف الدلالة ودفع بعضها لبعض. # وأما ما ذكرنا من شيوع الدس والوضع في الروايات فلا يرتاب فيه من راجع ~~الروايات المنقولة في الصنع والإيجاد وقصص الأنبياء والأمم والأخبار ~~الواردة في تفاسير الآيات والحوادث الواقعة في صدر الإسلام وأعظم ما يهم ~~أمره لأعداء الدين ولا يألون جهدا في إطفاء نوره وإخماد ناره وإعفاء أثره ~~هو القرآن الكريم الذي هو الكهف المنيع والركن الشديد الذي يأوي إليه ~~ويتحصن به المعارف الدينية والسند الحي الخالد لمنشور النبوة ومواد الدعوة ~~لعلمهم بأنه لو بطلت حجة القرآن لفسد بذلك أمر النبوة واختل نظام الدين ولم ~~يستقر من بنيته حجر على حجر. PageV12P057 # والعجب من هؤلاء المحتجين بروايات منسوبة إلى الصحابة أو إلى أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) على تحريف كتاب الله سبحانه وإبطال حجيته، وببطلان ~~حجة القرآن تذهب النبوة سدى والمعارف الدينية لغا لا أثر لها، وما ذا يغني ~~قولنا: إن رجلا في تاريخ كذا ادعى النبوة وأتى بالقرآن معجزة أما هو فقد ~~مات وأما قرآنه فقد حرف، ولم يبق بأيدينا مما يؤيد أمره إلا أن المؤمنين به ~~أجمعوا على صدقه في دعواه وأن القرآن الذي جاء به كان معجزا دالا على ~~نبوته، والإجماع حجة لأن النبي المذكور اعتبر حجيته أو لأنه يكشف مثلا عن ~~قول أئمة أهل بيته. # وبالجملة احتمال الدس - وهو قريب جدا مؤيد بالشواهد والقرائن - يدفع حجية ~~هذه الروايات ويفسد اعتبارها فلا يبقى معه لها لا حجية شرعية ولا حجية ~~عقلائية حتى ما كان منها صحيح ms4455 الأسناد فإن صحة السند وعدالة رجال الطريق ~~إنما يدفع تعمدهم الكذب دون دس غيرهم في أصولهم وجوامعهم ما لم يرووه. # وأما ما ذكرناه أن روايات التحريف تذكر آيات وسورا لا يشبه نظمها النظم ~~القرآني بوجه فهو ظاهر لمن راجعها فإنه يعثر فيها بشيء كثير من ذلك كسورتي ~~الخلع والحفد اللتين رويتا بعدة من طرق أهل السنة فسورة الخلع هي: بسم الله ~~الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ~~ونترك من يفجرك" وسورة الحفد هي: "بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ~~ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمتك إن عذابك ~~بالكافرين ملحق". # وكذا ما أورده بعض الروايات من سورة الولاية وغيرها أقاويل مختلقة رام ~~واضعها أن يقلد النظم القرآني فخرج الكلام عن الأسلوب العربي المألوف ولم ~~يبلغ النظم الإلهي المعجز فعاد يستبشعه الطبع وينكره الذوق ولك أن تراجعها ~~حتى تشاهد صدق ما ادعيناه وتقضي أن أكثر المعتنين بهذه السور والآيات ~~المختلقة المجعولة إنما دعاهم إلى ذلك التعبد الشديد بالروايات والإهمال في ~~عرضها على الكتاب، ولو لا ذلك لكفتهم للحكم بأنها ليست بكلام إلهي نظرة. # وأما ما ذكرنا أن روايات التحريف على تقدير صحة أسنادها مخالفة للكتاب ~~فليس المراد به مجرد مخالفتها لظاهر قوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون" وقوله: "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه" الآيتان حتى تكون مخالفة ظنية لكون ظهور الألفاظ من الأدلة الظنية بل ~~المراد مخالفتها للدلالة القطعية من مجموع القرآن الذي بأيدينا حسب ما ~~قررناه في الحجة الأولى التي أقمناها لنفي التحريف. # كيف لا؟ والقرآن الذي بأيدينا متشابه الأجزاء في نظمه البديع المعجز كاف ~~في رفع الاختلافات المتراءاة بين آياته وأبعاضه غير ناقص ولا قاصر في إعطاء ~~معارفه الحقيقية وعلومه الإلهية الكلية والجزئية المرتبطة بعضها ببعض ~~المترتبة فروعها على أصولها المنعطفة أطرافها على أوساطها إلى غير ذلك من ~~خواص النظم القرآني الذي وصفه الله بها. # والجواب عن الوجه الثاني أن ms4456 دعوى الامتناع العادي مجازفة بينة نعم يجوز ~~العقل عدم موافقة التأليف في نفسه للواقع إلا أن تقوم قرائن تدل على ذلك ~~وهي قائمة كما قدمنا، وأما أن يحكم العقل بوجوب مخالفتها للواقع كما هو ~~مقتضى الامتناع العادي فلا. # والجواب عن الوجه الثالث أن جمعه (عليه السلام) القرآن وحمله إليهم وعرضه ~~عليهم لا يدل على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شيء من الحقائق الدينية ~~الأصلية أو الفرعية إلا أن يكون في شيء من ترتيب السور أو الآيات من السور ~~التي نزلت نجوما بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية. # ولو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عما ~~جمعه واستغنائهم عنه كما روي عنه (عليه السلام) في موارد شتى ولم ينقل عنه ~~(عليه السلام) فيما روي من احتجاجاته أنه قرأ في أمر ولايته ولا غيرها آية ~~أو سورة تدل على ذلك، وجبههم على إسقاطها أو تحريفها. # وهل كان ذلك حفظا لوحدة المسلمين وتحرزا عن شق العصا فإنما كان يتصور ذلك ~~بعد استقرار الأمر واجتماع الناس على ما جمع لهم لا حين الجمع وقبل أن يقع ~~في الأيدي ويسير في البلاد. PageV12P058 # وليت شعري هل يسعنا أن ندعي أن ذاك الجم الغفير من الآيات التي يرون سقوطها ~~وربما ادعوا أنها تبلغ الألوف كانت جميعا في الولاية أو كانت خفية مستورة ~~عن عامة المسلمين لا يعرفها إلا النزر القليل منهم مع توفر دواعيهم وكثرة ~~رغباتهم على أخذ القرآن كلما نزل وتعلمه وبلوغ اجتهاد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في تبليغه وإرساله إلى الآفاق وتعليمه وبيانه، وقد نص على ذلك ~~القرآن قال تعالى: "ويعلمهم الكتاب والحكمة": الجمعة: 2، وقال: "لتبين ~~للناس ما نزل إليهم": النحل: 44 فكيف ضاع؟ وأين ذهب؟ ما يشير إليه بعض ~~المراسيل أنه سقط في آية من أول سورة النساء بين قوله: "وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى" وقوله: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء" أكثر من ثلث ~~القرآن أي أكثر من ألفي آية، وما ورد ms4457 من طرق أهل السنة أن سورة براءة كانت ~~مبسملة تعدل سورة البقرة، وأن الأحزاب كانت أعظم من البقرة وقد سقطت منه ~~مائتا آية إلى غير ذلك!. # أو أن هذه الآيات - وقد دلت هذه الروايات على بلوغها في الكثرة - كانت ~~منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسرين من أهل السنة حفظا لما ورد في بعض ~~رواياتهم أن من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته. # فما معنى إنساء الآية ونسخ تلاوتها؟ أكان ذلك لنسخ العمل بها فما هي هذه ~~الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة وآية نكاح الزانية والزاني ~~وآية العدة وغيرها؟ وهم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة ~~والعمل معا ومنسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم. # أم كان ذلك لكونها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتى أبطلها الله بإمحاء ~~ذكرها وإذهاب أثرها فلم يكن من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، ولا منزها من الاختلاف، ولا قولا فصلا ولا هاديا إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم، ولا معجزا يتحدى به ولا، ولا، فما معنى الآيات ~~الكثيرة التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ، وأنه كتاب عزيز لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه قول فصل، وأنه هدى، وأنه نور، وأنه ~~فرقان بين الحق والباطل، وأنه آية معجزة، وأنه، وأنه؟. # فهل يسعنا أن نقول: إن هذه الآيات على كثرتها وإباء سياقها عن التقييد ~~مقيدة بالبعض فبعض الكتاب فقط وهو غير المنسي ومنسوخ التلاوة لا يأتيه ~~الباطل وقول فصل وهدى ونور وفرقان ومعجزة خالدة؟. # وهل جعل الكلام منسوخ التلاوة ونسيا منسيا غير إبطاله وإماتته؟ وهل ~~صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد ولا يصلح شأنا مما فسد غير إلغائه ~~وطرحه وإهماله؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكرا؟. # فالحق أن روايات التحريف المروية من طرق الفريقين وكذا الروايات المروية ~~في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية. # والجواب عن الوجه الرابع: أن أصل الأخبار القاضية بمماثلة الحوادث ~~الواقعة في هذه ms4458 الأمة لما وقع في بني إسرائيل مما لا ريب فيه، وهي متظافرة ~~أو متواترة، لكن هذه الروايات لا تدل على المماثلة من جميع الجهات، وهو ~~ظاهر بل الضرورة تدفعه. # فالمراد بالمماثلة هي المماثلة في الجملة من حيث النتائج والآثار، وحينئذ ~~فمن الجائز أن تكون مماثلة هذه الأمة لبني إسرائيل في مسألة تحريف الكتاب ~~إنما هي في حدوث الاختلاف والتفرق بين الأمة بانشعابها إلى مذاهب شتى يكفر ~~بعضهم بعضا وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين ~~وسبعين واليهود إلى واحدة وسبعين وقد ورد هذا المعنى في كثير من هذه ~~الروايات حتى ادعى بعضهم كونها متواترة. # ومن المعلوم أن الجميع مستندون فيما اختاروه إلى كتاب الله، وليس ذلك إلا ~~من جهة تحريف الكلم عن مواضعه، وتفسير القرآن الكريم بالرأي، والاعتماد على ~~الأخبار الواردة في تفسير الآيات من غير العرض على الكتاب وتمييز الصحيح ~~منها من السقيم. # وبالجملة أصل الروايات الدالة على المماثلة بين الأمتين لا يدل على شيء ~~من التحريف الذي يدعونه نعم وقع في بعضها ذكر التحريف بالتغيير والإسقاط، ~~وهذه الطائفة على ما بها من السقم مخالفة للكتاب كما تقدم. # الفصل 4 PageV12P059 في تاريخ اليعقوبي: قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: يا خليفة رسول الله إن ~~حملة القرآن قد قتل أكثرهم يوم اليمامة فلو جمعت القرآن فإني أخاف عليه أن ~~يذهب حملته، فقال له أبو بكر: أفعل ما لم يفعله رسول الله؟ فلم يزل به عمر ~~حتى جمعه وكتبه في صحف، وكان مفرقا في الجريد وغيرها. # وأجلس خمسة وعشرين رجلا من قريش وخمسين رجلا من الأنصار فقال: اكتبوا ~~القرآن واعرضوا على سعيد بن العاص فإنه رجل فصيح. # وروى بعضهم: أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان جمعه لما قبض رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن قد ~~جمعته. قال: وكان قد جزأه سبعة أجزاء ثم ذكر الأجزاء. # وفي تاريخ أبي الفداء: وقتل في قتال مسيلمة جماعة من القراء من ms4459 المهاجرين ~~والأنصار، ولما رأى أبو بكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال ~~وجريد النخل والجلود، وترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، انتهى. # والأصل فيما ذكراه الروايات فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ~~قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو ~~بكر إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر ~~القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع ~~القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)؟ قال عمر: هذا والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ~~ورأيت الذي رأى عمر. # قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل ~~جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف ~~تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: هو والله خير. # فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ~~فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة ~~مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: "لقد جاءكم رسول" حتى خاتمة براءة، ~~فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حياته ثم عند ~~حفصة بنت عمر. # وعن ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر فقال: ~~من كان تلقى من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئا من القرآن فليأت ~~به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا ~~حتى يشهد شهيدان. # وعنه أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه وفي الطريق انقطاع: أن أبا ms4460 بكر ~~قال لعمر ولزيد: اقعدوا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب ~~الله فاكتباه. # وفي الإتقان عن ابن أشتة في المصاحف، عن الليث بن سعد قال: أول من جمع ~~القرآن أبو بكر وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية ~~إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة لم يوجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت ~~فقال: اكتبوها فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل شهادته بشهادة ~~رجلين فكتب وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده. # وعن ابن أبي داود في المصاحف، من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن ~~عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتاني الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من ~~آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما ثم قال: لو كانت ثلاث ~~آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها. # وعنه أيضا من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب: أنهم جمعوا القرآن فلما ~~انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة "ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم - بأنهم ~~قوم لا يفقهون" ظنوا أن هذا آخر ما أنزل فقال أبي: إن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أقرأني بعد هذا آيتين "لقد جاءكم رسول" إلى آخر السورة. # وفي الإتقان، عن الدير عاقولي في فوائده حدثنا إبراهيم بن يسار حدثنا ~~سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال: قبض النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولم يكن القرآن جمع في شيء. PageV12P060 # وفي مستدرك الحاكم، بإسناده عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) نؤلف القرآن من الرقاع، الحديث. # أقول: ولعل المراد ضم بعض الآيات النازلة نجوما إلى بعض السور أو إلحاق ~~بعض السور إلى بعضها مما يتماثل صنفا كالطوال والمئين والمفصلات، فقد ورد ~~لها ms4461 ذكر في الأحاديث النبوية، وإلا فتأليف القرآن وجمعه مصحفا واحدا إنما ~~كان بعد ما قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا إشكال، وعلى مثل هذا ~~ينبغي أن يحمل ما يأتي. # في صحيح النسائي، عن ابن عمر قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: اقرأه في شهر. # وفي الإتقان، عن ابن أبي داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: جمع ~~القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة من الأنصار: معاذ ~~بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري. # وفيه، عن البيهقي في المدخل عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة لا يختلف فيهم معاذ بن جبل وأبي بن ~~كعب وأبو زيد واختلفوا في رجلين من ثلاثة: أبي الدرداء وعثمان" وقيل: عثمان ~~وتميم الداري. # وفيه، عنه وعن ابن أبي داود عن الشعبي قال: جمع القرآن في عهد النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) سبعة: أبي وزيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعيد بن عبيد ~~وأبو زيد ومجمع بن حارثة، وقد أخذه إلا سورتين أو ثلاث. # وفيه، أيضا عن ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن بريدة قال: ~~أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا يرتدي برداء حتى ~~يجمعه فجمعه. # الحديث. # أقول: أقصى ما تدل عليه هذه الروايات مجرد جمعهم ما نزلت من السور ~~والآيات، وأما العناية بترتيب السور والآيات كما هو اليوم أو بترتيب آخر فلا. # هذا هو الجمع الأول في عهد أبي بكر. # الفصل 5 # وقد جمع القرآن ثانيا في عهد عثمان لما اختلفت المصاحف وكثرت القراءات. # قال اليعقوبي في تاريخه: وجمع عثمان القرآن وألفه وصير الطوال مع الطوال ~~والقصار مع القصار من السور، وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ثم ~~سلقها بالماء الحار والخل، وقيل: أحرقها فلم يبق مصحف حتى فعل به ذلك ms4462 خلا ~~مصحف ابن مسعود. # وكان ابن مسعود بالكوفة فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر وكتب ~~+" إليه "+ عثمان أن أشخصه إن لم يكن هذا الدين خبالا وهذه الأمة فسادا ~~فدخل المسجد وعثمان يخطب فقال عثمان: إنه قد قدمت عليكم دابة سوء فكلم ابن ~~مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان فجر برجله حتى كسر له ضلعان فتكلمت عائشة ~~وقالت قولا كثيرا. # وبعث بها إلى الأمصار وبعث بمصحف إلى الكوفة ومصحف إلى البصرة ومصحف إلى ~~المدينة ومصحف إلى مكة ومصحف إلى مصر ومصحف إلى الشام ومصحف إلى البحرين ~~ومصحف إلى اليمن ومصحف إلى الجزيرة. # وأمر الناس أن يقرءوا على نسخة واحدة، وكان سبب ذلك أنه بلغه أن الناس ~~يقولون: قرآن آل فلان فأراد أن يكون نسخته واحدة، وقيل: إن ابن مسعود كان ~~كتب بذلك إليه فلما بلغه أنه كان يحرق المصاحف قال: لم أرد هذا، وقيل: كتب ~~إليه بذلك حذيفة بن اليمان. # انتهى موضع الحاجة. PageV12P061 # وفي الإتقان، روى البخاري عن أنس: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان ~~يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة ~~اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود ~~والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها ~~إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ~~وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال ~~عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من ~~القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا ~~الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما ~~نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال زيد: آية ~~من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ms4463 ثابت الأنصاري: "من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" فألحقناها في سورتها في المصحف. # وفيه، أخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن أبي قلابة قال: حدثني رجل من بني ~~عامر يقال له: أنس بن مالك قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل ~~الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال: عندي تكذبون به وتلحنون ~~فيه فمن نأى عني كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد اجتمعوا واكتبوا ~~للناس إماما. فاجتمعوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا: هذه ~~أقرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلانا فيرسل إليه وهو على رأس ~~ثلاث من المدينة فيقال له: كيف أقرأك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~آية كذا وكذا؟ فيقول كذا وكذا فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكانا. # وفيه، عن ابن أبي داود من طريق ابن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد ~~عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فبعثوا إلى ~~الربعة التي في بيت عمر فجيء بها وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارءوا ~~في شيء أخروه. قال محمد: فظننت أنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهدا ~~بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله. # وفيه، أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا ~~تقولوا في عثمان إلا خيرا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملإ ~~منا قال ما تقولون في هذه القراء؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير ~~من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قلنا: فما ترى؟ +" قال: أرى "+ أن يجمع ~~الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر أن عثمان بن عفان: ~~لما أراد أن يكتب المصاحب أرادوا أن يلقوا الواو التي في براءة: "والذين ~~يكنزون الذهب والفضة" قال أبي: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي فألحقوها. # وفي الإتقان، عن أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ms4464 حبان والحاكم عن ~~ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من ~~المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقربتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم ~~الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال. فقال عثمان: كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا أنزل عليه ~~الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر ~~فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من ~~آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبين لنا أنها منها. فمن أجل ذلك قرنت ~~بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع ~~الطوال. # أقول: السبع الطوال - على ما يظهر من هذه الرواية وروي أيضا عن أبي جبير ~~- هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، وقد كانت ~~موضوعة في الجمع الأول على هذا الترتيب ثم غير عثمان هذا الترتيب فأخذ ~~الأنفال وهي من المثاني وبراءة وهي من المئين قبل المثاني فوضعهما بين ~~الأعراف ويونس مقدما الأنفال على براءة. # الفصل 6 PageV12P062 الروايات الموضوعة في الفصلين السابقين هي أشهر الروايات الواردة في باب ~~جمع القرآن وتأليفه بين صحيحة وسقيمة، وهي تدل على أن الجمع الأول كان جمعا ~~لشتات السور المكتوبة في العسب واللخاف والأكتاف والجلود والرقاع وإلحاق ~~الآيات النازلة متفرقة إلى سور تناسبها. # وإن الجمع الثاني وهو الجمع العثماني كان رد المصاحف المنتشرة عن الجمع ~~الأول بعد عروض تعارض النسخ واختلاف القراءات عليها إلى مصحف واحد مجمع ~~عليه عدا ما كان من قول زيد إنه ألحق قوله: "من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه" الآية، في سورة الأحزاب في المصحف فقد كانت المصاحف تتلى ~~خمس عشرة سنة وليست فيها الآية. # وقد روى البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان "والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا" قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها ms4465 أو تدعها؟ قال: يا ابن ~~أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. # والذي يعطيه النظر الحر في أمر هذه الروايات ودلالتها - وهي عمدة ما في ~~هذا الباب - أنها آحاد غير متواترة لكنها محفوفة بقرائن قطعية فقد كان ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغ الناس ما نزل إليه من ربه من غير أن ~~يكتم منه شيئا، وكان يعلمهم ويبين لهم ما نزل إليهم من ربهم على ما نص عليه ~~القرآن، ولم يزل جماعة منهم يعلمون ويتعلمون القرآن تعلم تلاوة وبيان وهم ~~القراء الذين قتل جم غفير منهم في غزوة اليمامة. # وكان الناس على رغبة شديدة في أخذ القرآن وتعاطيه ولم يترك هذا الشأن ولا ~~ارتفع القرآن من بينهم ولا يوما أو بعض يوم حتى جمع القرآن في مصحف واحد ثم ~~أجمع عليه فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة والإنجيل وكتب سائر ~~الأنبياء. # أضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة وأهل السنة في ~~قراءاته (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا من السور القرآنية في الفرائض ~~اليومية وغيرها بمسمع من ملإ الناس، وقد سمي في هذه الروايات جم غفير من ~~السور القرآنية مكيتها ومدنيتها. # أضف إلى ذلك ما تقدم في رواية عثمان بن أبي العاص: في تفسير قوله تعالى: ~~"إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية: النحل: 90 من قوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إن جبريل أتاني بهذه الآية وأمرني أن أضعها في موضعها من ~~السورة، ونظير الرواية في الدلالة ما دل على قراءته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لبعض السور النازلة نجوما كآل عمران والنساء وغيرها فيدل على أنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر كتاب الوحي بإلحاق بعض الآيات في ~~موضعها. # وأعظم الشواهد القاطعة ما تقدم في أول هذه الأبحاث أن القرآن الموجود ~~بأيدينا واجد لما وصفه الله تعالى من الأوصاف الكريمة. # وبالجملة الذي تدل عليه هذه الروايات هي: أولا: أن الموجود فيما بين ~~الدفتين من القرآن هو كلام الله تعالى فلم يزد فيه ms4466 شيء ولم يتغير منه شيء ~~وأما النقص فإنها لا تفي بنفيه نفيا قطعيا كما روي بعدة طرق أن عمر كان ~~يذكر كثيرا آية الرجم ولم تكتب عنه وأما حملهم الرواية وسائر ما ورد في ~~التحريف - وقد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حد الإحصاء - على منسوخ ~~التلاوة فقد عرفت فساده وتحققت أن إثبات منسوخ التلاوة أشنع من إثبات أصل ~~التحريف. # على أن من كان له مصحف غير ما جمعه زيد أولا بأمر من أبي بكر وثانيا بأمر ~~من عثمان كعلي (عليه السلام) وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود لم ينكر شيئا ~~مما حواه المصحف الدائر غير ما نقل عن ابن مسعود أنه لم يكتب في مصحفه ~~المعوذتين وكان يقول: إنهما عوذتان نزل بهما جبرئيل على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ليعوذ بهما الحسنين (عليهما السلام)، وقد رده سائر ~~الصحابة وتواترت النصوص من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أنهما سورتان ~~من القرآن. # وبالجملة الروايات السابقة - كما ترى - آحاد محفوفة بالقرائن القطعية ~~نافية للتحريف بالزيادة والتغيير قطعا دون النقص إلا ظنا، ودعوى بعضهم ~~التواتر من حيث الجهات الثلاث لا مستند لها. PageV12P063 # والتعويل في ذلك على ما قدمناه من الحجة في أول هذه الأبحاث أن القرآن الذي ~~بأيدينا واجد للصفات الكريمة التي وصف الله سبحانه بها القرآن الواقعي الذي ~~أنزله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ككونه قولا فصلا ورافعا ~~للاختلاف وذكرا وهاديا ونورا ومبينا للمعارف الحقيقية والشرائع الفطرية ~~وآية معجزة إلى غير ذلك من صفاته الكريمة. # ومن الحري أن نعول على هذا الوجه فإن حجة القرآن على كونه كلام الله ~~المنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي نفسه المتصفة بهاتيك الصفات ~~الكريمة من غير أن يتوقف في ذلك على أمر آخر وراء نفسه كائنا ما كان فحجته ~~معه أينما تحقق وبيد من كان ومن أي طريق وصل. # وبعبارة أخرى لا يتوقف القرآن النازل من عند الله إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في كونه ms4467 متصفا بصفاته الكريمة على ثبوت استناده إليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بنقل متواتر أو متظافر - وإن كان واجدا لذلك - بل ~~الأمر بالعكس فاتصافه بصفاته الكريمة هو الحجة على الاستناد فليس كالكتب ~~والرسائل المنسوبة إلى المصنفين والكتاب، والأقاويل المأثورة عن العلماء ~~وأصحاب الأنظار المتوقفة صحة استنادها إلى نقل قطعي وبلوغ متواتر أو مستفيض ~~مثلا بل نفس ذاته هي الحجة على ثبوته. # وثانيا: أن ترتيب السور إنما هو من الصحابة في الجمع الأول والثاني ومن ~~الدليل عليه ما تقدم في الروايات من وضع عثمان الأنفال وبراءة بين الأعراف ~~ويونس وقد كانتا في الجمع الأول متأخرتين. # ومن الدليل عليه ما ورد من مغايرة ترتيب مصاحف سائر الصحابة للجمع الأول ~~والثاني كليهما كما روي أن مصحف علي (عليه السلام) كان مرتبا على ترتيب ~~النزول فكان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير وهكذا ~~إلى آخر المكي والمدني نقله في الإتقان عن ابن فارس، وفي تاريخ اليعقوبي ~~ترتيب آخر لمصحفه (عليه السلام). # ونقل عن ابن أشتة في المصاحف بإسناده عن أبي جعفر الكوفي ترتيب مصحف أبي ~~وهو يغاير المصحف الدائر مغايرة شديدة، وكذا عنه فيه بإسناده عن جرير بن ~~عبد الحميد ترتيب مصحف عبد الله بن مسعود آخذا من الطوال ثم المئين ثم ~~المثاني ثم المفصل وهو أيضا مغاير للمصحف الدائر. # وقد ذهب كثير منهم إلى أن ترتيب السور توقيفي وأن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) هو الذي أمر بهذا الترتيب بإشارة من جبريل بأمر من الله سبحانه ~~حتى أفرط بعضهم فادعى ثبوت ذلك بالتواتر وليت شعري أين هذا التواتر وقد ~~تقدمت عمدة روايات الباب ولا أثر فيها من هذا المعنى، وسيأتي استدلال بعضهم ~~على ذلك بما ورد من نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ~~ثم منها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدريجا. # وثالثا: أن وقوع بعض الآيات القرآنية التي نزلت متفرقة موقعها الذي هي ~~فيه الآن لم يخل عن مداخلة من الصحابة ms4468 بالاجتهاد كما هو ظاهر روايات الجمع ~~الأول وقد تقدمت. # وأما رواية عثمان بن أبي العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة "إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان" الآية فلا تدل على أزيد من فعله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في بعض الآيات في الجملة لا بالجملة، وعلى تقدير التسليم لا دلالة ~~لما بأيدينا من الروايات المتقدمة على مطابقة ترتيب الصحابة ترتيبه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ومجرد حسن الظن بهم لا يسمح للروايات بدلالة تدل بها ~~على ذلك وإنما يفيد أنهم ما كانوا ليعمدوا إلى مخالفة ترتيبه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فيما علموه لا فيما جهلوه. # وفي روايات الجمع الأول المتقدمة أوضح الشواهد على أنهم ما كانوا على علم ~~بمواضع جميع الآيات ولا بنفسها. # ويدل على ذلك الروايات المستفيضة التي وردت من طرق الشيعة وأهل السنة أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين إنما كانوا يعلمون تمام السورة ~~بنزول البسملة كما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والبزار من طريق سعيد بن ~~جبير على ما في الإتقان، عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا يعرف فضل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم زاد ~~البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدأت سورة أخرى. PageV12P064 # وأيضا عن الحاكم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ~~يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت علموا أن ~~السورة قد انقضت، إسناده على شرط الشيخين. # وأيضا عنه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة، إسناده صحيح. # أقول: وروي ما يقرب من ذلك في عدة روايات أخر وروي ذلك من طرق الشيعة عن ~~الباقر (عليه السلام). # والروايات - كما ترى - صريحة في دلالتها على أن الآيات كانت مرتبة ms4469 عند ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب ترتيب النزول فكانت المكيات في ~~السورة المكية والمدنيات في سورة مدنية اللهم إلا أن يفرض سورة نزل بعضها ~~بمكة وبعضها بالمدينة، ولا يتحقق هذا الفرض إلا في سورة واحدة. # ولازم ذلك أن يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستندا إلى اجتهاد ~~من الصحابة. # توضيح ذلك أن هناك ما لا يحصى من روايات أسباب النزول يدل على كون آيات ~~كثيرة في السور المدنية نازلة بمكة وبالعكس وعلى كون آيات من القرآن نازلة ~~مثلا في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي واقعة في سور نازلة ~~في أوائل الهجرة وقد نزلت بين الوقتين سور أخرى كثيرة، وذلك كسورة البقرة ~~التي نزلت في السنة الأولى من الهجرة وفيها آيات الربا وقد وردت الروايات ~~على أنها من آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ورد عن ~~عمر أنه قال: مات رسول الله ولم يبين لنا آيات الربا، وفيها قوله تعالى: ~~"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" الآية: البقرة: 281، وقد ورد أنها آخر ~~ما نزل من القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # فهذه الآيات النازلة مفرقة الموضوعة في سور لا تجانسها في المكية ~~والمدنية موضوعة في غير موضعها بحسب ترتيب النزول وليس إلا عن اجتهاد من ~~الصحابة. # ويؤيد ذلك ما في الإتقان، عن ابن حجر: وقد ورد عن علي أنه جمع القرآن على ~~ترتيب النزول عقب موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجه ابن أبي داود ~~وهو من مسلمات مداليل روايات الشيعة. # هذا ما يدل عليه ظاهر روايات الباب المتقدمة لكن الجمهور أصروا على أن ~~ترتيب الآيات توقيفي فآيات المصحف الدائر اليوم وهو المصحف العثماني مرتبة ~~على ما رتبها عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإشارة من جبريل، ~~وأولوا ظاهر الروايات بأن جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب وإنما كان جمعا لما ~~كانوا يعلمونه ويحفظونه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السور ~~وآياتها المرتبة، ms4470 بين دفتين وفي مكان واحد. # وأنت خبير بأن كيفية الجمع الأول الذي تدل عليها الروايات تدفع هذه ~~الدعوى دفعا صريحا. # وربما استدل عليه بما ادعاه بعضهم من الإجماع على ذلك فقد نقل السيوطي في ~~الإتقان عن الزركشي دعوى الإجماع عليه وعن أبي جعفر بن الزبير نفي الخلاف ~~فيه بين المسلمين، وهو إجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في أصل ~~التحريف ودلالة ما تقدم من الروايات على خلافه. # وربما استدل عليه بالتواتر ويوجد ذلك في كلام كثير منهم ادعوا تواتر ~~الترتيب الموجود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عجيب وقد نقل في ~~الإتقان، بعد نقله ما رواه البخاري وغيره بعدة طرق عن أنس أنه قال: مات ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجمع القرآن غير أربعة. أبو الدرداء ~~ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وفي رواية: "أبي بن كعب" بدل أبي ~~الدرداء - عن المازري أنه قال: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ~~ولا متمسك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره سلمنا ولكن من أين لهم أن ~~الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم ~~يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير وليس من شرط التواتر أن يحفظ ~~كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى، انتهى. # أما دعواه أن ظاهر كلام أنس غير مراد فهو مما لا يصغى إليه في الأبحاث ~~اللفظية المبنية على ظاهر اللفظ إلا بقرينة من نفس كلام المتكلم أو ما ينوب ~~منابه أما مجرد الدعوى والاستناد إلى قول آخرين فلا. PageV12P065 # على أنه لو حمل كلام أنس على خلاف ظاهره كان من الواجب أن يحمل على أن ~~هؤلاء الأربعة إنما جمعوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معظم ~~القرآن وأكثر سورة وآياته لا على أنهم وغيرهم من الصحابة جمعوا جميع القرآن ~~على ما في المصحف العثماني وحفظوا ترتيب سوره وآياته وضبطوا ms4471 موضع كل واحدة ~~واحدة منها عن آخرها فهذا زيد بن ثابت نفسه - وهو أحد الأربعة المذكورين في ~~حديث أنس والمتصدي للجمع الأول والثاني كليهما - يصرح في رواياته أنه لم ~~يحفظ جميع الآيات. # ونظيره ما في الإتقان، عن ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن ~~سيرين قال: مات أبو بكر ولم يجمع القرآن وقتل عمر ولم يجمع القرآن. # وأما قوله: سلمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك فمقلوب ~~على نفسه فمن أين لهذا القائل أن الواقع في نفس الأمر كما يدعيه وقد عرفت ~~الشواهد على خلاف ما يدعيه؟. # وأما قوله: إنه يكفي في تحقق التواتر أن يحفظ الكل كل القرآن على سبيل ~~التوزيع فمغالطة واضحة لأنه إنما يفيد كون مجموع القرآن من حيث المجموع ~~منقولا بالتواتر وأما كون كل واحدة واحدة من الآيات القرآنية محفوظة من حيث ~~محلها وموضعها بالتواتر فلا وهو ظاهر. # ونقل في الإتقان، عن البغوي أنه قال في شرح السنة: الصحابة جمعوا بين ~~الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه ~~شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا له ترتيبا لم ~~يأخذوه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب ~~الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل ~~آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا. فثبت أن سعي الصحابة كان ~~في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على ~~هذا الترتيب أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند ~~الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة انتهى. # ونقل عن ابن الحصار أنه قال: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان ~~بالوحي ms4472 كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ضعوا آية كذا في ~~موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف ~~انتهى: ونقل أيضا ما يقرب من ذلك عن جماعة غيرهم كالبيهقي والطيبي وابن حجر. # أما قولهم: إن الصحابة إنما كتبوا المصحف على الترتيب الذي أخذوه عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير أن يخالفوه في شيء فمما لا يدل ~~عليه شيء من الروايات المتقدمة، وإنما المسلم من دلالتها أنهم إنما أثبتوا ~~ما قامت عليه البينة من متن الآيات ولا إشارة في ذلك إلى كيفية ترتيب ~~الآيات النازلة مفرقة وهو ظاهر نعم في رواية ابن عباس المتقدمة عن عثمان ما ~~يشير إلى ذلك غير أن الذي فيه أنه كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بعض ~~كتاب الوحي بذلك وهو غير إعلامه جميع الصحابة ذلك على أن الرواية معارضة ~~بروايات الجمع الأول وأخبار نزول بسم الله وغيرها. # وأما قولهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقن الصحابة هذا الترتيب ~~الموجود في مصاحفنا بتوقيف من جبريل ووحي سماوي فكأنه إشارة إلى حديث عثمان ~~بن أبي العاص المتقدم في آية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" وقد عرفت مما ~~تقدم أنه حديث واحد في خصوص موضع آية واحدة، وأين ذلك من مواضع جميع الآيات ~~المفرقة. # وأما قولهم: إن القرآن مكتوب على هذا الترتيب في اللوح المحفوظ أنزله ~~الله إلى السماء الدنيا ثم أنزله الله مفرقا عند الحاجة إلخ، فإشارة إلى ما ~~روي مستفيضا من طرق الشيعة وأهل السنة من نزول القرآن جملة من اللوح ~~المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزوله منها نجوما إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لكن الروايات ليس فيها أدنى دلالة على كون القرآن مكتوبا في ~~اللوح المحفوظ منظما في السماء الدنيا على الترتيب الموجود في المصحف الذي ~~عندنا وهو ظاهر. PageV12P066 # على أنه سيأتي إن شاء الله الكلام ms4473 في معنى كتابة القرآن في اللوح المحفوظ ~~ونزوله إلى السماء الدنيا في ذيل ما يناسب ذلك من الآيات كأول سورتي الزخرف ~~والدخان وسورة القدر. # وأما قولهم: إنه قد حصل اليقين بالنقل المتواتر عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بهذا الترتيب الموجود في المصاحف فقد عرفت أنه دعوى خالية ~~عن الدليل وأن هذا التواتر لا خبر عنه بالنسبة إلى كل آية آية كيف وقد ~~تكاثرت الروايات أن ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول إنهما ~~ليستا من القرآن وإنما نزل بهما جبريل تعويذا للحسنين، وكان يحكهما عن ~~المصاحف، ولم ينقل عنه أنه رجع عن قوله فكيف خفي عليه هذا التواتر طول ~~حياته بعد الجمع الأول. # الفصل 7 # يتعلق بالبحث السابق البحث في روايات الإنساء - وقد مرت إشارة إجمالية ~~إليها - وهي عدة روايات وردت من طرق أهل السنة في نسخ القرآن وإنسائه حملوا ~~عليها ما ورد من روايات التحريف سقوطا وتغييرا. # فمنها ما في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي ~~وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) الوحي بالليل وينساه بالنهار فأنزل الله: "ما ننسخ من آية أو ننسها - ~~نأت بخير منها أو مثلها". # وفيه، عن أبي داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أبي أمامة: أن رهطا ~~من الأنصار من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبروه أن رجلا قام ~~من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شيء إلا ~~بسم الله الرحمن الرحيم ووقع ذلك لناس من أصحابه فأصبحوا فسألوا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ثم قال: ~~نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه. # أقول: والقصة مروية بعدة طرق في ألفاظ متقاربة مضمونا. # وفيه، عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابنه في المصاحف ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر ms4474 وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي ~~وقاص: أنه قرأ: "ما ننسخ من آية أو ننسأها" فقيل له: إن سعيد بن المسيب ~~يقرأ "ننسها" فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب قال ~~الله: "سنقرئك فلا تنسى" "واذكر ربك إذا نسيت". # أقول: يريد بالتمسك بالآيتين أن الله رفع النسيان عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فيتعين أن يقرأ "ننسأها" من النسيء بمعنى الترك والتأخير ~~فيكون المراد بقوله: "ما ننسخ من آية" إزالة الآية عن العمل دون التلاوة ~~كآية صدقة النجوى، وبقوله: "أو ننسأها" ترك الآية ورفعها من عندهم بالمرة ~~وإزالتها عن العمل والتلاوة كما روي تفسيرها بذلك عن ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وغيرهم. # وفيه، أخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي ~~القراءتين تعدون أول؟ قلنا: قراءة عبد الله وقراءتنا هي الأخيرة. فقال: ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة ~~مرة في شهر رمضان وأنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين فشهد منه عبد الله ما ~~نسخ ما بدل. # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق أخرى عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود نفسه ~~وغيرهما من الصحابة والتابعين وهناك روايات أخر في الإنساء. # ومحصل ما استفيد منها أن النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة ~~المثبتة في المصحف، وقد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها ~~وقد تقدم في تفسير قوله: "ما ننسخ من آية": البقرة: 106 وسيأتي في قوله: ~~"وإذا بدلنا آية مكان آية": النحل: 101 أن الآيتين أجنبيتان عن الإنساء ~~بمعنى نسخ التلاوة، وتقدم أيضا في الفصول السابقة أن هذه الروايات مخالفة ~~لصريح الكتاب فالوجه عطفها على روايات التحريف وطرح القبيلين جميعا. PageV12P067 ### ||| AUTO 15 سورة الحجر - 10 - 15 # ولقد أرسلنا من قبلك فى شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزءون (11) كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الأولين (13) ولو فتحنا عليهم ms4475 بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) ~~لقالوا إنما سكرت أبصرنا بل نحن قوم مسحورون (15) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر استهزاءهم بكتابه ونبيه وما اقترحوا عليه من الإتيان بالملائكة ~~آية للرسالة عقبه بثلاث طوائف من الآيات وهي المصدرة بقوله: "ولقد أرسلنا ~~من قبلك" إلخ وقوله: "ولقد جعلنا في السماء بروجا" إلخ وقوله: "ولقد خلقنا ~~الإنسان من صلصال" إلخ. # فبين في أوليها أن هذا الاستهزاء دأب وسنة جارية للمجرمين وليسوا بمؤمنين ~~ولو جاءتهم آية آية، وفي الثانية أن هناك آيات سماوية وأرضية كافية لمن وفق ~~للإيمان وفي الثالثة أن الاختلاف بالإيمان والكفر في نوع الإنسان وضلال أهل ~~الضلال مما تعين لهم يوم أبدع الله خلق الإنسان، فخلق آدم وجرى هنالك ما ~~جرى من أمر الملائكة بالسجود وإباء إبليس عن ذلك. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين" إلى آخر الآيتين. # الشيع جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على سنة أو مذهب يتبعونه قال تعالى: ~~"من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون": الروم: 32. # وقوله: "ولقد أرسلنا" أي رسلا وقد حذف للاستغناء عنه فإن العناية بأصل ~~تحقق الإرسال من قبل من غير نظر إلى من أرسل بل بيان أن البشر الأولين ~~كالآخرين جرت عادتهم على أن لا يحترموا الرسالة الإلهية ويستهزءوا بمن أتى ~~بها ويمضوا على إجرامهم لتكون في ذلك تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فلا يضيق صدره بما قابلوه به من الإنكار والاستهزاء كما سيعود إليه ~~في آخر السورة بقوله: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون" إلخ: الآية - ~~97 من السورة. # والمعنى: طب نفسا فنحن نزلنا الذكر عليك ونحن نحفظه ولا يضيقن صدرك بما ~~يقولون فهو دأب المجرمين من الأمم الإنسانية أقسم لقد أرسلنا من قبلك في ~~فرق الأولين وشيعهم وحالهم هذه الحال ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزءون. # قوله تعالى: "كذلك نسلكه في قلوب المجرمين" إلى آخر الآيتين. # السلوك. # النفاذ والإنفاذ يقال: سلك الطريق أي نفذ فيه وسلك الخيط في الإبرة أي ~~أنفذه ms4476 فيها وأدخله وذكروا أن سلك وأسلك بمعنى. # والضميران في "نسلكه" و"به" للذكر المتقدم ذكره وهو القرآن الكريم ~~والمعنى أن حال رسالتك ودعوتك بالذكر المنزل إليك تشبه حال الرسالة من قبلك ~~فكما أرسلنا من قبلك فقابلوها بالرد والاستهزاء كذلك ندخل هذا الذكر وننفذه ~~في قلوب هؤلاء المجرمين، ونبأ به: أنهم لا يؤمنون بالذكر وقد مضت طريقة ~~الأولين وسنتهم في أنهم يستهزءون بالحق ولا يتبعونه فالآيتان قريبتا المعنى ~~من قوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل". # وربما قيل: إن الضميرين للشرك أو الاستهزاء المفهوم من الآيات السابقة ~~والباء في "به" للسببية، والمعنى كذلك ننفذ الشرك أو الاستهزاء في قلوب ~~المجرمين لا يؤمنون بسبب الشرك أو الاستهزاء إلخ. # وهو معنى بعيد، والمتبادر إلى الذهن من لفظة "لا يؤمنون به" أن الباء ~~للتعدية دون السببية. # وربما قيل: إن الضمير الأول للاستهزاء المفهوم من سابق الكلام والثاني ~~للذكر المذكور سابقا، والمعنى مثل ما سلكنا الاستهزاء في قلوب شيع الأولين ~~نسلك الاستهزاء وننفذه في قلوب هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالذكر "إلخ". # ولا بأس به وإن كان يستلزم التفرقة بين الضميرين المتواليين لكن إباء ~~قوله: "لا يؤمنون به" أن يرجع ضميره إلى الاستهزاء يكفي قرينة لذلك. # وكذا لا يرد على الوجهين ما أورد أن رجوع ضمير "نسلكه" إلى الاستهزاء ~~يوجب كون المشركين ملجئين إلى الشرك مجبرين عليه. PageV12P068 # وجه عدم الورود: أنه تعالى علق السلوك على المجرمين فيكون مفاده أنهم كانوا ~~متلبسين بالأجرام قبل فعل السلوك بهم ثم فعل بهم ذلك فينطبق على الإضلال ~~الإلهي مجازاة ولا مانع منه، وإنما الممنوع هو الإضلال الابتدائي ولا دليل ~~عليه في الآية بل الدليل على خلافه، والآية من قبيل قوله تعالى: "يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # وقد تقدم تفصيل القول فيه. # وقد ظهر مما تقدم أن المراد بسنة الأولين السنة التي سنها الأولون لا ~~السنة التي سنها الله في الأولين فالسنة سنتهم دون سنة الله فيهم - كما ~~ذكره بعض المفسرين - فهو الأنسب ms4477 لمقام ذمهم وتعزيته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بذكر ردهم واستهزائهم لرسلهم. # قوله تعالى: "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا ~~إنما سكرت أبصارنا" إلخ، العروج في السماء الصعود إليها والتسكير الغشاوة. # والمراد بفتح باب من السماء عليهم إيجاد طريق يتيسر لهم به الدخول في ~~العالم العلوي الذي هو مأوى الملائكة وليس كما يظن سقفا جرمانيا له باب ذو ~~مصراعين يفتح ويغلق، وقد قال تعالى: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر": ~~القمر: 11. # وقد اختار سبحانه من بين الخوارق التي يظن أنها ترفع عنهم الشبهة وتزيل ~~عن نفوسهم الريب فتح باب من السماء وعروجهم فيه لأنه كان يعظم في أعينهم ~~أكثر من غيره، ولذلك لما اقترحوا عليه أمورا من الخوارق العظيمة ذكروا ~~الرقي في السماء في آخر تلك الخوارق المذكورة على سبيل الترقي كما حكاه ~~الله عنهم بقوله: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى ~~أن قال - أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه": ~~إسراء: 93، فالرقي في السماء والتصرف في أمورها كتنزيل كتاب مقرو منها أي ~~نفوذ البشر في العالم العلوي وتمكنه فيه ومنه أعجب الخوارق عندهم. # على أن السماء مأوى الملائكة الكرام ومحل صدور الأحكام والأوامر الإلهية ~~وفيها ألواح التقادير ومنها مجاري الأمور ومنبع الوحي وإليها صعود كتب ~~الأعمال، فعروج الإنسان فيها يوجب اطلاعه على مجاري الأمور وأسباب الخوارق ~~وحقائق الوحي والنبوة والدعوة والسعادة والشقاوة وبالجملة يوجب إشرافه على ~~كل حقيقة، وخاصة إذا كان عروجا مستمرا لا مرة ودفعة كما يشير إليه قوله ~~تعالى: "فظلوا فيه يعرجون" حيث عبر بقوله: "ظلوا" ولم يقل: فعرجوا فيه. # فالفتح والعروج بهذا النعت يطلعهم على أصول هذه الدعوة الحقة وأعراقها ~~لكنهم لما في قلوبهم من الفساد وفي نفوسهم من قذارة الريبة والشبهة ~~المستحكمة يخطئون أبصارهم فيما يشاهدون بل يتهمون النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنه سحرهم فهم مسحورون من قبله. # فالمعنى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ويسرنا لهم الدخول في عالمها ms4478 ~~فداموا يعرجون فيه عروجا بعد عروج حتى يتكرر لهم مشاهدة ما فيه من أسرار ~~الغيب وملكوت الأشياء لقالوا إنما غشيت أبصارنا فشاهدت أمورا لا حقيقة لها ~~بل نحن قوم مسحورون. PageV12P069 ### ||| AUTO 15 سورة الحجر - 16 - 25 # ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزينها للنظرين (16) وحفظنها من كل شيطن رجيم ~~(17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض مددنها وألقينا فيها ~~روسى وأنبتنا فيها من كل شىء موزون (19) وجعلنا لكم فيها معيش ومن لستم له ~~برزقين (20) وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) ~~وأرسلنا الريح لوقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينكموه وما أنتم له بخزنين ~~(22) وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الورثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ~~ولقد علمنا المستئخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر سبحانه إعراضهم عن آية القرآن المعجزة واقتراحهم آية أخرى وهي ~~الإتيان بالملائكة وأجاب عنه أنه ممتنع وملازم لفنائهم عدل إلى عد عدة من ~~آيات السماء والأرض الدالة على التوحيد ليعتبروا بها إن كانوا يعقلون وتتم ~~الحجة بها على المجرمين، وقد ضمن سبحانه فيها طرفا عاليا من المعارف ~~الحقيقية والأسرار الإلهية. # قوله تعالى: "ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين" إلى آخر ~~الآيات الثلاث البروج جمع برج وهو القصر سميت بها منازل الشمس والقمر من ~~السماء بحسب الحس تشبيها لها بالقصور التي ينزلها الملوك. # والضمير في قوله: "وزيناها" للسماء كما في قوله: "وحفظناها" وتزيينها ~~للناظرين هو ما نشاهده في جوها من البهجة والجمال الذي يوله الألباب ~~بنجومها الزاهرة وكواكبها اللامعة على اختلاف أقدارها وتنوع لمعاتها وقد ~~كرر سبحانه ذكر هذا التزيين الكاشف عن مزيد عنايته به كقوله: "وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وحفظا": حم السجدة: 12، وقوله: "إنا زينا السماء الدنيا ~~بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد، لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون ~~من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب": ~~الصافات: 10. # واستراق السمع أخذ الخبر المسموع في خفية كمن يصغي خفية إلى حديث قوم ms4479 ~~يسرونه فيما بينهم، واستراق السمع من الشياطين هو محاولتهم أن يطلعوا على ~~بعض ما يحدث به الملائكة فيما بينهم كما يدل عليه ما تقدم آنفا من آيات ~~سورة الصافات. # والشهاب هو الشعلة الخارجة من النار ويطلق على ما يشاهد في الجو من أجرام ~~مضيئة كان الواحد منها كوكب ينقض دفعه من جانب إلى آخر فيسير سيرا سريعا ثم ~~لا يلبث دون أن ينطفىء. # فظاهر معنى الآيات ولقد جعلنا في السماء - وهي جهة العلو - بروجا وقصورا ~~هي منازل الشمس والقمر وزيناها أي السماء للناظرين بزينة النجوم والكواكب ~~وحفظناها أي السماء من كل شيطان رجيم أن ينفذ فيها فيطلع على ما تحتويه من ~~الملكوت إلا من استرق السمع من الشياطين بالاقتراب منه ليسمع ما يحدث به ~~الملائكة من أحاديث الغيب المتعلقة بمستقبل الحوادث وغيرها فإنه يتبعه شهاب مبين. # وسنتكلم إن شاء الله في الشهب ومعنى رمي الشياطين فيما سيأتي من تفسير ~~سورة الصافات. # قوله تعالى: "والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون" مد الأرض بسطها طولا وعرضا وبذلك صلحت للزرع والسكنى ولو أغشيت ~~حبالا شاهقة مضرسة لفقدت كمال حياة الحيوان عليها. # والرواسي صفة محذوفة الموصوف والتقدير وألقينا فيها جبالا رواسي وهو جمع ~~راسية بمعنى الثابتة إشارة إلى ما وقع في غير هذا الموضع أنها تمنع الأرض ~~من الميدان كما قال: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم": النحل: 15. # والموزون من الوزن وهو تقدير الأجسام من جهة ثقلها ثم عمم لكل تقدير لكل ~~ما يمكن أن يتقدر بوجه كتقدير الطول بالشبر والذراع ونحو ذلك وتقدير الحجم ~~وتقدير الحرارة والنور والقدرة وغيرها، وفي كلامه تعالى: "ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة": الأنبياء: 47، وهو توزين الأعمال ولا يتصف بثقل وخفة ~~من نوع ما للأجسام الأرضية منهما. PageV12P070 # وربما يكنى به عن كون الشيء بحيث لا يزيد ولا ينقص عما يقتضيه الطبع أو ~~الحكمة كما يقال: كلامه موزون وقامته موزونة وأفعاله موزونة أي مستحسنة ~~متناسبة الأجزاء لا تزيد ولا تنقص مما يقتضيه الطبع أو ms4480 الحكمة. # وبالنظر إلى اختلاف اعتباراته المذكورة ذكر بعضهم أن المراد به إخراج كل ~~ما يوزن من المعدنيات كالذهب والفضة وسائر الفلزات، وقال بعضهم: إنه إنبات ~~النباتات على ما لكل نوع منها من النظام البديع الموزون، وقيل: إنه خلق كل ~~أمر مقدر معلوم. # والذي يجب التنبه له التعبير بقوله: "من كل شيء موزون" دون أن يقال: من ~~كل نبات موزون فهو يشمل غير النبات مما يظهر وينمو في الأرض كما أنه يشمل ~~النبات لمكان قوله: "وأنبتنا" دون أن يقال: أخرجنا أو خلقنا وقد جيء بمن ~~وظاهرها التبعيض فالمراد - والله أعلم - إنبات كل أمر موزون ذي ثقل مادي ~~يمكن أن يزيد وينقص من الأجسام النباتية والأرضية، ولا مانع على هذا من أخذ ~~الموزون بكل من معنييه الحقيقي والكنائي. # والمعنى: والأرض بسطناها وطرحنا فيها جبالا ثابتة لتسكنها من الميد ~~وأنبتنا فيها من كل شيء موزون - ثقيل واقع تحت الجاذبة أو متناسب - مقدارا ~~تقتضيه الحكمة. # قوله تعالى: "وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين" المعايش جمع ~~معيشة وهي ما به يعيش الحيوان ويديم حياته من المأكول والمشروب وغيرهما ~~ويأتي مصدرا كالعيش والمعاش. # وقوله: "ومن لستم له برازقين" معطوف على الضمير المجرور في "لكم" على ما ~~ذهب إليه من النحاة الكوفيون ويونس والأخفش من جواز العطف على الضمير ~~المجرور من غير إعادة الجار، وأما على قول غيرهم فربما يعطف على معايش ~~والتقدير وجعلنا لكم من لستم له برازقين كالعبيد والحيوان الأهلي، وربما ~~جعل "من" مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها ~~معايش وهذا كله تكلف ظاهر. # وكيف كان، المراد بمن العبيد والدواب - على ما قيل - أتي بلفظة من وهي ~~لأولي العقل تغليبا هذا، وليس من البعيد أن يكون المراد به كل ما عدا ~~الإنسان من الحيوان والنبات وغيرهما فإنها تسأل الرزق كما يسأله العقلاء ~~ومن دأبه سبحانه في كلامه أن يطلق الألفاظ المختصة بالعقلاء على غيرهم إذا ~~أضيف إليها شيء من الآثار المختصة بهم كقوله تعالى في الأصنام: "فاسألوهم ~~إن ms4481 كانوا ينطقون": الأنبياء: 63، وقوله: "فإنهم عدو لي": الشعراء: 77، إلى ~~غير ذلك من الآيات المتعرضة لحال الأصنام التي كانوا يعبدونها ولا يستقيم ~~للمعبود إلا أن يكون عاقلا، وكذا قوله: "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11، وغير ذلك. # والمعنى: وجعلنا لكم معشر البشر في الأرض أشياء تعيشون بها مما تدام به ~~الحياة ولغيركم من أرباب الحياة مثل ذلك. # قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم" ~~الخزائن جمع خزانة وهي مكان خزن المال وحفظه وادخاره، والقدر بفتحتين أو ~~فتح فسكون مبلغ الشيء وكميته المتعينة. # ولما كانت الآية واقعة في سياق الكلام في الرزق الذي يعيش به الإنسان ~~والحيوان كان المراد بالشيء الموصوف في الآية النبات وما يتبعه من الحبوب ~~والثمرات فالمراد بخزانته التي عند الله وهو ينزل بقدر معلوم المطر النازل ~~من السماء الذي ينبت به النبات فيأتي بالحبوب والأثمار ويعيش بذلك الإنسان ~~والحيوان هذا ملخص ما ذكره جمع من المفسرين. # ولا يخفى عليك ما فيه من التكلف فتخصيص ما في قوله: "وإن من شيء" من ~~العموم وحصره في النبات من تخصيص الأكثر من غير شك والمورد لا يخصص وأردى ~~منه تسمية المطر خزائن النبات وليس إلا سببا من أسبابه وجزء من أجزاء كثيرة ~~يتكون النبات بتركبها الخاص، على أن المطر إنما تتكون حينما ينزل فكيف يسمى ~~خزانة وليس بموجود ولا أن الذي هو خزانته موجود فيه. # وذكر بعض المفسرين أن المراد بكون خزائن كل شيء عند الله سبحانه شمول ~~قدرته المطلقة له. # فله تعالى من كل نوع من أنواع الأشياء كالإنسان والفرس والنخلة وغير ذلك ~~من الأعيان وصفاتها وآثارها وأفعالها مقدورات في التقدير غير متناهية عددا ~~لا يخرج منها دائما من التقدير والفرض إلى التحقق والفعلية إلا قدر معلوم ~~وعدد معين محدود. PageV12P071 # وعلى هذا فالمراد من كل شيء نوعه لا شخصه كالإنسان مثلا لا كزيد وعمرو، ~~والمراد من القدر المعلوم الكمية المعينة من الأفراد والمراد من وجود ~~خزائنه ووجوده في ms4482 خزائنه وجوده بحسب التقدير لا بحسب التحقق فيرجع إلى نوع ~~من التشبيه والمجاز. # وأنت خبير بأن فيه تخصيصا للشيء من غير مخصص، وفيه قصر للقدر في العدد من ~~غير دليل، والقدر في اللغة قريب المعنى من الحد وهو المفهوم من سياق قوله ~~تعالى: "قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق: 3، وقوله: "وكل شيء عنده ~~بمقدار": الرعد: 8، وقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر: 49، وقوله: ~~"وخلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 2 إلى غير ذلك. # وفيه إرجاع الكلام إلى معنى مجازي استعاري من غير موجب مع ما فيه من ورود ~~الخزائن بصيغة الجمع من غير نكتة ظاهرة. # وذكر بعض معاصري المفسرين وجها آخر وهو أن المراد بالخزائن العناصر ~~المختلفة التي تتألف منها الأرزاق وغيرها وقد أعد الله منها في عالمنا ~~المشهود كمية عظيمة لا تنفد بعروض التركيب والأسباب الكلية التي تعمل في ~~تركب المركبات كالضوء والحرارة والرياح الدائمة المنظمة وغيرها التي تتكون ~~منها الأشياء مما يحتاج إليه الإنسان في إدامة حياته وغيره. # فكل من هذه الأشياء مدخرة بأجزائها والقوى الفعالة فيها في تلك الخزائن ~~غير القابلة للنفاد من جهة عظمة مقداره ومن جهة ما يعود إليه من الأجزاء ~~الجديدة بانحلال تركيب المركبات بموت أو فساد ورجوعها إلى عناصرها الأولية ~~كالنبات يفسد والحيوان يموت فيعود عناصرها بانحلال التركيب إلى مقارها ~~ويتسع بذلك المكان لكينونة نبات وحيوان آخر يخلفان سلفهما. # فالضوء وخاصة ضوء الشمس الذي يعمل الليل والنهار والفصول الأربعة ويربي ~~النبات والحيوان وسائر المركبات ويسوقها إلى غاياتها ومقاصدها من خزائن ~~الله تعالى والرياح التي تلقح النبات وتسوق السحب وتنقل الأهوية من مكان ~~إلى مكان وتدفع فاسد الهواء وتجري السفن خزانة أخرى، والماء النازل من ~~السماء الذي تحتاج إليه المركبات ذوات الحياة في كينونتها وبقائها خزانة ~~أخرى، وكذلك العناصر البسيطة التي تتركب منها المركبات كل منها خزانة تنزل ~~من مجموعها أو من عدة منها الأشياء المركبة، ولا ينزل قط إلا عدد معلوم من ~~كل نوع من غير أن تنفد به الخزائن. # وعلى هذا ms4483 فمراد الآية بالشيء هو نوعه لا شخصه كما تقدم في الوجه الأول ~~والمراد بخزائنه مجموع ما في الكون من أصوله وعناصره وأسبابه العامة ~~المادية ومجموع الشيء موجود في مجموع خزائنه لا في كل واحد منها والمراد ~~بنزوله بقدر معلوم كينونة عدد محدود منه في كل حين من غير أن يستوفى عدد ~~جميع ما في خزائنه. # وهذا وجه حسن في نفسه تؤيده الأبحاث العلمية عن كينونة هذه الحوادث ~~وتصدقه آيات كثيرة متفرقة في الكتاب العزيز كقوله في الآية التالية: ~~"وأرسلنا الرياح لواقح وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه" وقوله: "وجعلنا ~~من الماء كل شيء حي": الأنبياء: 30، وقوله: "وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين": إبراهيم: 33، وقوله: "والسحاب المسخر بين السماء والأرض": البقرة: ~~164 إلى غير ذلك من الآيات. # لكن الآية وهي من آيات القدر كما يعطيه سياقها تأبى الحمل عليه كما تأبى ~~عنه أخواتها وكيف يحمل عليه قوله: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا"؟: الفرقان: ~~2، وقوله: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3، وقوله: "وكل شيء ~~عنده بمقدار": الرعد: 8، وقوله: "إلا امرأته قدرناها من الغابرين": النمل: ~~57، وقوله: "من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره": عبس: 19، وقوله: "إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر" إلى آخر السورة إلى غير ذلك من الآيات. # على أنه يرد عليه بعض ما أورد على الوجهين السابقين كتخصيص عموم "شيء" من ~~غير مخصص وغير ذلك. # والذي يعطيه التدبر في الآية وما يناظرها من الآيات الكريمة أنها من غرر ~~كلامه تعالى تبين ما هو أدق مسلكا وأبعد غورا مما فسروها به وهو ظهور ~~الأشياء بالقدر والأصل الذي لها قبل إحاطته بها واشتماله عليها. PageV12P072 # وذلك أن ظاهر قوله: "وإن من شيء" على ما به من العموم بسبب وقوعه في سياق ~~النفي مع تأكيده بمن، كل ما يصدق عليه أنه شيء من دون أن يخرج منه إلا ما ~~يخرجه نفس السياق وهو ما تدل عليه لفظة "نا" و"عند" و"خزائن" وما عدا ذلك ~~مما يرى ولا يرى مشمول للعام. # فشخص زيد مثلا وهو فرد إنساني من ms4484 الشيء ونوع من الإنسان أيضا الموجود في ~~الخارج بأفراده من الشيء والآية تثبت لذلك خزائن عند الله سبحانه فلننظر ما ~~معنى كون زيد مثلا له خزائن عند الله؟. # والذي يسهل الأمر فيه أنه تعالى يعد هذا الشيء المذكور نازلا من عنده ~~والنزول يستدعي علوا وسفلا ورفعة وخفضة وسماء وأرضا مثلا ولم ينزل زيد ~~المخلوق مثلا من مكان عال إلى آخر سافل بشهادة العيان فليس المراد بإنزاله ~~إلا خلقه لكنه ذو صفة يصدق عليه النزول بسببها، ونظير الآية قوله تعالى: ~~"وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6، وقوله: "وأنزلنا الحديد": ~~الحديد: 25. # ثم قوله: "وما ننزله إلا بقدر معلوم" يقرن النزول وهو الخلقة بالقدر قرنا ~~لازما غير جائز الانفكاك لمكان الحصر، والباء إما للسببية أو الآلة أو ~~المصاحبة والمآل واحد فكينونة زيد وظهوره بالوجود إنما هو بماله من القدر ~~المعلوم فوجوده محدود لا محالة، كيف؟ وهو تعالى يقول: "إنه بكل شيء محيط": ~~حم السجدة: 54، ولو لم يكن محدودا لم يكن محاطا له تعالى فمن المحال أن ~~يحاط بما لا حد له ولا نهاية. # وهذا القدر هو الذي بسببه يتعين الشيء ويتميز من غيره ففي زيد مثلا شيء ~~به يتميز من عمرو وغيره من أفراد الإنسان ويتميز من الفرس والبقر والأرض ~~والسماء ويجوز لنا به أن نقول ليس هو بعمرو ولا بالفرس والبقر والأرض ~~والسماء ولو لا هذا الحد لكان هو هي وارتفع التميز. # وكذلك ما عنده من القوى والآثار والأعمال محدودة مقدرة فليس إبصاره مثلا ~~إبصارا مطلقا في كل حال وفي كل زمان وفي كل مكان ولكل شيء وبكل عضو مثلا بل ~~إبصار في حال وزمان ومكان خاص ولشيء خاص وبعضو خاص وعلى شرائط خاصة، ولو ~~كان إبصارا مطلقا لأحاط بكل إبصار خاص وكان الجميع له ونظيره الكلام في ~~سائر ما يعود إليه من خصائص وجوده وتوابعه فافهم ذلك. # ومن هنا يظهر أن القدر خصوصية وجود الشيء وكيفية خلقته كما يستفاد أيضا ~~من قوله تعالى: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: ms4485 3، وقوله: "الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 فإن الآية الأولى رتبت الهداية وهي ~~الدلالة على مقاصد الوجود على خلق الشيء وتسويته وتقديره، والآية الثانية ~~رتبتها على إعطائه ما يختص به من الخلق، ولازم ذلك - على ما يعطيه سياق ~~الآيتين - كون قدر الشيء خصوصية خلقه غير الخارجة عنه. # ثم إنه تعالى وصف قدر كل شيء بأنه معلوم إذ قال: "وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم" ويفيد بحسب سياق الكلام أن هذا القدر معلوم له حينما يتنزل الشيء ~~ولما يتم نزوله ويظهر وجوده فهو معلوم القدر معينة قبل إيجاده، وإليه يئول ~~معنى قوله: "وكل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8، فإن ظاهر الآية أن كل شيء بما ~~له من المقدار حاضر عنده معلوم له فقوله هناك: "عنده بمقدار" في معنا قوله ~~هاهنا "بقدر معلوم" ونظير ذلك قوله في موضع آخر: "قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا": الطلاق: 3، أي قدرا لا يتجاوزه معينا غير مبهم معلوما غير مجهول ~~وبالجملة للقدر تقدم على الشيء بحسب العلم والمشية وإن كان مقارنا له غير ~~منفك عنه في وجوده. # ثم إنه تعالى أثبت بقوله: "عندنا خزائنه وما ننزله" إلخ، للشيء عنده قبل ~~نزوله إلى هذه النشأة واستقراره فيها خزائن، وجعل القدر متأخرا عنها ملازما ~~لنزوله فالشيء وهو في هذه الخزائن غير مقدر بقدر ولا محدود بحد وهو مع ذلك هو. # وقد جمع في تعريف هذه الخزائن بين كونها فوق القدر الذي يلحق الشيء وبين ~~كونها خزائن فوق الواحدة والاثنتين، ومن المعلوم أن العدد لا يلحق إلا ~~الشيء المحدود وأن هذه الخزائن لو لم تكن محدودة متميزة بعضها من بعض كانت ~~واحدة البتة. PageV12P073 # ومن هنا يتبين أن هذه الخزائن بعضها فوق بعض وكل ما هو عال منها غير محدود ~~بحد ما هو دان غير مقدر بقدره ومجموعها غير محدود بالحد الذي يلحق الشيء ~~وهو في هذه النشأة، ولا يبعد أن يكون التعبير بالتنزيل الدال على نوع من ~~التدريج في قوله: "وما ننزله" إشارة إلى كونه يطوي في نزوله ms4486 مرحلة بعد ~~مرحلة وكلما ورد مرحلة طرأه من القدر أمر جديد لم يكن قبل حتى إذا وقع في ~~الأخيرة أحاط به القدر من كل جانب قال تعالى: "هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا": الدهر: 1، فقد كان الإنسان ولكنه لم يكن شيئا ~~مذكورا. # وهذه الخزائن جميعا فوق عالمنا المشهود لأنه تعالى وصفها بأنها عنده وقد ~~أخبرنا بقوله: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" أن ما عنده ثابت لا يزول ~~ولا يتغير عما هو عليه فهذه الخزائن كائنة ما كانت أمور ثابتة غير زائلة ~~ولا متغيرة، والأشياء في هذه النشأة المادية المحسوسة متغيرة فانية لا ~~ثابتة ولا باقية فهذه الخزائن الإلهية فوق عالمنا المشهود. # هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وهو وإن كان لا يخلو من دقة وغموض ~~يعضل على بادىء الفهم لكنك لو أمعنت في التدبر وبذلت في ذلك بعض جهدك ~~استنار لك ووجدته من واضحات كلامه إن شاء الله تعالى وعلى من لم يتيسر له ~~قبوله أن يعتمد الوجه الثالث المتقدم فهو أحسن الوجوه الثلاثة المتقدمة ~~والله ولي الهداية وسنرجع إلى بحث القدر في كلام مستقل يختص به إن شاء الله ~~في موضع يناسبه. # قوله تعالى: "وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ~~وما أنتم له بخازنين" اللواقح جمع لاقحة من اللقح بالفتح فالسكون يقال لقح ~~النخل لقحا أي وضع اللقاح - بفتح اللام - وهو طلع الذكور من النخل على ~~الإناث لتحمل بالتمر، وقد ثبت بالأبحاث الحديثة في علم النبات أن حكم ~~الزوجية جار في عامة النبات وأن فيه ذكورية وأنوثية وأن الرياح في مهبها ~~تحمل الذرات من نطفة الذكور فتلقح بها الإناث، وهو قوله تعالى: "وأرسلنا ~~الرياح لواقح". # وقوله: "فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه" إشارة إلى المطر النازل من ~~السحاب وقد تسلم الأبحاث العلمية الحديثة أن الماء الموجود في الكرة ~~الأرضية من الأمطار النازلة عليها من السماء على خلاف ما كانت تعتقده ~~القدماء أنه كرة ناقصة محيطة بكرة الأرض إحاطة ناقصة وهو ms4487 عنصر من العناصر ~~الأربعة. # وهذه الآية التي تثبت بشطرها الأول: "وأرسلنا الرياح لواقح" مسألة ~~الزوجية واللقاح في النبات، وبشطرها الثاني: "فأنزلنا من السماء ماء ~~فأسقيناكموه" أن المياه الموجودة المدخرة في الأرض تنتهي إلى الأمطار، ~~وقوله تعالى السابق: "وأنبتنا فيها من كل شيء موزون" الظاهر في أن للوزن ~~دخلا خاصا في الإنبات والإنماء من نقود العلم التي سبق إليها القرآن الكريم ~~الأبحاث العلمية وهي تتلو المعجزة أو هي هي. # قوله تعالى: "وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون" الكلام مسوق للحصر ~~يريد بيان رجوع كل التدبير إليه، وقد كان ما عده من النعم كالسماء ببروجها ~~والأرض برواسيها، وإنبات كل شيء موزون وجعل المعايش وإرسال اللواقح وإنزال ~~الماء من السماء إنما يتم نظاما مبنيا على الحكمة والعلم إذا انضم إليه ~~الحياة والموت والحشر، وكان مما ربما يظن أن بعض الحياة والموت ليس إليه ~~تعالى ولذا أكد الكلام وأتى بالحصر دفعا لذلك. # ثم جاء بقوله: "ونحن الوارثون" أي الباقون بعد إماتتكم المتصرفون فيما ~~خولناكموه من أمتعة الحياة كأنه تعالى يقول إلينا تدبير أمركم ونحن محيطون ~~بكم نحييكم بعد ما لم تكونوا فنحن قبلكم، ونميتكم ونرثكم فنحن بعدكم. # قوله تعالى: "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" لما ~~كانت الآيات السابقة التي تعد النعم الإلهية وتصف التدبير مسوقة لبيان ~~وحدانيته تعالى في ربوبيته، وكان لا ينفع الخلق والنظم من غير انضمام علمه ~~تعالى وخاصة بمن يحييه ويميته عقبها بهذه الآية الدالة على علمه بمن استقدم ~~منهم بالوجود ومن استأخر أي المتقدمين من الناس والمتأخرين على ما يفيده ~~السياق. # وقيل: المراد بالمستقدمين المستقدمون في الخير، وقيل: المستقدمون في صفوف ~~الحرب، وقيل: المستقدمون إلى الصف الأول في صلاة الجماعة والمستأخرون ~~خلافهم، وهي أقوال ردية. PageV12P074 # قوله تعالى: "وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم" الكلام مسوق للحصر أي هو ~~يحشرهم لا غير فهو الرب. # وأورد عليه أنه في مثل ذلك من الحصر يكون الفعل مسلم الثبوت والنزاع إنما ~~هو في الفاعل، وهاهنا ليس كذلك فإن الخصم لا يسلم ms4488 الحشر من أصله هذا. # وقد ذهب على هذا المعترض أن الآية حولت الخطاب السابق للناس عنهم إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التفاتا فقيل: "وإن ربك هو يحشرهم" ولم ~~يقل إن ربكم هو يحشركم، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسلم للحشر. # وبذلك يظهر نكتة الالتفات في الآية في مورده تعالى من التكلم مع الغير ~~إلى الغيبة، وفي مورد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغيبة إلى ~~الخطاب وفي مورد الناس بالعكس. # وقد ختمت الآية بقوله: "إنه حكيم عليم" لأن الحشر يتوقف على الحكمة ~~المقتضية لحساب الأعمال ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وعلى ~~العلم حتى لا يغادر منهم أحد. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولقد جعلنا في السماء بروجا" قال: قال: ~~منازل الشمس والقمر. # وفيه،: في قوله تعالى: "إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين" قال: قال: ~~لم يزل الشياطين تصعد إلى السماء وتجس حتى ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المعاني، عن البرقي عن أبيه عن جده عن البزنطي عن أبان عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: كان إبليس يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى ~~(عليه السلام) حجب عن ثلاث سماوات وكان يخترق أربع سماوات فلما ولد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجب عن السبع كلها ورميت الشياطين بالنجوم. # الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال جرير بن عبد ~~الله: حدثني يا رسول الله عن السماء الدنيا والأرض السفلى، قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان ثم ~~رفعها وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح النجوم وجعلها رجوما ~~للشياطين وحفظها من كل شيطان رجيم. # أقول: وسيأتي إن شاء الله ما يتبين به معنى هذه الأحاديث. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "وجعلنا لكم فيها معايش" قال: لكل ضرب من ~~الحيوان قدرنا شيئا مقدرا. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: ms4489 ~~"وأنبتنا فيها من كل شيء موزون" فإن الله أنبت في الجبال الذهب والفضة ~~والجوهر والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ وأشباه ذلك لا ~~تباع إلا وزنا. # أقول: ينبغي أن يحمل على بيان بعض المصاديق على ما في متنه وسنده من الوهن. # وفي روضة الواعظين، لابن الفارسي روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ~~(عليهم السلام) أنه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر. ~~قال: وهذا تأويل قوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه" الحديث. # وفي المعاني، بإسناده عن مقاتل بن سليمان قال: قال أبو عبد الله الصادق ~~(عليه السلام): لما صعد موسى (عليه السلام) الطور فنادى ربه عز وجل قال: رب ~~أرني خزائنك. قال: يا موسى إنما خزائني إذا أردت شيئا أن أقول له: كن فيكون. # وفي الدر المنثور، أخرج البزار وابن مردويه في العظمة عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خزائن الله الكلام فإذا أراد ~~شيئا قال له: كن فكان. # أقول: والروايات الثلاث الأخيرة تؤيد ما قدمناه في تقرير معنى الآية، ~~والمراد بقول كن كلمة الإيجاد الذي هو وجود الأشياء. # وهو مما يؤيد عموم الشيء في الآية، وكذا كان يفهمه الصحابة وأهل عصر ~~النزول كما يؤيده ما رواه في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن معاوية أنه ~~قال: ألستم تعلمون أن كتاب الله حق؟ قالوا: بلى. قال: فاقرءوا هذه الآية ~~"وإن من شيء إلا عندنا خزائنه - وما ننزله إلا بقدر معلوم" ألستم تؤمنون ~~بهذا وتعلمون أنه حق؟ قالوا: بلى. قال: فكيف تلومونني بعد هذا؟ فقام الأحنف ~~وقال: يا معاوية والله ما نلومك على ما في خزائن الله ولكن إنما نلومك على ~~ما أنزله الله من خزائنه فجعلته أنت في خزائنك وأغلقت عليه بابك فسكت ~~معاوية. # وفيه، أخرج ابن مردويه والحاكم عن مروان بن الحكم قال: كان أناس يستأخرون ~~في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله ولقد علمنا المستقدمين منكم الآية. PageV12P075 # أقول: وروي فيه، أيضا عن عدة ms4490 عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت امرأة ~~تصلي خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسناء من أحسن الناس فكان ~~بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون ~~في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله: "ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين". # والآية لا تنطبق على ما في هاتين الروايتين لا من جهة اللفظ ولا من جهة ~~السياق الذي وقعت هي فيه. # وهو ظاهر. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم من طريق معتمر بن سليمان عن شعيب بن عبد الملك ~~عن مقاتل بن سليمان: في قوله: "ولقد علمنا المستقدمين منكم" الآية قال: ~~بلغنا أنه في القتال. قال معتمر فحدثت أبي فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن ~~يفرض القتال. # أقول: يعني أنها مكية. # وفي تفسير العياشي، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" قال: هم المؤمنون من هذه الأمة. # وفي تفسير البرهان، عن الشيباني في نهج البيان، عن الصادق جعفر بن محمد: ~~أن المستقدمين أصحاب الحسنات، والمستأخرين أصحاب السيئات. PageV12P076 ### ||| AUTO 15 سورة الحجر - 26 - 48 # ولقد خلقنا الانسن من صلصل من حمإ مسنون (26) والجان خلقنه من قبل من نار ~~السموم (27) وإذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من صلصل من حمإ مسنون (28) ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له سجدين (29) فسجد الملئكة كلهم ~~أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع السجدين (31) قال يإبليس ما لك ألا ~~تكون مع السجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل من حمإ مسنون ~~(33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) ~~قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) قال هذا صرط على مستقيم (41) إن ~~عبادى ليس لك عليهم سلطن إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم ~~أجمعين ms4491 (43) لها سبعة أبوب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) إن المتقين فى جنت ~~وعيون (45) ادخلوها بسلم ءامنين (46) ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخونا على ~~سرر متقبلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) ### |||| AUTO بيان # هذه هي الطائفة الثالثة من الآيات الموردة إثر ما ذكر في مفتتح السورة من ~~استهزاء الكفار بالكتاب وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقتراحهم عليه ~~آية أخرى غير القرآن، وقد ذكر الله سبحانه في هذه الطائفة بدء خلقة الإنسان ~~والجان وأمره الملائكة وإبليس أن يسجدوا له وسجودهم وإباء إبليس وهو من ~~الجن ورجمه وإغواءه بني آدم، وما قضى الله سبحانه عند ذلك من سعادة المتقين ~~وشقاء الغاوين. # قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون" قال الراغب في ~~المفردات: أصل الصلصال تردد الصوت من الشيء اليابس ومنه قيل: صل المسمار ~~وسمي الطين الجاف صلصالا، قال تعالى: "من صلصال كالفخار" "من صلصال من حمإ ~~مسنون" والصلصلة بقية ماء سميت بذلك لحكاية صوت تحركه في المزادة وقيل: ~~الصلصال المنتن من الطين من قولهم: صل اللحم. # وقال: والحمأة والحمأ طين أسود منتن، وقال: وقوله: من حمإ مسنون قيل: ~~متغير وقوله: لم يتسنه معناه لم يتغير والهاء للاستراحة. # انتهى. # وقوله: "ولقد خلقنا الإنسان" إلخ المراد به بدء خلقة الإنسان بدليل قوله: ~~"وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين": الم السجدة: ~~8، فهو إخبار عن خلقة النوع وظهوره في الأرض فإن خلق أول من خلق منهم ومنه ~~خلق الباقي خلق الجميع. # قال في مجمع البيان: وأصل آدم كان من تراب وذلك قوله: "خلقه من تراب" ثم ~~جعل التراب طينا وذلك قوله: "وخلقته من طين" ثم ترك ذلك الطين حتى تغير ~~واسترخى وذلك قوله: "من حمإ مسنون" ثم ترك حتى جف وذلك قوله: "من صلصال" ~~فهذه الأقوال لا تناقض فيها إذ هي إخبار عن حالاته المختلفة. # انتهى. # قوله تعالى: "والجان خلقناه من قبل من نار السموم" قال الراغب: السموم ~~الريح الحارة تؤثر تأثير ms4492 السم. # انتهى. # وأصل الجن الستر وهو معنى سار في جميع ما اشتق منه كالجن والمجنة والجنة ~~والجنين والجنان بالفتح وجن عليه الليل وغير ذلك. # والجن طائفة من الموجودات مستورة بالطبع عن حواسنا ذات شعور وإرادة تكرر ~~في القرآن الكريم ذكرهم ونسب إليهم أعمال عجيبة وحركات سريعة كما في قصص ~~سليمان (عليه السلام) وهم مكلفون ويعيشون ويموتون ويحشرون تدل على ذلك كله ~~آيات كثيرة متفرقة في كلامه تعالى. # وأما الجان فهل هو الجن بعينه أو هو أبو الجن كما أن آدم (عليه السلام) ~~أبو البشر كما عن ابن عباس أو هو إبليس نفسه كما عن الحسن أو الجان نسل ~~إبليس من الجن أو هو نوع من الجن كما ذكره الراغب؟ أقوال مختلفة لا دليل ~~على أكثرها. PageV12P077 # والذي يهدي إليه التدبر في كلامه تعالى أنه قابل في هاتين الآيتين الإنسان ~~بالجان فجعلهما نوعين اثنين لا يخلوان عن نوع من الارتباط في خلقتهما، ~~ونظير ذلك قوله: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من ~~نار": الرحمن: 15. # ولا يخلو سياق ما نحن فيه من الآيات من دلالة على أن إبليس كان جانا وإلا ~~لغا قوله: "والجان خلقناه من قبل" إلخ، وقد قال تعالى في موضع آخر من كلامه ~~في إبليس: "كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50، فأفاد أن هذا الجان ~~المذكور هو الجن نفسه أو هو نوع من أنواع الجن ثم ترك سبحانه في سائر كلامه ~~ذكر الجان من أصله ولم يذكر إلا الجن حتى في موارد يعم الكلام فيها إبليس ~~وقبيله كقوله تعالى: "شياطين الإنس والجن": الأنعام: 112، وقوله: "وحق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس": حم السجدة: 25، ~~وقوله: "سنفرغ لكم أيها الثقلان - إلى أن قال - يا معشر الجن والإنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا": الرحمن: 33. # وظاهر هذه الآيات من جهة المقابلة الواقعة فيها بين الإنسان والجان تارة ~~وبين الإنس والجن أخرى أن الجن والجان واحد وإن اختلف التعبير. # وظاهر المقابلة ms4493 بين قوله: "ولقد خلقنا الإنسان" إلخ، وقوله: "والجان ~~خلقناه من قبل" إلخ أن خلق الجان من نار السموم المراد به الخلق الابتدائي ~~وبدء ظهور النوع كخلق الإنسان من صلصال، وهل كان استمرار الخلقة في أفراد ~~الجان المستتبع لبقاء النوع على سنة الخلق الأول من نار السموم بخلاف ~~الإنسان حيث بدىء خلقه من تراب ثم استمر بالنطفة كلامه سبحانه خال عن بيانه ~~ظاهرا غير ما في بعض كلامه من نسبة الذرية إلى إبليس كما قال: "أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دوني": الكهف: 50، ونسبة الموت إليهم كما في قوله: "قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس": حم السجدة: 25، والمألوف من نوع فيه ذرية ~~وموت هو التناسل والكلام بعد في هذا التناسل هل هو بسفاد كسفاد نوع من ~~الحيوان أو بغير ذلك؟. # وقوله: "خلقناه من قبل" مقطوع الإضافة أي من قبل خلق الإنسان والقرينة هي ~~المقابلة بين الخلقين. # وعد مبدإ خلق الجان في الآية هو نار السموم لا ينافي ما في سورة الرحمن ~~من عده مارجا من نار أي لهيبا مختلطا بدخان فإن الآيتين تلخصان أن مبدأ ~~خلقه ريح سموم اشتعلت فكانت مارج نار. # فمعنى الآيتين: أقسم لقد بدأنا خلق النوع الإنسان من طين قد جف بعد أن ~~كان سائلا متغيرا منتنا ونوع الجان بدأنا خلقه من ريح حارة حادة اشتعلت ~~فصارت نارا. # قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا" إلى آخر الآية، قال في ~~المفردات: البشرة ظاهر الجلد والأدمة باطنه كذا قال عامة الأدباء - إلى أن ~~قال - وعبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات ~~التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع ~~وثنى فقال تعالى: "أنؤمن لبشرين" وخص في القرآن في كل موضع اعتبر من ~~الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر نحو: "وهو الذي خلق من الماء بشرا" انتهى ~~موضع الحاجة. # وقوله: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا" بإضمار فعل والتقدير: واذكر ~~إذ قال ربك، وفي الكلام التفات من التكلم مع الغير ms4494 إلى الغيبة وكان العناية ~~فيه مثل العناية التي مرت في قوله: "وإن ربك هو يحشرهم" فإن هذه الآيات ~~أيضا تكشف عن نبإ ينتهي إلى الحشر والسعادة والشقاوة الخالدتين. # على أن التكلم مع الغير في السابق "ولقد خلقنا" "خلقناه" من قبيل تكلم ~~العظماء عنهم وعن خدمهم وأعوانهم تعظيما أي بأخذه تعالى ملائكته الكرام معه ~~في الأمر وهذه العناية مما لا يستقيم في مثل المقام الذي يخاطب فيه ~~الملائكة في إخبارهم بإرادته خلق آدم (عليه السلام) وأمرهم بالسجود له إذا ~~سواه ونفخ فيه من روحه فافهم ذلك ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" التسوية جعل ~~الشيء مستويا قيما على أمره بحيث يكون كل جزء منه على ما ينبغي أن يكون ~~عليه فتسوية الإنسان أن يكون كل عضو من أعضائه في موضع الذي ينبغي أن يكون ~~فيه وعلى الحال التي ينبغي أن يكون عليها. PageV12P078 # ولا يبعد أن يستفاد من قوله: "إني خالق" "فإذا سويته" أن خلق بدن الإنسان ~~الأول كان على سبيل التدريج الزماني فكان أولا الخلق وهو جمع الأجزاء ثم ~~التسوية وهو تنظيم الأجزاء ووضع كل جزء في موضعه الذي يليق به وعلى الحال ~~التي تليق به ثم النفخ ولا ينافيه ما في قوله تعالى: "خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون": آل عمران: 59، فإن قوله: "ثم قال له" إلخ ناظر إلى كينونة ~~الروح وهو النفس الإنسانية دون البدن كما عبر عنه في موضع آخر بعد بيان خلق ~~البدن بالتدريج بقوله: "ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14. # وقوله: "ونفخت فيه من روحي" النفخ إدخال الهواء في داخل الأجسام بفم أو ~~غيره ويكنى به عن إلقاء أثر أو أمر غير محسوس في شيء، ويعني به في الآية ~~إيجاده تعالى الروح الإنساني بما له من الرابطة والتعلق بالبدن، وليس بداخل ~~فيه دخول الهواء في الجسم المنفوخ فيه كما يشير إليه قوله سبحانه: "ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ms4495 ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14، ~~وقوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم السجدة: 11. # فالآية الأولى - كما ترى - تبين أن الروح الإنساني هو البدن منشأ خلقا ~~آخر والبدن على حاله من غير أن يزاد فيه شيء، والآية الثانية تبين أن الروح ~~عند الموت مأخوذ من البدن والبدن على حاله من غير أن ينقص منه شيء. # فالروح أمر موجود في نفسه له نوع اتحاد بالبدن بتعلقه به وله استقلال عن ~~البدن إذا انقطع تعلقه به وفارقه وقد تقدم بعض ما يتعلق من الكلام بهذا ~~المقام في تفسير قوله تعالى: "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات": ~~البقرة: 154 في الجزء الأول من الكتاب. # ونرجو أن نستوفي هذا البحث في ذيل قوله: "قل الروح من أمر ربي": الآية 85 ~~من سورة إسراء إن شاء الله. # وإضافة الروح إليه تعالى في قوله: "من روحي" للتكرمة والتشريف من الإضافة ~~اللامية المفيدة للملك، وقوله: "فقعوا له ساجدين" أي اسجدوا، ولا يبعد أن ~~يفهم منه أن خروا على الأرض ساجدين له فيفيد التأكيد في الخضوع من الملائكة ~~لهذا المخلوق الجديد كما قيل. # ومعنى الآية فإذا عدلت تركيبه وأتممت صنع بدنه وأوجدت الروح الكريم ~~المنسوب إلي الذي أربط بينه وبين بدنه فقعوا وخروا على الأرض ساجدين له. # قوله تعالى: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~الساجدين" لفظة أجمعون تأكيد بعد تأكيد لتشديده، والمراد أن الملائكة سجدوا ~~له بحيث لم يبق منهم أحد وقد استثنى من ذلك إبليس ولم يكن منهم لقوله ~~تعالى: "كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف: 50، وأما قول من قال: إن ~~طائفة من الملائكة كانوا يسمون الجن وكان إبليس منهم أو إن الجن بمعنى ~~الستر فيعم الملائكة وغيرهم فمما لا يصغى إليه، وقد تقدم في تفسير سورة ~~الأعراف كلام في معنى شمول الأمر بالسجود لإبليس مع عدم كونه من الملائكة ~~ومعنى الآيتين ظاهر. # قوله تعالى: "قال يا إبليس ما لك ألا ms4496 تكون مع الساجدين" "ما لك" مبتدأ ~~وخبر أي ما الذي هو كائن لك؟ وقوله: "ألا تكون" من قبيل نزع الخافض ~~والتقدير في أن لا تكون مع الساجدين وهم الملائكة، ومحصل المعنى: ما بالك ~~لم تسجد؟. # قوله تعالى: "قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون" في ~~التعبير بقوله: "لم أكن لأسجد" دون أن يقول: لا أسجد أو لست أسجد دلالة على ~~أن الإباء عن السجدة مقتضى ذاته وكان هو المترقب منه لو اطلع على جوهره ~~فتفيد الآية بالكناية ما يفيده قوله في موضع آخر: "أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين": ص: 76 بالتصريح. # وقد تقدم كلام في معنى السجود لآدم وأمر الملائكة وإبليس بذلك وائتمارهم ~~وتمرده عنه، نافع في هذا الباب في تفسير سورتي البقرة والأعراف من هذا ~~الكتاب. # قوله تعالى: "فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين" ~~الرجيم فعيل بمعنى المفعول من الرجم وهو الطرد وشاع استعماله في الطرد ~~بالحجارة والحصاة، واللعن هو الطرد والإبعاد من الرحمة. PageV12P079 # ومن هنا يظهر أن قوله: "وإن عليك اللعنة" إلخ بمنزلة البيان لقوله: "فإنك ~~رجيم" فإن الرجم كان سببا لخروجه من بين الملائكة من السماء أو من المنزلة ~~الإلهية وبالجملة من مقام القرب وهو مستوى الرحمة الخاصة الإلهية فينطبق ~~على الإبعاد من الرحمة وهو اللعن. # وقد نسب سبحانه هذه اللعنة المجعولة على إبليس في موضع آخر إلى نفسه ~~فقال: "وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين": ص: 58، وقيدها في الآيتين جميعا ~~بقوله: "إلى يوم الدين". # أما جعل مطلق اللعنة عليه في قوله: "عليك اللعنة" فلأن اللعن يلحق ~~المعصية وما من معصية إلا ولإبليس فيه صنع بالإغواء والوسوسة فهو الأصل ~~الذي يرجع إليه كل معصية وما يلحقها من لعن حتى في عين ما يعود إلى أشخاص ~~العصاة من اللعن والوبال، وتذكر في ذلك ما تقدم في ذيل قوله تعالى: "ليميز ~~الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه فيجعله في جهنم": ~~الأنفال: 37 في ms4497 الجزء التاسع من الكتاب. # على أنه لعنه الله أول فاتح فتح باب معصية الله وعصاه في أمره فإليه يعود ~~وبال هذا الطريق بسالكيه ما سلكوا فيه. # وأما جعل لعنته خاصة عليه في قوله: "عليك لعنتي" فلأن الإبعاد من الرحمة ~~بالحقيقة إنما يؤثر أثره إذا كان منه تعالى إذ لا يملك أحد من رحمته إعطاء ~~ومنعا إلا بإذنه فإليه يعود حقيقة الإعطاء والمنع. # على أن اللعن من غيره تعالى بالحقيقة دعاء عليه بالإبعاد من الرحمة وأما ~~نفس الإبعاد الذي هو نتيجة الدعاء فهو من صنعه القائم به تعالى وحقيقته ~~المبالغة في منع الرحمة. # وقال في المجمع: وقال بعض المحققين: إنما قال سبحانه هنا: "وإن عليك ~~اللعنة" بالألف واللام، وقال في سورة ص: "لعنتي" بالإضافة لأن هناك يقول: ~~"لما خلقت بيدي" مضافا، فقال: "وإن عليك لعنتي" على المطابقة، وقال هنا: ~~"ما لك ألا تكون مع الساجدين" وساق الآية على اللام في قوله: "ولقد خلقنا ~~الإنسان" وقوله: "والجان" فأتى باللام أيضا في قوله: "وإن عليك اللعنة" ~~انتهى وقال أيضا في الآية بيان أنه لا يؤمن قط. # وأما تقييد اللعنة بقوله: "إلى يوم الدين" فلأن اللعنة هي عنوان الإثم ~~والوبال العائد إلى النفس من المعصية والمعصية محدودة بيوم القيامة فاليوم ~~عمل ولا جزاء وغدا جزاء ولا عمل، وإن شئت فقل: هذه الدار دار كتابة الأعمال ~~وحفظها ويوم القيامة دار الحساب والجزاء. # وأما قول القائل: إن تحديد اللعن بيوم الدين دليل على كونه مغيا به ~~مرفوعا فيه وفيما بعده فمما يدفعه ظاهر الآيات المبينة للعذاب يوم القيامة. # ويؤيد ذلك التعبير في الآية عن يوم القيامة بيوم الدين المشعر بأنه ملعون ~~قبل يوم القيامة ومجزي به فيه، ولو انقطع العذاب بقيام الساعة لكان اليوم ~~يوم انقطاع الدين لا يوم الدين. # وربما قيل في دفع إشكال الغاية إن ذلك أبعد غاية يضربها الخلائق فهو ~~كقوله: "خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض" الآية، وهو كما ترى وقد عرفت ~~معنى الآية المقيس عليها في تفسير سورة هود. # وربما قيل: ms4498 إن المراد باللعنة في الآية لعن الخلائق وذلك منقطع بمجيء يوم ~~الدين دون لعنه تعالى وإبعاده له من رحمته فإنه متصل إلى الأبد. # وكأن هذا القائل ذهب عليه قوله تعالى في سورة ص: "وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين": الآية: 78. # قوله تعالى: "قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون" الإنظار هو الإمهال وقد صدر ~~كلامه بقوله: "رب" وهو يخاصمه وقد عصاه واستكبر عليه تعالى لأنه في مقام ~~الدعاء لا مفر له من دعوته تعالى بما يثير به الرحمة الإلهية المطلقة وهو ~~الالتجاء إليه بربوبيته له ليستجيب له وهو مغضوب عليه. # وقد صدر مسألته بفاء التفريع في قوله: "فأنظرني" وذكر فيه بعثة عامة ~~البشر من غير أن يخص بالذكر آدم أباهم الذي ابتلي بالرجم واللعن من أجل ~~الإباء عن السجود له وذلك كله مبني على ما تقدم في تفسير آيات القصة في ~~سورة الأعراف أن المأمور به كان هو السجود لعامة البشر وكان آدم (عليه ~~السلام) كالقنبلة المنصوبة للسجود يمثل به النوع الإنساني. PageV12P080 # وتوضيحه أنه قد تقدم في قوله تعالى: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس": الأعراف: 11 أنهم إنما أمروا ~~بالسجدة لنوع الإنسان لا لشخص آدم (عليه السلام) ولم يكن هذه السجدة تشريفا ~~اجتماعيا من غير غاية حقيقية بل كانت خضوعا بحسب الخلقة فهم بحسب ما أريد ~~من خلقتهم خاضعون للإنسان بحسب ما أريد من كمال خلقته، أي إنهم مسخرون ~~لأجله عاملون في سبيل سعادة حياته أي إن للإنسان منزلة من القرب ومرحلة من ~~كمال السعادة تفوق ما للملائكة من ذلك. # فسجودهم جميعا له دليل أنهم جميعا مسخرون في سبيل كماله من السعادة ~~عاملون لأجل فوزه وفلاحه كملائكة الحياة وملائكة الموت وملائكة الأرزاق ~~وملائكة الوحي والمعقبات والحفظة والكتبة وغيرهم ممن تذكرهم متفرقات الآيات ~~القرآنية فالملائكة أسباب إلهية وأعوان للإنسان في سبيل سعادته وكماله. # ومن هنا يظهر للمتدبر الفطن أن إباء إبليس عن السجدة استنكاف منه عن ~~الخضوع لنوع الإنسان والعمل في سبيل سعادته وإعانته على ms4499 كمال المطلوب على ~~خلاف ما ظهر من الملائكة فهو بإبائه عن السجدة خرج من جمع الملائكة كما ~~يفيده قوله تعالى: "ما لك ألا تكون مع الساجدين" وأظهر الخصومة لنوع ~~الإنسان والبراءة منهم ما حيوا وعاشوا أو خالدا مؤبدا. # ويؤيده جعله تعالى اللعنة المطلقة عليه من يوم أبى إلى يوم الدين وهو مدة ~~مكث النوع الإنساني في هذه الدنيا فجعلها عليه كذلك ولما يدع إبليس أنه ~~سيغويهم ولم يقل بعد: "لأغوينهم أجمعين" مشعر بأن إباءه عن السجدة نوع ~~خصومة وعداوة منه لهذا النوع آخذا من آدم إلى آخر من سيولد ويعيش من ذريته. # فكأنه عليه اللعنة فهم من قوله تعالى: "وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين" ~~أن له شأنا مع النوع الإنساني إلى يوم القيامة وأن لشقائهم وفساد أعمالهم ~~ارتباطا به من حيث امتنع عن السجود ولذلك سأل النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ~~ذلك على اللعنة المجعولة عليه فقال: "رب فأنظرني إلى يوم يبعثون" ولم يقل: ~~رب أنظرني إلى يوم يبعثون ولم يقل: أنظرني إلى يوم يموت آدم أو أنظرني ما ~~دام حيا يعيش بل ذكر آدم وبنيه جميعا وطلب النظرة إلى يوم يبعثون مفرعا ذلك ~~على اللعنة إلى يوم الدين فلما أجيب إلى ما سأل أبدى ما في كمون ذاته وقال: ~~لأغوينهم أجمعين. # قوله تعالى: "قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" جواب منه ~~سبحانه لإبليس وفيه إجابة ورد أما الإجابة فبالنسبة إلى أصل الإنظار الذي ~~سأله وأما الرد فبالنسبة إلى القيد وهو أن يكون الإنظار إلى يوم يبعثون فإن ~~من الواضح اللائح بالنظر إلى سياق الآيتين أن يوم وقت المعلوم غير يوم ~~يبعثون فلم يسمح له بإنظاره إلى يوم يبعثون بل إلى يوم هو غيره ولا محالة ~~هو قبل يوم البعث. # وبذلك يظهر فساد قول من قال إنه لعنه الله أجيب إلى ما سأل واليومان في ~~الآيتين واحد ومن الدليل عليه قوله في سورة الأعراف في القصة: "قال إنك من ~~المنظرين": الآية: 15 من غير أن يقيد بشيء. ms4500 # أما فساد دعواه اتحاد اليومين في الآيتين فقد ظهر مما تقدم وأما فساد ~~الاستدلال بإطلاق آية الأعراف فلأنها تتقيد بما في هذه السورة وسورة ص من ~~التقييد بقوله: "إلى يوم الوقت المعلوم" وهذا كثير شائع في كلامه تعالى ~~والقرآن يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض. # وظاهر يوم الوقت المعلوم أنه وقت تعين في العلم الإلهي نظير قوله: "وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21، وقوله: "أولئك لهم رزق معلوم": الصافات: ~~41 فهو معلوم عند الله قطعا وأما أنه معلوم لإبليس أو مجهول عنده فغير ~~معلوم من اللفظ، وقول بعضهم: إنه سبحانه أبهم اليوم ولم يبين فهو معلوم لله ~~غير معلوم لإبليس لأن في بيانه إغراء بالمعصية كلام خال عن الدليل فإبهام ~~اللفظ بالنسبة إلينا غير إبهام ما ألقي إلى إبليس من القول بالنسبة إليه ~~على أن إغراء إبليس بالمعصية وهو الأصل لكل معصية مفروضة لا يخلو عن إشكال ~~فافهمه. # على أن قول إبليس ثانيا: "لأغوينهم أجمعين" شاهد على أنه سيبقى إلى آخر ~~ما يعيش الإنسان في الدنيا ممن يمكنه إغواؤه فقد كان فهم من قوله تعالى: ~~"إلى يوم الوقت المعلوم" أنه آخر عمر البشر العائشين في الأرض الجائز له ~~إغواؤهم. PageV12P081 # ونسب إلى ابن عباس ومال إليه الجمهور: أن اليوم هو آخر أيام التكليف وهو ~~النفخة الأولى يوم يموت الخلائق وكأنه مبني على أن إبليس باق ما بقي ~~التكليف وأمكنت المخالفة والمعصية، وهو مدة عمر الإنسان في الدنيا، وينتهي ~~ذلك إلى النفخة الأولى التي بها يموت الخلائق فهو يوم الوقت المعلوم الذي ~~أنظره الله إليه، وبينه وبين النفخة الثانية التي فيها يبعثون أربعمائة سنة ~~أو أربعون سنة على اختلاف الروايات، وهي ما به التفاوت بين ما سأله إبليس ~~وبين ما أجاب إليه الله سبحانه. # وهذا وجه حسن لو لا ما فيه من قولهم: إن إبليس باق ما بقي التكليف وأمكنت ~~المخالفة والمعصية فإنها مقدمة لا بينة ولا مبينة وذلك أن تعويل القوم في ~~ذلك على أن المستفاد من الآيات والأخبار كون ms4501 كل كفر وفسوق موجود في النوع ~~الإنساني مستندا إلى إغواء إبليس ووسوسته كما يدل عليه أمثال قوله تعالى: ~~"ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين": يس: ~~60 وقوله: "وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم" إلخ إلى غير ذلك من الآيات. # ومقتضاها أن يدوم وجود إبليس ما دام التكليف باقيا، والتكليف باق ما بقي ~~الإنسان وهو المطلوب. # وفيه أن كون المعصية الإنسانية مستندة بالجملة إلى إغواء إبليس مستفادة ~~من الآيات والروايات لا غبار عليه لكنه إنما يقتضي بقاء إبليس ما دامت ~~المعصية والغواية باقية لا بقاءه ما دام التكليف باقيا، ولا دليل على ~~الملازمة بين المعصية والتكليف وجودا. # بل الحجة قائمة من العقل والنقل على أن غاية الإنسان النوعية وهي السعادة ~~ستعم النوع ويتخلص المجتمع الإنساني إلى الخير والصلاح ولا يعبد على الأرض ~~يومئذ إلا الله سبحانه، وينطوي وقتئذ بساط الكفر والفسوق، ويصفو العيش ~~ويرتفع أمراض القلوب ووساوس الصدور، وقد تقدم تفصيل ذلك في مباحث النبوة في ~~الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب. # قال تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41، وقال: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون": الأنبياء: 105. # ومن ذلك يظهر أن الذي استندوا إليه من الحجة إنما يدل على كون يوم الوقت ~~المعلوم الذي جعله الله غاية إنظار إبليس هو يوم يصلح الله سبحانه المجتمع ~~الإنساني فينقطع دابر الفساد ولا يعبد يومئذ إلا الله لا يوم يموت الخلائق ~~بالنفخة الأولى. # قوله تعالى: "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين" الباء في قوله: "بما أغويتني" للسببية و"ما" ~~مصدرية أي أتسبب بإغوائك إياي إلى التزيين لهم وألقي إليهم ما استقر في من ~~الغواية كما قالوا يوم القيامة على ما حكى الله: "أغويناهم كما غوينا": ~~القصص: 63. # وقول بعضهم: إن الباء للقسم أي ms4502 أقسم بإغوائك لأزينن من أردإ القول فلم ~~يعهد في كتاب ولا سنة أن يقسم بمثل الإغواء والإضلال وليس فيه شيء مفهوم من ~~التعظيم اللازم في القسم. # وقد نسب لعنه الله في قوله: "بما أغويتني" إلى الله سبحانه أنه أغواه ولم ~~يرده الله سبحانه إليه ولا أجاب عنه وليس مراده به غوايته إذ عصى أمر ~~السجدة ولم يسجد لآدم (عليه السلام) والدليل على ذلك أن لا رابطة بين ~~معصيته في نفسه وبين معصية الإنسان لربه حتى يكون معصيته سبب معصيتهم ~~ويتسبب هو بها إلى إغوائهم. # وإنما يريد به ما يفيده قوله تعالى: "وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين" من ~~استقرار اللعنة المطلقة فيه وهي الإبعاد من الرحمة والإضلال عن طريق ~~السعادة وهي إغواء له أثر الغواية التي أبداها من نفسه وأتى بها من عنده ~~فيكون من إضلاله تعالى مجازاة لا إضلالا ابتدائيا وهو جائز غير ممتنع عليه ~~تعالى، ولذلك لم يرده كما قال تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل ~~به إلا الفاسقين": البقرة: 26، وقد بينا ذلك في ذيل الآية ومواضع أخرى من ~~هذا الكتاب. PageV12P082 # وعند هذا يستقيم معنى السببية أعني إغواءه الناس بسبب الإغواء الذي مسه ~~واستقر فيه فإن البعد من الرحمة والبون من السعادة لما كان لازما لنفسه ~~بلزوم اللعنة الإلهية له كان كلما اقترب من قلب إنسان بالوسوسة والتسويل أو ~~استولى على نفس من النفوس وهو بعيد من الرحمة والسعادة أوجب ذلك بعد من ~~اقترب منه أو تسلط عليه، وهو إغواؤه بإلقاء أثر الغواية التي عنده إليه وهو ظاهر. # هذا ما يعطيه التدبر في الآية ومحصله أن المراد بالإغواء ليس هو الإضلال ~~الابتدائي بل الإضلال على سبيل المجازاة الذي يدل عليه قوله: "وإن عليك ~~لعنتي" الآية. # وأما القوم فكالمسلم عندهم أن قوله: "بما أغويتني" لو كان بمعناه الظاهر ~~وهو الإضلال لكان هو الإضلال الابتدائي وكان ناظرا إلى إبائه وامتناعه عن ~~السجدة ولذا استشكلوا الآية واختلفوا في تفسير الإغواء على اختلاف مذاهبهم ~~في استناد الشر إليه تعالى ms4503 وصدوره منه جوازا وامتناعا. # فقال بعضهم وهم أهل الجبر: إن إسناد الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه ~~لذلك يدل على أن الشر كالخير من الله تعالى، والمعنى رب بما أضللتني ~~بالامتناع عن السجدة - فهو منك - أقسم لأضلنهم أجمعين. # وقال آخرون وهم غيرهم: أنه لا يجوز استناد الشر والمعصية وكل قبيح إليه ~~تعالى ووجهوا الآية بوجوه. # أحدها: أن الإغواء في الآية بمعنى التخييب والمعنى رب بما خيبتني من ~~رحمتك لأخيبنهم بالدعوة إلى معصيتك. # الثاني: أن المراد بالإغواء الإضلال عن طريق الجنة والمعنى بما أضللتني ~~عن طريق جنتك لما صدر مني من معصيتك لأضلنهم بالدعوة. # الثالث: أن المراد بقوله: "بما أغويتني" بما كلفتني أمرا ضللت عنده ~~بالمعصية وهو السجود فسمى ذلك إضلالا منه له توسعا وأنت بالتأمل فيما ~~قدمناه تعرف أن الآية في غنى عن هذا البحث وما أبدىء فيه من الوجوه. # ونظير هذا البحث بحثهم عن الإنظار الواقع في قوله: "إنك من المنظرين" من ~~جهة أنه مفض إلى الإغواء القبيح وترجيح للمرجوح على الراجح. # فقال المجوزون: إن الآية تدل على أن الحسن والقبح اللذين يعلل بهما العقل ~~أفعالنا لا تأثير لهما في أفعاله تعالى فله أن يثيب من يشاء ويعذب من يشاء ~~من غير جهة مرجحة حتى مع رجحان الخلاف، قالوا: ومن زعم أن حكيما يحصر قوما ~~في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد ~~من أولئك القوم بالإحراق واللسع فقد خرج عن الفطرة الإنسانية فإذن من حكم ~~الفطرة أن الله تعالى أراد بإنظار إبليس إضلال بعض الناس. # والمانعون يوجهون الإنظار بأنه تعالى كان يعلم من إبليس وأتباعه أنهم ~~يموتون على الكفر والفسوق ويصيرون إلى النار أنظر إبليس أو لم ينظر على أنه ~~تعالى تدارك تأييده ذلك بمزيد ثواب المؤمنين المتقين. # على أنه يقول: "ولأغوينهم" ولو كان الإغواء من الله لأنكره عليه إلى غير ~~ذلك مما أوردوه من الوجوه. # وليت شعري ما الذي أغفلهم عن آيات الامتحان والابتلاء على كثرتها كقوله ~~تعالى: "ليميز الله الخبيث من ms4504 الطيب": الأنفال: 37، وقوله: "وليبتلي الله ~~ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم": آل عمران: 154، وغيرهما من الآيات ~~الدالة على أن نظام السعادة والشقاء والثواب والعقاب مبني على أساس ~~الامتحان والابتلاء، والإنسان واقع بين الخير والشر والسعادة والشقاء له ما ~~يختاره من العمل بنتائجه. # فلو لا أن يكون هناك داع إلى الخير وهم الملائكة الكرام وإن شئت فقل: هو ~~الله، وداع إلى الشر وهم إبليس وقبيله لم يكن للامتحان معنى قال تعالى: ~~"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا": ~~البقرة: 268. # ولئن أيد الله إبليس على الإنسان بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم فقد ~~أيده عليه بالملائكة الباقين ببقاء الدنيا ولم يقل سبحانه له: إنك منظر بل ~~قال: "إنك من المنظرين" فأثبت منظرين غيره وجعله بعضهم. PageV12P083 # ولئن أيده بالتمكين بتزيين الباطل من الكفر والفسوق للإنسان أيد الإنسان ~~بأن هداه إلى الحق وزين الإيمان في قلبه وفطرة على التوحيد، وعرفه الفجور ~~والتقوى، وجعل له نورا يمشي به في الناس إن آمن بربه إلى غير ذلك من ~~الأيادي، قال: "قل الله يهدي للحق": يونس: 35، وقال: "ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم": الحجرات: 7، وقال: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها": الروم: 30، وقال: "ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها": الشمس: 8، وقال: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس": الأنعام: 122، "وقال إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51، والتكلم بالغير مشعر بوساطة ~~الملائكة. # فالإنسان خلق هو في نفسه أعزل ليس معه شيء من السعادة والشقاء بحسب بدء ~~خلقته واقف في ملتقى سبيلين: سبيل الخير والطاعة وهو سبيل الملائكة ليس لهم ~~إلا الطاعة، وسبيل الشر والمعصية وهو سبيل إبليس وجنوده وليس معهم إلا ~~المخالفة والمعصية، فإلى أي السبيلين مال في مسير حياته وقع فيه ورافقه ~~أصحابه وزينوا له ما عندهم وهدوه إلى ما ينتهي إليه سبيلهم وهو الجنة أو ~~النار والسعادة أو الشقاء. # فقد بان مما تقدم أن إنظار إبليس إلى ms4505 يوم الوقت المعلوم ليس من تقديم ~~المرجوح على الراجح ولا إبطالا لقانون العلية بل ليتيسر به وبما يقابله من ~~بقاء الملائكة ما هو الواجب من أمر الامتحان والابتلاء فلا محل للاستشكال. # وقوله: "لأزينن لهم في الأرض" أي لأزينن لهم الباطل أو لأزينن لهم ~~المعاصي على ما قيل والمعنى الأول أجمع والمفعول محذوف على أي حال، والظاهر ~~أن المفعول معرض عنه والفعل مستعمل استعمال اللازم، والغرض بيان أصل ~~التزيين كناية عن الغرور يقال: زين له كذا وكذا أي حمله عليه غرورا، وضمير ~~"هم" لآدم وذريته على ما يدل عليه السياق، والمراد بالتزيين لهم في الأرض ~~غرورهم في هذه الحياة الأرضية وهي الحياة الدنيا وهو السبب القريب للإغواء ~~فيكون عطف قوله: "ولأغوينهم أجمعين" عليه من عطف المسبب على السبب المترتب عليه. # والآية تشعر بل تدل على ما قدمناه في تفسير آيات جنة آدم في الجزء الأول ~~من الكتاب أن معصية آدم بالأكل من الشجرة المنهية عن وسوسة إبليس لم تكن ~~معصية لأمر مولوي بل مخالفة لأمر إرشادي لا يوجب نقضا في عصمته فإنه يعرف ~~الأرض في الآية ظرفا لتزيينه وإغوائه فما كان غروره لآدم وزوجته في الجنة ~~إلا ليخرجهما منها وينزلهما إلى الأرض فيتناسلا فيها فيغويهما وبنيهما عن ~~الحق ويضلهم عن الصراط قال تعالى: "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما": الأعراف: 27. # وقوله: "إلا عبادك منهم المخلصين" استثنى من عموم الإغواء طائفة خاصة من ~~البشر وهم المخلصون - بفتح اللام على القراءة المشهورة - والسياق يشهد أنهم ~~الذين أخلصوا لله وما أخلصهم إلا الله سبحانه، وقد قدمنا في الكلام على ~~الإخلاص في تفسير سورة يوسف أن المخلصين هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعد ما ~~أخلصوا أنفسهم لله فليس لغيره سبحانه فيهم شركة ولا في قلوبهم محل فلا ~~يشتغلون بغيره تعالى فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله وتزييناته عاد ذكرا ~~لله مقربا إليه. # ومن هنا يترجح أن الاستثناء إنما هو من الإغواء فقط لا منه ومن ms4506 التزيين ~~بمعنى أنه لعنه الله يزين للكل لكن لا يغوي إلا غير المخلصين. # ويستفاد من استثناء العباد أولا ثم تفسيره بالمخلصين أن حق العبودية إنما ~~هو بأن يخلص الله العبد لنفسه أي أن لا يملكه إلا هو ويرجع إلى أن لا يرى ~~الإنسان لنفسه ملكا وأنه لا يملك نفسه ولا شيئا من صفات نفسه وآثارها ~~وأعمالها وأن الملك - بكسر الميم وضمها - لله وحده. PageV12P084 # وقوله تعالى: "قال هذا صراط علي مستقيم" ظاهر الكلام على ما يعطيه السياق ~~أنه كناية على أن الأمر إليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه كما أن كون طريق ~~السفينة على البحر يقضي على راكبيها بأن لا مفر لهم مما يستدعيه العبور على ~~الماء من العدة والوسيلة وكذا كون طريق القافلة على الجبل يحوجهم إلى ما ~~يتهيأ به لعبور قلله الشاهقة ومسالكه الصعبة فكونه صراطا عليه تعالى ~~بالاستقامة هو أنه أمر متوقف من كل جهة إلى حكمه وقضائه تعالى فإنه الله ~~الذي منه يبدأ كل شيء وإليه ينتهي فلا يتحقق أمر إلا وهو ربه القيوم عليه. # وظاهر السياق أيضا أن الإشارة بقوله: "هذا صراط إلخ إلى قول إبليس: ~~"لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" لما أظهر بقوله هذا أنه سينتقم ~~منهم ويبسط سلطته بالتزيين والإغواء عليهم جميعا فلا يخلص منهم إلا القليل ~~كأنه يشير إلى أنه سيستقل بما عزم عليه ويعلو بإرادته على الله سبحانه فيما ~~أراد من خلقهم واستخلافهم واستعبادهم كما حكاه الله تعالى من قوله في موضع ~~آخر من قوله: "ولا تجد أكثرهم شاكرين": الأعراف: 17. # فمعنى الآية أن ما ذكرت من أنك ستغويهم أجمعين واستثنيت منهم من استثنيت ~~وأظهرت نسبته إلى قوتك ومشيئتك زاعما فيه أنك مستقل به، أمر لا يملكه إلا ~~أنا ولا يحكم فيه غيري ولا يصدر إلا عن قضائي فإن أغويت فبإذني أغويت وإن ~~منعت فبمشيئتي منعت فليس إليك من الأمر شيء ولا من الملك إلا ما ملكتك ولا ~~من القدرة إلا ما أقدرتك، والذي أقضيه لك من السلطان أن عبادي ليس ms4507 لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك إلخ. # قوله تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين" هذا ~~هو القضاء الذي أشار سبحانه إليه في الآية السابقة في أمر الإغواء وذكر أنه ~~له وحده ليس لغيره فيه صنع ولا نصيب. # ومحصله أن آدم وبنيه كلهم عباده لا كما قاله إبليس حيث قصر عباده على ~~المخلصين منهم إذ قال: "إلا عبادك منهم المخلصين" ولم يجعل سبحانه له عليهم ~~- أي على العباد - سلطانا حتى يستقل بأمرهم فيغويهم وإنما جعل له السلطان ~~على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين وولوه أمرهم وألقوا إليه زمام ~~تدبيرهم فهؤلاء هم الذين له عليهم سلطان. # فإذا أمعنت في الآية وجدتها ترد على إبليس قوله: "لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين" من ثلاث جهات أصلية: إحداها: أنه حصر عباده في ~~المخلصين منهم ونفى عنهم سلطان نفسه وعمم سلطانه على الباقين والله سبحانه ~~عمم عباده على الجميع وقصر سلطان إبليس على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من ~~الغاوين ونفى سلطانه على الباقين. # والثانية: أنه لعنه الله ادعى لنفسه الاستقلال في إغوائهم كما يظهر من ~~قوله: "لأغوينهم" في سياق المخاصمة والتقريع بالانتقام والله سبحانه يرد ~~عليه بأنه منه مزعمة باطلة وإنما هو عن قضاء من الله وسلطان بتسليطه وإنما ~~ملكه إغواء من اتبعه وكان غاويا في نفسه وبسوء اختياره. # فلم يأت إبليس بشيء من نفسه ولم يفسد أمرا على ربه لا في إغوائه أهل ~~الغواية فإنه بقضاء من الله سبحانه أن يستقر لأهل الغواية غيهم بسببه - وقد ~~اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله: "رب بما أغويتني" - ولا في ~~استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من الله نافذ فلا حكم إلا لله. # وهذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الذين ~~هم في أنفسهم غاوون وتخليص المخلصين وهم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك ~~بقضاء من الله، مبني على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال ~~قوله تعالى: "إن الحكم إلا لله": يوسف: ms4508 67، وقوله: "وهو الله لا إله إلا هو ~~له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم": القصص: 70، وقوله: "الحق من ربك": ~~آل عمران: 60، وقوله: "ويحق الله الحق بكلماته": يونس: 82، وغير ذلك من ~~الآيات الدالة على أن كل حكم إيجابي أو سلبي فهو مملوك لله نافذ بقضائه. # ومن هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله: "إلا من اتبعك من الغاوين" من المسامحة ~~فإنهم قالوا: إنه إذا قبل من إبليس واتبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن ~~الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغي وظاهره أنه سلطان قهري يحصل لإبليس عن سوء ~~اختيارهم ليس من عند نفسه ولا بجعل من الله سبحانه. PageV12P085 # وجه الفساد: أن فيه أخذ الاستقلال والحول الذاتي من إبليس وإعطاؤه ذوات ~~الأشياء ولو كان إبليس لا يملك شيئا من عند نفسه وبغير إذن ربه فالأشياء ~~والأمور أيضا لا تملك لنفسها شيئا ولا حكما حتى الضروريات ولوازم الذوات ~~إلا بإذن من الله وتمليك فافهمه. # والثالثة: أن سلطانه على إغواء من يغويه وإن كان بجعل وتسليط من الله ~~سبحانه إلا أنه ليس بتسليط على الإغواء والإضلال الابتدائي غير الجائز ~~إسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الإغواء بنحو المجازاة المسبوق ~~بغوايتهم من عندهم وفي أنفسهم. # والدليل على ذلك قوله تعالى: "إلا من اتبعك من الغاوين" فإبليس إنما يغوي ~~من اتبعه بغوايته أي إن الإنسان يتبعه بغوايته أولا فيغويه هو ثانيا فهناك ~~غواية بعدها إغواء والغواية إجرام من الإنسان والإغواء بسبب إبليس مجازاة ~~من الله سبحانه. # ولو كان هذا الإغواء إغواء ابتدائيا من إبليس لمن لا يستحق ذلك لكان هو ~~الأليق باللوم دون الإنسان كما يذكره يوم القيامة على ما يحكيه سبحانه ~~بقوله: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم": إبراهيم: 22. # فاللوم على الإنسان المجرم وهو مسئول عن معصيته دون إبليس. # نعم إبليس ملوم على ما يتلبس به من الفعل بسوء اختياره وهو الإغواء الذي ~~سلطه الله عليه مجازاة لما امتنع من السجود لآدم لما أمر به ms4509 فالإغواء هو ~~الذي استقرت ولايته عليه كما يشير سبحانه إليه في موضع آخر من كلامه إذ ~~يقول: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27، وقال ~~تعالى وهو أوضح ما يؤيد جميع ما قدمناه: "كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير": الحج: 4. # وقد تحصل مما تقدم أن المراد بقوله: "عبادي" عامة الإنسان، وأن الاستثناء ~~في قوله: "من اتبعك" متصل لا منقطع، وأن "من" في قوله: "من الغاوين" ~~بيانية، وأن الكلام مبني على رد قول إبليس، وأن الآية مشتملة على قضاءين من ~~الله سبحانه في عقدي المستثنى والمستثنى منه وغير ذلك. # ومن ذلك يظهر عدم استقامة قول بعضهم: إن المراد بعبادي هم الذين استثناهم ~~إبليس وعبر عنهم بقوله: "عبادك منهم" فيكون الاستثناء منقطعا والكلام مسوقا ~~لتقرير قول إبليس إن له سلطانا على من يغويه وإن المخلصين لا سبيل له إليهم ~~والمعنى أن المخلصين لا سلطان لك عليهم لكنك مسلط على من اتبعك من الغاوين. # وأنت تعلم بالتأمل فيما تقدم أن هذا هدم لأساس السياق وما يعطيه مقام ~~المخاصمة وتحق نسبته إلى ساحة العزة والكبرياء وتنزيل خطابه تعالى منزلة لا ~~يفيد معها أكثر من تغيير صورة كلام إبليس مع حفظ معناه تقريرا أو اعترافا ~~فهو يقول: سأغويهم إلا المخلصين، والله سبحانه يقول: لا تغوي المخلصين لكن ~~تغوي غيرهم!. # وربما فسر بعضهم قوله: "عبادي" بجميع البشر وأخذ مع ذلك الاستثناء منقطعا ~~ولعل ذلك بالبناء على عدم جواز استثناء أكثر الأفراد فلا يقال: له على مائة ~~إلا تسعة وتسعون مثلا ومن المعلوم أن الغاوين من الناس أكثر من المخلصين ~~بما لا يقاس. # وفيه أن ذلك إنما هو فيما كان النظر في الاستثناء إلى صريح العدد وأما ~~إذا كان المنظور إليه هو النوع أو الصنف بعنوانه فلا بأس بزيادة عدد ~~الأفراد، وللإنسان عدة أصناف: المخلصون ومن دونهم من المؤمنين والمستضعفون ~~والذين اتبعوا إبليس من الغاوين، وقد استثنى الصنف الأخير في الآية بعنوانه ~~وبقي الباقون وهم أصناف. # ومنهم من جعل الاستثناء منقطعا ms4510 حذرا من ثبوت سلطان إبليس حتى على الغاوين ~~زعما منه أنه ينافي إطلاق السلطنة الإلهية أو عدله تعالى ومعنى الآية على ~~هذا، أن عبادي ليس لك عليهم سلطان لكن من اتبعك من الغاوين ألقى إليك زمام ~~نفسه وجعل لك على نفسه سلطانا وليس ذلك من نفسك حتى تعجز الله في خلقه ولا ~~من الله حتى ينافي عدله تعالى. # وفيه: أن له سلطانا على الغاوين لا من نفسه بل بجعل من الله ولا ينافي ~~ذلك عدله في خلقه فإنه تسليط مجازاة لا تسليط ابتدائي، ولا منافاة بين كون ~~السلطان بقضاء منه تعالى وكونه باتباع الغاوين له باختيارهم فكل ذلك مما قد ~~تبين فيما قدمناه. PageV12P086 # على أن قوله تعالى فيه: "كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله": الحج: 4، ~~وقوله: "إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27، يدلان ~~صريحا على ثبوت سلطانه وأنه بجعل من الله سبحانه وقضاء. # قوله تعالى: "وإن جهنم لموعدهم أجمعين" الظاهر أن "موعد" اسم مكان ~~والمراد بكون جهنم موعدهم كونه محل إنجاز ما وعدهم الله من العذاب. # وهذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته ورجوع الأمر كله إليه كأنه تعالى يقول ~~له: ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك ولم تعجزنا بل نحن ~~سلطناك عليهم لاتباعهم لك على أنا سنجازيهم بعذاب جهنم. # ولكون الكلام مسوقا لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم ولم يذكر معهم ~~إبليس ولا جزاءه بخلاف قوله: "لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: ~~85، وقوله: "فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا": إسراء: 63، لأن المقام غير ~~المقام. # قوله تعالى: "لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم" لم يبين سبحانه في ~~شيء من صريح كلامه ما هو المراد بهذه الأبواب أهي كأبواب الحيطان مداخل ~~تهدي الجميع إلى عرصة واحدة أم هي طبقات ودركات تختلف في نوع العذاب وشدته؟ ~~وكثيرا ما يسمى في الأمور المختلفة الأنواع كل نوع بابا كما يقال: أبواب ~~الخير وأبواب الشر وأبواب الرحمة، قال تعالى: "فتحنا عليهم أبواب كل شيء": ~~الأنعام: 44، وربما ms4511 سمي أسباب الشيء وطرق الوصول إليه أبوابا كأبواب الرزق ~~لأنواع المكاسب والمعاملات. # وليس من البعيد أن يستفاد المعنى الثاني من متفرقات آيات النار كقوله ~~تعالى: "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها - إلى ~~أن قال: قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها": الزمر: 72، "وقوله إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار": النساء: 145، إلى غير ذلك من الآيات. # ويؤيده قوله: "لكل باب منهم جزء مقسوم" فإن ظاهره أن نفس الجزء مقسوم ~~موزع على الباب، وهذا إنما يلائم الباب بمعنى الطبقة دون الباب بمعنى ~~المدخل وأما تفسير بعضهم الجزء المقسوم بالفريق المعين المفروز من غيره ~~فوهنه ظاهر. # وعلى هذا فكون جهنم لها سبعة أبواب هو كون العذاب المعد فيها متنوعا إلى ~~سبعة أنواع ثم انقسام كل نوع أقساما حسب انقسام الجزء الداخل الماكث فيه، ~~وذلك يستدعي انقسام المعاصي الموجبة للدخول فيها سبعة أقسام، وكذا انقسام ~~الطرق المؤدية والأسباب الداعية إلى تلك المعاصي ذاك الانقسام، وبذلك يتأيد ~~ما ورد من الروايات في هذه المعاني كما سيوافيك إن شاء الله. # قوله تعالى: "إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين" أي إنهم ~~مستقرون في جنات وعيون يقال لهم: ادخلوها بسلام لا يوصف ولا يكتنه نعته في ~~حال كونكم آمنين من كل شر وضر. # لما ذكر سبحانه قضاءه فيمن اتبع إبليس من الغاوين ذكر ما قضى به في حق ~~المتقين من الجنة، وقد ورد تفسير التقوى في كلامه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالورع عن محارم الله، وقد تكرر في كلامه تعالى بشراهم بالجنة فيكون ~~المتقون أعم من المخلصين. # وما قيل: إنه لا شبهة في أن السياق يدل على أن المتقين هم المخلصون ~~السابق ذكرهم، وأن المطلق يحمل على الفرد الكامل. # فيه أن ذلك مبني على كون المراد بالعباد في قوله: "إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان" هم المخلصين حتى يختص السياق بالكلام فيهم، وقد تقدم أن المراد ~~بالعباد عامة أفراد الإنسان خرج منه الغاوون بالاستثناء وبقي الباقون، وقد ~~ذكر سبحانه قضاءه ms4512 في الغاوين بالنار وهو ذا يذكر قضاءه في غيرهم ممن أوجب ~~له الجنة والأمر في المستضعفين مرجأ وفي العصاة من أهل الكبائر الذين ~~يموتون بغير توبة منوط بالشفاعة فيبقى أهل التقوى من المؤمنين وهم أعم من ~~المخلصين فقضي فيهم بالجنة. # وأما حديث حمل المطلق على الفرد الكامل فهو خطأ وإنما يحمل على الفرد ~~المتعارف وتفصيل المسألة في فن الأصول. # وذكر الإمام الرازي في تفسيره أن المراد بالمتقين في الآية الذين اتقوا ~~الشرك ونقله عن جمهور الصحابة والتابعين وأسنده إلى الخبر. PageV12P087 # قال: وهذا هو الحق الصحيح والذي يدل عليه أن المتقي هو الآتي بالتقوى مرة ~~واحدة كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة فليس من شرط صدق الوصف بكونه ~~متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى، والذي يقرر ذلك أن الآتي بفرد واحد من ~~أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى فإن الفرد مشتمل على الماهية بالضرورة وكل ~~آت بالتقوى يجب أن يكون متقيا فالآتي بفرد يجب كونه متقيا، ولهذا قالوا: ~~ظاهر الأمر لا يفيد التكرار. # فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن ذنب واحد، إلا أن ~~الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم. # وأيضا هذه الآية وردت عقيب قول إبليس: "إلا عبادك منهم المخلصين" عقيب ~~قوله تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" فلذا اعتبر الإيمان في هذا ~~الحكم فوجب أن لا يزاد فيه قيد آخر لأن تخصيص العام لما كان خلاف الظاهر ~~فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق بمقتضى الأصل والظاهر. # فثبت أن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين: لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله ولو كانوا من أهل المعصية، وهذا تقرير بين وكلام ظاهر، انتهى. # ومقتضى كلامه شمول الآية لمن اتقى الشرك ولو اقترف جميع الكبائر الموبقة ~~التي نص الكتاب العزيز باستحقاق النار بإتيانها وترك جميع الواجبات التي نص ~~على تركها بمثله، والمستأنس بكلامه تعالى المتدبر في آياته لا يرتاب في أن ~~القرآن لا يسمي مثل هذا متقيا ولا يعده من المتقين، وقد ms4513 أكثر القرآن ذكر ~~المتقين وبشرهم بالجنة بشارة صريحة فيما يقرب من عشرين موضعا وصفهم في كثير ~~منها باجتناب المحارم وبذلك فسر التقوى في الحديث كما تقدم. # ثم إن مجرد صحة إطلاق الوصف أمر والتسمية أمر آخر فلا يسمى بالمؤمنين ~~والمحسنين والقانتين والمخلصين والصابرين وخاصة في الأوصاف التي تحتمل ~~البقاء والاستمرار إلا من استقر فيه الوصف، ولو صح ما ذكره في المتقين لجرى ~~مثل ذلك في الظالمين والفاسقين والمفسدين والمجرمين والغاوين والضالين وقد ~~أوعدهم الله النار، وأدى ذلك إلى تدافع عجيب واختلال في كلامه تعالى، ولو ~~قيل: إن هناك ما يصرف هذه الآيات أن تشمل المرة والمرتين كآيات التوبة ~~والشفاعة ونظائرها فهناك ما يصرف هذه الآية أن تشمل المتقي بالمرة والمرتين ~~وهي نفس آيات الوعيد على الكبائر الموبقة كآيات الزنا والقتل ظلما والربا ~~وأكل مال اليتيم وأشباهها. # ثم الذي ذكره في تقريب الدلالة وجوه واهية كقوله: إن هذه الآية وقعت عقيب ~~قول إبليس إلخ، فإنك قد عرفت فيما تقدم أن ذلك لا ينفعه شيئا، وكقوله: إن ~~زيادة قيد آخر بعد الإيمان خلاف الأصل إلخ، فإن الأصل إنما يركن إليه عند ~~عدم الدليل اللفظي وقد عرفت أن هناك آيات جمة صالحة للتقييد. # وكقوله: إن ذلك خلاف الظاهر. # وكأنه يريد به ظهور المطلق في الإطلاق، وقد ذهب عليه أن ظهور المطلق إنما ~~هو حجة فيما إذا لم يكن هناك ما يصلح للتقييد. # فالحق أن الآية إنما تشمل الذين استرقت فيهم ملكة التقوى وهو الورع عن ~~محارم الله فأولئك هم المقضي عليهم بالسعادة والجنة قضاء لازما، نعم ~~المستفاد من الكتاب والسنة أن أهل التوحيد وهم من حضر الموقف بشهادة أن لا ~~إله إلا الله لا يخلدون في النار ويدخلون الجنة لا محالة، وهذا غير دلالة ~~آية المتقين على ذلك. # قوله تعالى: "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" إلى ~~آخر الآيتين. # الغل الحقد، وقيل هو ما في الصدر من حقد وحسد مما يبعث الإنسان إلى إضرار ~~الغير، والسرر جمع سرير والنصب ms4514 هو التعب والعي الوارد من خارج. PageV12P088 # يصف تعالى في الآيتين حال المتقين في سعادتهم بدخول الجنة، اختص بالذكر هذه ~~الأمور من بين نعم الجنة على كثرتها فإن العناية باقتضاء من المقام متعلقة ~~ببيان أنهم في سلام وأمن مما ابتلي به الغاوون من بطلان السعادة وذهاب ~~السيادة والكرامة فذكر أنهم في أمن من قبل أنفسهم لأن الله نزع ما في ~~صدورهم من غل فلا يهم الواحد منهم بصاحبه سوء بل هم إخوان على سرر متقابلين ~~ولتقابلهم معنى سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله تعالى وأنهم في أمن من ~~ناحية الأسباب والعوامل الخارجة فلا يمسهم نصب أصلا وأنهم في أمن وسلام من ~~ناحية ربهم فما هم من الجنة بمخرجين أبدا فلهم السعادة والكرامة من كل جهة، ~~ولا يغشاهم ولا يمسهم شقاء ووهن من جهة أصلا لا من ناحية أنفسهم ولا من ~~ناحية سائر ما خلق الله ولا من ناحية ربهم. # كلام # الأقضية التي صدرت عن مصدر العزة في بدء خلقة الإنسان على ما وقع في ~~كلامه سبحانه عشرة: الأول والثاني قوله لإبليس: "فاخرج منها فإنك رجيم وإن ~~عليك اللعنة إلى يوم الدين": الحجر: 35، ويمكن إرجاعهما إلى واحد. # الثالث قوله سبحانه له: "فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم": ~~الحجر: 38. # الرابع والخامس والسادس قوله له: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين": الحجر: 43. # السابع والثامن قوله سبحانه لآدم ومن معه: "اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36. # التاسع والعاشر قوله لهم: "اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 39. # وهناك أقضية فرعية مترتبة على هذه الأقضية الأصلية يعثر عليها المتدبر ~~الباحث. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته ~~عن قول الله: "ونفخت فيه من روحي" الآية قال: روح خلقها الله ms4515 فنفخ في آدم منها. # وفيه، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: "فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي" قال: خلق خلقا وخلق روحا ثم أمر الملك فنفخ فيه وليست ~~بالتي نقصت من الله شيئا هي من قدرته تبارك وتعالى. # وفيه، وفي رواية سماعة عنه (عليه السلام): خلق آدم ونفخ فيه. وسألته عن ~~الروح قال: هي قدرته من الملكوت. # أقول: أي هي قدرته الفعلية منبعثة عن قدرته الذاتية صادرة منها كما يدل ~~عليه الخبر السابق. # وفي المعاني، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عن قول الله عز وجل: "ونفخت فيه من روحي" قال: روح اختاره واصطفاه وخلقه ~~وأضافه إلى نفسه وفضله على جميع الأرواح فأمر فنفخ منه في آدم. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عما يروون أن الله خلق آدم على صورته فقال: هي على صورة مخلوقة محدثة ~~اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف ~~الكعبة إلى نفسه فقال: "بيتي" "ونفخت فيه من روحي". # أقول: وهذه الروايات من غرر الروايات في معنى الروح تتضمن معارف جمة ~~وسنوضح معناها عند الكلام في حقيقة الروح إن شاء الله. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله تعالى: "إنك لمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" يوم ~~ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية. # وفي تفسير العياشي، عن وهب بن جميع وفي تفسير البرهان، عن شرف الدين ~~النجفي بحذف الإسناد عن وهب واللفظ للثاني عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سألته عن إبليس وقوله: "رب فأنظرني إلى يوم يبعثون - قال فإنك من ~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" أي يوم هو؟ قال: يا وهب أتحسب أنه يوم ~~يبعث الله فيه الناس ولكن الله عز وجل أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا فيأخذ ~~بناصيته ويضرب عنقه فذلك اليوم هو الوقت المعلوم. # وفي ms4516 تفسير القمي، بإسناده عن محمد بن يونس عن رجل عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله تبارك وتعالى: "فأنظرني - إلى قوله إلى يوم الوقت ~~المعلوم قال: يوم الوقت المعلوم يذبحه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على الصخرة التي في بيت المقدس. PageV12P089 # أقول: وهو من أخبار الرجعة وفي معناه ومعنى الرواية السابقة عليه أخبار ~~أخرى من طرق أهل البيت (عليهم السلام). # ومن الممكن أن تكون الرواية الأولى من هذه الثلاث الأخيرة صادرة على وجه ~~التقية، ويمكن أن توجه الروايات الثلاث من غير تناف بينها بما تقدم في ~~الكلام على الرجعة في الجزء الأول من الكتاب وغيره أن الروايات الواردة من ~~طرق أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير غالب آيات القيامة تفسرها بظهور ~~المهدي (عليه السلام) تارة وبالرجعة تارة وبالقيامة أخرى لكون هذه الأيام ~~الثلاثة مشتركة في ظهور الحقائق وإن كانت مختلفة من حيث الشدة والضعف فحكم ~~أحدها جار في الآخرين فافهم ذلك. # وفي تفسير العياشي، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: أرأيت ~~قول الله: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان"؟ ما تفسير هذا؟ قال: قال الله: ~~إنك لا تملك أن تدخلهم جنة ولا نارا. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لها سبعة أبواب" الآية، قال: قال: ~~يدخل في كل باب أهل مذهب، وللجنة ثمانية أبواب. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد في الزهد عن خطاب بن عبد الله قال: قال علي: ~~أتدرون كيف أبواب جهنم قلنا كنحو هذه الأبواب. قال: لا، ولكنها هكذا ووضع ~~يده فوق يده وبسط يده على يده. # وفيه، أخرج ابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد ~~وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ~~من طرق عن علي قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيملأ الأول ثم الثاني ~~ثم الثالث حتى يملأ كلها. # وفيه، أخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس قال قال رسول الله (صلى ~~الله عليه ms4517 وآله وسلم): في قوله تعالى: "لكل باب منهم جزء مقسوم" قال: جزء ~~أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله. # أقول: هو تعداد أجزاء الأبواب دون نفسها، والظاهر أن الكلام غير مسوق للحصر. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لجهنم باب لا يدخل منه إلا من أخفرني في أهل بيتي وأراق دماءهم من بعدي. # أقول: يقال: خفره أي غدر به ونقض عهده. # وفيه، أخرج أحمد وابن حبان والطبري وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ~~عتبة بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: للجنة ثمانية ~~أبواب وللنار سبعة أبواب وبعضها أفضل من بعض. # أقول: والروايات - كما ترى - تؤيد من قدمناه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ونزعنا ما في صدورهم من غل" الآية، ~~قال: قال العداوة. # وفي تفسير البرهان، عن الحافظ أبي نعيم عن رجاله عن أبي هريرة قال: قال ~~علي بن أبي طالب: يا رسول الله أيما أنا أحب إليك أم فاطمة قال: فاطمة أحب ~~إلي منك وأنت أعز علي منها، وكأني بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وإن ~~عليه أباريق عدد نجوم السماء، وأنت والحسن والحسين وحمزة وجعفر في الجنة ~~إخوانا على سرر متقابلين وأنت معي وشيعتك. ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) "إخوانا على سرر متقابلين" لا ينظر أحدكم في قفاء صاحبه. # وفيه، عن ابن المغازلي في المناقب يرفعه إلى زيد بن أرقم قال: دخلت على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إني مواخ بينكم كما آخى الله بين ~~الملائكة، ثم قال لعلي: أنت أخي ثم تلا هذه الآية: "إخوانا على سرر ~~متقابلين" الأخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض: أقول: ورواه أيضا عن أحمد ~~في مسنده مرفوعا إلى زيد بن أوفى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والرواية مبسوطة. # وفي الروايتين تفسير قوله تعالى: "على سرر متقابلين" بقوله: لا ينظر ~~أحدهم في قفاء صاحبه، ms4518 وقوله: الأخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض وفيه ~~إشارة إلى أن التقابل في الآية كناية عن عدم تتبع أحدهم عورات إخوانه ~~وزلاتهم كما يفعل ذلك من في صدره غل وهو معنى لطيف. # وما قرأه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الآية إنما هو من باب الجري ~~والانطباق لا أن الآية نازلة في أهل البيت (عليهم السلام) فسياق الآيات لا ~~يلائمه البتة. PageV12P090 # ونظيرها ما روي عن علي (عليه السلام): أن الآية نزلت فينا أهل بدر، وفي ~~رواية أخرى عنه (عليه السلام): أنها نزلت في أبي بكر وعمر، وفي رواية أخرى ~~عن علي بن الحسين (عليهما السلام): أنها نزلت في أبي بكر وعمر وعلي، وفي ~~رواية أخرى: أنها نزلت في علي والزبير وطلحة، وفي رواية أخرى: أنها نزلت في ~~علي وعثمان وطلحة والزبير، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنها نزلت في عشرة: ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ~~وعبد الله بن مسعود. # والروايات - على ما بها من الاختلاف - تطبيقات من الرواة، والآية تأبى ~~بسياقها عن أن تكون نازلة في بعض المذكورين كيف؟ وهي في جملة آيات تقص ما ~~قضاه الله وحكم به يوم خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس بالسجود له فأبى إبليس ~~فرجمه ثم قضى ما قضى، ولا تعلق لذلك بأشخاص بخصوصيتهم هذا. PageV12P091 ### ||| AUTO 15 سورة الحجر - 49 - 84 # نبئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابى هو العذاب الأليم (50) ~~ونبئهم عن ضيف إبرهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال إنا منكم وجلون ~~(52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلم عليم (53) قال أبشرتمونى على أن مسنى ~~الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرنك بالحق فلا تكن من القنطين (55) قال ومن ~~يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا ~~إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا ءال لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا ~~امرأته قدرنا إنها لمن الغبرين (60) فلما جاء ءال لوط المرسلون (61) قال ~~إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئنك بما كانوا فيه يمترون ms4519 (63) وأتينك ~~بالحق وإنا لصدقون (64) فأسر بأهلك بقطع من اليل واتبع أدبرهم ولا يلتفت ~~منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء ~~مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفى فلا ~~تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العلمين (70) ~~قال هؤلاء بناتى إن كنتم فعلين (71) لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون (72) ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل (74) إن فى ذلك لايت للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن فى ذلك ~~لاية للمؤمنين (77) وإن كان أصحب الأيكة لظلمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما ~~لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين (80) وءاتينهم ءايتنا ~~فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين (82) ~~فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) ### |||| AUTO بيان # بعد ما تكلم سبحانه حول استهزائهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما ~~أنزل إليه من الكتاب واقتراحهم عليه أن يأتيهم بالملائكة وهم ليسوا بمؤمنين ~~وإن سمح لهم بأوضح الآيات أتى سبحانه في هذه الآيات ببيان جامع في التبشير ~~والإنذار وهو ما في قوله: "نبىء عبادي" إلى آخر الآيتين ثم أوضحه وأيده ~~بقصة جامعة للجهتين متضمنة للأمرين معا وهي قصة ضيف إبراهيم وفيها بشرى ~~إبراهيم بما لا مطمع فيه عادة وعذاب قوم لوط بأشد أنواع العذاب. # ثم أيده تعالى بإشارة إجمالية إلى تعذيب أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب ~~وأصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح (عليه السلام). # قوله تعالى: "نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم" المراد بقوله: "عبادي" على ما يفيده سياق الآيات مطلق العباد ولا ~~يعبأ بما ذكره بعضهم: أن المراد بهم المتقون السابق ذكرهم أو المخلصون. # وتأكيد الجملتين بالاسمية وإن وضمير الفصل واللام في الخبر يدل على أن ~~الصفات المذكورة فيها أعني المغفرة والرحمة وألم العذاب بالغة في معناها ~~النهاية بحيث لا تقدر بقدر ولا يقاس بها غيرها، فما من مغفرة أو رحمة إلا ~~ويمكن أن يفرض لها مانع يمنع من إرسالها أو مقدر يقدرها ويحدها، ms4520 لكنه ~~سبحانه يحكم لا معقب لحكمه ولا مانع يقاومه فلا يمنع عن إنجاز مغفرته ~~ورحمته شيء ولا يحدهما أمر إلا أن يشاء ذلك هو جل وعز، فليس لأحد أن ييأس ~~من مغفرته أو يقنط من روحه ورحمته استنادا إلى مانع يمنع أو رادع يردع إلا ~~أن يخافه تعالى نفسه كما قال: "لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم": الزمر: 54. PageV12P092 # وليس لأحد أن يحقر عذابه أو يؤمل عجزه أو يأمن مكره والله غالب على أمره ~~ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. # قوله تعالى: "ونبئهم عن ضيف إبراهيم" الضيف معروف ويطلق على المفرد ~~والجمع وربما يجمع على أضياف وضيوف وضيفان لكن الأفصح - كما قيل - أن لا ~~يثنى ولا يجمع لكونه مصدرا في الأصل. # والمراد بالضيف الملائكة المكرمون الذين أرسلوا لبشارة إبراهيم بالولد ~~ولهلاك قوم لوط سماهم ضيفا لأنهم دخلوا عليه في صورة الضيف. # قوله تعالى: "إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا ~~توجل إنا نبشرك بغلام عليم" ضمير الجمع في "دخلوا" و"قالوا" في الموضعين ~~للملائكة فقولهم: "سلاما" تحية وتقديره نسلم عليك سلاما وقول إبراهيم (عليه ~~السلام): "إنا منكم وجلون" أي خائفون والوجل: الخوف. # وإنما قال لهم إبراهيم ذلك بعد ما استقر بهم المجلس وقدم إليهم عجلا ~~حنيذا فلم يأكلوا منه فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~كما في سورة هود فالقصة مذكورة على نحو التلخيص. # وقولهم: "لا توجل" تسكين لوجله وتأمين له وتطييب لنفسه بأنهم رسل ربه وقد ~~دخلوا عليه ليبشروه بغلام عليم أي بولد يكون غلاما وعليما، ولعل المراد ~~كونه عليما بتعليم الله ووحيه فيقرب من قوله في موضع آخر: "فبشرناه بإسحاق ~~نبيا": الصافات: 112. # قوله تعالى: "قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون" تلقى إبراهيم ~~(عليه السلام) البشرى وهو شيخ كبير هرم لا عقب له من زوجه وقد أيئسته ~~العادة الجارية عن الولد وإن كان يجل أن يقنط من رحمة الله ms4521 ونفوذ قدرته، ~~ولذا تعجب من قولهم واستفهمهم كيف يبشرونه بالولد وحاله هذه الحال؟ وزوجه ~~عجوز عقيم كما وقع في موضع آخر من كلامه تعالى. # فقوله: "أبشرتموني على أن مسني الكبر" الكبر كناية عن الشيخوخة ومسه هو ~~نيله منه ما نال بإفناء شبابه وإذهاب قواه، والمعنى إني لأتعجب من بشارتكم ~~إياي والحال أني شيخ هرم فني شبابي وفقدت قوى بدني، والعادة تستدعي أن لا ~~يولد لمن هذا شأنه ولد. # وقوله: "فبم تبشرون" تفريع على قوله: "مسني الكبر" وهو استفهام عما بشروه ~~به كأنه يشك في كون بشارتهم بشرى بالولد مع تصريحهم بذلك لا استبعاد ذلك ~~فيسأل ما هو الذي تبشرون به؟ فإن الذي يدل عليه ظاهر كلامكم أمر عجيب، وهذا ~~شائع في الكلام يقول الرجل إذا أخبر بما يستبعده أو لا يصدقه: ما تقول؟ وما ~~تريد؟ وما ذا تصنع؟. # قوله تعالى: "قالوا بشرناك بالحق - إلى قوله - إلا الضالون" الباء في ~~"بالحق" للمصاحبة أي إن بشارتنا ملازمة للحق غير منفكة منه فلا تدفعها ~~بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمة الله وهذا، جواب للملائكة وقد قابلهم ~~إبراهيم (عليه السلام) على نحو التكنية فقال: "ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون" والاستفهام إنكاري أي إن القنوط من رحمة الله مما يختص بالضالين ~~ولست أنا بضال فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد. # قوله تعالى: "قال فما خطبكم أيها المرسلون" الخطب الأمر الجليل والشأن ~~العظيم، وفي خطابهم بالمرسلين دلالة على أنهم ذكروا له ذلك قبلا، ومعنى ~~الآية ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين - إلى قوله - لمن ~~الغابرين" قال في المفردات: الغابر الماكث بعد مضي من هو معه قال تعالى: ~~"إلا عجوزا في الغابرين" يعني فيمن طال أعمارهم، وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع ~~لوط، وقيل: فيمن بقي بعد في العذاب، وفي آخر: "إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين" وفي آخر: "قدرنا إنها لمن الغابرين" - إلى أن قال - والغبار ما ~~يبقى من التراب المثار وجعل على بناء الدخان والعثار ونحوهما من البقايا. # انتهى ولعله من هنا ms4522 ما ربما يسمى الماضي والمستقبل معا غابرا أما الماضي ~~فبعناية أنه بقي فيما مضى ولم يتعد إلى الزمان الحاضر وأما المستقبل ~~فبعناية أنه باق لم يفن بعد كالماضي. # والآيات جواب الملائكة لسؤال إبراهيم "قالوا إنا أرسلنا" من عند الله ~~سبحانه "إلى قوم مجرمين" نكروهم ولم يسموهم صونا للسان عن التصريح باسمهم ~~تنفرا منه ومستقبل الكلام يعينهم ثم استثنوا وقالوا: "إلا آل لوط" وهم لوط ~~وخاصته وظهر به أن القوم قومه "إنا لمنجوهم" أي مخلصوهم من العذاب "أجمعين" ~~وظاهر السياق كون الاستثناء منقطعا. PageV12P093 # ثم استثنوا امرأة لوط من آله للدلالة على أن النجاة لا تشملها وأن العذاب ~~سيأخذها ويهلكها فقالوا "إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين" أي الباقين ~~من القوم بعد خروج آل لوط من قريتهم. # وقد تقدم تفصيل قول في ضيف إبراهيم (عليه السلام) في سورة هود في الجزء ~~العاشر من الكتاب وعقدنا هناك بحثا مستقلا فيه. # قوله تعالى: "فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون" إنما قال ~~لهم لوط (عليه السلام) ذلك لكونهم ظاهرين بصور غلمان مرد حسان وكان يشقه ما ~~يراه منهم وشأن قومه شأنهم من الفحشاء كما تقدم في سورة هود والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا ~~لصادقون" الامتراء من المرية وهو الشك، والمراد بما كانوا فيه يمترون ~~العذاب الذي كان ينذرهم به لوط وهم يشكون فيه، والمراد بإتيانهم بالحق ~~إتيانهم بقضاء حق في أمر القوم لا معدل عنه كما وقع في موضع آخر من قولهم: ~~"وإنهم آتيهم عذاب غير مردود": هود: 76، وقيل: المراد "وأتيناك بالعذاب ~~الذي لا شك فيه" وما ذكرناه هو الوجه. # وفي آيات القصة تقديم وتأخير لا بمعنى اختلال ترتيبها بحسب النزول عند ~~التأليف بوضع ما هو مؤخر في موضع المقدم وبالعكس بل بمعنى ذكره تعالى بعض ~~أجزاء القصة في غير محله الذي يقتضيه الترتيب الطبعي وتعينه له سنة ~~الاقتصاص لنكتة توجب ذلك. # وترتيب القصة بحسب أجزائها على ما ذكرها الله سبحانه في سورة ms4523 هود وغيرها ~~والاعتبار يساعد ذلك مقتضاه أن يكون قوله: "فلما جاء آل لوط" إلى تمام ~~آيتين قبل سائر الآيات. # ثم قوله: "وجاء أهل المدينة" إلى تمام ست آيات. # ثم قوله: "قالوا بل جئناك" إلى تمام أربع آيات. # ثم قوله: "فأخذتهم الصيحة مشرقين" إلى آخر الآيات. # وحقيقة هذا التقديم والتأخير أن للقصة فصولا أربعة وقد أخذ الفصل الثالث ~~منها فوضع بين الأول والثاني أعني أن قوله: "وجاء أهل المدينة" إلى آخره ~~أخر في الذكر ليتصل آخره وهو قوله: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون" بأول ~~الفصل الأخير: "فأخذتهم الصيحة مشرقين" وذلك ليتمثل به الغرض في الاستشهاد ~~بالقصة وينجلي أوضح الانجلاء وهو نزول عذاب هائل كعذابهم في حال سكرة منهم ~~وأمن منه لا يخطر ببالهم شيء من ذلك وذلك أبلغ في الدهشة وأوقع في الحسرة ~~يزيد في العذاب ألما على ألم. # ونظير هذا في التلويح بهذه النكتة ما في آخر قصة أصحاب الحجر الآتية من ~~اتصال قوله: "وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين" بقوله: "فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين" كل ذلك ليجلي معنى قوله تعالى في صدر المقال: "وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم" فافهم ذلك. # قوله تعالى: "فأسر بأهلك بقطع من الليل" إلى آخر الآية، الإسراء هو السير ~~بالليل، فقوله: "بقطع من الليل" يؤكده وقطع الليل شطر مقطوع منه، والمراد ~~باتباعه أدبارهم هو أن يسير وراءهم فلا يترك أحدا يتخلف عن السير ويحملهم ~~على السير الحثيث كما يشعر به قوله: "ولا يلتفت منكم أحد". # والمعنى: وإذ جئناك بعذاب غير مردود وأمر من الله ماض يجب عليك أن تسير ~~بأهلك ليلا وتأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلفوا عن السير ولا يساهلوا فيه ولا ~~يلتفت أحد منكم إلى ورائه وامضوا حيث تؤمرون، وفيه دلالة على أنه كانت ~~أمامهم هداية إلهية تهديهم وقائد يقودهم. # قوله تعالى: "وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" القضاء ~~مضمن معنى الوحي ولذا عدي بإلى - كما قيل - والمراد بالأمر أمر العذاب كما ~~يفسره قوله: "أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" والإشارة إليه بلفظة ms4524 "ذلك" ~~للدلالة على عظم خطره وهول أمره. # والمعنى: وقضينا أمرنا العظيم في عذابهم موحيا ذلك إلى لوط وهو أن دابر ~~هؤلاء وأثرهم الذي من شأنه أن يبقى بعدهم من نسل وبناء وعمل مقطوع حال ~~كونهم مصبحين أو التقدير أوحينا إليه قاضيا، إلخ. # قوله تعالى: "وجاء أهل المدينة يستبشرون - إلى قوله - إن كنتم فاعلين" ~~يدل نسبة المجيء إلى أهل المدينة على كونهم جماعة عظيمة يصح عدهم أهل ~~المدينة لكثرتهم. PageV12P094 # فالمعنى "وجاء" إلى لوط "أهل المدينة" جمع كثير منهم يريدون أضيافه وهم ~~"يستبشرون" لولعهم بالفحشاء وخاصة بالداخلين في بلادهم من خارج فاستقبلهم ~~لوط مدافعا عن أضيافه "قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون" بالعمل الشنيع بهم ~~"واتقوا الله ولا تخزون قالوا" المهاجمون من أهل المدينة: ألم نقطع عذرك في ~~إيوائهم "أولم ننهك عن العالمين" أن تؤويهم وتشفع فيهم وتدافع عنهم فلما ~~يئس لوط (عليه السلام) منهم عرض عليهم بناته أن ينصرفوا عن أضيافه بنكاحهن ~~- كما تقدم بيانه في سورة هود - "قال إن هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين". # قوله تعالى: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون - إلى قوله - من سجيل" قال في ~~المفردات: العمارة ضد الخراب. # قال: والعمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة فهو دون البقاء فإذا قيل: طال ~~عمره فمعناه عمارة بدنه بروحه، وإذا قيل: بقاؤه فليس يقتضي ذلك فإن البقاء ~~ضد الفناء، ولفضل البقاء على العمر وصف الله به وقلما وصف بالعمر قال: ~~والعمر - بالضم - والعمر - بالفتح - واحد لكن خص القسم بالعمر - بالفتح - ~~دون العمر - بالضم - نحو "لعمرك إنهم لفي سكرتهم"، انتهى. # والخطاب في "لعمرك" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو قسم ببقائه وقول ~~بعضهم: إنه خطاب من الملائكة للوط (عليه السلام) وقسم بعمره لا دليل عليه ~~من سياق الآيات. # والعمه هو التردد على حيرة والسجيل حجارة العذاب وقد تقدم تفصيل القول في ~~معناه في تفسير سورة هود. # والمعنى أقسم بحياتك وبقائك يا محمد إنهم لفي سكرتهم وهي غفلتهم ~~بانغمارهم في الفحشاء والمنكر يترددون متحيرين "فأخذتهم الصيحة" وهي الصوت ~~الهائل "مشرقين" أي ms4525 حال كونهم داخلين في إشراق الصبح فجعلنا عالي بلادهم ~~سافلها وفوقها تحتها وأمطرنا وأنزلنا من السماء عليهم حجارة من سجيل. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآيات للمتوسمين - إلى قوله - للمؤمنين" الآية ~~العلامة والمراد بالآيات أولا العلامات الدالة على وقوع الحادثة من بقايا ~~الآثار وبالآية ثانيا العلامة الدالة للمؤمنين على حقية الإنذار والدعوة ~~الإلهية والتوسم التفرس والانتقال من سيماء الأشياء على حقيقة حالها. # والمعنى: أن في ذلك أي فيما جرى من الأمر على قوم لوط وفي بلادهم لعلامات ~~من بقايا الآثار للمتفرسين وإن تلك العلامات لبسبيل للعابرين مقيم لم تعف ~~ولم تنمح بالكلية بعد، إن في ذلك لآية للمؤمنين تدل على حقية الإنذار ~~والدعوة وقد تبين بذلك وجه إيراد الآيات جمعا ومفردا في الموضعين. # قوله تعالى: "وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين - إلى - فانتقمنا منهم وإنهما ~~لبإمام مبين" الأيكة واحدة الأيك وهو الشجر الملتف بعضه ببعض فقد كانوا - ~~كما قيل - في غيضة أي بقعة كثيفة الأشجار. # وهؤلاء - كما ذكروا - هم قوم شعيب (عليه السلام) أو طائفة من قومه كانوا ~~يسكنون الغيضة، ويؤيده قوله تعالى ذيلا: "وإنهما لبإمام مبين" أي مكانا قوم ~~لوط وأصحاب الأيكة لفي طريق واضح فإن الذي على طريق المدينة إلى الشام هي ~~بلاد قوم لوط وقوم شعيب الخربة أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم لدعوة شعيب ~~(عليه السلام) وقد تقدمت قصتهم في سورة هود وقوله: "فانتقمنا منهم" الضمير ~~لأصحاب الأيكة وقيل: لهم ولقوم لوط. # ومعنى الآيتين ظاهر. # قوله تعالى: "ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين - إلى قوله - ما كانوا ~~يكسبون" أصحاب الحجر هم ثمود قوم صالح والحجر اسم بلدة كانوا يسكنونها ~~وعدهم مكذبين لجميع المرسلين وهم إنما كذبوا صالحا المرسل إليهم إنما هو ~~لكون دعوة الرسل دعوة واحدة والمكذب لواحد منهم مكذب للجميع. # وقوله: "وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين" إن كان المراد بالآيات ~~المعجزات والخوارق - كما هو الظاهر - فالمراد بها الناقة وشربها وما ظهر ~~لهم بعد عقرها إلى أن أهلكوا، وقد تقدمت القصة في سورة هود، وإن كان المراد ~~بها المعارف الإلهية ms4526 التي بلغها صالح (عليه السلام) ونشرها فيهم أو المجموع ~~من المعارف الحقة والآية المعجزة فالأمر واضح. # وقوله: "وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين" أي كانوا يسكنون الغيران ~~والكهوف المنحوتة من الحجارة آمنين من الحوادث الأرضية والسماوية بزعمهم. PageV12P095 # وقوله: "فأخذتهم الصيحة مصبحين" أي صيحة العذاب التي كان فيها هلاكهم، وقد ~~تقدمت الإشارة إلى مناسبة اجتماع الأمن مع الصيحة في الآيتين لقوله في صدر ~~الآيات: "وأن عذابي هو العذاب الأليم". # وقوله: "فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون" أي من الأعمال لتأمين سعادتهم في ~~الحياة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال: مر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ناس من أصحابه يضحكون قال: اذكروا ~~الجنة واذكروا النار فنزلت: "نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم". # أقول: وفي معناه روايات أخر لكن في انطباق معنى الآية على ما ذكر فيها من ~~السبب خفاء. # وفيه أخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: "إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين" قال: هم المتفرسون. # وفيه، أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~السني وأبو نعيم معا في الطب وابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر ~~بنور الله ثم قرأ: "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" قال المتفرسين. # وفي اختصاص المفيد، بإسناده عن أبي بكر بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: قال: ما من مخلوق إلا وبين عينيه مكتوب مؤمن أو كافر ~~وذلك محجوب عنكم وليس بمحجوب عن الأئمة من آل محمد ثم ليس يدخل عليهم أحد ~~إلا عرفوه مؤمنا أو كافرا ثم تلا هذه الآية: "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" ~~فهم المتوسمون. # أقول: والروايات في هذا المعنى متظافرة متكاثرة، وليس معناها نزول الآية ~~فيهم (عليهم السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه ms4527 وآله وسلم): إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله ~~إليهما شعيبا. # أقول: وقد أوردنا ما يجب إيراده من الروايات في قصة بشرى إبراهيم وقصص ~~لوط وشعيب وصالح (عليهما السلام) في تفسير سورة هود في الجزء العاشر من ~~الكتاب واكتفينا بذلك عن إيرادها هاهنا فليرجع إلى هناك. PageV12P096 ### ||| AUTO 15 سورة الحجر - 85 - 99 # وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لاتية فاصفح ~~الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلق العليم (86) ولقد ءاتينك سبعا من ~~المثانى والقرءان العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوجا منهم ~~ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إنى أنا النذير المبين (89) ~~كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرءان عضين (91) فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين (94) إنا كفينك المستهزءين (95) الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر ~~فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك ~~وكن من السجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) ### |||| AUTO بيان # في الآيات تخلص إلى غرض البيان السابق وهو أمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يصدع بما يؤمر ويأخذ بالصفح والإعراض عن المشركين ولا يحزن عليهم ~~ولا يضيق صدره بما يقولون فإن من القضاء الحق أن يجازي الناس بأعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وخاصة يوم القيامة الذي لا ريب فيه وهو اليوم الذي لا يغادر ~~أحدا ولا يدع مثقال ذرة من الخير والشر إلا ألحقه بعامله فلا ينبغي أن يؤسف ~~لكفر كافر فإن الله عليم به سيجازيه، ولا يحزن عليه فإن الاشتغال بالله ~~سبحانه أهم وأوجب. # ولقد كرر سبحانه أمره بالصفح والإعراض عن أولئك المستهزءين به - وهم ~~الذين مر ذكرهم في مفتتح السورة - والاشتغال بتسبيحه وتحميده وعبادته، ~~وأخبره أنه كفاه شرهم فليشتغل بما أمره الله به، وبذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وإن ~~الساعة لآتية" الباء في قوله: "بالحق" للمصاحبة أي إن خلقها جميعا لا ينفك ~~عن الحق ويلازمه فللخلق غاية سيرجع إليها ms4528 قال تعالى: "إن إلى ربك الرجعى": ~~العلق: 8، ولو لا ذلك لكان لعبا باطلا قال تعالى: "وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق": الدخان: 39، وقال: "وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا": ص: 27، ومن الدليل على كون المراد ~~بالحق ما يقابل اللعب الباطل تذييل الكلام بقوله: "وإن الساعة لآتية" وهو ظاهر. # وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن المراد بالحق العدل والإنصاف والباء ~~للسببية والمعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء ~~بالأعمال. # وذلك أن كون الحق في الآية بمعنى العدل والإنصاف لا شاهد عليه من اللفظ ~~على أن الذي ذكره من المعنى إنما يلائم كون الباء بمعنى لام الغرض أو ~~للمصاحبة دون السببية. # وكذا ما ذكره بعضهم أن الحق بمعنى الحكمة وأن الجملة الأولى "وما خلقنا" ~~إلخ، ناظرة إلى العذاب الدنيوي والثانية "وإن الساعة لآتية" إلى العذاب ~~الأخروي والمعنى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا متلبسا بالحق ~~والحكمة بحيث لا يلائم استمرار الفساد واستقرار الشرور، وقد اقتضت الحكمة ~~إهلاك أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم وإرشادا لمن بقي إلى الصلاح، وإن الساعة ~~لآتية فينتقم أيضا فيها من أمثال هؤلاء. # وفي الآية مشاجرة بين أصحاب الجبر والتفويض كل من الفريقين يجر نارها إلى ~~قرصته فاستدل بها أصحاب الجبر على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أعمالهم ~~من جملة ما بينهما فهي مخلوقة له. # واستدل بها أصحاب التفويض على أن أفعال العباد ليست مخلوقة له بل لأنفسهم ~~فإن المعاصي وقبائح الأعمال من الباطل فلو كانت مخلوقة له لكانت مخلوقة ~~بالحق والباطل لا يكون مخلوقا بالحق. PageV12P097 # والحق أن الحجتين جميعا من الباطل فإن جهات القبح والمعصية في الأفعال ~~حيثيات عدمية إذ الطاعة والمعصية كالنكاح والزنا وأكل المال من حله ~~وبالباطل وأمثال ذلك مشتركة في أصل الفعل وإنما تختلف طاعة ومعصية بموافقة ~~الأمر ومخالفته والمخالفة جهة عدمية، وإذا كان كذلك فاستناد الفعل إلى ~~الخلقة من جهة الوجود لا يستلزم استناد القبيح أو المعصية إليها فإن ذلك من ~~جهاته العدمية ms4529 فليس الفعل بجهته العدمية مما بين السماوات والأرض حتى تشمله ~~الآية، ولا بجهته الوجودية من الباطل حتى يكون خلقه خلقا للباطل بالحق. # على أن الضرورة قائمة على حكومة نظام العلل والمعلولات في الوجود وأن ~~قيام وجود شيء بشيء بحيث لا يستقل دونه هو ملاك الاتصاف فالمتصف بالطاعة ~~والمعصية وحسن الفعل وقبيحه هو الإنسان دون الذي خلقه ويسر له أن يفعل كذا ~~وكذا كما أن المتصف بالسواد والبياض الجسم الذي يقوم به هذان اللونان دون ~~الذي أوجده. # وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في تفسير قوله: "وما يضل به إلا ~~الفاسقين": البقرة: 26، الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم" قال في ~~المفردات: صفح الشيء عرضه وجانبه كصفحة الوجه وصفحة السيف وصفحة الحجر ~~والصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو ولذلك قال: "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره" وقد يعفوا الإنسان ولا يصفح قال تعالى: "فاصفح عنهم وقل سلام" ~~"فاصفح الصفح الجميل" "أفنضرب عنكم الذكر صفحا". # وصفحت عنه أوليته صفحة جميلة معرضا عن ذنبه أو لقيت صفحته متجافيا عنه أو ~~تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك تصفحت ~~الكتاب، وقوله: "إن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل" فأمر له (عليه ~~السلام) أن يخفف كفر من كفر كما قال: "ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون" والمصافحة الإفضاء بصفحة اليد. # انتهى. # وسيأتي ما في الرواية من تفسير علي (عليه السلام) الصفح بالعفو من غير عتاب. # وقوله: "فاصفح الصفح الجميل" تفريع على سابقه أي إذا كانت الخلقة بالحق ~~وهناك يوم فيه يحاسبون ويجازون لا ريب فيه فلا تشغل نفسك بما ترى منهم من ~~التكذيب والاستهزاء واعف عنهم من غير أن تقع فيهم بعتاب أو مناقشة وجدال ~~فإن ربك الذي خلقك وخلقهم هو عليم بحالك وحالهم ووراءهم يوم لا يفوتونه. # ومن هنا يظهر أن قوله: "إن ربك هو الخلاق العليم" تعليل لقوله: "فاصفح ~~الصفح الجميل". # وهذه الآيات الحافة لقوله: "فاصدع بما تؤمر" ms4530 تسلية للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وتطييب لنفسه ليأخذ قوله: "فاصدع بما تؤمر" موقعه فقد عرفت في ~~أول السورة أن الغرض الأصيل منها هو الأمر بإعلان الدعوة وعرفت أيضا ~~بالتدبر في الآيات السابقة أنها مسرودة ليتخلص بها إلى تسليته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عما لقي من قومه من الإيذاء والإهانة والاستهزاء ويتخلص من ~~ذلك إلى الأمر المطلوب. # قوله تعالى: "ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم" السبع المثاني ~~هي سورة الحمد على ما فسر في عدة من الروايات المأثورة عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فلا يصغى إلى ما ذكره ~~بعضهم: أنها السبع الطوال، وما ذكره بعض آخر أنها الحواميم السبع، وما قيل: ~~إنها سبع صحف من الصحف النازلة على الأنبياء، فلا دليل على شيء منها من لفظ ~~الكتاب ولا من جهة السنة. # وقد كثر اختلافهم في قوله: "من المثاني" من جهة كون "من" للتبعيض أو ~~للتبيين وفي كيفية اشتقاق لفظة المثاني ووجه تسميتها بالمثاني. # والذي ينبغي أن يقال - والله أعلم - أن "من" للتبعيض فإنه سبحانه سمى ~~جميع آيات كتابه مثاني إذ قال: "كتابا متشابها مثاني تقشعر منه قلوب الذين ~~يخشون ربهم": الزمر: 23 وآيات سورة الحمد من جملتها فهي بعض المثاني لا كلها. PageV12P098 # والظاهر أن المثاني جمع مثنية اسم مفعول من الثني بمعنى اللوي والعطف ~~والإعادة قال تعالى "يثنون صدورهم": هود: 5، وسميت الآيات القرآنية مثاني ~~لأن بعضها يوضح حال البعض ويلوي وينعطف عليه كما يشعر به قوله: "كتابا ~~متشابها مثاني" حيث جمع بين كون الكتاب متشابها يشبه بعض آياته بعضا وبين ~~كون آياته مثاني، وفي كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في صفة ~~القرآن: "يصدق بعضه بعضا" وعن علي (عليه السلام): فيه: "ينطق بعضه ببعض ~~ويشهد بعضه على بعض" أو هي جمع مثنى بمعنى التكرير والإعادة كناية عن بيان ~~بعض الآيات ببعض. # ولعل في ذلك كفاية وغنى عما ذكروه من مختلف المعاني كما في الكشاف ~~وحواشيه والمجمع وروح المعاني وغيرها ms4531 كقولهم: إنها من التثنية أو الثني ~~بمعنى التكرير والإعادة سميت آيات القرآن مثاني لتكرر المعاني فيها، ~~وكقولهم: سميت الفاتحة مثاني لوجوب قراءتها في كل صلاة مرتين أو لأنها تثنى ~~في كل ركعة بما يقرأ بعدها من القرآن، أو لأن كثيرا من كلماتها مكررة ~~كالرحمان والرحيم وإياك والصراط وعليهم، أو لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة ~~بالمدينة أو لما فيها من الثناء على الله، أو لأن الله استثناها وادخرها ~~لهذه الأمة ولم ينزلها على الأمم الماضين كما في الرواية، إلى غير ذلك من ~~الوجوه المذكورة في التفاسير. # وفي قوله: "سبعا من المثاني والقرآن العظيم" من تعظيم أمر الفاتحة ~~والقرآن ما لا يخفى أما القرآن فلتوصيفه من ساحة العظمة والكبرياء بالعظيم، ~~وأما الفاتحة فلمكان التعبير عنه بالنكرة غير الموصوفة "سبعا" وفيه من ~~الدلالة على عظمة قدرها وجلالة شأنها ما لا يخفى وقد قوبل بها القرآن ~~العظيم وهي بعضه. # والآية - كما تبين - في مقام الامتنان وهي مع ذلك لوقوعها في سياق الدعوة ~~إلى الصفح والإعراض تفيد أن في هذه الموهبة العظمى المتضمنة لحقائق المعارف ~~الإلهية الهادية إلى كل كمال وسعادة بإذن الله عدة أن تحملك على الصفح ~~الجميل والاشتغال بربك والتوغل في طاعته. # قوله تعالى: "لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم - إلى قوله - ~~المبين" الآيتان في مقام بيان الصفح الجميل الذي تقدم الأمر به، ولذلك جيء ~~بالكلام في صورة الاستئناف. # والمذكور فيهما أربعة دساتير: منفيان ومثبتان فقوله: "لا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم" مد العينين إلى ما متعوا به من زهرة الحياة ~~الدنيا كناية عن التعدي عن قصر النظر على ما آتاه الله من نعمة، والمراد ~~بالأزواج الأزواج من الرجال والنساء أو الأصناف من الناس كالوثنيين واليهود ~~والنصارى والمجوس، والمعنى لا تتجاوز عن النظر عما أنعمناك به من النعم ~~الظاهرة والباطنة إلى ما متعنا به أزواجا قليلة أو أصنافا من الكفار. # وربما أخذ بعضهم قوله: "لا تمدن عينيك" كناية عن إطالة النظر وإدامته، ~~وأنت تعلم أن الغرض ms4532 على أي حال النهي عن الرغبة والميل والتعلق القلبي بما ~~في أيديهم من أمتعة الحياة كالمال والشوكة والصيت والذي يكنى به عن ذلك هو ~~النهي عن أصل النظر إليه لا عن إطالته وإدامته ويشهد به ما سننقله من آية الكهف. # وقوله: "ولا تحزن عليهم" أي من جهة تماديهم في التكذيب والاستهزاء ~~وإصرارهم على أن لا يؤمنوا بك. # وقوله: "واخفض جناحك للمؤمنين" قالوا: هو كناية عن التواضع ولين الجانب، ~~والأصل فيه أن الطائر إذا أراد أن يضم إليه أفراخه بسط جناحه عليها ثم خفضه ~~لها هذا. # والذي ذكروه وإن أمكن أن يتأيد بآيات أخر كقوله: "فبما رحمة من الله لنت ~~لهم": آل عمران: 159، وقوله في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"بالمؤمنين رءوف رحيم": التوبة: 128، لكن الذي وقع في نظير الآية مما يمكن ~~أن يفسر به خفض الجناح هو صبر النفس مع المؤمنين وهو يناسب أن يكون كناية ~~عن ضم المؤمنين إليه وقصر الهم على معاشرتهم وتربيتهم وتأديبهم بأدب الله ~~أو كناية عن ملازمتهم والاحتباس فيهم من غير مفارقة، كما أن الطائر إذا خفض ~~الجناح لم يطر ولم يفارق، قال تعالى: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا" ~~الآية: الكهف: 28. PageV12P099 # وقوله: "وقل إني أنا النذير المبين" أي لا دعوى لي إلا أني نذير أنذركم ~~بعذاب الله سبحانه مبين أبين لكم ما تحتاجون إلى بيانه، وليس لي وراء ذلك ~~من الأمر شيء. # فهذه الأمور الأربعة أعني ترك الرغبة بما في أيديهم من متاع الحياة ~~الدنيا وترك الحزن عليهم إذا كفروا واستهزءوا، وخفض الجناح للمؤمنين وإظهار ~~أنه نذير مبين هو الصفح الجميل الذي يليق بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ولو أسقط منها واحد لاختل الأمر. # ومن ذلك يظهر أن قول بعضهم: إن قوله: "فاصفح الصفح الجميل" منسوخ بآية ~~السيف غير وجيه فإن هذا الصفح الذي تأمر به الآية ويفسره قوله: "لا تمدن ~~عينيك" باق على إحكامه واعتباره حتى بعد نزول ms4533 آية السيف فلا وجه لنسبة ~~النسخ إليه. # قوله تعالى: "كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين" قال في ~~المجمع: عضين جمع عضة وأصله عضوة فنقصت الواو ولذلك جمعت عضين بالنون كما ~~قيل: عزوة وعزون والأصل عزوة، والتعضية: التفريق مأخوذة من الأعضاء يقال: ~~عضيت الشيء أي فرقته وبعضته قال رؤبة: وليس دين الله بالمعضي، انتهى موضع ~~الحاجة. # وقوله: "كما أنزلنا على المقتسمين" لا يخلو السياق من دلالة على أنه ~~متعلق بمقدر يلوح إليه قوله: "وقل إني أنا النذير المبين" أي بعذاب منزل ~~ينزل عليكم كما أنزلنا على المقتسمين، والمراد بالمقتسمين هم الذين يصفهم ~~قوله بعد: "الذين جعلوا القرآن عضين" وهم على ما وردت به الرواية قوم من ~~كفار قريش جزءوا القرآن أجزاء فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، ~~وقالوا: مفترى، وتفرقوا في مداخل طرق مكة أيام الموسم يصدون الناس الواردين ~~عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله. # وقيل قوله: "كما أنزلنا" متعلق بما تقدم من قوله: "ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني" أي أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين، والمراد ~~بالمقتسمين اليهود والنصارى الذين فرقوا القرآن أجزاء وأبعاضا وقالوا نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض. # وفيه أن السورة مكية نازلة في أوائل البعثة ولم يبتل الإسلام يومئذ ~~باليهود والنصارى ذاك الابتلاء وقولهم: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار واكفروا آخره": آل عمران: 72، مما قالته اليهود بعد الهجرة وكذا ~~ما أشبه ذلك والدليل على ما ذكرنا سياق الآيات. # وربما قيل: سموا مقتسمين لأنهم اقتسموا أنبياء الله وكتبه المنزلة إليهم ~~فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويدفعه أن الآية التالية تفسر المقتسمين بالذين ~~جعلوا القرآن عضين لا بالذين فرقوا بين أنبياء الله أو بين كتبه. # فالظاهر أن الآيتين تذكران قوما نهضوا في أوائل البعثة على إطفاء نور ~~القرآن وبعضوه أبعاضا ليصدوا عن سبيل الله فأنزل الله عليهم العذاب ~~وأهلكهم، وهم الذين ذكروا في الآيتين ثم يذكر الله مآل أمرهم بقوله: "فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون". ms4534 # قوله تعالى: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" قال في المجمع: الصدع ~~والفرق والفصل نظائر، وصدع بالحق إذا تكلم به جهارا، انتهى. # والآية تفريع على ما تقدم، ومن حقها أن تتفرع لأنها الغرض في الحقيقة من ~~السورة أي إذا كان الأمر على ما ذكر وأمرت بالصفح الجميل وكنت نذيرا ~~بعذابنا كما أنزلنا على المقتسمين فأظهر كلمة الحق وأعلن الدعوة. # وبذلك يظهر أن قوله: "إنا كفيناك المستهزءين" في مقام التعليل لقوله: ~~"فاصدع" إلخ كما يشعر الكلام أو يدل على أن هؤلاء المستهزءين هم المقتسمون ~~المذكورون قبل، ومعنى الآية إذا كان الأمر كما ذكرناه وكنت نذيرا بعذابنا ~~كما أنزلناه على المقتسمين "فاصدع بما تؤمر" وأعلن الدعوة وأظهر الحق ~~"وأعرض عن المشركين إنا" أي لأننا "كفيناك المستهزءين" بإنزال العذاب عليهم ~~وهم "الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون". # قوله تعالى: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون" رجع ثانيا إلى حزنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته ~~وتطييب نفسه وتقوية روحه، وقد أكثر سبحانه في كلامه وخاصة في السور المكية ~~من ذلك لشدة الأمر عليه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV12P100 # قوله تعالى: "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" ~~وصاه سبحانه بالتسبيح والتحميد والسجدة والعبادة أو إدامة العبودية مفرعا ~~ذلك على ضيق صدره بما يقولون ففي ذلك استعانة على الغم والمصيبة، وقد أمره ~~في الآيات السابقة بالصفح والصبر، ويستفاد الأمر بالصبر أيضا من قوله: ~~"واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" فإن ظاهره الأمر بالصبر على العبودية حتى ~~حين، وبذلك يصير الكلام قريب المضمون من قوله تعالى لدفع الشدائد والمقاومة ~~على مر الحوادث: "استعينوا بالصبر والصلاة": البقرة: 153. # وبذلك يتأيد أن المراد بالساجدين المصلون وأنه أمر بالصلاة وقد سميت ~~سجودا تسمية لها باسم أفضل أجزائها ويكون المراد بالتسبيح والتحميد اللفظي ~~منهما كقول سبحان الله والحمد لله أو ما في معناهما نعم لو كان المراد ~~بالصلاة في آية البقرة التوجه إلى الله سبحانه أمكن أن يكون ms4535 المراد ~~بالتسبيح والتحميد - أو بهما وبالسجود - المعنى اللغوي وهو تنزيهه تعالى ~~عما يقولون والثناء عليه بما أنعم به عليه من النعم والتذلل له تذلل ~~العبودية. # وأما قوله: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" فإن كان المراد به الأمر ~~بالعبادة كان كالمفسر للآية السابقة وإن كان المراد الأخذ بالعبودية - كما ~~هو ظاهر السياق، وخاصة سياق الآيات السابقة الآمرة بالصفح والإعراض ~~ولازمهما الصبر كان بقرينة تقييده بقوله: "حتى يأتيك اليقين" أمرا بانتهاج ~~منهج التسليم والطاعة والقيام بلوازم العبودية. # وعلى هذا فالمراد بإتيان اليقين حلول الأجل ونزول الموت الذي يتبدل به ~~الغيب من الشهادة ويعود به الخبر عيانا، ويؤيد ذلك تفريع ما تقدم من قوله: ~~"فاصفح الصفح الجميل" على قوله: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وإن الساعة لآتية" فإنه بالحقيقة أمر بالعفو والصبر على ما يقولون ~~لأن لهم يوما ينتقم الله منهم ويجازيهم بأعمالهم فيكون معنى الآية دم على ~~العبودية واصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى مر ما يقولون حتى يدركك الموت ~~وينزل عليك عالم اليقين فتشاهد ما يفعل الله بهم ربك. # وفي التعبير بمثل قوله: "حتى يأتيك اليقين" إشعار أيضا بذلك فإن العناية ~~فيه بأن اليقين طالب له وسيدركه فليعبد ربه حتى يدركه ويصل إليه وهذا هو ~~عالم الآخرة الذي هو عالم اليقين العام بما وراء الحجاب دون الاعتقاد ~~اليقيني الذي ربما يحصل بالنظر أو بالعبادة. # وبذلك يظهر فساد ما ربما قيل: إن الآية تدل على ارتفاع التكليف بحصول ~~اليقين، وذلك لأن المخاطب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد دلت آيات ~~كثيرة من كتاب الله أنه من الموقنين وأنه على بصيرة وأنه على بينة من ربه ~~وأنه معصوم وأنه مهدي بهداية الله سبحانه إلى غير ذلك. # مضافا إلى ما قدمناه من دلالة الآية على كون المراد باليقين هو الموت. # وسنفرد لدوام التكليف بحثا عقليا بعد الفراغ عن البحث الروائي إن شاء ~~الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه وابن النجار عن علي بن أبي ms4536 طالب: في ~~قوله. "فاصفح الصفح الجميل" قال: الرضا بغير عتاب. # وفي المجمع، حكي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام): أن الصفح الجميل هو ~~العفو من غير عتاب. # وفي العيون، بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن الرضا (عليه ~~السلام): في الآية قال: العفو من غير عتاب. # وفي التهذيب، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي فاتحة الكتاب؟ قال: نعم. قلت: ~~بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم هي أفضلهن. # أقول: وهو مروي من طرق الشيعة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وغير واحد ~~من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن طرق أهل السنة عن علي وعدة من ~~الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وأبي ~~هريرة وغيرهم. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: سأل رجل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: أرأيت قول الله: "كما أنزلنا ~~على المقتسمين"؟ قال: اليهود والنصارى. قال: "الذين جعلوا القرآن عضين" ~~قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض. # أقول: وقد عرفت فيما مر أن مضمون الرواية لا يلائم كون السورة مكية. PageV12P101 # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): عن قوله: "الذين جعلوا القرآن عضين" قالا: هم قريش. # وفي المعاني، بإسناده عن عبد الله بن علي الحلبي قال سمعت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة بعد ما ~~جاء الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة مستخفيا منها ثلاث سنين ~~خائفا لا يظهر حتى أمر الله عز وجل أن يصدع بما أمر فأظهر حينئذ الدعوة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن أبي عبيدة أن عبد الله بن مسعود قال: ~~ما زال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستخفيا حتى نزل: "فاصدع بما تؤمر" ~~فخرج هو وأصحابه. # وفي تفسير العياشي، عن ms4537 محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: اكتتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة سنين ليس يظهر وعلي ~~معه وخديجة ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب فإذا أتاهم قالوا: كذاب امض عنا. # وفي تفسير العياشي، عن أبان بن عثمان الأحمر رفعه قال: كان المستهزءون ~~خمسة من قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاص بن وائل السهمي والحارث ~~بن حنظلة والأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري والأسود بن المطلب بن أسد فلما ~~قال الله: "إنا كفيناك المستهزءين" علم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أنه قد أخزاهم فأماتهم الله بشر ميتات: أقول: ورواه الصدوق في ~~المعاني، بإسناده عن أبان وروى فيه، أيضا والطبرسي في الإحتجاج، عن موسى بن ~~جعفر عن آبائه عن علي (عليه السلام): ما في هذا المعنى وهو حديث طويل فيه ~~تفصيل هلاك كل من هؤلاء الخمسة لعنهم الله. وروي كون المستهزءين خمسة من ~~قريش عن علي وعن ابن عباس مع سبب هلاكهم. # والروايات مع ذلك مختلفة من طرق أهل السنة من جهة عددهم وأسمائهم وأسباب ~~هلاكهم، والذي اتفق فيه حديث الفريقين هو ما قدمناه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أوحي إلي أن أكون تاجرا ولا أجمع ~~المال متكاثرا ولكن أوحي إلي: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين - واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين. # أقول: وروي ما في معناه أيضا عن ابن مردويه عن ابن مسعود عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج البخاري وابن جرير عن أم العلاء: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) دخل على عثمان بن مظعون وقد مات فقلت: رحمة الله عليك أبا ~~السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو ~~فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير. # وفي ms4538 الكافي، بإسناده عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إن من صبر صبر قليلا ومن جزع جزع قليلا. ثم قال: عليك بالصبر في ~~جميع أمورك فإن الله عز وجل بعث محمدا وأمره بالصبر والرفق فقال: "واصبر ~~على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا - وذرني والمكذبين أولي النعمة" وقال ~~تبارك وتعالى: "ادفع بالتي هي أحسن السيئة - فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم - وما يلقاها إلا الذين صبروا - وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم". ~~فصبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نالوه بالعظائم ورموه بها ~~وضاق صدره وقال الله: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون - فسبح بحمد ربك ~~وكن من الساجدين". ### |||| AUTO بحث فلسفي في كيفية وجود التكليف ودوامه # قد تقدم في خلال أبحاث النبوة وكيفية انتشاء الشرائع السماوية في هذا ~~الكتاب أن كل نوع من أنواع الموجودات له غاية كمالية هو متوجه إليها ساع ~~نحوها طالب لها بحركة وجودية تناسب وجوده لا يسكن عنها دون أن ينالها إلا ~~أن يمنعه عن ذلك مانع مزاحم فيبطل دون الوصول إلى غايته كالشجرة تقف عن ~~الرشد والنمو قبل أن تبلغ غايتها لآفات تعرضها، وتقدم أيضا أن الحرمان من ~~بلوغ الغايات إنما هو في أفراد خاصة من الأنواع وأما النوع بنوعيته فلا ~~يتصور فيه ذلك. # وأن الإنسان وهو نوع وجودي له غاية وجودية لا ينالها إلا بالاجتماع ~~المدني كما يشهد به تجهيز وجوده بما لا يستغني به عن سائر أمثاله كالذكورة ~~والأنوثة والعواطف والإحساسات وكثرة الحوائج وتراكمها. PageV12P102 # وأن تحقق هذا الاجتماع وانعقاد المجتمع الإنساني يحوج أفراد المجتمع إلى ~~أحكام وقوانين ينتظم باحترامها والعمل بها شتات أمورهم ويرتفع بها ~~اختلافاتهم الضرورية ويقف بها كل منهم في موقفه الذي ينبغي له ويحوز بها ~~سعادته وكماله الوجودي، وهذه الأحكام والقوانين العملية في الحقيقة منبعثة ~~عن الحوائج التي تهتف بها خصوصية وجود الإنسان وخلقته الخاصة بما لها من ~~التجهيزات البدنية والروحية كما أن خصوصية وجوده وخلقته مرتبطة بخصوصيات ~~العلل والأسباب التي ms4539 تكون وجود الإنسان من الكون العام. # وهذا معنى كون الدين فطريا أي أنه مجموع أحكام وقوانين يرشد إليها وجود ~~الإنسان بحسب التكوين وإن شئت فقل: سنن يستدعيها الكون العام فلو أقيمت ~~أصلحت المجتمع وبلغت بالأفراد غايتها في الوجود وكمالها المطلوب ولو تركت ~~وأبطلت أفسدت العالم الإنساني وزاحمت الكون العام في نظامه. # وأن هذه الأحكام والقوانين سواء كانت معاملية اجتماعية تصلح بها حال ~~المجتمع ويجمع بها شمله أو عبادية تبلغ بالإنسان غاية كماله من المعرفة ~~والصلاح في مجتمع صالح فإنها جميعا يجب أن يتلقاها الإنسان من طريق نبوة ~~إلهية ووحي سماوي لا غير. # وبهذه الأصول الماضية يتبين أن التكليف الإلهي يلازم الإنسان ما عاش في ~~هذه النشأة الدنيوية سواء كان في نفسه ناقصا لم يكمل وجودا بعد أو كاملا ~~علما وعملا: أما لو كان ناقصا فظاهر، وأما لو كان كاملا فلأن معنى كماله أن ~~يحصل له في جانبي العلم والعمل ملكات فاضلة يصدر عنها من الأعمال المعاملية ~~ما يلائم المجتمع ويصلحه ويتمكن من كمال المعرفة وصدور الأعمال العبادية ~~الملائمة للمعرفة كما تقتضيه العناية الإلهية الهادية للإنسان إلى سعادته. # ومن المعلوم أن تجويز ارتفاع التكليف عن الإنسان الكامل ملازم لتجويز ~~تخلفه عن الأحكام والقوانين وهو فيما يرجع إلى المعاملات يوجب فساد المجتمع ~~والعناية الإلهية تأباه. # وفيما يرجع إلى العبادات يوجب تخلف الملكات عن آثارها فإن الأفعال مقدمات ~~معدة لحصول الملكات ما لم تحصل، وإذا حصلت عادت تلك الأفعال آثارا لها تصدر ~~عنها صدورا لا تخلف فيه. # ومن هنا يظهر فساد ما ربما يتوهم أن الغرض من التكليف تكميل الإنسان ~~وإيصاله غاية وجوده فإذا كمل لم يكن لبقاء التكليف معنى. # وجه الفساد: أن تخلف الإنسان عن التكليف الإلهي وإن كان كاملا، في ~~المعاملات يفسد المجتمع وفيه إبطال العناية الإلهية بالنوع، وفي العبادات ~~يستلزم تخلف الملكات عن آثارها، وهو غير جائز، ولو جاز لكان فيه إبطال ~~الملكة وفيه أيضا إبطال العناية. # نعم بين الإنسان الكامل وغيره فرق في صدور الأفعال وهو أن الكامل مصون ms4540 عن ~~المخالفة لمكان الملكة الراسخة بخلاف غير الكامل والله المستعان. PageV12P103 ### || AUTO ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 1 - 21 # بسم الله الرحمن الرحيم أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحنه وتعلى عما ~~يشركون (1) ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) خلق السموت والأرض بالحق تعلى عما يشركون ~~(3) خلق الانسن من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعم خلقها لكم فيها دفء ~~ومنفع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بلغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله ~~قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهدام أجمعين (9) هو الذى أنزل من السماء ~~ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعنب ومن كل الثمرت إن فى ذلك لاية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم ~~اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرت بأمره إن فى ذلك لايت لقوم ~~يعقلون (12) وما ذرأ لكم فى الأرض مختلفا ألونه إن فى ذلك لاية لقوم يذكرون ~~(13) وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى ~~فى الأرض روسى أن تميد بكم وأنهرا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلمت وبالنجم ~~هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ~~(19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموت غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) ### |||| AUTO بيان # الغالب على الظن - إذا تدبرنا السورة - أن صدر السورة مما نزلت في أواخر ~~عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبيل الهجرة، وهي أربعون آية ~~يذكر الله سبحانه في شطر منها أنواع نعمه السماوية والأرضية مما تقوم به ~~حياة الإنسان وينتفع به في معاشه نظاما متقنا وتدبيرا متصلا يدل على ~~وحدانيته تعالى في ms4541 ربوبيته. # ويحتج في شطر آخر على بطلان مزاعم المشركين وخيبة مساعيهم وأنه سيجازيهم ~~كما جازى أمثالهم من الأمم الماضية وسيفصل القضاء بينهم يوم القيامة. # وقد افتتح سبحانه هذه الآيات بقوله: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه ~~وتعالى عما يشركون" مفرعا آيات الاحتجاج على ما فيه من التنزيه والتسبيح ~~ومن ذلك يعلم أن عمدة الغرض في صدر السورة الإنباء بإشراف الأمر الإلهي ~~ودنوه منهم وقرب نزوله عليهم، وفيه إبعاد للمشركين فقد كانوا يستعجلون ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - استهزاء به - لما كانوا يسمعون كلام ~~الله سبحانه يذكر كثيرا نزول أمره تعالى وينذرهم به وفيه مثل قوله ~~للمؤمنين: "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره" وليس إلا أمره تعالى بظهور ~~الحق على الباطل والتوحيد على الشرك والإيمان على الكفر، هذا ما يعطيه ~~التدبر في صدر السورة. PageV12P104 # وأما ذيلها وهي ثمان وثمانون آية من قوله: "والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا" إلى آخر السورة على ما بينها من الاتصال والارتباط فسياق الآيات ~~فيه يشبه أن تكون مما نزلت في أوائل عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالمدينة بعيد الهجرة - فصدر السورة وذيلها متقاربا النزول - وذلك لما فيها ~~من آيات لا تنطبق مضامينها إلا على بعض الحوادث الواقعة بعيد الهجرة كقوله ~~تعالى: "والذين هاجروا في الله" الآية، وقوله: "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر" الآية النازلة على قول في سلمان الفارسي وقد آمن بالمدينة، ~~وقوله: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره" الآية النازلة في عمار - ~~كما سيأتي - وكذا الآيات النازلة في اليهود والآيات النازلة في الأحكام كل ~~ذلك يفيد الظن بكون الآيات مدنية. # ومع ذلك فاختلاف النزول لائح من بعضها كقوله: "والذين هاجروا" إلخ: الآية ~~- 41، وقوله: "وإذا بدلنا آية مكان آية": الآية: 101 إلى تمام آيتين أو خمس ~~آيات، وقوله: "من كفر بالله من بعد إيمانه": الآية: 106 وعدة آيات تتلوها. # والإنصاف - بعد ذلك كله - أن قوله تعالى: "والذين هاجروا": الآية: 41 إلى ~~تمام آيتين، وقوله: "من ms4542 كفر بالله من بعد إيمانه": الآية: 106 وبضع آيات ~~بعدها، وقوله: "وإن عاقبتم فعاقبوا": الآية: 126 وآيتان بعدها مدنية لشهادة ~~سياقها بذلك، والباقي أشبه بالمكية منها بالمدنية. # وهذا وإن لم يوافق شيئا من المأثور لكن السياق يشهد به وهو أولى ~~بالإتباع. # وقد مر في تفسير آية 118 من سورة الأنعام احتمال أن تكون نازلة بعد سورة ~~النحل وهي مكية. # والغرض الذي هو كالجامع لآيات ذيل السورة أن فيها أمرا بالصبر ووعدا حسنا ~~على الصبر في ذات الله. # وغرض السورة الإخبار بإشراف أمر الله وهو ظهور الدين الحق عليهم ويوضح ~~تعالى ذلك ببيان أن الله هو الإله المعبود لا غير لقيام تدبير العالم به، ~~كما أن الخلقة قائمة به ولانتهاء جميع النعم إليه، وانتفاء ذلك عن غيره، ~~فالواجب أن يعبد الله ولا يعبد غيره، وبيان أن الدين الحق لله فيجب أن يؤخذ ~~به ولا يشرع دونه دين ورد ما أبداه المشركون من الشبهة على النبوة والتشريع ~~وبيان أمور من الدين الإلهي. # هذا هو الذي يرومه معظم آيات السورة وتنعطف إلى بيانه مرة بعد مرة وفي ~~ضمنها آيات تتعرض لأمر الهجرة وما يناسب ذلك مما يحوم حولها. # قوله تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون" ظاهر ~~السياق أن الخطاب للمشركين لأن الآيات التالية مسوقة احتجاجا عليهم، إلى ~~قوله في الآية الثانية والعشرين: "إلهكم إله واحد" ووجه الكلام فيها إلى ~~المشركين، وهي جميعا كالمتفرعة على قوله في ذيل هذه الآية: "سبحانه وتعالى ~~عما يشركون" ومقتضاه أن يكون الأمر الذي أخبر بإتيانه أمرا يطهر ساحة ~~الربوبية من شركهم بحسم مادته، ولم تقع في كلامه حكاية استعجال من المؤمنين ~~في أمر، بل المذكور استعجال المشركين بما كان يذكر في كلامه تعالى من أمر ~~الساعة وأمر، الفتح وأمر نزول العذاب، كما يشير إليه قوله: "قل أرأيتم إن ~~أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون - إلى قوله - ~~ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين": يونس: 53 إلى ms4543 غير ~~ذلك من الآيات. # وعلى هذا فالمراد بالأمر ما وعد الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والذين آمنوا وأوعد المشركين مرة بعد مرة في كلامه أنه سينصر المؤمنين ~~ويخزي الكافرين ويعذبهم ويظهر دينه بأمر من عنده كما قال: "فاعفوا واصفحوا ~~حتى يأتي الله بأمره": البقرة: 109. # وإليه يعود أيضا ضمير "فلا تستعجلوه" على ما يفيده السياق أو يكون المراد ~~بإتيان الأمر إشرافه على التحقق وقربه من الظهور، وهذا شائع في الكلام يقال ~~لمن ينتظر ورود الأمير: هذا الأمير جاء وقد دنا مجيئه ولم يجىء بعد. # وعلى هذا أيضا يكون قوله: "سبحانه وتعالى عما يشركون" من قبيل الالتفات ~~من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى أنهم ينبغي أن يعرض عن مخاطبتهم ومشافهتهم ~~لانحطاط أفهامهم لشركهم ولم يستعجلوا نزول الأمر إلا لشركهم استهزاء ~~وسخرية. # وبما مر يندفع ما ذكره بعضهم أن الخطاب في الآية للمؤمنين أو للمؤمنين ~~والمشركين جميعا فإن السياق لا يلائمه. PageV12P105 # على أنه تعالى يخص في كلامه الاستعجال بغير المؤمنين وينفيه عنهم قال: ~~"يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق": الشورى: 18. # وكذا ما ذكروه أن المراد بالأمر هو يوم القيامة وذلك أن المشركين وإن ~~كانوا يستعجلونه أيضا كما يدل عليه قولهم على ما حكاه الله تعالى: "متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين": يس: 48 لكن سياق الآيات لا يساعد عليه كما عرفت. # ومن العجيب ما استدل به جمع منهم على أن المراد بالأمر يوم القيامة أنه ~~تعالى لما قال في آخر سورة الحجر: "فوربك لنسألنهم أجمعين" وكان فيه تنبيه ~~على حشر هؤلاء وسؤالهم قال في مفتتح هذه السورة: "أتى أمر الله" فأخبر بقرب ~~يوم القيامة وكذا قوله في آخر الحجر: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" وهو ~~مفسر بالموت شديد المناسبة بأن يكون المراد بالأمر في هذه السورة يوم ~~القيامة ومما يؤكد المناسبة قوله هناك: "يأتيك" وهاهنا: "أتى". # وأمثال هذه الأقاويل الملفقة مما ينبغي أن يلتفت إليه. # ونظيره قول بعضهم: إن المراد بالأمر واحدة الأوامر ومعناه ms4544 الحكم كأنه ~~يشير به إلى ما في السورة من أحكام العهد واليمين ومحرمات الأكل وغيرها ~~والخطاب على هذا للمؤمنين خاصة وهو كما ترى. # قوله تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده" إلى ~~آخر الآية. # الناس على اختلافهم الشديد قديما وحديثا في حقيقة الروح لا يختلفون في ~~أنهم يفهمون منه معنى واحدا وهو ما به الحياة التي هي ملاك الشعور والإرادة ~~فهذا المعنى هو المراد في الآية الكريمة. # وأما حقيقته إجمالا فالذي يفيده مثل قوله تعالى: "يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا": النبأ: 38، وقوله: "تعرج الملائكة والروح إليه": المعارج: ~~4 وغيرهما أنه موجود مستقل ذو حياة وعلم وقدرة وليس من قبيل الصفات ~~والأحوال القائمة بالأشياء كما ربما يتوهم، وقد أفاد بقوله: "قل الروح من ~~أمر ربي" أنه من سنخ أمره، وعرف أيضا أمره بمثل قوله: "إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83، فدل على ~~أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الذي يفيضه عليها ~~لكن لا من كل جهة بل من جهة استناده إليه تعالى بلا مادة ولا زمان ولا مكان ~~كما يفيده قوله: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر: 50 فإن هذا ~~التعبير إنما يورد فيما لا تدريج فيه أي لا مادة ولا حركة له، وليكن هذا ~~الإجمال عندك حتى يرد عليك تفصيله فيما سيأتي إن شاء الله في تفسير سورة ~~الإسراء. # فتحصل أن الروح كلمة الحياة التي يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها ~~بمشيئته، ولذلك سماه وحيا وعد إلقاءه وإنزاله على نبيه إيحاء في قوله: ~~"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52، فإن الوحي هو الكلام الخفي ~~والتفهيم بطريق الإشارة والإيماء فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - ~~إلى قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحيا للروح إليه، فافهم ذلك. # فقوله تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره" الباء للمصاحبة أو للسببية ~~ولا كثير تفاوت بينهما في المآل كما هو ظاهر عند المتأمل ms4545 فإن تنزيل ~~الملائكة بمصاحبة الروح إنما هو لإلقائه في روح النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ليفيض عليه المعارف الإلهية وكذا تنزيلهم بسبب الروح لأن كلمته تعالى ~~أعني كلمة الحياة تحكم في الملائكة وتحييهم كما تحكم في الإنسان وتحييه، ~~وضمير "ينزل" له تعالى والجملة استئناف تفيد تعليل قوله في الآية السابقة: ~~"سبحانه وتعالى عما يشركون". # والمعنى: أن الله منزه ومتعال عن شركهم أو عن الشريك الذي يدعونه له ~~ولتنزهه وتعاليه عن الشريك ينزل سبحانه الملائكة بمصاحبة الروح الذي هو من ~~سنخ أمره وكلمته في الإيجاد - أو بسببه - على من يشاء من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون. # وذكر بعضهم أن المراد بالروح الوحي أو القرآن وسمي روحا لأن به حياة ~~القلوب، كما أن الروح الحقيقي به حياة الأبدان. # قال: وقوله: "من أمره" أي بأمره، ونظيره قوله: "يحفظونه من أمر الله" أي ~~بأمر الله لأن أحدا لا يحفظه عن أمره، انتهى. PageV12P106 # أما قوله: إن "من" في قوله "من أمره" بمعنى الباء استنادا إلى قوله: ~~"يحفظونه من أمر الله" أي بأمر الله إلخ فقد مر في تفسير سورة الرعد أن ~~"من" على ظاهر معناه وأن بعض أمره تعالى يحفظ الأشياء من بعض أمره فلا وجه ~~لأخذ "من أمره" بمعنى "بأمره" بل قوله "بالروح من أمره" معناه بالروح ~~الكائن من أمره - على أن الظرف مستقر لا لغو - كما في قوله: "قل الروح من ~~أمر ربي" ومعناه ما تقدم. # وأما قوله: إن الروح بمعنى الوحي أو القرآن وكذا قول بعضهم: إنه بمعنى ~~النبوة فلا يخلو عن وجه بحسب النتيجة بمعنى أن نتيجة نزول الملائكة بالروح ~~من أمره هو الوحي أو النبوة، وأما في نفسه وهو أن يسمى الوحي أو النبوة ~~روحا باشتراك لفظي أو مجازا من حيث إنه يحيي القلوب ويعمرها، كما أن الروح ~~به حياة الأبدان وعمارتها فهو فاسد لما بيناه مرارا أن الطريق إلى تشخيص ~~مصاديق الكلمات في كلامه تعالى هو الرجوع إلى سائر ما يصلح من كلامه ~~لتفسيره ms4546 دون الرجوع إلى العرف وما يراه في مصاديق الألفاظ. # والمتحصل من كلامه سبحانه أن الروح خلق من خلق الله وهو حقيقة واحدة ذات ~~مراتب ودرجات مختلفة منها ما في الحيوان وغير المؤمنين من الإنسان ومنها ما ~~في المؤمنين من الإنسان، قال تعالى: "وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22، ~~ومنها ما يتأيد به الأنبياء والرسل كما قال "وأيدناه بروح القدس": البقرة: ~~87، وقال: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 على ما سيأتي ~~تفصيله إن شاء الله. # هذا ما تفيده الآيات الكريمة وأما أن إطلاق اللفظ على هذا المعنى هل هي ~~حقيقة أو مجاز وما أمعنوا في البحث أنه من الاستعارة المصرحة أو استعارة ~~بالكناية أو أن قوله: "بالروح من أمره" من قبيل التشبيه لذكر المشبه صريحا ~~بناء على كون "من" في قوله: "من أمره" بيانية كما صرحوا في قوله: "حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر": البقرة: 187 أنه من ~~التشبيه للتصريح بالمشبه في متن الكلام فكل ذلك من الأبحاث الأدبية الفنية ~~التي ليس لها كثير تأثير في الحصول على الحقائق. # وذكر بعضهم أن "من أمره" بيان للروح، و"من" للتبيين، والمراد بالروح ~~الوحي، كما تقدم. # وفيه أنه مدفوع بقوله تعالى: "قل الروح، من أمر ربي" فإن من الواضح أن ~~الآيتين تسلكان مسلكا واحدا، وظاهر آية الإسراء أن "من" فيها للابتداء أو ~~للنشوء، والمراد بيان أن الروح من سنخ الأمر وشأن من شئونه ويقرب منها قوله ~~تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": القدر: 4. # وذكر بعضهم أن المراد بالروح هو جبريل وأيده بقوله: "نزل به الروح الأمين ~~على قلبك": الشعراء: 194، فإن من المسلم أن المراد به في الآية، هو جبريل ~~والباء للمصاحبة والمراد بالملائكة ملائكة الوحي وهم أعوان جبريل، والمراد ~~بالأمر واحد الأوامر، والمعنى ينزل تعالى ملائكة الوحي بمصاحبة جبريل بأمره ~~وإرادته. # وفيه أن هذه الآية نظيرة قوله تعالى: "يلقي الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده لينذر يوم التلاق": المؤمن: 15، وظاهره لا يلائم كون المراد ms4547 بالروح ~~هو جبريل. # وأردأ الوجوه ما ذكره بعضهم أن المراد بالروح أرواح الناس لا ينزل ملك ~~إلا ومعه واحد من الأرواح، وهو منقول عن مجاهد، وفساده ظاهر. # وقوله: "على من يشاء من عباده" أي إن بعث الرسل وتنزيل الملائكة بالروح ~~من أمره عليهم متوقف على مجرد المشية الإلهية من غير أن يقهره تعالى في ذلك ~~قاهر غيره فيجبره على الفعل أو يمنعه من الفعل كما في سائر أفعاله تعالى ~~فإنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # فلا ينافي ذلك كون فعله ملازما لحكم ومصالح ومختلفا باختلاف الاستعدادات ~~لا يقع إلا عن استعداد في المحل وصلاحية للقبول فإن استعداد المستعد ليس ~~إلا كسؤال السائل، فكما أن سؤال السائل إنما يقربه من جود المسئول وعطائه ~~من غير أن يجبره على الإعطاء ويقهره كذلك الاستعداد في تقريبه المستعد ~~لإفاضته تعالى وحرمان غير المستعد من ذلك فهو تعالى يفعل ما يشاء من غير أن ~~يوجبه عليه شيء أو يمنعه عنه شيء لكنه لا يفعل شيئا ولا يفيض رحمة إلا عن ~~استعداد فيما يفيض عليه وصلاحية منه. PageV12P107 # وقد أفاد ذلك في خصوص الرسالة حيث قال: "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا ~~صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون": الأنعام: 124، فإن الآية ~~ظاهرة في أن الموارد مختلفة في قبول كرامة الرسالة وأن الله سبحانه أعلم ~~بالمورد الذي يصلح لها ويستأهل لتلك الكرامة وهو غير هؤلاء المجرمين ~~الماكرين وأما هم فليس لهم عند الله إلا الصغار والعذاب لإجرامهم ومكرهم. # هذا. # ومن هنا يظهر فساد استدلال بعضهم بالآية على نفي المرجح في مورد الرسالة ~~ومحصل ما ذكره أن الآية تعلق الرسالة على مجرد المشية الإلهية من غير أن ~~تقيدها بشيء، فالرسول إنما ينال الرسالة بمشية من الله لا لاختصاصه بصفات ~~تؤهله لذلك ويرجحه على غيره ووجه الفساد ظاهر مما تقدم. # ونظيره في الفساد الاستدلال بالآية على كون الرسالة عطائية غير كسبية، ms4548 ~~وذلك أنه تعالى غير محكوم عليه في ما ينسب إليه من الفعل لا يفعل إلا ما ~~يشاء، والأمور العطائية والكسبية في ذلك سواء، ولا شيء يقع في الوجود إلا بإذنه. # وقوله: "أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون" بيان لقوله: "ينزل ~~الملائكة بالروح" لكونه في معنى الوحي أو بيان للروح بناء على كونه بمعنى ~~الوحي، والإنذار هو إخبار فيه تخويف، كما أن التبشير هو إخبار فيه سرور على ~~ما ذكره الراغب أو إعلام بالمحذور كما ذكره غيره، والتقدير على الأول ~~أخبروهم مخوفين بوحدانيتي في الألوهية ووجوب تقواي، وعلى الثاني أعلموهم ~~ذلك، على أن يكون "أنه" مفعولا ثانيا لا منصوبا بنزع الخافض. # وقد علم بذلك أن قوله: "فاتقون" متفرع على قوله: "لا إله إلا أنا" ~~والجملتان جميعا مفعول ثان أو في موضعه لقوله: "أنذروا" ويوضح ذلك أن لا ~~إله وهو الذي يبتدىء منه وينتهي إليه كل شيء أو المعبود بالحق من لوازم صفة ~~ألوهيته أن يتقيه الإنسان لتوقف كل خير وسعادة إليه، فلو فرض أنه واحد لا ~~شريك له في ألوهيته كان لازمه أن يتقى وحده لأن التقوى وهو إصلاح مقام ~~العمل فرع لما في مقام الاعتقاد والنظر، فعبادة الآلهة الكثيرين والخضوع ~~لهم لا يجامع الاعتقاد بإله واحد لا شريك له الذي هو القيوم على كل شيء ~~وبيده زمام كل أمر ولذا لم يؤمر نبي أن يدعو إلى توحيد من غير عمل أو إلى ~~عمل من غير توحيد، قال تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون": الأنبياء: 25. # فالذي أمر الرسل بالإنذار به في الآية هو مجموع قوله: "أنه لا إله إلا ~~أنا فاتقون" وهو تمام الدين لاندراج الاعتقادات الحقة في التوحيد والأحكام ~~العملية جميعا في التقوى، ولا يعبأ بما ذكره بعضهم أن قوله: "فاتقون" ~~للمستعجلين من الكفار المذكورين في الآية الأولى أو لخصوص كفار قريش من غير ~~أن يكون داخلا فيما أمر به الرسل من الإنذار. # قوله تعالى: "خلق السماوات والأرض ms4549 بالحق تعالى عما يشركون" تقدم معنى خلق ~~السماوات والأرض بالحق، ولازم خلقها بالحق أن لا يكون للباطل فيها أثر، ~~ولذلك عقبه بتنزيهه عن الشركاء الذين يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله ويهدوهم ~~إلى الخير ويقوهم الشر فإنهم من الباطل الذي لا أثر له. # وفي الآية والآيات التالية لها احتجاج على وحدانيته تعالى في الألوهية ~~والربوبية من جهتي الخلق والتدبير جميعا فإن الخلق والإيجاد آية الألوهية ~~وكون الخلق بعضها نعمة بالنسبة إلى بعض آية الربوبية لأن الشيء لا يكون ~~نعمة بالنسبة إلى آخر إلا عن ارتباط بينهما واتصال من أحدهما بالآخر يؤدي ~~إلى نظام جامع بينهما وتدبير واحد يجمعهما، ووحدة التدبير آية وحدة المدبر ~~فكون ما في السماوات والأرض من مخلوق نعما للإنسان يدل على أن الله سبحانه ~~وحده ربه ورب كل شيء. # قوله تعالى: "خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين" المراد به الخلق ~~الجاري في النوع الإنساني وهو جعل نسله من النطفة فلا يشمل آدم وعيسى (عليه ~~السلام). PageV12P108 # والخصيم صفة مشبهة من الخصومة وهي الجدال، والآية وإن أمكن أن تحمل على ~~الامتنان حيث إن من عظيم المن أن يبدل الله سبحانه بقدرته التامة قطرة من ~~ماء مهين إنسانا كامل الخلقة منطيقا متكلما ينبىء عن كل ما جل ودق ببيانه ~~البليغ لكن كثرة الآيات التي توبخ الإنسان وتقرعه على وقاحته في خصامه في ~~ربه كقوله تعالى: "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، ~~وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم": يس: 78 ترجح أن ~~يكون المراد بذيل الآية بيان وقاحة الإنسان. # ويؤيد ذلك أيضا بعض التأييد ما في ذيل الآية السابقة من تنزيهه تعالى من شركهم. # قوله تعالى: "والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون" الأنعام ~~جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم سميت بذلك لنعمة مسها بخلاف الحافر الذي ~~يصلب كذا في المجمع، وفي المفردات: الدفء خلاف البرد. # انتهى. # وكأن المراد بالدفء ما يحصل من جلودها وأصوافها وأوبارها من الحرارة ~~للاتقاء ms4550 من البرد، أو المراد بالدفء ما يدفأ به. # والمراد بالمنافع سائر ما يستفاد منها لغير الدفء من أصوافها وأوبارها ~~وجلودها وألبانها وشحومها وغير ذلك، وقوله: "لكم" يمكن أن يكون متعلقا ~~بقوله: "خلقها" ويكون قوله: "فيها دفء ومنافع" حالا من ضمير "خلقها" ويمكن ~~أن يكون "لكم" ظرفا مستقرا متعلقا بالجملة الثانية أي في الأنعام دفء كائنا لكم. # قوله تعالى: "ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون" الجمال الزينة وحسن ~~المنظر، قال في المجمع: الإراحة رد الماشية بالعشي من مراعيها إلى منازلها ~~والمكان الذي تراح فيه مراح، والسروح خروج الماشية إلى المرعى بالغداة، ~~يقال: سرحت الماشية سرحا وسروحا وسرحها أهلها. # انتهى. # يقول تعالى: ولكم في الأنعام منظر حسن حين تردونها بالعشي إلى منازلها ~~وحين تخرجونها بالغداة إلى مراعيها. # قوله تعالى: "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ~~ربكم لرءوف رحيم" الأثقال جمع ثقل وهو المتاع الذي يثقل حمله والمراد ~~بقوله: "بشق الأنفس" مشقة تتحملها الأنفس في قطع المسافات البعيدة والمسالك ~~الصعبة. # والمراد أن الأنعام كالإبل وبعض البقر تحمل أمتعتكم الثقيلة إلى بلد ليس ~~يتيسر لكم بلوغها إلا بمشقة تتحملها أنفسكم فرفع عنكم المشاق بخلقها ~~وتسخيرها لكم إن ربكم رءوف رحيم. # قوله تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" ~~معطوف على الأنعام فيما مر أي والخيل والبغال والحمير خلقها لكم لتركبوها، ~~وزينة أي إن في خلقها ارتباطا بمنافعكم وذلك أنكم تركبونها وتتخذونها زينة ~~وجمالا، وقوله: "ويخلق ما لا تعلمون" أي يخلق ما لا علم لكم به من الحيوان ~~وغيره، وسخرها لكم لتنتفعوا بها، والدليل على ما قدرناه هو السياق. # قوله تعالى: "وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين" ~~القصد - على ما ذكره الراغب وغيره - استقامة الطريق وهو كونه قيما على ~~سالكيه أوصلهم إلى الغاية، والظاهر أن المصدر بمعنى الفاعل والإضافة من ~~إضافة الصفة إلى موصوفها والمراد السبيل القاصد بدليل مقابلته بقوله: ~~"ومنها جائر" أي ومن السبيل ما هو جائر أي مائل عن الغاية ms4551 يورد سالكيه ~~غيرها ويضلهم عنها. # والمراد بكون قصد السبيل على الله وجوب جعل سبيل قاصد عليه تعالى يسلكه ~~عباده فيوردهم مورد السعادة والفلاح وإذ لا حاكم غيره يحكم عليه فهو الذي ~~أوجب على نفسه أن يجعل لهم طريقا هذا نعته ثم يهديهم إليه أما الجعل فهو ما ~~جهز الله كل موجود ومنها الإنسان من القوى والأدوات بما لو استعملها كما ~~نظمت أدته إلى سعادته وكماله المطلوب قال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى": طه: 50، وقال في الإنسان خاصة: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: 30. # وأما الهداية فهي التي فعلها من ناحية الفطرة وتناهى بما من طريق بعث ~~الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها": الشمس: 8، وقال: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا": الدهر: 3. PageV12P109 # وإنما أدرج سبحانه هذه الآية بين هذه الآيات التي سياقها عد النعم العلوية ~~والسفلية من السماء والأرض والأنعام والخيل والبغال والحمير والماء النازل ~~من السماء والزرع ونظائرها لما أن الكلام انجر في آيتي الأنعام والخيل إلى ~~معنى قطع الطرق وركوب المراكب فناسب أن يذكر ما أنعم به من الطريق المعنوي ~~الموصل للإنسان إلى غايته الحقيقية يبتغيها في مسير الحياة كما أنعم بمثله ~~في عالم المادة ونشأة الصورة. # فذكر سبحانه أن من نعمه التي من بها على عباده أن أوجب على نفسه لهم ~~سبيلا قاصدا يوصلهم إلى سعادة حياتهم فجعله لهم وهداهم إليه. # وقد نسب سبحانه قصد السبيل إلى نفسه دون السبيل الجائر لأن سبيل الضلال ~~ليس سبيلا مجعولا له وفي عرض سبيل الهدى وإنما هو الخروج عن السبيل وعدم ~~التلبس بسلوكه فليس بسبيل حقيقة وإنما هو عدم السبيل. # وكيف كان فالآية ظاهرة في نسبة قصد السبيل إليه تعالى وترك نسبة السبيل ~~الجائر المؤدي بسبب المقابلة إلى نفي نسبته إليه تعالى. # وإذ كان من الممكن أن يتوهم أن لازم جعله قصد السبيل أن يكون مكفورا في ~~نعمته مغلوبا في تدبيره ms4552 وربوبيته حيث جعل السبيل ولم يسلكه الأكثرون وهدى ~~إليه ولم يهتد به المدعوون دفعه بقوله تعالى: "ولو شاء لهداكم أجمعين" أي ~~إن عدم اهتداء الجميع ليس لعجز منه سبحانه عن ذلك أو غلبة من هؤلاء ~~المتخلفين وظهورهم عليه بل لأنه تعالى لم يشأ ذلك ولو شاء لم يسعهم إلا أن ~~يهتدوا جميعا فهو القاهر الغالب على كل حال. # وبعبارة أخرى السبيل القاصد الذي جعله الله تعالى هو السبيل المبني على ~~اختيار الإنسان يقطعه بإتيان الأعمال الصالحة واجتناب المعاصي عن اختيار ~~منه، وما هذا شأنه لم يكن مما يجبر عليه ولا عاما للجميع فإن الطبائع ~~متنوعة والتراكيب مختلفة ولا محالة تتنوع آثارها، ويختلف الأفراد بالإيمان ~~والكفر والتقوى والفجور والطاعة والمعصية. # والآية مما تشاجرت فيها الأشاعرة والمعتزلة من فرق المسلمين فاستدلت ~~المعتزلة بأن تغيير الأسلوب بجعل قصد السبيل على الله دون السبيل الجائر ~~للدلالة على ما يجوز إضافته إليه تعالى وما لا يجوز كما ذكره في الكشاف. # وتكلفت الأشاعرة في الجواب عنه فمن مجيب بأن السبيلين جميعا منه تعالى ~~وإنما لم ينسب السبيل الجائر إليه تأدبا، ومن مجيب بأن المراد بقوله: "وعلى ~~الله قصد السبيل" أن عليه تعالى بيان السبيل الحق فضلا وكرما منه دون بيان ~~السبيل الجائر وأما أصل الجعل فهما جميعا مجعولان له تعالى، ومن منكر أن ~~يكون تغيير الأسلوب في الآية لأمر مطلوب. # والحق أن دلالة الآية على كون قصد السبيل مضافا إليه تعالى دون السبيل ~~الجائر مما لا ريب فيه لكن ذلك لا يستلزم كون السبيل الجائر مخلوقا لغيره ~~تعالى لما تقدم أن سبيل الضلال ليس بسبيل حقيقة بل حقيقته عدم سلوك سبيل ~~الهدى كما أن الضلال عدم الهدى فليس بأمر موجود حتى ينسب خلقه وإيجاده إليه ~~تعالى وإنما ينسب الضلال إليه تعالى فيما ينسب بمعنى عدم هدايته للضال أي ~~عدم إيجاده الهدى في نفسه. # ومع ذلك فالذي ينسب إليه من الضلال كما في قوله: "يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء": فاطر: 8، وقوله: "يضل به كثيرا ويهدي به ms4553 كثيرا": البقرة: 26، هو ~~الضلال بطريق المجازاة دون الضلال الابتدائي، كما يفسره قوله: "وما يضل به ~~إلا الفاسقين": البقرة: 26، فإذا فسق الإنسان وخرج بسوء اختياره عن زي ~~العبودية بأن عصى ولم يرجع وهو ضلاله الابتدائي من قبل نفسه جازاه الله ~~بالضلال بأن أثبته على حاله ولم يقض عليه الهدى. # وأما الضلال الابتدائي من الإنسان فإنما هو انكفاف وقصور عن الطاعة وقد ~~هداه الله من طريق الفطرة ودعوة النبوة. # قوله تعالى: "هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون" شروع في نوع آخر من النعم وهي النعم النباتية التي يقتات بها ~~الإنسان وغيره وما سخر له لتدبير أمرها كالليل والنهار والشمس والقمر وما ~~يحذو حذوها، ولذلك غير السياق فقال: "هو الذي" إلخ، ولم يقل: وأنزل من ~~السماء. PageV12P110 # وقوله: "تسيمون" من الإسامة وهي رعي المواشي ومنه السائمة للماشية الراعية ~~و"من" الأولى تبعيضية والثانية نشوئية والشجر من النبات ما له ساق وورق ~~وربما توسع فأطلق على ذي الساق وغيره جميعا، ومنه الشجر المذكور في الآية ~~لمكان قوله: "فيه تسيمون" والباقي واضح. # قوله تعالى: "ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات" إلخ، الزيتون شجر معروف ويطلق على ثمره أيضا يقال: إنه اسم جنس ~~جمعي واحده زيتونة، وكذا النخيل، ويطلق على الواحد والجمع، والأعناب جمع ~~عنبة وهي ثمرة شجرة الكرم ويطلق على نفس الشجرة كما في الآية، والسياق يفيد ~~أن قوله: "ومن كل الثمرات" تقديره ومن كل الثمرات أنبت أشجارها. # ولعل التصريح بأسماء هذه الثمرات الثلاث بخصوصها وعطف الباقي عليها ~~لكونها مما يقتات بها غالبا. # ولما كان في هذا التدبير العام الوسيع الذي يجمع شمل الإنسان والحيوان في ~~الارتزاق به حجة على وحدانيته تعالى في الربوبية ختم الآية بقوله: "إن في ~~ذلك لآية لقوم يتفكرون". # قوله تعالى: "وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر" إلى آخر الآية قد ~~تكرر الكلام في معنى تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، ولكون كل ~~من المذكورات وكذا مجموع الليل والنهار ومجموع الشمس والقمر ms4554 والنجوم ذا ~~خواص وآثار في نفسه من شأنه أن يستقل بإثبات وحدانيته في ربوبيته تعالى ختم ~~الآية بقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" فجمع الآيات في هذه الآية ~~بخلاف الآيتين السابقة واللاحقة. # قوله تعالى: "وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم ~~يذكرون" الذرء الخلق، واختلاف ألوان ما ذرأه في الأرض غير ما مر كما يختلف ~~ألوان المعادن وسائر المركبات العنصرية التي ينتفع بها الإنسان في معاشه ~~ولا يبعد أن يكون اختلاف الألوان كناية عن الاختلاف النوعي بينها فتقرب ~~الآية مضمونا من قوله تعالى: "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل": ~~الرعد: 4، وقد تقدم تقريب الاستدلال به. # واختلاف الألوان فيما ذرأ في الأرض كإنبات الشجر والثمر أمر واحد يستدل ~~به على وحدانيته في الربوبية ولذا قال: "إن في ذلك لآية" ولم يقل: لآيات. # وهذه حجج ثلاث نسب الأولى إلى الذين يتفكرون، والثانية إلى الذين يعقلون، ~~والثالثة إلى الذين يتذكرون، وذلك أن الحجة الأولى مؤلفة من مقدمات ساذجة ~~يكفي في إنتاجها مطلق التفكر، والثانية مؤلفة من مقدمات علمية لا يتيسر ~~فهمها إلا لمن غار في أوضاع الأجرام العلوية والسفلية وعقل آثار حركاتها ~~وانتقالاتها، والثالثة مؤلفة من مقدمات كلية فلسفية إنما ينالها الإنسان ~~بتذكر ما للوجود من الأحكام العامة الكلية كاحتياج هذه النشأة المتغيرة إلى ~~المادة وكون المادة العامة واحدة متشابهة الأمر، ووجوب انتهاء هذه ~~الاختلافات الحقيقية إلى أمر آخر وراء المادة الواحدة المتشابهة. # قوله تعالى: "وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها" إلخ وهذا فصل آخر من النعم الإلهية وهو نعم البحر والجبال ~~والأنهار والسبل والعلامات وكان ما تقدمه من الفصل مشتملا على نعم البر ~~والسهل من الأشجار والأثمار ونحوها، ولذلك قال: "وهو الذي سخر" ولم يقل: ~~وسخر إلخ. # والطري فعيل من الطراوة وهو الغض الجديد من الشيء على ما ذكره في ~~المفردات، والمخر شق الماء عن ms4555 يمين وشمال، يقال: مخرت السفينة تمخر مخرا ~~فهي ماخرة ومخر الأرض أيضا شقها للزراعة. # على ما في المجمع والمراد بأكل اللحم الطري من البحر هو أكل لحوم الحيتان ~~المصطادة منه، وباستخراج حلية تلبسونها ما يستخرج منه بالغوص من أمثال ~~اللؤلؤ والمرجان التي تتحلى وتتزين بها النساء. # وقوله: "وترى الفلك مواخر فيه" أي تشاهد السفائن تشق ماءه عن اليمين ~~والشمال، ولعل قوله: "وترى" من الخطابات العامة التي لا يقصد بها مخاطب خاص ~~وكثيرا ما يستعمل كذلك ومعناه يراه كل راء ويشاهده كل من له أن يشاهد فليس ~~من قبيل الالتفات من خطاب الجمع السابق إلى خطاب الواحد. PageV12P111 # وقوله: "ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" أي ولتطلبوا بعض رزقه في ركوب ~~البحر وإرسال السفائن فيه والجملة معطوفة على محذوف والتقدير وترى الفلك ~~مواخر فيه لتنالوا بذلك كذا وكذا ولتبتغوا من فضله، وهو كثير النظير في ~~كلامه تعالى. # وقوله: "ولعلكم تشكرون" أي ومن الغايات في تسخير البحر وإجراء الفلك فيه ~~شكركم له المرجو منكم إذ هو من زيادته تعالى في النعمة فقد أغناكم بما أنعم ~~عليكم في البر عن أن تتصرفوا في البحر بالغوص وإجراء السفن وغير ذلك لكنه ~~تعالى زادكم بتسخير البحر لكم نعمة لعلكم تشكرونه على هذا الزائد فإن ~~الإنسان قليلا ما يتنبه في الضروريات أنها نعمة موهوبة من لدنه سبحانه ولو ~~شاء لقطعها وأما الزوائد النافعة فهي أقرب من هذا التنبه والانتقال. # قوله تعالى: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم ~~تهتدون" قال في المجمع: الميد الميل يمينا وشمالا وهو الاضطراب ماد يميد ميدا. # انتهى. # وقوله: "أن تميد بكم" أي كراهة أن تميد بكم أو أن لا تميد بكم والمراد ~~أنه طرح على الأرض جبالا ثوابت لئلا تضطرب وتميل يمينا وشمالا فيختل بذلك ~~نظام معاشكم. # وقوله: "وأنهارا" أي وجعل فيها أنهارا تجري بمائها وتسوقه إلى مزارعكم ~~وبساتينكم وتسقيكم وما عندكم من الحيوان الأهلي. # وقوله: "وسبلا لعلكم تهتدون" معطوف على قوله: "وأنهارا" أي وجعل سبلا ~~لغاية الاهتداء المرجو منكم، ms4556 والسبل منها ما هي طبيعية وهي المسافات ~~الواقعة بين بقعتين من الأرض الواصلة إحداهما بالأخرى من غير أن يقطع ما ~~بينهما بحاجب أو مانع كالسهل بين الجبلين، ومنها ما هي صناعية وهي التي ~~تتكون بعبور المارة وآثار الأقدام أو يعملها الإنسان. # والظاهر من السياق عموم السبل لكلا القسمين، ولا ضير في نسبة ما جعله ~~الإنسان إلى جعله تعالى كما نسب الأنهار والعلامات إلى جعله تعالى وأكثرها ~~من صنع الإنسان وكما نسب ما عمله الإنسان من الأصنام وغيرها إلى خلقه تعالى ~~في قوله: "والله خلقكم وما تعملون": الصافات: 96. # وذلك أنها كائنة ما كانت من آثار مجعولاته تعالى وجعل الشيء ذي الأثر جعل ~~لأثره بوجه وإن لم يكن جعلا مستقيما من غير واسطة. # قوله تعالى: "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" العلامات جمع علامة وهي ما يعلم ~~به الشيء، وهو معطوف على قوله: "أنهارا" أي وجعل علامات تستدلون بها على ~~الأشياء الغائبة عن الحس وهي كل آية وأمارة طبيعية أو وضعية تدل على ~~مدلولها ومنها الشواخص والنصب واللغات والإشارات والخطوط وغيرها. # ثم ذكر سبحانه الاهتداء بالنجوم فقال: "وبالنجم هم يهتدون" ولعل الالتفات ~~فيه من الخطاب إلى الغيبة للتحرز عن تكرار "تهتدون" بصيغة الخطاب في آخر ~~الآيتين. # والآية السابقة: "وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم ~~أجمعين" المتضمنة لمسألة الهداية المعنوية التي هي كالمعترضة بين الآيات ~~العادة للنعم الصورية وإن كان الأنسب ظاهرا أن يوضع بعد هذه الآية أعني ~~قوله: "وبالنجم هم يهتدون" المتعرضة هي وما قبلها للهداية الصورية غير أن ~~ذلك لم يكن خاليا من اللبس وإيهام التناقض بخلاف موقعها الذي هي واقعة فيه ~~وإن كانت كالمعترضة كما هو ظاهر. # قوله تعالى: "أفمن يخلق كمن لا يخلق - إلى قوله - إلهكم إله واحد" الآيات ~~تقرير إجمالي للحجة المذكورة تفصيلا في ضمن الآيات الست عشرة الماضية ~~واستنتاج للتوحيد وهي حجة واحدة أقيمت لتوحيد الربوبية، وملخصها أن الله ~~سبحانه خالق كل شيء فهو الذي أنعم بهذه النعم التي لا يحيط بها الإحصاء ~~التي ينتظم بها ms4557 نظام الكون، وهو تعالى عالم بسرها وعلنها فهو الذي يملك ~~الكل ويدبر الأمر فهو ربها، وليس شيء مما يدعونه على شيء من هذه الصفات ~~فليست أربابا فالإله واحد لا غير وهو الله عز اسمه. PageV12P112 # ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن الآيات تثبت التوحيد من طريقين طريق ~~الخلقة وطريق النعمة، بيان الفساد أن طريق الخلقة وحدها إنما تثبت الصانع ~~ووحدانيته في الخلق والإيجاد، والوثنيون - وإليهم وجه الكلام في الآيات - ~~لا ينكرون وجود الصانع ولا أن الله سبحانه خالق الكل حتى أوثانهم وأن ~~أوثانهم ليسوا بخالقين لشيء وإنما يدعون لأوثانهم تدبير أمر العالم بتفويض ~~من الله لذلك إليهم والشفاعة عند الله فلا يفيد إثبات الصانع تجاه هؤلاء شيئا. # وإنما سيقت آيات الخلقة لتثبيت أمر النعمة إذ من البين أنه إذا كان الله ~~سبحانه خالقا لكل شيء موجودا له كانت آثار وجودات الأشياء وهي النعم التي ~~يتنعم بها له سبحانه كما أن وجوداتها له ملكا طلقا لا يقبل بطلانا ولا نقلا ~~ولا تبديلا فهو سبحانه المنعم بها حقيقة لا غيره من شيء حتى الذي نفس ~~النعمة من آثار وجوده فإنه وما له من أثر هو لله وحده. # ولذلك ضم إلى حديث الخلق والإنعام قوله تعالى: "والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون" لأن مجرد استناد الخلق والإنعام إلى شيء لا يستلزم ربوبيته ولا ~~يستوجب عبادته لو لا انضمام العلم إليهما ليتم بذلك أنه مدبر يهدي كل شيء ~~إلى كماله المطلوب له وسعادته المكتوبة في صحيفة عمله، ومن المعلوم أن ~~العبادة إنما تستقيم عبادة إذا كان المعبود موسوما بسمة العلم عالما بعبادة ~~من يعبده شاهدا لخضوعه. # فمجموع ما تتضمنه الآيات من حديث الخلق والنعمة والعلم مقدمات لحجة واحدة ~~أقيمت على توحيد الربوبية الذي ينكره الوثنية كما عرفت. # فقوله: "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون" قياس ما له سبحانه من النعت ~~إلى ما لغيره منه ونفي للمساواة، والاستفهام للإنكار، والمراد بمن لا يخلق ~~آلهتهم الذين يدعونهم من دون الله. # وبيانه - كما ظهر مما ms4558 تقدم - أن الله سبحانه يخلق الأشياء ويستمر في ~~خلقها فلا يستوي هو ومن لا يخلق شيئا فإنه تعالى لخلقه الأشياء يملك ~~وجوداتها وآثار وجوداتها التي هي الأنظمة الخاصة بها والنظام العام الجاري عليها. # وقوله: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" إلخ، إشارة إلى كثرة النعم ~~الإلهية كثرة خارجة عن حيطة الإحصاء، وبالحقيقة ما من شيء إلا وهو نعمة إذا ~~قيس إلى النظام الكلي وإن كان ربما وجد بينها ما ليس بنعمة إذا قيس إلى بعض آخر. # وقد علل سبحانه ذلك بقوله: "إن الله لغفور رحيم" وهو من ألطف التعليل ~~وأدقه فأفاد سبحانه أن خروج النعمة عن حد الإحصاء إنما هو من بركات اتصافه ~~تعالى بصفتي المغفرة والرحمة فإنه بمغفرته - والمغفرة هي الستر - يستر ما ~~في الأشياء من وبال النقص وشوهة القصور، وبرحمته والرحمة إتمام النقص ورفع ~~الحاجة - يظهر فيها الخير والكمال ويحليها بالجمال فببسط المغفرة والرحمة ~~على الأشياء يكون كل شيء نافعا في غيره خيرا مطلوبا عنده فيصير نعمة ~~بالنسبة إليه فالأشياء بعضها نعمة لبعض فللنعمة الإلهية من السعة والعرض ما ~~لمغفرته ورحمته من ذلك: فإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، فافهم ذلك. # والآية من الموارد التي استعملت فيها المغفرة في غير الذنب والمعصية ~~للأمر المولوي هو المعروف عند المتشرعة. # وقوله: "والله يعلم ما تسرون وما تعلنون" إشارة إلى الركن الثالث من ~~أركان الربوبية وهو العلم فإن الإله لو كان غير متصف بالعلم استوت العبادة ~~واللاعبادة بالنسبة إليه فكانت عبادته لغوا لا أثر لها. # فمن الواجب في الرب المعبود أن يكون له علم ولا كل علم، كيفما كان بل ~~العلم بظاهر من يعبده وباطنه فإن العبادة متقومة بالنية فهي إنما تقع عبادة ~~حقيقة إذا أتي بها عن نية صالحة وهو مما يرجع إلى الضمير فلا يتم العلم ~~بكون صورة العبادة واجدة لحقيقة معناها إلا بعد إحاطة المعبود بظاهر من ~~يعبده وباطنه لكن الله سبحانه عليم بما يسره الإنسان وما يعلنه كما أنه ~~خالق منعم ويستحق بذلك أن يعبد. PageV12P113 # ومن هنا ms4559 يظهر وجه اختيار ما في الآية من التعبير لبيان علمه فلم يعبر بمثل ~~قوله: "عالم الغيب والشهادة" وقوله: "والله بكل شيء عليم" بل قال: "والله ~~يعلم ما تسرون وما تعلنون" فذكر العلم بالإسرار والإعلان، وأضافه إلى ~~الإنسان لأن الكلام في عبادة الإنسان لربه، والواجب في العلم بالعبادة ~~المرتبطة بعمل الجوارح والقلب جميعا أن يكون عالما بما يسره الإنسان وما ~~يعلنه من النية القلبية والأحوال والحركات البدنية. # وقوله: "والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون" إشارة إلى ~~فقدان الركن الأول من أركان الربوبية في آلهتهم الذين يدعون من دون الله ~~ويتفرع عليه الركن الثاني وهو إيتاء النعمة، فليس الذين يدعونهم آلهة ~~وأربابا والله الرب. # وقوله: "أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون" إشارة إلى فقدان الركن ~~الثالث من أركان الربوبية في أصنامهم وهو العلم بما يسرون وما يعلنون وقد ~~بالغ في نفي ذلك فنفى أصل الحياة المستلزم لنفي مطلق العلم فضلا عن نوعه ~~الكامل الذي هو العلم بما يسرون وما يعلنون فقال: "أموات غير أحياء" فأثبت ~~الموت أولا وهو لا يجامع الشعور ثم أكده بنفي الحياة ثانيا. # وخص من وجوه جهلهم عدم شعورهم متى يبعث عبادهم من الناس فقال: "وما ~~يشعرون أيان يبعثون" أي ما يدري الأصنام أيان يبعث عبادهم فإن العبادة هي ~~التي يجزى بها الإنسان يوم البعث فمن الواجب في الإله المعبود أن يعلم متى ~~يوم البعث حتى يجزي عباده فيه عن عبادتهم، وهؤلاء لا يدرون شيئا من ذلك. # ومن هنا يظهر أن أول ضميري الجمع - يشعرون - للأصنام والثاني - يبعثون - ~~للمشركين، وأما إرجاعهما كليهما إلى الأصنام فغير مرضي لأن العلم بالبعث ~~مختص به سبحانه محجوب عن غيره ولا يختص الجهل به بالأصنام، وأردأ منه قول ~~بعضهم: إن ضميري الجمع معا في الآية عائدان إلى المشركين. # هذا. # والآيات وإن كانت مسوقة بظاهرها لنفي ربوبية الأصنام لكن البيان بعينه ~~بأدنى دقة جار في أرباب الأصنام كالملائكة المقربين والجن والكملين من ~~البشر والكواكب من كل ما يعبده الوثنيون فإن ms4560 صفات الخلق والإنعام والعلم لا ~~تقوم بالأصالة والاستقلال إلا بالله سبحانه، ولا ربوبية حقيقة إلا بالأصالة ~~والاستقلال، فافهم. # وفي الآيتين أعني قوله: "والذين يدعون من دون الله - إلى قوله - يبعثون" ~~التفات من الخطاب إلى الغيبة، ولعل النكتة فيه ذكر يوم البعث فيهما ~~والمشركون لا يقولون به فحول الخطاب منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) للتوسل بذلك إليه من غير اعتراض. # وقوله: "إلهكم إله واحد" بيان لنتيجة الحجة التي أقيمت في الآيات السابقة ~~أي إذا كان الله سبحانه هو الواجد لما تتوقف عليه الألوهية وهي المعبودية ~~بالحق، وغيره تعالى ممن يدعون من دونه غير واجد لشيء مما تتوقف عليه وهو ~~الخلق والإنعام والعلم فإلهكم الذي يحق له أن يعبد واحد ولازم معناه أنه ~~الله عز اسمه. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، أربعون آية من أولها مكية والباقي من قوله: "والذين هاجروا في ~~الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم" إلى آخر السورة مدنية، عن الحسن وقتادة، ~~وقيل: مكية كلها غير ثلاث آيات نزلت في انصراف النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من أحد: "وإن عاقبتم فعاقبوا" إلى آخر السورة نزلت فيما بين مكة ~~والمدينة عن ابن عباس وعطاء والشعبي، وفي إحدى الروايات عن ابن عباس: بعضها ~~مكي وبعضها مدني فالمكي من أولها إلى قوله: "ولكم عذاب عظيم"، والمدني ~~قوله: "ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا - إلى قوله -: بأحسن ما كانوا ~~يعملون". # أقول: وقد قدمنا أن الذي يعطيه السياق خلاف ذلك كله فراجع. # وفي تفسير العياشي، عن هشام بن سالم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قال: ~~إذا أخبر الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء إلى وقت فهو قوله: ~~"أتى أمر الله فلا تستعجلوه" حتى يأتي ذلك الوقت وقال: إن الله إذا أخبر أن ~~شيئا كائن فكأنه قد كان. # أقول: كأنه إشارة إلى أن التعبير في الآية بلفظ الماضي لتحقق الوقوع. PageV12P114 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن ms4561 مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: "أتى أمر ~~الله" ذعر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نزل "فلا ~~تستعجلوه" فسكنوا. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية: ~~"أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا ~~يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو ~~كائن فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل. فنزلت: "اقترب للناس ~~حسابهم" الآية فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضا فلما رأوا أنه لا ينزل شيء ~~قالوا: ما نراه نزل شيء فنزل: "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة" الآية. # أقول: والرواية تدل على أن المسلمين كان بينهم قبل الهجرة منافقون كما ~~يشهد به بعض آخر من الروايات. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن عقبة بن ~~عامر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تطلع عليكم قبل الساعة ~~سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فلا تزال ترتفع في السماء حتى تملأ ~~السماء ثم ينادي مناد: يا أيها الناس! فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل ~~سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم ومنهم من يشك ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس ~~فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم ثم ينادي: أيها الناس أتى أمر الله ~~فلا تستعجلوه. # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ~~لينشران الثوب فما يطويانه وإن الرجل ليملأ حوضه فما يسقي فيه شيئا، وإن ~~الرجل ليحلب ناقته فما يشربه ويشغل الناس. # أقول: وقد رام بعضهم أن يستفيد من هذه الروايات الثلاث - وفي معناها بعض ~~روايات أخر - أن المراد بالأمر هو يوم القيامة ولا دلالة فيها على ذلك. # أما الرواية الأولى فلا يدل ذعرهم أنهم فهموا منها ذلك فإن أمر الله أيا ~~ما كان مما يهيب عباده على أنه لا حجة في فهمهم وليس الشبهة مفهومية حتى ~~يرجع إليهم ms4562 بما هم أهل اللسان. # على أن الرواية لا تخلو عن شيء فإن الله سبحانه يعد الاستعجال بالقيامة ~~من صفات الكفار ويذمهم عليه ويبرىء المؤمنين منه قال: "والذين آمنوا مشفقون ~~منها": الشورى: 18 وقد مرت الإشارة إليه في البيان المتقدم هذا إذا كان ~~الخطاب في قوله: "فلا تستعجلوه" للمؤمنين، وأما إذا كان المخاطب به ~~المشركين وهم كانوا يستعجلونه، فمعنى النهي عن استعجالهم هو حلول الأجل ~~وقرب الوقوع لا الإمهال والإنظار، ولا معنى حينئذ لسكونهم لما سمعوا قوله: ~~"فلا تستعجلوه". # وأما الرواية الثانية فظاهرها أنهم فهموا منها العذاب الدنيوي دون الساعة ~~فهي تؤيد ما قدمناه في البيان لا ما ذكروه. # وأما الرواية الثالثة فأقصى ما تدل عليه أن قيام الساعة من مصاديق إتيان ~~أمر الله ولا ريب في ذلك وهو غير كون المراد بالأمر في الآية هو الساعة. # وفي كتاب الغيبة، للنعماني بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قوله عز وجل: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قال: هو ~~أمرنا أمر الله عز وجل فلا يستعجل به يؤيده بثلاثة أجناد: الملائكة ~~والمؤمنون والركب، وخروجه كخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك ~~قوله: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق". أقول: ورواه المفيد في كتاب الغيبة، ~~عن عبد الرحمن عنه (عليه السلام)، ومراده ظهور المهدي (عليه السلام) كما ~~صرح به في روايات أخر وهو من جري القرآن أو بطنه. # وفي الكافي، بإسناده عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): جبرئيل من الملائكة والروح غير جبرئيل، فكبر ذلك على الرجل فقال ~~له: لقد قلت عظيما من القول ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل. فقال له أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): إنك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله لنبيه: ~~"أتى أمر الله فلا تستعجلوه - سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملائكة ~~بالروح" والروح غير الملائكة. # أقول: وهو يؤيد ما قدمناه، وفي روايات أخر: ms4563 أنه خلق أعظم من جبرئيل. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فإذا هو خصيم مبين" قال (عليه ~~السلام): خلقه من قطرة من ماء مهين فيكون خصيما متكلما بليغا. PageV12P115 # وفيه،: في قوله تعالى: "حين تريحون وحين تسرحون" قال (عليه السلام): حين ~~ترجع من المرعى وحين تخرج إلى المرعى. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن ~~أبوال الخيل والبغال والحمير قال: نكرهها، قلت: أليس لحمها حلالا؟ قال: ~~فقال: أليس قد بين الله لكم: "والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون" وقال في الخيل والبغال والحمير: "لتركبوها وزينة" فجعل الأكل من ~~الأنعام التي قص الله في الكتاب، وجعل للركوب الخيل والبغال والحمير وليس ~~لحومها بحرام ولكن الناس عافوها. # أقول: والروايات في الخيل والبغال والحمير مختلفة ومذهب أهل البيت (عليهم ~~السلام) حلية أكل لحومها على كراهية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ويخلق ما لا تعلمون" قال: قال (عليه ~~السلام): العجائب التي خلقها الله في البر والبحر. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر" ~~أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي أنه كان ~~يقرأ هذه الآية: "فمنكم جائر". # وفي تفسير العياشي، عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"وبالنجم هم يهتدون" قال: هو الجدي لأنه نجم لا يدور عليه بناء القبلة، وبه ~~يهتدي أهل البر والبحر. أقول: وهو مروي عن الصادق (عليه السلام) أيضا. # وفي الكافي، بإسناده عن داود الجصاص قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" قال: النجم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والعلامات الأئمة (عليهم السلام): أقول: ورواه أيضا ~~بطريقين آخرين عنه وعن الرضا (عليه السلام) ورواه العياشي والقمي في ~~تفسيريهما، والشيخ في أماليه، عن الصادق (عليه السلام). # وليس بتفسير وإنما هو من البطن ومن الدليل عليه ما رواه الطبرسي ms4564 في ~~المجمع، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن العلامات والنجم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقد قال: إن الله جعل النجوم أمانا لأهل ~~السماء وجعل أهل بيتي أمانا لأهل الأرض. PageV12P116 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 22 - 40 # إلهكم إله وحد فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) ~~لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) وإذا ~~قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أسطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قد مكر ~~الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ~~وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيمة يخزيهم ويقول أين ~~شركاءى الذين كنتم تشقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء ~~على الكفرين (27) الذين تتوفاهم الملئكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ما كنا ~~نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبوب جهنم ~~خلدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار ~~المتقين (30) جنت عدن يدخلونها تجرى من تحتها الأنهر لهم فيها ما يشاءون ~~كذلك يجزى الله المتقين (31) الذين تتوفاهم الملئكة طيبين يقولون سلم عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو ~~يأتى أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (34) ~~وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولا ءاباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شىء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلغ ~~المبين (35) ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضللة فسيروا فى الأرض فانظروا كيف ~~كان عقبة المكذبين (36) إن تحرص ms4565 على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم ~~من نصرين (37) وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذى يختلفون فيه ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كذبين (39) إنما قولنا لشىء إذا أردنه أن ~~نقول له كن فيكون (40) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الشطر الثاني من آيات صدر السورة، وقد كان الشطر الأول يتضمن ~~توحيد الربوبية وإقامة الحجة على المشركين في ذلك بعد ما أنذرهم بإتيان ~~الأمر ونزه الله سبحانه عن شركهم. # وهذا الشطر الثاني يتضمن ما يناسب المقام ذكره من مساوي صفات المشركين ~~المتفرعة على إنكارهم التوحيد وأباطيل أقوالهم كاستكبارهم على الله ~~واستهزائهم بآياته وإنكارهم الحشر، وبيان بطلانها وإظهار فسادها، وتهديدهم ~~بإتيان الأمر وحلول العذاب الدنيوي، والإيعاد بعذاب يوم الموت ويوم القيامة ~~وحقائق أخر ستنكشف بالبحث. # قوله تعالى: "إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون" قد تقدم الكلام في قوله: "إلهكم إله واحد" وأنه نتيجة الحجة التي ~~أقيمت في الآيات السابقة. PageV12P117 # وقوله: "فالذين لا يؤمنون بالآخرة" إلخ تفريع عليه، وافتتاح لفصل جديد من ~~الكلام حول أعمال الكفار من أقوالهم وأعمالهم الناشئة عن عدم إيمانهم بالله ~~سبحانه وإنما ذكر عدم إيمانهم بالآخرة ولم يذكر عدم إيمانهم بالله وحده لأن ~~الذي أقيمت عليه الحجة هو التوحيد الكامل وهو وجوب الاعتقاد بإله عليم قدير ~~خلق كل شيء وأتم النعمة لا لغوا باطلا بل بالحق ليرجعوا إليه فيحاسبهم على ~~ما عملوا ويجازيهم بما اكتسبوا مما عهده إليهم من الأمر والنهي بواسطة الرسل. # فالتوحيد المندوب إليه في الآيات الماضية هو القول بوحدانيته تعالى ~~والإيمان بما أتى به رسل الله والإيمان بيوم الحساب والجزاء، ولذلك وصف ~~الكفار بعدم الإيمان بالآخرة لأن الإيمان بها يستلزم الإيمان بالوحدانية ~~والرسالة. # ولك أن تراجع في استيضاح ما ذكرناه قوله في أول الآيات: "ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ~~خلق السماوات والأرض ms4566 بالحق سبحانه عما يشركون" فإنه كلام جامع للأصول ~~الثلاثة. # وقوله: "قلوبهم منكرة" أي للحق وقوله: "وهم مستكبرون" أي عن الحق، ~~والاستكبار - على ما ذكروه - طلب الترفع بترك الإذعان للحق. # والمعنى: إلهكم واحد على ما تدل عليه الآيات الواضحة في دلالتها، وإذا ~~كان الأمر على هذا الوضوح والجلاء لا يستتر بستر ولا يرتاب فيه فهم فالذين ~~لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة للحق جاحدة له عنادا وهم مستكبرون عن ~~الانقياد للحق من غير حجة ولا برهان. # قوله تعالى: "لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب ~~المستكبرين" "لا جرم" كلمة مركبة باقية على حالة واحدة يفيد معنى التحقيق ~~على ما ذكره الخليل وسيبويه وإليه يرجع ما ذكره غيرهما وإن اختلفوا في أصل ~~تركبه قال الخليل: وهو كلمة تحقيق ولا يكون إلا جوابا يقال فعلوا كذا فيقول ~~السامع: لا جرم يندمون. # والمعنى من المحقق - أو حق - أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، وهو ~~كناية وتهديد بالجزاء السيىء أي إنه يعلم ما يخفونه من أعمالهم وما يظهرونه ~~فسيجزيهم بما عملوا ويؤاخذهم على ما أنكروا واستكبروا إنه لا يحب ~~المستكبرين. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين" قال ~~الراغب في المفردات: السطر والسطر - بفتح فسكون أو بفتحتين - السطر من ~~الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف - إلى أن قال - وجمع السطر ~~أسطر وسطور وأسطار. # قال: وأما قوله: "أساطير الأولين" فقد قال المبرد: هي جمع أسطورة نحو ~~أرجوحة وأراجيح وأثفية وأثافي وأحدوثة وأحاديث، وقوله تعالى: "وإذا قيل لهم ~~ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين" أي شيء كتبوه كذبا ومينا فيما زعموا ~~نحو قوله تعالى: "أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" انتهى ~~وقال غيره: أساطير جمع أسطار وأسطار جمع سطر فهو جمع الجمع. # وقوله: "وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم" يمكن أن يكون القائل بعض المؤمنين ~~وإنما قاله اختبارا لحالهم واستفهاما لما يرونه في الدعوة النبوية، ويمكن ~~أن يكون من المشركين وإنما قاله ms4567 لهم ليقلدهم فيما يرونه، وعبر عن القرآن ~~بمثل قوله: "ما ذا أنزل ربكم" لنوع من التهكم والاستهزاء، ويمكن أن يكون ~~شاكا متحيرا باحثا، والآية التالية وكذا قوله فيما سيأتي: "وقيل للذين ~~اتقوا ما ذا أنزل ربكم" يؤيد أحد الوجهين الأخيرين. # وقوله: "قالوا أساطير الأولين" أي الذي يسأل عنه أكاذيب خرافية كتبها ~~الأولون وأثبتوها وتركوها لمن خلفهم، ولازم هذا القول دعوى أنه ليس نازلا ~~من عند الله سبحانه. # قوله تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة" إلى آخر الآية. # قال في المفردات: الوزر - بفتحتين - الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، ~~قال تعالى: "كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر" والوزر بالكسر فالسكون - ~~الثقل تشبيها بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل، قال ~~تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة" الآية كقوله: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم". PageV12P118 # قال: وحمل وزر الغير بالحقيقة هو على نحو ما أشار إليه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بقوله: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص ~~من أجره شيء، ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها أي مثل وزر من ~~عمل بها، وقوله: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي لا تحمل وزره من حيث يتعرى ~~المحمول عنه، انتهى. # والذي ذكره من الحديث النبوي مروي من طرق الخاصة والعامة جميعا ويصدقه من ~~الكتاب العزيز مثل قوله تعالى: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين": ~~الطور: 21، وقوله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم": يس: 12 والآيات في هذا المعنى كثيرة. # وأما قوله في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "كان له وزرها ووزر ~~من عمل بها": أي مثل وزر من عمل بها فكلام ظاهري لا بأس بأن يوجه به الآية ~~والرواية لرفع التناقض بينهما وبين مثل قوله تعالى: "لا تزر وازرة وزر ~~أخرى": الأنعام: 164، وقوله: "ليوفينهم ربك أعمالهم": هود: 111، إذ لو حمل ~~الآمر وزر السيئة وعذب بعذابها ms4568 دون الفاعل ناقض ذلك الآية الأولى، ولو قسم ~~بينهما وحمل كل منهما بعض الوزر وعذب ببعض العذاب ناقض الآية الثانية، وأما ~~لو حمل السان والآمر مثل ما للعامل الفاعل لم يناقض شيئا. # وأما بحسب الحقيقة فكما أن العمل عمل واحد حسنة أو سيئة كذلك وزره وعذابه ~~مثلا واحد لا تعدد فيه، غير أن نفس العمل لما كان قائما بأكثر من واحد - ~~قيامه بالآمر والفاعل قياما طوليا لا عرضيا يوجب المحذور - كانت تبعته من ~~الوزر والعذاب قائمة بأكثر من واحد، فهناك وزر واحد يزرها اثنان، وعذاب ~~واحد يعذب به الآمر والفاعل جميعا. # ويسهل تصور ذلك بالتأمل في مضمون الآيات المبنية على تجسم الأعمال فإن ~~العمل كالسيئة مثلا على تقدير التجسم واحد شخصي يتمثل لاثنين ويعذب بتمثله ~~إنسانين الآمر والفاعل أو السان والمستن فهو بوجه بعيد كالشخص الواحد ~~يتصوره اثنان فيلتذان أو يتألمان معا به وليس إلا واحدا. # وقد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: "ليميز الله ~~الخبيث من الطيب" الآية في الجزء التاسع من الكتاب، وسيأتي إن شاء الله ~~تفصيل القول فيه فيما يناسبه من المورد. # وكيف كان فقوله: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم" اللام للغاية وهي متعلقة بقوله: "قالوا أساطير الأولين" ~~وفي قوله: "يضلونهم" دلالة على أن حملهم لأوزار غيرهم إنما هو من جهة ~~إضلالهم فيعود الإضلال غاية والحمل غاية الغاية، والتقدير قالوا أساطير ~~الأولين ليضلوهم وهم أنفسهم ضالون فيحملوا أوزار أنفسهم كاملة ومن أوزار ~~أولئك الذين يضلونهم بغير علم. # وفي تقييد قوله: "ليحملوا أوزارهم" بقوله "كاملة" دفع لتوهم التقسيم ~~والتبعيض بأن يحملوا بعضا من أوزار أنفسهم وبعضا من أوزار الذين يضلونهم ~~فيعود الجميع أوزارا كاملة بل يحملون أوزار أنفسهم كاملة ثم من أوزار الذين ~~يضلونهم. # وقوله: "ومن أوزار الذين يضلونهم" من تبعيضية لأنهم لا يحملون جميع ~~أوزارهم بل أوزارهم التي ترتبت على إضلالهم خاصة بشهادة السياق فالتبعيض ~~إنما هو لتمييز الأوزار المترتبة على الإضلال من غيرها لا للدلالة على ms4569 ~~تبعيض كل وزر من أوزار الإضلال وحمل بعضه على هذا وبعضه على ذاك ولا تقسيم ~~مجموع أوزار الإضلال وحمل قسم منه على هذا وقسم منه على ذاك مع تعريته عن ~~القسم الآخر فإن أمثال قوله تعالى: "ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: ~~8 تنافي ذلك فافهم. # ومما تقدم يظهر وهن ما استفاده بعضهم من قوله: "ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة" أن مقتضاه أنه لم ينقص منها شيء ولم تكفر بنحو بلية تصيبهم في ~~الدنيا أو طاعة مقبولة فيها كما تكفر بذلك أوزار المؤمنين. # وكذا ما استفاده بعض آخر أن في الآية دلالة على أنه تعالى قد يسقط بعض ~~العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا للكل لم يكن لتخصيص هؤلاء ~~الكفار به فائدة. PageV12P119 # وجه الوهن أن ما ذكراه من خزي الكافرين وإكرام المؤمنين وإن كان حقا في ~~نفسه كما تدل عليه الآيات الدالة على خزي الكفار بما يصيبهم في الدنيا وحبط ~~أعمالهم وشمول المغفرة والشفاعة لطائفة من المؤمنين، لكن هذه الآية ليست ~~ناظرة إلى شيء من ذلك بل العناية فيها إنما هي بالفرق بين أوزار أنفسهم ~~وأوزار غيرهم الذين أضلوهم وأن الطائفة الثانية يلحقهم بعضها وهي التي ~~ترتبت من الأوزار على الإضلال بخلاف الطائفة الأولى فهي لهم أنفسهم. # وأوهن منهما ما ذكره بعضهم أن "من" في قوله "ومن أوزار الذين" إلخ زائدة ~~أو بيانية، وهو كما ترى. # وتقييده سبحانه قوله: "يضلونهم" بقوله: "بغير علم" للدلالة على أن الذين ~~أضلهم هؤلاء المشركون الذين قالوا: أساطير الأولين إنما ضلوا باتباعهم لهم ~~تقليدا وبغير علم فالقائلون أئمة الضلال وهؤلاء الضلال أتباعهم ومقلدوهم ثم ~~ختم سبحانه الآية بذمهم وتقبيح أمرهم جميعا فقال: "ألا ساء ما يزرون". # قوله تعالى: "قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد" إلخ، ~~إتيانه تعالى بنيانهم من القواعد هو حضور أمره تعالى عنده بعد ما لم يكن ~~حاضرا، وهذا شائع في الكلام وخرور السقف سقوطه على الأرض وانهدامه. # والظاهر - كما يشعر به السياق - أن قوله: ms4570 "فأتى الله بنيانهم من القواعد ~~فخر عليهم السقف من فوقهم" كناية عن إبطال كيدهم وإفساد مكرهم من حيث لا ~~يتوقعون كمن يتقي أمامه ويراقبه فيأتيه العدو من خلفه فالله سبحانه يأتي ~~بنيان مكرهم من ناحية قواعده وهم مراقبون سقفه مما يأتيه من فوق فينهدم ~~عليهم السقف لا بهادم يهدمه من فوقه بل بانهدام القواعد. # وعلى هذا فقوله: "وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون" عطف تفسيري يفسر قوله: ~~"فأتى الله بنيانهم" إلخ والمراد بالعذاب العذاب الدنيوي. # وفي الآية تهديد للمشركين الذين كانوا يمكرون بالله ورسوله بتذكيرهم ما ~~فعل الله بالماكرين من قبلهم من مستكبري الأمم الماضية حيث رد مكرهم إلى ~~أنفسهم فكانوا هم الممكورين. # قوله تعالى: "ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون ~~فيهم" الإخزاء من الخزي وهو على ما ذكره الراغب الذل الذي يستحيى منه، ~~والمشاقة من الشق وهو قطع بعض الشيء وفصله منه فهي المخاصمة والمعاداة ~~والاختلاف ممن من شأنه أن يأتلف ويتفق فمشاقة المشركين في شركائهم هو ~~اختلافهم مع أهل التوحيد وهم أمة واحدة فطرهم الله جميعا على التوحيد ودين ~~الحق ومخاصمتهم لهم وانفصالهم عنهم. # والمعنى: أن الله سبحانه سيخزيهم يوم القيامة ويضرب عليهم الذلة والهوان ~~بقوله: أين شركائي الذين كنتم تشاقون أهل الحق فيهم وتخاصمونهم وتوجدون ~~الاختلاف في دين الله. # قوله تعالى: "قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين" ~~الخزي ذلة الموقف والسوء العذاب على ما يفيده السياق. # وهؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم أوتوا العلم وأخبر أنهم يتكلمون بكذا هم ~~الذين رزقوا العلم بالله وانكشفت لهم حقيقة التوحيد فإن ذلك هو الذي يعطيه ~~السياق من جهة المقابلة بينهم مع وصفهم بالعلم وبين المشركين الذين ينكشف ~~لهم يومئذ أنهم ما كانوا يعبدون إلا أسماء سموها وسرابا توهموه. # على أن الله سبحانه يخبر عنهم أنهم يتكلمون يومئذ ويقولون كذا وقد قال في ~~وصف اليوم: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38 ~~والقول لا يكون صوابا بحق المعنى إلا مع ms4571 كون قائله مصونا من خطأه ولغوه ~~وباطله، ولا يكون مصونا في قوله إلا إذا كان مصونا في فعله وفي علمه فهؤلاء ~~قوم لا يرون إلا الحق ولا يفعلون إلا الحق ولا ينطقون إلا بالحق. # فإن قلت: فالذين أوتوا العلم بناء على ما فسر، هم أهل العصمة لكن تدفعه ~~كثرة ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى وإرادة غيرهم كقوله: "وقال الذين ~~أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير": القصص: 80، وقوله: "وليعلم الذين أوتوا ~~العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به": الحج: 54 إلى غير ذلك من الموارد ~~الظاهر فيها عدم إرادة العصمة من إيتاء العلم. # قلت: ما ذكرناه إنما هو استفادة بمئونة المقام لا أنه مدلول اللفظ كلما ~~أطلق في كلامه تعالى. PageV12P120 # وأما قولهم: إن المراد بالذين أوتوا العلم هم الأنبياء فقط أو الأنبياء ~~والمؤمنون الذين علموا في الدنيا بدلائل التوحيد أو المؤمنون فحسب أو ~~الملائكة فلا دليل في كلامه تعالى على واحد منها بخصوصه. # قوله تعالى: "الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم" إلى آخر ~~الآية الظاهر أنه تفسير للكافرين الواقع في آخر الآية السابقة كما أن قوله ~~الآتي: "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين" إلخ، تفسير للمتقين الواقع في آخر ~~الآية التي قبله، ولا يستلزم كونه بيانا للكافرين كونه من تمام قول الذين ~~أوتوا العلم حتى يختل نظم الكلام بقولهم: "إن الخزي اليوم" إلخ، ثم بيانهم ~~بقولهم: "الذين تتوفاهم الملائكة" إلخ دون أن يقولوا: الذين توفاهم ~~الملائكة كما لا يخفى. # وقوله: "فألقوا السلم" أي الاستسلام وهو الخضوع والانقياد، وضمير الجمع ~~للكافرين والمعنى الكافرون هم الذين تتوفاهم الملائكة ويقبضون أرواحهم ~~والحال أنهم ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله فألقوا السلم وقدموا الخضوع ~~والانقياد مظهرين بذلك أنهم ما كانوا يعملون من سوء، فيرد عليهم قولهم ~~ويكذبون ويقال لهم: بلى قد فعلتم وعملتم إن الله عليم بما كنتم تعملون قبل ~~ورودكم هذا المورد وهو الموت. # قوله تعالى: "فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين" ~~الخطاب للمجموع كما كان قوله: "إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين" وكذا ms4572 ~~قوله: "الذين تتوفاهم الملائكة" إلخ، ناظرا إلى جماعة الكافرين دون كل واحد ~~واحد منهم. # وعلى هذا يعود معناه إلى مثل قولنا ليدخل كل واحد منكم بابا من جهنم ~~يناسب عمله وموقفه من الكفر لا أن يدخل كل واحد منهم جميع الأبواب أو أكثر ~~من واحد منها، وقد تقدم الكلام في معنى أبواب جهنم في تفسير قوله تعالى: ~~"لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم": الحجر: 44. # والمتكبرون هم المستكبرون بحسب المصداق وإن كانت العناية اللفظية مختلفة ~~فيهما كالمسلم والمستسلم فالمستكبر هو الذي يطلب الكبر لنفسه بإخراجه من ~~القوة إلى الفعل وإظهاره لغيره والمتكبر هو الذي يقبله لنفسه ويأخذه صفة. # قوله تعالى: "وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا" إلى آخر الآية. # أخذ المسئول عنهم هم الذين اتقوا أي الذين شأنهم في الدنيا أنهم تلبسوا ~~بالتقوى وهم المتصفون به المستمرون بدليل إعادة ذكرهم بعد بلفظ المتقين ~~مرتين فيكون المسئول عنهم من هذه الطائفة خيارهم الكاملين في الإيمان كما ~~كان المسئول عنهم في الطائفة الأخرى شرارهم الكاملين في الكفر وهم ~~المستكبرون. # فقول بعضهم: إن المراد بالذين اتقوا مطلق المؤمنين الذين اتقوا الشرك أو ~~الشرك والمعاصي في الجملة. # ليس في محله. # وقوله: "قالوا خيرا" أي أنزل خيرا لأنه أنزل قرآنا يتضمن معارف وشرائع في ~~أخذها والعمل بها خير الدنيا والآخرة وفي قولهم: "خيرا" اعتراف بكون القرآن ~~نازلا من عنده تعالى مضافا إلى وصفهم له بالخيرية وفي ذلك إظهار منهم ~~المخالفة للمستكبرين حيث أجابوا بقولهم: أساطير الأولين أي هو أساطير ولو ~~قال المتقون: خير بالرفع لم يكن فيه اعتراف بالنزول كما أنه لو قال ~~المستكبرون: أساطير الأولين بالنصب كان فيه اعتراف بالنزول. # كذا قيل. # وقوله: "للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير" ظاهر السياق ~~أنه بيان لقولهم: "خيرا" وهل هو تتمة قولهم أو بيان منه تعالى؟ ظاهر قوله: ~~"ولنعم دار المتقين جنات عدن" إلى آخر الآية أنه كلام منه تعالى يبين به ~~وجه الخيرية فيما أنزله إليهم فإنه أشبه بكلام ms4573 الرب تعالى منه بكلام ~~المربوب وخاصة المتقين الذين لا يجترءون على أمثال هذه الاقتراحات. # والمراد بالحسنة المثوبة الحسنة وذلك لأنهم بالإحسان الذي هو العمل بما ~~يتضمنه الكتاب يرزقون مجتمعا صالحا يحكم فيه العدل والإحسان وعيشة طيبة ~~مبنية على الرشد والسعادة ينالون ذلك جزاء دنيويا لإحسانهم لقوله: "لهم في ~~الدنيا ولدار الحياة الآخرة خير جزاء لأن فيها بقاء بلا فناء ونعمة من غير ~~نقمة وسعادة ليس معها شقاء. PageV12P121 # ومعنى الآية: وقيل للمتقين من المؤمنين ما ذا أنزل ربكم من الكتاب وما ~~شأنه؟ قالوا أنزل خيرا، وكونه خيرا هو أن للذين أحسنوا - أي عملوا بما فيه ~~فوضع الإحسان موضع الأخذ والعمل بما في الكتاب إيماء إلى أن الذي يأمر به ~~الكتاب أعمال حسنة - في هذه الدنيا مثوبة حسنة ولدار الآخرة خير لهم جزاء. # ثم مدح دارهم ليكون تأكيدا للقول فقال: "ولنعم دار المتقين" ثم بين دار ~~المتقين بقوله: "جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما ~~يشاءون كذلك يجزي الله المتقين" والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون" بيان للمتقين كما كان قوله: "الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم" إلخ بيانا للمستكبرين. # والطيب تعري الشيء مما يختلط به فيكدره ويذهب بخلوصه ومحوضته يقال: طاب ~~لي العيش أي خلص وتعرى مما يكدره وينقصه والقول الطيب ما كان عاريا من ~~اللغو والشتم والخشونة وسائر ما يوجب فيه غضاضة والفرق بين الطيب والطهارة ~~أن الطهارة كون الشيء على طبعه الأصلي بحيث يخلو عما يوجب التنفر عنه ~~والطيب كونه على أصله من غير أن يختلط به ما يكدره ويفسد أمره سواء تنفر ~~عنه أم لا ولذلك قوبل الطيب بالخبيث المشتمل على الخبث الزائد، قال تعالى: ~~"الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات": النور: 26، وقال: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث ~~لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58. # وعلى هذا فالمراد بكون المتقين طيبين في حال توفيهم خلوصهم من خبث الظلم ~~في مقابل المستكبرين الذين وصفهم ms4574 بالظلم حال التوفي في قوله السابق: "الذين ~~تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" ويكون معنى الآية أن المتقين هم الذين ~~تتوفاهم الملائكة متعرين عن خبث الظلم - الشرك والمعاصي - يقولون لهم سلام ~~عليكم - وهو تأمين قولي لهم - ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون - وهو هداية ~~لهم إليها -. # فالآية - كما ترى - تصف المتقين بالتخلص عن التلبس بالظلم وتعدهم الأمن ~~والاهتداء إلى الجنة فيعود مضمونها إلى معنى قوله: "الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82. # وذكر بعض المفسرين أن المراد بالطيب في الآية الطهارة عن دنس الشرك وفسره ~~بعضهم بكون أقوالهم وأفعالهم زاكية، والأكثر على تفسيره بالطهارة عن قذارة ~~الذنوب وأنت بالتأمل فيما تقدم تعرف أن شيئا مما ذكروه لا يخلو عن تسامح. # قوله تعالى: "هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم" إلخ، رجوع إلى حديث المستكبرين من المشركين وذكر بعض ~~أحوالهم وأقوالهم وقياسهم ممن سبقهم من طغاة الأمم الماضين وما آل إليه أمرهم. # وقوله: "هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك" سياق الآية ~~وخاصة ما في الآية التالية من حديث العذاب ظاهر في أنها مسوقة للتهديد ~~فالمراد بإتيان الملائكة نزولهم لعذاب الاستئصال وينطبق على مثل قوله: "ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": الحجر: 8، والمراد بإتيان ~~أمر الرب تعالى قيام الساعة وفصل القضاء والانتقام الإلهي منهم. # وأما كون المراد بإتيان الأمر ما تقدم في أول السورة من قوله: "أتى أمر ~~الله" وقد قربنا هناك أن المراد به مجيء النصر وظهور الإسلام على الشرك فلا ~~يلائم اللحن الشديد الذي في الآية تلك الملاءمة، وأيضا سيأتي في ذيل الآيات ~~ذكر إنكارهم للبعث وإصرارهم على نفيه والرد عليهم، وهو يؤيد كون المراد ~~بإتيان الأمر قيام الساعة. # وقد أضاف الرب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "أمر ربك" ولم ~~يقل: أمر الله أو أمر ربهم ليدل به على أن فيه انتصارا له (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وقضاء له ms4575 عليهم. # وقوله: "كذلك فعل الذين من قبلهم" تأكيد للتهديد وتأييد بالنظير أي فعل ~~الذين من قبلهم مثل فعلهم من الجحود والاستهزاء مما فيه بحسب الطبع انتظار ~~عذاب الله "فأصابهم سيئات ما عملوا" إلخ. PageV12P122 # وقوله: "وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" معترضة يبين بها أن الذي ~~نزل بهم من العذاب لم يستوجبه إلا الظلم، غير أن هذا الظلم كان هو ظلمهم ~~أنفسهم لا ظلما منه تعالى وتقدس، ولم يعذبهم الله سبحانه عن ظلم وقع منهم ~~مرة أو مرتين بل أمهلهم إذ ظلموا حتى استمروا في ظلمهم وأصروا عليه - كما ~~يدل عليه قوله: كانوا أنفسهم يظلمون - فعند ذلك أنزل عليهم العذاب، ففي ~~قوله: "وما ظلمهم الله" إلخ، إثبات الاستمرار على الظلم عليهم ونفي أصل ~~الظلم عن الله سبحانه. # قوله تعالى: "فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون" حاق ~~بهم أي حل بهم، وقيل: معناه نزل بهم وأصابهم، والذي كانوا به يستهزءون هو ~~العذاب الذي كانت رسلهم ينذرونهم به ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء" إلخ، الذي تورده الآية شبهة على ~~النبوة من الوثنيين المنكرين لها، ولذلك عرفهم بنعتهم الصريح حيث قال: ~~"وقال الذين أشركوا" ولم يكتف بالضمير ولم يقل: وقالوا كما في الآيات ~~السابقة ليعلم أن الشبهة لهم بعينهم. # وقوله: "لو شاء الله ما عبدنا" جملة شرطية حذف فيها مفعول "شاء" لدلالة ~~الجزاء عليه، والتقدير لو شاء الله أن لا نعبد من دونه شيئا ما عبدنا إلخ. # وقول بعضهم: إن الإرادة والمشية لا تتعلق بالعدم وإنما تتعلق بالوجود، ~~فلا معنى لمشية عدم العبادة فالأولى أن يقدر متعلق المشية أمرا وجوديا ~~ملازما لعدم العبادة كالتوحيد مثلا ويكون التقديم لو شاء الله أن نوحده أو ~~أن نعبده وحده ما عبدنا من دونه من شيء، واستدل بقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" ms4576 حيث علق عدم الكون على عدم ~~المشية لا على مشية العدم. # وفيه أن ما ذكره حق بالنظر إلى حقيقة الأمر، إلا أن العنايات اللفظية ~~والتوسعات الكلامية لا تدور دائما مدار الحقائق الكونية والأنظار الفلسفية ~~وأن الأفهام البسيطة - ولم تكن أفهام أولئك الوثنيين بأرقى منها - كما تجيز ~~ترتب الفعل الوجودي على المشية تجيز تعلق عدمه بها، وفي كلامه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) جريا على هذه العناية الظاهرية: "اللهم إن شئت أن لا تعبد ~~لم تعبد". # على أنهم يشيرون بقولهم: "لو شاء الله ما عبدنا" إلخ، إلى قول الرسل لهم: ~~لا تشركوا بالله ولا تعبدوا غير الله ولا تحرموا ما أحل الله وهي نواه ~~ومدلول النهي طلب الترك. # على أن الوثنيين لا ينكرون توحيده تعالى في الألوهية بمعنى الصنع ~~والإيجاد، وإنما يشركون في العبادة بمعنى أنهم يخصونه تعالى بالصنع ~~والإيجاد ويخصون آلهتهم بالعبادة فلهم آلهة كثيرون أحدهم إله موجد غير ~~معبود وهو الله سبحانه، والباقون شفعاء معبودون غير موجدين فهم لا يعبدون ~~الله أصلا لا أنهم يعبدونه تعالى وآلهتهم جميعا، وحينئذ لو كان التقدير "لو ~~شاء الله أن نوحده في العبادة أو أن نعبده وحده" لكان الأهم أن يقع في ~~الجزاء توحيدهم له في العبادة أو عبادتهم له وحده لا نفي عبادتهم لغيره أو ~~كان نفي عبادة الغير كناية عن توحيد عبادته أو عبادته وحده، فافهم ذلك. # وإن كان ولا بد من تقدير متعلق المشية أمرا وجوديا فليكن التقدير: لو شاء ~~الله أن نكف عن عبادة غيره ما عبدنا "إلخ" حتى يتحد الشرط والجزاء بحسب ~~الحقيقة في عين أنهما يختلفان في النفي والإثبات. # وقوله: "ما عبدنا من دونه من شيء" لفظة من الأولى بيانية والثانية زائدة ~~لتأكيد الاستغراق في النفي، والمعنى ما عبدنا شيئا دونه، ونظير ذلك قوله: ~~"ولا حرمنا من دونه من شيء". # وقوله: "نحن ولا آباؤنا" بيان لضمير التكلم في "عبدنا" للدلالة على أنهم ~~يتكلمون عنهم وعن آبائهم جميعا لأنهم كانوا يقتدون في عبادة الأصنام ~~بآبائهم، وقد تكرر في ms4577 القرآن حكاية مثل قولهم: "إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون": الزخرف: 23. # وقوله: "ولا حرمنا من دونه من شيء" عطف على قوله: "عبدنا" إلخ أي ولو شاء ~~الله أن لا نحرم من دونه من شيء أو نحل ما حرمناه ما حرمنا إلخ، والمراد ~~البحيرة والسائبة وغيرهما مما حرموه. PageV12P123 # ثم إن قولهم: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء" إلخ، ظاهر من جهة ~~تعليق نفي العبادة على نفس مشيته تعالى في أنهم أرادوا بالمشية إرادته ~~التكوينية التي لا تتخلف عن المراد البتة ولو أرادوا غيرها لقالوا: لو شاء ~~الله كذا لأطعناه واستجبنا دعوته أو ما يفيد هذا المعنى. # فكأنهم يقولون: لو كانت الرسالة حقة وكان ما جاء به الرسل من النهي عن ~~عبادة الأصنام والأوثان والنهي عن تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة وغيرها ~~نواهي لله سبحانه كان الله سبحانه شاء أن لا نعبد شيئا غيره وأن لا نحرم من ~~دونه شيئا، ولو شاء الله سبحانه أن لا نعبد غيره ولا نحرم شيئا لم نعبد ولم ~~نحرم لاستحالة تخلف مراده عن إرادته لكنا نعبد غيره ونحرم أشياء فليس يشاء ~~شيئا من ذلك فلا نهي ولا أمر منه تعالى ولا شريعة ولا رسالة من قبله. # هذا تقرير حجتهم على ما يعطيه السياق، ومغزى مرادهم أن عبادتهم لغير الله ~~وتحريمهم لما حرموه وبالجملة عامة أعمالهم لم تتعلق بها مشية من الله بنهي ~~ولو تعلقت لم يعملوها ضرورة. # وليسوا يعنون بها أن مشية الله تعلقت بعبادتهم وتحريمهم فصارت ضرورية ~~الوجود وهم ملجئون في فعلها مجبرون في الإتيان بها فلا معنى لنهي الرسل ~~عنها بعد الإلجاء وذلك أن "لو" تفيد امتناع الجزاء لامتناع الشرط فيكون ~~مفهوم الشرطية "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء" أنه لم يشأ ذلك ~~فعبدنا غيره، وإن شئت قلت: لكنا عبدنا غيره فانكشف أنه لم يشأ ذلك، وأما ~~مثل قولنا: لكنه شاء أن نعبد غيره فعبدنا غيره أو قولنا: لكنه شاء أن لا ~~نوحده فعبدنا غيره فهو ms4578 أجنبي عن مفهوم الشرطية ومنطوقها جميعا. # على أنهم لو عنوا ذلك وكان غرضهم رد النبوة بإثبات الإلجاء في أفعالهم ~~بما أقاموه من الحجة كانوا بذلك معترفين على الضلال مسلمين له غير أنهم ~~معتذرون عن اتباع الهدى الذي أتاهم به الرسل بالإلجاء والإجبار وأن الله ~~شاء منهم ما هم عليه من الضلال والشقاء بعبادة غير الله وتحريم ما أحل الله ~~وأجبرهم على ذلك فليسوا يقدرون على تركه ولا يستطيعون التخلف عنه. # لكنهم مدعون للاهتداء مصرون على هذه المزعمة مصرحون بها كما حكى الله ~~سبحانه ذلك عنهم بعد ذكر عبادتهم للملائكة إذ قال: "وقالوا لو شاء الرحمن ~~ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون - إلى أن قال - بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون": الزخرف: 22، وقد تكرر ~~في كلامه حكاية تعليلهم عبادة الأصنام بأنها سنة قومية قدسها سلفهم قبل ~~خلفهم فمن الواجب أن يقدسها ويجري عليها خلفهم بعد سلفهم وأين هذا من ~~الاعتراف بالضلال والشقاء؟. # وكذا ليسوا يعنون بهذه الحجة أن أعمالهم مخلوقة لأنفسهم غير مرتبطة ~~بالمشية الإلهية ولا أنه خالقها إذ الأعمال والأفعال على هذا التقدير بمعزل ~~من أن تتعلق بها الإرادة الإلهية، وإنما يتسبب تعالى لعدم فعل من الأفعال ~~بإيجاد المانع عنه فكان الأنسب حينئذ أن يقولوا: لو شاء الله لصرفنا عن ~~عبادة غيره وتحريم ما حرمناه وهو مدفوع بظاهر الكلام أو يقولوا: لو شاء ~~الله شيئا من أعمالنا لبطل وخرج عن كونه عملا لنا ونحن مستقلون به. # على أنه لو كان معنى قولهم: "لو شاء الله ما عبدنا هو أنه لو شاء لصرفنا ~~كان حقا فلم يكن معنى لقوله تعالى في آية الزخرف السابقة: "وقالوا لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون": الزخرف: 20. # فالحق أنهم أرادوا بقولهم: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء" أن ~~يستدلوا بعبادتهم لها على أن المشية الإلهية لم تتعلق بتركها من غير تعرض ~~لتعلق المشية بفعل العبادة ms4579 أو لكون المشية مستحيلة التعلق بعبادتهم إلا ~~بالصرف. # قوله تعالى: "كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين"، ~~خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره أن يبلغ رسالته بلاغا مبينا ~~ولا يعتني بما لفقوه من الحجة فإنها داحضة والحجة تامة عليهم بالبلاغ وفيه ~~إشارة إجمالية إلى دحض حجتهم. PageV12P124 # فقوله: "كذلك فعل الذين من قبلهم" أي على هذا الطريق الذي سلكه هؤلاء سلك ~~الذين من قبلهم فعبدوا غير الله وحرموا ما لم يحرمه الله ثم إذا جاءتهم ~~رسلهم ينهونهم عن ذلك قالوا: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء فالجملة كقوله تعالى: "كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم": الأنفال: 52. # وقوله: "فهل على الرسل إلا البلاغ المبين" أي بلغهم الرسالة بلاغا مبينا ~~تتم به الحجة عليهم فإنما وظيفة الرسل البلاغ المبين وليس من وظيفتهم أن ~~يلجئوا الناس إلى ما يدعونهم إليه وينهونهم عنه ولا أن يحملوا معهم إرادة ~~الله الموجبة التي لا تتخلف عن المراد ولا أمره الذي إذا أراد شيئا قال له ~~كن فيكون حتى يحولوا بذلك الكفر إلى الإيمان ويضطروا العاصي على الإطاعة. # فإنما الرسول بشر مثلهم والرسالة التي بعث بها إنذار وتبشير وهي مجموعة ~~قوانين اجتماعية أوحاها إليه الله فيها صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم ~~صورتها صورة الأوامر والنواهي المولوية وحقيقتها الإنذار والتبشير، قال ~~تعالى: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك": الأنعام: 50، فهذا ما أمر به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يبلغهم وقد أمر به نوحا ومن بعده من الرسل (عليهم السلام) أن يبلغوه أممهم ~~كما في سورة هود وغيرها. # وقال أيضا مخاطبا نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا": الكهف: 110. # فهذا هو الذي ms4580 يشير إليه على سبيل الإجمال بقوله: "كذلك فعل الذين من ~~قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين" فإن ظاهره كما أشرنا إليه سابقا أن ~~هذه حجة دائرة بينهم قديما وحديثا، وعلى هذا ليس من شأن الرسول إجبار الناس ~~وإلجائهم على الإيمان والطاعة بل البلاغ المبين بالإنذار والتبشير وحجتهم ~~لا تدفع ذلك فبلغ ما أرسلت به بلاغا مبينا ولا تطمع في هداية من ضل منهم، ~~وستفصل الآيتان التاليتان ما أجملته هذه الآية وتوضحانها. # قوله تعالى: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة" إلخ، الطاغوت في ~~الأصل مصدر كالطغيان وهو تجاوز الحد بغير حق، واسم المصدر منه الطغوى، قال ~~الراغب: الطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في ~~الواحد والجمع، قال تعالى: "فمن يكفر بالطاغوت" "واجتنبوا الطاغوت" ~~"أولياؤهم الطاغوت". # انتهى. # وقوله: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" إشارة إلى أن بعث الرسول أمر لا ~~يختص به أمة دون أمة بل هو سنة إلهية جارية في جميع الناس بما أنهم في حاجة ~~إليه وهو يدركهم أينما كانوا كما أشار إلى عمومه في الآية السابقة إجمالا ~~بقوله: "كذلك فعل الذين من قبلهم". # وقوله: "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" بيان لبعث الرسول على ما يعطيه ~~السياق أي ما كانت حقيقة بعث الرسول إلا أن يدعوهم إلى عبادة الله واجتناب ~~الطاغوت لأن الأمر وكذا النهي من البشر وخاصة إذا كان رسولا ليس إلا دعوة ~~عادية لا إلجاء واضطرارا تكوينيا، ولا أن للرسول أن يدعي ذلك حتى يرد عليه ~~أنه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء وإذ لم يشأ فلا معنى للرسالة. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم إن التقدير ليقول لهم: اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت. # ليس في محله. # وقوله: "فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة" أي كانت كل من هذه ~~الأمم مثل هذه الأمة منقسمة إلى طائفتين فبعضهم هو من هداه الله إلى ms4581 ما ~~دعاهم إليه الرسول من عبادة الله واجتناب الطاغوت. PageV12P125 # وذلك أن الهداية من الله سبحانه لا يشاركه فيها غيره ولا تنسب إلى أحد دونه ~~إلا بالتبع كما قال: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": ~~القصص: 56 وسنشير إليه في الآية التالية: "إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل" والآيات في حصر الهداية فيه تعالى كثيرة، ولا يستلزم ذلك ~~كونها أمرا اضطراريا لا صنع فيه للعبد أصلا فإنها اختيارية بالمقدمة كما ~~يشير إليه قوله: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين": العنكبوت: 69 يفيد أن للهداية الإلهية طريقا ميسرا للإنسان وهو ~~الإحسان في العمل وإن الله لمع المحسنين لا يدعهم يضلون. # وبعض هذه الأمم - الطائفة الثانية منهم - هو من حقت عليه الضلالة أي ثبتت ~~ولزمت، وهذه الضلالة هي التي من قبل العبد بسوء اختياره وليس بالتي تتبعها ~~مجازاة من الله فإن الله يصفها بقوله: حقت ثم يضيفها في الآية التالية إلى ~~نفسه إذ يقول: "فإن الله لا يهدي من يضل" فقد كانت هناك ضلالة ثم حقت وثبتت ~~بإثبات الله مجازاة فصارت هي التي من قبل الله سبحانه مجازاة، فتبصر. # ولم ينسب الله سبحانه في كلامه إلى نفسه إضلالا إلا ما كان مسبوقا بظلم ~~من العبد أو فسق أو كفر وتكذيب أو نظائرها كقوله: "والله لا يهدي القوم ~~الظالمين": الجمعة: 5 وعدم الهداية هو الإضلال، وقوله: "ويضل الله الظالمين ~~ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27، وقوله: "وما يضل به إلا الفاسقين": ~~البقرة: 26، وقوله: "إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم": النساء: 168، وقوله: "فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم": الصف: 5، إلى غير ذلك من الآيات. # ولم يقل سبحانه: فمنهم من هدى الله ومنهم من أضله مع كون ضلالهم ضلال ~~مجازاة لا مانع من إضافته إليه تعالى دفعا لإيهام نسبة أصل الضلال إليه بل ~~ذكر أولا من هداه ثم قابله بمن كان من حقه أن يضل - وهو الذي اختار ms4582 الضلالة ~~على الهدى أي اختار أن لا يهتدي - فلم يهده الله وحق له ذلك. # وتوضيحه ببيان آخر: أن خلاصة الفرق بين الضلال الابتدائي ونسبته إلى ~~العبد والضلال مجازاة ونسبته إليه تعالى ونسبة الهداية ابتداء ومجازاة إلى ~~الله سبحانه هي أن الله أودع في الإنسان إمكان الرشد واستعداد الاهتداء فإن ~~جرى على سلامة الفطرة ولم يبطل الاستعداد باتباع الهوى والمعصية أو أصلحه ~~بالندامة والتوبة بعد المعصية هداه الله، وهذه هداية مجازاة من الله سبحانه ~~بعد الهداية الأولى الفطرية. # وإن اتبع هواه وعصى ربه بطل استعداده للاهتداء فلم يفض عليه الهدى وهو ~~ضلاله بسوء اختياره فإن لم يندم ولم يراجع أثبته الله على حاله وحقت عليه ~~الضلالة وهو الضلال مجازاة. # وربما توهم متوهم أن الإمكان والاستعداد لا يكون إلا ذا طرفين فالذي ~~يمكنه الهدى يمكنه الضلال والإنسان لا يزال مترددا بين آثار وجودية وأفعال ~~مثبتة والجميع منه تعالى حتى الاستعداد والإمكان الأول. # وهو من أوهن التوهم فإن عد إمكان الضلال وما يترتب عليه الضلال أمرا ~~وجوديا وعطاء ربانيا يفسد معنى الضلال ويبطله فإن الضلال إنما هو ضلال ~~لكونه عدم الهداية فلو عاد أمرا ثبوتيا لم يكن ضلالا بل صار الهدى والضلال ~~كلاهما أمرين وجوديين وعطاءين إلهيين نظير ما يترتب على الجماد مثلا من ~~الآثار الوجودية الخارجة عن الهدى والضلال. # وبعبارة أخرى: الضلال إنما يكون ضلالا إذا كان مقيسا إلى الهدى ومن ~~الواجب حينئذ أن يكون عدم الهدى وإذا أخذ أمرا وجوديا لم يكن ضلالا فلم ~~ينقسم الموضوع إلى مهتد وضال ولا حاله إلى هدى وضلال فلا مفر من أخذ الضلال ~~أمرا عدميا، ونسبة الضلال الأول إلى نفس العبد. # فأحسن التأمل فيه فلا تزل قدم بعد ثبوتها. # وقوله: "فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" ظاهر السياق أن ~~الخطاب للذين أشركوا القائلين: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء" ~~والالتفات إلى خطابهم لكونه أشد تأثيرا في تثبيت القول وإتمام الحجة. PageV12P126 # والكلام متفرع على ما بين جوابا لحجتهم إجمالا وتفصيلا ومحصل ms4583 المعنى أن ~~الرسالة والدعوة النبوية ليست من الإرادة التكوينية الملجئة إلى ترك عبادة ~~الأصنام وتحريم ما لم يحرمه الله حتى يستدلوا بعدم وجود الإلجاء على عدم ~~وجود الرسالة وكذب مدعيها بل هي دعوة عادية بعث الله سبحانه بها رسلا ~~يدعونكم إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت وحقيقته الإنذار والتبشير، ومن ~~الدليل على ذلك آثار الأمم الماضية الظالمة التي تحكي عن نزول العذاب عليهم ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين حتى يتبين لكم أن الدعوة ~~النبوية التي هي إنذار حق وأن الرسالة ليست كما تزعمون. # قوله تعالى: "إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ~~ناصرين" لما بين أن الأمم الماضين انقسموا طائفتين وكانت إحدى الطائفتين هم ~~الذين حقت عليهم الضلالة وكانت هؤلاء الذين أشركوا وقالوا ما قالوا كالذين ~~من قبلهم منهم بين في هذه الآية أن ثبوت الضلالة في حقهم إنما هو ثبوت لا ~~زوال معه وتحتم لا يقبل التغيير فإنه لا هادي بالحقيقة إلا الله فإن جاز ~~هداهم كان الله هو هاديهم لكنه لا يهديهم فإنه يضلهم ولا يجتمع الهدى ~~والضلال معا، وليس هناك ناصر ينصرهم على الله فيقهره على هداهم فليؤيس منهم. # ففي الآية تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإرشاد له أن لا يحرص ~~في هداهم وإعلام له أن القضاء قد مضى في حقهم وما يبدل القول لديه وما هو ~~بظلام للعبيد. # فقوله: "إن تحرص على هداهم" إلخ، في تقدير إن تحرص على هداهم لم ينفعهم ~~حرصك شيئا فليسوا ممن يمكن له الاهتداء فإن الله هو الذي يهدي من اهتدى، ~~وهو لا يهديهم فإنه يضلهم ولا يناقض تعالى فعل نفسه، وليس لهم ناصرون ~~ينصرونهم عليه. # وفي هذه الآيات الثلاث مشاجرات طويلة بين المجبرة والمفوضة وكل يفسرها ~~بما يقتضيه مذهبه حتى قال الإمام الرازي: إن المشركين أرادوا بقولهم: لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء إلخ، أنه لما كان الكل من التوحيد والشرك ~~والهدى والضلال من الله كانت بعثة ms4584 الأنبياء عبثا فنقول: هذا اعتراض على ~~الله وجار مجرى طلب العلة في أحكامه وأفعاله تعالى وذلك باطل فلا يقال له: ~~لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك؟. # قال: فثبت أن الله تعالى إنما ذم هؤلاء القائلين لأنهم اعتقدوا أن كون ~~الأمر كذلك يمنع عن جواز بعثة الرسل لا لأنهم كذبوا في قولهم ذلك. # انتهى ملخصا. # وقال الزمخشري إن المشركين فعلوا ما فعلوا من القبيح ثم نسبوه إلى ربهم ~~وقالوا لو شاء الله إلى آخره وهذا مذهب المجبرة بعينه كذلك فعل أسلافهم فهل ~~على الرسل إلا أن يبلغوا الحق وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان ~~والبرهان، ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه، وبراءة الله من أفعال العباد، ~~وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، وأن الله باعثهم على جميلها ~~وموفقهم له وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه، انتهى موضع الحاجة وقد أطالوا ~~البحث عن ذلك من الجانبين. # وقد عرفت أن الآيات تروم غرضا وراء ذلك، وأن مرادهم بقولهم: "لو شاء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء" إلخ، إبطال الرسالة بأن ما أتى به الرسل من النهي ~~عن عبادة غير الله وتحريم ما لم يحرمه الله لو كان حقا لكان الله مريدا ~~لتركهم عبادة غيره وتحريم ما لم يحرمه ولو كان مريدا ذلك لم يتحقق منهم ~~وليس كذلك، وأما أن الإرادة الإلهية تعلقت بفعلهم فوجب أو أنها لم تتعلق ~~ومن المحال أن تتعلق وليست أفعالهم إلا مخلوقة لأنفسهم من غير أن يكون لله ~~سبحانه فيها صنع فإنما ذلك أمر خارج عن مدلول كلامهم أجنبي عن الحجة التي ~~أقاموها على ما يستفاد من السياق كما تقدم. # وفي قوله: "وما لهم من ناصرين" دلالة على أن لغيرهم ناصرين كثيرين وذلك ~~أن السياق يدل على أنه ليس لهم ناصر أصلا لا واحد ولا كثير فنفي الناصرين ~~بصيغة الجمع يكشف عن عناية زائدة بذلك أي أن هناك ناصرين لكنهم ليسوا لهم ~~بل لغيرهم وليس إلا من يهتدي بهدى الله، ونظير الآية ما حكاه الله سبحانه ~~عن المجرمين يوم ms4585 القيامة: "فما لنا من شافعين": الشعراء: 100. PageV12P127 # وهؤلاء الناصرون هم الملائكة الكرام وسائر أسباب التوفيق والهداية والله ~~سبحانه من ورائهم محيط، قال تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51. # قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى" إلى ~~آخر الآية، قال في المفردات: الجهد - بفتح الجيم وضمها - الطاقة، والمشقة ~~أبلغ من الجهد بالفتح، قال: وقال تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم" أي ~~حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. # انتهى. # وقال في المجمع في معنى قوله: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم" أي بلغوا في ~~القسم كل مبلغ. # انتهى. # وقولهم: "لا يبعث الله من يموت" إنكار للحشر، والجملة كناية عن أن الموت ~~فناء فلا يتعلق به بعده خلق جديد، وهذا لا ينافي قول كلهم أو جلهم بالتناسخ ~~فإنه قول بتعلق النفس بعد مفارقتها البدن ببدن آخر إنساني أو غير إنساني ~~وعيشها في الدنيا، وهو قولهم بالتولد بعد التولد. # وقوله: "بلى وعدا عليه حقا" أي ليس الأمر كما يقولون بل يبعث الله من ~~يموت وعده وعدا ثابتا عليه حقا أي إن الله سبحانه أوجبه على نفسه بالوعد ~~الذي وعد عباده، وأثبته إثباتا فلا يتخلف ولا يتغير. # وقوله: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" أي لا يعلمون أنه من الوعد الذي لا ~~يخلف والقضاء الذي لا يتغير لإعراضهم عن الآيات الدالة عليه الكاشفة عن ~~وعده وهي خلق السماوات والأرض واختلاف الناس بالظلم والطغيان والعدل ~~والإحسان والتكليف النازل في الشرائع الإلهية. # قوله تعالى: "ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين" اللام للغاية والغرض أي يبعث الله من يموت ليبين لهم إلخ، ~~والغايتان في الحقيقة غاية واحدة فإن الثانية من متفرعات الأولى ولوازمها ~~فإن الكافرين إنما يعلمون أنهم كانوا كاذبين في نفي المعاد من جهة تبين ~~الاختلاف الذي ظهر بينهم وبين الرسل بسبب إثبات المعاد ونفيه وظهور المعاد ~~لهم عيانا. # وتبين ما اختلف فيه الناس من شئون يوم القيامة، وقد ms4586 تكرر في كلامه هذا ~~التعبير وما في معناه تكرارا صح معه جعل تبيين الاختلاف معرفا لهذا اليوم ~~الذي ثقل في السماوات والأرض وعلى ذلك يتفرع ما قصه الله سبحانه في كلامه ~~من تفاصيل ما يجري فيه من المرور على الصراط وتطاير الكتب ووزن الأعمال ~~والسؤال والحساب وفصل القضاء. # ومن المعلوم - وخاصة من سياق آيات القيامة - أن المراد بالاختلاف ليس ما ~~يوجد بينهم بحسب الخلقة بنحو ذكورة وأنوثة وطول وقصر وبياض وسواد بل ما ~~يوجد في دين الحق من الاختلاف في اعتقاد أو عمل. # وقد بين الله ذلك لهم في هذه النشأة الدنيوية في كتبه المنزلة وبلسان ~~أنبيائه بكل طريق ممكن كما يقول بعد عدة آيات: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه": الآية: 64 من السورة. # ومن هنا يظهر للمتدبر أن البيان الذي يخبر تعالى عنه ويخصه بيوم القيامة ~~نوع آخر من الظهور والوضوح غير ما يتمشى من الكتاب والنبوة في هذه الدنيا ~~من البيان بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن، وليس إلا العيان الذي ~~لا يتطرق إليه شك وارتياب ولا يهجس معه خطور نفساني بالخلاف كما يشير إليه ~~قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ~~ق: 22، وقوله: "يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين": النور: 25. # فيومئذ يشاهدون حقائق ما اختلفوا فيه من المعارف الدينية الحقة والأعمال ~~الصالحة وما أخلدوا إليه من الباطل ويفصل بينهم بظهور الحق وانجلائه. PageV12P128 # قوله تعالى: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" هو نظير ~~قوله في موضع آخر: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82، ~~ومنه يعلم أنه تعالى يسمي أمره قولا كما يسمي أمره وقوله من حيث قوته ~~وإحكامه وخروجه عن الإبهام وكونه مرادا حكما وقضاء، قال تعالى: "وما أغنى ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله": يوسف: 67، وقال: "وقضينا إليه ذلك ~~الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين": الحجر: 66، وقال: "وإذا ms4587 قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون": البقرة: 117، وكما يسمي قوله الخاص كلمة، قال تعالى: ~~"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون": الصافات: 172، ~~وقال: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": ~~آل عمران: 59، ثم قال في عيسى (عليه السلام): "وكلمة ألقاها إلى مريم وروح ~~منه": النساء: 171. # فتحصل من ذلك كله أن إيجاده تعالى أعني ما يفيضه على الأشياء من الوجود ~~من عنده - وهو بوجه نفس وجود الشيء الكائن - هو أمره وقوله حسب ما يسميه ~~القرآن وكلمته لكن الظاهر أن الكلمة هي القول باعتبار خصوصيته وتعينه. # ويتبين بذلك أن إرادته وقضاءه واحد، وأنه بحسب الاعتبار متقدم على القول ~~والأمر فهو سبحانه يريد شيئا ويقضيه ثم يأمره ويقول له كن فيكون، وقد علل ~~عدم تخلف الأشياء عن أمره بألطف التعليل إذ قال: "وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق": الأنعام: 73، فأفاد أن قوله ~~هو الحق الثابت بحقيقة معنى الثبوت أي نفس العين الخارجية التي هي فعله فلا ~~معنى لفرض التخلف فيه وعروض الكذب أو البطلان عليه فمن الضروري أن الواقع ~~لا يتغير عما هو عليه فلا يخطىء ولا يغلط في فعله، ولا يرد أمره، ولا يكذب ~~قوله ولا يخلف في وعده. # وقد تبين أيضا من هذه الآية ومن قوله: "وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء" إلخ، أن لله سبحانه إرادتين إرادة تكوين لا يتخلف ~~عنها المراد، وإرادة تشريع يمكن أن تعصى وتطاع، وسنستوفي هذا البحث بعض ~~الاستيفاء إن شاء الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "قد مكر ~~الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد - فخر عليهم السقف من فوقهم - ~~وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون" قال: بيت مكرهم أي ماتوا وأبقاهم الله في ~~النار وهو مثل لأعداء آل محمد. # أقول: وظاهره أن قوله: "فأتى الله بنيانهم" إلخ كناية عن بطلان مكرهم. # وفي ms4588 تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد" قال: كان بيت غدر يجتمعون فيه إذا أرادوا الشر. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "قال الذين أوتوا العلم" الآية قال: ~~قال (عليه السلام): الذين أوتوا العلم الأئمة يقولون لأعدائهم: أين شركاؤكم ~~ومن أطعتموهم في الدنيا؟ ثم قال: قال: فهم أيضا الذين تتوفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم "فألقوا السلم" سلموا لما أصابهم من البلاء ثم يقولون: "ما ~~كنا نعمل من سوء" فرد الله عليهم فقال: "بلى"، إلخ. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن أبي إسحاق الهمداني عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): فيما كتبه إلى أهل مصر قال: يا عباد الله إن أقرب ما يكون العبد ~~من المغفرة والرحمة حين يعمل بطاعته وينصح في توبته. عليكم بتقوى الله ~~فإنها يجمع الخير ولا خير غيرها ويدرك بها من خير الدنيا وخير الآخرة، قال ~~عز وجل: "وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم - قالوا خيرا للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة - ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين". # وفي تفسير العياشي، عن ابن مسكان عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: ~~"ولنعم دار المتقين" قال الدنيا. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين" قال: قال ~~(عليه السلام) هم المؤمنون الذين طابت مواليدهم في الدنيا. # أقول: وهو بالنظر إلى ما يقابله من قوله: "الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم" الآية لا يخلو عن خفاء والرواية ضعيفة. PageV12P129 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن ~~محمدا رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله فانظروا أناسا من أشرافكم ~~المعدودين المعروفة أنسابهم فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس كل ~~ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده فردوه عنه. فخرج ناس منهم في كل طريق فكان ~~إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد؟ فينزل بهم قالوا له: أنا ~~فلان بن فلان فيعرفه بنسبه ويقول: أنا أخبرك بمحمد فلا يريد أن يعني إليه ms4589 ~~هو رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه وأما ~~شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له فيرجع أحدهم فذلك قوله: "وإذا قيل لهم ما ذا ~~أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين". فإذا كان الوافد ممن عزم الله له على ~~الرشاد فقالوا له مثل ذلك في محمد قال: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت ~~حتى بلغت إلا مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل وأنظر ما يقول وآتي ~~قومي ببيان أمره فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم: ما ذا يقول محمد؟ ~~فيقولون: خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة يقول مال ولدار الآخرة خير ~~وهي الجنة. # أقول: والاعتبار يساعد على القصة وما في آخرها من تفسير الحسنة بالمال ~~غير مرضي. # وفي الكافي، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن (عليه ~~السلام): أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق. قال: فقال: الإرادة من ~~الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله تعالى فإرادته ~~إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه ~~وهي صفات الخلق فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا ~~نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه لا كيف له. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ له عن أبي ذر عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: يقول الله: يا بن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني ~~أغفر لكم وكلكم فقراء إلا من أغنيت فسلوني أعطكم، وكلكم ضال إلا من هديت ~~فسلوني الهدى أهدكم ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت ~~له ولا أبالي. ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا ~~على قلب أشقى واحد منكم ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة، ولو أن أولكم ~~وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا ms4590 على قلب أتقى واحد منكم ما ~~زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ~~ويابسكم سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ~~ذلك مما عندي كغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر. وذلك أني جواد ماجد واحد ~~عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون. PageV12P130 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 41 - 64 # والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم فى الدنيا حسنة ولأجر ~~الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~(43) بالبينت والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم فى تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو ~~يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (47) أولم يروا إلى ما خلق الله من ~~شىء يتفيؤا ظلله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم دخرون (48) ولله يسجد ما ~~فى السموت وما فى الأرض من دابة والملئكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم ~~من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو ~~إله وحد فإيى فارهبون (51) وله ما فى السموت والأرض وله الدين واصبا أفغير ~~الله تتقون (52) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ~~(53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما ~~ءاتينهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم ~~تالله لتسئلن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنت سبحنه ولهم ما يشتهون ~~(57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتورى من القوم ~~من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ألا ساء ما يحكمون (59) ~~للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) ولو يؤاخذ الله الناس ms4591 بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ~~ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم ~~مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطن أعملهم فهو ~~وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم الذى ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) ### |||| AUTO بيان # الآيتان الأوليان تذكران الهجرة وتعدان المهاجرين في الله وعدا حسنا في ~~الدنيا والآخرة، وباقي الآيات تعقب حديث شركهم بالله وتشريعهم بغير إذن ~~الله، وهي بحسب المعنى تفصيل القول في الجواب عن عد المشركين الدعوة ~~النبوية إلى ترك عبادة الآلهة وتحريم ما لم يحرمه الله أمرا محالا كما أشير ~~إليه في قوله: "وقال الذين أشركوا" إلخ. # قوله تعالى: "والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة خير لو كانوا يعلمون" وعد جميل للمهاجرين وقد كانت من ~~المؤمنين هجرتان عن مكة: إحداهما إلى حبشة هاجرتها عدة من المؤمنين بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بإذن من الله ورسوله إليها ولبثوا فيها حينا في ~~أمن وراحة من أذى مشركي مكة وعذابهم وفتنتهم. # والثانية هجرتهم من مكة إلى المدينة بعد مهاجرة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، والظاهر أن المراد بالهجرة في الآية هي الهجرة الثانية فسياق ~~الآيتين أكثر ملاءمة لها من الأولى وهو ظاهر. PageV12P131 # وقوله: "في الله" متعلق بهاجروا، والمراد بكون المهاجرة في الله أن يكون ~~طلب مرضاته محيطا بهم في مهاجرتهم لا يخرجون منه إلى غرض آخر كما يقال: ~~سافر في طلب العلم وخرج في طلب المعيشة أي لا غاية له إلا طلب العلم ولا ~~بغية له إلا طلب المعيشة، والسياق يعطي أن قوله: "من بعد ما ظلموا" أيضا ~~مقيد بذلك معنى، والتقدير: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا فيه، ~~وإنما حذف اختصارا وإنما اكتفى به قيدا للمهاجرة لأنها محل الابتلاء ~~فتخصيصه بإيضاح الحال أولى. ms4592 # وقوله: "لنبوئنهم في الدنيا حسنة" قيل: أي بلدة حسنة بدلا مما تركوه من ~~وطنهم كمكة وحواليها بدليل قوله: "لنبوئنهم" فإنه من بوأت له مكانا أي سويت ~~وأقررته فيه. # وقيل: أي حالة حسنة من الفتح والظفر ونحو ذلك فيكون قوله: "لنبوئنهم" ~~إلخ، من الاستعارة بالكناية. # والوجهان متحدان مآلا فإنهم إنما كانوا يهاجرون ليعقدوا مجتمعا إسلاميا ~~طيبا لا يعبد فيه إلا الله، ولا يحكم فيه إلا العدل والإحسان أو ليدخلوا في ~~مجتمع هذا شأنه فلو رجعوا في مهاجرهم غاية حسنة أو وعدوا بغاية حسنة كان ~~ذلك هذا المجتمع الصالح، ولو حمدوا البلدة التي يهاجرون إليها لكان حمدهم ~~للمجتمع الإسلامي المستقر فيها لا لمائها أو هوائها فالغاية الحسنة التي ~~يعدهم الله في الدنيا هي هذا المجتمع سواء أريد بالحسنة البلدة أو الغاية. # وقوله: "ولأجر الآخرة خير لو كانوا يعلمون" تتميم للوعد وإشارة إلى أن ~~أجر الآخرة أفضل من هذا الأجر الدنيوي لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم ~~فيها من النعم فإن فيها سعادة من غير شقاء وخلودا من غير فناء ولذة غير ~~مشوبة بألم وجوار رب العالمين. # قوله تعالى: "الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون" لا يبعد أن يستفاد من سياق ~~الآيتين أن جملة العناية فيهما إلى وعد المهاجرين في الله وعدا حسنا في ~~الدنيا والآخرة من غير نظر إلى الإخبار بتحقق المهاجرة قبل حال الخطاب ~~فيكون الكلام في معنى الاشتراط: من يهاجر في الله فله كذا وكذا، وتكون ~~العناية في قوله: "الذين صبروا" إلخ بتوصيف المهاجرين بالصبر والتوكل من ~~غير نظر إلى ما تحقق منهم من ذلك أيام توقفهم في أوطانهم بين المشركين قبال ~~أذاهم وفتنتهم. # والعناية بالتوصيف إنما هي لكون كلتا الصفتين دخيلتين في الغاية الحسنة ~~التي وعدوا بها إذ لو لم يصبروا على مر الجهاد وأظهروا الجزع عند هجوم ~~العظائم ولم يتأيدوا بالتوكل على الله واعتمدوا على أنفسهم الضعيفة أحيط ~~بهم ولم يتهيأ لهم المستقر وفرقهم العدو المصر على عداوته بددا وتلاشى ~~المجتمع الصالح الذي أقاموه في مهاجرهم هذا في ms4593 الدنيا، وأما أمر الآخرة ~~ففساده بفساد المجتمع أو تلاشيه أوضح. # ولو كان المراد وعد المهاجرين الذين تحقق منهم الهجرة قبل نزول الآية ~~تطييبا لنفوسهم وتسلية لهم عما أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقاسوا الفتن ~~والمحن كان قوله: "الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون" مدحا لهم بما ظهر منهم ~~أيام إقامتهم بمكة وغيرها من الصبر في الله على أذى المشركين والتوكل على ~~الله فيما عزموا عليه من الإسلام لله. # قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون" رجوع ثان إلى بيان كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب حتى ~~يتضح للمشركين أنه لم تكن الدعوة الدينية إلا دعوة عادية من رجال يوحى ~~إليهم من البشر يندبون إلى ما فيه صلاح الناس في دنياهم وعقباهم. # وأنه لم يدع أحد من الرسل ولا ادعي في كتاب من كتب الشرائع أن الدعوة ~~الدينية ظهور للقدرة الغيبية القاهرة لكل شيء والإرادة التكوينية لهدم ~~النظام الجاري ونقض سنة الاختيار وإبطالها حتى يقول القائل منهم: "لو شاء ~~الله ما عبدنا من دونه من شيء" إلخ. # وعلى هذا فقوله سبحانه: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم" مسوق ~~لحصر الرسالة على البشر العادي من رجال يوحى إليهم قبال ما ادعاه المشركون ~~أنها لو كانت لكانت نقضا لنظام الطبيعة وإبطالا للاختيار والاستطاعة. PageV12P132 # وبه يظهر عدم استقامة ما ذكره غير واحد منهم أن الآية مسوقة لرد المشركين ~~من قريش حيث كانوا يزعمون أن البشر لا يصلح للرسالة وأنها لو كانت فهي من ~~شأن الملائكة فالآية تخبر أن السنة الإلهية جرت حسب ما اقتضته الحكمة على ~~أن لا يبعث للدعوة الدينية إلا رجالا من البشر يوحي إليهم المعارف والأوامر ~~والنواهي. # وذلك أن سياق الآيات لا يساعد على ذلك، ولم يتقدم في الكلام ذكر لقولهم ~~ذلك أو لاقتراحهم بعثة الملائكة للرسالة حتى يوجه الكلام إلى ذلك. # وإنما الذي تقدم هو قول المشركين: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء" ~~إلخ وكان مسوقا لإثبات استحالة ms4594 النبوة لا لكونها من شأن الملائكة. # واستدل بعضهم بالآية على أن الله سبحانه لم يرسل صبيا ولا امرأة، واستشكل ~~بنبوة عيسى (عليه السلام) في المهد وأجيب بأن النبوة أعم من الرسالة والذي ~~أثبته عيسى لنفسه بقوله: "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا": مريم: ~~30، هي النبوة دون الرسالة. # وفيه أن الاستدلال المذكور بالآية إنما هو بقوله: "وما أرسلنا" وهذا ~~الفعل كما يتعلق في القرآن بالرسول كذلك يتعلق بالنبي غير الرسول قال ~~تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي" الآية فلو تم الاستدلال ~~المذكور لدل على حرمان الأطفال والنساء عن الرسالة والنبوة جميعا، وقد حكى ~~الله عن عيسى (عليه السلام) قوله: "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا": مريم: 30، وقال في يحيى (عليه السلام): "وآتيناه الحكم صبيا": مريم: 12. # والحق أن الآية: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا" إنما هي في مقام بيان أن ~~الرسل كانوا رجالا من البشر العادي من غير عناية بكونهم أول ما بعثوا ~~للرسالة أفرادا بالغين مبلغ الرجال فالغرض أن نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ويحيى (عليهما السلام) - وهم رسل - كانوا رجالا يوحى إليهم ولم يكونوا ~~أشخاصا مجهزين بقدرة قاهرة غيبية وإرادة إلهية تكوينية. # ويقرب من الآية قوله تعالى: في موضع آخر: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام وما كانوا خالدين": الأنبياء: 8. # وقوله: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الظاهر أنه خطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولقومه، وقد كان الخطاب في سابق الكلام للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) خاصة والمعنى موجه إلى الجميع فهو تعميم الخطاب ~~للجميع ليتخذ كل من المخاطبين سبيله فمن كان لا يعلم ذلك كبعض المشركين ~~راجع أهل الذكر وسألهم ومن كان يعلم ذلك كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمؤمنين به كان في غنى عن الرجوع والسؤال. # وقيل: إن الخطاب في الآية للمشركين فإنهم هم المنكرون فليرجعوا وليسألوا ~~وفيه أن لازم ذلك كون الجملة التفاتا ms4595 من خطاب الفرد إلى خطاب الجميع ولا ~~نكتة ظاهرة تصحح ذلك والله أعلم. # والذكر حفظ معنى الشيء أو استحضاره، ويقال لما به يحفظ أو يستحضر قال ~~الراغب في المفردات: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان ~~أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا ~~بإحرازه والذكر يقال اعتبارا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء في القلب ~~أو القول ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد ~~منهما ضربان: ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، انتهى موضع ~~الحاجة. # والظاهر أن الأصل فيه ما هو للقلب وإنما يسمى اللفظ ذكرا اعتبارا بإفادته ~~المعنى وإلقائه إياه في الذهن، وعلى هذا المعنى جرى استعماله في القرآن غير ~~أن مورده فيه ذكر الله تعالى فالذكر إذا أطلق فيه ولم يتقيد بشيء هو ذكره. # وبهذه العناية أيضا سمي القرآن وحي النبوة والكتب المنزلة على الأنبياء ~~ذكرا، والآيات في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها في هذا الموضع. # وقد سمى الله سبحانه في الآية التالية القرآن ذكرا. # فالقرآن الكريم ذكر كما أن كتاب نوح وصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود ~~وإنجيل عيسى (عليه السلام) - وهي الكتب السماوية المذكورة في القرآن - كلها ~~ذكر، وأهلها المتعاطون لها المؤمنين بها أهل الذكر. PageV12P133 # ولما كان أهل الشيء وخاصته أعرف بحاله وأبصر بأخباره كان على من يريد ~~التبصر في أمره أن يرجع إلى أهله، وأهل الكتب السماوية القائمون على ~~دراستها وتعلمها والعمل بشرائعها هم أهل الخبرة بها والعالمون بأخبار ~~الأنبياء الجائين بها فعلى من أراد الاطلاع على شيء من أمرهم أن يراجعهم ~~ويسألهم. # لكن المشركين المخاطبين بمثل قوله: "فاسألوا أهل الذكر" لما كانوا لا ~~يسلمون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النبوة ولا يصدقونه في دعواه ~~ويستهزءون بالقرآن ذي الذكر كما يذكره تعالى في قوله: "وقالوا يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون": الحجر: 6، لم ينطبق قوله: "فاسألوا أهل الذكر" ~~بحسب المورد إلا على أهل التوراة، وخاصة ms4596 من حيث كونهم أعداء للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) رادين لنبوته وكانت نفوس المشركين طيبة بهم لذلك، وقد ~~قالوا في المشركين: "هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا": النساء: 51. # وقال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل العلم بأخبار من مضى من الأمم سواء ~~أكانوا مؤمنين أم كفارا؟ وسمي العلم ذكرا لأن العلم بالمدلول يحصل غالبا من ~~تذكر الدليل فهو من قبيل تسمية المسبب باسم السبب. # وفيه أنه من المجاز من غير قرينة موجبة للحمل عليه على أن المعهود من ~~الموارد التي ورد فيها الذكر في القرآن الكريم غير هذا المعنى. # وقال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل القرآن لأن الله سماه ذكرا وأهله ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه وخاصة المؤمنين. # وفيه أن كون القرآن ذكرا وأهله أهله لا ريب فيه لكن إرادة ذلك من الآية ~~خاصة لا تلائم تمام الحجة فإن أولئك لم يكونوا مسلمين لنبوة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فكيف يقبلون من أتباعه من المؤمنين؟. # وكيف كان فالآية إرشاد إلى أصل عام عقلائي وهو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل ~~الخبرة، وليس ما تتضمنه من الحكم حكما تعبديا، ولا أمر الجاهل بالسؤال عن ~~العالم ولا بالسؤال عن خصوص أهل الذكر أمرا مولويا تشريعيا وهو ظاهر. # قوله تعالى: "بالبينات والزبر" متعلق بمقدر يدل عليه ما في الآية السابقة ~~من قوله: "وما أرسلنا" أي أرسلناهم بالبينات والزبر وهي الآيات الواضحة ~~الدالة على رسالتهم والكتب المنزلة عليهم. # وذلك أن العناية في الآية السابقة إنما هي ببيان كون الرسل بشرا على ~~العادة فحسب فكأنه لما ذكر ذلك اختلج في ذهن السامع أنهم بما ذا أرسلوا؟ ~~فأجيب عنه فقيل: بالبينات والزبر أما البينات فلإثبات رسالتهم وأما الزبر ~~فلحفظ تعليماتهم. # وقيل: هو متعلق بقوله: "وما أرسلنا" أي وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا ~~رجالا نوحي إليهم. # وفيه أنه لا بأس به في نفسه لكنه مفوت لما تقدم من النكتة. # قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون" لا شك أن تنزيل ms4597 الكتاب على الناس وإنزال الذكر على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) واحد بمعنى أن تنزيله على الناس هو إنزاله إليه ~~ليأخذوا به ويوردوه مورد العمل كما قال تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم ~~برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا": النساء: 174، وقال: "لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون": الأنبياء: 10. # فيكون محصل المعنى أن القصد بنزول هذا الذكر إلى عامة البشر وأنك والناس ~~في ذلك سواء، وإنما اخترناك لتوجيه الخطاب وإلقاء القول لا لنحملك قدرة ~~غيبية وإرادة تكوينية إلهية فنجعلك مسيطرا عليهم وعلى كل شيء بل لأمرين: ~~أحدهما: أن تبين للناس ما نزل تدريجا إليهم لأن المعارف الإلهية لا ينالها ~~الناس بلا واسطة فلا بد من بعث واحد منهم للتبيين والتعليم، وهذا هو غرض ~~الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثم يؤمر بتبليغه وتعليمه تبيينه. PageV12P134 # والثاني: رجاء أن يتفكروا فيك فيتبصروا أن ما جئت به حق من عند الله فإن ~~الأوضاع المحيطة بك والحوادث والأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليتم ~~وخمود الذكر والحرمان من التعلم والكتابة وفقدان مرب صالح والفقر والاحتباس ~~بين قوم جهلة أخساء صفر الأيدي من مزايا المدنية وفضائل الإنسانية كانت ~~جميعا أسبابا قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة، ولا تقبض من عرى ~~السعادة على مسكة، لكن الله سبحانه أنزل إليك ذكرا تتحدى به على الجن ~~والإنس مهيمنا على سائر الكتب السماوية تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبرهانا ~~ونورا مبينا. # فالتفكر فيك نعم الدليل الهادي إلى أن ليس لك فيما جئت به صنع ولا لك من ~~الأمر شيء وإن الله أنزله بعلمه وأيدك لذلك بقدرته من غير أن يداخله من ~~الأسباب العادية شيء. # هذا ما تفيده الآية الكريمة نظرا إلى سياقها وسياق ما قبلها ومحصله أن ~~قوله: "لتبين" إلخ، غاية للإنزال لا لنفسه بل من حيث تعلقه بشخص النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وأن متعلق "يتفكرون" المحذوف هو نحو قولنا: فيك لا ~~قولنا: في الذكر. # لكن القوم ذكروا أن قوله: "لتبين" غاية ms4598 للإنزال وأن المراد بالتفكر ~~التفكر في الذكر ليعلم بذلك أنه حق ومعنى الآية على هذا: وأنزلنا إليك ~~الذكر أي القرآن لتبين للناس كافة ما نزل إليهم في ذلك الذكر من أصول ~~المعارف والأحكام والشرائع وأحوال الأمم الماضية وما جرى فيهم من سنة الله ~~تعالى، ولرجاء أن يتفكروا في الذكر فيهتدوا إلى أنه حق من عند الله أو ~~يتفكروا فيما تبينه لهم. # وأنت خبير بأن لازم ذلك أولا شبه تحصيل الحاصل في إنزاله إليه ليبين لهم ~~ما نزل إليهم، والإنزال واحد، ولا مدفع له إلا أن يغير النظم إلى مثل ~~قولنا: وأنزلنا إليك الذكر لتبينه لهم. # وثانيا: كون قوله: "إليك" مستدركا مستغنى عنه وخاصة بالنظر إلى قوله: ~~"ولعلهم يتفكرون" وذلك أن الإنزال غايته التبيين ولا أثر في ذلك لكونه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هو المنزل إليه دون غيره، وكذلك التفكر في الذكر غاية ~~مرجوة للعلم بأنه حق من عند الله من غير نظر إلى من أنزل إليه، ولازم ذلك ~~كون قوله: "إليك" زائدا في الكلام لا حاجة إليه. # وثالثا: انقطاع الآية بسياقها عن سياق الآية السابقة عليها: "وما أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم" والآيات المتقدمة عليها. # وهاهنا وجه آخر يمكن أن يندفع به بعض الإشكالات السابقة وهو كون المراد ~~بالذكر المنزل لفظ القرآن الكريم وبما نزل إليهم معاني الأحكام والشرائع ~~وغيرها، ويكون قوله: "لتبين" غاية للإنزال، وقوله: "ولعلهم يتفكرون" معطوفا ~~على مقدر وغاية للتبيين لا للإنزال، وهو خلاف ظاهر الآية، وعليك بإجادة ~~التدبر فيها. # ومن لطيف التعبير في الآية قوله: "وأنزلنا إليك" و"ما نزل إليهم" بتفريق ~~الفعلين بالأفعال الدال على اعتبار الجملة والدفعة والتفعيل الدال على ~~اعتبار التدريج، ولعل الوجه في ذلك أن العناية في قوله: "وأنزلنا إليك" ~~بتعلق الإنزال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط من غير نظر إلى خصوصية ~~نفس الإنزال، ولذلك أخذ الذكر جملة واحدة فعبر عن نزوله من عنده تعالى ~~بالإنزال. # وأما الناس فإن الذي لهم من ذلك هو الأخذ والتعلم والعمل، وقد ms4599 كان ~~تدريجيا ولذلك عني به وعبر عن نزوله إليهم بالتنزيل. # وفي الآية دلالة على حجية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان ~~الآيات القرآنية، وأما ما ذكره بعضهم أن ذلك في غير النص والظاهر من ~~المتشابهات أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله وما فيه من التأويل فمما لا ~~ينبغي أن يصغى إليه. # هذا في نفس بيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويلحق به بيان أهل بيته ~~لحديث الثقلين المتواتر وغيره وأما سائر الأمة من الصحابة أو التابعين أو ~~العلماء فلا حجية لبيانهم لعدم شمول الآية وعدم نص معتمد عليه يعطي حجية ~~بيانهم على الإطلاق. # وأما قوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" فقد تقدم أنه ~~إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم ~~بطائفة دون طائفة. PageV12P135 # هذا كله في نفس بيانهم المتلقى بالمشافهة، وأما الخبر الحاكي له فما كان ~~منه بيانا متواترا أو محفوفا بقرينة قطعية وما يلحق به فهو حجة لكونه ~~بيانهم، وأما ما كان مخالفا للكتاب أو غير مخالف لكنه ليس بمتواتر ولا ~~محفوفا بالقرينة فلا حجية فيه لعدم كونه بيانا في الأول وعدم إحراز ~~البيانية في الثاني وللتفصيل محل آخر. # قوله تعالى: "أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون" هذه الآية والآيتان بعدها إنذار وتهديد ~~للمشركين وهم الذين يعبدون غير الله سبحانه ويشرعون لأنفسهم سننا يستنون ~~بها في الحياة فما يعملون من الأعمال مستقلين فيها بأنفسهم معرضين عن شرائع ~~الله النازلة من طريق النبوة استنادا إلى حجج داحضة اختلقوها لأنفسهم كلها ~~سيئات وما يتقلبون فيها مدى حياتهم من حركة أو سكون وأخذ أو رد وفعل أو ترك ~~وهم على ما هم عليه من استكبار وغرور، كلها ذنوب يقترفونها مكرا بالله ربهم ~~وبرسله الداعين إلى الأخذ بدين الله ولزوم سبيله. # فقوله: "السيئات" مفعول "مكروا" بتضمينه بمعنى عملوا أي عملوا السيئات ~~ماكرين، وما احتمله بعضهم من كون السيئات وصفا سادا ms4600 مسد المفعول المطلق ~~والتقدير: يمكرون المكرات السيئات بعيد من السياق. # وبالجملة الكلام لتهديد المشركين وإنذارهم بالعذاب الإلهي ويدخل فيهم ~~مشركوا مكة، والكلام متفرع على ما تقدم كما يدل عليه قوله: "أفأمن" بفاء ~~التفريع. # والمعنى - والله أعلم - فإذا دلت الآيات البينات على أن الله هو ربهم لا ~~شريك له في ربوبيته وأن الرسالة ليست بأمر محال بل هي دعوة إلى ما فيه صلاح ~~معاشهم ومعادهم وخير دنياهم وأخراهم من رجال هم أمثالهم يبعثهم الله ويوحي ~~إليهم بما تشتمل عليه الدعوة، فهؤلاء الذين يعرضون عن ذلك ويمكرون بالله ~~ورسله بالتشبث بهذه الحجج الواهية لتسوية الطريق إلى ترك دين الله وتشريع ~~ما يوافق أهواءهم ويعملون السيئات هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب وهم لا يشعرون، أي يفاجئهم من غير أن يتنبهوا بتوجهه إليهم ~~قبل نزوله. # قوله تعالى: "أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين" الفاعل هو الله سبحانه ~~وقد كثرت في القرآن نسبة الأخذ إليه، وقيل: الضمير للعذاب، والتقلب هو ~~التحول من حال إلى حال والمراد به تحول المشركين في مقاصدهم وأعمالهم ~~السيئة وانتقالهم من نعمة إلى نعمة أخرى من نعم الحياة الدنيا، قال تعالى: ~~"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس ~~المهاد": آل عمران: 197. # فالمراد بأخذهم في تقلبهم أن يأخذهم في عين ما يتقلبون فيه من السيئات ~~مكرا بالله ورسله بالعذاب أو المعنى يعذبهم بنفس ما يتقلبون فيه فيعود ~~النعمة نقمة، وهذا أنسب بالنظر إلى قوله: "فما هم بمعجزين". # وقوله: "فما هم بمعجزين" في مقام التعليل لأخذهم في تقلبهم ومكرهم ~~السيئات أي لأنهم ليسوا بمعجزين لله فيما أراد بالتغلب عليه أو بالفرار من ~~حكمه، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم" التخوف تمكن الخوف ~~من النفس واستقراره فيها فالأخذ على تخوف هو العذاب مبنيا على المخافة بأن ~~يشعروا بالعذاب فيتقوه ويحذروه بما استطاعوا من توبة وندامة ونحوهما فيكون ~~الأخذ على تخوف مقابلا لإتيان العذاب من حيث لا ms4601 يشعرون. # وربما قيل: إن الأخذ على تخوف هو العذاب بما يخاف منه من غير هلاك ~~كالزلزلة والطوفان وغيرهما. # وربما قيل: إن معنى التخوف التنقص بأن يأخذهم الله بنقص النعم واحدة بعد ~~واحدة تدريجيا كأخذ الأمن ثم الأمطار ثم الرخص ثم الصحة وهكذا. # وقوله: "إن ربكم لرءوف رحيم" في مقام التعليل أي يأخذهم على تخوف ويتنزل ~~في عذابهم إلى هذا النوع من العذاب الذي هو أهون الأنواع المعدودة لأنه ~~رءوف رحيم، وفي التعبير بقوله: "ربكم" إشارة إلى ذلك، وكونه في مقام ~~التعليل بالنسبة إلى الوجهين الأولين ظاهر، وأما بالنسبة إلى الثالث فلأن ~~الأخذ بالنقص لا يخلو من مهلة وفرصة يتنبه فيها من تنبه فيأخذ بالحذر بتوبة ~~أو غيرها. # والكلام في تعداد أنواع العذاب المذكورة ليس مسوقا للحصر كما نبه به ~~بعضهم بل إحصاء لأنواع منه. PageV12P136 # قوله تعالى: "أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون" المراد بالرؤية الرؤية البصرية والنظر الحسي ~~إلى الأشياء الجسمانية لأن المطلوب إلفات النظر إلى الأجسام ذوات الأظلال. # والتفيؤ من الفيء وهو الظل راجعا، ولذا قيل: إن الظل هو ما في أول النهار ~~إلى زوال الشمس والفيء هو ما يكون بعد زوال الشمس إلى آخر النهار، والظاهر ~~أن الظل أعم من الفيء كما تقدم وتؤيده الآية. # فالتفيؤ رجوع الظل بعد زواله. # والشمائل جمع شمأل وهو خلاف اليمين، وجمعه باعتبار أخذ كل سمت مفروض خلف ~~الشيء وعن يساره جهة شمال على حدة فهي شمائل تقابل اليمين كما أن عد كل شيء ~~ذا أظلال بهذه العناية أخذا للظل بالنسبة إلى كل جهة من اليمين والشمائل ~~ظلا غيره بالنسبة إلى جهة أخرى لا لأن الشيء المذكور جمع بحسب المعنى وإن ~~كان مفردا بحسب اللفظ. # والدخور هو الخضوع والصغار. # وكون المراد بالرؤية الرؤية البصرية قرينة على أن المراد بما خلق الله من ~~شيء - ومن شيء بيان لما خلق الله - هو الأشياء المرئية، وما تعقبه من حديث ~~تفيؤ الظلال يحصرها في الأجسام الكثيفة ms4602 التي لها ظلال كالجبال والأشجار ~~والأبنية والأجسام القائمة على الأرض فلا يرد أن ما خلق الله وخاصة بعد ~~بيانه بالشيء لا يلازمه الظل كالأجرام العلوية المضيئة والأجسام الشفافة ~~وأعراض الأجسام. # ولدفع هذا الإشكال جعل بعضهم قوله: "يتفيؤا ظلاله" إلخ، وصفا لشيء حتى ~~يخص البيان بالأشياء المخلوقة التي لها أفياء وأظلال ولا يخلو من وجه. # والآية تهدي المشركين وهم منكرون للتوحيد والنبوة إلى النظر في حال ~~الأجسام التي لها أظلال تدور عن يمينها وعن شمائلها فإنها تمثل سجودها لله ~~وخضوعها له وصغارها قبال عظمته وكبريائه، وكذا سجود ما في السماوات والأرض ~~من دابة والملائكة. # فهي جميعا ساجدة لله وحده لانقيادها الذاتي لأمره ممثلة للخضوع والصغار ~~بهذا النسك الوجودي والعبادة التكوينية. # وهذا من أوضح الدليل على أن في العالم إلها معبودا واحدا هو الله سبحانه ~~وأن من حقه أن يسجد له ويخضع لأمره، وهذا هو التوحيد والنبوة اللذان ~~ينكرونهما فهل التوحيد إلا الإذعان بكونه سبحانه هو الإله الذي يجب الخضوع ~~له والتوجه بالذلة والصغار إليه؟ وهل الدين الذي تتضمنه دعوة الأنبياء ~~والرسل إلا الخضوع لله سبحانه والانقياد لأمره فيما أراد؟ فما بالهم ينكرون ~~ذلك؟ وهم يرون ويعلمون أن ما على الأرض من أظلال الأجسام الكثيفة يسجد له، ~~وما في السماوات والأرض من الملائكة والذوات ساجدة له منقادة لأمره حتى ~~أرباب أصنامهم الذين يتخذونهم آلهة دون الله فإنهم إما من الملائكة وإما من ~~الجن وإما من كملي البشر، وهم جميعا داخرون له منقادون لأمره. # فمعنى الآية - والله أعلم - "أولم يروا" هؤلاء المشركون المنكرون لتوحيد ~~الربوبية ولدعوة النبوة أولم ينظروا "إلى ما خلق الله من شيء" من هذه ~~الأجسام القائمة على بسيط الأرض من جبل أو بناء أو شجر أو أي جسم منتصب ~~"يتفيؤا" ويرجع ويدور "ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله" واقعة على الأرض ~~تذللا وتعبدا له سبحانه "وهم داخرون" خاضعون صاغرون. # وقد تقدم الكلام في معنى سجدة الظلال ذيل قوله تعالى: "وظلالهم بالغدو ~~والآصال": الرعد: 15، في الجزء الحادي عشر من الكتاب. # قوله ms4603 تعالى: "ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة" ~~إلى آخر الآيتين. # ذكرت الآية السابقة سجود الظلال وهو معنى مشهود فيها يمثل معنى السجود ~~لله، وتذكر هذه الآية سجود ما في السماوات والأرض من دابة - والدابة ما يدب ~~ويتحرك بالانتقال من مكان إلى مكان - بحقيقة السجود التي هي نهاية التذلل ~~والتواضع قبال العظمة والكبرياء فإن صورة السجدة التي هي خرور الإنسان ~~ووقوعه على وجهه على الأرض إنما تعد عبادة إذا أريد بها تمثيل هذا المعنى ~~فحقيقة السجدة هي التذلل المذكور. PageV12P137 # ويدخل في عموم الدابة الإنسان وكذا الجن لأنه سبحانه يصفهم في كلامه بما ~~يفيد أن لهم دبيبا كما لسائر الدواب من الإنسان والحيوان، ولم يدخل سبحانه ~~الملائكة في عموم الدابة وأفردهم بالذكر، وفي ذلك من التلويح إلى أن ما نسب ~~إليهم في كلامه تعالى من النزول والصعود والذهاب والمجيء مما ظاهره النقلة ~~والحركة المكانية ليس من نوع ما للدواب من الدبيب والانتقال المكاني ما لا يخفى. # فقوله: "ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة" أي له يخضع ~~وينقاد خضوعا وانقيادا ذاتيا هي حقيقة السجود فمن حقه تعالى أن يعبد ويسجد له. # وفي الآية دلالة على أن في غير الأرض من السماوات شيئا من الدواب يسكنها ~~ويعيش فيها. # وقوله: "والملائكة وهم لا يستكبرون" الاستكبار والتكبر من الإنسان أن يعد ~~نفسه كبيرا ويضعه موضع الكبر وليس به ولذلك يعد في الرذائل لكن التكبر ربما ~~يطلق على ما لله سبحانه من الكبرياء بالحق وهو الكبير المتعال فهو تعالى ~~كبير متكبر وليس يقال: مستكبر ولعل ذلك كذلك اعتبارا باللفظ فإن الاستكبار ~~بحسب أصل هيئته طلب الكبر ولازمه أن لا يكون ذلك حاصلا للطالب من نفسه ~~وإنما يطلب الكبر والعلو على غيره دعوى فكان مذموما، وأما التكبر فهو ~~الظهور بالكبرياء سواء كانت له في نفسه كما لله سبحانه وهو التكبر الحق أو ~~لم يكن له إلا دعوى وغرورا كما في غيره. # فتبين بذلك أن الاستكبار مذموم دائما أما استكبار ms4604 المخلوق على مخلوق آخر ~~فلأن الفقر والحاجة قد استوعبهما جميعا وشيء منهما لا يملك لنفسه نفعا ولا ~~ضرا ولا لغيره فاستكبار أحدهما على الآخر خروج منه عن حده وتجاوز عن طوره ~~وظلم وطغيان. # وأما استكبار المخلوق على الخالق فلا يتم إلا مع دعوى المخلوق الاستقلال ~~والغنى لنفسه وذهوله عن مقام ربه فإن النسبة بين العبد وربه نسبة الذلة ~~والعزة والفقر والغنى فما لم يغفل العبد عن هذه النسبة ولم يذهل عن مشاهدة ~~مقام ربه لم يعقل استكباره على ربه فإن الصغير الوضيع القائم أمام الكبير ~~المتعالي وهو يشاهد صغار نفسه وذلته وكبرياء من هو أمامه وعزته لا يتيسر له ~~أن يرى لنفسه كبرياء وعزة إلا أن يأخذه غفلة وذهول. # وإذ كان الكبرياء والعلو لله جميعا فدعواه الكبرياء والعلو تغلب منه على ~~ربه وغصب منه لمقامه واستكبار واستعلاء عليه دعوى، وهذا هو الاستكبار بحسب ~~الذات ويتبعه الاستكبار بحسب الفعل وهو أن لا يأتمر بأمره ولا ينتهي عن ~~نهيه فإنه ما لم ير لنفسه إرادة مستقلة قبال الإرادة الإلهية مغايرة لها لم ~~ير لنفسه أن يخالفه في أمره ونهيه. # وعلى هذا فقوله: "وهم لا يستكبرون" في تعريف الملائكة والكلام في سياق ~~العبودية دليل على أنهم لا يستكبرون على ربهم فلا يغفلون عنه تعالى ولا ~~يذهلون عن الشعور بمقامه ومشاهدته. # وقد أطلق نفي الاستكبار من غير أن يقيده بما بحسب الذات أو بحسب الفعل ~~فأفاد أنهم لا يستكبرون عليه في ذات ولا فعل أي لا يغفلون عنه سبحانه ولا ~~يستنكفون عن عبادته ولا يخالفون عن أمره، ولبيان هذا الإطلاق والشمول عقبه ~~بيانا له بقوله: "يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" وأشار بذلك إلى ~~نفي الاستكبار عنهم ذاتا وفعلا. # توضيح ذلك أن قوله: "يخافون ربهم من فوقهم" يثبت لهم الخوف من ربهم والله ~~سبحانه ليس عنده إلا الخير ولا شر عنده ولا سبب شر يخاف منه إلا أن يكون ~~الشر وسببه عند العبد وقد أخذ متعلق الخوف هو ربهم لا عذابه تعالى أو ms4605 عصيان ~~أمره كما في قوله: "ويرجون رحمته ويخافون عذابه": إسراء: 57. # فهذه المخافة هي المخافة منه تعالى وهو وإن لم يكن عنده إلا الخير، ~~والخوف إنما يكون من شر مترقب إلا أن حقيقته التأثر والانكسار والصغار ~~وتأثر الضعيف قبال القوي الظاهر بقوته، وانكسار الصغير الوضيع أمام الكبير ~~المتعال القاهر بكبريائه وتعاليه ضروري فمخافتهم هي تأثرهم الذاتي عما ~~يشاهدونه من مقام ربهم ولا يغفلون عنه قط. # ويؤيد ما ذكرناه تقييد قوله: "يخافون ربهم" بقوله "من فوقهم" فإن فيه ~~إشارة إلى أن كونه تعالى فوقهم قاهرا لهم متعاليا بالنسبة إليهم هو السبب ~~في مخافتهم، وليس هذا إلا الخوف من مقامه تعالى لا من عذابه فهو خوف ذاتي ~~ويرجع إلى نفي الاستكبار عن ذواتهم. PageV12P138 # وأما قوله: "ويفعلون ما يؤمرون" فإشارة إلى عدم استكبارهم في مقام الفعل ~~وقد تقدم أنه إذا لم يستكبر عليه تعالى في ذات لم يستكبر عليه في فعل فهم ~~لا يعصون الله سبحانه في أمر بل يفعلون ما يؤمرون، وفي إتيان قوله: ~~"يؤمرون" مبنيا للمجهول من التعظيم والتفخيم لمقامه سبحانه ما لا يخفى. # فتبين أن الملائكة نوع من خلق الله تعالى لا تأخذهم غفلة عن مقام ربهم ~~ولا يطرأ عليهم ذهول ولا سهو ولا نسيان عن ذلك ولا يشغلهم عنه شاغل، وهم لا ~~يريدون إلا ما يريده الله سبحانه. # وإنما خص سبحانه الملائكة من بين الساجدين المذكورين في الآية بذكر شأنهم ~~وتعريف أوصافهم وتفصيل عبوديتهم لأن أكثر آلهة الوثنيين من الملائكة كإله ~~السماء وإله الأرض وإله الرزق وإله الجمال وغيرهم، وللدلالة على أنهم - ~~بالرغم من زعم الوثنيين - أمعن خلق الله تعالى في عبوديته وعبادته. # ومن عجيب الاستدلال ما استدل به بعضهم بالآية على أن الملائكة مكلفون ~~مدارون بين الخوف والرجاء كمثلنا أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر، ~~وأما إدارتهم بين الخوف والرجاء فلأن الآية ذكرت خوفهم والخوف يستلزم ~~الرجاء. # وهو ظاهر الفساد أما الأمر فقد ورد في كلامه تعالى في موارد لا تكليف ~~فيها قطعا كالسماء والأرض وغيرهما قال تعالى: "فقال ms4606 لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11، وقال: "ويوم يقول كن فيكون". # وأما استلزام الخوف للرجاء فإنما الملازمة ما بين الخوف من نزول العذاب ~~وأصابة المكروه وبين الرجاء، وقد تقدم أن الذي في الآية إنما هو خوف مهابة ~~وإجلال بمعنى تأثر الضعيف من القوي وانكسار الصغير الحقير قبال العظيم ~~الكبير الظاهر عليه بعظمته وكبريائه ولا مقابلة بين الخوف بهذا المعنى وبين ~~الرجاء. # وقد استدل بالآية أيضا على أن الملائكة أفضل من البشر، وفيه أن من الممكن ~~استظهار أفضليتهم من عصاة البشر وكفارهم ممن يفقد الصفات المذكورة لكونها ~~مسوقة في مقام المدح وأما غيرهم فلا تعرض للآية لهم إثباتا ونفيا وسيأتي ~~تفصيل القول في الملائكة في موضع يليق به إن شاء الله. # قوله تعالى: "وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون" الرهبة الخوف وتقابل الرغبة كما أن الخوف يقابل به الرجاء. # والكلام معطوف على قوله: "ولله يسجد" وقيل: معطوف على قوله: "وأنزلنا ~~إليك الذكر" وقيل: على قوله: "ما خلق الله" على طريقة قوله: علفتها تبنا ~~وماء باردا أي وسقيتها ماء باردا، والتقدير في الآية أولم يروا إلى ما خلق ~~الله من شيء وألم يسمعوا إلى ما قال الله "لا تتخذوا" إلخ؟ والأول هو الوجه. # وقوله: "لا تتخذوا إلهين اثنين" أريد به - والله أعلم - النهي عن التعدي ~~عن الإله الواحد باتخاذ غيره معه فيشمل الاثنين وما فوقه من العدد ويؤيده ~~تأكيده بقوله: "إنما هو إله واحد" و"اثنين" صفة "إلهين" كما أن "واحد" صفة ~~"إله" جيء بهما للإيضاح والتبيين. # وبعبارة أخرى العناية متعلقة بالنهي عن اتخاذ غيره معه سواء كان واحدا أو ~~أكثر من واحد لكن لما كان كل عدد اختاروه في الإله فوق الاثنين يجب أن ~~يسلكوا إليه من الاثنين إذ لا يتحقق عدد هو فوق الاثنين إلا بعد تحقق ~~الاثنين نهى عن اتخاذ الاثنين واكتفى به عن النهي عن كل عدد فوق الواحد. # ويمكن أن يكون اعتبار الاثنين نظرا إلى ما عليه ms4607 دأبهم وسنتهم فإنهم ~~يعتقدون من الإله بإله الصنع والإيجاد وهو الذي له الخلق فحسب وهو إله ~~الآلهة وموجد الكل، وبإله العبادة وهو الذي له الربوبية والتدبير، وهذا ~~المعنى أنسب بما يتلوه من الجمل. # وعلى هذا فالمعنى لا تتخذوا إلهين اثنين: إله الخلق وإله التدبير الذي له ~~العبادة إنما هو أي الإله إله واحد له الخلق والتدبير جميعا لأن كل تدبير ~~ينتهي إلى الإيجاد، وإذ كنت أنا الخالق الموجد فأنا المدبر الذي تجب عبادته ~~فإياي فارهبون وإياي فاعبدون. PageV12P139 # ومن هنا يظهر وجه تفرع قوله: "فإياي فارهبون" على ما تقدمه وأنه من لطيف ~~الاستدلال، والجملة تفيد الحصر بتقديم المفعول على سبيل الاشتغال، والقصر ~~قصر قلب لا قصر إفراد كما يفيده كلامهم فإن الوثنيين لا يعبدون الله ~~وآلهتهم غير الله، وإنما يعبدون آلهتهم فحسب معتذرين بأن الله سبحانه لا ~~يحيط به علم ولا يناله فهم فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فمن الواجب أن ~~يعبد الكرام أو الأقوياء من خلقه كالملائكة والكاملين من البشر والجن فهم ~~المدبرون لأمر العالم ينال بالعبادة خيرهم ويتقى بها شرهم وهذا معنى التقرب ~~إلى الله بشفاعتهم. # والظاهر أن الأمر بالرهبة كناية عن الأمر بالعبادة وإنما اختصت الرهبة ~~بالذكر ليوافق ما تقدم في حديث سجدة الكل التي هي الأصل في تشريع العبادة ~~من خوف الملائكة، وعلى هذا فالظاهر أن المراد بالرهبة ما هي رهبة إجلال ~~ومهابة لا ما هي رهبة مؤاخذة وعذاب، فافهم ذلك. # قوله تعالى: "وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله ~~تتقون" قال في المفردات: الوصب السقم اللازم وقد وصب فلان فهو وصب وأوصبه ~~كذا فهو يتوصب نحو يتوجع، قال تعالى: "ولهم عذاب واصب" "وله الدين واصبا" ~~فتوعد لمن اتخذ إلهين وتنبيه أن جزاء من فعل ذلك عذاب لازم شديد. # ويكون الدين هاهنا الطاعة، ومعنى الواصب الدائم أي حق الإنسان أن يطيعه ~~دائما في جميع أحواله كما وصف به الملائكة حيث قال: "لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" ويقال: وصب وصوبا دام، ووصب ms4608 الدين وجب، ومفازة ~~واصبة بعيدة لا غاية لها. # انتهى. # والآية وما بعدها تحتج على وحدانيته تعالى في الألوهية بمعنى المعبودية ~~بالحق وأن الدين له وحده ليس لأحد أن يشرع من ذلك شيئا ولا أن يطاع فيما ~~شرع فالآية وما بعدها في مقام التعليل لقوله: "وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين" إلى آخر الآية، واحتجاج على مضمونها وعود بعد عود إلى ما تقدم بيانه ~~من التوحيد والنبوة اللذين ينكرهما المشركون. # فقوله: "وله ما في السماوات والأرض" احتجاج على توحده تعالى في الربوبية ~~فإن ما في السماوات والأرض من شيء فهو مملوك له بحقيقة معنى الملك إذ ما في ~~العالم المشهود من شيء فهو بما له من الصفات والأفعال، قائم به تعالى موجود ~~بإيجاده وظاهر بإظهاره لا يسعه أن ينقطع منه ولا لحظة فالأشياء قائمة به ~~قيام الملك بمالكه مملوكة له ملكا حقيقيا لا يقبل تغييرا ولا انتقالا كما ~~هو خاصة الملك الحقيقي كملك الإنسان لسمعه وبصره مثلا. # وإذا كان كذلك كان هو تعالى المدبر لأمر العالم إذ لا معنى لكون العالم ~~مملوكا له بهذا الملك ثم يستقل غيره بتدبير أمره والتصرف فيه وينعزل هو ~~تعالى عما خلقه وملكه، وإذا كان هو المدبر لأمره كان هو الرب له إذ الرب هو ~~المالك المدبر، وإذا كان هو الرب كان هو الذي يجب أن يتقى ويخضع له ~~بالعبادة. # وقوله: "وله الدين واصبا" أي دائما لازما، وذلك أنه لما كان تعالى هو ~~الرب الذي يملك الأشياء ويدبر أمرها ومن واجب التدبير أن يستن العالم ~~الإنساني بسنة يبلغ به الجري عليها غايته ويهديه إلى سعادته - وهذه السنة ~~والطريقة هي التي يسميها القرآن دينا - كان من الواجب أن يكون تعالى هو ~~القائم على وضع هذه السنة وتشريع هذه الطريقة فهو تعالى المالك للدين كما ~~قال: "وله الدين واصبا" وعليه أن يشرع ما يصلح به التدبير كما قال فيما مر: ~~"وعلى الله قصد السبيل" الآية. # وقيل: المراد بالدين الطاعة، وقيل: الملك، وقيل: الجزاء، ولكل منها وجه ~~غير خفي ms4609 على المتأمل، والأوجه هو ما قدمناه لأنه أوفق وأنسب بسياق ما يحفها ~~من الآيات السابقة واللاحقة الباحثة عن توحيد الربوبية وتشريع الدين من ~~طريق الوحي والرسالة. # وقوله: "أفغير الله تتقون" استفهام إنكاري - متفرع على الجملتين جميعا - ~~على الظاهر، والمعنى: وإذا كان كذلك فهل غيره تعالى تتقون وتعبدون؟ وليس ~~يملك شيئا ولا يدبر أمرا حتى يعبد، وليس من حقه أن يشرع دينا فيطاع فيما ~~وضعه وشرعه. PageV12P140 # قوله تعالى: "وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون" ~~بيان آخر لوحدانيته تعالى في الربوبية يفرع سبحانه عليه ذمهم وتوبيخهم على ~~شركهم بالله وعلى تشريعهم أمورا من عند أنفسهم من غير إذن منه ورضى ويجري ~~الكلام في هذا المجرى إلى تمام بضع آيات. # والمراد بالضر سوء الحال من جهة فقدان النعمة التي تصلح بها الحال، ~~والجؤار بضم الجيم صوت الوحوش استعير لرفع الصوت بالدعاء والتضرع ~~والاستغاثة تشبيها له به. # وقوله: "وما بكم من نعمة فمن الله" الكلام مسوق للعموم وليس مجرد دعوى ~~غير مستدل فقد بين ذلك في الآيات السابقة. # على أن السامعين يسلمون ذلك ويقولون به ويدل عليه جؤارهم واستغاثتهم إليه ~~عند مسيس الضر بفقدان نعمة من النعم. # فالمعنى: أن جميع النعم التي عندكم من إنعامه تعالى عليكم وأنتم تعلمون ~~ذلك ثم إذا حل بكم شيء من الضر وسوء حال يسير رفعتم أصواتكم بالتضرع وجأرتم ~~إليه لا إلى غيره ولو كان لغيره صنيعة عندكم لتوجهتم إليه فهو سبحانه منعم ~~النعمة وكاشف الضر فما بالكم لا تخصونه بالعبادة ولا تطيعونه. # والاستغاثة به تعالى والتضرع إليه عند حلول المصائب وهجوم الشدائد التي ~~ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهرية ضرورية لا يرتاب فيها فإن الإنسان ~~ولو لم ينتحل إلى دين ولم يؤمن بالله سبحانه فإنه لا ينقطع رجاؤه عند ~~الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه، ولا رجاء إلا وهناك مرجو منه فمن ~~الضروري أن تحقق ما لا يخلو من معنى التعلق كالحب والبغض والإرادة والكراهة ~~والجذب ونظائرها في الخارج لا ms4610 يمكن إلا مع تحقق طرف تعلقها في الخارج فلو ~~لم يكن في الخارج مراد لم تتحقق إرادة من مريد، ولو لم يكن هناك مطلوب لم ~~يكن طلب ولو لم يكن جاذب يجذب لم يتصور مجذوب ينجذب، وهذا حال جميع المعاني ~~الموجودة التي لا تخلو كينونتها عن نسبة. # فتعلق الرجاء من الإنسان بالتخلص من البلية عند انقطاع الأسباب دليل على ~~أنه يرى أن هناك سببا فوق هذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث ~~وداهمات الرزايا ولا ينقطع عنه الإنسان، ولا يزول ولا يفنى ولا يسهو ولا ~~ينسى قط. # هذا شيء يجده الإنسان من نفسه وتقضي به فطرته وإن ألهاه عنه الاشتغال ~~بالأسباب الظاهرة وجذبته إلى نفسها أمتعة الحياة وزخارف المادة المحسوسة ~~لكنه إذا أحاطت به البلية وأعيته الحيلة وسدت عليه طرق النجاة وانهزمت ~~الأسباب الظاهرة عن آخرها وطارت الموانع عن نظره ولم يبق هناك مله يلهيه ~~ولا شاغل يشغله ظهر له ما أخفته الأسباب وعاين ما كان على غفلة منه فتعلقت ~~نفسه به، وهو السبب الذي فوق كل سبب وهو الله عز اسمه. # قوله تعالى: "ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون" شروع في ~~ذمهم وتوبيخهم وينتهي إلى إيعادهم وحق لهم ذلك لأن الذي يستدعيه كشف الضر ~~عن استغاثتهم ورجوعهم الفطري إلى ربهم أن يوحدوه بالربوبية بعد ما انكشفت ~~لهم الحقيقة باندفاع البلية ونزول الرحمة لكن فريقا منهم تفاجئهم الشقوة ~~فيعودون إلى التعلق بالأسباب فينتبه عندئذ الراقد من رذائل ملكاتهم فيثير ~~لهم الأهواء ويشركون بربهم غيره، ومنه الأسباب التي يتعلقون بها، ومعنى ~~الآية ظاهر. # قوله تعالى: "ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون" اللام للغاية أي ~~إنهم إنما يشركون بربهم ليكفروا بما أعطيناهم من النعمة بكشف الضر عنهم ولا ~~يشكروه. # وجعل الكفر بالنعمة غاية للشرك إنما هو بدعوى أنهم لا غاية لهم في مسير ~~حياتهم إلا الكفر بنعمة الله وعدم شكره على ما أولى فإن اشتغالهم بالحس ~~والمادة أورثهم في قلوبهم ملكة التعلق بالأسباب الظاهرة وإسناد النعم ~~الإلهية ms4611 إليها وضربهم إياها حجابا ثخينا على عرفان الفطرة فأنساهم ذلك ~~توحيد ربهم في ربوبيته فصاروا يذكرون عند كل نعمة أسبابها الظاهرة دون ~~الله، ويتعلقون بها ويخشون انقطاعها ويخضعون لها دون الله فكأنهم بل إنهم ~~لا غاية لهم إلا كفر نعمة الله وعدم شكرها. # فالكفر بالله سبحانه هو غايتهم العامة في كل شأن أبدوه وكل عمل أتوا به ~~فإذا أشركوا بربهم بعد كشف الضر بالخضوع لسائر الأسباب فإنما أشركوا ~~ليكفروا بما آتاهم من النعمة. PageV12P141 # ولما كان كفرانهم هذا - وهو كفر دائم يصرون عليه واستكبار على الله، وقد ~~قال تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 ~~أثار ذكر ذلك الغضب الإلهي فعدل عن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وهم على نعت الغيبة إلى خطابهم وإيعادهم من غير توسيط فقال: "فتمتعوا فسوف ~~تعلمون". # ولم يذكر ما يتمتعون به ليفيد بالإطلاق أن كل ما تمتعوا به سيؤاخذون عليه ~~ولا ينفعهم شيء منه، ولم يذكر ما يعلمونه - وهو لا محالة أمر يسوؤهم - ~~ليكونوا على جهل منه حتى يحل بهم مفاجأة ويبدو لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون وفيه تشديد للإيعاد. # وذكر بعضهم: أن اللام في قوله: "ليكفروا بما آتيناهم" لام الأمر والمراد ~~به الإيعاد على نحو التعجيز وهو تكلف. # قوله تعالى: "ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما ~~كنتم تفترون" ذكروا أنه معطوف على سائر جناياتهم التي دلت عليها الآيات ~~السابقة والتقدير أنهم يفعلون ما قصصناه من جناياتهم ويجعلون لما لا يعلمون ~~نصيبا والظاهر أن "ما" في "لما لا يعلمون" موصولة والمراد به آلهتهم وضمير ~~الجمع يعود إلى المشركين ومفعول "لا يعلمون" محذوف والمعنى ويجعل المشركون ~~لآلهتهم التي لا يعلمون من حالها أنها تضر وتنفع نصيبا مما رزقناهم. # والمراد من هذا الجعل ما ذكره سبحانه في سورة الأنعام بقوله: "وجعلوا لله ~~مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما ~~كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل ms4612 إلى شركائهم ساء ما ~~يحكمون": الأنعام: 136، هذا ما ذكروه ولا يخلو عن تكلف. # ويمكن أن يكون معطوفا على ما مر من قوله: "يشركون" والتقدير إذا فريق ~~منكم بربهم يشركون ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم، والمراد بما ~~لا يعلمون الأسباب الظاهرة التي ينسبون إليها الآثار على سبيل الاستقلال ~~وهم جاهلون بحقيقة حالها ولا علم لهم جازما أنها تضر وتنفع مع ما يرون من ~~تخلفها عن التأثير أحيانا. # وإنما نسب إليهم أنهم يجعلون لها نصيبا من رزقهم مع أنهم يسندون الرزق ~~إليها بالاستقلال من غير أن يذكروا الله معها ومقتضاه نفي التأثير عنه ~~تعالى رأسا لا إشراكه معها لأن لهم علما فطريا بأن الله سبحانه له تأثير في ~~الأمر وقد ذكر عنهم آنفا أنهم يجأرون إليه عند مس الضر وإذا اعتبر اعترافهم ~~هذا مع إسنادهم التأثير إلى الأسباب أنتج ذلك أن الأسباب عندهم شركاء لله ~~في الرزق ولها نصيب فيه ثم أوعدهم بقوله: "تالله لتسألن عما كنتم تفترون". # قوله تعالى: "ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون" عتاب آخر لهم في ~~حكم حكموا به جهلا من غير علم فاحترموا لأنفسهم وأساءوا الأدب مجترئين على ~~الله سبحانه حيث اختاروا لأنفسهم البنين وكرهوا البنات لكنهم نسبوها إلى ~~الله سبحانه. # فقوله: "ويجعلون لله البنات سبحانه" هو أخذهم الآلهة دون الله أو بعض ~~الآلهة إناثا، وقولهم: إنهن بنات الله، وقد قيل: إن خزاعة وكنانة كانوا ~~يقولون: إن الملائكة بنات الله. # وكانت الوثنية البرهمية والبوذية والصابئة يثبتون آلهة كثيرة من الملائكة ~~والجن إناثا وهن بنات الله، وفي القرآن الكريم: "وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا": الزخرف: 19، وقال تعالى: "وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا": الصافات: 158. # وقال الإمام في تفسيره في وجه ذلك: أظن أنهم سموها بنات لاستتارها عن ~~العيون كالنساء كما أنهم أخذوا الشمس مؤنثا لاستتار قرصها بنورها الباهر ~~وضوئها عن العيون كالمخدرات من النساء ولا يلزم الاطراد في التسمية حتى ~~يلزم مثل ذلك في الجن لاستتارهم عن العيون مع عدم التأنيث. # انتهى ملخصا. # وذكر ms4613 بعضهم: أن الوجه في التأنيث كونها مستترة عن العيون مع كونها في محل ~~لا يصل إليه الأغيار فهي كالبنات التي يغار عليهن الرجل فيسكنهن في محل ~~أمين ومكان مكين، والجن وإن كانوا مستترين عن العيون لكنه على غير هذه ~~الصورة انتهى. PageV12P142 # وهذان الوجهان لا يتعديان طور الاستحسان وأنت لو راجعت آراء الوثنية على ~~اختلافهم - وقد تقدم شطر منها في الجزء العاشر من هذا الكتاب - عرفت أن ~~العرب لم تكن مبتكرة في هذه العقيدة بل لها أصل قديم في آراء قدماء الوثنية ~~في الهند ومصر وبابل واليونان والروم. # والإمعان في أصول آرائهم يعطي أنهم كانوا يتخذون الملائكة الذين ينتهي ~~إليهم وجوه الخير في العالم والجن الذين يرجع إليهم الشرور آلهة يعبدونهم ~~رغبا ورهبا، وهذه المبادىء العالية والقوى الكلية التي هم يحملونها، ~~وبعبارة أخرى هم مظاهر لها تنقسم إلى فاعلة ومنفعلة وهم يعتبرون اجتماع ~~الفاعل والمنفعل منها نكاحا وازدواجا والفاعل منها أبا والمنفعل منها أما، ~~والمتحصل من اجتماعهما ولدا وينقسم الأولاد إلى بنين وبنات فمن الآلهة ما ~~هن أمهات وبنات ومنها ما هم آباء وبنون. # فلئن كان بعض وثنية العرب قالت: إن الملائكة جميعا بنات الله فقول أرادوا ~~أن يقلدوا فيه من قبلهم جهلا ومن غير تثبت. # وقوله: "ولهم ما يشتهون" ظاهر السياق أنه معطوف على "لله البنات" ~~والتقدير ويجعلون لهم ما يشتهون، أي يثبتون لله سبحانه البنات باعتقاد أن ~~الملائكة بناته ويثبتون لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون بقتل البنات ووأدها ~~والمحصل أنهم يرضون لله بما لا يرضون به لأنفسهم. # وقيل: إن "ما يشتهون" مبتدأ مؤخر و"لهم" خبر مقدم والجملة معطوفة على ~~"يجعلون" وعلى هذا فالجملة مسوقة للتقريع أو الاستهزاء. # وقد وجهوا ذلك بأن عطف الجملة على "لله البنات" غير جائز لمخالفته ~~القاعدة وهي أن الفعل المتعدي إلى المفعول بنفسه أو بحرف جر إذا كان فاعله ~~ضميرا متصلا مرفوعا فإنه لا يتعدى إلى نفس هذا الضمير بنفسه أو بحرف جر إلا ~~بفاصل مثلا إذا ضرب زيد نفسه لم يقل: زيد ضربه وأنت ms4614 ضربتك وإذا غضب على ~~نفسه لم يقل: زيد غضب عليه، وإنما يقال: زيد ضرب نفسه أو ما ضرب إلا إياه، ~~وزيد غضب على نفسه أو ما غضب إلا عليه إلا في باب ظن وما ألحق به من فقد ~~وعدم فيجوز أن يقال: زيد ظنه قويا أي نفسه. # وعلى هذا فلو كان قوله: "ولهم ما يشتهون" معطوفا على قوله: "لله البنات" ~~كان من الواجب أن يقال: "ولأنفسهم ما يشتهون" انتهى محصلا. # والحق أن التزام هذه القاعدة إنما هو لدفع اللبس وأن تخلل حرف الجر بين ~~الضميرين من الفصل، وفي القرآن الكريم: "وهزي إليك بجذع النخلة": مريم: 25 ~~"واضمم إليك جناحك": القصص: 32، ومنهم من رد القاعدة من رأس لانتقاضها ~~بالآيتين، وأجابوا أيضا بوجوه أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها من أرادها فليراجع ~~التفاسير. # قوله تعالى: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم" اسوداد ~~الوجه كناية عن الغضب، والكظيم هو الذي يتجرع الغيظ، والجملة حالية أي ~~ينسبون إلى ربهم البنات والحال أنهم إذا بشر أحدهم بالأنثى فقيل: ولدت لك ~~بنت اسود وجهه من الغيظ وهو يتجرع غيظه. # قوله تعالى: "يتوارى من القوم من سوء ما بشر به" إلى آخر الآية، التواري ~~الاستخفاء والتخفي وهو مأخوذ من الوراء، والهون الذلة والخزي، والدس ~~الإخفاء. # والمعنى: يستخفي هذا المبشر بالبنت من القوم من سوء ما بشر به على عقيدته ~~ويتفكر في أمره: أيمسك ما بشر به وهي البنت على ذلة من إمساكه وحفظه أم ~~يخفيه في التراب كما كان ذلك عادتهم في المواليد من البنات كما قيل: إن ~~أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا كان المولود أنثى جعلها في الحفيرة وحثا ~~عليها التراب حتى تموت تحته وكانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر عليهن فيطمع غير ~~الأكفاء فيهن. # وأول ما بدا لهم ذلك أن بني تميم غزوا كسرى فهزمهم وسبى نساءهم وذراريهم ~~فأدخلهن دار الملك واتخذ البنات جواري وسرايا ثم اصطلحوا بعد برهة واستردوا ~~السبايا فخيرن في الرجوع إلى أهلهن فامتنعت عدة من البنات فأغضب ذلك ms4615 رجال ~~بني تميم فعزموا لا تولد لهم أنثى إلا وأدوها ودفنوها حية ثم تبعهم في ذلك ~~بعض من دونهم فشاع بينهم وأد البنات. PageV12P143 # وقوله: "ألا ساء ما يحكمون" هو حكمهم أن له البنات ولهم البنون لا لهوان ~~البنات وكرامة البنين في نفس الأمر بل معنى هذا الحكم عندهم أن يكون لله ما ~~يكرهون ولهم ما يحبون، وقيل: المراد بالحكم حكمهم بوجوب وأد البنات وكون ~~إمساكهن هونا، وأول الوجهين أوفق وأنسب للآية التالية. # قوله تعالى: "للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو ~~العزيز الحكيم" المثل هو الصفة ومنه سمي المثل السائر مثلا لأنه صفة تسير ~~في الألسن وتجري في كل موضع تناسبه وتشابهه. # والسوء - بالفتح والسكون - مصدر ساء يسوء كما أن السوء بالضم اسمه وإضافة ~~المثل إلى السوء تفيد التنويع فإن الأشياء إنما توصف إما من جهة حسنها وإما ~~من جهة سوئها وقبحها فالمثل مثلان: مثل الحسن ومثل السوء. # والحسن والقبح ربما كانا من جهة الخلقة لا صنع للإنسان ولا مدخل لاختياره ~~فيهما كحسن الوجه ودمامة الخلقة، وربما لحقا من جهة الأعمال الاختيارية ~~كحسن العدل وقبح الظلم، وإنما يحمد ويذم العقل ما كان من القسم الثاني دون ~~القسم الأول فيدور الحمد والذم بحسب الحقيقة مدار العمل بما تستحسنه وتأمر ~~به الفطرة الإنسانية من الأعمال التي توصله إلى ما فيه سعادة حياته وترك ~~العمل بها وهو الذي يتضمنه الدين الحق من أحكام الفطرة. # ومن المعلوم أن الطبع الإنساني لا رادع له عن اقتراف العمل السيىء إلا ~~أليم المؤاخذة وشديد العقاب وإذعانه بإيقاعه وإنجازه، وأما الذم فإنه يتبدل ~~مدحا إذا شاع الفعل وخرج بذلك عن كونه منكرا غير معروف. # ومن هنا يظهر أن الإيمان بالآخرة والإذعان بالحساب والجزاء هو الأصل ~~الوحيد الذي يضمن حفظ الإنسان عن اقتراف الأعمال السيئة ويجيره من لحوق أي ~~ذم وخزي وهو المنشأ الذي يقوم أعمال الإنسان تقويما يحمله على ملازمة طريق ~~السعادة، ولا يؤثر أثره أي شيء آخر من المعارف الأصلية حتى التوحيد الذي ~~إليه ms4616 ينتهي كل أصل. # وإلى ذلك يشير قوله تعالى: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص: 26. # فعدم الإيمان بالآخرة واستخفاف أمر الحساب والجزاء هو مصدر كل عمل سيىء ~~ومورده، وبالمقابلة الإيمان بالآخرة هو منشأ كل حسنة ومنبع كل خير وبركة. # فكل مثل سوء وصفة قبح يلزم الإنسان ويلحقه فإنما يأتيه من قبل نسيان ~~الآخرة كما أن كل مثل حسن وصفة حمد بالعكس من ذلك. # وبما تقدم يظهر النكتة في قوله: "للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء" فقد ~~كان يصفهم في الآيات السابقة بالشرك فلما أراد بيان أن لهم مثل السوء بدل ~~ذلك من وصفهم بعدم إيمانهم بالآخرة. # فالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الأصل في عروض كل مثل سوء وصفة قبح فإن ~~ملاكه وهو إنكار الآخرة نعتهم اللازم لهم. # ولو لحق بعض المؤمنين بالآخرة شيء من مثل السوء فإنما يلحقه لنسيان ما ~~ليوم الحساب والمنكرون هم الأصل في ذلك. # هذا في صفات السوء التي يستقبحها العقل ويذمها وهناك صفات سوء لا ~~يستقبحها العقل وإنما يكرهها الطبع كالأنوثة عند قوم وإيلاد البنات عند ~~آخرين والفقر المالي والمرض وكالموت والفناء والعجز والجهل تشترك بين ~~المؤمن والكافر وصفات أخرى تحليلية كالفقر والحاجة والنقص والعدم والإمكان ~~لا تختص بالإنسان بل هي مشتركة بين جميع الممكنات سارية في عامة الخلق، ~~والكافر يتصف بها كما يتصف بها غيره فالكافر في معرض الاتصاف بكل مثل سوء ~~منها ما يختص به ومنها ما يشترك بينه وبين غيره كما بين تفصيلا. # والله سبحانه منزه من أن يتصف بشيء من هذه الصفات التي هي أمثال السوء ~~أما أمثال السوء التي تتحصل من ناحية سيئات الأعمال مما يستقبحه العقل ~~ويذمه ويجمعها الظلم فلأنه لا يظلم شيئا قال تعالى: "ولا يظلم ربك أحدا": ~~الكهف: 49، وقال: "وهو الحكيم العليم": الزخرف: 84، فما قضاه من حكم أو ~~فعله من شيء فهو المتعين في الحكمة لا يصلح بالنظر إلى النظام الجاري في ~~الوجود إلا ms4617 ذاك. PageV12P144 # وأما أمثال السوء مما يستكرهه الطبع أو يحلله العقل فلا سبيل لها إليه ~~تعالى فإنه عزيز مطلق يمتنع جانبه من أن تسرب إليه ذلة فإن له كل القدرة لا ~~يعرضه عجز، وله العلم كله فلا يطرأ عليه جهل، وله محض الحياة لا يهدده موت ~~ولا فناء منزه عن كل نقص وعدم فلا يتصف بصفات الأجسام مما فيه نقص أو فقد ~~أو قصور أو فتور، والآيات في هذه المعاني كثيرة ظاهرة لا حاجة إلى إيرادها. # فهو سبحانه ذو علو ونزاهة من أن يتصف بشيء من أمثال السوء التي يتصف بها ~~غيره، ولا هذا المقدار من التنزه والتقدس فحسب بل منزه من أن يتصف بشيء من ~~الأمثال الحسنة والصفات الجميلة الكريمة بمعانيها التي يتصف بها غيره ~~كالحياة والعلم والقدرة والعزة والعظمة والكبرياء وغيرها، فإن الذي يوجد من ~~هذه الصفات الحسنة الكمالية في الممكنات محدودة متناه مشوب بالفقر والحاجة ~~مخلوط بالفقدان والنقيصة لكن الذي له سبحانه من الصفات محض الكمال وحقيقته ~~غير محدودة ولا متناه ولا مشوب بنقص وعدم، فله حياة لا يهددها موت، وقدرة ~~لا يعتريها عي وعجز، وعلم لا يقارنه جهل، وعزة ليس معها ذلة. # فله المثل الأعلى والصفة الحسنى، قال تعالى: "وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض: الروم: 27، وقال: "له الأسماء الحسنى": طه: 8، فالأمثال ~~منها دانية ومنها عالية والعالية منها أعلى ومنها غيره، والأعلى مثله تعالى ~~والأسماء سيئة وحسنة والحسنة منها أحسن وغيره ولله منها ما هو أحسن فافهم ذلك. # فقد تبين بما تقدم معنى كون مثله أعلى، وأن قوله: "ولله المثل الأعلى" ~~مسوق للحصر أي لله المثل الذي هو أعلى دون المثل الذي هو سيىء دان ودون ~~المثل الذي هو حسن عال من صفات الكمال الذي تتصف به الممكنات وليس بأعلى. # وتبين أيضا أن المثل الأعلى الذي يظهر له تعالى من البيان السابق هو ~~انتفاء جميع الصفات السيئة عنه كما قال: "ليس كمثله شيء": الشورى: 11، ومن ~~الصفات الثبوتية كل صفة حسنة منفيا عنه الحدود والنواقص. # وقوله: "وهو العزيز ms4618 الحكيم" مسوق لإفادة الحصر وتعليل ما تقدمه أي وهو ~~الذي له كل العزة فلا تعتريه ذلة أصلا لأن كل ذلة فهو فقد عزة ما وليس يفقد ~~عزة ما، وله كل الحكمة فلا يعرضه جهالة لأنها فقد حكمة ما وليس يفقد شيئا ~~من الحكمة. # وإذ لا سبيل لذلة ولا جهالة إليه فلا يتصف بشيء من صفات النقص، ولا ينعت ~~بشيء من نعوت الذم وأمثال السوء، لكن الكافر ذليل في ذاته جهول في نفسه ~~فتلحقه وتلازمه صفات النقص ويتصف بصفات الذم وأمثال السوء فللذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء. # والمؤمن وإن كان ذليلا في ذاته جهولا في نفسه كالكافر إلا أنه لدخوله في ~~ولاية الله أعزه ربه بعزته وأظهره على الجهالة بتأييده بروح منه قال تعالى: ~~"والله ولي المؤمنين": آل عمران: 68، وقال: "ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين": المنافقون: 8، وقال: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه": المجادلة: 22. # قوله تعالى: "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة" إلى آخر الآية. # ضمير "عليها" عائد إلى الأرض لدلالة "الناس" عليها. # ولا يبعد أن يدعى أن السياق يدل على كون المراد بالدابة الإنسان فقط من ~~جهة كونه يدب ويتحرك، والمعنى ولو أخذ الله الناس بظلمهم مستمرا على ~~المؤاخذة ما ترك على الأرض من إنسان يدب ويتحرك، أما جل الناس فإنهم يهلكون ~~بظلمهم وأما الأشذ الأندر وهم الأنبياء والأئمة المعصومون من الظلم فهم لا ~~يوجدون لهلاك آبائهم وأمهاتهم من قبل. # والقوم أخذوا الدابة في الآية بإطلاق معناها وهو كل ما يدب على الأرض من ~~إنسان وحيوان فعاد معنى الآية إلى أنه لو يؤاخذهم بظلمهم لأهلك البشر وكل ~~حيوان على الأرض فتوجه إليه: أن هذا هو الإنسان يهلك بظلمه فما بال سائر ~~الحيوان يهلك ولا ظلم له أو يهلك بظلم من الإنسان؟. PageV12P145 # وأوجه ما أجيب به عنه قول بعضهم بإصلاح منا: إن الله تعالى لو أخذهم بظلمهم ~~بكفر أو معصية لهلك عامة الناس بظلمهم إلا المعصومين منهم وأما المعصومون ~~على شذوذهم وقلة عددهم فإنهم لا ms4619 يوجدون لهلاك آبائهم وأمهاتهم من قبل، وإذا ~~هلك الناس وبطل النسل هلكت الدواب من سائر الحيوان لأنها مخلوقة لمنافع ~~العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى: "خلق لكم ما في الأرض جميعا": ~~البقرة: 29. # ولهم وجوه أخر في الذب عن الآية على تقدير عموم الدابة فيها لا جدوى في ~~نقلها من أرادها فليراجع مطولات التفاسير. # واحتج بعضهم بالآية على عدم عصمة الأنبياء (عليهم السلام)، وفيه أن الآية ~~لا تدل على أزيد من أنه تعالى لو أخذ بالظلم لهلك جميع الناس وانقرض النوع، ~~وأما أن كل من يهلك فإنما هلك عن ظلمه فلا دلالة لها عليه فمن الجائز أن ~~يهلك الأكثرون بظلمهم ويفنى الأقلون بفناء آبائهم وأمهاتهم كما تقدم فلا ~~دلالة في الآية على استغراق الظلم الأفراد حتى الأنبياء والمعصومين وإنما ~~تدل على استغراق الفناء. # وربما قيل في الجواب إن المراد بالناس الظالمون منهم بقرينة قوله: ~~"بظلمهم" فلا يشمل المعصومين من رأس. # وربما أجيب: أن المراد بالظلم أعم من المعصية التي هي مخالفة الأمر ~~المولوي وترك الأولى الذي هو مخالفة الأمر الإرشادي وربما صدر عن الأنبياء ~~(عليهم السلام) كما حكى عن آدم وزوجه: "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا": الأعراف: ~~23، وغيره من الأنبياء فحسنات الأبرار سيئات المقربين وحينئذ فلا يدل عموم ~~الظلم في الآية للأنبياء على عدم عصمة الأنبياء عن المعصية بمعنى مخالفة ~~الأمر المولوي. # وربما أجيب بأن إهلاك جميع الناس إنما هو بأن الله يمسك عن إنزال المطر ~~على الأرض لظلم الظالمين من الناس فيهلك به الظالمون والأولياء والدواب فإن ~~العذاب إذا نزل لم يفرق بين الشقي والسعيد فيكون على العدو نقمة ونكالا ~~وعلى غيره محنة ومزيد أجر. # والأجوبة الثلاثة غير تامة جميعا: أما الأول: فإن اختصاص الناس بالظالمين ~~يوجب اختصاص الهلاك بهم كما ادعي فلا يعم الهلاك المعصومين، ولا موجب حينئذ ~~لهلاك سائر الدواب المخلوقة للإنسان فلا يستقيم قوله: "ما ترك عليها من ~~دابة" كما لا يخفى. # وأما الثاني: فلأن الآيات بما لها من السياق تبحث عن الظلم بمعنى الشرك ~~وسائر المعاصي ms4620 المولوية فتعميم الظلم في الآية لترك الأولى وخاصة بالنظر ~~إلى ذيل الآية "ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" الظاهر في الإيعاد لا يلائم ~~السياق. # وأما الثالث: فلعدم دليل من جهة اللفظ على ما ذكر فيه. # وقوله: "ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون" استدراك عن مقدر يدل عليه الجملة الشرطية في صدر الآية والتقدير: ~~فلا يعاجل في مؤاخذتهم ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى والأجل المسمى بالنسبة إلى ~~الفرد من الإنسان موته المحتوم، وبالنسبة إلى الأمة يوم انقراضها وبالنسبة ~~إلى عامة البشر نفخ الصور وقيام الساعة، ولكل منها ذكر في كلامه تعالى قال: ~~"ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى": المؤمن: 67، وقال: "ولكل أمة ~~أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": الأعراف: 34، وقال: ~~"ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم": الشورى: 14. # قوله تعالى: "ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى" ~~إلى آخر الآية، عود إلى نسبة المشركين إليه تعالى البنات واختيارهم لأنفسهم ~~البنين وهم يكرهون البنات ويحبون البنين ويستحسنونهم. # فقوله: "ويجعلون لله ما يكرهون" يعني البنات وقوله: "وتصف ألسنتهم الكذب" ~~أي تخبر ألسنتهم الخبر الكاذب وهو "أن لهم الحسنى" أي العاقبة الحسنى من ~~الحياة وهي أن يخلفهم البنون، وقيل المراد بالحسنى الجنة على تقدير صحة ~~البعث وصدق الأنبياء فيما يخبرون به كما حكاه عنهم في قوله: "ولئن أذقناه ~~رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50، وهذا الوجه لا بأس به لو لا ~~ذيل الآية بما سيجيء من معناه. PageV12P146 # وقوله: "لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون" أي المقدمون إلى عذاب النار ~~يقال فرط وأفرط أي تقدم والإفراط الإسراف في التقدم كما أن التفريط التقصير ~~فيه، والفرط بفتحتين هو الذي يسبق السيارة لتهيئة المسكن والماء، ويقال: ~~أفرطه أي قدمه. # ولما كان قولهم كذبا وافتراء إن لله ما يكرهون ولهم الحسنى في ms4621 معنى دعوى ~~أنهم سبقوا ربهم إلى الحسنى وتركوا له ما يكرهون أوعدهم بحقيقة هذا الزعم ~~جزاء لكذبهم وهو أن لهم النار وأنهم مقدمون إليها حقا وذلك قوله: "لا جرم ~~أن لهم النار" إلخ. # قوله تعالى: "تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم" ظاهر السياق أن المراد باليوم يوم نزول ~~الآية والمراد بكون الشيطان وليا لهم يومئذ اتفاقهم على الضلال في زمان ~~الوحي والمراد بالعذاب الموعود عذاب يوم القيامة كما هو ظاهر غالب الآيات ~~التي توعد بالعذاب. # والمعنى: تالله لقد أرسلنا رسلنا إلى أمم من قبلك كاليهود والنصارى ~~والمجوس ممن لم ينقرضوا كعاد وثمود فزين لهم الشيطان أعمالهم فاتبعوه ~~وأعرضوا عن رسلنا فهو وليهم اليوم وهم متفقون على الضلال ولهم يوم القيامة ~~عذاب أليم. # وجوز الزمخشري على هذا الوجه أن يكون ضمير "وليهم" لقريش والمعنى أن ~~الشيطان زين للأمم الماضين أعمالهم وهو اليوم ولي قريش ويبعده لزوم اختلاف ~~الضمائر. # ويمكن أن يكون المراد بالأمم الأمم الماضين والهالكين فولاية الشيطان لهم ~~اليوم كونهم من أولياء الشيطان في البرزخ ولهم هناك عذاب أليم. # وقيل: المراد باليوم مدة الدنيا فهي يوم الولاية والعذاب يوم القيامة. # وقيل: المراد به يوم القيامة فهناك ولاية الشيطان لهم ولهم هناك عذاب أليم. # وقيل: المراد يوم تزيين الشيطان أعمالهم وهو من قبيل حكاية الحال ~~الماضية. # وأقرب الوجوه أولها ثم التالي فالتالي والله أعلم. # قوله تعالى: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه" ~~إلخ ضمير لهم للمشركين والمراد بالذي اختلفوا فيه هو الحق من اعتقاد وعمل ~~فيكون المراد بالتبين الإيضاح والكشف لإتمام الحجة، والدليل على هذا الذي ~~ذكرنا تفريق أمر المؤمنين منهم وإفرادهم بالذكر في قوله: "وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون". # والمعنى: هذا حال الناس في الاختلاف في المعارف الحقة والأحكام الإلهية ~~وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتكشف لهؤلاء المختلفين الحق الذي اختلف فيه ~~فيتم لهم الحجة، وليكون هدى ورحمة لقوم يؤمنون يهديهم الله به إلى الحق ~~ويرحمهم ms4622 بالإيمان به والعمل. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" قال: الذكر محمد ونحن أهله ~~المسئولون الحديث. # أقول: يشير (عليه السلام) إلى قوله تعالى: "قد أنزل الله عليكم ذكرا ~~رسولا": الطلاق: 11 وفي معناه روايات كثيرة. # وفي تفسير البرهان، عن البرقي بإسناده عن عبد الكريم بن أبي الديلم عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام): قال جل ذكره: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون" قال: الكتاب الذكر وأهله آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر ~~الله عز وجل بسؤالهم ولم يأمر بسؤال الجهال وسمى الله عز وجل القرآن ذكرا ~~فقال تبارك وتعالى "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون" وقال تعالى: "وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون". # أقول: وهذا احتجاج على كونهم أهل الذكر بأن الذكر هو القرآن وأنهم أهله ~~لكونهم قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والآيتان في آخر الكلام ~~للاستشهاد على ذلك كما صرح بذلك في غيره من الروايات، وفي معنى الحديث ~~أحاديث أخر. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت ~~له إن من عندنا يزعمون أن قول الله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون" أنهم اليهود والنصارى فقال: إذا يدعونكم إلى دينهم قال ثم قال: ~~بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر ونحن المسئولون. قال: قال أبو جعفر (عليه ~~السلام): الذكر القرآن. # أقول: وروي نظير هذا البيان عن الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون. PageV12P147 # وقد مر أن الخطاب في الآية على ما يفيده السياق للمشركين من الوثنيين ~~المحيلين للرسالة أمروا أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتب السماوية: هل ~~بعث الله للرسالة رجالا من البشر يوحي إليهم؟ ومن المعلوم أن المشركين لما ~~كانوا لا يقبلون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن معنى لإرجاعهم ~~إلى غيره من أهل القرآن لأنهم لم يكونوا يقرون ms4623 للقرآن أنه ذكر من الله ~~فتعين أن يكون المسئول عنه بالنظر إلى مورد الآية هم أهل الكتاب وخاصة ~~اليهود. # وأما إذا أخذ قوله: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" في نفسه مع ~~قطع النظر عن المورد ومن شأن القرآن ذلك - ومن المعلوم أن المورد لا يخصص ~~بنفسه - كان القول عاما من حيث السائل والمسئول والمسئول عنه ظاهرا فالسائل ~~كل من يمكن أن يجهل شيئا من المعارف حقيقية والمسائل من المكلفين، والمسئول ~~عنه جميع المعارف والمسائل التي يمكن أن يجهله جاهل، وأما المسئول فإنه وإن ~~كان بحسب المفهوم عاما فهو بحسب المصداق خاص وهم أهل بيت النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وذلك أن المراد بالذكر إن كان هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في ~~آية الطلاق فهم أهل الذكر، وإن كان هو القرآن كما في آية الزخرف فهو ذكر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقومه - وهم قومه أو المتيقن من قومه - ~~فهم أهله وخاصته وهم المسئولون وقد قارنهم (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالقرآن وأمر الناس بالتمسك بهما في حديث الثقلين المتواتر قائلا: إنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض الحديث. # ومن الدليل على أن كلامهم (عليهم السلام) من الجهة التي ذكرناها عدم ~~تعرضهم لشيء من خصوصيات مورد الآية. # ومما قدمناه يظهر فساد ما أورده بعضهم على الأحاديث أن المشركين الذين ~~أمروا بالسؤال ما كانوا يقبلون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف ~~يقبلون من أهل بيته؟. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر قال قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل أن ~~يسكت على جهله وقد قال الله "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" فينبغي ~~للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه. وفي تفسير القمي،: في قوله ~~تعالى: "أفأمن الذين مكروا السيئات إلى قوله بمعجزين" قال: قال (عليه ~~السلام): إذا جاءوا وذهبوا في التجارات فيأخذهم في تلك الحالة "أو ms4624 يأخذهم ~~على تخوف" قال: قال: على تيقظ. وفي تفسير العياشي، عن سماعة عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: سألت عن قول الله: "وله الدين واصبا" قال: واجبا. ~~وفي المعاني، بإسناده عن حنان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال ~~(عليه السلام): "ولله المثل الأعلى" الذي لا يشبهه شيء ولا يوصف ولا يتوهم ~~وفي الدر المنثور،: في قوله: "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم" الآية أخرج ابن ~~مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو أن ~~الله يؤاخذني وعيسى بن مريم بذنوبنا وفي لفظ: بما جنت هاتان الإبهام والتي ~~تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئا. # أقول: والحديث مخالف لما يثبته الكتاب والسنة من عصمة الأنبياء (عليهم ~~السلام) ولا وجه لحمله على إرادة ترك الأولى من الذنوب إذ لا عذاب عليه. PageV12P148 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 65 - 77 # والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن فى ذلك لاية لقوم ~~يسمعون (65) وإن لكم فى الأنعم لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشربين (66) ومن ثمرت النخيل والأعنب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا إن فى ذلك لاية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى ~~من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلى من كل الثمرت فاسلكى ~~سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألونه فيه شفاء للناس إن فى ذلك ~~لاية لقوم يتفكرون (69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر لكى لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) والله فضل بعضكم ~~على بعض فى الرزق فما الذين فضلوا برادى رزقهم على ما ملكت أيمنهم فهم فيه ~~سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من أنفسكم أزوجا وجعل لكم من ~~أزوجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبت أفبالبطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ~~(72) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموت والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن ms4625 الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ~~ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقنه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله ~~مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شىء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا ~~يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) ولله غيب ~~السموت والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل ~~شىء قدير (77) ### |||| AUTO بيان # رجوع بعد رجوع إلى عد النعم والآلاء الإلهية واستنتاج التوحيد والبعث ~~منها والإشارة إلى مسألة التشريع وهي النبوة. # قوله تعالى: "والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها" إلخ، ~~يريد إنبات الأرض بعد ما انقطعت عنه بحلول الشتاء بماء السماء الذي هو ~~المطر فتأخذ أصول النباتات وبذورها في النمو بعد سكونها، وهي حياة من سنخ ~~الحياة الحيوانية وإن كانت أضعف منها، وقد اتضح بالأبحاث الحديثة أن للنبات ~~من جراثيم الحياة ما للحيوان وإن اختلفتا صورة وأثرا. # وقوله: "إن في ذلك لآية لقوم يسمعون" المراد بالسمع قبول ما من شأنه أن ~~يقبل من القول فإن العاقل الطالب للحق إذا سمع ما يتوقع فيه الحق أصغى ~~واستمع إليه ليعيه ويحفظه، قال تعالى: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر: 18. # فإذا ذكر من فيه قريحة قبول الحق حديث إنزال الله المطر وإحيائه الأرض ~~بعد موتها كان له في ذلك آية للبعث وأن الذي أحياها لمحيي الموتى. # قوله تعالى: "وإن لكم في الأنعام لعبرة" إلخ" الفرث هو الثفل الذي ينزل ~~إلى الكرش والأمعاء فإذا دفع فهو سرجين وليس فرثا، والسائغ اسم فاعل من ~~السوغ يقال: ساغ الطعام والشراب إذا جرى في الحلق بسهولة. # وقوله: "وإن لكم في الأنعام لعبرة" أي لكم في الإبل والبقر والغنم لأمرا ~~أمكنكم أن تعتبروا به وتتعظوا ثم بين ذلك الأمر بقوله: "نسقيكم مما في ~~بطونه" إلخ، أي بطون ms4626 ما ذكر من الأنعام أخذ الكثير شيئا واحدا. PageV12P149 # وقوله: "من بين فرث ودم" الفرث في الكرش وألبان الأنعام مكانها مؤخر البطن ~~بين الرجلين، والدم مجراه الشرايين والأوردة وهي محيطة بهما جميعا فأخذ ~~اللبن شيئا هو بين الفرث والدم كأنه باعتبار مجاورته لكل منهما واجتماع ~~الجميع في داخل الحيوان وهذا كما يقال، اخترت زيدا من بين القوم ودعوته ~~وأخرجته من بينهم إذا اجتمع معهم في مكان واحد وجاورهم فيه وإن كان جالسا ~~في حاشية القوم لا وسطهم، والمراد بذلك أني ميزته من بينهم وقد كان غير متميز. # والمعنى: نسقيكم مما في بطونه لبنا خارجا من بين فرث ودم خالصا غير مختلط ~~ولا مشوب بهما ولا مستصحب لشيء من طعمهما ورائحتهما سائغا للشاربين فذلك ~~عبرة لمن اعتبر وذريعة إلى العلم بكمال القدرة ونفوذ الإرادة، وأن الذي خلص ~~اللبن من بين فرث ودم لقادر على أن يبعث الإنسان ويحييه بعد ما صار عظاما ~~رميما وضلت في الأرض أجزاؤه. # قوله تعالى: "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" إلى ~~آخر الآية، قال في المفردات: السكر - بضم السين - حالة تعرض بين المرء ~~وعقله - إلى أن قال - والسكر - بفتحتين - ما يكون منه السكر، قال تعالى: ~~"تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" انتهى. # وقال في المجمع السكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر من الشراب، ~~والثاني ما طعم من الطعام، قال الشاعر: "جعلت عيب الأكرمين سكرا" أي جعلت ~~ذمهم طعما لك، والثالث السكون ومنه ليلة ساكرة أي ساكنة، قال الشاعر: ~~"وليست بطلق ولا ساكرة" ويقال: سكرت الريح سكنت، قال: "وجعلت عين الحرور ~~تسكر"، والرابع المصدر من قولك: سكر سكرا ومنه التسكير التحيير في قوله: ~~"سكرت أبصارنا" انتهى. # والظاهر أن الأصل في معناه هو زوال العقل باستعمال ما يوجب ذلك، وسائر ما ~~ذكره من المعاني مأخوذة منه بنوع من الاستعارة والتوسع. # وقوله: "ومن ثمرات النخيل والأعناب" إما جملة اسمية معطوفة على قوله: ~~"والله أنزل من السماء ماء" كقوله في الآية السابقة: "وإن لكم في الأنعام ms4627 ~~لعبرة"، والتقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما - أو شيء - تتخذون منه ~~إلخ، قالوا: والعرب ربما يضمر ما الموصولة كثيرا، ومنه قوله تعالى: "وإذا ~~رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا": الدهر: 20، والتقدير رأيت ما ثم، أو ~~التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه، بناء على عدم جواز حذف ~~الموصول وإبقاء الصلة على ما ذهب إليه البصريون من النحاة. # وإما جملة فعلية معطوفة على قوله: "أنزل من السماء"، كما في الآية ~~التالية: "وأوحى ربك" والتقدير خلق لكم أو آتاكم من ثمرات النخيل والأعناب، ~~وقوله: "تتخذون منه" إلخ، بدل منه أو استئناف كأن قائلا يقول: ما ذا نستفيد ~~منه فقيل: تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، وإفراد ضمير "منه" بتأويل المذكور ~~كقوله: "مما في بطونه" في الآية السابقة. # وقوله: "تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" أي تتخذون مما ذكر من ثمرات النخيل ~~والأعناب ما هو مسكر كالخمر بأنواعها ورزقا حسنا كالتمر والزبيب والدبس ~~وغير ذلك مما يقتات به. # ولا دلالة في الآية على إباحة استعمال السكر ولا على تحسين استعماله إن ~~لم تدل على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن وإنما الآية تعد ما ~~ينتفعون به من ثمرات النخيل والأعناب وهي مكية تخاطب المشركين وتدعوهم إلى ~~التوحيد. # وعلى هذا فالآية لا تتضمن حكما تكليفيا حتى تكون منسوخة أو غير منسوخة ~~وبه يظهر فساد القول بكونها منسوخة بآية المائدة كما نسب إلى قتادة. # وقد أغرب صاحب روح المعاني إذ قال: وتفسير السكر بالخمر هو المروي عن ابن ~~مسعود وابن عمر، وأبي رزين والحسن ومجاهد والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى ~~وأبي ثور والكلبي وابن جبير مع خلق آخرين، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ~~ذاك كانت حلالا يشربها البر والفاجر، وتحريمها إنما كان بالمدينة اتفاقا، ~~واختلفوا في أنه قبل أحد أو بعدها والآية المحرمة لها: "يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"، ~~على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها وروى ذلك غير واحد ممن تقدم ms4628 كالنخعي ~~وأبي ثور وابن جبير. PageV12P150 # وقيل: نزلت قبل ولا نسخ بناء على ما روي عن ابن عباس أن السكر هو الخل بلغة ~~الحبشة أو على ما نقل عن أبي عبيدة أن السكر المطعوم المتفكه به كالنقل ~~وأنشد: "جعلت أعراض الكرام سكرا" - إلى أن قال - وإلى عدم النسخ ذهب ~~الحنفيون وقالوا: المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة واستدلوا عليه بأن ~~الله تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل ~~فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ فإذا انتهى إلى ~~السكر لم يجز انتهى موضع الحاجة. # أما ما ذكره في الخمر فقد فصلنا القول في ذلك في ذيل آيات التحريم من ~~سورة المائدة، وأقمنا الشواهد هناك على أن الخمر كانت محرمة قبل الهجرة ~~وكان الإسلام معروفا بتحريمها وتحريم الزنا عند المشركين عامتهم، وأن ~~تحريمها نزل في سورة الأعراف وقد نزلت قبل سورة النحل قطعا، وفي سورتي ~~البقرة والنساء وقد نزلتا قبل سورة المائدة. # وأن التي نزلت في المائدة إنما نزلت لتشديد الحرمة وزجر بعض المسلمين حيث ~~كانوا يتخلفون عن حكم التحريم كما وقع في الروايات وهو الذي يشير إليه ~~بقوله: يشربها البر والفاجر وفي لفظ الآيات دلالة على ذلك إذ يقول: "فهل ~~أنتم منتهون". # وأما ما نقله عن ابن عباس أن السكر في لغة الحبشة بمعنى الخل فلا معول ~~عليه، واستعمال اللفظ غير العربي وإن كان غير عزيز في القرآن كما قيل في ~~إستبرق وجهنم وزقوم وغيرها لكنه إنما يجوز فيما لم يكن هناك مانع من لبس أو ~~إبهام، وأما في مثل السكر وهو في اللغة العربية الخمر وفي الحبشية الخل فلا ~~وكيف يجوز أن ينسب إلى أبلغ الكلام أنه ترك الخل وهو عربي جيد واستعمل ~~مكانه لفظة حبشية تفيد في العربية ضد معناها؟ وأما ما نسبه إلى أبي عبيدة ~~فقد تقدم ما عليه في أول الكلام فراجع. # وأما ما نسبه إلى الحنفية من أن المراد بالسكر النبيذ وأن الآية تدل ms4629 على ~~جواز شرب القليل منه ما لم يصل إلى حد الإسكار لمكان الامتنان ففيه أن ~~الآية لا تدل على أكثر من أنهم يتخذون منه سكرا، وأما الامتنان عليهم بذلك ~~فبمعزل من دلالة الآية وإنما عد من النعم ثمرات النخيل والأعناب لا كل ما ~~عملوا منها من حلال وحرام ولو كان في ذلك امتنان لم يقابله بالرزق الحسن ~~الدال بمقابلته على نوع من العتاب على اتخاذهم منه سكرا كما اعترف به ~~البيضاوي وغيره. # على أن ما في الآية من لفظ السكر غير مقيد بكونه نبيذا أو خمرا ولا قليلا ~~لا يبلغ حد الإسكار ولا غيره فلو كان اتخاذ السكر متعلقا للامتنان الدال ~~على الجواز لكانت الآية صريحة في حلية الجميع ثم لم يقبل النسخ أصلا فإن ~~لسان الامتنان لا يقبل أمدا يرتفع بعده، كيف يجوز أن يعد الله شيئا من نعمه ~~ويمتن على الناس به ثم يعده بعد برهة رجسا ومن عمل الشيطان كما في آية ~~المائدة إلا بالبداء بمعناه المستحيل عليه تعالى. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله: "إن في ذلك لآية لقوم يعقلون" حثا على التعقل ~~والإمعان في أمر النبات وثمراته. # قوله تعالى: "وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا" إلى آخر ~~الآيتين، الوحي - كما قال الراغب - الإشارة السريعة وذلك يكون بالكلام على ~~سبيل الرمز أو بصوت مجرد عن التركيب أو بإشارة ونحوها، والمحصل من موارد ~~استعماله أنه إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قصد إفهامه فالإلهام ~~بإلقاء المعنى في فهم الحيوان من طريق الغريزة من الوحي وكذا ورود المعنى ~~في النفس من طريق الرؤيا أو من طريق الوسوسة أو بالإشارة كل ذلك من الوحي، ~~وقد استعمل في كلامه تعالى في كل من هذه المعاني كقوله: "وأوحى ربك إلى ~~النحل" الآية، وقوله: "وأوحينا إلى أم موسى": القصص: 7، وقوله: "إن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم": الأنعام: 121، وقوله: "فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا": مريم: 11، ومن الوحي التكليم الإلهي لأنبيائه ورسله، ~~قال تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ms4630 وحيا": الشورى: 51، وقد قرر ~~الأدب الديني في الإسلام أن لا يطلق الوحي على غير ما عند الأنبياء والرسل ~~من التكليم الإلهي. # قال في المجمع: والذلل جمع الذلول، يقال: دابة ذلول بين الذل ورجل ذلول ~~بين الذل والذلة. # انتهى. PageV12P151 # وقوله: "وأوحى ربك إلى النحل" أي ألهمه من طريق غريزته التي أودعها في ~~بنيته، وأمر النحل وهو زنبور العسل في حياته الاجتماعية وسيرته وصنعته ~~لعجيب، ولعل بداعة أمره هو الموجب لصرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إذ قال: "وأوحى ربك". # وقوله: "أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون" هذا من مضمون ~~الوحي الذي أوحي إليه، والظاهر أن المراد بما يعرشون هو ما يبنون لبيوت العسل. # وقوله: "ثم كلي من كل الثمرات" الأمر بأن تأكل من كل الثمرات مع أنها ~~تنزل غالبا على الأزهار إنما هو لأنها إنما تأكل من مواد الثمرات أول ما ~~تتكون في بطون الأزهار ولما تكبر وتنضج. # وقوله: "فاسلكي سبل ربك ذللا" تفريعه على الأمر بالأكل يؤيد أن المراد به ~~رجوعها إلى بيوتها لتودع فيها ما هيأته من العسل المأخوذ من الثمرات وإضافة ~~السبل إلى الرب للدلالة على أن الجميع بإلهام إلهي. # وقوله: "يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه" إلخ، استئناف بعد ذكر جملة ما ~~أمرت به يبين فيه ما يترتب على مجاهدتها في امتثال أمر الله سبحانه ذللا ~~وهو أنه يخرج من بطونها أي بطون النحل "شراب" وهو العسل "مختلف ألوانه" ~~بالبياض والصفرة والحمرة الناصعة وما يميل إلى السواد "فيه شفاء للناس" من ~~غالب الأمراض. # وتفصيل القول في حياة النحلة هذه الحشرة الفطنة التي بنت حياتها على ~~مدنية عجيبة فاضلة لا تكاد تحصى غرائبها ولا يحاط بدقائقها ثم الذي تهيئه ~~ببالغ مجاهدتها وما يشتمل عليه من الخواص خارج عن وسع هذا الكتاب فليراجع ~~في ذلك مظان تحقيقه. # ثم ختم الآية بقوله: "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" وقد اختلف التعبير ~~بذلك في هذه الآيات فخص الآية في إحياء الأرض بعد موتها بقوم ms4631 يسمعون، وفي ~~ثمرات النخيل والأعناب بقوم يعقلون، وفي أمر النحل بقوم يتفكرون. # ولعل الوجه في ذلك أن النظر في أمر الموت والحياة بحسب طبعه من العبرة ~~والموعظة، وهي بالسمع أنسب، والنظر في الثمرات من حيث ما ينفع الإنسان في ~~وجوده من السير البرهاني من مسلك اتصال التدبير وارتباط الأنظمة الجزئية ~~ورجوعها إلى نظام عام واحد لا يقوم إلا بمدبر واحد وهو للعقل أنسب، وأمر ~~النحل في حياتها يتضمن دقائق عجيبة لا تنكشف للإنسان إلا بالإمعان في ~~التفكر فهو آية للمتفكرين. # وقد أشرنا سابقا إلى ما في آيات السورة من مختلف الالتفاتات، وعمدتها في ~~هذه الآيات ترجع إلى خطاب المشركين رحمة لهم وإشفاقا بحالهم وهم لا يعلمون، ~~والإعراض عن مخاطبتهم لكفرهم وجحودهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهذا ظاهر مشهود في آيات السورة فلا يزال الخطاب فيها يتقلب بين ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المشركين فيتحول منه إليهم ومنهم إليه. # قوله تعالى: "والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا" إلخ، الأرذل اسم تفضيل من الرذالة وهي الرداءة والرذل ~~الدون والرديء، والمراد بأرذل العمر بقرينة قوله: "لكي لا يعلم" إلخ، سن ~~الشيخوخة والهرم التي فيها انحطاط قوى الشعور والإدراك، وهي تختلف باختلاف ~~الأمزجة وتبتدىء على الأغلب من الخمس والسبعين. # والمعنى: والله خلقكم معشر الناس ثم يتوفاكم في عمر متوسط ومنكم من يرد ~~إلى سن الهرم فينتهي إلى أن لا يعلم بعد علم شيئا لضعف القوى، وهذا آية أن ~~حياتكم وموتكم وكذا شعوركم وعلمكم ليست بأيديكم وإلا اخترتم البقاء على ~~الوفاة والعلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب النظام منته إلى علمه ~~وقدرته تعالى، ولهذا علله بقوله: "إن الله عليم قدير". # قوله تعالى: "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" إلى آخر الآية، فضل بعض ~~الناس على بعض في الرزق وهو ما تبقى به الحياة ربما كان من جهة الكمية ~~كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير، ms4632 وربما كان من جهة الكيفية كأن ~~يستقل بالتصرف فيه بعضهم ويتولى أمر الآخرين مثل ما يستقل المولى الحر بملك ~~ما في يده والتصرف فيه بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شيء إلا بإذنه ~~وكذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم والأنعام والمواشي بالنسبة إلى ~~مالكها. PageV12P152 # وقوله: "فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم" قرينة على أن ~~المراد هو القسم الثاني من التفضيل وهو أن بعضهم فضل بالحرية والاستقلال ~~بملك ما رزق وليس يختار أن يرد ما رزق باستقلاله وحريته إلى من يملكه ويملك ~~رزقه، ولا أن يبذل له ما أوتيه من نعمة حتى يتساويا ويتشاركا فيبطل ملكه ~~ويذهب سودده. # فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها ولا برادين لها على غيرهم، وليست إلا من ~~الله سبحانه فإن أمر المولوية والرقية وإن كان من الشئون الاجتماعية التي ~~ظهرت عن آراء الناس والسنن الاجتماعية الجارية في مجتمعاتهم لكن له أصول ~~طبيعية تكوينية هي التي بعثت آراءهم على اعتباره كسائر الأمور الاجتماعية ~~العامة. # ومن الشاهد على ذلك أن الأمم الراقية منذ عهد طويل أعلنوا بإلغاء سنة ~~الاسترقاق ثم اتبعتهم سائر الأمم من الشرقيين وغيرهم وهم لا يزالون يحترمون ~~معناها إلى هذه الغاية وإن ألغوا صورتها، ويجرون مسماها وإن هجروا اسمها ~~ولن يزالوا كذلك فليس في وسع الإنسان أن يسد باب المغالبة، وقد قدمنا كلاما ~~في هذا المعنى في آخر الجزء السادس من هذا الكتاب فليراجعه من شاء. # وكون هذا المعنى نعمة من الله إنما هو لأن من صلاح المجتمع الإنساني أن ~~يتسلط بعضهم على بعض فيصلح القوي الضعيف بصالح التدبير ويكمله. # وعلى هذا فقوله: "فهم فيه سواء" متفرع على المنفي في قوله: "فما الذين ~~فضلوا برادي رزقهم" دون النفي، والمعنى: ليسوا برادي رزقهم على عبيدهم ~~فيكونوا متساوين فيه متشاركين وفي ذلك ذهاب مولويتهم، ويحتمل أن يكون جملة ~~استفهامية حذفت منها أداة الاستفهام وفيها إنكار أن يكون المفضلون والمفضل ~~عليهم في ذلك متساويين، ولو كانوا سواء لم يمتنع المفضل من أن يرد رزقه ms4633 على ~~من فضل عليه فإن في ذلك دلالة على أنها نعمة خصه الله بها. # ولذلك عقبه ثانيا بقوله: "أفبنعمة الله يجحدون" وهو استفهام توبيخي ~~كالمتفرع لما تقدمه من الاستفهام الإنكاري، والمراد بنعمة الله هذا التفضيل ~~المذكور بعينه. # والمعنى - والله أعلم - والله فرق بينكم بأن فضل بعضكم على بعض في الرزق ~~فبعضكم حر مستقل في التصرف فيه، وبعضكم عبد تبع له لا يتصرف إلا عن إذن ~~فليس الذين فضلوا برادي رزقهم الذي رزقوه على سبيل الحرية والاستقلال على ~~ما ملكت أيمانهم حتى يكون هؤلاء المفضلون والمفضل عليهم في الرزق سواء ~~فليسوا سواء بل هي نعمة تختص بالمفضلين أفبنعمة الله يجحدون؟. # هذا ما يفيده ظاهر الآية بما احتفت به من القرائن، والسياق سياق تعداد ~~النعم، وربما قرر معنى الآية على وجه آخر فقيل: المعنى أنهم لا يشركون ~~عبيدهم في أموالهم وأزواجهم حتى يكونوا في ذلك سواء ويرون ذلك نقصا لأنفسهم ~~فكيف يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني ويعبدونهم ويتقربون إليهم كما يعبدونني ~~ويتقربون إلي، كما فعلوا في عيسى بن مريم (عليهما السلام)؟. # قالوا: والآية على شاكلة قوله تعالى: "ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ~~ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء": الروم: 28 قالوا: ~~والآية نزلت في نصارى نجران. # وفيه أن سياق الآية هو سياق تعداد النعم لاستنتاج التوحيد لا المناقضة ~~والتوبيخ فلا أثر فيها منه. # على أن الآية مما نزلت بمكة وأين ذاك من وفود نصارى نجران على المدينة ~~سنة ست من الهجرة أو بعدها؟ وقياس هذه الآية من آية سورة الروم مع الفارق ~~لاختلاف السياقين، فسياق هذه الآية سياق الاحتجاج بذكر النعمة وسياق آية ~~الروم هو سياق التوبيخ على الشرك. # وقيل: إن المعنى فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون ~~مماليكهم وعبيدهم بل الله تعالى هو رازق الملاك والمماليك فإن الذي ينفقه ~~المولى على مملوكه إنما ينفقه مما رزقهم الله فالله رازقهم جميعا فهم فيه سواء. # ومحصله أن قوله: "فهم فيه سواء" حال محل ms4634 إضراب مقدر والتقدير أن الموالي ~~ليسوا برادي رزق أنفسهم على عبيدهم فيما ينفقون عليهم بل الله يرزق العبيد ~~بأيدي مواليهم وهم سواء في الرزق من الله. # وفيه أن ما قرر من المعنى مقتضاه أن يبطل التسوية أخيرا حكم التفضيل ~~أولا، ولا يستقيم عليه مدلول قوله: "أفبنعمة الله يجحدون". # وقيل: المراد أن الموالي ليسوا برادي ما بأيديهم من الرزق على مواليهم ~~حتى يستووا في التمتع منه. PageV12P153 # وفيه أنه يعود حينئذ إلى أن الإنسان يمنع غيره من أن يتسلط على ما ملكه من ~~الرزق، وحينئذ يكون تخصيص ذلك بالعبيد مستدركا زائدا، ولو وجه بأنه إنما لا ~~يرده عليه لمكان تسلطه على عبيده رجع إلى ما قدمناه من المعنى، ولكانت ~~النعمة المعدودة هي الفضل من جهة مالكية المولى لعبده ولما عنده من الرزق. # قوله تعالى: "والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة" إلى آخر الآية. # قال في المفردات: "قال الله تعالى وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة" جمع ~~حافد وهو المتحرك المسرع بالخدمة أقارب كانوا أو أجانب. # قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم وذلك أن خدمتهم أصدق - إلى أن قال - قال ~~الأصمعي: أصل الحفد مداركة الخطو. # انتهى. # وفي المجمع: وأصل الحفد الإسراع في العمل - إلى أن قال - ومنه قيل ~~للأعوان حفدة لإسراعهم في الطاعة. # انتهى. # والمراد بالحفدة في الآية الأعوان الخدم من البنين لمكان قوله: "وجعل لكم ~~من أزواجكم" ولذا فسر بعضهم قوله: "بنين وحفدة بصغار الأولاد وكبارهم، ~~وبعضهم بالبنين والأسباط وهم بنو البنين. # والمعنى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا تألفونها وتأنسون بها، وجعل لكم ~~من أزواجكم بالإيلاد بنين وحفدة وأعوانا تستعينون بخدمتهم على حوائجكم ~~وتدفعون بهم عن أنفسكم المكاره ورزقكم من الطيبات وهي ما تستطيبونه من ~~أمتعة الحياة وتنالونه بلا علاج وعمل كالماء والثمرات أو بعلاج وعمل ~~كالأطعمة والملابس ونحوها، و"من" في "من الطيبات" للتبعيض وهو ظاهر. # ثم وبخهم بقوله: "أفبالباطل" وهي الأصنام والأوثان ومن ذلك القول بالبنات ~~لله، والأحكام التي يشرعها لهم أئمتهم أئمة الضلال "يؤمنون ms4635 وبنعمة الله هم ~~يكفرون" والنعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم وجعل البنين والحفدة من أزواجهم ~~فإن ذلك من أعظم النعم وأجلاها لكونه أساسا تكوينيا يبتني عليه المجتمع ~~البشري، ويظهر به فيهم حكم التعاون والتعاضد بين الأفراد، وينتظم به لهم ~~أمر تشريك الأعمال والمساعي فيتيسر لهم الظفر بسعادتهم في الدنيا والآخرة. # ولو أن الإنسان قطع هذا الرابط التكويني الذي أنعم الله به عليه وهجر هذا ~~السبب الجميل، وإن توسل بأي وسيلة غيره لتلاشى جمعه وتشتت شمله وفي ذلك ~~هلاك الإنسانية. # قوله تعالى: "ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون" عطف على موضع الجملة السابقة والمعنى يكفرون ~~بنعمة الله ويعبدون من دون الله ما لا يملك إلخ. # وقد ذكروا أن "رزقا" مصدر و"شيئا" مفعوله والمعنى لا يملك لهم أن يرزق ~~شيئا وقيل: الرزق بمعنى المرزوق و"شيئا" بدل منه، وقيل: إن "شيئا" مفعول ~~مطلق والتقدير: لا يملك شيئا من الملك. # وخير الوجوه أوسطها. # ويمكن أن يقال: "من السماوات والأرض شيئا" بدل من "رزقا" وهو من بدل الكل ~~من البعض يفيد معنى الإضراب والترقي، والمعنى ويعبدون ما لا يملك لهم رزقا ~~بل لا يملك لهم في السماوات والأرض شيئا. # وقوله: "ولا يستطيعون" أي ولا يستطيعون أن يملكوا رزقا وشيئا ويمكن أن ~~يكون منسي المتعلق جاريا مجرى اللازم أي ولا استطاعة لهم أصلا. # وقد اجتمع في الآية رعاية الاعتبارين في الأصنام فإنها من جهة أنها ~~معمولة من حجر أو خشب أو ذهب أو فضة غير عاقلة وبهذا الاعتبار قيل: "ما لا ~~يملك" إلخ، ومن جهة أنهم يعدونها آلهة دون الله ويعبدونها والعبادة لا تكون ~~إلا لعاقل منسلكة - على زعمهم - في سلك العقلاء، وبهذا الاعتبار قيل: "ولا ~~يستطيعون". # وفي الآية رجوع إلى التخلص لبيان الغرض من تعداد النعم وهو التوحيد ~~وإثبات النبوة بمعنى التشريع والمعاد يجري ذلك إلى تمام أربع آيات ينهى في ~~أولاها عن ضربهم الأمثال لله سبحانه، ويضرب في الثانية مثلا تبين به ~~وحدانيته تعالى في ms4636 ربوبيته، وفي الثالثة مثلا يتبين به أمر النبوة ~~والتشريع، ويتعرض في الرابعة لأمر المعاد. PageV12P154 # قوله تعالى: "فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون" الظاهر ~~السابق إلى الذهن أن المراد بضرب الأمثال التوصيف المصطلح عليه بالاستعارة ~~التمثيلية وهي إجراء الأوصاف عليه تعالى بضرب من التشبيه كقولهم: إن له ~~بنات كالإنسان، وإن الملائكة بناته، وإن بينه وبين الجنة نسبا وصهرا، وإنه ~~كيف يحيي العظام وهي رميم إلى غير ذلك، وهذا هو المعنى المعهود من هذه ~~الكلمة في كلامه تعالى، وقد تقدم في خلال الآيات السابقة قوله: "للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى". # فالمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكر فلا تصفوه سبحانه بما تشبهونه بغيره ~~وتقيسونه إلى خلقه لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون حقائق الأمور وكنهه تعالى. # وقيل: المراد بالضرب الجعل، وبالأمثال ما هو جمع المثل بمعنى الند، ~~فقوله: فلا تضربوا لله الأمثال في معنى قوله في موضع آخر: "فلا تجعلوا لله ~~أندادا": البقرة: 22، وهو معنى بعيد. # قوله تعالى: "ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء" إلى آخر الآية، ~~ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وآخر رزق ~~من الله رزقا حسنا ينفق منه سرا وجهرا ثم يسأل هل يستويان واعتبار التقابل ~~بين المفروضين يعطي أن كلا من الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع ~~تبيين الأوصاف بعضها لبعض. # فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه ولا لشيء من متاع الحياة وهو غير ~~قادر على التصرف في شيء من المال، والذي فرض قباله حر يملك نفسه وقد رزقه ~~الله رزقا حسنا وهو ينفق منه سرا وجهرا على قدرة منه على التصرف بجميع ~~أقسامه. # وقوله: "هل يستوون" سؤال عن تساويهما، ومن البديهي أن الجواب هو نفي ~~التساوي ويثبت به أن الله سبحانه وهو المالك لكل شيء المنعم بجميع النعم لا ~~يساوي شيئا من خلقه وهم لا يملكون لا أنفسهم ولا غيرهم ولا يقدرون على شيء ~~من ms4637 التصرف فمن الباطل قولهم: إن مع الله آلهة غيره وهم من خلقه. # والتعبير بقوله: "يستوون" دون أن يقال: يستويان للدلالة على أن المراد من ~~ذلك الجنس من غير أن يختص بمولى وعبد معينين كما قيل. # وقوله: "الحمد لله" أي له عز اسمه جنس الحمد وحقيقته وهو الثناء على ~~الجميل الاختياري لأن جميل النعمة من عنده ولا يحمد إلا الجميل فله تعالى ~~كل الحمد كما أن له جنسه فافهم ذلك. # والجملة من تمام الحجة ومحصلها أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن ~~يتصرف في شيء وينعم بشيء، والمالك الذي يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه ~~فيتصرف وينعم كيف شاء، والله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من نعمة إلا ~~وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق والرزق والرحمة والمغفرة ~~والإحسان والإنعام وغيرها، فله كل ثناء جميل، وما يعبدون من دونه مملوك لا ~~يقدر على شيء فهو سبحانه الرب وحده دون غيره. # وقد قيل: إن الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى، وقيل: حمد على تمام ~~الحجة وقوتها، وقيل: تلقين للعباد ومعناه قالوا: الحمد لله الذي دلنا على ~~توحيده وهدانا إلى شكر نعمه، وهي وجوه لا يعبأ بها. # وقوله: "بل أكثرهم لا يعلمون أي أكثر المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها ~~لله لا يملك غيره شيئا ولا يقدر على شيء بل يثبتون لأوليائهم شيئا من الملك ~~والقدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعا وخوفا، هذا حال أكثرهم وأما أقلهم ~~من الخواص فإنهم على علم من الحق لكنهم يحيدون عنه بغيا وعنادا. # وقد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب في الله سبحانه وفيمن يزعمونه ~~شريكا له في الربوبية، وقيل: إنها مثل تمثل به حال الكافر المخذول والمؤمن ~~الموفق فإن الكافر لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الذي ~~لا يقدر على شيء فلا يعد له إحسان وإن أنفق وبالغ بخلاف المؤمن الذي يوفقه ~~الله لمرضاته ويشكر مساعيه فهو ينفق مما عنده من الخير سرا وجهرا. # وفيه أنه لا يلائم ms4638 سياق الاحتجاج الذي للآيات، وقد تقدم أن الآية إحدى ~~الآيات الثلاث المتوالية التي تتعرض لغرض تعداد النعم الإلهية، وهي تذكر ~~بالتوحيد بمثل يقيس حال من ينعم بجميع النعم من حال من لا يملك شيئا ولا ~~يقدر على شيء فيستنتج أن الرب هو المنعم لا غير. # قوله تعالى: "وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم" إلى آخر الآية. PageV12P155 # قال في المجمع:، الأبكم الذي يولد أخرس لا يفهم ولا يفهم، وقيل: الأبكم ~~الذي لا يقدر أن يتكلم والكل الثقل يقال: كل عن الأمر يكل كلا إذا ثقل عليه ~~فلم ينبعث فيه. # وكلت السكين كلولا إذا غلظت شفرتها، وكل لسانه إذا لم ينبعث في القول ~~لغلظه وذهاب حده فالأصل فيه الغلظ المانع من النفوذ، والتوجيه: الإرسال في ~~وجه من الطريق، يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه. # انتهى. # فقوله: "وضرب الله مثلا رجلين" مقايسة أخرى بين رجلين مفروضين متقابلين ~~في أوصافهما المذكورة. # وقوله: "أحدهما أبكم لا يقدر على شيء" أي محروم من أن يفهم الكلام ويفهم ~~غيره بالكلام لكونه أبكم لا يسمع ولا ينطق فهو فاقد لجميع الفعليات ~~والمزايا التي يكتسبها الإنسان من طريق السمع الذي هو أوسع الحواس نطاقا، ~~به يتمكن الإنسان من العلم بأخبار من مضى وما غاب عن البصر من الحوادث وما ~~في ضمائر الناس ويعلم العلوم والصناعات، وبه يتمكن من إلقاء ما يدركه من ~~المعاني الجليلة والدقيقة إلى غيره، ولا يقوى الأبكم على درك شيء منها إلا ~~النزر اليسير مما يساعد عليه البصر بإعانة من الإشارة. # فقوله: "لا يقدر على شيء" مخصص عمومه بالأبكم أي لا يقدر على شيء مما ~~يقدر عليه غير الأبكم وهو جملة ما يحرمه الأبكم من تلقي المعلومات ~~وإلقائها. # وقوله: "وهو كل على مولاه" أي ثقل وعيال على من يلي ويدبر أمره فهو لا ~~يستطيع أن يدبر أمر نفسه، وقوله: "أينما يوجهه لا يأت بخير" أي إلى أي جهة ~~أرسله مولاه لحاجة من حوائج نفسه أو حوائج مولاه لم يقدر على رفعها فهو لا ~~يستطيع أن ms4639 ينفع غيره كما لا ينفع نفسه، فهذا أعني قوله: "أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شيء" إلخ، مثل أحد الرجلين، ولم يذكر سبحانه مثل الآخر لحصول ~~العلم به من قوله: "هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل" إلخ، وفيه إيجاز لطيف. # وقوله: "هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم" فيه إشارة إلى ~~وصف الرجل المفروض وسؤال عن استوائهما إذا قويس بينهما وعدمه. # أما الوصف فقد ذكر له منه آخر ما يمكن أن يتلبس به غير الأبكم من الخير ~~والكمال الذي يحلي نفسه ويعدو إلى غيره وهو العدل الذي هو التزام الحد ~~الوسط في الأعمال واجتناب الإفراط والتفريط فإن الأمر بالعدل إذا جرى على ~~حقيقته كان لازمه أن يتمكن الصلاح من نفس الإنسان ثم ينبسط على أعماله ~~فيلتزم الاعتدال في الأمور ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم ~~بالعدل وهو - كما عرفت - مطلق التجنب عن الإفراط والتفريط أي العمل الصالح ~~أعم من العدل في الرعية. # ثم وصفه بقوله: "وهو على صراط مستقيم" وهو السبيل الواضح الذي يهدي ~~سالكيه إلى غايتهم من غير عوج، والإنسان الذي هو في مسير حياته على صراط ~~مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإنسانية من غير أن يناقض بعض أعماله ~~بعضا أو يتخلف عن شيء مما يراه حقا وبالجملة لا تخلف ولا اختلاف في أعماله. # وتوصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد ~~أولا أن أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر ونسيان نفسه بل هو مستقيم في ~~أحواله وأعماله يأتي بالعدل كما يأمر به. # وثانيا: أن أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه بل هو في ~~نفسه على مستقيم الصراط ولازمه أن يحب لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط ~~الطريق ويجتنبوا حاشيتي الإفراط والتفريط. # وأما السؤال أعني ما في قوله: "هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل" إلخ، فهو ~~سؤال لا جواب له إلا النفي لا شك فيه وبه يثبت أن ما يعبدونه من دون الله ms4640 ~~من الأصنام والأوثان وهو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه ولا أن ~~يهدي غيره لا يساوي الله تعالى وهو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره ~~بإرسال الرسل وتشريع الشرائع. PageV12P156 # ومنه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى: "أفمن يهدي ~~إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون": ~~يونس: 35 فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته وأفعاله، ومن استقامة ~~صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون الخلق ~~باطلا، كما قال: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا" وأن يهدي ~~كلا إلى غايته التي تخصه كما خلقها وجعل لها غاية كما قال: "الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال: "وعلى الله ~~قصد السبيل": النحل: 9، وقال "إنا هديناه السبيل": الدهر: 3. # وهذا أصل الحجة على النبوة والتشريع، وقد مر تمامه في أبحاث النبوة في ~~الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب. # فقد تحصل أن الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجة على التوحيد مع ~~إشارة إلى النبوة والتشريع. # وقيل: إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير ومن لا يؤمل منه، وأصل الخير ~~كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه وبين شيء سواه في العبادة؟. # وفيه أن المورد أخص من ذلك فهو مثل مضروب فيمن هو على خير في نفسه وهو ~~يأمر بالعدل وهو شأنه تعالى دون غيره على أنهم لا يساوون بينه وبين غيره في ~~العبادة بل يتركونه ويعبدون غيره. # وقيل: إنه مثل مضروب في المؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر، والذي يأمر ~~بالعدل هو المؤمن، وفيه أن صحة انطباق الآية على المؤمن والكافر بل على كل ~~من يأمر بالعدل ومن يسكت عنه وجريها فيهما أمر، ومدلولها من جهة وقوعها في ~~سياق تعداد النعم والاحتجاج على التوحيد وما يلحق به من الأصول أمر آخر، ~~والذي تفيده بالنظر إلى هذه الجهة أن ms4641 مورد المثل هو الله سبحانه وما يعبدون ~~من دونه لا غير. # قوله تعالى: "ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب إن الله على كل شيء قدير" الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن ~~الكريم وقد تكرر فيه: "عالم الغيب والشهادة" وقد تقدم مرارا أنهما أمران ~~إضافيان فالأمر الواحد غيب وغائب بالنسبة إلى شيء وشهادة ومشهود بالنسبة ~~إلى آخر. # وإذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره ويخفى ببعض أعني ~~أنه متضمن غيبا وشهادة كانت إضافة الغيب والشهادة إلى الشيء تارة بمعنى ~~اللام فيكون مثلا غيب السماوات والأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما، ~~ويلحق بهذا الباب الإضافة لنوع من الاختصاص، كما في قوله: "فلا يظهر على ~~غيبه أحدا": الجن: 26. # وتارة بمعنى "من" أو ما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات والأرض ~~الغيب الذي يشتملان عليه نوعا من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة ~~وبعبارة أخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما. # والساعة هي من غيب السماوات والأرض بهذا المعنى الثاني: أما أولا: فلأنه ~~سبحانه يعدها في كلامه من الغيب، وليست بخارج من أمر السماوات والأرض فهو ~~من الغيب بهذا المعنى. # وأما ثانيا: فلأن ما يصفها به من الأوصاف إنما يلائم هذا المعنى الثاني ~~ككونها يوما ينبئهم الله بما كانوا فيه يختلفون ويوم تبلى السرائر ويوما ~~يخاطب فيه الإنسان بمثل قوله: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد"، ويوما يخاطبون ربهم بقولهم: "ربنا أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا" وبالجملة هي يوم يظهر فيه ما استتر من الحقائق في هذه النشأة ظهور ~~عيان، ومن المعلوم أن هذه الحقائق غير خارجة من السماوات والأرض بل هي ~~معهما ثابتة. # كيف؟ وهو تعالى يقول: "ولله غيب السماوات والأرض" فيثبته ملكا لنفسه وليس ~~ملكه من الملك الاعتباري يتعلق بكل أمر موهوم أو جزافي بل ملك حقيقي يتعلق ~~بأمر ثابت فلها نوع من الثبوت وإن فرض جهلنا بحقيقة ثبوتها. ms4642 # والشواهد القرآنية على هذا الذي ذكرناه كثيرة. # وقد عد سبحانه حياة هذه النشأة متاع الغرور ولعبا ولهوا، وكرر أن أكثر ~~الناس لا يعلمون ما هو يوم القيامة، وذكر أن الدار الآخرة هي الحيوان، ~~وأنهم سيعلمون أن الله هو الحق المبين وسيبدو لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون، إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الآيات على اختلاف ألسنتها. PageV12P157 # وبالجملة الساعة من غيب السماوات والأرض، والآية أعني قوله: "ولله غيب ~~السماوات والأرض" تقرر ملكه تعالى لنفس هذا الغيب لا لعلمه فلم يقل: ولله ~~علم غيب السماوات والأرض، وسياق الآية يعطي أن الجملة أعني قوله: "ولله ~~غيب" إلخ، توطئة وتمهيد لقوله: "ما أمر الساعة إلا كلمح البصر" إلخ، ~~فالجملة مسوقة للاحتجاج. # وعلى هذا يعود معنى الآية إلى أن الله سبحانه يملك غيب السماوات والأرض ~~ملكا له أن يتصرف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما وكيف لا؟ وغيب الشيء لا ~~يفارق شهادته وهو موجود ثابت معه وله الخلق والأمر، والساعة الموعودة ليست ~~بأمر محال حتى لا يتعلق بها قدرة بل هي من غيب السماوات والأرض وحقيقتها ~~المستورة عن الأفهام اليوم فهي مما استقر عليه ملكه تعالى، وله أن يتصرف ~~فيه بالإخفاء يوما وبالإظهار آخر. # وليست بصعبة عليه تعالى فإنما أمرها كلمح البصر أو أقرب من ذلك لأن الله ~~على كل شيء قدير. # ومن هنا يظهر أن قوله: "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير" مسوق لا لإثبات أصل الساعة أو إمكانها بل لنفي ~~صعوبتها والمشقة في إقامتها وهوان أمرها عنده سبحانه. # فقوله: "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" أي بالنسبة إليه وإلا ~~فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كل أمر خطير ووصفها بأوصاف لا ~~يعادلها فيها غيرها، قال تعالى: "ثقلت في السماوات والأرض": الأعراف: 187. # وتشبيه أمرها بلمح البصر إنما هو من جهة أن اللمحة وهي مد البصر وإرساله ~~للرؤية أخف الأعمال عند الإنسان وأقصرها زمانا فهو تشبيه بحسب فهم السامع ~~ولذلك ms4643 عقبه بقوله: "أو هو أقرب" فإن مثل هذا السياق يفهم منه الإضراب فكأنه ~~تعالى يقول: "إن أمرها في خفة المؤنة والهوان والسهولة بالنسبة إلينا يشبه ~~لمح أحدكم ببصره، وإنما أشبهه به رعاية لحالكم وتقريبا إلى فهمكم وإلا ~~فالأمر أقرب من ذلك، كما قال فيها: "ويقول كن فيكون": الأنعام: 73، فأمر ~~الساعة بالنسبة إلى قدرته ومشيته تعالى كأمر أيسر الخلق وأهونه. # وعلل تعالى ذلك بقوله: "إن الله على كل شيء قدير" فقدرته على كل شيء توجب ~~أن تكون الأشياء بالنسبة إليه سواء. # وإياك أن تتوهم أن عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء ~~من حيث النسبة، فقلة الأسباب المتوسطة بين الفاعل وفعله والشرائط والموانع ~~وكثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة، فالإنسان مثلا قادر على التنفس وحمل ~~ما يطيقه من الأثقال وليسا سواء بالنسبة إليه وعلى هذا القياس. # فإن في ذلك غفلة عن معنى عموم القدرة، وتوضيحه أن القدرة التي فينا قدرة ~~مقيدة، فإن قدرة الإنسان مثلا على أكل الغذاء وهي أن له نسبة الفاعلية إليه ~~وهي في تأثيرها مشروطة بتحقق غذاء في الخارج وكونه بين يديه وممكن التناول ~~وعدم ما يمنع من ذلك من إنسان أو غيره، وكون أدوات الفعل كاليد والفم ~~وغيرهما غير مصابة بآفة إلى غير ذلك، والذي يملكه الإنسان هو الإرادة ~~والزائد على ذلك وسائط وشرائط وموانع خارجة عن قدرته بالحقيقة وقيد يقيدها، ~~وإذا أراد الإنسان أن يعمل قدرته فيأكل كان عليه أن يهيىء تلك الأمور التي ~~تتقيد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء ووضعه قريبا منه ورفع الموانع ~~وإعمال الأدوات البدنية مثلا. # ومن المعلوم أن قلة هذه الأمور وكثرتها وقربها وبعدها وما أشبه ذلك من ~~صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة وعدمها وضعف القدرة وقوتها فتقيد ~~القدرة هو الموجب للاختلاف. # وأما قدرته تعالى فإنها عين ذاته التي يجب وجودها ويمتنع عدمها، وإذا كان ~~كذلك فلو تقيدت بقيد من وجود سبب أو شرط أو عدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها ~~وهو محال فقدرته تعالى مطلقة غير محدودة ms4644 بحد ولا مقيدة بقيد، عامة تتعلق ~~بكل شيء على حد سواء من غير أن يكون شيء بالنسبة إليه أصعب من شيء أو أسهل، ~~وأقرب إليه من شيء أو أبعد، وإنما الاختلاف بين الأشياء أنفسها بقياس بعضها ~~إلى بعض. PageV12P158 # وبتقريب آخر ما من شيء إلا وهو يفتقر إليه سبحانه في وجوده، فإذا فرضنا كل ~~أمر موجود بحيث لا يشذ عنها شاذ في جانب ونسبناها إليه تعالى كان الجميع ~~متعلقا لقدرته، وليس هناك أمر ثالث يكون قيدا لقدرته من سبب أو شرط أو عدم ~~مانع وإلا لكان شريكا في التأثير تعالى عن ذلك. # وأما الذي بين الأشياء أنفسها من الأسباب المتوسطة والشرائط والموانع ~~فإنها توجب تقيد بعضها ببعض لا تقيد القدرة العامة الإلهية التي تتعلق بها ~~ثم تتعلق القدرة بالمقيد منها دون المطلق بمعنى أن متعلق القدرة هو زيد ~~الذي أبوه فلان وأمه فلانة وهو في زمان كذا ومكان كذا وهكذا فوجود زيد ~~بجميع روابطه وجود جميع العالم والقدرة المتعلقة به متعلقة بالجميع بعينه، ~~وليست هناك إلا قدرة واحدة متعلقة بالجميع يوجد بها كل شيء في موطنه الخاص ~~به، وهي مطلقة غير مقيدة لا اختلاف للأشياء بالنسبة إليها وإنما الاختلاف ~~بينها أنفسها. # فقد تبين مما تقدم أن عموم القدرة يوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء ~~بالنسبة إليها بالسهولة والصعوبة وغير ذلك والآية الكريمة من غرر الآيات ~~القرآنية يتبين بها: أولا: أن حقيقة المعاد ظهور حقيقة الأشياء بعد خفائها. # وثانيا: أن القدرة الإلهية تتعلق بجميع الأشياء على نعت سواء من غير ~~اختلاف بالسهولة والصعوبة والقرب والبعد وغير ذلك. # وثالثا: أن الأشياء بحسب الحقيقة مرتبطة وجودا بحيث إن إيجاد الواحد منها ~~إيجاد الجميع والجميع متعلق قدرة واحدة لا مؤثر فيها غيرها. # نعم هناك نظر آخر أبسط من ذلك وهو النظر فيها من جهة نظام الأسباب ~~والمسببات، وقد صدقه الله في كلامه كما تقدم بيانه في البحث عن الإعجاز في ~~الجزء الأول من الكتاب، وبهذه النظرة ينفصل الأشياء بعضها عن بعض ويتوقف ~~وجود بعضها على ms4645 وجود بعض أو عدمه فتتقدم وتتأخر وتسهل وتصعب، وتكون الأسباب ~~وسائط بينها وبينه تعالى ويكون تعالى فاعلا بوساطة الأسباب، وهو نظر بسيط. # وقد ذكر كثير من المفسرين في قوله: "ولله غيب السماوات والأرض" أنه بحذف ~~مضاف والتقدير ولله علم غيب إلخ، وفيه أنه يستلزم ارتفاع الاتصال بين هذه ~~الجملة وبين ما يليها إذ لا رابطة بين علم الغيب وبين هوان أمر الساعة، ~~فتعود الجملة مستدركة مستغنى عنها في الكلام. # وقول بعضهم في رفع الاستدراك إن صدر الآية وذيلها يثبتان العلم والقدرة ~~وبهما معا يتم خلق الساعة غير مفيد فإنهم إنما استشكلوا في الساعة من جهة ~~القدرة لعدهم إياها ممتنعة فلا حاجة إلى التشبث لإثباتها بمسألة العلم، ~~ويشهد لذلك ما في سائر الآيات المثبتة لإمكان المعاد بعموم القدرة. # وذكر بعضهم: أن المراد به علم غيبهما لا بتقدير العلم في الكلام حتى ~~يقال: إن الأصل عدمه بل لأن إضافة الغيب وهو ما يغيب عن الحس والعقل إلى ~~السماوات والأرض تفيد أن المراد الأمور المجهولة التي فيهما مما يقع فيهما ~~حالا أو بعد حين وملكه تعالى له ملكه للعلم به. # وفيه أن المقدمة الأخيرة ممنوعة وقد تقدم بيانه على أن إشكال ارتفاع ~~الاتصال بين الجملتين في محله بعد. # وأيضا ذكر بعضهم في توجيه التعليل المستفاد من قوله: "إن الله على كل شيء ~~قدير" أن من جملة الأشياء إقامة الساعة في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك. # وفيه أنه لا يفي بتعليل ما يستفاد من الحصر بالنفي والإثبات وإنما يفي ~~بتعليل ما لو قيل: إن الله سيجعل أمر الساعة كلمح البصر مع إمكان كونه لا ~~كذلك فافهم ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "في بطونه من بين فرث ودم" قال: قال ~~(عليه السلام): الفرث ما في الكرش وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه ~~عن النوفلي عن السكوني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس أحد يغص ~~بشرب اللبن لأن الله عز وجل يقول: "لبنا خالصا سائغا ms4646 للشاربين". وفي تفسير ~~القمي، بإسناده عن رجل عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ~~"وأوحى ربك إلى النحل" قال: نحن النحل الذي أوحى الله إليه أن اتخذي من ~~الجبال بيوتا أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة "ومن الشجر" يقول: من العجم ~~"ومما يعرشون" من الموالي، والذي خرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، العلم ~~الذي يخرج منا إليكم. PageV12P159 # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر، وهي من باب الجري ويشهد به ما في بعض هذه ~~الروايات من تطبيق النحل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والجبال على ~~قريش، والشجر على العرب، ومما يعرشون على الموالي، وما يخرج من بطونها على العلم. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن علي بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر. وفي المجمع، روي عن ~~علي (عليه السلام): أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وروي عن النبي مثل ذلك. ~~أقول: روى ذلك في الدر المنثور، عن الطبري عن علي (عليه السلام)، وروى عن ~~ابن مردويه عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): حديثا مفصلا يدل ~~على أن أرذل العمر مائة سنة. وفي تفسير العياشي، عن عبد الرحمن الأشل عن ~~الصادق (عليه السلام): في قول الله: "وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة" قال: ~~الحفدة بنو البنت، ونحن حفدة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وفيه، ~~عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الحفدة قال: وهم العون ~~منهم يعني البنين. وفي المجمع،: في معنى الحفدة: هي أختان الرجل على بناته ~~قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: ولا تنافي بين الروايات كما تقدم في البيان. # وفي التهذيب، بإسناده عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في طلاق العبد ونكاحه قال: ليس له طلاق ولا نكاح أما تسمع الله تعالى يقول: ~~"عبدا مملوكا لا يقدر على شيء" قال: لا يقدر على طلاق ولا على نكاح إلا ms4647 ~~بإذن مولاه. # أقول: وفي هذا المعنى عدة روايات من طرق الشيعة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل": قال: ~~قال (عليه السلام): كيف يستوي هذا؟ ومن يأمر بالعدل أمير المؤمنين والأئمة ~~(عليهم السلام) وفي تفسير البرهان، عن ابن شهر آشوب عن حمزة بن عطاء عن أبي ~~جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: "هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل" الآية ~~قال: هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو على صراط مستقيم. # أقول: والروايتان من الجري وليستا من أسباب النزول في شيء لما تقدم في ~~البيان السابق. # وكذا ما روي من طرق أهل السنة: أن قوله: "ضرب الله مثلا عبدا مملوكا"، ~~الآية نزل في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرا وجهرا في عبده أبي ~~الجوزاء الذي كان ينهاه، وكذا ما روي أن الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد له. # وكذا ما روي: في قوله: "وضرب الله مثلا رجلين" الآية، أن الأبكم أبي بن ~~خلف ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون، وكذا ما روي: أن الأبكم هاشم بن ~~عمر بن الحارث القرشي وكان قليل الخير يعادي رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وما روي: أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، وما روي: أن الآمر ~~بالعدل عثمان بن عفان، والأبكم مولى له كافر وهو أسيد بن أبي العيص، إلى ~~غير ذلك. PageV12P160 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 78 - 89 # والله أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصر ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرت فى جو السماء ما ~~يمسكهن إلا الله إن فى ذلك لايات لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم ~~سكنا وجعل لكم من جلود الأنعم بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثثا ومتعا إلى حين (80) والله جعل لكم مما خلق ~~ظللا وجعل لكم من الجبال أكننا وجعل لكم سربيل تقيكم الحر وسربيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا ms4648 فإنما عليك البلغ ~~المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكفرون (83) ويوم نبعث ~~من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) وإذا رءا ~~الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رءا الذين ~~أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم عذابا فوق العذاب ~~بما كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين (89) ### |||| AUTO بيان # الآيات تذكر عدة أخرى من النعم الإلهية ثم تعطف الكلام إلى ما تكشف عنه ~~من حق القول في وحدانيته تعالى في الربوبية وفي البعث وفي النبوة والتشريع ~~نظيره القبيل السابق الذي أوردناه من الآيات. # قوله تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" إلى آخر الآية. # الأمهات جمع أم والهاء زائدة نظير أهراق وأصله أراق وقد تأتي أمات، وقيل: ~~الأمهات في الإنسان والأمات في غيره من الحيوان، والأفئدة جمع قلة للفؤاد ~~وهو القلب واللب، ولم يبن له جمع كثرة. # وقوله: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم" إشارة إلى التولد و"لا تعلمون ~~شيئا" حال من ضمير الخطاب أي أخرجكم من أرحامهن بالتولد والحال أن نفوسكم ~~خالية من هذه المعلومات التي أحرزتموها من طريق الحس والخيال والعقل بعد ذلك. # والآية تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس أن لوح النفس خالية عن المعلومات ~~أول تكونها ثم تنتقش فيها شيئا فشيئا - كما قيل - وهذا في غير علم النفس ~~بذاتها فلا يطلق عليه عرفا "يعلم شيئا" والدليل عليه قوله تعالى في خلال ~~الآيات السابقة فيمن يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا" فإن ~~من الضروري أنه في تلك الحال عالم بنفسه. # واحتج بعضهم بعموم الآية على أن العلم الحضوري يعني به علم الإنسان بنفسه ~~كسائر العلوم الحصولية ms4649 مفقود في بادىء الحال حادث بعد ذلك ثم ناقش في أدلة ~~كون علم النفس بذاتها حضوريا مناقشات عجيبة. # وفيه أن العموم منصرف إلى العلم الحصولي ويشهد بذلك الآية المتقدمة. # وقوله: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" إشارة إلى ~~مبادىء العلم الذي أنعم بها على الإنسان فمبدأ التصور هو الحس، والعمدة فيه ~~السمع والبصر وإن كان هناك غيرهما من اللمس والذوق والشم، ومبدأ الفكر هو ~~الفؤاد. # قوله تعالى: "ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا ~~الله" إلخ، قال في المجمع: الجو الهواء البعيد من الأرض. # انتهى. # يقول: ألم ينظروا إلى الطير حال كونها مسخرات لله سبحانه في جو السماء ~~والهواء البعيد من الأرض، ثم استأنف فقال مشيرا إلى ما هو نتيجة هذا النظر: ~~"ما يمسكهن إلا الله". PageV12P161 # وإثبات الإمساك لله سبحانه ونفيه عن غيره مع وجود أسباب طبيعية هناك مؤثرة ~~في ذلك وكلامه تعالى يصدق ناموس العلية والمعلولية إنما هو من جهة أن توقف ~~الطير في الجو من دون أن تسقط كيفما كان وإلى أي سبب استند هو وسببه ~~والرابطة التي بينهما جميعا مستندة إلى صنعه تعالى فهو الذي يفيض الوجود ~~عليه وعلى سببه وعلى الرابطة التي بينهما فهو السبب المفيض لوجوده حقيقة ~~وإن كان سببه الطبيعي القريب معه يتوقف هو عليه. # ومعنى توقفه في وجوده على سببه ليس أن سببه يفيد وجوده بعد ما استفاد ~~وجود نفسه منه تعالى بل أن هذا المسبب يتوقف في أخذه الوجود منه تعالى إلى ~~أخذ سببه الوجود منه تعالى قبل ذلك، وقد تقدم بعض الكلام في توضيح ذلك من قريب. # وهذا معنى توحيد القرآن، والدليل عليه من جهة لفظه أمثال قوله: "ألا له ~~الخلق والأمر": الأعراف: 54، وقوله: "أن القوة لله جميعا": البقرة: 165، ~~وقوله: "الله خالق كل شيء": الزمر: 62، وقوله: "إن الله على كل شيء قدير": ~~النحل: 77. والدليل على ما قدمناه في معنى النفي والإثبات في الآية قوله ~~تعالى: "مسخرات" فإن التسخير إنما يتحقق بقهر أحد السببين الآخر في فعله ms4650 ~~على ما يريده السبب القاهر ففي لفظه دلالة على أن للمقهور نوعا من السببية. # وليس طيران الطائر في جو السماء بالحقيقة بأعجب من سكون الإنسان في الأرض ~~فالجميع ينتهي إلى صنعه تعالى على حد سواء لكن ألفة الإنسان لبعض الأمور ~~وكثرة عهده به توجب خمود قريحة البحث عنه فإذا صادف ما يخالف ما ألفه وكثر ~~عهده به كالمستثنى من الكلية انتبه لذلك وانتزعت القريحة للبحث عنه ~~والإنسان يرى الأجسام الأرضية الثقيلة معتمدة على الأرض مجذوبة إليها فإذا ~~وجد الطير مثلا تنقض كلية هذا الحكم بطيرانها تعجب منه وانبسط للبحث عنه ~~والحصول على علته، وللحق نصيب من هذا البحث وهذا هو أحد الأسباب في أخذ هذا ~~النوع من الأمور في القرآن مواد للاحتجاج. # وقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون" أي في كونها مسخرات في جو السماء ~~فإن للطير وهو في الجو دفيفا وصفيفا وبسطا لأجنحتها وقبضا وسكونا وانتقالا ~~وصعودا ونزولا وهي جميعا آيات لقوم يؤمنون كما ذكره الله. # قوله تعالى: "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا" إلى آخر الآية، في المفردات: ~~البيت مأوى الإنسان بالليل لأنه يقال: بات أقام بالليل كما يقال: ظل ~~بالنهار. # ثم قد يقال: للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت لكن ~~البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر، قال: ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر ~~وصوف ووبر. # انتهى موضع الحاجة. # والسكن ما يسكن إليه، والظعن الارتحال وهو خلاف الإقامة، والصوف للضأن ~~والوبر للإبل كالشعر للإنسان ويسمى ما للمعز شعرا كالإنسان، والأثاث متاع ~~البيت الكثير ولا يقال للواحد منه أثاث، قال في المجمع: ولا واحد للأثاث ~~كما أنه لا واحد للمتاع. # انتهى. # والمتاع أعم من الأثاث فإنه مطلق ما يتمتع به ولا يختص بما في البيت. # وقوله: "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا" أي جعل لكم بعض بيوتكم سكنا ~~تسكنون إليه، ومن البيوت ما لا يسكن إليه كالمتخذ لادخار الأموال واختزان ~~الأمتعة وغير ذلك وقوله: "وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا" إلخ، أي من ~~جلودها ms4651 بعد الدبغ وهي الأنطاع والأدم "بيوتا" وهي القباب والخيام ~~"تستخفونها" أي تعدونها خفيفة من جهة الحمل "يوم ظعنكم" وارتحالكم "ويوم ~~إقامتكم" من غير سفر وظعن. # وقوله: "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها" إلخ، معطوف على موضع "من جلود" ~~أي وجعل لكم "من أصوافها" وهي للضأن و"أوبارها" وهي للإبل "وأشعارها" وهي ~~للمعز "أثاثا" تستعملونه في بيوتكم "ومتاعا" تتمتعون به "إلى حين" محدود، ~~قيل: وفيه إشارة إلى أنها فانية داثرة فلا ينبغي للعاقل أن يختارها على ~~نعيم الآخرة. PageV12P162 # قوله: "تعالى والله جعل لكم مما خلق ظلالا" إلى آخر الآية، الظرفان أعني ~~قوله: "لكم" و"مما خلق" متعلقان بجعل وتعليق الظلال بما خلق لكونها أمرا ~~عدميا محققا بتبع غيره وهي مع ذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على ~~الإنسان وسائر الحيوان والنبات فما الانتفاع بالظل للإنسان وغيره بأقل من ~~الانتفاع بالنور ولو لا الظل وهو ظل الليل وظل الأبنية والأشجار والكهوف ~~وغيرها لما عاش على وجه الأرض عائش. # وقوله: "وجعل لكم من الجبال أكنانا" الكن ما يستتر به الشيء حتى أن ~~القميص كن للابسه، وأكنان الجبال هي الكهوف والثقب الموجودة فيها. # وقوله: "وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر" أي قميصا يحفظكم من الحر، قال في ~~المجمع:، ولم يقل: وتقيكم البرد لأن ما وقى الحر وقى البرد، وإنما خص الحر ~~بذلك مع أن وقايتها للبرد أكثر لأن الذين خوطبوا بذلك أهل حر في بلادهم ~~فحاجتهم إلى ما يقي الحر أكثر، عن عطاء. # قال: على أن العرب يكتفي بذكر أحد الشيئين عن الآخر للعلم به قال الشاعر: ~~وما أدري إذا يممت أرضا. # أريد الخير أيهما يليني. # فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه، ذكره الفراء انتهى. # ولعل بعض الوجه في ذكره الحر والاكتفاء به أن البشر الأولى كانوا يسكنون ~~المناطق الحارة من الأرض فكان شدة الحر أمس بهم من شدة البرد وتنبههم ~~لاتخاذ السراويل إنما هو للاتقاء مما كان الابتلاء به أقرب إليهم وهو الحر ~~والله أعلم. # وقوله: "وسرابيل تقيكم بأسكم" الظاهر أن المراد به درع ms4652 الحديد ونحوه. # وقوله: "كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" امتنان عليهم بإتمام النعم ~~التي ذكرها، وكانت الغاية المرجوة من ذلك إسلامهم لله عن معرفتها فإن ~~المترقب المتوقع ممن يعرف النعم وإتمامها عليه أن يسلم لإرادة منعمه ولا ~~يقابله بالاستكبار لأن منعما هذا شأنه لا يريد به سوء. # قوله تعالى: "فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين" قال في المجمع:، ~~البلاغ الاسم والتبليغ المصدر مثل الكلام والتكليم، انتهى. # لما فرغ عن ذكر ما أريد ذكره من النعم والاحتجاج بها ختمها بما مدلولها ~~العتاب واللوم والوعيد على الكفر ويتضمن ذكر وحدانيته تعالى في الربوبية ~~والمعاد والنبوة وبدأ ذلك ببيان وظيفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~رسالته وهو البلاغ فقال: "فإن تولوا" أي يتفرع على هذا البيان الذي ليس فيه ~~إلا دعوتهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم من غير أن يتبعه إجبار أو إكراه ~~أنهم إن تولوا وأعرضوا عن الإصغاء إليه والاهتداء به "فإنما عليك البلاغ ~~المبين" والتبليغ الواضح الذي لا إبهام فيه ولا ستر عليه لأنك رسول وما على ~~الرسول إلا ذلك. # وفي الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان وظيفة له. # قوله تعالى: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون" المعرفة ~~والإنكار متقابلان كالعلم والجهل وهذا هو الدليل على أن المراد بالإنكار ~~وهو عدم المعرفة لازم معناه وهو الإنكار في مقام العمل وهو عدم الإيمان ~~بالله ورسوله واليوم الآخر أو الجحود لسانا مع معرفتها قلبا، لكن قوله: ~~"وأكثرهم الكافرون" يخص الجحود بأكثرهم كما سيجيء فيبقى للإنكار المعنى الأول. # وقوله: "وأكثرهم الكافرون" دخول اللام على "الكافرون" يدل على الكمال أي ~~إنهم كافرون بالنعم الإلهية أو بما تدل عليه من التوحيد وغيره جميعا لكن ~~أكثرهم كاملون في كفرهم وذلك بالجحود عنادا والإصرار عليه والصد عن سبيل الله. # والمعنى: يعرفون نعمة الله بعنوان أنها نعمة منه ومقتضاه أن يؤمنوا به ~~وبرسوله واليوم الآخر ويسلموا في العمل ثم إذا وردوا مورد العمل عملوا بما ~~هو من آثار الإنكار دون المعرفة، وأكثرهم ms4653 لا يكتفون بمجرد الإنكار العملي ~~بل يزيدون عليه بكمال الكفر والعناد مع الحق والجحود والإصرار عليه. # وفيما قدمناه كفاية لك عما أطال فيه المفسرون في معنى قوله: "وأكثرهم ~~الكافرون" مع أنهم جميعا كافرون بإنكارهم من قول بعضهم، إنما قال: "أكثرهم" ~~لأن منهم من لم تقم عليه الحجة كمن لم يبلغ حد التكليف أو كان مئوفا في ~~عقله أو لم تصل إليه الدعوة فلا يقع عليه اسم الكفر. PageV12P163 # وفيه أن هؤلاء خارجون عن إطلاق الآية رأسا فإنها تذكر توبيخا وإيعادا أنهم ~~ينكرون نعمة الله بعد ما عرفوها، وهؤلاء إن كانوا ينكرونها كانوا بذلك ~~كافرين وإن لم ينكروها لم يدخلوا في إطلاق الآية قطعا، وكيف يصح أن يقال: ~~إنهم لم تقم عليهم الحجة وليست الحجة إلا النعمة التي يعدها الله سبحانه ~~وهم يعرفونها؟. # وقول بعضهم: إنما قال: "وأكثرهم الكافرون" لأنه كان يعلم أن فيهم من ~~سيؤمن، وفيه أنه قول لا دليل عليه. # وقول بعضهم: إن المراد بالأكثر الجميع وإنما عدل عن البعض احتقارا له أن ~~يذكره، ونسب إلى الحسن البصري، وهو قول عجيب. # قيل: وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة إنه ليس لله على الكافر نعمة ~~وإن جميع ما فعله بهم إنما هو خذلان ونقمة لأنه سبحانه نص في هذه الآية على ~~خلاف قولهم، انتهى. # والحق أن للنعمة اعتبارين: أحدهما كونها نعمة أي ناعمة ملائمة لحال ~~المنعم عليه من حيث كونه في صراط التكوين أي من حيث سعادته الجسمية، والآخر ~~من حيث وقوع المنعم عليه في صراط التشريع أي من حيث سعادته الروحية ~~الإنسانية بأن تكون النعمة بحيث توجب معرفتها إيمانه بالله ورسوله واليوم ~~الآخر واستعمالها في طريق مرضاة الله، والمؤمن منعم بالنعمتين كلتيهما ~~والكافر منعم في الدنيا بالطائفة الأولى محروم من الثانية، وفي كلامه ~~سبحانه شواهد كثيرة تشهد على ذلك. # قوله تعالى: "ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون" قال في المجمع:، قال الزجاج: والعتب الموجدة يقال: عتب عليه يعتب ~~إذا وجد عليه ms4654 فإذا فاوضه ما عتب عليه قالوا: عاتبه، وإذا رجع إلى مسرته ~~قيل: أعتب، والاسم العتبي وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، ~~واستعتبه طلب منه أن يعتب. # انتهى. # وقوله: "ويوم نبعث من كل أمة شهيدا" يفيد السياق أن المراد بهذا اليوم ~~يوم القيامة، وبهؤلاء الشهداء الذين يبعث كل واحد منهم من أمة، شهداء ~~الأعمال الذين تحملوا حقائق أعمال أمتهم في الدنيا وهم يستشهد بهم ويشهدون ~~عليهم يوم القيامة وقد تقدم بعض الكلام في معنى هذه الشهادة في تفسير قوله: ~~"لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 143 في الجزء ~~الأول من الكتاب. # ولا دلالة في لفظ الآية على أن المراد بشهيد الأمة نبيها، ولا أن المراد ~~بالأمة أمة الرسول فمن الجائز أن يكون غير النبي من أمته كالإمام شهيدا كما ~~يدل عليه آية البقرة السابقة وقوله تعالى: "وجيء بالنبيين والشهداء": ~~الزمر: 69، وعلى هذا فالمراد بكل أمة أمة الشهيد المبعوث وأهل زمانه. # وقوله: "ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون" ذكر بعث شهداء الأمم ~~دليل على أنهم يشهدون على أممهم بما عملوا في الدنيا، وقرينة على أن المراد ~~من نفي الإذن للكافرين أنهم لا يؤذن لهم في الكلام وهو الاعتذار لا محالة ~~ونفي الإذن في الكلام إنما هو تمهيد لأداء الشهود شهادتهم كما تلوح إليه ~~آيات أخر كقوله: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم": ~~يس: 65، وقوله: "هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون": المرسلات: 36. # على أن سياق قوله: "ثم لا يؤذن" إلخ، يفيد أن المراد بهذا الذي ذكر نفي ~~ما يتقى به الشر يومئذ من الحيل وبيان أنه لا سبيل إلى تدارك ما فات منهم ~~وإصلاح ما فسد من أعمالهم في الدنيا يومئذ وهو أحد أمرين: الاعتذار أو ~~استئناف العمل، أما الثاني فيتكفله قوله: "ولا هم يستعتبون" ولا يبقى للأول ~~وهو الاعتذار بالكلام إلا قوله: "ثم لا يؤذن للذين كفروا". # ومن هنا يظهر أن قوله: "ولا هم يستعتبون" أي لا يطلب منهم أن يعتبوا ms4655 الله ~~ويرضوه بيان لعدم إمكان تدارك ما فات منهم بتجديد العمل والرجوع إلى السمع ~~والطاعة فإن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل ولا سبيل إلى رجوعهم القهقرى إلى ~~الدنيا حتى يعملوا صالحا فيجزوا به. PageV12P164 # وقد بين سبحانه ذلك في مواضع أخرى من كلامه بلسان آخر كقوله تعالى: "يوم ~~يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون": القلم: 43، وقوله: "ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون": الم السجدة: 12. قوله تعالى: "وإذا رءا الذين ظلموا العذاب ~~فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون" كانت الآية السابقة بالحقيقة مسوقة لبيان ~~الفرق بين يوم الجزاء الذي هو يوم القيامة وبين سائر ظروف الجزاء في الدنيا ~~بأن جزاء يوم القيامة لا يرتفع ولا يتغير باعتذار ولا باستعتاب، وهذه الآية ~~بيان فرق عذاب اليوم مع العذابات الدنيوية التي تتعلق بالظالمين في الدنيا ~~فإنها تقبل بوجه التخفيف أو الإنظار بتأخير ما وعذاب يوم القيامة لا يقبل ~~تخفيفا ولا إنظارا. # فقوله: "وإذا رءا الذين ظلموا العذاب" ذكر الظلم في الصلة دون الكفر ~~ونحوه للدلالة على سبب الحكم وملاكه، والمراد برؤية العذاب إشرافه عليهم ~~وإشرافهم عليه بعد فصل القضاء كما يفيده السياق، والمراد بالعذاب عذاب يوم ~~القيامة وهو عذاب النار. # والمعنى - والله أعلم - وإذا قضي الأمر بعذابهم وأشرفوا على العذاب ~~بمشاهدة النار فلا مخلص لهم عنه بتخفيف أو بإنظار وإمهال. # قوله تعالى: "وإذا رءا الذين أشركوا شركاءهم" إلى آخر الآية، مضي في حديث ~~يوم البعث، وقوله: "وإذا رءا الذين أشركوا" وهم في عرف القرآن عبدة الأصنام ~~والأوثان قرينة على أن المراد بقوله: "شركاءهم" الذين أشركوهم بالله زعما ~~منهم أنهم شركاء لله وافتراء ويدل أيضا عليه ذيل الآية والآية التالية. # فتسميتهم شركاءهم وهم يسمونهم شركاء الله للدلالة بها على أن ليس لهم من ~~الشركة إلا الشركة بجعلهم بحسب وهمهم فليس لإشراكهم شركاءهم من الحقيقة إلا ~~أنها لا حقيقة لها. # وبذلك يظهر ms4656 أن تفسير شركائهم بالأصنام أو بالمعبودات الباطلة وأنهم إنما ~~عدوا شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم وأنعامهم، أو الشياطين ~~لأنهم شاركوهم في الأموال والأولاد أو شركاؤهم في الكفر وهم الذين كفروا ~~مثل كفرهم أو شاركوهم في وبال كفرهم، كل ذلك في غير محله ولا نطيل ~~بالمناقشة في كل واحد منها. # وقوله: "قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك" معناه ظاهر ~~وهو تعريف منهم إياهم لربهم، ولا حاجة إلى البحث عن غرض المشركين في ~~تعريفهم فإن اليوم يوم أحاط بهم الشقاء والعذاب من كل جانب، والإنسان في ~~مثل ذلك يلوي إلى كل ما يخطر بباله من طرق السعي في خلاص نفسه وتنفيس كربه. # وقوله: "فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون" قال في المجمع:، تقول: ألقيت ~~الشيء إذا طرحته، واللقى الشيء الملقى، وألقيت إليه مقالة إذا قلتها له، ~~وتلقاها إذا قبلها، انتهى. # والمعنى: أن شركائهم ردوا إليهم وكذبوهم، وقد عبر سبحانه في موضع آخر عن ~~هذا التكذيب بالكفر كقوله: "ويوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 وقوله ~~حكاية عن مخاطبة الشيطان لهم يوم القيامة "إني كفرت بما أشركتمون من قبل": ~~إبراهيم: 22. # قوله تعالى: "وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون" ~~السلم الإسلام والاستسلام، وكان في التعبير بإلقاء السلم إشارة إلى انضمام ~~شيء من الخضوع والمقهورية بالقهر الإلهي إلى سلمهم. # وضمير "ألقوا" عائد إلى الذين أشركوا بقرينة قوله بعد "وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون" فالمراد أن المشركين يسلمون يوم القيامة لله وقد كانوا يدعون إلى ~~الإسلام في الدنيا وهم يستكبرون. # وليس المراد بإلقاء السلم هذا يوم القيامة هو انكشاف الحقيقة وظهور ~~الوحدانية وهو مدلول قوله في صفة يوم القيامة: "ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين": النور: 25، لأن العلم بثبوت شيء أمر، والتسليم والإيمان بثبوته ~~أمر آخر كما يظهر من قوله تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14. PageV12P165 # ومجرد العلم بأن الله هو الحق لا يكفي في سعادة الإنسان بل تحتاج في تمامها ~~إلى تسليمه والإيمان به بترتيب آثاره عليه ثم ms4657 من التسليم والإيمان ما كان ~~عن طوع واختيار ومنه ما كان عن كره واضطرار، والذي ينفع في السعادة هو ~~التسليم والإيمان عن اختيار وموطن الاختيار الدنيا التي هي دار العمل دون ~~الآخرة التي هي دار الجزاء. # وهم لم يسلموا للحق ما داموا في الدنيا وإن أيقنوا به حتى إذا وردوا ~~الدار الآخرة وأوقفوا موقف الحساب عاينوا أن الله هو الحق المبين، وأن عذاب ~~الشقاء أحاط بهم من كل جانب أسلموا للحق وهم مضطرون وليس ينفعهم، وإلى هذا ~~العلم والتسليم الاضطراري يشير قوله تعالى: "يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين": النور: 25، فصدر الآية يخبر عن إسلامهم ~~لأنه الدين الحق، قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19، ~~وذيل الآية عن انكشاف الحق لهم وظهور الحقيقة عليهم. # والآية المبحوث عنها أعني قوله: "وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون" صدرها يشير إلى إسلامهم وذيلها إلى كون ذاك الإسلام ~~اضطراريا لا ينفعهم لأنهم كانوا يرون لله ألوهية ولشركائهم ألوهية فاختاروا ~~تسليم شركائهم وعبادتهم على التسليم لله ثم لما ظهر لهم الحق يوم القيامة ~~وكذبهم شركائهم بطل ما زعموه وضل عنهم ما افتروه فلم يبق للتسليم إلا الله ~~سبحانه فسلموا له مضطرين وانقادوا له كارهين. # قوله تعالى: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ~~بما كانوا يفسدون" استئناف متعرض لحال أئمة الكفر بالخصوص بعد ما أشار إلى ~~حال عامة الظالمين والمشركين في الآيات السابقة. # والسامع إذا سمع ما شرحه الله من حالهم يوم القيامة في هذه الآيات وأنهم ~~معذبون جميعا من غير أن يخفف عنهم أو ينظروا فيه، وقد سمع منه أن منهم ~~طائفة هم أشد كفرا وأشقى من غيرهم إذ يقول: "وأكثرهم الكافرون" خطر بباله ~~طبعا أنهم هل يساوون غيرهم في العذاب الموعود وهم يزيدون عليهم في السبب ~~وهو الكفر. # فاستؤنف الكلام جوابا عن ذلك فقيل: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله" ~~بالعناد واللجاج فاكتملوا في الكفر واقتدى بهم غيرهم "زدناهم ms4658 عذابا" وهو ~~الذي للصد وهم يختصون به "فوق العذاب" وهو الذي بإزاء مطلق الظلم والكفر ~~ويشاركون فيه عامة إخوانهم، وكان اللام في العذاب للعهد الذكري يشار بها ~~إلى ما ذكر في قوله: "وإذا رءا الذين ظلموا العذاب" إلخ، "بما كانوا ~~يفسدون" تعليل لزيادة العذاب. # ومن هنا يظهر أن المراد بالإفساد الواقع في التعليل هو الصد لأنه الوصف ~~الذي يزيدون به على غيرهم وهو إفساد الغير بصرفه عن سبيل الله، وبتقرير ~~آخر: إفساد في الأرض بالمنع عن انعقاد مجتمع صالح كان من المترقب حصوله ~~بإقبال أولئك المصروفين على دين الله وسلوك سبيله. # قوله تعالى: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلاء" إلخ، صدر الآية تكرار ما تقدم قبل بضع آيات من قوله: "ويوم نبعث ~~من كل أمة شهيدا" غير أنه كان هناك توطئة وتمهيدا لحديث عدم الإذن لهم في ~~الكلام يومئذ، وهو هاهنا توطئة وتمهيد لذكر شهادته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لهؤلاء يومئذ وهو في الموضعين مقصود لغيره لا لنفسه. # وكيف كان فقوله: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم" يدل على ~~بعث واحد في كل أمة للشهادة على أعمال غيره وهو غير البعث بمعنى الإحياء ~~للحساب بل بعث بعد البعث، وإنما جعل من أنفسهم ليكون أتم للحجة وأقطع ~~للمعذرة كما يفيده السياق وذكره المفسرون حتى أنهم ذكروا شهادة لوط على ~~قومه ولم يكن منهم نسبا ووجهوه بأنه كان تأهل فيهم وسكن معهم فهو معدود منهم. # وقوله: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" يفيد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~شهيد على هؤلاء، واستظهروا أن المراد بهؤلاء هم أمته، وأيضا أنهم قاطبة من ~~بعث إليه من لدن عصره إلى يوم القيامة ممن حضره ومن غاب ومن عاصره ومن جاء ~~بعده من الناس. PageV12P166 # وآيات الشهادة من معضلات آيات القيامة على ما في جميع آيات القيامة من ~~الإعضال وصعوبة المنال، وقد تقدم في ذيل قوله: "لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: ms4659 143 في الجزء الأول من الكتاب نبذة من ~~الكلام في معنى هذه الشهادة. # ومن الواجب قبل الورود في بحث الشهادة وسائر الأمور التي تصفها الآيات ~~ليوم القيامة كالجمع والوقوف والسؤال والميزان والحساب أن يعلم أنه تعالى ~~يعد في كلامه هذه الأمور في عداد الحجج التي تقام يوم القيامة على الإنسان ~~لتثبيت ما عمله من خير أو شر والقضاء عليه بما ثبت بالحجة القاطعة للعذر ~~والمنيرة للحق ثم المجازاة بما يستوجبه القضاء من سعادة أو شقاء وجنة أو ~~نار، وهذا من أوضح ما يستفاد من آيات القيامة الشارحة لشئون هذا اليوم وما ~~يواجه الناس منها. # وهذا أصل مقتضاه أن يكون بين هذه الحجج وأجزائها ونتائجها روابط حقيقية ~~بينة يضطر العقل إلى الإذعان بها، ولا يسع للإنسان بما عنده من الشعور ~~الفطري ردها ولا الشك والارتياب فيها. # وعلى هذا فمن الواجب أن تكون الشهادة القائمة هناك بإقامة منه تعالى ~~مشتملة من الحقيقة على ما لا سبيل للمناقشة فيها، والله سبحانه لو أمر أشقى ~~الناس على أن يشهد على الأولين والآخرين بما عملوه باختيار من الشاهد أو ~~يخلق الشهادة في لسانه بلا إرادة منه، أو أن يشهد بما عملوه من غير أن يكون ~~قد تحملها في الدنيا وشهدها شهود عيان بل معتمدا على إعلام من الله أو ~~ملائكته أو على حجة ثم أمضى تعالى ذلك وأنفذه وجازى به محتجا في جميع ذلك ~~بشهادته ثانيا عليها لم يكن ذلك مما لا تطيقه سعة قدرته ولا يسعه نفوذ ~~إرادته ولا استطاع أحد أن ينازعه في ملكه أو يعقب حكمه أو يغلبه على أمره. # لكنها حجة تحكمية غير تامة لا تقطع بالحقيقة عذرا ولا تدفع ريبا نظير ~~التحكمات التي نجدها من جبابرة الإنسان والطواغيت العابثين بالحق والحقيقة ~~وكيف يتصور لمثل هذه الحجج المختلقة عين أو أثر يوم لا عين فيه إلا للحق ~~ولا أثر فيه إلا للحقيقة؟. # وعلى هذا فمن الواجب أن يكون هذا الشهيد ذا عصمة إلهية يمتنع عليه الكذب ~~والجزاف، وأن يكون عالما بحقائق ms4660 الأعمال التي يشهد عليها لا بظاهر صورها ~~وهيئاتها المحسوسة بل بحقيقة ما انعقدت عليه في القلوب، وأن يستوي عنده ~~الحاضر والغائب من الناس كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير آية سورة البقرة. # ومن الواجب أن تكون شهادته شهادة عن معاينة كما هو ظاهر لفظ الشهيد وظاهر ~~تقييده بقوله: "من أنفسهم" في قوله: "شهيدا عليهم من أنفسهم" غير مستندة ~~إلى حجة عقلية أو دليل سمعي. # ويشهد به قوله تعالى حكاية عن المسيح (عليه السلام): وكنت شهيدا عليهم ما ~~دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد": ~~المائدة: 117. # وبهذا تتلاءم الآيتان مضمونا أعني قوله: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا ~~عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" وقوله. # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا": البقرة: 143. # فإن ظاهر آية البقرة أن بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الناس ~~الذين هم عامة من بعث إليهم من زمانه إلى يوم القيامة شهداء يشهدون على ~~أعمالهم، وأن الرسول إنما هو شهيد على هؤلاء الشهداء دون سائر الناس إلا ~~بواسطتهم، ولا ينبغي أن يتوهم أن الأمة هم المؤمنون وغيرهم الناس وهم ~~خارجون من الأمة فإن ظاهر الآية السابقة في السورة: "ويوم نبعث من كل أمة ~~شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا" الآية أن الكفار من الأمة المشهود عليهم. # ولازم ذلك أن يكون المراد بالأمة في الآية المبحوث عنها: "ويوم نبعث في ~~كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم" جماعة الناس من أهل عصر واحد يشهد أعمالهم ~~شهيد واحد، ويكون حينئذ الأمة التي بعث إليها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) منقسمة إلى أمم كثيرة. # ويكون المراد بالشهيد الإنسان المبعوث بالعصمة والمشاهدة كما تقدم ويؤيده ~~قوله: "من أنفسهم" إذ لو لا المشاهدة لم يكن لكونه من أنفسهم وقع، ولا ~~لتعدد الشهداء بتعدد الأمم وجه فلكل قوم شهيد من أنفسهم سواء كان نبيا لهم ~~أو غير نبيهم فلا ملازمة كما يؤيده قوله: "وجيء بالنبيين والشهداء": الزمر: ms4661 69. PageV12P167 # ويكون المراد بهؤلاء في قوله: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" الشهداء دون عامة ~~الناس فالشهداء شهداء على الناس والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيد على ~~الشهداء وظاهر الشهادة على الشاهد تعديله دون الشهادة على عمله فهو (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) شهيد على مقامهم لا على أعمالهم ولذلك لم يكن من ~~الواجب أن يعاصرهم ويتحد بهم زمانا فافهم ذلك. # والإنصاف أنه لو لا هذا التقريب لم يرتفع ما يتراءى ما في آيات الشهادة ~~من الاختلاف كدلالة آية البقرة، وقوله: "ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس": الحج: 78، على كون الأمة هم المؤمنين، ودلالة غيرهما على ~~الأعم، ودلالتهما على أن النبي إنما هو شهيد على الشهداء، وأن بينه وبين ~~الناس شهداء ودلالة غيرهما على خلافه وأن على الناس شهيدا واحدا هو نبيهم ~~لأن المفروض حينئذ أن شهيد كل أمة هو نبيهم، وكون أخذ الشهيد من أنفسهم ~~لغوا لا أثر له مع عدم لزوم الحضور والمعاصرة وأن الشهادة إنما تكون من حي ~~كما في الكلام المحكي عن المسيح (عليه السلام) وإشكالات أخرى تتوجه على ~~نجاح الحجة ومضيها، تقدمت الإشارة إليها والله الهادي. # وقوله: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" ~~ذكروا أنه استئناف يصف القرآن بكرائم صفاته فصفته العامة أنه تبيان لكل شيء ~~والتبيان والبيان واحد - كما قيل - وإذ كان كتاب هداية لعامة الناس وذلك ~~شأنه كان الظاهر أن المراد بكل شيء كل ما يرجع إلى أمر الهداية مما يحتاج ~~إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدإ والمعاد ~~والأخلاق الفاضلة والشرائع الإلهية والقصص والمواعظ فهو تبيان لذلك كله. # ومن صفته الخاصة أي المتعلقة بالمسلمين الذين يسلمون للحق أنه هدى يهتدون ~~به إلى مستقيم الصراط ورحمة لهم من الله سبحانه يحوزون بالعمل بما فيه خير ~~الدنيا والآخرة وينالون به ثواب الله ورضوانه، وبشرى لهم يبشرهم بمغفرة من ~~الله ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. # هذا ما ذكروه وهو مبني على ما هو ظاهر التبيان من البيان ms4662 المعهود من ~~الكلام وهو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظية فإنا لا نهتدي من دلالة ~~لفظ القرآن الكريم إلا على كليات ما تقدم، لكن في الروايات ما يدل على أن ~~القرآن فيه علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو صحت ~~الروايات لكان من اللازم أن يكون المراد بالتبيان الأعم مما يكون من طريق ~~الدلالة اللفظية فلعل هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظية تكشف عن ~~أسرار وخبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها. # والظاهر على ما يستفاد من سياق هذه الآيات المسوقة للاحتجاج على الأصول ~~الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، والكلام فيها ينعطف مرة بعد أخرى عليها ~~أن قوله: "ونزلنا عليك الكتاب" إلخ، ليس باستئناف بل حال عن ضمير الخطاب في ~~"جئنا بك" بتقدير "قد" أو بدون تقديرها - على الخلاف بين النحاة في الجملة ~~الحالية المصدرة بالفعل الماضي. # والمعنى: وجئنا بك شهيدا على هؤلاء والحال أنا نزلنا عليك من قبل في ~~الدنيا الكتاب وهو بيان لكل شيء من أمر الهداية يعلم به الحق من الباطل ~~فيتحمل شهادة أعمالهم فيشهد يوم القيامة على الظالمين بما ظلموا وعلى ~~المسلمين بما أسلموا لأن الكتاب كان هدى ورحمة وبشرى لهم وكنت أنت بذلك ~~هاديا ورحمة ومبشرا لهم. # وعلى هذا فصدر الآية كالتوطئة لذيلها كأنه قيل: سيبعث شهداء يشهدون على ~~الناس بأعمالهم وأنت منهم ولذلك نزلنا عليك كتابا يبين الحق والباطل ويميز ~~بينهما حتى تشهد به يوم القيامة على الظالمين بظلمهم وقد تبين الكتاب وعلى ~~المسلمين بإسلامهم وقد كان الكتاب هدى ورحمة وبشرى لهم وكنت هاديا ورحمة ~~ومبشرا به. # ومن لطيف ما يؤيد هذا المعنى مقارنة الكتاب بالشهادة في بعض آيات الشهادة ~~كقوله: "وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء:" ~~الزمر: 69، وسيجيء إن شاء الله أن المراد به اللوح المحفوظ، وقد تكرر في ~~كلامه تعالى أن القرآن من اللوح المحفوظ كقوله: "إنه لقرآن كريم في كتاب ~~مكنون": الواقعة: 78، وقوله: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج: 22. PageV12P168 # وشهادة اللوح المحفوظ ms4663 وإن كانت غير شهادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لكنهما جميعا متوقفتان على قضاء الكتاب النازل. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: أن أعرابيا أتى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فسأله فقرأ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا" قال الأعرابي: نعم. قال: "وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها" قال الأعرابي:. نعم ثم قرأ عليه كل ذلك ~~يقول: نعم حتى بلغ "كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" فولى الأعرابي ~~فأنزل الله: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها - وأكثرهم الكافرون" في تفسير ~~البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: "يعرفون ~~نعمة الله" الآية، قال: عرفهم ولاية علي وأمرهم بولايته ثم أنكروا بعد وفاته. # أقول: والرواية من الجري. # وفي تفسير العياشي، عن جعفر بن أحمد عن التركي النيشابوري عن علي بن جعفر ~~بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): أنه سئل عن هذه الآية: ~~"يعرفون نعمة الله" الآية، قال: عرفوه ثم أنكروه. وفي تفسير القمي،: في ~~قوله تعالى: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم": قال الصادق ~~(عليه السلام): لكل زمان وأمة شهيد تبعث كل أمة مع إمامها أقول: وذيل كلامه ~~(عليه السلام): مضمون قوله تعالى: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم" وفي الدر ~~المنثور، أخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: ~~قال الله: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" قال: ذكر لنا أن نبي الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه. # أقول: "والروايات في باب الشهادة يوم القيامة كثيرة جدا وقد أوردنا بعضها ~~في ذيل قوله: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا": البقرة: 143 وبعضها في ذيل قوله: ~~"وجئنا بك على هؤلاء شهيدا": النساء: 41، وقوله: "ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا": النساء: 159. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص عن البراء: ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms4664 سئل عن قول الله: "زدناهم عذابا فوق ~~العذاب" قال: عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: قد ولدني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أعلم ~~كتاب الله وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة، وفيه خبر السماء ~~وخبر الأرض وخبر الجنة وخبر النار وخبر ما كان وخبر ما هو كائن أعلم ذلك ~~كما أنظر إلى كفي إن الله عز وجل يقول: فيه تبيان كل شيء. # أقول: والآية منقولة في الرواية بالمعنى. # وفي تفسير العياشي، عن منصور عن حماد اللحام قال قال: أبو عبد الله (عليه ~~السلام): نحن نعلم ما في السماوات ونعلم ما في الأرض، وما في الجنة وما في ~~النار وما بين ذلك. قال: فبهت أنظر إليه فقال: يا حماد إن ذلك في كتاب الله ~~تعالى ثم تلا هذه الآية: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم - ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلاء - ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء - وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين" إنه من كتاب فيه تبيان كل شيء وفي الكافي، عن عدة من ~~أصحابنا عن أحمد بن محمد بن سنان عن يونس بن يعقوب عن الحارث بن المغيرة ~~وعدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله بن بشير الخثعمي ~~سمعوا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إني لأعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون ثم مكث ~~هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عز وجل ~~إن الله يقول: فيه تبيان كل شيء. وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن الوليد ~~قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال الله لموسى: "وكتبنا له في ~~الألواح من كل شيء" فعلمنا أنه لم يكتب لموسى الشيء كله، وقال الله لعيسى: ~~"لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه" ms4665 وقال الله لمحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء - ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء. ~~أقول: ورواه العياشي بالإسناد عنه (عليه السلام). PageV12P169 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 90 - 105 # إن الله يأمر بالعدل والاحسن وإيتاى ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغى يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمن بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ~~(91) ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكثا تتخذون أيمنكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هى أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيمة ما كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة ولكن يضل من ~~يشاء ويهدى من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) ولا تتخذوا أيمنكم دخلا ~~بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب ~~عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن ~~كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حيوة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) فإذا قرأت ~~القرءان فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم (98) إنه ليس له سلطن على الذين ~~ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطنه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون (100) وإذا بدلنا ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما ~~أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت ~~الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه ~~بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين (103) إن الذين لا ~~يؤمنون بئايت الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفترى الكذب ~~الذين لا يؤمنون بئايت الله وأولئك هم الكذبون (105) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات عدة من الأحكام مما يلائم حال الإسلام قبل الهجرة مما يصلح ~~به حال المجتمع العام كالأمر ms4666 بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي وما يلحق بذلك كالأمر بإيتاء ذي القربى والنهي عن نقض العهد ~~واليمين، وتذكر أمورا أخرى تناسب ذلك وتثبتها. # قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى" ابتدأ ~~سبحانه بهذه الأحكام الثلاثة التي هي بالترتيب أهم ما يقوم به صلب المجتمع ~~الإنساني لما أن صلاح المجتمع العام أهم ما يبتغيه الإسلام في تعاليمه ~~المصلحة فإن أهم الأشياء عند الإنسان في نظر الطبيعة وإن كان هو نفسه ~~الفردية، لكن سعادة الشخص مبنية على صلاح الظرف الاجتماعي الذي يعيش هو ~~فيه، وما أصعب أن يفلح فرد في مجتمع فاسد أحاط به الشقاء من كل جانب. # ولذلك اهتم في إصلاح المجتمع اهتماما لا يعادله فيه غيره وبذل الجهد ~~البالغ في جعل الدساتير والتعاليم الدينية حتى العبادات من الصلاة والحج ~~والصوم اجتماعية ما أمكن فيها ذلك، كل ذلك ليستصلح الإنسان في نفسه ومن جهة ~~ظرف حياته. PageV12P170 # فقوله: "إن الله يأمر بالعدل" أمر بالعدل ويقابله الظلم قال في المفردات، ~~العدالة والمعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة، ويستعمل باعتبار المضايفة، ~~والعدل - بفتح - العين والعدل - بكسرها يتقاربان لكن العدل - بفتح العين - ~~يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، وعلى ذلك قوله تعالى: "أو عدل ذلك ~~صياما" والعدل - بكسر العين - والعديل فيما يدرك بالحاسة كالموزونات ~~والمعدودات والمكيلات، فالعدل هو التقسيط على سواء. # قال: والعدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة ~~منسوخا ولا يوصف بالاعتداء بوجه نحو الإحسان إلى من أحسن إليك وكف الأذى ~~عمن كف أذاه عنك، وعدل يعرف كونه عدلا بالشرع ويمكن أن يكون منسوخا في بعض ~~الأزمنة كالقصاص وأروش الجنايات وأصل مال المرتد، ولذلك قال: "فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه"، وقال: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" فسمي اعتداء وسيئة. # وهذا النحو هو المعني بقوله: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" فإن العدل ~~هو المساواة في المكافاة إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والإحسان أن يقابل ~~الخير بأكثر منه والشر بأقل منه، انتهى موضع الحاجة. # وما ذكره على ما ms4667 فيه من التفصيل يرجع إلى قولهم إن العدل هو لزوم الوسط ~~والاجتناب عن جانبي الإفراط والتفريط في الأمور وهو من قبيل التفسير بلازم ~~المعنى فإن حقيقة العدل هي إقامة المساواة والموازنة بين الأمور بأن يعطى ~~كل من السهم ما ينبغي أن يعطاه فيتساوى في أن كلا منها واقع موضعه الذي ~~يستحقه، فالعدل في الاعتقاد أن يؤمن بما هو الحق، والعدل في فعل الإنسان في ~~نفسه أن يفعل ما فيه سعادته ويتحرز مما فيه شقاؤه باتباع هوى النفس، والعدل ~~في الناس وبينهم أن يوضع كل موضعه الذي يستحقه في العقل أو في الشرع أو في ~~العرف فيثاب المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، وينتصف للمظلوم من ~~الظالم ولا يبعض في إقامة القانون ولا يستثنى. # ومن هنا يظهر أن العدل يساوق الحسن ويلازمه إذ لا نعني بالحسن إلا ما من ~~طبعه أن تميل إليه النفس وتنجذب نحوه وإقرار الشيء في موضعه الذي ينبغي أن ~~يقر عليه من حيث هو كذلك مما يميل إليه الإنسان ويعترف بحسنه ويقدم العذر ~~لو خالفه إلى من يقرعه باللوم لا يختلف في ذلك اثنان، وإن اختلف الناس في ~~مصاديقه كثيرا باختلاف مسالكهم في الحياة. # ويظهر أيضا أن ما عد الراغب في كلامه من الاعتداء والسيئة عدلا لا يخلو ~~عن مسامحة، فإن الاعتداء والسيئة الذين يجازى بهما المعتدي والمسيء إنما ~~هما اعتداء وسيئة بالنسبة إليهما وأما بالنسبة إلى من يجازيهما بهما فهما ~~من لزوم وسط الاعتدال وخصلة الحسن لكونهما من وضع الشيء موضعه الذي ينبغي ~~أن يوضع فيه. # وكيف كان فالعدل وإن كان منقسما إلى عدل الإنسان في نفسه وإلى عدله ~~بالنسبة إلى غيره، وهما العدل الفردي والعدل الاجتماعي، واللفظ مطلق لكن ~~ظاهر السياق أن المراد به في الآية العدل الاجتماعي وهو أن يعامل كل من ~~أفراد المجتمع بما يستحقه ويوضع في موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه، وهذا أمر ~~بخصلة اجتماعية متوجه إلى أفراد المكلفين بمعنى أن الله سبحانه يأمر كل ~~واحد من أفراد المجتمع أن يأتي ms4668 بالعدل، ولازمه أن يتعلق الأمر بالمجموع ~~أيضا فيكلف المجتمع إقامة هذا الحكم وتتقلده الحكومة بما أنها تتولى أمر ~~المجتمع وتدبره. # وقوله: "والإحسان" الكلام فيه من حيث اقتضاء السياق كسابقه فالمراد به ~~الإحسان إلى الغير دون الإحسان بمعنى إتيان الفعل حسنا، وهو إيصال خير أو ~~نفع إلى غير لا على سبيل المجازاة والمقابلة كأن يقابل الخير بأكثر منه ~~ويقابل الشر بأقل منه - كما تقدم - ويوصل الخير إلى غير متبرعا به ابتداء. # والإحسان على ما فيه من إصلاح حال من أذلته المسكنة والفاقة أو اضطرته ~~النوازل، وما فيه من نشر الرحمة وإيجاد المحبة يعود محمود أثره إلى نفس ~~المحسن بدوران الثروة في المجتمع وجلب الأمن والسلامة بالتحبيب. PageV12P171 # وقوله: "وإيتاء ذي القربى" أي إعطاء المال لذوي القرابة وهو من أفراد ~~الإحسان خص بالذكر ليدل على مزيد العناية بإصلاح هذا المجتمع الصغير الذي ~~هو السبب بالحقيقة لانعقاد المجتمع المدني الكبير كما أن مجتمع الازدواج ~~الذي هو أصغر بالنسبة إلى مجتمع القرابة سبب مقدم مكون له فالمجتمعات ~~المدنية العظيمة إنما ابتدأت من مجتمع بيتي عقده الازدواج ثم بسطه التوالد ~~والتناسل ووسعه حتى صار قبيلة وعشيرة ولم يزل يتزايد ويتكاثر حتى عادت أمة ~~عظيمة فالمراد بذي القربى الجنس دون الفرد وهو عام لكل قرابة كما ذكروه. # وفي التفسير المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بذي ~~القربى الإمام من قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد ~~بالإيتاء إعطاء الخمس الذي فرضه الله سبحانه في قوله: "واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين" الآية،: ~~الأنفال: 41 وقد تقدم تفسيرها. # ولعل التعبير بالإفراد حيث قيل: "ذي القربى" ولم يقل: ذوي القربى أو أولي ~~القربى كما في قوله: "وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين": ~~النساء: 8، وقوله: "وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين": ~~البقرة: 177 يؤيد ذلك. # واحتمال إرادة الجنس من ذي القربى يبعده ما وقع في سياق آية الخمس من ذكر ~~اليتامى والمساكين معه بصيغة الجمع ms4669 مع عدم ظهور نكتة يختص بها ذوي القربى ~~أو اليتامى والمساكين تقضي بالفرق. # على أن الآية لا قرينة واضحة فيها على كون المراد بالإيتاء هو الإحسان ثم ~~بالإحسان مطلق الإحسان. # والله أعلم. # قوله تعالى: "وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" قال ~~في المفردات: الفحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. # انتهى ولعل الأصل في معناه الخروج عن الحد فيما لا ينبغي يقال: غبن فاحش ~~أي خارج عن حد التحمل والصبر والسكوت. # والمنكر ما لا يعرفه الناس في مجتمعهم من الأعمال التي تكون متروكة عندهم ~~لقبحها أو إثمها كالمواقعة أو كشف العورة في مشهد من الناس في المجتمعات ~~الإسلامية. # والبغي الأصل في معناه الطلب وكثر استعماله في طلب حق الغير بالتعدي عليه ~~فيفيد معنى الاستعلاء والاستكبار على الغير ظلما وعتوا، وربما كان بمعنى ~~الزنا والمراد به في الآية هو التعدي على الغير ظلما. # وهذه الثلاثة أعني الفحشاء والمنكر والبغي وإن كانت متحدة المصاديق غالبا ~~فكل فحشاء منكر، وغالب البغي فحشاء ومنكر لكن النهي إنما تعلق بها بما لها ~~من العناوين لما أن وقوع الأعمال بهذه العناوين في مجتمع من المجتمعات يوجب ~~ظهور الفصل الفاحش بين الأعمال المجتمعة فيه الصادرة من أهله فينقطع بعضها ~~من بعض ويبطل الالتيام بينها ويفسد بذلك النظم وينحل المجتمع في الحقيقة ~~وإن كان على ساقه صورة وفي ذلك هلاك سعادة الأفراد. # فالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي أمر بحسب المعنى باتحاد مجتمع تتعارف ~~أجزاؤه وتتلاءم أعماله لا يستعلي بعضهم على بعض بغيا، ولا يشاهد بعضهم من ~~بعض إلا الجميل الذي يعرفونه لا فحشاء ولا منكرا وعند ذلك تستقر عليهم ~~الرحمة والمحبة والألفة وترتكز فيهم القوة والشدة، وتهجرهم السخطة والعداوة ~~والنفرة وكل خصلة سيئة تؤدي إلى التفرق والتهلكة. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله: "يعظكم لعلكم تذكرون" أي تتذكرون فتعلمون أن ~~الذي يدعوكم إليه فيه حياتكم وسعادتكم. # قوله تعالى: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها" إلخ، قال في المفردات: العهد حفظ الشيء ms4670 ومراعاته حالا بعد حال، ~~وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا. # قال: وعهد فلان إلى فلان يعهد أي ألقى إليه العهد وأوصاه بحفظه، انتهى. # وظاهر إضافة العهد إلى الله تعالى في قوله: "وأوفوا بعهد الله" أن المراد ~~به هو العهد الذي يعاهد فيه الله على كذا دون مطلق العهد ويأتي نظير الكلام ~~في نقض اليمين. # وقوله: "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" نقض اليمين نكثه ومخالفة مقتضاه ~~والمراد باليمين هو اليمين بالحلف بالله سبحانه كأن ما عدا ذلك ليس بيمين ~~والدليل عليه قوله بعد: "وقد جعلتم الله عليكم كفيلا". PageV12P172 # والمراد بتوكيدها إحكامها بالقصد والعزم وكونها لأمر راجح بخلاف قولهم: لا ~~والله وبلى والله وغيره من لغو الأيمان، فالتوكيد في هذه الآية يفيد ما ~~يفيده التعقيد في قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان" المائدة: 89. # ونقض اليمين بحسب الاعتبار أشنع من نقض العهد وإن كان منهيا عنهما جميعا، ~~على أن العناية بالحلف في الشرع الإسلامي أكثر كما في باب القضاء. # وتوضيح شناعة نقضه: أن حقيقة معنى اليمين إيجاد ربط خاص بين النسبة ~~الكلامية من خبر أو إنشاء وبين أمر ذي بال شريف بحيث يستوجب بطلان النسبة ~~من جهة ظهور كذبه إن كان خبرا ومخالفة مقتضاه إن كان عزما أو أمرا أو نهيا ~~كقولنا: والله لأفعلن كذا وبالله عليك افعل أو لا تفعل كذا أن يذهب بذلك ما ~~يعتقده المقسم من الكرامة والعزة للمقسم به فيئول الأمر إلى أن المقسم به ~~بما له من الكرامة والعزة هو المسئول عن صحة النسبة الكلامية والمقسم هو ~~المسئول عند المقسم به بما علق صحة النسبة على كرامته وعزته كمن يعقد عقدا ~~أو يتعهد عملا ثم يعطي لمن عاقده أو تعهد له موثقا يثق به من مال أو ولد أو ~~غير ذلك أو يضمن له ذلك شريف بشرافته. # وبهذا يظهر معنى قوله تعالى: "وقد جعلتم الله عليكم كفيلا" فإن الحالف ~~إذا قال: والله لأفعلن كذا أو لأتركن كذا فقد علق ما حلف ms4671 عليه نوعا من ~~التعليق على الله سبحانه وجعله كفيلا عنه في الوفاء بما عقد عليه اليمين ~~فإن نكث ولم يف كان لكفيله أن يؤديه إلى الجزاء والعقوبة، ففي نكث اليمين ~~إهانة وإرزاء بساحة العزة والكرامة مضافا إلى ما في نقض اليمين والعهد معا ~~من الانقطاع والانفصال عنه سبحانه بعد توكيد الاتصال. # فقوله: "وقد جعلتم الله" إلخ، حال من ضمير الجمع في قوله: "ولا تنقضوا" ~~وقوله: "إن الله يعلم ما تفعلون" في معنى تأكيد النهي بأن العمل مبغوض وهو ~~به عليم. # قوله تعالى: "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" إلى آخر ~~الآية، النقض ويقابله الإبرام إفساد ما أحكم من حبل أو غزل بالفتل فنقض ~~الشيء المبرم كحل الشيء المعقود، والنكث النقض، قال في المجمع،: وكل شيء ~~نقض بعد الفتل فهو أنكاث حبلا كان أو غزلا، والدخل بفتحتين في الأصل كل ما ~~دخل الشيء وليس منه، ويكنى به عن الدغل والخدعة والخيانة، كما قيل: وأربى ~~أفعل من الربا وهو الزيادة. # وقوله: "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" في معنى التفسير ~~لقوله في الآية السابقة: "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" وهو تمثيل بمرأة ~~تغزل الغزل بقوة ثم تعود فتنقض ما أتعبت نفسها فيه وغزلته من بعد قوة ~~وتجعله أنكاثا لا فتل فيه ولا إبرام. # ونقل عن الكلبي أنها امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى ~~انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها واسمها ريطة ~~بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، وكانت تسمى خرقاء مكة. # وقوله: "تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي ~~تتخذون أيمانكم وسيلة للغدر والخدعة والخيانة تطيبون بها نفوس الناس ثم ~~تخونون وتخدعونهم بنقضها، وإنما يفعلون ذلك لتكون أمة - وهم الحالفون - ~~أربى وأزيد سهما من زخارف الدنيا من أمة - وهم المحلوف لهم -. # فالمراد بالدخل وسيلته من تسمية السبب باسم المسبب و"أن تكون أمة" مفعول ~~له بتقدير اللام، والكلام نوع ms4672 بيان لنقض اليمين أو لكونهم كالتي نقضت غزلها ~~من بعد قوة أنكاثا ومحصل المعنى أنكم كمثلها إذ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ~~فتؤكدونها وتعقدونها ثم تخونون وتخدعون بنقضها ونكثها والله ينهاكم عنه. # وذكر بعضهم أن قوله: "تتخذون أيمانكم" إلخ، جملة استفهامية محذوفة الأداة ~~والاستفهام للإنكار. # وقوله: "إنما يبلوكم الله به" إلخ، أي إن ذلك امتحان إلهي يمتحنكم به ~~وأقسم ليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون فتعلمون عند ذلك ما ~~حقيقة ما أنتم عليه اليوم من التكالب على الدنيا وسلوك سبيل الباطل لإماطة ~~الحق ودحضه ويتبين لكم يومئذ من هو الضال ومن هو المهتدي. PageV12P173 # قوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء" إلخ، لما انجر الكلام إلى ذكر اختلافهم عقب ذلك ببيان أن اختلافهم ~~ليس بناقض للغرض الإلهي في خلقهم ولا أنهم معجزون له سبحانه ولو شاء لجعلهم ~~أمة واحدة لا اختلاف بينهم ولكن الله سبحانه جعلهم مختلفين بالهداية ~~والإضلال فهدى قوما وأضل آخرين. # وذلك أنه تعالى وضع سعادة الإنسان وشقاءه على أساس الاختيار وعرفهم ~~الطاعة المفضية إلى غاية السعادة والمعصية المؤدية إلى غاية الشقاء فمن سلك ~~مسلك المعصية واجتاز للضلال جازاه الله ذلك، ومن ركب سبيل الطاعة واختار ~~الهدى جازاه الله ذلك وسيسألهم جميعا عما عملوا واختاروا. # وبما تقدم يظهر أن المراد بجعلهم أمة واحدة رفع الاختلاف من بينهم وحملهم ~~على الهدى والسعادة، وبالإضلال والهداية ما هو على سبيل المجازاة لا الضلال ~~والهدى الابتدائيان فإن الجميع على هدى فطري فالذي يشاء الله ضلاله فيضله ~~هو من اختار المعصية على الطاعة من غير رجوع ولا ندم، والذي شاء الله هداه ~~فهداه هو من بقي على هداه الفطري وجرى على الطاعة أو تاب ورجع عن المعصية ~~صراطا مستقيما وسنة إلهية ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله ~~تحويلا. # وأن قوله: "ولتسألن عما كنتم تعملون" لدفع ما يسبق إلى الوهم أن استناد ~~الضلال والهدى إليه سبحانه يبطل تأثير اختيارهم في ذلك وتبطل بذلك ms4673 الرسالة ~~وتلغو الدعوة فأجيب بأن السؤال باق على حاله لما أن اختياركم لا يبطل بذلك ~~بل الله سبحانه يمد لكم من الضلال والهدى ما أنتم تختارونه بالركون إلى ~~معصيته أو بالإقبال إلى طاعته. # قوله تعالى: "ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها" إلى ~~آخر الآية، قال في المفردات: الصدود والصد قد يكون انصرافا عن الشيء ~~وامتناعا نحو "يصدون عنك صدودا" وقد يكون صرفا ومنعا نحو "وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل". انتهى. # والآية نهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بعد النهي عن أصل نقض الأيمان لأن ~~لخصوص اتخاذها دخلا مفسدة مستقلة هي ملاك النهي غير المفسدة التي لأصل نقض ~~الأيمان وقد أشار إلى مفسدة أصل النقض بقوله: "وقد جعلتم الله عليكم كفيلا" ~~إلخ، ويشير في هذه الآية إلى مفسدة اتخاذها دخلا بقوله: "فتزل قدم بعد ~~ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم". # والملاكان - كما هو ظاهر - متغايران نعم أحدهما كالمقدمة للآخر كما أن ~~نقض الأيمان كالمقدمة لاتخاذها دخلا فإن الإنسان إذا نقض اليمين لسبب من ~~الأسباب لأول مرة هان عليه أمر النقض ومهد ذلك السبيل إلى النقض ثانيا ~~وثالثا وجعل الحلف ثم النقض وسيلة خدعة وخيانة فلا يلبث دون أن تكون حليف ~~دغل وخدعة وخيانة وغرور ومكر وكيد وكذب وزور لا يبالي ما قال وما فعل ويعود ~~جرثومة فساد يفسد المجتمع الإنساني أينما توجه، ويقع في سبيل غير سبيل الله ~~الذي خطته الفطرة السليمة. # وكيف كان فظاهر قوله: "ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم" نهي استقلالي عن ~~الخدعة باليمين بعد النهي الضمني عنه في الآية السابقة، وقوله: "فتزل قدم ~~بعد ثبوتها" تفريع على المنهي عنه دون النهي أي يتفرع على اتخاذها دخلا أن ~~تزل قدم بعد ثبوتها إلخ، وزلة القدم بعد ثبوتها مثل لنقض اليمين بعد العقد ~~والتوكيد والزوال عن الموقف الذي ارتكز فيه فإن ثبات الإنسان واستقامته على ~~ما عزم عليه واهتم به من كرائم الإنسانية وأصول فضائلها وعليه بناء الدين ~~الإلهي، وحفظ اليمين ms4674 على توكيده قدم من الأقدام التي يتم بها هذا الأصل ~~الوسيع، وكأنه لذلك جيء بالقدم نكرة في قوله: "فتزل قدم" إلخ. # وقوله: "وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم" معطوف على ~~قوله: "تزل قدم" إلخ، وبيان نتيجته كما أنه بيان نتيجة وعاقبة لقوله: "لا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا" وبذلك يظهر أن قوله: "بما صددتم عن سبيل الله" بمنزلة ~~التفسير لقوله: "فتزل قدم بعد ثبوتها". # والمراد بالصدود عن سبيل الله الإعراض والامتناع عن السنة الفطرية التي ~~فطر الله الناس عليها ودعت الدعوة النبوية إليها من التزام الصدق ~~والاستقامة ورعاية العهود والمواثيق والأيمان والتجنب عن الدغل والخدعة ~~والخيانة والكذب والزور والغرور. PageV12P174 # والمراد بذوق السوء العذاب، وقوله: "ولكم عذاب عظيم" حال عن فاعل "تذوقوا" ~~ويمكن أن يكون المراد بذوق السوء ما ينالهم من آثار الضلال السيئة في ~~الدنيا، وقوله: "ولكم عذاب عظيم" إخبارا عما يحل بهم في الآخرة هذا ما ~~يستفاد من ظاهر الآية الكريمة. # فالمعنى: ولا تتخذوا أيمانكم وسيلة دخل بينكم حتى يؤديكم ذلك إلى الزوال ~~عما ثبتم عليه ونقض ما أبرمتموه، وفيه إعراض عن سبيل الله الذي هو التزام ~~الفطرة والتحرز عن الغدر والخدعة والخيانة والدغل وبالجملة الإفساد في ~~الأرض بعد إصلاحها، ويؤديكم ذلك إلى أن تذوقوا السوء والشقاء في حياتكم ~~الدنيا ولكم عذاب عظيم في الأخرى. # وذكر بعضهم: أن الآية مختصة بالنهي عن نقض بيعة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) على ما استقرت عليه السنة في صدر الإسلام، وأن الآية نزلت في ~~الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على نصرة الإسلام وأهله ~~فنهاهم الله عن نقض تلك البيعة، وعلى هذا فالمراد بالصد عن سبيل الله صرف ~~الناس ومنعهم عن اتباع دين الله كما أن المراد بزلة قدم بعد ثبوتها الردة ~~بعد الإسلام والضلال بعد الرشد. # وفيه أن السياق لا يساعد على ذلك، وعلى تقدير التسليم خصوص المورد لا ~~ينافي عموم الآية. # قوله تعالى: "ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم ms4675 ~~إن كنتم تعلمون" قال في المفردات:، كل ما يحصل عوضا عن شيء فهو ثمنه، انتهى. # والظاهر أن الآية نهي عن نقض العهد بعد ما تقدم الأمر بالوفاء به اعتناء ~~بشأنه كما جرى مثل ذلك في نقض الأيمان، والآية مطلقة، والمراد بعهد الله ~~العهد الذي عوهد به الله مطلقا، والمراد بالاشتراء به ثمنا قليلا بقرينة ~~ذيل الآية أن يبدل العهد من شيء من حطام الدنيا فينقض لنيله فسمى المبدل ~~منه ثمنا لأنه عوض كما تقدم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" في مقام التعليل لقوله في ~~الآية السابقة: "ما عند الله هو خير لكم" وقد وجهه بأن الذي عندكم أي في ~~الحياة الدنيا التي هي حياة مادية قائمة على أساس التبدل والتحول منعوتة ~~بنعت الحركة والتغير زائل نافد، وما عند الله سبحانه مما يعد المتقين منكم ~~باق لا يزول ولا يفنى والباقي خير من النافد بصريح حكم العقل. # واعلم أن قوله: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" على ما في لفظه من ~~الإطلاق قاعدة كلية غير منقوضة باستثناء، تحتها جزئيات كثيرة من المعارف ~~الحقيقية. # قوله تعالى: "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" لما كان ~~الوفاء بالعهد مستلزما للصبر على مر مخالفة هوى النفس في نقضه والاسترسال ~~فيما تشتهيه، صرف الكلام عن ذكر أجر خصوص الموفين بالعهد إلى ذكر أجر مطلق ~~الصابرين في جنب الله. # فقوله: "ولنجزين الذين صبروا أجرهم" وعد مؤكد على مطلق الصبر سواء كان ~~صبرا على الطاعة أو عن المعصية أو عند المصيبة غير أنه يجب أن يكون صبرا في ~~جنب الله ولوجه الله فإن السياق لا يساعد على غيره. # وقوله: "بأحسن ما كانوا يعملون" الباء للمقابلة كما في قولنا: بعت هذا ~~بهذا، وليس المراد بأحسن ما كانوا يعملون الأحسن من أعمالهم في مقابل الحسن ~~منها بأن يميز الله سبحانه بين أعمالهم الحسنة فيقسمها إلى حسن وأحسن ثم ~~يجزيهم بأحسنها ويلغي الحسن كما ذكره بعضهم فإن المقام لا يؤيده، وآيات ~~الجزاء ms4676 تنفيه والرحمة الواسعة الإلهية تأباه. # وليس المراد به الواجبات والمستحبات من أعمالهم قبال المباحات التي أتوا ~~بها فإنها لا تخلو من حسن كما ذكره آخرون. # فإن الكلام ظاهر في أن المراد بيان الأجر على الأعمال المأتي بها في ظرف ~~الصبر مما يرتبط به ارتباطا، وواضح أن المباحات التي يأتي بها الصابر في ~~الله لا ارتباط لها بصبره فلا وجه لاعتبارها بين الأعمال ثم اختيار الأحسن ~~من بينها. # على أنه لا مطمع لعبد في أن يثيبه الله على ما أتى به من المباحات حتى ~~يبين له أن الثواب في مقابل ما أتى به من الواجبات والمستحبات التي هي أحسن ~~مما أتى به من المباحات فيكون ذكر الحسن مستدركا زائدا. # ومن هنا يظهر أن ليس المراد به النوافل بناء على عدم الإلزام فيها فتكون ~~أحسن ما عمل فإن كون الواجب مشتملا من المصلحة الموجبة للحسن على أزيد من ~~النقل معلوم من الخطابات التشريعية بحيث لا يرتاب فيه. PageV12P175 # بل المراد بذلك أن العمل الذي يأتون به وله في نوعه ما هو حسن وما هو أحسن ~~فالله سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه ~~فالصلاة التي يصليها الصابر في الله يجزيه الله سبحانه لها أجر الفرد ~~الأحسن من الصلاة وإن كانت ما صلاها غير أحسن وبالحقيقة يستدعي الصبر أن لا ~~يناقش في العمل ولا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيات المقتضية لخسته ورداءته ~~كما يفيده قوله تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". # ويستفاد من الآية أن الصبر في الله يوجب كمال العمل وفي قوله: ~~"ولنجزينهم" إلخ، التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير كما قيل، والذي ~~أظنه أنه رجوع إلى السياق السابق في الآيات وكان سياق التكلم مع الغير، ~~وإنما الالتفات في قوله تعالى قبل بضع آيات: "إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان" والوجه فيه أن هذه الآية وما بعدها من الآيات المسرودة إلى هذه ~~الغاية مشتملة على عدة من الأوامر والنواهي الإلهية، والأنسب بالأمر والنهي ms4677 ~~أن يستندا إلى أعظم مقامات مصدرهما وأقواها ليتأيدا بذلك، وهذه صناعة ~~معمولة في المحاورات فيقال: إن الملك يأمر بكذا وإن مولاك يقول لك كذا، ولا ~~يقال: فلان بن فلان يأمر أو يقول. # فكان من الأنسب أن يسند هذه التكاليف إلى مقام الجلالة، ويقال بالالتفات ~~من التكلم مع الغير إلى الغيبة: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" إلخ. # ولذلك استمر السياق على هذا النسق في التكاليف التالية أيضا فقيل: ~~"وأوفوا بعهد الله" إلخ، "إنما يبلوكم الله" إلخ، "ولو شاء الله" إلخ، "ولا ~~تشتروا بعهد الله" إلخ، "وما عند الله باق". # ثم رجع إلى السياق السابق وهو التكلم مع الغير فقال: "ولنجزين الذين ~~صبروا" وجرى على ذلك حتى إذا بلغ قوله: "فإذا قرأت القرآن" وهو حكم التفت ~~ثانيا فقال: "فاستعذ بالله" وأحسن ما يجلي المعنى الذي ذكرناه قوله تعالى ~~بعده: "وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل" حيث جمع بين الأمرين ~~فأسند تبديل آية مكان آية إلى ضمير التكلم والأعلمية إلى الله عز اسمه. # قوله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" ~~إلى آخر الآية. # وعد جميل للمؤمنين إن عملوا عملا صالحا وبشرى للإناث أن الله لا يفرق ~~بينهن وبين الذكور في قبول إيمانهن ولا أثر عملهن الصالح الذي هو الإحياء ~~بحياة طيبة والأجر بأحسن العمل على الرغم مما بنى عليه أكثر الوثنية وأهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى من حرمان المرأة من كل مزية دينية أو جلها وحط ~~مرتبتها من مرتبة الرجل ووضعها وضعا لا يقبل الرفع البتة. # فقوله: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن" حكم كلي من قبيل ضرب ~~القاعدة لمن عمل صالحا أي من كان وقد قيده بكونه مؤمنا وهو في معنى ~~الاشتراط فإن العمل ممن ليس مؤمنا حابط لا يترتب عليه أثر، كما قال تعالى: ~~"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله": المائدة: 5، وقال: "وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون": هود: 16. # وقوله: "فلنحيينه حياة طيبة" الإحياء إلقاء الحياة ms4678 في الشيء وإفاضتها ~~عليه فالجملة بلفظها دالة على أن الله سبحانه يكرم المؤمن الذي يعمل صالحا ~~بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامة، وليس المراد به ~~تغيير صفة الحياة فيه وتبديل الخبيثة من الطيبة مع بقاء أصل الحياة على ما ~~كانت عليه، ولو كان كذلك لقيل: فلنطيبن حياته. # فالآية نظيرة قوله: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس": الأنعام: 122، وتفيد ما يفيده من تكوين حياة ابتدائية جديدة. # وليس من التسمية المجازية لأن الآيات المتعرضة لهذا الشأن ترتب عليه آثار ~~الحياة الحقيقية كقوله تعالى: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه": المجادلة: 22، وكقوله في آية الأنعام المنقولة آنفا: "وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس" فإن المراد بهذا النور العلم الذي يهتدي به الإنسان إلى ~~الحق في الاعتقاد والعمل قطعا. # وكما أن له من العلم والإدراك ما ليس لغيره كذلك له من موهبة القدرة على ~~إحياء الحق وإماطة الباطل ما ليس لغيره، وقد قال سبحانه: "وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين": الروم: 47، وقال: "من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون": المائدة: 69. PageV12P176 # وهذا العلم والقدرة الحديثان يمهدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها ~~فيقسمها قسمين حق باق وباطل فان، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو ~~الحياة الدنيا بزخارفها الغارة الفتانة ويعتز بعزة الله فلا يستذله الشيطان ~~بوساوسه ولا النفس بأهوائها وهوساتها ولا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من ~~بطلان أمتعتها وفناء نعمتها. # ويتعلق قلبه بربه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته فلا يريد إلا وجهه ولا ~~يحب إلا قربه ولا يخاف إلا سخطه وبعده، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلدة ~~لا يدبر أمرها إلا ربه الغفور الودود، ولا يواجهها في طول مسيرها إلا الحسن ~~الجميل فقد أحسن كل شيء خلقه، ولا قبيح إلا ما قبحه الله من معصيته. # فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوة والعزة واللذة ~~والسرور ما لا يقدر بقدر، وكيف لا؟ ms4679 وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها ~~ونعمة باقية لا نفاد لها ولا ألم فيها ولا كدورة تكدرها، وخير وسعادة لا ~~شقاء معها، هذا ما يؤيده الاعتبار وينطق به آيات كثيرة من القرآن لا حاجة ~~إلى إيرادها على كثرتها. # فهذه آثار حيوية لا تترتب إلا على حياة حقيقية غير مجازية، وقد رتبها ~~الله سبحانه على هذه الحياة التي يذكرها ويخصها بالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهي حياة حقيقية جديدة يفيضها الله سبحانه عليهم. # وليست هذه الحياة الجديدة المختصة بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة ~~وإن كانت غيرها فإنما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد فلا يتعدد بها الإنسان، ~~كما أن الروح القدسية التي يذكرها الله سبحانه للأنبياء لا توجب لهم إلا ~~ارتفاع الدرجة دون تعدد الشخصية. # هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وهو حقيقة قرآنية وبه يظهر وجه ~~توصيفها بالطيب في قوله: "حياة طيبة" كأنها - كما اتضح - حياة خالصة لا خبث ~~فيها يفسدها في نفسها أو في أثرها. # وللمفسرين في الآية وجوه من التفسير: منها: أن الحياة الطيبة هي الحياة ~~التي تكون في الجنة فلا موت فيها ولا فقر ولا سقم ولا أي شقاء آخر. # ومنها: أنها الحياة التي تكون في البرزخ ولعل التخصيص من حمل ذيل الآية ~~على جنة الآخرة. # ومنها: أنها الحياة الدنيوية المقارنة للقناعة والرضا بما قسم الله ~~سبحانه فإنها أطيب الحياة. # ومنها: أنها الرزق الحلال إذ لا عقاب عليه. # ومنها: أنها رزق يوم بيوم. # ووجوه المناقشة فيها لا تكاد تخفى على الباحث المتدبر فلا نطيل بإيرادها. # وقوله: "ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" تقدم الكلام فيه في ~~الآية السابقة، وفي معنى الآية قوله تعالى: "ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب": المؤمن: 40. # قوله تعالى: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم" ~~الاستعاذة طلب المعاذ، والمعنى: إذا قرأت القرآن فاطلب منه تعالى ما دمت ~~تقرؤه أن يعيذك من الشيطان الرجيم أن يغويك، فالاستعاذة المأمور بها حال ~~نفس القارىء ما ms4680 دام يقرأ وقد أمر أن يوجدها لنفسه ما دام يقرأ، وأما قول ~~القارىء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو ما يشابهه من اللفظ فهو سبب ~~لإيجاد معنى الاستعاذة في النفس وليس بنفسها إلا بنوع من المجاز، وقد قال ~~سبحانه: استعذ بالله، ولم يقل: قل أعوذ بالله. # وبذلك يظهر أن قول بعضهم: إن المراد بالقراءة إرادتها فهي مجاز مرسل من ~~قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب لا يخلو عن تساهل. # قوله تعالى: "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون" في ~~مقام التعليل للأمر الوارد في الآية السابقة أي استعذ بالله حين القراءة ~~ليعيذك منه لأنه ليس له سلطان على من آمن بالله وتوكل عليه. # ويظهر من الآية أولا: أن الاستعاذة بالله توكل عليه فإنه سبحانه بدل ~~الاستعاذة في التعليل من التوكل ونفى سلطانه عن المتوكلين. # وثانيا: أن الإيمان والتوكل ملاك صدق العبودية كقوله تعالى لإبليس: "إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42، فنفى ~~سلطانه عن عباده وقد بدل العباد في هذه الآية من الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون، والاعتبار يساعد عليه فإن التوكل وهو إلقاء زمام التصرف في أمور ~~نفسه إلى غيره والتسليم لما يؤثره له منها أخص آثار العبودية. PageV12P177 # قوله تعالى: "إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون" ضمائر ~~الإفراد الثلاثة للشيطان أي ينحصر سلطان الشيطان في الذين يتخذونه وليا لهم ~~يدبر أمورهم كما يريد، وهم يطيعونه، وفي الذين يشركون به إذ يتخذونه وليا ~~من دون الله وربا مطاعا غيره فإن الطاعة عبادة كما يشير إليه قوله: "ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني": يس: 61. # وبذلك يظهر أولا: أن ذيل الآية يفسر صدرها، وأن تولي من لم يأذن الله في ~~توليه شرك بالله وعبادة لغيره. # وثانيا: أن لا واسطة بين التوكل على الله، وتولي الشيطان وعبادته، فمن لم ~~يتوكل على الله فهو من أولياء الشيطان. # وربما قيل: إن ضمير الإفراد في قوله: ms4681 "والذين هم به مشركون" راجع إليه ~~تعالى، وتفيد الآية حينئذ أن سلطانه على طائفتين: المشركين والذين يتولونه ~~من الموحدين هذا: ولزوم اختلاف الضمائر يدفعه. # قوله تعالى: "وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما ~~أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون" إشارة إلى النسخ وحكمته، وجواب عما اتهموه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) به من الافتراء على الله، والظاهر من سياق ~~الآيات أن القائلين هم المشركون وإن كانت اليهود هم المتصلبين في نفي النسخ ~~ومن المحتمل أن تكون الكلمة مما تلقفه المشركون من اليهود فكثيرا ما كانوا ~~يراجعونهم في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقوله: "وإذا بدلنا آية مكان آية" قال في المفردات:، الإبدال والتبديل ~~والتبدل والاستبدال جعل شيء مكان آخر، وهو أعم من العوض فإن العوض هو أن ~~يصير لك الثاني بإعطاء الأول، والتبديل قد يقال للتغيير مطلقا وإن لم يأت ~~ببدله قال تعالى: "فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم" - إلى أن قال - ~~وقال - تعالى: "فمن بدله بعد ما سمعه" "وإذا بدلنا آية مكان آية" و"بدلناهم ~~بجنتيهم جنتين" "ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة" انتهى موضع الحاجة. # فالتبديل بمعنى التغيير يخالف التبديل بمعناه المعروف في أن مفعوله الأول ~~هو المأخوذ والمطلوب بخلافه بالمعنى المعروف فمعنى قوله: "وإذا بدلنا آية" ~~مكان آية معناه وضعنا الآية الثانية مكان الأولى بالتغيير فكانت الثانية ~~المبدلة هي الباقية المطلوبة. # وقوله: "والله أعلم بما ينزل" كناية عن أن الحق لم يتعد مورده وأن الذين ~~أنزله هو الحقيق بأن ينزل فإن الله أعلم به منهم، والجملة حالية. # وقوله: "قالوا إنما أنت مفتر" القول للمشركين يخاطبون النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ويتهمونه بأنه يفتري على الله الكذب فإن تبديل قول مكان ~~قول، والثبات على رأي ثم العدول عنه مما يتنزه عنه ساحة رب العزة. # وقد بالغوا في قولهم إذ لم يقولوا: افتريت في هذه التبديل والنسخ بل ~~قالوا: "إنما أنت مفتر" فقصروه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الافتراء، ~~وأتوا بالجملة ms4682 الاسمية وسموه مفتريا، وقد بنوا ذلك على أن ما جاء به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ واحد وهو يسند الجميع إلى ربه ويقول: ~~إنما أنا نذير فإذا كان مفتريا في واحد كان مفتريا في الجميع فليس إلا ~~مفتريا. # وقوله: "بل أكثرهم لا يعلمون" أي أكثر هؤلاء المشركين الذين يتهمونك ~~بقولهم: "إنما أنت مفتر" لا يعلمون حقيقة هذا التبديل والحكمة المؤدية إليه ~~على ما سينكشف في الجواب أن الأحكام الإلهية تابعة لمصالح العباد ومن ~~المصالح ما يتغير بتغير الأوضاع والأحوال والأزمنة فمن الواجب أن يتغير ~~الحكم بتغير مصلحته فينسخ الحكم الذي ارتفعت مصلحته الموجبة له بحكم آخر ~~حدثت مصلحته. # فأكثر هؤلاء غافلون عن هذا الأمر وأما الأقل منهم فهم واقفون على حقيقة ~~الأمر ولو إجمالا غير أنهم مستكبرون على الحق معاندون له وإنما يلقون القول ~~إلقاء من غير رعاية جانب الحق. PageV12P178 # قوله تعالى: "قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين" قد تقدمت في أول السورة إشارة إلى معنى الروح، والقدس الطهارة ~~والنزاهة والظاهر أن الإضافة للاختصاص أي روح طاهرة عن قذارات المادة نزيهة ~~عن الخطإ والغلط والضلال، وهو المسمى في موضع آخر من كلامه تعالى بالروح ~~الأمين، وفي موضع آخر بجبريل من الملائكة قال تعالى: "نزل به الروح الأمين ~~على قلبك": الشعراء: 194، وقال: "من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك"،: ~~البقرة: 97. # فقوله: "قل نزله روح القدس من ربك" أمر بالجواب والأسبق إلى الذهن أن ~~يكون الضمير راجعا إلى القرآن من جهة كونه ناسخا أي الآية الناسخة، ويمكن ~~أن يكون راجعا إلى مطلق القرآن، وفي التعبير بالتنزيل دون الإنزال إشارة ~~إلى التدريج. # وكان من طبع الكلام أن يقال: من ربي لكن عدل عنه إلى قوله: "من ربك" ~~للدلالة على كمال العناية والرحمة في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنه ~~لا يرضى بانقطاع خطابه فيغتنم الفرصة لتكليمه أينما أمكن، وليدل على أن ~~المراد بالقول المأمور به إخبارهم بذلك لا مجرد التلفظ بهذه ms4683 الألفاظ فافهم. # وقوله: "ليثبت الذين آمنوا" التثبيت تحكيم الثبات وتأكيده بإلقاء الثبات ~~بعد الثبات عليهم كأنهم بأصل إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر ثبتوا على ~~الحق وبتجدد الحكم حسب تجدد المصلحة يؤتون ثباتا على ثبات من غير أن يضعف ~~ثباتهم الأول بالمضي على أعمال لا تطابق مصلحة الوقت فإن من الواضح أن من ~~أمر بسلوك سبيل لمصلحة غاية فأخذ بسلوكه عن إيمان بالأمر الهادي فقطع قطعة ~~منه على حسب ما يأمره به رعاية لمصلحة الغاية بسرعة أو بطء أو في ليل أو ~~نهار ثم تغير نحو المصلحة فلو لم يغير الأمر الهادي نحو السلوك واستمر على ~~أمره السابق لضعف إيمان السالك وانسلب أركانه لكن لو أمر بنحو جديد من ~~السلوك يوافق المصلحة ويضمن السعادة زاد إيمانه ثباتا على ثبات. # ففي تنزيل القرآن بالنسخ وتجديد الحكم حسب تجدد المصلحة تثبيت للذين ~~آمنوا وإعطاء لهم ثباتا على ثبات. # وقوله: "وهدى وبشرى للمسلمين" وهم الذين يسلمون الحكم لله من غير اعتراض ~~فالآية الناسخة بالنسبة إليهم إراءة طريق وبشارة بالسعادة والجنة. # وتفريق الآثار بتخصيص التثبيت بالمؤمنين والهدى والبشرى بالمسلمين إنما ~~هو لما بين الإيمان والإسلام من الفرق فالإيمان للقلب ونصيبه التثبت في ~~العلم والإذعان والإسلام في ظاهر العمل ومرحلة الجوارح ونصيبها الاهتداء ~~إلى واجب العمل، والبشرى بأن الغاية هي الجنة والسعادة. # وقد مر بعض الكلام في النسخ في تفسير قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها": البقرة: 106 في الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر" افتراء آخر منهم على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قولهم: "إنما يعلمه بشر" وهو كما يلوح ~~إليه سياق اعتراضهم وما ورد في الجواب عنه أنه كان هناك رجل أعجمي غير فصيح ~~في منطقه عنده شيء من معارف الأديان وأحاديث النبوة ربما لاقاه النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فاتهموه بأنه يأخذ ما يدعيه وحيا منه والرجل هو الذي ~~يعلمه وهو الذي حكاه الله تعالى من ms4684 قولهم: "إنما يعلمه بشر" وفي القول ~~إيجاز، وتقديره: إنما يعلمه بشر وينسب ما تعلمه منه إلى الله افتراء عليه، ~~وهو ظاهر. # ومن المعلوم أن الجواب عنه بمجرد أن لسان الرجل أعجمي والقرآن عربي مبين ~~لا يحسم مادة الشبهة من أصلها لجواز أن يلقي إليه المطالب بلسانه الأعجمي ~~ثم يسبكها هو (صلى الله عليه وآله وسلم) ببلاغة منطقه في قالب العربية ~~الفصيحة بل هذا هو الأسبق إلى الذهن من قولهم: "إنما يعلمه بشر" حيث عبروا ~~عن ذلك بالتعليم دون التلقين والإملاء، والتعليم أقرب إلى المعاني منه إلى ~~الألفاظ. # وبذلك يظهر أن قوله: "لسان الذي يلحدون إليه - إلى قوله - مبين" ليس وحده ~~جوابا عن شبهتهم بل ما يتلوه من الكلام إلى تمام آيتين من تمام الجواب. PageV12P179 # وملخص الجواب مأخوذ من جميع الآيات الثلاث أن ما اتهمتموه به أن بشرا يعلمه ~~ثم هو ينسبه إلى الله افتراء إن أردتم أنه يعلمه القرآن بلفظه بالتلقين ~~عليه وأن القرآن كلامه لا كلام الله فجوابه أن هذا الرجل لسانه أعجمي وهذا ~~القرآن عربي مبين. # وإن أردتم أن الرجل يعلمه معاني القرآن - واللفظ لا محالة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) - وهو ينسبه إلى الله افتراء عليه فالجواب عنه أن ~~الذي يتضمنه القرآن معارف حقة لا يرتاب ذو لب فيها وتضطر العقول إلى قبولها ~~قد هدى الله النبي إليها فهو مؤمن بآيات الله إذ لو لم يكن مؤمنا لم يهده ~~الله والله لا يهدي من لا يؤمن بآياته وإذ كان مؤمنا بآيات الله فهو لا ~~يفتري على الله الكذب فإنه لا يفتري عليه إلا من لا يؤمن بآياته، فليس هذا ~~القرآن بمفترى، ولا مأخوذا من بشر ومنسوبا إلى الله سبحانه كذبا. # فقوله: "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" جواب عن أول ~~شقي الشبهة وهو أن يكون القرآن بلفظه مأخوذا من بشر على نحو التلقين، ~~والمعنى: أن لسان الرجل الذي يلحدون أي يميلون إليه وينوونه بقولهم: "إنما ~~يعلمه بشر" أعجمي أي غير فصيح بين وهذا ms4685 القرآن المتلو عليكم لسان عربي مبين ~~وكيف يتصور صدور بيان عربي بليغ من رجل أعجمي اللسان. # وقوله: "إن الذين لا يؤمنون" إلى آخر الآيتين جواب عن ثاني شقي الشبهة ~~وهو أن يتعلم منه المعاني ثم ينسبها إلى الله افتراء. # والمعنى: إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ويكفرون بها لا يهديهم الله إليه ~~وإلى معارفه الحقة الظاهرة ولهم عذاب أليم، والنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مؤمن بآيات الله لأنه مهدي بهداية الله، وإنما يفتري الكذب وينسبه ~~إلى الله الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون المستمرون على ~~الكذب، وأما مثل النبي المؤمن بآيات الله فإنه لا يفتري الكذب ولا يكذب ~~فالآيتان كنايتان عن أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهدي بهداية الله ~~مؤمن بآياته ومثله لا يفتري ولا يكذب. # والمفسرون قطعوا الآيتين عن الآية الأولى وجعلوا الآية الأولى هي الجواب ~~الكامل عن الشبهة وقد عرفت أنها لا تفي بتمام الجواب. # ثم حملوا قوله: "وهذا لسان عربي مبين" على التحدي بإعجاز القرآن في ~~بلاغته، وأنت تعلم أن لا خبر في لفظ الآية عن أن القرآن معجز في بلاغته ولا ~~أثر عن التحدي، ونهاية ما فيه أنه عربي مبين لا وجه لأن يفصح عنه ويلفظه أعجمي. # ثم حملوا الآيتين التاليتين على تهديد أولئك الكفرة بآيات الله الرامين ~~لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء، ووعيدهم بالعذاب الأليم، وقلب ~~الافتراء والكذب إليهم بأنهم أولى بالافتراء والكذب بما أنهم لا يؤمنون ~~بآيات الله فإن الله لم يهدهم. # ثم تكلموا بالبناء عليه في مفردات الآيتين بما يزيد في الابتعاد عن حق ~~المعنى. # وقد عرفت أن ذلك يؤدي إلى عدم كفاية الجواب في حسم الإشكال من أصله. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاصي قال: كنت عند رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا إذ شخص بصره فقال: أتاني جبريل ~~فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة: "إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان - إلى قوله تذكرون". ms4686 أقول: ورواه أيضا عن ابن عباس عن عثمان بن ~~مظعون رضي الله عنه. وفي المجمع، وجاءت الرواية أن عثمان بن مظعون قال: كنت ~~أسلمت استحياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكثرة ما كان يعرض ~~علي الإسلام ولم يقر الإسلام في قلبي فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص ~~بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا فلما سري عنه سألته عن حاله فقال: نعم ~~بينا أنا أحدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية: "إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان" فقرأها علي إلى آخرها فقر الإسلام في قلبي. وأتيت ~~عمه أبا طالب فأخبرته فقال: يا آل قريش اتبعوا محمدا ترشدوا فإنه لا يأمركم ~~إلا بمكارم الأخلاق، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الآية فقال: ~~إن كان محمد قاله فنعم ما قال، وإن قاله ربه فنعم ما قال. قال: فأنزل الله: ~~"أفرأيت الذي تولى - وأعطى قليلا وأكدى" الحديث. PageV12P180 # وفيه، عن عكرمة قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية على ~~الوليد بن المغيرة فقال: يا بن أخي أعد فأعاد فقال: إن له لحلاوة وإن له ~~لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق وما هو قول البشر. وفي تفسير ~~القمي، بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام): في الآية: ليس ~~لله في عباده أمر إلا العدل والإحسان. وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه ~~بإسناده عن عمرو بن عثمان قال: خرج علي (عليه السلام) على أصحابه وهم ~~يتذاكرون المروءة فقال: أين أنتم من كتاب الله؟ قالوا يا أمير المؤمنين في ~~أي موضع؟ فقال: في قوله عز وجل: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" فالعدل ~~الإنصاف والإحسان التفضل. أقول: ورواه العياشي عن عمرو بن عثمان العاصي عنه ~~(عليه السلام)، ورواه في الدر المنثور، عن ابن النجار في تاريخه من طريق ~~العكلي عن أبيه عنه (عليه السلام) ولفظه: مر علي بن أبي طالب بقوم يتحدثون ~~فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أوما كفاكم الله عز وجل ذاك ~~في ms4687 كتابه إذ يقول الله: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" فالعدل الإنصاف ~~والإحسان التفضل. # أقول: وقد ورد في عدة روايات تفسير العدل بالتوحيد أو بالشهادتين وتفسير ~~الإحسان بالولاية: وفي أخرى إرجاع تحريم نقض العهد بوجوب الثبات على ~~الولاية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى - وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" الآية، قال: قال (عليه السلام): القنوع. وفي ~~المعاني، بإسناده عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قيل له: إن أبا الخطاب يذكر عنك أنك قلت: إذا عرفت الحق فاعمل ~~بما شئت، فقال: لعن الله أبا الخطاب والله ما قلت هكذا ولكني قلت له: إذا ~~عرفت الحق فاعمل ما شئت من خير يقبل منك إن الله عز وجل يقول: "من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى - وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب" ويقول: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى - وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة". # أقول: وهو ما قدمناه في معنى الآية. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت ~~له: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله - إلى قوله يتوكلون" فقال: يا محمد ~~يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه قد سلط على أيوب فشوه ~~خلقه ولم يسلط على دينه، وقد يسلط من المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على ~~دينهم. قلت له: قوله عز وجل: "إنما سلطانه على الذين يتولونه - والذين هم ~~به مشركون" قال: الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم. ~~أقول: ورواه العياشي عن أبي بصير عنه (عليه السلام) وإرجاع ضمير "به" إلى ~~الله أحد المعنيين في الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن ~~عباس: في قوله: "إنما يعلمه بشر" قال: قالوا: إنما يعلم محمدا عبدة بن ~~الحضرمي وهو صاحب الكتب، فقال الله: "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي - وهذا ~~لسان عربي مبين". وفي تفسير العياشي، عن محمد بن ms4688 عزامة الصيرفي عمن أخبره ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق روح القدس فلم يخلق ~~خلقا أقرب إلى الله منها وليست بأكرم خلقه عليه، فإذا أراد أمرا ألقاه ~~إليها فألقاه إلى النجوم فجرت به قوله تعالى 1 ولقد نعلم أنهم يقولون - ~~إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه" وهو لسان أبي فكيهة مولى بني ~~الحضرمي كان "أعجمي" اللسان وكان قد اتبع نبي الله وآمن به، وكان من أهل ~~الكتاب فقالت قريش: هذا والله يعلم محمدا علمه بلسانه، يقول الله: "وهذا ~~لسان عربي مبين". أقول: والروايات في هذا الرجل مختلفة ففي هذه الرواية أنه ~~أبو فكيهة مولى بني الحضرمي، وفي الرواية السابقة أنه عبدة بن الحضرمي، وعن ~~قتادة أنه عبدة بن الحضرمي وكان يسمى مقيص، وعن السدي أنه كان عبدا لبني ~~الحضرمي نصرانيا، كان قد قرأ التوراة والإنجيل يقال له أبو بشر، وعن مجاهد ~~أنه ابن الحضرمي كان أعجميا يتكلم بالرومية، وعن ابن عباس أيضا في رواية ~~أنه كان قينا بمكة اسمه بلعام وكان عجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا: إنما ~~يعلمه بلعام. PageV12P181 # والمتيقن من مضامينها أنه كان رجلا روميا مولى لبني الحضرمي يسكن مكة ~~نصرانيا له خبرة بكتب أهل الكتاب رموه بأنه يعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في ~~الآية قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، فأنزل الله: "لسان ~~الذي يلحدون إليه أعجمي". # أقول: وهو لا يلائم كون الآية مكية. # وفيه، أخرج ابن الخرائطي في مساوي الأخلاق وابن عساكر في تاريخه عن عبد ~~الله بن جراد: أنه سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل يزني المؤمن؟ ~~قال: قد يكون ذلك، قال: هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك، قال: هل يكذب ~~المؤمن؟ قال: لا، ثم أتبعها نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما ~~يفتري الكذب - الذين ms4689 لا يؤمنون". وفي تفسير العياشي، عن العباس بن الهلال ~~عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): أنه ذكر رجلا كذابا ثم قال: قال الله: ~~"إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون". PageV12P182 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 106 - 111 # من كفر بالله من بعد إيمنه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمن ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم استحبوا ~~الحيوة الدنيا على الاخرة وأن الله لا يهدى القوم الكفرين (107) أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصرهم وأولئك هم الغفلون (108) لا جرم ~~أنهم فى الاخرة هم الخسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) يوم تأتى كل نفس تجدل عن ~~نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) ### |||| AUTO بيان # في الآيات وعيد على الكفر بعد الإيمان وهو الارتداد ووعد جميل للمهاجرين ~~من بعد ما فتنوا المجاهدين الصابرين في الله، وفيها تعرض لحكم التقية. # قوله تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره" الاطمئنان السكون ~~والاستقرار، والشرح البسط، قال في المفردات: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه، ~~يقال: شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة ~~الله وروح منه، قال تعالى: "رب اشرح لي صدري" "ألم نشرح لك صدرك" "أفمن شرح ~~الله صدره" وشرح المشكل من الكلام بسطه وإظهار ما يخفى من معانيه. # انتهى. # وقوله: "من كفر بالله من بعد إيمانه" شرط جوابه قوله: "فعليهم غضب من ~~الله" وعطف عليه قوله: "ولهم عذاب عظيم" وضمير الجمع في الجزاء عائد إلى ~~اسم الشرط "من" لكونه بحسب المعنى كليا ذا أفراد. # وقوله: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" استثناء من عموم الشرط ~~والمراد بالإكراه الإجبار على كلمة الكفر والتظاهر به فإن القلب لا يقبل ~~الإكراه والمراد أستثني من أكره على الكفر بعد الإيمان فكفر في الظاهر ~~وقلبه مطمئن بالإيمان. # وقوله: "ولكن من شرح بالكفر صدرا" أي بسط صدره للكفر فقبله قبول ms4690 رضى ~~ووعاه، والجملة استدراك من الاستثناء فيعود إلى معنى المستثنى منه فإن ~~المعنى ما أريد بقولي: "من كفر بالله من بعد إيمانه" من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن أريد به من شرح بالكفر صدرا، وفي مجموع الاستثناء والاستدراك ~~بيان كامل للشرط، وهذه هي النكتة لاعتراض الاستثناء بين الشرط والجزاء وعدم ~~تأخيره إلى أن تتم الشرطية. # وقيل: قوله: "من كفر" بدل من "الذين لا يؤمنون بآيات الله" في الآية ~~السابقة، وقوله: "وأولئك هم الكاذبون" جملة معترضة، وقوله: "إلا من أكره" ~~استثناء من ذلك وقوله: "ولكن من شرح" مبتدأ خبره أو القائم مقام خبره قوله: ~~"فعليهم غضب من الله". # والمعنى - على هذا - إنما يفتري الكذب الذين كفروا من بعد إيمانهم إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وعند ذلك تم الكلام ثم بدأ فقال: ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله. # والذوق السليم يكفي مئونة هذا الوجه على ما به من السخافة. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا ~~يهدي القوم الكافرين" بيان لسبب حلول غضب الله بهم وثبوت العذاب العظيم ~~عليهم وهو أنهم اختاروا الحياة الدنيا وهي الحياة المادية التي لا غاية لها ~~إلا التمتع الحيواني والاشتغال بمشتهيات النفس على الآخرة التي هي حياة ~~دائمة مؤبدة في جوار رب العالمين وهي غاية الحياة الإنسانية. # وبعبارة أخرى هؤلاء لم يريدوا إلا الدنيا وانقطعوا عن الآخرة وكفروا بها ~~والله لا يهدي القوم الكافرين وإذ لم يهدهم الله ضلوا عن طريق السعادة ~~والجنة والرضوان فوقعوا في غضب من الله وعذاب عظيم. # قوله تعالى: "أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون" إشارة إلى أن اختيار الحياة الدنيا على الآخرة والحرمان من هداية ~~الله سبحانه هو الوصف الذي يوصف به الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم والذين يسمون غافلين. PageV12P183 # فإنهم باختيارهم الحياة الدنيا غاية لأنفسهم وحرمانهم من الاهتداء إلى ~~الأخرى انقطعوا عن الآخرة وتعلقوا بالدنيا وجعلوها غاية لأنفسهم فوقف حسهم ~~وعقلهم فيها دون أن يتعدياها ms4691 إلى ما وراءها وهو الآخرة فليسوا يبصرون ما ~~يعتبرون به ولا يسمعون عظة يتعظون بها ولا يعقلون حجة يهتدون بها إلى ~~الآخرة. # فهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فلا تنال قلوبهم ولا سمعهم ~~وأبصارهم ما يدلهم على الآخرة، وهم غافلون عنها لا يتنبهون لشيء من أمرها. # فظهر أن ما في الآية السابقة من الوصف بمنزلة المعرف لما في هذه الآية من ~~الطبع ومن الغفلة فعدم هداية الله إياهم إثر ما تعلقوا بالدنيا هو معنى ~~الطبع والغفلة، والطبع صنع إلهي منسوب إليه تعالى فعله بهم مجازاة والغفلة ~~صفة منسوبة إليهم أنفسهم. # قوله تعالى: "لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون" لأنهم ضيعوا رأس مالهم ~~في الدنيا فبقوا لا زاد لهم يعيشون به في أخراهم، وقد وقع في نظير المقام ~~من سورة هود: "لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون": هود: 22، ولعل وجه ~~التشديد هناك أنه تعالى أضاف إلى صفاتهم هناك أنهم صدوا عن سبيل الله فراجع. # قوله تعالى: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا ~~إن ربك من بعدها لغفور رحيم" الفتنة في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر ~~جودته ثم استعمل في مطلق البلاء والتعذيب، وقد كانت قريش ومشركو مكة يفتنون ~~المؤمنين ليردوهم عن دينهم ويعذبونهم بأنواع العذاب حتى ربما كانوا يموتون ~~تحت العذاب كما فتنوا عمارا وأباه وأمه فقتل أبواه وارتد عمار ظاهرا فتفصى ~~منهم بالتقية وفي ذلك نزلت الآيات السابقة كما سيأتي إن شاء الله في البحث ~~الروائي. # ومن هنا يظهر أن للآية اتصالا بما قبلها من قوله: "إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان" وهي في معنى قولنا: وبعد ذلك كله إن الله غفور رحيم للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا. # فقوله: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا وعد جميل للمهاجرين من ~~بعد ما فتنوا بالمغفرة والرحمة يوم القيامة قبال ما أوعد غيرهم بالخسران ~~التام يومئذ وقد قيد ذلك بالجهاد والصبر بعد المهاجرة. # وقوله: "إن ربك من بعدها ms4692 لغفور رحيم" بمنزلة تلخيص صدر الكلام - لطوله - ~~ليلحق به ذيله، ويفيد فائدة التأكيد كقولنا: زيد في الدار زيد في الدار كذا ~~وكذا، ويفيد أن لما ذكر من قيود الكلام دخلا في الحكم فالله سبحانه لا يرضى ~~عنهم إلا أن يهاجروا ولا عن هجرتهم إلا أن يجاهدوا بعدها ويصبروا. # قوله تعالى: "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم ~~لا يظلمون" إتيان النفس يوم القيامة كناية عن حضورها عند الملك الديان، كما ~~قال: "فإنهم لمحضرون": الصافات: 127 والضمير في قوله: "عن نفسها" للنفس ولا ~~ضير في إضافة النفس إلى ضمير النفس فإن النفس ربما يراد بها الشخص الإنساني ~~كقوله: "من قتل نفسا بغير نفس": المائدة: 22، وربما يراد بها التأكيد ويتحد ~~معناها بما تقدمها من المؤكد سواء كان إنسانا أو غيره، كما يقال: الإنسان ~~نفسه والفرس نفسه والحجر نفسه والسواد نفسه، ويقال: نفس الإنسان ونفس الفرس ~~ونفس الحجر ونفس السواد، وقوله: "عن نفسها" المراد فيه بالمضاف المعنى ~~الثاني وبالمضاف إليه المعنى الأول، وقد دفع التعبير بالضمير بشاعة تكرار ~~اللفظ بالإضافة، وفي هذا المقدار كفاية عن الأبحاث الطويلة التي أوردها ~~المفسرون. # وقوله: "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها" الظرف متعلق بقوله في الآية ~~السابقة: "لغفور رحيم" ومجادلة النفس عن نفسها دفاعها عن نفسها وقد نسيت كل ~~شيء وراء نفسها على خلاف ما كانت عليه في الدنيا من التعلق بكل شيء دون ~~نفسها بنسيانها وليس ذلك إلا لظهور حقيقة الأمر عليها وهي أن الإنسان لا ~~سبيل له إلى ما وراء نفسه، وليس له في الحقيقة إلا أن يشتغل بنفسه. # فاليوم تأتي النفس وتحضر للحساب وهي تجادل وتصر على الدفاع عن نفسها بما ~~تقدر عليه من الأعذار. PageV12P184 # وقوله: "وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون" التوفية إعطاء الحق تاما من ~~غير تنقيص، وقد علق التوفية على نفس العمل إذ قيل: "ما عملت" فأفيد أن الذي ~~أعطيته نفس العمل من غير أن يتصرف فيه بتغيير أو تعويض، وفيه كمال ms4693 العدل ~~حيث لم يضف إلى ما استحقته شيء ولا نقص منه ولذلك عقبه بقوله: "وهم لا ~~يظلمون". ففي الآية إشارة: أولا: إلى أن نفسا لا تدافع يوم القيامة ولا ~~تجادل عن غيرها بل إنما تشتغل بنفسها لا فراغ لها لغيرها كما قال: "يوم لا ~~يغني مولى عن مولى شيئا": الدخان: 41، وقال: "يوم لا ينفع مال ولا بنون": ~~الشعراء: 88، وقال: "يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة: 254. # وثانيا: إلى أن الجدال لا ينفعها في صرف ما استحقتها من الجزاء شيئا فإن ~~الذي تجزاه هو عين ما عملت ولا سبيل إلى تغيير هذه النسبة وليس من الظلم في شيء. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: لما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهاجر إلى المدينة ~~قال لأصحابه: تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ومن لم تكن ~~به قوة فليذهب في أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فالحقوا بي. ~~فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت فأصبحوا بمكة ~~فأخذهم المشركون وأبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعا ~~من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوها إياه قال أحد أحد، وأما ~~خباب فجعلوا يجرونه في الشوك. وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما ~~الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى ~~قتلها ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأخبروه بالذي +" كان "+ من أمرهم واشتد على عمار الذي كان تكلم به ~~فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف كان قلبك حين قلت الذي ~~قلت؟ أكان منشرحا بالذي قلت أم لا؟ قال: لا قال وأنزل الله: "إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان". أقول: والجارية المذكورة في الرواية هي سمية أم ~~عمار، وكان معهم ياسر أبو عمار، ms4694 وقيل: وكان أبو عمار أول شهيدين في ~~الإسلام، وقد استفاضت الروايات على قتلهما بالفتنة وإظهار عمار الكفر تقية ~~ونزول الآية فيه. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن ~~أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه. فلما أتى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: ما وراءك شيء؟ قال: شر. ما تركت حتى نلت منك وذكرت ~~آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن عادوا فعد، ~~فنزلت: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". وفي المجمع، عن ابن عباس ~~وقتادة: أن الآية نزلت في جماعة أكرهوا وهم عمار وياسر أبوه وأمه سمية ~~وصهيب وبلال وخباب عذبوا وقتل أبو عمار وأمه وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا ~~منه ثم أخبر سبحانه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال قوم: كفر ~~عمار فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى ~~قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه. وجاء عمار إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): وهو يبكي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما وراءك؟ فقال: شر ~~يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت ~~الآية. وفي الدر المنثور، أخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ~~ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان ~~أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر وابن فهيرة وقوم من ~~المسلمين وفيهم نزلت هذه الآية: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا. PageV12P185 # أقول: وسمي منهم في بعض الروايات عباس بن أبي ربيعة وفي بعضها الآخر ms4695 هو ~~والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد بن المغيرة وأبو جندل بن سهيل بن ~~عمرو وأجمع رواية في ذلك ما عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت فيمن كان يفتن ~~من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا". # وفي الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~في حديث قال: فأما ما فرض على القلب من الإيمان الإقرار والمعرفة والعقد ~~والرضا والتسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ ~~صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله من ~~نبي أو كتاب: فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو ~~قول الله عز وجل: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - ولكن من شرح بالكفر صدرا. # وفيه، بإسناده عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): ~~إن الناس يروون أن عليا (عليه السلام) قال على منبر الكوفة: يا أيها الناس ~~إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرءوا مني. قال: ~~ما أكثر ما يكذبون الناس على علي (عليه السلام) ثم قال: إنما قال: إنكم ~~ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة وإني لعلى دين محمد ولم يقل: ~~ولا تبرءوا مني. فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ قال: ~~والله ما ذاك عليه وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة ~~وقلبه مطمئن بالإيمان فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندها: يا ~~عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ~~وأمرك أن تعود إن عادوا: أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره، عن معمر ~~بن يحيى بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقوله (عليه السلام): "وأمرك ~~أن تعود إن عادوا" يستفاد ذلك من الآية حيث لم يرد الاستثناء فيها ms4696 من الشخص ~~بل وردت على العنوان وهو إكراه من اطمأن قلبه بالإيمان، وأما كونه أمرا منه ~~تعالى كما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلعل الوجه أن صريح ~~الاستثناء هو الجواز ومع جواز ذلك لا مساغ للإباء الذي هو عرض النفس للقتل ~~وإلقاؤها في التهلكة فيجامع هذا الجواز الوجوب دون الإباحة. # وفي تفسير العياشي، عن عمرو بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أمتي أربعة ~~خصال: ما أخطئوا وما نسوا وما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا، وذلك في كتاب ~~الله: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". PageV12P186 ### ||| AUTO 16 سورة النحل - 112 - 128 # وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ~~ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظلمون (113) فكلوا مما ~~رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب ~~لا يفلحون (116) متع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما ~~قصصنا عليك من قبل وما ظلمنهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك ~~للذين عملوا السوء بجهلة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم (119) إن إبرهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ~~(120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صرط مستقيم (121) وءاتينه فى الدنيا ~~حسنة وإنه فى الاخرة لمن الصلحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ~~ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (124) ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجدلهم ms4697 بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصبرين (126) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا ~~تك فى ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) ### |||| AUTO بيان # تتمة آيات الأحكام السابقة تذكر فيها محرمات الأكل ومحللاته ونهي عن ~~التحليل والتحريم ابتداعا بغير إذن الله وذكر بعض ما شرع لليهود من الأحكام ~~التي نسخت بعد، وفي ذلك عطف على ما تقدم من حديث النسخ في قوله: "وإذا ~~بدلنا آية مكان آية" وإشارة إلى أن ما أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إنما هو دين إبراهيم (عليه السلام) المبني على الاعتدال والتوحيد ~~مرفوعا عنه ما في دين اليهود من التشديد عليهم قبال ظلمهم. # وفي آخرها أمر بالعدل في المعاقبة وندب إلى الصبر والاحتساب، ووعد جميل ~~بالنصرة والكفاية إن اتقوا وأحسنوا. # قوله تعالى: "ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا" ~~إلى آخر الآية، الرغد من العيش هو الواسع الطيب. # هذا مثل ضربه الله تعالى فوصف فيه قرية آتاها ما تحتاج إليه من نعم ~~الحياة، وأتم ذلك كله بنبي بعثه إليهم يدعوهم إلى ما فيه صلاح دنياهم ~~وأخراهم فكفروا بأنعمه وكذبوا رسوله فبدل الله نعمته نقمة وعذبهم بما ظلموا ~~بتكذيب رسوله، وفي المثل تحذير عن كفران نعمة الله بعد إذ بذلت والكفر ~~بآياته بعد إذ أنزل. # وفيه توطئة وتمهيد لما سيذكره من محللات الأكل ومحرماته وينهى عن تشريع ~~الحلال والحرام بغير إذن الله كل ذلك بالاستفادة من سياق الآيات فإن كل ~~سابقة منها تسوق النظر إلى اللاحقة. # وقيل: إن هذه القرية هي مكة عذبهم الله بالجوع سبع سنين لما كفروا بأنعم ~~الله وقد وسعها عليهم وكذبوا رسوله وقد أرسله إليهم فابتلوا بالقحط وكان ~~يغار عليهم قوافلهم بسخط من الله سبحانه لما دعا عليهم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، ذكره في المجمع، ونسبه إلى ابن عباس ms4698 ومجاهد وقتادة. PageV12P187 # وفيه أن لا إشكال في أنه في نفسه يقبل الانطباق على ما ذكر لكن سياق الآيات ~~إنما يلائم كونه مثلا عاما مذكورا توطئة وتمهيدا لما بيناه. # فقوله: "ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا" وصف ~~القرية بثلاثة أوصاف متعاقبة غير أن الأوسط منها وهي الاطمئنان كالرابط بين ~~الطرفين فإن القرية إذا أمنت المخاطرات كمهاجمة الأشرار وشن الغارات وقتل ~~النفوس وسبي الذراري ونهب الأموال وكذا أمنت الحوادث الطبيعية كالزلازل ~~وغيرها اطمأنت وسكنت فلم يضطر أهلها إلى الجلاء والتفرق. # ومن كمال اطمئنانها أن يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ولا يلجأ أهلها إلى ~~الاغتراب وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمل المشاق البالغة في طلب الرزق ~~وجلبه إليها. # فاتصاف القرية بصفاتها الثلاث المذكورة: الأمن والاطمئنان وإتيان رزقها ~~إليها من كل مكان يتم ويكمل لها جميع النعم المادية الصورية، وسيضيف سبحانه ~~إليها النعم المعنوية في الآية التالية: "ولقد جاءهم رسول منهم" فهي قرية ~~أتم الله نعمه عليها وأكملها. # وقوله: "فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع" والخوف التعبير بأنعم ~~الله وهو جمع قلة للإشارة بها إلى الأصناف المذكورة وهي ثلاثة: الأمن ~~والاطمئنان وإتيان الرزق، والإذاقة استعارة للإيصال اليسير فإذاقة الجوع ~~والخوف مشعر بأن الذي يوصلهما قادر على تضعيف ذلك وتكثيره بما لا يقدر بقدر ~~كيف لا؟ وهو الله الذي له القدرة كلها. # ثم إضافة اللباس إلى الجوع والخوف وفيها دلالة على الشمول والإحاطة كما ~~يشمل اللباس البدن، ويحيط به، تشعر بأن هذا المقدار اليسير من الجوع والخوف ~~الذي أذاقهم شملهم كما يشمل اللباس بدن الإنسان وهو سبحانه قادر على أن ~~يزيد على ذلك فهو المتناهي في قهره وغلبته وهم المتناهون في ذلتهم وهوانهم. # ثم ختم الآية بقوله: "بما كانوا يصنعون" للدلالة على أن سنة المجازاة في ~~الشكر والكفر قائمة على ساق. # والمعنى: ضرب الله مثلا مثل قرية كان أهلها آمنين من كل شر وسوء يهددهم ~~في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ساكنين غير مضطرين يأتيهم رزقهم طيبا واسعا من ~~كل مكان من ms4699 غير أن يضطروا إلى السفر والاغتراب فكفر أهلها بهذه النعم ~~الإلهية ولم يشكروه سبحانه فأنالهم الله شيئا يسيرا من نقمته - بسلب هذه ~~النعم - وهو الجوع والخوف اللذان عماهم وشملاهم قبال ما استمروا عليه ~~بكفران الأنعم جزاء لكفرانهم. # قوله تعالى: "ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون" ~~وهذا هو النعمة المعنوية التي أضافها إلى نعمة المادية المذكورة، وكان فيها ~~صلاح معاشهم ومعادهم وتحذير لهم من الكفران بأنعم الله وشرح ما فيه من ~~الشؤم والشقاء لكنهم كذبوا رسولهم الذي هو منهم يعرفونه ويدرون أنه إنما ~~يدعوهم لأمر إلهي ويهديهم إلى سبيل الرشاد وسعادة الجد فظلموا ذلك فأخذهم ~~العذاب بظلمهم. # وبهذا التقرير يظهر ما في القيود المأخوذة في الآية من النكات. # قوله تعالى: "فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا إلى آخر الآية تفريع على ~~ما تحصل من المثل نتيجة، والتقدير إذا كان الحال هذا الحال وكان في كفران ~~هذا الرزق الرغد عذاب وفي تكذيب الدعوة عذاب فكلوا مما رزقكم الله حال كونه ~~حلالا طيبا أي لستم بممنوعين منه وأنتم تستطيبونه فكلوا منه واشكروا نعمة ~~الله إن كنتم إياه تعبدون. # وقد ظهر بذلك: أولا: أن الآية مسوقة لتحليل طيبات الرزق مطلقا فلا سبيل ~~إلى ما ذكره بعضهم أن المراد فكلوا مما رزقكم الله من الغنائم رزقا حلالا ~~طيبا بناء على أن الآية نزلت بعد وقعة بدر والمثل السابق مثل مضروب لأهل ~~مكة، والمراد بالرسول الذي كذبوه هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وبالعذاب الذي أخذهم هو القتل الذريع لصناديدهم يوم بدر. # وهذا كله مما لا دليل عليه من طريق لفظ الآيات. # على أنه قد تأيد سابقا أنها مكية. # وثانيا: أن المراد بالحل والطيب كون الرزق بحيث لم يحرم منه الإنسان طبعا ~~وطبعه يستطيبه أي الحل والطيب بحسب الطبع وذلك ملاك الحلية الشرعية التي ~~تتبع الحلية بحسب الفطرة فإن الدين فطري لأن الله سبحانه فطر الإنسان مجهزا ~~بجهاز التغذية وجعل أشياء أرضية من الحيوان والنبات ملائمة لقوامه يميل ~~إليها طبعه من غير ms4700 نفرة فله أن يأكل منها وهو الحل. PageV12P188 # وثالثا: أن قوله: "فكلوا" أمر مقدمي بالنسبة إلى قوله: "واشكروا" نعمة ~~الله" وذكر النعمة تلويح إلى سبب الحكم فإن كون الشيء نعمة هو السبب في ~~وجوب الشكر عليه. # ورابعا: أن قوله: "إن كنتم إياه تعبدون" خطاب للمؤمنين فإنهم هم الذين ~~يعبدون الله ولا يعبدون غيره، والقصر في الجملة الذي يدل عليه تقديم ~~المفعول على الفعل قصر القلب، وغيرهم وهم المشركون إنما يعبدون الأصنام ~~والآلهة من دون الله. # وجعل الخطاب للمشركين ودعوى أن المراد بالعبادة في قوله: "إن كنتم إياه ~~تعبدون" الإطاعة أو أن المعنى إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادتكم لآلهتكم ~~عبادته تعالى، لا يرجع إلى طائل فإن جعل العبادة بمعنى الإطاعة يحتاج إلى ~~قرينة ولا قرينة والمشركون لا يعبدون الله سبحانه ولو بإشراكه في العبادة ~~ولا يقصدون بعبادة آلهتهم عبادته تعالى بل ينزهونه تعالى عن عبادتهم لكونه ~~أجل من أن يناله إدراك أو ينتهي إليه توجه. # وكون الخطاب في الآية للمؤمنين يوجب كون المثل مضروبا لأجلهم ورجوع سائر ~~الخطابات التشريعية فيما قبل الآية وما بعدها متوجهة إليهم، وربما قيل: إن ~~الخطاب لعامة الناس أعم من المؤمن والكافر وتطبيقه على الآيات لا يخلو من ~~تكلف وإن كان دون تخصيص الخطاب بالمشركين إشكالا. # قوله تعالى: "إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم" تقدم الكلام في معنى ~~الآية في تفسير سورة البقرة الآية 173 وسورة المائدة الآية 3 وسورة الأنعام ~~الآية 145. # والآية بمعناها على اختلاف ما في لفظها واقعة في أربعة مواضع من القرآن: ~~في سورتي الأنعام والنحل وهما مكيتان من أوائل ما نزلت بمكة وأواخرها، وفي ~~سورتي البقرة والمائدة وهما من أوائل ما نزلت بالمدينة وأواخرها، وهي تدل ~~على حصر محرمات الأكل في الأربع المذكورة: الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به كما نبه عليه بعضهم. # لكن بالرجوع إلى السنة يظهر أن هذه هي المحرمات الأصلية التي ms4701 عني بها في ~~الكتاب وما سوى هذه الأربع من المحرمات مما حرمه النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بأمر من ربه وقد قال تعالى: "ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا": الحشر: 7، وقد تقدم بعض الروايات الدالة على هذا المعنى. # قوله تعالى: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب" إلخ، "ما" في قوله: "لما تصف مصدرية والكذب مفعول ~~"تصف" أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام بسبب وصف ألسنتكم لغاية افتراء ~~الكذب على الله. # وكون الخطاب في الآيات للمؤمنين - على ما يؤيده سياقها كما مر - أو لعامة ~~الناس يؤيد أن يكون المراد بقوله: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام" النهي عن الابتداع بإدخال حلال أو حرام في الأحكام الجارية ~~في المجتمع المعمولة بينهم من دون أن ينزل به الوحي فإن ذلك من إدخال ما ~~ليس من الدين في الدين وافتراء على الله وإن لم ينسبه واضعه إليه تعالى. # وذلك أن الدين في عرف القرآن هو سنة الحياة وقد تكرر منه سبحانه قوله: ~~"يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا" أو ما يقرب منه، فالدين لله ومن زاد ~~فيه شيئا فقد نسبه إليه تعالى افتراء عليه وإن سكت عن الإسناد أو نفى ذلك ~~بلسانه. # وذكر الجمهور أن المراد بالآية النهي عما كان المشركون يحلونه كالميتة ~~والدم وما أهل لغير الله به أو يحرمونه كالبحيرة والسائبة وغيرهما والسياق ~~- كما مر - لا يؤيده. # ثم قال سبحانه في مقام تعليل النهي: "إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون" ثم بين حرمانهم من الفلاح بقوله: "متاع قليل ولهم عذاب أليم. # قوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل" إلخ، المراد ~~بقوله: "ما قصصنا عليك من قبل" - كما قيل - ما قصه تعالى على نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في سورة الأنعام - وقد نزلت قبل سورة النحل بلا إشكال ~~- بقوله: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" إلى آخر الآية،: الأنعام: ms4702 146. PageV12P189 # والآية في مقام دفع الدخل وفيها عطف على مسألة النسخ المذكورة سابقا كأن ~~قائلا يقول: فإذا كانت محرمات الأكل منحصرة في الأربع المذكورة: الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وكان ما وراءها حلالا فما هذه ~~الأشياء المحرمة على بني إسرائيل من قبل؟ هل هذا إلا ظلم بهم. # فأجاب عنه بأنا حرمنا عليهم ذلك وما ظلمناهم في تحريمه ولكنهم كانوا ~~يظلمون أنفسهم فنحرم عليهم بعض الأشياء أي إنه كان محللا لهم مأذونا فيه ~~لكنهم ظلموا أنفسهم وعصوا ربهم فجزيناهم بتحريمه عقوبة كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" الآية، ولو ~~أنهم بعد ذلك كله رجعوا إلى ربهم وتابوا عن معاصيهم تاب الله عليهم ورفع ~~الحظر عنهم وأذن لهم فيما منعهم عنه إنه لغفور رحيم. # فقد ظهر أن الآية متصلة بما قبلها من حديث التحليل والتحريم، وأنها ~~كالجواب عن سؤال مقدر، وأن ما بعدها من قوله: "ثم إن ربك للذين عملوا ~~السوء" الآية، متصل بها متمم لمضمونها. # قوله تعالى: "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" الجهالة والجهل واحد وهو في الأصل ما ~~يقابل العلم لكن الجهالة كثيرا ما تستعمل بمعنى عدم الانكشاف التام للواقع ~~وإن لم يخل المحل عن علم ما مصحح للتكليف كحال من يقترف المحرمات وهو يعلم ~~بحرمتها لكن الأهواء النفسانية تغلبه وتحمله على المعصية ولا تدعه يتفكر في ~~حقيقة هذه المخالفة والمعصية فله علم بما ارتكب ولذلك يؤاخذ ويعاقب على ما ~~فعل وهو مع ذلك جاهل بحقيقة الأمر ولو تبصر تمام التبصر لم يرتكب. # والمراد بالجهالة في الآية هذا المعنى إذ لو كان المراد هو الأول وكان ما ~~ذكر من عمل السوء مجهولا من حيث حكمه أو من حيث موضوعه لم يكن العمل معصية ~~حتى يحتاج إلى التوبة فالمغفرة والرحمة. # والآية - كما تقدمت الإشارة إليه - متصلة بما قبلها متممة لمضمونها، ~~ومعنى الآيتين أنا لم نظلم ms4703 بني إسرائيل في تحريم الطيبات التي حرمناها، لهم ~~بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث ارتكبوا المعاصي وأصروا عليها فأدى ذلك إلى ~~تحريم الطيبات عليهم، وبعد ذلك كله باب المغفرة والرحمة مفتوح وإن ربك ~~للذين عملوا السوء أي عملوا عملا سوءا وهو السيئة بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا حتى يتبين التوبة وتستقر إن ربك من بعدها أي من بعد التوبة ~~لغفور رحيم. # وفي تقييد التوبة أولا بالإصلاح ثم إرجاع الضمير أخيرا إليها وحدها في ~~قوله: "إن ربك من بعدها لغفور" دلالة على أن شمول المغفرة والرحمة من تبعات ~~التوبة، وأما الإصلاح فإنما هو لتبيين التوبة وظهور كونها توبة حقيقية ~~ورجوعا جديا لا مجرد صورة خالية عن المعنى. # وقوله في ذيل الآية: "إن ربك من بعدها" تلخيص لتفصيل قوله في صدرها: "إن ~~ربك للذين" إلخ، وفائدته حفظ فهم السامع عن التشوش والضلال وإبراز العناية ~~ببعدية المغفرة والرحمة بالنسبة إلى التوبة نظير ما مر من قوله: "ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم". # قوله تعالى: "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" ~~الآية، وما يتلوها على اتصالها بما تقدم من حصر محرمات الأكل في الأربع ~~وتحليل ما وراءها، وهذه الآية إلى تمام أربع آيات بمنزلة التفصيل لما ~~تقدمها كأنه قيل: هذا حال ملة موسى التي حرمنا فيها على بني إسرائيل بعض ما ~~أحل لهم من الطيبات، وأما هذه الملة التي أنزلناها إليك فإنما هي الملة ~~التي تحقق بها إبراهيم فاجتباه الله وهداه إلى صراط مستقيم وأصلح بها دنياه ~~وآخرته، وهي ملة معتدلة جارية على الفطرة تحلل الطيبات وتحرم الخبائث يجلب ~~العمل بها من الخير ما جلبه لإبراهيم (عليه السلام) منه. # فقوله: "إن إبراهيم كان أمة" قال في المفردات، وقوله: "إن إبراهيم كان ~~أمة قانتا لله" أي قائما مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم: فلان في نفسه ~~قبيلة، انتهى. # وهو قريب مما نقل عن ابن عباس، ms4704 وقيل: معناه الإمام المقتدى به، وقيل: إنه ~~كان أمة منحصرة في واحد مدة من الزمان لم يكن على الأرض موحد يوحد الله غيره. PageV12P190 # وقوله: "قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" القنوت: الإطاعة والعبادة أو ~~دوامها، والحنف: الميل من الطرفين إلى حاق الوسط وهو الاعتدال. # قوله تعالى: "شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم" الاجتباء من ~~الجباية وهو الجمع واجتباء الله الإنسان هو إخلاصه لنفسه وجمعه من التفرق ~~في المذاهب المختلفة. # وفي تعقيب قوله: "شاكرا لأنعمه" بقوله: "اجتباه" إلخ، مفصولا إشعار ~~بالعلية وذلك يؤيد ما تقدم في سورة الأعراف في تفسير قوله: "ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين": الأعراف: 17، أن حقيقة الشكر هو الإخلاص في العبودية. # قوله تعالى: "وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين" ~~الحسنة هي المعيشة الحسنة فقد كان (عليه السلام) ذا مال كثير ومروة عظيمة. # وقد بسطنا الكلام في معنى الاجتباء في تفسير سورة يوسف عند الآية 6، وفي ~~معنى الهداية والصراط المستقيم في تفسير الفاتحة عند قوله: "اهدنا الصراط ~~المستقيم": الآية - 6، وفي معنى قوله: "وإنه في الآخرة لمن الصالحين": ~~البقرة: 130، فراجع. # وفي توصيفه تعالى إبراهيم (عليه السلام) بما وصفه من الصفات إشارة إلى ~~أنها من مواهب هذا الدين الحنيف، فإن انتحل به الإنسان ساقه إلى ما ساق ~~إليه إبراهيم (عليه السلام). # قوله تعالى: "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين" تكرار اتصافه بالحنف ونفي الشرك لمزيد العناية به. # قوله تعالى: "إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه" إلى آخر الآية، قال ~~في المفردات: أصل السبت القطع ومنه سبت السير قطعه وسبت شعره حلقه، وأنفه ~~اصطلمه، وقيل: سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والأرض ~~يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك. # وسبت فلان صار في السبت، وقوله: "يوم سبتهم شرعا" قيل: يوم قطعهم للعمل ~~"ويوم لا يسبتون" قيل: معناه لا يقطعون العمل وقيل: يوم لا يكونون في السبت ~~وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة، ms4705 وقوله: "إنما جعل السبت" أي ترك العمل فيه ~~"وجعلنا نومكم سباتا" أي قطعا للعمل وذلك إشارة إلى ما قال في صفة الليل: ~~"لتسكنوا فيه" انتهى. # فالمراد بالسبت على ما ذكره نفس اليوم لكن معنى جعله جعل ترك العمل فيه ~~وتشريعه، ويمكن أن يكون المراد به المعنى المصدري دون اليوم المجعول فيه ~~ذلك كما هو ظاهر قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا ~~تأتيهم:" الأعراف: 163. # وكيف كان فقد كان من طبع الكلام أن يقال: إنما جعل السبت للذين حتى، يفيد ~~نوعا من الاختصاص والملك وأن الله شرع لهم في كل أسبوع أن يقطعوا العمل ~~يوما يفرغون فيه لعبادة ربهم وهو يوم السبت كما جعل للمسلمين في كل أسبوع ~~يوما يجتمعون فيه للعبادة والصلاة وهو يوم الجمعة. # فقوله: "إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه" بتعدية جعل بعلى دون ~~اللام من قبيل قولهم: لي عليك دين وهذا عليك لا لك فتفيد معنى التكليف ~~والتشديد والابتلاء أي إنما جعل للتشديد عليهم وابتلائهم وامتحانهم فقد كان ~~هذا الجعل عليهم لا لهم كما انجر أمرهم فيه إلى لعن طائفة منهم ومسخ آخرين ~~وقد أشير إلى ذلك في سورة البقرة الآية 65 وسورة النساء الآية 47. # والأنسب على هذا أن يكون المراد بقوله: "اختلفوا فيه" أي في السبت ~~اختلافهم فيه بعد التشريع فإنهم تفرقوا فيه فرقا ممن قبله وممن رده وممن ~~احتال للعمل فيه على ما أشير إلى قصصهم في سور البقرة والنساء والأعراف لا ~~اختلافهم فيه قبل التشريع بأن يعرض عليهم أن يسبتوا في كل أسبوع يوما ~~للعبادة ثم يجعل ذلك اليوم هو الجمعة فيختلفوا فيه فيجعل عليهم يوم السبت ~~كما وقع في بعض الروايات. # والمعنى إنما جعل يوم السبت أو قطع العمل للعبادة يوما في كل أسبوع ~~تشديدا وابتلاء وفتنة وكلفة على اليهود الذين اختلفوا فيه بعد تشريعه بين ~~من قبله ومن رده ومن احتال فيه للعمل مع التظاهر بقبوله وإن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. PageV12P191 # وبالبناء على ms4706 هذا يكون وزان الآية وزان قوله السابق: "وعلى الذين هادوا ~~حرمنا" إلخ، في أنها في معنى الجواب عن سؤال مقدر عطفا على ما مر من حديث ~~النسخ، والتقدير وأما جعل السبت لليهود فإنما جعل لا لهم بل عليهم ليبتليهم ~~الله ويفتنهم به ويشدد عليهم كما قد تكرر نظائره فيهم لكونهم عاتين معتدين ~~مستكبرين وبالجملة الآية ناظرة إلى الاعتراض بتشريع بعض الأحكام غير ~~الفطرية على اليهود ونسخه في هذه الشريعة. # وإنما لم يضم إلى قوله سابقا: "وعلى الذين هادوا حرمنا" إلخ، لكون مسألة ~~السبت مغايرة لسنخ مسألة تحليل الطيبات واستثناء محرمات الأكل، وقد عرفت أن ~~الكلام على اتصاله من قوله: "وعلى الذين هادوا" إلى قوله: "وما كان من ~~المشركين" سبع آيات تامة ثم اتصلت بها هذه الآية وهي ثامنتها الملحقة بها. # ومن هنا يظهر الجواب عما اعترض به أن توسيط جعل السبت بين حكاية أمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باتباع ملة إبراهيم (عليه السلام) وبين ~~أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة إليها وبعبارة أخرى وقوع قوله: ~~"إنما جعل السبت" إلخ، بين قوله: "ثم أوحينا إليك" إلخ، وقوله: "ادع إلى ~~سبيل ربك" إلخ، كالفصل بين الشجر ولحائه. # ومحصل الجواب أن قوله: "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم" الآية من ~~تمام السياق السابق، وقوله: "إنما جعل السبت" الآية، متصل بما تقدمه كما ~~عرفت، وأما قوله: "ادع إلى سبيل ربك" الآية، فهو استئناف وأمر بالدعوة إلى ~~سبيل الله بفنون الخطاب لا إلى ملة إبراهيم حتى يتصل بالآية السابقة نوع ~~اتصال وإن كان سبيل الله هو ملة إبراهيم بعينها لكن للفظ حكم وللمعنى بحسب ~~المآل حكم آخر، فافهم. # وللقوم في تفسير الاختلاف اختلاف عميق فمنهم من قال: إن المراد إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا على نبيهم فيه حيث أمرهم بتعظيم الجمعة فعدلوا عنه ~~وأخذوا السبت فجعله الله عليهم تشديدا فالاختلاف اختلاف سابق على الجعل لا ~~لاحق به وربما جعل "في" للتعليل فإن الاختلاف على هذا لم يقع في السبت بل ms4707 ~~من أجل السبت. # وربما قيل: الاختلاف بمعنى المخالفة فإنهم خالفوا نبيهم في السبت ولم ~~يختلفوا فيه. # وربما قيل: إنهم أمروا باتخاذ الجمعة من غير تعيين ووكل ذلك إلى اجتهادهم ~~فاختلفت أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم الله إليه ووقعوا في السبت. # وربما قيل: إن المراد أنهم اختلفوا فيما بينهم في شأن السبت فطائفة منهم ~~فضلته على الجمعة وطائفة منهم عكست الأمر وفضلت الجمعة عليه. # إلى غير ذلك مما قيل، والأصل في ذلك ما ورد في بعض الروايات من القصة. # وأنت خبير بأن شيئا من الأقوال لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق ~~فالمصير إلى ما قدمناه. # قوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن" إلى آخر الآية لا شك في أنه يستفاد من الآية أن هذه الثلاثة الحكمة ~~والموعظة والمجادلة من طرق التكليم والمفاوضة فقد أمر بالدعوة بأحد هذه ~~الأمور فهي من أنحاء الدعوة وطرقها وإن كان الجدال لا يعد دعوة بمعناها الأخص. # وقد فسرت الحكمة - كما في المفردات - بإصابة الحق بالعلم والعقل، ~~والموعظة كما عن الخليل - بأنه التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والجدال ~~- كما في المفردات - بالمفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. # والتأمل في هذه المعاني يعطي أن المراد بالحكمة - والله أعلم - الحجة ~~التي تنتج الحق الذي لا مرية فيه ولا وهن ولا إبهام والموعظة هو البيان ~~الذي تلين به النفس ويرق له القلب، لما فيه من صلاح حال السامع من الغبر ~~والعبر وجميل الثناء ومحمود الأثر ونحو ذلك. # والجدال هو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصر عليه وينازع فيه من غير ~~أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلمه هو والناس أو ~~يتسلمه هو وحده في قوله أو حجته. # فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالترتيب على ما ~~اصطلحوا عليه في فن الميزان بالبرهان والخطابة والجدل. # غير أنه سبحانه قيد الموعظة بالحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ففيه دلالة ~~على أن من الموعظة ما ليست بحسنة ومن الجدال ما ms4708 هو أحسن وما ليس بأحسن ولا ~~حسن والله تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة ومن الجدال بأحسنه. PageV12P192 # ولعل ما في ذيل الآية من التعليل بقوله: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين" يوضح وجه التقييد، فمعناه أنه سبحانه أعلم بحال أهل ~~الضلال في دينه الحق، وهو أعلم بحال المهتدين فيه فهو يعلم أن الذي ينفع في ~~هذا السبيل هو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن لا غير. # والاعتبار الصحيح يؤيد ذلك فإن سبيله تعالى هو الاعتقاد الحق والعمل الحق ~~ومن المعلوم أن الدعوة إليه بالموعظة مثلا ممن لا يتعظ بما يعظ به دعوة ~~عملا إلى خلاف ما يدعو إليه القول، والدعوة إليه بالمجادلة مثلا بالمسلمات ~~الكاذبة التي يتسلمها الخصم لإظهار الحق إحياء لحق بإحياء باطل وإن شئت فقل ~~إحياء حق بإماتة حق إلا أن يكون الجدال على سبيل المناقضة. # ومن هنا يظهر أن حسن الموعظة إنما هو من حيث حسن أثره في الحق الذي يراد ~~به بأن يكون الواعظ نفسه متعظا بما يعظ ويستعمل فيها من الخلق الحسن ما ~~يزيد في وقوعها من قلب السامع موقع القبول فيرق له القلب ويقشعر به الجلد ~~ويعيه السمع ويخشع له البصر. # ويتحرز المجادل مما يزيد في تهييج الخصم على الرد والعناد وسوقه إلى ~~المكابرة واللجاج، واستعمال المقدمات الكاذبة وإن تسلمها الخصم إلا في ~~المناقضة ويحترز سوء التعبير والإزراء بالخصم وبما يقدسه من الاعتقاد والسب ~~والشتم وأي جهالة أخرى فإن في ذلك إحياء للحق بإحياء الباطل أي إماتة الحق ~~كما عرفت. # والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة ~~حسنتها ولم يجز من المجادلة إلا التي هي أحسن. # ثم إن في قوله: "بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" أخذا ~~بالترتيب من حيث الأفراد فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها، والموعظة ~~منقسمة إلى حسنة وغير حسنة والمأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة، ~~والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ثم الحسنة إلى التي هي أحسن وغيرها ~~والمأذون فيها منها ms4709 التي هي أحسن، والآية ساكتة عن توزيع هذه الطرق بحسب ~~المدعوين بالدعوة فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر وحصول ~~المطلوب وهو ظهور الحق. # فمن الجائز أن يستعمل في مورد جميع الطرق الثلاث وفي آخر طريقان أو طريق ~~واحد حسب ما تستدعيه الحال ويناسب المقام. # ومنه يظهر أن قول بعضهم إن ظاهر الآية أن يجمع (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في دعوته بين الطرق الثلاث ليس في محله إذ لا دليل على لزوم الجمع بينها ~~بالنسبة إلى كل مدعو وأما بالنسبة إلى جميع المدعوين فهو حاصل. # وكذا ما ذكره بعضهم أن الطرق الثلاث المذكورة في الآية مترتبة حسب ترتب ~~أفهام الناس في استعدادها لقبول الحق فمن الناس الخواص وهم أصحاب النفوس ~~المشرقة القوية الاستعداد لإدراك الحقائق العقلية وشديدة الانجذاب إلى ~~المبادىء العالية وكثيرة الألفة بالعلم واليقين فهؤلاء يدعون بالحكمة وهي ~~البرهان. # ومنهم عوام وهم أصحاب نفوس كدرة واستعداد ضعيف مع شدة ألفتهم بالمحسوسات ~~وقوة تعلقهم بالرسوم والعادات قاصرة عن تلقي البراهين من غير أن يكونوا ~~معاندين للحق وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة. # ومنهم أصحاب العناد واللجاج الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ~~ويكابرون ليطفئوا نور الله بأفواههم رسخت في نفوسهم الآراء الباطلة، وغلب ~~عليهم تقليد أسلافهم في مذاهبهم الخرافية لا ينفعهم المواعظ والعبر، ولا ~~يهديهم سائق البراهين وهؤلاء هم الذين أمر بمجادلتهم بالتي هي أحسن. # وفيه أنه لا يخلو من دقة لكن لا ينتج اختصاص كل طريق بما يناسبه من مرتبة ~~الفهم فربما انتفع الخواص بالموعظة والمجادلة وربما انتفعت العوام وهم ~~ألفاء العادات والرسوم بالمجادلة بالتي هي أحسن، ولا دلالة في لفظ الآية ~~على ما ذكر من التخصيص. # وكذا ما ذكره بعضهم أن المجادلة بالتي هي أحسن ليست من الدعوة في شيء بل ~~الغرض منها شيء آخر مغاير لها وهو الإلزام والإفحام. PageV12P193 # قال: ولذلك لم يعطف الجدال في الآية على ما تقدمه بل غير السياق وقيل: ~~"وجادلهم بالتي هي أحسن". وفيه غفلة عن حقيقة القياس الجدلي فالإفحام وإن ~~كان غاية ms4710 للقياس الجدلي لكنه ليس غاية دائمية فكثيرا ما يتألف قياس من ~~مقدمات مقبولة أو مسلمة وخاصة في الأمور العملية والعلوم غير اليقينية ~~كالفقه والأصول والأخلاق والفنون الأدبية ولا يراد به الإلزام والإفحام. # على أن في الإلزام والإفحام دعوة كما أن في الموعظة دعوة وإن اختلفت ~~صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة ~~والمغالبة. # قوله تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين" قال في المفردات، العقوبة والعقاب والمعاقبة تختص بالعذاب، انتهى. # والأصل في معناه العقب وهو مؤخر الرجل وعقيب الشيء وعاقبة الأمر ما يليه ~~من ورائه أو آخره، والتعقيب الإتيان بشيء عقيب شيء ومعاقبتك غيرك أن تأتي ~~بما يسوءه عقيب إتيانه بما يسوءك فينطبق على المجازاة والمكافأة بالعذاب. # فقوله: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" الخطاب فيه للمسلمين - ~~على ما يفيده السياق - ولازمه أن يكون المراد بالمعاقبة مجازاة المشركين ~~والكفار، وبقوله: "عوقبتم به" عقاب الكفار إياهم ومجازاتهم لهم بما آمنوا ~~بالله ورفضوا آلهتهم. # والمعنى: وإن أردتم مجازاة الكفار وعذابهم فجازوهم على ما فعلوا بكم بمثل ~~ما عذبوكم به مجازاة لكم على إيمانكم وجهادكم في الله. # وقوله: "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" أي صبرتم على مر ما عوقبتم به ولم ~~تعاقبوا ولم تكافئوا لهو خير لكم بما أنكم صابرون لما فيه من إيثار رضا ~~الله وثوابه فيما أصابكم من المحنة والمصيبة على رضا أنفسكم بالتشفي ~~بالانتقام فيكون العمل خالصا لوجهه الكريم، ولما في الصفح والعفو من إعمال ~~الفتوة ولها آثارها الجميلة. # قوله تعالى: "واصبر وما صبرك إلا بالله" إلى آخر الآية أمر للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالصبر وبشرى له أن الله قواه على الصبر على مر ما ~~يلقاه في سبيله فإنه تعالى يذكر أن صبره إنما هو بحول وقوة من ربه ثم يأمره ~~بالصبر ولازم الأمر قدرة المأمور على المأمور به ففي قوله: "وما صبرك إلا ~~بالله" إشارة إلى أن الله قواك على ما أمرك به. # وقوله: "ولا ms4711 تحزن عليهم" أي على الكافرين، لكفرهم وقد تقدم تفسير هذا ~~المعنى سابقا في السورة وغيرها. # وقوله: "ولا تك في ضيق مما يمكرون" الظاهر أن المراد النهي عن التحرج من ~~مكرهم في الحال أو على سبيل الاستمرار دون مجرد الاستقبال. # قوله تعالى: "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" أي إن التقوى ~~والإحسان كل منهما سبب مستقل في موهبة النصرة الإلهية وإبطال مكر أعداء ~~الدين ودفع كيدهم فالآية تعليل لقوله: "ولا تك في ضيق مما يمكرون" ووعد ~~بالنصر. # وهذه الآيات الثلاث أشبه مضمونا بالآيات المدنية منها بالمكية وقد وردت ~~روايات من طرق الفريقين أنها نزلت في منصرف النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن أحد وسيأتي في البحث الروائي وإن كان من الممكن توجيه اتصالها بما ~~قبلها بوجه كما تصدى له بعضهم. # ومما يجب أن يتنبه له أن الآية التي قبل الثلاثة أجمع لغرض السورة من هذه ~~الثلاث، وأن لآيات السورة مع الإغماض عن قوله: "والذين هاجروا" الآية، ~~وقوله: "من كفر بالله من بعد إيمانه" إلى تمام بضع آيات، وقوله: "وإن ~~عاقبتم" إلى آخر السورة، سياقا واحدا متصلا. PageV12P194 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وضرب الله مثلا" الآية، قال: قال (عليه ~~السلام) نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له الثرثار وكانت بلادهم خصبة كثيرة ~~الخير، وكانوا يستنجون بالعجين ويقولون: هو ألين لنا، فكفروا بأنعم الله ~~واستخفوا فحبس الله عنهم الثرثار فجدبوا حتى أحوجهم الله إلى أكل ما ~~يستنجون به حتى كانوا يتقاسمون عليه: أقول ورواه في الكافي، عنه بإسناده عن ~~عمرو بن شمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) مفصلا، والعياشي عن حفص وزيد ~~الشحام عنه وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من عبد يشهد له أمة إلا قبل الله ~~شهادتهم، والأمة الرجل فما فوقه إن الله يقول: "إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله حنيفا ولم يك من المشركين". # أقول: وقد تقدم ms4712 في تفسير آيات الشهادة ما له تعلق بالحديث. # وفي تفسير العياشي، عن سماعة بن مهران قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: لقد كانت الدنيا وما كان فيها إلا واحد يعبد الله ولو كان ~~معه غيره لأضافه إليه حيث يقول: "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا - ولم ~~يك من المشركين" فصبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله تبارك وتعالى آنسه ~~بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة: أقول: ورواه في الكافي بإسناده عن سماعة عن ~~عبد صالح. وفي الدر المنثور، أخرج الشافعي في الأم والبخاري ومسلم عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نحن الآخرون السابقون ~~يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا ~~يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا ~~فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد: أقول: وروي مثله عن أحمد ومسلم عن ~~أبي هريرة وحذيفة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): ولم ترد الرواية في تفسير الآية. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعري أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم فإن طاعتهم طاعة الله ~~ومعصيتهم معصية الله فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة ~~الحسنة فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين وقد برئت منه ذمة الله وذمة ~~رسوله ومن ولي من أمركم شيئا فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين. وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن" ~~قال: قال (عليه السلام): بالقرآن. وفي الكافي، عنه بإسناده عن أبي عمرو ~~الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة - وجادلهم بالتي هي أحسن"، قال بالقرآن. أقول: ~~ظاهره أنه تفسير "بالتي هي أحسن" ومحصله الجدال على سنة القرآن الذي فيه ~~أدب الله. # وفي تفسير العياشي، عن الحسن بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: لما ms4713 رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما صنع بحمزة ~~بن عبد المطلب قال اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى ~~ثم قال: لئن ظفرت لأمثلن ولأمثلن ولأمثلن قال: فأنزل الله: "وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به - ولئن صبرتم لهو خير للصابرين فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أصبر أصبر وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر ~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم قتل حمزة ومثل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلن ~~بسبعين رجلا منهم، فأنزل الله: "وإن عاقبتم" الآية، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): بل نصبر يا رب فصبر ونهى عن المثلة. # أقول: وروي أيضا ما في معناه عن أبي بن كعب وأبي هريرة وغيرهما عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # تم والحمد لله. PageV12P195 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الثالث عشر PageV13P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 1 # بسم الله الرحمن الرحيم سبحن الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصا الذى بركنا حوله لنريه من ءايتنا إنه هو السميع البصير (1) ### |||| AUTO بيان # السورة تتعرض لأمر توحيده تعالى عن الشريك مطلقا ومع ذلك يغلب فيها جانب ~~التسبيح على جانب التحميد كما بدأت به فقيل: "سبحان الذي أسرى بعبده" ~~الآية، وكرر ذلك فيها مرة بعد مرة كقوله: "سبحانه وتعالى عما يقولون": ~~الآية - 43 وقوله: "قل سبحان ربي": الآية - 93، وقوله: "ويقولون سبحان ~~ربنا": الآية - 108 حتى أن الآية الخاتمة للسورة: "وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا" ~~تحمد الله على تنزهه عن الشريك والولي واتخاذ الولد. # والسورة مكية لشهادة مضامين آياتها بذلك وعن بعضهم كما في روح المعاني، ~~استثناء آيتين منها وهما قوله: "وإن كادوا ليفتنونك" الآية وقوله: "وإن ~~كادوا ليستفزونك" الآية وعن بعضهم إلا أربع آيات وهي الآيتان المذكورتان ~~وقوله: "وإذ قلنا لك ms4714 إن ربك أحاط بالناس" الآية وقوله: "وقل رب أدخلني مدخل ~~صدق الآية. # وعن الحسن أنها مكية إلا خمس آيات منها وهي قوله: "ولا تقتلوا النفس" ~~الآية "ولا تقربوا الزنا" الآية "أولئك الذين يدعون" "أقم الصلاة" "وآت ذا ~~القربى الآية. # وعن مقاتل مكية إلا خمس: "وإن كادوا ليفتنونك" الآية "وإن كادوا ~~ليستفزونك" الآية "وإذ قلنا لك" الآية "وقل رب أدخلني" الآية "إن الذين ~~أوتوا العلم من قبله" الآية. # وعن قتادة والمعدل عن ابن عباس مكية إلا ثماني آيات وهي قوله: "وإن كادوا ~~ليفتنونك" الآية إلى قوله: "وقل رب أدخلني مدخل صدق" الآية. # ولا دلالة في مضامين الآيات على كونها مدنية ولا الأحكام المذكورة فيها ~~مما يختص نزولا بالمدينة وقد نزلت نظائرها في السور المكية كالأنعام ~~والأعراف. # وقد افتتحت السورة فيما ترومه من التسبيح بالإشارة إلى معراج النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فذكر إسراءه (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس والهيكل الذي بناه داود وسليمان ~~(عليهما السلام) وقدسه الله لبني إسرائيل. # ثم سبق الكلام بالمناسبة إلى ما قدره الله لمجتمع بني إسرائيل من الرقي ~~والانحطاط والعزة والذلة فكلما أطاعوا رفعهم الله وكلما عصوا خفضهم الله ~~وقد أنزل عليهم الكتاب وأمرهم بالتوحيد ونفي الشريك. # ثم عطف فيها الكلام على حال هذه الأمة وما أنزل عليهم من الكتاب بما ~~يشاكل حال بني إسرائيل وأنهم إن أطاعوا أثيبوا وإن عصوا عوقبوا فإنما هي ~~الأعمال يعامل الإنسان بما عمل منها وعلى ذلك جرت السنة الإلهية في الأمم ~~الماضين. # ثم ذكرت فيها حقائق جمة من المعارف الراجعة إلى المبدإ والمعاد والشرائع ~~العامة من الأوامر والنواهي وغير ذلك. # ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى": الآية - 110 "من السورة، وقوله: "وكلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الآية - 20 منها، ~~وقوله: "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها": الآية - 58 منها وغير ذلك. # قوله ms4715 تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا" إلى آخر الآية سبحان اسم مصدر ~~للتسبيح بمعنى التنزيه ويستعمل مضافا وهو مفعول مطلق قائم مقام فعله فتقدير ~~"سبحان الله" سبحت الله تسبيحا أي نزهته عن كل ما لا يليق بساحة قدسه ~~وكثيرا ما يستعمل للتعجب لكن سياق الآيات إنما يلائم التنزيه لكونه الغرض ~~من البيان وإن أصر بعضهم على كونه للتعجب. # والإسراء والسري السير بالليل يقال سرى وأسرى أي سار ليلا وسرى وأسرى به ~~أي سار به ليلا والسير يختص بالنهار أو يعمه والليل. # وقوله "ليلا" مفعول فيه ويفيد من الفائدة أن هذا الإسراء تم له بالليل ~~فكان الرواح والمجيء في ليلة واحدة قبل أن يطلع فجرها. PageV13P002 # وقوله: "إلى المسجد الأقصى" هو بيت المقدس بقرينة قوله: "الذي باركنا ~~حوله". والقصا البعد وقد سمي المسجد الأقصى لكونه أبعد مسجد بالنسبة إلى ~~مكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه من المخاطبين وهو مكة التي ~~فيها المسجد الحرام. # وقوله: "لنريه من آياتنا" بيان غاية الإسراء وهي إراءة بعض الآيات ~~الإلهية - لمكان من - وفي السياق دلالة على عظمة هذه الآيات التي أراها ~~الله سبحانه كما صرح به في موضع آخر من كلامه يذكر فيه حديث المعراج بقوله ~~لقد رأى من آيات ربه الكبرى": النجم - 18. # وقوله: "إنه هو السميع البصير" تعليل لإسرائه به لإراءة آياته أي أنه ~~سميع لأقوال عباده بصير بأفعالهم وقد سمع من مقال عبده ورأى من حاله ما ~~استدعى أن يكرمه هذا الإكرام فيسري به ليلا ويريه من آياته الكبرى. # وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير في قوله: "باركنا حوله ~~لنريه من آياتنا" ثم رجوع إلى الغيبة السابقة والوجه فيه الإشارة إلى أن ~~الإسراء وما ترتب عليه من إراءة الآيات إنما صدر عن ساحة العظمة والكبرياء ~~وموطن العزة والجبروت فعملت فيه السلطنة العظمى وتجلى الله له بآياته ~~الكبرى ولو قيل ليريه من آياته أو غير ذلك لفاتت النكتة. # والمعنى لينزه تنزيها من أسرى بعظمته وكبريائه وبالغ قدرته وسلطانه بعبده ~~محمد ms4716 في جوف ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس ~~الذي بارك حوله ليريه بعظمته وكبريائه آياته الكبرى وإنما فعل به ذلك لأنه ~~سميع بصير علم بما سمع من مقاله ورأى من حاله أنه خليق أن يكرم هذه ~~التكرمة. PageV13P003 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ واحد باللجام وواحد بالركاب وسوى ~~الآخر عليه ثيابه فتضعضعت البراق فلطمها جبرائيل ثم قال لها اسكني يا براق ~~فما ركبك نبي قبله ولا يركبك بعده مثله. قال: فرفت به ورفعته ارتفاعا ليس ~~بالكثير ومعه جبرئيل يريه الآيات من السماء والأرض. قال فبينا أنا في مسيري ~~إذ نادى مناد عن يميني: يا محمد فلم أجبه ولم ألتفت إليه ثم نادى مناد عن ~~يساري: يا محمد فلم أجبه ولم ألتفت إليه ثم استقبلتني امرأة كاشفة عن ~~ذراعيها عليها من كل زينة الدنيا فقالت يا محمد أنظرني حتى أكلمك فلم ألتفت ~~إليها ثم سرت فسمعت صوتا أفزعني فجاوزت فنزل بي جبرئيل فقال صل فصليت فقال ~~تدري أين صليت قلت لا، فقال صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليما ثم ~~ركبت فمضينا ما شاء الله ثم قال لي انزل فصل فنزلت وصليت فقال لي تدري أين ~~صليت فقلت لا قال: صليت في بيت لحم وبيت لحم بناحية بيت المقدس حيث ولد ~~عيسى بن مريم. ثم ركبت فمضينا حتى انتهينا إلى بيت المقدس فربطت البراق ~~بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها فدخلت المسجد ومعي جبرئيل إلى جنبي ~~فوجدنا إبراهيم وموسى وعيسى فيمن شاء الله من أنبياء الله (عليهم السلام) ~~فقد جمعوا إلي وأقيمت الصلاة ولا أشك إلا وجبرئيل سيتقدمنا فلما استووا أخذ ~~جبرئيل بعضدي فقدمني وأممتهم ولا فخر. ثم أتاني الخازن بثلاثة أواني إناء ~~فيه لبن وإناء فيه ماء وإناء فيه خمر وسمعت قائلا يقول: ms4717 إن أخذ الماء غرق ~~وغرقت أمته وإن أخذ الخمر غوى وغويت أمته وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته ~~قال: فأخذت اللبن وشربت منه فقال لي جبرئيل هديت وهديت أمتك. ثم قال لي ما ~~ذا رأيت في مسيرك؟ فقلت ناداني مناد عن يميني فقال أوأجبته فقلت لا ولم ~~ألتفت إليه فقال داعي اليهود لو أجبته لتهودت أمتك من بعدك ثم قال ما ذا ~~رأيت؟ فقلت ناداني مناد عن يساري فقال لي أوأجبته؟ فقلت لا ولم ألتفت إليه ~~فقال: ذاك داعي النصارى ولو أجبته لتنصرت أمتك من بعدك. ثم قال ما ذا ~~استقبلك؟ فقلت لقيت امرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كل زينة الدنيا فقالت: ~~يا محمد أنظرني حتى أكلمك. فقال: أوكلمتها؟ فقلت لم أكلمها ولم ألتفت إليها ~~فقال: تلك الدنيا ولو كلمتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. ثم سمعت صوتا ~~أفزعني، فقال لي جبرئيل: أتسمع يا محمد؟ قلت نعم قال: هذه صخرة قذفتها عن ~~شفير جهنم منذ سبعين عاما فهذا حين استقرت قالوا فما ضحك رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حتى قبض. قال فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى السماء ~~الدنيا وعليها ملك يقال له إسماعيل وهو صاحب الخطفة التي قال الله عز وجل: ~~"إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب" وتحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك ~~سبعون ألف ملك. فقال يا جبرئيل! من هذا الذي معك؟ فقال محمد رسول الله قال ~~وقد بعث؟ قال نعم ففتح الباب فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي ~~وقال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، وتلقتني الملائكة حتى دخلت السماء ~~الدنيا فما لقيني ملك إلا ضاحكا مستبشرا حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر ~~أعظم خلقا منه كريه المنظر ظاهر الغضب فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلا ~~أنه لم يضحك ولم أر فيه من الاستبشار ما رأيت من ضحك الملائكة فقلت: من هذا ~~يا جبرئيل فإني قد فزعت منه؟ فقال: يجوز أن يفزع منه فكلنا نفزع منه إن هذا ~~مالك ms4718 خازن النار لم يضحك قط، ولم يزل منذ أن ولاه الله جهنم يزداد كل يوم ~~غضبا وغيظا على أعداء الله وأهل معصيته فينتقم الله به منهم، ولو ضحك إلى ~~أحد قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك فسلمت عليه فرد السلام علي ~~وبشرني بالجنة. فقلت لجبرئيل وجبرئيل بالمكان الذي وصفه الله "مطاع ثم ~~أمين": ألا تأمره أن يريني النار فقال له جبرئيل: يا مالك أر محمدا النار ~~فكشف عنها غطاءها وفتح بابا منها فخرج منها لهب ساطع في السماء وفارت ~~وارتفعت حتى ظننت ليتناولني مما رأيت فقلت: يا جبرئيل! قل له فليرد عليها ~~غطاءها فأمره فقال لها: ارجعي فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه. ثم مضيت ~~فرأيت رجلا آدما جسيما فقلت: من هذا يا PageV13P004 جبرئيل؟ فقال: هذا أبوك آدم فإذا هو يعرض عليه ذريته فيقول: روح طيبة وريح ~~طيبة من جسد طيب ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سورة المطففين ~~على رأس سبع عشرة آية "" كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين - وما أدراك ما ~~عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون" إلى آخرها قال: فسلمت على أبي آدم وسلم ~~علي واستغفرت له واستغفر لي، وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ~~المبعوث في الزمن الصالح. قال: ثم مررت بملك من الملائكة جالس على مجلس ~~وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه وإذا بيده لوح من نور ينظر فيه مكتوب فيه كتاب ~~ينظر فيه لا يلتفت يمينا ولا شمالا، مقبلا عليه كهيئة الحزين فقلت: من هذا ~~يا جبرئيل؟ قال: هذا ملك الموت دائب في قبض الأرواح فقلت: يا جبرئيل أدنني ~~منه حتى أكلمه فأدناني منه فسلمت عليه، وقال له جبرئيل: هذا محمد نبي ~~الرحمة الذي أرسله الله إلى العباد فرحب بي وحياني بالسلام وقال: أبشر يا ~~محمد فإني أرى الخير كله في أمتك فقلت: الحمد لله المنان ذي النعم على ~~عباده ذلك من فضل ربي ورحمته علي فقال جبرئيل: هو أشد الملائكة عملا فقلت: ~~أكل من مات أو هو ميت فيما ms4719 بعد هذا تقبض روحه؟ فقال: نعم. قلت: وتراهم حيث ~~كانوا وتشهدهم بنفسك؟ فقال: نعم. فقال ملك الموت: ما الدنيا كلها عندي فيما ~~سخره الله لي ومكنني عليها إلا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء، وما من ~~دار إلا وأنا أتصفحه كل يوم خمس مرات، وأقول إذا بكى أهل الميت على ميتهم: ~~لا تبكوا عليه فإن لي فيكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): كفى بالموت طامة يا جبرئيل فقال جبرئيل: إن ما ~~بعد الموت أطم وأطم من الموت. قال: ثم مضيت فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد ~~من لحم طيب ولحم خبيث يأكلون اللحم الخبيث ويدعون الطيب فقلت: من هؤلاء يا ~~جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال وهم من أمتك يا ~~محمد. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رأيت ملكا من الملائكة ~~جعل الله أمره عجيبا نصف جسده النار والنصف الآخر ثلج فلا النار تذيب الثلج ~~ولا الثلج تطفىء النار وهو ينادي بصوت رفيع ويقول: سبحان الذي كف حر هذه ~~النار فلا تذيب الثلج وكف برد هذا الثلج فلا يطفىء حر هذه النار اللهم يا ~~مؤلف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين فقلت من هذا يا جبرئيل؟ ~~فقال هذا ملك وكله الله بأكناف السماء وأطراف الأرضين وهو أنصح ملائكة الله ~~لأهل الأرض من عباده المؤمنين يدعو لهم بما تسمع منذ خلق. ورأيت ملكين ~~يناديان في السماء أحدهما يقول: اللهم أعط كل منفق خلفا والآخر يقول: اللهم ~~أعط كل ممسك تلفا. ثم مضيت فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل يقرض ~~اللحم من جنوبهم ويلقى في أفواههم فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء ~~الهمازون اللمازون. ثم مضيت فإذا أنا بأقوام ترضخ رءوسهم بالصخر فقلت: من ~~هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين ينامون عن صلاة العشاء. ثم مضيت فإذا ~~أنا بأقوام تقذف النار في أفواههم وتخرج من أدبارهم فقلت: من هؤلاء يا ~~جبرئيل؟ قال: ms4720 هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا. ثم مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أن يقوم فلا يدر ~~من عظم بطنه فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. وإذا هم بسبيل آل فرعون ~~يعرضون على النار غدوا وعشيا يقولون ربنا متى تقوم الساعة؟. قال: ثم مضيت ~~فإذا أنا بنسوان معلقات بثديهن فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل فقال: هؤلاء ~~اللواتي يورثن أموال أزواجهن أولاد غيرهم. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم ~~فاطلع على عوراتهم وأكل خزائنهم. ثم قال: مررنا بملائكة من ملائكة الله عز ~~وجل خلقهم الله كيف شاء ووضع وجوههم كيف شاء، ليس شيء من أطباق أجسادهم إلا ~~وهو يسبح الله ويحمده من كل ناحية بأصوات مختلفة أصواتهم مرتفعة بالتحميد ~~والبكاء من خشية الله فسألت جبرئيل عنهم فقال: كما ترى خلقوا إن الملك منهم ~~إلى جنب صاحبه ما كلمهم كلمة قط ولا رفعوا رءوسهم إلى ما فوقها ولا خفضوها ~~إلى ما تحتها خوفا من الله و PageV13P005 خشوعا فسلمت عليهم فردوا علي إيماء برءوسهم لا ينظرون إلي من الخشوع فقال ~~لهم جبرئيل: هذا محمد نبي الرحمة أرسله الله إلى العباد رسولا ونبيا. وهو ~~خاتم النبيين وسيدهم أفلا تكلمونه؟ قال: فلما سمعوا ذلك من جبرئيل أقبلوا ~~علي بالسلام وأكرموني وبشروني بالخير لي ولأمتي. قال: ثم صعدنا إلى السماء ~~الثانية فإذا فيها رجلان متشابهان فقلت: من هذان يا جبرئيل؟ فقال لي: ابنا ~~الخالة يحيى وعيسى (عليهما السلام) فسلمت عليهما وسلما علي واستغفرت لهما ~~واستغفرا لي وقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وإذا فيها من ~~الملائكة وعليهم الخشوع قد وضع الله وجوههم كيف شاء ليس منهم ملك إلا يسبح ~~الله بحمده بأصوات مختلفة. ثم صعدنا إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل فضل ~~حسنه على سائر الخلق كفضل القمر ليلة ms4721 البدر على سائر النجوم فقلت: من هذا ~~يا جبرئيل؟ فقال: هذا أخوك يوسف فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر ~~لي، وقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح والمبعوث في الزمن الصالح، ~~وإذا فيها ملائكة عليهم من الخشوع مثل ما وصفت في السماء الأولى والثانية، ~~وقال لهم جبرئيل في أمري ما قال للآخرين وصنعوا في مثل ما صنع الآخرون. ثم ~~صعدنا إلى السماء الرابعة وإذا فيها رجل فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ فقال هذا ~~إدريس رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي، ~~وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات التي عبرناها فبشروني ~~بالخير لي ولأمتي ثم رأيت ملكا جالسا على سرير تحت يديه سبعون ألف ملك تحت ~~كل ملك سبعون ألف ملك فوقع في نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~هو فصاح به جبرئيل فقال: قم فهو قائم إلى يوم القيامة. ثم صعدنا إلى السماء ~~الخامسة فإذا فيها رجل كهل عظيم العين لم أر كهلا أعظم منه حوله ثلة من ~~أمته فأعجبني كثرتهم فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا المحبب في قومه ~~هارون بن عمران فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وإذا فيها من ~~الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات. ثم صعدنا إلى السماء السادسة وإذا ~~فيها رجل آدم طويل كأنه من شنوة ولو أن له قميصين لنفذ شعره فيهما وسمعته ~~يقول: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله وهذا رجل أكرم على الله ~~مني فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا أخوك موسى بن عمران فسلمت عليه وسلم ~~علي واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في ~~السماوات. قال: ثم صعدنا إلى السماء السابعة فما مررت بملك من الملائكة إلا ~~قالوا: يا محمد احتجم وأمر أمتك بالحجامة، وإذا فيها رجل أشمط الرأس ~~واللحية جالس على كرسي فقلت: يا جبرئيل من هذا الذي في السماء السابعة على ~~باب البيت المعمور في جوار ms4722 الله؟ فقال: هذا يا محمد أبوك إبراهيم وهذا محلك ~~ومحل من اتقى من أمتك ثم قرأ رسول الله: "إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه - وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين" فسلمت عليه وسلم علي ~~وقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح والمبعوث في الزمن الصالح وإذا ~~فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات فبشروني بالخير لي ولأمتي. قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ورأيت في السماء السابعة بحارا من ~~نور تتلألأ تلألؤها يخطف بالأبصار، وفيها بحار من ظلمة وبحار من ثلج ترعد ~~فكلما فزعت ورأيت هولا سألت جبرئيل فقال: أبشر يا محمد واشكر كرامة ربك ~~واشكر الله بما صنع إليك قال: فثبتني الله بقوته وعونه حتى كثر قولي ~~لجبرئيل وتعجبي. فقال جبرئيل: يا محمد تعظم ما ترى؟ إنما هذا خلق من خلق ~~ربك فكيف بالخالق الذي خلق ما ترى وما لا ترى أعظم من هذا من خلق ربك إن ~~بين الله وبين خلقه سبعين ألف حجاب وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل ~~وبيننا وبينه أربعة حجب حجاب من نور وحجاب من الظلمة وحجاب من الغمامة ~~وحجاب من الماء. قال: ورأيت من العجائب التي خلق الله وسخر على ما أراده ~~ديكا رجلاه في تخوم الأرضين السابعة ورأسه عند العرش وهو ملك من ملائكة ~~الله تعالى خلقه الله كما أراد رجلاه في تخوم الأرضين السابعة ثم أقبل ~~مصعدا حتى خرج في الهواء إلى السماء السابعة وانتهى فيها مصعدا حتى انتهى ~~قرنه إلى قرب العرش وهو يقول: سبحان PageV13P006 ربي حيثما كنت لا تدري أين ربك من عظم شأنه، وله جناحان في منكبه إذا ~~نشرهما جاوزا المشرق والمغرب فإذا كان في السحر نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ ~~بالتسبيح يقول: سبحان الله الملك القدوس، سبحان الله الكبير المتعال لا إله ~~إلا الله الحي القيوم وإذا قال ذلك سبحت ديوك الأرض كلها وخفقت بأجنحتها ~~وأخذت بالصراخ فإذا سكت ذلك الديك في السماء سكت ديوك الأرض كلها، ولذلك ~~الديك زغب أخضر وريش أبيض كأشد ms4723 بياض ما رأيته قط، وله زغب أخضر أيضا تحت ~~ريشه الأبيض كأشد خضرة ما رأيتها قط. قال: ثم مضيت مع جبرئيل فدخلت البيت ~~المعمور فصليت فيه ركعتين ومعي أناس من أصحابي عليهم ثياب جدد وآخرين عليهم ~~ثياب خلقان فدخل أصحاب الجدد وجلس أصحاب الخلقان. ثم خرجت فانقاد لي نهران ~~نهر يسمى الكوثر ونهر يسمى الرحمة فشربت من الكوثر واغتسلت من الرحمة ثم ~~انقادا لي جميعا حتى دخلت الجنة وإذا على حافتيها بيوتي وبيوت أهلي وإذا ~~ترابها كالمسك، وإذا جارية تنغمس في أنهار الجنة فقلت: لمن أنت يا جارية؟ ~~فقالت: لزيد بن حارثة فبشرته بها حين أصبحت، وإذا بطيرها كالبخت، وإذا ~~رمانها مثل الدلي العظام، وإذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها ~~سبعمائة سنة، وليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن منها فقلت: ما هذه يا ~~جبرئيل؟ فقال: هذه شجرة طوبى قال الله "طوبى لهم وحسن مآب" قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): فلما دخلت الجنة رجعت إلى نفسي فسألت جبرئيل عن ~~تلك البحار وهولها وأعاجيبها فقال: هي سرادقات الحجب التي احتجب الله تبارك ~~وتعالى بها ولو لا تلك الحجب لهتك نور العرش كل شيء فيه. وانتهيت إلى سدرة ~~المنتهى فإذا الورقة منها تظل أمة من الأمم فكنت منها كما قال الله تعالى ~~"قاب قوسين أو أدنى" فناداني "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" فقلت أنا ~~مجيبا عني وعن أمتي: "والمؤمنون كل آمن بالله وكتبه ورسله - لا نفرق بين ~~أحد من رسله - وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فقال الله ~~"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" فقلت: "ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" فقال الله لا أؤاخذك، فقلت "ربنا ولا تحمل ~~علينا إصرا - كما حملته على الذين من قبلنا" فقال الله: لا أحملك فقلت: ~~"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به - واعف عنا واغفر لنا وارحمنا - أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين" فقال الله تبارك وتعالى: قد ms4724 أعطيتك ذلك ~~لك ولأمتك، فقال الصادق (عليه السلام) ما وفد إلى الله تعالى أحد أكرم من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين سأل لأمته هذه الخصال. فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رب أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني فقال ~~الله: قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، ولا منجا منك إلا إليك. قال: وعلمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت ~~وأمسيت: اللهم إن ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك، وذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك ~~وذلي أصبح مستجيرا بعزتك، وفقري أصبح مستجيرا بغناك ووجهي الفاني أصبح ~~مستجيرا بوجهك الباقي الذي لا يفنى، وأقول ذلك إذا أمسيت. ثم سمعت الأذان ~~فإذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة فقال: الله أكبر الله أكبر ~~فقال الله: صدق عبدي أنا أكبر من كل شيء فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله ~~أشهد أن لا إله إلا الله" فقال الله: صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا ولا ~~إله غيري فقال: "أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله" فقال ~~الله: صدق عبدي أن محمدا عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته فقال: "حي على ~~الصلاة حي على الصلاة" فقال: صدق عبدي دعا إلى فريضتي فمن مشى إليها راغبا ~~فيها محتسبا كانت له كفارة لما مضى من ذنوبه فقال: "حي على الفلاح حي على ~~الفلاح" فقال الله: هي الصلاح والنجاح والفلاح. ثم أممت الملائكة في السماء ~~كما أممت الأنبياء في بيت المقدس. قال: ثم غشيتني ضبابة فخررت ساجدا ~~فناداني ربي أني قد فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة وفرضتها عليك وعلى ~~أمتك فقم بها أنت في أمتك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~فانحدرت حتى مررت على إبراهيم فلم يسألني عن شيء حتى انتهيت إلى موسى فقال: ~~ما صنعت يا محمد؟ فقلت قال ربي: فرضت على كل نبي كان PageV13P007 قبلك خمسين صلاة وفرضتها عليك وعلى أمتك. فقال موسى: يا محمد إن ms4725 أمتك آخر ~~الأمم وأضعفها وإن ربك لا يزيده شيء وإن أمتك لا تستطيع أن تقوم بها فارجع ~~إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت إلى ربي حتى انتهيت إلى سدرة المنتهى ~~فخررت ساجدا ثم قلت: فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة ولا أطيق ذلك ولا أمتي ~~فخفف عني فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع لا تطيق فرجعت ~~إلى ربي فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع وفي كل رجعة أرجع ~~إليه أخر ساجدا حتى رجع إلى عشر صلوات فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال: لا ~~تطيق فرجعت إلى ربي فوضع عني خمسا فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال: لا تطيق ~~فقلت: قد استحيت من ربي ولكن أصبر عليها فناداني مناد: كما صبرت عليها فهذه ~~الخمس بخمسين كل صلاة بعشر، ومن هم من أمتك بحسنة يعملها فعملها كتبت له ~~عشرا وإن لم يعمل كتبت له واحدة، ومن هم من أمتك بسيئة فعملها كتبت عليه ~~واحدة وإن لم يعملها لم أكتب عليه. فقال الصادق (عليه السلام): جزى الله ~~موسى عن هذه الأمة خيرا فهذا تفسير قول الله:" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام - إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله - لنريه من آياتنا ~~إنه هو السميع البصير". # أقول: وقد ورد ما يقرب مما قصته هذه الرواية في روايات كثيرة جدا من طرق ~~الشيعة وأهل السنة، وقوله في الرواية "رجلا آدما" يقال: رجل آدم أي أسمر ~~اللون، والطامة هي الأمر الشديد الذي يغلب ما سواه، ولذلك سميت القيامة ~~بالطامة، والأكتاف جمع كتف والمراد الأطراف والنواحي، وقوله: "فوقع في نفس ~~رسول الله أنه هو" أي أنه الملك الذي يدبر أمر العالم وينتهي إليه كل أمر. # وقوله: شنوة بالشين والنون والواو وربما يهمز قبيلة كانوا معروفين بطول ~~القامة، وقوله: "أشمط الرأس واللحية" الشمط بياض الشعر يخالطه سواد، والزغب ~~أول ما يبدو من الشعر والريش وصغارهما، والبخت الإبل الخراساني والدلي بضم ~~الدال وكسر اللام وتشديد الياء جمع دلو على فعول، والصبابة بفتح الصاد ms4726 ~~المهملة والباء الموحدة الشوق والهوى الرقيق وبالمعجمة مضمومة الغيم ~~الرقيق. # وفي أمالي الصدوق، عن أبيه عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن ~~عثمان عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: لما أسري ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على ~~البراق فأتيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلى بها ورده فمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية ~~وقد أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه فشرب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من ذلك الماء وأهرق باقيه. فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال لقريش: إن الله جل جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار ~~الأنبياء ومنازلهم، وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا ~~لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه ~~فاسألوه كم الأساطين فيها والقناديل؟ فقالوا: يا محمد إن هاهنا من قد دخل ~~بيت المقدس فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه؟ فجاء جبرئيل فعلق صورة ~~بيت المقدس تجاه وجهه فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه فلما أخبرهم، قالوا: حتى ~~يجيء العير ونسألهم عما قلت، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تصديق ذلك أن العير يطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق. فلما كان من ~~الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون هذه الشمس تطلع الساعة فبينما هم ~~كذلك إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق فسألوهم عما قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: لقد كان هذا: ضل جمل لنا في ~~موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد أهريق الماء فلم يزدهم ذلك إلا عتوا. # أقول: وفي معناها روايات أخرى من طرق الفريقين. PageV13P008 # وفيه، بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لما أسري به إلى ms4727 السماء انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له النور وهو ~~قوله عز وجل: "جعل الظلمات والنور" فلما انتهى به إلى ذلك قال له جبرئيل: ~~يا محمد اعبر على بركة الله فقد نور الله لك بصرك ومر لك أمامك فإن هذا نهر ~~لم يعبره أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل غير أن لي في كل يوم اغتماسة فيه ثم ~~أخرج منه فأنفض أجنحتي فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلا خلق الله تبارك ~~وتعالى منها ملكا مقربا له عشرون ألف وجه وأربعون ألف لسان كل لسان يلفظ ~~بلغة لا يفقهها اللسان الآخر. فعبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~حتى انتهى إلى الحجب والحجب خمس مائة حجاب من الحجاب إلى الحجاب مسيرة ~~خمسمائة عام ثم قال: تقدم يا محمد فقال له: يا جبرئيل ولم لا تكون معي؟ ~~قال: ليس لي أن أجوز هذا المكان فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ما شاء الله أن يتقدم حتى سمع ما قال الرب تبارك وتعالى: أنا المحمود وأنت ~~محمد شققت اسمك من اسمي فمن وصلك وصلته ومن قطعك بتكته انزل إلى عبادي ~~فأخبرهم بكرامتي إياك وأني لم أبعث نبيا إلا جعلت له وزيرا وأنك رسولي وأن ~~عليا وزيرك. وفي المناقب، عن ابن عباس في خبر: وسمع يعني رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) صوتا "آمنا برب العالمين" قال يعني جبرئيل: هؤلاء ~~سحرة فرعون، وسمع لبيك اللهم لبيك قال: هؤلاء الحجاج، وسمع التكبير قال: ~~هؤلاء الغزاة، وسمع التسبيح قال: هؤلاء الأنبياء. فلما بلغ إلى سدرة ~~المنتهى وانتهى إلى الحجب، قال جبرئيل: تقدم يا رسول الله ليس لي أن أجوز ~~هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت. وفي الإحتجاج، عن ابن عباس قال: قال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما احتج على اليهود: حملت على جناح ~~جبرئيل حتى انتهيت إلى السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى حتى تعلقت بساق العرش فنوديت من ساق العرش: إني أنا الله لا إله ms4728 إلا ~~أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرءوف الرحيم فرأيته ~~بقلبي وما رأيته بعيني. الخبر. PageV13P009 # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) ~~في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع مولى عمر بن ~~الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع إليه ~~الناس فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداك عليه الناس؟ فقال: ~~هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي فقال: اشهد لآتينه فلأسألنه من مسائل ~~لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي أو ابن نبي. قال: فاذهب إليه واسأله لعلك ~~تخجله. فجاء نافع حتى اتكى على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) ~~وقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وقد عرفت ~~حلالها وحرامها، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي ~~أو ابن نبي. قال: فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه وقال: سل عما بدا لك. ~~فقال: أخبرني كم بين عيسى وبين محمد من سنة؟ قال: أخبرك بقولي أو بقولك ~~قال: أخبرني بالقولين جميعا قال: أما في قولي فخمسمائة سنة، وأما في قولك ~~فستمائة سنة، قال فأخبرني عن قول الله عز وجل: "واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا - أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" من الذي سأله محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وكان بينه وبين عيسى (عليه السلام) خمسمائة سنة؟. قال: ~~فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام - إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله - لنريه من آياتنا" ~~فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمدا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حيث أسري به إلى البيت المقدس أن حشر الله الأولين والآخرين من ~~النبيين والمرسلين ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا وأقام شفعا، وقال في أذانه حي ~~على خير العمل ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ms4729 فصلى بالقوم. فلما ~~انصرف قال لهم: على ما تشهدون؟ ما كنتم تعبدون؟ قالوا نشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا. فقال: ~~نافع: صدقت يا أبا جعفر. وفي العلل، بإسناد عن ثابت بن دينار قال: سألت زين ~~العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) عن الله جل جلاله هل يوصف بمكان؟ ~~فقال: تعالى الله عن ذلك قلت: فلم أسرى بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى السماء؟ قال: ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه ~~وبدائع خلقه. قلت: فقول الله عز وجل: "ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو ~~أدنى" قال: ذاك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دنا من حجب النور فرأى ~~ملكوت السماوات ثم تدلى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه في القرب ~~من الأرض كقاب قوسين أو أدنى. وفي تفسير القمي، بإسناده عن إسماعيل الجعفي ~~قال: كنت في المسجد الحرام قاعدا وأبو جعفر (عليه السلام) في ناحية فرفع ~~رأسه فنظر إلى السماء مرة وإلى الكعبة مرة ثم قال: "سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" وكرر ذلك ثلاث مرات ثم التفت ~~إلي فقال: أي شيء يقولون أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟ قلت: يقولون ~~أسري به من المسجد الحرام إلى البيت المقدس. فقال: ليس هو كما يقولون ولكنه ~~أسري به من هذه إلى هذه وأشار بيده إلى السماء وقال: ما بينهما حرم. قال: ~~فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): يا جبرئيل أفي مثل هذا الموضع تخذلني؟ فقال: تقدم أمامك ~~فوالله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه خلق من خلق الله قبلك فرأيت ربي وحال بيني ~~وبينه السبحة قلت: وما السبحة جعلت فداك؟ فأومأ بوجهه إلى الأرض وأومأ بيده ~~إلى السماء وهو يقول: جلال ربي جلال ربي، ثلاث مرات. قال: يا محمد قلت: ~~لبيك يا رب قال: فيم ms4730 اختصم الملأ الأعلى؟ قلت سبحانك لا علم لي إلا ما ~~علمتني. قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي. قال: فلم يسألني عما ~~مضى ولا عما بقي إلا علمته فقال: يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قال: ~~قلت: في الدرجات والكفارات والحسنات فقال: يا محمد إنه قد انقضت نبوتك ~~وانقطع أكلك فمن وصيك فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أر فيهم من خلقك ~~أحدا أطوع لي من علي فقال: ولي يا محمد فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك فلم ~~أر من خلقك أحدا أشد حبا لي من علي بن أبي طالب قال: ولي PageV13P010 يا محمد فبشره بأنه آية الهدى وإمام أوليائي ونور لمن أطاعني والكلمة ~~الباقية التي ألزمتها المتقين من أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني مع ما أني ~~أخصه بما لم أخص به أحدا فقلت: يا رب أخي وصاحبي ووزيري ووارثي فقال: إنه ~~أمر قد سبق أنه مبتلى ومبتلى به مع ما أني قد نحلته ونحلته ونحلته ونحلته ~~أربعة أشياء عقدها بيده ولا يفصح بما عقدها. أقول: قوله (عليه السلام): ~~"ولكنه أسري به من هذه إلى هذه" أي من الكعبة إلى البيت المعمور، وليس ~~المراد به نفي الإسراء إلى بيت المقدس ولا تفسير المسجد الأقصى في الآية ~~بالبيت المعمور بل المراد نفي أن ينتهي الإسراء إلى بيت المقدس ولا يتجاوزه ~~فقد استفاضت الروايات بتفسير المسجد الأقصى ببيت المقدس. # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "فرأيت ربي" أي شاهدته بعين قلبي كما ~~تقدم في بعض الروايات السابقة ويؤيده تفسير الرؤية بذلك في روايات أخر. # وقوله: "وحالت بيني وبينه السبحة" أي بلغت من القرب والزلفى مبلغا لم يبق ~~بيني وبينه إلا جلاله، وقوله: فوضع يده بين ثديي "الخ" كناية عن الرحمة ~~الإلهية، ومحصله نزول العلم من لدنه تعالى على قلبه بحيث يزيل كل ريب وشك. PageV13P011 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن مردويه من طريق ثابت عن ~~أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ms4731 قال: أتيت بالبراق وهو دابة ~~أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته حتى أتيت ~~بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت ~~فيه ركعتين. ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن ~~فقال جبريل: اخترت الفطرة ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل ~~من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد ~~بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى ~~السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل قيل: ومن معك؟ قال: ~~محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة ~~عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى ~~السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال ~~محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا ~~هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ~~فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد ~~بعث إليه: قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي ~~بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: ~~جبريل قيل: ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح ~~لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ~~فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد ~~بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ~~ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ ms4732 قال: قد بعث إليه ففتح لنا ~~فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور وإذا يدخله كل يوم سبعون ~~ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها فيها كآذان ~~الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من ~~خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى إلي ما أوحى وفرض علي خمسين صلاة ~~في كل يوم وليلة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ ~~قلت: خمسين صلاة قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك ~~فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي ~~فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا فقال: إن أمتك لا يطيقون ~~ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال: فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى ~~قال: يا محمد إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ~~ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم ~~بسيئة فلم يعملها لم يكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة فنزلت حتى انتهيت ~~إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقلت: قد رجعت إلى ربي ~~حتى استحيت منه. PageV13P012 # أقول: وقد روي الخبر عن أنس بطرق مختلفة منها ما عن البخاري ومسلم وابن ~~جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس قال: ليلة ~~أسري برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر ~~قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال ~~أوسطهم: هو خيرهم فقال أحدهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى ~~أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء ~~تنام أعينهم ولا ينام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ~~فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ms4733 ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ~~فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب محشوا إيمانا ~~وحكمة فحشا به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثم أطبقه ثم عرج به إلى سماء ~~الدنيا ثم ساق الحديث نحوا مما تقدم. والذي وقع فيه من شق بطن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وغسله وإنقائه ثم حشوه إيمانا وحكمة حال مثالية ~~شاهدها وليس بالأمر المادي كما ربما يزعم، ويشهد به حشوه إيمانا وحكمة ~~وأخبار المعراج مملوءة من المشاهدات المثالية والتمثلات الروحية، وقد ورد ~~هذا المعنى في عدة من أخبار المعراج المروية من طرق القوم ولا ضير فيه كما ~~لا يخفى. # وظاهر الرواية أن معراجه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قبل البعثة وأنه ~~كان في المنام أما كونه قبل البعثة فيدفعه معظم الروايات الواردة في ~~الإسراء وهي أكثر من أن تحصى وقد اتفق على ذلك علماء هذا الشأن. # على أن الحديث نفسه يدفع كون الإسراء قبل البعثة وقد اشتمل على فرض ~~الصلوات وكونها أولا خمسين ثم سؤال التخفيف بإشارة من موسى (عليه السلام) ~~ولا معنى للفرض قبل النبوة فمن الحري أن يحمل صدر الحديث على أن الملائكة ~~أتوه أولا قبل أن يوحى إليه ثم تركوه ثم جاءوه ليلة أخرى بعد بعثته وقد ورد ~~في بعض رواياتنا أن الذين كانوا نائمين معه في المسجد ليلة أسري به هم حمزة ~~بن عبد المطلب وجعفر وعلي ابنا أبي طالب. # وأما ما وقع فيه من كون ذلك في المنام فيمكن - على بعد - أن يكون ناظرا ~~إلى ما ذكر فيه من حديث الشق والغسل لكن الأظهر أن المراد به وقوع الإسراء ~~بجملته في المنام كما يدل عليه ما يأتي من الروايات. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن معاوية بن أبي ~~سفيان: أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ~~كانت رؤيا من الله صادقة. أقول: وظاهر الآية الكريمة "سبحان ms4734 الذي أسرى ~~بعبده - إلى قوله - لنريه من آياتنا" يرده، وكذا آيات صدر سورة النجم وفيها ~~مثل قوله: "ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى" على أن ~~الآيات في سياق الامتنان وفيها ثناء على الله سبحانه بذكر بديع رحمته وعجيب ~~قدرته، ومن الضروري أن ذلك لا يتم برؤيا يراها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والرؤيا يراها الصالح والطالح وربما يرى الفاسق الفاجر ما هو أبدع ~~مما يراه المؤمن المتقي والرؤيا لا تعد عند عامة الناس إلا نوعا من التخيل ~~لا يستدل به على شيء من القدرة والسلطنة بل غاية ما فيها أن يتفاءل بها ~~فيرجى خيرها أو يتطير بها فيخاف شرها. # وفيه، أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عائشة قالت: ما فقدت جسد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن الله أسرى بروحه. أقول: ويرد عليه ما ورد ~~على سابقه على أنه يكفي في سقوط الرواية اتفاق كلمة الرواة وأرباب السير ~~على أن الإسراء كان قبل الهجرة بزمان وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنى ~~بعائشة في المدينة بعد الهجرة بزمان لم يختلف في ذلك اثنان والآية أيضا ~~صريحة في إسرائه (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسجد الحرام. PageV13P013 # وفيه، أخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود: قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا ~~محمد اقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها ~~قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله. وفيه، أخرج الطبراني عن عائشة قالت: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة فوقعت على ~~شجرة من أشجار الجنة لم أر في الجنة أحسن منها ولا أبيض ورقا ولا أطيب ثمرة ~~فتناولت ثمرة من ثمرها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض ~~واقعت خديجة فحملت بفاطمة فإذا أنا ms4735 اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة. ~~وفي تفسير القمي، عن أبيه عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي عبيدة عن الصادق ~~(عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكثر تقبيل ~~فاطمة فأنكرت ذلك عائشة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ~~عائشة إني لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى ~~وناولني من ثمارها فأكلته فحول الله ذلك ماء في ظهري فلما هبطت إلى الأرض ~~واقعت خديجة فحملت بفاطمة فما قبلتها قط إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها. ~~وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عمر: أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لما أسري به إلى السماء أوحي إليه بالأذان فنزل به ~~فعلمه جبريل. وفيه، أخرج ابن مردويه عن علي: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) علم الأذان ليلة أسري به وفرضت عليه الصلاة. وفي العلل، بإسناده عن ~~إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) كيف صارت ~~الصلاة ركعة وسجدتين؟ وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين؟ فقال: إذا سألت ~~عن شيء ففرغ قلبك لتفهم. أن أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إنما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك وتعالى قدام عرشه جل جلاله. ~~وذلك أنه لما أسري به وصار عند عرشه تبارك وتعالى قال: يا محمد ادن من صاد ~~فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى حيث أمره الله تبارك وتعالى فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم استقبل الجبار تبارك ~~وتعالى قائما فأمره بافتتاح الصلاة ففعل. فقال: يا محمد اقرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها ففعل ذلك ثم أمره أن يقرأ ~~نسبة ربه تبارك وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد ~~ثم أمسك عنه القول فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قل هو الله ~~أحد الله الصمد ms4736 فقال: قل: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فأمسك عنه ~~القول فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كذلك الله ربي كذلك الله ~~ربي. فلما قال ذلك قال: اركع يا محمد لربك فركع رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال له وهو راكع: قل سبحان ربي العظيم وبحمده ففعل ذلك ثلاثا، ~~ثم قال: ارفع رأسك يا محمد ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقام منتصبا بين يدي الله فقال: اسجد يا محمد لربك فخر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ساجدا فقال: قل: سبحان ربي الأعلى وبحمده ففعل ذلك رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا فقال: استو جالسا يا محمد ففعل فلما ~~استوى جالسا ذكر جلال ربه جل جلاله فخر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر أمره ربه عز وجل فسبح أيضا ثلاثا فقال: ~~انتصب قائما ففعل فلم ير ما كان رأى من عظمة ربه جل جلاله. فقال له: اقرأ ~~يا محمد وافعل كما فعلت في الركعة الأولى ففعل ذلك رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ثم سجد سجدة واحدة فلما رفع رأسه ذكر جلال ربه تبارك ~~وتعالى فخر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ساجدا من تلقاء نفسه لا ~~لأمر أمره ربه عز وجل فسبح أيضا ثم قال له. ارفع رأسك ثبتك الله واشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم تقبل شفاعته في أمته وارفع درجته ~~ففعل. فقال: يا محمد واستقبل رسول الله (صلى PageV13P014 الله عليه وآله وسلم) ربه تبارك وتعالى وجهه مطرقا فقال: السلام عليك ~~فأجابه الجبار جل جلاله فقال: وعليك السلام يا محمد بنعمتي قويتك على طاعتي ~~وبعصمتي اتخذتك نبيا وحبيبا. ثم قال أبو ms4737 الحسن: (عليه السلام) وإنما كانت ~~الصلاة التي أمر بها ركعتين وسجدتين وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما ~~سجد سجدتين في كل ركعة كما أخبرتك من تذكره لعظمة ربه تبارك وتعالى فجعله ~~الله عز وجل فرضا. قلت: جعلت فداك وما صاد الذي أمر أن يغتسل منه؟ فقال: ~~عين تنفجر من ركن من أركان العرش يقال له: ماء الحياة وهو ما قال الله عز ~~وجل: "ص والقرآن ذي الذكر" إنما أمره أن يتوضأ ويقرأ ويصلي. أقول: وفي ~~معناه روايات أخر. # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله ~~(عليه السلام) وأنا حاضر فقال: جعلت فداك كم عرج برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)؟ فقال: مرتين فأوقفه جبرئيل موقفا فقال له: مكانك يا محمد فلقد ~~وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي إن ربك يصلي فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي؟ ~~فقال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي فقال: اللهم ~~عفوك عفوك. قال: وكان كما قال الله: قاب قوسين أو أدنى فقال له أبو بصير: ~~جعلت فداك وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال: ما بين سيتها إلى رأسها فقال. ~~بينهما حجاب يتلألأ ولا أعلمه إلا وقد قال: من زبرجد فنظر في مثل سم الإبرة ~~إلى ما شاء الله من نور العظمة الحديث. # أقول: وآيات صدر سورة النجم تؤيد ما في الرواية من وقوع المعراج مرتين ثم ~~الاعتبار يساعد على ما في الرواية من صلاته تعالى فإن الأصل في معنى الصلاة ~~الميل والانعطاف، وهو من الله سبحانه الرحمة ومن العبد الدعاء كما قيل، ~~واشتمال ما أخبر به جبرئيل من صلاته تعالى على قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ~~يؤيده ما ذكرناه ولذلك أيضا أوقفه جبرئيل في الموقف الذي أوقفه وذكر له أنه ~~موطأ ما وطئه أحد قبله وذلك أن لازم ما وصفه بهذا الوصف أن يكون الموقف هو ~~الحد الفاصل بين الخلق والخالق وآخر ما ينتهي إليه الإنسان من الكمال فهو ~~الحد الذي ms4738 يظهر فيه الرحمة الإلهية وتفاض على ما دونه ولهذا أوقف (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لمشاهدته. PageV13P015 # وفي المجمع، وهو ملخص من الروايات أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~أتاني جبرائيل وأنا بمكة فقال: قم يا محمد فقمت معه وخرجت إلى الباب فإذا ~~جبرائيل ومعه ميكائيل وإسرافيل فأتى جبرائيل بالبراق وكان فوق الحمار ودون ~~البغل خده كخد الإنسان وذنبه كذنب البقر وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم ~~الإبل عليه رحل من الجنة وله جناحان من فخذيه خطوه منتهى طرفه فقال: اركب ~~فركبت ومضيت حتى انتهيت إلى بيت المقدس ثم ساق الحديث إلى أن قال: فلما ~~انتهيت إلى بيت المقدس إذا ملائكة نزلت من السماء بالبشارة والكرامة من عند ~~رب العزة وصليت في بيت المقدس، وفي بعضها بشر لي إبراهيم في رهط من ~~الأنبياء ثم وصف موسى وعيسى ثم أخذ جبرائيل بيدي إلى الصخرة فأقعدني عليها ~~فإذا معراج إلى السماء لم أر مثلها حسنا وجمالا. فصعدت إلى السماء الدنيا ~~ورأيت عجائبها وملكوتها وملائكتها يسلمون علي ثم صعد بي جبرائيل إلى السماء ~~الثانية فرأيت فيها عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ثم صعد بي إلى السماء ~~الثالثة فرأيت فيها يوسف. ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فرأيت فيها إدريس. ~~ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فرأيت فيها هارون ثم صعد بي إلى السماء ~~السادسة فإذا فيها خلق كثير يموج بعضهم في بعض وفيها الكروبيون ثم صعد بي ~~إلى السماء السابعة فأبصرت فيها خلقا وملائكة وفي حديث أبي هريرة رأيت في ~~السماء السادسة موسى، ورأيت في السماء السابعة إبراهيم. قال: ثم جاوزناها ~~متصاعدين إلى أعلى عليين ووصف ذلك إلى أن قال ثم كلمني ربي وكلمته ورأيت ~~الجنة والنار، ورأيت العرش وسدرة المنتهى ثم رجعت إلى مكة فلما أصبحت حدثت ~~به الناس فكذبني أبو جهل والمشركون وقال مطعم بن عدي: أتزعم أنك سرت مسيرة ~~شهرين في ساعة؟ أشهد أنك كاذب. قالوا: ثم قالت قريش، أخبرنا عما رأيت فقال: ~~مررت بعير بني فلان وقد أضلوا ms4739 بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحلهم قعب 1 مملوء ~~من ماء فشربت الماء ثم غطيته فاسألوهم هل وجدوا الماء في القدح؟ قالوا: هذه ~~آية واحدة. قال: ومررت بعير بني فلان فنفرت بكرة فلان فانكسرت يدها ~~فاسألوهم عن ذلك فقالوا: هذه آية أخرى قالوا: فأخبرنا عن عيرنا قال: مررت ~~بها بالتنعيم وبين لهم أحمالها وهيئاتها وقال: يقدمها جمل أورق عليه ~~فزارتان محيطتان وتطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا: هذه آية أخرى. ثم خرجوا ~~يشتدون نحو التيه وهم يقولون: لقد قضى محمد بيننا وبينه قضاء بينا، وجلسوا ~~ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه؟ فقال قائل: والله إن الشمس قد طلعت. وقال ~~آخر: والله هذه الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فبهتوا ولم يؤمنوا. وفي ~~تفسير العياشي، عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى العشاء الآخرة وصلى الفجر في ~~الليلة التي أسري به بمكة. أقول: وفي بعض الأخبار أنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) صلى المغرب بالمسجد الحرام ثم أسري به ولا منافاة بين الروايتين وكذا ~~لا منافاة بين كونه صلى المغرب أو العشاء الآخرة والفجر بمكة وبين كون ~~الصلوات الخمس فرضت عليه في السماء ليلة الإسراء فإن فرض أصل الصلاة كان ~~قبل ذلك، وأما أنها كم ركعة كانت فغير معلوم غير أن الآثار تدل على أنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقيم الصلاة منذ بعثه الله نبيا وفي سورة ~~العلق: "أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى" وقد روي أنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يصلي بعلي وخديجة (عليهما السلام) بالمسجد الحرام قبل أن يعلن ~~دعوته بمدة. PageV13P016 # وفي الكافي، عن العامري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما عرج برسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين فلما ولد ~~الحسن والحسين (عليهما السلام) زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~سبع ركعات شكرا لله فأجاز الله له ذلك وترك الفجر لم يزد ms4740 فيها لأنه يحضرها ~~ملائكة الليل وملائكة النهار فلما أمره الله بالتقصير في السفر وضع عن أمته ~~ست ركعات وترك المغرب لم ينقص منه شيئا، وإنما يجب السهو فيما زاد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن شك في أصل الفرض في الركعتين الأوليين ~~استقبل صلاته. وروى الصدوق في الفقيه، بإسناده عن سعيد بن المسيب: أنه سأل ~~علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما ~~هي اليوم عليه؟ فقال: بالمدينة حين ظهرت الدعوة وقوي الإسلام وكتب الله على ~~المسلمين الجهاد زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة سبع ~~ركعات في الظهر ركعتين وفي العصر ركعتين وفي المغرب ركعة وفي العشاء الآخرة ~~ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت بمكة. الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والنسائي والبزاز والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل، بسند صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت: يا جبرئيل ما هذه ~~الرائحة الطيبة؟ قال: ماشطة بيت فرعون وأولادها كانت تمشطها فسقط المشط من ~~يدها فقالت: بسم الله فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: بلى ربي وربك ورب أبيك ~~قالت: أولك رب غير أبي؟ قالت نعم قالت: فأخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم. فأخبرته ~~فدعاها فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله الذي في السماء فأمر ~~ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها وأولادها. قالت: إن لي إليك ~~حاجة قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنه جميعا. قال ذلك لك ~~لما لك علينا من حق فألقوا واحدا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم قال: نعي يا أمه ~~ولا تقاعسي فإنك على الحق فألقيت هي وولدها. قال ابن عباس: وتكلم أربعة وهم ~~صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جريح وعيسى بن مريم: أقول: وروي من وجه آخر عن ~~ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وفيه، أخرج ~~ابن مردويه ms4741 عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليلة أسري بي ~~مررت بناس يقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت عادت كما كانت فقلت: من ~~هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون. أقول: ~~وهذا النوع من التمثلات البرزخية التي تصور الأعمال بنتائجها والعذابات ~~المعدة لها كثيرة الورود في أخبار الإسراء وقد تقدم شطر منها في ضمن ~~الروايات. # واعلم أن ما أوردناه من أخبار الإسراء نبذة يسيرة منها وهي كثيرة بالغة ~~حد التواتر رواها جم غفير من الصحابة كأنس بن مالك وشداد بن الأوس وعلي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبد الله بن مسعود ~~وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وسمرة بن ~~جندب وبريدة وصهيب بن سنان وحذيفة بن اليمان وسهل بن سعد وأبو أيوب ~~الأنصاري وجابر بن عبد الله وأبو الحمراء وأبو الدرداء وعروة وأم هاني وأم ~~سلمة وعائشة وأسماء بنت أبي بكر كلهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وروتها جماعة كثيرة من رواة الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام). # وقد اتفقت أقوال من يعتنى بقوله من علماء الإسلام على أن الإسراء كان ~~بمكة قبل الهجرة كما يستفاد من قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام" الآية، ويدل عليه ما اشتملت عليه كثير من الروايات من ~~إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا بذلك صبيحة ليلته وإنكارهم ذلك ~~عليه وإخباره إياهم بأساطين المسجد الأقصى وما لقيه في الطريق من العير ~~وغير ذلك. # ثم اختلفوا في السنة التي أسري به (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها فقيل: ~~في السنة الثانية من البعثة كما عن ابن عباس، وقيل في السنة الثالثة منها ~~كما في الخرائج، عن علي (عليه السلام). PageV13P017 # وقيل في السنة الخامسة، أو السادسة، وقيل بعد البعثة بعشر سنين وثلاثة ~~أشهر، وقيل: في السنة الثانية عشرة منها، وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة ~~أشهر، وقيل: ms4742 قبلها بسنة وثلاثة أشهر، وقيل: قبلها بستة أشهر. # ولا يهمنا الغور في البحث عن ذلك ولا عن الشهر واليوم الذي وقع فيه ~~الإسراء ولا مستند يصح التعويل عليه لكن ينبغي أن يتنبه أن من الروايات ~~المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يصرح بوقوع الإسراء مرتين، ~~وهو المستفاد من آيات سورة النجم حيث يقول سبحانه: "ولقد رآه نزلة أخرى" ~~الآيات على ما سيوافيك إن شاء الله من تفسيره. # وعلى هذا فمن الجائز أن يكون ما وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض ~~الروايات من عجيب ما شاهده راجعا إلى ما شاهده في الإسراء الأول وبعض ما ~~وصفه في بعض آخر راجعا إلى الإسراء الثاني، وبعضه مما شاهده في الإسراءين معا. # ثم اختلفوا في المكان الذي أسري به (صلى الله عليه وآله وسلم) منه فقيل: ~~أسري به من شعب أبي طالب وقيل: أسري به من بيت أم هاني وفي بعض الروايات ~~دلالة على ذلك وقد أولوا قوله تعالى: "أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام" ~~إلى أن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله مجازا فيشمل مكة، وقيل: أسري به من ~~نفس المسجد الحرام لظهور الآية الكريمة فيه ولا دليل على التأويل. # ومن الجائز بالنظر إلى ما نبهنا به من كون الإسراء مرتين أن يكون أحد ~~الإسراءين من المسجد الحرام والآخر من بيت أم هاني، وأما كونه من الشعب فما ~~ذكر فيما ذكر فيه من الروايات أن أبا طالب كان يطلبه طول ليلته وأنه اجتمع ~~هو وبنو هاشم في المسجد الحرام ثم سل سيفه وهدد قريشا إن لم يحصل على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم نزوله من السماء ومجيئه إليهم وإخباره قريشا ~~بما رأى كل ذلك لا يلائم ما كان هو (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنو هاشم ~~جميعا عليه من الشدة والبلية أيام كانوا في الشعب. # وعلى أي حال فالإسراء الذي تعطيه الآية: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" وهو الإسراء الذي كان إلى ms4743 بيت المقدس كان ~~مبدؤه المسجد الحرام لكمال ظهور الآية ولا موجب للتأويل. # ثم اختلفوا في كيفية الإسراء فقيل: كان إسراؤه (عليه السلام) بروحه وجسده ~~من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ثم منه إلى السماوات وعليه الأكثر وقيل: ~~كان بروحه وجسده من مكة إلى بيت المقدس ثم بروحه من بيت المقدس إلى ~~السماوات وعليه جمع، وقيل: كان بروحه (عليه السلام) وهو رؤيا صادقة أراها ~~الله نبيه ونسب إلى بعضهم. # قال في المناقب،: اختلف الناس في المعراج فالخوارج ينكرونه، وقالت ~~الجهمية: عرج بروحه دون جسمه على طريق الرؤيا، وقالت الإمامية والزيدية ~~والمعتزلة: بل عرج بروحه وبجسمه إلى البيت المقدس لقوله تعالى: "إلى المسجد ~~الأقصى" وقال آخرون: بل عرج بروحه وبجسمه إلى السماوات: روي ذلك عن ابن ~~عباس وابن مسعود وجابر وحذيفة وأنس وعائشة وأم هاني. ونحن لا ننكر ذلك إذا ~~قامت الدلالة، وقد جعل الله معراج موسى إلى الطور "وما كنت بجانب الطور" ~~ولإبراهيم إلى السماء الدنيا "وكذلك نري إبراهيم" ولعيسى إلى الرابعة "بل ~~رفعه الله إليه" ولإدريس إلى الجنة "ورفعناه مكانا عليا" ولمحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) "فكان قاب قوسين" وذلك لعلو همته. # انتهى. # والذي ينبغي أن يقال أن أصل الإسراء مما لا سبيل إلى إنكاره فقد نص عليه ~~القرآن وتواترت عليه الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة ~~من أهل بيته (عليهم السلام). PageV13P018 # وأما كيفية الإسراء فظاهر الآية والروايات بما يحتف بها من القرائن ظهورا ~~لا يقبل الدفع أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بروحه وجسده ~~جميعا، وأما العروج إلى السماوات فظاهر آيات سورة النجم كما سيأتي إن شاء ~~الله في تفسيرها وصريح الروايات على كثرتها البالغة وقوعه، ولا سبيل إلى ~~إنكاره من أصله غير أنه من الجائز أن يقال بكونه بروحه لكن لا على النحو ~~الذي يراه القائلون به من كون ذلك من قبيل الأحلام ومن نوع ما يراه النائم ~~من الرؤى، ولو كان كذلك لم يكن لما يدل عليه الآيات بسياقها من ms4744 إظهار ~~المقدرة والكرامة معنى، ولا لذاك الإنكار الشديد الذي أظهرته قريش عند ما ~~قص (عليه السلام) لهم القصة وجه، ولا لما أخبرهم به من حوادث الطريق مفهوم معقول. # بل ذلك - إن كان - بعروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) بروحه الشريفة إلى ~~ما وراء هذا العالم المادي مما يسكنه الملائكة المكرمون وينتهي إليه ~~الأعمال ويصدر منه الأقدار ورأى عند ذلك من آيات ربه الكبرى وتمثلت له ~~حقائق الأشياء ونتائج الأعمال وشاهد أرواح الأنبياء العظام وفاوضهم ولقي ~~الملائكة الكرام وسامرهم، ورأى من الآيات الإلهية ما لا يوصف إلا بالأمثال ~~كالعرش والحجب والسرادقات. # والقوم لذهابهم إلى أصالة الوجود المادي وقصر الوجود غير المادي فيه ~~تعالى لما وجدوا الكتاب والسنة يصفان أمورا غير محسوسة بتمثيلها في خواص ~~الأجسام المحسوسة كالملائكة الكرام والعرش والكرسي واللوح والقلم والحجب ~~والسرادقات حملوا ذلك على كونها أجساما مادية لا يتعلق بها الحس ولا يجري ~~فيها أحكام المادة، وحملوا أيضا ما ورد من التمثيلات في مقامات الصالحين ~~ومعارج القرب وبواطن صور المعاصي ونتائج الأعمال وما يناظر ذلك إلى نوع من ~~التشبيه والاستعارة فوقعوا في ورطة السفسطة بتغليط الحس وإثبات الروابط ~~الجزافية بين الأعمال ونتائجها وغير ذلك من المحاذير. # ولذلك أيضا لما نفى النافون منهم كون عروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى السماوات بجسمه المادي اضطروا إلى القول بكونه في المنام وهو عندهم ~~خاصة مادية للروح المادي واضطروا لذلك إلى تأويل الآيات والروايات بما لا ~~تلائمه ولا واحدة منها. ### |||| AUTO بحث آخر: # قال في مجمع البيان،: فأما الموضع الذي أسري إليه أين كان فإن الإسراء ~~إلى بيت المقدس، وقد نص به القرآن ولا يدفعه مسلم، وما قاله بعضهم: إن ذلك ~~كان في النوم فظاهر البطلان إذ لا معجز يكون فيه ولا برهان. # وقد وردت روايات كثيرة في قصة المعراج في عروج نبينا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى السماء ورواها كثير من الصحابة مثل ابن عباس وابن مسعود وأنس ~~وجابر بن عبد الله وحذيفة وعائشة وأم هاني وغيرهم عن النبي ms4745 (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وزاد بعضهم ونقص بعض وتنقسم جملتها إلى أربعة أوجه. # أحدها: ما يقطع على صحتها لتواتر الأخبار به وإحاطة العلم بصحته. # وثانيها: ما ورد في ذلك مما يجوزه العقول ولا يأباه الأصول فنحن نجوزه ثم ~~نقطع على أن ذلك كان في يقظته دون منامه. # وثالثها: ما يكون ظاهره مخالفا لبعض الأصول إلا أنه يمكن تأويلها على وجه ~~يوافق المعقول فالأولى تأويله على وجه يوافق الحق والدليل. # ورابعها: ما لا يصح ظاهره ولا يمكن تأويله إلا على التعسف البعيد فالأولى ~~أن لا نقبله. # فأما الأول المقطوع به فهو أنه أسري به على الجملة، وأما الثاني فمنه ما ~~روي أنه طاف في السماوات ورأى الأنبياء والعرش وسدرة المنتهى والجنة والنار ~~ونحو ذلك. # وأما الثالث فنحو ما روي أنه رأى قوما في الجنة يتنعمون فيها وقوما في ~~النار يعذبون فيها فيحمل على أنه رأى صفتهم أو أسماءهم، وأما الرابع فنحو ~~ما روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلم الله جهرة ورآه وقعد معه على ~~سريره ونحو ذلك مما يوجب ظاهره التشبيه، والله سبحانه متقدس عن ذلك وكذلك، ~~ما روي أنه شق بطنه وغسله لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان طاهرا مطهرا ~~من كل سوء وعيب وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء. # انتهى. PageV13P019 # وما ذكره من التقسيم في محله غير أن غالب ما أورده من الأمثلة للأقسام ~~منظور فيه فما ذكره من الطواف ورؤية الأنبياء ونحو ذلك تمثلات برزخية أو ~~روحية وكذا ما ذكره من حديث شق البطن والغسل تمثل برزخي لا ضير فيه وأحاديث ~~الإسراء مملوءة من ذكر هذا النوع من التمثل كتمثل الدنيا في هيئة مرأة ~~عليها من كل زينة الدنيا، وتمثل دعوة اليهودية والنصرانية وما شاهده من ~~أنواع النعيم والعذاب لأهل الجنة والنار وغير ذلك. # ومما يؤيد هذا الذي ذكرناه ما في السنة هذه الأخبار من الاختلاف في بيان ~~حقيقة واحدة كما في بعضها من صعوده (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء ms4746 ~~بالبراق وفي آخر على جناح جبريل وفي آخر بمعراج منصوب على صخرة بيت المقدس ~~إلى السماء إلى غير ذلك مما يعثر عليه الباحث المتدبر في خلال هذه ~~الروايات. # فهذه وأمثالها ترشد إلى أن هذه البيانات موضوعة على التمثيل أو التمثل ~~الروحي، ووقوع هذه التمثيلات في ظواهر الكتاب والسنة مما لا سبيل إلى ~~إنكاره البتة. PageV13P020 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 2 - 8 # وءاتينا موسى الكتب وجعلنه هدى لبنى إسرءيل ألا تتخذوا من دونى وكيلا (2) ~~ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بنى إسرءيل فى ~~الكتب لتفسدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلل الديار وكان وعدا مفعولا ~~(5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنكم بأمول وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا (6) ~~إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الاخرة ليسئئوا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ~~ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا (8) ### |||| AUTO بيان # الظاهر من سياق آيات صدر السورة أنها مسوقة لبيان أن السنة الإلهية في ~~الأمم الإنسانية جرت على هدايتهم إلى طريق العبودية وسبيل التوحيد وأمكنهم ~~من الوصول إلى ذلك باختيارهم فآتاهم من نعم الدنيا والآخرة، وأمدهم بأسباب ~~الطاعة والمعصية فإن أطاعوا وأحسنوا أثابهم بسعادة الدنيا والآخرة، وإن ~~أساءوا وعصوا جازاهم بنكال الدنيا وعذاب الآخرة. # وعلى هذا فهذه الآيات السبع كالمثال يمثل به ما جرى من هذه السنة العامة ~~في بني إسرائيل أنزل الله على نبيهم الكتاب وجعله لهم هدى يهتدون به وقضى ~~إليهم فيه أنهم سيعلون ويطغون ويفسقون فينتقم الله منهم باستيلاء عدوهم ~~عليهم بالإذلال والقتل والأسر ثم يعودون إلى الطاعة فيعود تعالى إلى النعمة ~~والرحمة ثم يستعلون ويطغون ثانيا فينتقم الله منهم ثانيا بأشد مما في المرة ~~الأولى ثم من المرجو أن يرحمهم ربهم وإن يعودوا يعد. # ومن ذلك يستنتج أن الآيات السبع كالتوطئة لما سيذكر بعدها من جريان هذه ~~السنة العامة ms4747 في هذه الأمة، والآيات السبع كالمعترضة بين الآية الأولى ~~والتاسعة. # قوله تعالى: "وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من ~~دوني وكيلا" الكتاب كثيرا ما يطلق في كلامه تعالى على مجموع الشرائع ~~المكتوبة على الناس القاضية بينهم فيما اختلفوا فيه من الاعتقاد والعمل ~~ففيه دلالة على اشتماله على الوظائف الاعتقادية والعملية التي عليهم أن ~~يأخذوها ويتلبسوا بها، ولعله لذلك قيل: "وآتينا موسى الكتاب" ولم يقل ~~التوراة ليدل به على اشتماله على شرائع مفترضة عليهم. # وبذلك يظهر أن قوله: "وجعلناه هدى لبني إسرائيل" بمنزلة التفسير لإيتائه ~~الكتاب. # وكونه هدى أي هاديا لهم هو بيانه لهم شرائع ربهم التي لو أخذوها وعملوا ~~بها لاهتدوا إلى الحق ونالوا سعادة الدارين. # وقوله: "ألا تتخذوا من دوني وكيلا" أن: فيه للتفسير ومدخولها محصل ما ~~يشتمل عليه الكتاب الذي جعل هدى لهم فيئول المعنى إلى أن محصل ما كان ~~الكتاب يبينه لهم ويهديهم إليه هو نهيه إياهم أن يشركوا بالله شيئا ويتخذوا ~~من دونه وكيلا فقوله: "لا تتخذوا من دوني وكيلا" تفسيرا لقوله: "وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل" إن كان ضمير "لا تتخذوا" عائدا إليهم كما هو الظاهر، ~~وتفسير لجميع ما تقدمه إن احتمل رجوعه إلى موسى وبني إسرائيل جميعا. # وفي الجملة التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده ووجهه بيان كون ~~التكلم مع الغير لغرض التعظيم وجريان السياق على ما كان عليه من التكلم مع ~~الغير كأن يقال: "أن لا تتخذوا من دوننا وكلاء" لا يناسب معنى التوحيد الذي ~~سيقت له الجملة، ولذلك عدل فيها إلى سياق التكلم وحده ثم لما ارتفعت الحاجة ~~رجع الكلام إلى سياقه السابق فقيل: "ذرية من حملنا مع نوح". # ورجوع اتخاذ الوكيل من دون الله إلى الشرك إنما هو من جهة أن الوكيل هو ~~الذي يكفل إصلاح الشئون الضرورية لموكله ويقدم على رفع حوائجه وهو الله ~~سبحانه فاتخاذ غيره ربا هو اتخاذ وكيل من دونه. PageV13P021 # قوله تعالى: "ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا" تطلق الذرية ms4748 على ~~الأولاد بعناية كونهم صغارا ملحقين بآبائهم، وهي - على ما يهدي إليه السياق ~~- منصوبة على الاختصاص ويفيد الاختصاص عناية خاصة من المتكلم به في حكمه ~~فهو بمنزلة التعليل كقوله تعالى: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت:" الأحزاب - 33 أي ليفعل بكم ذلك لأنكم أهل بيت النبوة. # فقوله: "ذرية من حملنا مع نوح" يفيد فائدة التعليل بالنسبة إلى ما تقدمه ~~كما أن قوله: "إنه كان عبدا شكورا" يفيد فائدة التعليل بالنسبة إليه. # أما الأول فلأن الظاهر أن تعلق العناية بهم إنما هو من جهة ما سبق من ~~الله سبحانه لأهل سفينة نوح من الوعد الجميل حين نجاهم من الطوفان وأمر ~~نوحا بالهبوط بقوله: "يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم:" هود: 48 ففي إنزاله الكتاب لموسى ~~وجعله هدى لبني إسرائيل إنجاز للوعد الحسن الذي سبق لآبائهم من أهل السفينة ~~وجرى على السنة الإلهية الجارية في الأمم فكأنه قيل: أنزلنا على موسى ~~الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأنهم ذرية من حملنا مع نوح وقد وعدناهم ~~السلام والبركات والتمتيع. # وأما الثاني فلأن هذه السنة أعني سنة الهداية والإرشاد وطريقة الدعوة إلى ~~التوحيد هي بعينها السنة التي كان نوح (عليه السلام) أول من قام بها في ~~العالم البشري فشكر بذلك نعمة الله وأخلص له في العبودية - وقد تقدم مرارا ~~أن الشكر بحقيقته يلازم الإخلاص في العبودية - فشكر الله له، وجعل سنته ~~باقية ببقاء الدنيا، وسلم عليه في العالمين، وأثابه بكل كلمة طيبة وعمل ~~صالح إلى يوم القيامة كما قال تعالى: "وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه ~~في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين": الصافات: 80. # فيتلخص معنى الآيتين في مثل قولنا: إنا جزينا نوحا بما كان عبدا شكورا ~~لنا أنا أبقينا دعوته وأجرينا سنته وطريقته في ذرية من حملناهم معه في ~~السفينة ومن ذلك أنا أنزلنا على موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل. # ويظهر من قوله في الآية: ms4749 "ذرية من حملنا مع نوح" ومن قوله:" وجعلنا ذريته ~~هم الباقين" أن الناس ذرية نوح (عليه السلام) من جهة الابن والبنت معا، ولو ~~كانت الذرية منتهية إلى أبنائه فقط وكان المراد بقوله: "من حملنا مع نوح" ~~أبناءه فقط كان الأحسن بل المتعين أن يقال: ذرية نوح وهو ظاهر. # وللقوم في إعراب الآية وجوه أخرى كثيرة كقول من قال: إن "ذرية" منصوب على ~~النداء بحذف حرفه، والتقدير يا ذرية من حملنا، وقيل: مفعول أول لقوله: ~~تتخذوا ومفعوله الثاني قوله: "وكيلا" والتقدير أن لا تتخذوا ذرية من حملنا ~~مع نوح وكيلا من دوني، وقيل: بدل من موسى في الآية السابقة وهي وجوه ظاهرة ~~السخافة. # ويتلوها في ذلك قول من قال: إن ضمير "إنه" عائد إلى موسى دون نوح والجملة ~~تعليل لإيتائه الكتاب أو لجعله (عليه السلام) هدى لبني إسرائيل بناء على ~~رجوع ضمير "وجعلناه" إلى موسى دون الكتاب. # قوله تعالى: "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا" قال الراغب في المفردات،: القضاء فصل الأمر قولا كان ~~ذلك أو فعلا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري فمن القول الإلهي قوله: ~~"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" أي أمر بذلك، وقال: "وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب" فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم أي أعلمناهم ~~وأوحينا إليهم وحيا جزما وعلى هذا "وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء ~~مقطوع". # ومن الفعل الإلهي قوله: "والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون ~~بشيء" وقوله: "فقضاهن سبع سماوات في يومين" إشارة إلى إيجاده الإبداعي ~~والفراغ منه نحو: "بديع السماوات والأرض". # قال: ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ~~ومن الفعل البشري "فإذا قضيتم مناسككم" "ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم" ~~انتهى موضع الحاجة. # والعلو هو الارتفاع وهو في الآية كناية عن الطغيان بالظلم والتعدي ويشهد ~~بذلك عطفه على الإفساد عطف التفسير، وفي هذا المعنى قوله: "إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا. PageV13P022 # ومعنى ms4750 الآية وأخبرنا وأعلمنا بني إسرائيل إخبارا قاطعا في الكتاب وهو ~~التوراة: أقسم وأحق هذا القول أنكم شعب إسرائيل ستفسدون في الأرض وهي أرض ~~فلسطين وما يتبعها مرتين مرة بعد مرة وتعلون علوا كبيرا وتطغون طغيانا عظيما. # قوله تعالى: "فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا" إلخ، قال ~~الراغب: البؤس والبأس والبأساء الشدة والمكروه إلا أن البؤس في الفقر ~~والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية نحو والله أشد بأسا وأشد تنكيلا. ~~انتهى موضع الحاجة. # وفي المجمع: الجوس التخلل في الديار يقال: تركت فلان يجوس بني فلان ~~ويجوسهم ويدوسهم أي يطؤهم، قال أبو عبيد: كل موضع خالطته ووطأته فقد حسته ~~وجسته قال: وقيل: الجوس طلب الشيء باستقصاء. # انتهى. # وقوله: "فإذا جاء وعد أولاهما" تفريع على قوله: "لتفسدن" إلخ، وضمير ~~التثنية راجع إلى المرتين وهما الإفسادتان فالمراد بها الإفسادة الأولى، ~~والمراد بوعد أولاهما ما وعدهم الله من النكال والنقمة على إفسادهم فالوعد ~~بمعنى الموعود، ومجيء الوعد كناية عن وقت إنجازه، ويدل ذلك على أنه وعدهم ~~على إفسادهم مرتين وعدين ولم يذكرا إنجازا فكأنه قيل: لتفسدن في الأرض ~~مرتين ونحن نعدكم الانتقام على كل منهما فإذا جاء وعد المرة الأولى "إلخ" ~~كل ذلك معونة السياق. # وقوله: "بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد" أي أنهضناهم وأرسلناهم ~~إليكم ليذلوكم وينتقموا منكم، والدليل على كون البعث للانتقام والإذلال ~~قوله: "أولي بأس شديد" إلخ. # ولا ضير في عد مجيئهم إلى بني إسرائيل مع ما كان فيه من القتل الذريع ~~والأسر والسبي والنهب والتخريب بعثا إلهيا لأنه كان على سبيل المجازاة على ~~إفسادهم في الأرض وعلوهم وبغيهم بغير الحق، فما ظلمهم الله ببعث أعدائهم ~~وتأييدهم عليهم ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم. # وبذلك يظهر أن لا دليل من الكلام يدل على قول من قال: إن المراد بقوله: ~~"بعثنا عليكم "إلخ" أمرنا قوما مؤمنين بقتالكم وجهادكم لاقتضاء ظاهر قوله: ~~"بعثنا" وقوله "عبادا" ذلك وذلك لما عرفت أن عد ذلك بعثا إلهيا لا مانع فيه ~~بعد ما كان على سبيل ms4751 المجازاة، وكذا لا مانع من عد الكفار عبادا لله مع ما ~~تعقبه من قوله: "أولي بأس شديد". # ونظيره قول من قال: يجوز أن يكون هؤلاء المبعوثون مؤمنين أمرهم الله ~~بجهاد هؤلاء، ويجوز أن يكونوا كفارا فتألفهم نبي من الأنبياء لحرب هؤلاء، ~~وسلطهم على أمثالهم من الكفار والفساق، ويرد عليه نظير ما يرد على سابقه. # وقوله: "وكان وعدا مفعولا" تأكيد لكون القضاء حتما لازما والمعنى فإذا ~~جاء وقت الوعد الذي وعدناه على المرة الأولى من إفسادكم مرتين بعثنا ~~وانهضنا عليكم من الناس عبادا لنا أولي بأس وشدة شديدة فدخلوا بالقهر ~~والغلبة أرضكم وتوسطوا في دياركم فأذلوكم وأذهبوا استقلالكم وعلوكم وسؤددكم ~~وكان وعدا مفعولا لا محيص عنه. # قوله تعالى: "ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم ~~أكثر نفيرا" قال في المجمع،: الكرة معناه الرجعة والدولة، والنفير العدد من ~~الرجال قال الزجاج: ويجوز أن يكون جمع نفر كما قيل: العبيد والضئين والمعيز ~~والكليب، ونفر الإنسان ونفره ونفيره ونافرته رهطه الذين ينصرونه وينفرون ~~معه انتهى. # ومعنى الآية ظاهر، وظاهرها أن بني إسرائيل ستعود الدولة لهم على أعدائهم ~~بعد وعد المرة الأولى فيغلبونهم ويقهرونهم ويتخلصون من استعبادهم ~~واسترقاقهم وأن هذه الدولة سترجع إليهم تدريجا في برهة معتد بها من الزمان ~~كما هو لازم إمدادهم بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا. # وفي قوله في الآية التالية: "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" ~~إشعار بل دلالة بمعونة السياق أن هذه الواقعة وهي رد الكرة لبني إسرائيل ~~على أعدائهم إنما كانت لرجوعهم إلى الإحسان بعد ما ذاقوا وبال إساءتهم قبل ~~ذلك كما أن إنجاز وعد الآخرة إنما كان لرجوعهم ثانيا إلى الإساءة بعد ~~رجوعهم هذا إلى الإحسان. PageV13P023 # قوله تعالى: "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" اللام في "لأنفسكم" ~~و"فلها" للاختصاص أي إن كلا من إحسانكم وإساءتكم يختص بأنفسكم دون أن يلحق ~~غيركم، وهي سنة الله الجارية أن العمل يعود أثره وتبعته إلى صاحبه إن خيرا ~~وإن شرا فهو كقوله: "تلك أمة قد خلت لها ما ms4752 كسبت ولكم ما كسبتم": البقرة - 141. # فالمقام مقام بيان أن أثر العمل لصاحبه خيرا كان أو شرا، وليس مقام بيان ~~أن الإحسان ينفع صاحبه والإساءة تضره حتى يقال: وإن أسأتم فعليها كما قيل: ~~"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت": البقرة: 286. # فلا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم أن اللام في قوله: "وإن أسأتم فلها" بمعنى ~~على، وقول آخرين: إنها بمعنى إلى لأن الإساءة تتعدى بها يقال: أساء إلى ~~فلان ويسيء إليه إساءة، وقول آخرين: إنها للاستحقاق كقوله: "ولهم عذاب أليم". # وربما أورد على كون اللام للاختصاص بأن الواقع على خلافه فكثيرا ما يتعدى ~~أثر الإحسان إلى غير محسنه وأثر الإساءة إلى غير فاعلها وهو ظاهر. # والجواب عنه أن فيه غفلة عما يراه القرآن الكريم في آثار الأعمال أما ~~آثار الأعمال الأخروية فإنها لا تتعدى صاحبها البتة قال تعالى: "من كفر ~~فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون": الروم: 44، وأما الآثار ~~الدنيوية فإن الأعمال لا تؤثر أثرا في غير فاعلها إلا أن يشاء الله من ذلك ~~شيئا على سبيل النعمة على الغير أو النقمة أو الابتلاء والامتحان فليس في ~~مقدرة الفاعل أن يوصل أثر فعله إلى الغير دائما إلا أحيانا يريده الله لكن ~~الفاعل يلحقه أثر فعله الحسن أو السيىء دائما من غير تخلف. # فللمحسن نصيب من إحسانه وللمسيء نصيب من إساءته، قال تعالى: "فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8 فأثر الفعل لا ~~يفارق فاعله إلى غيره، وهذا معنى ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ما ~~أحسنتم إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية. # قوله تعالى: "فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا" التتبير الإهلاك من التبار بمعنى ~~الهلاك والدمار. # وقوله: "ليسوؤا وجوهكم" من المساءة يقال: ساء زيد فلانا إذا أحزنه وهو ~~على ما قيل متعلق بفعل مقدر محذوف للإيجاز، واللام للغاية والتقدير بعثناهم ~~ليسوئوا وجوهكم بظهور الحزن والكآبة فيها وبدو آثار الذلة والمسكنة ms4753 وصغار ~~الاستعباد عليها بما يرتكبونه فيكم من القتل الذريع والسبي والنهب. # وقوله: "وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة" المراد بالمسجد هو المسجد ~~الأقصى - بيت المقدس - ولا يعبأ بما ذكره بعضهم أن المراد به جميع الأرض ~~المقدسة مجازا، وفي الكلام دلالة أولا أنهم في وعد المرة الأولى أيضا دخلوا ~~المسجد عنوة وإنما لم يذكر قبلا للإيجاز، وثانيا أن دخولهم المسجد إنما كان ~~للهتك والتخريب، وثالثا يشعر الكلام بأن هؤلاء المهاجمين المبعوثين لمجازاة ~~بني إسرائيل والانتقام منهم هم الذين بعثوا عليهم أولا. # وقوله: "وليتبروا ما علوا تتبيرا" أي ليهلكوا الذي غلبوا عليه إهلاكا ~~فيقتلوا النفوس ويحرقوا الأموال ويهدموا الأبنية ويخربوا البلاد، واحتمل أن ~~يكون ما مصدرية بحذف مضاف وتقدير الكلام: وليتبروا مدة علوهم تتبيرا، ~~والمعنى الأول أقرب إلى الفهم وأوفق بالسياق. # والمقايسة بين الوعدين أعني قوله: "بعثنا عليكم عبادا لنا" إلخ وقوله: ~~"ليسوؤا وجوهكم" إلخ يعطي أن الثاني كان أشد على بني إسرائيل وأمر وقد ~~كادوا أن يفنوا ويبيدوا فيه عن آخرهم وكفى في ذلك قوله تعالى: "وليتبروا ما ~~علوا تتبيرا". # والمعنى فإذا جاء وعد المرة الآخرة وهي الثانية من الإفسادتين بعثناهم ~~ليسوئوا وجوهكم بظهور الحزن والكآبة وبدو الذلة والمسكنة وليدخلوا المسجد ~~الأقصى كما دخلوه أول مرة وليهلكوا الذي غلبوا عليه ويفنوا الذي مروا عليه ~~إهلاكا وإفناء. # قوله تعالى: "عسى ربكم أن يرحمكم" وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين ~~حصيرا" الحصير من الحصر وهو - على ما ذكروه - التضييق والحبس قال تعالى: ~~"واحصروهم": التوبة: 5 أي ضيقوا عليهم. PageV13P024 # وقوله: "عسى ربكم أن يرحمكم" أي بعد البعث الثاني على ما يفيده السياق وهو ~~ترج للرحمة على تقدير أن يتوبوا ويرجعوا إلى الطاعة والإحسان بدليل قوله: ~~"وإن عدتم عدنا" أي وإن تعودوا إلى الإفساد والعلو، بعد ما رجعتم عنه ~~ورحمكم ربكم نعد إلى العقوبة والنكال، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ومكانا ~~حابسا لا يستطيعون منه خروجا. # وفي قوله: "عسى ربكم أن يرحمكم" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة ~~وكأن الوجه فيه الإشارة إلى أن الأصل ms4754 الذي يقتضيه ربوبيته تعالى أن يرحم ~~عباده إن جروا على ما يقتضيه خلقتهم ويرشد إليه فطرتهم إلا أن ينحرفوا عن ~~خط الخلقة ويخرجوا عن صراط الفطرة، والإيماء إلى هذه النكتة يوجب ذكر وصف ~~الرب فاحتاج السياق أن يتغير عن التكلم مع الغير إلى الغيبة ثم لما استوفيت ~~النكتة بقوله: "عسى ربكم أن يرحمكم" عاد الكلام إلى ما كان عليه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: إن نوحا إنما سمي عبدا شكورا لأنه كان يقول إذا أمسى ~~وأصبح: اللهم إني أشهدك أنه ما أمسى وأصبح بي من نعمة أو عافية في دين أو ~~دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر بها علي حتى ترضى وبعد الرضا. # أقول: وروي هذا المعنى بتفاوت يسير بعدة طرق في الكافي وتفسيري القمي، ~~والعياشي،. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي فاطمة أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: كان نوح (عليه السلام) لا يحمل شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا ~~قال: بسم الله والحمد لله فسماه الله عبدا شكورا. # أقول: والروايات لا تنافي ما تقدم من تفسير الشكر بالإخلاص فمن المعلوم ~~أن دعاءه لم يكن إلا عن تحققه بحقيقة ما دعا به ولا ينفك ذلك عن الإخلاص في ~~العبودية. # وفي تفسير البرهان، عن ابن قولويه بإسناده عن صالح بن سهل عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين" قال: قتل أمير المؤمنين وطعن الحسن بن علي ~~(عليهما السلام) "ولتعلن علوا كبيرا" قال: قتل الحسين (عليه السلام) "فإذا ~~جاء وعد أولاهما" قال: إذا جاء نصر الحسين "بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس ~~شديد - فجاسوا خلال الديار" قوم يبعثهم الله قبل قيام القائم لا يدعون لآل ~~محمد وترا إلا أخذوه "وكان وعدا مفعولا". # أقول: وفي معناها روايات أخرى وهي مسوقة لتطبيق ما يجري في هذه الأمة ms4755 من ~~الحوادث على ما جرى منها في بني إسرائيل تصديقا لما تواتر عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هذه الأمة ستركب ما ركبته بنو إسرائيل حذو النعل ~~بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخله هؤلاء، وليست الروايات ~~واردة في تفسير الآيات، ومن شواهد ذلك اختلاف ما فيها من التطبيق. # وأما أصل القصة التي تتضمنها الآيات الكريمة فقد اختلفت الروايات فيها ~~اختلافا عجيبا يسلب عنها التعويل، ولذلك تركنا إيرادها هاهنا من أرادها ~~فليراجع جوامع الحديث من العامة والخاصة. # وقد نزل على بني إسرائيل منذ استقلوا بالملك والسؤدد نوازل هامة كثيرة ~~فوق اثنتين - على ما يضبطه تاريخهم - يمكن أن ينطبق ما تضمنته هذه الآيات ~~على اثنتين منها لكن الذي هو كالمسلم عندهم أن إحدى هاتين النكايتين اللتين ~~تشير إليهما الآيات هي ما جرى عليهم بيد بخت نصر نبوكدنصر من ملوك بابل قبل ~~الميلاد بستة قرون تقريبا. # وكان ملكا ذا قوة وشوكة من جبابرة عهده، وكان يحمي بني إسرائيل فعصوه ~~وتمردوا عليه فسار إليهم بجيوش لا قبل لهم بها وحاصر بلادهم ثم فتحها عنوة ~~فخرب البلاد وهدم المسجد الأقصى وأحرق التوراة وكتب الأنبياء وأباد النفوس ~~بالقتل العام ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة من النساء والذراري وضعفاء ~~الرجال فأسرهم وسيرهم معه إلى بابل فلم يزالوا هناك لا يحميهم حام ولا يدفع ~~عنهم دافع طول زمن حياة بخت نصر وبعده زمانا طويلا حتى قصد الكسرى كورش أحد ~~ملوك الفرس العظام بابل وفتحه تلطف على الأسرى من بني إسرائيل وأذن لهم في ~~الرجوع إلى الأرض المقدسة، وأعانهم على تعمير الهيكل - المسجد الأقصى - ~~وتجديد الأبنية وأجاز لعزراء أحد كهنتهم أن يكتب لهم التوراة وذلك في نيف ~~وخمسين وأربعمائة سنة قبل الميلاد. PageV13P025 # والذي يظهر من تاريخ اليهود أن المبعوث أولا لتخريب بيت المقدس هو بخت نصر ~~وبقي خرابا سبعين سنة، والمبعوث ثانيا هو قيصر الروم إسبيانوس سير إليهم ~~وزيره طوطوز فخرب البيت وأذل القوم قبل الميلاد بقرن تقريبا. # وليس من البعيد أن يكون الحادثتان ms4756 هما المرادتان في الآيات فإن الحوادث ~~الأخرى لم تفن جمعهم ولم تذهب بملكهم واستقلالهم بالمرة لكن نازلة بخت نصر ~~ذهب بجميعهم وسؤددهم إلى زمن كورش ثم اجتمع شملهم بعده برهة ثم غلب عليهم ~~الروم وأذهبت بقوتهم وشوكتهم فلم يزالوا على ذلك إلى زمن ظهور الإسلام. # ولا يبعده إلا ما تقدمت الإشارة إليه في تفسير الآيات أن فيها إشعارا بأن ~~المبعوث إلى بني إسرائيل في المرة الأولى والثانية قوم بأعيانهم وأن قوله: ~~"ثم رددنا لكم الكرة عليهم" مشعر بأن الكرة من بني إسرائيل على القوم ~~المبعوثين عليهم أولا، وأن قوله: "فإذا كان وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم" مشعر ~~برجوع ضمير الجمع إلى ما تقدم من قوله: "عبادا لنا". # لكنه إشعار من غير دلالة ظاهرة لجواز أن يكون المراد كرة من غير بني ~~إسرائيل على أعدائهم وهم ينتفعون بها وأن يكون ضمير الجمع عائدا إلى ما يدل ~~عليه الكلام بسياقه من غير إيجاب السياق أن يكون المبعوثون ثانيا هم ~~المبعوثين أولا. PageV13P026 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 9 - 22 # إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصلحت أن ~~لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ~~(10) ويدع الانسن بالشر دعاءه بالخير وكان الانسن عجولا (11) وجعلنا اليل ~~والنهار ءايتين فمحونا ءاية اليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلنه تفصيلا (12) وكل إنسن ~~ألزمنه طئره فى عنقه ونخرج له يوم القيمة كتبا يلقاه منشورا (13) اقرأ كتبك ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما ~~يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا ~~أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها ~~تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا (17) من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا ~~له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الاخرة وسعى ms4757 لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما ~~كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجت ~~وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله إلها ءاخر فتقعد مذموما مخذولا (22) ### |||| AUTO بيان # كان القبيل السابق من الآيات يذكر كيفية جريان السنة الإلهية في هداية ~~الإنسان إلى سبيل الحق ودين التوحيد ثم إسعاد من استجاب الدعوة الحقة في ~~الدنيا والآخرة وعقاب من كفر بالحق وفسق عن الأمر في دنياه وعقباه، وكان ~~ذكر نزول التوراة وما جرى بعد ذلك على بني إسرائيل كالمثال الذي يورد في ~~الكلام لتطبيق الحكم الكلي على أفراده ومصاديقه، وهذا القبيل من الآيات ~~يذكر جريان السنة المذكورة في هذه الأمة كما جرت في أمة موسى، وقد استنتج ~~من الآيات لزوم التجنب عن الشرك ووجوب التزام طريق التوحيد حيث قيل: "لا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا". # قوله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" أي للملة التي هي أقوم ~~كما قال تعالى: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا": الأنعام: 161. # والأقوم أفعل تفضيل والأصل في الباب القيام ضد القعود الذي هو أحد أحوال ~~الإنسان وأوضاعه، وهو أعدل حالاته يتسلط به على ما يريده من العمل بخلاف ~~القعود والاستلقاء والانبطاح ونحوها ثم كني به عن حسن تصديه للأمور إذا قوي ~~عليها من غير عجز وعي وأحسن إدارتها للغاية يقال: قام بأمر كذا إذا تولاه ~~وقام على أمر كذا أي راقبه وحفظه وراعى حاله بما يناسبه. # وقد وصف الله سبحانه هذه الملة الحنيفية بالقيام كما قال: "فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم": الروم: 30، وقال: "فأقم وجهك للدين القيم": الروم: 43. # وذلك لكون هذا الدين مهيمنا على ما فيه خير دنياهم وآخرتهم قيما على ~~إصلاح حالهم في معاشهم، ومعادهم وليس إلا لكونه موافقا لما تقتضيه الفطرة ~~الإنسانية والخلقة التي سواه الله سبحانه عليها ms4758 وجهزه بحسبها بما يهديه إلى ~~غايته التي أريدت له، وسعادته التي هيئت لأجله. PageV13P027 # وعلى هذا فوصف هذه الملة في قوله: "للتي هي أقوم" بأنها أقوم إن كان ~~بقياسها إلى سائر الملل إنما هو من جهة أن كلا من تلك الملل سنة حيوية ~~اتخذها ناس لينتفعوا بها في شيء من أمور حياتهم لكنها إن كان تنفعهم في ~~بعضها فهي تضرهم في بعض آخر وإن كانت تحرز لهم شطرا مما فيه هواهم فهي تفوت ~~عليهم شطرا عظيما مما فيه خيرهم، وإنما ذلك الإسلام يقوم على حياتهم وبجميع ~~ما يهمهم في الدنيا والآخرة من غير أن يفوته فائت فالملة الحنيفية أقوم من ~~غيرها على حياة الإنسان. # وإن كان بالقياس إلى سائر الشرائع الإلهية السابقة كشريعة نوح وموسى ~~وعيسى (عليهما السلام) كما هو ظاهر جعلها مما يهدي إليها القرآن قبال ما ~~تقدم من ذكر التوراة وجعلها هدى لبني إسرائيل فإنما هو من جهة أن هذه الملة ~~الحنيفية أكمل من الملل السابقة التي تتضمنها كتب الأنبياء السابقين فهي ~~تشتمل من المعارف الإلهية على آخر ما تتحمله البنية الإنسانية ومن الشرائع ~~على ما لا يشذ منه شاذ من أعمال الإنسان الفردية والاجتماعية، وقد قال ~~تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه": المائدة - 48 فما يهدي إليه القرآن أقوم مما يهدي إليه غيره من الكتب. # قوله تعالى: "ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا" ~~الصالحات صفة محذوف موصوفها اختصارا والتقدير وعملوا الأعمال الصالحات. # وفي الآية جعل حق للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات على الله سبحانه ~~كما يؤيده تسمية ذلك أجرا، ويؤيده أيضا قوله في موضع آخر: "إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون": حم السجدة: 8 ولا محذور في أن يكون ~~لهم على الله حق إذا كان الله سبحانه هو الجاعل له، ونظيره قوله: "ثم ننجي ~~رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين": يونس: 103. # والعناية في الآية ببيان الوعد المنجز كما أن الآية التالية تعني ببيان ms4759 ~~الوعيد المنجز وهو العذاب لمن يكفر بالآخرة، وأما من آمن ولم يعمل الصالحات ~~فليس ممن له على الله أجر منجز وحق ثابت بل أمره مراعى بتوبة أو شفاعة حتى ~~يلحق بذلك على معشر الصالحين من المؤمنين قال تعالى: "وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم": التوبة - 102 ~~وقال: "وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم": التوبة: 106. # نعم لهم ثبات على الحق بإيمانهم كما قال تعالى: "وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم": يونس: 2 وقال: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة": إبراهيم - 27. # قوله تعالى: "وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما" ~~الإعتاد الإعداد والتهيئة من العتاد بالفتح وهو على ما ذكره الراغب ادخار ~~الشيء قبل الحاجة إليه كالإعداد. # وظاهر السياق أنه عطف على قوله في الآية السابقة: "أن لهم" إلخ فيكون ~~التقدير ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن الذين لا يؤمنون "إلخ" ~~وكون ذلك بشارة للمؤمنين من حيث إنه انتقام إلهي من أعدائهم في الدين. # وإنما خص بالذكر من أوصاف هؤلاء عدم إيمانهم بالآخرة مع جواز أن يكفروا ~~بغيرها كالتوحيد والنبوة لأن الكلام مسوق لبيان الأثر الذي يعقبه الدين ~~القيم، ولا موقع للدين ولا فائدة له مع إنكار المعاد وإن اعترف بوحدانية ~~الرب تعالى وغيرها من المعارف، ولذلك عد سبحانه نسيان يوم الحساب أصلا لكل ~~ضلال في قوله: "إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب": ص - 26. # قوله تعالى: "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا" ~~المراد بالدعاء على ما يستفاد من السياق مطلق الطلب سواء كان بلفظ الدعاء ~~كقوله: اللهم ارزقني مالا وولدا وغير ذلك أو من غير دعاء لفظي بل بطلب وسعي ~~فإن ذلك كله دعاء وسؤال من الله سواء اعتقد به الإنسان وتنبه له أم لا إذ ~~لا معطي ولا مانع في الحقيقة إلا الله سبحانه، قال تعالى: "يسأله من في ~~السماوات والأرض": الرحمن: ms4760 29 وقال: "وآتاكم من كل ما سألتموه": إبراهيم: ~~34 فالدعاء مطلق الطلب والباء في قوله: "بالشر" و"بالخير" للصلة والمراد أن ~~الإنسان يدعو الشر ويسأله دعاء كدعائه الخير وسؤاله وطلبه. PageV13P028 # وعلى هذا فالمراد بكون الإنسان عجولا أنه لا يأخذ بالأناة إذا أراد شيئا ~~حتى يتروى ويتفكر في جهات صلاحه وفساده حتى يتبين له وجه الخير فيما يريده ~~من الأمر فيطلبه ويسعى إليه بل يستعجل في طلبه بمجرد ما ذكره وتعلق به هواه ~~فربما كان شرا فتضرر به وربما كان خيرا فانتفع به. # والآية وما يتلوها من الآيات في سياق التوبيخ واللوم متفرعة على ما تقدم ~~من حديث المن الإلهي بالهداية إلى التي هي أقوم كأنه قيل: إنا أنزلنا كتابا ~~يهدي إلى ملة هي أقوم تسوق الآخذين بها إلى السعادة والجنة وتؤديهم إلى أجر ~~كبير، وترشدهم إلى الخير كله لكن جنس الإنسان عجول لا يفرق لعجلته بين ~~الخير والشر بل يطلب كل ما لاح له ويسأل كل ما بدا له فتعلق به هواه من غير ~~تمييز بين الخير والشر والحق والباطل فيرد الشر كما يرد الخير ويهجم على ~~الباطل كما يهجم على الحق. # وليس ينبغي له أن يستعجل ويطلب كل ما يهواه ويشتهيه ولا يحق له أن يرتكب ~~كل ما له استطاعة ارتكابه ويقترف كل ما أقدره الله عليه ومكنه منه مستندا ~~إلى أنه من التيسير الإلهي ولو شاء لمنعه فهذان الليل والنهار وآيتان ~~إلهيتان وليستا على نمط واحد بل آية الليل ممحوة تسكن فيها الحركات وتهدأ ~~فيها العيون، وآية النهار مبصرة تنتبه فيها القوى ويبتغي فيها الناس من فضل ~~ربهم ويعلمون بها عدد السنين والحساب. # كذلك أعمال الشر والخير جميعا كائنة في الوجود بإذن الله مقدورة للإنسان ~~بإقداره سبحانه لكن ذلك لا يكون دليلا على جواز ارتكاب الإنسان الشر والخير ~~جميعا وأن يستعجل فيطلب كل ما بدا له فيرد الشر كما يرد الخير ويقترف ~~المعصية كما يقترف الطاعة بل يجب عليه أن يأخذ عمل الشر ممحوا فلا يقترفه ~~وعمل الخير مبصرا ms4761 فيأتي به ويبتغي بذلك فضل ربه من سعادة الآخرة والرزق ~~الكريم فإن عمل الإنسان هو طائره الذي يدله على سعادته وشقائه، وهو لازم له ~~غير مفارقة فما عمله من خير أو شر فهو لا يفارقه إلى غيره ولا يستدل به سواه. # هذا ما يعطيه السياق من معنى الآية ويتبين به: أولا: أن الآية وما يتلوها ~~من الآيات مسوقة لغرض التوبيخ واللوم، وهو وجه اتصالها وما بعدها بما ~~تقدمها من قوله: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" الآية كما أشرنا إليه ~~آنفا فهو سبحانه يلوم الإنسان أنه لما به من قريحة الاستعجال لا يقدر نعمة ~~الهداية الإلهية حق قدرها ولا يفرق بين الملة التي هي أقوم وبين غيرها ~~فيدعو بالشر دعاءه بالخير ويقصد الشقاء كما يقصد السعادة. # وثانيا: أن المراد بالإنسان هو الجنس دون أفراد معينة منه كالكفار ~~والمشركين كما قيل، وبالدعاء مطلق الطلب لا الدعاء المصطلح كما قيل، ~~وبالخير والشر ما فيه سعادة حياته أو شقاؤه بحسب الحقيقة دون مطلق ما يضر ~~وينفع كدعاء الإنسان على من رضي عنه بالنجاح والفلاح وعلى من غضب عليه ~~بالخيبة والخسران وغير ذلك. # وبالعجلة حب الإنسان أن يسرع ما يهواه إلى التحقق دون اللج والتمادي على ~~طلب العذاب والمكروه. # وللمفسرين اختلاف عجيب في مفردات الآية، وكلمات مضطربة في بيان وجه اتصال ~~الآية وكذا الآيات التالية بما قبلها تركنا إيرادها والغور فيها لعدم جدوى ~~في التعرض لها من أرادها فليراجع كتبهم. # قوله تعالى: "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة" إلى آخر الآية، قال في المجمع، مبصرة أي مضيئة منيرة نيرة ~~قال أبو عمرو: أراد يبصر بها كما يقال: ليل نائم وسر كاتم، وقال الكسائي: ~~العرب تقول: أبصر النهار إذا أضاء. # انتهى موضع الحاجة. # الليل والنهار هما النور والظلمة المتعاقبان على الأرض من جهة مواجهة ~~الشمس بالطلوع وزوالها بالغروب وهما كسائر ما في الكون من أعيان الأشياء ~~وأحوالها آيتان لله سبحانه تدلان بذاتهما على توحده بالربوبية. # ومن هنا يظهر أن ms4762 المراد بجعلهما آيتين هو خلقهما كذلك لا خلقهما وليستا ~~آيتين ثم جعلهما آيتين وإلباسهما لباس الدلالة فالأشياء كلها آيات له تعالى ~~من جهة أصل وجودها وكينونتها الدالة على مكونها لا لوصف طار يطرء عليها. PageV13P029 # ومن هنا يظهر أيضا أن المراد بآية الليل كآية النهار نفس الليل كنفس النهار ~~- على أن تكون الإضافة بيانية لا لامية - والمراد بمحو الليل إظلامه ~~وإخفاؤه عن الأبصار على خلاف النهار. # فما ذكره بعضهم أن المراد بآية الليل القمر ومحوها ما يرى في وجهه من ~~الكلف كما أن المراد بآية النهار الشمس وجعلها مبصرة خلو قرصها عن المحو ~~والسواد. # ليس بسديد فإن الكلام في الآيتين لا آيتي الآيتين. # على أن ما فرع على ذلك من قوله: "لتبتغوا فضلا من ربكم" إلخ متفرع على ~~ضوء النهار وظلمة الليل لا على ما يرى من الكلف في وجه القمر وخلو قرص ~~الشمس من ذلك. # ونظيره في السقوط قول بعضهم: إن المراد بآية الليل ظلمته وبآية النهار ~~ضوءه والمراد بمحو آية الليل إمحاء ظلمته بضوء النهار ونظيره إمحاء ضوء ~~النهار بظلمة الليل وإنما اكتفى بذكر أحدهما لدلالته على الآخر. # ولا يخفى عليك وجه سقوطه بتذكر ما أشرنا إليه سابقا فإن الغرض بيان وجود ~~الفرق بين الآيتين مع كونهما مشتركتين في الآئية والدلالة، وما ذكره من ~~المعنى يبطل الفرق. # وقوله: "لتبتغوا فضلا من ربكم" متفرع على قوله: "وجعلنا آية النهار ~~مبصرة" أي جعلناها مضيئة لتطلبوا فيه رزقا من ربكم فإن الرزق فضله وعطاؤه تعالى. # وذكر بعضهم أن التقدير: لتسكنوا بالليل ولتبتغوا فضلا من ربكم بالنهار ~~إلا أنه حذف لتسكنوا بالليل" لما ذكره في مواضع أخر وفيه أن التقدير ينافي ~~كون الكلام مسوقا لبيان ترتب الآثار على إحدى الآيتين دون الأخرى مع كونهما ~~معا آيتين. # وقوله: "ولتعلموا عدد السنين والحساب" أي لتعلموا بمحو الليل وإبصار ~~النهار عدد السنين بجعل عدد من الأيام واحدا يعقد عليه، وتعلموا بذلك حساب ~~الأوقات والآجال، وظاهر السياق أن علم السنين والحساب متفرع على جعل النهار ~~مبصرا نظير ms4763 تفرع ما تقدمه من ابتغاء الرزق على ذلك وذلك أنا إنما نتنبه ~~للأعدام والفقدانات من ناحية الوجودات لا بالعكس والظلمة فقدان النور ولو ~~لا النور لم ننتقل لا إلى نور ولا إلى ظلمة، ونحن وإن كنا نستمد في الحساب ~~بالليل والنهار معا ونميز كلا منهما بالآخر ظاهرا لكن ما هو الوجودي منهما ~~أعني النهار هو الذي يتعلق به إحساسنا أولا ثم نتنبه لما هو العدمي منها ~~أعني الليل بنوع من القياس، وكذلك الحال في كل وجودي وعدمي مقيس إليه. # وذكر الرازي في تفسيره أن الأولى أن يكون المراد بمحو آية الليل على ~~القول بأنها القمر هو ما يعرض القمر من اختلاف النور من المحاق إلى المحاق ~~بالزيادة والنقيصة ليلة فليلة لما فيه من الآثار العظيمة في البحار ~~والصحاري وأمزجة الناس. # ولازم ذلك - كما أشار إليه - أن يكون قوله: "لتبتغوا فضلا من ربكم" ~~وقوله: "ولتعلموا عدد السنين والحساب" متفرعين على محو آية الليل وجعل آية ~~النهار مبصرة جميعا، والمعنى أنا جعلنا ذلك كذلك لتبتغوا بإضاءة الشمس ~~واختلاف نور القمر أرزاقكم، ولتعلموا بذلك أيضا السنين والحساب فإن الشمس ~~هي التي تميز النهار من الليل والقمر باختلاف تشكلاته يرسم الشهور القمرية ~~والشهور ترسم السنين فاللام في الجملتين أعني "لتبتغوا" و"لتعلموا" متعلق ~~بالفعلين "محونا" و"وجعلنا" جميعا. # وفيه أن الآية في سياق لا يلائمه جعل ما ذكر فيها من الغرض غرضا مترتبا ~~على الآيتين معا أعني الآية الممحوة والآية المثبتة فقد عرفت أن الآيات في ~~سياق التوبيخ واللوم، والآية أعني قوله: "وجعلنا الليل والنهار آيتين" ~~كالجواب عما قدر أن الإنسان يحتج به في دعائه بالشر كدعائه بالخير. # وملخصه: أن الإنسان لمكان عجلته لا يعتني بما أنزله الله من كتاب وهداه ~~إليه من الملة التي هي أقوم بل يقتحم الشر ويطلبه كما يطلب الخير من غير أن ~~يتروى في عمله ويتأمل وجه الصلاح والفساد فيه بل يقتحمه بمجرد ما تعلق به ~~هواه ويسرته قدرته، وهو يعتمد في ذلك على حريته الطبيعية في العمل كأنه ~~يحتج فيه ms4764 بأن الله أقدره على ذلك ولم يمنع عنه كما نقله الله من قول ~~المشركين: "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آبائنا": النحل - 35. PageV13P030 # فأجيب عنه بعد ما أورد في سياق التوبيخ واللوم بأن مجرد تعلق القدرة وصحة ~~الفعل لا يستلزم جواز العمل ولا أن إقداره على الخير والشر معا يدل على ~~جواز اقتحام الشر كالخير فالليل والنهار آيتان من آيات الله يعيش فيهما ~~الإنسان لكن الله سبحانه محى آية الليل وقدر فيها السكون والخمود، وجعل آية ~~النهار مبصرة مدركة يطلب فيها الرزق ويعلم بها عدد السنين والحساب. # فكما أن كون الليل والنهار مشتركين في الآئية لا يوجب اشتراكهما في ~~الحركات والتقلبات بل هي للنهار خاصة كذلك اشتراك أعمال الخير والشر في ~~أنها جميعا تتحقق بإذن الله سبحانه وهي مما أقدر الله الإنسان عليه سواء لا ~~يستلزم جواز ارتكابه لهما وإتيانه بهما على حد سواء بل جواز الإتيان ~~والارتكاب من خواص عمل الخير دون عمل الشر فليس للإنسان أن يسلك كل ما بدا ~~له من سبيل ولا أن يأتي بكل ما اشتهاه وتعلق به هواه معتمدا في ذلك على ما ~~أعطي من الحرية الطبيعية والأقدار الإلهي. # ومما تقدم يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن الآية مسوقة للاحتجاج على التوحيد ~~فإن الليل والنهار وما يعرضهما من الاختلاف وما يترتب على ذلك من البركات ~~من أوضح آيات التوحيد. # وفيه أن دلالتهما على التوحيد لا توجب أن يكون الغرض إفادته والاحتجاج ~~بهما على ذلك في أي سياق وقعا. # وقوله في ذيل الآية: "وكل شيء فصلناه تفصيلا" إشارة إلى تمييز الأشياء ~~وأن الخلقة لا تتضمن إبهامها ولا إجمالها. # قوله تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" قال في المجمع،: الطائر ~~هنا عمل الإنسان شبه بالطائر الذي يسنح ويتبرك به والطائر الذي يبرح فيتشأم ~~به، والسانح الذي يجعل ميامنه إلى مياسرك، والبارح الذي يجعل مياسره إلى ~~ميامنك، والأصل في هذا أنه إذا كان سانحا أمكن الرامي وإذا كان بارحا لم ~~يمكنه قال ms4765 أبو زيد: كل ما يجري من طائر أو ظبي أو غيره فهو عندهم طائر. # انتهى. # وفي الكشاف،: أنهم كانوا يتفألون بالطير ويسمونه زجرا فإذا سافروا ومر ~~بهم طير زجروه فإن مر بهم سانحا بأن مر من جهة اليسار إلى اليمين تيمنوا ~~وإن مر بارحا بأن مر من جهة اليمين إلى الشمال تشأموا ولذا سمي تطيرا. # انتهى. # وقال في المفردات،: تطير فلان وأطير أصله التفاؤل بالطير ثم يستعمل في كل ~~ما يتفاءل به ويتشاءم "قالوا إنا تطيرنا بكم" ولذلك قيل: لا طير إلا طيرك ~~وقال: "إن تصبهم سيئة يطيروا" أي يتشاءموا به "ألا إنما طائرهم عند الله" ~~أي شؤمهم ما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم وعلى ذلك قوله: "قالوا اطيرنا بك ~~وبمن معك" "قال طائركم عند الله" "قالوا طائركم معكم" "وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه" أي عمله الذي طار عنه من خير وشر ويقال: تطايروا إذا أسرعوا ~~ويقال إذا تفرقوا. # انتهى. # وبالجملة سياق ما قبل الآية وما بعدها وخاصة قوله: "من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه" إلخ، يعطي أن المراد بالطائر ما يستدل به على الميمنة والمشأمة ~~ويكشف عن حسن العاقبة وسوءها فلكل إنسان شيء يرتبط بعاقبة حاله يعلم به ~~كيفيتها من خير أو شر. # وإلزام الطائر جعله لازما له لا يفارقه، وإنما جعل الإلزام في العنق لأنه ~~العضو الذي لا يمكن أن يفارقه الإنسان أو يفارق هو الإنسان بخلاف الأطراف ~~كاليد والرجل، وهو العضو الذي يوصل الرأس بالصدر فيشاهد ما يعلق عليه من ~~قلادة أو طوق أو غل أول ما يواجه الإنسان. # فالمراد بقوله: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" أن الذي يستعقب لكل ~~إنسان سعادته أو شقاءه هو معه لا يفارقه بقضاء من الله سبحانه فهو الذي ~~ألزمه إياه، وهذا هو العمل الذي يعمله الإنسان لقوله تعالى: "وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى": النجم: 41. # فالطائر الذي ألزمه الله الإنسان في عنقه هو عمله، ومعنى إلزامه إياه أن ~~الله قضى أن ms4766 يقوم كل عمل بعامله ويعود إليه خيره وشره ونفعه وضره من غير أن ~~يفارقه إلى غيره، وقد استفيد من قوله تعالى: "وإن جهنم لموعدهم أجمعين... ~~إن المتقين في جنات وعيون" الآيات: الحجر: 45 أن من القضاء المحتوم أن حسن ~~العاقبة للإيمان والتقوى وسوء العاقبة للكفر والمعصية. PageV13P031 # ولازم ذلك أن يكون مع كل إنسان من عمله ما يعين له حاله في عاقبة أمره معية ~~لازمة لا يتركه وتعيينا قطعيا لا يخطىء ولا يغلط لما قضي به أن كل عمل فهو ~~لصاحبه ليس له إلا هو وأن مصير الطاعة إلى الجنة ومصير المعصية إلى النار. # وبما تقدم يظهر أن الآية إنما تثبت لزوم السعادة والشقاء للإنسان من جهة ~~أعماله الحسنة والسيئة المكتسبة من طريق الاختيار من دون أن يبطل تأثير ~~العمل في السعادة والشقاء بإثبات قضاء أزلي يحتم للإنسان سعادة أو شقاء ~~سواء عمل أم لم يعمل وسواء أطاع أم عصى كما توهمه بعضهم. # قوله تعالى: "ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا" يوضح حال هذا ~~الكتاب قوله بعده: "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" حيث يدل أولا ~~على أن الكتاب الذي يخرج له هو كتابه نفسه لا يتعلق بغيره، وثانيا أن ~~الكتاب متضمن لحقائق أعماله التي عملها في الدنيا من غير أن يفقد منها شيئا ~~كما في قوله: "يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها": الكهف: 49، وثالثا أن الأعمال التي أحصاها بادية فيها ~~بحقائقها من سعادة أو شقاء ظاهرة بنتائجها من خير أو شر ظهورا لا يستتر ~~بستر ولا يقطع بعذر، قال تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد": ق: 22. # ويظهر من قوله تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من ~~سوء": آل عمران: 30 أن الكتاب يتضمن نفس الأعمال بحقائقها دون الرسوم ~~المخطوطة على حد الكتب المعمولة فيما بيننا في الدنيا فهو نفس الأعمال يطلع ~~الله الإنسان عليها عيانا، ولا حجة كالعيان. ms4767 # وبذلك يظهر أن المراد بالطائر والكتاب في الآية أمر واحد وهو العمل الذي ~~يعمله الإنسان غير أنه سبحانه قال: "ونخرج له يوم القيامة كتابا" ففرق ~~الكتاب عن الطائر ولم يقل: "ونخرجه" لئلا يوهم أن العمل إنما يصير كتابا ~~يوم القيامة وهو قبل ذلك طائر وليس بكتاب أو يوهم أن الطائر خفي مستور غير ~~خارج قبل يوم القيامة فلا يلائم كونه ملزما له في عنقه. # وبالجملة في قوله: "ونخرج له" إشارة إلى أن كتاب الأعمال بحقائقها مستور ~~عن إدراك الإنسان محجوب وراء حجاب الغفلة وإنما يخرجه الله سبحانه للإنسان ~~يوم القيامة فيطلعه على تفاصيله، وهو المعنى بقوله: "يلقاه منشورا". # وفي ذلك دلالة على أن ذلك أمر مهيأ له غير مغفول عنه فيكون تأكيدا لقوله: ~~"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" لأن المحصل أن الإنسان ستناله تبعة عمله ~~لا محالة أما أولا فلأنه لازم له لا يفارقه. # وأما ثانيا فلأنه مكتوب كتابا سيظهر له فيلقاه منشورا. # قوله تعالى: "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" أي يقال: له: اقرأ ~~كتابك "إلخ". # وقوله: "كفى بنفسك" الباء فيه زائدة للتأكيد وأصله كفت نفسك وإنما لم ~~يؤنث الفعل لأن الفاعل مؤنث مجازي يجوز معه التذكير والتأنيث، وربما قيل: ~~إنه اسم فعل بمعنى اكتف والباء غير زائدة، وربما وجه بغير ذلك. # وفي الآية دلالة على أن حجة للكتاب قاطعة بحيث لا يرتاب فيها قارئه ولو ~~كان هو المجرم نفسه وكيف لا؟ وفيه معاينة نفس العمل وبه الجزاء، قال تعالى: ~~"لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7. # وقد اتضح مما أوردناه في وجه اتصال قوله: "ويدع الإنسان بالشر" الآية بما ~~قبله وجه اتصال هاتين الآيتين أعني قوله: "وكل إنسان ألزمناه طائره - إلى ~~قوله - حسيبا" فمحصل معنى الآيات والسياق سياق التوبيخ واللوم أن الله ~~سبحانه أنزل القرآن وجعله هاديا إلى ملة هي أقوم جريا على السنة الإلهية في ~~هداية الناس إلى التوحيد والعبودية وإسعاد من اهتدى منهم وإشقاء من ضل لكن ~~الإنسان لا يميز الخير من ms4768 الشر ولا يفرق بين النافع والضار بل يستعجل كل ما ~~يهواه فيطلب الشر كما يطلب الخير. # والحال أن العمل سواء كان خيرا أو شرا لازم لصاحبه لا يفارقه وهو أيضا ~~محفوظ عليه في كتاب سيخرج له يوم القيامة وينشر بين يديه ويحاسب عليه، وإذا ~~كان كذلك كان من الواجب على الإنسان أن لا يبادر إلى اقتحام كل ما يهواه ~~ويشتهيه ولا يستعجل ارتكابه بل يتوقف في الأمور ويتروى حتى يميز بينها ~~ويفرق خيرها من شرها فيأخذ بالخير ويتحرز الشر. PageV13P032 # قوله تعالى: "من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى" قال في المفردات،: الوزر الثقل تشبيها بوزر الجبل، ويعبر ~~بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل قال تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة" ~~الآية كقوله: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" قال: وقوله: "ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى" أي لا تحمل وزره من حيث يتعرى المحمول عنه. # انتهى. # والآية في موضع النتيجة لقوله: "وكل إنسان ألزمناه طائره" إلخ والجملة ~~الثالثة "ولا تزر وازرة وزر أخرى" تأكيد للجملة الثانية "ومن ضل فإنما يضل ~~عليها". # والمعنى إذا كان العمل خيرا كان أو شرا يلزم صاحبه ولا يفارقه وهو محفوظ ~~على صاحبه سيشاهده عند الحساب فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه وينتفع به نفسه ~~من غير أن يتبع غيره. # ومن ضل عن السبيل فإنما يضل على نفسه ويتضرر به نفسه من دون أن يفارقه ~~فيلحق غيره، ولا تتحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى لا كما ربما يخيل لاتباع ~~الضلال أنهم إن ضلوا فوبال ضلالهم على أئمتهم الذين أضلوهم وكما يتوهم ~~المقلدون لآبائهم وأسلافهم أن آثامهم وأوزارهم لآبائهم وأسلافهم لا لهم. # نعم لأئمة الضلال مثل أوزار متبعيهم، ولمن سن سنة سيئة أوزار من عمل بها ~~ولمن قال: اتبعونا لنحمل خطاياكم آثام خطاياهم لكن ذلك كله وزر الإمامة ~~وجعل السنة وتحمل الخطايا لا عين ما للعامل من الوزر بحيث يفارق العمل ~~عامله ويلحق المتبوع بل إن كان عينه فمعناه أن يعذب بعمل واحد ms4769 اثنان. # قوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" ظاهر السياق الجاري في ~~الآية وما يتلوها من الآيات بل هي والآيات السابقة أن يكون المراد بالتعذيب ~~التعذيب الدنيوي بعقوبة الاستئصال، ويؤيده خصوص سياق النفي "وما كنا ~~معذبين" حيث لم يقل: ولسنا معذبين ولا نعذب ولن نعذب بل قال: "وما كنا ~~معذبين" الدال على استمرار النفي في الماضي الظاهر في أنه كانت السنة ~~الإلهية في الأمم الخالية الهالكة جارية على أن لا يعذبهم إلا بعد أن يبعث ~~إليهم رسولا ينذرهم بعذاب الله. # ويؤيده أيضا أنه تعالى عبر عن هذا المبعوث بالرسول دون النبي فلم يقل حتى ~~نبعث نبيا، وقد تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب في الفرق ~~بين النبوة والرسالة أن الرسالة منصب خاص إلهي يستعقب الحكم الفصل في الأمة ~~إما بعذاب الاستئصال وإما بالتمتع من الحياة إلى أجل مسمى، قال تعالى: ~~"ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47 ~~وقال: "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى": إبراهيم: 10. # فالتعبير بالرسول لإفادة أن المراد نفي التعذيب الدنيوي دون التعذيب ~~الأخروي أو مطلق التعذيب. # فقوله: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" كالدفع لما يمكن أن يتوهم من ~~سابق الآيات المنبئة عن لحوق أثر الأعمال بصاحبها وبشارة الصالحين بالأجر ~~الكبير والطالحين بالعذاب الأليم فيوهم أن تبعات السيئات أعم من العذاب ~~الدنيوي والأخروي سيترتب عليها فيغشى صاحبها من غير قيد وشرط. # فأجيب أن الله سبحانه برحمته الواسعة وعنايته الكاملة لا يعذب الناس ~~بعذاب الاستئصال وهو عذاب الدنيا إلا بعد أن يبعث رسولا ينذرهم به وإن كان ~~له أن يعذبهم به لكنه برحمته ورأفته يبالغ في الموعظة ويتم الحجة بعد الحجة ~~ثم ينزل العقوبة فقوله: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" نفي لوقوع العذاب ~~لا لجوازه. # فالآية - كما ترى - ليست مسوقة لإمضاء حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بل ~~هي تكشف عن اقتضاء العناية الإلهية أن ms4770 لا يعذب قوما بعذاب الاستئصال إلا ~~بعد أن يبعث إليهم رسولا فيؤكد لهم الحجة ويقرعهم بالبيان بعد البيان. # وأما النبوة التي يبلغ بها التكاليف ونبين بها الشرائع فهي التي تستقر ~~بها المؤاخذة الإلهية والمغفرة، ويثبت بها الثواب والعقاب الأخرويان فيما ~~لا يتبين فيه الحق والباطل إلا من طريق النبوة كالتكاليف الفرعية، وأما ~~الأصول التي يستقل العقل بإدراكها كالتوحيد والنبوة والمعاد فإنما تلحق ~~آثار قبولها وتبعات ردها الإنسان بالثبوت العقلي من غير توقف على نبوة أو رسالة. PageV13P033 # وبالجملة أصول الدين وهي التي يستقل العقل ببيانها ويتفرع عليها قبول ~~الفروع التي تتضمنها الدعوة النبوية، تستقر المؤاخذة الإلهية على ردها ~~بمجرد قيام الحجة القاطعة العقلية من غير توقف على بيان النبي والرسول لأن ~~صحة بيان النبي والرسول متوقفة عليها فلو توقف هي عليها لدارت. # وتستقر المؤاخذة الأخروية على الفروع بالبيان النبوي ولا تتم الحجة فيها ~~بمجرد حكم العقل، وقد فصلنا القول فيه في مباحث النبوة في الجزء الثاني وفي ~~قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب، وفي غيرهما. # والمؤاخذة الدنيوية بعذاب الاستئصال يتوقف على بعث الرسول بعناية من الله ~~سبحانه لا لحكم عقلي يحيل هذا النوع من المؤاخذة قبل بعث الرسول كما عرفت. # وللمفسرين في الآية مشاجرات طويلة تركنا التعرض لها لخروج أكثرها عن غرض ~~البحث التفسيري، ولعل الذي أوردناه من البحث لا يوافق ما أوردوه لكن الحق ~~أحق بالاتباع. # قوله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا" قال الراغب: الترفة التوسع في النعمة يقال: ~~أترف فلان فهو مترف - إلى أن قال في قوله أمرنا مترفيها - هم الموصوفون ~~بقوله سبحانه: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه" انتهى. # وقال في المجمع،: الترفة النعمة، قال ابن عرفة: المترف المتروك يصنع ما ~~يشاء ولا يمنع منه، وقال: التدمير الإهلاك والدمار الهلاك. # انتهى. # وقوله: "إذا أردنا أن نهلك قرية" أي إذا دنا وقت هلاكهم من قبيل قولهم: ~~إذا أراد العليل أن يموت كان كذا، وإذا أرادت السماء ms4771 أن يمطر كان كذا، أي ~~إذا دنا وقت موته وإذا دنا وقت إمطارها فإن من المعلوم أنه لا يريد الموت ~~بحقيقة معنى الإرادة وأنها لا تريد الإمطار كذلك، وفي القرآن: "فوجدا جدارا ~~يريد أن ينقض" الآية. # ويمكن أن يراد به الإرادة الفعلية وحقيقتها توافق الأسباب المقتضية للشيء ~~وتعاضدها على وقوعه، وهو قريب من المعنى الأول وحقيقته تحقق ما لهلاكهم من ~~الأسباب وهو كفران النعمة والطغيان بالمعصية كما قال سبحانه: "لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7، وقال: "الذين طغوا في ~~البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد": ~~الفجر: 14. # وقوله: "أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" من المعلوم من كلامه تعالى أنه لا ~~يأمر بالمعصية أمرا تشريعيا فهو القائل: "قل إن الله لا يأمر بالفحشاء": ~~الأعراف: 28 وأما الأمر التكويني فعدم تعلقه بالمعصية من حيث إنها معصية ~~أوضح لجعله الفعل ضروريا يبطل معه تعلقه باختيار الإنسان ولا معصية مع عدم ~~الاختيار قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82. # فمتعلق الأمر في قوله: "أمرنا" إن كان هو الطاعة كان الأمر بحقيقة معناه ~~وهو الأمر التشريعي وكان هو الأمر الذي توجه إليهم بلسان الرسول الذي ~~يبلغهم أمر ربهم وينذرهم بعذابه لو خالفوا وهو الشأن الذي يختص بالرسول كما ~~تقدمت الإشارة إليه فإذا خالفوا وفسقوا عن أمر ربهم حق عليهم القول وهو ~~أنهم معذبون إن خالفوا فأهلكوا ودمروا تدميرا. # وإن كان متعلق الأمر هو الفسق والمعصية كان الأمر مرادا به الإكثار من ~~إفاضة النعم عليهم وتوفيرها على سبيل الإملاء والاستدراج وتقريبهم بذلك من ~~الفسق حتى يفسقوا فيحق عليهم القول وينزل عليهم العذاب. # وهذان وجهان في معنى قوله: "أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" يجوز توجيهه بكل ~~منهما لكن يبعد أول الوجهين أولا أن قولنا: أمرته ففعل وأمرته ففسق ظاهره ~~تعلق الأمر بعين ما فرع عليه، وثانيا عدم ظهور وجه لتعلق الأمر بالمترفين ~~مع كون الفسق لجميع أهل القرية وإلا لم يهلكوا. # قال في الكشاف،: والأمر ms4772 مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: ~~افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة ~~صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب ~~إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا ~~من الإحسان والبر كما خلقهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر وطلب ~~منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق فلما فسقوا حق عليهم القول ~~وهو كلمة العذاب فدمرهم. PageV13P034 # فإن قلت: هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا قلت لأن حذف ما لا دليل ~~عليه غير جائز فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه؟ وذلك أن المأمور به ~~إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض يقال: أمرته فقام وأمرته فقرأ ~~لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة ولو ذهبت تقدر غيره لزمت من ~~مخاطبك علم الغيب. # ولا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري لأن ذلك مناف ~~للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به فكان محالا أن يقصد ~~أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به فكان المأمور به في هذا الكلام غير ~~مدلول عليه ولا منوي لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره مأمورا ~~به كأنه يقول: كان مني أمر فلم يكن منه طاعة كما أن من يقول: فلان يعطي ~~ويمنع ويأمر وينهى غير قاصد إلى مفعول. # فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر ~~بالقصد والخير دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟. # قلت: لا يصح ذلك لأن قوله: ففسقوا يدافعه فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدعي ~~إضمار خلافه فكان صرف اللفظ إلى المجاز هو الوجه. # انتهى. # وهو كلام حسن في تقريب ظهور قوله: "أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" في كون ~~المأمور به هو الفسق وأما كونه صريحا فيه بحيث لا يحتمل إلا ذلك كما يدعيه ~~فلا، فلم لا يجوز أن تكون الآية من قبيل قولنا: أمرته فعصاني حيث تكون ms4773 ~~المعصية وهي منافية للأمر قرينة على كون المأمور به هو الطاعة والفسق ~~والمعصية واحد فإن الفسق هو الخروج عن زي العبودية والطاعة فهو المعصية ~~ويكون المعنى حينئذ أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا عن أمرنا وعصوه، أو يكون ~~الأمر في الآية مستعملا استعمال اللازم، والمعنى توجه أمرنا إلى مترفيها ~~ففسقوا فيها عنه. # فالحق أن الوجهين لا بأس بكل منهما وإن كان الثاني لا يخلو من ظهور وقد ~~أجيب عن اختصاص الأمر بالمترفين بأنهم الرؤساء السادة والأئمة المتبوعون ~~وغيرهم أتباعهم وحكم التابع تابع لحكم المتبوع ولا يخلو من سقم. # وذكر بعضهم في توجيه الآية أن قوله: "أمرنا مترفيها" إلخ صفة لقرية وليس ~~جوابا لإذا وجواب إذا محذوف على حد قوله: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها إلى آخر الآية للاستغناء عنه بدلالة الكلام. # وذكر آخرون أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير وإذا أمرنا مترفي قرية ~~ففسقوا فيها أردنا أن نهلكها، وذلك أنه لا معنى لإرادة الهلاك قبل تحقق ~~سببه وهو الفسق، وهو وجه سخيف كسابقه. # هذا كله على القراءة المعروفة "أمرنا" بفتح الهمزة ثم الميم مخففة من ~~الأمر بمعنى الطلب، وربما أخذ من الأمر بمعنى الإكثار أي أكثرنا مترفيها ~~مالا وولدا ففسقوا فيها. # وقرىء "آمرنا" بالمد ونسب إلى علي (عليه السلام) وإلى عاصم وابن كثير ~~ونافع وغيرهم وهو من الإيمان بمعنى إكثار المال والنسل أو بمعنى تكليف ~~إنشاء فعل، وقرىء أيضا "أمرنا" بتشديد الميم من التأمير بمعنى تولية ~~الإمارة ونسب ذلك إلى علي والحسن والباقر (عليهما السلام) وإلى ابن عباس ~~وزيد بن علي وغيرهم. # قوله تعالى: "وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده ~~خبيرا بصيرا" قال في المفردات: القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه ~~قرون قال: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم" "وكم أهلكنا من القرون" انتهى ~~ومعنى الآية ظاهر، وفيها تثبيت ما ذكر في الآية السابقة من سنة الله ~~الجارية في إهلاك القرى بالإشارة إلى القرون الماضية الهالكة. # والآية لا تخلو من إشعار بأن سنة الإهلاك ms4774 إنما شرعت في القرون الإنسانية ~~بعد نوح (عليه السلام) وهو كذلك، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "كان الناس ~~أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة - 213 في الجزء الثاني من الكتاب أن ~~المجتمع الإنساني قبل زمن نوح (عليه السلام) كانوا على سذاجة الفطرة ثم ~~اختلفوا بعد ذلك. # قوله تعالى: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا" العاجلة صفة محذوفة الموصوف ولعل ~~موصوفها الحياة بقرينة مقابلتها للآخرة في الآية التالية وهي الحياة ~~الآخرة، وقيل: المراد النعم العاجلة وقيل: الأعراض الدنيوية العاجلة. # وفي المفردات،: أصل الصلى لإيقاد النار. PageV13P035 # قال: وقال الخليل: صلي الكافر النار قاسى حرها "يصلونها فبئس المصير" وقيل: ~~صلي النار دخل فيها، وأصلاها غيره قال: "فسوف نصليه نارا" انتهى. # وفي المجمع،: الدحر الإبعاد والمدحور المبعد المطرود يقال: اللهم أدحر ~~عنا الشيطان أي أبعده انتهى. # لما ذكر سبحانه سنته في التعذيب الدنيوي إثر دعوة الرسالة وأنه يهدي ~~الأمم الإنسانية إلى الإيمان والعمل الصالح حتى إذا فسدوا وأفسدوا بعث ~~إليهم رسولا فإذا طغوا وفسقوا عذبهم عذاب الاستئصال، عاد إلى بيان سنته في ~~التعذيب الأخروي والإثابة فيها في هذه الآية والآيتين بعدها يذكر في آية ~~ملاك عذاب الآخرة، وفي آية ملاك ثوابها، وفي آية محصل القول والأصل الكلي ~~في ذلك. # فقوله: "من كان يريد العاجلة" أي الذي يريد الحياة العاجلة وهي الحياة ~~الدنيا، وإرادة الحياة الدنيا إنما هي طلب ما فيها من المتاع الذي تلتذ به ~~النفس ويتعلق به القلب، والتعلق بالعاجلة وطلبها إنما يعد طلبا لها إذا ~~كانت مقصودة بالاستقلال لا لأجل التوسل بها إلى سعادة الأخرى وإلا كانت ~~إرادة للآخرة فإن الآخرة لا يسلك إليها إلا من طريق الدنيا فلا يكون ~~الإنسان مريدا للدنيا إلا إذا أعرض عن الآخرة ونسيها فتمحضت إرادته في ~~الدنيا، ويدل عليه أيضا خصوص التعبير في الآية "من كان يريد" حيث يدل على ~~استمرار الإرادة. # وهذا هو الذي لا يرى لنفسه إلا هذه الحياة المادية الدنيوية ms4775 وينكر الحياة ~~الآخرة، ويلغو بذلك القول بالنبوة والتوحيد إذ لا أثر للإيمان بالله ورسله ~~والتدين بالدين لو لا الاعتقاد بالمعاد، قال تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ~~ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله": النجم: 30. # وقوله: "عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد" أي أسرعنا في إعطائه ما يريده ~~في الدنيا لكن لا بإعطائه ما يريده بل بإعطائه ما نريده فالأمر إلينا لا ~~إليه والأثر لإرادتنا لا لإرادته، ولا بإعطاء ما نعطيه لكل من يريد بل لمن ~~نريد فليس يحكم فينا إرادة الأشخاص بل إرادتنا هي التي تحكم فيهم. # وإرادته سبحانه الفعلية لشيء هو اجتماع الأسباب على كينونته وتحقق العلة ~~التامة لظهوره فالآية تدل على أن الإنسان وهو يريد الدنيا يرزق منها على ~~حسب ما يسمح له الأسباب والعوامل التي أجراها الله في الكون وقدر لها من ~~الآثار فهو ينال شيئا مما يريده ويسأله بلسان تكوينه لكن ليس له إلا ما ~~يهدي إليه الأسباب والله من ورائهم محيط. # وقد ذكر الله سبحانه هذه الحقيقة بلسان آخر في قوله: "ولو لا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحيوة الدنيا": الزخرف: 35 أي لو لا أن الناس جميعا يعيشون على نسق واحد ~~تحت قانون الأسباب والعلل، ولا فرق بين الكافر والمؤمن قبال العلل الكونية ~~بل من صادفته أسباب الغنى والثروة أثرته وأغنته مؤمنا كان أم كافرا، ومن ~~كان بالخلاف، فبالخلاف خصصنا الكفار بمزيد النعم الدنيوية إذ ليس لها عندنا ~~قدر ولا في سوق الآخرة من قيمة. # وذكر بعضهم: أن المراد بإرادة العاجلة إرادتها بعمله وهو أن يريد بعمله ~~الدنيا دون الآخرة فهو محروم من الآخرة، وهو تقييد من غير مقيد، ولعله أخذه ~~من قوله تعالى: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ms4776 ليس لهم في الآخرة إلا النار": هود: 16 لكن ~~الآيتين مختلفتان غرضا فالغرض فيما نحن فيه بيان أن مريد الدنيا لا ينال ~~إلا منها، والغرض من آية سورة هود أن الإنسان لا ينال إلا عمله فإذا كان ~~مريدا للدنيا وفي إليه عمله فيها وبين الغرضين فرق واضح فافهم ذلك. # وقوله: "ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا" أي وجعلنا جزاءه في ~~الآخرة جهنم يقاسي حرها وهو مذموم مبعد من الرحمة والقيدان يفيدان أنه ~~مخصوص بجهنم محروم من المغفرة والرحمة. # والآية وإن كانت تبين حال من تعلق بالدنيا ونسي الآخرة وأنكرها غير أن ~~الطلب والإنكار مختلفان بالمراتب فمن ذلك ما هو كذلك قولا وفعلا ومنه ما هو ~~كذلك فعلا مع الاعتراف به قولا، وتصديق ذلك قوله تعالى فيما سيأتي: ~~"وللآخرة أكبر درجات" الآية. PageV13P036 # قوله تعالى: "ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا" قال الراغب: السعي المشي السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجد في ~~الأمر خيرا كان أو شرا، انتهى موضع الحاجة. # وقوله: "من أراد الآخرة" أي الحياة الآخرة نظير ما تقدم من قوله: "من كان ~~يريد العاجلة" والكلام في قول من قال: يعني من أراد بعمله الآخرة نظير ~~الكلام في مثله في الآية السابقة. # وقوله "وسعى لها سعيها" اللام للاختصاص وكذا إضافة السعي إلى ضمير ~~الآخرة، والمعنى وسعى وجد للآخرة السعي الذي يختص بها، ويستفاد منه أن سعيه ~~لها يجب أن يكون سعيا يليق بها ويحق لها كأن يكون يبذل كمال الجهد في حسن ~~العمل وأخذه من عقل قطعي أو حجة شرعية. # وقوله: "وهو مؤمن" أي مؤمن بالله ويستلزم ذلك توحيده والإذعان بالنبوة ~~والمعاد فإن من لا يعترف بإحدى الخصال الثلاث لا يعده الله سبحانه في كلامه ~~مؤمنا به وقد تكاثرت الآيات فيه. # على أن نفس التقييد بقوله: "وهو مؤمن" يكفي في التقييد المذكور فإن من ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها فهو مؤمن بالله وبنشأة وراء هذه النشأة ~~الدنيوية قطعا فلو لا أن التقييد بالإيمان لإفادة ms4777 وجوب كون الإيمان صحيحا ~~ومن صحته أن يصاحب التوحيد والإذعان بالنبوة لم يكن للتقييد وجه فمجرد ~~التقييد بالإيمان يكفي مئونة الاستعانة بآيات أخر. # وقوله: "فأولئك كان سعيهم مشكورا" أي يشكره الله بحسن قبوله والثناء على ~~ساعيه، وشكره تعالى على عمل العبد تفضل منه على تفضل فإن أصل إثابته العبد ~~على عمله تفضل لأن من وظيفة العبد أن يعبد مولاه من غير وجوب الجزاء عليه ~~فالإثابة تفضل، والثناء عليه بعد الإثابة تفضل على تفضل والله ذو الفضل ~~العظيم. # وفي الآيتين دلالة على أن الأسباب الأخروية وهي الأعمال لا تتخلف عن ~~غاياتها بخلاف الأسباب الدنيوية فإنه سبحانه يقول فيمن عمل للآخرة: "فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا" ويقول فيمن عمل للدنيا: "عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد". # قوله تعالى: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا" ~~قال في المفردات، أصل المد الجر ومنه المدة للوقت الممتد ومدة الجرح ومد ~~النهر ومده نهر آخر ومددت عيني إلى كذا قال تعالى: "ولا تمدن عينيك" الآية ~~ومددته في غيه... وأمددت الجيش بمدد والإنسان بطعام قال: وأكثر ما جاء ~~الإمداد في المحبوب والمد في المكروه نحو "وأمددناهم بفاكهة ولحم مما ~~يشتهون" "ونمد له من العذاب مدا" "ويمدهم في طغيانهم" "وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي" انتهى بتلخيص منا. # فإمداد الشيء ومده أن يضاف إليه من نوعه مثلا ما يمتد به بقاؤه ويدوم به ~~وجوده ولو لا ذلك لانقطع كالعين من الماء التي تستمد من المنبع ويضاف إليها ~~منه الماء حينا بعد حين ويمتد بذلك جريانها. # والله سبحانه يمد الإنسان في أعماله سواء كان ممن يريد العاجلة أو الآخرة ~~فإن جميع ما يتوقف عليه العمل في تحققه من العلم والإرادة والأدوات البدنية ~~والقوى العمالة والمواد الخارجية التي يقع عليها العمل ويتصرف فيها العامل ~~والأسباب والشرائط المربوطة بها كل ذلك أمور تكوينية لا صنع للإنسان فيها ~~ولو فقد كلها أو بعضها لم يكن العمل، والله سبحانه هو الذي يفيضها بفضله ~~ويمد الإنسان بها بعطائه، ولو انقطع ms4778 منه العطاء انقطع من العامل عمله. # فأهل الدنيا في دنياهم وأهل الآخرة في آخرتهم يستمدون من عطائه تعالى ولا ~~يعود إليه سبحانه في عطائه إلا الحمد لأن الذي يعطيه نعمة على الإنسان أن ~~يستعمله استعمالا حسنا في موضع يرتضيه ربه، وأما إذا فسق بعدم استعماله فيه ~~وحرف الكلمة عن موضعها فلا يلومن إلا نفسه وعلى الله الثناء على جميل صنعه ~~وله الحجة البالغة. # فقوله: "كلا نمد" أي كلا من الفريقين المعجل لهم والمشكور سعيهم نمد، ~~وإنما قدم المفعول على فعله لتعلق العناية به في الكلام فإن المقصود بيان ~~عموم الإمداد للفريقين جميعا. PageV13P037 # وقوله: "هؤلاء وهؤلاء" أي هؤلاء المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم بما أن ~~لكل منهما نعته الخاص به، ويئول المعنى إلى أن كلا من الفريقين تحت التربية ~~الإلهية يفيض عليهم من عطائه من غير فرق غير أن أحدهما يستعمل النعمة ~~الإلهية لابتغاء الآخرة فيشكر الله سعيه، والآخر يستعملها لابتغاء العاجلة ~~وينسى الآخرة فلا يبقى له فيها إلا الشقاء والخيبة. # وقوله: "من عطاء ربك" فإن جميع ما يستفيدون منه في أعمالهم كما تقدم لا ~~صنع لهم ولا لغيرهم من المخلوقين فيه بل الله سبحانه هو الموجد لها ومالكها ~~فهي من عطائه. # ويستفاد من هذا القيد وجه ما ذكر لكل من الفريقين من الجزاء فإن أعمالهم ~~لما كانت بإمداده تعالى من خالص عطائه فحقيق على من يستعمل نعمته في الكفر ~~والفسوق أن يصلى النار مذموما مدحورا، وعلى من يستعملها في الإيمان به ~~وطاعته أن يشكر سعيه. # وفي قوله: "ربك" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة وقد كرر ذلك مرتين ~~والظاهر أن النكتة فيه الإشارة إلى أن إمدادهم من شئون صفة الربوبية والله ~~سبحانه هو الرب لا رب غيره غير أن الوثنيين يتخذون من دونه أربابا ولذلك ~~نسب ربوبيته إلى نبيه فقال: "ربك". # وقوله: "وما كان عطاء ربك محظورا" أي ممنوعا والحظر المنع فأهل الدنيا ~~وأهل الآخرة مستمدون من عطائه منعمون بنعمته ممنونون بمنته. # وفي الآية دلالة على أن العطاء الإلهي ms4779 مطلق غير محدود بحد لمكان إطلاق ~~العطاء ونفي الحظر في الآية فما يوجد من التحديد والتقدير والمنع باختلاف ~~الموارد فإنما هو من ناحية المستفيض وخصوص استعداده للاستفاضة أو فقدانه من ~~رأس لا من ناحية المفيض. # ومن عجيب ما قيل في الآية ما نسب إلى الحسن وقتادة أن المراد بالعطاء ~~العطاء الدنيوي فهو المشترك بين المؤمن والكافر وأما العطاء الأخروي ~~فللمؤمنين خاصة، والمعنى كما قيل: كل الفريقين نمد بالعطايا العاجلة لا ~~الفريق الأول المريد للعاجلة فقط وما كان عطاؤه الدنيوي محظورا من أحد. # وفيه أنه تقييد من غير مقيد مع صلاحية المورد للإطلاق وأما ما ذكر من ~~اختصاص العطاء الأخروي بالمؤمنين من غير مشاركة الكفار لهم فيه فخارج من ~~مصب الكلام في الآية فإن الكلام في الإمداد الذي يمد به الأعمال المنتهية ~~إلى الجزاء لا في الجزاء، وعطايا المؤمنين في الآخرة من الجزاء لا من قبيل ~~الأعمال، ونفس ما يمد به أعمال الفريقين عطايا دنيوية وأخروية على أن ~~العطايا الأخروية أيضا مشتركة غير محظورة والحظر فيها من قبل الكافرين كما ~~أن الأمر في العطايا الدنيوية أيضا كذلك فربما يمنع لكن لا من قبل محدودية ~~العطاء بل من قبل عدم صلاحية القابل. # وقال في روح المعاني،: إن التقسيم الذي تضمنته الآية غير حاصر وذلك غير ~~مضر، والتقسيم الحاصر أن كل فاعل إما أن يريد بفعله العاجلة فقط أو يريد ~~الآخرة فقط أو يريدهما معا أو لم يرد شيئا والقسمان الأولان قد علم حكمهما ~~من الآية، والقسم الثالث ينقسم إلى ثلاثة أقسام لأنه إما أن تكون إرادة ~~الآخرة أرجح أو تكون مرجوحة أو تكون الإرادتان متعادلتين. # ثم أطال البحث فيما تكون فيه إرادة الآخرة أرجح ونقل اختلاف العلماء في ~~قبول هذا النوع من العمل، ونقل اتفاقهم على عدم قبول ما يترجح فيه باعث ~~الدنيا أو كان الباعثان فيه متساويين. # قال: وأما القسم الرابع عند القائلين بأن صدور الفعل من القادر يتوقف على ~~حصول الداعي فهو ممتنع الحصول والذين قالوا: إنه لا يتوقف، قالوا ms4780 ذلك الفعل ~~لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر. # انتهى وقد سبقه إلى هذا التقسيم والبحث غيره. # وأنت خبير بأن الآيات الكريمة ليست في مقام بيان حكم الرد والقبول ~~بالنسبة إلى كل عمل صدر عن عامل بل هي تأخذ غاية الإنسان وتعينها بحسب نشاة ~~حياته مرة متعلقة بالحياة العاجلة ولازمه أن لا يريد بأعماله إلا مزايا ~~الحياة الدنيوية المادية ويعرض عن الأخرى، ومرة متعلقة بالحياة الآخرة ~~ولازمه أن يرى لنفسه حياة خالدة دائمة، بعضها وهي الحياة الدنيا مقدمة ~~للبعض الآخر وهي الحياة بعد الموت وأعماله في الدنيا مقصودة بها سعادة ~~الأخرى. PageV13P038 # ومعلوم أن هذا التقسيم لا ينتج إلا قسمين نعم أحد القسمين ينقسم إلى أقسام ~~لم يستوف أحكامها في الآيات لعدم تعلق الغرض بها وذلك أن من أراد الآخرة ~~ربما سعى لها سعيها وربما لم يسع لها سعيها كالفساق وأهل البدع، وعلى كلا ~~الوجهين ربما كان مؤمنا وربما لم يكن مؤمنا، ولم يذكر في كلامه تعالى إلا ~~حكم طائفة خاصة وهي من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن لأن الغرض ~~تمييز ملاك السعادة من ملاك الشقاء لا بيان تفصيل الأحوال. # قوله تعالى: "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا" إشارة إلى تفاوت الدرجات بتفاوت المساعي حتى لا يتوهم أن قليل ~~العمل وكثيره على حد سواء ويسير السعي والسعي البالغ لا فرق بينهما فإن ~~تسوية القليل والكثير والجيد والردي في الشكر والقبول رد في الحقيقة لما ~~يزيد به الأفضل على غيره. # وقوله: "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض" أي بعض الناس على بعض في الدنيا، ~~والقرينة على هذا التقييد قوله بعد: "وللآخرة أكبر" والتفضيل في الدنيا هو ~~ما يزيد به بعض أهلها على بعض من أعراضها وأمتعتها كالمال والجاه والولد ~~والقوة والصيت والرئاسة والسؤدد والقبول عند الناس. # وقوله: "وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" أي هي أكبر من الدنيا في ~~الدرجات والتفضيل فلا يتوهمن متوهم أن أهل الآخرة في عيشة سواء ولا أن ~~التفاوت بين ms4781 معايشهم كتفاوت أهل الدنيا في دنياهم بل الدار أوسع من الدنيا ~~بما لا يقاس وذلك أن سبب التفضيل في الدنيا هي اختلاف الأسباب الكونية وهي ~~محدودة والدار دار التزاحم وسبب التفضيل واختلاف الدرجات في الآخرة هو ~~اختلاف النفوس في الإيمان والإخلاص وهي من أحوال القلوب، واختلاف أحوالها ~~أوسع من اختلاف أحوال الأجسام بما لا يقاس قال تعالى: "إن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284 وقال: "يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89. # ففي الآية أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينظر إلى ما بين أهل الدنيا ~~من التفاضل والاعتبار ليجعل ذلك ذريعة إلى فهم ما بين أهل الآخرة من تفاوت ~~الدرجات والتفاضل في المقامات فإن اختلاف الأحوال في الدنيا يؤدي إلى ~~اختلاف الإدراكات الباطنة والنيات والأعمال التي يتيسر للإنسان أن يأتي بها ~~واختلاف ذلك يؤدي إلى اختلاف الدرجات في الآخرة. # قوله تعالى: "لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا" قال في ~~المفردات،: الخذلان ترك من يظن به أن ينصر نصرته انتهى. # والآية بمنزلة النتيجة للآيات السابقة التي ذكرت سنة الله في عباده وختمت ~~في أن من أراد منهم العاجلة انتهى به ذلك إلى أن يصلى جهنم مذموما مدحورا، ~~ومن أراد منهم الآخرة شكر الله سعيه الجميل، والمعنى لا تشرك بالله سبحانه ~~حتى يؤديك ذلك إلى أن تقعد وتحتبس عن السير إلى درجات القرب وأنت مذموم لا ~~ينصرك الله ولا ناصر دونه وقيل: القعود كناية عن المذلة والعجز. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قوله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" قال: أي يدعو. # وفي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام): "إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" قال: يهدي إلى الولاية. # أقول: وهي من الجري ويمكن أن يراد به ما عند الإمام من كمال معارف الدين ~~ولعله المراد ms4782 مما في بعض الروايات من قوله: يهدي إلى الإمام. # وعنه: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه" يقول: خيره وشره معه حيث كان لا يستطيع فراقه ~~حتى يعطى كتابه بما عمل. # وفيه، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام): عن الآية قال: قدره الذي قدر عليه. # وفيه، عن خالد بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: "اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" قال يذكر العبد جميع ما عمل وما كتب ~~عليه حتى كأنه فعله تلك الساعة فلذلك قالوا: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب - لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة - إلا أحصاها. # وفيه، عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "أمرنا مترفيها" ~~مشددة منصوبة تفسيرها: كثرنا، وقال: لا قرأتها مخففة. PageV13P039 # أقول: وفي حديث آخر عن حمران عنه: تفسيرها أمرنا أكابرها. # وقد روي في قوله تعالى: "ويدع الإنسان بالشر" الآية وقوله: "وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين" الآية وقوله: "وكل إنسان ألزمناه طائره" الآية من طرق ~~الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) وسلمان ~~وغيره روايات تركنا إيرادها لعدم تأيدها بكتاب أو سنة أو حجة عقلية قاطعة ~~مع ما فيها من ضعف الإسناد. # كلام في القضاء في فصول # 1 - # في تحصيل معناه وتحديده. # إنا نجد الحوادث الخارجية والأمور الكونية بالقياس إلى عللها والأسباب ~~المقتضية لها على إحدى حالتين فإنها قبل أن تتم عللها الموجبة لها والشرائط ~~وارتفاع الموانع التي يتوقف عليها حدوثها وتحققها لا يتعين لها التحقق ~~والثبوت ولا عدمه بل يتردد أمرها بين أن تتحقق وأن لا تتحقق من رأس. # فإذا تمت عللها الموجبة لها وكملت ما تتوقف عليه من الشرائط وارتفاع ~~الموانع ولم يبق لها إلا أن تتحقق خرجت من التردد والإبهام وتعين لها أحد ~~الطرفين وهو التحقق، أو عدم التحقق، إن فرض انعدام شيء مما يتوقف عليه ~~وجودها. # ولا يفارق تعين التحقق نفس التحقق. # والاعتباران ms4783 جاريان في أفعالنا الخارجية فما لم نشرف على إيقاع فعل من ~~الأفعال كان مترددا بين أن يقع أو لا يقع فإذا اجتمعت الأسباب والأوضاع ~~المقتضية وأتممناها بالإرادة والإجماع بحيث لم يبق له إلا الوقوع والصدور ~~عينا له أحد الجانبين فتعين له الوقوع. # وكذا يجري نظير الاعتبارين في أعمالنا الوضعية الاعتبارية كما إذا تنازع ~~اثنان في عين يدعيه كل منهما لنفسه كان أمر مملوكيته مرددا بين أن يكون ~~لهذا أو لذاك فإذا رجعا إلى حكم يحكم بينهما فحكم لأحدهما دون الآخر كان ~~فيه فصل الأمر عن الإبهام والتردد وتعيين أحد الجانبين بقطع رابطته مع الآخر. # ثم توسع فيه ثانيا فجعل الفصل والتعيين بحسب القول كالفصل والتعيين بحسب ~~الفعل فقول الحكم: إن المال لأحد المتنازعين فصل للخصومة وتعيين لأحد ~~الجانبين بعد التردد بينهما، وقول المخبر إن كذا كذا، فصل وتعيين، وهذا ~~المعنى هو الذي نسميه القضاء. # ولما كانت الحوادث في وجودها وتحققها مستندة إليه سبحانه وهي فعله جرى ~~فيها الاعتباران بعينهما فهي ما لم يرد الله تحققها ولم يتم لها العلل ~~والشرائط الموجبة لوجودها باقية على حال التردد بين الوقوع واللاوقوع فإذا ~~شاء الله وقوعها وأراد تحققها فتم لها عللها وعامة شرائطها ولم يبق لها إلا ~~أن توجد كان ذلك تعيينا منه تعالى وفصلا لها من الجانب الآخر وقطعا ~~للإبهام، ويسمى قضاء من الله. # ونظير الاعتبارين جار في مرحلة التشريع وحكمه القاطع بأمر وفصله القول ~~فيه قضاء منه. # وعلى ذلك جرى كلامه تعالى فيما أشار فيه إلى هذه الحقيقة، قال تعالى: ~~"وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون": البقرة: 117، وقال: "فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين": حم السجدة: 12، وقال: "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان": ~~يوسف: 41، وقال: "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض ~~مرتين": إسراء: 4 إلى غير ذلك من الآيات المتعرضة للقضاء التكويني. # ومن الآيات المتعرضة للقضاء التشريعي قوله: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه وبالوالدين إحسانا": إسراء: 23، وقوله: "إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": ms4784 يونس: 93، وقوله: "وقضي بينهم بالحق وقيل ~~الحمد لله رب العالمين": الزمر: 75، وما في الآية وما قبلها من القضاء ~~بمعنى فصل الخصومة تشريعي بوجه وتكويني بآخر. # فالآيات الكريمة - كما ترى - تمضي صحة هذين الاعتبارين العقليين في ~~الأشياء الكونية من جهة أنها أفعاله تعالى، وكذا في التشريع الإلهي من جهة ~~أنه فعله التشريعي، وكذا فيما ينسب إليه تعالى من الحكم الفصل. # وربما عبر عنه بالحكم والقول بعناية أخرى قال تعالى: "ألا له الحكم": ~~الأنعام: 62، وقال: "والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41، وقال: "ما يبدل ~~القول لدي": ق: 29، قال: "والحق أقول": ص: 84. # 2 - نظرة فلسفية في معنى القضاء: PageV13P040 # لا ريب أن قانون العلية والمعلولية ثابت وأن الموجود الممكن معلول له ~~سبحانه إما بلا واسطة معها، وأن المعلول إذا نسب إلى علته التامة كان له ~~منها الضرورة والوجوب إذ ما لم يجب لم يوجد، وإذا لم ينسب إليها كان له ~~الإمكان سواء أخذ في نفسه ولم ينسب إلى شيء كالماهية الممكنة في ذاتها أو ~~نسب إلى بعض أجزاء علته التامة فإنه لو أوجب ضرورته ووجوبه كان علة له تامة ~~والمفروض خلافه. # ولما كانت الضرورة هي تعين أحد الطرفين وخروج الشيء عن الإبهام كانت ~~الضرورة المنبسطة على سلسلة الممكنات من حيث انتسابها إلى الواجب تعالى ~~الموجب لكل منها في ظرفه الذي يخصه قضاء عاما منه تعالى كما أن الضرورة ~~الخاصة بكل واحد منها قضاء خاص به منه، إذ لا نعني بالقضاء إلا فصل الأمر ~~وتعيينه عن الإبهام والتردد. # ومن هنا يظهر أن القضاء من صفاته الفعلية وهو منتزع من الفعل من جهة ~~نسبته إلى علته التامة الموجبة له. # 3 - # والروايات في تأييد ما تقدم كثيرة جدا: ففي المحاسن، عن أبيه عن ابن أبي ~~عمير عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله إذا ~~أراد شيئا قدره فإذا قدره قضاه فإذا قضاه أمضاه. # وفيه، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق قال: قال: أبو الحسن ~~(عليه السلام) ليونس ms4785 مولى علي بن يقطين: يا يونس لا تتكلم بالقدر قال: إني ~~لا أتكلم بالقدر ولكن أقول: لا يكون إلا ما أراد الله وشاء وقضى وقدر فقال ~~ليس هكذا أقول ولكن أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. ثم ~~قال: أتدري ما المشية؟ فقال: لا فقال: همه بالشيء أوتدري ما أراد؟ قال: لا ~~قال: إتمامه على المشية فقال: أوتدري ما قدر؟ قال: لا، قال: هو الهندسة من ~~الطول والعرض والبقاء ثم قال إن الله إذا شاء شيئا أراده وإذا أراد قدره ~~وإذا قدره قضاه وإذا قضاه أمضاه الحديث. # وفي رواية أخرى عن يونس عنه (عليه السلام) قال: لا يكون إلا ما شاء الله ~~وأراد وقدر وقضى. قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل قلت: فما معنى ~~أراد؟ قال: الثبوت عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله ~~وعرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضى فذلك الذي لا مرد له وفي ~~التوحيد، عن الدقاق عن الكليني عن ابن عامر عن المعلى قال: سئل العالم ~~(عليه السلام) كيف علم الله؟ قال: علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى فأمضى ما ~~قضى وقضى ما قدر وقدر ما أراد فبعلمه كانت المشية وبمشيته كانت الإرادة ~~وبإرادته كان التقدير وبتقديره كان القضاء وبقضائه كان الإمضاء فالعلم ~~متقدم على المشية والمشية ثانية والإرادة ثالثة والتقدير واقع على القضاء ~~بالإمضاء فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير ~~الأشياء فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء. # الحديث. # والذي ذكره (عليه السلام) من ترتب المشية على العلم والإرادة على المشية ~~وهكذا ترتب عقلي بحسب صحة الانتزاع. # وفيه، بإسناده عن ابن نباتة قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من ~~عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ ~~قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل. # أقول: وذلك أن القدر لا يحتم المقدر فمن المرجو أن لا يقع ما قدر أما إذا ~~كان ms4786 القضاء فلا مدفع له، والروايات في المعاني المتقدمة كثيرة من طرق أئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام). ### |||| AUTO بحث فلسفي # في أن الفيض مطلق غير محدود على ما يفيده قوله تعالى: "وما كان عطاء ربك ~~محظورا". # أطبقت البراهين على أن وجود الواجب تعالى بما أنه واجب لذاته مطلق غير ~~محدود بحد ولا مقيد بقيد ولا مشروط بشرط وإلا انعدم فيما وراء حده وبطل على ~~تقدير عدم قيده أو شرطه وقد فرض واجبا لذاته فهو واحد وحدة لا يتصور لها ~~ثان ومطلق إطلاقا لا يتحمل تقييدا. # وقد ثبت أيضا أن وجود ما سواه أثر مجعول له وأن الفعل ضروري المسانخة ~~لفاعله فالأثر الصادر منه واحد بوحدة حقه ظلية مطلق غير محدود وإلا تركبت ~~ذاته من حد ومحدود وتألفت من وجود وعدم وسرت هذه المناقضة الذاتية إلى ذات ~~فاعله لمكان المسانخة بين الفاعل وفعله، وقد فرض أنه واحد مطلق فالوجود ~~الذي هو فعله، وأثره المجعول واحد غير كثير ومطلق غير محدود وهو المطلوب. PageV13P041 # فما يتراءى في الممكنات من جهات الاختلاف التي تقضي بالتحديد من النقص ~~والكمال والوجدان والفقدان عائدة إلى أنفسها دون جاعلها. # وهي إن كانت في أصل وجودها النوعي أو لوازمها النوعية فمنشأها ماهياتها ~~القابلة للوجود بإمكانها الذاتي كالإنسان والفرس المختلفين في نوعيهما ~~ولوازم نوعيهما وإن كانت في كمالاتها الثانية المختلفة باختلاف أفراد النوع ~~من فاقد للكمال محروم منه وواجد له والواجد للكمال التام أو الناقص فمنشأها ~~اختلاف الاستعدادات المادية باختلاف العلل المعدة المهيأة للاستفاضة من ~~العلة المفيضة. # فالذي تفيضه العلة المفيضة من الأثر واحد مطلق، لكن القوابل المختلفة ~~تكثره باختلاف قابليتها فمن راد له متلبس بخلافه ومن قابل يقبله تاما ومن ~~قابل يقبله ناقصا ويحوله إلى ما يشاكل خصوصية ما فيه من الاستعداد كالشمس ~~التي تفيض نورا واحدا متشابه الأجزاء لكن الأجسام القابلة لنورها تتصرف فيه ~~على حسب ما عندها من القوة والاستعداد. # فإن قلت لا ريب في أن هذه الاختلافات أمور واقعية فإن كان ما عد منشأ لها ~~من الماهيات ms4787 والاستعدادات أمورا وهمية غير واقعية لم يكن لإسناد هذه الأمور ~~الواقعية إليها معنى ورجع الأمر إلى الوجود الذي هو أثر الجاعل الحق وهو ~~خلاف ما ادعيتموه من إطلاق الفيض، وإن كانت أمورا واقعية غير وهمية كانت من ~~سنخ الوجود لاختصاص الأصالة به فكان الاستناد أيضا إلى فعله تعالى وثبت ~~خلاف المدعي. # قلت: هذا النظر يعيد الجميع إلى سنخ الوجود الواحد ولا يبقى معه من ~~الاختلاف أثر بل يكون هناك وجود واحد ظلي قائم بوجود واحد أصلي ولا يبقى ~~لهذا البحث على هذا محل أصلا. # وبعبارة أخرى تقسيم الموجود المطلق إلى ماهية ووجود وكذا تقسيمه إلى ما ~~بالقوة وما بالفعل هو الذي أظهر السلوب في نفس الأمر وقسم الأشياء إلى واجد ~~وفاقد ومستكمل ومحروم وقابل ومقبول ومنشأه تحليل العقل الأشياء إلى ماهية ~~قابلة للوجود ووجود مقبول للماهية، وكذا إلى قوة فاقدة للفعلية وفعلية ~~تقابلها أما إذا رجع الجميع إلى الوجود الذي هو حقيقة واحدة مطلقة لم يبق ~~للبحث عن سبب الاختلاف محل وعاد أثر الجاعل وهو الفيض واحدا مطلقا لا كثرة ~~فيه ولا حد معه فافهم ذلك. PageV13P042 ### ||| CHECK [- 23 - 39 و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالولدين إحسنا ~~إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل ~~لهما قولا كريما (23) و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل رب ارحمهما كما ~~ربيانى صغيرا (24) ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكو] # 17 سورة الإسراء - 23 - 39 ### |||| AUTO وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالولدين إحسنا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى ~~صغيرا (24) ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا صلحين فإنه كان للأوبين ~~غفورا (25) وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) ~~إن المبذرين كانوا إخون الشيطين وكان الشيطن لربه كفورا (27) وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ms4788 ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ولا تقتلوا أولدكم ~~خشية إملق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (31) ولا تقربوا ~~الزنى إنه كان فحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا فلا يسرف فى القتل إنه كان ~~منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسئولا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (36) ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن ~~تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ~~ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها ءاخر فتلقى فى جهنم ~~ملوما مدحورا (39) # بيان # عدة من كليات الدين يذكرها الله سبحانه وهي تتبع قوله قبل آيات "إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم" الآية. # قوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" "لا تعبدوا" إلخ، نفي ~~واستثناء و"أن" مصدرية وجوز أن يكون نهيا واستثناء وأن مصدرية أو مفسرة، ~~وعلى أي حال ينحل مجموع المستثنى والمستثنى منه إلى جملتين كقولنا: تعبدونه ~~ولا تعبدون غيره وترجع الجملتان بوجه آخر إلى حكم واحد وهو الحكم بعبادته ~~عن إخلاص. # والقول سواء كان منحلا إلى جملتين أو عائدا إلى جملة واحدة متعلق القضاء ~~وهو القضاء التشريعي المتعلق بالأحكام والقضايا التشريعية، ويفيد معنى ~~الفصل والحكم القاطع المولوي، وهو كما يتعلق بالأمر يتعلق بالنهي وكما يبرم ~~الأحكام المثبتة يبرم الأحكام المنفية، ولو كان بلفظ الأمر فقيل: وأمر ربك ~~أن لا تعبدوا إلا إياه، لم يصح إلا بنوع من التأويل والتجوز. # والأمر بإخلاص العبادة لله سبحانه أعظم الأوامر الدينية والإخلاص ~~بالعبادة أوجب الواجبات كما أن معصيته ms4789 وهو الشرك بالله سبحانه أكبر الكبائر ~~الموبقة، قال تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء": النساء: 48. # وإليه يعود جميع المعاصي بحسب التحليل إذ لو لا طاعة غير الله من شياطين ~~الجن والإنس وهوى النفس والجهل لم يقدم الإنسان على معصية ربه فيما أمره به ~~أو نهاه عنه والطاعة عبادة قال تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان": يس: 60، وقال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه": الجاثية: 23، ~~حتى أن الكافر المنكر للصانع مشرك بإلقائه زمام تدبير العالم إلى المادة أو ~~الطبيعة أو الدهر أو غير ذلك وهو مقر بسذاجة فطرته بالصانع تعالى. PageV13P043 # ولعظم أمر هذا الحكم قدمه على سائر ما عد من الأحكام الخطيرة شأنا كعقوق ~~الوالدين ومنع الحقوق المالية والتبذير وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس ~~المحترمة وأكل مال اليتيم ونقض العهد والتطفيف في الوزن واتباع غير العلم ~~والكبير ثم ختمها بالنهي ثانيا عن الشرك. # قوله تعالى: "وبالوالدين إحسانا" عطف على سابقه أي وقضى ربك بأن تحسنوا ~~بالوالدين إحسانا أو أن أحسنوا بالوالدين إحسانا والإحسان في الفعل يقابل ~~الإساءة. # وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات كما أن عقوقهما أكبر الكبائر بعد ~~الشرك بالله، ولذلك ذكره بعد حكم التوحيد وقدمه على سائر الأحكام المذكورة ~~المعدودة وكذلك فعل في عدة مواضع من كلامه. # وقد تقدم في نظير الآية من سورة الأنعام - الآية 151 من السورة - أن ~~الرابطة العاطفية المتوسطة بين الأب والأم من جانب والولد من جانب آخر من ~~أعظم ما يقوم به المجتمع الإنساني على ساقه، وهي الوسيلة الطبيعية التي ~~تمسك الزوجين على حال الاجتماع فمن الواجب بالنظر إلى السنة الاجتماعية ~~الفطرية أن يحترم الإنسان والديه بإكرامهما والإحسان إليهما، ولو لم يجر ~~هذا الحكم وهجر المجتمع الإنساني بطلت العاطفة والرابطة للأولاد بالأبوين ~~وانحل به عقد الاجتماع. # قوله تعالى: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما وقل لهما قولا كريما" "إما" مركب من "إن" الشرطية و"ما" ms4790 الزائدة ~~وهي المصححة لدخول نون التأكيد على فعل الشرط، والكبر هو الكبر في السن وأف ~~كلمة تفيد الضجر والانزجار، والنهر هو الزجر بالصياح ورفع الصوت والإغلاظ ~~في القول. # وتخصيص حالة الكبر بالذكر لكونها أشق الحالات التي تمر على الوالدين ~~فيحسان فيها الحاجة إلى إعانة الأولاد لهما وقيامهم بواجبات حياتيهما التي ~~يعجزان عن القيام بها، وذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين ~~يقومان بحضانتهم وتربيتهم في حال الصغر وفي وقت لا قدرة لهم على شيء من ~~لوازم الحياة وواجباتها. # فالآية تدل على وجوب إكرامهما ورعاية الأدب التام في معاشرتهما ~~ومحاورتهما في جميع الأوقات وخاصة في وقت يشتد حاجتهما إلى ذلك وهو وقت ~~بلوغ الكبر من أحدهما أو كليهما عند الولد ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا" خفض الجناح كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولا وفعلا مأخوذ ~~من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أمه لتغذيته، ولذا قيده بالذل فهو دأب ~~أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمهاتها، فالمعنى واجههما في معاشرتك ~~ومحاورتك مواجهة يلوج منها تواضعك وخضوعك لهما وتذللك قبالهما رحمة بهما. # هذا إن كان الذل بمعنى المسكنة وإن كان بمعنى المطاوعة فهو مأخوذ من خفض ~~الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظا لها. # وقوله: "وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" أي اذكر تربيتهما لك صغيرا ~~فادع الله سبحانه أن يرحمهما كما رحماك وربياك صغيرا. # قال في المجمع،: وفي هذا دلالة على أن دعاء الولد لوالده الميت مسموع ~~وإلا لم يكن للأمر به معنى. # انتهى. # والذي يدل عليه كون هذا الدعاء في مظنة الإجابة وهو أدب ديني ينتفع به ~~الولد وإن فرض عدم انتفاع والديه به على أن وجه تخصيص استجابة الدعاء ~~بالوالد الميت غير ظاهر والآية مطلقة. # قوله تعالى: "ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا" السياق يعطي أن تكون الآية متعلقة بما تقدمها من إيجاب ~~إحسان الوالدين وتحريم عقوقهما، وعلى ms4791 هذا فهي متعرضة لما إذا بدرت من الولد ~~بادرة في حق الوالدين من قول أو فعل يتأذيان به، وإنما لم يصرح به للإشارة ~~إلى أن ذلك مما لا ينبغي أن يذكر كما لا ينبغي أن يقع. # فقوله: "ربكم أعلم بما في نفوسكم" أي أعلم منكم به، وهو تمهيد لما يتلوه ~~من قوله: "إن تكونوا صالحين" فيفيد تحقيق معنى الصلاح أي إن تكونوا صالحين ~~وعلم الله من نفوسكم ذلك فإنه كان إلخ، وقوله: "فإنه كان للأوابين غفورا" ~~أي للراجعين إليه عند كل معصية وهو من وضع البيان العام موضع الخاص. # والمعنى: إن تكونوا صالحين وعلم الله من نفوسكم ورجعتم وتبتم إليه في ~~بادرة ظهرت منكم على والديكم غفر الله لكم ذلك إنه كان للأوابين غفورا. PageV13P044 # قوله تعالى: "وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل" تقدم الكلام فيه في ~~نظائره، وبالآية يظهر أن إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل مما شرع قبل ~~الهجرة لأنها آية مكية من سورة مكية. # قوله تعالى: "ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان ~~الشيطان لربه كفورا" قال في المجمع،: التبذير التفريق بالإسراف، وأصله أن ~~يفرق كما يفرق البذر إلا أنه يختص بما يكون على سبيل الإفساد، وما كان على ~~وجه الإصلاح لا يسمى تبذيرا وإن كثر. # انتهى. # وقوله: "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" تعليل للنهي عن التبذير، ~~والمعنى لا تبذر إنك إن تبذر كنت من المبذرين والمبذرون إخوان الشياطين، ~~وكأن وجه المواخاة بينهم أن الواحد منهم يصير ملازما لشيطانه وبالعكس ~~كالأخوين الذين هما شقيقان متلازمان في أصلهما الواحد كما يشير إليه قوله ~~تعالى: "وقيضنا لهم قرناء": حم السجدة: 25، وقوله: "احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم": الصافات: 22 أي قرناءهم: وقوله: "وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم ~~لا يقصرون": الأعراف: 202. # ومن هنا يظهر أن تفسير من فسر الآية بأنهم قرناء الشياطين أحسن من قول من ~~قال: المعنى أنهم اتباع الشياطين سالكون سبيلهم. # وأما قوله: "وكان الشيطان لربه كفورا" فالمراد بالشيطان فيه هو إبليس ~~الذي هو أبو الشياطين وهم ذريته ms4792 وقبيله واللام حينئذ للعهد الذهني ويمكن أن ~~يكون اللام للجنس والمراد به جنس الشيطان وعلى أي حال كونه كفورا لربه من ~~جهة كفرانه بنعم الله حيث إنه يصرف ما آتاه من قوة وقدرة واستطاعة في سبيل ~~إغواء الناس وحملهم على المعصية ودعوتهم إلى الخطيئة وكفران النعمة. # وقد ظهرت مما تقدم النكتة في جمع الشيطان أولا وإفراده ثانيا فإن ~~الاعتبار أولا بأن كل مبذر أخو شيطانه الخاص فالجميع إخوان للشياطين ~~والاعتبار ثانيا بإبليس الذي هو أبو الشياطين أو بجنس الشيطان. # قوله تعالى: "وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ~~ميسورا" أصله إن تعرض عنهم و"ما" زائدة للتأكيد والنون للتأكيد. # والسياق يشهد بأن الكلام في إنفاق الأموال فالمراد بقوله: "وإما تعرضن ~~عنهم" الإعراض عمن سأله شيئا من المال ينفقه له ويسد به خلته وليس المراد ~~به كل إعراض كيف اتفق بل الإعراض عند ما ليس عنده شيء من المال يبذله له ~~وليس بآيس من وجدانه بدليل قوله: "ابتغاء رحمة من ربك ترجوها" أي كنت تعرض ~~عنهم لا لكونك مليئا بالمال شحيحا به، ولا لأنك فاقد له آيس من حصوله بل ~~لأنك فاقد له مبتغ وطالب لرحمة من ربك ترجوها يعني الرزق. # وقوله: "فقل لهم قولا ميسورا" أي سهلا لينا أي لا تغلظ في القول ولا تجف ~~في الرد كما قال تعالى: "وأما السائل فلا تنهر": الضحى: 10 بل رده بقول سهل لين. # قال في الكشاف،: وقوله: "ابتغاء رحمة من ربك" إما أن يتعلق بجواب الشرط ~~مقدما عليه أي فقل لهم قولا سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا رحمة لهم وتطييبا ~~لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم، ~~وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك - ~~فسمى الرزق رحمة - فردهم ردا جميلا فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد ~~الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب ~~موضع السبب. # انتهى. # قوله تعالى: "ولا ms4793 تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ~~ملوما محسورا" جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن الإمساك كمن لا يعطي ولا ~~يهب شيئا لبخله وشح نفسه، وبسط اليد كل البسط كناية عن إنفاق الإنسان كل ما ~~في وجده بحيث لا يبقى شيئا كمن يبسط يده كل البسط بحيث لا يستقر عليها شيء ~~ففي الكلام نهي بالغ عن التفريط والإفراط في الإنفاق. # وقوله: "فتقعد ملوما محسورا" متفرع على قوله: "ولا تبسطها" إلخ والحسر هو ~~الانقطاع أو العرى أي ولا تبسط يدك كل البسط حتى يتعقب ذلك أن تقعد ملوما ~~لنفسك وغيرك منقطعا عن واجبات المعاش أو عريانا لا تقدر على أن تظهر للناس ~~وتعاشرهم وتراودهم. # وقيل: إن قوله: "فتقعد ملوما محسورا" متفرع على الجملتين لا على الجملة ~~الأخيرة فحسب والمعنى إن أمسكت قعدت ملوما مذموما وإن أسرفت بقيت متحسرا ~~مغموما. PageV13P045 # وفيه أن كون قوله: "ولا تبسطها كل البسط" ظاهرا في النهي عن التبذير ~~والإسراف غير معلوم وكذا كون إنفاق جميع المال في سبيل الله إسرافا وتبذيرا ~~غير ظاهر وإن كان منهيا عنه بهذه الآية كيف ومن المأخوذ في مفهوم التبذير ~~أن يكون على وجه الإفساد، ووضع المال ولو كان كثيرا أو جميعه في سبيل الله ~~وإنفاقه على من يستحقه ليس بإفساد له، ولا وجه للتحسر والغم على ما لم يفسد ~~ولا أفسد. # قوله تعالى: "إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا" ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل لما تقدم في الآية السابقة من ~~النهي عن الإفراط والتفريط في إنفاق المال وبذله. # والمعنى: أن هذا دأب ربك وسنته الجارية يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لمن ~~يشاء فلا يبسطه كل البسط ولا يمسك عنه كل الإمساك رعاية لمصلحة العباد إنه ~~كان بعباده خبيرا بصيرا وينبغي لك أن تتخلق بخلق الله وتتخذ طريق الاعتدال ~~وتتجنب الإفراط والتفريط. # وقيل: إنها تعليل على معنى أن ربك يبسط ويقبض، وذلك من الشئون الإلهية ~~المختصة به تعالى، وليس لك ms4794 أن تتصف به والذي عليك أن تقتصد من غير أن تعدل ~~عنه إلى إفراط أو تفريط، وقيل في معنى التعليل غير ذلك، وهي وجوه بعيدة. # قوله تعالى: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطأ كبيرا" الإملاق الفاقة والفقر، وقال في المفردات،: الخطأ العدول عن ~~الجهة وذلك أضرب: أحدها أن تريد غير ما تحسن إرادته وفعله، وهذا هو الخطأ ~~التام المأخوذ به الإنسان يقال: خطىء يخطأ وخطأة، قال تعالى: "إن قتلهم كان ~~خطأ كبيرا" وقال: "وإن كنا لخاطئين" والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع ~~منه خلاف ما يريد فيقال: أخطأ إخطاء فهو مخطىء وهذا قد أصاب في الإرادة ~~وأخطأ في الفعل، وهذا المعنى بقوله: "ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة"، ~~والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطىء في الإرادة ~~مصيب في الفعل فهو مذموم بقصده غير محمود على فعله. # وجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما ~~أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا يجمل: ~~أنه أخطأ، ولذا يقال: أصاب الخطأ وأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ ~~وهذه اللفظة مشتركة كما ترى مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن ~~يتأملها. # انتهى بتلخيص. # وفي الآية نهي شديد عن قتل الأولاد خوفا من الفقر والحاجة وقوله "نحن ~~نرزقهم وإياكم" تعليل للنهي وتمهيد لقوله بعده: "إن قتلهم كان خطأ كبيرا". # والمعنى ولا تقتلوا أولادكم خوفا من أن تبتلوا بالفقر والحاجة فيؤديهم ~~ذلك إلى ذل السؤال أو ازدواج بناتكم من غير الأكفاء أو غير ذلك مما يذهب ~~بكرامتكم فإنكم لستم ترزقونهم حتى تفقدوا الرزق عند فقركم وإعساركم بل نحن ~~نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا. # وقد تكرر في كلامه تعالى النهي عن قتل الأولاد خوفا من الفقر وخشية من ~~الإملاق، وهو مع كونه من قتل النفس المحترمة التي يبالغ كلامه تعالى في ~~النهي عنه إنما أفرد بالذكر ms4795 واختص بنهي خاص لكونه من أقبح الشقوة وأشد ~~القسوة، ولأنهم - كما قيل - كانوا يعيشون في أراضي يكثر فيها السنة ويسرع ~~إليها الجدب فكانوا إذا لاحت لوائح الفاقة والإعسار بجدب وغيره بادروا إلى ~~قتل الأولاد خوفا من ذهاب الكرامة والعزة. # وفي الكشاف،: قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم كانوا يأدونهن خشية الفاقة ~~وهي الإملاق فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم انتهى، والظاهر خلاف ما ذكره وأن ~~الآيات المتعرضة لوأد البنات آيات خاصة تصرح به وبحرمته كقوله تعالى: "وإذا ~~الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت": التكوير: 9، وقوله: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ~~ظل وجهه مسودا فهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون ~~أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون": النحل: 59. # وأما الآية التي نحن فيها وأترابها فإنها تنهى عن قتل الأولاد خشية ~~إملاق، ولا موجب لحمل الأولاد على البنات مع كونه أعم، ولا حمل الهون على ~~خوف الفقر مع كونهما متغايرين فالحق أن الآية تكشف عن سنة سيئة أخرى غير ~~وأد البنات دفعا للهون وهي قتل الأولاد من ذكر وأنثى خوفا من الفقر والفاقة ~~والآيات تنهى عنه. PageV13P046 # قوله تعالى: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا" نهي عن الزنا وقد ~~بالغ في تحريمه حيث نهاهم عن أن يقربوه، وعلله بقوله: "إنه كان فاحشة" ~~فأفاد أن الفحش صفة لازمة له لا يفارقه، وقوله: "وساء سبيلا" فأفاد أنه ~~سبيل سيء يؤدي إلى فساد المجتمع في جميع شئونه حتى ينحل عقده ويختل نظامه ~~وفيه هلاك الإنسانية وقد بالغ سبحانه في وعيد من أتى به حيث قال في صفات ~~المؤمنين: "ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا": الفرقان: 70. # "كلام في حرمة الزنا" # وهو بحث قرآني اجتماعي. # من المشهود أن في كل من الزوجين من الإنسان أعني الذكر والأنثى إذا أدرك ~~وصحت بنيته ميلا غريزيا إلى الآخر وليس ذلك مما يختص بالإنسان بل ما نجده ~~من عامة الحيوان ms4796 أيضا على هذه الغريزة الطبيعية. # وقد جهز بحسب الأعضاء والقوى بما يدعوه إلى هذا الاقتراب والتمايل ~~والتأمل في نوع تجهيز الصنفين لا يدع ريبا في أن هذه الشهوة الطبيعية وسيلة ~~تكوينية إلى التوالد والتناسل الذي هو ذريعة إلى بقاء النوع، وقد جهز بأمور ~~أخرى متممة لهذه البغية الطبيعية كحب الولد وتجهيز الأنثى من الحيوان ذي ~~الثدي باللبن لتغذي طفلها حتى يستطيع التقام الغذاء الخشن ومضغه وهضمه فكل ~~ذلك تسخير إلهي يتوسل به إلى بقاء النوع. # ولذلك نرى أن الحيوان مع عدم افتقاره إلى الاجتماع والمدنية لسذاجة حياته ~~وقلة حاجته يهتدي حينا بعد حين بحسب غريزته إلى الاجتماع الزوجي - السفاد - ~~ثم يلتزم الزوجان أو الأنثى منهما الطفل أو الفرخ ويتكفلان أو تتكفل الأنثى ~~تغذيته وتربيته حتى يدرك ويستقل بإدارة رحى حياته. # ولذلك أيضا لم يزل الناس منذ ضبط التاريخ سيرهم وسننهم تجري فيهم سنة ~~الازدواج التي فيها نوع من الاختصاص والملازمة بين الرجل والمرأة لتجاب به ~~داعية الغريزة ويتوسل به إلى إنسال الذرية، وهو أصل طبيعي لانعقاد المجتمع ~~الإنساني فإن من الضروري أن الشعوب المختلفة البشرية على ما لها من السعة ~~والكثرة تنتهي إلى مجتمعات صغيرة منزلية انعقدت في سالف الدهور. # وما مر من أن في سنة الازدواج شيء من معنى الاختصاص هو المنشأ لما كان ~~الرجال يعدون أهلهم إعراضا لأنفسهم ويرون الذب عن الأهل وصونها من تعرض ~~غيرهم فريضة على أنفسهم كالذب عن أنفسهم أو أشد، والغريزة الهائجة إذ ذاك ~~هي المسماة بالغيرة وليست بالحسد والشح. # ولذلك أيضا لم يزالوا على مر القرون والأجيال يمدحون النكاح ويعدونه سنة ~~حسنة ممدوحة، ويستقبحون الزنا وهو المواقعة من غير علقة النكاح ويستشنعونه ~~في الجملة ويعدونه إثما اجتماعيا وفاحشة أي فعلا شنيعا لا يجهر به وإن كان ~~ربما وجد بين بعض الأقوام الهمجية في بعض الأحيان وعلى شرائط خاصة بين ~~الحرائر والشبان أو بين الفتيات من الجواري على ما ذكر في تواريخ الأمم ~~والأقوام. # وإنما استفحشوه وأنكروه لما يستتبعه من فساد الأنساب وقطع النسل ms4797 وظهور ~~الأمراض التناسلية ودعوته إلى كثير من الجنايات الاجتماعية من قتل وجرح ~~وسرقة وخيانة وغير ذلك وذهاب العفة والحياء والغيرة والمودة والرحمة. # غير أن المدنية الغربية الحديثة لابتنائها على التمتع التام من مزايا ~~الحياة المادية وحرية الأفراد في غير ما تعتني به القوانين المدنية سواء ~~فيه السنن القومية والشرائع الدينية والأخلاق الإنسانية أباحته إذا وقع من ~~غير كره كيفما كان، وربما أضيف إلى ذلك بعض شرائط جزئية أخرى في موارد ~~خاصة، ولم تبال بما يستتبعه من وجوه الفساد عناية بحرية الأفراد فيما ~~يهوونه ويرتضونه والقوانين الاجتماعية تراعي رأي الأكثرين. # فشاعت الفاحشة بين الرجال والنساء حتى عمت المحصنين والمحصنات والمحارم ~~حتى كاد أن لا يوجد من لم يبتل به وكثر مواليدها كثرة كاد أن تثقل كفة ~~الميزان وأخذت تضعف الأخلاق الكريمة التي كانت تتصف بها الإنسانية الطبيعية ~~وترتضيها لنفسه بتسنين سنة الازدواج من العفة والغيرة والحياء يوما فيوما ~~حتى صار بعض هذه الفضائل أضحوكة وسخرية، ولو لا أن في ذكر الشنائع بعض ~~الشناعة ثم في خلال الأبحاث القرآنية خاصة لأوردنا بعض ما نشرته المنشورات ~~من الإحصاءات في هذا الباب. PageV13P047 # والشرائع السماوية على ما يذكره القرآن الكريم - وقد مرت الإشارة إلى ذلك ~~في تفسير الآيات 151 - 153 من سورة الأنعام - تنهى عن الزنا أشد النهي وقد ~~كان محرما في ملة اليهود ويستفاد من الأناجيل حرمته. # وقد نهي عنه في الإسلام وعد من المعاصي الكبيرة وأغلظ في التحريم في ~~المحارم كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة، وفي التحريم في الزنا، مع ~~الإحصان وهو زنا الرجل وله زوجة والمرأة ذات البعل، وقد أغلظ فيما شرع له ~~من الحد وهو الجلد مائة جلدة والقتل في المرة الثالثة أو الرابعة لو أقيم ~~الحد مرتين أو ثلاثا والرجم في الزنا مع الإحصان. # وقد أشار سبحانه إلى حكمة التحريم فيما نهى عنه بقوله: "ولا تقربوا الزنا ~~إنه كان فاحشة وساء سبيلا" حيث عده أولا فاحشة ثم وصفه ثانيا بقوله: "وساء ~~سبيلا" والمراد - والله أعلم - سبيل البقاء كما يستفاد من ms4798 قوله: "ء إنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل": العنكبوت: 29، أي وتتركون إتيان النساء ~~الذي هو السبيل فتنقطع بذلك وليس إلا سبيلا للبقاء من جهة تسببه إلى تولد ~~المواليد وبقاء النسل بذلك، ومن جهة أن الازدواج وعقد المجتمع المنزلي هو ~~أقوى وسيلة يضمن بقاء المجتمع المدني بعد انعقاده. # فمع انفتاح باب الزنا لا تزال الرغبات تنقطع عن النكاح والازدواج إذ لا ~~يبقى له إلا محنة النفقة ومشقة حمل الأولاد وتربيتها ومقاساة الشدائد في ~~حفظها والقيام بواجب حياتها والغريزة تقنع من سبيل آخر من غير كد وتعب، وهو ~~مشهود من حال الشبان والفتيات في هذه البلاد، وقد قيل لبعضهم: لم لا تتزوج؟ ~~فقال: وما أصنع بالازدواج وكل نساء البلد نسائي، ولا يبقى حينئذ للازدواج ~~والنكاح إلا شركة الزوجين في مساعي الحياة الجزئية غير التناسل كالشركة في ~~تجارة أو عمل ويسرع إليهما الافتراق لأدنى عذر، وهذا كله مشهود اليوم في ~~المجتمعات الغربية. # ومن هنا أنهم يعدون الازدواج شركة في الحياة منعقدة بين الزوجين الرجل ~~والمرأة وجعلوها هي الغاية المطلوبة بالذات من الازدواج دون الإنسال وتهيئة ~~الأولاد ولا إجابة غريزة الميل الطبيعي بل عدوا ذلك من الآثار المترتبة ~~عليه إن توافقا على ذلك وهذا انحراف عن سبيل الفطرة والتأمل في حال الحيوان ~~على اختلاف أنواعه يهدي إلى أن الغاية المطلوبة منه عندها هو إرضاء الغريزة ~~الهائجة وإنسال الذرية وكذا الإمعان في حال الإنسان أول ما يميل إلى ذلك ~~يعطي أن الغاية القريبة الداعية إليه عنده هو إرضاء الغريزة ويعقبه طلب الولد. # ولو كانت الغريزة الإنسانية التي تدفعه إلى هذه السنة الطبيعية إنما تطلب ~~الشركة في الحياة والتعاون على واجب المأكل والمشرب والملبس والمسكن وما ~~هذا شأنه يمكن أن يتحقق بين رجلين أو بين امرأتين لظهر أثره في المجتمع ~~البشري واستن عليه ولا أقل في بعض المجتمعات في طول تاريخ الإنسان وتزوج ~~رجل برجل أحيانا أو امرأة بامرأة ولم تجر سنة الازدواج على وتيرة واحدة ~~دائما ولم تقم هذه الرابطة بين طرفين أحدهما من الرجال والآخر ms4799 من النساء أبدا. # ومن جهة أخرى أخذ مواليد الزنا في الإزدياد يوما فيوما يقطع منابت المودة ~~والرحمة وتعلق قلوب الأولاد بالآباء ويستوجب ذلك انقطاع المودة والرحمة من ~~ناحية الآباء بالنسبة إلى الأولاد وهجر المودة والرحمة بين الطبقتين الآباء ~~والأولاد يقضي بهجر سنة الازدواج للمجتمع وفيه انقراضهم وهذا كله أيضا مما ~~يلوح من المجتمعات الغربية. # ومن التصور الباطل أن يتصور أن البشر سيوفق يوما أن يدير رحى مجتمعه ~~بأصول فنية وطرق علمية من غير حاجة إلى الاستعانة بالغرائز الطبيعية فيهيأ ~~يومئذ طبقة المواليد مع الاستغناء عن غريزة حب الأولاد بوضع جوائز تسوقهم ~~إلى التوليد والإنسال أو بغير ذلك كما هو معمول بعض الممالك اليوم فإن ~~السنن القومية والقوانين المدنية تستمد في حياتها بما جهز به الإنسان من ~~القوى والغرائز الطبيعية فلو بطلت أو أبطلت انفصم بذلك عقد مجتمعه، وهيئة ~~المجتمع قائمة بأفراده وسننه مبنية على إجابتهم لها ورضاهم بها وكيف تجري ~~في مجتمع سنة لا ترتضيها قرائحهم ولا تستجيبها نفوسهم ثم يدوم الأمر عليه. PageV13P048 # فهجر الغرائز الطبيعية وذهول المجتمع البشري عن غاياته الأصلية يهدد ~~الإنسانية بهلاك سيغشاها ويهتف بأن أمامهم يوما سيتسع فيه الخرق على الراقع ~~وإن كان اليوم لا يحس به كل الإحساس لعدم تمام نمائه بعد. # ثم إن لهذه الفاحشة أثرا آخر سيئا في نظر التشريع الإسلامي وهو إفساده ~~للأنساب وقد بني المناكح والمواريث في الإسلام عليها. # قوله تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" إلى آخر الآية ~~نهي عن قتل النفس المحترمة إلا بالحق أي إلا أن يكون قتلا بالحق بأن يستحق ~~ذلك لقود أو ردة أو لغير ذلك من الأسباب الشرعية، ولعل في توصيف النفس ~~بقوله: "حرم الله" من غير تقييد إشارة إلى حرمة قتل النفس في جميع الشرائع ~~السماوية فيكون من الشرائع العامة كما تقدمت الإشارة إليه في ذيل الآيات ~~151 - 153 من سورة الأنعام. # وقوله: "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه ~~كان منصورا" المراد بجعل السلطان لوليه ms4800 تسليطه شرعا على قتل قاتل وليه ~~قصاصا والضميران في "فلا يسرف" و"إنه" للولي، والمراد بكونه منصورا هو ~~التسليط الشرعي المذكور. # والمعنى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا بحسب التشريع لوليه وهو ولي دمه سلطنة ~~على القصاص وأخذ الدية والعفو فلا يسرف الولي في القتل بأن يقتل غير القاتل ~~أو يقتل أكثر من الواحد إنه كان منصورا أي فلا يسرف فيه لأنه كان منصورا ~~فلا يفوته القاتل بسبب أنا نصرناه أو فلا يسرف اعتمادا على أنا نصرناه. # وربما احتمل بعضهم رجوع الضمير في قوله: "فلا يسرف" إلى القاتل المدلول ~~عليه بالسياق، وفي قوله: "إنه" إلى "من" والمعنى قد جعلنا لولي المقتول ~~ظلما سلطنة فلا يسرف القاتل الأول بإقدامه على القتل ظلما فإن المقتول ظلما ~~منصور من ناحيتنا لما جعلنا لوليه من السلطنة، وهو معنى بعيد من السياق ~~ودونه إرجاع ضمير "إنه" فقط إلى المقتول. # وقد تقدم كلام في معنى القصاص في ذيل قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة": ~~البقرة: 179 في الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده" ~~نهي عن أكل مال اليتيم وهو من الكبائر التي أوعد الله عليها النار قال ~~تعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا": النساء: 10. # وفي النهي عن الاقتراب مبالغة لإفادة اشتداد الحرمة. # وقوله: "إلا بالتي هي أحسن" أي بالطريقة التي هي أحسن وفيه مصلحة إنماء ~~ماله، وقوله: "حتى يبلغ أشده" هو أوان البلوغ والرشد وعند ذلك يرتفع عنه ~~اليتم فالتحديد بهذه الجملة لكون النهي عن القرب في معنى الأمر بالصيانة ~~والحفظ كأنه قيل: احتفظوا على ماله حتى يبلغ أشده فتردوه إليه، وبعبارة ~~أخرى الكلام في معنى قولنا: لا تقربوا مال اليتيم ما دام يتيما، وقد تقدم ~~بعض ما يناسب المقام في سورة الأنعام آية 152. # قوله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا" أي مسئول عنه وهو من ~~الحذف والإيصال السائغ في الكلام، وقيل: المراد السؤال عن نفس العهد فإن ms4801 من ~~الجائز أن تتمثل الأعمال يوم القيامة فتشهد للإنسان أو عليه وتشفع له أو ~~تخاصمه. # قوله تعالى: "وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير ~~وأحسن تأويلا" القسطاس بكسر القاف وضمها هو الميزان قيل: رومي معرب وقيل: ~~عربي، وقيل مركب في الأصل من القسط وهو العدل وطاس وهو كفة الميزان ~~والقسطاس المستقيم هو الميزان العادل لا يخسر في وزنه. # وقوله: "ذلك خير وأحسن تأويلا" الخير هو الذي يجب أن يختاره الإنسان إذا ~~تردد الأمر بينه وبين غيره، والتأويل هو الحقيقة التي ينتهي إليها الأمر، ~~وكون إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم خيرا لما فيه من الاتقاء من ~~استراق أموال الناس واختلاسها من حيث لا يشعرون وجلب وثوقهم. PageV13P049 # وكونهما أحسن تأويلا لما فيهما من رعاية الرشد والاستقامة في تقدير الناس ~~معيشتهم فإن معايشهم تقوم في التمتع بأمتعة الحياة على أصلين اكتساب ~~الأمتعة الصالحة للتمتع والمبادلة على الزائد على قدر حاجتهم فهم يقدرون ~~معيشتهم على قدر ما يسعهم أن يبذلوه من المال عينا أو قيمة، وعلى قدر ما ~~يحتاجون إليه من الأمتعة المشتراة فإذا خسروا بالتطفيف ونقص الكيل والوزن ~~فقد اختلت عليهم الحياة من الجهتين جميعا، وارتفع الأمن العام من بينهم. # وأما إذا أقيم الوزن بالقسط فقد أطل عليهم الرشد واستقامت أوضاعهم ~~الاقتصادية بإصابة الصواب فيما قدروا عليه معيشتهم واجتلب وثوقهم إلى أهل ~~السوق واستقر بينهم الأمن العام. # قوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسؤلا" القراءة المشهورة "لا تقف" بسكون القاف وضم الفاء من قفا ~~يقفو قفوا إذا اتبعه ومنه قافية الشعر لكونها في آخر المصراع تابعة لما ~~تقدمها، وقرىء "لا تقف" بضم القاف وسكون الفاء من قاف بمعنى قفا، ولذلك نقل ~~عن بعض أهل اللغة أن قاف مقلوب قفا مثل جبذ مقلوب جذب، ومنه القيافة بمعنى ~~اتباع أثر الأقدام. # والآية تنهى عن اتباع ما لا علم به، وهي لإطلاقها تشمل الاتباع اعتقادا ~~وعملا، وتتحصل في مثل قولنا: لا تعتقد ما ms4802 لا علم لك به ولا تقل ما لا علم ~~لك به ولا تفعل ما لا علم لك به لأن في ذلك كله اتباعا. # وفي ذلك إمضاء لما تقضي به الفطرة الإنسانية وهو وجوب اتباع العلم والمنع ~~عن اتباع غيره فإن الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده ~~أو عمله إلا أصابة الواقع والحصول على ما في متن الخارج والمعلوم هو الذي ~~يصح له أن يقول: إنه هو، وأما المظنون والمشكوك والموهوم فلا يصح فيها ~~إطلاق القول بأنه هو فافهم ذلك. # والإنسان بفطرته السليمة يتبع في اعتقاده ما يراه حقا ويجده واقعا في ~~الخارج، ويتبع في عمله ما يرى نفسه مصيبا في تشخيصه، وذلك فيما تيسر له أن ~~يحصل العلم به، وأما فيما لا يتيسر له العلم به كالفروع الاعتقادية بالنسبة ~~إلى بعض الناس وغالب الأعمال بالنسبة إلى غالب الناس فإن الفطرة السليمة ~~تدفعه إلى اتباع علم من له علم بذلك وخبرة باعتبار علمه وخبرته علما لنفسه ~~فيئول اتباعه في ذلك بالحقيقة اتباعا لعلمه بأن له علما وخبرة كما يرجع ~~السالك وهو لا يعرف الطريق إلى الدليل لكن مع علمه بخبرته ومعرفته، ويرجع ~~المريض إلى الطبيب ومثله أرباب الحوائج إلى مختلف الصناعات المتعلقة ~~بحوائجهم إلى أصحاب تلك الصناعات. # ويتحصل من ذلك أنه لا يتخطى العلم في مسير حياته بحسب ما تهدي إليه فطرته ~~غير أنه يعد ما يثق به نفسه ويطمئن إليه قلبه علما وإن لم يكن ذاك اليقين ~~الذي يسمى علما في صناعة البرهان من المنطق. # فله في كل مسألة ترد عليه إما علم بنفس المسألة وإما دليل علمي بوجوب ~~العمل بما يؤديه ويدل عليه، وعلى هذا ينبغي أن ينزل قوله سبحانه "ولا تقف ~~ما ليس لك به علم" فاتباع الظن عن دليل علمي بوجوب اتباعه اتباع للعلم ~~كاتباع العلم في مورد العلم. # فيئول المعنى إلى أنه يحرم الاقتحام على اعتقاد أو عمل يمكن تحصيل العلم ~~به إلا بعد تحصيل العلم، والاقتحام على ما لا يمكن فيه ذلك ms4803 إلا بعد ~~الاعتماد على دليل علمي يجوز الاقتحام والورود وذلك كأخذ الأحكام عن النبي ~~واتباعه وإطاعته فيما يأمر به وينهى عنه عن قبل ربه وتناول المريض ما يأمر ~~به الطبيب والرجوع إلى أصحاب الصنائع فيما يرجع إلى صناعتهم فإن الدليل ~~العلمي على عصمة النبي دليل علمي على مطابقة ما يخبر به أو ما يأمر به ~~وينهى عنه الواقع وأصابة من اتبعه الصواب، والحجة العلمية على خبرة الطبيب ~~في طبه وأصحاب الصناعات في صناعاتهم حجة علمية على أصابة من يرجع إليهم ~~فيما يعمل به. PageV13P050 # ولو لا كون الاقتحام على العمل عن حجة علمية على وجوب الاقتحام اقتحاما ~~علميا لكانت الآية قاصرة عن الدلالة على مدلولها من رأس فإن الطريق إلى فهم ~~مدلول الآية هو ظهورها اللفظي فيه، والظهور اللفظي من الأدلة الظنية غير ~~أنه حجة عن دليل علمي وهو بناء العقلاء على حجيته فلو كان غير ما تعلق ~~العلم به بعينه مما لا علم به مطلقا لكان اتباع الظهور ومنه ظهور نفس الآية ~~منهيا عنه بالآية وكانت الآية ناهية عن اتباع نفسه فكانت ناقضة لنفسها. # ومن هنا يظهر اندفاع ما أورده بعضهم في المقام كما عن الرازي في تفسيره ~~أن العمل بالظن كثير في الفروع فالتمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد ~~إلا الظن فلو دلت على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بها غير ~~جائز فالقول بحجيتها يقضي إلى نفيه وهو غير جائز. # وفيه أن الآية تدل على عدم جواز اتباع غير العلم بلا ريب غير أن موارد ~~العمل بالظن شرعا موارد قامت عليها حجة علمية فالعمل فيها بالحقيقة إنما هو ~~عمل بتلك الحجج العلمية والآية باقية على عمومها من غير تخصص، ولو سلم ~~فالعمل بالعام المخصص فيما بقي من الأفراد سالمة عن التخصيص عمل بحجة ~~عقلائية نظير العمل بالعام غير المخصص من غير فرق بينهما البتة. # ونظيره الاستشكال فيها بأن الطريق إلى فهم المراد من الآية هو ظهورها ~~والظهور طريق ظني فلو دلت الآية على ms4804 حرمة اتباع غير العلم لدلت على حرمة ~~الأخذ بظهور نفسها، ولازمها حرمة العمل بنفسها. # ويرده ما تقدمت الإشارة إليه أن اتباع الظهور اتباع لحجة علمية عقلائية ~~وهي بناء العقلاء على حجيته فليس اتباعه من اتباع غير العلم بشيء. # وقوله: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا" تعليل للنهي ~~السابق في قوله: "ولا تقف ما ليس لك به علم". # والظاهر المتبادر إلى الذهن، أن الضميرين في "كان عنه" راجعان إلى "كل" ~~فيكون "عنه" نائب فاعل لقوله: "مسؤلا" مقدما عليه كما ذكره الزمخشري في ~~الكشاف، أو مغنيا عن نائب الفاعل، وقوله: "أولئك" إشارة إلى السمع والبصر ~~والفؤاد، وإنما عبر عنها بأولئك المختص بالعقلاء لأن كون كل منها مسئولا ~~عنه يجريه مجرى العقلاء وهو كثير النظير في كلامه تعالى. # وربما منع بعضهم كون "أولئك" مختصا بالعقلاء استنادا إلى قول جرير: ذم ~~المنازل بعد منزلة اللوى. # والعيش بعد أولئك الأيام. # وعلى ذلك فالمسئول هو كل من السمع والبصر والفؤاد يسأل عن نفسه فيشهد ~~للإنسان أو عليه كما قال تعالى: "وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون": يس: 65. # واختار بعضهم رجوع ضمير "عنه" إلى "كل" وعود باقي الضمائر إلى القافي ~~المدلول عليه في الكلام فيكون المسئول هو القافي يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده ~~كيف استعملها؟ وفيما استعملها؟ وعليه ففي الكلام التفات عن الخطاب إلى ~~الغيبة، وكان الأصل أن يقال: كنت عنه مسئولا. # وهو بعيد. # والمعنى: لا تتبع ما ليس لك به علم لأن الله سبحانه سيسأل عن السمع ~~والبصر والفؤاد وهي الوسائل التي يستعملها الإنسان لتحصيل العلم، والمحصل ~~من التعليل بحسب انطباقه على المورد أن السمع والبصر والفؤاد إنما هي نعم ~~آتاها الله الإنسان ليشخص بها الحق ويحصل بها على الواقع فيعتقد به ويبني ~~عليه عمله وسيسأل عن كل منها هل أدرك ما استعمل فيه إدراكا علميا؟ وهل اتبع ~~الإنسان ما حصلته تلك الوسيلة من العلم؟. # فيسأل السمع هل كان ما سمعه معلوما مقطوعا به؟ وعن البصر هل كان ما رآه ~~ظاهرا بينا؟ ms4805 وعن الفؤاد هل كان ما فكره وقضى به يقينيا لا شك فيه؟ وهي لا ~~محالة تجيب بالحق وتشهد على ما هو الواقع فمن الواجب على الإنسان أن يتحرز ~~عن اتباع ما ليس له به علم فإن الأعضاء ووسائل العلم التي معه ستسأل فتشهد ~~عليه فيما اتبعه مما حصلته ولم يكن له به علم ولا يقبل حينئذ له عذر. PageV13P051 # ومآله إلى نحو من قولنا: لا تقف ما ليس لك به علم فإنه محفوظ عليك في سمعك ~~وبصرك وفؤادك، والله سائلها عن عملك لا محالة، فتكون الآية في معنى قوله ~~تعالى: "حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون - إلى أن قال - وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ~~ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين": حم السجدة - 20 - 23 وغيرها من ~~آيات شهادة الأعضاء. # غير أن الآية تزيد عليها بعد الفؤاد من الشهداء على الإنسان وهو الذي به ~~يشعر الإنسان ما يشعر ويدرك ما يدرك، وهو من أعجب ما يستفاد من آيات الحشر ~~أن يوقف الله النفس الإنسانية فيسألها عما أدركت فتشهد على الإنسان نفسه. # وقد تبين أن الآية تنهى عن الإقدام على أمر مع الجهل به سواء كان اعتقادا ~~مع الجهل أو عملا مع الجهل بجوازه ووجه الصواب فيه أو ترتيب أثر لأمر مع ~~الجهل به وذيلها يعلل ذلك بسؤاله تعالى السمع والبصر والفؤاد، ولا ضير في ~~كون العلة أعم مما عللتها فإن الأعضاء مسئولة حتى عما إذا أقدم الإنسان مع ~~العلم بعدم جواز الإقدام قال تعالى: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم" الآية. # قال في المجمع، في معنى قوله: "ولا تقف ما ليس لك به علم": معناه لا تقل: ~~سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم عن ابن عباس وقتادة، ~~وقيل: معناه لا تقل في قفا غيرك كلاما أي إذا مر بك فلا تغتبه ms4806 عن الحسن، ~~وقيل: هو شهادة الزور عن محمد بن الحنفية. # والأصل أنه عام في كل قول أو فعل أو عزم يكون على غير علم فكأنه سبحانه ~~قال: لا تقل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يقال، ولا تفعل إلا ما تعلم أنه يجوز ~~أن يفعل ولا تعتقد إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يعتقد انتهى. # وفيه أن الذي ذكره أعم مما تفيده الآية فإنها تنهى عن اقتفاء ما لا علم ~~به لا عن الاقتفاء إلا مع العلم والثاني أعم من الأول فإنه يشمل النهي عن ~~الاقتفاء مع العلم بعدم الجواز لكن الأول إنما يشمل النهي عن الاقتفاء مع ~~الجهل بوجه الاعتقاد أو العمل: وأما ما نقله من الوجوه في أول كلامه ~~فالأحرى بها أن يذكر في تفسير التعليل بعنوان الإشارة إلى بعض المصاديق دون ~~المعلل. # قوله تعالى: "ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا" المرح شدة الفرح بالباطل - كما قيل - ولعل التقييد بالباطل للدلالة ~~على خروجه عن حد الاعتدال فإن الفرح الحق هو ما يكون ابتهاجا بنعمة من نعم ~~الله شكرا له وهو لا يتعدى حد الاعتدال، وأما إذا فرح واشتد منه ذلك حتى خف ~~عقله وظهر آثاره في أفعاله وأقواله وقيامه وقعوده وخاصة في مشيه فهو من ~~الباطل. # وقوله: "ولا تمش في الأرض مرحا" نهي عن استعظام الإنسان نفسه بأكثر مما ~~هو عليه لمثل البطر والأشر والكبر والخيلاء، وإنما ذكر المشي في الأرض مرحا ~~لظهور ذلك فيه. # وقوله: "إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا" كناية عن أن فعالك هذا ~~وأنت تريد به إظهار القدرة والقوة والعظمة إنما هو وهم تتوهمه فإن هناك ما ~~هو أقوى منك لا يخترق بقدميك وهي الأرض وما هو أطول منك وهي الجبال فاعترف ~~بذلك أنك وضيع مهين فلا شيء مما يبتغيه الإنسان ويتنافس فيه في هذه النشأة ~~من ملك وعزة وسلطنة وقدرة وسؤدد ومال وغيرها إلا أمور وهمية لا حقيقة لها ~~وراء الإدراك الإنساني سخر ms4807 الله النفوس للتصديق بها والاعتماد في العمل ~~عليها لتعمير النشأة وتمام الكلمة، ولو لا هذه الأوهام لم يعش الإنسان في ~~الدنيا ولا تمت كلمته تعالى: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36. # قوله تعالى: "كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها" الإشارة بذلك إلى ما تقدم ~~من الواجبات والمحرمات - كما قيل - والضمير في "سيئه" يرجع إلى ذلك، ~~والمعنى كل ما تقدم كان سيئه - وهو ما نهي عنه وكان معصية من بين المذكورات ~~- عند ربك مكروها لا يريده الله تعالى. # وفي غير القراءة المعروفة "سيئة" بفتح الهمزة والتاء في آخرها وهي على ~~هذه القراءة خبر كان والمعنى واضح. PageV13P052 # قوله تعالى: "ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة" ذلك إشارة إلى ما تقدم من ~~تفصيل التكاليف وفي الآية إطلاق الحكمة على الأحكام الفرعية ويمكن أن يكون ~~لما تشتمل عليه من المصالح المستفادة إجمالا من سابق الكلام. # قوله تعالى: "ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا" كرر ~~سبحانه النهي عن الشرك وقد نهى عنه سابقا اعتناء بشأن التوحيد وتفخيما ~~لأمره، وهو كالوصلة يتصل به لاحق الكلام بسابقه، ومعنى الآية ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في الإحتجاج، عن بريد بن عمير بن معاوية الشامي عن الرضا (عليه السلام): ~~في حديث يذكر فيه الجبر والتفويض والأمر بين أمرين قال: قلت له: وهل لله ~~مشية وإرادة في ذلك يعني فعل العبد فقال: أما الطاعات فإرادة الله ومشيته ~~فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة لها ومشيته في المعاصي النهي عنها ~~والسخط بها والخذلان عليها الحديث. # وفي تفسير العياشي، عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: "وبالوالدين إحسانا" فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما ~~ولا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين أليس الله ~~يقول: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"؟ ثم قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام) أما قوله: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما ~~أف" قال: إن أضجراك ms4808 فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إن ضرباك، وقال "وقل لهما ~~قولا كريما" قال: تقول لهما: غفر الله لكما فذلك منك قول كريم، وقال: ~~"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا ~~برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يديك فوق أيديهما، ولا تتقدم ~~قدامهما: أقول: ورواه الكليني في الكافي، بإسناده عن أبي ولاد الحناط عنه ~~(عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن حديد بن حكيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~أدنى العقوق أف، ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه: أقول: ورواه ~~عنه أيضا بسند آخر وروى هذا المعنى أيضا بإسناده عن أبي البلاد عنه (عليه ~~السلام) ورواه العياشي في تفسيره، عن حريز عنه (عليه السلام)، والطبرسي في ~~مجمع البيان، عن الرضا عن أبيه عنه (عليه السلام). # والروايات في وجوب بر الوالدين وحرمة عقوقهما في حياتهما وبعد مماتهما من ~~طرق العامة والخاصة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل بيته ~~(عليهم السلام) أكثر من أن تحصى. # وفي المجمع، عن أبي عبد الله (عليه السلام): الأواب التواب المتعبد ~~الراجع عن ذنبه. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا ~~با محمد عليكم بالورع والاجتهاد وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الصحبة لمن ~~صحبكم وطول السجود، وكان ذلك من سنن التوابين الأوابين. قال أبو بصير: ~~الأوابون التوابون. # أقول: وروي أيضا عن أبي بصير عنه (عليه السلام): في معنى الآية هم ~~التوابون المتعبدون. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وهناد عن علي بن أبي طالب قال: إذا ~~مالت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا الحوائج إلى الله فإنها ساعة الأوابين ~~وقرأ "فإنه كان للأوابين غفورا". # وفيه، أخرج ابن حريز عن علي بن الحسين رضي الله عنه: أنه قال لرجل من أهل ~~الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أفما قرأت في بني إسرائيل: "وآت ذا ~~القربى حقه" قال. وإنكم للقرابة الذي أمر الله أن يؤتى حقه؟ ms4809 قال: نعم: ~~أقول: ورواه في البرهان، عن الصدوق بإسناده عنه (عليه السلام) وعن الثعلبي ~~في تفسيره، عن السدي عن ابن الديلمي عنه (عليه السلام). # وفي تفسير العياشي، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) عن قوله: "ولا تبذر تبذيرا" قال: من أنفق شيئا في غير طاعة ~~الله فهو مبذر، ومن أنفق في سبيل الخير فهو مقتصد. # وفيه، عن أبي بصير عنه (عليه السلام): في الآية قال: بذل الرجل ماله ~~ويقعد ليس له مال قلت: فيكون تبذير في حلال؟ قال: نعم. # وفي تفسير القمي، قال: قال الصادق (عليه السلام): المحسور العريان. PageV13P053 # وفي الكافي، بإسناده عن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ~~فجاء سائل فقام إلى مكتل فيه تمر فملأ يده فناوله ثم جاء آخر فسأله فقام ~~فأخذه بيده فناوله ثم آخر فقال: الله رازقنا وإياك. ثم قال: إن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلا أعطاه ~~فأرسلت إليه امرأة ابنا لها فقالت: فاسأله فإن قال: ليس عندنا شيء فقل: ~~أعطني قميصك قال: فأخذ قميصه فرماه إليه وفي نسخة أخرى: وأعطاه فأدبه الله ~~تبارك وتعالى على القصد فقال: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - ولا تبسطها ~~كل البسط فتقعد ملوما محسورا" قال: الإحسار الفاقة: أقول: ورواه العياشي في ~~تفسيره، عن عجلان عنه (عليه السلام)، وروى قصة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) القمي في تفسيره، ورواها في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن ~~المنهال بن عمرو وعن ابن جرير الطبري عن ابن مسعود. # وفي الكافي، بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قال: علم الله عز اسمه نبيه كيف ينفق؟ وذلك أنه كانت عنده أوقية من ~~الذهب فكره أن يبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شيء وجاء من يسأله فلم ~~يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم هو حيثما لم يكن عنده شيء وكان رحيما ~~رقيقا فأدب الله عز ms4810 وجل نبيه بأمره فقال: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - ~~ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا" يقول: إن الناس قد يسألونك ولا ~~يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال قد كنت حسرت من المال. # وفي تفسير العياشي، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ~~"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" قال: فضم يده وقال: هكذا فقال: "ولا تبسطها ~~كل البسط" فبسط راحته وقال: هكذا. # وفي تفسير القمي، عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~حديث قال: قلت: وما الإملاق؟ قال: الإفلاس. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: في قوله: "ولا تقربوا ~~الزنا إنه كان فاحشة" قال قتادة عن الحسن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان يقول: لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يبهت حين يبهت وهو ~~مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ~~ولا يغل حين يغل وهو مؤمن قيل: يا رسول الله والله إن كنا لنرى أنه يأتي ~~ذلك وهو مؤمن فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا فعل شيئا من ~~ذلك نزع الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه. # أقول: والحديث مروي بطرق أخرى عن عائشة وأبي هريرة وقد ورد من طرق أهل ~~البيت (عليهم السلام) أن روح الإيمان يفارقه إذ ذاك. # وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن (عليه ~~السلام): إن الله عز وجل يقول في كتابه: "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا - فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا" فما هذا الإسراف الذي نهى الله ~~عنه؟ قال: نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثل بالقاتل. قلت: فما معنى "إنه كان ~~منصورا" قال: وأي نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى أولياء المقتول فيقتله ~~ولا تبعة يلزمه في قتله في دين ولا دنيا. # وفي تفسير العياشي، عن أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله ms4811 (عليه السلام) ~~عن رجلين قتلا رجلا فقال: يخير وليه أن يقتل أيهما شاء ويغرم الباقي نصف ~~الدية أعني دية المقتول فيرد على ذريته، وكذلك إن قتل رجل امرأة إن قبلوا ~~دية المرأة فذاك وإن أبى أولياؤها إلا قتل قاتلها غرموا نصف دية الرجل ~~وقتلوه وهو قول الله: "فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل". # أقول: وفي معنى هاتين الروايتين غيرهما، وقد روي في الدر المنثور، عن ~~البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم: أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل ~~من القوم رجلا لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلا شريفا إذا كان قاتلهم غير شريف ~~لم يقتلوا قاتلهم وقتلوا غيره فوعظوا في ذلك بقول الله: "ولا تقتلوا إلى ~~قوله فلا يسرف في القتل". # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وزنوا بالقسطاس المستقيم": وفي رواية ~~أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: القسطاس المستقيم هو الميزان ~~الذي له لسان. # أقول: وذكر اللسان للدلالة على الاستقامة فإن الميزان ذا الكفتين كذلك. PageV13P054 # وفي تفسير العياشي، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: إن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح بني آدم وقسمه عليها فليس ~~من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها فمنها ~~عيناه اللتان ينظر بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما. ففرض على العين أن لا ~~تنظر إلى ما حرم الله عليه وأن تغض عما نهاه الله عنه مما لا يحل وهو عمله ~~وهو من الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد - كل أولئك كان عنه مسؤلا" فهذا ما فرض من غض البصر ~~عما حرم الله وهو عمله وهو من الإيمان. وفرض الله على الرجلين أن لا يمشي ~~بهما إلى شيء من معاصي الله والله فرض عليهما المشي فيما فرض الله فقال: ~~"ولا تمش في الأرض مرحا - إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا" قال: ~~"واقصد في مشيك واغضض من ms4812 صوتك - إن أنكر الأصوات لصوت الحمير": أقول: ورواه ~~في الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عنه (عليه السلام) في حديث مفصل. # وفيه، عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل: ~~بأبي أنت وأمي إني أدخل كنيفا لي ولي جيران وعندهم جوار يغنين ويضربن ~~بالعود فربما أطيل الجلوس استماعا مني لهن فقال: لا تفعل فقال الرجل والله ~~ما أتيتهن إنما هو سماع أسمعه بأذني. فقال له: أما سمعت الله يقول: "إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا" قال بلى والله فكأني لم أسمع ~~هذه الآية قط من كتاب الله من عجمي ولا عربي لا جرم أني لا أعود إن شاء ~~الله وأني أستغفر الله. فقال: قم واغتسل وصل ما بدا لك فإنك كنت مقيما على ~~أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك أحمد الله واسأله التوبة من كل ما ~~يكره فإنه لا يكره إلا كل قبيح، والقبيح دعه لأهله فإن لكل أهلا: أقول: ~~ورواه الشيخ في التهذيب، عنه (عليه السلام) والكليني في الكافي، عن مسعدة ~~بن زياد عنه (عليه السلام). # وفيه، عن الحسين بن هارون عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: ~~"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا" قال: يسأل السمع عما ~~يسمع والبصر عما يطرف والفؤاد عما يعقد عليه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم" الآية قال: ~~قال: لا تؤم أحدا مما ليس لك به علم. قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): من بهت مؤمنا أو مؤمنة أقيم في طينة خبال أو يخرج مما قال. # أقول: وفسرت طينة خبال في رواية ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) - ~~على ما في الكافي، - بأنها صديد يخرج من فروج المومسات وروي من طرق أهل ~~السنة ما يقرب منها عن أبي ذر وأنس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # والروايات - كما ترى - بعضها مبني على خصوص مورد ms4813 الآية وبعضها على عموم ~~التعليل كما أشير إليه في البيان المتقدم. PageV13P055 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 40 - 55 # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملئكة إنثا إنكم لتقولون قولا عظيما ~~(40) ولقد صرفنا فى هذا القرءان ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو ~~كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا (42) سبحنه وتعلى ~~عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) وإذا ~~قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا (45) ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك فى ~~القرءان وحده ولوا على أدبرهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظلمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) ~~انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أءذا كنا ~~عظما ورفتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو ~~خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادى يقولوا التى هى ~~أحسن إن الشيطن ينزغ بينهم إن الشيطن كان للانسن عدوا مبينا (53) ربكم أعلم ~~بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلنك عليهم وكيلا (54) وربك أعلم ~~بمن فى السموت والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وءاتينا داود زبورا (55) ### |||| AUTO بيان # في الآيات تعقيب مسألة التوحيد وتوبيخ المشركين على اتخاذهم الآلهة ونسبة ~~الملائكة الكرام إلى الأنوثية، وأنهم لا يتذكرون بما يلقي إليهم القرآن من ~~حجج الوحدانية، ولا يفقهون الآيات بل يستهزءون بالرسول وبما يلقى إليهم من ~~أمر البعث ويسيئون القول في أمر الله وغير ذلك. # قوله تعالى: "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما" الإصفاء الإخلاص قال في المجمع،: تقول: أصفيت فلانا ~~بالشيء إذا آثرته ms4814 به. # انتهى. # خطاب لمن يقول منهم: إن الملائكة بنات الله أو بعضهم بنات الله ~~والاستفهام للإنكار، ولعله بدل البنات من الإناث لكونهم يعدون الأنوثة من ~~صفات الخسة. # والمعنى إذا كان سبحانه ربكم لا رب غيره وهو الذي يتولى أمر كل شيء فهل ~~تقولون إنه آثركم بكرامة لم يتكرم به هو نفسه وهو أنه خصكم بالبنين ولم ~~يتخذ لنفسه من الولد إلا الإناث وهم الملائكة الكرام الذين تزعمون أنهم ~~إناث إنكم لتقولون قولا عظيما من حيث استتباعه التبعة السيئة. # قوله تعالى: "ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا" ~~قال في المفردات،: الصرف رد الشيء من حالة إلى حالة أو إبداله بغيره. # قال: والتصريف كالصرف إلا في التكثير، وأكثر ما يقال في صرف الشيء من ~~حالة إلى حالة ومن أمر إلى أمر، وتصريف الرياح هو صرفها من حال إلى حال قال ~~تعالى: "وصرفنا الآيات "وصرفنا فيه من الوعيد" ومنه تصريف الكلام وتصريف ~~الدراهم. # انتهى. # وقال: النفر الانزعاج من الشيء وإلى الشيء كالفزع إلى الشيء وعن الشيء ~~يقال: نفر عن الشيء نفورا قال تعالى: "ما زادهم إلا نفورا" "وما يزيدهم إلا ~~نفورا" انتهى. PageV13P056 # فقوله: "ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا" معناه بشهادة السياق: وأقسم لقد ~~رددنا الكلام معهم في أمر التوحيد ونفي الشريك من وجه إلى وجه وحولناه من ~~لحن إلى لحن في هذا القرآن فأوردناه بمختلف العبارات وبيناه بأقسام ~~البيانات ليتذكروا ويتبين لهم الحق. # وقوله: "وما يزيدهم إلا نفورا" أي ما يزيدهم التصريف إلا انزعاجا كلما ~~استؤنف جيء ببيان جديد أورثهم نفرة جديدة. # وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة تنبيها على أنهم غير صالحين ~~للخطاب والتكليم بعد ما كان حالهم هذا الحال. # قال في المجمع،: فإن قيل: إذا كان المعلوم أنهم يزدادون النفور عند إنزال ~~القرآن فما المعنى في إنزاله؟ وما وجه الحكمة فيه؟ قيل: الحكمة فيه إلزام ~~الحجة وقطع المعذرة في إظهار الدلائل التي تحسن التكليف، وإنه يصلح عند ~~إنزاله جماعة ما كانوا يصلحون عند عدم إنزاله، ms4815 ولو لم ينزل لكان هؤلاء ~~الذين ينفرون عن الإيمان يفسدون بفساد أعظم من هذا النفور فالحكمة اقتضت ~~إنزاله لهذه المعاني، وإنما ازدادوا نفورا عند مشاهدة الآيات والدلائل ~~لاعتقادهم أنها شبه وحيل وقلة تفكرهم فيها. # انتهى. # وقوله: إنه لو لم ينزل لكانوا يفسدون بفساد أعظم من النفور لا يخلو من ~~شيء فإن ازدياد النفور يبلغ بهم إلى الجحود ومعاندة الحق والصد عنه ولا ~~فساد أعظم منه في باب الدعوة. # لكن ينبغي أن يعلم أن الكفر والجحود والنفور عن الحق والعناد معه كما ~~كانت تضر أصحابها ويوردهم مورد الهلاك فهي تنفع أرباب الإيمان والرضا بالحق ~~والتسليم له إذ لو لم يتحقق لهذه الخصال الحسنة والصفات الجميلة مقابلات لم ~~تتحقق لها كينونة فافهم ذلك. # فمن الواجب في الحكمة أن تتم الحجة ثم تزيد في تمامها حتى يظهر من الشقي ~~كل ما في وسعه من الشقاء، ويتخذ السعداء بمختلف مساعيهم من الدرجات ما ~~يحاذي دركات الأشقياء وقد قال تعالى: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاء ربك محظورا": الآية: 20 من السورة. # قوله تعالى: "قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا" أعرض عن مخاطبتهم فصرف الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بأمره أن يكلمهم في أمر التوحيد ونفي الشريك. # والذي يقولون به أن هناك آلهة دون الله يتولون جهات التدبير في العالم ~~على اختلاف مراتبهم والواحد منهم رب لما يدبره كإله السماء وإله الأرض وإله ~~الحرب وإله قريش. # وإذ كانوا شركاء من جهة التدبير لكل واحد منهم الملك على حسب ربوبيته ~~والملك من توابع الخلق الذي يختص به سبحانه حتى على معتقدهم 1 كان الملك ~~مما يقبل في نفسه أن يقوم به غيره تعالى وحب الملك والسلطنة ضروري لكل ~~موجود كانوا بالضرورة طالبين أن ينازعوه في ملكه وينتزعوه من يده حتى ينفرد ~~الواحد منهم بالملك والسلطنة، ويتعين بالعزة والهيمنة تعالى الله عن ذلك. # فملخص الحجة أنه لو كان معه آلهة كما يقولون وكان ms4816 يمكن أن ينال غيره ~~تعالى شيئا من ملكه الذي هو من لوازم ذاته الفياضة لكل شيء وحب الملك ~~والسلطنة مغروز في كل موجود بالضرورة لطلب أولئك الآلهة أن ينالوا ملكه ~~فيعزلوه عن عرشه ويزدادوا ملكا على ملك لحبهم ذلك ضرورة لكن لا سبيل لأحد ~~إليه تعالى عن ذلك. # فقوله: "إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا" أي طلبوا سبيلا إليه ليغلبوه ~~على ما له من الملك، والتعبير عنه تعالى بذي العرش وهو من الصفات الخاصة ~~بالملك للدلالة على أن ابتغاءهم السبيل إليه إنما هو لكونه ذا العرش وهو ~~ابتغاء سبيل إلى عرشه ليستقروا عليه. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم إن الحجة في الآية هي في معنى الحجة التي في ~~قوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" الآية: الأنبياء: 22 في ~~غير محله. # وذلك أن الحجتين مختلفتان في مقدماتهما فالحجة التي في الآية التي نحن ~~فيها تسلك إلى نفي الشريك من جهة ابتغاء الآلهة السبيل إلى ذي العرش وطلبهم ~~الغلبة عليه بانتزاع الملك منه، والتي في آية الأنبياء تسلك من جهة أن ~~اختلاف الآلهة في ذواتهم يؤدي إلى اختلافهم في التدبير وذلك يؤدي إلى فساد ~~النظام فالحق أن الحجة التي فيما نحن فيه غير الحجة التي في آية الأنبياء، ~~والتي تقرب من حجة آية الأنبياء ما في قوله: "إذا لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض": المؤمنون: 91. PageV13P057 # وكذا ما نقل عن بعض قدماء المفسرين: أن المراد من ابتغائهم سبيلا إلى ذي ~~العرش طلبهم التقرب والزلفى منه لعلوه عليهم، وتقريب الحجة أنه لو كان معه ~~آلهة كما يقولون لطلبوا التقرب منه تعالى والزلفى لديه لعلمهم بعلوه ~~وعظمته، والذي كان حاله هذا الحال لا يكون إلها فليسوا بآلهة. # في غير محله لشهادة السياق على خلافه كوصفه تعالى بذي العرش وقوله بعد: ~~"سبحانه وتعالى عما يقولون" إلخ فإنه ظاهر في أن لما قدروه من ثبوت الآلهة ~~المستلزم لابتغائهم سبيلا إلى الله محذورا عظيما لا تحتمله ساحة العظمة ~~والكبرياء مثل كون ms4817 ملكه في معرض ابتغاء سبيل إليه وتهاجم غيره عليه وكونه ~~لا يأبى بحسب طبعه أن يبتز وينتقل إلى من دونه. # قوله تعالى: "سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا" التعالي هو العلو ~~البالغ ولهذا وصف المفعول المطلق أعني "علوا" بقوله: "كبيرا" فالكلام في ~~معنى تعالى تعاليا: والآية تنزيه له تعالى عما يقولونه من ثبوت الآلهة وكون ~~ملكه وربوبيته مما يمكن أن يناله غيره. # قوله تعالى: "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" إلخ الآية وما قبلها وإن كانت واقعة موقع ~~التعظيم كقوله: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه" لكنها تفيد بوجه في الحجة ~~المتقدمة فإنها بمنزلة المقدمة المتممة لقوله: "لو كان معه آلهة كما ~~يقولون" إلخ فإن الحجة بالحقيقة قياس استثنائي والذي بمنزلة الاستثناء هو ~~ما في الآية من تسبيح الأشياء له سبحانه كأنه قيل: لو كان معه آلهة لكان ~~ملكه في معرض المنازعة والمهاجمة لكن الملك من السماوات والأرض ومن فيهن ~~ينزهه عن ذلك ويشهد أن لا شريك له في الملك فإنها لم تبتدىء إلا منه ولا ~~تنتهي إلا إليه ولا تقوم إلا به ولا تخضع سجدا إلا له فلا يتلبس بالملك ولا ~~يصلح له إلا هو فلا رب غيره. # ومن الممكن أن تكون الآيتان أعني قوله: "سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا. تسبح له السموات" إلخ جميعا في معنى الاستثناء والتقدير لو كان معه ~~آلهة لطلبوا مغالبته وعزله من ملكه لكنه سبحانه ينزه ذاته عن ذلك بذاته ~~الفياضة التي يقوم به كل شيء وتلزمه الربوبية من غير أن يفارقه أو ينتقل ~~إلى غيره، وكذلك ملكه وهو عالم السماوات والأرض ومن فيهن ينزهنه سبحانه ~~بذواتها المسبحة له حيث إنها قائمة الذات به لو انقطعت أو حجبت عنه طرفة ~~عين فنت وانعدمت فليس معه آلهة ولا أن ملكه وربوبيته مما يمكن أن يبتغيه ~~غيره فتأمل فيه. # وكيف كان فقوله: "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن" يثبت لأجزاء ~~العالم المشهود التسبيح وأنها ms4818 تسبح الله وتنزهه عما يقولون من الشريك ~~وينسبون إليه. # والتسبيح تنزيه قولي كلامي وحقيقة الكلام الكشف عما في الضمير بنوع من ~~الإشارة إليه والدلالة عليه غير أن الإنسان لما لم يجد إلى إرادة كل ما ~~يريد الإشارة إليه من طريق التكوين طريقا التجأ إلى استعمال الألفاظ وهي ~~الأصوات الموضوعة للمعاني، ودل بها على ما في ضميره، وجرت على ذلك سنة ~~التفهيم والتفهم، وربما استعان على بعض مقاصده بالإشارة بيده أو رأسه أو ~~غيرهما، وربما استعان على ذلك بكتابة أو نصب علامة. # وبالجملة فالذي يكشف به عن معنى مقصود قول وكلام وقيام الشيء بهذا الكشف ~~قول منه وتكليم وإن لم يكن بصوت مقروع ولفظ موضوع، ومن الدليل عليه ما ~~ينسبه القرآن إليه تعالى من الكلام والقول والأمر والوحي ونحو ذلك مما فيه ~~معنى الكشف عن المقاصد وليس من قبيل القول والكلام المعهود عندنا معشر ~~المتلسنين باللغات وقد سماه الله سبحانه قولا وكلاما. # وعند هذه الموجودات المشهودة من السماء والأرض ومن فيهما ما يكشف كشفا ~~صريحا عن وحدانية ربها في ربوبيته وينزهه تعالى عن كل نقص وشين فهي تسبح ~~الله سبحانه. # وذلك أنها ليست لها في أنفسها إلا محض الحاجة وصرف الفاقة إليه في ذاتها ~~وصفاتها وأحوالها. PageV13P058 # والحاجة أقوى كاشف عما إليه الحاجة لا يستقل المحتاج دونه ولا ينفك عنه فكل ~~من هذه الموجودات يكشف بحاجته في وجوده ونقصه في ذاته عن موجده الغني في ~~وجوده التام الكامل في ذاته وبارتباطه بسائر الموجودات التي يستعين بها على ~~تكميل وجوده ورفع نقائصه في ذاته أن موجده هو ربه المتصرف في كل شيء المدبر لأمره. # ثم النظام العام الجاري في الأشياء الجامع لشتاتها الرابط بينها يكشف عن ~~وحدة موجدها، وأنه الذي إليه بوحدته يرجع الأشياء وبه بوحدته ترتفع الحوائج ~~والنقائص فلا يخلو من دونه من الحاجة، ولا يتعرى ما سواه من النقيصة وهو ~~الرب لا رب غيره والغني الذي لا فقر عنده والكمال الذي لا نقص فيه. # فكل واحد من هذه الموجودات يكشف بحاجته ms4819 ونقصه عن تنزه ربه عن الحاجة ~~وبراءته من النقص حتى أن الجاهل المثبت لربه شركاء من دونه أو الناسب إليه ~~شيئا من النقص والشين تعالى وتقدس يثبت بذلك تنزهه من الشريك وينسب بذلك ~~إليه البراءة من النقص فإن المعنى الذي تصور في ضمير هذا الإنسان واللفظ ~~الذي يلفظه لسانه وجميع ما استخدمه في تأدية هذا المقصود كل ذلك أمور ~~موجودة تكشف بحاجتها الوجودية عن رب واحد لا شريك له ولا نقص فيه. # فمثل هذا الإنسان الجاحد في كون جحوده اعترافا مثل ما لو ادعى إنسان أن ~~لا إنسان متكلما في الدنيا وشهد على ذلك قولا فإن شهادته أقوى حجة على خلاف ~~ما ادعاه وشهد عليه وكلما تكررت الشهادة على هذا النمط وكثر الشهود تأكدت ~~الحجة من طريق الشهادة على خلافها. # فإن قلت: مجرد الكشف عن التنزه لا يسمى تسبيحا حتى يقارن القصد والقصد ~~مما يتوقف على الحياة وأغلب هذه الموجودات عادمة للحياة كالأرض والسماء ~~وأنواع الجمادات فلا مخلص من حمل التسبيح على المجاز فتسبيحها دلالتها بحسب ~~وجودها على تنزه ربها. # قلت: كلامه تعالى مشعر بأن العلم سار في الموجودات مع سريان الخلقة فلكل ~~منها حظ من العلم على مقدار حظه من الوجود، وليس لازم ذلك أن يتساوى الجميع ~~من حيث العلم أو يتحد من حيث جنسه ونوعه أو يكون عند كل ما عند الإنسان من ~~ذلك أو أن يفقه الإنسان بما عندها من العلم قال تعالى حكاية عن أعضاء ~~الإنسان: "قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": حم السجدة: 21 وقال "فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11 والآيات ~~في هذا المعنى كثيرة، وسيوافيك كلام مستقل في ذلك إن شاء الله تعالى. # وإذا كان كذلك فما من موجود مخلوق إلا وهو يشعر بنفسه بعض الشعور وهو ~~يريد بوجوده إظهار نفسه المحتاجة الناقصة التي يحيط بها غنى ربه وكماله لا ~~رب غيره فهو يسبح ربه وينزهه عن الشريك وعن كل نقص ينسب إليه. # وبذلك يظهر ms4820 أن لا وجه لحمل التسبيح في الآية على مطلق الدلالة مجازا ~~فالمجاز لا يصار إليه إلا مع امتناع الحمل على الحقيقة، ونظيره قول بعضهم: ~~إن تسبيح بعض هذه الموجودات قالي حقيقي كتسبيح الملائكة والمؤمنين من ~~الإنسان وتسبيح بعضها حالي مجازي كدلالة الجمادات بوجودها عليه تعالى ولفظ ~~التسبيح مستعمل في الآية على سبيل عموم المجاز، وقد عرفت ضعفه آنفا. # والحق أن التسبيح في الجميع حقيقي قالي غير أن كونه قاليا لا يستلزم أن ~~يكون بألفاظ موضوعة وأصوات مقروعة كما تقدمت الإشارة إليه وقد تقدم في آخر ~~الجزء الثاني من الكتاب كلام في الكلام نافع في المقام. # فقوله تعالى: "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن" يثبت لها تسبيحا ~~حقيقيا وهو تكلمها بوجودها وما له من الارتباط بسائر الموجودات الكائنة ~~وبيانها تنزه ربها عما ينسب إليه المشركون من الشركاء وجهات النقص. # وقوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" تعميم التسبيح لكل شيء وقد كانت ~~الجملة السابقة عدت السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وتزيد عليها بذكر ~~الحمد مع التسبيح فتفيد أن كل شيء كما يسبحه تعالى كذلك يحمده بالثناء عليه ~~بجميل صفاته وأفعاله. PageV13P059 # وذلك أنه كما أن عند كل من هذه الأشياء شيئا من الحاجة والنقص عائدا إلى ~~نفسه كذلك عنده من جميل صنعه ونعمته تعالى شيء راجع إليه تعالى موهوب من ~~لدنه، وكما أن إظهار هذه الأشياء لنفسها في الوجود إظهار لحاجتها ونقصها ~~وكشف عن تنزه ربها عن الحاجة والنقص، وهو تسبيحها كذلك إبرازها لنفسها ~~إبراز لما عندها من جميل فعل ربها الذي وراءه جميل صفاته تعالى فهو حمدها ~~فليس الحمد إلا الثناء على الجميل الاختياري فهي تحمد ربها كما تسبحه وهو ~~قوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده". # وبلفظ آخر إذا لوحظ الأشياء من جهة كشفها عما عند ربها بإبرازها ما عندها ~~من الحاجة والنقص مع ما لها من الشعور بذلك كان ذلك تسبيحا منها، وإذا ~~لوحظت من جهة كشفها ما لربها بإظهارها ما عندها من نعمة الوجود وسائر جهات ~~الكمال ms4821 فهو حمد منها لربها وإذا لوحظ كشفها ما عند الله سبحانه من صفة جمال ~~أو جلال مع قطع النظر عن علمها وشعورها بما تكشف عنه كان ذلك دلالة منها ~~عليه تعالى وهي آياته. # وهذا نعم الشاهد على أن المراد بالتسبيح في الآية ليس مجرد دلالتها عليه ~~تعالى بنفي الشريك وجهات النقص فإن الخطاب في قوله: "ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم" إما للمشركين وإما للناس أعم من المؤمن والمشرك وهم على أي حال ~~يفقهون دلالة الأشياء على صانعها مع أن الآية تنفي عنهم الفقه. # ولا يصغى إلى قول من قال: إن الخطاب للمشركين وهم لعدم تدبرهم فيها وقلة ~~انتفاعهم بها كان فهمهم بمنزلة العدم، ولا إلى دعوى من يدعي أنهم لعدم ~~فهمهم بعض المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفقه الجميع تغليبا. # وذلك لأن تنزيل الفهم منزلة العدم أو جعل البعض كالجميع لا يلائم مقام ~~الاحتجاج وهو سبحانه يخاطبهم في سابق الآية بالحجة على التنزيه على أن هذا ~~النوع من المسامحة بالتغليب ونحوه لا يحتمله كلامه تعالى. # وأما ما وقع في قوله بعد هذه الآية: "وإذا قرأت القرآن" إلى آخر الآيات ~~من نفي الفقه عن المشركين فليس يؤيد ما ذكروه فإن الآيات تنفي عنهم فقه ~~القرآن وهو غير نفي فقه دلالة الأشياء على تنزهه تعالى إذ بها تتم الحجة عليهم. # فالحق أن التسبيح الذي تثبته الآية لكل شيء هو التسبيح بمعناه الحقيقي ~~وقد تكرر في كلامه تعالى إثباته للسماوات والأرض ومن فيهن وما فيهن وفيها ~~موارد لا تحتمل إلا الحقيقة كقوله تعالى: "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير": الأنبياء: 79، وقوله: "إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق": ص: 18، ويقرب منه قوله: "يا جبال أوبي معه والطير": سبأ: 10 فلا ~~معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال. # وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن للأشياء تسبيحا ومنها ~~روايات تسبيح الحصى في كف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيوافيك ~~بعضها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # وقوله: "إنه كان ms4822 حليما غفورا" أي يمهل فلا يعاجل بالعقوبة ويغفر من تاب ~~ورجع إليه، وفي الوصفين دلالة على تنزهه تعالى عن كل نقص فإن لازم الحلم أن ~~لا يخاف الفوت، ولازم المغفرة أن لا يتضرر بالمغفرة ولا بإفاضة الرحمة ~~فملكه وربوبيته لا يقبل نقصا ولا زوالا. # وقد قيل في وجه هذا التذييل إنه إشارة إلى أن الإنسان في قصوره عن فهم ~~هذا التسبيح الذي لا يزال كل شيء مشتغلا به حتى نفسه بجميع أركان وجوده ~~بأبلغ بيان، مخطىء من حقه أن يؤاخذ به لكن الله سبحانه بحلمه ومغفرته لا ~~يعاجله ويعفو عن ذلك إن شاء. # وهو وجه حسن ولازمه أن يكون الإنسان في وسعه أن يفقه هذا التسبيح من نفسه ~~ومن غيره، ولعلنا نوفق لبيانه إن شاء الله في موضع يليق به. PageV13P060 # قوله تعالى: "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا" ظاهر توصيف الحجاب بالمستور أنه حجاب مستور عن الحواس على ~~خلاف الحجابات المتداولة بين الناس المعمولة لستر شيء عن شيء فهو حجاب ~~معنوي مضروب بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه قار للقرآن حامل ~~له وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يحجبه عنهم فلا يستطيعون أن ~~يفقهوا حقيقة ما عنده من معارف القرآن ويؤمنوا به ولا أن يذعنوا بأنه رسول ~~من الله جاءهم بالحق، ولذلك تولوا عنه إذا ذكر الله وحده وبالغوا في إنكار ~~المعاد ورموه بأنه رجل مسحور، والآيات التالية تؤيد هذا المعنى. # وإنما وصف المشركين بقوله: "الذين لا يؤمنون بالآخرة" لأن إنكار الآخرة ~~يلغو معه الإيمان بالله وحده وبالرسالة فالكفر بالمعاد يستلزم الكفر بجميع ~~أصول الدين، وليكون تمهيدا لما سيذكر من إنكارهم البعث. # والمعنى: إذا قرأت القرآن وتلوته عليهم جعلنا بينك وبين المشركين الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة - وفي توصيفهم بذلك ذم لهم - حجابا معنويا محجوبا عن ~~فهمهم فلا يسعهم أن يسمعوا ذكره تعالى وحده، ولا أن يعرفوك بالرسالة الحقة، ~~ولا أن يؤمنوا بالمعاد ويفقهوا حقيقته. # وللقوم في قوله: "حجابا مستورا" أقوال أخر ms4823 فعن بعضهم أن "مفعول" فيه ~~للنسب أي حجابا ذا ستر نظير قولهم: رجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة أي ~~ذو رطوبة وذو هول وذات غنج، ومنه قوله تعالى: "وعده مأتيا" أي ذا إتيان ~~والأكثر في ذلك أن يجيء على فاعل كلابن وتامر. # وعن الأخفش أن "مفعول" ربما ورد بمعنى فاعل كميمون ومشئوم بمعنى يامن ~~وشائم كما أن "فاعل" ربما ورد بمعنى مفعول كماء دافق أي مدفوق فمستور بمعنى ساتر. # وعن بعضهم أن ذلك من الإسناد المجازي والمستور بحسب الحقيقة هو ما وراء ~~الحجاب لا نفسه. # عن بعضهم أنه من قبيل الحذف والإيصال وأصله حجابا مستورا به الرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عنهم. # وقيل: المعنى حجابا مستورا بحجاب آخر أي بحجب متعددة وقيل المعنى حجابا ~~مستورا كونه حجابا بمعنى أنهم لا يدرون أنهم لا يدرون والثلاثة الأخيرة ~~أسخف الوجوه. # قوله تعالى: "وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا" الأكنة جمع كن بالكسر وهو ~~على ما ذكره الراغب ما يحفظ فيه الشيء ويستر به عن غيره، والوقر الثقل في ~~السمع، وفي المجمع،: النفور جمع نافر، وهذا الجمع قياس في كل فاعل اشتق من ~~فعل مصدره على فعول مثل ركوع وسجود وشهود. # انتهى. # وقوله: "وجعلنا على قلوبهم أكنة" إلخ كالبيان للحجاب المذكور سابقا أي ~~أغشينا قلوبهم بأغشية وحجب حذار أن يفقهوا القرآن وجعلنا في آذانهم وقرا ~~وثقلا أن يسمعوه فهم لا يسمعون القرآن سمع قبول ولا يفقهونه فقه إيمان ~~وتصديق كل ذلك مجازاة لهم بما كفروا وفسقوا. # وقوله: "وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده" أي على نعت التوحيد ونفي الشريك ~~ولوا على أدبارهم نافرين وأعرضوا عنه مستدبرين. # قوله تعالى: "نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك" إلى آخر الآية، ~~النجوى مصدر ولذا يوصف به الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث وهو لا ~~يتغير في لفظه. # والآية بمنزلة الحجة على ما ذكر في الآية السابقة أنه جعل على قلوبهم ~~أكنة أن ms4824 يفقهوه وفي آذانهم وقرا فقوله: "نحن أعلم بما يستمعون به" إلخ ناظر ~~إلى جعل الوقر وقوله: "وإذ هم نجوى" إلخ ناظر إلى جعل الأكنة. # يقول تعالى: نحن أعلم بآذانهم التي يستمعون بها إليك وبقلوبهم التي ~~ينظرون بها في أمرك - وكيف لا؟ وهو تعالى خالقها ومدبر أمرها فإخباره أنه ~~جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا أصدق وأحق بالقبول - فنحن أعلم بما ~~يستمعون به وهو آذانهم في وقت يستمعون إليك، ونحن أعلم أي بقلوبهم إذ هم ~~نجوى إذ يناجي بعضهم بعضا متحرزين عن الإجهار ورفع الصوت وهم يرون الرأي إذ ~~يقول الظالمون أي يقول القائلون منهم وهم ظالمون في قولهم - إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا وهذا تصديق أنهم لم يفقهوا الحق. PageV13P061 # وفي الآية إشعار بل دلالة على أنهم كانوا لا يأتونه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لاستماع القرآن علنا حذرا من اللائمة وإنما يأتونه متسترين مستخفين ~~حتى إذا رأى بعضهم بعضا على هذا الحال تلاوموا بالنجوى خوفا أن يحس النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون بموقفهم فقال بعضهم لبعض: إن تتبعون ~~إلا رجلا مسحورا، وبهذا يتأيد ما ورد في أسباب النزول بهذا المعنى، وسنورده ~~إن شاء الله في البحث الروائي الآتي. # قوله تعالى: "انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا" المثل ~~بمعنى الوصف، وضرب الأمثال التوصيف بالصفات ومعنى الآية ظاهر، وهي تفيد ~~أنهم لا مطمع في إيمانهم كما قال تعالى: "وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون": يس: 10. # قوله تعالى: "وقالوا ء إذا كنا عظاما ورفاتا ء إنا لمبعوثون خلقا جديدا" ~~قال في المجمع،: الرفات ما تكسر وبلي من كل شيء، ويكثر بناء فعال في كل ما ~~يحطم ويرضض يقال: حطام ودقاق وتراب وقال المبرد: كل شيء مدقوق مبالغ في دقه ~~حتى انسحق فهو رفات. # انتهى. # في الآية مضي في بيان عدم فقههم بمعارف القرآن حيث استبعدوا البعث وهو من ~~أهم ما يثبته القرآن وأوضح ما قامت عليه الحجج من طريق الوحي والعقل حتى ~~وصفه الله ms4825 في مواضع من كلامه بأنه "لا ريب فيه" وليس لهم حجة على نفيه غير ~~أنهم استبعدوه استبعادا. # ومن أعظم ما يزين في قلوبهم هذا الاستبعاد زعمهم أن الموت فناء للإنسان ~~ومن المستبعد أن يتكون الشيء عن عدم بحت كما قالوا: أإذا كنا عظاما ورفاتا ~~بفساد أبداننا عن الموت حتى إذا لم يبق منها إلا العظام ثم رمت العظام ~~وصارت رفاتا أإنا لفي خلق جديد نعود أناسي كما كنا؟ ذلك رجع بعيد ولذلك رده ~~سبحانه إليهم بتذكيرهم القدرة المطلقة والخلق الأول كما سيأتي. # قوله تعالى: "قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم" جواب ~~عن استبعادهم، وقد عبروا في كلامهم بقولهم: "ء إذا كنا" فأمر سبحانه نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمرهم أمر تسخير أن يكونوا حجارة أو حديدا ~~"إلخ" مما تبديله إلى الإنسان أبعد وأصعب عندهم من تبديل العظام الرفات إليه. # فيكون إشارة إلى أن القدرة المطلقة الإلهية لا يشقها شيء تريد تجديد خلقه ~~سواء أكان عظاما ورفاتا أو حجارة أو حديدا أو غير ذلك. # والمعنى: قل لهم ليكونوا شيئا أشد من العظام والرفات حجارة أو حديدا أو ~~مخلوقا آخر من الأشياء التي تكبر في صدورهم ويبالغون في استبعاد أن يخلق ~~منه الإنسان - فليكونوا ما شاءوا فإن الله سيعيد إليهم خلقهم الأول ~~ويبعثهم. # قوله تعالى: "فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة" أي فإذا أجبت عن ~~استبعادهم بأنهم مبعوثون أياما كانوا وإلى أي حال وصفة تحولوا سيسألونك ~~ويقولون من يعيدنا إلى ما كنا عليه من الخلقة الإنسانية؟ فاذكر لهم الله ~~سبحانه وذكرهم من وصفه بما لا يبقى معه لاستبعادهم محل وهو فطره إياهم أول ~~مرة ولم يكونوا شيئا وقل: يعيدكم الذي خلقكم أول مرة. # ففي تبديل لفظ الجلالة من قوله: "الذي فطركم أول مرة" إثبات الإمكان ورفع ~~الاستبعاد بإراءة المثل. # قوله تعالى: "فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا" ~~قال الراغب: الإنغاض تحريك الرأس نحو الغير كالمتعجب منه. # انتهى. # والمعنى: ms4826 فإذا قرعتهم بالحجة وذكرتهم بقدرة الله على كل شيء وفطرة إياهم ~~أول مرة وجدتهم يحركون إليك رءوسهم تحريك المستهزىء المستخف بك المستهين له ~~ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا فإنه لا سبيل إلى العلم به وهو من ~~الغيب الذي لا يعلمه إلا الله لكن وصف اليوم معلوم بإعلامه تعالى ولذا وصفه ~~لهم واضعا الصفة مكان الوقت فقال: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، الآية. PageV13P062 # قوله تعالى: "يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا" "يوم" ~~منصوب بفعل مضمر أي تبعثون يوم كذا وكذا والدعوة هي أمره تعالى لهم أن ~~يقوموا ليوم الجزاء واستجابتهم هي قبولهم الدعوة الإلهية، وقوله: "بحمده" ~~حال من فاعل تستجيبون والتقدير تستجيبون متلبسين بحمده أي حامدين له تعدون ~~البعث والإعادة منه فعلا جميلا يحمد فاعله ويثنى عليه لأن الحقائق تنكشف ~~لكم اليوم فيتبين لكم أن من الواجب في الحكمة الإلهية أن يبعث الناس للجزاء ~~وأن تكون بعد الأولى أخرى. # وقوله: "وتظنون إن لبثتم إلا قليلا" أي تزعمون يوم البعث أنكم لم تلبثوا ~~في القبور بعد الموت إلا زمانا قليلا وترون أن اليوم كان قريبا منكم جدا. # وقد صدقهم الله في هذه المزعمة وأن خطأهم فيما ضربوا له من المدة قال ~~تعالى: "قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون": المؤمنون، 114، ~~وقال: "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث": الروم: 56 إلى غير ذلك من الآيات. # وفي التعرض لقوله: "وتظنون إن لبثتم إلا قليلا" تعريض لهم في استبطائهم ~~اليوم واستهزائهم به، وتأييد لما مر من رجاء قربه في قوله: "قل عسى أن يكون ~~قريبا" أي وأنكم ستعدونه قريبا، وكذا في قوله: "فتستجيبون بحمده" تعريض لهم ~~في استهزائهم به وتعجبهم منه أي وأنكم ستحمدونه يوم البعث وأنتم اليوم ~~تستبعدونه وتستهزءون بأمره. # قوله تعالى: "قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم" إلخ ~~يلوح من ms4827 السياق أن المراد بعبادي هم المؤمنون فالإضافة للتشريف، وقوله: "قل ~~لعبادي يقولوا" إلخ أي مرهم أن يقولوا فهو أمر وجواب أمر مجزوم، وقوله: ~~"التي هي أحسن" أي الكلمة التي هي أحسن، وهو اشتمالها على الأدب الجميل ~~وتعريها عن الخشونة والشتم وسوء الأمر. # الآية وما بعدها من الآيتين ذات سياق واحد، وخلاصة مضمونها الأمر بإحسان ~~القول ولزوم الأدب الجميل في الكلام تحرزا عن نزغ الشيطان، وليعلموا أن ~~الأمر إلى مشية الله لا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يرفع ~~القلم عن كل من آمن به وانتسب إليه ويتأهل للسعادة، فله ما يقول، وله أن ~~يحرم غيره كل خير ويسيء القول فيه فما للإنسان إلا حسن سريرته وكمال أدبه، ~~وقد فضل الله بذلك بعض الأنبياء على بعض وخص داود بإيتاء الزبور الذي فيه ~~أحسن القول وجميل الثناء على الله سبحانه. # ومن هنا يظهر أن المؤمنين قبل الهجرة ربما كانوا يحاورون المشركين ~~فيغلظون لهم في القول ويخاشنونهم بالكلام وربما جبهوهم بأنهم أهل النار، ~~وأنهم معشر المؤمنين أهل الجنة ببركة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فكان ذلك يهيج المشركين عليهم ويزيد في عداوتهم ويبعثهم إلى المبالغة في ~~فتنتهم وتعذيبهم وإيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والعناد مع الحق. # فأمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمرهم بقول التي هي ~~أحسن والمقام مناسب لذلك فقد تقدم آنفا حكاية إساءة الأدب من المشركين إلى ~~النبي وتسميتهم إياه رجلا مسحورا واستهزائهم بالقرآن وبما فيه من معارف ~~المبدإ والمعاد، وهذا هو وجه اتصال الآيات الثلاث بما قبلها واتصال بعض ~~الثلاث ببعض فافهم ذلك. # فقوله: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن" أمر بالأمر والمأمور به قول ~~الكلمة التي هي أحسن فهو نظير قوله: "وجادلهم بالتي هي أحسن": النحل: 125 ~~وقوله: إن الشيطان ينزغ بينهم" تعليل للأمر، وقوله: "إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا" تعليل لنزغ الشيطان بينهم. # وربما قيل: إن المراد بقول التي هي أحسن الكف عن قتال المشركين ومعاملتهم ~~بالسلم ms4828 والخطاب للمؤمنين بمكة قبل الهجرة فالآية نظيرة قوله: "وقولوا للناس ~~حسنا": البقرة: 83 على ما ورد في أسباب النزول، وأنت خبير بأن سياق التعليل ~~في الآية لا يلائمه. PageV13P063 # قوله تعالى: "ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا" قد تقدم أن الآية وما بعدها تتمة السياق السابق، وعلى ذلك ~~فصدر الآية من تمام كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر بإلقائه ~~على المؤمنين بقوله: "قل لعبادي يقولوا" إلخ وذيل الآية خطاب للنبي خاصة ~~فلا التفات في الكلام. # ويمكن أن يكون الخطاب في صدر الآية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمؤمنين جميعا بتغليب جانب خطابه على غيبتهم، وهذا أنسب بسياق الآية ~~السابقة وتلاحق الكلام، والكلام لله جميعا. # وكيف كان فقوله: "ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم" في مقام ~~تعليل الأمر السابق ثانيا، ويفيد أنه يجب على المؤمنين أن يتحرزوا من إغلاظ ~~القول على غيرهم والقضاء بما الله أعلم به من سعادة أو شقاء كأن يقولوا: ~~فلان سعيد بمتابعة النبي وفلان شقي وفلان من أهل الجنة وفلان من أهل النار ~~وعليهم أن يرجعوا الأمر ويفوضوه إلى ربهم فربكم - والخطاب للنبي وغيره - ~~أعلم بكم وهو يقضي فيكم على ما علم من استحقاق الرحمة أو العذاب إن يشأ ~~يرحمكم ولا يشاء ذلك إلا مع الإيمان والعمل الصالح على ما بينه في كلامه أو ~~إن يشأ يعذبكم ولا يشاء ذلك إلا مع الكفر والفسوق، وما جعلناك أيها النبي ~~عليهم وكيلا مفوضا إليه أمرهم حتى تختار لمن تشاء ما تشاء فتعطي هذا وتحرم ذاك. # ومن ذلك يظهر أن الترديد في قوله: "إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم" ~~باعتبار المشية المختلفة باختلاف الموارد بالإيمان والكفر والعمل الصالح ~~والطالح وأن قوله: "وما أرسلناك عليهم وكيلا" لردع المؤمنين عن أن يعتمدوا ~~في نجاتهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والانتساب إلى قبول دينه ~~نظير قوله: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء ms4829 يجز به": ~~النساء: 123 وقوله: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم": البقرة: 62 وآيات ~~أخرى في هذا المعنى. # وفي الآية أقوال أخر تركنا التعرض لها لعدم الجدوى. # قوله تعالى: "وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وآتينا داود زبورا" صدر الآية توسعة في معنى التعليل السابق كأنه ~~قيل: وكيف لا يكون أعلم بكم وهو أعلم بكم وهو أعلم بمن في السماوات والأرض ~~وأنتم منهم. # وقوله: "ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض" كأنه تمهيد لقوله: "وآتينا داود ~~زبورا" والجملة تذكر فضل داود (عليه السلام) بكتابه الذي هو زبور وفيه أحسن ~~الكلمات في تسبيحه وحمده تعالى، وفيه تحريض للمؤمنين أن يرغبوا في أحسن ~~القول ويتأدبوا بالأدب الجميل في المحاورة والكلام. # ولهم في تفسير الآية أقوال أخرى تركنا التعرض لها ومن أرادها فليراجع ~~المطولات. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لو كان معه آلهة كما يقولون - إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا" قال: قال: لو كانت الأصنام آلهة كما تزعمون ~~لصعدوا إلى العرش أقول: أي لاستولوا على ملكه تعالى وأخذوا بأزمة الأمور ~~وأما العرش بمعنى الفلك المحدد للجهات أو جسم نوراني عظيم فوق العالم ~~الجسماني كما ذكره بعضهم فلا دليل عليه من الكتاب، وعلى تقدير ثبوته لا ~~ملازمة بين الربوبية والصعود على هذا الجسم. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: إن نوحا لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان ~~الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء. # أقول: قد ظهر مما قدمناه في معنى تسبيح الأشياء الارتباط المشار إليه في ~~الرواية بين تسبيح كل شيء وبين رزقه فإن الرزق يقدر بالحاجة والسؤال وكل ~~شيء إنما يسبح الله تعالى بالإشارة بإظهار حاجته ونقصه إلى تنزهه تعالى من ذلك. # وفي تفسير العياشي، عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) ms4830 قال: ~~قلت له: قول الله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" قال: كل شيء يسبح بحمده، ~~وإنا لنرى أن تنقض الجدر هو تسبيحها: أقول: ورواه أيضا عن الحسين بن سعيد ~~عنه (عليه السلام). PageV13P064 # وفيه، عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: ~~نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوسم البهائم وأن يضرب وجهها ~~فإنها تسبح بحمد ربها: أقول: وروى النهي عن ضربها على وجوهها: الكليني في ~~الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: وفي حديث آخر: لا تسمها في وجوهها. # وفيه، عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من طير ~~يصاد في بر أو بحر ولا شيء يصاد من الوحش إلا بتضييعه التسبيح. # أقول: وهذا المعنى رواه أهل السنة بطرق كثيرة عن ابن مسعود وأبي الدرداء ~~وأبي هريرة وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام): أنه دخل ~~عليه رجل فقال: فداك أبي وأمي إني أجد الله يقول في كتابه: "وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" فقال له: هو كما قال الله تبارك ~~وتعالى. قال: أتسبح الشجرة اليابسة؟ فقال: نعم أما سمعت خشب البيت كيف ~~ينقصف؟ وذلك تسبيحه فسبحان الله على كل حال. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: إن النمل يسبحن. # وفيه، أخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: نهى رسول ~~الله عن قتل الضفدع وقال: نعيقها تسبيح. # وفيه، أخرج الخطيب عن أبي حمزة قال: كنا مع علي بن الحسين فمر بنا عصافير ~~يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذه العصافير؟ فقلنا: لا فقال: أما إني ما أقول: ~~إنا نعلم الغيب ولكني سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ms4831 ~~يقول: إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها وسألته قوت يومها وإن هذه تسبح ربها ~~وتسأل قوت يومها. # أقول: وروي أيضا مثله عن أبي الشيخ وأبي نعيم في الحلية عن أبي حمزة ~~الثمالي عن محمد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) ولفظه قال محمد بن علي ~~بن الحسين: وسمع عصافير يصحن قال: تدري ما يقلن؟ قلت: لا قال: يسبحن ربهن ~~عز وجل ويسألن قوت يومهن. # وفيه، أخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: دخل على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال لي: يا عائشة اغسلي هذين البردين فقلت: يا رسول الله ~~بالأمس غسلتهما فقال لي: أما علمت أن الثوب يسبح فإذا اتسخ انقطع تسبيحه. # وفيه، أخرج العقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ والديلمي عن أنس قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): آجال البهائم كلها وخشاش الأرض والنمل ~~والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها وغير ذلك آجالها في التسبيح ~~فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت منها شيء. # أقول: ولعل المراد من قوله: وليس إلى ملك الموت منها شيء، أنه لا يتصدى ~~بنفسه قبض أرواحها وإنما يباشرها بعض الملائكة والأعوان، والملائكة أسباب ~~متوسطة على أي حال. # وفيه، أخرج أحمد عن معاذ بن أنس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم: اركبوها سالمة ~~ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة ~~خير من راكبها وأكثر ذكرا لله منه. # وفي الكافي، بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~للدابة على صاحبها ستة حقوق: لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلسا ~~يتحدث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها في وجهها، ولا يضربها فإنها ~~تسبح، ويعرض عليها الماء إذا مر بها. # وفي مناقب ابن شهرآشوب،: علقمة وابن مسعود: كنا نجلس مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ونسمع الطعام يسبح ورسول الله يأكل، وأتاه مكرز العامري ~~وسأله آية ms4832 فدعا بتسع حصيات فسبحن في يده، وفي حديث أبي ذر: فوضعهن على ~~الأرض فلم يسبحن وسكتن ثم عاد وأخذهن فسبحن. # ابن عباس قال: قدم ملوك حضرموت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقالوا كيف نعلم أنك رسول الله؟ فأخذ كفا من حصى فقال: هذا يشهد أني رسول ~~الله فسبح الحصا في يده وشهد أنه رسول الله. PageV13P065 # وفيه، أبو هريرة وجابر الأنصاري وابن عباس وأبي بن كعب وزين العابدين: أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخطب بالمدينة إلى بعض الأجذاع فلما ~~كثر الناس واتخذوا له منبرا وتحول إليه حن كما يحن الناقة، فلما جاء إليه ~~وأكرمه كان يئن أنين الصبي الذي يسكت. # أقول: والروايات في تسبيح الأشياء على اختلاف أنواعها كثيرة جدا، وربما ~~اشتبه أمرها على بعضهم فزعم أن هذا التسبيح العام من قبيل الأصوات، وأن ~~لعامة الأشياء لغة أو لغات ذات كلمات موضوعة لمعان نظير ما للإنسان مستعملة ~~للكشف عما في الضمير غير أن حواسنا مصروفة عنها وهو كما ترى. # والذي تحصل من البحث المتقدم في ذيل الآية الكريمة أن لها تسبيحا هو كلام ~~بحقيقة معنى الكلام وهو إظهارها تنزه ربها بإظهارها نقص ذاتها وصفاتها ~~وأفعالها عن علم منها بذلك، وهو الكلام فما روي من سماعهم تسبيح الحصى في ~~كف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سماع تسبيح الجبال والطير إذا سبح ~~داود (عليه السلام) أو ما يشبه ذلك إنما كان بإدراكهم تسبيحها الواقعي ~~بحقيقة معناه من طريق الباطن ثم محاكاة الحس ذلك بما يناظره ويناسبه من ~~الألفاظ والكلمات الموضوعة لما يفيد ما أدركوه من المعنى. # نظير ذلك ما تقدم من ظهور المعاني المجردة عن الصورة في الرؤيا فيما ~~يناسبه من الصور المألوفة كظهور حقيقة يعقوب وأهله وبنيه ليوسف (عليه ~~السلام) في رؤياه في صورة الشمس والقمر والكواكب ونظير سائر الرؤى التي ~~حكاها الله سبحانه في سورة يوسف وقد تقدم البحث عنها. # فالذي يناله من ينكشف له تسبيح الأشياء أو حمدها أو شهادتها أو ما يشابه ms4833 ~~ذلك حقيقة المعنى أولا ثم يحاكيه الحس الباطن في صورة ألفاظ مسموعة تؤدي ما ~~ناله من المعنى والله أعلم. # وفي الدر المنثور،: أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبو ~~نعيم والبيهقي معا في الدلائل، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت "يدا ~~أبي لهب" أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذمما ~~أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس ~~وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك فقال: ~~إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: "وإذا قرأت القرآن جعلنا ~~بينك - وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا" فجاءت حتى قامت على أبي ~~بكر فلم تر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا أبا بكر بلغني أن ~~صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك فانصرفت وهي تقول: قد ~~علمت قريش أني بنت سيدها: أقول: وروي أيضا بطريق آخر عن أسماء وعن أبي بكر ~~وابن عباس مختصرا ورواه أيضا في البحار، عن قرب الإسناد عن الحسن بن ظريف ~~عن معمر عن الرضا عن أبيه عن جده (عليهم السلام) في حديث يذكر فيه جوامع ~~معجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير العياشي، عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: في "بسم ~~الله الرحمن الرحيم" قال: هو أحق ما جهر به، وهي الآية التي قال الله: ~~"وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده بسم الله الرحمن الرحيم" ولوا على أدبارهم ~~نفورا" كان المشركون يستمعون إلى قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فإذا قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" نفروا وذهبوا فإذا فرغ منه عادوا ~~وتسمعوا: أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) ورواه القمي في تفسيره، مضمرا. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري في تاريخه، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه ~~قال: لم كتمتم "بسم الله الرحمن ms4834 الرحيم" فنعم الاسم والله كتموا فإن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا دخل منزله اجتمعت عليه قريش فيجهر ~~ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع صوته بها فتولى قريش فرارا فأنزل الله: ~~"وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده - ولوا على أدبارهم نفورا". PageV13P066 # وفيه، أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل، عن الزهري قال: حدثت أن أبا جهل ~~وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يستمعون من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وهو يصلي بالليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ~~وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ~~فجمعتهم الطريق فتلاوموا فقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم ~~لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل ~~منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق ~~فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة ~~الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ~~فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ~~ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني عن ~~رأيك فيما سمعت من محمد قال: والله سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ~~وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت ~~به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ~~ما ذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا ~~فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجانبنا على الركب وكنا كفرسي الرهان قالوا: ~~منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه؟ لا والله لا نؤمن به أبدا ~~ولا نصدقه فقام عنه الأخنس وتركه. # وفي المجمع،: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بمكة فيقولون يا رسول الله ms4835 ائذن لنا في قتالهم فيقول لهم: إني لم ~~أومر فيهم بشيء فأنزل الله سبحانه: "قل لعبادي" الآية: عن الكلبي. # أقول: قد أشرنا في تفسير الآية أنه لا يلائم سياقها. # والله أعلم. PageV13P067 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 56 - 65 # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيمة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك فى الكتب مسطورا (58) وما منعنا أن ~~نرسل بالايت إلا أن كذب بها الأولون وءاتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ~~وما نرسل بالايت إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا ~~الرءيا التى أرينك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرءان ونخوفهم فما ~~يزيدهم إلا طغينا كبيرا (60) وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا ~~إبليس قال ء أسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرءيتك هذا الذى كرمت على لئن ~~أخرتن إلى يوم القيمة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم ~~فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأمول والأولد وعدهم وما يعدهم الشيطن إلا ~~غرورا (64) إن عبادى ليس لك عليهم سلطن وكفى بربك وكيلا (65) ### |||| AUTO بيان # احتجاج من وجه آخر على التوحيد ونفي ربوبية الآلهة الذين يدعون من دون ~~الله وأنهم لا يستطيعون كشف الضر ولا تحويله عن عبادهم بل هم أمثالهم في ~~الحاجة إلى الله سبحانه يبتغون إليه الوسيلة يرجون رحمته ويخافون عذابه. # وأن الضر والهلاك والعذاب بيد الله، وقد كتب في الكتاب على كل قرية أن ~~يهلكها قبل يوم القيامة أو يعذبها عذابا شديدا وقد كانت الأولون يرسل إليهم ~~الآيات الإلهية لكن لما كفروا وكذبوا بها وتعقب ذلك عذاب الاستئصال لم ~~يرسلها الله إلى الآخرين فإنه شاء أن لا يعاجلهم بالهلاك غير أن أصل الفساد ~~سينمو بينهم والشيطان سيضلهم فيحق عليهم القول فيأخذهم ms4836 الله وكان أمرا ~~مفعولا. # قوله تعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا" الزعم بتثليث الزاي مطلق الاعتقاد ثم غلب استعماله في الاعتقاد ~~الباطل، ولذا نقل عن ابن عباس أن ما كان في القرآن من الزعم فهو كذب. # والدعاء والنداء واحد غير أن النداء إنما هو فيما إذا كان معه صوت ~~والدعاء ربما يطلق على ما كان بإشارة أو غيرها، وذكر بعضهم في الفرق بينهما ~~أن النداء قد يقال إذا قيل: يا أو أيا أو نحوهما من غير أن يضم إليه الاسم، ~~والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان. # انتهى. # والآية تحتج على نفي ألوهية آلهتهم من دون الله بأن الرب المستحق للعباد ~~يجب أن يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضر إذ هو لازم ربوبية الرب على ~~أن المشركين مسلمون لذلك وإنما اتخذوا الآلهة وعبدوهم طمعا في نفعهم وخوفا ~~من ضررهم لكن الذين يدعونهم من دون الله لا يستطيعون ذلك فليسوا بآلهة، ~~والشاهد على ذلك أن يدعوهم هؤلاء الذين يعبدونهم لكشف ضر مسهم أو تحويله ~~عنهم إلى غيرهم فإنهم لا يملكون كشفا ولا تحويلا. # وكيف يملكون من عند أنفسهم كشف ضر أو تحويله ويستقلون بقضاء حاجة ورفع ~~فاقة وهم في أنفسهم مخلوقون لله يبتغون إليه الوسيلة يرجون رحمته ويخافون ~~عذابه باعتراف من المشركين. # فقد بان أولا أن المراد بقوله: "الذين زعمتم من دونه" هم الذين كانوا ~~يعبدونهم من الملائكة والجن والإنس فإنهم إنما يقصدون بعبادة الأصنام ~~التقرب إليهم وكذا بعبادة الشمس والقمر والكواكب التقرب إلى روحانيتهم من ~~الملائكة. # على أن الأصنام بما هي أصنام ليست بأشياء حقيقية كما قال تعالى: "إن هي ~~إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم". PageV13P068 # وأما ما صنعت منه من خشب أو فلز فليس إلا جمادا حاله حال الجماد في التقرب ~~إليه والسجود له وتسبيحه، وليست من تلك الجهة بأصنام. # وثانيا: أن المراد بنفي قدرتهم نفي استقلالهم بالقدرة من دون استعانة ~~بالله واستمداد من إذنه والدليل ms4837 عليه قوله سبحانه في الآية التالية: "أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة" إلخ. # وقال بعض المفسرين: وكأن المراد من نفي ملكهم ذلك نفي قدرتهم التامة ~~الكاملة عليه، وكون قدرة الآلهة الباطلة مفاضة منه تعالى مسلم عند الكفرة ~~لأنهم لا ينكرون أنها مخلوقة لله تعالى بجميع صفاتها وأن الله سبحانه أقوى ~~وأكمل صفة منها. # وبهذا يتم الدليل ويحصل الإفحام وإلا فنفي قدرة نحو الجن والملائكة الذين ~~عبدوا من دون الله تعالى مطلقا على كشف الضر مما لا يظهر دليله فإنه إن قيل ~~هو أن الكفرة يتضرعون إليهم ولا يحصل لهم الإجابة عورض بأنا نرى أيضا ~~المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى ولا يحصل لهم الإجابة. # وقد يقال: المراد نفي قدرتهم على ذلك أصلا ويحتج له بدليل الأشعري على ~~استناد جميع الممكنات إليه عز وجل ابتداء انتهى. # قلت: هو سبحانه يثبت في كلامه أنواعا من القدرة للملائكة والجن والإنس في ~~آيات كثيرة لا تقبل التأويل البتة غير أنه يخص حقيقة القدرة بنفسه في مثل ~~قوله: "أن القوة لله جميعا": البقرة: 165 ويظهر به أن غيره إنما يقدر على ~~ما يقدر بإقداره ويملك ما يملك بتمليكه تعالى إياه فلا أحد مستقلا بالقدرة ~~والملك إلا هو، وما عند غيره تعالى من القدرة والملك مستعار منوط في تأثيره ~~بالإذن والمشية. # وعلى هذا فلا سبيل إلى تنزيل الحجة في الآية على نفي قدرة آلهتهم من ~~الملائكة والجن والإنس من أصلها بل الحجة مبتنية على أن أولئك المدعوين غير ~~مستقلين بالملك والقدرة، وأنهم فيما عندهم من ذلك كالداعين محتاجون إلى ~~الله مبتغون إليه الوسيلة والدعاء إنما يتعلق بالقدرة المستقلة بالتأثير ~~والدعاء والمسألة ممن هو قادر بقدرة غيره مالك بتمليكه مع قيام القدرة ~~والملك بصاحبهما الأصلي فهو في الحقيقة دعاء ومسألة ممن قام بهما حقيقة ~~واستقلالا دون من هو مملك بتمليكه. # وأما ما ذكره أن نفي قدرتهم مطلقا غير ظاهر الدليل فإنه إن قيل: إن ~~الكفرة يتضرعون إليهم ولا يحصل لهم الإجابة، عورض بأنا نرى أيضا المسلمين ~~يتضرعون ms4838 إلى الله تعالى ولا يحصل لهم الإجابة، فقد أجاب الله سبحانه في ~~كلامه عن مثل هذه المعارضة. # توضيح ذلك: أنه تعالى قال وقوله الحق: "أجيب دعوة الداع إذا دعان": ~~البقرة: 186 وقال: "ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 فأطلق الكلام وأفاد أن ~~العبد إذا جد بالدعاء ولم يلعب به ولم يتعلق قلبه في دعائه الجدي إلا به ~~تعالى بأن انقطع عن غيره والتجأ إليه فإنه يستجاب له البتة ثم ذكر هذا ~~الانقطاع في الدعاء والسؤال في ذيل هذه الآيات الذي كالمتمم لما في هذه ~~الحجة بقوله: "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم": الآية - 67 من السورة فأفاد أنكم عند مس الضر في البحر ~~تنقطعون عن كل شيء إليه فتدعونه بهداية من فطرتكم فيستجيب لكم وينجيكم إلى البر. # ويتحصل من الجميع أن الله سبحانه إذا انقطع العبد عن كل شيء ودعاه عن قلب ~~فارغ سليم فإنه يستجيب له وأن غيره إذا انقطع داعيه عن الله وسأله مخلصا ~~فإنه لا يملك الاستجابة. # وعلى هذا فلا محل للمعارضة من قبل المشركين فإنهم لا يستجاب لهم إذا دعوا ~~آلهتهم وهم أنفسهم يرون أنهم إذا مسهم الضر في البحر وانقطعوا إلى الله ~~وسألوه النجاة نجاهم إلى البر وهم معترفون بذلك، ولئن دعاه المسلمون على ~~هذا النمط عن جد في الدعاء وانقطاع إليه كان حالهم في البر حال غيرهم وهم ~~في البحر ولم يخيبوا ولا ردوا. # ولم يقابل سبحانه في كلامه بين دعائهم آلهتهم ودعاء المسلمين لإلههم حتى ~~يعارض باشتراك الدعاءين في الرد وعدم الاستجابة وإنما قابل بين دعاء ~~المشركين لآلهتهم وبين دعائهم أنفسهم له سبحانه في البحر عند انقطاع ~~الأسباب وضلال كل مدعو من دون الله. PageV13P069 # ومن لطيف النكتة في الكلام إلقاؤه سبحانه الحجة إليهم بواسطة نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إذ قال: "قل ادعوا الذين زعمتم من دونه" ولو ناقشه ~~المشركون بمثل هذه المعارضة لدعا ربه عن انقطاع وإخلاص فاستجيب له. # قوله تعالى: "أولئك الذين ms4839 يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب" إلى ~~آخر الآية "أولئك" مبتدأ و"الذين" صفة له و"يدعون" صلته وضميره عائد إلى ~~المشركين، و"يبتغون" خبر "أولئك" وضميره وسائر ضمائر الجمع إلى آخر الآية ~~راجعة إلى "أولئك" وقوله: "أيهم أقرب" بيان لابتغاء الوسيلة لكون الابتغاء ~~فحصا وسؤالا في المعنى هذا ما يعطيه السياق. # والوسيلة على ما فسروه هي التوصل والتقرب، وربما استعملت بمعنى ما به ~~التوصل والتقرب ولعله هو الأنسب بالسياق بالنظر إلى تعقيبه بقوله: "أيهم أقرب". # والمعنى - والله أعلم - أولئك الذين يدعوهم المشركون من الملائكة والجن ~~والإنس يطلبون ما يتقربون به إلى ربهم يستعلمون أيهم أقرب؟ حتى يسلكوا ~~سبيله ويقتدوا بأعماله ليتقربوا إليه تعالى كتقربه ويرجون رحمته من كل ما ~~يستمدون به في وجودهم ويخافون عذابه فيطيعونه ولا يعصونه إن عذاب ربك كان ~~محذورا يجب التحرز منه. # والتوسل إلى الله ببعض المقربين إليه - على ما في الآية الكريمة قريب منه ~~قوله "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة": المائدة: 35 ~~غير ما يرومه المشركون من الوثنيين فإنهم يتوسلون إلى الله ويتقربون ~~بالملائكة الكرام والجن والأولياء من الإنس فيتركون عبادته تعالى ولا ~~يرجونه ولا يخافونه وإنما يعبدون الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون سخطه ثم ~~يتوسلون إلى هؤلاء الأرباب والآلهة بالأصنام والتماثيل فيتركونهم ويعبدون ~~الأصنام ويتقربون إليهم بالقرابين والذبائح. # وبالجملة يدعون التقرب إلى الله ببعض عباده أو أصنام خلقه ثم لا يعبدون ~~إلا الوسيلة مستقلة بذلك ويرجونها ويخافونها مستقلة بذلك من دون الله ~~فيشركون بإعطاء الاستقلال لها في الربوبية والعبادة. # والمراد بأولئك الذين يدعون إن كان هو الملائكة الكرام والصلحاء المقربون ~~من الجن والأنبياء والأولياء من الإنس كان المراد من ابتغائهم الوسيلة ~~ورجاء الرحمة وخوف العذاب ظاهره المتبادر، وإن كان المراد بهم أعم من ذلك ~~حتى يشمل من كانوا يعبدونه من مردة الشياطين وفسقة الإنسان كفرعون ونمرود ~~وغيرهما كان المراد بابتغائهم الوسيلة إليه تعالى ما ذكر من خضوعهم وسجودهم ~~وتسبيحهم التكويني وكذا المراد من رجائهم وخوفهم ما لذواتهم. # وذكر بعضهم: أن ضمائر الجمع ms4840 في الآية جميعا راجعة إلى أولئك والمعنى ~~أولئك الأنبياء الذين يعبدونهم من دون الله يدعون الناس إلى الحق أو يدعون ~~الله ويتضرعون إليه يبتغون إلى ربهم التقرب، وهو كما ترى. # وقال في الكشاف، في معنى الآية: يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي ~~القربة إلى الله تعالى، و"أيهم" بدل من واو "يبتغون" وأي موصولة أي يبتغي ~~من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟ أو ضمن "يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة" معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله ~~وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح ويرجون ويخافون كما غيرهم من عباد الله ~~فكيف يزعمون أنهم آلهة. # انتهى. # والمعنيان لا بأس بهما لو لا أن السياق لا يلائمهما كل الملاءمة وثانيهما ~~أقرب إليه من أولهما. # وقيل: إن معنى الآية أولئك الذين يدعونهم ويعبدونهم ويعتقدون أنهم آلهة ~~يبتغون الوسيلة والقربة إلى الله تعالى بعبادتهم ويجتهد كل منهم ليكون أقرب ~~من رحمته. # انتهى. # وهو معنى لا ينطبق على لفظ الآية البتة. # قوله تعالى: "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا" ذكروا أن المراد بالعذاب الشديد ~~عذاب الاستئصال فيبقى للإهلاك المقابل له الإماتة بحتف الأنف فالمعنى ما من ~~قرية إلا نحن نميت أهلها قبل يوم القيامة أو نعذبهم عذاب الاستئصال قبل يوم ~~القيامة إذ لا قرية بعد طي بساط الدنيا بقيام الساعة وقد قال تعالى: "وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا:" الكهف: 8 ولذا قال بعضهم: إن الإهلاك للقرى ~~الصالحة والتعذيب للقرى الطالحة. PageV13P070 # وقد ذكروا في وجه اتصال الآية أنها موعظة، وقال بعضهم: كأنه تعالى بعد ما ~~ذكر من شأن البعث والتوحيد ما ذكر، ذكر بعض ما يكون قبل يوم البعث مما يدل ~~على عظمته سبحانه وفيه تأييد لما ذكر قبله. # والظاهر أن في الآية عطفا على ما تقدم من قوله قبل آيات: "وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" فإن ~~آيات السورة ms4841 لا تزال ينعطف بعضها على بعض، والغرض العام بيان سنة الله ~~تعالى الجارية بدعوتهم إلى الحق ثم إسعاد من سعد منهم بالسمع والطاعة ~~وعقوبة من خالف منهم وطغى بالاستكبار. # وعلى هذا فالمراد بالإهلاك التدمير بعذاب الاستئصال كما نقل عن أبي مسلم ~~المفسر والمراد بالعذاب الشديد ما دون ذلك من العذاب كقحط أو غلاء ينجر إلى ~~جلاء أهلها وخراب عمارتها أو غير ذلك من البلايا والمحن. # فتكون في الآية إشارة إلى أن هذه القرى سيخرب كل منها بفساد أهلها وفسق ~~مترفيها، وأن ذلك بقضاء من الله سبحانه كما يشير إليه ذيل الآية، وبذلك ~~يتضح اتصال الآية التالية "وما منعنا" إلخ بهذه الآية فإن المعنى أنهم ~~مستعدون للفساد مهيئون لتكذيب الآيات الإلهية وهي تتعقب بالهلاك والفناء ~~على من يردها ويكذب بها وقد أرسلناها إلى الأولين فكذبوا بها واستؤصلوا فلو ~~أنا أرسلنا إلى هؤلاء شيئا من جنس تلك الآيات المخوفة لحق بهم الإهلاك ~~والتدمير وانطوى بساط الدنيا فأمهلناهم حتى حين وسيلحق بهم ولا يتخطاهم - ~~كما أشير إليه في قوله: "ولكل أمة رسول" الآيات: يونس: 47 وذكر بعضهم: أن ~~المراد بالقرى في الآية القرى الكافرة وأن تعميم القرى لا يساعد عليه ~~السياق انتهى. # وهو دعوى لا دليل عليها. # وقوله: "كان ذلك في الكتاب مسطورا" أي إهلاك القرى أو تعذيبها عذابا ~~شديدا كان في الكتاب مسطورا وقضاء محتوما، وبذلك يظهر أن المراد بالكتاب ~~اللوح المحفوظ الذي يذكر القرآن أن الله كتب فيه كل شيء كقوله: "وكل شيء ~~أحصيناه في إمام مبين:" يس: 12، وقوله: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين": يونس: 61. # ومن غريب الكلام ما ذكره بعضهم: وذكر غير واحد أنه ما من شيء إلا بين فيه ~~أي في اللوح المحفوظ والكتاب المسطور بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته ~~المضروب له، واستشكل العموم بأنه يقتضي عدم تناهي الأبعاد، وقد قامت ~~البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك فلا بد أن يقال بالتخصيص ms4842 بأن يحمل ~~الشيء على ما يتعلق بهذه النشأة أو نحو ذلك. # وقال بعضهم: بالعموم إلا أنه التزم كون البيان على نحو يجتمع مع التناهي ~~فاللوح المحفوظ في بيانه جميع الأشياء الدنيوية والأخروية وما كان وما يكون ~~نظير الجفر الجامع في بيانه لما يبينه. # انتهى. # والكلام مبني على كونه لوحا جسمانيا موضوعا في بعض أقطار العالم مكتوبا ~~فيه أسماء الأشياء وأوصافها وأحوالها وما يجري عليها في الأنظمة الخاصة بكل ~~منها والنظام العام الجاري عليها من جميع الجهات، ولو كان كما يقولون لوحا ~~ماديا جسمانيا لم يسع كتابة أسماء أجزائه التي تألف منها جسمه وتفصيل ~~صفاتها وحالاتها فضلا عن غيره من الموجودات التي لا يحصيها ولا يحيط ~~بتفاصيل صفاتها وأحوالها وما يحدث عليها والنسب التي بينها إلا الله ~~سبحانه، وليس ينفع في ذلك التخصيص بما في هذه النشأة أو بما دون ذلك وهو ظاهر. # وما التزم به البعض أنه من قبيل انطواء غير المتناهي في المتناهي نظير ~~اشتمال الحروف المقطعة جميع الكلام مع عدم تناهي التأليفات الكلامية التزام ~~بوجود صور الحوادث فيه بالقوة والإمكان أو الإجمال وكلامه سبحانه فيما يصف ~~فيه هذا اللوح كالصريح أو هو صريح في اشتماله على الأشياء والحوادث مما كان ~~أو يكون أو هو كائن بالفعل وعلى نحو التفصيل وبسمة الوجوب الذي لا سبيل ~~للتغير إليه، ولو كان كذلك لكفى فيه كتابة حروف التهجي في دائرة على لوح. # على أن الجمع بين جسمية اللوح وماديته التي من خاصتها قبول التغير وبين ~~كونه محفوظا من أي تغير وتحول مفروض مما يحتاج إلى دليل أجلى من هذه ~~التصويرات وفي الكلام مواقع أخرى للنظر. PageV13P071 # فالحق أن الكتاب المبين هو متن 1 الأعيان بما فيه من الحوادث من جهة ضرورة ~~ترتب المعلولات على عللها، وهو القضاء الذي لا يرد ولا يبدل لا من جهة ~~إمكان المادة وقوتها، والتعبير عنه بالكتاب واللوح لتقريب الأفهام إلى ~~حقيقة المعنى بالتمثيل، وسنستوفي الكلام في هذا البحث إن شاء الله في موضع ~~يناسبه. # قوله تعالى: "وما منعنا ms4843 أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون" إلى آخر ~~الآية قد تقدم وجه اتصال الآية بما قبلها ومحصله أن الآية السابقة أفادت أن ~~الناس - وآخروهم كأوليهم - مستحقون بما فيهم من غريزة الفساد والفسق لحلول ~~الهلاك وسائر أنواع العذاب الشديد، وقد قضى الله على القرى أن تهلك أو تعذب ~~عذابا شديدا وهذا هو الذي منعنا أن نرسل بالآيات التي يقترحونها فإن ~~السابقين منهم اقترحوها فأرسلناها إليهم فكذبوا بها فأهلكناهم، وهؤلاء ~~اللاحقون في خلق سابقيهم فلو أرسلنا بالآيات حسب اقتراحهم لكذبوا بها فحل ~~الهلاك بهم لا محالة كما حل بسابقيهم، وما يريد الله سبحانه أن يعاجلهم ~~بالعقوبة. # وبهذا يظهر أن للآيتين ارتباطا بما سيحكيه من اقتراحهم الآيات بقوله: ~~"وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا": الآية 90 من السورة إلى ~~آخر الآيات، وظاهر آيات السورة أنها نزلت دفعة واحدة. # فقوله: "وما منعنا أن نرسل بالآيات" المنع هو قسر الغير عما يريد أن ~~يفعله وكفه عنه، والله سبحانه يحكم ولا معقب لحكمه وهو الغالب القاهر إذا ~~أراد شيئا قال له كن فيكون، فكون تكذيب الأولين لآياته مانعا له من إرسال ~~الآيات المقترحة بعد ذلك كون الفعل بالنظر إلى ما ارتكز فيهم من خلق ~~التكذيب خاليا عن المصلحة بالنسبة إلى أمة أراد الله أن لا يعاجلهم ~~بالعقوبة والهلاك أو خاليا عن المصلحة مطلقا للعلم بأن عامتهم لا يؤمنون ~~بالآيات المقترحة. # وإن شئت فقل: إن المنافاة بين إرسال الآيات المقترحة مع تكذيب الأولين ~~وكون الآخرين سالكين سبيلهم المستتبع للاستئصال وبين تعلق المشية بإمهال ~~هذه الأمة عبر عنها في الآية بالمنع استعارة. # وكأنه للإشعار بذلك عبر عن إيتاء الآيات بالإرسال كأنها تتعاضد وتتداعى ~~للنزول لكن التكذيب وتعرق الفساد في فطر الناس يمنع من ذلك. # وقوله: "إلا أن كذب بها الأولون" التعبير عن الأمم الهالكة بالأولين ~~المضايف للآخرين فيه إيماء إلى أن هؤلاء آخر أولئك الأولين فهم في الحقيقة ~~أمة واحدة لآخرها من الخلق والغريزة ما لأولها، لذيلها من الحكم ما لصدرها ~~ولذلك ms4844 كانوا يقولون: "ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين": المؤمنون: 24 ~~ويكررون ذكر هذه الكلمة. # وكيف كان فمعنى الآية أنا لم نرسل الآيات التي يقترحونها والمقترحون هم ~~قريش - لأنا لو أرسلناها لم يؤمنوا وكذبوا بها فيستحقوا عذاب الاستئصال كما ~~أنا أرسلناها إلى الأولين بعد اقتراحهم إياها فكذبوا بها فأهلكناهم لكنا ~~قضينا على هذه الأمة أن لا نعذبهم إلا بعد مهلة ونظرة كما يظهر من مواضع من ~~كلامه تعالى. # وذكروا في معنى الآية الكريمة وجهين آخرين: أحدهما: أنا لا نرسل الآيات ~~لعلمنا بأنهم لا يؤمنون عندها فيكون إنزالها عبثا لا فائدة فيه كما أن من ~~قبلهم لم يؤمنوا عند إنزال الآيات وهذا إنما يتم في الآيات المقترحة وأما ~~الآيات التي يتوقف عليها ثبوت النبوة فإن الله يؤتيها رسوله لا محالة، وكذا ~~الآيات التي في نزولها لطف منه سبحانه فإن الله يظهرها أيضا لطفا منه، وأما ~~غير هذين النوعين فلا فائدة في إنزالها. # وثانيهما: أن المعنى أنا لا نرسل الآيات لأن آباءكم وأسلافكم سألوا مثلها ~~ولم يؤمنوا به عند ما نزل وأنتم على آثار أسلافكم مقتدون فكما لم يؤمنوا هم ~~لا تؤمنون أنتم. # والمعنى الثاني منقول عن أبي مسلم وتمييزه من المعنيين السابقين من غير ~~أن ينطبق على أحدهما لا يخلو من صعوبة. # وقوله: "وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها" ثمود هم قوم صالح ولقد ~~آتاهم الناقة آية، والمبصرة الظاهرة البينة على حد ما في قوله تعالى: ~~"وجعلنا آية النهار مبصرة": إسراء - 12، وهي صفة الناقة أو صفة لمحذوف ~~والتقدير آية مبصرة والمعنى وآتينا قوم ثمود الناقة حالكونها ظاهرة بينة أو ~~حالكونها آية ظاهرة بينة فظلموا أنفسهم بسببها أو ظلموا مكذبين بها. PageV13P072 # وقوله: "وما نرسل بالآيات إلا تخويفا" أي إن الحكمة في الإرسال بالآيات ~~التخويف والإنذار فإن كانت من الآيات التي تستتبع عذاب الاستئصال ففيها ~~تخويف بالهلاك في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، وإن كانت من غيرها ففيها ~~تخويف وإنذار بعقوبة العقبى. # وليس من البعيد أن يكون المراد بالتخويف إيجاد الخوف والوحشة بإرسال ما ms4845 ~~دون عذاب الاستئصال على حد ما في قوله تعالى: "أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم ~~لرءوف رحيم": النحل، 47 فيرجع محصل معنى الآية إنا لا نرسل بالآيات ~~المقترحة لأنا لا نريد أن نعذبهم بعذاب الاستئصال وإنما نرسل ما نرسل من ~~الآيات تخويفا ليحذروا بمشاهدتها عما هو أشد منها وأفظع ونسب الوجه إلى بعضهم. # قوله تعالى: "وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا ~~طغيانا كبيرا" فقرأت الآية وهي أربع واضحة المعاني لكنها بحسب ما بينها من ~~الاتصال وارتباط بعضها ببعض لا تخلو من إجمال والسبب الأصلي في ذلك إجمال ~~الفقرتين الوسطيين الثانية والثالثة. # فلم يبين سبحانه ما هذه الرؤيا التي أراها نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ولم يقع في سائر كلامه ما يصلح لأن يفسر به هذه الرؤيا، والذي ذكره ~~من رؤياه في مثل قوله: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا ~~لفشلتم": الأنفال، 43 وقوله "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام": الفتح - 27 من الحوادث الواقعة بعد الهجرة وهذه الآية مكية ~~نازلة قبل الهجرة. # ولا يدرى ما هذه الشجرة الملعونة في القرآن التي جعلها فتنة للناس، ولا ~~توجد في القرآن شجرة يذكرها الله ثم يلعنها نعم ذكر سبحانه شجرة الزقوم ~~ووصفها بأنها فتنة كما في قوله "أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين": الصافات - 63 لكنه سبحانه لم يلعنها في شيء من المواضع التي ~~ذكرها، ولو كان مجرد كونها شجرة تخرج في أصل الجحيم وسببا من أسباب عذاب ~~الظالمين موجبا للعنها لكانت النار وكل ما أعد الله فيها للعذاب ملعونة ~~ولكانت ملائكة العذاب وهم الذين قال تعالى فيهم: "وما جعلنا أصحاب النار ~~إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا": المدثر: 31 ملعونين وقد ~~أثنى الله عليهم ذاك الثناء البالغ في قوله: "عليها ملائكة غلاظ شداد لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": التحريم: 6 وقد ms4846 عد سبحانه أيدي ~~المؤمنين من أسباب عذاب الكفار إذ قال: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم": ~~التوبة: 14 وليست بملعونة. # وبهذا يتأيد أنه لم يكن المراد بالآية الكشف عن قناع الفقرتين وإيضاح قصة ~~الرؤيا والشجرة الملعونة في القرآن المجعولتين فتنة للناس بل إنما أريدت ~~الإشارة إلى إجمالهما والتذكير بما يقتضيانه بحكم السياق. # نعم ربما يلوح السياق إلى بعض شأن الأمرين: الرؤيا والشجرة الملعونة فإن ~~الآيات السابقة كانت تصف الناس أن أخراهم كأولاهم وذيلهم كصدرهم في عدم ~~الاعتناء بآيات الله سبحانه وتكذيبها، وأن المجتمعات الإنسانية ذائقون عذاب ~~الله قرية بعد قرية وجيلا بعد جيل بإهلاك أو بعذاب مخوف دون ذلك، والآيات ~~اللاحقة "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" إلخ المشتملة على قصة إبليس وعجيب ~~تسلطه على إغواء بني آدم تجري على سياق الآيات السابقة. # وبذلك يظهر أن الرؤيا والشجرة المشار إليهما في الآية أمران سيظهران على ~~الناس أو هما ظاهران يفتتن بهما الناس فيشيع بهما فيهم الفساد ويتعرق فيهم ~~الطغيان والاستكبار وذيل الآية "ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا" يشير ~~إلى ذلك ويؤيده بل وصدر الآية "وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس". # أضف إلى ذلك أنه تعالى وصف هذه الشجرة التي ذكرها بأنها ملعونة في ~~القرآن، وبذلك يظهر أن القرآن مشتمل على لعنها وأن لعنها بين اللعنات ~~الموجودة في القرآن كما هو ظاهر قوله: "والشجرة الملعونة في القرآن" وقد ~~لعن في القرآن إبليس ولعن فيه اليهود ولعن فيه المشركون ولعن فيه المنافقون ~~ولعن فيه أناس بعناوين أخر كالذين يموتون وهم كفار والذين يكتمون ما أنزل ~~الله والذين يؤذون الله ورسوله إلى غير ذلك. PageV13P073 # وقد جعل الموصوف بهذه اللعنة شجرة، والشجرة كما تطلق على ذي الساق من ~~النبات كذلك تستعمل في الأصل الذي تطلع منه وتنشأ عليه فروع بالنسب أو ~~بالإتباع على أصل اعتقادي، قال في لسان العرب،: ويقال: فلان من شجرة مباركة ~~أي من أصل مبارك. # انتهى. # وقد ورد ذلك في لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا كقوله: أنا وعلي ~~من شجرة ms4847 واحدة، ومن هذا الباب قوله في حديث العباس: عم الرجل صنو أبيه. # 1 وبالتأمل في ذلك يتضح للباحث المتدبر أن هذه الشجرة الملعونة قوم من ~~هؤلاء الملعونين في كلامه لهم صفة الشجرة في النشوء والنمو وتفرع الفروع ~~على أصل له حظ من البقاء والإثمار وهم فتنة تفتتن بها هذه الأمة، وليس يصلح ~~لهذه الصفة إلا طوائف ثلاث من المعدودين وهم أهل الكتاب والمشركون ~~والمنافقون ولبثهم في الناس وبقاؤهم على الولاء إما بالتناسل والتوالد كأهل ~~بيت من الطوائف المذكورة يعيشون بين الناس ويفسدون على الناس دينهم ودنياهم ~~ويفتتن بهم الناس وإما بطلوع عقيدة فاسدة ثم اتباعها على الولاء من خلف بعد سلف. # ولم يظهر من المشركين وأهل الكتاب في زمن الرسول قبل الهجرة وبعدها قوم ~~بهذا النعت، وقد آمن الله الناس من شرهم مستقلين بذلك بمثل قوله النازل في ~~أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون": المائدة: 3 وقد استوفينا البحث عن معنى الآية ~~فيما تقدم. # فالذي يهدي إليه الإمعان في البحث أن المراد بالشجرة الملعونة قوم من ~~المنافقين المتظاهرين بالإسلام يتعرقون بين المسلمين إما بالنسل وإما ~~بالعقيدة والمسلك هم فتنة للناس، ولا ينبغي أن يرتاب في أن في سياق الآية ~~تلويحا بالارتباط بين الفقرتين أعني قوله: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة" وخاصة بعد الإمعان في تقدم قوله: "وإذ ~~قلنا لك إن ربك أحاط بالناس" وتذييل الفقرات جميعا بقوله: "ونخوفهم فما ~~يزيدهم إلا طغيانا كبيرا" فإن ارتباط الفقرات بعضها ببعض ظاهر في أن الآية ~~بصدد الإشارة إلى أمر واحد هو سبحانه محيط به ولا ينفع فيه عظة وتخويف إلا ~~زيادة في الطغيان. # ويستفاد من ذلك أن الشأن هو أن الله سبحانه أرى نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الرؤيا هذه الشجرة الملعونة وبعض أعمالهم في الإسلام ثم بين ~~لرسوله أن ذلك فتنة. # فقوله: "وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس" مقتضى السياق أن المراد ~~بالإحاطة ms4848 الإحاطة العلمية، والظرف متعلق بمحذوف والتقدير واذكر إذ قلنا لك ~~كذا وكذا والمعنى واذكر للتثبت فيما ذكرنا لك في هذه الآيات أن شيمة الناس ~~الاستمرار في الفساد والفسوق واقتداء أخلافهم بأسلافهم في الإعراض عن ذكر ~~الله وعدم الاعتناء بآيات الله، وقتا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس علما وعلم ~~أن هذه السنة ستجري بينهم كما كانت تجري. # وقوله: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ~~في القرآن" محصل معناه على ما تقدم أنه لم نجعل الشجرة الملعونة في القرآن ~~التي تعرفها بتعريفنا، وما أريناك في المنام من أمرهم إلا فتنة للناس ~~وامتحانا وبلاء نمتحنهم ونبلوهم به وقد أحطنا بهم. # وقوله: "ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا" ضميرا الجمع للناس ظاهرا ~~والمراد بالتخويف إما التخويف بالموعظة والبيان أو بالآيات المخوفة التي هي ~~دون الآيات المهلكة المبيدة، والمعنى ونخوف الناس فما يزيدهم التخويف إلا ~~طغيانا ولا أي طغيان كان بل طغيانا كبيرا أي أنهم لا يخافون من تخويفنا حتى ~~ينتهوا عما هم عليه بل يجيبوننا بالطغيان الكبير فهم يبالغون في طغيانهم ~~ويفرطون في عنادهم مع الحق. # وسياق الآية سياق التسلية فالله سبحانه يعزي نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيها بأن الذي أراه من الأمر، وعرفه من الفتن، وقد جرت سنته تعالى ~~على امتحان عباده بالمحن والفتن، وقد اعترف بذلك غير واحد من المفسرين. # ويؤيد جميع ما تقدم ما ورد من طرق أهل السنة واتفقت عليه أحاديث أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) أن المراد بالرؤيا في الآية هي رؤيا رآها النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في بني أمية والشجرة شجرتهم وسيوافيك الروايات في ~~البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. PageV13P074 # وقد ذكر جمع من المفسرين استنادا إلى ما نقل عن ابن عباس أن المراد بالرؤيا ~~التي أراها الله نبيه هو الإسراء، والمراد بالشجرة الملعونة في القرآن شجرة ~~الزقوم، وذكروا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رجع من الإسراء ~~وأصبح أخبر المشركين بذلك فكذبوه واستهزءوا به، وكذلك ms4849 لما سمع المشركون ~~آيات ذكر الله فيها الزقوم كذبوه وسخروا منه فأنزل الله في هذه الآية أن ~~الرؤيا التي أريناك وهي الإسراء وشجرة الزقوم ما جعلناهما إلا فتنة للناس. # ثم لما ورد عليهم أن الرؤيا على ما صرح به أهل اللغة هي ما يراه النائم ~~في منامه والإسراء كان في اليقظة اعتذروا عنه تارة بأن الرؤيا كالرؤية مصدر ~~رأى ولا اختصاص لها بالمنام، وتارة بأن الرؤيا ما يراه الإنسان بالليل سواء ~~فيه النوم واليقظة، وتارة بأنها مشاكلة لتسمية المشركين له رؤيا، وتارة ~~بأنه جار على زعمهم كما سموا أصنامهم آلهة فقد روي أن بعضهم قال للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لما قص عليهم إسراءه لعله شيء رأيته في منامك فسماه ~~الله رؤيا على زعمهم كما قال في الأصنام "آلهتهم"، وتارة بأنه سمي رؤيا ~~تشبيها له بالمنام لما فيها من العجائب أو لوقوعه ليلا أو لسرعته. # وقد أجاب عن ذلك بعضهم أن الإسراء كان في المنام كما روي عن عائشة ~~ومعاوية. # ولما ورد عليهم أيضا أن لا معنى لتسمية الزقوم شجرة ملعونة ولا ذنب ~~للشجرة اعتذروا عنه تارة بأن المراد من لعنها لعن طاعميها على نحو المجاز ~~في الإسناد للدلالة على المبالغة في لعنهم كما قيل وتارة بأن اللعنة بمعنى ~~البعد وهي في أبعد مكان من الرحمة لكونها تنبت في أصل الجحيم، وتارة بأنها ~~جعلت ملعونة لأن طلعها يشبه رءوس الشياطين والشياطين ملعونون، وتارة بأن ~~العرب تسمي كل غذاء مكروه ضار ملعونا. # أما ما ذكروه في معنى الرؤيا فما قيل: إن الرؤيا مصدر مرادف للرؤية أو ~~إنها بمعنى الرؤية ليلا يرده عدم الثبوت لغة ولم يستندوا في ذلك إلى شيء من ~~كلامهم من نظم أو نثر إلا إلى مجرد الدعوى. # وأما قولهم: إن ذلك مشاكلة لتسمية المشركين الإسراء رؤيا أو جرى على ~~زعمهم أنه رؤيا فيجب تنزيه كلامه سبحانه من ذلك البتة فما هي القرينة ~~الدالة على هذه العناية وأنه ليس فيه اعتراف بكونها رؤيا حقيقة؟ ولم يطلق ~~تعالى على ms4850 أصنامهم "آلهة" و"شركاء" وإنما أطلق "آلهتهم" و"شركائهم" فأضافها ~~إليهم والإضافة نعمت القرينة على عدم التسليم، ونظير الكلام جار في ~~اعتذارهم بأنه من تشبيه الإسراء بالرؤيا فالاستعارة كسائر المجازات لا تصح ~~إلا مع قرينة، ولو كانت هناك قرينة لم يستدل كل من قال بكون الإسراء مناميا ~~بوقوع لفظة الرؤيا في الآية بناء على كون الآية ناظرة إلى الإسراء. # وأما قول القائل: إن الإسراء كان في المنام فقد اتضح بطلانه في أول ~~السورة في تفسير آية الإسراء. # وأما المعاذير التي ذكروها تفصيا عن جعل الشجرة ملعونة في القرآن فقولهم: ~~إن حقيقة لعنها لعن طاعميها على طريق المجاز في الإسناد للمبالغة في لعنهم ~~فهو وإن كان كثير النظير في محاورات العامة لكنه مما يجب أن ينزه عنه ساحة ~~كلامه تعالى وإنما هو من دأب جهلة الناس وسفلتهم تراهم إذا أرادوا أن يسبوا ~~أحدا لعنوه بلعن أبيه وأمه وعشيرته مبالغة في سبه، وإذا شتموا رجلا أساءوا ~~ذكر زوجته وبنته وسبوا السماء التي تظله والأرض التي تقله والدار التي ~~يسكنها والقوم الذين يعاشرهم وأدب القرآن يمنعه أن يبالغ في لعن أصحاب ~~النار بلعن الشجرة التي يعذبهم الله بأكل ثمارها. # وقولهم: إن اللعن مطلق الإبعاد مما لم يثبت لغة والذي ذكروه ويشهد به ما ~~ورد من استعماله في القرآن أن معناه الإبعاد من الرحمة والكرامة وما قيل: ~~إنها كما قال الله "شجرة تخرج في أصل الجحيم" فهي في أبعد مكان من الرحمة ~~إن أريدت بالرحمة الجنة فهو قول من غير دليل وإن أريدت به الرحمة المقابلة ~~للعذاب كان لازمه كون الشجرة ملعونة بمعنى الإبعاد من الرحمة والكرامة ~~ومقتضاه كون جهنم وما أعد الله فيها من العذاب وملائكة النار وخزنتها ~~ملعونين مغضوبين مبعدين من الرحمة، وليس شيء منها ملعونا وإنما اللعن ~~والغضب والبعد للمعذبين فيها من الإنس والجن. PageV13P075 # وقولهم: إنها جعلت ملعونة لأن طلعها يشبه رءوس الشياطين والشياطين ملعونون ~~فهو مجاز في الإسناد بعيد من الفهم يرد عليه ما أوردناه على الوجه الأول. # وقولهم: إن العرب تسمي ms4851 كل غذاء مكروه ضار ملعونا فيه استعمال الشجرة ~~وإرادة الثمرة مجازا ثم جعلها ملعونة لكونها مكروهة ضارة أو نسبة اللعن وهو ~~وصف الثمرة إلى الشجرة مجازا وعلى أي حال كونها معنى من معاني اللعن غير ~~ثابت بل الظاهر أنهم يصفونه باللعن بمعناه المعروف والعامة يلعنون كل ما لا ~~يرتضونه من طعام وشراب وغيرهما. # وأما انتساب القول إلى ابن عباس فعلى تقدير ثبوته لا حجية فيه وخاصة مع ~~معارضته لما في حديث عائشة الآتية وغيرها وهو يتضمن تفسير النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ولا يعارضه قول غيره. # وقال في الكشاف، في قوله تعالى: "وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس" واذكر ~~إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش يعني بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم ~~وذلك قوله: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" "قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون" ~~وغير ذلك فجعله كأن قد كان ووجد فقال: "أحاط بالناس" على عادته في إخباره. # وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في العريش ~~مع أبي بكر كان يدعو ويقول: اللهم إني أسألك عهدك ووعدك ثم خرج وعليه الدرع ~~يحرض الناس ويقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر". # ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر: ~~والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومىء إلى الأرض ويقول: هذا مصرع ~~فلان هذا مصرع فلان فتسامعت قريش بما أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من أمر يوم بدر وما أرى في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ~~ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء. # وحين سمعوا بقوله: "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" جعلوها سخرية وقالوا: إن ~~محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول: ينبت فيها الشجر - إلى أن قال ~~- والمعنى أن الآيات إنما يرسل بها تخويفا للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب ~~الدنيا وهو القتل يوم بدر. # انتهى ثم ذكر تفسير الرؤيا في الآية بالإسراء ناسبا له إلى قيل. # وهو ظاهر في أنه لم يرتض تفسير الرؤيا في الآية بالإسراء وإن ms4852 نسب إلى ~~الرواية فعدل عنه إلى تفسيرها برؤيا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقعة ~~بدر قبل وقوعها وتسامع قريش بذلك واستهزاءهم به. # وهو وإن تقصى به عما يلزم تفسيرهم الرؤيا بالإسراء من المحذور لكنه وقع ~~فيما ليس بأهون منه إن لم يكن أشد وهو تفسير الرؤيا بما رجى أن يكون النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يرى في منامه وقعة بدر ومصارع القوم فيها قبل ~~وقوعها ويسخر قريش منه فيجعل فتنة لهم فلا حجة له على ما فسر إلا قوله: ~~"ولعل الله أراه مصارعهم في منامه" وكيف يجترىء على تفسير كلامه تعالى ~~بتوهم أمر لا مستند له ولا حجة عليه من أثر يعول عليه أو دليل من خلال ~~الآيات يرجع إليه. # وذكر بعضهم: أن المراد بالرؤيا رؤيا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~يدخل مكة والمسجد الحرام وهي التي ذكرها الله سبحانه بقوله: "لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا" الآية. # وفيه أن هذه الرؤيا إنما رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ~~الهجرة قبل صلح الحديبية والآية مكية وسنستوفي البحث عن هذه الرؤيا إن شاء ~~الله تعالى. # وذكر بعضهم: أن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن هم اليهود ونسب إلى ~~أبي مسلم المفسر. # وقد تقدم ما يمكن أن يوجه به هذا القول مع ما يرد عليه. # قوله تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ء أسجد ~~لمن خلقت طينا" قال في المجمع،: قال الزجاج: طينا منصوب على الحال بمعنى ~~أنك أنشأته في حال كونه من طين، ويجوز أن يكون تقديره من طين فحذف "من" ~~فوصل الفعل، ومثله قوله: "أن تسترضعوا أولادكم" أي لأولادكم وقيل: إنه ~~منصوب على التميز. # انتهى. # وجوز في الكشاف، كونه حالا من الموصول لا من المفعول "خلقت" كما قاله ~~الزجاج، وقيل: إن الحالية على أي حال خلاف الظاهر لكون "طينا" جامدا. PageV13P076 # وفي الآية تذكير آخر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقصة إبليس وما جرى ~~بينه وبين الله سبحانه من المحاورة عند ما ms4853 عصى أمر السجدة ليتثبت فيما ~~أخبره الله من حال الناس أنهم لم يزالوا على الاستهانة بأمر الله ~~والاستكبار عن الحق وعدم الاعتناء بآيات الله ولن يزالوا على ذلك فليذكر ~~قصة إبليس وما عقد عليه أن يحتنك ذرية آدم وسلطه الله يومئذ على من أطاعه ~~من بني آدم واتبع دعوته ودعوة خيله ورجله ولم يستثن في عقده إلا عباده ~~المخلصين. # فالمعنى: واذكر إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس - ~~فكأنه قيل: فما ذا صنع؟ أو فما ذا قال؟ إذ لم يسجد؟ فقيل: إنه أنكر الأمر ~~بالسجدة وقال أأسجد - والاستفهام للإنكار - لمن خلقته من طين وقد خلقتني من ~~نار وهي أشرف من الطين. # وفي القصة اختصار بحذف بعض فقراتها، والوجه فيه أن السياق اقتضى ذلك فإن ~~الغرض بيان العلل والعوامل المقتضية لاستمرار بني آدم على الظلم والفسوق ~~فقد ذكر أولا أن الأولين منهم لم يؤمنوا بالآيات المقترحة والآخرون بانون ~~على الاقتداء بهم ثم ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن هناك من الفتن ما ~~سيفتنون به ثم ذكره بما قصه عليه من قصة آدم وإبليس وفيها عقد إبليس أن ~~يغوي ذرية آدم وسؤاله أن يسلطه الله عليهم وإجابته تعالى إياه على ذلك في ~~الغاوين فليس بمستبعد أن يميل أكثر الناس إلى سبيل الضلال وينكبوا على ~~الظلم والطغيان والإعراض عن آيات الله وقد أحاطت بهم الفتنة الإلهية من ~~جانب والشيطان بخيله ورجله من جانب. # قوله تعالى: "قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا" الكاف في "أرأيتك" زائدة لا محل لها من الإعراب ~~وإنما تفيد معنى الخطاب كما في أسماء الإشارة، والمراد بقوله: "هذا الذي ~~كرمت علي" آدم (عليه السلام) وتكريمه على إبليس تفضيله عليه بأمره بالسجدة ~~ورجمه حيث أبى. # ومن هنا يظهر أنه فهم التفضيل من أمر السجدة كما أنه اجترى على إرادة ~~إغواء ذريته مما جرى في محاورته تعالى الملائكة من قولهم: "أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء": البقرة: 30، وقد تقدم ms4854 في تفسير الآية ما ينفع هاهنا. # والاحتناك على ما في المجمع، - الاقتطاع من الأصل، يقال: احتنك فلان ما ~~عند فلان من مال أو علم إذا استقصاه فأخذه كله، واحتنك الجراد المزرع إذا ~~أكله كله وقيل: إنه من قولهم: حنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل ~~حبلا يقودها به، والظاهر أن المعنى الأخير هو الأصل في الباب، والاحتناك ~~الإلجام. # والمعنى: قال إبليس بعد ما عصى وأخذه الغضب الإلهي رب أرأيت هذا الذي ~~فضلته بأمري بسجدته ورجمي بمعصيته أقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة وهو مدة ~~مكث بني آدم في الأرض لألجمن ذريته إلا قليلا منهم وهم المخلصون. # قوله تعالى: "قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا" قيل: ~~الأمر بالذهاب ليس على حقيقته وإنما هو كناية عن تخليته ونفسه كما تقول لمن ~~يخالفك: افعل ما تريد، وقيل: الأمر على حقيقته وهو تعبير آخر لقوله في موضع ~~آخر: "اخرج منها فإنك رجيم" والموفور المكمل فالجزاء الموفور الجزاء الذي ~~يوفى كله ولا يدخر منه شيء، ومعنى الآية واضح. # قوله تعالى: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك" إلى ~~آخر الآية الاستفزاز الإزعاج والاستنهاض بخفة وإسراع، والإجلاب كما في ~~المجمع، السوق بجلبة من السائق والجلبة شدة الصوت، وفي المفردات،: أصل ~~الجلب سوق الشيء يقال: جلبت جلبا قال الشاعر: "وقد يجلب الشيء البعيد ~~الجواب" وأجلبت عليه صحت عليه بقهر، قال الله عز وجل: "وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك" انتهى. # والخيل - على ما قيل - الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ويطلق على ~~الفرسان مجازا، والرجل بالفتح فالكسر هو الراجل كحذر وحاذر وكمل وكامل وهو ~~خلاف الراكب، وظاهر مقابلته بالخيل أن يكون المراد به الرجالة وهم غير ~~الفرسان من الجيش. PageV13P077 # فقوله: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" أي استنهض للمعصية من استطعت أن ~~تستنهضه من ذرية آدم - وهم الذين يتولونه منهم ويتبعونه كما ذكره في سورة ~~الحجر - بصوتك، وكأن الاستفزاز بالصوت كناية عن استخفافهم بالوسوسة الباطلة ~~من غير حقيقة، وتمثيل بما يساق الغنم ms4855 وغيره بالنعيق والزجر وهو صوت لا معنى له. # وقوله: "وأجلب عليهم بخيلك ورجلك" أي وصح عليهم لسوقهم إلى معصية الله ~~بأعوانك وجيوشك فرسانهم ورجالتهم وكأنه إشارة إلى أن قبيله وأعوانه منهم من ~~يعمل ما يعمل بسرعة كما هو شأن الفرسان في معركة الحرب ومنهم من يستعمل في ~~غير موارد الحملات السريعة كالرجالة، فالخيل والرجل كناية عن المسرعين في ~~العمل والمبطئين فيه وفيه تمثيل نحو عملهم. # وقوله: "وشاركهم في الأموال والأولاد" الشركة إنما يتصور في الملك ~~والاختصاص ولازمه كون الشريك سهيما لشريكه في الانتفاع الذي هو الغرض من ~~اتخاذ المال والولد فإن المال عين خارجي منفصل من الإنسان وكذا الولد شخص ~~إنساني مستقل عن والديه، ولو لا غرض الانتفاع لم يعتبر الإنسان مالية لمال ~~ولا اختصاص بولد. # فمشاركة الشيطان للإنسان في ماله أو ولده مساهمته له في الاختصاص ~~والانتفاع كأن يحصل المال الذي جعله الله رافعا لحاجة الإنسان الطبيعية من ~~غير حله فينتفع به الشيطان لغرضه والإنسان لغرضه الطبيعي، أو يحصله من طريق ~~الحل لكن يستعمله في غير طاعة الله فينتفعان به معا وهو صفر الكف من رحمة ~~الله وكأن يولد الإنسان من غير طريق حله أو يولد من طريق حله ثم يربيه ~~تربية غير صالحة ويؤدبه بغير أدب الله فيجعل للشيطان سهما ولنفسه سهما، ~~وعلى هذا القياس. # وهذا وجه مستقيم لمعنى الآية وجامع لما ذكره المفسرون في معنى الآية من ~~الوجوه المختلفة كقول بعضهم الأموال والأولاد التي يشارك فيها الشيطان كل ~~مال أصيب من حرام وأخذ من غير حقه وكل ولد زنا كما عن ابن عباس وغيره. # وقول آخر: إن مشاركته في الأموال أنه أمرهم أن يجعلوها سائبة وبحيرة وغير ~~ذلك وفي الأولاد أنهم هودوهم ونصروهم ومجسوهم كما عن قتادة. # وقول آخر: إن كل مال حرام وفرج حرام فله فيه شرك كما عن الكلبي، وقول ~~آخر: إن المراد بالأولاد تسميتهم عبد شمس وعبد الحارث ونحوهما، وقول آخر: ~~هو قتل الموءودة من أولادهم كما عن ابن عباس أيضا، وقول آخر: إن ms4856 المشاركة ~~في الأموال الذبح للآلهة كما عن الضحاك إلى غير ذلك مما روي عن قدماء ~~المفسرين. # وقوله: "وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" أي ما يعدهم إلا وعدا غارا ~~بإظهار الخطإ في صورة الصواب والباطل على هيئة الحق فالغرور مصدر بمعنى اسم ~~الفاعل للمبالغة. # قوله تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا" المراد ~~بعبادي أعم من المخلصين الذين استثناهم إبليس بقوله: "إلا قليلا" بل غير ~~الغاوين من اتباع إبليس كما قال في موضع آخر: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 والإضافة للتشريف. # وقوله: "وكفى بربك وكيلا" أي قائما على نفوسهم وأعمالهم حافظا لمنافعهم ~~متوليا لأمورهم فإن الوكيل هو الكافل لأمور الغير القائم مقامه في تدبيرها ~~وإدارة رحاها، وبذلك يظهر أن المراد به وكالته الخاصة لغير الغاوين من ~~عباده كما مر في سورة الحجر. # وقد تقدمت أبحاث مختلفة حول قصة سجدة آدم نافعة في هذا المقام في مواضع ~~متفرقة من كلامه تعالى كسورة البقرة وسورة الأعراف وسورة الحجر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ~~"وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة" قال: هو الفناء بالموت أو ~~غيره، وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل ~~يوم القيامة" قال: بالقتل والموت أو غيره. # أقول: ولعله تفسير لجميع الآية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وما منعنا أن نرسل بالآيات" الآية قال ~~نزلت في قريش. # قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في الآية: وذلك ~~أن محمدا سأل قومه أن يأتيهم فنزل جبرئيل فقال: إن الله عز وجل يقول: وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات - إلا أن كذب بها الأولون، وكنا إذا أرسلنا إلى قريش ~~آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم فلذلك أخرنا عن قومك الآيات. PageV13P078 # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والنسائي والبزاز وابن جرير وابن المنذر ~~والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ms4857 الدلائل، والضياء في ~~المختارة، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون فقيل له: إن شئت أن ~~نتأنى بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من ~~قبلهم من الأمم قال: لا بل أستأني بهم فأنزل الله. "وما منعنا أن نرسل ~~بالآيات - إلا أن كذب بها الأولون". # أقول: وروي ما يقرب منه بغير واحد من الطرق. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما ~~استجمع ضاحكا حتى مات فأنزل الله: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس". # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أن النبي قال: رأيت ولد الحكم بن أبي ~~العاص على المنابر كأنهم القردة وأنزل الله في ذلك: "وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة" يعني الحكم وولده. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أريت بني أمية على منابر الأرض وسيتملكونكم فتجدونهم ~~أرباب سوء، واهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك فأنزل الله: ~~"وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس". # وفيه، أخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي: أن رسول الله أصبح وهو مهموم ~~فقيل: ما لك يا رسول الله؟ فقال: إني أريت في المنام كان بني أمية يتعاورون ~~منبري هذا فقيل: يا رسول الله لا تهتم فإنها دنيا تنالهم فأنزل الله: "وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس". # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن ~~سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني أمية على ~~المنابر فساءه ذلك فأوحى الله إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرت عينه، وهي ~~قوله: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ms4858 إلا فتنة للناس" يعني بلاء للناس: ~~أقول: ورواه في تفسير البرهان، عن الثعلبي في تفسيره، يرفعه إلى سعيد بن ~~المسيب. # وفي تفسير البرهان، عن كتاب فضيلة الحسين يرفعه إلى أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رأيت في النوم بني الحكم أو بني ~~العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة فأصبح كالمتغيظ فما رؤي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن عائشة: أنها قالت لمروان بن الحكم ~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة ~~الملعونة في القرآن. # وفي مجمع البيان،: رؤيا رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن قرودا ~~تصعد منبره وتنزل وساءه ذلك واغتم:، رواه سهل بن سعيد عن أبيه. ثم قال: وهو ~~المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام)، وقالوا: على هذا التأويل ~~الشجرة الملعونة في القرآن هو بنو أمية. # أقول: وليس من التأويل في شيء بل هو تنزيل كما تقدم بيانه، إلا أن ~~التأويل ربما أطلق في كلامهم على مطلق توجيه المقصود. # وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره، عن عدة من الثقات كزرارة وحمران ~~ومحمد بن مسلم ومعروف بن خربوذ وسلام الجعفي والقاسم بن سليمان ويونس بن ~~عبد الرحمن الأشل وعبد الرحيم القصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) ورواه القمي في تفسيره، مضمرا، ورواه العياشي أيضا عن أبي الطفيل ~~عن علي (عليه السلام). # وفي بعض هذه الروايات أن مع بني أمية غيرهم وقد تقدم ما يهدي إليه البحث ~~في معنى الآية، وقد مر أيضا الروايات في ذيل قوله تعالى: "ومثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة" الآية: إبراهيم: 26 أن الشجرة الخبيثة هي الأفجران من قريش. PageV13P079 # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس: في قوله: "وما جعلنا ms4859 الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس" قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ليلة أسري به إلى بيت المقدس وليست برؤيا منام "والشجرة ~~الملعونة في القرآن" قال: هي شجرة الزقوم. # أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن ابن سعد وأبي يعلى وابن عساكر عن أم هاني، ~~وقد عرفت حال الرواية في الكلام على تفسير الآية. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: "وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك" الآية قال: إن رسول الله أرى أنه دخل مكة هو وأصحابه ~~وهو يومئذ بالمدينة فسار إلى مكة قبل الأجل فرده المشركون فقال أناس: قد رد ~~وقد كان حدثنا أنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم. # أقول: وقد تقدم ما على الرواية في تفسير الآية على أنها تعارض ما تقدمها. # وفي تفسير البرهان، عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد، عن عثمان بن عيسى ~~عن عمر بن أذينة عن سليمان بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله حرم الجنة على كل ~~فحاش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال وما قيل له فإنك إن فتشته لم تجده ~~إلا لغية أو شرك شيطان. فقال رجل. يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان؟ فقال: ~~أوما تقرأ قول الله عز وجل: "وشاركهم في الأموال والأولاد"؟ فقال: من لا ~~يبالي ما قال وما قيل له؟ فقال: نعم من تعرض للناس فقال فيهم وهو يعلم أنهم ~~لا يتركونه فذلك الذي لا يبالي ما قال وما قيل له. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~سألته عن شرك الشيطان: قوله: "وشاركهم في الأموال والأولاد" قال: ما كان من ~~مال حرام فهو شرك الشيطان. قال: ويكون مع الرجل حتى يجامع فيكون من نطفته ~~ونطفة الرجل إذا كان حراما. # أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة، وهي من قبيل ذكر المصاديق، وقد ~~تقدم المعنى الجامع لها. # وما ذكر فيها ms4860 على مشاركته الرجل في الوقاع والنطفة وغير ذلك كناية عن أن ~~له نصيبا في جميع ذلك فهو من التمثيل بما يتبين به المعنى المقصود، ونظائره ~~كثيرة في الروايات. PageV13P080 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 66 - 72 # ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاش إلى البر ~~أعرضتم وكان الانسن كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) ولقد كرمنا بنى ءادم وحملنهم فى البر والبحر ورزقنهم من الطيبت ~~وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعوا كل أناس بإممهم فمن أوتى ~~كتبه بيمينه فأولئك يقرءون كتبهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان فى هذه ~~أعمى فهو فى الاخرة أعمى وأضل سبيلا (72) ### |||| AUTO بيان # الآيات كالمكملة للآيات السابقة تثبت لله سبحانه من استجابة الدعوة وكشف ~~الضر ما نفاه القبيل السابق عن أصنامهم وأوثانهم فإن الآيات السابقة تبتدأ ~~بقوله تعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا" وهذه الآيات تفتتح بقوله: "ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر" إلخ. # وإنما قلنا: هي كالمكملة لبيان الآيات السابقة مع أن ما تحتويه كل من ~~القبلين حجة تامة في مدلولها تبطل إحداهما ألوهية آلهتهم وتثبت الأخرى ~~ألوهية الله سبحانه لافتتاح القبيل الأول بقوله: "قل" دون الثاني وظاهره ~~كون مجموع القبيلين واحدا من الاحتجاج أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بإلقائه إلى المشركين لإلزامهم بالتوحيد. # ويؤيده السياق السابق المبدو بقوله: "قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا" وقد لحقه قوله ثانيا: "وقالوا ء إذا كنا عظاما ~~- إلى أن قال - قل كونوا حجارة أو حديدا". # وقد ختم الآيات بقوله: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم" إلخ فأشار به إلى أن ms4861 ~~هذا الذي يذكر من الهدى والضلالة في الدنيا يلازم الإنسان في الآخرة ~~فالنشأة الأخرى على طبق النشأة الأولى فمن أبصر في الدنيا أبصر في الآخرة، ~~ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. # قوله تعالى: "ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما" الإزجاء على ما في مجمع البيان، سوق الشيء حالا بعد حال فالمراد ~~به إجراء السفن في البحر بإرسال الرياح ونحوه وجعل الماء رطبا مائعا يقبل ~~الجري والخرق، والفلك جمع الفلكة وهي السفينة. # وابتغاء الفضل طلب الرزق فإن الجواد إنما يجود غالبا بما زاد على مقدار ~~حاجة نفسه وفضل الشيء ما زاد وبقي منه ومن ابتدائية، وربما قيل: إنها ~~للتبعيض، وذيل الآية تعليل للحكم بالرحمة، والمعنى ظاهر. # والآية تمهيد لتاليها. # قوله تعالى: "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه" إلى آخر ~~الآية الضر الشدة، ومس الضر في البحر هو خوف الغرق بالإشراف عليه بعصف ~~الرياح وتقاذف الأمواج ونحو ذلك. # وقوله: "ضل من تدعون إلا إياه" المراد بالضلال - على ما ذكروا - الذهاب ~~عن الخواطر دون الخروج عن الطريق وقيل: هو بمعنى الضياع من قولهم: ضل عن ~~فلان كذا أي ضاع عنه ويعود على أي حال إلى معنى النسيان. # والمراد بالدعاء دعاء المسألة دون دعاء العبادة فيعم قوله: "من تدعون" ~~الإله الحق والآلهة الباطلة التي يدعوها المشركون، والاستثناء متصل، ~~والمعنى وإذا اشتد عليكم الأمر في البحر بالإشراف على الغرق نسيتم كل إله ~~تدعونه وتسألونه حوائجكم إلا الله. # وقيل: المراد دعاء العبادة دون المسألة فيختص بمن يعبدونه من دون الله ~~والاستثناء منقطع، والمعنى إذا مسكم الضر في البحر ذهب عن خواطركم الآلهة ~~الذين تعبدونهم لكن الله سبحانه لا يغيب عنكم ولا ينسى. PageV13P081 # والظاهر أن المراد بالضلال معناه المعروف وهو خلاف الهدى والكلام مبني على ~~تمثيل لطيف كأن الإنسان إذا مسه الضر في البحر ووقع في قلبه أن يدعو لكشف ~~ضره قصده آلهته الذين كان يدعوهم ويستمر في دعائهم قبل ms4862 ذلك وأخذوا يسعون ~~نحوه ويتسابقون في قطع الطريق إلى ذكره ليذكرهم ويدعوهم ويستغيث بهم لكنهم ~~جميعا يضلون الطريق ولا ينتهون إلى ذكره فينساهم والله سبحانه مشهود لقلبه ~~حاضر في ذكره يذكره الإنسان عند ذلك فيدعوه وقد كان معرضا عنه فيجيبه ~~وينجيه إلى البر. # وبذلك يظهر أن المراد بالضلال معناه المعروف، وبمن تدعون آلهتهم من دون ~~الله فحسب وأن الاستثناء منقطع والوجه في جعل الاستثناء منقطعا أن الذي ~~يبتني عليه الكلام من معنى التشبيه لا يناسب ساحة قدسه تعالى لتنزهه من ~~السعي والوقوع في الطريق وقطعه ونحو ذلك. # مضافا إلى أن قوله: "فلما نجاكم إلى البر أعرضتم" ظاهر في أن المراد ~~بالدعوة دعاء المسألة وأنهم في البر أي في حالهم العادي غير حال الضر ~~معرضون عنه تعالى لا يدعونه فقوله: "من تدعون" الظاهر في استمرار الدعوة ~~المراد به آلهتهم الذين كانوا يدعونهم فاستثناؤه تعالى استثناء منقطع. # وقوله: "فلما نجاكم إلى البر أعرضتم" أي فلما نجاكم من الغرق وكشف عنكم ~~الضر رادا لكم إلى البر أعرضتم عنه أو عن دعائه وفيه دلالة على أنه تعالى ~~غير مغفول عنه للإنسان في حال وأن فطرته تهديه إلى دعائه في الضراء والسراء ~~والشدة والرخاء جميعا فإن الإعراض إنما يتحقق عن أمر ثابت موجود فقوله: إن ~~الإنسان يدعوه في الضر ويعرض عنه بعد كشفه في معنى أنه مهدي إليه بالفطرة دائما. # وقوله: "وكان الإنسان كفورا" أي إن الكفران من دأب الإنسان من حيث إن له ~~الطبيعة الإنسانية فإنه يتعلق بالأسباب الظاهرية فينسى مسبب الأسباب فلا ~~يشكره تعالى وهو يتقلب في نعمة الظاهرة والباطنة. # وفي تذييل الكلام بهذه الجملة تنبيه على أن إعراض الإنسان عن ربه في غير ~~حال الضر ليس بحال غريزي فطري له حتى يستدل بنسيانه ربه على نفي الربوبية ~~بل هو دأب سيء من الإنسان يوقعه فيه كفران النعمة. # وفي الآية حجة على توحده تعالى في ربوبيته، ومحصله أن الإنسان إذا انقطع ~~عن جميع الأسباب الظاهرية وأيس منها لم ينقطع عن التعلق بالسبب من ms4863 أصله ولم ~~يبطل منه رجاء النجاة من رأس بل رجى النجاة وتعلق قلبه بسبب ما يقدر على ما ~~لا يقدر عليه سائر الأسباب، ولا معنى لهذا التعلق الفطري لو لا أن هناك ~~سببا فوق الأسباب إليه يرجع الأمر كله، وهو الله سبحانه، وليس يصرف الإنسان ~~عنه إلا الاشتغال بزخارف الحياة الدنيا والتعلق بالأسباب الظاهرية والغفلة ~~عما وراءها. # قوله تعالى: "أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا" خسوف القمر استتار قرصه بالظلمة والظل وخسف الله به الأرض ~~أي ستره فيها، والحاصب - كما في المجمع، - الريح التي ترمي بالحصباء والحصى ~~الصغار وقيل: الحاصب الريح المهلكة في البر والقاصف الريح المهلكة في البحر. # والاستفهام للتوبيخ يوبخهم الله تعالى على إعراضهم عن دعائه في البر ~~فإنهم لا مؤمن لهم من مهلكات الحوادث في البر كما لا مؤمن لهم حال مس الضر ~~في البحر إذ لا علم لهم بما سيحدث لهم وعليهم فمن الجائز أن يخسف الله بهم ~~جانب البر أو يرسل عليهم ريحا حاصبا فيهلكهم بذلك ثم لا يجدوا لأنفسهم ~~وكيلا يدفع عنهم الشدة والبلاء ويعيد إليهم الأمن والسلام. # قوله تعالى: "أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى" إلى آخر الآية القصف ~~الكسر بشدة وقاصف الريح هي التي تكسر السفن والأبنية، وقيل: القاصف الريح ~~المهلكة في البحر والتبيع هو التابع يتبع الشيء، وضمير "فيه" للبحر وضمير ~~"به" للغرق أو للإرسال أو لهما معا باعتبار ما وقع ولكل قائل، والآية من ~~تمام التوبيخ. # والمعنى أم هل أمنتم بنجاتكم إلى البر أن يعيدكم الله في البحر تارة أخرى ~~فيرسل عليكم ريحا كاسرة للسفن أو مهلكة فيغرقكم بسبب كفركم ثم لا تجدوا ~~بسبب الإغراق أحدا يتبع الله لكم عليه فيسأله لم فعل هذا بكم؟ ويؤاخذه على ~~ما فعل. # وفي قوله: "ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا" التفات من الغيبة إلى التكلم ~~بالغير وكان النكتة فيه الظهور على الخصم بالعظمة والكبرياء. PageV13P082 # وهو المناسب في المقام، وليكون مع ذلك توطئة ms4864 لما في الآيات التالية من سياق ~~التكلم بالغير. # قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" الآية مسوقة للامتنان مشوبا ~~بالعتاب كأنه تعالى لما ذكر وفور نعمه وتواتر فضله ورحمته على الإنسان ~~وحمله في البحر ابتغاء فضله ورزقه، ورفاه حاله في البر ثم نسيانه لربه ~~وإعراضه عن دعائه إذا نجاه وكشف ضره كفرانا مع أنه متقلب دائما بين نعمه ~~التي لا تحصى نبه على جملة تكريمه وتفضيله ليعلم بذلك مزيد عنايته بالإنسان ~~وكفران الإنسان لنعمه على كثرتها وبلوغها. # وبذلك يظهر أن المراد بالآية بيان حال لعامة البشر مع الغض عما يختص ~~بعضهم من الكرامة الخاصة الإلهية والقرب والفضيلة الروحية المحضة فالكلام ~~يعم المشركين والكفار والفساق وإلا لم يتم معنى الامتنان والعتاب. # فقوله: "ولقد كرمنا بني آدم" المراد بالتكريم تخصيص الشيء بالعناية ~~وتشريفه بما يختص به ولا يوجد في غيره، وبذلك يفترق عن التفضيل فإن التكريم ~~معنى نفسي وهو جعله شريفا ذا كرامة في نفسه، والتفضيل معنى إضافي وهو ~~تخصيصه بزيادة العطاء بالنسبة إلى غيره مع اشتراكهما في أصل العطية، ~~والإنسان يختص من بين الموجودات الكونية بالعقل ويزيد على غيره في جميع ~~الصفات والأحوال التي توجد بينها والأعمال التي يأتي بها. # وينجلي ذلك بقياس ما يتفنن الإنسان به في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه ~~ومنكحه ويأتي به من النظم والتدبير في مجتمعه، ويتوسل إليه من مقاصده ~~باستخدام سائر الموجودات الكونية، وقياس ذلك مما لسائر الحيوان والنبات ~~وغيرهما من ذلك فليس عندها من ذلك إلا وجوه من التصرف ساذجة بسيطة أو قريب ~~من البساطة وهي واقفة في موقفها المحفوظ لها يوم خلقت من غير تغير أو تحول ~~محسوس وقد سار الإنسان في جميع وجوه حياته الكمالية إلى غايات بعيدة ولا ~~يزال يسعى ويرقى. # وبالجملة بنو آدم مكرمون بما خصهم الله به من بين سائر الموجودات الكونية ~~وهو الذي يمتازون به من غيرهم وهو العقل الذي يعرفون به الحق من الباطل ~~والخير من ms4865 الشر والنافع من الضار. # وأما ما ذكره المفسرون أو وردت به الرواية أن الذي كرمهم الله به النطق ~~أو تعديل القامة وامتدادها أو الأصابع يفعلون بها ما يشاءون أو الأكل باليد ~~أو الخط أو حسن الصورة أو التسلط على سائر الخلق وتسخيرهم له أو أن الله ~~خلق أباهم آدم بيده أو أنه جعل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم أو ~~جميع ذلك وما ذكر منها فإنما ذكر على سبيل التمثيل. # فبعضها مما يتفرع على العقل كالخط والنطق والتسلط على غيره من الخلق ~~وبعضها من مصاديق التفضيل دون التكريم وقد تقدم الفرق بينهما، وبعضها خارج ~~عن مدلول الآية كالتكريم بخلق أبيهم آدم (عليه السلام) بيده وجعل محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) منهم فإن ذلك من التكريم الأخروي والتشريف المعنوي ~~الخارج عن مدلول الآية كما تقدم. # وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن التكريم بجميع ذلك وقد أخطأ صاحب روح ~~المعاني حيث قال بعد ذكر الأقوال. # والكل في الحقيقة على سبيل التمثيل ومن ادعى الحصر في واحد كابن عطية حيث ~~قال: إنما التكريم بالعقل لا غيره فقد ادعى غلطا ورام شططا وخالف صريح ~~العقل وصحيح النقل. # انتهى. # ووجه خطأه ظاهر مما تقدم. # وقوله: "وحملناهم في البر والبحر" أي حملناهم على السفن والدواب وغير ذلك ~~يركبونها إلى مقاصدهم وابتغاء فضل ربهم ورزقه وهذا أحد مظاهر تكريمهم. # وقوله: "ورزقناهم من الطيبات" أي من الأشياء التي يستطيبونها من أقسام ~~النعم من الفواكه والثمار وسائر ما يتنعمون به ويستلذونه مما يصدق عليه ~~الرزق، وهذا أيضا أحد مظاهر التكريم فمثل الإنسان في هذا التكريم الإلهي ~~مثل من يدعى إلى الضيافة وهي تكريم ثم يرسل إليه مركوب يركبه للحضور لها ~~وهو تكريم ثم يقدم عليه أنواع الأغذية والأطعمة الطيبة اللذيذة وهو تكريم. # وبذلك يظهر أن عطف قوله: "وحملناهم" إلخ وقوله: "ورزقناهم" إلخ على ~~التكريم من قبيل عطف المصاديق المترتبة على العنوان الكلي المنتزع منها. PageV13P083 # وقوله: "وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" لا يبعد أن يكون المراد ms4866 بمن ~~خلقناهم أنواع الحيوان ذوات الشعور والجن الذي يثبته القرآن فإن الله ~~سبحانه يعد أنواع الحيوان أمما أرضية كالأمة الإنسانية ويجريها مجرى أولي ~~العقل كما قال: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون". # وهذا هو الأنسب بمعنى الآية وقد عرفت أن الغرض منها بيان ما كرم الله به ~~بني آدم وفضلهم على سائر الموجودات الكونية وهي - فيما نعلم - الحيوان ~~والجن وأما الملائكة فليسوا من الموجودات الكونية الواقعة تحت تأثير النظام ~~المادي الحاكم في عالم المادة. # فالمعنى: وفضلنا بني آدم على كثير مما خلقنا وهم الحيوان والجن وأما غير ~~الكثير وهم الملائكة فهم خارجون عن محل الكلام لأنهم موجودات نورية غير ~~كونية ولا داخلة في مجرى النظام الكوني، والآية إنما تتكلم في الإنسان من ~~جهة أنه أحد الموجودات الكونية وقد أنعم عليه بنعم نفسية وإضافية. # وقد تبين مما تقدم: أولا: أن كلا من التكريم والتفضيل في الآية ناظر إلى ~~نوع من الموهبة الإلهية التي أوتيها الإنسان، أما تكريمه فيما يختص بنوعه ~~من الموهبة لا يتعداه إلى غيره وهو العقل الذي يميز به الخير من الشر ~~والنافع من الضار والحسن من القبيح ويتفرع عليه مواهب أخرى كالتسلط على ~~غيره واستخدامه في سبيل مقاصده والنطق والخط وغيره. # وأما تفضيله فبما يزيد به على غيره في الأمور المشتركة بينه وبين غيره ~~كما أن الحيوان يتغذى بما وجده من لحم أو فاكهة أو حب أو عشب ونحو ذلك على ~~وجه ساذج والإنسان يتغذى بذلك ويزيد عليه بما يبدعه من ألوان الغذاء ~~المطبوخ وغير المطبوخ على أنحاء مختلفة وفنون مبتكرة وطعوم مستطابة لذيذة ~~لا تكاد تحصى ولا تزال تزداد نوعا وصنفا، وقس على ذلك الحال في مشربه ~~وملبسه ومسكنه ونكاحه واجتماعه المنزلي والمدني وغير ذلك. # وقال في مجمع البيان،: ومتى قيل: إذا كان معنى التكريم والتفضيل واحدا ~~فما معنى التكرار؟ فجوابه أن قوله: "كرمنا" ينبىء عن الإنعام ولا ينبىء عن ~~التفضل ms4867 فجاء بلفظ التفضيل ليدل عليه، وقيل: إن التكريم يتناول نعم الدنيا ~~والتفضيل يتناول نعم الآخرة، وقيل: إن التكريم بالنعم التي يصح بها ~~التكليف، والتفضل بالتكليف الذي عرضهم به للمنازل العالية. # انتهى. # أما ما ذكره أن التفضيل يدل على نكتة زائدة على مدلول التكريم وهو كونه ~~تفضلا وإعطاء لا عن استحقاق ففيه أنه ممنوع والتفضيل كما يصح لا عن استحقاق ~~من المفضل كذلك يصح عن استحقاق منه لذلك، وأما ما نقله عن غيره فدعوى من ~~غير دليل. # وقال الرازي في تفسيره، في الفرق بينهما: إن الأقرب في ذلك أن يقال: إنه ~~تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل ~~والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم إنه عز وجل عرضه بواسطة ~~العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم ~~والثاني هو التفضيل فكأنه قيل: فضلناهم بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة ~~والزلفى بواسطة ما كرمناهم به من مبادىء ذلك فعليهم أن يشكروا ويصرفوا ما ~~خلق لهم لما خلق له فيوحدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا ويرفضوا ما هم ~~عليه من عبادة غيره انتهى. # ومحصله الفرق بين التكريم والتفضيل بأن الأول إنما هو في الأمور الذاتية ~~أو ما يلحق بها من الغريزيات والثاني في الأمور الاكتسابية وأنت خبير بأن ~~الإنسان وإن وجد فيه من المواهب الإلهية والكمالات الوجودية أمور ذاتية ~~وأمور اكتسابية على ما ذكره لكن اختصاص التكريم بالنوع الأول والتفضيل ~~بالنوع الثاني لا يساعد عليه لغة ولا عرف. # فالوجه ما قدمناه. # وثانيا: أن الآية ناظرة إلى الكمال الإنساني من حيث وجوده الكوني وتكريمه ~~وتفضيله بالقياس إلى سائر الموجودات الكونية الواقعة تحت النظام الكوني ~~فالملائكة الخارجون عن النظام الكوني خارجون عن محل الكلام والمراد بتفضيل ~~الإنسان على كثير ممن خلق تفضيله على غير الملائكة من الموجودات الكونية، ~~وأما الملائكة فوجودهم غير هذا الوجود فلا تعرض لهم في ذلك بوجه. PageV13P084 # وبذلك يظهر فساد ما استدل بعضهم بالآية على كون الملائكة أفضل من الإنسان ~~حتى الأنبياء (عليهم السلام) ms4868 قال: لأن قوله تعالى: "وفضلناهم على كثير ممن ~~خلقنا" يدل على أن هاهنا من لم يفضلهم عليه، وليس إلا الملائكة لأن بني آدم ~~أفضل من كل حيوان سوى الملائكة بالاتفاق. # وجه الفساد: أن الذي تعرضت له الآية إنما هو التفضيل من حيث الوجود ~~الكوني الدنيوي والملائكة غير موجودين بهذا النحو من الوجود، وإلى هذا يرجع ~~ما أجاب به بعضهم أن التفضيل في الآية لم يرد به الثواب لأن الثواب لا يجوز ~~التفضيل به ابتداء، وإنما المراد بذلك ما فضلهم الله به من فنون النعم التي ~~أوتيها في الدنيا. # وأما ما أجابوا عنه بأن المراد بالكثير في الآية الجميع ومن بيانية، ~~والمعنى وفضلناهم على من خلقنا وهم كثير. # ففيه أنه وجه سخيف لا يساعد عليه كلامهم ولا سياق الآية، وما قيل: إنه من ~~قبيل قولهم: بذلت له العريض من جاهي وأبحته المنيع من حريمي ولا يراد به ~~أني بذلت له عريض جاهي ومنعته ما ليس بعريض وأبحته منيع حريمي ولم أبحه ما ~~ليس بمنيع بل المراد بذلت له جاهي الذي من صفته أنه عريض وأبحته حريمي الذي ~~هو منيع، يرده أنه إن أريد بما فسر به المثالان أن العناية في الكلام ~~مصروفة إلى أخذ كل الجاه عريضا وكل الحريم منيعا لم ينقسم الجاه والحريم ~~حينئذ إلى عريض وغير عريض ومنيع وغير منيع ولم ينطبق على مورد الآية المدعى ~~أنه أطلق فيها البعض وأريد به الكل، وإن أريد به أن المعنى بذلت له عريض ~~جاهي فكيف بغير العريض وأبحته المنيع من حريمي فكيف بغير المنيع كان شمول ~~حكم البعض للكل بالأولوية ولم يجز في مورد الآية قطعا. # وربما أجيب عن ذلك بأنا إن سلمنا أن المراد بالكثير غير الملائكة ولفظة ~~من للتبعيض فغاية ما في الباب أن تكون الآية ساكتة عن تفضيل بني آدم على ~~الملائكة وهو أعم من تفضيل الملك على الإنسان لجواز التساوي، ولو سلم أنها ~~تدل على التفضيل فغايته أن تدل على تفضيل جنس الملائكة على جنس بني آدم ms4869 ~~وهذا لا ينافي أن يكون بعض بني آدم أفضل من الملائكة كالأنبياء (عليهم ~~السلام). # والحق كما عرفت أن الآية غير متعرضة للتفضيل من جهة الثواب والفضل ~~الأخروي وبعبارة أخرى هي متعرضة للتفضيل من جهة الوجود الكوني، والمراد ~~بكثير ممن خلقنا غير الملائكة ومن تبعيضية والمراد بمن خلقنا الملائكة ~~وغيرهم من الإنسان والحيوان والجن. # والإنسان مفضل بحسب وجوده الكوني على الحيوان والجن هذا وسيوافيك كلام في ~~معنى تفضيل الإنسان على الملك إن شاء الله. # كلام في الفضل بين الإنسان والملك # اختلف المسلمون في أن الإنسان والملك أيهما أفضل؟ فالمعروف المنسوب إلى ~~الأشاعرة أن الإنسان أفضل والمراد به أفضلية المؤمنين منهم إذ لا يختلف ~~اثنان في أن من الإنسان من هو أضل من الأنعام وهو أهل الجحود منهم فكيف ~~يمكن أن يفضل على الملائكة المقربين؟ وقد استدل عليه بالآية الكريمة: ~~"وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" على أن يكون الكثير بمعنى الجميع كما ~~أومأنا إليه في تفسير الآية وبما ورد من طريق الرواية أن المؤمن أكرم على ~~الله من الملائكة. # وهو المعروف أيضا من مذهب الشيعة، وربما استدلوا عليه بأن الملك مطبوع ~~على الطاعة من غير أن يتأتى منه المعصية لكن الإنسان من جهة اختياره تتساوى ~~نسبته إلى الطاعة والمعصية وقد ركب من قوى رحمانية وشيطانية وتألف من عقل ~~وشهوة وغضب فالإنسان المؤمن المطيع يطيعه وهو غير ممنوع من المعصية بخلاف ~~الملك فهو أفضل من الملك. # ومع ذلك فالقول بأفضلية الإنسان بالمعنى الذي تقدم ليس باتفاقي بينهم فمن ~~الأشاعرة من قال بأفضلية الملك مطلقا كالزجاج ونسب إلى ابن عباس. # ومنهم من قال بأفضلية الرسل من البشر، مطلقا ثم الرسل من الملائكة على من ~~سواهم من البشر والملائكة ثم عامة الملائكة على عامة البشر. # ومنهم من قال بأفضلية الكروبيين من الملائكة مطلقا ثم الرسل من البشر ثم ~~الكمل منهم ثم عموم الملائكة من عموم البشر، كما يقول به الإمام الرازي ~~ونسب إلى الغزالي. # وذهبت المعتزلة إلى أفضلية الملائكة من البشر واستدلوا على ذلك ms4870 بظاهر ~~قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم. PageV13P085 # إلى قوله: "وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" وقد مر تقرير حجتهم في ~~تفسير الآية. # وقد بالغ الزمخشري في التشنيع على القائلين بأفضلية الإنسان من الملك ممن ~~فسر الكثير في الآية بالجميع فقال في الكشاف، في ذيل قوله تعالى: "وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا" هو ما سوى الملائكة وحسب بني آدم تفضيلا أن ترفع عليهم ~~الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله منزلتهم. # والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا حتى جسرتهم عادة المكابرة ~~على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله ~~أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم وعلموا أين أسكنهم؟ وأنى قربهم؟ وكيف نزلهم ~~من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم؟. # ثم جرهم فرط التعصب عليهم إلى أن لفقوا أقوالا وأخبارا منها: قالت ~~الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ~~ذلك فأعطناه في الآخرة فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن ~~قلت له: كن فكان، ورووا عن أبي هريرة أنه قال: المؤمن أكرم على الله من ~~الملائكة الذين عنده. # ومن ارتكابهم أنهم فسروا كثيرا بمعنى جميع في هذه الآية وخذلوا حتى سلبوا ~~الذوق فلم يحسوا ببشاعة قولهم: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا على أن معنى ~~قولهم: على جميع ممن خلقنا أشجى لحلوقهم وأقذى لعيونهم ولكنهم لا يشعرون ~~فانظر في تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة في عداوة الملأ الأعلى كان ~~جبريل (عليه السلام) غاظهم حين أهلك مدائن قوم لوط فتلك السخيمة لا تنحل عن ~~قلوبهم انتهى. # وما أشار إليه من رواية سؤال الملائكة أن يجعل لهم الآخرة كما جعل لبني ~~آدم الدنيا رويت عن ابن عمر وأنس بن مالك وزيد بن أسلم وجابر بن عبد الله ~~الأنصاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظ الأخير قال: لما خلق ~~الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ~~ويركبون الخيل فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله تعالى: لا أجعل ms4871 من ~~خلقته بيدي كمن قلت له: كن فكان. # ومتن الرواية لا يخلو عن شيء فإن الأكل والشرب والنكاح ونحوها في الإنسان ~~استكمالات مادية إنما يلتذ الإنسان بها لما أنه يعالج البقاء لشخصه أو ~~لنوعه بما جهز الله به بنيته المادية والملائكة واجدون في أصل وجودهم كمال ~~ما يتوسل إلى بعضه الإنسان بقواه المادية وأعماله المملة المتعبة منزهون عن ~~مطاوعة النظام المادي الجاري في الكون فمن المحال أن يسألوا ذلك فليسوا ~~بمحرومين حتى يحرصوا على ذلك فيرجوه أو يتمنوه. # ونظير هذا وارد على ما تقدم من استدلالهم على أفضلية الإنسان من الملك ~~بأن وجود الإنسان مركب من القوى الداعية إلى الطاعة والقوى الداعية إلى ~~المعصية فإذا اختار الطاعة على المعصية وانتزع إلى الإسلام والعبودية كانت ~~طاعته أفضل من طاعة الملائكة المفطورين على الطاعة المجبولين على ترك ~~المعصية فهو أكثر قربا وزلفى وأعظم ثوابا وأجرا. # وهذا مبني على أصل عقلائي معتبر في المجتمع الإنساني وهو أن الطاعة التي ~~هي امتثال الخطاب المولوي من أمر ونهي ولها الفضل والشرف على المعصية وبها ~~يستحق الأجر والثواب لو استحق إنما يترتب عليها أثرها إذا كان الإنسان ~~المتوجه إليه الخطاب في موقف يجوز له فيه الفعل والترك متساوي النسبة إلى ~~الجانبين، وكلما كان أقرب إلى المعصية منه إلى الطاعة قوي الأثر والعكس ~~بالعكس فليس يستوي في امتثال النهي عن الزنا مثلا العنين والشيخ الهرم ومن ~~يصعب عليه تحصيل مقدماته والشاب القوي البنية الذي ارتفع عنه غالب موانعه ~~من لا مانع له عنه أصلا إلا تقوى الله فبعض هذه التروك لا يعد طاعة وبعضها ~~طاعة وبعضها أفضل الطاعة على هذا القياس. # ولما كانت الملائكة لا سبيل لهم إلى المعصية لفقدهم غرائز الشهوة والغضب ~~ونزاهتهم عن هوى النفس كان امتثالهم للخطابات المولوية الإلهية أشبه ~~بامتثال العنين والشيخ الهرم لنهي الزنا وكان الفضل للإنسان في طاعته عليهم. PageV13P086 # وفيه أنه لو تم ذلك لم يكن لطاعة الملائكة فضل أصلا إذ لا سبيل لهم إلى ~~المعصية ولا لهم مقام استواء النسبة ms4872 ولم يكن لهم شرف ذاتي وقيمة جوهرية إذ ~~لا شرف على هذا إلا بالطاعة التي تقابلها معصية، وتسمية المطاوعة الذاتية ~~التي لا تتخلف عن الذات طاعة مجاز، ولو كان كذلك لم يكن لقربهم من ربهم ~~موجب ولا لأعمالهم منزلة. # لكن الله سبحانه أقامهم مقام القرب والزلفى وأسكنهم في حظائر القدس ~~ومنازل الإنس، وجعلهم خزان سره وحملة أمره ووسائط بينه وبين خلقه، وهل هذا ~~كله لإرادة منه جزافية من غير صلاحية منهم واستحقاق من ذواتهم؟. # وقد أثنى الله عليهم أجزل الثناء إذ قال فيهم: "بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 وقال: "لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": التحريم: 6 فوصف ذواتهم بالإكرام من غير تقييده ~~بقيد ومدح طاعتهم واستنكافهم عن المعصية. # وقال مادحا لعبادتهم وتذللهم لربهم: "وهم من خشيته مشفقون": الأنبياء - ~~28 وقال: "فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون": حم السجدة - 38 وقال: "واذكر ربك في نفسك إلى أن قال - ولا تكن من ~~الغافلين إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون": ~~الأعراف: 206 فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكره كذكرهم ويعبده ~~كعبادتهم. # وحق الأمر أن كون العمل جائز الفعل والترك ووقوف الإنسان في موقف استواء ~~النسبة ليس في نفسه ملاك أفضلية طاعته بل بما يكشف ذلك عن صفاء طينته وحسن ~~سريرته والدليل على ذلك أن لا قيمة للطاعة مع العلم بخباثة نفس المطيع وقبح ~~سريرته وإن بلغ في تصفية العمل وبذل المجهود فيه ما بلغ كطاعة المنافق ~~ومريض القلب الحابط عمله عند الله الممحوة حسنته عن ديوان الأعمال فصفاء ~~نفس المطيع وجمال ذاته وخلوصه في عبوديته الذي يكشف عنه انتزاعه من العصية ~~إلى الطاعة وتحمله المشاق في ذلك هو الموجب لنفاسة عمله وفضل طاعته. # وعلى هذا فذوات الملائكة ولا قوام لها إلا الطهارة والكرامة ولا يحكم في ~~أعمالهم إلا ذل العبودية وخلوص النية أفضل من ذات الإنسان المتكدرة بالهوى ~~المشوبة بالغضب ms4873 والشهوة وأعماله التي قلما تخلو عن خفايا الشرك وشآمة النفس ~~ودخل الطبع. # فالقوام الملكي أفضل من القوام الإنساني والأعمال الملكية الخالصة لوجه ~~الله أفضل من أعمال الإنسان وفيها لون قوامه وشوب من ذاته، والكمال الذي ~~يتوخاه الإنسان لذاته في طاعته وهو الثواب أوتيه الملك في أول وجوده كما ~~تقدمت الإشارة إليه. # نعم لما كان الإنسان إنما ينال الكمال الذاتي تدريجا بما يحصل لذاته من ~~الاستعداد سريعا أو بطيئا كان من المحتمل أن ينال عن استعداده مقاما من ~~القرب وموطنا من الكمال فوق ما قد ناله الملك ببهاء ذاته في أول وجوده، ~~وظاهر كلامه تعالى يحقق هذا الاحتمال. # كيف وهو سبحانه يذكر في قصة جعل الإنسان خليفة في الأرض فضل الإنسان ~~واحتماله لما لا يحتمله الملائكة من العلم بالأسماء كلها، وأنه مقام من ~~الكمال لا يتداركه تسبيحهم بحمده وتقديسهم له، ويطهره مما سيظهر منه من ~~الفساد في الأرض وسفك الدماء كما قال: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" إلى آخر الآيات: البقرة: 30 33 وقد ~~فصلنا القول في ذلك في ذيل الآيات في الجزء الأول من الكتاب. # ثم ذكر سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم ثم سجودهم له جميعا فقال: "فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون": الحجر: 30 وقد أوضحنا في تفسير الآيات في القصة في ~~سورة الأعراف أن السجدة إنما كان خضوعا منهم لمقام الكمال الإنساني ولم يكن ~~آدم (عليه السلام) إلا قبلة لهم ممثلا للإنسانية قبال الملائكة. # فهذا ما يفيده ظاهر كلامه تعالى، وفي الأخبار ما يؤيده، وللبحث جهة عقلية ~~يرجع فيها إلى مظانه. PageV13P087 # قوله تعالى: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم" اليوم يوم القيامة والظرف متعلق ~~بمقدر أي اذكر يوم كذا، والإمام المقتدى وقد سمى الله سبحانه بهذا الاسم ~~أفرادا من البشر يهدون الناس بأمر الله كما في قوله: "قال إني جاعلك للناس ~~إماما": البقرة: 124 وقوله: "وجعلناهم أئمة يهدون ms4874 بأمرنا": الأنبياء: 73 ~~وأفرادا آخرين يقتدى بهم في الضلال كما في قوله: "فقاتلوا أئمة الكفر: ~~التوبة: 12 وسمى به أيضا التوراة كما في قوله: "ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة": هود: 17، وربما استفيد منه أن الكتب السماوية المشتملة على الشريعة ~~ككتاب نوح وإبراهيم وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا أئمة. # وسمى به أيضا اللوح المحفوظ كما هو ظاهر قوله تعالى: "وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين": يس: 12 ولما كان ظاهر الآية أن لكل طائفة من الناس إماما غير ~~ما لغيرها فإنه المستفاد من إضافة الإمام إلى الضمير الراجع إلى كل أناس لم ~~يصلح أن يكون المراد بالإمام في الآية اللوح لكونه واحدا لا اختصاص له ~~بأناس دون أناس. # وأيضا ظاهر الآية أن هذه الدعوة تعم الناس جميعا من الأولين والآخرين وقد ~~تقدم في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب": البقرة: 213 أن أول الكتب السماوية المشتملة ~~على الشريعة هو كتاب نوح (عليه السلام) ولا كتاب قبله في هذا الشأن وبذلك ~~يظهر عدم صلاحية كون الإمام في الآية مرادا به الكتاب وإلا خرج من قبل نوح ~~من شمول الدعوة في الآية. # فالمتعين أن يكون المراد بإمام كل أناس من يأتمون به في سبيلي الحق ~~والباطل كما تقدم أن القرآن يسميهما إمامين أو إمام الحق خاصة وهو الذي ~~يجتبيه الله سبحانه في كل زمان لهداية أهله بأمره نبيا كان كإبراهيم ومحمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أو غير نبي، وقد تقدم تفصيل الكلام فيه في تفسير ~~قوله: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ~~ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين": البقرة: 124. # لكن المستفاد من مثل قوله في فرعون وهو من أئمة الضلال: "يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار": هود: 98، وقوله: "ليميز الله الخبيث من الطيب ~~ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم": الأنفال: 37 ~~وغيرهما من الآيات وهي، كثيرة أن أهل ms4875 الضلال لا يفارقون أولياءهم المتبوعين ~~يوم القيامة، ولازم ذلك أن يصاحبوهم في الدعوة والإحضار. # على أن قوله: "بإمامهم" مطلق لم يقيد بالإمام الحق الذي جعله الله إماما ~~هاديا بأمره، وقد سمى مقتدى الضلال إماما كما سمى مقتدى الهدى إماما وسياق ~~ذيل الآية والآية الثانية أيضا مشعر بأن الإمام المدعو به هو الذي اتخذه ~~الناس إماما واقتدوا به في الدنيا لا من اجتباه الله للإمامة ونصبه للهداية ~~بأمره سواء اتبعه الناس أو رفضوه. # فالظاهر أن المراد بإمام كل أناس في الآية من ائتموا به سواء كان إمام حق ~~أو إمام باطل، وليس كما يظن أنهم ينادون بأسماء أئمتهم فيقال: يا أمة ~~إبراهيم ويا أمة محمد ويا آل فرعون ويا آل فلان فإنه لا يلائمه ما في الآية ~~من التفريع أعني قوله: "فمن أوتي كتابه بيمينه" "ومن كان في هذه أعمى" إلخ ~~إذ لا تفرع بين الدعوة بالإمام بهذا المعنى وبين إعطاء الكتاب باليمين أو العمى. # بل المراد بالدعوة - على ما يعطيه سياق الذيل - هو الإحضار فهم محضرون ~~بإمامهم ثم يأخذ من اقتدى بإمام حق كتابه بيمينه ويظهر عمى من عمي عن معرفة ~~الإمام الحق في الدنيا واتباعه، هذا ما يعطيه التدبر في الآية. # وللمفسرين في تفسير الإمام في الآية مذاهب شتى مختلفة: منها: أن المراد ~~بالإمام الكتاب الذي يؤتم به كالتوراة والإنجيل والقرآن فينادي يوم القيامة ~~يا أهل التوراة ويا أهل الإنجيل ويا أهل القرآن، وقد تقدم بيانه وبيان ما ~~يرد عليه. # ومنها: أن المراد بالإمام النبي لمن كان على الحق والشيطان وإمام الضلال ~~لمبتغي الباطل فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي ~~محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوهم فيعطون كتب أعمالهم بأيمانهم ثم يقال: ~~هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلال. PageV13P088 # وفيه أنه مبني على أخذ الإمام في الآية بمعناه العرفي وهو من يؤتم به من ~~العقلاء، ولا سبيل إليه مع وجود معنى خاص له في عرف القرآن وهو الذي يهدي ~~بأمر الله والمؤتم به في الضلال. # ومنها: ms4876 أن المراد كتاب أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب ~~كتاب الشر ووجه كونه إماما بأنهم متبعون لما يحكم به من جنة أو نار. # وفيه أنه لا معنى لتسمية كتاب الأعمال إماما وهو يتبع عمل الإنسان من خير ~~أو شر فإن يسمى تابعا أولى به من أن يسمى متبوعا، وأما ما وجه به أخيرا ~~ففيه أن المتبع من الحكم ما يقضي به الله سبحانه بعد نشر الصحف والسؤال ~~والوزن والشهادة وأما الكتاب فإنما يشتمل على متون أعمال الخير والشر من ~~غير فصل القضاء. # ومنه يظهر أن ليس المراد بالإمام اللوح المحفوظ ولا صحيفة عمل الأمة وهي ~~التي يشير إليها قوله: "كل أمة تدعى إلى كتابها": الجاثية: 28 لعدم ملائمته ~~قوله ذيلا: "فمن أوتي كتابه بيمينه" الظاهر في الفرد دون الجماعة. # ومنها: أن المراد به الأمهات - بجعل إمام جمعا لأم فيقال: يا ابن فلانة ~~ولا يقال يا ابن فلان، وقد رووا فيه رواية. # وفيه أنه لا يلائم لفظ الآية فقد قيل: "ندعوا كل أناس بإمامهم" ولم يقل ~~ندعو الناس بإمامهم أو ندعو كل إنسان بأمه ولو كان كما قيل لتعين أحد ~~التعبيرين الأخيرين وما أشير إليه من الرواية على تقدير صحتها وقبولها ~~رواية مستقلة غير واردة في تفسير الآية. # على أن جمع الأم بالإمام لغة نادرة لا يحمل على مثلها كلامه تعالى وقد عد ~~في الكشاف هذا القول من بدع التفاسير. # ومنها: أن المراد به المقتدى به والمتبع عاقلا كان أو غيره حقا كان أو ~~باطلا كالنبي والولي والشيطان ورؤساء الضلال والأديان الحقة والباطلة ~~والكتب السماوية وكتب الضلال والسنن الحسنة والسيئة، ولعل دعوة كل أناس ~~بإمامهم على هذا الوجه كناية عن ملازمة كل تابع يوم القيامة لمتبوعه، ~~والباء للمصاحبة. # وفيه ما أوردناه على القول بأن المراد به الأنبياء ورؤساء الضلال فالحمل ~~على المعنى اللغوي إنما يحسن فيما لم يكن للقرآن فيه عرف، وقد عرفت أن ~~الإمام في عرف القرآن هو الذي يهدي بأمر الله أو المقتدى في الضلال ومن ~~الممكن ms4877 أن يكون الباء في "بإمامهم" للآلة فافهم ذلك. # على أن هداية الكتاب والسنة والدين وغير ذلك بالحقيقة ترجع إلى هداية ~~الإمام وكذا النبي إنما يهدي بما أنه إمام يهدي بأمر الله، وأما من حيث ~~إنبائه عن معارف الغيب أو تبليغه ما أرسل به فإنما هو نبي أو رسول وليس ~~بإمام، وكذا إضلال المذاهب الباطلة وكتب الضلال والسنن المبتدعة بالحقيقة ~~إضلال مؤسسيها والمبتدعين بها. # قوله تعالى: "فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون ~~فتيلا" الفتيل هو المفتول الذي في شق النواة، وقيل: الفتيل هو الذي في بطن ~~النواة والنقير في ظهرها والقطمير شق النواة. # وتفريع التفصيل على دعوتهم بإمامهم دليل على أن ائتمامهم هو الموجب ~~لانقسامهم إلى قسمين وتفرقهم فريقين: من أوتي كتابه بيمينه ومن كان أعمى ~~وأضل سبيلا فالإمام إمامان: إمام هدى وإمام ضلال، وهذا هو الذي قدمناه أن ~~تفريع التفصيل يشهد بكون المراد بالإمام أعم من إمام الهدى. # ويشهد به أيضا تبديل إيتاء الكتاب بالشمال أو من وراء الظهر كما وقع في ~~غير هذا الموضع من قوله: "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى" إلخ. # والمعنى - بإعانة من السياق - فيتفرقون حينئذ فريقين فالذين أعطوا صحيفة ~~أعمالهم بأيمانهم فأولئك يقرءون كتابهم فرحين مستبشرين مسرورين بالسعادة ~~ولا يظلمون مقدار فتيل بل يوفون أجورهم تامة كاملة. # قوله تعالى: "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا" ~~المقابلة بين قوليه: "في هذه" و"في الآخرة" دليل على أن الإشارة بهذه إلى ~~الدنيا كما أن كون الآية مسوقة لبيان التطابق بين الحياة الدنيا والآخرة ~~دليل على أن المراد بعمى الآخرة عمى البصيرة كما أن المراد بعمى الدنيا ذلك ~~قال تعالى: "إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" ويؤيد ~~ذلك أيضا تعقيب عمى الآخرة بقوله: "وأضل سبيلا". PageV13P089 # والمعنى: ومن كان في هذه الحياة الدنيا لا يعرف الإمام الحق ولا يسلك سبيل ~~الحق فهو في الحياة الآخرة لا يجد السعادة والفلاح ولا يهتدي إلى المغفرة ~~والرحمة. # وبما ms4878 تقدم يتبين ما في قول بعضهم: إن الإشارة بقوله: "في هذه" إلى النعم ~~المذكورة والمعنى ومن كان في هذه النعم التي رزقها أعمى لا يعرفها ولا يشكر ~~الله على ما أنعمها فهو في الآخرة أعمى. # وكذا ما ذكره بعضهم أن المراد بعمى الدنيا عمى البصيرة وبعمى الآخرة عمى ~~البصر، وقد تقدم وجه الفساد على أن عمى البصر في الآخرة ربما رجع إلى عمى ~~البصيرة لقوله تعالى: "يوم تبلى السرائر". # وظاهر بعض المفسرين أن الأعمى الثاني في الآية تفيد معنى التفضيل حيث ~~فسره أنه في الآخرة أشد عمى وأضل سبيلا والسياق يساعده على ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في أمالي الشيخ، بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه (عليه السلام): في قوله: ~~"ولقد كرمنا بني آدم" يقول: فضلنا بني آدم على سائر الخلق "وحملناهم في ~~البر والبحر" يقول: على الرطب واليابس "ورزقناهم من الطيبات" يقول: من ~~طيبات الثمار كلها "وفضلناهم" يقول: ليس من دابة ولا طائر إلا هي تأكل ~~وتشرب بفيها لا ترفع يدها إلى فيها طعاما ولا شرابا غير ابن آدم فإنه يرفع ~~إلى فيه بيده طعامه فهذا من التفضيل. # وفي تفسير العياشي، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): "وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا" قال: خلق كل شيء منكبا غير الإنسان خلق منتصبا. # أقول: وما في الروايتين من قبيل ذكر بعض المصاديق والدليل عليه قوله في ~~آخر الرواية الأولى: فهذا من التفضيل. # وفيه، عن الفضيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم" قال: يجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~قومه، وعلي (عليه السلام) في قومه والحسن في قومه والحسين في قومه وكل من ~~مات بين ظهراني إمام جاء معه. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الصادق (عليه السلام): ألا تحمدون ~~الله؟ أنه إذا كان يوم القيامة يدعى كل قوم إلى من يتولونه، وفزعنا إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفزعتم أنتم إلينا: أقول: ورواه في ~~المجمع، ms4879 عنه (عليه السلام) وفيه دلالة على أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إمام الأئمة كما أنه شهيد الشهداء وأن حكم الدعوة بالإمام جار ~~بين الأئمة أنفسهم. # وفي مجمع البيان، روى الخاص والعام عن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ~~بالأسانيد الصحيحة أنه روى عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أنه قال فيه: يدعى كل أناس بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم: أقول: ~~ورواه في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عنه عن آبائه عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بلفظه وقد أسنده أيضا إلى رواية الخاص والعام. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم" قال: يدعى كل قوم بإمام ~~زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم. # وفي تفسير العياشي، عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~لا يترك الأرض بغير إمام يحل حلال الله ويحرم حرامه، وهو قول الله: "يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم" ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. # الحديث. # أقول: ووجه الاحتجاج بالآية عموم الدعوة فيها لجميع الناس. # وفيه، عن إسماعيل بن همام عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: ~~"يوم ندعوا كل أناس بإمامهم" قال: إذا كان يوم القيامة قال الله: أليس ~~العدل من ربكم أن يولوا كل قوم من تولوا؟ قالوا: بلى قال: فيقول: تميزوا ~~فيتميزون. # أقول: وفيه تأييد لما قدمنا أن المراد بالدعوة بالإمام إحضارهم معه دون ~~النداء بالاسم، والروايات في المعاني السابقة كثيرة. # وفي تفسير القمي: في قوله تعالى: "ولا يظلمون فتيلا" قال: قال: الجلدة ~~التي في ظهر النواة. PageV13P090 # وفي تفسير العياشي، عن المثنى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله أبو ~~بصير وأنا أسمع فقال له: رجل له مائة ألف فقال: العام أحج العام أحج حتى ~~يجيئه الموت فحجبه البلاء ولم يحج حج الإسلام فقال: يا با بصير ms4880 أوما سمعت ~~قول الله. "من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا؟ عمي عن ~~فريضة من فرائض الله. PageV13P091 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 73 - 81 # وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) ولو لا أن ثبتنك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقنك ~~ضعف الحيوة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ليستفزونك ~~من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا (76) سنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) أقم الصلوة لدلوك الشمس ~~إلى غسق اليل وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا (78) ومن اليل فتهجد ~~به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) وقل رب أدخلنى مدخل صدق ~~وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطنا نصيرا (80) وقل جاء الحق وزهق ~~البطل إن البطل كان زهوقا (81) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات بعض مكر المشركين بالقرآن وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~- بعد ما ذمتهم على تماديهم في إنكار التوحيد والمعاد واحتجت عليهم في ذلك ~~- حيث أرادوا أن يفتنوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بعض ما أوحي ~~إليه ليداهنهم فيه بعض المداهنة، وأرادوا أن يخرجوه من مكة. # وقد أوعد الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشد الوعيد إن مال إلى ~~الركون إليهم بعض الميل، وأوعدهم أن أخرجوا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالهلاك. # وفي الآيات إيصاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلوات والالتجاء ~~بربه في مدخله ومخرجه وإعلام ظهور الحق. # قوله تعالى: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا" إن مخففة بدليل اللام في "ليفتنونك" والفتنة الإزلال ~~والصرف، والخليل من الخلة بمعنى الصداقة وربما قيل: هو من الخلة بمعنى ~~الحاجة وهو بعيد. # وظاهر السياق أن المراد بالذي أوحينا إليك القرآن بما يشتمل عليه من ~~التوحيد ونفي الشريك والسيرة الصالحة وهذا يؤيد ما ورد في بعض أسباب النزول ~~أن المشركين سألوا النبي (صلى ms4881 الله عليه وآله وسلم) أن يكف عن ذكر آلهتهم ~~بسوء ويبعد عن نفسه عبيدهم المؤمنين به والسقاط حتى يجالسوه ويسمعوا منه ~~فنزلت الآيات. # والمعنى: وإن المشركين اقتربوا أن يزلوك ويصرفوك عما أوحينا إليك لتتخذ ~~من السيرة والعمل ما يخالفه فيكون في ذلك افتراء علينا لانتسابه بعملك ~~إلينا وإذا لاتخذوك صديقا. # قوله تعالى: "ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا" التثبيت - ~~كما يفيده السياق - هو العصمة الإلهية وجعل جواب لو لا قوله: "لقد كدت ~~تركن" دون نفس الركون والركون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل دليل على أنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يركن ولم يكد، ويؤكده إضافة الركون إليهم دون ~~إجابتهم إلى ما سألوه. # والمعنى: ولو لا أن ثبتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلا لكنا ~~ثبتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم فضلا من أن تجيبهم إلى ما سألوا فهو ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجبهم إلى ما سألوا ولا مال إليهم شيئا قليلا ~~ولا كاد أن يميل. # قوله تعالى: "إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا" سياق الآية سياق توعد فالمراد بضعف الحياة والممات المضاعف من عذاب ~~الحياة والممات، والمعنى لو قارنت أن تميل إليهم بعض الميل لأذقناك الضعف ~~من العذاب الذي نعذب به المجرمين في حياتهم والضعف مما نعذبهم به في مماتهم ~~أي ضعف عذاب الدنيا والآخرة. # ونقل في المجمع، عن أبان بن تغلب أن المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه ~~والمعنى لأذقناك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وأنشد قول الشاعر: لمقتل مالك ~~إذ بان. # مني. # أبيت الليل في ضعف أليم. # أي في عذاب أليم. # وما في ذيل الآية من قوله: "ثم لا تجد لك علينا نصيرا" تشديد في الإيعاد ~~أي إن العذاب واقع حينئذ لا مخلص منه. PageV13P092 # قوله تعالى: "وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا" الاستفزاز الإزعاج والتحريك بخفة وسهولة، واللام في ~~"الأرض" للعهد والمراد بها مكة، والخلاف بمعنى ms4882 بعد، والمراد بالقليل اليسير ~~من الزمان. # والمعنى وإن المشركين قاربوا أن يزعجوك من أرض مكة لإخراجك منها ولو كان ~~منهم وخرجت منها لم يمكثوا بعدك فيها إلا قليلا فهم هالكون لا محالة. # وقيل: هؤلاء الذين كادوا يستفزونه هم اليهود أرادوا أن يخرجوه من المدينة ~~وقيل: المراد المشركون واليهود أرادوا جميعا أن يخرجوه من أرض العرب. # ويبعد ذلك أن السورة مكية والآيات ذات سياق واحد وابتلاء النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) باليهود إنما كان بالمدينة بعد الهجرة. # قوله تعالى: "سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا" ~~التحويل نقل الشيء من حال، إلى حال، وقوله: "سنة" أي كسنة من قد أرسلنا وهو ~~متعلق بقوله: "لا يلبثون" أي لا يلبثون بعدك إلا قليلا كسنة من قد أرسلنا ~~قبلك من رسلنا. # وهذه السنة وهي إهلاك المشركين الذين أخرجوا رسولهم من بلادهم وطردوه من ~~بينهم سنة لله سبحانه، وإنما نسبها إلى رسله لأنها مسنونة لأجلهم بدليل ~~قوله بعد: "ولا تجد لسنتنا تحويلا" وقد قال تعالى: "وقال الذين كفروا ~~لرسلهم ليخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظالمين": إبراهيم: 13. # والمعنى: وإذا نهلكهم لسنتنا التي سنناها لأجل من قد أرسلنا قبلك من ~~رسلنا وأجريناها ولست تجد لسنتنا تحويلا وتبديلا. # قوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا" قال في مجمع البيان،: الدلوك الزوال، وقال المبرد: دلوك ~~الشمس من لدن زوالها إلى غروبها، وقيل: هو الغروب وأصله من الدلك فسمي ~~الزوال دلوكا لأن الناظر إليها يدلك عينيه لشدة شعاعها، وسمي الغروب دلوكا ~~لأن الناظر يدلك عينيه ليثبتها. # انتهى. # وقال فيه: غسق الليل ظهور ظلامه يقال: غسقت القرحة إذا انفجرت فظهر ما فيها. # انتهى، وفي المفردات،: غسق الليل شدة ظلمته. # انتهى. # وقد اختلف المفسرون في تفسير صدر الآية والمروي عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) من طرق الشيعة تفسير دلوك الشمس بزوالها وغسق الليل بمنتصفه، ~~وسيجيء الإشارة إلى الروايات في البحث الروائي ms4883 الآتي إن شاء الله. # وعليه فالآية تشمل من الوقت ما بين زوال الشمس ومنتصف الليل، والواقع في ~~هذا المقدار من الوقت من الفرائض اليومية أربع صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء الآخرة. # وبانضمام صلاة الصبح المدلول عليها بقوله: "وقرآن الفجر" إلخ إليها تتم ~~الصلوات الخمس اليومية. # وقوله: "وقرآن الفجر" معطوف على الصلاة أي وأقم قرآن الفجر والمراد به ~~صلاة الصبح لما تشتمل عليه من القرائة وقد اتفقت الروايات على أن صلاة ~~الصبح هي المراد بقرآن الفجر. # وكذا اتفقت الروايات من طرق الفريقين على تفسير قوله ذيلا: "إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا" بأنه يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وسنشير إلى بعض ~~هذه الروايات عن قريب إن شاء الله. # قوله تعالى: "ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا" التهجد من الهجود وهو النوم في الأصل ومعنى التهجد التيقظ والسهر ~~بعد النوم على ما ذكره غير واحد منهم، والضمير في "به" للقرآن أو للبعض ~~المفهوم من قوله: "ومن الليل" والنافلة من النفل وهو الزيادة، وربما قيل: ~~إن قوله: "ومن الليل" من قبيل الإغراء نظير قولنا: عليك بالليل، والفاء في ~~قوله: "فتهجد به" نظير قوله: "فإياي فارهبون": النحل: 51. # والمعنى: وأسهر بعض الليل بعد نومتك بالقرآن - وهو الصلاة - حال كونها ~~صلاة زائدة لك على الفريضة. # وقوله: "عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا" من الممكن أن يكون المقام مصدرا ~~ميميا وهو البعث فيكون مفعولا مطلقا ليبعثك من غير لفظه، والمعنى عسى أن ~~يبعثك ربك بعثا محمودا، ومن الممكن أن يكون اسم مكان والبعث بمعنى الإقامة ~~أو مضمنا معنى الإعطاء ونحوه، والمعنى عسى أن يقيمك ربك في مقام محمود أو ~~يبعثك معطيا لك مقاما محمودا أو يعطيك باعثا مقاما محمودا. PageV13P093 # وقد وصف سبحانه مقامه بأنه محمود وأطلق القول من غير تقييد وهو يفيد أنه ~~مقام يحمده الكل ولا يثني عليه الكل إلا إذا استحسنه الكل وانتفع به الجميع ~~ولذا فسروا المقام المحمود بأنه المقام الذي يحمده عليه جميع الخلائق وهو ~~مقام الشفاعة الكبرى ms4884 له (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة وقد اتفقت ~~على هذا التفسير الروايات من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام). # قوله تعالى: "وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا" المدخل بضم الميم وفتح الخاء مصدر ميمي بمعنى الإدخال ونظيره ~~المخرج بمعنى الإخراج، والعناية في إضافة الإدخال والإخراج إلى الصدق أن ~~يكون الدخول والخروج في كل أمر منعوتا بالصدق جاريا على الحقيقة من غير أن ~~يخالف ظاهره باطنه أو يضاد بعض أجزائه بعضا كأن يدعو الإنسان بلسانه إلى ~~الله وهو يريد بقلبه أن يسود الناس أو يخلص في بعض دعوته لله ويشرك في ~~بعضها غيره. # وبالجملة هو أن يرى الصدق في كل مدخل منه ومخرج ويستوعب وجوده فيقول ما ~~يفعل ويفعل ما يقول ولا يقول ولا يفعل إلا ما يراه ويعتقد به، وهذا مقام ~~الصديقين. # ويرجع المعنى إلى نحو قولنا: اللهم تول أمري كما تتولى أمر الصديقين. # وقوله: "واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا" أي سلطنة بنصرتي على ما أهم به ~~من الأمور وأشتغل به من الأعمال فلا أغلب في دعوتي بحجة باطلة، ولا أفتتن ~~بفتنة أو مكر يمكرني به أعداؤك ولا أضل بنزغ شيطان ووسوسته. # والآية - كما ترى - مطلقة تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل ~~ربه أن يتولى أمره في كل مدخل ومخرج بالصدق ويجعل له سلطانا من عنده ينصره ~~فلا يزيغ في حق ولا يظهر بباطل فلا وجه لما ذكره بعض المفسرين أن المراد ~~بالدخول والخروج دخول المدينة بالهجرة والخروج منها إلى مكة للفتح أو أن ~~المراد بهما دخول القبر بالموت والخروج منه بالبعث. # نعم لما كانت الآية بعد قوله: "وإن كادوا ليفتنونك" "وإن كادوا ~~ليستفزونك" وفي سياقهما، لوحت إلى أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يلتجىء إلى ربه في كل أمر يهم به أو يشتغل به من أمور الدعوة، وفي الدخول ~~والخروج في كل مكان يسكنه أو يدخله ms4885 أو يخرج منه وهو ظاهر. # قوله تعالى: "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" قال في ~~المجمع،: الزهوق هو الهلاك والبطلان يقال: زهقت نفسه إذا خرجت فكأنها قد ~~خرجت إلى الهلاك. # انتهى والمعنى ظاهر. # وفي الآية أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعلام ظهور الحق وهو لوقوع ~~الآية في سياق ما مر من قوله: "وإن كادوا ليفتنونك" إلى آخر الآيات أمر ~~بإياس المشركين من نفسه وتنبيههم أن يوقنوا أن لا مطمع لهم فيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفي الآية دلالة على أن الباطل لا دوام له كما قال تعالى في موضع آخر: ~~"ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار": ~~إبراهيم: 26. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في سبب نزول قوله تعالى: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك" الآيات أنهم قالوا له: كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا واطرد هؤلاء ~~العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان حتى نجالسك ونسمع منك فطمع في ~~إسلامهم فنزلت الآية: أقول: وروي في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن نفير ما يقرب منه:. # وأما ما روي عن ابن عباس: أن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالا من ~~قريش أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: تعال فاستلم آلهتنا ~~وندخل معك في دينك وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشتد عليه ~~فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم فأنزل الله: "وإن كادوا ليفتنونك إلى قوله ~~نصيرا" فلا يلائم ظاهر الآيات حيث تنفي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يقارب الركون فضلا عن الركون. # وكذا ما رواه الطبري وابن مردويه عن ابن عباس: أن ثقيفا قالوا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أجلنا سنة حتى يهدي لآلهتنا فإذا قبضنا الذي يهدي ~~للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة فهم أن يؤجلهم فنزلت: "وإن كادوا ~~ليفتنونك" الآية. PageV13P094 # وكذا ما في تفسير العياشي، عن أبي يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام): ms4886 في ~~الآية قال: لما كان يوم الفتح أخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أصناما من المسجد وكان منها صنم على المروة فطلبت إليه قريش أن يتركه وكان ~~مستحيا ثم أمر بكسره فنزلت هذه الآية. # ونظيرهما أخبار أخر تقرب منها معنى فهذه روايات لا تلائم ظاهر الكتاب ~~وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهم بمثل هذه البدع والله ~~سبحانه ينفي عنه المقارنة من الركون والميل اليسير فضلا أن يهم بالعمل. # على أن هذه القضايا من الحوادث الواقعة بعد الهجرة والسورة مكية. # وفي العيون، بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم عن أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام): مما سأله المأمون فقال له: أخبرني عن قول الله: "عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم" قال الرضا (عليه السلام) هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ~~خاطب الله بذلك نبيه وأراد به أمته، وكذلك قوله: "لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين" وقوله تعالى: "ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا" قال: صدقت يا بن رسول الله. # وفي المجمع، عن ابن عباس: في قوله تعالى: "إذا لأذقناك" الآية قال: إنه ~~لما نزلت هذه الآية قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم لا تكلني ~~إلى نفسي طرفة عين أبدا. # وفي تفسير العياشي، عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ~~قال: قلت له: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم اليوم عليه؟ قال: ~~بالمدينة حين ظهرت الدعوة وقوي الإسلام فكتب الله على المسلمين الجهاد، ~~وزاد في الصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبع ركعات في الظهر ~~ركعتين، وفي العصر ركعتين، وفي المغرب ركعة، وفي العشاء ركعتين، وأقر الفجر ~~على ما فرضت عليه بمكة لتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض وتعجيل عروج ~~ملائكة الليل إلى السماء فكان ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون مع رسول ~~الله الفجر فلذلك قال الله: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" يشهد ~~المسلمون ويشهد ملائكة الليل والنهار ms4887 وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر" قال: ففي الآية بيان وجوب ~~الصلوات الخمس وبيان أوقاتها: ويؤيد ذلك ما رواه العياشي بالإسناد عن عبيدة ~~بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في هذه الآية. # قال: إن الله افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل ~~منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه، ~~ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر. # وفيه، أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والطبراني وابن ~~مردويه عن أبي الدرداء قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا" قال: يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار. # أقول: تفسير كون قرآن الفجر مشهودا في روايات الفريقين بشهادة ملائكة ~~الليل وملائكة النهار يكاد يبلغ حد التواتر، وقد أضيف إلى ذلك في بعضها ~~شهادة الله كما في هذه الرواية، وفي بعضها شهادة المسلمين كما فيما تقدم. # وفي تفسير العياشي، عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال: نعم فقال له رجل من القوم: هل يحتاج ~~المؤمن إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: نعم للمؤمنين خطايا ~~وذنوب وما من أحد إلا ويحتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يومئذ قال: وسأله رجل عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر قال: نعم يأخذ حلقة من باب الجنة فيفتحها فيخر ساجدا ~~فيقول: الله: ارفع رأسك اشفع تشفع اطلب تعط فيرفع رأسه ثم يخر ساجدا فيقول ~~الله: ارفع رأسك اشفع تشفع واطلب تعط ثم يرفع رأسه فيشفع يشفع فيشفع ويطلب فيعطى. PageV13P095 # وفيه، ms4888 عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيم (عليه السلام): في قول الله "عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا" قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين يوما ~~وتؤمر الشمس فنزلت على رءوس العباد ويلجم العرق وتؤمر الأرض لا تقبل من ~~عرقهم شيئا فيأتون آدم فيشفعون له فيدلهم على نوح ويدلهم نوح على إبراهيم، ~~ويدلهم إبراهيم على موسى ويدلهم موسى على عيسى، ويدلهم عيسى على محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيقول: عليكم بمحمد خاتم النبيين، فيقول محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أنا لها فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدق فيقال له: ~~من هذا؟ والله أعلم فيقول محمد: افتحوا فإذا فتح الباب استقبل ربه فخر ~~ساجدا فلا يرفع رأسه حتى يقال له تكلم وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه ~~فيستقبل ربه فيخر ساجدا فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى أنه ليشفع من قد ~~أحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم أوجه من محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو قول الله تعالى: "عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا". # أقول: وقوله: "حتى أنه ليشفع من قد أحرق بالنار" أي بعض من أدخل النار، ~~وفي معنى هذه الرواية عدة روايات من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: ~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الشمس لتدنو حتى يبلغ ~~العرق نصف الإذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم (عليه السلام) فيقول: لست ~~بصاحب ذلك ثم موسى (عليه السلام) فيقول مثل ذلك ثم محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيشفع فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ~~فيومئذ يبعثه الله مقاما. # وفيه، أخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المقام المحمود الشفاعة. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي الوقاص قال: سئل رسول الله (صلى ~~الله ms4889 عليه وآله وسلم) عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعة. # أقول: والروايات في المضامين السابقة كثيرة. PageV13P096 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 82 - 100 # وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظلمين إلا خسارا ~~(82) وإذا أنعمنا على الانسن أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا ~~(83) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسئلونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) إلا رحمة من ~~ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) ولقد صرفنا ~~للناس فى هذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهر خللها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتى بالله والملئكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ~~ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتبا نقرؤه قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا ~~رسولا (93) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا (94) قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا (96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من ~~دونه ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدنهم سعيرا (97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بئايتنا وقالوا أءذا كنا عظما ~~ورفتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذى خلق السموت ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظلمون إلا ~~كفورا (99) قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الانفاق ms4890 ~~وكان الانسن قتورا (100) ### |||| AUTO بيان # رجوع بعد رجوع إلى حديث القرآن وكونه آية للنبوة وما يصحبه من الرحمة ~~والبركة، وقد افتتح الكلام فيه بقوله فيما تقدم: "إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم" ثم رجع إليه بقوله: "ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا" إلخ وقوله ~~"وإذا قرأت القرآن" إلخ وقوله: "وما منعنا أن نرسل بالآيات" إلخ. # فبين في هذه الآيات أن القرآن شفاء ورحمة وبعبارة أخرى مصلح لمن صلحت ~~نفسه ومخسر للظالمين وأنه آية معجزة للنبوة ثم ذكر ما كانوا يقترحونه على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الآيات والجواب عنه وما يلحق بذلك من ~~الكلام. # وفي الآيات ذكر سؤالهم عن الروح والجواب عنه. # قوله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا" من بيانية تبين الموصول أعني قوله: "ما هو شفاء" إلخ ~~أي وننزل ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن. PageV13P097 # وعد القرآن شفاء والشفاء إنما يكون عن مرض دليل على أن للقلوب أحوالا نسبة ~~القرآن إليها نسبة الدواء الشافي إلى المرض، وهو المستفاد من كلامه سبحانه ~~حيث ذكر أن الدين الحق فطري للإنسان فكما أن للبنية الإنسانية التي سويت ~~على الخلقة الأصلية قبل أن يلحق بها أحوال منافية وآثار مغايرة للتسوية ~~الأولية استقامة طبيعية تجري عليها في أطوار الحياة كذلك لها بحسب الخلقة ~~الأصلية عقائد حقة في المبدإ والمعاد وما يتفرع عليهما من أصول المعارف، ~~وأخلاق فاضلة زاكية تلائمها ويترتب عليها من الأحوال والأعمال ما يناسبها. # فللإنسان صحة واستقامة روحية معنوية كما أن له صحة واستقامة جسمية صورية، ~~وله أمراض وأدواء روحية باختلال أمر الصحة الروحية كما أن له أمراضا وأدواء ~~جسمية باختلال أمر الصحة الجسمية ولكل داء دواء ولكل مرض شفاء. # وقد ذكر الله سبحانه في أناس من المؤمنين أن في قلوبهم مرضا وهو غير ~~الكفر والنفاق الصريحين كما يدل عليه قوله: "لئن لم ينته المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم": الأحزاب: 60 وقوله: ~~"وليقول الذين في ms4891 قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا": ~~المدثر: 31. # وليس هذا المسمى مرضا إلا ما يختل به ثبات القلب واستقامة النفس من أنواع ~~الشك والريب الموجبة لاضطراب الباطن وتزلزل السر والميل إلى الباطل واتباع ~~الهوى مما يجامع إيمان عامة المؤمنين من أهل أدنى مراتب الإيمان ومما هو ~~معدود نقصا وشركا بالإضافة إلى مراتب الإيمان العالية، وقد قال تعالى: "وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106 وقال: "فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما": النساء: 65. # والقرآن الكريم يزيل بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة أنواع الشكوك ~~والشبهات المعترضة في طريق العقائد الحقة والمعارف الحقيقية ويدفع بمواعظه ~~الشافية وما فيه من القصص والعبر والأمثال والوعد والوعيد والإنذار ~~والتبشير والأحكام والشرائع عاهات الأفئدة وآفاتها فالقرآن شفاء للمؤمنين. # وأما كونه رحمة للمؤمنين - والرحمة إفاضة ما يتم به النقص ويرتفع به ~~الحاجة - فلأن القرآن ينور القلوب بنور العلم واليقين بعد ما يزيل عنها ~~ظلمات الجهل والعمى والشك والريب ويحليها بالملكات الفاضلة والحالات ~~الشريفة الزاكية بعد ما يغسل عنها أوساخ الهيآت الردية والصفات الخسيسة. # فهو بما أنه شفاء يزيل عنها أنواع الأمراض والأدواء، وبما أنه رحمة يعيد ~~إليها ما افتقدته من الصحة والاستقامة الأصلية الفطرية فهو بكونه شفاء يطهر ~~المحل من الموانع المضادة للسعادة ويهيئها لقبولها، وبكونه رحمة يلبسه لباس ~~السعادة وينعم عليه بنعمة الاستقامة. # فالقرآن شفاء ورحمة للقلوب المريضة كما أنه هدى ورحمة للنفوس غير الأمنة ~~من الضلال، وبذلك يظهر النكتة في ترتب الرحمة على الشفاء في قوله: "ما هو ~~شفاء ورحمة للمؤمنين" فهو كقوله: "هدى ورحمة لقوم يؤمنون": يوسف: 111 ~~وقوله: "ومغفرة ورحمة": النساء: 96. # فمعنى قوله: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وننزل إليك ~~أمرا يشفي أمراض القلوب ويزيلها ويعيد إليها حالة الصحة والاستقامة فتتمتع ~~من نعمة السعادة والكرامة. # وقوله: "ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" السياق دال على أن المراد به بيان ~~ما للقرآن من الأثر في غير المؤمنين ms4892 قبال ما له من الأثر الجميل في ~~المؤمنين فالمراد بالظالمين غير المؤمنين وهم الكفار دون المشركين خاصة كما ~~يظهر من بعض المفسرين وإنما علق الحكم بالوصف أعني الظلم ليشعر بالتعليل أي ~~أن القرآن إنما يزيدهم خسارا لمكان ظلمهم بالكفر. # والخسار هو النقص في رأس المال فللكفار رأس مال بحسب الأصل وهو الدين ~~الفطري تلهم به نفوسهم الساذجة ثم إنهم بكفرهم بالله وآياته خسروا فيه ~~ونقصوا. # ثم إن كفرهم بالقرآن وإعراضهم عنه بظلمهم يزيدهم خسارا على خسار ونقصا ~~على نقص إن كانت عندهم بقية من موهبة الفطرة، وإلى هذه النكتة يشير سياق ~~النفي والاستثناء حيث قيل: "ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" ولم يقل: ويزيد ~~الظالمين خسارا. PageV13P098 # وبه يظهر أن محصل معنى الآية أن القرآن يزيد المؤمنين صحة واستقامة على ~~صحتهم واستقامتهم بالإيمان وسعادة على سعادتهم وإن زاد الكافرين شيئا فإنما ~~يزيدهم نقصا وخسارا. # وللمفسرين في معنى صدر الآية وذيلها وجوه أخر أغمضنا عنها من أراد الوقوف ~~عليها فليراجع مسفوراتهم. # ومما ذكروه فيها أن المراد بالشفاء في الآية أعم من شفاء الأمراض الروحية ~~من الجهل والشبهة والريب والملكات النفسانية الرذيلة وشفاء الأمراض الجسمية ~~بالتبرك بآياته الكريمة قراءة وكتابة هذا. # ولا بأس به لكن لو صح التعميم فليصح في الصدر والذيل جميعا فإنه كما ~~يستعان به على دفع الأمراض والعاهات بقراءة أو كتابة كذلك يستعان به على ~~دفع الأعداء ورفع ظلم الظالمين وإبطال كيد الكافرين فيزيد بذلك الظالمين ~~خسارا كما يفيد المؤمنين شفاء هذا، ونسبة زيادة خسارهم إلى القرآن مع أنها ~~مستندة بالحقيقة إلى سوء اختيارهم وشقاء أنفسهم إنما هي بنوع من المجاز. # قوله تعالى: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~كان يؤسا" قال في المفردات،: العرض خلاف الطول وأصله أن يقال في الأجسام ثم ~~يستعمل في غيرها - إلى أن قال - وأعرض أظهر عرضه أي ناحيته فإذا قيل: أعرض ~~لي كذا أي بدا عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض عني فمعناه ولى مبديا عرضه. # انتهى موضع الحاجة. # والنأي البعد ms4893 ونأى بجانبه أي اتخذ لنفسه جهة بعيدة منا، ومجموع قوله: ~~"أعرض ونأى بجانبه" يمثل حال الإنسان في تباعده وانقطاعه من ربه عند ما ~~ينعم عليه. # كمن يحول وجهه عن صاحبه ويتخذ لنفسه موقفا بعيدا منه، وربما ذكر بعض ~~المفسرين أن قوله. # "نأى بجانبه" كناية عن الاستكبار والاستعلاء. # وقوله: "وإذا مسه الشر كان يؤسا" أي وإذا أصابه الشر أصابة خفيفة كالمس ~~كان آيسا منقطع الرجاء عن الخير وهو النعمة، ولم ينسب الشر إليه تعالى كما ~~نسب النعمة تنزيها له تعالى من أن يسند إليه الشر، ولأن وجود الشر أمر نسبي ~~لا نفسي فما يتحقق من الشر في العالم كالموت والمرض والفقر والنقص وغير ذلك ~~إنما هو شر بالنسبة إلى مورده، وأما بالنسبة إلى غيره وخاصة النظام العام ~~الجاري في الكون فهو من الخير الذي لا مناص عنه في التدبير الكلي فما كان ~~من الخير فهو مما تعلقت به بعينه العناية الإلهية وهو مراد بالذات، وما كان ~~من الشر فهو مما تعلقت به العناية لغيره وهو مقضي بالعرض. # فالمعنى أنا إذا أنعمنا على الإنسان هذا الموجود الواقع في مجرى الأسباب ~~اشتغل بظواهر الأسباب وأخلد إليها فنسينا فلم يذكرنا ولم يشكرنا، وإذا ناله ~~شيء يسير من الشر فسلب منه الخير وزالت عنه أسبابه ورأى ذلك كان شديد اليأس ~~من الخير لكونه متعلقا بأسبابه وهو يرى بطلان أسبابه ولا يرى لربه في ذلك صنعا. # والآية تصف حال الإنسان العادي الواقع في المجتمع الحيوي الذي يحكم فيه ~~العرف والعادة فهو إذا توالت عليه النعم الإلهية من المال والجاه والبنين ~~وغيرها ووافقته على ذلك الأسباب الظاهرية اشتغل بها وتعلق قلبه بها فلم تدع ~~له فراغا يشتغل فيه بذكر ربه وشكره بما أنعم عليه، وإذا مسه الشر وسلب عنه ~~بعض النعم الموهوبة أيس من الخير ولم يتسل بالرجاء لأنه لا يرى للخير إلا ~~الأسباب الظاهرية التي لا يجد وقتئذ شيئا منها في الوجود. # وهذه الحال غير حال الإنسان الفطري غير المشوب ذهنه بالرسوم والآداب ولا ~~الحاكم فيه ms4894 العرف والعادة إما بتأييد إلهي يلازمه ويسدده وإما بعروض اضطرار ~~ينسيه الأسباب الظاهرية فيرجع إلى سذاجة فطرته ويدعو ربه ويسأله كشف ضره ~~فللإنسان حالان حال فطرية تهديه إلى الرجوع إلى ربه عند مس الضر ونزول الشر ~~وحال عادية تحول فيها الأسباب بينه وبين ربه فتشغله وتصرفه عن الرجوع إليه ~~بالذكر والشكر، والآية تصف حاله الثانية دون الأولى. # ومن هنا يظهر أن لا منافاة بين هذه الآية والآيات الدالة على أن الإنسان ~~إذا مسه الضر رجع إلى ربه كقوله تعالى فيما تقدم: "وإذا مسكم الضر في البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه" الآية وقوله: "وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما" الآية: يونس: 12 إلى غير ذلك. PageV13P099 # ويظهر أيضا وجه اتصال الآية بما قبلها وأنها متصلة بالآية السابقة من جهة ~~ذيلها أعني قوله: "ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" والمحصل أن هذا الخسار غير ~~بعيد منهم فإن من حال الإنسان أن يشغله الأسباب الظاهرية عند نزول النعم ~~الإلهية فينصرف عن ربه ويعرض وينأى بجانبه، وييأس عند مس الشر. ### |||| AUTO بحث فلسفي # ذكروا أن الشرور داخلة في القضاء الإلهي بالعرض، وقد أوردوا في بيانه ما ~~يأتي: نقل عن أفلاطون أن الشر عدم وقد بين ذلك بالأمثلة فإن في القتل ~~بالسيف مثلا شرا وليس هو في قدرة الضارب على مباشرة الضرب ولا في شجاعته ~~ولا في قوة عضلات يده فإن ذلك كله كمال له، ليس من الشر في شيء، وليس هو في ~~حدة السيف ودقة ذبابه وكونه قطاعا فإن ذلك من كماله وحسنه، وليس هو في ~~انفعال رقبة المقتول عن الآلة القطاعة فإن من كماله أن يكون كذلك فلا يبقى ~~للشر إلا زهاق روح المقتول وبطلان حياته وهو عدمي، وعلى هذا سائر الأمثلة ~~فالشر عدم. # ثم إن الشرور التي في العالم لما كانت مرتبطة بالحوادث الواقعة مكتنفة ~~بها كانت أعداما مضافة لا عدما مطلقا فلها حظ من الوجود والوقوع كأنواع ~~الفقد والنقص والموت والفساد الواقعة في الخارج الداخلة في النظام العام ms4895 ~~الكوني، ولذلك كان لها مساس بالقضاء الإلهي الحاكم في الكون لكنها داخلة في ~~القضاء بالعرض لا بالذات. # وذلك أن الذي تتصوره من العدم إما عدم مطلق وهو عدم النقيض للوجود وإما ~~مضاف إلى ملكة وهو عدم كمال الوجود عما من شأنه ذلك كالعمى الذي هو عدم ~~البصر مما من شأنه أن يكون بصيرا. # والقسم الأول إما عدم شيء مأخوذ بالنسبة إلى ماهيته كعدم زيد مثلا مأخوذا ~~بالنسبة إلى ماهية نفسه، وهذا اعتبار عقلي ليس من وقوع الشر في شيء إذ لا ~~موضوع مشترك بين النقيضين نعم ربما يقيد العدم فيقاس إلى الشيء فيكون من ~~الشر كعدم زيد بعد وجوده، وهو راجع في الحقيقة إلى العدم المضاف إلى الملكة ~~الآتي حكمه. # وإما عدم شيء مأخوذ بالنسبة إلى شيء آخر كفقدان الماهيات الإمكانية كمال ~~الوجود الواجبي وكفقدان كل ماهية وجود الماهية الأخرى الخاص بها مثل فقدان ~~النبات وجود الحيوان وفقدان البقر وجود الفرس، وهذا النوع من العدم من ~~لوازم الماهيات وهي اعتبارية غير مجعولة. # والقسم الثاني وهو العدم المضاف إلى الملكة فقدان أمر ما شيئا من كمال ~~وجوده الذي من شأنه أن يوجد له ويتصف به كأنواع الفساد العارضة للأشياء ~~والنواقص والعيوب والعاهات والأمراض والأسقام والآلام الطارئة عليها، وهذا ~~القسم من الشرور إنما يتحقق في الأمور المادية ويستند إلى قصور الاستعدادات ~~على اختلاف مراتبها لا إلى إفاضة مبدإ الوجود فإن علة العدم عدم كما أن علة ~~الوجود وجود. # فالذي تعلقت به كلمة الإيجاد والإرادة الإلهية وشمله القضاء بالذات في ~~الأمور التي يقارنها شيء من الشر إنما هو القدر الذي تلبس به من الوجود حسب ~~استعداده ومقدار قابليته وأما العدم الذي يقارنه فليس إلا مستندا إلى عدم ~~قابليته وقصور استعداده نعم ينسب إليه الجعل والإفاضة بالعرض لمكان نوع من ~~الاتحاد بينه وبين الوجود الذي يقارنه هذا. # وببيان آخر الأمور على خمسة أقسام: ما هو خير محض، وما خيره أكثر من شره، ~~وما يتساوى خيره وشره، وما شره أكثر من خيره، وما هو شر ms4896 محض، ولا يوجد شيء ~~من الثلاثة الأخيرة لاستلزامه الترجيح من غير مرجح أو ترجيح المرجوح على ~~الراجح، ومن الواجب بالنظر إلى الحكمة الإلهية المنبعثة عن القدرة والعلم ~~الواجبيين والجود الذي لا يخالطه بخل أن يفيض ما هو الأصلح في النظام الأتم ~~وأن يوجد ما هو خير محض وما خيره أكثر من شره لأن في ترك الأول شرا محضا ~~وفي ترك الثاني شرا كثيرا. # فما يوجد من الشر نادر قليل بالنسبة إلى ما يوجد من الخير وإنما وجد الشر ~~القليل بتبع الخير الكثير. # وعن الإمام الرازي أنه لا محل لهذا البحث منهم بناء على ما ذهبوا إليه من ~~كونه تعالى علة تامة للعالم واستحالة انفكاك العلة التامة عن معلولها فهو ~~موجب في فعله لا مختار، فعليه أن يوجد ما هو علة له من خير أو شر من غير ~~خيرة في الترجيح. PageV13P100 # وقد خفي عليه أن هذا الوجوب إنما هو قائم بالمعلول تلقاه من قبل العلة مثل ~~ما يتلقى وجوده من قبله، ومن المحال أن يعود ما يفيضه العلة فيقهر العلة ~~فيضطرها على الفعل ويغلبها بتحديده. # ولقد أنصف صاحب روح المعاني حيث أشار أولا إلى نظير ما تقدم من البحث ~~فقال: ولا يخفى أن هذا إنما يتم على القول بأنه تعالى لا يمكن أن تكون ~~إرادته متساوية النسبة إلى الشيء ومقابله بلا داع ومصلحة كما هو مذهب ~~الأشاعرة وإلا فقد يقال: إن الفاعل للكل إذا كان مختارا فله أن يختار أيما ~~شاء من الخيرات والشرور لكن الحكماء وأساطين الإسلام قالوا: إن اختياره ~~تعالى أرفع من هذا النمط، وأمور العالم منوطة بقوانين كلية، وأفعاله تعالى ~~مربوطة بحكم ومصالح جلية وخفية. # ثم قال: وقول الإمام: "إن الفلاسفة لما قالوا بالإيجاب والجبر في الأفعال ~~فخوضهم في هذا المبحث من جملة الفضول والضلال لأن السؤال بلم عن صدورها غير ~~وارد كصدور الإحراق من النار لأنه يصدر عنها لذاتها". # ناش من التعصب لأن محققيهم يثبتون الاختيار، وليس صدور الأفعال من الله ~~تعالى عندهم صدور الإحراق من النار، ms4897 وبعد فرض التسليم بحثهم عن كيفية وقوع ~~الشر في هذا العالم لأجل أن الباري تبارك اسمه خير محض بسيط عندهم ولا ~~يجوزون الشر عما لا جهة شرية فيه أصلا فيلزم عليهم في بادىء النظر ما ~~افترته الثنوية من مبدأين خيري وشري فتخلصوا عن ذلك البحث فهو فضل لا فضول. # انتهى. # قوله تعالى: "قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا" ~~المشاكلة - على ما في المفردات، - من الشكل وهو تقييد الدابة، ويسمى ما ~~يقيد به شكالا بكسر الشين، والشاكلة هي السجية سمي بها لتقييدها الإنسان أن ~~يجري على ما يناسبها وتقتضيه. # وفي المجمع،: الشاكلة الطريقة والمذهب يقال: هذا طريق ذو شواكل أي ينشعب ~~منه طرق جماعة انتهى. # وكأن تسميتهما بها لما فيها من تقييد العابرين والمنتحلين بالتزامهما ~~وعدم التخلف عنهما وقيل: الشاكلة من الشكل بفتح الشين بمعنى المثل وقيل: ~~إنها من الشكل بكسر الشين بمعنى الهيأة. # وكيف كان فالآية الكريمة ترتب عمل الإنسان على شاكلته بمعنى أن العمل ~~يناسبها ويوافقها فهي بالنسبة إلى العمل كالروح السارية في البدن الذي يمثل ~~بأعضائه وأعماله هيأت الروح المعنوية وقد تحقق بالتجارب والبحث العلمي أن ~~بين الملكات والأحوال النفسانية وبين الأعمال رابطة خاصة فليس يتساوى عمل ~~الشجاع الباسل والجبان إذا حضرا موقفا هائلا، ولا عمل الجواد الكريم ~~والبخيل اللئيم في موارد الإنفاق وهكذا، وأن بين الصفات النفسانية ونوع ~~تركيب البنية الإنسانية رابطة خاصة فمن الأمزجة ما يسرع إليه الغضب وحب ~~الانتقام بالطبع ومنها ما تغلي وتفور فيه شهوة الطعام أو النكاح أو غير ذلك ~~بحيث تتوق نفسه بأدنى سبب يدعوه ويحركه، ومنها غير ذلك فيختلف انعقاد ~~الملكات بحسب ما يناسب المورد سرعة وبطءا. # ومع ذلك كله فليس يخرج دعوة المزاج المناسب لملكة من الملكات أو عمل من ~~الأعمال من حد الاقتضاء إلى حد العلية التامة بحيث يخرج الفعل المخالف ~~لمقتضى الطبع عن الإمكان إلى الاستحالة ويبطل الاختيار فالفعل باق على ~~اختياريته وإن كان في بعض الموارد صعبا غاية الصعوبة. # وكلامه سبحانه يؤيد ms4898 ما تقدم على ما يعطيه التدبر فهو سبحانه القائل: ~~"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: ~~58 وانضمام الآية إلى الآيات الدالة على عموم الدعوة كقوله: "لأنذركم به ~~ومن بلغ": الأنعام: 19 يفيد أن تأثير البنى الإنسانية في الصفات والأعمال ~~على نحو الاقتضاء دون العلية التامة كما هو ظاهر. # كيف وهو تعالى يعد الدين فطريا تهتف به الخلقة التي لا تبديل لها ولا ~~تغيير قال: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30 وقال: "ثم السبيل يسره": عبس: ~~20 ولا تجامع دعوة الفطرة إلى الدين الحق والسنة المعتدلة دعوة الخلقة إلى ~~الشر والفساد والانحراف عن الاعتدال بنحو العلية التامة. PageV13P101 # وقول القائل: إن السعادة والشقاوة ذاتيتان لا تتخلفان عن ملزومهما كزوجية ~~الأربعة وفردية الثلاثة أو مقضيتان بقضاء أزلي لازم وإن الدعوة لإتمام ~~الحجة لا لإمكان التغيير ورجاء التحول من حال إلى حال فالأمر مفروغ عنه قال ~~تعالى: "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة". # مدفوع بأن صحة إقامة الحجة بعينها حجة على عدم كون سعادة السعيد وشقاوة ~~الشقي لازمة ضرورية فإن السعادة والشقاوة لو كانتا من لوازم الذوات لم ~~تحتاجا في لحوقهما إلى حجة إذ لا حجة في الذاتيات فتلغو الحجة، وكذا لو ~~كانتا لازمتين للذوات بقضاء لازم أزلي لا لاقتضاء ذاتي من الذوات كانت ~~الحجة للناس على الله سبحانه فتلغو الحجة منه تعالى فصحة إقامة الحجة من ~~قبله سبحانه تكشف عن عدم ضرورية شيء من السعادة والشقاوة بالنظر إلى ذات ~~الإنسان مع قطع النظر عن أعماله الحسنة والسيئة واعتقاداته الحقة والباطلة. # على أن توسل الإنسان بالفطرة إلى مقاصد الحياة بمثل التعليم والتربية ~~والإنذار والتبشير والوعد والوعيد والأمر والنهي وغير ذلك أوضح دليل على أن ~~الإنسان في نفسه على ملتقى خطين ومنشعب طريقين: السعادة والشقاوة وفي ~~إمكانه أن يختار أيا منهما شاء وأن يسلك أيا منهما أراد ولكل سعي جزاء ~~يناسبه ms4899 قال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه ~~الجزاء الأوفى": النجم: 41. # فهذا نوع من الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين الذوات، وهناك نوع ~~آخر من الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين الأوضاع والأحوال ~~والعوامل الخارجة عن الذات الإنسانية المستقرة في ظرف الحياة وجو العيش ~~كالآداب والسنن والرسوم والعادات التقليدية فإنها تدعو الإنسان إلى ما ~~يوافقها وتزجره عن مخالفتها ولا تلبث دون أن تصوره صورة جديدة ثانية تنطبق ~~أعماله على الأوضاع والأحوال المحيطة به المجتمعة المؤتلفة في ظرف حياته. # وهذه الرابطة على نحو الاقتضاء غالبا غير أنها ربما يستقر استقرارا لا ~~مطمع في زوالها من جهة رسوخ الملكات الرذيلة أو الفاضلة في نفس الإنسان، ~~وفي كلامه تعالى ما يشير إلى ذلك كقوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم ء ~~أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة": البقرة: 7 إلى غير ذلك. # ولا يضر ذلك صحة إقامة الحجة عليهم بالدعوة والإنذار والتبشير لأن امتناع ~~تأثير الدعوة فيهم مستند إلى سوء اختيارهم والامتناع بالاختيار لا ينافي ~~الاختيار. # فقد تبين بما قدمناه على طوله أن للإنسان شاكلة بعد شاكلة فشاكلة يهيؤها ~~نوع خلقته وخصوصية تركيب بنيته، وهي شخصية خلقية متحصلة من تفاعل جهازاته ~~البدنية بعضها مع بعض كالمزاج الذي هو كيفية متوسطة حاصلة من تفاعل ~~الكيفيات المتضادة بعضها في بعض. # وشاكلة أخرى ثانية وهي شخصية خلقية متحصلة من وجوه تأثير العوامل ~~الخارجية في النفس الإنسانية على ما فيها من الشاكلة الأولى إن كانت. # والإنسان على أي شاكلة متحصلة وعلى أي نعت نفساني وفعلية داخلية روحية ~~كان فإن عمله يجري عليها وأفعاله تمثلها وتحكيها كما أن المتكبر المختال ~~يلوح حاله في تكلمه وسكوته وقيامه وقعوده وحركته وسكونه، والذليل المسكين ~~ظاهر الذلة والمسكنة في جميع أعماله وكذا الشجاع والجبان والسخي والبخيل ~~والصبور والوقور والعجول وهكذا: وكيف لا والفعل يمثل فاعله والظاهر عنوان ~~الباطن والصورة دليل المعنى. # وكلامه سبحانه يصدق ذلك ويبني عليه حججه ms4900 في موارد كثيرة كقوله تعالى: ~~"وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما ~~يستوي الأحياء ولا الأموات": فاطر: 22 وقوله: "الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات": النور: 36 إلى غير ذلك من ~~الآيات الكثيرة. PageV13P102 # وقوله تعالى: "كل يعمل على شاكلته" محكم في معناه على أي معنى حملنا ~~الشاكلة غير أن اتصال الآية بقوله: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" ووقوعها في سياق أن الله سبحانه ~~يربح المؤمنين ويشفيهم بالقرآن الكريم والدعوة الحقة ويخسر به الظالمين ~~لظلمهم يقرب كون المراد بالشاكلة الشاكلة بالمعنى الثاني وهي الشخصية ~~الخلقية الحاصلة للإنسان من مجموع غرائزه والعوامل الخارجية الفاعلة فيه. # كأنه تعالى لما ذكر استفادة المؤمنين من كلامه الشفاء والرحمة وحرمان ~~الظالمين من ذلك وزيادتهم في خسارهم اعترضه معترض في هذه التفرقة وأنه لو ~~سوى بين الفريقين في الشفاء والرحمة كان ذلك أوفى لغرض الرسالة وأنفع لحال ~~الدعوة فأمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم في ذلك. # فقال: قل: كل يعمل على شاكلته أي إن أعمالكم تصدر على طبق ما عندكم من ~~الشاكلة والفعلية الموجودة فمن كانت عنده شاكلة عادلة سهل اهتداؤه إلى كلمة ~~الحق والعمل الصالح وانتفع بالدعوة الحقة، ومن كانت عنده شاكلة ظالمة صعب ~~عليه التلبس بالقول الحق والعمل الصالح ولم يزد من استماع الدعوة الحقة إلا ~~خسارا، والله الذي هو ربكم العليم بسرائركم المدبر لأمركم أعلم بمن عنده ~~شاكلة عادلة وهو أهدى سبيلا وأقرب إلى الانتفاع بكلمة الحق، والذي علمه ~~وأخبر به أن المؤمنين أهدى سبيلا فيختص بهم الشفاء والرحمة بالقرآن الذي ~~ينزله، ولا يبقى للكافرين أهل الظلم إلا مزيد الخسار إلا أن ينتزعوا عن ~~ظلمهم فينتفعوا به. # ومن هنا يظهر النكتة في التعبير بصيغة التفضيل في قوله: "أهدى سبيلا" ~~وذلك لما تقدم أن الشاكلة غير ملزمة في الدعوة إلى ما يلائمها فالشاكلة ~~الظالمة وإن كانت مضلة داعية إلى العمل الطالح غير أنها لا تحتم الضلال ms4901 ~~ففيها أثر من الهدى وإن كان ضعيفا، والشاكلة العادلة أهدى منها فافهم. # وذكر الإمام الرازي في تفسيره، ما ملخصه: أن الآية تدل على كون النفوس ~~الناطقة الإنسانية مختلفة بالماهية وذلك أنه تعالى بين في الآية المتقدمة ~~أن القرآن بالنسبة إلى بعض النفوس يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى بعض ~~آخر يفيد الخسار والخزي ثم أتبعه بقوله: "قل كل يعمل على شاكلته" ومعناه أن ~~اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، ~~وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها منه آثار الخزي والضلال كما أن الشمس ~~تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار ويسود وجهه. # وهذا إنما يتم إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة ~~صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور، وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها منه ~~ضلال على ضلال ونكال على نكال. # انتهى. # وفيه أنه لو أقام الحجة على اختلاف ماهيات النفوس بعد رسوخ ملكاتها ~~وتصورها بصورها لكان له وجه، وأما النفوس الساذجة قبل رسوخ الملكات فلا ~~تختلف بالآثار اختلافا ضروريا حتى تجري فيها الحجة، وقد عرفت أن الآية إنما ~~تتعرض لحال الإنسان بعد حصول شاكلته وشخصيته الخلقية الحاصلة من مجموع ~~غرائزه والعوامل الخارجية الفاعلة فيه الداعية إلى نوع من العمل دعوة على ~~نحو الاقتضاء فتبصر. ### |||| AUTO بحث فلسفي # ذكر الحكماء أن بين الفعل وفاعله ويعنون به المعلول وعلته الفاعلة سنخية ~~وجودية ورابطة ذاتية يصير بها وجود الفعل كأنه مرتبة نازلة من وجود فاعله ~~ووجود الفاعل كأنه مرتبة عالية من وجود فعله بل الأمر على ذلك بناء على ~~أصالة الوجود وتشكيكه. # وبينوا ذلك بأنه لو لم يكن بين الفعل المعلول وعلته الفاعلة له مناسبة ~~ذاتية وخصوصية واقعية بها يختص أحدهما بالآخر كانت نسبة الفاعل إلى فعله ~~كنسبته إلى غيره كما كانت نسبة الفعل إلى فاعله كنسبته إلى غيره فلم يكن ~~لاستناد صدور الفعل إلى فاعله معنى، ونظير البرهان يجري في المعلول بالنسبة ~~إلى سائر العلل ويثبت الرابطة بينه وبينها غير أن العلة الفاعلة لما كانت ms4902 ~~هي المقتضية لوجود المعلول ومعطي الشيء غير فاقده كانت العلة الفاعلة واجدة ~~لكمال وجود المعلول والمعلول ممثلا لوجودها في مرتبة نازلة. PageV13P103 # وقد بين ذلك صدر المتألهين بوجه أدق وألطف وهو أن المعلول مفتقر في وجوده ~~إلى العلة الفاعلة متعلق الذات بها، وليس من الجائز أن يتأخر هذا الفقر ~~والتعلق عن مرتبة ذاته ويكون هناك ذات ثم فقر وتعلق وإلا استغنى بحسب ذاته ~~عن العلة واستقل بنفسه عنها فلم يكن معلولا هف فذاته عين الفقر والتعلق ~~فليس له من الوجود إلا الرابط غير المستقل وما يتراءى فيه من استقلال ~~الوجود المفروض معه أولا إنما هو استقلال علته فوجود المعلول يحاكي وجود ~~علته ويمثله في مرتبته التي له من الوجود. # تعقيب البحث السابق من جهة القرآن # التدبر في الآيات القرآنية لا يدع ريبا في أن القرآن الكريم يعد الأشياء ~~على اختلاف وجوهها وتشتت أنواعها آيات له تعالى دالة على أسمائه وصفاته فما ~~من شيء إلا وهو آية في وجوده وفي أي جهة مفروضة في وجوده له تعالى مشيرة ~~إلى ساحة عظمته وكبريائه، والآية وهي العلامة الدالة من حيث إنها آية ~~وجودها مرآتي فإن في ذي الآية الذي هو مدلولها غير مستقلة دونه إذ لو ~~استقلت في وجوده أو في جهة من جهات وجوده لم تكن من تلك الجهة مشيرة إليه ~~دالة عليه آية له هف. # فالأشياء بما هي مخلوقة له تعالى أفعاله، وهي تحاكي بوجودها وصفات وجودها ~~وجوده سبحانه وكرائم صفاته وهو المراد بمسانخة الفعل لفاعله لا أن الفعل ~~واجد لهوية الفاعل مماثل لحقيقة ذاته فإن الضرورة تدفعه. # قوله تعالى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا" الروح على ما يعرف في اللغة هو مبدأ الحياة الذي به يقوى ~~الحيوان على الإحساس والحركة الإرادية ولفظه يذكر ويؤنث، وربما يتجوز فيطلق ~~على الأمور التي يظهر بها آثار حسنة مطلوبة كما يعد العلم حياة للنفوس قال ~~تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه": الأنعام: 122 أي بالهداية إلى الإيمان ms4903 ~~وعلى هذا المعنى حمل جماعة مثل قوله: "ينزل الملائكة بالروح من أمره": ~~النحل: 2 أي بالوحي وقوله: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 ~~أي القرآن الذي هو وحي فذكروا أنه تعالى سمى الوحي أو القرآن روحا لأن به ~~حياة النفوس الميتة كما أن الروح المعروف به حياة الأجساد الميتة. # وكيف كان فقد تكرر في كلامه تعالى ذكر الروح في آيات كثيرة مكية ومدنية، ~~ولم يرد في جميعها المعنى الذي نجده في الحيوان وهو مبدأ الحياة الذي يتفرع ~~عليه الإحساس والحركة الإرادية كما في قوله: "يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا": النبأ: 38، وقوله: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": ~~القدر: 4 ولا ريب أن المراد به في الآية غير الروح الحيواني وغير الملائكة ~~وقد تقدم الحديث عن علي (عليه السلام) أنه احتج بقوله تعالى: "ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده": النحل: 2 على أن الروح غير ~~الملائكة، وقد وصفه تارة بالقدس وتارة بالأمانة كما سيأتي لطهارته عن ~~الخيانة وسائر القذارات المعنوية والعيوب والعاهات التي لا تخلو عنها ~~الأرواح الإنسية. # وهو وإن كان غير الملائكة غير أنه يصاحبهم في الوحي والتبليغ كما يظهر من ~~قوله: "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده" الآية فقد قال ~~تعالى: "من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97 ~~فنسب تنزيل القرآن على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جبريل ثم قال: ~~"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": ~~الشعراء: 195 وقال: "قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 102 فوضع الروح وهو ~~غير الملائكة بوجه مكان جبريل وهو من الملائكة فجبريل ينزل بالروح والروح ~~يحمل هذا القرآن المقرو المتلو. # وبذلك تنحل العقدة في قوله تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": ~~الشورى: 52 ويظهر أن المراد من وحي الروح في الآية هو إنزال روح القدس إليه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزاله إليه هو الوحي ms4904 القرآن إليه لكونه يحمله ~~على ما تبين فلا موجب لما ذكره بعضهم على ما نقلناه آنفا أن المراد بالروح ~~في الآية هو القرآن. PageV13P104 # وأما نسبة الوحي وهو الكلام الخفي إلى الروح بهذا المعنى وهو من الموجودات ~~العينية والأعيان الخارجية فلا ضير فيه فإن هذه الموجودات الطاهرة كما أنها ~~موجودات مقدسة من خلقه تعالى كذلك هي كلمات منه تعالى كما قال في عيسى بن ~~مريم (عليهما السلام): "وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171 فعد ~~الروح كلمة دالة على المراد فمن الجائز أن يعد الروح وحيا كما عد كلمة ~~وإنما سماه كلمة منه لأنه إنما كان عن كلمة الإيجاد من غير أن يتوسط فيه ~~السبب العادي في كينونة الناس بدليل قوله: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59 وقد زاد سبحانه في إيضاح ~~حقيقة الروح حيث قال: "قل الروح من أمر ربي" وظاهر "من" أنها لتبيين الجنس ~~كما في نظائرها من الآيات "يلقي الروح من أمره": المؤمن: 15 "ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره" "أوحينا إليك روحا من أمرنا" "تنزل الملائكة والروح فيها ~~بإذن ربهم من كل أمر" فالروح من سنخ الأمر. # ثم عرف أمره في قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 84 فبين أولا أن أمره هو قوله للشيء: ~~"كن" وهو كلمة الإيجاد التي هي الإيجاد والإيجاد هو وجود الشيء لكن لا من ~~كل جهة بل من جهة استناده إليه تعالى وقيامه به فقوله فعله. # ومن الدليل على أن وجود الأشياء قول له تعالى من جهة نسبته إليه مع إلغاء ~~الأسباب الوجودية الأخر قوله تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": ~~القمر: 50 حيث شبه أمره بعد عده واحدة بلمح بالبصر وهذا النوع من التشبيه ~~لنفي التدريج وبه يعلم أن في الأشياء المكونة تدريجا الحاصلة بتوسط الأسباب ~~الكونية المنطبقة على الزمان والمكان جهة معراة عن التدريج خارجة ms4905 عن حيطة ~~الزمان والمكان هي من تلك الجهة أمره وقوله وكلمته، وأما الجهة التي هي بها ~~تدريجية مرتبطة بالأسباب الكونية منطبقة على الزمان والمكان فهي بها من ~~الخلق قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54 فالأمر هو وجود الشيء ~~من جهة استناده إليه تعالى وحده والخلق هو ذلك من جهة استناده إليه مع توسط ~~الأسباب الكونية فيه. # ويستفاد ذلك أيضا من قوله: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون" الآية حيث ذكر أولا خلق آدم وذكر تعلقه بالتراب وهو من ~~الأسباب ثم ذكر وجوده ولم يعلقه بشيء إلا بقوله: "كن" فافهم ذلك ونظيره ~~قوله: "ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة إلى أن قال ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14 فعد إيجاده المنسوب ~~إلى نفسه من غير تخلل الأسباب الكونية إنشاء خلق آخر. # فظهر بذلك كله أن الأمر هو كلمة الإيجاد السماوية وفعله تعالى المختص به ~~الذي لا تتوسط فيه الأسباب، ولا يتقدر بزمان أو مكان وغير ذلك. # ثم بين ثانيا أن أمره في كل شيء هو ملكوت ذلك الشيء - والملكوت أبلغ من ~~الملك - فلكل شيء ملكوت كما أن له أمرا قال تعالى: "أولم ينظروا في ملكوت ~~السموات والأرض": الأعراف: 185 وقال: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض": الأنعام: 75 وقال: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل ~~أمر" الآية: القدر: 4. # فقد بان بما مر أن الأمر هو كلمة الإيجاد وهو فعله تعالى الخاص به الذي ~~لا يتوسط فيه الأسباب الكونية بتأثيراتها التدريجية وهو الوجود الأرفع من ~~نشأة المادة وظرف الزمان، وأن الروح بحسب وجوده من سنخ الأمر من الملكوت. # وقد وصف تعالى أمر الروح في كلامه وصفا مختلفا فأفرده بالذكر في مثل ~~قوله: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38، وقوله: "تعرج الملائكة ~~والروح إليه" الآية: المعارج: 4. # ويظهر من كلامه أن منه ما هو مع الملائكة كقوله في الآيات المنقولة آنفا: ~~"من كان عدوا ms4906 لجبريل فإنه نزله على قلبك" "نزل به الروح الأمين على قلبك" ~~قل نزله روح القدس" وقوله: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا": ~~مريم: 17. # ومنه ما هو منفوخ في الإنسان عامة قال تعالى: "ثم سواه ونفخ فيه من ~~روحه": الم السجدة: 9 وقال: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29 ص: 72. PageV13P105 # ومنه ما هو مع المؤمنين كما يدل عليه قوله تعالى: "أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22 ويشعر به بل يدل عليه أيضا قوله: ~~"أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 ~~فإن المذكور في الآية حياة جديدة والحياة فرع الروح. # ومنه ما نزل إلى الأنبياء (عليهم السلام) كما يدل عليه قوله: "ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا" الآية: النحل: 2 ~~وقوله: "وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس": البقرة: 87 ~~وقوله: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 52 إلى غير ذلك. # ومن الروح ما تشعر به الآيات التي تذكر أن في غير الإنسان من الحيوان ~~حياة وأن في النبات حياة، والحياة متفرعة على الروح ظاهرا. # فقد تبين بما قدمناه على طوله معنى قوله تعالى: "يسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي" وأن السؤال إنما هو عن حقيقة مطلق الروح الوارد في كلامه ~~سبحانه، وأن الجواب مشتمل على بيان حقيقة الروح وأنه من سنخ الأمر بالمعنى ~~الذي تقدم وأما قوله: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" أي ما عندكم من ~~العلم بالروح الذي آتاكم الله ذلك قليل من كثير فإن له موقعا من الوجود ~~وخواص وآثارا في الكون عجيبة بديعة أنتم عنها في حجاب. # وللمفسرين في المراد من الروح المسئول عنه والمجاب عنه أقوال: فقال ~~بعضهم: إن المراد بالروح المسئول عنه هو الروح الذي يذكره الله في قوله: ~~"يوم يقوم الروح والملائكة صفا" وقوله: "تعرج الملائكة والروح إليه" الآية، ~~ولا دليل لهم على ذلك. # وقال بعضهم: إن المراد به جبريل فإن ms4907 الله سماه روحا في قوله: "نزل به ~~الروح الأمين على قلبك" وفيه أن مجرد تسميته روحا في بعض كلامه لا يستلزم ~~كونه هو المراد بعينه أينما ذكر على أن لهذه التسمية معنى خاصا أومأنا إليه ~~في سابق الكلام، ولو لا ذلك لكان عيسى وجبريل واحدا لأن الله سمى كلا منهما روحا. # وقال بعضهم: إن المراد به القرآن لأن الله سماه روحا في قوله: "وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا" الآية فيكون محصل السؤال والجواب أنهم يسألونك ~~عن القرآن أهو من الله أو من عندك؟ فأجبهم أنه من أمر ربي لا يقدر على ~~الإتيان بمثله غيره فهو آية معجزة دالة على صحة رسالتي وما أوتيتم من العلم ~~به إلا قليلا من غير أن تحيطوا به فتقدروا على الإتيان بمثله قالوا: والآية ~~التالية: "ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك" يؤيد هذا المعنى. # وفيه أن تسميته في بعض كلامه روحا لا تستلزم كونه هو المراد كلما أطلق ~~كما تقدم آنفا. # على أنك قد عرفت ما في دعوى هذه التسمية. # على أن الآية التالية لا تتعين تأييدا لهذا الوجه بل تلائم بعض الوجوه ~~الآخر أيضا. # وقال بعضهم: إن المراد به الروح الإنساني فهو المتبادر من إطلاقه وقوله: ~~"قل الروح من أمر ربي" ترك للبيان ونهي عن التوغل في فهم حقيقة الروح فإنه ~~من أمر الله الذي استأثر بعلمه ولم يطلع على حقيقته أحدا ثم اختلفوا في ~~حقيقته بين قائل بأنه جسم هوائي متردد في مخارق البدن، وقائل بأنه جسم ~~هوائي في هيئة البدن حال فيه وخروجه موته، وقائل بأنه أجزاء أصلية في القلب ~~وقائل بأنه عرض في البدن، وقائل بأنه نفس البدن إلى غير ذلك. # وفيه أن التبادر في كلامه تعالى ممنوع، والتدبر في الآيات المتعرضة لأمر ~~الروح كما قدمناه يدفع جميع ما ذكروه. # وقال بعضهم: إن المراد به مطلق الروح الواقع في كلامه والسؤال إنما هو عن ~~كونه قديما أو محدثا فأجيب بأنه يحدث عن أمره وفعله تعالى، وفعله محدث لا قديم. # وفيه ms4908 أن تعميم الروح لجميع ما وقع منه في كلامه تعالى وإن كان في محله ~~لكن إرجاع السؤال إلى حدوث الروح وقدمه وتوجيه الجواب بما يناسبه دعوى لا ~~دليل عليها من جهة اللفظ. # ثم إن لهم اختلافا في معنى قوله: "الروح من أمر ربي" أهو جواب مثبت أو ~~ترك للجواب وصرف عن السؤال على قولين، والوجوه المتقدمة في معنى الروح ~~مختلفة في المناسبة مع هذين القولين فالمتعين في بعضها القول الأول وفي ~~بعضها الثاني، وقد أشرنا إلى ذلك في ضمن الأقوال. PageV13P106 # ثم إن لهم اختلافا آخر في المخاطبين بقوله: "وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا" أهم اليهود أو قريش لو كانوا هم السائلين بتعليم من اليهود أو هم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغير النبي من الناس؟ والأنسب بالسياق أن ~~يكون الخطاب متوجها إلى السائلين والكلام من تمام قول النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وأن السائلين هم اليهود لأنهم كانوا معروفين يومئذ بالعلم وفي ~~الكلام إثبات علم ما لهم دون قريش وكفار العرب وقد عبر تعالى عنهم في بعض ~~كلامه 1 بالذين لا يعلمون. # قوله تعالى: "ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا" الكلام متصل بما قبله فإن الآية السابقة وإن كانت متعرضة لأمر مطلق ~~الروح وهو ذو مراتب مختلفة إلا أن الذي ينطبق عليه منه بحسب سياق الآيات ~~السابقة المسوقة في أمر القرآن هو الروح السماوي النازل على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) الملقي إليه القرآن. # فالمعنى - والله أعلم - الروح النازل عليك الملقي بالقرآن إليك من أمرنا ~~غير خارج من قدرتنا، وأقسم لئن شئنا لنذهبن بهذا الروح الذي هو كلمتنا ~~الملقاة إليك ثم لا تجد أحدا يكون وكيلا به لك علينا يدافع عنك ويطالبنا به ~~ويجبرنا على رد ما أذهبنا به. # وبذلك يظهر أولا: أن المراد بالذي أوحينا إليك الروح الإلهي الذي هي كلمة ~~ملقاة من الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على حد قوله: "وكذلك ~~أوحينا إليك روحا ms4909 من أمرنا": الشورى: 54. # وثانيا: أن المراد بالوكيل للمطالبة والرد لما أذهبه الله دون الوكيل في ~~حفظ القرآن وتلاوته على ما فسره بعض المفسرين وهو مبني على تفسير قوله: ~~"الذي أوحينا إليك" بالقرآن دون الروح النازل به كما قدمنا. # قوله تعالى: "إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا" استثناء من محذوف ~~يدل عليه السياق، والتقدير فما اختصصت بما اختصصت به ولا أعطيت ما أعطيت من ~~نزول الروح وملازمته إياك إلا رحمة من ربك، ثم علله بقوله: "إن فضله كان ~~عليك كبيرا" وهو وارد مورد الامتنان. # قوله تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" الظهير هو المعين مأخوذ من الظهر ~~كالرئيس من الرأس، وقوله: "بمثله" من وضع الظاهر موضع المضمر وضميره عائد ~~إلى القرآن. # وفي الآية تحد ظاهر، وهي ظاهرة في أن التحدي بجميع ما للقرآن من صفات ~~الكمال الراجعة إلى لفظه ومعناه لا بفصاحته وبلاغته وحدها فإن انضمام غير ~~أهل اللسان إليهم لا ينفع في معارضة البلاغة شيئا وقد اعتنت الآية باجتماع ~~الثقلين وإعانة بعضهم لبعض. # على أن الآية ظاهرة في دوام التحدي وقد انقرضت العرب العرباء أعلام ~~الفصاحة والبلاغة اليوم فلا أثر منهم، والقرآن باق على إعجازه متحد بنفسه ~~كما كان. # قوله تعالى: "ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا" تصريف الأمثال ردها وتكرارها وتحويلها من بيان إلى بيان ومن ~~أسلوب إلى أسلوب، والمثل هو وصف المقصود بما يمثله ويقربه من ذهن السامع، ~~و"من" في قوله: "من كل مثل" لابتداء الغاية، والمراد من كل مثل يوضح لهم ~~سبيل الحق ويمهد لهم طريق الإيمان والشكر بقرينة قوله: "فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا" والكلام مسوق للتوبيخ والملامة. # وفي قوله: "أكثر الناس" وضع الظاهر موضع المضمر والأصل أكثرهم ولعل الوجه ~~فيه الإشارة إلى أن ذلك مقتضى كونهم ناسا كما مر في قوله: "وكان الإنسان ~~كفورا": أسرى: 67. # والمعنى: وأقسم لقد كررنا للناس ms4910 في هذا القرآن من كل مثل يوضح لهم الحق ~~ويدعوهم إلى الإيمان بنا والشكر لنعمنا فأبى أكثر الناس إلا أن يكفروا ولا ~~يشكروا. # قوله تعالى: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى قوله ~~- كتابا نقرؤه" الفجر الفتح والشق وكذلك التفجير إلا أنه يفيد المبالغة ~~والتكثير، والينبوع العين التي لا ينضب ماؤها، وخلال الشيء وسطه وأثناؤه، ~~والكسف جمع كسفة كقطع جمع قطعة وزنا ومعنى، والقبيل هو المقابل كالعشير ~~والمعاشر، والزخرف - الذهب، والرقي الصعود والارتقاء. # والآيات تحكي الآيات المعجزة التي اقترحتها قريش على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وعلقوا إيمانهم به عليها مستهينة بالقرآن الذي هو معجزة خالدة. PageV13P107 # والمعنى "وقالوا" أي قالت قريش "لن نؤمن لك" يا محمد "حتى تفجر" وتشق "لنا ~~من الأرض" أرض مكة لقلة مائها "ينبوعا" عينا لا ينضب ماؤها "أو تكون" ~~بالإعجاز "لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار" أي تشقها أو تجريها "خلالها" ~~أي وسط تلك الجنة وأثناءها "تفجيرا" "أو تسقط السماء كما زعمت" أي مماثلا ~~لما زعمت يشيرون 1 به إلى قوله تعالى: "أو نسقط عليهم كسفا من السماء": ~~السبا: 9 "علينا كسفا" وقطعا "أو تأتي بالله والملائكة قبيلا" مقابلا ~~نعاينهم ونشاهدهم "أو يكون لك بيت من زخرف" وذهب "أو ترقى" وتصعد "في ~~السماء ولن نؤمن لرقيك" وصعودك "حتى تنزل علينا" منها "كتابا نقرؤه" ~~ونتلوه. # قوله تعالى: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا" فيه أمره (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يجيب عما اقترحوه عليه وينبههم على جهلهم ومكابرتهم ~~فيما لا يخفى على ذي نظر فإنهم سألوه أمورا عظاما لا يقوى على أكثرها إلا ~~القدرة الغيبية الإلهية وفيها ما هو مستحيل بالذات كالإتيان بالله ~~والملائكة قبيلا، ولم يرضوا بهذا المقدار ولم يقنعوا به دون أن جعلوه هو ~~المسئول المتصدي لذلك المجيب لما سألوه فلم يقولوا لن نؤمن لك حتى تسأل ربك ~~أن يفعل كذا وكذا بل قالوا: "لن نؤمن لك حتى تفجر" إلخ "أو تكون لك إلخ "أو ~~تسقط ms4911 السماء" إلخ "أو تأتي بالله" إلخ "أو يكون لك" إلخ "أو ترقى في السماء ~~ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه. # فإن أرادوا منه ذلك بما أنه بشر فأين البشر من هذه القدرة المطلقة غير ~~المتناهية المحيطة حتى بالمحال الذاتي، وإن أرادوا منه ذلك بما أنه يدعي ~~الرسالة فالرسالة لا تقتضي إلا حمل ما حمله الله من أمره وبعثه لتبليغه ~~بالإنذار والتبشير لا تفويض القدرة الغيبية إليه وإقداره أن يخلق كل ما ~~يريد، ويوجد كل ما شاءوا، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدعي لنفسه ذلك ~~فاقتراحهم ما اقترحوه مع ظهور الأمر من عجيب الاقتراح. # ولذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبادر في جوابهم أولا إلى تنزيه ~~ربه مما يلوح إليه اقتراحهم هذا من المجازفة وتفويض القدرة إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، ولا يبعد أن يستفاد منه التعجب فالمقام صالح لذلك. # وثانيا: إلى الجواب بقوله في صورة الاستفهام: "هل كنت إلا بشرا رسولا" ~~وهو يؤيد كون قوله: "سبحان ربي" واقعا موقع التعجب أي إن كنتم اقترحتم على ~~هذه الأمور وطلبتموها مني بما أنا محمد فإنما أنا بشر ولا قدرة للبشر على ~~شيء من هذه الأمور، وإن كنتم اقترحتموها لأني رسول أدعي الرسالة فلا شأن ~~للرسول إلا حمل الرسالة وتبليغها لا تقلد القدرة الغيبية المطلقة. # وقد ظهر بهذا البيان أن كلا من قوله: "بشرا" و"رسولا" دخيل في استقامة ~~الجواب عن اقتراحهم أما قوله: "بشرا" فليرد به اقتراحهم عليه أن يأتي بهذه ~~الآيات عن قدرته في نفسه، وأما قوله: "رسولا" فليرد به اقتراح إيتائها عن ~~قدرة مكتسبة من ربه. # وذكر بعضهم ما محصله أن معتمد الكلام هو قوله: "رسولا" وقوله: "بشرا" ~~توطئة له ردا لما أنكروه من جواز كون الرسول بشرا، ودلالة على أن من قبله ~~من الرسل كانوا كذلك، والمعنى على هذا هل كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرسل ~~وكانوا لا يأتون إلا بما أجراه على أيديهم من غير أن يفوض إليهم أو يتحكموا ~~على ms4912 ربهم بشيء. # قال: وجعل "بشرا" و"رسولا" كليهما معتمدين مخالف لما يظهر من الآثار أولا ~~فإن الذي ورد في الآثار أنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يسأل ربه أن يفعل كذا وكذا، ولم يسألوه أن يأتيهم بشيء من قبل نفسه حتى ~~يشار إلى رده بإثبات بشريته، ومستلزم لكون رسولا خبرا بعد خبر وكونهما ~~خبرين لكان يأباه الذوق السليم. # انتهى محصلا. # وفيه أولا: أن أخذ قوله: "بشرا" ردا على زعمهم عدم جواز كون الرسول بشرا ~~مع عدم اشتمال الآيات على مزعمتهم هذه لا تصريحا ولا تلويحا تحميل من غير دليل. # وثانيا: أن الذي ذكره في معنى الآية "هل كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرسل ~~وكانوا لا يأتون إلا كذا وكذا" معتمد الكلام فيه هو التشبيه الذي في قوله: ~~"كسائر الرسل" لا قوله: "رسولا" وفي حذف معتمد الكلام إفساد السياق فافهم ذلك. PageV13P108 # وثالثا: أن اشتمال الآثار على أنهم إنما سألوا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يسأل ربه الإتيان بتلك الآيات من غير أن يسألوه نفسه أن يأتي بها، ~~لا يعارض نص الكتاب بخلافه، والذي حكاه الله عنهم أنهم قالوا: لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا "إلخ" فتفجر الأنهار "إلخ" أو تسقط السماء "إلخ" وهذا من عجيب ~~المغالاة في حق الآثار وتحكيمها على كتاب الله وتقديمها عليه حتى في صورة ~~المخالفة. # ورابعا: أن إباء الذوق السليم عن تجويز كون "رسولا" خبرا بعد خبر لا يظهر ~~له وجه. # قوله تعالى: "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا" الاستفهام في قوله: "أبعث الله بشرا رسولا" للإنكار، ~~وجملة "قالوا أبعث الله" "إلخ" حكاية حالهم بحسب الاعتقاد وإن لم يتكلموا ~~بهذه الكلمة بعينها. # وإنكار النبوة والرسالة مع إثبات الإله من عقائد الوثنية، وهذه قرينة على ~~أن المراد بالناس الوثنيون، والمراد بالإيمان الذي منعوه هو الإيمان ~~بالرسول. # فمعنى الآية وما منع الوثنيين - وكانت قريش وعامة العرب يومئذ منهم - أن ~~يؤمنوا بالرسالة - أو برسالتك - إلا إنكارهم لرسالة ms4913 البشر، ولذلك كانوا ~~يردون على رسلهم دعوتهم - كما حكاه الله - بمثل قولهم: "لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون": حم السجدة: 14. # قوله تعالى: "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا" أمر سبحانه رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرد ~~عليهم قولهم وإنكارهم لرسالة البشر ونزول الوحي بأن العناية الإلهية قد ~~تعلقت بهداية أهل الأرض ولا يكون ذلك إلا بوحي سماوي لا من عند أنفسهم ~~فالبشر القاطنون في الأرض لا غنى لهم عن وحي سماوي بنزول ملك رسول إليهم ~~ويختص بذلك نبيهم. # وهذه خاصة الحياة الأرضية والعيشة المادية المفتقرة إلى هداية إلهية لا ~~سبيل إليها إلا بنزول الوحي من السماء حتى لو أن طائفة من الملائكة سكنوا ~~الأرض وأخذوا يعيشون عيشة أرضية مادية لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ~~كما ننزل على البشر ملكا رسولا. # والعناية في الآية الكريمة. # كما ترى - متعلقة بجهتين إحداهما كون الحياة أرضية مادية، والأخرى كون ~~الهداية الواجبة بالعناية الإلهية بوحي نازل من السماء برسالة ملك من ~~الملائكة. # والأمر على ذلك فهاتان الجهتان أعني كون حياة النوع أرضية مادية ووجوب ~~هدايتهم بواسطة سماوية وملك علوي هما المقدمتان الأصليتان في البرهان على ~~وجود الرسالة ولزومها. # وأما ما أصر عليه المفسرون من تقييد معنى الآية بوجوب كون الرسول من جنس ~~المرسل إليهم ومن أنفسهم كالإنسان للإنسان والملك للملك فليس بتلك الأهمية، ~~ولذلك لم يصرح به في الآية الكريمة. # وذلك أن كون الرسول إلى البشر وهو الذي يعلمهم ويربيهم من أنفسهم من ~~لوازم كون حياتهم أرضية، وكون الوحي النازل عليهم بواسطة الملك السماوي فإن ~~اختلاف أفراد النوع المادية بالسعادة والشقاء والكمال والنقص وطهارة الباطن ~~وقذارته ضروري والملك الملقي للوحي وما تحمله منه طاهر زكي لا يمسه إلا ~~المطهرون، فالملك النازل بالوحي وإن نزل على النوع لكن لا يمسه إلا آحاد ~~منهم مطهرون من قذارات المادة وألواثها مقدسون من مس الشيطان وهم الرسل ~~(عليهم السلام). # وتوضيح المقام: أن مقتضى العناية ms4914 الإلهية هداية كل نوع من أنواع الخليقة ~~إلى كماله وسعادته، والإنسان الذي هو أحد هذه الأنواع غير مستثنى من هذه ~~الكلية، ولا تتم سعادته في الحياة إلا بأن يعيش عيشة اجتماعية تحكم فيها ~~قوانين وسنن تضمن سعادة حياته في الدنيا وبعدها، وترفع الاختلافات الضرورية ~~الناشئة بين الأفراد، وإذ كانت حياته حياة شعورية فلا بد أن يجهز بما يتلقى ~~به هذه القوانين والسنن ولا يكفي في ذلك ما جهز به من العقل المميز بين ~~خيره وشره فإن العقل بعينه يهديه إلى الاختلاف فلا بد أن يجهز بشعور آخر ~~يتلقى به ما يفيضه الله من المعارف والقوانين الرافعة للاختلاف الضامنة ~~لسعادته وكماله وهو شعور الوحي والإنسان المتلبس به هو النبي. # وهذا برهان عقلي تام مأخوذ من كلامه وقد أوردناه وفصلنا القول فيه في ~~مباحث النبوة من الجزء الثاني وفي ضمن قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب. PageV13P109 # وأما الآية التي نحن فيها أعني قوله: "قل لو كان في الأرض ملائكة" إلخ ~~فإنها تزيد على ما مر من معنى البرهان بشيء وهو أن إلقاء الوحي إلى البشر ~~يجب أن يكون بنزول ملك من السماء إليهم. # وذلك أن محصل مضمون الآية وما قبلها هو أن الذي يمنع الناس أن يؤمنوا ~~برسالتك أنهم يحيلون رسالة البشر من جانب الله سبحانه. # وقد أخطئوا في ذلك فإن مقتضى الحياة الأرضية وعناية الله بهداية عباده أن ~~ينزل إلى بعضهم ملكا من السماء رسولا حتى أن الملائكة لو كانوا كالإنسان ~~عائشين في الأرض لنزل الله إلى بعضهم وهو رسولهم ملكا من السماء رسولا ~~حاملا لوحيه. # وهذا كما ترى يعطي أولا: معنى الرسالة البشرية وهو أن الرسول إنسان ينزل ~~عليه ملك من السماء بدين الله ثم هو يبلغه الناس بأمر الله. # ويشير ثانيا: إلى برهان الرسالة أن حياة الإنسان الأرضية والعناية ~~الربانية متعلقة بهداية عباده وإيصالهم إلى غاياتهم لا غنى لها عن نزول دين ~~سماوي عليهم، والملائكة وسائط نزول البركات السماوية إلى الأرض فلا محالة ~~ينزل الدين على الناس بوساطة ms4915 الملك وهو رسالته، والذي يشاهده ويتلقى ما ~~ينزل به - ولا يكون إلا بعض الناس لا جميعهم لحاجته إلى طهارة باطنية وروح ~~من أمر الله - هو الرسول البشري. # وكان المترقب من السياق أن يقال: "لبعث الله فيهم ملكا رسولا" بحذاء ~~قولهم المحكي في الآية السابقة: "أبعث الله بشرا رسولا" لكنه عدل إلى مثل ~~قوله: "لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" ليكون أولا أحسم للشبهة وأقطع ~~للتوهم فإن عامة الوثنيين من البرهمانية والبوذية والصابئة كما يشهد به ما ~~في كتبهم المقدسة لا يتحاشون ذاك التحاشي عن النبوة بمعنى انبعاث بشر كامل ~~لتكميل الناس ويعبرون عنه بظهور المنجي أو المصلح ونزول الإله إلى الأرض ~~وظهوره على أهلها في صورة موجود أرضي وكان بوذه ويوذاسف - على ما يقال - ~~منهم والمعبود عندهم على أي حال هو الملك أو الجن أو الإنسان المستغرق فيه ~~دون الله سبحانه. # وإنما يمتنعون كل الامتناع عن رسالة الملك وهو من الآلهة المعبودين عندهم ~~إلى البشر بدين يعبد فيه الله وحده وهو إله غير معبود عندهم ففي التصريح ~~برسالة الملك السماوي إلى البشر الأرضي من عند الله النص على كمال المخالفة لهم. # وليكون ثانيا إشارة إلى أن رسالة الملك بالحقيقة إلى عامة الإنسان غير أن ~~الذي يصلح لتلقي الوحي منه هو الرسول منهم، وأما غيره فهم محرومون عن ذلك ~~لعدم استعدادهم لذلك فالفيض عام وإن كان المستفيض خاصا قال تعالى: "وما كان ~~عطاء ربك محظورا": أسرى: 20، وقال: "قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي ~~رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته": الأنعام: 124. # والآية بما تعطي من معنى الرسالة يؤيد ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) في الفرق بين الرسول والنبي أن الرسول هو الذي يرى الملك ويسمع منه ~~والنبي يرى المنام ولا يعاين، وقد أوردنا بعض هذه الأخبار في خلال أبحاث ~~النبوة في الجزء الثاني من الكتاب. # ومن ألطف التعبير في الآية وأوجزه تعبيره عن الحياة الأرضية بقوله: "في ~~الأرض ملائكة يمشون مطمئنين" فإن الانتقال المكاني على الأرض ms4916 مع الوقوع تحت ~~الجاذبة الأرضية من أوضح خواص الحياة المادية الأرضية. # قوله تعالى: "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا" لما احتج عليهم بما احتج وبين لهم ما بين في أمر معجزة رسالته وهي ~~القرآن الذي تحدى به وهم على عنادهم وجحودهم وعنتهم لا يعتنون به ويقترحون ~~عليه بأمور جزافية أخرى ولا يحترمون لحق ولا ينقطعون عن باطل أمر أن يرجع ~~الأمر إلى شهادة الله فهو شهيد بما وقع منه ومنهم فقد بلغ ما أرسل به ودعا ~~واحتج وأعذر وقد سمعوا وتمت عليهم الحجة واستكبروا وعتوا فالكلام في معنى ~~إعلام قطع المحاجة وترك المخاصمة ورد الأمر إلى مالك الأمر فليقض ما هو قاض. # وقيل المراد بالآية الاستشهاد بالله سبحانه على حقية الدعوة وصحة الرسالة ~~كأنه يقول: كفاني حجة أن الله شهيد على رسالتي فهذا كلامه يصرح بذلك فإن ~~قلتم: ليس بكلامه بل مما افتريته فأتوا بمثله ولن تأتوا بمثله ولو كان ~~الثقلان أعوانا لكم وأعضادا يمدونكم. PageV13P110 # وهذا في نفسه جيد غير أن ذيل الآية كما قيل لا يلائمه أعني قوله: "بيني ~~وبينكم" وقوله: "إنه كان بعباده خبيرا بصيرا" بل كان الأقرب أن يقال: شهيدا ~~لي عليكم أو على رسالتي أو نحو ذلك. # وهذه الآية والآيتان قبلها مسجعة بقوله: "رسولا" وهو المورد الوحيد في ~~القرآن الذي اتفقت فيه ثلاث آيات متوالية في سجع واحد على ما نذكر. # قوله تعالى: "ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من ~~دونه" إلخ هو - على ما يشعر به السياق - من تتمة الخطاب الأخير للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بقوله: "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم" فهو كناية ~~عن أنه تمت عليهم الحجة وحقت عليهم الضلالة فلا مطمع في هدايتهم. # ومحصل المعنى: خاطبهم بإعلام قطع المحاجة فإن الهداية لله تعالى لا ~~يشاركه فيها أحد فمن هداه فهو المهتدي لا غير ومن أضله ولم يهده فلن تجد يا ~~محمد له أولياء من دونه يهدونه والله لا يهدي هؤلاء ms4917 فانقطع عنهم ولا تكلف ~~نفسك في دعوتهم رجاء أن يؤمنوا. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: إن الآية كلام مبتدأ غير داخل في حيز "قل" في ~~غير محله. # وإنما أتى بأولياء بصيغة الجمع مع كون المفرد أبلغ وأشمل إشارة إلى أنه ~~لو كان له ولي من دون الله لكان ذلك إما آلهتهم وهي كثيرة وإما سائر ~~الأسباب الكونية وهي أيضا كثيرة. # وفي قوله: "ومن يهد الله فهو المهتد" إلخ التفات من التكلم بالغير إلى ~~الغيبة فقد كان السياق سياق التكلم بالغير ولعل الوجه فيه أنه لو قيل: ومن ~~نهد ومن نضل على التكلم بالغير أوهم تشريك الملائكة في أمر الهداية ~~والإضلال فأوهم التناقض في قوله: "فلن تجد لهم أولياء من دونه" فإن ~~الأولياء عندهم الملائكة وهم يتخذونهم آلهة ويعبدونهم. # قوله: "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم" إلى آخر الآيتين العمى والبكم ~~والصم جمع أعمى وأبكم وأصم، وخبو النار وخبوها سكون لهبها، والسعير لهب ~~النار، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن ~~يخلق مثلهم" إلى آخر الآية، الكفور الجحود، احتجاج منه تعالى على البعث بعد ~~الموت فقد كان قولهم: "ء إذا كنا عظاما ورفاتا ء إنا لمبعوثون خلقا جديدا" ~~استبعادا مبنيا على إحالة أن يعود هذا البدن الدنيوي بعد تلاشيه وصيرورته ~~عظاما ورفاتا إلى ما كان عليه بخلق جديد فاحتج عليهم بأن خلق البدن أولا ~~يثبت القدرة عليه وعلى مثله الذي هو الخلق الجديد للبعث فحكم الأمثال واحد. # فالمماثلة إنما هي من جهة مقايسة البدن الجديد من البدن الأول مع قطع ~~النظر عن النفس التي هي الحافظة لوحدة الإنسان وشخصيته، ولا ينافي ذلك كون ~~الإنسان الأخروي عين الإنسان الدنيوي لا مثله لأن ملاك الوحدة والشخصية هي ~~النفس الإنسانية وهي محفوظة عند الله سبحانه غير باطلة ولا معدومة، وإذا ~~تعلقت بالبدن المخلوق جديدا كان هو الإنسان الدنيوي كما أن الإنسان في ~~الدنيا واحد شخصي باق على وحدته الشخصية مع تغير البدن بجميع أجزائه حينا ~~بعد ms4918 حين. # والدليل على أن النفس التي هي حقيقة الإنسان محفوظة عند الله مع تفرق ~~أجزاء البدن وفساد صورته قوله تعالى: "وقالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا ~~لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": ~~الم السجدة: 11 حيث استشكلوا في المعاد بأنه تجديد للخلق بعد فناء الإنسان ~~بتفرق أجزاء بدنه فأجيب عنه بأن ملك الموت يتوفى الإنسان ويأخذه تاما كاملا ~~فلا يضل ولا يتلاشى، وإنما الضال بدنه ولا ضير في ذلك فإن الله يجدده. # والدليل على أن الإنسان المبعوث هو عين الإنسان الدنيوي لا مثله جميع ~~آيات القيامة الدالة على رجوع الإنسان إليه تعالى وبعثه وسؤاله وحسابه ~~ومجازاته بما عمل. # فهذا كله يشهد على أن المراد بالمماثلة ما ذكرناه، وإنما تعرض لأمر البدن ~~حتى ينجر إلى ذكر المماثلة محاذاة لمتن ما استشكلوا به من قولهم: "ء إذا ~~كنا عظاما ورفاتا ء إنا لمبعوثون خلقا جديدا" فلم يضمنوا قولهم إلا شئون ~~البدن لا النفس المتوفاة منه، وإذا قطع النظر عن النفس كان البدن مماثلا ~~للبدن، وإن كان مع اعتبارها عينا. # وذكر بعضهم: أن المراد بمثلهم نفسهم فهو من قبيل قولهم: مثلك لا يفعل هذا ~~أي أنت لا تفعله. PageV13P111 # وللمناقشة إليه سبيل والظاهر أن العناية في هذا التركيب أن مثلك لاشتماله ~~على مثل ما فيك من الصفة لا يفعل هذا فأنت لا تفعله لمكان صفتك ففيه نفي ~~الفعل بنفي سببه على سبيل الكناية، وهو آكد من قولنا: أنت لا تفعله. # وقوله: "وجعل لهم أجلا لا ريب فيه" الظاهر أن المراد بالأجل هو زمان ~~الموت فإن الأجل إما مجموع مدة الحياة الدنيا وهي محدودة بالموت وإما آخر ~~زمان الحياة ويقارنه الموت وكيف كان فالتذكير بالموت الذي لا ريب فيه ~~ليعتبروا به ويكفوا عن الجرأة على الله وتكذيب آياته فهو قادر على بعثهم ~~والانتقام منهم بما صنعوا. # فقوله: "وجعل لهم أجلا لا ريب فيه" ناظر إلى قوله في صدر الآية السابقة: ~~"ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا ms4919 بآياتنا" فهو نظير قوله: "والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يشعرون إلى أن قال أولم ينظروا في ملكوت السموات ~~والأرض إلى أن قال وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون": ~~الأعراف: 185. # وجوز بعضهم أن يكون المراد بالأجل هو يوم القيامة، وهو لا يلائم السياق ~~فإن سابق الكلام يحكي إنكارهم للبعث ثم يحتج عليهم بالقدرة فلا يناسبه أخذ ~~البعث مسلما لا ريب فيه. # ونظيره تقرير بعضهم قوله: "وجعل لهم أجلا لا ريب فيه" حجة أخرى مسوقة ~~لإثبات يوم القيامة على كل من تقديري كون المراد بالأجل هو يوم الموت أو ~~يوم القيامة، وهو تكلف لا يعود إلى جدوى البتة فلا موجب للاشتغال به. # قوله تعالى: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ~~وكان الإنسان قتورا" فسر القتور بالبخيل المبالغ في الإمساك وقال في ~~المجمع،: القتر التضييق والقتور فعول منه للمبالغة، ويقال: قتر يقتر وتقتر ~~وأقتر وقتر إذا قدر في النفقة انتهى. # وهذا توبيخ لهم على منعهم رسالة البشر المنقول عنهم سابقا بقوله: "وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا" ~~ومعنى الآية ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~إنما الشفاء في علم القرآن لقوله: "ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" الحديث. # وفي الكافي، بإسناده عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~قال: قال: النية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل ثم قرأ قوله عز وجل: ~~"قل كل يعمل على شاكلته" يعني على نيته. # أقول: وقوله: إن النية هي العمل يشير إلى اتحادهما اتحاد العنوان ~~ومعنونه. # وفيه، بإسناده عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما ~~خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن ~~يعصوا الله أبدا وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا ~~أن لو ms4920 بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء. ثم تلا ~~قوله تعالى: "قل كل يعمل على شاكلته" قال: على نيته. # أقول: إشارة إلى رسوخ الملكات بحيث يبطل في النفس استعداد ما يقابلها ~~وروى الرواية العياشي أيضا في تفسيره، عن أبي هاشم عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "يسألونك عن الروح" الآية: أخرج أحمد ~~والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة، ~~والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن ابن ~~عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا: سلوه عن ~~الروح فسألوه فنزلت: "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي - وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا" قالوا: أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي ~~التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فأنزل الله: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي - لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا". # أقول: وروي بطرق أخرى عن عبد الله بن مسعود وعن عبد الرحمن بن عبد الله ~~بن أم الحكم: أن السؤال إنما كان من اليهود بالمدينة وبها نزلت الآية وكون ~~السورة مكية واتحاد سياق آياتها لا يلائم ذلك. PageV13P112 # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب ~~الأضداد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي بن ~~أبي طالب: في قوله "ويسألونك عن الروح" قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ~~ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح ~~الله تعالى بتلك اللغات كلها يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا يطير مع ~~الملائكة إلى يوم القيامة. # أقول: كون الروح من الملائكة لا يوافق ظاهر عدة من آيات الكتاب كقوله: ~~"ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2 وغيره من الآيات، وقد تقدم في ~~ذيل قوله تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره" من سورة النحل حديث علي ~~(عليه السلام) وفيه إنكاره أن يكون الروح ملكا ms4921 واحتجاجه على ذلك بالآية ~~فالعبرة في أمر الروح بما يأتي. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله عز وجل: "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" قال: خلق أعظم ~~من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مع ~~الأئمة وهو من الملكوت. # أقول: وفي معناه روايات أخر، والرواية توافق ما تقدم توضيحه من مدلول ~~الآيات. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام): عن قوله "يسألونك عن الروح" قال: إن الله تبارك وتعالى أحد صمد ~~والصمد الشيء الذي ليس له جوف فإنما الروح خلق من خلقه له بصر وقوة وتأييد ~~يجعله في قلوب الرسل والمؤمنين. # أقول: وإنما تعرض في صدر الرواية بما تعرض دفعا لما يتوهم من مثل قوله ~~تعالى: "ونفخت فيه من روحي" أن هناك جوفا ونفسا منفوخا. # وفيه، عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن قوله ~~ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" ما الروح؟ قال: التي في الدواب ~~والناس قلت: وما هي؟ قال: من الملكوت من القدرة. # أقول: وهذه الروايات تؤيد ما تقدم في بيان الآية أن الروح المسئول عنه ~~حقيقة وسيعة ذات مراتب مختلفة وأيضا ظاهر هذه الرواية كون الروح الحيواني ~~مجردا من الملكوت. PageV13P113 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد ~~الدار وأبا البختري أخا بني أسد والأسود بن المطلب وربيعة بن الأسود ~~والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف ~~والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج السهميين اجتمعوا بعد غروب الشمس ~~عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى ~~تعذروا فيه. فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فجاءهم ~~رسول الله (صلى الله عليه ms4922 وآله وسلم) سريعا وهو يظن أنهم قد بدا لهم في ~~أمره بدء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم. ~~فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذرك، وإنا والله ما نعلم رجلا من ~~العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت ~~الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي من قبيح إلا وقد جئت فيما ~~بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا ~~حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ~~ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك ~~وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب ~~الطب حتى نبرئك منه ونعذر فيك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا فيئكم ولا الملك ~~عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم ~~بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو ~~حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم. فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ~~ليس أحد من الناس أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا فاسأل ربك الذي ~~بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا ~~بلادنا وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من ~~آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم ~~عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به ~~منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني ms4923 به فقد بلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر ~~لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخر ~~لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله أن يجعل ~~لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم ~~بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما ~~تزعم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أنا بفاعل ما أنا ~~بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فإن ~~تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر ~~الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن ~~شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل فقال رسول الله ذلك إلى الله إن شاء ~~فعل بكم ذلك. قالوا: يا محمد قد علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك ~~عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك بما هو ~~صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا ~~رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لن نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا ~~إليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال ~~قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك قام ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم وقام معهم عبد الله بن أبي أمية ~~فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم ~~أمورا ليعرفوا بها منزلتك عند الله فلم تفعل ذلك ثم سألوك أن تعجل ما ~~تخوفهم به من العذاب فوالله ما أؤمن PageV13P114 بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي ~~معك ms4924 بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله ~~لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وانصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهله حزينا ~~أسفا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من متابعتهم إياه ~~وأنزل عليه فيما قال له عبد الله بن أبي أمية: "وقالوا لن نؤمن لك إلى قوله ~~بشرا رسولا" الحديث. # أقول: والذي ذكر في الرواية من محاورتهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وسؤالاتهم لا ينطبق على ظاهر الآيات ولا ما فيها من الجواب على ظاهر ما ~~فيها من الجواب. # وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في بيان الآيات. # وقد تكررت الرواية من طرق الشيعة وأهل السنة أن الذي ألقى إليه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) القول من بين القوم وسأله هذه المسائل هو عبد الله بن أبي ~~أمية المخزومي أخو أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم": ~~أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو ~~نعيم في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس قال: ~~قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم ~~قادر أن يمشيهم على وجوههم. # أقول: وفي معناه روايات أخر. PageV13P115 ### ||| AUTO 17 سورة الإسراء - 101 - 111 # ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينت فسئل بنى إسرءيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إنى لأظنك يموسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموت ~~والأرض بصائر وإنى لأظنك يفرعون مثبورا (102) فأراد أن يستفزهم من الأرض ~~فأغرقنه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبنى إسرءيل اسكنوا الأرض فإذا ~~جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا (104) وبالحق أنزلنه وبالحق نزل وما أرسلنك ~~إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرءانا فرقنه لتقرأه على الناس على مكث ونزلنه ~~تنزيلا (106) قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا ms4925 إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا ~~يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا (108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا (111) ### |||| AUTO بيان # في الآيات تنظير ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من معجزة ~~النبوة وهو القرآن وإعراض المشركين عنه واقتراحهم آيات أخرى جزافية بما جاء ~~به موسى (عليه السلام) من آيات النبوة وإعراض فرعون عنها ورميه إياه بأنه ~~مسحور ثم عود إلى وصف القرآن والسبب في نزوله مفرقة أجزاؤه وما يلحق بها من ~~المعارف. # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا" الذي أوتي موسى (عليه السلام) من ~~الآيات على ما يقصه القرآن أكثر من تسع غير أن الآيات التي أتى بها لدعوة ~~فرعون فيما يذكره القرآن تسع وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل ~~والضفدع والدم والسنون ونقص من الثمرات فالظاهر أنها هي المرادة بالآيات ~~التسع المذكورة في الآية وخاصة مع ما فيها من محكي قول موسى لفرعون: "لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر" وأما غير هذه الآيات ~~كالبحر والحجر وإحياء المقتول بالبقرة وإحياء من أخذته الصاعقة من قومه ~~ونتق الجبل فوقهم وغير ذلك فهي خارجة عن هذه التسع المذكورة في الآية. # ولا ينافي ذلك كون الآيات إنما ظهرت تدريجا فإن هذه المحاورة مستخرجة من ~~مجموع ما تخاصم به موسى وفرعون طول دعوته. # فلا عبرة بما ذكره بعض المفسرين مخالفا لما عددناه لعدم شاهد عليه وفي ~~التوراة أن التسع هي العصا والدم والضفادع والقمل وموت البهائم وبرد كنار ~~أنزل مع نار مضطرمة أهلكت ما مرت به من نبات وحيوان والجراد والظلمة وموت ms4926 ~~عم كبار الآدميين وجميع الحيوانات. # ولعل مخالفة التوراة لظاهر القرآن في الآيات التسع هي الموجبة لترك تفصيل ~~الآيات التسع في الآية ليستقيم الأمر بالسؤال من اليهود لأنهم مع صريح ~~المخالفة لم يكونوا ليصدقوا القرآن بل كانوا يبادرون إلى التكذيب قبل ~~التصديق. # وقوله: "إني لأظنك يا موسى مسحورا" أي سحرت فاختل عقلك وهذا في معنى قوله ~~المنقول في موضع آخر: "إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون": الشعراء: 27 ~~وقيل: المراد بالمسحور الساحر نظير الميمون والمشئوم بمعنى اليامن والشائم ~~وأصله استعمال وزن الفاعل في النسبة ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر ~~وإني لأظنك يا فرعون مثبورا" المثبور الهالك وهو من الثبور بمعنى الهلاك، ~~والمعنى قال موسى مخاطبا لفرعون: لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات ~~البينات إلا رب السموات والأرض أنزلها بصائر يتبصر بها لتمييز الحق من ~~الباطل وإني لأظنك يا فرعون هالكا بالآخرة لعنادك وجحودك. PageV13P116 # وإنما أخذ الظن دون اليقين لأن الحكم لله وليوافق ما في كلام فرعون: "وإني ~~لأظنك يا موسى" إلخ ومن الظن ما يستعمل في مورد اليقين. # قوله تعالى: "فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا" ~~الاستفزاز الإزعاج والإخراج بعنف، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد ~~الآخرة جئنا بكم لفيفا" المراد بالأرض التي أمروا أن يسكنوها هي الأرض ~~المقدسة التي كتبها الله لهم بشهادة قوله: "ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم": المائدة: 21، وغير ذلك كما أن المراد بالأرض في الآية السابقة ~~مطلق الأرض أو أرض مصر بشهادة السياق. # وقوله: "فإذا جاء وعد الآخرة" أي وعد الكرة الآخرة أو الحياة الآخرة ~~والمراد به على ما ذكره المفسرون يوم القيامة، وقوله: "جئنا بكم لفيفا أي ~~مجموعا ملفوفا بعضكم ببعض. # والمعنى: وقلنا من بعد غرق فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض المقدسة - ~~وكان فرعون يريد أن يستفزهم من الأرض - فإذا كان يوم القيامة جئنا بكم ~~ملتفين مجتمعين للحساب وفصل ms4927 القضاء. # وليس ببعيد أن يكون المراد بوعد الآخرة ما ذكره الله سبحانه في أول ~~السورة فيما قضى إلى بني إسرائيل بقوله: "فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا" وإن لم ~~يذكره جمهور المفسرين فينعطف بذلك ذيل الكلام في السورة إلى صدره، ويكون ~~المراد أنا أمرناهم بعد غرق فرعون أن اسكنوا الأرض المقدسة التي كان يمنعكم ~~منها فرعون والبثوا فيها حتى إذا جاء وعد الآخرة التي يلتف بكم فيها البلاء ~~بالقتل والأسر والجلاء جمعناكم منها وجئنا بكم لفيفا، وذلك إسارتهم ~~وإجلاؤهم إلى بابل. # ويتضح على هذا الوجه نكتة تفرع قوله: "فإذا جاء وعد الآخرة" إلخ على ~~قوله: "وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض" على خلاف الوجه السابق ~~الذي لا يترتب فيه على التفريع نكتة ظاهرة. # قوله تعالى: "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا" ~~لما فرغ من التنظير رجع إلى ما كان عليه من بيان حال القرآن وذكر أوصافه ~~فذكر أنه أنزله إنزالا مصاحبا للحق وقد نزل هو من عنده نزولا مصاحبا للحق ~~فهو مصون من الباطل من جهة من أنزله فليس من لغو القول وهذره ولا داخله شيء ~~يمكن أن يفسده يوما ولا شاركه فيه أحد حتى ينسخه في وقت من الأوقات وليس ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا رسولا منه تعالى يبشر به وينذر وليس ~~له أن يتصرف فيه بزيادة أو نقيصة أو يتركه كلا أو بعضا باقتراح من الناس أو ~~هوى من نفسه أو يعرض عنه فيسأل الله آية أخرى فيها هواه أو هوى الناس أو ~~يداهنهم فيه أو يسامحهم في شيء من معارفه وأحكامه كل ذلك لأنه حق صادر عن ~~مصدر حق، وما ذا بعد الحق إلا الضلال. # فقوله: "وما أرسلناك" إلخ متمم للكلام السابق، ومحصله أن القرآن آية حقة ~~ليس لأحد أن يتصرف فيه شيئا من التصرف والنبي وغيره في ذلك سواء. # قوله تعالى: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا" ms4928 ~~معطوف على ما قبله أي أنزلناه بالحق وفرقناه قرآنا، قال في المجمع،: معنى ~~فرقناه فصلناه ونزلناه آية آية وسورة سورة ويدل عليه قوله: "على مكث" ~~والمكث - بضم الميم - والمكث - بفتحها - لغتان. # انتهى. # فاللفظ بحسب نفسه يعم نزول المعارف القرآنية التي هي عند الله في قالب ~~الألفاظ والعبارات التي لا تتلقى إلا بالتدريج ولا تتعاطى إلا بالمكث ~~والتؤدة ليسهل على الناس تعقله وحفظه على حد قوله: "إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4. # ونزول الآيات القرآنية نجوما مفرقة سورة سورة وآية آية بحسب بلوغ الناس ~~في استعداد تلقي المعارف الأصلية للاعتقاد والأحكام الفرعية للعمل واقتضاء ~~المصالح ذلك ليقارن العلم العمل ولا يجمح عنه طباع الناس بأخذ معارفه ~~وأحكامه واحدا بعد واحد كما لو نزل دفعة وقد نزلت التوراة دفعة فلم يتلقها ~~اليهود بالقبول إلا بعد نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. PageV13P117 # لكن الأوفق بسياق الآيات السابقة وفيها مثل قولهم المحكي: "حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه" الظاهر في اقتراح نزول القرآن دفعة هو أن يكون المراد بتفريق ~~القرآن إنزاله سورة سورة وآية آية حسب تحقق أسباب النزول تدريجا وقد تكرر ~~من الناس اقتراح أن ينزل القرآن جملة واحدة كما في: "وقال الذين كفروا لو ~~لا نزل عليه القرآن جملة واحدة": الفرقان: 32، وقوله حكاية عن أهل الكتاب: ~~"يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء": النساء: 153. # ويؤيده تذييل الآية بقوله: "ونزلناه تنزيلا" فإن التنزيل وهو إنزال الشيء ~~تدريجا أمس بالاعتبار الثاني منه بالأول. # ومع ذلك فالاعتبار الثاني وهو تفصيل القرآن وتفريقه بحسب النزول بإنزال ~~بعضه بعد بعض من دون أن ينزل جملة واحدة يستلزم الاعتبار الأول وهو تفصيله ~~وتفريقه إلى معارف وأحكام متبوعة مختلفة بعد ما كان الجميع مندمجة في حقيقة ~~واحدة منطوية مجتمعة الأعراق في أصل واحد فارد. # ولذلك فصل الله سبحانه كتابه سورا وآيات بعد ما ألبسه لباس اللفظ العربي ~~ليسهل على الناس فهمه كما قال: "لعلكم تعقلون" ثم نوعها أنواعا ورتبها ~~ترتيبا فنزلها ms4929 واحدة بعد واحدة عند قيام الحاجة إلى ذلك وعلى حسب حصول ~~استعدادات الناس المختلفة وتمام قابليتهم بكل واحد منها وذلك في تمام ثلاث ~~وعشرين سنة ليشفع التعليم بالتربية ويقرن العلم بالعمل. # وسنعود إلى البحث عن بعض ما يتعلق بالآية والسورة في كلام مستقل إن شاء ~~الله تعالى. # قوله تعالى: "قل آمنوا به أو لا تؤمنوا" إلى آخر الآيات الثلاث المراد ~~بالذين أوتوا العلم من قبله هم الذين تحققوا بالعلم بالله وآياته من قبل ~~نزول القرآن سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو غيرهم فلا موجب للتخصيص ~~اللهم إلا أن يقال: إن السياق يفيد كون هؤلاء من أهل الحق والدين غير ~~المنسوخ يومئذ هو دين المسيح (عليه السلام) فهم أهل الحق من علماء ~~النصرانية الذين لم يزيغوا ولم يبدلوا. # وعلى أي حال المراد من كونهم أوتوا العلم من قبله أنهم استعدوا لفهم كلمة ~~الحق وقبولها لتجهزهم بالعلم بحقيقة معناه وإيراثه إياهم وصف الخشوع ~~فيزيدهم القرآن المتلو عليهم خشوعا. # وقوله: "يخرون للأذقان سجدا" الأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين من الوجه، ~~والخرور للأذقان السقوط على الأرض على أذقانهم للسجدة كما يبينه قوله: ~~"سجدا" وإنما اعتبرت الأذقان لأن الذقن أقرب أجزاء الوجه من الأرض عند ~~الخرور عليها للسجدة، وربما قيل: المراد بالأذقان الوجوه إطلاقا للجزء على ~~الكل مجازا. # وقوله: "ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا" أي ينزهونه تعالى ~~عن كل نقص وعن خلف الوعد خاصة ويعطي سياق الآيات السابقة أن المراد بالوعد ~~وعده سبحانه بالبعث وهذا في قبال إصرار المشركين على نفي البعث وإنكار ~~المعاد كما تكرر في الآيات السابقة. # وقوله: "ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا" تكرار الخرور للأذقان ~~وإضافته إلى البكاء لإفادة معنى الخضوع وهو التذلل الذي يكون بالبدن كما أن ~~الجملة الثانية لإفادة معنى الخشوع وهو التذلل الذي يكون بالقلب فمحصل ~~الآية أنهم يخضعون ويخشعون. # وفي الآية إثبات خاصة المؤمنين لهم وهي التي أشير إليها بقوله سابقا: ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين كما أن في الآية ms4930 نفي خاصة ~~المشركين عنهم وهي إنكار البعث. # وفي هذه الآيات الثلاث بيان أن القرآن في غنى عن إيمانهم لا لأن إيمان ~~الذين أوتوا العلم من قبله يرفع حاجة له إلى إيمان غيرهم بل لأن إيمانهم به ~~يكشف عن أنه كتاب حق أنزل بالحق لا حاجة له في حقيته ولا افتقار في كماله ~~إلى إيمان مؤمن وتصديق مصدق فإن آمنوا به فلأنفسهم وإن كفروا به فعليها لا ~~له ولا عليه. # فقد ذكر سبحانه إعراضهم عن القرآن وكفرهم به وعدم اعتنائهم بكونه آية ~~واقتراحهم آيات أخرى ثم بين له من نعوت الكمال ودلائل الإعجاز في لفظه ~~ومعناه وغزارة الأثر في النفوس وكيفية نزوله ما استبان به أنه حق لا يعتريه ~~بطلان ولا فساد أصلا ثم بين في هذه الآيات أنه في غنى عن إيمانهم فهم وما ~~يختارونه من الإيمان والكفر. PageV13P118 # قوله تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى" لفظة أو للتسوية والإباحة فالمراد بقوله "الله" و"الرحمن" الاسمان ~~الدالان على المسمى دون المسمى، والمعنى ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن ~~فالدعاء دعاؤه. # وقوله: "أيا ما تدعوا" شرط و"ما" صلة للتأكيد نظير قوله: "فبما رحمة من ~~الله": آل عمران: 159. # وقوله: "عما قليل ليصبحن نادمين": المؤمنون: 40 و"أيا" شرطية وهي مفعول ~~"تدعوا". # وقوله: "فله الأسماء الحسنى" جواب الشرط، وهو من وضع السبب موضع المسبب ~~والمعنى أي اسم من الاسمين تدعوه فهو اسم أحسن له لأن الأسماء الحسنى كلها ~~له فالأسماء الدالة على المسميات منها حسنة تدل على ما فيه حسن ومنها قبيحة ~~بخلافها ولا سبيل للقبيح إليه تعالى، والأسماء الحسنة منها ما هو أحسن لا ~~شوب نقص وقبح فيه كالغنى الذي لا فقر معه والحياة التي لا موت معها والعزة ~~التي لا ذلة دونها ومنها ما هو حسن يغلب عليه الحسن من غير محوضة ولله ~~سبحانه الأسماء الحسنى، وهي كل اسم هو أحسن الأسماء في معناه كما يدل عليه ~~قول أئمة الدين: إن الله تعالى غني لا كالأغنياء، حي ms4931 لا كالأحياء، عزيز لا ~~كالأعزة عليم لا كالعلماء وهكذا أي له من كل كمال صرفه ومحضه الذي لا يشوبه خلافه. # والضمير في قوله: "أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى" عائد إلى الذات ~~المتعالية من كل اسم ورسم، وليس براجع إلى شيء من الاسمين: الله والرحمن ~~لأن المراد بهما - كما تقدم - الاسمان دون الذات المتعالية التي هي مسماة ~~بهما ولا معنى لأن يقال: أيا من الاسمين تدعوا فإن لذلك الاسم جميع الأسماء ~~الحسنى أو باقي الأسماء الحسنى بل المعنى أيا من أسمائه تدعوا فلا مانع منه ~~لأنها جميعا أسماؤه لأنها أسماء حسنى وله الأسماء الحسنى فهي طرق دعوته ~~ودعوتها دعوته فإنها أسماؤه والاسم مرآة المسمى وعنوانه فافهم ذلك. # والآية من غرر الآيات القرآنية تنير حقيقة ما يراه القرآن الكريم من ~~توحيد الذات وتوحيد العبادة قبال ما يراه الوثنية من توحيد الذات وتشريك ~~العبادة. # فإن الوثنية - على ما تقدم جملة من آرائهم في الجزء العاشر من الكتاب - ~~ترى أنه سبحانه ذات متعالية من كل حد ونعت ثم تعينت بأسماء اسما بعد اسم ~~وتسمي ذلك تولدا، وترى الملائكة والجن مظاهر عالية لأسمائه فهم أبناؤه ~~المتصرفون في الكون، وترى أن عبادة العابدين وتوجه المتوجهين لا يتعدى طور ~~الأسماء ولا يتجاوز مرتبة الأبناء الذين هم مظاهر أسمائه فإنا إنما نعبد ~~فيما نعبد الإله أو الخالق أو الرازق أو المحيي أو المميت إلى غير ذلك، ~~وهذه كلها أسماء مظاهرها الأبناء من الملائكة والجن، وأما الذات المتعالية ~~فهي أرفع من أن يناله حس أو وهم أو عقل، وأعلى من أن يتعلق به توجه أو طلب ~~أو عبادة أو نسك. # فعندهم دعوة كل اسم هي عبادة ذلك الاسم أي الملك أو الجن الذي هو مظهر ~~ذلك الاسم، وهو الإله المعبود بتلك العبادة فيتكثر الآلهة بتكثر أنواع ~~الدعوات بأنواع الحاجات ولذلك لما سمع بعض المشركين دعاءه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في صلاته: يا الله يا رحمن قال: انظروا إلى هذا الصابىء ينهانا ~~أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهين. ms4932 # والآية الكريمة ترد عليهم ذلك وتكشف عن وجه الخطإ في رأيهم بأن هذه ~~الأسماء أسماء حسنى له تعالى فهي مملوكة له محضا لا تستقل دونه بنعت ولا ~~تنحاز عنه في ذات أو صفة تملكه وتقوم به فليس لها إلا الطريقية المحضة، ~~ويكون دعاؤها دعاءه والتوجه بها توجها إليه، وكيف يستقيم أن يحجب الاسم ~~المسمى وليس إلا طريقا دالا عليه هاديا إليه ووجها له يتجلى به لغيره، ~~فدعاء الأسماء الكثيرة لا ينافي توحيد عبادة الذات كما يمتنع أن تقف ~~العبادة على الاسم ولا يتعداه. # ويتفرع على هذا البيان ظهور الخطإ في عد الأسماء أو مظاهرها من الملائكة ~~والجن أبناء له تعالى فإن إطلاق الولد والابن سواء كان على وجه الحقيقة أو ~~التشريف يقتضي نوع مسانخة واشتراك بين الولد والوالد - أو الابن والأب - في ~~حقيقة الذات أو كمال من كمالاته وساحة كبريائه منزهة من أن يشاركه شيء غيره ~~في ذات أو كمال فإن الذي له هو لنفسه، والذي لغيره هو له لا لأنفسهم. PageV13P119 # وكذا ظهور الخطإ في نسبة التصرف في الكون بأنواعه إليهم فإن هؤلاء الملائكة ~~وكذا الأسماء التي هم مظاهر لها عندهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ولا يستقلون ~~دونه بشيء بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وكذا الجن ~~فيما يعملون وبالجملة ما من سبب من الأسباب الفعالة في الكون إلا وهو تعالى ~~الذي ملكه القدرة على ما يعمله، وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره. # وهذا هو الذي تفيده الآية التالية "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل" وسنكرر الإشارة إليه إن شاء الله. # وفي الآية دلالة على أن لفظة الجلالة من الأسماء الحسنى فهو في أصله - ~~الإله - وصف يفيد معنى المعبودية وإن عرضت عليه العلمية بكثرة الاستعمال ~~كما يدل عليه صحة إجراء الصفات عليه يقال: الله الرحمن الرحيم ولا يقال: ~~الرحمن الله الرحيم وفي كلامه تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم". # قوله تعالى: "ولا ms4933 تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا" الجهر ~~والإخفات وصفان متضائفان، يتصف بهما الأصوات، وربما يعتبر بينهما خصلة ~~ثالثة هي بالنسبة إلى الجهر إخفات وبالنسبة إلى الإخفات جهر فيكون الجهر هو ~~المبالغة في رفع الصوت، والإخفات هو المبالغة في خفضه وما بينهما هو ~~الاعتدال فيكون معنى الآية لا تبالغ في صلاتك في الجهر ولا في الإخفات بل ~~اسلك فيما بينهما سبيلا وهو الاعتدال وتسميته سبيلا لأنه سنة يستن بها هو ~~ومن يقتدي به من أمته المؤمنين به. # هذا لو كان المراد بالصلاة في قوله: "بصلاتك" للاستغراق والمراد به كل ~~صلاة صلاة وأما لو أريد المجموع ولعله الأظهر كان المعنى لا تجهر في صلواتك ~~كلها ولا تخافت فيها كلها بل اتخذ سبيلا وسطا تجهر في بعض وتخافت في بعض، ~~وهذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما ثبت في السنة من الجهر في بعض الفرائض ~~اليومية كالصبح والمغرب والعشاء والإخفات في غيرها. # ولعل هذا الوجه أوفق بالنظر إلى اتصال ذيل الآية بصدرها فالجهر بالصلاة ~~يناسب كونه تعالى عليا متعاليا والإخفات يناسب كونه قريبا أقرب من حبل ~~الوريد فاتخاذ الخصلتين جميعا في الصلوات أداء لحق أسمائه جميعا. # قوله تعالى: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا" معطوف على قوله في الآية السابقة: ~~"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" ويرجع محصل الكلام إلى أن قل لهم إن ما ~~تدعونها من الأسماء وتزعمون أنها آلهة معبودون غيره إنما هي أسماؤه وهي ~~مملوكة له لا تملك أنفسها ولا شيئا لأنفسها فدعاؤها دعاؤه فهو المعبود على ~~كل حال. # ثم أحمده وأثن عليه بما يتفرع على إطلاق ملكه فإنه لا يماثله شيء في ذات ~~ولا صفة حتى يكون ولدا له إن اشتق عنه في ذات أو صفة كما تقوله الوثنية ~~وأهل الكتاب من النصارى واليهود وقدماء المجوس في الملائكة أو الجن أو ~~المسيح أو عزير والأحبار، أو يكون شريكا إن شاركه في الملك ms4934 من غير اشتقاق ~~كما تقوله الوثنيون والثنويون وغيرهم من عبدة الشيطان أو يكون وليا له إن ~~شاركه في الملك وفاق عليه فأصلح من ملكه بعض ما لم يقدر هو على إصلاحه. # وبوجه آخر لا يجانسه شيء حتى يكون ولدا إن كان دونه أو شريكا له إن كان ~~مساويا له في مرتبته أو وليا له إن كان فائقا عليه في الملك. # والآية في الحقيقة ثناء عليه تعالى بما له من إطلاق الملك الذي يتفرع ~~عليه نفي الولد والشريك والولي، ولذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالتحميد دون التسبيح مع أن المذكور فيها من نفي الولد والشريك والولي صفات ~~سلبية والذي يناسبها التسبيح دون التحميد فافهم ذلك. # وختم سبحانه الآية بقوله: "وكبره تكبيرا" وقد أطلق إطلاقا بعد التوصيف ~~والتنزيه فهو تكبير من كل وصف، ولذا فسر "الله أكبر" بأنه أكبر من أن يوصف ~~على ما ورد عن الصادق (عليه السلام)، ولو كان المعنى أنه أكبر من كل شيء لم ~~يخل من إشراك الأشياء به تعالى في معنى الكبر وهو أعز ساحة أن يشاركه شيء ~~في أمر. # ومن لطيف الصنعة في السورة افتتاح أول آية منها بالتسبيح واختتام آخر آية ~~منها بالتكبير مع افتتاحها بالتحميد. PageV13P120 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي ~~أنه كان يقرأ: لقد علمت يعني بالرفع قال علي والله ما علم عدو الله ولكن ~~موسى هو الذي علم. # أقول: وهي قراءة منسوبة إليه (عليه السلام). # وفي الكافي، عن علي بن محمد بإسناده قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) ~~عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها قال: يضع ذقنه على الأرض إن الله ~~عز وجل يقول "ويخرون للأذقان سجدا". # أقول: وفي معناه غيره. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: صلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة ذات يوم فدعا الله فقال في دعائه: يا ~~الله يا رحمان فقال المشركون: انظروا ms4935 إلى هذا الصابىء ينهانا أن ندعو إلهين ~~وهو يدعو إلهين فأنزل الله: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" الآية. # أقول: وفي سبب نزول الآية روايات أخر تخالف هذه الرواية وتذكر أشياء غير ~~ما ذكرته غير أن هذه الرواية أقربها انطباقا على مفاد الآية. # وفي التوحيد، مسندا وفي الاحتجاج، مرسلا عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا ~~عبد الله (عليه السلام) عن أسماء الله عز ذكره واشتقاقها فقلت: الله مما هو ~~مشتق؟ قال يا هشام: الله مشتق من إله وإله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى ~~فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى ~~فقد كفر وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد أفهمت يا هشام؟ ~~قال: فقلت: زدني فقال: إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما فلو كان الاسم ~~هو المسمى لكان كل اسم منها إلها ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء ~~وكلها غيره يا هشام الخبز اسم المأكول والماء اسم المشروب والثوب اسم ~~الملبوس والنار اسم المحرق. # الحديث. # وفي التوحيد، بإسناده عن ابن رئاب عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم ولم يعبد المعنى ~~فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء ~~عليه بصفاته التي يصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرائره ~~وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين وفي حديث آخر: أولئك هم المؤمنون حقا. # وفي توحيد البحار، في باب المغايرة بين الاسم والمعنى عن التوحيد بإسناده ~~عن إبراهيم بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك ~~وتعالى خلق اسما بالحروف غير منعوت، وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسد، ~~وبالتشبيه غير موصوف وباللون غير مصبوغ منفي عنه الأقطار، مبعد عنه الحدود، ~~محجوب عنه حس كل متوهم، مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء ~~معا ليس منها واحد قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أشياء لفاقة الخلق ms4936 إليها، ~~وحجب واحدا منها وهو الاسم المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة التي ~~أظهرت. فالظاهر هو الله وتبارك وسبحان لكل اسم من هذه أربعة أركان فذلك ~~اثنا عشر ركنا ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسما وفعلا منسوبا إليها فهو ~~الرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق البارىء المصور الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم العليم الخبير السميع البصير الحكيم العزيز الجبار المتكبر ~~العلي العظيم المقتدر القادر السلام المؤمن المهيمن البارىء المنشىء البديع ~~الرفيع الجليل الكريم الرازق المحيي المميت الباعث الوارث. فهذه الأسماء ~~وما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ثلاث مائة وستين اسما فهي نسبة لهذه ~~الأسماء الثلاثة وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب للاسم الواحد المكنون ~~المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قوله عز وجل: "قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن - أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى": أقول: والحديث مروي في الكافي، ~~أيضا عنه (عليه السلام). PageV13P121 # وقد تقدم في بحث الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من الكتاب أن هذه الألفاظ ~~المسماة بأسماء الله إنما هي أسماء الأسماء وأن ما تدل عليه وتشير إليه من ~~المصداق أعني الذات مأخوذة بوصف ما هو الاسم بحسب الحقيقة، وعلى هذا فبعض ~~الأسماء الحسنى عين الذات وهو المشتمل على صفة ثبوتية كمالية كالحي والعليم ~~والقدير، وبعضها زائد على الذات خارج منها وهو المشتمل على صفة سلبية أو ~~فعلية كالخالق والرازق لا تأخذه سنة ولا نوم، هذا في الأسماء وأما أسماء ~~الأسماء وهي الألفاظ الدالة على الذات المأخوذة مع وصف من أوصافها فلا ريب ~~في كونها غير الذات، وأنها ألفاظ حادثة قائمة بمن يتلفظ بها. # إلا أن هاهنا خلافا من جهتين: إحداهما: أن بعض الجهلة من متكلمي السلف ~~خلطوا بين الأسماء وأسماء الأسماء فحسبوا أن المراد من عينية الأسماء مع ~~الذات عينية أسماء الأسماء معها فذهبوا إلى أن الاسم هو المسمى ويكون على ~~هذا عبادة الاسم ودعوته هو عين عبادة المسمى، وقد كان هذا القول سائغا في ~~أوائل عصر العباسيين، والروايتان السابقتان أعني روايتي التوحيد في الرد عليه. ms4937 # والثانية: ما عليه الوثنية وهو أن الله سبحانه لا يتعلق به التوجه ~~العبادي وإنما يتعلق بالأسماء فالأسماء أو مظاهرها من الملائكة والجن ~~والكمل من الإنس هم المدعوون وهم الآلهة المعبودون دون الله، وقد عرفت في ~~البيان المتقدم أن قوله تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" إلخ رد عليه. # والرواية الأخيرة أيضا تكشف عن وجه انتشاء الأسماء عن الذات المتعالية ~~التي هي أرفع من أن يحيط به علم أو يقيده وصف ونعت أو يحده اسم أو رسم، وهي ~~بما في صدره وذيله من البيان صريح في أن المراد بالأسماء فيها هي الأسماء ~~دون أسماء الأسماء وقد شرحناها بعض الشرح في ذيل البحث عن الأسماء الحسنى ~~في الجزء الثامن من الكتاب فراجعه إن شئت. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام): في قوله تعالى: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ ~~بين ذلك سبيلا" قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان بمكة ~~جهر بصوته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه فأنزلت هذه الآية عند ذلك. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن ابن عباس، وروي ~~أيضا عن عائشة: أنها نزلت في الدعاء، ولا بأس به لعدم معارضته، وروي عنها ~~أيضا أنها نزلت في التشهد. # وفي الكافي، بإسناده عن سماعة قال: سألته عن قول الله تعالى: "ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها" قال: المخافتة ما دون سمعك والجهر أن ترفع صوتك شديدا. # أقول: فيه تأييد المعنى الأول المتقدم في تفسير الآية. # وفيه، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ~~على الإمام أن يسمع من خلفه وإن كثروا؟ فقال: ليقرأ وسطا يقول الله تبارك ~~وتعالى: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها". # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): آية العز "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا" الآية ms4938 كلها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولم يكن له ولي من الذل" قال: قال: لم ~~يذل فيحتاج إلى ولي ينصره. # "بحث آخر روائي وقرآني" # متعلق بقوله تعالى: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث" ثلاثة فصول: # 1 - # إن للقرآن الكريم أجزاء يعرف بها كالجزء والحزب والعشر وغير ذلك والذي ~~ينتهي اعتباره إلى عناية من نفس الكتاب العزيز اثنان منها وهما السورة ~~والآية فقد كرر الله سبحانه ذكرهما في كلامه كقوله: "سورة أنزلناها": ~~النور: 1 وقوله: "قل فأتوا بسورة مثله": يونس: 38 وغير ذلك. # وقد كثر استعماله في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة ~~والأئمة كثرة لا تدع ريبا في أن لها حقيقة في القرآن الكريم وهي مجموعة من ~~الكلام الإلهي مبدوءة بالبسملة مسوقة لبيان غرض، وهو معرف للسورة مطرد غير ~~منقوض إلا ببراءة وقد ورد 1 عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنها آيات من ~~سورة الأنفال، وإلا بما ورد 2 عنهم (عليهم السلام) أن الضحى وألم نشرح سورة ~~واحدة وأن الفيل والإيلاف سورة واحدة. PageV13P122 # ونظيره القول في الآية فقد تكرر في كلامه تعالى إطلاق الآية على قطعة من ~~الكلام كقوله: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا": الأنفال: 2، وقوله: ~~"كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا": حم السجدة: 3، وقد روي عن أم سلمة: أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقف على رءوس الآي وصح أن سورة الحمد ~~سبع آيات، وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أن سورة الملك ثلاثون آية ~~إلى غير ذلك مما يدل على وقوع العدد على الآيات في كلام النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وآله. # والذي يعطيه التأمل في انقسام الكلام العربي إلى قطع وفصول بالطبع وخاصة ~~فيما كان من الكلام مسجعا ثم التدبر فيما ورد عن النبي وآله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في أعداد الآيات أن الآية من القرآن هي قطعة من الكلام من حقها ~~أن تعتمد عليها التلاوة بفصلها عما قبلها وعما بعدها. # ويختلف ذلك باختلاف السياقات وخاصة في ms4939 السياقات المسجعة فربما كانت كلمة ~~واحدة كقوله: "مدهامتان": الرحمن: 64 وربما كانت كلمتين فصاعدا كلاما أو ~~غير كلام كقوله: "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان": الرحمن - 1 ~~4 وقوله: "الحاقة ما الحاقة وما أدريك ما الحاقة": الحاقة - 1 3 وربما طالت ~~كآية الدين من سورة البقرة آية: 282. # 2 - # أما عدد السور القرآنية فهي مائة وأربع عشرة سورة على ما جرى عليه الرسم ~~في المصحف الدائر بيننا وهو مطابق للمصحف العثماني، وقد تقدم كلام أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) فيه، وأنهم لا يعدون براءة سورة مستقلة ويعدون الضحى ~~وألم نشرح سورة واحدة ويعدون الفيل والإيلاف سورة واحدة. # وأما عدد الآي فلم يرد فيه نص متواتر يعرف الآي ويميز كل آية من غيرها ~~ولا شيء من الآحاد يعتمد عليه، ومن أوضح الدليل على ذلك اختلاف أهل العدد ~~فيما بينهم وهم المكيون والمدنيون والشاميون والبصريون والكوفيون. # فقد قال بعضهم: إن مجموع القرآن ستة آلاف آية، وقال بعضهم: ستة آلاف ~~ومائتان وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: وخمس ~~وعشرون، وقيل: وست وثلاثون. # وقد روى المكيون عددهم عن عبد الله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي ~~بن كعب، وللمدنيين عددان ينتهي أحدهما إلى أبي جعفر مرثد بن القعقاع وشيبة ~~بن نصاح، والآخر إلى إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري وروى أهل الشام ~~عددهم عن أبي الدرداء، وينتهي عدد أهل البصرة إلى عاصم بن العجاج الجحدري، ~~ويضاف عدد أهل الكوفة إلى حمزة والكسائي وخلف قال حمزة أخبرنا بهذا العدد ~~ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب. # وبالجملة لما كانت الأعداد لا تنتهي إلى نص متواتر أو واحد يعبأ به ويجوز ~~الركون إليه ويتميز به كل آية عن أختها لا ملزم للأخذ بشيء منها فما كان ~~منها بينا ظاهر الأمر فهو وإلا فللباحث المتدبر أن يختار ما أدى إليه نظره. # والذي روي عن علي (عليه السلام) من عدد الكوفيين معارض بأن البسملة غير ms4940 ~~معدودة في شيء من السور ما خلا فاتحة الكتاب من آياتها مع أن المروي عنه ~~(عليه السلام) وعن غيره من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن البسملة آية ~~من القرآن وهي جزء من كل سورة افتتحت بها ولازم ذلك زيادة العدد بعدد ~~البسملات. # وهذا هو الذي صرفنا عن إيراد تفاصيل ما ذكروه من العدد هاهنا، وذكر ما ~~اتفقوا على عدده من السور القرآنية وهي أربعون سورة وما اختلفوه في عدده أو ~~في رءوس آية من السور وهي أربع وسبعون سورة وكذا ما اتفقوا على كونه آية ~~تامة أو على عدم كونه آية مثل "الر" أينما وقع من القرآن وما اختلف فيه، ~~وعلى من أراد الاطلاع على تفصيل ذلك أن يراجع مظانه. # 3 - PageV13P123 في ترتيب السور نزولا: نقل في الإتقان عن ابن الضريس في فضائل القرآن قال: ~~حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنبأنا عمرو بن هارون، حدثنا ~~عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس قال: كانت إذا نزلت فاتحة ~~سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما شاء. وكان أول ما أنزل من القرآن ~~اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم تبت يدا ~~أبي لهب، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك الأعلى، ثم والليل إذا يغشى، ~~ثم والفجر، ثم والضحى، ثم ألم نشرح، ثم والعصر، ثم والعاديات ثم إنا ~~أعطيناك، ثم ألهيكم التكاثر، ثم أرأيت الذي يكذب، ثم قل يا أيها الكافرون، ~~ثم ألم تر كيف فعل ربك، ثم قل أعوذ برب الفلق، ثم قل أعوذ برب الناس، ثم قل ~~هو الله أحد، ثم والنجم، ثم عبس، ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر، ثم والشمس ~~وضحاها، ثم والسماء ذات البروج، ثم التين، ثم لإيلاف قريش، ثم القارعة، ثم ~~لا أقسم بيوم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم والمرسلات، ثم ق، ثم لا أقسم ~~بهذا البلد، ثم والسماء والطارق، ثم اقتربت الساعة، ثم ص، ثم الأعراف، ms4941 ثم ~~قل أوحي ثم يس، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم كهيعص، ثم طه، ثم الواقعة، ثم ~~طسم الشعراء، ثم طس، ثم القصص، ثم بني إسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ~~ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم حم ~~المؤمن، ثم حم السجدة. ثم حمعسق، ثم حم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم ~~الأحقاف ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم إنا أرسلنا نوحا، ~~ثم سورة إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنين، ثم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم ~~تبارك الملك ثم الحاقة، ثم سأل، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم إذا ~~السماء انفطرت، ثم إذا السماء انشقت، ثم الروم، ثم العنكبوت، ثم ويل ~~للمطففين فهذا ما أنزل الله بمكة. ثم أنزل الله بالمدينة سورة البقرة، ثم ~~الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت، ~~ثم الحديد، ثم القتال، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم الإنسان، ثم الطلاق، ثم لم ~~يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر الله، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم ~~المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة ثم التغابن، ثم الصف، ثم ~~الفتح، ثم المائدة، ثم براءة. # وقد سقطت من الرواية سورة فاتحة الكتاب وربما قيل: إنها نزلت مرتين مرة ~~بمكة ومرة بالمدينة. # ونقل فيه، عن البيهقي في دلائل النبوة، أنه روى بإسناده عن عكرمة والحسين ~~بن أبي الحسن قالا: أنزل الله من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك وساقا الحديث ~~نحو حديث عطاء السابق عن ابن عباس إلا أنه قد سقط منه الفاتحة والأعراف ~~وكهيعص مما نزل بمكة. # وأيضا ذكر فيه حم الدخان قبل حم السجدة ثم إذا السماء انشقت قبل إذا ~~السماء انفطرت ثم ويل للمطففين قبل البقرة مما نزل بالمدينة ثم آل عمران ~~قبل الأنفال ثم المائدة قبل الممتحنة. # ثم روى البيهقي بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن أول ما أنزل ~~الله على نبيه من القرآن اقرأ باسم ربك الحديث ms4942 وهو مطابق لحديث عكرمة في ~~الترتيب وقد ذكرت فيه السور التي سقطت من حديث عكرمة فيما نزل بمكة. # وفيه، عن كتاب الناسخ والمنسوخ، لابن حصار: أن المدني باتفاق عشرون سورة، ~~والمختلف فيه اثنا عشرة سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق انتهى. # والذي اتفقوا عليه من المدنيات البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ~~والأنفال والتوبة والنور والأحزاب وسورة محمد والفتح والحجرات والحديد ~~والمجادلة والحشر والممتحنة والمنافقون والجمعة والطلاق والتحريم والنصر. # وما اختلفوا في مكيته ومدنيته سورة الرعد والرحمن والجن والصف والتغابن ~~والمطففين والقدر والبينة والزلزال والتوحيد والمعوذتان. # وللعلم بمكية السور ومدنيتها ثم ترتيب نزولها أثر هام في الأبحاث ~~المتعلقة بالدعوة النبوية وسيرها الروحي والسياسي والمدني في زمنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وتحليل سيرته الشريفة، والروايات - كما ترى - لا تصلح ~~أن تنهض حجة معتمدا عليها في إثبات شيء من ذلك على أن فيما بينها من ~~التعارض ما يسقطها عن الاعتبار. PageV13P124 # فالطريق المتعين لهذا الغرض هو التدبر في سياق الآيات والاستمداد بما يتحصل ~~من القرائن والأمارات الداخلية والخارجية، وعلى ذلك نجري في هذا الكتاب ~~والله المستعان. PageV13P125 ### || AUTO ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له ~~عوجا (1) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصلحت أن لهم أجرا حسنا (2) مكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا (4) ما لهم به من علم ولا لابائهم كبرت كلمة تخرج من أفوههم إن ~~يقولون إلا كذبا (5) فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا (6) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا ~~لجعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) ### |||| AUTO بيان # السورة تتضمن الدعوة إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح بالإنذار والتبشير ~~كما يلوح إليه ما افتتحت به من الآيتين وما اختتمت به من قوله تعالى: "فمن ~~كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا". # وفيها مع ذلك عناية بالغة بنفي الولد كما ms4943 يدل على ذلك تخصيص إنذار ~~القائلين بالولد بالذكر ثانيا بعد ذكر مطلق الإنذار أولا أعني وقوع قوله: ~~"وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا" بعد قوله: "لينذر بأسا شديدا من لدنه". # فوجه الكلام فيها إلى الوثنيين القائلين ببنوة الملائكة والجن والمصلحين ~~من البشر والنصارى القائلين ببنوة المسيح (عليه السلام) ولعل اليهود ~~يشاركونهم فيه حيث يذكر القرآن عنهم أنهم قالوا: عزير ابن الله. # وغير بعيد أن يقال إن الغرض من نزول السورة ذكر القصص الثلاث العجيبة ~~التي لم تذكر في القرآن الكريم إلا في هذه السورة وهي قصة أصحاب الكهف وقصة ~~موسى وفتاه في مسيرهما إلى مجمع البحرين وقصة ذي القرنين ثم استفيد منها ما ~~استفرغ في السورة من الكلام في نفي الشريك والحث على تقوى الله سبحانه. # والسورة مكية على ما يستفاد من سياق آياتها وقد استثني منها قوله: "واصبر ~~نفسك مع الذين يدعون ربهم" الآية وسيجيء ما فيه من الكلام. # قوله تعالى: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ~~قيما" العوج بفتح العين وكسرها الانحراف، قال في المجمع،: العوج بالفتح ~~فيما يرى كالقناة والخشبة وبالكسر فيما لا يرى شخصا قائما كالدين والكلام. # انتهى. # ولعل المراد بما يرى وما لا يرى ما يسهل رؤيته وما يشكل كما ذكره الراغب ~~في المفردات، بقوله: العوج - بالفتح - يقال فيما يدرك بالبصر سهلا كالخشب ~~المنتصب ونحوه والعوج - بالكسر - يقال فيما يدرك بالفكر والبصيرة كما يكون ~~في أرض بسيط يعرف تفاوته بالبصيرة وكالدين والمعاش انتهى. # فلا يرد عليه ما في قوله تعالى: "لا ترى فيها عوجا - بكسر العين - ولا ~~أمتا": طه: 107 فافهم. # وقد افتتح تعالى الكلام في السورة بالثناء على نفسه بما نزل على عبده ~~قرآنا لا انحراف فيه عن الحق بوجه وهو قيم على مصالح عباده في حياتهم ~~الدنيا والآخرة فله كل الحمد فيما يترتب على نزوله من الخيرات والبركات من ~~يوم نزل إلى يوم القيامة فلا ينبغي أن يرتاب الباحث الناقد أن ما في ~~المجتمع البشري من الصلاح والسداد ms4944 من بركات ما بثه الأنبياء الكرام من ~~الدعوة إلى القول الحق والخلق الحسن والعمل الصالح وأن ما يمتاز به عصر ~~القرآن في قرونه الأربعة عشر عما تقدمه من الأعصار من رقي المجتمع البشري ~~وتقدمه في علم نافع أو عمل صالح للقرآن فيه أثره الخاص وللدعوة النبوية فيه ~~أياديها الجميلة فلله في ذلك الحمد كله. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم في تفسير الآية: يعني قولوا الحمد لله الذي ~~نزل "إلخ" ليس على ما ينبغي. # وقوله: "ولم يجعل له عوجا" الضمير للكتاب والجملة حال عن الكتاب وقوله: ~~"قيما" حال بعد حال على ما يفيده السياق فإنه تعالى في مقام حمد نفسه من ~~جهة تنزيله كتابا موصوفا بأنه لا عوج له وأنه قيم على مصالح المجتمع البشري ~~فالعناية متعلقة بالوصفين موزعة بينهما على السواء وهو مفاد كونهما حالين ~~من الكتاب. PageV13P126 # وقيل إن جملة "ولم يجعل له عوجا" معطوفة على الصلة و"قيما" حال من ضمير ~~"له" والمعنى والذي لم يجعل للكتاب حال كونه قيما عوجا أو أن "قيما" منصوب ~~بمقدر، والمعنى: والذي لم يجعل له عوجا وجعله قيما، ولازم الوجهين انقسام ~~العناية بين أصل النزول وبين كون الكتاب قيما لا عوج له. # وقد عرفت أنه خلاف ما يستفاد من السياق. # وقيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير نزل الكتاب قيما ولم يجعل له ~~عوجا وهو أردأ الوجوه. # وقد قدم نفي العوج على إثبات القيمومة لأن الأول كمال الكتاب في نفسه ~~والثاني تكميله لغيره والكمال مقدم طبعا على التكميل. # ووقوع "عوجا" وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم فالقرآن مستقيم في جميع ~~جهاته فصيح في لفظه، بليغ في معناه، مصيب في هدايته، حي في حججه وبراهينه، ~~ناصح في أمره ونهيه، صادق فيما يقصه من قصصه وأخباره، فاصل فيما يقضي به ~~محفوظ من مخالطة الشياطين، لا اختلاف فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه. # والقيم هو الذي يقوم بمصلحة الشيء وتدبير أمره كقيم الدار وهو القائم ~~بمصالحها ويرجع إليه في أمورها، والكتاب ms4945 إنما يكون قيما بما يشتمل عليه من ~~المعاني، والذي يتضمنه القرآن هو الاعتقاد الحق والعمل الصالح كما قال ~~تعالى: "يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم": الأحقاف: 30، وهذا هو الدين وقد ~~وصف تعالى دينه في مواضع من كتابه بأنه قيم قال: "فأقم وجهك للدين القيم": ~~الروم: 43 وعلى هذا فتوصيف الكتاب بالقيم لما يتضمنه من الدين القيم على ~~مصالح العالم الإنساني في دنياهم وأخراهم. # وربما عكس الأمر فأخذ القيمومة وصفا للكتاب ثم للدين من جهته كما في قوله ~~تعالى: "وذلك دين القيمة": البينة: 5 فالظاهر أن معناه دين الكتب القيمة ~~وهو نوع تجوز. # وقيل: المراد بالقيم المستقيم المعتدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ~~وقيل: القيم المدبر لسائر الكتب السماوية يصدقها ويحفظها وينسخ شرائعها ~~وتعقيب الكلمة بقوله: "لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين" إلخ يؤيد ~~ما قدمناه. # قوله تعالى: "لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات" الآية أي لينذر الكافرين عذابا شديدا صادرا من عند الله كذا قيل ~~والظاهر بقرينة تقييد المؤمنين المبشرين بقوله: "الذين يعملون الصالحات" إن ~~التقدير لينذر الذين لا يعملون الصالحات أعم ممن لا يؤمن أصلا أو يؤمن ~~ويفسق في عمله. # والجملة على أي حال بيان لتنزيله الكتاب على عبده مستقيما قيما إذ لو لا ~~استقامته في نفسه وقيمومته على غيره لم يستقم إنذار ولا تبشير وهو ظاهر. # والمراد بالأجر الحسن الجنة بقرينة قوله في الآية التالية: "ماكثين فيه ~~أبدا" والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا" وهم عامة الوثنيين ~~القائلين بأن الملائكة أبناء أو بنات له وربما قالوا بذلك في الجن ~~والمصلحين من البشر والنصارى القائلين بأن المسيح ابن الله وقد نسب القرآن ~~إلى اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله. # وذكر إنذارهم خاصة ثانيا بعد ذكره على وجه العموم أولا بقوله: "لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه" لمزيد الاهتمام بشأنهم. # قوله تعالى: "ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم" ~~كانت عامتهم يريدون بقولهم: اتخذ الله ولدا ms4946 حقيقة التوليد كما يدل عليه ~~قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء": الأنعام: 101. # وقد رد سبحانه قولهم عليهم أولا بأنه قول منهم جهلا بغير علم وثانيا ~~بقوله في آخر الآية: "إن يقولون إلا كذبا". # وكان قوله: "ما لهم به من علم" شاملا لهم جميعا من آباء وأبناء لكنهم لما ~~كانوا يحيلون العلم به إلى آبائهم قائلين إن هذه ملة آبائنا وهم أعلم منا ~~وليس لنا إلا أن نتبعهم ونقتدي بهم فرق تعالى بينهم وبين آبائهم فنفى العلم ~~عنهم أولا وعن آبائهم الذين كانوا يركنون إليهم ثانيا ليكون إبطالا لقولهم ~~ولحجتهم جميعا. # وقوله: "كبرت كلمة تخرج من أفواههم" ذم لهم وإعظام لقولهم: اتخذ الله ~~ولدا لما فيه من عظيم الاجتراء على الله سبحانه بنسبة الشريك والتجسم ~~والتركب والحاجة إلى المعين والخليفة إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. PageV13P127 # وربما وقع في كلام أوائلهم إطلاق الابن على بعض خلقه بعناية التشريف ~~للدلالة على قربه منه واختصاصه به نظير قول اليهود فيما حكاه القرآن: عزير ~~ابن الله، وقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وكذا وقع في كلام عدة من ~~قدمائهم إطلاق الابن على بعض الخلق الأول بعناية صدوره منه كما يصدر الابن ~~عن الأب وإطلاق الزوج والصاحبة على وسائط الصدور والإيجاد كما أن زوج الرجل ~~واسطة لصدور الولد منه فأطلق على بعض الملائكة من الخلق الأول الزوج وعلى ~~بعض آخر منهم الابن أو البنت. # وهذان الإطلاقان وإن لم يشتملا على مثل ما اشتمل عليه الإطلاق الأول ~~لكونهما من التجوز بعناية التشريف ونحوه لكنهما ممنوعان شرعا وكفى ملاكا ~~لحرمتهما سوقهما وسوق أمثالهما عامة الناس إلى الشقاء الدائم والهلاك ~~الخالد. # قوله تعالى: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" ~~البخوع والبخع القتل والإهلاك والآثار علائم أقدام المارة على الأرض، ~~والأسف شدة الحزن والمراد بهذا الحديث القرآن. # والآية واللتان بعدها في مقام تعزية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتسليته وتطييب نفسه والفاء لتفريع الكلام على كفرهم وجحدهم بآيات ms4947 الله ~~المفهوم من الآيات السابقة والمعنى يرجى منك أن تهلك نفسك بعد إعراضهم عن ~~القرآن وانصرافهم عنك من شدة الحزن، وقد دل على إعراضهم وتوليهم بقوله: على ~~آثارهم وهو من الاستعارة. # قوله تعالى: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" ~~إلى آخر الآيتين الزينة الأمر الجميل الذي ينضم إلى الشيء فيفيده جمالا ~~يرغب إليه لأجله والصعيد ظهر الأرض والجرز على ما في المجمع، الأرض التي لا ~~تنبت كأنها تأكل النبت أكلا. # ولقد أتى في الآيتين ببيان عجيب في حقيقة حياة الإنسان الأرضية وهو أن ~~النفوس الإنسانية - وهي في أصل جوهرها علوية شريفة - ما كانت لتميل إلى ~~الأرض والحياة عليها وقد قدر الله أن يكون كمالها وسعادتها الخالدة ~~بالاعتقاد الحق والعمل الصالح فاحتالت العناية الإلهية إلى توقيفها موقف ~~الاعتقاد والعمل وإيصالها إلى محك التصفية والتطهير وإسكانها الأرض إلى أجل ~~معلوم بإلقاء التعلق والارتباط بينها وبين ما على الأرض من أمتعة الحياة من ~~مال وولد وجاه وتحبيبه إلى قلوبهم فكان ما على الأرض وهو جميل عندهم محبوب ~~في أنفسهم زينة للأرض وحلية تتحلى بها لكونه عليها فتعلقت نفوسهم على الأرض ~~بسببه واطمأنت إليها. # فإذا انقضى الأجل الذي أجله الله تعالى لمكثهم في الأرض بتحقق ما أراده ~~من البلاء والامتحان سلب الله ما بينهم وبين ما على الأرض من التعلق ومحى ~~ما له من الجمال والزينة وصار كالصعيد الجرز الذي لا نبت فيه ولا نضارة ~~عليه ونودي فيهم بالرحيل وهم فرادى كما خلقهم الله تعالى أول مرة. # وهذه سنة الله تعالى في خلق الإنسان وإسكانه الأرض وتزيينه ما عليها له ~~ليمتحنه بذلك ويتميز به أهل السعادة من غيرهم فيأتي سبحانه بالجيل بعد ~~الجيل والفرد بعد الفرد فيزين له ما على وجه الأرض من أمتعة الحياة ثم ~~يخليه واختياره ليختبرهم بذلك ثم إذا تم الاختبار قطع ما بينه وبين زخارف ~~الدنيا المزينة ونقله من دار العمل إلى دار الجزاء قال تعالى: "ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ms4948 أيديهم أخرجوا أنفسكم - إلى أن ~~قال - ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام: 94. # فمحصل معنى الآية لا تتحرج ولا تأسف عليهم إذ أعرضوا عن دعوتك بالإنذار ~~والتبشير واشتغلوا بالتمتع من أمتعة الحياة فما هم بسابقين ولا معجزين ~~وإنما حقيقة حياتهم هذه نوع تسخير إلهي أسكناهم الأرض ثم جعلنا ما على ~~الأرض زينة يفتتن الناظر إليها لتتعلق به نفوسهم فنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~وإنا لجاعلون هذا الذي زين لهم بعينه كالصعيد الجرز الذي ليس فيه نبت ولا ~~شيء مما يرغب فيه النفس فالله سبحانه لم يشأ منهم الإيمان جميعا حتى يكون ~~مغلوبا بكفرهم بالكتاب وتماديهم في الضلال وتبخع أنت نفسك على آثارهم أسفا ~~وإنما أراد بهم الابتلاء والامتحان وهو سبحانه الغالب فيما شاء وأراد. PageV13P128 # وقد ظهر بما تقدم أن قوله: "وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا" من ~~الاستعارة بالكناية، والمراد به قطع رابطة التعلق بين الإنسان وبين أمتعة ~~الحياة الدنيا مما على الأرض. # وربما قيل: إن المراد به حقيقة معنى الصعيد الجرز، والمعنى أنا سنعيد ما ~~على الأرض من زينة ترابا مستويا بالأرض، ونجعله صعيدا أملس لا نبات فيه ولا ~~شيء عليه. # وقوله: "ما عليها" من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر وكان من طبع الكلام أن ~~يقال: وإنا لجاعلوه، ولعل النكتة مزيد العناية بوصف كونه على الأرض. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن البرقي رفعه عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): لينذر بأسا شديدا من لدنه" قال: البأس الشديد علي (عليه السلام) ~~وهو من لدن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاتل معه عدوه فذلك قوله: ~~"لينذر بأسا شديدا من لدنه": أقول: ورواه ابن شهرآشوب عن الباقر والصادق ~~(عليهما السلام): وهو من التطبيق وليس بتفسير. # وفي تفسير القمي، في حديث أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "فلعلك باخع نفسك "يقول: قاتل ms4949 نفسك على آثارهم، وأما أسفا يقول حزنا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في ~~التاريخ، عن ابن عمر قال: تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه ~~الآية "لنبلوهم أيهم أحسن عملا" فقلت ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: ~~ليبلوكم أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "صعيدا جرزا" قال: لا نبات فيها. PageV13P129 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 9 - 26 # أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من ءايتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية ~~إلى الكهف فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10) ~~فضربنا على ءاذانهم فى الكهف سنين عددا (11) ثم بعثنهم لنعلم أى الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا (12) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم ~~وزدنهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموت والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ~~ءالهة لو لا يأتون عليهم بسلطن بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) ~~وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم فى فجوة منه ذلك من ءايت الله من ~~يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا ~~وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) وكذلك بعثنهم ~~ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ~~ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها ~~أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) إنهم إن ~~يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا ms4950 إذا أبدا (20) وكذلك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنزعون ~~بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنينا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على ~~أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ~~ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ~~(22) ولا تقولن لشاىء إنى فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك ~~إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا (24) ولبثوا فى كهفهم ثلث ~~مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموت والأرض ~~أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا (26) ### |||| AUTO بيان # الآيات تذكر قصة أصحاب الكهف وهي أحد الأمور الثلاثة التي أشارت اليهود ~~على قريش أن تسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها وتختبر بها صدقه في ~~دعوى النبوة: قصة أصحاب الكهف وقصة موسى وفتاه وقصة ذي القرنين على ما وردت ~~به الرواية غير أن هذه القصة لم تصدر بما يدل على تعلق السؤال بها كما صدرت ~~به قصة ذي القرنين: "يسألونك عن ذي القرنين" الآية وإن كان في آخرها بعض ما ~~يشعر بذلك كقوله: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا" على ما سيجيء. PageV13P130 # وسياق الآيات الثلاث التي افتتحت بها القصة مشعر بأن قصة الكهف كانت معلومة ~~إجمالا قبل نزول الوحي بذكر القصة وخاصة سياق قوله: "أم حسبت أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا وأن الذي كشف عنه الوحي تفصيل قصتهم ~~الآخذ من قوله: "نحن نقص عليك نبأهم بالحق" إلى آخر الآيات. # ووجه اتصال آيات القصة بما تقدم أنه يشير بذكر قصتهم ونفي كونهم عجبا من ~~آيات الله أن أمر جعله تعالى ما على الأرض زينة لها يتعلق بها الإنسان ~~ويطمئن إليها مكبا عليها منصرفا غافلا عن غيرها لغرض البلاء والامتحان ثم ~~جعل ms4951 ما عليها بعد أيام قلائل صعيدا جرزا لا يظهر للإنسان إلا سدى وسرابا ~~ليس ذلك كله إلا آية إلهية هي نظيرة ما جرى على أصحاب الكهف حين سلط الله ~~عليهم النوم في فجوة من الكهف ثلاث مائة سنين شمسية ثم لما بعثهم لم يحسبوا ~~مكثهم ذلك إلا مكث يوم أو بعض يوم. # فمكث كل إنسان في الدنيا واشتغاله بزخارفها وزيناتها وتولهه إليها ذاهلا ~~عما سواها آية تضاهي في معناها آية أصحاب الكهف وسيبعث الله الناس من هذه ~~الرقدة فيسألهم "كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم": ~~المؤمنون: 113 "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار": ~~الأحقاف: 35 فما آية أصحاب الكهف ببدع عجيب من بين الآيات بل هي متكررة ~~جارية ما جرت الأيام والليالي على الإنسان. # فكأنه تعالى لما قال: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا" إلى تمام ثلاث آيات قال مخاطبا لنبيه: فكأنك ما تنبهت أن ~~اشتغالهم بالدنيا وعدم إيمانهم بهذا الحديث عن تعلقهم بزينة الأرض آية ~~إلهية تشابه آية مكث أصحاب الكهف في كهفهم ثم انبعاثهم ولذلك حزنت وكدت ~~تقتل نفسك أسفا بل حسبت أن أصحاب الكهف كانوا من آياتنا بدعا عجبا من ~~النوادر في هذا الباب. # وإنما لم يصرح بهذا المعنى صونا لمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عن نسبة الغفلة والذهول إليه ولأن الكناية أبلغ من التصريح. # هذا ما يعطيه التدبر في وجه اتصال القصة وعلى هذا النمط يجري السياق في ~~اتصال ما يتلو هذه القصة من مثل رجلين لأحدهما جنتان وقصة موسى وفتاه ~~وسيجيء بيانه وقد ذكر في اتصال القصة وجوه أخر غير وجيهة لا جدوى في نقلها. # قوله تعالى: "أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا" ~~الحسبان هو الظن، والكهف هو المغارة في الجبل إلا أنه أوسع منها فإذا صغر ~~سمي غارا والرقيم من الرقم وهو الكتابة والخط فهو في الأصل فعيل بمعنى ~~المفعول كالجريح والقتيل ms4952 بمعنى المجروح والمقتول، والعجب مصدر بمعنى التعجب ~~أريد به معنى الوصف مبالغة. # وظاهر سياق القصة أن أصحاب الكهف والرقيم جماعة بأعيانهم والقصة قصتهم ~~جميعا فهم المسمون أصحاب الكهف وأصحاب الرقيم أما تسميتهم أصحاب الكهف ~~فلدخولهم الكهف ووقوع ما جرى عليهم فيه. # وأما تسميتهم أصحاب الرقيم فقد قيل: إن قصتهم كانت منقوشة في لوح منصوب ~~هناك أو محفوظ في خزانة الملوك فبذلك سموا أصحاب الرقيم: وقيل: إن الرقيم ~~اسم الجبل الذي فيه الكهف، أو الوادي الذي فيه الجبل أو البلد الذي خرجوا ~~منه إلى الكهف أو الكلب الذي كان معهم أقوال خمسة، وسيأتي في الكلام على ~~قصتهم ما يؤيد القول الأول. # وقيل: إن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف وقصتهم غير قصتهم ذكرهم الله مع ~~أصحاب الكهف ولم يذكر قصتهم وقد رووا لهم قصة سنشير إليها في البحث الروائي الآتي. # وهو بعيد جدا فما كان الله ليشير في بليغ كلامه إلى قصة طائفتين ثم يفصل ~~القول في إحدى القصتين ولا يتعرض للأخرى لا إجمالا ولا تفصيلا على أن ما ~~أوردوه من قصة أصحاب الرقيم لا يلائم السياق السابق المستدعي لذكر قصة ~~أصحاب الكهف. # وقد تبين مما تقدم في وجه اتصال القصة أن معنى الآية: بل ظننت أن أصحاب ~~الكهف والرقيم - وقد أنامهم الله مئات من السنين ثم أيقظهم فحسبوا أنهم ~~لبثوا يوما أو بعض يوم - كانوا من آياتنا آية عجيبة كل العجب؟ لا وليسوا ~~بعجب وما يجري على عامة الإنسان من افتتانه بزينة الأرض وغفلته عن أمر ~~المعاد ثم بعثه وهو يستقل اللبث في الدنيا آية جارية تضاهي آية الكهف. PageV13P131 # وظاهر السياق - كما تقدمت الإشارة إليه - أن القصة كانت معلومة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إجمالا عند نزول القصة وإنما العناية متعلقة بالإخبار ~~عن تفصيلها، ويؤيد ذلك تعقيب الآية بالآيات الثلاث المتضمنة لإجمال القصة ~~حيث إنها تذكر إجمال القصة المؤدي إلى عدهم آية عجيبة نادرة في بابها. # قوله تعالى: "إذ أوى الفتية إلى الكهف" إلى آخر الآية الأوي الرجوع ولا ~~كل ms4953 رجوع بل رجوع الإنسان أو الحيوان إلى محل يستقر فيه أو ليستقر فيه ~~والفتية جمع سماعي لفتى والفتى الشاب ولا تخلو الكلمة من شائبة مدح. # والتهيئة الإعداد قال البيضاوي: وأصل التهيئة إحداث هيأة الشيء انتهى ~~والرشد بفتحتين أو الضم فالسكون الاهتداء إلى المطلوب، قال الراغب: الرشد ~~والرشد خلاف الغي يستعمل استعمال الهداية. # انتهى. # وقوله: "فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة" تفريع لدعائهم على أويهم كأنهم ~~اضطروا لفقد القوة وانقطاع الحيلة إلى المبادرة إلى المسألة، ويؤيده قولهم: ~~"من لدنك" فلو لا أن المذاهب أعيتهم والأسباب تقطعت بهم واليأس أحاط بهم ما ~~قيدوا الرحمة المسئولة أن تكون من لدنه تعالى بل قالوا: آتنا رحمة كقول ~~غيرهم "ربنا آتنا في الدنيا حسنة": البقرة: 201 "ربنا آتنا ما وعدتنا على ~~رسلك": آل عمران: 194 فالمراد بالرحمة المسئولة التأييد الإلهي إذ لا مؤيد غيره. # ويمكن أن يكون المراد بالرحمة المسئولة من لدنه بعض المواهب والنعم ~~المختصة به تعالى كالهداية التي يصرح في مواضع من كلامه بأنها منه خاصة، ~~ويشعر به التقييد بقوله "من لدنك"، ويؤيده ورود نظيره في دعاء الراسخين في ~~العلم المنقول في قوله: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك ~~رحمة": آل عمران: 8 فما سألوا إلا الهداية. # وقوله: "وهيىء لنا من أمرنا رشدا" المراد من أمرهم الشأن الذي يخصهم وهم ~~عليه وقد هربوا من قوم يتبعون المؤمنين ويسفكون دماءهم ويكرهونهم على عبادة ~~غير الله، والتجئوا إلى كهف وهم لا يدرون ما ذا سيجري عليهم؟ ولا يهتدون أي ~~سبيل للنجاة يسلكون؟ ومن هنا يظهر أن المراد بالرشد الاهتداء إلى ما فيه ~~نجاتهم. # فالجملة أعني قوله: "وهيىء لنا من أمرنا رشدا" على أول الاحتمالين ~~السابقين في معنى الرحمة عطف تفسير على قوله: "آتنا من لدنك رحمة" وعلى ~~ثانيهما مسألة بعد مسألة. # قوله تعالى: "فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا" قال في الكشاف، أي ~~ضربنا عليها حجابا من أن تسمع يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها ~~الأصوات كما ترى ms4954 المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه فحذف ~~المفعول الذي هو الحجاب كما يقال: بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة. # انتهى. # وقال في المجمع،: ومعنى ضربنا على آذانهم سلطنا عليهم النوم، وهو من ~~الكلام البالغ في الفصاحة يقال: ضربه الله بالفالج إذا ابتلاه الله به، قال ~~قطرب: هو كقول العرب: ضرب الأمير على يد فلان إذا منعه من التصرف، قال ~~الأسود بن يعفر وقد كان ضريرا: ومن الحوادث لا أبالك أنني. # ضربت علي الأرض بالأسداد. # وقال: هذا من فصيح لغات القرآن التي لا يمكن أن يترجم بمعنى يوافق اللفظ ~~انتهى، وما ذكره من المعنى أبلغ مما ذكره الزمخشري. # وهنا معنى ثالث وإن لم يذكروه: وهو أن يكون إشارة إلى ما تصنعه النساء ~~عند إنامة الصبي غالبا من الضرب على أذنه بدق الأكف أو الأنامل عليها دقا ~~نعيما لتتجمع حاسته عليه فيأخذه النوم بذلك فالجملة كناية عن إنامتهم سنين ~~معدودة بشفقة وحنان كما تفعل الأم المرضع بطفلها الرضيع. # وقوله: "سنين عددا" ظرف للضرب، والعدد مصدر كالعد بمعنى المعدود فالمعنى ~~سنين معدودة، وقيل بحذف المضاف والتقدير ذوات عدد. # وقد قال في الكشاف، إن توصيف السنين بالعدد يحتمل أن يراد به التكثير أو ~~التقليل لأن الكثير قليل عنده كقوله: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وقال ~~الزجاج إن الشيء إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعد وإذا كثر احتاج إلى ~~أن يعد. # انتهى ملخصا. # وربما كانت العناية في التوصيف بالعدد هي أن الشيء إذا بلغ في الكثرة عسر ~~عده فلم يعد عادة وكان التوصيف بالعدد أمارة كونه قليلا يقبل العد بسهولة، ~~قال تعالى: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة": يوسف: 20 أي قليلة. PageV13P132 # وكون الغرض من التوصيف بالعدد هو التقليل هو الملائم للسياق على ما مر فإن ~~الكلام مسرود لنفي كون قصتهم عجبا وإنما يناسبه تقليل سني لبثهم لا تكثيرها ~~- ومعنى الآية ظاهر وقد دل فيها على كونهم نائمين في الكهف طول المدة لا ميتين. # قوله تعالى: "ثم بعثناهم ms4955 لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا" المراد ~~بالبعث هو الإيقاظ دون الإحياء بقرينة الآية السابقة، وقال الراغب: الحزب ~~جماعة فيها غلظ انتهى. # وقال: الأمد والأبد يتقاربان لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها ~~حد محدود ولا يتقيد لا يقال: أبد كذا، والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق، ~~وقد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا كما يقال: زمان كذا. # والفرق بين الأمد والزمان أن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في ~~المبدإ والغاية، ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان. # انتهى. # والمراد بالعلم العلم الفعلي وهو ظهور الشيء وحضوره بوجوده الخاص عند ~~الله، وقد كثر ورود العلم بهذا المعنى في القرآن كقوله: "ليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب": الحديد: 25، وقوله: "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم": الجن: 28 وإليه يرجع قول بعضهم في تفسيره: أن المعنى ليظهر معلومنا ~~على ما علمناه. # وقوله: "لنعلم أي الحزبين أحصى" إلخ تعليل للبعث واللام للغاية والمراد ~~بالحزبين الطائفتان من أصحاب الكهف حين سأل بعضهم بعضا بعد البعث: قائلا كم ~~لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم على ما يفيده ~~قوله تعالى في الآيات التالية: "وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم" إلخ. # وأما قول القائل: إن المراد بالحزبين الطائفتان من قومهم المؤمنون ~~والكافرون كأنهم اختلفوا في أمد لبثهم في الكهف بين مصيب في إحصائه ومخطىء ~~فبعثهم الله تعالى ليبين ذلك ويظهر، والمعنى أيقظناهم ليظهر أي الطائفتين ~~المختلفتين من المؤمنين والكافرين في أمد لبثهم مصيبة في قولها، فبعيد. # وقوله: "أحصى لما لبثوا أمدا فعل ماض من الإحصاء، و"أمدا" مفعوله والظاهر ~~أن "لما لبثوا" قيد لقوله "أمدا" وما مصدرية أي أي الحزبين عد أمد لبثهم ~~وقيل: أحصى اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد كقولهم: هو أحصى للمال وأفلس ~~من ابن المذلق 1، وأمدا منصوب بفعل يدل عليه "أحصى" ولا يخلو من تكلف، وقيل ~~غير ذلك. # ومعنى الآيات الثلاث أعني قوله: "إذ أوى الفتية إلى قوله: "أمدا" إذ رجع ~~الشبان إلى الكهف فسألوا عند ms4956 ذلك ربهم قائلين: ربنا هب لنا من لدنك ما ننجو ~~به مما يهددنا بالتخيير بين عبادة غيرك وبين القتل وأعد لنا من أمرنا هدى ~~نهتدي به إلى النجاة فأنمناهم في الكهف سنين معدودة ثم أيقظناهم ليتبين أي ~~الحزبين عد أمدا للبثهم. # والآيات الثلاث - كما ترى - تذكر إجمال قصتهم تشير بذلك إلى جهة كونهم من ~~آيات الله وغرابة أمرهم، تشير الآية الأولى إلى دخولهم الكهف ومسألتهم ~~للنجاة، والثانية إلى نومهم فيه سنين عددا، والثالثة إلى تيقظهم وانتباههم ~~واختلافهم في تقدير زمان لبثهم. # فلإجمال القصة أركان ثلاثة تتضمن كل واحدة من الآيات الثلاث واحدا منها ~~وعلى هذا النمط تجري الآيات التالية المتضمنة لتفصيل القصة غير أنها تضيف ~~إلى ذلك بعض ما جرى بعد ظهور أمرهم وتبين حالهم للناس، وهو الذي يشير إليه ~~قوله: "وكذلك أعثرنا عليهم" إلى آخر آيات القصة. # قوله تعالى: "نحن نقص عليك نبأهم بالحق" إلى آخر الآية. # شروع في ذكر ما يهم من خصوصيات قصتهم تفصيلا، وقوله: "إنهم فتية آمنوا ~~بربهم أي آمنوا إيمانا مرضيا لربهم ولو لا ذلك لم ينسبه إليهم قطعا. # وقوله: "وزدناهم هدى" الهدى بعد أصل الإيمان ملازم لارتقاء درجة الإيمان ~~الذي فيه اهتداء الإنسان إلى كل ما ينتهي إلى رضوان الله قال تعالى: "يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به": الحديد: 28. # قوله تعالى: "وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا" إلى آخر الآيات الثلاث ~~الربط هو الشد، والربط على القلوب كناية عن سلب القلق والاضطراب عنها، ~~والشطط الخروج عن الحد والتجاوز عن الحق، والسلطان الحجة والبرهان. PageV13P133 # والآيات الثلاث تحكي الشطر الأول من محاورتهم حين انتهضوا لمخالفة الوثنية ~~ومخاصمتهم "إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها ~~لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم ~~بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا". # وقد أتوا بكلام مملوء حكمة وفهما راموا به إبطال ربوبية أرباب الأصنام من ms4957 ~~الملائكة والجن والمصلحين من البشر الذين رامت الفلسفة الوثنية إثبات ~~ألوهيتهم وربوبيتهم دون نفس الأصنام التي هي تماثيل وصور لأولئك الأرباب ~~تدعوها عامتهم آلهة وأربابا، ومن الشاهد على ذلك قوله: "عليهم" حيث أرجع ~~إليهم ضمير "هم" المختص بأولى العقل. # فبدءوا بإثبات توحيده بقولهم: "ربنا رب السماوات والأرض" فأسندوا ربوبية ~~الكل إلى واحد لا شريك له، والوثنية تثبت لكل نوع من أنواع الخلقية إلها ~~وربا كرب السماء ورب الأرض ورب الإنسان. # ثم أكدوا ذلك بقولهم: "لن ندعوا من دونه إلها ومن فائدته نفي الآلهة ~~الذين تثبتهم الوثنية فوق أرباب الأنواع كالعقول الكلية التي تعبده الصابئة ~~وبرهما وسيوا ووشنو الذين تعبدهم البراهمة والبوذية وأكدوه ثانيا بقولهم: ~~"لقد قلنا إذا شططا" فدلوا على أن دعوة غيره من التجاوز عن الحد بالغلو في ~~حق المخلوق برفعه إلى درجة الخالق. # ثم كروا على القوم في عبادتهم غير الله سبحانه باتخاذهم آلهة فقالوا: ~~"هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين" فردوا ~~قولهم بأنهم لا برهان لهم على ما يدعونه يدل عليه دلالة بينة. # وما استدلوا به من قولهم: إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به إدراك خلقه ~~فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة ولا التقرب إليه بالعبودية فلا يبقى لنا إلا ~~أن نعبد بعض الموجودات الشريفة من عباده المقربين ليقربونا إليه زلفى مردود ~~إليهم أما عدم إحاطة الإدراك به تعالى فهو مشترك بيننا معاشر البشر وبين من ~~يعبدونه من العباد المقربين، والجميع منا ومنهم يعرفونه بأسمائه وصفاته ~~وآثاره كل على قدر طاقته فله أن يتوجه إليه بالعبادة على قدر معرفته. # على أن جميع الصفات الموجبة لاستحقاق العبادة من الخلق والرزق والملك ~~والتدبير له وحده ولا يملك غيره شيئا من ذلك فله أن يعبد وليس لغيره ذلك. # ثم أردفوا قولهم: "لو لا يأتون عليهم بسلطان بين" بقولهم "فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا" وهو من تمام الحجة الرادة لقولهم، ومعناه أن عليهم أن ~~يقيموا برهانا قاطعا على قولهم فلو لم يقيموه ms4958 كان قولهم من القول بغير علم ~~في الله وهو افتراء الكذب عليه تعالى، والافتراء ظلم والظلم على الله أعظم الظلم. # هذا فقد دلوا بكلامهم هذا أنهم كانوا علماء بالله أولي بصيرة في دينهم، ~~وصدقوا قوله تعالى "وزدناهم هدى" وفي الكلام على ما به من الإيجاز قيود ~~تكشف عن تفصيل نهضتهم في بادئها فقوله تعالى: "وربطنا على قلوبهم" يدل على ~~أن قولهم: "ربنا رب السماوات والأرض" إلخ لم يكن بإسرار النجوى وفي خلإ من ~~عبدة الأوثان بل كان بإعلان القول والإجهار به في ظرف تذوب منه القلوب ~~وترتاع النفوس وتقشعر الجلود في ملإ معاند يسفك الدماء ويعذب ويفتن. # وقوله: "لن ندعوا من دونه إلها" بعد قوله "ربنا رب السماوات والأرض" - ~~وهو جحد وإنكار - فيه إشعار وتلويح إلى أنه كان هناك تكليف إجباري بعبادة ~~الأوثان ودعاء غير الله. # وقوله: "إذ قاموا فقالوا" إلخ يشير إلى أنهم في بادىء قولهم كانوا في ~~مجلس يصدر عنه الأمر بعبادة الأوثان والإجبار عليها والنهي عن عبادة الله ~~والسياسة المنتحلية بالقتل والعذاب كمجلس الملك أو ملئه أو ملإ عام كذلك ~~فقاموا وأعلنوا مخالفتهم وخرجوا واعتزلوا القوم وهم في خطر عظيم يهددهم ~~ويهجم عليهم من كل جانب كما يدل عليه قولهم: "وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ~~إلا الله فأووا إلى الكهف. # وهذا يؤيد ما وردت به الرواية - وسيجيء الخبر - أن ستة منهم كانوا من ~~خواص الملك يستشيرهم في أموره فقاموا من مجلس وأعلنوا التوحيد ونفي الشريك ~~عنه تعالى. PageV13P134 # ولا ينافي ذلك ما سيأتي من الروايات أنهم كانوا يسرون إيمانهم ويعملون ~~بالتقية لجواز أن يكونوا سائرين عليها ثم يفاجئوا القوم بإعلان الإيمان ثم ~~يعتزلوهم من غير مهل فلم تكن تسعهم إدامة التظاهر بالإيمان وإلا قتلوا بلا شك. # وربما احتمل أن يكون المراد بقيامهم قيامهم لله نصرة منهم للحق وقولهم: ~~"ربنا رب السماوات والأرض" إلخ قولا منهم في أنفسهم وقولهم: "وإذ ~~اعتزلتموهم" إلخ قولا منهم بعد ما خرجوا من المدينة، أو يكون المراد قيامهم ~~لله، وجميع ما نقل من أقوالهم إنما ms4959 قالوها فيما بين أنفسهم بعد ما خرجوا من ~~المدينة وتنحوا عن القوم وعلى الوجهين يكون المراد بالربط على قلوبهم أنهم ~~لم يخافوا عاقبة الخروج والهرب من المدينة وهجرة القوم لكن الأظهر هو الوجه الأول. # قوله تعالى: "وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله فأووا إلى الكهف" ~~إلى آخر الآية الاعتزال والتعزل التنحي عن أمر، والنشر البسط، والمرفق بكسر ~~الميم وفتح الفاء وبالعكس وبفتحهما المعاملة بلطف. # هذا هو الشطر الثاني من محاورتهم جرت بينهم بعد خروجهم من بين الناس ~~واعتزالهم إياهم وما يعبدون من دون الله وتنحيهم عن الجميع يشير به بعضهم ~~عليهم أن يدخلوا الكهف ويتستروا فيه من أعداء الدين. # وقد تفرسوا بهدى إلهي أنهم لو فعلوا ذلك عاملهم الله من لطفه ورحمته بما ~~فيه نجاتهم من تحكم القوم وظلمهم والدليل على ذلك قولهم بالجزم: "فأووا إلى ~~الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته" إلخ ولم يقولوا: عسى أن ينشر أو لعل. # وهذان اللذان تفرسوا بهما من نشر الرحمة وتهيئة المرفق هما اللذان ~~سألوهما بعد دخول الكهف إذ قالوا - كما حكى الله - "ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيىء لنا من أمرنا رشدا". # والاستثناء في قوله: "وما يعبدون إلا الله" استثناء منقطع فإن الوثنيين ~~لم يكونوا يعبدون الله مع سائر آلهتهم حتى يفيد الاستثناء إخراج بعض ما دخل ~~أولا في المستثنى منه فيكون متصلا فقول بعضهم: إنهم كانوا يعبدون الله ~~ويعبدون الأصنام كسائر المشركين. # وكذا قول بعض آخر: يجوز أنه كان فيهم من يعبد الله مع عبادة الأصنام ~~فيكون الاستثناء متصلا في غير محله، إذ لم يعهد من الوثنيين عبادة الله ~~سبحانه مع عبادة الأصنام، وفلسفتهم لا تجيز ذلك، وقد أشرنا إلى حجتهم في ~~ذلك آنفا. # قوله تعالى: "وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال" إلى آخر الآيتين التزاور هو التمايل مأخوذ من الزور ~~بمعنى الميل والقرض القطع، والفجوة المتسع من الأرض وساحة الدار والمراد ~~بذات اليمين وذات الشمال الجهة التي تلي اليمين أو الشمال ms4960 أو الجهة ذات اسم ~~اليمين أو الشمال وهما جهتا اليمين والشمال. # وهاتان الآيتان تمثلان الكهف ومستقرهم منه ومنظرهم وما يتقلب عليهم من ~~الحال أيام لبثهم فيه وهم رقود والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بما أنه سامع لا بما أنه هو، وهذا شائع في الكلام، والخطاب على هذا النمط ~~يعم كل سامع من غير أن يختص بمخاطب خاص. # فقوله: "وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ~~ذات الشمال وهم في فجوة منه" يصف موقع الكهف وموقعهم فيه وهم نائمون وأما ~~إنامتهم فيه بعد الأوي إليه ومدة لبثهم فيه فقد اكتفي في ذلك بما أشير إليه ~~في الآيات السابقة من إنامتهم ولبثهم وما سيأتي من قوله: "ولبثوا في كهفهم" ~~"إلخ" إيثارا للإيجاز. # والمعنى: وترى أنت وكل راء يفرض اطلاعه عليهم وهم في الكهف يرى الشمس إذا ~~طلعت تتزاور وتتمايل عن كهفهم جانب اليمين فيقع نورها عليه، وإذا غربت تقطع ~~جانب الشمال فيقع شعاعها عليه وهم في متسع من الكهف لا تناله الشمس. # وقد أشار سبحانه بذلك إلى أن الكهف لم يكن شرقيا ولا غربيا لا يقع عليه ~~شعاع الشمس إلا في أحد الوقتين بل كان قطبيا يحاذي ببابه القطب فيقع شعاع ~~الشمس على أحد جانبيه من داخل طلوعا وغروبا، ولا يقع عليهم لأنهم كانوا في ~~متسع منه فوقاهم الله بذلك من أن يؤذيهم حر الشمس أو يغير ألوانهم أو يبلي ~~ثيابهم بل كانوا مرتاحين في نومتهم مستفيدين من روح الهواء المتحول عليهم ~~بالشروق والغروب وهم في فجوة منه، ولعل تنكير فجوة للدلالة على وصف محذوف ~~والتقدير وهم في فجوة منه لا يصيبهم فيه شعاعها. PageV13P135 # وقد ذكر المفسرون أن الكهف كان بابه مقابلا للقطب الشمالي يسامت بنات ~~النعش، والجانب الأيمن منه ما يلي المغرب ويقع عليه شعاع الشمس عند طلوعها ~~والجانب الأيسر منه ما يلي المشرق وتناله الشمس عند غروبها، وهذا مبني على ~~أخذ جهتي اليمين والشمال للكهف باعتبار الداخل فيه، وكأن ذلك منهم تعويلا ~~على ms4961 ما هو المشهور أن هذا الكهف واقع في بلدة إفسوس من بلاد الروم الشرقي ~~فإن الكهف الذي هناك قطبي يقابل بابه القطب الشمالي متمايلا قليلا إلى ~~المشرق على ما يقال. # والمعمول في اعتبار اليمين واليسار لمثل الكهف والبيت والفسطاط وكل ما له ~~باب أن يؤخذا باعتبار الخارج منه دون الداخل فيه فإن الإنسان أول ما أحس ~~الحاجة إلى اعتبار الجهات أخذها لنفسه فسمى ما يلي رأسه وقدمه علوا وسفلا ~~وفوق وتحت، وسمى ما يلي وجهه قدام وما يقابله خلف، وسمى الجانب القوي منه ~~وهو الذي فيه يده القوية يمينا، والذي يخالفه شمالا ويسارا ثم إذا مست ~~الحاجة إلى اعتبار الجهات في شيء فرض الإنسان نفسه مكانه فما كان من أطراف ~~ذلك الشيء ينطبق عليه الوجه وهو الطرف الذي يستقبل به الشيء غيره تعين به ~~قدامه وبما يقاطره خلفه، وبما ينطبق عليه يمين الإنسان من أطرافه يمينه ~~وكذا بيسار الإنسان يساره. # وإذ كان الوجه في مثل البيت والدار والفسطاط وكل ما له باب طرفه الذي فيه ~~الباب كان تعين يمينه ويساره باعتبار الخارج من الباب دون الداخل منه، وعلى ~~هذا يكون الكهف الذي وصفته الآية بما وصفت جنوبيا يقابل بابه القطب الجنوبي ~~لا كما ذكروه، وللكلام تتمة ستوافيك إن شاء الله. # وعلى أي حال كان وضعهم هذا من عناية الله ولطفه بهم ليستبقيهم بذلك حتى ~~يبلغ الكتاب أجله، وإليه الإشارة بقوله عقيبه: "ذلك من آيات الله من يهد ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا". # وقوله: "وتحسبهم أيقاظا وهم رقود" الأيقاظ جمع يقظ ويقظان والرقود جمع ~~راقد وهو النائم، وفي الكلام تلويح إلى أنهم كانوا مفتوحي الأعين حال نومهم ~~كالأيقاظ. # وقوله: "ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال" أي ونقلبهم جهة اليمين وجهة ~~الشمال، والمراد نقلبهم تارة من اليمين إلى الشمال وتارة من الشمال إلى ~~اليمين لئلا تأكلهم الأرض، ولا تبلى ثيابهم، ولا تبطل قواهم البدنية ~~بالركود والخمود طول المكث. # وقوله: "وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد" الوصيد فناء البيت وقيل: عتبة ms4962 الدار ~~والمعنى كانوا على ما وصف من الحال والحال أن كلبهم مفترش بذراعيه باسط ~~لهما بفناء الكهف وفيه إخبار بأنهم كان لهم كلب يلازمهم وكان ماكثا معهم ~~طول مكثهم في الكهف. # وقوله: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا" بيان أنهم ~~وحالهم هذا الحال كان لهم منظر موحش هائل لو أشرف عليهم الإنسان فر منهم ~~خوفا من خطرهم تبعدا من المكروه المتوقع من ناحيتهم وملأ قلبه الروع والفزع ~~رعبا وسرى إلى جميع الجوارح فملأ الجميع رعبا، والكلام في الخطاب الذي في ~~قوله: "لوليت" وقوله: "ولملئت" كالكلام في الخطاب الذي في قوله: "وترى ~~الشمس". # وقد بان بما تقدم من التوضيح أولا: الوجه في قوله: "ولملئت منهم رعبا" ~~ولم يقل: ولملىء قلبك رعبا. # وثانيا: الوجه في ترتيب الجملتين: "لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا" ~~وذلك أن الفرار وهو التبعد من المكروه معلول لتوقع وصول المكروه تحذرا منه، ~~وليس بمعلول للرعب الذي هو الخشية وتأثر القلب، والمكروه المترقب يجب أن ~~يتحذر منه سواء كان هناك رعب أو لم يكن. # فتقديم الفرار على الرعب ليس من قبيل تقديم المسبب على سببه بل من تقديم ~~حكم الخوف على الرعب وهما حالان متغايران قلبيان، ولو كان بدل الخوف من ~~الرعب لكان من حق الكلام تقديم الجملة الثانية وتأخير الأولى وأما بناء على ~~ما ذكرناه فتقديم حكم الخوف على حصول الرعب وهما جميعا أثران للاطلاع على ~~منظرهم الهائل الموحش أحسن وأبلغ لأن الفرار أظهر دلالة على ذلك من ~~الامتلاء بالرعب. # قوله تعالى: "وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم" إلى آخر الآيتين التساؤل ~~سؤال بعض القوم بعضا، والورق بالفتح فالكسر: الدراهم، وقيل هو الفضة مضروبة ~~كانت أو غيرها، وقوله: إن يظهروا عليكم أي إن يطلعوا عليكم أو إن يظفروا بكم. PageV13P136 # والإشارة بقوله: "وكذلك بعثناهم" إلى إنامتهم بالصورة التي مثلتها الآيات ~~السابقة أي كما أنمناهم في الكهف دهرا طويلا على هذا الوضع العجيب المدهش ~~الذي كان آية من آياتنا كذلك بعثناهم وأيقظناهم ليتساءلوا بينهم. # وهذا التشبيه وجعل التساؤل غاية ms4963 للبعث مع ما تقدم من دعائهم لدى ورود ~~الكهف وإنامتهم إثر ذلك يدل على أنهم إنما بعثوا من نومتهم ليتساءلوا فيظهر ~~لهم حقيقة الأمر، وإنما أنيموا ولبثوا في نومتهم دهرا ليبعثوا، وقد نومهم ~~الله إثر دعائهم ومسألتهم رحمة من عند الله واهتداء مهيأ من أمرهم فقد كان ~~أزعجهم استيلاء الكفر على مجتمعهم وظهور الباطل وإحاطة القهر والجبر وهجم ~~عليهم اليأس والقنوط من ظهور كلمة الحق وحرية أهل الدين في دينهم فاستطالوا ~~لبث الباطل في الأرض وظهوره على الحق كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه. # وبالجملة لما غلبت عليهم هذه المزعمة واستيأسوا من زوال غلبة الباطل ~~أنامهم الله سنين عددا ثم بعثهم ليتساءلوا فيجيبوا بيوم أو بعض يوم ثم ~~ينكشف لهم تحول الأحوال ومرور مآت من السنين عند غيرهم وهي بنظرة أخرى كيوم ~~أو بعض يوم فيعلموا أن طول الزمان وقصره ليس بذاك الذي يميت حقا أو يحيي ~~باطلا وإنما هو الله سبحانه جعل ما على الأرض زينة لها وجذب إليها الإنسان ~~وأجرى فيها الدهور والأيام ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وليس للدنيا إلا أن تغر ~~بزينتها طالبيها ممن أخلد إلى الأرض واتبع هواه. # وهذه حقيقة لا تزال لائحة للإنسان كلما انعطف على ما مرت عليه من أيامه ~~السالفة وما جرت عليه من الحوادث حلوها ومرها وجدها كطائف في نومة أو سنة ~~في مثل يوم غير أن سكر الهوى والتلهي بلهو الدنيا لا يدعه أن ينتبه للحق ~~فيتبعه لكن لله سبحانه على الإنسان يوم لا يشغله عن مشاهدة هذه الحقيقة ~~شاغل من زينة الدنيا وزخرفها وهو يوم الموت كما عن علي (عليه السلام): ~~"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ويوم آخر وهو يوم يطوي فيه بساط الدنيا ~~وزينتها ويقضي على العالم الإنساني بالبيد والانقراض. # وقد ظهر بما تقدم أن قوله تعالى: "ليتساءلوا بينهم" غاية لبعثهم واللام ~~لتعليل الغاية، وتنطبق على ما مر من الغاية في قوله: "ثم بعثناهم ms4964 لنعلم أي ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا". # وذكر بعضهم: أنه بعض الغاية وضع موضعها لاستتباعه لسائر آثار البعث كأنه ~~قيل ليتساءلوا بينهم وينجر ذلك إلى ظهور أمرهم وانكشاف الآية وظهور القدرة ~~وهذا مع عدم شاهد عليه من جهة اللفظ تكلف ظاهر. # وذكر آخرون: أن اللام في قوله: "ليتساءلوا" للعاقبة دون الغاية استبعادا ~~لأن يكون التساؤل وهو أمر هين غاية للبعث وهو آية عظيمة، وفيه أن جعل اللام ~~للعاقبة لا يجدي نفعا في دفع ما استبعده إذ كما لا ينبغي أن يجعل أمر هين ~~للغاية مطلوبة لأمر خطير وآية عظيمة كذلك لا يحسن ذكر شيء يسير عاقبة لأمر ~~ذي بال وآية عجيبة مدهشة على أنك عرفت صحة كون التساؤل علة غائية للبعث آنفا. # وقوله: "قال قائل منهم كم لبثتم" دليل على أن السائل عن لبثهم كان واحدا ~~منهم خاطب الباقين وسألهم عن مدة لبثهم في الكهف نائمين وكأن السائل استشعر ~~طولا في لبثهم مما وجده من لوثة النوم الثقيل بعد التيقظ فقال: كم لبثتم؟. # وقوله: "قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم" ترددوا في جوابهم بين اليوم وبعض ~~اليوم وكأنهم بنوا الجواب على ما شاهدوا من تغير محل وقوع الشمس كأن أخذوا ~~في النوم أوائل النهار وانتبهوا في أواسطه أو أواخره ثم شكوا في مرور الليل ~~عليهم فيكون مكثهم يوما وعدم مروره فيكون بعض يوم فأجابوا بالترديد بين يوم ~~وبعض يوم وهو على أي حال جواب واحد. # وقول بعضهم: إن الترديد على هذا يجب أن يكون بين بعض يوم ويوم وبعض لا ~~بين يوم وبعض يوم فالوجه أن يكون "أو" للتفصيل لا للترديد والمعنى قال ~~بعضهم: لبثنا يوم وقال بعض آخر: لبثنا بعض يوم. # لا يلتفت إليه أما أولا فلأن هذا المعنى لا يتلقى من سياق مثل قوله: ~~"لبثنا يوما أو بعض يوم" البتة وقد أجاب بمثله شخص واحد بعينه قال تعالى: ~~"قال كم لبثت قال: لبثت يوما أو بعض يوم": البقرة: 259. PageV13P137 # وأما ثانيا فلأن قولهم: "لبثنا يوما" إنما أخذوه عما استدلوا ms4965 به من الأمور ~~المشهودة لهم لجلالة قدرهم عن التحكم والتهوس والمجازفة والأمور الخارجية ~~التي يستدل بها الإنسان وخاصة من نام ثم انتبه من شمس وظل ونور وظلمة ونحو ~~ذلك لا تشخص مقدار اليوم التام من غير زيادة ونقيصة سواء في ذلك الترديد ~~والتفصيل فالمراد باليوم على أي حال ما يزيد على ليلة بنهارها بعض الزيادة ~~وهو استعمال شائع. # وقوله تعالى: "قالوا ربكم أعلم بما لبثتم" أي قال بعض آخر منهم ردا على ~~القائلين: لبثنا يوما أو بعض يوم": "ربكم أعلم بما لبثتم" ولو لم يكن ردا ~~لقالوا ربنا أعلم بما لبثنا. # وبذلك يظهر أن إحالة العلم إلى الله تعالى في قولهم: "ربكم أعلم" ليس ~~لمجرد مراعاة حسن الأدب كما قيل بل لبيان حقيقة من حقائق معارف التوحيد وهي ~~أن العلم بحقيقة معنى الكلمة ليس إلا لله سبحانه فإن الإنسان محجوب عما ~~وراء نفسه لا يملك بإذن الله إلا نفسه ولا يحيط إلا بها وإنما يحصل له من ~~العلم بما هو خارج عن نفسه ما دلت عليه الأمارات الخارجية وبمقدار ما ينكشف ~~بها وأما الإحاطة بعين الأشياء ونفس الحوادث وهو العلم حقيقة فإنما هو لله ~~سبحانه المحيط بكل شيء الشهيد على كل شيء والآيات الدالة على هذه الحقيقة ~~لا تحصى. # فليس للموحد العارف بمقام ربه إلا أن يسلم الأمر له وينسب العلم إليه ولا ~~يسند إلى نفسه شيئا من الكمال كالعلم والقدرة إلا ما اضطر إليه فيبدأ بربه ~~فينسب إليه حقيقة الكمال ثم لنفسه ما ملكه الله إياه وأذن له فيه كما قال: ~~"علم الإنسان ما لم يعلم": العلق: 5 وقال: "قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا": البقرة: 32 إلى آيات أخرى كثيرة. # ويظهر بذلك أن القائلين منهم: "ربكم أعلم بما لبثتم" كانوا أعلى كعبا في ~~مقام المعرفة من القائلين: "لبثنا يوما أو بعض يوم" ولم يريدوا بقولهم هذا ~~مجرد إظهار الأدب وإلا لقالوا: ربنا أعلم بما لبثنا ولم يكونوا أحد الحزبين ~~اللذين أشار سبحانه إليهما بقوله فيما سبق: ms4966 "ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا" فإن إظهار الأدب لا يسمى قولا وإحصاء ولا الآتي به ذا ~~قول وإحصاء. # والظاهر أن القائلين منهم: "ربكم أعلم بما لبثتم" غير القائلين: "لبثنا ~~يوما أو بعض يوم" فإن السياق سياق المحاورة والمجاوبة كما قيل ولازمه كون ~~المتكلمين ثانيا غير المتكلمين أولا ولو كانوا هم الأولين بأعيانهم لكان من ~~حق الكلام أن يقال: ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا بدل قوله: "ربكم أعلم" إلخ. # ومن هنا يستفاد أن القوم كانوا سبعة أو أزيد إذ قد وقع في حكاية محاورتهم ~~"قال" مرة و"قالوا" مرتين وأقل الجمع ثلاثة فقد كانوا لا يقل عددهم من سبعة. # وقوله تعالى: "فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى ~~طعاما فليأتكم برزق منه" من تتمة المحاورة وفيه أمر أو عرض لهم أن يرسلوا ~~رسولا منهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاما يتغذون به والضمير في "أيها" راجع ~~إلى المدينة والمراد بها أهلها من الكسبة استخداما. # وزكاء الطعام كونه طيبا وقيل: كونه حلالا وقيل: كونه طاهرا ووروده بصيغة ~~أفعل التفضيل "أزكى طعاما" لا يخلو من إشعار بالمعنى الأول. # والضمير في "منه" للطعام المفهوم من الكلام وقيل: للأزكى طعاما و"من" ~~للابتداء أو التبعيض أي ليأتكم من ذلك الطعام الأزكى برزق ترتزقون به، ~~وقيل: الضمير للورق و"من" للبداية وهو بعيد لإحواجه إلى تقدير ضمير آخر ~~يرجع إلى الجملة السابقة وكونه ضمير التذكير وقد أشير إلى الورق بلفظ ~~التأنيث من قبل. # وقوله تعالى: "وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا" التلطف إعمال اللطف والرفق ~~وإظهاره فقوله: "ولا يشعرن بكم أحدا" عطف تفسيري له والمراد على ما يعطيه ~~السياق: ليتكلف اللطف مع أهل المدينة في ذهابه ومجيئه ومعاملته لهم كي لا ~~يقع خصومة أو منازعة لتؤدي إلى معرفتهم بحالكم وإشعارهم بكم، وقيل المعنى ~~ليتكلف اللطف في المعاملة وإطلاق الكلام يدفعه. # وقوله تعالى: "إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا" تعليل للأمر بالتلطف وبيان لمصلحته. PageV13P138 # ظهر على الشيء بمعنى ms4967 اطلع عليه وعلم به وبمعنى ظفر به وقد فسرت الآية بكل ~~من المعنيين والكلمة على ما ذكره الراغب مأخوذة من الظهر بمعنى الجارحة ~~مقابل البطن فكان هو الأصل ثم استعير للأرض فقيل: ظهر الأرض مقابل بطنها ثم ~~أخذ منه الظهور بمعنى الانكشاف مقابل البطون للملازمة بين الكون على وجه ~~الأرض وبين الرؤية والاطلاع وكذا بينه وبين الظفر وكذا بينه وبين الغلبة ~~عادة فقيل: ظهر عليه أي اطلع عليه وعلم بمكانه أو ظفر به أو غلبه ثم اتسعوا ~~في الاشتقاق فقالوا: أظهر وظاهر وتظاهر واستظهر إلى غير ذلك. # وظاهر السياق أن يكون "يظهروا عليكم" بمعنى يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم ~~فإنه أجمع المعاني لأن القوم كانوا ذوي أيد وقوة وقد هربوا واستخفوا منهم ~~فلو اطلعوا عليهم ظفروا بهم وغلبوهم على ما أرادوا. # وقوله: "يرجموكم" أي يقتلوكم بالحجارة وهو شر القتل ويتضمن معنى النفرة ~~والطرد، وفي اختيار الرجم على غيره من أصناف القتل إشعار بأن أهل المدينة ~~عامة كانوا يعادونهم لدينهم فلو ظهروا عليهم بادروا إليهم وتشاركوا في ~~قتلهم والقتل الذي هذا شأنه يكون بالرجم عادة. # وقوله: "أو يعيدوكم في ملتهم" الظاهر أن الإعادة مضمن معنى الإدخال ولذا ~~عدي بفي دون إلى. # وكان لازم دخولهم في ملتهم عادة وقد تجاهروا برفضها وسموها شططا من القول ~~وافتراء على الله بالكذب - أن لا يقنع القوم بمجرد اعترافهم بحقية الملة ~~صورة دون أن يثقوا بصدقهم في الاعتراف ويراقبوهم في أعمالهم فيشاركوا الناس ~~في عبادة الأوثان والإتيان بجميع الوظائف الدينية التي لهم والحرمان عن ~~العمل بشيء من شرائع الدين الإلهي والتفوه بكلمة الحق. # وهذا كله لا بأس به على من اضطر على الإقامة في بلاد الكفر والانحصار بين ~~أهله كالأسير المستضعف بحكم العقل والنقل وقد قال تعالى: "إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان": النحل: 106 وقال تعالى: "إلا أن تتقوا منهم تقاة": ~~آل عمران: 28 فله أن يؤمن بقلبه وينكره بلسانه وأما من كان بنجوة منهم وهو ~~حر في اعتقاده وعمله ثم ألقى بنفسه في مهلكة الضلال ms4968 وتسبب إلى الانحصار في ~~مجتمع الكفر فلم يستطع التفوه بكلمة الحق وحرم التلبس بالوظائف الدينية ~~الإنسانية فقد حرم على نفسه السعادة ولن يفلح أبدا قال تعالى: "إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت ~~مصيرا": النساء: 97. # وبهذا يظهر وجه ترتب قوله: "ولن تفلحوا إذا أبدا" على قوله: "أو يعيدوكم ~~في ملتهم" ويندفع ما قيل: إن إظهار الكفر بالإكراه مع إبطان الإيمان معفو ~~عنه في جميع الأزمان فكيف رتب على العود في ملتهم عدم الفلاح أبدا مع أن ~~الظاهر من حالهم الكره هذا فإنهم لو عرضوا بأنفسهم عليهم أو دلوهم بوجه على ~~مكانهم فأعادوهم في ملتهم ولو على كره كان ذلك منهم تسببا اختياريا إلى ذلك ~~ولم يعذروا البتة. # وقد أجابوا عن الإشكال بوجوه أخر غير مقنعة: منها: أن الإكراه على الكفر ~~قد يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه وفيه أن لازم ~~هذا الوجه أن يقال: ويخاف عليكم أن لا تفلحوا أبدا إلا أن يقضى بعدم الفلاح قطعا. # ومنها: أنه يجوز أن يكون أراد يعيدوكم إلى دينهم بالاستدعاء دون الإكراه ~~وأنت خبير بأن سياق القصة لا يساعد عليه. # ومنها: أنه يجوز أن يكون في ذلك الوقت كان لا يجوز التقية بإظهار الكفر ~~مطلقا وفيه عدم الدليل على ذلك. # وسياق ما حكى من محاورتهم أعني قوله: "لبثتم" إلى تمام الآيتين سياق عجيب ~~دال على كمال تحابهم في الله ومواخاتهم في الدين وأخذهم بالمساواة بين ~~أنفسهم ونصح بعضهم لبعض وإشفاق بعضهم على بعض فقد تقدم أن قول القائلين: ~~"ربكم أعلم بما لبثتم" تنبيه ودلالة على موقع من التوحيد أعلى وأرفع درجة ~~مما يدل عليه قول الآخرين "لبثنا يوما أو بعض يوم"". # ثم قول القائل: "فابعثوا" حيث عرض بعث الرسول على الجميع ولم يستبد بقول: ~~ليذهب أحدكم وقوله: "أحدكم" ولم يقل اذهب يا فلان أو ابعثوا فلانا وقوله: ~~"بورقكم هذه" فأضاف الورق إلى الجميع ms4969 كل ذلك دليل المواخاة والمساواة. PageV13P139 # ثم قوله: "فلينظر أيها أزكى طعاما" إلخ وقوله: "وليتلطف" إلخ نصح وقوله: ~~"إنهم إن يظهروا عليكم" إلخ نصح لهم وإشفاق على نفوسهم بما هم مؤمنون على دينهم. # وقوله تعالى: "بورقكم هذه" على ما فيه من الإضافة والإشارة المعينة لشخص ~~الورق مشعر بعناية خاصة بذكرها فإن سياق استدعاء أن يبعثوا أحدا لاشتراء ~~طعام لهم لا يستوجب بالطبع ذكر الورق التي يشتري بها الطعام والإشارة إليها ~~بشخصها ولعلها إنما ذكرت في الآية مع خصوصية الإشارة لأنها كانت هي السبب ~~لظهور أمرهم وانكشاف حالهم لأنها حين أخرجها رسومها ليدفعها ثمنا للطعام ~~كانت من مسكوكات عهد مرت عليها ثلاثة قرون وليس في آيات القصة ما يشعر بسبب ~~ظهور أمرهم وانكشاف حالهم إلا هذه اللفظة. # قوله تعالى: "وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ~~ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم" قال في المفردات:، عثر الرجل يعثر عثرا ~~وعثورا إذا سقط ويتجوز به فيمن يطلع على أمر من غير طلبه قال تعالى: فإن ~~عثر على أنهما استحقا إثما. يقال عثرت على كذا قال: "وكذلك أعثرنا عليهم" ~~أي وقفناهم عليهم من غير أن طلبوا. # انتهى. # والتشبيه في قوله: "وكذلك أعثرنا عليهم" كنظيره في قوله: "وكذلك بعثناهم" ~~أي وكما أنساهم دهرا ثم بعثناهم لكذا وكذا كذلك أعثرنا عليهم ومفعول أعثرنا ~~هو الناس المدلول عليه بالسياق كما يشهد به ذيل الآية وقوله: "ليعلموا أن ~~وعد الله حق" ضمير الجمع للناس والمراد بوعد الله على ما يعطيه السياق ~~البعث ويكون قوله: "وأن الساعة لا ريب فيها" عطفا تفسيريا لسابقه. # وقوله: "إذ يتنازعون بينهم أمرهم" ظرف لقوله: "أعثرنا" أو لقوله ~~"ليعلموا" والتنازع التخاصم قيل: أصل التنازع التجاذب ويعبر به عن التخاصم ~~وهو باعتبار أصل معناه يتعدى بنفسه، وباعتبار التخاصم يتعدى بفي كقوله ~~تعالى: "فإن تنازعتم في شيء" انتهى. # والمراد بتنازع الناس بينهم أمرهم تنازعهم في أمر البعث وإنما أضيف إليهم ~~إشعارا باهتمامهم واعتنائهم بشأنه فهذه حال الآية من جهة مفرداتها بشهادة ~~بعضها ms4970 على بعض. # والمعنى على ما مر: وكما أنمناهم ثم بعثناهم لكذا وكذا أطلعنا الناس ~~عليهم في زمان يتنازعون أي الناس بينهم في أمر البعث ليعلموا أن وعد الله ~~بالبعث حق وأن الساعة لا ريب فيها. # أو المعنى أعثرنا عليهم ليعلم الناس مقارنا لزمان يتنازعون فيه بينهم في ~~أمر البعث أن وعد الله بالبعث حق. # وأما دلالة بعثهم عن النوم على أن البعث يوم القيامة حق فإنما هو من جهة ~~أن انتزاع أرواحهم عن أجسادهم ذاك الدهر الطويل وتعطيل شعورهم وركود حواسهم ~~عن أعمالها وسقوط آثار القوى البدنية كالنشو والنماء ونبات الشعر والظفر ~~وتغير الشكل وظهور الشيب وغير ذلك وسلامة ظاهر أبدانهم وثيابهم عن الدثور ~~والبلى ثم رجوعهم إلى حالهم يوم دخلوا الكهف بعينها يماثل انتزاع الأرواح ~~عن الأجساد بالموت ثم رجوعها إلى ما كانت عليها، وهما معا من خوارق العادة ~~لا يدفعهما إلا الاستبعاد من غير دليل. # وقد حدث هذا الأمر في زمان ظهر التنازع بين طائفتين من الناس موحد يرى ~~مفارقة الأرواح الأجساد عند الموت ثم رجوعها إليها في البعث ومشرك 1 يرى ~~مغايرة الروح البدن ومفارقتها له عند الموت لكنه لا يرى البعث وربما رأى ~~التناسخ. # فحدوث مثل هذه الحادثة في مثل تلك الحال لا يدع ريبا لأولئك الناس أنها ~~آية إلهية قصد بها إزالة الشك عن قلوبهم في أمر البعث بالدلالة بالمماثل ~~على المماثل ورفع الاستبعاد بالوقوع. # ويقوى هذا الحدس منهم ويشتد بموتهم بعيد الانبعاث فلم يعيشوا بعده إلا ~~سويعات لم تسع أزيد من اطلاع الناس على حالهم واجتماعهم عليهم واستخبارهم ~~عن قصتهم وإخبارهم بها. # ومن هنا يظهر وجه آخر لقوله تعالى: "إذ يتنازعون بينهم أمرهم" وهو رجوع ~~الضميرين الأولين إلى الناس والثالث إلى أصحاب الكهف وكون "إذ" ظرفا لقوله ~~"ليعلموا" ويؤيده قوله بعده: "ربهم أعلم بهم" على ما سيجيء. PageV13P140 # والاعتراض على هذا الوجه أولا: بأنه يستدعي كون التنازع بعد الإعثار وليس ~~كذلك وثانيا بأن التنازع كان قبل العلم وارتفع به فكيف يكون وقته وقته، ~~مدفوع بأن ms4971 التنازع على هذا الوجه في الآية هو تنازع الناس في أمر أصحاب ~~الكهف وقد كان بعد الإعثار ومقارنا للعلم زمانا، والذي كان قبل الإعثار ~~وقبل العلم هو تنازعهم في أمر البعث وليس بمراد على هذا الوجه. # وقوله تعالى: "فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم" القائلون هم ~~المشركون من القوم بدليل قوله بعده: "قال الذين غلبوا على أمرهم" والمراد ~~ببناء البنيان عليهم على ما قيل أن يضرب عليهم ما يجعلون به وراءه ويسترون ~~عن الناس فلا يطلع عليهم مطلع منهم كما يقال: بنى عليه جدارا إذا حوطه ~~وجعله وراءه. # وهذا الشطر من الكلام بانضمامه إلى ما قبله من قوله: "وكذلك بعثناهم" ~~"وكذلك أعثرنا عليهم" يلوح إلى تمام القصة كأنه قيل: ولما أن جاء رسولهم ~~إلى المدينة وقد تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع بمرور ثلاثة قرون على دخولهم ~~في الكهف وانقضت سلطة الشرك وألقي زمام المجتمع إلى التوحيد وهو لا يدري لم ~~يلبث دون أن ظهر أمره وشاع خبره فاجتمع عليه الناس ثم هجموا وازدحموا على ~~باب الكهف فاستنبئوهم قصتهم وحصلت الدلالة الإلهية ثم إن الله قبضهم إليه ~~فلم يلبثوا أحياء بعد انبعاثهم إلا سويعات ارتفعت بها عن الناس شبهتهم في ~~أمر البعث وعندئذ قال المشركون ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم. # وفي قوله: "ربهم أعلم بهم" إشارة إلى وقوع خلاف بين الناس المجتمعين ~~عليهم أمرهم، فإنه كلام آيس من العلم بهم واستكشاف حقيقة أمرهم يلوح منه أن ~~القوم تنازعوا في شيء مما يرجع إليهم فتبصر فيه بعضهم ولم يسكن الآخرون إلى ~~شيء ولم يرتضوا رأي مخالفيهم فقالوا: ابنوا لهم بنيانا ربهم أعلم بهم. # فمعنى الجملة أعني قوله: "ربهم أعلم بهم" يتفاوت بالنظر إلى الوجهين ~~المتقدمين في قوله: "إذ يتنازعون بينهم أمرهم" إذ للجملة على أي حال نوع ~~تفرع على تنازع بينهم كما عرفت آنفا فإن كان التنازع المدلول عليه بقوله: ~~"إذ يتنازعون بينهم أمرهم" هو التنازع في أمر البعث بالإقرار والإنكار لكون ~~ضمير "أمرهم" للناس كان المعنى أنهم تنازعوا في أمر ms4972 البعث فأعثرناهم عليهم ~~ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها لكن المشركين لم ينتهوا بما ~~ظهرت لهم من الآية فقالوا ابنوا على أصحاب الكهف بنيانا واتركوهم على حالهم ~~ينقطع عنهم الناس فلم يظهر لنا من أمرهم شيء ولم نظفر فيهم على يقين ربهم ~~أعلم بهم، وقال الموحدون أمرهم ظاهر وآيتهم بينة ولنتخذن عليهم مسجدا يعبد ~~فيه الله ويبقى ببقائه ذكرهم. # وإن كان التنازع هو التنازع في أصحاب الكهف وضمير "أمرهم" راجعا إليهم ~~كان المعنى أنا أعثرنا الناس عليهم بعد بعثهم عن نومتهم ليعلم الناس أن وعد ~~الله حق وأن الساعة لا ريب فيها عند ما توفاهم الله بعد إعثار الناس عليهم ~~وحصول الغرض وهم أي الناس يتنازعون بينهم في أمرهم أي أمر أصحاب الكهف ~~كأنهم اختلفوا: أنيام القوم أم أموات؟ وهل من الواجب أن يدفنوا ويقبروا أو ~~يتركوا على هيئتهم في فجوة الكهف فقال المشركون: ابنوا عليهم بنيانا ~~واتركوهم على حالهم ربهم أعلم بهم أنيام أم أموات؟ قال الموحدون: "لنتخذن ~~عليهم مسجدا". # لكن السياق يؤيد المعنى الأول لأن ظاهره كون قول الموحدين: "لنتخذن عليهم ~~مسجدا" ردا منهم لقول المشركين: "ابنوا عليهم بنيانا" إلخ" والقولان من ~~الطائفتين إنما يتنافيان على المعنى الأول، وكذا قولهم: "ربهم أعلم بهم" ~~وخاصة حيث قالوا: "ربهم" ولم يقولوا: ربنا أنسب بالمعنى الأول. # وقوله: "قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا" هؤلاء القائلون ~~هم الموحدون ومن الشاهد عليه التعبير عما اتخذوه بالمسجد دون المعبد فإن ~~المسجد في عرف القرآن هو المحل المتخذ لذكر الله والسجود له قال تعالى: ~~"ومساجد يذكر فيها اسم الله": الحج: 40. PageV13P141 # وقد جاء الكلام بالفصل من غير عطف لكونه بمنزلة جواب عن سؤال مقدر كأن ~~قائلا يقول فما ذا قال غير المشركين؟ فقيل: قال الذين غلبوا إلخ، وأما ~~المراد بغلبتهم على أمرهم فإن كان المراد بأمرهم هو الأمر المذكور في قوله: ~~"إذ يتنازعون بينهم أمرهم" والضمير للناس فالمراد بالغلبة غلبة الموحدين ~~بنجاحهم بالآية التي قامت على حقية البعث، وإن كان ms4973 الضمير للفتية فالغلبة ~~من حيث التصدي لأمرهم والغالبون هم الموحدون وقيل: الملك وأعوانه، وقيل: ~~أولياؤهم من أقاربهم وهو أسخف الأقوال. # وإن كان المراد بأمرهم غير الأمر السابق والضمير للناس فالغلبة أخذ زمام ~~أمور المجتمع بالملك وولاية الأمور، والغالبون هم الموحدون أو الملك ~~وأعوانه وإن كان الضمير عائدا إلى الموصول فالغالبون هم الولاة والمراد ~~بغلبتهم على أمورهم أنهم غالبون على ما أرادوه من الأمور قادرون هذا، وأحسن ~~الوجوه أولها. # والآية من معارك آراء المفسرين ولهم في مفرداتها وفي ضمائر الجمع التي ~~فيها وفي جملها اختلاف عجيب والاحتمالات التي أبدوها في معاني مفرداتها ~~ومراجع ضمائرها وأحوال جملها إذا ضربت بعضها في بعض بلغت الألوف، وقد أشرنا ~~منها إلى ما يلائم السياق وعلى الطالب لأزيد من ذلك أن يراجع المطولات. # قوله تعالى: "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم - إلى قوله - وثامنهم كلبهم" ~~يذكر تعالى اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف وأقوالهم فيه، وهي على ما ذكره ~~تعالى - وقوله الحق - ثلاثة مترتبة متصاعدة أحدها أنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ~~والثاني أنهم خمسة وسادسهم كلبهم وقد عقبه بقوله: "رجما بالغيب" أي قولا ~~بغير علم. # وهذا التوصيف راجع إلى القولين جميعا: ولو اختص بالثاني فقط كان من حق ~~الكلام أن يقدم القول الثاني ويؤخر الأول ويذكر مع الثالث الذي لم يذكر معه ~~ما يدل على عدم ارتضائه. # والقول الثالث أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وقد ذكره الله سبحانه ولم يعقبه ~~بشيء يدل على تزييفه، ولا يخلو ذلك من إشعار بأنه القول الحق، وقد تقدم في ~~الكلام على محاورتهم المحكية بقوله تعالى: "قال قائل منهم كم لبثتم قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم" أنه مشعر بل دال على أن ~~عددهم لم يكن بأقل من سبعة. # ومن لطيف صنع الآية في عد الأقوال نظمها العدد من ثلاثة إلى ثمانية نظما ~~متواليا ففيها ثلاثة رابعها خمسة سادسها سبعة وثامنها. # وأما قوله: "رجما بالغيب" تمييز يصف القولين بأنهما من القول بغير علم ~~والرجم هو الرمي بالحجارة وكأن المراد بالغيب ms4974 الغائب وهو القول الذي معناه ~~غائب عن العلم لا يدري قائله أهو صدق أم كذب؟ فشبه الذي يلقي كلاما ما هذا ~~شأنه بمن يريد الرجم بالحجارة فيرمي ما لا يدري أحجر هو يصيب غرضه أم لا؟ ~~ولعله المراد بقول بعضهم: رجما بالغيب أي قذفا بالظن لأن المظنون غائب عن ~~الظان لا علم له به. # وقيل: معنى "رجما بالغيب" ظنا بالغيب وهو بعيد. # وقد قال تعالى: "ثلاثة رابعهم كلبهم" وقال: "خمسة سادسهم كلبهم" فلم يأت ~~بواو ثم قال: "سبعة وثامنهم كلبهم" فأتى بواو قال في الكشاف،: وثلاثة خبر ~~مبتدإ محذوف أي هم ثلاثة، وكذلك خمسة وسبعة، رابعهم كلبهم جملة من مبتدإ ~~وخبر واقعة صفة لثلاثة، وكذلك سادسهم كلبهم وثامنهم كلبهم. # فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة؟ ولم دخلت عليها دون ~~الأوليين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل ~~على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد ~~وبيده سيف، ومنه قوله تعالى: "وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم" ~~وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر. # وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ~~ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم، والدليل عليه أن الله ~~سبحانه اتبع القولين الأولين قوله: "رجما بالغيب، واتبع القول الثالث قوله: ~~ما يعلمهم إلا قليل، وقال ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة أي لم يبق ~~بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات انتهى. PageV13P142 # وقال في المجمع، في ذيل ما لخص به كلام أبي علي الفارسي: وأما من قال: هذه ~~الواو واو الثمانية واستدل بقوله: "حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها" لأن ~~للجنة ثمانية أبواب فشيء لا يعرفه النحويون انتهى. # قوله تعالى: "قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل" إلى آخر الآية أمر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي في عدتهم ms4975 حق القضاء وهو أن الله ~~أعلم بها وقد لوح في كلامه السابق إلى القول وهذا نظير ما حكى عن الفتية في ~~محاورتهم وارتضاء إذ قال قائل منهم كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. # قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم. # ومع ذلك ففي الكلام دلالة على أن بعض المخاطبين بخطاب النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) "ربي أعلم بعدتهم" إلخ كان على علم من ذلك فإن قوله: "ما ~~يعلمهم" ولم يقل: لا يعلمهم يفيد نفي الحال فالاستثناء منه بقوله: "إلا ~~قليل" يفيد الإثبات في الحال واللائح منه على الذهن أنهم من أهل الكتاب. # وبالجملة مفاد الكلام أن الأقوال الثلاثة كانت محققة في عهد النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وعلى هذا فقوله: "سيقولون ثلاثة" إلخ المفيد ~~للاستقبال، وكذا قوله: "ويقولون خمسة" إلخ، وقوله: "ويقولون سبعة" إلخ إن ~~كانا معطوفين على مدخول السين في "سيقولون" تفيد الاستقبال القريب بالنسبة ~~إلى زمن نزول الآيات أو زمن وقوع الحادثة فافهم ذلك. # وقوله تعالى: "فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا" قال الراغب: المرية التردد ~~في الأمر وهو أخص من الشك، قال: والامتراء والمماراة المحاجة فيما فيه مرية ~~قال: وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب. # انتهى. # فتسمية الجدال مماراة لما فيه من إصرار المماري بالبحث ليفرغ خصمه كل ما ~~عنده من الكلام فينتهي عنه. # والمراد بكون المراء ظاهرا أن لا يتعمق فيه بالاقتصار على ما قصه القرآن ~~من غير تجهيل لهم ولا رد كما قيل، وقيل: المراء الظاهر ما يذهب بحجة الخصم ~~يقال: ظهر إذا ذهب، قال الشاعر:. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. # والمعنى: وإذا كان ربك أعلم وقد أنبأك نبأهم فلا تحاجهم في الفتية إلا ~~محاجة ظاهرة غير متعمق فيها - أو محاجة ذاهبة لحجتهم - ولا تطلب الفتيا في ~~الفتية من أحد منهم فربك حسبك. # قوله تعالى: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله" الآية ~~الكريمة سواء كان الخطاب فيها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة أو له ms4976 ~~ولغيره متعرضة للأمر الذي يراه الإنسان فعلا لنفسه ويخبر بوقوعه منه في ~~مستقبل الزمان. # والذي يراه القرآن في تعليمه الإلهي أن ما في الوجود من شيء ذاتا كان أو ~~فعلا وأثرا فإنما هو مملوك لله وحده له أن يفعل فيه ما يشاء ويحكم فيه ما ~~يريد لا معقب لحكمه، وليس لغيره أن يملك شيئا إلا ما ملكه الله تعالى منه ~~وأقدره عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره والآيات ~~القرآنية الدالة على هذه الحقيقة كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها. # فما في الكون من شيء له فعل أو أثر - وهذه هي التي نسميها فواعل وأسبابا ~~وعللا فعالة - غير مستقل في سببيته ولا مستغن عنه تعالى في فعله وتأثيره لا ~~يفعل ولا يؤثر إلا ما شاء الله أن يفعله ويؤثره أي أقدره عليه ولم يسلب عنه ~~القدرة عليه بإرادة خلافه. # وبتعبير آخر كل سبب من الأسباب الكونية ليس سببا من تلقاء نفسه وباقتضاء ~~من ذاته بل بإقداره تعالى على الفعل والتأثير وعدم إرادته خلافه، وإن شئت ~~فقل: بتسهيله تعالى له سبيل الوصول إليه، وإن شئت فقل بإذنه تعالى فالإذن ~~هو الإقدار ورفع المانع وقد تكاثرت الآيات الدالة على أن كل عمل من كل عامل ~~موقوف على إذنه تعالى قال تعالى: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله": الحشر - 5 وقال: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله": ~~التغابن: 11 وقال: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58 وقال: ~~"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله": آل عمران: 145 وقال: "وما كان لنفس ~~أن تؤمن إلا بإذن الله": يونس: 100 وقال: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله": النساء: 64 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. PageV13P143 # فعلى الإنسان العارف بمقام ربه المسلم له أن لا يرى نفسه سببا مستقلا لفعله ~~مستغنيا فيه عن غيره بل مالكا له بتمليك الله قادرا عليه بإقداره وأن القوة ~~لله جميعا وإذا عزم على فعل أن يعزم ms4977 متوكلا على الله قال تعالى: "فإذا عزمت ~~فتوكل على الله" وإذا وعد بشيء أو أخبر عما سيفعله أن يقيده بإذن الله أو ~~بعدم مشيته خلافه. # وهذا المعنى هو الذي يسبق إلى الذهن المسبوق بهذه الحقيقة القرآنية إذا ~~قرع بابه قوله تعالى: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله" ~~وخاصة بعد ما تقدم في آيات القصة من بيان توحده تعالى في ألوهيته وربوبيته ~~وما تقدم قبل آيات القصة من كون ما على الأرض زينة لها سيجعله الله صعيدا جرزا. # ومن جملة ما على الأرض أفعال الإنسان التي هي زينة جالبة للإنسان يمتحن ~~بها وهو يراها مملوكة لنفسه. # وذلك أن قوله: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا" نهي عن نسبته فعله إلى ~~نفسه، ولا بأس بهذه النسبة قطعا فإنه سبحانه كثيرا ما ينسب في كلامه ~~الأفعال إلى نبيه وإلى غيره من الناس وربما يأمره أن ينسب أفعالا إلى نفسه ~~قال تعالى: "فقل لي عملي ولكم عملكم": يونس: 41، وقال: "لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم": الشورى: 15. # فأصل نسبة الفعل إلى فاعله مما لا ينكره القرآن الكريم وإنما ينكر دعوى ~~الاستقلال في الفعل والاستغناء عن مشيته وإذنه تعالى فهو الذي يصلحه ~~الاستثناء أعني قوله: "إلا أن يشاء الله". # ومن هنا يظهر أن الكلام على تقدير باء الملابسة وهو استثناء مفرغ عن جميع ~~الأحوال أو جميع الأزمان، وتقديره: ولا تقولن لشيء - أي لأجل شيء تعزم عليه ~~- إني فاعل ذلك غدا في حال من الأحوال أو زمان من الأزمنة إلا في حال أو في ~~زمان يلابس قولك المشية بأن تقول: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله أن أفعله ~~أو إلا أن يشاء الله أن لا أفعله والمعنى على أي حال: إن أذن الله في فعله. # هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية ويؤيده ذيلها وللمفسرين فيها توجيهات أخرى. # منها أن المعنى هو المعنى السابق إلا أن الكلام بتقدير القول في ~~الاستثناء وتقدير الكلام: إلا أن تقول إن شاء الله، ولما حذف "تقول" ms4978 نقل ~~"إن شاء الله" إلى لفظ الاستقبال، فيكون هذا تأديبا من الله للعباد وتعليما ~~لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع فلا يلزمهم ~~كذب أو حنث إذا لم يفعلوه لمانع والوجه منسوب إلى الأخفش. # وفيه أنه تكلف من غير موجب. # على أن التبديل المذكور يغير المعنى وهو ظاهر ومنها أن الكلام على ظاهره ~~غير أن المصدر المؤول إليه "أن يشاء الله" بمعنى المفعول، والمعنى لا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا ما يشاؤه الله ويريده، وإذ كان الله لا يشاء إلا ~~الطاعات فكأنه قيل: ولا تقولن في شيء إني سأفعله إلا الطاعات، والنهي ~~للتنزيه لا للتحريم حتى يعترض عليه بجواز العزم على المباحات والإخبار عنه. # وفيه أنه مبني على حمل المشية على الإرادة التشريعية ولا دليل عليه ولم ~~يستعمل المشية في كلامه تعالى بهذا المعنى قط وقد استعمل استثناء المشية ~~التكوينية في مواضع من كلامه كما حكى من قول موسى لخضر: "ستجدني إن شاء ~~الله صابرا": الكهف: 69، وقول شعيب لموسى: "ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين": القصص، 27 وقول إسماعيل لأبيه: "ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين": الصافات: 102 وقوله تعالى: "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين": الفتح: 27 إلى غير ذلك من الآيات. # والوجه مبني على أصول الاعتزال وعند المعتزلة أن لا مشية لله سبحانه في ~~أعمال العباد إلا الإرادة التشريعية المتعلقة بالطاعات، وهو مدفوع بالعقل ~~والنقل. # ومنها أن الاستثناء من الفعل دون القول من غير حاجة إلى تقدير، والمعنى ~~ولا تقولن لشيء هكذا وهو أن تقول: إني فاعل ذلك غدا باستقلالي إلا أن يشاء ~~الله خلافه بإبداء مانع على ما تقوله المعتزلة أن العبد فاعل مستقل للفعل ~~إلا أن يبدىء الله مانعا دونه أقوى منه، ومآل المعنى أن لا تقل في الفعل ~~بقول المعتزلة. PageV13P144 # وفيه أن تعلق الاستثناء بالفعل دون القول بما مر من البيان أتم فلا وجه ~~للنهي عن تعليق الاستثناء على الفعل، وقد وقع تعليقه على الفعل في ms4979 مواضع من ~~كلامه من غير أن يرده كقوله حكاية عن إبراهيم: "ولا أخاف ما تشركون به إلا ~~أن يشاء ربي شيئا": الأنعام: 80 وقوله حكاية عن شعيب: "وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله": الأعراف: 89، وقوله: "وما كانوا ليؤمنوا إلا ~~أن يشاء الله": الأنعام: 111 إلى غير ذلك من الآيات. # فلتحمل الآية التي نحن فيها على ما يوافقها. # ومنها: أن الاستثناء من أعم الأوقات إلا أن مفعول "يشاء" هو القول ~~والمعنى ولا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقوله، والمراد بالمشية الإذن ~~أي لا تقل ذلك إلا أن يؤذن لك فيه بالإعلام. # وفيه أنه مبني على تقدير شيء لا دليل عليه من جهة اللفظ وهو الإعلام ولو ~~لم يقدر لكان تكليفا بالمجهول. # ومنها: أن الاستثناء للتأبيد نظير قوله: "خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ": هود: 108 والمعنى: لا تقولن ذلك أبدا. # وفيه أنه مناف للآيات الكثيرة المنقولة آنفا التي تنسب إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وإلى سائر الناس أعمالهم ماضية ومستقبلة بل تأمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينسب أعماله إلى نفسه كقوله: "فقل لي ~~عملي ولكم عملكم": يونس: 41، وقوله: "قل سأتلوا عليكم منه ذكرا": الكهف: 83. # قوله تعالى: "واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا" اتصال الآية واشتراكها مع ما قبلها في سياق التكليف يقضي أن يكون ~~المراد من النسيان نسيان الاستثناء، وعليه يكون المراد من ذكر ربه ذكره ~~بمقامه الذي كان الالتفات إليه هو الموجب للاستثناء وهو أنه القائم على كل ~~نفس بما كسبت الذي ملكه الفعل وأقدره عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ~~ما عليه أقدره. # والمعنى: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت أنك نسيته فاذكر ربك متى كان ذلك ~~بما لو كنت ذاكرا لذكرته به وهو تسليم الملك والقدرة إليه وتقييد الأفعال ~~بإذنه ومشيته. # وإذ كان الأمر بالذكر مطلقا لم يتعين في لفظ خاص فالمندوب إليه ms4980 هو ذكره ~~تعالى بشأنه الخاص سواء كان بلفظ الاستثناء بأن يلحقه بالكلام، إن ذكره ~~ولما يتم الكلام أو يعيد الكلام ويستثني أو يضمر الكلام ثم يستثني إن كان ~~فصل قصير أو طويل كما ورد في بعض الروايات أنه لما نزلت الآيات قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إن شاء الله أو كان الذكر باستغفار ونحوه. # ويظهر مما مر أن ما ذكره بعضهم أن الآية مستقلة عما قبلها وأن المراد ~~بالنسيان نسيانه تعالى أو مطلق النسيان، والمعنى: واذكر ربك إذا نسيته ثم ~~ذكرته أو واذكر ربك إذا نسيت شيئا من الأشياء، وكذا ما ذكره بعضهم بناء على ~~الوجه السابق أن المراد بذكره تعالى خصوص الاستثناء وإن طال الفصل أو خصوص ~~الاستغفار أو الندم على التفريط، كل ذلك وجوه غير سديدة. # وقوله: "وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا" حديث الاتصال والاشتراك ~~في سياق التكليف بين جمل الآية يقضي هنا أيضا أن تكون الإشارة بقوله: "هذا" ~~إلى الذكر بعد النسيان، والمعنى وارج أن يهديك ربك إلى أمر هو أقرب رشدا من ~~النسيان ثم الذكر وهو الذكر الدائم من غير نسيان فيكون من قبيل الآيات ~~الداعية له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى دوام الذكر كقوله تعالى: "واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من ~~الغافلين": الأعراف: 205 وذكر الشيء كلما نسي ثم ذكر والتحفظ عليه كرة بعد ~~كرة من أسباب دوام ذكره. # ومن العجيب أن المفسرين أخذوا قوله: "هذا" في الآية إشارة إلى نبإ أصحاب ~~الكهف وذكروا أن معنى الآية: قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات الدالة على ~~نبوتي ما هو أقرب إرشادا للناس من نبإ أصحاب الكهف، وهو كما ترى. # وأعجب منه ما عن بعض أن هذا إشارة إلى المنسي وأن معنى الآية: ادع الله ~~إذا نسيت شيئا أن يذكرك إياه وقل إن لم يذكرك ما نسيته عسى أن يهديني ربي ~~لشيء هو أقرب خيرا ومنفعة من المنسي. PageV13P145 # وأعجب منه ms4981 ما عن بعض آخر أن قوله: "وقل عسى أن يهدين" إلخ عطف تفسيري ~~لقوله: "واذكر ربك إذا نسيت" والمعنى إذا وقع منك النسيان فتب إلى ربك ~~وتوبتك أن تقول: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا، ويمكن أن يجعل ~~الوجهان الثاني والثالث وجها واحدا وبناؤهما على أي حال على كون المراد ~~بقوله: "إذا نسيت" مطلق النسيان، وقد عرفت ما فيه. # قوله تعالى: "ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا" بيان لمدة ~~لبثهم في الكهف على حال النوم فإن هذا اللبث هو متعلق العناية في آيات ~~القصة وقد أشير إلى إجمال مدة اللبث بقوله في أول الآيات: "فضربنا على ~~آذانهم في الكهف سنين عددا". # ويؤيده تعقيبه بقوله في الآية التالية: "قل الله أعلم بما لبثوا" ثم ~~قوله: "واتل ما أوحي إليك" إلخ ثم قوله: "وقل الحق من ربكم" ولم يذكر عددا ~~غير هذا فقوله: "قل الله أعلم بما لبثوا" بعد ذكر مدة اللبث كقوله: "قل ربي ~~أعلم بعدتهم" يلوح إلى صحة العدد المذكور. # فلا يصغى إلى قول القائل إن قوله: "ولبثوا في كهفهم" إلخ محكي قول أهل ~~الكتاب وقوله: "قل الله أعلم بما لبثوا" رد له، وكذا قول القائل إن قوله: ~~"ولبثوا" إلخ قول الله تعالى وقوله: "وازدادوا تسعا" إشارة إلى قول أهل ~~الكتاب والضمير لهم والمعنى أن أهل الكتاب زادوا على العدد الواقعي تسع ~~سنين ثم قوله: "قل الله أعلم بما لبثوا" رد له. # على أن المنقول عنهم أنهم قالوا بلبثهم مائتي سنة أو أقل لا ثلاثمائة ~~وتسعة ولا ثلاثمائة. # وقوله: "سنين" ليس بمميز للعدد وإلا لقيل: ثلاثمائة سنة بل هو بدل من ~~ثلاثمائة كما قالوا، وفي الكلام مضاهاة لقوله فيما أجمل في صدر الآيات: ~~"سنين عددا". # ولعل النكتة في تبديل "سنة" من "سنين" استكثار مدة اللبث، وعلى هذا ~~فقوله: "وازدادوا تسعا" لا يخلو من معنى الإضراب كأنه قيل: ولبثوا في كهفهم ~~ثلاثمائة سنة هذه السنين المتمادية والدهر الطويل بل ازدادوا تسعا، ولا ~~ينافي هذا ما تقدم في قوله: ms4982 "سنين عددا" إن هذا لاستقلال عدد السنين ~~واستحقاره لأن المقامين مختلفان بحسب الغرض فإن الغرض هناك كان متعلقا بنفي ~~العجب من آية الكهف بقياسها إلى آية جعل ما على الأرض زينة لها فالأنسب به ~~استحقار المدة، والغرض هاهنا بيان كون اللبث آية من آياته وحجة على منكري ~~البعث والأنسب به استكثار المدة، والمدة بالنسبتين تحتمل الوصفين فهي ~~بالنسبة إليه تعالى شيء هين وبالنسبة إلينا دهر طويل. # وإضافة تسع سنين إلى ثلاثمائة سنة مدة اللبث تعطي أنهم لبثوا في كهفهم ~~ثلاثمائة سنة شمسية فإن التفاوت في ثلاثمائة سنة إذا أخذت تارة شمسية وأخرى ~~قمرية بالغ هذا المقدار تقريبا ولا ينبغي الارتياب في أن المراد بالسنين في ~~الآية السنون القمرية لأن السنة في عرف القرآن هي القمرية المؤلفة من ~~الشهور الهلالية وهي المعتبرة في الشريعة الإسلامية. # وفي التفسير الكبير، شدد النكير على ذلك لعدم تطابق العددين تحقيقا وناقش ~~في ما روي عن علي (عليه السلام) في هذا المعنى مع أن الفرق بين العددين ~~الثلاثمائة شمسية والثلاثمائة وتسع سنين قمرية أقل من ثلاثة أشهر والتقريب ~~في أمثال هذه النسب ذائع في الكلام بلا كلام. # قوله تعالى: "قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض" إلى آخر ~~الآية مضي في حديث أصحاب الكهف بالإشارة إلى خلاف الناس في ذلك وأن ما قصه ~~الله تعالى من قصتهم هو الحق الذي لا ريب فيه. # فقوله: "قل الله أعلم بما لبثوا" مشعر بأن مدة لبثهم المذكورة في الآية ~~السابقة لم تكن مسلمة عند الناس فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يحتج في ذلك بعلم الله وأنه أعلم بهم من غيره. # وقوله: "له غيب السماوات والأرض" تعليل لكونه تعالى أعلم بما لبثوا، ~~واللام للاختصاص الملكي والمراد أنه تعالى وحده يملك ما في السماوات والأرض ~~من غيب غير مشهود فلا يفوته شيء وإن فات السماوات والأرض، وإذ كان مالكا ~~للغيب بحقيقة معنى الملك وله كمال البصر والسمع فهو أعلم بلبثهم الذي هو من الغيب. # وعلى هذا ms4983 فقوله: "أبصر به وأسمع" - وهما من صيغ التعجب معناهما كمال بصره ~~وسمعه - لتتميم التعليل كأنه قيل: وكيف لا يكون أعلم بلبثهم وهو يملكهم على ~~كونهم من الغيب وقد رأى حالهم وسمع مقالهم. PageV13P146 # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: إن اللام في "له غيب" إلخ للاختصاص العلمي أي ~~له تعالى ذلك علما، ويلزم منه ثبوت علمه لسائر المخلوقات لأن من علم الخفي ~~علم غيره بطريق أولى. # انتهى، غير سديد لأن ظاهر قوله: "أبصر به وأسمع" أنه للتأسيس دون ~~التأكيد، وكذا ظاهر اللام مطلق الملك دون الملك العلمي. # وقوله: "ما لهم من دونه من ولي" إلخ المراد بالجملة الأولى منه نفي ولاية ~~غير الله لهم مستقلا بالولاية دون الله، وبالثانية نفي ولاية غيره بمشاركته ~~إياه فيها أي ليس لهم ولي غير الله لا مستقلا بالولاية ولا غير مستقل. # ولا يبعد أن يستفاد من النظم - بالنظر إلى التعبير في الجملة الثانية ~~"ولا يشرك في حكمه أحدا" بالفعل دون الوصف وتعليق نفي الإشراك بالحكم دون ~~الولاية أن الجملة الأولى تنفي ولاية غيره تعالى لهم سواء كانت بالاستقلال ~~فيستقل بتدبير أمرهم دون الله أو بالشركة بأن يلي بعض أمورهم دون الله، ~~والجملة الثانية تنفي شركة غيره تعالى في الحكم والقضاء في الحكم بأن تكون ~~ولايتهم لله تعالى لكنه وكل عليهم غيره وفوض إليه أمرهم والحكم فيهم كما ~~يفعله الولاة في نصب الحكام والعمال في الشعب المختلفة من أمورهم فيباشر ~~الحكام والعمال من الأحكام ما لا علم به من الولاة. # ويؤول المعنى إلى أنه كيف لا يكون تعالى أعلم بلبثهم وهو تعالى وحده ~~وليهم المباشر للحكم الجاري فيهم وعليهم. # والضمير في قوله: "لهم" لأصحاب الكهف أو لجميع ما في السماوات والأرض ~~المفهوم من الجملة السابقة بتغليب جانب أولي العقل أو لمن في السماوات ~~والأرض والوجوه الثلاثة مترتبة جودة وأجودها أولها. # وعليه فالآية تتضمن حجتين على أن الله أعلم بما لبثوا إحداهما حجة عامة ~~لهم ولغيرهم وهي قوله: "له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع" فهو أعلم ms4984 ~~بجميع الأشياء ومنها لبث أصحاب الكهف، وثانيتهما حجة خاصة بهم وهي قوله: ~~"ما لهم" إلى آخر الآية فهو تعالى وليهم المباشر للقضاء الجاري عليهم فكيف ~~لا يكون أعلم بهم من غيره؟ ولمكان العلية في الجملتين جيء بهما مفصولتين من ~~غير عطف. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أم حسبت أن أصحاب الكهف" الآية قال: ~~يقول: قد آتيناك من الآيات ما هو أعجب منه، وهم فتية كانوا في الفترة بين ~~عيسى بن مريم ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأما الرقيم فهما لوحان من ~~نحاس مرقوم أي مكتوب فيهما أمر الفتية وأمر إسلامهم وما أراد منهم دقيانوس ~~الملك وكيف كان أمرهم وحالهم. PageV13P147 # وفيه، حدثنا أبي عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان سبب نزول سورة الكهف أن قريشا بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران: ~~النضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط والعاص بن وائل السهمي ليتعلموا ~~من اليهود مسائل يسألونها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فخرجوا إلى ~~نجران إلى علماء اليهود فسألوهم فقالوا: اسألوه عن ثلاث مسائل فإن أجابكم ~~فيها على ما عندنا فهو صادق ثم اسألوه عن مسألة واحدة فإن ادعى علمها فهو ~~كاذب. قالوا: وما هذه المسائل؟ قالوا:! سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول ~~فخرجوا وغابوا وناموا، كم بقوا في نومهم حتى انتبهوا؟ وكم كان عددهم؟ وأي ~~شيء كان معهم من غيرهم؟ وما كان قصتهم؟ وسلوه عن موسى حين أمره الله أن ~~يتبع العالم ويتعلم منه من هو؟ وكيف تبعه؟ وما كان قصته معه؟ وسلوه عن طائف ~~طاف مغرب الشمس ومطلعها حتى بلغ سد يأجوج ومأجوج من هو؟ وكيف كان قصته؟ ثم ~~أملئوا عليهم أخبار هذه المسائل الثلاث وقالوا لهم: إن أجابكم بما قد ~~أملينا عليكم فهو صادق، وإن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدقوه. قالوا: فما ~~المسألة الرابعة؟ قالوا: سلوه متى تقوم الساعة! فإن ادعى علمها فهو كاذب ~~فإن قيام الساعة لا يعلمه إلا ms4985 الله تبارك وتعالى. فرجعوا إلى مكة واجتمعوا ~~إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك يزعم أن خبر السماء يأتيه ~~ونحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها علمنا أنه صادق وإن لم يخبرنا علمنا ~~أنه كاذب فقال أبو طالب: سلوه عما بدا لكم فسألوه عن الثلاث المسائل فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غدا أخبركم ولم يستثن، فاحتبس الوحي ~~عنه أربعين يوما حتى اغتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشك أصحابه ~~الذين كانوا آمنوا به، وفرحت قريش واستهزءوا وآذوا، وحزن أبو طالب. فلما ~~كان بعد أربعين يوما نزل عليه سورة الكهف فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يا جبرئيل لقد أبطأت فقال: إنا لا نقدر أن ننزل إلا بإذن الله ~~فأنزل الله تعالى: أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا ثم قص قصتهم فقال: إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك ~~رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا. قال: فقال الصادق (عليه السلام). إن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا في زمن ملك جبار عات، وكان يدعو أهل مملكته إلى عبادة ~~الأصنام فمن لم يجبه قتله، وكان هؤلاء قوما مؤمنين يعبدون الله عز وجل، ~~ووكل الملك بباب المدينة ولم يدع أحدا يخرج حتى يسجد للأصنام فخرجوا هؤلاء ~~بعلة الصيد وذلك أنهم مروا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم وكان ~~مع الراعي كلب فأجابهم الكلب وخرج معهم. قال (عليه السلام): فخرج أصحاب ~~الكهف من المدينة بعلة الصيد هربا من دين ذلك الملك فلما أمسوا دخلوا إلى ~~ذلك الكهف والكلب معهم فألقى الله عليهم النعاس كما قال الله: "فضربنا على ~~آذانهم في الكهف سنين عددا" فناموا حتى أهلك الله ذلك الملك وأهل المدينة ~~وذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر وقوم آخرون. ثم انتبهوا فقال بعضهم لبعض: كم ~~نمنا هاهنا؟ فنظروا إلى الشمس قد ارتفعت فقالوا: نمنا يوما أو بعض يوم ثم ~~قالوا لواحد منهم: خذ هذه الورق وأدخل ms4986 المدينة متنكرا لا يعرفونك فاشتر لنا ~~طعاما فإنهم إن علموا بنا وعرفونا قتلونا أو ردونا في دينهم. فجاء ذلك ~~الرجل فرأى مدينة بخلاف التي عهدها ورأى قوما بخلاف أولئك لم يعرفهم ولم ~~يعرفوا لغته ولم يعرف لغتهم فقالوا له: من أنت، ومن أين جئت؟ فأخبرهم فخرج ~~ملك تلك المدينة مع أصحابه والرجل معهم حتى وقفوا على باب الكهف وأقبلوا ~~يتطلعون فيه فقال بعضهم: هؤلاء ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال بعضهم: خمسة ~~سادسهم كلبهم، وقال بعضهم: سبعة وثامنهم كلبهم. وحجبهم الله بحجاب من الرعب ~~فلم يكن يقدم بالدخول عليهم غير صاحبهم فإنه لما دخل عليهم وجدهم خائفين أن ~~يكونوا أصحاب دقيانوس شعروا بهم فأخبرهم صاحبهم أنهم كانوا نائمين هذا ~~الزمن الطويل، وأنهم آية للناس فبكوا وسألوا الله أن يعيدهم إلى مضاجعهم ~~نائمين كما كانوا. ثم قال الملك: ينبغي أن نبني هاهنا مسجدا نزوره فإن ~~هؤلاء قوم مؤمنون. فلهم في كل سنة تقلبان ينامون ستة أشهر على جنوبهم 1 ~~اليمنى وستة أشهر على جنوبهم 2 اليسرى والكلب PageV13P148 معهم باسط ذراعيه بفناء الكهف وذلك قوله تعالى: "نحن نقص عليك نبأهم بالحق" ~~إلى آخر الآيات. # أقول: والرواية من أوضح روايات القصة متنا وأسلمها من التشوش وهي مع ذلك ~~تتضمن أن الذين اختلفوا في عددهم فقالوا: ثلاثة أو خمسة أو سبعة هم أهل ~~المدينة الذين اجتمعوا على باب الكهف بعد انتباه الفتية وهو خلاف ظاهر ~~الآية، وتتضمن أن أصحاب الكهف لم يموتوا ثانيا بل عادوا إلى نومتهم وكذلك ~~كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد وأن لهم في كل سنة تقلبين من اليمين إلى اليسار ~~وبالعكس وأنهم بعد على هيئتهم. # ولا كهف معهودا على وجه الأرض وفيه قوم نيام على هذه الصفة. # على أن في ذيل هذه الرواية. # وقد تركنا نقله هاهنا لاحتمال أن يكون من كلام القمي أو رواية أخرى - أن ~~قوله تعالى: "ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا" من كلام أهل ~~الكتاب، وأن قوله بعده: "قل الله أعلم بما لبثوا" رد له، وقد عرفت في ~~البيان ms4987 المتقدم أن السياق يدفعه والنظم البليغ لا يقبله. # وقد تكاثرت الروايات في بيان القصة من طرق الفريقين لكنها متهافتة مختلفة ~~لا يكاد يوجد منها خبران متوافقا المضمون من جميع الجهات. # فمن الاختلاف ما في بعض الروايات كالرواية المتقدمة أن سؤالهم كان عن ~~أربعة نبإ أصحاب الكهف ونبإ موسى والعالم ونبإ ذي القرنين وعن الساعة متى ~~تقوم؟ وفي بعضها أن السؤال كان عن خبر أصحاب الكهف وذي القرنين وعن الروح ~~وقد ذكروا أن آية صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يجيب آخر ~~الأسؤلة فأجاب عن نبإ أصحاب الكهف ونبإ ذي القرنين، ونزل "قل الروح من أمر ~~ربي" الآية فلم يجب عنها، وقد عرفت في بيان آية الروح أن الكلام مسوق سوق ~~الجواب وليس بتجاف. # ومن ذلك ما في أكثر الروايات أنهم جماعة واحدة سمعوا أصحاب الكهف ~~والرقيم، وفي بعضها أن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف، وأن الله سبحانه أشار ~~في كلامه إليهما معا لكنه قص قصة أصحاب الكهف وأعرض عن قصة أصحاب الرقيم، ~~وذكروا لهم قصة وهي أن قوما وهم ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم فأخذتهم السماء ~~فأووا إلى كهف وانحطت صخرة من أعلى الجبل وسدت بابه. # فقال بعضهم لبعض: ليذكر كل منا شيئا من عمله الصالح وليدع الله به لعله ~~يفرج عنا فذكر واحد منهم منه عمله لوجه الله ودعا الله به فتنحت الصخرة قدر ~~ما دخل عليهم الضوء ثم الثاني فتنحت حتى تعارفوا ثم الثالث ففرج الله عنهم ~~فخرجوا رواه 1 النعمان بن بشير مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمستأنس بأسلوب الذكر الحكيم يأبى أن يظن به أن يشير في دعوته إلى ~~قصتين ثم يفصل القول في إحداهما وينسى الأخرى من أصلها. # ومن ذلك ما تذكره الروايات أن الملك الذي هرب منه الفتية هو دقيانوس ~~ديوكليس 285 م - 305 م ملك الروم وفي بعضها كان يدعي الألوهية، وفي بعض أنه ~~كان دقيوس دسيوس 249 - 254 م ملك الروم وبينهما عشرات من السنين وكان الملك ms4988 ~~يدعو إلى عبادة الأصنام ويقتل أهل التوحيد، وفي بعض الروايات كان مجوسيا ~~يدعو إلى دين المجوس، ولم يذكر التاريخ شيوع المجوسية هذا الشيوع في بلاد ~~الروم، وفي بعض الروايات أنهم كانوا قبل عيسى (عليه السلام). # ومن ذلك أن بعض الروايات تذكر أن الرقيم اسم البلد الذي خرجوا منه وفي ~~بعضها اسم الوادي، وفي بعضها اسم الجبل الذي فيه الكهف، وفي بعضها اسم ~~كلبهم، وفي بعضها هو لوح من حجر، وفي بعضها من رصاص، وفي بعضها من نحاس وفي ~~بعضها من ذهب رقم فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم وقصتهم ووضع على باب الكهف وفي ~~بعضها داخله، وفي بعضها كان معلقا على باب المدينة، وفي بعضها في بعض خزائن ~~الملوك وفي بعضها هما لوحان. # ومن ذلك ما في بعض الروايات أن الفتية كانوا من أولاد الملوك، وفي بعضها ~~من أولاد الأشراف، وفي بعضها من أولاد العلماء، وفي بعضها أنهم سبعة سابعهم ~~كان راعي غنم لحق بهم هو وكلبه في الطريق، وفي حديث 1 وهب بن منبه أنهم ~~كانوا حماميين يعملون في بعض حمامات المدينة وساق لهم قصة دعوة الملك إلى ~~عبادة الأصنام وفي بعضها أنهم كانوا من وزراء الملك يستشيرهم في أموره. PageV13P149 # ومن ذلك ما في بعض الروايات أنهم أظهروا المخالفة وعلم بها الملك قبل ~~الخروج وفي بعضها أنه لم يعلم إلا بعد خروجهم وفي بعضها أنهم تواطئوا على ~~الخروج فخرجوا وفي بعضها أنهم خرجوا على غير معرفة من بعضهم لحال بعض وعلى ~~غير ميعاد ثم تعارفوا واتفقوا في الصحراء وفي بعضها أن راعي غنم لحق بهم ~~وهو سابعهم وفي بعضها أنه لم يتبعهم وتبعهم كلبه وسار معهم. # ومن ذلك ما في بعض الروايات أنهم لما هربوا واطلع الملك على أمرهم ~~افتقدهم ولم يحصل منهم على أثر، وفي بعضها أنه فحص عنهم فوجدهم نياما في ~~كهفهم فأمر أن يبنى على باب الكهف بنيان ليحتبسوا فيموتوا جوعا وعطشا جزاء ~~لعصيانهم فبقوا على هذه الحال حتى إذا أراد الله أن ينبههم بعث راعي غنم ~~فخرب ms4989 البنيان ليتخذ حظيرة لغنمه وعند ذلك بعثهم الله أيقاظا وكان من أمرهم ~~ما قصه الله. # ومن ذلك ما في بعض الروايات أنه لما ظهر أمرهم أتاهم الملك ومعه الناس ~~فدخل عليهم الكهف فكلمهم فبينا هو يكلمهم ويكلمونه إذ ودعوه وسلموا عليه ~~وقضوا نحبهم، وفي بعضها أنهم ماتوا أو ناموا قبل أن يدخل الملك عليهم وسد ~~باب الكهف وغاب عن أبصارهم فلم يهتدوا للدخول فبنوا هناك مسجدا يصلون فيه. # ومن ذلك ما في بعض الروايات أنهم قبضت أرواحهم، وفي بعضها أن الله أرقدهم ~~ثانيا فهم نيام إلى يوم القيامة، ويقلبهم كل عام مرتين من اليمين إلى ~~الشمال وبالعكس. # ومن ذلك اختلاف الروايات في مدة لبثهم ففي أكثرها أن الثلاثمائة وتسع ~~سنين المذكور في الآية قول الله تعالى، وفي بعضها أنه محكي قول أهل الكتاب، ~~وقوله تعالى: "قل الله أعلم بما لبثوا" رد له، وفي بعضها أن الثلاثمائة ~~قوله سبحانه وزيادة التسع قول أهل الكتاب. # إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف بين الروايات، وقد جمعت أكثرها من طرق أهل ~~السنة في الدر المنثور، ومن طرق الشيعة في البحار، وتفسيري البرهان، ونور - ~~الثقلين، من أراد الاطلاع عليها فليراجعها، والذي يمكن أن تعد الروايات ~~متفقة أو كالمتفقة عليه أنهم كانوا قوما موحدين هربوا من ملك جبار كان يجبر ~~الناس على الشرك فأووا إلى الكهف فناموا إلى آخر ما قصه الله تعالى. # وفي تفسير العياشي، عن سليمان بن جعفر الهمداني قال: قال لي جعفر بن محمد ~~(عليهما السلام) يا سليمان من الفتى؟ فقلت له؟ جعلت فداك الفتى عندنا ~~الشاب. قال لي: أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا كلهم كهولا فسماهم الله فتية ~~بإيمانهم يا سليمان من آمن بالله واتقى فهو الفتى. # أقول: وروي ما في معناه في الكافي، عن القمي مرفوعا عن الصادق (عليه ~~السلام)، وقد روي عن 1 ابن عباس أنهم كانوا شبانا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال: كان أصحاب الكهف ~~صيارفة. # أقول: وروى القمي أيضا بإسناده عن ms4990 سدير الصيرفي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: كان أصحاب الكهف صيارفة: لكن في تفسير العياشي، عن درست عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام): أنه ذكر أصحاب الكهف فقال: كانوا صيارفة كلام ~~ولم يكونوا صيارفة دراهم. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر فآجرهم الله مرتين. # أقول: وروي في الكافي، ما في معناه عن هشام بن سالم عنه (عليه السلام) ~~وروى ما في معناه العياشي عن الكاهلي عنه (عليه السلام) وعن درست في خبرين ~~عنه (عليه السلام) وفي أحد الخبرين: أنهم كانوا ليشدون الزنانير ويشهدون ~~الأعياد. # ولا يرد عليه أن ظاهر قوله تعالى حكاية عنهم: "إذ قاموا فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها" الآية أنهم كانوا لا يرون التقية ~~كما احتمله المفسرون في تفسير قوله تعالى حكاية عنهم: "أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا" الآية وقد تقدم. # وذلك لأنك عرفت أن خروجهم من المدينة كان هجرة من دار الشرك التي كانت ~~تحرمهم إظهار كلمة الحق والتدين بدين التوحيد غير أن تواطيهم على الخروج ~~وهم ستة من المعاريف وأهل الشرف وإعراضهم عن الأهل والمال والوطن لم يكن ~~لذلك عنوان إلا المخالفة لدين الوثنية فقد كانوا على خطر عظيم لو ظهر عليهم ~~القوم ولم ينته أمرهم إلا إلى أحد أمرين الرجم أو الدخول في ملة القوم. PageV13P150 # وبذلك يظهر أن قيامهم أول مرة وقولهم: "ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا ~~من دونه إلها لم يكن بتظاهر منهم على المخالفة وتجاهر على ذم ملة القوم ~~ورمي طريقتهم فما كانت الأوضاع العامة تجيز لهم ذلك، وإنما كان ذلك منهم ~~قياما لله وتصميما على الثبات على كلمة التوحيد ولو سلم دلالة قوله: "إذ ~~قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض" على التظاهر ورفض التقية فقد كان في ~~آخر أيام مكثهم بين القوم وكانوا قبل ذلك سائرين على التقية لا محالة، فقد ~~بان أن سياق شيء من الآيتين لا ms4991 ينافي كون الفتية سائرين على التقية ما ~~داموا بين القوم وفي المدينة. # وفي تفسير العياشي، أيضا عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: خرج أصحاب الكهف على غير معرفة ولا ميعاد فلما صاروا في ~~الصحراء أخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق فأخذ هذا على هذا وهذا على هذا ~~ثم قالوا: أظهروا أمركم فأظهروه فإذا هم على أمر واحد. # أقول: وفي معناه ما عن ابن عباس في الخبر الآتي. # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه ~~أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء ~~فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس ذلك لك قد منع الله ذلك عمن هو خير منك ~~فقال: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا" فقال معاوية: لا ~~أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث رجالا فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف فانظروا ~~فذهبوا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم فبلغ ذلك ابن عباس ~~فأنشأ يحدث عنهم. فقال: إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة فجعلوا يعبدون ~~حتى عبدوا الأوثان وهؤلاء الفتية في المدينة فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك ~~المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين ~~تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا ولا يدري ~~هذا فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضا فإن اجتمعوا على شيء وإلا ~~كتم بعضهم بعضا فاجتمعوا على كلمة واحدة فقالوا: "ربنا رب السماوات والأرض ~~إلى قوله مرفقا". قال: فقعدوا فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا؟ ~~فرفع أمرهم إلى الملك فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن، ناس خرجوا ~~لا يدرى أين ذهبوا في غير خيانة ولا شيء يعرف؟ فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه ~~أسماءهم ثم طرح في خزانته فذلك قول الله: "أم حسبت أن أصحاب ms4992 الكهف والرقيم" ~~والرقيم هو اللوح الذي كتبوا، فانطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله على ~~آذانهم فناموا فلو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو لا أنهم يقلبون ~~لأكلتهم الأرض، وذلك قول الله: وترى الشمس" الآية. قال: ثم إن ذلك الملك ~~ذهب وجاء ملك آخر فعبد الله وترك تلك الأوثان وعدل في الناس فبعثهم الله ~~لما يريد فقال قائل منهم: كم لبثتم؟ فقال بعضهم: يوما وقال بعضهم: يومين ~~وقال بعضهم: أكثر من ذلك فقال كبيرهم: لا تختلفوا فإنه لم يختلف قوم قط إلا ~~هلكوا فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة. فرأى شارة 1 أنكرها ورأى ~~بنيانا أنكره ثم دنا إلى خباز فرمى إليه بدرهم وكانت دراهمهم كخفاف الربع ~~يعني ولد الناقة فأنكر الخباز الدرهم فقال: من أين لك هذا الدرهم؟ لقد وجدت ~~كنزا لتدلني عليه أو لأرفعنك إلى الأمير فقال: أوتخوفني بالأمير؟ وأتى ~~الدهقان الأمير قال: من أبوك؟ قال: فلان فلم يعرفه قال: فمن الملك؟ قال: ~~فلان فلم يعرفه فاجتمع عليهم الناس فرفع إلى عالمهم فسأله فأخبره فقال: علي ~~باللوح فجيء به فسمى أصحابه فلانا وفلانا وهم مكتوبون في اللوح فقال للناس: ~~إن الله قد دلكم على إخوانكم. وانطلقوا وركبوا حتى أتوا إلى الكهف فلما ~~دنوا من الكهف قال الفتى. مكانكم أنتم حتى أدخل أنا على أصحابي، ولا تهجموا ~~فيفزعون منكم وهم لا يعلمون أن الله قد أقبل بكم وتاب عليكم فقالوا: لتخرجن ~~علينا؟ قال: نعم إن شاء الله فدخل فلم يدروا أين ذهب؟ وعمي عليهم فطلبوا ~~وحرضوا فلم يقدروا على الدخول عليهم فقالوا: لنتخذن عليهم مسجدا فاتخذوا ~~عليهم مسجدا يصلون عليهم ويستغفرون لهم. PageV13P151 # أقول: والرواية مشهورة أوردها المفسرون في تفاسيرهم وتلقوها بالقبول وهي ~~بعد غير خالية عن أشياء منها أن ظاهرها أنهم بعد على هيئة النيام لا يمكن ~~الاطلاع عليهم بصرف إلهي، والكهف الذي في المضيق وهو كهف إفسوس المعروف ~~اليوم ليس على هذا النعت. # والآية التي تمسك بها ابن عباس إنما تمثل حالهم وهم رقود قبل البعث لا ~~بعده وقد ms4993 وردت عن ابن عباس رواية أخرى تخالف هذه الرواية وهي ما في الدر ~~المنثور، عن عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عكرمة وقد ذكرت فيها القصة وفي ~~آخرها: فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف فقال الفتى: دعوني ~~أدخل إلى أصحابي فلما أبصروه وأبصرهم ضرب على آذانهم فلما استبطئوه دخل ~~الملك ودخل الناس معه فإذا أجساد لا يبلى منها شيء غير أنها لا أرواح فيها ~~فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. # فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل: ~~هذه عظام أهل الكهف فقال ابن عباس ذهبت عظامهم أكثر من ثلاثمائة سنة ~~الحديث. # وتزيد هذه الرواية إشكالا أن قوله: ذهبت عظامهم "إلخ" يؤدي إلى وقوع ~~القصة في أوائل التاريخ الميلاد أو قبله فتخالف حينئذ عامة الروايات إلا ما ~~تقول إنهم كانوا قبل المسيح. # ومنها ما في قوله: "فقال بعضهم: يوما وقال بعضهم: يومين" إلخ والذي وقع ~~في القرآن: "قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم" وهو ~~المعقول الموافق للاعتبار من قوم ناموا ثم انتبهوا وتكلموا في مدة لبثهم ~~أخذا بشواهد الحال وأما احتمال اليومين وأزيد فمما لا سبيل إليه ولا شاهد ~~يشهد عليه عادة على أن اختلافهم في تشخيص مدة اللبث لم يكن من الاختلاف ~~المذموم الذي هو اختلاف في العمل في شيء حتى يؤدي إلى الهلاك فينهى عنه ~~وإنما هو اختلاف في النظر ولا مناص. # ومنها ما في آخرها أنه دخل فلم يدروا أين ذهب؟ وعمي عليهم "إلخ" كان ~~المراد به ما في بعض الروايات أن باب الكهف غاب عن أنظارهم بأن مسحه الله ~~وعفاه، ولا يلائم ذلك ما في صدر الرواية أنه كان ظاهرا معروفا في تلك ~~الديار فهل مسحه الله لذلك الملك وأصحابه ثم أظهره للناس؟. # وما في صدر الرواية من قول ابن عباس إن الرقيم لوح من رصاص مكتوب فيه ~~أسماؤهم" روى ما في معناه العياشي في تفسيره، عن أحمد بن علي عن ms4994 أبي عبد ~~الله (عليه السلام) وقد روي في روايات أخرى عن ابن عباس إنكاره كما في الدر ~~المنثور، عن سعيد بن منصور وعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والزجاجي في أماليه وابن مردويه عن ابن عباس قال: لا أدري ما الرقيم ~~وسألت كعبا فقال اسم القرية التي خرجوا منها. # وفيه، أيضا عن عبد الرزاق عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا أربعا: ~~غسلين 1 وحنانا وأواه ورقيم. # وفي تفسير القمي،: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا" يعني جورا على الله ~~إن قلنا له شريك. # وفي تفسير العياشي، عن محمد بن سنان عن البطيخي عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قول الله: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا" ~~قال: إن ذلك لم يعن به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما عني به ~~المؤمنون بعضهم لبعض لكنه حالهم التي هم عليها. # وفي تفسير روح المعاني، أسماؤهم على ما صح عن ابن عباس: مكسلمينا ويمليخا ~~ومرطولس وثبيونس ودردونس وكفاشيطيطوس ومنطنواسيس وهو الراعي والكلب اسمه ~~قطمير: قال: وروي عن علي كرم الله وجهه: إن أسماءهم: يمليخا ومكسلينيا ~~ومسلينيا وهؤلاء أصحاب يمين الملك، ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش، وهؤلاء أصحاب ~~يساره، وكان يستشير الستة والسابع الراعي ولم يذكر في هذه الرواية اسمه ~~وذكر فيها أن اسم كلبهم قطمير. # قال: وفي صحة نسبة هذه الرواية لعلي كرم الله وجه مقال وذكر العلامة ~~السيوطي في حواشي البيضاوي، أن الطبراني روى ذلك عن ابن عباس في معجمه ~~الأوسط، بإسناد صحيح، والذي في الدر المنثور، رواية الطبراني في الأوسط ~~بإسناد صحيح ما قدمناه عن ابن عباس. PageV13P152 # قال: وقد سموا في بعض الروايات بغير هذه الأسماء، وذكر الحافظ ابن حجر في ~~شرح البخاري، أن في النطق بأسمائهم اختلافا كثيرا ولا يقع الوثوق من ضبطها، ~~وفي البحر، أن أسماء أصحاب الكهف أعجمية لا تنضبط بشكل ولا نقط والسند في ~~معرفتها ضعيف ms4995 انتهى كلامه 2. # الرواية التي نسبها إلى علي (عليه السلام) هي التي رواها الثعلبي في ~~العرائس، والديلمي في كتابه مرفوعة وفيها أعاجيب. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أصحاب الكهف أعوان المهدي. # وفي البرهان، عن ابن الفارسي قال الصادق (عليه السلام): يخرج للقائم ~~(عليه السلام) من ظهر الكعبة سبعة وعشرون رجلا من قوم موسى الذين كانوا ~~يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون، وأبو دجانة ~~الأنصاري، ومقداد بن الأسود ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إذا حلف رجل بالله فله ثنياها ~~إلى أربعين يوما وذلك أن قوما من اليهود سألوا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن شيء فقال: ائتوني غدا ولم يستثن حتى أخبركم فاحتبس عنه جبرئيل ~~أربعين يوما ثم أتاه وقال: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت". # أقول: الثنيا بالضم فالسكون مقصورا اسم الاستثناء وفي هذا المعنى روايات ~~أخر عن الصادقين (عليهما السلام) والظاهر من بعضها أن المراد بالحلف بت ~~الكلام وتأكيده كما يلوح إليه استشهاده (عليه السلام) في هذه الرواية بقول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأما البحث في تقييد اليمين به بعد ~~انعقاده ووقوع الحنث معه وعدمه فموكول إلى الفقه. # "كلام حول قصة أصحاب الكهف في فصول" # 1 - وردت قصة الكهف مفصلة كاملة في عدة روايات عن الصحابة والتابعين ~~وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) كرواية القمي ورواية ابن عباس ورواية عكرمة ~~ورواية مجاهد وقد أوردها في الدر المنثور، ورواية ابن إسحاق في العرائس، ~~وقد أوردها في البرهان، ورواية وهب بن منبه وقد أوردها في الدر المنثور، ~~وفي الكامل، من غير نسبة ورواية النعمان بن بشير في أصحاب الرقيم وقد ~~أوردها في الدر المنثور،. # وهذه الروايات - وقد أوردنا ms4996 في البحث الروائي السابق بعضها وأشرنا إلى ~~بعضها الآخر - من الاختلاف في متونها بحيث لا تكاد تتفق في جهة بارزة من ~~جهات القصة، وأما الروايات الواردة في بعض جهات القصة كالمتعرضة لزمان ~~قيامهم والملك الذي قاموا في عهده ونسبهم وسمتهم وأسمائهم ووجه تسميتهم ~~بأصحاب الرقيم إلى غير ذلك من جزئيات القصة فالاختلاف فيها أشد والحصول ~~فيها على ما تطمئن إليه النفس أصعب. # والسبب العمدة في اختلاف هذه الأحاديث مضافا إلى ما تطرق إلى أمثال هذه ~~الروايات من الوضع والدس أمران. # أحدهما: أن القصة مما اعتنت به أهل الكتاب كما يستفاد من رواياتها أن ~~قريشا تلقتها عنهم وسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها بل يستفاد ~~من التماثيل وقد ذكرها أهل التاريخ عن النصارى ومن الصور الموجودة في كهوف ~~شتى في بقاع الأرض المختلفة من آسيا وأوربا وإفريقيا أن القصة اكتسبت بعد ~~شهرة عالمية، ومن شأن القصص التي كذلك أن تتجلى لكل قوم في صورة تلائم ما ~~عندهم من الآراء والعقائد وتختلف رواياتها. # ثم إن المسلمين بالغوا في أخذ الرواية وضبطها وتوسعوا فيه وأخذوا ما عند ~~غيرهم كما أخذوا ما عند أنفسهم وخاصة وقد اختلط بهم قوم من علماء أهل ~~الكتاب دخلوا في الإسلام كوهب بن منبه وكعب الأحبار وأخذ عنهم الصحابة ~~والتابعون كثيرا من أخبار السابقين ثم أخذ الخلف عن السلف وعاملوا مع ~~رواياتهم معاملة الأخبار الموقوفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فكانت بلوى. # وثانيهما: أن دأب كلامه تعالى فيما يورده من القصص أن يقتصر على مختارات ~~من نكاتها المهمة المؤثرة في إيفاء الغرض من غير أن يبسط القول بذكر متنها ~~بالاستيفاء والتعرض لجميع جهاتها والأوضاع والأحوال المقارنة لها فما كتاب ~~الله بكتاب تاريخ وإنما هو كتاب هدى. PageV13P153 # وهذا من أوضح ما يعثر عليه المتدبر في القصص المذكورة في كلامه تعالى كالذي ~~ورد فيه من قصة أصحاب الكهف والرقيم فقد أورد أولا شطرا من محاورتهم يشير ~~إلى معنى قيامهم لله وثباتهم على كلمة الحق واعتزالهم الناس إثر ms4997 ذلك ~~ودخولهم الكهف ورقودهم فيه وكلبهم معهم دهرا طويلا ثم يذكر بعثهم من الرقدة ~~ومحاورة ثانية لهم هي المؤدية إلى انكشاف حالهم وظهور أمرهم للناس. # ثم يذكر إعثار الناس عليهم بما يشير إلى توفيهم ثانيا بعد حصول الغرض ~~الإلهي وما صنع بعد ذلك من اتخاذ مسجد عليهم هذا هو الذي جرى عليه كلامه تعالى. # وقد أضرب عن ذكر أسمائهم وأنسابهم وموالدهم وكيفية نشأتهم وما اتخذوه ~~لأنفسهم من المشاغل وموقعهم من مجتمعهم وزمان قيامهم واعتزالهم واسم الملك ~~الذي هربوا منه والمدينة التي خرجوا منها والقوم الذين كانوا فيهم واسم ~~الكلب الذي لازمهم وهل كان كلب صيد لهم أو كلب غنم للراعي؟ وما لونه؟ - وقد ~~أمعن فيه الروايات - إلى غير ذلك من الأمور التي لا يتوقف غرض الهداية على ~~العلم بشيء منها كما يتوقف عليه غرض البحث التاريخي. # ثم إن المفسرين من السلف لما أخذوا في البحث عن آيات القصص راموا بيان ~~اتصال الآيات بضم المتروك من أطراف القصص إلى المختار المأخوذ منها لتصاغ ~~بذلك قصة كاملة الأجزاء مستوفاة الأطراف فأدى اختلاف أنظارهم إلى اختلاف ~~يشابه اختلاف النقل فآل الأمر إلى ما نشاهده. # 2 - قصة أصحاب الكهف في القرآن: # وقد قال تعالى مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) "فلا تمار فيهم ~~إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا" كانت أصحاب الكهف والرقيم فتية ~~نشئوا في مجتمع مشرك لا يرى إلا عبادة الأوثان فتسرب في المجتمع دين ~~التوحيد فآمن بالله قوم منهم فأنكروا عليهم ذلك وقابلوهم بالتشديد والتضييق ~~والفتنة والعذاب، وأجبروهم على عبادة الأوثان ورفض دين التوحيد فمن عاد إلى ~~ملتهم تركوه ومن أصر على المخالفة قتلوه شر قتلة. # وكانت الفتية ممن آمن بالله إيمانا على بصيرة فزادهم الله هدى على هداهم ~~وأفاض عليهم المعرفة والحكمة وكشف بما آتاهم من النور عما يهمهم من الأمر ~~وربط على قلوبهم فلم يخشوا إلا الله ولا أوحشهم ما يستقبلهم من الحوادث ~~والمكاره فعلموا أنهم لو أداموا المكث في مجتمعهم الجاهل المتحكم لم يسعهم ~~دون ms4998 أن يسيروا بسيرتهم فلا يتفوهوا بكلمة الحق ولا يتشرعوا بشريعة الحق ~~وعلموا أن سبيلهم أن يقوموا على التوحيد ورفض الشرك ثم اعتزال القوم، ~~وعلموا أن لو اعتزلوهم ودخلوا الكهف أنجاهم الله مما هم فيه من البلاء. # فقاموا وقالوا ردا على القوم في اقتراحهم وتحكمهم: ربنا رب السماوات ~~والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من ~~دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا. # ثم قالوا: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدن إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا. # ثم دخلوا الكهف واستقروا على فجوة منه وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فدعوا ~~ربهم بما تفرسوا من قبل أنه سيفعل بهم ذلك فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيىء لنا من أمرنا رشدا فضرب الله على آذانهم في الكهف سنين ولبثوا في ~~كهفهم - وكلبهم معهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا وترى الشمس إذا طلعت ~~تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ~~وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ويقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا. PageV13P154 # ثم إن الله بعثهم بعد هذا الدهر الطويل وهو ثلاثمائة وتسع سنين من يوم ~~دخلوا الكهف ليريهم كيف نجاهم من قومهم فاستيقظوا جميعا ووجدوا أن الشمس ~~تغير موقعها وفيهم شيء من لوثة نومهم الثقيل قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قال ~~قوم منهم: لبثنا يوما أو بعض يوم لما وجدوا من تغير موقع الشعاع وترددوا هل ~~مرت عليهم ليلة أو لا؟ وقال آخرون منهم: بل ربكم أعلم بما لبثتم ثم قال: ~~فابعثوا بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ~~فإنكم جياع وليتلطف الذاهب منكم إلى المدينة في مسيره إليها وشرائه الطعام ~~ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن علموا بمكانكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا. # وهذا أوان أن ms4999 يعثر الله سبحانه الناس عليهم فإن القوم الذين اعتزلوهم ~~وفارقوهم يوم دخلوا الكهف قد انقرضوا وذهب الله بهم وبملكهم وملتهم وجاء ~~بقوم آخرين الغلبة فيهم لأهل التوحيد والسلطان وقد اختلفوا أعني أهل ~~التوحيد وغيرهم في أمر المعاد فأراد الله سبحانه أن يظهر لهم آية في ذلك ~~فأعثرهم على أصحاب الكهف. # فخرج المبعوث من الفتية وأتى المدينة وهو يظن أنها التي فارقها البارحة ~~لكنه وجد المدينة قد تغيرت بما لا يعهد مثله في يوم ولا في عمر والناس غير ~~الناس والأوضاع والأحوال غير ما كان يشاهده بالأمس فلم يزل على حيرة من ~~الأمر حتى أراد أن يشتري طعاما بما عنده من الورق وهي يومئذ من الورق ~~الرائجة قبل ثلاثة قرون فأخذت المشاجرة فيها ولم تلبث دون أن كشفت عن أمر ~~عجيب وهو أن الفتى ممن كانوا يعيشون هناك قبل ذلك بثلاثة قرون، وهو أحد ~~الفتية كانوا في مجتمع مشرك ظالم فهجروا الوطن واعتزلوا الناس صونا ~~لإيمانهم ودخلوا الكهف فأنامهم الله هذا الدهر الطويل ثم بعثهم، وها هم ~~الآن في الكهف في انتظار هذا الذي بعثوه إلى المدينة ليشتري لهم طعاما ~~يتغذون به. # فشاع الخبر في المدينة لساعته واجتمع جم غفير من أهلها فساروا إلى الكهف ~~ومعهم الفتى المبعوث من أصحاب الكهف فشاهدوا ما فيه تصديق الفتى فيما ~~أخبرهم من نبإ رفقته وظهرت لهم الآية الإلهية في أمر المعاد. # ولم يلبث أصحاب الكهف بعد بعثهم كثيرا دون أن توفاهم الله سبحانه وعند ~~ذلك اختلف المجتمعون على باب الكهف من أهل المدينة ثانيا فقال المشركون ~~منهم: ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم وهم ~~الموحدون لنتخذن عليهم مسجدا. # 3 - القصة عند غير المسلمين: # معظم أهل الرواية والتاريخ على أن القصة وقعت في الفترة بين النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وبين المسيح (عليه السلام) ولذلك لم يرد ذكرها في كتب ~~العهدين ولم يعتوره اليهود وإن اشتملت عدة من الروايات على أن قريشا تلقت ~~القصة من اليهود، وإنما اهتم بها ms5000 النصارى واعتوروها قديما وحديثا، وما نقل ~~عنهم في القصة قريب مما أورده ابن إسحاق في العرائس، عن ابن عباس غير أنهم ~~يختلف رواياتهم عن روايات المسلمين في أمور:. # أحدها: أن المصادر السريانية تذكر عدد أصحاب الكهف ثمانية في حين يذكره ~~المسلمون وكذا المصادر اليونانية والغربية سبعة. # ثانيها: أن قصتهم خالية من ذكر كلب أصحاب الكهف. # ثالثها: أنهم ذكروا أن مدة لبث أصحاب الكهف فيه مائتا سنة أو أقل ~~والمسلمون يذكر معظمهم أنه ثلاثمائة وتسع سنين على ما هو ظاهر القرآن ~~الكريم والسبب في تحديدهم ذلك أنهم ذكروا أن الطاغية الذي كان يجبر الناس ~~على عبادة الأصنام وقد هرب منه الفتية هو دقيوس الملك 449 - 451 وقد استيقظ ~~أهل الكهف على ما ذكروا سنة 435 م أو سنة 437 أو سنة 439 م فلا يبقى للبثهم ~~في الكهف إلا مائتا سنة أو أقل وأول من ذكره من مؤرخهم على ما يذكر هو ~~"جيمس" الساروغي السرياني الذي ولد سنة 451 م ومات سنة 521 م ثم أخذ عنه ~~الآخرون وللكلام تتمة ستوافيك. # 4 - أين كهف أصحاب الكهف؟ # عثر في مختلف بقاع الأرض على عدة من الكهوف والغيران وعلى جدرانها تماثيل ~~رجال ثلاثة أو خمسة أو سبعة ومعهم كلب وفي بعضها بين أيديهم قربان يقربونه، ~~ويتمثل عند الإنسان المطلع عليها قصص أصحاب الكهف ويقرب من الظن أن هذه ~~النقوش والتماثيل إشارة إلى قصة الفتية وأنها انتشرت وذاعت بعد وقوعها في ~~الأقطار فأخذت ذكرى يتذكر بها الرهبان والمتجردون للعبادة في هذه الكهوف. PageV13P155 # وأما الكهف الذي التجأ إليه واستخفى فيه أهل الكهف فجرى عليهم ما جرى ~~فالناس فيه في اختلاف وقد ادعي ذلك في عدة مواضع. # أحدها: كهف إفسوس وإفسوس 1 هذا مدينة خربة أثرية واقعة في تركيا على ~~مسافة 73 كيلو مترا من بلدة إزمير، والكهف على مساحة كيلو متر واحد أو أقل ~~من إفسوس بقرب قرية "اياصولوك" بسفح جبل "ينايرداغ". # وهو كهف وسيع فيه - على ما يقال - مات من القبور مبنية من الطوب ms5001 وهو في ~~سفح الجبل وبابه متجه نحو الجهة الشمالية الشرقية وليس عنده أثر من مسجد أو ~~صومعة أو كنيسة، وهذا الكهف هو الأعرف عند النصارى، وقد ورد ذكره في عدة من ~~روايات المسلمين. # وهذا الكهف على الرغم من شهرته البالغة - لا ينطبق عليه ما ورد في الكتاب ~~العزيز من المشخصات. # أما أولا: فقد قال تعالى: "وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال" وهو صريح في أن الشمس يقع شعاعها عند ~~الطلوع على جهة اليمين من الكهف وعند الغروب على الجانب الشمالي منه، ~~ويلزمه أن يواجه باب الكهف جهة الجنوب، وباب الكهف الذي في إفسوس متجه نحو ~~الشمال الشرقي. # وهذا الأمر أعني كون باب كهف إفسوس متجها نحو الشمال وما ورد من مشخص ~~إصابة الشمس منه طلوعا وغروبا هو الذي دعا المفسرين إلى أن يعتبروا يمين ~~الكهف ويساره بالنسبة إلى الداخل فيه لا الخارج منه مع أنه المعروف المعمول ~~- كما تقدم في تفسير الآية - قال البيضاوي في تفسيره،: إن باب الكهف في ~~مقابلة بنات النعش، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ~~ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن ~~وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبه ~~ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم. # انتهى ونحو منه ما ذكره غيره. # على أن مقابلة الباب للشمال الشرقي لا للقطب الشمالي وبنات النعش كما ~~ذكروه تستلزم عدم انطباق الوصف حتى على الاعتبار الذي اعتبروه فإن شعاع ~~الشمس حينئذ يقع على الجانب الغربي الذي يلي الباب عند طلوعها وأما عند ~~الغروب فالباب وما حوله مغمور تحت الظل وقد زال الشعاع بعيد زوال الشمس ~~وانبسط الظل. # اللهم إلا أن يدعى أن المراد بقوله: "وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال" عدم ~~وقوع الشعاع أو وقوعه خلفهم لا على يسارهم هذا. # وأما ثانيا: فلأن قوله تعالى: "وهم في فجوة منه" أي في مرتفع منه ولا ~~فجوة في ms5002 كهف إفسوس - على ما يقال - وهذا مبني على كون الفجوة بمعنى المرتفع ~~وهو غير مسلم وقد تقدم أنها بمعنى الساحة. # وأما ثالثا: فلأن قوله تعالى: "قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا" ظاهر في أنهم بنوا على الكهف مسجدا، ولا أثر عند كهف إفسوس من مسجد ~~أو صومعة أو نحوهما وأقرب ما هناك كنيسة على مسافة ثلاث كيلو مترات تقريبا ~~ولا جهة تربطها بالكهف أصلا. # على أنه ليس هناك شيء من رقيم أو كتابة أو أمر آخر يشهد ولو بعض الشهادة ~~على كون بعض هاتيك القبور وهي مآت هي قبور أصحاب الكهف أو أنهم لبثوا هناك ~~صفة من الدهر راقدين ثم بعثهم الله ثم توفاهم. # الكهف الثاني: كهف رجيب وهذا الكهف واقع على مسافة ثمانية كيلو مترات من ~~مدينة عمان عاصمة الأردن بالقرب من قرية تسمى رجيب والكهف في جبل محفورا ~~على الصخرة في السفح الجنوبي منه، وأطرافه من الجانبين الشرقي والغربي ~~مفتوحة يقع عليه شعاع الشمس منها، وباب الكهف يقابل جهة الجنوب وفي داخل ~~الكهف صفة صغيرة تقرب من ثلاثة أمتار في مترين ونصف على جانب من سطح الكهف ~~المعادل لثلاثة في ثلاثة تقريبا وفي الغار عدة قبور على هيئة النواويس ~~البيزنطية كأنها ثمانية أو سبعة. # وعلى الجدران نقوش وخطوط باليوناني القديم والثمودي منمحية لا تقرأ وأيضا ~~صورة كلب مصبوغة بالحمرة وزخارف وتزويقات أخرى. PageV13P156 # وفوق الغار آثار صومعة بيزنطية تدل النقود والآثار الأخرى المكتشفة فيها ~~على كونها مبنية في زمان الملك جوستينوس الأول 418 427 وآثار أخرى على أن ~~الصومعة بدلت ثانيا بعد استيلاء المسلمين على الأرض مسجدا إسلاميا مشتملا ~~على المحراب والمأذنة والميضاة، وفي الساحة المقابلة لباب الكهف آثار مسجد ~~آخر بناه المسلمون في صدر الإسلام ثم عمروها وشيدوها مرة بعد مرة، وهو مبني ~~على أنقاض كنيسة بيزنطية كما أن المسجد الذي فوق الكهف كذلك. # وكان هذا الكهف - على الرغم من اهتمام الناس بشأنه وعنايتهم بأمره كما ~~يكشف عنه الآثار - متروكا منسيا وبمرور الزمان خربة وردما متهدما ms5003 حتى اهتمت ~~دائرة الآثار الأردنية أخيرا 1 بالحفر والتنقيب فيه فاكتشفته فظهر ثانيا ~~بعد خفائه قرونا، وقامت عدة من الأمارات والشواهد الأثرية على كونه هو كهف ~~أصحاب الكهف المذكورين في القرآن. # وقد ورد كون كهف أصحاب الكهف بعمان في بعض روايات المسلمين كما أشرنا ~~إليه فيما تقدم وذكره الياقوت في معجم البلدان وأن الرقيم اسم قرية بالقرب ~~من عمان كان فيها قصر ليزيد بن عبد الملك وقصر آخر في قرية أخرى قريبة منها ~~تسمى الموقر وإليهما يشير الشاعر بقوله: يزرن على تنانيه يزيدا. # بأكناف الموقر والرقيم. # وبلدة عمان أيضا مبنية في موضع مدينة "فيلادلفيا" التي كانت من أشهر مدن ~~عصرها وأجملها قبل ظهور الدعوة الإسلامية وكانت هي وما والاها تحت استيلاء ~~الروم منذ أوائل القرن الثاني الميلاد حتى فتح المسلمون الأرض المقدسة. # والحق أن مشخصات كهف أهل الكهف أوضح انطباقا على هذا الكهف من غيره. # والكهف الثالث: كهف بجبل قاسيون بالقرب من الصالحية بدمشق الشام ينسب إلى ~~أصحاب الكهف. # والكهف الرابع: كهف بالبتراء من بلاد فلسطين ينسبونه إلى أصحاب الكهف. # والكهف الخامس: كهف اكتشف - على ما قيل - في شبه جزيرة إسكاندنافية من ~~الأوربة الشمالية عثروا فيه على سبع جثث غير بالية على هيئة الرومانيين يظن ~~أنهم الفتية أصحاب الكهف. # وربما يذكر بعض كهوف أخر منسوب إلى أصحاب الكهف كما يذكر أن بالقرب من ~~بلدة نخجوان من بلاد قفقاز كهفا يعتقد أهل تلك النواحي أنه كهف أصحاب الكهف ~~وكان الناس يقصدونه ويزورونه. # ولا شاهد يشهد على كون شيء من هذه الكهوف هو الكهف المذكور في القرآن ~~الكريم. # على أن المصادر التاريخية تكذب الأخيرين إذ القصة على أي حال قصة ~~رومانية، وسلطتهم حتى في أيام مجدهم وسؤددهم لم تبلغ هذه النواحي نواحي ~~أوربة الشمالية وقفقاز. PageV13P157 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 27 - 31 # واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته ولن تجد من دونه ملتحدا ~~(27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة ms5004 الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~إنا أعتدنا للظلمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ~~يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنت عدن تجرى من تحتهم الأنهر ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين ~~فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) ### |||| AUTO بيان # رجوع وانعطاف على ما انتهى إليه الكلام قبل القصة من بلوغ النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حزنا وأسفا على عدم إيمانهم بالكتاب النازل عليه ~~وردهم دعوته الحقة ثم تسليته بأن الدار دار البلاء والامتحان وما عليها ~~زينة لها سيجعله الله صعيدا جرزا فليس ينبغي له (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يتحرج لأجلهم إن لم يستجيبوا دعوته ولم يؤمنوا بكتابه. # بل الذي عليه أن يصبر نفسه مع أولئك الفقراء من المؤمنين الذين لا يزالون ~~يدعون ربهم ولا يلتفت إلى هؤلاء الكفار المترفين الذين يباهون بما عندهم من ~~زينة الحياة الدنيا التي ستعود صعيدا جرزا بل يدعوهم إلى ربهم ولا يزيد على ~~ذلك فمن شاء منهم آمن به ومن شاء كفر ولا عليه شيء، وأما الذي يجب أن ~~يواجهوا به إن كفروا أو آمنوا فليس هو أن يتأسف أو يسر، بل ما أعده الله ~~للفريقين من عقاب أو ثواب. # قوله تعالى: "واتل ما أوحي إليك" إلى آخر الآية في المجمع،: لحد إليه ~~والتحد أي مال انتهى فالملتحد اسم مكان من الالتحاد بمعنى الميل والمراد ~~بكتاب ربك القرآن أو اللوح المحفوظ، وكان الثاني أنسب بقوله: "لا مبدل ~~لكلماته". # وفي الكلام على ما عرفت آنفا رجوع إلى ما قبل القصة وعليه فالأنسب أن ~~يكون قوله: "واتل" إلخ عطفا على قوله: "إنا جعلنا ما على الأرض" إلخ ~~والمعنى لا تهلك نفسك على آثارهم أسفا واتل ما أوحي إليك من ms5005 كتاب ربك لأنه ~~لا مغير لكلماته فهي حقة ثابتة ولأنك لا تجد من دونه ملتحدا تميل إليه. # وبذلك ظهر أن كلا من قوله: "لا مبدل لكلماته" وقوله "لن تجد من دونه ~~ملتحدا" في مقام التعليل فهما حجتان على الأمر في قوله: "واتل" ولعله لذلك ~~خص الخطاب في قوله: "ولن تجد" إلخ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أن ~~الحكم عام ولن يوجد من دونه ملتحد لأحد. # ويمكن أن يكون المراد: ولن تجد أنت ملتحدا من دونه لأنك رسول ولا ملجأ ~~للرسول من حيث إنه رسول إلا مرسله، والأنسب على هذا أن يكون قوله: "لا مبدل ~~لكلماته" حجة واحدة مفادها: واتل عليهم هذه الآيات المشتملة على الأمر ~~الإلهي بالتبليغ لأنه كلمة إلهية ولا تتغير كلماته وأنت رسول ليس لك إلا أن ~~تميل إلى مرسلك وتؤدي رسالته، ويؤيد هذا المعنى قوله في موضع آخر: "قل إني ~~لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ~~ورسالاته": الجن: 23. # قوله تعالى: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه" إلى آخر الآية قال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق يقال: صبرت الدابة ~~حبستها بلا علف، وصبرت فلانا خلفته خلفة لا خروج له منها، والصبر حبس النفس ~~على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه. # انتهى مورد الحاجة. PageV13P158 # ووجه الشيء ما يواجهك ويستقبلك به، والأصل في معناه الوجه بمعنى الجارحة، ~~ووجهه تعالى أسماؤه الحسنى وصفاته العليا التي بها يتوجه إليه المتوجهون ~~ويدعوه الداعون ويعبده العابدون قال تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها": الأعراف: 180، وأما الذات المتعالية فلا سبيل إليها، وإنما يقصده ~~القاصدون ويريده المريدون لأنه إله رب علي عظيم ذو رحمة ورضوان إلى غير ذلك ~~من أسمائه وصفاته. # والداعي لله المريد وجهه إن أراد صفاته تعالى الفعلية كرحمته ورضاه ~~وإنعامه وفضله فإنما يريد أن تشمله وتغمره فيتلبس بها نوع تلبس فيكون ~~مرحوما ومرضيا عنه ومنعما بنعمته، وإن أراد صفاته غير الفعلية كعلمه وقدرته ~~وكبريائه وعظمته فإنما ms5006 يريد أن يتقرب إليه تعالى بهذه الصفات العليا، وإن ~~شئت فقل: يريد أن يضع نفسه موضعا تقتضيه الصفة الإلهية كأن يقف موقف الذلة ~~والحقارة قبال عزته وكبريائه وعظمته تعالى، ويقف موقف الجاهل العاجز الضعيف ~~تجاه علمه وقدرته وقوته تعالى وهكذا فافهم ذلك. # وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالوجه هو الرضى والطاعة المرضية ~~مجازا لأن من رضي عن شخص أقبل عليه ومن غضب يعرض عنه، وكذا قول بعضهم: ~~المراد بالوجه الذات والكلام على حذف مضاف، وكذا قول بعضهم: المراد بالوجه ~~التوجه والمعنى يريدون التوجه إليه والزلفى لديه هذا. # والمراد بدعائهم ربهم بالغداة والعشي الاستمرار على الدعاء والجري عليه ~~دائما لأن الدوام يتحقق بتكرر غداة بعد عشي وعشي بعد غداة على الحس فالكلام ~~جار على الكناية. # وقيل: المراد بدعاء الغداة والعشي صلاة طرفي النهار وقيل: الفرائض ~~اليومية وهو كما ترى. # وقوله تعالى: "ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا" أصل معنى ~~العدو كما صرح به الراغب التجاوز وهو المعنى الساري في جميع مشتقاته وموارد ~~استعمالاته قال في القاموس،: يقال: عدا الأمر وعنه جاوزه وتركه انتهى فمعنى ~~"لا تعد عيناك عنهم" لا تجاوزهم ولا تتركهم عيناك والحال أنك تريد زينة ~~الحياة الدنيا. # لكن ذكر بعضهم أن المجاوزة لا تتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو، ولذا ~~قال الزمخشري في الكشاف،: إن قوله: "لا تعد عيناك عنهم" بتضمين عدا معنى ~~نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به، ~~ولو لا ذلك لكان من الواجب أن يقال: ولا تعدهم عيناك. # وقوله تعالى: "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا" المراد بإغفال قلبه ~~تسليط الغفلة عليه وإنساؤه ذكر الله سبحانه على سبيل المجازاة حيث إنهم ~~عاندوا الحق فأضلهم الله بإغفالهم عن ذكره فإن كلامه تعالى في قوم هذه ~~حالهم نظير ما سيأتي في ذيل الآيات من قوله: "إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا". ms5007 # فلا مساغ لقول من قال: إن الآية من أدلة جبره تعالى على الكفر والمعصية ~~وذلك لأن الإلجاء مجازاة لا ينافي الاختيار والذي ينافيه هو الإلجاء ابتداء ~~ومورد الآية من القبيل الأول. # ولا حاجة إلى تكلف التأويل كقول من قال إن المراد بقوله: "أغفلنا قلبه" ~~عرضناه للغفلة أو أن المعنى صادفناه غافلا أو أريد به نسبناه إلى الغفلة أو ~~أن الإغفال بمعنى جعله غفلا لا سمة له ولا علامة والمراد جعلنا قلبه غفلا ~~لم نسمه بسمة قلوب المؤمنين ولم نعلم فيه علامة المؤمنين لتعرفه الملائكة ~~بتلك السمة. # فالجميع كما ترى. # وقوله تعالى: "واتبع هواه وكان أمره فرطا" قال في المجمع،: الفرط التجاوز ~~للحق والخروج عنه من قولهم: أفرط إفراطا إذا أسرف انتهى، واتباع الهوى ~~والإفراط من آثار غفلة القلب، ولذلك كان عطف الجملتين على قوله: "أغفلنا" ~~بمنزلة عطف التفسير. PageV13P159 # قوله تعالى: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر عطف على ما ~~عطف عليه قوله: "واتل ما أوحي إليك" وقوله: "واصبر نفسك" فالسياق سياق ~~تعداد وظائف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبال كفرهم بما أنزل إليه ~~وإصرارهم عليه والمعنى لا تأسف عليهم واتل ما أوحي إليك واصبر نفسك مع ~~هؤلاء المؤمنين من الفقراء، وقل للكفار: الحق من ربكم ولا تزد على ذلك فمن ~~شاء منهم أن يؤمن فليؤمن ومن شاء منهم أن يكفر فليكفر فليس بنفعنا إيمانهم ~~ولا يضرنا كفرهم بل ما في ذلك من نفع أو ضرر وثواب أو تبعة عذاب عائد إليهم ~~أنفسهم فليختاروا ما شاءوا فقد أعتدنا للظالمين كذا وكذا وللصالحين من ~~المؤمنين كذا. # ومن هنا يظهر أن قوله: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" من كلامه تعالى ~~يخاطب به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس داخلا في مقول القول فلا ~~يعبأ بما ذكر بعضهم أن الجملة من تمام القول المأمور به. # ويظهر أيضا أن قول: "إنا أعتدنا للظالمين نارا" إلخ في مقام التعليل ~~لتخييرهم بين الإيمان والكفر الذي هو تخيير صورة وتهديد معنى، ms5008 والمعنى أنا ~~إنما نهيناك عن الأسف وأمرناك أن تكتفي بالتبليغ فقط وتقنع بقولك: "الحق من ~~ربكم" فحسب ولم نتوسل إلى إصرار وإلحاح لأنا هيأنا لهم تبعات هذه الدعوة ~~ردا وقبولا وكفى بما هيأناه محرضا ورادعا ولا حاجة إلى أزيد من ذلك وعليهم ~~أن يختاروا لأنفسهم أي المنزلتين شاءوا. # قوله تعالى: "إنا أعتدنا للظالمين نارا" إلى آخر الآية قال في المجمع،: ~~السرادق الفسطاط المحيط بما فيه، ويقال: السرادق ثوب يدار حول الفسطاط، ~~وقال: المهل خثارة الزيت، وقيل: هو النحاس الذائب، وقال: المرتفق المتكأ من ~~المرفق يقال: ارتفق إذا اتكأ على مرفقه انتهى والشيء النضج يقال: شوى يشوي ~~شيا إذا نضج. # وفي تبديل الكفر من الظلم في قوله: "إنا أعتدنا للظالمين" دون أن يقول: ~~للكافرين دلالة على أن التبعة المذكورة إنما هي للظالمين بما هم ظالمون: ~~وقد عرفهم في قوله: "الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة ~~كافرون": الأعراف: 45 والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا" بيان لجزاء المؤمنين على إيمانهم وعملهم الصالح وإنما قال: "إنا لا ~~نضيع" إلخ ولم يقل: وأعتدنا لهؤلاء كذا وكذا ليكون دالا على العناية بهم ~~والشكر لهم. # وقوله: "إنا لا نضيع" إلخ في موضع خبر إن، وهو في الحقيقة من وضع السبب ~~موضع المسبب والتقدير إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سنوفيهم أجرهم فإنهم ~~محسنون وإنا لا نضيع أجر من أحسن عملا. # وإذ عد في الآية العقاب أثرا للظلم ثم عد الثواب في مقابله أجرا للإيمان ~~والعمل الصالح استفدنا منه أن لا ثواب للإيمان المجرد من صالح العمل بل ~~ربما أشعرت الآية بأنه من الظلم. # قوله تعالى: "أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار" إلى آخر الآية. # العدن هو الإقامة وجنات عدن جنات إقامة والأساور قيل: جمع أسورة وهي جمع ~~سوار بكسر السين وهي حلية المعصم، وذكر الراغب أنه فارسي معرب وأصله ~~دستواره والسندس ما رق من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه، والأرائك جمع ~~أريكة ms5009 وهي السرير، ومعنى الآية ظاهر. # "بحث روائي" # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: ~~في قوله: "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا" قال: نزلت في أمية بن خلف وذلك ~~أنه دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء ~~عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل الله: "ولا تطع من أغفلنا قلبه" يعني من ~~ختمنا على قلبه "عن ذكرنا" يعني التوحيد "واتبع هواه" يعني الشرك "وكان ~~أمره فرطا" يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله. PageV13P160 # وفيه، أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عيينة بن بدر والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ~~وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت ~~عليهم جباب الصوف جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك فأنزل الله: واتل ما أوحي ~~إليك من كتاب ربك إلى قوله أعتدنا للظالمين نارا" يهددهم بالنار. # أقول: وروى مثله القمي في تفسيره لكنه ذكر عيينة بن الحصين بن الحذيفة بن ~~بدر الفزاري فقط، ولازم الرواية كون الآيتين مدنيتين وعليه روايات أخر ~~تتضمن نظيرة القصة لكن سياق الآيات لا يساعد عليه. # وفي تفسير العياشي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: ~~"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" قالا: إنما عنى بها ~~الصلاة. # وفيه، عن عاصم الكوزي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول في ~~قول الله: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" قال: وعيد. # وفي الكافي، وتفسير العياشي، وغيره عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قوله: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" في ~~ولاية علي (عليه السلام). # أقول: وهو من الجري: وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي ~~وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان ms5010 والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): في قوله: "بماء كالمهل" قال: كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة ~~وجهه فيه. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "بماء كالمهل" قال: قال (عليه السلام): المهل ~~الذي يبقى في أصل الزيت. # وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: ابن آدم خلق أجوف لا بد له من الطعام والشراب قال تعالى: "وإن ~~يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه". PageV13P161 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 32 - 46 # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعنب وحففنهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خللهما ~~نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ~~(34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه ~~وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو ~~الله ربى ولا أشرك بربى أحدا (38) ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربى أن يؤتين خيرا ~~من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها ~~غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق ~~فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يليتنى لم أشرك بربى أحدا (42) ولم تكن له ~~فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك الولية لله الحق هو خير ~~ثوابا وخير عقبا (44) واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلنه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الريح وكان الله على كل شىء مقتدرا ~~(45) المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) ### |||| AUTO بيان # الآيات تتضمن مثلين يبينان حقيقة ms5011 ما يملكه الإنسان في حياته الدنيا من ~~الأموال والأولاد وهي زخارف الحياة وزيناتها الغارة السريعة الزوال والفناء ~~التي تتزين بها للإنسان فتلهيه عن ذكر ربه وتجذب وهمه إلى أن يخلد إليها ~~ويعتمد عليها فيخيل إليه أنه يملكها ويقدر عليها حتى إذا طاف عليها طائف من ~~الله سبحانه فنت وبادت ولم يبق للإنسان منها إلا كحلمة نائم وأمنية كاذبة. # فالآيات ترجع الكلام إلى توضيح ما أشار سبحانه إليه في قوله: "إنا جعلنا ~~ما على الأرض زينة لها - إلى قوله - صعيدا جرزا" من الحقيقة. # قوله تعالى: "واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب" إلخ أي ~~واضرب لهؤلاء المتولهين بزينة الحياة الدنيا المعرضين عن ذكر الله مثلا ~~ليتبين لهم أنهم لم يتعلقوا في ذلك إلا بسراب وهمي لا واقع له. # وقد ذكر بعض المفسرين أن الذي يتضمنه المثل قصة مقدرة مفروضة فليس من ~~الواجب أن يتحقق مضمون المثل خارجا، وذكر آخرون أنه قصة واقعة، وقد رووا في ~~ذلك قصصا كثيرة مختلفة لا معول عليها غير أن التدبر في سياق القصة بما فيها ~~من كونهما جنتين اثنتين وانحصار أشجارهما في الكرم والنخل ووقوع الزرع ~~بينهما وغير ذلك يؤيد كونها قصة واقعة. # وقوله: "جنتين من أعناب" أي من كروم فالثمرة كثيرا ما يطلق على شجرتها ~~وقوله: "وحففناهما بنخل" أي جعلنا النخل محيطة بهما حافة من حولهما وقوله: ~~"وجعلنا بينهما زرعا" أي بين الجنتين ووسطهما، وبذلك تواصلت العمارة وتمت ~~واجتمعت له الأقوات والفواكه. # قوله تعالى: "كلتا الجنتين آتت أكلها" الآية الأكل بضمتين المأكول ~~والمراد بإيتائهما الأكل إثمار أشجارهما من الأعناب والنخيل. # وقوله: "ولم تظلم منه شيئا" الظلم النقص، والضمير للأكل أي ولم تنقص من ~~أكله شيئا بل أثمرت ما في وسعها من ذلك، وقوله: "وفجرنا خلالهما نهرا" أي ~~شققنا وسطهما نهرا من الماء يسقيهما ويرفع حاجتهما إلى الشرب بأقرب وسيلة ~~من غير كلفة. PageV13P162 # قوله تعالى: "وكان له ثمر" الضمير للرجل والثمر أنواع المال كما في الصحاح، ~~وعن القاموس، وقيل: الضمير للنخل والثمر ثمره، وقيل: ms5012 المراد كان للرجل ثمر ~~ملكه من غير جنته. # وأول الوجوه أوجهها ثم الثاني ويمكن أن يكون المراد من إيتاء الجنتين ~~أكلها من غير ظلم بلوغ أشجارهما في الرشد مبلغ الإثمار وأوانه، ومن قوله: ~~"وكان له ثمر" وجود الثمر على أشجارهما بالفعل كما في الصيف وهو وجه خال عن ~~التكلف. # قوله تعالى: "فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" ~~المحاورة المخاطبة والمراجعة في الكلام، والنفر الأشخاص يلازمون الإنسان ~~نوع ملازمة سموا نفرا لأنهم ينفرون معه ولذلك فسره بعضهم بالخدم والولد، ~~وآخرون بالرهط والعشيرة والأول أوفق بما سيحكيه الله تعالى من قول صاحبه ~~له: "إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا" حيث بدل النفر من الولد، والمعنى فقال ~~الذي جعلنا له الجنتين لصاحبه والحال أنه يحاوره: "أنا أكثر منك مالا وأعز ~~نفرا" أي ولدا وخدما. # وهذا الذي قاله لصاحبه يحكي عن مزعمة خاصة عنده منحرفة عن الحق فإنه نظر ~~إلى نفسه وهو مطلق التصرف فيما خوله الله من مال وولد لا يزاحم فيما يريده ~~في ذلك فاعتقد أنه مالكه وهذا حق لكنه نسي أن الله سبحانه هو الذي ملكه وهو ~~المالك لما ملكه والذي سخره الله له وسلطه عليه من زينة الحياة الدنيا التي ~~هي فتنة وبلاء يمتحن بها الإنسان ليميز الله الخبيث من الطيب بل اجتذبت ~~الزينة نفسه إليها فحسب أنه منقطع عن ربه مستقل بنفسه فيما يملكه، وأن ~~التأثير كله عند الأسباب الظاهرية التي سخرت له. # فنسي الله سبحانه وركن إلى الأسباب وهذا هو الشرك ثم التفت إلى نفسه فرأى ~~أنه يتصرف في الأسباب مهيمنا عليها فظن ذلك كرامة لنفسه وأخذه الكبر ~~فاستكبر على صاحبه، وإلى ذلك يرجع اختلاف الوصفين أعني وصفه تعالى لملكه إذ ~~قال: "جعلنا لأحدهما جنتين" إلخ ولم يقل: كان لأحدهما جنتان، ووصف الرجل ~~نفسه إذ قال لصاحبه: "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" فلم ير إلا نفسه ونسي ~~أن ربه هو الذي سلطه على ما عنده من المال وأعزه بمن عنده من النفر ms5013 فجرى ~~قوله لصاحبه "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا مجرى قول قارون لمن نصحه أن لا ~~يفرح ويحسن بما آتاه الله من المال: "إنما أوتيته على علم": القصص: 78. # وهذا الذي يكشف عنه قوله: "أنا أكثر منك مالا" إلخ أعني دعوى الكرامة ~~النفسية والاستحقاق الذاتي ثم الشرك بالله بالغفلة عنه والركون إلى الأسباب ~~الظاهرية هو الذي أظهره حين دخل جنته فقال كما حكاه الله: "ما أظن أن تبيد ~~هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة" إلخ. # قوله تعالى: "ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال" إلى آخر الآيتين. # الضمائر الأربع راجعة إلى الرجل، والمراد بالجنة جنسها ولذا لم تثن، ~~وقيل: لأن الدخول لا يتحقق في الجنتين معا في وقت واحد، وإنما يكون في ~~الواحدة بعد الواحدة. # وقال في الكشاف،: فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ~~ما هو جنته ما له جنة غيرها يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد ~~المؤمنون فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. # انتهى وهو وجه لطيف. # وقوله: "وهو ظالم لنفسه" وإنما كان ظالما لأنه تكبر على صاحبه إذ قال: ~~"أنا أكثر منك مالا" إلخ وهو يكشف عن إعجابه بنفسه وشركه بالله بنسيانه ~~والركون إلى الأسباب الظاهرية، وكل ذلك من الرذائل المهلكة. # وقوله: "قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا" البيد والبيدودة الهلاك والفناء ~~والإشارة بهذه إلى الجنة، وفصل الجملة لكونها في معنى جواب سؤال مقدر كأنه ~~لما قيل: ودخل جنته قيل: فما فعل؟ فقيل: قال: ما أظن أن تبيد إلخ. # وقد عبر عن بقاء جنته بقوله: "ما أظن أن تبيد" إلخ ونفي الظن بأمر كناية ~~عن كونه فرضا وتقديرا لا يلتفت إليه حتى يظن به ويمال إليه فمعنى ما أظن أن ~~تبيد هذه أن بقاءه ودوامه مما تطمئن إليه النفس ولا تتردد فيه حتى تتفكر في ~~بيده وتظن أنه سيفنى. PageV13P163 # وهذا حال الإنسان فإن نفسه لا تتعلق بالشيء الفاني من جهة أنه متغير يسرع ~~إليه ms5014 الزوال، وإنما يتعلق القلب عليه بما يشاهد فيه من سمة البقاء كيفما ~~كان فينجذب إليه ولا يلوي عنه إلى شيء من تقادير فنائه، فتراه إذا أقبلت ~~عليه الدنيا اطمأن إليها وأخذ في التمتع بزينتها والانقطاع إليها، واعتورته ~~أهواؤه وطالت آماله كأنه لا يرى لنفسه فناء، ولا لما بيده من النعمة زوالا ~~ولا لما ساعدته عليه من الأسباب انقطاعا، وتراه إذا أدبرت عنه الدنيا أخذه ~~اليأس والقنوط فأنساه كل رجاء للفرج وسجل عليه أنه سيدوم ويدوم عليه الشقاء ~~وسوء الحال. # والسبب في ذلك كله ما أودعه الله في فطرته من التعلق بهذه الزينة الفانية ~~فتنة وامتحانا فإذا أعرض عن ذكر ربه انقطع إلى نفسه والزينة الدنيوية التي ~~بين يديه والأسباب الظاهرية التي أحاطت به وتعلق على حاضر الوضع الذي ~~يشاهده، ودعته جاذبة الزينات والزخارف أن يجمد عليها ولا يلتفت إلى فنائها ~~وهو القول بالبقاء، وكلما قرعته قارعة العقل الفطري أن الدهر سيغدر به، ~~والأسباب ستخذله، وأمتعة الحياة ستودعه، وحياته المؤجلة ستبلغ أجلها، منعه ~~اتباع الأهواء وطول الآمال الإصغاء لها والالتفات إليها. # وهذا شأن أهل الدنيا لا يزالون على تناقض من الرأي يعملون ما يصدقونه ~~بأهوائهم ويكذبونه بعقولهم لكنهم يطمئنون إلى رأي الهوى فيمنعهم عن ~~الالتفات إلى قضاء العقل. # وهذا معنى قولهم بدوام الأسباب الظاهرية وبقاء زينة الحياة الدنيا ولهذا ~~قال فيما حكاه الله: "ما أظن أن تبيد هذه أبدا" ولم يقل: هذه لا تبيد أبدا. # وقوله: "وما أظن الساعة قائمة" هو مبني على ما مر من التأبيد في قوله: ~~"ما أظن أن تبيد هذه أبدا" فإنه يورث استبعاد تغير الوضع الحاضر بقيام ~~الساعة، وكل ما حكاه الله سبحانه من حجج المشركين على نفي المعاد مبني على ~~الاستبعاد كقولهم: "من يحيي العظام وهي رميم": يس: 78 وقولهم: "أإذا ضللنا ~~في الأرض أإنا لفي خلق جديد": الم السجدة: 10. # وقوله: "ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا" مبني على ما تقدم من ~~دعوى كرامة النفس واستحقاق الخير، ويورث ذلك في الإنسان رجاء كاذبا ms5015 بكل خير ~~وسعادة من غير عمل يستدعيه يقول: من المستبعد أن تقوم الساعة ولئن قامت ~~ورددت إلى ربي لأجدن بكرامة نفسي - ولا يقول: يؤتيني ربي - خيرا من هذه ~~الجنة منقلبا أنقلب إليه. # وقد خدعت هذا القائل نفسه فيما ادعت من الكرامة حتى أقسم على ما قال كما ~~يدل عليه لام القسم في قوله: "ولئن رددت" ولام التأكيد ونونها في قوله: ~~"لأجدن" وقال: "رددت" ولم يقل: ردني ربي إليه، وقال: "لأجدن" ولم يقل: ~~آتاني الله. # والآيتان كقوله تعالى: "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن ~~هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم ~~السجدة: 50. # قوله تعالى: "قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا" الآية وما بعدها إلى تمام أربع آيات رد من صاحب الرجل ~~يرد به قوله: "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" ثم قوله إذ دخل جنته "ما أظن ~~أن تبيد هذه أبدا" وقد حلل الكلام من حيث غرض المتكلم إلى جهتين: إحداهما ~~استعلاؤه على الله سبحانه بدعوى استقلاله في نفسه وفيما يملكه من مال ونفر ~~واستثناؤه بما عنده من القدرة والقوة والثانية استعلاؤه على صاحبه ~~واستهانته به بالقلة والذلة ثم رد كلا من الدعويين بما يحسم مادتها ويقطعها ~~من أصلها فقوله: "أكفرت بالذي خلقك - إلى قوله - إلا بالله" رد لأولى ~~الدعويين، وقوله "إن ترن أنا أقل - إلى قوله - طلبا" رد للثانية. # فقوله: "قال له صاحبه وهو يحاوره" في إعادة جملة "وهو يحاوره" إشارة إلى ~~أنه لم ينقلب عما كان عليه من سكينة الإيمان ووقاره باستماع ما استمعه من ~~الرجل بل جرى على محاورته حافظا آدابه ومن أدبه إرفاقه به في الكلام وعدم ~~خشونته بذكر ما يعد دعاء عليه يسوؤه عادة فلم يذكر ولده بسوء كما ذكر جنته ~~بل اكتفى فيه بما يرمز إليه ما ذكره في جنته من إمكان صيرورتها صعيدا زلقا ~~وغور مائها. PageV13P164 # وقوله: "أكفرت بالذي خلقك" إلخ الاستفهام للإنكار ms5016 ينكر عليه ما اشتمل عليه ~~كلامه من الشرك بالله سبحانه بدعوى الاستقلال لنفسه وللأسباب والمسببات كما ~~تقدمت الإشارة إليه ومن فروع شركه استبعاده قيام الساعة وتردده فيه. # وأما ما ذكره في الكشاف، أنه جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في ~~البعث كما يكون المكذب بالرسول كافرا فغير سديد كيف؟ وهو يذكر في استدراكه ~~نفي الشرك عن نفسه، ولو كان كما قال لذكر فيه الإيمان بالمعاد. # فإن قلت: الآيات صريحة في شرك الرجل، والمشركون ينكرون المعاد. # قلت لم يكن الرجل من المشركين بمعنى عبدة الأصنام وقد اعترف في خلال ~~كلامه بما لا تجيزه أصول الوثنية فقد عبر عنه سبحانه بقوله: "ربي" ولا يراه ~~الوثنيون ربا للإنسان ولا إلها معبودا وإنما هو عندهم رب الأرباب وإله ~~الآلهة، ولم ينف المعاد من أصله كما تقدمت الإشارة إليه بل تردد فيه ~~واستبعده بالإعراض عن التفكر فيه ولو نفاه لقال: ولو رددت ولم يقل: ولئن ~~رددت إلى ربي. # فما يذكر لأمره من الأثر السيىء في الآية إنما هو لشركه بمعنى نسيانه ربه ~~ودعواه الاستقلال لنفسه وللأسباب الظاهرية ففيه عزله تعالى عن الربوبية ~~وإلقاء زمام الملك والتدبير إلى غيره فهذا هو أصل الفساد الذي عليه ينشأ كل ~~فرع فاسد سواء اعترف معه بلسانه بالتوحيد أو أنكره وأثبت الآلهة، قال ~~الزمخشري في قوله تعالى: "قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا" ونعم ما قال: وترى ~~أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة ~~أحوالهم ناطقة به منادية عليه. # انتهى. # وقد أبطل هذا المؤمن دعوى صاحبه الكافر بقوله: "أكفرت بالذي خلقك من تراب ~~ثم من نطفة ثم سواك رجلا" بإلفات نظره إلى أصله وهو التراب ثم النطفة فإن ~~ذلك هو أصل الإنسان فما زاد على ذلك حتى يصير الإنسان إنسانا سويا ذا صفات ~~وآثار من موهبة الله محضا لا يملك أصله شيئا من ذلك، ولا غيره من الأسباب ~~الظاهرية الكونية فإنها أمثال الإنسان لا تملك شيئا من نفسها وآثار نفسها ~~إلا بموهبة من الله ms5017 سبحانه. # فما عند الإنسان وهو رجل سوي من الإنسانية وآثارها من علم وحياة وقدرة ~~وتدبير يسخر بها الأسباب الكونية في سبيل الوصول إلى مقاصده ومآربه كل ذلك ~~مملوكة لله محضا، آتاها الإنسان وملكه إياها ولم يخرج بذلك عن ملك الله ولا ~~انقطع عنه بل تلبس الإنسان منها بما تلبس فانتسب إليه بمشيته ولو لم يشأ لم ~~يملك الإنسان شيئا من ذلك فليس للإنسان أن يستقل عنه تعالى في شيء من نفسه ~~وآثار نفسه ولا لشيء من الأسباب الكونية ذلك. # يقول: إنك ذاك التراب ثم المني الذي ما كان يملك من الإنسانية والرجولية ~~وآثار ذلك شيئا والله سبحانه هو الذي آتاكها بمشيته وملكها إياك وهو المالك ~~لما ملكك فما لك تكفر به وتستر ربوبيته؟ وأين أنت والاستقلال؟. # قوله تعالى: "لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا" القراءة المشهورة ~~"لكن" بفتح النون المشددة من غير ألف في الوصل وإثباتها وقفا. # وأصله على ما ذكروه "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد نقل فتحتها إلى النون ~~وأدغمت النون في النون فالوصل بنون مشددة مفتوحة من غير ألف والوقف بالألف ~~كما في "أنا" ضمير التكلم. # وقد كرر في الآية لفظ "ربي" والثاني من وضع الظاهر موضع المضمر وحق ~~السياق "ولا أشرك به أحدا" وذلك للإشارة إلى علة الحكم بتعليقه بالوصف كأنه ~~قال: ولا أشرك به أحدا لأنه ربي ولا يجوز الإشراك به لربوبيته. # وهذا بيان حال من المؤمن قبال ما ادعاه الكافر لنفسه والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" من ~~تتمة قول المؤمن لصاحبه الكافر، وهو تحضيض وتوبيخ لصاحبه إذ قال لما دخل ~~جنته: "ما أظن أن تبيد هذه أبدا" وكان عليه أن يبدله من قوله: "ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله" فينسب الأمر كله إلى مشية الله ويقصر القوة فيه تعالى ~~مبنيا على ما بينه له أن كل نعمة بمشية الله ولا قوة إلا به. PageV13P165 # وقوله: "ما شاء الله" إما على تقدير: ms5018 الأمر ما شاءه الله، أو على تقدير: ما ~~شاءه الله كائن، وما على التقديرين موصولة ويمكن أن تكون شرطية والتقدير ما ~~شاءه الله كان، والأوفق بسياق الكلام هو أول التقادير لأن الغرض بيان رجوع ~~الأمور إلى مشية الله تعالى قبال من يدعي الاستقلال والاستغناء. # وقوله: "لا قوة إلا بالله" يفيد قيام القوة بالله وحصر كل قوة فيه بمعنى ~~أن ما ظهر في مخلوقاته تعالى من القوة القائمة بها فهو بعينه قائم به من ~~غير أن ينقطع ما أعطاه منه فيستقل به الخلق قال تعالى: "إن القوة لله ~~جميعا": البقرة: 165. # وقد تم بذلك الجواب عما قاله الكافر لصاحبه وما قاله عند ما دخل جنته. # قوله تعالى: "إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى" إلى آخر الآيتين قال ~~في المجمع،: أصل الحسبان السهام التي ترمى لتجري في طلق واحد وكان ذلك من ~~رمي الأساورة، وأصل الباب الحساب، وإنما يقال لما يرمى به: حسبان لأنه يكثر ~~كثرة الحساب. # قال: والزلق الأرض الملساء المستوية لا نبات فيها ولا شيء وأصل الزلق ما ~~تزلق عنه الأقدام فلا تثبت عليه. # انتهى. # وقد تقدم أن الصعيد هو سطح الأرض مستويا لا نبات عليه، والمراد بصيرورة ~~الماء غورا صيرورته غائرا ذاهبا في باطن الأرض. # والآيتان كما تقدمت الإشارة إليه رد من المؤمن لصاحبه الكافر من جهة ما ~~استعلى عليه بأنه أكثر منه مالا وأعز نفرا، وما أورده من الرد مستخرج من ~~بيانه السابق ومحصله أنه لما كانت الأمور بمشية الله وقوته وقد جعلك أكثر ~~مني مالا وأعز نفرا فالأمر في ذلك إليه لا إليك حتى تتبجح وتستعلي علي فمن ~~الممكن المرجو أن يعطيني خيرا من جنتك ويخرب جنتك فيديرني إلى حال أحسن من ~~حالك اليوم ويديرك إلى حال أسوأ من حالي اليوم فيجعلني أغنى منك بالنسبة ~~إلي ويجعلك أفقر مني بالنسبة إليك. # والظاهر أن تكون "ترن" في قوله: "إن ترن أنا أقل" إلخ من الرأي بمعنى ~~الاعتقاد فيكون من أفعال القلوب، و"أنا" ضمير فصل متخلل بين مفعوليه ms5019 اللذين ~~هما في الأصل مبتدأ وخبر، ويمكن أن يكون من الرؤية بمعنى الإبصار فأنا ضمير ~~رفع أكد به مفعول ترن المحذوف من اللفظ. # ومعنى الآية إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا فلا بأس والأمر في ذلك إلى ~~ربي فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها أي على جنتك مرامي من ~~عذابه السماوي كبرد أو ريح سموم أو صاعقة أو نحو ذلك فتصبح أرضا خالية ~~ملساء لا شجر عليها ولا زرع، أو يصبح ماؤها غائرا فلن تستطيع أن تطلبه ~~لإمعانه في الغور. # قوله تعالى: "وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه" إلى آخر الآية الإحاطة بالشيء ~~كناية عن هلاكه، وهي مأخوذة من إحاطة العدو واستدارته به من جميع جوانبه ~~بحيث ينقطع عن كل معين وناصر وهو الهلاك، قال تعالى: "وظنوا أنهم أحيط ~~بهم": يونس: 22. # وقوله: "فأصبح يقلب كفيه" كناية عن الندامة فإن النادم كثيرا ما يقلب ~~كفيه ظهرا لبطن، وقوله: "وهي خاوية على عروشها" كناية عن كمال الخراب كما ~~قيل فإن البيوت الخربة المنهدمة تسقط أولا عروشها وهي سقوفها على الأرض ثم ~~تسقط جدرانها على عروشها الساقطة والخوي السقوط وقيل: الأصل في معنى الخلو. # وقوله: "ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا" أي يا ليتني لم أتعلق بما ~~تعلقت به ولم أركن ولم أطمأن إلى هذه الأسباب التي كنت أحسب أن لها ~~استقلالا في التأثير وكنت أرجع الأمر كله إلى ربي فقد ضل سعيي وهلكت نفسي. # والمعنى: وأهلكت أنواع ماله أو فسد ثمر جنته فأصبح نادما على المال الذي ~~أنفق والجنة خربة ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم أسكن إلى ما سكنت ~~إليه واغتررت به من نفسي وسائر الأسباب التي لم تنفعني شيئا. # قوله تعالى: "ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا" الفئة ~~الجماعة، والمنتصر الممتنع. PageV13P166 # وكما كانت الآيات الخمس الأولى أعني قوله: "قال له صاحبه - إلى قوله - ~~طلبا" بيانا قوليا لخطإ الرجل في كفره وشركه كذلك هاتان الآيتان أعني قوله: ~~"وأحيط بثمره - إلى ms5020 قوله - وما كان منتصرا" بيان فعلي له أما تعلقه بدوام ~~الدنيا واستمرار زينتها في قوله: "ما أظن أن تبيد هذه أبدا" فقد جلى له ~~الخطأ فيه حين أحيط بثمره فأصبحت جنته خاوية على عروشها، وأما سكونه إلى ~~الأسباب وركونه إليها وقد قال لصاحبه أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" فبين ~~خطاؤه فيه بقوله تعالى: "ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله" وأما دعوى ~~استقلاله بنفسه وتبجحه بها فقد أشير إلى جهة بطلانها بقوله تعالى: "وما كان ~~منتصرا". # قوله تعالى: "هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا" القراءة ~~المشهورة "الولاية" بفتح الواو وقرىء بكسرها والمعنى واحد، وذكر بعضهم أنها ~~بفتح الواو بمعنى النصرة وبكسرها بمعنى السلطان، ولم يثبت وكذا "الحق" ~~بالجر، والثواب مطلق التبعة والأجر وغلب في الأجر الحسن الجميل، والعقب ~~بالضم فالسكون وبضمتين: العاقبة. # ذكر المفسرون أن الإشارة بقوله: "هنالك" إلى معنى قوله: "أحيط بثمره" أي ~~في ذلك الموضع أو في ذلك الوقت وهو موضع الإهلاك ووقته الولاية لله، وأن ~~الولاية بمعنى النصرة أي إن الله سبحانه هو الناصر للإنسان حين يحيط به ~~البلاء وينقطع عن كافة الأسباب لا ناصر غيره. # وهذا معنى حق في نفسه لكنه لا يناسب الغرض المسوق له الآيات وهو بيان أن ~~الأمر كله لله سبحانه وهو الخالق لكل شيء المدبر لكل أمر، وليس لغيره إلا ~~سراب الوهم وتزيين الحياة لغرض الابتلاء والامتحان، ولو كان كما ذكروه لكان ~~الأنسب توصيفه تعالى في قوله: "لله الحق" بالقوة والعزة والقدرة والغلبة ~~ونحوها لا بمثل الحق الذي يقابل الباطل، وأيضا لم يكن لقوله: "هو خير ثوابا ~~وخير عقبا" وجه ظاهر وموقع جميل. # والحق والله أعلم أن الولاية بمعنى مالكية التدبير وهو المعنى الساري في ~~جميع اشتقاقاتها كما مر في الكلام على قوله تعالى: "إنما وليكم الله ~~ورسوله": المائدة: 55 أي عند إحاطة الهلاك وسقوط الأسباب عن التأثير وتبين ~~عجز الإنسان الذي كان يرى لنفسه الاستقلال والاستغناء ولاية أمر الإنسان ~~وكل شيء وملك تدبيره لله لأنه إله ms5021 حق له التدبير والتأثير بحسب واقع الأمر ~~وغيره من الأسباب الظاهرية المدعوة شركاء له في التدبير والتأثير باطل في ~~نفسه لا يملك شيئا من الأثر إلا ما أذن الله له وملكه إياه وليس له من ~~الاستقلال إلا اسمه بحسب ما توهمه الإنسان فهو باطل في نفسه حق بالله ~~سبحانه والله هو الحق بذاته المستقل الغني في نفسه. # وإذا أخذ بالقياس بينه - تعالى عن القياس - وبين غيره من الأسباب المدعوة ~~شركاء في التأثير كان الله سبحانه خيرا منها ثوابا فإنه يثيب من دان له ~~ثوابا حقا وهي تثيب من دان لها وتعلق بها ثوابا باطلا زائلا لا يدوم وهو مع ~~ذلك من الله وبإذنه، وكان الله سبحانه خيرا منها عاقبة لأنه سبحانه هو الحق ~~الثابت الذي لا يفنى ولا يزول ولا يتغير عما هو عليه من الجلال والإكرام، ~~وهي أمور فانية متغيرة جعلها الله زينة للحياة الدنيا يتوله إليها الإنسان ~~وتتعلق بها قلبه حتى يبلغ الكتاب أجله وإن الله لجاعلها صعيدا جرزا. # وإذا كان الإنسان لا غنى له عن التعلق بشيء ينسب إليه التدبير ويتوقع منه ~~إصلاح شأنه فربه خير له من غيره لأنه خير ثوابا وخير عقبا. # وذكر بعضهم أن الإشارة بقوله: "هنالك" إلى يوم القيامة فيكون المراد ~~بالثواب والعقب ما في ذلك اليوم. # والسياق كما تعلم لا يساعد على شيء من ذلك. # قوله تعالى: "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء" إلخ ~~هذا هو المثل الثاني ضرب لتمثيل الحياة الدنيا بما يقارنها من الزينة ~~السريعة الزوال. PageV13P167 # والهشيم فعيل بمعنى مفعول من الهشم، وهو على ما قال الراغب كسر الشيء الرخو ~~كالنبات، وذرا يذرو ذروا أي فرق، وقيل: أي جاء به وذهب، وقوله: "فاختلط به ~~نبات الأرض" ولم يقل: اختلط بنبات الأرض إشارة إلى غلبته في تكوين النبات ~~على سائر أجزائه، ولم يذكر مع ماء السماء غيره من مياه العيون والأنهار لأن ~~مبدأ الجميع ماء المطر، وقوله: "فأصبح هشيما" أصبح فيه - كما قيل - بمعنى ~~صار فلا يفيد تقييد ms5022 الخبر بالصباح. # والمعنى: واضرب لهؤلاء المتولهين بزينة الدنيا المعرضين عن ذكر ربهم مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء وهو المطر فاختلط به نبات الأرض فرف ~~نضارة وبهجة وظهر بأجمل حلية فصار بعد ذلك هشيما مكسرا متقطعا تعبث به ~~الرياح تفرقة وتجيء به وتذهب وكان الله على كل شيء مقتدرا. # قوله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" إلى آخر الآية الآية ~~بمنزلة النتيجة للمثل السابق وهي أن المال والبنين وإن تعلقت بها القلوب ~~وتاقت إليها النفوس تتوقع منها الانتفاع وتحف بها الآمال لكنها زينة سريعة ~~الزوال غارة لا يسعها أن تثيبه وتنفعه في كل ما أراده منها ولا أن تصدقه في ~~جميع ما يأمله ويتمناه بل ولا في أكثره ففي الآية - كما ترى - انعطاف إلى ~~بدء الكلام أعني قوله: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها" الآيتين. # وقوله: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" المراد ~~بالباقيات الصالحات الأعمال الصالحة فإن أعمال الإنسان محفوظة له عند الله ~~بنص القرآن فهي باقية وإذا كانت صالحة فهي باقيات صالحات، وهي عند الله خير ~~ثوابا لأن الله يجازي الإنسان الجائي بها خير الجزاء، وخير أملا لأن ما ~~يؤمل بها من رحمة الله وكرامته ميسور للإنسان فهي أصدق أملا من زينات ~~الدنيا وزخارفها التي لا تفي للإنسان في أكثر ما تعد، والآمال المتعلقة بها ~~كاذبة على الأغلب وما صدق منها غار خدوع. # وقد ورد من طرق الشيعة وأهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ومن طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عدة من الروايات: أن ~~الباقيات الصالحات التسبيحات الأربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر، وفي أخرى أنها الصلاة وفي أخرى مودة أهل البيت وهي جميعا ~~من قبيل الجري والانطباق على المصداق. PageV13P168 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 47 - 59 # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا (47) ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقنكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا ms5023 (48) ووضع الكتب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما ل ~~هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا (49) وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس ~~للظلمين بدلا (50) ما أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا (51) ويوم يقول نادوا شركاءى الذين زعمتم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) ولقد صرفنا فى هذا القرءان للناس من كل ~~مثل وكان الانسن أكثر شىء جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ~~(55) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجدل الذين كفروا بالبطل ~~ليدحضوا به الحق واتخذوا ءايتى وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر ~~بئايت ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفى ءاذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) ~~وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكنهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا (59) # "بيان" # الآيات متصلة بما قبلها تسير مسيرها في تعقيب بيان أن هذه الأسباب ~~الظاهرية وزخارف الدنيا الغارة زينة الحياة سيسرع إليها الزوال ويتبين ~~للإنسان أنها لا تملك له نفعا ولا ضرا وإنما يبقى للإنسان أو عليه عمله ~~فيجازى به. # وقد ذكرت الآيات أولا قيام الساعة ومجيء الإنسان فردا ليس معه إلا عمله ~~ثم تذكر إبليس وإباءه عن السجدة لآدم وفسقه عن أمر ربه وهم يتخذونه وذريته ~~أولياء من دون الله وهم لهم عدو ثم تذكر يوم القيامة وإحضارهم وشركاءهم ~~وظهور انقطاع الرابطة بينهم وتعقب ذلك آيات أخر في الوعد والوعيد، والجميع ~~بحسب الغرض متصل بما تقدم. # قوله تعالى: "يوم نسير الجبال وترى ms5024 الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا" الظرف متعلق بمقدر والتقدير "واذكر يوم نسير" وتسيير الجبال بزوالها ~~عن مستقرها وقد عبر سبحانه عنه بتعبيرات مختلفة كقوله: "وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا": المزمل: 14، وقوله: "وتكون الجبال كالعهن المنفوش": القارعة: 5 ~~وقوله: "فكانت هباء منبثا": الواقعة: 6، وقوله: "وسيرت الجبال فكانت ~~سرابا": النبأ: 20. # والمستفاد من السياق أن بروز الأرض مترتب على تسيير الجبال فإذا زالت ~~الجبال والتلال ترى الأرض بارزة لا تغيب ناحية منها عن أخرى بحائل حاجز ولا ~~يستتر صقع منها عن صقع بساتر، وربما احتمل أن تشير إلى ما في قوله: "وأشرقت ~~الأرض بنور ربها": الزمر: 69. # وقوله: "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا" أي لم نترك منهم أحدا فالحشر عام ~~للجميع. PageV13P169 # قوله تعالى: "وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة" إلخ ~~السياق يشهد على أن ضمير الجمع في قوله: "عرضوا" وكذا ضميرا الجمع في الآية ~~السابقة للمشركين وهم الذين اطمأنوا إلى أنفسهم والأسباب الظاهرية التي ~~ترتبط بها حياتهم، وتعلقوا بزينة الحياة كالمتعلق بأمر دائم باق فكان ذلك ~~انقطاعا منهم عن ربهم، وإنكارا للرجوع إليه، وعدم مبالاة بما يأتون به من ~~الأعمال أرضى الله أم أسخطه. # وهذه حالهم ما دام أساس الامتحان الإلهي والزينة المعجلة بين أيديهم ~~والأسباب الظاهرية حولهم ولما يقض الأمر أجله ثم إذا حان الحين وتقطعت ~~الأسباب وطاحت الآمال وجعل الله ما عليها من زينة صعيدا جرزا لم يبق إذ ذاك ~~لهم إلا ربهم وأنفسهم وصحيفة أعمالهم المحفوظة عليهم، وعرضوا على ربهم - ~~وليسوا يرونه ربا لهم وإلا لعبدوه - صفا واحدا لا تفاضل بينهم بنسب أو مال ~~أو جاه دنيوي لفصل القضاء تبين لهم عند ذلك أن الله هو الحق المبين وأن ما ~~يدعونه من دونه وتعلقت به قلوبهم من زينة الحياة واستقلال أنفسهم والأسباب ~~المسخرة لهم ما كانت إلا أوهاما لا تغني عنهم من الله شيئا وقد أخطئوا إذ ~~تعلقوا بها وأعرضوا عن سبيل ربهم ولم يجروا على ما أراده منهم بل كان ذلك ~~منهم لأنهم توهموا أن ms5025 لا موقف هناك يوقفون فيه فيحاسبون عليه. # وبهذا البيان يظهر أن هذا الجمل الأربع: "وعرضوا" إلخ "لقد جئتمونا" إلخ ~~"بل زعمتم" إلخ "ووضع الكتاب" إلخ نكت أساسية مختارة من تفصيل ما يجري ~~يومئذ بينهم وبين ربهم من حين يحشرون إلى أن يحاسبوا، واكتفي بها إيجازا في ~~الكلام لحصول الغرض بها. # فقوله: "وعرضوا على ربك صفا" إشارة أولا إلى أنهم ملجئون إلى الرجوع إلى ~~ربهم ولقائه فيعرضون عليه عرضا من غير أن يختاروه لأنفسهم، وثانيا أن لا ~~كرامة لهم في هذا اللقاء، ويشعر به قوله "على ربك" ولو أكرموا لقيل: ربهم ~~كما قال: "جزاؤهم عند ربهم جنات عدن": البينة: 8: "وقال إنهم ملاقوا ربهم": ~~هود: 29، أو قيل: عرضوا علينا جريا على سياق التكلم السابق، وثالثا أن ~~أنواع التفاضل والكرامات الدنيوية التي اختلقتها لهم الأوهام الدنيوية من ~~نسب ومال وجاه قد طاحت عنهم فصفوا صفا واحدا لا تميز فيه لعال من دان ولا ~~لغني من فقير ولا لمولى من عبد، وإنما الميز اليوم بالعمل وعند ذلك يتبين ~~لهم أنهم أخطئوا الصواب في حياتهم الدنيا وضلوا السبيل فيخاطبون بمثل قوله: ~~"لقد جئتمونا" إلخ. # وقوله "لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة" مقول القول والتقدير وقال لهم ~~أو قلنا لهم: لقد جئتمونا إلخ، وفي هذا بيان خطإهم وضلالهم في الدنيا إذ ~~تعلقوا بزينتها وزخرفها فشغلهم ذلك عن سلوك سبيل الله والأخذ بدينه. # وقوله "بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا" في معنى قوله: "أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون": المؤمنون: 115 والجملة إن كانت ~~إضرابا عن الجملة السابقة على ظاهر السياق فالتقدير ما في معنى قولنا: ~~شغلتكم زينة الدنيا وتعلقكم بأنفسكم وبظاهر الأسباب عن عبادتنا وسلوك ~~سبيلنا بل ظننتم أن لن نجعل لكم موعدا تلقوننا فيه فتحاسبوا وبتعبير آخر: ~~إن اشتغالكم بالدنيا وتعلقكم بزينتها وإن كان سببا في الإعراض عن ذكرنا ~~واقتراف الخطيئات لكن كان هناك سبب هو أقدم منه وهو الأصل وهو أنكم ظننتم ~~أن لن نجعل لكم موعدا فنسيان المعاد هو الأصل ms5026 في ترك الطريق وفساد العمل ~~قال تعالى: "إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب": ص: 26. # والوجه في نسبة الظن بنفي المعاد إليهم أن انقطاعهم إلى الدنيا وتعلقهم ~~بزينتها ومن يدعونه من دون الله فعل من ظن أنها دائمة باقية لهم وأنهم لا ~~يرجعون إلى الله فهو ظن حالي عملي منهم ويمكن أن يكون كناية عن عدم ~~اعتنائهم بأمر الله واستهانتهم بما أنذروا به نظير قوله تعالى: "ولكن ظننتم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون": حم السجدة: 22. # ومن الجائز أن يكون قوله: "بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا" إضرابا عن ~~اعتذار لهم مقدر بالجهل ونحوه والله أعلم. PageV13P170 # قوله تعالى: "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا" ~~إلى آخر الآية وضع الكتاب نصبه ليحكم عليه، ومشفقين من الشفقة وأصلها ~~الرقة، قال الراغب في المفردات،: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب ~~المشفق عليه ويخاف ما يلحقه قال تعالى: "وهم من الساعة مشفقون" فإذا عدي ~~بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر، قال ~~تعالى: "إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين" "مشفقون منها" انتهى. # والويل الهلاك، ونداؤه عند المصيبة - كما قيل - كناية عن كون المصيبة أشد ~~من الهلاك فيستغاث بالهلاك لينجى من المصيبة كما ربما يتمنى الموت عند ~~المصيبة قال تعالى: "يا ليتني مت قبل هذا": مريم: 23. # وقوله: "ووضع الكتاب" ظاهر السياق أنه كتاب واحد يوضع لحساب أعمال الجميع ~~ولا ينافي ذلك وضع كتاب خاص بكل إنسان والآيات القرآنية دالة على أن لكل ~~إنسان كتابا ولكل أمة كتابا وللكل كتابا قال تعالى: "وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا" الآية: إسراء: 13 وقد تقدم ~~الكلام فيها، وقال: "كل أمة تدعى إلى كتابها": الجاثية: 28 وقال: "هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق": الجاثية: 29 وسيجيء الكلام في الآيتين إن شاء ~~الله تعالى. # وقيل: المراد بالكتاب كتب الأعمال واللام للاستغراق، والسياق لا يساعد عليه. # وقوله: "فترى المجرمين ms5027 مشفقين مما فيه" تفريع الجملة على وضع الكتاب وذكر ~~إشفاقهم مما فيه دليل على كونه كتاب الأعمال أو كتابا فيه الأعمال، وذكرهم ~~بوصف الإجرام للإشارة إلى علة الحكم وأن إشفاقهم مما فيه لكونهم مجرمين ~~فالحكم يعم كل مجرم وإن لم يكن مشركا. # وقوله: "ويقولون يا ويلتنا ما ل هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها" الصغيرة والكبيرة وصفان قامتا مقام موصوفهما وهو الخطيئة أو ~~المعصية أو الهنة ونحوها. # وقولهم هذا إظهار للدهشة والفزع من سلطة الكتاب في إحصائه للذنوب أو ~~لمطلق الحوادث ومنها الذنوب في صورة الاستفهام التعجيبي، ومنه يعلم وجه ~~تقديم الصغيرة على الكبيرة في قوله: "صغيرة ولا كبيرة" مع أن الظاهر أن ~~يقال: لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها بناء على أن الكلام في معنى ~~الإثبات وحق الترقي فيه أن يتدرج من الكبير إلى الصغير هذا، وذلك لأن ~~المراد - والله أعلم - لا يغادر صغيرة لصغرها ودقتها ولا كبيرة لكبرها ~~ووضوحها، والمقام مقام الاستفزاع في صورة التعجيب وإحصاء الصغيرة على صغرها ~~ودقتها أقرب إليه من غيرها. # وقوله: "ووجدوا ما عملوا حاضرا" ظاهر السياق كون الجملة تأسيسا لا عطف ~~تفسير لقوله: "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة" إلخ وعليه فالحاضر عندهم نفس ~~الأعمال بصورها المناسبة لها لا كتابتها كما هو ظاهر أمثال قوله: "يا أيها ~~الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7، ~~ويؤيده قوله بعده: "ولا يظلم ربك أحدا" فإن انتفاء الظلم بناء على تجسم ~~الأعمال أوضح لأن ما يجزون به إنما هو عملهم يرد إليهم ويلحق بهم لا صنع في ~~ذلك لأحد فافهم ذلك. # قوله تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه" تذكير ثان لهم بما جرى بينه تعالى وبين إبليس حين ~~أمر الملائكة بالسجود لأبيهم آدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن فتمرد عن ~~أمر ربه. # أي واذكر هذه الواقعة حتى يظهر لهم أن إبليس - وهو من الجن - وذريته عدو ~~لهم لا يريدون ms5028 لهم الخير فلا ينبغي لهم أن يفتتنوا بما يزينه لهم هو وذريته ~~من ملاذ الدنيا وشهواتها والإعراض عن ذكر الله ولا أن يطيعوهم فيما يدعونهم ~~إليه من الباطل. # وقوله: "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو" تفريع على محصل ~~الواقعة والاستفهام للإنكار أي ويتفرع على الواقعة أن لا تتخذوه وذريته ~~أولياء والحال أنهم أعداء لكم معشر البشر، وعلى هذا فالمراد بالولاية ولاية ~~الطاعة حيث يطيعونه وذريته فيما يدعونهم فقد اتخذوهم مطاعين من دون الله، ~~وهكذا فسرها المفسرون. PageV13P171 # وليس من البعيد أن يكون المراد بالولاية ولاية الملك والتدبير وهو الربوبية ~~فإن الوثنية كما يعبدون الملائكة طمعا في خيرهم كذلك يعبدون الجن اتقاء من ~~شرهم، وهو سبحانه يصرح بأن إبليس من الجن وله ذرية وأن ضلال الإنسان في ~~صراط سعادته وما يلجمه من أنواع الشقاء إنما هو بإغواء الشيطان فالمعنى ~~أفتتخذونه وذريته آلهة وأربابا من دوني تعبدونهم وتتقربون إليهم وهم لكم عدو؟. # ويؤيده الآية التالية فإن عدم إشهادهم الخلقة إنما يناسب انتفاء ولاية ~~التدبير عنهم لا انتفاء ولاية الطاعة وهو ظاهر. # وقد ختم الآية بتقبيح اتخاذهم إياهم أولياء من دون الله الذي معناه ~~اتخاذهم إبليس بدلا منه سبحانه فقال: "بئس للظالمين بدلا" وما أقبح ذلك فلا ~~يقدم عليه ذو مسكة، وهو السر في الالتفات الذي في قوله: "من دوني" فلم يقل: ~~من دوننا على سياق قوله: "وإذ قلنا" ليزيد في وضوح القبح كما أنه السر أيضا ~~في الالتفات السابق في قوله: "عن أمر ربه" ولم يقل: عن أمرنا. # وللمفسرين هاهنا أبحاث في معنى شمول أمر الملائكة لإبليس، وفي معنى كونه ~~من الجن وفي معنى، وقد قدمنا بعض القول في ذلك في تفسير سورة الأعراف. # قوله تعالى: "ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا" ظاهر السياق كون ضميري الجمع لإبليس وذريته والمراد ~~بالإشهاد الإحضار والإعلام عيانا كما أن الشهود هو المعاينة حضورا، والعضد ~~ما بين المرفق والكتف من الإنسان ويستعار للمعين كاليد وهو المراد هاهنا. # وقد ms5029 اشتملت الآية في نفي ولاية التدبير عن إبليس وذريته على حجتين ~~إحداهما: أن ولاية تدبير أمور شيء من الأشياء تتوقف على الإحاطة العلمية - ~~بتمام معنى الكلمة - بتلك الأمور من الجهة التي تدبر فيها وبما لذلك الشيء ~~وتلك الأمور من الروابط الداخلية والخارجية بما يبتدىء منه وما يقارنه وما ~~ينتهي إليه والارتباط الوجودي سار بين أجزاء الكون وهؤلاء وهم إبليس وذريته ~~لم يشهدهم الله سبحانه خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فلا كانوا ~~شاهدين إذ قال للسماوات والأرض: كن فكانت ولا إذ قال لهم: كونوا فكانوا فهم ~~جاهلون بحقيقة السماوات والأرض وما في أوعية وجوداتها من أسرار الخلقة حتى ~~بحقيقة صنع أنفسهم فكيف يسعهم أن يلوا تدبير أمرها أو تدبير أمر شطر منها ~~فيكونوا آلهة وأربابا من دون الله وهم جاهلون بحقيقة خلقتها وخلقة أنفسهم. # وأما أنهم لم يشهدوا خلقها فلأن كلا منهم شيء محدود لا سبيل له إلى ما ~~وراء نفسه فغيره في غيب منه مضروب عليه الحجاب، وهذا بين وقد أنبأ الله ~~سبحانه عنه في مواضع من كلامه وكذا كل منهم مستور عنه شأن الأسباب التي ~~تسبق وجوده واللواحق التي ستلحق وجوده. # وهذه حجة برهانية غير جدلية عند من أجاد النظر وأمعن في التدبر حتى لا ~~يختلط عنده هذه الألعوبة الكاذبة التي نسميها تدبيرا بالتدبير الكوني الذي ~~لا يلحقه خطأ ولا ضلال، وكذا الظنون والمزاعم الواهية التي نتداولها ونركن ~~إليها بالعلم العياني الذي هو حقيقة العلم وكذا العلم بالأمور الغائبة ~~بالظفر على أماراتها الأغلبية بالعلم بالغيب الذي يتبدل به الغيب شهادة. # والثانية أن كل نوع من أنواع المخلوقات متوجه بفطرته نحو كماله المختص ~~بنوعه وهذا ضروري عند من تتبعها وأمعن النظر في حالها فالهداية الإلهية ~~عامة للجميع كما قال: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 والشياطين ~~أشرار مفسدون مضلون فتصديهم تدبير شيء من السماوات والأرض أو الإنسان - ولن ~~يكون إلا بإذن من الله سبحانه - مؤد إلى نقضه السنة الإلهية من الهداية ~~العامة أي توسله تعالى إلى ms5030 الإصلاح بما ليس شأنه إلا الإفساد وإلى الهداية ~~بما خاصته الإضلال وهو محال. # وهذا معنى قوله سبحانه: "وما كنت متخذ المضلين عضدا" الظاهر في أن سنته ~~تعالى أن لا يتخذ المضلين عضدا فافهم. PageV13P172 # وفي قوله: "ما أشهدتهم" وقوله: "وما كنت" ولم يقل: ما شهدوا وما كانوا ~~دلالة على أنه سبحانه هو القاهر المهيمن عليهم على كل حال، والقائلون ~~بإشراك الشياطين أو الملائكة أو غيرهم بالله في أمر التدبير لم يقولوا ~~باستقلالهم في ذلك بل بأن أمر التدبير مملوك لهم بتمليك من الله تعالى مفوض ~~إليهم بتفويض منه وأنهم أرباب وآلهة والله رب الأرباب وإله الآلهة. # وما تقدم من معنى الآية مبني على حمل الإشهاد على معناه الحقيقي وإرجاع ~~الضميرين في "ما أشهدتهم" و"أنفسهم" إلى إبليس وذريته كما هو الظاهر ~~المتبادر من السياق، وللمفسرين أقوال أخر:. # منها قول بعضهم: إن المراد من الإشهاد في خلقها المشاورة مجازا فإن أدنى ~~مراتب الولاية على شيء أن يشاوره في أمره، والمراد بنفي الاعتضاد نفي سائر ~~مراتب الاستعانة المؤدية إلى الولاية والسلطة على المولى عليه بوجه ما ~~فكأنه قيل ما شاورتهم في أمر خلقها ولا استعنت بهم بشيء من أنواع الاستعانة ~~فمن أين يكونون أولياء لهم؟. # وفيه أنه لا قرينة على هذا المجاز ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي ~~على أنه لا رابطة بين الإشارة بالشيء والولاية عليه حتى تعد المشاورة من ~~مراتب التولية أو الإشارة من درجات الولاية، وقد وجه بعضهم هذا المعنى بأن ~~المراد بالإشهاد المشاورة كناية ولازم المشاورة أن يخلق كما شاءوا أي أن ~~يخلقهم كما أحبوا أي أن يخلقهم كاملين فالمراد بنفي إشهاد الشياطين خلق ~~أنفسهم نفي أن يكونوا كاملين في الخلقة حتى يسع لهم ولاية تدبير الأمور. # وفيه مضافا إلى أنه يرد عليه ما أورد على سابقه أولا أن ذلك يرجع إلى ~~إطلاق الشيء وإرادة لازمه بخمس مراتب من اللزوم فالمشاورة لازم الإشهاد على ~~ما يدعيه وخلق ما يشاؤه المشير لازم المشاورة وخلق ما يحبه لازم خلق ما ~~يشاؤه، ms5031 وكمال الخلقة لازم خلق ما يحبه، وصحة الولاية لازم كمال الخلقة ~~فإطلاق الإشهاد وإرادة كمال الخلقة أو صحة الولاية من قبيل التكنية عن لازم ~~المعنى من وراء لزومات أربع أو خمس، والكتاب المبين يجل عن أمثال هذه ~~الألغازات. # وثانيا: أنه لو صح فإنما يصح في إشهادهم خلق أنفسهم دون إشهادهم خلق ~~السماوات والأرض فلازمه التفكيك بين الإشهادين. # وثالثا: أن لازمه صحة ولاية من كان كاملا في خلقه كالملائكة المقربين ~~ففيه اعتراف بإمكان ولايتهم وجواز ربوبيتهم والقرآن يدفع ذلك بأصرح البيان ~~فأين الممكن المفتقر لذاته إلى الله سبحانه من الاستقلال في تدبير نفسه أو ~~تدبير غيره؟ وأما نحو قوله تعالى: "فالمدبرات أمرا": النازعات: 5 فسيجيء ~~توضيح معناه إن شاء الله. # ومنها قول بعضهم: إن المراد بالإشهاد حقيقة معناه والضميران للشياطين لكن ~~المراد من إشهادهم خلق أنفسهم إشهاد بعضهم خلق بعض لا إشهاد كل خلق نفسه. # وفيه أن المراد بنفي الإشهاد استنتاج انتفاء الولاية، ولم يقل أحد من ~~المشركين بولاية بعض الشياطين لبعض ولا تعلق الغرض بنفيها حتى يحمل لفظ ~~الآية على إشهاد بعضهم خلق بعض. # ومنها قول بعضهم: إن أول الضميرين للشياطين والثاني للكفار أو لهم ~~ولغيرهم من الناس. # والمعنى ما أشهدت الشياطين خلق السماوات والأرض ولا خلق الكفار أو الناس ~~حتى يكونوا أولياء لهم. # وفيه أن فيه تفكيك الضميرين. # ومنها قول بعضهم: برجوع الضميرين إلى الكفار قال الإمام الرازي في ~~تفسيره، والأقرب عندي عودهما يعني الضميرين على الكفار الذين قالوا للرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك ~~فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ~~ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ~~ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق ~~فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات ~~عظيمة فإنك تقول له: لست بسلطان البلد حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة ms5032 ~~فلم تقدم عليها؟. # ويؤكده أن الضمير يجب عوده على أقرب المذكورات وهو في الآية أولئك الكفار ~~لأنهم المراد بالظالمين في قوله تعالى: "بئس للظالمين بدلا" انتهى. PageV13P173 # وفيه أن فيه خرق السياق بتعليق مضمون الآية بما تعرض به في قوله: "ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا" بنحو الإشارة قبل ثلاث وعشرين آية وقد تحول وجه ~~الكلام بالانعطاف على أول السورة مرة بعد مرة بالتمثيل بعد التمثيل ~~والتذكير بعد التذكير فما احتمله من المعنى في غاية البعد. # على أن ما ذكره من اقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن لم ~~تطرد هؤلاء الفقراء من مجلسك لم نؤمن بك" ليس باقتراح فيه مداخلة في تدبير ~~أمر العالم حتى يرد عليهم بمثل قوله "ما أشهدتهم" إلخ بل اشتراط لإيمانهم ~~بطرد أولئك من غير أن يبتني على دعوى ترد بمثل ذلك، نعم لو قيل: اطرد عن ~~مجلسك هؤلاء الفقراء واكتفي به لكان لما قاله بعض الوجه. # وكأن التنبه لهذه النكتة دعا بعضهم إلى توجيه معنى الآية على تقدير رجوع ~~الضميرين إلى الكفار بأن المراد أنهم جاهلون بما جرى عليه القلم في الأزل ~~من أمر السعادة والشقاء إذ لم يشهدوا الخلقة فكيف يقترحون عليك أن تقربهم ~~إليك وتطرد الفقراء. # ومثله قول آخرين: إن المراد أني ما أطلعتهم على أسرار الخلقة ولم يختصوا ~~مني بما يمتازون به من غيرهم حتى يكونوا قدوة يقتدي بهم الناس في الإيمان ~~بك فلا تطمع في نصرتهم فلا ينبغي لي أن أعتضد لديني بالمضلين. # وكلا الوجهين أبعد مما ذكره الإمام من الوجه فأين الآية من الدلالة على ~~ما اختلقاه من المعنى؟. # ومنها أن الضميرين للملائكة والمعنى ما أشهدت الملائكة خلق العالم ولا ~~خلق أنفسهم حتى يعبدوا من دوني، وينبغي أن يضاف إليه أن قوله: "وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا" أيضا متعرض لنفي ولاية الشياطين فتدل الآية حينئذ ~~بصدرها وذيلها على نفي ولاية الفريقين جميعا وإلا دفعه ذيل الآية. # وفيه أن الآية السابقة إنما خاطبت الكفار في قولهم بولاية الشياطين ms5033 ثم ~~ذكرتهم بضمير الجمع في قولها: "وهم لكم عدو" ولم يتعرض لشيء من أمر ~~الملائكة فإرجاع الضميرين إلى الملائكة دون الشياطين تفكيك، والاشتغال بنفي ~~ولاية الملائكة تعرض لما لم يحوج إليه السياق ولا اقتضاه المقام. # قوله تعالى: "ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم" إلى آخر الآية هذا ~~تذكير ثالث يذكر فيه ظهور بطلان الرابطة بين المشركين وبين شركائهم يوم ~~القيامة ويتأكد بذلك أنهم ليسوا على شيء مما يدعيه لهم المشركون. # فقوله: "ويوم يقول" إلخ الضمير له تعالى بشهادة السياق، والمعنى واذكر ~~لهم يوم يقول الله لهم نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم لي شركاء فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم وبان أنهم ليسوا لي شركاء ولو كانوا لاستجابوا. # وقوله: "وجعلنا بينهم موبقا" الموبق بكسر الباء اسم مكان من وبق وبوقا ~~بمعنى هلك، والمعنى جعلنا بين المشركين وشركائهم محل هلاك وقد فسر القوم ~~هذا الموبق والمهلك بالنار أو بمحل من النار يهلك فيه الفريقان المشركون ~~وشركاءهم لكن التدبر في كلامه تعالى لا يساعد عليه فإن الآية قد أطلقت ~~الشركاء وفيهم - ولعلهم الأكثر - الملائكة وبعض الأنبياء والأولياء، وأرجع ~~إليهم ضمير أولي العقل مرة بعد مرة، ولا دليل على اختصاصهم بمردة الجن ~~والإنس وكون جعل الموبق بينهم دليلا على الاختصاص أول الكلام. # فلعل المراد من جعل موبق بينهم إبطال الرابطة ورفعها من بينهم وقد كانوا ~~يرون في الدنيا أن بينهم وبين شركائهم رابطة الربوبية والمربوبية أو ~~السببية والمسببية فكني عن ذلك بجعل موبق بينهم يهلك فيه الرابطة والعلقة ~~من غير أن يهلك الطرفان، ويومىء إلى ذلك بلطيف الإشارة تعبيره عن دعوتهم ~~أولا بالنداء حيث قال: "نادوا شركائي" والنداء إنما يكون في البعيد فهو ~~دليل على بعد ما بينهما. # وإلى مثل هذا المعنى يشير قوله تعالى في موضع آخر من كلامه: "وما نرى ~~معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون": الأنعام: 94، وقوله تعالى: "ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون": يونس: ms5034 28. # قوله تعالى: "ورءا المجرمون النار وظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا" في أخذ المجرمين مكان المشركين دلالة على أن الحكم عام لجميع أهل ~~الإجرام، والمراد بالظن هو العلم - على ما قيل - ويشهد به قوله: "ولم يجدوا ~~عنها مصرفا". PageV13P174 # والمراد بمواقعة النار الوقوع فيها - على ما قيل ولا يبعد أن يكون المراد ~~حصول الوقوع من الجانبين فهم واقعون في النار بدخولهم فيها والنار واقعة ~~فيهم باشتعالهم بها. # وقوله: "ولم يجدوا عنها مصرفا" المصرف بكسر الراء اسم مكان من الصرف أي ~~لم يجدوا محلا ينصرفون إليه ويعدلون عن النار ولا مناص. # قوله تعالى: "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا" قد مر الكلام في نظير صدر الآية في سورة أسرى آية 89 والجدل ~~الكلام على سبيل المنازعة والمشاجرة والآية إلى تمام ست آيات مسوقة للتهديد ~~بالعذاب بعد التذكيرات السابقة. # قوله تعالى: "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم" ~~و"يستغفروا" عطف على قوله: "يؤمنوا" أي وما منعهم من الإيمان والاستغفار ~~حين مجيء الهدى. # وقوله: "إلا أن تأتيهم سنة الأولين" أي إلا طلب أن تأتيهم السنة الجارية ~~في الأمم الأولين وهي عذاب الاستئصال، وقوله: "أو يأتيهم العذاب قبلا" عطف ~~على سابقه أي أو طلب أن يأتيهم العذاب مقابلة وعيانا ولا ينفعهم الإيمان ~~حينئذ لأنه إيمان بعد مشاهدة البأس الإلهي قال تعالى: "فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده": المؤمن: 85. # فمحصل المعنى أن الناس لا يطلبون إيمانا ينفعهم والذي يريدونه أن يأخذهم ~~عذاب الاستئصال على سنة الأولين فيهلكوا ولا يؤمنوا أو يقابلهم العذاب ~~عيانا فيؤمنوا اضطرارا فلا ينفعهم الإيمان. # وهذا المنع والاقتضاء في الآية أمر ادعائي يراد به أنهم معرضون عن الحق ~~لسوء سريرتهم فلا جدوى للإطناب الذي وقع في التفاسير في صحة ما مر من ~~التوجيه والتقدير إشكالا ودفعا. # قوله تعالى: "وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين" إلخ تعزية للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن ms5035 لا يضيق صدره من إنكار المنكرين وإعراضهم عن ~~ذكر الله فما كانت وظيفة المرسلين إلا التبشير والإنذار وليس عليهم وراء ~~ذلك من بأس ففيه انعطاف إلى مثل ما مر في قوله في أول السورة: "فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" وفي الآية أيضا نوع تهديد ~~للكفار المستهزءين. # والدحض الهلاك والإدحاض الإهلاك والإبطال، والهزوء: الاستهزاء والمصدر ~~بمعنى اسم المفعول ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه" ~~إعظام وتكبير لظلمهم والظلم يعظم ويكبر بحسب متعلقه وإذا كان هو الله ~~سبحانه بآياته فهو أكبر من كل ظلم. # والمراد بنسيان ما قدمت يداه عدم مبالاته بما يأتيه من الإعراض عن الحق ~~والاستهزاء به وهو يعلم أنه حق، وقوله: "إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا" كأنه تعليل لإعراضهم عن آيات الله أو له ولنسيانهم ~~ما قدمت أيديهم، وقد تقدم الكلام في معنى جعل الأكنة على قلوبهم والوقر في ~~آذانهم في الكتاب مرارا. # وقوله: "وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا" إياس من إيمانهم بعد ~~ما ضرب الله الحجاب على قلوبهم وآذانهم فلا يسعهم بعد ذلك أن يهتدوا ~~بأنفسهم بتعقل الحق ولا أن يسترشدوا بهداية غيرهم بالسمع والاتباع، والدليل ~~على هذا المعنى قوله: "وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا" حيث دل ~~على تأييد النفي وقيده بقوله: "إذا" وهو جزاء وجواب. # قال في روح المعاني،: واستدلت الجبرية بهذه الآية على مذهبهم والقدرية ~~بالآية التي قبلها. # قال الإمام: وقل ما تجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية ~~للفريق الآخر، وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه الله على عباده ~~ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين. # انتهى. # أقول: وكلتا الآيتين حق ولازم ذلك ثبوت الاختيار للعباد في أعمالهم ~~وانبساط سلطنته تعالى في ملكه حتى على أعمال العباد وهو مذهب أئمة أهل لبيت ~~(عليهم السلام). # قوله تعالى: "وربك الغفور ذو الرحمة" إلى آخر الآية، ms5036 الآيات - كما سمعت - ~~مسرودة لتهديدهم بالعذاب وهم فاسدون في أعمالهم فسادا لا يرجى منهم صلاح ~~وهذا مقتض لنزول العذاب وأن يكون معجلا لا يمهلهم إذ لا أثر لبقائهم إلا ~~الفساد لكن الله سبحانه لم يعجل لهم العذاب وإن قضى به قضاء حتم بل أخره ~~إلى أجل مسمى عينه بعلمه. PageV13P175 # فقوله: "وربك الغفور ذو الرحمة" صدرت به الآية المتضمنة لصريح القضاء في ~~تهديدهم ليعدل به بواسطة اشتماله على الوصفين: الغفور ذي الرحمة ما يقتضي ~~العذاب المعجل فيقضي ويمضي أصل العذاب أداء لحق مقتضيه وهو عملهم، ويؤخر ~~وقوعه لأن الله غفور ذو رحمة. # فالجملة أعني قوله: "الغفور ذو الرحمة" مع قوله: "لو يؤاخذهم بما كسبوا ~~لعجل لهم العذاب" بمنزلة متخاصمين متنازعين يحضران عند القاضي، وقوله: "بل ~~لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا" أي ملجأ يلجئون منه إليه بمنزلة الحكم ~~الصادر عنه بما فيه إرضاء الجانبين ومراعاة الحقين فأعطي وصف الانتقام ~~الإلهي باستدعاء مما كسبوا أصل العذاب، وأعطيت صفة المغفرة والرحمة أن يؤجل ~~العذاب ولا يعجل وعند ذلك أخذت المغفرة الإلهية تمحو أثر العمل الذي هو ~~استعجال العذاب، والرحمة تفيض عليهم حياة معجلة. # ومحصل المعنى: لو يؤاخذهم ربك لعجل لهم العذاب لكن لم يعجل لأنه الغفور ~~ذو الرحمة بل حتم عليهم العذاب بجعله لهم موعدا لا ملجأ لهم يلجئون منه إليه. # فقوله: "بل لهم موعد" إلخ كلمة قضاء وليس بحكاية محضة وإلا قيل: بل جعل ~~لهم موعدا إلخ فافهم ذلك. # والغفور صيغة مبالغة تدل على كثرة المغفرة، وذو الرحمة - ولامه للجنس - ~~صفة تدل على شمول الرحمة لكل شيء فهي أشمل معنى من الرحمن والرحيم الدالين ~~على الكثرة أو الثبوت والاستمرار فالغفور بمنزلة الخادم لذي الرحمة فإنه ~~يصلح المورد لذي الرحمة بإمحاء ما عليه من وصمة الموانع فإذا صلح شمله ذو ~~الرحمة، فللغفور السعي وكثرة العمل ولذي الرحمة الانبساط والشمول على ما لا ~~مانع عنده، ولهذه النكتة جيء في المغفرة بالغفور وهو صيغة مبالغة وفي ~~الرحمة بذي الرحمة الحاوي لجنس الرحمة فافهم ذلك ms5037 ودع عنك ما أطنبوا فيه من ~~الكلام في الاسمين. # قوله تعالى: "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا" ~~المراد بالقرى أهلها مجازا بدليل الضمائر الراجعة إليها، والمهلك بكسر ~~اللام اسم زمان. # ومعنى الآية ظاهر وهي مسوقة لبيان أن تأخير مهلكهم وتأجيله ليس ببدع منا ~~بل السنة الإلهية في الأمم الماضين الذين أهلكهم الله لما ظلموا كانت جارية ~~على ذلك فكان الله يهلكهم ويجعل لمهلكهم موعدا. # ومن هنا يظهر أن العذاب والهلاك الذي تتضمنه الآيات ليس بعذاب يوم ~~القيامة بل عذاب دنيوي وهو عذاب يوم بدر إن كان المراد تهديد صناديد قريش ~~أو عذاب آخر الزمان إن كان المراد تهديد الأمة كما مر في تفسير سورة يونس. # "بحث روائي" # في تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "يا ويلتنا ما ل هذا الكتاب" الآية: ~~عن خالد بن نجيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة ~~دفع للإنسان كتابه ثم قيل له: اقرأ. قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال: إنه يذكره ~~فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا شيء فعله إلا ذكره كأنه فعله تلك ~~الساعة. ولذلك قالوا: "يا ويلتنا مال هذا الكتاب - لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها". # أقول: والرواية كما ترى تجعل ما يذكره الإنسان هو ما عرفه من ذلك الكتاب ~~فمذكوره هو المكتوب فيه، ولو لا حضور ما عمله لم تتم عليه الحجة ولأمكنه أن ينكره. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا يظلم ربك أحدا" قال: يجدون كل ما ~~عملوا مكتوبا. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن أبي معمر السعدان عن علي ~~(عليه السلام) قال: قوله: "ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها" أي ~~أيقنوا أنهم داخلوها. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: ينصب الكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في ~~الدنيا، وإن الكافر يرى جهنم ms5038 ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة. # أقول: وهو يؤيد ما تقدم أن المواقعة في الآية مأخوذة بين الاثنين. PageV13P176 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 60 - 82 # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا (60) ~~فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا (61) فلما ~~جاوزا قال لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرءيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره ~~واتخذ سبيله فى البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ءاثارهما ~~قصصا (64) فوجدا عبدا من عبادنا ءاتينه رحمة من عندنا وعلمنه من لدنا علما ~~(65) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن ~~تستطيع معى صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدنى إن ~~شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا (69) قال فإن اتبعتنى فلا تسئلنى عن شىء ~~حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال ~~أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى ~~صبرا (72) قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا (73) فانطلقا ~~حتى إذا لقيا غلما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ~~(74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا (75) قال إن سألتك عن شىء ~~بعدها فلا تصحبنى قد بلغت من لدنى عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ~~لو شئت لتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا (78) أما السفينة فكانت لمسكين يعملون فى البحر فأردت أن ~~أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلم فكان أبواه ~~مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغينا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا ~~منه زكوة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان لغلمين يتيمين فى المدينة وكان ms5039 ~~تحته كنز لهما وكان أبوهما صلحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ~~رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) ### |||| AUTO بيان # قصة موسى والعالم الذي لقيه بمجمع البحرين وكان يعلم تأويل الحوادث ذكر ~~الله سبحانه بها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو التذكير الرابع من ~~التذكيرات الواقعة إثر ما أمره في صدر السورة بالصبر والمضي على تبليغ ~~رسالته والسلوة فيما يشاهده من إعراض الناس عن ذكر الله وإقبالهم على ~~الدنيا وبين أن الذي هم مشتغلون به زينة معجلة ومتاع إلى حين فلا يشقن عليه ~~ما يجده عندهم من ظاهر تمتعهم بالحياة وفوزهم بما يشتهون فيها فإن وراء هذا ~~الظاهر باطنا وفوق سلطتهم على المشتهيات سلطنة إلهية. # فالتذكير بقصة موسى والعالم كأنه للإشارة إلى أن لهذه الوقائع والحوادث ~~التي تجري على مشتهى أهل الدنيا تأويلا سيظهر لهم إذا بلغ الكتاب أجله فأذن ~~الله لهم أن ينتبهوا من نومة الغفلة وبعثوا لنشأة غير النشأة يوم يأتي ~~تأويله يقول الذين نسوه من قبل لقد جاءت رسل ربنا بالحق. # وموسى الذي ذكر في القصة هو ابن عمران الرسول النبي أحد أولي العزم ~~(عليهم السلام) على ما وردت به الرواية من طرق الشيعة وأهل السنة. PageV13P177 # وقيل: هو أحد أسباط يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) وهو موسى بن ميشا بن ~~يوسف وكان من أنبياء بني إسرائيل ويبعده أن القرآن قد أكثر ذكر اسم موسى ~~حتى بلغ مائة ونيفا وثلاثين وهو يريد ابن عمران (عليه السلام) فلو أريد بما ~~في هذه القصة غيره لضم إليه قرينة صارفة. # وقيل إن القصة أسطورة تخييلية صورت لغاية أن كمال المعرفة يورد الإنسان ~~مشرعة عين الحياة ويسقيه ماءها وهو الحياة الخالدة التي لا موت بعدها أبدا ~~والسعادة السرمدية التي لا سعادة فوقها قط. # وفيه أنه تقدير من غير دليل وظاهر الكتاب العزيز يدفعه ولا خبر في القصة ~~التي يقصها القرآن عن عين الحياة هذه إلا ما ورد في أقاويل بعض المفسرين ~~والقصاصين ms5040 من أهل التاريخ من غير أصل قرآني يستند إليه أو وجدان حسي لعين ~~هذه صفتها في صقع من أصقاع الأرض. # والفتى الذي ذكره الله وأضافه إلى موسى قيل هو يوشع بن نون وصيه، وبه ~~وردت الرواية قيل: سمي فتى لأنه كان يلازمه سفرا وحضرا أو لأنه كان يخدمه. # والعالم الذي لقيه موسى ووصفه الله وصفا جميلا بقوله: "عبدا من عبادنا ~~آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما" ولم يسمه ورد في الروايات أن ~~اسمه الخضر وكان نبيا من الأنبياء معاصر لموسى (عليه السلام) وفي بعضها أن ~~الله رزقه طول الحياة فهو حي لم يمت بعد، وهذا المقدار لا بأس به إذ لم يرد ~~عقل أو نقل قطعي بخلافه وقد طال البحث عن شخصية الخضر بين القوم كما في ~~مطولات التفاسير وتكاثرت القصص والحكايات في رؤيته ومع ذلك لا تخلو الأخبار ~~والقصص عن أساطير موضوعة أو مدسوسة. # قوله تعالى: "وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي ~~حقبا" الظرف متعلق بمقدر، والجملة معطوفة على ما عطف عليه التذكيرات ~~الثلاثة المذكورة سابقا، وقوله: "لا أبرح" بمعنى لا أزال وهو من الأفعال ~~الناقصة حذف خبره إيجازا لدلالة قوله: "حتى أبلغ" عليه والتقدير لا أبرح ~~أمشي أو أسير، ومجمع البحرين قيل: هو الذي ينتهي إليه بحر الروم من الجانب ~~الشرقي وبحر الفرس من الجانب 1 الغربي، والحقب الدهر والزمان وتنكيره يدل ~~على وصف محذوف والتقدير حقبا طويلا. # والمعنى - والله أعلم - واذكر إذ قال موسى لفتاه لا أزال أسير حتى أبلغ ~~مجمع البحرين أو أمضي دهرا طويلا. # قوله تعالى: "فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر ~~سربا" الظاهر أن قوله: "مجمع بينهما" من إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله بين ~~البحرين الموصوف بأنه مجمعهما. # وقوله: "نسيا حوتهما" الآيتان التاليتان تدلان على أنه كان حوتا مملوحا ~~أو مشويا حملاه ليرتزقا به في المسير ولم يكن حيا وإنما حي هناك واتخذ ~~سبيله في البحر ورآه الفتى وهو حي يغوص في ms5041 البحر ونسي أن يذكر ذلك لموسى ~~ونسي موسى أن يسأله عنه أين هو؟ وعلى هذا فمعنى "نسيا حوتهما" بنسبة ~~النسيان إليهما معا: نسيا حال حوتهما فموسى نسي كونه في المكتل فلم يتفقده ~~والفتى نسيه إذ لم يخبر موسى بعجيب ما رأى من أمره. # هذا ما ذكروه. # واعلم أن الآيات غير صريحة في حياة الحوت بعد ما كان ميتا بل ظاهر قوله: ~~"نسيا حوتهما" وكذا قوله: "نسيت الحوت" أن يكونا وضعاه في مكان من الصخرة ~~مشرف على البحر فيسقط في البحر أو يأخذه البحر بمد ونحوه فيغيب فيه ويغور ~~في أعماقه بنحو عجيب كالدخول في السرب ويؤيده ما في بعض الروايات أن ~~العلامة كانت هي افتقاد الحوت لا حياته والله أعلم. # وقوله: "فاتخذ سبيله في البحر سربا" السرب المسلك والمذهب والسرب والنفق ~~الطريق المحفور في الأرض لا نفاذ فيه كأنه شبه السبيل الذي اتخذه الحوت ~~داخل الماء بالسرب الذي يسلكه السالك فيغيب فيه. # قوله تعالى: "فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا ~~نصبا" قال في المجمع،: النصب والوصب والتعب نظائر، وهو الوهن الذي يكون عن ~~كد انتهى، والمراد بالغداء ما يتغدى به وفيه دلالة على أن ذلك كان في ~~النهار. # والمعنى: ولما جاوزا مجمع البحرين أمر موسى فتاه أن يأتي بالغداء وهو ~~الحوت الذي حملاه ليتغديا به ولقد لقيا من سفرهما تعبا. PageV13P178 # قوله تعالى: "قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة" إلى آخر الآية يريد حال ~~بلوغهم مجمع البحرين ومكثهم هناك فقد كانت الصخرة هناك والدليل عليه قوله: ~~"واتخذ سبيله" إلخ وقد ذكر في ما مر أنه كان بمجمع البحرين، يقول لموسى: لا ~~غداء عندنا نتغدى به فإن غداءنا وهو الحوت حي ودخل البحر وذهب حينما بلغنا ~~مجمع البحرين وأوينا إلى الصخرة التي كانت هناك وإني نسيت أن أخبرك بذلك. # فقوله: "أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة" يذكره حال أويهما إلى الصخرة ~~ونزولهما عندها ليستريحا قليلا، وقوله: "فإني نسيت الحوت" أي نسيت حال ~~الحوت التي شاهدتها منه فلم أذكرها ms5042 لك، والدليل على هذا المعنى - كما قيل - ~~قوله: "وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره" فإن "أن أذكره" بدل من ضمير ~~"أنسانيه" والتقدير "وما أنساني ذكر الحوت لك إلا الشيطان فهو لم ينس نفس ~~الحوت وإنما نسي أن يذكر حاله التي شاهد منه لموسى. # ولا ضير في نسبة الفتى نسيانه إلى تصرف من الشيطان بناء على أنه كان يوشع ~~بن نون النبي والأنبياء في عصمة إلهية من الشيطان لأنهم معصومون مما يرجع ~~إلى المعصية وأما مطلق إيذاء الشيطان فيما لا يرجع إلى معصية فلا دليل ~~يمنعه قال تعالى: "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب": ص: 41. # وقوله: "واتخذ سبيله في البحر عجبا" أي اتخاذا عجبا فعجبا وصف قام مقام ~~موصوفه على المفعولية المطلقة، وقيل: إن قوله: "واتخذ سبيله في البحر" قول ~~الفتى وقوله: "عجبا" من قول موسى، والسياق يدفعه. # واعلم أن ما تقدم من الاحتمال في قوله: "نسيا حوتهما" الخ جار هاهنا ~~والله أعلم. # قوله تعالى: "قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا" البغي الطلب، ~~والارتداد العود على بدء، والمراد بالآثار آثار أقدامهما، والقصص اتباع ~~الأثر والمعنى قال موسى: ذلك الذي وقع من أمر الحوت هو الذي كنا نطلبه ~~فرجعا على آثارهما يقصانها قصصا ويتبعانها اتباعا. # وقوله: "ذلك ما كنا نبغ فارتدا" يكشف عن أن موسى كان مأمورا من طريق ~~الوحي أن يلقى العالم في مجمع البحرين وكان علامة المحل الذي يجده ويلقاه ~~فيه ما وقع من أمر الحوت إما خصوص قضية حياته وذهابه في البحر أو بنحو ~~الإبهام والعموم كفقد الحوت أو حياته أو عود الميت حيا ونحو ذلك، ولذلك لما ~~سمع موسى من فتاه ما سمع من أمر الحوت قال ما قال، ورجعا إلى المكان الذي ~~فارقاه فوجدا عبدا "إلخ". # قوله تعالى: "فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا" إلخ. # كل نعمة فإنها رحمة منه تعالى لخلقه لكن منها ما تتوسط فيه الأسباب ~~الكونية وتعمل فيه كالنعم الظاهرية بأنواعها، ومنها ما لا ms5043 يتوسط فيه شيء ~~منها كالنعم الباطنية من النبوة والولاية بشعبها ومقاماتها، وتقييد الرحمة ~~بقوله: "من عندنا" الظاهر في أنها من موهبته لا صنع لغيره فيها يعطي أنها ~~من القسم الثاني أعني النعم الباطنية ثم اختصاص الولاية بحقيقتها به تعالى ~~كما قال: "فالله هو الولي": الشورى: 9، وكون النبوة مما للملائكة الكرام ~~فيه عمل كالوحي ونحوه يؤيد أن يكون المراد بقوله: "رحمة من عندنا" حيث جيء ~~بنون العظمة ولم يقل: من عندي هو النبوة دون الولاية، وبهذا يتأيد تفسير من ~~فسر الكلمة بالنبوة والله أعلم. # وأما قوله: "وعلمناه من لدنا علما" فهو أيضا كالرحمة التي من عنده علم لا ~~صنع فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب والدليل ~~على ذلك قوله: "من لدنا" فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه وآخر ~~الآيات يدل على أنه كان علما بتأويل الحوادث. # قوله تعالى: "قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا" الرشد ~~خلاف الغي وهو إصابة الصواب، وهو في الآية مفعول له أو مفعول به، والمعنى ~~قال له موسى هل أتبعك اتباعا مبنيا على هذا الأساس وهو أن تعلمني مما علمت ~~لأرشد به أو تعلمني مما علمت أمرا ذا رشد. PageV13P179 # قوله تعالى: "قال إنك لن تستطيع معي صبرا" نفي مؤكد لصبره (عليه السلام) ~~على شيء مما يشاهده منه في طريق التعليم والدليل عليه تأكيد الكلام بأن، ~~وإيراد الصبر نكرة في سياق النفي الدال على إرادة العموم، ونفي الصبر بنفي ~~الاستطاعة التي هي القدرة فهو آكد من أن يقال: لن تصبر، وإيراد النفي بلن ~~ولم يقل: لا تصبر وللفعل توقف على القدرة فهو نفي الفعل بنفي أحد أسبابه ثم ~~نفي الصبر بنفي سبب القدرة عليه وهو إحاطة الخبر والعلم بحقيقة الواقعة ~~وتأويلها حتى يعلم أنها يجب أن تجري على ما جرت عليه. # وقد نفى صبره على مظاهر علمه من الحوادث حيث قال: "لن تستطيع معي" ولم ~~ينف صبره على نفس علمه فلم يقل: لن تصبر على ما أعلمه ms5044 ولن تتحمله ولم يتغير ~~عليه موسى (عليه السلام) حينما أخبره بتأويل ما رأى منه وإنما تغير عليه ~~عند مشاهدة نفس أفعاله التي أراه إياها في طريق التعليم، فللعلم حكم ~~ولمظاهره حكم ونظير ذلك أن موسى (عليه السلام) لما رجع من الميقات إلى قومه ~~وشاهد أنهم عبدوا العجل من بعده امتلأ غيظا وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ~~يجره إليه وقد كان الله أخبره بذلك وهو في الميقات فلم يأت بشيء من ذلك ~~وقول الله أصدق من الحس والقصة في سورة الأعراف. # فقوله: "إنك لن تستطيع معي" إلخ إخبار بأنه لا يطيق الطريق الذي يتخذه في ~~تعليمه أن اتبعه لا أنه لا يتحمل العلم. # قوله تعالى: "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا" الخبر العلم وهو تمييز ~~والمعنى لا يحيط به خبرك. # قوله تعالى: "قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" وعده الصبر ~~لكن قيده بالمشية فلم يكذب إذ لم يصبر، وقوله: "ولا أعصي" إلخ عطف على ~~"صابرا" لما فيه من معنى الفعل فعدم المعصية الذي وعده أيضا مقيد بالمشية ~~ولم يخلف الوعد إذ لم ينتهي بنهيه عن السؤال. # قوله تعالى: "قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا" ~~الظاهر أن "منه" متعلق بقوله: "ذكرا" وإحداث الذكر من الشيء الابتداء به من ~~غير سابقة والمعنى فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء تشاهده من أمري تشق عليك ~~مشاهدته حتى أبتدىء أنا بذكر منه، وفيه إشارة إلى أنه سيشاهد منه أمورا تشق ~~عليه مشاهدتها وهو سيبينها له لكن لا ينبغي لموسى أن يبتدئه بالسؤال ~~والاستخبار بل ينبغي أن يصبر حتى يبتدئه هو بالإخبار. # وقد أتى موسى (عليه السلام) من الخلق والأدب البارع الحري بالمتعلم ~~المستفيد قبال الخضر - على ما تحكيه هذه الآيات - بأمر عجيب وهو كليم الله ~~موسى بن عمران الرسول النبي أحد أولي العزم صاحب التوراة. # فكلامه موضوع على التواضع من أوله إلى آخره، وقد تأدب معه أولا فلم يورد ~~طلبه منه التعليم في صورة ms5045 الأمر بل في صورة الاستفهام هضما لنفسه، وسمي ~~مصاحبته اتباعا منه له، ثم لم يورد التعليم في صورة الاشتراط بل قال: على ~~أن تعلمن إلخ، ثم عد نفسه متعلما، ثم أعظم قدر علمه إذ جعله منتسبا إلى ~~مبدإ غير معلوم لم يعينه باسم أو نعت فقال: "علمت" ولم يقل: تعلم، ثم مدحه ~~بقوله: "رشدا" ثم جعل ما يتعلمه بعض علمه فقال: "مما علمت" ولم يقل: ما ~~علمت ثم رفع قدره إذ جعل ما يشير عليه به أمرا يأمره وعد نفسه لو خالفه ~~فيما يأمر عاصيا ثم لم يسترسل معه بالتصريح بالوعد بل كنى عنه بمثل قوله: ~~"ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا". # وقد تأدب الخضر معه إذ لم يصرح بالرد أولا بل أشار إليه بنفي استطاعته ~~على الصبر ثم لما وعده موسى بالصبر إن شاء الله لم يأمره بالاتباع بل خلى ~~بينه وبين ما يريد فقال: "فإن اتبعتني": ثم لم ينهه عن السؤال نهيا مطلقا ~~في صورة المولوية المحضة بل علقه على اتباعه فقال: "فإن اتبعتني فلا ~~تسئلني" حتى يفيد أنه لا يقترح عليه بالنهي بل هو أمر يقتضيه الاتباع. PageV13P180 # قوله تعالى: "فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا" الإمر بكسر الهمزة الداهية العظيمة، وقوله: ~~"فانطلقا" تفريع على ما تقدمه، والمنطلقان هما موسى والخضر وهو ظاهر في أن ~~موسى لم يصحب فتاه في سيره مع الخضر، واللام في قوله: "لتغرق أهلها" للغاية ~~فإن الغرق وإن كان عاقبة للخرق ولم يقصده الخضر البتة لكن العاقبة الضرورية ~~ربما تؤخذ غاية مقصودة ادعاه لوضوحها كما يقال: أتفعل كذا لتهلك نفسك؟ ~~والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا" إنكار لسؤال موسى ~~وتذكير لما قاله من قبل: "إنك لن تستطيع" إلخ. # قوله تعالى: "قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا" الرهق ~~الغثيان بالقهر والإرهاق التكليف، والمعنى لا تؤاخذني بنسياني الوعد وغفلتي ~~عنه ولا تكلفني عسرا من ms5046 أمري، وربما يفسر النسيان بمعنى الترك، والأول أظهر ~~والكلام اعتذار على أي حال. # قوله تعالى: "فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا" في الكلام بعض الحذف للإيجاز والتقدير: فخرجا من ~~السفينة وانطلقا. # وفي قوله: "حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال" إلخ "فقتله" معطوف على الشرط ~~بفاء التفريع و"قال" جزاء "إذا" على ما هو ظاهر الكلام: وبذلك يظهر أن ~~العمدة في الكلام ذكر اعتراض موسى لا ذكر القتل، ونظيرته الآية اللاحقة ~~"فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية - إلى قوله - قال لو شئت" إلخ بخلاف الآية ~~السابقة: "فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال" فإن جزاء "إذا" فيها ~~"خرقها" وقوله: "قال" كلام مفصول مستأنف. # وعلى هذا فالآيات مسرودة في صورة قصة واحدة اعترض فيها موسى على الخضر ~~(عليهما السلام) ثلاث مرات واحدة بعد أخرى لا في صورة ثلاث قصص اعترض فيها ~~ثلاث اعتراضات كأنه قيل: وقع كذا وكذا فاعترض عليه ثم اعترض ثم اعترض ~~فالقصة قصة اعتراضاته فهي واحدة لا قصة أعمال هذا واعتراضات ذاك حتى تكون ثلاثا. # ومن هنا يتبين وجه الفرق بين الآيات الثلاث حيث جعل "خرقها" جواب إذا في ~~الآية الأولى، ولم يجعل "قتله" و"وجدا" أو "أقامه" جوابا في الثانية ~~والثالثة بل جزءا من الشرط معطوفا عليه فافهم ذلك. # وقوله: "أقتلت نفسا زكية" الزكية الطاهرة، والمراد طهارتها من الذنوب ~~لعدم البلوغ كما يشعر به قوله: "غلاما" والاستفهام للإنكار، والقائل موسى. # وقوله: "بغير نفس" أي بغير قتل منها لنفس قتلا مجوزا لقتلها قصاصا وقودا ~~فإن غير البالغ لا يتحقق منه القتل الموجب للقصاص، وربما استفيد من قوله: ~~"بغير نفس" أنه كان شابا بالغا، ولا دلالة في إطلاق الغلام عليه على عدم ~~بلوغه لأن الغلام يطلق على البالغ وغيره فالمعنى أقتلت بغير قصاص نفسا ~~بريئة من الذنوب المستوجبة للقتل؟ إذ لم يظهر لهما من الغلام شيء يستوجبه. # وقوله: "لقد جئت شيئا نكرا" أي منكرا يستنكره الطبع ولا يعرفه المجتمع ~~وقد عد ms5047 خرق السفينة إمرا أي داهية يستعقب مصائب لم يقع شيء منها بعد وقتل ~~النفس نكرا أو منكرا وهو أفظع وأفجع عند الناس من الخرق الذي يستوجب عادة ~~هلاك النفوس لكن لا بالمباشرة فعلا. # قوله تعالى: "قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا" معناه ظاهر وزيادة ~~"لك" نوع تقريع له أنه لم يصغ إلى وصيته وإيماء إلى كونه كأنه لم يسمع قوله ~~له أول مرة: "إنك لن تستطيع معي صبرا" أو سمعه وحسب أنه لا يعنيه بل يقصد ~~به غيره كأنه يقول: إنما عنيت بقولي: إنك لن تستطيع "إلخ" إياك دون غيرك. # قوله تعالى: "قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني ~~عذرا" الضمير في "بعدها" راجع إلى هذه المرة أو المسألة أي إن سألتك بعد ~~هذه المرة أو هذه المسألة فلا تصاحبني أي يجوز لك أن لا تصاحبني. # وقوله: "قد بلغت من لدني عذرا" أي بلغت عذرا ووجدته كائنا ذلك من لدني إذ ~~بلغ عذرك النهاية من عندي. # قوله تعالى: "فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها" إلى آخر ~~الآية الكلام في قوله: "فانطلقا" "فأبوا" "فوجدا" "فأقامه" كالكلام في قوله ~~في الآية السابقة: "فانطلقا" "فقتله". PageV13P181 # وقوله: "استطعما أهلها" صفة لقرية ولم يقل: "استطعماهم" لرداءة قولنا: قرية ~~استطعماهم بخلاف مثل قولنا: أتى قرية على إرادة أتى أهل قرية لأن للقرية ~~نصيبا من الإتيان فيجوز وضعها موضع أهلها مجازا بخلاف الاستطعام لأنه ~~لأهلها خاصة، وعلى هذا فليس قوله: "أهلها" من وضع الظاهر موضع المضمر. # ولم يقل: حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها لأن القرية كانت تتمحض حينئذ ~~في معناها الحقيقي والغرض العمدة - كما عرفت - متعلق بالجزاء أعني قوله: ~~"قال لو شئت لتخذت عليه أجرا" وفيه ذكر أخذ الأجر وهو إنما يكون من أهلها ~~لا منها فقوله: "أتيا أهل قرية" دليل على أن إقامة الجدار كانت بحضور من ~~أهل القرية وهو الذي أغنى أن يقال: لو شئت لتخذت عليه منهم أو من أهلها ~~أجرا فافهم ذلك. ms5048 # والمراد بالاستطعام طلب الطعام بالإضافة ولذا قال: "فأبوا أن يضيفوهما" ~~وقوله "فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض" الانقضاض السقوط، وإرادة الانقضاض ~~مجاز عن الإشراف على السقوط والانهدام، وقوله: "فأقامه" أي أثبته الخضر ~~بإصلاح شأنه ولم يذكر سبحانه كيف أقامه؟ بنحو خرق العادة أم ببناء أو ضرب ~~دعامة؟ غير أن قول موسى: "لو شئت لتخذت عليه أجرا" مشعر بأنه كان بعمل غير ~~خارق فإن المعهود من أخذ الأجر، ما كان على العاديات. # وقوله: "قال لو شئت لتخذت 1 عليه أجرا" تخذ وأخذ بمعنى واحد، وضمير ~~"عليه" للإقامة المفهومة من "فأقامه" وهو مصدر جائز الوجهين، والسياق يشهد ~~أنهما كانا جائعين فذكره موسى أخذ الأجرة على عمله إذ لو كان أخذ أجرا ~~أمكنهما أن يشتريا به شيئا من الطعام يسدان به جوعهما. # قوله تعالى: "قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا" الإشارة بهذا إلى قول موسى أي هذا القول سبب فراق بيني وبينك أو إلى ~~الوقت أي هذا الوقت وقت فراق بيني وبينك كما قيل، ويمكن أن تكون الإشارة ~~إلى نفس الفراق، والمعنى هذا الفراق قد حضر كأنه كان أمرا غائبا فحضر عند ~~قول موسى: "لو شئت لتخذت" إلخ وقوله: "بيني وبينك" ولم يقل بيننا للتأكيد، ~~وإنما قال الخضر هذا القول بعد الاعتراض الثالث لأن موسى كان قبل ذلك يعتذر ~~إليه كما في الأول أو يستمهله كما في الثاني، وأما الفراق بعد الاعتراض ~~الثالث فقد أعذره موسى فيه إذ قال بعد الاعتراض الثاني: "إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني" إلخ والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "أما السفينة فكانت لمساكين" إلخ شروع في تفصيل ما وعد ~~إجمالا بقوله: "سأنبئك" إلخ وقوله: "أن أعيبها" أي أجعلها معيبة وهذه قرينة ~~على أن المراد بكل سفينة كل سفينة غير معيبة. # وقوله: "وكان وراءهم ملك" وراء بمعنى الخلف وهو الظرف المقابل للظرف ~~الآخر الذي يواجهه الإنسان ويسمى قدام وأمام لكن ربما يطلق على الظرف الذي ~~يغفل عنه الإنسان وفيه من يريده بسوء أو ms5049 مكروه وإن كان قدامه أو فيه ما ~~يعرض عنه الإنسان أو فيه ما يشغل الإنسان بنفسه عن غيره كأن الإنسان ولى ~~وجهه إلى جهة تخالف جهته قال تعالى: "فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون": المؤمنون: 7، وقال: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب": الشورى: 51، وقال: "والله من ورائهم": البروج: 20. # ومحصل المعنى: أن السفينة كانت لعدة من المساكين يعملون بها في البحر ~~ويتعيشون به وكان هناك ملك جبار أمر بغصب السفن فأردت بخرقها أن أحدث فيها ~~عيبا فلا يطمع فيها الجبار ويدعها لهم. # قوله تعالى: "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا" الأظهر من سياق الآية وما سيأتي من قوله: "وما فعلته عن أمري" أن ~~يكون المراد بالخشية التحذر عن رأفة ورحمة مجازا لا معناه الحقيقي الذي هو ~~التأثر القلبي الخاص المنفي عنه تعالى وعن أنبيائه كما قال: "ولا يخشون ~~أحدا إلا الله": الأحزاب: 39، وأن يكون المراد بقوله: "أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا" أن يغشيهما ذلك أي يحمل والديه على الطغيان والكفر بالإغواء ~~والتأثير الروحي لمكان حبهما الشديد له لكن قوله في الآية التالية: "وأقرب ~~رحما" لا تخلو من تأييد لكون "طغيانا وكفرا" تميزين عن الإرهاق أي وصفين ~~للغلام دون أبويه. PageV13P182 # قوله تعالى: "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما" المراد ~~بكونه خيرا منه زكاة كونه خيرا منه صلاحا وإيمانا بقرينة مقابلته الطغيان ~~والكفر في الآية السابقة، وأصل الزكاة فيما قيل الطهارة، والمراد بكونه ~~أقرب منه رحما كونه أوصل للرحم والقرابة فلا يرهقهما، وأما تفسيره بكونه ~~أكثر رحمة بهما فلا يناسبه قوله "أقرب" منه تلك المناسبة، وهذا - كما عرفت ~~- يؤيد كون المراد من قوله: "يرهقهما طغيانا وكفرا" في الآية السابقة ~~إرهاقه إياهما بطغيانه وكفره لا تكليفه إياهما الطغيان والكفر وإغشاؤهما ذلك. # والآية - على أي حال - تلوح إلى أن إيمان أبويه كان ذا قدر عند الله ~~ويستدعي ولدا مؤمنا صالحا يصل رحمهما وقد كان المقضي في الغلام خلاف ذلك ~~فأمر الله الخضر ms5050 بقتله ليبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. # قوله تعالى: "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا" لا يبعد أن يستظهر من السياق أن المدينة المذكورة ~~في هذه الآية غير القرية التي وجدا فيها الجدار فأقامه، إذ لو كانت هي هي ~~لم يكن كثير حاجة إلى ذكر كون الغلامين اليتيمين فيها فكان العناية متعلقة ~~بالإشارة إلى أنهما ومن يتولى أمرهما غير حاضرين في القرية. # وذكر يتم الغلامين ووجود كنز لهما تحت الجدار ولو انقض لظهر وضاع وكون ~~أبيهما صالحا كل ذلك توطئة وتمهيد لقوله: "فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما" وقوله: "رحمة من ربك" تعليل للإرادة. # فرحمته تعالى سبب لإرادة بلوغهما واستخراجهما كنزهما، وكان يتوقف على ~~قيام الجدار فأقامه الخضر، وكان سبب انبعاث الرحمة صلاح أبيهما وقد عرض أن ~~مات وأيتم الغلامين وترك كنزا لهما. # وقد طال البحث في التوفيق بين صلاح أبيهما ووجود كنز لهما تحت الجدار ~~الظاهر في كون أبيهما هو الكانز له بناء على ذم الكنز كما يدل عليه قوله ~~تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم": التوبة: 34. # لكن الآية لا تتعرض بأكثر من أن تحته كنز لهما من غير دلالة على أن ~~أباهما هو الذي دفنه وكنزه، على أن وصف أبيهما بالصلاح دليل على كون هذا ~~الكنز أيا ما كان أمرا غير مذموم على تقدير تسليم كون الكانز هو الأب، على ~~أن من الجائز أن يكون أبوهما الصالح كنزه لهما لتأويل يسوغه فما هو بأعظم ~~من خرق السفينة وقتل النفس المحترمة الواردين في القصة وقد جوزهما التأويل ~~بأمر إلهي وهنا بعض روايات ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. # وفي الآية دلالة على أن صلاح الإنسان ربما ورث أولاده أثرا جميلا وأعقب ~~فيهم السعادة والخير فهذه الآية في جانب الخير نظيرة قوله تعالى: "وليخش ~~الذين لو تركوا من بعدهم ذرية ضعافا خافوا عليهم": النساء: 9. # وقوله: "وما فعلته عن أمري" كناية عن أنه ms5051 إنما فعل ما فعل عن أمر غيره ~~وهو الله سبحانه لا عن أمر أمرته به نفسه. # وقوله: "ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا" أي ما لم تستطع عليه صبرا من ~~اسطاع يسطيع بمعنى استطاع يستطيع وقد تقدم في أول تفسير سورة آل عمران أن ~~التأويل في عرف القرآن هي الحقيقة التي يتضمنها الشيء ويؤول إليها ويبتني ~~عليها كتأويل الرؤيا وهو تعبيرها، وتأويل الحكم وهو ملاكه وتأويل الفعل وهو ~~مصلحته وغايته الحقيقية، وتأويل الواقعة وهو علتها الواقعية وهكذا. # فقوله: "ذلك تأويل ما لم تسطع" إلخ إشارة منه إلى أن الذي ذكره للوقائع ~~الثلاث وأعماله فيها هو السبب الحقيقي لها لا ما حسبه موسى من العناوين ~~المترائية من أعماله كالتسبب إلى هلاك الناس في خرق السفينة والقتل من غير ~~سبب موجب في قتل الغلام وسوء تدبير المعاش في إقامة الجدار. # وذكر بعضهم: أن من الأدب الجميل الذي استعمله الخضر مع ربه في كلامه أن ~~ما كان من الأعمال التي لا تخلو عن نقص ما نسبه إلى نفسه كقوله: فأردت أن ~~أعيبها وما جاز انتسابه إلى ربه وإلى نفسه أتى فيه بصيغة المتكلم مع الغير ~~كقوله: "فأردنا أن يبدلهما ربهما"، "فخشينا" وما يختص به تعالى لتعلقه ~~بربوبيته وتدبيره ملكه نسبه إليه كقوله: "فأراد ربك أن يبلغا أشدهما". ### |||| AUTO بحث تاريخي في فصلين # 1 - قصة موسى والخضر في القرآن: PageV13P183 # أوحى الله سبحانه إلى موسى أن هناك عبدا من عباده عنده من العلم ما ليس عند ~~موسى وأخبره أنه إن انطلق إلى مجمع البحرين وجده هناك، وهو بالمكان الذي ~~يحيى فيه الحوت الميت. # أو يفتقد فيه الحوت. # فعزم موسى أن يلقى العالم ويتعلم منه بعض ما عنده إن أمكن وأخبر فتاه عما ~~عزم عليه فخرجا قاصدين مجمع البحرين وقد حملا معهما حوتا ميتا وذهبا حتى ~~بلغا مجمع البحرين وقد تعبا وكانت هناك صخرة على شاطىء البحر فأويا إليها ~~ليستريحا هنيئة وقد نسيا حوتهما وهما في شغل منه. # وإذا بالحوت اضطرب ووقع في البحر حيا، ms5052 أو وقع فيه وهو ميت، وغار فيه ~~والفتى يشاهده ويتعجب من أمره غير أنه نسي أن يذكره لموسى حتى تركا الموضع ~~وانطلقا حتى جاوزا مجمع البحرين وقد نصبا فقال له موسى: آتنا غداءنا لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا. # فذكر الفتى ما شاهده من أمر الحوت وقال لموسى: إنا إذ أوينا إلى الصخرة ~~حي الحوت ووقع في البحر يسبح فيه حتى غار وكنت أريد أن أذكر لك أمره لكن ~~الشيطان أنسانيه أو إني نسيت الحوت عند الصخرة فوقع في البحر وغار فيه. # قال موسى: ذلك ما كنا نبغي ونطلب فلنرجع إلى هناك فارتدا على آثارهما ~~قصصا فوجدا عبدا من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلمه علما من لدنه ~~فعرض عليه موسى وسأله أن يتبعه فيعلمه شيئا ذا رشد مما علمه الله. # قال العالم: إنك لن تستطيع معي صبرا على ما تشاهده من أعمالي التي لا علم ~~لك بتأويلها، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ فوعده موسى أن يصبر ولا ~~يعصيه في أمر إن شاء الله فقال له العالم بانيا على ما طلبه منه ووعده به: ~~فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. # فانطلق موسى والعالم حتى ركبا سفينة وفيها ناس من الركاب وموسى خالي ~~الذهن عما في قصد العالم فخرق العالم السفينة خرقا لا يؤمن معه الغرق فأدهش ~~ذلك موسى وأنساه ما وعده فقال للعالم: أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا ~~إمرا قال له العالم: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فاعتذر إليه موسى ~~بأنه نسي ما وعده من الصبر قائلا: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. # فانطلقا فلقيا غلاما فقتله العالم فلم يملك موسى نفسه دون أن تغير وأنكر ~~عليه ذلك قائلا: أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا. # قال له العالم ثانيا: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فلم يكن عند ~~موسى ما يعتذر به ويمتنع به عن مفارقته ونفسه غير راضية ms5053 بها فاستدعى منه ~~مصاحبة مؤجلة بسؤال آخر إن أتى به كان له فراقه واستمهله قائلا: إن سألتك ~~عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا وقبله العالم. # فانطلقا حتى أتيا قرية وقد بلغ بهما الجوع فاستطعما أهلها فلم يضيفهما ~~أحد منهم وإذا بجدار فيها يريد أن ينقض ويتحذر منه الناس فأقامه العالم. # قال له موسى: لو شئت لتخذت على عملك منهم أجرا فتوسلنا به إلى سد الجوع ~~فنحن في حاجة إليه والقوم لا يضيفوننا. # فقال له العالم: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا ثم قال: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ويتعيشون بها وكان ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فخرقتها لتكون معيبة لا يرغب فيها. # وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، ولو أنه عاش لأرهقهما بكفره ~~وطغيانه فشملتهما الرحمة الإلهية فأمرني أن أقتله ليبدلهما ولدا خيرا منه ~~زكاة وأقرب رحما فقتلته. # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا فشملتهما الرحمة الإلهية لصلاح أبيهما فأمرني أن أقيمه ~~فيستقيم حتى يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ولو انقض لظهر أمر الكنز وانتهبه الناس. # قال: وما فعلت الذي فعلت عن أمري بل عن أمر من الله، وتأويلها ما أنبأتك ~~به ثم فارق موسى. # 2 - قصة الخضر (عليه السلام) # - لم يرد ذكره في القرآن إلا ما في قصة رحلة موسى إلى مجمع البحرين، ولا ~~ذكر شيء من جوامع أوصافه إلا ما في قوله تعالى. PageV13P184 # "فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما": الآية ~~- 65 من السورة والذي يتحصل من الروايات النبوية أو الواردة من طرق أئمة ~~أهل البيت في قصته ففي رواية 1 محمد بن عمارة عن الصادق (عليه السلام): أن ~~الخضر كان نبيا مرسلا بعثه الله تبارك وتعالى إلى قومه فدعاهم إلى توحيده ~~والإقرار بأنبيائه ورسله وكتبه، وكان آيته أنه لا يجلس على خشبة يابسة ولا ~~أرض بيضاء إلا أزهرت خضراء وإنما سمي خضرا ms5054 لذلك، وكان اسمه تاليا بن مالك ~~بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح الحديث ويؤيد ما ذكر من وجه تسميته ما في ~~الدر المنثور، عن عدة من أرباب الجوامع عن ابن عباس وأبي هريرة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنما سمي الخضر خضرا لأنه صلى على فروة ~~بيضاء فاهتزت خضراء. # وفي بعض الأخبار كما فيما رواه العياشي عن بريد عن أحدهما (عليهما ~~السلام): الخضر وذو القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيين الحديث لكن الآيات ~~النازلة في قصته مع موسى لا تخلو عن ظهور في كونه نبيا كيف؟ وفيها نزول ~~الحكم عليه. # ويظهر من أخبار متفرقة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنه حي لم يمت ~~بعد وليس بعزيز على الله سبحانه أن يعمر بعض عباده عمرا طويلا إلى أمد بعيد ~~ولا أن هناك برهانا عقليا يدل على استحالة ذلك. # وقد ورد في سبب ذلك في بعض الروايات 1 من طرق العامة أنه ابن آدم لصلبه ~~ونسىء له في أجله حتى يكذب الدجال، وفي بعضها 2 أن آدم (عليه السلام) دعا ~~له بالبقاء إلى يوم القيامة، وفي عدة روايات من طرق الفريقين أنه شرب من ~~عين الحياة التي هي في الظلمات حين دخلها ذو القرنين في طلبها وكان الخضر ~~في مقدمته فرزقه الخضر ولم يرزقه ذو القرنين، وهذه وأمثالها آحاد غير قطعية ~~من الأخبار لا سبيل إلى تصحيحها بكتاب أو سنة قطعية أو عقل. # وقد كثرت القصص والحكايات وكذا الروايات في الخضر بما لا يعول عليها ذو ~~لب كرواية خصيف: 3 أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في السماء: عيسى وإدريس، ~~واثنان في الأرض الخضر وإلياس فأما الخضر فإنه في البحر وأما صاحبه فإنه في البر. # ورواية 4 العقيلي عن كعب قال: الخضر على منبر بين البحر الأعلى والبحر ~~الأسفل، وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع، وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية. # ورواية 5 كعب الأحبار: أن الخضر بن عاميل ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ ms5055 ~~بحر الهند وهو بحر الصين فقال لأصحابه: يا أصحابي ادلوني فدلوه في البحر ~~أياما وليالي ثم صعد فقالوا: يا خضر ما رأيت؟ فلقد أكرمك الله وحفظ لك نفسك ~~في لجة هذا البحر فقال استقبلني ملك من الملائكة فقال لي: أيها الآدمي ~~الخطاء إلى أين؟ ومن أين؟ فقلت: إني أردت أن أنظر عمق هذا البحر. فقال لي: ~~كيف؟ وقد أهوى رجل من زمان داود (عليه السلام) لم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة ~~وذلك منذ ثلاث مائة سنة، إلى غير ذلك من الروايات المشتملة على نوادر القصص. # "بحث روائي" # في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن جعفر بن محمد بن عمارة عن ~~أبيه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث: أن موسى لما كلمه الله ~~تكليما، وأنزل عليه التوراة، وكتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا ~~لكل شيء، وجعل آية في يده وعصاه، وفي الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم وفلق البحر وغرق الله فرعون وجنوده عملت البشرية فيه حتى قال في ~~نفسه: ما أرى الله عز وجل خلق خلقا أعلم مني فأوحى الله إلى جبرئيل: أدرك ~~عبدي قبل أن يهلك، وقل له: أن عند ملتقى البحرين رجلا عابدا فاتبعه وتعلم ~~منه. فهبط جبرئيل على موسى بما أمره به ربه عز وجل فعلم موسى أن ذلك لما ~~حدثته به نفسه فمضى هو وفتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى ملتقى البحرين ~~فوجدا هناك الخضر يعبد الله عز وجل كما قال الله في كتابه: "فوجدا عبدا من ~~عبادنا آتيناه رحمة من عندنا - وعلمناه من لدنا علما" الحديث. # أقول: والحديث طويل يذكر فيه صحبته للخضر وما جرى بينهما مما ذكره الله ~~في كتابه في القصة. PageV13P185 # وروى القصة العياشي في تفسيره، بطريقين والقمي في تفسيره، بطريقين مسندا ~~ومرسلا، ورواه في الدر المنثور، بطرق كثيرة من أرباب الجوامع كالبخاري ~~ومسلم والنسائي والترمذي وغيرهم عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): والأحاديث متفقة في معنى ما نقلناه ms5056 من صدر حديث محمد ~~بن عمارة، وفي أن الحوت الذي حملاه حي عند الصخرة واتخذ سبيله في البحر ~~سربا لكنها تختلف في أمور كثيرة إضافتها إلى ما في القرآن من أصل القصة. # منها ما يتحصل من رواية ابن بابويه والقمي: أن مجمع البحرين من أرض ~~الشامات وفلسطين بقرينة ذكرهما أن القرية التي ورداها هي الناصرة التي تنسب ~~إليها النصارى، وفي بعضها أن الأرض كانت آذربيجان: وهو يوافق ما في الدر ~~المنثور عن السدي: أن البحرين هما الكر والرس حيث يصبان في البحر وأن ~~القرية كانت تسمى باجروان وكان أهلها لئاما وروي عن أبي: أنه إفريقية، وعن ~~القرظي أنه طنجة، وعن قتادة أنه ملتقى بحر الروم وفارس. # ومنها ما في بعض الروايات أن الحوت كان مشويا وفي أكثرها أنه كان مملوحا. # ومنها ما في مرسلة القمي وروايات الشيخين والنسائي والترمذي وغيرهم: أنه ~~كانت عند الصخرة عين الحياة حتى في رواية مسلم وغيره أن الماء كان ماء ~~الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حي فلما نزلا ومس الحوت ~~الماء حي. # الحديث وفي غيرها أن فتى موسى توضأ من الماء فقطرت منه قطرة على الحوت ~~فحي، وفي غيرها أنه شرب منه ولم يكن له ذلك فأخذه الخضر وطابقه في سفينة ~~وتركها في البحر فهو بين أمواجها حتى تقوم الساعة وفي بعضها أنه كانت عند ~~الصخرة عين الحياة التي كان يشرب منها الخضر وبقية الروايات خالية عن ذكرها. # ومنها ما في رواية الصحاح الأربع وغيرها: أن الحوت سقط في البحر فاتخذ ~~سبيله في البحر سربا فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق ~~الحديث، وفي بعض هذه الروايات أن موسى بعد ما رجع أبصر أثر الحوت فأخذ أثر ~~الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب، وفي حديث ~~الطبري عن ابن عباس في القصة: فرجع يعني موسى حتى أتى الصخرة فوجد الحوت ~~فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ms5057 ويتبع ~~الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، الحديث ~~وبعضها خال عن ذلك. # ومنها ما في أكثرها أن موسى لقي الخضر عند الصخرة، وفي بعضها أنه ذهب من ~~سرب الحوت أو على الماء حتى وجده في جزيرة من جزائر البحر، وفي بعضها وجده ~~على سطح الماء جالسا أو متكئا. # ومنها اختلافها في أن الفتى هل صحبهما أو تركاه وذهبا. # ومنها اختلافها في كيفية خرق السفينة وفي كيفية قتل الغلام وفي كيفية ~~إقامة الجدار وفي الكنز الذي تحته لكن أكثر الروايات أنه كان لوحا من ذهب ~~مكتوبا فيه مواعظ، وفي الأب الصالح فظاهر أكثرها أنه أبوهما الأقرب، وفي ~~بعضها أنه أبوهما العاشر وفي بعضها السابع، وفي بعضها بينهما وبينه سبعون ~~أبا وفي بعضها كان بينهما وبينه سبعمائة سنة، إلى غير ذلك من جهات ~~الاختلاف. # وفي تفسير القمي، عن محمد بن علي بن بلال عن يونس في كتاب كتبوه إلى ~~الرضا (عليه السلام): يسألونه عن العالم الذي أتاه موسى أيهما كان أعلم؟ ~~وهل يجوز أن يكون على موسى حجة في وقته؟ فكتب في الجواب: أتى موسى العالم ~~فأصابه في جزيرة من جزائر البحر إما جالسا وإما متكئا فسلم عليه موسى فأنكر ~~السلام إذ كان الأرض ليس بها سلام. قال: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران. ~~قال: أنت موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما؟ قال: نعم. قال: فما حاجتك؟ ~~قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا. قال: إني وكلت بأمر لا تطيقه، ووكلت بأمر ~~لا أطيقه الحديث. # أقول: وهذا المعنى مروي في أخبار أخر من طرق الفريقين. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه عن أبي أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: لما لقي موسى الخضر جاء طير فألقى منقاره في الماء فقال ~~الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: ما علمك ~~وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء. # أقول: وقصة هذا الطائر وارد في أغلب ms5058 روايات القصة. PageV13P186 # وفي تفسير العياشي، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~كان موسى أعلم من الخضر. # وفيه، عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان وصي موسى يوشع بن ~~نون، وهو فتاه الذي ذكره في كتابه. # وفيه، عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه ~~السلام) قال: بينما موسى قاعد في ملإ من بني إسرائيل إذ قال له رجل: ما أرى ~~أحدا أعلم بالله منك قال موسى: ما أرى فأوحى الله إليه بلى عبدي الخضر فسأل ~~السبيل إليه وكان له الحوت آية إن افتقده، وكان من شأنه ما قص الله. # أقول: وينبغي أن يحمل اختلاف الروايات في علمهما على اختلاف نوع العلم. # وفيه، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله: "فخشينا" خشي ~~إن أدرك الغلام أن يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبانه من فرط حبهما له. # وفيه، عن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: ~~"فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما" قال: إنه ولدت لهما ~~جارية فولدت غلاما فكان نبيا. # أقول: وفي أكثر الروايات أنها ولد منها سبعون نبيا والمراد ثبوت الواسطة. # وفيه، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن ~~الله ليصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته ودويرات ~~حوله فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله. ثم ذكر الغلامين فقال: ~~"وكان أبوهما صالحا" ألم تر أن الله شكر صلاح أبويهما لهما؟. # وفيه، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله ليخلف العبد الصالح بعد موته ~~في أهله وماله وإن كان أهله أهل سوء ثم قرأ هذه الآية إلى آخرها "وكان ~~أبوهما صالحا". # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن الله يصلح ms5059 بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل ~~دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة مستفيضة. # وفي الكافي، بإسناده عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة - ~~وكان تحته كنز لهما" فقال: أما إنه ما كان ذهبا ولا فضة، وإنما كان أربع ~~كلمات: لا إله إلا الله، من أيقن بالموت لم يضحك، ومن أيقن بالحساب لم يفرح ~~قلبه، ومن أيقن بالقدر لم يخش إلا الله. # أقول: وقد تكاثرت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن الكنز الذي كان ~~تحت الجدار كان لوحا مكتوبا فيه الكلمات، وفي أكثرها أنه كان لوحا من ذهب، ~~ولا ينافيه قوله في هذه الرواية: "ما كان ذهبا ولا فضة" لأن المراد به نفي ~~الدينار والدرهم كما هو المتبادر. # والروايات مختلفة في تعيين الكلمات التي كانت مكتوبة على اللوح لكن ~~أكثرها متفقة في كلمة التوحيد ومسألتي الموت والقدر. # وقد جمع في بعضها بين الشهادتين كما رواه في الدر المنثور، عن البيهقي في ~~شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب: في قول الله عز وجل: "وكان تحته كنز لهما" ~~قال: كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله عجبا لمن ~~يذكر أن الموت حق كيف يفرح؟ وعجبا لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك؟ وعجبا ~~لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن؟ وعجبا لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالا ~~بعد حال كيف يطمئن إليها؟. PageV13P187 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 83 - 102 # ويسئلونك عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له فى ~~الأرض وءاتينه من كل شىء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إما أن تعذب وإما ~~أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه ~~عذابا نكرا (87) وأما من ءامن ms5060 وعمل صلحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من ~~أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم ~~أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا (93) قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض فهل ~~نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكنى فيه ربى خير ~~فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) ءاتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى ~~بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ءاتونى أفرغ عليه قطرا (96) ~~فما اسطعوا أن يظهروه وما استطعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربى فإذا ~~جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا (98) وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى ~~بعض ونفخ فى الصور فجمعنهم جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكفرين عرضا (100) ~~الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء إنا أعتدنا جهنم للكفرين نزلا (102) ### |||| AUTO بيان # الآيات تشتمل على قصة ذي القرنين، وفيها شيء من ملاحم القرآن: قوله ~~تعالى: "ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا" أي يسألونك عن ~~شأن ذي القرنين. # والدليل على ذلك جوابه عن السؤال بذكر شأنه لا تعريف شخصه حتى اكتفى ~~بلقبه فلم يتعد منه إلى ذكر اسمه. # والذكر إما مصدر بمعنى المفعول والمعنى قل سأتلو عليكم منه أي من ذي ~~القرنين شيئا مذكورا، وإما المراد بالذكر القرآن - وقد سماه الله في مواضع ~~من كلامه بالذكر والمعنى قل سأتلو عليكم منه أي من ذي القرنين أو من الله ~~قرآنا وهو ما يتلو هذه الآية من قوله: "إنا مكنا له" إلى آخر القصة، ~~والمعنى الثاني أظهر. # قوله تعالى: "إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا" التمكين ~~الإقدار يقال: مكنته ومكنت له أي أقدرته فالتمكن في الأرض القدرة على ~~التصرف فيه بالملك كيفما ms5061 شاء وأراد. # وربما يقال: إنه مصدر مصوغ من المكان بتوهم أصالة الميم فالتمكين إعطاء ~~الاستقرار والثبات بحيث لا يزيله عن مكانه أي مانع مزاحم. # والسبب الوصلة والوسيلة فمعنى إيتائه سببا من كل شيء أن يؤتى من كل شيء ~~يتوصل به إلى المقاصد الهامة الحيوية ما يستعمله ويستفيد منه كالعقل والعلم ~~والدين وقوة الجسم وكثرة المال والجند وسعة الملك وحسن التدبير وغير ذلك ~~وهذا امتنان منه تعالى على ذي القرنين وإعظام لأمره بأبلغ بيان، وما حكاه ~~تعالى من سيرته وفعله وقوله المملوءة حكمة وقدرة يشهد بذلك. # قوله تعالى: "فأتبع سببا" الإتباع اللحوق أي لحق سببا واتخذ وصلة وسيلة ~~يسير بها نحو مغرب الشمس. # قوله تعالى: "حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها ~~قوما" تدل "حتى" على فعل مقدر وتقديره "فسار حتى إذا بلغ" والمراد بمغرب ~~الشمس آخر المعمورة يومئذ من جانب الغرب بدليل قوله: "ووجد عندها قوما". PageV13P188 # وذكروا أن المراد بالعين الحمئة العين ذات الحمأة وهي الطين الأسود وأن ~~المراد بالعين البحر فربما تطلق عليه، وأن المراد بوجدان الشمس تغرب في عين ~~حمئة موقف على ساحل بحر لا مطمع في وجود بر وراءه فرأى الشمس كأنها تغرب في ~~البحر لمكان انطباق الأفق عليه قيل: وينطبق هذه العين الحمئة على المحيط ~~الغربي وفيه الجزائر الخالدات التي كانت مبدأ الطول سابقا ثم غرقت. # وقرىء "في عين حامية" أي حارة، وينطبق على النقاط القريبة من خط الاستواء ~~من المحيط الغربي المجاورة لإفريقية ولعل ذا القرنين في رحلته الغربية بلغ ~~سواحل إفريقية. # قوله تعالى: "قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" ~~القول المنسوب إليه تعالى في القرآن يستعمل في الوحي النبوي وفي الإبلاغ ~~بواسطة الوحي كقوله تعالى: "وقلنا يا آدم اسكن": البقرة: 35 وقوله: "وإذ ~~قلنا ادخلوا هذه القرية": البقرة: 58، ويستعمل في الإلهام الذي ليس من ~~النبوة كقوله "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه": القصص: 7. # وبه يظهر أن قوله: "قلنا يا ذا القرنين" إلخ لا ms5062 يدل على كونه نبيا يوحى ~~إليه لكون قوله تعالى أعم من الوحي المختص بالنبوة ولا يخلو قوله: "ثم يرد ~~إلى ربه فيعذبه" إلخ حيث أورد في سياق الغيبة بالنسبة إليه تعالى من إشعار ~~بأن مكالمته كانت بتوسط نبي كان معه فملكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل ~~بإشارة من نبيهم وهدايته. # وقوله: "إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" أي إما أن تعذب هؤلاء القوم ~~وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن، فحسنا مصدر بمعنى الفاعل قائم مقام موصوفه ~~أو هو وصف للمبالغة، وقد قيل: إن في مقابلة العذاب باتخاذ الحسن إيماء إلى ~~ترجيحه والكلام ترديد خبري بداعي الإباحة فهو إنشاء في صورة الإخبار، ~~والمعنى لك أن تعذبهم ولك أن تعفو عنهم كما قيل، لكن الظاهر أنه استخبار ~~عما سيفعله بهم من سياسة أو عفو، وهو الأوفق بسياق الجواب المشتمل على ~~التفصيل بالتعذيب والإحسان "أما من ظلم فسوف نعذبه" إلخ إذ لو كان قوله: ~~"إما أن تعذب" إلخ حكما تخييريا لكان قوله: "أما من ظلم" إلخ تقريرا له ~~وإيذانا بالقبول ولا كثير فائدة فيه. # ومحصل المعنى: استخبرناه ما ذا تريد أن تفعل بهم من العذاب والإحسان وقد ~~غلبتهم واستوليت عليهم؟ فقال: نعذب الظالم منهم ثم يرد إلى ربه فيعذبه ~~العذاب النكر، ونحسن إلى المؤمن الصالح ونكلفه بما فيه يسر. # ولم يذكر المفعول في قوله: "إما أن تعذب" بخلاف قوله: "إما أن تتخذ فيهم ~~حسنا" لأن جميعهم لم يكونوا ظالمين، وليس من الجائز تعميم العذاب لقوم هذا ~~شأنهم بخلاف تعميم الإحسان لقوم فيهم الصالح والطالح. # قوله تعالى: "أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا" ~~النكر والمنكر غير المعهود أي يعذبه عذابا لا عهد له به، ولا يحتسبه ~~ويترقبه. # وقد فسر الظلم بالإشراك. # والتعذيب بالقتل فمعنى "أما من ظلم فسوف نعذبه" أما من أشرك ولم يرجع عن ~~شركه فسوف نقتله، وكأنه مأخوذ من مقابلة "من ظلم" بقوله: "من آمن وعمل ~~صالحا" لكن الظاهر من المقابلة أن ms5063 يكون المراد بالظالم أعم ممن أشرك ولم ~~يؤمن بالله أو آمن ولم يشرك لكنه لم يعمل صالحا بل أفسد في الأرض، ولو لا ~~تقييد مقابله بالإيمان لكان ظاهر الظلم هو الإفساد من غير نظر إلى الشرك ~~لأن المعهود من سيرة الملوك إذا عدلوا أن يطهروا أرضهم من فساد المفسدين، ~~وكذا لا دليل على تخصيص التعذيب بالقتل. # قوله تعالى: "وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى" إلخ "صالحا" وصف ~~أقيم مقام موصوفه وكذا الحسنى، و"جزاء" حال أو تمييز أو مفعول مطلق ~~والتقدير: وأما من آمن وعمل عملا صالحا فله المثوبة الحسنى حال كونه مجزيا ~~أو من حيث الجزاء أو نجزيه جزاء. # وقوله: "وسنقول له من أمرنا يسرا" اليسر بمعنى الميسور وصف أقيم مقام ~~موصوفه والظاهر أن المراد بالأمر الأمر التكليفي وتقدير الكلام وسنقول له ~~قولا ميسورا من أمرنا أي نكلفه بما يتيسر له ولا يشق عليه. # قوله تعالى: "ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس" إلخ أي ثم هيأ سببا ~~للسير فسار نحو المشرق حتى إذا بلغ الصحراء من الجانب الشرقي فوجد الشمس ~~تطلع على قوم بدويين لم نجعل لهم من دونها سترا. PageV13P189 # والمراد بالستر ما يستتر به من الشمس، وهو البناء واللباس أو خصوص البناء ~~أي كانوا يعيشون على الصعيد من غير أن يكون لهم بيوت يأوون إليها ويستترون ~~بها من الشمس وعراة لا لباس عليهم، وإسناد ذلك إلى الله سبحانه في قوله: ~~"لم نجعل لهم" إلخ إشارة إلى أنهم لم يتنبهوا بعد لذلك ولم يتعلموا بناء ~~البيوت واتخاذ الخيام ونسج الأثواب وخياطتها. # قوله تعالى: "كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا" الظاهر أن قوله: "كذلك" ~~إشارة إلى وصفهم المذكور في الكلام، وتشبيه الشيء بنفسه مبنيا على دعوى ~~المغايرة يفيد نوعا من التأكيد، وقد قيل في المشار إليه بذلك وجوه أخر ~~بعيدة عن الفهم. # وقوله: "وقد أحطنا بما لديه خبرا" الضمير لذي القرنين، والجملة حالية ~~والمعنى أنه اتخذ وسيلة السير وبلغ مطلع الشمس ووجد قوما كذا وكذا في حال ms5064 ~~أحاط فيها علمنا وخبرنا بما عنده من عدة وعدة وما يجريه أو يجري عليه، ~~والظاهر أن إحاطة علمه تعالى بما عنده كناية عن كون ما اختاره وأتى به ~~بهداية من الله وأمر، فما كان يرد ولا يصدر إلا عن هداية يهتدي بها وأمر ~~يأتمره كما أشار إلى مثل هذا المعنى عند ذكر مسيره إلى المغرب بقوله: "قلنا ~~يا ذا القرنين" إلخ. # فالآية أعني قوله: "وقد أحطنا" إلخ في معناها الكنائي نظيرة قوله: "واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا": هود: 37، وقوله: "أنزله بعلمه": النساء: 166، ~~وقوله: "وأحاط بما لديهم": الجن: 28. # وقيل: إن الآية لإفادة تعظيم أمره وأنه لا يحيط بدقائقه وجزئياته إلا ~~الله أو لتهويل ما قاساه ذو القرنين في هذا المسير وأن ما تحمله من المصائب ~~والشدائد في علم الله لم يكن ليخفى عليه، أو لتعظيم السبب الذي أتبعه، وما ~~قدمناه أوجه. # قوله تعالى: "ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين" إلى آخر الآية. # السد الجبل وكل حاجز يسد طريق العبور وكأن المراد بهما الجبلان، وقوله: ~~"وجد من دونهما قوما" أي قريبا منهما، وقوله: "لا يكادون يفقهون قولا" ~~كناية عن بساطتهم وسذاجة فهمهم، وربما قيل: كناية عن غرابة لغتهم وبعدها عن ~~اللغات المعروفة عندهم، ولا يخلو عن بعد. # قوله تعالى: "قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون" إلخ الظاهر أن ~~القائلين هم القوم الذين وجدهم من دون الجبلين، ويأجوج ومأجوج جيلان من ~~الناس كانوا يأتونهم من وراء الجبلين فيغيرون عليهم ويعمونهم قتلا وسببا ~~ونهبا والدليل عليه السياق بما فيه من ضمائر أولي العقل وعمل السد بين ~~الجبلين وغير ذلك. # وقوله: "فهل نجعل لك خرجا" الخرج ما يخرج من المال ليصرف في شيء من ~~الحوائج عرضوا عليه أن يعطوه مالا على أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا ~~يمنع من تجاوزهم وتعديهم عليهم. # قوله تعالى: "قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ~~ردما" أصل "مكني" مكنني ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى، والردم السد وقيل ~~السد القوي، وعلى ms5065 هذا فالتعبير بالردم في الجواب وقد سألوه سدا إجابة ووعد ~~بما هو فوق ما استدعوه وأملوه. # وقوله: "قال ما مكني فيه ربي خير" استغناء من ذي القرنين عن خرجهم الذي ~~عرضوه عليه على أن يجعل لهم سدا يقول: ما مكنني فيه وأقرني عليه ربي من ~~السعة والقدرة خير من المال الذي تعدونني به فلا حاجة لي إليه. # وقوله: "فأعينوني بقوة" إلخ القوة ما يتقوى به على الشيء والجملة تفريع ~~على ما يتحصل من عرضهم وهو طلبهم منه أن يجعل لهم سدا، ومحصل المعنى أما ~~الخرج فلا حاجة لي إليه، وأما السد فإن أردتموه فأعينوني بما أتقوى به على ~~بنائه كالرجال وما يستعمل في بنائه - وقد ذكر منها زبر الحديد والقطر ~~والنفخ بالمنافخ - أجعل لكم سدا قويا. # وبهذا المعنى يظهر أن مرادهم بما عرضوا عليه من الخرج الأجر على عمل السد. # قوله تعالى: "آتوني زبر الحديد" إلى آخر الآية، الزبر بالضم فالفتح جمع ~~زبرة كغرف وغرفة وهي القطعة، وساوى بمعنى سوى على ما قيل وقرىء "سوى" ~~والصدفين تثنية الصدف وهو أحد جانبي الجبل ذكر بعضهم أنه لا يقال إلا إذا ~~كان هناك جبل آخر يوازيه بجانبه فهو من الأسماء المتضائفة كالزوج والضعف ~~وغيرهما والقطر النحاس أو الصفر المذاب وإفراغه صبه على الثقب والخلل ~~والفرج. PageV13P190 # وقوله: "آتوني زبر الحديد" أي أعطوني إياها لأستعملها في السد وهي من القوة ~~التي استعانهم فيها، ولعله خصها بالذكر ولم يذكر الحجارة وغيرها من لوازم ~~البناء لأنها الركن في استحكام بناء السد فجملة "آتوني زبر الحديد" بدل ~~البعض من الكل من جملة "فأعينوني بقوة" أو الكلام بتقدير قال، وهو كثير في ~~القرآن. # وقوله: "حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا" في الكلام إيجاز بالحذف ~~والتقدير فأعانوه بقوة وآتوه ما طلبه منهم فبنى لهم السد ورفعه حتى إذا سوى ~~بين الصدفين قال: انفخوا. # وقوله: "قال انفخوا" الظاهر أنه من الإعراض عن متعلق الفعل للدلالة على ~~نفس الفعل والمراد نصب المنافخ على السد لإحماء ما وضع فيه من الحديد ms5066 ~~وإفراغ القطر على خلله وفرجه. # وقوله: "حتى إذا جعله نارا قال" إلخ في الكلام حذف وإيجاز، والتقدير فنفخ ~~حتى إذا جعله أي المنفوخ فيه أو الحديد نارا أي كالنار في هيئته وحرارته ~~فهو من الاستعارة. # وقوله: "قال آتوني أفرغ عليه قطرا" أي آتوني قطرا أفرغه وأصبه عليه ليسد ~~بذلك خلله ويصير السد به مصمتا لا ينفذ فيه نافذ. # قوله تعالى: "فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا" اسطاع واستطاع ~~واحد، والظهور العلو والاستعلاء، والنقب الثقب، قال الراغب في المفردات،: ~~النقب في الحائط والجلد كالثقب في الخشب انتهى وضمائر الجمع ليأجوج ومأجوج. # وفي الكلام حذف وإيجاز، والتقدير فبنى السد فما استطاع يأجوج ومأجوج أن ~~يعلوه لارتفاعه وما استطاعوا أن ينقبوه لاستحكامه. # قوله تعالى: "قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ~~ربي حقا" الدكاء الدك وهو أشد الدق مصدر بمعنى اسم المفعول، وقيل: المراد ~~الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها وهو على هذا من الاستعارة والمراد به ~~خراب السد كما قالوا. # وقوله: "قال هذا رحمة من ربي" أي قال ذو القرنين - بعد ما بنى السد - هذا ~~أي السد رحمة من ربي أي نعمة ووقاية يدفع به شر يأجوج ومأجوج عن أمم من الناس. # وقوله: "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء" في الكلام حذف وإيجاز والتقدير ~~وتبقى هذه الرحمة إلى مجيء وعد ربي فإذا جاء وعد ربي جعله مدكوكا وسوى به الأرض. # والمراد بالوعد إما وعد منه تعالى خاص بالسد أنه سيندك عند اقتراب الساعة ~~فيكون هذا ملحمة أخبر بها ذو القرنين، وإما وعده تعالى العام بقيام الساعة ~~الذي يدك الجبال ويخرب الدنيا، وقد أكد القول بجملة "وكان وعد ربي حقا". # قوله تعالى: "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" إلخ ظاهر السياق أن ضمير ~~الجمع للناس ويؤيده رجوع ضمير "فجمعناهم" إلى الناس قطعا لأن حكم الجمع عام. # وفي قوله: "بعضهم يومئذ يموج في بعض" استعارة، والمراد أنهم يضطربون ~~يومئذ من شدة الهول اضطراب البحر باندفاع ms5067 بعضه إلى بعض فيرتفع من بينهم ~~النظم ويحكم فيهم الهرج والمرج ويعرض عنهم ربهم فلا يشملهم برحمته، ولا ~~يصلح شأنهم بعنايته. # فالآية بمنزلة التفصيل للإجمال الذي في قول ذي القرنين: "فإذا جاء وعد ~~ربي جعله دكاء" ونظيره قوله تعالى في موضع آخر: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ~~يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين": الأنبياء: 97. # وهي على أي حال من الملاحم. # وقد بان مما مر أن الترك في الآية بمعناه المتبادر منه وهو خلاف الأخذ ~~ولا موجب لما ذكره بعضهم: أن الترك بمعنى الجعل وهو من الأضداد انتهى. # والآية من كلام الله سبحانه وليست من تمام كلام ذي القرنين والدليل عليه ~~تغيير السياق من الغيبة إلى التكلم مع الغير الذي هو سياق كلامه السابق ~~"إنا مكنا له" "قلنا يا ذا القرنين"، ولو كان من تمام كلام ذي القرنين ~~لقيل: وترك بعضهم على حذاء قوله: "جعله دكاء". # وقوله: "ونفخ في الصور" إلخ هي النفخة الثانية التي فيها الإحياء بدليل ~~قوله "فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا". PageV13P191 # قوله تعالى: "الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا" ~~تفسير للكافرين وهؤلاء هم الذين ضرب الله بينهم وبين ذكره سدا حاجزا - ~~وبهذه المناسبة تعرض لحالهم بعد ذكر سد يأجوج ومأجوج - فجعل أعينهم في غطاء ~~عن ذكره وأخذ استطاعة السمع عن آذانهم فانقطع الطريق بينهم وبين الحق وهو ~~ذكر الله. # فإن الحق إنما ينال إما من طريق البصر بالنظر إلى آيات الله سبحانه ~~والاهتداء إلى ما تدل عليه وتهدي إليه، وإما من طريق السمع باستماع الحكمة ~~والموعظة والقصص والعبر، ولا بصر لهؤلاء ولا سمع. # قوله تعالى: "أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء" إلخ ~~الاستفهام للإنكار قال في المجمع،: معناه أفحسب الذين جحدوا توحيد الله أن ~~يتخذوا من دوني أربابا ينصرونهم ويدفعون عقابي عنهم قال: ويدل على هذا ~~المحذوف قوله: "إنا ms5068 أعتدنا جهنم للكافرين نزلا" انتهى. # وهناك وجه ثان منقول عن ابن عباس وهو أن المعنى أفحسب الذين كفروا أن ~~يتخذوا من دوني آلهة وأنا لا أغضب لنفسي عليهم ولا أعاقبهم. # ووجه ثالث: وهو أن "أن يتخذوا" إلخ مفعول أول لحسب بمعنى ظن ومفعوله ~~الثاني محذوف، والتقدير أفحسب الذين كفروا اتخاذهم عبادي من دوني أولياء ~~نافعا لهم أو دافعا للعقاب عنهم، والفرق بين هذا الوجه والوجهين السابقين ~~أن "أن" وصلته قائمة مقام المفعولين فيهما والمحذوف بعض الصلة فيهما بخلاف ~~الوجه الثالث فأن وصلته فيه مفعول أول لحسب، والمفعول الثاني محذوف. # ووجه رابع: وهو أن يكون أن وصلته سادة مسد المفعولين وعناية الكلام ~~متوجهة إلى إنكار كون الاتخاذ اتخاذا حقيقة على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ ~~في شيء إذ الاتخاذ إنما يكون من الجانبين والمتخذون متبرئون منهم لقولهم: ~~"سبحانك أنت ولينا من دونهم". # والوجوه الأربعة مترتبة في الوجاهة وأوجهها أولها وسياق هذه الآيات يساعد ~~عليه فإن هذه الآيات بل عامة آيات السورة مسوقة لبيان أنهم فتنوا بزينة ~~الحياة الدنيا واشتبه عليهم الأمر فاطمأنوا إلى ظاهر الأسباب فاتخذوا غيره ~~تعالى أولياء من دونه فهم يظنون أن ولايتهم تكفيهم وتنفعهم وتدفع عنهم الضر ~~والحال أن ما سيلقونه بعد النفخ والجمع يناقض ذلك فالآية تنكر عليهم هذا ~~الظن والحسبان بعد ما كان مآل أمرهم ذلك. # ثم إن إمكان قيام أن وصلته مقام مفعولي حسب وقد ورد في كلامه تعالى كثيرا ~~كقوله: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا": الجاثية - ~~21 وغيره يغني عن تقدير مفعول ثان محذوف وقد منع عنه بعض النحاة. # وتؤيده الآيات التالية: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا" إلخ وكذا ~~القراءة المنسوبة إلى علي (عليه السلام) وعدة منهم، أفحسب" بسكون السين وضم ~~الباء والمعنى أفاتخاذ عبادي من دوني أولياء كاف لهم. # والمراد بالعباد في قوله: "أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء" كل من يعبده ~~الوثنيون من الملائكة والجن والكملين من البشر. # وأما ما ذكره المفسرون أن المراد بهم المسيح (عليه ms5069 السلام) والملائكة ~~ونحوهم من المقربين دون الشياطين لأن الأكثر في مثل هذا اللفظ "عبادي" أن ~~تكون الإضافة لتشريف المضاف. # ففيه أولا أن المقام لا يناسب التشريف. # وهو ظاهر. # وثانيا أن قيد "من دوني" في الكلام صريح في أن المراد بالذين كفروا هم ~~الوثنيون الذين لا يعبدون الله مع الاعتراف بألوهيته وإنما يعبدون الشركاء ~~الشفعاء؟ وأما أهل الكتاب مثلا النصارى في اتخاذهم المسيح وليا فإنهم لا ~~ينفون ولاية الله بل يثبتون الولايتين معا ثم يعدونهما واحدا فافهم ذلك ~~فالحق أن قوله: "عبادي" لا يعم المسيح ومن كان مثله من البشر بل يختص بآلهة ~~الوثنيين والمراد بقوله "الذين كفروا" الوثنيون فحسب. # وقوله: "إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا" أي شيئا يتمتعون به عند أول ~~نزولهم الدار الآخرة شبه الدار الآخرة بالدار ينزلها الضيف وجهنم بالنزل ~~الذي يكرم به الضيف النزيل لدى أول وروده، ويزيد هذا التشبيه لطفا وجمالا ~~ما سيأتي بعد آيتين أنهم لا يقام لهم وزن يوم القيامة فكأنهم لا يلبثون دون ~~أن يدخلوا النار، وفي الآية من التهكم ما لا يخفى، وكأنما قوبل به ما سيحكى ~~من تهكمهم في الدنيا بقوله: "واتخذوا آياتي ورسلي هزوا". PageV13P192 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: فلما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخبر ~~موسى وفتاه والخضر قالوا له فأخبرنا عن طائف طاف الأرض: المشرق والمغرب من ~~هو؟ وما قصته؟ فأنزل الله: "ويسألونك عن ذي القرنين" الآيات. # أقول: وقد تقدم في الكلام على قصة أصحاب الكهف تفصيل هذه الرواية وروي ~~أيضا ما في معناه في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن السدي وعن عمر مولى غفرة. # واعلم أن الروايات المروية من طرق الشيعة وأهل السنة عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومن طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وكذا ~~الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين ويعامل معها أهل السنة معاملة ~~الأحاديث الموقوفة في قصة ذي القرنين مختلفة اختلافا عجيبا متعارضة متهافتة ~~في جميع خصوصيات القصة وكافة أطرافها وهي مع ذلك مشتملة ms5070 على غرائب يستوحش ~~منها الذوق السليم أو يحيلها العقل وينكرها الوجود لا يرتاب الباحث الناقد ~~إذا قاس بعضها إلى بعض وتدبر فيها أنها غير سليمة عن الدس والوضع ومبالغات ~~عجيبة في وصف القصة وأغربها ما روي عن علماء اليهود الذين أسلموا كوهب بن ~~منبه وكعب الأحبار أو ما يشعر القرائن أنه مأخوذ منهم فلا يجدينا والحال ~~هذه نقلها بالاستقصاء على كثرتها وطولها، وإنما نشير بعض الإشارة إلى وجوه ~~اختلافها، ونقتصر على نقل ما يسلم عن الاختلاف في الجملة. # فمن الاختلاف اختلافها في نفسه فمعظم الروايات على أنه كان بشرا، وقد ورد ~~1 في بعضها أنه كان ملكا سماويا أنزله الله إلى الأرض وآتاه من كل شيء سببا. # وفي خطط المقريزي عن الجاحظ في كتاب الحيوان، أن ذا القرنين كانت أمه ~~آدمية وأبوه من الملائكة. # ومن ذلك الاختلاف في سمته ففي أكثر الروايات أنه كان عبدا صالحا أحب الله ~~فأحبه وناصح الله فناصحه، وفي بعضها 1 أنه كان محدثا يأتيه الملك فيحدثه ~~وفي بعضها 2 أنه كان نبيا. # ومن ذلك الاختلاف في اسمه ففي بعضها أن اسمه 3 عياش، وفي بعضها 4 إسكندر، ~~وفي بعضها 5 مرزيا بن مرزبة اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح، وفي ~~بعضها 6 مصعب بن عبد الله من قحطان وفي بعضها 7 صعب بن ذي المراثد أول ~~التبابعة وكأنه التبع أبو كرب، وفي بعضها 8 عبد الله بن ضحاك بن معد إلى ~~غير ذلك وهي كثيرة. # ومن ذلك الاختلاف في وجه تسميته بذي القرنين ففي بعضها 9 أنه دعا قومه ~~إلى الله فضربوه على قرنه الأيمن فغاب عنهم زمانا ثم جاءهم ودعاهم إلى الله ~~ثانيا فضربوه على قرنه الأيسر فغاب عنهم زمانا ثم آتاه الله الأسباب فطاف ~~شرق الأرض وغربها فسمي بذلك ذا القرنين، وفي بعضها 10 أنهم قتلوه بالضربة ~~الأولى ثم أحياه الله فجاءهم ودعاهم فضربوه وقتلوه ثانيا ثم أحياه الله ~~ورفعه إلى السماء الدنيا ثم أنزله إلى الأرض وآتاه من كل شيء ms5071 سببا. # وفي بعضها 1 أنه نبت له بعد الإحياء الثاني قرنان في موضعي الشجتين وسخر ~~الله له النور والظلمة ثم لما نزل إلى الأرض سار فيها ودعا إلى الله وكان ~~يزأر كالأسد ويبرق ويرعد قرناه وإذا استكبر عن دعوته قوم سلط عليهم الظلمة ~~فأعيتهم حتى اضطروا إلى إجابتها. # وفي بعضها 2 أنه كان له قرنان في رأسه وكان يتعمم عليهما يواريهما بذلك ~~وهو أول من تعمم وقد كان يخفيهما عن الناس ولم يكن يطلع على ذلك أحد إلا ~~كاتبه وقد نهاه أن يخبر به أحدا فضاق صدر الكاتب بذلك فأتى الصحراء فوضع ~~فمه بالأرض ثم نادى ألا إن للملك قرنين فأنبت الله من كلمته قصبتين فمر ~~بهما راع فأعجبهما فقطعهما واتخذهما مزمارا فكان إذا زمر خرج من القصبتين: ~~ألا إن للملك قرنين فانتشر ذلك في المدينة فأرسل إلى الكاتب واستنطقه وهدده ~~بالقتل إن لم يصدق فقص عليه القصة فقال ذو القرنين هذا أمر أراد الله أن ~~يبديه فوضع العمامة عن رأسه. # وقيل: 3 سمي ذا القرنين لأنه ملك قرني الأرض وهما المشرق والمغرب وقيل: 4 ~~لأنه رأى في المنام أنه أخذ بقرني الشمس فعبر له بملك الشرق والغرب وسمي ~~بذي القرنين، وقيل: 5 لأنه كان له عقيصتان في رأسه، وقيل 6 لأنه ملك الروم ~~وفارس، وقيل 7: لأنه كان له في رأسه شبه قرنين، وقيل 8 لأنه كان على تاجه ~~قرنان من الذهب إلى غير ذلك مما قيل. PageV13P193 # ومن ذلك اختلافها في سيره إلى المغرب والمشرق وفيه أشد الاختلاف فقد روي 1 ~~أنه سخر له السحاب فكان يركب السحاب ويسير في الأرض غربا وشرقا. # وروي 2 أنه بلغ جبل قاف وهو جبل أخضر محيط بالدنيا منه خضرة السماء. # وروي 3 أنه طلب عين الحياة فأشير عليه أنها في الظلمات فدخلها وفي مقدمته ~~الخضر فلم يرزق ذو القرنين أن يشرب منها وشرب الخضر واغتسل منها فكان له ~~البقاء المؤبد وفي هذه الروايات أن الظلمات في جانب المشرق. # ومن ذلك اختلافها في موضع ms5072 السد الذي بناها ففي بعضها أنه في 4 المشرق وفي ~~بعضها 5 أنه في الشمال، وقد بلغ من مبالغة بعض الروايات أن ذكرت 6 أن طول ~~السد وهو مسافة ما بين الجبلين مائة فرسخ وعرضه خمسون فرسخا وارتفاعه ~~ارتفاع الجبلين وقد حفر له أساسا حتى بلغ الماء وقد جعل حشوه الصخور وطينه ~~النحاس ثم علاه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر ~~فصار كأنه برد محبر. # ومن ذلك اختلافها في وصف يأجوج ومأجوج فروي 7 أنهم من الترك ومن ولد يافث ~~بن نوح كانوا يفسدون في الأرض فضرب السد دونهم. # وروي 8 أنهم من غير ولد آدم وفي 9 عدة من الروايات أنهم قوم ولود لا يموت ~~الواحد منهم من ذكر أو أنثى حتى يولد له ألف من الأولاد وأنهم أكثر عددا من ~~سائر البشر حتى عدوا في 1 بعض الروايات تسعة أضعاف البشر، وروي 2 أنهم من ~~الشدة والبأس بحيث لا يمرون ببهيمة أو سبع أو إنسان إلا افترسوه وأكلوه ولا ~~على زرع أو شجر إلا رعوه ولا على ماء نهر إلا شربوه ونشفوه، وروي 3 أنهم ~~أمتان كل منهما أربع مائة ألف أمة كل أمة لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه. # وروي 4 أنهم طوائف ثلاث فطائفة كالأرز وهو شجر طوال، وطائفة يستوي طولهم ~~وعرضهم: أربعة أذرع في أربعة أذرع وطائفة وهم أشدهم للواحد منهم أذنان ~~يفترش بإحداهما ويلتحف بالأخرى يشتو في إحداهما لابسا له وهي وبرة ظهرها ~~وبطنها ويصيف في الأخرى وهي زغبة ظهرها وبطنها، وهم صلب على أجسادهم من ~~الشعر ما يواريها، وروي أن الواحد 5 منهم شبر أو شبران أو ثلاثة، وروي 6 أن ~~الذين كانوا يقاتلونهم كان وجوههم وجوه الكلاب. # ومن ذلك اختلافها في زمان ملكه ففي بعضها 7 أنه كان بعد نوح، وروي 8 أنه ~~كان في زمن إبراهيم ومعاصره وقد حج البيت ولقيه وصافحه وهي أول مصافحة على ~~وجه الأرض، وروي 9 أنه كان في زمن داود. # ومن ذلك ms5073 اختلافها في مدة ملكه فروي 1 ثلاثون سنة وروي 2 اثنتا عشرة سنة ~~إلى غير ذلك من جهات الاختلاف التي يعثر عليها من راجع أخبار القصة من ~~جوامع الحديث وخاصة الدر المنثور، والبحار، والبرهان، ونور الثقلين،. # وفي كتاب كمال الدين، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: قام ابن الكواء ~~إلى علي (عليه السلام) وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي ~~القرنين أنبيا كان أم ملكا؟ وأخبرني عن قرنيه أمن ذهب أم من فضة؟ فقال له: ~~لم يكن نبيا ولا ملكا، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضة ولكن كان عبدا أحب ~~الله فأحبه الله ونصح الله فنصحه الله، وإنما سمي ذا القرنين لأنه دعا قومه ~~إلى الله عز وجل فضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا ثم عاد إليهم فضرب على ~~قرنه الآخر، وفيكم مثله. # أقول: الظاهر أن "الملك" في الرواية بفتح اللام لا بكسرها لاستفاضة ~~الروايات عنه وعن غيره (عليه السلام) بملك ذي القرنين فنفيه (عليه السلام) ~~أن يكون ذو القرنين نبيا أو ملكا بفتح اللام إنكار منه لصحة ما ورد عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض الروايات أنه كان نبيا وفي بعضها ~~الآخر أنه كان ملكا من الملائكة وبه كان يقول عمر بن الخطاب كما تقدمت ~~الإشارة إليه. # وقوله: "وفيكم مثله" أي مثل ذي القرنين في شجتيه يشير (عليه السلام) إلى ~~نفسه فإنه أصيب بضربة من عمرو بن عبد ود وبضربة من عبد الرحمن بن ملجم لعنه ~~الله فاستشهد بها، ولرواية مستفيضة عنه (عليه السلام) روته عنه الشيعة وأهل ~~السنة بألفاظ مختلفة، وأبسط ألفاظها ما أوردناه، وقد لعبت به يد النقل ~~بالمعنى فأظهرته في صور عجيبة وبلغ بها التحريف غايته. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل علي عن ~~ذي القرنين أنبي هو؟ فقال سمعت نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: هو ~~عبد ناصح الله فنصحه. PageV13P194 # وفي احتجاج الطبرسي، عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل: ms5074 وفيه قال ~~السائل أخبرني عن الشمس أين تغيب؟ قال: إن بعض العلماء قال: إذا انحدرت ~~أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبدا إلى أن تنحط إلى موضع ~~مطلعها. يعني أنها تغيب في عين حمئة ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها ~~فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها بطلوع ويسلب نورها كل يوم وتتجلل نورا أحمر. # أقول: قوله: "إذا انحدرت أسفل القبة - إلى قوله: مطلعها" بيان لسير الشمس ~~من حين غروبها إلى إبان طلوعها في مدارها السماوي على ما تفرضه هيئة ~~بطليموس الدائرة في تلك الأعصار المبنية على سكون الكرة الأرضية وحركة ~~الأجرام السماوية حولها، ولذا نسبه (عليه السلام) إلى بعض العلماء. # وقوله: "يعني أنها تغيب في عين حمئة ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع ~~مطلعها" من كلام بعض رواة الخبر لا من كلامه (عليه السلام) فالراوي لقصور ~~منه في الفهم فسر قوله تعالى: "تغرب في عين حمئة" بسقوط القرص في العين ~~وغيبوبته فيها ثم سبحه فيها كالسمكة في الماء وخرقه الأرض حتى يبلغ المطلع ~~ثم ذهابه إلى تحت العرش وهو على زعمه سماء فوق السماوات السبع أو جسم ~~نوراني كأعظم ما يكون موضوع فوق السماء السابعة ومكثه هناك حتى يؤذن له في ~~الطلوع فيكسى نورا أحمر ويطلع. # والراوي يشير بقوله: "فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها إلخ إلى رواية أخرى ~~مأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الملائكة تذهب بالشمس بعد ~~غروبها فتوقفها تحت العرش وهي مسلوبة النور فتمكث هناك وهي لا تدري ما تؤمر ~~به غدا حتى تكسى نورا وتؤمر بالطلوع، الرواية. # وقد ارتكب فهمه في تفسير العرش هناك نظير ما ارتكبه في تفسير الغروب ~~هاهنا فزاد عن الحق بعدا على بعد. # ولم يرد تفسير العرش في كتاب ولا سنة قابلة للاعتماد بالفلك التاسع أو ~~بجسم نوراني علوي كهيئة السرير التي اختلقها فهمه وقد قدمنا معظم روايات ~~العرش في أوائل الجزء الثامن من هذا الكتاب. # وفي التسمية أعني قوله: "قال بعض العلماء بعض الإشارة ms5075 إلى أن هذا القول ~~لم يكن مرضيا عنده (عليه السلام) ومع ذلك لم يسعه أن يسمح بحق القول في ~~المسألة كيف؟ وإذا ساقتهم سذاجة الفهم في فرضية سهلة التصور عند أهله في ~~تلك الأعصار هذا المساق فما ظنك بهم لو ألقي إليهم ما لا يصدقه ظاهر حسهم ~~ولا يسعه ظرف فكرهم. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر: أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن ~~أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف "تغرب في عين حامية" قال ابن عباس: ~~فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلا حمئة فسأل معاوية عبد الله بن عمر وكيف تقرؤه؟ ~~فقال عبد الله: كما قرأتها. قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل ~~القرآن فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له ~~كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في ~~التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن أبي حاضر: لو أني ~~عندكما أيدتك بكلام تزداد به بصيرة في حمئة. قال ابن عباس: وما هو؟ قلت: ~~فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه: قد ~~كان ذو القرنين عمر مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد فأتى المشارق والمغارب ~~يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب ~~وثأط حرمد فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ ~~قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود فدعا ابن عباس غلاما فقال له: ~~اكتب ما يقول هذا الرجل. # أقول: والحديث لا يلائم ما ذهبوا إليه من تواتر القراءات تلك الملاءمة ~~وعن التيجان لابن هشام الحديث وفيه أن ابن عباس أنشد هذه الأشعار لمعاوية ~~وأن معاوية سأله عن معنى الخلب والثأط والحرمد قال: الخلب الحمأة والثأط ما ~~تحتها من الطين والحرمد ما تحته من الحصى والحجر، ms5076 وقد أورد القصيدة، وهذا ~~الاختلاف يؤذن بشيء في الرواية. # في تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله ~~عز وجل: "لم نجعل لهم من دونها سترا" قال: لم يعلموا صنعة البيوت. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: لم يعلموا صنعة الثياب. PageV13P195 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن عباس: في قوله: "حتى إذا بلغ بين ~~السدين" قال: الجبلين أرمينية وآذربيجان. # وفي تفسير العياشي، عن المفضل قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قوله. ~~"أجعل بينكم وبينهم ردما" قال: التقية "فما استطاعوا أن يظهروه وما ~~استطاعوا له نقبا" إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن ~~الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدا لا يستطيعون له نقبا. # وفيه، أيضا عن جابر عنه (عليه السلام) في الآية قال: التقية. # أقول: الروايتان من الجري وليستا بتفسير. # وفي تفسير العياشي، عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام): "وتركنا ~~بعضهم يومئذ يموج في بعض" يعني يوم القيامة. # أقول: ظاهر الآية بحسب السياق أنه من أشراط الساعة، ولعله المراد بيوم ~~القيامة فربما تطلق على ظهور مقدماتها. # وفيه، عن محمد بن حكيم قال: كتبت رقعة إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ~~فيها: أتستطيع النفس المعرفة؟ قال: فقال لا فقلت: يقول الله: "الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري - وكانوا لا يستطيعون سمعا" قال: هو كقوله: "وما ~~كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون" قلت: فعابهم؟ قال: لم يعبهم بما ~~صنع هو بهم ولكن عابهم بما صنعوا، ولو لم يتكلفوا لم يكن عليهم شيء. # أقول: يعني أنهم تسببوا لهذا الحجاب فرجع إليهم تبعته. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: كانوا لا ينظرون إلى ما خلق الله من ~~الآيات والسماوات والأرض. # أقول: وفي العيون، عن الرضا (عليه السلام): تطبيق الآية على منكري ~~الولاية وهو من الجري كلام حول قصة ذي القرنين # وهو بحث قرآني وتاريخي في فصول: # 1 - قصة ذي القرنين في القرآن: # لم يعترض لاسمه ولا لتاريخ زمان ولادته وحياته ولا ms5077 لنسبه وسائر مشخصاته ~~على ما هو دأبه في ذكر قصص الماضين بل اكتفى على ذكر ثلاث رحلات منه فرحلة ~~أولى إلى المغرب حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة أو حامية ~~ووجد عندها قوما، ورحلة ثانية إلى المشرق حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها ~~تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا، ورحلة ثالثة حتى إذا بلغ بين ~~السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا فشكوا إليه إفساد يأجوج ~~ومأجوج في الأرض وعرضوا عليه أن يجعلوا له خرجا على أن يجعل بين القوم وبين ~~يأجوج ومأجوج سدا فأجابهم إلى بناء السد ووعدهم أن يبني لهم فوق ما يأملون ~~وأبى أن يقبل خرجهم وإنما طلب منهم أن يعينوه بقوة وقد أشير منها في القصة ~~إلى الرجال وزبر الحديد والمنافخ والقطر. # والخصوصيات والجهات الجوهرية التي تستفاد من القصة هي أولا أن صاحب القصة ~~كان يسمى قبل نزول قصته في القرآن بل حتى في زمان حياته بذي القرنين كما ~~يظهر في سياق القصة من قوله: "يسألونك عن ذي القرنين" "قلنا يا ذا القرنين" ~~و"قالوا يا ذا القرنين". # وثانيا: أنه كان مؤمنا بالله واليوم الآخر ومتدينا بدين الحق كما يظهر من ~~قوله: "هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا" ~~وقوله: "أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من ~~آمن وعمل صالحا" إلخ ويزيد في كرامته الدينية أن قوله تعالى: "قلنا يا ذا ~~القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" يدل على تأييده بوحي أو إلهام ~~أو نبي من أنبياء الله كان عنده يسدده بتبليغ الوحي. # وثالثا: أنه كان ممن جمع الله له خير الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا ~~فالملك العظيم الذي بلغ به مغرب الشمس ومطلعها فلم يقم له شيء وقد ذلت له ~~الأسباب، وأما خير الآخرة فبسط العدل وإقامة الحق والصفح والعفو والرفق ~~وكرامة النفس وبث الخير ودفع الشر، وهذا كله ms5078 مما يدل عليه قوله تعالى: "إنا ~~مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا" مضافا إلى ما يستفاد من سياق ~~القصة من سيطرته الجسمانية والروحانية. # ورابعا: أنه صادف قوما ظالمين بالمغرب فعذبهم. # وخامسا: أن الردم الذي بناه هو في غير مغرب الشمس ومطلعها فإنه بعد ما ~~بلغ مطلع الشمس أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين. PageV13P196 # ومن مشخصات ردمه مضافا إلى كونه واقعا في غير المغرب والمشرق أنه واقع بين ~~جبلين كالحائطين، وأنه ساوى بين صدفيهما وأنه استعمل في بنائه زبر الحديد ~~والقطر، ولا محالة هو في مضيق هو الرابط بين ناحيتين من نواحي الأرض ~~المسكونة. # 2 - ذكرى ذي القرنين والسد ويأجوج ومأجوج: # في أخبار الماضين، لم يذكر القدماء من المؤرخين في أخبارهم ملكا يسمى في ~~عهده بذي القرنين أو ما يؤدي معناه من غير اللفظ العربي ولا يأجوج ومأجوج ~~بهذين اللفظين ولا سدا ينسب إليه باسمه نعم ينسب إلى بعض ملوك حمير من ~~اليمنيين أشعار في المباهاة يذكر فيها ذا القرنين وأنه من أسلافه التبابعة ~~وفيها ذكر سيره إلى المغرب والمشرق وسد يأجوج ومأجوج وسيوافيك نبذة منها في ~~بعض الفصول الآتية. # وورد ذكر "مأجوج" و"جوج ومأجوج" في مواضع من كتب العهد العتيق ففي ~~الإصلاح 1 العاشر من سفر التكوين من التوراة،: "وهذه مواليد بني نوح: سام ~~وحام ويافث وولد لهم بنون بعد الطوفان. بنو يافث جومر ومأجوج وماداي وباوان ~~ونوبال وماشك ونبراس. # وفي كتاب حزقيال، 2 الإصحاح الثامن والثلاثون: وكان إلى كلام الرب قائلا: ~~يا بن آدم اجعل وجهك على جوج أرض مأجوج رئيس روش ماشك ونوبال، وتنبأ عليه ~~وقل: هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا عليك يأجوج رئيس روش وماشك ونوبال ~~وأرجعك وأضع شكائم في فكيك وأخرجك أنت وكل جيشك خيلا وفرسانا كلهم لابسين ~~أفخر لباس جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيوف. فارس وكوش وفوط ~~معهم كلهم بمجن وخوذة، وجومر وكل جيوشه وبيت نوجرمه من أقاصي الشمال مع كل ~~جيشه شعوبا كثيرين معك". قال: ms5079 لذلك تنبأ يا بن آدم وقل لجوج: هكذا قال ~~السيد الرب في ذلك اليوم عند سكنى شعب إسرائيل آمنين أفلا تعلم وتأتي من ~~موضعك من أقاصي الشمال" إلخ. # وقال في الإصحاح التاسع والثلاثين ماضيا في الحديث السابق: وأنت يا بن ~~آدم تنبأ على جوج وقل هكذا قال السيد الرب ها أنا ذا عليك يأجوج رئيس روش ~~ماشك ونوبال وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال. وآتي بك على جبال ~~إسرائيل وأضرب قوسك من يدك اليسرى وأسقط سهامك من يدك اليمني فتسقط على ~~جبال إسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك أبذلك مأكلا للطيور الكاسرة ~~من كل نوع ولوحوش الحفل، على وجه الحفل تسقط لأني تكلمت بقول السيد الرب، ~~وأرسل نارا على مأجوج وعلى الساكنين في الجزائر آمنين فيعلمون أني أنا ~~الرب" إلخ. # وفي رؤيا يوحنا في الإصحاح العشرين: "ورأيت ملاكا نازلا من السماء معه ~~مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو ~~إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة، وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه ~~لكيلا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة، وبعد ذلك لا بد أن يحل زمانا ~~يسيرا. قال: "ثم متى تمت الألف سنة لن يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل ~~الأمم الذين في أربع زوايا الأرض جوج ومأجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل ~~رمل البحر فصعدوا على عرض الأرض، وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة ~~المحبوبة فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم، وإبليس الذي كان يضلهم ~~طرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب وسيعذبون نهارا وليلا ~~إلى أبد الآبدين". # ويستفاد منها أن "مأجوج" أو "جوج ومأجوج" أمة أو أمم عظيمة كانت قاطنة في ~~أقاصي شمال آسيا من معمورة الأرض يومئذ وأنهم كانوا أمما حربية معروفة ~~بالمغازي والغارات. # ويقرب حينئذ أن يحدس أن ذا القرنين هذا هو أحد الملوك العظام الذين سدوا ~~الطريق على هذه الأمم المفسدة في الأرض، وأن السد المنسوب إليه يجب أن يكون ~~فاصلا بين منطقة شمالية من ms5080 قارة آسيا وجنوبها كحائط الصين أو سد باب ~~الأبواب أو سد "داريال" أو غير هذه. PageV13P197 # وقد تسلمت تواريخ الأمم اليوم من أن ناحية الشمال الشرقي من آسيا وهي ~~الأحداب والمرتفعات في شمال الصين كانت موطنا لأمة كبيرة بدوية همجية لم ~~تزل تزداد عددا وتكثر سوادا فتكر على الأمم المجاورة لها كالصين وربما نسلت ~~من أحدابها وهبطت إلى بلاد آسيا الوسطى والدنيا وبلغت إلى شمال أوربة فمنهم ~~من قطن في أراض أغار عليها كأغلب سكنة أوربة الشمالية فتمدين بها واشتغل ~~بالزراعة والصناعة، ومنهم من رجع ثم عاد وعاد 1. # وهذا أيضا مما يؤيد ما استقربناه آنفا أن السد الذي نبحث عنه هو أحد ~~الأسداد الموجودة في شمال آسيا الفاصلة بين الشمال وجنوبه. # 3 - من هو ذو القرنين؟ وأين سده؟ # للمؤرخين وأرباب التفسير في ذلك أقوال بحسب اختلاف أنظارهم في تطبيق ~~القصة:. # أ- ينسب إلى بعضهم أن السد المذكور في القرآن هو حائط الصين، وهو حائط ~~طويل يحول بين الصين وبين منغوليا بناه "شينهوانكتى" أحد ملوك الصين لصد ~~هجمات المغول عن الصين، طوله ثلاثة آلاف كيلو متر في عرض تسعة أمتار ~~وارتفاع خمسة عشر مترا وقد بنى بالأحجار شرع في بنائه سنة 264 ق م وقد تم ~~بناؤه في عشر أو عشرين وعلى هذا فذو القرنين هو الملك المذكور. # ويدفعه أن الأوصاف والمشخصات المذكورة في القرآن لذي القرنين وسده لا ~~تنطبق على هذا الملك وحائط الصين الكبير فلم يذكر من هذا الملك أنه سار من ~~أرضه إلى المغرب الأقصى، والسد الذي يذكره القرآن يصفه بأنه ردم بين جبلين ~~وقد استعمل فيه زبر الحديد والقطر وهو النحاس المذاب والحائط الكبير يمتد ~~ثلاثة آلاف كيلو متر يمر في طريقه على السهول والجبال، وليس بين جبلين وهو ~~مبني بالحجارة لم يستعمل فيه حديد ولا قطر. # ب - نسب إلى بعضهم أن الذي بنى السد هو أحد ملوك آشور 1 وقد كان يهجم في ~~حوالي القرن السابع قبل الميلاد أقوام 2 سيت من مضيق جبال قفقاز إلى ~~أرمينستان ثم ms5081 غربي إيران وربما بلغوا بلاد آشور وعاصمتها نينوا فأحاطوا بهم ~~قتلا وسبيا ونهبا فبنى ملك آشور السد لصدهم، وكأن المراد به سد باب الأبواب ~~المنسوب تعميره أو ترميمه إلى كسرى أنوشيروان من ملوك الفرس هذا. # ولكن الشأن في انطباق خصوصيات القصة عليه. # ج - قال في روح المعاني:، وقيل: هو يعني ذا القرنين فريدون بن أثفيان بن ~~جمشيد خامس ملوك الفرس الفيشدادية، وكان ملكا عادلا مطيعا لله تعالى، وفي ~~كتاب صور الأقاليم، لأبي زيد البلخي: أنه كان مؤيدا بالوحي وفي عامة ~~التواريخ أنه ملك الأرض وقسمها بين بنيه الثلاثة: إيرج وسلم وتور فأعطى ~~إيرج العراق والهند والحجاز وجعله صاحب التاج، وأعطى سلم الروم وديار مصر ~~والمغرب، وأعطى تور الصين والترك والمشرق، ووضع لكل قانونا يحكم به، وسميت ~~القوانين الثلاثة "سياسة" وهي معربة "سي أيسا" أي ثلاثة قوانين. # ووجه تسميته ذا القرنين أنه ملك طرفي الدنيا أو طول أيام سلطنته فإنها ~~كانت على ما في روضة الصفا، خمسمائة سنة، أو عظم شجاعته وقهره الملوك انتهى. # وفيه أن التاريخ لا يعترف بذلك. # د - وقيل: إن ذا القرنين هو الإسكندر المقدوني وهو المشهور في الألسن وسد ~~الإسكندر كالمثل السائر بينهم وقد ورد ذلك في بعض الروايات كما في رواية ~~قرب الإسناد، عن موسى بن جعفر (عليه السلام) ورواية عقبة بن عامر عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ورواية وهب بن منبه المرويتين في الدر المنثور،. # وبه قال بعض قدماء المفسرين من الصحابة والتابعين كمعاذ بن جبل على ما في ~~مجمع البيان، وقتادة على ما رواه في الدر المنثور، ووصفه الشيخ أبو علي بن ~~سينا عند ما ذكره في كتاب الشفاء، بذي القرنين، وأصر على ذلك الإمام الرازي ~~في تفسيره الكبير،. # قال فيه ما ملخصه: إن القرآن دل على أن ملك الرجل بلغ إلى أقصى المغرب ~~وأقصى المشرق وجهة الشمال، وذلك تمام المعمورة من الأرض ومثل هذا الملك يجب ~~أن يبقى اسمه مخلدا، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أن ملكه بلغ هذا ~~المبلغ ms5082 ليس إلا الإسكندر. # وذلك أنه بعد موت أبيه جمع ملوك الروم والمغرب وقهرهم وانتهى إلى البحر ~~الأخضر ثم إلى مصر، وبنى الإسكندرية ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد ~~بيت المقدس، وذبح في مذبحه. PageV13P198 # ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب، ودان له العراقيون والقبط والبربر، ~~واستولى على إيران، وقصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان ~~وبنى المدن الكثيرة ثم رجع إلى العراق ومات في شهرزور أو رومية المدائن ~~وحمل إلى إسكندرية ودفن بها، وعاش ثلاثا وثلاثين سنة، ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة. # فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين ملك أكثر المعمورة، وثبت بالتواريخ أن ~~الذي هذا شأنه هو الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر. # انتهى. # وفيه أولا: أن الذي ذكره من انحصار ملك معظم المعمورة في الإسكندر ~~المقدوني غير مسلم في التاريخ ففي الملوك من يماثله أو يزيد عليه ملكا. # وثانيا: أن الذي يذكره القرآن من أوصاف ذي القرنين لا يتسلمه التاريخ ~~للإسكندر أو ينفيه عنه فقد ذكر القرآن أن ذا القرنين كان مؤمنا بالله ~~واليوم الآخر وهو دين التوحيد وكان الإسكندر وثنيا من الصابئين كما يحكى ~~أنه ذبح ذبيحته للمشتري، وذكر القرآن أن ذا القرنين كان من صالحي عباد الله ~~ذا عدل ورفق والتاريخ يقص للإسكندر خلاف ذلك. # وثالثا: أنه لم يرد في شيء من تواريخهم أن الإسكندر المقدوني بنى سد ~~يأجوج ومأجوج على ما يذكره القرآن. # وقال في البداية، والنهاية، في خبر ذي القرنين: وقال إسحاق بن بشر عن ~~سعيد بن بشير عن قتادة قال: إسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة، وكان ~~من ولد سام بن نوح. # فأما ذو القرنين الثاني فهو إسكندر بن فيلبس وساق نسبه إلى عيص بن إسحاق ~~بن إبراهيم المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه ~~الروم، وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل. # وكان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان أرسطاطاليس الفيلسوف ~~وزيره، وهو الذي قتل دارا بن دارا، وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم. # قال: ms5083 وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد وأن المذكور ~~في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد ~~عريض طويل كثير فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا، وملكا عادلا، وكان وزيره ~~الخضر وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا، وأما الثاني فكان مشركا، وقد ~~كان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانيهما، أزيد من ألفي سنة فأين هذا من ~~هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور انتهى. # وفيه تعريض بالإمام الرازي في مقاله السابق لكنك لو أمعنت فيما نقلنا من ~~كلامه ثم راجعت كتابه فيما ذكره من قصة ذي القرنين وجدته لا يرتكب من الخطإ ~~أقل مما ارتكبه الإمام الرازي فلا أثر في التاريخ عن ملك كان قبل المسيح ~~بأكثر من ألفين وثلاثمائة سنة ملك الأرض من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق ~~وجهة الشمال وبنى السد وكان مؤمنا صالحا بل نبيا ووزيره الخضر ودخل الظلمات ~~في طلب ماء الحياة سواء كان اسمه الإسكندر أو غير ذلك. # ه - ذكر جمع من المؤرخين أن ذا القرنين أحد التبابعة 1 الأذواء اليمنيين ~~من ملوك حمير باليمن كالأصمعي في تاريخ العرب قبل الإسلام، وابن هشام في ~~السيرة، والتيجان وأبي ريحان البيروني في الآثار الباقية، ونشوان بن سعيد ~~الحميري في شمس العلوم، - على ما نقل عنهم - وغيرهم. # وقد اختلفوا في اسمه فقيل اسمه مصعب بن عبد الله، وقيل: صعب بن ذي ~~المرائد وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع، وقيل: تبع ~~الأقرن واسمه حسان، وذكر الأصمعي أنه أسعد الكامل الرابع من التبابعة بن ~~حسان الأقرن ملكي كرب تبع الثاني ابن الملك تبع الأول، وقيل: اسمه ~~"شمريرعش. # وقد ورد ذكر ذي القرنين والافتخار به في عدة من أشعار الحميريين وبعض ~~شعراء الجاهلية ففي البداية، والنهاية،: أنشد ابن هشام للأعشى: والصعب ذو ~~القرنين أصبح ثاويا. # بالجنو في جدث أشم مقيما. # وقد مر في البحث الروائي السابق أن عثمان بن أبي الحاضر أنشد ms5084 لابن عباس ~~قول بعض الحميريين: قد كان ذو القرنين جدي مسلما. # ملكا تدين له الملوك وتحشد. # بلغ المشارق والمغارب يبتغي. # أسباب أمر من حكيم مرشد. # فرأى مغيب الشمس عند غروبها. # في عين ذي خلب وثأط حرمد. PageV13P199 # قال المقريزي في الخطط،: اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين ~~الذي ذكره الله في كتابه العزيز فقال: "ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا ~~عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا" الآيات عربي ~~قد كثر ذكره في أشعار العرب. # وأن اسمه الصعب بن ذي مرائد بن الحارث الرائش بن الهمال ذي سدد بن عاد ذي ~~منح بن عار الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان بن هود بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام). # وأنه ملك من ملوك حمير وهم العرب 1 العاربة، ويقال لهم أيضا العرب ~~العرباء، وكان ذو القرنين تبعا متوجا، ولما ولي الملك تجبر ثم تواضع لله، ~~واجتمع بالخضر، وقد غلط من ظن أن الإسكندر بن فيلبس هو ذو القرنين الذي بنى ~~السد فإن لفظة ذو عربية، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وذاك رومي ~~يوناني. # قال أبو جعفر الطبري: وكان الخضر في أيام أفريدون الملك بن الضحاك في قول ~~عامة علماء أهل الكتاب الأول، وقيل: موسى بن عمران (عليهما السلام)، وقيل: ~~إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيام إبراهيم الخليل ~~(عليه السلام) وإن الخضر بلغ مع ذي القرنين أيام مسيره في البلاد نهر ~~الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه فخلد وهو حي ~~عندهم إلى الآن، وقال آخرون إن ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ~~(عليه السلام) هو أفريدون بن الضحاك وعلى مقدمته كان الخضر. # وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب التيجان، في معرفة ملوك الزمان ~~بعد ما ذكر نسب ذي القرنين الذي ms5085 ذكرناه: وكان تبعا متوجا لما ولي الملك ~~تجبر ثم تواضع واجتمع بالخضر ببيت المقدس، وسار معه مشارق الأرض ومغاربها ~~وأوتي من كل شيء سببا كما أخبر الله تعالى، وبنى السد على يأجوج ومأجوج ~~ومات بالعراق. # وأما الإسكندر فإنه يوناني، ويعرف بالإسكندر المجدوني ويقال المقدوني : ~~سئل ابن عباس عن ذي القرنين: ممن كان؟ فقال: من حمير وهو الصعب بن ذي مرائد ~~الذي مكنه الله في الأرض وآتاه من كل شيء سببا فبلغ قرني الشمس ورأس الأرض ~~وبنى السد على يأجوج ومأجوج. قيل له: فالإسكندر؟ قال: كان رجلا صالحا روميا ~~حكيما بنى على البحر في إفريقية منارا، وأخذ أرض رومة، وأتى بحر العرب، ~~وأكثر عمل الآثار في العرب من المصانع والمدن. # : وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين فقال: الصحيح عندنا من أحبارنا ~~وأسلافنا أنه من حمير وأنه الصعب بن ذي مرائد، والإسكندر كان رجلا من يونان ~~من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، ورجال الإسكندر 1 ~~أدركوا المسيح بن مريم منهم جالينوس وأرسطاطاليس. # وقال الهمداني في كتاب الأنساب،: وولد كهلان بن سبإ زيدا، فولد زيد عريبا ~~ومالكا وغالبا وعميكرب، وقال الهيثم: عميكرب بن سبإ أخو حمير وكهلان فولد ~~عميكرب أبا مالك فدرحا ومهيليل ابني عميكرب، وولد غالب جنادة بن غالب وقد ~~ملك بعد مهيليل بن عميكرب بن سبإ، وولد عريب عمرا، فولد عمرو زيدا والهميسع ~~ويكنى أبا الصعب وهو ذو القرنين الأول، وهو المساح والبناء، وفيه يقول ~~النعمان بن بشير. # فمن ذا يعادونا من الناس معشرا. # كراما فذو القرنين منا وحاتم. # وفيه يقول الحارثي: سموا لنا واحدا منكم فنعرفه. # في الجاهلية لاسم الملك محتملا. # كالتبعين وذي القرنين يقبله. # أهل الحجى فأحق القول ما قبلا. # وفيه يقول ابن أبي ذئب الخزائي: ومنا الذي بالخافقين تغربا. # وأصعد في كل البلاد وصوبا. # فقد نال قرن الشمس شرقا ومغربا. # وفي ردم يأجوج بنى ثم نصبا. # وذلك ذو القرنين تفخر حمير. # بعسكر فيل ليس يحصى فيحسبا. # قال الهمداني: وعلماء همدان تقول: ذو القرنين الصعب ms5086 بن مالك بن الحارث ~~الأعلى بن ربيعة بن الحيار بن مالك، وفي ذي القرنين أقاويل كثيرة. # انتهى كلام المقريزي. # وهو كلام جامع، ويستفاد منه أولا أن لقب ذي القرنين تسمى به أكثر من واحد ~~من ملوك حمير وأن هناك ذا القرنين الأول الكبير وغيره. PageV13P200 # وثانيا: أن ذا القرنين الأول وهو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج قبل الإسكندر ~~المقدوني بقرون كثيرة سواء كان معاصرا للخليل (عليه السلام) أو بعده كما هو ~~مقتضى ما نقله ابن هشام من ملاقاته الخضر ببيت المقدس المبني بعد إبراهيم ~~بعدة قرون في زمن داود وسليمان (عليهما السلام) فهو على أي حال قبله مع ما ~~في تاريخ ملوك حمير من الإبهام. # ويبقى الكلام على ما ذكره واختاره من جهتين: أحدهما: أنه أين موضع هذا ~~السد الذي بناه تبع الحميري؟. # وثانيهما: أنه من هم هذه الأمة المفسدة في الأرض التي بنى السد لصدهم فهل ~~هذا السد أحد الأسداد المبنية في اليمن أو ما والاها كسد مأرب وغيره فهي ~~أسداد مبنية لادخار المياه للشرب والسقي لا للصد على أنها لم يعمل فيها زبر ~~الحديد والقطر كما ذكره الله في كتابه، أو غيره؟ وهل كان هناك أمة مفسدة ~~مهاجمة، وليس فيما يجاورهم إلا أمثال القبط والآشور وكلدان وغيرهم وهم أهل ~~حضارة ومدنية؟. # وذكر بعض أجلة المحققين 1 من معاصرينا في تأييد هذا القول ما محصله: أن ~~ذا القرنين المذكور في القرآن قبل الإسكندر المقدوني بمئات من السنين فليس ~~هو هو بل هو أحد الملوك الصالحين من التبابعة الأذواء من ملوك اليمن، وكان ~~من شيمة طائفة منهم التسمي بذي كذي همدان وذي غمدان وذي المنار وذي الإذعار ~~وذي يزن وغيرهم. # وكان مسلما موحدا وعادلا حسن السيرة وقويا ذا هيبة وشوكة سار في جيش كثيف ~~نحو المغرب فاستولى على مصر وما وراءها ثم لم يزل يسير على سواحل البحر ~~الأبيض حتى بلغ ساحل المحيط الغربي فوجد الشمس تغيب في عين حمئة أو حامية. # ثم رجع سائرا نحو المشرق وبنى في مسيره "إفريقية ms5087 1" وكان شديد الولع وذا ~~خبرة في البناء والعمارة، ولم يزل يسير حتى مر بشبه جزيرة وبراري آسيا ~~الوسطى وبلغ تركستان وحائط الصين ووجد هناك قوما لم يجعل الله لهم من دون ~~الشمس سترا. # ثم مال إلى الجانب الشمالي حتى بلغ مدار السرطان، ولعله الذي شاع في ~~الألسن أنه دخل الظلمات، فسأله أهل تلك البلاد أن يبني لهم سدا يصد عنهم ~~يأجوج ومأجوج لما أن اليمنيين - وذو القرنين منهم - كانوا معروفين بعمل ~~السد والخبرة فيه فبنى لهم السد. # فإن كان هذا السد هو الحائط الكبير الحائل بين الصين ومنغوليا فقد كان ~~ذلك ترميما منه لمواضع تهدمت من الحائط بمرور الأيام وإلا فأصل الحائط إنما ~~بناه بعض ملوك الصين قبل ذلك، وإن كان سدا آخر غير الحائط فلا إشكال. # ومما بناه ذو القرنين واسمه الأصلي "شمريرعش" في تلك النواحي مدينة ~~سمرقند 2 على ما قيل. # وأيد ذلك بأن كون ذي القرنين ملكا عربيا صالحا يسأل عنه الأعراب رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويذكره القرآن الكريم للتذكر والاعتبار ~~أقرب للقبول من أن يذكر قصة بعض ملوك الروم أو العجم أو الصين، وهم من ~~الأمم البعيدة التي لم يكن للأعراب هوى في أن يسمعوا أخبارهم أو يعتبروا ~~بآثارهم، ولذا لم يتعرض القرآن لشيء من أخبارهم. # انتهى ملخصا. # والذي يبقى عليه أن كون حائط الصين هو سد ذي القرنين لا سبيل إليه فإن ذا ~~القرنين قبل الإسكندر بعدة قرون على ما ذكره وقد بنى حائط الصين بعد ~~الإسكندر بما يقرب من نصف قرن وأما غير الحائط الكبير ففي ناحية الشمال ~~الغربي من الصين بعض أسداد أخر لكنها مبنية من الحجارة على ما يذكر لا أثر ~~فيها من زبر الحديد والقطر. # وقال في تفسير الجواهر بعد ذكر مقدمة ملخصها أن المعروف من دول اليمن ~~بمعونة من النقوش المكشوفة في خرائب اليمن ثلاث دول:. # دولة معين وعاصمتها قرناء وقد قدر العلماء أن آثار دولة معين تبتدىء من ~~القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى القرن السابع ms5088 أو الثامن قبله، وقد عثروا ~~على بعض ملوك هذه الدولة وهم ستة وعشرون ملكا مثل "أب يدع" و"أب يدع ينيع" ~~أي المنقد. # ودولة سبإ وهم من القحطانيين كانوا أولا أذواء فأقيالا، والذي نبغ منهم ~~"سبأ" صاحب قصر صرواح شرقي صنعاء فاستولى على الجميع، ويبتدىء ملكهم من 850 ~~ق م إلى 115 ق م والمعروف من ملوكهم سبعة وعشرون ملكا خمسة عشر منهم يسمى ~~مكربا كالمكرب "يثعمر" والمكرب "ذمر على"، واثنا عشرة منهم يسمى ملكا فقط ~~كالملك "ذرح" والملك "يريم أيمن". PageV13P201 # ودولة الحميريين وهم طبقتان الأولى ملوك سبإ وريدان من سنة 115 ق م إلى سنة ~~275 ق م وهؤلاء ملوك فقط، والطبقة الثانية ملوك سبإ وريدان وحضرموت وغيرها، ~~وهؤلاء أربعة عشر ملكا أكثرهم تبابعة أولهم "شمريرعش" وثانيهم "ذو القرنين" ~~وثالثهم "عمرو" زوج بلقيس 1 وينتهي إلى ذي جدن ويبتدىء ملكهم من سنة 275 م ~~إلى سنة 525. # ثم قال: فقد ظهرت صلة الاتصاف بلقب "ذي" بملوك اليمن ولا نجد في غيرهم ~~كملوك الروم مثلا من يلقب بذي، فذو القرنين من ملوك اليمن، وقد تقدم من ~~ملوكهم من يسمى بذي القرنين، ولكن هل هذا هو ذو القرنين المذكور في ~~القرآن؟. # نحن نقول: كلا لأن هذا مذكور في ملوك قريبي العهد منا جدا، ولم ينقل ذلك ~~عنهم اللهم إلا في روايات ذكرها القصاصون في التاريخ مثل أن "شمريرعش" وصل ~~إلى بلاد العراق وفارس وخراسان والصغد، وبنى مدينة سمرقند وأصله شمركند، ~~وأن أسعد أبو كرب غزا أذربيجان، وبعث حسانا ابنه إلى الصغد، وابنه يعفر إلى ~~الروم، وابن أخيه إلى الفرس، وأن من الحميريين من بقوا في الصين لهذا العهد ~~بعد غزو ذلك الملك لها. # وكذب ابن خلدون وغيره هذه الأخبار، ووسموها بأنها مبالغ فيها، ونقضوها ~~بأدلة جغرافية وأخرى تاريخية. # إذن يكون ذو القرنين من أمة العرب ولكنه في تاريخ قديم قبل التاريخ ~~المعروف. # انتهى ملخصا. # و- وقيل: إن ذا القرنين هو كورش أحد ملوك الفرس الهخامنشيين 539 - 560 ق ~~م وهو الذي أسس الإمبراطورية الإيرانية، ms5089 وجمع بين مملكتي الفارس وماد، وسخر ~~بابل وأذن في رجوع اليهود من بابل إلى أورشليم وساعد في بناء الهيكل وسخر ~~مصر ثم اجتاز إلى يونان فغلبهم وبلغ المغرب ثم سار إلى أقاصي المعمورة في ~~المشرق. # ذكره بعض من قارب 1 عصرنا ثم بذل الجهد في إيضاحه وتقريبه بعض محققي 2 ~~الهند في هذه الأواخر بيان ذلك إجمالا أن الذي ذكره القرآن من وصف ذي ~~القرنين منطبق على هذا الملك العظيم فقد كان مؤمنا بالله بدين التوحيد ~~عادلا في رعيته سائرا بالرأفة والرفق والإحسان سائسا لأهل الظلم والعدوان، ~~وقد آتاه الله من كل شيء سببا فجمع بين الدين والعقل وفضائل الأخلاق والعدة ~~والقوة والثروة والشوكة ومطاوعة الأسباب. # وقد سار كما ذكره الله في كتابه مرة نحو المغرب حتى استولى على ليديا ~~وحواليها ثم سار ثانيا نحو المشرق حتى بلغ مطلع الشمس ووجد عنده قوما ~~بدويين همجيين يسكنون في البراري ثم بنى السد وهو على ما يدل عليه الشواهد ~~السد المعمول في مضيق داريال بين جبال قفقاز بقرب "مدينة تفليس" هذا إجمال ~~الكلام ودونك التفصيل. # إيمانه بالله واليوم الآخر: يدل على ذلك ما في كتب العهد العتيق ككتاب ~~عزرا، الإصحاح 1 وكتاب دانيال، الإصحاح 6 وكتاب أشعيا، الإصحاح 44 و45 من ~~تجليله وتقديسه حتى سماه في كتاب الأشعياء "راعي الرب" وقال في الإصحاح ~~الخامس والأربعين: "هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس ~~أمامه أمما وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق. # أنا أسير قدامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف. # وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابي. # لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك باسمك. # لقبتك وأنت لست تعرفني". # ولو قطع النظر عن كونه وحيا فاليهود على ما بهم من العصبية المذهبية لا ~~يعدون رجلا مشركا مجوسيا أو وثنيا - لو كان كورش كذلك - مسيحا إلهيا مهديا ~~مؤيدا وراعيا للرب. # على أن النقوش والكتابات المخطوطة بالخط المسماري المأثور عن داريوش ~~الكبير وبينهما من الفصل الزماني ثماني سنين ناطقة بكونه ms5090 موحدا غير مشرك، ~~وليس من المعقول أن يتغير ما كان عليه كورش في هذا الزمن القصير. # وأما فضائله النفسانية فيكفي في ذلك الرجوع إلى المحفوظ من أخباره وسيرته ~~وما قابل به الطغاة والجبابرة الذين خرجوا عليه أو حاربهم كملوك "ماد" ~~و"ليديا" و"بابل" و"مصر" وطغاة البدو في أطراف "بكتريا" وهو البلخ وغيرهم، ~~وكان كلما ظهر على قوم عفا عن مجرميهم، وأكرم كريمهم ورحم ضعيفهم وساس ~~مفسدهم وخائنهم. PageV13P202 # وقد أثنى عليه كتب العهد القديم، واليهود يحترمه أعظم الاحترام لما نجاهم ~~من إسارة بابل وأرجعهم إلى بلادهم وبذل لهم الأموال لتجديد بناء الهيكل ورد ~~إليهم نفائس الهيكل المنهوبة المخزونة في خزائن ملوك بابل، وهذا في نفسه ~~مؤيد آخر لكون ذي القرنين هو كورش فإن السؤال عن ذي القرنين إنما كان ~~بتلقين من اليهود على ما في الروايات. # وقد ذكره مؤرخو يونان القدماء كهرودت وغيره فلم يسعهم إلا أن يصفوه ~~بالمروة والفتوة والسماحة والكرم والصفح وقلة الحرص والرحمة والرأفة ويثنوا ~~عليه بأحسن الثناء. # وأما تسميته بذي القرنين # فالتواريخ وإن كانت خالية عما يدل على شيء في ذلك لكن اكتشاف تمثاله ~~الحجري أخيرا في مشهد مرغاب في جنوب إيران يزيل الريب في اتصافه بذي ~~القرنين فإنه مثل فيه ذا قرنين نابتين من أم رأسه من منبت واحد أحد القرنين ~~مائل إلى قدام والآخر آخذ جهة الخلف. # وهذا قريب من قول من قال من القدماء في وجه تسمية ذي القرنين أنه كان له ~~تاج أو خوذة فيه قرنان. # وقد ورد في كتاب دانيال، ذكر رؤيا رأى كورش فيه في صورة كبش ذي قرنين قال ~~فيه: "في السنة الثالثة من ملك "بيلشاصر" الملك ظهرت لي أنا دانيال رؤيا ~~بعد التي ظهرت لي في الابتداء. # فرأيت في الرؤيا وكأن في رؤياي وأنا في "شوشن" القصر الذي في ولاية عيلام. # ورأيت في الرؤيا وأنا عند نهر "أولاي" فرفعت عيني وإذا بكبش واقف عند ~~النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيرا. # رأيت الكبش ينطح غربا ms5091 وشمالا وجنوبا فلم يقف حيوان قدامه ولا منفذ من يده ~~وفعل كمرضاته وعظم. # وبينما كنت متأملا إذا بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض ولم ~~يمس الأرض وللتيس قرن معتبر بين عينيه. # وجاء إلى الكبش صاحب القرنين الذي رأيته واقفا عند النهر وركض إليه بشدة ~~قوته ورأيته قد وصل جانب الكبش فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسر قرنيه فلم تكن ~~للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه ولم يكن للكبش منفذ من يده. # فتعظم تيس المعز جدا". # ثم ذكر بعد تمام الرؤيا أن جبرئيل تراءى له وعبر رؤياه بما ينطبق فيه ~~الكبش ذو القرنين على كورش، وقرناه مملكتا الفارس وماد، والتيس ذو القرن ~~الواحد على الإسكندر المقدوني. # وأما سيره نحو المغرب والمشرق فسيره نحو المغرب كان لدفع طاغية "ليديا" ~~وقد سار بجيوشه نحو كورش ظلما وطغيانا من غير أي عذر يجوز له ذلك فسار إليه ~~وحاربه وهزمه ثم عقبه حتى حاصره في عاصمة ملكه ثم فتحها وأسره ثم عفا عنه ~~وعن سائر أعضاده وأكرمه وإياهم وأحسن إليهم وكان له أن يسوسهم ويبيدهم ~~وانطباق القصة على قوله تعالى: "حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة - ولعلها الساحل الغربي من آسيا الصغرى - ووجد عندها قوما قلنا يا ذا ~~القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" وذلك لاستحقاقهم العذاب ~~بطغيانهم وظلمهم وفسادهم. # ثم إنه سار نحو الصحراء الكبير بالمشرق حوالي بكتريا لإخماد غائلة قبائل ~~بدوية همجية انتهضوا هناك للمهاجمة والفساد وانطباق قوله تعالى: "حتى إذا ~~بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا" عليه ظاهر. # وأما بناؤه السد: # فالسد الموجود في مضيق جبال قفقاز الممتدة من بحر الخزر إلى البحر ~~الأسود، ويسمى المضيق "داريال" وهو واقع بلدة "تفليس" وبين "ولادي كيوكز". # وهذا السد واقع في مضيق بين جبلين شاهقين يمتدان من جانبيه وهو وحدة ~~الفتحة الرابطة بين جانبي الجبال الجنوبي والشمالي والجبال مع ما ينضم ~~إليها من بحر الخزر ms5092 والبحر الأسود حاجز طبيعي في طول ألوف من الكيلو مترات ~~يحجز جنوب آسيا من شمالها. # وكان يهجم في تلك الأعصار أقوام شريرة من قاطني الشمال الشرقي من آسيا من ~~مضيق جبال قفقاز إلى ما يواليها من الجنوب فيغيرون على ما دونها من ~~أرمينستان ثم إيران حتى الآشور وكلدة، وهجموا في حوالي المائة السابعة قبل ~~الميلاد فعمموا البلاد قتلا وسبيا ونهبا حتى بلغوا نينوى عاصمة الآشور وكان ~~ذلك في القرن السابق على عهد كورش تقريبا. PageV13P203 # وقد ذكر المؤرخون من القدماء كهرودوت اليوناني سير كورش إلى شمال إيران ~~لإخماد نوائر فتن اشتعلت هناك، والظاهر أنه بنى السد في مضيق داريال في ~~مسيره هذا لاستدعاء من أهل الشمال وتظلم منهم، وقد بناه بالحجارة والحديد ~~وهو الردم الوحيد الذي استعمل فيه الحديد، وهو بين سدين جبلين، وانطباق ~~قوله تعالى: "فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد" ~~الآيات عليه ظاهر. # ومما أيد به هذا المدعى وجود نهر بالقرب منه يسمى "سايروس" وهو اسم كورش ~~عند الغربيين، ونهر آخر يمر بتفليس يسمى "كر" وقد ذكر هذا السد "يوسف" ~~اليهودي المؤرخ عند ذكر رحلته إلى شمال قفقاز وليس هو الحائط الموجود في ~~باب الأبواب على ساحل بحر الخزر فإن التاريخ ينسب بناءه إلى كسرى أنوشيروان ~~وكان يوسف قبله. # على أن سد باب الأبواب غير سد ذي القرنين المذكور في القرآن قطعا إذ لم ~~يستعمل فيه حديد قط. # وأما يأجوج ومأجوج # فالبحث عن التطورات الحاكمة على اللغات يهدينا إلى أنهم المغول فإن ~~الكلمة بالتكلم الصيني "منكوك" أو "منجوك" ولفظتا يأجوج ومأجوج كأنهما نقل ~~عبراني وهما في التراجم اليونانية وغيرها للعهد العتيق "كوك" و"مأكوك" ~~والشبه الكامل بين "مأكوك" و"منكوك" يقضي بأن الكلمة متطورة من التلفظ ~~الصيني "منكوك" كما اشتق منه "منغول" و"مغول" ولذلك في باب تطورات الألفاظ ~~نظائر لا تحصى. # فيأجوج ومأجوج هما المغول وكانت هذه الأمة القاطنة بالشمال الشرقي من ~~آسيا من أقدم الأعصار أمة كبيرة مهاجمة تهجم برهة إلى الصين وبرهة من طريق ~~داريال قفقاز ms5093 إلى أرمينستان وشمال إيران وغيرها وبرهة وهي بعد بناء السد ~~إلى شمال أوربة وتسمى عندهم بسيت ومنهم الأمة الهاجمة على الروم وقد سقطت ~~في هذه الكرة دولة رومان، وقد تقدم أيضا أن المستفاد من كتب العهد العتيق ~~أن هذه الأمة المفسدة من سكنة أقاصي الشمال. # هذه جملة ما لخصناه من كلامه، وهو وإن لم يخل عن اعتراض ما في بعض أطرافه ~~لكنه أوضح انطباقا على الآيات وأقرب إلى القبول من غيره. # ز - ومما قيل في ذي القرنين ما سمعته عن بعض مشايخي أنه من أهل بعض ~~الأدوار السابقة على هذه الدورة الإنسانية وهو غريب ولعله لتصحيح ما ورد في ~~الأخبار من عجائب حالات ذي القرنين وغرائب ما وقع منه من الوقائع كموته ~~وحياته مرة بعد مرة ورفعه إلى السماء ونزوله إلى الأرض وقد سخر له السحاب ~~يسير به إلى المغرب والمشرق، وتسخير النور والظلمة والرعد والبرق له، ومن ~~المعلوم أن تاريخ هذه الدورة لا يحفظ شيئا من ذلك فلا بد أن يكون ذلك في ~~بعض الأدوار السابقة هذا، وقد بالغ في حسن الظن بتلك الأخبار. # 4 - أمعن أهل التفسير والمؤرخون في البحث حول القصة، وأشبعوا الكلام في ~~أطرافها، وأكثرهم على أن يأجوج ومأجوج أمة كبيرة في شمال آسيا، وقد طبق جمع ~~منهم ما أخبر به القرآن من خروجهم في آخر الزمان وإفسادهم في الأرض على ~~هجوم التتر في النصف الأول من القرن السابع الهجري على غربي آسيا، وإفراطهم ~~في إهلاك الحرث والنسل بهدم البلاد وإبادة النفوس ونهب الأموال وفجائع لم ~~يسبقهم إليها سابق. # وقد أخضعوا أولا الصين ثم زحفوا إلى تركستان وإيران والعراق والشام ~~وقفقاز إلى آسيا الصغرى، وأفنوا كل ما قاومهم من المدن والبلاد والحصون ~~كسمرقند وبخارا وخوارزم ومرو ونيسابور والري وغيرها فكانت المدينة من المدن ~~تصبح وفيها مات الألوف من النفوس، وتمسي ولم يبق من عامة أهلها نافخ نار، ~~ولا من هامة أبنيتها حجر على حجر. # ثم رجعوا إلى بلادهم ثم عادوا وحملوا على الروس ودمروا أهل بولونيا ms5094 وبلاد ~~المجر وحملوا على الروم وألجئوهم على الجزية كل ذلك في فجائع يطول شرحها. # لكنهم أهملوا البحث عن أمر السد من جهة خروجهم منه وحل مشكلته فإن قوله ~~تعالى: "فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي ~~فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في ~~بعض" الآيات ظاهره على ما فسروه أن هذه الأمة المفسدة محبوسون فيما وراءه ~~لا مخرج لهم إلى سائر الأرض ما دام معمورا قائما على ساقه حتى إذا جاء وعد ~~الله سبحانه جعله دكاء مثلما أو منهدما فخرجوا منه إلى الناس وساروا ~~بالفساد والشر. PageV13P204 # فكان عليهم - على هذا أن يقرروا للسد وصفه هذا فإن كانت هذه الأمة المذكورة ~~هي التتر وقد ساروا من شمال الصين إلى إيران والعراق والشام وقفقاز إلى ~~آسيا الصغرى فأين كان هذا السد الموصوف في القرآن الذي وطئوه ثم طلعوا منه ~~إلى هذه البلاد وجعلوا عاليها سافلها؟. # وإن لم تكن هي التتر أو غيرها من الأمم المهاجمة في طول التاريخ فأين هذا ~~السد المشيد بالحديد ومن صفته أنه يحبس أمة كبيرة منذ ألوف من السنين من أن ~~تهجم على سائر أقطار الأرض ولا مخرج لهم إلى سائر الدنيا دون السد المضروب ~~دونهم وقد ارتبطت اليوم بقاع الأرض بعضها ببعض بالخطوط البرية والبحرية ~~والهوائية وليس يحجز حاجز طبيعي كجبل أو بحر أو صناعي كسد أو سور أو خندق ~~أمة من أمة فأي معنى لانصداد قوم عن الدنيا بسد بين جبلين بأي وصف وصف وعلى ~~أي نحو فرض؟. # والذي أرى في دفع هذا الإشكال - والله أعلم - أن قوله: "دكاء" من الدك ~~بمعنى الذلة، قال في لسان العرب: وجبل دك: ذليل. # انتهى. # والمراد بجعل السد دكاء جعله ذليلا لا يعبأ بأمره ولا ينتفع به من جهة ~~اتساع طرق الارتباط وتنوع وسائل الحركة والانتقال برا وبحرا وجوا. # فحقيقة هذا الوعد هو الوعد برقي المجتمع البشري في مدنيته، واقتراب شتى ~~أممه إلى حيث لا يسده ms5095 سد ولا يحوطه حائط عن الانتقال من أي صقع من أصقاع ~~الأرض إلى غيره ولا يمنعه من الهجوم والزحف إلى أي قوم شاءوا. # ويؤيد هذا المعنى سياق قوله تعالى في موضع آخر يذكر فيه هجوم يأجوج ~~ومأجوج "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" حيث عبر بفتح ~~يأجوج ومأجوج ولم يذكر السد. # وللدك معنى آخر وهو الدفن بالتراب ففي الصحاح:، دككت الركي - وهو البئر - ~~دفنته بالتراب انتهى، ومعنى آخر وهو صيرورة الجبل رابية من طين، قال في ~~الصحاح، وتدكدكت الجبال أي صارت روابي من طين واحدتها دكاء انتهى. # فمن الممكن أن يحتمل أن السد من جملة أبنية العهود القديمة التي ذهبت ~~مدفونة تحت التراب عن رياح عاصفة أو غريقة بانتقال البحار أو اتساع بعضها ~~على ما تثبتها الأبحاث الجيولوجية، وبذلك يندفع الإشكال لكن الوجه السابق ~~أوجه والله أعلم. PageV13P205 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 103 - 108 # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا (103) الذين ضل سعيهم فى الحيوة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بئايت ربهم ولقائه فحبطت ~~أعملهم فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ~~واتخذوا ءايتى ورسلى هزوا (106) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت كانت لهم ~~جنت الفردوس نزلا (107) خلدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) ### |||| AUTO بيان # الآيات الست في منزلة الاستنتاج مما تقدم من آيات السورة الشارحة لافتنان ~~المشركين بزينة الحياة الدنيا واطمئنانهم بأولياء من دون الله وابتلائهم ~~بما ابتلوا به من غشاوة الأبصار ووقر الأذان وما يتعقب ذلك من سوء العاقبة، ~~وتمهيد لما سيأتي من قوله في آخر السورة: "قل إنما أنا بشر مثلكم" الآية. # قوله تعالى: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا" ظاهر السياق أن الخطاب ~~للمشركين وهو مسوق سوق الكناية وهم المعنيون بالتوصيف وسيقترب من التصريح ~~في قوله: "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه" فالمنكرون للنبوة والمعاد ~~هم المشركون. # قيل: ولم يقل: بالأخسرين عملا، مع أن الأصل في التمييز أن يأتي مفردا ~~والمصدر شامل للقليل والكثير للإيذان بتنوع أعمالهم وقصد ms5096 شمول الخسران ~~لجميعها. # قوله تعالى: "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا" إنباء بالأخسرين أعمالا وهم الذين عرض في الآية السابقة على المشركين ~~أن ينبئهم بهم ويعرفهم إياهم فعرفهم بأنهم الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا، وضلال السعي خسران ثم عقبه بقوله: "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" ~~وبذلك تم كونهم أخسرين. # بيان ذلك: أن الخسران والخسار في المكاسب والمساعي المأخوذة لغاية ~~الاسترباح إنما يتحقق إذا لم يصب الكسب والسعي غرضه وانتهى إلى نقص في رأس ~~المال أو ضيعة السعي وهو المعبر عنه في الآية بضلال السعي كأنه ضل الطريق ~~فانتهى به السير إلى خلاف غرضه. # والإنسان ربما يخسر في كسبه وسعيه لعدم تدرب في العمل أو جهل بالطريق أو ~~لعوامل أخر اتفاقية وهي خسران يرجى زواله فإن من المرجو أن يتنبه به صاحبه ~~ثم يستأنف العمل فيتدارك ما ضاع منه ويقضي ما فات، وربما يخسر وهو يذعن ~~بأنه يربح، ويتضرر وهو يعتقد أن ينتفع لا يرى غير ذلك وهو أشد الخسران لا ~~رجاء لزواله. # ثم الإنسان في حياته الدنيا لا شأن له إلا السعي لسعادته ولا هم له فيما ~~وراء ذلك فإن ركب طريق الحق وأصاب الغرض وهو حق السعادة فهو، وإن أخطأ ~~الطريق وهو لا يعلم بخطإه فهو خاسر سعيا لكنه مرجو النجاة، وإن أخطأ الطريق ~~وأصاب غير الحق وسكن إليه فصار كلما لاح له لائح من الحق ضربت عليه نفسه ~~بحجاب الإعراض وزينت له ما هو فيه من الاستكبار وعصبية الجاهلية فهو أخسر ~~عملا وأخيب سعيا لأنه خسران لا يرجى زواله ولا مطمع في أن يتبدل يوما ~~سعادة، وهو قوله تعالى في تفسير الأخسرين أعمالا: "الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". # وحسبانهم عملهم حسنا مع ظهور الحق وتبين بطلان أعمالهم لهم إنما هو من ~~جهة انجذاب نفوسهم إلى زينات الدنيا وزخارفها وانغمارهم في الشهوات فيحبسهم ~~ذلك عن الميل إلى اتباع الحق والإصغاء إلى داعي الحق ومنادي الفطرة قال ~~تعالى: ms5097 "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14 وقال: "وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم": البقرة: 206 فاتباعهم هوى أنفسهم ومضيهم على ما ~~هم عليه من الإعراض عن الحق عنادا واستكبارا والانغمار في شهوات النفس ليس ~~إلا رضى منهم بما هم عليه واستحسانا منهم لصنعهم. # قوله تعالى: "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه" تعريف ثان وتفسير بعد ~~تفسير للأخسرين أعمالا، والمراد بالآيات - على ما يقتضيه إطلاق الكلمة - ~~آياته تعالى في الآفاق والأنفس وما يأتي به الأنبياء والرسل من المعجزات ~~لتأييد رسالتهم فالكفر بالآيات كفر بالنبوة، على أن النبي نفسه من الآيات، ~~والمراد بلقاء الله الرجوع إليه وهو المعاد. PageV13P206 # فآل تعريف الأخسرين أعمالا إلى أنهم المنكرون للنبوة والمعاد وهذا من خواص ~~الوثنيين. # قوله تعالى: "فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" وجه حبط ~~أعمالهم أنهم لا يعملون عملا لوجه الله ولا يريدون ثواب الدار الآخرة ~~وسعادة حياتها ولا أن الباعث لهم على العمل ذكر يوم الحساب وقد مر كلام في ~~الحبط في مباحث الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب. # وقوله: "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" تفريع على حبط أعمالهم والوزن ~~يوم القيامة بثقل الحسنات على ما يدل عليه قوله تعالى: "والوزن يومئذ الحق ~~فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم": الأعراف: 9، وإذ لا حسنة للحبط فلا ثقل فلا وزن. # قوله تعالى: "ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا" ~~الإشارة إلى ما أورده من وصفهم واسم الإشارة خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: ~~الأمر ذلك أي حالهم ما وصفناه وهو تأكيد وقوله: "جزاؤهم جهنم" كلام مستأنف ~~ينبىء عن عاقبة أمرهم. # وقوله: "بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا" في معنى بما كفروا وازدادوا ~~كفرا باستهزاء آياتي ورسلي. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا" الفردوس يذكر ويؤنث قيل: هي البستان بالرومية، وقيل: الكرم بالنبطية ~~وأصله فرداسا، وقيل: جنة الأعناب بالسريانية، وقيل الجنة بالحبشية، وقيل: ~~عربية وهي الجنة الملتفة بالأشجار ms5098 والغالب عليه الكرم. # وقد استفاد بعضهم من عده جنات الفردوس نزلا وقد عد سابقا جهنم للكافرين ~~نزلا أن وراء الجنة والنار من الثواب والعقاب ما لم يوصف بوصف وربما أيده ~~أمثال قوله تعالى: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35 وقوله: "فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين": الم السجدة: 17، وقوله: "وبدا لهم من ~~الله ما لم يكونوا يحتسبون". # قوله تعالى: "خالدين فيها لا يبغون عنها حولا" البغي الطلب، والحول ~~التحول، والباقي ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال: سمعت علي بن أبي ~~طالب وسأله ابن الكوا فقال: من "هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا" قال: فجرة قريش. # وفي تفسير العياشي، عن إمام بن ربعي قال: قال ابن الكوا إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن قول الله: "قل هل ننبئكم إلى قوله ~~صنعا" قال: أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم، وابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم ~~وما أهل النهر منهم ببعيد. # أقول: وروي أنهم النصارى، القمي عن أبي جعفر (عليه السلام) والطبرسي في ~~الاحتجاج، عن علي (عليه السلام): أنهم أهل الكتاب وفي الدر المنثور، عن ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي خميصة عبد الله بن قيس عن علي (عليه السلام): ~~أنهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري. # والروايات جميعا من قبيل الجري، والآيتان واقعتان في سياق متصل وجه ~~الكلام فيه مع المشركين، والآية الثالثة "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه" الآية وهي تفسير الثانية أوضح انطباقا على الوثنيين منها على غيرهم ~~كما مر فما عن القمي في تفسيره في ذيل الآية أنها نزلت في اليهود وجرت في ~~الخوارج ليس بصواب. # في تفسير البرهان، عن محمد بن العباس بإسناده عن الحارث عن علي (عليه ~~السلام) قال: لكل شيء ذروة وذروة الجنة الفردوس، وهي لمحمد وآل محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ms5099 إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ~~فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. # وفي المجمع، روى عبادة بن الصامت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس ~~أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه ~~الفردوس. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر. PageV13P207 # في تفسير القمي، عن جعفر بن أحمد عن عبيد الله بن موسى عن الحسن بن علي بن ~~أبي حمزة عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: ~~قلت قوله: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - كانت لهم جنات الفردوس نزلا" ~~قال: نزلت في أبي ذر وسلمان والمقداد وعمار بن ياسر جعل الله لهم جنات ~~الفردوس نزلا أي مأوى ومنزلا. # أقول: وينبغي أن يحمل على الجري أو المراد نزولها في المؤمنين حقا وإنما ~~ذكر الأربعة لكونهم من أوضح المصاديق وإلا فالسورة مكية وسلمان رضي الله ~~عنه ممن آمن بالمدينة. PageV13P208 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 109 # على أن سند الحديث لا يخلو عن وهن قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمت ربى ولو جئنا بمثله مددا (109) ### |||| AUTO بيان # الآية بيان مستقل لسعة كلمات الله تعالى وعدم قبولها النفاد، وليس من ~~البعيد أن تكون نازلة وحدها لا في ضمن آيات السورة لكنها لو كانت نازلة في ~~ضمن آياتها كانت مرتبطة بجميع ما بحثت عنه السورة. # وذلك أن السورة أشارت في أولها إلى أن هناك حقائق إلهية وذكرت أولا في ~~تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حزنه من إعراضهم عن الذكر أن ~~عامتهم في رقدة عن التنبه لها وسيستيقظون عن نومتهم، وأورد في ذلك قصة ~~أصحاب الكهف ثم ذكر بأمور أورد في ذيلها قصة موسى والخضر حيث شاهد موسى عنه ~~أعمالا ذات تأويل لم يتنبه لتأويلها وأغفله ظاهرها عن باطنها حتى بينها له ~~الخضر فسكن عند ذلك قلقه ثم أورد ms5100 قصة ذي القرنين والسد الذي ضربه بأمر من ~~الله في وجه المفسدين من يأجوج ومأجوج فحجزهم عن ورود ما وراءه والإفساد فيه. # فهذه - كما ترى - أمور تحتها حقائق وأسرار وبالحقيقة كلمات تكشف عن مقاصد ~~إلهية وبيانات تنبىء عن خبايا يدعو الذكر الحكيم الناس إليها، والآية - ~~والله أعلم - تنبىء أن هذه الأمور وهي كلماته تعالى المنبئة عن مقاصده لا ~~تنفد والآية في وقوعها بعد استيفاء السورة ما استوفتها من البيان بوجه مثل ~~قول القائل وقد طال حديثه: ليس لهذا الحديث منتهى فلنكتف بما أوردناه. # قوله تعالى: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي" إلى آخر الآية، الكلمة ~~تطلق على الجملة كما تطلق على المفرد ومنه قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله": الآية آل عمران: 64 ~~وقد استعملت كثيرا في القرآن الكريم فيما قاله الله وحكم به كقوله: "وتمت ~~كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا": الأعراف: 137، وقوله: "كذلك ~~حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون": يونس: 33، وقوله: "ولو لا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم": يونس: 19 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدا. # ومن المعلوم أنه تعالى لا يتكلم بشق الفم وإنما قوله فعله وما يفيضه من ~~وجود كما قال: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون": النحل: ~~40 وإنما تسمى كلمة لكونها آية دالة عليه تعالى ومن هنا سمي المسيح كلمة في ~~قوله: "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته": النساء: 171. # ومن هنا يظهر أنه ما من عين يوجد أو واقعة تقع إلا وهي من حيث كونها آية ~~دالة عليه كلمة منه إلا أنها خصت في عرف القرآن بما دلالته ظاهرة لا خفاء ~~فيها ولا بطلان ولا تغير كما قال: "والحق أقول": ص: 84 وقال: "ما يبدل ~~القول لدي": ق: 29 وذلك كالمسيح (عليه السلام) وموارد القضاء المحتوم. # ومن هنا يظهر أن حمل الكلمات في الآية على معلوماته أو مقدوراته تعالى أو ms5101 ~~مواعده لأهل الثواب والعقاب إلى غير ذلك مما ذكره المفسرون غير سديد. # فقوله: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي" أي فرقمت الكلمات وأثبتت من ~~حيث دلالتها بذاك البحر المأخوذ مدادا لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي. # وقوله: "ولو جئنا بمثله مددا" أي ولو أمددناه ببحر آخر لنفد أيضا قبل أن ~~تنفد كلمات ربي. # وذكر بعضهم: أن المراد بمثله جنس المثل لا مثل واحد، وذلك لأن المثل كلما ~~أضيف إلى الأصل لم يخرج عن التناهي، وكلماته يعني معلوماته غير متناهية ~~والمتناهي لا يضبط غير المتناهي انتهى ملخصا. # وما ذكره حق لكن لا لحديث التناهي واللاتناهي وإن كانت الكلمات غير ~~متناهية بل لأن الحقائق المدلول عليها والكلمات من حيث دلالتها غالبة على ~~المقادير كيف؟ وكل ذرة من ذرات البحر وإن فرض ما فرض لا تفي بثبت دلالة ~~نفسها في مدى وجودها على ما تدل عليه من جماله وجلاله تعالى فكيف إذا أضيف ~~إليها غيرها؟. # وفي تكرار "البحر" في الآية بلفظه وكذا "ربي" وضع الظاهر موضع المضمر ~~والنكتة فيه التثبيت والتأكيد وكذا في تخصيص الرب بالذكر وإضافته إلى ضمير ~~المتكلم مع ما فيه من تشريف المضاف إليه. PageV13P209 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~الآية قال: أخبرك أن كلام الله ليس له آخر ولا غاية ولا ينقطع أبدا. # أقول: في تفسيره الكلمات بالكلام تأييد لما قدمناه. PageV13P210 ### ||| AUTO 18 سورة الكهف - 110 # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله وحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) ### |||| AUTO بيان # الآية خاتمة السورة وتلخص غرض البيان فيها وقد جمعت أصول الدين الثلاثة ~~وهي التوحيد والنبوة والمعاد فالتوحيد ما في قوله: "إنما إلهكم إله واحد" ~~والنبوة ما في قوله "إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي" وقوله: "فليعمل عملا ~~صالحا" إلخ والمعاد ما في قوله "فمن كان يرجوا لقاء ربه". # قوله تعالى: "قل إنما أنا بشر ms5102 مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد" القصر ~~الأول قصره (صلى الله عليه وآله وسلم) في البشرية المماثلة لبشرية الناس لا ~~يزيد عليهم بشيء ولا يدعيه لنفسه قبال ما كانوا يزعمون أنه إذا ادعى النبوة ~~فقد ادعى كينونة إلهية وقدرة غيبية ولذا كانوا يقترحون عليه بما لا يعلمه ~~إلا الله ولا يقدر عليه إلا الله لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) نفى ذلك ~~كله بأمر الله عن نفسه ولم يثبت لنفسه إلا أنه يوحى إليه. # والقصر الثاني قصر الإله الذي هو إلههم في إله واحد وهو التوحيد الناطق ~~بأن إله الكل إله واحد. # وقوله: "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل" إلخ مشتمل على إجمال الدعوة ~~الدينية وهو العمل الصالح لوجه الله وحده لا شريك له وقد فرعه على رجاء ~~لقاء الرب تعالى وهو الرجوع إليه إذ لو لا الحساب والجزاء لم يكن للأخذ ~~بالدين والتلبس بالاعتقاد والعمل موجب يدعو إليه كما قال تعالى: "إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص: 26. # وقد رتب على الاعتقاد بالمعاد العمل الصالح وعدم الإشراك بعبادة الرب لأن ~~الاعتقاد بالوحدانية مع الإشراك في العمل متناقضان لا يجتمعان فالإله تعالى ~~لو كان واحدا فهو واحد في جميع صفاته ومنها المعبودية لا شريك له فيها. # وقد رتب الأخذ بالدين على رجاء المعاد دون القطع به لأن احتماله كاف في ~~وجوب التحذر منه لوجوب دفع الضرر المحتمل، وربما قيل: إن المراد باللقاء ~~لقاء الكرامة وهو مرجو لا مقطوع به. # وقد فرع رجاء لقاء الله على قوله: "إنما إلهكم إله واحد" لأن رجوع العباد ~~إلى الله سبحانه من تمام معنى الألوهية فله تعالى كل كمال مطلوب وكل وصف ~~جميل ومنها فعل الحق والحكم بالعدل وهما يقتضيان رجوع عباده إليه والقضاء ~~بينهم قال تعالى: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: ms5103 28. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر من ~~طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جندب بن ~~زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لمقالة الناس ~~فلامه الله فنزل في ذلك "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا - ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا". # أقول: وورد نحو منه في عدة روايات أخر من غير ذكر الاسم وينبغي أن يحمل ~~على انطباق الآية على المورد فمن المستبعد أن ينزل خاتمة سورة من السور ~~لسبب خاص بنفسها. # وفيه، عن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن ربكم يقول: أنا خير شريك فمن أشرك معي في عمله أحدا من خلقي ~~تركت العمل كله له، ولم أقبل إلا ما كان لي خالصا ثم قرأ النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا - ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا". # وفي تفسير العياشي، عن علي بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~الله تبارك وتعالى: أنا خير شريك من أشرك بي في عمله لم أقبله إلا ما كان ~~لي خالصا. # قال العياشي: وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) قال: إن الله يقول: أنا ~~خير شريك من عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له دوني. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه والحاكم وصححه ~~والبيهقي عن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يقول: من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد ~~أشرك ثم قرأ "فمن كان يرجوا لقاء ربه" الآية. PageV13P211 # وفي تفسير العياشي، عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) قالا: لو أن عبدا عمل عملا يطلب به رحمة الله والدار الآخرة ثم ~~أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا. ms5104 # أقول: والروايات في هذا الباب من طرق الشيعة وأهل السنة فوق حد الإحصاء ~~والمراد بالشرك فيها الشرك الخفي غير المنافي لأصل الإيمان بل لكماله قال ~~تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106 فالآية تشمله ~~بباطنها لا بتنزيلها. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي حكيم قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف ~~لكفتهم. # أقول: تقدم وجهه في البيان السابق. # تم والحمد لله. PageV13P212 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الرابع عشر PageV14P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 1 - 15 # بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ~~ربه نداء خفيا (3) قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا (4) وإنى خفت المولى من وراءى وكانت امرأتى عاقرا فهب لى من ~~لدنك وليا (5) يرثنى ويرث من ءال يعقوب واجعله رب رضيا (6) يزكريا إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لى غلم ~~وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو على ~~هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا ~~تكلم الناس ثلث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا (11) ييحيى خذ الكتب بقوة وءاتينه الحكم صبيا (12) وحنانا ~~من لدنا وزكوة وكان تقيا (13) وبرا بولديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلم ~~عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة على ما ينبىء عنه قوله تعالى في آخرها: "فإنما يسرناه بلسانك ~~لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" إلخ، هو التبشير والإنذار غير أنه ساق ~~الكلام في ذلك سوقا بديعا فأشار أولا إلى قصة زكريا ويحيى وقصة مريم وعيسى ~~وقصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وقصة موسى وهارون وقصة إسماعيل وقصة إدريس وما ~~خصهم به من نعمة الولاية كالنبوة والصدق والإخلاص ثم ذكر ms5105 أن هؤلاء الذين ~~أنعم عليهم كان المعروف من حالهم الخضوع والخشوع لربهم لكن أخلافهم أعرضوا ~~عن ذلك وأهملوا أمر التوجه إلى ربهم واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ويضل ~~عنهم الرشد إلا أن يتوب منهم تائب ويرجع إلى ربه فإنه يلحق بأهل النعمة. # ثم ذكر نبذة من هفوات أهل الغي وتحكماتهم كنفي المعاد، وقولهم: اتخذ الله ~~ولدا، وعبادتهم الأصنام، وما يلحقهم بذلك من النكال والعذاب. # فالبيان في السورة أشبه شيء ببيان المدعى بإيراد أمثلته كأنه قيل: إن ~~فلانا وفلانا وفلانا الذين كانوا أهل الرشد والموهبة كانت طريقتهم الانقلاع ~~عن شهوات النفس والتوجه إلى ربهم وسبيلهم الخضوع والخشوع إذا ذكروا بآيات ~~ربهم فهذا طريق الإنسان إلى الرشد والنعمة لكن أخلافهم تركوا هذا الطريق ~~بالإعراض عن صالح العمل، والإقبال على مذموم الشهوة ولا يؤديهم ذلك إلا إلى ~~الغي خلاف الرشد، ولا يقرهم إلا على باطل القول كنفي الرجوع إلى الله ~~وإثبات الشركاء لله وسد طريق الدعوة ولا يهديهم إلا إلى النكال والعذاب. # فالسورة كما ترى تفتح بذكر أمثلة ثم تعقبها باستخراج المعنى الكلي ~~المطلوب بيانه وذلك قوله: "أولئك الذين أنعم الله عليهم" الآيات، فالسورة ~~تقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأهل ~~الاجتباء والهدى. # وأهل الغي، والذين تابوا وآمنوا وعملوا صالحا وهم ملحقون بأهل النعمة ~~والرشد ثم تذكر ثواب التائبين المسترشدين وعذاب الغاوين وهم قرناء الشياطين ~~وأولياؤهم. # والسورة مكية بلا ريب تدل على ذلك مضامين آياتها وقد نقل على ذلك اتفاق ~~المفسرين. # قوله تعالى: "كهيعص" قد تقدم في تفسير أول سورة الأعراف أن السور ~~القرآنية المصدرة بالحروف المقطعة لا تخلو من ارتباط بين مضامينها وبين تلك ~~الحروف فالحروف المشتركة تكشف عن مضامين مشتركة. # ويؤيد ذلك ما نجده من المناسبة والمجانسة بين هذه السورة وسورة ص في سرد ~~قصص الأنبياء، وسيوافيك بحث جامع إن شاء الله في روابط مقطعات الحروف ~~ومضامين السور التي صدرت بها، وكذا ما بين السور المشتركة في بعض هذه ~~الحروف كهذه السورة وسورة يس وقد اشتركتا ms5106 في الياء، وهذه السورة وسورة ~~الشورى وقد اشتركتا في العين. PageV14P002 # قوله تعالى: "ذكر رحمة ربك عبده زكريا" ظاهر السياق أن الذكر خبر لمبتدء ~~محذوف والمصدر بمعنى المفعول، والمال بحسب التقدير: هذا خبر رحمة ربك ~~المذكور، والمراد بالرحمة استجابته سبحانه دعاء زكريا على التفصيل الذي قصة ~~بدليل قوله تلوا: "إذ نادى ربه". # قوله تعالى: "إذ نادى ربه نداء خفيا" الظرف متعلق بقوله: "رحمة ربك" ~~والنداء والمناداة الجهر بالدعوة خلاف المناجاة، ولا ينافيه توصيفه بالخفاء ~~لإمكان الجهر بالدعوة في خلاء من الناس لا يسمعون معه الدعوة، ويشعر بذلك ~~قوله الآتي: "فخرج على قومه من المحراب". # وقيل: إن العناية في التعبير بالنداء أنه تصور نفسه بعيدا منه تعالى ~~بذنوبه وأحواله السيئة كما يكون حال من يخاف عذابه. # قوله تعالى: "قال رب إني وهن العظم مني" إلى آخر الآية، تمهيد لما سيسأله ~~وهو قوله: "فهب لي من لدنك وليا". # وقد قدم قوله: "رب" للاسترحام في مفتتح الدعاء، والتأكيد بإن للدلالة على ~~تحققه بالحاجة، والوهن هو الضعف ونقصان القوة وقد نسبه إلى العظم لأنه ~~الدعامة التي يعتمد عليها البدن في حركته وسكونه، ولم يقل: العظام مني ولا ~~عظمي للدلالة على الجنس وليأتي بالتفصيل بعد الإجمال. # وقوله: "واشتعل الرأس شيبا" الاشتعال انتشار شواظ النار ولهيبها في الشيء ~~المحترق قال في المجمع،: وقوله: "واشتعل الرأس شيبا" من أحسن الاستعارات ~~والمعنى اشتعل الشيب في الرأس وانتشر، كما ينتشر شعاع النار، وكان المراد ~~بالشعاع الشواظ واللهيب. # وقوله: "ولم أكن بدعائك رب شقيا" الشقاوة خلاف السعادة، وكان المراد بها ~~الحرمان من الخير وهو لازم الشقاوة أو هو هي، وقوله: "بدعائك" متعلق بالشقي ~~والباء فيه للسببية أو بمعنى في والمعنى وكنت سعيدا بسبب دعائي إياك كلما ~~دعوتك استجبت لي من غير أن تشقيني وتحرمني، أو لم أكن محروما خائبا في ~~دعائي إياك عودتني الإجابة إذا دعوتك والتقبل إذا سألتك، والدعاء على أي ~~حال مصدر مضاف إلى المفعول. # وقيل: إن "دعائك" مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى لم أكن بدعوتك إياي إلى ~~العبودية ms5107 والطاعة شقيا متمردا غير مطيع بل عابدا لك مخلصا في طاعتك والمعنى ~~الأول أظهر. # وفي تكرار قوله: "رب" ووضعه متخللا بين اسم كان وخبره في قوله: "ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا" من البلاغة ما لا يقدر بقدر، ونظيره قوله: "واجعله رب رضيا". # قوله تعالى: "وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا" تتمة ~~التمهيد الذي قدمه لدعائه، والمراد بالموالي العمومة وبنو العم، وقيل: ~~الكلالة وقيل: العصبة، وقيل: بنو العم فحسب، وقيل: الورثة، وكيف كان فهم ~~غير الأولاد من صلب والمراد خفت فعل الموالي من ورائي أي بعد موتي وكان ~~(عليه السلام) يخاف أن يموت بلا عقب من نسله فيرثوه، وهو كناية عن خوفه أن ~~يموت بلا عقب. # وقوله: "وكانت امرأتي عاقرا" العاقر المرأة التي لا تلد يقال: امرأة عاقر ~~لا تلد ورجل عاقر لا يولد له ولد. # وفي التعبير بقوله: "وكانت امرأتي" دلالة على أن امرأته على كونها عاقرا ~~جازت حين الدعاء سن الولادة. # وظاهر عدم تكرار أن في قوله: "وكانت امرأتي" إلخ أن الجملة حالية ومجموع ~~الكلام أعني قوله: "وإني خفت إلى قوله: عاقرا" فصل واحد أريد به أن كون ~~امرأتي عاقرا اقتضى أن أخاف الموالي من ورائي وبعد وفاتي، فمجموع ما مهده ~~للدعاء يئول إلى فصلين أحدهما أن الله سبحانه عوده الاستجابة مدى عمره حتى ~~شاخ وهرم والآخر أنه خاف الموالي بعد موته من جهة عقر امرأته، ويمكن تصوير ~~الكلام فصولا ثلاثة بأخذ كل من شيخوخته وعقر امرأته فصلا مستقلا. # قوله تعالى: "فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب ~~رضيا" هذا هو الدعاء، وقد قيد الموهبة الإلهية التي سألها بقوله: "من لدنك" ~~لكونه آيسا من الأسباب العادية التي كانت عنده وهي نفسه وقد صار شيخا هرما ~~ساقط القوى. # وامرأته وقد شاخت وكانت قبل ذلك عاقرا. PageV14P003 # وولي الإنسان من يلي أمره، وولي الميت هو الذي يقوم بأمره ويخلفه فيما ترك، ~~وآل الرجل خاصته الذين يئول إليه أمرهم كولده وأقاربه وأصحابه وقيل: أصله ~~أهل، والمراد ms5108 بيعقوب على ما قيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهما ~~السلام)، وقيل هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم وكانت امرأة ~~زكريا أخت مريم وعلى هذا يكون معنى قوله: "يرثني ويرث من آل يعقوب" يرثني ~~ويرث امرأتي وهي بعض آل يعقوب، والأشبه حينئذ أن تكون "من" في قوله: "من آل ~~يعقوب" للتبعيض وإن صح كونها ابتدائية أيضا. # وقوله: "واجعله رب رضيا" الرضي بمعنى المرضي، وإطلاق الرضا يقتضي شموله ~~للعلم والعمل جميعا فالمراد به المرضي في اعتقاده وعمله أي اجعله رب محلى ~~بالعلم النافع والعمل الصالح. # وقد قص الله سبحانه هذه القصة في سورة آل عمران وهي مدنية متأخرة نزولا ~~عن سورة مريم المكية بقوله في ذيل قصة مريم "فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعاء": آل عمران: 38. # ولا يرتاب المتدبر في الآيتين أن الذي دعا زكريا ودفعه إلى دعائه بما دعا ~~هو ما شاهده من حال مريم وكرامتها على الله سبحانه في عبوديتها وإخلاصها ~~العمل فأحب أن يخلفه خلف له من القرب والكرامة ما شاهد مثله في مريم ثم ذكر ~~ما هو عليه من الشيب ونفاد القوة وما عليه امرأته من كبر السن والعقر وله ~~موال لا يرتضيهم فوجد لذلك وهو ذاكر ما عوده ربه من استجابة الدعوة وكفاية ~~كل مهمة ففزع إلى ربه بالدعاء واستيهاب ذرية طيبة. # فقوله في سورة آل عمران: "رب هب لي من لدنك ذرية طيبة" بحذاء قوله في ~~سورة مريم: "فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا" ~~وقوله هناك: "طيبة" بحذاء قوله هنا: "واجعله رب رضيا" والمراد به ما شاهده ~~من القرب والكرامة عند الله لمريم وعملها الصالح فيبقى قوله هناك: "هب لي ms5109 ~~من لدنك ذرية"، بحذاء قوله هنا: "فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل ~~يعقوب" وهو يفسره فالمراد بقوله: "وليا يرثني" إلخ، ولد صلبي يرثه. # ومن هنا يظهر فساد ما قيل: إنه (عليه السلام) طلب بقوله: "فهب لي من لدنك ~~وليا يرثني" إلخ، من يقوم مقامه ويرثه ولدا كان أو غيره، وكذا ما قيل: إنه ~~أيس أن يولد له من امرأته فطلب من يرثه ويقوم مقامه من سائر الناس. # وذلك لصراحة قوله في نفس القصة في سورة آل عمران: "رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة" في طلب الولد. # على أن التعبير بمثل "هب لي" المشعر بنوع من الملك لا يستقيم في سائر ~~الناس من الأجانب وإنما الملائم له التعبير بالجعل ونحوه كما في قوله ~~تعالى: "واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا": النساء: 75. # ومن هنا يظهر أيضا أن المراد بقوله: "وليا يرثني" الولد كما عبر عنه في ~~آية آل عمران بالذرية فالمراد بالولي الذرية وهو ولي في الإرث، والمراد ~~بالوراثة وراثة ما تركه الميت من الأموال وأمتعة الحياة، وهو المتبادر إلى ~~الذهن من الإرث بلا ريب إما لكونه حقيقة في المال ونحوه مجازا في غيره ~~كالإرث المنسوب إلى العلم وسائر الصفات والحالات المعنوية وإما لكونه ~~منصرفا إلى المال إن كان حقيقة في الجميع فاللفظ على أي حال ظاهر في وراثة ~~المال ويتعين بانضمامه إلى الولي كون المراد به الولد، ويزيد في ظهوره في ~~ذلك قوله قبل: "وإني خفت الموالي من ورائي" على ما سيأتي من البيان إن شاء الله. # وأما قول من قال: إن المراد به وراثة النبوة وأنه طلب من ربه أن يهب له ~~ولدا يرثه النبوة فيدفعه ما عرفت آنفا أن الذي دعاه (عليه السلام) إلى هذا ~~الدعاء والمسألة هو ما شاهده من مريم ولا خبر في ذلك عن النبوة ولا أثر فأي ~~رابطة بين أن يشاهد منها عبادة وكرامة فيعجبه ذلك وبين أن يطلب من ربه ولدا ~~يرثه النبوة؟. PageV14P004 # على أن النبوة ms5110 مما لا يورث بالنسب وهو ظاهر ولو أصلح ذلك بأن المراد ~~بالوراثة مجرد إتيان نبي بعد نبي أو ظهور نبي من ذرية نبي بنوع من العناية ~~مجازا ظهر الإشكال من جهة أخرى وهي عدم ملائمة ذلك قوله بعد: "واجعله رب ~~رضيا" إذ لا معنى لقول القائل: هب لي ولدا نبيا واجعله رضيا، ولو حمل على ~~التأكيد كان من تأكيد الشيء بما هو دونه، وكذا احتمال أن يكون المراد ~~بالرضى المرضي عند الناس لمنافاته إطلاق المرضي كما تقدم مع عدم مناسبته ~~لداعيه كما مر. # ويقرب منه في الفساد قول من قال: إن المراد به وراثة العلم وأنه طلب من ~~ربه أن يهب له ولدا يرثه علمه، إذ لا معنى لأن يشاهد زكريا من مريم عبادة ~~وكرامة فيعجبه ذلك فيطلب من ربه ولدا يرثه علمه من دون أي مناسبة بين ~~الداعي والمدعو إليه. # والقول بأن المراد بالوراثة وراثة العلم وبقوله: "واجعله رب رضيا" العمل ~~الصالح ومجموع العلم النافع والعمل الصالح يقرب مما شاهده من مريم من ~~الإخلاص والعبادة والكرامة. # يدفعه أن قوله: "واجعله رب رضيا" يكفي وحده في الدلالة على طلب العلم ~~النافع والعمل الصالح لمكان الإطلاق، وإنما الإنسان المحسن عملا مع الغض عن ~~العلم مرضي العمل ولا يسمى مرضيا مطلقا البتة، ونظير ذلك القول بأن المراد ~~بالرضى المرضي عند الناس. # ويقرب منه في الفساد احتمال أن يكون المراد بالوراثة وراثة التقوى ~~والكرامة وأنه طلب من ربه أن يهب له ولدا يرث ما له من القرب والمنزلة عند ~~الله إذ المناسب لذلك أن يطلب ولدا له ما لمريم من القرب والكرامة أو مطلق ~~القرب والكرامة لا أن يطلب ولدا ينتقل إليه ما لنفسه من القرب والكرامة. # على أنه لا يلائمه قوله: "وإني خفت الموالي من ورائي" إذ ظاهر السياق أنه ~~يطلب ولدا يرثه وينتقل إليه ما لولاه لانتقل ذلك إلى الموالي وهو يخاف منهم ~~أن يتلبسوا بذلك بعد وفاته، ولا معنى لأن يخاف (عليه السلام) تلبس مواليه ~~بالقرب والمنزلة واتصافهم بالتقوى والكرامة ms5111 لا قبل وفاته ولا بعدها فساحة ~~الأنبياء أنزه وأطهر من هذه الضنة ولا أمنية لهم إلا صلاح الناس وسعادتهم. # وقول بعضهم إن مواليه (عليه السلام) كانوا شرار بني إسرائيل فخاف أن لا ~~يحسنوا خلافته في أمته بعده، فيه أن هذه الخلافة إن كانت خلافة باطنية ~~إلهية فهي مما لا يورث بالنسب قطعا، على أنها لا تخطىء المورد الصالح لها ~~ولا يتلبس بها إلا أهلها ولا وجه للخوف من ذلك، وإن كانت خلافة ظاهرية ~~دنيوية تورث بالنسب ونحوه فهي قنية اجتماعية ومن أمتعة الحياة الدنيا نظير ~~المال فلا جدوى لصرف الوراثة في الآية عن وراثة المال إلى وراثة الخلافة ~~والملك. # على أن يحيى (عليه السلام) لم يتقلد من هذه الخلافة والملك شيئا حتى يكون ~~هو ميراثه الذي منع موالي أبيه أن يرثوه منه، ولم يكن لبني إسرائيل ملك في ~~زمن زكريا ويحيى بل كانت الروم مستولية عليهم حاكمة فيهم. # فإن قلت: يؤيد حمل الوراثة في الآية على وراثة العلم ونحوه دون المال أنه ~~ليس في الأنظار العالية والهمم العليا للنفوس القدسية التي انقطعت من ~~تعلقات هذا العالم المنقطع الفاني واتصلت بالعالم الباقي ميل إلى المتاع ~~الدنيوي قدر جناح بعوضة لا سيما زكريا (عليه السلام) فإنه كان مشهورا بكمال ~~الانقطاع والتجرد فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له ~~في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف ويستدعي من ~~ربه ذلك النحو من الاستدعاء وهو يدل على كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا ~~وزخارفها. # والقول بأنه خاف أن يصرف مواليه ماله بعد موته فيما لا ينبغي فطلب لذلك ~~عن ربه وارثا مرضيا فاسد فإنه إذا مات الرجل وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر ~~صار المال مال الوارث فصرفه على ذمته صوابا أو خطأ ولا مؤاخذة في ذلك على ~~الميت ولا عتاب. # مع أن دفع هذا الخوف كان ميسرا له (عليه السلام) بأن يصرفه قبل موته ~~ويتصدق به كله في سبيل الله ويترك بني عمه الأشرار خائبين لسوء ms5112 أحوالهم ~~وقبح أفعالهم فليس قصده (عليه السلام) من مسألة الولد سوى إجراء أحكام الله ~~تعالى وترويج الشريعة وبقاء النبوة في أولاده. PageV14P005 # قلت: الإشكال مبني على كون قوله: "فهب لي من لدنك وليا يرثني" مسوقا لبيان ~~طلب الوراثة المالية لولده والواقع خلافه فليس المقصود من قوله: "وليا ~~يرثني" بالقصد الأول إلا طلب الولد كما هو الظاهر أيضا من قوله في سورة آل ~~عمران: "هب لي من لدنك ذرية" وقوله في موضع آخر: "رب لا تذرني فردا": ~~الأنبياء: 89. # وإنما قوله: "يرثني" قرينة معينة لكون المراد بالولي في الكلام ولاية ~~الإرث التي تنطبق على الولد لكون الولاية معنى عاما ذا مصاديق مختلفة لا ~~يتعين واحد منها إلا بقرينة معينة كما قيدت بالنصرة في قوله: "وما كان لهم ~~من أولياء ينصرونهم": الشورى: 46، والمراد به ولاية النصرة، وقيدت بالأمر ~~والنهي في قوله: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر": التوبة: 71، والمراد ولاية التدبير. # إلى غير ذلك. # ولو لا أن المراد به الوراثة المالية وأنها قرينة معينة لم يبق في الكلام ~~ما يدل على طلب الولد الذي هو المقصود الأصلي بالدعاء فإن وراثة العلم أو ~~النبوة أو العبادة والكرامة لا إشعار فيها بكون الوارث هو الولد كما اعترف ~~به بعض من حمل الوراثة في الآية على شيء من هذه المعاني فيبقى الدعاء خاليا ~~عن الدلالة على المطلوب الأصلي وكفى به سقوطا للكلام. # وبالجملة، العناية إنما هي متعلقة بإفادة طلب الولد، وأما الوراثة ~~المالية فليست مقصودة بالقصد الأول وإنما هي قرينة معينة لكون المراد ~~بالولي هو الولد نعم هي في نفسها تدل على أنه لو كان له ولد لورثه ماله، ~~وليس في ذلك ولا في قوله: "وإني خفت الموالي من ورائي" وحاله حال قوله: ~~"وليا يرثني" دلالة على تعلق قلبه (عليه السلام) بالدنيا الفانية ولا ~~بزخارف حياتها التي هي متاع الغرور. # وأما طلب الولد فهو مما فطر الله عليه النوع الإنساني سواء في ذلك الصالح ~~والطالح والنبي ومن دونه وقد جهز الجميع بجهاز التوالد ms5113 والتناسل وغرز فيهم ~~ما يدعوهم إليه، فالواحد منهم لو لم ينحرف طباعه ينساق إلى طلب الولد ويرى ~~بقاء ولده بعده بقاء لنفسه واستيلاءهم على ما كان مستوليا عليه من أمتعة ~~الحياة - وهذا هو الإرث - استيلاء نفسه وعيش شخصه هذا. # والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري ولا ذمت هذه الداعية الغريزية ~~بل مدحته وندبت إليه، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك كقوله ~~تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): "رب هب لي من الصالحين": الصافات: ~~100، وقوله: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع ~~الدعاء": إبراهيم: 39"، وقوله حكاية عن المؤمنين: "ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين": الفرقان: 74 إلى غير ذلك من الآيات. # فإن قلت: ما تقدم من الوجه في معنى الوراثة كان مبنيا على أن يستفاد من ~~قوله: "هنالك دعا زكريا ربه" الآية، أن الذي دعاه إلى طلب الولد هو ما ~~شاهده من عبادة مريم وكرامتها عند الله سبحانه فأحب أن يرزق ولدا يماثلها ~~في العبادة والكرامة لكن يمكن أن يكون داعيه غير ذلك فقد ورد في بعض الآثار ~~أن زكريا كان يجد عند مريم فواكه في غير موسمها ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة ~~الصيف في الشتاء فقال في نفسه: إذا كان الله لا يعز عليه أن يرزقها ثمرة ~~الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء لم يعز عليه أن يرزقني ولدا في غير ~~وقته وأنا شيخ فان وامرأتي عاقر فقال: هب لي من لدنك وليا يرثني". # فمشاهدة الثمرة في غير موسمها بعثه إلى طلب الولد في غير وقته لكن هذا ~~النبي الكريم أجل من أن يطلب الولد ليرث ماله فهو إنما طلبه ليرث النبوة أو ~~العلم أو العبادة والكرامة. PageV14P006 # قلت: لا دليل من جهة السياق اللفظي على كون المراد بالرزق في قوله: "كلما ~~دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من ~~عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" هي الثمرة في ms5114 غير موسمها، وأن ~~الذي دعا زكريا (عليه السلام) إلى طلب الولد مشاهدة ذلك أو قول مريم: "إن ~~الله يرزق من يشاء بغير حساب" ولو كان كذلك لكانت الإشارة إليه بوجه أبلغ ~~بل ظاهر السياق وخاصة صدر الآية "فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا" أن العناية بإفادة كون مريم ذات كرامة عند ربها يرزقها لا من طريق ~~الأسباب العادية فهذا هو الداعي لزكريا (عليه السلام) إلى طلب ذرية طيبة ~~وولد رضي. # ولو سلم ذلك كان مقتضاه أن ينبعث زكريا بالقصد الأول إلى طلب الذرية ~~والولد وإذ كان نبيا كريما لا إربة له في غير الولد الصالح دعا ثانيا أن ~~يكون طيبا مرضيا كما يدل عليه استئناف الدعاء بقوله: "واجعله رب رضيا" ~~والتقييد بالطيب في قوله: "ذرية طيبة". # وقد أفاد مقصوده هذا على ما حكى عنه في سورة آل عمران بقوله: "هب لي من ~~لدنك ذرية" وفي هذه السورة بعد تقديم ذكر شيخوخته وعقر امرأته وخوفه ~~الموالي بقوله: "فهب لي من لدنك وليا يرثني" فالمراد بقوله: "وليا يرثني" ~~هو الولد بلا شك، وقد عبر عنه وأشير إليه بعنوان ولاية الإرث. # وولاية الوراثة التي تصلح أن تكون عنوانا معرفا للولد هي ما يختص به من ~~ولاية وراثة التركة، وأما ولاية وراثة النبوة لو جازت تسميتها ولاية وراثة ~~وكذا ولاية وراثة العلم كما يرث التلميذ علم أستاذه وكذا ولاية وراثة ~~المقامات المعنوية والكرامات الإلهية فهذه الولايات أجنبية عن النسب ~~والولادة ربما جامعتها وربما فارقتها فلا تصلح أن تجعل معرفة ومرآة لها إلا ~~مع قرينة قوية، وليس في الكلام ما يصلح لذلك، وكل ما فرض صالحا له فهو صالح ~~لخلافه فيكون قد أهمل في الدعاء ما هو المقصود بالقصد الأول واشتغل بما ~~وراءه، وكفى به سقوطا للكلام. # قوله تعالى: "يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل ~~سميا" في الكلام حذف إيجازا، والتقدير: "فاستجبنا له وناديناه يا زكريا إنا ~~نبشرك" إلخ، وقد ورد في سورة الأنبياء في القصة: "فاستجبنا له ms5115 ووهبنا له ~~يحيى": الأنبياء: 90، وفي سورة آل عمران: "فنادته الملائكة وهو قائم يصلي ~~في المحراب إن الله يبشرك بيحيى": آل عمران: 39". # وتشهد آية آل عمران على أن قوله: "يا زكريا إنا نبشرك" إلخ، كان وحيا ~~بتوسط الملائكة فهو قوله تعالى أدته الملائكة إلى زكريا، وذلك في قوله ~~ثانيا: "قال كذلك قال ربك هو علي هين" إلخ، أظهر. # وفي الآية دلالة على أن الله سبحانه هو الذي سماه يحيى، وهو قوله: "اسمه ~~يحيى" وأنه لم يسم بهذا الاسم قبله أحد، وهو قوله: "لم نجعل له من قبل ~~سميا" أي شريكا في الاسم. # وليس من البعيد أن يراد بالسمي المثل على حد ما سيأتي من قوله تعالى: ~~"فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا": الآية - 65 من السورة، ويشهد ~~عليه أن الله سبحانه نعته في كلامه بنعوت لم ينعت به أحدا من أنبيائه ~~وأوليائه قبله كقوله فيما سيأتي: "وآتيناه الحكم صبيا" وقوله: "وسيدا ~~وحصورا": آل عمران: 39"، وقوله: "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيا"، والمسيح (عليه السلام) وإن شاركه في هذه النعوت وهما ابنا الخالة لكن ~~ولادته بعد ولادة يحيى (عليه السلام). # قوله تعالى: "قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا" قال الراغب: الغلام الطار الشارب يقال: غلام بين الغلومة ~~والغلومية، قال تعالى: "أنى يكون لي غلام". # قال: واغتلم الغلام: إذا بلغ حد الغلمة. # انتهى. # وقال في المجمع،: العتي والعسي بمعنى يقال: عتا يعتو عتوا وعتيا وعسا ~~يعسو عسوا وعسيا فهو عات وعاس إذا غيره طول الزمان إلى حال اليبس والجفاف. # انتهى. # وبلوغ العتي كناية عن بطلان شهوة النكاح وانقطاع سبيل الإيلاد. PageV14P007 # واستفهامه (عليه السلام) عن كون الغلام مع عقر امرأته وبلوغه العتي مع ذكره ~~الأمرين في ضمن دعائه إذ قال: "رب إني وهن العظم مني" إلخ، مبني على ~~استعجاب البشرى واستفسار خصوصياتها دون الاستبعاد والإنكار فإن من بشر بما ~~لا يتوقعه لتوفر الموانع وفقدان الأسباب تضطرب نفسه بادىء ما يسمعها فيأخذ ~~في ms5116 السؤال عن خصوصيات ما بشر به ليطمئن قلبه ويسكن اضطراب نفسه وهو مع ذلك ~~على يقين من صدق ما بشر به فإن الخطورات النفسانية ربما لا تنقطع مع وجود ~~العلم والإيمان وقد تقدم نظيره في تفسير قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي": البقرة: 260. # قوله تعالى: "قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا" ~~جواب عما استفهمه واستفسره لتطيب به نفسه، ويسكن جأشه، وضمير قال راجع إليه ~~تعالى، وقوله: "كذلك" مقول القول وهو خبر مبتدإ محذوف والتقدير "هو كذلك" ~~أي الأمر واقع على ما أخبرناك به في البشرى لا ريب فيه. # وقوله: "قال ربك هو علي هين" مقول ثان لقال الأول، وهو بمنزلة التعليل ~~لقوله: "كذلك" يرتفع به أي استعجاب فلا يتخلف عن إرادته مراد وإنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن، فخلق غلام من رجل بالغ في الكبر وامرأة عاقر ~~هين سهل عليه. # وقد وقع التعبير عن هذا الاستفهام والجواب في سرد القصة من سورة آل عمران ~~بقوله: "قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك ~~الله يفعل ما يشاء": آل عمران: 40، فقوله: قال هو علي هين" هاهنا يحاذي ~~قوله هناك: "الله يفعل ما يشاء" وهو يؤيد ما قدمناه من المعنى، وقوله ~~هاهنا: "وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا" بيان لبعض مصاديق الخلق الذي يرفع ~~به الاستعجاب. # وفي الآية وجوه أخر تعرضوا لها: منها أن قوله: "كذلك" متعلق بقال الثاني ~~ومجموع الجملة هو الجواب والمراد أمر ربك بذلك وقضى كذلك، وقوله: "هو علي ~~هين" مقول آخر للقول أو أنه جيء به على سبيل الحكاية. # ومنها أن الخطاب في قوله: "قال ربك" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ~~لزكريا (عليه السلام) وتلك وجوه لا يساعد عليها السياق. # قوله تعالى: "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال ~~سويا" قد تقدم ms5117 في القصة من سورة آل عمران أن إلقاء البشرى إلى زكريا كان ~~بتوسط الملائكة "فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك ~~بيحيى"، وهو (عليه السلام) إنما سأل الآية ليتميز به الحق من الباطل فتدله ~~على أن ما سمعه من النداء وحي ملكي لا إلقاء شيطاني ولذلك أجيب بآية إلهية ~~لا سبيل للشيطان إليها وهو أن لا ينطلق لسانه ثلاثة أيام إلا بذكر الله ~~سبحانه فإن الأنبياء معصومون بعصمة إلهية ليس للشيطان أن يتصرف في نفوسهم. # فقوله: "قال رب اجعل لي آية" سؤال لآية مميزة، وقوله: "قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا" إجابة ما سأل، وهو أن يعتقل لسانه ثلاثة أيام من غير ~~ذكر الله وهو سوي أي صحيح سليم من غير مرض وآفة. # فالمراد بعدم تكليم الناس عدم القدرة على تكليمهم، من قبيل إطلاق اللازم ~~وإرادة الملزوم كناية، والمراد بثلاث ليال ثلاث ليال بأيامها وهو شائع في ~~الاستعمال فكان (عليه السلام) يذكر الله بفنون الذكر ولا يقدر على تكليم ~~الناس إلا رمزا وإشارة، والدليل على ذلك كله قوله تعالى في القصة من سورة ~~آل عمران: "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار": آل عمران: 41. # قوله تعالى: "فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا" ~~قال في المجمع،: وسمي المحراب محرابا لأن المتوجه إليه في صلاته كالمحارب ~~للشيطان على صلاته، والأصل فيه مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذبا عن أهله. # وقال: الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفية بسرعة، وأصله من قولهم: ~~الوحى الوحى أي الإسراع الإسراع. # انتهى ومعنى الآية ظاهر. PageV14P008 # قوله تعالى: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" قد تكرر في كلامه تعالى ذكر أخذ ~~الكتاب بقوة والأمر به كقوله: "فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها": ~~الأعراف: 145، وقوله: "خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه": البقرة - 63، ~~وقوله: "خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا": البقرة: 93 إلى غير ذلك من الآيات، ~~والسابق ms5118 إلى الذهن من سياقها أن المراد من أخذ الكتاب بقوة التحقق بما فيه ~~من المعارف والعمل بما فيه من الأحكام بالعناية والاهتمام. # وفي الكلام حذف وإيجاز رعاية للاختصار، والتقدير: فلما وهبنا له يحيى ~~قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة في جانبي العلم والعمل، وبهذا المعنى ~~يتأيد أن يكون المراد بالكتاب التوراة أو هي وسائر كتب الأنبياء فإن الكتاب ~~الذي كان يشتمل على الشريعة يومئذ هو التوراة. # قوله تعالى: "وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة" فسر الحكم بالفهم ~~وبالعقل وبالحكمة وبمعرفة آداب الخدمة وبالفراسة الصادقة وبالنبوة، لكن ~~المستفاد من مثل قوله تعالى: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة": الجاثية: 16، وقوله: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوة": الأنعام: 89، وغيرهما من الآيات أن الحكم غير النبوة، فتفسير ~~الحكم بالنبوة ليس على ما ينبغي، وكذا تفسيره بمعرفة آداب الخدمة أو ~~بالفراسة الصادقة أو بالعقل إذ لا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى على ~~شيء من ذلك. # نعم ربما يستأنس من مثل قوله: "يتلوا عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم": البقرة: 129، وقوله: "يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة": الجمعة: 2 - والحكمة بناء نوع من الحكم - أن المراد بالحكم العلم ~~بالمعارف الحقة الإلهية وانكشاف ما هو تحت أستار الغيب بالنسبة إلى الأنظار ~~العادية ولعله إليه مرجع تفسير الحكم بالفهم. # وعلى هذا يكون المعنى إنا أعطيناه العلم بالمعارف الحقيقية وهو صبي لم ~~يبلغ الحلم بعد. # وقوله: "وحنانا من لدنا" معطوف على الحكم أي وأعطيناه حنانا من لدنا ~~والحنان: العطف والإشفاق، قال الراغب: ولكون الإشفاق لا ينفك من الرحمة عبر ~~عن الرحمة بالحنان في قوله تعالى: "وحنانا من لدنا" ومنه قيل: الحنان ~~المنان وحنانيك إشفاقا بعد إشفاق. # وفسر الحنان في الآية بالرحمة ولعل المراد بها النبوة أو الولاية كقول ~~نوح (عليه السلام): "وآتاني رحمة من عنده": هود: 28، وقول صالح: "وآتاني ~~منه رحمة": هود: 63. # وفسر بالمحبة ولعل المراد بها محبة الناس له على حد قوله: "وألقيت عليك ~~محبة مني": طه: 39، أي كان لا ms5119 يراه أحد إلا أحبه. # وفسر بتعطفه على الناس ورحمته ورقته عليهم فكان رءوفا بهم ناصحا لهم ~~يهديهم إلى الله ويأمرهم بالتوبة ولذا سمي في العهد الجديد بيوحنا المعمد. # وفسر بحنان الله عليه كان إذا نادى ربه لباه الله سبحانه على ما في الخبر ~~فيدل على أنه كان لله سبحانه حنان خاص به على ما يفيده تنكير الكلمة. # والذي يعطيه السياق وخاصة بالنظر إلى تقييد الحنان بقوله: "من لدنا" - ~~والكلمة إنما تستعمل فيما لا مجرى فيه للأسباب الطبيعية العادية أو لا نظر ~~فيه إليها - أن المراد به نوع عطف وانجذاب خاص إلهي بينه وبين ربه غير ~~مألوف، وبذلك يسقط التفسير الثاني والثالث ثم تعقبه بقوله: "زكاة" والأصل ~~في معناه النمو الصالح، وهو لا يلائم المعنى الأول كثير ملائمة فالمراد به ~~إما حنان من الله سبحانه إليه بتولي أمره والعناية بشأنه وهو ينمو عليه، ~~وإما حنان وانجذاب منه إلى ربه فكان ينمو عليه، والنمو نمو الروح. # ومن هنا يظهر وهن ما قيل: إن المراد بالزكاة البركة ومعناها كونه مباركا ~~نفاعا معلما للخير، وما قيل: إن المراد به الصدقة، والمعنى وآتيناه الحكم ~~حال كونه صدقة نتصدق به على الناس أو المعنى أنه صدقة من الله على أبويه أو ~~المعنى أن الحكم المؤتى صدقة من الله عليه وما قيل: إن المراد بالزكاة ~~الطهارة من الذنوب. PageV14P009 # قوله تعالى: "وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا" التقي صفة مشبهة ~~من التقوى مثال واوي وهو الورع عن محارم الله والتجنب عن اقتراف المناهي ~~المؤدي إلى عذاب الله، والبر بفتح الباء صفة مشبهة من البر بكسر الباء وهو ~~الإحسان، والجبار قال في المجمع،: الذي لا يرى لأحد عليه حقا وفيه جبرية ~~وجبروت، والجبار من النخل ما فات اليد. # انتهى. # فيئول معناه إلى أنه المستكبر المستعلي الذي يحمل الناس ما أراد ولا ~~يتحمل عنهم، ويؤيده تعقيبه بالعصي فإنه صفة مشبهة من العصيان والأصل في ~~معناه الامتناع. # ومن هنا يظهر أن الجمل الثلاث مسوقة لبيان جوامع أحواله بالنسبة إلى ms5120 ~~الخالق والمخلوق، فقوله: "وكان تقيا" حاله بالنسبة إلى ربه، وقوله: "وبرا ~~بوالديه" حاله بالنسبة إلى والديه، وقوله: "ولم يكن جبارا عصيا" حاله ~~بالنسبة إلى سائر الناس، فكان رءوفا رحيما بهم ناصحا متواضعا لهم يعين ~~ضعفاءهم ويهدي المسترشدين منهم، وبه يظهر أيضا أن تفسير بعضهم لقوله: ~~"عصيا" بقوله: أي عاصيا لربه ليس على ما ينبغي. # قوله تعالى: "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" السلام قريب ~~المعنى من الأمن، والذي يظهر من موارد استعمالها في الفرق بينهما أن الأمن ~~خلو المحل مما يكرهه الإنسان ويخاف منه والسلام كون المحل بحيث كل ما يلقاه ~~الإنسان فيه فهو يلائمه من غير أن يكرهه ويخاف منه. # وتنكير السلام لإفادة التفخيم أي سلام فخيم عليه مما يكرهه في هذه الأيام ~~الثلاثة التي كل واحد منها مفتتح عالم من العوالم التي يدخلها الإنسان ~~ويعيش فيها فسلام عليه يوم ولد فلا يمسه مكروه في الدنيا يزاحم سعادته، ~~وسلام عليه يوم يموت، فسيعيش في البرزخ عيشة نعيمة، وسلام عليه يوم يبعث ~~حيا فيحيى فيها بحقيقة الحياة ولا نصب ولا تعب. # وقيل: إن تقييد البعث بقوله: "حيا" للدلالة على أنه سيقتل شهيدا لقوله ~~تعالى في الشهداء: "بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: 169. # واختلاف التعبير في قوله: "ولد" "يموت" "يبعث" لتمثيل أن التسليم في حال ~~حياته (عليه السلام). ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه قال في دعائه: ~~أسألك يا كهيعص وفي المعاني، بإسناده عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق ~~(عليه السلام) في حديث قال: وكهيعص معناه أنا الكافي الهادي الولي العالم ~~الصادق الوعد. # أقول: وروى فيه أيضا ما يقرب منه عن محمد بن عمارة عنه (عليه السلام). # وروى في الدر المنثور، عن ابن عباس: في قوله: كهيعص قال: كبير هاد أمين ~~عزيز صادق وفي لفظ كاف بدل كبير، وروى عنه أيضا بطرق أخر: كريم هاد حكيم ~~عليم صادق وروي عن ابن مسعود وغيره ذلك، ومحصل الروايات - كما ترى - أن ~~الحروف ms5121 المقطعة مأخوذة من أوائل الأسماء الحسنى على اختلافها كالكاف من ~~الكافي أو الكبير أو الكريم وهكذا غير أنه لا يتم في الياء فقد أخذ في ~~الروايات من الولي أو الحكيم أو العزيز كما في بعضها، وروي فيه، عن أم ~~هانىء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أن معناها كاف هاد عالم ~~صادق، وقد أهمل في الحديث حرف الياء، وقد تقدم في بيان الآية بعض الإشارة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولم أكن بدعائك رب شقيا" يقول: لم يكن ~~دعائي خائبا عندك. # وفي المجمع،: في قوله: "وإني خفت الموالي" قيل: هم العمومة وبنو العم عن ~~أبي جعفر (عليه السلام)، وقرأ علي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر (عليهما ~~السلام): "وإني خفت الموالي" بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء. # أقول: وبه قرأ جمع من الصحابة والتابعين. # وفي الإحتجاج، روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه (عليهم السلام): ~~أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك وبلغها ذلك جاءت إليه وقالت له: يا ~~بن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا. ~~أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول فيما اقتص من خبر ~~يحيى بن زكريا "فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب" الحديث. PageV14P010 # أقول: مضمون الرواية مروي بطرق من الشيعة وغيرهم، واستدلالها (عليها ~~السلام) مبني على كون المراد بالوراثة في الآية وراثة المال، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك في بيان الآية، وقد ورد من طرق أهل السنة بعض ما يدل على ذلك ~~ففي الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن الحسن أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: يرحم الله أخي زكريا ما كان عليه من ورثة، ويرحم ~~الله أخي لوطا إن كان يأوي إلى ركن شديد، وروي فيه، أيضا عن الفاريابي عن ~~ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال: "رب هب لي من لدنك وليا ~~يرثني ms5122 ويرث من آل يعقوب" قال: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة. # وقال في روح المعاني،: مذهب أهل السنة أن الأنبياء (عليهم السلام) لا ~~يرثون مالا ولا يورثون لما صح عندهم من الأخبار، وقد جاء أيضا ذلك من طريق ~~الشيعة فقد روى الكليني في الكافي، عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر ~~الصادق رضي الله عنه أنه قال: إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أن الأنبياء ~~لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء ~~منها فقد أخذ بحظ وافر، وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعا باعتراف الشيعة. # والوراثة في الآية محمولة على ما سمعت، ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في ~~وراثة المال بل هي حقيقة فيما يعم وراثة العلم والمنصب والمال، وإنما صارت ~~لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية. # ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو مجاز متعارف مشهور خصوصا في استعمال ~~القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: "ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا"، وقوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب" ~~وقوله تعالى: "إن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم"، وقوله تعالى: "إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده"، "ولله ميراث السماوات والأرض". # قولهم: لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة. # قلنا: الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط ~~القتاد، والآثار الدالة على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد. # وزعم البعض أنه لا يجوز حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو ~~قوله: "واجعله رب رضيا" قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه، وزعم أن كسبية الشيء ~~تمنع من كونه موروثا ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبي في كلام ~~الصادق. # ومن ذلك أيضا ما رواه الكليني في الكافي، عن أبي عبد الله رضي الله عنه ~~قال: إن سليمان ورث داود، وإن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ورث سليمان ~~(عليه السلام) فإن وراثة النبي سليمان لا يتصور أن تكون وراثة غير ms5123 العلم ~~والنبوة ونحوهما انتهى. # وللبحث جهة كلامية ترجع إلى أمر فدك وهي من قرى خيبر وقد كانت في يد ~~فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فانتزعها من يدها الخليفة ~~الأول استنادا إلى حديث رواها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن ~~الأنبياء لا يورثون مالا وما تركوه صدقة، وقد طالت المشاجرة فيه بين متكلمي ~~الشيعة وأهل السنة وهو نوع بحث خارج عن غرض هذا الكتاب فلا نتعرض له، وجهة ~~تفسيرية يهمنا التعرض لها لتعلقها بمدلول قوله تعالى: "وإني خفت الموالي من ~~ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا". # أما قوله: وقد جاء ذلك أيضا من طريق الشيعة إلخ، فالرواية في ذلك غير ~~منحصرة فيما نقله عن الصادق (عليه السلام) بل روي ما في مضمونها عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا من طريقهم، ومعناه - على ما يسبق إلى ذهن ~~كل سامع - أن الأنبياء ليس من شأنهم أن يهتموا بجمع المال وتركه لمن خلفهم ~~من الورثة وإنما الذي من شأنهم أن يتركوا لمن خلفهم الحكمة، وهذا معنى سائغ ~~واستعمال شائع لا سبيل إلى دفعه. PageV14P011 # وأما قوله: ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال إلى آخر ما ذكره ~~فليس الكلام في كونه حقيقة لغوية في شيء أو مجازا مشهورا أو غير مشهور ولا ~~إصرار على شيء من ذلك، وإنما الكلام في أن الوراثة سواء كانت حقيقة في ~~وراثة المال مجازا في مثل العلم والحكمة أو حقيقة مشتركة بين ما يتعلق ~~بالمال وما يتعلق بمثل العلم والحكمة تحتاج في إرادة وراثة العلم والحكمة ~~إلى قرينة صارفة أو معينة وسياق الآية وسائر آيات القصة في سورتي آل عمران ~~والأنبياء والقرائن الحافة بها تأبى إرادة وراثة العلم ونحوه من لفظة يرثني ~~فضلا أن يصرف عنها أو يعينها على ما قدمنا توضيحه في بيان الآية. # نعم لا يصح تعلق الوراثة بالنبوة على ما يتحصل من تعليم القرآن أنها ~~موهبة إلهية ms5124 لا تقبل الانتقال والتحول، ولا ريب أن الترك والانتقال مأخوذ ~~في مفهوم الوراثة كوراثة المال والملك والمنصب والعلم ونحو ذلك ولذا لم يرد ~~استعمال الوراثة في النبوة والرسالة في كتاب ولا سنة. # وأما قوله: "قلنا الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب" ففيه ~~اعتراف بأن لا قرينة على إرادة غير المال من لفظة يرثني من جهة سياق الآيات ~~بل الأمر بالعكس وإنما اضطرهم إلى الحمل المذكور حفظ ظاهر الحديث لصحته ~~عندهم وفيه أنه لا معنى لتوقف كلامه تعالى في الدلالة الاستعمالية على ~~قرينة منفصلة وخاصة من غير كلامه تعالى وخاصة مع احتفاف الكلام بقرائن ~~مخالفة، وهذا غير تخصيص روايات الأحكام وتقييدها لعمومات آيات الأحكام ~~ومطلقاتها، فإن ذلك تصرف في محصل المراد من الخطاب لا في دلالة اللفظ بحسب ~~الاستعمال. # على أنه لا معنى لحجية أخبار الآحاد في غير الأحكام الشرعية التي ينحصر ~~فيها الجعل التشريعي لا سيما مع مخالفة الكتاب وهذه كلها أمور مبينة في علم ~~الأصول. # وأما قوله: "قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه" يشير إلى أخذ قوله: "واجعله رب ~~رضيا" تأكيدا لقوله: "وليا يرثني" أي في النبوة أو أخذ قوله: رضيا، بمعنى ~~المرضي عند الناس دفعا للغو الكلام وقد قدمنا في بيان الآية ما يعلم منه ما فيه. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~زكريا لما دعا ربه أن يهب له ذكرا فنادته الملائكة بما نادته به أحب أن ~~يعلم أن ذلك الصوت من الله أوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ~~ثلاثة أيام. قال: لما أمسك لسانه ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله. # الحديث. # وفي تفسير النعماني، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) حين سألوه عن معنى الوحي فقال: منه وحي النبوة ومنه ~~وحي الإلهام ومنه وحي الإشارة وساقه إلى أن قال وأما وحي الإشارة فقوله عز ~~وجل: "فخرج على قومه من المحراب - فأوحى إليهم ms5125 أن سبحوا بكرة وعشيا" أي ~~أشار إليهم كقوله تعالى: "لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا". # وفي المجمع،: عن معمر قال: إن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب قال: ~~ما للعب خلقنا، فأنزل الله تعالى: "وآتيناه الحكم صبيا": وروي ذلك عن أبي ~~الحسن الرضا (عليه السلام). # أقول: وروي في الدر المنثور، هذا المعنى عن ابن عساكر عن معاذ بن جبل ~~مرفوعا، وروي أيضا ما في معناه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن أسباط قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) ~~وقد خرج إلي فأجدت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته ~~لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد فقال: يا علي إن الله احتج في ~~الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: "وآتيناه الحكم صبيا" "ولما بلغ ~~أشده وبلغ أربعين سنة" فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي، ويجوز أن يؤتى ~~الحكمة وهو ابن أربعين سنة. # أقول: وفي الرواية تفسير الحكم بالحكمة فتؤيد ما قدمناه. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: "في قوله: "ولم يكن جبارا عصيا" قال: كان ~~سعيد بن المسيب يقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أحد يلقى ~~الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا. قال قتادة: وقال الحسن: ~~قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أذنب يحيى بن زكريا قط ولا هم ~~بامرأة. PageV14P012 # وفيه،: أخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وابن مردويه عن ~~ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما من أحد من ولد آدم ~~إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا لم يهم بخطيئة ولم يعملها. # أقول: وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة بألفاظ مختلفة وينبغي تخصيص ~~الجميع بأهل العصمة من الأنبياء والأئمة وإن كانت آبية عنه ظاهرا لكن ~~الظاهر أن ذلك ناشىء ms5126 من سوء تعبير الرواة لابتلائهم بالنقل بالمعنى وتوغلهم فيه. # وبالجملة الأخبار في زهد يحيى (عليه السلام) كثيرة فوق الإحصاء، وكان ~~(عليه السلام) - على ما فيها - يأكل العشب ويلبس الليف وبكى من خشية الله ~~حتى اتخذت الدموع مجرى في وجهه. # وفيه،: أخرج ابن عساكر عن قرة قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى ~~بن زكريا والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها. # أقول: وروى هذا المعنى في المجمع، عن الصادق (عليه السلام)،: وفي آخره: ~~وكان قاتل يحيى ولد زنا وقاتل الحسين ولد زنا. # وفيه، أخرج الحاكم وابن عساكر عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ~~ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: ~~فما عنى بقوله في يحيى: "وحنانا من لدنا وزكاة"؟ قال تحنن الله. قلت: فما ~~بلغ من تحنن الله عليه؟ قال: كان إذا قال: يا رب قال الله عز وجل: لبيك يا يحيى. # الحديث. # وفي عيون الأخبار، بإسناده إلى ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن الرضا ~~(عليه السلام) يقول: إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاث مواطن: يوم يولد ~~ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث ~~فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا. وقد سلم الله عز وجل على يحيى في هذه ~~الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيا"، وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: ~~"والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا". # قصة زكريا في القرآن # وصفه (عليه السلام) # : وصفه الله سبحانه في كلامه بالنبوة والوحي، ووصفه في أول سورة مريم ~~بالعبودية، وذكره في سورة الأنعام في عداد الأنبياء وعدة من الصالحين ثم من ~~المجتبين - وهم المخلصون - والمهديين. # تاريخ حياته: # لم يذكر من أخباره في القرآن إلا دعاؤه لطلب الولد واستجابته ms5127 وإعطاؤه ~~يحيى (عليه السلام)، وذلك بعد ما رأى من أمر مريم في عبادتها وكرامتها عند ~~الله ما رأى. # فذكر سبحانه أن زكريا تكفل مريم لفقدها أباها عمران ثم لما نشأت اعتزلت ~~عن الناس واشتغلت بالعبادة في محراب لها في المسجد، وكان يدخل عليها زكريا ~~يتفقدها "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب". # هنالك دعا زكريا ربه وسأله أن يهب له من امرأته ذرية طيبة وكان هو شيخا ~~فانيا وامرأته عاقرا فاستجيب له ونادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى فسأل ربه آية لتطمئن نفسه أن النداء من ~~جانبه سبحانه فقيل له: إن آيتك أن يعتقل لسانك فلا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا وكان كذلك وخرج على قومه من المحراب وأشار إليهم أن سبحوا بكرة ~~وعشيا وأصلح الله له زوجه فولدت له يحيى (عليه السلام) آل عمران: 37 - 41 ~~مريم: 2 - 11 الأنبياء: 89 - 90. # ولم يذكر في القرآن مآل أمره (عليه السلام) وكيفية ارتحاله لكن وردت ~~أخبار متكاثرة من طرق العامة والخاصة، أن قومه قتلوه وذلك أن أعداءه قصدوه ~~بالقتل فهرب منهم والتجأ إلى شجرة فانفرجت له فدخل جوفها ثم التأمت فدلهم ~~الشيطان عليه وأمرهم أن ينشروا الشجرة بالمنشار ففعلوا وقطعوه نصفين فقتل ~~(عليه السلام) عند ذلك. # وقد ورد في بعض الأخبار أن السبب في قتله أنهم اتهموه في أمر مريم وحبلها ~~بالمسيح وقالوا: هو وحده كان المتردد إليها الداخل عليها، وقيل غير ذلك. # قصة يحيى (عليه السلام) # في القرآن # 1 - الثناء عليه: PageV14P013 # ذكره الله في بضعة مواضع من كلامه وأثنى عليه ثناء جميلا فوصفه بأنه كان ~~مصدقا بكلمة من الله وهو تصديقه بنبوة المسيح، وأنه كان سيدا يسود قومه، ~~وأنه كان حصورا لا يأتي النساء، وكان نبيا ومن الصالحين سورة آل عمران: 39 ~~ومن المجتبين وهم المخلصون - ومن المهديين الأنعام: 85 - 87، وأن الله هو ms5128 ~~سماه بيحيى ولم يجعل له من قبل سميا، وأمره بأخذ الكتاب بقوة وآتاه الحكم ~~صبيا، وسلم عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا مريم: 2 - 15 ومدح بيت ~~زكريا بقوله: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين": الأنبياء: 90 وهم يحيى وأبوه وأمه. # 2 - تاريخ حياته: # ولد (عليه السلام) لأبويه على خرق العادة فقد كان أبوه شيخا فانيا وأمه ~~عاقرا فرزقهما الله يحيى وهما آيسان من الولد، وأخذ بالرشد والعبادة والزهد ~~في صغره وآتاه الله الحكم صبيا، وقد تجرد للتنسك والزهد والانقطاع فلم ~~يتزوج قط ولا ألهاه شيء من ملاذ الدنيا. # وكان معاصرا لعيسى بن مريم (عليهما السلام) وصدق نبوته، وكان سيدا في ~~قومه تحن إليه القلوب وتميل إليه النفوس ويجتمع إليه الناس فيعظهم ويدعوهم ~~إلى التوبة ويأمرهم بالتقوى حتى استشهد (عليه السلام). # ولم يرد في القرآن مقتله (عليه السلام)، والذي ورد في الأخبار أنه كان ~~السبب في قتله أن امرأة بغيا افتتن بها ملك بني إسرائيل وكان يأتيها فنهاه ~~يحيى ووبخه على ذلك - وكان مكرما عند الملك يطيع أمره ويسمع قوله - فأضمرت ~~المرأة عداوته وطلبت من الملك رأس يحيى وألحت عليه فأمر به فذبح وأهدي ~~إليها رأسه. # وفي بعض الأخبار أن التي طلبت منه رأس يحيى كانت ابنة أخي الملك وكان ~~يريد أن يتزوج بها فنهاه يحيى عن ذلك فزينتها أمها بما يأخذ بمجامع قلب ~~الملك وأرسلتها إليه ولقنتها إذا منح الملك عليها بسؤال حاجة أن تسأله رأس ~~يحيى ففعلت فذبح (عليه السلام) ووضع رأسه في طست من ذهب وأهدي إليها. # وفي الروايات نوادر كثيرة من زهده وتنسكه وبكائه من خشية الله ومواعظه وحكمه. # 3 - قصة زكريا ويحيى في الإنجيل: PageV14P014 # قال: كان في أيام هيردوس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا ~~وامرأته من بنات هارون واسمها إليصابات وكان كلاهما بارين أمام الله سالكين ~~في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم. ولم يكن لهما ولد إذ كانت إليصابات ~~عاقرا وكانا كلاهما متقدمين في ms5129 أيامهما. فبينما هو يكهن في نوبة فرقته أمام ~~الله. حسب عادة الكهنوت، أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر. وكان ~~كل جمهور الشعب يصلون خارجا وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين ~~مذبح البخور. فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك لا تخف ~~يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك إليصابات ستلد ابنا وتسميه يوحنا. ~~ويكون لك فرج وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته. لأنه يكون عظيما أمام الرب ~~وخمرا ومسكرا لا يشرب ومن بطن أمه يمتلىء من الروح القدس. ويرد كثيرين من ~~بني إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب ~~الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيىء للرب شعبا مستعدا. ~~فقال زكريا للملاك كيف أعلم هذا لأني أنا شيخ وامرأتي متقدمة في أيامها ~~فأجاب الملاك وقال أنا جبريل الواقف قدام الله وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا ~~وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم ~~تصدق كلامي الذي سيتم في وقته. وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من ~~إبطائه في الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه قد رأى رؤيا في ~~الهيكل فكان يومىء إليهم وبقي صامتا ولما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته. ~~وبعد تلك الأيام حبلت إليصابات امرأته وأخفت نفسها خمسة أشهر قائلة: هكذا ~~قد فعل بي الرب في الأيام التي فيها نظر إلي لينزع عاري بين الناس. إلى أن ~~قال: وأما إليصابات فتم زمانها لتلد فولدت ابنا وسمع جيرانها وأقرباؤها أن ~~الرب عظم رحمته لها ففرحوا معها. وفي اليوم جاءوا ليختنوا الصبي وسموه باسم ~~أبيه زكريا فأجابت أمه وقالت لا بل يسمى يوحنا. فقالوا لها ليس أحد في ~~عشيرتك يسمى بهذا الاسم. ثم أومئوا إلى أبيه ما ذا يريد أن يسمى. فطلب لوحا ~~وكتب قائلا اسمه يوحنا فتعجب الجميع. وفي الحال انفتح فمه ولسانه وتكلم ~~وبارك الله. فوقع خوف على كل جيرانهم وتحدث بهذه الأمور جميعها في كل جبال ms5130 ~~اليهودية. فأودعها جميع السامعين في قلوبهم قائلين أترى ما ذا يكون هذا ~~الصبي وكانت يد الرب معه. وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ... إلخ. PageV14P015 # وفيه،: وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر إذ كان بيلاطس ~~النبطي واليا على اليهودية، وهيرودس رئيس ربع على الجليل، وفيلبس أخوه رئيس ~~ربع على إيطورية وكورة تراخوتينس، وليسانيوس رئيس ربع على الأبلية في أيام ~~رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية. ~~فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة ~~الخطايا. كما هو مكتوب في سفر أقوال أشعيا النبي القائل "صوت خارج في ~~البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة، كل واد يمتلىء وكل جبل وأكمة ~~ينخفض وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقا سهلة ويبصر كل بشر خلاص الله. ~~وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعمدوا منه يا أولاد الأفاعي من أراكم أن ~~تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة ولا تبتدءوا تقولون في ~~أنفسكم لنا إبراهيم أبا لأني أقول لكم إن الله قادر على أن يقيم من هذه ~~الحجارة أولادا لإبراهيم والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر فكل شجرة لا ~~تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار. وسأله الجموع قائلين فما ذا نفعل. ~~فأجاب وقال لهم من له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليفعل هكذا. وجاء ~~عشارون أيضا ليعمدوا فقالوا له يا معلم ما ذا نفعل فقال لهم لا تستوفوا ~~أكثر مما فرض لكم. وسأله جنديون أيضا قائلين وما ذا نفعل نحن، فقال لهم لا ~~تظلموا أحدا ولا تشوا بأحد واكتفوا بعلائفكم. وإذ كان الشعب ينتظر والجميع ~~يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح أجاب يوحنا الجميع قائلا أنا أعمدكم ~~بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني الذي لست أهلا أن أحل سيور حذائه هو سيعمدكم ~~بروح القدس ونار الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع القمح إلى مخزنه وأما ~~التبن فيحرقه بنار لا تطفأ وبأشياء أخر كثيرة كان يعظ الشعب ويبشرهم. ms5131 أما ~~هيردوس رئيس الربع فإذا توبخ منه لسبب هيروديا امرأة فيلبس أخيه ولسبب جميع ~~الشرور التي كان هيرودس يفعلها زاد هذا أيضا على الجميع أنه حبس يوحنا في ~~السجن. ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا. # وفيه،: أن هيرودس نفسه كان قد أرسل وأمسك يوحنا وأوثقه في السجن من أجل ~~هيروديا امرأة فيلبس أخيه إذ كان قد تزوج بها. لأن يوحنا كان يقول لهيرودس ~~لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك. فحنقت هيروديا عليه وأرادت أن تقتله ولم ~~تقدر. لأن هيرودس كان يهاب يوحنا عالما أنه رجل بار وقديس وكان يحفظه. وإذ ~~سمعه فعل كثيرا وسمعه بسرور. وإذ كان يوم موافق لما صنع هيرودس في مولده ~~عشاء لعظمائه وقواد الألوف ووجوه الجليل. دخلت ابنة هيروديا ورقصت، فسرت ~~هيرودس والمتكئين معه. فقال الملك للصبية مهما أردت اطلبي مني فأعطيك. ~~وأقسم لها أن مهما طلبت مني لأعطينك حتى نصف مملكتي. فخرجت وقالت لأمها ما ~~ذا أطلب. فقالت رأس يوحنا المعمدان. فدخلت للوقت بسرعة إلى الملك وطلبت ~~قائلة أريد أن تعطيني حالا رأس يوحنا المعمدان على طبق. فحزن الملك جدا ~~ولأجل الإقسام والمتكئين لم يرد أن يردها. فللوقت أرسل الملك سيافا وأمر أن ~~يؤتى برأسه فمضى وقطع رأسه في السجن وأتى برأسه على طبق وأعطاه للصبية ~~والصبية أعطته لأمها. ولما سمع تلاميذه جاءوا ورفعوا جثته ووضعوها في قبر انتهى. # وليحيى (عليه السلام) أخبار أخر متفرقة في الأناجيل لا تتعدى حدود ما ~~أوردناه وللمتدبر الناقد أن يطبق ما نقلناه من الأناجيل على ما تقدم حتى ~~يحصل على موارد الاختلاف. PageV14P016 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 16 - 40 # واذكر فى الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إنى أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا ~~(19) قالت أنى يكون لى غلم ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ~~ربك هو على هين ولنجعله ءاية للناس ms5132 ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) فحملته ~~فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتنى مت ~~قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك ~~سريا (24) وهزى إليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا (25) فكلى واشربى ~~وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا (27) ~~يأخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا ~~كيف نكلم من كان فى المهد صبيا (29) قال إنى عبد الله ءاتاخ الكتب وجعلنى ~~نبيا (30) وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصنى بالصلوة والزكوة ما دمت حيا ~~(31) وبرا بولدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا (32) والسلم على يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون (34) ~~ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحنه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) ~~وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم ~~فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن ~~الظلمون اليوم فى ضلل مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم فى ~~غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) ### |||| AUTO بيان # انتقال من قصة يحيى إلى قصة عيسى (عليه السلام) وبين القصتين شبها تاما ~~فولادتهما على خرق العادة، وقد أوتي عيسى الرشد والنبوة وهو صبي كيحيى، وقد ~~أخبر أنه بر بوالدته وليس بجبار شقي وأن السلام عليه يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث حيا كما أخبر الله عن يحيى (عليه السلام) بذلك إلى غير ذلك من ~~وجوه الشبه وقد صدق يحيى بعيسى وآمن به. # قوله تعالى: "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا" ~~المراد بالكتاب القرآن أو السورة فهي جزء من الكتاب وجزء الكتاب كتاب ~~والاحتمالان من حيث المال واحد فلا كثير جدوى في إصرار بعضهم على ms5133 تقديم ~~الاحتمال الثاني وتعيينه. # والنبذ - على ما ذكره الراغب - طرح الشيء الحقير الذي لا يعبأ به يقال ~~نبذه إذا طرحه مستحقرا له غير معتن به، والانتباذ الاعتزال من الناس ~~والانفراد. # ومريم هي ابنة عمران أم المسيح (عليه السلام)، والمراد بمريم نبأ مريم ~~وقوله: "إذ" ظرف له، وقوله: "انتبذت" إلى آخر القصة تفصيل المظروف الذي هو ~~نبأ مريم، والمعنى واذكر يا محمد في هذا الكتاب نبأ مريم حين اعتزلت من ~~أهلها في مكان شرقي، وكأنه شرقي المسجد. # قوله تعالى: "فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا" الحجاب ما يحجب الشيء ويستره عن غيره، وكأنها اتخذت الحجاب من دون ~~أهلها لتنقطع عنهم وتعتكف للعبادة كما يشير إليه قوله: "كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا": آل عمران: 37 وقد مر الكلام في تفسير الآية. PageV14P017 # وقيل: إنها كانت تقيم المسجد حتى إذا حاضت خرجت منها وأقامت في بيت زكريا ~~حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مشرفة لها في ناحية الدار وقد ~~ضربت بينها وبين أهلها حجابا لتغتسل إذ دخل عليها جبرائيل في صورة شاب أمرد ~~سوي الخلق فاستعاذت بالله منه. # وفيه أنه لا دليل على هذا التفصيل من جهة اللفظ، وقد عرفت أن آية آل ~~عمران لا تخلو من تأييد للمعنى السابق. # وقوله: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا" ظاهر السياق أن فاعل ~~"تمثل" ضمير عائد إلى الروح فالروح المرسل إليها هو المتمثل لها بشرا سويا ~~ومعنى تمثله لها بشرا ترائيه لها، وظهوره في حاستها في صورة البشر وهو في ~~نفسه روح وليس ببشر. # وإذ لم يكن بشرا وليس من الجن فقد كان ملكا بمعنى الخلق الثالث الذي وصفه ~~الله سبحانه في كتابه وسماه ملكا، وقد ذكر سبحانه ملك الوحي في كلامه وسماه ~~جبريل بقوله: "من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة: 97 وسماه ~~روحا في قوله: "قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 102 وقوله: "نزل به ~~الروح الأمين على قلبك": ms5134 الشعراء: 194" وسماه رسولا في قوله: "إنه لقول ~~رسول كريم": الحاقة: 40"، فبهذا كله يتأيد أن الروح الذي أرسله الله إليها ~~إنما هو جبريل. # وأما قوله: "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى بن مريم - إلى أن قال - قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني ~~بشر قال كذلك الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون": آل ~~عمران: 47. # فتطبيقه على الآيات التي نحن فيها لا يدع ريبا في أن قول الملائكة لمريم ~~ومحاورتهم معها المذكور هناك هو قول الروح لها المذكور هاهنا، ونسبة قول ~~جبريل إلى الملائكة من قبيل نسبة قول الواحد من القوم إلى جماعتهم ~~لاشتراكهم معه في خلق أو سنة أو عادة، وفي القرآن منه شيء كثير كقوله ~~تعالى: "يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": ~~المنافقون: 8، والقائل واحد. # وقوله: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء": الأنفال: 32، والقائل واحد. # وإضافة الروح إليه تعالى للتشريف مع إشعار بالتعظيم، وقد تقدم كلام في ~~معنى الروح في تفسير قوله تعالى: "يسألونك عن الروح": الآية الإسراء: 85. # ومن التفسير الردي قول بعضهم إن المراد بالروح في الآية عيسى (عليه ~~السلام) وضمير تمثل عائد على جبريل. # وهو كما ترى. # ومن القراءة الردية قراءة بعضهم "روحنا" بتشديد النون على أن روحنا اسم ~~الملك الذي أرسل إلى مريم، وهو غير جبريل الروح الأمين. # وهو أيضا كما ترى. # كلام في معنى التمثل # كثيرا ما ورد ذكر التمثل في الروايات، وأما في الكتاب فلم يرد ذكره إلا ~~في قصة مريم في سورتها قال تعالى: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا" الآية: - 17 من السورة، والآيات التالية التي يعرف فيها جبريل نفسه ~~لمريم خير شاهد أنه كان حال تمثله لها في صورة بشر باقيا على ملكيته ولم ~~يصر بذلك بشرا، وإنما ظهر في صورة بشر وليس ببشر بل ملك وإنما كانت مريم ~~تراها في صورة بشر. # فمعنى تمثله ms5135 لها كذلك ظهوره لها في صورة بشر وليس عليها في نفسه بمعنى ~~أنه كان في ظرف إدراكها على صورة بشر وهو في الخارج عن إدراكها على خلاف ذلك. # وهذا هو الذي ينطبق على معنى التمثل اللغوي فإن معنى تمثل شيء لشيء في ~~صورة كذا هو تصوره عنده بصورته وهو هو لا صيرورة الشيء شيئا آخر فتمثل ~~الملك بشرا هو ظهوره لمن يشاهده في صورة الإنسان لا صيرورة الملك إنسانا، ~~ولو كان التمثل واقعا في نفسه وفي الخارج عن ظرف الإدراك كان من قبيل ~~صيرورة الشيء شيئا آخر وانقلابه إليه لا بمعنى ظهوره له كذلك. # واستشكل أمر هذا التمثل بأمور مذكورة في التفسير الكبير وغيره. # أحدها: أن جبريل شخص عظيم الجثة حسبما نطقت به الأخبار فمتى صار في مقدار ~~جثة الإنسان فإن تساقطت أجزاؤه الزائدة على مقدار جثة الإنسان لزم أن لا ~~يبقى جبريل، وإن لم تتساقط لزم تداخلها وهو محال. # الثاني: أنه لو جاز التمثل ارتفع الوثوق وامتنع القطع بأن هذا الشخص الذي ~~يرى الآن هو زيد الذي رئي بالأمس لاحتمال التمثل. PageV14P018 # الثالث: أنه لو جاز التمثل بصورة الإنسان جاز التمثل بصورة غيره كالبعوض ~~والحشرات وغيرها ومعلوم أن كل مذهب يجر إلى ذلك فهو باطل. # الرابع: أنه لو جاز ذلك ارتفع الوثوق بالخبر المتواتر كخبر مقاتلة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر لجواز أن يكون المقاتل هو المتمثل به. # وأجيب عن الأول: بأنه لا يمتنع أن يكون لجبريل أجزاء أصلية قليلة وأجزاء ~~فاضلة ويتمكن بالأجزاء من أن يتمثل بشرا هذا على القول بأنه جسم وأما على ~~القول بكونه روحانيا فلا استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى ~~بالهيكل الصغير. # وأنت ترى أن أول الشقين في الجواب كأصل الإشكال مبني على كون التمثل ~~تغيرا من المتمثل في نفسه وبطلان صورته الأولى وانتقاله إلى صورة أخرى، وقد ~~تقدم أن التمثل ظهوره في صورة ما وهو في نفسه بخلافها. # والآية بسياقها ظاهرة في أن جبريل لم يخرج بالتمثل عن كونه ms5136 ملكا ولا صار ~~بشرا في نفسه وإنما ظهر لها في صورة البشر فهو كذلك في ظرف إدراكها لا في ~~نفسه وفي الخارج عن ظرف إدراكها، ونظير ذلك نزول الملائكة الكرام في قصة ~~البشارة بإسحاق وتمثلهم لإبراهيم ولوط (عليهما السلام) في صورة البشر، ~~ونظيره ظهور إبليس في صورة سراقة بن مالك يوم بدر، وقد أشار تعالى إليه في ~~سورة الأنفال الآية 48 وقد كان سراقة يومئذ بمكة. # وفي الروايات من ذلك شيء كثير كتمثل إبليس يوم الندوة للمشركين في صورة ~~شيخ كبير، وتمثله يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج، وتمثله ليحيى (عليه ~~السلام) في صورة عجيبة، ونظير تمثل الدنيا لعلي (عليه السلام) في صورة مرأة ~~حسناء فتانة، كما في الرواية، وما ورد من تمثل المال والولد والعمل للإنسان ~~عند الموت، وما ورد من تمثل الأعمال للإنسان في القبر ويوم القيامة. # ومن هذا القبيل التمثلات المنامية كتمثل العدو في صورة الكلب أو الحية أو ~~العقرب وتمثل الزوج في صورة النعل وتمثل العلاء في صورة الفرس والفخر في ~~صورة التاج إلى غير ذلك. # فالمتمثل في أغلب هذه الموارد - كما ترى - من المعاني التي لا صورة لها ~~في نفسها ولا شكل، ولا يتحقق فيها تغير من صورة إلى صورة ولا من شكل إلى ~~شكل كما عليه بناء الإشكال والجواب. # وأجيب عن الثاني: بأنه مشترك الورود فإن من اعترف بالصانع القادر يلزمه ~~ذلك لجواز أن يخلق تعالى مثل زيد مثلا وبذلك يرتفع الوثوق ويمتنع القطع على ~~حذو ما ذكر في الإشكال، وكذا من لم يعترف بالصانع وأسند الحوادث إلى ~~الأسباب الطبيعية أو الأوضاع السماوية يجوز عنده أن يتحقق من الأسباب ما ~~يستتبع حدوث مثل زيد مثلا فيعود الإشكال. # ولعله لما كان مثل هذه الحوادث نادرا لم يلزم منه قدح في العلوم العادية ~~المستندة إلى الإحساس فلا يلزم الشك في كون زيد الذي نشاهده الآن هو زيد ~~الذي شاهدناه أمس. # وأنت خبير بأن هذا الجواب لا يحسم مادة الإشكال إذ تسليم المغايرة بين ~~الحس والمحسوس ms5137 كرؤية غير زيد في صورة زيد وإن كانت نادرة يبطل العلم الحسي ~~ولا يبقى إلا أن يدعى أنه إنما يسمى علما لأن ندرة التخلف والخطإ تستوجب ~~غفلة الإنسان عن الالتفات إلى الشك فيه واحتمال المغايرة بين الحس ~~والمحسوس. # على أنه إذا جازت المغايرة وهي محتملة التحقق في كل مورد مورد لم يكن لنا ~~سبيل إلى العلم بكونها نادرة فمن أين يعلم أن مثل ذلك نادر الوجود؟. # والحق أن الإشكال والجواب فاسدان من أصلهما: أما الإشكال فهو مبني على أن ~~الذي يناله الحس هو عين المحسوس الخارجي بخارجيته دون الصورة المأخوذة منه ~~ويتفرع على ذلك الغفلة عن معنى كون الأحكام الحسية بديهية والغفلة عن أن ~~تحميل حكم الحس على المحسوس الخارجي إنما هو بالفكر والنظر لا بنفس الحس. PageV14P019 # فالذي يناله الحس من العين الخارجي شيء من كيفياته وهيآته يشابهه في الجملة ~~لا نفس الشيء الخارجي ثم التجربة والنظر يعرفان حاله في نفسه والدليل على ~~ذلك أقسام المغايرة بين الحس والمحسوس الخارجي وهي المسماة بأغلاط الحس ~~كمشاهدة الكبير صغيرا والعالي سافلا والمستقيم مائلا والمتحرك ساكنا وعكس ~~ذلك باختلاف المناظر وكذلك حكم سائر الحواس كما نرى الفرد من الإنسان مثلا ~~مع بعد المسافة أصغر ما يمكن ونحكم بتكرر الحس وبالتجربة أنه إنسان يماثلنا ~~في عظم الجثة، ونشاهد الشمس قدر صحفة وهي تدور حول الأرض ثم البراهين ~~الرياضية تسوقنا إلى أنها أكبر من الأرض كذا وكذا مرة وأن الأرض هي التي ~~تدور حول الشمس. # فتبين أن المحسوس لنا بالحقيقة هي الصورة التي في ظرف حسنا دون الأمر ~~الخارجي بخارجيته، ثم إنا لا نرتاب في أن الذي أحسسناه وهو في حسنا قد ~~أحسسناه وهذا معنى بداهة الحس، وأما المحسوس وهو الذي في الخارج عنا وعن ~~حسنا فالحكم الذي نحكم به عليه إنما هو ناشىء عن فكرنا ونظرنا وهذا ما ~~قلناه إن الذي نعتقده من حال الشيء الخارجي حكم ناشىء عن الفكر والنظر دون ~~الحس هذا. # وقد بين في العلوم الباحثة عن الحس والمحسوس أن لجهازات ms5138 الحواس أنواعا من ~~التصرف في المحسوس. # ثم إن من الضروري عندنا أن في الخارج من إدراكنا سببا تتأثر عنه نفوسنا ~~فتدرك ما تدرك، وهذا السبب ربما كان خارجيا كالأجسام التي ترتبط بكيفياتها ~~وأشكالها بنفوسنا من طريق الحواس فندرك بالحس صورا منها ثم نحصل بتجربة أو ~~فكر شيئا من أمرها في نفسها، وربما كان داخليا كالخوف الشديد الطارىء على ~~الإنسان فجأة يصور له صورا هائلة مهيبة على حسب ما عنده من الأوهام ~~والخواطر المؤلمة. # وفي جميع هذه الأحوال ربما أصاب الإنسان في تشخيصه حال المحسوس الخارجي ~~وهو الأغلب وربما أخطأ كمن يرى سرابا فيقدر أنه ماء أو أشباحا فيحسب أنها أشخاص. # فقد تبين من جميع ما تقدم أن المغايرة بين الحس والمحسوس الخارجي في نفسه ~~- على كونها مما لا بد منه في - الجملة لا تستدعي ارتفاع الوثوق وبطلان ~~الاعتماد على الحس فإن الأمر في ذلك يدور مدار ما حصله الإنسان من تجربة أو ~~نظر أو غير ذلك وأصدقها ما صدقته التجربة. # وأما وجه فساد الجواب فبناؤه على تسليم ما تسلمه في الإشكال من نيل الحس ~~نفس المحسوس الخارجي بعينه، وأن العلم بالمحسوس في نفسه مستند إلى الحس ~~نفسه مع التخلف نادرا. # وأجيب عن الإشكال الثالث بأن أصل تجويز تصور الملك بصور سائر الحيوان غير ~~الإنسان قائم في الأصل، وإنما عرف فساده بدلائل السمع. # وفيه أنه لا دليل من جهة السمع يعتد به نعم يرد على أصل الإشكال أن ~~المراد بالإمكان إن كان هو الإمكان المقابل للضرورة والامتناع فمن البين أن ~~تمثل الملك بصورة الإنسان لا يستلزم إمكان تمثله بصورة غيره من الحيوان، ~~وإن كان هو الإمكان بمعنى الاحتمال العقلي فلا محذور في الاحتمال حتى يقوم ~~الدليل على نفيه أو إثباته. # وأجيب عن الإشكال الرابع بمثل ما أجيب به عن الثالث فإن احتمال التخلف ~~قائم في المتواتر لكن دلائل السمع تدفعه. # وفيه أن نظير الاحتمال قائم في نفس دليل السمع، فإن الطريق إليه حاسة ~~السمع والجواب الصحيح عن هذا الإشكال هو الذي ms5139 أوردناه جوابا عن الإشكال ~~الثاني. # والله أعلم. # فظهر مما قدمناه أن التمثل هو ظهور الشيء للإنسان بصورة يألفها الإنسان ~~وتناسب الغرض الذي لأجله الظهور كظهور جبريل لمريم في صورة بشر سوي لما أن ~~المعهود عند الإنسان من الرسالة أن يتحمل إنسان الرسالة ثم يأتي المرسل ~~إليه ويلقي إليه ما تحمله من الرسالة من طريق التكلم والتخاطب، وكظهور ~~الدنيا لعلي (عليه السلام) في صورة امرأة حسناء لتغره لما أن الفتاة ~~الفائقة في جمالها هي في باب الأهواء واللذائذ النفسانية أقوى سبب يتوسل به ~~للأخذ بمجامع القلب والغلبة على العقل إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة. # فإن قلت: لازم ذلك القول بالسفسطة فإن الإدراك الذي ليست وراءه حقيقة ~~تطابقه من جميع الجهات ليس إلا وهما سرابيا وخيالا باطلا ورجوعه إلى ~~السفسطة. PageV14P020 # قلت: فرق بين أن يكون هناك حقيقة يظهر للمدرك بما يألفه من الصور وتحتمله ~~أدوات إدراكه وبين أن لا يكون هناك إلا صورة إدراكية ليس وراءها شيء، ~~والسفسطة هي الثاني دون الأول وتوخي أزيد من ذلك في باب العلم الحصولي طمع ~~فيما لا مطمع فيه وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله. # والله الهادي. # قوله تعالى: "قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا" ابتدرت إلى تكليمه ~~لما أدهشها حضوره عندها وهي تحسب أنه بشر هجم عليها لأمر يسوءها واستعاذت ~~بالرحمن استدرارا للرحمة العامة الإلهية التي هي غاية آمال المنقطعين إليه ~~من أهل القنوت. # واشتراطها بقولها: "إن كنت تقيا" من قبيل الاشتراط بوصف يدعيه المخاطب ~~لنفسه أو هو محقق فيه ليفيد إطلاق الحكم المشروط وعليه الوصف للحكم، ~~والتقوى وصف جميل يشق على الإنسان أن ينفيه عن نفسه ويعترف بفقده فيئول ~~المعنى إلى مثل قولنا: إني أعوذ وأعتصم بالرحمن منك إن كنت تقيا ومن الواجب ~~أن تكون تقيا فليردعك تقواك عن أن تتعرض بي وتقصدني بسوء. # فالآية من قبيل خطاب المؤمنين بمثل قوله تعالى: "واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين": المائدة: 57، وقوله: "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين": ~~المائدة: 23. # وربما احتمل في قوله: ms5140 "إن كنت" أن تكون إن نافية والمعنى ما كنت تقيا إذ ~~هتكت على ستري ودخلت بغير إذني. # وأول الوجهين أوفق بالسياق. # والقول بأن التقي اسم رجل طالح أو صالح لا يعبأ به. # قوله تعالى: "قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا" جواب الروح ~~لمريم وقد صدر الكلام بالقصر ليفيد أنه ليس ببشر كما حسبته فيزول بذلك ~~روعها ثم يطيب نفسها بالبشرى، والزكي هو النامي نموا صالحا والنابت نباتا حسنا. # ومن لطيف التوافق في هذه القصص الموردة في السورة أنه تعالى ذكر زكريا ~~وأنه وهب له يحيى، وذكر مريم وأنه وهب لها عيسى، وذكر إبراهيم وأنه وهب له ~~إسحاق ويعقوب، وذكر موسى وأنه وهب له هارون (عليه السلام). # قوله تعالى: "قالت إني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا" مس ~~البشر بقرينة مقابلته للبغي وهو الزنا كناية عن النكاح وهو في نفسه أعم ~~ولذا اكتفى في القصة من سورة آل عمران بقوله: "ولم يمسسني بشر" والاستفهام ~~للتعجب أي كيف يكون لي ولد ولم يخالطني قبل هذا الحين رجل لا من طريق ~~الحلال بالنكاح ولا من طريق الحرام بالزنا. # والسياق يشهد أنها فهمت من قوله: "لأهب لك غلاما" إلخ، إنه سيهبه حالا ~~ولذا قالت: "ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا" فنفت النكاح والزنا في الماضي. # قوله تعالى: "قال كذلك قال ربك هو علي هين" إلخ، أي قال الروح الأمر كذلك ~~أي كما وصفته لك ثم قال: "قال ربك هو علي هين"، وقد تقدم في قصة زكريا ~~ويحيى (عليهما السلام) توضيح ما للجملتين. # وقوله: "ولنجعله آية للناس ورحمة منا" ذكر بعض ما هو الغرض من خلق المسيح ~~على هذا النهج الخارق، وهو معطوف على مقدر أي خلقناه بنفخ الروح من غير أب ~~لكذا وكذا ولنجعله آية للناس بخلقته ورحمة منا برسالته والآيات الجارية على ~~يده وحذف بعض الغرض وعطف بعضه المذكور عليه كثير في القرآن كقوله تعالى: ~~"وليكون من الموقنين": الأنعام: 75، وفي هذه الصنعة إيهام أن الأغراض ~~الإلهية أعظم ms5141 من أن يحيط بها فهم أو يفي بتمامها لفظ. # وقوله: "وكان أمرا مقضيا" إشارة إلى تحتم القضاء في أمر هذا الغلام الزكي ~~فلا يرد بإباء أو دعاء. # قوله تعالى: "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا" القصي البعيد أي حملت بالولد ~~فانفرد واعتزلت به مكانا بعيدا من أهله. # قوله تعالى: "فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة" إلى آخر الآية، الإجاءة ~~إفعال من جاء يقال: أجاءه وجاء به بمعنى وهو في الآية كناية عن الدفع ~~والإلجاء، والمخاض والطلق وجع الولادة، وجذع النخلة ساقها، والنسي بفتح ~~النون وكسرها كالوتر والوتر هو الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى، والمعنى ~~- أنها لما اعتزلت من قومها في مكان بعيد منهم - دفعها وألجأها الطلق إلى ~~جذع نخلة كان هناك لوضع حملها - والتعبير بجذع النخلة دون النخلة مشعر ~~بكونها يابسة غير مخضرة - وقالت استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا وشيئا لا يعبأ به منسيا لا يذكر فلم يقع فيه الناس كما سيقع الناس في. PageV14P021 # قوله تعالى: "فناداها من تحتها ألا تحزني" إلى آخر الآيتين ظاهر السياق أن ~~ضمير الفاعل في "ناداها" لعيسى (عليه السلام) لا للروح السابق الذكر، ~~ويؤيده تقييده بقوله: "من تحتها" فإن هذا القيد أنسب لحال المولود مع ~~والدته حين الوضع منه لحال الملك المنادي مع من يناديه، ويؤيده أيضا ~~احتفافه بالضمائر الراجعة إلى عيسى (عليه السلام). # وقيل: الضمير للروح وأصلح كون الروح تحتها بأنها كانت حين الوضع في أكمة ~~وكان الروح واقفا تحت الأكمة فناداها من تحتها، ولا دليل على شيء من ذلك من ~~جهة اللفظ. # ولا يبعد أن يستفاد من ترتب قوله: "فناداها" على قوله: "قالت يا ليتني" ~~إلخ، أنها إنما قالت هذه الكلمة حين الوضع أو بعده فعقبها (عليه السلام) ~~بقوله: لا تخزني، إلخ. # وقوله: "ألا تحزني" تسلية لها لما أصابها من الحزن والغم الشديد فإنه لا ~~مصيبة هي أمر وأشق على المرأة الزاهدة المتنسكة وخاصة إذا كانت عذراء بتولا ~~من أن تتهم في عرضها وخاصة إذا كانت من بيت ms5142 معروف بالعفة والنزاهة في حاضر ~~حاله وسابق عهده وخاصة إذا كانت تهمة لا سبيل لها إلى الدفاع عن نفسها ~~وكانت الحجة للخصم عليها، ولذا أشار أن لا تتكلم مع أحد وتكفل هو الدفاع ~~عنها وتلك حجة لا يدفعها دافع. # وقوله: "قد جعل ربك تحتك سريا" السري جدول الماء، والسري هو الشريف ~~الرفيع، والمعنى الأول هو الأنسب للسياق، ومن القرينة عليه قوله: بعد: ~~"فكلي واشربي" كما لا يخفى. # وقيل: المراد هو المعنى الثاني ومصداقه عيسى (عليه السلام)، وقد عرفت أن ~~السياق لا يساعد عليه، وعلى أي تقدير الجملة إلى آخر كلامه تطييب لنفس مريم ~~(عليها السلام). # وقوله: "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا" الهز هو التحريك ~~الشديد، ونقل عن الفراء أن العرب تقول: هزه وهز به، والمساقطة هي الإسقاط، ~~وضمير "تساقط" للنخلة، ونسبة الهز إلى الجذع والمساقطة إلى النخلة لا تخلو ~~من إشعار بأن النخلة كانت يابسة وإنما اخضرت وأورقت وأثمرت رطبا جنيا ~~لساعتها، والرطب هو نضيج البسر، والجني هو المجني وذكر في القاموس - على ما ~~نقل - أن الجني إنما يقال لما جني من ساعته. # قوله تعالى: "فكلي واشربي وقري عينا" قرار العين كناية عن المسرة يقال: ~~أقر الله عليك أي سرك، والمعنى: فكلي من الرطب الجني الذي تسقط واشربي من ~~السري الذي تحتك وكوني على مسرة من غير أن تحزني، والتمتع بالأكل والشرب من ~~أمارات السرور والابتهاج فإن المصاب في شغل من التمتع بلذيذ الطعام ومريء ~~الشراب ومصيبته شاغلة، والمعنى: فكلي من الرطب الجني واشربي من السري وكوني ~~على مسرة - مما حباك الله به - من غير أن تحزني، وأما ما تخافين من تهمة ~~الناس ومساءلتهم فالزمي السكوت ولا تكلمي أحدا فأنا أكفيكهم. # قوله تعالى: "فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا" المراد بالصوم صوم الصمت كما يدل عليه التفريع الذي في ~~قوله: "فلن أكلم اليوم إنسيا" وكذا يستفاد من السياق أنه كان أمرا مسنونا ~~في ذلك الوقت ولذا أرسل عذرا إرسال ms5143 المسلم، والإنسي منسوب إلى الإنس مقابل ~~الجن والمراد به الفرد من الإنسان. # وقوله: "فإما ترين" إلخ، ما زائدة والأصل إن ترى بشرا فقولي إلخ، ~~والمعنى: إن ترى بشرا وكلمك أو سألك عن شأن الولد فقولي إلخ، والمراد ~~بالقول التفهيم بالإشارة فربما يسمى التفهيم بالإشارة قولا، وعن الفراء أن ~~العرب تسمي كل ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر ~~فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام. # وليس ببعيد أن يستفاد من قوله: "فقولي إني نذرت للرحمن صوما" بمعونة ~~السياق أنه أمرها أن تنوي الصوم لوقتها وتنذره لله على نفسها فلا يكون ~~إخبارا بما لا حقيقة له. # وقوله: "فإما ترين إلخ، على أي حال متفرع على قوله: "وقري عينا" والمراد ~~لا تكلمي بشرا ولا تجيبي أحدا سألك عن شأني بل ردي الأمر إلي فأنا أكفيك ~~جواب سؤالهم وأدافع خصامهم. PageV14P022 # قوله تعالى: "فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم أنى لك هذا لقد جئت شيئا ~~فريا" الضميران في "به" و"تحمله" لعيسى، والاستفهام إنكاري حملهم عليه ما ~~شاهدوه عن عجيب أمرها مع ما لها من سابقة الزهد والاحتجاب وكانت ابنة عمران ~~ومن آل هارون القديس، والفري هو العظيم البديع وقيل: هو من الافتراء بمعنى ~~الكذب كناية عن القبيح المنكر والآية التالية تؤيد المعنى الأول، ومعنى ~~الآية واضح. # قوله تعالى: "يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا" ذكر ~~في المجمع، أن في المراد من هارون أربعة أقوال: أحدها: أنه كان رجلا صالحا ~~من بني إسرائيل ينسب إليه كل صالح وعلى هذا فالمراد بالأخوة الشباهة ومعنى ~~"يا أخت هارون" يا شبيهة هارون، والثاني: أنه كان أخاها لأبيها لا من أمها، ~~والثالث: أن المراد به هارون أخو موسى الكليم وعلى هذا فالمراد بالأخوة ~~الانتساب كما يقال: أخو تميم، والرابع: أنه كان رجلا معروفا بالعهر والفساد ~~انتهى ملخصا والبغي الزانية، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا" إشارتها ~~إليه إرجاع ms5144 لهم إليه حتى يجيبهم ويكشف لهم عن حقيقة الأمر، وهو جرى منها ~~على ما أمرها به حينما ولد بقوله: "فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا على ما تقدم البحث عنه. # والمهد السرير الذي يهيأ للصبي فيوضع فيه وينوم عليه، وقيل: المراد ~~بالمهد في الآية حجر أمه، وقيل المرباة أي المرجحة، وقيل المكان الذي استقر ~~عليه كل ذلك لأنها لم تكن هيئت له مهدا، والحق أن الآية ظاهرة في ذلك ولا ~~دليل على أنها لم تكن هيئت وقتئذ له مهدا فلعل الناس هجموا عليها وكلموها ~~بعد ما رجعت إلى بيتها واستقرت فيه وهيئت له مهدا أو مرجحة وتسمى أيضا مهدا. # وقد استشكلت الآية بأن الإتيان بلفظة كان مخل بالمعنى فإن ما يقتضيه ~~المقام هو أن يستغربوا تكليم من هو في المهد صبي لا تكليم من كان في المهد ~~صبيا قبل ذلك فكل من يكلمه الناس من رجل أو امرأة كان في المهد صبيا قبل ~~التكليم بحين ولا استغراب فيه. # وأجيب عنه أولا أن الزمان الماضي منه بعيد ومنه قريب يلي الحال وإنما ~~يفسد المعنى لو كان مدلول كان في الآية هو الماضي البعيد، وأما لو كان هو ~~القريب المتصل بالحال وهو زمان التكليم فلا محذور فساد فيه. # والوجه للزمخشري في الكشاف،. # وفيه أنه وإن دفع الإشكال غير أنه لا ينطبق على نحو إنكارهم فإنهم إنما ~~كانوا ينكرون تكليمه وتكلمه من جهة أنه صبي في المهد بالفعل لا من جهة أنه ~~كان قبل زمان يسير صبيا في المهد فيكون "كان زائدا مستدركا. # وأجيب عنه ثانيا: بأن قوله: "كيف نكلم" لحكاية الحال الماضية و"من" ~~موصولة والمعنى كيف نكلم الموصوفين بأنهم في المهد أي لم نكلمهم إلى الآن ~~حتى نكلم هذا. # وهذا الوجه أيضا للزمخشري في الكشاف،. # وفيه أنه وإن استحسنه غير واحد لكنه معنى بعيد عن الفهم!. # وأجيب عنه ثالثا أن كان زائد للتأكيد من غير دلالة على الزمان، و"من كان ~~في المهد" مبتدأ وخبر، ms5145 وصبيا حال مؤكدة. # وفيه أنه لا دليل عليه، على أنه زيادة موجبة للالتباس من غير ضرورة على ~~أنه قيل إن: "كان" الزائدة تدل على الزمان وإن لم تدل على الحدث. # وأجيب عنه رابعا بأن "من" في الآية شرطية و"كان في المهد صبيا" شرطها ~~وقوله: "كيف نكلم" في محل الجزاء والمعنى من كان في المهد صبيا لا يمكن ~~تكليمه والماضي في الجملة الشرطية بمعنى المستقبل فلا إشكال. # وفيه أنه تكلف ظاهر. # ويمكن أن يقال: إن "كان" منعزلة عن الدلالة على الزمان لما في الكلام من ~~معنى الشرط والجزاء فإنه في معنى من كان صبيا لا يمكن تكليمه أو إن كان جيء ~~بها للدلالة على ثبوت الوصف لموصوفه ثبوتا يقضي مضيه عليه وتحققه فيه ~~ولزومه له كقوله تعالى: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": الإسراء: 93 ~~أي إن البشرية والرسالة تحققا في فلا يسعني ما لا يسع البشر الرسول، وقوله ~~تعالى: "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا": الإسراء: 63 أي إن النصرة لازمة له بجعلنا لزوم الوصف الماضي ~~لموصوفه ويكون المعنى كيف نكلم صبيا في المهد ممعنا في صباه من شأنه أنه ~~لبث وسيلبث في صباه برهة من الزمان. PageV14P023 # والله أعلم. # قوله تعالى: "قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا" شروع منه (عليه ~~السلام) في الجواب ولم يتعرض لمشكلة الولادة التي كانوا يكرون بها على مريم ~~(عليها السلام) لأن نطقه على صباه وهو آية معجزة وما أخبر به من الحقيقة لا ~~يدع ريبا لمرتاب في أمره على أنه سلم في آخر كلامه على نفسه فشهد بذلك على ~~نزاهته وأمنة من كل قذارة وخباثة ومن نزاهته طهارة مولده. # وقد بدأ بقوله: "إني عبد الله" اعترافا بالعبودية لله ليبطل به غلو ~~الغالين وتتم الحجة عليهم، كما ختمه بمثل ذلك إذ يقول: "وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه". # وفي قوله: "آتاني الكتاب" إخبار بإعطاء الكتاب والظاهر أنه الإنجيل، وفي ~~قوله: "وجعلني نبيا" إعلام بنبوته، وقد ms5146 تقدم في مباحث النبوة في الجزء ~~الثاني من الكتاب الفرق بين النبوة والرسالة، فقد كان يومئذ نبيا فحسب ثم ~~اختاره الله للرسالة، وظاهر الكلام أنه كان أوتي الكتاب والنبوة لا أن ذلك ~~إخبار بما سيقع. # قوله تعالى: "وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت ~~حيا" كونه (عليه السلام) مباركا أينما كان هو كونه محلا لكل بركة والبركة ~~نماء الخير كان نفاعا للناس يعلمهم العلم النافع ويدعوهم إلى العمل الصالح ~~ويربيهم تربية زاكية ويبرىء الأكمه والأبرص ويصلح القوي ويعين الضعيف. # وقوله: "وأوصاني بالصلاة والزكاة" إلخ، إشارة إلى تشريع الصلاة والزكاة ~~في شريعته، والصلاة هي التوجه العبادي الخاص إلى الله سبحانه والزكاة ~~الإنفاق المالي وهذا هو الذي استقر عليه عرف القرآن كلما ذكر الصلاة ~~والزكاة وقارن بينهما وذلك في نيف وعشرين موضعا فلا يعتد بقول من قال: إن ~~المراد بالزكاة تزكية النفس وتطهيرها دون الإنفاق المالي. # قوله تعالى: "وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا" أي جعلني حنينا رءوفا ~~بالناس ومن ذلك أني بر بوالدتي ولست جبارا شقيا بالنسبة إلى سائر الناس، ~~والجبار هو الذي يحمل الناس ولا يتحمل منهم، ونقل عن ابن عطاء أن الجبار ~~الذي لا ينصح والشقي الذي لا ينتصح. # قوله تعالى: "والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا" تسليم منه ~~على نفسه في المواطن الثلاثة الكلية التي تستقبله في كونه ووجوده، وقد تقدم ~~توضيحه في آخر قصة يحيى المتقدمة. # نعم بين التسليمتين فرق، فالسلام في قصة يحيى نكرة يدل على النوع، وفي ~~هذه القصة محلى بلام الجنس يفيد بإطلاقه الاستغراق، وفرق آخر وهو أن المسلم ~~على يحيى هو الله سبحانه وعلى عيسى هو نفسه. # قوله تعالى: "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون" الظاهر أن هذه ~~الآية والتي تليها معترضتان، والآية الثالثة: "وإن الله ربي وربكم" من تمام ~~قول عيسى (عليه السلام). # وقوله: "ذلك عيسى ابن مريم" الإشارة فيه إلى مجموع ما قص من أمره وشرح من ~~وصفه أي ذلك الذي ذكرنا ms5147 كيفية ولادته وما وصفه هو للناس من عبوديته وإيتائه ~~الكتاب وجعله نبيا هو عيسى بن مريم. # وقوله: "قول الحق" منصوب بمقدر أي أقول قول الحق، وقوله: "الذي فيه ~~يمترون" أي يشكون أو يتنازعون، وصف لعيسى، والمعنى: ذلك عيسى بن مريم الذي ~~يشكون أو يتنازعون فيه. # وقيل: المراد بقول الحق كلمة الحق وهو عيسى (عليه السلام) لأن الله ~~سبحانه سماه كلمته في قوله: "وكلمته ألقاها إلى مريم": النساء: 171 وقوله: ~~"يبشرك بكلمة منه": آل عمران: 45، وقوله: "بكلمة من الله": آل عمران: 39، ~~وعليه فقول الحق منصوب على المدح، ويؤيد المعنى الأول قوله تعالى في هذا ~~المعنى في آخر القصة من سورة آل عمران: "الحق من ربك فلا تكن من الممترين": ~~آل عمران: 60. # قوله تعالى: "ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون" نفي وإبطال لما قالت به النصارى من بنوة المسيح، وقوله: "إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن" حجة أقيمت على ذلك، وقد عبر بلفظ القضاء ~~للدلالة على ملاك الاستحالة. # وذلك أن الولد إنما يراد للاستعانة به في الحوائج، والله سبحانه غني عن ~~ذلك لا يتخلف مراد عن إرادته إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. PageV14P024 # وأيضا الولد هو أجزاء من وجود الوالد يعزلها ثم يربيها بالتدريج حتى يصير ~~فردا مثله، والله سبحانه غني عن التوسل في فعله إلى التدريج ولا مثل له بل ~~ما أراده كان كما أراده من غير مهلة وتدريج من غير أن يماثله، وقد تقدم ~~نظير هذا المعنى في تفسير قوله: "وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه"، الآية: ~~البقرة: 116 في الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" معطوف على ~~قوله: "إني عبد الله" وهو من قول عيسى (عليه السلام)، ومن الدليل عليه وقوع ~~الآية بعينها في المحكي من دعوته قومه في قصته من سورة آل عمران، ونظيره في ~~سورة الزخرف حيث قال: "إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ms5148 ~~فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم": الزخرف: 65. # فلا وجه لما احتمله بعضهم أن الآية استئناف وابتداء كلام من الله سبحانه ~~أو أمر منه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول: إن الله ربي و"ربكم" ~~إلخ على أن سياق الآيات أيضا لا يساعد على شيء من الوجهين فهو من كلام عيسى ~~(عليه السلام) ختم كلامه بالاعتراف بالمربوبية كما بدأ كلامه بالشهادة على ~~العبودية ليقطع به دابر غلو الغالين في حقه ويتم الحجة عليهم. # قوله تعالى: "فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم" الأحزاب جمع حزب وهو الجمع المنقطع في رأيه عن غيره فاختلاف الأحزاب ~~هو قول كل منهم فيه (عليه السلام) خلاف ما يقوله الآخرون، وإنما قال: "من ~~بينهم" لأن فيهم من ثبت على الحق، وربما قيل "من" زائدة والأصل اختلف ~~الأحزاب بينهم، وهو كما ترى. # والويل كلمة تهديد تفيد تشديد العذاب، والمشهد مصدر ميمي بمعنى الشهود: هذا. # وقد تقدم الكلام في تفصيل قصص المسيح (عليه السلام) وكليات اختلافات ~~النصارى فيه في الجزء الثالث من الكتاب. # قوله تعالى: "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال ~~مبين" أي ما أسمعهم وأبصرهم بالحق يوم يأتوننا ويرجعون إلينا وهو يوم ~~القيامة فيتبين لهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه كما حكى اعترافهم به في ~~قوله: "ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون": الم السجدة: 12. # وأما الاستدراك الذي في قوله: "لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين" فهو ~~لدفع توهم أنهم إذا سمعوا وأبصروا يوم القيامة وانكشف لهم الحق سيهتدون ~~فيسعدون بحصول المعرفة واليقين فاستدرك أنهم لا ينتفعون بذلك ولا يهتدون بل ~~الظالمون اليوم في ضلال مبين لظلمهم. # وذلك أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل فلا يواجهون اليوم إلا ما قدموه من ~~العمل وأثره وما اكتسبوه في أمسهم ليومهم وأما أن يستأنفوا يوم القيامة ~~عملا يتوقعون جزاءه غدا فليس لليوم غد، وبعبارة أخرى هؤلاء قد رسخت فيهم ~~ملكة الضلال في الدنيا وانقطعوا ms5149 عن موطن الاختيار بحلول الموت فليس لهم إلا ~~أن يعيشوا مضطرين على ما هيئوا لأنفسهم من الضلال لا معدل عنه فلا ينفعهم ~~انكشاف الحق وظهور الحقيقة. # وذكر بعضهم أن المراد بالآية أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يسمع القوم ويبصرهم ببيان أنهم يوم يحضرون للحساب والجزاء سيكونون في ضلال مبين. # وهو وجه سخيف لا ينطبق على الآية البتة. # قوله تعالى: "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون" ظاهر السياق أن قوله: "إذ قضي الأمر" بيان لقوله: يوم الحسرة" ففيه ~~إشارة إلى أن الحسرة إنما تأتيهم من ناحية قضاء الأمر والقضاء إنما يوجب ~~الحسرة إذا كان بحيث يفوت به عن المقضي عليه ما فيه قرة عينه وأمنية نفسه ~~ومخ سعادته الذي كان يقدر حصوله لنفسه ولا يرى طيبا للعيش دونه لتعلق قلبه ~~به وتولهه فيه، ومعلوم أن الإنسان لا يرضى لفوت ما هذا شأنه وإن احتمل في ~~سبيل حفظه أي مكروه إلا أن يصرفه عنه الغفلة فيفرط في جنبه ولذلك عقب ~~الكلام بقوله: "وهم في غفلة وهم لا يؤمنون". # فالمعنى - والله أعلم - وخوفهم يوما يقضى فيه الأمر فيتحتم عليهم الهلاك ~~الدائم فينقطعون عن سعادتهم الخالدة التي فيها قرة أعينهم فيتحسرون عليها ~~حسرة لا تقدر بقدر إذ غفلوا في الدنيا فلم يسلكوا الصراط الذي يهديهم ~~ويوصلهم إليها بالاستقامة وهو الإيمان بالله وحده وتنزيهه عن الولد ~~والشريك. PageV14P025 # وفيما قدمناه كفاية عن تفاريق الوجوه التي أوردوها في تفسير الآية والله ~~الهادي. # قوله تعالى: "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون" قال الراغب في ~~المفردات،: الوراثة والإرث انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما ~~يجري مجرى العقد وسمي بذلك المنتقل عن الميت - إلى أن قال - ويقال: ورثت ~~مالا عن زيد وورثت زيدا. # انتهى. # والآية - كأنها - تثبيت ونوع تقريب لقوله في الآية السابقة: "قضي الأمر" ~~فالمعنى وهذا القضاء سهل يسير علينا فإنا نرث الأرض وإياهم وإلينا يرجعون ~~ووراثة الأرض أنهم يتركونها بالموت فيبقى لله تعالى ms5150 ووراثة من عليها أنهم ~~يموتون فيبقى ما بأيديهم لله سبحانه، وعلى هذا فالجملتان "نرث الأرض ومن ~~عليها" في معنى جملة واحدة "نرث عنهم الأرض". # ويمكن أن نحمل الآية على معنى أدق من ذلك وهو أن يراد أن الله سبحانه هو ~~الباقي بعد فناء كل شيء فهو الباقي بعد فناء الأرض يملك عنها ما كانت تملكه ~~من الوجود وآثار الوجود وهو الباقي بعد فناء الإنسان يملك ما كان يملكه كما ~~قصر الملك لنفسه في قوله: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: ~~16، وقوله: "ونرثه ما يقول ويأتينا فردا": مريم: 84. # ويرجع معنى هذه الوراثة إلى رجوع الكل وحشرهم إليه تعالى فيكون قوله: ~~"وإلينا يرجعون" عطف تفسير وبمنزلة التعليل للجملة الثانية أو لمجموع ~~الجملتين بتغليب أولي العقل على غيرهم أو لبروز كل شيء يومئذ أحياء عقلاء. # وهذا الوجه أسلم من شبهة التكرار اللازم للوجه الأول فإن الكلام عليه ~~نظير أن يقال ورثت مال زيد وزيدا. # واختتام الكلام على قصة عيسى (عليه السلام) بهذه الآية لا يخلو عن مناسبة ~~فإن وراثته تعالى من الحجج على نفي الولد فإن الولد إنما يراد ليكون وارثا ~~لوالده فالذي يرث كل شيء في غنى عن الولد. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: وروي عن الباقر (عليه السلام): أنه يعني جبرئيل تناول جيب ~~مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في ~~أرحام النساء تسعة أشهر فخرجت من المستحم وهي حامل محج مثقل فنظرت إليها ~~خالتها فأنكرتها ومضت مريم على وجهها مستحية من خالتها ومن زكريا، وقيل: ~~كانت مدة حملها تسع ساعات: وهذا مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وفي بعض الروايات أن مدة حملها كانت ستة أشهر. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "قالت يا ليتني مت قبل هذا" الآية وإنما ~~تمنت الموت إلى أن قال وروي عن الصادق (عليه السلام): لأنها لم تر في قومها ~~رشيدا ذا فراسة ينزهها من السوء. # وفيه،: في قوله تعالى: "قد جعل ربك تحتك سريا" قيل: ضرب ms5151 جبرئيل برجله ~~فظهر ماء عذب وقيل: بل ضرب عيسى برجله فظهرت عين ماء تجري: وهو المروي عن ~~أبي جعفر (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه عن البراء بن ~~عازب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "قد جعل ربك تحتك سريا" ~~قال النهر. # أقول: وفي رواية أخرى فيه عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه ~~نهر أخرجه الله لها لتشرب منه. # وفي الخصال، عن علي (عليه السلام) من حديث الأربعمائة: ما تأكل الحامل من ~~شيء ولا تتداوى به أفضل من الرطب قال الله تعالى لمريم: "وهزي إليك بجذع ~~النخلة - تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي - وقري عينا". # أقول: وهذا المعنى مروي في عدة روايات من طرق أهل السنة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومن طرق الشيعة عن الباقر (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن جراح المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده. ثم قال: قالت مريم: "إني نذرت ~~للرحمان صوما" أي صوما صمتا وفي نسخة أي صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم ~~وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا. # الحديث. # وفي كتاب سعد السعود، لابن طاووس من كتاب عبد الرحمن بن محمد الأزدي: ~~وحدثني سماك بن حرب عن المغيرة بن شعبة: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعثه إلى نجران فقالوا: ألستم تقرءون: "يا أخت هارون" وبينهما كذا ~~وكذا؟ فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ألا قلت لهم: إنهم ~~كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين منهم. PageV14P026 # أقول: وأورد الحديث في الدر المنثور، مفصلا وفي مجمع البيان، مختصرا عن ~~المغيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعنى الحديث أن المراد ~~بهارون في قوله: "يا أخت هارون" رجل مسمى باسم هارون النبي أخي موسى (عليه ~~السلام)، ولا دلالة فيه على كونه من الصالحين كما توهمه بعضهم. # وفي الكافي، ومعاني الأخبار، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "وجعلني مباركا ms5152 أين ما كنت" قال: نفاعا. # أقول: ورواه في الدر المنثور، عن أرباب الكتب عن أبي هريرة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولفظ الحديث: قال النبي قول عيسى (عليه السلام): ~~"وجعلني مباركا أين ما كنت" قال: جعلني نفاعا للناس أين اتجهت. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): "وجعلني مباركا أين ما كنت" قال: معلما ومؤدبا. # وفي الكافي، بإسناده عن بريد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة الله على أهل زمانه؟ فقال: كان ~~يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال: "إني عبد الله - ~~آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت - وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا". قلت: فكان يومئذ حجة لله على زكريا في تلك الحال وهو ~~في المهد؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية لله ورحمة من الله لمريم حين ~~تكلم فعبر عنها وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك الحال ثم صمت فلم ~~يتكلم حتى مضت له سنتان وكان زكريا الحجة لله عز وجل بعد صمت عيسى بسنتين. ~~ثم مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير أما تسمع لقوله ~~عز وجل: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا" فلما بلغ سبع سنين ~~تكلم بالنبوة والرسالة حين أوحى الله إليه، فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى ~~الناس أجمعين. وليس تبقى الأرض يا أبا خالد يوما واحدا بغير حجة لله على ~~الناس منذ يوم خلق الله آدم (عليه السلام) وأسكنه الأرض. # الحديث. # وفيه، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (عليه السلام) قد كنا ~~نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول: يهب الله لي غلاما فقد وهب ~~الله لك فقر عيوننا فلا أرانا الله يومك فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده ~~إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه: ms5153 فقلت: جعلت فداك هذا ابن ~~ثلاث سنين قال: وما يضره من ذلك شيء قد قام عيسى بالحجة وهو ابن ثلاث سنين. # أقول: ويقرب منه ما في بعض آخر من الروايات. # وفيه، بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم وأحب ذلك إلى الله عز وجل ما هو؟ فقال: ~~ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا ترى أن العبد الصالح عيسى ~~بن مريم قال: "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا". # وفي عيون الأخبار، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) في حديث: ومنها عقوق ~~الوالدين لأن الله عز وجل جعل العاق جبارا شقيا في قوله حكاية عن عيسى ~~(عليه السلام): "وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا". # أقول: ظاهر الرواية أنه (عليه السلام) أخذ قوله: "ولم يجعلني جبارا شقيا" ~~عطف تفسير لقوله: "وبرا بوالدتي". # وفي المجمع، وروى مسلم في الصحيح بالإسناد عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار قيل: يا أهل الجنة فيشرفون وينظرون، وقيل: يا أهل النار فيشرفون ~~وينظرون فيجاء بالموت كأنه كبش أملح فيقال لهم: تعرفون الموت؟ فيقولون: هذا ~~هذا وكل قد عرفه. قال: فيقدم فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا ~~أهل النار خلود فلا موت: قال: فذلك قوله: "وأنذرهم يوم الحسرة" الآية. # قال: ورواه أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ثم جاء في ~~آخره: فيفرح أهل الجنة فرحا لو كان أحد يومئذ ميتا لماتوا فرحا، ويشهق أهل ~~النار شهقة لو كان أحد ميتا لماتوا. # أقول: وروى هذا المعنى غير مسلم من أرباب الجوامع كالبخاري والترمذي ~~والنسائي والطبري وغيرهم عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود وابن عباس. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها" قال: كل شيء ~~خلقه الله يرثه الله يوم القيامة. PageV14P027 # أقول: وهذا هو المعنى الثاني من معنيي الآية المتقدمة ms5154 في تفسيرها. PageV14P028 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 41 - 50 # واذكر فى الكتب إبرهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يأبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا (42) يأبت إنى قد جاءنى من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صرطا سويا (43) يأبت لا تعبد الشيطن إن ~~الشيطن كان للرحمن عصيا (44) يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون ~~للشيطن وليا (45) قال أراغب أنت عن ءالهتى يإبرهيم لئن لم تنته لأرجمنك ~~واهجرنى مليا (46) قال سلم عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا (47) ~~وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا ~~(48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى نبذة من قصة إبراهيم (عليه السلام) وهي محاجته أباه في ~~أمر الأصنام بما آتاه الله من الهدى الفطري والمعرفة اليقينية واعتزاله ~~إياه وقومه وآلهتهم فوهب الله له إسحاق ويعقوب وخصه بكلمة باقية في عقبه ~~وجعل له ولأعقابه ذكرا جميلا باقيا مدى الدهر. # قوله تعالى: "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا" الظاهر أن ~~الصديق اسم مبالغة من الصدق فهو الذي يبالغ في الصدق فيقول ما يفعل ويفعل ~~ما يقول لا مناقضة بين قوله وفعله، وكذلك كان إبراهيم (عليه السلام) قال ~~بالتوحيد في عالم وثني وهو وحده فحاج أباه وقومه وقاوم ملك بابل وكسر ~~الآلهة وثبت على ما قال حتى ألقي في النار ثم اعتزلهم وما يعبدون كما وعد ~~أباه أول يوم فوهب الله له إسحاق ويعقوب إلى آخر ما عده تعالى من مواهبه. # وقيل: إن الصديق اسم مبالغة للتصديق، ومعناه: أنه كان كثير التصديق للحق ~~يصدقه بقوله وفعله، وهذا المعنى وإن وافق المعنى الأول بحسب المال لكن ~~يبعده ندرة مجيء صيغة المبالغة من المزيد فيه. # والنبي على وزن فعيل مأخوذ من النبإ سمي به النبي لأنه عنده نبأ الغيب ~~بوحي من ms5155 الله، وقيل: هو مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة سمي به لرفعة قدره. # قوله تعالى: "إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا" ظرف لإبراهيم حيث إن المراد بذكره وذكر نبئه وقصته كما تقدم ~~نظيره في قوله: "واذكر في الكتاب مريم" وأما قول من قال بكونه ظرفا لقوله: ~~"صديقا" أو قوله: "نبيا" فهو تكلف يستبشعه الطبع السليم. # وقد نبه إبراهيم أباه فيما ألقى إليه من الخطاب أولا أن طريقه الذي يسلكه ~~بعبادة الأصنام لغو باطل، وثانيا أن له من العلم ما ليس عنده فليتبعه ~~ليهديه إلى طريق الحق لأنه على خطر من ولاية الشيطان. # فقوله: "يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" إلخ، إنكار توبيخي لعبادته ~~الأصنام وقد عدل من ذكر الأصنام إلى ذكر أوصافها "ما لا يسمع" إلخ، ليشير ~~إلى الدليل في ضمن إلقاء المدلول ويعطي الحجة في طي المدعى وهو أن عبادة ~~الأصنام لغو باطل من وجهين: أحدهما أن العبادة إظهار الخضوع وتمثيل التذلل ~~من العابد للمعبود فلا يستقيم إلا مع علم المعبود بذلك، والأصنام جمادات ~~مصورة فاقدة للشعور لا تسمع ولا تبصر فعبادتها لغو لا أثر لها، وهذا هو ~~الذي أشار إليه بقوله: "لا يسمع ولا يبصر". # وثانيهما: أن العبادة والدعاء ورفع الحاجة إلى شيء إنما ذلك ليجلب للعابد ~~نفعا أو يدفع عنه ضررا فيتوقف ولا محالة على قدرة في المعبود على ذلك، ~~والأصنام لا قدرة لها على شيء فلا تغني عن عابدها شيئا بجلب نفع أو دفع ضرر ~~فعبادتها لغو لا أثر لها، وهذا هو الذي أشار إليه بقوله: "ولا يغني عنك شيئا". # وقد تقدم في تفسير سورة الأنعام أن هذا الذي كان يخاطبه إبراهيم (عليه ~~السلام) بقوله: "يا أبت" لم يكن والده وإنما كان عمه أو جده لأمه أو زوج ~~أمه بعد وفاة والده فراجع. PageV14P029 # والمعروف من مذهب النحاة في لفظ "يا أبت" أن التاء عوض من ياء المتكلم ~~ومثله "يا أمت" ويختص التعويض بالنداء فلا ms5156 يقال مثلا قال أبت وقالت أمت. # قوله تعالى: "يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك ~~صراطا سويا" لما بين له بطلان عبادته للأصنام ولغويتها وكان لازم معناه أنه ~~سالك طريق غير سوي عن جهل نبهه أن له علما بهذا الشأن ليس عنده وعليه أن ~~يتبعه حتى يهديه إلى صراط - وهو الطريق الذي لا يضل سالكه لوضوحه - سوي هو ~~في غفلة من أمره، ولذا نكره إذ قال: "أهدك صراطا سويا" ولم يقل: أهدك ~~الصراط السوي كأنه يقول: إذ كنت تسلك صراطا ولا محالة من سلوكه فلا تسلك ~~هذا الصراط غير السوي بجهالة بل اتبعني أهدك صراطا سويا فإني لذو علم بهذا الشأن. # وفي قوله: "قد جاءني من العلم" دليل على أنه أوتي العلم بالحق قبل دعوته ~~ومحاجته هذه وفيه تصديق ما قدمناه في قصته (عليه السلام) من سورة الأنعام ~~أنه أوتي العلم بالله ومشاهدة ملكوت السماوات والأرض قبل أن يلقى أباه ~~وقومه ويحاجهم. # والمراد بالهداية في قوله: "أهدك صراطا سويا" الهداية بمعنى إراءة الطريق ~~دون الإيصال إلى المطلوب فإنه شأن الإمام ولم يجعل إماما، بعد وقد فصلنا ~~القول في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: "قال إني جاعلك للناس إماما": ~~البقرة: 134. # قوله تعالى: "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا" إلى ~~آخر الآيتين الوثنيون يرون وجود الجن - وإبليس من الجن - ويعبدون أصنامهم ~~كما يعبدون أصنام الملائكة والقديسين من البشر، غير أنه ليس المراد بالنهي ~~النهي عن العبادة بهذا المعنى إذ لا موجب لتخصيص الجن من بين معبوديهم ~~بالنهي عن عبادتهم بل المراد بالعبادة الطاعة كما في قوله تعالى: "ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان" الآية: يس: 60، فالنهي عن عبادة ~~الشيطان نهي عن طاعته فيما يأمر به ومما يأمر به عبادة غير الله. # لما دعاه إلى اتباعه ليهديه إلى صراط سوي أراد أن يحرضه على الاتباع ~~بقلعه عما هو عليه فنبهه على أن عبادة الأصنام ليست مجرد لغو لا يضر ms5157 ولا ~~ينفع بل هي في معرض أن تورد صاحبها مورد الهلاك وتدخله تحت ولاية الشيطان ~~التي لا مطمع بعدها في صلاح وفلاح ولا رجاء لسلامة وسعادة. # وذلك أن عبادتها - والمستحق للعبادة هو الله سبحانه لكونه رحمانا تنتهي ~~إليه كل رحمة - والتقرب إليها إنما هي من الشيطان وتسويله، والشيطان عصي ~~للرحمن لا يأمر بشيء فيه رضاه وإنما يوسوس بما فيه معصيته المؤدية إلى ~~عذابه وسخطه والعكوف على معصيته وخاصة في أخص حقوقه وهي عبادته وحده، فيه ~~مخافة أن ينقطع عن العاصي رحمته وهي الهداية إلى السعادة وينزل عليه عذاب ~~الخذلان فلا يتولى الله أمره فيكون الشيطان هو مولاه وهو ولي الشيطان وهو ~~الهلاك. # فمعنى الآيتين - والله أعلم - يا أبت لا تطع الشيطان فيما يأمرك به من ~~عبادة الأصنام لأن الشيطان عصي مقيم على معصية الله الذي هو مصدر كل رحمة ~~ونعمة فهو لا يأمر إلا بما فيه معصيته والحرمان عن رحمته، وإنما أنهاك عن ~~معصيته في طاعة الشيطان لأني أخاف يا أبت أن يأخذك شيء من عذاب خذلانه ~~وينقطع عنك رحمته فلا يبقى لتولي أمرك إلا الشيطان فتكون وليا للشيطان ~~والشيطان مولاك. # وقد ظهر مما تقدم: أولا: أن المراد بالعبادة في قوله: "لا تعبد الشيطان" ~~عبادة الطاعة، ولوصف الشيطان - ومعناه الشرير - دخل في الحكم. # وثانيا: وجه تبديل اسم الجلالة من وصف الرحمن في موضعين فإن لوصف الرحمة ~~المطلقة دخلا في الحكمين فإن كونه تعالى مصدرا لكل رحمة ونعمة هو الموجب ~~لقبح الإصرار على معصيته والمصحح للنهي عن طاعة من يقيم على عصيانه، وكذا ~~مصدريته لكل رحمة هو الباعث على الخوف من عذابه الذي يلازم إمساك الرحمة ~~وغشيان النقمة والشقوة. # وثالثا: أن المراد بالعذاب هو الخذلان، أو ما هو بمعناه كإمساك الرحمة ~~وترك الإنسان ونفسه، وما ذكره بعضهم أن المراد به العذاب الأخروي لا يساعد ~~عليه السياق. PageV14P030 # قوله تعالى: "قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ~~واهجرني مليا" الرغبة عن الشيء نقيض الرغبة فيه كما في المجمع، والانتهاء: ms5158 ~~الكف عن الفعل بعد النهي، والرجم: الرمي بالحجارة، والمعروف من معناه القتل ~~برمي الحجارة، والهجر هو الترك والمفارقة، والملي: الدهر الطويل. # وفي الآية تهديد لإبراهيم بأخزى القتل وأذله وهو الرجم الذي يقتل به ~~المطرودون، وفيها طرد آزر لإبراهيم عن نفسه. # قوله تعالى: "قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا" الحفي على ~~ما ذكره الراغب: البر اللطيف وهو الذي يتتبع دقائق الحوائج فيحسن ويرفعها ~~واحدا بعد واحد، يقال: حفا يحفو حفى وحفوة، وإحفاء السؤال والإحفاء فيه: ~~الإلحاح والإمعان فيه. # قابل إبراهيم (عليه السلام) أباه فيما أساء إليه وهدده وفيه سلب الأمن ~~عنه من قبله بالسلام الذي فيه إحسان وإعطاء أمن، ووعده أن يستغفر له ربه ~~وأن يعتزلهم وما يدعون من دون الله كما أمره أن يهجره مليا. # أما السلام فهو من دأب الكرام قابل به جهالة أبيه إذ هدده بالرجم وطرده ~~لكلمة حق قالها، قال تعالى: "وإذا مروا باللغو مروا كراما": الفرقان: 72، ~~وقال: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما": الفرقان: 63، وأما ما قيل: إنه ~~كان سلام توديع وتحية مفارقة وهجرة امتثالا لقوله: "واهجرني مليا" ففيه أنه ~~اعتزله وقومه بعد مدة غير قصيرة. # وأما استغفاره لأبيه وهو مشرك فظاهر قوله: "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب ~~من الرحمن فتكون للشيطان وليا" إنه (عليه السلام) لم يكن وقتئذ قاطعا بكونه ~~من أولياء الشيطان أي مطبوعا على قلبه بالشرك جاحدا معاندا للحق عدوا لله ~~سبحانه ولو كان قاطعا لم يعبر بمثل قوله: "إني أخاف" بل كان يحتمل أن يكون ~~جاهلا مستضعفا لو ظهر له الحق اتبعه، ومن الممكن أن تشمل الرحمة الإلهية ~~لأمثال هؤلاء قال تعالى: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا ~~يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا ~~غفورا": النساء: 99، فاستعطفه (عليه السلام) بوعد الاستغفار ولم يحتم له ~~المغفرة بل أظهر الرجاء بدليل قوله: "إنه كان بي حفيا" وقوله تعالى: "إلا ~~قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من ms5159 شيء: الممتحنة - 4. # ويؤيد ما ذكر قوله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما ~~كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم": التوبة: 114، فتبريه بعد تبين عداوته ~~دليل على أنه كان قبل ذلك عند الموعدة يرجو أن يكون غير عدو لله مع كونه ~~مشركا، وليس ذلك إلا الجاهل غير المعاند. # ويؤيد هذا النظر قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة - إلى أن قال - لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين" إلخ،: الممتحنة: 8. # ومما قيل في توجيه استغفاره لأبيه وهو مشرك أنه وعده الاستغفار واستغفر ~~له بمقتضى العقل فإن العقل لا يأبى عن تجويزه وإنما منع منه النقل ولم يثبت ~~يومئذ المنع عنه شرعا ثم لما حرم ذلك في شرعه تبرأ منه. # وفيه: أنه لا ينطبق على آيات القصة كما يظهر بالتأمل فيما قدمناه. # ومنها: أن معنى استغفاره كان مشروطا بتوبته وإيمانه. # وهو كما ترى. # ومنها: أن معنى "سأستغفر لك ربي" سأدعو الله أن لا يعذبك في الدنيا. # وهو كسابقه تقييد من غير مقيد. # ومنها: أنه وعد الدعاء بالمسبب وهو بالاستلزام وعد للدعاء بالسبب فمعنى ~~سأسأل الله أن يغفر لك، سأسأله أن يوفقك للتوبة ويهديك للإيمان فيغفر لك، ~~ويمكن أن يجعل طلب المغفرة كناية عن طلب توفيق التوبة والهداية إلى ~~الإيمان. # وهذا وإن كان أعدل الوجوه لكنه لا يخلو عن بعد لأن في الكلام استعطافا ~~وهو بطلب المغفرة أنسب منه بطلب التوفيق والهداية، تأمل فيه. # ونظير دعائه لأبيه دعاؤه لعامة المشركين في قوله: "واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم": إبراهيم: 36. PageV14P031 # قوله تعالى: "وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ms5160 ربي عسى ألا أكون ~~بدعاء ربي شقيا" وعد باعتزالهم والابتعاد منهم ومن أصنامهم ليخلو بربه ~~ويخلص الدعاء له رجاء أن لا يكون بسبب دعائه شقيا وإنما أخذ بالرجاء لأن ~~هذه الأسباب من الدعاء والتوجه إلى الله ونحوه ليست بأسباب موجبة عليه ~~تعالى شيئا بل الإثابة والإسعاد ونحوه بمجرد التفضل منه تعالى. # على أن الأمور بخواتمها ولا يعلم الغيب إلا الله فعلى المؤمن أن يسير بين ~~الخوف والرجاء. # قوله تعالى: "فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب" إلى آخر الآيتين. # لعل الاقتصار على ذكر إسحاق لتعلق الغرض بذكر توالي النبوة في الشجرة ~~الإسرائيلية ولذلك عقب إسحاق بذكر يعقوب فإن في نسله جما غفيرا من ~~الأنبياء، ويؤيد ذلك أيضا قوله: "وكلا جعلنا نبيا". # وقوله: "ووهبنا لهم من رحمتنا" من الممكن أن يكون المراد به الإمامة كما ~~وقع في قوله: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم ~~أئمة يهدون بأمرنا": الأنبياء: 73، أو التأييد بروح القدس كما يشير إليه ~~قوله: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات" الآية: الأنبياء: 73 على ما سيجيء من ~~معناه أو مطلق الولاية الإلهية. # وقوله: "وجعلنا لهم لسان صدق عليا" اللسان - على ما ذكروا - هو الذكر بين ~~الناس بالمدح أو الذم وإذا أضيف إلى الصدق فهو الثناء الجميل الذي لا كذب ~~فيه، والعلي هو الرفيع والمعنى وجعلنا لهم ثناء جميلا صادقا رفيع القدر. PageV14P032 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 51 - 57 # واذكر فى الكتب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وندينه من جانب ~~الطور الأيمن وقربنه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا (53) ~~واذكر فى الكتب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر ~~أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر فى الكتب إدريس إنه ~~كان صديقا نبيا (56) ورفعنه مكانا عليا (57) ### |||| AUTO بيان # ذكر جمع آخرين من الأنبياء وشيء من موهبة الرحمة التي خصهم الله بها، وهم ~~موسى وهارون وإسماعيل وإدريس (عليهما السلام). # قوله تعالى: "واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان ms5161 رسولا نبيا" قد ~~تقدم معنى المخلص بفتح اللام وأنه الذي أخلصه الله لنفسه فلا نصيب لغيره ~~تعالى فيه لا في نفسه ولا في عمله، وهو أعلى مقامات العبودية. # وتقدم أيضا الفرق بين الرسول والنبي. # قوله تعالى: "وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا" الأيمن: صفة ~~لجانب أي الجانب الأيمن من الطور، وفي المجمع،: النجي بمعنى المناجي ~~كالجليس والضجيع. # وظاهر أن تقريبه (عليه السلام) كان تقريبا معنويا وإن كانت هذه الموهبة ~~الإلهية في مكان وهو الطور ففيه كان التكليم، ومثاله من الحس أن ينادي ~~السيد العزيز عبده الذليل فيقربه من مجلسه حتى يجعله نجيا يناجيه ففيه نيل ~~ما لا سبيل لغيره إليه. # قوله تعالى: "ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا" إشارة إلى إجابة ما ~~دعا به موسى عند ما أوحى إليه لأول مرة في الطور إذ قال: "واجعل لي وزيرا ~~من أهلي هارون أخي اشدد به أزرى وأشركه في أمري": طه: 32. # قوله تعالى: "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد" إلى آخر ~~الآيتين. # اختلفوا في "إسماعيل" هذا فقال الجمهور هو إسماعيل بن إبراهيم خليل ~~الرحمن، وإنما ذكر وحده ولم يذكر مع إسحاق ويعقوب اعتناء بشأنه، وقيل: هو ~~غيره، وهو إسماعيل بن حزقيل من أنبياء بني إسرائيل، ولو كان هو ابن إبراهيم ~~لذكر مع إسحاق ويعقوب. # ويضعف ما وجه به قول الجمهور: أنه استقل بالذكر اعتناء بشأنه، أنه لو كان ~~كذلك لكان الأنسب ذكره بعد إبراهيم وقبل موسى (عليه السلام) لا بعد موسى. # قوله تعالى: "وكان يأمر أهله بالصلوة والزكاة وكان عند ربه مرضيا" المراد ~~بأهله خاصته من عترته وعشيرته وقومه كما هو ظاهر اللفظ، وقيل: المراد بأهله ~~أمته وهو قول بلا دليل. # والمراد بكونه عند ربه مرضيا كون نفسه مرضية دون عمله كما ربما فسره به ~~بعضهم فإن إطلاق اللفظ لا يلائم تقييد الرضا بالعمل. # قوله تعالى: "واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا" إلى آخر ~~الآيتين. # قالوا: إن إدريس النبي كان اسمه أخنوخ وهو من أجداد نوح ms5162 (عليه السلام) ~~على ما ذكر في سفر التكوين من التوراة، وإنما اشتهر بإدريس لكثرة اشتغاله ~~بالدرس. # وقوله: "ورفعناه مكانا عليا" من الممكن أن يستفاد من سياق القصص المسرودة ~~في السورة وهي تعد مواهب النبوة والولاية وهي مقامات إلهية معنوية أن ~~المراد بالمكان العلي الذي رفع إليه درجة من درجات القرب إذ لا مزية في ~~الارتفاع المادي والصعود إلى أقاصي الجو البعيدة أينما كان. # وقيل: إن المراد بذلك - كما ورد به الحديث - أن الله رفعه إلى بعض ~~السماوات وقبضه هناك، وفيه إراءة آية خارقة وقدرة إلهية بالغة وكفى بها مزية. # قصة إسماعيل صادق الوعد # لم ترد قصة إسماعيل بن حزقيل النبي في القرآن إلا في هاتين الآيتين على ~~أحد التفسيرين وقد أثنى الله سبحانه عليه بجميل الثناء فعده صادق الوعد ~~وآمرا بالمعروف ومرضيا عند ربه، وذكر أنه كان رسولا نبيا. PageV14P033 # وأما الحديث ففي علل الشرائع، بإسناده عن ابن أبي عمير ومحمد بن سنان عمن ~~ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن إسماعيل الذي قال الله عز وجل ~~في كتابه: "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد - وكان رسولا نبيا" ~~لم يكن إسماعيل بن إبراهيم بل كان نبيا من الأنبياء بعثه الله عز وجل إلى ~~قومه فأخذوه وسلخوا فروة رأسه ووجهه فأتاه ملك فقال إن الله جل جلاله بعثني ~~إليك فمرني بما شئت فقال: لي أسوة بما يصنع بالأنبياء (عليهم السلام). # أقول: وروى هذا المعنى أيضا بإسناده عن أبي بصير عنه (عليه السلام) وفي ~~آخره: يكون لي أسوة بالحسين (عليه السلام). # وفي العيون، بإسناده إلى سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام) قال: أتدري لم سمي إسماعيل صادق الوعد؟ قال: قلت: لا أدري. قال: ~~وعد رجلا فجلس له حولا ينتظره:. أقول: وروى هذا المعنى في الكافي، عن ابن ~~أبي عمير عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ورواه أيضا في ~~المجمع، مرسلا عنه (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه ms5163 كان صادق الوعد" ~~قال: وعد وعدا فانتظر صاحبه سنة، وهو إسماعيل بن حزقيل. # أقول: وعده (عليه السلام) وهو أن يثبت في مكانه في انتظار صاحبه كان ~~مطلقا لم يقيده بساعة أو يوم ونحوه فألزمه مقام الصدق أن يفي به بإطلاقه ~~ويصبر نفسه في المكان الذي وعد صاحبه أن يقيم فيه حتى يرجع إليه. # وصفة الوفاء كسائر الصفات النفسانية من الحب والإرادة والعزم والإيمان ~~والثقة والتسليم ذات مراتب مختلفة باختلاف العلم واليقين فكما أن من ~~الإيمان ما يجتمع مع أي خطيئة وإثم وهو أنزل مراتبه ولا يزال ينمو ويصفو ~~حتى يخلص من كل شرك خفي فلا يتعلق القلب بشيء غير الله ولو بالتفات إلى من ~~دونه وهو أعلى مراتبه كذلك الوفاء بالوعد ذو مراتب فمن مراتبه في المقال ~~مثلا إقامة ساعة أو ساعتين حتى تعرض حاجة أخرى توجب الانصراف إليها وهو ~~الذي يصدق عليه الوفاء عرفا، وأعلى منه مرتبة الإقامة بالمكان حتى يواس من ~~رجوع الصديق إليه عادة بمجيء الليل ونحوه فيقيد به إطلاق الوعد، وأعلى منه ~~مرتبة الأخذ بإطلاق القول والإقامة حتى يرجع وإن طال الزمان فالنفوس القوية ~~التي تراقب قولها وفعلها لا تلقي من القول إلا ما في وسعها أن تصدقه بالفعل ~~ثم إذا لفظت لم يصرفها عن إتمام الكلمة وإنفاذ العزيمة أي صارف. # وفي الرواية: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعد بعض أصحابه بمكة أن ~~ينتظره عند الكعبة حتى يرجع إليه فمضى الرجل لشأنه ونسي الأمر فبقي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ثلاثة أيام هناك ينتظره فاطلع بعض الناس عليه فأخبر ~~الرجل بذلك فجاء واعتذر إليه وهذا مقام الصديقين لا يقولون إلا ما يفعلون. # قصة إدريس النبي (عليه السلام) # 1 - لم يذكر (عليه السلام) في القرآن إلا في الآيتين من سورة مريم: ~~"واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا": الآية - ~~56 - 57 وفي قوله: "وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في ~~رحمتنا إنهم من الصالحين": الأنبياء: 85 86. # وفي الآيات ثناء ms5164 منه تعالى عليه جميل فقد عده نبيا وصديقا ومن الصابرين ~~ومن الصالحين، وأخبر أنه رفعه مكانا عليا. PageV14P034 # 2 - ومن الروايات الواردة في قصته ما عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة، ~~بإسناده عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن الباقر (عليه السلام): ~~والحديث طويل لخصناه أنه كان بدء نبوة إدريس (عليه السلام) أنه كان في ~~زمانه ملك جبار، وركب ذات يوم في بعض النزهة فمر بأرض خضراء نضرة أعجبته ~~فأحب أن يمتلكها وكانت الأرض لعبد مؤمن فأمر بإحضاره وساومه فيها ليشتريها ~~فلم يبعها ولم يرض به فرجع الملك إلى البلدة وهو مغموم متحير في أمره ~~فاستشار امرأة له كان يستشيرها في هامة الأمور فأشارت عليه أن يقيم عليه ~~شهودا أنه خرج عن دين الملك فيقتله ويملك أرضه ففعل ما أشارت إليه وغصب ~~الأرض. فأوحى الله إلى إدريس أن يأتي الملك ويقول له عنه: أما رضيت أن قتلت ~~عبدي المؤمن ظلما حتى استخلصت أرضه خالصة لك وأحوجت عياله من بعده وأجعتهم؟ ~~أما وعزتي لأنتقمن له منك في الآجل ولأسلبن ملكك في العاجل، ولأخربن مدينتك ~~ولأذلن عزك ولأطعمن الكلاب لحم امرأتك فقد غرك يا مبتلى حلمي عنك. فأتاه ~~إدريس برسالة الله وبلغه ذلك في ملإ من أصحابه فأخرجه الملك من مجلسه ثم ~~أرسل إليه بإشارة من امرأته قوما يقتلونه، فانتبه لذلك بعض أصحاب إدريس ~~وأشاروا عليه بالخروج والهجرة فخرج منها ليومه ومعه بعض أصحابه ثم ناجى ربه ~~وشكى إليه ما لقيه من الملك في رسالته إليه فأوحى إليه بالخروج من القرية، ~~وأنه سينفذ في الملك أمره ويصدق فيه قوله، ثم سأل أن لا تمطر السماء على ~~القرية وما حولها حتى يسأل ذلك فأجيب إليه. فأخبر إدريس بذلك أصحابه من ~~المؤمنين وأمرهم بالخروج منها فخرجوا وتفرقوا في البلاد وكانوا عشرين رجلا ~~وشاع خبر وحيه وخروجه بين الناس، وخرج هو متنحيا إلى كهف في جبل شاهق يعبد ~~الله فيه ويصوم النهار ويأتيه ملك بطعام يفطر به عند كل مساء. وأنفذ الله ~~في الملك وامرأته ms5165 ومدينته ما أوحاه إلى إدريس وظهر في المدينة جبار آخر ~~عاص، وأمسكت السماء عنهم أمطارها عشرين سنة حتى جهدوا واشتدت حالهم فلما ~~بلغ بهم الجهد ذكر بعضهم لبعض أن الذي لقوه من الجهد والمشقة إنما هو لدعاء ~~إدريس عليهم أن لا يمطروا حتى يسألوه وخروجه من بينهم وهم لا يعلمون أين ~~هو؟ فالرأي أن يرجعوا ويتوبوا إلى الله ويسألوه المطر فهو أرحم بهم منه ~~فاجتمعوا على الدعاء والتضرع. فأوحى الله إلى إدريس أن القوم عجوا إلي ~~بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع وقد رحمتهم وما يمنعني من أمطارهم إلا ~~مناظرتك فيما سألتني أن لا أمطر السماء عليهم حتى تسألني فاسألني حتى ~~أغيثهم، قال إدريس: اللهم إني لا أسألك. فأوحى الله إلى الملك الذي كان ~~يأتيه بالطعام أن يمسك عنه فأمسك عنه ثلاثة أيام حتى بلغ به الجوع: فنادى ~~اللهم حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي فأوحى الله إليه: يا إدريس جزعت ~~أن حبست عنك طعامك ثلاثة أيام ولم تجزع من جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين ~~سنة ثم سألتك أن تسألني أن أمطر عليهم فبخلت ولم تسأل فأدبتك بالجوع فاهبط ~~من موضعك واطلب المعاش لنفسك فقد وكلتك في طلبه إلى حيلتك. فهبط إدريس إلى ~~قرية هناك ونظر إلى بيت يصعد منه دخان فهجم عليه وإذا عجوز كبيرة ترفق ~~قرصتين لها على مقلاة فسألها أن تطعمه فقد بلغ به جهد الجوع فقالت: يا عبد ~~الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا نطعمه أحدا وحلفت أنها لا تملك غيره شيئا ~~فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، فقال لها: أطعميني ما أمسك به روحي ~~وتقوم به رجلي حتى أطلب، قالت: إنهما قرصتان واحدة لي والأخرى لابني فإن ~~أطعمتك قوتي مت وإن أطعمتك قوت ابني مات وليس هاهنا فضل، قال: إن ابنك صغير ~~يجزيه نصف قرصة فأطعمي كلا منا نصفا يكون لنا بلغة فرضيت وفعلت. فلما رأى ~~ابنها إدريس وهو يأكل من قرصته اضطرب حتى مات، قالت أمه: يا عبد الله قتلت ~~ابني ms5166 جزعا على قوته فقال: لا تجزعي فأنا أحييه لك الساعة بإذن الله وأخذ ~~بعضدي الصبي وقال: أيتها الروح الخارجة عن بدنه بأمر الله ارجعي إلى بدنه ~~بإذن الله وأنا إدريس النبي، فرجعت روح الغلام إليه. فلما سمعت أمه كلام ~~إدريس وقوله: أنا إدريس ونظرت إلى ابنها حيا قالت: أشهد أنك إدريس النبي ~~وخرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: أبشروا بالفرج فقد دخل إدريس في ~~قريتكم، فمضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار PageV14P035 الأول وقد تبدلت تلا من تراب فاجتمع إليه أناس من أهل قريته واسترحموه ~~وسألوه أن يدعو لهم فيمطروا. قال: لا، حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل ~~قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك. فبلغ ذلك الجبار فبعث إلى إدريس أربعين ~~رجلا وأمرهم أن يأتوا به إليه، فلما جاءوه وكلفوه الذهاب معهم إليه، دعا ~~عليهم فماتوا عن آخرهم، ثم أرسل خمسمائة رجل فلما أتوه كلفوه الذهاب ~~واسترحموه فأراهم مصارع أصحابهم وقال: ما أنا بذاهب إليه ولا سائل حتى ~~يأتيني هو وجميع أهل القرية مشاة حفاة ويسألوني الدعاء للمطر. فانطلقوا ~~إليه وأخبروه بما قال وسألوه أن يمضي إليه هو وجميع أهل القرية مشاة حفاة ~~ويسألوه أن يسأل الله أن تمطر السماء فأتوه حتى وقفوا بين يديه خاضعين ~~متذللين وسألوه أن يسأل الله أن تمطر السماء عليهم، فعند ذلك دعا إدريس أن ~~تمطر السماء عليهم فأظلتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت عليهم من ~~ساعتهم حتى ظنوا أنه الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في حديث يذكر فيه مسجد السهلة: أما علمت أنه موضع بيت إدريس النبي الذي كان ~~يخيط فيه. # أقول: وقد شاع بين أهل السير والآثار أنه (عليه السلام) أول من خط بالقلم ~~وأول من خاط. # وفي تفسير القمي، قال: وسمي إدريس لكثرة دراسته الكتب. # أقول: ورد في بعض الروايات: في معنى قوله تعالى في إدريس (عليه السلام): ~~"ورفعناه مكانا عليا" أن ms5167 الله غضب على ملك من الملائكة فقطع جناحه وألقاه ~~في جزيرة من جزائر البحر فبقي هناك ما شاء الله، فلما بعث الله إدريس جاءه ~~ذلك الملك وسأله أن يدعو الله أن يرضى عنه ويرد إليه جناحه، فدعا له إدريس ~~فرد الله جناحه إليه ورضي عنه. قال الملك لإدريس: ألك حاجة؟ قال: نعم أحب ~~أن ترفعني إلى السماء حتى أنظر إلى ملك الموت فلا عيش لي مع ذكره، فأخذه ~~الملك على جناحه حتى انتهى به إلى السماء الرابعة فإذا هو بملك الموت يحرك ~~رأسه تعجبا، فسلم عليه إدريس وقال له: ما لك تحرك رأسك؟ قال: إن رب العزة ~~أمرني أن أقبض روحك بين السماء الرابعة والخامسة. فقلت: يا رب كيف يكون هذا ~~وبيني وبينه أربع سماوات وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين ~~مسيرة خمسمائة عام؟ ثم قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة وهو قوله ~~تعالى: "ورفعناه مكانا عليا":. روى الحديث علي بن إبراهيم القمي في تفسيره، ~~عن أبيه عن ابن أبي عمير عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام):، وروى ما ~~في معناه في الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عمرو بن عثمان عن مفضل ~~بن صالح عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والروايتان على ما بهما وخاصة في الثانية منهما من ضعف السند لا معول ~~عليهما لمخالفتهما ظاهر الكتاب لنصه على عصمة الملائكة ونزاهتهم عن الذنب ~~والخطيئة. # وروى الثعلبي في العرائس، عن ابن عباس وغيره ما ملخصه: أن إدريس سار ذات ~~يوم فأصابه وهج الشمس فقال: إني مشيت في الشمس يوما فتأذيت فكيف بمن يحملها ~~مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه ثقلها واحمل عنه حرها، ~~فاستجاب الله له فأحس الملك الذي يحملها بذلك فسأل الله في ذلك فأخبره بما ~~كان من دعاء إدريس واستجابته فسأله تعالى أن يجمع بينه وبين إدريس ويجعل ~~بينهما خلة فأذن له. فكان إدريس يسأله وكان مما سأله: أنك ms5168 أخبرت أنك أكرم ~~الملائكة على ملك الموت وأمكنهم عنده فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي حتى أزداد ~~شكرا وعبادة فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها. قال: نعم ولكنه ~~أطيب لنفسي. قال الملك أنا مكلمه لك، وما كان يستطيع أن يفعله لأحد من بني ~~آدم فهو فاعله لك. ثم حمله الملك على جناحه ورفعه إلى السماء فوضعه عند ~~مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت وذكر له حاجة إدريس وشفع له فقال ملك الموت: ~~ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته أجله. قال: نعم فنظر في ديوانه وأخبره ~~باسمه وقال: ما أراه يموت أبدا. فإنه أجده يموت عند مطلع الشمس! قال: فإني ~~أتيتك وقد تركته هناك. قال له: انطلق فلا أراك تجده إلا ميتا فوالله ما بقي ~~من أجله شيء فرجع الملك إليه فوجده ميتا. PageV14P036 # ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن كعب: ~~إلا أن فيه أن النازل على إدريس الملك الذي كان يرفع إليه عمله وقد كان ~~يرفع له من العمل ما يعدل عمل أهل الأرض في زمانه فأعجبه ذلك فسأل الله أن ~~ينزل إليه فأذن له فنزل إليه وصحبه "إلخ" وروى ابن أبي حاتم بطريق آخر عن ~~ابن عباس هذا الحديث وفيه: أن إدريس مات بين جناحي الملك. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن عمر مولى غفرة يرفعه إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إن إدريس كان يرفع له وحده من العمل ما يعدل ~~عمل أهل الأرض كلهم فأعجب ذلك ملك الموت فاستأذن الله في النزول إلى الأرض ~~وصحبته فأذن له فنزل إليه وصحبه فكانا يسيحان في الأرض ويعبدان الله فأعجب ~~إدريس ما رآه من عبادة صاحبه من غير كسل ولا فتور فسأله عن ذلك وأحفى في ~~السؤال حتى عرفه ملك الموت نفسه وذكر له قصة نزوله وصحبته. فلما عرفه إدريس ~~سأله ثلاث حوائج له: أن يقبض روحه ساعة ثم يردها إليه فاستأذن الله وفعل، ~~وأن يرفعه إلى ms5169 السماء ويريه النار فاستأذن وفعل، وأن يريه الجنة فاستأذن ~~وفعل فدخل الجنة وأكل من ثمارها وشرب من مائها فقال له ملك الموت: اخرج يا ~~نبي الله فقد أصبت حاجتك، فامتنع من الخروج وتعلق بشجرة هناك، وخاصم ملك ~~الموت قائلا: قال الله: "كل نفس ذائقة الموت" وقد ذقته، وقال: "وإن منكم ~~إلا واردها" وقد وردت النار، وقال: "وما هم منها بمخرجين" ولست أخرج من ~~الجنة بعد دخولها فأوحى الله إلى ملك الموت خصمك عبدي فاتركه ولا تتعرض له ~~فبقي في الجنة. # ورواه في العرائس، عن وهب وفي آخره: فهو حي هناك فتارة يعبد الله في ~~السماء الرابعة وتارة يتنعم في الجنة. # وفي مستدرك الحاكم، عن سمرة: كان إدريس أبيض طويلا ضخم عريض الصدر قليل ~~شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدى عينيه أعظم من الأخرى، وكانت في صدره ~~نكتة بيضاء من غير برص فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم ~~واعتدائهم في أمر الله، رفعه الله إلى السماء السادسة فهو حيث يقول: ~~"ورفعناه مكانا عليا". # أقول: ولا يرتاب الناقد البصير في أن هذه الروايات إسرائيليات لعبت بها ~~أيدي الوضع، ويدفعها الموازين العلمية والأصول المسلمة من الدين. # 3 - ويسمى (عليه السلام) بهرمس قال القفطي في كتاب إخبار العلماء بأخبار ~~الحكماء، في ترجمة إدريس: اختلف الحكماء في مولده ومنشئه وعمن أخذ العلم ~~قبل النبوة فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، ومولده بمنف، ~~وقالوا: هو باليونانية إرميس وعرب بهرمس، ومعنى إرميس عطارد، وقال آخرون: ~~اسمه باليونانية طرميس، وهو عند العبرانيين خنوخ وعرب أخنوخ، وسماه الله عز ~~وجل في كتابه العربي المبين إدريس. # وقال هؤلاء: إن معلمه اسمه الغوثاذيمون وقيل: إغثاذيمون المصري، ولم ~~يذكروا من كان هذا الرجل؟ إلا أنهم قالوا: إنه أحد الأنبياء اليونانيين ~~والمصريين، وسموه أيضا أورين الثاني وإدريس عندهم أورين الثالث، وتفسير ~~غوثاذيمون السعيد الجد، وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد ~~إليها ورفعه الله إليه بها، وذلك بعد اثنين وثمانين سنة من عمره. # وقالت ms5170 فرقة أخرى: إن إدريس ولد ببابل ونشأ بها وأنه أخذ في أول عمره بعلم ~~شيث بن آدم وهو جد جد أبيه لأن إدريس ابن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش ~~بن شيث. # قال الشهرستاني: إن إغثاذيمون هو شيث. # ولما كبر إدريس آتاه الله النبوة فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم ~~شريعة آدم وشيث فأطاعه أقلهم وخالفه جلهم فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه ~~منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل من أوطانهم فقالوا له: وأين نجد إذا رحلنا مثل ~~بابل؟ وبابل بالسريانية النهر وكأنهم عنوا بذلك دجلة والفرات، فقال: إذا ~~هاجرنا لله رزقنا غيره. PageV14P037 # فخرج وخرجوا وساروا إلى أن وافوا هذا الإقليم الذي سمي بابليون فرأوا النيل ~~ورأوا واديا خاليا من ساكن فوقف إدريس على النيل وسبح الله وقال لجماعته: ~~بابليون، واختلف في تفسيره فقيل: نهر كبير، وقيل: نهر كنهركم، وقيل: نهر ~~مبارك، وقيل: إن يون في السريانية مثل أفعل التي للمبالغة في كلام العرب ~~وكان معناه نهر أكبر فسمي الإقليم عند جميع الأمم بابليون، وسائر فرق الأمم ~~على ذلك إلا العرب فإنهم يسمونه إقليم مصر نسبة إلى مصر بن حام النازل به ~~بعد الطوفان والله أعلم بكل ذلك. # وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وطاعة الله عز وجل، وتكلم الناس في أيامه باثنين وسبعين لسانا، ~~وعلمه الله عز وجل منطقهم ليعلم كل فرقة منهم بلسانها، ورسم لهم تمدين ~~المدن، وجمع له طالبي العلم بكل مدينة فعرفهم السياسية المدنية، وقرر لهم ~~قواعدها فبنت كل فرقة من الأمم مدنا في أرضها، وكانت عدة المدن التي أنشئت ~~في زمانه مائة مدينة وثماني وثمانين مدينة أصغرها الرها وعلمهم العلوم. # وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم فإن الله عز وجل أفهمه سر الفلك ~~وتركيبه ونقط اجتماع الكواكب فيه وأفهمه عدد السنين والحساب ولو لا ذلك لم ~~تصل الخواطر باستقرائها إلى ذلك. # وأقام للأمم سننا في كل إقليم تليق كل سنة بأهلها، وقسم الأرض أربعة ~~أرباع وجعل ms5171 على كل ربع ملكا يسوس أمر المعمور من ذلك الربع، وتقدم إلى كل ~~ملك بأن يلزم أهل كل ربع بشريعة سأذكر بعضها، وأسماء الأربعة الملوك الذين ~~ملكوا: الأول إيلاوس وتفسيره الرحيم، والثاني أوس، والثالث سقلبيوس، ~~والرابع أوسآمون، وقيل: إيلاوسآمون، وقيل: يسيلوخس وهو آمون الملك انتهى ~~موضع الحاجة. # وهذه أحاديث وأنباء تنتهي إلى ما قبل التاريخ لا يعول عليها ذاك التعويل ~~غير أن بقاء ذكره الحي بين الفلاسفة وأهل العلم جيلا بعد جيل وتعظيمهم له ~~واحترامهم لساحته وإنهاءهم أصول العلم إليه يكشف عن أنه من أقدم أئمة العلم ~~الذين ساقوا العالم الإنساني إلى ساحة التفكر الاستدلالي والإمعان في البحث ~~عن المعارف الإلهية أو هو أولهم (عليهم السلام). PageV14P038 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 58 - 63 # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبرهيم وإسرءيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوت فسوف ~~يلقون غيا (59) إلا من تاب وءامن وعمل صلحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا (60) جنت عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) ~~لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة ~~التى نورث من عبادنا من كان تقيا (63) ### |||| AUTO بيان # قد تقدم في الكلام على غرض السورة أن الذي يستفاد من سياقها بيان أن ~~عبادته تعالى - وهو دين التوحيد - هو دين أهل السعادة والرشد من الأنبياء ~~والأولياء، وأن التخلف عن سبيلهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات اتباع سبيل ~~الغي إلا من تاب وآمن وعمل صالحا. # فالآيات وخاصة الثلاث الأول منها تتضمن حاق غرض السورة وقد أوردته في ~~صورة الاستنباط من القصص المسرودة فيما تقدم من الآيات، وهذا مما تمتاز به ~~هذه السورة من سائر سور القرآن الطوال فإنما يشار في سائر السور إلى ~~أغراضها بالتلويح في مفتتح السورة ومختتمها ببراعة الاستهلال وحسن الختام ~~لا في وسطها. # قوله تعالى: "أولئك الذين أنعم الله عليهم من ms5172 النبيين" إلخ، الإشارة ~~بقوله: "أولئك" إلى المذكورين قبل الآية في السورة وهم زكريا ويحيى ومريم ~~وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس (عليهما ~~السلام). # وقد تقدمت الإشارة إليه من سياق آيات السورة وأن القصص الموردة فيها ~~أمثلة، وأن هذه الآية واللتين بعدها نتيجة مستخرجة منها، ولازم ذلك أن يكون ~~قوله: "أولئك" مشيرا إلى أصحاب القصص بأعيانهم مبتدأ، وقوله: "الذين أنعم ~~الله عليهم" صفة له، وقوله: "إذا تتلى عليهم" إلخ، خبرا له فهذا هو الذي ~~يهدي إليه التدبر في السياق. # ولو أخذ قوله: "الذين أنعم الله عليهم" خبرا لقوله: "أولئك" فقوله: "إذا ~~تتلى عليهم" إلخ، خبر له بعد خبر لكنه لا يلائم غرض السورة تلك الملاءمة. # وقد أخبر الله سبحانه أنه أنعم عليهم وأطلق القول فيهم ففيه دلالة على ~~أنهم قد غشيتهم النعمة الإلهية من غير نقمة وهذا هو معنى السعادة فليست ~~السعادة إلا النعمة من غير نقمة فهؤلاء أهل السعادة والفلاح بتمام معنى ~~الكلمة وقد أخبر تعالى عنهم أنهم أصحاب الصراط المستقيم المصون سالكه عن ~~الغضب والضلال إذ قال: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين": الحمد: 7، وهم في أمن واهتداء لقوله: "الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82، ~~فأصحاب الصراط المستقيم المصونون عن الغضب والضلال ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~في أمن من كل خطر يهدد الإنسان تهديدا فهم سعداء في سلوكهم سبيل الحياة ~~التي سلكوها والسبيل التي سلكوها، هي سبيل السعادة. # وقوله: "من النبيين" من فيه للتبعيض وعديله قوله الآتي: "وممن هدينا ~~واجتبينا" على ما سيأتي توضيحه. # وقد جوز المفسرون كون "من" بيانية وأنت خبير بأن ذلك لا يلائم كون ~~"أولئك" مشيرا إلى المذكورين من قبل، لأن النبيين أعم، اللهم إلا أن يكون ~~إشارة إليهم بما هم أمثلة لأهل السعادة ويكون المعنى أولئك المذكورون ~~وأمثالهم الذين أنعم الله عليهم هم النبيون ومن هدينا واجتبينا. # وقوله: "من ذرية آدم" في معنى الصفة للنبيين ومن فيه للتبعيض أي من ~~النبيين ms5173 الذين هم بعض ذرية آدم، وليس بيانا للنبيين لاختلال المعنى بذلك. # وقوله: "وممن حملنا مع نوح" معطوف على قوله: "من ذرية آدم" والمراد بهم ~~المحمولون في سفينة نوح (عليه السلام) وذريتهم وقد بارك الله عليهم، وهم من ~~ذرية نوح لقوله تعالى: "وجعلنا ذريته هم الباقين": الصافات: 77. # وقوله: "ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل" معطوف كسابقه على قوله: "من ~~النبيين". PageV14P039 # وقد قسم الله تعالى الذين أنعم عليهم من النبيين على هذه الطوائف الأربع ~~أعني ذرية آدم ومن حمله مع نوح وذرية إبراهيم وذرية إسرائيل وقد كان ذكر كل ~~سابق يغني عن ذكر لاحقه لكون ذرية إسرائيل من ذرية إبراهيم والجميع ممن حمل ~~مع نوح والجميع من ذرية آدم (عليه السلام). # ولعل الوجه فيه الإشارة إلى نزول نعمة السعادة وبركة النبوة على نوع ~~الإنسان كرة بعد كرة فقد ذكر ذلك في القرآن الكريم في أربعة مواطن لطوائف ~~أربع: أحدها لعامة بني آدم حيث قال: "قيل اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 39. # والثاني ما في قوله تعالى: "قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم": هود: 48، والثالث ما في ~~قوله تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ~~فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون": الحديد: 26، والرابع ما في قوله تعالى: ~~"ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين": الجاثية: 16. # فهذه مواعد أربع بتخصيص نوع الإنسان بنعمة النبوة وموهبة السعادة، وقد ~~أشير إليها في الآية المبحوث عنها بقوله: "من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل، وقد ذكر في القصص السابقة من كل ~~من الذراري الأربع كإدريس من ذرية آدم، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح، ~~وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم، وزكريا ويحيى وعيسى وموسى وهارون وإسماعيل ~~- على ما استظهرنا - من ذرية ms5174 إسرائيل. # وقوله: "وممن هدينا واجتبينا" معطوف على قوله: "من النبيين" وهؤلاء غير ~~النبيين من الذين أنعم الله عليهم فإن هذه النعمة غير خاصة بالنبيين ولا ~~منحصرة فيهم بدليل قوله تعالى: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": ~~النساء: 69 وقد ذكر الله سبحانه بين من قص قصته مريم (عليها السلام) معتنيا ~~بها إذ قال: "واذكر في الكتاب مريم" وليست من النبيين فالمراد بقوله: "وممن ~~هدينا واجتبينا" غير النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين لا محالة، ~~وكانت مريم من الصديقين لقوله تعالى: "ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل وأمه صديقة": المائدة: 75. # ومما تقدم من مقتضى السياق يظهر فساد قول من جعل "وممن هدينا واجتبينا" ~~معطوفا على قوله: "من النبيين" مع أخذ من للبيان، وأورد عليه بعضهم أيضا ~~بأن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال: المراد ممن جمعنا له بين ~~النبوة والهداية والاجتباء للكرامة وهو خلاف الظاهر. # وفيه منع كون ظاهر العطف المغايرة مصداقا وإنما هو المغايرة في الجملة ~~ولو بحسب الوصف والبيان. # ونظيره قول من قال بكونه معطوفا على قوله: "من ذرية آدم" ومن للتبعيض وقد ~~اتضح وجه فساده مما قدمناه. # ونظيره قول من قال: إن قوله: "وممن هدينا" استئناف من غير عطف فقد تم ~~الكلام عند قوله: "إسرائيل" ثم ابتدأ فقال: وممن هدينا واجتبينا من الأمم ~~قوم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فحذف المبتدأ لدلالة ~~الكلام عليه، والوجه منسوب إلى أبي مسلم المفسر. # وفيه أنه تقدير من غير دليل. # على أن في ذلك إفساد غرض على ما يشهد به السياق إذ الغرض منها بيان طريقة ~~أولئك العباد المنعم عليهم وأنهم كانوا خاضعين لله خاشعين له وأن أخلافهم ~~أعرضوا عن طريقتهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وهذا لا يتأتى إلا بكون ~~قوله: "إذا تتلى عليهم" إلخ خبرا لقوله: "أولئك الذين أنعم الله عليهم" ~~وأخذ قوله: "وممن هدينا" إلى آخر الآية استئنافا مقطوعا عما ms5175 قبله إفساد ~~للغرض المذكور من رأس. # وقوله: "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا" السجد جمع ساجد ~~والبكي على فعول جمع باكي والجملة خبر للذين في صدر الآية ويحتمل أن يكون ~~الخرور سجدا وبكيا كناية عن كمال الخضوع والخشوع فإن السجدة ممثل لكمال ~~الخضوع والبكاء لكمال الخشوع والأنسب على هذا أن يكون المراد بالآيات ~~وتلاوتها ذكر مطلق ما يحكي شأنا من شئونه تعالى. PageV14P040 # وأما قول القائل إن المراد بتلاوة الآيات قراءة الكتب السماوية مطلقا أو ~~خصوص ما يشتمل على عذاب الكفار والمجرمين، أو أن المراد بالسجود الصلاة أو ~~سجدة التلاوة أو أن المراد بالبكاء البكاء عند استماع الآيات أو تلاوتها ~~فكما ترى. # فمعنى الآية - والله أعلم - أولئك المنعم عليهم الذين بعضهم من النبيين ~~من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وبعضهم من أهل ~~الهداية والاجتباء خاضعون للرحمن خاشعون إذا ذكر عندهم وتليت آياته عليهم. # ولم يقل: كانوا إذا تتلى عليهم "إلخ" لأن العناية في المقام متعلقه ببيان ~~حال النوع من غير نظر إلى ماضي الزمان ومستقبله بل بتقسيمه إلى سلف صالح ~~وخلف طالح وثالث تاب وآمن وعمل صالحا وهو ظاهر. # قوله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا" قالوا: الخلف بسكون اللام البدل السيىء وبفتح اللام ضده وربما ~~يعكس على ندرة، وضياع الشيء فساده أو افتقاده بسبب ما كان ينبغي أن يتسلط ~~عليه يقال: أضاع المال إذا أفسده بسوء تدبيره أو أخرجه من يده بصرفه فيما ~~لا ينبغي صرفه فيه، والغي خلاف الرشد وهو إصابة الواقع وهو قريب المعنى من ~~الضلال خلاف الهدى وهو ركوب الطريق الموصل إلى الغاية المقصودة. # فقوله: "فخلف من بعدهم خلف" إلخ أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم ~~وكانت طريقتهم الخضوع والخشوع لله تعالى بالتوجه إليه بالعبادة قوم سوء ~~أضاعوا ما أخذوه منهم من الصلاة والتوجه العبادي إلى الله سبحانه بالتهاون ~~فيه والإعراض عنه، واتبعوا الشهوات الصارفة لهم عن المجاهدة في الله ~~والتوجه إليه. ms5176 # ومن هنا يظهر أن المراد بإضاعة الصلاة إفسادها بالتهاون فيها والاستهانة ~~بها حتى ينتهي إلى أمثال اللعب بها والتغيير فيها والترك لها بعد الأخذ ~~والقبول فما قيل: إن المراد بإضاعة الصلاة تركها ليس بسديد إذ لا يسمى ترك ~~الشيء من رأس إضاعة له والعناية في الآية متعلقه بأن الدين الإلهي انتقل من ~~أولئك السلف الصالح بعدهم إلى هؤلاء الخلف الطالح فلم يحسنوا الخلافة ~~وأضاعوا ما ورثوه من الصلاة التي هي الركن الوحيد في العبودية واتبعوا ~~الشهوات الصارفة عن الحق. # وقوله: "فسوف يلقون غيا" أي جزاء غيهم على ما قيل فهو كقوله: "ومن يفعل ~~ذلك يلق أثاما". # ومن الممكن أن يكون المراد به نفس الغي بفرض الغي غاية للطريق التي ~~يسلكونها وهي طريق إضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإذ كانوا يسلكون طريقا ~~غايتها الغي فسيلقونه إذا قطعوها إما بانكشاف غيهم لهم يوم القيامة حيث ~~ينكشف لهم الحقائق أو برسوخ الغي في قلوبهم وصيرورتهم من أولياء الشيطان ~~كما قال: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: ~~42، وكيف كان فهو استعارة بالكناية لطيفة. # قوله تعالى: "إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا" استثناء من الآية السابقة فهؤلاء الراجعون إلى الله سبحانه ملحقون ~~بأولئك الذين أنعم الله عليهم وهم معهم لا منهم كما قال تعالى: "ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": النساء: 69. # وقوله: "فأولئك يدخلون الجنة" من وضع المسبب موضع السبب والأصل فأولئك ~~يوفون أجرهم، والدليل على ذلك قوله بعده: "ولا يظلمون شيئا" فإنه من لوازم ~~توفية الأجر لا من لوازم دخول الجنة. # قوله تعالى: "جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا" ~~العدن الإقامة ففي تسميتها به إشارة إلى خلودها لداخليها، والوعد بالغيب هو ~~الوعد بما ليس تحت إدراك الموعود له، وكون الوعد مأتيا عدم تخلفه، قال في ~~المجمع،: والمفعول هنا بمعنى الفاعل لأن ما أتيته فقد أتاك وما ms5177 أتاك فقد ~~أتيته يقال: أتيت خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة، وقيل: إن الموعود الجنة ~~والجنة يأتيها المؤمنون انتهى. PageV14P041 # قوله تعالى: "لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا" ~~عدم سمع اللغو من أخص صفات الجنة وقد ذكره الله سبحانه وامتن به في مواضع ~~من كلامه وسنفصل القول فيه إن شاء الله في موضع يناسبه، واستثناء السلام ~~منه استثناء منفصل، والسلام قريب المعنى من الأمن - وقد تقدم الفرق بينهما ~~- فقولك: أنت مني في أمن معناه لا تلقى مني ما يسوءك، وقولك: سلام مني عليك ~~معناه كل ما تلقاه مني لا يسوءك. # وإنما يسمعون السلام من الملائكة ومن رفقائهم في الجنة، قال تعالى حكاية ~~عن الملائكة ""سلام عليكم طبتم": الزمر: 73، وقال: "فسلام لك من أصحاب ~~اليمين: الواقعة - 91. # وقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا الظاهر أن إتيان الرزق بكرة وعشيا ~~كناية عن تواليه من غير انقطاع. # قوله تعالى: "تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا" الإرث والوراثة ~~هو أن ينتقل مال أو ما يشبهه من شخص إلى آخر بعد ترك الأول له بموت أو جلاء ~~أو نحوهما، وإذ كانت الجنة في معرض العطاء لكل إنسان بحسب الوعد الإلهي ~~المشروط بالإيمان والعمل الصالح فاختصاص المتقين بها بعد حرمان غيرهم عنها ~~بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات وراثة المتقين، ونظير هذه العناية ما في قوله ~~تعالى: "إن الأرض يرثها عبادي الصالحون:" الأنبياء: 105، وقوله: "وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر ~~العاملين": الزمر: 74، والآية - كما ترى - جمعت بين الإيراث والأجر. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "وممن هدينا واجتبينا" الآية، وروي عن علي بن ~~الحسين (عليهما السلام) أنه قال: نحن عنينا بها. # أقول: وعن مناقب ابن شهرآشوب، عنه (عليه السلام) مثله، وقد اتضح معنى ~~الحديث بما قدمناه في تفسير الآية فإن المراد بالجملة أهل الهداية ~~والاجتباء من غير النبيين وهم (عليهم السلام) منهم كما ذكر الله سبحانه ~~مريم منهم وليست بنبية. # قال ms5178 في روح المعاني،: وروى بعض الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله عنهما ~~أنه قال: نحن عنينا بهؤلاء القوم. # ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جدا وحال روايات الإمامية لا يخفى على أرباب ~~التميز. # انتهى. # وقد تبين خطؤه مما تقدم والذي أوقعه في ذلك أخذه قوله تعالى: "وممن هدينا ~~واجتبينا" معطوفا على قوله: "من ذرية آدم" وقوله: "من النبيين" بيانا ~~لقوله: "أولئك الذين" إلخ، فانحصر "أولئك الذين أنعم الله عليهم" في ~~النبيين فاضطر إلى القول بأن الآية لا تشمل غير النبيين وهو يرى أن الله ~~ذكر فيمن ذكر مريم بنت عمران وليست بنبية. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري ~~قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلا هذه الآية "فخلف من ~~بعدهم خلف" فقال: يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ~~ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أضاعوا الصلوة" وقيل: أضاعوها بتأخيرها عن ~~مواقيتها من غير أن تركوها أصلا وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام):. أقول: وروى في الكافي، ما في معناه بإسناده عن داود بن فرقد عنه ~~(عليه السلام)، وروي ذلك من طرق أهل السنة عن ابن مسعود وعدة من التابعين:. # وعن جوامع الجامع، وفي روح المعاني،: في قوله: "واتبعوا الشهوات" عن علي ~~(عليه السلام) من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه من طريق نهشل عن الضحاك عن ابن عباس ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الغي واد في جهنم. # أقول: وفي روايات أخرى أن الغي وأثام نهران في جهنم، وهذا على تقدير صحة ~~الحديث ليس بتفسير آخر كما زعمه أكثر المفسرين بل بيان لما سيئول إليه الغي ~~بحسب الجزاء، ونظيره ما ورد أن الويل بئر في جهنم وأن طوبى ms5179 شجرة في الجنة، ~~إلى غير ذلك من الروايات. PageV14P042 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 64 - 65 # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا (64) رب السموت والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبدته هل تعلم ~~له سميا (65) ### |||| AUTO بيان # الآيتان معترضتان بين آيات السورة وسياقهما يشهد بأنهما من كلام ملك ~~الوحي بوحي قرآني من الله سبحانه فإن النظم نظم قرآني بلا ريب. # وبذلك يتأيد ما ورد بطرق مختلفة من طرق أهل السنة ورواه في مجمع البيان، ~~أيضا عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استبطأ نزول ~~جبريل فسأله عن ذلك فأجابه بوحي من الله تعالى: "وما نتنزل إلا بأمر ربك" ~~إلى آخر الآيتين. # وقد تكلف جمع في بيان اتصال الآيتين بالآيات السابقة فقال بعضهم: إن ~~التقدير: هذا وقال جبريل: وما نتنزل إلا بأمر ربك إلخ، وقال آخرون: إنهما ~~متصلتان بقول جبريل لمريم المنقول سابقا: "إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ~~زكيا" الآية، وذكر قوم أن قوله: "وما نتنزل إلا بأمر ربك" إلى آخر الآية من ~~كلام المتقين حين يدخلون الجنة فالتقدير وقال المتقون وما نتنزل الجنة إلا ~~بأمر ربك "إلخ" وقيل غير ذلك. # وهي جميعا وجوه ظاهرة السخافة يأباها السياق ولا يقبلها النظم البليغ لا ~~حاجة إلى الاشتغال ببيان وجوه فسادها. # وسيأتي في ذيل البحث في الآية الثانية وجه آخر للاتصال. # قوله تعالى: "وما نتنزل إلا بأمر ربك" إلى آخر الآية، التنزل هو النزول ~~على مهل وتؤدة فإن تنزل مطاوع نزل يقال: نزله فتنزل والنفي والاستثناء ~~يفيدان الحصر فلا يتنزل الملائكة إلا بأمر من الله كما قال: "لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": التحريم: 6. # وقوله: "له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك" يقال: كذا قدامه وأمامه ~~وبين يديه والمعنى واحد غير أن قولنا: بين يديه إنما يطلق فيما كان بقرب ~~منه وهو مشرف عليه له فيه نوع من التصرف والتسلط فظاهر قوله: "ما بين ms5180 ~~أيدينا" أن المراد به ما نشرف عليه مما هو مكشوف علينا مشهود لنا: وظاهر ~~قوله: "وما خلفنا" بالمقابلة ما هو غائب عنا مستور علينا. # وعلى هذا فلو أريد بقوله: "ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك" المكان ~~شمل بعض المكان الذي أمامهم والمكان الذي هم فيه وجميع المكان الذي خلفهم ~~ولم يشمل كل مكان، وكذا لو أريد به الزمان شمل الماضي كله والحال والمستقبل ~~القريب فقط وسياق قوله: "له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك"، ينادي ~~بالإحاطة ولا يلائم التبعيض. # فالوجه حمل "ما بين أيدينا" على الأعمال والآثار المتفرعة على وجودهم ~~التي هم قائمون بها متسلطون عليها، وحمل "ما خلفنا" على ما هو من أسباب ~~وجودهم مما تقدمهم وتحقق قبلهم، وحمل "ما بين ذلك" على وجودهم أنفسهم وهو ~~من أبدع التعبير وألطفه وبذلك تتم الإحاطة الإلهية بهم من كل جهة لرجوع ~~المعنى إلى أن الله تعالى هو المالك لوجودنا وما يتعلق به وجودنا من قبل ~~ومن بعد. # ولقد اختلفت كلماتهم في تفسير هذه الجملة فقيل: المراد بما بين أيدينا ما ~~هو قدامنا من الزمان المستقبل وبما خلفنا الماضي وبما بين ذلك الحال، وقيل: ~~ما بين أيدينا ما قبل الإيجاد من الزمان. # وما خلفنا ما بعد الموت إلى استمرار الآخرة وما بين ذلك هو مدة الحياة ~~وقيل: ما بين الأيدي الدنيا إلى النفخة الأولى وما خلفهم هو ما بعد النفخة ~~الثانية وما بين ذلك ما بين النفختين وهو أربعون سنة، وقيل: ما بين أيديهم ~~الآخرة وما خلفهم الدنيا، وقيل: ما بين أيديهم ما قبل الخلق وما خلفهم ما ~~بعد الفناء وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة، وقيل: ما بين أيديهم ما بقي ~~من أمر الدنيا وما خلفهم ما مضى منه وما بين ذلك ما هم فيه وقيل: المعنى ~~ابتداء خلقنا ومنتهى آجالنا ومدة حياتنا. # وقيل: ما بين أيديهم السماء وما خلفهم الأرض وما بين ذلك ما بينهما، ~~وقيل: بعكس ذلك، وقيل: ما بين أيديهم المكان الذي ينتقلون ms5181 إليه وما خلفهم ~~المكان الذي ينتقلون منه وما بين ذلك المكان الذي هم فيه. PageV14P043 # وتشترك الأقوال الثلاثة الأخيرة في أن الماءات عليها مكانية كما يشترك ~~السبعة في أن الماءات عليها زمانية وهناك قول بكون الآية تعم الزمان ~~والمكان فهذه أحد عشر قولا ولا دليل على شيء منها مع ما فيها من قياس الملك ~~على الإنسان والوجه ما قدمناه. # فقوله: "له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك" يفيد إحاطة ملكه تعالى ~~بهم ملكا حقيقيا لا يجري فيه تصرف غيره ولا إرادة من سواه إلا عن إذن منه ~~ومشية وإذ لا معصية للملائكة فلا تفعل فعلا إلا عن أمره ومن بعد إذنه ولا ~~تريد إلا ما أراده الله فلا يتنزل ملك إلا بأمر ربه. # وقد تقرر بهذا البيان أن قوله: "له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك" ~~في مقام التعليل لقوله: "وما نتنزل إلا بأمر ربك" وأن قوله: "وما كان ربك ~~نسيا" - والنسي فعول من النسيان - من تمام التعليل أي أنه تعالى لا ينسى ~~شيئا من ملكه حتى يختل بإهماله أمر التدبير فلا يأمر بالنزول حينما يجب فيه ~~النزول أو يأمر به حينما لا يجب وهكذا وكان هذا هو وجه العدول في الآية عن ~~إثبات العلم أو الذكر إلى نفي النسيان. # وقيل المعنى وما كان ربك نسيا أي تاركا لأنبيائه أي ما كان عدم النزول ~~إلا لعدم الأمر به ولم تكن عن تركه تعالى لك وتوديعه إياك. # وفيه أنه وإن وافق ما تقدم من سبب النزول بوجه لكن يبقى معه التعليل ~~بقوله: "له ما بين أيدينا" إلخ، ناقصا وينقطع قوله: "رب السموات والأرض وما ~~بينهما" عما تقدمه كما سيتضح. # قوله تعالى: "رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل ~~تعلم له سميا" صدر الآية أعني قوله: "رب السموات والأرض وما بينهما" تعليل ~~لقوله في الآية السابقة "له ما بين أيدينا وما خلفنا" إلى آخر الآية أي كيف ~~لا يملك ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ms5182 وكيف يكون نسيا وهو تعالى رب ~~السماوات والأرض وما بينهما؟ ورب الشيء هو مالكه، المدبر لأمره، فملكه وعدم ~~نسيانه مقتضى ربوبيته. # وقوله: "فاعبده واصطبر لعبادته" تفريع على صدر الآية والمعنى إذا كنا لا ~~نتنزل إلا بأمر ربك وقد نزلنا عليك هذا الكلام المتضمن للدعوة إلى عبادته ~~فالكلام كلامه والدعوة دعوته فاعبده وحده واصطبر لعبادته فليس هناك من يسمى ~~ربا غير ربك حتى لا تصطبر على عبادة ربك وتنتقل إلى عبادة ذلك الغير الذي ~~يسمى ربا فتكتفي بعبادته عن عبادة ربك أو تشرك به وربما قيل: إن الجملة ~~تفريع على قوله: "رب السماوات والأرض" أو على قوله: "وما كان ربك نسيا" أي ~~لم ينسك ربك فاعبده "إلخ" والوجهان كما ترى. # وقد بان بهذا التقرير أمور: أحدها أن قوله: "هل تعلم له سميا" من تمام ~~البيان المقصود بقوله: "فاعبده واصطبر لعبادته" وهو في مقام التعليل له. # والثاني أن المراد بالسمي المشارك في الاسم والمراد بالاسم هو الرب لأن ~~مقتضى بيان الآية ثبوت الربوبية المطلقة له تعالى على كل شيء فهو يقول: هل ~~تعلم من اتصف بالربوبية فسمي لذلك ربا حتى تعدل عنه إليه فتعبده دونه. # وبذلك يظهر عدم استقامة عامة ما قيل في معنى السمي في الآية فقد قيل: إن ~~المراد بالسمي المماثل مجازا، وقيل: السمي بمعنى الولد وقيل: هو بمعناه ~~الحقيقي غير أن المراد بالاسم الذي لا مشاركة فيه هو رب السماوات والأرض ~~وقيل: هو اسم الجلالة، وقيل: هو الإله، وقيل: هو الرحمن، وقيل: هو الإله ~~الخالق الرازق المحيي المميت القادر على الثواب والعقاب. # والثالث: أن النكتة في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب وتكراره في الآية ~~الأولى إذ قال: بأمر ربك وقال: وما كان ربك ولم يقل: ربنا هي التوطئة لما ~~في ذيل الكلام من توحيد الرب ففي قوله: "ربك" إشارة إلى أن ربنا الذي نتنزل ~~عن أمره هو ربك فالدعوة دعوته فاعبده، ويمكن أن تكون هذه هي النكتة فيما في ~~مفتتح السورة إذ قال: "ذكر رحمة ربك" إلخ لأن الآيات ms5183 كما نبهنا عليه ذات ~~سياق واحد لغرض واحد. # والرابع: أن قوله: "فاعبده واصطبر لعبادته" مسوق لتوحيد العبادة وليس ~~أمرا بالعبادة وأمرا بالثبات عليها وإدامتها إلا من جهة الملازمة فافهم ذلك. # ويمكن أن يستفاد من التفريع أنه تأكيد للبيان الذي يتضمنه السياق السابق ~~على هاتين الآيتين وبذلك يظهر اتصالهما بالآيات السابقة عليهما من غير أن ~~تؤخذا معترضتين من كل جهة. PageV14P044 # فكان ملك الوحي لما تنزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسورة وأوحى ~~إليه الآيات الثلاث والستين منها وهي مشتملة على دعوة كاملة إلى الدين ~~الحنيف خاطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه لم يتنزل وليس يتنزل بما تنزل ~~به من عند نفسه بل عن أمر من ربه وبرسالة من عنده فالكلام كلامه والدعوة ~~دعوته وهو رب النبي ورب كل شيء فليعبده وحده فليس هناك رب آخر يعدل عنه ~~إليه فالآيتان مما أوحي إلى ملك الوحي ليلقيه إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تثبيتا له وتأكيدا للآيات السابقة. # وهذا نظير أن يرسل ملك رسولا بكتاب من عنده أو رسالة إلى بعض عماله ~~فيأتيه الرسول ثم إذا قرأ الكتاب أو أدى الرسالة قال للعامل: إني ما جئتك ~~من عند نفسي بل بأمر من الملك وإشارة منه والكتاب كتابه والرسالة قوله ~~وحكمه وهو مليكك ومليك عامة من في المملكة فاسمع له وأطع وأقم على ذلك فليس ~~هناك مليك غيره حتى تعدل عنه إليه. # فكلام هذا الرسول تأكيد لكلام الملك وإذا فرض أن الملك، هو الذي أمره أن ~~يعقب رسالته بهذا الكلام كان الكلام كلاما للرسول ورسالة أيضا عن قبل الملك ~~وكلامه. # وغير خفي عليك أن هذا الوجه أوفق بالآيتين وأوضح انطباقا عليهما مما ~~تذكره روايات سبب النزول على ما فيها من الاختلاف والوهن. PageV14P045 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 66 - 72 # ويقول الانسن أءذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الانسن أنا خلقنه ~~من قبل ولم يك شيئا (67) فو ربك لنحشرنهم والشيطين ثم لنحضرنهم حول جهنم ~~جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ms5184 أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن ~~أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا (71) ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظلمين فيها جثيا (72) ### |||| AUTO بيان # عود إلى ما قبل قوله: "وما نتنزل إلا بأمر ربك" الآيتين ومضى في الحديث ~~السابق وهو كالتذنيب لقوله: "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا" بذكر بعض ما تفوهوا به عن غيهم وقد خص بالذكر قول ~~لهم في المعاد وآخر في النبوة وآخر في المبدإ. # ففي هذه الآيات أعني قوله: "ويقول الإنسان - إلى قوله - ونذر الظالمين ~~فيها جثيا" وهي سبع آيات ذكر استبعادهم للبعث والجواب عنه وذكر الإشارة إلى ~~ما لقولهم هذا من التبعة والوبال. # قوله تعالى: "ويقول الإنسان ء إذا ما مت لسوف أخرج حيا" إنكار للبعث في ~~صورة الاستبعاد، وهو قول الكفار من الوثنيين ومن يلحق بهم من منكري الصانع ~~بل مما يميل إليه طبع الإنسان قبل الرجوع إلى الدليل، قيل: ولذلك نسب القول ~~إلى الإنسان حينما كان مقتضى طبع الكلام أن يقال: ويقول الكافر، أو: ويقول ~~الذين كفروا "إلخ"، وفيه أنه لا يلائم قوله الآتي: "فو ربك لنحشرنهم ~~والشياطين - إلى قوله - صليا". # وليس ببعيد أن يكون المراد بالإنسان القائل ذلك هو الكافر المنكر للبعث ~~وإنما عبر بالإنسان لكونه لا يترقب منه ذلك وقد جهزه الله تعالى بالإدراك ~~العقلي وهو يذكر أن الله خلقه من قبل ولم يك شيئا، فليس من البعيد أن يعيده ~~ثانيا فاستبعاده مستبعد منه، ولذا كرر لفظ الإنسان حيث أخذ في الجواب ~~قائلا: "أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا" أي أنه إنسان لا ~~ينبغي له أن يستبعد وقوع ما شاهد وقوع مثله وهو غير ناسية. # ولعل التعبير بالمضارع في قوله: "ويقول الإنسان" للإشارة إلى استمرار هذا ~~الاستبعاد بين المنكرين للمعاد والمرتابين فيه. # قوله تعالى: "أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا" ~~الاستفهام للتعجيب والاستبعاد ومعنى الآية ظاهر وقد أخذ فيها برفع ~~الاستبعاد ms5185 بذكر وقوع المثل ليثبت به الإمكان، فالآية نظيرة قوله تعالى في ~~موضع آخر: "وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة - إلى أن قال - أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم": يس: 81. # فإن قيل: الاحتجاج بوقوع المثل إنما ينتج إمكان المثل والمطلوب في إثبات ~~المعاد هو رجوع الإنسان بشخصه وعينه لا بمثله فإن مثل الشيء غيره، قيل: إن ~~هذه الآيات بصدد إثبات رجوع الأجساد والمخلوق منها ثانيا مثل المخلوق أولا ~~وشخصية الشخص الإنساني بنفسه لا ببدنه فإذا خلق البدن ثانيا وتعلقت به ~~النفس كان شخص الإنسان الدنيوي بعينه وإن كان البدن وهو جزء الإنسان ~~بالقياس إلى البدن الدنيوي مثلا لا عينا وهذا كما أن شخصية الإنسان ووحدته ~~محفوظة في الدنيا مدى عمره مع تغير البدن وتبدله بتغير أجزائه وتبدلها حالا ~~بعد حال والبدن في الحال الثاني غيره في الحال الأول لكن الإنسان باق في ~~الحالين على وحدته الشخصية لبقاء نفسه بشخصها. # وإلى هذا يشير قوله تعالى: "وقالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق ~~جديد - إلى أن قال - قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم:" الم السجدة: 11" ~~أي إنكم مأخوذون من أبدانكم محفوظون لا تضلون ولا تفتقدون. # قوله تعالى: "فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا" ~~الجثي في أصله على فعول جمع جاثي وهو البارك على ركبتيه، ونسب إلى ابن عباس ~~أنه جمع جثوة وهو المجتمع من التراب والحجارة، والمراد أنهم يحضرون زمرا ~~وجماعات متراكما بعضهم على بعض، وهذا المعنى أنسب للسياق. PageV14P046 # وضمير الجمع في "لنحشرنهم" و"لنحضرنهم" للكفار، والآية إلى تمام ثلاث آيات ~~متعرضة لحالهم يوم القيامة وهو ظاهر وربما قيل: إن الضميرين للناس أعم من ~~المؤمن والكافر كما أن ضمير الخطاب في قوله الآتي: "وإن منكم إلا واردها" ~~كذلك وفيه أن لحن الآيات الثلاث وهو لحن السخط والعذاب يأبى ذلك. # والمراد بقوله: "لنحشرنهم والشياطين" جمعهم خارج القبور مع أوليائهم من ~~الشياطين لأنهم لعدم ms5186 إيمانهم غاوون كما قال: "فسوف يلقون غيا" والشياطين ~~أولياؤهم قال تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين:" الحجر: 42، وقال: "إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": ~~الأعراف: 27، أو المراد حشرهم مع قرنائهم من الشياطين كما قال: "ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون": الزخرف: 39. # والمعنى: فأقسم بربك لنجمعنهم - يوم القيامة - وأولياءهم أو قرناءهم من ~~الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم لإذاقة العذاب وهم باركون على ركبهم من ~~الذلة أو وهم جماعات وزمرة زمرة. # وفي قوله: "فو ربك" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة ولعل النكتة ~~فيه ما تقدم في قوله: "بأمر ربك" ونظيره قوله الآتي: "كان على ربك حتما". # قوله تعالى: "ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا" النزع هو ~~الاستخراج، والشيعة الجماعة المتعاونون على أمر أو التابعون لعقيدة والعتي ~~على فعول مصدر بمعنى التمرد في العصيان والظاهر أن قوله: "أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا" جملة استفهامية وضع موضع مفعول لننزعن للدلالة على العناية ~~بالتعيين والتمييز فهو نظير قوله: "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب": الإسراء: 57. # والمعنى: ثم لنستخرجن من كل جماعة متشكلة أشدهم تمردا على الرحمن وهم ~~الرؤساء وأئمة الضلال، وقيل المعنى لنستخرجن الأشد ثم الأشد حتى يحاط بهم. # وفي قوله: "على الرحمن" التفات والنكتة تلويح أن تمردهم عظيم لكونه تمردا ~~على من شملت رحمته كل شيء وهم لم يلقوا منه إلا الرحمة والتمرد على من هذا ~~شأنه عظيم. # قوله تعالى: "ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا" الصلي في الأصل على ~~فعول مصدر يقال صلي النار يصلاها صليا وصليا إذا قاسى حرها فالمعنى ثم أقسم ~~لنحن أعلم بمن أولى بالنار مقاساة لحرها أي إن الأمر في دركات عذابهم ~~ومراتب استحقاقهم لا يشتبه علينا. # قوله تعالى: "وإن منكم إلا واردها كان على ms5187 ربك حتما مقضيا" الخطاب للناس ~~عامة مؤمنيهم وكافريهم بدليل قوله في الآية التالية: "ثم ننجي الذين اتقوا" ~~والضمير في "واردها" للنار، وربما قيل: إن الخطاب للكفار المذكورين في ~~الآيات الثلاث الماضية وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الحضور وفيه أن ~~سياق الآية التالية يأبى ذلك. # والورود خلاف الصدور وهو قصد الماء على ما يظهر من كتب اللغة قال الراغب ~~في المفردات،: الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره يقال: وردت الماء ~~أرده، ورودا فأنا وارد والماء مورود، وقد أوردت الإبل الماء قال تعالى: ~~"ولما ورد ماء مدين" والورد الماء المرشح للورود، والورد خلاف الصدر، ~~والورد يوم الحمى إذا وردت، واستعمل في النار على سبيل الفظاعة قال تعالى: ~~"فأوردهم النار" "وبئس الورد المورود" "إلى جهنم وردا" "أنتم لها واردون" ~~"ما وردوها" والوارد الذي يتقدم القوم فيسقي لهم قال تعالى: "فأرسلوا ~~واردهم" أي ساقيهم من الماء المورود انتهى موضع الحاجة. # وإلى ذلك استند من قال من المفسرين إن الناس إنما يحضرون النار ويشرفون ~~عليها من غير أن يدخلوها واستدلوا عليه بقوله تعالى: "ولما ورد ماء مدين ~~وجد عليه أمة من الناس يسقون": القصص: 23، وقوله: "فأرسلوا واردهم فأدلى ~~دلوه": يوسف: 19، وقوله: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~لا يسمعون حسيسها": الأنبياء: 102. PageV14P047 # وفيه أن استعماله في مثل قوله: "ولما ورد ماء مدين" وقوله: "فأرسلوا ~~واردهم" في الحضور بعلاقة الإشراف لا ينافي استعماله في الدخول على نحو ~~الحقيقة كما ادعي في آيات أخرى، وأما قوله: "أولئك عنها مبعدون لا يسمعون ~~حسيسها" فمن الجائز أن يكون الإبعاد بعد الدخول كما يستظهر من قوله: "ثم ~~ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها"، وأن يحجب الله بينهم وبين أن يسمعوا ~~حسيسها إكراما لهم كما حجب بين إبراهيم وبين حرارة النار إذ قال للنار: ~~كوني بردا وسلاما على إبراهيم. # وقال آخرون ولعلهم أكثر المفسرين بدلالة الآية على دخولهم النار استنادا ~~إلى مثل قوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون لو ms5188 كان هؤلاء آلهة ما وردوها": الأنبياء: 99، وقوله في فرعون: "يقدم ~~قومه يوم القيامة فأوردهم النار": هود: 98، ويدل عليه قوله في الآية ~~التالية: "ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" أي نتركهم باركين ~~على ركبهم وإنما يقال نذر ونترك فيما إذا كان داخلا مستقرا في المحل قبل ~~الترك ثم أبقي على ما هو عليه ولعدة من الروايات الواردة في تفسير الآية. # وهؤلاء بين من يقول بدخول عامة الناس فيها ومن يقول بدخول غير المتقين ~~مدعيا أن قوله: "منكم" بمعنى منهم على حد قوله: "وسقاهم ربهم شرابا طهورا، ~~إن هذا كان لكم جزاء": الدهر: 22، هذا ولكن لا يلائمه سياق قوله: "ثم ننجي ~~الذين اتقوا" الآية. # وفيه أن كون الورود في مثل قوله: "لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها" بمعنى ~~الدخول ممنوع بل الأنسب كونه بمعنى الحضور والإشراف فإنه أبلغ كما هو ظاهر ~~وكذا في قوله: "فأوردهم النار" فإن شأن فرعون وهو من أئمة الضلال هو أن ~~يهدي قومه إلى النار وأما إدخالهم فيها فليس إليه. # وأما قوله: "ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها" فالآية دالة على ~~كونهم داخلين فيها بدليل قوله: "نذر" لكن دلالتها على كونهم داخلين غير كون ~~قوله "واردها" مستعملا في معنى الدخول وكذا تنجية المتقين لا تستلزم كونهم ~~داخلين فيها فإن التنجية كما تصدق مع إنقاذ من دخل المهلكة تصدق مع إبعاد ~~من أشرف على الهلاك وحضر المهلكة من ذلك. # وأما الروايات فإنما وردت في شرح الواقعة لا في تشخيص ما استعمل فيه لفظ ~~"واردها" في الآية فالاستدلال بها على كون الورود بمعنى الدخول ساقط. # فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد شأنية الدخول والمعنى: ما من أحد ~~منكم إلا من شأنه أن يدخل النار وإنما ينجو من ينجو بإنجاء الله على حد ~~قوله: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21. # قلت: معناه كون الورود مقتضى طبع الإنسان من جهة أن ما يناله من خير ~~وسعادة فمن الله ولا يبقى ms5189 له من نفسه إلا الشر والشقاء لكن ينافيه ما في ~~ذيل الآية من قوله: "كان على ربك حتما مقضيا" فإنه صريح في أن هذا الورود ~~بإيراد من الله وبقضائه المحتوم لا باقتضاء من طبع الأشياء. # والحق أن الورود لا يدل على أزيد من الحضور والإشراف عن قصد - على ما ~~يستفاد من كتب اللغة - فقوله: "وإن منكم إلا واردها" إنما يدل على القصد ~~والحضور والإشراف، ولا ينافي دلالة قوله في الآية التالية: "ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" على دخولهم جميعا أو دخول الظالمين خاصة ~~فيها بعد ما وردوها. # وقوله: "كان على ربك حتما مقضيا" ضمير كان للورود أو للجملة السابقة ~~باعتبار أنه حكم، والحتم والجزم والقطع بمعنى واحد أي هذا الورود أو الحكم ~~كان واجبا عليه تعالى مقضيا في حقه وإنما قضى ذلك نفسه على نفسه إذ لا حاكم ~~يحكم عليه. # قوله تعالى: "ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" قد تقدمت ~~الإشارة إلى أن قوله: "ونذر الظالمين فيها" يدل على كون الظالمين داخلين ~~فيها ثم يتركون على ما كانوا عليه، وأما تنجية الذين اتقوا فلا تدل بلفظها ~~على كونهم داخلين إذ التنجية ربما تحققت بدونه اللهم إلا أن يستظهر ذلك من ~~ورود اللفظين مقترنين في سياق واحد. # وفي التعبير بلفظ الظالمين إشارة إلى علية الوصف للحكم. # ومعنى الآيتين: ما من أحد منكم - متق أو ظالم - إلا وهو سيرد النار كان ~~هذا الإيراد واجبا مقضيا على ربك ثم ننجي الذين اتقوا منها ونترك الظالمين ~~فيها لظلمهم باركين على ركبهم. PageV14P048 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن مالك الجهني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله عز وجل: "أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا" ~~قال: فقال: لا مقدرا ولا مكتوبا. # وفي المحاسن، بإسناده عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قوله: "أولا يذكر الإنسان" الآية، قال: لم يكن في كتاب ولا علم. # أقول: المراد بالحديثين أنه لم يكن ms5190 في كتاب ولا علم من كتب المحو ~~والإثبات ثم أثبته الله حين أراد كونه وأما اللوح المحفوظ فلا يعزب عنه شيء ~~بنص القرآن. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا" قال: قال: ~~على ركبهم. # وفيه، بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قوله عز وجل: "وإن منكم إلا واردها" قال: أما تسمع الرجل يقول: وردنا ~~بني فلان فهو الورود ولم يدخله. # وفي المجمع، عن السدي قال: سألت مرة الهمداني عن هذه الآية فحدثني أن عبد ~~الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يرد ~~الناس النار ثم يصدرون بأعمالهم فأولهم كلمع البرق ثم كمر الريح ثم كحضر ~~الفرس ثم كالراكب ثم كشد الرجل ثم كمشيه. # وفيه، وروى أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال: ~~اختلفنا في الورود فقال قوم: لا يدخلها مؤمن وقال آخرون: يدخلونها جميعا ثم ~~ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فأومىء بإصبعيه إلى ~~أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يقول: الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر حتى يدخلها فتكون على المؤمنين ~~بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار أو قال: لجهنم ضجيجا من ~~بردها ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا. # أقول: والرواية من التفسير غير أن سندها ضعيف بالجهالة. # وفيه، وروي مرفوعا عن يعلى بن منبه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. # وفيه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه سئل عن المعنى فقال: ~~إن الله يجعل النار كالسمن الجامد ويجمع عليها الخلق ثم ينادي المنادي أن ~~خذي أصحابك وذري أصحابي فو الذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة ~~بولدها. # أقول: والروايات الأربع الأخيرة رواها في الدر المنثور، عن عدة ms5191 من أرباب ~~الكتب والجوامع،، غير أنه لم يذكر في الرواية الثانية - فيما عندنا من نسخة ~~الدر المنثور، - قوله: الورود الدخول. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية، عن عروة بن الزبير قال: لما ~~أراد ابن رواحة الخروج إلى أرض مؤتة من الشام أتاه المسلمون يودعونه فبكى ~~فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة لكم ولكني سمعت رسول الله قرأ ~~هذه الآية "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا" فقد علمت أني وارد ~~النار ولا أدري كيف الصدور بعد الورود؟. # واعلم أن ظاهر بعض الروايات السابقة أن ورود الناس النار هو جوازهم منها ~~فينطبق على روايات الصراط وفيها أنه جسر ممدود على النار يؤمر بالعبور ~~عليها البر والفاجر فيجوزه الأبرار ويسقط فيها الفجار، وعن الصدوق في ~~الاعتقاد، أنه حمل الآية عليه. # وقال في مجمع البيان،: وقيل: إن الفائدة في ذلك يعني ورود النار ما روي ~~في بعض الأخبار: أن الله تعالى لا يدخل أحدا الجنة حتى يطلعه على النار وما ~~فيها من العذاب ليعلم تمام فضل الله عليه وكمال فضله وإحسانه إليه فيزداد ~~لذلك فرحا وسرورا بالجنة ونعيمها، ولا يدخل أحدا النار حتى يطلعه على الجنة ~~وما فيها من أنواع النعيم والثواب ليكون ذلك زيادة عقوبة له وحسرة على ما ~~فاته من الجنة ونعيمها. # انتهى. # كلام في معنى وجوب الفعل وجوازه وعدم جوازه على الله سبحانه # قد تقدم في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله تعالى: "ولا يضل به إلا ~~الفاسقين": البقرة: 26 في بحث قرآني تقريبا أن له تعالى الملك المطلق على ~~الأشياء بمعنى أنه يملك كل شيء ملكا مطلقا غير مقيد بحال أو زمان أو أي شرط ~~مفروض وأن كل شيء مملوك له تعالى من غير أن يكون مملوكا له من جهة وغير ~~مملوك من جهة لا في ذاته ولا في شيء مما يتعلق به. PageV14P049 # فله تعالى أن يتصرف فيما يشاء بما يشاء من غير أن يستعقب ذلك قبحا أو ذما ~~أو شناعة ms5192 من عقل أو غيره لأن القبح أو الذم إنما يلحقان الفاعل إذا أتى بما ~~لا يملكه من الفعل بحكم عقل أو قانون أو سنة دائرة وأما إذا أتى بما له أن ~~يفعله وهو يملكه فلا يعتريه قبح أو ذم أو لائمة البتة ولا يوجد في المجتمع ~~الإنساني ملك مطلق ولا حرية مطلقة لمناقضته معنى الاجتماع والاشتراك في ~~المنافع فكل ملك فيه مقيد محدود يذم الإنسان لو تعداه ويقبح فعله ويمدح لو ~~اقتصر عليه ويستحسن عمله. # وهذا بخلاف ملكه تعالى فإنه مطلق غير مقيد ولا محدود على ما يدل عليه ~~إطلاق آيات الملك، ويؤيده بل يدل عليه الآيات الدالة على قصر الحكم وانحصار ~~التشريع فيه وعموم قضائه لكل شيء إذ لو لا سعة ملكه وعموم سلطنته لكل شيء ~~لم يستقم حكمه في كل شيء ولا قضاؤه عند كل واقعة، والاستدلال على محدودية ~~ملكه تعالى بما وراء القبائح العقلية بأنا نرى أن المالك لعبد إذا عذب عبده ~~بما لا يجوزه العقل ذم عليه واستقبح العقلاء عمله من قبيل الاستدلال على ~~الشيء بحكم ما يباينه. # على أن هذا الملك الذي نثبته له تعالى وهو ملك تشريعي هو كونه تعالى بحيث ~~ينتهي إليه وجود كل شيء وإن شئت فقل: كون كل شيء بحيث يقوم وجوده به تعالى ~~وهذا هو الملك التكويني الذي لا يخلو شيء من الأشياء من أن يكون مشمولا له ~~فمع ذلك كيف يمكن تحقق الملك التكويني في شيء من غير أن ينبعث منه ملك ~~تشريعي وحق مجعول اللهم إلا أن يكون من العناوين العدمية التي لا يتعلق بها ~~الإيجاد كعناوين المعاصي التي في أفعال العباد وهي ترجع إلى مخالفة الأمر ~~وترك رعاية المصلحة والحكمة ولا يتحقق شيء من ذلك فيما يعد فعلا له تعالى ~~فأجد التأمل فيه. # ويتفرع على هذا البحث أنه لا معنى لأن يوجب غيره تعالى عليه شيئا أو يحرم ~~أو يجوز وبالجملة يكلفه بتكليف تشريعي كما يمتنع أن يؤثر فيه تأثيرا ~~تكوينيا لاستلزامه كونه تعالى مملوكا له واقعا ms5193 تحت سلطنته من حيث فعله الذي ~~تعلق به التكليف ومآله إلى مملوكية ذاته وهو محال. # وما هو الذي يتحكم عليه تعالى؟ ومن الذي يقهره بالتكليف؟ فإن فرض أنه ~~العقل الحاكم لذاته القاضي لنفسه عاد الكلام إلى مالكية العقل لهذا الحكم ~~والقضاء، فالعقل يستند في أحكامه إلى أمور خارجة من ذاته ومن مصالح ومفاسد ~~فليس حاكما لذاته بل لغيره هف. # وإن فرض أنه المصلحة المتقررة عند العقل فمصلحة كذا مثلا يقتضي فيه تعالى ~~أن يعدل في حكمه وأن لا يظلم عباده ثم العقل بعد النظر فيه يحكم عليه تعالى ~~بوجوب العدل وعدم جواز الظلم أو بحسن العدل وقبح الظلم فهذه المصلحة إما ~~أمر اعتباري غير حقيقي ولا موجود واقعي وإنما جعله العقل جعلا من غير أن ~~ينتهي إلى حقيقة خارجية عاد الأمر إلى كون العقل حاكما لذاته غير مستند في ~~حكمه إلى أمر خارج عن ذاته، وقد مر بطلانه. # وإما أمر حقيقي موجود في الخارج ولا محالة هي ممكنة معلولة للواجب ينتهي ~~وجوده إليه تعالى ويقوم به كانت فعلا من أفعاله ورجع الأمر إلى كون بعض ~~أفعاله تعالى بتحققه مانعا عن تحقق بعض آخر وأنه دل بذلك العقل أن يحكم ~~بوجوب الفعل أو عدم جوازه، وبعبارة أخرى ينتهي الأمر إلى أنه تعالى بالنظر ~~إلى نظام الخلقة يختار فعلا من أفعاله على آخر وهو ما فيه المصلحة على ~~الخالي منها هذا بحسب التكوين ثم دل العقل أن يستنبط من المصلحة أن الفعل ~~الذي اختاره وهو العدل مثلا واجب عليه وإن شئت فقل: حكم بلسان العقل بوجوب ~~الفعل عليه وبالجملة لم ينته الإيجاب إلى غيره بل رجع إليه فهو الموجب على ~~نفسه لا غير. # فقد اتضح بهذا البحث أمور: الأول: أن له ملكا مطلقا لا يتقيد بتصرف دون ~~تصرف فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال تعالى: "فعال لما يريد": ~~البروج: 16، وقال: "والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 غير أنه تعالى ~~بما كلمنا في مرحلة الهداية على قدر عقولنا ونصب ms5194 نفسه في مقام التشريع أوجب ~~على نفسه أشياء ومنع نفسه عن أشياء فاستحسن لنفسه أشياء كالعدل والإحسان، ~~كما استحسنها لنا واستقبح أشياء كالظلم والعدوان، كما استقبحها لنا. PageV14P050 # ومعنى كونه تعالى مشرعا آمرا وناهيا هو أنه تعالى قدر وجودنا في نظام متقن ~~يربطه إلى غايات هي سعادتنا وفيها خير دنيانا وآخرتنا وهي المسماة بالمصالح ~~ونظم أسباب وجودنا وجهازات أنفسنا نظما لا يلائم إلا مسيرا خاصا في الحياة ~~من أفعال وأعمال هي الملاءمة لمصالح وجودنا لا غير فأسباب الوجود والجهازات ~~المجهزة والأوضاع والأحوال الحافة بنا تدفعنا إلى مصالح وجودنا ومصالح ~~الوجود تدعونا إلى أعمال خاصة تلائمها ومسير في الحياة تسوقنا إلى كمال ~~الوجود وسعادة الحياة وإن شئت فقل: تندبنا إلى قوانين وسنن في العمل بها ~~والجري عليها خير الدنيا والآخرة. # وهذه القوانين التي تهتف بها الفطرة ويعلمها الوحي السماوي هي الشريعة ~~وإذ هي تنتهي إليه تعالى فالأمر الذي فيها أمره والنهي الذي فيها نهيه وكل ~~حكم فيها حكمه، وفيها أمور يرى اتصاف الفعل بها حسنا على كل حال كالعدل فهو ~~يرتضيها لفعله كما يرتضيها لأفعالنا، وأمور يستقبحها ويستشنعها ويذم أفعالا ~~اتصفت بها كالظلم فهو لا يرتضيها لفعله كما لا يرتضيها لأفعالنا وهكذا. # فلا ضير في وجوب شيء عليه تعالى وجوبا تشريعيا إذا كان هو المشرع على ~~نفسه، وهذه أحكام اعتبارية متقررة في ظرف الاعتبار العقلي وحقيقتها أن من ~~سنته تعالى التكوينية أن يريد ويفعل أمورا إذا عرضت على العقل عنونها ~~بعنوان العدل، وإن لا يصدر عن ساحته أعمال إذا عرضت على العقل عنونها ~~بعنوان الظلم فافهم ذلك. # الثاني: أن هذا الوجوب تشريعي وهناك وجوب آخر تكويني يعتمد عليه هذا ~~الوجوب وهو ضرورة ترتب المعلولات على عللها في النظام العام من غير تخلف ~~المنتزع عنها معنى العدل. # وقد التبس الأمر على كثير من الباحثين فزعموا كون هذا الوجوب تكوينيا ~~وقرروه بأن القدرة الواجبية مطلقة متساوية النسبة إلى فعل القبيح وتركه ~~مثلا لكنه تعالى لا يفعل القبيح لحكمته البتة فترك القبيح ضروري بالنسبة ~~إلى ms5195 حكمته وإن كان ممكنا بالنسبة إلى قدرته وهذه الضرورة ضرورة حقيقية ~~كضرورة قولنا: الواحد نصف الاثنين بالضرورة غير الوجوب الاعتباري يعتبر في ~~الأوامر المولوية هذا. # والمغالطة فيه بينة فإن ترك القبيح إذا كان ممكنا بالنسبة إلى القدرة ~~والقدرة عين الذات كان ممكنا بالنسبة إلى الذات وصفة الحكمة حينئذ إن كانت ~~عين الذات كان ترك القبيح ضروريا ممكنا معا بالنسبة إلى الذات وليس إلا ~~التناقض، وإن كانت غير الذات فإن كانت أمرا عينيا وقد جعلت الترك ضروريا ~~للذات بعد ما كان ممكنا لزم تأثير غير الذات الواجبية فيها وهو تناقض آخر ~~وقد عدلوا عن القول بالوجوب التشريعي إلى القول بالوجوب التكويني فرارا من ~~لزوم حكومة غيره تعالى فيه بالأمر والنهي، وإن كانت أمرا انتزاعيا فكونها ~~منتزعة من الذات يؤدي إلى التناقض الأول المذكور، وكونها منتزعة من غيرها ~~إلى التناقض الثاني فإن الحكم الحقيقي في الأمور الانتزاعية لمنشإ ~~انتزاعها. # والمغالطة إنما نشأت من أخذ الفعل ضروريا بالنسبة إلى الذات بعد انضمام ~~الحكمة إليها فإن الذات إن أخذت علة تامة للفعل كانت النسبة هي الضرورة قبل ~~الانضمام وبعدها دون الإمكان وإن أخذت جزءا من العلة التامة وإنما تتم ~~بانضمام أمر أو أمور إليها كان الفعل بالنسبة إليها ممكنا لا ضروريا وإن ~~كان بالنسبة إلى علته التامة المجتمعة من الذات وغيرها ضروريا لا ممكنا. # والثالث: أن قولنا: يجب عليه كذا ولا يجوز عليه كذا حكم عقلي، والعقل في ~~ذلك حاكم قاض لا مدرك آخذ بمعنى أن الحكم الذي في القضية فعل قائم بالعقل ~~مجعول له لا أمر قائم بنفسه يحكيه العقل نوعا من الحكاية كما وقع في لسان ~~بعضهم قائلين إن من شأنه الإدراك دون الحكم. # وذلك أن العقل الذي كلامنا فيه هو العقل العملي الذي موطن عمله العمل من ~~حيث ينبغي أو لا ينبغي ويجوز أو لا يجوز، والمعاني التي هذا شأنها أمور ~~اعتبارية لا تحقق لها في الخارج عن موطن التعقل والإدراك فكان هذا الثبوت ~~الإدراكي بعينه فعلا للعقل قائما به وهو ms5196 معنى الحكم والقضاء، وأما العقل ~~النظري الذي موطن عمله المعاني الحقيقية غير الاعتبارية تصورا أو تصديقا ~~فإن لمدركاته ثبوتا في نفسها مستقلا عن العقل فلا يبقى للعقل عند إدراكها ~~إلا أخذها وحكايتها وهو الإدراك فحسب دون الحكم والقضاء. PageV14P051 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 73 - 80 # وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال الذين كفروا للذين ءامنوا أى الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثثا ورءيا ~~(74) قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرءيت ~~الذى كفر بئايتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما ~~يقول ويأتينا فردا (80) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثاني من كلماتهم المنقولة عنهم، وهو ردهم الدعوة النبوية ~~بأنها لا تنفع في حسن حال المؤمنين بها شيئا ولو كانت حقة لجلبت إليهم زهرة ~~الحياة الدنيا التي فيها سعادة العيش من أبنية رفيعة وأمتعة نفيسة وجمال ~~وزينة، فالذي هم عليه من الكفر وقد جلب لهم خير الدنيا خير مما عليه ~~المؤمنون وقد غشيهم رثاثة الحال وفقد المال وعسرة العيش، فكفرهم هو الحق ~~الذي ينبغي أن يؤثر دون الإيمان الذي عليه المؤمنون وقد أجاب الله عن قولهم ~~بقوله: "وكم أهلكنا" إلخ، وقوله: "قل من كان في الضلالة" إلخ، ثم عقب ذلك ~~ببيان حال بعض من اغتر بقولهم. # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا" إلى آخر الآية، المقام اسم مكان من ~~القيام فهو المسكن، والندي هو المجلس وقيل خصوص مجلس المشاورة، ومعنى "قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا" أنهم خاطبوهم فاللام للتبليغ كما قيل، وقيل: تفيد ~~معنى التعليل أي قالوا لأجل الذين آمنوا أي لأجل إغوائهم وصرفهم عن ~~الإيمان، والأول أنسب للسياق كما أن الأنسب للسياق أن يكون ضمير عليهم ~~راجعا إلى ms5197 الناس أعم من الكفار والمؤمنين دون الكفار فقط حتى يكون قوله: ~~"قال الذين كفروا" من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر. # وقوله: "أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا" أي للاستفهام والفريقان هما ~~الكفار والمؤمنون، وكان مرادهم أن الكفار هم خير مقاما وأحسن نديا من ~~المؤمنين الذين كان الغالب عليهم العبيد والفقراء لكنهم أوردوه في صورة ~~السؤال وكنوا عن الفريقين لدعوى أن المؤمنين عالمون بذلك يجيبون بذلك لو ~~سئلوا من غير تردد وارتياب. # والمعنى: وإذا تتلى على الناس - وهم الفريقان الكفار والمؤمنون - آياتنا ~~وهي ظاهرات في حجتها واضحات في دلالتها لا تدع ريبا لمرتاب، قال فريق منهم ~~وهم الذين كفروا للفريق الآخر وهم الذين آمنوا: أي هذين الفريقين خير من ~~جهة المسكن وأحسن من حيث المجلس - ولا محالة هم الكفار - يريدون أن لازم ~~ذلك أن يكونوا هم سعداء في طريقتهم وملتهم إذ لا سعادة وراء التمتع بأمتعة ~~الحياة الدنيا فالحق ما هم عليه. # قوله تعالى: "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا" القرن: الناس ~~المقترنون في زمن واحد، والأثاث: متاع البيت، قيل: لا يطلق إلا على الكثير ~~ولا واحد له من لفظه، والرئي بالكسر فالسكون: ما رئي من المناظر، نقل في ~~مجمع البيان، عن بعضهم: أنه اسم لما ظهر وليس بالمصدر وإنما المصدر الرأي ~~والرؤية يدل على ذلك قوله: "يرونهم مثليهم رأي العين" فالرأي: الفعل، ~~والرئي: المرئي كالطحن والطحن والسقي والسقي والرمي والرمي. # انتهى. # ولما احتج الكفار على المؤمنين في حقية ملتهم وبطلان الدعوة النبوية التي ~~آمن به المؤمنون بأنهم خير مقاما وأحسن نديا في الدنيا وقد فاتهم أن ~~للإنسان حياة خالدة أبدية لا منتهى لها وإنما سعادته في سعادتها والأيام ~~القلائل التي يعيش فيها في الدنيا لا قدر لها قبال ما لا نهاية له ولا أنها ~~تغني عنه شيئا. # على أن هذه التمتعات الدنيوية لا تحتم له السعادة ولا تقيه من غضب الله ~~إن حل به يوما وما هو من الظالمين ببعيد فليسوا في أمن من سخط الله ولا ms5198 طيب ~~في عيش يهدده الهلاك ولا في نعمة كانت في معرض النقمة والخيبة. PageV14P052 # أشار إلى الجواب عنه بقوله: "وكم أهلكنا قبلهم" والظاهر أن الجملة حالية ~~وكم خبرية لا استفهامية، والمعنى: أنهم يتفوهون بهذه الشبهة الواهية - نحن ~~خير منكم مقاما وأحسن نديا - استخفافا للمؤمنين والحال أنا أهلكنا قرونا ~~كثيرة قبلهم هم أحسن من حيث الأمتعة والمناظر. # وقد نقل سبحانه نظير هذه الشبهة عن فرعون وعقبه بحديث غرقه وهلاكه، قال: ~~"ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلو لا ~~ألقي عليه أسورة من ذهب - إلى أن قال - فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم ~~أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين": الزخرف: 56. # قوله تعالى: "قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا" إلى آخر الآية، ~~لفظة كان في قوله: "من كان في الضلالة" تدل على استمرارهم في الضلالة لا ~~مجرد تحقق ضلالة ما، وبذلك يتم التهديد بمجازاتهم بالإمداد والاستدراج الذي ~~هو إضلال بعد الضلال. # وقوله: "فليمدد" صيغة أمر غائب ويئول معناه إلى أن من الواجب على الرحمن ~~أن يمده مدا، فإن أمر المتكلم مخاطبه أن يأمره بشيء معناه إيجاب المتكلم ~~ذلك على نفسه. # والمد والأمداد واحد لكن ذكر الراغب في المفردات، أن أكثر ما جاء الأمداد ~~في المحبوب والمد في المكروه والمراد أن من استقرت عليه الضلالة واستمر هو ~~عليها - والمراد به الكفار كناية - فقد أوجب الله على نفسه أن يمده بما منه ~~ضلالته كالزخارف الدنيوية في مورد الكلام فينصرف بذلك عن الحق حتى يأتيه ~~أمر الله من عذاب أو ساعة بالمفاجاة والمباهتة فيظهر له الحق عند ذلك ولن ~~ينتفع به. # فقوله: "حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون" إلخ، ~~دليل على أن هذا المد خذلان في صورة إكرام والمراد به أن ينصرف عن الحق ~~واتباعه بالاشتغال بزهرة الحياة الدنيا الغارة فلا يظهر له الحق إلا في وقت ~~لا ينتفع ms5199 به وهو وقت نزول البأس أو قيام الساعة. # كما قال تعالى: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد ~~خلت في عباده": المؤمن: 85، وقال: "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا": الأنعام: 158. # وفي إرجاع ضمير الجمع في قوله: "رأوا ما يوعدون" إلى "من" رعاية جانب ~~معناه كما أن في إرجاع ضمير الإفراد في قوله: "فليمدد له" إليه رعاية جانب لفظه. # وقوله: "فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا" قوبل به قولهم السابق: "أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا" أما مكانهم حين يرون العذاب - والظاهر أن ~~المراد به عذاب الدنيا - فحيث يحل بهم عذاب الله وقد كان مكان صناديد قريش ~~المتلو عليهم الآيات حين نزول العذاب، قليب بدر التي ألقيت فيها أجسادهم ~~وأما مكانهم يوم يرون الساعة فالنار الخالدة التي هي دار البوار، وأما ضعف ~~جندهم فلأنه لا عاصم لهم اليوم من الله ويعود كل ما هيئوه لأنفسهم من عدد ~~وعدة سدى لا أثر له. # قوله تعالى: "ويزيد الله الذين اهتدوا هدى" إلى آخر الآية، الباقيات ~~الصالحات الأعمال الصالحة التي تبقى محفوظة عند الله وتستعقب جميل الشكر ~~وعظيم الأجر وقد وعد الله بذلك في مواضع من كلامه. # والثواب جزاء العمل قال في المفردات،: أصل الثوب رجوع الشيء إلى حالته ~~الأولى التي كان عليها أو إلى الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة - إلى أن ~~قال - والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله فيسمى الجزاء ثوابا ~~تصورا أنه هو - إلى أن قال - والثواب يقال في الخير والشر لكن الأكثر ~~المتعارف في الخير. # انتهى والمرد اسم مكان من الرد والمراد به الجنة. # والآية من تمام البيان في الآية السابقة فإن الآية السابقة تبين حال أهل ~~الضلالة وتذكر أن الله سيمدهم فهم يعمهون في ضلالتهم منصرفين عن الحق ~~معرضين عن الإيمان لاعبين بما عندهم من شواغل الحياة الدنيا حتى يفاجئهم ~~العذاب أو الساعة وتنكشف لهم حقيقة الأمر من غير أن ينتفعوا ms5200 به وهؤلاء أحد ~~الفريقين في قولهم: "أي الفريقين خير مقاما" إلخ. PageV14P053 # وهذه الآية تبين حال الفريق الآخر وهم المؤمنون وأن الله سبحانه يمد ~~المهتدين منهم وهم المؤمنون بالهدى فيزيدهم هدى على هداهم فيوفقون للأعمال ~~الباقية الصالحة وهي خير أجرا وخير دارا وهي الجنة ودائم نعيمها فما عند ~~المؤمنين من أمتعة الحياة وهي النعيم المقيم خير مما عند الكافرين من ~~الزخارف الغارة الفانية. # وفي قوله: "عند ربك" إشارة إلى أن الحكم بخيرية ما للمؤمنين من ثواب ومرد ~~حكم إلهي لا يخطىء ولا يغلط البتة. # وهاتان الآيتان - كما ترى - جواب ثان عن حجة الكفار أعني قولهم: "أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا". # قوله تعالى: "أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا" كما أن ~~سياق الآيات الأربع السابقة يعطي أن الحجة الفاسدة المذكورة قول بعض ~~المشركين ممن تلي عليه القرآن فقال ما قال دحضا لكلمة الحق واستغواء ~~واستخفافا للمؤمنين كذلك سياق هذه الآيات الأربع وقد افتتحت بكلمة التعجيب ~~واشتملت بقول يشبه القول السابق واختتمت بما يناسبه من الجواب يعطي أن بعض ~~الناس ممن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو كان في معرض ذلك بعد ما ~~سمع قول الكفار مال إليهم ولحق بهم قائلا لأوتين مالا وولدا يعني في الدنيا ~~باتباع ملة الشرك كان في الإيمان بالله شؤما وفي اتخاذ الآلهة ميمنة. # فرده الله سبحانه بقوله: "أطلع الغيب" إلخ. # وأما ما ذكره الأكثر بالبناء على ما ورد من سبب النزول أن الجملة قول أحد ~~المتعرقين في الشرك من قريش خاطب به خباب بن الأرت حين طالبه دينا كان له ~~عليه، وأن معنى الجملة لأوتين مالا وولدا في الجنة فأؤدي ديني فشيء لا ~~يلائم سياق الآيات إذ من المعلوم أن المشركين ما كانوا مذعنين بالبعث أصلا، ~~فقوله لأوتين مالا وولدا إذا بعثت وعند ذلك أؤدي ديني لا يحتمل إلا ~~الاستهزاء والتهكم ولا معنى لرد الاستهزاء بالاحتجاج كما هو صريح قوله: ~~"أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا" إلخ. # ونظير هذا القول في ms5201 السقوط ما نقل عن أبي مسلم المفسر أن الآية عامة فيمن ~~له هذه الصفة. # فقوله: "أفرأيت الذي كفر بآياتنا" مسوق للتعجيب، وكلمة "أفرأيت" كلمة ~~تعجيب وقد فرعه بفاء التفريع على ما تقدمه من قولهم: "أي الفريقين خير ~~مقاما وأحسن نديا" لأن كفر هذا القائل وقوله: "لأوتين مالا وولدا" من سنخ ~~كفرهم ومبني على قولهم للمؤمنين لا خير عند هؤلاء وسعادة الحياة وعزة ~~الدنيا ونعمتها ولا خير إلا ذلك عند الكفار وفي ملتهم. # ومن هنا يظهر أن لقوله: "وقال لأوتين مالا وولدا" نوع ترتب على قوله "كفر ~~بآياتنا" وأنه إنما كفر بآيات الله زاعما أن ذلك طريقة ميمونة مباركة تجلب ~~لسالكها العزة والقدرة وترزقه الخير والسعادة في الدنيا وقد أقسم بذلك كما ~~يشهد به لام القسم ونون التأكيد في قوله: "لأوتين". # قوله تعالى: "أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا" رد سبحانه عليه قوله: ~~"لأوتين مالا وولدا بكفري" بأنه رجم بالغيب لا طريق له إلى العلم فليس ~~بمطلع على الغيب حتى يعلم بأنه سيؤتى بكفره ما يأمله ولا بمتخذ عهدا عند ~~الله حتى يطمئن إليه في ذلك، وقد جيء بالنفي في صورة الاستفهام الإنكاري. # قوله تعالى: "كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا" كلا كلمة ردع ~~وزجر وذيل الآية دليل على أنه سبحانه يرد بها ما يتضمنه قول هذا القائل من ~~ترتب إيتاء المال والولد على الكفر بآيات الله ومحصله أن الذي يترتب على ~~قوله هذا ليس هو إيتاء المال والولد فإن لذلك أسبابا أخر بل هو مد العذاب ~~على كفره ورجمه فهو يطلب بما يقول في الحقيقة عذابا ممدودا يتلو بعضه بعضا ~~لأنه هو تبعة قوله لا إيتاء المال والولد وسنكتب قوله ونرتب عليه أثره الذي ~~هو مد العذاب فالآية نظيرة قوله: "فليدع ناديه سندع الزبانية": العلق: 18. # ومن هنا يظهر أن الأقرب أن يكون المراد من كتابة قوله تثبيته ليترتب عليه ~~أثره لا كتابته في صحيفة عمله ليحاسب عليه يوم القيامة كما فسره به أرباب ~~التفسير، على أن ms5202 قوله الآتي: "ونرثه ما يقول" لا يخلو على قولهم من شائبة ~~التكرار من غير نكتة ظاهرة. PageV14P054 # قوله تعالى: "ونرثه ما يقول ويأتينا فردا" المراد بوراثة ما يقول أنه سيموت ~~ويفنى ويترك قوله: لأوتين بكفري مالا وولدا، وقد كان خطيئة لازمة له لزوم ~~المال للإنسان محفوظة عند الله كأنه مال ورثه بعده ففي الكلام استعارة لطيفة. # وقوله: "ويأتينا فردا" أي وحده وليس معه شيء مما كان ينتصر به ويركن إليه ~~بحسب وهمه فمحصل الآية أنه سيأتينا وحده وليس معه إلا قوله الذي حفظناه ~~عليه فنحاسبه على ما قال ونمد له من العذاب مدا. # هذا ما يقتضيه البناء على كون قوله في أول الآيات "لأوتين مالا وولدا" ~~ناظرا إلى الإيتاء في الدنيا، وأما بناء على كونه ناظرا إلى الإيتاء في ~~الآخرة كما اختاره الأكثر فمعنى الآيات كما فسروها تعجب من الذي كفر ~~بآياتنا وهو عاص بن وائل أو وليد بن المغيرة وقال: أقسم لأوتين إذا بعثت ~~مالا وولدا في الجنة، أعلم الغيب حتى يعلم أنه في الجنة؟ - وقيل: أنظر في ~~اللوح المحفوظ - أم اتخذ عند الرحمن عهدا بقول لا إله إلا الله حتى يدخل به ~~الجنة - وقيل: أقدم عملا صالحا كلا وليس الأمر كما قال - سنكتب ما يقول ~~بأمر الحفظة أن يثبتوه في صحيفة عمله ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ~~أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطالنا ملكه ويأتينا أي يأتي ~~الآخرة فردا ليس عنده شيء من مال وولد وعدة وعدد. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "أفرأيت الذي كفر بآياتنا - وقال لأوتين مالا وولدا" إنه العاص ~~بن وائل بن هشام القرشي ثم السهمي وكان أحد المستهزءين، وكان لخباب بن ~~الأرت على العاص بن وائل حق فأتاه يتقاضاه فقال له العاص: ألستم تزعمون أن ~~في الجنة الذهب والفضة والحرير؟ قال: بلى. قال: فموعد ما بيني وبينك الجنة، ~~فو الله لأوتين فيها خيرا مما أوتيت في ms5203 الدنيا. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~والترمذي والبيهقي في الدلائل وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن ~~مردويه عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين ~~فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا ~~أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال ~~وولد فأعطيك فأنزل الله: "أفرأيت الذي كفر بآياتنا إلى قوله ويأتينا فردا". # أقول: وروى أيضا ما يقرب منه عن الطبراني عن خباب. # وأيضا عن سعيد بن منصور عن الحسن عن رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ولم يسم خبابا وأيضا عن ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس عن رجال من الصحابة. # وقد تقدم أن الروايات لا تنطبق على سياق الآيات فإن الروايات صريحة في أن ~~الكلمة إنما صدرت عن العاص بن وائل على سبيل الاستهزاء والسخرية على أن ~~النقل القطعي أيضا يؤيد أن المشركين لم يكونوا قائلين بالبعث والنشور. # ثم الآيات تأخذ في رد كلمته بالاحتجاج ولو كانت كلمة استهزاء من غير جد ~~لم يكن للاحتجاج عليها معنى إذ الاحتجاج لا يستقيم إلا على قول جدي وإلا ~~كان هزلا فالروايات على صراحتها في كونها كلمة استهزاء لا تنطبق على الآية. # ولو حمل على وجه بعيد على أنه إنما قال: "لأوتين مالا وولدا" على وجه ~~الإلزام والتبكيت لخباب من غير أن يعتقده لا على وجه الاستهزاء! لم يكن ~~لذكر الولد مع المال وجه وكفاه أن يقول لأوتين مالا مع أن في بعض هذه ~~الروايات أنه قال لخباب: إنكم تزعمون أنكم ترجعون إلى مال وولد ولم يعهد من ~~مسلمي صدر الإسلام شيوع القول بأن في الجنة توالدا وتناسلا ولا وقعت في شيء ~~من القرآن إشارة إلى ذلك. # هذا أولا. # ولم يكن للقسم والتأكيد البالغ في قوله: "لأوتين" وجه إذ الإلزام ~~والتبكيت لا حاجة فيه ms5204 إلى تأكيد. # وهذا ثانيا. # ولم يكن لإطلاق الإيتاء في قوله "لأوتين" من دون أن يقيده بالجنة أو ~~الآخرة دفعا للبس نكتة ظاهرة. # وهذا ثالثا. PageV14P055 # ولم يصلح للرد عليه وإبطاله إلا قوله تعالى: كلا سنكتب ما يقول ونمد له من ~~العذاب" إلى آخر الآيتين، وأما قوله: "أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا" ~~فغير وارد عليه البتة إذ الإلزام والتبكيت لا يتوقف على العلم بصدق ما يلزم ~~به حتى يتوقف عن منشإ علمه بل يجامع غالبا العلم بالكذب وإنما على التزام ~~الخصم الذي يراد إلزامه به أو بما يستلزمه. # وهذا رابعا. # واعلم أنه ورد في ذيل قوله: "والباقيات الصالحات" الآية أخبار عن النبي ~~وأئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة وقد أشرنا إليها في الجزء الثالث عشر من ~~الكتاب في بحث روائي في ذيل الآية 46 من سورة الكهف. PageV14P056 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 81 - 96 # واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشيطين على الكفرين تؤزهم أزا ~~(83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) ~~تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ~~ولدا (91) وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من فى السموت والأرض ~~إلا ءاتى الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم ءاتيه يوم ~~القيمة فردا (95) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت سيجعل لهم الرحمن ودا (96) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثالث مما نقل عنهم وهو شركهم بالله باتخاذ الآلهة وقولهم: ~~"اتخذ الرحمن ولدا" سبحانه والجواب عن ذلك. # قوله تعالى: "واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا" هؤلاء الآلهة هم ~~الملائكة والجن والقديسون من الإنس وجبابرة الملوك فإن أكثرهم كانوا يرون ~~الملك قداسة سماوية. # ومعنى كونهم لهم عزا كونهم شفعاء لهم يقربونهم إلى الله بالشفاعة فينالون ~~بذلك ms5205 العزة في الدنيا ينجر إليهم الخير ولا يمسهم الشر، ومن فسر كونهم لهم ~~عزا بشفاعتهم لهم في الآخرة خفي عليه أن المشركين لا يقولون بالبعث. # قوله تعالى: "كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" الضد بحسب اللغة ~~المنافي الذي لا يجتمع مع الشيء، وعن الأخفش أن الضد يطلق على الواحد ~~والجمع كالرسول والعدو وأنكر ذلك بعضهم ووجه إطلاق الضد في الآية وهو مفرد ~~على الآلهة وهي جمع بأنها لما كانت متفقة في عداوة هؤلاء والكفر بعبادتهم ~~كانت في حكم الواحد وصح بذلك إطلاق المفرد عليها. # وظاهر السياق أن ضميري "سيكفرون" و"يكونون" للآلهة وضميري "بعبادتهم" ~~و"عليهم" للمشركين المتخذين للآلهة والمعنى: سيكفر الآلهة بعبادة هؤلاء ~~المشركين ويكون الآلهة حال كونهم على المشركين لا لهم، ضدا لهم يعادونهم ~~ولو كانوا لهم عزا لثبتوا على ذلك دائما وقد وقع ذلك في قوله تعالى: "وإذا ~~رءا الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من ~~دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون:" النحل: 86. # وأوضح منه قوله: "والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا ~~يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم:" ~~فاطر: 14. # وربما احتمل أن يكون بالعكس من ذلك أي سيكفر المشركون بعبادة الآلهة ~~ويكونون على الآلهة ضدا كما في قوله: "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين": الأنعام: 23، ويبعده أن ظاهر السياق أن يكون "ضدا" ~~وقد قوبل به "عزا" في الآية السابقة، وصفا للآلهة دون المشركين ولازم ذلك ~~أن يكون الآلهة الذين هم الضد هم الكافرين بعبادة المشركين نظرا إلى خصوص ~~ترتب الضمائر. # على أن التعبير المناسب لهذا المعنى أن يقال: سيكفرون بهم على حد ما ~~يقال: كفر بالله، ولا يقال: كفر بعبادة الله. # والمراد بكفر الآلهة يوم القيامة بعبادتهم وكونهم عليهم ضدا هو ظهور ~~حقيقة الأمر يومئذ فإن شأن يوم القيامة ظهور الحقائق فيه لأهل الجمع لا ~~حدوثها ولو لم تكن الآلهة كافرين بعبادتهم في الدنيا ولا عليهم ضدا بل بدا ms5206 ~~لهم ذلك يوم القيامة لم تتم حجة الآية فافهم ذلك، وعلى هذا المعنى يترتب ~~قوله: "ألم تر" "على قوله: "كلا سيكفرون بعبادتهم" إلخ. # قوله تعالى: "ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا" الأز ~~والهز بمعنى واحد وهو التحريك بشدة وإزعاج والمراد تهييج الشياطين إياهم ~~إلى الشر والفساد وتحريضهم على اتباع الباطل وإضلالهم بالتزلزل عن الثبات ~~والاستقامة على الحق. PageV14P057 # ولا ضير في نسبة إرسال الشياطين إليه تعالى بعد ما كان على طريق المجازاة ~~فإنهم كفروا بالحق فجازاهم الله بزيادة الكفر والضلال ويشهد بذلك قوله: ~~"على الكافرين" ولو كان إضلالا ابتدائيا لقيل: "عليهم" من غير أن يوضع ~~الظاهر موضع المضمر. # والآية وهي مصدرة بقوله: "ألم تر" المفيد معنى الاستشهاد مسوقة لتأييد ما ~~ذكر في الآية السابقة من كون آلهتهم عليهم ضدا، فإن تهييج الشياطين إياهم ~~للشر والفساد واتباع الباطل معاداة وضدية والشياطين وهم من الجن من جملة ~~آلهتهم ولو لم يكن هؤلاء الآلهة عليهم ضدا ما دعوهم إلى ما فيه هلاكهم ~~وشقاؤهم. # فالآية بمنزلة أن يقال: هؤلاء الآلهة الذين يحسبونهم لأنفسهم عزا هم ~~عليهم ضد وتصديق ذلك أن الشياطين وهم من آلهتهم يحركونهم بإزعاج نحو ما فيه ~~شقاؤهم وليسوا مع ذلك مطلقي العنان بل إنما هو بإذن من الله يسمى إرسالا ~~وعلى هذا فالآية متصلة بسابقتها وهو ظاهر. # وجعل صاحب روح المعاني، هذه الآية مترتبة على مجموع الآيات من قوله: ~~"ويقول الإنسان ء إذا ما مت لسوف أخرج حيا" إلى قوله: "ويكونون عليهم ضدا" ~~ومتصلة به وأطنب في بيان كيفية الاتصال بما لا يجدي نفعا وأفسد بذلك سياق ~~الآيات واتصال ما بعد هذه الآية بما قبلها. # قوله تعالى: "فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا" العد هو الإحصاء والعد ~~يفني المعدود وينفده وبهذه العناية قصد به إنفاد أعمارهم والانتهاء إلى آخر ~~أنفاسهم كأن أنفاسهم الممدة لأعمارهم مذخورة بعددها عند الله فينفدها ~~بإرسالها واحدا بعد آخر حتى تنتهي وهو اليوم الموعود عليهم. # وإذ كان مدة بقاء الإنسان هي مدة بلائه وامتحانه ms5207 كما ينبىء عنه قوله: ~~"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا": الكهف: 7 كان ~~العد بالحقيقة عدا للأعمال المثبتة في صحيفة العمر، ليتم بذلك بنية الحياة ~~الأخروية الخالدة ويستقصى للإنسان ما يلتئم به عيشه هناك من نعم أو نقم ~~فكما أن مكث الجنين في الرحم مدة يتم به خلقه جسمه كذلك مكث الإنسان في ~~الدنيا لأن يتم به خلقة نفسه وإن يعد الله ما قدر له من العطية ويستقصيه. # وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يستعجل الموت لكافر طالح لأن مدة بقائه ~~مدة عد سيئاته ليحاسب عليها ويعذب بها ولا لمؤمن صالح لأن مدة بقائه مدة عد ~~حسناته ليثاب بها ويتنعم والآية لا تقيد العد وإن فهم من ظاهرها في بادىء ~~النظر عد الأنفاس أو الأيام. # وكيف كان فقوله: "فلا تعجل عليهم" تفريع على ما تقدم، وقوله: "إنما نعد" ~~تعليل له وهو في الحقيقة علة التأخير ومحصل المعنى إذ كان هؤلاء لا ينتفعون ~~باتخاذ الآلهة وكانوا هم وآلهتهم منتهين إلينا غير خارجين من سلطاننا ولا ~~مسيرهم في طريقهم بغير إذننا فلا تعجل عليهم بالقبض أو بالقضاء ولا يضيق ~~صدرك عن تأخير ذلك إنما نعد لهم أنفاسهم أو أعمالهم عدا. # قوله تعالى: "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" الوفد هم القوم الواردون ~~لزيارة أو استنجاز حاجة أو نحو ذلك ولا يسمون وفدا إلا إذا كانوا ركبانا ~~وهو جمع واحده وافد. # وربما استفيد من مقابلة قوله في هذه الآية "إلى الرحمن" قوله في الآية ~~التالية: "إلى جهنم" أن المراد بحشرهم إلى الرحمن حشرهم إلى الجنة وإنما ~~سمي حشرا إلى الرحمن لأن الجنة مقام قربه تعالى فالحشر إليها حشر إليه. # ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا" فسر الورد بالعطاش وكأنه ~~مأخوذ من ورود الماء أي قصده ليشرب ولا يكون ذلك إلا عن عطش فجعل بذلك ~~الورد كناية عن العطاش، وفي تعليق السوق إلى جهنم بوصف الإجرام إشعار ~~بالعلية ونظيره تعليق الحشر إلى الرحمن في الآية ms5208 السابقة بوصف التقوى. # ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" وهذا جواب ~~ثان عن اتخاذهم الآلهة للشفاعة وهو أن ليس كل من يهوى الإنسان شفاعته ~~فاتخذه إلها ليشفع له يكون شفيعا بل إنما يملك الشفاعة بعهد من الله ولا ~~عهد إلا لآحاد من مقربي حضرته، قال تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86. PageV14P058 # وقيل: المراد أن المشفع لهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ~~والعهد هو الإيمان بالله والتصديق بالنبوة، وقيل: وعده تعالى له بالشفاعة ~~كما في الأنبياء والأئمة والمؤمنين والملائكة على ما في الأخبار، وقيل: هو ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن يتبرأ من الحول والقوة وأن لا يرجو إلا الله، ~~والوجه الأول هو الأوجه وهو بالسياق أنسب. # قوله تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا" من قول الوثنيين وبعض خاصتهم، وإن ~~قال ببنوة الآلهة أو بعضهم لله سبحانه تشريفا أو تجليلا لكن عامتهم وبعض ~~خاصتهم - في مقام التعليم - قال بذلك تحقيقا بمعنى الاشتقاق من حقيقة ~~اللاهوت واشتمال الولد على جوهرة والده، وهذا هو المراد بالآية والدليل ~~عليه التعبير بالولد دون الابن، وكذا ما في قوله: "إن كل من في السماوات ~~والأرض" إلى تمام ثلاث آيات من الاحتجاج على نفيه. # قوله تعالى: "لقد جئتم شيئا إدا" إلى تمام ثلاث آيات، الإد بكسر الهمزة: ~~الشيء المنكر الفظيع، والتفطر الانشقاق، والخرور السقوط، والهد الهدم. # والآيات في مقام إعظام الذنب وإكبار تبعته بتمثيله بالمحسوس يقول: لقد ~~أتيتم بقولكم هذا أمرا منكرا فظيعا تكاد السماوات يتفطرن وينشققن منه وتنشق ~~الأرض وتسقط الجبال على السهل سقوط انهدام إن دعوا للرحمن ولدا. # قوله تعالى: "وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا" إلى تمام أربع آيات. # المراد بإتيان كل منهم عبدا له توجه الكل إليه ومثوله بين يديه في صفة ~~المملوكية المحضة فكل منهم مملوك له لا يملك لنفسه نفعا ms5209 ولا ضرا ولا موتا ~~ولا حياة ولا نشورا وذلك أمر بالفعل ملازم له ما دام موجودا، ولذا لم يقيد ~~الإتيان في الآية بالقيامة بخلاف ما في الآية الرابعة. # والمراد بإحصائهم وعدهم تثبيت العبودية لهم فإن العبيد إنما تتعين لهم ~~أرزاقهم وتتبين وظائفهم والأمور التي يستعملون فيها بعد الإحصاء وعدهم ~~وثبتهم في ديوان العبيد وبه تسجل عليهم العبودية. # والمراد بإتيانه له يوم القيامة فردا إتيانه يومئذ صفر الكف لا يملك شيئا ~~مما كان يملكه بحسب ظاهر النظر في الدنيا وكان يقال: إن له حولا وقوة ومالا ~~وولدا وأنصارا ووسائل وأسبابا إلى غير ذلك فيظهر يومئذ إذ تتقطع بهم ~~الأسباب أنه فرد ليس معه شيء يملكه وأنه كان عبدا بحقيقة معنى العبودية لم ~~يملك قط ولن يملك أبدا فشأن يوم القيامة ظهور الحقائق فيه. # ويظهر بما تقدم أن الذي تتضمنه الآيات من الحجة على نفي الولد حجة واحدة ~~ومحصلها أن كل من في السماوات والأرض عبد لله مطيع له في عبوديته ليس له من ~~الوجود وآثار الوجود إلا ما آتاه الله فأخذه هو ممتثلا لأمره تابعا لإرادته ~~من غير أن يملك من ذلك شيئا، وليس من عبوديتها هذا فحسب بل الله أحصاهم ~~وعدهم فسجل عليهم العبودية وأثبت كلا في موضعه وسخره مستعملا له فيما يريده ~~منه فكان شاهدا لعبوديته، وليس هذا المقدار فحسب بل سيأتيه كل منهم فردا لا ~~يملك شيئا ولا يصاحبه شيء ويظهر بذلك حقيقة عبوديتهم للكل فيشهدون ذلك وإذا ~~كان هذا حال كل من في السموات والأرض فكيف يمكن أن يكون بعضهم ولدا لله ~~واجدا لحقيقة اللاهوت مشتقا من جوهرتها، وكيف تجتمع الألوهية والفقر؟. # وأما انتهاء وجود الأشياء إليه تعالى وحده كما تضمنته الآية الأولى فمما ~~لا يرتاب فيه مثبتو الصانع سواء في ذلك الموحدون والمشركون وإنما الاختلاف ~~في كثرة المعبود ووحدته وكثرة الرب بمعنى المدبر ولو بالتفويض وعدمها. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" الود ~~والمودة المحبة وفي الآية وعد جميل منه تعالى ms5210 أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات مودة في القلوب ولم يقيده بما بينهم أنفسهم ولا بغيرهم ولا بدنيا ~~ولا بآخره أو جنة فلا موجب لتقييد بعضهم ذلك بالجنة وآخرين بقلوب الناس في ~~الدنيا إلى غير ذلك. # وقد ورد في أسباب النزول، من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآية نزلت في علي ~~(عليه السلام)، وفي بعضها ما ورد من طرق أهل السنة أنها نزلت في مهاجري ~~الحبشة وفي بعضها غير ذلك وسيجيء في البحث الروائي الآتي. PageV14P059 # وعلى أي حال فعموم لفظ الآية في محله، والظاهر أن الآية متصلة بقوله ~~السابق: سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قوله: "كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" يوم القيامة أي يكون هؤلاء ~~الذين اتخذوهم آلهة من دون الله ضدا يوم القيامة ويتبرءون منهم ومن عبادتهم ~~إلى يوم القيامة. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام) قول الله عز وجل: "إنما نعد لهم عدا" قال: ما هو عندك؟ قلت: ~~عد الأيام قال الآباء والأمهات يحصون ذلك ولكنه عدد الأنفاس. # وفي نهج البلاغة، من كلامه (عليه السلام): نفس المرء خطاه إلى أجله. # وفيه، قال (عليه السلام): كل معدود متنقص وكل متوقع آت. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن أبي جعفر محمد بن علي: في قوله: ~~"إنما نعد لهم عدا" قال: كل شيء حتى النفس. # أقول: وهي أشمل الروايات ولا يبعد أن يستفاد منها أن ذكر النفس في ~~الروايات من قبيل ذكر المثال. # وفي محاسن البرقي، بإسناده عن حماد بن عثمان وغيره عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال ~~يحشرون على النجائب. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن عبد الله بن شريك العامري عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: سأل علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ms5211 عن تفسير قوله عز وجل: "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا" قال: يا ~~علي الوفد لا يكون إلا ركبانا أولئك رجال اتقوا الله عز وجل فأحبهم واختصهم ~~ورضي أعمالهم فسماهم الله متقين. # الحديث. # أقول: ثم روى القمي حديثا آخر طويلا يذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه ~~تفصيل خروجهم من قبورهم وركوبهم من نوق الجنة ووفودهم إلى الجنة ودخولهم ~~فيها وتنعمهم بما رزقوا من نعمها. # وفي الدر المنثور، عن ابن مردويه عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): في الآية قال: أما والله ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا ~~ولكنهم يؤتون بنوق من الجنة لم تنظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب ~~وأزمتها الزبرجد فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة. # أقول: وروى أيضا هذا المعنى عن ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~من طرق عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث طويل يصف فيه ~~ركوبهم ووفودهم ودخولهم الجنة. # واستقرارهم فيها وتنعمهم من نعمها. # ورواه فيه عن عدة من أرباب الجوامع عن علي (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قلت: قوله: "لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" قال: إلا من ~~دان بولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده فهو العهد عند الله. # أقول: وروى في الدر المنثور، عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): أن من أدخل على مؤمن سرورا فقد سرني ومن سرني فقد اتخذ عند الله عهدا. # الحديث، وروى عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أن المحافظة ~~على العهد هو المحافظة على الصلوات الخمس، وهنا روايات أخر من طرق الخاصة ~~والعامة قريبة مما أوردناه ويستفاد من مجموعها أن العهد المأخوذ عند الله ~~اعتقاد حق أو عمل صالح ينجي المؤمن يوم القيامة وأن ما ورد في الروايات من ~~قبيل المصاديق المتفرقة. # واعلم أيضا أن الروايات السابقة مبنية على كون المراد ممن يملك الشفاعة ~~في الآية ms5212 هو الذي ينال الشفاعة أو الأعم من الشفعاء والمشفوع لهم، وأما لو ~~كان المراد هم الشفعاء فالأخبار أجنبية منها. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~قلت: قوله عز وجل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا" قال هذا حيث قالت قريش: إن ~~لله عز وجل ولدا وأن الملائكة إناث فقال الله تبارك وتعالى ردا عليهم "لقد ~~جئتم شيئا إدا" أي عظيما "تكاد السماوات يتفطرن منه" يعني مما قالوه ومما ~~رموه به وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا" مما قالوه ومما رموه به "أن دعوا ~~للرحمن ولدا فقال الله تبارك وتعالى: "وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل ~~من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا" واحدا واحدا. PageV14P060 # في تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): قلت: قوله ~~عز وجل "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا" قال: ~~ولاية أمير المؤمنين هي الود الذي ذكره الله:. أقول: ورواه في الكافي، ~~بإسناده عن أبي بصير عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي ~~عندك ودا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة فأنزل الله "إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا" قال: فنزلت في علي. # وفيه، أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي ~~طالب "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا" قال: محبة ~~في قلوب المؤمنين. # وفي المجمع،: في الآية: قيل فيه أقوال: أحدها أنها خاصة في علي فما من ~~مؤمن إلا وفي قلبه محبة لعلي (عليه السلام). عن ابن عباس وفي تفسير أبي ~~حمزة الثمالي: حدثني أبو جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في ~~قلوب المؤمنين ms5213 ودا، فقالهما فنزلت هذه الآية: وروى نحوه عن جابر بن عبد ~~الله: : أقول قال في روح المعاني،: الظاهر أن الآية على هذا مدنية، وأنت ~~خبير بأن لا دلالة في شيء من الأحاديث على وقوع القصة في المدينة أصلا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن ~~بن عوف: أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم ~~شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فأنزل الله "إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات - سيجعل لهم الرحمن ودا". # أقول: صريح الحديث كون الآية مدنية ويدفعه اتفاق الكل على كون السورة ~~بجميع آياتها مكية وقد تقدم في أول السورة. # وفيه، أخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن علي قال: سألت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن قوله: "سيجعل لهم الرحمن ودا" ما هو؟ قال: المحبة ~~في قلوب المؤمنين والملائكة المقربين، يا علي إن الله أعطى المؤمن ثلاثا: ~~المقة والمحبة والحلاوة والمهابة في صدور الصالحين. # أقول: المقة المحبة وفي معناه بعض روايات أخر من طرق أهل السنة مبنية على ~~عموم لفظ الآية وهو لا ينافي خصوص مورد النزول. PageV14P061 ### ||| AUTO 19 سورة مريم - 97 - 98 # فإنما يسرنه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) ### |||| AUTO بيان # الآيتان ختام السورة يذكر سبحانه فيهما تنزيل حقيقة القرآن وهي أعلى من ~~أن تنالها أيدي الأفهام العادية أو يمسه غير المطهرين إلى مرتبة الذكر ~~بلسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويذكر أن الغاية من هذا التيسير أن ~~يبشر به المتقين من عباده وينذر به قوما لدا خصماء، ثم لخص إنذارهم بتذكير ~~هلاك من هلك من القرون السابقة عليهم. # قوله تعالى: "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" ~~التيسير وهو التسهيل ينبىء عن حال سابقة ما كان يسهل معها تلاوته ولا فهمه ~~وقد أنبأ سبحانه عن مثل هذه الحالة لكتابه ms5214 في قوله: "والكتاب المبين إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم:" ~~الزخرف: 4، فأخبر أنه لو أبقاه على ما كان عليه عنده - وهو الآن كذلك - من ~~غير أن يجعله عربيا مقروا لم يرج أن يعقله الناس وكان كما كان عليا حكيما ~~أي آبيا متعصيا أن يرقى إليه أفهامهم وينفذ فيه عقولهم. # ومن هنا يتأيد أن معنى تيسيره بلسانه تنزيله على اللسان العربي الذي كان ~~هو لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتنبىء الآية أنه تعالى يسره بلسانه ~~ليتيسر له التبشير والإنذار. # وربما قيل: إن معنى تيسيره بلسانه إجراؤه على لسانه بالوحي واختصاصه بوحي ~~الكلام الإلهي ليبشر به وينذر. # وهذا وإن كان في نفسه وجها عميقا لكن الوجه الأول مضافا إلى تأيده ~~بالآيات السابقة وأمثالها أنسب وأوفق بسياق آيات السورة. # وقوله: "وتنذر به قوما لدا" المراد قومه، (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~واللد جمع ألد من اللدد وهو الخصومة. # قوله تعالى: "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا" الإحساس هو الإدراك بالحس، والركز هو الصوت، قيل: والأصل في معناه ~~الحس، ومحصل المعنى أنهم وإن كانوا خصماء مجادلين لكنهم غير معجزي الله ~~بخصامهم فكم أهلكنا قبلهم من قرن فبادوا فلا يحس منهم أحد ولا يسمع لهم صوت. PageV14P062 ### || AUTO ### ||| AUTO 20 سورة طه - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم طه (1) ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى (2) إلا ~~تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسموت العلى (4) الرحمن على ~~العرش استوى (5) له ما فى السموت وما فى الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ~~(6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له ~~الأسماء الحسنى (8) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة التذكرة من طريق الإنذار تغلب فيها آيات الإنذار والتخويف على ~~آيات التبشير غلبة واضحة، فقد اشتملت على قصص تختتم بهلاك الطاغين ~~والمكذبين لآيات الله وتضمنت حججا بينة تلزم العقول على توحيده تعالى ~~والإجابة لدعوة الحق وتنتهي إلى بيان ما سيستقبل الإنسان ms5215 من أهوال الساعة ~~ومواقف القيامة وسوء حال المجرمين وخسران الظالمين. # وقد افتتحت الآيات - على ما يلوح من السياق - بما فيه نوع تسلية للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يتعب نفسه الشريفة في حمل الناس على دعوته ~~التي يتضمنها القرآن فلم ينزل ليتكلف به بل هو تنزيل إلهي يذكر الناس بالله ~~وآياته رجاء أن تستيقظ غريزة خشيتهم فيتذكروا فيؤمنوا به ويتقوا فليس عليه ~~إلا التبليغ فحسب فإن خشوا وتذكروا وإلا غشيتهم غاشية عذاب الاستئصال أو ~~ردوا إلى ربهم فأدركهم وبال ظلمهم وفسقهم ووفيت لهم أعمالهم من غير أن ~~يكونوا معجزين لله سبحانه بطغيانهم وتكذيبهم. # وسياق آيات السورة يعطي أن تكون مكية وفي بعض الآثار أن قوله: فاصبر على ~~ما يقولون" الآية: - 130 مدنية وفي بعضها الآخر أن قوله: "لا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم" الآية: - 131، مدنية ولا دليل على شيء من ذلك ~~من ناحية اللفظ. # ومن غرر الآيات في السورة قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى". # قوله تعالى: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" طه حرفان من الحروف ~~المقطعة افتتحت بهما السورة كسائر الحروف المقطعة التي افتتحت بها سورها ~~نحو الم الر ونظائرهما وقد نقل عن جماعة من المفسرين في معنى الحرفين أمور ~~ينبغي أن يجل البحث التفسيري عن إيرادها والغور في أمثالها، وسنلوح إليها ~~في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # والشقاوة خلاف السعادة قال الراغب: والشقاوة كالسعادة من حيث الإضافة ~~فكما أن السعادة في الأصل ضربان: سعادة أخروية وسعادة دنيوية ثم السعادة ~~الدنيوية ثلاثة أضرب: سعادة نفسية وبدنية وخارجية كذلك الشقاوة على هذه ~~الأضرب - إلى أن قال - قال بعضهم: قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في ~~كذا، وكل شقاوة تعب، وليس كل تعب شقاوة فالتعب أعم من الشقاوة. # انتهى، فالمعنى ما أنزلنا القرآن لتتعب نفسك في سبيل تبليغه بالتكلف في ~~حمل الناس عليه. # قوله تعالى: "إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى" ~~التذكرة هي إيجاد ms5216 الذكر فيمن نسي الشيء وإذ كان الإنسان ينال حقائق الدين ~~الكلية بفطرته كوجوده تعالى وتوحده في وجوب وجوده وألوهيته وربوبيته ~~والنبوة والمعاد وغير ذلك كانت أمورا مودعة في الفطرة غير أن إخلاد الإنسان ~~إلى الأرض وإقباله إلى الدنيا واشتغاله بما يهواه من زخارفها اشتغالا لا ~~يدع في قلبه فراغا أنساه ما أودع في فطرته وكان إلقاء هذه الحقائق إلفاتا ~~لنفسه إليها وتذكرة له بها بعد نسيانها. # ومن المعلوم أن ذلك إعراض وإنما سمي نسيانا بنوع من العناية وهو ~~اشتراكهما في الأثر وهو عدم الاعتناء بشأنه فلا بد في دفع هذا النسيان الذي ~~أوجبه اتباع الهوى والانكباب على الدنيا من أمر ينتزع النفس انتزاعا ~~ويدفعها إلى الإقبال إلى الحق دفعا وهو الخشية والخوف من عاقبة الغفلة ~~ووبال الاسترسال حتى تقع التذكرة موقعها وتنفع في اتباع الحق صاحبها. # وبما تقدم من البيان يظهر وجه تقييد التذكرة بقوله: "لمن يخشى" وأن ~~المراد بمن يخشى من كان في طبعه ذلك بأن كان مستعدا لظهور الخشية في قلبه ~~لو سمع كلمة الحق حتى إذا بلغت إليه التذكرة ظهرت في باطنه الخشية فآمن واتقى. PageV14P063 # والاستثناء في قوله: "إلا تذكرة" استثناء منقطع - على ما قالوا - والمعنى ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك ولكن ليكون مذكرا يتذكر به من من شأنه ~~أن يخشى فيخشى فيؤمن بالله ويتقي. # فالسياق على رسله يستدعي كون "تذكرة" مصدرا بمعنى الفاعل ومفعولا له ~~لقوله: "ما أنزلنا" كما يستدعي كون قوله: "تنزيلا" بمعنى اسم المفعول حالا ~~من ضمير "تذكرة" الراجع إلى القرآن، والمعنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب ~~به نفسك ولكن لتذكر الخاشعين بكلام إلهي منزل من عنده. # وقوله: "تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى" العلى جمع عليا مؤنث أعلى ~~كفضلى وفضل، واختيار خلق الأرض والسماوات صلة للموصول وبيانا لإبهام المنزل ~~لمناسبته معنى التنزيل الذي لا يتم إلا بعلو وسفل يكونان مبدأ ومنتهى لهذا ~~التسيير، وقد خصصا بالذكر دون ما بينهما إذ لا غرض يتعلق بما بينهما وإنما ~~الغرض بيان مبدإ التنزيل ومنتهاه ms5217 بخلاف قوله: له ما في السماوات والأرض وما ~~بينهما" إذ الغرض بيان شمول الملك للجميع. # قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" استئناف يذكر فيه مسألة توحيد ~~الربوبية التي هي مخ الغرض من الدعوة والتذكرة وذلك في أربع آيات "الرحمن - ~~إلى قوله - له الأسماء الحسنى". # وقد تقدم في قوله تعالى "ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار": ~~الأعراف: 54، أن الاستواء على العرش كناية عن الاحتواء على الملك والأخذ ~~بزمام تدبير الأمور وهو فيه تعالى - على ما يناسب ساحة كبريائه وقدسه - ~~ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها وإصلاح ~~شئونها. # فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكل شيء وانبساط تدبيره على ~~الأشياء سماويها وأرضيها جليلها ودقيقها خطيرها ويسيرها، فهو تعالى رب كل ~~شيء المتوحد بالربوبية إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشيء المدبر لأمره، ~~ولذلك عقب حديث الاستواء على العرش بحديث ملكه لكل شيء وعلمه بكل شيء وذلك ~~في معنى التعليل والاحتجاج على الاستواء المذكور. # ومعلوم أن "الرحمن" وهو مبالغة من الرحمة التي هي الإفاضة بالإيجاد ~~والتدبير وهو يفيد الكثرة أنسب بالنسبة إلى الاستواء من سائر الأسماء ~~والصفات ولذلك اختص من بينها بالذكر. # وقد ظهر بما تقدم أن "الرحمن" مبتدأ خبره "استوى" و"على العرش" متعلق ~~بقوله "استوى" والمراد بيان الاستواء على العرش وهذا هو المستفاد أيضا من ~~سائر الآيات فقد تكرر فيها حديث الاستواء على العرش كقوله: "ثم استوى على ~~العرش يغشي الليل النهار:" الأعراف: 54، وقوله: "ثم استوى على العرش يدبر ~~الأمر:" يونس: 3، وقوله: "ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي:" الم ~~السجدة: 4، وقوله: "ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض": الحديد: 4، ~~إلى غير ذلك. # وبذلك يتبين فساد ما نسب إلى بعضهم أن قوله "الرحمن على العرش" مبتدأ ~~وخبر ثم قوله "استوى" فعل فاعله "ما في السماوات" وقوله "له" متعلق بقوله: ~~"استوى" والمراد باستواء كل شيء له تعالى جريها على ما يوافق إرادته ~~وانقيادها لأمره. # وقد أشبعنا الكلام في معنى العرش في ذيل الآية ms5218 54 من سورة الأعراف في ~~الجزء الثامن من الكتاب، وسيأتي بعض ما يختص بالمقام في البحث الروائي ~~التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى" ~~الثرى على ما قيل: هو التراب الرطب أو مطلق التراب، فالمراد بما تحت الثرى ~~ما في جوف الأرض دون التراب ويبقى حينئذ لما في الأرض ما على بسيطها من ~~أجزائها وما يعيش فيها مما نعلمه ونحس به كالإنسان وأصناف الحيوان والنبات ~~وما لا نعلمه ولا نحس به. # وإذا عم الملك ما في السماوات والأرض ومن ذلك أجزاؤهما عم نفس السماوات ~~والأرض فليس الشيء إلا نفس أجزائه. # وقد بين في هذه الآية أحد ركني الربوبية وهو الملك، فإن معنى الربوبية ~~كما تقدم آنفا هو الملك والتدبير. PageV14P064 # قوله تعالى: "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" الجهر بالقول: رفع ~~الصوت به، والإسرار خلافه، قال تعالى: "وأسروا قولكم أو اجهروا به:" الملك: ~~13، والسر هو الحديث المكتوم في النفس، وقوله: "وأخفى" أفعل التفضيل من ~~الخفاء على ما يعطيه سياق الترقي في الآية ولا يصغى إلى قول من قال: إن ~~"أخفى" فعل ماض فاعله ضمير راجع إليه تعالى، والمعنى: أنه يعلم السر وأخفى علمه. # هذا. # وفي تنكير "أخفى" تأكيد للخفاء. # وذكر الجهر بالقول في الآية أولا ثم إثبات العلم بما هو أدق منه وهو السر ~~والترقي إلى أخفى يدل على أن المراد إثبات العلم بالجميع، والمعنى: وإن ~~تجهر بقولك وأعلنت ما تريده - وكأن المراد بالقول ما في الضمير من حيث إن ~~ظهوره إنما هو بالقول غالبا - أو أسررته في نفسك وكتمته أو كان أخفى من ذلك ~~بأن كان خفيا حتى عليك نفسك فإن الله يعلمه. # فالأصل ترديد القول بين المجهور به والسر وأخفى وإثبات العلم بالجميع ثم ~~وضع إثبات العلم بالسر وأخفى موضع الترديد الثاني والجواب إيجازا. # فدل على الجواب في شقي الترديد معا وعلى معنى الأولوية بأوجز بيان كأنه ~~قيل: وإن تسأل عن علمه بما تجهر به من ms5219 قولك فهو يعلمه وكيف لا يعلمه؟ وهو ~~يعلم السر وأخفى منه فهو في الكلام من لطيف الصنعة. # وذكر بعضهم أن المراد بالسر ما أسررته من القول إلى غيرك ولم ترفع صوتك ~~به، والمراد بأخفى منه ما أخطرته ببالك هذا والذي ذكره حق في الإسرار لكن ~~القول لا يسمى سرا إلا من جهة كتمانه في النفس فالمعول على ما قدمناه من ~~المعنى. # وكيف كان فالآية تثبت علمه تعالى بكل شيء ظاهر أو خفي فهي في ذكر العلم ~~عقيب الاستواء على العرش نظيرة قوله تعالى: "ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها" الآية: الحديد: 4، ومعلوم أن علمه تعالى بما ~~يجري في ملكه ويحدث في مستقر سلطانه من الحوادث يستلزم رضاه بذلك وإذنه ~~وبنظر آخر مشيئته لهذا النظام الجاري وهذا هو التدبير. # فالآية تثبت عموم التدبير كما أن الآية السابقة كانت تثبت عموم الملك ~~ومجموع مدلوليهما هو الملك والتدبير وذلك معنى الربوبية المطلقة فالآيتان ~~في مقام التعليل تثبت بهما ربوبيته تعالى المطلقة. # قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى" بمنزلة النتيجة لما ~~تقدم من الآيات ولذلك كان الأنسب أن يكون اسم الجلالة خبرا لمبتدإ محذوف ~~والتقدير هذا المذكور في الآيات السابقة هو الله لا إله إلا هو... إلخ، وإن ~~كان الأقرب بالنظر إلى استقلال الآية وجامعيتها في مضمونها أن يكون اسم ~~الجلالة مبتدأ وقوله: "لا إله إلا هو" خبره، وقوله: "له الأسماء الحسنى" ~~خبرا بعد خبر. # وكيف كان فقوله: "الله لا إله إلا هو" يمكن أن يعلل بما ثبت في الآيات ~~السابقة من توحده تعالى بالربوبية المطلقة ويمكن أن يعلل بقوله بعده: "له ~~الأسماء الحسنى". # أما الأول فلأن معنى الإله في كلمة التهليل إما المعبود وإما المعبود ~~بالحق فمعنى الكلام الله لا معبود حق غيره أو لا معبود بالحق موجود غيره ~~والمعبودية من شئون الربوبية ولواحقها فإن العبادة نوع تمثيل وترسيم ~~للعبودية والمملوكية وإظهار للحاجة إليه فمن الواجب أن يكون المعبود مالكا ~~لعابده مدبرا أمره ms5220 أي ربا له وإذ كان تعالى رب كل شيء لا رب سواه فهو ~~المعبود لا معبود سواه. # وأما الثاني فلأن العبادة لأحد ثلاث خصال إما رجاء لما عند المعبود من ~~الخير فيعبد طمعا في الخير الذي عنده لينال بذلك، وإما خوفا مما في الإعراض ~~عنه وعدم الاعتناء بأمره من الشر وإما لأنه أهل للعبادة والخضوع. # والله سبحانه هو المالك لكل خير لا يملك شيء شيئا من الخير إلا ما ملكه ~~هو إياه وهو المالك مع ذلك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره وهو المنعم ~~المفضل المحيي الشافي الرازق الغفور الرحيم الغني العزيز وله كل اسم فيه ~~معنى الخير فهو سبحانه المستحق للعبادة رجاء لما عنده من الخير دون غيره. # والله سبحانه هو العزيز القاهر الذي لا يقوم لقهره شيء وهو المنتقم ذو ~~البطش شديد العقاب لا شر لأحد عند أحد إلا بإذنه فهو المستحق لأن يعبد خوفا ~~من غضبه لو لم يخضع لعظمته وكبريائه. PageV14P065 # والله سبحانه هو الأهل للعبادة وحده لأن أهلية الشيء لأن يخضع له لنفسه ليس ~~إلا لكمال فالكمال وحده هو الذي يخضع عنده النقص الملازم للخضوع وهو إما ~~جمال تنجذب إليه النفس انجذابا أو جلال يخر عنده اللب ويذهب دونه القلب وله ~~سبحانه كل الجمال وما من جمال إلا وهو آية لجماله، وله سبحانه كل الجلال ~~وكل ما دونه آيته. # فالله سبحانه لا إله إلا هو ولا معبود سواه لأنه له الأسماء الحسنى. # ومعنى ذلك أن كل اسم هو أحسن الأسماء التي هي نظائره له تعالى، توضيح ذلك ~~أن توصيف الاسم بالحسن يدل على أن المراد به ما يسمى في اصطلاح الصرف صفة ~~كاسم الفاعل والصفة المشبهة دون الاسم بمعنى علم الذات لأن الأعلم إنما ~~شأنها الإشارة إلى الذوات والاتصاف بالحسن أو القبح من شأن الصفات ~~باشتمالها على المعاني كالعادل والظالم والعالم والجاهل، فالمراد بالأسماء ~~الحسنى الألفاظ الدالة على المعاني الوصفية الجميلة البالغة في الجمال ~~كالحي والعليم والقدير، وكثيرا ما يطلق التسمية على التوصيف، قال تعالى: ms5221 ~~"قل سموهم" أي صفوهم. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه": الأعراف: 180، أي يميلون من الحق إلى الباطل ~~فيطلقون عليه من الأسماء ما لا يليق بساحة قدسه. # فالمراد بالأسماء الحسنى ما دل على معان وصفية كالإله والحي والعليم ~~والقدير دون اسم الجلالة الذي هو علم الذات، ثم الأسماء تنقسم إلى قبيحة ~~كالظالم والجائر والجاهل، وإلى حسنة كالعادل والعالم، والأسماء الحسنة ~~تنقسم إلى ما فيه كمال ما وإن كان غير خال عن شوب النقص والإمكان نحو صبيح ~~المنظر ومعتدل القامة وجعد الشعر وما فيه الكمال من غير شوب كالحي والعليم ~~والقدير بتجريد معانيها عن شوب المادة والتركيب وهي أحسن الأسماء لبراءتها ~~عن النقص والعيب وهي التي تليق أن تجري عليه تعالى ويتصف بها. # ولا يختص ذلك منها باسم دون اسم بل كل اسم أحسن فله تعالى لمكان الجمع ~~المحلى باللام المفيد للاستغراق في قوله تعالى: "له الأسماء الحسنى" وتقديم ~~الخبر يفيد الحصر فجميعها له وحده. # ومعنى كونها له تعالى أنه تعالى يملكها لذاته والذي يوجد منها في غيره ~~فهو بتمليك منه تعالى على حسب ما يريد كما يدل عليه سوق الآيات الآتية سوق ~~الحصر كقوله: "هو الحي لا إله إلا هو": المؤمن: 65، وقوله: "وهو العليم ~~القدير": الروم: 54 وقوله: هو السميع البصير": المؤمن: 56، وقوله: "إن ~~القوة لله جميعا": البقرة: 165، وقوله: "فإن العزة لله جميعا": النساء: ~~139، وقوله: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء": البقرة: 255، إلى غير ذلك. # ولا محذور في تعميم ملكه بالنسبة إلى جميع أسمائه وصفاته حتى ما كان منها ~~عين ذاته كالحي والعليم والقدير وكالحياة والعلم والقدرة فإن الشيء ربما ~~ينسب إلى نفسه بالملك كما في قوله تعالى: "رب إني لا أملك إلا نفسي": ~~المائدة: 25. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: "في قوله ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" وروي أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فأنزل الله ~~تعالى: "طه ما أنزلنا ms5222 عليك القرآن لتشقى" وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): أقول: ورواه في الدر المنثور، عن عبد بن حميد وابن المنذر عن ~~الربيع بن أنس وأيضا عن ابن مردويه عن ابن عباس. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام) قالا: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلى قام على ~~أصابع رجليه حتى تورم فأنزل الله تبارك وتعالى: طه بلغة طي يا محمد ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى - إلا تذكرة لمن يخشى". # أقول: وروى ما في معناه في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) وفي الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام)، وروى هذا المعنى أيضا في الدر المنثور، عن ابن المنذر وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس. PageV14P066 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي قال: لما نزل على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا" قام الليل كله ~~حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلا فهبط عليه جبريل فقال: "طه" يعني ~~الأرض بقدميك يا محمد "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" وأنزل "فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن". # أقول: والمظنون المطابق للاعتبار أن تكون هذه الرواية هي الأصل في القصة ~~بأن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام على قدميه في الصلاة حتى ~~تورمت قدماه ثم جعل يرفع قدما ويضع أخرى أو قام على صدور قدميه أو أطراف ~~أصابعه فذكر في كل من الروايات بعض القصة سببا للنزول وإن كان لفظ بعض ~~الروايات لا يساعد على ذلك كل المساعدة. # نعم يبقى على الرواية أمران: أحدهما: أن في انطباق الآيات بما لها من ~~السياق على القصة خفاء. # وثانيهما: ما في الرواية من قوله: "فقال طه يعني الأرض بقدميك يا محمد" ~~ونظيره ما مر في رواية القمي "فأنزل الله: طه بلغة طي يا محمد ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى" ومعناه أن طه جملة كلامية مركبة ms5223 من فعل أمر من وطأ يطأ ~~ومفعوله ضمير تأنيث راجع إلى الأرض، أي طإ الأرض وضع قدميك عليها ولا ترفع ~~إحداهما وتضع الأخرى. # فيرد عليه حينئذ أن هذا الذيل لا ينطبق على صدر الرواية فإن مفاد الصدر ~~أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع رجلا ويضع أخرى في الصلاة إثر تورم ~~قدميه يتوخى به أن يسكن وجع قدمه التي كان يرفعها فيستريح هنيئة ويشتغل ~~بربه من غير شاغل يشغله وعلى هذا فرفع الكلفة والتعب عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) على ما يناسب الحال إنما هو بأن يؤمر بتقليل الصلاة أو بتخفيف ~~القيام لا بوضع القدمين على الأرض حتى يزيد ذلك في تعبه ويشدد وجعه فلا ~~يلائم قوله "طه" قوله: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" ولعل قوله: "يعني ~~الأرض بقدميك" من كلام الراوي والنقل بالمعنى. # على أنه مغاير للقراءات المأثورة البانية على كون "طه" حرفين مقطعتين لا ~~معنى وضعي لهما كسائر الحروف المقطعة التي صدرت بها عدة من السور القرآنية. # وذكر قوم منهم أن معنى "طه" يا رجل ثم قال بعضهم: إنه لغة نبطية وقيل: ~~حبشية، وقيل: عبرانية، وقيل: سريانية، وقيل: لغة عكل، وقيل: لغة عك، وقيل: ~~هو لغة قريش، واحتمل الزمخشري أن يكون لغة عك وأصله يا هذا قلبت الياء طاء ~~وحذفت ذا تخفيفا فصارت طاها، وقيل: معناه يا فلان، وقرأ قوم طه بفتح الطاء ~~وسكون الهاء كأنه أمر من وطأ يطأ والهاء للسكت وقيل: إنه من أسماء الله ولا ~~عبرة بشيء من هذه الأقوال ولا جدوى في إمعان البحث عنها. # نعم ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) كما في روح المعاني، وعن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) كما عن معاني الأخبار، بإسناده عن الثوري: أن طه اسم من ~~أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في روايات أخرى: أن يس من ~~أسمائه وروى الاسمين معا في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن سيف عن أبي جعفر. # وإذ كانت تسمية سماوية ما كان (صلى الله عليه ms5224 وآله وسلم) يدعى ولا يعرف ~~به قبل نزول القرآن ولا أن لطه معنى وصفيا في اللغة ولا معنى لتسميته بعلم ~~ارتجالي لا معنى له إلا الذات مع وجود اسمه واشتهاره به وكان الحق في ~~الحروف المقطعة في فواتح السور أنها تحمل معاني رمزية ألقاها الله إلى ~~رسوله، وكانت سورة طه مبتدئة بخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "طه ما ~~أنزلنا عليك" إلخ كما أن سورة يس كذلك "يس والقرآن الحكيم إنك لمن ~~المرسلين" بخلاف سائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة وظاهر ذلك أن يكون ~~المعنى المرموز إليه بمقطعات فاتحتي هاتين السورتين أمرا راجعا إلى شخصه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) متحققا به بعينه فكان وصفا لشخصيته الباطنة ~~مختصا به فكان اسما من أسمائه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا أطلق عليه ~~وقيل: طه أو يس كان المعنى من خوطب بطه أو يس ثم صار علما بكثرة الاستعمال. # هذا ما تيسر لنا من توجيه الرواية فيكون بابه باب التسمي بمثل تأبط شرا ~~ومن قبيل قوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا. # إذا أضع العمامة تعرفوني. # يريد أنا ابن من كثر فيه قول الناس: جلا جلا حتى سمي جلا. PageV14P067 # وفي احتجاج الطبرسي، عن الحسن بن راشد قال: سئل أبو الحسن موسى (عليه ~~السلام) عن قول الله: "الرحمن على العرش استوى" فقال: استولى على ما دق وجل. # وفي التوحيد، بإسناده إلى محمد بن مازن: أن أبا عبد الله (عليه السلام) ~~سئل عن قول الله عز وجل: "الرحمن على العرش استوى" فقال: استوى من كل شيء ~~فليس شيء أقرب إليه من شيء:. أقول: ورواه القمي أيضا في تفسيره، عنه (عليه ~~السلام) ورواه أيضا في التوحيد، بإسناده عن مقاتل بن سليمان عنه (عليه ~~السلام): ورواه أيضا في الكافي، والتوحيد، بالإسناد عن عبد الرحمن بن ~~الحجاج عنه (عليه السلام): وزادا "لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب ~~استوى من كل شيء". # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام): في حديث "الرحمن على العرش استوى" ~~يعني استوى تدبيره ms5225 وعلا أمره. # أقول: ما ورد من التفسير في هذه الروايات الثلاث تفسير لمجموع الآية لا ~~لقوله "استوى" وإلا عاد قوله: "الرحمن على العرش" جملة تامة مركبة من مبتدإ ~~وخبر ولا يساعد عليه سياق سائر آيات الاستواء كما تقدمت الإشارة إليه. # ويؤيد ذلك ما في الرواية الأخيرة من قوله: "وعلا أمره" بعد قوله: "استوى ~~تدبيره" فإنه ظاهر في أن الكون على العرش مقصود في التفسير فالروايات مبنية ~~على كون الآية كناية عن الاستيلاء وانبساط السلطان. # وفي التوحيد، بإسناده عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: من زعم أن الله من شيء أو في شيء أو على شيء فقد أشرك. ثم قال: من زعم ~~أن الله من شيء فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شيء فقد زعم أنه محصور، ومن ~~زعم أنه على شيء فقد جعله محمولا. # وفيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل وفيه: قال السائل: ~~فقوله: "الرحمن على العرش استوى"؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): بذلك ~~وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش بائن من خلقه من غير أن يكون العرش ~~حاملا له، ولا أن يكون العرش حاويا له ولا أن يكون العرش ممتازا له ولكنا ~~نقول هو حامل العرش وممسك العرش، ونقول من ذلك ما قال: "وسع كرسيه السماوات ~~والأرض". فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته ونفينا أن يكون العرش أو الكرسي ~~حاويا وأن يكون عز وجل محتاجا إلى مكان أو إلى شيء مما خلق بل خلقه محتاجون إليه. # أقول: وقوله (عليه السلام): فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته إلخ، إشارة ~~إلى طريقة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير الآيات المتشابهة من القرآن ~~مما يرجع إلى أسمائه وصفاته وأفعاله وآياته الخارجة عن الحس وذلك بإرجاعها ~~إلى المحكمات ونفي ما تنفيه المحكمات عن ساحته تعالى وإثبات ما ثبت بالآية ~~وهو أصل المعنى المجرد عن شائبة النقص والإمكان التي نفاها المحكمات. # فالعرش هو المقام الذي يبتدىء منه وينتهي إليه أزمة الأوامر والأحكام ms5226 ~~الصادرة من الملك وهو سرير مقبب مرتفع ذو قوائم معمول من خشب أو فلز يجلس ~~عليه الملك ثم إن المحكمات من الآيات كقوله تعالى: "ليس كمثله شيء": ~~الشورى: 11، وقوله: "سبحان الله عما يصفون": الصافات - 159، تدل على انتفاء ~~الجسم وخواصه عنه تعالى فينفي من العرش الذي وصفه لنفسه في قوله: "الرحمن ~~على العرش استوى": طه: 5، وقوله: "ورب العرش العظيم": المؤمنون: 86، كونه ~~سريرا من مادة كذا على هيئة خاصة ويبقى أصل المعنى وهو أنه المقام الذي ~~يصدر عنه الأحكام الجارية في النظام الكوني وهو من مراتب العلم الخارج من الذات. # والمقياس في معرفة ما عبرنا عنه بأصل المعنى أنه المعنى الذي يبقى ببقائه ~~الاسم وبعبارة أخرى يدور مداره صدق الاسم وإن تغيرت المصاديق واختلفت ~~الخصوصيات. # مثال ذلك أن السراج ظهر أول يوم وهو آلة الاستضاءة في ظلمة الليل ومصداقه ~~يومئذ إناء يجعل فيه فتيلة على مادة دسمة ويشتعل رأسها فتشعل بما تجذب من ~~الدسومة وتضيء ما حولها مثلا، ثم انتقل الاسم إلى مثل الشموع والمصابيح ~~النفطية ولم يزل ينتقل من مصداق إلى مصداق حتى استقر اليوم في السراج ~~الكهربائي الذي ليس معه من مادة المصداق الأولي ولا هيئته شيء أصلا غير أنه ~~آلة الاستضاءة في الظلمة وبذلك يسمى سراجا حقيقة. PageV14P068 # ونظيره السلاح الذي كان أول ما ظهر اسما لمثل الفأس من النحاس أو المجن ~~مثلا وهو اليوم يطلق حقيقة على مثل المدفع والقنبلة الذرية وقد سرى هذا ~~النوع من التحول والتطور إلى كثير من وسائل الحياة والأعمال التي يعتورها ~~الإنسان في عيشته. # وبالجملة كانت الصحابة لا يتكلمون في غير الأحكام من معارف الدين مما ~~يرجع إلى أسمائه وصفاته وأفعاله وغيرها غير أنهم ينفون عنه لوازم التشبيه ~~بما ورد من آيات التنزيه ويسكتون عن المعنى الإثباتي الذي يبقى بعد النفي ~~فيقولون مثلا في مثل قوله: "الرحمن على العرش استوى" إن الاستواء بمعنى ~~استقرار الجسم في مكان بالاعتماد عليه منفي عنه تعالى وأما أن المراد ~~بالاستواء ما هو؟ فالله أعلم بمراده، والأمر مفوض إليه ms5227 وقد ادعي إجماعهم ~~على ذلك، بل قال بعضهم: إن أهل القرون الثلاثة الأول من الهجرة مجمعون على ~~التفويض، وهو نفي لوازم التشبيه والسكوت عن البحث في أصل المراد. # لكنه مدفوع بأن طريقة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المأثورة منهم هي ~~الإثبات والنفي معا والإمعان في البحث عن حقائق الدين دون النفي المجرد عن ~~الإثبات والدليل على ذلك ما حفظ عنهم من الأحاديث الجمة التي لا يسع ~~إنكارها إلا لمكابر. # بل الذي روي عن أم سلمة رضي الله عنها: في معنى الاستواء أنها قالت: ~~"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر" ~~يدل على أنها كانت ترى هذا الرأي ولو كانت ترى ما نسب إلى الصحابة لقالت: ~~الاستواء مجهول والكيف غير معقول، إلخ. # نعم الأكثرون من الصحابة والتابعين وتابعيهم من السلف على هذه الطريقة ~~وقد نسبه الغزالي إلى الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ~~وإلى البخاري والترمذي وأبي داود السجستاني من أرباب الصحاح وإلى عدة من ~~أعيان السلف. # وكان الذي دعاهم إلى السكوت عن الإثبات - كما ذكره جمع - هو أن الثابت ~~بعد المنفي خلاف ظاهر اللفظ فيكون من التأويل الذي حرم الله ابتغاءه في ~~قوله: "وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله": آل عمران: 7، بناء على ~~الوقف على "إلا الله" بل تعدى بعضهم إلى مطلق التفسير فمنعه قائلا - كما ~~نقله الآلوسي - أن كل من فسر فقد أول ومن لم يفسر لم يؤول لأن التأويل هو ~~التفسير. # وقد تقدم في ذيل آية المحكم والمتشابه من سورة آل عمران بيان أن التأويل ~~الذي يذكره ويذمه غير المعنى المخالف لظاهر اللفظ وأن رد المتشابه إلى ~~المحكم وبيانه به ليس من التأويل في شيء وكذا أن التأويل غير التفسير. # ثم إن هؤلاء القوم على احتياطهم في البيانات الدينية الراجعة إلى أسمائه ~~وصفاته تعالى واقتصارهم على النفي من غير إثبات لم يسلكوا هذا المسلك فيما ~~ورد في الكتاب والسنة من وصف أفعاله تعالى كالعرش والكرسي والحجب والقلم ~~واللوح وكتب الأعمال وأبواب ms5228 السماء وغيرها بل حملوها على ما هو المعهود ~~عندنا من مصاديق العرش والكرسي والقلم واللوح وغير ذلك مع أن الجميع ذو ~~ملاك واحد وهو استلزام ما يجب تنزيهه تعالى عنه من الحاجة والإمكان. # وذلك أن الذي أوجد أمثال العرش والكرسي واللوح والقلم عندنا معاشر البشر ~~هو الحاجة فإنما اتخذنا الكرسي لنستريح عليه أو نتعزز به واتخذنا العرش ~~لنستريح عليه ونتعزز به ونظهر التفرد بالعزة والعظمة ونمثل به التعيين ~~بالملك والسلطان واتخذنا اللوح والقلم والكتابة لمسيس الحاجة إلى حفظ ما ~~غاب عن الحس والتحرز عن النسيان ونحو ذلك وعلى هذا النمط. # فأي فرق بين الآيات المتشابهة التي تثبت له تعالى السمع والبصر واليد ~~والساق والرضا والأسف التي توهم التجسم المنتهي إلى الحاجة والإمكان وبين ~~الآيات التي تثبت له عرشا وكرسيا وملأ وحملة لعرشه ولوحا وقلما وهي توهم ~~الحاجة والإمكان؟ ثم أي فرق بين المحكم الذي يرفع التشابه في الطائفة ~~الأولى وهو قوله: "ليس كمثله شيء" وبين المحكم الذي يرفع تشابه الطائفة ~~الثانية وهو قوله: "والله هو الغني" مثلا. # نعم ذكر الإمام الرازي اعتذارا عن ذلك أن لو فتحنا باب التأويل في هذه ~~الأمور أدى ذلك إلى جواز تأويل جميع معارف الدين وأحكام الشرع وهو قول ~~الباطنية. PageV14P069 # وأنت خبير بأن تأويل الجميع حتى الأحكام التي تضمنتها الدعوة الدينية ~~وأجراها بين الناس تعليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتربيته دفع ~~للضرورة ومكابرة مع البداهة وليس من هذا القبيل ما قام الدليل على تشابهه ~~وكانت هناك آية محكمة يمكن أن يرد إليها ويرتفع بها تشابهه فإبقاؤه على ~~ظاهره سدا لباب التأويل في سائر المعارف المحكمة غير المتشابهة من قبيل ~~إماتة حق لإماتة باطل وإن شئت فقل إماتة باطل بإحياء باطل آخر على أنك عرفت ~~أن رد المتشابه إلى المحكم ليس من التأويل في شيء. # وألجأ الاضطرار بعض هؤلاء أن قالوا إن خلق هذا الجسم النوراني العظيم ~~الذي يدهش العقول بعظمته على هيئة سرير ذي قوائم وحمله ووضعه فوق السماوات ~~السبع من غير جالس ms5229 يجلس عليه أو حاجة تدعو إليه وحفظه كذلك في أزمنة لا ~~نهاية لها إنما هو من باب اللطف خلقه الله ليخبر به المؤمنين فيؤمنوا به ~~بالغيب فيؤجروا ويثابوا في الآخرة، ونظيره اللوح والقلم وسائر الآيات ~~العظام الغائبة عن الحس. # وسقوط هذا القول غني عن البيان. # وبعد هذه الطائفة المسماة بالمفوضة الطبقة المسماة بالمؤولة وهم الذين ~~يجمعون في تفسير المتشابهات من آيات الأسماء والصفات بين الإثبات والنفي ~~فينزهونه عن لوازم الحاجة والإمكان بتأويلها - بمعنى الحمل على خلاف الظاهر ~~- إلى معان توافق الأصول المسلمة من الدين أو المذهب، وهؤلاء منشعبون على ~~شعب: منهم من اكتفى في الإثبات بعين ما نفاه بالدليل وهم الذين يفسرون ~~الأسماء والصفات بنفي النقائص، فمعنى العلم عندهم عدم الجهل ومعنى العالم ~~من ليس بجاهل وعلى هذا السبيل. # ولازمه تعطيل الذات المتعالية عن صفات الكمال والبراهين العقلية وظواهر ~~الكتاب والسنة ونصوصهما تدفعه، وهو من أقوال الصابئة المتسربة في الإسلام. # ومنهم من فسرها بمعان مخالفة لظواهرها من كل ما احتمله عقل أو نقل لا ~~يخالف الأصول المسلمة وهو المسمى عندهم بالتأويل. # ومنهم من اكتفى بالمحتملات النقلية ولم يعتبر العقل. # وقد عرفت مما تقدم من أبحاثنا في المحكم والمتشابه أن تفسير الكتاب ~~العزيز بغير الكتاب والسنة القطعية من التفسير بالرأي الممنوع في الكتاب ~~والسنة. # وجل هؤلاء الطوائف الثلاث المسمين بالمؤولة يسلكون في أفعاله تعالى مما ~~لا يرجع إلى الصفة مسلك السلف المسمين بالمفوضة في إبقائها على ظواهرها من ~~المصاديق المعهودة عندنا، وأما ما يرجع منها بنحو إلى الصفة فيؤولونه، ففي ~~قوله: "الرحمن على العرش استوى" يؤولون الاستواء إلى مثل الاستيلاء ~~والاستعلاء ويبقون العرش، وهو فعل له تعالى غير راجع إلى الصفة على ظاهره ~~المعهود وهو الجسم المخلوق على هيئة سرير مقبب ذي قوائم، وفيما ورد من طرق ~~الجماعة أن الله ينزل كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا يؤولون نزوله بنزول ~~رحمته ويفسرون السماء الدنيا بفلك القمر، وهكذا. # وقد عرفت فيما مر أن حمل الآية على خلاف ظاهرها لا مسوغ له ولا ms5230 دليل يدل ~~عليه فلم ينزل الكتاب إلغازا وتعمية ثم الحديث فيه المحكم والمتشابه ~~كالقرآن وإبقاء المتشابه من القرآن على ظاهره بالاستناد إلى ظاهر مثله ~~الوارد في الحديث هو في الحقيقة رد لمتشابه القرآن إلى متشابه الحديث وقد ~~أمرنا برد متشابه القرآن إلى محكمه. # ثم إن في عملهم بهذه الروايات وتحكيمها على ظاهر الكتاب مغمضا آخر وذلك ~~أنها أخبار آحاد ليست بمتواترة ولا قطعية الصدور، وما هذا شأنه يحتاج في ~~العمل بها حتى في صحاحها إلى حجية شرعية بالجعل أو الإمضاء، وقد اتضح في ~~علم الأصول اتضاحا يتلو البداهة أن لا معنى لحجية أخبار الآحاد في غير ~~الأحكام كالمعارف الاعتقادية والموضوعات الخارجية. # نعم الخبر المتواتر والمحفوف بالقرائن القطعية كالمسموع من المعصوم ~~مشافهة حجة وإن كان في غير الأحكام لأن الدليل على العصمة بعينه دليل على ~~صدقه وهذه كلها مسائل مفروغ عنها في محلها من شاء الوقوف فليراجع. PageV14P070 # وفي سنن أبي داود، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: ~~أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت ~~الأنفس ونهكت الأموال أو هلكت فاستسق لنا فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى ~~ونستشفع بالله تعالى عليك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ويحك ~~أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فما زال يسبح حتى ~~عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد ~~من خلقه شأن الله أعظم من ذلك. ويحك أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه وعرشه ~~فوق سماواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد ~~بالراكب. # أقول: ومتنه لا يخلو من اختلال، وإنما أوردناه لكونه من أصرح الأخبار في ~~جسمية العرش، وهنا روايات تدل على أن له قوائم، وأخرى تدل على أن له حملة ~~أربع، وأخرى تدل على أنه فوق السماوات بحذاء الكعبة، وأخرى تدل على أن ~~الكرسي عنده كحلقة ملقاة في ظهري ms5231 فلاة السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي ~~كذلك، وقد تقدم طريقة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير أمثال هذه ~~الأخبار وقد أوردنا في تفسير سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ما ~~يستفاد منه محصل نظرهم (عليهم السلام). # وفي معاني الأخبار، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "يعلم السر وأخفى" قال: السر ما أكننته ~~في نفسك وأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته. # وفي المجمع، روي عن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام): "السر" ما ~~أخفيته في نفسك و"أخفى" ما خطر ببالك ثم أنسيته. PageV14P071 ### ||| AUTO 20 سورة طه - 9 - 48 # وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رءا نارا فقال لأهله امكثوا إنى ءانست نارا ~~لعلى ءاتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودى يموسى ~~(11) إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى (13) إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلوة ~~لذكرى (14) إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا ~~يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يموسى ~~(17) قال هى عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مئارب أخرى (18) ~~قال ألقها يموسى (19) فألقاها فإذا هى حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف ~~سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ~~ءاية أخرى (22) لنريك من ءايتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) ~~قال رب اشرح لى صدرى (25) ويسر لى أمرى (26) واحلل عقدة من لسانى (27) ~~يفقهوا قولى (28) واجعل لى وزيرا من أهلى (29) هرون أخى (30) اشدد به أزرى ~~(31) وأشركه فى أمرى (32) كى نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت ~~بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يموسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) ~~إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على ~~عينى (39) إذ تمشى أختك فتقول ms5232 هل أدلكم على من يكفله فرجعنك إلى أمك كى تقر ~~عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجينك من الغم وفتنك فتونا فلبثت سنين فى أهل ~~مدين ثم جئت على قدر يموسى (40) واصطنعتك لنفسى (41) اذهب أنت وأخوك بئايتى ~~ولا تنيا فى ذكرى (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ~~(45) قال لا تخافا إننى معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ~~فأرسل معنا بنى إسرءيل ولا تعذبهم قد جئنك بئاية من ربك والسلم على من اتبع ~~الهدى (47) إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) ### |||| AUTO بيان # شروع في قصة موسى (عليه السلام) وقد ذكرت في السورة فصول أربعة منها وهي: ~~اختيار موسى للرسالة في جبل طور في وادي طوى وأمره بدعوة فرعون. # ثم دعوته بشركة من أخيه فرعون إلى التوحيد وإرسال بني إسرائيل معه ~~وإقامته الحجة وإيتاؤه المعجزة. # ثم خروجه مع بني إسرائيل من مصر وتعقيب فرعون وغرقه ونجاة بني إسرائيل. # ثم عبادة بني إسرائيل العجل وما انتهى إليه أمرهم وأمر السامري وعجله، ~~وقد تعرضت الآيات التي نقلناها للفصل الأول منها. # ووجه اتصال القصة بما قبلها أنها تذكرة بالتوحيد ووعيد بالعذاب فالقصة ~~تبتدىء بوحي التوحيد وتنتهي بقول موسى: "إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا ~~هو" الآية وتذكر هلاك فرعون وطرد السامري وقد ابتدأت الآيات السابقة بأن ~~القرآن المشتمل على الدعوة الحقة تذكرة لمن يخشى وانتهت إلى مثل قوله: ~~"الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى". # قوله تعالى: "وهل أتاك حديث موسى" الاستفهام للتقرير والحديث، القصة. PageV14P072 # قوله تعالى: "إذ رءا نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا" إلى آخر الآية ~~المكث اللبث، والإيناس إبصار الشيء أو وجدانه وهو من الأنس خلاف النفور ~~ولذا قيل: إنه إبصار شيء يؤنس به فيكون إبصارا قويا، والقبس بفتحتين هو ~~الشعلة المقتبسة على رأس عود ونحوه والهدى مصدر بمعنى اسم الفاعل أو مضاف ~~إليه لمضاف مقدر أي ms5233 ذا هداية، والمراد - على أي حال - من قام به الهداية. # وسياق الآية وما يتلوها يشهد أنه كان في منصرفه من مدين إلى مصر ومعه ~~أهله وهم بالقرب من وادي طوى في طور سيناء في ليلة شاتية مظلمة وقد ضلوا ~~الطريق إذ رأى نارا فرأى أن يذهب إليها فإن وجد عندها أحدا سأله الطريق ~~وإلا أخذ قبسا من النار ليضرموا به نارا فيصطلوا بها. # وفي قوله: "قال لأهله امكثوا" إشعار بل دلالة على أنه كان مع أهله غيره ~~كما أن في قوله: "إني آنست نارا" مع ما يشتمل عليه من التأكيد والتعبير ~~بالإيناس دلالة على أنه إنما رآها هو وحده وما كان يراها غيره من أهله ~~ويؤيد ذلك قوله أيضا أولا: "إذ رءا نارا"، وكذا قوله: "لعلي آتيكم" إلخ يدل ~~على أن في الكلام حذفا والتقدير امكثوا لأذهب إليها لعلي آتيكم منها بقبس ~~أو أجد على النار هاديا نهتدي بهداه. # قوله تعالى: "فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك - إلى قوله - طوى" طوى ~~اسم لواد بطور وهو الذي سماه الله سبحانه بالواد المقدس، وهذه التسمية ~~والتوصيف هي الدليل على أن أمره بخلع النعلين إنما هو لاحترام الوادي أن لا ~~يداس بالنعل ثم تفريع خلع النعلين مع ذلك على قوله: "إني أنا ربك" يدل على ~~أن تقديس الوادي إنما هو لكونه حظيرة لقرب وموطن الحضور والمناجاة فيئول ~~معنى الآية إلى مثل قولنا نودي يا موسى ها أنا ذا ربك وأنت بمحضر مني وقد ~~تقدس الوادي بذلك فالتزم شرط الأدب واخلع نعليك. # وعلى هذا النحو يقدس ما يقدس من الأمكنة والأزمنة كالكعبة المشرفة ~~والمسجد الحرام وسائر المساجد والمشاهد المحترمة في الإسلام والأعياد ~~والأيام المتبركة فإنما ذلك قدس وشرف اكتسبته بالانتساب إلى واقعة شريفة ~~وقعت فيها أو نسك وعبادة مقدسة شرعت فيها وإلا فلا تفاضل بين أجزاء المكان ~~ولا بين أجزاء الزمان. # ولما سمع موسى (عليه السلام) قوله تعالى: "يا موسى إني أنا ربك" فهم من ~~ذلك فهم يقين أن الذي يكلمه هو ms5234 ربه والكلام كلامه وذلك أنه كان وحيا منه ~~تعالى وقد صرح تعالى بقوله: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء": الشورى: 51، أن لا واسطة ~~بينه تعالى وبين من يكلمه من حجاب أو رسول إذا كان تكليم وحي وإذ لم يكن ~~هناك أي واسطة مفروضة لم يجد الموحى إليه مكلما لنفسه ولا توهمه إلا الله ~~ولم يجد الكلام إلا كلامه ولو احتمل أن يكون المتكلم غيره أو الكلام كلام ~~غيره لم يكن تكليما ليس بين الإنسان وبين ربه غيره. # وهذا حال النبي والرسول في أول ما يوحى إليه بالنبوة والرسالة لم يختلجه ~~شك ولا اعترضه ريب في أن الذي يوحي إليه هو الله سبحانه من غير أن يحتاج ~~إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة ولو افتقر إلى شيء من ذلك كان ~~اكتسابا بواسطة القوة النظرية لا تلقيا من الغيب من غير توسط واسطة. # فإن قلت: قوله تعالى في القصة في موضع آخر من كلامه: "وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا". # وقوله في موضع آخر: "من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة" يثبت الحجاب في تكليمه (عليه السلام). # قلت: نعم لكن ثبوت الحجاب أو الرسول في مقام التكليم لا ينافي تحقق ~~التكليم بالوحي فإن الوحي كسائر أفعاله تعالى لا يخلو من واسطة وإنما يدور ~~الأمر مدار التفات المخاطب الذي يتلقى الكلام فإن التفت إلى الواسطة التي ~~تحمل الكلام واحتجب بها عنه تعالى كان الكلام رسالة أرسل إليه بملك مثلا ~~ووحيا من الملك، وإن التفت إليه تعالى كان وحيا منه وإن كان هناك واسطة لا ~~يلتفت إليها، ومن الشاهد على ما ذكرنا قوله في الآية التالية خطابا لموسى: ~~"فاستمع لما يوحى" فسماه وحيا، وقد أثبت في سائر كلامه فيه الحجاب. PageV14P073 # وبالجملة قوله: "إني أنا ربك فاخلع نعليك" إلخ، تنبيه لموسى على أن الموقف ~~موقف الحضور ومقام المشافهة وقد خلى به وخصه من نفسه بمزيد العناية، ms5235 ولذا ~~قيل: إني أنا ربك، ولم يقل: أنا الله أو أنا رب العالمين، ولذا أيضا لم ~~يلزم من قوله ثانيا: "إني أنا الله" تكرار، لأن الأول تخلية للمقام من ~~الأغيار لإلقاء الوحي، والثاني من الوحي. # وفي قوله: "نودي" حيث طوي ذكر الفاعل ولم يقل: ناديناه أو ناداه الله من ~~اللطف ما لا يقدر بقدر، وفيه تلويح أن ظهور هذه الآية لموسى كان على سبيل ~~المفاجاة. # قوله تعالى: "وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى" الاختيار مأخوذ من الخير، ~~وحقيقته أن يتردد أمر الفاعل مثلا بين أفعال يجب أن يرجح واحدا منها ليفعله ~~فيميز ما هو خيرها ثم يبني على كونه خيرا من غيره فيفعله، فبناؤه على كونه ~~خيرا من غيره هو اختيار فالاختيار دائما لغاية هو غرض الفاعل من فعله. # فاختياره تعالى لموسى إنما هو لغاية إلهية وهي إعطاء النبوة والرسالة ~~ويشهد بذلك قوله على سبيل التفريع على الاختيار "فاستمع لما يوحى" فقد ~~تعلقت المشية الإلهية ببعث إنسان يتحمل النبوة والرسالة وكان موسى في علمه ~~تعالى خيرا من غيره وأصلح لهذا الغرض فاختاره (عليه السلام). # وقوله: "وأنا اخترتك" على ما يعطيه السياق من قبيل إصدار الأمر بنبوته ~~ورسالته فهو إنشاء لا إخبار، ولو كان إخبارا لقيل: وقد اخترتك لكنه إنشاء ~~الاختيار للنبوة والرسالة بنفس هذه الكلمة ثم لما تحقق الاختيار بإنشائه ~~فرع عليه الأمر بالاستماع للوحي المتضمن لنبوته ورسالته فقال: "فاستمع لما ~~يوحى" والاستماع لما يوحى الإصغاء إليه. # قوله تعالى: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري" ~~هذا هو الوحي الذي أمر (عليه السلام) بالاستماع له في إحدى عشرة آية تشتمل ~~على النبوة والرسالة معا أما النبوة ففي هذه الآية والآيتين بعدها، وأما ~~الرسالة فتؤخذ من قوله "وما تلك بيمينك يا موسى" وتنتهي في قوله: "اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى" وقد نص تعالى أنه كان رسولا نبيا معا في قوله: "واذكر في ~~الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا": مريم: 51. # وقد ذكر في الآيات الثلاث المشتملة على ms5236 النبوة الركنان معا وهما ركن ~~الاعتقاد وركن العمل، وأصول الاعتقاد ثلاثة التوحيد والنبوة والمعاد وقد ~~ذكر منها التوحيد والمعاد وطوي عن النبوة لأن الكلام مع النبي نفسه وأما ~~ركن العمل فقد لخص على ما فيه من التفصيل في كلمة واحدة هي قوله: "فاعبدني" ~~فتمت بذلك أصول الدين وفروعه في ثلاث آيات. # فقوله: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا" عرف المسمى بالاسم بنفسه حيث قال: ~~إنني أنا الله ولم يقل: إن الله هو أنا لأن مقتضى الحضور أن يعرف وصف الشيء ~~بذاته لا ذاته بوصفه كما قال إخوة يوسف لما عرفوه: "إنك لأنت يوسف قال أنا ~~يوسف وهذا أخي" واسم الجلالة وإن كان علما للذات المتعالية لكنه يفيد معنى ~~المسمى بالله إذ لا سبيل إلى الذات المقدسة فكأنه قيل: أنا الذي يسمى ~~"الله" فالمتكلم حاضر مشهود والمسمى باسم "الله" كأنه مبهم أنه من هو؟ فقيل ~~أنا ذاك على أن اسم الجلالة علم بالغلبة لا يخلو من أصل وصفي. # وقوله: "لا إله إلا أنا فاعبدني" كلمة التوحيد مرتبة على قوله: "إنني أنا ~~الله" لفظا لترتبها عليه حقيقة فإنه إذا كان هو الذي منه يبدأ كل شيء وبه ~~يقوم وإليه يرجع فلا ينبغي أن يخضع خضوع العبادة إلا له فهو الإله المعبود ~~بالحق لا إله غيره ولذا فرع على ذلك الأمر بعبادته حيث قال: "فاعبدني". # وقوله: "وأقم الصلاة لذكري" خص الصلاة بالذكر - وهو من باب ذكر الخاص بعد ~~العام اعتناء بشأنه - لأن الصلاة أفضل عمل يمثل به الخضوع العبودي ويتحقق ~~بها ذكر الله سبحانه تحقق الروح بقالبه. # وعلى هذا المعنى فقوله: "لذكري" من إضافة المصدر إلى مفعوله واللام ~~للتعليل وهو متعلق بأقم محصله أن: حقق ذكرك لي بالصلاة، كما يقال: كل لتشبع ~~واشرب لتروي وهذا هو المعنى السابق إلى الذهن من مثل هذا السياق. PageV14P074 # وقد تكاثرت الأقوال في قوله: "لذكري" فقيل: إنه متعلق بأقم كما تقدم وقيل: ~~بالصلاة، وقيل: بقوله: "فاعبدني" ثم اللام قيل: للتعليل، وقيل للتوقيت ~~والمعنى أقم الصلاة عند ذكري ms5237 أو عند ذكرها إذا نسيتها أو فاتت منك فهي ~~كاللام في قوله: "أقم الصلوة لدلوك الشمس": الإسراء: 78. # ثم الذكر قيل: المراد به الذكر اللفظي الذي تشتمل عليه الصلاة، وقيل ~~الذكر القلبي الذي يقارنها ويتحقق بها أو يترتب عليها ويحصل بها حصول ~~المسبب عن سببه أو الذكر الذي قبلها، وقيل: المراد الأعم من القلبي ~~والقالبي. # ثم الإضافة قيل: إنها من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: من إضافة المصدر ~~إلى فاعله والمراد صل لأن أذكرك بالثناء والإثابة أو المراد صل لذكري إياها ~~في الكتب السماوية وأمري بها. # وقيل: إنه يفيد قصر الإقامة في الذكر، والمعنى: أقم الصلاة لغرض ذكري لا ~~لغرض آخر غير ذكري كثواب ترجوه أو عقاب تخافه، وقيل: لا قصر. # وقيل: إنه يفيد قصر المضاف في المضاف إليه، والمراد: أقم الصلاة لذكري ~~خاصة من غير أن ترائي بها أو تشوبها بذكر غيري، وقيل: لا دلالة على ذلك من ~~جهة اللفظ وإن كان حقا في نفسه. # وقيل: المراد بالذكر ذكر الصلاة أي أقم الصلاة عند تذكرها أو لأجل ذكرها ~~والكلام على تقدير مضاف والأصل لذكر صلاتي أو على أن ذكر الصلاة سبب لذكر ~~الله فأطلق المسبب وأريد به السبب إلى غير ذلك والوجوه الحاصلة بين غث وسمين. # والذي يسبق إلى الفهم هو ما قدمناه. # قوله تعالى: "إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى" تعليل ~~لقوله في الآية السابقة: "فاعبدني" ولا يناقض ذلك كون "فاعبدني" متفرعا على ~~كلمة التوحيد المذكورة قبله لأن وجوب عبادته تعالى وإن كان بحسب نفسه ~~متفرعا على توحده لكنه لا يؤثر أثرا لو لا ثبوت يوم يجزى فيه الإنسان بما ~~عمله ويتميز فيه المحسن من المسيء والمطيع من العاصي فيكون التشريع لغوا ~~والأمر والنهي سدى لا أثر لهما، ولذلك كانت مقضية قضاء حتما وتكرر في كلامه ~~تعالى نفي الريب عنها. # وقوله: "أكاد أخفيها" ظاهر إطلاق الإخفاء أن المراد يقرب أن أخفيها ~~وأكتمها فلا أخبر عنها أصلا حتى يكون وقوعها أبلغ في المباغتة وأشد في ~~المفاجاة ms5238 ولا تأتي إلا فجأة كما قال تعالى: "لا تأتيكم إلا بغتة": الأعراف: ~~187، أو يقرب أن لا أخبر بها حتى يتميز المخلصون من غيرهم فإن أكثر الناس ~~إنما يعبدونه تعالى رجاء في ثوابه أو خوفا من عقابه جزاء للطاعة والمعصية، ~~وأصدق العمل ما كان لوجه الله لا طمعا في جنة أو خوفا من نار ولو أخفي وكتم ~~يوم الجزاء تميز عند ذلك من يأتي بحقيقة العبادة من غيره. # وقيل: معنى أكاد أخفيها أقرب من أن أكتمها من نفسي وهو مبالغة في الكتمان ~~إذا أراد أحدهم المبالغة في كتمان شيء، قال: كدت أخفيه من نفسي أي فكيف ~~أظهره لغيري؟ وعزي إلى الرواية. # وقوله: "لتجزى كل نفس بما تسعى" متعلق بقوله: "آتية" والمعنى واضح. # قوله تعالى: "فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى" الصد ~~الصرف، والردى الهلاك، والضميران في "عنها" و"بها" للساعة، ومعنى الصد عن ~~الساعة الصرف عن ذكرها بما لها من الشأن وهو أنها يوم تجزى فيه كل نفس بما ~~تسعى، وكذا معنى عدم الإيمان بها هو الكفر بها بما لها من الشأن. # وقوله: "واتبع هواه" كعطف التفسير بالنسبة إلى قوله: "من لا يؤمن بها" أي ~~إن عدم الإيمان بها مصداق اتباع الهوى وإذ كان مع ذلك صالحا للتعليل أفاد ~~الكلام علية الهوى لعدم الإيمان بها، واستفيد من ذلك بالالتزام أن الإيمان ~~بالساعة هو الحق المخالف للهوى والمنجي من الردى. # فمحصل معنى الآية أنه إذا كانت الساعة آتية والجزاء واقعا فلا يصرفنك عن ~~الإيمان بها وذكرها بما لها من الشأن الذين اتبعوا أهواءهم فصاروا يكفرون ~~بها ويعرضون عن عبادة ربهم فلا يصرفنك عنها حتى تنصرف فتهلك. # ولعل الإتيان في قوله: "واتبع هواه" بصيغة الماضي مع كون المعطوف عليه ~~بصيغة المضارع للتلويح إلى علية اتباع الهوى لعدم الإيمان. PageV14P075 # قوله تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى" شروع في وحي الرسالة وقد تم وحي ~~النبوة في الآيات الثلاث الماضية والاستفهام للتقرير، سئل (عليه السلام) ~~عما في يده اليمنى وكانت عصاه، ليسميها ويذكر ms5239 أوصافها فيتبين أنها جماد لا ~~حياة له حتى يأخذ تبديلها حية تسعى مكانه في نفسه (عليه السلام). # والظاهر أن المشار إليه بقوله: "تلك" العودة أو الخشبة، ولو لا ذلك لكان ~~من حق الكلام أن يقال: وما ذلك بجعل المشار إليه هو الشيء لمكان التجاهل ~~بكونها عصا وإلا لم يستقم الاستفهام كما في قوله: "فلما رءا الشمس بازغة ~~قال هذا ربي هذا أكبر:" الأنعام: 78. # ويمكن أن تكون الإشارة بتلك إلى العصا لكن لا بداعي الاطلاع على اسمها ~~وحقيقتها حتى يلغو الاستفهام بل بداعي أن يذكر ما لها من الأوصاف والخواص ~~ويؤيده ما في كلام موسى (عليه السلام) من الإطناب بذكر نعوت العصا وخواصها ~~فإنه لما سمع السؤال عما في يمينه وهي عصا لا يرتاب فيها فهم أن المطلوب ~~ذكر أوصافها فأخذ يذكر اسمها ثم أوصافها وخواصها، وهذه طريق معمولة فيما ~~إذا سئل عن أمر واضح لا يتوقع الجهل به ومن هذا الباب يوجه قوله تعالى: ~~"القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث": القارعة: 4، وقوله: "الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة:" ~~الحاقة: 3. # قوله تعالى: "قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى" العصا معروفة وهي من المؤنثات السماعية، والتوكي والاتكاء على العصا ~~الاعتماد عليها، والهش هو خبط ورق الشجرة وضربه بالعصا لتساقط على الغنم ~~فيأكله، والمآرب جمع مأربة مثلثة الراء وهي الحاجة، والمراد بكون مآربه ~~فيها تعلق حوائجه بها من حيث إنها وسيلة رفعها. # ومعنى الآية ظاهر. # وإطنابه (عليه السلام) بالإطالة في ذكر أوصاف العصا وخواصها قيل: لأن ~~المقام وهو مقام المناجاة والمسارة مع المحبوب يقتضي ذلك لأن مكالمة ~~المحبوب لذيذة ولذا ذكر أولا أنه عصاه ليرتب عليه منافعها العامة وهذه هي ~~النكتة في ذكر أنها عصاه. # وقد قدمنا في ذيل الآية السابقة وجها آخر لهذا الاستفهام وجوابه وليس ~~الكلام عليه من باب الإطناب وخاصة بالنظر إلى جمعه سائر منافعها في قوله: ~~"ولي فيها مآرب أخرى". # قوله تعالى: "قال ألقها يا ms5240 موسى - إلى قوله - سيرتها الأولى" السيرة ~~الحالة والطريقة وهي في الأصل بناء نوع من السير كجلسة لنوع من الجلوس. # أمر سبحانه موسى أن يلقي عصاه عن يمينه وهو قوله: "قال ألقها يا موسى" ~~فلما ألقى العصا صارت حية تتحرك بجد وجلادة وذلك أمر غير مترقب من جماد لا ~~حياة له وهو قوله: "فألقاها فإذا هي حية تسعى" وقد عبر تعالى عن سعيها في ~~موضع آخر من كلامه بقوله: "رآها تهتز كأنها جان": القصص: 31، وعبر عن الحية ~~أيضا في موضع آخر بقوله: "فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين": الأعراف: 107، ~~الشعراء: 32 والثعبان: الحية العظيمة. # وقوله: "قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها" أي حالتها "الأولى" وهي أنها ~~عصا فيه دلالة على خوفه (عليه السلام) مما شاهده من حية ساعية وقد قصه ~~تعالى في موضع آخر إذ قال: "فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ~~يا موسى أقبل ولا تخف": القصص: 31، والخوف وهو الأخذ بمقدمات التحرز عن ~~الشر غير الخشية التي هي تأثر القلب واضطرابه فإن الخشية رذيلة تنافي فضيلة ~~الشجاعة بخلاف الخوف والأنبياء (عليهم السلام) يجوز عليهم الخوف دون الخشية ~~كما قال الله تعالى: "الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا ~~الله": الأحزاب: 39. # قوله تعالى: "واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى" الضم ~~الجمع، والجناح جناح الطائر واليد والعضد والإبط ولعل المراد به المعنى ~~الأخير ليئول إلى قوله في موضع آخر: "أدخل يدك في جيبك" والسوء كل رداءة ~~وقبح قيل: كني به في الآية عن البرص والمعنى أجمع يدك تحت إبطك أي أدخلها ~~في جيبك تخرج بيضاء من غير برص أو حالة سيئة أخرى. # وقوله: "آية أخرى" حال من ضمير تخرج وفيه إشارة إلى أن صيرورة العصا حية ~~آية أولى واليد البيضاء آية أخرى وقال تعالى في ذلك: "فذانك برهانان من ربك ~~إلى فرعون وملإيه": القصص: 32. PageV14P076 # قوله تعالى: "لنريك من آياتنا الكبرى" اللام للتعليل والجملة متعلقة بمقدر ~~كأنه قيل: أجرينا ما أجرينا على يدك ms5241 لنريك بعض آياتنا الكبرى. # قوله تعالى: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" هذا هو أمر الرسالة وكانت الآيات ~~السابقة: "وما تلك بيمينك" إلخ مقدمة له. # قوله تعالى: "قال رب اشرح لي صدري - إلى قوله - إنك كنت بنا بصيرا" ~~الآيات - وهي إحدى عشرة آية - متن ما سأله موسى (عليه السلام) ربه حين سجل ~~عليه حكم الرسالة وهي بظاهرها مربوطة بأمر رسالته لأنه أحوج ما يكون إليها ~~في تبليغ الرسالة إلى فرعون وملئه وإنجاء بني إسرائيل وإدارة أمورهم لا في ~~أمر النبوة. # ويؤيد ذلك أنه لم يسأل بعد إتمام أمر النبوة في الآيات الثلاث السابقة بل ~~إنما بادر إلى ذلك بعد ما ألقي إليه قوله: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" وهو ~~أمر الرسالة. # نعم الآيات الأربع الأول: "رب اشرح لي صدري" إلخ، لا يخلو من ارتباط في ~~الجملة بأمر النبوة وهي تلقي عقائد الدين وأحكامه العملية عن ساحة ~~الربوبية. # فقوله: "رب اشرح لي صدري" والشرح البسط والجملة من الاستعارة التخييلية ~~والاستعارة بالكناية كأن صدر الإنسان وقد استكن فيه القلب وعاء يعي ما يرد ~~عليه من طريق المشاهدة والإدراك ثم يختزن فيه السر وإذا كان أمرا عظيما يشق ~~على الإنسان أو هو فوق طاقته ضاق عنه الصدر فلم يسعه واحتاج إلى انشراح حتى يسعه. # وقد استعظم موسى ما سجل عليه ربه من أمر الرسالة وقد كان على علم بما ~~عليه أمة القبط من الشوكة والقوة وعلى رأس هذه الأمة المتجبرة فرعون الطاغي ~~الذي كان ينازع الله في ربوبيته وينادي أنا ربكم الأعلى، وكان يذكر ما عليه ~~بنو إسرائيل من الضعف والإسارة بين آل فرعون ثم الجهل وانحطاط الفكر، وكان ~~كأنه يرى ما ستجره إليه هذه الدعوة من الشدائد والمصائب ويشاهد ما سيعقبه ~~تبليغ هذه الرسالة من الفظائع والفجائع وهو رجل قليل التحمل سريع الانقلاب ~~في ذات الله ينكر الظلم ويأبى الضيم كما يشهد به قصة قتله القبطي واستقائه ~~في ماء مدين وفي لسانه - وهو السلاح الوحيد لمن أراد الدعوة والتبليغ - ~~عقدة ربما منعته بيان ms5242 ما يريد بيانه. # فلذلك سأل ربه حل هذه المشكلات فسأل أولا أن يوسع صدره لما يحمله ربه من ~~أعباء الرسالة ولما ستستقبله من العظائم والشدائد في مسيره في الدعوة فقال: ~~"رب اشرح لي صدري. # ثم قال: "ويسر لي أمري" وهو الأمر الذي قلده من الرسالة ولم يسأله تعالى ~~أن يخفف في رسالته ويتنزل بعض التنزل عما أمره به أولا فيقنع بما هو دونه ~~فتصير رسالة يسيرة في نفسها بعد ما كانت خطيرة وإنما سأل أن يجعلها على ما ~~بها من العسر والخطر يسيرة بالنسبة إليه هينة عنده والدليل على ذلك قوله: ~~"ويسر لي". # ووجه الدلالة أن قوله: "لي" والمقام هذا المقام يفيد الاختصاص فيؤدي ما ~~هو معنى قولنا: ويسر لي، وأنا الذي أوقفتني هذا الموقف وقلدتني ما قلدتني ~~أمري الذي قلدتنيه ومن المعلوم أن مقتضى هذا السؤال تيسير الأمر بالنسبة ~~إليه لا تيسيره في نفسه، ونظير الكلام يجري في قوله: "اشرح لي" فمعناه اشرح ~~لي وأنا الذي أمرتني بالرسالة وقبالها شدائد ومكاره "صدري" حتى لا يضيق إذا ~~ازدحمت علي ودهمتني، ولو قيل: رب اشرح صدري ويسر أمري فاتت هذه النكتة. # وقوله: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" سؤال له آخر يرجع إلى عقدة من ~~لسانه والتنكير في "عقدة" للدلالة على النوعية فله وصف مقدر وهو الذي يلوح ~~من قوله: "يفقهوا قولي" أي عقدة تمنع من فقه قولي. # وقوله: "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي" سؤال له آخر وهو رابع الأسئلة ~~وآخرها، والوزير فعيل من الوزر بالكسر فالسكون بمعنى الحمل الثقيل سمي ~~الوزير وزيرا لأنه يحمل ثقل حمل الملك، وقيل: من الوزر بفتحتين بمعنى الجبل ~~الذي يلتجأ إليه سمي به لأن الملك يلتجىء إليه في آرائه وأحكامه. PageV14P077 # وبالجملة هو يسأل ربه أن يجعل له وزيرا من أهله ويبينه أنه هارون أخي وإنما ~~يسأل ذلك لأن الأمر كثير الجوانب متباعد الأطراف لا يسع موسى أن يقوم به ~~وحده بل يحتاج إلى وزير يشاركه في ذلك فيقوم ببعض الأمر فيخفف عنه فيما ms5243 ~~يقوم به هذا الوزير ويكون مؤيدا لموسى فيما يقوم به موسى وهذا معنى قوله - ~~وهو بمنزلة التفسير لجعله وزيرا - "اشدد به أزرى وأشركه في أمري". # فمعنى قوله: "وأشركه في أمري" سؤال إشراك في أمر كان يخصه وهو تبليغ ما ~~بلغه من ربه بادي مرة فهو الذي يخصه ولا يشاركه فيه أحد سواه ولا له أن ~~يستنيب فيه غيره وأما تبليغ الدين أو شيء من أجزائه بعد بلوغه بتوسط النبي ~~فليس مما يختص بالنبي بل هو وظيفة كل من آمن به ممن يعلم شيئا من الدين ~~وعلى العالم أن يبلغ الجاهل وعلى الشاهد أن يبلغ الغائب ولا معنى لسؤال ~~إشراك أخيه معه في أمر لا يخصه بل يعمه وأخاه وكل من آمن به من الإرشاد ~~والتعليم والبيان والتبليغ فتبين أن معنى إشراكه في أمره أن يقوم بتبليغ ~~بعض ما يوحى إليه من ربه عنه وسائر ما يختص به من عند الله كافتراض الطاعة ~~وحجية الكلمة. # وأما الإشراك في النبوة خاصة بمعنى تلقي الوحي من الله سبحانه فلم يكن ~~موسى يخاف على نفسه التفرد في ذلك حتى يسأل الشريك وإنما كان يخاف التفرد ~~في التبليغ وإدارة الأمور في إنجاء بني إسرائيل وما يلحق بذلك، وقد نقل ذلك ~~عن موسى نفسه في قوله: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا ~~يصدقني": القصص: 34. # على أنه صح من طرق الفريقين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا بهذا ~~الدعاء بألفاظه في حق علي (عليه السلام) ولم يكن نبيا. # وقوله: "كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا" ظاهر السياق وقد ذكر في الغاية ~~تسبيحهما معا وذكرهما معا أن الجملة غاية لجعل هارون وزيرا له إذ لا تعلق ~~لتسبيحهما معا وذكرهما معا بمضامين الأدعية السابقة وهي شرح صدره وتيسير ~~أمره وحل عقدة من لسانه ويترتب على ذلك أن المراد بالتسبيح والذكر تنزيههما ~~معا لله سبحانه وذكرهما له بين الناس علنا لا في حال خلوتهما أو في قلبيهما ~~سرا إذ لا تعلق لذلك أيضا بجعله وزيرا بل ms5244 المراد أن يسبحاه ويذكراه معا بين ~~الناس في مجامعهم ونواديهم وأي مجلس منهم حلا فيه وحضرا فتكثر الدعوة إلى ~~الإيمان بالله ورفض الشركاء. # وبذلك يرجع ذيل السياق إلى صدره كأنه يقول: إن الأمر خطير وقد غر هذا ~~الطاغية وملأه وأمته عزهم وسلطانهم ونشب الشرك والوثنية بأعراقه في قلوبهم ~~وأنساهم ذكر الله من أصله وقد امتلأت أعين بني إسرائيل بما يشاهدونه من عزة ~~فرعون وشوكة ملئه واندهشت قلوبهم من سطوة آل فرعون وارتاعت نفوسهم من ~~سلطتهم فنسوا الله ولا يذكرون إلا الطاغية، فهذا الأمر أمر الرسالة والدعوة ~~في نجاحه ومضيه في حاجة شديدة إلى تنزيهك بنفي الشريك كثيرا وإلى ذكرك ~~بالربوبية والألوهية بينهم كثيرا ليتبصروا فيؤمنوا وهذا أمر لا أقوى عليه ~~وحدي فاجعل هارون وزيرا لي وأيدني به وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك ~~كثيرا لعل السعي ينجع والدعوة تنفع. # وبهذا البيان يظهر وجه تعلق هذه الغاية أعني قوله: "كي نسبحك" إلخ، بما تقدمه. # وثانيا: وجه ورود قوله: "كثيرا" مرتين وأنه ليس من التكرار في شيء إذ كل ~~من التسبيح والذكر يجب أن يكون في نفسه كثيرا، ولو قيل كي نسبحك ونذكرك ~~كثيرا أفاد كثرتهما مجتمعين وهو غير مراد. # وثالثا: وجه تقديم التسبيح على الذكر فإن المراد بالتسبيح تنزيهه تعالى ~~عن الشريك بدفع ألوهية الآلهة من دون الله وإبطال ربوبيتها لتقع الدعوة إلى ~~الإيمان بالله وحده، وهو المراد بالذكر، موقعها. # فالتسبيح من قبيل دفع المانع المتقدم على تأثير المقتضي، وقد ذكر لهذه ~~الخصوصيات وجوه أخر مذكورة في المطولات لا جدوى فيها ولا في نقلها. # وقوله: "إنك كنت بنا بصيرا" هو بظاهره تعليل كالحجة على قوله: "كي نسبحك ~~كثيرا" إلخ، أي أنك كنت بصيرا بي وبأخي منذ خلقتنا وعرفتنا نفسك وتعلم أنا ~~لم نزل نعبدك بالتسبيح والذكر ساعيين مجدين في ذلك فإن جعلته وزيرا لي ~~وأيدتني به وأشركته في أمري تم أمر الدعوة وسبحناك كثيرا وذكرناك كثيرا، ~~والمراد بقوله "بنا" على هذا هو وأخوه. PageV14P078 # ويمكن أن يكون المراد بالضمير في "بنا" ms5245 أهله، والمعنى: أنك كنت بصيرا بنا ~~أهل البيت أنا أهل تسبيح وذكر فإن جعلت هارون أخي، وهو من أهلي، وزيرا لي ~~سبحناك كثيرا وذكرناك كثيرا، وهذا الوجه أحسن من سابقه لأنه يفي ببيان ~~النكتة في ذكر الأهل في قوله السابق: "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي" ~~أيضا فافهم ذلك. # قوله تعالى: "قال قد أوتيت سؤلك يا موسى" إجابة لأدعيته جميعا وهو إنشاء ~~نظير ما مر من قوله: "وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى". # قوله تعالى: "ولقد مننا عليك مرة أخرى - إلى قوله - كي تقر عينها ولا ~~تحزن" يذكره تعالى بمن آخر له عليه قبل أن يختاره للنبوة والرسالة ويؤتي ~~سؤله وهو منه عليه حينما تولد فقد كان بعض الكهنة أخبر فرعون أن سيولد في ~~بني إسرائيل مولود يكون بيده زوال ملكه فأمر فرعون بقتل كل مولود يولد فيهم ~~فكانوا يقتلون المواليد الذكور حتى إذا ولد موسى أوحى الله إلى أمه أن لا ~~تخاف وترضعه فإذا خافت عليه من عمال فرعون وجلاوزته تقذفه في تابوت فتقذفه ~~في النيل فيلقيه اليم إلى الساحل حيال قصر فرعون فيأخذه فيتخذه ابنا له ~~وكان لا عقب له ولا يقتله ثم إن الله سيرده إليها. # ففعلت كما أوحي إليها فلما جرى التابوت بجريان النيل أرسلت بنتا لها وهي ~~أخت موسى أن تجس أخباره فكانت تطوف حول قصر فرعون حتى وجدت نفرا يطلبون ~~بأمر فرعون مرضعا ترضع موسى فدلتهم أخت موسى على أمها فاسترضعوها له فأخذت ~~ولدها وقرت به عينها وصدق الله وعده وقد عظم منه على موسى. # فقوله: "ولقد مننا عليك مرة أخرى" امتنان بما صنعه به أول عمره وقد تغير ~~السياق من التكلم وحده إلى التكلم بالغير لأن المقام مقام إظهار العظمة وهو ~~ينبىء عن ظهور قدرته التامة بتخييب سعي فرعون الطاغية وإبطال كيده لإخماد ~~نور الله ورد مكره إليه وتربية عدوه في حجره، وأما موقف نداء موسى وتكليمه ~~إذ قال: "يا موسى إني أنا ربك" إلخ فسياق التكلم وحده أنسب له. # وقوله: "إذ أوحينا ms5246 إلى أمك ما يوحى" المراد به الإلهام وهو نوع من القذف ~~في القلب في يقظة أو نوم، والوحي في كلامه تعالى لا ينحصر في وحي النبوة ~~كما قال تعالى: "وأوحى ربك إلى النحل": النحل: 68، وأما وحي النبوة فالنساء ~~لا يتنبأن ولا يوحى إليهن بذلك قال تعالى: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى": يوسف: 109 وقوله: "أن اقذفيه في التابوت" إلى ~~آخر الآية هو مضمون ما أوحي إلى أم موسى و"أن" للتفسير، وقيل: مصدرية متعلق ~~بأوحي والتقدير أوحي بأن اقذفيه، وقيل: مصدرية والجملة بدل من: "ما يوحى". # والتابوت الصندوق وما يشبهه والقذف الوضع والإلقاء وكأن القذف الأول في ~~الآية بالمعنى الأول والقذف الثاني بالمعنى الثاني ويمكن أن يكونا معا ~~بالمعنى الثاني بعناية أن وضع الطفل في التابوت وإلقاءه في اليم إلقاء وطرح ~~له من غير أن يعبأ بحاله، واليم البحر: وقيل: البحر العذب، والساحل شاطىء ~~البحر وجانبه من البر، والصنع والصنيعة الإحسان. # وقوله: "فليلقه اليم" أمر عبر به إشارة إلى تحقق وقوعه ومفاده أنا أمرنا ~~اليم بذلك أمرا تكوينيا فهو واقع حتما مقضيا، وكذا قوله: "يأخذه عدو لي" ~~إلخ وهو جزاء مترتب على هذا الأمر. # ومعنى الآيتين إذ أوحينا وألهمنا أمك بما يوحى ويلهم وهو أن ضعيه - أو ~~ألقيه - في التابوت وهو الصندوق فألقيه في اليم والبحر وهو النيل فمن ~~المقضي من عندنا أن يلقيه البحر بالساحل والشاطىء يأخذه عدو لي وعدو له وهو ~~فرعون لأنه كان يعادي الله بدعوى الألوهية ويعادي موسى بقتله الأطفال وكان ~~طفلا هذا ما أوحيناه إلى أمك. # وقوله: "وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني" ظاهر السياق أن هذا الفصل ~~إلى قوله: "ولا تحزن" فصل ثان تال للفصل السابق متمم له والمجموع بيان للمن ~~المشار إليه بقوله: "ولقد مننا عليك مرة أخرى". PageV14P079 # فالفصل الأول يقص الوحي إلى أمه بقذفه في التابوت ثم في البحر لينتهي إلى ~~فرعون فيأخذه عدو الله وعدوه والفصل الثاني يقص إلقاء المحبة عليه لينصرف ~~فرعون عن قتله ms5247 ويحسن إليه حتى ينتهي الأمر إلى رجوعه إلى أمه واستقراره في ~~حجرها لتقر عينها ولا تحزن وقد وعدها الله ذلك كما قال في سورة القصص: ~~"فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق": القصص: ~~13، ولازم هذا المعنى كون الجملة أعني قوله: "وألقيت عليك" إلخ، معطوفا على ~~قوله: "أوحينا إلى أمك". # ومعنى إلقاء محبة منه عليه كونه بحيث يحبه كل من يراه كأن المحبة الإلهية ~~استقرت عليه فلا يقع عليه نظر ناظر إلا تعلقت المحبة بقلبه وجذبته إلى ~~موسى، ففي الكلام استعارة تخييلية وفي تنكير المحبة إشارة إلى فخامتها ~~وغرابة أمرها. # واللام في قوله: "ولتصنع على عيني" للغرض، والجملة معطوفة على مقدر ~~والتقدير ألقيت عليك محبة مني لأمور كذا وكذا وليحسن إليك على عيني أي ~~بمرأى مني فإني معك أراقب حالك ولا أغفل عنك لمزيد عنايتي بك وشفقتي عليك. # وربما قيل: إن المراد بقوله: "ولتصنع على عيني" الإحسان إليه بإرجاعه إلى ~~أمه وجعل تربيته في حجرها. # وكيف كان فهذا اللسان وهو لسان كمال العناية والشفقة يناسب سياق التكلم ~~وحده ولذا عدل إليه من لسان التكلم بالغير. # وقوله: "إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي ~~تقر عينها ولا تحزن" الظرف - على ما يعطيه السياق - متعلق بقوله: "ولتصنع" ~~والمعنى: وألقيت عليك محبة مني يحبك كل من يراك لكذا وكذا وليحسن إليك ~~بمرأى مني وتحت مراقبتي في وقت تمشي أختك لتجوس خبرك وترى ما يصنع بك فتجد ~~عمال فرعون يطلبون مرضعا ترضعك فتقول لهم - والاستقبال في الفعل لحكاية ~~الحال الماضية - عارضة عليهم: هل أدلكم على من يكفله بالحضانة والإرضاع ~~فرددناك إلى أمك كي تسر ولا تحزن. # وقوله: "فرجعناك" بصيغة المتكلم مع الغير رجوع إلى السياق السابق وهو ~~التكلم بالغير وليس بالتفات. # قوله تعالى: "وقتلت نفسا فنجيناك من الغم إلى آخر الآية، إشارة إلى من أو ~~منن أخرى ملحقة بالمنين السابقين وهو قصة قتله (عليه السلام) القبطي ~~وائتمار الملإ أن يقتلوه وفراره من مصر ms5248 وتزوجه هناك ببنت شعيب النبي وبقاؤه ~~عنده بين أهل مدين عشر سنين أجيرا يرعى غنم شعيب، والقصة مفصلة مذكورة في ~~سورة القصص. # فقوله: "وقتلت نفسا" هو قتله القبطي بمصر، وقوله: "فنجيناك من الغم" وهو ~~ما كان يخافه أن يقتله الملأ من آل فرعون فأخرجه الله إلى أرض مدين فلما ~~أحضره شعيب وورد عليه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين. # وقوله: "وفتناك فتونا" أي ابتليناك واختبرناك ابتلاء واختبارا، قال ~~الراغب من المفردات،: أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ~~واستعمل في إدخال الإنسان النار، قال: "يوم هم على النار يفتنون" "ذوقوا ~~فتنكم" أي عذابكم، قال: وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه ~~نحو قوله: "ألا في الفتنة سقطوا" وتارة في الاختبار، نحو: "وفتناك فتونا" ~~وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما تستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ~~ورخاء وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا وقد قال فيهما: "ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة" انتهى موضع الحاجة من كلامه. # وقوله: "فلبثت سنين في أهل مدين" متفرع على الفتنة. # وقوله: "ثم جئت على قدر يا موسى" لا يبعد أن يستفاد من السياق أن المراد ~~بالقدر هو المقدر وهو ما حصله من العلم والعمل عن الابتلاءات الواردة عليه ~~في نجاته من الغم بالخروج من مصر ولبثه في أهل مدين. # وعلى هذا فمجموع قوله: "وقتلت نفسا فنجيناك" - إلى قوله - يا موسى" من ~~واحد وهو أنه ابتلي ابتلاء بعد ابتلاء حتى جاء على قدر وهو ما اكتسبه من ~~فعلية الكمال. PageV14P080 # وربما أجيب عن الاستشكال في عد الفتن من المن بأن الفتن هاهنا بمعنى ~~التخليص كتخليص الذهب بالنار، وربما أجيب بأن كونه منا باعتبار الثواب ~~المترتب على ذلك، والوجهان مبنيان على فصل قوله: "فلبثت" إلى آخر الآية عما ~~قبله ولذا قال بعضهم: إن المراد بالفتنة هو ما قاساه موسى من الشدة بعد ~~خروجه من مصر إلى أن استقر في مدين لمكان فاء التفريع في قوله: "فلبثت سنين ~~في أهل مدين" الدال ms5249 على تأخر اللبث عن الفتنة زمانا، وفيه أن الفاء إنما ~~تدل على التفرع فحسب وليس من الواجب أن يكون تفرعا زمانيا دائما. # وقال بعضهم: إن القدر بمعنى التقدير والمراد ثم جئت إلى أرض مصر على ما ~~قدرنا ثم اعترض على أخذ القدر بمعنى المقدار بأن المعروف من القدر بهذا ~~المعنى هو ما كان بسكون الدال لا بفتحها وفيه أن القدر والقدر بسكون الدال ~~وفتحها - كما صرحوا به كالنعل والنعل بمعنى واحد. # على أن القدر بمعنى المقدار كما قدمناه - أكثر ملاءمة للسياق أو متعين. # وذكر لمجيئه على مقدار بعض معان أخر وهي سخيفة لا جدوى فيها. # وختم ذكر المن بنداء موسى (عليه السلام) زيادة تشريف له. # قوله تعالى: "واصطنعتك لنفسي" الاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الإحسان - ~~على ما ذكروا - يقال: صنعه أي أحسن إليه واصطنعه أي حقق إحسانه إليه وثبته ~~فيه، ونقل عن القفال أن معنى الاصطناع أنه يقال: اصطنع فلان فلانا إذا أحسن ~~إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وخريجه. # انتهى. # وعلى هذا يئول معنى اصطناعه إياه إلى إخلاصه تعالى إياه لنفسه ويظهر موقع ~~قوله: "لنفسي" أتم ظهور وأما على المعنى الأول فالأنسب بالنظر إلى السياق ~~أن يكون الاصطناع مضمنا معنى الإخلاص، والمعنى على أي حال وجعلتك خالصا ~~لنفسي فيما عندك من النعم فالجميع مني وإحساني ولا يشاركني فيك غيري فأنت ~~لي مخلصا وينطبق ذلك على قوله: "واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا": ~~مريم: 51. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: المراد بالاصطناع الاختيار، ومعنى اختياره ~~لنفسه جعله حجة بينه وبين خلقه كلامه كلامه ودعوته دعوته وكذا قول بعضهم إن ~~المراد بقوله: "لنفسي" لوحيي ورسالتي، وقول آخرين: لمحبتي، كل ذلك من قبيل ~~التقييد من غير مقيد. # ويظهر أيضا أن اصطناعه لنفسه منظوم في سلك المنن المذكورة بل هو أعظم ~~النعم ومن الممكن أن يكون معطوفا على قوله: "جئت على قدر" عطف تفسير. # والاعتراض على هذا المعنى بأن توسيط النداء بينه وبين المنن المذكورة لا ~~يلائم كونه منظوما في ms5250 سلكها - على ما ذكر الفخر الرازي في تفسيره، - ~~فالأولى جعله تمهيدا لإرساله إلى فرعون مع شركة من أخيه في أمره. # وفيه أن توسيط النداء لا ينحصر وجهه فيما ذكر فلعل الوجه فيه تشريفه ~~بمزيد اللطف وتقريبه من موقف الأنس ليكون ذلك تمهيدا للالتفات ثانيا من ~~التكلم بالغير إلى التكلم وحده بقوله: "واصطنعتك لنفسي". # قوله تعالى: "اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري" تجديد للأمر ~~السابق خطابا لموسى وحده في قوله: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" بتغيير ما فيه ~~بإلحاق أخي موسى به لتغير ما في المقام بإيتاء سؤال موسى أن يشرك هارون في ~~أمره فوجه الخطاب ثانيا إليهما معا. # وأمرهما أن يذهبا بآياته ولم يؤت وقتئذ إلا آيتين وعد جميل بأنه مؤيد ~~بغيرهما وسيؤتاه حين لزومه، وأما القول بأن المراد هما الآيتان والجمع ربما ~~يطلق على الاثنين، أو أن كلا من الآيتين ينحل إلى آيات كثيرة مما لا ينبغي ~~الركون إليه. # وقوله: "ولا تنيا في ذكري" نهي عن الوني وهو الفتور، والأنسب للسياق ~~السابق أن يكون المراد بالذكر الدعوة إلى الإيمان به تعالى وحده لا ذكره ~~بمعنى التوجه إليه قلبا أو لسانا كما قيل. # قوله تعالى: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى" جمعهما في الأمر ثانيا فخاطب موسى وهارون معا وكذلك في النهي الذي ~~قبله في قوله: "ولا تنيا" وقد مهد لذلك بإلحاق هارون بموسى في قوله: "اذهب ~~أنت وأخوك" وليس ببعيد أن يكون نقلا لمشافهة أخرى وتخاطب وقع بينه تعالى ~~وبين رسوليه مجتمعين أو متفرقين بعد ذاك الموقف ويؤيده سياق قوله بعد: ~~"قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا" إلخ. PageV14P081 # والمراد بقوله: "فقولا له قولا لينا" المنع من أن يكلماه بخشونة وعنف وهو ~~من أوجب آداب الدعوة. # وقوله: "لعله يتذكر أو يخشى" رجاء لتذكره أو خشيته وهو قائم بمقام ~~المحاورة لا به تعالى العالم بما سيكون، والتذكر مطاوعة التذكير فيكون ~~قبولا والتزاما لما تقتضيه حجة المذكر وإيمانه به والخشية من مقدمات ms5251 القبول ~~والإيمان فمآل المعنى لعله يؤمن أو يقرب من ذلك فيجيبكم إلى بعض ما ~~تسألانه. # واستدل بعض من يرى قبول إيمان فرعون حين الغرق على إيمانه بالآية استنادا ~~إلى أن "لعل" من الله واجب الوقوع كما نسب إلى ابن عباس وقدماء المفسرين ~~فالآية تدل على تحتم وقوع أحد الأمرين التذكر أو الخشية وهو مدار النجاة. # وفيه أنه ممنوع ولا تدل عسى ولعل في كلامه تعالى إلا على ما يدل عليه في ~~كلام غيره وهو الترجي غير أن معنى الترجي في كلامه لا يقوم به، تعالى عن ~~الجهل وتقدس وإنما يقوم بالمقام بمعنى أن من وقف هذا الموقف واطلع على ~~أطراف الكلام فهم أن من المرجو أن يقع كذا وكذا وأما في كلام غيره فربما ~~قام الترجي بنفس المتكلم وربما قام بمقام التخاطب. # وقال الإمام الرازي في تفسيره، إنه لا يعلم سر إرساله تعالى إلى فرعون مع ~~علمه بأنه لا يؤمن إلا الله، ولا سبيل في المقام وأمثاله إلى غير التسليم ~~وترك الاعتراض. # وهو عجيب فإنه إن كان المراد بسر الإرسال وجه صحة الأمر بالشيء مع العلم ~~باستحالة وقوعه في الخارج فاستحالة وقوع الشيء أو وجوب وقوعه إنما ذلك حال ~~الفعل بالقياس إلى علته التامة التي هي الفاعل وسائر العوامل الخارجة عنه ~~في وجوده والأمر لا يتعلق بالفعل من حيث حاله بالقياس إلى جميع أجزاء علته ~~التامة وإنما يتعلق به من جهة حاله بالقياس إلى الفاعل الذي هو أحد أجزاء ~~علته التامة ونسبة الفعل وعدمه إليه بالإمكان دائما لكونه علة ناقصة لا ~~تستوجب وجود الفعل ولا عدمه فالإرسال والدعوة وكذا الأمر صحيح بالنسبة إلى ~~فرعون لكون الإجابة والائتمار بالنسبة إليه نفسه اختيارية ممكنة وإن كانت ~~بالنسبة إليه مع انضمام سائر العوامل المانعة مستحيلة ممتنعة، هذا جواب ~~القائلين بالاختيار، وأما المجبرة - وهو منهم - فالشبهة تسري عندهم إلى ~~جميع موارد التكاليف لعموم الجبر وقد أجابوا عنها على زعمهم بأن التكليف ~~صوري يترتب عليه تمام الحجة وقطع المعذرة. # وإن كان المراد بسر الإرسال مع ms5252 العلم بأنه لا يؤمن الفائدة المترتبة عليه ~~بحيث يخرج بها عن اللغوية فالدعوة الحقة كما تؤثر أثرها في قوم بتكميلهم في ~~جانب السعادة كذلك تؤثر أثرها في آخرين بتكميل شقائهم، قال تعالى: "وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا:" ~~الإسراء: 82، ولو ألغي التكميل في جانب الشقاء لغا الامتحان فيه فلم تتم ~~الحجة فيه، ولا انقطع العذر، ولو لم تتم الحجة في جانب وانتقضت لم تنجع في ~~الجانب الآخر وهو ظاهر. # قوله تعالى: "قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى" الفرط ~~التقدم والمراد به بقرينة مقابلته الطغيان أن يعجل بالعقوبة ولا يصبر إلى ~~إتمام الدعوة وإظهار الآية المعجزة، والمراد بأن يطغى أن يتجاوز حده في ~~ظلمه فيقابل الدعوة بتشديد عذاب بني إسرائيل والاجتراء على ساحة القدس بما ~~كان لا يجترىء عليه قبل الدعوة ونسبة الخوف إليهما لا بأس بها كما تقدم ~~الكلام فيها في تفسير قوله تعالى: "قال خذها ولا تخف". # واستشكل على الآية بأن قوله تعالى في موضع آخر لموسى في جواب سؤاله إشراك ~~أخيه في أمره قال: "سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما": ~~القصص: 35"، يدل على إعطاء الأمن لهما في موقف قبل هذا الموقف لقوله "سنشد ~~عضدك بأخيك" فلا معنى لإظهارهما الخوف بعد ذلك. # وأجيب بأن خوفهما قبل كان على أنفسهما بدليل قول موسى هناك. # "ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون": الشعراء - 14، والذي في هذه الآية خوف ~~منهما على الدعوة كما تقدم. # على أن من الجائز أن يكون هذا الخوف المحكي في الآية هو خوف موسى قبل في ~~موقف المناجاة وخوف هارون بعد بلوغ الأمر إليه فالتقطا وجمعا معا في هذا ~~المورد، وقد تقدم احتمال أن يكون قوله: "اذهبا إلى فرعون" إلى آخر الآيات، ~~حكاية كلامهما في غير موقف واحد. PageV14P082 # قوله تعالى: "قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى" أي لا تخافا من فرطه ~~وطغيانه إنني حاضر معكما أسمع ما يقال وأرى ما يفعل فأنصركما ولا أخذلكما ms5253 ~~فهو تأمين بوعد النصرة، فقوله: "لا تخافا" تأمين، وقوله: "إنني معكما أسمع ~~وأرى" تعليل للتأمين بالحضور والسمع والرؤية، وهو الدليل على أن الجملة ~~كناية عن المراقبة والنصرة وإلا فنفس الحضور والعلم يعم جميع الأشياء ~~والأحوال. # وقد استدل بعضهم بالآية على أن السمع والبصر صفتان زائدتان على العلم ~~بناء على أن قوله: "إنني معكما" دال على العلم ولو دل "أسمع وأرى" عليه ~~أيضا لزم التكرار وهو خلاف الأصل. # وهو من أوهن الاستدلال، أما أولا: فلما عرفت أن مفاد "إنني معكما" هو ~~الحضور والشهادة وهو غير العلم. # وأما ثانيا: فلقيام البراهين اليقينية على عينية الصفات الذاتية وهي ~~الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر بعضها لبعض والمجموع للذات، ولا ينعقد ~~مع اليقين ظهور لفظي ظني مخالف البتة. # وأما ثالثا: فلأن المسألة من أصول المعارف لا يركن فيها إلى غير العلم، ~~فتتميم الدليل بمثل أصالة عدم التكرار كما ترى. # قوله تعالى: "فأتياه فقولا إنا رسولا ربك" إلى آخر الآية، جدد أمرهما ~~بالذهاب إلى فرعون بعد تأمينهما ووعدهما بالحفظ والنصر وبين تمام ما يكلفان ~~به من الرسالة وهو أن يدعوا فرعون إلى الإيمان وإلى رفع اليد عن تعذيب بني ~~إسرائيل وإرسالهم معهما فكلما تحول حال في المحاورة جدد الأمر حسب ما ~~يناسبه وهو قوله أولا لموسى: "اذهب إلى فرعون إنه طغى"، ثم قوله ثانيا لما ~~ذكر أسئلته وأجيب إليها: "اذهب أنت وأخوك" "اذهبا إلى فرعون إنه طغى"، ثم ~~قوله لما ذكرا خوفهما وأجيبا بالأمن: "فأتياه فقولا" إلخ، وفيه تفصيل ما ~~عليهما أن يقولا له. # فقوله: "فأتياه فقولا إنا رسولا ربك" تبليغ أنهما رسولا الله، وفي قوله ~~بعد: "والسلام على من اتبع الهدى" إلخ، دعوته إلى بقية أجزاء الإيمان. # وقوله: "فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم" تكليف فرعي متوجه إلى فرعون. # وقوله: "قد جئناك بآية من ربك" استناد إلى حجة تثبت رسالتهما وفي تنكير ~~الآية سكوت عن العدد وإشارة إلى فخامة أمرها وكبر شأنها ووضوح دلالتها. # وقوله: "والسلام على من اتبع الهدى" كالتحية للوداع يشار به إلى ms5254 تمام ~~الرسالة ويبين به خلاصة ما تتضمنه الدعوة الدينية وهو أن السلامة منبسط على ~~من اتبع الهدى والسعادة لمن اهتدى فلا يصادف في مسير حياته مكروها يكرهه لا ~~في دنيا ولا في عقبى. # وقوله: "إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى" في مقام التعليل ~~لسابقه أي إنما نسلم على المهتدين فحسب لأن الله سبحانه أوحي إلينا أن ~~العذاب وهو خلاف السلام على من كذب بآيات الله - أو بالدعوة الحقة التي هي ~~الهدى - وتولى وأعرض عنها. # وفي سياق الآيتين من الاستهانة بأمر فرعون وبما تزين به من زخارف الدنيا ~~وتظاهر به من الكبر والخيلاء ما لا يخفى، فقد قيل: "فأتياه" ولم يقل: اذهبا ~~إليه وإتيان الشيء أقرب مساسا به من الذهاب إليه ولم يكن إتيان فرعون وهو ~~ملك مصر وإله القبط بذاك السهل الميسور، وقيل: "فقولا" ولم يقل: فقولا له ~~كأنه لا يعتني به، وقيل: "إنا رسولا ربك" و"بآية من ربك" فقرع سمعه مرتين ~~بأن له ربا وهو الذي كان ينادي بقوله: "أنا ربكم الأعلى"، وقيل: "والسلام ~~على من اتبع الهدى" ولم يورد بالخطاب إليه، ونظيره قوله: "إن العذاب على من ~~كذب وتولى" من غير خطاب. # وهذا كله هو الأنسب تجاه ما يلوح من لحن قوله تعالى: "لا تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى" من كمال الإحاطة والعزة والقدرة التي لا يقوم لها شيء. # وليس مع ذلك فيما أمرا أن يخاطباه به من قولهما: "إنا رسولا ربك" إلى آخر ~~الآيتين خشونة في الكلام وخروج عن لين القول الذي أمرا به أولا فإن ذلك حق ~~القول الذي لا مناص من قرعه سمع فرعون من غير تملق ولا احتشام وتأثر من ~~ظاهر سلطانه الباطل وعزته الكاذبة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "آتيكم منها بقبس" يقول: آتيكم بقبس من النار تصطلون من البرد "أو ~~أجد على النار هدى" كان قد أخطأ الطريق يقول: أو أجد على النار طريقا. PageV14P083 # وفي الفقيه،: ms5255 سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "فاخلع نعليك - ~~إنك بالواد المقدس طوى" قال: كانتا من جلد حمار ميت. # أقول: ورواه أيضا في تفسير القمي، مرسلا ومضمرا، وروى هذا المعنى في الدر ~~المنثور، عن عبد الرزاق والفاريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن علي. # وقد ورد ذلك في بعض الروايات، وسياق الآية يعطي أن الخلع لاحترام الموقف. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أقم الصلاة لذكري" قيل: معناه أقم الصلاة ~~متى ذكرت أن عليك صلاة كنت في وقتها أم لم تكن. عن أكثر المفسرين:، وهو ~~المروي عن أبي جعفر (عليه السلام):، ويعضده ما رواه أنس عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ~~ذلك:، رواه مسلم في الصحيح:. # أقول: والحديث مروي بطرق أخرى مسندة وغير مسندة عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من طرق أهل السنة وعن الصادقين (عليهما السلام) من طرق الشيعة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أكاد أخفيها" روي عن ابن عباس "أكاد أخفيها ~~عن نفسي" وهي كذلك في قراءة أبي:، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام):. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أسماء بنت عميس ~~قالت: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإزاء ثبير وهو يقول: أشرق ~~ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري، وأن ~~تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي ~~عليا أخي اشدد به أزرى وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت ~~بنا بصيرا. # أقول وروي قريبا من هذا المعنى عن السلفي عن الباقر (عليه السلام) وروي ~~أيضا في المجمع، عن ابن عباس عن أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قريبا منه. # وقال في روح المعاني، بعد إيراد الحديث المذكور ما لفظه: ولا يخفى أنه ~~يتعين هنا حمل الأمر على أمر الإرشاد والدعوة إلى الحق ms5256 ولا يجوز حمله على ~~النبوة ولا يصح الاستدلال به على خلافة علي كرم الله وجهه بعد النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بلا فصل. # ومثله: فيما ذكر ما صح من قوله (عليه السلام) له حين استخلفه في غزوة ~~تبوك على أهل بيته "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا ~~نبي بعدي" انتهى. # قلت: أما الاستدلال بالحديث أو بحديث المنزلة على خلافته (عليه السلام) ~~بلا فصل فالبحث فيه خارج عن غرض الكتاب وإنما نبحث عن المراد بقوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في دعائه لعلي (عليه السلام): "وأشركه في أمري" طبقا ~~لدعاء موسى (عليه السلام) المحكي في الكتاب العزيز فإن له مساسا بما فهمه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من لفظ الآية والحديث صحيح مؤيد بحديث المنزلة ~~المتواتر. # فمراده (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمر في قوله: "وأشركه في أمري" ليس ~~هو النبوة قطعا لنص حديث المنزلة باستثناء النبوة، وهو الدليل القاطع على ~~أن مراد موسى بالأمر في قوله: "وأشركه في أمري" ليس هو النبوة وإلا بقي قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "أمري" بلا معنى يفيده. # وليس المراد بالأمر هو مطلق الإرشاد والدعوة إلى الحق - كما ذكره - قطعا ~~لأنه تكليف يقوم به جميع الأمة ويشاركه فيه غيره وحجة الكتاب والسنة قائمة ~~فيه كأمثال قوله تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني": يوسف: 108، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) - وقد رواه العامة ~~والخاصة -: فليبلغ الشاهد الغائب، وإذا كان أمرا مشتركا بين الجميع فلا ~~معنى لسؤال إشراك علي فيه. # على أن الإضافة في قوله: "أمري" تفيد الاختصاص فلا يصدق على ما هو مشترك ~~بين الجميع، ونظير الكلام يجري في قول موسى المحكي في الآية. # نعم التبليغ الابتدائي وهو تبليغ الوحي لأول مرة أمر يختص بالنبي فليس له ~~أن يستنيب لتبليغ أصل الوحي رجلا آخر، فالإشراك فيه إشراك في أمره وفي قول ~~موسى ما يشهد بذلك إذ يقول: "وأخي هارون هو أفصح ms5257 مني لسانا فأرسله معي ردءا ~~يصدقني" إذ ليس المراد بتصديقه إياه أن يقول: صدق أخي بل أن يوضح ما أبهم ~~من كلامه ويفصل ما أجمل ويبلغ عنه بعض الوحي الذي كان عليه أن يبلغه. PageV14P084 # فهذا النوع من التبليغ وما معه من آثار النبوة كافتراض الطاعة مما يختص ~~بالنبي والإشراك فيها إشراك في أمره، فهذا المعنى هو المراد بالأمر في ~~دعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو المراد أيضا مضافة إليه النبوة في ~~دعاء موسى. # وقد تقدم ما يتعلق بهذا البحث في تفسير أول سورة براءة في حديث بعث النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بآيات أول براءة إلى مكة بعد عزل أبي بكر ~~عنها استنادا إلى ما أوحي إليه أنه لا يبلغها عنك إلا أنت أو رجل منك، في ~~الجزء التاسع من الكتاب. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد ~~بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حملت به أمه لم يظهر حملها إلا ~~عند وضعها له، وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهن ~~وذلك لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون: إنه يولد فينا رجل يقال له: ~~موسى بن عمران يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده، فقال فرعون عند ذلك: ~~لأقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون، وفرق بين الرجال والنساء وحبس ~~الرجال في المحابس. فلما وضعت أم موسى بموسى نظرت إليه وحزنت عليه واغتمت ~~وبكت وقالت: يذبح الساعة، فعطف الله الموكلة بها عليه فقالت لأم موسى: ما ~~لك قد اصفر لونك؟ فقالت: أخاف أن يذبح ولدي، فقالت: لا تخافي، وكان موسى لا ~~يراه أحد إلا أحبه وهو قول الله: "وألقيت عليك محبة مني" فأحبته القبطية ~~الموكلة بها. # وفي العلل، بإسناده عن ابن أبي عمير قال: قلت لموسى بن جعفر (عليه ~~السلام): أخبرني عن قول الله عز وجل لموسى "اذهبا إلى فرعون إنه طغى وقولا ~~له قولا لينا - لعله يتذكر أو يخشى" ms5258 فقال: أما قوله: "فقولا له قولا لينا" ~~أي كنياه وقولا له: يا أبا مصعب وكان كنية فرعون أبا مصعب الوليد بن مصعب، ~~أما قوله: "لعله يتذكر أو يخشى" فإنما قال ليكون أحرص لموسى على الذهاب وقد ~~علم الله عز وجل أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى إلا عند رؤية البأس، ألا تسمع ~~الله عز وجل يقول: "حتى إذا أدركه الغرق - قال آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنو إسرائيل - وأنا من المسلمين"؟ فلم يقبل الله إيمانه وقال: ~~"الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين":. أقول: وروى صدر الحديث في الدر ~~المنثور، عن ابن أبي حاتم عن علي:. # وتفسير القول اللين بالتكنية من قبيل ذكر بعض المصاديق لضرورة أنه لا ~~ينحصر فيه. # وروى ذيل الحديث أيضا في الكافي، بإسناده عن عدي بن حاتم عن علي (عليه ~~السلام) وفيه تأييد ما قدمنا أن لعل مستعملة في الآية للترجي. PageV14P085 ### ||| AUTO 20 سورة طه - 49 - 79 # قال فمن ربكما يموسى (49) قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى (50) ~~قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربى فى كتب لا يضل ربى ولا ~~ينسى (52) الذى جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به أزوجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعمكم إن فى ذلك لايت ~~لأولى النهى (54) منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ~~ولقد أرينه ءايتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ~~يموسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا ~~أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى ~~فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ~~فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنزعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ~~(62) قالوا إن هذن لسحرن يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ~~(64) قالوا يموسى إما أن تلقى وإما أن ms5259 نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس فى نفسه خيفة ~~موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما فى يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد سحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقى السحرة سجدا قالوا ~~ءامنا برب هرون وموسى (70) قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى ~~علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولأصلبنكم فى جذوع النخل ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينت ~~والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحيوة الدنيا (72) إنا ءامنا ~~بربنا ليغفر لنا خطينا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه ~~من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا ~~قد عمل الصلحت فأولئك لهم الدرجت العلى (75) جنت عدن تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى ~~فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا لا تخف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون ~~بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) ### |||| AUTO بيان # فصل آخر من قصة موسى (عليه السلام) يذكر فيه خبر ذهاب موسى وهارون ~~(عليهما السلام) إلى فرعون وتبليغهما رسالة ربهما في نجاة بني إسرائيل، وقد ~~فصل في الآيات خبر ذهابهما إليه وإظهارهما آيات الله ومقابلة السحرة وظهور ~~الحق وإيمان السحرة وأشير إجمالا إلى إسراء بني إسرائيل وشق البحر واتباع ~~فرعون لهم بجنوده وغرقهم. # قوله تعالى: "قال فمن ربكما يا موسى" حكاية لمحاورة موسى وفرعون وقد علم ~~مما نقله تعالى من أمره تعالى لهما أن يذهبا إلى فرعون ويدعواه إلى التوحيد ~~ويكلماه في إرسال بني إسرائيل معهما، ما قالا له فهو محذوف وما نقل من كلام ~~فرعون جوابا دال عليه. PageV14P086 # ويظهر مما نقل من كلام فرعون إنه علم بتعريفهما أنهما معا داعيان شريكان في ~~الدعوة غير أن موسى هو الأصل في القيام بها ms5260 وهارون وزيره ولذا خاطب موسى ~~وحده وسأل عن ربهما معا. # وقد وقع في كلمة الدعوة التي أمرا بأن يكلماه بها "إنا رسولا ربك فأرسل ~~معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك" إلخ، لفظ "ربك" خطابا ~~لفرعون مرتين وهو لا يرى لنفسه ربا بل يرى نفسه ربا لهما ولغيرهما كما قال ~~في بعض كلامه المنقول منه: "أنا ربكم الأعلى:" النازعات: 24، وقال: "لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين": الشعراء: 29، فقوله: "فمن ربكما" - ~~وكان الحري بالمقام أن يقول فمن ربي الذي تدعيانه ربا لي؟ أو ما يقرب من ~~ذلك - يلوح إلى أنه يتغافل عن كونه سبحانه ربا له كأنه لم يسمع قولهما ~~"ربك" ويسأل عن ربهما الذي هما رسولان من عنده. # وكان من المسلم المقطوع عند الأمم الوثنيين أن خالق الكل حقيقة هي أعلى ~~من أن يقدر بقدر وأعظم من أن يحيط به عقل أو وهم فمن المستحيل أن يتوجه ~~إليه بعبادة أو يتقرب إليه بقربان فلا يؤخذ إلها وربا بل الواجب التوجه إلى ~~بعض مقربي خلقه بالعبادة والقربان ليقرب الإنسان من الله زلفى ويشفع له ~~عنده فهؤلاء هم الآلهة والأرباب وليس الله سبحانه بإله ولا رب وإنما هو إله ~~الآلهة ورب الأرباب فقول القائل: إن لي ربا إنما يعني به أحد الآلهة من دون ~~الله وليس يعني به الله سبحانه ولا يفهم ذلك من كلامه في محاوراتهم. # فقول فرعون: "فمن ربكما" ليس إنكارا لوجود خالق الكل ولا إنكار أن يكون ~~له إله كما يظهر من قوله: "ويذرك وآلهتك": الأعراف: 127، وإنما هو طلب منه ~~للمعرفة بحال من اتخذاه إلها وربا من هو غيره؟ وهذا معنى ما تقدم أن فرعون ~~يتغافل في قوله هذا عن دعوتهما إلى الله سبحانه وهما في أول الدعوة فهو ~~يقدر ولو كتقدير المتجاهل أن موسى وأخاه يدعوانه إلى بعض الآلهة التي يتخذ ~~فيما بينهم ربا من دون الله فيسأل عنه، وقد كان من دأب الوثنيين التفنن في ~~اتخاذ الآلهة يتخذ كل منهم من يهواه إلها ms5261 وربما بدل إلها من إله فتلك ~~طريقتهم وسيأتي قول الملإ: "ويذهبا بطريقتكم المثلى" نعم، ربما تفوه عامتهم ~~ببعض ما لا يوافق أصولهم كنسبة الخلق والتدبير إلى نفس الأصنام دون ~~أربابها. # فمحصل مذهبهم أنهم ينزهون الله تعالى عن العبادة والتقرب وإنما يتقربون ~~استشفاعا إليه ببعض خلقه كالملائكة والجن والقديسين من البشر، وكان منهم ~~الملوك العظام عند كثير منهم يرونهم مظاهر لعظمة اللاهوت فيعبدونهم في عرض ~~سائر الآلهة والأرباب وكان لا يمنع ذلك الملك الرب أن يتخذ إلها من الآلهة ~~فيعبده فيكون عابدا لربه معبودا لغيره من الرعية كما كان رب البيت يعبد في ~~بيته عند الروم القديم وكان أكثرهم من الوثنية الصابئة، فقد كان فرعون موسى ~~ملكا متألها وهو يعبد الأصنام وهو الظاهر من خلال الآيات الكريمة. # ومن هنا يظهر ما في أقوال كثير من المفسرين في أمره قال في روح المعاني،: ~~ذهب بعضهم إلى أن فرعون كان عارفا بالله تعالى إلا أنه كان معاندا واستدلوا ~~عليه بعدة من الآيات. # وبأن ملكه لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ألا ترى أن موسى (عليه السلام) ~~لما هرب إلى مدين قال له شعيب (عليه السلام): لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين فكيف يعتقد أنه إله العالم؟ وبأنه كان عاقلا ضرورة أنه كان مكلفا ~~وكل عاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم ومن كان كذلك افتقر إلى مدبر ~~فيكون قائلا بالمدبر. # ومن الناس من قال: إنه كان جاهلا بالله تعالى بعد اتفاقهم على أن العاقل ~~لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السماوات والأرض وما بينهما واختلفوا في ~~كيفية جهله. # فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للصانع أصلا، ولعله كان يقول بعدم احتياج ~~الممكن إلى مؤثر وأن وجود العالم اتفاقي كما نقل عن ذي مقراطيس وأتباعه. # ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة الموجبة ويحتمل أنه كان من عبدة ~~الكواكب ويحتمل أنه كان من عبدة الأصنام، ويحتمل أنه كان من الحلولية ~~المجسمة، وأما دعاؤه لنفسه بالربوبية فبمعنى أنه يجب على من تحت يده طاعته ~~والانقياد ms5262 له وعدم الاشتغال بطاعة غيره. # انتهى بنحو من التلخيص. PageV14P087 # وأنت بالرجوع إلى حاق مذهب القوم تعرف أن شيئا من هذه الأقوال والمحتملات ~~ولا ما استدلوا عليه لا يوافق واقع الأمر. # قوله تعالى: "قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" سياق الآية - وهي ~~واقعة في جواب سؤال فرعون: "فمن ربكما يا موسى" - يعطي أن "خلقه" بمعنى اسم ~~المصدر والضمير للشيء فالمراد الوجود الخاص بالشيء. # والهداية إراءة الشيء الطريق الموصل إلى مطلوبه أو إيصاله إلى مطلوبه ~~ويعود المعنيان في الحقيقة إلى معنى واحد وهو نوع من إيصال الشيء إلى ~~مطلوبه إما بإيصاله إليه نفسه أو إلى طريقه الموصل إليه. # وقد أطلق الهداية من حيث المهدي والمهدي إليه، ولم يسبق في الكلام إلا ~~الشيء الذي أعطي خلقه فالظاهر أن المراد هداية كل شيء - المذكور قبلا - إلى ~~مطلوبه ومطلوبه هو الغاية التي يرتبط بها وجوده وينتهي إليها والمطلوب هو ~~مطلوبه من جهة خلقه الذي أعطيه ومعنى هدايته له إليها تسييره نحوها كل ذلك ~~بمناسبة البعض للبعض. # فيئول المعنى إلى إلقائه الرابطة بين كل شيء بما جهز به في وجوده من ~~القوى والآلات وبين آثاره التي تنتهي به إلى غاية وجوده فالجنين من الإنسان ~~مثلا وهو نطفة مصورة بصورته مجهز في نفسه بقوى وأعضاء تناسب من الأفعال ~~والآثار ما ينتهي به إلى الإنسان الكامل في نفسه وبدنه فقد أعطيت النطفة ~~الإنسانية بما لها من الاستعداد خلقها الذي يخصها وهو الوجود الخاص ~~بالإنسان ثم هديت وسيرت بما جهزت به من القوى والأعضاء نحو مطلوبها وهو ~~غاية الوجود الإنساني والكمال الأخير الذي يختص به هذا النوع. # ومن هنا يظهر معنى عطف قوله: "هدى" على قوله: "أعطى كل شيء خلقه" بثم وأن ~~المراد التأخر الرتبي فإن سير الشيء وحركته بعد وجوده رتبة وهذا التأخر في ~~الموجودات الجسمانية تدريجي زماني بنحو. # وظهر أيضا أن المراد بالهداية الهداية العامة الشاملة لكل شيء دون ~~الهداية الخاصة بالإنسان، وذلك بتحليل الهداية الخاصة وتعميمها بإلقاء ~~الخصوصيات فإن حقيقة هداية الإنسان بإراءته ms5263 الطريق الموصل إلى المطلوب ~~والطريق رابطة القاصد بمطلوبه فكل شيء جهز بما يربطه بشيء ويحركه نحوه فقد ~~هدي إلى ذلك الشيء فكل شيء مهدي نحو كماله بما جهز به من تجهيز والله ~~سبحانه هو الهادي. # فنظام الفعل والانفعال في الأشياء وإن شئت فقل: النظام الجزئي الخاص بكل ~~شيء والنظام العام الجامع لجميع الأنظمة الجزئية من حيث ارتباط أجزائها ~~وانتقال الأشياء من جزء منها إلى جزء مصداق هدايته تعالى وذلك بعناية أخرى ~~مصداق لتدبيره، ومعلوم أن التدبير ينتهي إلى الخلق بمعنى أن الذي ينتهي ~~وينتسب إليه تدبير الأشياء هو الذي أوجد نفس الأشياء فكل وجود أو صفة وجود ~~ينتهي إليه ويقوم به. # فقد تبين أن الكلام أعني قوله: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" مشتمل على ~~البرهان على كونه تعالى رب كل شيء لا رب غيره فإن خلقه الأشياء وإيجاده لها ~~يستلزم ملكه لوجوداتها - لقيامها به - وملك تدبير أمرها. # وعند هذا يظهر أن الكلام على نظمه الطبيعي والسياق جار على مقتضى المقام ~~فإن المقام مقام الدعوة إلى التوحيد وطاعة الرسول وقد أتى فرعون بعد استماع ~~كلمة الدعوة بما حاصله التغافل عن كونه تعالى ربا له، وحمل كلامهما على ~~دعوتهما له إلى ربهما فسأل: من ربكما؟ فكان من الحري أن يجاب بأن ربنا هو ~~رب العالمين ليشملهما وإياه وغيرهم جميعا فأجيب بما هو أبلغ من ذلك فقيل: ~~"ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" فأجيب بأنه رب كل شيء وأفيد مع ذلك ~~البرهان على هذا المدعى، ولو قيل: ربنا رب العالمين أفاد المدعى فحسب دون ~~البرهان، فافهم ذلك. # وإنما أثبت في الكلام الهداية دون التدبير مع كون موردهما متحدا كما ~~تقدمت الإشارة إليه لأن المقام مقام الدعوة والهداية والهداية، العامة أشد ~~مناسبة له. # هذا هو الذي يرشد إليه التدبر في الآية الكريمة، وبذلك يعلم حال سائر ~~التفاسير التي أوردت للآية: كقول بعضهم: إن المراد بقوله: "خلقه" مثل خلقه ~~وهو الزوج الذي يماثل الشيء، والمعنى: الذي خلق لكل شيء زوجا، فيكون ms5264 في ~~معنى قوله: "ومن كل شيء خلقنا زوجين". PageV14P088 # وقول بعضهم: إن المراد بكل شيء أنواع النعم وهو مفعول ثان لأعطى وبالخلق ~~المخلوق وهو مفعول أول لأعطى، والمعنى: الذي أعطى مخلوقاته كل شيء من النعم. # وقول بعضهم: إن المراد بالهداية الإرشاد والدلالة على وجوده تعالى ووحدته ~~بلا شريك، والمعنى: الذي أعطى كل شيء من الوجود ما يطلبه بلسان استعداده ثم ~~أرشد ودل بذلك على وجود نفسه ووحدته. # والتأمل فيما مر يكفيك للتنبه على فساد هذه الوجوه فإنما هي معان بعيدة ~~عن السياق وتقييدات للفظ الآية من غير مقيد. # قوله تعالى: "قال فما بال القرون الأولى" قيل: البال في الأصل بمعنى ~~الفكر ومنه قولهم: خطر ببالي كذا، ثم استعمل بمعنى الحال، ولا يثنى ولا ~~يجمع، وقولهم: بآلات، شاذ. # لما كان جواب موسى (عليه السلام) مشتملا على معنى الهداية العامة التي لا ~~تتم في الإنسان إلا بنبوة ومعاد إذ لا يستقيم دين التوحيد إلا بحساب وجزاء ~~يتميز به المحسن من المسيء ولا يتم ذلك إلا بتمييز ما يأمر تعالى به مما ~~ينهى عنه وما يرتضيه مما يسخطه، على أن كلمة الدعوة التي أمرا أن يؤدياها ~~إلى فرعون مشتملة على الجزاء صريحا ففي آخرها: "إنا قد أوحي إلينا أن ~~العذاب على من كذب وتولى" والوثنيون منكرون لذلك عدل فرعون عن الكلام في ~~الربوبية - وقد انقطع بما أجاب به موسى - إلى أمر المعاد والسؤال عنه بانيا ~~على الاستبعاد. # فقوله: "فما بال القرون الأولى" أي ما حال الأمم والأجيال الإنسانية ~~الماضية الذين ماتوا وفنوا لا خبر عنهم ولا أثر كيف يجزون بأعمالهم ولا ~~عامل في الوجود ولا عمل وليسوا اليوم إلا أحاديث وأساطير؟ فالآية نظيرة ما ~~نقل عن المشركين في قوله: "وقالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق ~~جديد:" الم السجدة: 10، وظاهر الكلام أنه مبني على الاستبعاد من جهة انتفاء ~~العلم بهم وبأعمالهم للموت والفوت كما يشهد به جواب موسى (عليه السلام). # قوله تعالى: "قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ms5265 ولا ينسى" أجاب (عليه ~~السلام) عن سؤاله بإثبات علمه تعالى المطلق بتفاصيل تلك القرون الخالية ~~فقال: "علمها عند ربي" فأطلق العلم بها فلا يفوته شيء من أشخاصهم وأعمالهم ~~وجعلها عند الله فلا تغيب عنه ولا تفوته، وقد قال تعالى: "وما عند الله ~~باق" ثم قيد ذلك بقوله: "في كتاب" - وكأنه حال من العلم - ليؤكد به أنه ~~مثبت محفوظ من غير أن يتغير عن حاله وقد نكر الكتاب ليدل به على فخامة أمره ~~من جهة سعة إحاطته ودقتها فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. # فيئول معنى الكلام إلى أن جزاء القرون الأولى إنما يشكل لو جهل ولم يعلم ~~بها لكنها معلومة لربي محفوظة عنده في كتاب لا يتطرق إليه خطأ ولا تغيير ~~ولا غيبة وزوال. # وقوله: "لا يضل ربي ولا ينسى" نفي للجهل الابتدائي والجهل بعد العلم على ~~ما نقل عن بعضهم ولكن الظاهر أن الجملة مسوقة لنفي الجهل بعد العلم بقسميه ~~فإن الضلال هو قصد الغاية بسلوك سبيل لا يؤدي إليها بل إلى غيرها فيكون ~~الضلال في العلم هو أخذ الشيء مكان غيره وإنما يتحقق ذلك بتغير المعلوم من ~~حيث هو معلوم عما كانت عليه في العلم أولا، والنسيان خروج الشيء من العلم ~~بعد دخوله فيه فهما معا من الجهل بعد العلم، ونفيه هو المناسب لإثبات العلم ~~أولا فيفيد مجموع الآية أنه عالم بالقرون الأولى ولا سبيل إليه للجهل بعد ~~العلم فيجازيهم على ما علم. # ومن هنا يظهر أن قوله: "لا يضل ربي ولا ينسى" من تمام بيان الآية كأنه ~~دفع دخل مقدر كأنما قيل: إنها وإن علم بها يوما فهي اليوم باطلة الذوات ~~معفوة الآثار لا يتميز شيء منها من شيء فأجيب بأن شيئا منها ومن آثارها ~~وأعمالها لا يختلط عليه تعالى بتغير ضلال ولا يغيب عنه بنسيان، ولذا أوردت ~~الجملة مفصولة غير معطوفة. PageV14P089 # وقد أثبت العلم ونفى الجهل عنه تعالى بعنوان أنه رب لتكون فيه إشارة إلى ~~برهان المدعى وذلك أن فرض الربوبية لا يجامع فرض الجهل ms5266 بالمربوب إذ فرض ~~ربوبيته المطلقة لكل شيء - والرب هو المالك للشيء المدبر لأمره - يستلزم ~~كون الأشياء مملوكة له قائمة الوجود به من كل جهة وكونها مدبرة له كيفما ~~فرضت فهي معلومة له، ولو فرض شيء منها مجهولا له عن ضلال أو نسيان أو جهل ~~ابتدائي فذلك الشيء أيا ما كان وأينما تحقق مملوك له قائم الوجود به مدبر ~~بتدبيره لا حاجب بينهما ولا فاصل وهو الحضور الذي نسميه علما وقد فرضناه ~~مجهولا أي غائبا عنه هذا خلف. # وقد أضاف الرب إلى نفسه في الآية في موضعين ثانيهما من وضع الظاهر موضع ~~المضمر على ما قيل ولم يقل: "ربنا" كما في الآية السابقة لأن السؤال السابق ~~إنما كان عن ربهما الذي يدعوان إليه فأجيب بما يطابقه فكان معناه بحسب ~~المقام: الرب الذي أدعو أنا وأخي إليه هو كذا وكذا، وأما في هذه الآية فقد ~~سئل عن أمر يرجع إلى القرون الأولى والذي يصفه هو موسى فكان المعنى الرب ~~الذي أصفه عليم بها، والذي يفيد هذا المعنى هو "ربي" لا غير فتأمل فيه فهو لطيف. # والنكتة في "ربي" الثاني هي نظيرة ما في "ربي" الأول وفي كونه من قبيل ~~وضع الظاهر موضع المضمر تأمل لفصل الجملة. # وقد اختلفت أقوال المفسرين في تفسير الآيتين بالوجوه والاحتمالات اختلافا ~~كثيرا أضربنا عن ذكرها لعدم جدوى فيها ومن أعجبها قول كثير منهم أن قول ~~فرعون لموسى: "فما بال القرون الأولى" سؤال عن تاريخ الأمم الأولى المنقرضة ~~سأل موسى عن ذلك ليصرفه عن ما هو فيه من التكلم في أصول المعارف الإلهية ~~وإقامة البرهان على صريح الحق في مسائل المبدأ والمعاد مما ينكره الوثنية ~~ويشغله بما لا فائدة فيه من تواريخ الأولين وأخبار الماضين، وجواب موسى: ~~"علمها عند ربي" إلخ، محصله إرجاع العلم بها إلى الله وأنه من الغيب الذي ~~لا يعلمه إلا علام الغيوب. # قوله تعالى: "الذي جعل لكم الأرض مهدا - إلى قوله - لآيات لأولي النهى" ~~قد عرفت أن لسؤاله "فما بال القرون الأولى؟" ارتباطا بما ms5267 وصف الله به من ~~الهداية العامة التي منها هداية الإنسان إلى سعادته في الحياة وهي الحياة ~~الخالدة الأخروية وكذا الجواب عنه بقوله: "علمها عند ربي" إلخ مرتبط فقوله: ~~"الذي جعل لكم الأرض مهدا" مضى في الحديث عن الهداية العامة وذكر شواهد ~~بارزة من ذلك. # فالله سبحانه أقر الإنسان في الأرض يحيا فيها حياة أرضية ليتخذ منها زادا ~~لحياته العلوية السماوية كالصبي يقر في المهد ويربى لحياة هي أشرف منه ~~وأرقى، وجعل للإنسان فيها سبلا ليتنبه بذلك أن بينه وبين غايته وهو التقرب ~~منه تعالى والدخول في حظيرة الكرامة سبيلا يجب أن يسلكها كما يسلك السبل ~~الأرضية لمآربه الحيوية وأنزل من السماء ماء وهو ماء الأمطار ومنه مياه ~~عيون الأرض وأنهارها وبحارها فأنبت منه أزواجا أي أنواعا وأصنافا متقاربة ~~شتى من نبات يهديكم إلى أكلها ففي ذلك آيات تدل أرباب العقول إلى هدايته ~~وربوبيته تعالى. # فقوله: "الذي جعل لكم الأرض مهدا" إشارة إلى قرار الإنسان في الأرض ~~لإدامة الحياة وهو من الهداية، وقوله: "وسلك لكم فيها سبلا" إشارة إلى ~~مسالك الإنسان التي يسلكها في الأرض لإدراك مآربه وهو أيضا من الهداية، ~~وقوله: "وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا ~~أنعامكم" إشارة إلى هداية الإنسان والإنعام إلى أكل النبات لإبقاء الحياة، ~~وفيه هداية السماء إلى الإمطار وماء الأمطار إلى النزول والنبات إلى ~~الخروج. # والباء في "به" للسببية وفيه تصديق السببية والمسببية بين الأمور ~~الكونية، والمراد بكون النبات أزواجا كونها أنواعا وأصنافا متقاربة كما ~~فسره القوم أو حقيقة الإزدواج بين الذكور والإناث من النبات وهي من الحقائق ~~التي نبه عليها الكتاب العزيز. PageV14P090 # وقوله: "فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى" فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ~~بالغير، قيل: والوجه فيه ما في هذا الصنع العجيب وإبداع الصور المتشتتة ~~والأزواج المختلفة على ما فيها من تنوع الحياة من ماء واحد، من العظمة ~~والصنع العظيم لا يصدر إلا من العظيم والعظماء يتكلمون عنهم وعن غيرهم من ~~أعوانهم وقد ورد الالتفات في ms5268 معنى إخراج النبات بالماء في مواضع من كلامه ~~تعالى كقوله: "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها": فاطر: 27، وقوله: "وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة": النمل: 60، وقوله: "وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل ~~شيء:" الأنعام: 99. # وقوله: "إن في ذلك لآيات لأولي النهى" النهى جمع نهية بالضم فالسكون: وهو ~~العقل سمي به لنهيه عن اتباع الهوى. # قوله تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" الضمير ~~للأرض والآية تصف ابتداء خلق الإنسان من الأرض ثم إعادته فيها وصيرورته جزء ~~منها ثم إخراجه منها للرجوع إلى الله ففيها الدورة الكاملة من هداية ~~الإنسان. # قوله تعالى: "ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى" الظاهر أن المراد ~~بالآيات العصا واليد وسائر الآيات التي أراها موسى فرعون أيام دعوته قبل ~~الغرق كما مر في قوله: "اذهب أنت وأخوك بآياتي" فالمراد جميع الآيات التي ~~أريها وإن لم يؤت بها جميعا في أول الدعوة كما أن المراد بقوله: "فكذب ~~وأبى" مطلق تكذيبه وإبائه لا ما أتى به منهما في أول الدعوة. # قوله تعالى: "قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى" الضمير لفرعون ~~وقد اتهم موسى أولا بالسحر لئلا يلزمه الاعتراف بصدق ما جاء به من الآيات ~~المعجزة وحقية دعوته، وثانيا بأنه يريد إخراج القبط من أرضهم وهي أرض مصر، ~~وهي تهمة سياسية يريد بها صرف الناس عنه وإثارة أفكارهم عليه بأنه عدو يريد ~~أن يطردهم من بيئتهم ووطنهم بمكيدته ولا حياة لمن لا بيئة له. # قوله تعالى: "فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ~~ولا أنت مكانا سوى" الظاهر كما يشهد به الآية التالية أن الموعد اسم زمان ~~وإخلاف الوعد عدم العمل بمقتضاه، ومكان سوى بضم السين أي واقع المنتصف من ~~المسافة أو مستوي الأطراف من غير ارتفاع وانخفاض قال في المفردات،: ومكان ~~سوى وسواء وسط، ويقال: سواء وسوى وسوى - بضم السين وكسرها - أي يستوي ~~طرفاه، ويستعمل ذلك وصفا ms5269 وظرفا، وأصل ذلك مصدر. # انتهى. # والمعنى: فأقسم لنأتينك بسحر يماثل سحرك لقطع حجتك وإبطال إرادتك فاجعل ~~بيننا وبينك زمان وعد لا نخلفه في مكان بيننا أو في مكان مستوي الأطراف أو ~~اجعل بيننا وبينك مكانا كذلك. # قوله تعالى: "قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى" الضمير لموسى ~~وقد جعل الموعد يوم الزينة، ويظهر من السياق أنه كان يوما لهم يجري بينهم ~~مجرى العيد، ويظهر من لفظه أنهم كانوا يتزينون فيه ويزينون الأسواق، وحشر ~~الناس - على ما ذكره الراغب - إخراجهم عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ~~ونحوها، والضحى وقت انبساط الشمس من النهار. # وقوله: "وأن يحشر الناس ضحى" معطوف على الزينة أو على يوم بتقدير اليوم ~~أو الوقت ونحوه والمعنى قال موسى موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس في ~~الضحى، وليس من البعيد أن يكون مفعولا معه والمعنى موعدكم يوم الزينة مع ~~حشر الناس في الضحى ويرجع إلى الاشتراط. # وإنما اشترط ذلك ليكون ما يأتي به ويأتون به على أعين الناس في ساعة مبصرة. # قوله تعالى: "فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى" ظاهر السياق أن المراد بتولي ~~فرعون انصرافه عن مجلس المواعدة للتهيؤ لما واعد، والمراد بجمع كيده جمع ما ~~يكاد به من السحرة وسائر ما يتوسل به إلى تعمية الناس والتلبيس عليهم ويمكن ~~أن يكون المراد بجمع كيده جمع ذوي كيده بحذف المضاف والمراد بهم السحرة ~~وسائر عماله وأعوانه وقوله: "ثم أتى" أي ثم أتى الموعد وحضره. # قوله تعالى: "قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ~~وقد خاب من افترى" الويل كلمة عذاب وتهديد، والأصل فيه معنى العذاب ومعنى ~~ويلكم عذبكم الله عذابا، والسحت بفتح السين استيصال الشعر بالحلق والإسحات ~~الاستئصال والإهلاك. PageV14P091 # وقوله: "قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا" ضمائر الجمع غيبة ~~وخطابا لفرعون وكيده وهم السحرة وسائر أعوانه على موسى (عليه السلام) وقد ~~مر ذكرهم في الآية السابقة، وأما رجوعها إلى السحرة فقط فلم يسبق لهم ذكر ~~ولا دل عليهم دليل ms5270 من جهة اللفظ. # وهذا القول من موسى (عليه السلام) موعظة لهم وإنذار أن يفتروا على الله ~~الكذب، وقد ذكر من افترائهم فيما مر تسمية فرعون الآيات الإلهية سحرا، ورمي ~~الدعوة الحقة بأنها للتوسل إلى إخراجهم من أرضهم ومن الافتراء أيضا السحر ~~لكن افتراء الكذب على الله وهو اختلاق الكذب عليه إنما يكون بنسبة ما ليس ~~من الله إليه، وعد الآية المعجزة سحرا والدعوة الحقة كيدا سياسيا قطع ~~نسبتهما إلى الله وكذا إتيانهم بالسحر قبال المعجزة مع الاعتراف بكونه سحرا ~~لا واقع له فلا يعد شيء منها افتراء على الله. # فالظاهر أن المراد بافتراء الكذب على الله الاعتقاد بأصول الوثنية ~~كألوهية الآلهة وشفاعتها ورجوع تدبير العالم إليها كما فسروا الآية بذلك، ~~وقد عد ذلك افتراء على الله في مواضع من القرآن كقوله: "قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم:" الأعراف: 89. # وقوله: "فيسحتكم بعذاب" تفريع على النهي أي لا تشركوا بالله حتى يستأصلكم ~~ويهلككم بعذاب بسبب شرككم، وتنكير العذاب للدلالة على شدته وعظمته. # قوله: "وقد خاب من افترى" الخيبة اليأس من بلوغ النتيجة المأمولة وقد ~~وضعت الجملة في الكلام وضع الأصل الكلي الذي يتمسك به وهو كذلك فإن ~~الافتراء من الكذب وسببيته سببية كاذبة والأسباب الكاذبة لا تهتدي إلى ~~مسببات حقة وآثار صادقة فنتائجها غير صالحة للبقاء ولا هي تسوق إلى سعادة ~~فليس في عاقبتها إلا الشؤم والخسران فالآية أشمل معنى من قوله تعالى: "إن ~~الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون:" يونس: 69. # لإثباتها الخيبة في مطلق الافتراء بخلاف الآية الثانية وقد تقدم كلام في ~~أن الكذب لا يفلح في ذيل قوله: "وجاءوا على قميصه بدم كذب:" يوسف: 18 في ~~الجزء الحادي عشر من الكتاب. # قوله تعالى: "فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى" - إلى قوله - من ~~استعلى" التنازع قريب المعنى من الاختلاف، من النزع بمعنى جذب الشيء من ~~مقره لينقلع منه والتنازع يتعدى بنفسه كما في الآية وبفي كقوله: "فإن ~~تنازعتم في شيء:" النساء: 59. # والنجوى الكلام الذي يسار به، وأصله مصدر ms5271 بمعنى المناجاة وهي المسارة في ~~الكلام، والمثلى مؤنث أمثل كفضلى وأفضل وهو الأقرب الأشبه والطريقة المثلى ~~السنة التي هي أقرب من الحق أو من أمنيتهم وهي سنة الوثنية التي كانت مصر ~~اليوم تدار بها وهي عبادة الآلهة وفي مقدمتها فرعون إله القبط، والإجماع - ~~على ما ذكره الراغب - جمع الشيء عن فكر وترو، والصف جعل الأشياء على خط ~~مستو كالإنسان والأشجار ونحو ذلك ويستعمل مصدرا واسم مصدر وقوله: "ثم ائتوا ~~صفا" يحتمل أن يكون مصدرا، وأن يكون بمعنى صافين أي ائتوه باتحاد واتفاق من ~~دون أن تختلفوا وتتفرقوا فتضعفوا وكونوا كيد واحدة عليه. # ويظهر من تفريع قوله: "فتنازعوا أمرهم" على ما في الآية السابقة من قوله: ~~"قال لهم موسى" إلخ إن التنازع والاختلاف إنما ظهر بينهم عن موعظة وعظهم ~~بها موسى فأثرت فيهم بعض أثرها ومن شأنها ذلك إذ ليست إلا كلمة حق ما فيها ~~مغمض وكان محصلها أن لا علم لكم بما تدعونه من ألوهية الآلهة وشفاعتها ~~فنسبتكم الشركاء والشفعاء إلى الله افتراء عليه وقد خاب من افترى وهذا ~~برهان واضح لا ستر عليه ولا غبار. # ويظهر من قوله الآتي الحاكي لقول السحرة: "إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر" أن الاختلاف إنما ظهر أول ما ظهر بين ~~السحرة ومنهم وربما أشعر قوله الآتي: "ثم ائتوا صفا" أن المترددين في ~~مقابلة موسى منهم أو العازمين على ترك مقابلته أصلا كانوا بعض السحرة إن ~~كان الخطاب متوجها إليهم ولعل السياق يساعد على ذلك. PageV14P092 # وكيف كان لما رأى فرعون وأياديه تنازع القوم - وفيه خزيهم وخذلانهم - ~~أسروهم النجوى ولم يكلموهم فيما ألقاه إليهم موسى من الحكمة والموعظة بل ~~عدلوا عن ذلك إلى ما اتهمه فرعون بالسحر وطرح خطة سياسية لإخراج أمة القبط ~~من أرضهم ولا ترضى الأمة بذلك ففيه خروج من ديارهم وأموالهم وسقوط من أوج ~~سعادتهم إلى حضيض الشقاء وهم يرون ما يقاسيه بنو إسرائيل بينهم. # وأضافوا إلى ذلك أمرا آخر أمر من الجلاء والخروج من الديار والأموال ms5272 وهو ~~ذهاب طريقتهم المثلى وسنتهم القومية التي هي ملة الوثنية الحاكمة فيهم قرنا ~~بعد قرن وجيلا بعد جيل وقد اشتد بها عظمهم ونبت عليها لحمهم والعامة تقدس ~~السنن القومية وخاصة ما اعتادت عليها وأذعنت بأنها سنن ظاهرة سماوية. # وهذا بالحقيقة إغراء لهم على التثبت والاستقامة على ملة الوثنية لكن لا ~~لأنها دين حق لا شبهة فيه فإن حجة موسى أوضحت فسادها وكشفت عن بطلانها بل ~~بعنوان أنها سنة ملية مقدسة تعتمد عليها مليتهم وتستند إليها شوكتهم ~~وعظمتهم وتعتصم بها حياتهم فلو اختلفوا وتركوا مقابلة موسى واستعلى هو ~~عليهم كان في ذلك فناؤهم بالمرة. # فالرأي هو أن يجمعوا كل كيد لهم ثم يدعوا الاختلاف ويأتوا صفا حتى ~~يستعلوا وقد أفلح اليوم من استعلى. # فأكدوا عليهم القول بالتسويل أن يتحدوا ويتفقوا ولا يهنوا في حفظ ملتهم ~~ومدنيتهم ويكروا على عدوهم كرة رجل واحد، وشفع ذلك فرعون بمواعد جميلة ~~وعدهم إياها كما يظهر من قوله تعالى في موضع آخر: "قالوا لفرعون أئن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين:" الشعراء: 42. # وبأي وجه كان من ترغيب وترهيب حملوهم على أن يثبتوا ويواجهوا موسى ~~بمغالبته. # هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيات بالاستمداد من السياق والقرائن ~~المتصلة والشواهد المنفصلة، وعلى ذلك فقوله: "فتنازعوا أمرهم بينهم" إشارة ~~إلى اختلافهم إثر موعظة موسى وما أومأ إليه من الحجة. # وقوله: "وأسروا النجوى" إشارة إلى مسارتهم في أمر موسى واجتهادهم في رفع ~~الاختلاف الناشىء من استماعهم وعظ موسى (عليه السلام)، وقوله: "قالوا إن ~~هذان لساحران يريدان" إلخ، بيان النجوى الذي أسروه فيما بينهم وقد مر توضيح معناه. # وقوله: "إن هذان لساحران" القراءة المعروفة "إن" بكسر الهمزة وسكون النون ~~وهي "إن" المشبهة بالفعل خففت فألغيت عن العمل بنصب الاسم ورفع الخبر. # قوله تعالى: "قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى" إلى ~~آخر الآية التالية، الحبال جمع حبل والعصي جمع عصا، وقد كان السحرة ~~استعملوها ليصوروا بها في أعين الناس حيات ms5273 وثعابين أمثال ما كان يظهر من ~~عصا موسى (عليه السلام). # وهنا حذف وإيجاز كأنه قيل فأتوا الموعد وقد حضره موسى فقيل فما فعلوا؟ ~~فقيل: "قالوا يا موسى إما أن تلقي - أي عصاك - وإما أن نكون أول من ألقى" ~~وهذا تخيير منهم لموسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يصبر حتى يلقوا ثم يأتي بما ~~يأتي، "قال موسى: بل ألقوا" فأخلى لهم الظرف كي يأتوا بما يأتون به وهو ~~معتمد على ربه واثق بوعده من غير قلق واضطراب وقد قال له ربه فيما قال: ~~"إنني معكما أسمع وأرى". # وقوله: "فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى" فيه حذف، ~~والتقدير: فألقوا وإذا حبالهم وعصيهم إلخ، وإنما حذف لتأكيد المفاجاة كأنه ~~(عليه السلام) لما قال لهم: بل ألقوا، لم يلبث دون أن شاهد ما شاهد من غير ~~أن يتوسط هناك إلقاؤهم الحبال والعصي. # والذي خيل إلى موسى خيل إلى غيره من الناظرين من الناس كما ذكره في موضع ~~آخر: "سحروا أعين الناس واسترهبوهم:" الأعراف: 116، غير أنه ذكر هاهنا موسى ~~من بينهم وكان ذلك ليكون تمهيدا لما في الآية التالية. # قوله تعالى: "فأوجس في نفسه خيفة موسى" قال الراغب في المفردات،: الوجس ~~الصوت الخفي، والتوجس التسمع، والإيجاس وجود ذلك في النفس، قال: "فأوجس ~~منهم خيفة" فالوجس هو حالة تحصل من النفس بعد الهاجس لأن الهاجس مبتدأ ~~التفكير ثم يكون الواجس الخاطر. # انتهى. PageV14P093 # فإيجاس الخيفة في النفس إحساسها فيها ولا يكون إلا خفيفا خفيا لا يظهر أثره ~~في ظاهر البشرة ويتبع وجوده في النفس ظهور خاطر سوء فيها من غير إذعان بما ~~يوجبه من تحذر وتحرز وإلا لظهر أثره في ظاهر البشرة وعمل الإنسان قطعا، ~~وإلى ذلك يومىء تنكير الخيفة كأنه قيل: أحس في نفسه نوعا من الخوف لا يعبأ ~~به، ومن العجيب قول بعضهم: إن التنكير للتفخيم وكان الخوف عظيما وهو خطأ ~~ولو كان كذلك لظهر أثره في ظاهر بشرته ولم يكن لتقييد الخيفة بكونها في ~~نفسه وجه. # فظهر أن الخيفة التي أوجسها ms5274 في نفسه كانت إحساسا آنيا لها نظيرة الخاطر ~~الذي عقبها فقد خطرت بقلبه عظمة سحرهم وأنه بحسب التخيل مماثل أو قريب من ~~آيته فأوجس الخيفة من هذا الخطور وهو كنفس الخطور لا أثر له. # وقيل: إنه خاف أن يلتبس الأمر على الناس فلا يميزوا بين آيته وسحرهم ~~للتشابه فيشكوا ولا يؤمنوا ولا يتبعوه ولم يكن يعلم بعد أن عصاه ستلقف ما ~~يأفكون. # وفيه أن ذلك ينافي اطمئنانه بالله ووثوقه بأمره وقد قال له ربه قبل ذلك: ~~"بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون:" القصص: 35. # وقيل: إنه خاف أن يتفرق الناس بعد رؤية سحرهم ولا يصبروا إلى أن يلقي ~~عصاه فيدعي التساوي ويخيب السعي. # وفيه: أنه خلاف ظاهر الآية فإن ظاهر تفريع قوله: "فأوجس في نفسه خيفة" ~~إلخ، على قوله: "فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه" إلخ، أنه إنما خاف ما خيل ~~إليه من سحرهم لا أنه خاف تفرق الناس قبل أن يتبين الأمر بإلقاء العصا، ولو ~~خاف ذلك لم يسمح لهم بأن يلقوا حبالهم وعصيهم أولا، على أن هذا الوجه لا ~~يلائم قوله تعالى في تقوية نفسه (عليه السلام): "قلنا لا تخف إنك أنت ~~الأعلى" ولقيل: لا تخف لا ندعهم يتفرقون حتى تلقي العصا. # وكيفما كان يظهر من إيجاسه (عليه السلام) خيفة في نفسه أنهم أظهروا للناس ~~من السحر ما يشابه آيته المعجزة أو يقرب منه وإن كان ما أتوا به سحرا لا ~~حقيقة له وما أتى به آية معجزة ذات حقيقة وقد استعظم الله سحرهم إذ قال: ~~"فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم": الأعراف: 116. # ولذا أيده الله هاهنا بما لا يبقى معه لبس لناظر البتة وهو تلقف العصا ~~جميع ما سحروا به. # قوله تعالى: "قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى - إلى قوله - حيث أتى" نهي ~~بداعي التقوية والتأييد وقد علله بقوله: "إنك أنت الأعلى" فالمعنى: أنك ~~فوقهم من كل جهة وإذا كان كذلك لم يضرك شيء من كيدهم وسحرهم فلا موجب لأن تخاف. # وقوله: "وألق ما في يمينك تلقف ms5275 ما صنعوا" إلخ أمر بإلقاء العصا لتكون حية ~~وتلقف ما صنعوا بالسحر والتعبير عن العصا بما في يمينك من ألطف التعبير ~~وأعمقه فإن فيه إشارة إلى أن ليس للشيء من الحقيقة إلا ما أراد الله فإن ~~أراد لما في اليمين أن يكون عصا كان عصا وإن أراد أن يكون حية كان حية فما ~~له من نفسه شيء ثم التعبير عن حياتهم وثعابينهم بقوله: "ما صنعوا" يشير إلى ~~أن المغالبة واقعة بين تلك القدرة المطلقة التي تتبعها الأشياء في أساميها ~~وحقائقها وبين هذا الصنع البشري الذي لا يعدو أن يكون كيدا باطلا وكلمة ~~الله هي العليا والله غالب على أمره فلا ينبغي له أن يخاف. # وفي هذه الجملة أعني قوله: "وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا" بيان لكونه ~~(عليه السلام) أعلى بحسب ظاهر الحس كما أن في ذيله بيانا لكونه أعلى بحسب ~~الحقيقة إذ لا حقيقة للباطل فمن كان على الحق فلا ينبغي له أن يخاف الباطل ~~على حقه. # وقوله: "إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى" تعليل بحسب اللفظ ~~لقوله: "تلقف ما صنعوا" و"ما" مصدرية أو موصولة وبيان بحسب الحقيقة لكونه ~~(عليه السلام) أعلى لأن ما معهم كيد ساحر لا حقيقة له وما معه آية معجزة ~~ذات حقيقة والحق يعلو ولا يعلى عليه. # وقوله: "ولا يفلح الساحر حيث أتى" بمنزلة الكبرى لقوله: "ما صنعوا كيد ~~ساحر" فإن الذي يناله الساحر بسحره خيال من الناظرين باطل لا حقيقة له ولا ~~فلاح ولا سعادة حقيقية يظفر بها في أمر موهوم لا واقع له. PageV14P094 # فقوله: "ولا يفلح الساحر حيث أتى" نظير قوله: "إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين:" الأنعام: 144، "والله لا يهدي القوم الفاسقين": المائدة: 108، ~~وغيرهما والجميع من فروع "إن الباطل كان زهوقا:" الإسراء: 81، "ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته:" الشورى: 24، فلا يزال الباطل يزين أمورا ~~ويشبهها بالحق ولا يزال الحق يمحوه ويلقف ما أظهره لوهم الناظرين سريعا أو ~~بطيئا فمثل عصا موسى وسحر السحرة يجري في كل باطل يبدو ms5276 وحق يلقفه ويزهقه، ~~وقد تقدم في تفسير قوله: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها:" الرعد: ~~17، كلام نافع في المقام. # قوله تعالى: "فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى" في الكلام ~~حذف وإيجاز والتقدير فألقى ما في يمينه فتلقف ما صنعوا فألقي السحرة وفي ~~التعبير بقوله: "فألقي السحرة" بالبناء للمفعول دون أن يقال: فسجد السحرة ~~إشارة إلى إذلال القدرة الإلهية لهم وغشيان الحق بظهوره إياهم بحيث لم ~~يجدوا بدا دون أن يخروا على الأرض سجدا كأنهم لا إرادة لهم في ذلك وإنما ~~ألقاهم ملق غيرهم دون أن يعرفوه من هو؟. # وقولهم: "آمنا برب هارون وموسى" شهادة منهم بالإيمان وإنما أضافوه تعالى ~~إلى موسى وهارون ليكون فيه الشهادة على ربوبيته تعالى ورسالة موسى وهارون ~~معا وفصل قوله: "قالوا" إلخ من غير عطف لكونه كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ~~فما قالوا فقيل: قالوا إلخ. # قوله تعالى: "قال آمنتم له قبل أن آذن لكم" إلى آخر الآية، الكبير الرئيس ~~وقطع الأيدي والأرجل من خلاف أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والتصليب ~~تكثير الصلب وتشديده كالتقطيع الذي هو تكثير القطع وتشديده والجذوع جمع جذع ~~وهو ساقة النخل. # وقوله: "آمنتم له قبل أن آذن لكم" تهديد من فرعون للسحرة حيث آمنوا ~~والجملة استفهامية محذوفة الأداة والاستفهام للإنكار أو خبرية مسوقة لتقرير ~~الجرم، وقوله: "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" رمي لهم بتوطئة سياسية على ~~المجتمع القبطي في أرض مصر كأنهم تواطئوا مع رئيسهم أن يتنبأ موسى فيدعو ~~أهل مصر إلى الله ويأتي في ذلك بسحر فيستنصروا بالسحرة حتى إذا حضروه ~~واجتمعوا على مغالبته تخاذلوا وانهزموا عنه وآمنوا واتبعتهم العامة فذهبت ~~طريقتهم المثلى من بينهم وأخرج من لم يؤمن منهم قال تعالى في موضع آخر: "إن ~~هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها:" الأعراف: 123، وإنما ~~رماهم بهذا القول تهييجا للعامة عليهم كما رمى موسى (عليه السلام) بمثله في ~~أول يوم. # وقوله: "فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف" إلى آخر الآية، إيعاد لهم ~~وتهديد بالعذاب الشديد ولم ms5277 يذكر تعالى في كلامه أنجز فيهم ذلك أم لا؟. # قوله تعالى: "قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ~~ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا" كلام بليغ في منطوقه بالغ في ~~مفهومه بعيد في معناه رفيع في منزلته يغلي ويفور علما وحكمة فهؤلاء قوم ~~كانوا قبل ساعة وقد ملأت هيبة فرعون وأبهته قلوبهم وأذلت زينات الدنيا ~~وزخارفها التي عنده - وليست إلا أكاذيب خيال وأباطيل وهم - نفوسهم يسمونه ~~ربا أعلى ويقولون حينما ألقوا حبالهم وعصيهم: "بعزة فرعون إنا لنحن ~~الغالبون" فما لبثوا دون أن ظهرت لهم آيات الحق فبهرت أبصارهم فطاحت عند ~~ذلك ما كانوا يرون لفرعون من عزة وسلطان ولما عنده من زينة الدنيا وزخرفها ~~من قدر ومنزلة وغشيت قلوبهم فأزالت منها رذيلة الجبن والملق واتباع الهوى ~~والتوله إلى سراب زينة الحياة الدنيا ومكنت فيها التعلق بالحق والدخول تحت ~~ولاية الله والاعتزاز بعزته فلا يريدون إلا ما أراده الله ولا يرجون إلا ~~الله ولا يخافون إلا الله عز اسمه. PageV14P095 # يظهر ذلك كله بالتدبر في المحاورة الجارية بين فرعون وبينهم إذا قيس بين ~~القولين ففرعون في غفلة من مقام ربه لا يرى إلا نفسه ويضيف إليه أنه رب ~~القبط وله ملك مصر وله جنود مجندة، وله ما يريد وله ما يقضي وليست في نظر ~~الحق والحقيقة إلا دعاوي وقد غره جهله إلى حيث يرى أن الحق تبع باطله ~~والحقيقة خاضعة مطيعة لدعواه فيتوقع أن لا تمس نفوس الناس - وفي جبلتها ~~الفهم والقضاء - بشعورها وإدراكها الجبلي شيئا إلا بعد إذنه، ولا يذعن ~~قلوبهم ولا توقن بحق إلا عن إجازته وهو قوله للسحرة: "آمنتم له قبل أن آذن لكم". # ويرى أن لا حقيقة للإنسان إلا هذه البنية الجسمانية التي تعيش ثم تفسد ~~وتفنى وأن لا سعادة له إلا نيل هذه اللذائذ المادية الفانية، وذلك قوله: ~~"فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد ~~عذابا وأبقى" وليتدبر في آخر كلامه. # وأما هؤلاء المؤمنون وقد أدركهم ms5278 الحق وغشيهم فأصفاهم وأخلصهم لنفسه فهم ~~يرون ما يعده فرعون حقيقة من أمتعة الحياة الدنيا من مالها ومنزلتها سرابا ~~خياليا وزينة غارة باطلة، وأنهم إذا خيروا بينه وبين ما آمنوا به فقد خيروا ~~بين الحق والباطل والحقيقة والسراب، وحاشا أهل اليقين أن يشكوا في يقينهم ~~أو يقدموا الباطل على الحق والسراب على الحقيقة وهم يشهدون ذلك شهادة عيان ~~وذلك قولهم: "لن نؤثرك - أي لن نختارك - على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا" فليس مرادهم به إيثار شخص بما هو جسد إنساني ذو روح بل ما معه مما ~~كان يدعيه أنه يملكه من الدنيا العريضة بمالها ومنالها. # وما كان يهددهم به فرعون من القتل الفجيع والعذاب الشديد وقطع دابر ~~الحياة الدنيا وهو يرى أن ليس للإنسان إلا الحياة التي فيها وفيها سعادته ~~وشقاؤه فإنهم يرون الأمر بالعكس من ذلك وأن للإنسان حياة خالدة أبدية لا ~~قدر عندها لهذه الحياة المعجلة الفانية إن سعد فيها فلا عليه أن يشقى في ~~حياته الدنيا وإن شقي فيها فلا ينفعه شيء. # وعلى ذلك فلا يهابون أن يخسروا في حياتهم الدنيا الداثرة إذا ربحوا في ~~الحياة الأخرى الخالدة، وذلك قولهم لفرعون - وهو جواب تهديده إياهم بالقتل ~~- "فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا" ثم الآيات التالية ~~الحاكية لتتمة كلامهم مع فرعون تعليل وتوضيح لقولهم: "لن نؤثرك على ما ~~جاءنا من البينات والذي فطرنا". # وفي قولهم: "ما جاءنا من البينات" تلويح إلى أنهم عدوا ما شاهدوه من أمر ~~العصا آيات عديدة كصيرورتها ثعبانا وتلقفها الحبال والعصي ورجوعها ثانيا ~~إلى حالتها الأولى، ويمكن أن يكون "من" للتبعيض فيفيد أنهم شاهدوا آية ~~واحدة وآمنوا بأن لله آيات أخرى كثيرة ولا يخلو من بعد. # قوله تعالى: "إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من ~~السحر والله خير وأبقى" الخطايا جمع خطيئة وهي قريبة معنى من السيئة وقوله: ~~"وما أكرهتنا عليه" معطوف على "خطايانا" و"من السحر" بيان له والمعنى ~~وليغفر لنا السحر الذي أكرهتنا عليه وفيه دلالة ms5279 على أنهم أكرهوا عليه إما ~~حين حشروا إلى فرعون من خلال ديارهم وإما حين تنازعوا أمرهم بينهم وأسروا ~~النجوى فحملوا على المقابلة والمغالبة. # وأول الآية تعليل لقولهم: "لن نؤثرك" إلخ أي إنما اخترنا الله الذي فطرنا ~~عليك وآمنا به ليغفر لنا خطايانا والسحر الذي أكرهتنا عليه، وذيل الآية: ~~"والله خير وأبقى" من تمام البيان وبمنزلة التعليل لصدرها كأنه قيل: وإنما ~~آثرنا غفرانه على إحسانك لأنه خير وأبقى، أي خير من كل خير وأبقى من كل باق ~~- لمكان الإطلاق - فلا يؤثر عليه شيء وفي هذا الذيل نوع مقابلة لما في ذيل ~~كلام فرعون: "ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى". # وقد عبروا عنه تعالى أولا بالذي فطرنا، وثانيا بربنا، وثالثا بالله، أما ~~الأول فلأن كونه تعالى فاطرا لنا أي مخرجا لنا عن كتم العدم إلى الوجود ~~ويتبعه انتهاء كل خير حقيقي إليه وأن ليس عند غيره إذا قوبل به إلا سراب ~~البطلان منشأ كل ترجيح والمقام مقام الترجيح بينه تعالى وبين فرعون. # وأما الثاني فلأن فيه إخبارا عن الإيمان به وأمس صفاته تعالى بالإيمان ~~والعبودية صفة ربوبيته المتضمنة لمعنى الملك والتدبير. PageV14P096 # وأما الثالث فلأن ملاك خيرية الشيء الكمال وعنده تعالى جميع صفات الكمال ~~القاضية بخيريته المطلقة فناسب التعبير بالعلم الدال على الذات المستجمعة ~~لجميع صفات الكمال، وعلى هذا فالكلام في المقامات الثلاثة على بساطته ظاهرا ~~مشتمل على الحجة على المدعى والمعنى بالحقيقة: لن نؤثرك على الذي فطرنا، ~~لأنه فطرنا وإنا آمنا بربنا لأنه ربنا والله خير لأنه الله عز اسمه. # قوله تعالى: "إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى" ~~تعليل لجعل غفران الخطايا غاية للإيمان بالله أي لأن من لم يغفر خطاياه كان ~~مجرما ومن يأت ربه مجرما "إلخ". # قوله تعالى: "ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى" ~~إلى آخر الآية التالية: الدرجة - على ما ذكره الراغب - هي المنزلة لكن ~~يعتبر فيها الصعود كدرجات السلم وتقابلها الدركة فهي المنزلة حدورا ولذا ~~يقال درجات الجنة ms5280 ودركات النار، والتزكي هو التنمي بالنماء الصالح والمراد ~~به أن يعيش الإنسان باعتقاد حق وعمل صالح. # والآيتان تصفان ما يستتبعه الإيمان والعمل الصالح كما كانت الآية السابقة ~~تصف ما يستتبعه الإجرام الحاصل بكفر أو معصية والآيات الثلاث الواصفة لتبعة ~~الإجرام والإيمان ناظرة إلى وعيد فرعون ووعده لهم فقد أوعدهم فرعون على ~~إيمانهم لموسى بالقطع والصلب وادعى أنه أشد العذاب وأبقاه فقابلوه بأن ~~للمجرم عند ربه جهنم لا يموت فيها ولا يحيى لا يموت فيها حتى ينجو من ~~مقاساة ألم عذابها لكن منتهى عذاب الدنيا الموت وفيه نجاة المجرم المعذب، ~~ولا يحيى فيها إذ ليس فيها شيء مما تطيب به الحياة ولا خير مرجوا فيها حتى ~~يقاسى العذاب في انتظاره. # ووعدهم قبل ذلك المنزلة بجعلهم من مقربيه والأجر كما حكى الله تعالى: ~~"قالوا ء إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين": ~~الأعراف: 114 فقابلوا ذلك بأن من يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك - وفي ~~الإشارة البعيدة تفخيم شأنهم - لهم الدرجات العلى - وهذا يقابل وعد فرعون ~~لهم بالتقريب - جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك جزاء من ~~تزكى - بالإيمان والعمل الصالح وهذا يقابل وعده لهم بالأجر. # قوله تعالى: "ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا - إلى قوله - وما هدى". # الإسراء السير بالليل والمراد بعبادي بنو إسرائيل وقوله: "فاضرب لهم ~~طريقا في البحر يبسا" قيل المراد الضرب بالعصا كما يدل عليه كلامه تعالى في ~~غير هذا الموضع وأن "طريقا" مفعول به لأضرب على الاتساع وهو مجاز عقلي ~~والأصل اضرب البحر ليكون لهم طريقا. # انتهى. # ويمكن أن يكون المراد بالضرب البناء والإقامة من باب ضربت الخيمة وضربت ~~القاعدة. # واليبس - على ما ذكره الراغب - المكان الذي كان فيه ماء ثم ذهب، والدرك ~~بفتحتين تبعة الشيء، وفي نسبة الغشيان إلى ما الموصولة المبهمة وجعله صلة ~~لها أيضا من تمثيل هول الموقف ما لا يخفى، قيل: وفي قوله: "وأضل فرعون قومه ~~وما هدى" تكذيب ms5281 لقول فرعون لقومه فيما خاطبهم: "وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد:" المؤمن: 29، وعلى هذا فقوله: "وما هدى" ليس تأكيدا وتكرارا لمعنى ~~قوله: "وأضل فرعون قومه". ### |||| AUTO بحث روائي # في نهج البلاغة، قال (عليه السلام): لم يوجس موسى خيفة على نفسه بل أشفق ~~من غلبة الجهال ودول الضلال. # أقول: معناه ما قدمناه في تفسير الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جندب بن عبد الله ~~البجلي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا أخذتم الساحر ~~فاقتلوه. ثم قرأ: "ولا يفلح الساحر حيث أتى"، قال: لا يأمن حيث وجد. # أقول: وفي انطباق المعنى المذكور في الحديث على الآية بما لها من السياق خفاء. PageV14P097 ### ||| AUTO 20 سورة طه - 80 - 98 # يبنى إسرءيل قد أنجينكم من عدوكم ووعدنكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم ~~المن والسلوى (80) كلوا من طيبت ما رزقنكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ~~ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى (81) وإنى لغفار لمن تاب وءامن وعمل صلحا ثم ~~اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يموسى (83) قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك ~~رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى (85) فرجع ~~موسى إلى قومه غضبن أسفا قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدى (86) قالوا ما ~~أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفنها فكذلك ألقى ~~السامرى (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى ~~(88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد ~~قال لهم هرون من قبل يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعونى وأطيعوا ~~أمرى (90) قالوا لن نبرح عليه عكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يهرون ما ~~منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمرى (93) قال يبنؤم لا تأخذ ~~بلحيتى ولا برأسى إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرءيل ولم ترقب قولى (94) ~~قال فما خطبك يسمرى (95) قال ms5282 بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول فنبذتها وكذلك سولت لى نفسى (96) قال فاذهب فإن لك فى الحيوة أن ~~تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه فى اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو ~~وسع كل شىء علما (98) ### |||| AUTO بيان # الفصل الأخير من قصة موسى (عليه السلام) الموردة في السورة يعد سبحانه ~~فيه جملا من مننه على بني إسرائيل كإنجائهم من عدوهم ومواعدتهم جانب الطور ~~الأيمن وإنزال المن والسلوى عليهم، ويختمه بذكر قصة السامري وإضلاله القوم ~~بعبادة العجل وللقصة اتصال بمواعدة الطور. # وهذا الجزء من الفصل - وفيه بيان تعرض بني إسرائيل لغضبه تعالى - هو ~~المقصود بالأصالة من هذا الفصل ولذا فصل فيه القول ولم يبين غيره إلا ~~بإشارة وإجمال. # قوله تعالى: "يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم" إلى آخر الآية كأن ~~الكلام بتقدير القول أي قلنا يا بني إسرائيل وقوله: "قد أنجيناكم من عدوكم" ~~المراد به فرعون أغرقه الله وأنجى بني إسرائيل منه بعد طول المحنة. # وقوله: "وواعدناكم جانب الطور الأيمن" بنصب أيمن على أنه صفة جانب ولعل ~~المراد بهذه المواعدة مواعدة موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة وقد مرت ~~القصة في سورة البقرة وغيرها وكذا قصة إنزال المن والسلوى. # وقوله: "كلوا من طيبات ما رزقناكم" إباحة في صورة الأمر وإضافة الطيبات ~~إلى "ما رزقناكم" من إضافة الصفة إلى الموصوف إذ لا معنى لأن ينسب الرزق ~~إلى نفسه ثم يقسمه إلى طيب وغيره كما يؤيده قوله في موضع آخر: "ورزقناهم من ~~الطيبات:" الجاثية: 16. # قوله: "ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي" ضمير فيه راجع إلى الأكل المتعلق ~~بالطيبات وذلك بكفران النعمة وعدم أداء شكره كما قالوا: "يا موسى لن نصبر ~~على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها ~~وفومها وعدسها وبصلها:" البقرة: 61. PageV14P098 # وقوله: "فيحل عليكم غضبي" أي يجب غضبي ويلزم من حل الدين يحل من باب ضرب ~~إذا ms5283 وجب أداؤه، والغضب من صفاته تعالى الفعلية مصداقه إرادته تعالى إصابة ~~المكروه للعبد بتهيئة الأسباب لذلك عن معصية عصاها. # وقوله: "ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى" أي سقط من الهوي بمعنى السقوط وفسر ~~بالهلاك. # قوله تعالى: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى" وعد بالرحمة ~~المؤكدة عقيب الوعيد الشديد ولذا وصف نفسه بكثرة المغفرة فقال: "وإني ~~لغفار" ولم يقل: وأنا غافر أو سأغفر. # والتوبة وهي الرجوع كما تكون عن المعصية إلى الطاعة كذلك تكون من الشرك ~~إلى التوحيد، والإيمان أيضا كما يكون بالله كذلك يكون بآيات الله من ~~أنبيائه ورسله وكل حكم جاءوا به من عند الله تعالى، وقد كثر استعمال ~~الإيمان في القرآن في كل من المعنيين كما كثر استعمال التوبة في كل من ~~المعنيين المذكورين وبنو إسرائيل كما تلبسوا بمعاصي فسقوا بها كذلك تلبسوا ~~بالشرك كعبادة العجل وعلى هذا فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهر إطلاقه في ~~التوبة عن الشرك والمعصية جميعا والإيمان بالله وآياته وكذلك إطلاقه ~~بالنسبة إلى التائبين والمؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم وإن كان بنو إسرائيل ~~مورد الخطاب فإن الصفات الإلهية كالمغفرة لا تختص بقوم دون قوم. # فمعنى الآية - والله أعلم - وإني لكثير المغفرة لكل إنسان تاب وآمن سواء ~~تاب عن شرك أو عن معصية وسواء آمن بي أو بآياتي من رسلي، أو ما جاءوا به من ~~أحكامي بأن يندم على ما فعل ويعمل عملا صالحا بتبديل المخالفة والتمرد فيما ~~عصى فيه بالطاعة فيه وهو المحقق لأصل معنى الرجوع من شيء وقد مر تفصيل ~~القول فيه في تفسير قوله تعالى: "إنما التوبة على الله:" النساء: 17، في ~~الجزء الرابع من الكتاب. # وأما قوله: "ثم اهتدى" فالاهتداء يقابل الضلال كما يشهد به قوله تعالى: ~~"من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها": الإسراء: 15، وقوله: ~~"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم": المائدة: 105، فهل المراد أن لا يضل في نفس ~~ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانيا فيفيد أن التوبة عن ذنب إنما تنفع ms5284 ~~بالنسبة إلى ما اقترفه قبل التوبة ولا تكفي عنه لو عاد إليه ثانيا أو ~~المراد أن لا يضل في غيره فيفيد أن المغفرة إنما تنفعه بالنسبة إلى المعصية ~~التي تاب عنها وبعبارة أخرى إنما تنفعه نفعا تاما إذا لم يضل في غيره من ~~الأعمال، أو المراد ما يعم المعنيين؟. # ظاهر العطف بثم أن يكون المراد هو المعنى الأول فيفيد معنى الثبات ~~والاستقامة على التوبة فيعود إلى اشتراط الإصلاح الذي هو مذكور في عدة من ~~الآيات كقوله: "إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم:" ~~آل عمران: 89 النور - 5. # لكن يبقى على الآية بهذا المعنى أمران: أحدهما نكتة التعبير بالغفار ~~بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة فما معنى كثرة مغفرته تعالى لمن اقترف ~~ذنبا واحدا ثم تاب؟ وثانيهما أن لازمها أن يكون من خالف حكما من أحكامه ~~كافرا به وإن اعترف بأنه من عند الله وإنما يعصيه اتباعا للهوى لا ردا ~~للحكم اللهم إلا أن يقال إن الآية لاشتمالها على قوله "تاب وآمن" إنما تشمل ~~المشرك أو الراد لحكم من أحكام الله وهو كما ترى. # فيمكن أن يقال: إن المراد بالتوبة والإيمان التوبة من الشرك والإيمان ~~بالله كما أن المعنيين هما المرادان في أغلب المواضع من كلامه التي ذكر ~~التوبة والإيمان فيها معا، وعلى هذا كان المراد من قوله: "وعمل صالحا" ~~الطاعة لأحكامه تعالى بالائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه، ويكون معنى ~~الآية أن من تاب من الشرك وآمن بالله وأتى بما كلف به من أحكامه فإني كثير ~~المغفرة لسيئاته أغفر له زلة بعد زلة فتكثر المغفرة لكثرة مواردها. # وقد ذكر تعالى نظير المعنى وهو مغفرة السيئات في قوله: "إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:" النساء: 31. # فقوله: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا" ينطبق على آية النساء ويبقى ~~فيه شرط زائد يقيد حكم المغفرة وهو مدلول قوله: "ثم اهتدى" وهو الاهتداء ~~إلى الطريق ويظهر أن المغفرة إنما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا ~~قصد ذلك من ms5285 طريقه ودخل عليه من بابه. PageV14P099 # ولا نجد في كلامه تعالى ما يقيد الإيمان بالله والعمل الصالح في تأثيره ~~وقبوله عند الله إلا الإيمان بالرسول بمعنى التسليم له وطاعته في خطير ~~الأمور ويسيرها وأخذ الدين عنه وسلوك الطريق التي يخطها واتباعه من غير ~~استبداد وابتداع يئول إلى اتباع خطوات الشيطان وبالجملة ولايته على ~~المؤمنين في دينهم ودنياهم فقد شرع الله تعالى ولايته وفرض طاعته وأوجب ~~الأخذ عنه والتأسي به في آيات كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها ولا مجال ~~لاستقصائها فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. # وكان جل بني إسرائيل على إيمانهم بالله سبحانه وتصديقهم رسالة موسى ~~وهارون متوقفين في ولايتهما أو كالمتوقف كما هو صريح عامة قصصهم في كتاب ~~الله ولعل هذا هو الوجه في وقوع الآية - وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى بعد نهيهم عن الطغيان وتخويفهم من غضب الله. # فقد تبين أن المراد بالاهتداء في الآية على ما يهدي إليه سائر الآيات هو ~~الإيمان بالرسول باتباعه في أمر الدين والدنيا وبعبارة أخرى هو الاهتداء ~~إلى ولايته. # وبذلك يظهر حال ما قيل في تفسير قوله: "ثم اهتدى" فقد قيل: الاهتداء لزوم ~~الإيمان والاستمرار عليه ما دامت الحياة، وقيل: أن لا يشك ثانيا في إيمانه، ~~وقيل: الأخذ بسنة النبي وعدم سلوك سبيل البدعة، وقيل: الاهتداء هو أن يعلم ~~أن لعمله ثوابا يجزى عليه، وقيل: هو تطهير القلب من الأخلاق الذميمة، وقيل: ~~هو حفظ العقيدة من أن تخالف الحق في شيء فإن الاهتداء بهذا الوجه غير ~~الإيمان وغير العمل، والمطلوب على جميع هذه الأقوال تفسير الاهتداء بمعنى ~~لا يرجع إلى الإيمان والعمل الصالح غير أن الذي ذكروه لا دليل على شيء من ذلك. # قوله تعالى: "وما أعجلك عن قومك يا موسى - إلى قوله - لترضى" حكاية ~~مكالمة وقعت بينه تعالى وبين موسى (عليه السلام) في ميعاد الطور الذي نزلت ~~عليه فيه التوراة كما قص في سورة الأعراف تفصيلا. # وظاهر السياق أنه سؤال عن السبب الذي أوجب لموسى أن يستعجل عن ms5286 قومه فيحضر ~~ميعاد الطور قبلهم كأنه كان المترقب أن يحضروا الطور جميعا فتقدم عليهم ~~موسى في الحضور وخلفهم فقيل له: "وما أعجلك عن قومك يا موسى" فقال: "هم ~~أولاء على أثري" أي إنهم لسائرون على أثري وسيلحقون بي عن قريب "وعجلت إليك ~~رب لترضى" أي والسبب في عجلي هو أن أحصل رضاك يا رب. # والظاهر أن المراد بالقوم وقد ذكر أنهم على أثره هم السبعون رجلا الذين ~~اختارهم لميقات ربه، فإن ظاهر تخليفه هارون على قومه بعده وسائر جهات القصة ~~وقوله بعد: "أفطال عليكم العهد" أنه لم يكن من القصد أن يحضر بنو إسرائيل ~~كلهم الطور. # وهذا الخطاب يمكن أن يخاطب به موسى (عليه السلام) في بدء حضوره في ميعاد ~~الطور كما يمكن أن يخاطب في أواخر عهده به فإن السؤال عن العجل غير نفس ~~العجل الذي يقارن المسير واللقاء وإذا لم يكن السؤال في بدء الورود والحضور ~~استقام قوله بعد: "فإنا قد فتنا قومك من بعدك" إلخ، بناء على أن الفتنة ~~كانت بعد استبطائهم غيبة موسى على ما في الآثار ولا حاجة إلى تمحلاتهم في ~~توجيه الآيات. # قوله تعالى: "قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري" الفتنة ~~الامتحان والاختبار ونسبة الإضلال إلى السامري - وهو الذي سبك العجل وأخرجه ~~لهم فعبدوه وضلوا - لأنه أحد أسبابه العاملة فيه. # والفاء في قوله: "فإنا قد فتنا قومك" للتعليل يعلل به ما يفهم من سابق ~~الكلام فإن المفهوم من قول موسى: "هم أولاء على أثري" أن قومه على حسن حال ~~لم يحدث فيهم ما يوجب قلقا فكأنه قيل: لا تكن واثقا على ما خلفتهم فيه فإنا ~~قد فتناهم فضلوا. # وقوله: "قومك" من وضع الظاهر موضع المضمر ولعل المراد غير المراد به في ~~الآية السابقة بأن يكون ما هاهنا عامة القوم وما هناك السبعون رجلا الذين ~~اختارهم موسى للميقات. # قوله تعالى: "فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا - إلى قوله - فأخلفتم موعدي" ~~الغضبان صفة مشبهة من الغضب، وكذا الأسف من الأسف بفتحتين وهو الحزن ms5287 وشدة ~~الغضب، والموعد الوعد، وإخلافهم موعده هو تركهم ما وعدوه من حسن الخلافة ~~بعده حتى يرجع إليهم، ويؤيده قوله في موضع آخر: "بئسما خلفتموني من بعدي". PageV14P100 # والمعنى: فرجع موسى إلى قومه والحال أنه غضبان شديد الغضب - أو حزين - وأخذ ~~يلومهم على ما فعلوا، قال يا قوم ألم يعدكم ربك وعدا حسنا - وهو أن ينزل ~~عليهم التوراة فيها حكم الله وفي الأخذ بها سعادة دنياهم وأخراهم - أو وعده ~~تعالى أن ينجيهم من عدوهم ويمكنهم في الأرض ويخصهم بنعمه العظام "أفطال ~~عليكم العهد" وهو مدة مفارقة موسى إياهم حتى يكونوا آيسين من رجوعه فيختل ~~النظم بينهم "أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم" فطغوتم بالكفر به بعد ~~الإيمان وعبدتم العجل "فأخلفتم موعدي" وتركتم ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي. # وربما قيل في معنى قوله: "فأخلفتم موعدي" بعض معان أخر: كقول بعضهم إن ~~إخلافهم موعده أنه أمرهم أن يلحقوا به فتركوا المسير على أثره، وقول بعضهم ~~هو أنه أمرهم بطاعة هارون بعده إلى أن يرجع إليهم فخالفوه إلى غير ذلك. # قوله تعالى: "قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا" إلى آخر الآية الملك بالفتح ~~فالسكون مصدر ملك يملك وكأن المراد بقولهم: "ما أخلفنا موعدك بملكنا" ما ~~خالفناك ونحن نملك من أمرنا شيئا - كما قيل - ومن الممكن أن يكون المراد ~~أنا لم نصرف في صوغ العجل شيئا من أموالنا حتى نكون قاصدين لهذا الأمر ~~متعمدين فيه ولكن كنا حاملين لأثقال من حلي القوم فطرحناها فأخذها السامري ~~وألقاها في النار فأخرج العجل. # والأوزار جمع وزر وهو الثقل، والزينة الحلي كالعقد والقرط والسوار والقذف ~~والإلقاء والنبذ متقاربة معناها الطرح والرمي. # ومعنى قوله: "ولكنا حملنا أوزارا" إلخ لكن كانت معنا أثقال من زينة القوم ~~ولعل المراد به قوم فرعون - فطرحناها فكذلك ألقى السامري - ألقى ما طرحناها ~~في النار أو ألقى ما عنده كما ألقينا ما عندنا مما حملنا - فأخرج العجل. # قوله تعالى: "فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي" في لفظ الإخراج دلالة ms5288 على أن كيفية صنع العجل كانت خفية على الناس في ~~غير مرأى منهم حتى فاجأهم بإظهاره وإراءته، والجسد هو الجثة التي لا روح ~~فيه فلا يطلق الجسد على ذي الروح البتة، وفيه دليل على أن العجل لم يكن له ~~روح ولا فيه شيء من الحياة، والخوار بضم الخاء صوت العجل. # وربما أخذ قوله: "فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم" إلخ كلاما مستقلا إما من ~~كلام الله سبحانه باختتام كلام القوم في قولهم: "فقذفناها" وإما من كلام ~~القوم وعلى هذا فضمير "قالوا" لبعض القوم وضمير "فأخرج لهم" لبعض آخر كما ~~هو ظاهر. # وضمير "نسي" قيل: لموسى والمعنى قالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى ~~إلهه هذا وهو هنا وذهب يطلبه في الطور وقيل: الضمير للسامري والمراد به ~~نسيانه تعالى بعد ذكره والإيمان به أي نسي السامري ربه فأتى بما أتى وأضل القوم. # وظاهر قوله: "فقالوا هذا إلهكم وإله موسى" حيث نسب القول إلى الجمع أنه ~~كان مع السامري في هذا الأمر من يساعده. # قوله تعالى: "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا" ~~توبيخ لهم حيث عبدوه وهم يرون أنه لا يرجع قولا بأن يستجيب لمن يدعوه، ولا ~~يملك لهم ضرا فيدفعه عنهم ولا نفعا بأن يجلبه ويوصله إليهم، ومن ضروريات ~~عقولهم أن الرب يجب أن يستجيب لمن دعاه لدفع ضر أو لجلب نفع وأن يملك الضر ~~والنفع لمربوبه. # قوله تعالى: "ولقد قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري" تأكيد لتوبيخهم وزيادة تقرير لجرمهم، والمعنى: أنهم ~~مضافا إلى عدم تذكرهم بما تذكرهم به ضرورة عقولهم وعدم انتهائهم عن عبادة ~~العجل إلى البصر والعقل لم يعتنوا بما قرعهم من طريق السمع أيضا، فلقد قال ~~لهم نبيهم هارون إنه فتنة فتنوا به وإن ربهم الرحمن عز اسمه وإن من الواجب ~~عليهم أن يتبعوه ويطيعوا أمره. # فردوا على هارون قائلين: لن نبرح ولن نزال عليه عاكفين أي ملازمين ~~لعبادته حتى يرجع إلينا موسى فنرى ms5289 ما ذا يقول فيه وما ذا يأمرنا به. # قوله تعالى: "قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت ~~أمري" رجع (عليه السلام) بعد تكليم القوم في أمر العجل إلى تكليم أخيه ~~هارون إذ هو أحد المسئولين الثلاثة في هذه المحنة استخلفه عليهم وأوصاه حين ~~كان يوادعه قائلا: "اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين". PageV14P101 # وكأن قوله: "منعك" مضمن معنى دعاك أي ما دعاك، إلى أن لا تتبعن مانعا لك عن ~~الاتباع أو ما منعك داعيا لك إلى عدم اتباعي فهو نظير قوله: "قال ما منعك ~~ألا تسجد إذ أمرتك": الأعراف: 12. # والمعنى: قال موسى معاتبا لهارون: ما منعك عن اتباع طريقتي وهو منعهم عن ~~الضلال والشدة في جنب الله أفعصيت أمري أن تتبعني ولا تتبع سبيل المفسدين؟. # قوله تعالى: "قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي" إلخ، "يا بن أم" ~~أصله يا بن أمي وهي كلمة استرحام واسترآف قالها لإسكات غضب موسى، ويظهر من ~~قوله: "لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي" إنه أخذ بلحيته ورأسه غضبا ليضربه كما ~~أخبر به في موضع آخر: "وأخذ برأس أخيه يجره إليه:" الأعراف: 150. # وقوله: "إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي" تعليل ~~لمحذوف يدل عليه اللفظ ومحصله لو كنت مانعتهم عن عبادة العجل وقاومتهم ~~بالغة ما بلغت لم يطعني إلا بعض القوم وأدى ذلك إلى تفرقهم فرقتين: مؤمن ~~مطيع، ومشرك عاص، وكان في ذلك إفساد حال القوم بتبديل اتحادهم واتفاقهم ~~الظاهر تفرقا واختلافا وربما انجر إلى قتال وقد كنت أمرتني بالإصلاح إذ قلت ~~لي: "أصلح ولا تتبع سبيل المفسدين" فخشيت أن تقول حين رجعت وشاهدت ما فيه ~~القوم من التفرق والتحزب: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. # هذا ما اعتذر به هارون وقد عذره موسى ودعا له ولنفسه كما في سورة الأعراف ~~بقوله: "رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين:" الأعراف: 151. # قوله تعالى: "قال فما خطبك يا سامري" رجوع منه (عليه السلام) ms5290 بعد الفراغ ~~من تكليم أخيه إلى تكليم السامري وهو أحد المسئولين الثلاثة وهو الذي أضل القوم. # والخطب: الأمر الخطير الذي يهمك، يقول: ما هذا الأمر العظيم الذي جئت به؟. # قوله تعالى: "قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول ~~فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي" قال الراغب في المفردات،: البصر يقال للجارحة ~~الناظرة نحو قوله: "كلمح البصر" "وإذ زاغت الأبصار" وللقوة التي فيها، ~~ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر نحو قوله: "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد" وقال: "ما زاغ البصر وما طغى" وجمع البصر أبصار وجمع البصيرة ~~بصائر، قال تعالى: "فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم" ولا يكاد يقال ~~للجارحة: بصيرة، ويقال من الأول: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به، ~~وقلما يقال في الحاسة بصرت إذا لم تضامه رؤية القلب. # انتهى. # وقوله: "فقبضت قبضة" قيل: إن القبضة مصدر بمعنى اسم المفعول وأورد عليه ~~أن المصدر إذا استعمل كذلك لم تلحق به التاء، يقال: هذه حلة نسج اليمن، ولا ~~يقال: نسجه اليمن، فالمتعين حمله في الآية على أنه مفعول مطلق. # ورد بأن الممنوع لحوق التاء الدالة على التحديد والمرة لا على مجرد ~~التأنيث كما هنا، وفيه أن كون التاء هنا للتأنيث لا دليل عليه فهو مصادرة. # وقوله: "من أثر الرسول" الأثر شكل قدم المارة على الطريق بعد المرور، ~~والأصل في معناه ما بقي من الشيء بعده بوجه بحيث يدل عليه كالبناء أثر ~~الباني والمصنوع أثر الصانع والعلم أثر العالم وهكذا، ومن هذا القبيل أثر ~~الأقدام على الأرض من المارة. # والرسول هو الذي يحمل رسالة وقد أطلق في القرآن على الرسول البشري الذي ~~يحمل رسالة الله تعالى إلى الناس وأطلق بهذه اللفظة على جبريل ملك الوحي، ~~قال تعالى: "إنه لقول رسول كريم:" التكوير: 19، وكذا أطلق لجمع من الملائكة ~~الرسل كقوله: "بلى ورسلنا لديهم يكتبون:" الزخرف: 80، وقال أيضا في ~~الملائكة: "جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة": فاطر: 1. # والآية تتضمن جواب السامري عما سأله موسى (عليه السلام) بقوله: "فما خطبك ~~يا سامري" ms5291 وهو سؤال عن حقيقة ذاك الأمر العظيم الذي أتى به وما حمله على ~~ذلك، والسياق يشهد على أن قوله: "وكذلك سولت لي نفسي" جوابه عن السبب الذي ~~دعاه إليه وحمله عليه وأن تسويل نفسه هو الباعث له إلى فعل ما فعل وأما ~~بيان حقيقة ما صنع فهو الذي يشير إليه بقوله: "بصرت بما لم يبصروا به فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول" ولا نجد في كلامه تعالى في هذه القصة ولا فيما يرتبط ~~بها في الجملة ما يوضح المراد منه ولذا اختلفوا في تفسيره. PageV14P102 # ففسره الجمهور وفاقا لبعض الروايات الواردة في القصة أن السامري رأى جبريل ~~وقد نزل على موسى للوحي أو رآه وقد نزل راكبا على فرس من الجنة قدام فرعون ~~وجنوده حين دخلوا البحر فأغرقوا فأخذ قبضة من تراب أثر قدمه أو أثر حافر ~~فرسه ومن خاصة هذا التراب أنه لا يلقى على شيء إلا حلت فيه الحياة ودخلت ~~فيه الروح فحفظ التراب حتى إذا صنع العجل ألقى فيه من التراب فحيي وتحرك وخار. # فالمراد بقوله: "بصرت بما لم يبصروا به" إبصاره جبريل حين نزل راجلا أو ~~راكبا رآه وعرفه ولم يره غيره من بني إسرائيل، وبقوله: "فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول فنبذتها" فقبضت قبضة من تراب أثر جبريل أو من تراب أثر فرس جبريل - ~~والمراد بالرسول جبريل - فنبذتها أي ألقيت القبضة على الحلي المذاب فحيي ~~العجل فكان له خوار!. # وأعظم ما يرد عليه مخالفة هذه الروايات - وستوافيك في البحث الروائي ~~التالي - للكتاب فإن كلامه تعالى ينص على أن العجل كان جسدا له خوار والجسد ~~هو الجثة التي لا روح لها ولا حياة فيها، ولا يطلق على الجسم ذي الروح ~~والحياة البتة. # مضافا إلى ما أوردوه من وجوه الإشكال على الروايات مما سيجيء نقله في ~~البحث الروائي الآتي. # ونقل عن أبي مسلم في تفسير الآية أنه قال ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ~~ذكروه، وهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى (عليه السلام) وأثره ~~سنته ورسمه الذي ms5292 أمر به ودرج عليه فقد يقول الرجل فلان يقفو أثر فلان ويقتص ~~أثره إذا كان يمتثل رسمه. # وتقرير الآية على ذلك أن موسى (عليه السلام) لما أقبل على السامري باللوم ~~والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بالعجل قال: بصرت بما لم ~~يبصروا به أي عرفت أن الذي عليه القوم ليس بحق وقد كنت قبضت قبضة من أثرك ~~أي شيئا من دينك فنبذتها أي طرحتها ولم أتمسك بها وتعبيره عن موسى بلفظ ~~الغائب على نحو قول من يخاطب الأمير: ما قول الأمير في كذا؟ ويكون إطلاق ~~الرسول منه عليه نوعا من التهكم حيث كان كافرا مكذبا به على حد قوله تعالى ~~حكاية عن الكفرة: "يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون" انتهى ومن ~~المعلوم أن خوار العجل على هذا الوجه كان لسبب صناعي بخلاف الوجه السابق. # وفيه أن سياق الآية يشهد على تفرع النبذ على القبض والقبض على البصر ~~ولازم ما ذكره تفرع النبذ على البصر والبصر على القبض فلو كان ما ذكره حقا ~~كان من الواجب أن يقال: بصرت بما لم يبصروا به فنبذت ما قبضته من أثر ~~الرسول أو يقال: قبضت قبضة من أثر الرسول فبصرت بما لم يبصروا به فنبذتها. # وثانيا: أن لازم توجيهه أن يكون قوله تعالى: "وكذلك سولت لي نفسي" إشارة ~~إلى سبب عمل العجل وجوابا عن مسألة موسى "ما خطبك"؟ ومحصله أنه إنما سواه ~~لتسويل من نفسه أن يضل الناس فيكون مدلول صدر الآية أنه لم يكن موحدا ~~ومدلول ذيلها أنه لم يكن وثنيا فلا موحد ولا وثني مع أن المحكي من قول موسى ~~بعد: "وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه" إلخ إنه كان وثنيا. # وثالثا أن التعبير عن موسى وهو مخاطب بلفظ الغائب بعيد. # ويمكن أن يتصور للآية معنى آخر بناء على ما ذكره بعضهم أن أوزار الزينة ~~التي حملوها كانت حلي ذهب من القبط أمرهم موسى أن يحملوها وكانت لموسى أو ~~منسوبة إليه وهو المراد بأثر الرسول فالسامري ms5293 يصف ما صنعه بأنه كان ذا ~~بصيرة في أمر الصباغة والتقليب يحسن من صنعة التماثيل ما لا علم للقوم به ~~فسولت له نفسه أن يعمل لهم تمثال عجل من ذهب فأخذ وقبض قبضة من أثر الرسول ~~وهو الحلي من الذهب فنبذها وطرحها في النار وأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، ~~وكان خواره لدخول الهواء في فراغ جوفه وخروجه من فيه على ضغطة بتعبئة ~~صناعية. # هذا. # ويبقى الكلام على التعبير عن موسى وهو يخاطبه بالرسول، وعلى تسمية حلي ~~القوم أثر الرسول، وعلى تسمية عمل العجل وكان يعبده تسويلا نفسانيا. # قوله تعالى: "قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا ~~لن تخلفه" هذه مجازاة له من موسى (عليه السلام) بعد ثبوت الجرم. PageV14P103 # فقوله: "قال فاذهب" قضاء بطرده عن المجتمع بحيث لا يخالط القوم ولا يمس ~~أحدا ولا يمسه أحد بأخذ أو عطاء أو إيواء أو صحبة أو تكليم وغير ذلك من ~~مظاهر الاجتماع الإنساني وهو من أشق أنواع العذاب، وقوله: "فإن لك في ~~الحياة أن تقول لا مساس" - ومحصله أنه تقرر وحق عليك أن تعيش فردا ما دمت ~~حيا - كناية عن تحسره المداوم من الوحدة والوحشة. # وقيل: إنه دعاء من موسى عليه وأنه ابتلي إثر دعائه بمرض عقام لا يقترب ~~منه أحد إلا حمي حمى شديدة فكان يقول لمن اقترب منه: لا مساس لا مساس، ~~وقيل: ابتلي بوسواس فكان يتوحش ويفر من كل من يلقاه وينادي لا مساس وهو وجه ~~حسن لو صح الخبر. # وقوله: "وإن لك موعدا لن تخلفه" ظاهره أنه إخبار عن هلاكه في وقت عينه ~~الله وقضاه قضاء محتوما ويحتمل الدعاء عليه، وقيل: المراد به عذاب الآخرة. # قوله تعالى: "وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في ~~اليم نسفا" قال في المجمع،: يقال: نسف فلان الطعام إذا ذرأه بالمنسف ليطير ~~عنه قشوره. # انتهى. # وقوله: "وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا" أي ظللت ودمت عليه عاكفا ~~لازما، وفيه دلالة على أنه ms5294 كان اتخذه إلها له يعبده. # وقوله: "لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا" أي أقسم لنحرقنه بالنار ثم ~~لنذرينه في البحر ذروا، وقد استدل بحديث إحراقه على أنه كان حيوانا ذا لحم ~~ودم ولو كان ذهبا لم يكن لإحراقه معنى، وهذا يؤيد تفسير الجمهور السابق أنه ~~صار حيوانا ذا روح بإلقاء التراب المأخوذ من أثر جبريل عليه. # لكن الحق أنه إنما يدل على أنه لم يكن ذهبا خالصا لا غير. # وقد احتمل بعضهم أن يكون لنحرقنه من حرق الحديد إذا برده بالمبرد، ~~والمعنى: لنبردنه بالمبرد ثم لنذرين برادته في البحر وهذا أنسب. # قوله تعالى: "إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما" ~~الظاهر أنه من تمام كلام موسى (عليه السلام) يخاطب به السامري وبني إسرائيل ~~وقد قرر بكلامه هذا توحده تعالى في ألوهيته فلا يشاركه فيها غيره من عجل أو ~~أي شريك مفروض، وهو بسياقه من لطيف الاستدلال فقد استدل فيه بأنه تعالى هو ~~الله على أنه لا إله إلا هو وبذلك على أنه لا غير إلههم. # قيل: وفي قوله: "وسع كل شيء علما" دلالة على أن المعدوم يسمى شيئا لكونه ~~معلوما وفيه مغالطة فإن مدلول الآية أن كل ما يسمى شيئا فقد وسعه علمه لا ~~أن كل ما وسعه علمه فهو يسمى شيئا والذي ينفع المستدل هو الثاني دون الأول. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، بإسناده إلى حمزة بن الربيع عمن ذكره قال: كنت في مجلس أبي ~~جعفر (عليه السلام) إذ دخل عليه عمرو بن عبيد فقال له: جعلت فداك قول الله ~~تبارك وتعالى: - "ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى" ما ذلك الغضب؟ فقال أبو جعفر ~~(عليه السلام): هو العقاب يا عمرو إنه من زعم أن الله عز وجل زال من شيء ~~إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق، إن الله عز وجل لا يستفزه شيء ولا يغيره. # أقول: وروى ما في معناه الطبرسي في الاحتجاج مرسلا. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ms5295 أبي عبد الله (عليه ~~السلام) أنه قال: إن الله تبارك وتعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ولا يقبل ~~الله إلا الوفاء بالشروط والعهود فمن وفى لله بشرطه واستعمل ما وصف في عهده ~~نال ما عنده واستكمل وعده إن الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطرق الهدى، ~~وشرع لهم فيها المنار، وأخبرهم كيف يسلكون؟ فقال: "وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى" وقال: "إنما يتقبل الله من المتقين" فمن اتقى الله ~~فيما أمره لقي الله مؤمنا بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المجمع،: قال أبو جعفر (عليه السلام): "ثم اهتدى" إلى ولايتنا أهل ~~البيت فو الله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثم مات ولم ~~يجيء بولايتنا لأكبه الله في النار على وجهه:، رواه الحاكم أبو القاسم ~~الحسكاني بإسناده وأورده العياشي في تفسيره، بعدة طرق. أقول: ورواه في ~~الكافي، بإسناده عن سدير عنه (عليه السلام) وفي تفسير القمي، بإسناده عن ~~الحارث بن عمر عنه (عليه السلام) وفي مناقب ابن شهرآشوب، عن أبي الجارود ~~وأبي الصباح الكناسي عن الصادق (عليه السلام) وعن أبي حمزة عن السجاد (عليه ~~السلام): مثله ولفظه: إلينا أهل البيت. PageV14P104 # والمراد بالولاية في الحديث ولاية أمر الناس في دينهم ودنياهم وهي المرجعية ~~في أخذ معارف الدين وشرائعه وفي إدارة أمور المجتمع، وقد كانت للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كما ينص عليه الكتاب في أمثال قوله: "النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم" ثم جعلت لعترته أهل بيته بعده في الكتاب بمثل آية ~~الولاية وبما تواتر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من حديث الثقلين وحديث ~~المنزلة ونظائرهما. # والآية وإن وقعت بين آيات خوطب بها بنو إسرائيل وظاهرها ذلك لكنها غير ~~مقيدة بشيء يخصها بهم ويمنع جريانها في غيرهم فهي جارية في غيرهم كما تجري ~~فيهم أما جريانها فيهم فلأن لموسى بما كان إماما في أمته كان له من سنخ هذه ~~الولاية ما لغيره من الأنبياء فعلى أمته أن يهتدوا به ويدخلوا ms5296 تحت ولايته، ~~وأما جريانها في غيرهم فلأن الآية عامة غير خاصة بقوم دون قوم فهي تهدي ~~الناس في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ولايته وبعده إلى ولاية ~~الأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) فالولاية سنخ واحد لها معناها إلى أي من نسبت. # إذ عرفت ما تقدم ظهر لك سقوط ما ذكره الآلوسي في تفسير روح المعاني، فإنه ~~بعد ما نقل رواية مجمع البيان، السابقة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~وأنت تعلم أن ولايتهم وحبهم رضي الله عنهم مما لا كلام عندنا في وجوبه لكن ~~حمل الاهتداء في الآية على ذلك مع كونها حكاية لما خاطب الله تعالى به بني ~~إسرائيل في زمان موسى (عليه السلام) مما يستدعي القول بأنه عز وجل أعلم بني ~~إسرائيل بأهل البيت وأوجب عليهم ولايتهم إذ ذاك ولم يثبت ذلك في صحيح ~~الأخبار انتهى موضع الحاجة من كلامه. # والذي أوقعه فيما وقع فيه تفسيره الولاية بمعنى المحبة ثم أخذه الآية ~~خاصة ببني إسرائيل حتى استنتج المعنى الذي ذكره وليست الولاية في آياتها ~~وأخبارها بمعنى المحبة وإنما هي ملك التدبير والتصرف في الأمور الذي من ~~شئونه لزوم الاتباع وافتراض الطاعة وهو الذي يدعيه أئمة أهل البيت لأنفسهم ~~وأما المحبة فهي معنى توسعي للولاية بمعناها الحقيقي ومن لوازمها العادية ~~وهي التي تدل عليه بالمطابقة أدلة مودة ذي القربى من آية أو رواية. # ولولاية أهل البيت (عليهم السلام) معنى آخر ثالث وهو أن يلي الله أمر ~~عبده فيكون هو المدبر لأموره والمتصرف في شئونه لإخلاصه في العبودية وهذه ~~الولاية هي لله بالأصالة فهو الولي لا ولي غيره وإنما تنسب إلى أهل البيت ~~(عليهم السلام) لأنهم السابقون الأولون من الأمة في فتح هذا الباب وهي أيضا ~~من التوسع في النسبة كما ينسب الصراط المستقيم في كلامه تعالى إليه ~~بالأصالة وإلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين بنوع من التوسع. # فتلخص أن الولاية في حديث المجمع، بمعنى ملك التدبير وأن الآية الكريمة ~~عامة جارية ms5297 في غير بني إسرائيل كما فيهم وأنه (عليه السلام) إنما فسر ~~الاهتداء إلى الولاية من جهة الآية في هذه الأمة وهو المعنى المتعين. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "فإنا قد فتنا قومك من بعدك" قال اختبرناهم ~~بعدك "وأضلهم السامري" قال: بالعجل الذي عبدوه. # وكان سبب ذلك أن موسى لما وعده الله أن ينزل عليه التوراة والألواح إلى ~~ثلاثين يوما أخبر بني إسرائيل بذلك وذهب إلى الميقات وخلف أخاه على قومه، ~~فلما جاء الثلاثون يوما ولم يرجع موسى إليهم عصوا وأرادوا أن يقتلوا هارون ~~وقالوا: إن موسى كذب وهرب منا، فجاءهم إبليس في صورة رجل فقال لهم: إن موسى ~~قد هرب منكم ولا يرجع إليكم أبدا فاجمعوا لي حليكم حتى أتخذ لكم إلها ~~تعبدونه. PageV14P105 # وكان السامري على مقدمة قوم موسى يوم أغرق الله فرعون وأصحابه فنظر إلى ~~جبرئيل وكان على حيوان في صورة رمكة وكانت كلما وضعت حافرها على موضع من ~~الأرض تحرك ذلك الموضع فنظر إليه السامري وكان من خيار أصحاب موسى فأخذ ~~التراب من حافر رمكة جبرئيل وكان يتحرك فصره في صرة فكان عنده يفتخر به على ~~بني إسرائيل فلما جاءهم إبليس واتخذوا العجل قال للسامري: هات التراب الذي ~~معك، فجاء به السامري فألقاه في جوف العجل فلما وقع التراب في جوفه تحرك ~~وخار ونبت عليه الوبر والشعر فسجد له بنو إسرائيل وكان عدد الذين سجدوا له ~~سبعين ألفا من بني إسرائيل فقال لهم هارون كما حكى الله: "يا قوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى" فهموا بهارون فهرب منهم وبقوا في ذلك حتى تم ~~ميقات موسى أربعين ليلة. # فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله علم الألواح فيها التوراة وما ~~يحتاج إليه من أحكام السير والقصص فأوحى الله إلى موسى أنا فتنا قومك من ~~بعدك وأضلهم السامري وعبدوا العجل وله خوار، فقال: يا رب العجل من السامري ~~فالخوار ممن؟ فقال: مني يا موسى، إني لما ms5298 رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل ~~أحببت أن أزيدهم فتنة. # "فرجع موسى - كما حكى الله - إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدي"، ثم رمى بالألواح وأخذ بلحية أخيه ورأسه يجره إليه فقال: ~~"ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري؟" فقال هارون - كما حكى ~~الله -: "يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي". # فقال له بنو إسرائيل: "ما أخلفنا موعدك بملكنا" قال: ما خالفناك "ولكنا ~~حملنا أوزارا من زينة القوم" يعني من حليهم "فقذفناها" قال: التراب الذي ~~جاء به السامري طرحناه في جوفه. # ثم أخرج السامري العجل وله خوار فقال له موسى: "ما خطبك يا سامري؟" قال ~~السامري: "بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول" يعني من تحت ~~حافر رمكة جبرئيل في البحر "فنبذتها" أي أمسكتها "وكذلك سولت لي نفسي" أي زينت. # فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار وألقاه في البحر، ثم قال موسى للسامري: ~~"اذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس" يعني ما دمت حيا وعقبك هذه ~~العلامة فيكم قائمة: أن تقول: لا مساس حتى يعرفوا أنكم سامرية فلا يغتر بكم ~~الناس فهم إلى الساعة بمصر والشام معروفين لا مساس، ثم هم موسى بقتل ~~السامري فأوحى الله إليه: لا تقتله يا موسى فإنه سخي، فقال له موسى: "انظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا، إنما إلهكم ~~الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما". # أقول: ظاهر هذا الذي نقلناه أن قوله: "والسبب في ذلك" إلخ، ليس ذيلا ~~للرواية التي في أول الكلام "قال بالعجل الذي عبدوه" بل هو من كلام القمي ~~اقتبسه من أخبار آخرين كما هو دأبه في أغلب ما أورده في تفسيره من أسباب ~~نزول الآيات وعلى ذلك شواهد في خلال القصة التي ذكرها، نعم ms5299 قوله في أثناء ~~القصة: "قال ما خالفناك" رواية، وكذا قوله: "قال التراب الذي جاء به ~~السامري طرحناه في جوفه" رواية، وكذا قوله: "ثم هم موسى" إلخ، مضمون رواية ~~مروية عن الصادق (عليه السلام). # ثم على تقدير كونه رواية وتتمة للرواية السابقة هي رواية مرسلة مضمرة. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن علي (عليه السلام) قال: لما تعجل موسى إلى ربه عمد ~~السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلا ثم ألقى القبضة في ~~جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فقال ~~لهم هارون: يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا الحديث. # أقول: وما نسب فيه من القول إلى هارون حكاه القرآن عن موسى (عليه ~~السلام). PageV14P106 # وفيه، أخرج ابن جرير عن أبي عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه ~~وكان فرعون على فرس أدهم حصان هاب الحصان أن يقتحم البحر فمثل له جبريل على ~~فرس أنثى فلما رآها الحصان هجم خلفها وعرف السامري جبريل لأن أمه حين خافت ~~أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه في ~~واحدة لبنا وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا فلم يزل يغذوه حتى نشأ فلما ~~عاينه في البحر عرفه فقبض قبضة من أثر فرسه قال: أخذ من تحت الحافر قبضة ~~وألقي في روع السامري أنك لا تلقيها على شيء فتقول: كن كذا إلا كان. فلم ~~تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر ~~أغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع ~~سبيل المفسدين ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل ~~فرعون فكأنهم تأثموا منه فأخرجوه لتنزل النار فتأكله فلما جمعوه قال ~~السامري بالقبضة هكذا فقذفها فيه فقال: كن عجلا جسدا له خوار فصار عجلا ~~جسدا له خوار فكان يدخل الريح من دبره ms5300 ويخرج من فيه يسمع له صوت فقال: هذا ~~إلهكم وإله موسى فعكفوا على العجل يعبدونه فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم ~~به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى ~~يرجع إلينا موسى. # أقول: والخبر - كما - ترى لا يتضمن كون تراب الحافر ذا خاصية الإحياء ~~لكنه مشتمل على أعظم منه وهو كونه ذا خاصية كلمة التكوين فالسامري على هذا ~~إنما استعمله ليخرج الحلي من النار في صورة عجل جسد له خوار فخرج كما أراد ~~من غير سبب طبيعي عادي وأما الحياة فلا ذكر لها فيه بل ظاهر قوله بدخول ~~الريح في جوفه وخروجه بصوت عدم اتصافه بالحياة. # على أن ما فيه من إخفاء أم السامري إياه لما ولدته في غار خوفا من أن ~~يذبحه فرعون وأن جبريل كان يأتيه فيغذوه بأصابعه حتى نشأ مما لا يعتمد عليه ~~وكون السامري من بني إسرائيل غير معلوم بل أنكره ابن عباس نفسه في خبر سعيد ~~بن جبير المفصل في القصة وروى عن ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان من أهل كرمان. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما ~~كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك ~~رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فلما خبره خبرهم ~~قال: يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفخها فيه؟ ~~قال الرب: أنا، قال يا رب فأنت إذا أضللتهم. ثم رجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا قال: حزينا قال: يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قوله ما أخلفنا ~~موعدك بملكنا يقول: بطاقتنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول: من حلي ~~القبط فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فعكفوا ~~عليه يعبدونه وكان يخور ويمشي فقال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به يقول: ~~ابتليتم بالعجل قال: فما خطبك يا سامري ما بالك ms5301 إلى قوله وانظر إلى إلهك ~~الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه. قال: فأخذه وذبحه ثم حرقه بالمبرد يعني سحكه ~~ثم ذراه في اليم فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء ثم قال لهم ~~موسى: اشربوا منه فشربوا فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين ~~يقول: وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. # الحديث. # أقول: ومن عجيب ما اشتمل عليه قصة إنبات الذهب على شوارب محبي العجل عن ~~شرب الماء، وحمله قوله تعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" عليه ولفظة ~~"في قلوبهم" نعم الدليل على أن المراد بالإشراب حلول حبه ونفوذه في قلوبهم ~~دون شرب الماء الذي نسف فيه بعد السحك. # وأعجب منه جمعه بين ذبحه وسحكه ولا يكون ذبح إلا في حيوان ذي لحم ودم ولا ~~يتيسر السحك والبرد إلا في جسد مسبوك من ذهب أو فلز آخر. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي قال: إن جبريل ~~لما نزل فصعد بموسى إلى السماء بصر به السامري من بين الناس فقبض قبضة من ~~أثر الفرس وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله ~~الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من ~~بعده نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه. PageV14P107 # أقول: وهو يتضمن ما هو أعجب من سوابقه وهو عروج جبريل بموسى إلى السماء ~~وسياق آيات القصة في هذه السورة وغيرها لا يساعده، وأعجب منه أخذ التراب من ~~أثر حافر فرس جبريل حين نزل للعروج بموسى وهو في الطور والسامري مع بني ~~إسرائيل، ولو صح هذا النزول والصعود فقد كان في آخر الميقات وإضلال السامري ~~بني إسرائيل قبل ذلك بأيام. # ونظير هذا الإشكال وارد على سائر الأخبار التي تتضمن أخذه التربة من تحت ~~حافر فرس جبريل حين تمثل لفرعون حتى دخل فرسه البحر فإن فرعون وأصحابه إنما ~~دخلوا البحر بعد خروج بني إسرائيل ومعهم السامري - لو كان هناك - من البحر ~~على ما لعرض البحر من ms5302 المسافة فأين كان السامري من فرعون؟. # وأعظم ما يرد على هذه الأخبار - كما تقدمت الإشارة إليه - أولا كونها ~~مخالفة للكتاب حيث إن الكتاب ينص على كون العجل جسدا غير ذي روح وهي تثبت ~~له جسما ذا حياة وروح ولا حجية لخبر وإن كان صحيحا اصطلاحا مع مخالفة ~~الكتاب ولو لا ذلك لسقط الكتاب عن الحجية مع مخالفة الخبر فيتوقف حجية ~~الكتاب على موافقة الخبر أو عدم مخالفته مع توقف حجية الخبر بل نفس قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يحكيه الخبر بل نبوة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) على حجية ظاهر الكتاب وهو دور ظاهر، وتمام البحث في علم ~~الأصول. # وثانيا: كونها أخبار آحاد ولا معنى لجعل حجية أخبار الآحاد في غير ~~الأحكام الشرعية فإن حقيقة الجعل التشريعي إيجاب ترتيب أثر الواقع على ~~الحجة الظاهرية وهو متوقف على وجود أثر عملي للحجة كما في الأحكام، وأما ~~غيرها فلا أثر فيه حتى يترتب على جعل الحجية مثلا إذا وردت الرواية بكون ~~البسملة جزءا من السورة كان معنى جعل حجيتها وجوب الإتيان بالبسملة في ~~القراءة في الصلاة وأما إذا ورد مثلا أن السامري كان رجلا من كرمان وهو خبر ~~واحد ظني كان معنى جعل حجيته أن يجعل الظن بمضمونه قطعا وهو حكم تكويني ~~ممتنع وليس من التشريع في شيء وتمام الكلام في علم الأصول. # وقد أورد بعض من لا يرتضي تفسير الجمهور للآية بمضمون هذه الأخبار عليها ~~إيرادات أخر ردية وأجاب عنها بعض المنتصرين لهم بوجوه هي أردأ منها. # وقد أيد بعضهم التفسير المذكور بأنه تفسير بالمأثور من خير القرون - ~~القرن الأول قرن الصحابة والتابعين - وليس مما يقال فيه بالرأي فهو في حكم ~~الخبر المرفوع والعدول عنه ضلال. # وفيه أولا: أن كون قرن ما خير القرون لا يوجب حجية كل قول انتهى إليه ولا ~~ملازمة بين خيرية القرن وبين كون كل قول فيه حقا صدقا وكل رأي فيه صوابا ~~وكل عمل فيه صالحا، ويوجد في الأخبار المأثورة عنهم كمية ms5303 وافرة من الأقوال ~~المتناقضة والروايات المتدافعة وصريح العقل يقضي ببطلان أحد المتناقضين ~~وكذب أحد المتدافعين، ويوجب على الباحث الناقد أن يطالبهم الحجة على قولهم ~~كما يطالب غيرهم ولهم فضلهم فيما فضلوا. # وثانيا: أن كون المورد الذي ورد عنهم الأثر فيه مما لا يقال فيه بالرأي ~~كجزئيات القصص مثلا مقتضيا لكون أثرهم في حكم الخبر المرفوع إنما ينفع إذا ~~كانوا منتهين في رواياتهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنا نجدهم ~~حتى الصحابة كثيرا ما يروون من الروايات ما ينتهي إلى اليهود وغيرهم كما لا ~~يرتاب فيه من راجع الأخبار المأثورة في قصص ذي القرنين وجنة إرم وقصة موسى ~~والخضر والعمالقة ومعجزات موسى وما ورد في عثرات الأنبياء وغير ذلك مما لا ~~يعد ولا يحصى فكونها في حكم المرفوعة لا يستلزم رفعها إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وثالثا: سلمنا كونها في حكم المرفوعة لكن المرفوعة منها وحتى الصحيحة في ~~غير الأحكام لا حجية فيها وخاصة ما كان مخالفا للكتاب منها كما تقدم. # وفي المحاسن، بإسناده عن الوصافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن فيما ~~ناجى الله به موسى أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل، الخوار من صنعه؟ ~~فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن تلك فتنتي فلا تفحص عنها. # أقول: وهذا المعنى وارد في مختلف الروايات بألفاظ مختلفة، وعمدة الوجه في ~~ذلك شيوع النقل بالمعنى وخاصة في النبويات من جهة منعهم كتابة الحديث في ~~القرن الأول الهجري حتى ضربه بعض الرواة في قالب الجبر وليس به فإنه إضلال ~~مجازاة وليس بإضلال ابتدائي. PageV14P108 # وقد نسب هذا النوع من الإضلال في كتابه إلى نفسه كثيرا كما قال: "يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # وأحسن تعبير عن معنى هذا الإضلال في الروايات ما تقدم في رواية القمي: ~~"فقال يعني موسى: يا رب العجل من السامري فالخوار ممن؟ فقال: مني يا موسى ~~إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة. ms5304 # وما وقع في رواية راشد بن سعد المنقولة في الدر المنثور،: وفيه "قال: يا ~~رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا، قال: فأنت يا رب أضللتهم قال! يا موسى: يا ~~رأس النبيين ويا أبا الحكام، إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم". # الحديث. # وفي المجمع، قال الصادق (عليه السلام): إن موسى هم بقتل السامري فأوحى ~~الله سبحانه إليه: لا تقتله يا موسى فإنه سخي. PageV14P109 ### ||| AUTO 20 سورة طه - 99 - 114 # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد ءاتينك من لدنا ذكرا (99) من أعرض ~~عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا (100) خلدين فيه وساء لهم يوم القيمة حملا ~~(101) يوم ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخفتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم ~~إلا يوما (104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا (105) فيذرها قاعا ~~صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعى لا عوج ~~له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفعة إلا ~~من أذن له الرحمن ورضى له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ~~ومن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلنه ~~قرءانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) ~~فتعلى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب ~~زدنى علما (114) ### |||| AUTO بيان # تذييل لقصة موسى بآيات متضمنة للوعيد يذكر فيها من أهوال يوم القيامة ~~لغرض الإنذار. # قوله تعالى: "كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا" ~~الظاهر أن الإشارة إلى خصوصية قصة موسى والمراد بما قد سبق الأمور والحوادث ~~الماضية والأمم الخالية أي على هذا النحو قصصنا قصة موسى وعلى شاكلته نقص ~~عليك من أخبار ما قد مضى من الحوادث والأمم. # وقوله: "وقد آتيناك من لدنا ذكرا" المراد به ms5305 القرآن الكريم أو ما يشتمل ~~عليه من المعارف المتنوعة التي يذكر بها الله سبحانه من حقائق وقصص وعبر ~~وأخلاق وشرائع وغير ذلك. # قوله تعالى: "من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا" ضمير "عنه" للذكر ~~والوزر الثقل والإثم والظاهر بقرينة الحمل إرادة المعنى الأول وتنكيره ~~للدلالة على عظم خطره، والمعنى: من أعرض عن الذكر فإنه يحمل يوم القيامة ~~ثقلا عظيم الخطر ومر الأثر، شبه الإثم من حيث قيامه بالإنسان بالثقل الذي ~~يحمله الإنسان وهو شاق عليه فاستعير له اسمه. # قوله تعالى: "خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا" المراد من خلودهم في ~~الوزر خلودهم في جزائه وهو العذاب بنحو الكناية والتعبير في "خالدين" ~~بالجمع باعتبار معنى قوله: "من أعرض عنه" كما أن التعبير في "أعرض" و"فإنه ~~يحمل" باعتبار لفظه، فالآية كقوله: "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا": الجن: 23. # ومع الغض عن الجهات اللفظية فقوله: "من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا خالدين فيه" من أوضح الآيات دلالة على أن الإنسان إنما يعذب بعمله ~~ويخلد فيه وهو تجسم الأعمال. # وقوله: "وساء لهم يوم القيامة حملا" ساء من أفعال الذم كبئس، والمعنى: ~~وبئس الحمل حملهم يوم القيامة، والحمل بكسر الحاء وفتحها واحد، غير أن ما ~~بالكسر هو المحمول في الظاهر كالمحمول على الظهر وما بالفتح هو المحمول في ~~الباطن كالولد في البطن. # قوله تعالى: "يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا" "يوم ينفخ" ~~إلخ، بدل من يوم القيامة في الآية السابقة، ونفخ في الصور كناية عن الإحضار ~~والدعوة ولذا أتبعه فيما سيأتي بقوله: "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له": ~~الآية - 108 من السورة. # والزرق جمع أزرق من الزرقة وهي اللون الخاص، وعن الفراء أن المراد بكونهم ~~زرقا كونهم عميا لأن العين إذا ذهب نورها أزرق ناظرها وهو معنى حسن ويؤيده ~~قوله تعالى: "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا": الإسراء: 97. PageV14P110 # وقيل: المراد زرقة أبدانهم من التعب والعطش، وقيل: زرقة عيونهم لأن أسوأ ~~ألوان العين وأبغضها عند ms5306 العرب زرقتها، وقيل: المراد به كونهم عطاشا لأن ~~العطش الشديد يغير سواد العين ويريها كالأزرق وهي وجوه غير مرضية. # قوله تعالى: "يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا - إلى قوله - إلا يوما" ~~التخافت تكليم القوم بعضهم بعضا بخفض الصوت وذلك من أهل المحشر لهول ~~المطلع، وقوله: "إن لبثتم إلا عشرا" بيان لكلامهم الذي يتخافتون فيه، ومعنى ~~الجملة على ما يعطيه السياق: يقولون ما لبثتم في الدنيا قبل الحشر إلا عشرة ~~أيام، يستقلون لبثهم فيها بقياسه إلى ما يلوح لهم من حكم الخلود والأبدية. # وقوله: "نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما" أي ~~لنا إحاطة علمية بجميع ما يقولون في تقرير لبثهم إذ يقول أمثلهم طريقة أي ~~الأقرب منهم إلى الصدق إن لبثتم في الأرض إلا يوما وإنما كان قائل هذا ~~القول أمثل القوم طريقة وأقربها إلى الصدق لأن اللبث المحدود الأرضي لا ~~مقدار له إذا قيس من اللبث الأبدي الخالد، وعده يوما وهو أقل من العشرة ~~أقرب إلى الواقع من عده عشرة، والقول مع ذلك نسبي غير حقيقي وحقيقة القول ~~فيه ما حكاه سبحانه في قوله: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم ~~في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون:" الروم: ~~56، وسيجيء استيفاء البحث في معنى هذا اللبث في تفسير الآية إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "ويسألونك عن الجبال - إلى قوله - ولا أمتا" تدل الآية على ~~أنهم سألوه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حال الجبال يوم القيامة فأجيب عنه ~~بالآيات. # وقوله: "فقل ينسفها ربي نسفا" أي يذرؤها ويثيرها فلا يبقى منها في ~~مستقرها شيء، وقوله: "فيذرها قاعا صفصفا" القاع الأرض المستوية والصفصف ~~الأرض المستوية الملساء، والمعنى فيتركها أرضا مستوية ملساء لا شيء عليها، ~~وكأن الضمير للأرض باعتبار أنها كانت جبالا، وقوله: "لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا" قيل: العوج ما انخفض من الأرض والأمت ما ارتفع منها، والخطاب للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد كل من له ms5307 أن يرى والمعنى لا يرى راء ~~فيها منخفضا كالأودية ولا مرتفعا كالروابي والتلال. # قوله تعالى: "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا ~~تسمع إلا همسا" نفي العوج إن كان متعلقا بالاتباع - بأن يكون "لا عوج له" ~~حالا عن ضمير الجمع وعامله يتبعون - فمعناه أن ليس لهم إذا دعوا إلا ~~الاتباع محضا من غير أي توقف أو استنكاف أو تثبط أو مساهلة فيه لأن ذلك كله ~~فرع القدرة والاستطاعة أو توهم الإنسان ذلك لنفسه وهم يعاينون اليوم أن ~~الملك والقدرة لله سبحانه لا شريك له قال تعالى: "لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار:" المؤمن: 16، وقال: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا:" البقرة: 165. # وإن كان متعلقا بالداعي كان معناه أن الداعي لا يدع أحدا إلا دعاه من غير ~~أن يهمل أحدا بسهو أو نسيان أو مساهلة في الدعوة. # لكن تعقيب الجملة بقوله: "وخشعت الأصوات للرحمن" إلخ يناسب المعنى الأول ~~فإن ارتفاع الأصوات عند الدعوة والإحضار إنما يكون للتمرد والاستكبار عن ~~الطاعة والاتباع. # وقوله: "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا قال الراغب: الهمس الصوت ~~الخفي وهمس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها قال تعالى: "فلا تسمع إلا همسا". # انتهى. # والخطاب في قوله: "لا تسمع" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد كل ~~سامع يسمع والمعنى وانخفضت الأصوات لاستغراقهم في المذلة والمسكنة لله فلا ~~يسمع السامع إلا صوتا خفيا. # قوله تعالى: "يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا" ~~نفي نفع الشفاعة كناية عن أن القضاء بالعدل والحكم الفصل على حسب الوعد ~~والوعيد الإلهيين جار نافذ يومئذ من غير أن يسقط جرم مجرم أو يغمض عن معصية ~~عاص لمانع يمنع منه فمعنى نفع الشفاعة تأثيرها. PageV14P111 # وقوله: "إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا" الاستثناء يدل على أن العناية ~~في الكلام متعلقة بنفي الشفعاء لا بتأثير الشفاعة في المشفوع لهم والمراد ~~الإذن في الكلام للشفاعة كما يبينه قوله بعده: "ورضي له ms5308 قولا" فإن التكلم ~~يومئذ منوط بإذنه تعالى، قال: "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105 ~~وقال: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38. # وقد مر القول في معنى الإذن في التكلم في تفسير سورة هود في الجزء العاشر ~~من الكتاب. # وأما كون القول مرضيا فمعناه أن لا يخالطه ما يسخط الله من خطإ أو خطيئة ~~قضاء لحق الإطلاق ولا يكون ذلك إلا ممن أخلص الله سريرته من الخطإ في ~~الاعتقاد والخطيئة في العمل وطهر نفسه من رجس الشرك والجهل في الدنيا أو من ~~ألحقه بهم فإن البلاء والابتلاء اليوم مع السرائر قال تعالى: "يوم تبلى ~~السرائر" وللبحث ذيل طويل سيمر بك بعضه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما" إن كان ~~ضمائر الجمع في الآية راجعة إلى "من أذن له" باعتبار معناه كان المراد أن ~~مرضي قولهم لا يخفى على الله فإن علمه محيط بهم وهم لا يحيطون به علما فليس ~~في وسعهم أن يغروه بقول مزوق غير مرضي. # وإن كانت راجعة إلى المجرمين فالآية تصف علمه تعالى بهم في موقف الجزاء ~~وهو ما بين أيديهم وقبل أن يحضروا الموقف في الدنيا حيا أو ميتا وهو ما ~~خلفهم فهم محاطون لعلمه ولا يحيطون به علما فيجزيهم بما فعلوا وقد عنت ~~وجوههم للحي القيوم فلا يستطيعون ردا لحكمه وعند ذلك خيبتهم. # وهذا الاحتمال أنسب لسياق الآيات. # قوله تعالى: "وعنت الوجوه للحي القيوم" العنوة هي الذلة قبال قهر القاهر ~~وهي شأن كل شيء دون الله سبحانه يوم القيامة بظهور السلطنة الإلهية كما ~~قال: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار:" المؤمن: 16، فلا يملك شيء شيئا ~~بحقيقة معنى الكلمة وهو الذلة والمسكنة على الإطلاق وإنما نسبت العنوة إلى ~~الوجوه لأنها أول ما تبدو وتظهر في الوجوه، ولازم هذه العنوة أن لا يمنع ~~حكمه ولا نفوذه فيهم مانع ولا يحول بينه وبين ما أراد بهم حائل. # واختير من أسمائه الحي القيوم ms5309 لأن مورد الكلام الأموات أحيوا ثانيا وقد ~~تقطعت عنهم الأسباب اليوم والمناسب لهذا الظرف من صفاته حياته المطلقة ~~وقيامه بكل أمر. # قوله تعالى: "وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~يخاف ظلما ولا هضما" بيان لجزائهم أما قوله: "وقد خاب من حمل ظلما" فالمراد ~~بهم المجرمون غير المؤمنين فلهم الخيبة بسوء الجزاء لا كل من حمل ظلما ما ~~أي ظلم كان من مؤمن أو كافر فإن المؤمن لا يخيب يومئذ بالشفاعة. # ولو كان المراد العموم وأن كل من حمل ظلما ما فهو خائب فالمراد بالخيبة ~~الخيبة من السعادة التي يضادها ذلك الظلم دون الخيبة من السعادة مطلقا. # وأما قوله: "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن" إلخ فهو بيان استطرادي لحال ~~المؤمنين الصلحاء جيء به لاستيفاء الأقسام وتتميم القول في الفريقين ~~الصلحاء والمجرمين، وقد قيد العمل الصالح بالإيمان لأن الكفر يحبط العمل ~~الصالح بمقتضى آيات الحبط، والهضم هو النقص، ومعنى الآية ظاهر. # وقد تم باختتام هذه الآية بيان إجمال ما يجري عليهم يوم الجزاء من حين ~~يبعثون إلى أن يجزوا بأعمالهم فقد ذكر إحضارهم بقوله: "يوم ينفخ في الصور" ~~أولا ثم حشرهم وقرب ذلك منهم حتى أنه يرى أمثلهم طريقة أنهم لبثوا في الأرض ~~يوما واحدا بقوله: "يتخافتون بينهم" إلخ ثانيا. # ثم تسطيح الأرض لاجتماعهم عليها بقوله: "ويسألونك عن الجبال" إلخ، ثالثا. # ثم طاعتهم واتباعهم الداعي للحضور بقوله: "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج ~~له" إلخ، رابعا. # ثم عدم تأثير الشفاعة لإسقاط الجزاء بقوله: "يومئذ لا تنفع الشفاعة" إلخ خامسا. # ثم إحاطة علمهم بحالهم من غير عكس وهي مقدمة للحساب والجزاء بقوله: "يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم" إلخ سادسا. # ثم سلطانه عليهم وذلتهم عنده ونفوذ حكمه فيهم بقوله: "وعنت الوجوه للحي ~~القيوم" سابعا. # ثم الجزاء بقوله: "وقد خاب" إلخ ثامنا، وبهذا يظهر وجه ترتب الآيات وذكر ~~ما ذكر فيها. PageV14P112 # قوله تعالى: "وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ذكرا" ظاهر ms5310 سياقها أن الإشارة بكذلك إلى خصوصيات بيان الآيات، ~~و"قرآنا عربيا" حال من الضمير في "أنزلناه" والتصريف، هو التحويل من حال ~~إلى حال، والمعنى وعلى ذلك النحو من البيان المعجز أنزلنا الكتاب والحال ~~أنه قرآن مقرو عربي وأتينا فيه ببعض ما أوعدناهم في صورة بعد صورة. # وقوله: "لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا" قد أورد فيما تقدم من قوله: "لعله ~~يتذكر أو يخشى" الذكر مقابلا للخشية ويستأنس منه أن المراد بالاتقاء هاهنا ~~هو التحرز من المعاداة واللجاج الذي هو لازم الخشية باحتمال الضرر دون ~~الاتقاء المترتب على الإيمان بإتيان الطاعات واجتناب المعاصي، ويكون المراد ~~بإحداث الذكر لهم حصول التذكر فيهم وتتم المقابلة بين الذكر والتقوى من غير تكلف. # والمعنى - والله أعلم - لعلهم يتحرزون المعاداة مع الحق لحصول الخشية في ~~قلوبهم باحتمال الخطر لاحتمال كونه حقا أو يحدث لهم ذكرا للحق فيعتقدوا به. # قوله تعالى: "فتعالى الله الملك الحق" تسبيح وتنزيه له عن كل ما لا يليق ~~بساحة قدسه، وهو يقبل التفرع على إنزال القرآن وتصريف الوعيد فيه لهداية ~~الناس والتفرع عليه وعلى ما ذكر قبله من حديث الحشر والجزاء وهذا هو الأنسب ~~نظرا إلى انسلاك الجميع في سلك واحد وهو أنه تعالى ملك يتصرف في ملكه ~~بهداية الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم ثم إحضارهم وجزائهم على ما عملوا من ~~خير أو شر. # فتعالى الله الذي يملك كل شيء ملكا مطلقا لا مانع من تصرفه ولا معقب ~~لحكمه يرسل الرسل وينزل الكتب لهداية الناس وهو من شئون ملكه ثم يبعثهم بعد ~~موتهم ويحضرهم فيجزيهم على ما عملوا وقد عنوا للحي القيوم وهذا أيضا من ~~شئون ملكه فهو الملك في الأولى والآخرة وهو الحق الثابت على ما كان لا يزول ~~عما هو عليه. # ويمكن أن يتفرع على جميع ما تقدم من قصة موسى وما فرع عليها إلى هنا ~~ويكون بمنزلة ختم ذلك بالتسبيح والاستعظام. # قوله تعالى: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني ~~علما" السياق يشهد بأن ms5311 في الكلام تعرضا لتلقي النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وحي القرآن، فضمير "وحيه" للقرآن، وقوله: "ولا تعجل بالقرآن" نهي عن ~~العجل بقراءته، ومعنى قوله: "من قبل أن يقضى إليك وحيه" من قبل أن يتم وحيه ~~من ملك الوحي. # فيفيد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا جاءه الوحي بالقرآن ~~يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل أن يتم الوحي فنهى عن أن يعجل في قراءته قبل ~~انقضاء الوحي وتمامه فيكون الآية في معنى قوله تعالى في موضع آخر: "لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه:" ~~القيامة: 18. # ويؤيد هذا المعنى قوله بعد: "وقل رب زدني علما" فإن سياق قوله: لا تعجل ~~به وقل رب زدني، يفيد أن المراد هو الاستبدال أي بدل الاستعجال في قراءة ما ~~لم ينزل بعد، طلبك زيادة العلم ويئول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ~~ينزل بعد لأن عندك علما به في الجملة لكن لا تكتف به واطلب من الله علما ~~جديدا بالصبر واستماع بقية الوحي. # وهذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير ~~نزوله نجوما على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلو لا علم ما منه ~~بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى. # وقيل: المراد بالآية ولا تعجل بقراءة القرآن لأصحابك وإملائه عليهم من ~~قبل أن يتبين لك معانيه، وأنت خبير بأن لفظ الآية لا تعلق له بهذا المعنى. # وقيل: المراد ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يقضي الله وحيه إليك، وهو ~~كسابقه غير منطبق على لفظ الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إذ يقول أمثلهم طريقة" قال: أعلمهم ~~وأصلحهم يقولون: "إن لبثتم إلا يوما". وفي المجمع،: قيل إن رجلا من ثقيف ~~سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف تكون الجبال مع عظمها يوم ~~القيامة؟ فقال: إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال ثم يرسل عليها الرياح ~~فتفرقها. PageV14P113 # أقول: ms5312 وروى هذا المعنى في الدر المنثور، عن ابن المنذر عن ابن جريح ولفظه: ~~قالت قريش: يا محمد كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت: ~~"ويسألونك عن الجبال" الآية وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا" قال: الأمت: الارتفاع، والعوج: الحزون والذكوات. وفيه،: في ~~قوله تعالى: "يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له" قال: مناد من عند الله عز ~~وجل. وفيه،: في قوله تعالى: "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا": ~~حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن أبي محمد الوابشي عن أبي الورد عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد حفاة ~~عراة فيوقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا وتشتد أنفاسهم فيمكثون في ~~ذلك مقدار خمسين عاما وهو قول الله: "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا" الحديث. # وفي الكافي، أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى قال: ~~سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ~~فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى ~~بلغ سؤاله إلى التوحيد. فقال أبو قرة: إنا روينا أن الله قسم الرؤية ~~والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية، فقال أبو الحسن (عليه ~~السلام): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس "لا تدركه ~~الأبصار" "ولا يحيطون به علما" "وليس كمثله شيء"؟ أليس محمد؟ قال بلى. قال: ~~كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى ~~الله بأمر الله فيقول: "لا تدركه الأبصار" "ولا يحيطون به علما" "وليس ~~كمثله شيء" ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر؟ ~~أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله ~~بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر، إلى قوله: وقد قال الله: "ولا يحيطون به ~~علما" فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ms5313 ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة: ~~فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام) إذا كانت الروايات مخالفة ~~للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما ولا تدركه ~~الأبصار وليس كمثله شيء. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا تعجل بالقرآن" الآية، قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل ~~تمام نزول الآية، والمعنى: فأنزل الله "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه" - أي يفرغ من قراءته "وقل رب زدني علما". # أقول: وروى هذا المعنى في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن السدي: إلا ~~أن فيه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يفعل ذلك خوفا من النسيان وأنت ~~تعلم أن نسيان الوحي لا يلائم عصمة النبوة. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن الحسن قال: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تطلب قصاصا، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهما ~~القصاص، فأنزل الله "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه - وقل رب ~~زدني علما"، فوقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نزلت "الرجال قوامون ~~على النساء" الآية. # أقول: والحديث لا يخلو من شيء فلا الآية الأولى بمضمونها تنطبق على ~~المورد ولا الثانية، وقد سبق البحث عن كليهما. # وفي المجمع، روت عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: إذا ~~أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله فلا بارك الله لي في طلوع شمسه. # أقول: والحديث لا يخلو من شيء وكيف يظن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يدعو على نفسه في أمر ليس إليه، ولعل في الرواية تحريفا من جهة النقل ~~بالمعنى. PageV14P114 ### ||| AUTO 20 سورة طه - 115 - 126 # ولقد عهدنا إلى ءادم من قبل فنسى ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملئكة ~~اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يئادم إن هذا عدو لك ms5314 ولزوجك ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) ~~وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطن قال يئادم هل أدلك ~~على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوءتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى (121) ثم اجتبه ربه فتاب ~~عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى ~~فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيمة أعمى (124) قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا (125) ~~قال كذلك أتتك ءايتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) ### |||| AUTO بيان # قصة دخول آدم وزوجه الجنة وخروجهما منها بوسوسة من الشيطان وقضائه تعالى ~~عند ذلك بتشريع الدين وسعادة من اتبع الهدى وشقاء من أعرض عن ذكر الله. # وقد وردت القصة في هذه السورة بأوجز لفظ وأجمل بيان، وعمدة العناية فيها ~~- كما يشهد به تفصيل ذيلها - متعلقة ببيان ما حكم به من تشريع الدين ~~والجزاء بالثواب والعقاب، ويؤيده أيضا التفريع بعدها بقوله: "وكذلك نجزي من ~~أسرف ولم يؤمن بآيات ربه" إلخ، نعم للقصة تعلق ما أيضا من جهة ذكرها توبة ~~آدم بقوله فيما تقدم: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى". # والقصة - كما يظهر من سياقها في هذه السورة وغيرها مما ذكرت فيها كالبقرة ~~والأعراف - تمثل حال الإنسان بحسب طبعه الأرضي المادي فقد خلقه الله سبحانه ~~في أحسن تقويم وغمره في نعمه التي لا تحصى وأسكنه جنة الاعتدال ومنعه عن ~~تعديه بالخروج إلى جانب الإسراف باتباع الهوى والتعلق بسراب الدنيا ونسيان ~~جانب الرب تعالى بترك عهده إليه وعصيانه واتباع وسوسة الشيطان الذي يزين له ~~الدنيا ويصور له ويخيل إليه أنه لو تعلق بها ونسي ربه اكتسب بذلك سلطانا ~~على الأسباب الكونية يستخدمها ويستذل بها كل ما يتمناه من لذائذ الحياة ~~وأنها باقية له وهو باق لها، حتى إذا تعلق بها ونسي مقام ربه ظهرت له سوآت ~~الحياة ولاحت له ms5315 مساوىء الشقاء بنزول النوازل وخيانة الدهر ونكول الأسباب ~~وتولي الشيطان عنه فطفق يخصف عليه من ظواهر النعم يستدرك بموجود نعمة مفقود ~~أخرى ويميل من عذاب إلى ما هو أشد منه ويعالج الداء المؤلم بآخر أكثر منه ~~ألما حتى يؤمر بالخروج من جنة النعمة والكرامة إلى مهبط الشقاء والخيبة. # فهذه هي التي مثلت لآدم (عليه السلام) إذ أدخله الله الجنة وضرب له ~~بالكرامة حتى آل أمره إلى ما آل إلا أن واقعته (عليه السلام) كانت قبل ~~تشريع أصل الدين وجنته جنة برزخية ممثلة في عيشة غير دنيوية فكان النهي ~~لذلك إرشاديا لا مولويا ومخالفته مؤدية إلى أمر قهري ليس بجزاء تشريعي كما ~~تقدم تفصيله في تفسير سورتي البقرة والأعراف. # قوله تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما" المراد ~~بالعهد الوصية وبهذا المعنى يطلق على الفرامين والدساتير العهود، والنسيان ~~معروف وربما يكنى به عن الترك لأنه لازمه إذ الشيء إذا نسي ترك، والعزم ~~القصد الجازم إلى الشيء قال تعالى: "فإذا عزمت فتوكل على الله:" آل عمران: ~~159 وربما أطلق على الصبر ولعله لكون الصبر أمرا شاقا على النفوس فيحتاج ~~إلى قصد أرسخ وأثبت فسمي الصبر باسم لازمه قال تعالى: "إن ذلك لمن عزم ~~الأمور". # فالمعنى وأقسم لقد وصينا آدم من قبل فترك الوصية ولم نجد له قصدا جازما ~~إلى حفظها أو صبرا عليها والعهد المذكور - على ما يظهر من قصته (عليه ~~السلام) في مواضع من كلامه تعالى - هو النهي عن أكل الشجرة، بمثل قوله: "لا ~~تقربا هذه الشجرة:" الأعراف: 19. PageV14P115 # قوله تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى" معطوف ~~على مقدر والتقدير اذكر عهدنا إليه واذكر وقتا أمرنا الملائكة بالسجود له ~~فسجدوا إلا إبليس حتى يظهر أنه نسي ولم يعزم على حفظ الوصية، وقوله: "أبى" ~~جواب سؤال مقدر تقديره ما ذا فعل إبليس؟ فقيل: أبى. # قوله تعالى: "فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى" تفريع على إباء إبليس عن ms5316 السجدة أي فلما أبى قلنا إرشادا لآدم إلى ~~ما فيه صلاح أمره ونصحا: إن هذا الآبي عن السجدة - إبليس - عدو لك ولزوجك إلخ. # وقوله: "فلا يخرجنكما من الجنة" توجيه نهي إبليس عن إخراجهما من الجنة ~~إلى آدم كناية عن نهيه عن طاعته أو عن الغفلة عن كيده والاستهانة بمكره أي ~~لا تطعه أو لا تغفل عن كيده وتسويله حتى يتسلط عليكما ويقوى على إخراجكما ~~من الجنة وإشقائكما. # وقد ذكر الإمام الرازي في تفسيره وجوها لسبب عداوة إبليس لآدم وزوجه وهي ~~وجوه سخيفة لا فائدة في الإطناب بنقلها، والحق أن السبب فيها هو طرده من ~~حضرة القرب ورجمه وجعل اللعن عليه إلى يوم القيامة كما يظهر من قوله لعنه ~~الله على ما حكاه الله: "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين": الحجر: 39. # وقوله: "قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا:" الإسراء: 62، ومعلوم أن تكريم آدم عليه هو تكريم نوع ~~الإنسان عليه كما أن أمره بالسجدة له كان أمرا بالسجدة لنوع الإنسان فأصل ~~السبب هو تقدم الإنسان وتأخر الشيطان ثم الطرد واللعن. # وقوله: "فتشقى" تفريع على خروجهما من الجنة والمراد بالشقاء التعب أي ~~فتتعب إن خرجتما من الجنة وعشتما في غيرها وهو الأرض عيشة أرضية لتهاجم ~~الحوائج وسعيك في رفعها كالحاجة إلى الطعام والشراب واللباس والمسكن ~~وغيرها. # والدليل على أن المراد بالشقاء التعب الآيتان التاليتان المشيرتان إلى ~~تفسيره: "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى". # وهو أيضا دليل على أن النهي إرشادي ليس في مخالفته إلا الوقوع في المفسدة ~~المترتبة على نفس الفعل وهو تعب السعي في رفع حوائج الحياة واكتساب ما يعاش ~~به وليس بمولوي تكون نفس مخالفته مفسدة يقع فيها العبد وتستتبع مؤاخذة ~~أخروية. # على أنك عرفت أنه عهد قبل تشريع أصل الدين الواقع عند الأمر بالخروج من ~~الجنة والهبوط إلى الأرض. # وأما إفراد قوله: "فتشقى" ولم يقل فتشقيا بصيغة التثنية فلأن العهد ms5317 إنما ~~نزل على آدم (عليه السلام) وكان التكليم متوجها إليه، ولذلك جيء بصيغة ~~الإفراد في جميع ما يرجع إليه كقوله: "فنسي ولم نجد له عزما" "فتشقى" "ألا ~~تجوع فيها ولا تعرى" "لا تظمؤا فيها ولا تضحى" "فوسوس إليه" إلخ "وعصى" إلخ ~~"ثم اجتباه ربه فتاب عليه" نعم جيء بلفظ التثنية فيما لا غنى عنه كقوله: ~~"عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما" "فأكلا منها فبدت لهما" "وطفقا يخصفان ~~عليهما" "قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو" فتدبر وقيل إن إفراد: ~~"تشقى" من جهة أن نفقة المرأة على المرء ولذا نسب الشقاء وهو التعب في ~~اكتساب المعاش إلى آدم وفيه. # أن الآيتين التاليتين لا تلائمان ذلك ولو كان كما قال لقيل: إن لكما أن ~~لا تجوعا إلخ، وقيل: إن الإفراد لرعاية الفواصل وهو كما ترى. # قوله تعالى: "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى" ~~يقال: ضحى يضحى كسعى يسعى ضحوا وضحيا إذا أصابته الشمس أو برز لها وكأن ~~المراد بعدم الضحو أن ليس هناك أثر من حرارة الشمس حتى تمس الحاجة إلى ~~الاكتنان في مسكن يقي من الحر والبرد. # وقد رتبت الأمور الأربعة على نحو اللف والنشر المرتب لرعاية الفواصل ~~والأصل في الترتيب أن لا تجوع فيها ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى. # قوله تعالى: "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى" الشيطان هو الشرير لقب به إبليس لشرارته، والمراد بشجرة الخلد ~~الشجرة المنهية والبلى صيرورة الشيء خلقا خلاف الجديد. PageV14P116 # والمراد بشجرة الخلد شجرة يعطي أكلها خلود الحياة، والمراد بملك لا يبلى ~~سلطنة لا تتأثر عن مرور الدهور واصطكاك المزاحمات والموانع فيئول المعنى ~~إلى نحو قولنا هل أدلك على شجرة ترزق بأكل ثمرتها حياة خالدة وملكا دائما ~~فليس قوله: "لا يبلى" تكرارا لإفادة التأكيد كما قيل. # والدليل على ما ذكره ما في سورة الأعراف في هذا المعنى من قوله: "ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ms5318 تكونا من الخالدين:" ~~الأعراف: 20" ولا منافاة بين جمع خلود الحياة ودوام الملك هاهنا بواو الجمع ~~وبين الترديد بينهما في سورة الأعراف لإمكان أن يكون الترديد هناك لمنع ~~الخلو لا لمنع الجمع، أو يكون الجمع هاهنا باعتبار الاتصاف بهما جميعا ~~والترديد هناك باعتبار تعلق النهي كأنه قيل: إن في هذه الشجرة صفتين وإنما ~~نهاكما ربكما عنها إما لهذه، أو لهذه أو إنما نهاكما ربكما عنها أن لا ~~تخلدا في الجنة مع ملك خالد أو أن لا تخلدا بناء على أن الملك الخالد ~~يستلزم حياة خالدة فافهم ذلك وكيف كان فلا منافاة بين الترديد في آية ~~والجمع في أخرى. # قوله تعالى: "فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة" تقدم تفسيره في سورة الأعراف. # قوله تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى" الغي خلاف الرشد الذي هو بمعنى إصابة ~~الواقع وهو غير الضلال الذي هو الخروج من الطريق، والهدى يقابلهما ويكون ~~بمعنى الإرشاد إذا قابل الغي كما في الآية التالية وبمعنى إراءة الطريق، أو ~~الإيصال إلى المطلوب بتركيب الطريق إذا قابل الضلال فليس من المرضي تفسير ~~الغي في الآية بمعنى الضلال. # ومعصية آدم - ربه كما أشرنا إليه آنفا وقد تقدم تفصيله - إنما هي معصية ~~أمر إرشادي لا مولوي والأنبياء (عليهم السلام) معصومون من المعصية ~~والمخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يوحى إليهم من جهة تلقيه فلا يخطئون، ~~ومن جهة حفظه فلا ينسون ولا يحرفون، ومن جهة إلقائه إلى الناس وتبليغه لهم ~~قولا فلا يقولون إلا الحق الذي أوحي إليهم وفعلا فلا يخالف فعلهم قولهم ولا ~~يقترفون معصية صغيرة ولا كبيرة لأن في الفعل تبليغا كالقول، وأما المعصية ~~بمعنى مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلا إحراز المأمور خيرا أو ~~منفعة من خيرات حياته ومنافعها بانتخاب الطريق الأصلح كما يأمر وينهى ~~المشير الناصح نصحا فإطاعته ومعصيته خارجتان من مجرى أدلة العصمة وهو ظاهر. # وليكن هذا معنى قول القائل إن الأنبياء (عليهم السلام) على عصمتهم يجوز ~~لهم ترك الأولى ومنه أكل ms5319 آدم (عليه السلام) من الشجرة والآية من معارك ~~الآراء وقد اختلفت فيها التفاسير على حسب اختلاف مذاهبهم في عصمة الأنبياء ~~وكل يجر النار إلى قرصته. # قوله تعالى: "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" الاجتباء - كما تقدم مرارا - ~~بمعنى الجمع على طريق الاصطفاء ففيه جمعه تعالى عبده لنفسه لا يشاركه فيه ~~أحد وجعله من المخلصين بفتح اللام، وعلى هذا المعنى يتفرع عليه قوله: "فتاب ~~عليه وهدى"، كأنه كان ذا أجزاء متفرقة متشتتة فجمعها من هنا وهناك إلى مكان ~~واحد ثم تاب عليه ورجع إليه وهداه وسلك به إلى نفسه. # وإنما فسرنا قوله: "هدى" وهو مطلق بهدايته إلى نفسه بقرينة الاجتباء، ولا ~~ينافي مع ذلك إطلاق الهداية لأن الهداية إليه تعالى أصل كل هداية ومحتدها، ~~نعم يجب تقييد الهداية بما يكون في أمر الدين من اعتقاد حق وعمل صالح، ~~والدليل عليه تفريع الهداية في الآية على الاجتباء، فافهم ذلك. # وعلى هذا فلا يرد على ما قدمنا أن ظاهر وقوع هذه الهداية بعد ذكر تلك ~~الغواية أن يكون نوع تلك الغواية مرفوعا عنه وإذ كانت غواية في أمر إرشادي ~~فالآية تدل على إعطاء العصمة له في موارد الأمر المولوية والإرشادية جميعا ~~وصونه عن الخطإ في أمر الدين والدنيا معا. PageV14P117 # ووجه عدم الورود أن ظاهر تفرع الهداية على الاجتباء كونه مهديا إلى ما كان ~~الاجتباء له والاجتباء إنما يتعلق بما فيه السعادة الدينية وهو قصر ~~العبودية في الله سبحانه فالهداية أيضا متعلقة بذلك وهي الهداية التي لا ~~واسطة فيها بينه تعالى وبين العبد المهدي ولا تتخلف أصلا كما قال: "فإن ~~الله لا يهدي من يضل:" النحل: 37، والهداية إلى منافع الحياة أيضا وإن كانت ~~راجعة إليه تعالى لكنها مما تتخلل الأسباب فيها بينها وبينه تعالى والأسباب ~~ربما تخلفت، فافهم ذلك. # قوله تعالى: "قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو" تقدم تفسير مثله في ~~سورتي البقرة والأعراف. # وفي قوله: "قال اهبطا" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة والإفراد ~~ولعل الوجه فيه اشتمال الآية على القضاء ms5320 والحكم وهو مما يختص به تعالى قال: ~~"والله يقضي بالحق": المؤمن: 20، وقال: "إن الحكم إلا لله": يوسف: 67. # قوله تعالى: "فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى" في ~~الآية قضاء منه تعالى متفرع على الهبوط ولذا عطف بفاء التفريع، وأصل قوله: ~~"فإما يأتينكم" فإن يأتكم زيد عليه ما ونون التأكيد للإشارة إلى وقوع الشرط ~~كأنه قيل: إن يأتكم مني هدى - وهو لا محالة آت - فمن اتبع "إلخ". # وفي قوله: "فمن اتبع هداي" نسبة الاتباع إلى الهدى على طريق الاستعارة ~~بالكناية، وأصله: من اتبع الهادي الذي يهدي بهداي. # وقوله: "فلا يضل ولا يشقى" أي لا يضل في طريقه ولا يشقى في غايته التي هي ~~عاقبة أمره، وإطلاق الضلال والشقاء يقضي بنفي الضلال والشقاء عنه في الدنيا ~~والآخرة جميعا وهو كذلك فإن الهدى الإلهي هو الدين الفطري الذي دعا إليه ~~بلسان أنبيائه، ودين الفطرة هو مجموع الاعتقادات والأعمال التي تدعو إليها ~~فطرة الإنسان وخلقته بحسب ما جهز به من الجهازات، ومن المعلوم أن سعادة كل ~~شيء هو ما تستدعيه خلقته بما لها من التجهيز لا سعادة له وراءه، قال تعالى: ~~"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم:" الروم: 30. # قوله تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى" قال الراغب: العيش الحياة المختصة بالحيوان وهو أخص من الحياة لأن ~~الحياة يقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك ويشتق منه المعيشة لما ~~يتعيش منه، قال تعالى: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا" "معيشة ~~ضنكا" انتهى، والضنك هو الضيق من كل شيء ويستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: ~~مكان ضنك ومعيشة ضنك وهو في الأصل مصدر ضنك يضنك من باب شرف يشرف أي ضاق. # وقوله: "ومن أعرض عن ذكري" يقابل قوله في الآية السابقة: "فمن اتبع هداي" ~~وكان مقتضى المقابلة أن يقال: "ومن لم يتبع هداي" وإنما عدل عنه إلى ذكر ~~الإعراض عن الذكر ليشير به ms5321 إلى علة الحكم لأن نسيانه تعالى والإعراض عن ~~ذكره هو السبب لضنك العيش والعمى يوم القيامة، وليكون توطئة وتمهيدا لما ~~سيذكر من نسيانه تعالى يوم القيامة من نسيه في الدنيا. # والمراد بذكره تعالى أما المعنى المصدري فقوله: "ذكري" من إضافة المصدر ~~إلى مفعوله أو القرآن أو مطلق الكتب السماوية كما يؤيده قوله الآتي: "أتتك ~~آياتنا فنسيتها" أو الدعوة الحقة وتسميتها ذكرا لأن لازم اتباعها والأخذ ~~بها ذكره تعالى. # وقوله: "فإن له معيشة ضنكا" أي ضيقة وذلك أن من نسي ربه وانقطع عن ذكره ~~لم يبق له إلا أن يتعلق بالدنيا ويجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم ~~بإصلاح معيشته والتوسع فيها والتمتع منها، والمعيشة التي أوتيها لا تسعه ~~سواء كانت قليلة أو كثيرة لأنه كلما حصل منها واقتناها لم يرض نفسه بها ~~وانتزعت إلى تحصيل ما هو أزيد وأوسع من غير أن يقف منها على حد فهو دائما ~~في ضيق صدر وحنق مما وجد متعلق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهم ~~والغم والحزن والقلق والاضطراب والخوف بنزول النوازل وعروض العوارض من موت ~~ومرض وعاهة وحسد حاسد وكيد كائد وخيبة سعي وفراق حبيب. PageV14P118 # ولو أنه عرف مقام ربه ذاكرا غير ناس أيقن أن له حياة عند ربه لا يخالطها ~~موت وملكا لا يعتريه زوال وعزة لا يشوبها ذلة وفرحا وسرورا ورفعة وكرامة لا ~~تقدر بقدر ولا تنتهي إلى أمد وأن الدنيا دار مجاز وما حياتها في الآخرة إلا ~~متاع فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قدر له من الدنيا ووسعه ما أوتيه من ~~المعيشة من غير ضيق وضنك. # وقيل: المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر وشقاء الحياة البرزخية بناء على ~~أن كثيرا من المعرضين عن ذكر الله ربما نالوا من المعيشة أوسعها وألقت ~~إليهم أمور الدنيا بأزمتها فهم في عيشة وسيعة سعيدة. # وفيه أنه مبني على مقايسة معيشة الغني من معيشة الفقير بالنظر إلى نفس ~~المعيشتين والإمكانات التي فيهما ولا يتعلق نظر القرآن بهما من هذه الجهة ~~البتة، وإنما ms5322 تبحث الآيات فيهما بمقايسة المعيشة المضافة إلى المؤمن وهو ~~مسلح بذكر الله والإيمان به من المعيشة المضافة إلى الكافر الناسي لربه ~~المتعلق النفس بالحياة الدنيا الأعزل من الإيمان ولا ريب أن للمؤمن حياة ~~حرة سعيدة يسعه ما أكرمه ربه به من معيشة وإن كانت بالعفاف والكفاف أو دون ~~ذلك، وليس للمعرض عن ذكر ربه إلا عدم الرضا بما وجد والتعلق بما وراءه. # نعم عذاب القبر من مصاديق المعيشة الضنك بناء على كون قوله: "فإن له ~~معيشة ضنكا" متعرضا لبيان حالهم في الدنيا وقوله: "ونحشره يوم القيامة ~~أعمى" لبيان حالهم في الآخرة والبرزخ من أذناب الدنيا. # وقيل: المراد بالمعيشة الضنك عذاب النار يوم القيامة، وبقوله: "ونحشره" ~~إلخ، ما قبل دخول النار. # وفيه أن إطلاق قوله: "فإن له معيشة ضنكا" ثم تقييد قوله: "ونحشره" بيوم ~~القيامة لا يلائمه وهو ظاهر. # نعم لو أخذ أول الآية مطلقا يشمل معيشة الدنيا والآخرة جميعا وآخرها ~~لتقيده بيوم القيامة مختصا بالآخرة كان له وجه. # وقوله: "ونحشره يوم القيامة أعمى" أي بحيث لا يهتدي إلى ما فيه سعادته ~~وهو الجنة والدليل على ذلك ما يأتي في الآيتين التاليتين. # قوله تعالى: "قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا" يسبق إلى الذهن أن ~~عمى يوم القيامة يتعلق ببصر الحس فإن الذي يسأل عنه هو ذهاب البصر الذي كان ~~له في الدنيا وهو بصر الحس دون بصر القلب الذي هو البصيرة، فيشكل عليه ظاهر ~~ما دل على أن المجرمين يبصرون يوم القيامة أهوال اليوم وآيات العظمة والقهر ~~كقوله تعالى: "إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا": ~~الم السجدة: 12، وقوله: "اقرأ كتابك:" الإسراء: 14، ولذلك ذكر بعضهم أنهم ~~يحشرون أولا مبصرين ثم يعمون، وبعضهم أنهم يحشرون مبصرين ثم عميا ثم ~~مبصرين. # وهذا قياس أمور الآخرة وأحوالها بما لها من نظير في الدنيا وهو قياس مع ~~الفارق فإن من الظاهر المسلم من الكتاب والسنة أن النظام الحاكم في الآخرة ~~غير النظام الحاكم في الدنيا الذي نألفه من الطبيعة وكون البصير ms5323 مبصرا لكل ~~مبصر والأعمى غير مدرك لكل ما من شأنه أن يرى كما هو المشهود في النظام ~~الدنيوي لا دليل على عمومه للنظام الأخروي فمن الجائز أن يتبعض الأمر هناك ~~فيكون المجرم أعمى لا يبصر ما فيه سعادة حياته وفلاحه وفوزه بالكرامة وهو ~~يشاهد ما يتم به الحجة عليه وما يفزعه من أهوال القيامة وما يشتد به العذاب ~~عليه من النار وغيرها، قال تعالى: "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون:" ~~المطففين: 15. # قوله تعالى: "قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" الآية جواب ~~سؤال السائل: "رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا" والإشارة في قوله: "كذلك ~~أتتك" إلى حشره أعمى المذكور في السؤال، وفي قوله: "وكذلك اليوم" إلى معنى ~~قوله: "أتتك آياتنا فنسيتها" والمعنى قال: كما حشرناك أعمى أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكما أتتك آياتنا فنسيتها ننساك اليوم أي إن حشرك اليوم أعمى وتركك ~~لا تبصر شيئا مثل تركك آياتنا في الدنيا كما يترك الشيء المنسي وعدم ~~اهتدائك بها مثل تركنا لك اليوم وعدم هدايتك بجعلك بصيرا تهتدي إلى النجاة، ~~وبعبارة أخرى إنما جازيناك في هذا اليوم بمثل ما فعلت في الدنيا كما قال ~~تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها:" الشورى: 40. PageV14P119 # وقد سمى الله سبحانه معصية المجرمين وهم المعرضون عن ذكره التاركون لهداه ~~نسيانا لآياته، ومجازاتهم بالإعماء يوم القيامة نسيانا منه لهم وانعطف بذلك ~~آخر الكلام إلى أوله وهو معصية آدم التي سماها نسيانا لعهده إذ قال: "ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل فنسي" فكأن قصة جنة آدم بما لها من الخصوصيات كانت ~~مثالا من قبل يمثل به ما سيجري على بنيه من بعده إلى يوم القيامة فيمثل ~~بنهيه عن اقتراب الشجرة الدعوة الدينية والهدى الإلهي بعده، وبمعصيته التي ~~كانت نسيانا للعهد معاصي بنيه التي هي نسيان لذكره تعالى وآياته المذكرة، ~~وإنما الفرق أن ابتلاء آدم كان قبل تشريع الشرائع فكان النهي المتوجه إليه ~~إرشاديا وما ابتلي به من المخالفة من قبيل ترك الأولى بخلاف الأمر في بنيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير ms5324 القمي،: في قوله تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم ~~نجد له عزما" قال: فيما نهاه عنه من أكل الشجرة. # وفي تفسير العياشي، عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما ~~السلام) قال: سألته كيف أخذ الله آدم بالنسيان؟ فقال: إنه لم ينس وكيف ينسى ~~وهو يذكره ويقول له إبليس: "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة - إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين". # أقول: وهذا قول من قال في الآية بأن النسيان بمعناه الحقيقي وأن آدم نسي ~~النهي عند الأكل حقيقة ولم يكن له عزم على المعصية أصلا، رد (عليه السلام) ~~ذلك بمخالفة الكتاب، وبه يظهر ضعف ما رواه في روضة الكافي بإسناده عن أبي ~~حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم أن ~~لا يقرب هذه الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي ~~فأكل منها، وهو قول الله تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما". # وهذا القول منسوب إلى ابن عباس والأصل فيه ما رواه في الدر المنثور، عن ~~الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب عن قول ~~الله: "يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" قال: كان ~~رجال من المهاجرين في أنسابهم شيء فقالوا يوما: والله لوددنا أن الله أنزل ~~قرآنا في نسبنا فأنزل الله ما قرأت. ثم قال لي: إن صاحبكم هذا يعني علي بن ~~أبي طالب إن ولي زهد ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به. قلت: يا أمير ~~المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله ما نقول: إنه غير ولا عدل ولا أسخط ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام صحبته. فقال: ولا في بنت أبي جهل ~~وهو يريد أن يخطبها على فاطمة؟ قلت: قال الله في معصية آدم (عليه السلام): ~~"ولم نجد له عزما" وصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول ms5325 الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولكن الخواطر التي لم يقدر أحد على دفعها عن نفسه، وربما كانت ~~من الفقيه في دين الله العالم بأمر الله فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال: يا ~~بن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا. # فقد بنى حجته على كون المراد بالعزم العزم على المعصية ولازمه كون المراد ~~بالنسيان معناه الحقيقي، فآدم لم يذكر العهد حين الأكل ولا عزم على المعصية ~~فلم يعص ربه، وقد تقدم أنه مخالف لقوله: "قال ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين" على أن الآية بالمعنى ~~الذي ذكره لا تناسب سياق الآيات السابقة عليها ولا اللاحقة، ومن الحري أن ~~يجل ابن عباس وهو هو عن أن ينسب إليه هذا القول. PageV14P120 # وأما ما وقع في الحديث من سخط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي ~~(عليه السلام) في إرادته خطبة بنت أبي جهل على فاطمة (عليها السلام) فإشارة ~~إلى ما في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، بعدة طرق عن المسور بن مخرمة ولفظ ~~بعضها: أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحا ابنة ~~أبي جهل، قال المسور: فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته حين ~~تشهد ثم قال: أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وأن ~~فاطمة مضغة مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله ~~وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا. قال: فترك علي الخطبة. # والإمعان في التأمل فيما يتضمنه الحديث يوجب سوء الظن به فإن فيه طعنا ~~صريحا في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلو كان ما يتضمنه حقا كانت ~~السخطة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزعة ms5326 جاهلية من غير مجوز يجوزها له ~~فبما ذا كان يسخط عليه؟ أبقوله تعالى: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع" الآية، وهو عام لم ينسخ ولم يخصص بآية أخرى خاصة بها؟ أم بشيء ~~من السنة يخصص الآية بفاطمة (عليها السلام) ويشرع فيها خاصة حكما شخصيا ~~بالتحريم فلم يثبت ولم يبلغ قبل ذلك، وفي لفظ الحديث دلالة على ذلك أم أن ~~نفس هذا القول بيان وتبليغ فلم يبين ولم يبلغ قبل ذلك ولا بأس بمخالفة ~~الحكم قبل بلوغه ولا معصية فيها، فما معنى سخطه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على من لم يأت بمعصية ولا عزم عليها، وساحته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~منزهة من هذه الشيم الجاهلية، وكأن بعض رواة الحديث أراد به الطعن في علي ~~(عليه السلام) فطعن في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث لا يشعر. # على أنه يناقض الروايات القطعية الدالة على نزاهة ساحة علي (عليه السلام) ~~من المعصية كخبر الثقلين وخبر المنزلة وخبر علي مع الحق والحق مع علي، إلى ~~غير ذلك. # وفي الكافي، والعلل، مسندا عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في قول الله تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل - فنسي ولم نجد له عزما" ~~قال: عهد إليه في محمد والأئمة من ولده فترك ولم يكن له عزم فيهم أنه هكذا، ~~وإنما سموا أولي العزم لأنهم عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده والمهدي ~~وسيرته فأجمع عزمهم أن ذلك كذلك والإقرار به. # أقول: والرواية ملخصة من حديث مفصل رواه في الكافي، عن محمد بن يحيى عن ~~أحمد بن محمد عن داود العجلي عن زرارة عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~يذكر فيه بدء خلق الإنسان ثم إشهاد الناس على أنفسهم في عالم الذر وأخذ ~~الميثاق من آدم (عليه السلام) ومن أولي العزم من الرسل بالربوبية والنبوة ~~والولاية وإقرار أولي العزم على ذلك وتوقف آدم (عليه السلام) وعدم عزمه على ~~الإقرار وإن لم يجحد ثم تطبيق قوله ms5327 تعالى: "ولقد عهدنا إلى آدم" الآية، عليه. # والمعنى المذكور في الرواية من بطن القرآن أرجع فيه الأحكام إلى حقيقتها ~~والعهود إلى تأويلها وهو الولاية الإلهية، وليس من تفسير لفظ الآية في شيء، ~~والدليل على أنه ليس بتفسير أن الآيات - وهي اثنتا عشرة آية - تقص قصة ~~واحدة ولو حملت الآية الأولى على هذا المعنى تفسيرا لم يبق في الآيات ما ~~يدل على النهي عن أكل الشجرة وهو ركن القصة عليه يعتمد الباقي، ولا يغني ~~عنه قوله: "فلا يخرجنكما من الجنة"، وهو ظاهر، ولم يذكر النهي المذكور في ~~سورة متقدمة نزولا على هذه السورة حتى يحال إليه وسورتا الأعراف والبقرة ~~المذكور فيهما النهي المذكور متأخرتان نزولا عن هذه السورة كما سيجيء ~~الإشارة إليه إن شاء الله. PageV14P121 # وبالجملة فهو من البطن دون التفسير وإن ورد في بعض الروايات في صورة ~~التفسير كرواية جابر السابقة ولعله مما اشتبه على بعض رواة الحديث فأورده ~~على هذه الصورة وقد بلغ الأمر في بعض الروايات إلى أن جعل ما ذكره الإمام ~~من المعنى جزءا من الآية فصارت من أخبار التحريف كما في المناقب، عن الباقر ~~(عليه السلام): "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة ~~والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم" كذا نزلت على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # ونظير هذه الروايات روايات أخر وقع فيها تطبيق قوله تعالى: "فمن اتبع ~~هداي" وقوله: "عن ذكري" على ولاية أهل البيت (عليهم السلام) وهي من روايات ~~الجري دون التفسير كما توهم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من اتبع ~~كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، ~~وذلك أن الله يقول: "فمن اتبع هداي - فلا يضل ولا يشقى. # أقول: الحديث ينزل قوله تعالى "فلا يضل" على الدنيا وقوله: "ولا يشقى" ~~على الآخرة فيؤيد ما تقدم في تفسير الآية. # وفي المجمع،: في ms5328 قوله تعالى: "فإن له معيشة ضنكا": وقيل: هو عذاب القبر: ~~عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري والسدي، ورواه أبو هريرة مرفوعا: وفي ~~الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ~~من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عز وجل: "ونحشره يوم القيامة ~~أعمى قال: قلت: سبحان الله أعمى؟ قال: نعم أعماه الله عن طريق الحق:. أقول: ~~وروى مثله القمي في تفسيره مسندا عن معاوية بن عمار والصدوق في من لا يحضره ~~الفقيه، مرسلا عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام):. # والرواية في تخصيصها عمى يوم القيامة بطريق الحق وهو طريق النجاة ~~والسعادة تؤيد ما تقدم في تفسير الآية. PageV14P122 ### ||| AUTO 20 سورة طه - 127 - 135 # وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بئايت ربه ولعذاب الاخرة أشد وأبقى (127) ~~أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مسكنهم إن فى ذلك لايت ~~لأولى النهى (128) ولو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءاناى ~~اليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزوجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر ~~أهلك بالصلوة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعقبة للتقوى (132) ~~وقالوا لو لا يأتينا بئاية من ربه أولم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى ~~(133) ولو أنا أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع ءايتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من ~~أصحب الصرط السوى ومن اهتدى (135) ### |||| AUTO بيان # متفرقات من وعيد ووعد وحجة وحكم وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~متفرعة على ما تقدم في السورة. # قوله تعالى: "وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى" الإسراف التجاوز عن الحد والظاهر أن الواو في قوله: "وكذلك" ~~للاستيناف، والإشارة إلى ما تقدم من مؤاخذة من ms5329 أعرض عن ذكر الله ونسي آيات ~~ربه فإنه تجاوز منه عن حد العبودية وكفر بآيات ربه فجزاؤه جزاء من نسي آيات ~~ربه وتركها بعد ما عهد إليه معرضا عن ذكره. # وقوله: "ولعذاب الآخرة أشد وأبقى" أي من عذاب الدنيا وذلك لكونه محيطا ~~بباطن الإنسان كظاهره ولكونه دائما لا يزول. # قوله تعالى: "أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم" ~~إلخ، الظاهر أن "يهد" مضمن معنى يبين، والمعنى أفلم يبين لهم طريق الاعتبار ~~والإيمان بالآيات كثرة إهلاكنا القرون التي كانوا قبلهم وهم يمشون في ~~مساكنهم كما كانت تمر أهل مكة في أسفارهم بمساكن عاد بأحقاف اليمن ومساكن ~~ثمود وأصحاب الأيكة بالشام ومساكن قوم لوط بفلسطين "إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى" أي أرباب العقول. # قوله تعالى: "ولو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى" مقتضى ~~السياق السابق أن يكون "لزاما" بمعنى الملازمة وهما مصدرا لازم يلازم، ~~والمراد بالمصدر معنى اسم الفاعل وعلى هذا فاسم كان هو الضمير الراجع إلى ~~الهلاك المذكور في الآية السابقة، وأن قوله: "وأجل مسمى" معطوف على "كلمة ~~سبقت" والتقدير ولو لا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان الهلاك ملازما لهم ~~إذ أسرفوا ولم يؤمنوا بآيات ربهم. # واحتمل بعضهم أن يكون لزام اسم آلة كحزام وركاب وآخرون أن يكون جمع لازم ~~كقيام جمع قائم والمعنيان لا يلائمان السياق كثيرا. # وقوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك" تكررت هذه الكلمة منه سبحانه في حق بني ~~إسرائيل وغيرهم في مواضع من كلامه كقوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم:" يونس: 19 هود: 110 حم السجدة: 45، وقد غياها بالأجل المسمى في ~~قوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم:" الشورى: 14، وقد ~~تقدم في تفسير سورتي يونس وهود أن المراد بها الكلمة التي قضي بها عند ~~إهباط آدم إلى الأرض بمثل قوله: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:" ~~الأعراف: 24. PageV14P123 # فالناس آمنون من الهلاك وعذاب الاستئصال على إسرافهم وكفرهم ما ms5330 بين ~~استقرارهم في الأرض وأجلهم المسمى إلا أن يجيئهم رسول فيقضي بينهم، قال ~~تعالى: ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون:" ~~يونس: 47 وإليه يرجع عذاب الاستئصال عن الآيات المقترحة إذا لم يؤمن بها ~~بعد ما جاءت وهذه الأمة حالهم حال سائر الأمم في الأمن من عذاب الاستئصال ~~بوعد سابق من الله، وأما القضاء بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقد أخره الله إلى أمد كما تقدم استفادته من قوله: "ولكل أمة رسول" ~~الآية من سورة يونس. # واحتمل بعضهم أن يكون المراد بالكلمة وعدا خاصا بهذه الأمة بتأخير العذاب ~~عنهم إلى يوم القيامة وقد مر في تفسير سورة يونس أن ظاهر الآيات خلافه نعم ~~يدل كلامه تعالى على تأخيره إلى أمد كما تقدم. # ونظيره في الفساد قول الآخرين إن المراد بالكلمة قضاء عذاب أهل بدر منهم ~~بالسيف والأجل المسمى لباقي كفار مكة وهو كما ترى. # وقوله: "وأجل مسمى" قد تقدم في تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل المسمى ~~هو الأجل المعين بالتسمية الذي لا يتخطا ولا يتخلف كما قال تعالى: "ما تسبق ~~من أمة أجلها وما يستأخرون:" الحجر: 5، وذكر بعضهم أن المراد بالأجل المسمى ~~يوم القيامة، وقال آخرون إن الأجل المسمى هو الكلمة التي سبقت من الله ~~فيكون عطف الأجل على الكلمة من عطف التفسير، ولا معول على القولين لعدم ~~الدليل. # فمحصل معنى الآية أنه لو لا أن الكلمة التي سبقت من ربك - وفي إضافة الرب ~~إلى ضمير الخطاب إعزاز وتأييد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - تقضي ~~بتأخير عذابهم والأجل المسمى يعين وقته في ظرف التأخير لكان الهلاك ملازما ~~لهم بمجرد الإسراف والكفر. # ومن هنا يظهر أن مجموع الكلمة التي سبقت والأجل المسمى سبب واحد تام ~~لتأخير العذاب عنهم لا أن كل واحد منهما سبب مستقل في ذلك كما اختاره كثير منهم. # قوله تعالى: "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها" إلخ، يأمره بالصبر على ما يقولون ms5331 ويفرعه على ما تقدم كأنه قيل: إذا ~~كان من قضاء الله أن يؤخر عذابهم ولا يعاجلهم بالانتقام على ما يقولون فلا ~~يبقى لك إلا أن تصبر راضيا على ما قضاه الله من الأمر وتنزهه عما يقولونه ~~من كلمة الشرك ويواجهونك به من السوء، وتحمده على ما تواجهه من آثار قضائه ~~فليس إلا الجميل فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك لعلك ترضى. # وقوله: "وسبح بحمد ربك" أي نزهه متلبسا بحمده والثناء عليه فإن هذه ~~الحوادث التي يشق تحملها والصبر عليها لها نسبة إلى فواعلها وليست إلا سيئة ~~يجب تنزيهه تعالى عنها ولها نسبة بالإذن إليه تعالى وهي بهذه النسبة جميلة ~~لا يترتب عليها إلا مصالح عامة يصلح بها النظام الكوني ينبغي أن يحمد الله ~~ويثني عليه بها. # وقوله: "قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" ظرفان متعلقان بقوله: "وسبح بحمد ربك". # وقوله: "ومن آناء الليل فسبح" الجملة نظيرة قوله: "وإياي فارهبون:" ~~البقرة: 40، والآناء على أفعال جمع إني أو إنو بكسر الهمزة بمعنى الوقت ~~و"من" للتبعيض والجار والمجرور متعلق بقوله: "فسبح" دال على ظرف في معناه ~~متعلق بالفعل والتقدير وبعض آناء الليل سبح فيها. # وقوله: "وأطراف النهار" منصوب بنزع الخافض على ما ذكروا معطوف على قوله: ~~"ومن آناء" والتقدير وسبح في أطراف النهار وهل المراد بأطراف النهار ما قبل ~~طلوع الشمس وما قبل غروبها، أو غير ذلك؟ اختلفت فيه كلمات المفسرين وسنشير إليه. # وما ذكر في الآية من التسبيح مطلق لا دلالة فيها من جهة اللفظ على أن ~~المراد به الفرائض اليومية من الصلوات وإليه مال بعض المفسرين لكن أصر ~~أكثرهم على أن المراد بالتسبيح الصلاة تبعا لما روي عن بعض القدماء كقتادة وغيره. # قالوا: إن مجموع الآية يدل على الأمر بالصلوات الخمس اليومية فقوله: "قبل ~~طلوع الشمس" صلاة الصبح، وقوله: "وقبل غروبها" صلاة العصر وقوله: "ومن آناء ~~الليل" صلاتا المغرب والعشاء، وقوله: "وأطراف النهار" صلاة الظهر. PageV14P124 # ومعنى كونها في أطراف النهار مع أنها في منتصفه بعد الزوال أنه لو نصف ~~النهار حصل ms5332 نصفان: الأول والأخير وصلاة الظهر في الجزء الأول من النصف ~~الثاني فهي في طرف النصف الأول لأن آخر النصف الأول ينتهي إلى جزء يتصل ~~بوقتها، وفي طرف النصف الثاني لأنه يبتدىء من جزء هو وقتها فوقتها على ~~وحدته طرف للنصف الأول باعتبار وطرف للنصف الثاني باعتبار فهو طرفان اثنان ~~اعتبارا. # وأما إطلاق الأطراف - بصيغة الجمع - على وقتها وإنما هو طرفان اعتبارا ~~فباعتبار أن الجمع قد يطلق على الاثنين وإن كان الأشهر الأعرف كون أقل ~~الجمع في اللغة العربية ثلاثة. # وقيل: المراد بالنهار الجنس فهو في نهر لكل فرد منها طرفان فيكون أطرافا، ~~وقد طال البحث بينهم حول التوجيه اعتراضا وجوابا. # لكن الإنصاف أن أصل التوجيه تعسف بعيد من الفهم فالذوق السليم - بعد ~~اللتيا والتي - يأبى أن يسمي وسط النهار أطراف النهار بفروض واعتبارات ~~وهمية لا موجب لها في مقام التخاطب من أصلها ولا أمرا يرتضيه الذوق ولا ~~يستبشعه. # وأما من قال: إن المراد بالتسبيح والتحميد غير الفرائض من مطلق التسبيح ~~والحمد إما بتذكر تنزيهه والثناء عليه تعالى قلبا وإما بقول مثل سبحان الله ~~والحمد لله لسانا أو الأعم من القلب واللسان فقالوا: المراد بما قبل طلوع ~~الشمس وما قبل غروبها وآناء الليل الصبح والعصر وأوقات الليل وأطراف النهار ~~الصبح والعصر. # وأما لزوم إطلاق الأطراف وهو جمع على الصبح والعصر وهما اثنان فقد أجابوا ~~عنه بمثل ما تقدم في القول السابق من اعتبار أقل الجمع اثنين. # وأما لزوم التكرار بذكر تسبيح الصبح والعصر مرتين فقد التزم به بعضهم ~~قائلا إن ذلك للتأكيد وإظهار مزيد العناية بالتسبيح في الوقتين، ويظهر من ~~بعضهم أن المراد بالأطراف الصبح والعصر ووسط النهار. # وأنت خبير بأنه يرد عليه نظير ما يرد على الوجه السابق بتفاوت يسير، ~~والإشكال كله ناش من ناحية قوله: "وأطراف النهار" من جهة انطباقه على وسط ~~النهار أو الصبح والعصر. # والذي يمكن أن يقال إن قوله: "وأطراف النهار" مفعول معه وليس بظرف بتقدير ~~في وإن لم يذكره المفسرون على ما أذكر، والمراد بأطراف ms5333 النهار ما قبل طلوع ~~الشمس وما قبل غروبها بالنظر إلى كونهما وقتين ذوي سعة لكل منهما أجزاء كل ~~جزء منها طرف بالنسبة إلى وسط النهار فيصح أن يسميا أطراف النهار كما يصح ~~أن يسميا طرفي النهار وذلك كما يسمى ما قبل طلوع الشمس أول النهار باعتبار ~~وحدته وأوائل النهار باعتبار تجزيه إلى أجزاء، ويسمى ما قبل غروبها آخر ~~النهار، وأواخر النهار. # فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا: "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها وهي أطراف النهار، وبعض أوقات الليل سبح فيها مع أطراف النهار التي ~~أمرت بالتسبيح فيها. # فإن قلت: كيف يستقيم كون "أطراف النهار" مفعولا معه وهو ظرف للتسبيح ~~بتقدير في نظير ظرفية "آناء الليل" له؟. # قلت: آناء الليل ليس ظرفا بلفظه كيف؟ وهو مدخول من ولا معنى لتقدير في ~~معه وإنما يدل به على الظرف، ومعنى "ومن آناء الليل فسبح" وبعض آناء الليل ~~سبح فيه، فليكن "وأطراف النهار" كذلك، والمعنى مع أطراف النهار التي تسبح ~~فيها والظرف في كلا الجانبين مدلول عليه مقدر. # هذا. # فلو قلنا: إن المراد بالتسبيح في الآية غير الصلوات المفروضة كان المراد ~~التسبيح في أجزاء من أول النهار وأجزاء من آخره وأجزاء من الليل بمعية ~~أجزاء أول النهار وآخره ولم يلزم محذور التكرار ولا محذور إطلاق لفظ الجمع ~~على ما دون الثلاثة، وهو ظاهر. # ولو قلنا إن المراد بالتسبيح في الآية الفرائض اليومية كانت الآية متضمنة ~~للأمر بصلاة الصبح وصلاة العصر وصلاتي المغرب والعشاء فحسب نظير الأمر في ~~قوله تعالى: "أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل:" هود: 114، ولعل ~~التعبير عن الوقتين في الآية المبحوث عنها بأطراف النهار للإشارة إلى سعة ~~الوقتين. PageV14P125 # ولا ضير في اشتمال الآية على أربع من الصلوات الخمس اليومية فإن السورة - ~~كما سنشير إليه - من أوائل السور النازلة بمكة وقد دلت الأخبار المستفيضة ~~التي رواها العامة والخاصة أن الفرائض اليومية إنما شرعت خمسا في المعراج ~~كما ذكرت في سورة الإسراء النازلة بعد المعراج خمسا في قوله: "أقم الصلاة ms5334 ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر:" الإسراء: 78، فلعل التي شرعت من ~~الفرائض اليومية حين نزول سورة طه وكذا سورة هود - وهما قبل سورة الإسراء ~~نزولا - كانت هي الأربع ولم تكن شرعت صلاة الظهر بعد بل هو ظاهر الآيتين: ~~آية طه وآية هود. # ومعلوم أنه لا يرد على هذا الوجه ما كان يرد على القول بكون المراد ~~بالتسبيح الصلوات الخمس وانطباق أطراف النهار على وقت صلاة الظهر وهو وسط ~~النهار. # هذا. # وقوله: "لعلك ترضى" السياق السابق وقد ذكر فيه إعراضهم عن ذكر ربهم ~~ونسيانهم آياته وإسرافهم في أمرهم وعدم إيمانهم ثم ذكر تأخير الانتقام منهم ~~وأمره بالصبر والتسبيح والتحميد يقضي أن يكون المراد بالرضا الرضا بقضاء ~~الله وقدره، والمعنى: فاصبر وسبح بحمد ربك ليحصل لك الرضا بما قضى الله ~~سبحانه فيعود إلى مثل معنى قوله: "واستعينوا بالصبر والصلاة". # والوجه فيه أن تكرار ذكره تعالى بتنزيه فعله عن النقص والشين وذكره ~~بالثناء الجميل والمداومة على ذلك يوجب أنس النفس به وزيادته وزيادة الأنس ~~بجمال فعله ونزاهته توجب رسوخه فيها وظهوره في نظرها وزوال الخطورات ~~المشوشة للإدراك والفكر، والنفس مجبولة على الرضا بما تحبه ولا تحب غير ~~الجميل المنزه عن القبح والشين فإدامة ذكره بالتسبيح والتحميد تورث الرضا ~~بقضائه. # وقيل: المراد لعلك ترضى بالشفاعة والدرجة الرفيعة عند الله. # وقيل: لعلك ترضى بجميع ما وعدك الله به من النصر وإعزاز الدين في الدنيا ~~والشفاعة والجنة في الآخرة. # قوله تعالى: "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه" إلخ، مد العين مد نظرها وإطالته ففيه مجاز عقلي ثم مد ~~النظر وإطالته إلى شيء كناية عن التعلق به وحبه والمراد بالأزواج - كما قيل ~~- الأصناف من الكفار أو الأزواج من النساء والرجال منهم ويرجع إلى البيوتات ~~وتنكير الأزواج للتقليل وإظهار أنهم لا يعبأ بهم. # وقوله: "زهرة الحياة الدنيا" بمنزلة التفسير لقوله: "ما متعنا به" وهو ~~منصوب بفعل مقدر والتقدير نعني به - أو جعلنا لهم - زهرة الحياة الدنيا وهي ~~زينتها وبهجتها، ms5335 والفتنة الامتحان والاختبار، وقيل: المراد بها العذاب لأن ~~كثرة الأموال والأولاد نوع عذاب من الله لهم كما قال: "ولا تعجبك أموالهم ~~وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون": التوبة: 85. # وقوله: "ورزق ربك خير وأبقى" المراد به بقرينة مقابلته لما متعوا به من ~~زهرة الحياة الدنيا هو رزق الآخرة وهو خير وأبقى. # والمعنى: لا تطل النظر إلى زينة الحياة الدنيا وبهجتها التي متعنا بها ~~أصنافا أو أزواجا معدودة منهم لنمتحنهم فيما متعنا به، والذي سيرزقك ربك في ~~الآخرة خير وأبقى. # قوله تعالى: "وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى" الآية ذات سياق يلتئم بسياق سائر آيات السورة فهي مكية ~~كسائرها على أنا لم نظفر بمن يستثنيها ويعدها مدنية، وعلى هذا فالمراد ~~بقوله "أهلك" بحسب انطباقه على وقت النزول خديجة زوج النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) وكان من أهله وفي بيته أو هما وبعض بنات ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # فقول بعضهم: إن المراد به أزواجه وبناته وصهره علي، وقول آخرين: المراد ~~به أزواجه وبناته وأقرباؤه من بني هاشم والمطلب، وقول آخرين: جميع متبعيه ~~من أمته غير سديد، نعم لا بأس بالقول الأول من حيث جري الآية وانطباقها لا ~~من حيث مورد النزول فإن الآية مكية ولم يكن له (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بمكة من الأزواج غير خديجة (عليها السلام). PageV14P126 # وقوله: "لا نسألك رزقا نحن نرزقك" ظاهر المقابلة بين الجملتين أن المراد ~~سؤاله تعالى الرزق لنفسه وهو كناية عن أنا في غنى منك وأنت المحتاج المفتقر ~~إلينا فيكون في معنى قوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين:" ~~الذاريات: 56 58، وأيضا هو من جهة تذييله بقوله: "والعاقبة للتقوى" في معنى ~~قوله: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم:" الحج - ~~37، فتفسيرهم سؤال الرزق بسؤال الرزق للخلق أو لنفس ms5336 النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ليس بسديد. # وقوله: "والعاقبة للتقوى" تقدم البحث فيه كرارا. # ولا يبعد أن يستفاد من الآية من جهة قصر الأمر بالصلاة في أهله مع ما في ~~الآيتين السابقتين من أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفسه بالصلوات ~~الأربع اليومية والصبر والنهي عن أن يمد عينيه فيما متع به الكفار أن ~~السورة نزلت في أوائل البعثة أو خصوص الآية. # وفيما روي عن ابن مسعود أن سورة طه من العتاق الأول. # قوله: "وقالوا لو لا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف ~~الأولى" حكاية قول مشركي مكة وإنما قالوا هذا تعريضا للقرآن أنه ليس بآية ~~دالة على النبوة فليأتنا بآية كما أرسل الأولون والبينة الشاهد المبين أو ~~البين وقيل هو البيان. # وكيف كان فقولهم: "لو لا يأتينا بآية من ربه" تحضيض بداعي إهانة القرآن ~~وتعجيز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باقتراح آية معجزة أخرى، وقوله: ~~"أولم تأتهم بينة" إلخ، جواب عنه ومعناه على الوجه الأول من معنيي البينة ~~أولم تأتهم بينة وشاهد يشهد على ما في الصحف الأولى - وهي التوراة والإنجيل ~~وسائر الكتب السماوية - من حقائق المعارف والشرائع ويبينها وهو القرآن وقد ~~أتى به رجل لا عهد له بمعلم يعلمه ولا ملقن يلقنه ذلك. # وعلى الوجه الثاني: أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى من أخبار الأمم ~~الماضين الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات المعجزة فأتوا بها وكان إتيانها ~~سببا لهلاكهم واستئصالهم لما لم يؤمنوا بها بعد إذ جاءتهم فلم لا ينتهون عن ~~اقتراح آية بعد القرآن؟ ولكل من المعنيين نظير في كلامه تعالى. # قوله تعالى: "ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى" الظاهر أن ضمير "من قبله" ~~للبينة - في الآية السابقة - باعتبار أنها القرآن، والمعنى: ولو أنا ~~أهلكناهم لإسرافهم وكفرهم بعذاب من قبل أن تأتيهم البينة لم تتم عليهم ~~الحجة ولكانت الحجة لهم علينا ولقالوا ربنا لو لا أرسلت ms5337 إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك وهي التي تدل عليها البينة من قبل أن نذل بعذاب الاستئصال ونخزى. # وقيل الضمير للرسول المعلوم من مضمون الآية السابقة بشهادة قولهم: "لو لا ~~أرسلت إلينا رسولا" وهو قريب من جهة اللفظ والمعنى الأول من جهة المعنى ~~ويؤيده قوله: "فنتبع آياتك" ولم يقل فنتبع رسولك. # قوله تعالى: "قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى" التربص الانتظار، والصراط السوي الطريق المستقيم، وقوله: "كل متربص" ~~أي كل منا ومنكم متربص منتظر فنحن ننتظر ما وعده الله لنا فيكم وفي تقدم ~~دينه وتمام نوره وأنتم تنتظرون بنا الدوائر لتبطلوا الدعوة الحقة وكل منا ~~ومنكم يسلك سبيلا إلى مطلوبه فتربصوا وانتظروا وفيه تهديد فستعلمون أي ~~طائفة منا ومنكم أصحاب الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مطلوبه ومن الذين ~~اهتدوا إلى المطلوب وفيه ملحمة وإخبار بالفتح. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لكان لزاما وأجل مسمى" قال: كان ينزل ~~بهم العذاب ولكن قد أخرهم إلى أجل مسمى. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها" قال: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل غروبها صلاة العصر. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار" ~~قال: بالغداة والعشي. # أقول: وهو يؤيد ما قدمناه. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ~~"وأطراف النهار لعلك ترضى"؟ قال: يعني تطوع بالنهار. PageV14P127 # أقول: وهو مبني على تفسير التسبيح بمطلق الصلاة أو بمطلق التسبيح. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا تمدن عينيك" الآية: قال أبو عبد ~~الله (عليه السلام): لما نزلت هذه الآية استوى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) جالسا ثم قال: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا ~~حسرات، ومن اتبع بصره ما في أيدي الناس طال همه ولم يشف غيظه، ومن لم يعرف ~~أن لله ms5338 عليه نعمة لا في مطعم ولا في مشرب قصر أجله ودنا عذابه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق ~~وأبو نعيم في المعرفة عن أبي رافع قال: أضاف النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ضيفا ولم يكن عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يصلحه فأرسلني ~~إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلفنا دقيقا إلى هلال رجب فقال لا إلا برهن. ~~فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أما والله إني لأمين في ~~السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه أذهب بدرعي الحديد ~~فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم" كأنه يعزيه عن الدنيا. # أقول: ومضمون الآية وخاصة ذيلها لا يلائم القصة. # وفيه، أخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدري قال: ~~لما نزلت "وأمر أهلك بالصلاة" كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجيء ~~إلى باب علي ثمانية أشهر يقول: الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. # أقول: ورواه في مجمع البيان، عن الخدري وفيه تسعة أشهر مكان ثمانية أشهر، ~~وروى هذا المعنى في العيون، في مجلس الرضا مع المأمون عنه، (عليه السلام) ~~ورواه القمي أيضا في تفسيره، مرفوعا، والتقييد بتسعة أشهر مبني على ما ~~شاهده الراوي لا على تحديد أصل إتيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) والشاهد ~~عليه ما رواه الشيخ في الأمالي، بإسناده عن أبي الحميراء قال: شهدت النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين صباحا يجيء إلى باب علي وفاطمة فيأخذ ~~بعضادتي الباب ثم يقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة ~~يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. # وظاهر الرواية كون الآية مدنية ولم يذكر ذلك أحد فيما أذكر ولعل المراد ~~بيان إتيانه (صلى الله عليه ms5339 وآله وسلم) الباب في المدينة عملا بالآية ولو ~~كانت نازلة بمكة وإن كان بعيدا من اللفظ وفي رواية القمي التي أومأنا إليها ~~ما يؤيد هذا المعنى ففيها: فلم يزل يفعل ذلك كل يوم إذا شهد المدينة حتى ~~فارق الدنيا، وحديث أمره أهل بيته بالصلاة مروي بطرق أخرى أيضا غير ما مرت ~~الإشارة إليه. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني ~~في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، بسند صحيح عن ~~عبد الله بن سلام قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزلت بأهله ~~شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة وتلا وأمر أهلك بالصلاة الآية. # أقول: وروى هذا المعنى أيضا عن أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~شعب الإيمان، عن ثابت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيه دلالة على ~~التوسع في معنى التسبيح في الآية. PageV14P128 ### || AUTO ### ||| AUTO 21 سورة الأنبياء - 1 - 15 # بسم الله الرحمن الرحيم اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون (1) ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون (3) قال ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل ~~قالوا أضغث أحلم بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بئاية كما أرسل الأولون (5) ~~ما ءامنت قبلهم من قرية أهلكنها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا ~~نوحى إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلنهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام وما كانوا خلدين (8) ثم صدقنهم الوعد فأنجينهم ومن نشاء ~~وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) ~~وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين (11) فلما أحسوا ~~بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومسكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يويلنا إنا كنا ظلمين (14) فما زالت تلك ~~دعواهم حتى جعلنهم حصيدا خمدين (15) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة الكلام حول النبوة بانيا ذلك ms5340 على التوحيد والمعاد فتفتتح بذكر ~~اقتراب الحساب وغفلة الناس عن ذلك وإعراضهم عن الدعوة الحقة التي تتضمن ~~الوحي السماوي فهي ملاك حساب يوم الحساب وتنتقل من هناك إلى موضوع النبوة ~~واستهزاء الناس بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورميهم إياه بأنه ~~بشر ساحر بل ما أتى به أضغاث أحلام بل مفتر بل شاعر! فترد ذلك بذكر أوصاف ~~الأنبياء الماضين الكلية إجمالا وأن النبي لا يفقد شيئا مما وجدوه ولا ما ~~جاء به يغاير شيئا مما جاءوا به. # ثم تذكر قصص جماعة من الأنبياء تأييدا لما تقدم من الإجمال وهم موسى ~~وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل ~~وإدريس وذو الكفل وذو النون وزكريا ويحيى وعيسى. # ثم تتخلص إلى ذكر يوم الحساب وما يلقاه المجرمون والمتقون فيه، وأن ~~العاقبة للمتقين وأن الأرض يرثها عباده الصالحون ثم تذكر أن إعراضهم عن ~~النبوة إنما هو لإعراضهم عن التوحيد فتقيم الحجة على ذلك كما تقيمها على ~~النبوة والغلبة في السورة للوعيد على الوعد وللإنذار على التبشير. # والسورة مكية بلا خلاف فيها وسياق آياتها يشهد بذلك. # قوله تعالى: "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون" الاقتراب افتعال من ~~القرب واقترب وقرب بمعنى واحد غير أن اقترب أبلغ لزيادة بنائه ويدل على ~~مزيد عناية بالقرب، ويتعدى القرب والاقتراب بمن وإلى يقال: قرب أو اقترب ~~زيد من عمرو أو إلى عمرو والأول يدل على أخذ نسبة القرب من عمرو والثاني ~~على أخذها من زيد لأن الأصل في معنى من ابتداء الغاية كما أن الأصل في معنى ~~إلى انتهاؤها. # ومن هنا يظهر أن اللام في "للناس" بمعنى إلى لا بمعنى "من" لأن المناسب ~~للمقام أخذ نسبة الاقتراب من جانب الحساب لأنه الذي يطلب الناس بالاقتراب ~~منهم والناس في غفلة معرضون. # والمراد بالحساب - وهو محاسبة الله سبحانه أعمالهم يوم القيامة - نفس ~~الحساب لا زمانه بنحو التجوز أو بتقدير الزمان وإن أصر بعضهم عليه ووجهه ~~بعض آخر بأن الزمان هو الأصل في القرب والبعد وإنما ينسب ms5341 القرب والبعد إلى ~~الحوادث الواقعة فيه بتوسطه. PageV14P129 # وذلك لأن الغرض في المقام متعلق بتذكره نفس الحساب لتعلقه بأعمال الناس إذ ~~كانوا مسئولين عن أعمالهم فكان من الواجب في الحكمة أن ينزل عليهم ذكر من ~~ربهم ينبههم على ما فيه مسئوليتهم، ومن الواجب عليهم أن يستمعوا له مجدين ~~غير لاعبين ولا لاهية قلوبهم نعم لو كان الكلام مسوقا لبيان أهوال الساعة ~~وما أعد من العذاب للمجرمين كان الأنسب التعبير بيوم الحساب أو تقدير ~~الزمان ونحو ذلك. # والمراد بالناس الجنس وهو المجتمع البشري الذي كان أكثرهم مشركين يومئذ ~~لا المشركون خاصة وإن كان ما ذكر من أوصافهم كالغفلة والإعراض والاستهزاء ~~وغيرها أوصاف المشركين فليس ذلك من نسبة حكم البعض إلى الكل مجازا بل من ~~نسبة حكم المجتمع إلى نفسه حقيقة ثم استثناء البعض الذي لا يتصف بالحكم كما ~~يلوح إليه أمثال قوله: "وأسروا النجوى الذين ظلموا" وقوله: "فأنجيناهم ومن ~~نشاء" على ما هو دأب القرآن في خطاباته الاجتماعية من نسبة الحكم إلى ~~المجتمع ثم استثناء الأفراد غير المتصفة به. # وبالجملة فرق بين أخذ المجتمع موضوعا للحكم واستثناء أفراد منه غير متصفة ~~به وبين أخذ أكثر الأفراد موضوع الحكم ثم نسبة حكمه إلى الكل مجازا وما نحن ~~فيه من القبيل الأول دون الثاني. # وقد وجه بعضهم اقتراب الحساب للناس بأن كل يوم يمر على الدنيا تصير أقرب ~~إلى الحساب منها بالأمس، وقيل: الاقتراب إنما هو بعناية كون بعثته (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في آخر الزمان كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~بعثت أنا والساعة كهاتين، وأما الوجه السابق فإنما يناسب اللفظ الدال على ~~الاستمرار دون الماضي الدال على الفراغ من تحققه ونظيره أيضا توجيهه بأن ~~الاقتراب لتحقق الوقوع فكل ما هو آت قريب. # وقوله: "وهم في غفلة معرضون" ذلك أنهم تعلقوا بالدنيا واشتغلوا بالتمتع ~~فامتلأت قلوبهم من حبها فلم يبق فيها فراغ يقع فيها ذكر الحساب وقوعا تتأثر ~~به حتى أنهم لو ذكروا لم يذكروا وهو الغفلة فإن الشيء كما يكون ms5342 مغفولا عنه ~~لعدم تصوره من أصله قد يكون مغفولا عنه لعدم تصوره كما هو حقه بحيث تتأثر ~~النفس به. # وبهذا يظهر الجواب عن الإشكال بأن الجمع بين الغفلة وهي تلازم عدم التنبه ~~للشيء والإعراض وهو يستلزم التنبه له جمع بين المتنافيين، ومحصل الجواب ~~أنهم في غفلة عن الحساب لعدم تصورهم إياه كما هو حقه وهم معرضون عنه ~~لاشتغالهم عن لوازم العلم بخلافها. # وأجاب عنه الزمخشري بما لفظه: وصفهم بالغفلة مع الإعراض على معنى أنهم ~~غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ولا يتفطنون لما يرجع إليه ~~خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء، وإذا قرعت ~~لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات ~~والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا. # انتهى. # والفرق بينه وبين ما وجهنا به أنه أخذ الإعراض في طول الغفلة لا في عرضه، ~~والإنصاف أن ظاهر الآية اجتماعهما لهم في زمان واحد، لا ترتب الوصفين زمانا. # ودفع بعضهم الإشكال بأخذ الإعراض بمعنى الاتساع فالمعنى وهم متسعون في ~~غفلة، وآخرون بأخذ الغفلة بمعنى الإهمال ولا تنافي بين الإهمال والإعراض، ~~والوجهان من قبيل الالتزام بما لا يلزم. # والمعنى: اقترب للناس حساب أعمالهم والحال أنهم في غفلة مستمرة أو عظيمة ~~معرضون عنه باشتغالهم بشواغل الدنيا وعدم التهيؤ له بالتوبة والإيمان ~~والتقوى. # قوله تعالى: "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ~~لاهية قلوبهم" الآية بمنزلة التعليل لقوله: "وهم في غفلة معرضون" إذ لو لم ~~يكونوا في غفلة معرضين لم يلعبوا ولم يتلهوا عند استماع الذكر الذي لا ~~ينبههم إلا على ما يهمهم التنبه له ويجب عليهم التهيؤ له، ولذلك جيء بالفصل ~~من غير عطف. # والمراد بالذكر ما يذكر به الله سبحانه من وحي إلهي كالكتب السماوية ~~ومنها القرآن الكريم، والمراد بإتيانه لهم نزوله على النبي وإسماعه ~~وتبليغه، ومحدث بمعنى جديد وهو معنى إضافي وهو وصف ذكر فالقرآن مثلا ذكر ~~جديد أتاهم بعد الإنجيل والإنجيل كان ذكرا جديدا أتاهم ms5343 بعد التوراة وكذلك ~~بعض سور القرآن وآياته ذكر جديد أتاهم بعد بعض. PageV14P130 # وقوله: "إلا استمعوه" استثناء مفرغ عن جميع أحوالهم و"استمعوه" حال و"هم ~~يلعبون" "لاهية قلوبهم" حالان من ضمير الجمع في "استمعوه" فهما حالان ~~متداخلتان. # واللعب فعل منتظم الأجزاء لا غاية له إلا الخيال كلعب الأطفال واللهو ~~اشتغالك عما يهمك يقال: ألهاه كذا أي شغله عما يهمه ولذلك تسمى آلات الطرب ~~آلات اللهو وملاهي، واللهو من صفة القلب ولذلك قال: "لاهية قلوبهم" فنسبه ~~إلى قلوبهم. # ومعنى الآية: وما يأتيهم - بالنزول والبلوغ - ذكر جديد من ربهم في حال من ~~الأحوال إلا والحال أنهم لاعبون لاهية قلوبهم فاستمعوه فيها أي إن إحداث ~~الذكر وتجديده لا يؤثر فيهم ولا أثرا قليلا ولا يمنعهم عن الاشتغال بلعب ~~الدنيا عما وراءها وهذا كناية عن أن الذكر لا يؤثر فيهم في حال لا أن جديده ~~لا يؤثر وقديمه يؤثر وهو ظاهر. # واستدل بظاهر الآية على كون القرآن محدثا غير قديم، وأولها الأشاعرة بأن ~~توصيف الذكر بالمحدث من جهة نزوله وهو لا ينافي قدمه في نفسه وظاهر الآية ~~عليهم وللكلام تتمة نوردها في بحث مستقل. # كلام في معنى حدوث الكلام وقدمه في فصول # 1 - ما معنى حدوث الكلام وبقائه؟ # إذا سمعنا كلاما من متكلم كشعر من شاعر لم نلبث دون أن ننسبه إليه ثم إذا ~~كرره وتكلم بمثله ثانيا لم نرتب في أنه هو كلامه الأول بعينه أعاده ثانيا ~~ثم إذا نقل ناقل عنه ذلك حكمنا بأنه كلام ذلك القائل الأول بعينه ثم كلما ~~تكرر النقل كان المنقول من الكلام هو بعينه الكلام الأول الصادر من المتكلم ~~الأول وإن تكرر إلى ما لا نهاية له. # هذا بالبناء على ما يقضي به الفهم العرفي لكنا إذا أمعنا في ذلك قليل ~~إمعان وجدنا حقيقة الأمر على خلاف ذلك فقول القائل: جاءني زيد مثلا ليس ~~كلاما واحدا لأن فيه الجيم أو الألف أو الهمزة فإن كل واحدة منها فرد من ~~أفراد الصوت المتكون من اعتماد نفس المتكلم على مخرج من ms5344 مخارج فمه، ~~والمجموع أصوات كثيرة ليست بواحدة البتة إلا بحسب الوضع والاعتبار. # ثم إن الذي تكلم به قائل القول الأول ثانيا والذي تكلم به الناقل الذي ~~ينقله عن صاحبه الأول ثالثا ورابعا وغير ذلك أفراد أخر من الصوت مماثلة لما ~~في الكلام الأول المفروض من الأصوات المتكونة وليست عينها إلا بحسب ~~الاعتبار وضرب من التوسع. # وليست هذه الأصوات كلاما إلا من حيث إنها علائم وأمارات بحسب الوضع ~~والاعتبار تدل على معان ذهنية، ولا واحدا إلا باعتبار تعلق غرض واحد بها. # ويتحصل بذلك أن الكلام بما أنه كلام أمر وضعي اعتباري لا تحقق له في ~~الخارج من ظرف الدعوى والاعتبار، وإنما المتحقق في الخارج حقيقة الأفراد من ~~الصوت التي جعلت علائم بالوضع والاعتبار بما أنها أصوات لا بما أنها علائم ~~مجعولة، وإنما ينسب التحقق إلى الكلام بنوع من العناية. # ومن هنا يظهر أن الكلام لا يتصف بشيء من الحدوث والبقاء فإن الحدوث وهو ~~مسبوقية الوجود بالعدم الزماني والبقاء وهو كون الشيء موجودا في الآن بعد ~~الآن على نعت الاتصال من شئون الحقائق الخارجية، ولا تحقق للأمور ~~الاعتبارية في الخارج. # وكذا لا يتصف الكلام بالقدم وهو عدم كون وجود الشيء مسبوقا بعدم زماني ~~لأن القدم أيضا كالحدوث في كونه من شئون الحقائق الخارجية دون الأمور ~~الاعتبارية. # على أن في اتصاف الكلام بالقدم إشكالا آخر بحياله، وهو أن الكلام هو ~~المؤلف من حروف مترتبة متدرجة بعضها قبل وبعضها بعد، ولا يتصور في القدم ~~تقدم وتأخر وإلا كان المتأخر حادثا وهو قديم هذا خلف، فالكلام - بمعنى ~~الحروف المؤلفة الدالة على معنى تام بالوضع - لا يتصور فيه قدم مع كونه ~~محالا في نفس الأمر فافهم ذلك. # 2 - هل الكلام بما هو كلام فعل أو صفة ذاتية # بمعنى أن ذات المتكلم هل هي تامة في نفسها مستغنية عن الكلام ثم يتفرع ~~عليها الكلام أو أن قوام الذات متوقف عليه كتوقف الحيوان في ذاته على ~~الحياة أو كعدم انفكاك الأربعة عن الزوجية في وجه، لا ريب أن ms5345 الكلام بحسب ~~الحقيقة ليس فعلا ولا صفة للمتكلم لأنه أمر اعتباري لا تحقق له إلا في ظرف ~~الدعوى والوضع فلا يكون فعلا حقيقيا صادرا عن ذات خارجية ولا صفة لموصوف خارجي. PageV14P131 # نعم الكلام بما أنه عنوان لأمر خارجي وهو الأصوات المؤلفة وهي أفعال خارجية ~~للمتصوت بها تعد فعلا للمتكلم بنوع من التوسع ثم يؤخذ عن نسبته إلى الفاعل ~~وصف له وهو التكلم والتكليم كما في نظائره من الاعتباريات كالخضوع والإعظام ~~والإهانة والبيع والشرى ونحو ذلك. # 3 - # من الممكن أن يحلل الكلام من جهة غرضه وهو الكشف عن المعاني المكنونة في ~~الضمير فيعود بذلك أمرا حقيقيا بعد ما كان اعتباريا، وهذا أمر جار في جل ~~الاعتباريات أو كلها، وقد استعمله القرآن في معان كثيرة كالسجود والقنوت ~~والطوع والكره والملك والعرش والكرسي والكتاب وغير ذلك. # فحقيقة الكلام هو ما يكشف به عن مكنونات الضمير فكل معلول كلام لعلته ~~لكشفه بوجوده عن كمالها المكنون في ذاتها، وأدق من ذلك أن صفات الشيء ~~الذاتية كلام له يكشف به عن مكنون ذاته، وهذا هو الذي يذكر الفلاسفة أن ~~صفاته تعالى الذاتية كالعلم والقدرة والحياة كلام له تعالى، وأيضا العالم ~~كلامه تعالى. # وبين أن الكلام بناء على هذا التحليل في قدمه وحدوثه تابع لسنخ وجوده، ~~فالعلم الإلهي كلام قديم بقدم الذات وزيد الحادث بما هو آية تكشف عن ربه ~~كلام له حادث، والوحي النازل على النبي بما أنه تفهيم إلهي حادث بحدوث ~~التفهيم وبما أنه في علم الله - واعتبر علمه كلاما له - قديم بقدم الذات ~~كعلمه تعالى بجميع الأشياء من حادث وقديم. # 4 - # تحصل من الفصول السابقة أن القرآن الكريم إن أريد به هذه الآيات التي ~~نتلوها بما أنها كلام دال على معان ذهنية نظير سائر الكلام ليس بحسب ~~الحقيقة لا حادثا ولا قديما. # نعم هو متصف بالحدوث بحدوث الأصوات التي هي معنونة بعنوان الكلام ~~والقرآن. # وإن أريد به ما في علم الله من معانيها الحقة كان كعلمه تعالى بكل شيء حق ~~قديما بقدمه فالقرآن قديم ms5346 أي علمه تعالى به قديم كما أن زيدا الحادث قديم ~~أي علمه تعالى به. # ومن هنا يظهر أن البحث عن قدم القرآن وحدوثه بما أنه كلام الله مما لا ~~جدوى فيه فإن القائل بالقدم إن أراد به أن المقروء من الآيات بما أنها ~~أصوات مؤلفة دالة على معانيها قديم غير مسبوق بعدم فهو مكابر، وإن أراد به ~~أنه في علمه تعالى وبعبارة أخرى علمه تعالى بكتابه قديم فلا موجب لإضافة ~~علمه إليه ثم الحكم بقدمه بل علمه بكل شيء قديم بقدم ذاته لكون المراد بهذا ~~العلم هو العلم الذاتي. # على أنه لا موجب حينئذ لعد الكلام صفة ثبوتية ذاتية أخرى له تعالى وراء ~~العلم لرجوعه إليه ولو صح لنا عد كل ما ينطبق بحسب التحليل على بعض صفاته ~~الحقيقية الثبوتية صفة ثبوتية له لم ينحصر عدد الصفات الثبوتية بحاصر لجواز ~~مثل هذا التحليل في مثل الظهور والبطون والعظمة والبهاء والنور والجمال ~~والكمال والتمام والبساطة، إلى غير ذلك مما لا يحصى. # والذي اعتبره الشرع وورد من هذا اللفظ في القرآن الكريم ظاهر في المعنى ~~الأول المذكور مما لا تحليل فيه كقوله تعالى: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض منهم من كلم الله": البقرة: 253، وقوله: "وكلم الله موسى تكليما": ~~النساء: 164، وقوله: "وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه": ~~البقرة: 75، وقوله: "يحرفون الكلم عن مواضعه:" المائدة: 13، إلى غير ذلك من ~~الآيات. # وأما ما ذكره بعضهم أن هناك كلاما نفسيا قائما بنفس المتكلم غير الكلام ~~اللفظي وأنشد في ذلك قول الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما. # جعل اللسان على الفؤاد دليلا. # والكلام النفسي فيه تعالى هو الموصوف بالقدم دون الكلام اللفظي. # ففيه أنه إن أريد بالكلام النفسي معنى الكلام اللفظي أو صورته العلمية ~~التي تنطبق على لفظه عاد معناه إلى العلم ولم يكن أمرا يزيد عليه وصفة ~~مغايرة له وإن أريد به معنى وراء ذلك فلسنا نعرفه في نفوسنا إذا راجعناها. # وأما ما أنشد من الشعر في بحث عقلي فلا ينفعه ولا ms5347 يضرنا، والأبحاث ~~العقلية أرفع مكانة من أن يصارع فيها الشعراء. # قوله تعالى: "وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون" الإسرار يقابل الإعلان فإسرار النجوى هو المبالغة في ~~كتمان القول وإخفائه فإن إسرار القول يفيد وحدة معنى النجوى فإضافته إلى ~~النجوى تفيد المبالغة. PageV14P132 # وضمير الفاعل في "أسروا النجوى" راجع إلى الناس غير أنه لما لم يكن الفعل ~~فعلا لجميعهم ولا لأكثرهم فإن فيهم المستضعف ومن لا شغل له به وإن كان ~~منسوبا إلى الكل من جهة ما في مجتمعهم من الغفلة والإعراض أوضح النسبة ~~بقوله: "الذين ظلموا" فهو عطف بيان دل به على أن النجوى إنما كان في الذين ~~ظلموا منهم خاصة. # وقوله: "هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون" هو الذي ~~تناجوا به، وقد كانوا يصرحون بتكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ويعلنون بأنه بشر وأن القرآن سحر من غير أن يخفوا شيئا من ذلك لكنهم إنما ~~أسروه في نجواهم إذ كان ذلك منهم شورى يستشير بعضهم فيه بعضا ما ذا يقابلون ~~به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجيبون عما يسألهم من الإيمان بالله ~~وبرسالته؟ فما كان يسعهم إلا كتمان ما يذكر فيما بينهم وإن كانوا أعلنوا به ~~بعد الاتفاق على رد الدعوة. # وقد اشتمل نجواهم على قولين قطعوا عليهما أو ردوهما بطريق الاستفهام ~~الإنكاري وهما قوله: "هل هذا إلا بشر مثلكم" وقد اتخذوه حجة لإبطال نبوته ~~وهو أنه كما تشاهدونه - وقد أتوا باسم الإشارة دون الضمير فقالوا: هل هذا؟ ~~ولم يقولوا: هل هو؟ للدلالة على العلم به بالمشاهدة - بشر مثلكم لا يفارقكم ~~في شيء يختص به فلو كان ما يدعيه من الاتصال بالغيب والارتباط باللاهوت حقا ~~لكان عندكم مثله لأنكم بشر مثله، فإذ ليس عندكم من ذلك نبأ فهو مثلكم لا ~~خبر عنده فليس بنبي كما يدعي. # وقولهم: "أفتأتون السحر وأنتم تبصرون" وهو متفرع بفاء التفريع على نفي ~~النبوة بإثبات البشرية فيرجع المعنى إلى أنه لما لم يكن نبيا ms5348 متصلا بالغيب ~~فالذي أتاكم به مدعيا أنه آية النبوة ليس بآية معجزة من الله بل سحر تعجزون ~~عن مثله، ولا ينبغي لذي بصر سليم أن يذعن بالسحر ويؤمن بالساحر. # قوله تعالى: "قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم" أي ~~أنه تعالى محيط علما بكل قول سرا أو جهرا وفي أي مكان وهو السميع لأقوالكم ~~العليم بأفعالكم فالأمر إليه وليس لي من الأمر شيء. # والآية حكاية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم لما أسروا النجوى ~~وقطعوا على تكذيب نبوته ورمي آيته وهو كتابه بالسحر وفيها إرجاع الأمر ~~وإحالته إلى الله سبحانه كما في غالب الموارد التي اقترحوا عليه فيها الآية ~~وكذلك سائر الأنبياء كقوله: "قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين": ~~الملك: 26، وقوله: "قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به:" ~~الأحقاف: 23، وقوله: "قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين": ~~العنكبوت: 50. # قوله تعالى: "بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية ~~كما أرسل الأولون" تدرج منهم في الرمي والتكذيب، فقولهم: أضغاث أحلام أي ~~تخاليط من رؤى غير منظمة رآها فحسبها نبوة وكتابا فأمره أهون من السحر، ~~وقولهم: "بل افتراه" ترق من سابقه فإن كونه أضغاث أحلام كان لازمه التباس ~~الأمر واشتباهه عليه لكن الافتراء يستلزم التعمد، وقولهم: "بل هو شاعر" ترق ~~من سابقه من جهة أخرى فإن المفتري إنما يقول عن ترو وتدبر فيه لكن الشاعر ~~إنما يلفظ ما يتخيله ويروم ما يزينه له إحساسه من غير ترو وتدبر فربما مدح ~~القبيح على قبحه وربما ذم الجميل على جماله وربما أنكر الضروري وربما أصر ~~على الباطل المحض، وربما صدق الكذب أو كذب الصدق. # وقولهم: "فليأتنا بآية كما أرسل الأولون" الكلام متفرع على ما تقدمه ~~والمراد بالأولين الأنبياء الماضون أي إذا كان هذا الذي أتى به وهو يعده ~~آية وهو القرآن أضغاث أحلام أو افتراء أو شعر فليس يتم بذلك دعواه النبوة ~~ولا يقنعنا ذلك فليأتنا بآية كما أتى ms5349 الأولون من الآيات مثل الناقة والعصا ~~واليد البيضاء. # وفي قوله: "كما أرسل الأولون" وكان الظاهر من السياق أن يقال: كما أتى ~~بها الأولون إشارة إلى أن الآية من لوازم الإرسال فلو كان رسولا فليقتد ~~بالأولين فيما احتجوا به على رسالتهم. PageV14P133 # والمشركون من الوثنيين منكرون للنبوة من رأس فقول هؤلاء: فليأتنا بآية كما ~~أرسل الأولون دليل ظاهر على أنهم متحيرون في أمرهم لا يدرون ما يصنعون؟ ~~فتارة يواجهونه بالتهكم وأخرى يتحكمون وثالثة بما يناقض معتقد أنفسهم ~~فيقترحون آية من آيات الأولين وهم لا يؤمنون برسالتهم ولا يعترفون بآياتهم. # وفي قولهم: "فليأتنا بآية كما أرسل الأولون"، مع ذلك وعد ضمني بالإيمان ~~لو أتى بآية من الآيات المقترحة. # قوله تعالى: "ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون" رد وتكذيب لما ~~يشتمل عليه قولهم: "فليأتنا بآية كما أرسل الأولون" من الوعد الضمني ~~بالإيمان لو أتى بشيء مما اقترحوه من آيات الأولين. # ومحصل المعنى على ما يعطيه السياق أنهم كاذبون في وعدهم ولو أنزلنا شيئا ~~مما اقترحوه من آيات الأولين لم يؤمنوا بها وكان فيها هلاكهم فإن الأولين ~~من أهل القرى اقترحوها فأنزلناها فلم يؤمنوا بها فأهلكناهم، وطباع هؤلاء ~~طباع أوليهم في الإسراف والاستكبار فليسوا بمؤمنين فالآية بوجه مثل قوله: ~~"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74. # وعلى هذا ففي الآية حذف وإيجاز والتقدير نحو من قولنا: ما آمنت قبلهم أهل ~~قرية اقترحوا الآيات فأنزلناها عليهم واهلكناهم لما لم يؤمنوا بها بعد ~~النزول أفهم يعني مشركي العرب يؤمنون وهم مثلهم في الإسراف فتوصيف القرية ~~بقوله: "أهلكناها" توصيف بآخر ما اتصفت بها للدلالة على أن عاقبة إجابة ما ~~اقترحوه هي الهلاك لا غير. # قوله تعالى: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون" جواب عما احتجوا به على نفي نبوته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بقولهم: "هل هذا إلا بشر مثلكم"، بأن الماضين من الأنبياء لم يكونوا ~~إلا رجالا من البشر فالبشرية لا تنافي النبوة. # وتوصيف "رجالا" ms5350 بقوله: "نوحي إليهم" للإشارة إلى الفرق بين الأنبياء ~~وغيرهم ومحصله أن الفرق الوحيد بين النبي وغيره هو أنا نوحي إلى الأنبياء ~~دون غيرهم والوحي موهبة ومن خاص لا يجب أن يعم كل بشر فيكون إذا تحقق تحقق ~~في الجميع وإذا لم يوجد في واحد لم يوجد في الجميع حتى تحكموا بعدم وجدانه ~~عندكم على عدم وجوده عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك كسائر ~~الصفات الخاصة التي لا توجد إلا في الواحد بعد الواحد من البشر مما لا سبيل ~~إلى إنكارها. # فالآية تنحل إلى حجتين تقومان على إبطال استدلالهم ببشريته على نفي ~~نبوته: إحداهما نقض حجتهم بالإشارة إلى رجال من البشر كانوا أنبياء فلا ~~منافاة بين البشرية والنبوة. # والثانية: من طريق الحل وهو أن الفارق بين النبي وغيره ليس وصفا لا يوجد ~~في البشر أو إذا وجد وجد في الجميع بل هو الوحي الإلهي وهو كرامة ومن خاص ~~من الله يختص به من يشاء فالآية بهذا النظر نظيرة قوله: "قالوا إن أنتم إلا ~~بشر مثلنا - إلى أن قال -: قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله ~~يمن على من يشاء:" إبراهيم: 11. # وقوله: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" تأييد وتحكيم لقوله: "وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا" أي إن كنتم تعلمون به فهو وإن لم تعلموا فارجعوا ~~إلى أهل الذكر واسألوهم هل كانت الأنبياء الأولون إلا رجالا من البشر؟. # والمراد بالذكر الكتاب السماوي وبأهل الذكر أهل الكتاب فإنهم كانوا ~~يشايعون المشركين في عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان المشركون ~~يعظمونهم وربما شاوروهم في أمره وسألوهم عن مسائل يمتحنونه بها وهم ~~القائلون للمشركين على المسلمين: "هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا:" ~~النساء: 51، والخطاب في قوله "فاسألوا" إلخ للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وكل من يقرع سمعه هذا الخطاب عالما كان أو جاهلا وذلك لتأييد القول ~~وهو شائع في الكلام. # قوله تعالى: "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين" - إلى ~~قوله - المسرفين" أي هم ms5351 رجال من البشر وما سلبنا عنهم خواص البشرية بأن ~~نجعلهم جسدا خاليا من روح الحياة لا يأكل ولا يشرب ولا عصمناهم من الموت ~~فيكونوا خالدين بل هم بشر ممن خلق يأكلون الطعام وهو خاصة ضرورية ويموتون ~~وهو مثل الأكل. PageV14P134 # قوله تعالى: "ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين" عطف ~~على قوله المتقدم: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا" وفيه بيان عاقبة إرسالهم ~~وما انتهى إليه أمر المسرفين من أممهم المقترحين عليهم الآيات، وفيه أيضا ~~توضيح ما أشير إليه من هلاكهم في قوله: "من قرية أهلكناها" وتهديد ~~للمشركين. # والمراد بالوعد في قوله: "ثم صدقناهم الوعد" ما وعدهم من النصرة لدينهم ~~وإعلاء كلمتهم كلمة الحق كما في قوله: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون": الصافات: 173، إلى غير ذلك من ~~الآيات. # وقوله: "فأنجيناهم ومن نشاء" أي الرسل والمؤمنين وقد وعدهم النجاة كما ~~يدل عليه قوله: "حقا علينا ننج المؤمنين": يونس: 103، والمسرفون هم ~~المشركون المتعدون طور العبودية، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون" امتنان منه ~~تعالى بإنزال القرآن على هذه الأمة، فالمراد بذكرهم الذكر المختص بهم ~~اللائق بحالهم وهو آخر ما تسعه حوصلة الإنسان من المعارف الحقيقية العالية ~~وأقوم ما يمكن أن يجري في المجتمع البشري من الشريعة الحنيفية والخطاب ~~لجميع الأمة. # وقيل: المراد بالذكر الشرف، والمعنى: فيه شرفكم أن تمسكتم به تذكرون به ~~كما فسر به قوله تعالى: "وإنه لذكر لك ولقومك:" الزخرف: 44، والخطاب لجميع ~~المؤمنين أو للعرب خاصة لأن القرآن إنما نزل بلغتهم وفيه بعد. # قوله تعالى: "وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة" إلى آخر الآيات الخمس، القصم ~~في الأصل الكسر، يقال: قصم ظهره أي كسره، ويكنى به عن الهلاك، والإنشاء ~~الإيجاد، والإحساس الإدراك من طريق الحس، والبأس العذاب، والركض العدو بشدة ~~الوطء، والإتراف التوسعة في النعمة، والحصيد المقطوع ومنه حصاد الزرع، ~~والخمود السكون والسكوت. # والمعنى: "وكم قصمنا" وأهلكنا "من قرية" أي أهلها "كانت ظالمة" لنفسها ~~بالإسراف والكفر "وأنشأنا" وأوجدنا ms5352 "قوما آخرين فلما أحسوا" ووجدوا بالحس ~~أي أهل القرية الظالمة "بأسنا" وعذابنا "إذا هم منها يركضون" ويعدون هاربين ~~كالمنهزمين فيقال لهم توبيخا وتقريعا "لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم ~~فيه" من النعم "ومساكنكم" وإلى مساكنكم "لعلكم تسئلون" أي لعل المساكين ~~وأرباب الحوائج يهجمون عليكم بالسؤال فتستكبروا عليهم وتختالوا أو تحتجبوا ~~عنهم وهذا كناية عن اعتزازهم واستعلائهم وعد المتبوعين أنفسهم أربابا ~~للتابعين من دون الله. # "قالوا" تندما "يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك" وهي كلمتهم يا ~~ويلنا المشتملة على الاعتراف بربوبيته تعالى وظلم أنفسهم "دعواهم حتى ~~جعلناهم حصيدا" محصودا مقطوعا "خامدين" ساكنين ساكتين كما تخمد النار لا ~~يسمع لهم صوت ولا يذكر لهم صيت. # وقد وجه قوله: "لعلكم تسئلون" بوجوه أخرى بعيدة من الفهم تركنا التعرض لها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الاحتجاج، روي عن صفوان بن يحيى قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه ~~السلام) لأبي قرة صاحب شبرمة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكل كتاب ~~أنزل كان كلام الله أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة وهي غير الله ~~حيث يقول: "أو يحدث لهم ذكرا" وقال: "وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون" والله أحدث الكتب كلها التي أنزلها. فقال أبو قرة: فهل ~~تفنى؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فعل ~~الله والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون: ~~رب القرآن؟ وأن القرآن يقول يوم القيامة: يا رب هذا فلان وهو أعرف به منه ~~قد أظمأت نهاره وأصهرت ليله فشفعني فيه؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور ~~كلها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شيء لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم ~~يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد، وأن الكلام لم يزل معه وليس ~~له بدء. # الحديث. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لاهية قلوبهم" قال: من التلهي. # وفيه،: في قوله: "ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها - أفهم يؤمنون" قال: ~~كيف يؤمنون ولم يؤمن من كان ms5353 قبلهم بالآيات حتى هلكوا. PageV14P135 # وفيه، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون" من المعنون بذلك؟ قال: نحن. قلت: فأنتم ~~المسئولون؟ قال: نعم. قلت: ونحن السائلون؟ قال: نعم. قلت: فعلينا أن ~~نسألكم؟ قال: نعم، قلت: فعليكم أن تجيبونا؟ قال: لا ذاك إلينا إن شئنا ~~فعلنا وإن شئنا تركنا ثم قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. # أقول: وروى هذا المعنى الطبرسي في مجمع البيان، عن علي وأبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: ويؤيده أن الله تعالى سمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ذكرا رسولا. # وهو من الجري ضرورة أن الآية ليست بخاصة والذكر إما القرآن أو مطلق الكتب ~~السماوية أو المعارف الإلهية وهم على أي حال أهله وليس بتفسير للآية بحسب ~~مورد النزول إذ لا معنى لإرجاع المشركين إلى أهل الرسول أو أهل القرآن وهم ~~خصماؤهم ولو قبلوا منهم لقبلوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه. # وفي روضة الكافي، كلام لعلي بن الحسين (عليهما السلام) في الوعظ والزهد ~~في الدنيا يقول فيه: ولقد أسمعكم الله في كتابه ما قد فعل بالقوم الظالمين ~~من أهل القرى قبلكم حيث قال: "وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة" وإنما عنى ~~بالقرية أهلها حيث يقول: "وأنشأنا بعدها قوما آخرين" فقال عز وجل: "فلما ~~أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون" يعني يهربون قال: "لا تركضوا - وارجعوا ~~إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم - لعلكم تسئلون فلما أتاهم العذاب قالوا يا ~~ويلنا إنا كنا ظالمين - فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين" ~~وأيم الله إن هذه عظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم. PageV14P136 ### ||| AUTO 21 سورة الأنبياء - 16 - 33 # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذنه من لدنا إن كنا فعلين (17) بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من فى السموت والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون اليل والنهار لا ms5354 يفترون (20) ~~أم اتخذوا ءالهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما ءالهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحن الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~(23) أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهنكم هذا ذكر من معى وذكر من قبلى ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحنه ~~بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن ~~يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظلمين (29) أولم ير ~~الذين كفروا أن السموت والأرض كانتا رتقا ففتقنهما وجعلنا من الماء كل شىء ~~حى أفلا يؤمنون (30) وجعلنا فى الأرض روسى أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا ~~سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ءايتها معرضون ~~(32) وهو الذى خلق اليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون (33) ### |||| AUTO بيان # أول الآيات يوجه عذاب القرى الظالمة بنفي اللعب عن الخلقة وأن الله لم ~~يله بإيجاد السماء والأرض وما بينهما حتى يكونوا مخلين بأهوائهم يفعلون ما ~~يشاءون ويلعبون كيفما أرادوا من غير أن يحاسبوا على أعمالهم بل إنما خلقوا ~~ليرجعوا إلى ربهم فيحاسبوا فيجازوا على حسب أعمالهم فهم عباد مسئولون إن ~~تعدوا عن طور العبودية أوخذوا بما تقتضيه الحكمة الإلهية وإن الله ~~لبالمرصاد. # وإذ كان هذا البيان بعينه حجة على المعاد انتقل الكلام إليه وأقيمت الحجة ~~عليه فيثبت بها المعاد وفي ضوئه النبوة لأن النبوة من لوازم وجوب العبودية ~~وهو من لوازم ثبوت المعاد فالآيتان الأوليان كالرابط بين السياق المتقدم ~~والمتأخر. # والآيات تشتمل على بيان بديع لإثبات المعاد وقد تعرض فيها لنفي جميع ~~الاحتمالات المنافية للمعاد كما ستعرف. # قوله تعالى: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين" الآيتان توجهان نزول العذاب على ms5355 ~~القرى الظالمة التي ذكر الله سبحانه قصمها، وهما بعينهما - على ما يعطيه ~~السياق السابق - حجة برهانية على ثبوت المعاد ثم في ضوئه النبوة وهي الغرض ~~الأصيل من سرد الكلام في السورة. # فمحصل ما تقدم - أن هناك معادا سيحاسب فيه أعمال الناس فمن الواجب أن ~~يميزوا بين الخير والشر وصالح الأعمال وطالحها بهداية إلهية وهي الدعوة ~~الحقة المعتمدة على النبوة ولو لا ذلك لكانت الخلقة عبثا وكان الله سبحانه ~~لاعبا لاهيا بها تعالى عن ذلك. # فمقام الآيتين - كما ترى - مقام الاحتجاج على حقية المعاد لتثبت بها حقية ~~دعوة النبوة لأن دعوة النبوة - على هذا - من مقتضيات المعاد من غير عكس. # وحجة الآيتين - كما ترى - تعتمد على معنى اللعب واللهو واللعب هو الفعل ~~المنتظم الذي له غاية خيالية غير واقعية كملاعب الصبيان التي لا أثر لها ~~إلا مفاهيم خيالية من تقدم وتأخر وربح وخسارة ونفع وضرر كلها بحسب الفرض ~~والتوهم وإذ كان اللعب بما تنجذب النفس إليه يصرفها عن الأعمال الواقعية ~~فهو من مصاديق اللهو هذا. PageV14P137 # فلو كان خلق العالم المشهود لا لغاية يتوجه إليها ويقصد لأجلها وكان الله ~~سبحانه لا يزال يوجد ويعدم ويحيي ويميت ويعمر ويخرب لا لغاية تترتب على هذه ~~الأفعال ولا لغرض يعمل لأجله ما يعمل بل إنما يفعلها لأجل نفسها ويريد أن ~~يراها واحدا بعد واحد فيشتغل بها دفعا لضجر أو ملل أو كسل أو فرارا من ~~الوحدة أو انطلاقا من الخلوة كحالنا نحن إذا اشتغلنا بعمل نلعب به ونتلهى ~~لندفع به نقصا طرأ علينا وعارضة سوء لا نستطيبها لأنفسنا من ملال أو كلال ~~أو كسل أو فشل ونحو ذلك. # فاللعب بنظر آخر لهو، ولذلك نراه سبحانه عبر في الآية الأولى باللعب "وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين" ثم بدله - في الآية الثانية التي ~~هي في مقام التعليل لها - لهوا فوضع اللهو مكان اللعب لتتم الحجة. # وتلهيه تعالى بشيء من خلقه محال لأن اللهو لا يتم لهوا إلا برفع حاجة من ~~حوائج اللاهي ودفع نقيصة من ms5356 نقائصه نفسه فهو من الأسباب المؤثرة، ولا معنى ~~لتأثير خلقه تعالى فيه واحتياجه إلى ما هو محتاج من كل جهة إليه فلو فرض ~~تلهيه تعالى بلهو لم يجز أن يكون أمرا خارجا من نفسه، وخلقه فعله وفعله، ~~خارج من نفسه، بل وجب أن يكون بأمر غير خارج من ذاته. # وبهذا يتم البرهان على أن الله ما خلق السماء والأرض وما بينهما لعبا ~~ولهوا وما أبدعها عبثا ولغير غاية وغرض، وهو قوله: "لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا". # وأما اللهو بأمر غير خارج من ذاته فهو وإن كان محالا في نفسه لاستلزامه ~~حاجة في ذاته إلى ما يشغله ويصرفه عما يجده في نفسه فيكون ذاته مركبة من ~~حاجة حقيقية متقررة فيها وأمر رافع لتلك الحاجة، ولا سبيل للنقص والحاجة ~~إلى ذاته المتعالية لكن البرهان لا يتوقف عليه لأنه في مقام بيان أن لا لعب ~~ولا لهو في فعله تعالى وهو خلقه، وأما أنه لا لعب ولا لهو في ذاته تعالى ~~فهو خارج عن غرض المقام وإنما أشير إلى نفي هذا الاحتمال بالتعبير بلفظة ~~"لو" الدالة على الامتناع ثم أكده بقوله: "إن كنا فاعلين" فافهم ذلك. # وبهذا البيان يظهر أن قوله: "لو أردنا" إلخ، في مقام التعليل للنفي في ~~قوله: "وما خلقنا" إلخ، وأن قوله: "من لدنا" معناه من نفسنا، وفي مرحلة ~~الذات دون مرحلة الخلق الذي هو فعلنا الخارج من ذاتنا، وأن قوله: "إن كنا ~~فاعلين" إشارة استقلالية إلى ما يدل عليه لفظة "لو" في ضمن الجملة فيكون ~~نوعا من التأكيد. # وبهذا البيان يتم البرهان على المعاد ثم النبوة ويتصل الكلام بالسياق ~~المتقدم ومحصله أن للناس رجوعا إلى الله وحسابا على أعمالهم ليجازوا عليها ~~ثوابا وعقابا فمن الواجب أن يكون هناك نبوة ودعوة ليدلوا بها إلى ما يجازون ~~عليه من الاعتقاد والعمل فالمعاد هو الغرض من الخلقة الموجب للنبوة ولو لم ~~يكن معاد لم يكن للخلقة غرض وغاية فكانت الخلقة لعبا ولهوا منه تعالى وهو ~~غير جائز، ولو جاز ms5357 عليه اتخاذ اللهو لوجب أن يكون بأمر غير خارج من نفسه لا ~~بالخلق الذي هو فعل خارج من ذاته لأن من المحال أن يؤثر غيره فيه ويحتاج ~~إلى غيره بوجه وإذ لم يكن الخلق لعبا فهناك غاية وهو المعاد ويستلزم ذلك ~~النبوة ومن لوازمه أيضا نكال بعض الظالمين إذا ما طغوا وأسرفوا وتوقف عليه ~~إحياء الحق كما يشير إليه قوله بعد: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا ~~هو زاهق". # وللقوم في تفسير قوله: "لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا" وجوه: ~~منها ما ذكره في الكشاف، ومحصله أن قوله: "من لدنا" معناه بقدرتنا، ~~فالمعنى: أن لو شئنا اتخاذ اللهو لاتخذناه بقدرتنا لعمومها لكنا لا نشاء ~~وذلك بدلالة "لو" على الامتناع. # وفيه أن القدرة لا تتعلق بالمحال واللهو - ومعناه ما يشغلك عما يهمك بأي ~~وجه وجه - محال عليه تعالى. # على أن دلالة "من لدنا" على القدرة لا تخلو من خفاء. # ومنها قول بعضهم: المراد بقوله: "من لدنا" من عندنا بحيث لا يطلع عليه ~~أحد لأنه نقص فكان ستره أولى. PageV14P138 # وفيه أن ستر النقص إنما هو للخوف من اللائمة عليه وإنما يخاف من لا يخلو من ~~سمة العجز لا من هو على كل شيء قدير فإذ رفع نقصا باللهو فليرفع آخر بما ~~يناسبه، على أنه إن امتنع عليه إظهاره لكونه نقصا فامتناع أصله عليه لكونه ~~نقصا أقدم من امتناع الإظهار فيئول المعنى إلى أنا لو فعلنا هذا المحال ~~لسترناه عنكم لأن إظهاره محال وهو كما ترى. # ومنها قول بعضهم إن المراد باللهو المرأة والولد والعرب تسمي المرأة لهوا ~~والولد لهوا لأن المرأة والولد يستروح بهما واللهو ما يروح النفس، فالمعنى: ~~لو أردنا أن نتخذ صاحبة وولدا - أو أحدهما - لاتخذناه من المقربين عندنا ~~فهو كقوله: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء". # وقيل: لاتخذناه من المجردات العالية لا من الأجسام والجسمانيات السافلة، ~~وقيل: لاتخذناه من الحور العين، وكيف كان فهو رد على مثل النصارى المثبتين ~~للصاحبة والولد ms5358 وهما مريم والمسيح (عليه السلام). # وفيه أنه إن صح من حيث اللفظ استلزم انقطاع الكلام عن السياق السابق. # ومنها ما عن بعضهم أن المراد بقوله: "من لدنا" من جهتنا، ومعنى الآية: لو ~~أردنا اتخاذ لهو لكان اتخاذ لهو من جهتنا أي لهوا إلهيا أي حكمة اتخذتموها ~~لهوا من جهتكم وهذا عين الجد والحكمة فهو في معنى لو أردناه لامتنع ومحصله ~~أن جهته تعالى لا تقبل إلا الجد والحكمة فلو أراد لهوا صار جدا وحكمة أي ~~يستحيل إرادة اللهو منه تعالى. # وفيه أنه وإن كان معنى صحيحا في نفسه غير خال من الدقة لكنه غير مفهوم من ~~لفظ الآية كما هو ظاهر. # وقوله: "إن كنا فاعلين" الظاهر أن "إن" شرطية كما تقدمت الإشارة إليه، ~~وعلى هذا فجزاؤه محذوف يدل عليه قوله: "لاتخذناه من لدنا" وقال بعضهم: إن ~~"إن" نافية والجملة نتيجة البيان السابق، وعن بعضهم أن إن النافية لا تفارق ~~غالبا اللام الفارقة، وقد ظهر مما تقدم من معنى الآية أن كون إن شرطية أبلغ ~~بحسب المقام من كونها نافية. # قوله تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ~~مما تصفون" القذف الرمي البعيد، والدمغ - على ما في مجمع البيان، - شج ~~الرأس حتى يبلغ الدماغ، يقال: دمغه يدمغه إذا أصاب دماغه، وزهوق النفس ~~تلفها وهلاكها، يقال: زهق الشيء يزهق أي هلك. # والحق والباطل مفهومان متقابلان، فالحق هو الثابت العين، والباطل ما ليس ~~له عين ثابتة لكنه يتشبه بالحق تشبها فيظن أنه هو حتى إذا تعارضا بقي الحق ~~وزهق الباطل كالماء الذي هو حقيقة من الحقائق، والسراب الذي ليس بالماء ~~حقيقة لكنه يتشبه به في نظر الناظر فيحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. # وقد عد سبحانه في كلامه أمثلة كثيرة من الحق والباطل فعد الاعتقادات ~~المطابقة للواقع من الحق وما ليس كذلك من الباطل وعد الحياة الآخرة حقا ~~والحياة الدنيا بجميع ما يراه الإنسان لنفسه فيها ويسعى له سعيه من ملك ~~ومال وجاه وأولاد وأعوان ms5359 ونحو ذلك باطلا وعد ذاته المتعالية حقا وسائر ~~الأسباب التي يغتر بها الإنسان ويركن إليها من دون الله باطلا، والآيات في ~~ذلك كثيرة لا مجال لنقلها في المقام. # والذي يستند إليه تعالى بالأصالة هو الحق دون الباطل كما قال: "الحق من ~~ربك:" آل عمران: 60، وقال: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا:" ص: ~~27، وأما الباطل من حيث إنه باطل فليس ينتسب إليه بالاستقامة وإنما هو لازم ~~نقص بعض الأشياء إذا قيس الناقص منها إلى الكامل، فالعقائد الباطلة لوازم ~~نقص الإدراك وسائر الأمور الباطلة لوازم الأمور إذا قيس إلى ما هو أكمل ~~منها، وهي تنتسب إليه تعالى بالإذن بمعنى أن خلقه تعالى الأرض السبخة ~~الصيقلية بحيث يتراءى للناظر في لون الماء وصفائه إذن منه تعالى في أن ~~يتخيل عنده ماء وهو تحقق السراب تحققا تخيليا باطلا. # ومن هنا يظهر أن لا شيء في الوجود إلا وفيه شوب بطلان إلا الله سبحانه ~~فهو الحق الذي لا يخالطه بطلان ولا سبيل له إليه قال: "إن الله هو الحق:" ~~النور: 25. PageV14P139 # ويظهر أيضا أن الخلقة على ما فيها من النظام بامتزاج من الحق والباطل، قال ~~تعالى يمثل أمر الخلقة: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض:" الرعد: 17، وتحت هذا معارف جمة. # وقد جرت سنة الله تعالى أن يمهل الباطل حتى إذا اعترض الحق ليبطله ويحل ~~محله قذفه بالحق فإذا هو زاهق فالاعتقاد الحق لا يقطع دابره وإن قلت حملته ~~أحيانا أو ضعفوا، والكمال الحق لا يهلك من أصله وإن تكاثرت أضداده، والنصر ~~الإلهي لا يتخطى رسله وإن كانوا ربما بلغ بهم الأمر إلى أن استيئسوا وظنوا ~~أنهم قد كذبوا. # وهذا معنى قوله تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق" ~~فإنه إضراب عن عدم خلق العالم لعبا أو عن عدم إرادة اتخاذ ms5360 اللهو المدلول ~~عليه بقوله: "لو أردنا أن نتخذ لهوا" إلخ، وفي قوله: "نقذف" المفيد ~~للاستمرار دلالة على كونه سنة جارية، وفي قوله: "نقذف... فيدمغه" دلالة على ~~علو الحق على الباطل، وفي قوله: "فإذا هو زاهق" دلالة على مفاجاة القذف ~~ومباغتته في حين لا يرجى للحق غلب ولا للباطل انهزام، والآية مطلقة غير ~~مقيدة بالحق والباطل في الحجة أو في السيرة والسنة أو في الخلقة فلا دليل ~~على تقييدها بشيء من ذلك. # والمعنى: ما خلقنا العالم لعبا أو لم نرد اتخاذ اللهو بل سنتنا أن نرمي ~~بالحق على الباطل رميا بعيدا فيهلكه فيفاجئه الذهاب والتلف، فإن كان الباطل ~~حجة أو عقيدة فحجة الحق تبطلها، وإن كان عملا وسنة كما في القرى المسرفة ~~الظالمة فالعذاب المستأصل يستأصله ويبطله، وإن كان غير ذلك فغير ذلك. # وقد فسر الآية بعضهم بقوله: لكنا لا نريد اتخاذ اللهو بل شأننا أن نغلب ~~الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من جملته اللهو، وهو خطأ فإن فيه ~~اعترافا بوجود اللهو ولم يرد في سابق الكلام إلا اللهو المنسوب إليه تعالى ~~الذي نفاه الله عن نفسه فالحق أن الآية لا إطلاق لها بالنسبة إلى الجد ~~واللهو إذ لا وجود للهو حتى تشمله الآية وتشمل ما يقابله. # وقوله: "ولكم الويل مما تصفون" وعيد للناس المنكرين للمعاد والنبوة على ~~ما تقدم من توضيح مقتضى السياق. # ويظهر من الآية حقيقة الرجوع إلى الله تعالى وهو أنه تعالى لا يزال يقذف ~~بالحق على الباطل فيحق الحق ويخلصه من الباطل الذي يشوبه أو يستره حتى لا ~~يبقى إلا الحق المحض وهو الله الحق عز اسمه قال: "ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين:" النور: 25، فيسقط يومئذ ما كان يظن للأسباب من استقلال التأثير ~~ويزعم لغيره من القوة والملك والأمر كما قال: "لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما ~~كنتم تزعمون:" الأنعام: 94، وقال: "إن القوة لله جميعا:" البقرة: 165"، ~~وقال: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار:" المؤمن: 16، وقال: "والأمر ~~يومئذ لله:" الانفطار: 19، والآيات المشيرة إلى هذا ms5361 المعنى كثيرة. # قوله تعالى: "وله من في السموات والأرض" دفع لأحد الاحتمالات المنافية ~~للمعاد في الجملة وهو أن لا يتسلط سبحانه على بعض أو كل الناس فينجو من لا ~~يملكه من الرجوع إليه والحساب والجزاء فأجيب بأن ملكه تعالى عام شامل لجميع ~~من في السماوات والأرض فله أن يتصرف فيها أي تصرف أراد. # ومن المعلوم أن هذا الملك حقيقي من لوازم الإيجاد بمعنى قيام الشيء بسببه ~~الموجد له بحيث لا يعصيه في أي تصرف فيه، والإيجاد يختص بالله سبحانه لا ~~يشاركه فيه غيره حتى عند الوثنيين المثبتين لآلهة أخرى للتدبير والعبادة ~~فكل من في السماوات والأرض مملوك لله لا مالك غيره. # قوله تعالى: "ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون" إلى آخر ~~الآية التالية، قال في مجمع البيان،: الاستحسار الانقطاع عن الإعياء يقال: ~~بعير حسير أي معي، وأصله من قولهم: حسر عن ذراعيه، فالمعنى أنه كشف قوته ~~بإعياء انتهى. PageV14P140 # والمراد بقوله: "ومن عنده" المخصوصون بموهبة القرب والحضور وربما انطبق على ~~الملائكة المقربين، وقوله: "يسبحون الليل والنهار لا يفترون" بمنزلة ~~التفسير لقوله: "ولا يستحسرون" أي لا يأخذهم عي وكلال بل يسبحون الليل ~~والنهار من غير فتور، والتسبيح بالليل والنهار كناية عن دوام التسبيح من ~~غير انقطاع. # يصف تعالى حال المقربين من عباده والمكرمين من ملائكته أنهم مستغرقون في ~~عبوديته مكبون على عبادته لا يشغلهم عن ذلك شاغل ولا يصرفهم صارف، وكأن ~~الكلام مسوق لبيان خصوصية مالكيته وسلطنته المذكورة في صدر الآية. # وذلك أن السنة الجارية بين الموالي وعبيدهم في الملك الاعتباري أن العبد ~~كلما زاد تقربا من مولاه خفف عنه بالإغماض عن كثير من الوظائف والرسوم ~~الجارية على عامة العبيد، وكان معفوا عن الحساب والمؤاخذة، وذلك لكون ~~الاجتماع المدني الإنساني مبنيا على التعاون بمبادلة المنافع بحسب مساس ~~الحاجة، والحاجة قائمة دائما، والمولى أحوج إلى مقربي عبيده من غيرهم كما ~~أن الملك أحوج إلى مقربي حضرته من غيرهم، فإذا كان انتفاع المولى من عبده ~~المقرب أكثر من غيره فليكن ما يبذله ms5362 من الكرامة بإزاء منافع خدمته كذلك ~~ولذا يرفع عنه كثير مما يوضع لغيره ويعفي عن بعض ما يؤاخذ به غيره فإنما هي ~~معاملة ومبايعة. # وهذا بخلاف ملكه تعالى لعبيده فإنه ملك حقيقي مالكه في غنى مطلق عن ~~مملوكه، ومملوكه في حاجة مطلقة إلى مالكه ولا يختلف الحال فيه بالقرب ~~والبعد وعلو المقام ودنوه بل كلما زاد العبد فيه قربا كانت العظمة ~~والكبرياء والعزة والبهاء عنده أظهر والإحساس بذلة نفسه ومسكنتها وحاجتها ~~أكثر ويلزمها الإمعان في خشوع العبودية وخضوع العبادة. # فكان قوله: "ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون" إلخ إشارة إلى ~~أن ملكه تعالى - وقد أشار قبل إلى أنه مقتض للعبادة والحساب والجزاء - على ~~خلاف الملك الدائر في المجتمع الإنساني، فلا يطمعن طامع أن يعفى عنه العمل ~~أو الحساب والجزاء. # ويمكن أن يكون الجملة في مقام الترقي والمعنى له من في السماوات والأرض ~~فعليهم أن يعبدوا وسيحاسبون من غير استثناء حتى أن من عنده من مقربي عباده ~~وكرام ملائكته لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون بل يسبحونه تسبيحا دائما ~~غير منقطع. # وقد تقدم في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: "إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون" استفادة أن المراد بقوله: "الذين ~~عند ربك" أعم من الملائكة المقربين فلا تغفل. # قوله تعالى: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون" الإنشار إحياء الموتى ~~فالمراد به المعاد، وفي الآية دفع احتمال آخر ينافي المعاد والحساب المذكور ~~سابقا وهو الرجوع إلى الله بأن يقال: إن هناك آلهة أخرى دون الله يبعثون ~~الأموات ويحاسبونهم وليس لله سبحانه من أمر المعاد شيء حتى نخافه ونضطر إلى ~~إجابة رسله واتباعهم في دعوتهم بل نعبدهم ولا جناح؟. # وتقييد قوله: "أم اتخذوا آلهة" بقوله "من الأرض" قيل: ليشير به إلى أنهم ~~إذا كانوا من الأرض كان حكمهم حكم عامة أهل الأرض من الموت ثم البعث فمن ~~الذي يميتهم ثم يبعثهم؟. # ويمكن أن يكون المراد اتخاذ آلهة من جنس الأرض كالأصنام المتخذة من ms5363 ~~الحجارة والخشب والفلزات فيكون فيه نوع من التهكم والتحقير ويئول المعنى ~~إلى أن الملائكة الذين هم الآلهة عندهم إذا كانوا من عباده تعالى وعباده ~~وانقطع هؤلاء عنهم ويئسوا من ألوهيتهم ليلتجئوا إليهم في أمر المعاد فهل ~~يتخذون أصنامهم وتماثيلهم آلهة من دون الله مكان أرباب الأصنام والتماثيل. PageV14P141 # قوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون" قد تقدم في تفسير سورة هود وتكررت الإشارة إليه بعده أن النزاع بين ~~الوثنيين والموحدين ليس في وحدة الإله وكثرته بمعنى الواجب الوجود الموجود ~~لذاته الموجد لغيره فهذا مما لا نزاع في أنه واحد لا شريك له، وإنما النزاع ~~في الإله بمعنى الرب المعبود والوثنيون على أن تدبير العالم على طبقات ~~أجزائه مفوضة إلى موجودات شريفة مقربين عند الله ينبغي أن يعبدوا حتى ~~يشفعوا لعبادهم عند الله ويقربوهم إليه زلفى كرب السماء ورب الأرض ورب ~~الإنسان وهكذا وهم آلهة من دونهم والله سبحانه إله الآلهة وخالق الكل كما ~~يحكيه عنهم قوله: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله:" الزخرف: 87 وقوله: ~~"ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم:" الزخرف: 9. # والآية الكريمة إنما تنفي الآلهة من دون الله في السماء والأرض بهذا ~~المعنى لا بمعنى الصانع الموجد الذي لا قائل بتعدده، والمراد بكون الإله في ~~السماء والأرض تعلق ألوهيته بالسماء والأرض لا سكناه فيهما فهو كقوله ~~تعالى: "هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله:" الزخرف: 84. # وتقرير حجة الآية أنه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا ~~متباينين حقيقة وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم فيتفاسد التدبيرات ~~وتفسد السماء والأرض لكن النظام الجاري نظام واحد متلائم الأجزاء في ~~غاياتها فليس للعالم آلهة فوق الواحد وهو المطلوب. # فإن قلت: يكفي في تحقق الفساد ما نشاهده من تزاحم الأسباب والعلل ~~وتزاحمها في تأثيرها في المواد هو التفاسد. # قلت: تفاسد العلتين تحت تدبيرين غير تفاسدهما تحت تدبير واحد، ليحدد بعض ~~إثر بعض وينتج الحاصل من ذلك وما يوجد من ms5364 تزاحم العلل في النظام من هذا ~~القبيل فإن العلل والأسباب الراسمة لهذا النظام العام على اختلافها ~~وتمانعها وتزاحمها لا يبطل بعضها فعالية بعض بمعنى أن ينتقض بعض القوانين ~~الكلية الحاكمة في النظام ببعض فيختلف عن مورده مع اجتماع الشرائط وارتفاع ~~الموانع فهذا هو المراد من إفساد مدبر عمل مدبر آخر بل السببان المختلفان ~~المتنازعان حالهما في تنازعهما حال كفتي الميزان المتنازعتين بالارتفاع ~~والانخفاض فإنهما في عين اختلافهما متحدان في تحصيل ما يريده صاحب الميزان ~~ويخدمانه في سبيل غرضه وهو تعديل الوزن بواسطة اللسان. # فإن قلت: آثار العلم والشعور مشهودة في النظام الجاري في الكون فالرب ~~المدبر له يدبره عن علم وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يفرض هناك آلهة فوق ~~الواحد يدبرون أمر الكون تدبيرا تعقليا وقد توافقوا على أن لا يختلفوا ولا ~~يتمانعوا في تدبيرهم حفظا للمصلحة. # قلت: هذا غير معقول، فإن معنى التدبير التعقلي عندنا هو أن نطبق أفعالنا ~~الصادرة منا على ما تقتضيه القوانين العقلية الحافظة لتلائم أجزاء الفعل ~~وانسياقه إلى غايته، وهذه القوانين العقلية مأخوذة من الحقائق الخارجية ~~والنظام الجاري فيها الحاكم عليها فأفعالنا التعقلية تابعة للقوانين ~~العقلية وهي تابعة للنظام الخارجي لكن الرب المدبر للكون فعله نفس النظام ~~الخارجي المتبوع للقوانين العقلية، فمن المحال أن يكون فعله تابعا للقوانين ~~العقلية وهو متبوع، فافهم ذلك. # فهذا تقرير حجة الآية وهي حجة برهانية مؤلفة من مقدمات يقينية تدل على أن ~~التدبير العام الجاري بما يشتمل عليه ويتألف منه من التدابير الخاصة صادر ~~عن مبدإ واحد غير مختلف، لكن المفسرين قرروها حجة على نفي تعدد الصانع ~~واختلفوا في تقريرها وربما أضاف بعضهم إليها من المقدمات ما هو خارج عن ~~منطوق الآية وخاضوا فيها حتى قال القائل منهم إنها حجة إقناعية غير برهانية ~~أوردت إقناعا للعامة. # قوله تعالى: "فسبحان الله رب العرش عما يصفون" تنزيه له تعالى عن وصفهم ~~وهو أن معه آلهة هم ينشرون أو أن هناك آلهة من دونه يملكون التدبير في ملكه ~~فالعرش كناية عن ms5365 الملك، وقوله: "عما يصفون" "ما" فيه مصدرية والمعنى: عن وصفهم. # وللكلام تتمة ستوافيك. PageV14P142 # قوله تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" الضمير في "لا يسأل" له تعالى ~~بلا إشكال، والضمير في "وهم يسألون" للآلهة الذين يدعونهم أو للآلهة والناس ~~جميعا أو للناس فقط، وأحسن الوجوه أولها لأن ذلك هو المناسب للسياق والكلام ~~في الآلهة الذين يدعونهم من دونه، فهم المسئولون والله سبحانه لا يسأل عن فعله. # والسؤال عن الفعل هو قولنا لفاعله: لم فعلت كذا؟ وهو سؤال عن جهة المصلحة ~~في الفعل فإن الفعل المقارن للمصلحة لا مؤاخذة عليه عند العقلاء، والله ~~سبحانه لما كان حكيما على الإطلاق كما وصف به نفسه في مواضع من كلامه، ~~والحكيم هو الذي لا يفعل فعلا إلا لمصلحة مرجحة لا جرم لم يكن معنى للسؤال ~~عن فعله بخلاف غيره فإن من الممكن في حقهم أن يفعلوا الحق والباطل وأن ~~يقارن فعلهم المصلحة والمفسدة فجاز في حقهم السؤال حتى يؤاخذوا بالذم ~~العقلي أو العقاب المولوي إن لم يقارن الفعل المصلحة. # هذا ما ذكره جماعة من المفسرين في توجيه الآية وهو معنى صحيح في الجملة ~~لكن يبقى عليه أمران: الأمر الأول: أن الآية مطلقة لا دليل فيها من جهة ~~اللفظ على كون المراد فيها هو هذا المعنى فإن كون المعنى صحيحا في نفسه لا ~~يستلزم كونه هو المراد من الآية. # ولذلك وجه بعضهم عدم السؤال بأنه مبني على كون أفعال الله لا تعلل ~~بالأغراض لأن الغرض ما يبعث الفاعل إلى الفعل ليستكمل به وينتفع به وإذ كان ~~تعالى أجل من أن يحتاج إلى ما هو خارج عن ذاته ويستكمل بالانتفاع من غيره ~~فلا يقال له: لم فعلت كذا سؤالا عن الغرض الذي دعاه إلى الفعل. # وإن رد بأن الفاعل التام الفاعلية إنما يصدر عنه الفعل لذاته فذاته هي ~~غايته وغرضه في فعله من غير حاجة إلى غرض خارج عن ذاته كالإنسان البخيل ~~الذي يكثر الإنفاق ليحصل ملكة الجود حتى إذا حصلت الملكة صدر عنها الإنفاق ~~لذاتها ms5366 لا لتحصيل ما هو حاصل فنفسها غاية لها في فعلها. # ولذلك أيضا وجه بعض آخر عدم السؤال في الآية بأن عظمته تعالى وكبرياءه ~~وعزته وبهاءه تقهر كل شيء من أن يسأله عن فعله أو يعترض له في شيء من شئون ~~إرادته فغيره تعالى أذل وأحقر من أن يجترىء عليه بسؤال أو مؤاخذة على فعل ~~لكن له سبحانه أن يسأل كل فاعل عن فعله ويؤاخذ كل من حقت عليه المؤاخذة هذا. # وإن كان مردودا بأن عدم السؤال من جهة أن ليس هناك من يتمكن من سؤاله ~~اتقاء من قهره وسخطه كالملوك الجبارين والطغاة المتفرعنين غير كون الفعل ~~بحيث لا يتسم بسمة النقص والفتور ولا يعتريه عيب وقصور، والذي يدل عليه ~~عامة كلامه تعالى أن فعله من القبيل الثاني دون الأول كقوله: "الذي أحسن كل ~~شيء خلقه:" الم السجدة: 7، وقوله: "له الأسماء الحسنى:" الحشر: 24، وقوله: ~~"إن الله لا يظلم الناس شيئا:" يونس: 44، إلى غير ذلك من الآيات. # وبالجملة قولهم: إنه تعالى إنما لا يسأل عن فعله لكونه حكيما على الإطلاق ~~يئول إلى أن عدم السؤال عن فعله ليس لذات فعله بما هو فعله بل لأمر خارج عن ~~ذات الفعل وهو كون فاعله حكيما لا يفعل إلا ما فيه مصلحة مرجحة، وقوله: لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون لا دلالة في لفظه على التقييد بالحكمة فكان عليهم ~~أن يقيموا عليه دليلا. # ولو جاز الخروج في تعليل عدم السؤال في الآية عن لفظها لكان أقرب منه ~~التمسك بقوله - وهو متصل بالآية -: "سبحان الله رب العرش عما يصفون" فإن ~~الآية تثبت له الملك المطلق والملك متبع في إرادته مطاع في أمره لأنه ملك - ~~أي لذاته - لا لأن فعله أو قوله موافق لمصلحة مرجحة وإلا لم يكن فرق بينه ~~وبين أدنى رعيته وكانت المصلحة هي المتبعة ولم تكن طاعته مفترضة في بعض ~~الأحيان، وكذلك المولى متبع ومطاع لعبده فيما له من المولوية من جهة أنه ~~مولى ليس للعبد أن يسأله فيما يريده منه ويأمره به عن ms5367 وجه الحكمة والمصلحة ~~فالملك على ما له من السعة مبدأ لجواز التصرفات وسلطنة عليها لذاته. PageV14P143 # فالله سبحانه ملك ومالك للكل والكل مملوكون له محضا فله أن يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد وليس لغيره ذلك، وله أن يسألهم عما يفعلون وليس لغيره أن ~~يسألوه عما يفعل نعم هو سبحانه أخبرنا أنه حكيم لا يفعل إلا ما فيه مصلحة ~~ولا يريد إلا ذلك فليس لنا أن نسيء به الظن فيما ينسب إليه من الفعل بعد ~~هذا العلم الإجمالي بحكمته المطلقة فضلا عن سؤاله عما يفعل، ومن ألطف ~~الآيات دلالة على هذا الذي ذكرنا قوله حكاية عن عيسى بن مريم: "إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم:" المائدة: 118 حيث يوجه ~~عذابهم بأنهم مملوكون له ويوجه مغفرتهم بكونه حكيما. # ومن هنا يظهر أن الحكمة بوجه ما أعم من قوله: "لا يسأل عما يفعل" بخلاف ~~الملك فالملك أقرب إلى توجيه الآية منها كما أشرنا إليه. # الأمر الثاني: أن الآية على ما وجهوها به خفية الاتصال بالسياق السابق ~~وغاية ما قيل في اتصالها بما قبلها ما في مجمع البيان،: أنه تعالى لما بين ~~التوحيد عطف عليه بيان العدل، وأنت خبير بأن مآله الاستطراد ولا موجب له. # ونظيره ما نقل عن أبي مسلم أنها تتصل بقوله في أول السورة: "اقترب للناس ~~حسابهم" والحساب هو السؤال عما أنعم الله عليهم به، وهل قابلوا نعمه بالشكر ~~أم قابلوها بالكفر؟ وفيه أن للآيات التالية لهذه الآية اتصالا واضحا بما ~~قبلها فلا معنى لاتصالها وحدها بأول السورة. # على أن قوله على تقدير تسليمه يوجه اتصال ذيل الآية والصدر باق على ما كان. # وأنت خبير أن توجيه الآية بالملك دون الحكمة كما قدمناه يكشف عن اتصال ~~الآية بما قبلها من قوله: "سبحان الله رب العرش عما يصفون" فالعرش - كما ~~تقدم - كناية عن الملك فتتصل الآيتان ويكون قوله: "لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون" بالحقيقة برهانا على ملكه تعالى كما أن ملكه وعدم مسئوليته برهان ~~على ربوبيته، ms5368 وبرهانا على مملوكيتهم كما أن مملوكيتهم ومسئوليتهم برهان على ~~عدم ربوبيتهم فإن الفاعل الذي ليس بمسئولين عن فعله بوجه هو الذي يملك ~~الفعل مطلقا لا محالة، والفاعل الذي هو مسئول عن فعله هو الذي لا يملك ~~الفعل إلا إذا كان ذا مصلحة والمصلحة هي التي تملكه وترفع المؤاخذة عنه، ~~ورب العالم أو جزء من أجزائه هو الذي يملك تدبيره باستقلال من ذاته أي ~~لذاته لا بإعطاء من غيره فالله سبحانه هو رب العرش وغيره مربوبون له. ### |||| AUTO بحث في حكمته تعالى ومعنى كون فعله مقارنا للمصلحة وهو بحث ~~فلسفي وقرآني # الحركات المتنوعة المختلفة التي تصدر منا إنما تعد فعلا لنا إذا تعلقت ~~نوعا من التعلق بإرادتنا فلا تعد الصحة والمرض والحركة الاضطرارية بالحركة ~~اليومية أو السنوية مثلا أفعالا لنا، ومن الضروري أن إرادة الفعل تتبع ~~العلم برجحانه والإذعان بكونه كمالا لنا، بمعنى كون فعله خيرا من تركه ~~ونفعه غالبا على ضرره فما في الفعل من جهة الخير المترتب عليه هو المرجح له ~~أي هو الذي يبعثنا نحو الفعل أي هو السبب في فاعلية الفاعل منا وهذا هو ~~الذي نسميه غاية الفاعل في فعله وغرضه من فعله وقد قطعت الأبحاث الفلسفية ~~أن الفعل بمعنى الأثر الصادر عن الفاعل إراديا كان أو غير إرادي لا يخلو من غاية. # وكون الفعل مشتملا على جهة الخيرية المترتبة على تحققه هو المسمى بمصلحة ~~الفعل فالمصلحة التي يعدها العقلاء وهم أهل الاجتماع الإنساني مصلحة هي ~~الباعثة للفاعل على فعله، وهي سبب إتقان الفعل الموجب لعد الفاعل حكيما في ~~فعله، ولولاها لكان الفعل لغوا لا أثر له. # ومن الضروري أن المصلحة المترتبة على الفعل لا وجود لها قبل وجود الفعل، ~~فكونها باعثة للفاعل نحو الفعل داعية له إليه إنما هو بوجودها علما لا ~~بوجودها خارجا بمعنى أن الواحد منا عنده صورة علمية مأخوذة من النظام ~~الخارجي بما فيه من القوانين الكلية الجارية والأصول المنتظمة الحاكمة ~~بانسياق الحركات إلى غاياتها والأفعال إلى أغراضها وما تحصل عنده بالتجربة ~~من ms5369 روابط الأشياء بعضها مع بعض، ولا ريب أن هذا النظام العلمي تابع للنظام ~~الخارجي مترتب عليه. PageV14P144 # وشأن الفاعل الإرادي منا أن يطبق حركاته الخاصة المسماة فعلا على ما عنده ~~من النظام العلمي ويراعي المصالح المتقررة فيه في فعله ببناء إرادته عليها ~~فإن أصاب في تطبيقه الفعل على العلم كان حكيما في فعله متقنا في عمله وإن ~~أخطأ في انطباق العلم على المعلوم الخارجي وإن لم يصب لقصور أو تقصير لم ~~يسم حكيما بل لاغيا وجاهلا ونحوهما. # فالحكمة صفة الفاعل من جهة انطباق فعله على النظام العلمي المنطبق على ~~النظام الخارجي واشتمال فعله على المصلحة هو ترتبه على الصورة العلمية ~~المترتبة على الخارج، فالحكمة بالحقيقة صفة ذاتية للخارج وإنما يتصف الفاعل ~~أو فعله بها من جهة انطباق الفعل عليه بوساطة العلم، وكذا الفعل مشتمل على ~~المصلحة بمعنى تفرعه على صورتها العلمية المحاكية للخارج. # وهذا إنما يتم في الفعل الذي أريد به مطابقة الخارج كأفعالنا الإرادية ~~وأما الفعل الذي هو نفس الخارج وهو فعل الله سبحانه فهو نفس الحكمة لا ~~لمحاكاته أمرا آخر هو الحكمة وفعله مشتمل على المصلحة بمعنى أنه متبوع ~~المصلحة لا تابع للمصلحة بحيث تدعوه إليه وتبعثه نحوه كما عرفت. # وكل فاعل غيره تعالى يسأل عن فعله بقول "لم فعلت كذا"؟ والمطلوب به أن ~~يطبق فعله على النظام الخارجي بما عنده من النظام العلمي ويشير إلى وجه ~~المصلحة الباعثة له نحو الفعل، وأما هو سبحانه فلا مورد للسؤال عن فعله إذ ~~فعله نفس النظام الخارجي الذي يطلب بالسؤال تطبيق الفعل عليه ولا نظام ~~خارجي آخر حتى يطبق هو عليه، وفعله هو الذي تكون صورته العلمية مصلحة داعية ~~باعثة نحو الفعل ولا نظام آخر فوقه - كما سمعت - حتى تكون الصورة العلمية ~~المأخوذة منه مصلحة باعثة نحو هذا النظام فافهم. # وأما ما ذكره بعضهم أن له تعالى علما تفصيليا بالأشياء قبل إيجادها ~~والعلم تابع للمعلوم فللأشياء ثبوت ما في نفسها قبل الإيجاد يتعلق بها ~~العلم بحسب ذلك الثبوت ولها مصالح مترتبة ms5370 واستعدادات أزلية على الوجود ~~والخير والشر يعلم تعالى بها بحسب ذلك الثبوت ثم يفيض عليها الوجود هاهنا ~~على ما علم. # فغير سديد أما أولا: فلابتنائه على كون علمه تعالى التفصيلي بالأشياء قبل ~~الإيجاد حصوليا وقد بين بطلانه في محله، بل هو علم حضوري وليس هو بتابع ~~للمعلوم بل الأمر بالعكس. # وأما ثانيا: فلعدم تعقل الثبوت قبل الوجود إذ الوجود مساوق للشيئية فما ~~لا وجود له لا شيئية له وما لا شيئية له لا ثبوت له. # وأما ثالثا: فلأن إثبات الاستعداد هناك لا يتم إلا مع فرض فعلية بإزائه ~~وكذا فرض المصلحة لا يتم إلا مع فرض كمال ونقص، وهذه آثار خارجية تختص ~~بالوجودات الخارجية فيعود ما فرض ثبوتا قبل الإيجاد وجودا عينيا بعده وهذا خلف. # هذا ما يعطيه البحث العقلي ويؤيده البحث القرآني وكفى في ذلك قوله تعالى: ~~"ويوم يقول كن فيكون قوله الحق:" الأنعام: 73، فقد عد كلمة "كن" التي هي ما ~~به يوجد الأشياء أي وجودها المنسوب إليه قولا لنفسه وذكر أنه الحق أي العين ~~الثابت الخارجي فقوله هو وجود الأشياء الخارجي وهو فعله أيضا فقوله فعله ~~وقوله وفعله وجود الأشياء خارجا، وقال: "الحق من ربك فلا تكن من الممترين:" ~~آل عمران: 60، والحق هو القول أو الاعتقاد من جهة أن الخارج يطابقه فالخارج ~~حق بالأصالة والقول أو الاعتقاد حق يتبع مطابقته، وإذا كان الخارج هو فعله ~~تعالى والخارج هو مبدأ القول والاعتقاد فالحق منه تعالى يبتدأ وإليه يعود، ~~ولذا قال: "الحق من ربك" ولم يقل: الحق مع ربك كما نقول في المخاصمات التي ~~فيها بيننا: الحق مع فلان. # ومن هنا يظهر أن كل فعل ففيه سؤال إلا فعله سبحانه لأن المطلوب بالسؤال ~~بيان كون الفعل مطابقا - بصيغة اسم المفعول - للحق وهذا إنما يجري في غير ~~نفس الحق وأما الحق نفسه فهو حق بذاته من غير حاجة إلى مطابقة. # قوله تعالى: "أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم" إلى آخر الآية. # "هاتوا" اسم فعل بمعنى ائتوا به، والبرهان الدليل ms5371 المفيد للعلم، والمراد ~~بالذكر - على ما يستفاد من السياق - الكتاب المنزل من عند الله فالمراد ~~بذكر من معي القرآن المنزل عليه الذي هو ذكر أمته إلى يوم القيامة وبذكر من ~~قبلي كتب الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها. PageV14P145 # ويمكن أن يكون المراد به الوحي النازل عليه في القرآن وهو ذكر من معه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والوحي النازل على من قبله في أمر توحيد العبادة ~~المنقول في القرآن فالمشار إليه بهذا هو ما في القرآن من الأمر بتوحيد ~~العبادة النازل عليه والنازل على من تقدمه من الأنبياء (عليهم السلام)، ~~وربما فسر الذكر بالخبر وغيره ولا يعبأ به. # وفي الآية دفع احتمال آخر من الاحتمالات المنافية لإثبات المعاد والحساب ~~المذكور سابقا وهو أن يتخذوا آلهة من دون الله سبحانه فيعبدوهم ويستغنوا ~~بذلك عن عبادة الله وولايته المستلزمة للمعاد إليه وحسابه ووجوب إجابة دعوة ~~أنبيائه، ودفع هذا الاحتمال بعدم الدليل عليه وقد خاصمهم بأمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يطالبهم بالدليل بقوله: "قل هاتوا برهانكم"... إلخ. # وقوله: "قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" من قبيل المنع مع ~~السند - باصطلاح فن المناظرة - ومحصل معناه طلب الخصم من المدعي الدليل على ~~مدعاه غير المدلل مستندا في طلبه ذلك إلى أن عنده دليلا يدل على خلافه. # يقول تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): قل لهؤلاء المتخذين الآلهة ~~من دون الله هاتوا برهانكم على دعواكم فإن الدعوى التي لا دليل عليها لا ~~تسمع ولا يجوز عقلا أن يركن إليها، والذي استند إليه في طلب الدليل أن ~~الكتب السماوية النازلة من عند الله سبحانه لا يوافقكم على ما ادعيتم بل ~~يخالفكم فيه فهذا القرآن وهو ذكر من معي وهذه سائر الكتب كالتوراة والإنجيل ~~وغيرهما وهي ذكر من قبلي تذكر انحصار الألوهية فيه تعالى وحده ووجوب ~~عبادته. # أو أن ما في القرآن من الوحي النازل علي وهو ذكر من معي والوحي النازل ~~على من سبقني من الأنبياء وهو ذكر من ms5372 قبلي في أمر عبادة الإله يحصر ~~الألوهية والعبادة فيه تعالى. # وقوله: "بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون" رجوع إلى خطاب النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالإشارة إلى أن أكثرهم لا يميزون الحق من الباطل ~~فليسوا من أهل التمييز الذين لا يتبعون إلا الدليل فهم معرضون عن الحق ~~واتباعه. # قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون" تثبيت لما قيل في الآية السابقة أن الذكر يذكر توحيده ووجوب ~~عبادته ولا يخلو من تأييد ما للمعنى الثاني من معنيي الذكر. # وقوله: "نوحي إليه" مفيد للاستمرار، وقوله: "فاعبدون" خطاب للرسل ومن ~~معهم من أممهم والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون" ظاهر ~~السياق يشهد أنه حكاية قول الوثنيين أن الملائكة أولاده سبحانه فالمراد ~~بالعباد المكرمين الملائكة، وقد نزه الله نفسه عن ذلك بقوله: "سبحانه" ثم ~~ذكر حقيقة حالهم بالإضراب. # وإذ كان قوله بعد: "لا يسبقونه بالقول"... إلخ بيان كمال عبوديتهم من حيث ~~الآثار وصفائها من جهة الخواص والتبعات وقد ذكر قبلا كونهم عبادا كان ظاهر ~~ذلك أن المراد بإكرامهم إكرامهم بالعبودية لا بغيرها فيئول المعنى إلى أنهم ~~عباد بحقيقة معنى العبودية ومن الدليل عليه صدور آثارها الكاملة عنهم. # فالمراد بكونهم عبادا - وجميع أرباب الشعور عباد الله - إكرامهم في ~~أنفسهم بالعبودية فلا يشاهدون من أنفسهم إلا أنهم عباد، والمراد بكونهم ~~مكرمين إكرامه تعالى لهم بإفاضة العبودية الكاملة عليهم، وهذا نظير كون ~~العبد مخلصا - بكسر اللام - لربه ومقابلته تعالى ذلك بجعله مخلصا - بفتح ~~اللام - لنفسه، وإنما الفرق بين كرامة الملائكة والبشر أنها في البشر ~~اكتسابي بخلاف ما في الملائكة، وأما إكرامه تعالى فهو موهبي في القبيلين ~~جميعا فافهم ذلك. # قوله تعالى: "لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون" لا يسبق فلان فلانا ~~بالقول أي لا يقول شيئا قبل أن يقوله فقوله تبع، وربما يكنى به عن الإرادة ~~والمشية أي إرادته تبع إرادته، وقوله: "وهم بأمره يعملون" الظرف متعلق ~~بيعملون قدم ms5373 عليه لإفادة الحصر أي يعملون بأمره لا بغير أمره، وليس المراد ~~لا يعملون بأمر غيره ففعلهم تابع لأمره أي لإرادته كما أن قولهم تابع لقوله ~~فهم تابعون لربهم قولا وفعلا. PageV14P146 # وبعبارة أخرى إرادتهم وعملهم تابعان لإرادته نظرا إلى كون القول كناية عن ~~الإرادة - فلا يريدون إلا ما أراد ولا يعملون إلا ما أراد وهو كمال ~~العبودية فإن لازم عبودية العبد أن يكون إرادته وعمله مملوكين لمولاه. # هذا ما يفيده ظاهر الآية على أن يكون المراد بالأمر ما يقابل النهي، ~~وتفيد الآية أن الملائكة لا يعرفون النهي إذ النهي فرع جواز الإتيان بالفعل ~~المنهي عنه وهم لا يفعلون إلا عن أمر. # ويمكن أن يستفاد من قوله تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء:" يس: 83، وقوله: "وما أمرنا إلا ~~واحدة كلمح بالبصر:" القمر: 50، حقيقة معنى أمره تعالى وقد تقدم في بعض ~~المباحث السابقة كلام في ذلك وسيجيء استيفاء البحث في كلام خاص بالملائكة ~~فيما يعطيه القرآن في حقيقة الملك. # قوله تعالى: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ~~من خشيته مشفقون" فسروا "ما بين أيديهم وما خلفهم" بما قدموا من أعمالهم ~~وما أخروا، والمعنى: يعلم ما عملوا وما هم عاملون. # فقوله: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" استئناف في مقام التعليل لما ~~تقدمه من قوله: "لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون" كأنه قيل: إنما لم ~~يقدموا على قول أو عمل بغير أمره تعالى لأنه يعلم ما قدموا من قول وعمل وما ~~أخروا فلا يزالون يراقبون أحوالهم حيث إنهم يعلمون ذلك. # وهو معنى جيد في نفسه لكنه إنما يصلح لتعليل عدم إقدامهم على المعصية لا ~~لتعليل قصر عملهم على مورد الأمر وهو المطلوب، على أن لفظ الآية لا دلالة ~~فيه على أنهم يعلمون ذلك ولو لا ذلك لم يتم البيان. # وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما ms5374 بين ذلك وما كان ربك نسيا:" مريم: 64، أن الأوجه حمل قوله: ~~"ما بين أيدينا" على الأعمال والآثار المتفرعة على وجودهم، وقوله: "وما ~~خلفنا" على ما هو من أسباب وجودهم مما تقدمهم وتحقق قبلهم فلو حمل اللفظتان ~~في هذه الآية على ما حملتا عليه هناك كانت الجملة تعليلا واضحا لمجموع ~~قوله: "بل عباد مكرمون" - إلى قوله - بأمره يعملون" الذي يذكرهم بشرافة ~~الذات وشرافة آثار الذات من القول والفعل ويكون المعنى: إنما أكرم الله ~~ذواتهم وحمد آثارهم لأنه يعلم أعمالهم وأقوالهم وهي ما بين أيديهم ويعلم ~~السبب الذي به وجدوا والأصل الذي عليه نشئوا وهو ما خلفهم كما يقال: فلان ~~كريم النفس حميد السيرة لأنه مرضي الأعمال من أسرة كريمة. # وقوله: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" تعرض لشفاعتهم لغيرهم وهو الذي تعلق ~~به الوثنيون في عبادتهم الملائكة كما ينبىء عنه قولهم: "هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله" "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" فرد تعالى عليهم بأن ~~الملائكة إنما يشفعون لمن ارتضاه الله والمراد به ارتضاء دينه لقوله تعالى: ~~"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء:" النساء: 48، ~~فالإيمان بالله من غير شرك هو الارتضاء، والوثنيون مشركون، ومن عجيب أمرهم ~~أنهم يشركون بنفس الملائكة الذين لا يشفعون إلا لغير المشركين من الموحدين. # وقوله: "وهم من خشيته مشفقون" هي الخشية من سخطه وعذابه مع الأمن منه ~~بسبب عدم المعصية وذلك لأن جعله تعالى إياهم في أمن من العذاب بما أفاض ~~عليهم من العصمة لا يحدد قدرته تعالى ولا ينتزع الملك من يده، فهو يملك بعد ~~الأمن عين ما كان يملكه قبله، وهو على كل شيء قدير، وبذلك يستقيم معنى ~~الآية التالية. # قوله تعالى: "ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين" أي من قال كذا كان ظالما ونجزيه جهنم لأنها جزاء الظالم، والآية ~~قضية شرطية والشرطية لا تقتضي تحقق الشرط. # قوله تعالى: "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما وجعلنا من ms5375 الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" المراد بالرؤية العلم ~~الفكري وإنما عبر بالرؤية لظهوره من حيث إنه نتيجة التفكير في أمر محسوس. # والرتق والفتق معنيان متقابلان، قال الراغب في المفردات،: الرتق الضم ~~والالتحام خلقة كان أم صنعة، قال تعالى: "كانتا رتقا ففتقناهما" وقال: ~~الفتق الفصل بين المتصلين وهو ضد الرتق. # انتهى. PageV14P147 # وضمير التثنية في "كانتا رتقا ففتقناهما" للسماوات والأرض بعد السماوات ~~طائفة والأرض طائفة فهما طائفتان اثنتان، ومجيء الخبر أعني رتقا مفردا ~~لكونه مصدرا وإن كان بمعنى المفعول والمعنى كانت هاتان الطائفتان منضمتين ~~متصلتين ففصلناهما. # وهذه الآية والآيات الثلاث التالية لها برهان على توحيده تعالى في ~~ربوبيته للعالم كله أوردها بمناسبة ما انجر الكلام إلى توحيده ونفي ما ~~اتخذوها آلهة من دون الله وعدوا الملائكة وهم من الآلهة عندهم أولادا له، ~~بانين في ذلك على أن الخلقة والإيجاد لله والربوبية والتدبير للآلهة. # فأورد سبحانه في هذه الآيات أشياء من الخليقة خلقتها ممزوجة بتدبير أمرها ~~فتبين بذلك أن التدبير لا ينفك عن الخلقة فمن الضروري أن يكون الذي خلقها ~~هو الذي يدبر أمرها وذلك كالسماوات والأرض وكل ذي حياة والجبال والفجاج ~~والليل والنهار والشمس والقمر في خلقها وأحوالها التي ذكرها سبحانه. # فقوله: "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما" ~~المراد بالذين كفروا - بمقتضى السياق - هم الوثنيون حيث يفرقون بين الخلق ~~والتدبير بنسبة الخلق إلى الله سبحانه والتدبير إلى الآلهة من دونه وقد بين ~~خطأهم في هذه التفرقة بعطف نظرهم إلى ما لا يرتاب فيه من فتق السماوات ~~والأرض بعد رتقهما فإن في ذلك خلقا غير منفك عن التدبير، فكيف يمكن قيام ~~خلقهما بواحد وقيام تدبيرهما بآخرين. # لا نزال نشاهد انفصال المركبات الأرضية والجوية بعضها من بعض وانفصال ~~أنواع النباتات من الأرض والحيوان من الحيوان والإنسان من الإنسان وظهور ~~المنفصل بالانفصال في صورة جديدة لها آثار وخواص جديدة بعد ما كان متصلا ~~بأصله الذي انفصله منه غير متميز الوجود ولا ظاهر الأثر ولا بارز الحكم فقد ~~كانت هذه الفعليات ms5376 محفوظة الوجود في القوة مودعة الذوات في المادة رتقا من ~~غير فتق حتى فتقت بعد الرتق وظهرت بفعلية ذواتها وآثارها. # والسماوات والأرض بأجرامها حالها حال أفراد الأنواع التي ذكرناها وهذه ~~الأجرام العلوية والأرض التي نحن عليها وإن لم يسمح لنا أعمارنا على قصرها ~~أن نشاهد منها ما نشاهده في الكينونات الجزئية التي ذكرناها، فنرى بدء ~~كينونتها أو انهدام وجودها لكن المادة هي المادة وأحكامها هي أحكامها ~~والقوانين الجارية فيها لا تختلف ولا تتخلف. # فتكرار انفصال جزئيات المركبات والمواليد من الأرض ونظير ذلك في الجو ~~يدلنا على يوم كانت الجميع فيه رتقا منضمة غير منفصلة من الأرض وكذا يهدينا ~~إلى مرحلة لم يكن فيها ميز بين السماء والأرض وكانت الجميع رتقا ففتقها ~~الله تحت تدبير منظم متقن ظهر به كل منها على ما له من فعلية الذات ~~وآثارها. # فهذا ما يعطيه النظر الساذج في كينونة هذا العالم المشهود بأجزائها ~~العلوية والسفلية كينونة ممزوجة بالتدبير مقارنة للنظام الجاري في الجميع ~~وقد قربت الأبحاث العلمية الحديثة هذه النظرة حيث أوضحت أن الأجرام التي ~~تحت الحس مؤلفة من عناصر معدودة مشتركة ولكل منها بقاء محدود وعمر مؤجل وإن ~~اختلفت بالطول والقصر. # هذا لو أريد برتق السماوات والأرض عدم تميز بعضها من بعض وبالفتق تميز ~~السماوات من الأرض ولو أريد برتقها عدم الانفصال بين أجزاء كل منهما في ~~نفسه حتى ينزل من السماء شيء أو يخرج من الأرض شيء وبفتقها خلاف ذلك كان ~~المعنى أن السماوات كانت رتقا لا تمطر ففتقناها بالإمطار والأرض كانت رتقا ~~لا تنبت ففتقناها بالإنبات وتم البرهان وربما أيده قوله بعد: "وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي" لكنه يختص من بين جميع الحوادث بالإمطار والإنبات، بخلاف ~~البرهان على التقريب الأول. # وذكر بعض المفسرين وارتضاه آخرون أن المراد برتق السماوات والأرض عدم ~~تميز بعضها من بعض حال عدمها السابق، وبفتقها تميز بعضها من بعض في الوجود ~~بعد العدم فيكون احتجاجا بحدوث السماوات والأرض على وجود محدثها وهو الله ~~سبحانه. # وفيه أن الاحتجاج ms5377 بالحدوث على المحدث تام في نفسه، لكنه لا ينفع قبال ~~الوثنيين المعترفين بوجوده تعالى واستناد الإيجاد إليه ووجه الكلام إليهم، ~~وإنما ينفع قبالهم من الحجة ما يثبت بها استناد التدبير إليه تعالى تجاه ما ~~يسندون التدبير إلى آلهتهم ويعلقون العبادة على ذلك. PageV14P148 # وقوله: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" ظاهر السياق أن الجعل بمعنى الخلق و"كل ~~شيء حي" مفعوله والمراد أن للماء دخلا تاما في وجود ذوي الحياة كما قال: ~~"والله خلق كل دابة من ماء:" النور: 45، ولعل ورود القول في سياق تعداد ~~الآيات المحسوسة يوجب انصراف الحكم بغير الملائكة ومن يحذو حذوهم، وقد اتضح ~~ارتباط الحياة بالماء بالأبحاث العلمية الحديثة. # قوله تعالى: "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا ~~لعلهم يهتدون" قال في المجمع،: الرواسي الجبال رست ترسو رسوا إذا ثبتت ~~بثقلها فهي راسية كما ترسو السفينة إذا وقفت متمكنة في وقوفها، والميد ~~الاضطراب بالذهاب في الجهات، والفج الطريق الواسع بين الجبلين. # انتهى. # والمعنى: وجعلنا في الأرض جبالا ثوابت لئلا تميل وتضطرب الأرض بهم وجعلنا ~~في تلك الجبال طرقا واسعة هي سبل لعلهم يهتدون منها إلى مقاصدهم ومواطنهم. # وفيه دلالة على أن للجبال ارتباطا خاصا بالزلازل ولولاها لاضطربت الأرض ~~بقشرها. # قوله تعالى: "وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون" كأن ~~المراد بكون السماء محفوظة حفظها من الشياطين كما قال: "وحفظناها من كل ~~شيطان رجيم:" الحجر: 17، والمراد بآيات السماء الحوادث المختلفة السماوية ~~التي تدل على وحدة التدبير واستناده إلى موجدها الواحد. # قوله تعالى: "وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون" الآية ظاهرة في إثبات الفلك لكل من الليل وهو الظل المخروطي ~~الملازم لوجه الأرض المخالف لمسامتة الشمس، والنهار وهو خلاف الليل، وللشمس ~~والقمر فالمراد بالفلك مدار كل منها. # والمراد مع ذلك بيان الأوضاع والأحوال الحادثة بالنسبة إلى الأرض وفي ~~جوها وإن كانت حال الأجرام الأخر على خلاف ذلك فلا ليل ولا نهار يقابله ~~للشمس وسائر الثوابت، التي هي نيرة بالذات وللقمر ms5378 وسائر السيارات الكاسبة ~~للنور من الليل والنهار غير ما لنا. # وقوله: "يسبحون" من السبح بمعنى الجري في الماء بخرقه قيل وإنما قال: ~~يسبحون لأنه أضاف إليها فعل العقلاء كما قال: "والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين:" يوسف: 4. ### |||| AUTO بحث روائي # في المحاسن، بإسناده عن يونس رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~ليس من باطل يقوم بإزاء حق إلا غلب الحق الباطل وذلك قول الله: "بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق". # وفيه، بإسناده عن أيوب بن الحر قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا ~~أيوب ما من أحد إلا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أم تركه وذلك أن ~~الله يقول في كتابه: "بل نقذف بالحق على الباطل - فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم ~~الويل مما تصفون". # أقول: والروايتان مبنيتان على تعميم الآية. # وفي العيون، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) في هاروت وماروت في ~~حديث: أن الملائكة معصومون محفوظون عن الكفر والقبائح بألطاف الله تعالى ~~قال الله تعالى فيهم: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" وقال عز ~~وجل: "وله من في السماوات والأرض ومن عنده يعني الملائكة لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون - يسبحون الليل والنهار لا يفترون". # وفي نهج البلاغة، قال (عليه السلام) في وصف الملائكة: ومسبحون لا يسأمون، ~~ولا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة ~~النسيان. # أقول: وبه يضعف ما في بعض الروايات أن الملائكة ينامون كما في كتاب كمال ~~الدين بإسناده عن داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله: أنه سئل عن ~~الملائكة أينامون؟ فقال: ما من حي إلا وهو ينام خلا الله وحده: فقلت: يقول ~~الله عز وجل: "يسبحون الليل والنهار لا يفترون"؟ قال: أنفاسهم تسبيح. # على أن الرواية ضعيفة. # وفي التوحيد، بإسناده عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام) ما الدليل على أن الله واحد؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع كما ~~قال عز ms5379 وجل: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". # أقول: وهو يؤيد ما قدمناه في تقرير الدليل. PageV14P149 # وفيه، بإسناده عن عمرو بن جابر قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر ~~(عليهما السلام): يا بن رسول الله إنا نرى الأطفال منهم من يولد ميتا، ~~ومنهم من يسقط غير تام، ومنهم من يولد أعمى وأخرس وأصم، ومنهم من يموت من ~~ساعته إذا سقط إلى الأرض، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام، ومنهم من يعمر حتى ~~يصير شيخا فكيف ذلك وما وجهه؟ فقال (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى ~~أولى بما يدبره من أمر خلقه منهم وهو الخالق والمالك لهم فمن منعه التعمير ~~فإنما منعه ما ليس له، ومن عمره فإنما أعطاه ما ليس له فهو المتفضل بما ~~أعطى وعادل فيما منع ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قال جابر: فقلت له: يا ~~بن رسول الله وكيف لا يسأل عما يفعل؟ قال: لأنه لا يفعل إلا ما كان حكمة ~~وصوابا، وهو المتكبر الجبار والواحد القهار، فمن وجد في نفسه حرجا في شيء ~~مما قضى كفر ومن أنكر شيئا من أفعاله جحد. # أقول: وهي رواية شريفة تعطي أصلا كليا في الحسنات والسيئات وهو أن ~~الحسنات أمور وجودية تستند إلى إعطائه وفضله تعالى، والسيئات أمور عدمية ~~تنتهي إلى عدم الإعطاء لما لا يملكه العبد. # وما ذكره (عليه السلام) أنه تعالى أولى بما لعبده منه وجهه أنه تعالى هو ~~المالك لذاته والعبد إنما يملك ما يملك بتمليك منه تعالى وهو المالك لما ~~ملكه وملك العبد في طول ملكه. # وقوله: "لأنه لا يفعل إلا ما كان حكمة وصوابا إشارة إلى التقريب الأول ~~الذي قدمناه، وقوله: "وهو المتكبر الجبار والواحد القهار" إشارة إلى ~~التقريب الثاني الذي أوردناه في تفسير الآية. # وفي نور الثقلين، عن الرضا (عليه السلام) قال: قال الله تبارك وتعالى: يا ~~بن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت إلي فرائضي، ~~وبنعمتي قويت على معصيتي جعلتك سميعا بصيرا قويا ما أصابك من حسنة ms5380 فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك وذلك أني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك ~~مني وذلك أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" قال أبو عبد ~~الله (عليه السلام): يعني بذكر من معي ما هو كائن وبذكر من قبلي ما قد كان. # وفي العيون، بإسناده إلى الحسين بن خالد عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن ~~آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي ~~فلا أناله الله شفاعتي، ثم قال (عليه السلام): إنما شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل. قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا ~~(عليه السلام): يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل: "ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى" قال: لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن جابر: أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا قول الله: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" ~~فقال: إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. # وفي الاحتجاج، وروي: أن عمرو بن عبيد وفد على محمد بن علي الباقر (عليهما ~~السلام) لامتحانه بالسؤال عنه فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: ~~"أولم ير الذين كفروا - إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما" ما هذا ~~الرتق والفتق؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): كانت السماء رتقا لا تنزل ~~القطر وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات ففتق الله السماء بالقطر وفتق الأرض ~~بالنبات فانقطع عمرو بن عبيد ولم يجد اعتراضا ومضى. # أقول: وروي هذا المعنى في روضة الكافي عنه (عليه السلام) بطريقين. # وفي نهج البلاغة، قال (عليه السلام): وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها. PageV14P150 ### ||| AUTO 21 سورة الأنبياء - 34 - 47 # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخلدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير ms5381 فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رءاك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذى يذكر ءالهتكم وهم بذكر الرحمن هم كفرون (36) ~~خلق الانسن من عجل سأوريكم ءايتى فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صدقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا ~~عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ~~ولا هم ينظرون (40) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما ~~كانوا به يستهزءون (41) قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ~~ربهم معرضون (42) أم لهم ءالهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا ~~هم منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وءاباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون ~~أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغلبون (44) قل إنما أنذركم بالوحى ~~ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ~~ليقولن يويلنا إنا كنا ظلمين (46) ونضع الموزين القسط ليوم القيمة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حسبين (47) ### |||| AUTO بيان # من تتمة الكلام حول النبوة يذكر فيها بعض ما قاله المشركون في النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كقولهم: سيموت فنتخلص منه ونستريح وقولهم استهزاء به: ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم، وقولهم استهزاء بالبعث والقيامة التي أنذروا بها: ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين وفيها جواب أقاويلهم وإنذار وتهديد لهم ~~وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون" يلوح ~~من الآية أنهم كانوا يسلون أنفسهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~سيموت فيتخلصون من دعوته وتنجو آلهتهم من طعنه كما حكى ذلك عنهم في مثل ~~قولهم: "نتربص به ريب المنون:" الطور: 30، فأجاب عنه بأنا لم نجعل لبشر من ~~قبلك الخلد حتى يتوقع ذلك لك بل إنك ميت وإنهم ميتون، ولا ينفعهم موتك شيئا ~~فلا أنهم يقبضون على الخلود بموتك، فالجميع ميتون، ولا أن حياتهم القصيرة ~~المؤجلة ms5382 تخلو من الفتنة والامتحان الإلهي فلا يخلو منه إنسان في حياته ~~الدنيا، ولا أنهم خارجون بالآخرة من سلطاننا بل إلينا يرجعون فنحاسبهم ~~ونجزيهم بما عملوا. # وقوله: "أفإن مت فهم الخالدون" ولم يقل: فهم خالدون والاستفهام للإنكار ~~يفيد نفي قصر القلب كأنه قيل: إن قولهم: نتربص به ريب المنون كلام من يرى ~~لنفسه خلودا أنت مزاحمه فيه فلو مت لذهب بالخلود وقبض عليه وعاش عيشة خالدة ~~طيبة ناعمة وليس كذلك بل كل نفس ذائقة الموت، والحياة الدنيا مبنية على ~~الفتنة والامتحان، ولا معنى للفتنة الدائمة والامتحان الخالد بل يجب أن ~~يرجعوا إلى ربهم فيجازيهم على ما امتحنهم وميزهم. # قوله تعالى: "كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون" لفظ النفس - على ما يعطيه التأمل في موارد استعماله - أصل معناه هو ~~معنى ما أضيف إليه فنفس الشيء معناه الشيء ونفس الإنسان معناه هو الإنسان ~~ونفس الحجر معناه هو الحجر فلو قطع عن الإضافة لم يكن له معنى محصل، وعلى ~~هذا المعنى يستعمل للتأكيد اللفظي كقولنا: جاءني زيد نفسه أو لإفادة معناه ~~كقولنا: جاءني نفس زيد. # وبهذا المعنى يطلق على كل شيء حتى عليه تعالى كما قال: "كتب على نفسه ~~"الرحمة:" الأنعام: 12، وقال: "ويحذركم الله نفسه:" آل عمران: 28، وقال: ~~"تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك:" المائدة: 116. PageV14P151 # ثم شاع استعمال لفظها في شخص الإنسان خاصة وهو الموجود المركب من روح وبدن ~~فصار ذا معنى في نفسه وإن قطع عن الإضافة قال تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وجعل منها زوجها" أي من شخص إنساني واحد، وقال: "من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا:" المائدة: 32، أي من قتل إنسانا ومن أحيا إنسانا، وقد اجتمع ~~المعنيان في قوله: "كل نفس تجادل عن نفسها" فالنفس الأولى بالمعنى الثاني ~~والثانية بالمعنى الأول. # ثم استعملوها في الروح الإنساني لما أن الحياة والعلم والقدرة التي بها ~~قوام الإنسان قائمة بها ومنه قوله ms5383 تعالى: "أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب ~~الهون:" الأنعام: 93. # ولم يطرد هذان الإطلاقان أعني الثاني والثالث في غير الإنسان كالنبات ~~وسائر الحيوان إلا بحسب الاصطلاح العلمي فلا يقال للواحد من النبات ~~والحيوان عرفا نفس ولا للمبدإ المدبر لجسمه نفس نعم ربما سميت الدم نفسا ~~لأن للحياة توقفا عليها ومنه النفس السائلة. # وكذا لا يطلق النفس في اللغة بأحد الإطلاقين الثاني والثالث على الملك ~~والجن وإن كان معتقدهم أن لهما حياة، ولم يرد استعمال النفس فيهما في ~~القرآن أيضا وإن نطقت الآيات بأن للجن تكليفا كالإنسان وموتا وحشرا قال: ~~"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون:" الذاريات: 56، وقال في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس": الأحقاف: 18، وقال: "ويوم يحشرهم جميعا يا معشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس": الأنعام: 128، هذا ما يتحصل من معنى النفس ~~بحسب عرف اللغة. # وأما الموت فهو فقد الحياة وآثارها من الشعور والإرادة عما من شأنه أن ~~يتصف بها قال تعالى: "وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم:" البقرة: 28، وقال ~~في الأصنام: "أموات غير أحياء:" النحل: 21، وأما أنه مفارقة النفس للبدن ~~بانقطاع تعلقها التدبيري كما يعرفه الأبحاث العقلية أو أنه الانتقال من دار ~~إلى دار كما في الحديث النبوي فهو معنى كشف عنه العقل أو النقل غير ما ~~استقر عليه الاستعمال ومن المعلوم أن الموت بالمعنى الذي ذكر إنما يتصف به ~~الإنسان المركب من الروح والبدن باعتبار بدنه فهو الذي يتصف بفقدان الحياة ~~بعد وجدانه وأما الروح فلم يرد في كلامه تعالى ما ينطق باتصافه بالموت كما ~~لم يرد ذلك في الملك، وأما قوله: "كل شيء هالك إلا وجهه:" القصص: 88، ~~وقوله: "ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض:" الزمر: 68 ~~فسيجيء إن شاء الله أن الهلاك والصعق غير الموت وإن انطبقا عليه أحيانا. # فقد تبين مما قدمناه أولا: أن المراد بالنفس في قوله: "كل نفس ذائقة ~~الموت" الإنسان - وهو الاستعمال الثاني من استعمالاتها الثلاث - دون الروح ~~الإنساني إذ لم يعهد نسبة الموت إلى الروح في كلامه تعالى ms5384 حتى تحمل عليه. # وثانيا: أن الآية إنما تعم الإنسان لا غير كالملك والجن وسائر الحيوان ~~وإن كان بعضها مما يتصف بالموت كالجن والحيوان، ومن القرينة على اختصاص ~~الآية بالإنسان قوله قبله: "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد" وقوله بعده: ~~"ونبلوكم بالشر والخير فتنة" على ما سنوضحه. # وقد ذكر جمع منهم أن المراد بالنفس في الآية الروح، وقد عرفت خلافه وأصر ~~كثير منهم على عموم الآية لكل ذي حياة من الإنسان والملك والجن وسائر ~~الحيوانات حتى النبات إن كان لها حياة حقيقة وقد عرفت ما فيه. # ومن أعجب ما قيل في تقرير عموم الآية ما ذكره الإمام الرازي في التفسير ~~الكبير، بعد ما قرر أن الآية عامة لكل ذي نفس: أن الآية مخصصة فإن له تعالى ~~نفسا كما قال حكاية عن عيسى (عليه السلام): "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في نفسك" مع أن الموت مستحيل عليه سبحانه، وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت. # ثم قال: والعام المخصوص حجة فيبقى معمولا به على ظاهره فيما عدا ما أخرج ~~منه، وذلك يبطل قول الفلاسفة في الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس ~~الفلكية أنها لا تموت. # انتهى. PageV14P152 # وفيه أولا: أن النفس بالمعنى الذي تطلق عليه تعالى وعلى كل شيء هي النفس ~~بالاستعمال الأول من الاستعمالات الثلاث التي قدمناها لا تستعمل إلا مضافة ~~كما في الآية التي استشهد بها والتي في الآية مقطوعة عن الإضافة فهي غير ~~مرادة بهذا المعنى في الآية قطعا فتبقى النفس بأحد المعنيين الآخرين وقد ~~عرفت أن المعنى الثالث أيضا غير مراد فيبقى الثاني. # وثانيا: أن نفيه الموت عن الجمادات ينافي قوله تعالى: "كنتم أمواتا ~~فأحياكم" وقوله: "أموات غير أحياء" وغير ذلك. # وثالثا: أن قوله: إن عموم الآية يبطل قول الفلاسفة في الأرواح البشرية ~~والعقول المفارقة والنفوس الفلكية خطأ فإن هذه مسائل عقلية يرام السلوك ~~إليها من طريق البرهان، والبرهان حجة مفيدة لليقين فإن كانت الحجج التي ~~أقاموها عليها كلها أو بعضها براهين كما ادعوها لم ينعقد من الآية ms5385 في ~~مقابلها ظهور والظهور حجة ظنية وكيف يتصور اجتماع العلم مع الظن بالخلاف، ~~وإن لم تكن براهين لم تثبت المسائل ولا حاجة معه إلى ظن بالخلاف. # ثم إن قوله: "كل نفس ذائقة الموت" كما هو تقرير وتثبيت لمضمون قوله قبلا: ~~"وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد" إلخ، كذلك توطئة وتمهيد لقوله بعد "ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة" - أي ونمتحنكم بما تكرهونه من مرض وفقر ونحوه وما ~~تريدونه من صحة وغنى ونحوهما امتحانا - كأنه قيل: نحيي كلا منكم حياة ~~محدودة مؤجلة ونمتحنكم فيها بالشر والخير امتحانا ثم إلى ربكم ترجعون فيقضي ~~عليكم ولكم. # وفيه إشارة إلى علة تحتم الموت لكل نفس حية، وهي أن حياة كل نفس حياة ~~امتحانية ابتلائية، ومن المعلوم أن الامتحان أمر مقدمي ومن الضروري أن ~~المقدمة لا تكون خالدة لا تنتهي إلى أمد ومن الضروري أن وراء كل مقدمة ذا ~~مقدمة وبعد كل امتحان موقف تتعين فيه نتيجته فلكل نفس حية موت محتوم ثم لها ~~رجوع إلى الله سبحانه لفصل القضاء. # قوله تعالى: وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون" إن نافية والمراد بقوله: "إن يتخذونك ~~إلا هزوا" قصر معاملتهم معه على اتخاذهم إياه هزوا أي لم يتخذوك إلا هزوا ~~يستهزأ به. # وقوله: "أهذا الذي يذكر آلهتكم" - والتقدير يقولون أو قائلين: أهذا الذي ~~إلخ - حكاية كلمة استهزائهم، والاستهزاء في الإشارة إليه بالوصف، ومرادهم ~~ذكره آلهتهم بسوء ولم يصرحوا به أدبا مع آلهتهم وهو نظير قوله: "قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم" الآية: - 60 من السورة. # وقوله: "وهم بذكر الرحمن هم كافرون" في موضع الحال من ضمير "إن يتخذونك" ~~أو من فاعل يقولون المقدر وهو أقرب ومحصله أنهم يأنفون لآلهتهم عليك إذ ~~تقول فيها أنها لا تنفع ولا تضر - وهو كلمة حق - فلا يواجهونك إلا بالهزء ~~والإهانة ولا يأنفون لله إذ يكفر بذكره والكافرون هم أنفسهم. # والمراد بذكر الرحمن ذكره تعالى بأنه مفيض كل رحمة ومنعم كل نعمة ms5386 ولازمه ~~كونه تعالى هو الرب الذي تجب عبادته، وقيل: المراد بالذكر القرآن. # والمعنى: وإذا رآك الذين كفروا وهم المشركون ما يتخذونك ولا يعاملون معك ~~إلا بالهزء والسخرية قائلين بعضهم لبعض أهذا الذي يذكر آلهتكم أي بسوء ~~فيأنفون لآلهتهم حيث تذكرها والحال أنهم بذكر الرحمن كافرون ولا يعدونه ~~جرما ولا يأنفون له. # قوله تعالى: "خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون" كان ~~المشركون على كفرهم بالدعوة النبوية يستهزءون بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كلما رأوه، وهو زيادة في الكفر والعتو، والاستهزاء بشيء إنما يكون ~~بالبناء على كونه هزلا غير جد فيقابل الهزل بالهزل لكنه تعالى أخذ ~~استهزاءهم هذا أخذ جد غير هزل فكان الاستهزاء بعد الكفر تعرضا للعذاب ~~الإلهي بعد تعرض وهو الاستعجال بالعذاب فإنهم لا يقنعون بما جاءتهم من ~~الآيات وهم في عافية ويطلبون آيات تجازيهم بما صنعوا، ولذلك عد سبحانه ~~استهزاءهم بعد الكفر استعجالا برؤية الآيات وهي الآيات الملازمة للعذاب ~~وأخبرهم أنه سيريهم إياها. PageV14P153 # فقوله: "خلق الإنسان من عجل" كناية عن بلوغ الإنسان في العجل كأنه خلق من ~~عجل ولا يعرف سواه نظير ما يقال: فلان خير كله أو شر كله وخلق من خير أو من ~~شر وهو أبلغ من قولنا، ما أعجله وما أشد استعجاله، والكلام وارد مورد ~~التعجيب. # وفيه استهانة بأمرهم وأنه لا يعجل بعذابهم لأنهم لا يفوتونه. # وقوله: "سأريكم آياتي فلا تستعجلون" الآية الآتية تشهد بأن المراد بإراءة ~~الآيات تعذيبهم بنار جهنم وهي قوله لو يعلم الذين كفروا حين" إلخ. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" القائلون هم الذين ~~كفروا والمخاطبون هم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون وكان مقتضى ~~الظاهر أن يقولوا؟ إن كنت من الصادقين لكنهم عدلوا إلى ما ترى ليضيفوا إلى ~~تعجيز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمطالبته ما لا يقدر عليه إضلال ~~المؤمنين به وإغراؤهم عليه والوعد هو ما اشتملت عليه الآية السابقة وتفسره ~~الآية اللاحقة. # قوله تعالى: "لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون ms5387 عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون" "لو" للتمني و"حين" مفعول يعلم على ما قيل وقوله "لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم" أي لا يدفعونها حيث تأخذهم من قدامهم ~~ومن خلفهم وفيه إشارة إلى إحاطتها بهم. # وقوله: "ولا هم ينصرون" معطوف على ما تقدمه لرجوع معناه إلى الترديد ~~بالمقابلة والمعنى لا يدفعون النار باستقلال من أنفسهم ولا بنصر من ينصرهم ~~على دفعه. # والآية في موضع الجواب لسؤالهم عن الموعد، والمعنى ليت الذين كفروا ~~يعلمون الوقت الذي لا يدفعون النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم لا باستقلال من ~~أنفسهم ولا هم ينصرون في دفعها. # قوله تعالى: "بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون" ~~الذي يقتضيه السياق أن فاعل تأتيهم ضمير راجع إلى النار دون الساعة كما ذهب ~~إليه بعضهم، والجملة إضراب عن قوله في الآية السابقة: "لا يكفون" إلخ. # لا عن مقدر قبله تقديره لا تأتيهم الآيات بحسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، ~~ولا عن قوله: "لو يعلم الذين كفروا" بدعوى أنه في معنى النفي والتقدير لا ~~يعلمون ذلك بل تأتيهم بغتة فإن هذه كلها وجوه يأبى عنها السياق. # ومعنى إتيان النار بغتة أنها تفاجئهم حيث لا يدرون من أين تأتيهم وتحيط ~~بهم فإن ذلك لازم ما وصفه الله من أمرها بقوله: "نار الله الموقدة التي ~~تطلع على الأفئدة:" الهمزة: 7، وقوله: "النار التي وقودها الناس:" البقرة: ~~24، وقوله: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" الآية: 98 من السورة، ~~والنار التي هذا شأنها تأخذ باطن الإنسان كظاهره على حد سواء لا كنار ~~الدنيا حتى تتوجه من جهة إلى جهة وتأخذ الظاهر قبل الباطن والخارج قبل ~~الداخل حتى تمهلهم بقطع مسافة أو بتدرج في عمل أو مفارقة في جهة فيحتال ~~لدفعها بتجاف أو تجنب أو إبداء حائل أو الالتجاء إلى ركن بل هي معهم كما أن ~~أنفسهم معهم لا تستطاع ردا إذ لا اختلاف جهة ولا تقبل مهلة إذ لا مسافة ~~بينها وبينهم فلا تسمح لهم ms5388 في نزولها عليهم إلا البهت والحيرة. # فمعنى الآية - والله أعلم - لا يدفعون النار عن وجوههم وظهورهم بل تأتيهم ~~من حيث لا يشعرون بها ولا يدرون فتكون مباغتة لهم فلا يستطيعون ردها ولا ~~يمهلون في إتيانها. # قوله تعالى: "ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون" قال في المجمع،: الفرق بين السخرية والهزء أن في السخرية معنى ~~طلب الذلة لأن التسخير التذليل فأما الهزء فيقتضي طلب صغر القدر بما يظهر ~~في القول. # انتهى والحيق الحلول، والمراد بما كانوا به يستهزءون، العذاب وفي الآية ~~تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتخويف وتهديد للذين كفروا. # قوله تعالى: "قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون" الكلاءة الحفظ والمعنى أسألهم من الذي يحفظهم من الرحمن إن أراد أن ~~يعذبهم ثم أضرب عن تأثير الموعظة والإنذار فيهم فقال: "بل هم عن ذكر ربهم" ~~أي القرآن "معرضون" فلا يعتنون به ولا يريدون أن يصغوا إليه إذا تلوته ~~عليهم وقيل المراد بالذكر مطلق المواعظ والحجج. PageV14P154 # قوله تعالى: "أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون" أم منقطعة والاستفهام للإنكار، وكل من "تمنعهم" و"من دوننا" ~~صفة آلهة، والمعنى بل أسألهم ألهم آلهة من دوننا تمنعهم منا. # وقوله: "لا يستطيعون نصر أنفسهم" إلخ تعليل للنفي المستفاد من الاستفهام ~~الإنكاري ولذا جيء بالفصل والتقدير ليس لهم آلهة كذلك لأنهم لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم بأن ينصر بعضهم بعضا ولا هم منا يجأرون ويحفظون فكيف ينصرون ~~عبادهم من المشركين أو يجيرونهم، وذكر بعضهم أن ضمائر الجمع راجعة إلى ~~المشركين والسياق يأباه. # قوله تعالى: "بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر" إلى آخر الآية ~~هو إضراب عن مضمون الآية السابقة كما كان قوله: "بل هم عن ذكر ربهم معرضون" ~~إضرابا عما تقدمه والمضامين - كما ترى - متقاربة. # وقوله: "حتى طال عليهم العمر" غاية لدوام التمتع المدلول عليه بالجملة ~~السابقة والتقدير بل متعنا هؤلاء المشركين وآباءهم ودام ms5389 لهم التمتع حتى طال ~~عليهم العمر فاغتروا بذلك ونسوا ذكر الله وأعرضوا عن عبادته، وكذلك كان ~~مجتمع قريش فإنهم كانوا بعد أبيهم إسماعيل قاطنين في حرم آمن متمتعين ~~بأنواع النعم التي تحمل إليهم حتى تسلطوا على مكة وأخرجوا جرهما منها فنسوا ~~ما هم عليه من دين أبيهم إبراهيم وعبدوا الأصنام. # وقوله: "أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" الأنسب للسياق أن ~~يكون المراد من نقص الأرض من أطرافها هو انقراض بعض الأمم التي تسكنها فإن ~~لكل أمة أجلا ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون - وقد تقدمت الإشارة إلى ~~أن المراد بطول العمر عليهم طول عمر مجتمعهم. # والمعنى: أفلا يرون أن الأرض تنقص منها أمة بعد أمة بالانقراض بأمر الله ~~فما ذا يمنعه أن يهلكهم أفهم الغالبون إن أرادهم الله سبحانه بضر أو هلاك ~~وانقراض. # وقد مر بعض الكلام في الآية في نظيرتها من سورة الرعد فراجع. # واعلم أن في هذه الآيات وجوها من الالتفات لم نتعرض لها لظهورها. # قوله تعالى: "قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون" ~~أي إن الذي أنذركم به وحي إلهي لا ريب فيه وإنما لا يؤثر فيكم أثره وهو ~~الهداية لأن فيكم صمما لا تسمعون الإنذار فالنقص في ناحيتكم لا فيه. # قوله تعالى: "ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين" النفحة الوقعة من العذاب، والمراد أن الإنذار بآيات الذكر لا ~~ينفعهم بل هؤلاء يحتاجون إلى نفحة من العذاب حتى يضطروا فيؤمنوا ويعترفوا ~~بظلمهم. # قوله تعالى: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا" القسط ~~العدل وهو عطف بيان للموازين أو صفة للموازين بتقدير مضاف والتقدير ~~الموازين ذوات القسط، وقد تقدم الكلام في معنى الميزان المنصوب يوم القيامة ~~في تفسير سورة الأعراف. # وقوله: "وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها" الضمير في "وإن كان" للعمل ~~الموزون المدلول عليه بذكر الموازين أي وإن كان العمل الموزون مقدار حبة من ~~خردل في ثقله أتينا بها وكفى ms5390 بنا حاسبين وحبة الخردل يضرب بها المثل في ~~دقتها وصغرها وحقارتها، وفيه إشارة إلى أن الوزن من الحساب. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال: لما نعى جبريل للنبي ~~نفسه قال: يا رب فمن لأمتي؟ فنزلت: "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد" الآية. # أقول: سياق الآيات وهو سياق العتاب لا يلائم ما ذكر. # على أن هذا السؤال لا يلائم موقع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، على ~~أن النعي كان في آخر حياة النبي والسورة من أقدم السور المكية. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: مر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي ~~سفيان: هذا نبي بني عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكرون ليكون لبني ~~عبد مناف نبي؟ فسمعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرجع إلى أبي جهل ~~فوقع به وخوفه وقال: ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك، وقال لأبي ~~سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية فنزلت هذه الآية "وإذا رآك الذين ~~كفروا أن يتخذونك إلا هزوا" الآية. # أقول: هو كسابقه في عدم انطباق القصة على الآية ذاك الانطباق. PageV14P155 # وفي المجمع، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) مرض فعاده إخوانه فقالوا: كيف نجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: بشر. ~~قالوا: ما هذا كلام مثلك قال: إن الله تعالى يقول: "ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة" فالخير الصحة والغنى والشر المرض والفقر. # وفيه،: في قوله: "أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" وقيل: ~~بموت العلماء وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نقصانها ذهاب ~~عالمها. # أقول؟ وتقدم في تفسير سورة الأعراف كلام في معنى الحديث. # وفي التوحيد، عن علي (عليه السلام): في حديث وقد سأله رجل عما اشتبه عليه ~~من الآيات وأما قوله تبارك وتعالى "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة - فلا ~~تظلم نفس شيئا" فهو ميزان ms5391 العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة يدين الله ~~تبارك وتعالى الخلق بعضهم ببعض بالموازين. # وفي المعاني، بإسناده إلى هشام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل؟ "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا" ~~قال؟ هم الأنبياء والأوصياء: أقول: ورواه في الكافي، بسند فيه رفع عنه ~~(عليه السلام) وقد أوردنا روايات أخر في هذه المعاني في تفسير سورة الأعراف ~~وتكلمنا فيها بما تيسر. PageV14P156 ### ||| AUTO 21 سورة الأنبياء - 48 - 77 # ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ~~ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلنه أفأنتم له ~~منكرون (50) ولقد ءاتينا إبرهيم رشده من قبل وكنا به علمين (51) إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عكفون (52) قالوا وجدنا ءاباءنا ~~لها عبدين (53) قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم فى ضلل مبين (54) قالوا أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللعبين (55) قال بل ربكم رب السموت والأرض الذى فطرهن ~~وأنا على ذلكم من الشهدين (56) وتالله لأكيدن أصنمكم بعد أن تولوا مدبرين ~~(57) فجعلهم جذذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا ~~بئالهتنا إنه لمن الظلمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبرهيم (60) ~~قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا ء أنت فعلت هذا ~~بئالهتنا يإبرهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ~~(63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظلمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ~~ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا ~~حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فعلين (68) قلنا ينار كونى بردا وسلما على ~~إبرهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلنهم الأخسرين (70) ونجينه ولوطا إلى الأرض ~~التى بركنا فيها للعلمين (71) ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا ~~صلحين (72) وجعلنهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرت وإقام ~~الصلوة وإيتاء الزكوة وكانوا لنا عبدين (73) ولوطا ءاتينه حكما وعلما ~~ونجينه من القرية التى كانت ms5392 تعمل الخبئث إنهم كانوا قوم سوء فسقين (74) ~~وأدخلنه فى رحمتنا إنه من الصلحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ~~فنجينه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرنه من القوم الذين كذبوا بئايتنا ~~إنهم كانوا قوم سوء فأغرقنهم أجمعين (77) ### |||| AUTO بيان # لما استوفى الكلام في النبوة بانيا لها على المعاد عقبه بالإشارة إلى قصص ~~جماعة من أنبيائه الكرام الذين بعثهم إلى الناس وأيدهم بالحكمة والشريعة ~~وأنجاهم من أيدي ظالمي أممهم وفي ذلك تأييد لما مر في الآيات من حجة ~~التشريع وإنذار وتخويف للمشركين وبشرى للمؤمنين. # وقد عد فيها من الأنبياء موسى وهارون وإبراهيم ولوطا وإسحاق ويعقوب ونوحا ~~وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل وذا النون وزكريا ويحيى ~~وعيسى سبعة عشر نبيا، وقد ذكر في الآيات المنقولة سبعة منهم فذكر أولا موسى ~~وهارون وعقبهما بإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط وهم قبلهما ثم عقبهم بنوح وهو قبلهم. # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين" رجوع ~~بوجه إلى تفصيل ما أجمل في قوله سابقا وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم" الآية بذكر ما أوتي النبيون من المعارف والشرائع وأيدوا بإهلاك ~~أعدائهم بالقضاء بالقسط. # والآية التالية تشهد أن المراد بالفرقان والضياء والذكر التوراة آتاها ~~الله موسى وأخاه هارون شريكه في النبوة. PageV14P157 # والفرقان مصدر كالفرق لكنه أبلغ من الفرق، وذكر الراغب أنه على ما قيل اسم ~~لا مصدر وتسمية التوراة الفرقان لكونها فارقة أو لكونها يفرق بها بين الحق ~~والباطل في الاعتقاد والعمل، والآية نظيرة قوله: "ولقد آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون:" البقرة: 53 وتسميتها ضياء لكونها مضيئة لمسيرهم ~~إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتسميتها ذكرا لاشتمالها على ما ~~يذكر به الله من الحكم والمواعظ والعبر. # ولعل كون الفرقان أحد أسماء التوراة هو الموجب لإتيانه باللام بخلاف ضياء ~~وذكر، وبوجه آخر هي فرقان للجميع لكنها ضياء وذكر للمتقين خاصة لا ينتفع ~~بها غيرهم ولذا جيء بالضياء والذكر منكرين ليتقيدا بقوله: "للمتقين" بخلاف ~~الفرقان وقد سميت التوراة نورا وذكرا في قوله تعالى: ms5393 "فيها هدى ونور:" ~~المائدة: 44 وقوله: "فاسألوا أهل الذكر" الآية: 7 من السورة. # قوله تعالى: "وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون" الإشارة بهذا إلى ~~القرآن وإنما سمي ذكرا مباركا لأنه ثابت دائم كثير البركات ينتفع به المؤمن ~~به والكافر في المجتمع البشري وتتنعم به الدنيا سواء عرفته أو أنكرته أقرت ~~بحقه أو جحدته. # يدل على ذلك تحليل ما نشاهد اليوم من آثار الرشد والصلاح في المجتمع ~~العام البشري والرجوع بها القهقرى إلى عصر نزول القرآن فما قبله فهو الذكر ~~المبارك الذي يسترشد بمعناه وإن جهل الجاهلون لفظه، وأنكر الجاحدون حقه ~~وكفروا بعظيم نعمته، وأعانهم على ذلك المسلمون بإهمالهم في أمره، وقال ~~الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا. # قوله تعالى: "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين" انعطاف إلى ~~ما قبل موسى وهارون ونزول التوراة كما يفيده قوله: "من قبل" والمراد أن ~~إيتاء التوراة لموسى وهارون لم يكن بدعا من أمرنا بل أقسم لقد آتينا قبل ~~ذلك إبراهيم رشده. # والرشد خلاف الغي وهو إصابة الواقع، وهو في إبراهيم (عليه السلام) ~~اهتداؤه الفطري التام إلى التوحيد وسائر المعارف الحقة وإضافة الرشد إلى ~~الضمير الراجع إلى إبراهيم تفيد الاختصاص وتعطي معنى اللياقة ويؤيد ذلك ~~قوله بعده: "وكنا به عالمين" وهو كناية عن العلم بخصوصية حاله ومبلغ ~~استعداده. # والمعنى: وأقسم لقد أعطينا إبراهيم ما يستعد له ويليق به من الرشد وإصابة ~~الواقع وكنا عالمين بمبلغ استعداده ولياقته، والذي آتاه الله سبحانه - كما ~~تقدم - هو ما أدركه بصفاء فطرته ونور بصيرته من حقيقة التوحيد وسائر ~~المعارف الحقة من غير تعليم معلم أو تذكير مذكر أو تلقين ملقن. # قوله تعالى: "إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون" ~~التمثال الشيء المصور والجمع تماثيل، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته ~~على سبيل التعظيم له كذا ذكره الراغب فيهما. # يريد (عليه السلام) بهذه التماثيل الأصنام التي كانوا نصبوها للعبادة ~~وتقريب القرابين وكان سؤاله عن حقيقتها ليعرف ما شأنها وقد كان ms5394 أول وروده ~~في المجتمع وقد ورد في مجتمع ديني يعبدون التماثيل والأصنام والسؤال مع ذلك ~~مجموع سؤالين اثنين وسؤاله أباه عن الأصنام كان قبل سؤاله قومه على ما أشير ~~إليه في سورة الأنعام ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين" هو جواب القوم ولما كان ~~سؤاله (عليه السلام) عن حقيقة الأصنام راجعا بالحقيقة إلى سؤال السبب ~~لعبادتهم إياها تمسكوا في التعليل بذيل السنة القومية فذكروا أن ذلك من سنة ~~آبائهم وجدوهم يعبدونها. # قوله تعالى: "قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين" ووجه كونهم في ~~ضلال مبين ما سيورده في محاجة القوم بعد كسر الأصنام من قوله: "أفتعبدون من ~~دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم". # قوله تعالى: "قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين" سؤال تعجب واستبعاد ~~وهو شأن المقلد التابع من غير بصيرة إذا صادف إنكارا لما هو فيه استبعد ولم ~~يكد يذعن بأنه مما يمكن أن ينكره منكر ولذا سألوه أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين والمراد بالحق - على ما يعطيه السياق - الجد أي أتقول ما تقوله ~~جدا أم تلعب به؟. PageV14P158 # قوله تعالى: "قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين" هو (عليه السلام) - كما ترى - يحكم بأن ربهم هو رب السماوات وأن ~~هذا الرب هو الذي فطر السماوات والأرض وهو الله سبحانه، وفي ذلك مقابلة ~~تامة لمذهبهم في الربوبية والألوهية فإنهم يرون أن لهم إلها أو آلهة غير ما ~~للسماوات والأرض من الإله أو الآلهة، وهم جميعا غير الله سبحانه ولا يرونه ~~تعالى إلها لهم ولا لشيء من السماوات والأرض بل يعتقدون أنه إله الآلهة ورب ~~الأرباب وفاطر الكل. # فقوله: "بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن" رد لمذهبهم في الألوهية ~~بجميع جهاته وإثبات أن لا إله إلا الله وهو التوحيد. # ثم كشف (عليه السلام) بقوله: "وأنا على ذلكم من الشاهدين" عن أنه معترف ~~مقر بما قاله ملتزم بلوازمه وآثاره شاهد عليه شهادة إقرار والتزام فإن ~~العلم ms5395 بالشيء غير الالتزام به وربما تفارقا كما قال تعالى: "وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم:" النمل: 14. # وبهذا التشهد يتم الجواب عن سؤالهم أهو مجد فيما يقول أم لاعب؟ والجواب ~~لا بل أعلم بذلك وأتدين به. # هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية، ولهم في تفسيرها أقاويل أخر وكذا في ~~معاني آيات القصة السابقة واللاحقة وجوه أخر أضربنا عنها لعدم جدوى في ~~التعرض لها فلا سياق الآيات يساعد عليها ولا مذاهب الوثنية توافقها. # قوله تعالى: "وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين" معطوف على ~~قوله: "بل ربكم" إلخ أي قال لأكيدن أصنامكم "إلخ" والكيد التدبير الخفي على ~~الشيء بما يسوؤه، وفي قوله: "بعد أن تولوا مدبرين" دلالة على أنهم كانوا ~~يخرجون من البلد أو من بيت الأصنام أحيانا لعيد كان لهم أو نحوه فيبقى الجو خاليا. # وسياق القصة وطبع هذا الكلام يستدعي أن يكون قوله: "وتالله لأكيدن ~~أصنامكم بمعنى تصميمه العزم على أن يكيد أصنامهم فكثيرا ما يعبر عن تصميم ~~العزم بالقول يقال: لأفعلن كذا لقول قلته أي لعزم صممته. # ومن البعيد أن يكون مخاطبا به القوم وهم أمة وثنية كبيرة ذات قوة وشوكة ~~وحمية وعصبية ولم يكن فيهم يومئذ - وهو أول دعوة إبراهيم - موحد غيره فلم ~~يكن من الحزم أن يخبر القوم بقصده أصنامهم بالسوء وخاصة بالتصريح على أن ~~ذلك منه بالكيد يوم تخلو البلدة أو بيت الأصنام من الناس كمن يفشي سرا لمن ~~يريد أن يكتمه منه اللهم إلا أن يكون مخاطبا به بعض القوم ممن لا يتعداهم ~~القول وأما إعلان السر لعامتهم فلا قطعا. # قوله تعالى: "فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون" قال الراغب ~~الجذ كسر الشيء وتفتيته ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب جذاذا ~~ومنه قوله تعالى: "فجعلهم جذاذا" انتهى فالمعنى فجعل الأصنام قطعا مكسورة ~~إلا صنما كبيرا من بينهم. # وقوله: "لعلهم إليه يرجعون" ظاهر السياق أن هذا الترجي لبيان ما كان ~~يمثله فعله أي كان فعله هذا حيث كسر الجميع إلا واحدا كبيرا لهم فعل من ms5396 ~~يريد بذلك أن يرى القوم ما وقع على أصنامهم من الجذ ويجدوا كبيرهم سالما ~~بينهم فيرجعوا إليه ويتهموه في أمرهم كمن يقتل قوما ويترك واحدا منهم ليتهم ~~في أمرهم. # وعلى هذا فالضمير في قوله: "إليه" راجع إلى "كبيرا لهم" ويؤيد هذا المعنى ~~أيضا قول إبراهيم الآتي: "بل فعله كبيرهم هذا" في جواب قولهم: "أأنت فعلت ~~هذا بالهتنا". # والجمهور من المفسرين على أن ضمير "إليه" لإبراهيم (عليه السلام) والمعنى ~~فكسر الأصنام وأبقى كبيرهم لعل الناس يرجعون إلى إبراهيم فيحاجهم ويبكتهم ~~ويبين بطلان ألوهية أصنامهم، وذهب بعضهم إلى أن الضمير لله سبحانه والمعنى ~~فكسرهم وأبقاه لعل الناس يرجعون إلى الله بالعبادة لما رأوا حال الأصنام ~~وتنبهوا من كسرها أنها ليست بآلهة كما كانوا يزعمون. # وغير خفي أن لازم القولين كون قوله: "إلا كبيرا لهم" مستدركا وإن تكلف ~~بعضهم في دفع ذلك بما لا يغني عن شيء، وكان المانع لهم من إرجاع الضمير إلى ~~"كبيرا" عدم استقامة الترجي على هذا التقدير لكنك عرفت أن ذلك لبيان ما ~~يمثله فعله (عليه السلام) لمن يشهد صورة الواقعة لا لبيان ترج جدي من ~~إبراهيم (عليه السلام). PageV14P159 # قوله تعالى: "قالوا من فعل هذا بالهتنا إنه لمن الظالمين" استفهام بداعي ~~التأسف وتحقيق الأمر للحصول على الفاعل المرتكب للظلم ويؤيد ذلك قوله تلوا: ~~"قالوا سمعنا فتى يذكرهم" إلخ فقول بعضهم: إن "من موصولة" ليس بسديد. # وقوله: "إنه لمن الظالمين" قضاء منهم بكونه ظالما يجب أن يساس على ظلمه ~~إذ قد ظلم الآلهة بالتعدي إلى حقهم وهو التعظيم وظلم الناس بالتعدي إلى ~~حقهم وهو احترام آلهتهم وتقديس مقدساتهم وظلم نفسه بالتعدي إلى ما ليس له ~~بحق وارتكاب ما لم يكن له أن يرتكبه. # قوله تعالى: "قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم" المراد بالذكر - ~~على ما يستفاد من المقام - الذكر بالسوء أي سمعنا فتى يذكر الآلهة بالسوء ~~فإن يكن فهو الذي فعل هذا بهم إذ لا يتجرى لارتكاب مثل هذا الجرم إلا مثل ~~ذاك المتجري. # وقوله: "يقال له إبراهيم" برفع ms5397 إبراهيم وهو خبر لمبتدإ محذوف والتقدير هو ~~إبراهيم كذا ذكره الزمخشري. # قوله تعالى: "قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون" المراد ~~بإتيانه على أعين الناس إحضاره في مجمع من الناس ومرآهم وهو حيث كسرت ~~الأصنام كما يظهر من قول إبراهيم (عليه السلام): "بل فعله كبيرهم هذا" ~~بالإشارة إلى كبير الأصنام. # وكأن المراد بشهادتهم أن يشهدوا عليه بأنه كان يذكرهم بالسوء فيكون ذلك ~~ذريعة إلى أخذ الإقرار منه بالجذ والكسر، وأما ما قيل: إن المراد شهادتهم ~~عقاب إبراهيم على ما فعل فبعيد. # قوله تعالى: "قالوا ء أنت فعلت هذا بالهتنا يا إبراهيم" الاستفهام - كما ~~قيل - للتقرير بالفاعل فإن أصل الفعل مفروغ عنه معلوم الوقوع وفي قولهم ~~"بالهتنا" تلويح إلى أنهم ما كانوا يعدونه من عبدة الأصنام. # قوله تعالى: "قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون" ما أخبر ~~(عليه السلام) به بقوله: "بل فعله كبيرهم هذا" دعوى بداعي إلزام الخصم وفرض ~~وتقدير قصد به إبطال ألوهيتها كما سيصرح به في قوله "أفتعبدون من دون الله ~~ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم" إلخ. # وليس بخبر جدي البتة، وهذا كثير الورود في المخاصمات والمناظرات فالمعنى ~~قال: بل شاهد الحال وهو صيرورة الجميع جذاذا وبقاء كبيرهم سالما يشهد أن قد ~~فعله كبيرهم هذا وهو تمهيد لقوله: "فاسألوهم" إلخ. # وقوله: "فاسألوهم إن كانوا ينطقون" أمر بأن يسألوا الأصنام عن حقيقة ~~الحال وأن الذي فعل بهم هذا من هو؟ فيخبروهم به إن كانوا ينطقون فقوله: "إن ~~كانوا ينطقون" شرط جزاؤه محذوف يدل عليه قوله فاسألوهم". # فتحصل أن الآية على ظاهرها من غير تكلف إضمار أو تقديم وتأخير أو محذور ~~تعقيد، وأن صدرها المتضمن لدعوى استناد الفعل إلى كبيرهم إلزام للخصم ~~وتوطئة وتمهيد لذيلها وهو أمرهم بسؤال الأصنام إن نطقوا لينتهي إلى اعتراف ~~القوم بأنهم لا ينطقون. # وربما قيل: إن قوله: "إن كانوا ينطقون" قيد لقوله: "بل فعله كبيرهم" ~~والتقدير: بل إن كانوا ينطقون فعله كبيرهم، وإذ كان نطقهم محالا فالفعل منه ~~كذلك وقوله: "فاسألوا" ms5398 جملة معترضة. # وربما قيل: إن فاعل قوله: "فعله" محذوف والتقدير بل فعله من فعله ثم ~~ابتدأ فقيل: كبيرهم هذا فاسألوهم إلخ وربما قيل: غير ذلك وهي وجوه غير ~~خالية من التكلف لا يخلو الكلام معها من التعقيد المنزه عنه كلامه تعالى. # قوله تعالى: "فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون" تفريع على ~~قوله: "فاسألوهم إن كانوا ينطقون" فإنهم لما سمعوا منه ذلك وهم يرون أن ~~الأصنام جمادات لا شعور لها ولا نطق تمت عند ذلك عليهم الحجة فقضى كل منهم ~~على نفسه أنه هو الظالم دون إبراهيم فقوله: "فرجعوا إلى أنفسهم" استعارة ~~بالكناية عن تنبههم وتفكرهم في أنفسهم، وقوله: "فقالوا إنكم أنتم الظالمون" ~~أي قال كل لنفسه مخاطبا لها: إنك أنت الظالم حيث تعبد جمادا لا ينطق. # وقيل: المعنى فرجع بعضهم إلى بعض وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون ~~وأنت خبير بأن ذلك لا يناسب المقام وهو مقام تمام الحجة على الجميع ~~واشتراكهم في الظلم ولو بني على قول بعضهم لبعض في مقام هذا شأنه لكان ~~الأنسب أن يقال: إنا نحن الظالمون كما في نظائره قال تعالى: "فأقبل بعضهم ~~على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين:" القلم: 31، وقال: "فظلتم ~~تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون:" الواقعة: 67. PageV14P160 # قوله تعالى: "ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" قال الراغب: ~~النكس قلب الشيء على رأسه ومنه نكس الولد إذا خرج رجله قبل رأسه قال تعالى: ~~"ثم نكسوا على رءوسهم". # انتهى فقوله: "ثم نكسوا على رءوسهم" كناية أو استعارة بالكناية عن قلبهم ~~الباطل على مكان الحق الذي ظهر لهم والحق على مكان الباطل كأن الحق علا في ~~قلوبهم الباطل فنكسوا على رءوسهم فرفعوا الباطل وهو كون إبراهيم ظالما على ~~الحق وهو كونهم هم الظالمين فخصموا إبراهيم بقولهم "لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون". # ومعنى قولهم: "لقد علمت" إلخ. # أن دفاعك عن نفسك برمي كبير الأصنام بالفعل وهو الجذ وتعليق ذلك باستنطاق ~~الآلهة مع العلم بأنهم لا ينطقون دليل على أنك أنت ms5399 الفاعل الظالم فالجملة ~~كناية عن ثبوت الجرم وقضاء على إبراهيم. # قوله تعالى: "قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم - ~~إلى قوله - أفلا تعقلون" لما تفوهوا بقولهم: "ما هؤلاء ينطقون" وسمعه ~~إبراهيم لم يشتغل بالدفاع فلم يكن قاصدا لذلك من أول بل استفاد من كلامهم ~~لدعوته الحقة فخصمهم بلازم قولهم وأتم الحجة عليهم في كون أصنامهم غير ~~مستحقة للعبادة أي غير آلهة. # فما حصل تفريع قوله: "أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم" ~~أن لازم كونهم لا ينطقون أن لا يعلموا شيئا ولا يقدروا على شيء، ولازم ذلك ~~أن لا ينفعوكم شيئا ولا يضروكم، ولازم ذلك أن يكون عبادتهم لغوا إذ العبادة ~~إما لرجاء خير أو لخوف شر وليس عندهم شيء من ذلك فليسوا بآلهة. # وقوله: "أف لكم ولما تعبدون من دون الله" تزجر وتبر منهم ومن آلهتهم بعد ~~إبطال ألوهيتها، وهذا كشهادته على وحدانيته تعالى بعد إثباتها في قوله فيما ~~مر: "وأنا على ذلكم من الشاهدين"، وقوله: "أفلا تعقلون" توبيخ لهم. # قوله تعالى: "قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين" هو (عليه ~~السلام) وإن أبطل بكلامه السابق ألوهية الأصنام وكان لازمه الضمني أن لا ~~يكون كسرهم ظلما وجرما لكنه لوح بكلامه إلى أن رميه كبير الأصنام بالفعل ~~وأمرهم أن يسألوا الآلهة عن ذلك لم يكن لدفع الجرم عن نفسه بل كان تمهيدا ~~لإبطال ألوهية الآلهة وبهذا المقدار من السكوت وعدم الرد قضوا عليه بثبوت ~~الجرم وأن جزاءه أن يحرق بالنار. # ولذلك قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم بتعظيم أمرهم ومجازاة من أهان بهم ~~وقولهم: "إن كنتم فاعلين" تهييج وإغراء. # قوله تعالى: "قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم" خطاب تكويني ~~للنار تبدلت به خاصة حرارتها وإحراقها وإفنائها بردا وسلاما بالنسبة إلى ~~إبراهيم (عليه السلام) على طريق خرق العادة، وبذلك يظهر أن لا سبيل لنا إلى ~~الوقوف على حقيقة الأمر فيه تفصيلا إذ الأبحاث العقلية عن الحوادث الكونية ~~إنما تجري فيما لنا علم بروابط العلية ms5400 والمعلولية فيه من العاديات ~~المتكررة، وأما الخوارق التي نجهل الروابط فيها فلا مجرى لها فيها. # نعم نعلم إجمالا أن لهمم النفوس دخلا فيها وقد تكلمنا في ذلك في مباحث ~~الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب. # والفصل في قوله: "قلنا" إلخ. # لكونه في معنى جواب سؤال مقدر وتقدير الكلام بما فيه من الحذف إيجازا نحو ~~من قولنا: فأضرموا نارا وألقوه فيها فكأنه قيل: فما ذا كان بعده فقيل: قلنا ~~يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، وعلى هذا النحو الفصل في كل "قال" ~~و"قالوا" في الآيات السابقة من القصة. # قوله تعالى: "وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين" أي احتالوا عليه ~~ليطفئوا نوره ويبطلوا حجته فجعلناهم الأخسرين حيث خسروا ببطلان كيدهم وعدم ~~تأثيره وزادوا خسارة حيث أظهره الله عليهم بالحفظ والإنجاء. # قوله تعالى: "ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" الأرض ~~المذكورة هي أرض الشام التي هاجر إليها إبراهيم، ولوط أول من آمن به وهاجر ~~معه كما قال تعالى: "فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي:" العنكبوت: 26. # قوله تعالى: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة" النافلة العطية وقد تكرر ~~البحث عن مضمون الآيتين. # قوله تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا" إلى آخر الآية، الظاهر - كما ~~يشير إليه ما يدل من الآيات على جعل الإمامة في عقب إبراهيم (عليه السلام) ~~- رجوع الضمير في "جعلناهم" إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب. PageV14P161 # وظاهر قوله: "أئمة يهدون بأمرنا" أن الهداية بالأمر يجري مجرى المفسر لمعنى ~~الإمامة، وقد تقدم الكلام في معنى هداية الإمام بأمر الله في الكلام على ~~قوله تعالى: "إني جاعلك للناس إماما:" البقرة: 124 في الجزء الأول من ~~الكتاب. # والذي يخص المقام أن هذه الهداية المجعولة من شئون الإمامة ليست هي بمعنى ~~إراءة الطريق لأن الله سبحانه جعل إبراهيم (عليه السلام) إماما بعد ما جعله ~~نبيا - كما أوضحناه في تفسير قوله: "إني جاعلك للناس إماما" فيما تقدم - ~~ولا تنفك النبوة عن الهداية بمعنى إراءة الطريق فلا يبقى للإمامة إلا ~~الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب وهي نوع تصرف ms5401 تكويني في النفوس بتسييرها ~~في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلى موقف آخر. # وإذ كانت تصرفا تكوينيا وعملا باطنيا فالمراد بالأمر الذي تكون به ~~الهداية ليس هو الأمر التشريعي الاعتباري بل ما يفسره في قوله: "إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء:" يس: 83 ~~فهو الفيوضات المعنوية والمقامات الباطنية التي يهتدي إليها المؤمنون ~~بأعمالهم الصالحة ويتلبسون بها رحمة من ربهم. # وإذ كان الإمام يهدي بالأمر - والباء للسببية أو الآلة فهو متلبس به أولا ~~ومنه ينتشر في الناس على اختلاف مقاماتهم فالإمام هو الرابط بين الناس وبين ~~ربهم في إعطاء الفيوضات الباطنية وأخذها كما أن النبي رابط بين الناس وبين ~~ربهم في أخذ الفيوضات الظاهرية وهي الشرائع الإلهية تنزل بالوحي على النبي ~~وتنتشر منه وبتوسطه إلى الناس وفيهم، والإمام دليل هاد للنفوس إلى مقاماتها ~~كما أن النبي دليل يهدي الناس إلى الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة، ~~وربما تجتمع النبوة والإمامة كما في إبراهيم وابنيه. # وقوله: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" إضافة ~~المصدر إلى معموله تفيد تحقق معناه في الخارج فإن أريد أن لا يفيد الكلام ~~ذلك جيء بالقطع عن الإضافة أو بأن وأن الدالتين على تأويل المصدر نص على ~~ذلك الجرجاني في دلائل الإعجاز فقولنا: يعجبني إحسانك وفعلك الخير وقوله ~~تعالى: "ما كان الله ليضيع إيمانكم:" البقرة: 43" أيدل على الوقوع قبلا، ~~وقولنا: يعجبني أن تحسن وأن تفعل الخير وقوله تعالى: "أن تصوموا خير لكم:" ~~البقرة: 184 لا يدل على تحقق قبلي، ولذا كان المألوف في آيات الدعوة وآيات ~~التشريع الإتيان بأن والفعل دون المصدر المضاف كقوله: "أمرت أن أعبد الله:" ~~الرعد: 36"، و"ألا تعبدوا إلا إياه:" يوسف: 40 "وأن أقيموا الصلاة:" ~~الأنعام: 72. # وعلى هذا فقوله: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات" إلخ. # يدل على تحقق الفعل أي أن الوحي تعلق بالفعل الصادر عنهم أي أن الفعل كان ~~يصدر عنهم بوحي مقارن له ودلالة إلهية باطنية هو غير الوحي المشرع الذي ~~يشرع الفعل ms5402 أولا ويترتب عليه إتيان الفعل على ما شرع. # ويؤيد هذا الذي ذكر قوله بعد: "وكانوا لنا عابدين" فإنه يدل بظاهره على ~~أنهم كانوا قبل ذلك عابدين لله ثم أيدوا بالوحي وعبادتهم لله إنما كانت ~~بأعمال شرعها لهم الوحي المشرع قبلا فهذا الوحي المتعلق بفعل الخيرات وحي ~~تسديد ليس وحي تشريع. # فالمحصل أنهم كانوا مؤيدين بروح القدس والطهارة مسددين بقوة ربانية ~~تدعوهم إلى فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهي الإنفاق المالي ~~الخاص بشريعتهم. # والقوم حملوا الوحي في الآية على وحي التشريع فأشكل عليهم الأمر أولا من ~~جهة أن فعل الخيرات بالمعنى المصدري ليس متعلقا للوحي بل متعلقه حاصل ~~الفعل، وثانيا أن التشريع عام للأنبياء وأممهم وقد خص في الآية بهم، ولذا ~~ذكر الزمخشري أن المراد بفعل الخيرات وما يتلوه من إقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة المصدر المبني للمفعول، والمعنى وأوحينا إليهم أن يفعل الخيرات - ~~بالبناء للمجهول - وهكذا، وبه يندفع الإشكالان إذ المصدر المبني للمفعول ~~وحاصل الفعل كالمترادفين فيندفع الإشكال الأول، والفاعل فيه مجهول ينطبق ~~على الأنبياء وأممهم جميعا فيندفع الإشكال الثاني وقد كثر البحث حول ما ذكره. # وفيه: أولا منع ما ذكره من اتحاد معنى المصدر المبني للمفعول وحاصل الفعل. # وثانيا: ما قدمناه من أن إضافة المصدر إلى معموله تفيد تحقق الفعل ولا ~~يتعلق الوحي التشريعي به. PageV14P162 # وقد تقدمت قصة إبراهيم (عليه السلام) في تفسير سورة الأنعام وقصة يعقوب ~~(عليه السلام) في تفسير سورة يوسف من الكتاب، وستجيء قصة إسحاق في تفسير ~~سورة الصافات إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "ولوطا آتيناه حكما وعلما" إلى آخر الآيتين. # الحكم بمعنى فصل الخصومات أو بمعنى الحكمة والقرية التي كانت تعمل ~~الخبائث سدوم التي نزل بها لوط في مهاجرته مع إبراهيم (عليه السلام)، ~~والمراد بالخبائث الأعمال الخبيثة، والمراد بالرحمة الولاية أو النبوة ولكل ~~وجه، وقد تقدمت قصة لوط (عليه السلام) في تفسير سورة هود من الكتاب. # قوله تعالى: "ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له" إلى آخر الآيتين، أي ~~واذكر نوحا إذ نادى ربه ms5403 قبل إبراهيم ومن ذكر معه فاستجبنا له، ونداؤه ما ~~حكاه سبحانه من قوله: "رب إني مغلوب فانتصر" والمراد بأهله خاصته إلا ~~امرأته وابنه الغريق، والكرب الغم الشديد، وقوله: "ونصرناه من القوم" كأن ~~النصر مضمن معنى الإنجاء ونحوه ولذا عدي بمن والباقي ظاهر. # وقد تقدمت قصة نوح (عليه السلام) في تفسير سورة هود من الكتاب. ### |||| AUTO بحث روائي # في روضة الكافي،: علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ~~أبان بن عثمان عن حجر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خالف إبراهيم ~~(عليه السلام) قومه وعاب آلهتهم إلى قوله فلما تولوا عنه مدبرين إلى عيد ~~لهم دخل إبراهيم (عليه السلام) إلى آلهتهم بقدوم فكسرها إلا كبيرا لهم ووضع ~~القدوم في عنقه فرجعوا إلى آلهتهم فنظروا إلى ما صنع بها فقالوا: لا والله ~~ما اجترى عليها ولا كسرها إلا الفتى الذي كان يعيبها ويبرأ منها فلم يجدوا ~~له قتلة أعظم من النار. فجمع له الحطب واستجادوه حتى إذا كان اليوم الذي ~~يحرق فيه برز له نمرود وجنوده وقد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النار؟ ~~ووضع إبراهيم في منجنيق، وقالت الأرض: يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره ~~يحرق بالنار؟ قال الرب إن دعاني كفيته. فذكر أبان عن محمد بن مروان عمن ~~رواه عن أبي جعفر (عليه السلام): أن دعاء إبراهيم (عليه السلام) يومئذ كان: ~~يا أحد يا أحد يا صمد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ~~ثم قال: توكلت على الله فقال الرب تبارك وتعالى: كفيت فقال للنار: كوني ~~بردا! قال: فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتى قال الله عز وجل وسلاما على ~~إبراهيم وانحط جبرئيل فإذا هو جالس مع إبراهيم يحدثه في النار. قال نمرود ~~من اتخذ إلها فليتخذ مثل إله إبراهيم. قال: فقال عظيم من عظمائهم: إني عزمت ~~على النار أن لا تحرقه فأخذ عنق من النار نحوه حتى أحرقه قال: فآمن له لوط ms5404 ~~فخرج مهاجرا إلى الشام هو وسارة ولوط. # وفيه، أيضا عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد ~~جميعا عن الحسن بن محبوب عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي قال: سمعت أبا عبد ~~الله (عليه السلام) يقول: إن إبراهيم (عليه السلام) لما كسر أصنام نمرود ~~أمر به نمرود فأوثق وعمل له حيرا وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ثم قذف ~~إبراهيم في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير ~~فإذا هم بإبراهيم سليما مطلقا من وثاقه. فأخبر نمرود خبره فأمر أن ينفوا ~~إبراهيم من بلاده وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجهم إبراهيم عند ~~ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالي فحقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري ~~في بلادكم، واختصموا إلى قاضي نمرود وقضى على إبراهيم أن يسلم إليهم جميع ~~ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم ما ذهب من ~~عمره في بلادهم، فأخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته ~~وماله وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بالهتكم. # الحديث. # وفي العلل، بإسناده إلى عبد الله بن هلال قال قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): لما ألقي إبراهيم (عليه السلام) في النار تلقاه جبرئيل في الهواء ~~وهو يهوي فقال: يا إبراهيم ألك حاجة فقال: أما إليك فلا. # أقول: وقد ورد حديث قذفه بالمنجنيق في عدة من الروايات من العامة والخاصة ~~وكذا قول جبريل له: ألك حاجة؟ وقوله: أما إليك فلا، رواه الفريقان. PageV14P163 # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وابن أبي شيبة وابن جرير عن علي بن أبي ~~طالب: في قوله: "قلنا يا نار كوني بردا" قال: بردت عليه حتى كادت تؤذيه حتى ~~قيل: وسلاما قال: لا تؤذيه. # وفي الكافي، والعيون، عن الرضا (عليه السلام) في حديث في الإمامة قال: ثم ~~أكرمه الله عز وجل يعني إبراهيم بأن جعلها يعني الإمامة في ذريته وأهل ~~الصفوة والطهارة فقال عز وجل: "ووهبنا ms5405 له إسحاق ويعقوب نافلة - وكلا جعلنا ~~صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا - وأوحينا إليهم فعل الخيرات - وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين" فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن ~~بعض قرنا قرنا حتى ورثها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال الله جل ~~جلاله: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه - وهذا النبي والذين آمنوا ~~والله ولي المؤمنين" فكانت خاصة. فقلدها علي (عليه السلام) بأمر الله عز ~~وجل على رسم ما فرض الله تعالى فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله ~~العلم والإيمان بقوله تعالى: "قال الذين أوتوا العلم والإيمان - لقد لبثتم ~~في كتاب الله إلى يوم البعث" فهي في ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المعاني، بإسناده عن يحيى بن عمران عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قول الله عز وجل: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة" قال: ولد الولد نافلة. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث" ~~قال: كانوا ينكحون الرجال. # أقول: والروايات في قصص إبراهيم (عليه السلام) كثيرة جدا لكنها مختلفة ~~اختلافا شديدا في الخصوصيات مما لا يرجع إلى منطوق الكتاب، وقد اكتفينا ~~منها بما قدمناه وقد أوردنا ما هو المستخرج من قصصه من كلامه تعالى في ~~تفسير سورة الأنعام في الجزء السابع من الكتاب. PageV14P164 ### ||| AUTO 21 سورة الأنبياء - 78 - 91 # وداود وسليمن إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شهدين (78) ففهمنها سليمن وكلا ءاتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وكنا فعلين (79) وعلمنه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل ~~أنتم شكرون (80) ولسليمن الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التى بركنا فيها ~~وكنا بكل شىء علمين (81) ومن الشيطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك ~~وكنا لهم حفظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الرحمين ~~(83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وءاتينه أهله ومثلهم معهم رحمة ms5406 من ~~عندنا وذكرى للعبدين (84) وإسمعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصبرين (85) ~~وأدخلنهم فى رحمتنا إنهم من الصلحين (86) وذا النون إذ ذهب مغضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه فنادى فى الظلمت أن لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من الظلمين ~~(87) فاستجبنا له ونجينه من الغم وكذلك نجى المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ~~ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير الورثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسرعون فى الخيرت ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خشعين (90) والتى أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلنها وابنها ~~ءاية للعلمين (91) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات جماعة آخرين من الأنبياء وهم داود وسليمان وأيوب وإسماعيل ~~وإدريس وذو الكفل وذو النون وزكريا ويحيى وعيسى (عليهما السلام)، ولم يراع ~~في ذكرهم الترتيب بحسب الزمان ولا الانتقال من اللاحق إلى السابق كما في ~~الآيات السابقة، وقد أشار سبحانه إلى شيء من نعمه العظام على بعضهم واكتفى ~~في بعضهم بمجرد ذكر الاسم. # قوله تعالى: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم - ~~إلى قوله - حكما وعلما" الحرث الزرع والحرث أيضا الكرم، والنفش رعي الماشية ~~بالليل، وفي المجمع،: النفش بفتح الفاء وسكونها أن تنتشر الإبل والغنم ~~بالليل فترعى بلا راع. # انتهى. # وقوله: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه" السياق يعطي أنها ~~واقعة واحدة بعينها رفع حكمها إلى داود لكونه هو الملك الحاكم في بني ~~إسرائيل وقد جعله الله خليفة في الأرض كما قال: "يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق:" ص: 26 فإن كان سليمان يداخل في حكم ~~الواقعة فعن إذن منه ولحكمة ما ولعلها إظهار أهليته للخلافة بعد داود. # ومن المعلوم أن لا معنى لحكم حاكمين في واقعة واحدة شخصية مع استقلال كل ~~واحد منهما في الحكم ونفوذه، ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "إذ يحكمان" إذ ~~يتناظران أو يتشاوران في الحكم لا إصدار الحكم النافذ، ويؤيده كمال التأييد ~~التعبير بقوله: "إذ يحكمان" على نحو حكاية الحال ms5407 الماضية كأنهما أخذا في ~~الحكم أخذا تدريجيا لم يتم بعد ولن يتم إلا حكما واحدا نافذا وكان الظاهر ~~أن يقال: إذ حكما. # ويؤيده أيضا قوله: "وكنا لحكمهم شاهدين" فإن الظاهر أن ضمير "لحكمهم" ~~للأنبياء وقد تكرر في كلامه تعالى أنه آتاهم الحكم لا كما قيل: إن الضمير ~~لداود وسليمان والمحكوم لهم إذ لا وجه يوجه به نسبة الحكم إلى المحكوم لهم ~~أصلا فكان الحكم حكما واحدا هو حكم الأنبياء والظاهر أنه ضمان صاحب الغنم ~~للمال الذي أتلفته غنمه. PageV14P165 # فكان الحكم حكما واحدا اختلفا في كيفية إجرائه عملا إذ لو كان الاختلاف في ~~أصل الحكم لكان فرض صدور حكمين منهما بأحد وجهين إما بكون كلا الحكمين حكما ~~واقعيا لله ناسخا أحدهما - وهو حكم سليمان - الآخر وهو حكم داود لقوله ~~تعالى: "ففهمناها سليمان" وإما بكون الحكمين معا عن اجتهاد منهما بمعنى ~~الرأي الظني مع الجهل بالحكم الواقعي وقد صدق تعالى اجتهاد سليمان فكان هو حكمه. # أما الأول وهو كون حكم سليمان ناسخا لحكم داود فلا ينبغي الارتياب في أن ~~ظاهر جمل الآية لا يساعد عليه إذ الناسخ والمنسوخ متباينان ولو كان حكماهما ~~من قبيل النسخ ومتباينين لقيل: وكنا لحكمهما أو لحكميهما ليدل على التعدد ~~والتباين ولم يقل: "وكنا لحكمهم شاهدين" المشعر بوحدة الحكم وكونه تعالى ~~شاهدا له الظاهر في صونهم عن الخطإ، ولو كان داود حكم في الواقعة بحكم ~~منسوخ لكان على الخطإ، ولا يناسبه أيضا قوله: "وكلا آتينا حكما وعلما" وهو ~~مشعر بالتأييد ظاهر في المدح. # وأما الثاني وهو كون الحكمين عن اجتهاد منهما مع الجهل بحكم الله الواقعي ~~فهو أبعد من سابقه لأنه تعالى يقول: "ففهمناها سليمان" وهو العلم بحكم الله ~~الواقعي وكيف ينطبق على الرأي الظني بما أنه رأي ظني. # ثم يقول: وكلا آتينا حكما وعلما فيصدق بذلك أن الذي حكم به داود أيضا كان ~~حكما علميا لا ظنيا ولو لم يشمل قوله: "وكلا آتينا حكما وعلما" حكم داود في ~~الواقعة لم يكن وجه لإيراد الجملة في المورد. # على ms5408 أنك سمعت أن قوله: "وكنا لحكمهم شاهدين" لا يخلو من إشعار بل دلالة ~~على أن الحكم كان واحدا ومصونا عن الخطإ. # فلا يبقى إلا أن يكون حكمهما واحدا في نفسه مختلفا من حيث كيفية الإجراء ~~وكان حكم سليمان أوفق وأرفق. # وقد وردت في روايات الشيعة وأهل السنة ما إجماله أن داود حكم لصاحب الحرث ~~برقاب الغنم وسليمان حكم له بمنافعها في تلك السنة من ضرع وصوف ونتاج. # ولعل الحكم كان هو ضمان ما أفسدته الغنم من الحرث على صاحبها وكان ذلك ~~مساويا لقيمة رقاب الغنم فحكم داود لذلك برقابها لصاحب الحرث، وحكم سليمان ~~بما هو أرفق منه وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السنة ~~والمنافع المستوفاة من الغنم كل سنة تعدل قيمتها قيمة الرقبة عادة. # فقوله: "وداود وسليمان" أي واذكر داود وسليمان "إذ" حين "يحكمان في الحرث ~~"إذ" حين "نفشت فيه غنم القوم" أي تفرقت فيه ليلا وأفسدته "وكنا لحكمهم" أي ~~لحكم الأنبياء، وقيل: الضمير راجع إلى داود وسليمان والمحكوم له، وقد عرفت ~~ما فيه، وقيل: الضمير لداود وسليمان لأن الاثنين جمع وهو كما ترى "شاهدين" ~~حاضرين نرى ونسمع ونوقفهم على وجه الصواب فيه "ففهمناها" أي الحكومة ~~والقضية "سليمان وكلا" من داود وسليمان "آتينا حكما وعلما" وربما قيل: إن ~~تقدير صدر الآية "وآتينا داود وسليمان حكما وعلما" إذ يحكمان إلخ. # قوله تعالى: "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين" التسخير ~~هو تذليل الشيء بحيث يكون عمله على ما هو عليه في سبيل مقاصد المسخر - بكسر ~~الخاء - وهذا غير الإجبار والإكراه والقسر فإن الفاعل فيها خارج عن مقتضى ~~اختياره أو طبعه بخلاف الفاعل المسخر - بفتح الخاء - فإنه جار على مقتضى ~~طبعه واختياره كما أن إحراق الإنسان الحطب بالنار فعل تسخيري من النار ~~وليست بمقسورة وكذا فعل الأجير لمؤجره فعل تسخيري من الأجير وليس بمجبر ولا مكره. # ومن هنا يظهر أن معنى تسخير الجبال والطير مع داود يسبحن معه أن لهما ~~تسبيحا في نفسهما وتسخيرهما أن ms5409 يسبحن مع داود بمواطاة تسبيحه فقوله: ~~"يسبحن" بيان لقوله: "وسخرنا مع داود" وقوله: "والطير" معطوف على الجبال. # وقوله: "وكنا فاعلين أي كانت أمثال هذه المواهب والعنايات من سنتنا وليس ~~ما أنعمنا به عليهما ببدع منا. # قوله تعالى: "وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون" ~~قال في المجمع،: اللبوس اسم للسلاح كله عند العرب - إلى أن قال - وقيل: هو ~~الدرع انتهى. # وفي المفردات،: وقوله تعالى: "صنعة لبوس لكم" يعني به الدرع. PageV14P166 # والبأس شدة القتال وكأن المراد به في الآية شدة وقع السلاح وضمير "وعلمناه" ~~لداود كما قال في موضع آخر: "وألنا له الحديد" والمعنى وعلمنا داود صنعة ~~درعكم - أي علمناه كيف يصنع لكم الدرع لتحرزكم وتمنعكم شدة وقع السلاح ~~وقوله: "فهل أنتم شاكرون" تقرير على الشكر. # قوله تعالى: "ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره" إلخ. # عطف على قوله "مع داود" أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب ~~تجري الريح بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام التي كان يأوي ~~إليها سليمان وكنا عالمين بكل شيء. # وذكر تسخير الريح عاصفة مع أن الريح كانت مسخرة له في حالتي شدتها ~~ورخائها كما قال: "رخاء حيث أصاب:" (صلى الله عليه وآله وسلم) - 36 أن ~~تسخير الريح عاصفة أعجب وأدل على القدرة. # قيل: ولشيوع كونه (عليه السلام) ساكنا في تلك الأرض لم يذكر جريانها ~~بأمره منها واقتصر على ذكر جريانها إليها وهو أظهر في الامتنان انتهى، ~~ويمكن أن يكون المراد جريانها بأمره إليها لتحمله منها إلى حيث أراد لا ~~جريانها إليها لترده إليها وتنزله فيها بعد ما حملته، وعلى هذا يشمل الكلام ~~الخروج منها والرجوع إليها جميعا. # قوله تعالى: "ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم ~~حافظين" كان الغوص لاستخراج أمتعة البحر من اللئالي وغيرها، والمراد بالعمل ~~الذي دون ذلك ما ذكره بقوله: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات:" سبأ: 13، والمراد بحفظ الشياطين حفظهم في خدمته ~~ومنعهم من أن يهربوا أو ms5410 يمتنعوا أو يفسدوا عليه الأمر، والمعنى ظاهر وستجيء ~~قصتا داود وسليمان (عليهما السلام) في سورة سبإ إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" الضر ~~بالضم خصوص ما يمس النفس من الضرر كالمرض والهزال ونحوهما وبالفتح أعم. # وقد شملته (عليه السلام) البلية فذهب ماله ومات أولاده وابتلي في بدنه ~~بمرض شديد مدة مديدة ثم دعا الله وشكى إليه حاله فاستجاب الله له ونجاه من ~~مرضه وأعاد عليه ماله وولده ومثلهم معهم وهو قوله في الآية التالية: ~~"فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر" أي نجيناه من مرضه وشفيناه "وآتيناه ~~أهله" أي من مات من أولاده "ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين" ~~ليتذكروا ويعلموا أن الله يبتلي أولياءه امتحانا منه لهم ثم يؤتيهم أجرهم ~~ولا يضيع أجر المحسنين. # وستجيء قصة أيوب (عليه السلام) في سورة ص إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وإسماعيل وإدريس وذا الكفل" إلخ. # أما إدريس (عليه السلام) فقد تقدمت قصته في سورة مريم، وأما إسماعيل ~~فستجيء قصته في سورة الصافات، وتأتي قصة ذي الكفل في سورة ص إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه" إلخ. # النون الحوت وذو النون هو يونس النبي ابن متى صاحب الحوت الذي بعث إلى ~~أهل نينوى فدعاهم فلم يؤمنوا فسأل الله أن يعذبهم فلما أشرف عليهم العذاب ~~تابوا وآمنوا فكشفه الله عنهم ففارقهم يونس فابتلاه الله أن ابتلعه حوت ~~فناداه تعالى في بطنه فكشف عنه وأرسله ثانيا إلى قومه. # وقوله: "وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه" أي واذكر ذا النون ~~إذ ذهب مغاضبا أي لقومه حيث لم يؤمنوا به فظن أن لن نقدر عليه أي لن نضيق ~~عليه من قدر عليه رزقه أي ضاق كما قيل. # ويمكن أن يكون قوله: "إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه" واردا مورد ~~التمثيل أي كان ذهابه هذا ومفارقة قومه ذهاب من كان ms5411 مغاضبا لمولاه وهو يظن ~~أن مولاه لن يقدر عليه وهو يفوته بالابتعاد منه فلا يقوى على سياسته وأما ~~كونه (عليه السلام) مغاضبا لربه حقيقة وظنه أن الله لا يقدر عليه جدا فمما ~~يجل ساحة الأنبياء الكرام عن ذلك قطعا وهم معصومون بعصمة الله. # وقوله: "فنادى في الظلمات" إلخ. # فيه إيجاز بالحذف والكلام متفرع عليه والتقدير فابتلاه الله بالحوت ~~فالتقمه فنادى في بطنه ربه، والظاهر أن المراد بالظلمات كما قيل - ظلمة ~~البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل. PageV14P167 # وقوله: "أن لا إله إلا أنت سبحانك" تبر منه (عليه السلام) مما كان يمثله ~~ذهابه لوجهه ومفارقته قومه من غير أن يؤمر فإن ذهابه ذلك كان يمثل - وإن لم ~~يكن قاصدا ذلك متعمدا فيه - أن هناك مرجعا يمكن أن يرجع إليه غير ربه فتبرأ ~~من ذلك بقوله لا إله إلا أنت، وكان يمثل أن من الجائز أن يعترض على فعله ~~فيغاضب منه وأن من الممكن أن يفوته تعالى فائت فيخرج من حيطة قدرته فتبرأ ~~من ذلك بتنزيهه بقوله: سبحانك. # وقوله: "إني كنت من الظالمين" اعتراف بالظلم من حيث إنه أتى بعمل كان ~~يمثل الظلم وإن لم يكن ظلما في نفسه ولا هو (عليه السلام) قصد به الظلم ~~والمعصية غير أن ذلك كان تأديبا منه تعالى وتربية لنبيه ليطأ بساط القرب ~~بقدم مبرأة في مشيتها من تمثيل الظلم فضلا عن نفس الظلم. # قوله تعالى: "فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين" هو (عليه ~~السلام) وإن لم يصرح بشيء من الطلب والدعاء، وإنما أتى بالتوحيد والتنزيه ~~واعترف بالظلم لكنه أظهر بذلك حاله وأبدى موقفه من ربه وفيه سؤال النجاة ~~والعافية فاستجاب الله له. # ونجاه من الغم وهو الكرب الذي نزل به. # وقوله: "وكذلك ننجي المؤمنين" وعد بالإنجاء لمن ابتلي من المؤمنين بغم ثم ~~نادى ربه بمثل ما نادى به يونس (عليه السلام) وستجيء قصته (عليه السلام) في ~~سورة الصافات إن شاء الله. # قوله تعالى: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين" ms5412 ~~معطوف على ما عطف عليه ما قبله أي واذكر زكريا حين نادى ربه يسأل ولدا ~~وقوله: "رب لا تذرني فردا" بيان لندائه، والمراد بتركه فردا أن يترك ولا ~~ولد له يرثه. # وقوله: "وأنت خير الوارثين" ثناء وتحميد له تعالى بحسب لفظه ونوع تنزيه ~~له بحسب المقام إذ لما قال: "لا تذرني فردا" وهو كناية عن طلب الوارث والله ~~سبحانه هو الذي يرث كل شيء نزهه تعالى عن مشاركة غيره له في معنى الوراثة ~~ورفعه عن مساواة غيره فقال: "وأنت خير الوارثين". # قوله تعالى: "فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه" إلخ. # ظاهر الكلام أن المراد بإصلاح زوجه أي زوج زكريا له جعلها شابة ولودا بعد ~~ما كانت عاقرا كما يصرح به في دعائه "وكانت امرأتي عاقرا:" مريم: 8. # وقوله: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا ~~خاشعين" ظاهر السياق أن ضمير الجمع لبيت زكريا، وكأنه تعليل لمقدر معلوم من ~~سابق الكلام والتقدير نحو من قولنا: أنعمنا عليهم لأنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات. # والرغب والرهب مصدران كالرغبة والرهبة بمعنى الطمع والخوف وهما تمييزان ~~إن كانا باقيين على معناهما المصدري وحالان إن كانا بمعنى الفاعل والخشوع ~~هو تأثر القلب من مشاهدة العظمة والكبرياء. # والمعنى: أنعمنا عليهم لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات من الأعمال ~~ويدعوننا رغبة في رحمتنا أو ثوابنا رهبة من غضبنا أو عقابنا أو يدعوننا ~~راغبين راهبين وكانوا لنا خاشعين بقلوبهم. # وقد تقدمت قصة زكريا ويحيى (عليهما السلام) في أوائل سورة مريم. # قوله تعالى: "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها ~~آية للعالمين" المراد بالتي أحصنت فرجها مريم ابنة عمران وفيه مدح لها ~~بالعفة والصيانة ورد لما اتهمها به اليهود. # وقوله: "فنفخنا فيها من روحنا" الضمير لمريم والنفخ فيها من الروح كناية ~~عن عدم استناد ولادة عيسى (عليه السلام) إلى العادة الجارية في كينونة ~~الولد من تصور النطفة أولا ثم نفخ الروح فيها فإذا لم يكن هناك نطفة مصورة ~~لم يبق إلا نفخ الروح فيها وهي ms5413 الكلمة الإلهية كما قال: "إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون:" آل عمران: 59 أي مثلهما ~~واحد في استغناء خلقهما عن النطفة. # وقوله: "وجعلناها وابنها آية للعالمين" أفرد الآية فعدهما أعني مريم ~~وعيسى (عليهما السلام) معا آية واحدة للعالمين لأن الآية هي الولادة كذلك ~~وهي قائمة بهما معا ومريم أسبق قدما في إقامة هذه الآية ولذا قال تعالى: ~~"وجعلناها وابنها آية" ولم يقل: وجعلنا ابنها وإياها آية. # وكفى لها فخرا أن يدخل ذكرها في ذكر الأنبياء (عليهم السلام) في كلامه ~~تعالى وليست منهم. PageV14P168 ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، روى جميل بن دراج عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث - إذ نفشت فيه غنم القوم" ~~قال: لم يحكما إنما كانا يتناظران ففهمها سليمان. # أقول: تقدم في بيان معنى الآية ما يتضح به معنى الحديث. # وفي الكافي، بإسناده عن الحسين بن سعيد عن بعض أصحابنا عن المعلى أبي ~~عثمان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز ~~وجل: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم" فقال: لا ~~يكون النفش إلا بالليل إن على صاحب الحرث أن يحفظ الحرث بالنهار، وليس على ~~صاحب الماشية حفظها بالنهار إنما رعاها بالنهار وأرزاقها فما أفسدت فليس ~~عليها، وعلى صاحب الماشية حفظ الماشية بالليل عن حرث الناس فما أفسدت ~~بالليل فقد ضمنوا وهو النفش. وإن داود حكم للذي أصاب زرعه رقاب الغنم، وحكم ~~سليمان الرسل والثلاثة وهو اللبن والصوف في ذلك العام. # أقول: وروى فيه، أيضا بإسناده عن أبي بصير عنه (عليه السلام) وفي الحديث: ~~فحكم داود بما حكمت به الأنبياء (عليهم السلام) من قبله، وأوحى الله إلى ~~سليمان (عليه السلام): وأي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من ~~بطونها. وكذلك جرت السنة بعد سليمان وهو قول الله عز وجل: "وكلا آتينا حكما ~~وعلما" ms5414 فحكم كل واحد منهما بحكم الله عز وجل. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في حديث ~~ذكر فيه: أن الحرث كان كرما نفشت فيه الغنم وذكر حكم سليمان ثم قال: وكان ~~هذا حكم داود وإنما أراد أن يعرف بني إسرائيل أن سليمان وصيه بعده، ولم ~~يختلفا في الحكم ولو اختلف حكمهما لقال: وكنا لحكمهما شاهدين. # وفي المجمع،: واختلف في الحكم الذي حكما به فقيل: إنه كان كرما قد بدت ~~عناقيده فحكم داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله ~~ارفق. قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود ~~كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان ~~ثم دفع كل واحد منهما إلى صاحبه ماله:، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~(عليه السلام). # أقول: وروي: كون الحرث كرما من طرق أهل السنة عن عبد الله بن مسعود وهناك ~~روايات أخر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قريبة المضامين مما أوردناه، ~~وما مر في بيان معنى الآية يكفي في توضيح مضامين الروايات. # وفي تفسير القمي،: وقوله عز وجل: "ولسليمان الريح عاصفة" قال: تجري من كل ~~جانب "إلى الأرض التي باركنا فيها" قال: إلى بيت المقدس والشام. # وفيه، أيضا بإسناده عن عبد الله بن بكير وغيره عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "وآتيناه أهله ومثلهم معهم" قال: أحيا الله ~~عز وجل له أهله الذين كانوا قبل البلية وأحيا له الذين ماتوا وهو في ~~البلية. # وفيه، أيضا وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: ~~"وذا النون إذ ذهب مغاضبا" يقول: من أعمال قومه "فظن أن لن نقدر عليه" ~~يقول: ظن أن لن يعاقب بما صنع. # وفي العيون، بإسناده عن أبي الصلت الهروي في حديث الرضا (عليه السلام) مع ~~المأمون في عصمة الأنبياء قال (عليه السلام): وأما قوله: "وذا النون إذ ذهب ~~مغاضبا فظن ms5415 أن لن نقدر عليه" إنما "ظن" بمعنى استيقن أن لن يضيق عليه رزقه ~~ألا تسمع قول الله عز وجل: "وأما إذا ما ابتلاه - فقدر عليه رزقه" أي ضيق ~~عليه رزقه. ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر. # وفي التهذيب، بإسناده عن الزيات عن رجل عن كرام عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: أربع لأربع إلى أن قال والرابعة للغم والهم "لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين" قال الله سبحانه: "فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم - وكذلك ننجي المؤمنين". # أقول: وروى هذا المعنى في الخصال، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلا. PageV14P169 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن سعد سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقول: اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة ~~يونس بن متى قلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ~~ليونس خاصة وللمؤمنين إذا دعوا بها ألم تسمع قول الله: "وكذلك ننجي ~~المؤمنين" فهو شرط من الله لمن دعاه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأصلحنا له زوجه" قال: كانت لا تحيض فحاضت. # وفي المعاني، بإسناده إلى علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه ~~السلام) قال: الرغبة أن تستقبل براحتيك السماء وتستقبل بهما وجهك، والرهبة ~~أن تلقي كفيك وترفعهما إلى الوجه. # أقول: وروى مثله في الكافي، بإسناده عن أبي إسحاق عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) ولفظه قال: الرغبة أن تستقبل ببطن كفيك إلى السماء، والرهبة أن ~~تجعل ظهر كفيك إلى السماء. # وفي تفسير القمي،: "يدعوننا رغبا ورهبا" قال: راغبين راهبين، وقوله: ~~"التي أحصنت فرجها" قال: مريم لم ينظر إليها شيء، وقوله "فنفخنا فيها من ~~روحنا" قال: روح مخلوقة يعني من أمرنا. PageV14P170 ### ||| AUTO 21 سورة الأنبياء - 92 - 112 # إن هذه أمتكم أمة وحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل ~~إلينا رجعون (93) فمن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له ~~كتبون (94) وحرم على قرية ms5416 أهلكنها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هى شخصة أبصر ~~الذين كفروا يويلنا قد كنا فى غفلة من هذا بل كنا ظلمين (97) إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها وردون (98) لو كان هؤلاء ءالهة ما ~~وردوها وكل فيها خلدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم ~~فى ما اشتهت أنفسهم خلدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملئكة ~~هذا يومكم الذى كنتم توعدون (103) يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين (104) ولقد كتبنا فى الزبور ~~من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصلحون (105) إن فى هذا لبلغا لقوم ~~عبدين (106) وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين (107) قل إنما يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله وحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل ءاذنتكم على سواء وإن ~~أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما ~~تكتمون (110) وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتع إلى حين (111) قل رب احكم بالحق ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) ### |||| AUTO بيان # في الآيات رجوع إلى أول الكلام فقد بين فيما تقدم أن للبشر إلها واحدا ~~وهو الذي فطر السماوات والأرض فعليهم أن يعبدوه من طريق النبوة وإجابة ~~دعوتها ويستعدوا بذلك لحساب يوم الحساب، ولم تندب النبوة إلا إلى دين واحد ~~وهو دين التوحيد كما دعا إليه موسى من قبل ومن قبله إبراهيم ومن قبله نوح ~~ومن جاء بعد موسى وقبل نوح ممن أشار الله سبحانه إلى أسمائهم ونبذة مما ~~أنعم به عليهم كأيوب وإدريس وغيرهما. # فالبشر ليس إلا أمة واحدة لها رب واحد هو الله عز اسمه ودين واحد هو دين ~~التوحيد يعبد فيه الله وحده قطعت به الدعوة الإلهية لكن الناس تقطعوا أمرهم ~~بينهم وتشتتوا في أديانهم واختلقوا لهم آلهة دون الله وأديانا غير دين الله ~~فاختلف بذلك شأنهم وتباينت ms5417 غاية مسيرهم في الدنيا والآخرة. # أما في الآخرة فإن الصالحين منهم سيشكر الله سعيهم ولا يشاهدون ما يسوؤهم ~~ولن يزالوا في نعمة وكرامة، وأما غيرهم فإلى العذاب والعقاب. # وأما في الدنيا فإن الله وعد الصالحين منهم أن يورثهم الأرض ويجعل لهم ~~عاقبة الدار والطالحون إلى هلاك ودمار وخسران وسعي وبوار. # قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" - الأمة جماعة ~~يجمعها مقصد واحد، والخطاب في الآية على ما يشهد به سياق الآيات - خطاب عام ~~يشمل جميع الأفراد المكلفين من الإنسان، والمراد بالأمة النوع الإنساني ~~الذي هو نوع واحد، وتأنيث الإشارة في قوله "هذه أمتكم" لتأنيث الخبر. # والمعنى: أن هذا النوع الإنساني أمتكم معشر البشر وهي أمة واحدة وأنا - ~~الله الواحد عز اسمه - ربكم إذ ملكتكم ودبرت أمركم فاعبدوني لا غير. PageV14P171 # وفي قوله: "أمة واحدة" إشارة إلى حجة الخطاب بالعبادة لله سبحانه فإن النوع ~~الإنساني لما كان نوعا واحدا وأمة واحدة ذات مقصد واحد وهو سعادة الحياة ~~الإنسانية لم يكن له إلا رب واحد إذ الربوبية والألوهية ليست من المناصب ~~التشريفية الوضعية حتى يختار الإنسان منها لنفسه ما يشاء وكم يشاء وكيف ~~يشاء بل هي مبدئية تكوينية لتدبير أمره، والإنسان حقيقة نوعية واحدة، ~~والنظام الجاري في تدبير أمره نظام واحد متصل مرتبط بعض، أجزائه ببعض ونظام ~~التدبير الواحد لا يقوم به إلا مدبر واحد فلا معنى لأن يختلف الإنسان في ~~أمر الربوبية فيتخذ بعضهم ربا غير ما يتخذه الآخر أو يسلك قوم في عبادته ~~غير ما يسلكه الآخرون فالإنسان نوع واحد يجب أن يتخذ ربا واحدا هو رب ~~بحقيقة الربوبية. # وهو الله عز اسمه. # وقيل: المراد بالأمة الدين، والإشارة بهذه إلى دين الإسلام الذي كان دين ~~الأنبياء والمراد بكونه أمة واحدة اجتماع الأنبياء بل إجماعهم عليه، ~~والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وهي ملة ~~اتفقت الأنبياء (عليهم السلام) عليها. # وهو بعيد فإن استعمال الأمة في الدين لو جاز لكان تجوز الإيصال إليه إلا ~~بقرينة ms5418 صارفة ولا وجه للانصراف عن المعنى الحقيقي بعد صحته واستقامته ~~وتأيده بسائر كلامه تعالى كقوله: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا:" ~~يونس: 19 وهو - كما ترى - يتضمن إجمال ما يتضمنه هذه الآية والآية التي تليها. # على أن التعبير في قوله: "وأنا ربكم" بالرب دون الإله يبقى على ما ذكروه ~~بلا وجه بخلاف أخذ الأمة بمعنى الجماعة فإن المعنى عليه إنكم نوع واحد وأنا ~~المالك المدبر لأمركم فاعبدوني لتكونوا متخذين لي إلها. # وفي الآية وجوه كثيرة أخر ذكروها لكنها جميعا بعيدة من السياق تركنا ~~إيرادها من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات. # قوله تعالى: "وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون" - التقطع على ما قال ~~في مجمع البيان، بمعنى التقطيع وهو التفريق، وقيل: هو بمعناه المتبادر وهو ~~التفرق والاختلاف و"أمرهم" منصوب بنزع الخافض، والتقدير فتقطعوا في أمرهم ~~وقيل "تقطعوا" مضمن معنى الجعل ولذا عدي إلى المفعول بنفسه. # وكيف كان فقوله: "وتقطعوا أمرهم بينهم" استعارة بالكناية والمراد به أنهم ~~جعلوا هذا الأمر الواحد وهو دين التوحيد المندوب إليه من طريق النبوة وهو ~~أمر وحداني قطعا متقطعة وزعوه فيما بينهم أخذ كل منهم شيئا منه وترك شيئا ~~كالوثنيين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين على اختلاف طوائفهم وهذا نوع ~~تقريع للناس وذم لاختلافهم في الدين وتركهم الأمر الإلهي أن يعبدوه وحده. # وقوله: "كل إلينا راجعون" فيه بيان أن اختلافهم في أمر الدين لا يترك سدى ~~لا أثر له بل هؤلاء راجعون إلى الله جميعا وهم مجزيون حسب ما اختلفوا كما ~~يلوح إليه التفصيل المذكور في قوله بعد: "فمن يعمل من الصالحات" إلخ. # والفصل في جملة: "كل إلينا راجعون" لكونها في معنى الجواب عن سؤال مقدر ~~كأنه قيل: فإلى م ينتهي اختلافهم في أمر الدين؟ وما ذا ينتج؟ فقيل: كل ~~إلينا راجعون فنجازيهم كما علموا. # قوله تعالى: "فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له ~~كاتبون" تفصيل لحال المختلفين بحسب الجزاء الأخروي وسيأتي ما في معنى تفصيل ~~جزائهم في الدنيا من قوله: "ولقد كتبنا ms5419 في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون". # فقوله: "فمن يعمل من الصالحات" أي من يعمل منهم شيئا من الأعمال الصالحات ~~وقد قيد عمل بعض الصالحات بالإيمان إذ قال: "وهو مؤمن" فلا أثر للعمل ~~الصالح بغير إيمان. # والمراد بالإيمان - على ما يظهر من السياق وخاصة قوله في الآية الماضية: ~~"وأنا ربكم فاعبدون" - الإيمان بالله قطعا غير أن الإيمان بالله لا يفارق ~~الإيمان بأنبيائه من دون استثناء لقوله: "إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض - إلى قوله ~~- أولئك هم الكافرون حقا:" النساء: 151. # وقوله: "فلا كفران لسعيه" أي لا ستر على ما عمله من الصالحات والكفران ~~يقابل الشكر ولذا عبر عن هذا المعنى في موضع آخر بقوله: "وكان سعيكم ~~مشكورا:" الدهر: 22. PageV14P172 # وقوله: "وإنا له كاتبون" أي مثبتون في صحائف الأعمال إثباتا لا ينسى معه ~~فالمراد بقوله: "فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون" إن عمله الصالح لا ينسى ~~ولا يكفر. # والآية من الآيات الدالة على أن قبول العمل الصالح مشروط بالإيمان كما ~~تؤيده آيات حبط الأعمال مع الكفر، وتدل أيضا على أن المؤمن العامل لبعض ~~الصالحات من أهل النجاة. # قوله تعالى: "وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون" الذي يستبق من ~~الآية إلى الذهن بمعونة من سياق التفصيل أن يكون المراد أن أهل القرية التي ~~أهلكناها لا يرجعون ثانيا إلى الدنيا ليحصلوا على ما فقدوه من نعمة الحياة ~~ويتداركوا ما فوتوه من الصالحات وهو واقع محل أحد طرفي التفصيل الذي تضمن ~~طرفه الآخر قوله: "فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن" إلخ. # فيكون الطرف الآخر من طرفي التفصيل أن من لم يكن مؤمنا قد عمل من ~~الصالحات فليس له عمل مكتوب وسعي مشكور وإنما هو خائب خاسر ضل سعيه في ~~الدنيا ولا سبيل له إلى حياة ثانية في الدنيا يتدارك فيها ما فاته. # غير أنه تعالى وضع المجتمع موضع الفرد إذ قال: "وحرام على قرية أهلكناها" ~~ولم يقل: وحرام على من أهلكناه لأن ms5420 فساد الفرد يسري بالطبع إلى المجتمع ~~وينتهي إلى طغيانهم فيحق عليهم كلمة العذاب فيهلكون كما قال: "وإن من قرية ~~إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا: إسراء: 58. # ويمكن - على بعد - أن يكون المراد بالإهلاك الإهلاك بالذنوب بمعنى بطلان ~~استعداد السعادة والهدى كما في قوله: "وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون:" ~~الأنعام: 26 فتكون الآية في معنى قوله: "فإن الله لا يهدي من يضل:" النحل - ~~37، والمعنى وحرام على قوم أهلكناهم بذنوبهم وقضينا عليهم الضلال أن يرجعوا ~~إلى التوبة وحال الاستقامة. # ومعنى الآية والقرية التي لم تعمل من الصالحات وهي مؤمنة وأنجز أمرها إلى ~~الإهلاك ممتنع عليهم أن يرجعوا فيتداركوا ما فاتهم من السعي المشكور والعمل ~~المكتوب المقبول. # وأما قوله: "أنهم لا يرجعون" وكان الظاهر أن يقال: إنهم يرجعون فالحق أنه ~~مجاز عقلي وضع فيه نتيجة تعلق الفعل بشيء - أعني ما يئول إليه حال المتعلق ~~بعد تعلقه به - موضع نفس المتعلق فنتيجة تعلق الحرمة برجوعهم عدم الرجوع ~~فوضعت هذه النتيجة موضع نفس الرجوع الذي هو متعلق الحرمة وفي هذا الصنع ~~إفادة نفوذ الفعل كأن الرجوع يصير بمجرد تعلق الحرمة عدم رجوع من غير تخلل فصل. # ونظيره أيضا قوله: "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك:" الأعراف: 12 حيث إن تعلق ~~المنع بالسجدة يئول إلى عدم السجدة فوضع عدم السجدة الذي هو النتيجة موضع ~~نفس السجدة التي هي متعلق المنع. # ونظيره أيضا قوله: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ~~شيئا:" الأنعام: 151 حيث إن تعلق التحريم بالشرك ينتج عدم الشرك فوضع عدم ~~الشرك الذي هو النتيجة مكان نفس الشرك الذي هو المتعلق وقد وجهنا هاتين ~~الآيتين فيما مر بتوجيه آخر أيضا. # وللقوم في توجيه الآية وجوه: منها: أن لا زائدة والأصل أنهم يرجعون. # ومنها: أن الحرام بمعنى الواجب أي واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ~~واستدل على إتيان الحرام بمعنى الواجب بقول الخنساء: وإن حراما لا أرى ~~الدهر باكيا. # على شجوة إلا بكيت على صخر. # ومنها: ms5421 أن متعلق الحرمة محذوف والتقدير حرام على قرية أهلكناها بالذنوب ~~أي وجدناها هالكة بها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون إلى التوبة. # ومنها: أن المراد بعدم الرجوع عدم الرجوع إلى الله سبحانه بالبعث لا عدم ~~الرجوع إلى الدنيا والمعنى - على استقامة اللفظ - وممتنع على قرية أهلكناها ~~بطغيان أهلها أن لا يرجعوا إلينا للمجازاة وأنت خبير بما في كل من هذه ~~الوجوه من الضعف. # قوله تعالى: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" الحدب ~~بفتحتين الارتفاع من الأرض بين الانخفاض، والنسول الخروج بإسراع ومنه نسلان ~~الذئب، والسياق يقتضي أن يكون قوله: "حتى إذا فتحت" إلخ. # غاية للتفصيل المذكور في قوله: "فمن يعمل من الصالحات" إلى آخر الآيتين، ~~وأن يكون ضمير الجمع راجعا إلى يأجوج ومأجوج. PageV14P173 # والمعنى: لا يزال الأمر يجري هذا المجرى نكتب الأعمال الصالحة للمؤمنين ~~ونشكر سعيهم ونهلك القرى الظالمة ونحرم رجوعهم بعد الهلاك إلى الزمان الذي ~~يفتح فيه يأجوج ومأجوج أي سدهم أو طريقهم المسدود وهم أي يأجوج ومأجوج ~~يخرجون إلى سائر الناس من ارتفاعات الأرض مسرعين نحوهم وهو من أشراط الساعة ~~وأمارات القيامة كما يشير إليه بقوله: "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان ~~وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا:" ~~الكهف: 99 وقد استوفينا الكلام في معنى يأجوج ومأجوج والسد المضروب دونهم ~~في تفسير سورة الكهف. # وقيل: ضمير الجمع للناس والمراد خروجهم من قبورهم إلى أرض المحشر. # وفيه أن سياق ما قبل الجملة "حتى إذا فتحت" إلخ. # وما بعدها "واقترب الوعد الحق" لا يناسب هذا المعنى، وكذا نفس الجملة من ~~جهة كونها حالا. # على أن النسول من كل حدب - وقد اشتملت عليه الجملة - لا يصدق على الخروج ~~من القبور ولذا قرأ صاحب هذا القول وهو مجاهد الجدث بالجيم والثاء المثلثة ~~وهو القبر. # قوله تعالى: "واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا" إلخ. # المراد بالوعد الحق الساعة، وشخوص البصر نظره بحيث لا تطرف أجفانه، كذا ms5422 ~~ذكره الراغب وهو لازم كمال اهتمام الناظر بما ينظر إليه بحيث لا يشتغل ~~بغيره ويكون غالبا في الشر الذي يظهر للإنسان بغتة. # وقوله: "يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا" حكاية قول الكفار إذا شاهدوا ~~الساعة بغتة فدعوا لأنفسهم بالويل مدعين أنهم غفلوا عما يشاهدونه كأنهم ~~أغفلوا إغفالا ثم أضربوا عن ذلك بالاعتراف بأن الغفلة لم تنشأ إلا عن ظلمهم ~~بالاشتغال بما ينسي الآخرة ويغفل عنها من أمور الدنيا فقالوا: "بل كنا ~~ظالمين". # قوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون" ~~الحصب الوقود، وقيل: الحطب، وقيل: أصله ما يرمى في النار فيكون أعم. # والمراد بقوله: "وما تعبدون من دون الله" ولم يقل: ومن تعبدون - مع ~~تعبيره تعالى عن الأصنام في أغلب كلامه بألفاظ تختص بأولي العقل كما في ~~قوله بعد: "ما وردوها" - الأصنام والتماثيل التي كانوا يعبدونها دون ~~المعبودين من الأنبياء والصلحاء والملائكة كما قيل ويدل على ذلك قوله بعد: ~~"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى" إلخ. # والظاهر أن هذه الآيات من خطابات يوم القيامة للكفار وفيها القضاء ~~بدخولهم في النار وخلودهم فيها لا أنها إخبار في الدنيا بما سيجري عليهم في ~~الآخرة واستدلال على بطلان عبادة الأصنام واتخاذهم آلهة من دون الله. # وقوله: "أنتم لها واردون" اللام لتأكيد التعدي أو بمعنى إلى، وظاهر ~~السياق أن الخطاب شامل للكفار والآلهة جميعا أي أنتم وآلهتكم تردون جهنم أو ~~تردون إليها. # قوله تعالى: "لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون" تفريع وإظهار ~~لحقيقة حال الآلهة التي كانوا يعبدونها لتكون لهم شفعاء، وقوله: "وكل فيها ~~خالدون" أي كل منكم ومن الآلهة. # قوله تعالى: "لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون" الزفير هو الصوت برد ~~النفس إلى داخل ولذا فسر بصوت الحمار، وكونهم لا يسمعون جزاء عدم سمعهم في ~~الدنيا كلمة الحق كما أنهم لا يبصرون جزاء لإعراضهم عن النظر في آيات الله ~~في الدنيا. # وفي الآية عدول عن خطاب الكفار إلى خطاب النبي (صلى الله ms5423 عليه وآله وسلم) ~~إعراضا عن خطابهم ليبين سوء حالهم لغيرهم، وعليه فضمائر الجمع للكفار خاصة ~~لا لهم وللآلهة معا. # قوله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" الحسنى ~~مؤنث أحسن وهي وصف قائم مقام موصوفه والتقدير العدة أو الموعدة الحسنى ~~بالنجاة أو بالجنة والموعدة بكل منهما وارد في كلامه تعالى قال: "ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا:" مريم: 72 وقال: "وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات:" التوبة: 72. # قوله تعالى: "لا يسمعون حسيسها" - إلى قوله - توعدون" الحسيس الصوت الذي ~~يحس به، والفزع الأكبر الخوف الأعظم وقد أخبر سبحانه عن وقوعه في نفخ الصور ~~حيث قال: "ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض:" النمل: 87. # وقوله: "وتتلقاهم الملائكة" أي بالبشرى وهي قولهم: "هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون". PageV14P174 # قوله تعالى: "يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده إلى ~~آخر الآية، قال في المفردات،: والسجل قيل: حجر كان يكتب فيه ثم سمي كل ما ~~يكتب فيه سجلا قال تعالى: "كطي السجل للكتب" أي كطيه لما كتب فيه حفظا له، انتهى. # وهذا أوضح معنى قيل في معنى هذه الكلمة وأبسطه. # وعلى هذا فقوله: "للكتب" مفعول طي كما أن السجل فاعله والمراد أن السجل ~~وهو الصحيفة المكتوب فيها الكتاب إذا طوي انطوى بطيه الكتاب وهو الألفاظ أو ~~المعاني التي لها نوع تحقق وثبوت في السجل بتوسط الخطوط والنقوش فغاب ~~الكتاب بذلك ولم يظهر منه عين ولا أثر كذلك السماء تنطوي بالقدرة الإلهية ~~كما قال: "والسماوات مطويات بيمينه:" الزمر: 67 فتغيب عن غيره ولا يظهر ~~منها عين ولا أثر غير أنها لا تغيب عن عالم الغيب وإن غاب عن غيره كما لا ~~يغيب الكتاب عن السجل وإن غاب عن غيره. # فطي السماء على هذا رجوعها إلى خزائن الغيب بعد ما نزلت منها وقدرت كما ~~قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:" ~~الحجر: 21 وقال مطلقا: "وإلى الله المصير:" آل عمران: ms5424 28 وقال: "إن إلى ربك ~~الرجعى:" العلق: 8. # ولعله بالنظر إلى هذا المعنى قيل: إن قوله: "كما بدأنا أول خلق نعيده" ~~ناظر إلى رجوع كل شيء إلى حاله التي كان عليها حين ابتدأ خلقه وهي أنه لم ~~يكن شيئا مذكورا كما قال تعالى: "وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا:" مريم: 9، ~~وقال "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا": الدهر: 1. # وهذا معنى ما نسب إلى ابن عباس أن معنى الآية يهلك كل شيء كما كان أول ~~مرة وهو وإن كان مناسبا للاتصال بقوله: "يوم نطوي السماء" إلخ. # ليقع في مقام التعليل له لكن الأغلب على سياق الآيات السابقة بيان ~~الإعادة بمعنى إرجاع الأشياء بعد فنائها لا الإعادة بمعنى إفناء الأشياء ~~وإرجاعها إلى حالها قبل ظهورها بالوجود. # فظاهر سياق الآيات أن المراد نبعث الخلق كما بدأناه فالكاف في قوله: "كما ~~بدأنا أول خلق نعيده" للتشبيه و"ما" مصدرية و"أول خلق" مفعول "بدأنا" ~~والمراد أنا نعيد الخلق كابتدائه في السهولة من غير أن يعز علينا. # وقوله: "وعدا علينا إنا كنا فاعلين" أي وعدناه وعدا ألزمنا ذلك ووجب ~~علينا الوفاء به وإنا كنا فاعلين لما وعدنا وسنتنا ذلك. # قوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون" الظاهر أن المراد بالزبور كتاب داود (عليه السلام) وقد سمي بهذا ~~الاسم في قوله: "وآتينا داود زبورا:" النساء: 163، إسراء: 55، وقيل: المراد ~~به القرآن، وقيل: مطلق الكتب المنزلة على الأنبياء أو على الأنبياء بعد ~~موسى ولا دليل على شيء من ذلك. # والمراد بالذكر قيل: هو التوراة وقد سماها الله به في موضعين من هذه ~~السورة وهما قوله: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون:" الآية - 7 ~~وقوله: "وذكرا للمتقين:" الآية - 48 منها، وقيل: هو القرآن وقد سماه الله ~~ذكرا في مواضع من كلامه وكون الزبور بعد الذكر على هذا القول بعدية رتبية ~~لا زمانية وقيل: هو اللوح المحفوظ وهو كما ترى. # وقوله: "إن الأرض يرثها عبادي الصالحون" الوراثة والإرث على ms5425 ما ذكره ~~الراغب انتقال قنية إليك من غير معاملة. # والمراد من وراثة الأرض انتقال التسلط على منافعها إليهم واستقرار بركات ~~الحياة بها فيهم، وهذه البركات إما دنيوية راجعة إلى الحياة الدنيا كالتمتع ~~الصالح بأمتعتها وزيناتها فيكون مؤدى الآية أن الأرض ستطهر من الشرك ~~والمعصية ويسكنها مجتمع بشري صالح يعبدون الله ولا يشركون به شيئا كما يشير ~~إليه قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض - إلى قوله - يعبدونني لا يشركون بي شيئا:" النور: 55. # وإما أخروية وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا فإنها من ~~بركات الحياة الأرضية وهي نعيم الآخرة كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن ~~أهل الجنة: "وقالوا الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء:" ~~الزمر: 74 وقوله: "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس:" المؤمنون: 11. PageV14P175 # ومن هنا يظهر أن الآية مطلقة ولا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين كما فعلوه ~~فهم بين من يخصها بالوراثة الأخروية تمسكا بما يناسبها من الآيات، وربما ~~استدلوا لتعينه بأن الآية السابقة تذكر الإعادة ولا أرض بعد الإعادة حتى ~~يرثها الصالحون، ويرده أن كون الآية معطوفة على سابقتها غير متعين فمن ~~الممكن أن تكون معطوفة على قوله السابق: "فمن يعمل من الصالحات" كما سنشير إليه. # وبين من يخصها بالوراثة الدنيوية ويحملها على زمان ظهور الإسلام أو ظهور ~~المهدي (عليه السلام) الذي أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الأخبار المتواترة المروية من طرق الفريقين، ويتمسك لذلك بالآيات المناسبة ~~له التي أومأنا إلى بعضها. # وبالجملة الآية مطلقة تعم الوراثتين جميعا غير أن الذي يقتضيه الاعتبار ~~بالسياق أن تكون معطوفة على قوله السابق: "فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن" إلخ. # المشير إلى تفصيل حال المختلفين في أمر الدين من حيث الجزاء الأخروي ~~وتكون هذه الآية مشيرة إلى تفصيلها من حيث الجزاء الدنيوي، ويكون المحصل ~~أنا أمرناهم بدين واحد لكنهم تقطعوا واختلفوا فاختلف مجازاتنا لهم أما في ~~الآخرة فللمؤمنين سعي مشكور وعمل مكتوب وللكافرين خلاف ذلك، وأما في ms5426 الدنيا ~~فللصالحين وراثة الأرض بخلاف غيرهم. # قوله تعالى: "إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين" البلاغ هو الكفاية، وأيضا ما ~~به بلوغ البغية، وأيضا نفس البلوغ، ومعنى الآية مستقيم على كل من المعاني ~~الثلاثة، والإشارة بهذا إلى ما بين في السورة من المعارف. # والمعنى: أن فيما بيناه في السورة أن الرب واحد لا رب غيره يجب أن يعبد ~~من طريق النبوة ويستعد بذلك ليوم الحساب، وأن جزاء المؤمنين كذا وكذا وجزاء ~~الكافرين كيت وكيت - كفاية لقوم عابدين إن أخذوه وعملوا به كفاهم وبلغوا ~~بذلك بغيتهم. # قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" أي أنك رحمة مرسلة إلى ~~الجماعات البشرية كلهم - والدليل عليه الجمع المحلى باللام - وذلك مقتضى ~~عموم الرسالة. # وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لأهل الدنيا من جهة إتيانه بدين في ~~الأخذ به سعادة أهل الدنيا في دنياهم وأخراهم. # وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لأهل الدنيا من حيث الآثار الحسنة ~~التي سرت من قيامه بالدعوة الحقة في مجتمعاتهم مما يظهر ظهورا بالغا بقياس ~~الحياة العامة البشرية اليوم إلى ما قبل بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتطبيق إحدى الحياتين على الأخرى. # قوله تعالى: "قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون" أي ~~إن الذي يوحى إلي من الدين ليس إلا التوحيد وما يتفرع عليه وينحل إليه سواء ~~كان عقيدة أو حكما والدليل على هذا الذي ذكرنا ورود الحصر على الحصر وظهوره ~~في الحصر الحقيقي. # قوله تعالى: "فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء" الإيذان - كما قيل - إفعال ~~من الإذن وهو العلم بالإجازة في شيء وترخيصه ثم تجوز به عن مطلق العلم ~~واشتق منه الأفعال وكثيرا ما يتضمن معنى التحذير والإنذار. # وقوله: "على سواء" الظاهر أنه حال من مفعول "آذنتكم" والمعنى فإن أعرضوا ~~عن دعوتك وتولوا عن الإسلام لله بالتوحيد فقل: أعلمتكم أنكم على خطرها ~~لكونكم مساوين في الإعلام أو في الخطر، وقيل: أعلمتكم بالحرب وهو بعيد في ~~سورة مكية. # قوله تعالى: "وإن أدري أقريب أم ms5427 بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ~~ويعلم ما تكتمون" تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المأمور به. # والمراد بقوله: "ما توعدون" ما يشير إليه قوله: "آذنتكم على سواء" من ~~العذاب المهدد به أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا أن يعلمهم الخطر إن ~~تولوا عن الإسلام، وثانيا أن ينفي عن نفسه العلم بقرب وقوعه وبعده ويعلله ~~بقصر العلم بالجهر من قولهم - وهو طعنهم في الإسلام واستهزاؤهم علنا - وما ~~يكتمون من ذلك في الله سبحانه فهو العالم بحقيقة الأمر. PageV14P176 # ومنه يعلم أن منشأ توجه العذاب إليهم هو ما كانوا يطعنون به في الإسلام في ~~الظاهر وما يبطنون من المكر كأنه قيل: إنهم يستحقون العذاب بإظهارهم القول ~~في هذه الدعوة الإلهية وإضمارهم المكر عليه فهددهم به لكن لما كنت لا تحيط ~~بظاهر قولهم وباطن مكرهم ولا تقف على مقدار اقتضاء جرمهم العذاب من جهة قرب ~~الأجل وبعده فأنف العلم بخصوصية قربه وبعده عن نفسك وأرجع العلم بذلك إلى ~~الله سبحانه وحده. # وقد علم بذلك أن المراد بالجهر من القول ما أظهره المشركون من القول في ~~الإسلام طعنا واستهزاء، وبما كانوا يكتمون ما أبطنوه عليه من المكر ~~والخدعة. # قوله تعالى: "وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين" من تتمة قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) المأمور به وضمير "لعله" على ما قيل كناية عن ~~غير مذكور ولعله راجع إلى الإيذان المأمور به، والمعنى وما أدري لعل هذا ~~الإيذان الذي أمرت به أي مراده تعالى من أمره لي بإعلام الخطر امتحان لكم ~~ليظهر به ما في باطنكم في أمر الدعوة فهو يريد به أن يمتحنكم ويمتعكم إلى ~~حين وأجل استدراجا وإمهالا. # قوله تعالى: "قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون" ~~الضمير في "قال" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والآية حكاية قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن دعوتهم إلى الحق وردهم له وتوليهم عنه فكأنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لما دعاهم وبلغ ms5428 إليهم ما أمر بتبليغه فأنكروا ~~وشددوا فيه أعرض عنهم إلى ربه منيبا إليه وقال: "رب احكم بالحق" وتقييد ~~الحكم بالحق توضيحي لا احترازي فإن حكمه تعالى لا يكون إلا حقا فكأنه قيل: ~~رب احكم بحكمك الحق والمراد ظهور الحق لمن كان وعلى من كان. # ثم التفت (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم وقال: "وربنا الرحمن المستعان ~~على ما تصفون" وكأنه يشير به إلى سبب إعراضه عنهم ورجوعه إلى الله سبحانه ~~وسؤاله أن يحكم بالحق فهو سبحانه ربه وربهم جميعا فله أن يحكم بين مربوبيه، ~~وهو كثير الرحمة لا يخيب سائله المنيب إليه، وهو الذي يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو الذي يحق الحق ويبطل الباطل بكلماته فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~كلمته: "رب احكم بالحق" راجع الذي هو ربه وربهم وسأله برحمته أن يحكم بالحق ~~واستعان به على ما يصفونه من الباطل وهو نعتهم دينهم بما ليس فيه وطعنهم في ~~الدين الحق بما هو بريء من ذلك. # وقد ظهر بما تقدم بعض ما في مفردات الآية الكريمة من النكات كالالتفات من ~~الخطاب إلى الغيبة في "قال" والتعبير عنه تعالى أولا بربي وثانيا بربنا ~~وتوصيفه بالرحمن والمستعان إلى غير ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وحرام على قرية أهلكناها" الآية: روى محمد ~~بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: كل قرية أهلكها الله بعذاب ~~فإنهم لا يرجعون. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~لما نزلت هذه الآية يعني قوله: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" وجد ~~منها أهل مكة وجدا شديدا فدخل عليهم عبد الله بن الزبعري وكفار قريش يخوضون ~~في هذه الآية، فقال ابن الزبعري: أمحمد تكلم بهذه الآية؟ فقالوا: نعم قال ~~ابن الزبعري: لئن اعترف بها لأخصمنه فجمع بينهما. فقال: يا محمد أرأيت ~~الآية التي قرأت آنفا فينا وفي آلهتنا خاصة أم الأمم وآلهتهم؟ فقال: بل ~~فيكم وفي آلهتكم وفي الأمم وفي آلهتهم إلا ms5429 من استثنى الله فقال ابن ~~الزبعري: خصمتك والله ألست تثني على عيسى خيرا؟ وقد عرفت أن النصارى يعبدون ~~عيسى وأمه وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة أفليس هؤلاء مع الآلهة في ~~النار: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا فضجت قريش وضحكوا ~~قالت قريش: خصمك ابن الزبعري. فقال رسول الله: قلتم الباطل أما قلت: إلا من ~~استثنى الله وهو قوله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها ~~مبعدون لا يسمعون حسيسها - وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون". PageV14P177 # أقول: وقد روي الحديث أيضا من طرق أهل السنة لكن المتن في هذا الطريق أمتن ~~مما ورد من طريقهم وأسلم وهو ما عن ابن عباس قال: لما نزلت: إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم - أنتم لها واردون" شق ذلك على أهل مكة وقالوا ~~شتم الآلهة فقال ابن الزبعري: أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي فدعي فقال: يا ~~محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله؟ قال: بل لكل من عبد ~~من دون الله فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة. ألست تزعم ~~يا محمد أن عيسى عبد صالح وأن عزير عبد صالح وأن الملائكة صالحون؟ قال: بلى ~~قال: فهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا وهذه بنو مليح تعبد ~~الملائكة فضج أهل مكة وفرحوا. فنزلت: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى" عزير ~~وعيسى والملائكة أولئك عنها مبعدون" ونزلت "ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا ~~قومك منه يصدون". # وفي هذا المتن أولا: ذكر اسم عزير والواقعة في أوائل البعثة بمكة ولم ~~يذكر اسمه في شيء من السور المكية وإنما ذكر في سورة التوبة وهي من أواخر ~~ما نزلت بالمدينة. # وثانيا: قوله: "وهذه اليهود تعبد عزيرا واليهود لا تعبد عزيرا وإنما ~~قالوا عزير ابن الله تشريفا كما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. # وثالثا: ما اشتمل عليه من نزول قوله: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون" بعد اعتراف النبي (صلى الله ms5430 عليه وآله وسلم) بعموم ~~قوله: "إنكم وما تعبدون" لكل معبود من دون الله، ونقض ابن الزبعري ذلك ~~بعيسى وعزير والملائكة وهذا من ورود البيان بعد وقت الحاجة وأشد تأييدا ~~لوقوع التهمة. # ورابعا: اشتماله على نزول قوله: "ولما ضرب ابن مريم مثلا" الآية في ~~الواقعة ولا ارتباط لمضمونها بها أصلا. # ونظيره ما شاع بينهم أن ابن الزبعري اعترض بذلك على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال له: يا غلام ما أجهلك بلغة قومك لأني قلت: وما تعبدون، وما ~~لم يعقل، ولم أقل: ومن تعبدون. # وفيه من الخلل ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: إني ~~قلت كذا ولم أقل كذا ومن الواجب أن يجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~أن يتلفظ في آية قرآنية بمثل "قلت كذا ولم أقل كذا" ونقل عن الحافظ ابن حجر ~~أن الحديث لا أصل له ولم يوجد في شيء من كتب الحديث لا مسند ولا غير مسند. # ونظيره في الضعف ما ورد في حديث آخر يقص هذه القصة أن ابن الزبعري قال: ~~أأنت قلت ذلك؟ قال: نعم قال: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرا ~~والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله: "إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى" الحديث وذلك أن الحجة المنسوبة إليه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الحديث تنفع ابن الزبعري أكثر مما تضره فإن الحجة كما تخرج عزيرا ~~وعيسى والملائكة عن شمول الآية كذلك تخرج الآلهة التي هي أصنام فإنها تشارك ~~المذكورين في أنها لا خبر لها عن عبادة عابديها ولا رضى منها بذلك إذ لا ~~شعور لها فتختص الآية بالشياطين ولا تشمل الأصنام وهو خلاف ما نسب إليه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من دعوى شمول الآية لآلهتهم وتصديقه. # ونظيره في الضعف ما في الدر المنثور، عن البزار عن ابن عباس قال: نزلت ~~هذه الآية "إنكم وما تعبدون ms5431 من دون الله حصب جهنم - أنتم لها واردون" ثم ~~نسخها قوله: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون". # ووجه الضعف ظاهر ولو كان هناك شيء فهو التخصيص. # وفي أمالي الصدوق، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: يا علي ~~أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الآمنون يوم ~~الفزع الأكبر في ظل العرش، يفزع الناس ولا تفزعون، ويحزن الناس ولا تحزنون ~~فيكم نزلت هذه الآية "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون" ~~وفيكم نزلت "لا يحزنهم الفزع الأكبر - وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي ~~كنتم توعدون". PageV14P178 # أقول: معنى نزولها فيهم جريها فيهم أو دخولهم فيمن نزلت فيه وقد وردت ~~روايات كثيرة في جماعة من المؤمنين عدوا ممن تجري فيه الآيتان وخاصة ~~الثانية كمن قرأ القرآن محتسبا، وأم به قوما محتسبا، ورجل أذن محتسبا ~~ومملوك أدى حق الله وحق مواليه رواه في المجمع، عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):، والمتحابين في الله والمدلجين في الظلم ~~والمهاجرين روى في الدر المنثور، الأول عن أبي الدرداء، والثاني عن أبي ~~أمامة، والثالث عن الخدري جميعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد عد ~~في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ممن تجري فيه الآية خلق كثير. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن علي: في قوله: "كطي السجل" قال: ~~ملك:. أقول: ورواه أيضا عن ابن أبي حاتم وابن عساكر عن الباقر (عليه ~~السلام) في حديث. # وفي تفسير القمي،:: وأما قوله: "يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب" قال: ~~السجل اسم الملك الذي يطوي الكتب، ومعنى يطويها يفنيها فتتحول دخانا والأرض ~~نيرانا. # وفي نهج البلاغة، في وصف الأموات: استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ~~ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها حفاة عراة قد ظعنوا ~~عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة والدار الباقية كما قال سبحانه: "كما ~~بدأنا أول خلق نعيده - وعدا علينا إنا كنا فاعلين". # أقول: استشهاده (عليه السلام) بالآية ms5432 يقبل الانطباق على كل من معنيي ~~الإعادة أعني إعادة الخلق إلى ما بدءوا منه وإعادة الخلق بمعنى إحيائهم بعد ~~موتهم كما كانوا قبل موتهم، وقد تقدم المعنيان في بيان الآية. # وفي المجمع، ويروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: تحشرون ~~يوم القيامة حفاة عراة عزلا "كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا ~~فاعلين": أقول: وروى مثله في نور الثقلين عن كتاب الدوريستي بإسناده عن ابن ~~عباس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،:: وقوله: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر" قال ~~الكتب كلها ذكر "إن الأرض يرثها عبادي الصالحون" قال: القائم وأصحابه قال: ~~والزبور فيه ملاحم والتحميد والتمجيد والدعاء. # أقول: والروايات في المهدي (عليه السلام) وظهوره وملئه الأرض قسطا وعدلا ~~بعد ما ملئت ظلما وجورا من طرق العامة والخاصة عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالغة حد التواتر، من أراد ~~الوقوف عليها فليراجع مظانها من كتب العامة والخاصة. # وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما أنا رحمة مهداة. PageV14P179 ### || AUTO ### ||| AUTO 22 سورة الحج - 1 - 2 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم ~~(1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد (2) ### |||| AUTO بيان # السورة تخاطب المشركين بأصول الدين إنذارا وتخويفا كما كانوا يخاطبون في ~~السور النازلة قبل الهجرة في سياق يشهد بأن لهم بعد شوكة وقوة، وتخاطب ~~المؤمنين بمثل الصلاة ومسائل الحج وعمل الخير والإذن في القتال والجهاد في ~~سياق يشهد بأن لهم مجتمعا حديث العهد بالانعقاد قائما على ساق لا يخلو من ~~عدة وعدة وشوكة. # ويتعين بذلك أن السورة مدنية نزلت بالمدينة ما بين هجرة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وغزوة بدر وغرضها بيان أصول الدين بيانا تفصيليا ينتفع بها ~~المشرك والموحد ms5433 وفروعها بيانا إجماليا ينتفع بها الموحدون من المؤمنين إذ ~~لم يكن تفاصيل الأحكام الفرعية مشرعة يومئذ إلا مثل الصلاة والحج كما في ~~السورة. # ولكون دعوة المشركين إلى الأصول من طريق الإنذار وكذا ندب المؤمنين إلى ~~إجمال الفروع بلسان الأمر بالتقوى بسط الكلام في وصف يوم القيامة وافتتح ~~السورة بالزلزلة التي هي من أشراطها وبها خراب الأرض واندكاك الجبال. # قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم" ~~الزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحال الهائلة وكأنه مأخوذ بالاشتقاق ~~الكبير من زل بمعنى زلق فكرر للمبالغة والإشارة إلى تكرر الزلة، وهو شائع ~~في نظائره مثل ذب وذبذب ودم ودمدم وكب وكبكب ودك ودكدك ورف ورفرف وغيرها. # الخطاب يشمل الناس جميعا من مؤمن وكافر وذكر وأنثى وحاضر وغائب وموجود ~~بالفعل ومن سيوجد منهم، وذلك بجعل بعضهم من الحاضرين وصلة إلى خطاب الكل ~~لاتحاد الجميع بالنوع. # وهو أمر الناس أن يتقوا ربهم فيتقيه الكافر بالإيمان والمؤمن بالتجنب عن ~~مخالفة أوامره ونواهيه في الفروع، وقد علل الأمر بعظم زلزلة الساعة فهو ~~دعوة من طريق الإنذار. # وإضافة الزلزلة إلى الساعة لكونها من أشراطها وأماراتها، وقيل: المراد ~~بزلزلة الساعة شدتها وهولها، ولا يخلو من بعد من جهة اللفظ. # قوله تعالى: "يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت" الذهول الذهاب عن ~~الشيء مع دهشة، والحمل بالفتح الثقل المحمول في الباطن كالولد في البطن ~~وبالكسر الثقل المحمول في الظاهر كحمل بعير قاله الراغب. # وقال في مجمع البيان،: الحمل بفتح الحاء ما كان في بطن أو على رأس شجرة، ~~والحمل بكسر الحاء ما كان على ظهر أو على رأس. # قال في الكشاف،: إن قيل: لم قيل: "مرضعة" دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي ~~في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم ~~تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل: مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا ~~فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة. # وقال: فإن قلت: ms5434 لم قيل أولا: ترون ثم قيل: ترى على الإفراد؟ قلت: لأن ~~الرؤية أولا علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا ~~بكون الناس على حال السكر فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم انتهى. # وقوله: "وترى الناس سكارى وما هم بسكارى" نفى السكر بعد إثباته للدلالة ~~على أن سكرهم وهو ذهاب العقول وسقوطها في مهبط الدهشة والبهت ليس معلولا ~~للخمر بل شدة عذاب الله هي التي أوقعتها فيما وقعت وقد قال تعالى: "إن أخذه ~~أليم شديد:" هود: 102. # وظاهر الآية أن هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى التي يخبر تعالى عنها ~~بقوله: "ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون:" الزمر: 68 وذلك لأن الآية تفرض الناس في ~~حال عادية تفاجئهم فيها زلزلة الساعة فتنقلب حالهم من مشاهدتها إلى ما وصف، ~~وهذا قبل النفخة التي تموت بها الأحياء قطعا. # وقيل: إنها تمثيل شدة العذاب أي لو كان هناك راء يراها لكانت الحال هي ~~الحال، ووقوع الآية في مقام الإنذار والتخويف لا يناسبه تلك المناسبة إذ ~~الإنذار بعذاب لا يعلم به لا وجه له. PageV14P180 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من ~~طرق عن الحسن وغيره عن عمران بن حصين قال: لما نزلت "يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم - إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله: "ولكن عذاب الله شديد" أنزلت ~~عليه هذه وهو في سفر فقال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ~~قال: ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ ~~قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة. فأنشأ ~~المسلمون يبكون فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قاربوا وسددوا ~~فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدة من ms5435 الجاهلية ~~فإن تمت وإلا أكملت من المنافقين، وما مثلكم إلا كمثل الرقمة في ذراع ~~الدابة أو كالشامة في جنب البعير. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل ~~الجنة فكبروا ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا، ثم قال: ~~إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا. قال: فلا أدري قال: الثلثين، أم لا؟. # أقول: وهي مروية بطرق أخرى كثيرا عن عمران وابن عباس وأبي سعيد الخدري ~~وأبي موسى وأنس مع اختلاف في المتون وأعدلها ما أوردناه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: وترى الناس سكارى" قال: يعني ذاهبة ~~عقولهم من الحزن والفزع متحيرين. PageV14P181 ### ||| AUTO 22 سورة الحج - 3 - 16 # ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم ويتبع كل شيطن مريد (3) كتب عليه أنه ~~من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يأيها الناس إن كنتم فى ريب ~~من البعث فإنا خلقنكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة لنبين لكم ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من ~~بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شىء ~~قدير (6) وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور (7) ومن ~~الناس من يجدل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير (8) ثانى عطفه ليضل ~~عن سبيل الله له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق (9) ذلك بما ~~قدمت يداك وأن الله ليس بظلم للعبيد (10) ومن الناس من يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ~~ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك ~~هو الضلل البعيد (12) يدعوا لمن ضره أقرب ms5436 من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ~~(13) إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر إن ~~الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والاخرة ~~فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك ~~أنزلنه ءايت بينت وأن الله يهدى من يريد (16) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات أصنافا من الناس من مصر على الباطل مجادل في الحق أو متزلزل ~~فيه وتصف حالهم وتبين ضلالهم وسوء مآلهم وتذكر المؤمنين وأنهم مهتدون في ~~الدنيا منعمون في الآخرة. # قوله تعالى: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد" ~~المريد الخبيث وقيل: المتجرد للفساد والمعري من الخير والمجادلة في الله ~~بغير علم التكلم فيما يرجع إليه تعالى من صفاته وأفعاله بكلام مبني على ~~الجهل بالإصرار عليه. # وقوله: "ويتبع كل شيطان مريد" بيان لمسلكه في الاعتقاد والعمل بعد بيان ~~مسلكه في القول كأنه قيل: إنه يقول في الله بغير علم ويصر على جهله ويعتقد ~~بكل باطل ويعمل به وإذ كان الشيطان هو الذي يهدي الإنسان إلى الباطل ~~والإنسان إنما يميل إليه بإغوائه فهو يتبع في كل ما يعتقده ويعمل به ~~الشيطان فقد وضع اتباع الشيطان في الآية موضع الاعتقاد والعمل للدلالة على ~~الكيفية وليبين في الآية التالية أنه ضال عن طريق الجنة سالك إلى عذاب ~~السعير. # وقد قال تعالى: "ويتبع كل شيطان" ولم يقل: ويتبع الشيطان المريد وهو ~~إبليس للدلالة على تلبسه بفنون الضلال وأنواعه فإن أبواب الباطل مختلفة ~~وعلى كل باب شيطانا من قبيل إبليس وذريته وهناك شياطين من الإنس يدعون إلى ~~الضلال فيقلدهم أولياؤهم الغاوون ويتبعونهم وإن كان كل تسويل ووسوسة منتهيا ~~إلى إبليس لعنه الله. # والكلمة أعني قوله: "ويتبع كل شيطان" مع ذلك كناية عن عدم انتهائه في ~~اتباع الباطل إلى حد يقف عليه لبطلان استعداده للحق وكون قلبه مطبوعا عليه ~~فهو في معنى قوله: "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه ms5437 سبيلا:" الأعراف: 146. # قوله تعالى: "كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" ~~التولي أخذه وليا متبعا، وقوله: "فإنه يضله" إلخ. PageV14P182 # مبتدأ محذوف الخبر، والمعنى ويتبع كل شيطان مريد من صفته أنه كتب عليه أن ~~من اتخذه وليا واتبعه فإضلاله له وهدايته إياه إلى عذاب السعير ثابت لازم. # والمراد بكتابته عليه القضاء الإلهي في حقه بإضلاله متبعيه أولا وإدخاله ~~إياهم النار ثانيا، وهذان القضاءان هما اللذان إشارة إليهما في قوله: "إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم ~~أجمعين:" الحجر: 43 وقد تقدم الكلام في توضيح ذلك في الجزء الثاني عشر من ~~الكتاب. # وبما تقدم يظهر ضعف ما قيل: إن المعنى من تولى الشيطان فإن الله يضله إذ ~~لا شاهد من كلامه تعالى على هذه الكتابة المدعاة وإنما المذكور في كلامه ~~تعالى القضاء بتسليط إبليس على من تولاه واتبعه كما تقدم. # على أن لازمه اختلاف الضمائر ورجوع ضمير "فإنه" إلى ما لم يتقدم ذكره من ~~غير موجب. # وأضعف منه قول من قال: إن المعنى كتب على هذا الذي يجادل في الله بغير ~~علم أنه من تولاه فإنه يضله - بإرجاع الضمائر إلى الموصول في "من يجادل" - ~~وهو كما ترى. # ويظهر من الآية أن القضاء على إبليس قضاء على قبيله وذريته وأعوانه، وأن ~~إضلالهم وهدايتهم إلى عذاب السعير وبالجملة فعلهم فعله، ولا يخفى ما في ~~الجمع بين يضله ويهديه في الآية من اللطف. # قوله تعالى: "يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من ~~تراب - إلى قوله - شيئا" المراد بالبعث إحياء الموتى والرجوع إلى الله ~~سبحانه وهو ظاهر، والعلقة القطعة من الدم الجامد، والمضغة القطعة من اللحم ~~الممضوغة والمخلقة على ما قيل - تامة الخلقة وغير المخلقة غير تامتها ~~وينطبق على تصوير الجنين الملازم لنفخ الروح فيه، وعليه ينطبق القول بأن ~~المراد بالتخليق التصوير. # وقوله: "لنبين لكم" ظاهر السياق أن المراد لنبين لكم أن البعث ممكن ونزيل ~~الريب عنكم فإن مشاهدة الانتقال ms5438 من التراب الميت إلى النطفة ثم إلى العلقة ~~ثم إلى المضغة ثم إلى الإنسان الحي لا تدع ريبا في إمكان تلبس الميت ~~بالحياة ولذلك وضع قوله: "لنبين لكم" في هذا الموضع ولم يؤخر إلى آخر الآية. # وقوله: "ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى" وأي ونقر فيها ما نشاء من ~~الأجنة ولا نسقطه إلى تمام مدة الحمل ثم نخرجكم طفلا، قال في المجمع،: أي ~~نخرجكم من بطون أمهاتكم وأنتم أطفال، والطفل الصغير من الناس، وإنما وحد ~~والمراد به الجمع لأنه مصدر كقولهم: رجل عدل ورجال عدل، وقيل: أراد ثم نخرج ~~كل واحد منكم طفلا. # انتهى، والمراد ببلوغ الأشد حال اشتداد الأعضاء والقوى. # وقوله: "ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر" المقابلة بين ~~الجملتين تدل على تقيد الأولى بما يميزها من الثانية والتقدير ومنكم من ~~يتوفى من قبل أن يرد إلى أرذل العمر، والمراد بأرذل العمر أحقره وأهونه ~~وينطبق على حال الهرم فإنه أرذل الحياة إذا قيس إلى ما قبله. # وقوله: لكيلا يعلم من بعد علم شيئا" أي شيئا يعتد به أرباب الحياة ويبنون ~~عليه حياتهم، واللام للغاية أي ينتهي أمره إلى ضعف القوى والمشاعر بحيث لا ~~يبقى له من العلم الذي هو أنفس محصول للحياة شيء يعتد به لها. # قوله تعالى: "وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج" قال الراغب: يقال: همدت النار طفئت، ومنه أرض هامدة ~~لا نبات فيها، ونبات هامد يابس، قال تعالى: "وترى الأرض هامدة" انتهى ويقرب ~~منه تفسيرها بالأرض الهالكة. # وقال أيضا: الهز التحريك الشديد يقال: هززت الرمح فاهتز واهتز النبات إذا ~~تحرك لنضارته، وقال أيضا: ربا إذا زاد وعلا قال تعالى: "فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت" أي زادت زيادة المتربى. # انتهى بتلخيص ما. # وقوله: "وأنبتت من كل زوج بهيج" أي وأنبتت الأرض من كل صنف من النبات ~~متصف بالبهجة وهي حسن اللون وظهور السرور فيه، أو المراد بالزوج ما يقابل ~~الفرد فإن كلامه يثبت ms5439 للنبات ازدواجا كما يثبت له حياة، وقد وافقته العلوم ~~التجريبية اليوم. # والمحصل أن للأرض في إنباتها النبات وإنمائها له شأنا يماثل شأن الرحم في ~~إنباته الحيوي للتراب الصائر نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يصير إنسانا حيا. PageV14P183 # قوله تعالى: "ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير" ~~ذلك إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة من خلق الإنسان والنبات وتدبير ~~أمرهما حدوثا وبقاء خلقا وتدبيرا واقعيين لا ريب فيهما. # والذي يعطيه السياق أن المراد بالحق نفس الحق - أعني أنه ليس وصفا قائما ~~مقام موصوف محذوف هو الخبر - فهو تعالى نفس الحق الذي يحقق كل شيء حق ويجري ~~في الأشياء النظام الحق فكونه تعالى حقا يتحقق به كل شيء حق هو السبب لهذه ~~الموجودات الحقة والنظامات الحقة الجارية فيها، وهي جميعا تكشف عن كونه ~~تعالى هو الحق. # وقوله: "وأنه يحيي الموتى" معطوف على ما قبله أي المذكور في الآية ~~السابقة من صيرورة التراب الميت بالانتقال من حال إلى حال إنسانا حيا وكذا ~~صيرورة الأرض الميتة بنزول الماء نباتا حيا واستمرار هذا الأمر بسبب أن ~~الله يحيي الموتى ويستمر منه ذلك. # وقوله: "وأنه على كل شيء قدير" معطوف على سابقه كسابقه والمراد أن ما ~~ذكرناه بسبب أن الله على كل شيء قدير وذلك أن إيجاد الإنسان والنبات وتدبير ~~أمرهما في الحدوث والبقاء مرتبط بما في الكون من وجود أو نظام جار في ~~الوجود وكما أن إيجادهما وتدبير أمرهما لا يتم إلا مع القدرة عليهما كذلك ~~القدرة عليهما لا تتم إلا مع القدرة على كل شيء فخلقهما وتدبير أمرهما بسبب ~~عموم القدرة وإن شئت فقل: ذلك يكشف عن عموم القدرة. # قوله تعالى: "وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور" ~~الجملتان معطوفتان على "أن" في قوله: "ذلك بأن الله". # وأما الوجه في اختصاص هذه النتائج الخمس المذكورة في الآيتين بالذكر مع ~~أن بيان السابقة ينتج نتائج أخرى مهمة في أبواب التوحيد كربوبيته تعالى ms5440 ~~ونفي شركاء العبادة وكونه تعالى عليما ومنعما وجوادا وغير ذلك. # فالذي يعطيه السياق - والمقام مقام إثبات البعث - وعرض هذه الآيات على ~~سائر الآيات المثبتة للبعث أن الآية تؤم إثبات البعث من طريق إثبات كونه ~~تعالى حقا على الإطلاق فإن الحق المحض لا يصدر عنه إلا الفعل الحق دون ~~الباطل، ولو لم يكن هناك نشاة أخرى يعيش فيها الإنسان بما له من سعادة أو ~~شقاء واقتصر في الخلقة على الإيجاد ثم الإعدام ثم الإيجاد ثم الإعدام وهكذا ~~كان لعبا باطلا فكونه تعالى حقا لا يفعل إلا الحق يستلزم نشاة البعث ~~استلزاما بينا فإن هذه الحياة الدنيا تنقطع بالموت فبعدها حياة أخرى باقية ~~لا محالة. # فالآية أعني قوله: "فإنا خلقناكم من تراب" إلى قوله - ذلك بأن الله هو ~~الحق" في مجرى قوله: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق:" الدخان: 39 وقوله: "وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا:" ص: 27 وغيرهما من الآيات المتعرضة ~~لإثبات المعاد، وإنما الفرق أنها تثبته من طريق حقية فعله تعالى والآية ~~المبحوث عنها تثبته من طريق حقيته تعالى في نفسه المستلزمة لحقية فعله. # ثم لما كان من الممكن أن يتوهم استحالة إحياء الموتى فلا ينفع البرهان ~~حينئذ دفعه بقوله: "وأنه يحيي الموتى" فإحياؤه تعالى الموتى بجعل التراب ~~الميت إنسانا حيا وجعل الأرض الميتة نباتا حيا واقع مستمر مشهود فلا ريب في ~~إمكانه وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى: "قال من يحيي العظام وهي رميم ~~قل يحييها الذي أنشأها أول مرة:" يس: 79 وسائر الآيات المثبتة لإمكان البعث ~~والإحياء ثانيا من طريق ثبوت مثله أولا. # ثم لما أمكن أن يتوهم أن جواز الإحياء الثاني لا يستلزم الوقوع بتعلق ~~القدرة به استبعادا له واستصعابا دفعه بقوله: "وأنه على كل شيء قدير" فإن ~~القدرة لما كانت غير متناهية كانت نسبتها إلى الإحياء الأول والثاني وما ~~كان سهلا في نفسه أو صعبا على حد سواء فلا يخالطها عجز ولا يطرأ عليها ms5441 عي وتعب. # وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى: "أفعيينا بالخلق الأول:" ق: 15 ~~وقوله: "إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير:" حم السجدة - 39 ~~وسائر الآيات المثبتة للبعث بعموم القدرة وعدم تناهيها. PageV14P184 # فهذه أعني ما في قوله تعالى: "ذلك بأن الله" إلى آخر الآية نتائج ثلاث ~~مستخرجة من الآية السابقة عليها مسوقة جميعا لغرض واحد وهو ذكر ما يثبت به ~~البعث وهو الذي تتضمنه الآية الأخيرة "وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن ~~الله يبعث من في القبور". # ولم تتضمن الآية إلا بعث الأموات والظرف الذي يبعثون فيه فأما الظرف وهو ~~الساعة فذكره في قوله: "وأن الساعة آتية لا ريب فيها" ولم ينسب إتيانها إلى ~~نفسه بأن يقال مثلا: وأن الله يأتي بالساعة أو ما في معناه ولعل الوجه في ~~ذلك اعتبار كونها لا تأتي إلا بغتة لا يتعلق به علم قط كما قال: "لا تأتيكم ~~إلا بغتة". # وقال: "قل إنما علمها عند الله:" الأعراف: 187 وقال: "إن الساعة آتية ~~أكاد أخفيها:" طه: 15 فكان عدم نسبتها إلى فاعل كعدم ذكر وقتها وكتمان ~~مرساها مبالغة في إخفائها وتأييدا لكونها مباغتة مفاجئة، وقد كثر ذكرها في ~~كلامه ولم يذكر في شيء منه لها فاعل بل كان التعبير مثل آتية "تأتيهم" ~~"قائمة" "تقوم" ونحو ذلك. # وأما المظروف وهو إحياء الموتى من الإنسان فهو المذكور في قوله: "وأن ~~الله يبعث من في القبور". # فإن قلت: الحجة المذكورة تنتج البعث لجميع الأشياء لا للإنسان فحسب لأن ~~الفعل بلا غاية لغو باطل سواء كان هو الإنسان أو غيره لكن الآية تكتفي ~~بالإنسان فقط. # قلت: قصر الآية النتيجة في الإنسان فقط لا ينافي ثبوت نظير الحكم في غيره ~~لكن الذي تمسه الحاجة في المقام بعث الإنسان على أنه يمكن أن يقال: إن نفي ~~المعاد عن الأشياء غير الإنسان لا يستلزم كون فعلها باطلا منه تعالى لأنها ~~مخلوقة لأجل الإنسان فهو الغاية لخلقها والبعث غاية لخلق الإنسان. # هذا ما يعطيه التدبر في سياق ms5442 الآيات الثلاث وعرضها على سائر الآيات ~~المتعرضة لإثبات المعاد على تفننها، وبه يظهر وجه الاكتفاء من النتائج ~~المترتبة عليها بهذه النتائج المعدودة بحسب المترائي من اللفظ خمسا وهي في ~~الحقيقة ثلاث موضوعة في الآية الثانية مستخرجة من الأولى، وواحدة موضوعة في ~~الآية الثالثة مستخرجة من الثلاث الموضوعة في الثانية. # وبه يندفع أيضا شبهة التكرار المتوهم من قوله: و"أنه يحيي الموتى" "وأن ~~الساعة آتية" "وأن الله يبعث من في القبور" إلى غير ذلك. # وللقوم في تفسير الآيات الثلاث وتقرير حجتها وجوه كثيرة مختلفة لا ترجع ~~إلى جدوى وقد أضافوا في جميعها إلى حجة الآية مقدمات أجنبية تختل بها سلاسة ~~النظم واستقامة الحجة، وقد طوينا ذكرها فمن أراد الوقوف عليها فليراجع ~~مطولات التفاسير. # قوله تعالى: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير" صنف آخر من الناس المعرضين عن الحق، قال في كشف الكشاف، على ما نقل: ~~إن الأظهر في النظم والأوفق للمقام أن هذه الآية في المقلدين بفتح اللام ~~والآية السابقة "ومن الناس من يجادل إلى قوله: مريد" في المقلدين بكسر ~~اللام انتهى محصلا. # وهو كذلك بدليل قوله هنا ذيلا: "ليضل عن سبيل الله" وقوله هناك: "ويتبع ~~كل شيطان مريد" والإضلال من شأن المقلد بفتح اللام والاتباع من شأن المقلد ~~بكسر اللام. # والترديد في الآية بين العلم والهدى والكتاب مع كون كل من العلم والهدى ~~يعم الآخرين دليل على أن المراد بالعلم علم خاص وبالهدى هدى خاص فقيل: إن ~~المراد بالعلم العلم الضروري وبالهدى الاستدلال والنظر الصحيح الهادي إلى ~~المعرفة وبالكتاب المنير الوحي السماوي المظهر للحق. # وفيه أن تقييد العلم بالضروري وهو البديهي لا دليل عليه. # على أن الجدال سواء كان المراد به مطلق الإصرار في البحث أو الجدل ~~المصطلح وهو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات من طرق الاستدلال ولا ~~استدلال على ضروري البتة. # ويمكن أن يكون المراد بالعلم ما تفيده الحجة العقلية، وبالهدى ما تفيضه ~~الهداية الإلهية لمن أخلص لله في عبادته وعبوديته فاستنار قلبه ms5443 بنور معرفته ~~أو بالعكس بوجه وبالكتاب المنير الوحي الإلهي من طريق النبوة، وتلك طرق ~~ثلاث إلى مطلق العلم: العقل والبصر والسمع وقد أشار تعالى إليها في قوله: ~~"ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسئولا:" إسراء: 36 والله أعلم. PageV14P185 # قوله تعالى: "ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله" إلى آخر الآية، الثني الكسر ~~والعطف بكسر العين الجانب، وثني العطف كناية عن الإعراض كأن المعرض يكسر ~~أحد جانبيه على الآخر. # وقوله: "ليضل عن سبيل الله" متعلق بقوله: "يجادل" واللام للتعليل أي ~~يجادل في الله بجهل منه مظهر للإعراض والاستكبار ليتوصل بذلك إلى إضلال ~~الناس وهؤلاء هم الرؤساء المتبوعون من المشركين. # وقوله: "له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق" تهديد بالخزي ~~- وهو الهوان والذلة والفضيحة - في الدنيا، وإلى ذلك آل أمر صناديد قريش ~~وأكابر مشركي مكة، وإيعاد بالعذاب في الآخرة. # قوله تعالى: "ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد" إشارة إلى ما ~~تقدم في الآية السابقة من الإيعاد بالخزي والعذاب، والباء في "بما قدمت" ~~للمقابلة كقولنا: بعت هذا بهذا أو للسببية أي إن الذي تشاهده من الخزي ~~والعذاب جزاء ما قدمت يداك أو بسبب ما قدمت يداك من المجادلة في الله بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب معرضا مستكبرا لإضلال الناس وفي الكلام التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب لتسجيل اللوم والعتاب. # وقوله: "وأن الله ليس بظلام للعبيد" معطوف على "ما قدمت" أي ذلك لأن الله ~~لا يظلم عباده بل يعامل كلا منهم بما يستحقه بعمله ويعطيه ما يسأله بلسان حاله. # قوله تعالى: "ومن الناس من يعبد الله على حرف" إلى آخر الآية الحرف ~~والطرف والجانب بمعنى، والاطمئنان: الاستقرار والسكون، والفتنة - كما قيل - ~~المحنة والانقلاب الرجوع. # وهذا صنف آخر من الناس غير المؤمنين الصالحين وهو الذي يعبد الله سبحانه ~~بانيا عبادته على جانب واحد دون كل جانب وعلى تقدير الله على كل تقدير وهو ~~جانب الخير ولازمه استخدام الدين للدنيا فإن أصابه ms5444 خير استقر بسبب ذلك ~~الخير على عبادة الله واطمأن إليها، وإن أصابته فتنة ومحنة انقلب ورجع على ~~وجهه من غير أن يلتفت يمينا وشمالا وارتد عن دينه تشؤما من الدين أو رجاء ~~أن ينجو بذلك من المحنة والمهلكة وكان ذلك دأبهم في عبادتهم الأصنام فكانوا ~~يعبدونها لينالوا بذلك الخير أو ينجو من الشر بشفاعتهم في الدنيا وأما ~~الآخرة فما كانوا يقولون بها فهذا المذبذب المنقلب على وجهه خسر الدنيا ~~بوقوعه في المحنة والمهلكة، وخسر الآخرة بانقلابه عن الدين على وجهه ~~وارتداده وكفره ذلك هو الخسران المبين. # هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية، وعليه فقوله: "يعبد الله على حرف" من ~~قبيل الاستعارة بالكناية، وقوله: "فإن أصابه خير" إلخ. # تفسير لقوله: "يعبد الله على حرف" وتفصيل له، وقوله: "خسر الدنيا" أي ~~بإصابة الفتنة، وقوله: "والآخرة" أي بانقلابه على وجهه. # قوله تعالى: "يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال ~~البعيد" المدعو هو الصنم فإنه لفقده الشعور والإرادة لا يتوجه منه إلى ~~عابده نفع أو ضرر والذي يصيب عابده من ضرر وخسران فإنما يصيبه من ناحية ~~العبادة التي هي فعل له منسوب إليه. # قوله تعالى: "يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير" ~~المولى الولي الناصر، والعشير الصاحب المعاشر. # ذكروا في تركيب جمل الآية أن "يدعوا" بمعنى يقول، وقوله: "لمن ضره أقرب ~~من نفعه" إلخ. # مقول القول، و"لمن" مبتدأ دخلت عليه لام الابتداء وهو موصول صلته "ضره ~~أقرب من نفعه". # وقوله: "لبئس المولى ولبئس العشير" جواب قسم محذوف وهو قائم مقام الخبر ~~دال عليه. # والمعنى: يقول هذا الذي يعبد الأصنام يوم القيامة واصفا لصنمه الذي اتخذه ~~مولى وعشيرا، الصنم الذي ضره أقرب من نفعه مولى سوء وعشير سوء أقسم لبئس ~~المولى ولبئس العشير. # وإنما يعد ضره أقرب من نفعه لما يشاهد يوم القيامة ما تستتبعه عبادته له ~~من العذاب الخالد والهلاك المؤبد. # قوله تعالى: "إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها ms5445 الأنهار" إلخ. # لما ذكر الأصناف الثلاثة من الكفار وهم الأئمة المتبوعون المجادلون في ~~الله بغير علم والمقلدة التابعون لكل شيطان مريد المجادلون كأئمتهم ~~والمذبذبون العابدون لله على حرف، ووصفهم بالضلال والخسران قابلهم بهذا ~~الصنف من الناس وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ووصفهم بكريم المثوى وحسن ~~المنقلب وأن الله يريد بهم ذلك. PageV14P186 # وذكر هؤلاء الأصناف كالتوطئة لما سيذكر من القضاء بينهم وبيان حالهم ~~تفصيلا. # قوله تعالى: "من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ~~إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ" قال في المجمع،: السبب ~~كل ما يتوصل به إلى الشيء ومنه قيل للحبل سبب وللطريق سبب وللباب سبب انتهى ~~والمراد بالسبب في الآية الحبل، والقطع معروف ومن معانيه الاختناق يقال: ~~قطع أي اختنق وكأنه مأخوذ من قطع النفس. # قالوا: إن الضمير في "لن ينصره الله" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وذلك أن مشركي مكة كانوا يظنون أن الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من الدين أحدوثة كاذبة لا تبتني على أصل عريق فلا يرتفع ذكره، ولا ~~ينتشر دينه، وليس له عند الله منزلة حتى إذا هاجر (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى المدينة فنصره الله سبحانه فبسط دينه ورفع ذكره غاظهم ذلك غيظا ~~شديدا فقرعهم الله سبحانه بهذه الآية وأشار بها إلى أن الله ناصره ولن يذهب ~~غيظهم ولو خنقوا أنفسهم فلن يؤثر كيدهم أثرا. # والمعنى: من كان يظن من المشركين أن لن ينصر الله تعالى نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في الدنيا برفع الذكر وبسط الدين وفي الآخرة بالمغفرة ~~والرحمة له وللمؤمنين به ثم غاظه ما يشاهده اليوم من نصر الله له فليمدد ~~بحبل إلى السماء - كأن يربط طرف الحبل على جذع عال ونحوه - ثم ليختنق به ~~فلينظر هل يذهبن كيده وحيلته هذا ما يغيظ أي غيظة. # وهذا معنى حسن يؤيده سياق الآيات السابقة وما استفدناه سابقا من نزول ~~السورة بعد الهجرة بقليل ومشركوا مكة بعد على ms5446 قدرتهم وشوكتهم. # وذكر بعضهم: أن ضمير "لن ينصره" عائد إلى "من" ومعنى القطع قطع المسافة ~~والمراد بمد سبب إلى السماء الصعود عليها لإبطال حكم الله، والمعنى من كان ~~يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليصعد السماء بسبب يمده ثم ليقطع ~~المسافة ولينظر هل يذهب كيده ما يغيظه من حكم. # ولعل هؤلاء يعنون أن المراد بالآية أن من الواجب على الإنسان أن يرجو ربه ~~في دنياه وآخرته وإن لم يرجه وظن أن لن ينصره الله فيهما وغاظه ذلك فليكد ~~ما يكيد فإنه لا ينفعه. # وذكر آخرون أن الضمير للموصول كما في القول السابق، والمراد بالنصر الرزق ~~كما يقال: أرض منصورة أي ممطورة والمعنى كما في القول الأول. # وهذا أقرب إلى الاعتبار من سابقه وأحسن لكن يرد على الوجهين جميعا لزوم ~~انقطاع الآية عما قبلها من الآيات. # على أن الأنسب على هذين الوجهين في التعبير أن يقال: من ظن أن لن ينصره ~~الله "إلخ". # لا أن يقال "من كان يظن" الظاهر في استمرار الظن منه في الماضي فإنه يؤيد ~~القول الأول. # قوله تعالى: "وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد" قد تقدم ~~مرارا أن هذا من تشبيه الكلي بفرده بدعوى البينونة للدلالة على أن ما في ~~الفرد من الحكم جار في باقي أفراده كمن يشير إلى زيد وعمرو وهما يتكلمان ~~ويمشيان على قدميهما ويقول كذلك يكون الإنسان أي حكم التكلم والمشي على ~~القدمين جار في جميع الأفراد فمعنى قوله: "وكذلك أنزلناه آيات بينات" ~~أنزلنا القرآن وهو آيات واضحة الدلالات كما في الآيات السابقة من هذه ~~السورة. # وقوله: "وأن الله يهدي من يريد" خبر لمبتدإ محذوف أي والأمر أن الله يهدي ~~من يريد وأما من لم يرد أن يهديه فلا هادي له فمجرد كون الآيات بينات لا ~~يكفي في هداية من سمعها أو تأمل فيها ما لم يرد الله هدايته. # وقيل: الجملة معطوفة على ضمير "أنزلناه" والتقدير وكذلك أنزلنا أن الله ~~يهدي من يريد، والوجه الأول أوضح اتصالا بأول ms5447 الآية وهو ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ويتبع كل شيطان مريد" قال: المريد ~~الخبيث. PageV14P187 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي زيد: في قوله: "ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم" قال نزلت في النضر بن الحارث. أقول: ورواه أيضا عن ~~ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريح والظاهر أنه من التطبيق كما هو دأبهم في ~~غالب الروايات المتعرضة لأسباب النزول، وعلى ذلك فالقول بنزول الآية ~~الآتية: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى" الآية فيه كما نقل ~~عن مجاهد أولى من القول بنزول هذه الآية فيه لأن الرجل من معاريف القوم ~~وهذه الآية كما تقدم في الاتباع والآية الأخرى في المتبوعين. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "مخلقة وغير مخلقة" قال: المخلقة إذا ~~صارت تاما و"غير مخلقة" قال: السقط. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ~~وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله ~~بن مسعود قال: حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الصادق ~~المصدق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع ~~كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها:. ~~أقول: والرواية مروية بطرق أخرى عنه وعن ابن عباس وأنس وحذيفة بن أسيد. # وفي متونها بعض الاختلاف، وفي بعضها وهو ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود: ~~يقال للملك: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة فينطلق ~~فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على ms5448 آخر صفتها، الحديث. # وقد ورد من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يقرب من ذلك ~~كما في قرب الإسناد للحميري عن أحمد بن محمد عن أحمد بن أبي نصر عن الرضا ~~(عليه السلام) وفيه: فإذا تمت الأربعة الأشهر بعث الله تبارك وتعالى إليها ~~ملكين خلاقين يصورانه ويكتبان رزقه وأجله وشقيا أو سعيدا. # الحديث. # وقد قدمنا في تفسير أول سورة آل عمران حديث الكافي عن الباقر (عليه ~~السلام) في تصوير الجنين وكتابة ما قدر له وفيه: أن الملكين يكتبان جميع ما ~~قدر له عن لوح يقرع جبهة أمه فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء ~~فيما يكتبان، الحديث وفي معناه غيره. # ومقتضى هذا الحديث وما في معناه جواز التغير فيما كتب للولد من كتابة كما ~~أن مقتضى ما تقدم خلافه لكن لا تنافي بين المدلولين فإن لكل شيء ومنها ~~الإنسان نصيبا في اللوح المحفوظ الذي لا سبيل للتغير والتبدل إلى ما كتب ~~فيه ونصيبا من لوح المحو والإثبات الذي يقبل التغير والتبدل فالقضاء قضاءان ~~محتوم وغير محتوم، قال تعالى: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب:" ~~الرعد: 39. # وقد تقدم الكلام في معنى القضاء واتضح به أن لوح القضاء كائنا ما كان ~~ينطبق على نظام العلية والمعلولية وينحل إلى سلسلتين: سلسلة العلل التامة ~~ومعلولاتها ولا تقبل تغييرا وسلسلة العلل الناقصة مع معاليلها وهي القابلة ~~وكأن الصنف الأول من الروايات يشير إلى ما يقضى للجنين من قضاء محتوم ~~والثاني إلى غيره وقد بينا أيضا فيما تقدم أن حتمية القضاء لفعل العبد لا ~~تنافي اختيارية الفعل فتذكر. # وفي الكافي بإسناده عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "مخلقة وغير مخلقة" قال: المخلقة هم الذر ~~الذين خلقهم الله في صلب آدم (عليه السلام)، أخذ عليهم الميثاق ثم أجراهم ~~في أصلاب الرجال وأرحام النساء وهم الذين يخرجون إلى الدنيا حتى يسألوا عن ~~الميثاق. وأما قوله: "وغير مخلقة" فهم كل نسمة لم يخلقهم الله عز ms5449 وجل في ~~صلب آدم حين خلق الذر وأخذ عليهم الميثاق، وهم النطف من العزل والسقط قبل ~~أن ينفخ فيه الروح والحياة والبقاء. # أقول: وقد تقدم توضيح معنى الحديث في البحث الروائي المتعلق بآية الذر في ~~سورة الأعراف. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن علي بن المغيرة عن أبي عبد الله عن أبيه ~~(عليه السلام) قال: إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر. PageV14P188 # أقول: وقد تقدم بعض الروايات في هذا المعنى في تفسير سورة النحل في ذيل ~~الآية 70. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس ~~قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسلمون ~~فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ~~ديننا هذا صالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط ~~قالوا: ما في ديننا هذا خير فأنزل الله: "ومن الناس من يعبد الله على حرف". # أقول: وهذا المعنى مروي عنه أيضا بغير هذا الطريق. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ~~قول الله عز وجل: "ومن الناس من يعبد الله على حرف" قال: نعم قوم وحدوا ~~الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله فخرجوا من الشرك ولم يعرفوا أن ~~محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله فهم يعبدون الله على شك في محمد ~~وما جاء به فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: ننظر فإن ~~كثرت أموالنا وعوفينا في أنفسنا وأولادنا علمنا أنه صادق وأنه رسول الله: ~~وإن كان غير ذلك نظرنا. قال الله عز وجل: "فإن أصابه خير اطمأن به" يعني ~~عافية في الدنيا "وإن أصابته فتنة" يعني بلاء في نفسه "انقلب على وجهه" ~~انقلب على شكه إلى الشرك "خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين - ~~يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه" قال: ينقلب مشركا يدعو غير ~~الله ويعبد غيره. # الحديث. # أقول: ms5450 ورواه الصدوق في التوحيد، باختلاف يسير. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: "من كان ~~يظن أن لن ينصره الله" قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا ~~والآخرة "فليمدد بسبب" قال: فليربط حبلا "إلى السماء" قال: إلى سماء بيته ~~السقف "ثم ليقطع" قال ثم يختنق به حتى يموت. # أقول: هو وإن كان تفسيرا منه لكنه في معنى سبب النزول ولذلك أوردناه. PageV14P189 ### ||| AUTO 22 سورة الحج - 17 - 24 # إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئين والنصرى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شىء شهيد (17) ألم تر أن الله ~~يسجد له من فى السموت ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ~~إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت ~~لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما فى بطونهم ~~والجلود (20) ولهم مقمع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ~~أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صرط الحميد (24) ### |||| AUTO بيان # بعد ما ذكر في الآيات السابقة اختلاف الناس واختصامهم في الله سبحانه بين ~~تابع ضال يجادل في الله بغير علم، ومتبوع مضل يجادل في الله بغير علم ~~ومذبذب يعبد الله على حرف، والذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات، ذكر في هذه ~~الآيات أن الله شهيد عليهم وسيفصل بينهم يوم القيامة وهم خاضعون مقهورون له ~~ساجدون قبال عظمته وكبريائه حقيقة وإن كان بعضهم يأبى عن السجود له ظاهرا ~~وهم الذين حق عليهم العذاب. # ثم ذكر أجر المؤمنين وجزاء غيرهم بعد فصل القضاء يوم ms5451 القيامة. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" إلخ. # المراد بالذين آمنوا بقرينة المقابلة هم الذين آمنوا بمحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وكتابهم القرآن. # والذين هادوا هم المؤمنين بموسى من قبله من الرسل الواقفون فيه وكتابهم ~~التوراة وقد أحرقها بخت نصر ملك بابل حينما استولى عليهم في أواسط القرن ~~السابع قبل المسيح فافتقدوها برهة ثم جدد كتابتها لهم عزراء الكاهن في ~~أوائل القرن السادس قبل المسيح حينما فتح كوروش ملك إيران بابل وتخلص بنو ~~إسرائيل من الإسارة ورجعوا إلى الأرض المقدسة. # والصابئون ليس المراد بهم عبدة الكواكب من الوثنية بدليل ما في الآية من ~~المقابلة بينهم وبين الذين أشركوا بل هم - على ما قيل - قوم متوسطون بين ~~اليهودية والمجوسية ولهم كتاب ينسبونه إلى يحيى بن زكريا النبي ويسمى ~~الواحد منهم اليوم عند العامة "صبي" وقد تقدم لهم ذكر في ذيل قوله: "إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين:" البقرة: 62. # والنصارى هم المؤمنون بالمسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) ومن قبله من ~~الأنبياء وكتبهم المقدسة الأناجيل الأربعة للوقا ومرقس ومتى ويوحنا وكتب ~~العهد القديم على ما اعتبرته وقدسته الكنيسة لكن القرآن يذكر أن كتابهم ~~الإنجيل النازل على عيسى (عليه السلام). # والمجوس المعروف أنهم المؤمنون بزرتشت وكتابهم المقدس "أوستا" غير أن ~~تاريخ حياته وزمان ظهوره مبهم جدا كالمنقطع خبره وقد افتقدوا الكتاب ~~باستيلاء إسكندر على إيران ثم جددت كتابته في زمن ملوك ساسان فأشكل بذلك ~~الحصول على حاق مذهبهم والمسلم أنهم يثبتون لتدبير العالم مبدأين مبدأ ~~الخير ومبدأ الشر يزدان وأهريمن أو النور والظلمة - ويقدسون الملائكة ~~ويتقربون إليهم من غير أن يتخذوا لهم أصناما كالوثنية، ويقدسون البسائط ~~العنصرية وخاصة النار وكانت لهم بيوت نيران بإيران والصين والهند وغيرها ~~وينهون الجميع إلى "أهورامزدا" موجد الكل. PageV14P190 # والذين أشركوا هم الوثنية عبدة الأصنام وأصول مذاهبهم ثلاثة: الوثنية ~~الصابئة، والبرهمانية، والبوذية، وقد كان هناك أقوام آخرون يعبدون من ~~الأصنام ما شاءوا كما شاءوا من ms5452 غير أن يبنوه على أصل منظم كعرب الحجاز ~~وطوائف في أطراف المعمورة وقد تقدم تفصيل القول فيهم في الجزء العاشر من ~~الكتاب. # وقوله: "إن ربك يفصل بينهم يوم القيامة" المراد به فصل القضاء فيما اختلف ~~فيه أصحاب هذه المذاهب واختصموا فينفصل المحق منهم ويتميز من المبطل ~~انفصالا وتميزا لا يستره ساتر ولا يحجبه حاجب. # وتكرار إن في الآية للتأكيد دعى إلى ذلك طول الفصل بين "إن" في صدر الآية ~~وبين خبرها ونظيره ما في قوله: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم:" النحل: 110، وقوله "ثم إن ربك ~~للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم:" النحل: 119. # وقوله: "إن الله على كل شيء شهيد" تعليل للفصل إنه فصل بالحق. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب" إلى آخر الآية، الظاهر أن الخطاب ~~لكل من يرى ويصلح لأن يخاطب، والمراد بالرؤية العلم، ويمكن أن يختص بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ويكون المراد بالرؤية الرؤية القلبية كما قال ~~فيه: "ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى:" النجم: 12. # وتعميم السجدة لمثل الشمس والقمر والنجوم والجبال من غير أولي العقل دليل ~~على أن المراد بها السجدة التكوينية وهي التذلل والصغار قبال عزته وكبريائه ~~تعالى وتحت قهره وسلطنته، ولازمه أن يكون "من في الأرض" شاملا لنوع الإنسان ~~من مؤمن وكافر إذ لا استثناء في السجدة التكوينية والتذلل الوجودي. # وعدم ذكر نفس السماوات والأرض في جملة الساجدين مع شمول الحكم لهما في ~~الواقع يعطي أن معنى الكلام أن المخلوقات العلوية والسفلية من ذي عقل وغير ~~ذي عقل ساجدة لله متذللة في وجودها تجاه عزته وكبريائه، ولا تزال تسجد له ~~تعالى سجودا تكوينيا اضطراريا. # وقوله: "وكثير من الناس" عطف على "من في السماوات" إلخ. # أي ويسجد له كثير من الناس، وإسناد السجود إلى ms5453 كثير من الناس بعد شموله ~~في الجملة السابقة لجميعهم دليل على أن المراد بهذا السجود نوع آخر من ~~السجود غير السابق وإن كانا مشتركين في أصل معنى التذلل، وهذا النوع هو ~~السجود التشريعي الاختياري بالخرور على الأرض تمثيلا للسجود والتذلل ~~التكويني الاضطراري وإظهارا لمعنى العبودية. # وقوله: "وكثير حق عليه العذاب" المقابلة بينه وبين سابقه يعطي أن معناه ~~وكثير منهم يأبى عن السجود، وقد وضع موضعه ما هو أثره اللازم المترتب عليه ~~وهو ثبوت العذاب على من استكبر على الله وأبى أن يخضع له تعالى، وإنما وضع ~~ثبوت العذاب موضع الإباء عن السجدة للدلالة على أنه هو عملهم يرد إليهم، ~~وليكون تمهيدا لقوله تلوا: "ومن يهن الله فما له من مكرم" الدال على أن ~~ثبوت العذاب لهم إثر إبائهم عن السجود هوان وخزي يتصل بهم ليس بعده كرامة وخير. # فإباؤهم عن السجود يستتبع بمشية الله تعالى ثبوت العذاب لهم وهو إهانة ~~ليس بعده إكرام أبدا إذ الخير كله بيد الله كما قال، "بيدك الخير:" آل ~~عمران: 26 فإذا منعه أحدا لم يكن هناك من يعطيه غيره. # وقوله: "إن الله يفعل ما يشاء" كناية عن عموم القدرة وتعليل لما تقدمه من ~~حديث إثباته العذاب للمستكبرين عن السجود له وإهانتهم إهانة لا إكرام بعده. # فالمعنى - والله أعلم - أن الله يميز يوم القيامة بين المختلفين فإنك ~~تعلم أن الموجودات العلوية والسفلية يخضعون ويتذللون له تكوينا لكن الناس ~~بين من يظهر في مقام العبودية الخضوع والتذلل له وبين من يستكبر عن ذلك ~~وهؤلاء هم الذين حق عليهم العذاب وأهانهم الله إهانة لا إكرام بعده وهو ~~قادر على ما يشاء فعال لما يريد، ومن هنا يظهر أن للآية اتصالا بما قبلها. PageV14P191 # قوله تعالى: "هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار يصب من فوق رءوسهم الحميم" الإشارة بقوله: "هذان" إلى القبيلين اللذين ~~دل عليهما قوله سابقا: "إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" وقوله بعده: ~~"وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب". # ويعلم ms5454 من حصر المختلفين على كثرة أديانهم ومذاهبهم في خصمين اثنين أنهم ~~جميعا منقسمون إلى محق ومبطل إذ لو لا الحق والباطل لم ينحصر الملل والنحل ~~على تشتتها في اثنين البتة، والمحق والمبطل هما المؤمن بالحق والكافر به ~~فهذه الطوائف على تشتت أقوالهم ينحصرون في خصمين اثنين وعلى انحصارهم في ~~خصمين اثنين لهم أقوال مختلفة فوق اثنين فما أحسن تعبيره بقوله: "خصمان ~~اختصموا" حيث لم يقل: خصوم اختصموا ولم يقل: خصمان اختصما. # وقد جعل اختصامهم في ربهم أي أنهم اختلفوا في وصف ربوبيته تعالى فإلى وصف ~~الربوبية يرجع اختلافات المذاهب بالغة ما بلغت فهم بين من يصف ربه بما ~~يستحقه من الأسماء والصفات وما يليق به من الأفعال فيؤمن بما وصف وهو الحق ~~ويعمل على ما يقتضيه وصفه وهو العمل الصالح فهو المؤمن العامل بالصالحات، ~~ومن لا يصفه بما يستحقه من الأسماء والصفات كمن يثبت له شريكا أو ولدا ~~فينفي وحدانيته أو يسند الصنع والإيجاد إلى الطبيعة أو الدهر أو ينكر ~~النبوة أو رسالة بعض الرسل أو ضروريا من ضروريات الدين الحق فيكفر بالحق ~~ويستره وهو الكافر فالمؤمن بربه والكافر بالمعنى الذي ذكرهما الخصمان. # ثم شرع في جزاء الخصمين وبين عاقبة أمر كل منهما بعد فصل القضاء وقدم ~~الذين كفروا فقال: "فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم ~~الحميم" أي الماء الحار المغلي. # قوله تعالى: "يصهر به ما في بطونهم والجلود" الصهر الإذابة أي يذوب وينضج ~~بذاك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والجلود. # قوله تعالى: "ولهم مقامع من حديد" المقامع جمع مقمعة وهي المدقة والعمود. # قوله تعالى: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق" ضمير "منها" للنار و"من غم" بيان له أو من بمعنى السببية والحريق ~~بمعنى المحرق كالأليم بمعنى المؤلم. # قوله تعالى: "إن الله يدخل الذين آمنوا" إلى آخر الآية، الأساور على ما ~~قيل - جمع أسورة وهي جمع سوار وهو على ما ذكره الراغب معرب "دستواره" ~~والباقي ظاهر. # قوله تعالى: ms5455 "وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد" الطيب من ~~القول ما لا خباثة فيه وخبيث القول باطله على أقسامه، وقد جمع القول الطيب ~~كله قوله تعالى إخبارا عنهم: "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين:" يونس: 10 فهدايتهم إلى الطيب من ~~القول تيسيره لهم، وهدايتهم إلى صراط الحميد والحميد من أسمائه تعالى أن لا ~~يصدر عنهم إلا محمود الفعل كما لا يصدر عنهم إلا طيب القول. # وبين هذه الآية وقوله: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ~~وذوقوا عذاب الحريق" مقابلة ظاهرة. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) في حديث: ~~قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فقام إليه الأشعث بن قيس فقال يا ~~أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل إليهم كتاب ولم يبعث ~~إليهم نبي؟ قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله إليهم كتابا وبعث إليهم رسولا ~~حتى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها. فلما أصبح ~~تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنست علينا ديننا ~~وأهلكته فاخرج نطهرك ونقيم عليك الحد فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا قولي فإن ~~يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا فشأنكم فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أن الله ~~لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حواء؟ قالوا: صدقت أيها الملك ~~قال: أوليس قد زوج بنيه بناته وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين ~~فتعاقدوا على ذلك فمحا الله ما في صدورهم من العلم ورفع عنهم الكتاب فهم ~~الكفرة يدخلون النار بلا حساب والمنافقون أشد حالا منهم. قال الأشعث. والله ~~ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها أبدا. PageV14P192 # أقول: قوله: "والمنافقون أشد حالا منهم" فيه تعريض للأشعث وفي كون المجوس ~~من أهل الكتاب روايات أخر فيها أنهم كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فأحرقوه. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "إن الله ms5456 يفعل ما يشاء": أخرج ابن أبي ~~حاتم واللالكائي في السنة، والخلعي في فوائده، عن علي: أنه قيل له: إن ~~هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة فقال له علي: يا عبد الله خلقك الله لما يشاء ~~أو لما شئت؟ قال بل لما يشاء قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا ~~شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال بل إذا شاء. قال فيدخلك الجنة ~~حيث شاء أو حيث شئت؟ قال: بل حيث شاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت ~~الذي فيه عيناك بالسيف. # أقول: ورواه في التوحيد، بإسناده عن عبد الله بن الميمون القداح عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه (عليه السلام) وفيه: "فيدخلك حيث يشاء أو حيث شئت" ولم ~~يذكر الجنة. # وقد تقدمت رواية في هذا المعنى شرحناها في ذيل قوله: "ولا يضل به إلا ~~الفاسقين:" البقرة: 26 في الجزء الأول من الكتاب. # وفي التوحيد، بإسناده إلى سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا (عليه ~~السلام): المشية من صفات الأفعال فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد. # أقول: في قوله (عليه السلام) ثانيا: "لم يزل مريدا شائيا تلويح إلى اتحاد ~~الإرادة والمشية وهو كذلك فإن المشية معنى يوصف به الإنسان إذا اعتبر كونه ~~فاعلا شاعرا بفعله المضاف إليه، وإذا تمت فاعليته بحيث لا ينفك عنه الفعل ~~سمي هذا المعنى بعينه إرادة، وعلى أي حال هو وصف خارج عن الذات طار عليه، ~~ولذلك لا يتصف تعالى بها كاتصافه بصفاته الذاتية كالعلم والقدرة لتنزهه عن ~~تغير الذات بعروض العوارض بل هي من صفات فعله منتزعة من نفس الفعل أو من ~~حضور الأسباب عليه. # فقولنا: أراد الله كذا معناه أنه فعله عالما بأنه أصلح أو أنه هيأ أسبابه ~~عالما بأنه أصلح، وإذا كانت بمعناها الذي فينا غير الذات فلو قيل: لم يزل ~~الله مريدا كان لازمه إثبات شيء أزلي غير مخلوق له معه وهو خلاف توحيده، ~~وأما قول القائل: إن معنى الإرادة هو العلم بالأصلح، والعلم ms5457 من صفات الذات ~~فلم يزل مريدا أي عالما بما فعله أصلح فهو إرجاع للإرادة إلى العلم ولا ~~محذور فيه غير أن عد الإرادة على هذا صفة أخرى وراء الحياة والعلم والقدرة ~~لا وجه له. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه ~~الآية "هذان خصمان اختصموا في ربهم إلى قوله إن الله يفعل ما يريد" نزلت في ~~الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة بن المطلب وعبيدة بن ~~الحارث وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. قال علي ~~أنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة:. أقول: ~~ورواه فيه، أيضا عن عدة من أصحاب الجوامع عن قيس بن سعد بن عبادة وابن عباس ~~وغيرهما، ورواه في مجمع البيان، عن أبي ذر وعطاء:. وفي الخصال، عن النضر بن ~~مالك قال: قلت للحسين بن علي (عليهما السلام): يا با عبد الله حدثني عن ~~قوله تعالى: "هذان خصمان اختصموا في ربهم" فقال: نحن وبنو أمية اختصمنا في ~~الله تعالى: قلنا صدق الله، وقالوا: كذب، فنحن الخصمان يوم القيامة. # أقول: وهو من الجري، ونظيره ما في الكافي، بإسناده عن ابن أبي حمزة عن ~~الباقر (عليه السلام): فالذين كفروا بولاية علي (عليه السلام) قطعت لهم ~~ثياب من نار. # وفي تفسير القمي،: "وهدوا إلى الطيب من القول" قال: التوحيد والإخلاص ~~"وهدوا إلى صراط الحميد" قال: الولاية:. أقول: وفي المحاسن، بإسناده عن ~~ضريس عن الباقر (عليه السلام) ما في معناه:. وفي المجمع، وروي عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ما أحد أحب إليه الحمد من الله عز ذكره. PageV14P193 ### ||| AUTO 22 سورة الحج - 25 - 37 # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى جعلنه للناس ~~سواء العكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد ms5458 بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ ~~بوأنا لابرهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطائفين والقائمين ~~والركع السجود (26) وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من ~~كل فج عميق (27) ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومت على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعم فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمت الله ~~فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعم إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثن واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق (31) ذلك ~~ومن يعظم شعئر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منفع إلى أجل مسمى ~~ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعم فإلهكم إله وحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصبرين على ما أصابهم والمقيمى الصلوة ~~ومما رزقنهم ينفقون (35) والبدن جعلنها لكم من شعئر الله لكم فيها خير ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر كذلك سخرنها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداش وبشر ~~المحسنين (37) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات صد المشركين للمؤمنين عن المسجد الحرام وتقرعهم بالتهديد ~~وتشير إلى تشريع حج البيت لأول مرة لإبراهيم (عليه السلام) وأمره بتأذين ~~الحج في الناس وجملة من أحكام الحج. # قوله تعالى: "الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس" إلخ. # الصد المنع، و"سواء" مصدر بمعنى الفاعل، والعكوف في المكان الإقامة فيه، ~~والبادي من البدو وهو الظهور، والمراد به - كما قيل - الطارىء أي الذي ~~يقصده من خارج فيدخله، والإلحاد الميل إلى خلاف الاستقامة وأصله إلحاد حافر ~~الدابة. # والمراد بالذين كفروا مشركوا مكة الذين كفروا بالنبي (صلى ms5459 الله عليه وآله ~~وسلم) في أول البعثة قبل الهجرة وكانوا يمنعون الناس عن الإسلام وهو سبيل ~~الله والمؤمنين عن دخول المسجد الحرام لطواف الكعبة وإقامة الصلاة وسائر ~~المناسك فقوله: "يصدون" للاستمرار ولا ضير في عطفه على الفعل الماضي في ~~قوله "الذين كفروا" والمعنى الذين كفروا قبل ويستمرون على منع الناس عن ~~سبيل الله والمؤمنين عن المسجد الحرام. # وبذلك يظهر أن قوله: "والمسجد الحرام" عطف على "سبيل الله" والمراد بصده ~~منعهم المؤمنين عن أداء العبادات والمناسك فيه وكان من لوازمه منع القاصدين ~~للبيت من خارج مكة من دخولها. # وبه يتبين أن المراد بقوله: "الذي جعلناه للناس" - وهو وصف المسجد الحرام ~~- جعله لعبادة الناس لا تمليك رقبته لهم فالناس يملكون أن يعبدوا الله فيه ~~ليس لأحد أن يمنع أحدا من ذلك ففيه إشارة إلى أن منعهم وصدهم عن المسجد ~~الحرام تعد منهم إلى حق الناس وإلحاد بظلم كما أن إضافة السبيل إلى الله ~~تعد منهم إلى حق الله تعالى. PageV14P194 # ويؤيد ذلك أيضا تعقيبه بقوله: "سواء العاكف فيه والباد" أي المقيم فيه ~~والخارج منه مساويان في أن لهما حق العبادة فيه لله، والمراد بالإقامة فيه ~~وفي الخارج منه إما الإقامة بمكة وفي الخارج منها على طريق المجاز العقلي ~~أو ملازمة المسجد للعبادة والطرو عليه لها. # وقوله: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" بيان لجزاء من ظلم ~~الناس في هذا الحق المشروع لهم في المسجد ولازمه تحريم صد الناس عن دخوله ~~للعبادة فيه ومفعول "يرد" محذوف للدلالة على العموم، والباء في "بإلحاد" ~~للملابسة وفي "بظلم" للسببية والجملة تدل على خبر قوله: "إن الذين كفروا" ~~في صدر الآية. # والمعنى الذين كفروا ولا يزالون يمنعون الناس عن سبيل الله وهو دين ~~الإسلام ويمنعون المؤمنين عن المسجد الحرام الذي جعلناه معبدا للناس يستوي ~~فيه العاكف فيه والبادي نذيقهم. # من عذاب أليم لأنهم يريدون الناس فيه بإلحاد بظلم ومن يرد الناس فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم. # وللمفسرين في إعراب مفردات الآية وجملها أقاويل ms5460 كثيرة جدا ولعل ما ~~أوردناه أنسب للسياق. # قوله تعالى: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر ~~بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود" بوء له مكانا كذا أي جعله مباءة ~~ومرجعا له يرجع إليه ويقصده، والمكان ما يستقر عليه الشيء فمكان البيت ~~القطعة من الأرض التي بني فيها، والمراد بالقائمين على ما يعطيه السياق هم ~~الناصبون أنفسهم للعبادة والصلاة. # والركع جمع راكع كسجد جمع ساجد والسجود جمع ساجد كالركوع جمع راكع. # وقوله: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت" الظرف فيه متعلق بمقدر أي واذكر ~~وقت كذا وفيه تذكير لقصة جعل البيت معبدا للناس ليتضح به أن صد المؤمنين عن ~~المسجد الحرام ليس إلا إلحادا بظلم. # وتبوئته تعالى مكان البيت لإبراهيم هي جعل مكانه مباءة ومرجعا لعبادته لا ~~لأن يتخذه بيت سكنى يسكن فيه، ويلوح إليه قوله بعد "طهر بيتي" بإضافة البيت ~~إلى نفسه، ولا ريب أن هذا الجعل كان وحيا لإبراهيم فقوله: "بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت" في معنى قولنا: أوحينا إلى إبراهيم أن اتخذ هذا المكان مباءة ~~ومرجعا لعبادتي وإن شئت فقل: أوحينا إليه أن اقصد هذا المكان لعبادتي، ~~وبعبارة أخرى أن اعبدني في هذا المكان. # وبذلك يتضح أن "أن" في قوله: "أن لا تشرك بي شيئا" مفسرة تفسر الوحي ~~السابق باعتباره أنه قول من غير حاجة إلى تقدير أوحينا أو قلنا ونحوه. # ويتضح أيضا أن قوله: "أن لا تشرك بي شيئا" ليس المراد به - وهو واقع في ~~هذا السياق - النهي عن الشرك مطلقا وإن كان منهيا عنه مطلقا بل المنهي عنه ~~فيه هو الشرك في العبادة التي يأتي بها حينما يقصد البيت للعبادة وبعبارة ~~واضحة الشرك فيما يأتي به من أعمال الحج كالتلبية للأوثان والإهلال لها ~~ونحوهما. # وكذا قوله: "وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود" والتطهير إزالة ~~الأقذار والأدناس عن الشيء ليعود إلى ما يقتضيه طبعه الأولي، وقد أضاف ~~البيت إلى نفسه إذ قال: "بيتي" أي بيتا يختص بعبادتي، وتطهير المعبد بما ~~أنه معبد تنزيهه من الأعمال الدنسة ms5461 والأرجاس التي تفسد العبادة وليست إلا ~~الشرك ومظاهره. # فتطهير بيته إما تنزيهه من الأرجاس المعنوية خاصة بأن يشرع إبراهيم (عليه ~~السلام) للناس ويعلمهم طريقا من العبادة لا يداخلها قذارة شرك ولا يدنسها ~~دنسه كما أمر لنفسه بذلك، وإما إزالة مطلق النجاسات عن البيت أعم من ~~الصورية والمعنوية لكن الذي يمس سياق الآية منها هو الرجس المعنوي فمحصل ~~تطهير المعبد عن الأرجاس المعنوية وتنزيهه عنها للعباد الذين يقصدونه ~~بالعبادة وضع عبادة فيه خالصة لوجه الله لا يشوبها شائب شرك يعبدون الله ~~سبحانه بها ولا يشركون به شيئا. # فالمعنى بناء على ما يهدي إليه السياق واذكر إذ أوحينا إلى إبراهيم أن ~~اعبدني في بيتي هذا بأخذه مباءة ومرجعا لعبادتي ولا تشرك بي شيئا في عبادتي ~~وسن لعبادي القاصدين بيتي من الطائفين والقائمين والركع السجود عبادة في ~~بيتي خالصة من الشرك. # وفي الآية تلويح إلى أن عمدة عبادة القاصدين له طواف وقيام وركوع وسجود ~~وإشعار بأن الركوع والسجود متقاربان كالمتلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر. PageV14P195 # ومما قيل في الآية أن قوله: "بوأنا" معناه "قلنا تبوء" وقيل: معناه ~~"أعلمنا" ومن ذلك أن "أن" في قوله: "أن لا" مصدرية وقيل: مخففة من الثقيلة، ~~ومن ذلك أن المراد بالطائفين الطارءون وبالقائمين المقيمون بمكة، وقيل: ~~المراد بالقائمين والركع السجود: المصلون، وهي جميعا وجوه بعيدة. # قوله تعالى: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل ~~فج عميق" التأذين: الإعلام برفع الصوت ولذا فسر بالنداء، والحج القصد سمي ~~به العمل الخاص الذي شرعه أولا إبراهيم (عليه السلام) وجرت عليه شريعة محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لما فيه من قصد البيت الحرام، ورجال جمع راجل ~~خلاف الراكب، والضامر المهزول الذي أضمره السير، والفج العميق - على ما قيل ~~- الطريق البعيد. # وقوله: "وأذن في الناس بالحج" أي ناد الناس بقصد البيت أو بعمل الحج ~~والجملة معطوفة على قوله: "لا تشرك بي شيئا" والمخاطب به إبراهيم وما قيل: ~~إن المخاطب نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيد ms5462 من السياق. # وقوله: "يأتوك رجالا" إلخ، جواب الأمر أي أذن فيهم وأن تؤذن فيهم يأتوك ~~راجلين وعلى كل بعير مهزول يأتين من كل طريق بعيد، ولفظة "كل" تفيد في ~~أمثال هذه الموارد معنى الكثرة دون الاستغراق. # قوله تعالى: "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" إلخ، ~~اللام للتعليل أو الغاية والجار والمجرور متعلق بقوله: "يأتوك" والمعنى ~~يأتوك لشهادة منافع لهم أو يأتوك فيشهدوا منافع لهم وقد أطلقت المنافع ولم ~~تتقيد بالدنيوية أو الأخروية. # والمنافع نوعان: منافع دنيوية وهي التي تتقدم بها حياة الإنسان ~~الاجتماعية ويصفو بها العيش وترفع بها الحوائج المتنوعة وتكمل بها النواقص ~~المختلفة من أنواع التجارة والسياسة والولاية والتدبير وأقسام الرسوم ~~والآداب والسنن والعادات ومختلف التعاونات والتعاضدات الاجتماعية وغيرها. # فإذا اجتمعت أقوام وأمم من مختلف مناطق الأرض وأصقاعها على ما لهم من ~~اختلاف الأنساب والألوان والسنن والآداب ثم تعارفوا بينهم وكلمتهم واحدة هي ~~كلمة الحق وإلههم واحد وهو الله عز اسمه ووجهتهم واحدة هي الكعبة البيت ~~الحرام حملهم اتحاد الأرواح على تقارب الأشباح ووحدة القول على تشابه الفعل ~~فأخذ هذا من ذاك ما يرتضيه وأعطاه ما يرضيه، واستعان قوم بآخرين في حل ~~مشكلتهم وأعانوهم بما في مقدرتهم فيبدل كل مجتمع جزئي مجتمعا أرقى، ثم ~~امتزجت المجتمعات فكونت مجتمعا وسيعا له من القوة والعدة ما لا تقوم له ~~الجبال الرواسي، ولا تقوى عليه أي قوة جبارة طاحنة، ولا وسيلة إلى حل ~~مشكلات الحياة كالتعاضد ولا سبيل إلى التعاضد كالتفاهم، ولا تفاهم كتفاهم الدين. # ومنافع أخروية وهي وجوه التقرب إلى الله تعالى بما يمثل عبودية الإنسان ~~من قول وفعل وعمل الحج بما له من المناسك يتضمن أنواع العبادات من التوجه ~~إلى الله وترك لذائذ الحياة وشواغل العيش والسعي إليه بتحمل المشاق والطواف ~~حول بيته والصلاة والتضحية والإنفاق والصيام وغير ذلك. # وقد تقدم فيما مر أن عمل الحج بما له من الأركان والأجزاء يمثل دورة ~~كاملة مما جرى على إبراهيم (عليه السلام) في مسيره في مراحل التوحيد ونفي ~~الشريك ms5463 وإخلاص العبودية لله سبحانه. # فإتيان الناس إبراهيم (عليه السلام) أي حضورهم عند البيت لزيارته يستعقب ~~شهودهم هذه المنافع أخرويها ودنيويها وإذا شهدوها تعلقوا بها فالإنسان ~~مجبول على حب النفع. # وقوله: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام" قال الراغب: والبهيمة ما لا نطق له وذلك لما في صوته من الإبهام ~~لكن خص في التعارف بما عدا السباع والطير فقال تعالى: "أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام". # انتهى. # وقال: والنعم مختص بالإبل وجمعه أنعام وتسميته بذلك لكون الإبل عندهم ~~أعظم نعمة، لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها: أنعام حتى ~~تكون في جملتها الإبل. # انتهى. # فالمراد ببهيمة الأنعام الأنواع الثلاثة: الإبل والبقر والغنم من معز أو ~~ضأن والإضافة بيانية. PageV14P196 # والجملة أعني قوله: "ويذكروا"، إلخ معطوف على قوله: "يشهدوا" أي وليذكروا ~~اسم الله في أيام معلومات أي في أيام التشريق على ما فسرها أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) وهي يوم الأضحى عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده. # وظاهر قوله: "على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" أنه متعلق بقوله: "يذكروا" ~~وقوله: "من بهيمة الأنعام" بيان للموصول والمراد ذكرهم اسم الله على ~~البهيمة - الأضحية - عند ذبحها أو نحوها على خلاف ما كان المشركون يهلونها ~~لأصنامهم. # وقد ذكر الزمخشري أن قوله: "ويذكروا اسم الله" إلخ كناية عن الذبح والنحر ~~ويبعده أن في الكلام عناية خاصة بذكر اسمه تعالى بالخصوص والعناية في ~~الكناية متعلقة بالمكني عنه دون نفس الكناية، ويظهر من بعضهم أن المراد ~~مطلق ذكر اسم الله في أيام الحج وهو كما ترى. # وقوله: "فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" البائس من البؤس وهو شدة الضر ~~والحاجة، والذي اشتمل عليه الكلام حكم ترخيصي إلزامي. # قوله تعالى: "ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق" ~~التفث شعث البدن، وقضاء التفث إزالة ما طرأ بالإحرام من الشعث بتقليم ~~الأظفار وأخذ الشعر ونحو ذلك وهو كناية عن الخروج من الإحرام. # والمراد بقوله: "وليوفوا نذورهم" إتمام ما لزمهم بنذر أو نحوه، وبقوله: ~~"وليطوفوا بالبيت العتيق" ms5464 طواف النساء على ما في تفسير أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) فإن الخروج من الإحرام يحلل له كل ما حرم به إلا النساء ~~فتحل بطواف النساء وهو آخر العمل. # والبيت العتيق هو الكعبة المشرفة سميت به لقدمه فإنه أول بيت بني لعبادة ~~الله كما قال تعالى: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين:" آل عمران: 96، وقد مضى على هذا البيت اليوم زهاء أربعة آلاف سنة ~~وهو معمور وكان له يوم نزول الآيات أكثر من ألفين وخمسمائة سنة. # قوله تعالى: "ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه" إلى آخر الآية ~~الحرمة، ما لا يجوز انتهاكه ووجب رعايته، والأوثان جمع وثن وهو الصنم، ~~والزور الميل عن الحق ولذا يسمى الكذب وقول الباطل زورا. # وقوله: "ذلك" أي الأمر ذلك أي الذي شرعناه لإبراهيم (عليه السلام) ومن ~~بعده من نسك الحج هو ذلك الذي ذكرناه وأشرنا إليه من الإحرام والطواف ~~والصلاة والتضحية بالإخلاص لله والتجنب عن الشرك. # وقوله: "ومن يعظم حرمات الله فهو خير له" ندب إلى تعظيم حرمات الله وهي ~~الأمور التي نهى عنها وضرب دونها حدودا منع عن تعديها واقتراف ما وراءها ~~وتعظيمها الكف عن التجاوز إليها. # والذي يعطيه السياق أن هذه الجملة توطئة وتمهيد لما بعدها من قوله "وأحلت ~~لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم" فإن انضمام هذه الجملة إلى الجملة قبلها ~~يفيد أن الأنعام - على كونها مما رزقهم الله وقد أحلها لهم - فيها حرمة ~~إلهية وهي التي يدل عليها الاستثناء - إلا ما يتلى عليكم -. # والمراد بقوله ما يتلى عليكم" استمرار التلاوة، فإن محرمات الأكل نزلت في ~~سورة الأنعام وهي مكية وفي سورة النحل وهي نازلة في آخر عهده (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بمكة وأول عهده بالمدينة، وفي سورة البقرة وقد نزلت في ~~أوائل الهجرة بعد مضي ستة أشهر منها - على ما روي - ولا موجب لجعل "يتلى" ~~للاستقبال وأخذه إشارة إلى آية سورة المائدة كما فعلوه. # والآيات المتضمنة لمحرمات الأكل وإن تضمنت منها عدة ms5465 أمور كالميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله إلا أن العناية في الآية بشهادة سياق ما ~~قبلها وما بعدها بخصوص ما أهل به لغير الله فإن المشركين كانوا يتقربون في ~~حجهم - وهو السنة الوحيدة الباقية بينهم من ملة إبراهيم - بالأصنام ~~المنصوبة على الكعبة وعلى الصفا وعلى المروة وبمنى ويهلون بضحاياهم لها ~~فالتجنب منها ومن الإهلال بذكر أسمائها هو الغرض المعنى به من الآية وإن ~~كان أكل الميتة والدم ولحم الخنزير أيضا من جملة حرمات الله. PageV14P197 # ويؤيد ذلك أيضا تعقيب الكلام بقوله: "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا ~~قول الزور" فإن اجتناب الأوثان واجتناب قول الزور وإن كانا من تعظيم حرمات ~~الله ولذلك تفرع "فاجتنبوا الرجس" على ما تقدمه من قوله: "ومن يعظم حرمات ~~الله فهو خير له عند ربه" لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في ~~سياق آيات الحج بالذكر ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحج يومئذ وإصرار ~~المشركين على التقرب من الأصنام هناك وإهلال الضحايا باسمها. # وبذلك يظهر أن قوله: "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" نهي ~~عام عن التقرب إلى الأصنام وقول الباطل أورد لغرض التقرب إلى الأصنام في ~~عمل الحج كما كانت عادة المشركين جارية عليه، وعن التسمية باسم الأصنام على ~~الذبائح من الضحايا، وعلى ذلك يبتني التفريع بالفاء. # وفي تعليق حكم الاجتناب أولا بالرجس ثم بيانه بقوله: "من الأوثان" إشعار ~~بالعلية كأنه قيل: اجتنبوا الأوثان لأنها رجس وفي تعليقه بنفس الأوثان دون ~~عبادتها أو التقرب أو التوجه إليها أو مسها ونحو ذلك - مع أن الاجتناب إنما ~~يتعلق على الحقيقة بالأعمال دون الأعيان - مبالغة ظاهرة. # وقد تبين بما مر أن "من" في قوله: "من الأوثان" بيانية، وذكر بعضهم أنها ~~ابتدائية، والمعنى: اجتنبوا الرجس الكائن من الأوثان وهو عبادتها، وذكر ~~آخرون أنها تبعيضية، والمعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو بعض جهات الأوثان وهو ~~عبادتها، وفي الوجهين من التكلف وإخراج معنى الكلام عن استقامته ما لا يخفى. # قوله تعالى: "حنفاء لله غير مشركين به ومن ms5466 يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير" إلخ، الحنفاء جمع حنيف وهو المائل من الأطراف إلى حاق الوسط. # وكونهم حنفاء لله ميلهم عن الأغيار وهي الآلهة من دون الله إليه فيتحد مع ~~قوله غير مشركين به معنى. # وهما أعني قوله: "حنفاء لله" وقوله: "غير مشركين به" حالان عن فاعل ~~"فاجتنبوا" أي اجتنبوا التقرب من الأوثان والإهلال لها حال كونكم مائلين ~~إليه ممن سواه غير مشركين به في حجكم فقد كان المشركون يلبون في الحج ~~بقولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # وقوله: "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير" أي تأخذه ~~بسرعة، شبه المشرك في شركه وسقوطه به من أعلى درجات الإنسانية إلى هاوية ~~الضلال فيصيده الشيطان، بمن سقط من السماء فتأخذه الطير. # وقوله: "أو تهوي به الريح في مكان سحيق" أي بعيد في الغاية وهو معطوف على ~~"تخطفه الطير" تشبيه آخر من جهة البعد. # قوله تعالى: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" "ذلك" خبر ~~لمبتدإ محذوف أي الأمر ذلك الذي قلنا، والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، ~~وشعائر الله الأعلام التي نصبها الله تعالى لطاعته كما قال: "إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله" وقال: "والبدن جعلناها لكم من شعائر الله" الآية. # والمراد بها البدن التي تساق هديا وتشعر أي يشق سنامها من الجانب الأيمن ~~ليعلم أنها هدي على ما في تفسير أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ويؤيده ظاهر ~~قوله تلوا: "لكم فيها منافع" إلخ، وقوله بعد: "والبدن جعلناها" الآية، ~~وقيل: المراد بها جميع الأعلام المنصوبة للطاعة، والسياق لا يلائمه. # وقوله: "فإنها من تقوى القلوب" أي تعظيم الشعائر الإلهية من التقوى، ~~فالضمير لتعظيم الشعائر المفهوم من الكلام ثم كأنه حذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه فأرجع إليه الضمير. # وإضافة التقوى إلى القلوب للإشارة إلى أن حقيقة التقوى وهي التحرز ~~والتجنب عن سخطه تعالى والتورع عن محارمه أمر معنوي يرجع إلى القلوب وهي ~~النفوس وليست هي جسد الأعمال التي هي حركات ms5467 وسكنات فإنها مشتركة بين الطاعة ~~والمعصية كالمس في النكاح والزنا، وإزهاق الروح في القتل قصاصا أو ظلما ~~والصلاة المأتي بها قربة أو رياء وغير ذلك، ولا هي العناوين المنتزعة من ~~الأفعال كالإحسان والطاعة ونحوها. PageV14P198 # قوله تعالى: "لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق" ~~المحل بكسر الحاء اسم زمان بمعنى وقت حلول الأجل، وضمير فيها للشعائر، ~~والمعنى على تقدير كون المراد بالشعائر بدن الهدي أن لكم في هذه الشعائر - ~~وهي البدن - منافع من ركوب ظهرها وشرب ألبانها عند الحاجة إلى أجل مسمى هو ~~وقت نحرها ثم محلها أي وقت حلول أجلها للنحر منته إلى البيت العتيق أو ~~بانتهائها إليه، والجملة في معنى قوله: "هديا بالغ الكعبة" هذا على تفسير ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وأما على القول بكون المراد بالشعائر مناسك الحج فقيل المراد بالمنافع ~~التجارة إلى أجل مسمى ثم محل هذه المناسك ومنتهاها إلى البيت العتيق لأن ~~آخر ما يأتي به من الأعمال الطواف بالبيت. # قوله تعالى: "ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام" إلى آخر الآية. # المنسك مصدر ميمي واسم زمان ومكان، وظاهر قوله: "ليذكروا اسم الله" إلخ ~~أنه مصدر ميمي بمعنى العبادة وهي العبادة التي فيها ذبح وتقريب قربان. # والمعنى: ولكل أمة - من الأمم السالفة المؤمنة - جعلنا عبادة من تقريب ~~القرابين ليذكروا اسم الله على بهيمة الأنعام التي رزقهم الله أي لستم معشر ~~أتباع إبراهيم أول أمة شرعت لهم التضحية وتقريب القربان فقد شرعنا لمن ~~قبلكم ذلك. # وقوله: "فإلهكم إله واحد فله أسلموا" أي إذ كان الله سبحانه هو الذي شرع ~~لكم وللأمم قبلكم هذا الحكم فإلهكم وإله من قبلكم إله واحد فأسلموا ~~واستسلموا له بإخلاص عملكم له ولا تتقربوا في قرابينكم إلى غيره فالفاء في ~~"فإلهكم" لتفريع السبب على المسبب وفي قوله: "فله أسلموا" لتفريع المسبب ~~على السبب. # وقوله: "وبشر المخبتين" فيه تلويح إلى أن من أسلم لله في حجه مخلصا فهو ~~من المخبتين، وقد فسره بقوله: ms5468 "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين ~~على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" وانطباق الصفات ~~المعدودة في الآية وهي الوجل والصبر وإقامة الصلاة والإنفاق، على من حج ~~البيت مسلما لربه معلوم. # قوله تعالى: "والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير" إلى آخر ~~الآية البدن بالضم فالسكون جمع بدنة بفتحتين وهي السمينة الضخمة من الإبل، ~~والسياق أنها من الشعائر باعتبار جعلها هديا. # وقوله: "فاذكروا اسم الله عليها صواف" الصواف جمع صافة ومعنى كونها صافة ~~أن تكون قائمة قد صفت يداها ورجلاها وجمعت وقد ربطت يداها. # وقوله: "فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر" الوجوب ~~السقوط يقال: وجبت الشمس أي سقطت وغابت، والجنوب جمع جنب، والمراد بوجوب ~~جنوبها سقوطها على الأرض على جنوبها وهو كناية عن موتها، والأمر في قوله: ~~"فكلوا منها" للإباحة وارتفاع الحظر، والقانع هو الفقير الذي يقنع بما ~~أعطيه سواء سأل أم لا، والمعتر هو الذي أتاك وقصدك من الفقراء، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" ~~إلى آخر الآية. # بمنزلة دفع الدخل كأن متوهما بسيط الفهم يتوهم أن لله سبحانه نفعا في هذه ~~الضحايا ولحومها ودمائها فأجيب أن الله سبحانه لن يناله شيء من لحومها ~~ودمائها لتنزهه عن الجسمية وعن كل حاجة وإنما يناله التقوى نيلا معنويا ~~فيقرب المتصفين به منه تعالى. # أو يتوهم أن الله سبحانه لما كان منزها عن الجسمية وعن كل نقص وحاجة ولا ~~ينتفع بلحم أو دم فما معنى التضحية بهذه الضحايا فأجيب بتقرير الكلام وأن ~~الأمر كذلك لكن هذه التضحية يصحبها صفة معنوية لمن يتقرب بها وهذه الصفة ~~المعنوية من شأنها أن تنال الله سبحانه بمعنى أن تصعد إليه تعالى وتقرب ~~صاحبها منه تقريبا لا يبقى معه بينه وبينه حجاب يحجبه عنه. # وقوله: "كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم" الظاهر أن المراد ~~بالتكبير ذكره تعالى بالكبرياء والعظمة، فالهداية هي هدايته إلى طاعته ~~وعبوديته والمعنى كذلك سخرها لكم ليكون ms5469 تسخيرها وصلة إلى هدايتكم إلى طاعته ~~والتقرب إليه بتضحيتها فتذكروه بالكبرياء والعظمة على هذه الهداية. # وقيل: المراد بالتكبير معرفته تعالى بالعظمة وبالهداية الهداية إلى ~~تسخيرها والمعنى كذلك سخرها لكم لتعرفوا الله بالعظمة على ما هداكم إلى ~~طريق تسخيرها. PageV14P199 # وأول الوجهين أوجه وأمس بالسياق فإن التعليل عليه بأمر مرتبط بالمقام وهو ~~تسخيرها لتضحى ويتقرب بها إلى الله فيذكر تعالى بالكبرياء على ما هدى إلى ~~هذه العبادة التي فيها رضاه وثوابه، وأما مطلق تسخيرها لهم بالهداية إلى ~~طريق تسخيرها لهم فلا اختصاص له بالمقام. # وقوله: "وبشر المحسنين" أي الذين يأتون بالأعمال الحسنة أو بالإحسان وهو ~~الإنفاق في سبيل الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في قوله تعالى: "ومن ~~يرد فيه بإلحاد" إلخ قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه مع رجلين أحدهما مهاجري والآخر من الأنصار ~~فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن ~~الإسلام وهرب إلى مكة فنزلت فيه "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم" يعني من لجأ إلى الحرام بإلحاد يعني بميل عن الإسلام. # أقول: نزول الآية فيما ذكر لا يلائم سياقها ورجوع الذيل إلى الصدر وكونه ~~متمما لمعناه كما مر. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن الذين كفروا" إلى قوله "والباد" ~~قال: نزلت في قريش حين صدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مكة، ~~وقوله: "سواء العاكف فيه والباد" قال: أهل مكة ومن جاء من البلدان فهم سواء ~~لا يمنع من النزول ودخول الحرم وفي التهذيب، بإسناده عن الحسين بن أبي ~~العلاء قال: ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) هذه الآية "سواء العاكف فيه ~~والباد" فقال كانت مكة ليس على شيء منها باب، وكان أول من علق على بابه ~~المصراعين معاوية بن أبي سفيان، وليس ينبغي لأحد أن يمنع الحاج شيئا من ~~الدور ومنازلها. # أقول: والروايات في هذا المعنى ms5470 كثيرة وتحرير المسألة في الفقه. # وفي الكافي، عن ابن أبي عمير عن معاوية قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم" قال: كل ظلم إلحاد، ~~وضرب الخادم في غير ذنب من ذلك الإلحاد. # وفيه، بإسناده عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قوله عز وجل: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" ~~فقال: كل ظلم يظلم الرجل نفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شيء من الظلم ~~فإني أراه إلحادا، ولذلك كان يتقي أن يسكن الحرم. # أقول: ورواه أيضا في العلل عن أبي الصباح عنه (عليه السلام) وفيه: ولذلك ~~كان ينهى أن يسكن الحرم، وفي معنى هذه الرواية والتي قبلها روايات أخر. # وفي الكافي، أيضا بإسناده عن الربيع بن خثيم قال: شهدت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) وهو يطاف به حول الكعبة في محمل وهو شديد المرض فكان كلما ~~بلغ الركن اليماني أمرهم فوضعوه بالأرض فأخرج يده من كوة المحمل حتى يجرها ~~على الأرض ثم يقول: ارفعوني. فلما فعل ذلك مرارا في كل شوط قلت له: جعلت ~~فداك يا ابن رسول الله إن هذا يشق عليك فقال: إني سمعت الله عز وجل يقول: ~~"ليشهدوا منافع لهم" فقلت: منافع الدنيا أو منافع الآخرة؟ فقال: الكل. وفي ~~المجمع، في الآية وقيل: منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة وهو المروي عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام). # أقول: وإثبات إحدى المنفعتين لا ينفي العموم كما في الرواية السابقة. # وفي العيون، فيما كتبه الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن سنان في جواب ~~مسائله في العلل: وعلة الحج الوفادة إلى الله عز وجل وطلب الزيادة والخروج ~~من كل ما اقترف وليكون تائبا مما مضى مستأنفا لما يستقبل، وما فيه من ~~استخراج الأموال وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللذات والتقرب بالعبادة ~~إلى الله عز وجل والخضوع والاستكانة. والذل شاخصا في الحر والبرد والأمن ~~والخوف، دائبا في ذلك دائما. وما في ذلك ms5471 لجميع الخلق من المنافع، والرغبة ~~والرهبة إلى الله تعالى، ومنه ترك قساوة القلب وجساءة النفس ونسيان الذكر ~~وانقطاع الرجاء والأمل، وتجديد الحقوق وحظر النفس عن الفساد، ومنفعة من في ~~شرق الأرض وغربها ومن في البر والبحر ممن يحج ومن لا يحج من تاجر وجالب ~~وبائع ومشتر وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم ~~الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم. # أقول وروى فيه أيضا ما يقرب منه عن الفضل بن شاذان عنه (عليه السلام):. PageV14P200 # وفي المعاني، بإسناده عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" قال: هي ~~أيام التشريق. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، ~~وهناك ما يعارضها كما يدل على أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة، وما يدل ~~على أن المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق، والآية أشد ملاءمة ~~لما يدل على أن المراد بالمعلومات أيام التشريق. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "ثم ليقضوا تفثهم" قال: هو الحلق وما في جلد الإنسان. # وفي الفقيه، في رواية البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: التفث تقليم ~~الأظفار وطرح الوسخ وطرح الإحرام عنه. # وفي التهذيب، بإسناده عن حماد الناب قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "وليطوفوا بالبيت العتيق" قال: هو طواف ~~النساء. # أقول: وفي معنى الروايات الثلاث روايات أخرى عنهم (عليهم السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن أبان عمن أخبره عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قلت: لم سمى الله البيت العتيق؟ قال: هو بيت حر عتيق من الناس لم يملكه أحد. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن صفوان بن يحيى عن أبي بصير عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) في حديث يذكر فيه غرق قوم نوح قال: وإنما سمي البيت ~~العتيق لأنه أعتق من الغرق. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير ~~والطبراني ms5472 والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن ~~الزبير قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما سمى الله البيت ~~العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط. # أقول: أما هذه الرواية فالتاريخ لا يصدقها وقد خرب البيت ثم غيره عبد ~~الله بن الزبير نفسه ثم الحصين بن نمير بأمر يزيد ثم الحجاج بأمر عبد الملك ~~ثم القرامطة، ويمكن أن يكون مراده (صلى الله عليه وآله وسلم) الإخبار عما ~~مضى على البيت وأما الرواية السابقة عليها فلم تثبت. # وفيه، أخرج سفيان بن عيينة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس قال: الحجر من البيت لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طاف ~~بالبيت من ورائه، قال الله: "وليطوفوا بالبيت العتيق". # أقول: وفي معناه روايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جبير بن مطعم: أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت ~~وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار. # وفي المجمع،: "فاجتنبوا الرجس من الأوثان" وروى أصحابنا أن اللعب ~~بالشطرنج والنرد وسائر أنواع القمار من ذلك. "واجتنبوا قول الزور" وروى ~~أصحابنا أنه يدخل فيه الغناء وسائر الأقوال الملهية. # وفيه، وروى أيمن بن خزيم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~خطبنا فقال: أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله ثم قرأ: "فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان - واجتنبوا قول الزور":. أقول: وروى ما في الذيل في الدر ~~المنثور، عن أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أيمن:. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "لكم فيها منافع إلى أجل مسمى" قال: إن احتاج ~~إلى ظهرها ركبها من غير عنف عليها وإن كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: ms5473 يركب الرجل بدنته ~~بالمعروف. # أقول: وروى أيضا نظيره عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: قوله: "فله أسلموا وبشر المخبتين" قال: العابدين. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قول الله تعالى: "فاذكروا اسم الله عليها صواف" قال: ذلك حين تصف للنحر ~~تربط يديها ما بين الخف إلى الركبة، ووجوب جنوبها إذا وقعت على الأرض. PageV14P201 # وفيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله: "فإذا وجبت جنوبها" قال: إذا وقعت على الأرض "فكلوا ~~منها وأطعموا القانع والمعتر" قال: القانع الذي يرضى بما أعطيته ولا يسخط ~~ولا يكلح ولا يلوي شدقه غضبا، والمعتر المار بك لتطعمه. # وفي المعاني، عن سيف التمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن ~~سعيد بن عبد الملك قدم حاجا فلقي أبي فقال: إني سقت هديا فكيف أصنع؟ فقال: ~~أطعم أهلك ثلثا، وأطعم القانع ثلثا، وأطعم المسكين ثلثا. قلت: المسكين هو ~~السائل؟ قال: نعم، والقانع يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، ~~والمعتر يعتريك لا يسألك. # أقول: والروايات في المعاني السابقة عن الأئمة كثيرة وما نقلناه نبذة منها. # وفي جوامع الجامع،: في قوله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها" ~~وروي أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لطخوا البيت بالدم فلما حج المسلمون ~~أرادوا مثل ذلك فنزلت. # أقول: روى ما في معناه في الدر المنثور، عن ابن المنذر وابن مردويه عن ~~ابن عباس. # وفي تفسير القمي،: قوله عز وجل: "لتكبروا الله على ما هداكم" قال: ~~التكبير أيام التشريق في الصلوات بمنى في عقيب خمس عشر صلاة، وفي الأمصار ~~عقيب عشرة صلوات. PageV14P202 ### ||| AUTO 22 سورة الحج - 38 - 57 # إن الله يدفع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن ~~للذين يقتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ~~ديرهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو لا ms5474 دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صومع وبيع وصلوت ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوى عزيز (40) الذين إن مكنهم فى الأرض أقاموا الصلوة ~~وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عقبة الأمور (41) وإن ~~يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبرهيم وقوم لوط (43) ~~وأصحب مدين وكذب موسى فأمليت للكفرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين ~~من قرية أهلكنها وهى ظالمة فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) ~~أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها فإنها ~~لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور (46) ويستعجلونك بالعذاب ~~ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) وكأين من ~~قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير (48) قل يأيها الناس إنما ~~أنا لكم نذير مبين (49) فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة ورزق كريم ~~(50) والذين سعوا فى ءايتنا معجزين أولئك أصحب الجحيم (51) وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقى الشيطن ثم يحكم الله ءايته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقى الشيطن ~~فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظلمين لفى شقاق بعيد (53) ~~وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن ~~الله لهاد الذين ءامنوا إلى صرط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا فى مرية ~~منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله ~~يحكم بينهم فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت فى جنت النعيم (56) والذين كفروا ~~وكذبوا بئايتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات إذن المؤمنين في القتال وهي - كما قيل - أول ما نزلت في ~~الجهاد وقد كان المؤمنون منذ زمان يسألون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يأذن لهم في قتال المشركين فيقول لهم: لم أومر بشيء في القتال، وكان ~~يأتيه كل يوم وهو بمكة قبل الهجرة أفراد ms5475 من المؤمنين بين مضروب ومشجوج ~~ومعذب بالفتنة يشكون إليه ما يلقونه من عتاة مكة من المشركين فيسليهم ~~ويأمرهم بالصبر وانتظار الفرج حتى نزلت الآيات وهي تشتمل على قوله: "أذن ~~للذين يقاتلون" إلخ. # وهي - كما تقدم - أول ما نزلت في الجهاد، وقيل: أول ما نزل فيه قول ~~تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم:" البقرة: 190، وقيل: إنه ~~قوله: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم" الآية: التوبة: 111. PageV14P203 # والاعتبار يستدعي أن تكون آية سورة الحج هي التي نزلت أولا وذلك لاشتمالها ~~على الإذن صريحا واحتفافها بالتوطئة والتمهيد وتهييج القوم وتقوية قلوبهم ~~وتثبيت أقدامهم بوعد النصر تلويحا وتصريحا وذكر ما فعل الله بالقرى الظالمة ~~قبلهم وكل ذلك من لوازم تشريع الأحكام الهامة وبيانها وإبلاغها لأول مرة ~~وخاصة الجهاد الذي بناؤه على أساس التضحية والتفدية وهو أشق حكم اجتماعي ~~وأصعبه في الإسلام وأمسه بحفظ المجتمع الديني قائما على ساقه فإن إبلاغ ~~مثله لأول مرة أحوج إلى بسط الكلام واستيقاظ الأفهام كما هو مشاهد في هذه ~~الآيات. # فقد افتتحت أولا بأن الله هو مولى المؤمنين المدافع عنهم. # ثم نص على إذنهم في القتال وذكر أنهم مظلومون والقتال هو السبيل لحفظ ~~المجتمعات الصالحة ووصفهم بأنهم صالحون لعقد مجتمع ديني يعمل فيه الصالحات ~~ثم ذكر ما فعله بالقرى الظالمة قبلهم وأنه سيأخذهم كما أخذ الذين قبلهم. # قوله تعالى: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور" ~~المدافعة مبالغة في الدفع، والخوان اسم مبالغة من الخيانة وكذا الكفور من ~~الكفران والمراد بالذين آمنوا المؤمنون من الأمة وإن انطبق بحسب المورد على ~~المؤمنين في ذلك الوقت لأن الآيات تشرع القتال ولا يختص حكمه بطائفة دون ~~طائفة، والمورد لا يكون مخصصا. # والمراد بكل خوان كفور المشركون، وإنما كانوا مكثرين في الخيانة والكفران ~~لأن الله حملهم أمانة الدين الحق وجعلها وديعة عند فطرتهم لينالوا بحفظه ~~ورعايته سعادة الدارين وعرفهم إياه من طريق الرسالة فخانوه بالجحد والإنكار ~~وغمرهم بنعمه الظاهرة والباطنة فكفروا بها ولم يشكروه بالعبودية. # وفي ms5476 الآية تمهيد لما في الآية التالية من الإذن في القتال فذكر تمهيدا أن ~~الله يدافع عن الذين آمنوا وإنما يدفع عنهم المشركين لأنه يحب هؤلاء ولا ~~يحب أولئك لخيانتهم وكفرهم فهو إنما يحب هؤلاء لأمانتهم وشكرهم فهو إنما ~~يدافع عن دينه الذي عند المؤمنين. # فهو تعالى مولاهم ووليهم الذي يدفع عنهم أعداءه كما قال: "ذلك بأن الله ~~مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم:" سورة محمد: 11. # قوله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير" ~~ظاهر السياق أن المراد بقوله: "أذن" إنشاء الإذن دون الإخبار عن إذن سابق ~~وإنما هو إذن في القتال كما يدل عليه قوله: "للذين يقاتلون" إلخ، ولذا بدل ~~قوله: "الذين آمنوا" من قوله: "الذين يقاتلون" ليدل على المأذون فيه. # والقراءة الدائرة "يقاتلون" بفتح التاء مبنيا للمفعول أي الذين يقاتلهم ~~المشركون لأنهم الذين أرادوا القتال وبدءوهم به، والباء في "بأنهم ظلموا" ~~للسببية وفيه تعليل الإذن في القتال أي أذن لهم فيه بسبب أنهم ظلموا، وأما ~~ما هو الظلم فتفسيره قوله: "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق" إلخ. # وفي عدم التصريح بفاعل "أذن" تعظيم وتكبير ونظيره ما في قوله: "وإن الله ~~على نصرهم لقدير" من ذكر القدرة على النصر دون فعليته فإن فيه إشارة إلى ~~أنه مما لا يهتم به لأنه هين على من هو على كل شيء قدير. # والمعنى أذن - من جانب الله - للذين يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون بسبب ~~أنهم ظلموا - من جانب المشركين - وإن الله على نصرهم لقدير، وهو كناية عن النصر. # قوله تعالى: "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله" ~~إلى آخر الآية بيان جهة كونهم مظلومين وهو أنهم أخرجوا من ديارهم وقد ~~أخرجهم المشركون من ديارهم بمكة بغير حق يجوز لهم إخراجهم. # ولم يخرجوهم بحمل وتسفير بل آذوهم وبالغوا في إيذائهم وشددوا بالتعذيب ~~والتفتين حتى اضطروهم إلى الهجرة من مكة والتغرب عن الوطن وترك الديار ~~والأموال فقوم إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة بعد هجرة النبي (صلى ms5477 الله ~~عليه وآله وسلم)، فإخراجهم إياهم إلجاؤهم إلى الخروج. # وقوله: "إلا أن يقولوا ربنا الله" استثناء منقطع معناه ولكن أخرجوا بسبب ~~أن يقولوا ربنا الله، وفيه إشارة إلى أن المشركين انحرفوا في فهمهم وألحدوا ~~عن الحق إلى حيث جعلوا قول القائل ربنا الله وهو كلمة الحق يبيح لهم أن ~~يخرجوه من داره. # وقيل: الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الحق والمعنى أخرجوا بغير حق إلا ~~الحق الذي هو قولهم: ربنا الله. PageV14P204 # وأنت خبير بأنه لا يناسب المقام فإن الآية في مقام بيان أنهم أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق لا أنهم إنما أخرجوا بهذا الحق لا بحق غيره. # وتوصيف الذين آمنوا بهذا الوصف - كونهم مخرجين من ديارهم - وهو وصف بعضهم ~~وهم المهاجرون من باب توصيف الكل بوصف البعض بعناية الاتحاد والائتلاف فإن ~~المؤمنين إخوة وهم يد واحدة على من سواهم وتوصيف، الأمم بوصف بعض الأفراد ~~في القرآن الكريم فوق حد الإحصاء. # وقوله: "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" الصوامع جمع صومعة وهي بناء في أعلاه حدة ~~كان يتخذ في الجبال والبراري ويسكنه الزهاد والمعتزلون من الناس للعبادة، ~~والبيع جمع بيعة بكسر الباء معبد اليهود والنصارى، والصلوات جمع صلاة وهي ~~مصلى اليهود سمي بها تسمية للمحل باسم الحال كما أريد بها المسجد في قوله ~~تعالى: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - إلى قوله - ولا جنبا إلا عابري سبيل". # وقيل: هي معرب "صلوثا" بالثاء المثلثة والقصر وهي بالعبرانية المصلى، ~~والمساجد جمع مسجد وهو معبد المسلمين. # والآية وإن وقعت موقع التعليل بالنسبة إلى تشريع القتال والجهاد، ومحصلها ~~أن تشريع القتال إنما هو لحفظ المجتمع الديني من شر أعداء الدين المهتمين ~~بإطفاء نور الله فلو لا ذلك لانهدمت المعابد الدينية والمشاعر الإلهية ~~ونسخت العبادات والمناسك. # لكن المراد بدفع الله الناس بعضهم ببعض أعم من القتال فإن دفع بعض الناس ~~بعضا ذبا عن منافع الحياة وحفظا لاستقامة حال العيش سنة فطرية جارية بين ~~الناس والسنن الفطرية منتهية ms5478 إليه تعالى ويشهد به تجهيز الإنسان كسائر ~~الموجودات بأدوات وقوى تسهل له البطش ثم بالفكر الذي يهديه إلى اتخاذ وسائل ~~الدفع والدفاع عن نفسه أو أي شأن من شئون نفسه مما تتم به حياته وتتوقف ~~عليه سعادته. # والدفع بالقتال آخر ما يتوسل إليه من الدفع إذا لم ينجع غيره من قبيل آخر ~~الدواء الكي ففيه إقدام على فناء البعض لبقاء البعض وتحمل لمشقة في سبيل ~~راحة سنة جارية في المجتمع الإنساني بل في جميع الموجودات التي لها نفسية ~~ما واستقلال ما. # ففي الآية إشارة إلى أن القتال في الإسلام من فروع هذه السنة الفطرية ~~الجارية وهي دفع الناس بعضهم بعضا عن شئون حياتهم، وإذا نسب إلى الله ~~سبحانه كل ذلك دفعه الناس بعضهم ببعض حفظا لدينه عن الضيعة. # وإنما اختص انهدام المعابد بالذكر مع أن من المعلوم أنه لو لا هذا الدفع ~~لم يقم أصل الدين على ساقه وانمحت جميع آثاره لأن هذه المعابد والمعاهد هي ~~الشعائر والأعلام الدالة على الدين المذكرة له الحافظة لصورته في الأذهان. # وقوله: "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" قسم مع تأكيد بالغ على ~~نصره تعالى من ينصره بالقتال ذبا عن الدين الإلهي ولقد صدق الله وعده فنصر ~~المسلمين في حروبهم ومغازيهم فأيدهم على أعدائه ورفع ذكره ما كانوا ~~ينصرونه. # والمعنى أقسم لينصرن الله من ينصره بالدفاع عن دينه إن الله لقوي لا ~~يضعفه أحد ولا يمنعه شيء عما أراد عزيز منيع الجانب لا يتعدى إلى ساحة عزته ~~ولا يعادله شيء في سلطنته وملكه. # ويظهر من الآية أنه كان في الشرائع السابقة حكم دفاعي في الجملة وإن لم ~~يبين كيفيته. # قوله تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" إلخ توصيف آخر للذين آمنوا المذكورين في ~~أول الآيات، وهو توصيف المجموع من حيث هو مجموع من غير نظر إلى الأشخاص ~~والمراد من تمكينهم في الأرض إقدارهم على اختيار ما يريدونه من نحو الحياة ~~من غير مانع ms5479 يمنعهم أو مزاحم يزاحمهم. # يقول تعالى: إن من صفتهم أنهم إن تمكنوا في الأرض وأعطوا الحرية في ~~اختيار ما يستحبونه من نحو الحياة عقدوا مجتمعا صالحا تقام فيه الصلاة ~~وتؤتى فيه الزكاة ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتخصيص الصلاة من ~~بين الجهات العبادية والزكاة من بين الجهات المالية بالذكر لكون كل منهما ~~عمدة في بابها. PageV14P205 # وإذ كان الوصف للذين آمنوا المذكورين في صدر الآيات والمراد به عقد مجتمع ~~صالح وحكم الجهاد غير خاص بطائفة خاصة فالمراد بهم عامة المؤمنين يومئذ بل ~~عامة المسلمين إلى يوم القيامة والخصيصة خصيصتهم بالطبع فمن طبع المسلم بما ~~هو مسلم الصلاح وإن كان ربما غشيته الغواشي. # وليس المراد بهم خصوص المهاجرين بأعيانهم سواء كانت الآيات مكية أو مدنية ~~وإن كان المذكور من جهة المظلومية هو إخراجهم من ديارهم وذلك لمنافاته عموم ~~الموصوف المذكور في صدر الآيات وعموم حكم الجهاد لهم ولغيرهم قطعا. # على أن المجتمع الصالح الذي عقد لأول مرة في المدينة ثم انبسط فشمل عامة ~~جزيرة العرب في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أفضل مجتمع متكون ~~في تاريخ الإسلام تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة وتؤمر فيه بالمعروف ~~وتنهى فيه عن المنكر مشمول للآية قطعا وكان السبب الأول ثم العامل الغالب ~~فيه الأنصار دون المهاجرين. # ولم يتفق في تاريخ الإسلام للمهاجرين، خاصة أن يعقدوا وحدهم مجتمعا من ~~غير شركة من الأنصار فيقيموا الحق ويميطوا الباطل فيه اللهم إلا أن يقال: ~~إن المراد بهم أشخاص الخلفاء الراشدين أو خصوص علي (عليه السلام) على ~~الخلاف بين أهل السنة والشيعة، وفي ذلك إفساد معنى جميع الآيات. # على أن التاريخ يضبط من أعمال الصدر الأول وخاصة المهاجرين منهم أمورا لا ~~يسعنا أن نسميها إحياء للحق وإماتة للباطل سواء قلنا بكونهم مجتهدين ~~معذورين أم لا فليس المراد توصيف أشخاصهم بل المجموع من حيث هو مجموع. # وقوله: "ولله عاقبة الأمور" تأكيد لما تقدم من الوعد بالنصر وإظهار ~~المؤمنين على أعداء الدين الظالمين لهم. # قوله تعالى: ms5480 "وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح - إلى قوله - فكيف كان ~~نكير" فيه تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تكذيب قومه له ليس ~~ببدع فقد كذبت أمم قبلهم لأنبيائهم. # وإنذار وتخويف للمكذبين بالإشارة إلى ما انتهى إليه تكذيب من قبلهم من ~~الأمم وهو الهلاك بعذاب من الله تعالى. # وقد عد من تلك الأمم قوم نوح وعادا وهم قوم هود وثمود وهم قوم صالح وقوم ~~إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، وذكر تكذيب موسى. # قيل: ولم يقل: وقوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل وكانوا آمنوا به، وإنما ~~كذبه فرعون وقومه. # وقوله: "فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير" الإملاء الإمهال ~~وتأخير الأجل، والنكير الإنكار، والمعنى فأمهلت الكافرين - الذين كذبوا ~~رسلهم من هذه الأمم - ثم أخذتهم وهو كناية عن العقاب فكيف كان إنكاري لهم ~~في تكذيبهم وكفرهم؟ وهو كناية عن بلوغ الإنكار وشدة الأخذ. # قوله تعالى: "فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ~~وبئر معطلة وقصر مشيد" قرية خاوية على عروشها أي ساقطة جدرانها على سقوفها ~~فهي خربة، والبئر المعطلة الخالية من الواردين والمستقين وشاد القصر أي ~~جصصه والشيد بالكسر الجص. # وقوله: "فكأين من قرية أهلكناها ظاهر السياق أنه بيان لقوله في الآية ~~السابقة: "فكيف كان نكير" وقوله: "وبئر معطلة وقصر مشيد" عطف على قرية. # والمعنى: فكم من قرية أهلكنا أهلها حال كونهم ظالمين فهي خربة ساقطة ~~جدرانها على سقوفها، وكم من بئر معطلة باد النازلون عليها فلا وارد لها ولا ~~مستقي منها، وكم من قصر مجصص هلك سكانها لا يرى لهم أشباح ولا يسمع منهم ~~حسيس، وأصحاب الآبار أهل البدو وأصحاب القصور أهل الحضر. # قوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها" إلخ، حث وتحضيض على الاعتبار بهذه القرى الهالكة والآثار ~~المعطلة والقصور المشيدة التي تركتها تلك الأمم البائدة بالسير في الأرض ~~فإن السير فيها ربما بعث الإنسان إلى أن يتفكر في نفسه في سبب هلاكهم ~~ويستحضر ms5481 الحجج في ذلك فيتذكر أن الذي وقع بهم إنما وقع لشركهم بالله ~~وإعراضهم عن آياته واستكبارهم على الحق بتكذيب الرسل فيكون له قلب يعقل به ~~ويردعه عن الشرك والكفر هذا إن وسعه أن يستقل بالتفكير. PageV14P206 # وإن لم يسعه ذلك بعثه الاعتبار إلى أن يصغي إلى قول المشفق الناصح الذي لا ~~يريد به إلا الخير وعظة الواعظ الذي يميز له ما ينفعه مما يضره ولا عظة ~~ككتاب الله ولا ناصح كرسوله فيكون له أذن يسمع بها ما يهتدي به إلى سعادته. # ومن هنا يظهر وجه الترديد في الآية بين القلب والأذن من غير تعرض للبصر ~~وذلك لأن الترديد في الحقيقة بين الاستقلال في التعقل وتمييز الخير من الشر ~~والنافع من الضار وبين الاتباع لمن يجوز اتباعه وهذان شأن القلب والأذن. # ثم لما كان المعنيان جميعا - التعقل والسمع - في الحقيقة من شأن القلب أي ~~النفس المدركة فهو الذي يبعث الإنسان إلى متابعة ما يعقله أو سمعه من ناصح ~~مشفق عد إدراك القلب لذلك رؤية له ومشاهدة منه، ولذلك عد من لا يعقل ولا ~~يسمع أعمى القلب ثم بولغ فيه بأن حقيقة العمى هي عمى القلب دون عمى العين ~~لأن الذي يعمى بصره يمكنه أن يتدارك بعض منافعه الفائتة بعصا يتخذها أو ~~بهاد يأخذه بيده وأما القلب فلا بدل له يتسلى به، وهو قوله تعالى: "فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". # وجعل الصدر ظرفا للقلب من المجاز في النسبة، وفي الكلام مجاز آخر ثان من ~~هذا القبيل وهو نسبة العقل إلى القلب وهو للنفس، وقد تقدم التنبيه عليه مرارا. # قوله تعالى: "ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون" كان القوم يكذبون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ~~أخبرهم أن الله سبحانه وعده أن يعذبهم إن لم يؤمنوا به فكانوا يستعجلونه ~~بالعذاب استهزاء به وتعجيزا له قائلين: متى هذا الوعد؟ فرد الله عليهم ~~بقوله: "ولن يخلف الله وعده" فإن كان المراد بالعذاب ms5482 عذاب مشركي مكة فالذي ~~وعدهم من العذاب هو ما ذاقوه يوم بدر وإن كان المراد به ما يقضى به بين ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أمته بعذاب موعود لم ينزل بعد وقد ~~أخبر الله عنه في قوله: "ولكن أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم:" يونس: ~~47 إلى آخر الآيات. # وقوله: "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون" حكم بتساوي اليوم الواحد ~~والألف سنة عند الله سبحانه فلا يستقل هذا ولا يستكثر ذلك حتى يتأثر من قصر ~~اليوم الواحد وطول الألف سنة فليس يخاف الفوت حتى يعجل لهم العذاب بل هو ~~حليم ذو أناة يمهلهم حتى يستكملوا دركات شقائهم ثم يأخذهم فيما قدر لهم من ~~أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ولذا عقب الكلام بقوله ~~في الآية التالية: "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي ~~المصير". # وقوله: "وإن يوما عند ربك كألف سنة" رد لاستعجالهم بالعذاب بأن الله ~~يستوي عنده قليل الزمان وكثيره، كما أن قوله: "ولن يخلف الله وعده" تسلية ~~وتأييد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورد لتكذيبهم له فيما أخبرهم به من ~~وعد الله وتعجيزهم له واستهزائهم به. # وقيل: معنى قوله: "وإن يوما عند ربك" إن يوما من أيام الآخرة التي ~~سيعذبون فيها يعدل ألف سنة من أيام الدنيا التي يعدونها. # وقيل: المراد أن يوما لهم وهم معذبون عند ربهم يعدل في الشدة ألف سنة ~~يعذبون فيها من الدنيا. # والمعنيان لا يلائمان صدر الآية ولا الآية التالية كما هو ظاهر. # قوله تعالى: "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير" ~~الآية - كما مر - متممة لقوله: "وإن يوما عند ربك كألف سنة" بمنزلة الشاهد ~~على صدق المدعى، والمعنى: قليل الزمان وكثيره عند ربك سواء وقد أملى لكثير ~~من القرى الظالمة وأمهلها ثم أخذها بعد مهل. # وقوله: "وإلي المصير" بيان لوجه عدم تعجيله العذاب لأنه لما كان مصير كل ~~شيء إليه فلا يخاف الفوت حتى يأخذ الظالمين ms5483 بعجل. # وقد ظهر بما مر أن الآية ليست تكرارا لقوله سابقا: "فكأين من قرية" إلخ، ~~فلكل من الآيتين مفادها. # وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم وحده لأن الكلام فيها في صفة من ~~صفاته تعالى وهو الحلم والمطلوب بيان أن الله سبحانه هو خصمهم بنفسه إذ ~~خاصموا نبيه. PageV14P207 # قوله تعالى: "قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين - إلى قوله - أصحاب ~~الجحيم" أمر بإعلام الرسالة بالإنذار وبيان ما للإيمان به والعمل الصالح من ~~الأجر الجميل وهو المغفرة بالإيمان والرزق الكريم وهو الجنة بما فيها من ~~النعيم، بالعمل الصالح، وما للكفر والجحود من التبعة السيئة وهي صحابة ~~الجحيم من غير مفارقة. # وقوله: "سعوا في آياتنا معاجزين" السعي الإسراع في المشي وهو كناية عن ~~بذل الجهد في أمر آيات الله لإبطالها وإطفاء نورها بمعاجزة، الله والتعبير ~~بلفظ المتكلم مع الغير رجوع في الحقيقة إلى السياق السابق بعد إيفاء ~~الالتفات في الآية السابقة أعني قوله: "أمليت لها" إلخ. # قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته" إلخ، التمني تقدير الإنسان وجود ما يحبه سواء كان ممكنا ~~أو ممتنعا كتمني الفقير أن يكون غنيا ومن لا ولد له أن يكون ذا ولد، وتمني ~~الإنسان أن يكون له بقاء لا فناء معه وأن يكون له جناحان يطير بهما، ويسمى ~~صورته الخيالية التي يلتذ بها أمنية، والأصل في معناه المني بالفتح فالسكون ~~بمعنى التقدير، وقيل: ربما جاء بمعنى القراءة والتلاوة يقال: تمنيت الكتاب ~~أي قرأته. # والإلقاء في الأمنية المداخلة فيها بما يخرجها عن صرافتها ويفسد أمرها. # ومعنى الآية على أول المعنيين وهو كون التمني هو تمني القلب: وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى وقدر بعض ما يتمناه من توافق الأسباب ~~على تقدم دينه وإقبال الناس عليه وإيمانهم به ألقى الشيطان في أمنيته وداخل ~~فيها بوسوسة الناس وتهييج الظالمين وإغراء المفسدين فأفسد الأمر على ذلك ~~الرسول أو النبي وأبطل سعيه فينسخ الله ms5484 ويزيل ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبي وإظهار الحق والله عليم حكيم. # والمعنى: على ثاني المعنيين وهو كون التمني بمعنى القراءة والتلاوة: وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا وقرأ آيات الله ألقى الشيطان ~~شبها مضلة على الناس بالوسوسة ليجادلوه بها ويفسدوا على المؤمنين إيمانهم ~~فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشبه ويذهب به بتوفيق النبي لرده أو ~~بإنزال ما يرده. # وفي الآية دلالة واضحة على اختلاف معنى النبوة والرسالة لا بنحو العموم ~~والخصوص مطلقا كما اشتهر بينهم أن الرسول هو من بعث وأمر بالتبليغ والنبي ~~من بعث سواء أمر بالتبليغ أم، لا إذ لو كان كذلك لكان من الواجب أن يراد ~~بقوله في الآية: "ولا نبي" غير الرسول أعني من لم يؤمر بالتبليغ، وينافيه ~~قوله: "وما أرسلنا". # وقد قدمنا في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب ما يدل من روايات ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الرسول هو من ينزل عليه الملك بالوحي ~~فيراه ويكلمه والنبي هو من يرى المنام ويوحى إليه فيه، وقد استفدناه مضمون ~~هذه الروايات من قوله تعالى: "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا:" إسراء: 95 في الجزء الثالث عشر من ~~الكتاب. # وأما سائر ما قيل في الفرق بين الرسالة والنبوة كقول من قال: إن الرسول ~~من بعث بشرع جديد والنبي أعم منه وممن جاء مقررا لشرع سابق ففيه أنا قد ~~أثبتنا في مباحث النبوة أن الشرائع الإلهية لا تزيد على خمسة وهي شرائع نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد صرح القرآن على ~~رسالة جمع كثير منهم غير هؤلاء. # على أن هذا القول لا دليل له. # وقول من قال: إن الرسول من كان له كتاب والنبي بخلافه وقول من قال: إن ~~الرسول من له كتاب ونسخ في الجملة والنبي بخلافه، ويرد على القولين نظير ما ~~ورد على القول الأول. # وفي قوله: "فينسخ ms5485 الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته" التفات من ~~التكلم بالغير إلى الغيبة، والوجه فيه العناية بذكر لفظ الجلالة وإسناد ~~النسخ والإحكام إلى من لا يقوم له شيء، ولذلك بعينه أعاد لفظ الجلالة ثانيا ~~مع أنه من وضع الظاهر موضع المضمر ومنه أيضا إعادة لفظ الشيطان ثانيا دون ~~ضميره ليشار إلى أن الملقي هو الشيطان الذي لا يعبأ به وبكيده في قباله ~~تعالى، وكان الظاهر أن يقال: فينسخ ما يلقيه ثم يحكم آياته. PageV14P208 # قوله تعالى: "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم" إلخ، مرض القلب عدم استقامة حاله في التعقل بأن لا يذعن بما من ~~شأنه أن يذعن به من الحق وهو الشك والارتياب، وقساوة القلب صلابته وغلظه ~~مأخوذ من الحجر القاسي أي الصلب. # وصلابته بطلان عواطفه الرقيقة المعينة في إدراك المعاني الحقة كالخشوع ~~والرحمة والتواضع والمحبة فالقلب المريض سريع التصور للحق بطيء الإذعان به، ~~والقلب القسي بطيئهما معا، وكلاهما سريع القبول للوساوس الشيطانية. # والإلقاءات الشيطانية التي تفسد الأمور على الحق وأهله وتبطل مساعي الرسل ~~والأنبياء دون أن تؤثر أثرها وإن كانت مستندة إلى الشيطان نفسه لكنها كسائر ~~الآثار لما كانت واقعة في ملكه تعالى، ولا يقع أثر من مؤثر أو فعل من فاعل ~~إلا بإذنه، ولا يقع شيء بإذنه إلا استند إليه استنادا ما بمقدار الإذن، ولا ~~يستند إليه إلا ما فيه خير لا يخلو من مصلحة وغاية. # لذا ذكر سبحانه في هذه الآية أن لهذه الإلقاءات الشيطانية مصلحة وهي أنها ~~محنة يمتحن بها الناس عامة والامتحان من النواميس الإلهية العامة الجارية ~~في العالم الإنساني ويتوقف عليه تلبس السعيد بسعادته والشقي بشقائه، وفتنة ~~يفتتن بها الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم خاصة فإن تلبس الأشقياء ~~بكمال شقائهم من التربية الإلهية المقصودة في نظام الخلقة، قال تعالى: "كلا ~~نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا:" إسراء: 20. # وهذا معنى قوله: "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم" فاللام ms5486 في "ليجعل" للتعليل يعلل بها إلقاء الشيطان في ~~أمنية الرسول والنبي أي يفعل الشيطان كذا ليفعل الله كذا ومعناه أنه مسخر ~~لله سبحانه لغرض امتحان العباد وفتنة أهل الشك والجحود وغرورهم. # وقد تبين أن المراد بالفتنة الابتلاء والامتحان الذي ينتج الغرور والضلال ~~وبالذين في قلوبهم مرض أهل الشك من الكفار وبالقاسية قلوبهم أهل الجحود ~~والعناد منهم. # وقوله: "وإن الظالمين لفي شقاق بعيد" الشقاق والمشاقة المباينة والمخالفة ~~وتوصيفه بالبعد توصيف له بحال موصوفه، والمعنى: وإن الظالمين - وهم أهل ~~الجحود على ما يعطيه السياق أو هم وأهل الشك جميعا - لفي مباينة ومخالفة ~~بعيد صاحبها من الحق وأهله. # قوله تعالى: "وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت ~~له قلوبهم" إلخ، المتبادر من السياق أنه عطف على قوله: "ليجعل" وتعليل ~~لقوله: "فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته" والضمير في "أنه" ~~على هذا لما يتمناه الرسول والنبي المفهوم من قوله "إذا تمنى" إلخ، ولا ~~دليل على إرجاعه إلى القرآن. # والمعنى: فينسخ الله ما يلقيه الشيطان ثم يحكم آياته ليعلم الذين أوتوا ~~العلم بسبب ذاك النسخ والأحكام أن ما تمناه الرسول أو النبي هو الحق من ربك ~~لبطلان ما يلقيه الشيطان فيؤمنوا به فتخبت أي تلين وتخشع له قلوبهم. # ويمكن أن يكون قوله "وليعلم" معطوفا على محذوف ومجموع المعطوف والمعطوف ~~عليه تعليلا لما بينه في الآية السابقة من جعله تعالى هذا الإلقاء فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. # والمعنى: إنما بينا هذه الحقيقة لغاية كذا وكذا وليعلم الذين أوتوا العلم ~~أنه الحق من ربك "إلخ" على حد قوله: "وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا:" آل عمران: 140، وهو كثير الورود في القرآن. # وقوله: "إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم" في مقام التعليل لكون ~~علم الذين أوتوا العلم غاية مترتبة على فعله تعالى فيفيد أنه تعالى إنما ~~فعل ما فعل ليعلموا أن الأمر حق لأنه هاد يريد أن يهديهم فيهديهم بهذا ~~التعليم إلى صراط مستقيم. ms5487 # قوله تعالى: "ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم" إلخ الآية - ~~كما ترى - تخبر عن حرمان هؤلاء الذين كفروا من الإيمان مدى حياتهم فليس ~~المراد بهم مطلق الكفار لقبول بعضهم الإيمان بعد الكفر فالمراد به عدة من ~~صناديد قريش الذين لم يوفقوا للإيمان ما عاشوا كما في قوله: "إن الذين ~~كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون:" البقرة: 6. PageV14P209 # وعقم اليوم كونه بحيث لا يخلف يوما بعده وهو يوم الهلاك أو يوم القيامة، ~~والمراد به في الآية على ما يعطيه سياق الآية الثالثة يوم القيامة. # والمعنى ويستمر الذين كفروا في شك من القرآن حتى يأتيهم يوم القيامة أو ~~يأتيهم عذاب يوم القيامة وهو يوم يأتي بغتة لا يمهلهم حتى يحتالوا له بشيء ~~ولا يخلف بعده يوما حتى يقضى فيه ما فات قبله. # وإنما ردد بين يوم القيامة وبين عذابه لأنهم يعترفون عند مشاهدة كل منهما ~~بالحق ويطيح عنهم الريب والمرية قال تعالى: "قالوا يا ويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون:" يس: 52، وقال: "ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا:" الأحقاف: 34. # وقد ظهر بما تقدم أن تقييد اليوم تارة بكونه بغتة وتارة بالعقم للدلالة ~~على كونه بحيث لا ينفع معها حيلة ولا يقع بعدها تدارك لما فات قبله. # قوله تعالى: "الملك يومئذ لله يحكم بينهم" - إلى قوله - عذاب مهين" قد ~~تقدم مرارا أن المراد بكون الملك يومئذ لله ظهور كون الملك له تعالى لأن ~~الملك له دائما وكذا ما ورد من نظائره من أوصاف يوم القيامة في القرآن ككون ~~الأمر يومئذ لله وكون القوة يومئذ لله وهكذا. # ولسنا نعني به أن المراد بالملك مثلا في الآية ظهور الملك مجازا بل نعني ~~به أن الملك قسمان ملك حقيقي حق وملك مجازي صوري وللأشياء ملك مجازي صوري ~~ملكها الله ذلك وله تعالى مع ذلك الملك الحق بحقيقة معناه حتى إذا كان يوم ~~القيامة ارتفع كل ملك صوري عن الشيء ms5488 المتلبس به ولم يبق من الملك إلا ~~حقيقته وهو لله وحده فمن خاصة يوم القيامة أن الملك يومئذ لله وعلى هذا ~~القياس. # وقوله: "يحكم بينهم" أي ولا حاكم غيره لأن الحكم من فروع الملك فإذا لم ~~يكن يومئذ لأحد نصيب في الملك لم يكن له نصيب في الحكم. # وقوله: "فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا - وهؤلاء المعاندون المستكبرون - فأولئك لهم عذاب مهين" ~~بيان لحكمه تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: لم يؤمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بقتال ولا أذن له فيه حتى نزل جبرئيل بهذه الآية: أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا" وقلده سيفا. # وفيه،: كان المشركون يؤذون المسلمين. لا يزال يجيء مشجوج ومضروب إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويشكون ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله ~~عليه هذه الآية بالمدينة. وهي أول آية نزلت في القتال. # أقول: وروى في الدر المنثور، عن جم غفير من أرباب الجوامع، عن ابن عباس ~~وغيره: أنها أول آية نزلت في القتال. # وما اشتمل عليه بعض هذه الروايات أنها نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة إن صحت الرواية فهو اجتهاد من الراوي لما ~~مر أن الآية مطلقة وأنه لا يعقل توجيه حكم القتال إلى أشخاص من الأمة ~~بأعيانهم وهو حكم عام. # ونظير الكلام جار في قوله تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض" إلخ بل وفي ~~قوله: "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق" إلخ على ما تقدم في البيان. # وفيه،: في قوله تعالى: "الذين أخرجوا من ديارهم" وقال أبو جعفر (عليه ~~السلام): نزلت في المهاجرين وجرت في آل محمد الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأخيفوا. # أقول: وعلى ذلك يحمل ما في المناقب، عنه (عليه السلام): في الآية: نحن. ~~نزلت فينا وفي روضة الكافي عنه (عليه السلام): جرت في الحسين (عليه ms5489 ~~السلام). # وكذا ما في المجمع،: في قوله تعالى: "وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" ~~عنه (عليه السلام): نحن هم. # وكذا ما في الكافي، والمعاني، وكمال الدين، عن الصادق والكاظم (عليهما ~~السلام): في قوله تعالى: "وبئر معطلة وقصر مشيد" قالا: البئر المعطلة ~~الإمام الصامت والقصر المشيد الإمام الناطق. # وفي الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نصر السجزي ~~في الإبانة والبيهقي في شعب الإيمان والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله ~~بن جراد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس الأعمى من يعمى ~~بصره ولكن الأعمى من تعمى بصيرته. PageV14P210 # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث النبي ~~الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ~~ويرى في المنام ويعاين الملك. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخرى. # والمراد بمعاينة الملك على ما في غيره من الروايات نزول الملك عليه ~~وظهوره له وتكليمه بالوحي، وقد تقدم بعض هذه الروايات في أبحاث النبوة في ~~الجزء الثاني من الكتاب. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى" ألقى الشيطان على لسانه "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" ~~قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا. ثم جاء جبريل بعد ذلك ~~قال: أعرض علي ما جئتك به فلما بلغ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ~~لترتجى" قال جبريل لم آتك بهذا. هذا من الشيطان فأنزل الله "وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي". الآية. # أقول: الرواية مروية بطرق عديدة عن ابن عباس وجمع من التابعين وقد صححها ~~جماعة منهم الحافظ ابن حجر. # لكن الأدلة القطعية على عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) تكذب متنها وإن ~~فرضت صحة سندها فمن الواجب تنزيه ساحته المقدسة عن مثل هذه الخطيئة مضافا ~~إلى ms5490 أن الرواية تنسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أشنع الجهل وأقبحه فقد ~~تلى "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" وجهل أنه ليس من كلام الله ~~ولا نزل به جبريل، وجهل أنه كفر صريح يوجب الارتداد ودام على جهة حتى سجد ~~وسجدوا في آخر السورة ولم يتنبه ثم دام على جهله حتى نزل عليه جبريل وأمره ~~أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه وأعاد الجملتين وهو مصر على جهله حتى ~~أنكره عليه جبريل ثم أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع والخطيئة ~~الفضيحة لجميع الأنبياء والمرسلين وهي قوله: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته". # وبذلك يظهر بطلان ما ربما يعتذر دفاعا عن الحديث بأن ذلك كان سبقا من ~~لسان دفعه بتصرف من الشيطان سهوا منه (عليه السلام) وغلطا من غير تفطن. # فلا متن الحديث على ما فيه من تفصيل الواقعة ينطبق على هذه المعذرة، ولا ~~دليل العصمة يجوز مثل هذا السهو والغلط. # على أنه لو جاز مثل هذا التصرف من الشيطان في لسانه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بإلقاء آية أو آيتين في القرآن الكريم لارتفع الأمن عن الكلام الإلهي ~~فكان من الجائز حينئذ أن يكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء الشيطان ثم ~~يلقي نفس هذه الآية "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي" الآية فيضعه في ~~لسان النبي وذكره فيحسبها من كلام الله الذي نزل به جبريل كما حسب حديث ~~الغرانيق كذلك فيكشف بهذا عن بعض ما ألقاه وهو حديث الغرانيق سترا على سائر ~~ما ألقاه. # أو يكون حديث الغرانيق من الكلام الله، وآية "وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي" إلخ، وجميع ما ينافي الوثنية من كلام الشيطان ويستر بما ألقاه من ~~الآية وأبطل من حديث الغرانيق على كثير من إلقاءاته في خلال الآيات ~~القرآنية، وبذلك يرتفع الاعتماد والوثوق بكتاب الله من كل جهة وتلغو ~~الرسالة والدعوة النبوية بالكلية جلت ساحة الحق من ذلك. PageV14P211 ### ||| AUTO 22 سورة ms5491 الحج - 58 - 66 # والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ~~وإن الله لهو خير الرزقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ~~(59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) ذلك بأن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وأن الله ~~سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو البطل وأن ~~الله هو العلى الكبير (62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض ~~مخضرة إن الله لطيف خبير (63) له ما فى السموت وما فى الأرض وإن الله لهو ~~الغنى الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض والفلك تجرى فى ~~البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم (65) وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسن لكفور (66) ### |||| AUTO بيان # الآيات تعقب الغرض السابق وتبين ثواب الذين هاجروا ثم قتلوا جهادا في ~~سبيل الله أو ماتوا، وفيها بعض التحريض على القتال والوعد بالنصر كما يدل ~~عليه قوله: "ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله" الآية. # وقد اختصت هذه الآيات بخصوصية لا توجد في جميع القرآن الكريم إلا فيها ~~فهي ثمان آيات متوالية ختمت كل منها باسمين من أسماء الله الحسنى وراء لفظ ~~الجلالة وقد اجتمعت فيها - بناء على اسمية الضمير "هو" - ستة عشر اسما وإن ~~الله لهو خير الرازقين العليم الحليم العفو الغفور السميع البصير العلي ~~الكبير اللطيف الخبير الغني الحميد الرءوف الرحيم، ثم ذكر في الآية التاسعة ~~أنه تعالى يحيي ويميت وفي أثنائها أنه الحق وأن له ما في السماوات والأرض ~~وهي في معنى أربعة أسماء أعني المحيي المميت الحق المالك أو الملك فتلك ~~عشرون اسما من أسمائه اجتمعت في الآيات الثمان على ألطف وجه وأبدعه. # قوله تعالى: "والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا" لما ms5492 ذكر إخراج المهاجرين من ديارهم ظلما عقبه بذكر ما ~~يثيبهم به على مهاجرتهم ومحنتهم في سبيل الله وهو وعد حسن برزق حسن. # وقد قيد الهجرة بكونها في سبيل الله لأن المثوبة إنما تترتب على صالح ~~العمل، وإنما يكون العمل صالحا عند الله بخلوص النية فيه وكونه في سبيله لا ~~في سبيل غيره من مال أو جاه أو غيرهما من المقاصد الدنيوية، وبمثل ذلك ~~يتقيد قوله: "ثم قتلوا أو ماتوا" أي قتلوا في سبيل الله أو ماتوا وقد ~~تغربوا في سبيل الله. # وقوله: "وإن الله لهو خير الرازقين" ختم للآية يعلل به ما ذكر فيها من ~~الرزق الحسن وهو النعمة الأخروية إذ موطنها بعد القتل والموت، وفي الآية ~~إطلاق الرزق على نعم الجنة كما في قوله: "أحياء عند ربهم يرزقون": آل ~~عمران: 169. # قوله تعالى: "ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم" المدخل بضم ~~الميم وفتح الخاء اسم مكان من الإدخال واحتمال كونه مصدرا ميميا لا يناسب ~~السياق تلك المناسبة. # وتوصيف هذا المدخل وهو الجنة بقوله: "يرضونه" والرضا مطلق، دليل على ~~اشتمالها على أقصى ما يريده الإنسان كما قال: "لهم فيها ما يشاءون:" ~~الفرقان: 16. # وقوله: "ليدخلنهم مدخلا يرضونه" بيان لقوله: "ليرزقنهم الله رزقا حسنا" ~~وإدخاله إياهم مدخلا يرضونه ولا يكرهونه على الرغم من إخراج المشركين إياهم ~~إخراجا يكرهونه ولا يرضونه ولذا علله بقوله: "وإن الله لعليم حليم" أي عليم ~~بما يرضيهم فيعده لهم إعدادا حليم فلا يعاجل العقوبة لأعدائهم الظالمين لهم. # قوله تعالى: "ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور" ذلك خبر لمبتدإ محذوف أي الأمر ذلك الذي أخبرناك به ~~وذكرناه لك، والعقاب مؤاخذة الإنسان بما يكرهه بإزاء فعله ما لا يرتضيه ~~المعاقب وإنما سمي عقابا لأنه يأتي عقيب الفعل. PageV14P212 # والعقاب بمثل العقاب كناية عن المعاملة بالمثل ولما لم يكن هذه المعاملة ~~بالمثل حسنا إلا فيما كان العقاب الأول من غير حق قيده بكونه بغيا فعطف ~~قوله: "بغي عليه" بثم عليه. # وقوله: "لينصرنه ms5493 الله" ظاهر السياق - والمقام مقام الإذن في الجهاد - أن ~~المراد بالنصر هو إظهار المظلومين على الظالمين الباغين وتأييدهم عليهم في ~~القتال لكن يمكن أن يستظهر من مثل قوله: "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا:" إسراء: 33 أن المراد بالنصر هو ~~تشريع حكم للمظلوم يتدارك به ما وقع عليه من وصمة الظلم والبغي فإن في إذنه ~~أن يعامل الظالم الباغي عليه بمثل ما فعل بسطا ليده على من بسط عليه اليد. # وبهذا يتضح معنى تعليل النصر بقوله: "إن الله لعفو غفور" فإن الإذن ~~والإباحة في موارد الاضطرار والحرج وما شابه ذلك من مقتضيات صفتي العفو ~~والمغفرة كما تقدم مرارا في أمثال قوله تعالى: "فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم:" المائدة: 3 وقد أوضحنا ذلك في المجازاة ~~والعفو في آخر الجزء السادس من الكتاب. # والمعنى - على هذا - ومن عامل من عاقبه بغيا عليه بمثل ما عاقب نصره الله ~~بإذنه فيه ولم يمنعه عن المعاملة بالمثل لأن الله عفو غفور يمحو ما تستوجبه ~~هذه المعاملة والانتقام من المساءة والتبعة كأن العقاب وإيصال المكروه إلى ~~الناس مبغوض في نظام الحياة غير أن الله سبحانه يمحو ما فيه من المبغوضية ~~ويستر على أثره السيىء إذا كان عقابا من مظلوم لظالمه الباغي عليه بمثل ما ~~بغي عليه، فيجيز له ذلك ولا يمنعه بالتحريم والحظر. # وبذلك يظهر أيضا مناسبة ذكر وصف الحلم في آخر الآية السابقة - إن الله ~~لعليم حليم - ويظهر أيضا أن "ثم" في قوله: "ثم بغي عليه" للتراخي بحسب ~~الذكر لا بحسب الزمان. # وأما ما أوردوه في معنى الآية: ومن جازى الجاني بمثل ما جنى به عليه ثم ~~بغي عليه بالمعاودة إلى العقاب لينصرنه الله على من بغي عليه إن الله لعفو ~~غفور لمن ارتكبه من العقاب إذ كان تركا للأولى لأن الأولى هو الصبر والعفو ~~عن الجاني كما قال تعالى: "وأن تعفوا أقرب للتقوى"، وقال: "فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله"، ms5494 وقال: "ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور:" الشورى: 43. # ففيه أولا: أنه لما أخذت "ثم" للتراخي بحسب الزمان أفاد كون العقاب غير ~~البغي ومطلق العقاب أعم من أن يكون جناية، وعمومها للجناية وغيرها يفسد ~~معنى الكلام، وإرادة خصوص الجناية منه - كما فسر - إرادة معنى لا دليل عليه ~~من جهة اللفظ. # وثانيا: أنه فسر النصرة بالنصرة التكوينية دون التشريعية فكان إخبارا عن ~~نصره تعالى المظلوم على الظالم إذا قابله بالمجازاة على جنايته ثم بغيه ~~والواقع ربما يتخلف عن ذلك. # وثالثا: أن قتال المشركين والجهاد في سبيل الله من مصاديق هذه الآية ~~قطعا، ولازم ما ذكر أن يكون تركه بالعفو عنهم أولى من فعله وهو واضح ~~الفساد. # قوله تعالى: "ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وأن الله سميع بصير" إيلاج كل من الليل والنهار في الآخر حلوله محل الآخر ~~كورود ضوء الصباح على ظلمة الليل كشيء يلج في شيء ثم اتساعه وإشغال النهار ~~من الفضاء ما أشغله الليل، وورود ظلمة المساء على نور النهار كشيء يلج في ~~شيء ثم اتساعها وشمول الليل. # والمشار إليه بذلك - بناء على ما تقدم من معنى النصر - ظهور المظلوم ~~بعقابه على الظالم الباغي عليه، والمعنى أن ذلك النصر بسبب أن من سنة الله ~~أن يظهر أحد المضادين والمتزاحمين على الآخر كما يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وأن الله سميع لأقوالهم بصير بأعمالهم فينصر المظلوم ~~وهو مهضوم الحق بعينه وما يسأله بلسان حاله في سمعه. # وذكر في معنى الآية وجوه أخر غير منطبقة على السياق رأينا الصفح عن ذكرها أولى. # قوله تعالى: "ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ~~الله هو العلي الكبير" الإشارة بذلك إلى النصر أو إليه وإلى ما ذكر من سببه. PageV14P213 # والحصر أن في قوله: "بأن الله هو الحق" وقوله: "وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل" إما بمعنى أنه تعالى حق لا يشوبه باطل وأن ما يدعون من دونه ms5495 وهي ~~الأصنام باطل لا يشوبه حق فهو قادر على أن يتصرف في تكوين الأشياء وأن يحكم ~~لها وعليها بما شاء. # وإما بمعنى أنه تعالى حق بحقيقة معنى الكلمة مستقلا بذلك لا حق غيره إلا ~~ما حققه هو، وأن ما يدعون من دونه وهي الأصنام بل كل ما يركن إليه ويدعى ~~للحاجة من دون الله هو الباطل لا غيره إذ مصداق غيره هو الله سبحانه فافهم ~~ذلك، وإنما كان باطلا إذ كان لا حقية له باستقلاله. # والمعنى - على أي تقدير - أن ذلك التصرف في التكوين والتشريع من الله ~~سبحانه بسبب أنه تعالى حق يتحقق بمشيته كل حق غيره، وأن آلهتهم من دون الله ~~وكل ما يركن إليه ظالم باغ من دونه باطل لا يقدر على شيء. # وقوله: "وأن الله هو العلي الكبير" علوه تعالى بحيث يعلو ولا يعلى عليه ~~وكبره بحيث لا يصغر لشيء بالهوان والمذلة من فروع كونه حقا أي ثابتا لا ~~يعرضه زوال وموجودا لا يمسه عدم. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن ~~الله لطيف خبير" استشهاد على عموم القدرة المشار إليها آنفا بإنزال الماء ~~من السماء - والمراد بها جهة العلو - وصيرورة الأرض بذلك مخضرة. # وقوله: "إن الله لطيف خبير" تعليل لجعل الأرض مخضرة بإنزال الماء من ~~السماء فتكون نتيجة هذا التعليل وذاك الاستشهاد كأنه قيل: إن الله ينزل كذا ~~فيكون كذا لأنه لطيف خبير وهو يشهد بعموم قدرته. # قوله تعالى: "له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد" ~~ظاهره أنه خبر بعد خبر لأن فهو تتمة التعليل في الآية السابقة كأنه قيل: إن ~~الله لطيف خبير مالك لما في السماوات وما في الأرض يتصرف في ملكه كما يشاء ~~بلطف وخبرة، ويمكن أن يكون استئنافا يفيد تعليلا باستقلاله. # وقوله: "وإن الله لهو الغني الحميد" يفيد عدم حاجته إلى شيء من تصرفاته ~~بما هو غني على الإطلاق وهي مع ذلك جميلة نافعة يحمد عليها بما هو حميد على ms5496 ~~الإطلاق فمفاد الاسمين معا أنه تعالى لا يفعل إلا ما هو نافع لكن لا يعود ~~نفعه إليه بل إلى الخلق أنفسهم. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض" إلخ، استشهاد آخر على ~~عموم القدرة، والمقابلة بين تسخير ما في الأرض وتسخير الفلك في البحر يؤيد ~~أن المراد بالأرض البر مقابل البحر، وعلى هذا فتعقيب الجملتين بقوله: ~~"ويمسك السماء" إلخ، يعطي أن محصل المراد أن الله سخر لكم ما في السماء ~~والأرض برها وبحرها. # والمراد بالسماء جهة العلو وما فيها فالله يمسكها أن تقع على الأرض إلا ~~بإذنه مما يسقط من الأحجار السماوية والصواعق ونحوها. # وقد ختم الآية بصفتي الرأفة والرحمة تتميما للنعمة وامتنانا على الناس. # قوله تعالى: "وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور" ~~سياق الماضي في "أحياكم" يدل على أن المراد به الحياة الدنيا وأهمية المعاد ~~بالذكر تستدعي أن يكون المراد من قوله: "ثم يحييكم" الحياة الآخرة يوم ~~البعث دون الحياة البرزخية. # وهذه الحياة ثم الموت ثم الحياة من النعم الإلهية العظمى ختم بها ~~الامتنان ولذا عقبها بقوله: "إن الإنسان لكفور". ### |||| AUTO بحث روائي # في جامع الجوامع،: في قوله: "والذين هاجروا إلى قوله لعليم حليم" روي ~~أنهم قالوا: يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من ~~الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا أن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين ~~الآيتين. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ومن عاقب بمثل ما عوقب به" الآية روي أن ~~الآية نزلت في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من ~~المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد لا يقاتلون في هذا الشهر فحملوا عليهم ~~فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا فأظفر الله ~~المسلمين بهم: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن مقاتل وأثر ~~الضعف ظاهر عليه فإن المشركين كانوا يحرمون الأشهر الحرم، وقد تقدم في قوله ~~تعالى: "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ms5497 فيه كبير" الآية: البقرة ~~- 217، في الجزء الثاني من الكتاب من الروايات في قصة عبد الله بن جحش ~~وأصحابه ما يزيد في ضعف هذه الرواية. PageV14P214 ### ||| AUTO 22 سورة الحج - 67 - 78 # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينزعنك فى الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم (67) وإن جدلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم ~~بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما فى ~~السماء والأرض إن ذلك فى كتب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطنا وما ليس لهم به علم وما للظلمين من نصير (71) ~~وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون ~~بالذين يتلون عليهم ءايتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين ~~كفروا وبئس المصير (72) يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى ~~عزيز (74) الله يصطفى من الملئكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يأيها الذين ~~ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) ~~وجهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبرهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة واعتصموا بالله هو ~~مولاش فنعم المولى ونعم النصير (78) ### |||| AUTO بيان # الآيات تأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة وتبين أمورا من حقائق ~~الدعوة وأباطيل الشرك ثم تأمر المؤمنين بإجمال الشريعة وهو عبادة الله وفعل ~~الخير وتختم بالأمر بحق الجهاد في الله وبذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر" إلى ~~آخر الآية. # المنسك مصدر ميمي بمعنى النسك وهو العبادة ويؤيده ms5498 قوله: "هم ناسكوه" أي ~~يعبدون تلك العبادة، وليس اسم مكان كما احتمله بعضهم. # والمراد بكل أمة هي الأمة بعد الأمة من الأمم الماضين حتى تنتهي إلى هذه ~~الأمة دون الأمم المختلفة الموجودة في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كالعرب والعجم والروم لوحدة الشريعة وعموم النبوة. # وقوله: "فلا ينازعنك في الأمر" نهي للكافرين بدعوة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عن منازعته في المناسك التي أتى بها وهم وإن كانوا لا يؤمنون ~~بدعوته ولا يرون لما أتى به من الأوامر والنواهي وقعا يسلمون له ولا أثر ~~لنهي من لا يسلم للناهي طاعة ولا مولوية لكن هذا النهي لما كان معتمدا على ~~الحجة لم يصر لغوا لا أثر له وهي صدر الآية. # فكأن الكفار من أهل الكتاب أو المشركين لما رأوا من عبادات الإسلام ما لا ~~عهد لهم به في الشرائع السابقة كشريعة اليهود مثلا نازعوه في ذلك من أين ~~جئت به ولا عهد به في الشرائع السابقة ولو كان من شرائع النبوة لعرفه ~~المؤمنين من أمم الأنبياء الماضين؟ فأجاب الله سبحانه عن منازعتهم بما في الآية. # ومعناها أن كلا من الأمم كان لهم منسك هم ناسكوه وعبادة يعبدونها ولا ~~يتعداهم إلى غيرهم لما أن الله سبحانه بدل منسك السابقين مما هو أحسن منه ~~في حق اللاحقين لتقدمهم في الرقي الفكري واستعدادهم في اللاحق لما هو أكمل ~~وأفضل من السابق فالمناسك السابقة منسوخة في حق اللاحقين فلا معنى لمنازعة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما جاء به من المنسك المغاير لمناسك ~~الأمم الماضين. PageV14P215 # ولما كان نهيهم عن منازعته (صلى الله عليه وآله وسلم) في معنى أمره بطيب ~~النفس من قبل نزاعهم ونهيه عن الاعتناء به عطف عليه قوله: "وادع إلى ربك" ~~كأنه قيل: طب نفسا ولا تعبأ بمنازعتهم واشتغل بما أمرت به وهو الدعوة إلى ربك. # وعلل ذلك بقوله: "إنك لعلى هدى مستقيم" وتوصيف الهدى بالاستقامة وهي وصف ~~الصراط الذي إليه الهداية من المجاز العقلي. # قوله تعالى: "وإن جادلوك فقل ms5499 الله أعلم بما تعملون" سياق الآية السابقة ~~يؤيد أن المراد بهذا الجدال المجادلة والمراء في أمر اختلاف منسكه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) مع الشرائع السابقة بعد الاحتجاج عليه بنسخ الشرائع، ~~وقد أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بإرجاعهم إلى حكم الله من غير أن يشتغل ~~بالمجادلة معهم بمثل ما يجادلون. # وقيل: المراد بقوله: "إن جادلوك" مطلق الجدال في أمر الدين، وقيل: الجدال ~~في أمر الذبيحة والسياق السابق لا يساعد عليه. # وقوله: "فقل الله أعلم بما تعملون" توطئة وتمهيد إلى إرجاعهم إلى حكم ~~الله أي الله أعلم بعملكم ويحكم حكم من يعلم بحقيقة الحال، وإنما يحكم ~~بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون وتخالفون الحق وأهله - والاختلاف ~~والتخالف بمعنى كالاستباق والتسابق -. # قوله تعالى: "ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب ~~إن ذلك على الله يسير" تعليل لعلمه تعالى بما يعملون أي إن ما يعملون بعض ~~ما في السماء والأرض وهو يعلم جميع ما فيهما فهو يعلم بعملهم. # وقوله: "إن ذلك في كتاب" تأكيد لما تقدمه أي إن ما علمه من شيء مثبت في ~~كتاب فلا يزول ولا ينسى ولا يسهو فهو محفوظ على ما هو عليه حين يحكم بينهم، ~~وقوله: "إن ذلك على الله يسير" أي ثبت ما يعلمه في كتاب محفوظ هين عليه. # قوله تعالى: "ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم" إلخ الباء في "به" بمعنى مع، والسلطان البرهان والحجة والمعنى ويعبد ~~المشركون من دون الله شيئا - وهو ما اتخذوه شريكا له تعالى - لم ينزل الله ~~معه حجة حتى يأخذوها ويحتجوا بها ولا أن لهم به علما. # قيل: إنما أضاف قوله: "وما ليس لهم به علم" على قوله: "ما لم ينزل به ~~سلطانا" لأن الإنسان قد يعلم أشياء من غير حجة ودليل كالضروريات. # وربما فسر نزول السلطان بالدليل السمعي ووجود العلم بالدليل العقلي أي ~~يعبدون من دون الله ما لم يقم عليه دليل من ناحية ms5500 الشرع ولا العقل، وفيه ~~أنه لا دليل عليه وتنزيل السلطان كما يصدق على تنزيل الوحي على النبي كذلك ~~يصدق على تنزيل البرهان على القلوب. # وقوله: "وما للظالمين من نصير" قيل: هو تهديد للمشركين والمراد أنه ليس ~~لهم ناصر ينصرهم فيمنعهم من العذاب. # والظاهر - على ما يعطيه السياق - أنه في محل الاحتجاج على أن ليس لهم ~~برهان على شركائهم ولا علم، بأنه لو كان لهم حجة أو علم لكان لهم نصير ~~ينصرهم إذ البرهان نصير لمن يحتج به والعلم نصير للعالم لكنهم ظالمون وما ~~للظالمين من نصير فليس لهم برهان ولا علم، وهذا من ألطف الاحتجاجات ~~القرآنية. # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر يكادون يسطون" إلخ المنكر مصدر ميمي بمعنى الإنكار، والمراد بمعرفة ~~الإنكار في وجوههم معرفة أثر الإنكار والكراهة، و"يسطون" من السطوة وهي على ~~ما في مجمع البيان،: إظهار الحال الهائلة للإخافة يقال سطا عليه يسطو سطوة ~~وسطاعة والإنسان مسطو عليه، والسطوة والبطشة بمعنى. # انتهى. # والمعنى: وإذا تتلى عليهم آياتنا والحال أنها واضحات الدلالة تعرف وتشهد ~~في وجوه الذين كفروا أثر الإنكار يقربون من أن يبطشوا على الذين يتلون ~~ويقرءون عليهم آياتنا لما يأخذهم من الغيظ. # وقوله: "قل أفأنبئكم بشر من ذلكم" تفريع على إنكارهم وتحرزهم من استماع ~~القرآن أي قل: أفأخبركم بما هو شر من هذا الذي تعدونه شرا تحترزون منه ~~وتتقون أن تسمعوه أفأخبركم به لتتقوه إن كنتم تتقون. # وقوله: "النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير" بيان للشر أي ذلكم ~~الذي هو شر من هذا هي النار، وقوله: "وعدها الله" إلخ بيان لكونه شرا. # قوله تعالى: "يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له" إلى آخر الآية خطاب ~~للناس جميعا والعناية بالمشركين منهم. PageV14P216 # وقوله: "ضرب مثل فاستمعوا له" المثل هو الوصف الذي يمثل الشيء في حالة سواء ~~كان وصفا محققا واقعا أو مقدرا متخيلا كالأمثال التي تشتمل على محاورات ~~الحيوانات والجمادات ومشافهاتها، وضرب المثل نصبه ليتفكر فيه كضرب الخيمة ~~ليسكن فيها. ms5501 # وهذا المثل هو قوله: "إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه" والمعنى أنه لو فرض أن ~~آلهتهم شاءوا أن يخلقوا ذبابا وهو أضعف الحيوانات عندهم لم يقدروا عليه ~~أبدا وإن يسلبهم الذباب شيئا مما عليهم لا يستنقذوه بالانتزاع منه. # فهذا الوصف يمثل حال آلهتهم من دون الله في قدرتهم على الإيجاد وعلى ~~تدبير الأمر حيث لا يقدرون على خلق ذباب وعلى تدبير أهون الأمور وهو ~~استرداد ما أخذه الذباب منهم وأضرهم بذلك وكيف يستحق الدعوة والعبادة من ~~كان هذا شأنه؟. # وقوله: "ضعف الطالب والمطلوب" مقتضى المقام أن يكون المراد بالطالب ~~الآلهة وهي الأصنام المدعوة فإن المفروض أنهم يطلبون خلق الذباب فلا يقدرون ~~واستنقاذ ما سلبه إياهم فلا يقدرون، والمطلوب الذباب حيث يطلب ليخلق ويطلب ~~ليستنقذ منه. # وفي هذه الجملة بيان غاية ضعفهم فإنهم أضعف من أضعف ما يستضعفه الناس من ~~الحيوانات التي فيها شيء من الشعور والقدرة. # قوله تعالى: "ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز" قدر الشيء هندسته ~~وتعيين كميته ويكنى به عن منزلة الشيء التي تقتضيها أوصافه ونعوته يقال: ~~قدر الشيء حق قدره أي نزله المنزلة التي يستحقها وعامله بما يليق به. # وقدره تعالى حق القدر أن يلتزم بما يقتضيه صفاته العليا ويعامل كما ~~يستحقه بأن يتخذ ربا لا رب غيره ويعبد وحده لا معبود سواه لكن المشركين ما ~~قدروه حق قدره إذ لم يتخذوه ربا ولم يعبدوه بل اتخذوا الأصنام أربابا من ~~دونه وعبدوها دونه وهم يرون أنها لا تقدر على خلق ذباب ويمكن أن يستذلها ~~ذباب فهي من الضعف والذلة في نهايتهما، والله سبحانه هو القوي العزيز الذي ~~إليه ينتهي الخلق والأمر وهو القائم بالإيجاد والتدبير. # فقوله: "ما قدروا الله حق قدره" إشارة إلى عدم التزامهم بربوبيته تعالى ~~وإعراضهم عن عبادته ثم اتخاذهم الأصنام أربابا من دونه يعبدونها خوفا وطمعا ~~دونه تعالى. # وقوله: "إن الله لقوي عزيز" تعليل للنفي السابق وقد أطلق ms5502 القوة والعزة ~~فأفاد أنه قوي لا يعرضه ضعف وعزيز لا تعتريه ذلة كما قال: "إن القوة لله ~~جميعا:" البقرة: 165، وقال: "فإن العزة لله جميعا:" النساء: 139، وإنما خص ~~الاسمين بالذكر لمقابلتهما ما في المثل المضروب من صفة آلهتهم وهو الضعف ~~والذلة فهؤلاء استهانوا أمر ربهم إذ عدلوا بينه تعالى وهو القوي الذي يخلق ~~ما يشاء والعزيز الذي لا يغلبه شيء ولا يستذله من سواه وبين الأصنام ~~والآلهة الذين يضعفون من خلق ذباب ويستذلهم ذباب ثم لم يرضوا بذلك حتى ~~قدموهم عليه تعالى فاتخذوهم أربابا يعبدونهم دونه تعالى. # قوله تعالى: "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير" ~~الاصطفاء أخذ صفوة الشيء وخالصته، قال الراغب: الاصطفاء تناول صفو الشيء ~~كما أن الاختيار تناول خيره والاجتباء تناول جبايته. # انتهى. # فاصطفاء الله تعالى من الملائكة رسلا ومن الناس اختياره من بينهم من يصفو ~~لذلك ويصلح. # وهذه الآية والتي بعدها تبينان وجوب جعل الرسالة وصفتها وصفة الرسل وهي ~~العصمة، وللكلام فيها بعض الاتصال بقوله السابق: "لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه" لإنبائه عن الرسالة. # تبين الآية أولا أن لله رسلا من الملائكة ومن الناس، وثانيا أن هذه ~~الرسالة ليست كيفما اتفقت وممن اتفق بل هي بالاصطفاء وتعيين من هو صالح لذلك. # وقوله: "إن الله سميع بصير" تعليل لأصل الإرسال فإن الناس أعني النوع ~~الإنساني يحتاج حاجة فطرية إلى أن يهديهم الله سبحانه نحو سعادتهم وكمالهم ~~المطلوب من خلقهم كسائر الأنواع الكونية فالحاجة نحو الهداية عامة، وظهور ~~الحاجة فيهم وإن شئت فقل: إظهارهم الحاجة من أنفسهم سؤال منهم واستدعاء لما ~~ترتفع به حاجتهم والله سبحانه سميع بصير يرى ببصره ما هم عليه من الحاجة ~~الفطرية إلى الهداية ويسمع بسمعه سؤالهم ذلك. PageV14P217 # فمقتضى سمعه وبصره تعالى أن يرسل إليهم رسولا ويهديهم به إلى سعادتهم التي ~~خلقوا لنيلها والتلبس بها فما كل الناس بصالحين للاتصال بعالم القدس وفيهم ~~الخبيث والطيب والطالح والصالح، والرسول رسولان رسول ملكي يأخذ الوحي منه ~~تعالى ويؤديه إلى الرسول الإنساني ورسول ms5503 إنساني يأخذ الوحي من الرسول ~~الملكي ويلقيه إلى الناس وبالجملة قوله: "إن الله سميع بصير" يتضمن الحجة ~~على لزوم أصل الإرسال، وأما معنى الاصطفاء والحجة على لزومه فهو ما يشير ~~إليه قوله: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم". # قوله تعالى: "يعلم بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور" ظاهر ~~السياق أن ضمير الجمع في الموضعين للرسل من الملائكة والناس، ويشهد وقوع ~~هذا التعبير فيهم في غير هذا الموضع كقوله تعالى حكاية عن ملائكة الوحي: ~~"وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا" الآية: مريم: 64، ~~وقوله: "فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم:" ~~الجن: 28. # والآية - كما ترى - تنادي بأن ذكر علمه بما بين أيديهم وما خلفهم لدلالة ~~على أنه تعالى مراقب للطريق الذي يسلكه الوحي فيما بينه وبين الناس حافظ له ~~أن يختل في نفسه بنسيان أو تغيير أو يفسد بشيء من مكائد الشياطين ~~وتسويلاتهم كل ذلك لأن حملة الوحي من الرسل بعينه وبمشهد منه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم وهو بالمرصاد. # ومن هنا يظهر أن المراد بما بين أيديهم هو ما بينهم وبين من يؤدون إليه ~~فما بين أيدي الرسول الملكي هو ما بينه وبين الرسول الإنساني وما بين يدي ~~الرسول الإنساني هو ما بينه وبين الناس، والمراد بما خلفهم هو ما بينهم ~~وبين الله سبحانه والجميع سائرون من جانب الله إلى الناس. # فالوحي في مأمن إلهي منذ يصدر من ساحة العظمة والكبرياء إلى أن يبلغ ~~الناس ولازمه أن الرسل معصومون في تلقي الوحي ومعصومون في حفظه ومعصومون في ~~إبلاغه للناس. # وقوله: "وإلى الله ترجع الأمور" في مقام التعليل لعلمه بما بين أيديهم ~~وما خلفهم أي كيف يخفى عليه شيء من ذلك؟ وإليه يرجع جميع الأمور وإذ ليس ~~هذا الرجوع رجوعا زمانيا حتى يجوز معه خفاء حاله قبل الرجوع وإنما هو ~~مملوكية ذاته له تعالى ms5504 فلا استقلال له منه ولا خفاء فيه له فافهم ذلك. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون" الأمر بالركوع والسجود أمر بالصلاة ومقتضى المقابلة أن ~~يكون المراد بقوله: "واعبدوا ربكم" الأمر بسائر العبادات المشرعة في الدين ~~كالحج والصوم ويبقى لقوله: "وافعلوا الخير" سائر الأحكام والقوانين المشرعة ~~فإن في إقامتها والعمل بها خير المجتمع وسعادة الأفراد وحياتهم كما قال: ~~"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم:" الأنفال: 24. # وفي الآية أمر بإجماع الشرائع الإسلامية من عبادات وغيرها. # قوله تعالى: "وجاهدوا في الله حق جهاده" إلى آخر الآية. # الجهاد بذل الجهد واستفراغ الوسع في مدافعة العدو، ويطلق في الأكثر على ~~المدافعة بالقتال لكن ربما يتوسع في معنى العدو حتى يشمل كل ما يتوقع منه ~~الشر كالشيطان الذي يضل الإنسان والنفس الأمارة بالسوء وغير ذلك فيطلق ~~اللفظ على مخالفة النفس في هواها والاجتناب عن طاعة الشيطان في وسوسته، وقد ~~سمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفة النفس جهادا أكبر. # والظاهر أن المراد بالجهاد في الآية هو المعنى الأعم وخاصة بالنظر إلى ~~تقييده بقوله: في الله وهو كل ما يرجع إليه تعالى، ويؤيده أيضا قوله: ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا: العنكبوت: 69. # وعلى ذلك فمعنى كون الجهاد فيه حق جهاده أن يكون متمحضا في معنى الجهاد ~~ويكون خالصا لوجهه الكريم لا يشاركه فيه غيره نظير تقوى الله حق تقواه في ~~قوله: اتقوا الله حق تقاته: آل عمران - 124. PageV14P218 # وقوله: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج امتنان منه تعالى على ~~المؤمنين بأنهم ما كانوا لينالوا سعادة الدين من عند أنفسهم وبحولهم غير أن ~~الله من عليهم إذ وفقهم فاجتباهم وجمعهم للدين، ورفع عنهم كل حرج في الدين ~~امتنانا سواء كان حرجا في أصل الحكم أو حرجا طارئا عليه اتفاقا فهي شريعة ~~سهلة سمحة ملة أبيهم إبراهيم الحنيف الذي أسلم لربه. # وإنما سمي إبراهيم أبا المسلمين لأنه (عليه السلام) أول من أسلم لله كما ~~قال تعالى: إذ قال ms5505 له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين: البقرة: 131، وقال ~~حاكيا عنه (عليه السلام): فمن تبعني فإنه مني: إبراهيم: 36 فنسب اتباعه إلى ~~نفسه، وقال أيضا: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام: إبراهيم: 35، ومراده ببنيه ~~المسلمون دون المشركين قطعا وقال: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا: آل عمران: 68. # وقوله: هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا امتنان ثان منه تعالى على ~~المؤمنين بعد الامتنان بقوله: هو اجتباكم فالضمير له تعالى وقوله: من قبل ~~أي من قبل نزول القرآن وقوله: وفي هذا أي وفي هذا الكتاب وفي امتنانه عليهم ~~بذكر أنه سماهم المسلمين دلالة على قبوله تعالى إسلامهم. # وقوله: ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس المراد به ~~شهادة الأعمال وقد تقدم الكلام في معنى الآية في سورة البقرة الآية 143 ~~وغيرها وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث الاجتباء ونفي الحرج وتسميتهم ~~مسلمين. # وقوله: فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله تفريع على جميع ما ~~تقدم مما امتن به عليهم أي فعلى هذا يجب عليكم أن تقيموا الصلاة وتؤتوا ~~الزكاة - وهو إشارة إلى العمل بالأحكام العبادية والمالية - وتعتصموا بالله ~~في جميع الأحوال فأتمروا بكل ما أمر به وتنتهوا عن جميع ما نهى عنه ولا ~~تنقطعوا عنه في حال لأنه مولاكم وليس للعبد أن ينقطع عن مولاه في حال ولا ~~للإنسان الضعيف أن ينقطع عن ناصره - بوجه على الاحتمالين في معنى المولى -. # فقوله: هو مولاكم في مقام التعليل لما قبله من الحكم، وقوله: فنعم المولى ~~ونعم النصير كلمة مدح له تعالى وتطييب لنفوس المؤمنين وتقوية لقلوبهم بأن ~~مولاهم ونصيرهم هو الله الذي لا مولى غيره ولا نصير سواه. # واعلم أن الذي أوردناه من معنى الاجتباء وكذا الإسلام وغيره في الآية هو ~~الذي ذكره جل المفسرين بالبناء على ظاهر الخطاب بيا أيها الذين آمنوا في ~~صدر الكلام وشموله عامة المؤمنين وجميع الأمة. # وقد بينا غير مرة أن الاجتباء بحقيقة معناه يساوق جعل العبد مخلصا - بفتح ~~اللام - مخصوصا بالله لا نصيب ms5506 لغيره تعالى فيه، وهذه صفة لا توجد إلا في ~~آحاد معدودين من الأمة دون الجميع قطعا، وكذا الكلام في معنى الإسلام ~~والاعتصام، والمعنى بحقيقته مراد في الكلام قطعا. # وعلى هذا فنسبة الاجتباء والإسلام والشهادة إلى جميع الأمة توسع من جهة ~~اشتمالهم على من يتصف بهذه الصفات بحقيقتها نظير قوله في بني إسرائيل: ~~وجعلكم ملوكا: المائدة: 20، وقوله فيهم: وفضلناهم على العالمين: الجاثية: ~~16 ونظائره كثيرة في القرآن. ### |||| AUTO بحث روائي # عن جوامع الجامع،: في قوله تعالى: فلا ينازعنك في الأمر روي أن بديل بن ~~ورقاء وغيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا ~~تأكلون ما قتل الله يعنون الميتة. # أقول: سياق الآية لا يساعد عليه. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بياع الأنماط عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كانت قريش تلطخ الأصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر، ~~وكان يغوث قبال الباب ويعوق عن يمين الكعبة، وكان نسر عن يسارها، وكانوا ~~إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث ولا ينحنون ثم يستديرون بحيالهم إلى يعوق ثم ~~يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر ثم يلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، ~~لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. قال: فبعث الله ذبابا أخضر ~~له أربعة أجنحة فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلا أكله، وأنزل الله عز ~~وجل: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له الآية. PageV14P219 # وفيه، بإسناده عن بريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): "يا أيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا - واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون - ~~وجاهدوا في الله حق جهاده" قال: إيانا عنى ونحن المجتبون ولم يجعل الله ~~تبارك وتعالى لنا في الدين من حرج فالحرج أشد من الضيق. "ملة أبيكم ~~إبراهيم" إيانا عنى خاصة "هو سماكم المسلمين" الله عز وجل سمانا المسلمين ~~"من قبل" في الكتب التي مضت "وفي هذا" القرآن "ليكون الرسول عليكم شهيدا - ~~وتكونوا شهداء على الناس" فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشهيد ~~علينا بما بلغنا ms5507 عن الله تبارك وتعالى ونحن الشهداء على الناس يوم القيامة ~~فمن صدق يوم القيامة صدقناه ومن كذب كذبناه. # أقول: والروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا ~~المعنى كثيرة، وقد تقدم في ذيل الآية ما يتضح به معنى هذه الروايات. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة: ~~أنها سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الآية "وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج" قال: الضيق. # وفي التهذيب، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة كيف أصنع بالوضوء؟ ~~قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل قال الله: "ما جعل عليكم في ~~الدين من حرج" امسح عليه. # أقول: وفي معناها روايات أخر تستشهد بالآية في رفع الحكم الحرجي وفي ~~التمسك بالآية في الحكم دلالة على صحة ما قدمناه في معنى الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحاق بن راهويه في ~~مسنده عن مكحول أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تسمي الله باسمين ~~سمى بهما أمتي هو السلام وسمى أمتي المسلمين، وهو المؤمن وسمى أمتي ~~المؤمنين - تم والحمد لله. PageV14P220 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الخامس عشر PageV15P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 23 سورة المؤمنون - 1 - 11 # بسم الله الرحمن الرحيم قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم فى صلاتهم خاشعون ~~(2) والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكوة فاعلون (4) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (5) إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين (6) ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأمنتهم وعهدهم رعون ~~(8) والذين هم على صلوتهم يحافظون (9) أولئك هم الورثون (10) الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خلدون (11) ### |||| AUTO بيان # في السورة دعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وتمييز المؤمنين من ~~الكفار بذكر ما لهؤلاء من جميل صفات العبودية وما لأولئك من رذائل الأخلاق ~~وسفاسف الأعمال، وتعقيب ذلك بالتبشير والإنذار، وقد تضمن الإنذار ms5508 ذكر عذاب ~~الآخرة وما غشي الأمم المكذبين للدعوة الحقة من عذاب الاستئصال في مسير ~~الدعوة آخذا من زمن نوح إلى زمن المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام). # والسورة مكية، وسياق آياتها يشهد بذلك. # قوله تعالى: "قد أفلح المؤمنون" قال الراغب: الفلح - بالفتح فالسكون - ~~الشق، وقيل: الحديد بالحديد يفلح أي يشق، والفلاح الظفر وإدراك بغية وذلك ~~ضربان: دنيوي وأخروي، فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها الحياة ~~الدنيا وهو البقاء والغنى والعز، والأخروي أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، ~~وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل، ولذلك قيل: لا عيش إلا عيش ~~الآخرة. # انتهى ملخصا. # فتسمية الظفر بالسعادة فلاحا بعناية أن فيه شقا للمانع وكشفا عن وجه ~~المطلوب. # والإيمان هو الإذعان والتصديق بشيء بالالتزام بلوازمه، فالإيمان بالله في ~~عرف القرآن التصديق بوحدانيته ورسله واليوم الآخر وبما جاءت به رسله مع ~~الاتباع في الجملة، ولذا نجد القرآن كلما ذكر المؤمنين بوصف جميل أو أجر ~~جزيل شفع الإيمان بالعمل الصالح كقوله: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة: النحل - 97: "وقوله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~طوبى لهم وحسن مآب": الرعد - 29، إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة جدا. # وليس مجرد الاعتقاد بشيء إيمانا به حتى مع عدم الالتزام بلوازمه وآثاره ~~فإن الإيمان علم بالشيء مع السكون والاطمئنان إليه ولا ينفك السكون إلى ~~الشيء من الالتزام بلوازمه لكن العلم ربما ينفك من السكون والالتزام ككثير ~~من المعتادين بالأعمال الشنيعة أو المضرة فإنهم يعترفون بشناعة عملهم أو ~~ضرره لكنهم لا يتركونها معتذرين بالاعتياد وقد قال تعالى: "وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم": النمل - 14. # والإيمان وإن جاز أن يجتمع مع العصيان عن بعض لوازمه في الجملة لصارف من ~~الصوارف النفسانية يصرف عنه لكنه لا يتخلف عن لوازمه بالجملة. # قوله تعالى: "الذين هم في صلاتهم خاشعون" الخشوع تأثر خاص من المقهور ~~قبال القاهر بحيث ينقطع عن غيره بالتوجه إليه والظاهر أنه من صفات القلب ثم ~~ينسب إلى الجوارح أو غيرها بنوع من العناية كقوله (صلى ms5509 الله عليه وآله ~~وسلم) على ما روي: فيمن يعبث بلحيته في الصلاة: أما إنه لو خشع قلبه لخشعت ~~جوارحه، وقوله تعالى: "وخشعت الأصوات للرحمن": طه: 108. # والخشوع بهذا المعنى جامع لجميع المعاني التي فسر بها الخشوع في الآية، ~~كقول بعضهم: هو الخوف وسكون الجوارح، وقول آخرين: غض البصر وخفض الجناح، أو ~~تنكيس الرأس، أو عدم الالتفات يمينا وشمالا، أو إعظام المقام وجمع ~~الاهتمام، أو التذلل إلى غير ذلك. PageV15P002 # وهذه الآية إلى تمام ثماني آيات تذكر من أوصاف المؤمنين ما يلازم كون وصف ~~الإيمان حيا فعالا يترتب عليه آثاره المطلوبة منه ليترتب عليه الغرض ~~المطلوب منه وهو الفلاح فإن الصلاة توجه ممن ليس له إلا الفقر والذلة إلى ~~ساحة العظمة والكبرياء ومنبع العزة والبهاء ولازمه أن يتأثر الإنسان الشاعر ~~بالمقام فيستغرق في الذلة والهوان وينتزع قلبه عن كل ما يلهوه ويشغله عما ~~يهمه ويواجهه، فلو كان إيمانه إيمانا صادقا جعل همه حين التوجه إلى ربه هما ~~واحدا وشغله الاشتغال به عن الالتفات إلى غيره فما ذا يفعل الفقير المحض ~~إذا لقي غني لا يقدر بقدر؟ والذليل إذا واجه عزة مطلقة لا يشوبها ذلة ~~وهوان؟ وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث حارثة بن النعمان ~~المروي في الكافي، وغيره: إن لكل حق حقيقة ولكل صواب نورا. # الحديث. # كلام في معنى تأثير الإيمان # الدين - كما تقدم مرارا - السنة الاجتماعية التي يسير بها الإنسان في ~~حياته الدنيوية الاجتماعية، والسنن الاجتماعية متعلقة بالعمل مبنيا على ~~أساس الاعتقاد في حقيقة الكون والإنسان الذي هو جزء من أجزائه، ومن هنا ما ~~نرى أن السنن الاجتماعية تختلف باختلاف الاعتقادات فيما ذكر. # فمن يثبت للكون ربا يبتدىء منه وسيعود إليه وللإنسان حياة باقية لا تبطل ~~بموت ولا فناء يسير في الحياة سيرة يراعي في الأعمال الجارية فيها سعادة ~~الحياة الباقية والتنعم في الدار الآخرة الخالدة. # ومن يثبت له إلها أو آلهة تدبر الأمر بالرضا والسخط من غير معاد إليه ~~يعيش عيشة نظمها على أساس التقرب من الآلهة ms5510 وإرضائها للفوز بأمتعة الحياة ~~والظفر بما يشتهيه من نعم الدنيا. # ومن لا يهتم بأمر الربوبية ولا يرى للإنسان حياة خالدة كالماديين ومن ~~يحذو حذوهم يبني سنة الحياة والقوانين الموضوعة الجارية في مجتمعه على أساس ~~التمتع من الحياة الدنيا المحدودة بالموت. # فالدين سنة عملية مبنية على الاعتقاد في أمر الكون والإنسان بما أنه جزء ~~من أجزائه، وليس هذا الاعتقاد هو العلم النظري المتعلق بالكون والإنسان فإن ~~العلم النظري لا يستتبع بنفسه عملا وإن توقف عليه العمل بل هو العلم بوجوب ~~الجري على ما يقتضيه هذا النظر وإن شئت فقل: الحكم بوجوب اتباع المعلوم ~~النظري والالتزام به وهو العلم العملي كقولنا: يجب أن يعبد الإنسان الإله ~~تعالى ويراعي في أعماله ما يسعد به في الدنيا والآخرة معا. # ومعلوم أن الدعوة الدينية متعلقة بالدين الذي هو السنة العملية المبنية ~~على الاعتقاد، فالإيمان الذي يتعلق به الدعوة هو الالتزام بما يقتضيه ~~الاعتقاد الحق في الله سبحانه ورسله واليوم الآخر وما جاءت به رسله وهو علم عملي. # والعلوم العملية تشتد وتضعف حسب قوة الدواعي وضعفها فإنا لسنا نعمل عملا ~~قط إلا طمعا في خير أو نفع أو خوفا من شر أو ضرر، وربما رأينا وجوب فعل ~~لداع يدعو إليه ثم صرفنا عنه داع آخر أقوى منه وآثر، كمن يرى وجوب أكل ~~الغذاء لرفع ما به من جوع فيصرفه عن ذلك علمه بأنه مضر له مناف لصحته، ~~فبالحقيقة يقيد الداعي المانع بما معه من العلم إطلاق العلم الذي مع الداعي ~~الممنوع كأنه يقول مثلا: إن التغذي لرفع الجوع ليس يجب مطلقا بل إنما يجب ~~إذا لم يكن مضرا بالبدن مضادا لصحته. # ومن هنا يظهر أن الإيمان بالله إنما يؤثر أثره من الأعمال الصالحة ~~والصفات الجميلة النفسانية كالخشية والخشوع والإخلاص ونحوها إذا لم تغلبه ~~الدواعي الباطلة والتسويلات الشيطانية، وبعبارة أخرى إذا لم يكن إيمانا ~~مقيدا بحال دون حال كما قال تعالى: "ومن الناس من يعبد الله على حرف": الحج - 61. # فالمؤمن إنما يكون مؤمنا على الإطلاق إذا جرت ms5511 أعماله على حاق ما يقتضيه ~~إيمانه من الخشوع في عبادته والإعراض عن اللغو ونحوه. # قوله تعالى: "والذين هم عن اللغو معرضون" اللغو من الفعل هو ما لا فائدة ~~فيه ويختلف باختلاف الأمور التي تعود عليها الفائدة فرب فعل هو لغو بالنسبة ~~إلى أمر وهو بعينه مفيد مجد بالنسبة إلى أمر آخر. PageV15P003 # فاللغو من الأفعال في نظر الدين الأعمال المباحة التي لا ينتفع بها في ~~الآخرة أو في الدنيا بحيث ينتهي أيضا إلى الآخرة كالأكل والشرب بداعي شهوة ~~التغذي اللذين يتفرع عليهما التقوي على طاعة الله وعبادته، فإذا كان الفعل ~~لا ينتفع به في آخرة ولا في دنيا تنتهي بنحو إلى آخرة فهو اللغو وبنظر أدق ~~هو ما عدا الواجبات والمستحبات من الأفعال. # ولم يصف سبحانه المؤمنين بترك اللغو مطلقا فإن الإنسان في معرض العثرة ~~ومزلة الخطيئة وقد عفا عن السيئات إذا اجتنبت الكبائر كما قال: "إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31. # بل وصفهم بالإعراض عن اللغو دون مطلق تركه والإعراض يقتضي أمرا بالفعل ~~يدعو إلى الاشتغال به فيتركه الإنسان صارفا وجهه عنه إلى غيره لعدم اعتداده ~~به واعتنائه بشأنه، ولازمه ترفع النفس عن الأعمال الخسيسة واعتلاؤها عن ~~الاشتغال بما ينافي الشرف والكرامة وتعلقها بعظائم الأمور وجلائل المقاصد. # ومن حق الإيمان أن يدعو إلى ذلك فإن فيه تعلقا بساحة العظمة والكبرياء ~~ومنبع العزة والمجد والبهاء والمتصف به لا يهتم إلا بحياة سعيدة أبدية ~~خالدة فلا يشتغل إلا بما يستعظمه الحق ولا يستعظم ما يهتم به سفلة الناس ~~وجهلتهم، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما. # ومن هنا يظهر أن وصفهم بالإعراض عن اللغو كناية عن علو همتهم وكرامة ~~نفوسهم. # قوله تعالى: "والذين هم للزكاة فاعلون" ذكر الزكاة مع الصلاة قرينة على ~~كون المراد بها الإنفاق المالي دون الزكاة بمعنى تطهير النفس بإزالة رذائل ~~الأخلاق عنها ولعل المراد بالزكاة المعنى المصدري وهو تطهير المال بالإنفاق ~~منه دون المقدار المخرج من المال فإن ms5512 السورة مكية وتشريع الزكاة المعهودة ~~في الإسلام إنما كان بالمدينة ثم صار لفظ الزكاة علما بالغلبة للمقدار ~~المعين المخرج من المال. # وبهذا يستصح تعلق "للزكاة" بقوله: "فاعلون" والمعنى: الذين هم فاعلون ~~للإنفاق المالي وأما لو كان المراد بالزكاة نفس المال المخرج لم يصح تعلقه ~~به إذ المال المخرج ليس فعلا متعلقا بفاعل، ولذا قدر بعض من حمل الزكاة على ~~هذا المعنى لفظ التأدية فكان التقدير عنده والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون، ~~ولذا أيضا فسر بعضهم الزكاة بتطهير النفس عن الأخلاق الرذيلة فرارا من تعلق ~~"للزكاة" بقوله: "فاعلون". # وفي التعبير بقوله: "للزكاة فاعلون" دون أن يقول للزكاة مؤدون أو ما يؤدي ~~معناه دلالة على عنايتهم بها كقول القائل: إني شارب لمن أمره بشرب الماء ~~فإذا أراد أن يفيد عنايته به قال: إني فاعل. # ومن حق الإيمان بالله أن يدعو إلى هذا الإنفاق المالي فإن الإنسان لا ~~ينال كمال سعادته إلا في مجتمع سعيد ينال فيه كل ذي حق حقه ولا سعادة ~~لمجتمع إلا مع تقارب الطبقات في التمتع من مزايا الحياة وأمتعة العيش، ~~والإنفاق المالي على الفقراء والمساكين من أقوى ما يدرك به هذه البغية. # قوله تعالى: "والذين هم لفروجهم حافظون" إلى آخر الآيات الثلاث، الفروج ~~جمع فرج وهو - على ما قيل - ما يسوء ذكره من الرجال والنساء، وحفظ الفروج ~~كناية عن الاجتناب عن المواقعة سواء كانت زنا أو لواطا أو بإتيان البهائم ~~وغير ذلك. # وقوله: "إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين" استثناء ~~من حفظ الفروج، والأزواج الحلائل من النساء، وما ملكت أيمانهم الجواري ~~المملوكة فإنهم غير ملومين في مس الأزواج الحلائل والجواري المملوكة. # وقوله: "فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون" تفريع على ما تقدم من ~~الاستثناء والمستثنى منه أي إذا كان مقتضى الإيمان حفظ الفروج مطلقا إلا عن ~~طائفتين من النساء هما الأزواج وما ملكت أيمانهم، فمن طلب وراء ذلك أي مس ~~غير الطائفتين فأولئك هم المتجاوزون عن الحد الذي حده الله تعالى لهم. # وقد ms5513 تقدم كلام ما فيما يستعقبه الزنا من فساد النوع في ذيل قوله: "ولا ~~تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا": إسراء - 32 في الجزء الثالث عشر ~~من الكتاب. PageV15P004 # قوله تعالى: "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" الأمانة مصدر في الأصل ~~وربما أريد به ما اؤتمن عليه من مال ونحوه، وهو المراد في الآية، ولعل جمعه ~~للدلالة على أقسام الأمانات الدائرة بين الناس، وربما قيل بعموم الأمانات ~~لكل تكليف إلهي اؤتمن عليه الإنسان وما اؤتمن عليه من أعضائه وجوارحه وقواه ~~أن يستعملها فيما فيه رضا الله وما ائتمنه عليه الناس من الأموال وغيرها، ~~ولا يخلو من بعد بالنظر إلى ظاهر اللفظ وإن كان صحيحا من جهة تحليل المعنى ~~وتعميمه. # والعهد بحسب عرف الشرع ما التزم به بصيغة العهد شقيق النذر واليمين، ~~ويمكن أن يراد به مطلق التكليف المتوجه إلى المؤمن فإن الله سبحانه سمى ~~إيمان المؤمن به عهدا وميثاقا منه على ما توجه إليه من تكاليفه تعالى ~~بقوله: "أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم": البقرة - 100، وقوله: "ولقد ~~كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار": الأحزاب - 15، ولعل إرادة هذا ~~المعنى هو السبب في إفراد العهد لأن جميع التكاليف يجمعها عهد واحد بإيمان واحد. # والرعاية الحفظ، وقد قيل: إن أصل الرعي حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ ~~لحياته أو بذب العدو عنه ثم استعمل في الحفظ مطلقا. # انتهى. # ولعل العكس أقرب إلى الاعتبار. # وبالجملة الآية تصف المؤمنين بحفظ الأمانات من أن تخان والعهد من أن ~~ينقض، ومن حق الإيمان أن يدعو إلى ذلك فإن في إيمانه معنى السكون ~~والاستقرار والاطمئنان فإذا آمن أحد في أمانة أودعها عنده أو عهد عاهده ~~وقطع على ذلك استقر عليه ولم يتزلزل بخيانة أو نقض. # قوله تعالى: "والذين هم على صلواتهم يحافظون" جمع الصلاة وتعليق المحافظة ~~عليه دليل على أن المراد المحافظة على العدد فهم يحافظون على أن لا يفوتهم ~~شيء من الصلوات المفروضة ويراقبونها دائما ومن حق إيمانهم أن يدعوهم إلى ذلك. # ولذلك جمعت الصلاة هاهنا وأفردت في ms5514 قوله: "في صلاتهم خاشعون" لأن الخشوع ~~في جنس الصلاة على حد سواء فلا موجب لجمعها. # قوله تعالى: "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" ~~الفردوس أعلى الجنان، وقد تقدم معناها وشيء من وصفها في ذيل قوله تعالى: ~~"كانت لهم جنات الفردوس نزلا": الكهف - 107. ### |||| AUTO وقوله: "الذين يرثون" إلخ، بيان لقوله: "الوارثون" ووراثتهم ~~الفردوس هو بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركهم فيها غيرهم أو ~~يملكها دونهم لكنهم زالوا عنها فانتقلت إليهم، وقد ورد في الروايات أن لكل ~~إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة ~~منزله، وستوافيك إن شاء الله في بحث روائي. # بحث روائي # في تفسير القمي،: وقوله: "الذين هم في صلاتهم خاشعون" قال: غضك بصرك في ~~صلاتك وإقبالك عليها. # أقول: وقد تقدم أنه من لوازم الخشوع فهو تعريف بلازم المعنى، ونظيره ما ~~رواه في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن علي (عليه السلام): أن ~~لا تلتفت في صلاتك. # وفي الكافي، بإسناده عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما زاد خشوع الجسد على ما ~~في القلب فهو عندنا نفاق. # أقول: وروي في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي الدرداء عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ما في معناه ولفظه: استعيذوا بالله من خشوع ~~النفاق. قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس ~~بخاشع وفي المجمع،: في الآية روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ~~رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال: أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه. # وفيه، روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع بصره إلى ~~السماء في صلاته فلما نزلت الآية طأطأ رأسه ورمى ببصره إلى الأرض. أقول: ~~ورواهما في الدر المنثور، عن جمع من أصحاب الكتب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي معنى الخشوع روايات أخر ms5515 كثيرة. # وفي إرشاد المفيد، في كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام): كل قول ليس فيه ~~لله ذكر فهو لغو. # وفي المجمع،: في قوله: "والذين هم عن اللغو معرضون": وروي عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك ~~فتعرض عنه لله وفي رواية أخرى أنه الغناء والملاهي. PageV15P005 # أقول: ما في روايتي المجمع، من قبيل ذكر بعض المصاديق وما في رواية ~~الإرشاد، من التعميم بالتحليل وفي الخصال، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): تحل الفروج ~~بثلاثة وجوه: نكاح بميراث ونكاح بلا ميراث ونكاح بملك يمين وفي الكافي، ~~بإسناده عن إسحاق بن أبي سارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عنها ~~يعني المتعة فقال لي: حلال فلا تتزوج إلا عفيفة إن الله عز وجل يقول: ~~"والذين هم لفروجهم حافظون" فلا تضع فرجك حيث لا تأمن على درهمك. # أقول: وفيه تعميم لمعنى حفظ الفروج بحيث يشمل ترك نكاح غير العفيفة. # والروايتان كما ترى تعدان المتعة نكاحا وازدواجا والأمر على ذلك فيما لا ~~يحصى من روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وعلى ذلك مبنى فقههم. # والأمر على ذلك في عرف القرآن وفي عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وذلك أنه ليس وراء ملك اليمين إلا نوعان نكاح على الزوجية وزنا وقد حرم ~~الله الزنا وأكد في تحريمه في آيات كثيرة في السور المكية والمدنية كسورتي ~~الفرقان والإسراء وهما مكيتان وسورتي النور والممتحنة وهما مدنيتان. # ثم سماه سفاحا وحرمه في سورتي النساء والمائدة ثم سماه فحشاء ومنع عنه ~~وذمه في سور الأعراف والعنكبوت ويوسف وهي مكية وفي سور النحل والبقرة ~~والنور وهي أو الأخيرتان مدنيتان. # ثم سماه فاحشة ونهى عنها في سور الأعراف والأنعام والإسراء والنمل ~~والعنكبوت والشورى والنجم وهي مكية وفي سور النساء والنور والأحزاب والطلاق ~~وهي مدنية. # ونهى عنه أيضا بالتكنية في آية المؤمنون: "فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون" ونظيره في سورة ms5516 المعارج وكان من المعروف في أول البعثة من أمر ~~الإسلام أنه يحرم الخمر والزنا 1. # فلو لم يكن التمتع ازدواجا والمتمتع بها زوجا مشمولة لقوله: "إلا على ~~أزواجهم" لكان زنا ومن المعلوم بالضرورة أن التمتع كان معمولا به في مكة ~~قبل الهجرة في الجملة وكذا في المدينة بعد الهجرة في الجملة ولازم ذلك أن ~~يكون زنا أباحه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لضرورة اقتضته لو أغمضنا ~~عن قوله تعالى: "فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن": النساء: 24 ولازم ~~ذلك أن تكون آية سورة المؤمنون "إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" - إلى ~~قوله - العادون"، ناسخة لإباحة التمتع السابقة ثم يكون تحليل النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو تحليل آية سورة النساء ذلك ناسخا لجميع الآيات ~~المكية الناهية عن الزنا وبعض المدنيات مما نزلت قبل التحليل، وخاصة على ~~قول من يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حلله ثم حرمه مرة 2 بعد ~~مرة فإن لازمه نسخ الآيات الناهية عن الزنا ثم إحكامها ثم نسخها ثم إحكامها ~~مرات ولم يقل أحد من المسلمين بكونها منسوخة فضلا عن النسخ بعد النسخ وهل ~~هذا إلا لعب بكلام الله تجل عنه ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟. # على أن الآيات الناهية عن الزنا آبية بسياقها وما فيه من التعليل آب عن ~~النسخ وكيف يعقل أن يسمي الله سبحانه فعلا من الأفعال فاحشة فحشاء وسبيل ~~سوء ويخبر أن من يفعله يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا ثم يجيز ارتكابه ثم يمنع ثم يجيز. # على أن أصل نسخ القرآن بالحديث لا معنى له 3. # على أن عدة من المرتكبين لنكاح المتعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كانوا من معاريف الصحابة وهم على ما هم عليه من حفظ ظواهر الأحكام ~~فكيف استجازوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفحشاء؟ وكيف لم ~~يستخبثوه؟ وكيف رضوا بالعار والشنار وقد تمتع زبير من أسماء بنت أبي بكر ~~فولدت له عبد ms5517 الله بن زبير وأخاه عروة بن زبير وورثاه بعد قتله وهم جميعا ~~من الصحابة. # على أن الروايات الدالة على نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ~~المتعة متهافتة، وما تسلموا عليه من قول عمر بن الخطاب حينما نهى أيام ~~خلافته عن المتعة وما ورد عنه حول القصة يكذب هذه الروايات ويدفع حديث النسخ. # وقد مر شطر من الكلام في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: "وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة": النساء - 24. PageV15P006 # ومن لطيف الدلالة على كون المتعة نكاحا غير سفاح اقتران جملة "فما ~~استمتعتم" إلخ بقوله قبله متصلا به "محصنين غير مسافحين". # فقد تبين بما ذكرنا أن المتعة في الشرع وفي عرف القرآن نكاح وزوجية لا ~~زنا وسفاح سواء قلنا بكونها منسوخة بعد بكتاب أو سنة كما عليه معظم أهل ~~السنة أو لم نقل كما عليه الشيعة تبعا لأئمة أهل البيت (عليهم السلام). # فالنكاح ينقسم إلى نوعين: نكاح دائم له أحكامه من العدد والإرث والإحصان ~~والنفقة والفراش والعدة وغير ذلك. # ونكاح موقت مبني على التسهيل له من أحكام النكاح الدائم اختصاص المرأة ~~بالرجل ولحقوق الأولاد والعدة. # وبذلك يظهر فساد ما ذكره جمع منهم أن المتعة ليست بزوجية ولو كانت زوجية ~~لجرت فيها أحكامها من العدد والميراث والنفقة والإحصان وغير ذلك وذلك أن ~~الزوجية تتقسم إلى دائمة لها أحكامها وموقتة مبنية على التسهيل يجري فيها ~~بعض تلك الأحكام كما تقدم. # والإشكال بأن تشريع الازدواج إنما هو للتناسل بدوام الزوجية والغرض من ~~المتعة مجرد دفع الشهوة بصب الماء وسفحه فهي سفاح وليست بنكاح. # فيه أن التوسل إلى النسل حكمة لا علة يدور مدارها التشريع وإلا لم يجز ~~نكاح العاقر واليائسة والصبي والصبية. # على أن المتعة لا تنافي الاستيلاد ومن الشاهد على ذلك عبد الله وعروة ~~ابنا زبير أولدا له من أسماء بنت أبي بكر من المتعة. # وكذا الإشكال بأن المتعة تجعل المرأة ملعبة يلعب بها الرجل كالكرة ~~الدائرة ms5518 بين الصوالج ذكره صاحب المنار وغيره. # فيه أن هذا يرد أول ما يرد على الشارع فإن من الضروري أن المتعة كانت ~~دائرة في صدر الإسلام برهة من الزمان فما أجاب به الشارع كان هو جوابنا. # وثانيا أن جميع ما يقصد بالمتعة من لذة أو دفع شهوة أو استيلاد أو ~~استئناس أو غير ذلك مشتركة بين الرجل والمرأة فلا معنى لجعلها ملعبة له دون ~~العكس إلا أن يكابر مكابر. # وللكلام تتمة ستوافيك في بحث مستقل إن شاء الله تعالى. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن ~~أبي مليكة قال: سألت عائشة عن متعة النساء قالت: بيني وبينكم كتاب الله ~~وقرأت "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم - أو ما ملكت أيمانهم" ~~فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا. # أقول: وروي نظيره عن القاسم بن محمد، وقد تبين بما قدمنا أن المتمتع بها ~~زوج وأن الآية تجيزها على خلاف ما في الرواية. # وفي تفسير القمي،: "فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون" قال: من جاوز ذلك. # وفيه،: والذين هم على صلواتهم يحافظون" قال: على أوقاتها وحدودها. # وفي الكافي، بإسناده عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "والذين هم على صلواتهم يحافظون" قال هي ~~الفريضة قلت: "والذين هم على صلاتهم دائمون" قال: هي النافلة. # وفي المجمع، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ما منكم من ~~أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث ~~أهل الجنة منزله: أقول: وروى مثله القمي في تفسيره بإسناده عن أبي بصير عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث مفصل وتقدم نظيره في قوله تعالى: ~~"وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر": مريم: 39 في الجزء السابق من الكتاب. ### |||| AUTO بحث حقوقي اجتماعي # لا ريب أن الذي يدعو الإنسان ويبعثه نحو الاستنان بالسنن الاجتماعية أو ~~وضع القوانين الجارية في المجتمع ms5519 البشري تنبهه لحوائج الحياة وتوسله بوضعها ~~والعمل بها إلى رفعها. # وكلما كانت الحاجة أبسط وإلى الطبيعة الساذجة أقرب كان التوسل إلى رفعها ~~أوجب والإهمال في دفعها أدهى وأضر فما الحاجة إلى أصل التغذي والحياة تدور ~~معه كالحاجة إلى التنعم بألوان الطعام وأنواع الفواكه وهكذا. # ومن الحوائج الأولية الإنسانية حاجة كل من صنفيه: الذكور والإناث إلى ~~الآخرين بالنكاح والمباشرة، ولا ريب أن المطلوب بالنظر إلى الصنع والإيجاد ~~بذلك بقاء النسل وقد جهز الإنسان بغريزة شهوة النكاح للتوسل به إلى ذلك. # ولذلك نجد المجتمعات الإنسانية التي نشاهدها أو نسمع بأخبارها مستنة بسنة ~~الازدواج وتكوين البيت، وعلى ذلك كانت منذ أقدم عهودها فلم يضمن بقاء النسل ~~إلا الازدواج. PageV15P007 # ولا يدفع هذا الذي ذكرنا أن المدنية الحديثة وضعت سنة الازدواج على أصل ~~الاشتراك في الحياة دون أصل التناسل أو إرضاء الغريزة فإن هذا البناء على ~~كونه بناء محدثا غير طبيعي لم يبعث حتى الآن شيئا من المجتمعات المستنة بها ~~على شيوع هذه الشركة الحيوية بين الرجال أنفسهم أو النساء أنفسهن وليس إلا ~~لمباينته ما تبعث إليه الطبيعة الإنسانية. # وبالجملة الازدواج سنة طبيعية لم تزل ولا تزال دائرة في المجتمعات ~~البشرية ولا يزاحم هذه السنة الطبيعية في مسيرها إلا عمل الزنا الذي هو ~~أقوى مانع من تكون البيوت وتحمل كلفة الازدواج وحمل أثقاله بانصراف غريزة ~~الشهوة إليه المستلزم لانهدام البيت وانقطاع النسل. # ولذا كانت المجتمعات الدينية أو الطبيعة الساذجة تستشنعها وتعدها فاحشة ~~منكرة وتتوسل إلى المنع عنه بأي وسيلة ممكنة، والمجتمعات المتمدنة الحديثة ~~وإن لم تسد سبيله بالجملة ولم تمنع عنه ذلك المنع لكنها مع ذلك لا تستحسنه ~~لما ترى من مضادته العميقة لتكون البيوت وازدياد النفوس وبقاء النسل، ~~وتحتال إلى تقليله بلطائف الحيل وتروج سنة الازدواج وتدعو إلى تكثير ~~الأولاد بجعل الجوائز وترفيع الدرجات وغير ذلك من المشوقات. # غير أنه على الرغم من كون سنة الازدواج الدائم سنة قانونية متبعة في جميع ~~المجتمعات الإنسانية في العالم وتحريض الدول عليها واحتيالها لتضعيف أمر ~~الزنا وصرف ms5520 الناس لا سيما الشبان والفتيات عنه لا يزال يوجد في جميع البلاد ~~صغيرتها وكبيرتها معاهد لهذا العمل الهادم لبنية المجتمع علنية أو سرية على ~~اختلاف السنن الجارية فيها. # وهذا أوضح حجة على أن سنة الازدواج الدائم لا تفي برفع هذه الحاجة ~~الحيوية للنوع، وأن الإنسانية بعد في حاجة إلى تتميم نقيصتها هذه، وأن من ~~الواجب على من بيده زمام التقنين أن يتوسع في أمر الازدواج. # ولذلك شفع شارع الإسلام سنة الازدواج الدائم بسنة الازدواج الموقت تسهيلا ~~للأمر وشرط فيه شروطا ترتفع بها محاذير الزنا من اختلاط المياه واختلال ~~الأنساب والمواريث وانهدام البيوت وانقطاع النسل وعدم لحوق الأولاد وهي ~~اختصاص المرأة بالرجل والعدة إذا افترقا ولحوق الأولاد ثم لها ما اشترطت ~~على زوجها وليس فيه على الرجل شيء من كلفة الازدواج الدائم ومشقته. # ولعمر الحق إنها لمن مفاخر الإسلام في شريعته السهلة السمحة نظير الطلاق ~~وتعدد الزوجات وكثير من قوانينه ولكن ما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يسمعون يقول القائل: لئن أزني أحب إلي من أن أتمتع أو أمتع. PageV15P008 ### ||| AUTO 23 سورة المؤمنون - 12 - 22 # ولقد خلقنا الانسن من سللة من طين (12) ثم جعلنه نطفة فى قرار مكين (13) ~~ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم ~~لحما ثم أنشأنه خلقا ءاخر فتبارك الله أحسن الخلقين (14) ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون (15) ثم إنكم يوم القيمة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ~~وما كنا عن الخلق غفلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنه فى الأرض ~~وإنا على ذهاب به لقدرون (18) فأنشأنا لكم به جنت من نخيل وأعنب لكم فيها ~~فوكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ ~~للاكلين (20) وإن لكم فى الأنعم لعبرة نسقيكم مما فى بطونها ولكم فيها منفع ~~كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر سبحانه فلاح المؤمنين بما عندهم من الأوصاف الجميلة عقبه بشرح ~~خلقهم وخلق ما أنعم عليهم من النعم مقرونا بتدبير أمرهم تدبيرا مخلوطا ~~بالخلق ms5521 لينكشف به أنه هو رب للإنسان ولكل شيء الواجب أن يعبد وحده لا شريك له. # قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" قال في المجمع،: ~~السلالة اسم لما يسل من الشيء كالكساحة اسم لما يكسح انتهى. # وظاهر السياق أن المراد بالإنسان هو النوع فيشمل آدم ومن دونه ويكون ~~المراد بالخلق الخلق الابتدائي الذي خلق به آدم من الطين ثم جعل النسل من ~~النطفة، وتكون الآية وما بعدها في معنى قوله: "وبدأ خلق الإنسان من طين ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين": الم السجدة: 8. # ويؤيده قوله بعد: "ثم جعلناه نطفة" إذ لو كان المراد بالإنسان ابن آدم ~~فحسب وكان المراد بخلقه من طين انتهاء النطفة إلى الطين لكان الظاهر أن ~~يقال: ثم خلقناه نطفة كما قيل: ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة إلخ. # وبذلك يظهر أن قول بعضهم: إن المراد بالإنسان جنس بني آدم، وكذا القول ~~بأن المراد به آدم (عليه السلام) غير سديد. # وأصل الخلق كما قيل التقدير يقال: خلقت الثوب إذا قسته لتقطع منه شيئا من ~~اللباس فالمعنى ولقد قدرنا الإنسان أولا من سلالة من أجزاء الأرض المخلوطة ~~بالماء. # قوله تعالى: "ثم جعلناه نطفة في قرار مكين" النطفة القليل من الماء وربما ~~يطلق على مطلق الماء والقرار مصدر أريد به المقر مبالغة والمراد به الرحم ~~التي تستقر فيها النطفة، والمكين المتمكن وصفت به الرحم لتمكنها في حفظ ~~النطفة من الضيعة والفساد أو لكون النطفة مستقرة متمكنة فيها. # والمعنى ثم جعلنا الإنسان نطفة في مستقر متمكن هي الرحم كما خلقناه أولا ~~من سلالة من طين أي بدلنا طريق خلقه من هذا إلى ذاك. # قوله تعالى: "ثم خلقنا النطفة علقة - إلى قوله - فكسونا العظام لحما" ~~تقدم بيان مفردات الآية في الآية 5 من سورة الحج في الجزء السابق من الكتاب ~~وفي قوله: "فكسونا العظام لحما" استعارة بالكناية لطيفة. # قوله تعالى: "ثم أنشأناه خلقا آخر" الإنشاء كما ذكره الراغب - إيجاد ~~الشيء وتربيته كما أن النشء والنشأة إحداثه ms5522 وتربيته كما يقال للشاب الحديث ~~السن ناشىء. # وقد غير السياق من الخلق إلى الإنشاء فقال: "ثم أنشأناه خلقا آخر" دون أن ~~يقال: ثم خلقناه إلخ، للدلالة على حدوث أمر حديث ما كان يتضمنه ولا يقارنه ~~ما تقدمه من مادة فإن العلقة مثلا وإن خالفت النطفة في أوصافها وخواصها من ~~لون وطعم وغير ذلك إلا أن في النطفة مكان كل من هذه الأوصاف والخواص ما ~~يجانسه وإن لم يماثله كالبياض مكان الحمرة وهما جميعا لون بخلاف ما أنشأه ~~الله أخيرا وهو الإنسان الذي له حياة وعلم وقدرة فإن ما له من جوهر الذات ~~وهو الذي نحكي عنه بأنا لم يسبق من سنخه في المراحل السابقة أعني النطفة ~~والعلقة والمضغة والعظام المكسوة لحما شيء، ولا سبق فيها شيء يناظر ما له ~~من الخواص والأوصاف كالحياة والقدرة والعلم فهو منشأ حادث مسبوق بالعدم. PageV15P009 # والضمير في "أنشأناه" - على ما يعطيه السياق - للإنسان المخلوق عظاما مكسوة ~~باللحم فهو الذي أنشأ وأحدث خلقا آخر أي بدل وهو مادة ميتة جاهلة عاجزة ~~موجودا ذا حياة وعلم وقدرة، فقد كان مادة لها صفاتها وخواصها ثم برز وهو ~~يغاير سابقته في الذات والصفات والخواص، فهو تلك المادة السابقة فإنها التي ~~صارت إنسانا، وليس بها إذ لا يشاركها في ذات ولا صفات، وإنما له نوع اتحاد ~~معها وتعلق بها يستعملها في سبيل مقاصدها استعمال ذي الآلة للآلة كالكاتب للقلم. # وهذا هو الذي يستفاد من مثل قوله: "وقالوا أءذا ضللنا في الأرض أءنا لفي ~~خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم ~~السجدة: 11، فالمتوفى والمأخوذ عند الموت هو الإنسان، والمتلاشي الضال في ~~الأرض هو البدن وليس به. # وقد اختلف العطف في مفردات الآية بالفاء وثم، وقد قيل في وجهه إن ما عطف ~~بثم له بينونة كاملة مع ما عطف عليه كما في قوله: "ثم جعلناه نطفة" "ثم ~~خلقنا النطفة علقة"، "ثم أنشأناه خلقا آخر"، وما لم يكن بتلك البينونة ~~والبعد عطف بالفاء كقوله: "فخلقنا ms5523 العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما". # قوله تعالى: "فتبارك الله أحسن الخالقين" قال الراغب: أصل البرك بالفتح ~~فالسكون - صدر البعير. # قال: وبرك البعير ألقى ركبه واعتبر منه معنى اللزوم. # قال: وسمي محبس الماء بركة بالكسر فالسكون - والبركة ثبوت الخير الإلهي ~~في الشيء قال تعالى: "لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" وسمي بذلك ~~لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة والمبارك ما فيه ذلك الخير. # قال: ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا ~~يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة. # انتهى. # فالتبارك منه تعالى اختصاص بالخير الكثير الذي يجود به ويفيضه على خلقه ~~وقد تقدم أن الخلق في أصله بمعنى التقدير فهذا الخير الكثير كله في تقديره ~~وهو إيجاد الأشياء وتركيب أجزائها بحيث تتناسب فيما بين أنفسها وتناسب ما ~~وراءها ومن ذلك ينتشر الخير الكثير. # ووصفه تعالى بأحسن الخالقين يدل على عدم اختصاص الخلق به وهو كذلك لما ~~تقدم أن معناه التقدير وقياس الشيء من الشيء لا يختص به تعالى، وفي كلامه ~~تعالى من الخلق المنسوب إلى غيره قوله: "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير": ~~المائدة: 110 وقوله: "وتخلقون إفكا: العنكبوت: 17. # قوله تعالى: "ثم إنكم بعد ذلك لميتون" بيان لتمام التدبير الإلهي وأن ~~الموت من المراحل التي من الواجب أن يقطعها الإنسان في مسير التقدير، وأنه ~~حق كما تقدم في قوله تعالى: "كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة": الأنبياء: 35. # قوله تعالى: "ثم إنكم يوم القيامة تبعثون" وهذا تمام التدبير وهو أعني ~~البعث آخر مرحلة في مسير الإنسان إذا حل بها لزمها ولا يزال قاطنا بها. # قوله تعالى: "ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين"، ~~المراد بالطرائق السبع بقرينة قوله: "فوقكم" السماوات السبع وقد سماها ~~طرائق - جمع طريقة - وهي السبيل المطروقة لأنها ممر الأمر النازل من عنده ~~تعالى إلى الأرض، قال تعالى: "يتنزل الأمر بينهن": الطلاق - 12، وقال: ~~"يدبر الأمر من السماء إلى ms5524 الأرض ثم يعرج إليه": الم السجدة - 5، والسبل ~~التي تسلكها الأعمال في صعودها إلى الله والملائكة في هبوطهم وعروجهم كما ~~قال: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": فاطر - 10، وقال: "وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك": مريم - 64. # وبذلك يتضح اتصال ذيل الآية "وما كنا عن الخلق غافلين" بصدرها أي لستم ~~بمنقطعين عنا ولا بمعزل عن مراقبتنا بل هذه الطرائق السبع منصوبة بيننا ~~وبينكم يتطرقها رسل الملائكة بالنزول والصعود وينزل منها أمرنا إليكم وتصعد ~~منها أعمالكم إلينا. # وبذلك كله يظهر ما في قول بعضهم: إن الطرائق بمعنى الطباق المنضودة بعضها ~~فوق بعض من طرق النعل إذا وضع طاقاتها بعضها فوق بعض، وقول آخرين: إنها ~~بمعنى المبسوطات من طرق الحديد إذا بسطه بالمطرقة. # على أن اتصال ذيل الآية بصدرها على القولين غير بين. PageV15P010 # قوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب ~~به لقادرون" المراد بالسماء جهة العلو فإن ما علاك وأظلك فهو سماء، والمراد ~~بالماء النازل منها ماء المطر. # وفي قوله: "بقدر" دلالة على أن الذي نزل إنما نزل على حسب ما يقتضيه ~~التدبير التام الإلهي الذي يقدره بقدر لا يزيد قطرة على ما قدر ولا ينقص، ~~وفيه تلميح أيضا إلى قوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم": الحجر: 21. # والمعنى: وأنزلنا من جهة العلو ماء بقدر وهو ماء المطر فأسكناه في الأرض ~~وهو الذخائر المدخرة من الماء في الجبال والسهول تتفجر عنه العيون والأنهار ~~وتكشف عنه الآبار، وإنا لقادرون على أن نذهب بهذا الماء الذي أسكناه في ~~الأرض نوعا من الذهاب لا تهتدون إلى علمه. # قوله تعالى: "فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب" إلى آخر الآية، إنشاء ~~الجنات إحداثها وتربيتها، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين" معطوف ~~على "جنات" أي وأنشأنا لكم به شجرة في طور سيناء، والمراد بها شجرة الزيتون ~~التي تكثر في طور سيناء، وقوله: "تنبت بالدهن" أي تثمر ثمرة فيها الدهن وهو ms5525 ~~الزيت فهي تنبت بالدهن، وقوله: "وصبغ للآكلين" أي وتنبت بصبغ للآكلين، ~~والصبغ بالكسر فالسكون الإدام الذي يؤتدم به، وإنما خص شجرة الزيتون بالذكر ~~لعجيب أمرها، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها" إلخ، ~~العبرة الدلالة يستدل بها على أنه تعالى مدبر لأمر خلقه حنين بهم رءوف ~~رحيم، والمراد بسقيه تعالى مما في بطونها أنه رزقهم من ألبانها، والمراد ~~بالمنافع الكثيرة ما ينتفعون من صوفها وشعرها ووبرها وجلودها وغير ذلك، ~~ومنها يأكلون. # قوله تعالى: "وعليها وعلى الفلك تحملون" ضمير "عليها" للأنعام والحمل على ~~الأنعام هو الحمل على الإبل، وهو حمل في البر ويقابله الحمل في البحر وهو ~~الحمل على الفلك، فالآية في معنى قوله: "وحملناهم في البر والبحر": إسراء: ~~70، والفلك جمع فلكة وهي السفينة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: إذا تمت النطفة أربعة ~~أشهر بعث إليها ملك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: "ثم ~~أنشأناه خلقا آخر" يعني نفخ الروح فيه. # وفي الكافي، بإسناده عن ابن فضال عن الحسن بن الجهم قال: سمعت أبا الحسن ~~الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن النطفة تكون في ~~الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ~~فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاقين فيقولان: يا رب ما نخلق ذكرا أو ~~أنثى؟ فيؤمران فيقولان: يا رب شقي أو سعيد؟ فيؤمران فيقولان: يا رب ما أجله ~~وما رزقه وكل شيء من حاله؟ وعدد من ذلك أشياء، ويكتبان الميثاق بين عينيه. ~~فإذا كمل الأجل بعث الله إليه ملكا فزجره زجرة فيخرج وقد نسي الميثاق، فقال ~~الحسن بن الجهم: أفيجوز أن يدعو الله فيحول الأنثى ذكرا أو الذكر أنثى؟ ~~فقال: إن الله يفعل ما يشاء. أقول: والرواية مروية عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) بطرق أخرى وألفاظ متقاربة. # وفي تفسير القمي،: "قوله عز وجل وشجرة تخرج من طور سيناء - تنبت بالدهن ~~وصبغ للآكلين" قال: ms5526 شجرة الزيتون، وهو مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومثل أمير المؤمنين (عليه السلام) فالطور الجبل وسيناء الشجرة. # وفي المجمع،: "تنبت بالدهن وصبغ للآكلين" وقد روي عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أنه قال: الزيت شجرة مباركة فائتدموا منه وادهنوا. PageV15P011 ### ||| AUTO 23 سورة المؤمنون - 23 - 54 # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (23) فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملئكة ما سمعنا بهذا فى ءابائنا ~~الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرنى ~~بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا ~~وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ~~منهم ولا تخطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك ~~على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظلمين (28) وقل رب أنزلنى ~~منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن فى ذلك لايات وإن كنا لمبتلين (30) ~~ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا ~~وكذبوا بلقاء الاخرة وأترفنهم فى الحيوة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ~~مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما أنكم مخرجون (35) هيهات ~~هيهات لما توعدون (36) إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) ~~قال رب انصرنى بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن ندمين (40) فأخذتهم ~~الصيحة بالحق فجعلنهم غثاء فبعدا للقوم الظلمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم ~~قرونا ءاخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستئخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا ~~تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلنهم ms5527 أحاديث فبعدا ~~لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بئايتنا وسلطن مبين (45) ~~إلى فرعون وملايه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عبدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد ~~ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وءاوينهما ~~إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحا إنى ~~بما تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة وحدة وأنا ربكم فاتقون (52) ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم فى غمرتهم حتى ~~حين (54) ### |||| AUTO بيان # بعد ما عد نعمه العظام على الناس عقبه في هذه الآيات بذكر دعوتهم إلى ~~توحيد عبادته من طريق الرسالة وقص إجمال دعوة الرسل من لدن نوح إلى عيسى بن ~~مريم (عليهما السلام)، ولم يصرح من أسمائهم إلا باسم نوح وهو أول الناهضين ~~لدعوة التوحيد واسم موسى وعيسى (عليهما السلام) وهما في آخرهم، وأبهم أسماء ~~الباقين غير أنه صرح باتصال الدعوة وتواتر الرسل، وأن الناس لم يستجيبوا ~~إلا بالكفر بآيات الله والكفران لنعمه. PageV15P012 # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره أفلا تتقون" قد تقدم في قصص نوح (عليه السلام) من سورة هود أنه ~~أول أولي العزم من الرسل أصحاب الكتب والشرائع المبعوثين إلى عامة البشر ~~والناهضين للتوحيد ونفي الشرك، فالمراد بقومه أمته وأهل عصره عامة. # وقوله: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" دعوة إلى عبادة الله ورفض عبادة ~~الآلهة من دونه فإن الوثنيين إنما يعبدون غيره من الملائكة والجن والقديسين ~~بدعوى ألوهيتهم أي كونهم معبودين من دونه. # قال بعض المفسرين: إن معنى "اعبدوا الله" اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله ~~في سورة هود: "ألا تعبدوا إلا الله" وترك التقييد به للإيذان بأنها هي ~~العبادة فقط وأما العبادة مع الإشراك فليست من العبادة في شيء رأسا. # انتهى. # وفيه غفلة أو ذهول عن أن الوثنيين لا يعبدون الله سبحانه أصلا بناء على ~~أن العبادة توجه من العابد إلى المعبود، ms5528 والله سبحانه أجل من أن يحيط به ~~توجه متوجه أو علم عالم، فالوجه أن يتقرب إلى خاصة خلقه من الملائكة وغيره ~~ليشفعوا عنده ويقربوا منه، والعبادة بإزاء التدبير وأمر التدبير مفوض إليهم ~~منه تعالى فهم الآلهة المعبودون والأرباب من دونه. # ومن هنا يظهر أنه لو جازت عبادته تعالى عندهم لم يجز إلا عبادته وحده ~~لأنهم لا يرتابون في أنه تعالى رب الأرباب موجد الكل ولو صحت عبادته لم تجز ~~إلا عبادته وحده ولم تصح عبادة غيره لكنهم لا يرون صحتها بناء على ما زعموه ~~من الوجه المتقدم. # فقوله (عليه السلام) لقومه الوثنيين: "اعبدوا الله" في معنى أن يقال: ~~اعبدوا الله وحده كما ورد في سورة هود "أن لا تعبدوا إلا الله"، وقوله: "ما ~~لكم من إله غيره" في معنى أن يقال: ما لكم من معبود سواه لأنه لا رب غيره ~~يدبر أمركم حتى تعبدوه رجاء لرحمته أو خوفا من سخطه، وقوله بالتفريع على ~~ذلك: "أفلا تتقون" أي إذا لم يكن لكم رب يدبر أموركم دونه أفلا تتقون عذابه ~~حيث لا تعبدونه وتكفرون به؟ قوله تعالى: "قال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم - إلى قوله - حتى حين ملأ القوم أشرافهم، ووصفهم بقوله: ~~"الذين كفروا من قومه" وصف توضيحي لا احترازي إذ لم يؤمن به من ملإ قومه ~~أحد بدليل قولهم على ما حكاه الله: "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادي الرأي": هود - 27. # والسياق يدل على أن الملأ كانوا يخاطبون بمضمون الآيتين عامة الناس لصرف ~~وجوههم عنه وإغرائهم عليه وتحريضهم على إيذائه وإسكاته، وما حكاه تعالى من ~~أقاويلهم في الآيتين وجوه أربعة أو خمسة من فرية أو مغالطة لفقوها واحتجوا ~~بها على بطلان دعوته. # الأول قولهم: "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم" ومحصله أنه بشر ~~مثلكم فلو كان صادقا فيما يدعيه من الوحي الإلهي والاتصال بالغيب كان نظير ~~ما يدعيه متحققا فيكم إذ لا تنقصون منه في شيء من البشرية ولوازمها، ولم ~~يتحقق ms5529 فهو كاذب وكيف يمكن أن يكون كمال في وسع البشر أن يناله ثم لا يناله ~~إلا واحد منهم فقط ثم يدعيه من غير شاهد يشهد عليه؟ فلم يبق إلا أنه يريد ~~بهذه الدعوة أن يتفضل عليكم ويترأس فيكم ويؤيده أنه يدعوكم إلى اتباعه ~~وطاعته وهذه الحجة تنحل في الحقيقة إلى حجتين مختلقتين. # والثاني قولهم: "ولو شاء الله لأنزل ملائكة" ومحصله أن الله سبحانه لو ~~شاء أن يدعونا بدعوة غيبية لاختار لذلك الملائكة الذين هم المقربون عنده ~~والشفعاء الروابط بيننا وبينه فأرسلهم إلينا لا بشرا ممن لا نسبة بينه وبينه. # على أن في نزولهم واعترافهم بوجوب العبادة له تعالى وحده وعدم جواز ~~اتخاذهم أربابا وآلهة معبودين آية بينة على صحة الدعوة وصدقها. # والتعبير عن إرسال الملائكة بإنزالهم إنما هو لكون إرسالهم يتحقق ~~بالإنزال والتعبير بلفظ الجمع دون الإفراد لعله لكون المراد بهم الآلهة ~~المتخذة منهم وهم كثيرون. # والثالث قولهم: "ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" ومحصله أنه لو كانت ~~دعوته حقة لاتفق لها نظير فيما سلف من تاريخ الإنسانية، وآباؤنا كانوا أفضل ~~منا وأعقل ولم يتفق لهم وفي أعصارهم ما يناظر هذه الدعوة فليست إلا بدعة ~~وأحدوثة كاذبة. PageV15P013 # والرابع قولهم: "إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين" الجنة إما مصدر ~~أي به جنون أو مفرد الجن أي حل به من الجن من يتكلم على لسانه لأنه يدعي ما ~~لا يقبله العقل السليم ويقول ما لا يقوله إلا مصاب في عقله فتربصوا ~~وانتظروا به إلى حين ما لعله يفيق من حالة جنونه أو يموت فنستريح منه. # وهذه حجج مختلقة ألقاها ملأ قومه إلى عامتهم أو ذكر كلا منها بعضهم وهي ~~وإن كانت حججا جدلية مدخولة لكنهم كانوا ينتفعون بها حينما يلقونها إلى ~~الناس فيصرفون وجوههم عنه ويغرونهم عليه ويمدون في ضلالهم. # قوله تعالى: "قال رب انصرني بما كذبون" سؤال منه للنصر والباء في قوله: ~~"بما كذبون" للبدلية والمعنى انصرني بدل تكذيبهم لي أو للآلة وعليه فالمعنى ~~انصرني بالذي كذبوني ms5530 فيه وهو العذاب فإنهم قالوا: "فأتنا بما تعدنا إن كنت ~~من الصادقين": هود - 32، ويؤيده قول نوح: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا": نوح 26، وفصل الآية لكونها في معنى جواب السؤال. # قوله تعالى: "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا" إلى آخر الآية. # متفرع على سؤال النصر، ومعنى صنع الفلك بأعينه صنعه بمرأى منه وهو كناية ~~عن كونه تحت مراقبته تعالى ومحافظته، ومعنى كون الصنع بوحيه كونه بتعليمه ~~الغيبي حالا بعد حال. # وقوله: "فإذا جاء أمرنا وفار التنور" المراد بالأمر - كما قيل - حكمه ~~الفصل بينه وبين قومه وقضاؤه فيهم بالغرق، والسياق يشهد على كون فوران ~~التنور بالماء أمارة نزول العذاب عليهم وهو أعني فوران الماء من التنور وهو ~~محل النار من عجيب الأمر في نفسه. # وقوله: "فاسلك فيها من كل زوجين اثنين" القراءة الدائرة "من كل" بالتنوين ~~والقطع عن الإضافة، والتقدير من كل نوع من الحيوان، والسلوك فيها الإدخال ~~في الفلك والظاهر أن "من" لابتداء الغاية والمعنى فأدخل في الفلك زوجين ~~اثنين: ذكر وأنثى من كل نوع من الحيوان. # وقوله: "وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم" معطوف على قوله: "زوجين" وما ~~قيل: إن عطف "أهلك" على "زوجين" يفسد المعنى المراد لرجوع التقدير حينئذ ~~إلى قولنا: واسلك فيها من كل نوع أهلك فالأولى تقدير "اسلك" ثانيا قبل ~~"أهلك" وعطفه على "فاسلك" يدفعه أن "من كل" في موضع الحال من "زوجين" فهو ~~متأخر عنه رتبة كما قدمنا تقديره فلا يعود ثانيا على المعطوف. # والمراد بالأهل خاصته، والظاهر أنهم أهل بيته والمؤمنون به فقد ذكرهم في ~~سورة هود مع الأهل ولم يذكر هاهنا إلا الأهل فقط. # والمراد بمن سبق عليه القول منهم امرأته الكافرة على ما فهم نوح (عليه ~~السلام) وهي وابنه الذي أبى ركوب السفينة وغرق حينما آوى إلى جبل في ~~الحقيقة، وسبق القول هو القضاء المحتوم بالغرق. # وقوله: "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" النهي عن مخاطبته تعالى ~~كناية عن النهي الشديد عن الشفاعة لهم، بدليل تعليق المخاطبة ms5531 بالذين ظلموا ~~وتعليل النهي بقوله: "إنهم مغرقون" فكأنه قيل: أنهاك عن أصل تكليمي فيهم ~~فضلا أن تشفع لهم فقد شملهم غضبي شمولا لا يدفعه دافع. # قوله تعالى: "فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل" إلى آخر الآيتين ~~علمه أن يحمد الله بعد الاستواء على الفلك على تنجيته تعالى من القوم ~~الظالمين وهذا بيان بعد بيان لكونهم هالكين مغرقين حتما، وأن يسأله أن ~~ينجيه من الطوفان وينزله على الأرض إنزالا مباركا ذا خير كثير ثابت فإنه ~~خير المنزلين. # وفي أمره (عليه السلام) أن يحمده ويصفه بالجميل دليل على أنه من عباده ~~المخلصين فإنه تعالى منزه عما يصفه غيرهم كما قال: "سبحان الله عما يصفون ~~إلا عباد الله المخلصون": الصافات: 160. # وقد اكتفى سبحانه في القصة بإخباره عن حكمه بغرقهم وأنهم مغرقون حتما ولم ~~يذكر خبر غرقهم إيماء إلى أنهم آل بهم الأمر إلى أن لا خبر عنهم بعد ذلك، ~~وإعظاما للقدرة وتهويلا للسخطة وتحقيرا لهم واستهانة بأمرهم، فالسكوت في ~~هذه القصة عن هلاكهم أبلغ من قوله في القصة الآتية: "وجعلناهم أحاديث فبعدا ~~لقوم لا يؤمنون" من وجوه. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين" خطاب في آخر القصة للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان أن هذه الدعوة مع ما جرى معها كانت ابتلاء ~~أي امتحانا واختبارا إليها. PageV15P014 # قوله تعالى: "ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين" إلى آخر الآية الثانية. # القرن أهل عصر واحد، وقوله: "أن اعبدوا الله" تفسير لإرسال الرسول من ~~قبيل تفسير الفعل بنتيجته كقوله تعالى: "تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا": حم السجدة: 30. # قوله تعالى: "قال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا" هؤلاء أشرافهم المتوغلون في الدنيا المخلدون ~~إلى الأرض يغرون بقولهم هذا عامتهم على رسولهم. # وقد وصفهم الله بصفات ثلاث وهي: الكفر بالله بعبادة غيره، والتكذيب بلقاء ~~الآخرة - أي بلقاء الحياة الآخرة بقرينة مقابلتها لقوله: "في الحياة ~~الدنيا" -، ولكفرهم بالمبدإ والمعاد انقطعوا عما وراء الدنيا فانكبوا عليها ~~ثم ms5532 لما أترفوا في الحياة الدنيا وتمكنوا من زخارفها وزيناتها الملذة ~~اجتذبتهم الدنيا إلى نفسها فاتبعوا الهوى ونسوا كل حق وحقيقة، ولذلك تفوهوا ~~تارة بنفي التوحيد والرسالة وتارة بإنكار المعاد وتارة رد الدعوة بإضرارها ~~دنياهم وحريتهم في اتباع هواهم. # فتارة قالوا لعوامهم مشيرين إلى رسولهم إشارة المستحقر المستهين بأمره: ~~"ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون" يريدون به ~~تكذيبه في دعوته ودعواه الرسالة على ما مر من تقرير حجتهم في قصة نوح ~~السابقة. # وفي استدلالهم على بشريته ومساواته سائر الناس بأكله وشربه مثل الناس ~~وذلك من خاصة مطلق الحيوان دليل على أنهم ما كانوا يرون للإنسان إلا كمال ~~الحيوان ولا فضيلة إلا في الأكل والشرب ولا سعادة إلا في التمكن من التوسع ~~والاسترسال من اللذائذ الحيوانية كما قال تعالى: "أولئك كالأنعام": ~~الأعراف: 179، وقال: "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام": ~~سورة محمد: 12. # وتارة قالوا: "ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون" وهو في معنى ~~قولهم في القصة السابقة: "يريد أن يتفضل عليكم" يريدون به أن في اتباعه ~~وإطاعته فيما يأمركم به مع كونه بشرا مثلكم من غير فضل له عليكم خسرانكم ~~وبطلان سعادتكم في الحياة إذ لا حياة إلا الحياة الدنيا ولا سعادة فيها إلا ~~الحرية في التمتع من لذائذها، وفي طاعة من لا فضل له عليكم رقيتكم وزوال ~~حريتكم وهو الخسران. # وتارة قالوا: "أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون" أي ~~مبعوثون من قبوركم للحساب والجزاء "هيهات هيهات لما توعدون" وهيهات كلمة ~~استبعاد وفي تكراره مبالغة في الاستبعاد "إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا" أي يموت قوم منا في الدنيا ويحيا آخرون فيها لا نزال كذلك "وما نحن ~~بمبعوثين" للحياة في دار أخرى وراء الدنيا. # ويمكن أن يحمل قولهم: "نموت ونحيا" على التناسخ وهو خروج الروح بالموت من ~~بدن وتعلقها ببدن آخر إنساني أو غير إنساني فإن التناسخ مذهب شائع عند ~~الوثنيين وربما عبروا عنه بالولادة بعد الولادة لكنه لا يلائم سياق ms5533 الآيات ~~كثير ملائمة. # وتارة قالوا: "إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين" ~~يريدون به تكذيب دعواه الرسالة مع ما احتوت عليه دعوته وقد أنكروا التوحيد ~~والمعاد قبل ذلك. # ومرادهم بقولهم: "نحن" أنفسهم وعامتهم أشركوا أنفسهم عامتهم لئلا يتهمهم ~~العامة فيما يأمرونهم به من الكفر بالرسول، ويمكن أن يكون المراد به أنفسهم ~~خاصة دون العامة وإنما أخبروا بعدم إيمانهم ليقتدوا بهم فيه. # وقد نشأت هذه الأقاويل من اجتماع الصفات التي وصفهم الله بها في أول ~~الآيات وهي إنكار التوحيد والنبوة والمعاد والإتراف في الحياة الدنيا. # واعلم أن في قوله في صدر الآيات: "وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقاء الآخرة وأترفناهم" قدم قوله: "من قومه" على "الذين كفروا" بخلاف ما ~~في القصة السابقة من قوله: "فقال الملأ الذين كفروا من قومه" لأنه لو وقع ~~بعد "الذين كفروا" اختل به ترتيب الجمل المتوالية "كفروا" "وكذبوا" ~~"وأترفناهم" ولو وقع بعد الجميع طال الفصل. # قوله تعالى: "قال رب انصرني بما كذبون" تقدم تفسيره في القصة السابقة. PageV15P015 # قوله تعالى: "قال عما قليل ليصبحن نادمين" استجابة لدعوة الرسول وصيرورتهم ~~نادمين كناية عن حلول عذاب الاستئصال بهم، وقوله: "عما قليل" عن بمعنى بعد ~~و"ما لتأكيد القلة وضمير الجمع للقوم، والكلام مؤكد بلام القسم ونون ~~التأكيد، والمعنى: أقسم لتأخذنهم الندامة بعد قليل من الزمان بمشاهدة حلول ~~العذاب. # قوله تعالى: "فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين"، ~~الباء في "بالحق" للمصاحبة وهو متعلق بقوله: "فأخذتهم" أي أخذتهم الصيحة ~~أخذا مصاحبا للحق، أو للسببية، والحق وصف أقيم مقام موصوفه المحذوف ~~والتقدير فأخذتهم الصيحة بسبب الأمر الحق أو القضاء الحق كما قال: "فإذا ~~جاء أمر الله قضي بالحق"،: المؤمن: 78. # والغثاء بضم الغين وربما شددت الثاء: ما يحمله السيل من يابس النبات ~~والورق والعيدان البالية، وقوله: "فبعدا للقوم الظالمين" إبعاد ولعن لهم أو ~~دعاء عليهم. # والمعنى: فأنجزنا للرسول ما وعدناه من عذابهم فأخذتهم الصيحة السماوية ~~وهي العذاب فأهلكناهم وجعلناهم كغثاء السيل فليبعد القوم الظالمون بعدا. ms5534 # ولم يصرح باسم هؤلاء القوم الذين أنشأهم بعد قوم نوح ثم أهلكهم ولا باسم ~~رسولهم، وليس من البعيد أن يكونوا هم ثمود قوم صالح (عليه السلام) فقد ذكر ~~الله سبحانه في قصتهم في مواضع من كلامه أنهم كانوا بعد قوم نوح وقد أهلكوا ~~بالصيحة. # قوله تعالى: "ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون" تقدم توضيح مضمون الآيتين كرارا. # قوله تعالى: "ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه"، إلى آخر ~~الآية يقال: جاءوا تترى أي فرادى يتبع بعضهم بعضا، ومنه التواتر وهو تتابع ~~الشيء وترا وفرادى، وعن الأصمعي: واترت الخبر أتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين ~~هنيهة انتهى. # والكلام من تتمة قوله: "ثم أنشأنا من بعدهم قرونا" و"ثم" للتراخي بحسب ~~الذكر دون الزمان، والقصة إجمال منتزع من قصص الرسل وأممهم بين أمة نوح ~~والأمة الناشئة بعدها وبين أمة موسى. # يقول تعالى: ثم أنشأنا بعد تلك الأمة الهالكة بالصيحة بعد أمة نوح قرونا ~~وأمما آخرين وأرسلنا إليهم رسلنا متتابعين يتبع بعضهم بعضا كلما جاء أمة ~~رسولها المبعوث منها إليها كذبوه فأتبعنا بعضهم أي بعض هذه الأمم بعضا أي ~~بالعذاب وجعلناهم أحاديث أي صيرناهم قصصا وأخبارا بعد ما كانوا أعيانا ذوات ~~آثار فليبعد قوم لا يؤمنون. # والآيات تدل على أنه كان من سنة الله إنشاء قرن بعد قرن وهدايتهم إلى ~~الحق بإرسال رسول بعد رسول وهي سنة الابتلاء والامتحان، ومن سنة القرون ~~تكذيب الرسول بعد الرسول ثم من سنة الله ثانيا - وهي سنة المجازاة - تعذيب ~~المكذبين وإتباع بعضهم بعضا. # وقوله: "وجعلناهم أحاديث" أبلغ كلمة تفصح عن القهر الإلهي الذي يغشى ~~أعداء الحق والمكذبين لدعوته حيث يمحو العين ويعفو الأثر ولا يبقى إلا الخبر. # قوله تعالى: "ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين" الآيات هي ~~العصا واليد البيضاء وسائر الآيات التي أراها موسى فرعون وقومه، والسلطان ~~المبين الحجة الواضحة، وتفسير بعضهم السلطان بالعصا غير سديد. # قوله تعالى: "إلى فرعون وملإيه فاستكبروا وكانوا قوما عالين" قيل: إنما ms5535 ~~ذكر ملأ فرعون واكتفى بهم عن ذكر قومه لأنهم الأشراف المتبوعون وسائر القوم ~~أتباع يتبعونهم. # والمراد بكونهم عالين أنهم كانوا يعلون على غيرهم فيستعبدونهم كما علوا ~~على بني إسرائيل واستعبدوهم فالعلو في الأرض كناية عن التطاول على أهلها ~~وقهرهم على الطاعة. # قوله تعالى: "فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون" المراد ~~بكونهما بشرين مثلهم نفي أن يكون لهما فضل عليهم، وبكون قومهما لهم عابدين ~~فضلهم عليهما كما فضلوا على قومهما فإذا كان الفضل لهم عليهما كان من ~~الواجب أن يعبداهم كما عبدهم قومهما لا أن يؤمنوا بهما كما قال فرعون ~~لموسى: "لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين" ثم ختم تعالى القصة ~~بذكر هلاكهم فقال: "فكذبوهما فكانوا من المهلكين" ثم قال: "ولقد آتينا موسى ~~الكتاب لعلهم يهتدون" والمراد بهم بنو إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد ~~هلاك فرعون وملئه. PageV15P016 # قوله تعالى: "وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" ~~تقدم أن الآية هي ولادة عيسى (عليه السلام) الخارقة للعادة وإذ كانت أمرا ~~قائما به وبأمه معا عدا جميعا آية واحدة. # والإيواء من الأوي وأصله الرجوع ثم استعمل في رجوع الإنسان إلى مسكنه ~~ومقره، وآواه إلى مكان كذا أي جعله مسكنا له والربوة المكان المرتفع ~~المستوي الواسع، والمعين الماء الجاري. # والمعنى: وجعلنا عيسى بن مريم وأمه مريم آية دالة على ربوبيتنا وأسكناهما ~~في مكان مرتفع مستو وسيع فيه قرار وماء جار. # قوله تعالى: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم" خطاب لعامة الرسل بأكل الطيبات وكان المراد بالأكل منها ~~الارتزاق بها بالتصرف فيها سواء كان بأكل أو غيره وهو استعمال شائع. # والسياق يشهد بأن في قوله: "كلوا من الطيبات" امتنانا منه تعالى عليهم، ~~ففي قوله عقيبه: "واعملوا صالحا" أمر بمقابلة المنة بصالح العمل وهو شكر ~~للنعمة وفي تعليله بقوله: "إني بما تعملون عليم" تحذير لهم من مخالفة أمره ~~وبعث إلى ملازمة التقوى. # قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون" تقدم ms5536 تفسير نظيره ~~الآية في سورة الأنبياء. # قوله تعالى: "فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون" في ~~المجمع، أن التقطع والتقطيع بمعنى واحد، والزبر بضمتين جمع زبور وهو ~~الكتاب، والكلام متفرع على ما تقدمه، والمعنى أن الله أرسل إليهم رسله تترى ~~والجميع أمة واحدة لهم رب واحد دعاهم إلى تقواه لكنهم لم يأتمروا بأمره ~~وقطعوا أمرهم بينهم قطعا وجعلوه كتبا اختص بكل كتاب حزب وكل حزب بما لديهم فرحون. # وفي قراءة ابن عامر "زبرا" بفتح الباء وهو جمع زبرة وهي الفرقة، والمعنى ~~وتفرقوا في أمرهم جماعات وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، وهي أرجح. # قوله تعالى: "فذرهم في غمرتهم حتى حين" قال في المفردات،: الغمرة معظم ~~الماء الساترة لمقرها وجعل مثلا للجهالة التي يغمر صاحبها، انتهى. # وفي الآية تهديد بالعذاب، وقد تقدمت إشارة إلى أن من سنته تعالى المجازاة ~~بالعذاب بعد تكذيب الرسالة، وفي تنكير "حين" إشارة إلى إتيان العذاب ~~الموعود بغتة. ### |||| AUTO بحث روائي # في نهج البلاغة،: يا أيها الناس إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم ولم ~~يعذكم من أن يبتليكم وقد قال جل من قائل: "إن في ذلك لآيات وإن كنا ~~لمبتلين". # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "فجعلناهم غثاء" الغثاء اليابس الهامد من نبات الأرض. # وفيه،: في قوله تعالى: "إلى ربوة ذات قرار ومعين" قال: الربوة الحيرة ~~وذات قرار ومعين الكوفة. # وفي المجمع،: "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" قيل: حيرة الكوفة ~~وسوادها، والقرار مسجد الكوفة، والمعين الفرات: عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~(عليه السلام) أقول: وروي في الدر المنثور، عن ابن عساكر عن أبي أمامة عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن الربوة هي دمشق الشام، وروي أيضا عن ~~ابن عساكر وغيره عن مرة البهزي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنها ~~الرملة، والروايات جميعا لا تخلو من الضعف. # وفي المجمع،: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات" روي عن النبي (صلى الله ~~عليه ms5537 وآله وسلم): أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وأنه أمر المؤمنين بما أمر ~~به المرسلين فقال: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات" وقال: "يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم". أقول: ورواه في الدر المنثور، عن أحمد ~~ومسلم والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أمة واحدة" قال على مذهب واحد. # وفيه: في قوله: "كل حزب بما لديهم فرحون" قال: كل من اختار لنفسه دينا ~~فهو فرح به. PageV15P017 ### ||| AUTO 23 سورة المؤمنون - 55 - 77 # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم فى الخيرت بل لا ~~يشعرون (56) إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بئايت ربهم ~~يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم رجعون (60) أولئك يسرعون فى الخيرت وهم لها سبقون (61) ~~ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل ~~قلوبهم فى غمرة من هذا ولهم أعمل من دون ذلك هم لها عملون (63) حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون (64) لا تجئروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون (65) قد كانت ءايتى تتلى عليكم فكنتم على أعقبكم تنكصون (66) ~~مستكبرين به سمرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ~~ءاباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به ~~جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كرهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السموت والأرض ومن فيهن بل أتينهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم ~~تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرزقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صرط ~~مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصرط لنكبون (74) ولو رحمنهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر للجوا فى طغينهم يعمهون (75) ولقد أخذنهم بالعذاب فما ~~استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ~~إذا هم فيه مبلسون (77) ### |||| AUTO بيان # الآيات متصلة بقوله السابق: "فذرهم في غمرتهم حتى حين" فإنه لما عقب قصص ms5538 ~~الرسل باختلاف الناس في أمر الدين وتحزبهم أحزابا كل حزب بما لديهم فرحون ~~أوعدهم بعذاب مؤجل لا مناص لهم عنه ولا مخلص منه فليتيهوا في غمرتهم ما ~~شاءوا فسيغشاهم العذاب ولا محالة. # فنبههم في هذه الآيات أن توهمهم أن ما مدهم الله به من مال وبنين مسارعة ~~لهم في الخيرات خطأ منهم وجهل بحقيقة الحال، ولو كان ذلك من الخير لم يأخذ ~~العذاب مترفيهم بل المسارعة في الخيرات هو ما وفق الله المؤمنين له من ~~الأعمال الصالحة وما يترتب عليها من جزيل الأجر وعظيم الثواب في الدنيا ~~والآخرة فهم يسارعون إليها فيسارع لهم فيها. # فالعذاب مدركهم لا محالة والحجة تامة عليهم ولا عذر لهم يعتذرون به كعدم ~~تدبر القول أو كون الدعوة بدعا لا سابقة له أو عدم معرفة الرسول أو كونه ~~مجنونا مختل القول أو سؤاله منهم خرجا بل هم أهل عناد ولجاج لا يؤمنون ~~بالحق حتى يأتيهم عذاب لا مرد له. # قوله تعالى: "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات ~~بل لا يشعرون" "نمدهم" - بضم النون - من الإمداد والمد والإمداد بمعنى واحد ~~وهو تتميم نقص الشيء وحفظه من أن ينقطع أو ينفد، قال الراغب: وأكثر ما ~~يستعمل الإمداد في المحبوب والمد في المكروه، فقوله "نمدهم" من الإمداد ~~المستعمل في المكروه والمسارعة لهم في الخيرات إفاضة الخيرات بسرعة ~~لكرامتهم عليه فيكون الخيرات على ظنهم هي المال والبنون سورع لهم فيها. # والمعنى: أيظن هؤلاء أن ما نعطيهم في مدة المهلة من مال وبنين خيرات ~~نسارع لهم فيها لرضانا عنهم أو حبنا لأعمالهم أو كرامتهم علينا؟. # لا، بل لا يشعرون أي إن الأمر على خلاف ما يظنون وهم في جهل بحقيقة الأمر ~~وهو أن ذلك إملاء منا واستدراج وإنما نمدهم في طغيانهم يعمهون كما قال ~~تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين": الأعراف: 183. PageV15P018 # قوله تعالى "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون" إلى آخر الآيات الخمس، يبين ~~تعالى في هذه الآيات الخمس بمعونة ms5539 ما تقدم أن الذي يظن هؤلاء الكفار أن ~~المال والبنين خيرات نسارع لهم فيها خطأ منهم فليست هي من الخيرات في شيء ~~بل استدراج وإملاء وإنما الخيرات التي يسارع فيها هي ما عند المؤمنين بالله ~~ورسله واليوم الآخر الصالحين في أعمالهم. # فأفصح تعالى عن وصفهم فقال: "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون"، قال ~~الراغب: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما ~~يلحقه، قال تعالى: "وهم من الساعة مشفقون" فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه ~~أظهر، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر، قال: "إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين" "مشفقون منها" انتهى. # والآية تصفهم بأنهم اتخذوا الله سبحانه ربا يملكهم ويدبر أمرهم، ولازم ~~ذلك أن يكون النجاة والهلاك دائرين مدار رضاه وسخطه يخشونه في أمر يحبونه ~~وهو نجاتهم وسعادتهم فهم مشفقون من خشيته وهذا هو الذي يبعثهم إلى الإيمان ~~بآياته وعبادته، وقد ظهر بما مر من المعنى أن الجمع في الآية بين الخشية ~~والإشفاق ليس تكرارا مستدركا. # ثم قال: "والذين هم بآيات ربهم يؤمنون" وهي كل ما يدل عليه تعالى بوجه ~~ومن ذلك رسله الحاملون لرسالته وما أيدوا به من كتاب وغيره وما جاءوا به من ~~شريعة لأن إشفاقهم من خشية الله يبعثهم إلى تحصيل رضاه ويحملهم على إجابته ~~إلى ما يدعوهم إليه وائتمارهم لما يأمرهم به من طريق الوحي والرسالة. # ثم قال: "والذين هم بربهم لا يشركون" والإيمان بآياته هو الذي دعاهم إلى ~~نفي الشركاء في العبادة فإن الإيمان بها إيمان بالشريعة التي شرعت عبادته ~~تعالى والحجج التي دلت على توحده في ربوبيته وألوهيته. # على أن جميع الرسل والأنبياء (عليهم السلام) إنما جاءوا من قبله وإرسال ~~الرسل لهداية الناس إلى الحق الذي فيه سعادتهم من شئون الربوبية، ولو كان ~~له شريك لأرسل رسولا، ومن لطيف كلام علي عليه أفضل السلام قوله: لو كان ~~لربك شريك لأتتك رسله. # ثم قال "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" الوجل ~~الخوف، وقوله: "يؤتون ما ms5540 آتوا" أي يعطون ما أعطوا من المال بالإنفاق في ~~سبيل الله وقيل: المراد بإيتاء ما آتوا إتيانهم بكل عمل صالح، وقوله: ~~"وقلوبهم وجلة" حال من فاعل "يؤتون". # والمعنى والذين ينفقون ما أنفقوا أو يأتون بالأعمال الصالحة والحال أن ~~قلوبهم خائفة من أنهم سيرجعون إلى ربهم أي إن الباعث لهم على الإنفاق في ~~سبيل الله أو على صالح العمل ذكرهم رجوعهم المحتوم إلى ربهم على وجل منه. # وفي الآية دلالة على إيمانهم باليوم الآخر وإتيانهم بصالح العمل وعند ذلك ~~تعينت صفاتهم أنهم الذين يؤمنون بالله وحده لا شريك له وبرسله وباليوم ~~الآخر ويعملون الصالحات. # ثم قال: "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" الظاهر أن اللام في ~~"لها" بمعنى "إلى" و"لها" متعلق بسابقون، والمعنى أولئك الذين وصفناهم هم ~~يسارعون في الخيرات من الأعمال وهم سابقون إليها أي يتسابقون فيها لأن ذلك ~~لازم كون كل منهم مريدا للسبق إليها. # فقد بين في الآيات أن الخيرات هي الأعمال الصالحة المبتنية على الاعتقاد ~~الحق الذي عند هؤلاء المؤمنين وهم يسارعون فيها وليست الخيرات ما عند أولئك ~~الكفار وهم يعدونها بحسبانهم مسارعة من الله سبحانه لهم في الخيرات. # قال في التفسير الكبير: وفيه يعني قوله: "أولئك يسارعون في الخيرات" ~~وجهان: أحدهما: أن المراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها لئلا ~~تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام. # والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام كما قال: ~~"فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة" "وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين" لأنهم إذا سورع لهم بها فقد سارعوا في نيلها ~~وتعجلوها وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفي عن ~~الكفار للمؤمنين. # انتهى. PageV15P019 # أقول: إن الذي نفي عن الكفار في الآية المتقدمة هو مسارعة الله للكفار في ~~الخيرات والذي أثبت للمؤمنين في هذه الآية هو مسارعة المؤمنين في الخيرات، ~~والذي وجهه في هذا الوجه أن مسارعتهم في الخيرات مسارعة من الله سبحانه ~~بوجه فيبقى عليه أن يبين الوجه في ms5541 وضع مسارعتهم في الآية موضع مسارعته ~~تعالى وتبديلها منها، ووجهه بعضهم بأن تغيير الأسلوب للإيماء إلى كمال ~~استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم، وهو كما ترى. # والظاهر أن هذا التبديل إنما هو في قوله في الآية المتقدمة: "نسارع لهم ~~في الخيرات" والمراد بيان أنهم يحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين خيرات ~~يتسارعون إليها لكرامتهم وهم كافرون لكن لما كان ذلك بإعطاء من الله تعالى ~~لا بقدرتهم عليها من أنفسهم نسبت المسارعة إليه تعالى ثم نفيت بالاستفهام ~~الإنكاري، وأثبت ما يقابله على الأصل للمؤمنين. # فمحصل هذا النفي والإثبات أن المال والبنين ليست خيرات يتسارعون إليها ~~ولا هم مسارعون إلى الخيرات بل الأعمال الصالحة وآثارها الحسنة هي الخيرات ~~والمؤمنون هم المسارعون إلى الخيرات. # قوله تعالى: "ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا ~~يظلمون" الذي يعطيه السياق أن في الآية ترغيبا وتحضيضا على ما ذكره من صفات ~~المؤمنين ودفعا لما ربما ينصرف الناس بتوهمه عن التلبس بكرامتها من وجهين ~~أحدهما أن التلبس بها أمر سهل في وسع النفوس وليس بذاك الصعب الشاق الذي ~~يستوعره المترفون، والثاني أن الله لا يضيع عملهم الصالح ولا ينسى أجرهم ~~الجزيل. # فقوله: "ولا نكلف نفسا إلا وسعها" نفي للتكليف الحرجي الخارج عن وسع ~~النفوس أما في الاعتقاد فإنه تعالى نصب حججا ظاهرة وآيات باهرة تدل على ما ~~يريد الإيمان به من حقائق المعارف وجهز الإنسان بما من شأنه أن يدركها ~~ويصدق بها وهو العقل ثم راعى حال العقول في اختلافها من جهة قوة الإدراك ~~وضعفه فأراد من كل ما يناسب مقدار تحمله وطوقه فلم يرد من العامة ما يريده ~~من الخاصة ولم يسأل الأبرار عما سأل عنه المقربين ولا ساق المستضعفين بما ~~ساق به المخلصين. # وأما في العمل فإنما ندب الإنسان منه إلى ما فيه خيره في حياته الفردية ~~والاجتماعية الدنيوية وسعادته في حياته الأخروية، ومن المعلوم أن خير كل ~~نوع من الأنواع ومنها الإنسان إنما يكون فيما يتم به حياته وينتفع به ms5542 في ~~عيشته وهو مجهز بما يقوى على إتيانه وعمله، وما هذا شأنه لا يكون حرجيا ~~خارجا عن الوسع والطاقة. # فلا تكليف حرجيا في دين الله بمعنى الحكم الحرجي في تشريعه مبنيا على ~~مصلحة حرجية، وبذلك امتن الله سبحانه على عباده، وطيب نفوسهم ورغبهم إلى ما ~~وصفه من حال المؤمنين. # والآية "ولا نكلف نفسا إلا وسعها" تدل على ذلك وزيادة فإنها تدل على نفي ~~التكليف المبني على الحرج في أصل تشريعه كتشريع الرهبانية والتقرب بذبح ~~الأولاد مثلا، ونفي التكليف الذي هو في نفسه غير حرجي لكن اتفق أن صار بعض ~~مصاديقه حرجيا لخصوصية في المورد كالقيام في الصلاة للمريض الذي لا يستطيعه ~~فالجميع منفي بالآية وإن كان الامتنان والترغيب المذكوران يتمان بنفي القسم الأول. # والدليل عليه في الآية تعلق نفي التكليف بقوله: "نفسا" وهو نكرة في سياق ~~النفي يفيد العموم، وعليه فأي نفس مفروضة في أي حادثة لا تكلف إلا وسعها ~~ولا يتعلق بها حكم حرجي سواء كان حرجيا من أصله أو صار حرجيا في خصوص ~~المورد. # وقد ظهر أن في الآية إمضاء لدرجات الاعتقاد بحسب مراتب العقول ورفعا ~~للحرج سواء كان في أصل الحكم أو طارئا عليه. # وقوله: "وعندنا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون" ترغيب لهم بتطييب نفوسهم ~~بأن عملهم لا يضيع وأجرهم لا يتخلف والمراد بنطق الكتاب إعرابه عما أثبت ~~فيه إعرابا لا لبس فيه وذلك لأن أعمالهم مثبتة في كتاب لا ينطق إلا بما هو ~~حق فهو مصون عن الزيادة والنقيصة والتحريف، والحساب مبني على ما أثبت فيه ~~كما يشير إليه قوله: "ينطق" والجزاء مبني على ما يستنتج من الحساب كما يشير ~~إليه قوله: "وهم لا يظلمون" فهم في أمن من الظلم بنسيان أجرهم أو بترك ~~إعطائه أو بنقصه أو تغييره كما أنهم في أمن من أن لا يحفظ أعمالهم أو تنسى ~~بعد الحفظ أو تتغير بوجه من وجوه التغير. PageV15P020 # قال الرازي في التفسير الكبير، فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب ~~إما أن يكونوا محيلين ms5543 الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه فإن أحالوه ~~عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه ~~عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل فعلى ~~التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب. # قلنا: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين ~~من الملائكة. # انتهى. # أقول: والذي أجاب به مبني على مسلكه من نفي الغرض عن فعله تعالى وتجويز ~~الإرادة الجزافية تعالى عن ذلك، والإشكال مطرد في سائر شئون يوم القيامة ~~التي أخبر الله سبحانه بها كالحشر والجمع وإشهاد الشهود ونشر الكتب ~~والدواوين والصراط والميزان والحساب. # والجواب عن ذلك كله: أنه تعالى مثل لنا ما يجري على الإنسان يوم القيامة ~~في صورة القضاء والحكم الفصل، ولا غنى للقضاء بما أنه قضاء عن الاستناد إلى ~~الحجج والبينات كالكتب والشهود والأمارات والجمع بين المتخاصمين ولا يتم ~~دون ذلك البتة. # نعم لو أغمضنا النظر عن ذلك كان ظهور أعمال الإنسان له في مراحل رجوعه ~~إلى الله سبحانه بإذنه، فافهمه. # قوله تعالى: "بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون" المناسب لسياق الآيات أن يكون "هذا" إشارة إلى ما وصفته الآيات ~~السابقة من حال المؤمنين ومسارعتهم في الخيرات، ويمكن أن يكون إشارة إلى ~~القرآن كما يؤيده قوله بعد: "قد كانت آياتي تتلى عليكم والغمرة الغفلة ~~الشديدة أو الجهل الشديد الذي غمرهم، وقوله: "ولهم أعمال من دون ذلك" إلخ، ~~أي من غير ما وصفناه من حال المؤمنين وهو كناية عن أن لهم شاغلا يشغلهم عن ~~هذه الخيرات والأعمال الصالحة وهو الأعمال الرديئة الخبيثة التي هم لها ~~عاملون. # والمعنى: بل الكفار في غفلة شديدة أو جهل شديد عن هذا الذي وصفنا به ~~المؤمنين ولهم أعمال رديئة خبيثة من دون ذلك هم لها عاملون في شاغلتهم ~~ومانعتهم. # قوله تعالى: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون الجؤار بضم ~~الجيم - صوت الوحش كالظباء ونحوها ms5544 عند الفزع كني به عن رفعهم الصوت ~~بالاستغاثة والتضرع، وقيل: المراد به ضجتهم وجزعهم والآيات التالية تؤيد ~~المعنى الأول. # وإنما جعل مترفيهم متعلق العذاب لأن الكلام فيمن ذكره قبلا بقوله: ~~"أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين" وهم الرؤساء المتنعمون منهم وغيرهم ~~تابعون لهم. # قوله تعالى: "لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون" العدول عن سياق الغيبة ~~إلى الخطاب لتشديد التوبيخ والتقريع ولقطع طمعهم في النجاة بسبب الاستغاثة ~~وأي رجاء وأمل لهم فيها فإن أخبار الوسائط أنهم لا ينصرون لدعاء أو شفاعة ~~لا يقطع طمعهم في النصر كما يقطعه أخبار من إليه النصر نفسه. # قوله تعالى: "قد كانت آياتي تتلى عليكم" - إلى قوله - تهجرون" النكوص: ~~الرجوع القهقرى، والسامر من السمر وهو التحديث بالليل، قيل: السامر كالحاضر ~~يطلق على المفرد والجمع، وقرىء "سمرا" - بضم السين وتشديد الميم جمع سامر ~~وهو أرجح، وقرىء أيضا "سمارا" - بالضم والتشديد -، والهجر: الهذيان. # والفصل في قوله: "قد كانت آياتي" إلخ، لكونه في مقام التعليل، والمعنى: ~~إنكم منا لا تنصرون لأنه قد كانت آياتي تتلى وتقرأ عليكم فكنتم تعرضون عنها ~~وترجعون إلى أعقابكم القهقرى مستكبرين بنكوصكم تحدثون في أمره في الليل ~~تهجرون وتهذون، وقيل: ضمير "به" عائد إلى البيت أو الحرم وهو كما ترى. # قوله تعالى: "أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين" شروع ~~في قطع أعذارهم في الإعراض عن القرآن النازل لهدايتهم وعدم استجابتهم ~~للدعوة الحقة التي قام بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # فقوله: "أفلم يدبروا القول" الاستفهام فيه للإنكار واللام في "القول" ~~للعهد والمراد به القرآن المتلو عليهم، والكلام متفرع على ما تقدمه من ~~كونهم في غفلة منه وشغل يشغلهم عنه، والمعنى: هل إذا كانوا على تلك الحال ~~لم يدبروا هذا القول المتلو عليهم حتى يعلموا أنه حق من عند الله فيؤمنوا به. PageV15P021 # وقوله: "أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين" "أم" فيه وفيما بعده منقطعة في ~~معنى الإضراب، والمعنى: بل أجاءهم شيء لم يأت آباءهم الأولين فيكون بدعا ~~ينكر ms5545 ويحترز منه. # وكون الشيء بدعا محدثا لا يعرفه السابقون وإن لم يستلزم كونه باطلا غير ~~حق على نحو الكلية لكن الرسالة الإلهية لما كانت لغرض الهداية لو صحت وجبت ~~في حق الجميع فلو لم يأت الأولين كان ذلك حجة قاطعة على بطلانها. # قوله تعالى: "أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون" المراد بمعرفة الرسول ~~معرفته بنسبه وحسبه وبالجملة بسجاياه الروحية وملكاته النفسية من اكتسابية ~~وموروثة حتى يتبين به أنه صادق فيما يقول مؤمن بما يدعو إليه مؤيد من عند ~~الله وقد عرفوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سوابق حاله قبل البعثة، ~~وقد كان يتيما فاقدا للأبوين لم يقرأ ولم يكتب ولم يأخذ أدبا من مؤدب ولا ~~تربية من مرب ثم لم يجدوا عنده ما يستقبحه عقل أو يستنكره طبع أو يستهجنه ~~رأي ولا طمعا في ملك أو حرصا على مال أو ولعا بجاه، وهو على ما هو سنين من ~~عمره فإذا هو ينادي للفلاح والسعادة ويندب إلى حقائق ومعارف تبهر العقول ~~ويدعو إلى شريعة تحير الألباب ويتلو كتابا. # فهم قد عرفوا رسولهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنعوته الخاصة المعجزة ~~لغيره، ولو لم يكونوا يعرفونه لكان لهم عذرا في إعراضهم عن دينه واستنكافهم ~~عن الإيمان به لأن معنى عدم معرفته كذلك وجدانه على غير بعض هذه النعوت أو ~~عدم إحرازه فيه، ومن المعلوم أن إلقاء الزمام إلى من هذا شأنه مما لا يجوزه العقل. # قوله تعالى: "أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون" وهذا ~~عذر آخر لهم تشبثوا به إذ قالوا: "يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون": الحجر: 6 ذكره ورده بلازم قوله: "بل جاءهم بالحق". # فمدلول قوله: "بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون" إضراب عن جملة محذوفة ~~والتقدير إنهم كاذبون في قولهم. # "به جنة" واعتذارهم عن عدم إيمانهم به بذلك بل إنما كرهوا الإيمان به ~~لأنه جاء بالحق وأكثرهم للحق كارهون. # ولازمه رد قولهم بحجة يلوح إليها هذا الإضراب، وهي أن قولهم: ms5546 "به جنة" لو ~~كان حقا كان كلامه مختل النظم غير مستقيم المعنى مدخولا فيه كما هو مدخول ~~في عقله، غير رام إلى مرمى صحيح، لكن كلامه ليس كذلك فلا يدعو إلا إلى حق، ~~ولا يأتي إلا بحق، وأين ذلك من كلام مجنون لا يدري ما يريد ولا يشعر بما يقول. # وإنما نسب الكراهة إلى أكثرهم لأن فيهم مستضعفين لا يعبأ بهم أرادوا أو كرهوا. # قوله تعالى: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون" لما ذكر أن أكثرهم للحق كارهون وإنما ~~يكرهون الحق لمخالفته هواهم فهم يريدون من الحق أي الدعوة الحقة أن يتبع ~~أهواءهم وهذا مما لا يكون البتة. # إذ لو اتبع الحق أهواءهم فتركوا وما يهوونه من الاعتقاد والعمل فعبدوا ~~الأصنام واتخذوا الأرباب ونفوا الرسالة والمعاد واقترفوا ما أرادوه من ~~الفحشاء والمنكر والفساد جاز أن يتبعهم الحق في غير ذلك من الخليقة والنظام ~~الذي يجري فيها بالحق إذ ليس بين الحق والحق فرق فأعطي كل منهم ما يشتهيه ~~من جريان النظام وفيه فساد السماوات والأرض ومن فيهن واختلال النظام ~~وانتقاض القوانين الكلية الجارية في الكون فمن البين أن الهوى لا يقف على ~~حد ولا يستقر على قرار. # وبتقرير آخر أدق وأوفق لما يعطيه القرآن من حقيقة الدين القيم أن الإنسان ~~حقيقة كونية مرتبطة في وجودها بالكون العام وله في نوعيته غاية هي سعادته ~~وقد خط له طريق إلى سعادته وكماله ينالها بطي الطريق المنصوب إليها نظير ~~غيره من الأنواع الموجودة، وقد جهزه الكون العام وخلقته الخاصة به من القوى ~~والآلات بما يناسب سعادته والطريق المنصوب إليها وهي الاعتقاد والعمل ~~اللذان ينتهيان به إلى سعادته. # فالطريق التي تنتهي بالإنسان إلى سعادته أعني الاعتقادات والأعمال الخاصة ~~المتوسطة بينه وبين سعادته وهي التي تسمى الدين وسنة الحياة متعينة حسب ~~اقتضاء النظام العام الكوني والنظام الخاص الإنساني الذي نسميه الفطرة ~~وتابعة لذلك. PageV15P022 # وهذا هو الذي يشير تعالى إليه بقوله: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ms5547 الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": سورة الروم: 30. # فسنة الحياة التي تنتهي بسالكها إلى السعادة الإنسانية طريقة متعينة ~~يقتضيها النظام بالحق وتكشف عنها تجهيزات وجوده بالحق، وهذا الحق هو ~~القوانين الثابتة غير المتغيرة التي تحكم في النظام الكوني الذي أحد أجزائه ~~النظام الإنساني وتدبره وتسوقه إلى غاياته وهو الذي قضى به الله سبحانه ~~فكان حتما مقضيا. # فلو اتبع الحق أهواءهم فاقتضى لهم من الشرع ما تجازف به أهواؤهم لم يكن ~~ذلك إلا بتغير أجزاء الكون عما هي عليه وتبدل العلل والأسباب غيرها وتغير ~~الروابط المنتظمة إلى روابط جزافية مختلة متدافعة توافق مقتضياتها مجازفات ~~أهوائهم، وفي ذلك فساد السماوات والأرض ومن فيهن في أنفسها والتدبير الجاري ~~فيها لأن كينونتها وتدبيرها مختلطان غير متمايزين، والخلق والأمر متصلان ~~غير منفصلين. # وهذا هو الذي يشير إليه قوله: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن. # وقوله: "بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون" لا ريب أن المراد بالذكر ~~هو القرآن كما قال: "وهذا ذكر مبارك": الأنبياء: 50، وقال: "وإنه لذكر لك ~~ولقومك":، الزخرف: 44 إلى غير ذلك من الآيات، ولعل التعبير عنه بالذكر بعد ~~قوله: "أم يقولون به جنة" نوع مقابلة لقولهم: "يا أيها الذي نزل عليه الذكر ~~إنك لمجنون": الحجر: 6. # وكيف كان فقد سمي ذكرا لأنه يذكرهم بالله أو يذكر لهم دين الله من ~~الاعتقاد الحق والعمل الصالح، والثاني أوفق لصدر الآية بما تقدم من معناه، ~~وإنما أضيف إليهم لأن الدين أعني الدعوة الحقة مختلفة بالنسبة إلى الناس ~~بالإجمال والتفصيل والذي يذكره القرآن آخر مراحل التفصيل لكون شريعته آخر ~~الشرائع. # والمعنى: لم يتبع الحق أهواءهم بل جئناهم بكتاب يذكرهم - أو يذكرون به - ~~دينهم الذي يختص بهم ويتفرع عليه أنهم عن دينهم الخاص بهم معرضون. # وقال كثير منهم إن إضافة الذكر إليهم للتشريف نظير قوله: "وإنه لذكر لك ~~ولقومك وسوف تسئلون": الزخرف: 44، والمعنى: بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي ~~كان يجب عليهم أن يقبلوا عليه أكمل إقبال فهم بما ms5548 فعلوه من النكوص عن فخرهم ~~وشرفهم أنفسهم معرضون. # وفيه أنه لا ريب في أن القرآن الكريم شرف للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إذ أنزل عليه ولأهل بيته إذ نزل في بيتهم، وللعرب إذ نزل بلغتهم ~~وللأمة إذ نزل لهدايتهم غير أن الإضافة في الآية ليست لهذه العناية بل ~~لعناية اختصاص هذا الدين بهذه الأمة وهو الأوفق لصدر الآية بالمعنى الذي ~~تقدمت الإشارة إليه. # قوله تعالى: "أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين"، قال في ~~مجمع البيان:، أصل الخراج والخرج واحد وهو الغلة التي يخرج على سبيل ~~الوظيفة انتهى. # وهذا رابع الأعذار التي ذكرت في هذه الآيات وردت ووبخوا عليها وقد ذكره ~~الله بقوله: "أم تسئلهم خرجا" أي مالا يدفعونه إليك على سبيل الرسم ~~والوظيفة ثم ذكر غنى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "فخراج ربك ~~خير وهو خير الرازقين" أي إن الله هو رازقك ولا حاجة لك إلى خرجهم، وقد ~~تكرر الأمر بإعلامهم ذلك في الآيات "قل لا أسئلكم عليه أجرا": الأنعام: 90 ~~الشورى: 23. # وقد تمت بما ذكر في الآية أربعة من الأعذار المردودة إليهم وهي مختلفة ~~فأولها "أفلم يدبروا القول" راجع إلى القرآن والثاني "أم جاءهم ما لم يأت ~~آباءهم الأولين" إلى الدين الذي إليه الدعوة، والثالث "أم يقولون به جنة" ~~إلى نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والرابع "أم تسئلهم خرجا" إلى سيرته. # قوله تعالى: "وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~عن الصراط لناكبون" النكب والنكوب العدول عن الطريق والميل عن الشيء. PageV15P023 # قد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي ~~لا يختلف ولا يتخلف في حكمه وهو إيصاله سالكيه إلى الغاية المقصودة، وهذه ~~صفة الحق فإن الحق واحد لا يختلف أجزاؤه بالتناقض والتدافع ولا يتخلف في ~~مطلوبه الذي يهدي إليه فالحق صراط مستقيم، وإذ ذكر أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يهدي إلى الحق كان لازمه هذا الذي ذكره أنه يهدي إلى صراط ms5549 ~~مستقيم. # ثم إن الذين كفروا لما كانوا كارهين للحق كما ذكره فهم عادلون عن الصراط ~~أي الصراط المستقيم مائلون إلى غيره. # وإنما أورد من أوصافهم عدم إيمانهم بالآخرة واقتصر عليه لأن دين الحق ~~مبني على أساس أن للإنسان حياة خالدة لا تبطل بالموت وله فيها سعادة يجب أن ~~تقتنى بالاعتقاد الحق والعمل الصالح وشقاوة يجب أن تجتنب وهؤلاء لنفيهم ~~الحياة الآخرة يعدلون عن الحق والصراط المستقيم. # وبتقرير آخر: دين الحق مجموع تكاليف اعتقادية وعملية والتكليف لا يتم إلا ~~بحساب وجزاء، وقد عين لذلك يوم القيامة، وإذ لا يؤمن هؤلاء بالآخرة لغا ~~الدين عندهم فلا يرون من الحياة إلا الحياة الدنيا المادية ولا يبقى من ~~السعادة عندهم إلا نيل اللذائذ المادية وهو التمتع بالبطن فما دونه، ولازم ~~ذلك أن يكون المتبع عندهم الهوى وافق الحق أو خالفه. # فمحصل الآيتين أنهم ليسوا بمؤمنين بك لأنك تدعو إلى صراط مستقيم وهم لا ~~هم لهم إلا العدول والميل عنه. # قوله تعالى: "ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر" إلى قوله "وما يتضرعون" ~~اللجاج التمادي والعناد في تعاطي الفعل المزجور عنه، والعمه التردد في ~~الأمر من التحير، ذكرهما الراغب، وفي المجمع،: الاستكانة الخضوع وهو استفعل ~~من الكون، والمعنى ما طلبوا الكون على صفة الخضوع. # انتهى. # وقوله: "ولو رحمناهم" بيان وتأييد لنكوبهم عن الصراط بأنا لو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر لم يرجعوا بمقابلة ذلك الشكر بل أصروا على تمردهم عن ~~الحق وتمادوا يترددون في طغيانهم فلا ينفعهم رحمة بكشف الضر كما لا ينفعهم ~~تخويف بعذاب ونقمة فإنا قد أخذناهم بالعذاب فما خضعوا لربهم وما يتضرعون ~~إليه فهؤلاء لا ينفعهم ولا يركبهم صراط الحق لا رحمة بكشف الضر ولا نقمة ~~وتخويف بالأخذ بالعذاب. # والمراد بالعذاب العذاب الخفيف الذي لا ينقطع به الإنسان عن عامة الأسباب ~~بقرينة ما في الآية التالية فلا يرد أن الرجوع إلى الله تعالى عند الاضطرار ~~والانقطاع عن الأسباب من غريزيات الإنسان كما تكرر ذكره في القرآن الكريم ~~فكيف يمكن أن يأخذهم ms5550 العذاب ثم لا يستكينوا ولا يتضرعوا؟. # وقوله في الآية الأولى: "ما بهم من ضر" وفي الثانية: "ولقد أخذناهم ~~بالعذاب" يدل على أن الكلام ناظر إلى عذاب قد وقع ولما يرتفع حين نزول ~~الآيات، ومن المحتمل أنه الجدب الذي ابتلي به أهل مكة وقد ورد ذكر منه في ~~الروايات. # قوله تعالى: "حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون" ~~أي هم على حالهم هذه لا ينفع فيهم رحمة ولا عذاب حتى إذا فتحنا عليهم بابا ~~ذا عذاب شديد وهو الموت بما يستتبعه من عذاب الآخرة - على ما يعطيه سياق ~~الآيات وخاصة الآيات الآتية - فيفاجئوهم الإبلاس واليأس من كل خير. # وقد ختم هذا الفصل من الكلام أعني قوله: "أفلم يدبروا القول" إلخ بنظير ~~ما ختم به الفصل السابق أعني قوله: "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين" ~~إلى آخر الآيات وهو ذكر عذاب الآخرة، وسيعود إليه ثانيا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون" إلى ~~قوله يؤتون ما آتوا" قال من العبادة والطاعة. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة ~~وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قلت: يا ~~رسول الله قول الله: "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة" أهو الرجل يزني ~~ويسرق ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: لا ولكن الرجل يصوم ويتصدق ~~ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه. # وفي المجمع،: في قوله: "وقلوبهم وجلة" قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~معناه خائفة أن لا يقبل منهم، وفي رواية أخرى: أتى وهو خائف راج. PageV15P024 # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: ~~"حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب" قال ذكر لنا أنها نزلت في الذين قتل الله ~~يوم بدر. أقول: وروي مثله عن النسائي عن ms5551 ابن عباس ولفظه قال: هم أهل بدر، ~~وسياق الآيات لا ينطبق على مضمون الروايتين. # وفيه، أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا ~~العلهز يعني الوبر بالدم فأنزل الله: "ولقد أخذناهم بالعذاب - فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون". # أقول: والروايات في هذا المعنى مختلفة وما أوردناه أعدلها وهي تشير إلى ~~جدب وقع بمكة وحواليها بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وظاهر ~~أكثرها أنه كان بعد الهجرة، ولا يوافق ذلك الاعتبار. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولو اتبع الحق أهواءهم" قال: الحق ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام). # أقول: هو من البطن بالمعنى الذي تقدم في بحث المحكم والمتشابه ونظيره ما ~~أورده: في قوله "وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم" قال إلى ولاية أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وكذا ما أورده: في قوله: "عن الصراط لناكبون" قال: ~~عن الإمام لحادون. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "أم ~~تسئلهم خرجا - فخراج ربك خير وهو خير الرازقين" يقول: أم تسألهم أجرا فأجر ~~ربك خير. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عن قول الله عز وجل: "فما استكانوا لربهم وما يتضرعون" فقال: الاستكانة هي ~~الخضوع، والتضرع رفع اليدين والتضرع بهما. # وفي المجمع، وروي عن مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع الأيدي من ~~الاستكانة. قلت: وما الاستكانة؟ قال: أما تقرأ هذه الآية: "فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون"؟: أورده الثعلبي والواحدي في تفسيريهما. # وفيه، قال أبو عبد الله (عليه السلام): الاستكانة الدعاء، والتضرع رفع ~~اليدين في الصلاة. # وفي الدر المنثور، أخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب: في قوله: ~~"فما استكانوا لربهم وما ms5552 يتضرعون" أي لم يتواضعوا في الدعاء ولم يخضعوا ولو ~~خضعوا لله لاستجاب لهم. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد" ~~قال أبو جعفر (عليه السلام) هو في الرجعة. PageV15P025 ### ||| AUTO 23 سورة المؤمنون - 78 - 98 # وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذى ~~ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذى يحى ويميت وله اختلف اليل ~~والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أءذا ~~متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من ~~قبل إن هذا إلا أسطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~(84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السموت السبع ورب العرش ~~العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شىء وهو ~~يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) ~~بل أتينهم بالحق وإنهم لكذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحن الله عما يصفون (91) علم ~~الغيب والشهدة فتعلى عما يشركون (92) قل رب إما ترينى ما يوعدون (93) رب ~~فلا تجعلنى فى القوم الظلمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقدرون (95) ~~ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزت ~~الشيطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) ### |||| AUTO بيان # لما أوعدهم بعذاب شديد لا مرد له ولا مخلص منه، ورد عليهم كل عذر يمكنهم ~~أن يعتذروا به، وبين أن السبب الوحيد لكفرهم بالله واليوم الآخر هو اتباع ~~الهوى وكراهة اتباع الحق، تمم البيان بإقامة الحجة على توحده في الربوبية ~~وعلى رجوع الخلق إليه بذكر آيات بينة لا سبيل للإنكار إليها. # وعقب ذلك بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعيذ به من أن يشمله ~~العذاب الذي أوعدوا به، وأن يعوذ به من همزات الشيطان وأن يحضروه كما فعلوا بهم. # قوله تعالى: وهو الذي ms5553 أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون" ~~افتتح سبحانه من نعمه التي أنعمها عليهم بذكر إنشاء السمع والبصر وهما ~~نعمتان خص بهما جنس الحيوان خلقتا فيه إنشاء وإبداعا لا عن مثال سابق إذ لا ~~توجدان في الأنواع البسيطة التي قبل الحيوان كالنبات والجماد والعناصر. # وبحصول هذين الحسين يقف الوجود المجهز بهما موقفا جديدا ويتسع مجال ~~فعاليته بالنسبة إلى ما هو محروم منهما اتساعا لا يتقدر بقدر فيدرك خيره ~~وشره ونافعه وضاره ويعطي معهما الحركة الإرادية إلى ما يريده وعما يكرهه، ~~ويستقر في عالم حديث طري فيه مجالي الجمال واللذة والعزة والغلبة والمحبة ~~مما لا خبر عنه فيما قبله. # وإنما اقتصر من الحواس بالسمع والبصر - قيل - لأن الاستدلال يتوقف عليهما ~~ويتم بهما. # ثم ذكر سبحانه الفؤاد والمراد به المبدأ الذي يعقل من الإنسان وهو نعمة ~~خاصة بالإنسان من بين سائر الحيوان ومرحلة حصول الفؤاد مرحلة وجودية جديدة ~~هي أرفع درجة وأعلى منزلة وأوسع مجالا من عالم الحيوان الذي هو عالم الحواس ~~فيتسع به أولا شعاع عمل الحواس مما كان عليه في عامة الحيوان بما لا يتقدر ~~بقدر فإذا الإنسان يدرك بهما ما غاب وما حضر وما مضى وما غبر من أخبار ~~الأشياء وآثارها وأوصافها بعلاج وغير علاج. # ثم يرقى بفؤاده أي بتعقله إلى ما فوق المحسوسات والجزئيات فيتعقل الكليات ~~فيحصل القوانين الكلية، ويغور متفكرا في العلوم النظرية والمعارف الحقيقية، ~~وينفذ بسلطان التدبر في أقطار السماوات والأرض. # ففي ذلك كله من عجيب التدبير الإلهي بإنشاء السمع والأبصار والأفئدة ما ~~لا يسع الإنسان أن يستوفي شكره. # وقوله: "قليلا ما تشكرون" فيه بعض العتاب ومعناه تشكرون شكرا قليلا ~~فقوله: "قليلا" وصف للمفعول المطلق قائم مقامه. PageV15P026 # قوله تعالى: "وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون" قال الراغب: الذرأ ~~إظهار الله تعالى ما أبداه يقال: ذرأ الله الخلق أي أوجد أشخاصهم. # وقال: الحشر إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها. # انتهى. # فالمعنى: أنه لما جعلكم ذوي حس وعقل أظهر وجودكم في الأرض متعلقين ms5554 بها ثم ~~يجمعكم ويرجعكم إلى لقائه. # قوله تعالى: "وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون" ~~معنى الآية ظاهر، وقوله: "وهو الذي يحيي ويميت" مترتب بحسب المعنى على ~~الجملة التي قبله أي لما جعلكم ذوي علم وأظهر وجودكم في الأرض إلى حين حتى ~~تحشروا إليه لزمت ذلك سنة الإحياء والإماتة إذ العلم متوقف على الحياة ~~والحشر متوقف على الموت. # وقوله: "وله اختلاف الليل والنهار" مترتب على ما قبله فإن الحياة ثم ~~الموت لا تتم إلا بمرور الزمان وورود الليل بعد النهار والنهار بعد الليل ~~حتى ينقضي العمر ويحل الأجل المكتوب، هذا لو أريد باختلاف الليل والنهار ~~وورود الواحد منها بعد الواحد، ولو أريد به اختلافهما في الطول والقصر كانت ~~فيه إشارة إلى إيجاد فصول السنة الأربعة المتفرعة على طول الليل والنهار ~~وقصرهما وبذلك يتم أمر إرزاق الحيوان وتدبير معاشها كما قال: "وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين": حم السجدة: 10. # فمضامين الآيات الثلاث مترتبة مستتبعة بعضها بعضا فإنشاء السمع والبصر ~~والفؤاد وهو الحس والعقل للإنسان يستتبع حياة متعلقة بالمادة وسكونا في ~~الأرض إلى حين، ثم الرجوع إلى الله، وهو يستتبع حياة وموتا، وذلك يستتبع ~~عمرا متقضيا بانقضاء الزمان ورزقا يرتزق به. # فالآيات الثلاث تتضمن إشارة إلى دور كامل من تدبير أمر الإنسان من حين ~~يخلق إلى أن يرجع إلى ربه، والله سبحانه هو مالك خلقه فهو مالك تدبير أمره ~~لأن هذا التدبير تدبير تكويني لا يفارق الخلق والإيجاد ولا ينحاز عنه، وهو ~~نظام الفعل والانفعال الجاري بين الأشياء بما بينها من الروابط المختلفة ~~المجعولة بالتكوين فالله سبحانه هو ربهم المدبر لأمرهم وإليه يحشرون، ~~وقوله: "أفلا تعقلون" توبيخ لهم وحث على التنبه فالإيمان. # قوله تعالى: "بل قالوا مثل ما قال الأولون" إضراب عن نفي سابق يدل عليه ~~الاستفهام المتقدم أي لم يعقلوا بل قالوا كذا وكذا. # وفي تشبيه قولهم بقول الأولين إشارة إلى أن تقليد الآباء منعهم عن اتباع ~~الحق وأوقعهم فيما لا يبقى معه للدين جدوى وهو ms5555 نفي المعاد، والإخلاص إلى ~~الأرض والانغمار في الماديات سنة جارية فيهم في آخراهم وأولاهم. # قوله تعالى: "قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون" بيان ~~لقوله: "قالوا" في الآية السابقة والكلام مبني على الاستبعاد. # قوله تعالى: "لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين" الأساطير الأباطيل والأحاديث الخرافية وهي جمع أسطورة كأكاذيب جمع ~~أكذوبة وأعاجيب جمع أعجوبة وإطلاق الأساطير وهو جمع على البعث وهو مفرد ~~بعناية أنه مجموع عدات كل واحد منها أسطورة كالإحياء والجمع والحشر والحساب ~~والجنة والنار وغيرها، والإشارة بهذا إلى حديث البعث وقوله: من قبل، متعلق ~~بقوله: "وعدنا" على ما يعطيه سياق الجملة. # والمعنى: أن وعد البعث وعد قديم ليس بحديث نقسم لقد وعدناه من قبل نحن ~~وآباؤنا ليس البعث الموعود إلا أحاديث خرافية وضعها ونظمها الأناسي الأولون ~~في صورة إحياء الأموات وحساب الأعمال والجنة والنار والثواب والعقاب. # والدليل على كونها أساطير أن الأنبياء من قديم الدهر لا يزالون يعدوننا ~~ويخوفوننا بقيام الساعة ولو كان حقا غير خرافي لوقع. # ومن هنا يظهر أولا أن قولهم: "من قبل" لتمهيد الحجة على قولهم بعده "إن ~~هذا إلا أساطير الأولين". # وثانيا: أن الكلام مسوق للترقي فالآية السابقة: "أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمبعوثون" مبنية على الاستبعاد وهذه الآية متضمنة للإنكار ~~مبنيا على حجة واهية. PageV15P027 # قوله تعالى: "قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون" لما ذكر استبعادهم ~~للبعث ثم إنكارهم له شرع في الاحتجاج على إمكانه من طريق الملك والربوبية ~~والسلطنة، ووجه الكلام إلى الوثنيين المنكرين للبعث وهم معترفون به تعالى ~~بمعنى أنه الموجد للعالم ورب الأرباب والآلهة المعبودون دونه من خلقه، ولذا ~~أخذ وجوده تعالى مسلما في ضمن الحجة. # فقوله: "قل لمن الأرض ومن فيها" أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يسألهم عن مالك الأرض ومن فيها من أولي العقل من هو؟ ومعلوم أن السؤال إنما ~~هو عن الملك الحقيقي الذي هو قيام وجود شيء بشيء بحيث لا يستقل الشيء ~~المملوك عن ms5556 مالكه بأي وجه فرض دون الملك الاعتباري الذي وضعناه معاشر ~~المجتمعين لمصلحة الاجتماع وهو يقبل الصحة والفساد ويقع موردا للبيع ~~والشرى، وذلك لأن الكلام مسوق لإثبات صحة جميع التصرفات التكوينية وملاكها ~~الملك التكويني الحقيقي دون التشريعي الاعتباري. # قوله تعالى: "سيقولون لله قل أفلا تذكرون" إخبار عن جوابهم وهو أن الأرض ~~ومن فيها مملوكة لله، ولا مناص لهم عن الاعتراف بكونها لله سبحانه فإن هذا ~~النوع من الملك لا يقوم إلا بالعلة الموجدة لمعلولها حيث يقوم وجود المعلول ~~بها قياما لا يستقل عنها بوجه من الوجوه، والعلة الموجدة للأرض ومن فيها هو ~~الله سبحانه وحده لا شريك له حتى باعتراف الوثنيين. # وقوله: "قل أفلا تذكرون" أمر بعد تسجيل الجواب أن يوبخهم على عدم تذكرهم ~~بالحجة الدالة على إمكان البعث، والمعنى قل لهم فإذا كان الله سبحانه مالك ~~الأرض ومن فيها لم لا تتذكرون أن له - لمكان مالكيته - أن يتصرف في أهلها ~~بالإحياء بعد الإماتة. # قوله تعالى: "قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم" أمره ثانيا أن ~~يسألهم عن رب السماوات السبع ورب العرش العظيم من هو؟. # والمراد بالعرش هو المقام الذي يجتمع فيه أزمة الأمور ويصدر عنه كل ~~تدبير، وتكرار لفظ الرب في قوله: "ورب العرش العظيم" للإشارة إلى أهمية ~~أمره ورفعة محله كما وصفه الله بالعظمة، وقد تقدم البحث عنه في تفسير سورة ~~الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب. # ذكروا أن قولنا: لمن السماوات السبع وقولنا: من رب السماوات السبع بمعنى ~~واحد كما يقال: لمن الدار ومن رب الدار فقوله تعالى: "من رب السماوات ~~السبع؟ سؤال عن مالكها، ولذا حكى الجواب عنهم بقوله: "سيقولون لله" على ~~المعنى ولو أنه أجيب عنه فقيل: "الله" كما في القراءة الأخرى كان جوابا على اللفظ. # وفيه أن الذي ثبت في اللغة أن رب الشيء هو مالكه المدبر لأمره بالتصرف ~~فيه فيكون الربوبية أخص من الملك، ولو كان الرب مرادفا للمالك لم يستقم ~~ترتب الجواب على السؤال في الآيتين السابقتين "قل لمن الأرض ومن ms5557 فيها" - ~~إلى قوله - سيقولون لله" إذ كان معنى السؤال: من رب الأرض ومن فيها، ومن ~~المعلوم أنهم كانوا قائلين بربوبية آلهتهم من دون الله للأرض ومن فيها فكان ~~جوابهم إثبات الربوبية لآلهتهم من غير أن يكونوا ملزمين بتصديق ذلك لله ~~سبحانه وهذا بخلاف السؤال عن مالك الأرض ومن فيها فإن الجواب عنه تصديقه ~~لله لأنهم كانوا يرون الإيجاد لله والملك لازم الإيجاد فكانوا ملزمين ~~بالاعتراف به. # ثم على تقدير كون الرب أخص من المالك يمكن أن يتوهم توجه الإشكال إلى ~~ترتب الجواب على السؤال في الآية المبحوث عنها "قل من رب السماوات السبع - ~~إلى قوله - سيقولون لله" فإن جل الوثنيين من الصابئين وغيرهم يرون للسماوات ~~وما فيها من الشمس والقمر وغيرهما آلهة دون الله فلو أجابوا عن السؤال عن ~~رب السماوات أجابوا بإثبات الربوبية لآلهتهم دون الله فلا يستقيم قوله: ~~"سيقولون لله" إذ لا ملزم يلزمهم على الاعتراف به. # والذي يحسم أصل الإشكال أن البحث العميق عن معتقدات القوم يعطي أنهم لم ~~يكونوا يبنون آراءهم في أمر الآلهة على أصل أو أصول منظمة مسلمة عند الجميع ~~فأمثال الصابئين والبرهمائيين والبوذيين كانوا يقسمون أمور العالم إلى ~~أنواع وأقسام كأمر السماء والأرض وأنواع الحيوان والنبات والبر والبحر وغير ~~ذلك ويثبتون لكل منها إلها دون الله يعبدونه من دون الله ويعدونه شفيعا ~~مقربا ثم يتخذون له صنما يمثله. PageV15P028 # وأما عامتهم من الهمجيين كأعراب الجاهلية والقاطنين في أطراف المعمورة فلم ~~يكن معتقداتهم في ذلك مبنية على قواعد مضبوطة وربما كانوا يرون للمعمورة من ~~الأرض وسكانها آلهة دون الله لها أصنام وربما رأوا نفس الأصنام المصنوعة ~~آلهة، وأما السماوات والسماويات وكذا البحار فكانوا يرونها مربوبة لله ~~سبحانه والله ربها كما يلوح إليه قوله تعالى حكاية عن فرعون: "يا هامان ابن ~~لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى": المؤمن: ~~37، فإن ظاهره أنه كان يرى أن الذي يدعو إليه موسى - وهو الله تعالى - إله ~~السماء وبالجملة السماوات وما فيهن ومن فيهن من الملائكة ms5558 عندهم مربوبون لله ~~سبحانه ثم الملائكة أرباب لما دون السماوات. # وأما الصابئون ومن يحذو حذوهم فإنهم - كما سمعت - يرون للسماوات وما فيهن ~~من النجوم والكواكب آلهة وأربابا من دون الله وهم الملائكة والجن وهم يرون ~~الملائكة والجن موجودات مجردة عن المادة طاهرة عن لوث الطبيعة، وحينما ~~يعدونهم ساكنين في السماوات فإنما يريدون باطن هذا العالم وهو العالم ~~السماوي العلوي الذي فيه تتقدر الأمور ومنه ينزل القضاء وبه تستمد الأسباب ~~الطبيعية، وهو بما فيه من الملائكة وغيرهم مربوب لله سبحانه وإن كان من فيه ~~آلهة للعالم الحسي وأربابا لمن فيه والله رب الأرباب. # إذا تمهدت هذه المقدمة فنقول: إن كان وجه الكلام في الآية الكريمة إلى ~~مشركي العرب كما هو الظاهر، كان السؤال عن رب السماوات السبع والجواب عنه ~~باعترافهم أنه الله في محله كما عرفت. # وإن كان وجه الكلام إلى غيرهم ممن يرى للسماء إلها دون الله كان المراد ~~بالسماء العالم السماوي بسكنته من الملائكة والجن دون السماوات المادية، ~~ويؤيده مقارنته بالسؤال عن رب العرش العظيم فإن العرش مقام صدور الأحكام ~~المتعلقة بمطلق الخلق الذي منهم أربابهم وآلهتهم، ومن المعلوم أن لا رب ~~لمقام هذا شأنه إلا الله إذ لا يفوقه شيء دونه. # وهذا العالم العلوي هو عندهم عالم الأرباب والآلهة لا رب له إلا الله ~~سبحانه فالسؤال عن ربه والجواب عنه باعترافهم أنه الله في محله كما أشير إليه. # فمعنى الآية - والله أعلم - قل: من رب السماوات السبع التي منها تنزل ~~أقدار الأمور وأقضيتها ورب العرش العظيم الذي منه يصدر الأحكام لعامة ما في ~~العالم من الملائكة فمن دونهم؟ فإنهم وما يملكونهم باعتقادكم مملوكة لله ~~وهو الذي ملكهم ما ملكوه. # قوله تعالى: "سيقولون لله قل أفلا تتقون" حكاية لجوابهم بالاعتراف بأن ~~السماوات السبع والعرش العظيم لله سبحانه. # والمعنى: سيجيبونك بأنها لله قل لهم تبكيتا وتوبيخا: فإذا كان السماوات ~~السبع منها ينزل الأمر والعرش العظيم منه يصدر الأمر لله سبحانه فلم لا ~~تتقون سخطه إذ تنكرون البعث وتعدونه من أساطير ms5559 الأولين وتسخرون من أنبيائه ~~الذين وعدوكم به؟ فإن له تعالى أن يصدر الأمر ببعث الأموات وإنشاء النشأة ~~الآخرة للإنسان وينزل الأمر به من السماء. # ومن لطيف تعبير الآية التعبير بقوله: "لله" فإن الحجة تتم بالملك وإن لم ~~يعترفوا بالربوبية. # قوله تعالى: "قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون الملكوت هو الملك بمعنى السلطنة والحكم، ويفيد مبالغة في معناه ~~والفرق بين الملك بالفتح والكسر وبين المالك أن المالك هو الذي يملك المال ~~والملك يملك المالك وماله، فله ملك في طول ملك وله التصرف بالحكم في المال ~~ومالكه. # وقد فسر تعالى ملكوته بقوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس - 83، فملكوت كل شيء هو كونه عن ~~أمره تعالى بكلمة كن وبعبارة أخرى وجوده عن إيجاده تعالى. # فكون ملكوت كل شيء بيده كناية استعارية عن اختصاص إيجاد كل ما يصدق عليه ~~الشيء به تعالى كما قال: "الله خالق كل شيء": الزمر: 62، فملكه تعالى محيط ~~بكل شيء ونفوذ أمره ومضي حكمه ثابت على كل شيء. PageV15P029 # ولما كان من الممكن أن يتوهم أن عموم الملك ونفوذ الأمر لا ينافي إخلال بعض ~~ما أوجده من الأسباب والعلل بأمره فيفعل ببعض خلقه ما لا يريده أو يمنعه ~~عما يريده تمم قوله: "بيده ملكوت كل شيء" بقوله: "وهو يجير ولا يجار عليه" ~~وهو في الحقيقة توضيح لاختصاص الملك بأنه بتمام معنى الكلمة فليس لشيء شيء ~~من الملك في عرض ملكه ولو بالمنع والإخلال والاعتراض فله الملك وله الحكم. # وقوله: "وهو يجير ولا يجار عليه" من الجوار، وهو في أصله قرب المسكن ثم ~~جعلوا للجوار حقا وهو حماية الجار لجاره عمن يقصده بسوء لكرامة الجار على ~~الجار بقرب الدار واشتق منه الأفعال يقال: استجاره فأجاره أي سأله الحماية ~~فحماه أي منع عنه من يقصده بسوء. # وهذا جار في جميع أفعاله تعالى فما من شيء يخصه الله بعطية حدوثا أو بقاء ~~إلا وهو ms5560 يحفظه على ما يريد وبمقدار ما يريد من غير أن يمنعه مانع إذ منع ~~المانع - لو فرض - إنما هو بإذن منه ومشية فليس منعا له تعالى بل منعا منه ~~وتحديدا لفعل منه بفعل آخر، وما من سبب من الأسباب يفعل فعلا إلا وله تعالى ~~أن يتصرف فيه بما لا يريده لأنه تعالى هو الذي ملكه الفعل بمشيته فله أن ~~يمنعه منه أو من بعضه. # فالمراد بقوله: "وهو يجير ولا يجار عليه" أنه يمنع السوء عمن قصد به ولا ~~يمنعه شيء إذا أراد شيئا بسوء عما أراد. # ومعنى الآية قل لهؤلاء المنكرين للبعث: من الذي يختص به إيجاد كل شيء بما ~~له من الخواص والآثار وهو يحمي من استجار به ولا يحمى عنه شيء إذا أراد ~~شيئا بسوء؟ إن كنتم تعلمون. # قوله تعالى: "سيقولون لله قل فأنى تسحرون" قيل: إن المراد بالسحر أن يخيل ~~الشيء للإنسان على خلاف ما هو عليه فهو من الاستعارة أو الكناية. # والمعنى: سيجيبونك أن الملكوت لله قل لهم تبكيتا وتوبيخا: فإلى متى يخيل ~~لكم الحق باطلا فإذا كان الملك المطلق لله سبحانه فله أن يوجد النشأة ~~الآخرة ويعيد الأموات للحساب والجزاء بأمر يأمره وهو قوله: "كن". # واعلم أن الاحتجاجات الثلاثة كما تثبت إمكان البعث كذلك تثبت توحده تعالى ~~في الربوبية فإن الملك الحقيقي لا يتخلف عن جواز التصرفات، والمالك المتصرف ~~هو الرب. # قوله تعالى: "بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون" إضراب عن النفي المفهوم من ~~الحجج التي أقيمت في الآيات السابقة، والمعنى فإذا كانت الحجج المبنية تدل ~~على البعث وهم معترفون بصحتها فليس ما وعدهم رسلنا باطلا بل جئناهم بلسان ~~الرسل بالحق وإنهم لكاذبون في دعواهم كذبهم ونفيهم للبعث. # قوله تعالى: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض" إلخ، القول بالولد كان شائعا بين الوثنيين ~~يعدون الملائكة أو بعضهم وبعض الجن وبعض القديسين من البشر أولادا لله ~~سبحانه وتبعهم النصارى في قولهم: المسيح ابن ms5561 الله، وهذا النوع من الولادة ~~والبنوة مبني على اشتمال الابن على شيء من حقيقة اللاهوت وجوهره وانفصاله ~~منه بنوع من الاشتقاق فيكون المسمى بالابن إلها مولودا من إله. # وأما البنوة الادعائية بالتبني وهو أخذ ولد الغير ابنا لتشريف أو لغرض ~~آخر فلا يوجب اشتمال الابن على شيء من حقيقة الأب كقول اليهود نحن أبناء ~~الله وأحباؤه، وليس الولد بهذا المعنى مرادا لأن الكلام مسوق لنفي تعدد ~~الآلهة، ولا يستلزم هذا النوع من البنوة ألوهية وإن كان التسمي والتسمية ~~بها ممنوعا. # فالمراد باتخاذ الولد إيجاد شيء بنحو التبعض والاشتقاق يكون مشتملا بنحو ~~على شيء من حقيقة الموجد لا تسمية شيء موجود ابنا وولدا لغرض من الأغراض ~~كما ذكره بعضهم. # والولد - كما عرفت - أخص مصداقا عندهم من الإله فإن بعض آلهتهم ليس بولد ~~عندهم فقوله: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله" ترق من نفي الأخص ~~إلى نفي الأعم ولفظة "من" في الجملتين زائدة للتأكيد. PageV15P030 # وقوله: "إذا لذهب كل إله بما خلق" حجة على نفي التعدد ببيان محذوره إذ لا ~~يتصور تعدد الآلهة إلا ببينونتها بوجه من الوجوه بحيث لا تتحد في معنى ~~ألوهيتها وربوبيتها، ومعنى ربوبية الإله في شطر من الكون ونوع من أنواعه ~~تفويض التدبير فيه إليه بحيث يستقل في أمره من غير أن يحتاج فيه إلى شيء ~~غير نفسه حتى إلى من فوض إليه الأمر، ومن البين أيضا أن المتباينين لا ~~يترشح منهما إلا أمران متباينان. # ولازم ذلك أن يستقل كل من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التدبير وتنقطع ~~رابطة الاتحاد والاتصال بين أنواع التدابير الجارية في العالم كالنظام ~~الجاري في العالم الإنساني عن الأنظمة الجارية في أنواع الحيوان والنبات ~~والبر والبحر والسهل والجبل والأرض والسماء وغيرها وكل منها عن كل منها، ~~وفيه فساد السماوات والأرض وما فيهن، ووحدة النظام الكوني والتئام أجزائه ~~واتصال التدبير الجاري فيه يكذبه. # وهذا هو المراد بقوله: "إذا لذهب كل إله بما خلق" أي انفصل بعض الآلهة عن ~~بعض بما ms5562 يترشح منه من التدبير. # وقوله: "ولعلا بعضهم على بعض" محذور آخر لازم لتعدد الآلهة تتألف منه حجة ~~أخرى على النفي، بيانه أن التدابير الجارية في الكون مختلفة منها التدابير ~~العرضية كالتدبيرين الجاريين في البر والبحر والتدبيرين الجاريين في الماء ~~والنار، ومنها التدابير الطولية التي تنقسم إلى تدبير عام كلي حاكم وتدبير ~~خاص جزئي محكوم كتدبير العالم الأرضي وتدبير النبات الذي فيه، وكتدبير ~~العالم السماوي وتدبير كوكب من الكواكب التي في السماء، وكتدبير العالم ~~المادي برمته وتدبير نوع من الأنواع المادية. # فبعض التدبير وهو التدبير العام الكلي يعلو بعضا بمعنى أنه بحيث لو انقطع ~~عنه ما دونه بطل ما دونه لتقومه بما فوقه، كما أنه لو لم يكن هناك عالم ~~أرضي أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم لم يكن عالم إنساني ولا التدبير ~~الذي يجري فيه بالخصوص. # ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه نوع عال من التدبير عاليا ~~بالنسبة إلى الإله الذي فوض إليه من التدبير ما هو دونه وأخص منه وأخس ~~واستعلاء الإله على الإله محال. # لا لأن الاستعلاء المذكور يستلزم كون الإله مغلوبا لغيره أو ناقصا في ~~قدرته محتاجا في تمامه إلى غيره أو محدودا والمحدودية تفضي إلى التركيب، ~~وكل ذلك من لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله فيلزم الخلف - كما قرره ~~المفسرون - فإن الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون الله وجوب الوجود بل هي ~~عندهم موجودات ممكنة عالية فوض إليهم تدبير أمر ما دونها، وهي مربوبة لله ~~سبحانه وأرباب لما دونها والله سبحانه رب الأرباب وإله الآلهة وهو الواجب ~~الوجود بالذات وحده. # بل استحالة الاستعلاء إنما هو لاستلزامه بطلان استقلال المستعلى عليه في ~~تدبيره وتأثيره إذ لا يجامع توقف التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال ~~فيكون السافل منها مستمدا في تأثيره محتاجا فيه إلى العالي فيكون سببا من ~~الأسباب التي يتوسل بها إلى تدبير ما دونه لا إلها مستقلا بالتأثير دونه ~~فيكون ما فرض إلها غير إله بل سببا يدبر به الأمر هذا خلف. # هذا ما ms5563 يعطيه التدبر في الآية، وللمفسرين في تقرير حجة الآية مسالك ~~مختلفة يبتني جميعها على استلزام تعدد الآلهة أمورا تستلزم إمكانها وتنافي ~~كونها واجبة الوجود فيلزم الخلف، والقوم لا يقولون في شيء من آلهتهم من دون ~~الله بوجوب الوجود، وقد أفرط بعضهم فقرر الآية بوجوه مؤلفة من مقدمات لا ~~إشارة في الآية إلى جلها ولا إيهام، وفرط آخرون فصرحوا بأن الملازمة ~~المذكورة في الآية عادية لا عقلية، والدليل إقناعي لا قطعي. # ثم لا يشتبهن عليك أمر قوله: "لذهب كل إله بما خلق" حيث نسب الخلقة إليها ~~وقد تقدم أنهم قائلون بإله التدبير دون الإيجاد وذلك لأن بعض الخلق من ~~التدبير فإن خلق جزئي من الجزئيات مما يتم بوجوده النظام الكلي من التدبير ~~بالنسبة إلى النظام الجاري فالخلق بمعنى الفعل والتدبير مختلطان وقد نسب ~~الخلق إلى أعمالنا كما في قوله: "والله خلقكم وما تعملون": الصافات: 96، ~~وقوله: "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون": الزخرف: 12. PageV15P031 # فالقوم يرون أن كلا من الآلهة خالق لما دونه أي فاعل له كما يفعل الواحد ~~منا أفعاله، وأما إعطاء الوجود للأشياء فمما يختص بالله سبحانه وحده لا ~~يرتاب فيه موحد ولا وثني إلا بعض من لم يفرق بين الفعل والإيجاد من ~~المتكلمين. # وقد ختم الآية بالتنزيه بقوله: "سبحان الله عما يصفون". # قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون" صفة لاسم الجلالة ~~في قوله: "سبحان الله عما يصفون" وتأخيرها للدلالة على علمه بتنزهه عن ~~وصفهم إياه بالشركة - على ما يعطيه السياق - فيكون في معنى قوله: "قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون": يونس: 18. # ويرجع في الحقيقة إلى الاحتجاج على نفي الشركاء بشهادته تعالى أنه لا ~~يعلم لنفسه شريكا كما أن قوله: "شهد الله أنه لا إله إلا هو": آل عمران: 18 ~~احتجاج بالشهادة على نفي أصل الوجود. # وقيل: إنه برهان آخر راجع إلى إثبات العلو أو لزوم الجهل الذي هو نقص وضد ~~العلو لأن المتعددين لا سبيل لهما إلى أن ms5564 يعلم كل واحد حقيقة الآخر كعلم ~~ذلك الآخر بنفسه بالضرورة وهو نوع جهل وقصور. # انتهى. # وفيه أن ذلك كسائر ما قرروه من البراهين ينفي تعدد الإله الواجب الوجود ~~بالذات، والوثنيون لا يلتزمون في آلهتهم من دون الله بذلك. # على أن بعض مقدمات ما قرر من الدليل ممنوع. # وقوله: "فتعالى عما يشركون" تفريع على جميع ما تقدم من الحجج على نفي ~~الشركاء. # قوله تعالى: "قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين" لما فرغ من نقل ما تفوهوا به من الشرك بالله وإنكار البعث ~~والاستهزاء بالرسل وأقام الحجج على إثبات حقيتها رجع إلى ما تقدم من ~~تهديدهم بالعذاب فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأله أن ينجيه من ~~العذاب الذي أوعدهم به إن أراه ذلك العذاب. # فقوله: "قل رب إما تريني ما يوعدون" أمر بالدعاء والاستغاثة، وتكرار "رب" ~~لتأكيد التضرع وما في قوله: "إما تريني" زائدة وهي المصححة لدخول نون ~~التأكيد على الشرط وأصله: إن ترني. # وفي قوله: "ما يوعدون" دلالة على أن بعض ما تقدم في السورة من الإيعاد ~~بالعذاب إيعاد بعذاب دنيوي. # وما في قوله: "رب فلا تجعلني في القوم الظالمين" من الكون فيهم كناية عن ~~شمول عذابهم له. # قوله تعالى: "وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون" تطييب لنفس النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بقدرة ربه على أن يكشف عنه بإراءته ما يعدهم من ~~العذاب، ولعل المراد به ما عذبهم الله به يوم بدر وقد أراه الله ذلك وأراه ~~المؤمنين وشفى به غليل صدورهم. # قوله تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون" أي ادفع ~~السيئة التي تتوجه إليك منهم بالحسنة واختر للدفع من الحسنات أحسنها، وهو ~~دفع السيئة بالحسنة التي هي أحسن مثل أنه لو أساءوا إليك بالإيذاء أحسن ~~إليهم بغاية ما استطعت من الإحسان ثم ببعض الإحسان في الجملة ولو لم يسعك ~~ذلك فبالصفح عنهم. # وقوله: "نحن أعلم بما يصفون" نوع تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله ms5565 وسلم) ~~أن لا يسوءنه ما يلقاه ولا يحزنه ما يشاهد من تجريهم على ربهم فإنه أعلم ~~بما يصفون. # قوله تعالى: "وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون"، ~~قال في مجمع البيان،: الهمزة شدة الدفع، ومنه الهمزة للحرف الذي يخرج من ~~أقصى الحلق باعتماد شديد ودفع، وهمزة الشيطان دفعه بالإغواء إلى المعاصي انتهى. # وفي تفسير القمي، عنه (عليه السلام): أنه ما يقع في قلبك من وسوسة ~~الشياطين. # وفي الآيتين أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعيذ بربه من إغواء ~~الشياطين ومن أن يحضروه، وفيه إيهام إلى أن ما ابتلي به المشركون من الشرك ~~والتكذيب من همزات الشياطين وإحاطتهم بهم بالحضور. PageV15P032 ### ||| AUTO 23 سورة المؤمنون - 99 - 118 # حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلى أعمل صلحا فيما تركت ~~كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ فى ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت موزينه فأولئك هم ~~المفلحون (102) ومن خفت موزينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم فى جهنم خلدون ~~(103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كلحون (104) ألم تكن ءايتى تتلى عليكم ~~فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ~~(106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظلمون (107) قال اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الرحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم ~~تضحكون (110) إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قل كم ~~لبثتم فى الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين ~~(113) قل إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم أنما ~~خلقنكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعلى الله الملك الحق لا إله إلا ~~هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهن له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكفرون (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الرحمين (118) ### |||| AUTO بيان # الآيات تفصل القول في عذاب ms5566 الآخرة التي أوعدهم الله بها في طي الآيات ~~السابقة وهو من يوم الموت إلى يوم البعث ثم إلى الأبد، وتذكر أن الحياة ~~الدنيا التي غرتهم وصرفتهم عن الآخرة قليلة لو كانوا يعلمون. # ثم تختم السورة بأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تسأله ما حكاه عن ~~عباده المؤمنين الفائزين في الآخرة "رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين" وقد ~~افتتحت السورة بأنهم مفلحون وارثون للجنة. # قوله تعالى: "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون" "حتى" متعلق بما ~~تقدم من وصفهم له تعالى بما هو منزه منه وشركهم به، والآيات المتخللة ~~اعتراض في الكلام أي لا يزالون يشركون به ويصفونه بما هو منزه منه وهم ~~مغترون بما نمدهم به من مال وبنين حتى إذا جاء أحدهم الموت. # وقوله: "قال رب ارجعون" الظاهر أن الخطاب للملائكة المتصدين لقبض روحه ~~و"رب" استغاثة معترضة بحذف حرف النداء والمعنى قال - وهو يستغيث بربه - ~~ارجعون. # وقيل: إن الخطاب للرب تعالى والجمع للتعظيم كقول امرأة فرعون له على ما ~~حكاه الله: "قرة عين لي ولك لا تقتلوه". # وقيل: هو من جمع الفعل ويفيد تعدد الخطاب، والمعنى رب ارجعني ارجعني ~~ارجعني كما قيل في قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. # بسقط اللوى بين الدخول فحومل. # أي قف قف نبك. # وفي الوجهين أن الجمع للتعظيم إن صح ثبوته في اللغة العربية فهو شاذ لا ~~يحمل عليه كلامه تعالى، وأشذ منه جمع الفعل بالمعنى الذي ذكر. # قوله تعالى: "لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها" "لعل" ~~للترجي وهو رجاء تعلقوا به بمعاينة العذاب المشرف عليهم كما ربما ذكروا ~~الرجوع بوعد العمل الصالح كقولهم: "فارجعنا نعمل صالحا: السجدة: 12، وربما ~~ذكروه بلفظ التمني كقولهم: "يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا": الأنعام: 27. # وقوله: "أعمل صالحا فيما تركت" أي أعمل عملا صالحا فيما تركت من المال ~~بإنفاقه في البر والإحسان وكل ما فيه رضا الله سبحانه. # وقيل: المراد بما تركت الدنيا التي تركها بالموت والعمل الصالح أعم من ~~العبادات ms5567 المالية وغيرها من صلاة وصوم وحج ونحوها، وهو حسن غير أن الأول هو ~~الأظهر. PageV15P033 # وقوله: "كلا إنها كلمة هو قائلها" أي لا يرجع إلى الدنيا إن هذه الكلمة ~~"ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت" كلمة هو قائلها أي لا أثر لها إلا أنها ~~كلمة هو قائلها، فهو كناية عن عدم إجابة مسألته. # قوله تعالى: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" البرزخ هو الحاجز بين ~~الشيئين كما في قوله: "بينهما برزخ لا يبغيان": الرحمن: 20، والمراد بكونه ~~وراءهم كونه أمامهم محيطا بهم وسمي وراءهم بعناية أنه يطلبهم كما أن مستقبل ~~الزمان أمام الإنسان ويقال: وراءك يوم كذا بعناية أن الزمان يطلب الإنسان ~~ليمر عليه وهذا معنى قول بعضهم: إن في وراء "معنى الإحاطة، قال تعالى: ~~"وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا": الكهف: 79. # والمراد بهذا البرزخ عالم القبر وهو عالم المثال الذي يعيش فيه الإنسان ~~بعد موته إلى قيام الساعة على ما يعطيه السياق وتدل عليه آيات أخر وتكاثرت ~~فيه الروايات من طرق الشيعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) وكذا من طرق أهل السنة، وقد تقدم البحث عنه في الجزء ~~الأول من الكتاب. # وقيل: المراد بالآية أن بينهم وبين الدنيا حاجزا يمنعهم من الرجوع إليها ~~إلى يوم القيامة ومعلوم أن لا رجوع بعد القيامة ففيه تأكيد لعدم رجوعهم ~~وإياس لهم من الرجوع إليها من أصله. # وفيه أن ظاهر السياق الدلالة على استقرار الحاجز بين الدنيا وبين يوم ~~يبعثون لا بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، ولو كان المراد أن الموت حاجز ~~بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا لغا التقييد بقوله: "إلى يوم يبعثون" لا ~~لدلالته من طريق المفهوم على رجوعهم بعد البعث إلى الدنيا ولا رجوع بعد ~~البعث بل للغوية أصل التقييد وإن فرض أنهم كانوا يعلمون من الخارج أو من ~~آيات سابقة أن لا رجوع بعد القيامة. # على أن قولهم: إنه تأكيد لعدم الرجوع بإياسهم من الرجوع مطلقا مع قولهم ~~بأن عدم الرجوع بعد القيامة معلوم ms5568 من خارج كالمتهافتين بل يرجع المعنى إلى ~~تأكيد نفي الرجوع مطلقا المفهوم من "كلا" بنفي الرجوع الموقت المحدود ~~بقوله: "إلى يوم يبعثون" فافهمه. # قوله تعالى: "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ~~المراد به النفخة الثانية التي تحيا فيها الأموات دون النفخة الأولى التي ~~تموت فيها الأحياء كما قاله بعضهم لكون ما يترتب عليها من انتفاء الأنساب ~~والتساؤل وثقل الميزان وخفته إلى غير ذلك من آثار النفخة الثانية. # وقوله: "فلا أنساب بينهم" نفي لآثار الأنساب بنفي أصلها فإن الذي يستوجب ~~حفظ الأنساب واعتبارها هي الحوائج الدنيوية التي تدعو الإنسان إلى الحياة ~~الاجتماعية التي تبتني على تكون البيت، والمجتمع المنزلي يستعقب التعارف ~~والتعاطف وأقسام التعاون والتعاضد وسائر الأسباب التي تدوم بها العيشة ~~الدنيوية ويوم القيامة ظرف جزاء الأعمال وسقوط الأسباب التي منها الأعمال ~~فلا موطن فيه للأسباب الدنيوية التي منها الأنساب بلوازمها وخواصها ~~وآثارها. # وقوله: "ولا يتساءلون" ذكر لأظهر آثار الأنساب، وهو التساؤل بين ~~المنتسبين بسؤال بعضهم عن حال بعض، للإعانة والاستعانة في الحوائج لجلب ~~المنافع ودفع المضار. # ولا ينافي الآية ما وقع في مواضع أخر من قوله تعالى: "وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون": الصافات: 27، فإنه حكاية تساؤل أهل الجنة بعد دخولها وتساؤل ~~أهل النار بعد دخولها وهذه الآية تنفي التساؤل في ظرف الحساب والقضاء. # قوله تعالى: "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون" إلى آخر الآيتين. # الموازين جمع الميزان أو جمع الموزون وهو العمل الذي يوزن يومئذ، وقد ~~تقدم الكلام في معنى الميزان وثقله وخفته في تفسير سورة الأعراف. # قوله تعالى: "تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون" قال في المجمع:، اللفح ~~والنفح بمعنى إلا أن اللفح أشد تأثيرا وأعظم من النفح، وهو ضرب من السموم ~~للوجه والنفح ضرب الريح الوجه، والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو ~~الأسنان. # انتهى. # والمعنى: يصيب وجوههم لهب النار حتى تتقلص شفاههم وتنكشف عن أسنانهم ~~كالرءوس المشوية. # قوله تعالى: "ألم تكن آياتي تتلى عليكم" إلخ أي يقال لهم: ألم تكن آياتي ~~تتلى عليكم ms5569 فكنتم بها تكذبون. PageV15P034 # قوله تعالى: "قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين" الشقوة ~~والشقاوة والشقاء خلاف السعادة وسعادة الشيء ما يختص به من الخير، وشقاوته ~~فقد ذلك وإن شئت فقل: ما يختص به من الشر. # وقوله: "غلبت علينا شقوتنا" أي قهرنا واستولت علينا شقوتنا، وفي إضافة ~~الشقوة إلى أنفسهم تلويح إلى أن لهم صنعا في شقوتهم من جهة اكتسابهم ذلك ~~بسوء اختيارهم، والدليل عليه قولهم بعد: "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون" إذ هو وعد منهم بالحسنات ولو لم يكن لها ارتباط باكتسابهم ~~الاختياري لم يكن للوعد معنى لكون حالهم بعد الخروج مساوية لما قبل الخروج. # وقد عدوا أنفسهم مغلوبة للشقوة فقد أخذوها ساذجة في ذواتها صالحة للحقوق ~~السعادة والشقاوة غير أن الشقوة غلبت فأشغلت المحل وكانت الشقوة شقوة ~~أنفسهم أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم وسيئات أعمالهم لأنهم فرضوا أنفسهم ~~خالية عن السعادة والشقوة لذاتها فانتساب الشقوة إلى أنفسهم وارتباطها بها ~~إنما هي من جهة سوء اختيارهم وسيئات أعمالهم. # وبالجملة هو اعتراف منهم بتمام الحجة ولحوق الشقوة على ما يشهد به وقوع ~~الآية بعد قوله: "ألم تكن آياتي تتلى عليكم" إلخ. # ثم عقبوا قولهم: "غلبت علينا شقوتنا" بقولهم: "وكنا قوما ضالين" تأكيدا ~~لاعترافهم، وإنما اعترفوا بالذنب ليتوسلوا به إلى التخلص من العذاب والرجوع ~~إلى الدنيا لكسب السعادة فقد شاهدوا في الدنيا أن اعتراف العاصي المتمرد ~~بذنبه وظلمه توبة منه مطهرة له تنجيه من تبعة الذنب وهم يعلمون أن اليوم ~~يوم جزاء لا يوم عمل والتوبة والاعتراف بالذنب من الأعمال لكن ذلك من قبيل ~~ظهور الملكات كما أنهم يكذبون يومئذ وينكرون أشياء مع ظهور الحق ومعاينته ~~لاستقرار ملكة الكذب والإنكار في نفوسهم، قال تعالى: "يوم يبعثهم الله ~~جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم": المجادلة: 18 وقال: "ثم قيل لهم أين ما ~~كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا": ~~المؤمن: 74. # قوله تعالى: "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" سؤال منهم للرجوع ms5570 ~~إلى الدنيا على ما تدل عليه آيات أخر فهو من قبيل طلب المسبب بطلب سببه، ~~ومرادهم أن يعملوا صالحا بعد ما تابوا بالاعتراف المذكور فيكونوا بذلك ممن ~~تاب وعمل صالحا. # قوله تعالى: "قالوا اخسئوا فيها ولا تكلمون" قال الراغب: خسأت الكلب فخسأ ~~أي زجرته مستهينا به فانزجر وذلك إذا قلت له: اخسأ انتهى. # ففي الكلام استعارة بالكناية، والمراد زجرهم بالتباعد وقطع الكلام. # قوله تعالى: "إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الراحمين" هؤلاء هم المؤمنون في الدنيا وكان إيمانهم توبة ورجوعا ~~إلى الله كما سماه الله في كلامه توبة، وكان سؤالهم شمول الرحمة - وهي ~~الرحمة الخاصة بالمؤمنين البتة - سؤالا منهم أن يوفقهم للسعادة فيعملوا ~~صالحا فيدخلوا الجنة، وقد توسلوا إليه باسمه خير الراحمين. # فكان ما قاله المؤمنون في الدنيا معناه التوبة وسؤال الفوز بالسعادة وذلك ~~عين ما قاله هؤلاء مما معناه التوبة وسؤال الفوز بالسعادة وإنما الفرق ~~بينهما من حيث الموقف. # قوله تعالى: "فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون" ضمائر ~~الخطاب للكفار وضمائر الغيبة للمؤمنين، والسياق يشهد أن المراد من "ذكري" ~~قول المؤمنين: "ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا" إلخ، وهو معنى قول الكفار في النار. # وقوله: "حتى أنسوكم ذكري" أي أنسى اشتغالكم بسخرية المؤمنين والضحك منهم ~~ذكري، ففي نسبة الإنساء إلى المؤمنين دون سخريتهم إشارة إلى أنه لم يكن ~~للمؤمنين عندهم شأن من الشئون إلا أن يتخذوهم سخريا. # قوله تعالى: "إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون" المراد ~~باليوم يوم الجزاء، ومتعلق الصبر معلوم من السياق محذوف للإيجاز أي صبروا ~~على ذكري مع سخريتكم منهم لأجله، وقوله: "إنهم هم الفائزون" مسوق للحصر أي ~~هم الفائزون دونكم. PageV15P035 # وهذه الآيات الأربع "قال اخسئوا" - إلى قوله - "هم الفائزون" إياس قطعي ~~للكفار من الفوز بسبب ما تعلقوا به من الاعتراف بالذنب وسؤال الرجوع إلى ~~الدنيا ومحصلها أن اقنطوا مما تطلبونه بهذا القول وهو الاعتراف والسؤال ~~فإنه عمل إنما كان ينفع في دار العمل وهي الدنيا، ms5571 وقد كان المؤمنون من ~~عبادي يتخذونه وسيلة إلى الفوز وكنتم تسخرون وتضحكون منهم حتى تركتموه ~~وبدلتموه من سخريتهم حتى إذا كان اليوم وهو يوم جزاء لا يوم عمل فازوا ~~بجزاء ما عملوا يوم العمل وبقيتم صفر الأكف تريدون أن تتوسلوا بالعمل اليوم ~~وهو يوم الجزاء دون العمل. # قوله تعالى: "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين" مما يسأل الله الناس عنه ~~يوم القيامة مدة لبثهم في الأرض وقد ذكر في مواضع من كلامه والمراد به ~~السؤال عن مدة لبثهم في القبور كما يدل عليه قوله تعالى: "ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة": الروم: 55، وقوله: "كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار": الأحقاف: 35، وغيرهما من الآيات، فلا ~~محل لقول بعضهم: إن المراد به المكث في الدنيا، واحتمال بعضهم أنه مجموع ~~اللبث في الدنيا والبرزخ. # قوله تعالى: "قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسئل العادين" ظاهر السياق أن ~~المراد باليوم هو الواحد من أيام الدنيا وقد استقلوا اللبث في الأرض حينما ~~قايسوه بالبقاء الأبدي الذي يلوح لهم يوم القيامة ويعاينونه. # ويؤيده ما وقع في موضع آخر من تقديرهم ذلك بالساعة، وفي موضع آخر بعشية ~~أو ضحاها. # وقوله: "فاسئل العادين" أي نحن لا نحسن إحصاءها فاسأل الذين يعدونه وفسر ~~بالملائكة العادين للأيام وليس ببعيد. # قوله تعالى: قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون" القائل هو الله ~~سبحانه، وفي الكلام تصديق لهم في استقلالهم المكث في القبور وفيه توطئة لما ~~يلحق به من قوله: "لو أنكم كنتم تعلمون" بما فيه من التمني. # والمعنى: قال الله: الأمر كما قلتم فما مكثتم إلا قليلا فليتكم كنتم ~~تعلمون في الدنيا أنكم لا تلبثون في قبوركم إلا قليلا ثم تبعثون حتى لا ~~تنكروا البعث ولم تبتلوا بهذا العذاب الخالد، والتمني في كلامه تعالى ~~كالترجي راجع إلى المخاطب أو المقام. # وجعل بعضهم "لو" في الآية شرطية والجملة شرطا محذوف الجزاء وتكلف في ~~تصحيح الكلام بما لا يرتضيه الذوق السليم وهو ms5572 بعيد عن السياق كما هو ظاهر ~~وأبعد منه جعل "لو" وصلية مع أن "لو" الوصلية لا تجيء بغير واو العطف. # قوله تعالى: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا - إلى قوله - رب العرش الكريم - ~~بعد ما بين ما سيستقبلهم من أحوال الموت ثم اللبث في البرزخ ثم البعث بما ~~فيه من الحساب والجزاء وبخهم على حسبانهم أنهم لا يبعثون فإن فيه جرأة على ~~الله بنسبة العبث إليه ثم أشار إلى برهان العبث. # فقوله: "أفحسبتم" إلخ، معناه فإذا كان الأمر على ما أخبرناكم من تحسركم ~~عند معاينة الموت ثم اللبث في القبور ثم البعث فالحساب والجزاء فهل تظنون ~~أنما خلقناكم عبثا تحيون وتموتون من غير غاية باقية في خلقكم وأنكم إلينا ~~لا ترجعون؟. # وقوله: "فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم" إشارة ~~إلى برهان يثبت البعث ويدفع قولهم بالنفي، في صورة التنزيه، فإنه تعالى وصف ~~نفسه في كلمة التنزيه بالأوصاف الأربعة: أنه ملك وأنه حق وأنه لا إله إلا ~~هو وأنه رب العرش الكريم. # فله أن يحكم بما شاء من بدء وعود وحياة وموت ورزق نافذا حكمه ماضيا أمره ~~لملكه، وما يصدر عنه من حكم فإنه لا يكون إلا حقا فإنه حق ولا يصدر عن الحق ~~بما هو حق إلا حق دون أن يكون عبثا باطلا ثم لما أمكن أن يتصور أن معه مصدر ~~حكم آخر يحكم بما يبطل به حكمه وصفه بأنه لا إله - أي لا معبود - إلا هو، ~~والإله معبود لربوبيته فإذا لا إله غيره فهو رب العرش - الكريم عرش العالم ~~- الذي هو مجتمع أزمة الأمور ومنه يصدر الأحكام والأوامر الجارية فيه. # فتلخص أنه هو الذي يصدر عنه كل حكم ويوجد منه كل شيء ولا يحكم إلا بحق ~~ولا يفعل إلا حقا فللأشياء رجوع إليه وبقاء به وإلا لكانت عبثا باطلة ولا ~~عبث في الخلق ولا باطل في الصنع. # والدليل على اتصافه بالأوصاف الأربعة كونه تعالى هو الله الموجود لذاته ~~الموجد لغيره. PageV15P036 # قوله تعالى: "ومن يدع مع الله ms5573 إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه ~~إنه لا يفلح الكافرون"، المراد من دعاء إله آخر مع الله دعاؤه مع وجوده ~~تعالى لا دعاؤه تعالى ودعاء إله آخر معا فإن المشركين جلهم أو كلهم لا ~~يدعون الله تعالى وإنما يدعون ما أثبتوه من الشركاء، ويمكن أن يكون المراد ~~بالدعاء الإثبات فإن إثبات إله آخر لا ينفك عن دعائه. # وقوله: "لا برهان له به" قيد توضيحي لإله آخر إذ لا إله آخر يكون به ~~برهان بل البرهان قائم على نفي الإله الآخر مطلقا. # وقوله: "فإنما حسابه عند ربه" كلمة تهديد وفيه قصر حسابه بكونه عند ربه ~~لا يداخله أحد فيما اقتضاه حسابه من جزاء - وهو النار كما صرحت به الآيات ~~السابقة - فإنه يصيبه لا محالة، ومرجعه إلى نفي الشفعاء والإياس من أسباب ~~النجاة وتممه بقوله: "إنه لا يفلح الكافرون". # قوله تعالى: "وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين" خاتمة السورة وقد أمر ~~فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول ما حكاه عن عباده المؤمنين ~~أنهم يقولونه في الدنيا وأن جزاء ذلك هو الفوز يوم القيامة: "إنه كان فريق ~~من عبادي يقولون" إلخ، الآيتان 109 و111 من السورة. # وبذلك يختتم الكلام بما افتتح به في أول السورة: "قد أفلح المؤمنون" وقد ~~تقدم الكلام في معنى الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): من منع ~~قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قوله تعالى: "رب ارجعون لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت. # أقول: وروي هذا المعنى بطرق أخر غيرها عنه (عليه السلام) وعن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والمراد به انطباق الآية على مانع الزكاة لا نزولها فيه. # وفي تفسير القمي،: قوله عز وجل: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" قال: ~~البرزخ هو أمر بين أمرين وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة، وهو قول ~~الصادق (عليه السلام): والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ وأما إذا صار الأمر ~~إلينا ms5574 فنحن أولى بكم:. أقول: وروي الذيل في الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد ~~عنه (عليه السلام). # وفيه، قال علي بن الحسين (عليهما السلام): إن القبر إما روضة من رياض ~~الجنة أو حفرة من حفر النار. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي ولاد الحناط عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: قلت له: جعلت فداك يروون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول ~~العرش. فقال: لا. المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير لكن ~~في أبدان كأبدانهم وفيه، بإسناده عن أبي بصير قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إن أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من ~~شرابها ويقولون: ربنا أقم الساعة لنا، وأنجز لنا ما وعدتنا وألحق آخرنا ~~بأولنا. # وفيه، بإسناده أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة تتعارف وتتساءل فإذا قدمت الروح ~~على الأرواح تقول: دعوها فإنها قد أقبلت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل ~~فلان؟ وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم: تركته حيا ارتجوه، وإن قالت لهم: قد ~~هلك، قالوا: قد هوى قد هوى. # أقول: أخبار البرزخ وتفاصيل ما يجري على المؤمنين وغيرهم فيه كثيرة ~~متواترة، وقد مر شطر منها في أبحاث متفرقة مما تقدم. # في مجمع البيان، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كل حسب ونسب ~~منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي. # أقول: كأن الرواية من طريق الجماعة، وقد رواها في الدر المنثور، عن عدة ~~من أصحاب الجوامع عن المسور بن مخرمة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ولفظها: أن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري، وعن عدة منهم ~~عن عمر بن الخطاب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظها: كل سبب ونسب منقطع ~~يوم القيامة إلا سببي ونسبي وعن ابن عساكر عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولفظها: كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري. # وفي ms5575 المناقب، في حديث طاووس عن زين العابدين (عليه السلام): خلق الله ~~الجنة لمن أطاع وأحسن ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ~~ولدا قرشيا أما سمعت قول الله تعالى: "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ~~ولا يتساءلون" والله لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح. PageV15P037 # أقول: سياق الآية كالآبي عن التخصيص ولعل من آثار نسبه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يوفق ذريته من صالح العمل بما ينتفع به يوم القيامة. # وفي تفسير القمي،: وقوله عز وجل: "تلفح وجوههم النار" قال: تلهب عليهم ~~فتحرقهم "وهم فيها كالحون" أي مفتوحي الفم متربدي الوجوه. # وفي التوحيد، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: "ربنا غلبت علينا شقوتنا" قال: بأعمالهم شقوا. وفي العلل، ~~بإسناده عن مسعدة بن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمد (عليهما السلام): يا ~~أبا عبد الله إنا خلقنا للعجب. قال: وما ذلك لله أنت؟ قال: خلقنا للفناء. ~~قال: مه يا ابن أخ خلقنا للبقاء وكيف تفنى جنة لا تبيد ونار لا تخمد؟ ولكن ~~إنما نتحول من دار إلى دار. وفي تفسير القمي،: قوله تعالى: "قال كم لبثتم ~~إلى قوله فاسئل العادين" قال: سل الملائكة الذين يعدون علينا الأيام، ~~ويكتبون ساعاتنا وأعمالنا التي اكتسبنا فيها. وفي الدر المنثور،: أخرج ابن ~~أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال لأهل الجنة ~~كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. قال: لنعم ما ~~اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي اسكنوا فيها خالدين مخلدين. ~~ثم يقول: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو ~~بعض يوم فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ناري وسخطي امكثوا فيها ~~خالدين. # أقول: وفي انطباق معنى الحديث على الآية بما ms5576 لها من السياق وبما تشهد به ~~الآيات النظائر خفاء، وقد تقدم البحث عن مدلول الآية مستمدا من الشواهد. PageV15P038 ### || AUTO ### ||| AUTO 24 سورة النور - 1 - 10 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة أنزلنها وفرضنها وأنزلنا فيها ءايت بينت ~~لعلكم تذكرون (1) الزانية والزانى فاجلدوا كل وحد منهما مائة جلدة ولا ~~تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين (2) الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنت ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا ~~وأولئك هم الفسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم (5) والذين يرمون أزوجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهدة أحدهم ~~أربع شهدت بالله إنه لمن الصدقين (6) والخمسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدت بالله إنه لمن الكذبين ~~(8) والخمسة أن غضب الله عليها إن كان من الصدقين (9) ولو لا فضل الله ~~عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة ما ينبىء عنه مفتتحها "سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها ~~آيات بينات لعلكم تذكرون" فهي تذكرة نبذة من الأحكام المفروضة المشرعة ثم ~~جملة من المعارف الإلهية تناسبها ويتذكر بها المؤمنون. # وهي سورة مدنية بلا خلاف وسياق آياتها يشهد بذلك ومن غرر الآيات فيها آية النور. # قوله تعالى: "سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون" السورة طائفة من الكلام يجمعها غرض واحد سيقت لأجله ولذا اعتبرت ~~تارة نفس الآيات بما لها من المعاني فقيل: "فرضناها"، وتارة ظرفا لبعض ~~الآيات ظرفية المجموع للبعض فقيل: "أنزلنا فيها آيات بينات" وهي مما وضعه ~~القرآن وسمي به طائفة خاصة من آياته وتكرر استعمالها في كلامه تعالى، وكأنه ~~مأخوذ من سور البلد وهو الحائط الذي يحيط به سميت به سورة القرآن لإحاطتها ~~بما فيها من الآيات أو بالغرض الذي سيقت له. # وقال الراغب: ms5577 الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه كفرض الحديد وفرض الزند ~~والقوس. # قال: والفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارا بوقوعه وثباته، والفرض ~~بقطع الحكم فيه، قال تعالى: "سورة أنزلناها وفرضناها" أي أوجبنا العمل بها عليك. # قال: وكل موضع ورد "فرض الله عليه" ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه، وما ~~ورد "فرض الله له" فهو في أن لا يحظره على نفسه نحو "ما كان على النبي" من ~~حرج فيما فرض الله له". # انتهى. # فقوله: "سورة أنزلناها وفرضناها" أي هذه سورة أنزلناها وأوجبنا العمل بما ~~فيها من الأحكام فالعمل بالحكم الإيجابي هو الإتيان به وبالحكم التحريمي ~~الانتهاء عنه. # وقوله: "وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون" المراد بها - بشهادة ~~السياق - آية النور وما يتلوها من الآيات المبينة لحقيقة الإيمان والكفر ~~والتوحيد والشرك المذكرة لهذه المعارف الإلهية. # قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" الآية، الزنا # المواقعة من غير عقد أو شبهة عقد أو ملك يمين، والجلد هو الضرب بالسوط ~~والرأفة التحنن والتعطف وقيل: هي رحمة في توجع، والطائفة في الأصل هي ~~الجماعة كانوا يطوفون بالارتحال من مكان إلى مكان قيل: وربما تطلق على ~~الاثنين وعلى الواحد. # وقوله: "الزانية والزاني" إلخ، أي المرأة والرجل اللذان تحقق منهما الزنا ~~فاضربوا كل واحد منهما مائة سوط، وهو حد الزنا بنص الآية غير أنها مخصصة ~~بصور: منها أن يكونا محصنين ذوي زوج أو يكون أحدهما محصنا فالرجم ومنها أن ~~يكونا غير حرين أو أحدهما رقا فنصف الحد. PageV15P039 # قيل: وقدمت الزانية في الذكر على الزاني لأن الزنا منهن أشنع ولكون الشهوة ~~فيهن أقوى وأكثر، والخطاب في الأمر بالجلد متوجه إلى عامة المسلمين فيقوم ~~بمن قام بأمرهم من ذوي الولاية من النبي والإمام ومن ينوب منابه. # وقوله: "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" إلخ، النهي عن الرأفة من قبيل ~~النهي عن المسبب بالنهي عن سببه إذ الرأفة بمن يستحق نوعا من العذاب توجب ~~التساهل في إذاقته ما يستحقه من العذاب بالتخفيف فيه وربما أدى إلى تركه، ms5578 ~~ولذا قيده بقوله: "في دين الله" أي حال كون الرأفة أي المساهلة من جهتها في ~~دين الله وشريعته. # وقيل: المراد بدين الله حكم الله كما في قوله تعالى: "ما كان ليأخذ أخاه ~~في دين الملك": يوسف: 76 أي في حكمه أي لا تأخذكم بهما رأفة في إنفاذ حكم ~~الله وإقامة حده. # وقوله: "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" أي إن كنتم كذا وكذا فلا ~~تأخذكم بهما رأفة ولا تساهلوا في أمرهما وفيه تأكيد للنهي. # وقوله: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" أي وليحضر ولينظر إلى ذلك ~~جماعة منهم ليعتبروا بذلك فلا يقتربوا الفاحشة. # قوله تعالى: "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين" ظاهر الآية وخاصة بالنظر إلى سياق ~~ذيلها المرتبط بصدرها أن الذي تشمل عليه حكم تشريعي تحريمي وإن كان صدرها ~~واردا في صورة الخبر فإن المراد النهي تأكيدا للطلب وهو شائع. # والمحصل من معناها بتفسير من السنة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن # الزاني إذا اشتهر منه الزنا وأقيم عليه الحد ولم تتبين منه التوبة يحرم ~~عليه نكاح غير الزانية والمشركة، والزانية إذا اشتهر منها الزنا وأقيم ~~عليها الحد ولم يتبين منها التوبة يحرم أن ينكحها إلا زان أو مشرك. # فالآية محكمة باقية على إحكامها من غير نسخ ولا تأويل، وتقييدها بإقامة ~~الحد وتبين التوبة مما يمكن أن يستفاد من السياق فإن وقوع الحكم بتحريم ~~النكاح بعد الأمر بإقامة الحد يلوح إلى أن المراد به الزاني والزانية ~~المجلودان، وكذا إطلاق الزاني والزانية على من ابتلي بذلك ثم تاب توبة ~~نصوحا وتبين منه ذلك، بعيد من دأب القرآن وأدبه. # وللمفسرين في معنى الآية تشاجرات طويلة وأقوال شتى: منها: أن الكلام مسوق ~~للإخبار عما من شأن مرتكبي هذه الفاحشة أن يقصدوه وذلك أن من خبثت فطرته لا ~~يميل إلا إلى من يشابهه في الخباثة ويجانسه في الفساد والزاني لا يميل إلا ~~إلى الزانية المشاركة لها في الفحشاء ومن هو ms5579 أفسد منها وهي المشركة، ~~والزانية كذلك لا تميل إلا إلى مثلها وهو الزاني ومن هو أفسد منه وهو ~~المشرك فالحكم وارد مورد الأعم الأغلب كما قيل في قوله تعالى: "الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات": الآية: 26 من السورة. # ومنها: أن المراد بالآية التقبيح، والمعنى: أن اللائق بحال الزاني أن لا ~~ينكح إلا زانية أو من هي دونها وهي المشركة واللائق بحال الزانية أن لا ~~ينكحها إلا زان أو من هو دونه وهو المشرك، والمراد بالنكاح العقد، وقوله: ~~"وحرم ذلك على المؤمنين" معطوف على أول الآية، والمراد وحرم الزنا على ~~المؤمنين. # وفيه وفي سابقه مخالفتهما لسياق الآية وخاصة اتصال ذيلها بصدرها كما ~~تقدمت الإشارة إليه. # ومنها: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم". # وفيه أن النسبة بين الآيتين نسبة العموم والخصوص والعام الوارد بعد الخاص ~~لا ينسخه خلافا لمن قال به نعم ربما أمكن أن يستفاد النسخ من قوله تعالى: ~~"ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك # يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه": البقرة: 221، ~~بدعوى أن الآية وإن كانت من العموم بعد الخصوص لكن لسانها آب عن التخصيص ~~فتكون ناسخة بالنسبة إلى جواز النكاح بين المؤمن والمؤمنة والمشرك ~~والمشركة، وقد ادعى بعضهم أن نكاح الكافر للمسلمة كان جائزا إلى سنة ست من ~~الهجرة ثم نزل التحريم فلعل الآية التي نحن فيها نزلت قبل ذلك، ونزلت آية ~~التحريم بعدها وفي الآية أقوال أخر تركنا إيرادها لظهور فسادها. PageV15P040 # قوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة" إلخ الرمي معروف ثم استعير لنسبة أمر غير مرضي إلى الإنسان ~~كالزنا والسرقة وهو القذف، والسياق يشهد أن المراد به نسبة الزنا إلى ~~المرأة المحصنة العفيفة، والمراد بالإتيان بأربعة شهداء وهم شهود الزنا ~~إقامة الشهادة لإثبات ما قذف به، وقد أمر الله تعالى بإقامة الحد عليهم إن ms5580 ~~لم يقيموا الشهادة، وحكم بفسقهم وعدم قبول شهادتهم أبدا. # والمعنى: والذين يقذفون المحصنات من النساء بالزنا ثم لم يقيموا أربعة من ~~الشهود على صدقهم في قذفهم فاجلدوهم ثمانين جلدة على قذفهم وهم فاسقون لا ~~تقبلوا شهادتهم على شيء أبدا. # والآية كما ترى مطلقة تشمل من القاذف الذكر والأنثى والحر والعبد، وبذلك ~~تفسرها روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # قوله تعالى: "إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم" ~~الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة وهي قوله: "وأولئك هم الفاسقون" لكنها ~~لما كانت تفيد معنى التعليل بالنسبة إلى قوله: "ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا" ~~- على ما يعطيه السياق - كان لازم ما تفيده من ارتفاع الحكم بالفسق ارتفاع ~~الحكم بعدم قبول الشهادة أبدا، ولازم ذلك رجوع الاستثناء بحسب المعنى إلى ~~الجملتين معا. # والمعنى: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا أعمالهم فإن الله غفور رحيم ~~يغفر ذنبهم ويرحمهم فيرتفع عنهم الحكم بالفسق والحكم بعدم قبول شهادتهم أبدا. # وذكر بعضهم: أن الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة فحسب فلو تاب القاذف # وأصلح بعد إقامة الحد عليه غفر له ذنبه لكن لا تقبل شهادته أبدا خلافا ~~لمن قال برجوع الاستثناء إلى الجملتين معا. # والظاهر أن خلافهم هذا مبني على المسألة الأصولية المعنونة بأن الاستثناء ~~الواقع بعد الجمل المتعددة هل يتعلق بالجميع أو بالجملة الأخيرة والحق في ~~المسألة أن الاستثناء في نفسه صالح للأمرين جميعا وتعين أحدهما منوط بما ~~تقتضيه قرائن الكلام، والذي يعطيه السياق في الآية التي نحن فيها تعلق ~~الاستثناء بالجملة الأخيرة غير أن إفادتها للتعليل تستلزم تقيد الجملة ~~السابقة أيضا بمعناه كالأخيرة على ما تقدم. # قوله تعالى: "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم - إلى ~~قوله - من الكاذبين" أي لم يكن لهم شهداء يشهدون ما شهدوا فيتحملوا الشهادة ~~ثم يؤدوها إلا أنفسهم، وقوله: "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله" أي شهادة ~~أحدهم يعني القاذف وهو واحد أربع شهادات متعلقة بالله إنه لمن الصادقين ~~فيما يخبر به من القذف. # ومعنى الآيتين: ms5581 والذين يقذفون أزواجهم ولم يكن لهم أربعة من الشهداء ~~يشهدون ما شهدوا - ومن طبع الأمر ذلك على تقدير صدقهم إذ لو ذهبوا يطلبون ~~الشهداء ليحضروهم على الواقعة فيشهدوهم عليها فات الغرض بتفرقهما - ~~فالشهادة التي يجب على أحدهم أن يقيمها هي أن يشهد أربع شهادات أي يقول مرة ~~بعد مرة: "أشهد الله على صدقي فيما أقذفه به" أربع مرات وخامستها أن يشهد ~~ويقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين. # قوله تعالى: "ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد" إلى آخر الآيتين، الدرء الدفع ~~والمراد بالعذاب حد الزنا، والمعنى أن المرأة إن شهدت خمس شهادات بإزاء ~~شهادات الرجل دفع ذلك عنه حد الزنا، وشهاداتها أن تشهد أربع مرات تقول ~~فيها: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ثم تشهد خامسة فتقول: لعنة الله علي إن ~~كان من الصادقين، وهذا هو اللعان الذي ينفصل به الزوجان. # قوله تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم" جواب لو ~~لا محذوف يدل عليه ما أخذ في شرطه من القيود إذ معناه لو لا فضل الله ~~ورحمته وتوبته # وحكمته لحل بكم ما دفعته عنكم هذه الصفات والأفعال فالتقدير على ما يعطيه ~~ما في الشرط من القيود لو لا ما أنعم الله عليكم من نعمة الدين وتوبته ~~لمذنبيكم وتشريعه الشرائع لنظم أمور حياتكم لزمتكم الشقوة، وأهلكتكم ~~المعصية والخطيئة، واختل نظام حياتكم بالجهالة. # والله أعلم. PageV15P041 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ~~قال: وسورة النور أنزلت بعد سورة النساء، وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل ~~عليه في سورة النساء "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم - فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم - فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت - حتى يتوفاهن الموت أو يجعل ~~الله لهن سبيلا" والسبيل الذي قال الله عز وجل "سورة أنزلناها وفرضناها - ~~وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة - ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله - إن كنتم آمنتم بالله ~~واليوم الآخر ms5582 - وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين". وفي تفسير القمي، وفي ~~رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "وليشهد عذابهما" ~~يقول: ضربهما "طائفة من المؤمنين" يجمع لهما الناس إذا جلدوا. # وفي التهذيب، بإسناده عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله" قال: في إقامة الحدود، وفي قوله تعالى: "وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين" قال: الطائفة واحد. وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي ~~جعفر (عليه السلام) في حديث قال: وأنزل بالمدينة "الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة - والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك - وحرم ذلك على المؤمنين" ~~فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة، وقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه ~~الإيمان كخلع القميص. وفيه، بإسناده عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: # "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة" قال: هن نساء مشهورات ورجال مشهورون ~~بالزنا شهروا به، وعرفوا به والناس اليوم بذلك المنزل فمن أقيم عليه حد ~~الزنا أو متهم بالزنا لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه التوبة: أقول: ~~ورواه أيضا بإسناده عن أبي الصباح عنه (عليه السلام) مثله، وبإسناده عن ~~محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) ولفظه: هم رجال ونساء كانوا على ~~عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشهورين بالزنا فنهى الله عن ~~أولئك الرجال والنساء، والناس اليوم على تلك المنزلة من شهر شيئا من ذلك ~~أقيم عليه الحد فلا تزوجوه حتى تعرفوا توبته. وفيه، بإسناده عن حكم بن حكيم ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الآية قال: إنما ذلك في الجهر ثم قال: ~~لو أن إنسانا زنى ثم تاب تزوج حيث ms5583 شاء. وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد ~~بن حميد والنسائي والحاكم وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والبيهقي في سننه وأبو داود في ناسخه عن عبد الله بن عمر قال: كانت ~~امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت تسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه فأراد رجل ~~من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يزوجها فأنزل الله: "الزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك". أقول: وروي ما يقرب منه عن عدة من أصحاب ~~الجوامع عن مجاهد. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما قدم المهاجرون المدينة قدموها ~~وهم بجهد إلا قليل منهم، والمدينة غالية السعر شديدة الجهد، وفي السوق زوان ~~متعالنات من أهل الكتاب، وأما الأنصار منهن أمية وليدة عبد الله بن أبي ~~ونسيكة بنت أمية لرجل من الأنصار في بغايا من ولائد الأنصار قد رفعت كل ~~امرأة منهن علامة على بابها ليعرف أنها زانية وكن من أخصب أهل المدينة ~~وأكثره خيرا. فرغب أناس من مهاجري المسلمين فيما يكتسبن للذي هم فيه من ~~الجهد فأشار بعضهم على بعض لو تزوجنا بعض هؤلاء الزواني فنصيب من بعض ~~أطعماتهن فقال بعضهم: نستأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتوه ~~فقالوا: يا رسول الله قد شق علينا الجهد ولا نجد ما نأكل، وفي السوق بغايا ~~نساء أهل الكتاب وولائدهن وولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهن فيصلح لنا أن ~~نتزوج منهن فنصيب من فضول ما يكتسبن فإذا وجدنا عنهن PageV15P042 غنى تركناهن فأنزل الله: "الزاني لا ينكح" الآية "فحرم على المؤمنين أن ~~يتزوجوا الزواني المسافحات العالنات زناهن. أقول: والروايتان إنما تذكران ~~سبب نزول قوله: "الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك" دون قوله: "الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة". # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "إلا الذين تابوا اختلف في هذا الاستثناء ~~إلى ما ذا يرجع على قولين: أحدهما أنه يرجع إلى الفسق خاصة دون قوله: "ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا" إلى أن قال والآخر أن الاستثناء يرجع إلى الأمرين ms5584 ~~فإذا تاب قبلت شهادته حد أم لم يحد عن ابن عباس إلى أن قال وقول أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (عليه السلام). وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة ~~بالزنا ونكل زياد فحد عمر الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم فتاب ~~رجلان ولم يتب أبو بكرة فكان لا تقبل شهادته، وكان أبو بكرة أخا زياد لأمه ~~فلما كان من أمر زياد ما كان حلف أبو بكرة أن لا يكلمه أبدا فلم يكلمه حتى مات. # وفي التهذيب، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا ~~قذف العبد الحر جلد ثمانين. وقال: هذا من حقوق الناس. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والذين يرمون أزواجهم إلى قوله - إن ~~كان من الصادقين" فإنها نزلت في اللعان فكان سبب ذلك أنه لما رجع رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة تبوك جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلاني ~~وكان من الأنصار وقال: يا رسول الله إن امرأتي زنى بها شريك بن السمحاء وهي ~~منه حامل فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعاد عليه القول ~~فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات. فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) منزله فنزلت عليه آية اللعان فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وصلى بالناس العصر، وقال لعويمر: ائتني بأهلك فقد أنزل الله عز وجل ~~فيكما قرآنا فجاء إليها وقال لها: رسول الله يدعوك وكانت في شرف من قومها ~~فجاء معها جماعة فلما دخلت المسجد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لعويمر: تقدم إلى المنبر والتعنا فقال: كيف # أصنع؟ فقال: تقدم وقل: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به فتقدم ~~وقالها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أعدها فأعادها حتى فعل ~~ذلك أربع مرات فقال له في الخامسة: عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما ~~رميتها به ms5585 فقال في الخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما ~~رماها به. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن اللعنة موجبة إن ~~كنت كاذبا. ثم قال له: تنح فتنحى ثم قال لزوجته: تشهدين كما شهد، وإلا أقمت ~~عليك حد الله فنظرت في وجوه قومها فقالت: لا أسود هذه الوجوه في هذه العشية ~~فتقدمت إلى المنبر وقالت: أشهد بالله أن عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما ~~رماني، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أعيديها فأعادتها ~~حتى أعادتها أربع مرات، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~العني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين فيما رماك به، فقالت في الخامسة ~~إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ويلك إنها موجبة إن كنت كاذبة. ثم قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لزوجها: اذهب فلا تحل لك أبدا. قال: يا رسول ~~الله فمالي الذي أعطيتها. قال: إن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه، وإن كنت ~~صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها. # الحديث. PageV15P043 # وفي المجمع، في رواية عكرمة عن ابن عباس: قال سعد بن عبادة لو أتيت لكاع ~~وقد يفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله ما كنت ~~لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري ~~لثمانين جلدة. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا معشر الأنصار ما ~~تسمعون إلى ما قال سيدكم؟ فقالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور ما تزوج امرأة قط ~~إلا بكرا، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، فقال سعد بن عبادة: ~~يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكن ~~عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال: فإن الله يأبى إلا ذلك، فقال: صدق الله ~~ورسوله. فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم ms5586 له يقال له: هلال بن أمية من ~~حديقة له قد رأى رجلا مع امرأته فلما أصبح غدا إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: إني جئت أهلي # عشاء فوجدت معها رجلا رأيته بعيني وسمعته بأذني، فكره رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حتى رئي الكراهة في وجهه فقال هلال: إني لأرى الكراهة ~~في وجهك والله يعلم إني لصادق، وإني لأرجو أن يجعل الله فرجا فهم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بضربه. قال: واجتمعت الأنصار وقالوا: ابتلينا ~~بما قال سعد أيجلد هلال ويبطل شهادته؟ فنزل الوحي وأمسكوا عن الكلام حين ~~عرفوا أن الوحي قد نزل فأنزل الله تعالى: "والذين يرمون أزواجهم" الآيات. ~~فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أبشر يا هلال فإن الله تعالى قد جعل فرجا ~~فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~أرسلوا إليها فجاءت فلاعن بينهما فلما انقضى اللعان فرق بينهما وقضى أن ~~الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي ~~قيل فيه:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن عدة من أرباب الجوامع عن ابن عباس. PageV15P044 ### ||| AUTO 24 سورة النور - 11 - 26 # إن الذين جاءو بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل ~~امرى منهم ما اكتسب من الاثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لو لا ~~إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لو ~~لا جاءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكذبون (13) ولو لا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والاخرة لمسكم فى ما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم ~~به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحنك هذا ms5587 بهتن عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الايت والله عليم حكيم (18) ~~إن الذين يحبون أن تشيع الفحشة فى الذين ءامنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا ~~والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله رءوف رحيم (20) يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوت الشيطن ومن يتبع ~~خطوت الشيطن فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم (21) ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمسكين والمهجرين فى ~~سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ~~(22) إن الذين يرمون المحصنت الغفلت المؤمنت لعنوا فى الدنيا والاخرة ولهم ~~عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) ~~الخبيثت للخبيثين والخبيثون للخبيثت والطيبت للطيبين والطيبون للطيبت أولئك ~~مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) ### |||| AUTO بيان # الآيات تشير إلى حديث الإفك، وقد روى أهل السنة أن المقذوفة في قصة الإفك ~~هي أم المؤمنين عائشة، وروت الشيعة أنها مارية القبطية أم إبراهيم التي ~~أهداها مقوقس ملك مصر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكل من ~~الحديثين لا يخلو عن شيء على ما سيجيء في البحث الروائي الآتي. # فالأحرى أن نبحث عن متن الآيات في معزل من الروايتين جميعا غير أن من ~~المسلم أن الإفك المذكور فيها كان راجعا إلى بعض أهل النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إما زوجه وإما أم ولده وربما لوح إليه قوله تعالى: "وتحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم" وكذا ما يستفاد من الآيات أن الحديث كان قد شاع ~~بينهم وأفاضوا فيه وسائر ما يومىء إليه من الآيات. # والمستفاد من الآيات أنهم رموا بعض أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالفحشاء، وكان الرامون عصبة من القوم فشاع الحديث بين الناس يتلقاه ms5588 هذا من ~~ذاك، وكان بعض المنافقين أو الذين في قلوبهم مرض يساعدون على إذاعة الحديث ~~حبا منهم أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فأنزل الله الآيات ودافع عن نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). PageV15P045 # قوله تعالى: "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" إلخ، الإفك على ما ذكره ~~الراغب الكذب مطلقا والأصل في معناه أنه كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون ~~عليه كالاعتقاد المصروف عن الحق إلى الباطل - والفعل المصروف عن الجميل إلى ~~القبيح، والقول المصروف عن الصدق إلى الكذب، وقد استعمل في كلامه تعالى في ~~جميع هذه المعاني. # وذكر أيضا أن العصبة جماعة متعصبة متعاضدة، وقيل: إنها عشرة إلى أربعين. # والخطاب في الآية وما يتلوها من الآيات لعامة المؤمنين ممن ظاهره الإيمان ~~أعم من المؤمن بحقيقة الإيمان والمنافق ومن في قلبه مرض، وأما قول بعضهم: ~~إن المخاطب # بالخطابات الأربعة الأول أو الثاني والثالث والرابع النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والمقذوفة والمقذوف ففيه تفكيك بين الخطابات الواقعة في الآيات ~~العشر الأول وهي نيف وعشرون خطابا أكثرها لعامة المؤمنين بلا ريب. # وأسوأ حالا منه قول بعض آخر إن الخطابات الأربعة أو الثلاثة المذكورة لمن ~~ساءه ذلك من المؤمنين فإنه مضافا إلى استلزامه التفكيك بين الخطابات ~~المتوالية مجازفة ظاهرة. # والمعنى: إن الذين أتوا بهذا الكذب - واللام في الإفك للعهد - جماعة ~~معدودة منكم مرتبط بعضهم ببعض، وفي ذلك إشارة إلى أن هناك تواطؤا منهم على ~~إذاعة هذا الخبر ليطعنوا به في نزاهة بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ويفضحوه بين الناس. # وهذا هو فائدة الخبر في قوله: "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" لا ~~تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو تسليته وتسلية من ساءه هذا الإفك ~~كما ذكره بعضهم فإن السياق لا يساعد عليه. # وقوله: "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم" مقتضى كون الخطاب لعامة ~~المؤمنين أن يكون المراد بنفي كونه شرا لهم وإثبات كونه خيرا أن المجتمع ~~الصالح من سعادته أن يتميز فيه أهل الزيغ ms5589 والفساد ليكونوا على بصيرة من ~~أمرهم وينهضوا لإصلاح ما فسد من أعضائهم، وخاصة في مجتمع ديني متصل بالوحي ~~ينزل عليهم الوحي عند وقوع أمثال هذه الوقائع فيعظهم ويذكرهم بما هم في ~~غفلة منه أو مساهلة حتى يحتاطوا لدينهم ويتفطنوا لما يهمهم. # والدليل على ما ذكرنا قوله بعد: "لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم" فإن ~~الإثم هو الأثر السيىء الذي يبقى للإنسان عن اقتراف المعصية فظاهر الجملة ~~أن أهل الإفك الجائين به يعرفون بإثمه ويتميزون به عندكم فيفتضحون به بدل ~~ما أرادوا أن يفضحوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأما قول من قال: إن المراد بكونه خيرا لهم أنهم يثابون بما اتهموهم ~~بالإفك كما أن أهل الإفك يتأثمون به فمبني على كون الخطاب للمتهمين خاصة ~~وقد عرفت فساده. # وقوله: "والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم" فسروا كبره بمعنى معظمه # والضمير للإفك، والمعنى: والذي تولى معظم الإفك وأصر على إذاعته بين ~~الناس من هؤلاء الآفكين له عذاب عظيم. # قوله تعالى: "لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ~~وقالوا هذا إفك مبين" توبيخ لهم إذ لم يردوا الحديث حينما سمعوه ولم يظنوا ~~بمن رمي به خيرا. # وقوله: "ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم" من وضع الظاهر موضع المضمر، ~~والأصل "ظننتم بأنفسكم" والوجه في تبديل الضمير وصفا الدلالة على علة الحكم ~~فإن صفة الإيمان رادعة بالطبع تردع المتلبس بها عن الفحشاء والمنكر في ~~القول والفعل فعلى المتلبس بها أن يظن على المتلبسين بها خيرا، وأن يجتنب ~~القول فيهم بغير علم فإنهم جميعا كنفس واحدة في التلبس بالإيمان ولوازمه ~~وآثاره. # فالمعنى: ولو لا إذ سمعتم الإفك ظننتم بمن رمي به خيرا فإنكم جميعا ~~مؤمنون بعضكم من بعض والمرمي به من أنفسكم وعلى المؤمن أن يظن بالمؤمن خيرا ~~ولا يصفه بما لا علم له به. # وقوله: "قالوا هذا إفك مبين" أي قال المؤمنون والمؤمنات وهم السامعون - ~~أي قلتم - هذا إفك مبين لأن الخبر الذي لا علم لمخبره به والدعوى التي لا ~~بينة لمدعيها ms5590 عليها محكوم شرعا بالكذب سواء كان بحسب الواقع صدقا أو كذبا، ~~والدليل عليه قوله في الآية التالية: "فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون". PageV15P046 # قوله تعالى: "لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون" أي لو كانوا صادقين فيما يقولون ويرمون لأقاموا عليه ~~الشهادة وهي في الزنا بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فهم محكومون شرعا ~~بالكذب لأن الدعوى من غير بينة كذب وإفك. # قوله تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم" إفاضة القوم في الحديث خوضهم فيه. # وقوله: "ولو لا فضل الله" إلخ، عطف على قوله: "لو لا إذ سمعتموه" إلخ، ~~وفيه كرة ثانية على المؤمنين، وفي تقييد الفضل والرحمة بقوله: "في الدنيا ~~والآخرة" دلالة على كون العذاب المذكور ذيلا هو عذاب الدنيا والآخرة. # والمعنى: ولو لا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لوصل إليكم ~~بسبب ما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: "إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" ~~إلخ، الظرف متعلق بقوله: "أفضتم" وتلقي الإنسان القول أخذه القول الذي ~~ألقاه إليه غيره، وتقييد التلقي بالألسنة للدلالة على أنه كان مجرد انتقال ~~القول من لسان إلى لسان من غير تثبت وتدبر فيه. # وعلى هذا فقوله: "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" من قبيل عطف ~~التفسير، وتقييده أيضا بقوله: "بأفواهكم" للإشارة إلى أن القول لم يكن عن ~~تثبت وتبين قلبي ولم يكن له موطن إلا الأفواه لا يتعداها. # والمعنى: أفضتم وخضتم فيه إذ تأخذونه وتنقلونه لسانا عن لسان وتتلفظون ~~بما لا علم لكم به. # وقوله: "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" أي تظنون التلقي بألسنتكم ~~والقول بأفواهكم من غير علم سهلا وهو عند الله عظيم لأنه بهتان وافتراء، ~~على أن الأمر مرتبط بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشيوع إفك هذا شأنه ~~بين الناس يفضحه عندهم ويفسد أمر الدعوة الدينية. # قوله ms5591 تعالى: "ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك ~~هذا بهتان عظيم" عطف بعد عطف على قوله: "لو لا إذ سمعتموه" إلخ، وفيه كرة ~~ثالثة على المؤمنين بالتوبيخ، وقوله: "سبحانك" اعتراض بالتنزيه لله سبحانه ~~وهو من أدب القرآن أن ينزه الله بالتسبيح عند تنزيه كل منزه. # والبهتان الافتراء سمي به لأنه يبهت الإنسان المفتري عليه وكونه بهتانا ~~عظيما لأنه افتراء في عرض وخاصة إذ كان متعلقه بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وإنما كان بهتانا لكونه إخبارا من غير علم ودعوى من غير بينة كما ~~تقدم في قوله: "فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون" ومعنى ~~الآية ظاهر. # قوله تعالى: "يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا" إلى آخر الآيتين موعظة ~~بالنهي عن العود لمثله، ومعنى الآيتين ظاهر. # قوله تعالى: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا" إلى آخر ~~الآية إن كانت الآية نازلة في جملة آيات الإفك ومتصلة بما تقدمها وموردها ~~الرمي بالزنا بغير بينة كان مضمونها تهديد الرامين المفيضين في الإفك لكونه ~~فاحشة وإشاعته في المؤمنين حبا منهم لشيوع الفاحشة. # فالمراد بالفاحشة مطلق الفحشاء كالزنا والقذف وغير ذلك. # وحب شيوعها ومنها القذف في المؤمنين يستوجب عذابا أليما لمحبيه في الدنيا ~~والآخرة. # وعلى هذا فلا موجب لحمل العذاب في الدنيا على الحد إذ حب شيوع الفحشاء ~~ليس مما يوجب الحد، نعم لو كان اللام في "الفاحشة" للعهد والمراد بها القذف ~~وكان حب الشيوع كناية عن قصة الشيوع بالإفاضه والتلقي بالألسن والنقل أمكن ~~حمل العذاب على الحد لكن السياق لا يساعد عليه. # على أن الرمي بمجرد تحققه مرة موجب للحد ولا موجب لتقييده بقصد الشيوع ~~ولا نكتة تستدعي ذلك. # وقوله: "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" تأكيد وإعظام لما فيه من سخط الله ~~وغضبه وإن جهله الناس. # قوله تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته" تكرارا للامتنان ومعناه ظاهر. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه ms5592 يأمر بالفحشاء والمنكر" تقدم تفسير الآية في الآية 208 ~~من سورة البقرة في الجزء الثاني من الكتاب. # قوله تعالى: "ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا" إلى ~~آخر الآية. PageV15P047 # رجوع بعد رجوع إلى الامتنان بالفضل والرحمة، لا يخلو هذا الاهتمام من تأييد ~~لكون الإفك متعلق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس إلا لكرامته على ~~الله سبحانه. # وقد صرح في هذه المرة الثالثة بجواب لو لا وهو قوله: "ما زكى منكم من أحد ~~أبدا" وهذا مما يدل عليه العقل فإن مفيض الخير والسعادة هو الله سبحانه، ~~والتعليم القرآني أيضا يعطيه كما قال تعالى: "بيدك الخير": آل عمران: 26، ~~وقال: "ما أصابك من حسنة فمن الله": النساء: 79. # وقوله: "ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم" إضراب عما تقدمه فهو ~~تعالى يزكي من يشاء فالأمر إلى مشيته، ولا يشاء إلا تزكية من استعد لها ~~وسأله بلسان استعداده # ذلك، وإليه يشير قوله: "والله سميع عليم" أي سميع لسؤال من سأله التزكية ~~عليم بحال من استعد لها. # قوله تعالى: "ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله" إلخ، الايتلاء التقصير والترك والحلف، ~~وكل من المعاني الثلاثة لا يخلو من مناسبة، والمعنى لا يقصر أولوا الفضل ~~منكم والسعة يعني الأغنياء في إيتاء أولي القرابة والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله من مالهم أو لا يترك إيتاءهم أو لا يحلف أن لا يؤتيهم - وليعفوا ~~عنهم وليصفحوا - ثم حرضهم بقوله: "ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم". # وفي الآية - على تقدير نزولها في جملة الآيات واتصالها بها - دلالة على ~~أن بعض المؤمنين عزم على أن يقطع ما كان يؤتيه بعض أهل الإفك فنهاه الله عن ~~ذلك وحثه على إدامة الإيتاء كما سيجيء. # قوله تعالى: "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم" أخذ الصفات الثلاث الإحصان والغفلة والإيمان ~~للدلالة على عظم المعصية فإن كلا من الإحصان بمعنى العفة والغفلة ms5593 والإيمان ~~سبب تام في كون الرمي ظلما والرامي ظالما والمرمية مظلومة فإذا اجتمعت كان ~~الظلم أعظم ثم أعظم، وجزاؤه اللعن في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم، ~~والآية عامة وإن كان سبب نزولها لو نزلت في جملة آيات الإفك خاصا. # قوله تعالى: "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون" ~~الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة: "ولهم عذاب عظيم". # والمراد بقوله: "بما كانوا يعملون" كما يقتضيه إطلاقه مطلق الأعمال ~~السيئة - كما قيل - لا خصوص الرمي بأن تشهد ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم على ~~رميهم فالمراد بالشهادة شهادة الأعضاء على السيئات والمعاصي بحسب ما ~~يناسبها فما كان منها من قبيل الأقوال كالقذف والكذب والغيبة ونحوها شهدت ~~عليه الألسنة، وما كان منها من قبيل الأفعال كالسرقة والمشي للنميمة ~~والسعاية وغيرهما شهدت عليه بقية الأعضاء، وإذ كان معظم المعاصي من الأفعال ~~للأيدي والأرجل اختصتا بالذكر. # وبالحقيقة الشاهد على كل فعل هو العضو الذي صدر منه كما يشير إليه قوله تعالى: # "شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون": حم السجدة: 20، ~~وقوله: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا": إسراء - 36، ~~وقوله: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون": يس: 65، وسيأتي الكلام على شهادة الأعضاء يوم القيامة في بحث ~~مستقل في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين" المراد بالدين الجزاء كما في قوله: "مالك يوم الدين": الحمد: 4، ~~وتوفية الشيء بذله تاما كاملا، والمعنى: يوم القيامة يؤتيهم الله جزاءهم ~~الحق إيتاء تاما كاملا ويعلمون أن الله هو الحق المبين". # هذا بالنظر إلى اتصال الآية بما قبلها ووقوعها في سياق ما تقدمها، وأما ~~بالنظر إلى استقلالها في نفسها فمن الممكن أن يراد بالدين ما يرادف الملة ~~وهو سنة الحياة، وهو معنى عال يرجع إلى ظهور الحقائق يوم القيامة للإنسان، ~~ويكون أكثر مناسبة لقوله: "ويعلمون أن الله هو الحق المبين". PageV15P048 # والآية من غرر الآيات القرآنية تفسر معنى معرفة الله فإن ms5594 قوله: "ويعلمون أن ~~الله هو الحق المبين" ينبىء أنه تعالى هو الحق لا سترة عليه بوجه من الوجوه ~~ولا على تقدير من التقادير فهو من أبده البديهيات التي لا يتعلق بها جهل ~~لكن البديهي ربما يغفل عنه فالعلم به تعالى هو ارتفاع الغفلة عنه الذي ربما ~~يعبر عنه بالعلم، وهذا هو الذي يبدو لهم يوم القيامة فيعلمون أن الله هو ~~الحق المبين. # وإلى مثله يشير قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد": ق: 22. # قوله تعالى: "الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات" إلخ ذيل الآية "أولئك مبرءون مما يقولون" دليل على أن ~~المراد بالخبيثات والخبيثين والطيبات والطيبين نساء ورجال متلبسون بالخباثة ~~والطيب فالآية من تمام آيات الإفك متصلة بها مشاركة لها في سياقها، وهي ~~عامة لا مخصص لها من جهة اللفظ البتة. # فالمراد بالطيب الذي يوجب كونهم مبرءين مما يقولون على ما تدل عليه الآيات # السابقة هو المعنى الذي يقتضيه تلبسهم بالإيمان والإحصان فالمؤمنون ~~والمؤمنات مع الإحصان طيبون وطيبات يختص كل من الفريقين بصاحبه، وهم بحكم ~~الإيمان والإحصان مصونون مبرءون شرعا من الرمي بغير بينة، محكومون من جهة ~~إيمانهم بأن لهم مغفرة كما قال تعالى: "وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم": ~~الأحقاف: 31 ولهم رزق كريم، وهو الحياة الطيبة في الدنيا والأجر الحسن في ~~الآخرة كما قال: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون": النحل: 97. # والمراد بالخبث في الخبيثين والخبيثات وهم غير المؤمنين هو الحال ~~المستقذرة التي يوجبها لهم تلبسهم بالكفر وقد خصت خبيثاتهم بخبيثهم ~~وخبيثوهم بخبيثاتهم بمقتضى المجانسة والمسانخة وليسوا بمبرءين عن التلبس ~~بالفحشاء - نعم هذا ليس حكما بالتلبس -. # فظهر بما تقدم: أولا: أن الآية عامة بحسب اللفظ تصف المؤمنين والمؤمنات ~~بالطيب ولا ينافي ذلك اختصاص سبب نزولها وانطباقها عليه. # وثانيا: أنها تدل على كونهم جميعا محكومين شرعا بالبراءة عما يرمون به ما ~~لم تقم عليه بينة. # وثالثا: أنهم محكومون ms5595 بالمغفرة والرزق الكريم كل ذلك حكم ظاهري لكرامتهم ~~على الله بإيمانهم، والكفار على خلاف ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ~~عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يخرج إلى ~~سفر أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي ~~وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوته ~~تلك وقفل. PageV15P049 # فدنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت ~~حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد ~~انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي ~~فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكانت ~~النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام ~~فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل ~~فساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ~~فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة ~~في منزل غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكراني من ~~وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين ~~رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي ~~بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى ~~أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا ~~الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك. وكان الذي تولى ms5596 ~~الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا ~~والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي ~~أني لا أعرف من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اللطف الذي كنت أرى ~~منه حين اشتكى إنما يدخل علي فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني # ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي ~~متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من ~~بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن ~~نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد ~~أشرعنا من ثيابنا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما ~~قلت أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وما ~~قال: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي ~~دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت: ~~أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ~~قالت: فأذن لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجئت لأبوي فقلت لأمي: ~~يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة ~~قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت: سبحان الله ولقد ~~تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل ~~بنوم ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي ~~طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، فأما أسامة ~~فأشار على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذي يعلم من براءة أهله ~~وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا ms5597 ~~خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء ~~سواها كثيرة وإن تسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت شيئا يريبك؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك ~~بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمضه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن ~~عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله. PageV15P050 # فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستعذر يومئذ من عبد الله بن ~~أبي فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في ~~أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه ~~إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: ~~يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا ~~من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان ~~قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله ما ~~تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن ~~عبادة: كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاورا الحيان: الأوس ~~والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم ~~على المنبر فلم يزل رسول ص يخفضهم حتى سكتوا وسكت. فبكيت يومي ذلك فلا يرقأ ~~لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل ~~بنوم ولا يرقأ لي دمع وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان ~~عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي ~~فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جلس ~~ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني ~~بشيء، فتشهد حين جلس ثم قال: أما بعد يا ms5598 عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن ~~كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن ~~العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: والله ما أدري ما أقول لرسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت ~~أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم: إني ~~بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم ~~أني منه بريئة لتصدقني، والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف: فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ ~~أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل ~~في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر ~~يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤيا ~~يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من ~~البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات ~~من ثقل القول الذي أنزل عليه فلما سرى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أما ~~الله فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد ~~إلا الله الذي أنزل ms5599 براءتي، وأنزل الله: "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" ~~العشر الآيات كلها. فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر، وكان ينفق ~~على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ~~بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله: "ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~- أن يؤتوا أولي القربى والمساكين إلى قوله رحيم" قال أبو بكر: والله إني ~~أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله ~~لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: يا زينب ما ذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا ~~رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيرا، قالت: وهي التي كانت تساميني ~~من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها ~~حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك: PageV15P051 # أقول: والرواية مروية بطرق أخرى عن عائشة أيضا وعن عمر وابن عباس وأبي ~~هريرة وأبي اليسر الأنصاري وأم رومان أم عائشة وغيرهم وفيها بعض الاختلاف: ~~وفيها إن الذين جاءوا بالإفك عبد الله بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وكان ~~بدريا من السابقين الأولين من المهاجرين، وحسان بن ثابت، وحمنة أخت زينب ~~زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وفيها أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) دعاهم بعد ما نزلت آيات الإفك فحدهم جميعا غير أنه حد عبد الله بن ~~أبي حدين وإنما حده حدين لأنه من قذف زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كان عليه حدان. # وفي الروايات على تقاربها في سرد القصة إشكال من وجوه: أحدها: أن المسلم ~~من سياقها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في ريب من أمر عائشة بعد ~~تحقق الإفك كما يدل عليه تغير حاله بالنسبة إليها في المعاملة باللطف أيام ~~اشتكائها وبعدها حتى نزلت الآيات، ويدل عليه قولها له حين نزلت الآيات ~~وبشرها به: ms5600 بحمد الله لا بحمدك، وفي بعض الروايات أنها قالت لأبيها وقد ~~أرسله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبشرها بنزول العذر: بحمد الله لا ~~بحمد صاحبك الذي أرسلك، تريد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي ~~الرواية الأخرى عنها: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما وعظها أن ~~تتوب إلى الله إن كان منها شيء وفي الباب امرأة جالسة قالت له عائشة: أما ~~تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا، ومن المعلوم أن هذا النوع من الخطاب ~~المبني على الإهانة والإزراء ما كان يصدر عنها لو لا أنها وجدت النبي في ~~ريب من أمرها. # كل ذلك مضافا إلى التصريح به في رواية عمر ففيها: "فكان في قلب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) مما قالوا". # وبالجملة دلالة عامة الروايات على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في ريب من أمرها إلى نزول العذر مما لا ريب فيه، وهذا مما يجل عنه مقامه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كيف؟ وهو سبحانه يقول: "لو لا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين" فيوبخ المؤمنين ~~والمؤمنات على إساءتهم الظن وعدم ردهم ما سمعوه من الإفك فمن لوازم الإيمان ~~حسن الظن بالمؤمنين، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحق من يتصف بذلك ~~ويتحرز من سوء الظن الذي من الإثم وله مقام النبوة والعصمة الإلهية. # على أنه تعالى ينص في كلامه على اتصافه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ~~إذ يقول: "ومنهم الذين # يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم": التوبة: 61. # على أنا نقول: إن تسرب الفحشاء إلى أهل النبي ينفر القلوب عنه فمن الواجب ~~أن يطهر الله سبحانه ساحة أزواج الأنبياء عن لوث الزنا والفحشاء وإلا لغت ~~الدعوة وتثبت بهذه الحجة العقلية عفتهن واقعا لا ظاهرا فحسب، والنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أعرف بهذه الحجة منا فكيف جاز له ms5601 أن يرتاب في أمر ~~أهله برمي من رام أو شيوع من إفك. # وثانيها: أن الذي تدل عليه الروايات أن حديث الإفك كان جاريا بين الناس ~~منذ بدأ به أصحاب الإفك إلى أن ختم بحدهم أكثر من شهر وقد كان حكم القذف مع ~~عدم قيام الشهادة معلوما وهو جلد القاذف وتبرئة المقذوف شرعا فما معنى توقف ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حد أصحاب الإفك هذه المدة الطويلة ~~وانتظاره الوحي في أمرها حتى يشيع بين الناس وتتلقاه الألسن وتسير به ~~الركبان ويتسع الخرق على الراتق؟ وما أتى به الوحي من العذر لا يزيد على ما ~~تعينه آية القذف من براءة المقذوف حكما شرعيا ظاهريا. # فإن قيل: الذي نزل من العذر براءتها واقعا وطهارة ذيلها في نفس الأمر ~~وهذا أمر لا تكفي له آية حد القاذف، ولعل صبره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~هذه المدة الطويلة إنما كان لأجله. # قلت: لا دلالة في شيء من هذه الآيات الست عشرة على ذلك، وإنما تثبت ~~بالحجة العقلية السابقة الدالة على طهارة بيوت الأنبياء من لوثة الفحشاء. PageV15P052 # أما الآيات العشر الأول التي فيها شائبة الاختصاص فأظهرها في الدلالة على ~~براءتها قوله تعالى: "لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون" وقد استدل فيها على كذبهم بعدم إتيانهم ~~بالشهداء، ومن الواضح أن عدم إقامة الشهادة إنما هو دليل البراءة الظاهرية ~~أعني الحكم الشرعي بالبراءة دون البراءة الواقعية لوضوح عدم الملازمة. # وأما الآيات الست الأخيرة فقوله: "الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات إلخ ~~عام من غير مخصص من جهة اللفظ فالذي تثبته من البراءة مشترك فيه بين جميع ~~المقذوفين # من غير قيام بينة من المؤمنين والمؤمنات، ومن الواضح أن البراءة المناسبة ~~لهذا المعنى هي البراءة الشرعية. # والحق أن لا مناص عن هذا الإشكال إلا بالقول بأن آية القذف لم تكن نازلة ~~قبل حديث الإفك وإنما نزلت بعده، وإنما كان سبب توقفه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) خلو الواقعة عن حكم الله ms5602 بعد فكان ينتظر في أمر الإفك الحكم السماوي. # ومن أوضح الدليل عليه ما في الرواية من استعذار النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من القاذف في المسجد وقول سعد بن معاذ ما قال ومجادلة سعد بن ~~عبادة إياه واختلاف الأوس والخزرج بمحضر من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وفي رواية عمر بعد ما ذكر اختلاف ابن معاذ وابن عبادة: فقال هذا: يا ~~للأوس وقال هذا: يا للخزرج فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا، الحديث فلو ~~كانت آية القذف نازلة قبل ذلك وحكم الحد معلوما لم يجب سعد بن معاذ النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه يعذره منه بالقتل ولقال هو وسائر الناس: يا ~~رسول الله حكم القذف معلوم ويدك مبسوطة. # وثالثها: أنها تصرح بكون أصحاب الإفك هم عبد الله بن أبي ومسطحا وحسانا ~~وحمنة ثم تذكر أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حد عبد الله بن أبي حدين وكلا ~~من مسطح وحسان وحمنة حدا واحدا، ثم تعلل حدي عبد الله بن أبي بأن من قذف ~~أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعليه حدان، وهذا تناقض صريح فإنهم ~~جميعا كانوا قاذفين بلا فرق بينهم. # نعم تذكر الروايات أن عبد الله بن أبي كان هو الذي تولى كبره منهم لكن لم ~~يقل أحد من الأمة إن هذا الوصف يوجب حدين. # ولا أن المراد بالعذاب العظيم في قوله: "الذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم" هو ثبوت حدين. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" ~~الآية فإن العامة روت أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق ~~من خزاعة وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة. # حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال قال: ~~حدثني عبد الله بن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ~~لما هلك إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حزن ms5603 عليه حزنا ~~شديدا فقالت عائشة: ما الذي # يحزنك عليه؟ ما هو إلا ابن جريح، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عليا (عليه السلام) وأمره بقتله. فذهب علي (عليه السلام) ومعه السيف ~~وكان جريح القبطي في حائط فضرب علي (عليه السلام) باب البستان فأقبل جريح ~~له ليفتح الباب فلما رأى عليا (عليه السلام) عرف في وجهه الغضب فأدبر راجعا ~~ولم يفتح باب البستان فوثب علي (عليه السلام) على الحائط ونزل إلى البستان ~~واتبعه وولى جريح مدبرا فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة وصعد علي (عليه ~~السلام) في أثره فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس ~~له ما للرجال ولا له ما للنساء. فانصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا رسول الله إذا بعثتني في الأمر أكون ~~كالمسمار المحمي في الوبر أم أثبت؟ قال: لا بل تثبت. قال: والذي بعثك بالحق ~~ما له ما للرجال وما له ما للنساء، فقال: الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت. PageV15P053 # وفيه، في رواية عبيد الله بن موسى عن أحمد بن راشد عن مروان بن مسلم عن عبد ~~الله بن بكير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقتل القبطي وقد علم أنها كذبت عليه أو ~~لم يعلم؟ وقد دفع الله عن القبطي القتل بتثبيت علي (عليه السلام) فقال: بل ~~كان والله علم، ولو كان عزيمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ~~انصرف علي (عليه السلام) حتى يقتله، ولكن إنما فعل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لترجع عن ذنبها فما رجعت ولا اشتد عليها قتل رجل مسلم. # أقول: وهناك روايات أخر تدل على مشاركة غيرها معها في هذا الرمي، وجريح ~~هذا كان خادما خصيا لمارية أهداه معها مقوقس عظيم مصر لرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأرسله معها ليخدمها. # وهذه الروايات لا تخلو من ms5604 نظر: أما أولا: فلأن ما فيها من القصة لا يقبل ~~الانطباق على الآيات ولا سيما قوله: "إن # الذين جاءوا بالإفك" الآية وقوله: "لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا" الآية، وقوله: "تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم" الآية، فمحصل الآيات أنه كان هناك جماعة مرتبط بعضهم ~~ببعض يذيعون الحديث ليفضحوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان الناس ~~يتداولونه لسانا عن لسان حتى شاع بينهم ومكثوا على ذلك زمانا وهم لا يراعون ~~حرمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكرامته من الله، وأين مضمون هذه ~~الروايات من ذلك. # اللهم إلا أن تكون الروايات قاصرة في شرحها للقصة. # وأما ثانيا: فقد كان مقتضى القصة وظهور براءتها إجراء الحد ولم يجر، ولا ~~مناص عن هذا الإشكال إلا بالقول بنزول آية القذف بعد قصة الإفك بزمان. # والذي ينبغي أن يقال بالنظر إلى إشكال الحد الوارد على الصنفين من ~~الروايات جميعا - كما عرفت - أن آيات الإفك نزلت قبل آية حد القذف، ولم ~~يشرع بنزول آيات الإفك إلا براءة المقذوف مع عدم قيام الشهادة وتحريم القذف. # ولو كان حد القاذف مشروعا قبل حديث الإفك لم يكن هناك مجوز لتأخيره مدة ~~معتدا بها وانتظار الوحي ولا نجا منه قاذف منهم، ولو كان مشروعا مع نزول ~~آيات الإفك لأشير فيها إليه، ولا أقل باتصال الآيات بآية القذف، والعارف ~~بأساليب الكلام لا يرتاب في أن قوله: "إن الذين جاءوا بالإفك" الآيات ~~منقطعة عما قبلها. # ولو كان على من قذف أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حدان لأشير ~~إلى ذلك في خلال آيات الإفك بما فيها من التشديد واللعن والتهديد بالعذاب ~~على القاذفين. # ويتأكد الإشكال على تقدير نزول آية القذف مع نزول آيات الإفك فإن لازمه ~~أن يقع الابتلاء بحكم الحدين فينزل حكم الحد الواحد. # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قال في مؤمن ما رأته ms5605 عيناه وسمعته ~~أذناه فهو من الذين قال الله عز وجل: "إن الذين يحبون إلى قوله والآخرة":. ~~أقول: ورواه القمي في تفسيره، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام عنه (عليه ~~السلام) # والصدوق في الأمالي، بإسناده عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عنه (عليه ~~السلام)، والمفيد في الاختصاص، عنه (عليه السلام) مرسلا. # وفيه، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أذاع فاحشة كان كمبتدئها. # وفي المجمع،: قيل: إن قوله: "ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة" الآية، ~~نزلت في أبي بكر ومسطح بن أثاثة وكان ابن خالة أبي بكر، وكان من المهاجرين ~~ومن جملة البدريين وكان فقيرا، وكان أبو بكر يجري عليه ويقوم بنفقته فلما ~~خاض في الإفك قطعها وحلف أن لا ينفعه بنفع أبدا فلما نزلت الآية عاد أبو ~~بكر إلى ما كان، وقال: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، والله لا أنزعها ~~عنه أبدا: عن ابن عباس وعائشة وابن زيد. # وفيه،: وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا على أن لا يتصدقوا على رجل ~~تكلم بشيء من الإفك ولا يواسوهم: عن ابن عباس وغيره. أقول: ورواه في الدر ~~المنثور، عن ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس. PageV15P054 # وفي تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة - أن يؤتوا أولي القربى" ~~وهم قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله - وليعفوا وليصفحوا" يقول يعفو بعضكم عن بعض، ويصفح بعضكم بعضا ~~فإذا فعلتم كانت رحمة الله لكم، يقول الله عز وجل: "ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم والله غفور رحيم". # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ~~قال: ونزل بالمدينة "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا - وأولئك هم الفاسقون - ~~إلا ms5606 الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا - فإن الله غفور رحيم". فبرأه الله ما ~~كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالإيمان، قال الله عز وجل: "أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون" وجعله من أولياء إبليس قال: "إلا # إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه" وجعله ملعونا فقال: "إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات - لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم - بما كانوا يعملون". وليست تشهد ~~الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى ~~كتابه بيمينه، قال الله عز وجل: "فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون ~~كتابهم ولا يظلمون فتيلا" وفي المجمع،: في قوله تعالى: "الخبيثات للخبيثين ~~والخبيثون للخبيثات - والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات" الآية، قيل في ~~معناه أقوال إلى أن قال الثالث الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ~~والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء عن أبي مسلم والجبائي وهو المروي ~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). قالا: هي مثل قوله: "الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة" إلا أن أناسا هموا أن يتزوجوا منهن فنهاهم الله ~~عن ذلك وكره ذلك لهم. # وفي الخصال، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة قالا: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إذا طاب قلب المرء طاب جسده، وإذا خبث القلب خبث الجسد. # وفي الإحتجاج، عن الحسن بن علي (عليهما السلام): في حديث له مع معاوية ~~وأصحابه وقد نالوا من علي (عليه السلام): "الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات" هم والله يا معاوية أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك "والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات" إلى آخر الآية، هم علي بن أبي طالب وأصحابه وشيعته. PageV15P055 ### ||| AUTO 24 سورة النور - 27 - 34 # يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها ~~حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون ~~عليم (28) ليس عليكم ms5607 جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متع لكم والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم ويحفظوا فروجهم ~~ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ~~ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابائهن أو ءاباء بعولتهن أو أبنائهن أو ~~أبناء بعولتهن أو إخونهن أو بنى إخونهن أو بنى أخوتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمنهن أو التبعين غير أولى الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورت النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (31) وأنكحوا الأيمى منكم والصلحين من ~~عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله وسع عليم (32) ~~وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتب مما ملكت أيمنكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من مال الله ~~الذى ءاتاكم ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحيوة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكرههن غفور رحيم (33) ولقد ~~أنزلنا إليكم ءايت مبينت ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) ### |||| AUTO بيان # أحكام وشرائع متناسبة ومناسبة لما تقدم. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها" إلخ، الأنس بالشيء وإليه الألفة وسكون القلب ~~إليه، والاستيناس طلب ذلك بفعل يؤدي إليه كالاستيناس لدخول بيت بذكر الله ~~والتنحنح ونحو ذلك ليتنبه صاحب البيت أن هناك من يريد الدخول عليه فيستعد ~~لذلك فربما كان في حال لا يحب أن يراه عليها أحد أو يطلع عليها مطلع. # ومنه يظهر أن مصلحة هذا الحكم هو الستر على عورات الناس والتحفظ على ~~كرامة الإيمان فإذا استأنس الداخل عند إرادة الدخول على بيت غير بيته فأخبر ~~باستيناسه صاحب البيت بدخوله ثم دخل فسلم عليه فقد أعانه على ستر عورته، ~~وأعطاه الأمن من نفسه. ms5608 # ويؤدي الاستمرار على هذه السيرة الجميلة إلى استحكام الأخوة والألفة ~~والتعاون العام على إظهار الجميل والستر على القبيح وإليه الإشارة بقوله: ~~"ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون" أي لعلكم بالاستمرار على هذه السيرة تتذكرون ~~ما يجب عليكم رعايته وإحياؤه من سنة الأخوة وتألف القلوب التي تحتها كل ~~سعادة اجتماعية. # وقيل: إن قوله: "لعلكم تذكرون" تعليل لمحذوف والتقدير قيل لكم كذا لعلكم ~~تتذكرون مواعظ الله فتعملوا بموجبها، ولا بأس به. # وقيل: إن في قوله: "حتى تستأنسوا وتسلموا" تقديما وتأخيرا والأصل حتى ~~تسلموا وتستأنسوا. # وهو كما ترى. PageV15P056 # قوله تعالى: "فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم"... إلخ، أي ~~إن علمتم بعدم وجود أحد فيها - وهو الذي يملك الإذن - فلا تدخلوها حتى يؤذن ~~لكم من قبل من يملك الإذن، وليس المراد به أن يتطلع على البيت وينظر فيه ~~فإن لم ير فيه أحدا كف عن الدخول فإن السياق يشهد على أن المنع في الحقيقة ~~عن النظر والاطلاع على عورات الناس. # وهذه الآية تبين حكم دخول بيت الغير وليس فيه من يملك الإذن، والآية ~~السابقة تبين حكم الدخول وفيه من يملك الإذن ولا يمنع، وأما دخوله وفيه من ~~يملك الإذن ويمنع ولا يأذن فيه فيبين حكمه قوله تعالى: "وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم". # قوله تعالى: "ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم" ~~إلخ، ظاهر السياق كون قوله: "فيها متاع لكم" صفة بعد صفة لقوله: "بيوتا" لا ~~جملة مستأنفة معللة لقوله: "ليس عليكم جناح"، والظاهر أن المتاع بمعنى ~~الاستمتاع. # ففيه تجويز الدخول في بيوت معدة لأنواع الاستمتاع وهي غير مسكونة بالطبع ~~كالخانات والحمامات والأرحية ونحوها فإن كونها موضوعة للاستمتاع إذن عام في ~~دخولها. # وربما قيل: إن المراد بالمتاع المعنى الاسمي وهو الأثاث والأشياء ~~الموضوعة للبيع والشرى كما في بيوت التجارة والحوانيت فإنها مأذونة في ~~دخولها إذنا عاما ولا يخلو من بعد لقصور اللفظ. # قوله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ms5609 ذلك أزكى لهم ~~إن الله خبير بما يصنعون" الغض إطباق الجفن، على الجفن والأبصار جمع بصر ~~وهو العضو الناظر، ومن هنا يظهر أن "من" في "من أبصارهم" لابتداء الغاية لا ~~مزيدة ولا للجنس ولا للتبعيض كما قال بكل قائل، والمعنى يأتوا بالغض آخذا ~~من أبصارهم. # فقوله: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" لما كان "يغضوا" مترتبا على # قوله: "قل" ترتب جواب الشرط عليه دل ذلك على كون القول بمعنى الأمر ~~والمعنى مرهم يغضوا من أبصارهم والتقدير مرهم بالغض إنك إن تأمرهم به ~~يغضوا، والآية أمر بغض الأبصار وإن شئت فقل: نهي عن النظر إلى ما لا يحل ~~النظر إليه من الأجنبي والأجنبية لمكان الإطلاق. # وقوله: "ويحفظوا فروجهم" أي ومرهم يحفظوا فروجهم، والفرجة والفرج الشق ~~بين الشيئين، وكنى به عن السوأة، وعلى ذلك جرى استعمال القرآن المليء أدبا ~~وخلقا ثم كثر استعماله فيها حتى صار كالنص كما ذكره الراغب. # والمقابلة بين قوله: "يغضوا من أبصارهم" و"يحفظوا فروجهم" يعطي أن المراد ~~بحفظ الفروج سترها عن النظر لا حفظها عن الزنا واللواطة كما قيل، وقد ورد ~~في الرواية عن الصادق (عليه السلام): أن كل آية في القرآن في حفظ الفروج ~~فهي من الزنا إلا هذه الآية فهي من النظر. # وعلى هذا يمكن أن تتقيد أولى الجملتين بثانيتهما ويكون مدلول الآية هو ~~النهي عن النظر إلى الفروج والأمر بسترها. # ثم أشار إلى وجه المصلحة في الحكم وحثهم على المراقبة في جنبه بقوله: ~~"ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون". # قوله تعالى: "وقل للمؤمنات يغضضن" إلخ، الكلام في قوله: "وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن" نظير ما مر في قوله: "قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم ويحفظوا فروجهم" فلا يجوز لهن النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه ~~ويجب عليهن ستر العورة عن الأجنبي والأجنبية. # وأما قوله: "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" فالإبداء الإظهار، ~~والمراد بزينتهن مواضع الزينة لأن نفس ما يتزين به كالقرط والسوار لا يحرم ~~إبداؤها فالمراد بإبداء الزينة إبداء مواضعها ms5610 من البدن. # وقد استثنى الله سبحانه منها ما ظهر، وقد وردت الرواية أن المراد بما ظهر ~~منها الوجه والكفان والقدمان كما سيجيء إن شاء الله. # وقوله: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" الخمر بضمتين جمع خمار وهو ما تغطي ~~به المرأة رأسها وينسدل على صدرها، والجيوب جمع جيب بالفتح فالسكون وهو ~~معروف والمراد بالجيوب الصدور، والمعنى وليلقين بأطراف مقانعهن على صدورهن ~~ليسترنها بها. # وقوله: "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن - إلى قوله - أو بني أخواتهن" ~~البعولة هم أزواجهن، والطوائف السبع الأخر محارمهن من جهة النسب والسبب، ~~وأجداد البعولة حكمهم حكم آبائهم وأبناء أبناء البعولة حكمهم حكم الأبناء. PageV15P057 # وقوله: "أو نسائهن" في الإضافة إشارة إلى أن المراد بهن المؤمنات من النساء ~~فلا يجوز لهن التجرد لغيرهن من النساء وقد وردت به الروايات عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام). # وقوله: "أو ما ملكت أيمانهن" إطلاقه يشمل العبيد والإماء، وقد وردت به ~~الرواية كما سيأتي إن شاء الله، وهذا من موارد استعمال "ما" في أولي العقل. # وقوله: "أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال" الإربة هي الحاجة، ~~والمراد به الشهوة التي تحوج إلى الازدواج، و"من الرجال" بيان للتابعين، ~~والمراد بهم كما تفسره الروايات البله المولى عليهم من الرجال ولا شهوة لهم. # وقوله: "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء" أي جماعة الأطفال - ~~واللام للاستغراق - الذين لم يقووا ولم يظهروا - من الظهور بمعنى الغلبة - ~~على أمور يسوء التصريح بها من النساء، وهو - كما قيل - كناية عن البلوغ. # وقوله: "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن" ذلك بتصوت أسباب ~~الزينة كالخلخال والعقد والقرط والسوار. # وقوله: "وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" المراد ~~بالتوبة - على ما يعطيه السياق - الرجوع إليه تعالى بامتثال أوامره ~~والانتهاء عن نواهيه وبالجملة اتباع سبيله. # قوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم" الإنكاح # التزويج، والأيامى جمع أيم بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة وهو الذكر ~~الذي لا أنثى معه والأنثى التي لا ذكر معها وقد يقال في المرأة أيمة، ~~والمراد ms5611 بالصالحين الصالحون للتزويج لا الصالحون في الأعمال. # وقوله: "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وعد جميل بالغنى وسعة الرزق ~~وقد أكده بقوله: "والله واسع عليم" والرزق يتبع صلاحية المرزوق بمشية من ~~الله سبحانه، وسيوافيك إن شاء الله في تفسير قوله تعالى: "فورب السماء ~~والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون": الذاريات: 23 كلام في معنى سعة الرزق. # قوله تعالى: "وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله" ~~الاستعفاف والتعفف قريبا المعنى، والمراد بعدم وجدان النكاح عدم القدرة على ~~المهر والنفقة، ومعنى الآية الأمر بالتعفف لمن لا يقدر على النكاح والتحرز ~~عن الوقوع في الزنا حتى يغنيه الله من فضله. # قوله تعالى: "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا" إلخ المراد بالكتاب المكاتبة، وابتغاء المكاتبة أن يسأل العبد ~~مولاه أن يكاتبه على إيتائه المولى مالا على أن يعتقه، وفي الآية أمر ~~للموالي بإجابتهم إن علموا فيهم خيرا وهو كناية عن إحراز صلاحيتهم لذلك. # وقوله: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" إشارة إلى إيتائهم مال المكاتبة ~~من الزكاة المفروضة فسهم من سهام الزكاة لهم، كما قال تعالى: "وفي الرقاب": ~~التوبة: 60 أو إسقاط شيء من مال المكاتبة. # وفي هذه الآية والآيات السابقة مباحث فقهية جمة ينبغي أن يراجع فيها كتب الفقه. # قوله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا الفتيات ~~الإماء والولائد، والبغاء الزنا وهو مفاعلة من البغي، والتحصن التعفف ~~والازدواج وابتغاء عرض الحياة الدنيا طلب المال، والمعنى ظاهر. # وإنما اشترط النهي عن الإكراه بإرادة التحصن لأن الإكراه لا يتحقق في من ~~لا يريد التحصن، ثم وعدهن المغفرة على تقدير الإكراه بقوله: "ومن يكرههن ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" ومعناه ظاهر. # قوله تعالى: "ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم وموعظة للمتقين" المثل الصفة ومن الممكن أن يكون قوله: "ولقد أنزلنا" ~~إلخ، حالا من فاعل قوله: "توبوا" في الآية السابقة أو استينافا والمعنى ~~وأقسم لقد أنزلنا إليكم ms5612 آيات تبين لكم من معارف الدين ما تفلحون به، وصفة ~~من السابقين أخيارهم وأشرارهم يتميز بها لكم ما ينبغي أن تأخذوا به مما ~~ينبغي لكم أن تجتنبوا، وموعظة للمتقين منكم. PageV15P058 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله عز وجل: "لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم - حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها" قال: الاستيناس وقع النعل والتسليم:. أقول: ~~ورواه الصدوق في معاني الأخبار، عن محمد بن الحسن مرفوعا عن عبد الرحمن عنه ~~(عليه السلام). # وفي المجمع، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا: يا رسول الله ما الاستيناس؟ ~~قال يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح على أهل البيت. # وعن سهل بن سعد قال: اطلع رجل في حجرة من حجر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه مدرى يحك رأسه: ~~لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك إنما الاستيذان من النظر. # وروي: أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أستأذن على أمي؟ ~~فقال: نعم. قال # إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها ~~عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن عليها. # وروي: أن رجلا استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتنحنح ~~فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لامرأة يقال لها: روضة: قومي إلى هذا ~~فعلميه وقولي له: قل السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها فقال: ادخل. # أقول: وروي في الدر المنثور، عن جمع من أصحاب الجوامع الرواية الأولى عن ~~أبي أيوب، والثانية عن سهل بن سعد والرابعة عن عمرو بن سعد الثقفي. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن الاستيذان في البيوت فقال: من دخلت عينه ~~قبل أن يستأذن ويسلم فقد عصى الله ولا إذن له. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فإن لم تجدوا فيها أحدا ms5613 - فلا تدخلوها ~~حتى يؤذن لكم" قال: معناه وإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى ~~يؤذن لكم. # وفيه،: في قوله تعالى: "ليس عليكم جناح أن تدخلوا - بيوتا غير مسكونة ~~فيها متاع لكم" قال الصادق (عليه السلام): هي الحمامات والخانات والأرحية ~~تدخلها بغير إذن. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في حديث يذكر فيه ما فرض الله على الجوارح. قال: وفرض على البصر أن لا ينظر ~~إلى ما حرم الله عليه، وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو عمله ~~وهو من الإيمان. فقال تبارك وتعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم" فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ ~~فرجه أن ينظر إليه، وقال: "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن" ~~من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليه. وقال: كل ~~شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فهو من النظر:. # أقول: وروى القمي في تفسيره، ذيل الحديث عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي ~~بصير عنه (عليه السلام)، وروي مثله عن أبي العالية وابن زيد. # وفي الكافي، بإسناده عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن فنظر ~~إليها وهي مقبلة فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سماه ببني فلان، وجعل ~~ينظر خلفها، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه فلما مضت المرأة ~~نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال: والله لآتين رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولأخبرنه. قال: فأتاه فلما رآه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال له: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل بهذه الآية "قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم - ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون":. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن علي ms5614 بن أبي طالب ~~مثله، وظاهر الحديث أن المراد بالأمر بالغض في الآية النهي عن مطلق النظر ~~إلى الأجنبية، كما أن ظاهر بعض الروايات السابقة أنه نهي عن النظر إلى فرج ~~الغير خاصة. # وفيه، بإسناده عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قلت له: ما يحل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما؟ قال: ~~الوجه والكفان والقدمان. # أقول: ورواه في الخصال، عن بعض أصحابنا عنه (عليه السلام) ولفظه: الوجه ~~والكفين والقدمين. PageV15P059 # وفي قرب الإسناد، للحميري عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه ~~السلام) قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا ~~تحل له؟ قال: الوجه والكف وموضع السوار. # وفي الكافي، بإسناده عن عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: لا بأس بالنظر إلى رءوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد ~~والعلوج لأنهم إذا نهوا لا ينتهون. # قال: والمجنونة والمغلوبة على عقلها، ولا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما ~~لم يتعمد ذلك. # أقول: كأنه (عليه السلام) يريد بقوله: ما لم يتعمد ذلك، الريبة. # وفي الخصال،: وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام): يا علي أول نظرة لك والثانية عليك لا لك أقول: وروي مثله في الدر ~~المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن بريدة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ولفظه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: لا تتبع النظرة ~~النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة. # وفي جوامع الجامع، عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال: ~~احتجبا، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟ ~~ألستما تبصرانه؟: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن أبي داود والترمذي ~~والنسائي والبيهقي عنها. # وفي الفقيه، وروى حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ~~ينبغي ms5615 للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فإنهن يصفن ذلك ~~لأزواجهن. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أو ما ملكت أيمانهن" وقيل: معناه العبيد ~~والإماء: وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألته عن غير ~~أولي الإربة من الرجال. قال: الأحمق المولى عليه الذي لا يأتي النساء. # وفيه، بإسناده عن محمد بن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ترك التزويج مخافة العيلة فقد ~~أساء ظنه بالله عز وجل إن الله يقول "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله". # أقول: وفي المعاني السابقة روايات كثيرة جدا عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) من أرادها فليراجع كتب الحديث. # وفي الفقيه، روى العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قول الله عز # وجل: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" قال: الخير أن يشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، ويكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفة. # أقول: وفي معناه روايات أخر. # وفي الكافي، بإسناده عن العلاء بن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: في قوله عز وجل: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا - وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم" قال: تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه، ولا تزيد ~~فوق ما في نفسك. فقلت: كم؟ فقال: وضع أبو جعفر (عليه السلام) عن مملوك ألفا ~~من ستة آلاف. # أقول: وروي في مجمع البيان، وكذا في الدر المنثور، عن علي (عليه السلام) ~~ربع المال، والمستفاد من ظواهر الأخبار عدم تعين مقدار معين ذي نسبة. # وقد تقدمت في ذيل قوله وفي الرقاب": التوبة: 60 الجزء التاسع من الكتاب ~~رواية العياشي أن المكاتب يؤتى من سهم الرقاب من الزكاة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا"، قال: كانت العرب وقريش يشترون الإماء ويضعون عليهن الضريبة ms5616 ~~الثقيلة ويقولون: اذهبن وازنين واكتسبن فنهاهم الله عن ذلك فقال ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء" إلى قوله غفور رحيم" أي لا يؤاخذهن الله تعالى بذلك ~~إذا أكرهن عليه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا" قيل: إن عبد ~~الله بن أبي كانت له ست جوار يكرههن على الكسب بالزنا، فلما نزل تحريم ~~الزنا أتين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكون إليه فنزلت الآية. PageV15P060 # أقول: أما أنه كان له من الجواري من يكرههن على الزنا فقد وردت فيه روايات ~~رواها في الدر المنثور، كما روى هذه الرواية، وأما كون ذلك بعد نزول تحريم ~~الزنا فيضعفه أن الزنا لم يحرم في المدينة بل في مكة قبل الهجرة بل كانت ~~حرمته من ضروريات الإسلام منذ ظهرت الدعوة الحقة، وقد تقدم في تفسير سورة ~~الأنعام أن حرمة الفواحش ومنها الزنا من الأحكام العامة التي لا تختص ~~بشريعة دون شريعة. PageV15P061 ### ||| AUTO 24 سورة النور - 35 - 46 # الله نور السموت والأرض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح فى زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مبركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد ~~زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب ~~الله الأمثل للناس والله بكل شىء عليم (35) فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال (36) رجال لا تلهيهم تجرة ولا بيع ~~عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصر (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من ~~يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ~~(39) أو كظلمت فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمت بعضها ~~فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~(40) ألم تر أن الله يسبح ms5617 له من فى السموت والأرض والطير صفت كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السموت والأرض وإلى ~~الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصر (43) يقلب الله اليل ~~والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصر (44) والله خلق كل دابة من ماء فمنهم ~~من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع يخلق ~~الله ما يشاء إن الله على كل شىء قدير (45) لقد أنزلنا ءايت مبينت والله ~~يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم (46) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات مقايسة بين المؤمنين بحقيقة الإيمان والكفار، تميز المؤمنين ~~منهم بأن المؤمنين مهديون بأعمالهم الصالحة إلى نور من ربهم يفيدهم معرفة ~~الله سبحانه ويسلك بهم إلى أحسن الجزاء والفضل من الله تعالى يوم ينكشف عن ~~قلوبهم وأبصارهم الغطاء، والكفار لا تسلك بهم أعمالهم إلا إلى سراب لا ~~حقيقة له، وهم في ظلمات بعضها فوق بعض ولم يجعل الله لهم نورا فما لهم من نور. # وقد بين سبحانه هذه الحقيقة بأن له تعالى نورا عاما تستنير به السماوات ~~والأرض فتظهر به في الوجود بعد ما لم تكن ظاهرة فيه، فمن البين أن ظهور شيء ~~بشيء يستدعي كون المظهر ظاهرا بنفسه والظاهر بذاته المظهر لغيره هو النور ~~فهو تعالى نور يظهر السماوات والأرض بإشراقه عليها كما أن الأنوار الحسية ~~تظهر الأجسام # الكثيفة للحس بإشراقها عليها غير أن ظهور الأشياء بالنور الإلهي عين ~~وجودها وظهور الأجسام الكثيفة بالأنوار الحسية غير أصل وجودها. # ونورا خاصا يستنير به المؤمنون ويهتدون إليه بأعمالهم الصالحة وهو نور ~~المعرفة الذي سيستنير به قلوبهم وأبصارهم يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ~~فيهتدون به إلى سعادتهم الخالدة فيشاهدون فيه شهود عيان ما كان في غيب عنهم ~~في الدنيا، ومثل تعالى هذا النور بمصباح في زجاجة ms5618 في مشكاة يشتعل من زيت في ~~نهاية الصفاء فتتلألأ الزجاجة كأنها كوكب دري فتزيد نورا على نور، والمصباح ~~موضوع في بيوت العبادة التي يسبح الله فيها رجال من المؤمنين لا تلهيهم عن ~~ذكر ربهم وعبادته تجارة ولا بيع. PageV15P062 # فهذه صفة ما أكرم الله به المؤمنين من نور معرفته المتعقب للسعادة الخالدة، ~~وحرمه على الكافرين وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فخص من اشتغل بربه وأعرض عن ~~عرض الحياة الدنيا بنور من عنده، والله يفعل ما يشاء له الملك وإليه المصير ~~يحكم بما أراد ينزل الودق والبرد من سحاب واحد، ويقلب الليل والنهار، ويجعل ~~من الحيوان من يمشي على بطنه ومن يمشي على رجلين ومن يمشي على أربع وقد خلق ~~الكل من ماء. # والآيات غير فاقدة للاتصال بما قبلها لما أن بيان الأحكام والشرائع فيما ~~تقدم انتهى إلى مثل قوله: "ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين ~~خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين" والبيان إظهار لحقائق المعارف فهو تنوير إلهي. # على أن الآيات قرآن وقد سمى سبحانه القرآن في مواضع من كلامه نورا كقوله: ~~"وأنزلنا إليكم نورا مبينا": النساء: 174. # قوله تعالى: "الله نور السماوات والأرض" إلى آخر الآية. # المشكاة على ما ذكره الراغب وغيره: كوة غير نافذة وهي ما يتخذ في جدار ~~البيت من الكو لوضع بعض الأثاث كالمصباح وغيره عليه وهو غير الفانوس. # والدري: من الكواكب العظيم الكثير النور، وهو معدود في السماء، والإيقاد: ~~الإشعال، والزيت: الدهن المتخذ من الزيتون. # وقوله: "الله نور السماوات والأرض" النور معروف وهو الذي يظهر به الأجسام ~~الكثيفة لأبصارنا فالأشياء ظاهرة به وهو ظاهر مكشوف لنا بنفس ذاته فهو ~~الظاهر بذاته المظهر لغيره من المحسوسات للبصر. # هذا أول ما وضع عليه لفظ النور ثم عمم لكل ما ينكشف به شيء من المحسوسات ~~على نحو الاستعارة أو الحقيقة الثانية فعد كل من الحواس نورا أو ذا نور ~~يظهر به محسوساته كالسمع والشم والذوق واللمس. # ثم عمم لغير المحسوس فعد العقل نورا يظهر به المعقولات كل ذلك بتحليل ms5619 ~~معنى النور المبصر إلى الظاهر بذاته المظهر لغيره. # وإذ كان وجود الشيء هو الذي يظهر به نفسه لغيره من الأشياء كان مصداقا ~~تاما للنور، ثم لما كانت الأشياء الممكنة الوجود إنما هي موجودة بإيجاد ~~الله تعالى كان هو المصداق الأتم للنور فهناك وجود ونور يتصف به الأشياء ~~وهو وجودها ونورها المستعار المأخوذ منه تعالى ووجود ونور قائم بذاته يوجد ~~ويستنير به الأشياء. # فهو سبحانه نور يظهر به السماوات والأرض، وهذا هو المراد بقوله: "الله ~~نور السماوات والأرض" حيث أضيف النور إلى السماوات والأرض ثم حمل على اسم ~~الجلالة، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول من قال: إن المعنى الله منور السماوات ~~والأرض، وعمدة الغرض منه أن ليس المراد بالنور النور المستعار القائم بها ~~وهو الوجود الذي يحمل عليها تعالى الله عن ذلك وتقدس. # ومن ذلك يستفاد أنه تعالى غير مجهول لشيء من الأشياء إذ ظهور كل شيء ~~لنفسه أو لغيره إنما هو عن إظهاره تعالى فهو الظاهر بذاته له قبله، وإلى ~~هذه الحقيقة يشير قوله تعالى بعد آيتين: "ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه" إذ لا معنى للتسبيح ~~والعلم به وبالصلاة مع الجهل بمن يصلون له ويسبحونه فهو نظير قوله: "وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44، وسيوافيك البحث ~~عنه إن شاء الله. # فقد تحصل أن المراد بالنور في قوله: "الله نور السماوات والأرض" نوره ~~تعالى من حيث يشرق منه النور العام الذي يستنير به كل شيء وهو مساو لوجود ~~كل شيء وظهوره في نفسه ولغيره وهي الرحمة العامة. # وقوله: "مثل نوره" يصف تعالى نوره، وإضافة النور إلى الضمير الراجع إليه ~~تعالى - وظاهره الإضافة اللامية - دليل على أن المراد ليس هو وصف النور ~~الذي هو الله بل النور المستعار الذي يفيضه، وليس هو النور العام المستعار ~~الذي يظهر به كل شيء وهو الوجود الذي يستفيضه منه الأشياء وتتصف، به ~~والدليل عليه قوله بعد تتميم المثل: ms5620 "يهدي الله لنوره من يشاء" إذ لو كان ~~هو النور العام لم يختص به شيء دون شيء بل هو نوره الخاص بالمؤمنين بحقيقة ~~الإيمان على ما يفيده الكلام. PageV15P063 # وقد نسب تعالى في سائر كلامه إلى نفسه نورا كما في قوله: "يريدون ليطفئوا ~~نور الله بأفواههم والله متم نوره": الصف: 8، وقوله: "أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها": الأنعام: 122 وقوله: "يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون ~~به": الحديد: 28، وقوله: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه": ~~الزمر: 22، وهذا هو النور الذي يجعله الله لعباده المؤمنين يستضيئون به في ~~طريقهم إلى ربهم وهو نور الإيمان والمعرفة. # وليس المراد به القرآن كما قاله بعضهم فإن الآية تصف حال عامة المؤمنين ~~قبل نزول القرآن وبعده. # على أن هذا النور وصف لهم يتصفون به كما يشير إليه قوله: "لهم أجرهم ~~ونورهم": الحديد: 19 وقوله: "يقولون ربنا أتمم لنا نورنا": التحريم: 8، ~~والقرآن ليس وصفا لهم وإن لوحظ باعتبار ما يكشف عنه من المعارف رجع إلى ما قلناه. # وقوله: "كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة" المشبه به مجموع ما ذكر من ~~قوله مشكاة فيها مصباح المصباح "إلخ" لا مجرد المشكاة وإلا فسد المعنى، ~~وهذا كثير في تمثيلات القرآن. # وقوله: "الزجاجة كأنها كوكب دري" تشبيه الزجاجة بالكوكب الدري من جهة ~~ازدياد لمعان نور المصباح وشروقه بتركيب الزجاجة على المصباح فتزيد الشعلة ~~بذلك سكونا من غير اضطراب بتموج الأهوية وضرب الرياح فهي كالكوكب الدري في ~~تلألؤ نورها وثبات شروقها. # وقوله: "يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ~~ولو لم تمسسه نار" خبر بعد خبر للمصباح أي المصباح يشتعل آخذا اشتعاله من ~~شجرة مباركة زيتونة أي إنه يشتعل من دهن زيت مأخوذ منها، والمراد بكون ~~الشجرة لا شرقية ولا غربية أنها ليست نابتة في الجانب الشرقي ولا في الجانب ~~الغربي حتى تقع الشمس عليها في أحد طرفي النهار ms5621 ويفيء الظل عليها في الطرف ~~الآخر فلا تنضج ثمرتها فلا يصفو الدهن المأخوذ منها فلا تجود الإضاءة بل هي ~~ضاحية تأخذ من الشمس حظها طول النهار فيجود دهنها لكمال نضج ثمرتها. # والدليل على هذا المعنى قوله: "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار" فإن ~~ظاهر السياق أن المراد به صفاء الدهن وكمال استعداده للاشتعال وأن ذلك ~~متفرع على الوصفين: لا شرقية ولا غربية. # وأما قول بعضهم: إن المراد بقوله: "لا شرقية ولا غربية" أنها ليست من شجر ~~الدنيا حتى تنبت إما في شرق أو في غرب، وكذا قول آخرين: إن المراد أنها ~~ليست من شجر شرق المعمورة ولا من شجر غربها بل من شجر الشام الواقع بين ~~الشرق والغرب وزيته أفضل الزيت فغير مفهوم من السياق. # وقوله: "نور على نور" خبر لمبتدإ محذوف وهو ضمير راجع إلى نور الزجاجة ~~المفهوم من السياق، والمعنى نور الزجاجة المذكور نور عظيم على نور كذلك أي ~~في كمال التلمع. # والمراد من كون النور على النور قيل: هو تضاعف النور لا تعدده فليس ~~المراد به أنه نور معين أو غير معين فوق نور آخر مثله، ولا أنه مجموع نورين ~~اثنين فقط بل أنه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه وهذا التعبير شائع في ~~الكلام. # وهذا معنى لا يخلو من جودة وإن كان إرادة التعدد أيضا لا تخلو من لطف ~~ودقة فإن للنور الشارق من المصباح نسبة إليه بالأصالة والحقيقة ونسبة إلى ~~الزجاجة التي عليه بالاستعارة والمجاز، ويتغاير النور بتغاير النسبتين ~~ويتعدد بتعددهما وإن لم يكن بحسب الحقيقة إلا للمصباح والزجاجة صفر الكف ~~منه فللزجاجة بالنظر إلى تعدد النسب نور غير نور المصباح وهو قائم به ~~ومستمد منه. # وهذا الاعتبار جار بعينه في الممثل له فإن نور الإيمان والمعرفة نور ~~مستعار مشرق على قلوب المؤمنين مقتبس من نوره تعالى قائم به مستمد منه. # فقد تحصل أن الممثل له هو نور الله المشرق على قلوب المؤمنين والمثل هو ~~المشبه به النور المشرق من زجاجة على مصباح موقد ms5622 من زيت جيد صاف وهو موضوع ~~في مشكاة فإن نور المصباح المشرق من الزجاجة والمشكاة تجمعه وتعكسه على ~~المستنيرين به يشرق عليهم في نهاية القوة والجودة. PageV15P064 # فأخذ المشكاة للدلالة على اجتماع النور في بطن المشكاة وانعكاسه إلى جو ~~البيت، واعتبار كون الدهن من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية للدلالة على ~~صفاء الدهن وجودته المؤثر في صفاء النور المشرق عن اشتعاله وجودة الضياء ~~على ما يدل عليه كون زيته يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، واعتبار كون النور ~~على النور للدلالة على تضاعف النور أو كون الزجاجة مستمدة من نور المصباح ~~في إنارتها. # وقوله: "يهدي الله لنوره من يشاء" استئناف يعلل به اختصاص المؤمنين بنور ~~الإيمان والمعرفة وحرمان غيرهم، فمن المعلوم من السياق أن المراد بقوله: ~~"من يشاء" القوم الذين ذكرهم بقوله بعد: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله" إلخ، فالمراد بمن يشاء المؤمنون بوصف كمال إيمانهم. # والمعنى: أن الله إنما هدى المتلبسين بكمال الإيمان إلى نوره دون ~~المتلبسين بالكفر - الذين سيذكرهم بعد - لمجرد مشيته، وليس المعنى أن الله ~~يهدي بعض الأفراد إلى نوره دون بعض بمشيته ذلك حتى يحتاج في تتميمه إلى ~~القول بأنه إنما يشاء الهداية إذا استعد المحل إلى الهداية بحسن السريرة، ~~والسيرة وذلك مما يختص به أهل الإيمان دون أهل الكفر فافهمه. # والدليل على ذلك ما سيأتي من قوله: "ولله ملك السماوات والأرض" إلى آخر ~~الآيات بالبيان الآتي إن شاء الله. # وقوله: "ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم" إشارة إلى أن ~~المثل المضروب تحته طور من العلم، وإنما اختير المثل لكونه أسهل الطرق ~~لتبيين الحقائق والدقائق ويشترك فيه العالم والعامي فيأخذ منه كل ما قسم ~~له، قال تعالى: # "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون": العنكبوت: 43. # قوله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه" الإذن في الشيء ~~هو إعلام ارتفاع المانع عن فعله، والمراد بالرفع رفع القدر والمنزلة وهو ~~التعظيم، وإذ كانت العظمة والعلو لله تعالى لا ms5623 يشاركه في ذلك غيره إلا أن ~~ينتسب إليه، وبمقدار ما ينتسب إليه فالإذن منه تعالى في أن ترفع هذه البيوت ~~إنما هو لانتساب ما منها إليه. # وبذلك يظهر أن السبب لرفعها هو ما عطف عليه من ذكر اسمه فيها، والسياق ~~يدل على الاستمرار أو التهيؤ له فيعود المعنى إلى مثل قولنا: "أن يذكر فيها ~~اسمه فيرتفع قدرها بذلك". # وقوله: "في بيوت" متعلق بقوله في الآية السابقة: "كمشكوة" أو قوله: "يهدي ~~الله" إلخ، والمال واحد، ومن المتيقن من هذه البيوت المساجد فإنها معدة ~~لذكر اسمه فيها ممحضة لذلك، وقد قال تعالى: "ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا": الحج: 40. # قوله تعالى: "يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال" إلى آخر الآية. # تسبيحه تعالى تنزيهه عن كل ما لا يليق بساحة قدسه، والغدو جمع غداة وهو ~~الصبح والآصال جمع أصيل وهو العصر، والإلهاء صرف الإنسان عما يعنيه ويهمه، ~~والتجارة على ما قاله الراغب: التصرف في رأس المال طلبا للربح. # قال: وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ. # والبيع على ما قال: إعطاء المثمن وأخذ الثمن، وقلب الشيء على ما ذكره صرف ~~الشيء من وجه إلى وجه، والتقليب مبالغة فيه والتقلب قبوله فتقلب القلوب ~~والأبصار تحول منها من وجه من الإدراك إلى وجه آخر. # وقوله: "يسبح له فيها بالغدو والآصال" صفة لبيوت أو استئناف لبيان قوله: ~~"ويذكر فيها اسمه"، وكون التسبيح بالغدو والآصال كناية عن استمرارهم فيه لا ~~أن التسبيح مقصور في الوقتين لا يسبح له في غيرهما. # والاكتفاء بالتسبيح من غير ذكر التحميد معه لأنه تعالى معلوم بجميع صفاته ~~الكمالية لا سترة عليه إذ المفروض أنه نور والنور هو الظاهر بذاته المظهر ~~لغيره وإنما يحتاج خلوص المعرفة إلى نفي النقائص عنه وتنزيهه عما لا يليق ~~به فإذا تم التسبيح لم # يبق معه غيره وتمت المعرفة ثم إذا تمت المعرفة وقع الثناء والحمد ~~وبالجملة التوصيف بصفات الكمال موقعه بعد حصول المعرفة كما قال تعالى: ~~"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات: ms5624 160، فنزهه عما ~~يصفونه به إلا ما وصفه به من أخلصهم لنفسه من عباده، وقد تقدم في تفسير ~~سورة الحمد كلام في معنى حمده تعالى. PageV15P065 # وببيان آخر حمده تعالى وهو ثناؤه بصفة الكمال مساوي لحصول نور المعرفة ~~وتسبيحه وهو التنزيه بنفي ما لا يليق به عنه مقدمة لحصوله، والآية في مقام ~~بيان خصالهم التي تستدعي هدايتهم إلى نوره فلا جرم اقتصر فيها بذكر ما هي ~~المقدمة وهو التسبيح، فافهم ذلك. # وقوله: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع" التجارة إذا قوبلت بالبيع كان ~~المفهوم منها بحسب العرف الاستمرار في الاكتساب بالبيع والشراء والبيع هو ~~العمل الاكتسابي الدفعي فالفرق بينهما هو الفرق بين الدفعة والاستمرار ~~فمعنى نفي البيع بعد نفي التجارة مع كونه منفيا بنفيها الدلالة على أنهم لا ~~يلهون عن ربهم في مكاسبهم دائما ولا في وقت من الأوقات، وبعبارة أخرى لا ~~تنسيهم ربهم تجارة مستمرة ولا بيع ما من البيوع التي يوقعونها مدة تجارتهم. # وقيل: الوجه في نفي البيع بعد نفي إلهاء التجارة أن الربح في البيع ناجز ~~بالفعل بخلاف التجارة التي هي الحرفة، فعدم إلهاء التجارة لا يستلزم عدم ~~إلهاء البيع الرابح بالفعل، ولذلك نفى البيع ثانيا بعد نفي إلهاء التجارة ~~ولذلك كررت لفظة "لا" لتذكير النفي وتأكيده، وهو وجه حسن. # وقوله: "عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" الإقام هو الإقامة بحذف ~~التاء تخفيفا. # والمراد بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة الإتيان بجميع الأعمال الصالحة التي ~~كلف الله تعالى عباده بإتيانها في حياتهم الدنيا، وإقامة الصلاة ممثلة ~~لإتيان ما للعبد من وظائف العبودية مع الله سبحانه، وإيتاء الزكاة ممثل ~~لوظائفه مع الخلق وذلك لكون كل منها ركنا في بابه. # والمقابلة بين ذكر الله وبين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهما - وخاصة ~~الصلاة - # من ذكر الله يعطي أن يكون المراد بذكر الله الذكر القلبي الذي يقابل ~~النسيان والغفلة وهو ذكر علمي كما أن أمثال الصلاة والزكاة ذكر عملي. # فالمقابلة المذكورة تعطي أن المراد بقوله: "عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة" أنهم لا ms5625 يشتغلون بشيء عن ذكرهم المستمر بقلوبهم لربهم ~~وذكرهم الموقت بأعمالهم من الصلاة والزكاة، وعند ذلك يظهر حسن التقابل بين ~~التجارة والبيع وبين ذكر الله وإقام الصلاة إلخ، لرجوع المعنى إلى أنهم لا ~~يلهيهم مله مستمر ولا موقت عن الذكر المستمر والموقت، فافهم ذلك. # وقوله: "يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار" هذا هو يوم القيامة، ~~والمراد بالقلوب والأبصار ما يعم قلوب المؤمنين والكافرين وأبصارهم لكون ~~القلوب والأبصار جمعا محلى باللام وهو يفيد العموم. # وأما تقلب القلوب والأبصار فالآيات الواصفة لشأن يوم القيامة تدل على أنه ~~بظهور حقيقة الأمر وانكشاف الغطاء كما قال تعالى: "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد": ق: 22، وقال: "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون: الزمر: ~~47، إلى غير ذلك من الآيات. # فتنصرف القلوب والأبصار يومئذ عن المشاهدة والرؤية الدنيوية الشاغلة عن ~~الله الساترة للحق والحقيقة إلى سنخ آخر من المشاهدة والرؤية وهو الرؤية ~~بنور الإيمان والمعرفة فيتبصر المؤمن بنور ربه وهو نور الإيمان والمعرفة ~~فينظر إلى كرامة الله، ويعمى الكافر ولا يجد إلا ما يسوؤه قال تعالى: ~~"وأشرقت الأرض بنور ربها،": الزمر: 69 وقال: "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم": الحديد: 12، وقال: "ومن كان في هذه أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى": الإسراء: 72، وقال: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة": القيامة: 23 وقال: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15. # وقد تبين بما مر: أولا: وجه اختصاص هذه الصفة أعني تقلب القلوب والأبصار ~~من بين أوصاف يوم القيامة بالذكر وذلك أن الكلام مسوق لبيان ما يتوسل به ~~إلى هدايته تعالى إلى # نوره وهو نور الإيمان والمعرفة الذي يستضاء به يوم القيامة ويبصر به. # وثانيا: أن المراد بالقلوب والأبصار النفوس وبصائرها. # وثالثا: أن توصيف اليوم بقوله: "تتقلب فيه القلوب والأبصار" لبيان سبب ~~الخوف فهم إنما يخافون اليوم لما فيه من تقلب القلوب والأبصار، وإنما ~~يخافون هذا التقلب لما في أحد شقيه من الحرمان من نور الله والنظر إلى ~~كرامته وهو الشقاء الدائم والعذاب الخالد وفي الحقيقة ms5626 يخافون أنفسهم. PageV15P066 # قوله تعالى: "ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من ~~يشاء بغير حساب" الظاهر أن لام "ليجزيهم" للغاية، والذي ذكره الله في خلال ~~الكلام هو أعمالهم الصالحة والأجر الجميل على كل صالح مما ينص عليه كلامه ~~تعالى فقوله: إنه يجزيهم أحسن ما عملوا معناه أنه يجزيهم بإزاء عملهم في كل ~~باب جزاء أحسن عمل في ذلك الباب، ومرجع ذلك إلى أنه تعالى يزكي أعمالهم فلا ~~يناقش فيها بالمؤاخذة في جهات توجب نقصها وانحطاط قدرها فيعد الحسن منها أحسن. # ويؤيد هذا المعنى قوله في ذيل الآية: "والله يرزق من يشاء بغير حساب" فإن ~~ظاهره عدم المداقة في حساب الحسنات بالإغماض عن جهات نقصها فيلحق الحسن ~~بالأحسن. # وقوله: "ويزيدهم من فضله" الفضل العطاء، وهذا نص في أنه تعالى يعطيهم من ~~فضله ما ليس بإزاء أعمالهم الصالحة، وأوضح منه قوله تعالى في موضع آخر: ~~"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35، حيث إن ظاهره أن هذا المزيد ~~الموعود أمر وراء ما تتعلق به مشيتهم. # وقد دل كلامه سبحانه أن أجرهم أن لهم ما يشاءون قال تعالى: "أولئك هم ~~المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين": الزمر: 34، وقال: "أم ~~جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون ~~خالدين": الفرقان: 16، وقال: "لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين": ~~النحل: 31. # فهذا المزيد الذي هو وراء جزاء الأعمال أمر أعلى وأعظم من أن تتعلق به ~~مشية الإنسان أو يوصل إليه سعيه، وهذا أعجب ما يعده القرآن المؤمنين ~~ويبشرهم به فأجد التدبر فيه. # وقوله: "والله يرزق من يشاء بغير حساب" استئناف مآله تعليل الجملتين ~~السابقتين بالمشية نظير قوله فيما تقدم: "يهدي الله لنوره من يشاء" على ما ~~مر بيانه. # ومحصله أنهم عملوا صالحا وكان لهم من الأجر ما يعادل عملهم كما هو ظاهر ~~قوله: "وتوفى كل نفس ما عملت": النحل: 111، وما في معناه من الآيات لكنه ~~تعالى يجزيهم لكل عمل من أعمالهم جزاء أحسن عمل ms5627 يؤتى به في بابه من غير أن ~~يداق في الحساب فهذه موهبة ثم يرزقهم أمرا هو أعلى وأرفع من أن تتعلق به ~~مشيتهم وهذه أيضا موهبة ورزق بغير حساب، والرزق من الله موهبة محضة من غير ~~أن يملك المرزوقون منه شيئا أو يستحقوه عليه تعالى فله تعالى أن يخص منه ما ~~يشاء لمن يشاء. # غير أنه تعالى وعدهم الرزق وأقسم على إنجازه في قوله: "فورب السماء ~~والأرض إنه لحق": الذاريات: 23، فملكهم الاستحقاق لأصله وهو الذي يجزيهم به ~~على قدر أعمالهم وأما الزائد عليه فلم يملكهم ذلك فله أن يختص به من يشاء ~~فلا يعلل ذلك إلا بمشية وللكلام تتمة ستوافيك إن شاء الله في بحث مستقل. # قوله تعالى: "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء" إلى ~~آخر الآية. # السراب هو ما يلمع في المفازة كالماء ولا حقيقة له، والقيع والقاع هو ~~المستوي من الأرض ومفرداهما القيعة والقاعة كالتينة والتمرة، والظمآن هو ~~العطشان. # لما ذكر سبحانه المؤمنين ووصفهم بأنهم ذاكرون له في بيوت معظمة لا تلهيهم ~~عنه تجارة ولا بيع، وأن الله الذي هو نور السماوات والأرض يهديهم بذلك إلى ~~نوره فيكرمهم بنور معرفته قابل ذلك بذكر الذين كفروا فوصف أعمالهم تارة ~~بأنها لا حقيقة لها كسراب بقيعة فلا غاية لها تنتهي إليها، وتارة بأنها ~~كظلمات بعضها فوق بعض لا نور معها وهي حاجزة عن النور، وهذه الآية هي التي ~~تتضمن الوصف الأول. # فقوله: "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا" شبه أعمالهم - وهي التي يأتون بها من قرابين وأذكار وغيرهما من # عباداتهم يتقربون بها إلى آلهتهم - بسراب بقيعة يحسبه الإنسان ماء ولا ~~حقيقة له يترتب عليها ما يترتب على الماء من رفع العطش وغير ذلك. # وإنما قيل: يحسبه الظمآن ماء مع أن السراب يتراءى ماء لكل راء لأن ~~المطلوب بيان سيره إليه ولا يسير إليه إلا الظمآن يدفعه إليه ما به من ظمإ، ~~ولذلك رتب عليه قوله: "حتى إذا جاءه لم يجده ms5628 شيئا"، كأنه قيل: كسراب بقيعة ~~يتخيله الظمآن ماء فيسير إليه ويقبل نحوه ليرتوي ويرفع عطشه به، ولا يزال ~~يسير حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. PageV15P067 # والتعبير بقوله: "جاءه" دون أن يقال: بلغه أو وصل إليه أو انتهى إليه ~~ونحوها للإيماء إلى أن هناك من يريد مجيئه وينتظره انتظارا وهو الله ~~سبحانه، ولذلك أردفه بقوله: "ووجد الله عنده فوفاه حسابه" فأفاد أن هؤلاء ~~يريدون بأعمالهم الظفر بأمر تبعثهم نحوه فطرتهم وجبلتهم وهو السعادة التي ~~يريدها كل إنسان بفطرته وجبلته لكن أعمالهم لا توصلهم إليه، ولا أن الآلهة ~~التي يبتغون بأعمالهم جزاء حسنا منهم لهم حقيقة بل الذي ينتهي إليه أعمالهم ~~ويحيط هو بها ويجزيهم هو الله سبحانه فيوفيهم حسابهم، وتوفية الحساب كناية ~~عن الجزاء بما يستوجبه حساب الأعمال وإيصال ما يستحقه صاحب الأعمال. # ففي الآية تشبيه أعمالهم بالسراب، وتشبيههم بالظمآن الذي يريد الماء ~~وعنده عذب الماء لكنه يعرض عنه ولا يصغي إلى مولاه الذي ينصحه ويدعوه إلى ~~شربه بل يحسب السراب ماء فيسير إليه ويقبل نحوه، وتشبيه مصيرهم إلى الله ~~سبحانه بحلول الآجال وعند ذلك تمام الأعمال بالظمآن السائر إلى السراب إذا ~~جاءه وعنده مولاه الذي كان ينصحه ويدعوه إلى شرب الماء. # فهؤلاء قوم ألهوا عن ذكر ربهم والأعمال الصالحة الهادية إلى نوره وفيه ~~سعادتهم وحسبوا أن سعادتهم عند غيره من الآلهة الذين يدعونهم والأعمال ~~المقربة إليهم وفيها سعادتهم فأكبوا على تلك الأعمال السرابية واستوفوا ما ~~يمكنهم أن يأتوا بها مدة أعمارهم حتى حلت آجالهم وشارفوا الدار الآخرة فلم ~~يجدوا شيئا مما يؤملونه من أعمالهم ولا أثرا من ألوهية آلهتهم فوفاهم الله ~~حسابهم والله سريع الحساب. # وقوله: "والله سريع الحساب" إنما هو لإحاطة علمه بالقليل والكثير والحقير ~~والخطير والدقيق والجليل والمتقدم والمتأخر على حد سواء. # واعلم أن الآية وإن كان ظاهرها بيان حال الكفار من أهل الملل وخاصة ~~المشركين من الوثنيين لكن البيان جار في غيرهم من منكري الصانع فإن الإنسان ~~كائنا من كان يرى لنفسه سعادة في الحياة ولا يرتاب ms5629 أن الوسيلة إلى نيلها ~~أعماله التي يأتي بها فإن كان ممن يقول بالصانع ويراه المؤثر في سعادته ~~بوجه من الوجوه توسل بأعماله إلى تحصيل رضاه والفوز بالسعادة التي يقدرها ~~له، وإن كان ممن ينكره وينهي التأثير إلى غيره توسل بأعماله إلى توجيه ما ~~يقول به من المؤثر كالدهر والطبيعة والمادة نحو سعادة حياته الدنيا التي لا ~~يقول بما وراءها. # فهؤلاء يرون المؤثر الذي بيده سعادة حياتهم غيره تعالى ولا مؤثر غيره ~~ويرون مساعيهم الدنيوية موصلة لهم إلى سعادتهم وليست إلا سرابا لا حقيقة له ~~ولا يزالون يسعون حتى إذا تم ما قدر لهم من الأعمال بحلول ما سمي لهم من ~~الآجال لم يجدوا عندها شيئا وعاينوا أن ما كانوا يتمنون منها لم يكن إلا ~~طائف خيال أو حلم نائم، وعند ذلك يوفيهم الله حسابهم والله سريع الحساب. # قوله تعالى: "أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب" ~~تشبيه ثان لأعمالهم يظهر به أنها حجب متراكمة على قلوبهم تحجبهم عن نور ~~المعرفة، وقد تكرر في كلامه تعالى أنهم في الظلمات كقوله: "والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات": البقرة: 257، وقوله: ~~"كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122، وقوله: "كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15. # وقوله: "أو كظلمات في بحر لجي" معطوف على "سراب" في الآية السابقة، ~~والبحر اللجي هو البحر المتردد أمواجه منسوب إلى لجة البحر وهي تردد ~~أمواجه، والمعنى: أعمالهم كظلمات كائنة في بحر لجي. # وقوله: "يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب" صفة البحر جيء بها لتقرير ~~الظلمات المفروضة فيه فصفته أنه يغشاه ويحيط به موج كائن من فوقه موج آخر # كائن من فوقه سحاب يحجبنه جميعا من الاستضاءة بأضواء الشمس والقمر ~~والنجوم. # وقوله: "ظلمات بعضها فوق بعض" تقرير لبيان أن المراد بالظلمات المفروضة ~~الظلمات المتراكمة بعضها على بعض دون المتفرقة، وقد أكد ذلك بقوله: "إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها" ms5630 فإن أقرب ما يشاهده الإنسان منه هو نفسه وهو أقدر ~~على رؤية يده منه على سائر أعضائه لأنه يقربها تجاه باصرته كيفما أراد فإذا ~~أخرج يده ولم يكد يراها كانت الظلمة بالغة. PageV15P068 # فهؤلاء وهم سائرون إلى الله وصائرون إليه من جهة أعمالهم كراكب بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب في ظلمات متراكمة كأشد ما يكون ولا نور ~~هناك يستضيء به فيهتدي إلى ساحل النجاة. # وقوله: "ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور" نفي للنور عنهم بأن ~~الله لم يجعله لهم، كيف لا؟ وجاعل النور هو الله الذي هو نور كل شيء، فإذا ~~لم يجعل لشيء نورا لم يكن له نورا إذ لا جاعل غيره تعالى. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات" إلى آخر الآية، لما ذكر سبحانه أنه نور تستنير به السماوات والأرض ~~وأنه يختص بمزيد نوره المؤمنين من عباده والذين كفروا لا نصيب لهم من ذلك ~~شرع يحتج على ذلك بما في هذه الآية والآيات الأربع التالية لها. # فكونه تعالى نور السماوات والأرض يدل عليه أن ما في السماوات والأرض ~~موجود بوجود ليس من عنده ولا من عند شيء مما فيهما لكونه مثله في الفاقة، ~~فوجود ما فيهما من موجود من الله الذي ينتهي إليه الحاجات. # فوجود كل شيء مما فيهما كما يظهر به نفس الوجود يدل على من يظهره بما ~~أفاض عليه من الوجود فهو نور يستنير به الشيء ويدل على منوره بما أشرق عليه ~~من النور وأن هناك نورا يستنير به كل شيء فكل شيء مما فيهما يدل على أن ~~وراءه شيئا منزها من الظلمة التي غشيته، والفاقة التي لزمته، والنقص الذي ~~لا ينفك عنه، وهذا هو تسبيح ما في السماوات والأرض له سبحانه، ولازمه نفي ~~الاستقلال عن كل من سواه وسلب أي إله ورب يدبر الأمر دونه تعالى. # وإلى ذلك يشير قوله: "ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ms5631 والأرض ~~والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه" وبه يحتج تعالى على كونه نور ~~السماوات والأرض لأن النور هو ما يظهر به الشيء المستنير ثم يدل بظهوره على ~~مظهره، وهو تعالى يظهر ويوجد بإظهاره وإيجاده الأشياء ثم يدل على ظهوره ~~ووجوده. # وتزيد الآية بالإشارة إلى لطائف يكمل بها البيان: منها: اختصاصها من في ~~السماوات والأرض والطير صافات وهم العقلاء وبعض ذوات الروح بالذكر مع عموم ~~التسبيح لغيرهم لقوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده". # ولعل ذلك من باب اختيار أمور من أعاجيب الخلقة للذكر فإن ظهور الموجود ~~العاقل الذي يدل عليه لفظ "من في السماوات والأرض" من عجيب أمر الخلقة الذي ~~يدهش لب ذي اللب، كما أن صفيف الطير الصافات في الجو من أعجب ما يرى من ~~أعمال الحيوان ذي الشعور وأبدعه. # ويظهر من بعضهم أن المراد بقوله: "من في السماوات" إلخ، جميع الأشياء ~~وإنما عبر بلفظ أولي العقل لكون التسبيح المنسوب إليها من شئون أولي العقل ~~أو للتنبيه على قوة تلك الدلالة ووضوح تلك الإشارة تنزيلا للسان الحال ~~منزلة المقال. # وفيه أنه لا يلائم إسناد العلم إليها في قوله بعد: "كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه". # ومنها: تصدير الكلام بقوله: "ألم تر" وفيه دلالة على ظهور تسبيحهم ووضوح ~~دلالتهم على التنزيه بحيث لا يرتاب فيه ذو ريب فكثيرا ما يعبر عن العلم ~~الجازم بالرؤية كما في قوله تعالى: "ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض": ~~إبراهيم: 19، والخطاب فيه عام لكل ذي عقل وإن كان خاصا بحسب اللفظ. # ومن الممكن أن يكون خطابا خاصا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان ~~أراه الله تسبيح من في السماوات والأرض والطير صافات فيما أراه من ملكوت ~~السماوات والأرض وليس ببدع منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أرى الناس ~~تسبيح الحصاة في كفه كما وردت به الأخبار المعتبرة. # ومنها: أن الآية تعمم العلم لكل ما ذكر في السماوات والأرض والطير، وقد ~~تقدم بعض البحث عنه في تفسير قوله: "وإن من شيء إلا ms5632 يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم": الإسراء: 44، وستجيء تتمة الكلام فيه في تفسير سورة حم ~~السجدة إن شاء الله. # وقول بعضهم: إن الضمير في قوله: "قد علم" راجع إليه تعالى، يدفعه عدم ~~ملائمته للسياق وخاصة لقوله بعده: "والله عليم بما يفعلون" ونظيره قول ~~آخرين: إن إسناد العلم إلى مجموع ما تقدم من المجاز بتنزيل غير العالم ~~منزلة العالم لقوة دلالته على تسبيحه وتنزيهه. PageV15P069 # ومنها: تخصيصها التسبيح بالذكر مع أن الأشياء تشير إلى صفات كماله تعالى ~~وهو التحميد كما تسبحه على ما يدل عليه البرهان ويؤيده قوله: "وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده" ولعل الوجه فيه كون الآيات مسوقة للتوحيد ونفي الشركاء ~~وذلك بالتنزيه أمس فإن من يدعو من دون الله إلها آخر أو يركن إلى غيره نوعا ~~من الركون إنما يكفر بإثبات خصوصية وجود ذلك الشيء للإله تعالى فنفيه إنما ~~يتأتى بالتنزيه دون التحميد فافهمه. # وأما قوله: "كل قد علم صلاته وتسبيحه" فصلاته دعاؤه والدعاء توجيه من ~~الداعي للمدعو إلى حاجته ففيه دلالة على حاجة عند الداعي المدعو في غنى ~~عنها فهو أقرب إلى الدلالة على التنزيه منه على الثناء والتحميد. # ومنها: أن الآية تنسب التسبيح والعلم به إلى من في السماوات والأرض فيعم ~~المؤمن والكافر، ويظهر بذلك أن هناك نورين: نور عام يعم الأشياء والمؤمن ~~والكافر فيه سواء، وإلى ذلك تشير آيات كآية الذر: "وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين": ~~الأعراف: 172، وقوله: "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 إلى غير ~~ذلك، ونور خاص وهو الذي تذكره الآيات ويختص بأوليائه من المؤمنين. # فالنور الذي ينور تعالى به خلقه كالرحمة التي يرحمهم بها قسمان: عام وخاص ~~وقد قال تعالى: "ورحمتي وسعت كل شيء": الأعراف: 156، وقوله: "فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته": الجاثية: 30، وقد جمع ~~بينهما في قوله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا": الحديد: 28، وما ذكر ms5633 فيه من النور هو ~~النور على نور بحذاء الثاني من كفلي الرحمة. # وقوله: "والله عليم بما يفعلون" ومن فعلهم تسبيحهم له سبحانه، وهذا ~~التسبيح وإن كان في بعض المراحل هو نفس وجودهم لكن صدق اسم التسبيح يجوز أن ~~يعد فعلا لهم بهذه العناية. # وفي ذكر علمه تعالى بما يفعلون عقيب ذكر تسبيحهم ترغيب للمؤمنين وشكر لهم ~~بأن ربهم يعلم ذلك منهم وسيجزيهم جزاء حسنا، وإيذان بتمام الحجة على ~~الكافرين، فإن من مراتب علمه تعالى كتب الأعمال والكتاب المبين التي تثبت ~~فيها أعمالهم فيثبت فيها تسبيحهم بوجودهم ثم إنكارهم بألسنتهم. # قوله تعالى: "ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير" سياق الآية وقد ~~وقعت بين قوله: "ألم تر أن الله يسبح له" إلخ، وهو احتجاج على شمول نوره ~~العام لكل شيء، وبين قوله: "ألم تر أن الله يزجي" إلخ، وما يتعقبه وهو ~~احتجاج على اختصاص النور الخاص، يعطي أنها كالمتوسط بين القبيلين أعني بين ~~الأمرين يحتج بها على كليهما، فملكه تعالى لكل شيء وكونه مصيرا لها هو دليل ~~على تعميمه نوره العام وتخصيصه نوره الخاص يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # فقوله: "ولله ملك السماوات والأرض" يخص الملك ويقصره فيه تعالى فله أن ~~يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولازم قصر الملك ~~فيه كونه هو المصير لكل شيء، وإذ كان لا مليك إلا هو وإليه مرجع كل شيء ~~ومصيره فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # ومن هنا يظهر أن المراد - والله أعلم - بقوله: "وإلى الله المصير" ~~مرجعيته تعالى في الأمور دون المعاد نظير قوله: "ألا إلى الله تصير ~~الأمور": الشورى: 53. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلاله" إلى آخر الآية. # الإزجاء هو الدفع، والركام المتراكم بعضه على بعض، والودق هو المطر، ~~والخلال جمع الخلل وهو الفرجة بين الشيئين. # والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان أنه سامع فيشمل كل سامع، ~~والمعنى: ms5634 ألم تر أنت وكل من يرى أن الله يدفع بالرياح سحابا متفرقا ثم يؤلف ~~بينه ثم يجعله متراكما بعضه على بعض فترى المطر يخرج من خلله وفرجه فينزل ~~على الأرض. # وقوله: "وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه ~~عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار" السماء جهة العلو، وقوله: "من جبال ~~فيها" بيان للسماء، والجبال جمع جبل وهو معروف، وقوله: "من برد" بيان ~~للجبال، والبرد قطعات الجمد النازل من السماء، وكونه جبالا فيها كناية عن ~~كثرته وتراكمه، والسنا بالقصر الضوء. PageV15P070 # والكلام معطوف على قوله: "يزجي"، والمعنى: ألم تر أن الله ينزل من السماء ~~من البرد المتراكم فيها كالجبال فيصيب به من يشاء فيفسد المزارع والبساتين ~~وربما قتل النفوس والمواشي ويصرفه عمن يشاء فلا يتضررون به يقرب ضوء برقه ~~من أن يذهب بالأبصار. # والآية - على ما يعطيه السياق - مسوقة لتعليل ما تقدم من اختصاصه ~~المؤمنين بنوره، والمعنى: أن الأمر في ذلك إلى مشيته تعالى كما ترى أنه إذا ~~شاء نزل من السماء مطرا فيه منافع الناس لنفوسهم ومواشيهم ومزارعهم ~~وبساتينهم، وإذا شاء نزل بردا فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء. # قوله تعالى: "يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" ~~بيان آخر لرجوع الأمر إلى مشيته تعالى فقط. # وتقليب الليل والنهار تصريفهما بتبديل أحدهما من الآخر، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من ~~يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع" بيان آخر لرجوع الأمر إلى مشيته ~~تعالى محضا حيث يخلق كل دابة من ماء ثم تختلف حالهم في المشي فمنهم من يمشي ~~على بطنه كالحيات والديدان، ومنهم من يمشي على رجلين كالأناسي والطيور ~~ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم والسباع، واقتصر سبحانه على هذه الأنواع ~~الثلاثة - وفيهم غير ذلك - إيجازا لحصول الغرض بهذا المقدار. # وقوله: "يخلق الله ما يشاء" تعليل لما تقدم من اختلاف الدواب، مع وحدة ~~المادة التي خلقت ms5635 منها يبين أن الأمر إلى مشية الله محضا فله أن يعمم فيضا ~~من فيوضه # على جميع خلقه كالنور العام، والرحمة العامة وله أن يختص بفيض من فيوضه ~~بعضا من خلقه دون بعض كالنور الخاص والرحمة الخاصة. # وقوله: "إن الله على كل شيء قدير" تعليل لقوله: "يخلق الله ما يشاء" فإن ~~إطلاق القدرة على كل شيء يستوجب أن لا يتوقف شيء من الأشياء في كينونته على ~~أمر وراء مشيته وإلا كانت قدرته عليه مشروطة بحصول ذلك الأمر وهذا خلف. # وهذا باب من التوحيد دقيق سيتضح بعض الاتضاح إن شاء الله بما في البحث الآتي. ### |||| AUTO بحث فلسفي # إنا لا نشك في أن ما نجده من الموجودات الممكنة معلولة منتهية إلى الواجب ~~تعالى وأن كثيرا منها - وخاصة في الماديات - تتوقف في وجودها على شروط لا ~~تحقق لها بدونها كالإنسان الذي هو ابن فإن لوجوده توقفا على وجود الوالدين ~~وعلى شرائط أخرى كثيرة زمانية ومكانية، وإذ كان من الضروري كون كل مما ~~يتوقف عليه جزء من علته التامة كان الواجب تعالى على هذا جزء علته التامة ~~لا علة تامة وحدها. # نعم هو بالنسبة إلى مجموع العالم علة تامة إذ لا يتوقف على شيء غيره وكذا ~~الصادر الأول الذي تتبعه بقية أجزاء المجموع، وأما سائر أجزاء العالم فإنه ~~تعالى جزء علته التامة ضرورة توقفه على ما هو قبله من العلل وما هو معه من ~~الشرائط والمعدات. # هذا إذا اعتبرنا كل واحد من الأجزاء بحياله ثم نسبنا وحده إلى الواجب تعالى. # وهاهنا نظر آخر أدق وهو أن الارتباط الوجودي الذي لا سبيل إلى إنكاره بين ~~كل شيء وبين علله الممكنة وشروطه ومعداته يقضي بنوع من الاتحاد والاتصال ~~بينها فالواحد من الأجزاء ليس مطلقا منفصلا بل هو في وجوده المتعين مقيد ~~بجميع ما يرتبط به متصل الهوية بغيرها. # فالإنسان الابن الذي كنا نعتبره في المثال المتقدم بالنظر السابق موجودا ~~مستقلا مطلقا فنجده متوقفا على علل وشروط كثيرة والواجب تعالى أحدها يعود ~~بحسب هذه النظرة هوية مقيدة ms5636 بجميع ما كان يعتبر توقفه عليه من العلل ~~والشرائط غير الواجب # تعالى فحقيقة زيد مثلا هو الإنسان ابن فلان وفلانة المتولد في زمان كذا ~~ومكان كذا المتقدم عليه كذا وكذا المقارن لوجوده كذا وكذا من الممكنات. # فهذه هو حقيقة زيد مثلا ومن الضروري أن ما حقيقته ذلك لا تتوقف على شيء ~~غير الواجب فالواجب هو علته التامة التي لا توقف له على غيره، ولا حاجة له ~~إلى غير مشيته، وقدرته تعالى بالنسبة إليه مطلقة غير مشروطة ولا مقيدة، وهو ~~قوله تعالى: "يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. PageV15P071 # قوله تعالى: "لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" ~~يريد آية النور وما يتلوها المبينة لصفة نوره تعالى والصراط المستقيم سبيله ~~التي لا سبيل للغضب والضلال إلى من اهتدى إليها كما قال: "اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين": الحمد: ~~7، وقد تقدم الكلام فيه في تفسير سورة الحمد. # وتذييل الآية بقوله: "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" هو الموجب ~~لعدم تقييد قوله: "لقد أنزلنا آيات مبينات" بلفظة إليكم بخلاف قوله قبل ~~آيات: "لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين". # إذ لو قيل: لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات والله يهدي. # تبادر إلى الذهن أن البيان اللفظي هداية إلى الصراط المستقيم وأن ~~المخاطبين عامة مهديون إلى الصراط المستقيم وفيهم المنافق والذين في قلوبهم ~~مرض والله العالم. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، بإسناده عن العباس بن هلال قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: "الله نور السماوات والأرض" فقال: هاد لأهل السماوات وهاد ~~لأهل الأرض. # وفي رواية البرقي: هدى من في السماوات وهدى من في الأرض. # أقول إذا كان المراد بالهداية الهداية الخاصة وهي الهداية إلى السعادة ~~الدينية # كان من التفسير بمرتبة من المعنى، وإن كان المراد بها الهداية العامة وهي ~~إيصال كل شيء إلى كماله انطبق على ما تقدم. # وفي الكافي، بإسناده ms5637 عن إسحاق بن جرير قال: سألتني امرأة أن أدخلها على ~~أبي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت لها فأذن لها فدخلت ومعها مولاة لها ~~فقالت له: يا أبا عبد الله قول الله: "زيتونة لا شرقية ولا غربية" ما عنى ~~بهذا؟ فقال لها: أيتها المرأة إن الله لم يضرب الأمثال للشجر إنما ضرب ~~الأمثال لبني آدم. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه ~~السلام): في هذه الآية "الله نور السماوات والأرض" قال: بدأ بنور نفسه "مثل ~~نوره" مثل هداه في قلب المؤمن "كمشكوة فيها مصباح" والمصباح جوف المؤمن ~~والقنديل قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله في قلبه. "يوقد من شجرة ~~مباركة" قال: الشجرة المؤمن "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال: على سواد ~~الجبل لا غربية أي لا شرق لها، ولا شرقية أي لا غرب لها إذا طلعت الشمس ~~طلعت عليها وإذا غربت غربت عليها "يكاد زيتها يضيء" يكاد النور الذي في ~~قلبه يضيء وإن لم يتكلم. "نور على نور" فريضة على فريضة، وسنة على سنة ~~"يهدي الله لنوره من يشاء" يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء "ويضرب الله ~~الأمثال للناس" فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. ثم قال: فالمؤمن يتقلب في خمسة ~~من النور: مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومصيره يوم ~~القيامة إلى الجنة نور. قلت لجعفر (عليه السلام): إنهم يقولون: مثل نور ~~الرب. قال: سبحان الله ليس لله مثل، قال الله: "فلا تضربوا لله الأمثال". # أقول: الحديث يؤيد ما تقدم في تفسير الآية، وقد اكتفى (عليه السلام) في ~~تفسير بعض فقرات الآية بذكر بعض المصاديق كالذي ذكره في ذيل قوله: "يكاد ~~زيتها يضيء" وقوله: "نور على نور". # وأما قوله: "سبحان الله ليس لله مثل فإنما ينفي به أن يكون المثل مثلا للنور # الذي هو اسمه تعالى المحمول عليه فكونه مثلا له تعالى يؤدي إلى الحلول أو ~~الانقلاب تعالى عن ذلك بل هو مثل لنوره المفاض على السماوات والأرض، وأما ~~الضمير في ms5638 قوله: "مثل نوره" فلا ضير في رجوعه إليه تعالى مع الاحتفاظ على ~~المعنى الصحيح. # وفي التوحيد، وقد روي عن الصادق (عليه السلام): أنه سئل عن قول الله عز ~~وجل: "الله نور السماوات والأرض - مثل نوره كمشكوة فيها مصباح" فقال: هو ~~مثل ضربه الله لنا فالنبي والأئمة (صلى الله عليه وآله وسلم) من دلالات ~~الله وآياته التي يهتدى بها إلى التوحيد ومصالح الدين وشرائع الإسلام ~~والسنن والفرائض، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # أقول: الرواية من قبيل الإشارة إلى بعض المصاديق وهو من أفضل المصاديق ~~وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والطاهرون من أهل بيته (عليهم السلام) ~~وإلا فالآية تعم بظاهرها غيرهم من الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء ~~والأولياء. PageV15P072 # نعم ليست الآية بعامة لجميع المؤمنين لأخذها في وصفهم صفات لا تعم الجميع ~~كقوله: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" إلخ. # وقد وردت عدة من الأخبار من طرق الشيعة في تطبيق مفردات الآية على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وهي من التطبيق دون ~~التفسير، ومن الدليل على ذلك اختلافها في نحو التطبيق كرواية الكليني في ~~روضة الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) وفيها: أن المشكاة ~~قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمصباح النور الذي فيه العلم، ~~والزجاجة علي أو قلبه، والشجرة المباركة الزيتونة التي لا شرقية ولا غربية ~~إبراهيم (عليه السلام) ما كان يهوديا ولا نصرانيا، وقوله: "يكاد زيتها ~~يضيء" إلخ، يكاد أولادهم أن يتكلموا بالنبوة وإن لم ينزل عليهم ملك. # وما رواه في التوحيد، بإسناده إلى عيسى بن راشد عن الباقر (عليه السلام) ~~وفيه: أن المشكاة نور العلم في صدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~والزجاجة صدر علي "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار" يكاد العالم من آل ~~محمد يتكلم بالعلم قبل أن يسأل "نور على نور" إمام مؤيد بنور العلم والحكمة ~~في إثر الإمام من آل محمد. # وما في الكافي، بإسناده عن صالح بن سهل الهمداني ms5639 عن الصادق (عليه السلام) ~~وفيه: أن المشكاة فاطمة (عليها السلام)، والمصباح الحسن (عليه السلام)، ~~والزجاجة الحسين (عليه السلام)، # والشجرة المباركة إبراهيم (عليه السلام)، ولا شرقية ولا غربية ما كان ~~يهوديا ولا نصرانيا، ونور على نور إمام بعد إمام، ويهدي الله لنوره من يشاء ~~يهدي الله للأئمة (عليهم السلام) من يشاء وفي الدر المنثور، أخرج ابن ~~مردويه عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية" قال: قلب إبراهيم لا يهودي ولا نصراني. # أقول: وهو من قبيل ذكر بعض المصاديق، وقد ورد مثله من طرق الشيعة عن بعض ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما تقدم. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قالا: قرأ رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هذه الآية "في بيوت أذن الله أن ترفع" فقام إليه رجل ~~فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: بيوت الأنبياء. فقام إليه أبو بكر ~~فقال: يا رسول الله هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة؟ قال: نعم من أفاضلها:. ~~أقول: ورواه في المجمع، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلا، وروى هذا ~~المعنى القمي في تفسيره بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) ولفظه: ~~قال: هي بيوت الأنبياء وبيت علي (عليه السلام) منها. # وهو على أي حال من قبيل ذكر بعض المصاديق على ما تقدم. # وفي نهج البلاغة،: من كلام له (عليه السلام) عند تلاوته "رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله" وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا فلم ~~يشغلهم تجارة ولا بيع عنه يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن ~~محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به وينهون عن ~~المنكر وينتهون عنه. كأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما ~~وراء ذلك فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة ~~عليهم عذابها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ~~ويسمعون ما لا يسمعون. # وفي ms5640 المجمع،: في قوله تعالى: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع": وروي عن ~~أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام): أنهم قوم إذا حضرت الصلاة تركوا ~~التجارة وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجرا ممن لم يتجر. # أقول: أي لم يتجر واشتغل بذكر الله كما في روايات أخر. # وفي الدر المنثور، عن ابن مردويه وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله تعالى: "رجال لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله" قال: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. # أقول: كأن الرواية غير تامة وتمامها فيما روي عن ابن عباس قال: كانوا ~~رجالا يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ~~ما بأيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والله سريع الحساب" وسئل أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في حالة واحدة. PageV15P073 # وفي روضة الكافي، بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن أبيه عن ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن الله عز وجل جعل السحاب غرابيل المطر هي تذيب البرد حتى يصير ماء ~~لكي لا يضر شيئا يصيبه، والذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله عز ~~وجل يصيب بها من يشاء من عباده. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فمنهم من يمشي على بطنه - ومنهم من ~~يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع" قال: على رجلين الناس، وعلى بطنه ~~الحيات، وعلى أربع البهائم، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): ومنهم من ~~يمشي على أكثر من ذلك. PageV15P074 ### ||| AUTO 24 سورة النور - 47 - 57 # ويقولون ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفى قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله ms5641 عليهم ورسوله بل أولئك هم الظلمون (50) ~~إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا ~~تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما ~~على الرسول إلا البلغ المبين (54) وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا ~~الصلحت ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ~~الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ~~ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفسقون (55) وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ~~وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض ~~ومأواهم النار ولبئس المصير (57) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات افتراض طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنها لا ~~تفارق طاعة الله تعالى، ووجوب الرجوع إلى حكمه وقضائه وأن الإعراض عنه آية ~~النفاق، وتختتم بوعد جميل للصالحين من المؤمنين وإيعاد للكافرين. # قوله تعالى: "ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك "إلخ، بيان حال بعض المنافقين حيث أظهروا الإيمان والطاعة أولا ثم ~~تولوا ثانيا فالإيمان بالله هو العقد على توحيده وما شرع من الدين، ~~والإيمان بالرسول هو العقد على كونه رسولا مبعوثا من عند ربه أمره أمره ~~ونهيه نهيه وحكمه حكمه من غير أن يكون له من الأمر شيء، وطاعة الله هي ~~تطبيق العمل بما شرعه، وطاعة الرسول الايتمار والانتهاء عند أمره ونهيه ~~وقبول ما حكم به وقضى عليه. # فالإيمان بالله وطاعته موردهما نفس الدين والتشرع به، والإيمان بالرسول ~~وطاعته موردهما ما أخبر به الرسول من الدين بما أنه يخبر به وما حكم به ~~وقضى عليه في المنازعات والانقياد له في ذلك كله. # فبين الإيمانين والطاعتين فرق ما من حيث سعة المورد وضيقه، ويشير إلى ذلك ~~ما في العبارة من ms5642 نوع من التفصيل حيث قيل: "آمنا بالله وبالرسول" فأشير إلى ~~تعدد الإيمان والطاعة ولم يقل: آمنا بالله والرسول بحذف الباء، والإيمانان ~~مع ذلك متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، قال تعالى: "ويريدون أن يفرقوا ~~بين الله ورسله": النساء: 150. # فقوله: "ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا" أي عقدنا القلوب على دين ~~الله وتشرعنا به وعلى أن الرسول لا يخبر إلا بالحق ولا يحكم إلا بالحق. # وقوله: "ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك" أي ثم يعرض طائفة من هؤلاء ~~القائلين: "آمنا بالله وبالرسول وأطعنا" عن مقتضى قولهم من بعد ما قالوا ذلك. # وقوله: "وما أولئك بالمؤمنين أي ليس أولئك القائلون بالمؤمنين، والمشار ~~إليه باسم الإشارة القائلون جميعا لا خصوص الفريق المتولين على ما يعطيه ~~السياق لأن الكلام مسوق لذم الجميع. PageV15P075 # قوله تعالى: "وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون" ~~يشهد سياق الآية أن الآيات إنما نزلت في بعض من المنافقين دعوا إلى حكم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منازعة وقعت بينه وبين غيره فأبى ~~الرجوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي ذلك نزلت الآيات. # والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما كان يحكم بينهم بحكم الله على ما ~~أراه الله كما قال تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله: النساء: 105. # فللحكم نسبة إليه بالمباشرة ونسبة إلى الله سبحانه من حيث كان الحكم في ~~ضوء شريعته وبنصبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم والقضاء. # وبذلك يظهر أن المراد بالدعوة إلى الله ليحكم بينهم هي الدعوة إلى ~~المتابعة لما يقتضيه شرعه تعالى في مورد النزاع، وبالدعوة إلى رسوله ليحكم ~~بينهم هي الدعوة إلى متابعة ما يقضى عليه بالمباشرة، وأن الظاهر أن ضمير ~~"ليحكم" للرسول، وإنما أفرد الفاعل ولم يثن إشارة إلى أن حكم الرسول حكمه تعالى. # والآية بالنسبة إلى الآية السابقة كالخاص بالنسبة إلى العام فهي تقص ~~إعراضنا معينا منهم والإعراض المذكور في الآية السابقة منهم إعراض مطلق. # قوله تعالى: ms5643 "وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين" الإذعان الانقياد، ~~وظاهر السياق وخاصة قوله: "يأتوا إليه" أن المراد بالحق حكم الرسول بدعوى ~~أنه حق لا ينفك عنه، والمعنى وإن يكن الحق الذي هو حكم الرسول لهم لا عليهم ~~يأتوا إلى حكمه منقادين فليسوا بمعرضين عنه إلا لكونه عليهم لا لهم، ولازم ~~ذلك أنهم يتبعون الهوى ولا يريدون اتباع الحق. # قوله تعالى: "أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله" إلى آخر الآية. # الحيف الجور. # وظاهر سياق الآيات أن المراد بمرض القلوب ضعف الإيمان كما في قوله تعالى: ~~"فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض": الأحزاب: 32، وقوله: "لئن لم ~~ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم": ~~الأحزاب: 60، وغير ذلك من الآيات. # وأما كون المراد بمرض القلوب النفاق كما فسر به فيدفعه قوله في صدر ~~الآيات: "وما أولئك بالمؤمنين" فإنه حكم بنفاقهم، ولا معنى مع إثبات النفاق ~~للاستفهام عن النفاق ثم الإضراب عنه بقوله: "بل أولئك هم الظالمون". # وقوله: "أم ارتابوا" ظاهر إطلاق الارتياب وهو الشك أن يكون المراد هو # شكهم في دينهم بعد الإيمان دون الشك في صلاحية النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) للحكم أو عدله ونحو ذلك لكونها بحسب الطبع محتاجة إلى بيان بنصب قرينة. # وقوله: "أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله" أي أم يعرضون عن ذلك لأنهم ~~يخافون أن يجور الله عليهم ورسوله لكون الشريعة الإلهية التي يتبعها حكم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبنية على الجور وإماتة الحقوق الحقة، أو ~~لكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يراعي الحق في قضائه. # وقوله: "بل أولئك هم الظالمون" إضراب عن الترديد السابق بشقوقه الثلاثة ~~وذلك أن سبب إعراضهم لو كان مرض قلوبهم أو ارتيابهم لم يأتوا إليه مذعنين ~~على تقدير كون الحق لهم بل كانوا يعرضون كان الحق لهم أو عليهم، وأما الخوف ~~من أن يحيف الله عليهم ورسوله فلا موجب له فالله بريء من الحيف ورسوله فليس ms5644 ~~إعراضهم عن إجابة الدعوة إلى حكم الله ورسوله إلا لكونهم حق عليهم أنهم ~~ظالمون. # والظاهر أن المراد بالظلم التعدي عن طور الإيمان مع الإقرار به قولا كما ~~قال آنفا: "وما أولئك بالمؤمنين" أو خصوص التعدي إلى الحقوق غير المالية، ~~ولو كان المراد مطلق الظلم لم يصح الإضراب عن الشقوق الثلاثة السابقة إليه ~~لأنها من مطلق الظلم ويدل عليه أيضا الآية التالية. # وقد بان بما تقدم أن الترديد في أسباب الإعراض على تقدير عدم النفاق بين ~~الأمور الثلاثة حاصر والأقسام متغايرة فإن محصل المعنى أنهم منافقون غير ~~مؤمنين إذ لو لم يكونوا كذلك كان إعراضهم إما لضعف إيمانهم وإما لزواله ~~بالارتياب وإما للخوف من غير سبب يوجبه فإن الخوف من الرجوع إلى حكم الحاكم ~~إنما يكون إذا احتمل حيفه في حكمه وميله عن الحق إلى الباطل ولا يحتمل ذلك ~~في حكم الله ورسوله. PageV15P076 # وقد طال البحث في كلامهم عما في الآية من الترديد والإضراب ولعل فيما ~~ذكرناه كفاية، ومن أراد أزيد من ذلك فليراجع المطولات. # قوله تعالى: "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا" إلى آخر الآية سياق قوله: "إنما كان قول ~~المؤمنين" وقد أخذ فيه "كان" ووصف الإيمان في "المؤمنين" يدل على أن ذلك من ~~مقتضيات طبيعة # الإيمان فإن مقتضى الإيمان بالله ورسوله وعقد القلب على اتباع ما حكم به ~~الله ورسوله التلبية للدعوة إلى حكم الله ورسوله دون الرد. # وعلى هذا فالمراد بقوله: "إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم" دعوة ~~بعض الناس ممن ينازعهم كدعوة بعض المتنازعين المتخاصمين الآخر إلى التحاكم ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ويدل عليه تصدير الجملة بلفظة "إذا" ولو كان ~~المراد به دعوة الله ورسوله بمعنى إيجاب رجوع المؤمنين في منازعاتهم إلى ~~حكم الله ورسوله كان ذلك حكما مؤبدا لا حاجة فيه إلى التقييد بالزمان. # وبذلك يظهر ضعف ما قيل: إن فاعل "دعوا" المحذوف هو الله ورسوله، والمعنى: ~~إذا دعاهم الله ورسوله. # نعم مرجع الدعوة بآخره ms5645 إلى دعوة الله ورسوله. # وكيف كان تقصر الآية قول المؤمنين على تقدير الدعوة إلى حكم الله ورسوله ~~في قولهم: سمعنا وأطعنا وهو سمع وطاعة للدعوة الإلهية سواء فرض الداعي هو ~~أحد المتنازعين للآخر أو فرض الداعي هو الله ورسوله أو كان المراد هو السمع ~~والطاعة لحكم الله ورسوله وإن كان بعيدا. # وانحصار قول المؤمنين عند الدعوة في "سمعنا وأطعنا" يوجب كون الرد للدعوة ~~ليس من قول المؤمنين فيكون تعديا عن طور الإيمان، كما يفيده قوله: "بل ~~أولئك هم الظالمون" على ما تقدم، فتكون الآية في مقام التعليل للإضراب في ~~ذيل الآية السابقة. # وقد ختمت الآية بقوله: "وأولئك هم المفلحون" وفيه قصر الفلاح فيهم لا ~~قصرهم في الفلاح. # قوله تعالى: "ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون" ~~ورود الآية في سياق الآيات السابقة وانضمامها إلى سابقتها يعطي أنها في ~~مقام التعليل - كالكبرى الكلية - للآية السابقة حيث حكمت بفلاح من أجاب ~~الدعوة إلى حكم الله ورسوله بالسمع والطاعة بقيد الإيمان كأنه قيل: إنما ~~أفلح من أجاب إلى حكم الله ورسوله وهو مؤمن لأنه مطيع لله ولرسوله وهو مؤمن ~~حقا في باطنه خشية الله وفي # ظاهره تقواه ومن يطع الله ورسوله فيما قضي عليه ويخش الله ويتقه فأولئك ~~هم الفائزون، والفوز هو الفلاح. # وتشمل الآية الداعي إلى حكم الله ورسوله من المتنازعين كما يشمل المدعو ~~منهما إذا أجاب بالسمع والطاعة ففيها زيادة على تعليل حكم الآية السابقة ~~تعميم الوعد الحسن للداعي والمدعو جميعا. # قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة" إلى آخر الآية الجهد الطاقة، والتقدير في قوله: "أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم" أقسموا بالله مبلغ جهدهم في أيمانهم والمراد أقسموا بأغلظ ~~أيمانهم. # والظاهر أن المراد بقوله: "ليخرجن" الخروج إلى الجهاد على ما وقع في عدة ~~من الآيات كقوله: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا": ~~التوبة: 47. # وقوله: "قل ms5646 لا تقسموا" نهي عن الإقسام، وقوله: "طاعة معروفة خبر لمبتدإ ~~محذوف هو الضمير الراجع إلى الخروج والجملة في مقام التعليل للنهي عن ~~الإقسام ولذا جيء بالفصل، وقوله: "إن الله خبير بما تعملون" من تمام ~~التعليل. # ومعنى الآية: وأقسموا بالله بأغلظ أيمانهم لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ~~ليخرجن قل لهم: لا تقسموا فالخروج إلى الجهاد طاعة معروفة من الدين - وهو ~~واجب لا حاجة إلى إيجابه بيمين مغلظ - وإن تكونوا تقسمون لأجل أن ترضوا ~~الله ورسوله بذلك فالله خبير بما تعملون لا يغره إغلاظكم في الإيمان. PageV15P077 # وقيل: المراد بالخروج خروجهم من ديارهم وأموالهم لو حكم الرسول بذلك، ~~وقوله: "طاعة معروفة" مبتدأ لخبر محذوف، والتقدير: طاعة معروفة للنبي خير ~~من إقسامكم، ومعنى الآية: وأقسموا بالله بأغلظ الأيمان لئن أمرتهم وحكمت ~~عليهم في منازعاتهم بالخروج من ديارهم وأموالهم ليخرجن منها قل لهم: لا ~~تقسموا لأن طاعة حسنة منكم للنبي خير من إقسامكم بالله والله خبير بما ~~تعملون. # وفيه أن هذا المعنى وإن كان يؤكد اتصال الآية بما قبلها بخلاف المعنى ~~السابق لكنه لا يلائم التصريح السابق بردهم الدعوة إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم لأنهم إذ كانوا # تولوا وأعرضوا عن حكم الله ورسوله لم يكن يسعهم أن يقسموا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لئن أمرهم في حكمه بالخروج من ديارهم وأموالهم ليخرجن ~~وهو ظاهر، اللهم إلا أن يكون المقسمون فريقا آخر منهم غير الرادين للدعوة ~~المعرضين عن الحكم، وحينئذ كان حمل "ليخرجن" على هذا المعنى لا دليل يدل عليه. # قوله تعالى: "قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم" إلى آخر الآية، أمر بطاعة الله فيما أنزل من الدين، وأمر ~~بطاعة الرسول فيما يأتيهم به من ربهم ويأمرهم به في أمر دينهم ودنياهم، ~~وتصدير الكلام بقوله: "قل" إشارة إلى أن الطاعة جميعا لله، وقد أكده بقوله: ~~"وأطيعوا الرسول" دون أن يقول: وأطيعوني لأن طاعة الرسول بما هو طاعة ~~الرسول طاعة المرسل، وبذلك تتم الحجة. # ولذلك عقب الكلام: أولا ms5647 بقوله: "فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم" أي فإن تتولوا وتعرضوا عن طاعة الرسول لم يضر ذلك الرسول فإنما عليه ~~ما حمل من التكليف ولا يمسكم منه شيء وعليكم ما حملتم من التكليف ولا يمسه ~~منه شيء فإن الطاعة جميعا لله سبحانه. # وثانيا بقوله: "وإن تطيعوه تهتدوا" أي وإن كان لكل منكم ومنه ما حمل لكن ~~إن تطيعوا الرسول تهتدوا لأن ما يجيء به إليكم وما يأمركم به من الله ~~وبأمره والطاعة لله وفيه الهداية. # وثالثا بقوله وما على الرسول إلا البلاغ المبين وهو بمنزلة التعليل لما ~~تقدمه أي إن ما حمله الرسول من التكليف هو التبليغ فحسب فلا بأس عليه إن ~~خالفتم ما بلغ وإذ كان رسولا لم يحتمل إلا التبليغ فطاعته طاعة من أرسله ~~وفي طاعة من أرسله وهو الله سبحانه اهتداؤكم. # قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم إلى آخر الآية. # ظاهر وقوع الآية موقعها أنها نزلت في ذيل الآيات السابقة من السورة وهي ~~مدنية ولم تنزل بمكة قبل الهجرة على ما يؤيد سياقها وخاصة ذيلها. # فالآية على هذا وعد جميل للذين آمنوا وعملوا الصالحات أن الله تعالى ~~سيجعل لهم مجتمعا صالحا يخص بهم فيستخلفهم في الأرض ويمكن لهم دينهم ~~ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا لا يخافون كيد منافق ولا صد كافر يعبدونه لا ~~يشركون به شيئا. # فقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من فيه تبعيضية لا ~~بيانية والخطاب لعامة المسلمين وفيهم المنافق والمؤمن وفي المؤمنين منهم من ~~يعمل الصالحات ومن لا يعمل الصالحات والوعد خاص بالذين آمنوا منهم وعملوا ~~الصالحات محضا. # وقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم إن كان المراد ~~بالاستخلاف إعطاء الخلافة الإلهية كما ورد في آدم وداود وسليمان (عليهما ~~السلام) قال تعالى إني جاعل في الأرض خليفة: البقرة - 30 وقال يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض: ص - 26 وقال وورث سليمان داود: النمل - 16 فالمراد ms5648 ~~بالذين من قبلهم خلفاء الله من أنبيائه وأوليائه ولا يخلو من بعد كما سيأتي. PageV15P078 # وإن كان المراد به إيراث الأرض وتسليط قوم عليها بعد قوم كما قال إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين: الأعراف - 128 وقال إن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون: الأنبياء - 105 فالمراد بالذين من قبلهم ~~المؤمنون من أمم الأنبياء الماضين الذين أهلك الله الكافرين والفاسقين منهم ~~ونجى الخلص من مؤمنيهم كقوم نوح وهود وصالح وشعيب كما أخبر عن جمعهم في ~~قوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ~~فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد: إبراهيم - 14 فهؤلاء الذين أخلصوا لله فنجاهم فعقدوا ~~مجتمعا صالحا وعاشوا فيه حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. # وأما قول من قال إن المراد بالذين استخلفوا من قبلهم بنو إسرائيل لما ~~أهلك الله فرعون وجنوده فأورثهم أرض مصر والشام ومكنهم فيها كما قال تعالى فيهم # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~ونمكن لهم في الأرض: القصص - 6. # ففيه أن المجتمع الإسرائيلي المنعقد بعد نجاتهم من فرعون وجنوده لم يصف ~~من الكفر والنفاق والفسق ولم يخلص للذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا حينا ~~على ما ينص عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة ولا وجه لتشبيه استخلاف الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات باستخلافهم وفيهم الكافر والمنافق والطالح والصالح. # ولو كان المراد تشبيه أصل استخلافهم بأصل استخلاف الذين من قبلهم وهم بنو ~~إسرائيل كيفما كان لم يحتج إلى إشخاص المجتمع الإسرائيلي للتشبيه به وفي ~~زمن نزول الآية وقبل ذلك أمم أشد قوة وأكثر جمعا منهم كالروم والفرس وكلدة ~~وغيرهم وقد قال تعالى في عاد الأولى وثمود إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح: ~~الأعراف - 69 وقال إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد: الأعراف - 74 وقد خاطب بذلك ~~الكفار من هذه الأمة فقال وهو الذي جعلكم خلائف الأرض: الأنعام - 165 وقال ~~هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ms5649 فمن كفر فعليه كفره: فاطر - 39. # فإن قلت لم لا يجوز أن يكون التشبيه ببني إسرائيل ثم يؤدى حق هذا المجتمع ~~الصالح بما يعقبه من قوله وليمكنن لهم دينهم إلى آخر الوعد قلت نعم ولكن لا ~~موجب حينئذ لاختصاص استخلاف بني إسرائيل لأن يشبه به وأن يكون المراد ~~بالذين من قبلهم بني إسرائيل فقط كما تقدم. # وقوله وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم تمكين الشيء إقراره في مكان وهو ~~كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل بحيث يؤثر أثره من غير ~~مانع ولا حاجز فتمكن الدين هو كونه معمولا به في المجتمع من غير كفر به ~~واستهانة بأمره ومأخوذا بأصول معارفه من غير اختلاف وتخاصم وقد حكم الله ~~سبحانه في مواضع من كلامه أن الاختلاف في الدين من بغي المختلفين كقوله وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم: البقرة - 213. # والمراد بدينهم الذي ارتضى لهم دين الإسلام وأضاف الدين إليهم تشريفا لهم ~~ولكونه من مقتضى فطرتهم. # وقوله وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا هو كقوله وليمكنن لهم عطف على قوله ~~ليستخلفنهم وأصل المعنى وليبدلن خوفهم أمنا فنسبة التبديل إليهم إما على ~~المجاز العقلي أو على حذف مضاف يدل عليه قوله من بعد خوفهم والتقدير ~~وليبدلن خوفهم أو كون أمنا بمعنى آمين. # والمراد بالخوف على أي حال ما كان يقاسيه المؤمنون في صدر الإسلام من ~~الكفار والمنافقين. # وقوله يعبدونني لا يشركون بي شيئا الأوفق بالسياق أن يكون حالا من ضمير ~~وليبدلنهم أي وليبدلن خوفهم أمنا في حال يعبدونني لا يشركون بي شيئا. # والالتفات في الكلام من الغيبة إلى التكلم وتأكيد يعبدونني بقوله لا ~~يشركون بي شيئا ووقوع النكرة شيئا في سياق النفي الدال على نفي الشرك على ~~الإطلاق كل ذلك يقضي بأن المراد عبادتهم لله عبادة خالصة لا يداخلها شرك ~~جلي أو خفي وبالجملة يبدل الله مجتمعهم مجتمعا آمنا لا يعبد فيه إلا الله ~~ولا يتخذ فيه رب غيره. PageV15P079 # وقوله ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ms5650 الفاسقون ظاهر السياق كون ذلك إشارة إلى ~~الموعود والأنسب على ذلك كون كفر من الكفران مقابل الشكر والمعنى ومن كفر ~~ولم يشكر الله بعد تحقق هذا الوعد بالكفر أو النفاق أو سائر المعاصي ~~الموبقة فأولئك هم الفاسقون الكاملون في الفسق وهو الخروج عن زي العبودية. # وقد اشتد الخلاف بين المفسرين في الآية. # فقيل إنها واردة في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أنجز الله ~~وعده لهم باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمنا بما أعز ~~الإسلام بعد رحلة النبي في أيام الخلفاء الراشدين والمراد باستخلافهم ~~استخلاف الخلفاء الأربعة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الثلاثة ~~الأول منهم ونسبة الاستخلاف إلى جميعهم مع اختصاصه ببعضهم وهم الأربعة أو ~~الثلاثة من قبيل نسبة أمر البعض إلى الكل كقولهم قتل بنو فلان وإنما قتل بعضهم. # وقيل هي عامة لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد باستخلافهم ~~وتمكين دينهم وتبديل # خوفهم أمنا إيراثهم الأرض كما أورثها الله الأمم الذين كانوا قبلهم أو ~~استخلاف الخلفاء بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على اختلاف التقرير ~~وتمكين الإسلام وانهزام أعداء الدين وقد أنجز الله وعده بما نصر الإسلام ~~والمسلمين بعد الرحلة ففتحوا الأمصار وسخروا الأقطار. # وعلى القولين الآية من ملاحم القرآن حيث أخبر بأمر قبل أوان تحققه ولم ~~يكن مرجوا ذلك يومئذ. # وقيل إنها في المهدي الموعود (عليه السلام) الذي تواترت الأخبار على أنه ~~سيظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وأن المراد بالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته ~~(عليهم السلام). # والذي يعطيه سياق الآية الكريمة على ما تقدم من البحث بالتحرز عن ~~المسامحات التي ربما يرتكبها المفسرون في تفسير الآيات هو أن الوعد لبعض ~~الأمة لا لجميعها ولا لأشخاص خاصة منهم وهم الذين آمنوا منهم وعملوا ~~الصالحات فالآية نص في ذلك ولا قرينة من لفظ أو عقل يدل على كونهم هم ~~الصحابة أو النبي وأئمة أهل البيت عليهم الصلاة ms5651 والسلام ولا على أن المراد ~~بالذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات جميع الأمة وإنما صرف الوعد إلى طائفة ~~خاصة منهم تشريفا لهم أو لمزيد العناية بهم فهذا كله تحكم من غير وجه. # والمراد باستخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم عقد مجتمع مؤمن ~~صالح منهم يرثون الأرض كما ورثها الذين من قبلهم من الأمم الماضين أولي ~~القوة والشوكة وهذا الاستخلاف قائم بمجتمعهم الصالح من دون أن يختص به ~~أشخاص منهم كما كان كذلك في الذين من قبلهم وأما إرادة الخلافة الإلهية ~~بمعنى الولاية على المجتمع كما كان لداود وسليمان ويوسف (عليهما السلام) ~~وهي السلطنة الإلهية فمن المستبعد أن يعبر عن أنبيائه الكرام بلفظ الذين من ~~قبلهم وقد وقعت هذه اللفظة أو ما بمعناها في أكثر من خمسين موضعا من كلامه ~~تعالى ولم يقصد ولا في واحد منها الأنبياء الماضون مع كثرة ورود ذكرهم في ~~القرآن نعم ذكرهم الله بلفظ رسل من قبلك أو رسل من قبلي أو نحوها بالإضافة ~~إلى الضمير الراجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمراد بتمكين دينهم الذي ارتضى لهم كما مر ثبات الدين على ساقه بحيث لا # يزلزله اختلافهم في أصوله ولا مساهلتهم في إجراء أحكامه والعمل بفروعه ~~وخلوص المجتمع من وصمة النفاق فيه. # والمراد من تبديل خوفهم أمنا انبساط الأمن والسلام على مجتمعهم بحيث لا ~~يخافون عدوا في داخل مجتمعهم أو خارجه متجاهرا أو مستخفيا على دينهم أو ~~دنياهم. # وقول بعضهم إن المراد الخوف من العدو الخارج من مجتمعهم كما كان المسلمون ~~يخافون الكفار والمشركين القاصدين إطفاء نور الله وإبطال الدعوة. # تحكم مدفوع بإطلاق اللفظ من غير قرينة معينة للمدعى على أن الآية في مقام ~~الامتنان وأي امتنان على قوم لا عدو يقصدهم من خارج وقد أحاط بمجتمعهم ~~الفساد وعمته البلية لا أمن لهم في نفس ولا عرض ولا مال الحرية فيه للقدرة ~~الحاكمة والسبق فيه للفئة الباغية. # والمراد بكونهم يعبدون الله لا يشركون به شيئا ما يعطيه حقيقة معنى اللفظ ~~وهو عموم ms5652 إخلاص العبادة وانهدام بنيان كل كرامة إلا كرامة التقوى. PageV15P080 # والمتحصل من ذلك كله أن الله سبحانه يعد الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات ~~أن سيجعل لهم مجتمعا صالحا خالصا من وصمة الكفر والنفاق والفسق يرث الأرض ~~لا يحكم في عقائد أفراده عامة ولا أعمالهم إلا الدين الحق يعيشون آمنين من ~~غير خوف من عدو داخل أو خارج، أحرارا من كيد الكائدين وظلم الظالمين وتحكم ~~المتحكمين. # وهذا المجتمع الطيب الطاهر على ما له من صفات الفضيلة والقداسة لم يتحقق ~~ولم ينعقد منذ بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وإن ~~انطبق فلينطبق على زمن ظهور المهدي (عليه السلام) على ما ورد من صفته في ~~الأخبار المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) لكن على أن يكون الخطاب للمجتمع الصالح لا له (عليه السلام) وحده. # فإن قلت: ما معنى الوعد حينئذ للذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وليس ~~المهدي (عليه السلام) أحد المخاطبين حين النزول ولا واحد من أهل زمان ظهوره ~~بينهم؟ قلت: فيه خلط بين الخطابات الفردية والاجتماعية أعني الخطاب المتوجه ~~إلى أشخاص القوم بما هم أشخاص بأعيانهم والخطاب المتوجه إليهم بما هم قوم ~~على نعت كذا فالأول لا يتعدى إلى غير أشخاصهم ولا ما تضمنه من وعد أو وعيد ~~أو غير ذلك # يسري إلى غيرهم والثاني يتعدى إلى كل من اتصف بما ذكر فيه من الوصف ويسري ~~إليه ما تضمنه من الحكم، وخطاب الآية من القبيل الثاني على ما تقدم. # ومن هذا القبيل أغلب الخطابات القرآنية المتوجهة إلى المؤمنين والكفار، ~~ومنه الخطابات الذامة لأهل الكتاب وخاصة اليهود بما فعله أسلافهم وللمشركين ~~بما صنعه آباؤهم. # ومن هذا القبيل خاصة ما ذكر من الوعد في قوله تعالى: "فإذا جاء وعد ~~الآخرة ليسئوا وجوهكم": الإسراء: 7 فإن الموعودين لم يعيشوا إلى زمن إنجاز ~~هذا الوعد، ونظيره الوعد المذكور في قول ذي القرنين على ما حكاه الله: ~~"فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا": ms5653 الكهف: 98، وكذا وعده ~~تعالى الناس بقيام الساعة وانطواء بساط الحياة الدنيا بنفخ الصور كما قال: ~~"ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة": الأعراف: 187، فوعد ~~الصالحين من المؤمنين بعنوان أنهم مؤمنون صالحون بوعد لا يدركه أشخاص زمان ~~النزول بأعيانهم ولما يوجد أشخاص المجتمع الذي يدرك إنجاز الوعد مما لا ضير ~~فيه البتة. # فالحق أن الآية إن أعطيت حق معناها لم تنطبق إلا على المجتمع الموعود ~~الذي سينعقد بظهور المهدي (عليه السلام) وإن سومح في تفسير مفرداتها وجملها ~~وكان المراد باستخلاف الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات استخلاف الأمة بنوع ~~من التغليب ونحوه، وبتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم كونهم معروفين في الدنيا ~~بالأمة المسلمة وعدهم الإسلام دينا لهم وإن تفرقوا فيه ثلاثا وسبعين فرقة ~~يكفر بعضهم بعضا ويستبيح بعضهم دماء بعض وأعراضهم وأموالهم، وبتبديل خوفهم ~~أمنا يعبدون الله ولا يشركون به شيئا عزة الأمة وشوكتها في الدنيا ~~وانبساطها على معظم المعمورة وظواهر ما يأتون به من صلاة وصوم وحج وإن ~~ارتحل الأمن من بينهم أنفسهم وودعهم الحق والحقيقة، فالوجه أن الموعود بهذا ~~الوعد الأمة، والمراد باستخلافهم ما رزقهم الله من العزة والشوكة بعد ~~الهجرة إلى ما بعد الرحلة ولا موجب لقصر ذلك في زمن الخلفاء الراشدين بل ~~يجري فيما بعد ذلك إلى زمن انحطاط الخلافة الإسلامية. # وأما تطبيق الآية على خلافة الخلفاء الراشدين أو الثلاثة الأول أو خصوص علي # (عليه السلام) فلا سبيل إليه البتة. # قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون" ~~مناسبة مضمون الآية لما سيقت لبيانه الآيات السابقة تعطي أنها من تمامها. # فقوله: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أمر في الحقيقة بطاعته تعالى فيما ~~شرعه لعباده، وتخصيص الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما ركنين في التكاليف ~~الراجعة إلى الله تعالى وإلى الخلق، وقوله: "وأطيعوا الرسول" إنفاذ لولايته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في القضاء والحكومة. PageV15P081 # وقوله: "لعلكم ترحمون" تعليل للأمر بما في المأمور به من المصلحة، والمعنى ~~- على ما يعطيه السياق -: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن في هاتين ~~الطاعتين رجاء ms5654 أن تشملكم الرحمة الإلهية فينجز لكم وعده أو يجعل لكم إنجازه ~~فإن ارتفاع النفاق من بين المسلمين وعموم الصلاح والاتفاق على كلمة الحق ~~مفتاح انعقاد مجتمع صالح يدر عليهم بكل خير. # قوله تعالى: "لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس ~~المصير" من تمام الآيات السابقة، وفيها تأكيد ما مر من وعد الاستخلاف في ~~الأرض وتمكين الدين وتبديل الخوف أمنا. # يخاطب تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الوعد - بخطاب مؤكد - أن ~~لا يظن أن الكفار معجزين لله في الأرض فيمنعونه بما عندهم من القوة والشوكة ~~من أن ينجز وعده، وهذا في الحقيقة بشرى خاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بما أكرم به أمته وأن أعداءه سينهزمون ويغلبون ولذلك خصه بالخطاب على ~~طريق الالتفات. # ولكون النهي المذكور في معنى أن الكفار سينتهون عن معارضة الدين وأهله ~~عطف عليه قوله: "ومأواهم النار" إلخ، كأنه قيل: هم مقهورون في الدنيا ~~ومسكنهم النار في الآخرة وبئس المصير. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "ويقولون آمنا بالله" الآيات قيل: نزلت ~~الآيات في # رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة فدعاه اليهودي إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف. ~~وحكى البلخي أنه كانت بين علي وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي فخرجت ~~فيها أحجار وأراد ردها بالعيب فلم يأخذها فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمه يحكم ~~له فلا تحاكمه إليه فنزلت الآيات:، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~أو قريب منه: أقول: وفي تفسير روح المعاني، عن الضحاك: أن النزاع كان بين ~~علي والمغيرة بن وائل وذكر قريبا من القصة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "إنما كان قول المؤمنين" الآية: وروي عن أبي ~~جعفر: أن المعني بالآية أمير المؤمنين (عليه السلام). # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ms5655 - ~~وعليكم ما حملتم" الآية:، أخرج ابن جرير وابن قانع والطبراني عن علقمة بن ~~وائل الحضرمي عن سلمة بن يزيد الجهني قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان ~~علينا أمراء من بعدك يأخذونا بالحق الذي علينا ويمنعونا الحق الذي جعله ~~الله لنا نقاتلهم ونبغضهم؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): عليهم ما ~~حملوا وعليكم ما حملتم. # أقول: وفي معناه بعض روايات أخر مروية فيه لكن ينبغي أن لا يرتاب في أن ~~الإسلام بما فيه من روح إحياء الحق وإماتة الباطل يأبى عن إجازة ولاية ~~الظلمة المتظاهرين بالظلم وإباحة السكوت وتحمل الضيم والاضطهاد قبال الطغاة ~~والفجرة لمن يجد إلى إصلاح الأمر سبيلا وقد اتضح بالأبحاث الاجتماعية اليوم ~~أن استبداد الولاة برأيهم واتباعهم لأهوائهم في تحكماتهم أعظم خطرا وأخبث ~~أثرا من إثارة الفتن وإقامة الحروب في سبيل إلجائهم إلى الحق والعدل. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم" الآية: واختلف ~~في الآية والمروي عن أهل البيت (عليهم السلام) أنها في المهدي من آل محمد. # قال: وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين (عليهما السلام): أنه قرأ ~~الآية وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يدي رجل منا وهو ~~مهدي هذه الأمة، # وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لو لم يبق من الدنيا ~~إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يأتي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض ~~عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا: وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~(عليه السلام). # أقول: وبذلك وردت الأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تقدم ~~بيان انطباق الآية على ذلك. # وقال في المجمع، بعد نقل الرواية: فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات النبي وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام انتهى. # وقد عرفت أن المراد به عام والرواية لا تدل على أزيد من ذلك حيث قال ~~(عليه السلام): هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يدي رجل منا ms5656 ~~الحديث. PageV15P082 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء: في قوله: "وعد ~~الله الذين آمنوا منكم" الآية قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد. # أقول: ظاهره أن المراد بالذين آمنوا الصحابة وقد عرفت أن الآية لا دلالة ~~فيها عليه بوجه بل الدلالة على خلافه. # وفيه، أخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم ~~العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه ~~فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت: ~~"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات" الآية. # أقول: هو لا يدل على أزيد من سبب النزول وأما أن المراد بالذين آمنوا من ~~هم؟ وأن الله متى أنجز أو ينجز هذا الوعد؟ فلا تعرض له به. # ونظيرته روايته الأخرى: لما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات" الآية قال: بشر هذه الأمة ~~بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منكم عمل الآخرة ~~للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب. # فإن تبشير الأمة بالاستخلاف لا يستلزم كون المراد بالذين آمنوا في الآية ~~جميع الأمة أو خصوص الصحابة أو نفرا معدودا منهم. # وفي نهج البلاغة،: في كلام له لعمر لما استشاره لانطلاقه لقتال أهل فارس ~~حين تجمعوا للحرب قال (عليه السلام): إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه ~~بكثرة ولا بقلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ~~ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عز اسمه: وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم ~~دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. والله تعالى منجز وعده ~~وناصر جنده، ومكان القيم في الإسلام مكان النظام ms5657 من الخرز فإن انقطع النظام ~~تفرق ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون ~~بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار ~~الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض تنقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى ~~يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك، وكان قد آن للأعاجم ~~أن ينظروا إليك غدا يقولون: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك ~~أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نقاتل فيما مضى ~~بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة. # أقول: وقد استدل به في روح المعاني، على ما ارتضاه من كون المراد ~~بالاستخلاف في الآية ظهور الإسلام وارتفاع قدره في زمن الخلفاء الراشدين ~~وهو بمعزل عن ذلك بل دليل على خلافه، فإن ظاهر كلامه أن الوعد الإلهي لم ~~يتم أمر إنجازه بعد وأنهم يومئذ في طريقه حيث يقول: والله منجز وعده، وأن ~~الدين لم يمكن بعد ولا الخوف بدل أمنا وكيف لا؟ وهم بين خوفين خوف من تنقض ~~العرب من داخل وخوف من مهاجمة الأعداء من خارج. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنت جالسا مع ~~حذيفة وابن مسعود فقال حذيفة ذهب النفاق إنما كان النفاق على عهد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما هو اليوم الكفر بعد الإيمان فضحك ابن ~~مسعود ثم قال: بم تقول؟ قال: بهذه الآية "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات" إلى آخر الآية. # أقول: ليت شعري أين ذهب منافقو عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ~~وشواهد الكتاب العزيز والتاريخ تدل على أنهم ما كانوا بأقل من ثلث أهل ~~المدينة ومعظمهم بها أصدقوا الإسلام يوم رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أم تغيرت آراؤهم في تربصهم الدوائر وتقليبهم الأمور؟. PageV15P083 ### ||| AUTO 24 سورة النور - 58 - 64 # يأيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم ثلث مرت من قبل صلوة الفجر وحين تضعون ثيابكم ms5658 من الظهيرة ومن بعد صلوة ~~العشاء ثلث عورت لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوفون عليكم بعضكم على ~~بعض كذلك يبين الله لكم الايت والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الأطفل منكم ~~الحلم فليستئذنوا كما استئذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم ءايته ~~والله عليم حكيم (59) والقوعد من النساء التى لا يرجون نكاحا فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجت بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ~~(60) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابائكم أو بيوت أمهتكم أو بيوت إخونكم ~~أو بيوت أخوتكم أو بيوت أعممكم أو بيوت عمتكم أو بيوت أخولكم أو بيوت خلتكم ~~أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ~~فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مبركة طيبة كذلك يبين ~~الله لكم الايت لعلكم تعقلون (61) إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ~~وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما فى ~~السموت والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ~~والله بكل شىء عليم (64) ### |||| AUTO بيان # بقية الأحكام المذكورة في السورة وتختتم السورة بآخر الآيات وفيها إشارة ~~إلى أن الله سبحانه إنما يشرع ما يشرع بعلمه وسيظهر وسينكشف لهم حقيقته حين ~~يرجعون إليه. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم" إلى آخر الآية. # وضع الثياب خلعها وهو كناية عن كونهم على حال ربما لا يحبون أن يراهم ~~عليها الأجنبي. # والظهيرة وقت الظهر، والعورة السوأة سميت بها لما ms5659 يلحق الإنسان من ~~انكشافها من العار وكان المراد بها في الآية ما ينبغي ستره. # فقوله: "يا أيها الذين آمنوا" إلخ، تعقيب لقوله سابقا: "يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا" إلخ، القاضي بتوقف دخول البيت على الإذن وهو كالاستثناء ~~من عمومه في العبيد والأطفال بأنه يكفيهم الاستيذان ثلاث مرات في اليوم. # وقوله: "ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم" أي مروهم أن يستأذنوكم للدخول، ~~وظاهر الذين ملكت أيمانكم العبيد دون الإماء وإن كان اللفظ لا يأبى عن ~~العموم بعناية التغليب، وبه وردت الرواية كما سيجيء. # وقوله: "والذين لم يبلغوا الحلم منكم" يعني المميزين من الأطفال قبل ~~البلوغ، والدليل على تقيدهم بالتمييز قوله بعد: "ثلاث عورات لكم". # وقوله: "ثلاث مرات" أي كل يوم بدليل تفصيله بقوله: "من قبل صلاة الفجر ~~وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة - أي وقت الظهر - ومن بعد صلاة العشاء"، وقد ~~أشار إلى وجه الحكم بقوله: "ثلاث عورات لكم" أي الأوقات الثلاثة ثلاث عورات ~~لكم لا ينبغي بالطبع أن يطلع عليكم فيها غيركم. PageV15P084 # وقوله: "ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن" أي لا مانع لكم من أن لا تأمروهم ~~بالاستيذان ولا لهم من أن لا يستأذنوكم في غير هذه الأوقات، وقد أشار إلى ~~جهة نفي الجناح بقوله: "طوافون عليكم بعضكم على بعض" أي هم كثير الطوف ~~عليكم بعضكم يطوف على بعض للخدمة فالاستيذان كلما دخل حرج عادة فليكتفوا ~~فيه بالعورات الثلاث. # ثم قال: "كذلك يبين الله لكم الآيات" أي أحكام دينه التي هي آيات دالة ~~عليه "والله عليم" يعلم أحوالكم وما تستدعيه من الحكم "حكيم" يراعي مصالحكم ~~في أحكامه. # قوله تعالى: "وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا" إلخ، بيان أن حكم # الاستيذان ثلاث مرات في الأطفال مغيى بالبلوغ فإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم بأن بلغوا فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم وهم البالغون من ~~الرجال والنساء الأحرار "كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم". # قوله تعالى: "والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا" إلى آخر الآية. # القواعد جمع قاعدة وهي المرأة التي قعدت ms5660 عن النكاح فلا ترجوه لعدم الرغبة ~~في مباشرتها لكبرها، فقوله: "اللاتي لا يرجون نكاحا" وصف توضيحي، وقيل: هي ~~التي يئست من الحيض، والوصف احترازي. # وفي المجمع:، التبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره، وأصله ~~الظهور ومنه البرج البناء العالي لظهوره. # والآية في معنى الاستثناء من عموم حكم الحجاب، والمعنى: والكبائر المسنة ~~من النساء فلا بأس عليهن أن لا يحتجبن حال كونهن غير متبرجات بزينة. # وقوله: "وأن يستعففن خير لهن" كناية عن الاحتجاب أي الاحتجاب خير لهن من ~~وضع الثياب، وقوله: "والله سميع عليم" تعليل لما شرع بالاسمين أي هو تعالى ~~سميع يسمع ما يسألنه بفطرتهن عليم يعلم ما يحتجن إليه من الأحكام. # قوله تعالى: "ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم - إلى قوله - أو صديقكم" ظاهر الآية أن ~~فيها جعل حق للمؤمنين أن يأكلوا من بيوت قراباتهم أو التي اؤتمنوا عليها أو ~~بيوت أصدقائهم فهم مأذونون في أن يأكلوا منها بمقدار حاجتهم من غير إسراف ~~وإفساد. # فقوله: "ليس على الأعمى حرج - إلى قوله - ولا على أنفسكم" في عطف على ~~أنفسكم" على ما تقدمه دلالة على أن عد المذكورين ليس لاختصاص الحق بهم بل ~~لكونهم أرباب عاهات يشكل عليهم أن يكتسبوا الرزق بعمل أنفسهم أحيانا وإلا ~~فلا فرق بين الأعمى والأعرج والمريض وغيرهم في ذلك. # وقوله: "من بيوتكم أو بيوت آبائكم" إلخ، في عد "بيوتكم" مع بيوت الأقرباء ~~وغيرهم إشارة إلى نفي الفرق في هذا الدين المبني على كون المؤمنين بعضهم # أولياء بعض بين بيوتهم أنفسهم وبيوت أقربائهم وما ملكوا مفاتحه وبيوت ~~أصدقائهم. # على أن "بيوتكم" يشمل بيت الابن والزوج كما وردت به الرواية، وقوله: "أو ~~ما ملكتم مفاتحه" المفاتح جمع مفتح وهو المخزن، والمعنى: أو البيت الذي ~~ملكتم أي تسلطتم على مخازنه التي فيها الرزق كما يكون الرجل قيما على بيت ~~أو وكيلا أو سلم إليه مفتاحه. # وقوله: "أو صديقكم" معطوف على ما تقدمه بتقدير بيت ms5661 على ما يعلم من سياقه، ~~والتقدير أو بيت صديقكم. # قوله تعالى: "ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا" الأشتات جمع شت ~~وهو مصدر بمعنى التفرق استعمل بمعنى المتفرق مبالغة ثم جمع أو صفة بمعنى ~~المتفرق كالحق، والمعنى لا إثم عليكم أن تأكلوا مجتمعين وبعضكم مع بعض أو ~~متفرقين، والآية عامة وإن كان نزولها لسبب خاص كما روي. # وللمفسرين في هذا الفصل من الآية وفي الفصل الذي قبلها اختلافات شديدة ~~رأينا الصفح عن إيرادها والغور في البحث عنها أولى، وما أوردناه من المعنى ~~في الفصلين هو الذي يعطيه سياقهما. # قوله تعالى: "فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة" إلخ، لما تقدم ذكر البيوت فرع عليه ذكر أدب الدخول فيها فقال: ~~"فإذا دخلتم بيوتا". # فقوله: "فسلموا على أنفسكم" المراد فسلموا على من كان فيها من أهلها وقد ~~بدل من قوله: "على أنفسكم" للدلالة على أن بعضهم من بعض فإن الجميع إنسان ~~وقد خلقهم الله من ذكر وأنثى على أنهم مؤمنون والإيمان يجمعهم ويوحدهم أقوى ~~من الرحم وأي شيء آخر. PageV15P085 # وليس ببعيد أن يكون المراد بقوله: فسلموا على أنفسكم" أن يسلم الداخل على ~~أهل البيت ويرد السلام عليه. # وقوله: "تحية من عند الله مباركة طيبة" أي حال كون السلام تحية من عند ~~الله شرعها الله وأنزل حكمها ليحيي بها المسلمون وهو مبارك ذو خير كثير باق وطيب # يلائم النفس فإن حقيقة هذه التحية بسط الأمن والسلامة على المسلم عليه ~~وهو أطيب أمر يشترك فيه المجتمعان. # ثم ختم سبحانه الآية بقوله: "كذلك يبين الله لكم الآيات" وقد مر تفسيره ~~"لعلكم تعقلون" أي تعلموا معالم دينكم فتعملوا بها كما قيل. # قوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه" ذكر قوله "الذين آمنوا بالله ورسوله" ~~بيانا للمؤمنين على ظهور معناه للدلالة على اتصافهم بحقيقة المعنى أي إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله بحقيقة الإيمان وأيقنوا بتوحده تعالى ~~واطمأنت نفوسهم وتعلقت ms5662 قلوبهم برسوله. # ولذلك عقبه بقوله: "وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه" ~~والأمر الجامع هو الذي يجمع الناس للتدبر في أطرافه والتشاور والعزم عليه ~~كالحرب ونحوها. # والمعنى: وإذا كانوا مع الرسول بالاجتماع عنده على أمر من الأمور العامة ~~لم يذهبوا ولم ينصرفوا من عند الرسول حتى يستأذنوه للذهاب. # ولذلك أيضا عقبه بقوله: "إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله" وهو بمنزلة عكس صدر الآية للدلالة على الملازمة وعدم الانفكاك. # وقوله: "فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم" تخيير منه تعالى ~~لرسوله في أن يأذن لمن شاء ولا يأذن لمن لم يشأ. # وقوله: "واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم" أمر له بالاستغفار لهم ~~تطييبا لنفوسهم ورحمة بهم. # قوله تعالى: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" إلى آخر ~~الآية، دعاء الرسول هو دعوته الناس إلى أمر من الأمور كدعوتهم إلى الإيمان ~~والعمل الصالح، ودعوتهم ليشاورهم في أمر جامع، ودعوتهم إلى الصلاة جامعة، ~~وأمرهم بشيء في أمر دنياهم أو أخراهم فكل ذلك دعاء ودعوة منه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # ويشهد بهذا المعنى قوله ذيلا: "قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا" وما # يتلوه من تهديد مخالفي أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) كما لا يخفى. # وهو أنسب لسياق الآية السابقة فإنها تمدح الذين يلبون دعوته ويحضرون عنده ~~ولا يفارقونه حتى يستأذنوه وهذه تذم وتهدد الذين يدعوهم فيتسللون عنه لواذا ~~غير مهتمين بدعائه ولا معتنين. # ومن هنا يعلم عدم استقامة ما قيل إن المراد بدعاء النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) خطابه فيجب أن يفخم ولا يساوى بينه وبين غيره من الناس فلا يقال ~~له: يا محمد ويا ابن عبد الله، بل: يا رسول الله. # وكذا ما قيل: إن المراد بالدعاء دعاؤه عليهم لو أسخطوه فهو نهي عن التعرض ~~لدعائه عليهم بإسخاطه فإن الله تعالى لا يرد دعاءه هذا، وذلك لأن ذيل الآية ~~لا يساعد على شيء من الوجهين. # وقوله: "قد يعلم الله الذين يتسللون ms5663 منكم لواذا" التسلل: الخروج من البين ~~برفق واحتيال من سل السيف من غمده، و- اللواذ: الملاوذة وهو أن يلوذ ~~الإنسان ويلتجىء إلى غيره فيستتر به، والمعنى: أن الله يعلم منكم الذين ~~يخرجون من بين الناس والحال أنهم يلوذون بغيرهم ويستترون به فينصرفون فلا ~~يهتمون بدعاء الرسول ولا يعتنون به. # وقوله: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم" ظاهر سياق الآية بما تقدم من المعنى أن ضمير "عن أمره" للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو دعاؤه، ففي الآية تحذير لمخالفي أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ودعوته من أن تصيبهم فتنة وهي البلية أو يصيبهم عذاب أليم. # وقيل: ضمير "عن أمره" راجع إلى الله سبحانه، والآية وإن لم يقع فيها أمر ~~منه تعالى لكن نهيه المذكور بقوله: "لا تجعلوا دعاء الرسول" إلخ، في معنى ~~أجيبوا دعاء الرسول، وهو أمر، وأول الوجهين أوجه. # قوله تعالى: "ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه" ~~اختتام للسورة ناظر إلى قوله في مفتتحها: "سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا ~~فيها آيات بينات" فما في مختتمها كالتعليل لما في مفتتحها. PageV15P086 # فقوله: "ألا إن لله ما في السماوات والأرض" بيان لعموم الملك وأن كل شيء # مملوك لله سبحانه قائم به فهي معلومة له بجميع خصوصيات وجودها فيعلم ما ~~تحتاج إليه، والناس من جملة ما يعلم بحقيقة حاله وما يحتاج إليه فالذي ~~يشرعه لهم من الدين مما يحتاجون إليه في حياتهم كما أن ما يرزقهم من ~~المعيشة مما يحتاجون إليه في بقائهم. # فقوله: "قد يعلم ما أنتم عليه" - أي من حقيقة الحال المنبئة عن الحاجة - ~~بمنزلة النتيجة المترتبة على الحجة أي ملكه لكم ولكل شيء يستلزم علمه ~~بحالكم وبما تحتاجون إليه من شرائع الدين فيشرعه لكم ويفرضه عليكم. # وقوله: "ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم" معطوف ~~على قوله: "ما أنتم عليه" أي ويعلم يوما يرجعون إليه وهو يوم القيامة ~~فيخبرهم بحقيقة ما عملوا والله بكل شيء ms5664 عليم. # وفي هذا الذيل حث على الطاعة والانقياد لما شرعه وفرضه من الأحكام والعمل ~~به من جهة أنه سيخبرهم بحقيقة ما عملوا به كما أن في الصدر حثا على القبول ~~من جهة أن الله إنما شرعها لعلمه بحاجتهم إليها وأنها التي ترفع بها ~~حاجتهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم" ~~الآية:، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن ابن عباس قال: آية لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر ~~جاريتي هذه لجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: إن الله تبارك وتعالى نهى أن يدخل أحد ~~في هذه الثلاثة الأوقات على أحد لا أب ولا أخت ولا أم ولا خادم إلا بإذن، ~~والأوقات بعد طلوع الفجر ونصف النهار وبعد العشاء الآخرة. ثم أطلق بعد هذه ~~الثلاثة الأوقات فقال: "ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن" يعني بعد هذه ~~الثلاثة الأوقات "طوافون عليكم بعضكم على بعض". # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: # "ملكت أيمانكم" قال: هي خاصة في الرجال دون النساء. قلت: فالنساء يستأذن ~~في هذه الثلاث ساعات؟ قال: لا ولكن يدخلن ويخرجن "والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم" قال: من أنفسكم، قال عليكم استيذان كاستيذان من قد بلغ في هذه الثلاث ساعات. # أقول: وروي فيه روايات أخرى غيرها في كون المراد بالذين ملكت أيمانكم ~~الذكور دون الإناث عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # وفي المجمع،: في الآية: معناه مروا عبيدكم وإماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا ~~أرادوا الدخول إلى موضع خلواتكم عن ابن عباس وقيل: أراد العبيد خاصة عن ابن ~~عمر: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وبهذه الأخبار وبظهور الآية يضعف ما رواه الحاكم عن علي (عليه ~~السلام) في الآية قال: النساء فإن الرجال يستأذنون. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن ms5665 أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ~~العشاء فإنما هي في كتاب الله العشاء وإنما يعتم بحلاب الإبل. # أقول: وروي مثله عن عبد الرحمن بن عوف ولفظه: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم قال الله: "ومن ~~بعد صلاة العشاء" وإنما العتمة عتمة الإبل. # وفي الكافي، بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قرأ "أن ~~يضعن من ثيابهن" قال: الجلباب والخمار إذا كانت المرأة مسنة. # أقول: وفي معناه أخبار أخر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان أهل ~~المدينة قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخالطهم في طعامهم ~~أعمى ولا مريض ولا أعرج لأن الأعمى لا يبصر طيب الطعام، والمريض لا يستوفي ~~الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام فنزلت ~~رخصة في مؤاكلتهم. # وفيه، أخرج الثعلبي عن ابن عباس قال: خرج الحارث غازيا مع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وخلف على أهله خالد بن زيد فحرج أن يأكل من طعامه ~~وكان مجهودا فنزلت. PageV15P087 # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان هذا ~~الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في ~~الجاهلية حتى أن كان الرجل يسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ~~ويشاربه فأنزل الله: "ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا". # أقول: وفي معنى هذه الروايات روايات أخر. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: "أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم" قال: هؤلاء الذين سمى الله عز ~~وجل في هذه الآية يأكل بغير إذنهم من التمر والمأدوم وكذلك تطعم المرأة من ~~منزل زوجها بغير إذنه فأما ما خلا ذلك من الطعام فلا. وفيه، ms5666 بإسناده عن أبي ~~حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لرجل: أنت ومالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): وما أحب ~~له أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد له منه إن الله لا يحب ~~الفساد. وفيه، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن رجل لابنه مال فيحتاج الأب قال: يأكل منه فأما الأم فلا تأكل منه ~~إلا قرضا على نفسها. # وفيه، بإسناده عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~للمرأة أن تأكل وأن تصدق وللصديق أن يأكل من منزل أخيه ويتصدق. # وفيه، بإسناده عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قول الله عز وجل: "أو ما ملكتم مفاتحه" قال: الرجل يكون له وكيل يقوم في ~~ماله فيأكل بغير إذنه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أن تأكلوا من بيوتكم"، وقيل معناه من بيوت ~~أولادكم ويدل عليه قوله (عليه السلام) أنت ومالك لأبيك وقوله (عليه ~~السلام): إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه. # أقول: وفي هذه المعاني روايات كثيرة أخرى. # وفي المعاني، بإسناده عن أبي الصباح قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: "فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم" الآية فقال: هو ~~تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم. # أقول: وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في تفسير الآية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إلى قوله - حتى ~~يستأذنوه" فإنها نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لأمر من الأمور في بعث يبعثه أو حرب قد حضرت يتفرقون بغير إذنه ~~فنهاهم الله عز وجل عن ذلك. # وفيه،: في قوله تعالى: "فإذا استأذنوك لبعض شأنهم - فأذن لمن شئت منهم" ~~قال: نزلت في حنظلة بن أبي عياش ms5667 وذلك أنه تزوج في الليلة التي كان في ~~صبيحتها حرب أحد فاستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقيم عند ~~أهله فأنزل الله عز وجل هذه الآية "فأذن لمن شئت منهم" فأقام عند أهله ثم ~~أصبح وهو جنب فحضر القتال فاستشهد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحائف فضة بين السماء ~~والأرض فكان يسمى غسيل الملائكة. # وفيه،: في قوله تعالى: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" ~~قال: لا تدعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدعو بعضكم بعضا، ~~وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله عز وجل: "لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا"، يقول: لا تقولوا: يا محمد ولا ~~يا أبا القاسم لكن قولوا: يا نبي الله ويا رسول الله: أقول: وروي مثله عن ~~ابن عباس، وقد تقدم أن ذيل الآية لا يلائم هذا المعنى تلك الملائمة. PageV15P088 ### || AUTO ### ||| AUTO 25 سورة الفرقان - 1 - 3 # بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين ~~نذيرا (1) الذى له ملك السموت والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى ~~الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا ~~نشورا (3) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة بيان أن دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوة حقة عن ~~رسالة من جانب الله تعالى وكتاب نازل من عنده وفيها عناية بالغة بدفع ما ~~أورده الكفار على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا من جانب الله ~~وكون كتابه نازلا من عنده ورجوع إليه كرة بعد كرة. # وقد استتبع ذلك شيئا من الاحتجاج على التوحيد ونفي الشريك وذكر بعض أوصاف ~~يوم القيامة وذكر نبذة من نعوت المؤمنين الجميلة، والكلام فيها جار على ~~سياق الإنذار والتخويف دون التبشير. # والسورة مكية على ما يشهد به سياق ms5668 عامة آياتها نعم ربما استثني منها ثلاث ~~آيات وهي قوله تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - إلى قوله - ~~غفورا رحيما". # ولعل الوجه فيه اشتمالها على تشريع حرمة الزنا لكنك قد عرفت فيما أوردناه ~~من أخبار آية الخمر من سورة المائدة أن الزنا والخمر كانا معروفين بالتحريم ~~في الإسلام من أول ظهور الدعوة الإسلامية. # ومن العجيب قول بعضهم: إن السورة مدنية كلها إلا ثلاث آيات من أولها ~~"تبارك الذي" - إلى قوله نشورا". # قوله تعالى: "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا" ~~البركة بفتحتين ثبوت الخير في الشيء كثبوت الماء في البركة بالكسر فالسكون ~~مأخوذ من برك البعير إذا ألقى صدره على الأرض واستقر عليها، ومنه التبارك ~~بمعنى ثبوت الخير الكثير وفي صيغته دلالة على المبالغة على ما قيل، وهو ~~كالمختص به تعالى لم يطلق على غيره إلا على سبيل الندرة. # والفرقان هو الفرق سمي به القرآن لنزول آياته متفرقة أو لتمييزه الحق من ~~الباطل ويؤيد هذا المعنى إطلاق الفرقان في كلامه تعالى على التوراة أيضا مع ~~نزولها دفعة، قال الراغب في المفردات:، والفرقان أبلغ من الفرق لأنه يستعمل ~~في الفرق بين الحق والباطل، وتقديره كتقدير رجل قنعان يقنع به في الحكم، ~~وهو اسم لا مصدر فيما قيل، والفرق يستعمل فيه وفي غيره. # انتهى. # والعالمون جمع عالم ومعناه الخلق قال في الصحاح:، العالم الخلق والجمع ~~العوالم، والعالمون أصناف الخلق انتهى. # واللفظة وإن كانت شاملة لجميع الخلق من الجماد والنبات والحيوان والإنسان ~~والجن والملك لكن سياق الآية - وقد جعل فيها الإنذار غاية لتنزيل القرآن - ~~يدل على كون المراد بها المكلفين من الخلق وهم الثقلان: الإنس والجن فيما نعلم. # وبذلك يظهر عدم استقامة ما ذكره بعضهم أن الآية تدل على عموم رسالته (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لجميع ما سوى الله فإن فيه غفلة عن وجه التعبير عن ~~الرسالة بالإنذار ونظير الآية قوله تعالى: "واصطفاك على نساء العالمين": آل ~~عمران: 42 وقوله: "وفضلناهم على العالمين": الجاثية: 16. # والنذير بمعنى المنذر على ms5669 ما قيل، والإنذار قريب المعنى من التخويف. # فقوله تعالى: "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده" أي ثبت وتحقق خير كثير ~~فيمن نزل الفرقان على عبده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وثبوت الخير ~~الكثير العائد إلى الخلق فيه تعالى كناية عن فيضانه منه على خلقه حيث نزل ~~على عبده كتابا فارقا بين الحق والباطل منقذا للعالمين من الضلال سائقا لهم ~~إلى الهدى. PageV15P089 # والجمع في الآية بين نزول القرآن من عنده تعالى وكون النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) رسولا منه نذيرا للعالمين مع تسمية القرآن فرقانا بين الحق ~~والباطل وتوصيف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكونه عبدا له نذيرا ~~للعالمين المشعر بكونه مملوكا مأمورا لا يملك من نفسه شيئا كل ذلك تمهيد ~~لما سيحكي - عن المشركين من طعنهم في القرآن بأنه افتراء على الله اختلقه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعانه على ذلك قوم آخرون، ومن طعنهم في ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وسائر ~~ما تفوهوا به - وما يدفع به مطاعنهم. # فالمحصل أنه كتاب يفرق بحجته الباهرة بين الحق والباطل فلا يكون إلا حقا ~~إذ الباطل لا يفرق بين الحق والباطل وإنما يشبه الباطل بالحق ليلبس على ~~الناس، وأن الذي جاء به عبد مطيع لله ينذر به العالمين ويدعوهم إلى الحق ~~فلا يكون إلا على الحق ولو كان مبطلا لم يدع إلى الحق بل حاد عنه وانحرف ~~على أن الله سبحانه يشهد في كلامه المعجز بصدق رسالته وأن الذي جاء به من ~~الكتاب منزل من عنده. # ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالفرقان مطلق الكتب السماوية ~~المنزلة على الأنبياء وبعبده عامة الأنبياء (عليهم السلام)، ولا يخفى بعده ~~من ظاهر اللفظ. # وقوله تعالى: "ليكون للعالمين نذيرا" اللام للتعليل وتدل على أن غاية ~~تنزيل الفرقان على عبده أن يكون منذرا لجميع العالمين من الإنس والجن، ~~والجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق، ولا يخلو الإتيان بصيغة الجمع المحلى ~~باللام من إشارة إلى ms5670 أن للجميع إلها واحدا لا كما يذهب إليه الوثنيون حيث ~~يتخذ كل قوم إلها غير ما يتخذه الآخرون. # والاكتفاء بذكر الإنذار دون التبشير لأن الكلام في السورة مسوق سوق ~~الإنذار والتخويف. # قوله تعالى: "الذي له ملك السموات والأرض" إلى آخر الآية. # الملك بكسر الميم وفتحها قيام شيء بشيء بحيث يتصرف فيه كيف شاء سواء كان ~~قيام رقبته به كقيام رقبة المال بمالكه بحيث كان له أنواع التصرف فيه أو ~~قيامه به باستيلائه عليه بالتصرف بالأمر والنهي وأنواع الحكم كاستيلاء ~~الملك على الناس من رعيته وما في أيديهم، ويطلق على القسم الثاني الملك بضم الميم. # فالملك بكسر الميم أعم من الملك بضمها كما قال الراغب الملك بفتح الميم ~~وكسر اللام - هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة ~~الناطقين، ولهذا يقال: ملك الناس ولا يقال: ملك الأشياء - إلى أن قال - ~~فالملك بالضم - ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم، والملك - بالكسر - كالجنس ~~للملك فكل ملك - بالضم - ملك بالكسر - وليس كل ملك - بالكسر - ملكا - بالضم ~~- انتهى. # وربما يخص الملك بالكسر بما يتعلق بالرقبة، والملك بالضم بغيره. # فقوله تعالى: "الذي له ملك السماوات والأرض" واللام للاختصاص - يفيد أن ~~السماوات والأرض مملوكة له غير مستقلة بنفسها في جهة من جهاتها ولا مستغنية ~~عن التصرف فيها بالحكم وأن الحكم فيها وإدارة رحاها يختص به تعالى فهو ~~المليك المتصرف بالحكم فيها على الإطلاق. # وبذلك يظهر ترتب قوله: "ولم يتخذ ولدا" على ما تقدمه فإن الملك على ~~الإطلاق لا يدع حاجة إلى اتخاذ الولد إذ اتخاذ الولد لأحد أمرين إما لكون ~~الشخص لا يقوى على إدارة رحى جميع أموره ولا يملك تدبيرها جميعا فيتخذ ~~الولد ليستعين به على بعض حوائجه والله سبحانه يملك كل شيء ويقوى على ما ~~أراد، وإما لكون الشخص محدود البقاء لا يملك ما يملك إلا في أمد محدود ~~فيتخذ الولد ليخلفه فيقوم على أموره بعده والله سبحانه يملك كل شيء سرمدا ~~ولا يعتريه فناء وزوال فلا حاجة له إلى اتخاذ الولد البتة وفيه رد ms5671 على ~~المشركين والنصارى. # وكذا قوله تعالى بعده: "ولم يكن له شريك في الملك" فإن الحاجة إلى الشريك ~~إنما هي فيما إذا لم يستوعب الملك الأمور كلها وملكه تعالى عام لجميع ~~الأشياء محيط بجميع جهاتها لا يشذ منه شاذ، وفيه رد على المشركين. # وقوله تعالى: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا" بيان لرجوع تدبير عامة الأمور ~~إليه تعالى وحده بالخلق والتقدير فهو رب العالمين لا رب سواه. PageV15P090 # بيان ذلك أن الخلقة لما كانت بتوسيط الأسباب المتقدمة على الشيء والمقارنة ~~له استلزم ذلك ارتباط وجودات الأشياء بعضها ببعض فيتقدر وجود كل شيء وآثار ~~وجوده حسب ما تقدره العلل والعوامل المتقدمة عليه والمقارنة له فالحوادث ~~الجارية في العالم على النظام المشهود مختلطة بالخلقة تابعة للعلل والعوامل ~~المتقدمة والمقارنة وإذ لا خالق غير الله سبحانه فلا مدبر للأمر غيره فلا ~~رب يملك الأشياء ويدبر أمرها غيره. # فكونه تعالى له ملك السماوات والأرض حاكما متصرفا فيها على الإطلاق ~~يستلزم قيام الخلقة به إذ لو قامت بغيره كان الملك لذلك الغير، وقيام ~~الخلقة به يستلزم قيام التقدير به، لكون التقدير متفرعا على الخلقة، وقيام ~~التقدير به يستلزم قيام التدبير به فله الملك والتدبير فهو الرب عز شأنه. # وملكه تعالى للسماوات والأرض وإن استلزم استناد الخلق والتقدير إليه لكن ~~لما كان الوثنيون مع تسليمهم عموم ملكه يرون أن ملكه للجميع وربوبيته للكل ~~لا ينافي ملك آلهتهم وربوبيتهم للبعض بتفويضه تعالى ذلك إليهم فكل من ~~الآلهة مليك في صقع ألوهيته رب لمربوبيته والله سبحانه ملك الملوك ورب ~~الأرباب وإله الآلهة. # فلذلك لم يكف قوله: "الذي له ملك السماوات والأرض" لإثبات اختصاص ~~الربوبية به تعالى قبالهم بل احتج إلى الإتيان بقوله: "وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا". # فكأن قائلا يقول: هب أن ملكه للسماوات والأرض يغنيه عن اتخاذ الولد ~~والشريك الموجب لسلب ملكه عن بعض الأشياء لكن لم لا يجوز أن يتخذ بعض خلقه ~~شريكا لنفسه بتفويض بعض أمور العالم إليه مع كونه مالكا له ولما فوضه إليه ~~وهذا هو الذي ms5672 كانت يراه المشركون فقد كانوا يقولون في تلبية الحج لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # فأجيب عنه بأن الخلق له سبحانه والتقدير يلازمه وإذا اجتمعا لزمهما ~~التدبير فله سبحانه تدبير كل شيء فليس مع ملكه ملك ولا مع ربوبيته ربوبية. # فقد تحصل أن قوله: "الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك" مسوق لتوحيد الربوبية ونفي الولد والشريك من طريق إثبات ~~الملك المطلق، وأن قوله: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا" تقرير وبيان لمعنى ~~عموم الملك وأنه ملك متقوم بالخلق والتقدير موجب لتصديه تعالى لكل حكم ~~وتدبير من غير أن يفوض شيئا من الأمر إلى أحد من الخلق. # وفي الآية والتي قبلها لهم أقوال أخر أغمضنا عن إيرادها لخلوها عن ~~الجدوى. # قوله تعالى: "واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون" إلخ، لما ~~نعت نفسه بأنه خالق كل شيء ومقدره وأن له ملك السماوات والأرض وهكذا كان ~~يجب أن يكون الإله المعبود، أشار إلى ضلالة المشركين حيث عبدوا أصناما ليست ~~بخالقة شيئا بل هي مخلوقة مصنوعة لهم ولا مالكة شيئا لأنفسهم ولا لغيرهم. # وضمير "واتخذوا" للمشركين على ما يفيده السياق وإن لم يسبق لهم ذكر ومثل ~~هذا التعبير يفيد التحقير والاستهانة. # وقوله: "من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون" يريد به أصنامهم التي ~~صنعوها بأيديهم بنحت أو نحوه، وتوصيفها بالآلهة مع تعقيبها بمثل قوله: "لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون" إشارة إلى أن ليس لها من الألوهية إلا اسم سموها ~~به من غير أن تتحقق من حقيقتها بشيء كما قال تعالى: "إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم": النجم: 23. # ووضع النكرة في قوله: "لا يخلقون شيئا" في سياق النفي مبالغة في تقريعهم ~~حيث أعرضوا عن الله سبحانه وهو خالق كل شيء وتعلقوا بأصنام لا يخلقون ولا ~~شيئا من الأشياء بل هم أردأ حالا من ذلك حيث إنهم مصنوعون لعبادهم مخلوقون ~~لأوهامهم، ونظير الكلام جار في قوله: "ضرا ولا نفعا" ms5673 وقوله: "موتا ولا حياة ~~ولا نشورا". # وقوله: "ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا" نفي للملك عنهم وهو ضروري في ~~الإله إذ كان عبادهم إنما يعبدونهم ليدفعوا عنهم الضر ويجلبوا إليهم النفع ~~وإذ كانوا لا يملكون ضرا ولا نفعا حتى لأنفسهم لم تكن عبادتهم إلا خبلا ~~وضلالا. # وبذلك يظهر أن في وقوع "لأنفسهم" في السياق زيادة تقريع والكلام في معنى ~~الترقي أي لا يملكون لأنفسهم ضرا حتى يدفعوه ولا نفعا حتى يجلبوه فكيف ~~لغيرهم؟ وقد قدم الضر على النفع لكون دفع الضرر أهم من جلب النفع. PageV15P091 # وقوله: "ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا" أي لا يملكون موتا حتى يدفعوه ~~عن عبادهم أو عمن شاءوا ولا حياة حتى يسلبوها عمن شاءوا أو يفيضوها على من ~~شاءوا ولا نشورا حتى يبعثوا الناس فيجازوهم على أعمالهم، وملك هذه الأمور ~~من لوازم الألوهية. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن ابن سنان عمن ذكره قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن القرآن والفرقان هما شيئان أو شيء واحد؟ فقال: القرآن جملة ~~الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به وفي الاختصاص، للمفيد:، في حديث ~~عبد الله بن سلام لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: فأخبرني هل ~~أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قال: وأي كتاب هو، قال: الفرقان: قال ولم ~~سماه ربك فرقانا؟ قال: لأنه متفرق الآيات والسور أنزل في غير الألواح وغيره ~~من الصحف والتوراة والإنجيل والزبور أنزلت كلها جملة في الألواح والأوراق. ~~قال: صدقت يا محمد. # أقول: كل من الروايتين ناظرة إلى واحد من معنيي الفرقان المتقدمين. PageV15P092 ### ||| AUTO 25 سورة الفرقان - 4 - 20 # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جاءو ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أسطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) قل أنزله الذى يعلم السر فى السموت والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) ~~وقالوا ما ل هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لو لا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه ms5674 كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظلمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثل فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر ويجعل لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب ~~بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) ~~وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ~~ثبورا وحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد ~~المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خلدين كان على ربك ~~وعدا مسئولا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ء أنتم أضللتم ~~عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحنك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ ~~من دونك من أولياء ولكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ~~(18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون فى الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) ### |||| AUTO بيان # تحكي الآيات عن المشركين ما طعنوا به في القرآن الكريم في النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وتجيب عنه. # قوله تعالى: "قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون" إلخ في التعبير بمثل قوله: "وقال الذين كفروا" من غير أن يقال: ~~وقالوا، مع تقدم ذكر الكفار في قوله "واتخذوا من دونه آلهة" تلويح إلى أن ~~القائلين بهذا القول هم كفار العرب دون مطلق المشركين. # والمشار إليه بقولهم: "إن هذا" القرآن الكريم، وإنما اكتفوا بالإشارة دون ~~أن يذكروه باسمه أو بشيء من أوصافه إزراء به وحطا لقدره. # والإفك هو الكلام المصروف عن وجهه، ومرادهم بكونه إفكا افتراء كونه كذبا ~~اختلقه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونسبه إلى الله سبحانه. # والسياق لا يخلو من إيماء إلى أن المراد بالقوم الآخرين بعض أهل الكتاب ~~وقد ورد ms5675 في بعض الآثار أن القوم الآخرين هم عداس مولى حويطب بن عبد العزى ~~ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر كانوا من أهل الكتاب يقرءون ~~التوراة أسلموا وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعهدهم فقيل ما قيل. # وقوله: "فقد جاءوا ظلما وزورا" قال في مجمع البيان:، إن جاء وأتى ربما ~~كانا بمعنى فعل فيتعديان مثله فمعنى الآية فقد فعلوا ظلما وكذبا، وقيل إن ~~ظلما منصوب بنزع الخافض والتقدير فقد جاءوا بظلم، وقيل: حال والتقدير فقد ~~جاءوا ظالمين وهو سخيف. PageV15P093 # وفيه، أيضا: ومتى قيل: كيف اكتفى بهذا القدر في جوابهم؟ قلنا: لما تقدم ~~التحدي وعجزهم عن الإتيان بمثله اكتفى هاهنا بالتنبيه على ذلك انتهى ~~والظاهر أن الجواب عن قولهم: "إن هذا إلا إفك افتراه" إلخ، وقولهم: "أساطير ~~الأولين اكتتبها" إلخ، جميعا هو قوله تعالى: "قل أنزله الذي يعلم السر" ~~إلخ، على ما سنبين والجملة أعني قوله: "فقد جاءوا ظلما وزورا" رد مطلق ~~لقولهم وهو في معنى المنع مع السند وسنده الآيات المشتملة على التحدي. # وبالجملة معنى الآية: وقال الذين كفروا من العرب ليس هذا القرآن إلا ~~كلاما مصروفا عن وجهه - حيث إنه كلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ~~نسبه إلى الله - افترى به على الله وأعانه على هذا الكلام قوم آخرون وهم ~~بعض أهل الكتاب فقد فعل هؤلاء الذين كفروا بقولهم هذا ظلما وكذبا. # قوله تعالى: "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" ~~الأساطير جمع أسطورة بمعنى الخبر المكتوب ويغلب استعماله في الأخبار ~~الخرافية والاكتتاب هو الكتابة ونسبته إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ~~كونه أميا لا يكتب إنما هي بنوع من التجوز ككونه مكتوبا باستدعاء منه كما ~~يقول الأمير كتبت إلى فلان كذا وكذا وإنما كتبه كاتبه بأمره، والدليل على ~~ذلك قوله بعد: "فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" إذ لو كان هو الكاتب لم يكن ~~معنى للإملاء، وقيل: الاكتتاب بمعنى الاستكتاب. # والإملاء إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه ويعيه أو إلى الكاتب ~~ليكتبه ms5676 والمراد به في الآية هو المعنى الأول على ما يعطيه سياق "اكتتبها ~~فهي تملى عليه" إذ ظاهره تحقق الاكتتاب دفعة والإملاء تدريجا على نحو ~~الاستمرار فهي مكتوبة مجموعة عنده تقرأ عليه وقتا بعد وقت وهو يعيها فيقرأ ~~على الناس ما وعاه وحفظه. # والبكرة والأصيل الغداة والعشي، وهو كناية عن الوقت بعد الوقت، وقيل ~~المراد أول النهار قبل خروج الناس من منازلهم وآخر النهار بعد دخولهم في ~~منازلهم وهو كناية عن أنها تملى عليه خفية. # والآية بمنزلة التفسير للآية السابقة فكأنهم يوضحون قولهم: إنه إفك ~~افتراه وأعانه عليه قوم آخرون بأنهم كتبوا له أساطير الأولين ثم يملونها ~~عليه وقتا بعد وقت بقراءة شيء بعد شيء عليه، وهو يقرؤها على الناس وينسبها ~~إلى الله سبحانه. # فالآية بتمامها من كلام الذين كفروا وربما قيل: إن قوله "اكتتبها فهي ~~تملى عليه" إلى آخر الآية من كلام الله سبحانه لا من تمام كلامهم، وهو ~~استفهام إنكاري لقولهم: أساطير الأولين والسياق لا يساعد عليه. # قوله تعالى: "قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا ~~رحيما" أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) برد قولهم وتكذيبهم فيما رموا ~~به القرآن أنه إفك مفترى وأنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه وقتا ~~بعد وقت. # وتوصيفه تعالى بأنه يعلم السر أي خفيات الأمور وبواطنها في السماوات ~~والأرض للإيذان بأن هذا الكتاب الذي أنزله منطو على أسرار مطوية عن عقول ~~البشر، وفيه تعريض بمجازاتهم على جناياتهم التي منها رميهم القرآن بأنه إفك ~~مفترى وأنه من الأساطير وهو مما يعلمه تعالى. # وقوله: "إنه كان غفورا رحيما" تعليل لما هو المشاهد من إمهالهم وتأخير ~~عقوبتهم على جناياتهم وتكذيبهم للحق وجرأتهم على الله سبحانه. # والمعنى: قل إن القرآن ليس إفكا مفترى ولا من الأساطير كما يقولون بل ~~كتاب منزل من عند الله سبحانه ضمنه أسرارا خفية لا تصل إلى كنهها عقولكم ~~ولا تحيط بها أحلامكم، ورميكم إياه بالإفك والأساطير وتكذيبكم لحقائقه ~~جناية عظيمة تستحقون بها العقوبة غير أن الله سبحانه ms5677 أمهلكم وأخر عقوبة ~~جنايتكم لأنه متصف بالمغفرة والرحمة وذلك يستتبع تأخير العذاب، هذا ملخص ما ~~ذكروه في معنى الآية. # وفيه أن السياق لا يساعد عليه فإن محصل معنى الآية على ما فسروه يرجع إلى ~~رد دعوى الكفار كون القرآن إفكا مفترى ومن الأساطير بدعوى أنه منزل من عند ~~الله منطو على أسرار خفية لا سبيل لهم إلى الوقوف عليها لا مساغ في مقام ~~المخاصمة لرد الدعوى بدعوى أخرى مثلها أو هي أخفى منها. PageV15P094 # على أن التعليل بقوله: "إنه كان غفورا رحيما" إنما يناسب انتفاء العقوبة من ~~أصلها دون الإمهال والتأخير وإنما المناسب للإمهال والتأخير من الأسماء هو ~~مثل الحليم والعليم والحكيم دون الغفور الرحيم. # والأوفق لمقام المخاصمة والدفاع بإبانة الحق والتعليل بالمغفرة والرحمة ~~أن يكون قوله ": إنه كان غفورا رحيما" تعليلا لإنزال الكتاب وقد ذكر قبل ~~ذلك أنه أنزله على عبده ليكون للعالمين نذيرا وهذه هي النبوة، ويكون حينئذ ~~وصفه تعالى بعلم السر في السماوات والأرض للإيماء إلى أن في سرهم ما يستدعي ~~شمول المغفرة والرحمة الإلهيتين لحالهم وهو طلبهم بفطرتهم وجبلتهم للسعادة ~~والعاقبة الحسنى التي ليست حقيقتها إلا السعادة الإنسانية بشمول المغفرة ~~والرحمة وإن أخطأ كثير منهم في تطبيقها على التمتع بالحياة الدنيا وزينتها ~~الداثرة فيكون حجة برهانية على حقية الدعوة النبوية المشتملة عليها القرآن، ~~وبطلان دعوى كونه إفكا من أساطير الأولين. # وتقرير الحجة أن الله سبحانه يعلم السر في السماوات والأرض وهو يعلم أن ~~في سركم المستقر في سرائركم المجبولة عليه فطرتكم حبا للسعادة وطلبا ~~وانتزاعا للعاقبة الحسنى وحقيقتها فوز الدنيا والآخرة، وكان سبحانه غفورا ~~رحيما ومقتضى ذلك أن يجيبكم إلى ما تسألونه في سركم وبلسان فطرتكم فيهديكم ~~إلى سبيله التي تضمن لكم السعادة. # وهذا كتاب ينطق عليكم بسبيله فليس إفكا مفترى على الله ولا من قبيل ~~الأساطير بل هو كتاب يتضمن ما تسألونه بفطرتكم وتستدعونه في سركم فإن ~~استجبتم لداعيه شملتكم المغفرة والرحمة وإن توليتم حرمتم ذلك فهو كتاب منزل ~~من عند الله ولو لم يكن نازلا ms5678 من عنده كما يخبر عنه لم يهد إلى حقيقة ~~السعادة ولم يدع إلى محض الحق ولاختلفت بياناته فدعاكم تارة إلى ما فيه ~~خيركم ونفعكم وهو الذي يجلب إليكم المغفرة والرحمة، وتارة إلى ما هو شر لكم ~~وضار وهو الذي يثير عليكم السخط الإلهي ويستوجب لكم العقوبة. # قوله تعالى: "وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها" ~~هذه حكاية ما طعنوا به في الرسول بعد ما حكى طعنهم في القرآن بقوله: "وقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه" إلخ. # وتعبيرهم عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم: "هذا الرسول" مع تكذيبهم ~~برسالته مبني على التهكم والاستهزاء. # وقولهم: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" استفهام للتعجيب ~~والوجه فيه أن الوثنيين يرون أن البشر لا يسوغ له الاتصال بالغيب وهو متعلق ~~الوجود بالمادة منغمر في ظلماتها، ومتلوث بقذاراتها، ولذا يتوسلون في ~~التوجه إلى اللاهوت بالملائكة فيعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله ويقربوهم من ~~الله زلفى فالملائكة هم المقربون عند الله المتصلون بالغيب المتعينون ~~للرسالة لو كانت هناك رسالة، وليس للبشر شيء من ذلك. # ومن هنا يظهر معنى قولهم: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" ~~وأن المراد أن الرسالة لا تجامع أكل الطعام والمشي في الأسواق لاكتساب ~~المعاش فإنها اتصال غيبي لا يجامع التعلقات المادية، وليست إلا من شئون ~~الملائكة ولذا قالوا في غير موضع على ما حكاه الله تعالى: "لو شاء الله ~~لأنزل ملائكة": المؤمنون: 24 أو ما في معناه. # ومن هنا يظهر أيضا أن قولهم: "لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا" تنزل ~~من المشركين في الاقتراح أي كيف يكون هذا المدعي للرسالة رسولا وهو يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق والرسول لا يكون إلا ملكا منزها عن هذه الخصال ~~المادية فإن، تنزلنا وسلمنا رسالته وهو بشر فلينزل إليه ملك يكون معه نذيرا ~~ليتصل الإنذار وتبليغ الرسالة بالغيب بتوسط ms5679 الملك. # وكذا قولهم: "أو يلقى إليه كنز" تنزل عما قبله من الاقتراح أي إن لم ينزل ~~إليه ملك واستقل بالرسالة وهو بشر فليلق إليه من السماء كنز حتى يصرف منه ~~في وجوه حوائجه المادية ولا يكدح في الأسواق في اكتساب ما يعيش به، ونزول ~~الكنز إليه أسهل من نزول الملك إليه ليعينه في تبليغ الرسالة. PageV15P095 # وكذا قولهم: "أو تكون له جنة يأكل منها" تنزل عما قبله في الاقتراح، ~~والمعنى: وإن لم يلق إليه كنز فليكن له جنة يأكل منها ولا يحتج إلى كسب ~~المعاش وهذا أسهل من إلقاء الكنز إليه. # قوله تعالى: "وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا" المراد بالظالمين ~~هم المقترحون السابقو الذكر - كما قيل - فهو من وضع الظاهر موضع المضمر ~~ووصفهم بالظلم للدلالة على بلوغهم في الظلم والاجتراء على الله ورسوله. # وقولهم: "إن تتبعون" إلخ، خطاب منهم للمؤمنين تعييرا لهم وإغواء عن طريق ~~الحق، ومرادهم بالرجل المسحور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريدون أنه ~~مسحور سحره بعض السحرة فصار يخيل إليه أنه رسول يأتيه ملك الوحي بالرسالة ~~والكتاب. # قوله تعالى: "انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا" ~~الأمثال الأشباه وربما قيل: إن المثل هنا بمعنى الوصف على حد قوله تعالى: ~~"مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن": سورة محمد: 15، ~~والمحصل: انظر كيف وصفوك فضلوا فيك ضلالا لا يرجى معه اهتداؤهم إلى الحق ~~كقولهم إنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فلا يصلح للرسالة لأن الرسول يجب ~~أن يكون شخصا غيبيا لا تعلق له بالمادة ولا أقل من عدم احتياجه إلى الأسباب ~~العادية في تحصيل المعاش، وكقولهم: إنه رجل مسحور. # وقوله: "فضلوا فلا يستطيعون سبيلا" أي تفرع على هذه الأمثال التي ضربوها ~~لك أنهم ضلوا ضلالا لا يستطيعون معه أن يردوا سبيل الحق ولا يرجى لهم معه ~~الاهتداء فإن من أخطأ الطريق ربما أخطأها بانحراف يسير يرجى معه ركوبها ~~ثانيا، وربما استدبرها فصار كلما أمعن في مسيره زاد منها بعدا، ومن سمى ms5680 ~~كتاب الله بالأساطير ووصف رسوله بالمسحور ولم يزل يزيد تعنتا ولجاجا ~~واستهزاء بالحق كيف يرجى اهتداؤه وحاله هذه؟. # قوله تعالى: "تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ويجعل لك قصورا" الإشارة في قوله: "من ذلك" إلى ما اقترحوه من ~~قولهم: "أو تكون له جنة يأكل منها" أو إلى مجموع ما ذكروه من الكنز والجنة. # والقصور جمع قصر وهو البيت المشيد العالي، وتنكير "قصورا" للدلالة على ~~التعظيم والتفخيم. # والآية بمنزلة الجواب عن طعنهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~واقتراحهم أن ينزل إليه ملك أو يلقى إليه كنز أو يكون له جنة غير أن فيها ~~التفاتا من التكلم إلى الغيبة فلم يقل: قل إن شاء ربي جعل لي كذا وكذا بل ~~عدل إلى قوله: "تبارك الذي إن شاء جعل لك" إلخ. # وفيه تلويح إلى أنهم لا يستحقون جوابا ولا يصلحون لأن يخاطبوا لأنهم على ~~علم بفساد ما اقترحوا به عليه فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يذكر ~~لهم إلا أنه بشر مثلهم يوحى إليه، ولم يدع أن له قدرة غيبية وسلطنة إلهية ~~على كل ما يريد أو يراد منه، كما قال تعالى بعد ما حكى بعض اقتراحاتهم في ~~سورة الإسراء، "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": إسراء: 93. # فأعرض سبحانه عن مخاطبتهم وعن الجواب عما اقترحوه، وإنما ذكر لنبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن ربه الذي اتخذه رسولا وأنزل عليه الفرقان ليكون ~~للعالمين نذيرا قادر على أعظم مما يقترحونه فإن شاء جعل له خيرا من ذلك ~~جنات تجري من تحتها الأنهار، ويجعل له قصورا لا يبلغ وصفها واصف وذلك خير ~~من أن يكون له جنة يأكل منها أو يلقى إليه كنز ليصرفه في حوائجه. # وبهذا المقدار يتحصل جوابهم فيما اقترحوه من الكنز والجنة، وأما نزول ~~الملك إليه ليشاركه في الإنذار ويعينه على التبليغ فلم يذكر جواب عنه لظهور ~~بطلانه، وقد أجاب تعالى عنه في مواضع من كلامه بأجوبة مختلفة كقوله: "ولو ms5681 ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون": الأنعام: 9، وقوله: ~~"قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا": إسراء: 95، وقوله: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين": الحجر: 8، وقد تقدم تقرير حجة كل من الآيات في ضمن تفسيرها. PageV15P096 # ومن هنا يظهر أن المراد بجعل الجنات والقصور له (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~جعله في الدنيا على ما يقتضيه مقام المخاصمة ورد قولهم فإن المحصل من ~~السياق أنهم يقترحون عليك كيت وكيت وهم يريدون تعجيزك وتبكيتك وإن ربك قادر ~~على أعظم من ذلك فإن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ~~إلخ وهي لا محالة في الدنيا وإلا لم ينقطع به الخصام. # وبذلك يتبين فساد ما نقل عن بعضهم أن المراد جنات الآخرة وقصورها وأفسد ~~منه قول آخرين إن المراد جعل جنات تجري من تحتها الأنهار في الدنيا وجعل ~~القصور في الآخرة، وربما استونس لذلك بأن التعبير في الجنات بقوله: "إن شاء ~~جعل" وهو صيغة ماض مفيدة للتحقق مناسبة للدنيا وفي القصور بقوله: "يجعل" ~~وهو صيغة مستقبل مناسبة للآخرة هذا مع أن الفعل الواقع في حيز الشرط منسلخ ~~عن الزمان، والاختلاف في التعبير تفنن فيه وتجديد لصورة الكلام والله ~~العالم. # قوله تعالى: "بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا"، إضراب عن ~~طعنهم فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتراضهم عليه بأكل الطعام والمشي في ~~الأسواق بما يتضمن معنى التكذيب أي ما كذبوك وردوا نبوتك لأنك تأكل الطعام ~~وتمشي في الأسواق فإنما هو كلام منهم صوري بل السبب الأصلي في إنكارهم ~~نبوتك وطعنهم فيك أنهم كذبوا بالساعة وأنكروا المعاد، ومن المعلوم أن لا ~~وقع للنبوة مع إنكار الساعة ولا معنى للدين والشريعة لو لا المحاسبة ~~والمجازاة. # فالإشارة إلى السبب الأصلي بعد ذكر الاعتراض والاقتراح والجواب هاهنا ~~نظير ما وقع في سورة الإسراء بعد ذكر الاقتراحات ثم الجواب من ذكر السبب ~~الأصلي في قوله: "قل سبحان ربي هل كنت إلا ms5682 بشرا رسولا وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا. # وذكر جمع من المفسرين أن قوله: "بل كذبوا بالساعة" حكاية لبعض آخر من ~~أباطيلهم كما حكى بعضا آخر منها متعلقا بالتوحيد والكتاب والرسالة في قوله: ~~"واتخذوا من دونه آلهة" وقوله: "وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك" إلخ، ~~وقوله: "وقالوا ما لهذا الرسول يأكل" إلخ. # ثم تشعبوا في نكتة الإضراب، فذكر بعضهم أن الوجه فيه كون المعاد لا ريب ~~فيه، وقال بعضهم: إن إنكاره أعظم، وقال بعضهم: إنه أعجب إلى غير ذلك. # والحق أن السياق لا يساعد عليه فإن السياق المتعرض لطعنهم في الرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والجواب عنه لم يتم بعد بشهادة قوله بعد: "وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق" إلخ، وما ~~يتلوه من الآيات فلا معنى لاعتراض حكاية تكذيبهم بالساعة بين الآيات ~~الحاكية لتكذيبهم بالرسول والمجيبة عنه، وهو ظاهر. # وقوله تعالى: "وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا" وضع الموصول والصلة مكان ~~الضمير الراجع للدلالة على أن الجزاء بالسعير ثابت في حق كل من كذب بالساعة ~~هم وغيرهم فيه سواء، وعلى أن سبب إعتاد السعير عليه فيهم تكذيبهم بالساعة. # ووضع الساعة ثانيا موضع ضميرها ليكون أنص وأصرح فهو المناسب لمقام ~~التهديد، والسعير النار المشتعلة الملتهبة. # قوله تعالى: "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا" في ~~المفردات،. # الغيظ أشد غضب إلى أن قال والتغيظ هو إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوت ~~مسموع كما قال: "سمعوا لها تغيظا وزفيرا" انتهى، وفيه أيضا: الزفير تردد ~~النفس حتى تنتفخ الضلوع منه، انتهى. # والآية تمثل حال النار بالنسبة إليهم إذا برزوا لها يوم الجزاء أنها تشتد ~~إذا ظهروا لها كالأسد يزأر إذا رأى فريسته. # قوله تعالى: "وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا" ~~"مكانا" منصوب بتقدير في، والثبور الويل والهلاك. # والتقرين التصفيد بالأغلال والسلاسل وقيل: هو جعلهم مع قرناء الشياطين ~~وهو بعيد من اللفظ. # والمعنى وإذا ألقوا يوم ms5683 الجزاء في مكان ضيق من النار وهم مصفدون بالأغلال ~~دعوا هنالك ثبورا لا يوصف وهو قولهم: وا ثبوراه. PageV15P097 # قوله تعالى: "لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا" الاستغاثة ~~بالويل والثبور نوع احتيال للتخلص من الشدة وإذ كان اليوم يوم الجزاء فحسب ~~لا ينفع فيه عمل ولا يجدي فيه سبب البتة لم ينفعهم الدعاء بالثبور أصلا ~~ولذا قال تعالى: "لا تدعوا اليوم" إلخ، فهو كناية عن أن الثبور لا ينفعكم ~~اليوم سواء استقللتم منه أو استكثرتم. # فهو في معنى قوله تعالى: "اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم": ~~الطور: 16، وقوله حكاية عنهم: "سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من ~~محيص": إبراهيم: 21. # وقيل: المراد أن عذابكم طويل مؤبد لا ينقطع بثبور واحد بل يحتاج إلى ~~ثبورات كثيرة. # وهو بعيد. # قوله تعالى: "قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون - إلى قوله - ~~"مسئولا" الإشارة إلى السعير بما له من الوصف، أمر نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يسألهم أيهما أرجح السعير أم جنة الخلد؟ والسؤال سؤال في أمر ~~بديهي لا يتوقف في جوابه عاقل وهو دائر في المناظرة والمخاصمة يردد الخصم ~~بين أمرين أحدهما بديهي الصحة والآخر بديهي البطلان فيكلف أن يختار أحدهما: ~~فإن اختار الحق فقد اعترف بما كان ينكره، وإن اختار الباطل افتضح. # وقوله: "أم جنة الخلد" إضافة الجنة إلى الخلد وهو الدوام للدلالة على ~~كونها في نفسها خالدة لا تفنى كما أن قوله بعد: "خالدين" للدلالة على أن ~~أهلها خالدون فيها لا سبيل للفناء إليهم. # وقوله: "وعد المتقون" تقديره وعدها المتقون لأن وعد يتعدى لمفعولين ~~والمتقون مفعول ثان ناب مناب الفاعل. # وقوله: "كانت لهم جزاء ومصيرا" أي جزاء لتقواهم ومنقلبا ينقلبون إليه بما ~~هم متقون كما قال تعالى: "إن المتقين في جنات وعيون إلى أن قال - وما هم ~~منها بمخرجين": الحجر: 48: وهو من الأقضية التي قضاها يوم خلق آدم وأمر ~~الملائكة وإبليس بالسجود له، ويتعين به جزاء المتقين ومصيرهم كما تقدم في ~~تفسير سورة الحجر. # وقوله: ms5684 "لهم فيها ما يشاءون خالدين" أي إنهم يملكون فيها بتمليك من الله ~~لهم كل ما تتعلق به مشيتهم، ولا تتعلق مشيتهم إلا بما يحبونه ويشتهونه على ~~خلاف أهل النار كما قال تعالى فيهم: "وحيل بينهم وبين ما يشتهون": سبأ: 54، ~~ولا يحبون ولا يشتهون إلا ما من شأنه أن يتعلق به الحب واقعا وهو الذي يحبه ~~الله لهم وهو ما يستحقونه من الخير والسعادة مما يستكملون به ولا يستضرون ~~به لا هم ولا غيرهم فافهم ذلك. # وبهذا البيان يظهر أن لهم إطلاق المشية يعطون ما شاءوا وأرادوا غير أنهم ~~لا يشاءون إلا ما فيه رضا ربهم، ويندفع به ما استشكل على الآيات الناطقة ~~بإطلاق المشية كهذه الآية أن لازم إطلاق المشية أن يجوز لهم أن يريدوا بعض ~~المعاصي والقبائح والشنائع واللغو، وأن يريدوا بعض ما يسوء سائر أهل الجنة، ~~وأن يريدوا نجاة بعض المخلدين في النار، وأن يريدوا مقامات الأنبياء ~~والمخلصين من الأولياء ممن هم فوقهم درجة إلى غير ذلك. # كيف؟ وقد قال تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي": الفجر: 27 - 30 فهم راضون بما رضي به الله ~~ومرضيون لا يريدون إلا ما يرتضيه فلا يريدون معصية ولا قبيحا ولا شنيعا ولا ~~لغوا ولا كذابا، ولا يريدون ما لا يرتضيه غيرهم من أهل الجنة، ولا يريدون ~~ارتفاع العذاب ممن يريد ربهم عذابه، ولا يشاءون ولا يتمنون مقام من هو أرفع ~~درجة منهم لأن الذي خصهم بها هو ربهم وقد رضوا بما فعل وأحبوا ما أحبه. # وقوله تعالى: "كان على ربك وعدا مسئولا" أي كان هذا الوعد الذي وعده ~~المتقون وعدا على ربك يجب عليه أن يفي به، وإنما أوجبه هو تعالى على نفسه ~~حيث قضى بذلك أول يوم، وأخبر عن ذلك بمثل قوله: "وإن للمتقين لحسن مآب جنات ~~عدن - إلى أن قال - هذا ما توعدون ليوم الحساب": ص: 53. # ووجه اتصاف هذا الوعد بكونه مسئولا أن المتقين سألوا ربهم ذلك بلسان ~~حالهم واستعدادهم، ms5685 أو سألوه ذلك في دعائم، أو الملائكة سألوا ذلك كما فيما ~~يحكيه الله عنهم: "ربنا وأدخلهم جنات عدن إلخ": المؤمن: 8 أو جميع هذه ~~الأسئلة. PageV15P098 # وذكر الطبرسي "ره" في الآية أن قوله: "كانت لهم جزاء ومصيرا" حال من ضمير ~~الجنة المقدر في "وعد المتقون" وأن قوله: "لهم فيها ما يشاءون" حال من ~~"المتقون" وهو أقرب إلى الذهن من قول غيره إن الجملتين استينافان في موضع ~~التعليل كالجواب لسؤال مقدر. # قوله تعالى: "ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله" إلى آخر الآية ضمائر ~~الجمع الأربعة عائدة إلى الكفار، والمراد بما يعبدون الملائكة والمعبودون ~~من البشر والأصنام إن كان "ما" أعم من غير أولي العقل، وإلا فالأصنام فقط. # والمشار إليهم المعنيون بقوله: "عبادي هؤلاء" الكفار ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء" ~~إلخ، جواب المعبودين عن قوله: "ء أنتم أضللتم عبادي هؤلاء" إلخ وقد بدءوا ~~بالتسبيح على ما هو من أدب العبودية في موارد يذكر فيها شرك أهل الشرك أو ~~ما يوهم ذلك بوجه. # وقوله: "ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء" أي ما صح وما ~~استقام لنا أن نتجاوزك إلى غيرك فنتخذ من دونك من أولياء وهم الذين عبدونا ~~واتخذونا أولياء من دونك، وقوله: "ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر ~~وكانوا قوما بورا" البور جمع بائر وهو الهالك وقيل: الفاسد. # لما نفى المعبودون المسئولون عن سبب ضلال عبادهم نسبة الإضلال إلى أنفسهم ~~أخذوا في نسبته إلى الكفار أنفسهم مع بيان السبب الذي أضلهم وهو أنهم كانوا ~~قوما هالكين أو فاسدين وقد متعتهم وآباءهم من أمتعة الحياة الدنيا ونعمها ~~حتى طال عليهم التمتيع امتحانا وابتلاء فتمتعوا منها واشتغلوا بها حتى نسوا ~~الذكر الذي جاءت به الرسل فعدلوا عن التوحيد إلى الشرك. # فكونهم قوما هالكين أو فاسدين بسبب انكبابهم على الدنيا وانهماكهم في ~~الشهوات هو السبب في استغراقهم في التمتع وانصراف هممهم إلى الاشتغال ~~بالأسباب وهو السبب لنسيانهم الذكر والعدول ms5686 عن التوحيد إلى الشرك. # فتبين بذلك أن قوله: "وكانوا قوما بورا" من تمام الجواب وأما من جعل ~~الجملة اعتراضا تذييليا مقررا لمضمون ما قبله واستفاد منه أن السبب الأصلي ~~في ضلالهم أنهم كانوا بحسب ذواتهم أشقياء هالكين، وليس ذلك إلا بقضاء حتم ~~منه تعالى في سابق علمه فهو المضل لهم حقيقة، وإنما نسب إلى أنفسهم أدبا. # ففيه أولا: أنه إفساد لمعنى الآية إذ لا موجب حينئذ لإيراد الاستدراك ~~بقوله: "ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر" لكونه فضلا لا حاجة إليه. # وثانيا: أن نسبة البوار والشقاء إلى ذوات الأشياء ينافي ما أطبق عليه ~~العقلاء بفطرتهم من تأثير التعليم والتربية، والحس والتجربة يؤيدان ذلك وهو ~~يناقض القول بالاختيار والجبر معا، أما مناقضة القول بالاختيار فظاهر، وأما ~~مناقضة القول بالجبر فلأن الجبري يقصر العلية في الواجب تعالى وينفيه عن ~~غيره ويناقضه نسبة الاقتضاء الضروري إلى ذوات الأشياء وماهياتها. # وثالثا: أن فيه خلطا في معنى القضاء من حيث متعلقه فكون القضاء حتما لا ~~يوجب خروج الفعل الذي تعلق به من الاختيار إلى الإجبار فإن القضاء إنما ~~تعلق بالفعل بحدوده وهو صدوره عن اختيار الفاعل من حيث إنه صادر عن اختياره ~~فتعلقه يوجب تأكد كونه اختياريا لا أنه يزيل عنه وصف الاختيار. # ورابعا: أن قولهم: إن المضل بالحقيقة هو الله وإنما نسبوا الضلال إلى ~~الكفار أنفسهم تأدبا وبمثله صرحوا في نسبة المعاصي والأعمال القبيحة ~~الشنيعة والفجائع الفظيعة إلى فواعلها أنها في عين أنها من أفعاله تعالى ~~إنما تنسب إلى غيره تأدبا كلام متهافت فإن الأدب - كما تقدم تفصيل القول ~~فيه في الجزء السادس من الكتاب - هو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليها ~~فعل ما، وبعبارة أخرى ظرافة الفعل، وإذ كان الحق الصريح في الفعل غير ~~الجميل أنه فعل الله سبحانه ولا يشاركه في فعله غيره بأي وجه فرض كانت ~~نسبته إلى غيره تعالى نسبة باطلة غير حق وكذبا وفرية لا تطابق الواقع فليت ~~شعري أي أدب جميل في إماطة حق صريح وإحياء باطل؟ وأي ms5687 ظرافة ولطف في الكذب ~~والفرية بإسناد الفعل إلى غير فاعله؟ والله سبحانه أجل من أن يعظم بباطل أو ~~بالستر على بعض أفعاله أو بالكذب والفرية بإسناد بعض ما يفعله إلى غيره، ~~وإذ كان جميلا لا يفعل إلا الجميل فما معنى التأدب بنفي بعض أفعاله عنه؟. PageV15P099 # قوله تعالى: "فقد كذبوكم بما تقولون فلا تستطيعون صرفا ولا نصرا" إلى آخر ~~الآية، كلام له تعالى يلقيه إلى المشركين بعد براءة المعبودين منهم، وأما ~~كلام المعبودين فقد تم في قوله: "وكانوا قوما بورا". # والمعنى: فقد كذبكم المعبودون بما تقولون في حقهم إنهم آلهة من دون الله ~~يصرفون عن عبدتهم السوء وينصرونهم، وإذ كذبوكم ونفوا عن أنفسهم الألوهية ~~والولاية فلا تستطيعون أنتم أيها العبدة أن تصرفوا عن أنفسكم العذاب بسبب ~~عبادتهم، ولا تستطيعون نصرا لأنفسكم بسببهم. # والترديد بين الصرف والنصر كأنه باعتبار استقلال المعبودين في دفع العذاب ~~عنهم وهو الصرف. # وعدم استقلالهم بأن يكونوا جزء السبب وهو النصر. # وقرأ غير عاصم من طريق حفص "يستطيعون" بالياء المثناة من تحت وهي قراءة ~~حسنة ملائمة لمقتضى السياق، والمعنى: فقد كذبكم المعبودون بما تقولون إنهم ~~آلهة يصرفون عنكم السوء أو ينصرونكم ويتفرع على ذلك أنهم لا يستطيعون لكم ~~صرفا ولا نصرا. # وقوله: "ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا" المراد بالظلم مطلق الظلم ~~والمعصية وإن كان مورد الآيات السابقة خصوص الظلم الذي هو الشرك، فقوله: ~~"ومن يظلم منكم" إلخ، من قبيل وضع القانون العام موضع الحكم الخاص، ولو كان ~~المراد به الحكم الخاص بهم لكان من حق الكلام أن يقال: "ونذيقكم بما ظلمتم ~~عذابا كثيرا لأنهم كلهم ظالمون ظلم الشرك. # والنكتة فيه الإشارة إلى أن الحكم الإلهي نافذ جار لا مانع منه ولا معقب ~~له كأنه قيل: وإن كذبكم المعبودون وما استطاعوا صرفا ولا نصرا فالحكم العام ~~الإلهي "من يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا على نفوذه وجريانه لا مانع منه ولا ~~معقب له فأنتم ذائقون العذاب البتة. # قوله تعالى: "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون ms5688 في الأسواق" إلى آخر الآية. # أجاب تعالى عن قولهم: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" ~~إلخ، أولا بقوله: "تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك" إلخ، مع ما يلحقه ~~من قوله: "بل كذبوا بالساعة" إلخ، وهذا جواب ثان محصله أن هذا الرسول ليس ~~بأول رسول أرسل إلى الناس بل أرسل الله قبله جما غفيرا من المرسلين وقد ~~كانوا على العادة البشرية الجارية بين الناس يأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق ولم يخلق لهم جنة يأكلون منها ولا ألقي إليهم كنز ولا أنزل معهم ~~ملك، وهذا الرسول إنما هو كأحدهم ولم يأت بأمر بدع حتى يتوقع منه ما لا ~~يتوقع من غيره. # فالآية في معنى قوله: "قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي": الأحقاف: 9، وقريبة المعنى من قوله: "قل ~~إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي": الكهف: 110. # فإن قيل: هذا في الحقيقة دفع للاعتراض عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~خاصة وتوجيهه إلى عامة الرسل فلهم أن يعترضوا على عامة الرسل كما وجهه ~~سابقوهم وقد حكى الله عنهم ذلك قال: قالوا أبشر يهدوننا: التغابن: 6، وقال: ~~"قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا": إبراهيم: 10، وقال: "ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون": المؤمنون: 33. # قلنا: الجواب مطابق للاعتراض فإن قولهم: "ما لهذا الرسول يأكل" إلخ، يعطي ~~الخصوصية بلا إشكال وأما تعميم الاعتراض لو عمم فيدفعه قوله تعالى: "بل ~~كذبوا بالساعة" إلخ، وقوله قبل ذلك: "قل أنزله الذي يعلم السر" إلخ، على ما ~~تقدم من التقرير. # ومن عجيب القول ما عن بعض المفسرين أن الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كأنه قيل: إن الرسل من قبلك كانوا على الحال التي أنت عليها فلك ~~فيهم أسوة حسنة، وأما كونه جوابا عن تعنتهم فالنظم لا يساعد عليه إذ قد ~~أجيب عنه بقوله: "انظر كيف ضربوا لك الأمثال" هذا وهو خطأ. PageV15P100 # وقوله تعالى: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ms5689 أتصبرون" متمم للجواب السابق بمنزلة ~~التعليل لكون الرسل كسائر الناس في الخواص البشرية من غير أن تتميز حياتهم ~~أو دعوتهم بخواص سماوية تورث القطع بكونهم حاملين للرسالة الإلهية كإنزال ~~ملك عليهم أو إلقاء كنز إليهم أو خلق جنة لهم فكأنه قيل: والسبب في كون ~~الرسل جارين في حياتهم على ما يجري عليه الناس أنا جعلنا بعض الناس لبعض ~~فتنة يمتحنون بها فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم فيتميز بهم أهل ~~الريب من أهل الإيمان والمتبعون للأهواء الذين لا يصبرون على مر الحق من ~~طلاب الحق الصابرين في طاعة الله وسلوك سبيله. # وبما مر يتبين أولا: أن المراد بالصبر هو الصبر بأقسامه وهي الصبر على ~~طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر عند المصائب. # وثانيا: أن قوله: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة" من وضع الحكم العام موضع ~~الخاص، والمطلوب الإشارة إلى جعل الرسل - وحالهم هذه الحال - فتنة لسائر الناس. # وقوله تعالى: "وكان ربك بصيرا" أي عالما بالصواب في الأمور فيضع كل أمر ~~في الموضع المناسب له ويجري بذلك أتم النظام فهدف النظام الإنساني كمال كل ~~فرد بقطعه طريق السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له ويستحقه ولازمه بسط ~~نظام الامتحان بينهم ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم. # وفي الجملة التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة، والنكتة فيه نظيرة ما ~~في قوله السابق: "تبارك الذي إن شاء" إلخ،. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: أن ~~عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري ~~والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام ~~وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ونبيه بن الحجاج اجتمعوا ~~فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا ~~إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. قال: فجاءهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقالوا له: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر ms5690 منك فإن كنت ~~إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب ~~الشرف فنحن نسودك، وإن كنت تطلب ملكا ملكناك. فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ~~ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي ~~كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن ~~تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر ~~لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ~~شيئا عرضناه عليك فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ~~ويراجعنا عنك وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة يغنيك عما تبتغي ~~فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك ~~إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ~~أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني ~~بشيرا ونذيرا. فأنزل الله في قولهم ذلك "وقالوا ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام" إلى قوله وجعلنا بعضكم لبعض فتنة. أتصبرون وكان ربك بصيرا" أي جعلت ~~بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت. # وفيه، أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق مكحول عن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدا من ~~بين عيني جهنم. قالوا: يا رسول الله وهل لجهنم من عين؟ قال: أما سمعتم الله ~~يقول: "إذا رأتهم من مكان بعيد" فهل تراهم إلا بعينين؟: أقول: ورواه أيضا ~~عن رجل من الصحابة، وفي حجة الخبر خفاء. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) سئل عن قول الله: "وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين" ms5691 ~~قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط. PageV15P101 ### ||| AUTO 25 سورة الفرقان - 21 - 31 # وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا فى أنفسهم وعتو عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملئكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباء ~~منثورا (23) أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق ~~السماء بالغمم ونزل الملئكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما ~~على الكفرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتنى اتخذت مع ~~الرسول سبيلا (27) يويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلنى عن ~~الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطن للانسن خذولا (29) وقال الرسول يرب إن قومى ~~اتخذوا هذا القرءان مهجورا (30) وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى ~~بربك هاديا ونصيرا (31) ### |||| AUTO بيان # تحكي الآيات اعتراضا آخر من المشركين على رسالة الرسول يردون به عليه ~~محصله أنه لو جاز أن يكون من البشر بما هو بشر رسول تنزل عليه الملائكة ~~بالوحي من الله سبحانه أو يراه تعالى فيكلمه وحيا لكان الرسول وسائر البشر ~~سواء في هذه الخصيصة فإن كان ما يدعيه من الرسالة حقا لكنا أو كان البعض ~~منا يرى ما يدعي رؤيته ويجد من نفسه ما يجده. # وهذا الاعتراض مما سبقهم إليه أمم الأنبياء الماضين كما حكاه الله: ~~"قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا": إبراهيم: 10، وقد مر تقريبه مرارا. # وهذا مع ما تقدم من اعتراضهم بقولهم: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام" إلخ، ~~بمنزلة حجة واحدة تلزم الخصم بأحد محذورين ومحصل تقريره أن الرسالة التي ~~يدعيها هذا الرسول إن كانت موهبة سماوية واتصالا غيبيا لا حظ فيها للبشر ~~بما هو بشر فلينزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو يجعل له ~~جنة يأكل منها، وإن كانت خاصة من شأن البشر بما هو بشر أن ينالها يتصف بها ~~فما بالنا لا نجدها في أنفسنا؟ فلو لا أنزل علينا الملائكة أو ms5692 نرى ربنا. # وقد أجاب الله سبحانه عن الشق الأول بما تقدم تقريره، وعن الثاني بأنهم ~~سيرون الملائكة لكن في نشأة غير هذه النشأة الدنيوية، والجواب في معنى ~~قوله: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": الحجر: 8 وسيجيء ~~تقريره، وفي الآيات إشارة إلى ما بعد الموت ويوم القيامة. # قوله تعالى: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو ~~نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا" قال في مجمع البيان:، ~~الرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه ومثله الطمع والأمل، واللقاء ~~المصير إلى الشيء من غير حائل، والعتو الخروج إلى أفحش الظلم. # انتهى. # المراد باللقاء الرجوع إلى الله يوم القيامة سمي به لبروزهم إليه تعالى ~~بحيث لا يبقى في البين حائل جهل أو غفلة لظهور العظمة الإلهية كما قال ~~تعالى: "ويعلمون أن الله هو الحق المبين". # فالمراد بعدم رجائهم اللقاء إنكارهم للمعاد وتكذيبهم بالساعة ولم يعبر ~~عنه بتكذيب الساعة ونحوه كما عبر في الآيات السابقة لمكان ذكرهم مشاهدة ~~الملائكة ورؤية الرب تعالى وتقدس ففيه إشارة إلى أنهم إنما قالوا ما قالوا ~~وطلبوا إنزال الملائكة أو رؤية الرب ليأسهم من اللقاء وزعمهم استحالة ذلك ~~فقد ألزموا بما هو مستحيل على زعمهم. # فقولهم: "لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا" اعتراض منهم على رسالة ~~الرسول أوردوه في صورة التحضيض كقولهم في موضع آخر: "لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين": الحجر: 7، وتقرير الحجة كما تقدمت الإشارة ~~إليه أنه لو كانت الرسالة - وهي نزول الملائكة بالوحي أو تكليمه تعالى ~~البشر بالمشافهة - مما يتيسر للبشر نيله ونحن بشر أمثال هذا المدعي للرسالة ~~فما بالنا لا ينزل علينا الملائكة ولا نرى ربنا؟ فهلا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا. PageV15P102 # ويؤيد ما ذكرناه من التقرير إطلاق إنزال الملائكة ورؤية الرب من غير أن ~~يقولوا: لو لا أنزل علينا الملائكة فيصدقوك أو نرى ربنا فيصدقك. # على أنهم ذكروا في اعتراضهم السابق نزول الملك ليكون معه نذيرا وفيه ~~تصديقه. ms5693 # وفي التعبير عنه تعالى بلفظ ربنا نوع تهكم منهم فإن المشركين ما كانوا ~~يرونه تعالى ربا لهم بل كان عندهم أن أربابهم ما كانوا يعبدونهم والله ~~سبحانه رب الأرباب فكأنهم قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك ترى ~~أن الله ربك وقد حن إليك فخصك بالمشافهة والتكليم، وأنه ربنا، فليحن إلينا ~~وليشافهنا بالرؤية كما فعل بك. # على أنهم إنما عدلوا عن عبادة أرباب الأصنام وهم الملائكة وروحانيات ~~الكواكب ونحوهم إلى عبادة الأصنام والتماثيل لتكون محسوسة غير غائبة عن ~~المشاهدة عند العبادة والتقرب بالقرابين. # وقوله تعالى: "لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا" أي أقسم لقد ~~طلبوا الكبر لأنفسهم بغير حق وطغوا طغيانا عظيما. # قوله تعالى: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا ~~محجورا" في المفردات:، الحجر الممنوع منه بتحريمه قال تعالى: "وقالوا هذه ~~أنعام وحرث حجر" "ويقولون حجرا محجورا" كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك ~~فذكر تعالى أن الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك ظنا إن ذلك ينفعهم. # انتهى. # وعن الخليل كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في ~~الأشهر الحرم فيقول: حجرا محجورا أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا ~~يبدؤه بشر وعن أبي عبيدة: هي عوذة للعرب يقولها من يخاف آخر في الحرم أو في ~~شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة. # فقوله: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين" "يوم" على ما قيل ظرف ~~لقوله: "لا بشرى" وقوله: "يومئذ" تأكيد له، والمراد بقوله: "لا بشرى" نفي ~~للجنس، والمراد بالمجرمين كل متصف بالإجرام غير أن مورد الكلام إجرام الشرك ~~والمجرمون هم الذين لا يرجون اللقاء، وقد تقدم ذكرهم والمعنى: يوم يرى ~~هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا الملائكة لا بشرى - على طريق نفي الجنس - ~~يومئذ للمجرمين وهم منهم. # وقوله: "ويقولون حجرا محجورا" فاعل يقولون هم المشركون أي يقول المشركون ~~يومئذ للملائكة وهم قاصدوهم بالعذاب: حجرا محجورا أي لنكن في معاذ منكم، ~~وقيل: ضمير الجمع للملائكة، والمعنى: ويقول الملائكة للمشركين حراما ms5694 محرما ~~عليكم سماع البشرى، أو حراما محرما عليكم أن تدخلوا الجنة أو حراما محرما ~~عليكم أن تتعوذوا من العذاب إلى شيء فلا معاذ لكم هذا، والمعنى: الأول أقرب ~~إلى السياق. # والآية في موضع الجواب عن قولهم: "لو لا أنزل علينا الملائكة" وقد أعرضت ~~عن جواب قولهم: "أو نرى ربنا" فإن الرؤية التي كانوا يقصدونها بقولهم هي ~~الرؤية البصرية التي تستلزم التجسم والمادية تعالى عن ذلك، وأما الرؤية ~~بعين اليقين وهي الرؤية القلبية فلم يكونوا ممن يفقه ذلك وعلى تقديره ما ~~كانوا يقصدونه. # وأما توضيح الجواب عن أمر إنزال الملائكة ورؤيتهم فقد أخذ أصل الرؤية ~~مفروغا منه مسلما أن هناك يوما يرون فيه الملائكة غير أنه وضع الإخبار عن ~~وصفهم يوم الرؤية موضع الإخبار عن أصل رؤيتهم للإشارة إلى أن طلبهم لرؤية ~~الملائكة ليس يجري على نفعهم فإنهم لا يرون الملائكة إلا يوم يشافهون عذاب ~~النار وذلك بعد تبدل النشأة الدنيوية من النشأة الأخرى كما أشار إليه في ~~موضع آخر بقوله: "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": ~~الحجر: 8، فهم في مسألتهم هذه يستعجلون بالعذاب وهم يحسبون أنهم يعجزون ~~الله ورسوله بالحجة. # وأما ما هو هذا اليوم الذي أشير إليه بقوله: "يوم يرون الملائكة" فقد ذكر ~~المفسرون أنه يوم القيامة لكن الذي يعطيه السياق مع ما ينضم إليه من الآيات ~~الواصفة ليوم الموت وما بعده كقوله: "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون" الآية،: ~~الأنعام: 93، وقوله: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها": النساء: 97 إلى غير ذلك من الآيات. PageV15P103 # أن المراد به الموت وهو المسمى في عرف القرآن برزخا فإن في الآيات دلالة ~~قاطعة على أنهم يرون الملائكة ويشافهونهم بعد الموت قبل يوم القيامة، ~~والمتعين - على ما يقتضيه طبع المخاصمة - في جواب من يجحد رؤية الملائكة أن ~~يذكر له أول يوم يراهم بما يسوؤه ms5695 وهو يوم الموت لا أن يخاصم بذكر رؤيتهم ~~يوم القيامة وقوله لهم: حجرا محجورا، وقد رآهم قبل ذلك وعذب بأيديهم أمدا ~~بعيدا وهو ظاهر. # فالظاهر أن الآية والآيتين التاليتين ناظرة إلى حالهم في البرزخ تصف ~~رؤيتهم للملائكة فيه، وإحباط أعمالهم فيه، وحال أهل الجنة التي فيه. # قوله تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا" قال ~~الراغب في المفردات:، العمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد فهو أخص من الفعل ~~لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد وقد ينسب إلى ~~الجمادات، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل العمل في الحيوانات إلا في ~~قولهم: البقر العوامل. # انتهى. # وقال: الهباء دقاق التراب وما انبث في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء ~~الشمس في الكوة. # انتهى. # والنثر التفريق. # والمعنى: وأقبلنا إلى كل عمل عملوه - والعمل هو الذي يعيش به الإنسان بعد ~~الموت - ففرقناه تفريقا لا ينتفعون به كالهباء المنثور، والكلام مبني على ~~التمثيل مثل به استيلاء القهر الإلهي على جميع أعمالهم التي عملوها لسعادة ~~الحياة وإبطالها بحيث لا يؤثر في سعادة حياتهم المؤبدة شيئا بتشبيهه بسلطان ~~غلب عدوه فحل داره بعد ما ظهر عليه فخرب الدار وهدم الآثار وأحرق المتاع ~~والأثاث فأفنى منه كل عين وأثر. # ولا منافاة بين ما تدل عليه الآية من حبط الأعمال يومئذ وبين ما تدل عليه ~~آيات أخر أن أعمالهم أحبطت حينما عملوها في الدنيا بكفرهم وإجرامهم فإن ~~معنى الإحباط بعد الموت ظهور الحبط لهم بعد ما كان خفيا في الدنيا عليهم ~~وقد تقدم كلام مشبع في معنى الحبط في الجزء الثاني من الكتاب فراجع. # قوله تعالى: "أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا" المراد بأصحاب ~~الجنة المتقون فقد تقدم قوله قبل آيات: "قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون"، والمستقر والمقيل اسما مكان من الاستقرار ومعناه ظاهر ومن ~~القيلولة وهي الاستراحة في منتصف النهار سواء كان معها نوم أم لا - على ما ~~قيل - والجنة لا نوم ms5696 فيه. # وكلمتا "خير" و"أحسن" منسلخان عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى: "وهو ~~أهون عليه": الروم: 27، وقوله: "ما عند الله خير من اللهو": الجمعة: 11 كذا ~~قيل، وليس يبعد أن يقال: إن "أفعل" أو ما هو في معناه كخير بناء على ما ~~رجحنا أنه صفة مشبهة تدل على التفضيل بمادته لا بهيئته في مثل هذه الموارد ~~غير منسلخ عن معنى التفضيل والعناية في ذلك أنهم لما اختاروا الشرك ~~والإجرام واستحسنوا ذلك ولازمه النار في الآخرة فقد أثبتوا لها خيرية وحسنا ~~فقوبلوا بأن الجنة وما فيها خير وأحسن حتى على لازم قولهم فعليهم أن ~~يختاروها على النار وأن يختاروا الإيمان على الكفر على أي حال، وقيل: إن ~~التفضيل مبني على التهكم. # قوله تعالى: "ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا" الظاهر أن ~~الظرف منصوب بفعل مقدر، والمعنى واذكر يوم كذا وكذا فإنهم يرون الملائكة ~~فيه أيضا وهذا اليوم هو يوم القيامة بدليل قوله بعد: "الملك يومئذ الحق ~~للرحمن"، وقيل في متعلق الظرف وجوه أخر لا فائدة في نقلها. # و"تشقق" أصله تتشقق من باب التفعل من الشق بمعنى الخرم والتشقق التفتح، ~~والغمام السحاب سمي به لستره ضوء الشمس مأخوذ من الغم بمعنى الستر. # والباء في قوله: "تشقق السماء بالغمام" إما للملابسة والمعنى تتفتح ~~السماء متلبسة بالغمام أي متغيمة، وإما بمعنى عن والمعنى تتفتح عن الغمام ~~أي من قبل الغمام أو تشققه. # وكيف كان فظاهر الآية أن السماء تنشق يوم القيامة بما عليها من الغمام ~~الساتر لها ونزل منها الملائكة الذين هم سكانها فيشاهدونهم فالآية قريبة ~~المعنى من قوله في موضع آخر: "وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على ~~أرجائها": الحاقة: 17. # وليس من البعيد أن يكون الكلام كناية عن انكشاف غمة الجهل وبروز عالم ~~السماء وهو من الغيب وبروز سكانها وهم الملائكة ونزولهم إلى العالم الأرضي ~~موطن الإنسان. PageV15P104 # وقيل: المراد أن السماء يشقها الغمام وهو الذي يذكره في قوله: "هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ms5697 الله ترجع ~~الأمور": البقرة: 210، وقد مر كلام في تفسير الآية. # والتعبير عن الواقعة بالتشقق دون التفتح وما يماثله للتهويل، وكذا ~~التنوين في قوله: "تنزيلا" للدلالة على التفخيم. # قوله تعالى: "الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا" أي ~~الملك المطلق يومئذ حق ثابت للرحمن وذلك لبطلان الأسباب وزوال ما بينها ~~وبين مسبباتها من الروابط المتنوعة، وقد تقدم غير مرة أن المراد بذلك في ~~يوم القيامة هو ظهور أن الملك والحكم لله والأمر إليه وحده، وأن لا استقلال ~~في شيء من الأسباب على خلاف ما كان يتراءى من ظاهر حالها في نشأة الدنيا ~~قبل قيام الساعة ورجوع كل شيء إليه تعالى. # وقوله: "وكان يوما على الكافرين عسيرا" الوجه فيه ركونهم إلى ظواهر ~~الأسباب وإخلادهم إلى الحياة الأرضية البائدة الداثرة وانقطاعهم عن السبب ~~الحقيقي الذي هو مالك الملك بالحقيقة وعن حياتهم الباقية المؤبدة فيصبحون ~~اليوم ولا ملاذ لهم ولا معاذ. # فعلى هذا يكون الملك مبتدأ والحق خبره عرف لإفادة الحصر، ويومئذ ظرف ~~لثبوت الخبر للمبتدإ، وفائدة التقييد الدلالة على ظهور حقيقة الأمر يومئذ ~~فإن حقيقة الملك لله سبحانه دائما، وإنما يختلف يوم القيامة مع غيره بزوال ~~الملك الصوري عن الأشياء فيه وثبوته لها في غيره. # وقال بعضهم: الملك بمعنى المالكية ويومئذ متعلق به والحق خبر الملك، ~~وقيل: يومئذ متعلق بمحذوف هو صفة للحق، وقيل: المراد بيومئذ هو يوم الله، ~~وقيل: يومئذ هو الخبر للملك والحق صفة للمبتدإ، وهذه أقوال ردية لا جدوى لها. # قوله تعالى: "ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا" قال الراغب في المفردات:، العض أزم بالأسنان، قال تعالى: "عضوا ~~عليكم الأنامل" و"ويوم يعض الظالم" وذلك عبارة عن الندم لما جرى به عادة ~~الناس أن يفعلوه عند ذلك. # انتهى. # ولذلك يتمنى عنده ما فات من واجب العمل كما حكى الله تعالى عنهم قولهم: ~~"يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا". # والظاهر أن المراد بالظالم جنسه وهو كل من لم يهتد بهدى الرسول، وكذا ~~المراد ms5698 بالرسول جنسه وإن انطبق الظالم بحسب المورد على ظالمي هذه الأمة ~~والرسول على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمعنى: واذكر يوم يندم الظالم ندما شديدا قائلا من فرط ندمه يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا ما إلى الهدى أي سبيل كانت. # قوله تعالى: "يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا" تتمة تمني الظالم ~~النادم على ظلمه، وفلان كناية عن العلم المذكر وفلانة عن العلم المؤنث قال ~~الراغب: فلان وفلانة كنايتان عن الإنسان والفلان والفلانة - باللام - ~~كنايتان عن الحيوانات. # انتهى. # والمعنى: يا ويلتى - يا هلاكي - ليتني لم أتخذ فلانا - وهو من اتخذه ~~صديقا يشاوره ويسمع منه ويقلده - خليلا. # وذكر بعضهم: أن فلانا في الآية كناية عن الشيطان، وكأنه نظرا إلى ما في ~~الآية التالية من حديث خذلان الشيطان للإنسان غير أن السياق لا يساعد عليه. # ومن لطيف التعبير قوله في الآية السابقة: "يا ليتني اتخذت" إلخ وفي هذه ~~الآية: "يا ويلتى ليتني لم أتخذ" إلخ فإن في ذلك تدرجا لطيفا في النداء ~~والاستغاثة فحذف المنادى في الآية السابقة يلوح إلى أنه يريد أي منج ينجيه ~~مما هو فيه من الشقاء وذكر الويل بعد ذلك - في هذه الآية يدل على أنه بان ~~له أن لا يخلصه من العذاب شيء قط إلا الهلاك والفناء، ولذلك نادى الويل. # قوله تعالى: "لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا" تعليل للتمني السابق والمراد بالذكر مطلق ما جاءت به الرسل أو خصوص ~~الكتب السماوية وينطبق بحسب المورد على القرآن. # وقوله: "وكان الشيطان للإنسان خذولا" من كلامه تعالى ويمكن أن يكون تتمة ~~لكلام الظالم ذكره تأسفا وتحسرا. PageV15P105 # والخذلان بضم الخاء ترك من يظن به أن ينصر نصرته، وخذلانه أنه يعد الإنسان ~~أن ينصره على كل مكروه إن تمسك بالأسباب ونسي ربه فلما تقطعت الأسباب بظهور ~~القهر الإلهي يوم الموت جزئيا ويوم القيامة كليا خذله وسلمه إلى الشقاء، ~~قال تعالى: "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك": ~~الحشر: 16 ms5699 وقال فيما يحكي عن الشيطان يوم القيامة: "ما أنا بمصرخكم وما ~~أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل": إبراهيم: 22. # وفي هذه الآيات الثلاث إشعار بل دلالة على أن السبب العمدة في ضلال أهل ~~الضلال ولاية أهل الأهواء وأولياء الشيطان، والمشاهدة يؤيد ذلك. # قوله تعالى: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا" ~~المراد بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بقرينة ذكر القرآن، وعبر ~~عنه بالرسول تسجيلا لرسالته وإرغاما لأولئك القادحين في رسالته وكتابه ~~والهجر بالفتح فالسكون الترك. # وظاهر السياق أن قوله: "وقال الرسول" إلخ معطوف على "يعض الظالم" والقول ~~مما يقوله الرسول يوم القيامة لربه على طريق البث والشكوى وعلى هذا ~~فالتعبير بالماضي بعناية تحقق الوقوع والمراد بالقوم عامة العرب بل عامة ~~الأمة باعتبار كفرتهم وعصاتهم. # وأما كونه استئنافا أو عطفا على قوله: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا" وكون ~~ما وقع بينهما اعتراضا فبعيد من السياق وعليه فلفظة قال على ظاهر معناها ~~والمراد بالقوم هم القادحون في رسالته الطاعنون في كتابه. # ونظيره في الضعف قول بعضهم: إن المهجور من الهجر بمعنى: الهذيان. # وهو ظاهر. # قوله تعالى: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا" أي كما جعلنا هؤلاء المجرمين عدوا لك كذلك جعلنا لكل نبي عدوا منهم ~~أي هذه من سنتنا الجارية في الأنبياء وأممهم فلا يسوأنك ما تلقى من عداوتهم ~~ولا يشقن عليك ذلك، ففيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # ومعنى: جعل العدو من المجرمين أن الله جازاهم على معاصيهم بالختم على ~~قلوبهم فعاندوا الحق وأبغضوا الداعي إليه وهو النبي فلعداوتهم نسبة إليه ~~تعالى بالمجازاة. # وقوله: "وكفى بربك هاديا ونصيرا" معناه - على ما يعطيه السياق - لا ~~يهولنك أمر عنادهم وعداوتهم ولا تخافنهم على اهتداء الناس ونفوذ دينك فيهم ~~وبينهم فحسبك ربك كفى به هاديا يهدي من استحق من الناس الهداية واستعد له ~~وإن كفر هؤلاء وعتوا فليس اهتداء الناس منوطا باهتدائهم وكفى به نصيرا ~~ينصرك وينصر دينك الذي بعثك به ms5700 وإن هجره هؤلاء ولم ينصروك ولا دينك فالجملة ~~مسوقة لإظهار الاستغناء عنهم. # فظهر أن صدر الآية مسوق لتسلي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذيله ~~للاستغناء عن المجرمين من قومه، وفي قوله: "وكفى بربك" حيث أخذ بصفة ~~الربوبية: مضافة إلى ضمير الخطاب ولم يقل: وكفى بالله تأييد له. PageV15P106 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن كتاب الجنة والنار بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي ~~عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث يذكر فيه قبض روح الكافر قال: فإذا ~~بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه ودبره وقيل: "أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق - وكنتم عن آياته تستكبرون" ~~وذلك قوله: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين - ويقولون حجرا ~~محجورا" فيقولون حراما عليكم الجنة محرما. وفي الدر المنثور، أخرج عبد ~~الرزاق والفاريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: ~~الهباء ريح الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء فجعل الله أعمالهم كذلك. ~~وفيه، أخرج سمويه في فوائده عن سالم مولى أبي حذيفة قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ليجاء يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثال جبال ~~تهامة حتى إذا جيء بهم جعل الله تعالى أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار. قال ~~سالم: بأبي وأمي يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم، قال: كانوا يصلون ~~ويصومون ويأخذون سنة من الليل ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام ~~وثبوا عليه فأدحض الله تعالى أعمالهم وفي الكافي، بإسناده عن سليمان بن ~~خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "وقدمنا ~~إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا" قال: أما والله لقد كانت أعمالهم ~~أشد بياضا من القباطي ولكن كانوا إذا عرض لهم حرام لم يدعوه. # أقول: وهذا المعنى مروي فيه وفي غيره عنه وعن أبيه (عليه السلام) بغير ~~واحد من الطرق. # وفي الكافي، أيضا بإسناده عن عبد الأعلى وبإسناد آخر عن سويد بن غفلة ms5701 ~~قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في حديث وضع المؤمن في قبره. ثم ~~يفسحان يعني الملكين في قبره مد بصره ثم يفتحان له بابا إلى الجنة ويقولان ~~له: نم قرير العين نوم الشاب الناعم فإن الله يقول: "أصحاب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا وأحسن مقيلا". # أقول: والرواية - كما ترى - تجعل الآية من آيات البرزخ، وتشير بقوله: ~~ويقال له: نم "إلخ" إلى نكتة التعبير في الآية بالمقيل فليتنبه. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا إليه أهل مكة ~~كلهم وكان يكثر مجالسة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعجبه حديثه وغلب ~~عليه الشقاء. فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا ~~إله إلا الله وأني رسول الله فقال: أطعم يا ابن أخي. قال: ما أنا بالذي ~~أفعل حتى تقول، فشهد بذلك وطعم من طعامه. فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال ~~أصبوت يا عقبة؟. وكان خليله فقال: لا والله ما صبوت ولكن دخل علي رجل فأبى ~~أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم ~~فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه ففعل ~~عقبة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ألقاك خارجا من مكة ~~إلا علوت رأسك بالسيف فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا ولم يقتل من الأسارى ~~يومئذ غيره. # أقول: وقد ورد في غير واحد من الروايات في قوله تعالى: "يقول يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا"، أن السبيل هو علي (عليه السلام) وهو من بطن القرآن ~~أو من قبيل الجري وليس من التفسير في شيء. PageV15P107 ### ||| AUTO 25 سورة الفرقان - 32 - 40 # وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرءان ms5702 جملة وحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلنه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئنك بالحق وأحسن تفسيرا (33) ~~الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) ولقد ~~ءاتينا موسى الكتب وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا (35) فقلنا اذهبا إلى القوم ~~الذين كذبوا بئايتنا فدمرنهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقنهم ~~وجعلنهم للناس ءاية وأعتدنا للظلمين عذابا أليما (37) وعادا وثمودا وأصحب ~~الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثل وكلا تبرنا تتبيرا ~~(39) ولقد أتوا على القرية التى أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل ~~كانوا لا يرجون نشورا (40) ### |||| AUTO بيان # نقل لطعن آخر مما طعنوا به في القرآن وهو أنه لم ينزل جملة واحدة والجواب عنه. # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة" المراد ~~بهم مشركو العرب الرادون لدعوة القرآن كما في قدحهم السابق المحكي بقوله: ~~"وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه" إلخ. # وقوله "لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة" قد تقدم أن الإنزال والتنزيل ~~إنما يفترقان في أن الإنزال يفيد الدفعة والتنزيل يفيد التدريج لكن ذكر ~~بعضهم أن التنزيل في هذه الآية منسلخ عن معنى التدريج لأدائه إلى التدافع ~~إذ يكون المعنى على تقدير إرادة التدريج: لو لا فرق القرآن جملة واحدة ~~والتفريق ينافي الجملية بل المعنى هلا أنزل القرآن عليه دفعة غير مفرق كما ~~أنزل التوراة والإنجيل والزبور. # لكن ينبغي أن يعلم أن نزول التوراة مثلا كما هو الظاهر المستفاد من ~~القرآن كانت دفعة في كتاب مكتوب في ألواح والقرآن إنما كان ينزل عليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالتلقي من عند الله بتوسط الروح الأمين كما يتلقى ~~السامع الكلام من المتكلم، والدفعة في إيتاء كتاب مكتوب وتلقيه تستلزم ~~المعية بين أوله وآخره لكنه إذا كان بقراءة وسماع لم يناف التدريج بين ~~أجزائه وأبعاضه بل من الضروري أن يؤتاه القارىء ويتلقاه السامع آخذا من ~~أوله إلى آخره شيئا فشيئا. # وهؤلاء إنما كانوا يقترحون نزول القرآن جملة واحدة على ما ms5703 كانوا يشاهدون ~~أو يسمعون من كيفية نزول الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~تلقي الآيات بألفاظها من لسان ملك الوحي فكان اقتراحهم أن الذي يتلوه ملك ~~الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سورة بعد سورة وآية بعد آية ~~ويتلقاه هو كذلك فليقرأ جميع ذلك مرة واحدة وليتلقه هو مرة واحدة ولو دامت ~~القراءة والتلقي مدة من الزمان، وهذا المعنى أوفق بالتنزيل الدال على ~~التدريج. # وأما كون مرادهم من اقتراح نزوله جملة واحدة أن ينزل كتابا مكتوبا دفعة ~~كما نزلت التوراة وكذا الإنجيل والزبور على ما هو المعروف عندهم فلا دلالة ~~في الكلام المنقول عنهم على ذلك. # على أنهم ما كانوا مؤمنين بهذه الكتب السماوية حتى يسلموا نزولها دفعة. # وكيف كان فقولهم: "لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة" اعتراض منهم على ~~القرآن من جهة نحو نزوله، يريدون به أنه ليس بكتاب سماوي نازل من عند الله ~~سبحانه إذ لو كان كتابا سماويا متضمنا لدين سماوي يريده الله من الناس وقد ~~بعث رسولا يبلغه الناس لكان الدين المضمن فيه المراد من الناس دينا تامة ~~أجزاؤه معلومة أصوله وفروعه مجموعة فرائضه وسننه وكان الكتاب المشتمل عليه ~~منظمة أجزاؤه، مركبة بعضه على بعض. # وليس كذلك بل هو أقوال متفرقة يأتي بها في وقائع مختلفة وحوادث متشتتة ~~ربما وقع واقع فأتى عند ذلك بشيء من الكلام مرتبط به يسمى جملها المنضودة ~~آيات إلهية ينسبها إلى الله ويدعي أنها قرآن منزل إليه من عند الله سبحانه ~~وليس إلا أنه يتعمل حينا بعد حين عند وقوع وقائع فيختلق قولا يفتريه على ~~الله، وليس إلا رجلا صابئا ضل عن السبيل. PageV15P108 # هذا تقرير اعتراضهم على ما يستفاد من مجموع الاعتراض والجواب. # قوله تعالى: "كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا" الثبات ضد الزوال، والإثبات والتثبيت بمعنى واحد ~~والفرق بينهما بالدفعة والتدريج، والفؤاد القلب والمراد به كما مر غير مرة ~~الأمر المدرك من الإنسان وهو نفسه، والترتيل ms5704 - كما قالوا - الترسيل ~~والإتيان بالشيء عقيب الشيء، والتفسير - كما قال الراغب - المبالغة في ~~إظهار المعنى المعقول كما أن الفسر بالفتح فالسكون إظهار المعنى المعقول. # وظاهر السياق أن قوله: "كذلك" متعلق بفعل مقدر يعلله قوله: "لنثبت" ويعطف ~~عليه قوله: "ورتلناه" والتقدير نزلناه أي القرآن كذلك أي نجوما متفرقة لا ~~جملة واحدة لنثبت به فؤادك، وقول بعضهم: إن "كذلك" من تمام قول الذين كفروا ~~سخيف جدا. # فقوله: "كذلك لنثبت به فؤادك" بيان تام لسبب تنزيل القرآن نجوما متفرقة ~~وبيان ذلك أن تعليم علم من العلوم وخاصة ما كان منها مرتبطا بالعمل بإلقاء ~~المعلم مسائله واحدة بعد واحدة إلى المتعلم حتى تتم فصوله وأبوابه إنما ~~يفيد حصولا ما لصور مسائله عند المتعلم وكونها مذخورة بوجه ما عنده يراجعها ~~عند مسيس الحاجة إليها، وأما استقرارها في النفس بحيث تنمو النفس عليها ~~وتترتب عليها آثارها المطلوبة منها فيحتاج إلى مسيس الحاجة والإشراف على ~~العمل وحضور وقته. # ففرق بين بين أن يلقي الطبيب المعلم مثلا مسألة طبية إلى متعلم الطب ~~إلقاء فحسب وبين أن يلقيها إليه وعنده مريض مبتلى بما يبحث عنه من الداء ~~وهو يعالجه فيطابق بين ما يقول وما يفعل. # ومن هنا يظهر أن إلقاء أي نظرة علمية عند مسيس الحاجة وحضور وقت العمل ~~إلى من يراد تعليمه وتربيته أثبت في النفس وأوقع في القلب وأشد استقرارا ~~وأكمل رسوخا في الذهن وخاصة في المعارف التي تهدي إليها الفطرة فإن الفطرة ~~إنما تستعد للقبول وتتهيأ للإذعان إذا أحست بالحاجة. # ثم إن المعارف التي تتضمنها الدعوة الإسلامية الناطق بها القرآن إنما هي ~~شرائع وأحكام عملية وقوانين فردية واجتماعية تسعد الحياة الإنسانية مبنية ~~على الأخلاق الفاضلة المرتبطة بالمعارف الكلية الإلهية التي تنتهي بالتحليل ~~إلى التوحيد كما أن التوحيد ينتهي بالتركيب إليها ثم إلى الأخلاق والأحكام ~~العملية. # فأحسن التعليم وأكمل التربية أن تلقى هذه المعارف العالية بالتدريج موزعة ~~على الحوادث الواقعة المتضمنة لمساس أنواع الحاجات مبينة لما يرتبط بها من ~~الاعتقاد الحق والخلق الفاضل والحكم العملي المشروع مع ms5705 ما يتعلق بها من ~~أسباب الاعتبار والاتعاظ بين قصص الماضين وعاقبة أمر المسرفين وعتو الطاغين ~~والمستكبرين. # وهذه سبيل البيانات القرآنية المودعة في آياته النازلة كما قال تعالى: ~~"وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء:، 106 ~~وهذا هو المراد بقوله تعالى: "كذلك لنثبت به فؤادك" والله أعلم. # نعم يبقى عليه شيء وهو أن تفرق أجزاء التعليم وإلقاءها إلى المتعلم على ~~التمهل والتؤدة يفسد غرض التعليم لانقطاع أثر السابق إلى أن يلحق به اللاحق ~~وسقوط الهمة والعزيمة عن ضبط المطالب ففي اتصال أجزاء العلم الواحد بعضها ~~ببعض إمدادا للذهن وتهيئة للفهم على التفقه والضبط لا يحصل بدونه البتة. # وقد أجاب تعالى عنه بقوله: "ورتلناه ترتيلا" فمعناه على ما يعطيه السياق ~~أن هذه التعليمات على نزولها نجوما متفرقة عقبنا بعضها ببعض ونزلنا بعضها ~~إثر بعض بحيث لا تبطل الروابط ولا تنقطع آثار الأبعاض فلا يفسد بذلك غرض ~~التعليم بل هي سور وآيات نازلة بعضها إثر بعض مترتبة مرتلة. # على أن هناك أمرا آخر وهو أن القرآن كتاب بيان واحتجاج يحتج على المؤالف ~~والمخالف فيما أشكل عليهم أو استشكلوه على الحق والحقيقة بالتشكيك ~~والاعتراض، ويبين لهم ما التبس عليهم أمره من المعارف والحكم الواقعة في ~~الملل والأديان السابقة وما فسرها به علماؤهم بتحريف الكلم عن مواضعه كما ~~يظهر بقياس ما كان يعتقده الوثنيون في الله تعالى والملائكة والجن وقديسي ~~البشر وما وقع في العهدين من أخبار الأنبياء وما بثوه من معارف المبدإ ~~والمعاد، إلى ما بينه القرآن في ذلك. PageV15P109 # وهذا النوع من الاحتجاج والبيان لا يستوفي حقه إلا بالتنزيل التدريجي على ~~حسب ما كان يبدو من شبههم ويرد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~مسائلهم تدريجا، ويورد على المؤمنين أو على قومهم من تسويلاتهم شيئا بعد ~~شيء وحينا بعد حين. # وإلى هذا يشير قوله تعالى: "ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا" - والمثل الوصف - أي لا يأتونك بوصف فيك أو في غيرك حادوا به عن ~~الحق أو أساءوا ms5706 تفسيره إلا جئناك بما هو الحق فيه أو ما هو أحسن الوجوه في ~~تفسيره فإن ما أتوا به إما باطل محض فالحق يدفعه أو حق محرف عن موضعه ~~فالتفسير الأحسن يرده إلى مستواه ويقومه. # فتبين بما تقدم أن قوله: "كذلك لنثبت به فؤادك" - إلى قوله - وأحسن ~~تفسيرا" جواب عن قولهم: "لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة" بوجهين: ~~أحدهما: بيان السبب الراجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو تثبيت ~~فؤاده بالتنزيل التدريجي. # وثانيهما: بيان السبب الراجع إلى الناس وهو بيان الحق فيما يوردون على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المثل والوصف الباطل، والتفسير بأحسن ~~الوجوه فيما يوردون عليه من الحق المغير عن وجهه المحرف عن موضعه. # ويلحق بهذا الجواب قوله تلوا: "الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك ~~شر مكانا وأضل سبيلا" فهو كالمتمم للجواب على ما سيجيء بيانه. # وتبين أيضا أن الآيات الثلاث مسوقة جميعا لغرض واحد وهو الجواب عما ~~أوردوه من القدح في القرآن هذا، والمفسرون فرقوا بين مضامين الآيات الثلاث ~~فجعلوا قوله: "كذلك لنثبت به فؤادك" جوابا عن قولهم: "لو لا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة"، وقوله: "ورتلناه ترتيلا" خبرا عن ترسيله في النزول أو ~~في القراءة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير ارتباط بما تقدمه. # وجعلوا قوله: "ولا يأتونك بمثل" إلخ، كالبيان لقوله: "كذلك لنثبت به ~~فؤادك" وإيضاحا لكيفية تثبيت فؤاده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعله بعضهم ~~ناظرا إلى خصوص المثل الذي ضربوه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن ~~الله بين الحق فيه وجاء بأحسن التفسير وقيل غير ذلك، وجعلوا قوله: "الذين ~~يحشرون" الآية أجنبيا عن غرض الآيتين السابقتين بالكلية. # والتأمل فيما قدمناه في توجيه مضمون الآيتين الأوليين وما سيأتي من معنى ~~الآية الثالثة يوضح فساد جميع ذلك، ويظهر أن الآيات الثلاث جميعا ذات غرض ~~واحد وهو الجواب عما أوردوه من الطعن في القرآن من جهة نزوله التدريجي. # وذكروا أيضا أن الجواب عن قدحهم واقتراحهم بقوله: "كذلك ms5707 لنثبت به فؤادك" ~~جواب بذكر بعض ما لتفريق النزول من الفوائد وأن هناك فوائد أخرى غير ما ~~ذكره الله تعالى، وقد أوردوا فوائد أخرى أضافوها إلى ما وقع في الآية: ~~منها: أن الكتب السماوية السابقة على القرآن إنما أنزلت جملة واحدة لأنها ~~أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرءون فنزلت عليهم جملة واحدة مكتوبة والقرآن ~~إنما نزل على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ ولذلك نزل متفرقا. # ومنها أن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها ودليل كونها من عند الله ~~تعالى إعجازها، وأما القرآن فبينة صحته وآية كونه من عند الله تعالى نظمه ~~المعجز الباقي على مر الدهور المتحقق في كل جزء من أجزائه المقدر بمقدار ~~أقصر السور حسبما وقع به التحدي. # ولا ريب أن مدار الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال، ومن ضرورة ~~تجددها تجدد ما يطابقها. # ومنها: أن في القرآن ناسخا ومنسوخا ولا يتيسر الجمع بينهما لمكان المضادة ~~والمنافاة، وفيه ما هو جواب لمسائل سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عنها وفيه ما هو إنكار لبعض ما كان، وفيه ما هو حكاية لبعض ما جرى، وفيه ما ~~فيه إخبار عما سيأتي في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالإخبار عن ~~فتح مكة ودخول المسجد الحرام، والإخبار عن غلبة الروم على الفرس إلى غير ~~ذلك من الفوائد فاقتضت الحكمة تنزيله متفرقا. # وهذه وجوه ضعيفة لا تقتضي امتناع النزول جملة واحدة: أما الوجه الأول ~~فكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أميا لا يقرأ ولا يكتب لا يمنع ~~النزول جملة واحدة، وقد كان معه من يكتبه ويحفظه. PageV15P110 # على أن الله سبحانه وعده أن يعصمه من النسيان ويحفظ الذكر النازل عليه كما ~~قال: "سنقرئك فلا تنسى": الأعلى: 6، وقال: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون": الحجر: 9، وقال: "إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه": حم السجدة: 42، وقدرته تعالى على حفظ كتابه مع نزوله دفعة أو ~~تدريجا سواء. # وأما الوجه الثاني: فكما أن الكلام المفرق يقارنه أحوال ms5708 تقتضي في نظمه ~~أمورا إن اشتمل عليها الكلام كان بليغا وإلا فلا، كذلك الكلام الجملي وإن ~~كان كتابا يقارنه بحسب فصوله وأجزائه أحوال لها اقتضاءات إن طابقها كان ~~بليغا وإلا فلا فالبلاغة غير موقوفة على غير الكتاب النازل دفعة والكلام ~~المجموع جملة واحدة. # وأما الوجه الثالث فالنسخ ليس إبطالا للحكم السابق وإنما هو بيان انتهاء ~~أمده فمن الممكن الجمع بين الحكمين والمنسوخ والناسخ بالإشارة إلى أن الحكم ~~الأول محدود موقت إن اقتضت المصلحة ذلك. # ومن الممكن أيضا أن يقدم بيان المسائل التي سيسألون عنها حتى لا يحتاجوا ~~فيها إلى سؤال ولو سألوا عن شيء منها أرجعوا إلى سابق البيان، وكذا من ~~الممكن أن يقدم ذكر ما هو إنكار لما كان أو حكاية لما جرى أو إخبار عن بعض ~~المغيبات فشيء من ذلك لا يمتنع تقديمه كما هو ظاهر. # على أن تفريق النزول لبعض هذه الحكم والمصالح من تثبيت الفؤاد فليست هذه ~~الوجوه المذكورة وجوها على حدتها. # فالحق أن البيان الواقع في الآية بيان تام جامع لا حاجة معه إلى شيء من ~~هذه الوجوه البتة. # قوله تعالى: "الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل ~~سبيلا" اتصال الآية بما قبلها من الآيات على ما لها من السياق يعطي أن ~~هؤلاء القادحين في القرآن استنتجوا من قدحهم ما لا يليق بمقام النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فذكروه واصفين له بسوء المكانة وضلال السبيل فلم ~~يذكره الله تعالى في ضمن ما حكى من قولهم في القرآن صونا لمقام النبوة أن ~~يذكر بسوء، وإنما أشار إلى ذلك في ما أورد في هذه الآية من الرد عليهم ~~بطريق التكنية. # فقوله: "الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم" كناية عن الذين كفروا ~~القادحين في القرآن الواصفين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما وصفوا، ~~والكناية أبلغ من التصريح. # فالمراد أن هؤلاء القادحين في القرآن الواصفين لك هم شر مكانا وأضل سبيلا ~~لا أنت فالكلام مبني على قصر القلب، ولفظتا "شر" و"أضل" منسلختان عن معنى ms5709 ~~التفضيل أو مفيدتان على التهكم ونحوه. # وقد كنى عنهم بالمحشورين على وجوههم إلى جهنم وهو وصف من أضله الله من ~~المتعنتين المنكرين للمعاد كما قال تعالى: "ومن يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا ~~بآياتنا" إلخ: إسراء: 98. # ففي هذه التكنية مضافا إلى كونها أبلغ، تهديد لهم بشر المكان وأليم ~~العذاب وأيضا هي في معنى الاحتجاج على ضلالهم إذ لا ضلال أضل من أن يسير ~~الإنسان على وجهه وهو لا يشعر بما في قدامه، وهذا الضلال الذي في حشرهم على ~~وجوههم إلى جهنم ممثل للضلال الذي كان لهم في الدنيا فكأنه قيل: إن هؤلاء ~~هم الضالون فإنهم محشورون على وجوههم، ولا يبتلي بذلك إلا من كان ضالا في ~~الدنيا. # وقد اختلفت كلماتهم في وجه اتصال الآية بما قبلها فسكت عنه بعضهم، وذكر ~~في مجمع البيان، أنهم قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين: ~~إنهم شر خلق الله فقال الله تعالى: "أولئك شر مكانا وأضل سبيلا" وذكر بعضهم ~~أنها متصلة بقوله قبل آيات: "أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا" ~~وقد عرفت ما يلوح من السياق. # وقد اختلفوا أيضا في المراد بحشرهم على وجوههم فقيل: وهو على ظاهره وهو ~~الانتقال مكبوبا، وقيل: هو السحب. # وقيل: هو الانتقال من مكان إلى مكان منكوسا وهو خلاف المشي على الاستقامة ~~وفيه أن الأولى حينئذ التعبير بالحشر على الرءوس لا على الوجوه، وقد قال ~~تعالى في موضع آخر وهو كتوصيف ما يجري بعد هذا الحشر: "يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم": القمر: 48. # وقيل: المراد به فرط الذلة والهوان والخزي مجازا. # وفيه أن المجاز إنما يصار إليه إذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة. PageV15P111 # وقيل: هو من قول العرب: مر فلان على وجهه إذا لم يدر أين ذهب؟ وفيه أن ~~مرجعه إلى الجهل بالمكان المحشور إليه ولا يناسب ذلك تقييد الحشر في الآية ms5710 ~~بقوله: "إلى جهنم". # وقيل: الكلام كناية أو استعارة تمثيلية، والمراد أنهم يحشرون وقلوبهم ~~متعلقة بالسفليات من الدنيا وزخارفها متوجهة وجوههم إليها. # وأورد عليه أنهم هناك في شغل شاغل عن التوجه إلى الدنيا وتعلق القلوب ~~بها، ولعل المراد به بقاء آثار ذلك فيهم وعليهم. # وفيه أن مقتضى آيات تجسم الأعمال كون العذاب ممثلا للتعلق بالدنيا ~~والتوجه نحوها فهم في الحقيقة لا شغل لهم يومئذ إلا ذلك. # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا" ~~استشهاد على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول الكتاب عليه قبال ~~تكذيب الكفار به وبكتابه برسالة موسى وإيتائه الكتاب وإشراك هارون في أمره ~~للتخلص إلى ذكر تعذيب آل فرعون وإهلاكهم، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم ~~تدميرا" قال في مجمع البيان، التدمير الإهلاك لأمر عجيب، ومنه التنكيل ~~يقال: دمر على فلان إذا هجم عليه بالمكروه. # انتهى. # والمراد بالآيات آيات الآفاق والأنفس الدالة على التوحيد التي كذبوا بها، ~~وذكر أبو السعود في تفسيره أن الآيات هي المعجزات التسع المفصلات الظاهرة ~~على يدي موسى (عليه السلام) ولم يوصف القوم لهما عند إرسالهما إليهم بهذا ~~الوصف ضرورة تأخر تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن ذهابهما المتأخر عن ~~الأمر به بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بيانا لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير أي فذهبا إليهم ~~فأرياهم آياتنا كلها فكذبوها تكذيبا مستمرا فدمرناهم. # انتهى. # وهو حسن لو تعين حمل الآيات على آيات موسى (عليه السلام). # ووجه اتصال الآيتين بما قبلهما هو تهديد القادحين في كتاب النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ورسالته بتنظير الأمر بأمر موسى حيث آتاه الله الكتاب ~~وأرسله مع أخيه إلى قوم فرعون فكذبوه فدمرهم تدميرا. # ولهذه النكتة قدم ذكر إيتاء الكتاب على إرسالهما إلى القوم وتدميرهم مع ~~أن التوراة إنما نزلت بعد غرق فرعون وجنوده فلم يكن الغرض من القصة إلا ~~الإشارة إلى إيتاء الكتاب والرسالة لموسى ms5711 وتدمير القوم بالتكذيب. # وقيل: الآيتان متصلتان بقوله تعالى قبل: "وكفى بربك هاديا ونصيرا" وهو بعيد. # قوله تعالى: "وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ~~واعتدنا للظالمين عذابا أليما" الظاهر أن قوله: "قوم نوح" منصوب بفعل مقدر ~~يدل عليه قوله: "أغرقناهم". # والمراد بتكذيبهم الرسل تكذيبهم نوحا فإن تكذيب الواحد من رسل الله تكذيب ~~للجميع لاتفاقهم على كلمة الحق. # على أن هؤلاء الأمم كانوا أقواما وثنيين وهم ينكرون النبوة ويكذبون ~~الرسالة من رأس. # وقوله: "وجعلناهم للناس آية" أي لمن بقي بعدهم من ذراريهم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا" قال في مجمع ~~البيان،: الرس البئر التي لم تطو ذكروا أنهم كانوا قوما بعد ثمود نازلين ~~على بئر أرسل الله إليهم رسولا فكذبوا به فأهلكهم الله، وقيل هو اسم نهر ~~كانوا على شاطئه وفي روايات الشيعة ما يؤيد ذلك. # وقوله: "وعادا" إلخ معطوف على "قوم نوح" والتقدير: ودمرنا أو وأهلكنا ~~عادا وثمود وأصحاب الرس "إلخ". # وقوله: "وقرونا بين ذلك كثيرا" القرن أهل عصر واحد وربما يطلق على نفس ~~العصر والإشارة بذلك إلى من مر ذكرهم من الأقوام أولهم قوم نوح وآخرهم ~~أصحاب الرس أو قوم فرعون، والمعنى ودمرنا أو وأهلكنا عادا وهم قوم هود، ~~وثمود وهم قوم صالح، وأصحاب الرس، وقرونا كثيرا متخللين بين هؤلاء الذين ~~ذكرناهم وهم قوم نوح فمن بعدهم. # قوله تعالى: "وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا" كلا منصوب بفعل ~~يدل عليه قوله: "ضربنا له الأمثال" فإن ضرب الأمثال في معنى التذكير ~~والموعظة والإنذار، والتتبير التفتيت، ومعنى الآية. PageV15P112 # قوله تعالى: "ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا ~~يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا" هذه القرية هي قرية قوم لوط أمطر الله ~~عليهم حجارة من سجيل وقد مر تفصيل قصصهم في السور السابقة. # وقوله: "أفلم يكونوا يرونها" استفهام توبيخي فإن القرية كانت على طريق ~~أهل الحجاز إلى الشام. # وقوله: "بل كانوا لا يرجون نشورا" أي لا يخافون معادا أو ms5712 كانوا آيسين من ~~المعاد، وهذا كقوله تعالى فيما تقدم: "بل كذبوا بالساعة" والمراد به أن ~~المنشأ الأصيل لتكذيبهم بالكتاب والرسالة وعدم اتعاظهم بهذه المواعظ ~~الشافية وعدم اعتبارهم بما يعتبر به المعتبرون أنهم منكرون للمعاد فلا ينجح ~~فيهم دعوة ولا تقع في قلوبهم حكمة ولا موعظة. ### |||| AUTO بحث روائي # في العيون، بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): حديث طويل يذكر فيه قصة أصحاب الرس، ملخصه أنهم كانوا قوما يعبدون ~~شجرة صنوبرة يقال لها شاهدرخت كان يافث بن نوح غرسها بعد الطوفان على شفير ~~عين يقال لها: روشنآب وكان لهم اثنتا عشرة قرية معمورة على شاطىء نهر يقال ~~له الرس يسمين بأسماء: آبان، آذر، دي، بهمن، إسفندار، فروردين، أرديبهشت ~~خرداد، مرداد، تير، مهر، شهريور، ومنها اشتق العجم أسماء شهورهم. وقد غرسوا ~~في كل قرية منها من طلع تلك الصنوبرة حبة. أجروا عليها نهرا من العين التي ~~عند الصنوبرة، وحرموا شرب مائها على أنفسهم وأنعامهم ومن شرب منه قتلوه ~~ويقولون: إنه حياة الآلهة فلا ينبغي لأحد أن ينقص حياتها. وقد جعلوا في كل ~~شهر من السنة يوما في كل قرية عيدا يخرجون فيه إلى الصنوبرة التي خارج ~~القرية يقربون إليها القرابين ويذبحون الذبائح ثم يحرقونها في نار أضرموها ~~فيسجدون للشجرة عند ارتفاع دخانها وسطوعه في السماء ويبكون ويتضرعون ~~والشيطان يكلمهم من الشجرة. وهذا دأبهم في القرى حتى إذا كان يوم عيد ~~قريتهم العظمى التي كان يسكنها ملكهم واسمها إسفندار اجتمع إليها أهل القرى ~~جميعا وعيدوا اثني عشر يوما، وجاءوا بأكثر ما يستطيعونه من القرابين ~~والعبادات للشجرة وكلمهم إبليس وهو يعدهم ويمنيهم أكثر مما كان من الشياطين ~~في سائر الأعياد من سائر الشجر. ولما طال منهم الكفر بالله وعبادة الشجرة ~~بعث الله إليهم رسولا من بني إسرائيل من ولد يهودا فدعاهم إلى عبادة الله ~~وترك الشرك برهة فلم يؤمنوا فدعا على الشجرة فيبست فلما رأوا ذلك ساءهم ~~فقال بعضهم: إن هذا الرجل سحر آلهتنا، وقال آخرون: إن آلهتنا ms5713 غضبت علينا ~~بذلك لما رأت هذا الرجل يدعونا إلى الكفر بها فتركناه وشأنه من غير أن نغضب ~~عليه لآلهتنا. فاجتمعت آراؤهم على قتله فحفروا بئرا عميقا وألقوه فيها ~~وشدوا رأسها فلم يزالوا عليها يسمعون أنينه حتى مات فأتبعهم الله بعذاب ~~شديد أهلكهم عن آخرهم. # وفي نهج البلاغة، قال (عليه السلام): أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا ~~النبيين وأطفئوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الجبارين. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن أبي حمزة وهشام وحفص عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال: حدها ~~حد الزاني فقالت المرأة: ما ذكره الله عز وجل في القرآن، فقال: بلى، فقالت: ~~وأين هو؟ قال: هن الرس. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي وابن ~~عساكر عن جعفر بن محمد بن علي: أن امرأتين سألتاه: هل تجد غشيان المرأة ~~المرأة محرما في كتاب الله؟ قال: نعم هن اللواتي كن على عهد تبع، وهن صواحب ~~الرس، وكل نهر وبئر رس. قال: يقطع لهن جلباب من نار، ودرع من نار، ونطاق من ~~نار، وتاج من نار، وخفان من نار، ومن فوق ذلك ثوب غليظ جاف جاسف منتن من ~~نار. قال جعفر: علموا هذا نساءكم. # أقول: وروى القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن جميل عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) ما في معناه. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في قوله تعالى: "وكلا تبرنا تتبيرا" يعني "كسرنا تكسيرا" قال: هي لفظة ~~بالنبطية. # وفيه، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وأما القرية ~~التي أمطرت مطر السوء فهي سدوم قرية قوم لوط أمطر الله عليهم حجارة من سجيل ~~يعني من طين. PageV15P113 ### ||| AUTO 25 سورة الفرقان - 41 - 62 # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذى بعث الله رسولا (41) إن كاد ~~ليضلنا عن ءالهتنا لو لا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من ~~أضل ms5714 سبيلا (42) أرءيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم ~~تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعم بل هم أضل سبيلا (44) ~~ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ~~(45) ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذى أرسل الريح بشرا بين يدى رحمته ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا ~~أنعما وأناسى كثيرا (49) ولقد صرفنه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا (50) ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكفرين وجهدهم ~~به جهادا كبيرا (52) وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا (55) وما أرسلنك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما ~~أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحى ~~الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) الذى خلق السموت ~~والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا ~~(59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا (60) تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سرجا وقمرا منيرا ~~(61) وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات بعض صفات أولئك الكفار القادحين في الكتاب والرسالة ~~والمنكرين للتوحيد والمعاد مما يناسب سنخ اعتراضاتهم واقتراحاتهم ~~كاستهزائهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واتباعهم الهوى وعبادتهم لما ~~لا ينفعهم ولا يضرهم واستكبارهم عن السجود لله سبحانه. # قوله تعالى: "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا" ~~ضمير الجمع للذين كفروا السابق ذكرهم، والهزؤ الاستهزاء والسخرية فالمصدر ~~بمعنى المفعول، والمعنى: وإذا رآك الذين كفروا ms5715 لا يتخذونك إلا مهزوا به. # وقوله: "أهذا الذي بعث الله رسولا" بيان لاستهزائهم أي يقولون كذا ~~استهزاء بك. # قوله تعالى: "إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها" إلخ "إن" ~~مخففة من الثقيلة، والإضلال كأنه مضمن معنى الصرف ولذا عدي بعن، وجواب لو ~~لا محذوف يدل عليه ما تقدمه، والمعنى أنه قرب أن يصرفنا عن آلهتنا مضلا لنا ~~لو لا أن صبرنا على آلهتنا أي على عبادتها لصرفنا عنها. # وقوله: "وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا" توعد وتهديد منه ~~تعالى لهم وتنبيه أنهم على غفلة مما سيستقبلهم من معاينة العذاب واليقين ~~بالضلال والغي. PageV15P114 # قوله تعالى: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا" الهوى ميل ~~النفس إلى الشهوة من غير تعديله بالعقل، والمراد باتخاذ الهوى إلها طاعته ~~واتباعه من دون الله وقد أكثر الله سبحانه في كلامه ذم اتباع الهوى وعد ~~طاعة الشيء عبادة له في قوله: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61. # وقوله: "أفأنت تكون عليه وكيلا" استفهام إنكاري أي لست أنت وكيلا عليه ~~قائما على نفسه وبأموره حتى تهديه إلى سبيل الرشد فليس في مقدرتك ذلك وقد ~~أضله الله وقطع عنه أسباب الهداية وفي معناه قوله: "إنك لا تهدي من أحببت": ~~القصص: 56، وقوله: "وما أنت بمسمع من في القبور": فاطر: 22، والآية ~~كالإجمال للتفصيل الذي في قوله: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على ~~علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله": ~~الجاثية: 23. # ويظهر مما تقدم من المعنى أن قوله: "اتخذ إلهه هواه" على نظمه الطبيعي أي ~~إن "اتخذ" فعل متعد إلى مفعولين و"إلهه" مفعوله الأول و"هواه" مفعول ثان له ~~فهذا هو الذي يلائم السياق وذلك أن الكلام حول شرك المشركين وعدولهم عن ~~عبادة الله إلى عبادة الأصنام، وإعراضهم عن طاعة الحق التي هي طاعة الله ~~إلى طاعة الهوى الذي يزين لهم الشرك، وهؤلاء يسلمون أن ms5716 لهم إلها مطاعا وقد ~~أصابوا في ذلك، لكنهم يرون أن هذا المطاع هو الهوى فيتخذونه مطاعا بدلا من ~~أن يتخذوا الحق مطاعا فقد وضعوا الهوى موضع الحق لا أنهم وضعوا المطاع موضع ~~غيره فافهم. # ومن هنا يظهر ما في قول عدة من المفسرين أن "هواه" مفعول أول لقوله ~~"اتخذ" و"إلهه" مفعول ثان مقدم، وإنما قدم للاعتناء به من حيث إنه الذي ~~يدور عليه أمر التعجيب في قوله: "أرأيت من اتخذ" إلخ، كما قاله بعضهم، أو ~~إنما قدم للحصر على ما قاله آخرون، ولهم في ذلك مباحثات طويلة أغمضنا عن ~~إيرادها وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله. # قوله تعالى: "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا" أم منقطعة، والحسبان بمعنى الظن وضمائر الجمع راجعة إلى ~~الموصول في الآية السابقة باعتبار المعنى. # والترديد بين السمع والعقل من جهة أن وسيلة الإنسان إلى سعادة الحياة أحد ~~أمرين إما أن يستقل بالتعقل فيعقل الحق فيتبعه أو يرجع إلى قول من يعقله ~~وينصحه فيتبعه إن لم يستقل بالتعقل فالطريق إلى الرشد سمع أو عقل فالآية في ~~معنى قوله: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير":، الملك: 10. # والمعنى: بل أتظن أن أكثرهم لهم استعداد استماع الحق ليتبعه أو استعداد ~~عقل الحق ليتبعه فترجو اهتداءهم فتبالغ في دعوتهم. # وقوله: "إن هم إلا كالأنعام" بيان للجملة السابقة فإنه في معنى: أن ~~أكثرهم لا يسمعون ولا يعقلون فتنبه أنهم ليسوا إلا كالأنعام والبهائم في ~~أنها لا تعقل ولا تسمع إلا اللفظ دون المعنى. # وقوله: "بل هم أضل سبيلا" أي من الأنعام وذلك أن الأنعام لا تقتحم على ما ~~يضرها وهؤلاء يرجحون ما يضرهم على ما ينفعهم، وأيضا الأنعام إن ضلت عن سبيل ~~الحق فإنها لم تجهز في خلقتها بما يهديها إليه وهؤلاء مجهزون وقد ضلوا. # واستدل بعضهم بالآية على أن الأنعام لا علم لها بربها. # وفيه أن الآية لا تنفي عنها ولا عن الكفار أصل العلم بالله ms5717 وإنما تنفي عن ~~الكفار اتباع الحق الذي يهدي إليه عقل الإنسان الفطري لاحتجابه باتباع ~~الهوى، وتشبههم في ذلك بالأنعام التي لم تجهز بهذا النوع من الإدراك. # وأما ما أجاب به بعضهم أن الكلام خارج مخرج الظاهر فقول لا سبيل إلى ~~إثباته بالاستدلال. # قوله تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا" هاتان الآيتان وما بعدهما ~~إلى تمام تسع آيات في معنى التنظير لما تضمنته الآيتان السابقتان بل الآيات ~~الأربع السابقة من أن الله سبحانه جعل رسالة الرسول لهداية الناس إلى سبيل ~~الرشد وإنقاذهم من الضلال فيهتدي بها بعضهم ممن شاء الله وأما غيرهم ممن ~~اتخذ إلهه هواه فصار لا يسمع ولا يعقل فليس في وسع أحد أن يهديهم من بعد الله. PageV15P115 # فهي تبين أن ليس هذا ببدع من الله سبحانه ففي عجائب صنعه وبينات آياته ~~نظائر لذلك ففعله متشابه وهو على صراط مستقيم، وذلك كمد الظل وجعل الشمس ~~دليلا عليه تنسخه، وكجعل الليل لباسا والنوم سباتا والنهار نشورا، وكجعل ~~الرياح بشرا وإنزال المطر وإحياء الأرض الميتة وإرواء الأنعام والأناسي به. # ثم ما مثل المؤمن والكافر في اهتداء هذا وضلال ذاك - وهم جميعا عباد الله ~~يعيشون في أرض واحدة - إلا كمثل الماءين العذب الفرات والملح الأجاج مرجهما ~~الله تعالى لكن جعل بينهما برزخا وحجرا محجورا، وكالماء خلق الله سبحانه ~~منه بشرا ثم جعله نسبا وصهرا فاختلف بذلك المواليد وكان ربك قديرا. # هذا ما يهدي إليه التدبر في مضامين الآيات وخصوصيات نظمها وبه يظهر وجه ~~اتصالها بما تقدمها، وأما ما ذكروه من أن الآيات مسوقة لبيان بعض أدلة ~~التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم فالسياق لا يساعد عليه ~~وسنزيد ذلك إيضاحا. # فقوله: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا" تنظير - كما ~~تقدمت الإشارة إليه - لشمول الجهل والضلال للناس ورفعه تعالى ذلك بالرسالة ~~والدعوة الحقة كما يشاء ولازم ذلك أن يكون المراد بمد الظل ms5718 ما يعرض الظل ~~الحادث بعد الزوال من التمدد شيئا فشيئا من المغرب إلى المشرق حسب اقتراب ~~الشمس من الأفق حتى إذا غربت كانت فيه نهاية الامتداد وهو الليل، وهو في ~~جميع أحواله متحرك ولو شاء الله لجعله ساكنا. # وقوله: "ثم جعلنا الشمس عليه دليلا" والدليل هي الشمس من حيث دلالتها ~~بنورها على أن هناك ظلا وبانبساطه شيئا فشيئا على تمدد الظل شيئا فشيئا ~~ولولاها لم يتنبه لوجود الظل فإن السبب العام لتمييز الإنسان بعض المعاني ~~من بعض تحول الأحوال المختلفة عليه من فقدان ووجدان فإذا فقد شيئا كان يجده ~~تنبه لوجوده وإذا وجد ما كان يفقده تنبه لعدمه، وأما الأمر الثابت الذي لا ~~تتحول عليه الحال فليس إلى تصوره بالتنبه سبيل. # وقوله: "ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا" أي أزلنا الظل بإشراق الشمس ~~وارتفاعها شيئا فشيئا حتى ينسخ بالكلية، وفي التعبير عن الإزالة والنسخ ~~بالقبض، وكونه إليه، وتوصيفه باليسير دلالة على كمال القدرة الإلهية وأنها ~~لا يشق عليها فعل، وأن فقدان الأشياء بعد وجودها ليس بالانعدام والبطلان بل ~~بالرجوع إليه تعالى. # وما تقدم من تفسير مد الظل بتمديد الفيء بعد زوال الشمس وإن كان معنى لم ~~يذكره المفسرون لكن السياق - على ما أشرنا إليه - لا يلائم غيره مما ذكره ~~المفسرون كقول بعضهم: إن المراد بالظل الممدود ما بين طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس، وقول بعض: ما بين غروب الشمس وطلوعها، وقول بعض: ما يحدث من مقابلة ~~كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس بعد طلوعها، وقول بعض - وهو أسخف الأقوال - ~~هو ما كان يوم خلق الله السماء وجعلها كالقبة ثم دحا الأرض من تحتها فألقت ~~ظلها عليها. # وفي الآية أعني قوله: "ألم تر إلى ربك" إلخ، التفات من سياق التكلم ~~بالغير في الآيات السابقة إلى الغيبة، والنكتة فيه أن المراد بالآية وما ~~يتلوها من الآيات بيان أن أمر الهداية إلى الله سبحانه وليس للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من الأمر شيء وهو تعالى لا يريد هدايتهم وأن الرسالة ~~والدعوة الحقة ms5719 في مقابلتها للضلال المنبسط على أهل الضلال ونسخها ما تنسخ ~~منه من شعب السنة العامة الإلهية في بسط الرحمة على خلقه نظير إطلاع الشمس ~~على الأرض ونسخ الظل الممدود فيها بها، ومن المعلوم أن الخطاب المتضمن لهذه ~~الحقيقة مما ينبغي أن يختص به (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصة من جهة سلب ~~القدرة على الهداية عنه، وأما الكفار المتخذون إلههم هواهم وهم لا يسمعون ~~ولا يعقلون فلا نصيب لهم فيه. # وفي قوله: "ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا" رجوع إلى السياق ~~السابق، وفي ذلك مع ذلك من إظهار العظمة والدلالة على الكبرياء ما لا يخفى. PageV15P116 # والكلام في قوله الآتي: "وهو الذي جعل لكم الليل" إلخ، وقوله: "وهو الذي ~~أرسل الرياح" وقوله: "وهو الذي مرج البحرين"، وقوله: "وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا" كالكلام في قوله: "ألم تر إلى ربك"، والكلام في قوله: "وأنزلنا ~~من السماء ماء" إلخ، وقوله: "ولقد صرفناه بينهم"، وقوله: "ولو شئنا ~~لبعثنا"، كالكلام في قوله: "ثم جعلنا الشمس". # قوله تعالى: "وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار ~~نشورا" كون الليل لباسا إنما هو سترة الإنسان بغشيان الظلمة كما يستر ~~اللباس لابسه. # وقوله: "والنوم سباتا" أي قطعا للعمل، وقوله: "وجعل النهار نشورا" أي جعل ~~فيه الانتشار وطلب الرزق على ما ذكره الراغب في معنى اللفظتين. # وحال ستره تعالى الناس بلباس الليل وقطعهم به عن العمل والحركة ثم نشرهم ~~للعمل والسعي بإظهار النهار وبسط النور كحال مد الظل ثم جعل الشمس عليه ~~دليلا وقبض الظل بها إليه. # قوله تعالى: "وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ~~ماء طهورا" البشر بالضم فالسكون مخفف بشر بضمتين جمع بشور بمعنى مبشر أي هو ~~الذي أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهي المطر. # وقوله: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" أي من جهة العلو وهي جو الأرض ماء ~~طهورا أي بالغا في طهارته فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره يزيل الأوساخ ويذهب ~~بالأرجاس والأحداث - فالطهور ms5720 على ما قيل صيغة مبالغة -. # قوله تعالى: "لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا"، ~~البلدة معروفة قيل: وأريد بها المكان كما في قوله: "والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه": الأعراف: 58، ولذا اتصف بالميت وهو مذكر والمكان الميت ما ~~لا نبات فيه وإحياؤه إنباته، والأناسي جمع إنسان، ومعنى الآية ظاهر. # وحال شمول الموت للأرض والحاجة إلى الشرب والري للأنعام والأناسي ثم ~~إنزاله تعالى من السماء ماء طهورا ليحيي به بلدة ميتا ويسقيه أنعاما وأناسي ~~كثيرا من خلقه كحال مد الظل ثم الدلالة عليه بالشمس ونسخه بها كما تقدم. # قوله تعالى: "ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا" ظاهر ~~اتصال الآية بما قبلها أن ضمير "صرفناه" للماء وتصريفه بينهم صرفه عن قوم ~~إلى غيرهم تارة وعن غيرهم إليهم أخرى فلا يدوم في نزوله على قوم فيهلكوا ~~ولا ينقطع عن قوم دائما فيهلكوا بل يدور بينهم حتى ينال كل نصيبه بحسب ~~المصلحة، وقيل: المراد بالتصريف التحويل من مكان إلى مكان. # وقوله: "ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا" تعليل للتصريف أي وأقسم لقد ~~صرفنا الماء بتقسيمه بينهم ليتذكروا فيشكروا فأبى وامتنع أكثر الناس إلا ~~كفران النعمة. # قوله تعالى: "ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا" أي لو أردنا أن نبعث في ~~كل قرية نذيرا ينذرهم ورسولا يبلغهم رسالاتنا لبعثنا ولكن بعثناك إلى القرى ~~كلها نذيرا ورسولا لعظيم منزلتك عندنا. # هكذا فسرت الآية ولا تخلو الآية التالية من تأييد لذلك، وهذا المعنى لما ~~وجهنا به اتصال الآيات أنسب. # أو أن المراد أنا قادرون على أن نبعث في كل قرية رسولا وإنما اخترناك ~~لمصلحة في اختيارك. # قوله تعالى: "فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا" متفرع على معنى ~~الآية السابقة، وضمير "به" للقرآن بشهادة سياق الآيات، والمجاهدة والجهاد ~~بذل الجهد والطاقة في مدافعة العدو وإذ كان بالقرآن فالمراد تلاوته عليهم ~~وبيان حقائقه لهم وإتمام حججه عليهم. # فمحصل مضمون الآية أنه إذا كان مثل الرسالة الإلهية في رفع حجاب الجهل ~~والغفلة المضروب ms5721 على قلوب الناس بإظهار الحق لهم وإتمام الحجة عليهم مثل ~~الشمس في الدلالة على الظل الممدود ونسخه بأمر الله، ومثل النهار بالنسبة ~~إلى الليل وسبته، ومثل المطر بالنسبة إلى الأرض الميتة والأنعام والأناسي ~~الظامئة، وقد بعثناك لتكون نذيرا لأهل القرى فلا تطع الكافرين لأن طاعتهم ~~تبطل هذا الناموس العام المضروب للهداية. # وابذل مبلغ جهدك ووسعك في تبليغ رسالتك وإتمام حجتك بالقرآن المشتمل على ~~الدعوة الحقة وجاهدهم به مجاهدة كبيرة. PageV15P117 # قوله تعالى: "وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما ~~برزخا وحجرا محجورا" المرج الخلط ومنه أمر مريج أي مختلط، والعذب من الماء ~~ما طاب طعمه، والفرات منه ما كثر عذوبته، والملح هو الماء المتغير طعمه. # والأجاج شديد الملوحة، والبرزخ هو الحد الحاجز بين شيئين، وحجرا محجورا ~~أي حراما محرما أن يختلط أحد الماءين بالآخر. # وقوله: "وجعل بينهما" إلخ قرينة على أن المراد بمرج البحرين إرسال ~~الماءين متقارنين لا الخلط بمعنى ضرب الأجزاء بعضها ببعض. # والكلام معطوف على ما عطف عليه قوله: "وهو الذي أرسل الرياح" إلخ، وفيه ~~تنظير لأمر الرسالة من حيث تأديتها إلى تمييز المؤمن من الكافر مع كون ~~الفريقين يعيشان على أرض واحدة مختلطين وهما مع ذلك غير متمازجين كما تقدمت ~~الإشارة إليه في أول الآيات التسع. # قوله تعالى: "وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا" الصهر على ما نقل عن الخليل الختن وأهل بيت المرأة فالنسب هو التحرم ~~من جهة الرجل والصهر هو التحرم من جهة المرأة - كما قيل - ويؤيده المقابلة ~~بين النسب والصهر. # وقد قيل: إن كلا من النسب والصهر بتقدير مضاف والتقدير فجعله ذا نسب ~~وصهر، والضمير للبشر، والمراد بالماء النطفة، وربما احتمل أن يكون المراد ~~به مطلق الماء الذي خلق الله منه الأشياء الحية كما قال: "وجعلنا من الماء ~~كل شيء حي": الأنبياء: 30. # والمعنى: وهو الذي خلق من النطفة - وهي ماء واحد - بشرا فقسمه قسمين ذا ~~نسب وذا صهر يعني الرجل والمرأة وهذا تنظير آخر ms5722 يفيد ما تفيده الآية ~~السابقة أن لله سبحانه أن يحفظ الكثرة في عين الوحدة والتفرق في عين ~~الاتحاد وهكذا يحفظ اختلاف النفوس والآراء بالإيمان والكفر مع اتحاد ~~المجتمع البشري بما بعث الله الرسل لكشف حجاب الضلال الذي من شأنه غشيانه ~~لو لا الدعوة الحقة. # وقوله: "وكان ربك قديرا" في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب من النكتة نظير ~~ما تقدم في قوله: "ألم تر إلى ربك". # قوله تعالى: "ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر ~~على ربه ظهيرا" معطوف على قوله: "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا". # والظهير بمعنى المظاهر على ما قيل والمظاهرة المعاونة. # والمعنى: ويعبدون - هؤلاء الكفار المشركون - من دون الله ما لا ينفعهم ~~بإيصال الخير على تقدير العبادة ولا يضرهم بإيصال الشر على تقدير ترك ~~العبادة وكان الكافر معاونا للشيطان على ربه. # وكون هؤلاء المعبودين وهم الأصنام ظاهرا لا ينفعون ولا يضرون لا ينافي ~~كون عبادتهم مضرة فلا يستلزم نفي الضرر عنهم أنفسهم حيث لا يقدرون على شيء ~~نفي الضرر عن عبادتهم المضرة المؤدية للإنسان إلى شقاء لازم وعذاب دائم. # قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا" أي لم نجعل لك في رسالتك إلا ~~التبشير والإنذار وليس لك وراء ذلك من الأمر شيء فلا عليك إن كانوا معاندين ~~لربهم مظاهرين لعدوه عليه فليسوا بمعجزين لله وما يمكرون إلا بأنفسهم، هذا ~~هو الذي يعطيه السياق. # وعليه فقوله: "وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا" هذا الفصل من الكلام نظير ~~قوله: "أفأنت تكون عليه وكيلا" في الفصل السابق. # ومنه يظهر أن أخذ بعضهم الآية تسلية منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حيث قال والمراد ما أرسلناك إلا مبشرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين فلا ~~تحزن على عدم إيمانهم. # غير سديد. # قوله تعالى: "قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا" ضمير "عليه" للقرآن بما أن تلاوته عليهم تبلغ للرسالة كما قال ~~تعالى: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا": المزمل: ms5723 19، الدهر: 29، ~~وقال: "قل ما أسألكم عليه أجرا وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر ~~للعالمين: ص: 87. # وقوله: "إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا" استثناء منقطع في معنى المتصل ~~فإنه في معنى إلا أن يتخذ إلى ربه سبيلا من شاء ذلك على حد قوله تعالى: ~~"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89، أي ~~إلا أن يأتي الله بقلب سليم من أتاه به. PageV15P118 # ففيه وضع الفاعل وهو من اتخذ السبيل موضع فعله وهو اتخاذ السبيل شكرا له ~~ففي الكلام عد اتخاذهم سبيلا إلى الله سبحانه باستجابة الدعوة أجرا لنفسه ~~ففيه تلويح إلى نهاية استغنائه عن أجر مالي أو جاهي منهم، وأنه لا يريد ~~منهم وراء استجابتهم للدعوة واتباعهم للحق شيئا آخر من مال أو جاه أو أي ~~أجر مفروض فليطيبوا نفسا ولا يتهموه في نصيحته. # وقد علق اتخاذ السبيل على مشيتهم للدلالة على حريتهم الكاملة عن قبله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا إكراه ولا إجبار إذ لا وظيفة له عن قبل ربه ~~وراء التبشير والإنذار وليس عليهم بوكيل بل الأمر إلى الله يحكم فيهم ما يشاء. # فقوله: "قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ" إلخ بعد ما سجل ~~لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ليس له إلا الرسالة بالتبشير والإنذار ~~يأمره أن يبلغهم أن لا بغية له في دعوتهم إلا أن يستجيبوا له ويتخذوا إلى ~~ربهم سبيلا من غير غرض زائد من الأجر أيا ما كان، وأن لهم الخيرة في أمرهم ~~من غير أي إجبار وإكراه فهم والدعوة إن شاءوا فليؤمنوا وإن شاءوا فليكفروا. # هذا ما يرجع إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو تبليغ الرسالة فحسب من ~~غير طمع في أجر ولا تحميل عليهم بإكراه أو انتقام منهم بنكال، وأما ما وراء ~~ذلك فهو لله فليرجعه إليه وليتوكل عليه كما أشار إليه في الآية التالية: ~~"وتوكل على الحي الذي لا يموت". # وذكر جمهور المفسرين أن الاستثناء ms5724 منقطع، والمعنى لكن من شاء أن يتخذ إلى ~~ربه سبيلا أي بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والإنفاق في سبيل الله ~~فليفعل، وهو ضعيف لا دليل عليه لا من جهة لفظ الجملة ولا من جهة السياق. # وقال بعضهم: إنه متصل والكلام بحذف مضاف والتقدير إلا فعل من شاء أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما. # وفيه أخذ استجابتهم له أجرا لنفسه وقطعا لشائبة الطمع بالكلية وتطييبا ~~لأنفسهم، ويرجع هذا الوجه بحسب المعنى إلى ما قدمناه ويمتاز منه بتقدير ~~مضاف والتقدير خلاف الأصل. # وقال آخرون: إنه متصل بتقدير مضاف والتقدير لا أسألكم عليه من أجر إلا ~~أجر من شاء "إلخ" أي إلا الأجر الحاصل لي من إيمانه فإن الدال على الخير ~~كفاعله. # وفيه أن مقتضى هذا المعنى أن يقال: إلا من اتخذ إلى ربه سبيلا فلا حاجة ~~إلى تعليق الاتخاذ بالمشية والأجر إنما يترتب على العمل دون مشيته. # قوله تعالى: "وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب ~~عباده خبيرا" لما سجل على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ليس له من ~~أمرهم شيء إلا الرسالة وأمره أن يبلغهم أن لا بغية له في دعوتهم إلا ~~الاستجابة لها وأنهم على خيرة من أمرهم إن شاءوا آمنوا وإن شاءوا كفروا تمم ~~ذلك بأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتخذه تعالى وكيلا في أمرهم فهو ~~تعالى عليهم وعلى كل شيء وكيل وبذنوب عباده خبير. # فقوله: "وتوكل على الحي الذي لا يموت" أي اتخذه وكيلا في أمرهم يحكم فيهم ~~ما يشاء ويفعل بهم ما يريد فإنه الوكيل عليهم وعلى كل شيء وقد عدل عن تعليق ~~التوكل بالله إلى تعليقه بالحي الذي لا يموت ليفيد التعليل فإن الحي الذي ~~لا يموت لا يفوته فائت فهو المتعين لأن يكون وكيلا. # وقوله: "وسبح بحمده" أي نزهه عن العجز والجهل وكل ما لا يليق بساحة قدسه ~~مقارنا ذلك للثناء عليه بالجميل فإن أمهلهم واستدرجهم بنعمه فليس عن عجز ~~فعل بهم ذلك ms5725 ولا عن جهل بذنوبهم وإن أخذهم بذنوبهم فبحكمة اقتضته وباستحقاق ~~منهم استدعى ذلك فسبحانه وبحمده. # وقوله: "وكفى به بذنوب عباده خبيرا" مسوق للدلالة على توحيده في فعله ~~وصفته فهو الوكيل المتصرف في أمور عباده وحده وهو خبير بذنوبهم وحاكم فيهم ~~وحده من غير حاجة إلى من يعينه في علمه أو في حكمه. # ومن هنا يظهر أن الآية التالية: "الذي خلق السماوات والأرض" متممة لقوله: ~~"وتوكل على الحي الذي لا يموت" إلخ، لاشتمالها على توحيده في ملكه وتصرفه ~~كما يشتمل قوله: "وكفى به" إلخ على علمه وخبرته وبالحياة والملك والعلم معا ~~يتم معنى الوكالة وسنشير إليه. PageV15P119 # قوله تعالى: "الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا" ظاهر السياق أن الموصول صفة لقوله في ~~الآية السابقة: "الحي الذي لا يموت" وبهذه الآية يتم البيان في قوله: ~~"وتوكل على الحي الذي لا يموت" فإن الوكالة كما تتوقف على حياة الوكيل ~~تتوقف على العلم، وقد ذكره في قوله: "وكفى به بذنوب عباده خبيرا" وتتوقف ~~على السلطنة على الحكم والتصرف وهو الذي تتضمنه هذه الآية بما فيها من حديث ~~خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش. # وقد تقدم تفسير صدر الآية في مواضع من السور السابقة، وأما قوله: "الرحمن ~~فاسأل به خبيرا" فالذي يعطيه السياق ويهدي إليه النظم أن يكون الرحمن خبرا ~~لمبتدإ محذوف والتقدير هو الرحمن، وقوله: "فاسأل" متفرعا عليه والفاء ~~للتفريع، والباء في قوله: "به" للتعدية مع تضمين السؤال معنى الاعتناء. # وقوله: "خبيرا" حال من الضمير. # والمعنى: هو الرحمن - الذي استوى على عرش الملك والذي برحمته وإفاضته ~~يقوم الخلق والأمر ومنه يبتدىء كل شيء وإليه يرجع - فاسأله عن حقيقة الحال ~~يخبرك بها فإنه خبير. # فقوله: "فاسأل به خبيرا" كناية عن أن الذي أخبر به حقيقة الأمر التي لا ~~معدل عنها وهذا كما يقول من سئل عن أمر: سلني أجبك إن كذا وكذا ومن هذا ~~الباب قولهم: على الخبير سقطت. # ولهم في قوله: "الرحمن فاسأل به ms5726 خبيرا" أقوال أخرى كثيرة: فقيل: إن ~~الرحمن مرفوع على القطع للمدح، وقيل: مبتدأ خبره قوله: "فاسأل به" وقيل: ~~خبر مبتدؤه "الذي" في صدر الآية، وقيل: بدل من الضمير المستكن في "استوى". # وقيل في "فاسأل به" إنه خبر للرحمن كما تقدم والفاء فصيحة، وقيل: جملة ~~مستقلة متفرعة على ما قبلها والفاء للتفريع ثم الباء في "به" للصلة أو ~~بمعنى عن والضمير راجع إليه تعالى أو إلى ما تقدم من الخلق والاستواء. # وقيل "خبيرا" حال عن الضمير وهو راجع إليه تعالى، والمعنى فاسأل الله حال ~~كونه خبيرا، وقيل: مفعول فاسأل والباء بمعنى عن والمعنى فاسأل عن الرحمن أو ~~عن حديث الخلق والاستواء خبيرا، والمراد بالخبير هو الله سبحانه، وقيل ~~جبرئيل وقيل: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: من قرأ الكتب السماوية ~~القديمة ووقف على صفاته وأفعاله تعالى وكيفية الخلق والإيجاد، وقيل: كل من ~~كان له وقوف على هذه الحقائق. # وهذه الوجوه المتشتتة جلها أو كلها لا تلائم ما يعطيه سياق الآيات ~~الكريمة ولا موجب للتكلم عليها والغور فيها. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا" هذا فصل آخر من معاملتهم السوء مع الرسول ودعوته ~~الحقة يذكر فيه استكبارهم عن السجود لله سبحانه إذا دعوا إليه ونفورهم منه ~~وللآية اتصال خاص بما قبلها من حيث ذكر الرحمن فيها وقد وصف في الآية ~~السابقة بما وصف ولعل اللام فيه للعهد. # فقوله: "وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن" الضمير للكفار، والقائل هو النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله بعد: "أنسجد لما تأمرنا" ولم يذكر ~~اسمه ليتوجه استكبارهم إلى الله سبحانه وحده. # وقوله: "قالوا وما الرحمن" سؤال منهم عن هويته ومائيته مبالغة منهم في ~~التجاهل به استكبارا منهم على الله ولو لا ذلك لقالوا: ومن الرحمن، وهذا ~~كقول فرعون لموسى لما دعاه إلى رب العالمين: "وما رب العالمين": الشعراء: ~~23، وقول إبراهيم لقومه: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون": ~~الأنبياء: 52، ومراد السائل في مثل هذا السؤال ms5727 أنه لا معرفة له من المسئول ~~عنه بشيء أزيد من اسمه كقول هود لقومه: "أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم": الأعراف: 71. # وقوله حكاية عنهم: "أنسجد لما تأمرنا" في تكرار التعبير عنه تعالى بما ~~إصرار على الاستكبار، والتعبير عن طلبه عنهم السجدة بالأمر لا يخلو من تهكم ~~واستهزاء. # وقوله: "وزادهم نفورا" معطوف على جواب إذا والمعنى: وإذا قيل لهم اسجدوا ~~استكبروا وزادهم ذلك نفورا ففاعل زادهم ضمير راجع إلى القول المفهوم من ~~سابق الكلام. PageV15P120 # وقول بعضهم: إن الفاعل ضمير راجع إلى السجود بناء على ما رووا أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأصحابه سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزءين ليس بسديد فإن ~~وقوع واقعة ما لا يؤثر في دلالة اللفظ ما لم يتعرض له لفظا. # ولا تعرض في الآية لهذه القصة أصلا. # قوله تعالى: "تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا" الظاهر أن المراد بالبروج منازل الشمس والقمر من السماء أو الكواكب ~~التي عليها كما تقدم في قوله: "ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم": الحجر: 17، وإنما خصت بالذكر في ~~الآية للإشارة إلى الحفظ والرجم المذكورين. # والمراد بالسراج الشمس بدليل قوله: "وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس ~~سراجا: نوح: 16. # وقد قرروا الآية أنها احتجاج بوحدة التدبير العجيب السماوي والأرضي على ~~وحدة المدبر فيجب التوجه بالعبادات إليه وصرف الوجه عن غيره. # والتدبر في اتصال الآيتين بما قبلهما وسياق الآيات لا يساعد عليه لأن ~~مضمون الآية السابقة من استكبارهم على الرحمن إذا أمروا بالسجود له ~~واستهزائهم بالرسول لا نسبة كافية بينه وبين الاحتجاج على توحيد الربوبية ~~حتى يعقب به، وإنما المناسب لهذا المعنى إظهار العزة والغنى وأنهم غير ~~معجزين لله بفعالهم هذا ولا خارجين عن ملكه وسلطانه. # والذي يعطيه التدبر أن قوله: "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" إلخ، مسوق ~~سوق التعزز والاستغناء، وأنهم غير معجزين باستكبارهم على الله واستهزائهم ~~بالرسول بل هؤلاء ممنوعون عن الاقتراب من حضرة قربه والصعود إلى سماء جواره ~~والمعارف الإلهية مضيئة ms5728 مع ذلك لأهله وعباده بما نورها الله سبحانه بنور ~~هدايته وهو نور الرسالة. # وعلى هذا فقد أثنى الله سبحانه على نفسه بذكر تباركه بجعل البروج ~~المحفوظة الراجمة للشياطين بالشهب في السماء المحسوسة وجعل الشمس المضيئة ~~والقمر المنير فيها لإضاءة العالم المحسوس، وأشار بذلك إلى ما يناظره في ~~الحقيقة من إضاءة العالم الإنساني بنور الهداية من الرسالة ليتبصر به ~~عباده، كما يذكر حالهم بعد هذه الآيات ودفع أولياء الشياطين عن الصعود إليه ~~بما هيأ لدفعهم من بروج محفوظة راجمة. # هذا ما يعطيه السياق وعلى هذا النمط من البيان سيقت هذه الآيات والتي ~~قبلها كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل" ~~فليس ما ذكرناه من التأويل بمعنى صرف الآيات عن ظاهرها. # قوله تعالى: "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا" الخلفة هي الشيء يسد مسد شيء آخر وبالعكس وكأنه بناء نوع أريد به ~~معنى الوصف فكون الليل والنهار خلفة أن كلا منهما يخلف الآخر، وتقييد ~~الخلفة بقوله: "لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا" للدلالة على نيابة كل ~~منهما عن الآخر في التذكر والشكر. # والمقابلة بين التذكر والشكر يعطي أن المراد بالتذكر الرجوع إلى ما يعرفه ~~الإنسان بفطرته من الحجج الدالة على توحيد ربه وما يليق به تعالى من الصفات ~~والأسماء وغايته الإيمان بالله، وبالشكور القول أو الفعل الذي ينبىء عن ~~الثناء عليه بجميل ما أنعم، وينطبق على عبادته وما يلحق بها من صالح العمل. # وعلى هذا فالآية اعتزاز أو امتنان بجعله تعالى الليل والنهار بحيث يخلف ~~كل صاحبه فمن فاته الإيمان به في هذه البرهة من الزمان تداركه في البرهة ~~الأخرى منه، ومن لم يوفق لعبادة أو لأي عمل صالح في شيء منهما أتى به في الآخر. # هذا ما تفيده الآية ولها مع ذلك ارتباط بقوله في الآية السابقة: "وجعل ~~فيها سراجا وقمرا منيرا" ففيه إشارة إلى أن الله سبحانه وإن دفع أولئك ~~المستكبرين عن الصعود إلى ساحة ms5729 قربه لكنه لم يمنع عباده عن التقرب إليه ~~والاستضاءة بنوره فجعل نهارا ذا شمس طالعة وليلا ذا قمر منير وهما ذوا خلفة ~~من فاته ذكر أو شكر في أحدهما أتى به في الآخر. # وفسر بعضهم التذكر بصلاة الفريضة والشكور بالنافلة والآية تقبل الانطباق ~~على ذلك وإن لم يتعين حملها عليه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه": أخرج ~~الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ~~تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع. PageV15P121 # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل" فقال: الظل ما بين طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس. # وفي المجمع: في قوله تعالى: "وهو الذي خلق من الماء" الآية، قال ابن ~~سيرين: نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن أبي طالب زوج ~~فاطمة عليا فهو ابن عمه وزوج ابنته فكان نسبا وصهرا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: ~~"وكان الكافر على ربه ظهيرا" يعني أبا الحكم الذي سماه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أبا جهل بن هشام. # أقول: والروايتان بالجري والتطبيق أشبه. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تبارك وتعالى: "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" فالبروج الكواكب ~~والبروج التي للربيع والصيف الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد ~~والسنبلة، وبروج الخريف والشتاء: الميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو ~~والحوت وهي اثنا عشر برجا. # وفي الفقيه، قال الصادق (عليه السلام): كلما فاتك بالليل فاقضه بالنهار ~~قال الله تبارك وتعالى: "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة - لمن أراد أن ~~يذكر أو أراد شكورا" يعني أن يقضي الرجل ما فاته بالليل بالنهار وما فاته ~~بالنهار بالليل. PageV15P122 ### ||| AUTO 25 سورة الفرقان - 63 - 77 # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ms5730 هونا وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلما ~~(63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) والذين لا يدعون ~~مع الله إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا (69) ~~إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت وكان الله ~~غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صلحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين ~~لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بئايت ~~ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا ~~وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ~~ويلقون فيها تحية وسلما (75) خلدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما ~~يعبؤا بكم ربى لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات من محاسن خصال المؤمنين ما يقابل ما وصف من صفات الكفار ~~السيئة ويجمعها أنهم يدعون ربهم ويصدقون رسوله والكتاب النازل عليه قبال ~~تكذيب الكفار لذلك وإعراضهم عنه إلى اتباع الهوى، ولذلك تختتم الآيات ~~بقوله: "قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما" وبه ~~تختتم السورة. # قوله تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما" لما ذكر في الآية السابقة استكبارهم على الله سبحانه ~~وإهانتهم بالاسم الكريم: الرحمن، قابله في هذه الآية بذكر ما يقابل ذلك ~~للمؤمنين وسماهم عبادا وأضافهم إلى نفسه متسميا باسم الرحمن الذي كان يحيد ~~عنه الكفار وينفرون. # وقد وصفتهم الآية بوصفين من صفاتهم: أحدهما: ما اشتمل عليه قوله: الذين ~~يمشون على الأرض هونا" والهون على ما ذكره الراغب التذلل، والأشبه حينئذ أن ~~يكون المشي على الأرض كناية عن عيشتهم بمخالطة الناس ومعاشرتهم فهم في ~~أنفسهم متذللون لربهم ومتواضعون للناس لما أنهم عباد ms5731 الله غير مستكبرين على ~~الله ولا مستعلين على غيرهم بغير حق، وأما التذلل لأعداء الله ابتغاء ما ~~عندهم من العزة الوهمية فحاشاهم وإن كان الهون بمعنى الرفق واللين فالمراد ~~أنهم يمشون من غير تكبر وتبختر. # وثانيهما: ما اشتمل عليه قوله: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" أي ~~إذا خاطبهم الجاهلون خطابا ناشئا عن جهلهم مما يكرهون أن يخاطبوا به أو ~~يثقل عليهم كما يستفاد من تعلق الفعل بالوصف أجابوهم بما هو سالم من القول ~~وقالوا لهم قولا سلاما خاليا عن اللغو والإثم، قال تعالى: "لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما": الواقعة: 26، ويرجع إلى عدم ~~مقابلتهم الجهل بالجهل. # وهذه - كما قيل - صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس وأما صفة ليلهم فهي ~~التي تصفها الآية التالية. # قوله تعالى: "والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما" البيتوتة إدراك الليل ~~سواء نام أم لا، و"لربهم" متعلق بقوله: "سجدا" والسجد والقيام جمعا ساجد ~~وقائم، والمراد عبادتهم له تعالى بالخرور على الأرض والقيام على السوق، ومن ~~مصاديقه الصلاة. # والمعنى: وهم الذين يدركون الليل حال كونهم ساجدين فيه لربهم وقائمين ~~يتراوحون سجودا وقياما، ويمكن أن يراد به التهجد بنوافل الليل. # قوله تعالى: "والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما" الغرام ما ينوب الإنسان من شدة أو مصيبة فيلزمه ولا يفارقه والباقي ظاهر. PageV15P123 # قوله تعالى: "إنها ساءت مستقرا ومقاما" الضمير لجهنم والمستقر والمقام اسما ~~مكان من الاستقرار والإقامة، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما"، الإنفاق بذل المال وصرفه في رفع حوائج نفسه أو غيره، والإسراف ~~الخروج عن الحد ولا يكون إلا في جانب الزيادة، وهو في الإنفاق التعدي عما ~~ينبغي الوقوف عليه في بذل المال، والقتر بالفتح فالسكون التقليل في الإنفاق ~~وهو بإزاء الإسراف على ما ذكره الراغب، والقتر والإقتار والتقتير بمعنى. # والقوام بالفتح الواسط العدل، وبالكسر ما يقوم به الشيء وقوله: "بين ذلك" ~~متعلق بالقوام، والمعنى: وكان إنفاقهم وسطا عدلا بين ما ذكر ms5732 من الإسراف ~~والقتر فقوله: "وكان بين ذلك قواما تنصيص على ما يستفاد من قوله "إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا"، فصدر الآية ينفي طرفي الإفراط والتفريط في ~~الإنفاق، وذيلها يثبت الوسط. # قوله تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" إلى آخر الآية هذا هو ~~الشرك وأصول الوثنية لا تجيز دعاءه تعالى وعبادته أصلا لا وحده ولا مع ~~آلهتهم وإنما توجب دعاء آلهتهم وعبادتهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا ~~لهم عنده. # فالمراد بدعائهم مع الله إلها آخر إما التلويح إلى أنه تعالى إله مدعو ~~بالفطرة على كل حال فدعاء غيره دعاء لإله آخر معه وإن لم يذكر الله. # أو أنه تعالى ثابت في نفسه سواء دعي غيره أم لا فالمراد بدعاء غيره دعاء ~~إله آخر مع وجوده وبعبارة أخرى تعديه إلى غيره. # أو إشارة إلى ما كان يفعله جهلة مشركي العرب فإنهم كانوا يرون أن دعاء ~~آلهتهم إنما ينفعهم في البر وأما البحر فإنه لله لا يشاركه فيه أحد فالمراد ~~دعاؤه تعالى في مورد كما عند شدائد البحر من طوفان ونحوه ودعاء غيره معه في ~~مورد وهو البر، وأحسن الوجوه أوسطها. # وقوله: "ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق" أي لا يقتلون النفس ~~الإنسانية التي حرم الله قتلها في حال من الأحوال إلا حال تلبس القتل بالحق ~~كقتلها قصاصا وحدا. # وقوله تعالى: "ولا يزنون" أي لا يطئون الفرج الحرام وقد كان شائعا بين ~~العرب في الجاهلية، وكان الإسلام معروفا بتحريم الزنا والخمر من أول ما ~~ظهرت دعوته. # وقوله: "ومن يفعل ذلك يلق أثاما" الإشارة بذلك إلى ما تقدم ذكره وهو ~~الشرك وقتل النفس المحترمة بغير حق والزنا، والأثام الإثم وهو وبال الخطيئة ~~وهو الجزاء بالعذاب الذي سيلقاه يوم القيامة المذكور في الآية التالية. # قوله تعالى: "يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا" بيان للقاء ~~الأثام، وقوله: "ويخلد فيه مهانا" أي يخلد في العذاب وقد وقعت عليه ~~الإهانة. # والخلود في العذاب في الشرك لا ريب فيه، وأما الخلود فيه ms5733 عند قتل النفس ~~المحترمة والزنا وهما من الكبائر وقد صرح القرآن بذلك فيهما وكذا في أكل ~~الربا فيمكن أن يحمل على اقتضاء طبع المعصية ذلك كما ربما استفيد من ظاهر ~~قوله: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء". # أو يحمل الخلود على المكث الطويل أعم من المنقطع والمؤبد أو يحمل قوله: ~~"ومن يفعل ذلك" على فعل جميع الثلاثة لأن الآيات في الحقيقة تنزه المؤمنين ~~عما كان الكفار مبتلين به وهو الجميع دون البعض. # قوله تعالى: "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما" استثناء من لقي الأثام والخلود فيه، وقد أخذ ~~في المستثنى التوبة والإيمان وإتيان العمل الصالح، أما التوبة وهي الرجوع ~~عن المعصية وأقل مراتبها الندم فلو لم يتحقق لم ينتزع العبد عن المعصية ولم ~~يزل مقيما عليها، وأما إتيان العمل الصالح فهو مما تستقر به التوبة وبه ~~تكون نصوحا. # وأما أخذ الإيمان فيدل على أن الاستثناء إنما هو من الشرك فتختص الآية ~~بمن أشرك وقتل وزنى أو بمن أشرك سواء أتى معه بشيء من القتل المذكور والزنا ~~أو لم يأت، وأما من أتى بشيء من القتل والزنا من غير شرك فالمتكفل لبيان ~~حكم توبته الآية التالية. # وقوله: "فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات" تفريع على التوبة والإيمان ~~والعمل الصالح يصف ما يترتب على ذلك من جميل الأثر وهو أن الله يبدل ~~سيئاتهم حسنات. PageV15P124 # وقد قيل في معنى ذلك أن الله يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها ~~لواحق طاعاتهم فيبدل الكفر إيمانا والقتل بغير حق جهادا وقتلا بالحق والزنا ~~عفة وإحصانا. # وقيل: المراد بالسيئات والحسنات ملكاتهما لا نفسهما فيبدل ملكة السيئة ~~ملكة الحسنة. # وقيل: المراد بهما العقاب والثواب عليهما لا نفسهما فيبدل عقاب القتل ~~والزنا مثلا ثواب القتل بالحق والإحصان. # وأنت خبير بأن هذه الوجوه من صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل يدل عليه. # والذي يفيد ظاهر قوله: "يبدل الله سيئاتهم حسنات" وقد ذيله بقوله: "وكان ms5734 ~~الله غفورا رحيما" أن كل سيئة منهم نفسها تتبدل حسنة، وليست السيئة هي متن ~~الفعل الصادر من فاعله وهو حركات خاصة مشتركة بين السيئة والحسنة كعمل ~~المواقعة مثلا المشترك بين الزنا والنكاح، والأكل المشترك بين أكل المال ~~غصبا وبإذن من مالكه بل صفة الفعل من حيث موافقته لأمر الله ومخالفته له ~~مثلا من حيث إنه يتأثر به الإنسان ويحفظ عليه دون الفعل الذي هو مجموع ~~حركات متصرمة متقضية فانية وكذا عنوانه القائم به الفاني بفنائه. # وهذه الآثار السيئة التي يتبعها العقاب أعني السيئات لازمة للإنسان حتى ~~يؤخذ بها يوم تبلى السرائر. # ولو لا شوب من الشقوة والمساءة في الذات لم يصدر عنها عمل سيىء إذ الذات ~~السعيدة الطاهرة من كل وجه لا يصدر عنها سيئة قذرة فالأعمال السيئة إنما ~~تلحق ذاتا شقية خبيثة بذاتها أو ذاتا فيها شوب من شقاء وخباثة. # ولازم ذلك إذا تطهرت بالتوبة وطابت بالإيمان والعمل الصالح فتبدلت ذاتا ~~سعيدة ما فيها شوب من قذارة الشقاء أن تتبدل آثارها اللازمة التي كانت ~~سيئات قبل ذلك فتناسب الآثار للذات بمغفرة من الله ورحمة وكان الله غفورا رحيما. # وإلى مثل هذا يمكن أن تكون الإشارة بقوله: "فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما". # قوله تعالى: "ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا" المتاب مصدر ~~ميمي للتوبة، وسياق الآية يعطي أنها مسوقة لرفع استغراب تبدل السيئات حسنات ~~بتعظيم أمر التوبة وأنها رجوع خاص إلى الله سبحانه فلا بدع في أن يبدل ~~السيئات حسنات وهو الله يفعل ما يشاء. # وفي الآية مع ذلك شمول للتوبة من جميع المعاصي سواء قارنت الشرك أم ~~فارقته، والآية السابقة - كما تقدمت الإشارة إليه - كانت خفية الدلالة على ~~حال المعاصي إذا تجردت من الشرك. # قوله تعالى: "والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما" قال ~~في مجمع البيان:، أصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. # انتهى. # فيشمل الكذب وكل لهو باطل كالغناء والفحش والخنا بوجه، وقال أيضا: يقال: ~~تكرم فلان ms5735 عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه منه انتهى. # فقوله: "والذين لا يشهدون الزور" إن كان المراد بالزور الكذب فهو قائم ~~مقام المفعول المطلق والتقدير لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان المراد اللهو ~~الباطل كالغناء ونحوه كان مفعولا به والمعنى لا يحضرون مجالس الباطل، وذيل ~~الآية يناسب ثاني المعنيين. # وقوله: "وإذا مروا باللغو مروا كراما" اللغو ما لا يعتد به من الأفعال ~~والأقوال لعدم اشتماله على غرض عقلائي ويعم - كما قيل - جميع المعاصي، ~~والمراد بالمرور باللغو المرور بأهل اللغو وهم مشتغلون به. # والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو وهم يلغون مروا معرضين عنهم منزهين أنفسهم ~~عن الدخول فيهم والاختلاط بهم ومجالستهم. # قوله تعالى: "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا" ~~الخرور على الأرض السقوط عليها وكأنها في الآية كناية عن لزوم الشيء ~~والانكباب عليه. # والمعنى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم من حكمة أو موعظة حسنة من قرآن أو ~~وحي لم يسقطوا عليه وهم صم لا يسمعون وعميان لا يبصرون بل تفكروا فيها ~~وتعقلوها فأخذوا بها عن بصيرة فآمنوا بحكمتها واتعظوا بموعظتها وكانوا على ~~بصيرة من أمرهم وبينة من ربهم. PageV15P125 # قوله تعالى: "والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ~~واجعلنا للمتقين إماما" قال الراغب في المفردات،: قرت عينه تقر سرت قال، ~~تعالى: "كي تقر عينها" وقيل لمن يسر به قرة عين قال: "قرة عين لي ولك" ~~وقوله تعالى: "هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين" قيل: أصله من القر أي ~~البرد فقرت عينه قيل: معناه بردت فصحت، وقيل: بل لأن للسرور دمعة باردة ~~قارة وللحزن دمعة حارة ولذلك يقال فيمن يدعى عليه: أسخن الله عينه، وقيل: ~~هو من القرار والمعنى أعطاه الله ما يسكن به عينه فلا تطمح إلى غيره انتهى. # ومرادهم بكون أزواجهم وذرياتهم قرة أعين لهم أن يسروهم بطاعة الله ~~والتجنب عن معصيته فلا حاجة لهم في غير ذلك ولا إربة وهم أهل حق لا يتبعون الهوى. # وقوله: "واجعلنا للمتقين إماما" أي متسابقين إلى الخيرات ms5736 سابقين إلى ~~رحمتك فيتبعنا غيرنا من المتقين كما قال تعالى: "فاستبقوا الخيرات": ~~البقرة: 148، وقال: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة": الحديد: 21، وقال: ~~"والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة: 11، وكأن المراد أن يكونوا ~~صفا واحدا متقدما على غيرهم من المتقين ولذا جيء بالإمام بلفظ الإفراد. # وقال بعضهم: إن الإمام مما يطلق على الواحد والجمع، وقيل: إن إمام جمع آم ~~بمعنى القاصد كصيام جمع صائم، والمعنى: اجعلنا قاصدين للمتقين متقيدين بهم، ~~وفي قراءة أهل البيت "واجعل لنا من المتقين إماما". # قوله تعالى: "أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ~~خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما" الغرفة - كما قيل - البناء فوق البناء فهو ~~الدرجة العالية من البيت، وهي كناية عن الدرجة العالية في الجنة، والمراد ~~بالصبر الصبر على طاعة الله وعن معصيته فهذان القسمان من الصبر هما ~~المذكوران في الآيات السابقة لكن لا ينفك ذلك عن الصبر عند النوائب ~~والشدائد. # والمعنى: أولئك الموصوفون بما وصفوا يجزون الدرجة الرفيعة من الجنة يلقون ~~فيها أي يتلقاهم الملائكة بالتحية وهو ما يقدم للإنسان مما يسره وبالسلام ~~وهو كل ما ليس فيه ما يخافه ويحذره، وفي تنكير التحية والسلام دلالة على ~~التفخيم والتعظيم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون ~~لزاما" قال في المفردات:، ما عبأت به أي لم أبال به، وأصله من العبء أي ~~الثقل كأنه قال: ما أرى له وزنا وقدرا، قال تعالى: "قل ما يعبؤا بكم ربي لو ~~لا دعاؤكم" وقيل: من عبأت الطيب كأنه قيل: ما يبقيكم لو لا دعاؤكم. # انتهى. # قيل: "دعاؤكم" من إضافة المصدر إلى المفعول وفاعله ضمير راجع إلى "ربي" ~~وعلى هذا فقوله: "فقد كذبتم" من تفريع السبب على المسبب بمعنى انكشافه ~~بمسببه، وقوله: "فسوف يكون لزاما" أي سوف يكون تكذيبكم ملازما لكم أشد ~~الملازمة فتجزون بشقاء لازم وعذاب دائم. # والمعنى: قل لا قدر ولا منزلة لكم عند ربي فوجودكم وعدمكم عنده سواء ~~لأنكم كذبتم فلا خير يرجى فيكم فسوف يكون ms5737 هذا التكذيب ملازما لكم أشد ~~الملازمة، إلا أن الله يدعوكم ليتم الحجة عليكم أو يدعوكم لعلكم ترجعون عن ~~تكذيبكم. # وهذا معنى حسن. # وقيل: "دعاؤكم" من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد به عبادتهم لله ~~سبحانه والمعنى: ما يبالي بكم ربي أو ما يبقيكم ربي لو لا عبادتكم له. # وفيه أن هذا المعنى لا يلائم تفرع قوله: "فقد كذبتم" عليه وكان عليه من ~~حق الكلام أن يقال: وقد كذبتم! على أن المصدر المضاف إلى فاعله يدل على ~~تحقق الفعل منه وتلبسه به وهم غير متلبسين بدعائه وعبادته تعالى فكان من حق ~~الكلام على هذا التقدير أن يقال لو لا أن تدعوه فافهم. # والآية خاتمة السورة وتنعطف إلى غرض السورة ومحصل القول فيه وهو الكلام ~~على اعتراض المشركين على الرسول وعلى القرآن النازل عليه وتكذيبهما. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "الذين يمشون على الأرض هونا" قال أبو عبد ~~الله (عليه السلام): هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا ~~يتبختر. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "إن عذابها كان غراما" قال: الدائم. PageV15P126 # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "إن عذابها كان غراما" يقول: ملازما لا ينفك. وقوله عز وجل: "والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا" والإسراف الإنفاق في المعصية في غير حق ~~"ولم يقتروا" لم يبخلوا في حق الله عز وجل "وكان بين ذلك قواما" القوام ~~العدل والإنفاق فيما أمر الله به. # وفي الكافي:، أحمد بن محمد بن علي عن محمد بن سنان عن أبي الحسن (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "وكان بين ذلك قواما" قال: القوام هو المعروف ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره على قدر عياله ومئونتهم التي هي صلاح له ~~ولهم لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. # وفي المجمع، روي عن معاذ أنه قال: سألت رسول الله ms5738 (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن ذلك فقال: من أعطى في غير حق فقد أسرف، ومن منع من حق فقد قتر. # أقول: والأخبار في هذه المعاني كثيرة جدا. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم ~~والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن ابن مسعود قال: سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أي الذنب ~~أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية ~~أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك ~~"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون". # أقول: لعل المراد الانطباق دون سبب النزول. # وفيه، أخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين: "يبدل الله سيئاتهم حسنات" ~~قال: في الآخرة، وقال الحسن: في الدنيا. # وفيه، أخرج أحمد وهناد ومسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يؤتى ~~بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه صغارها وينحى ~~عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وهو مقر ليس ينكر وهو مشفق ~~من الكبار أن تجيء فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة. # أقول: هو من أخبار تبديل السيئات حسنات يوم القيامة وهي كثيرة مستفيضة من ~~طرق أهل السنة والشيعة مروية عن النبي والباقر والصادق والرضا عليه وعليهم ~~الصلاة والسلام. # وفي روضة الواعظين، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما جلس قوم يذكرون ~~الله إلا نادى بهم مناد من السماء قوموا فقد بدل الله سيئاتكم حسنات وغفر ~~لكم جميعا. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قوله عز وجل: "لا يشهدون الزور" قال: الغناء:. أقول: وفي المجمع، أنه مروي ~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ورواه القمي مسندا ومرسلا. # وفي العيون، ms5739 بإسناده إلى محمد بن أبي عباد وكان مشتهرا بالسماع ويشرب ~~النبيذ قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن السماع فقال: لأهل الحجاز رأي فيه ~~وهو في حيز الباطل واللهو أما سمعت الله عز وجل يقول: "وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما". # وفي روضة الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم - لم يخروا ~~عليها صما وعميانا" قال: مستبصرين ليسوا بشكاك. # وفي جوامع الجامع، عن الصادق (عليه السلام): في قوله: "واجعلنا للمتقين ~~إماما" قال: إيانا عنى. # أقول: وهناك عدة روايات في هذا المعنى وأخرى تتضمن قراءتهم (عليهم ~~السلام): "واجعل لنا من المتقين إماما". # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر: ~~في قوله: "أولئك يجزون الغرفة بما صبروا" قال: على الفقر في الدنيا. # وفي المجمع، روى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي ~~جعفر (عليه السلام): كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدعاء؟ قال: كثرة الدعاء ~~أفضل وقرأ هذه الآية. # أقول: وفي انطباق الآية على ما في الرواية إبهام. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله عز وجل: "قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم" يقول: ما يفعل ربي بكم ~~فقد كذبتم فسوف يكون لزاما. PageV15P127 ### || AUTO ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم طسم (1) تلك ءايت الكتب المبين (2) لعلك بخع نفسك ~~ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء ءاية فظلت أعنقهم لها ~~خضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون (6) أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبال ما كذبه قومه ~~وكذبوا بكتابه النازل عليه من ربه - على ms5740 ما يلوح إليه صدر السورة: تلك آيات ~~الكتاب المبين - وقد رموه تارة بأنه مجنون وأخرى بأنه شاعر، وفيها تهديدهم ~~مشفعا ذلك بإيراد قصص جمع من الأنبياء وهم موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ~~ولوط وشعيب (عليهما السلام) وما انتهت إليه عاقبة تكذيبهم لتتسلى به نفس ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يحزن بتكذيب أكثر قومه وليعتبر ~~المكذبون. # والسورة من عتائق السور المكية وأوائلها نزولا وقد اشتملت على قوله ~~تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين". # وربما أمكن أن يستفاد من وقوع هذه الآية في هذه السورة ووقوع قوله: ~~"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" في سورة الحجر وقياس مضمونيهما كل مع ~~الأخرى أن هذه السورة أقدم نزولا من سورة الحجر وظاهر سياق آيات السورة ~~أنها جميعا مكية واستثنى بعضهم الآيات الخمس التي في آخرها، وبعض آخر قوله: ~~"أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل" وسيجيء الكلام فيهما. # قوله تعالى: "طسم تلك آيات الكتاب المبين" الإشارة بتلك إلى آيات الكتاب ~~مما سينزل بنزول السورة وما نزل قبل، وتخصيصها بالإشارة البعيدة للدلالة ~~على علو قدرها ورفعة مكانتها، والمبين من أبان بمعنى ظهر وانجلى. # والمعنى: تلك الآيات العالية قدرا الرفيعة مكانا آيات الكتاب الظاهر ~~الجلي كونه من عند الله سبحانه بما فيه من سمة الإعجاز وإن كذب به هؤلاء ~~المشركون المعاندون ورموه تارة بأنه من إلقاء شياطين الجن وأخرى بأنه من الشعر. # قوله تعالى: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" البخوع هو إهلاك النفس ~~عن وجد، وقوله: "ألا يكونوا مؤمنين" تعليل للبخوع، والمعنى: يرجى منك أن ~~تهلك نفسك بسبب عدم إيمانهم بآيات هذا الكتاب النازل عليك. # والكلام مسوق سوق الإنكار والغرض منه تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين" ~~متعلق المشية محذوف لدلالة الجزاء عليه، وقوله: "فظلت" إلخ، ظل فعل ناقص ~~اسمه "أعناقهم" وخبره "خاضعين" ونسب الخضوع إلى أعناقهم وهو وصفهم أنفسهم ~~لأن الخضوع أول ما يظهر في عنق الإنسان حيث ms5741 يطأطىء رأسه تخضعا فهو من ~~المجاز العقلي. # والمعنى: إن نشأ أن ننزل عليهم آية تخضعهم وتلجئهم إلى القبول وتضطرهم ~~إلى الإيمان ننزل عليهم آية كذلك فظلوا خاضعين لها خضوعا بينا بانحناء ~~أعناقهم. # وقيل: المراد بالأعناق الجماعات وقيل: الرؤساء والمقدمون منهم، وقيل: هو ~~على تقدير مضاف والتقدير فضلت أصحاب أعناقهم خاضعين لها. # وهو أسخف الوجوه. # قوله تعالى: "وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين" ~~بيان لاستمرارهم على تكذيب آيات الله وتمكن الإعراض عن ذكر الله في نفوسهم ~~بحيث كلما تجدد عليهم ذكر من الرحمن ودعوا إليه دفعه بالإعراض. # فالغرض بيان استمرارهم على الإعراض عن كل ذكر أتاهم لا أنهم يعرضون عن ~~محدث الذكر ويقبلون إلى قديمه وفي ذكر صفة الرحمن إشارة إلى أن الذكر الذي ~~يأتيهم إنما ينشأ عن صفة الرحمة العامة التي بها صلاح دنياهم وأخراهم. # وقد تقدم في تفسير أول سورة الأنبياء كلام في معنى الذكر المحدث فراجع. PageV15P128 # قوله تعالى: "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون تفريع على ما ~~تقدم من استمرار إعراضهم، وقوله: "فسيأتيهم" إلخ تفريع على التفريع ~~والأنباء جمع نبإ وهو الخبر الخطير، والمعنى لما استمر منهم الإعراض عن كل ~~ذكر يأتيهم تحقق منهم وثبت عليهم أنهم كذبوا، وإذ تحقق منهم التكذيب ~~فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون من آيات الله، وتلك الأنباء العقوبات ~~العاجلة والآجلة التي ستحيق بهم. # قوله تعالى: "أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم" ~~الاستفهام للإنكار التوبيخي والجملة معطوف على مقدر يدل عليه المقام ~~والتقدير أصروا واستمروا على الإعراض وكذبوا بالآيات ولم ينظروا إلى هذه ~~الأزواج الكريمة من النباتات التي أنبتناها في الأرض. # فالرؤية في قوله: "أولم يروا" مضمنة معنى النظر ولذا عديت بإلى، والظاهر ~~أن المراد بالزوج الكريم. # وهو الحسن على ما قيل: النوع من النبات وقد خلق الله سبحانه أنواعه ~~أزواجا، وقيل: المراد بالزوج الكريم الذي أنبته الله يعم الحيوان وخاصة ~~الإنسان بدليل قوله: "والله أنبتكم من الأرض نباتا". # قوله تعالى: ms5742 "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين" الإشارة بذلك إلى ما ~~ذكر في الآية السابقة من إنبات كل زوج كريم حيث إن فيه إيجادا لكل زوج منه ~~وتتميم نقائص كل من الزوجين بالآخر وسوقهما إلى الغاية المقصودة من وجودهما ~~وفيه هداية كل إلى سعادته الأخيرة ومن كانت هذه سنته فكيف يهمل أمر الإنسان ~~ولا يهديه إلى سعادته ولا يدعوه إلى ما فيه خير دنياه وآخرته. # هذا ما تدل عليه آية النبات. # وقوله: "وما كان أكثرهم مؤمنين" أي لم يكن المترقب من حال أكثرهم بما ~~عندهم من ملكة الإعراض وبطلان الاستعداد أن يؤمنوا فظاهر الآية نظير ظاهر ~~قوله: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74 وتعليل الكفر ~~والفسوق برسوخ الملكات الرذيلة واستحكام الفساد في السريرة من قبل في كلامه ~~تعالى أكثر من أن تحصى. # ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: إن المراد ما كان في علم الله أن لا يؤمنوا ~~غير سديد لأنه مضافا إلى كونه خلاف المتبادر من الجملة، مما لا دليل على ~~أنه المراد من اللفظ بل الدليل على خلافه لسبق الدلالة على أن ملكة الإعراض ~~راسخة لم تزل في نفوسهم. # وعن سيبويه أن "كان" في قوله: "وما كان أكثرهم مؤمنين" صلة زائدة ~~والمعنى: وما أكثرهم مؤمنين. # وفيه أنه معنى صحيح في نفسه لكن المقام بما تقدم من المعنى أوفق. # قوله تعالى: "وإن ربك لهو العزيز الرحيم" فهو تعالى لكونه عزيزا غير ~~مغلوب يأخذ المعرضين عن ذكره المكذبين لآياته المستهزءين بها ويجازيهم ~~بالعقوبات العاجلة والآجلة، ولكونه رحيما ينزل عليهم الذكر ليهديهم ويغفر ~~للمؤمنين به ويمهل الكافرين. ### |||| AUTO بحث عقلي متعلق بالعلم # قال في روح المعاني، في قوله تعالى "وما كان أكثرهم مؤمنين" قيل: أي وما ~~كان في علم الله تعالى ذلك، واعترض - بناء على أنه يفهم من السياق العلية - ~~بأن علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس. # ورد بأن معنى كون علمه تعالى تابعا للمعلوم أن علمه سبحانه في الأزل ms5743 ~~بمعلوم معين حادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر ~~العلوم باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأما وجود الماهية فيما لا يزال ~~فتابع لعلمه تعالى الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في ~~الأزل على هذه الخصوصية لزم أن يتحقق ويوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم ~~على الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له. # انتهى. # وهذه حجة كثيرة الورود في كلام المجبرة وخاصة الإمام الرازي في تفسيره ~~الكبير يستدلون بها على إثبات الجبر ونفي الاختيار ومحصلها أن الحوادث ~~ومنها أفعال الإنسان معلومة لله سبحانه في الأزل فهي ضرورية الوقوع وإلا ~~كان علمه جهلا - تعالى عن ذلك - فالإنسان مجبر عليها غير مختار. # واعترض عليه بأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس وأجيب بما ذكره من أن علمه ~~في الأزل تابع لماهية المعلوم لكن المعلوم تابع في وجوده للعلم. PageV15P129 # والحجة مضافا إلى فساد مقدماتها بناء ومبنى مغالطة بينة ففيها أولا أن فرض ~~ثبوت ما للماهية في الأزل ووجودها فيها لا يزال يقضي بتقدم الماهية على ~~الوجود وأنى للماهية هذه الأصالة والتقدم؟. # وثانيا: أن مبنى الحجة وكذا الاعتراض والجواب على كون علمه تعالى ~~بالأشياء علما حصوليا نظير علومنا الحصولية المتعلقة بالمفاهيم وقد أقيم ~~البرهان في محله على بطلانه وأن الأشياء معلومة له تعالى علما حضوريا وعلمه ~~علمان: علم حضوري بالأشياء قبل الإيجاد وهو عين الذات وعلم حضوري بها بعد ~~الإيجاد وهو عين وجود الأشياء. # وتفصيل الكلام في محله. # وثالثا: أن العلم الأزلي بمعلومه فيما لا يزال إنما يكون علما بحقيقة ~~معنى العلم إذا تعلق به على ما هو عليه أي بجميع قيوده ومشخصاته وخصوصياته ~~الوجودية، ومن خصوصيات وجود الفعل أنه حركات خاصة إرادية اختيارية صادرة عن ~~فاعله الخاص مخالفة لسائر الحركات الاضطرارية القائمة بوجوده. # وإذا كان كذلك كانت الضرورة اللاحقة للفعل من جهة تعلق العلم به صفة ~~للفعل الخاص الاختياري بما هو فعل خاص اختياري لا صفة للفعل المطلق إذ لا ~~وجود له أي كان من الواجب أن ms5744 يصدر الفعل عن إرادة فاعله واختياره وإلا تخلف ~~المعلوم عن العلم لا أن يتعلق العلم بالفعل الاختياري ثم يدفع صفة الاختيار ~~عن متعلقه ويقيم مقامها صفة الضرورة والإجبار. # فقد وضع في الحجة الفعل المطلق مكان الفعل الخاص فعد ضروريا مع أن ~~الضروري تحقق الفعل بوصف الاختيار نظير الممكن بالذات الواجب بالغير ففي ~~الحجة مغالطة بالخلط بين الفعل المطلق والفعل المقيد بالاختيار. # ومن هنا يتبين عدم استقامة تعليل ضرورة عدم إيمانهم بتعلق العلم الأزلي ~~به فإن تعلق العلم الأزلي بفعل إنما يوجب ضرورة وقوعه بالوصف الذي هو عليه ~~فإن كان اختياريا وجب تحققه اختياريا وإن كان غير اختياري وجب تحققه كذلك. # على أنه لو كان معنى قوله: "وما كان أكثرهم مؤمنين" امتناع إيمانهم لتعلق ~~العلم الأزلي بعدمه لاتخذوه حجة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدوه ~~عذرا لأنفسهم في استنكافهم عن الإيمان كما اعترف به بعض المجبرة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية - ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين": حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: تخضع رقابهم يعني بني أمية وهي الصيحة من السماء باسم ~~صاحب الأمر. # أقول: وهذا المعنى رواه الكليني في روضة الكافي، والصدوق في كمال الدين، ~~والمفيد في الإرشاد، والشيخ في الغيبة،، والظاهر أنه من قبيل الجري دون ~~التفسير لعدم مساعدة سياق الآية عليه. PageV15P130 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 10 - 68 # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظلمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) ~~قال رب إنى أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى فأرسل إلى هرون ~~(13) ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بئايتنا إنا معكم ~~مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين (16) أن أرسل معنا بنى ~~إسرءيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت ~~فعلتك التى فعلت وأنت من الكفرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ~~ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما ms5745 وجعلنى من المرسلين (21) وتلك نعمة ~~تمنها على أن عبدت بنى إسرءيل (22) قال فرعون وما رب العلمين (23) قال رب ~~السموت والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون ~~(25) قال ربكم ورب ءابائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذى أرسل إليكم ~~لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن ~~اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشىء مبين (30) ~~قال فأت به إن كنت من الصدقين (31) فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين (32) ~~ونزع يده فإذا هى بيضاء للنظرين (33) قال للملا حوله إن هذا لسحر عليم (34) ~~يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث ~~فى المدائن حشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقت يوم ~~معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغلبين (40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغلبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما ~~أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون ~~(44) فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون (45) فألقى السحرة سجدين (46) ~~قالوا ءامنا برب العلمين (47) رب موسى وهرون (48) قال ءامنتم له قبل أن ~~ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلف ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا ~~نطمع أن يغفر لنا ربنا خطينا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن ~~أسر بعبادى إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون فى المدائن حشرين (53) إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حذرون (56) فأخرجنهم ~~من جنت وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثنها بنى إسرءيل (59) ~~فأتبعوهم مشرقين (60) فلما ترءا الجمعان قال أصحب موسى إنا لمدركون (61) ~~قال كلا إن معى ربى سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الاخرين (64) وأنجينا ~~موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الاخرين (66) إن فى ذلك لاية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين ms5746 (67) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) PageV15P131 ### |||| AUTO بيان # شروع في ذكر قصص عدة من أقوام الأنبياء الماضين موسى وهارون وإبراهيم ~~ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب (عليهما السلام) ليظهر أن قوم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) سائرون مسيرهم وسيردون موردهم، لا يؤمن أكثرهم فيؤاخذهم ~~الله تعالى بعقوبة العاجل والآجل، والدليل على ذلك ختم كل واحدة من القصص ~~بقوله: "وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" كما ختم به ~~الكلام الحاكي لإعراض قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول السورة، ~~وليس ذلك إلا لتطبيق القصة على القصة. # كل ذلك ليتسلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يضيق صدره ويعلم أنه ~~ليس بدعا من الرسل ولا المتوقع من قومه غير ما عامل به الأمم الماضون ~~رسلهم، وفيه تهديد ضمني لقومه ويؤيده تصدير قصة إبراهيم (عليه السلام) ~~بقوله: "واتل عليهم نبأ إبراهيم". # قوله تعالى: "وإذ نادى ربك موسى" - إلى قوله - ألا يتقون" أي واذكر وقتا ~~نادى فيه ربك موسى وبعثه بالرسالة إلى قوم فرعون لإنجاء بني إسرائيل على ما ~~فصله في سورة طه وغيرها. # وقوله: "أن ائت القوم الظالمين" نوع تفسير للنداء، وتوصيفهم أولا ~~بالظالمين ثم بيانه ثانيا بقوم فرعون للإشارة إلى حكمة الإرسال وهي ظلمهم ~~بالشرك وتعذيب بني إسرائيل كما في سورة طه من قوله: "اذهبا إلى فرعون إنه ~~طغى إلى أن قال فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا ~~تعذبهم": طه: 47. # وقوله: "ألا يتقون" بصيغة الغيبة، وهو توبيخ غيابي منه تعالى لهم وإيراده ~~في مقام عقد الرسالة لموسى (عليه السلام) في معنى قولنا: قل لهم إن ربي ~~يوبخكم على ترك التقوى ويقول: ألا تتقون. # قوله تعالى: "قال رب إني أخاف أن يكذبون" - إلى قوله - فأرسل إلى هارون"، ~~قال في مجمع البيان:، الخوف انزعاج النفس بتوقع الضر ونقيضه الأمن وهو سكون ~~النفس إلى خلوص النفع، انتهى. # وأكثر ما يطلق الخوف على إحساس الشر بحيث يؤدي إلى الاتقاء عملا وإن لم ~~تضطرب النفس، والخشية على تأثر ms5747 النفس من توقع الشر بحيث يورث الاضطراب ~~والقلق، ولذا نفى الله الخشية من غيره عن أنبيائه وربما أثبت الخوف فقال: ~~"ولا يخشون أحدا إلا الله": الأحزاب: 39، وقال: "وإما تخافن منهم خيانة": ~~الأنفال: 58. # وقوله: "إني أخاف أن يكذبون" أي ينسبني قوم فرعون إلى الكذب، وقوله: ~~"ويضيق صدري ولا ينطلق لساني" الفعلان مرفوعان وهما معطوفان على قوله: ~~"أخاف" فالذي اعتل به أمور ثلاثة: خوف التكذيب وضيق الصدر وعدم انطلاق ~~اللسان، وفي قراءة يعقوب وغيره يضيق وينطلق بالنصب عطفا على "يكذبون" وهو ~~أوفق بطبع المعنى، وعليه فالعلة واحدة وهي خوف التكذيب الذي يترتب عليه ضيق ~~الصدر وعدم انطلاق اللسان. # ويطابق ما سيجيء من آية القصص من ذكر علة واحدة هي خوف التكذيب. # وقوله: "فأرسل إلى هارون" أي أرسل ملك الوحي إلى هارون ليكون معينا لي ~~على تبليغ الرسالة يقال لمن نزلت به نائبة أو أشكل عليه أمر: أرسل إلى فلان ~~أي استمد منه واتخذه عونا لك. # فالجملة أعني قوله: "فأرسل إلى هارون" متفرعة على قوله: "إني أخاف" إلخ، ~~وذكر خوف التكذيب مع ما معه من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان توطئة وتقدمة ~~لذكرها وسؤال موهبة الرسالة لهارون. # وإنما اعتل بما اعتل به وسأل الرسالة لأخيه ليكون شريكا له في أمره، ~~معينا مصدقا له في التبليغ لا فرارا عن تحمل أعباء الرسالة، واستعفاء منها، ~~قال في روح المعاني: ومن الدليل على أن المعنى على ذلك لا أنه تعلل وقوع ~~"فأرسل" بين الأوائل وبين الرابعة أعني قوله: "ولهم علي ذنب" إلخ، فآذن ~~بتعلقه بها ولو كان تعللا لأخر، انتهى. # وهو حسن وأوضح منه قوله تعالى في سورة القصص في القصة: "قال رب إني قتلت ~~منهم نفسا فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا ~~يصدقني إني أخاف أن يكذبون": القصص: 34. # قوله تعالى: "ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون" قال الراغب في المفردات:، ~~الذنب في الأصل الأخذ بذنب الشيء يقال: ذنبته أصبت ذنبه، ويستعمل في كل فعل ~~يستوخم عقباه اعتبارا لما يحصل ms5748 من عاقبته. # انتهى. PageV15P132 # وفي الآية إشارة إلى قصة قتله (عليه السلام)، وكونه ذنبا لهم عليه إنما هو ~~بالبناء على اعتقادهم أو الاعتبار بمعناه اللغوي المذكور آنفا، وأما كونه ~~ذنبا بمعنى معصية الله تعالى فلا دليل عليه وسيوافيك فيه كلام عند تفسير ~~سورة القصص إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون" كلا للردع وهو ~~متعلق بما ذكره من خوف القتل، ففيه تأمين له وتطييب لنفسه أنهم لا يصلون ~~إليه، وأما سؤاله الإرسال إلى هارون فلم يذكر ما أجيب به عنه، غير أن قوله: ~~"فاذهبا بآياتنا" دليل على إجابة مسئوله. # وقوله: "فاذهبا بآياتنا" متفرع على الردع فيفيد أن اذهبا إليه بآياتنا ~~ولا تخافا، وقد علل ذلك بقوله: "إنا معكم مستمعون" والمراد بضمير الجمع ~~موسى وهارون والقوم الذين أرسلا إليهم ولا يعبأ بقول من قال: إن المراد به ~~موسى وهارون بناء على كون أقل الجمع اثنين فإنه مع فساده في أصله لا تساعد ~~عليه ضمائر التثنية قبله وبعده كما قيل. # والاستماع هو الإصغاء إلى الكلام والحديث وهو كناية عن الحضور وكمال ~~العناية بما يجري بينهما وبين فرعون وقومه عند تبليغ الرسالة كما قال في ~~القصة من سورة طه: "لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى": طه: 46. # ومحصل المعنى: كلا لا يقدرون على قتلك فاذهبا إليهم بآياتنا ولا تخافا ~~إنا حاضرون عندكم شاهدون عليكم معتنون بما يجري بينكم. # قوله تعالى: "فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل" بيان لقوله في الآية السابقة: "فاذهبا بآياتنا. # وقوله: "فقولا إنا رسول رب العالمين" تفريع على إتيان فرعون، والتعبير ~~بالرسول بلفظ المفرد إما باعتبار كل واحد منهما أو باعتبار كون رسالتها ~~واحدة وهي قولهما: "أن أرسل" إلخ، أو باعتبار أن الرسول مصدر في الأصل ~~فالأصل أن يستوي فيه الواحد والجمع، والتقدير إنا ذوا رسول رب العالمين أي ~~ذوا رسالته كما قيل. # وقوله: "أن أرسل معنا بني إسرائيل" تفسير للرسالة المفهومة من السياق ~~والمراد بإرسالهم إطلاقهم لكن لما كان ms5749 المطلوب أن يعودوا إلى الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لهم وهي أرض آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام) ~~سمي إطلاقهم ليعودوا إليها إرسالا منه لهم إليها. # قوله تعالى: "قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين" ~~الاستفهام للإنكار التوبيخي، و"نربك" من التربية، والوليد الصبي. # لما أقبل فرعون على موسى وهارون وسمع كلامهما عرف موسى وخصه بالخطاب ~~قائلا ألم نربك إلخ ومراده الاعتراض عليه أولا من جهة دعواه الرسالة يقول: ~~أنت الذي ربيناك وأنت وليد ولبثت فينا من عمرك سنين عديدة نعرفك باسمك ~~ونعتك ولم ننس شيئا من أحوالك فمن أين لك هذه الرسالة وأنت من نعرفك ولا ~~نجهل أصلك؟ قوله تعالى: "وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين" الفعلة ~~بفتح الفاء بناء مرة من الفعل، وتوصيف الفعلة بقوله: "التي فعلت" للدلالة ~~على عظم خطره وكثرة شناعته وفظاعته نظير ما في قوله: "فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم": طه: 78، ومراده بهذه الفعلة قتله (عليه السلام) القبطي. # وقوله: "وأنت من الكافرين" ظاهر السياق على ما سيأتي الإشارة إليه أن ~~مراده بالكفر كفران النعمة وأن قتله القبطي وإفساده في أرضه كفران لنعمته ~~عليه بالخصوص بما له عنده من الصنيعة حيث كف عن قتله كسائر المواليد من بني ~~إسرائيل ورباه في بيته بل لأنه من بني إسرائيل وهو يراهم عبيدا لنفسه ويرى ~~نفسه ربا منعما عليهم فقتل الواحد منهم رجلا من قومه وإفساده في الأرض خروج ~~من طور العبودية وكفر بنعمته. # فمحصل اعتراضه المشار إليه في الآيتين أنك الذي ربيناك صبيا صغيرا ولبثت ~~فينا من عمرك سنين، وأفسدت في الأرض بقتل النفس فكفرت بنعمتي وأنت من عبيدي ~~الإسرائيليين فمن أين جاءتك هذه الرسالة؟ وكيف تكون رسولا وأنت هذا الذي ~~نعرفك؟. # وبذلك يظهر عدم استقامة تفسير بعضهم الكفر بالكفر المقابل للإيمان، وأن ~~المعنى وأنت من الكافرين بألوهيتي أو أنت من الكافرين بالله على زعمك حيث ~~خالطتنا سنين وأنت في ملتنا، وكذا قول بعضهم: إن المراد وأنت من الكافرين ~~بنعمتي عليك خاصة. PageV15P133 # قوله تعالى: "قال ms5750 فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ~~ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل" ~~ضمير "فعلتها" راجع إلى الفعلة والظاهر أن "إذا" مقطوع عن الجواب والجزاء ~~ويفيد معنى حينئذ كما قيل، وعبده تعبيدا وأعبده إعبادا إذا اتخذه عبدا لنفسه. # والآيات الثلاث جواب موسى (عليه السلام) عما اعترض به فرعون، والتطبيق ~~بين جوابه (عليه السلام) وما اعترض به فرعون يعطي أنه (عليه السلام) حلل ~~كلام فرعون إلى القدح في دعواه الرسالة من ثلاثة أوجه: أحدها استغراب ~~رسالته واستبعادها وهو الذي يعلم حاله وقد أشار إليه بقوله: "ألم نربك فينا ~~وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين" والثاني استقباح فعلته ورميه بالإفساد ~~والجرم بقوله: "وفعلت فعلتك التي فعلت" والثالث المن عليه بأنه من عبيده ~~ويستفاد ذلك من قوله: "وأنت من الكافرين" وقد اقتضى طبع ما يذكره في الجواب ~~أن يغير الترتيب في الجواب فيجيب أولا عن اعتراضه الثاني ثم عن الأول ثم عن ~~الثالث. # فقوله: "فعلتها إذا وأنا من الضالين" جواب عن اعتراضه بقتل القبطي وقد ~~استعظمه حيث لم يصرح باسمه بل كنى عنه بالفعلة التي فعلت صونا للأسماع أن ~~تقرع باسمه فتتألم. # والتدبر في متن الجواب ومقابلته الاعتراض يعطي أن قوله: "ففررت منكم لما ~~خفتكم فوهب لي ربي حكما" من تمام الجواب عن القتل فيتقابل الحكم والضلال ~~ويتضح حينئذ أن المراد بالضلال الجهل المقابل للحكم والحكم إصابة النظر في ~~حقيقة الأمر وإتقان الرأي في تطبيق العمل عليه فيرجع معناه إلى القضاء الحق ~~في حسن الفعل وقبحه وتطبيق العمل عليه، وهذا هو الذي كان يؤتاه الأنبياء، ~~قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله". # فالمراد أني فعلتها حينئذ والحال أني في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه ~~والحق الذي يجب أن يتبع هناك فأقدمت على الدفاع عمن استنصرني ولم أعلم أنه ~~يؤدي إلى قتل الرجل ويؤدي ذلك إلى عاقبة وخيمة تحوجني إلى خروجي من مصر ~~وفراري إلى مدين والتغرب عن الوطن ms5751 سنين. # ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالضلال الجهل بمعنى الإقدام ~~على الفعل من غير مبالاة بالعواقب كما في قوله: ألا لا يجهلن أحد علينا. # فنجهل فوق جهل الجاهلينا. # وكذا قول بعض آخر: إن المراد بالضلال المحبة كما فسر به قول بني يعقوب ~~لأبيهم: "تالله إنك لفي ضلالك القديم" أي في محبتك القديمة ليوسف، فالمعنى: ~~فعلتها حينئذ وأنا من المحبين لله لا ألوي عن محبته إلى شيء. # أما الوجه الأول ففيه أنه اعتراف بالجرم والمعصية، وآيات سورة القصص ناصة ~~على أن الله سبحانه آتاه حكما وعلما قبل واقعة القتل وهذا لا يجامع الضلال ~~بهذا المعنى من الجهل. # وأما الوجه الثاني ففيه مضافا إلى عدم مساعدة السياق: أن من الممتنع من ~~أدب القرآن أن يسمي محبة الله سبحانه ضلالا. # وأما قول القائل: إن المراد بالضلال الجهل بمعنى عدم التعمد وأنه إنما ~~فعل ذلك جاهلا به غير متعمد إياه فإنه (عليه السلام) إنما تعمد وكز القبطي ~~للتأديب فأدى إلى ما أدى. # وكذا قول القائل: إن المراد بالضلال الجهل بالشرائع كما فسر به بعضهم ~~قوله: "ووجدك ضالا فهدى". # وكذا قول القائل: إن المراد بالضلال النسيان كما فسر به قوله تعالى: "أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى": البقرة: 282. # وأن المعنى فعلتها ناسيا حرمتها أو ناسيا أن الوكز مما يفضي إلى القتل عادة. # فوجوه يمكن أن يوجه كل منها بما يرجع به إلى ما قدمناه. # وقوله: "ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما" متفرع على قصة القتل، ~~والسبب في خوفه وفراره ما أخبر الله به في سورة القصص بقوله: "وجاء رجل من ~~أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب": القصص: 21. # وأما الحكم فالمراد به - كما استظهرناه - إصابة النظر في حقيقة الأمر ~~وإتقان الرأي في العمل به. # فإن قلت: صريح الآية أن موهبة الحكم كانت بعد واقعة القتل ومفاد آيات ~~سورة القصص أنه (عليه السلام) أعطي الحكم قبلها، قال ms5752 تعالى: "ولما بلغ أشده ~~واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين، ودخل المدينة إلخ:، القصص: ~~15، ثم ساق القصة وذكر القتل والفرار. PageV15P134 # قلت: إنما ورد لفظ الحكم هاهنا وفي سورة القصص منكرا وهو مشعر بمغايرة كل ~~منهما الآخر وقد ورد في خصوص التوراة أنها متضمنة للحكم، قال تعالى: ~~"وعندهم التوراة فيها حكم الله": المائدة: 43، وقد نزلت التوراة بعد غرق ~~فرعون وإنجاء بني إسرائيل. # فمن الممكن أن يقال: إن موسى (عليه السلام) أعطي مراتب من الحكم بعضها ~~فوق بعض قبل قتل القبطي وبعد الفرار قبل العود إلى مصر وبعد غرق فرعون، وقد ~~خصه الله في كل مرة بمرتبة من الحكم حتى تمت له الحكمة بنزول التوراة، وهذا ~~بحسب التمثيل نظير ما يرزق بعض الناس أوان صباه سلامة في فطرته قلما يميل ~~معها طبعه إلى الشر والفساد ثم إذا نشأ يعطى اعتدالا في التعقل وجودة في ~~التدبير فينبعث إلى اكتساب الفضائل فيرزق ملكة التقوى والصفات الثلاث في ~~الحقيقة سنخ واحد ينمو ويزيد حالا بعد حال. # ويظهر بما تقدم عدم استقامة تفسير بعضهم الحكم بالنبوة لعدم دليل عليه من ~~جهة اللفظ ولا المقام. # على أن الله سبحانه ذكر الحكم والنبوة في مواضع من كلامه وفرق بينهما ~~كقوله: "أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة": آل عمران: 79، وقوله: ~~"أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة": الأنعام: 89، وقوله: "ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة": الجاثية: 16 إلى غير ذلك. # وقوله: "وجعلني من المرسلين" جواب عن الاعتراض الأول وهو استغراب رسالته ~~واستبعادها وهم يعرفونه، وقد شاهدوا أحواله حينما كانوا يربونه فيهم وليدا ~~ولبث فيهم من عمره سنين، وتقريره أن استغرابهم واستبعادهم رسالته استنادا ~~إلى سابق معرفتهم بحاله إنما يستقيم لو كانت الرسالة أمرا اكتسابيا يمكن أن ~~يحدس به أو يتوقع حصوله بحصول مقدماته الاختيارية، وليس الأمر كذلك بل هي ~~أمر وهبي لا تأثير للأسباب العادية فيها وقد جعله الله من المرسلين كما وهب ~~له الحكم بغير اكتساب هذا ما يعطيه التدبر في السياق. # وأما ما ذكروه من أن ms5753 قوله: "ألم نربك فينا وليدا" إلخ، مسوق للمن على ~~موسى (عليه السلام) دون الاستغراب والاستبعاد كما ذكرناه، فالآية في نفسها ~~وإن لم تأب الحمل على ذلك لكن سياق مجموع الجواب لا يساعد عليه، وذلك أن ~~فيه إفساد السياق من حيث يتعين أن يجعل قوله: "وتلك نعمة تمنها علي" إلخ، ~~جوابا عن المن وهو لا ينطبق عليه، ويجعل قوله: "فعلتها إذا" إلخ جوابا عن ~~الاعتراض بالقتل، ويبقى قوله: "وجعلني من المرسلين" فضلا لا حاجة إليه ~~فافهم ذلك. # وقوله: "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل" جواب عن منه عليه ~~وتقريعه بأنه من عبيده وقد كفر نعمته وتقرير الجواب أن هذا الذي تعده نعمة ~~وتقرعني بكفرانها سلطة ظلم وتغلب إذ عبدت بني إسرائيل والتعبيد ظلما وتغلبا ~~ليس من النعمة في شيء. # فالجملة استفهامية مسوقة للإنكار و"أن عبدت بني إسرائيل" بيان لما أشير ~~إليه بقوله: "تلك" والمحصل أن الذي تشير إليه بقولك: "وأنت من الكافرين" من ~~أن لك علي نعمة كفرتها إذ كنت ولي نعمتي وسائر بني إسرائيل - أو إذ كنت ولي ~~نعمتنا معشر بني إسرائيل - ليس بحق إذ كونك وليا منعما ليس إلا استنادا إلى ~~التعبيد، والتعبيد ظلم والولاية المستندة إليه أيضا ظلم وحاشا أن يكون ~~الظالم وليا منعما له على من عبده نعمة وإلا كان التعبيد نعمة وليس نعمة، ~~ففي قوله: "أن عبدت بني إسرائيل" وضع السبب موضع المسبب. # والقوم حللوا كلام فرعون: "ألم نربك" إلخ، إلى اعتراضين - كما أشرنا إليه ~~- المن عليه بتربيته وليدا وكفرانه النعمة وإفساده في الأرض بقتل القبطي ~~فأشكل عليهم الأمر من جهتين - كما أشرنا إليه. # إحداهما صيرورة قوله: "وجعلني من المرسلين" فضلا لا حاجة إليه في سوق ~~الجواب. # والثانية: عدم صلاحية قوله: "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل" ~~جوابا عن منه على موسى (عليه السلام) بتربيته في بيته وليدا. # وقد ذكروا في توجيهه وجوها: منها: أنه مسوق للاعتراف بأن تربيته لموسى ~~كانت نعمة عليه وإنكار أن يكون ترك استعباده نعمة وهمزة الإنكار مقدرة ms5754 ~~فكأنه يقول: أوتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ولم تعبدني هذا، ~~وأنت ترى أن فيه تقديرا لما لا دليل عليه من جهة اللفظ ولا إشارة. PageV15P135 # ومنها: أنه إنكار لأصل النعمة عليه لمكان تعبيده بني إسرائيل كأنه يقول: إن ~~تربيتك لي ليست نعمة يمن بها علي لأنك عبدت قومي فأحبطت به عملك فقوله: "أن ~~عبدت" إلخ في مقام التعليل للإنكار هذا، وهذا الوجه وإن كان أقرب إلى الذهن ~~من سابقه لكن هذا الجواب غير تام معنى فإن تعبيده لبني إسرائيل لا يغير ~~حقيقة ما له من الصنيعة عند موسى في تربيته وليدا. # ومنها: أن المعنى أن هذه النعمة التي تمن بها علي من التربية إنما سببه ~~ظلمك بني إسرائيل بتعبيدهم فاضطرت أمي لذلك أن ألقتني في اليم فأخذتني ~~فربيتني فإذ كانت هذه التربية مسببة عن ظلمك بالتعبيد فليست بنعمة هذا ~~والشأن في استفادة هذا المعنى من لفظ الآية. # ومنها: أن الذي رباني أمي وغيرها من بني إسرائيل حيث استعبدتهم فأمرتهم ~~فربوني فليست هذه التربية نعمة منك تمنها علي لانتهائها إلى التعبيد ظلما ~~هذا، وهذا الوجه أبعد من سابقه من لفظ الآية. # ومنها: أن ذلك اعتراف منه (عليه السلام) بنعمة فرعون عليه والمعنى وتلك ~~التربية نعمة منك تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركت تعبيدي هذا وأنت ~~خبير بأن لا دليل على ما قدره من قوله: وتركت تعبيدي. # قوله تعالى: "قال فرعون وما رب العالمين" - إلى قوله - من المسجونين" لما ~~كلم فرعون موسى (عليه السلام) في معنى رسالته قادحا فيها فتلقى الجواب بما ~~كان فيه إفحامه أخذ يكلمه في خصوص مرسله وقد أخبره أن الذي أرسله هو رب ~~العالمين فراجعه فيه واستوضحه بقوله: "وما رب العالمين"؟ إلى تمام سبع آيات. # واتضاح المراد منها يتوقف على تذكر أصول مذاهب الوثنية في أمر الربوبية ~~وقد تقدمت الإشارة إليها في خلال الأبحاث السابقة من هذا الكتاب كرارا. # فهؤلاء يرون أن وجود الأشياء ينتهي إلى موجد واجب الوجود هو واحد لا شريك ~~له في ms5755 وجوب وجوده هو أجل من أن يحده حد في وجوده وأعظم من أن يحيط به فهم ~~أو يناله إدراك، ولذلك لا يجوز عبادته لأن العبادة نوع توجه إلى المعبود ~~والتوجه إدراك. # ولذلك بعينه عدلوا عن عبادته والتقرب إليه إلى التقرب إلى أشياء من خلقه ~~ذوي وجودات شريفة نورية أو نارية، هي مقربة إليه فانية فيه من الملائكة ~~والجن والقديسين من البشر المتخلصين من ألواث المادة الفانين في اللاهوت ~~الباقين بها ومنهم الملوك العظام أو بعضهم عند قدماء الوثنية وكان من ~~جملتهم فرعون وموسى وبالجملة كانوا يعبدونهم بعبادة أصنامهم ليقربوهم إلى ~~الله زلفى ويشفعوا لهم بمعنى أن يفيضوا إليهم من الخير الذي يفيض عنهم كما ~~في الملائكة أو لا يصيبوهم بالشر الذي يترشح عنهم كما في الجن فإن كلا من ~~هؤلاء المعبودين يرجع إليه تدبير أمر من أمور العالم الكلية كالحب والبغض ~~والسلم والحرب والرفاهية وغيرها أو صقع من أصقاعه كالسماء والأرض والإنسان ~~ونحوها. # فهناك أرباب وآلهة يتصرف كل منهم في العالم الذي يرجع إليه تدبيره كإله ~~عالم الأرض وإله عالم السماء وهؤلاء هم الملائكة والجن وقديسو البشر، وإله ~~عالم الآلهة وهو الله سبحانه فهو إله الآلهة ورب الأرباب. # إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أن لا معنى صحيحا لقولنا: رب العالمين عند ~~الوثنيين نظرا إلى أصولهم إذ لو أريد به بعض هذه الموجودات الشريفة الممكنة ~~بأعيانهم فهو رب عالم من عوالم الخلقة وهو العالم الذي يباشر التصرف فيه ~~كعالم السماء وعالم الأرض مثلا ولو أريد به الله سبحانه فهو رب عالم ~~الأرباب وإله عالم الآلهة فقط دون جميع العالمين ولو أريد غير الطائفتين من ~~الرب الواجب الوجود والأرباب الممكنة الوجود فلا مصداق له معقولا. # فقوله: "قال فرعون وما رب العالمين" سؤال منه عن حقيقة رب العالمين بيانه ~~أن فرعون كان وثنيا يعبد الأصنام وهو مع ذلك يدعي الألوهية، أما عبادته ~~الأصنام فلقوله تعالى: "ويذرك وآلهتك": الأعراف: 127، وأما دعواه الألوهية ~~فللآية المذكورة ولقوله تعالى: "فقال أنا ربكم الأعلى": النازعات: 24. # ولا منافاة ms5756 عند الوثنية بين كون الشيء إلها ربا وبين كونه مربوبا لرب آخر ~~لأن الربوبية هو الاستقلال في تدبير شيء من العالم وهو لا ينافي الإمكان ~~والمربوبية لشيء آخر وكل رب عندهم مربوب لآخر إلا الله سبحانه فهو رب ~~الأرباب لا رب فوقه وإله الآلهة لا إله له. PageV15P136 # وكان الملك عند الوثنية ظهورا من اللاهوت في بعض النفوس البشرية بالسلطة ~~ونفوذ الحكم فكان يعبد الملوك كما يعبد أرباب الأصنام وكذلك رؤساء البيوت ~~في بيوتهم، وكان فرعون وثنيا يعبد الآلهة وهو ملك القبط يعبده قومه كسائر ~~الآلهة. # فلما سمع من موسى وهارون قولهما: "إنا رسول رب العالمين" تعجب منه إذ لم ~~يعقل له معنى محصلا إذ لو أريد به الواجب وهو الله سبحانه فهو عنده رب عالم ~~الأرباب دون جميع العالمين ولو أريد به بعض الممكنات الشريفة من الآلهة ~~كبعض الملائكة وغيرهم فهو أيضا عنده رب عالم من عوالم الخلقة دون جميع ~~العالمين فما معنى رب العالمين. # ولذلك قال: "وما رب العالمين" فسأل عن حقيقة الموصوف بهذه الصفة بما هو ~~موصوف بهذه الصفة ولم يسأل عن حقيقة الله سبحانه فإنه لوثنيته كان معتقدا ~~بوجوده مذعنا له وهو يرى كسائر الوثنيين أنه لا سبيل إلى إدراك حقيقته كيف؟ ~~وهو أساس مذهبهم الذي يبنون عليه عبادة سائر الآلهة والأرباب كما سمعت. # وقوله: "قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين" جواب موسى ~~(عليه السلام) عن سؤاله: "وما رب العالمين" وهو خبر لمبتدإ محذوف، ومحصل ~~المعنى على ما يعطيه المطابقة بين السؤال والجواب: هو رب السماوات والأرض ~~وما بينهما التي تدل بوجود التدبير فيها وكونه تدبيرا واحدا متصلا مرتبطا ~~على أن لها مدبرا - ربا - واحدا على ما يراه الموقنون السالكون سبيل اليقين ~~من البرهان والوجدان. # وبتعبير آخر مرادي بالعالمين السماوات والأرض وما بينهما التي تدل ~~بالتدبير الواحد الذي فيها على أن لها ربا مدبرا واحدا، ومرادي برب ~~العالمين ذلك الرب الواحد الذي تدل عليه وهذه دلالة يقينية يجدها أهل ~~اليقين الذين يتعاطون البرهان والوجدان. ms5757 # فإن قلت: لم يطلب فرعون من موسى (عليه السلام) إلا أن يعرفه ما هذا الذي ~~يسميه رب العالمين؟ وما حقيقته؟ لكونه غير معقول عنده فلم يسأل إلا التصور ~~فما معنى قوله: "إن كنتم موقنين" واليقين علم تصديقي لا توقف للتصور عليه أصلا. # على أنه (عليه السلام) لم يأت في جواب فرعون بشيء غير أنه وضع لفظ ~~السماوات والأرض وما بينهما موضع لفظ العالمين فكان تفسيرا للفظ الجمع ~~بأسماء آحاده كتفسير الرجال بزيد وعمرو وبكر فلم يفد بالأخرة إلا التصور ~~الأول ولا تأثير لليقين في ذلك. # قلت: كون فرعون يسأله أن يصور له "رب العالمين" تصويرا مسلم لا شك فيه ~~لكن موسى بدل القول بوضع "السماوات والأرض وما بينهما" مكان العالمين وهو ~~يدل على ارتباط بعض الأجزاء ببعض والاتصال بينها بحيث يؤدي إلى وحدة ~~التدبير الواقع فيها والنظام الجاري عليها ثم قيده بقوله: "إن كنتم موقنين" ~~ليدل على أن أهل اليقين يصدقون من ذلك بوجود مدبر واحد لجميع العالمين. # فكأنه قيل له: ما تريد برب العالمين؟ فقال: أريد به ما يريده أهل اليقين ~~إذ يستدلون بارتباط التدبير واتصاله في عوالم السماوات والأرض وما بينهما ~~على أن لجميع هذه العوالم مدبرا واحدا وربا لا شريك له في ربوبيته لها وإذ ~~كانوا يصدقون بوجود رب واحد للعالمين فهم يتصورونه بوجه تصورا إذ لا معنى ~~للتصديق بلا تصور. # وبعبارة موجزة: رب العالمين هو الذي يوقن الموقنون بربوبيته لجميع ~~السماوات والأرض وما بينهما إذا نظروا إليها وشاهدوا وحدة التدبير الذي فيها. # والاحتجاج بتحقق التصديق على تحقق التصور قبله أقوى ما يمكن أن يحتج به ~~على أنه تعالى مدرك بوجه ومتصور تصورا صحيحا وإن استحال أن يدرك بكنهه ولا ~~يحيطون به علما. # وقد ظهر بذلك كله أولا: أن الجواب إنما هو بإحالته في مسئوله إلى ما ~~يتصوره منه الموقنون إذ يصدقون بوجوده. # وثانيا: أن الذي أشير إليه من الحجة في الآية هو البرهان على توحيد ~~الربوبية المأخوذ من وحدة التدبير إذ هو الذي يمسه الحاجة قبال ms5758 الوثنية ~~المدعين للشركاء في الربوبية. # وبذلك يظهر فساد ما ذكروا أن العلم بحقيقة الذات لما كان ممتنعا عدل موسى ~~(عليه السلام) عن تعريف الحقيقة بالحد إلى تعريفه تعالى بصفاته فقال: رب ~~السماوات والأرض وما بينهما وأشار بقوله: "إن كنتم موقنين" إلى دلالتها ~~بحدوثها على أن محدثها ذات واحدة واجبة الوجود لا يشاركها في وجوب وجودها ~~شيء غيرها. PageV15P137 # وجه الفساد ما عرفت أن الوثنية قائلون باستحالة العلم بحقيقة الذات وكنهها، ~~وأن الموجد ذات واجبة الوجود لا يشاركها في وجوب وجودها غيره، وأن الآلهة ~~من دون الله موجودات ممكنة الوجود كل منها مدبر لجهة من جهات العالم وهي ~~جميعا مخلوقة لله فما قرروه في معنى الآية لا يجدي في مقام المخاصمة معهم شيئا. # وقوله: "قال لمن حوله ألا تستمعون" أي ألا تصغون إلى ما يقول موسى؟ ~~والاستفهام للتعجيب يريد أن يصغوا إليه فيتعجبوا من قوله حيث يدعي رسالة رب ~~العالمين، وإذا سئل ما رب العالمين؟ أعاد الكلمة ثانيا ولم يزد على ما بدأ ~~به شيئا. # وهذا تمويه منه عليهم يريد به الستر على الحق الذي لاح من كلام موسى ~~(عليه السلام) فإنه إنما قال إن جميع العالمين تدل بوحدة التدبير الذي ~~يشاهده أهل اليقين فيها على أن لها ربا مدبرا واحدا هو الذي تسألني عنه، ~~وهو يفسر كلامه أنه يقول: أنا رسول رب العالمين، فإذا سألته ما رب ~~العالمين؟ يجيبني بأنه رب العالمين. # وبما تقدم بأن عدم سداد قولهم في تفسير هذا التعجيب أن مراده أني سألته ~~عن الذات فأجاب بالصفة وذلك أن السؤال إنما هو عن الذات من حيث صفته على ما ~~تقدم بيانه، ولم يفسر موسى الذات بالوصف بل غير قوله: رب العالمين إلى ~~قوله: "رب السماوات والأرض" فوضع ثانيا قوله: "السماوات والأرض" مكان قوله ~~أولا: "العالمين" كأنه يومىء إلى أن فرعون لم يفهم معنى العالمين. # وقوله: "قال ربكم ورب آبائكم الأولين" جواب موسى (عليه السلام) ثانيا ~~فإنه لما رأى تمويه فرعون على من حوله وقد كان أجاب عن سؤاله ms5759 "وما رب ~~العالمين" بتفسير العالمين من العالم الكبير كالسماوات والأرض وما بينهما ~~عدل ثانيا إلى ما يكون أصرح في المقصود فذكر ربوبيته تعالى لعالمي ~~الإنسانية فإن العالم الجماعة من الناس أو الأشياء فعالمو الإنسان هو ~~الجماعات من الحاضرين والماضين ولذلك قال: "ربكم ورب آبائكم الأولين. # فإن فرعون ما كان يدافع في الحقيقة إلا عن نفسه لما كان يدعي الألوهية ~~فكان يحتال في أن يبطل تعلق ربوبية الرب به في ضمن تعلقه بالعالمين ~~لاستلزام ذلك بطلان ربوبية الأرباب وهو من جملتهم وإن كان يرى أنه أعلاهم ~~وأهمهم كما حكى الله تعالى عنه: "فقال أنا ربكم الأعلى": النازعات: 24. # "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري": القصص: 38. # فكأنه كان يقول إن أردت برب العالمين الله تعالى فهو رب الأرباب لا غير ~~وإن أردت غيره من الآلهة فكل منهم رب عالم خاص فما معنى رب العالمين؟ فأجاب ~~موسى بما حاصله أن ليس في الوجود إلا رب واحد فيكون رب العالمين فهو ربكم ~~وقد أرسلني إليكم. # وكان محصل تمويه فرعون أن موسى لم يجبه بشيء إذ كرر اللفظ فأجابه موسى ~~ثانيا بالتصريح على أن رب العالمين هو رب عالمي الإنسانية من الحاضرين ~~والماضين وبذلك تنقطع حيلته. # وقوله: "قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قول فرعون ثانيا وقد سمى ~~موسى رسولا تهكما واستهزاء وأضافه إلى من حوله ترفعا من أن يكون رسولا ~~إليه، وقد رماه بالجنون مستندا إلى قوله (عليه السلام): "ربكم ورب آبائكم" إلخ. # كأنه يقول: إنه لمجنون لما في كلامه من الاختلال الكاشف عن الاختلال في ~~تعقله يدعي رسالة رب العالمين؟ فأسأله ما رب العالمين فيكرر اللفظ تقريبا ~~أولا ثم يفسره بأنه ربكم ورب آبائكم الأولين. # وقوله: "قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون" ظاهر السياق ~~أن المراد بالمشرق جهة شروق الشمس وسائر الأجرام النيرة السماوية وطلوعها ~~وبالمغرب الجهة التي تغرب فيها بحسب الحس، وبما بينهما ما بين الجهتين ~~فيشمل العالم المشهود ويساوي السماوات والأرض وما بينهما. ms5760 # فيكون إعادة لمعنى الجواب الأول بتقرير آخر وهو مشتمل على ما اشتمل عليه ~~من نكتة اتصال التدبير واتحاده فإن للشروق ارتباطا بالغروب والمشرق والمغرب ~~يتحققان طرفين لوسط بينهما، كما أن للسماء أرضا ولهما أمر بينهما وهذا ~~النوع من الاتحاد لا يقبل إلا تدبيرا متصلا واحدا، وكما أن كل أمة حاضرة ~~لها ارتباط وجودي بالأمم الماضية ارتباط الأخلاف بالأسلاف فالنوع واحد ~~والتدبير واحد فالمدبر واحد. PageV15P138 # وقد بدل قوله في الجواب الأول: "إن كنتم موقنين" من قوله هاهنا: "إن كنتم ~~تعقلون" تعريضا له حيث قال لمن حوله: "ألا تستمعون" استهزاء به وإهانة له، ~~ثم رماه ثانيا بالجنون واختلال الكلام فأشار (عليه السلام) بقوله: "إن كنتم ~~تعقلون" إلى أنهم هم المحرومون من نعمة التعقل والتفقه ولو كانوا يعقلون ~~لفهموا أن جوابه الأول ليس بتكرار غير مفيد ولكفاهم حجة على توحيد الرب وأن ~~القائم بتدبير جميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما مدبر واحد لا ~~مدبر سواه ولا رب غيره. # وقد تبين بما ذكر أن الآية أعني قوله: "رب المشرق" إلخ، تقرير آخر لقوله ~~في الجواب الأول: "رب السماوات والأرض وما بينهما" وأنه برهان على وحدة ~~المدبر من طريق وحدة التدبير وفي ذلك تعريف لرب العالمين بأنه المدبر ~~الواحد الذي يدل عليه التدبير الواحد في جميع العالمين، نعم البيان الذي ~~يشير إليه هذه الآية أوضح لاشتماله على معنى الشروق والغروب وكونهما من ~~التدبير ظاهر. # وقد ذكروا أن الحجج المودعة في الآيات حجج على وحدانية ذات الواجب بالذات ~~ونفي الشريك في وجوب الوجود وقد تقدم عدم استقامته البتة. # وقوله: "قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين" تهديد منه لموسى ~~(عليه السلام) لو دام على ما يقول به من ربوبية رب العالمين مدعيا أنه رسول ~~منه وهذا دأب الجاهل المعاند إذا انقطع عن الحجة أخذ في التهديد وتشبث ~~بالوعيد. # واتخاذ إله غيره كناية عن القول بربوبية رب العالمين الذي يدعو إليه موسى ~~وإنما لم يذكره صونا للسانه عن التفوه باسمه، ولم يعبأ بسائر الآلهة التي ms5761 ~~كانوا يعبدونها استكبارا وعلوا، وكأن السجن كان جزاء المعرضين عنه المنكرين ~~لألوهيته. # والظاهر أن اللام في المسجونين للعهد، والمعنى: لو دمت على ما تقول ~~لأجعلنك في زمرة الذين في سجني على ما تعلم من سوء حالهم وشدة عذابهم، ~~ولهذا لم يعدل عن هذا التعبير إلى مثل قولنا: لأسجننك مع اختصاره. # قوله تعالى: "قال أولو جئتك بشيء مبين" القائل هو موسى (عليه السلام) ~~والمراد بشيء مبين شيء يبين ويظهر صحة دعواه وهو آية الرسالة التي تدل على ~~صحة دعوى الرسالة من مدعيه فإن الآية المعجزة إنما تدل على صدق الرسول في ~~دعواه الرسالة وأما المعارف الإلهية التي يدعو إليها كالتوحيد والمعاد وما ~~يتعلق بهما فالسبيل إلى إثباته الحجة البرهانية وعلى ذلك كانت تجري سيرة ~~الأنبياء في دعوتهم وقد تقدم كلام فيه في الجزء الأول من الكتاب. # والمعنى: قال موسى: أتجعلني من المسجونين ولو أتيتك بشيء يوضح صدقي فيما ~~ادعيت من الرسالة. # قوله تعالى: "قال فأت به إن كنت من الصادقين" القائل فرعون وقد فرع أمره ~~بإتيانه على استفهام موسى المشعر بأنه يدعي أن عنده شيئا مبينا ولذا قيد ~~الأمر بالإتيان بقوله: "إن كنت من الصادقين" أي إن كنت صادقا في أن عندك ~~شيئا كذلك. # قوله تعالى: "فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين" هاتان الآيتان اللتان أوتيهما موسى ليلة الطور، والثعبان: الحية ~~العظيمة وكونه مبينا ظهور واقعيته بحيث لا يرتاب فيه، والمراد بنزع يده ~~نزعه من جيبه بعد وضعها فيه كما في سورتي: النمل الآية 12 والقصص الآية 32. # قوله تعالى: "قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~بسحره فما ذا تأمرون" القائل فرعون وقد قال لموسى: "فأت به إن كنت من ~~الصادقين" رجاء أن يأتي بأمر فيه موضع معارضة ومناقشة فلما أتى بما لا مغمض ~~فيه لم يجد بدا دون أن يبهته بأنه ساحر عليم. # ولذا أتبع رميه بالسحر بقوله: "يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره" إغراء لهم ~~عليه وحثا لهم ms5762 على أن يتفقوا معه على دفعه بأي وسيلة ممكنة. # وقوله: "فما ذا تأمرون" لعل المراد بالأمر الإشارة عليه لما أن المشير ~~يشير على من يستشيره بلفظ الأمر فالمعنى إذا كان الشأن هذا فما ذا تشيرون ~~علي أن أعامله به حتى أعمل به وذلك أنه كان يرى نفسه ربهم الأعلى ويراهم ~~عبيده ولا يناسب ذلك حمل الأمر على معناه المتعارف. # ويؤيد هذا المعنى أنه تعالى حكى في موضع آخر هذا الكلام عن الملإ أنفسهم ~~إذ قال قال: "الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فما ذا تأمرون": الأعراف: 110. PageV15P139 # وظاهر أن المراد بأمرهم إشارتهم على فرعون أن افعل بهما كذا. # وقيل: إن سلطان المعجزة بهره وأدهشه فضل عن عجبه وتكبره وغشيته المسكنة ~~فلم يدر ما ذا يقول؟ ولا كيف يتكلم؟ قوله تعالى: "قالوا أرجه وأخاه وابعث ~~في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم" القائلون هم الملأ حوله وهم أشراف ~~قومه، وقوله: "أرجه" بسكون الهاء على القراءة الدائرة وهو أمر من الإرجاء ~~بمعنى التأخير أي أخر موسى وأخاه وأمهلهما ولا تعجل إليهما بسياسة أو سجن ~~ونحوه حتى تعارض سحرهما بسحر مثله. # وقرىء "أرجه" بكسر الهاء و"أرجئه" بالهمزة وضم الهاء وهما أفصح من ~~القراءة الدائرة، والمعنى واحد على أي حال. # وقوله: "وابعث في المدائن حاشرين" المدائن جمع مدينة وهي البلدة والحاشر ~~من الحشر وهو إخراج إلى مكان بإزعاج أي ابعث في البلاد عدة من شرطائك ~~وجنودك يحشرون كل سحار عليم فيها ويأتوك بهم لتعارضهما بسحرهم. # والتعبير بالسحارون الساحر للإشارة إلى أن هناك من هو أعلم منه بفنون ~~السحر وأكثر عملا. # قوله تعالى: "فجمع السحرة لميقات يوم معلوم" هو يوم الزينة الذي اتفق ~~موسى وفرعون على جعله ميقاتا للمعارضة كما في سورة طه ففي الكلام إيجاز ~~وتلخيص. # قوله تعالى: "وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغالبين" الاستفهام لحث الناس وترغيبهم على الاجتماع. # قال في الكشاف، ما حاصله أن المراد باتباع السحرة اتباعهم في دينهم ms5763 - ~~وكانوا متظاهرين بعبادة فرعون كما يظهر من سياق الآيات التالية - وليس ~~مرادهم بذلك إلا أن لا يتبعوا موسى لا اتباع السحرة، وإنما ساقوا كلامهم ~~مساق الكناية ليحملوا به السحرة على الاهتمام والجد في المغالبة. # قوله تعالى: "فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين" الاستفهام في معنى الطلب، وقد ~~قالوا: إن كنا" ولم يقولوا، إذا كنا نحن الغالبين ليفيد القطع بالغلبة كما ~~يفيده قولهم بعد: "بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون" بل ألقوه في صورة الشك ~~ليكون أدعى لفرعون إلى جعل الأجر. # وقد أثر ذلك أثره حيث جعل لهم أجرا وزاد عليه الوعد بجعلهم من المقربين. # قوله تعالى: "قال لهم موسى ألقوا" إلى قوله - تلقف ما يأفكون" الحبال جمع ~~حبل، والعصي جمع عصا، واللقف الابتلاع بسرعة، وما يأفكون من الإفك بمعنى ~~صرف الشيء عن وجهه سمي السحر إفكا لأن فيه صرف الشيء عن صورته الواقعية إلى ~~صورة خيالية، ومعنى الآيات ظاهر. # قوله تعالى: "فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون" يريد أن السحرة لما رأوا ما رأوا من الآيات الباهرة بهرهم وأدهشهم ~~ذلك فلم يتمالكوا أنفسهم دون أن خروا على الأرض ساجدين لله سبحانه فاستعير ~~الإلقاء لخرورهم على الأرض للدلالة على عدم تمالك أنفسهم كأنهم قد طرحوا ~~على الأرض طرحا. # وقوله: "قالوا آمنا برب العالمين" فيه إيمان بالله سبحانه إيمان توحيد ~~لما تقدم أن الاعتراف بكونه تعالى رب العالمين لا يتم إلا مع التوحيد ونفي ~~الآلهة من دونه. # وقوله: "رب موسى وهارون" فيه إشارة إلى الإيمان بالرسالة مضافا إلى ~~التوحيد. # قوله تعالى: "قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون" إلى آخر الآية، القائل فرعون، والمراد بقوله: "آمنتم له قبل ~~أن آذن لكم" آمنتم من دون إذن مني كما في قوله تعالى: "لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي" وليس مفاده أن الإذن كان ممكنا أو متوقعا منه كما قيل. # وقوله: "إنه ms5764 لكبيركم الذي علمكم السحر" بهتان آخر يبهت به موسى (عليه ~~السلام) ليصرف به قلوب قومه وخاصة ملإهم عنه. # وقوله: "فلسوف تعلمون" تهديد لهم في سياق الإبهام للدلالة على أنه في غنى ~~عن ذكره وأما هم فسوف يعلمونه. # وقوله: "لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين" القطع من خلاف ~~أن تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو بالعكس والتصليب جعل المجرم على ~~الصليب، وقد تقدم نظير الآية في سورتي الأعراف وطه. # قوله تعالى: "قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون" الضير هو الضرر، وقوله: ~~"إنا إلى ربنا منقلبون" تعليل لقولهم: لا ضير أي إنا لا نستضر بهذا العذاب ~~الذي توعدنا به لأنا نصبر ونرجع بذلك إلى ربنا وما أكرمه من رجوع. PageV15P140 # قوله تعالى: "إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين" ~~تعليل لما يستفاد من كلامهم السابق أنهم لا يخافون الموت والقتل بل يشتاقون ~~إلى لقاء ربهم يقولون: لا نخاف من عذابك شيئا لأنا نرجع به إلى ربنا ولا ~~نخاف الرجوع لأنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا بسبب كوننا أول المؤمنين ~~بموسى وهارون رسولي ربنا. # وفتح الباب في كل خير له أثر من الخير لا يرتاب فيه العقل السليم فلو أن ~~الله سبحانه أكرم مؤمنا لإيمانه بالمغفرة والرحمة لم تطفر مغفرته ورحمته ~~أول الفاتحين لهذا الباب والواردين هذا المورد. # قوله تعالى: "وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون" شروع في سرد ~~الشطر الثاني من القصة وهو وصف عذاب آل فرعون بسبب ردهم دعوة موسى وهارون ~~(عليهما السلام) و، قد كان الشطر الأول رسالة موسى وهارون إليهم ودعوتهم ~~إلى التوحيد، والإسراء والسري السير بالليل، والمراد بعبادي بنو إسرائيل ~~وفي هذا التعبير نوع إكرام لهم. # وقوله: "إنكم متبعون" تعليل للأمر أي سر بهم ليلا ليتبعكم آل فرعون وفيه ~~دلالة على أن لله في اتباعهم أمرا وأن فيه فرج بني إسرائيل وقد صرح بذلك في ~~قوله: "فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون":، ~~الدخان: 24. # قوله ms5765 تعالى: "فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إلى قوله ثم أغرقنا الآخرين" ~~قصة غرق آل فرعون وإنجاء بني إسرائيل في أربع عشرة آية وقد أوجز في الكلام ~~بحذف بعض فصول القصة لظهوره من سياقها كخروج موسى وبني إسرائيل ليلا من مصر ~~لدلالة قوله: "أن أسر بعبادي" عليه وعلى هذا القياس. # فقال تعالى: "فأرسل فرعون" أي فأسرى موسى بعبادي فلما علم فرعون بذلك ~~أرسل "في المدائن" التي تحت سلطانه رجالا "حاشرين" يحشرون الناس ويجمعون ~~الجموع قائلين للناس "إن هؤلاء" بني إسرائيل "لشرذمة قليلون" والشرذمة من ~~كل شيء بقيته القليلة فتوصيفها بالقلة تأكيد "وإنهم لنا لغائظون" يأتون من ~~الأعمال ما يغيظوننا به "وإنا لجميع" مجموع متفق فيما نعزم عليه "حاذرون" ~~نحذر العدو أن يغتالنا أو يمكر بنا وإن كان ضعيفا قليلا، والمطلوب بقولهم ~~هذا وهو لا محالة بلاغ من فرعون لحث الناس عليهم. # "فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم فيه قصورهم المشيدة وبيوتهم ~~الرفيعة، ولما كان خروجهم عن مكر إلهي بسبب داعية الاستعلاء والاستكبار ~~التي فيهم نسب إلى نفسه أنه أخرجهم "كذلك" أي الأمر كذلك "وأورثناها" أي ~~تلك الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم "بني إسرائيل" حيث أهلكنا فرعون ~~وجنوده وأبقينا بني إسرائيل بعدهم فكانوا هم الوارثين. # "فأتبعوهم" أي لحقوا ببني إسرائيل "مشرقين" أي داخلين في وقت شروق الشمس ~~وطلوعها "فلما تراءا الجمعان" أي دنا بعضهم من بعض فرأى كل من الجمعين جمع ~~فرعون وجمع موسى الآخر، "قال أصحاب موسى من بني إسرائيل خائفين فزعين "إنا ~~لمدركون" سيدركنا جنود فرعون. # "قال موسى كلا" لن يدركونا "إن معي ربي سيهدين" والمراد بهذه المعية معية ~~الحفظ والنصرة وهي التي وعدها له ربه أول ما بعثه وأخاه إلى فرعون: "إنني ~~معكما" وأما معية الإيجاد والتدبير فالله سبحانه مع موسى وفرعون على نسبة ~~سواء، وقوله: "سيهدين" أي سيدلني على طريق لا يدركني فرعون معها. # "فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق والانفلاق انشقاق الشيء ~~وبينونة بعضه من بعض "فكان كل فرق" أي قطعة منفصلة من الماء ms5766 "كالطود" وهو ~~القطعة من الجبل "العظيم" فدخلها موسى ومن معه من بني إسرائيل. # "وأزلفنا ثم" أي وقربنا هناك "الآخرين" وهم فرعون وجنوده "وأنجينا موسى ~~ومن معه أجمعين" بحفظ البحر على حاله وهيئته حتى قطعوه وخرجوا منه، "ثم ~~أغرقنا الآخرين" بإطباق البحر عليهم وهم في فلقه. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم" ظاهر السياق - ويؤيده سياق القصص الآتية - أن المشار إليه مجموع ما ~~ذكر في قصة موسى من بعثه ودعوته فرعون وقومه وإنجاء بني إسرائيل وغرق فرعون ~~وجنوده، ففي ذلك كله آية تدل على توحيده تعالى بالربوبية وصدق الرسالة لمن ~~تدبر فيها. PageV15P141 # وقوله: "وما كان أكثرهم مؤمنين" أي وما كان أكثر هؤلاء الذين ذكرنا قصتهم ~~مؤمنين مع ظهور ما دل عليه من الآية وعلى هذا فقوله بعد كل من القصص ~~الموردة في السورة: "وما كان أكثرهم مؤمنين" بمنزلة أخذ النتيجة وتطبيق ~~الشاهد على المستشهد له كأنه يقال بعد إيراد كل واحدة من القصص: هذه قصتهم ~~المتضمنة لآيته تعالى وما كان أكثرهم مؤمنين كما لم يؤمن أكثر قومك فلا ~~تحزن عليهم فهذا دأب كل من الأمم التي بعثنا إليهم رسولا فدعاهم إلى توحيد ~~الربوبية. # وقيل: إن الضمير في "أكثرهم" راجع إلى قوم النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والمعنى: أن في هذه القصة آية وما كان أكثر قومك مؤمنين بها ولا يخلو ~~من بعد. # وقوله: "وإن ربك لهو العزيز الرحيم" تقدم تفسيره في أول السورة. PageV15P142 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 69 - 104 # واتل عليهم نبأ إبرهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون (74) قال ~~أفرءيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وءاباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لى إلا ~~رب العلمين (77) الذى خلقنى فهو يهدين (78) والذى هو يطعمنى ويسقين (79) ~~وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذى يميتنى ثم يحيين (81) والذى أطمع أن يغفر ~~لى خطيئتى يوم الدين (82) رب هب لى ms5767 حكما وألحقنى بالصلحين (83) واجعل لى ~~لسان صدق فى الاخرين (84) واجعلنى من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبى إنه ~~كان من الضالين (86) ولا تخزنى يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون ~~(88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت ~~الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ~~ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاون (94) وجنود إبليس أجمعون ~~(95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفى ضلل مبين (97) إذ ~~نسويكم برب العلمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شفعين ~~(100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن فى ~~ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات بعد الفراغ عن قصة موسى إلى نبإ إبراهيم (عليه السلام) وهو ~~خبره الخطير إذ انتهض لتوحيد الله سبحانه بفطرته الزاكية الطاهرة من بين ~~قومه المطبقين على عبادة الأصنام فتبرأ منهم ودافع عن الحق ثم كان من أمره ~~ما قد كان ففي ذلك آية ولم يؤمن به أكثر قومه كما سيشير إلى ذلك في آخر ~~الآيات. # قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ إبراهيم" غير السياق عما كان عليه أول القصة ~~"وإذ نادى ربك موسى" إلخ، لمكان قوله: "عليهم" فإن المطلوب تلاوته على ~~مشركي العرب وعمدتهم قريش وإبراهيم هذا أبوهم وقد قام لنشر التوحيد وإقامة ~~الدين الحق ولم يكن بينهم يومئذ من يقول: لا إله إلا الله، فنصر الله ونصره ~~حتى ثبتت كلمة التوحيد في الأرض المقدسة وفي الحجاز. # فلم يكن ذلك كله إلا عن دعوة من الفطرة وبعث من الله سبحانه ففي ذلك آية ~~لله فليعتبروا به وليتبرءوا من دين الوثنية كما تبرأ منه ومن أبيه وقومه ~~المنتحلين به أبوهم إبراهيم (عليه السلام). # قوله تعالى: "إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون" مخاصمته ومناظرته (عليه ~~السلام) مع أبيه غير مخاصمته مع قومه واحتجاجه عليهم كما حكاه الله تعالى ~~في سورة الأنعام وغيرها لكن البناء هاهنا على الإيجاز والاختصار ولذا جمع ~~بين المحاجتين ms5768 وسبكهما محاجة واحدة أورد فيها ما هو القدر المشترك بينهما. # وقوله: "ما تعبدون" سؤال عن الحقيقة بوضع نفسه موضع من لا يعرف شيئا من ~~حقيقتها وسائر شئونها وهذا من طرق المناظرة سبيل من يريد أن يبين الخصم ~~حقيقة مدعاه وسائر شئونه حتى يأخذه بما سمع من اعترافه. # على أن هذه المحاجة كانت من إبراهيم أول ما خرج من كهفه ودخل في مجتمع ~~أبيه وقومه ولم يكن شهد شيئا من ذلك قبل اليوم فحاجهم عن فطرة ساذجة طاهرة ~~كما تقدم تفصيل القول فيه في تفسير سورة الأنعام. # قوله تعالى: "قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين" ظل بمعنى دام، والعكوف ~~على الشيء ملازمته والإقامة عنده، واللام في "لها" للتعليل أي ندوم عاكفين ~~عليها لأجلها وهو تفريع على عبادة الأصنام. PageV15P143 # والصنم جثة مأخوذة من فلز أو خشب أو غير ذلك على هيئة خاصة يمثل بها ما في ~~المعبود من الصفات، وهؤلاء كانوا يعبدون الملائكة والجن وهم يرون أنها ~~روحانيات خارجة عن عالم الأجسام منزهة عن خواص المادة وآثارها، ولما كان من ~~الصعب عليهم التوجه العبادي إلى هذه الروحانيات باستحضارها للإدراك توسلوا ~~إلى ذلك باتخاذ صور وتماثيل جسمانية تمثل بأشكالها وهيئاتها ما هناك من ~~المعنويات. # وكذلك الحال في عبادة عباد الكواكب لها فإن المعبود الأصلي هناك روحانيات ~~الكواكب ثم اتخذ أجرام الكواكب أصناما لروحانياتها ثم لما اختلفت أحوال ~~الكواكب بالحضور والغيبة والطلوع والغروب اتخذوا لها أصناما تمثل ما ~~للكواكب من القوى الفعالة فيما دونها من عالم العناصر كالقوة الفاعلة للطرب ~~والسرور والنشاط في الزهرة فيصورونها في صورة فتاة، ولسفك الدماء في ~~المريخ، وللعلم والمعرفة في عطارد وعلى هذا القياس الأمر في أصنام القديسين ~~من الإنسان. # فالأصنام إنما اتخذت ليكون الواحد منها مرآة لرب الصنم من ملك أو جن أو ~~إنسان غير أنهم يعبدون الصنم نفسه بتوجيه العبادة إليه والتقرب منه ولو ~~تعدوا عن الصنم إلى ربه عبدوه دون الله سبحانه. # وهذا هو الذي يكذب قول القائل منهم: إن الصنم إنما هي قبلة لم تتخذ ms5769 إلا ~~جهة للتوجه العبادي لا مقصودة بالذات كالكعبة عند المسلمين وذلك أن القبلة ~~هي ما يستقبل في العبادة ولا يستقبل بالعبادة وهم يستقبلون الصنم في ~~العبادة وبالعبادة، وبعبارة أخرى التوجه إلى القبلة والعبادة لرب القبلة ~~وهو الله عز اسمه وأما الصنم فالتوجه إليه والعبادة له لا لربه ولو فرض أن ~~العبادة لربه وهو شيء من الروحانيات كانت له لا لله فالله سبحانه غير معبود ~~في ذلك على أي حال. # وبالجملة فجوابهم عن سؤال إبراهيم: "ما تعبدون" بقولهم: "نعبد أصناما" ~~إبانة أن هذه الأجسام المعبودة ممثلات مقصودة لغيرها لا لنفسها، وقد أخذ ~~إبراهيم قولهم: "نعبد" وخاصمهم به فإن استقلال الأصنام بالمعبودية لا يجامع ~~كونها أصناما ممثلة للغير فإذ كانت مقصودة بالعبادة فمن الواجب أن يشتمل ~~على ما هو الغرض المقصود منها من جلب نفع أو دفع ضر بالتوجه العبادي ~~والدعاء والمسألة والأصنام بمعزل من أن تعلم بمسألة أو تجيب مضطرا بإيصال ~~نفع أو صرف ضر ولذلك سألهم إبراهيم بقوله: "هل يسمعونكم" إلخ. # قوله تعالى: "قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون" اعترض ~~(عليه السلام) عليهم في عبادتهم الأصنام من جهتين: إحداهما: أن العبادة ~~تمثيل لذلة العابد وحاجته إلى المعبود فلا يخلو من دعاء من العابد للمعبود، ~~والدعاء يتوقف على علم المعبود بذلك وسمعه ما يدعوه به، والأصنام أجسام ~~جمادية لا سمع لها فلا معنى لعبادتها. # والثانية: أن الناس إنما يعبدون الإله إما طمعا في خيره ونفعه وإما اتقاء ~~من شره وضره والأصنام جمادات لا قدرة لها على إيصال نفع أو دفع ضرر. # فكل من الآيتين يتضمن جهة من جهتي الاعتراض، وقد أوردهما في صورة ~~الاستفهام ليضطرهم على الاعتراف. # قوله تعالى: "قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" كان مقتضى المقام أن ~~يجيبوا عن سؤاله (عليه السلام) بالنفي لكنه لما كان ينتج خلاف ما هم عليه ~~من الانتحال بالوثنية أضربوا عنه إلى التشبث بذيل التقليد فذكروا أنهم لا ~~مستند لهم في عبادتها إلا تقليد الآباء محضا. # وقوله: "وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" ms5770 أي ففعلنا كما كانوا يفعلون وعبدناهم ~~كما كانوا يعبدون، ولم يعدل عن قوله: "كذلك يفعلون" إلى مثل قولنا: ~~يعبدونها ليكون أصرح في التقليد كأنهم لا يفهمون من هذه العبادات إلا أنها ~~أفعال كأفعال آبائهم من غير أن يفقهوا منها شيئا أزيد من أشكالها وصورها. # قوله تعالى: "قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين" لما انتهت محاجته مع أبيه وقومه إلى أن لا حجة لهم ~~في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آبائهم محضا تبرأ (عليه السلام) من آلهتهم ~~ومن أنفسهم وآبائهم بقوله "أفرأيتم" إلخ. PageV15P144 # فقوله: "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون" تفريع على ما ظهر ~~مما تقدم من عدم الدليل على عبادة الأصنام إلا التقليد بل بطلانها من أصلها ~~أي فإذا كانت باطلة لا حجة لكم عليها إلا تقليد آبائكم فهذه الأصنام التي ~~رأيتموها أي هذه بأعيانها التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنها عدو ~~لي لأن عبادتها ضارة لديني مهلكة لنفسي فليست إلا عدوا لي. # وذكر آبائهم الأقدمين للدلالة على أنه لا يأخذ بالتقليد كما أخذوا وأن لا ~~وقع عنده (عليه السلام) لتقدم العهد، ولا أثر للسبق الزماني في إبطال حق أو ~~إحقاق باطل، وإرجاع ضمير أولي العقل إلى الأصنام لمكان نسبة العبادة إليها ~~وهي تستلزم الشعور والعقل، وهو كثير الوقوع في القرآن. # وقوله: "إلا رب العالمين" استثناء منقطع من قوله: "فإنهم عدو لي" أي لكن ~~رب العالمين ليس كذلك. # قوله تعالى: "الذي خلقني فهو يهدين - إلى قوله - يوم الدين" لما استثنى ~~رب العالمين جل اسمه وصفه بأوصاف تتم بها الحجة على أنه تعالى ليس عدوا له ~~بل رب رحيم ذو عناية بحاله منعم عليه بكل خير دافع عنه كل شر فقال: الذي ~~خلقني" "إلخ" وأما قول القائل: إن قوله: "الذي خلقني" إلخ استيناف من ~~الكلام لا يعبأ به. # فقوله: "الذي خلقني فهو يهدين" بدأ بالخلق لأن المطلوب بيان استناد تدبير ~~أمره إليه تعالى بطريق إعطاء الحكم بالدليل، والبرهان على قيام التدبير به ~~تعالى ms5771 قيام الخلق والإيجاد به لوضوح أن الخلق والتدبير لا ينفكان في هذه ~~الموجودات الجسمانية التدريجية الوجود التي تستكمل الوجود على التدريج فليس ~~من المعقول أن يقوم الخلق بشيء والتدبير بشيء وإذ كان الخلق والإيجاد لله ~~سبحانه فالتدبير له أيضا. # ولهذا عطف الهداية على الخلق بفاء التفريع فدل على أنه تعالى هو الهادي ~~لأنه هو الخالق. # وظاهر قوله: "فهو يهدين" - وهو مطلق - أن المراد به مطلق الهداية إلى ~~المنافع دنيوية كانت أو أخروية والتعبير بلفظ المضارع لإفادة الاستمرار ~~فالمعنى أنه الذي خلقني ولا يزال يهديني إلى ما فيه سعادة حياتي منذ خلقني ~~ولن يزال كذلك. # فيكون الآية في معنى ما حكاه الله عن موسى إذ قال لفرعون: "ربنا الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، أي هداه إلى منافعه وهي الهداية العامة. # وهذا هو الذي أشير إليه في أول السورة بقوله: "أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية" وقد مر تقرير الحجة فيه. # وعلى هذا فما سيأتي في قوله: "والذي هو يطعمني" إلخ من الصفات المعدودة ~~من قبيل ذكر الخاص بعد العام فإنها جميعا من مصاديق الهداية العامة بعضها ~~هداية إلى منافع دنيوية وبعضها هداية إلى ما يرجع إلى الآخرة. # ولو كان المراد بالهداية الهداية الخاصة الدينية فالصفات المعدودة على ~~رسلها وذكر الهداية بعد الخلقة، وتقديمها على سائر النعم والمواهب لكونها ~~أفضل النعم بعد الوجود. # وقوله: "والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين" هو كالكناية عن ~~جملة النعم المادية التي يرزقه الله إياها لتتميم النواقص ورفع الحوائج ~~الدنيوية، وقد خص بالذكر منها ما هو أهمها وهو الإطعام والسقي والشفاء إذا مرض. # ومن هنا يظهر أن قوله: "وإذا مرضت" توطئة وتمهيد لذكر الشفاء فالكلام في ~~معنى يطعمني ويسقيني ويشفين، ولذا نسب المرض إلى نفسه لئلا يختل المراد ~~بذكر ما هو سلب النعمة بين النعم، وأما قول القائل: إنه إنما نسب المرض إلى ~~نفسه مع كونه من الله للتأدب فليس بذاك. # وإنما أعاد ms5772 الموصول فقال: "الذي هو يطعمني" إلخ، ولم يعطف الصفات على ما ~~في قوله: "الذي خلقني فهو يهدين" للدلالة على أن كلا من الصفات المذكورة في ~~هذه الجمل المترتبة كان في إثبات كونه تعالى هو الرب المدبر لأمره والقائم ~~على نفسه المجيب لدعوته. # وقوله: "والذي هو يميتني ثم يحيين" يريد الموت المقضي لكل نفس المدلول ~~عليه بقوله: "كل نفس ذائقة الموت": الأنبياء: 35، وليس بانعدام وفناء بل ~~انتقال من دار إلى دار من جملة التدبير العام الجاري، والمراد بالإحياء ~~إفاضة الحياة بعد الموت. PageV15P145 # وقوله: "والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين" أي يوم الجزاء وهو يوم ~~القيامة، ولم يقطع بالمغفرة كما قطع في الأمور المذكورة قبلها لأن المغفرة ~~ليست بالاستحقاق بل هي فضل من الله فليس يستحق أحد على الله سبحانه شيئا ~~لكنه سبحانه قضى على نفسه الهداية والرزق والإماتة والإحياء لكل ذي نفس ولم ~~يقض المغفرة لكل ذي خطيئة فقال: "فورب السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: ~~23، وقال: "كل نفس ذائقة الموت": الأنبياء: 35، وقال: "إليه مرجعكم جميعا ~~وعد الله حقا": يونس: 4، وقال في المغفرة: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء: النساء: 48. # ونسبة الخطيئة إلى نفسه وهو (عليه السلام) نبي معصوم من المعصية دليل على ~~أن المراد بالخطيئة غير المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي فإن للخطيئة ~~والذنب مراتب تتقدر حسب حال العبد في عبوديته كما قيل: حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين وقد قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "واستغفر لذنبك". # فالخطيئة من مثل إبراهيم (عليه السلام) اشتغاله عن ذكر الله محضا بما ~~تقتضيه ضروريات الحياة كالنوم والأكل والشرب ونحوها وإن كانت بنظر آخر طاعة ~~منه (عليه السلام) كيف؟ وقد نص تعالى على كونه (عليه السلام) مخلصا لله لا ~~يشاركه تعالى فيه شيء إذ قال: "إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": ص: 46، ~~وقد قدمنا كلاما له تعلق بهذا المقام في آخر الجزء السادس وفي قصص إبراهيم ~~في الجزء السابع من الكتاب. # قوله تعالى: "رب هب لي ms5773 حكما وألحقني بالصالحين" لما ذكر (عليه السلام) ~~نعم ربه المستمرة المتوالية المتراكمة عليه منذ خلق إلى ما لا نهاية له من ~~أمد البقاء وصور بذلك شمول اللطف والحنان الإلهي أخذته جاذبة الرحمة ~~الملتئمة بالفقر العبودي فدعته إلى إظهار الحاجة وبث المسألة فالتفت من ~~الغيبة إلى الخطاب فسأل ما سأل. # فقوله: "رب" أضاف الرب إلى نفسه بعد ما كان يصفه بما أنه رب العالمين ~~إثارة للرحمة الإلهية وتهييجا للعناية الربانية لاستجابة دعائه ومسألته. # وقوله: "هب لي حكما" يريد بالحكم ما تقدم في قول موسى (عليه السلام): ~~"فوهب لي ربي حكما": الآية 21 من السورة وهو - كما تقدم - إصابة النظر ~~والرأي في المعارف الاعتقادية والعملية الكلية وتطبيق العمل عليها كما يشير ~~إليه قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون": الأنبياء: 25، وهو وحي المعارف الاعتقادية والعملية التي ~~يجمعها التوحيد والتقوى، وقوله تعالى: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين: الأنبياء: 73، وهو وحي التسديد ~~والهداية إلى الصلاح في مقام العمل، وتنكير الحكم لتفخيم أمره. # وقوله: "وألحقني بالصالحين" الصلاح على ما ذكره الراغب - يقابل الفساد ~~الذي هو تغير الشيء عن مقتضى طبعه الأصلي فصلاحه كونه على مقتضى الطبع ~~الأصلي فيترتب عليه من الخير والنفع ما من شأنه أن يترتب عليه من غير أن ~~يفسد فيحرم من آثاره الحسنة. # وإذ كان "الصالحين" غير مقيد بالعمل ونحوه فالمراد به الصالحون ذاتا لا ~~عملا فحسب وإن كان صلاح الذات لا ينفك عنه صلاح العمل، قال تعالى: "البلد ~~الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58. # فصلاح الذات كونها تامة الاستعداد لقبول الرحمة الإلهية وإفاضة كل خير ~~وسعادة من شأنها أن تتلبس به من غير أن يقارنها ما يفسدها من اعتقاد باطل ~~أو عمل سيىء وبذلك يتبين أن الصلاح الذاتي من لوازم موهبة الحكم بالمعنى ~~الذي تقدم وإن كان الحكم أخص موردا من الصلاح وهو ظاهر. # فمسألته الإلحاق بالصالحين من لوازم مسألة موهبة الحكم وفروعها المترتبة ~~عليها ms5774 فيعود معنى قوله: "رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين" إلى مثل قولنا: ~~رب هب لي حكما وتمم أثره في وهو الصلاح الذاتي. # وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "وإنه في الآخرة لمن الصالحين": البقرة: ~~130 في الجزء الأول من الكتاب كلام له تعلق بهذا المقام. PageV15P146 # قوله تعالى: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين" إضافة اللسان إلى الصدق لامية ~~تفيد اختصاصه بالصدق بحيث لا يتكلم إلا به، وظاهر جعل هذا اللسان له أن ~~يكون مختصا به كلسانه لا يتكلم إلا بما في ضميره مما يتكلم هو به فيئول ~~المعنى إلى مسألة أن يبعث الله في الآخرين من يقوم بدعوته ويدعو الناس إلى ~~ملته وهي دين التوحيد. # فتكون الآية في معنى قوله في سورة الصافات بعد ذكر إبراهيم (عليه ~~السلام): "وتركنا عليه في الآخرين": الصافات: 108، وقد ذكر هذه الجملة بعد ~~ذكر عدة من الأنبياء غيره كنوح وموسى وهارون وإلياس، وكذا قال تعالى في ~~سورة مريم بعد ذكر زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وموسى وهارون: "وجعلنا لهم ~~لسان صدق عليا": مريم: 50 فالمراد على أي حال إبقاء دعوتهم بعدهم ببعث رسل ~~أمثالهم. # وقيل: المراد به بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد روي عنه أنه ~~قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، ويؤيده تسمية دينه في مواضع من القرآن ملة ~~إبراهيم، ويرجع معنى الآية حينئذ إلى معنى قوله حكاية عن إبراهيم وإسماعيل ~~حين بناء الكعبة: "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك إلى أن ~~قال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم: البقرة: 129. # وقيل: المراد به أن يجعل الله له ذكرا جميلا وثناء حسنا بعده إلى يوم ~~القيامة وقد استجاب الله دعاءه فأهل الأديان يثنون عليه ويذكرونه بالجميل. # وفي صدق لسان الصدق على الذكر الجميل خفاء، وكذا كون هذا الدعاء والمحكي ~~في سورة البقرة دعاء واحدا لا يخلو من خفاء. # قوله تعالى: "واجعلني من ورثة جنة النعيم" تقدم معنى وراثة الجنة في ~~تفسير قوله تعالى: "أولئك هم الوارثون": ms5775 المؤمنون: 10. # قوله تعالى: "واغفر لأبي إنه كان من الضالين" استغفار لأبيه حسب ما وعده ~~في قوله: "سلام عليك سأستغفر لك ربي": مريم: 47، وليس ببعيد أن يستفاد من ~~قوله تعالى: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": التوبة: 114، أنه دعا لأبيه بهذا الدعاء ~~وهو حي بعد، وعلى هذا فمعنى قوله: "إنه كان من الضالين" أنه كان قبل الدعاء ~~بزمان من أهل الضلال. # قوله تعالى: "ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى ~~الله بقلب سليم" الخزي عدم النصر ممن يؤمل منه النصر، والضمير في "يبعثون" ~~للناس ولا يضره عدم سبق الذكر لكونه معلوما من خارج. # ويعلم من سؤاله عدم الإخزاء يوم القيامة أن الإنسان في حاجة إلى النصر ~~الإلهي يومئذ فهذه البنية الضعيفة لا تقوم دون الأهوال التي تواجهها يوم ~~القيامة إلا بنصر وتأييد منه تعالى. # وقوله: "يوم لا ينفع مال ولا بنون" الظرف بدل من قوله: "يوم يبعثون" وبه ~~يندفع قول من قال: إن قول إبراهيم قد انقطع في "يبعثون" والآية إلى تمام ~~خمس عشرة آية من كلام الله تعالى. # والآية تنفي نفع المال والبنين يوم القيامة وذلك أن رابطة المال والبنين ~~التي هي المناط في التناصر والتعاضد في الدنيا هي رابطة وهمية اجتماعية لا ~~تؤثر أثرا في الخارج من ظرف الاجتماع المدني ويوم القيامة يوم انكشاف ~~الحقائق وتقطع الأسباب فلا ينفع فيه مال بماليته ولا بنون بنسبة بنوتهم ~~وقرابتهم، قال تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم": الأنعام: 94، وقال: "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون": المؤمنون: 101. # فالمراد بنفي نفع المال والبنين يوم القيامة نفي سببيتهما الوضعية ~~الاعتبارية في المجتمع الإنساني في الدنيا فإن المال نعم السبب والوسيلة في ~~المجتمع للظفر بالمقاصد الحيوية، وكذا البنون نعمت الوسيلة للقوة والعزة ~~والغلبة والشوكة، فالمال والبنون عمدة ما يركن إليهما ويتعلق بهما الإنسان ~~في الحياة الدنيا فنفي ms5776 نفعهما يوم القيامة كالكناية عن نفي نفع كل سبب وضعي ~~اعتباري في المجتمع الإنساني يتوسل به إلى جلب المنافع المادية كالعلم ~~والصنعة والجمال وغيرها. # وبعبارة أخرى نفي نفعهما في معنى الإخبار عن بطلان الاجتماع المدني بما ~~يعمل فيه من الأسباب الوضعية الاعتبارية كما يشير إليه قوله تعالى: "ما لكم ~~لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون". PageV15P147 # وقوله: "إلا من أتى الله بقلب سليم" قال الراغب: السلم والسلامة التعري من ~~الآفات الظاهرة والباطنة. # انتهى. # والسياق يعطي أنه (عليه السلام) في مقام ذكر معنى جامع يتميز به اليوم من ~~غيره وقد سأل ربه أولا أن ينصره ولا يخزيه يوم لا ينفعه ما كان ينفعه في ~~الدنيا من المال والبنين، ومقتضى هذه التوطئة أن يكون المطلوب بقوله: "إلا ~~من أتى الله بقلب سليم" بيان ما هو النافع يومئذ وقد ذكر فيه الإتيان ~~بالقلب السليم. # فالاستثناء منقطع، والمعنى: لكن من أتى الله بقلب سليم فإنه ينتفع به، ~~والمحصل أن مدار السعادة يومئذ على سلامة القلب سواء كان صاحبه ذا مال ~~وبنين في الدنيا أو لم يكن. # وقيل: الاستثناء متصل والمستثنى منه مفعول ينفع المحذوف والتقدير يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون أحدا إلا من أتى الله بقلب سليم. # وقيل: الاستثناء متصل والكلام بتقدير مضاف، والتقدير لا ينفع مال ولا ~~بنون إلا مال وبنو من أتى "إلخ". # وقيل: المال والبنون في معنى الغنى والاستثناء منه بحذف مضاف من نوعه ~~والتقدير يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، وسلامة القلب من ~~الغنى فالاستثناء متصل ادعاء لا حقيقة. # وقيل: الاستثناء منقطع وهناك مضاف محذوف، والتقدير لا ينفع مال ولا بنون ~~إلا حال من أتى "إلخ". # والأقوال الثلاثة الأول توجب اختصاص تميز اليوم بمن له مال وبنون فقط فإن ~~الكلام عليها في معنى قولنا: يوم لا ينفع المال والبنون أصحابهما إلا ذا ~~القلب السليم منهم وأما من لا مال له ولا ولد فمسكوت عنه والسياق لا ~~يساعده، وأما القول الرابع فمبني على تقدير لا حاجة ms5777 إليه. # والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا": الكهف: 46، غير أنها ~~تسند النفع إلى القلب السليم وهو النفس السالمة من وصمة الظلم وهو الشرك ~~والمعصية كما قال تعالى في وصف اليوم: "وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من ~~حمل ظلما": طه: 111. # قال بعضهم: وفي الآيتين تأييد لكون استغفاره (عليه السلام) لأبيه طلبا ~~لهدايته إلى الإيمان لاستحالة طلب مغفرته بعد موته كافرا مع علمه بعدم نفعه ~~لأنه من باب الشفاعة انتهى. # وهذا على تقدير أخذ الاستثناء متصلا كما ذهب إليه هذا القائل مبني على ~~كون إبراهيم (عليه السلام) ابن آزر لصلبه وقد تقدم في قصته (عليه السلام) ~~من سورة الأنعام فساد القول به وأن الآيات ناصة على خلافه. # وأما إذا أخذ الاستثناء منقطعا فقوله: "إلا من أتى الله بقلب سليم" ~~بضميمة قوله تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28. # دليل على كون الاستغفار قبل موته كما لا يخفى. # قوله تعالى: "وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين" الإزلاف ~~التقريب والتبريز الإظهار، وفي المقابلة بين المتقين والغاوين واختيار هذين ~~الوصفين لهاتين الطائفتين إشارة إلى ما قضى به الله سبحانه يوم رجم إبليس ~~عند إبائه أن يسجد لآدم كما ذكر في سورة الحجر "إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين إلى أن قال إن ~~المتقين في جنات وعيون": الحجر: 45. # قوله تعالى: "وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ~~ينتصرون" أي هل يدفعون الشقاء والعذاب عنكم أو عن أنفسهم، والمحصل أنه ~~يتبين لهم أنهم ضلوا في عبادتهم غير الله. # قوله تعالى: "فكبكبوا فيها هم والغاون وجنود إبليس أجمعون" يقال: كبه ~~فانكب أي ألقاه على وجهه وكبكبه أي ألقاه على وجهه مرة بعد أخرى فهو يفيد ~~تكرار الكب كدب ودبدب وذب وذبذب وزل وزلزل ودك ودكدك. # وضمير الجمع في قوله: "فكبكبوا فيها هم" للأصنام كما يدل عليه قوله: ~~"إنكم وما تعبدون ms5778 من دون الله حصب جهنم": الأنبياء: 98، وهؤلاء إحدى ~~الطوائف الثلاث التي تذكر الآية أنها تكبكب في جهنم يوم القيامة، والطائفة ~~الثانية الغاوون المقضي عليهم ذلك كما في آية الحجر المنقولة آنفا، ~~والطائفة الثالثة جنود إبليس وهم قرناء الشياطين الذين يذكر القرآن أنهم لا ~~يفارقون أهل الغواية حتى يدخلوا النار، قال تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين إلى أن قال ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون": الزخرف: 39. PageV15P148 # قوله تعالى: "قالوا وهم فيها يختصمون" - إلى قوله - إلا المجرمون" الظاهر ~~أن القائلين هم الغاوون، والاختصام واقع بينهم يخاصمون أنفسهم والشياطين ~~على ما ذكره الله سبحانه في مواضع من كلامه. # وقوله: "تالله إن كنا لفي ضلال مبين" اعتراف منهم بالضلال، والخطاب في ~~قوله: "إذ نسويكم برب العالمين" للآلهة من الأصنام وهم معهم في النار، أو ~~لهم وللشياطين أو لهما وللمتبوعين والرؤساء من الغاوين وخير الوجوه أولها. # وقوله: "وما أضلنا إلا المجرمون" الظاهر أن كلا من القائلين يريد ~~بالمجرمين غيره من إمام ضلال اقتدى به في الدنيا وداع دعاه إلى الشرك ~~فاتبعه وآباء مشركين قلدهم فيه وخليل تشبه به، والمجرمون على ما يستفاد من ~~آيات القيامة هم الذين ثبت فيهم الإجرام وقضي عليهم بدخول النار قال تعالى: ~~"وامتازوا اليوم أيها المجرمون": يس: 56. # قوله تعالى: "فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" الحميم على ما ذكره ~~الراغب القريب المشفق. # وهذا الكلام تحسر منهم على حرمانهم من شفاعة الشافعين وإغاثة الأصدقاء ~~وفي التعبير بقوله: "فما لنا من شافعين" إشارة إلى وجود شافعين هناك يشفعون ~~بعض المذنبين، ولو لا ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: فما لنا من شافع إذ ~~لا نكتة تقتضي الجمع، وقد روي أنهم يقولون ذلك لما يرون الملائكة والأنبياء ~~والمؤمنين يشفعون. # قوله تعالى: "فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين" تمن منهم أن يرجعوا إلى ~~الدنيا فيكونوا من المؤمنين حتى ينالوا ما ناله المؤمنون من السعادة. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآية" إلى آخر ms5779 الآيتين أي في قصة إبراهيم (عليه ~~السلام) ولزومه عن فطرته الساذجة دين التوحيد وتوجيه وجهه نحو رب العالمين ~~وتبريه من الأصنام واحتجاجه على الوثنيين وعبدة الأصنام آية لمن تدبر فيها ~~على أن في سائر قصصه من محنه وابتلاءاته التي لم تذكر هاهنا كإلقائه في ~~النار ونزول الضيف من الملائكة عليه وقصة إسكانه إسماعيل وأمه بوادي مكة ~~وبناء الكعبة وذبح إسماعيل آيات لأولي الألباب. # وقوله: "وما كان أكثرهم مؤمنين" أي وما كان أكثر قوم إبراهيم مؤمنين ~~والباقي ظاهر مما تقدم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين" قال: هو ~~أمير المؤمنين (عليه السلام). # أقول: يحتمل التفسير والجري. # وفي الكافي، بإسناده عن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام): ولسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خير ~~من المال يأكله ويورثه. # الحديث. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "واغفر لأبي": أخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: في قوله: "ولا تخزني يوم يبعثون" قال: ذكر ~~لنا أن نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليجيئن رجل يوم القيامة من ~~المؤمنين آخذا بيد أب له مشرك حتى يقطعه النار ويرجو أن يدخله الجنة ~~فيناديه مناد أنه لا يدخل الجنة مشرك فيقول: ربي أبي ووعدت أن لا تخزيني. ~~قال: فما يزال متشبثا به حتى يحوله الله في صورة سيئة وريح منتنة في صورة ~~ضبعان فإذا رآه كذلك تبرأ منه وقال: لست بأبي. قال: فكنا نرى أنه يعني ~~إبراهيم وما سمى به يومئذ. # وفيه، أخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة ~~يقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. ~~فيقول إبراهيم: رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي ~~الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم ms5780 يقال: يا إبراهيم ما ~~تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. # أقول: الخبران من أخبار بنوة إبراهيم لآزر لصلبه وقد مر في قصص إبراهيم ~~من سورة الأنعام أنها مخالفة للكتاب وكلامه تعالى نص في خلافه. # وفي الكافي، بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سألته عن قول الله عز وجل: ~~"إلا من أتى الله بقلب سليم" قال: السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه. ~~قال: وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ ~~قلوبهم إلى الآخرة. PageV15P149 # وفي المجمع، وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: هو القلب الذي سلم من ~~حب الدنيا. ويؤيده قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): حب الدنيا رأس كل خطيئة. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث ~~"وجنود إبليس أجمعون" جنود إبليس ذريته من الشياطين. قال: وقولهم: "وما ~~أضلنا إلا المجرمون" إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل فيهم إذ ~~جمعهم إلى النار: وقالت أولاهم لأخراهم - ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار" وقوله: "كلما دخلت أمة لعنت أختها - حتى إذا اداركوا فيها ~~جميعا" برىء بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضا يريد بعضهم أن يحج بعضا رجاء ~~الفلج فيفلتوا جميعا من عظيم ما نزل بهم وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا ~~قبول معذرة ولا حين نجاة. # وفي الكافي، أيضا بسندين عن أبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "فكبكبوا فيها هم والغاون" هم قوم وصفوا عدلا ~~بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره. # أقول: وروى هذا المعنى القمي في تفسيره، والبرقي في المحاسن، عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام)، والظاهر أن الرواية كانت واردة في ذيل قوله تعالى: ~~"والشعراء يتبعهم الغاون" لما بعده من قوله تعالى: "وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون" وقد وقع الخطأ في إيرادها في ذيل قوله: "فكبكبوا فيها" إلخ، وهو ~~ظاهر للمتأمل. # وفي المجمع، وفي الخبر ms5781 المأثور عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي؟ وصديقه ~~في الجحيم. فيقول الله: أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار: ~~"فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" وروي بالإسناد عن حمران بن أعين عن أبي ~~عبد لله (عليه السلام) قال: والله لنشفعن لشيعتنا ثلاث مرات حتى يقول ~~الناس: "فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" إلى قوله - فنكون من المؤمنين" ~~وفي رواية أخرى حتى يقول عدونا. # وفي تفسير القمي،: "فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين" قال: من المهتدين ~~قال: لأن الإيمان قد لزمهم بالإقرار. # أقول: مراده أنهم يؤمنون يومئذ إيمان إيقان لكنهم يرون أن الإيمان يومئذ ~~لا ينفعهم بل الإيمان النافع هو الإيمان في الدنيا فيتمنون أن يرجعوا إلى ~~الدنيا ليكون ما عنده من الإيمان من إيمان المهتدين وهم المؤمنون حقا ~~المهتدون بإيمانهم يوم القيامة وهذا معنى لطيف، وإليه يشير قوله تعالى: ~~"ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون": سجدة: 13 فلم يقولوا فارجعنا نؤمن ونعمل صالحا بل ~~قالوا فارجعنا نعمل صالحا فافهم ذلك. PageV15P150 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 105 - 122 # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إنى ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العلمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمى بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا ~~على ربى لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير ~~مبين (115) قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن ~~قومى كذبون (117) فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين (118) ~~فأنجينه ومن معه فى الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن فى ~~ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات بعد الفراغ عن قصتي ms5782 موسى وإبراهيم (عليهما السلام) وهما من ~~أولي العزم إلى قصة نوح (عليه السلام) وهو أول أولي العزم سادة الأنبياء، ~~وإجمال ما جرى بينه وبين قومه فلم يؤمن به أكثرهم فأغرقهم الله وأنجى نوحا ~~ومن معه من المؤمنين. # قوله تعالى: "كذبت قوم نوح المرسلين" قال في المفردات:، القوم جماعة ~~الرجال في الأصل دون النساء، ولذلك قال: "لا يسخر قوم من قوم" الآية، قال ~~الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء،. # وفي عامة القرآن أريدوا به والنساء جميعا. # انتهى. # ولفظ القوم قيل: مذكر وتأنيث الفعل المسند إليه بتأويل الجماعة وقيل: ~~مؤنث وقال في المصباح: يذكر ويؤنث. # وعد القوم مكذبين للمرسلين مع أنهم لم يكذبوا إلا واحدا منهم وهو نوح ~~(عليه السلام) إنما هو من جهة أن دعوتهم واحدة وكلمتهم متفقة على التوحيد ~~فيكون المكذب للواحد منهم مكذبا للجميع ولذا عد الله سبحانه الإيمان ببعض ~~رسله دون بعض كفرا بالجميع قال تعالى: "إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا": النساء: 151. # وقيل: هو من قبيل قولهم فلان يركب الدواب ويلبس البرود وليس له إلا دابة ~~واحدة وبردة واحدة فيكون الجمع كناية عن الجنس، والأول أوجه ونظير الوجهين ~~جار في قوله الآتي: "كذبت عاد المرسلين" "كذبت ثمود المرسلين" وغيرهما. # قوله تعالى: "إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون" المراد بالأخ النسيب ~~كقولهم: أخو تميم وأخو كليب والاستفهام للتوبيخ. # قوله تعالى: "إني لكم رسول أمين" أي رسول من الله سبحانه أمين على ما ~~حملته من الرسالة لا أبلغكم إلا ما أمرني ربي وأراده منكم، ولذا فرع عليه ~~قوله: "فاتقوا الله وأطيعون" فأمرهم بطاعته لأن طاعته طاعة الله. # قوله تعالى: "وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين" مسوق ~~لنفي الطمع الدنيوي بنفي سؤال الأجر فيثبت بذلك أنه ناصح لهم فيما يدعوهم ~~إليه لا يخونهم ولا يغشهم فعليهم أن يطيعوه فيما يأمرهم، ولذا فرع عليه ~~ثانيا ms5783 قوله: "فاتقوا الله وأطيعون". # والعدول في قوله: "إن أجري إلا على رب العالمين" عن اسم الجلالة إلى "رب ~~العالمين" للدلالة على صريح التوحيد فإنهم كانوا يرون أنه تعالى إله عالم ~~الآلهة وكانوا يرون لكل عالم إلها آخر يعبدونه من دون الله فإثباته تعالى ~~ربا للعالمين جميعا تصريح بتوحيد العبادة ونفي الآلهة من دون الله مطلقا. # قوله تعالى: "فاتقوا الله وأطيعون" قد تقدم وجه تكرار الآية فهو يفيد أن ~~كلا من الأمانة وعدم سؤال الأجر سبب مستقل في إيجاب طاعته عليهم. # قوله تعالى: "قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون" الأرذلون جمع أرذل على ~~الصحة وهو اسم تفضيل من الرذالة والرذالة الخسة والدناءة، ومرادهم بكون ~~متبعيه أراذل أنهم ذوو أعمال رذيلة ومشاغل خسيسة ولذا أجاب ع عنه بمثل ~~قوله: "وما علمي بما كانوا يعملون". PageV15P151 # والظاهر أنهم كانوا يرون الشرف والكرامة في الأموال والجموع من البنين ~~والأتباع كما يستفاد من دعاء نوح (عليه السلام) إذ يقول: "رب إنهم عصوني ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا":، نوح: 21. # فمرادهم بالأرذلين من يعدهم الأشراف والمترفون سفلة يتجنبون معاشرتهم من ~~العبيد والفقراء وأرباب الحرف الدنية. # قوله تعالى: "قال وما علمي بما كانوا يعملون" الضمير لنوح (عليه السلام)، ~~و"ما" استفهامية وقيل: نافية وعليه فالخبر محذوف لدلالة السياق عليه، ~~والمراد على أي حال نفي علمه بأعمالهم قبل إيمانهم به لمكان قوله: "كانوا ~~يعملون". # قوله تعالى: "إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون" المراد بقوله: "ربي" رب ~~العالمين فإنه الذي كان يختص نوح بالدعوة إليه من بينهم، وقوله: "لو ~~تشعرون" مقطوع عن العمل أي لو كان لكم شعور، وقيل: المعنى لو تشعرون بشيء ~~لعلمتم ذلك وهو كما ترى. # والمعنى: بالنظر إلى الحصر الذي في صدر الآية أنه لا علم لي بسابق ~~أعمالهم وليس علي حسابهم حتى أتجسس وأبحث عن أعمالهم وإنما حسابهم على ربي ~~"لو تشعرون" فيجازيهم حسب أعمالهم. # قوله تعالى: "وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين" الآية ~~الثانية بمنزلة التعليل للأولى والمجموع متمم للبيان السابق ms5784 والمعنى: لا ~~شأن لي إلا الإنذار والدعوة فلست أطرد من أقبل علي وآمن بي ولست أتفحص عن ~~سابق أعمالهم لأحاسبهم عليها فحسابهم على ربي وهو رب العالمين لا علي. # قوله تعالى: "قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين" المراد ~~بالانتهاء ترك الدعوة، والرجم هو الرمي بالحجارة، وقيل: المراد به الشتم ~~وهو بعيد، وهذا مما قالوه في آخر العهد من دعوتهم يهددونه (عليه السلام) ~~بقول جازم كما يشهد به ما في الكلام من وجوه التأكيد. # قوله تعالى: "قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا" إلخ، هذا ~~استفتاح منه (عليه السلام) وقد قدم له قوله: "رب إن قومي كذبون" على سبيل ~~التوطئة أي تحقق منهم التكذيب المطلق الذي لا مطمع في تصديقهم بعده كما ~~يستفاد من دعائه عليهم إذ يقول: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا": نوح: 27. # وقوله: "فافتح بيني وبينهم فتحا" كناية عن القضاء بينه وبين قومه كما قال ~~تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": ~~يونس: 47. # وأصله من الاستعارة بالكناية كأنه وأتباعه والكفار من قومه اختلطوا ~~واجتمعوا من غير تميز فسأل ربه أن يفتح بينهم بإيجاد فسحة بينه وبين قومه ~~يبتعد بذلك أحد القبيلين من الآخر وذلك كناية عن نزول العذاب وليس يهلك إلا ~~القوم الفاسقين والدليل عليه قوله بعد: "ونجني ومن معي من المؤمنين". # وقيل: الفتح بمعنى الحكم والقضاء من الفتاحة بمعنى الحكومة. # قوله تعالى: "فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون" أي المملوء منهم ومن كل ~~زوجين اثنين كما ذكره في سورة هود. # قوله تعالى: "ثم أغرقنا بعد الباقين" أي أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآية - إلى قوله - العزيز الرحيم" تقدم الكلام في ~~معنى الآيتين. ### |||| AUTO بحث روائي # في كتاب كمال الدين، وروضة الكافي، مسندا عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) في حديث: فمكث نوح ألف سنة إلا خمسين ms5785 عاما لم يشاركه في نبوته أحد ~~ولكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء الذين كانوا بينه وبين آدم وذلك قوله عز ~~وجل: كذبت قوم نوح المرسلين" يعني من كان بينه وبين آدم إلى أن انتهى إلى ~~قوله: "وإن ربك لهو العزيز الرحيم" وقال فيه، أيضا: فكان بينه وبين آدم ~~عشرة آباء كلهم أنبياء، وفي تفسير القمي: في قوله تعالى: "واتبعك الأرذلون" ~~قال: الفقراء. # وفيه، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~"الفلك المشحون" المجهز الذي قد فرغ منه ولم يبق إلا دفعه. PageV15P152 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 123 - 140 # كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إنى لكم ~~رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى ~~إلا على رب العلمين (127) أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون (128) وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون ~~(131) واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعم وبنين (133) وجنت ~~وعيون (134) إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم ~~لم تكن من الوعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين ~~(138) فكذبوه فأهلكنهم إن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (140) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى قصة هود (عليه السلام) وقومه وهو قوم عاد. # قوله تعالى: "كذبت عاد المرسلين" قوم عاد من العرب العاربة الأولى كانوا ~~يسكنون الأحقاف من جزيرة العرب لهم مدنية راقية وأراض خصبة وديار معمورة ~~فكذبوا الرسل وكفروا بأنعم الله وأطغوا فأهلكهم الله بالريح العقيم وخرب ~~ديارهم وعفا آثارهم. # وعاد فيما يقال اسم أبيهم فتسميتهم بعاد من قبيل تسمية القوم باسم أبيهم ~~كما يقال تميم وبكر وتغلب ويراد بنو تميم وبنو بكر وبنو تغلب. # وقد تقدم في نظير الآية من قصة نوح وجه عد القوم مكذبين للمرسلين ولم ~~يكذبوا ظاهرا إلا واحدا منهم. # قوله تعالى: "إني لكم رسول أمين - إلى قوله - رب العالمين" تقدم الكلام ~~فيها في نظائرها من قصة نوح (عليه السلام). # وذكر ms5786 بعض المفسرين أن تصدير هذه القصص الخمس بذكر أمانة الرسل وعدم ~~سؤالهم أجرا على رسالتهم وأمرهم الناس بالتقوى والطاعة للتنبيه على أن مبنى ~~البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرب المدعو من الثواب ~~ويبعده من العقاب وأن الأنبياء (عليهم السلام) مجتمعون على ذلك وإن اختلفوا ~~في بعض فروع الشرائع المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن ~~المطامع الدنيوية بالكلية انتهى. # ونظيره الكلام في ختم جميع القصص السبع الموردة في السورة بقوله: "إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" ففيه دلالة على ~~أن أكثر الأمم والأقوام معرضون عن آيات الله، وأن الله سبحانه عزيز يجازيهم ~~على تكذيبهم رحيم ينجي المؤمنين برحمته، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في ~~الكلام على غرض السورة. # قوله تعالى: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون" الريع هو المرتفع من الأرض ~~والآية العلامة والعبث الفعل الذي لا غاية له، وكأنهم كانوا يبنون على قلل ~~الجبال وكل مرتفع من الأرض أبنية كالأعلام يتنزهون فيها ويفاخرون بها من ~~غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك بل لهوا واتباعا للهوى فوبخهم عليه. # وقد ذكر للآية معان أخر لا دليل عليها من جهة اللفظ ولا ملاءمة للسياق ~~أضربنا عنها. # قوله تعالى: "وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون"، المصانع على ما قيل: الحصون ~~المنيعة والقصور المشيدة والأبنية العالية واحدها مصنع. # وقوله: "لعلكم تخلدون" في مقام التعليل لما قبله أي تتخذون هذه المصانع ~~بسبب أنكم ترجون الخلود ولو لا رجاء الخلود ما عملتم مثل هذه الأعمال التي ~~من طبعها أن تدوم دهرا طويلا لا يفي به أطول الأعمار الإنسانية، وقيل في ~~معنى الآية ومفرداتها وجوه أخرى أغمضنا عنها. # قوله تعالى: "وإذا بطشتم بطشتم جبارين" قال في المجمع:، البطش العسف قتلا ~~بالسيف وضربا بالسوط، والجبار العالي على غيره بعظيم سلطانه. # وهو في صفة الله سبحانه مدح وفي صفة غيره ذم لأن معناه في العبد أنه ~~يتكلف الجبرية. # انتهى. # فالمعنى: وإذا أظهرتم شدة في العمل وبأسا بالغتم في ذلك كما يبالغ ~~الجبابرة في ms5787 الشدة. # ومحصل الآيات الثلاث أنكم مسرفون في جانبي الشهوة والغضب متعدون حد ~~الاعتدال خارجون عن طور العبودية. PageV15P153 # قوله تعالى: "فاتقوا الله وأطيعون" تفريع على إسرافهم في جانبي الشهوة ~~والغضب وخروجهم عن طور العبودية فليتقوا الله وليطيعوه فيما يأمرهم به من ~~ترك الإتراف والاستكبار. # قوله تعالى: "واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون" - إلى قوله - وعيون" قال ~~الراغب: أصل المد الجر، قال: وأمددت الجيش بمدود والإنسان بطعام قال: وأكثر ~~ما جاء الإمداد في المحبوب والمد في المكروه، قال تعالى: "وأمددناهم ~~بفاكهة" "ونمد له من العذاب مدا" انتهى ملخصا. # وقوله: "واتقوا الذي أمدكم" إلخ، في معنى تعليق الحكم بالوصف المشعر ~~بالعلية أي اتقوا الله الذي يمدكم بنعمه لأنه يمدكم بها فيجب عليكم أن ~~تشكروه بوضع نعمه في موضعها من غير إتراف واستكبار فإن كفران النعمة يستعقب ~~السخط والعذاب قال تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": ~~إبراهيم: 7. # وقد ذكر النعم إجمالا بقوله أولا: "أمدكم بما تعلمون" ثم فصلها بقوله ~~ثانيا: "أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون". # وفي قوله: "أمدكم بما تعلمون" نكتة أخرى هي أنكم تعلمون أن هذه النعم من ~~إمداده تعالى وصنعه لا يشاركه في إيجادها والإمداد بها غيره فهو الذي يجب ~~لكم أن تتقوه بالشكر والعبادة دون الأوثان والأصنام فالكلام متضمن للحجة. # قوله تعالى: "إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم" تعليل للأمر بالتقوى أي إني ~~آمركم بالتقوى شكرا لأني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم أن تكفروا ولم تشكروا، ~~والظاهر أن المراد باليوم العظيم يوم القيامة وإن جوز بعضهم أن يكون المراد ~~به يوم عذاب الاستئصال. # قوله تعالى: "قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين" نفي لأثر ~~كلامه وإياس له من إيمانهم بالكلية. # قيل: الكلام لا يخلو من مبالغة فقد كان مقتضى الترديد أن يقال: أوعظت أم ~~لم تعظ ففي العدول عنه إلى قوله: "أم لم تكن من الواعظين" النافي لأصل كونه ~~واعظا ما لا يخفى من المبالغة. # قوله تعالى: "إن هذا إلا خلق الأولين" الخلق بضم الخاء واللام أو ms5788 سكونها ~~قال الراغب: الخلق والخلق - أي بفتح الخاء وضمها - في الأصل واحد كالشرب ~~والشرب والصرم والصرم لكن خص الخلق - بفتح الخاء - بالهيئات والأشكال ~~والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق - بضم الخاء - بالقوى والسجايا المدركة ~~بالبصيرة، قال تعالى: "إنك لعلى خلق عظيم" وقرىء "إن هذا إلا خلق الأولين" انتهى. # والإشارة بهذا إلى ما جاء به هود وقد سموه وعظا والمعنى: ليس ما تلبست به ~~من الدعوة إلى التوحيد والموعظة إلا عادة البشر الأولين الماضين من أهل ~~الأساطير والخرافات، وهذا كقولهم: إن هذا إلا أساطير الأولين. # ويمكن أن تكون الإشارة بهذا إلى ما هم فيه من الشرك وعبادة الآلهة من دون ~~الله اقتداء بآبائهم الأولين كقولهم: "وجدنا آباءنا كذلك يفعلون". # واحتمل بعضهم أن يكون المراد ما خلقنا هذا إلا خلق الأولين نحيا كما حيوا ~~ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب ولا عذاب. # وهو بعيد من السياق. # قوله تعالى: "وما نحن بمعذبين" إنكار للمعاد بناء على كون المراد باليوم ~~العظيم في كلام هود (عليه السلام) يوم القيامة. # قوله تعالى: "فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية - إلى قوله - الرحيم" ~~معناه ظاهر مما تقدم. PageV15P154 ### |||| AUTO بحث روائي # في كتاب كمال الدين، وروضة الكافي، مسندا عن أبي حمزة الثمالي عن أبي ~~جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) في حديث: وقال نوح إن الله تبارك ~~وتعالى باعث نبيا يقال له هود وإنه يدعو قومه إلى الله عز وجل فيكذبونه وإن ~~الله عز وجل يهلكهم بالريح فمن أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإن الله ~~تبارك وتعالى ينجيه من عذاب الريح. وأمر نوح ابنه سام أن يتعاهد هذه الوصية ~~عند رأس كل سنة ويكون يوم عيد لهم فيتعاهدون فيه بعث هود وزمانه الذي يخرج ~~فيه. فلما بعث الله تبارك وتعالى هودا نظروا فيما عندهم من العلم والإيمان ~~وميراث العلم والاسم الأكبر وآثار علم النبوة فوجدوا هودا نبيا وقد بشرهم ~~أبوهم نوح به فآمنوا به وصدقوه واتبعوه فنجوا من عذاب الريح، وهو قول الله ~~عز وجل: "وإلى عاد أخاهم ms5789 هودا" وقوله: "كذبت عاد المرسلين - إذ قال لهم ~~أخوهم هود ألا تتقون" وفي المجمع،: في قوله تعالى: "آية تعبثون" أي ما لا ~~تحتاجون إليه لسكناكم وإنما تريدون العبث بذلك واللعب واللهو كأنه جعل ~~بناءهم ما يستغنون عنه عبثا منهم عن ابن عباس في رواية عطاء، ويؤيده الخبر ~~المأثور عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج فرأى ~~قبة فقال: ما هذه؟ فقالوا له أصحابه: هذا لرجل من الأنصار فمكث حتى إذا جاء ~~صاحبها فسلم في الناس أعرض عنه صنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب به ~~والإعراض عنه. فشكا ذلك إلى أصحابه وقال: والله إني لأنكر نظر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ما أدري ما حدث في وما صنعت؟ قالوا خرج رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى قبتك فقال: لمن هذه؟ فأخبرناه فرجع ~~إلى قبته فسواها بالأرض فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم ~~فلم ير القبة فقال: ما فعلت القبة التي كانت هاهنا؟ قالوا: شكا إلينا ~~صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها. فقال: إن كل ما يبنى وبال على صاحبه ~~يوم القيامة إلا ما لا بد منه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإذا بطشتم بطشتم جبارين" قال: تقتلون ~~بالغضب من غير استحقاق. PageV15P155 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 141 - 159 # كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صلح ألا تتقون (142) إنى لكم ~~رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى ~~إلا على رب العلمين (145) أتتركون فى ما ههنا ءامنين (146) فى جنت وعيون ~~(147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين (149) ~~فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون فى ~~الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بئاية إن كنت من الصدقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها ~~فأصبحوا ندمين (157) فأخذهم العذاب إن فى ذلك لاية ms5790 وما كان أكثرهم مؤمنين ~~(158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى إجمال قصة صالح (عليه السلام) وقومه وهو من أنبياء العرب ~~ويذكر في القرآن بعد هود (عليه السلام). # قوله تعالى: "كذبت ثمود المرسلين - إلى قوله - على رب العالمين" قد اتضح ~~معناها مما تقدم. # قوله تعالى: "أتتركون فيما هاهنا آمنين" الظاهر أن الاستفهام للإنكار ~~و"ما" موصولة والمراد بها النعم التي يفصلها بعد قوله: "في جنات وعيون" ~~إلخ، و"هاهنا" إشارة إلى المكان الحاضر القريب وهو أرض ثمود و"آمنين" حال ~~من نائب فاعل "تتركون". # والمعنى: لا تتركون في هذه النعم التي أحاطت بكم في أرضكم هذه وأنتم ~~مطلقو العنان لا تسألون عما تفعلون آمنون من أي مؤاخذة إلهية. # قوله تعالى: "في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم" بيان تفصيلي لقوله: ~~"فيما هاهنا"، وقد خص النخل بالذكر مع دخوله في الجنات لاهتمامهم به، ~~والطلع في النخل كالنور في سائر الأشجار والهضيم - على ما قيل - المتداخل ~~المنضم بعضه إلى بعض. # قوله تعالى: "وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين" قال الراغب: الفره - ~~بالفتح فالكسر صفة مشبهة - الأشر، وقوله تعالى: "وتنحتون من الجبال بيوتا ~~فارهين" أي حاذقين وقيل: معناه أشرين. # انتهى ملخصا، وعلى ما اختاره تكون الآية من بيان النعمة، وعلى المعنى ~~الآخر تكون مسوقة لإنكار أشرهم وبطرهم. # والآية على أي حال في حيز الاستفهام. # قوله تعالى: "فاتقوا الله وأطيعون" تفريع على ما تقدم من الإنكار الذي في ~~معنى المنفي. # قوله تعالى: "ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون" ~~الظاهر أن المراد بالأمر ما يقابل النهي بقرينة النهي عن طاعته وإن جوز ~~بعضهم كون الأمر بمعنى الشأن وعليه يكون المراد بطاعة أمرهم تقليد العامة ~~واتباعهم لهم في أعمالهم وسلوكهم السبل التي يستحبون لهم سلوكها. # والمراد بالمسرفين على أي حال أشراف القوم وعظماؤهم المتبوعون والخطاب ~~للعامة التابعين لهم وأما السادة الأشراف فقد كانوا مأيوسا من إيمانهم ~~واتباعهم للحق. # ويمكن أن يكون الخطاب للجميع من جهة أن الأشراف منهم أيضا كانوا يقلدون ~~آباءهم ويطيعون ms5791 أمرهم كما قالوا لصالح (عليه السلام): "أتنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا": هود: 62، فقد كانوا جميعا يطيعون أمر المسرفين فنهوا عنه. # وقد فسر المسرفين وهم المتعدون عن الحق الخارجون عن حد الاعتدال بتوصيفهم ~~بقوله: "الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون" إشارة إلى علة الحكم الحقيقية ~~فالمعنى اتقوا الله ولا تطيعوا أمر المسرفين لأنهم مفسدون في الأرض غير ~~مصلحين والإفساد لا يؤمن معه العذاب الإلهي وهو عزيز ذو انتقام. PageV15P156 # وذلك أن الكون على ما بين أجزائه من التضاد والتزاحم مؤلف تأليفا خاصا ~~يتلاءم معه أجزاؤه بعضها مع بعض في النتائج والآثار كالأمر في كفتي الميزان ~~فإنهما على اضطرابها واختلافها الشديد بالارتفاع والانخفاض متوافقتان في ~~تعيين وزن المتاع الموزون وهو الغاية والعالم الإنساني الذي هو جزء من ~~الكون كذلك ثم الفرد من الإنسان بما له من القوى والأدوات المختلفة ~~المتضادة مفطور على تعديل أفعاله وأعماله بحيث تنال كل قوة من قواه حظها ~~المقدر لها وقد جهز بعقل يميز بين الخير والشر ويعطي كل ذي حق حقه. # فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة مقصودة وهو بما بين ~~أجزائه من الارتباط التام يخط لكل من أجزائه سبيلا خاصا يسير فيها بأعمال ~~خاصة من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمين أو يسار أو ينحرف بإفراط أو ~~تفريط فإن في الميل والانحراف إفسادا للنظام المرسوم، ويتبعه إفساد غايته ~~وغاية الكل، ومن الضروري أن خروج بعض الأجزاء عن خطه المخطوط له وإفساد ~~النظم المفروض له ولغيره يستعقب منازعة بقية الأجزاء له فإن استطاعت أن ~~تقيمه وترده إلى وسط الاعتدال فهو وإلا أفنته وعفت آثاره حفظا لصلاح الكون ~~واستبقاء لقوامه. # والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون غير مستثنى من هذه الكلية فإن جرى على ~~ما يهديه إليه الفطرة فاز بالسعادة المقدرة له وإن تعدى حدود فطرته وأفسد ~~في الأرض أخذه الله سبحانه بالسنين والمثلات وأنواع النكال والنقمة لعله ~~يرجع إلى الصلاح والسداد قال تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس ليذيقهم ms5792 بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41. # وإن أقاموا مع ذلك على الفساد لرسوخه في نفوسهم أخذهم الله بعذاب ~~الاستئصال وطهر الأرض من قذارة فسادهم قال تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون": الأعراف: 96. # وقال: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون": هود: 117، وقال: ~~"أن الأرض يرثها عبادي الصالحون": الأنبياء: 105، وذلك أنهم إذا صلحوا صلحت ~~أعمالهم وإذا صلحت أعمالهم وافقت النظام العام وصلحت بها الأرض لحياتهم ~~الأرضية. # فقد تبين بما مر أولا أن حقيقة دعوة النبوة هي إصلاح الحياة الإنسانية ~~الأرضية قال تعالى: حكاية عن شعيب: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت": هود: 88. # وثانيا: أن قوله: "ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون" إلخ، على سذاجة ~~بيانه معتمد على حجة برهانية. # ولعل في قوله: "ولا يصلحون" بعد قوله: "الذين يفسدون في الأرض" إشارة إلى ~~أنه كان المتوقع منهم بما أنهم بشر ذوو فطرة إنسانية أن يصلحوا في الأرض ~~لكنهم انحرفوا عن الفطرة وبدلوا الإصلاح إفسادا. # قوله تعالى: "قالوا إنما أنت من المسحرين" أي ممن سحر مرة بعد مرة حتى ~~غلب على عقله، وقيل: إن السحر أعلى البطن والمسحر من له جوف فيكون كناية عن ~~أنك بشر مثلنا تأكل وتشرب فيكون قوله بعده: "وما أنت إلا بشر مثلنا" تأكيدا ~~له، وقيل: المسحر من له سحر أي رئة كأن مرادهم أنك متنفس بشر مثلنا. # قوله تعالى: "وما أنت إلا بشر مثلنا - إلى قوله - عذاب يوم عظيم" الشرب ~~بكسر الشين النصيب من الماء، والباقي ظاهر وقد تقدمت تفصيل القصة في سورة هود. # قوله تعالى: "فعقروها فأصبحوا نادمين" نسبة العقر إلى الجمع - ولم يعقرها ~~إلا واحد منهم - لرضاهم بفعله، وفي نهج البلاغة،: أيها الناس إنما يجمع ~~الناس الرضا والسخط وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما ~~عموه بالرضا فقال سبحانه: "فعقروها فأصبحوا نادمين". # وقوله: "فأصبحوا نادمين" لعل ندمهم إنما كان عند مشاهدتهم ظهور آثار ~~العذاب وإن قالوا له بعد العقر ms5793 تعجيزا واستهزاء: "يا صالح ائتنا بما تعدنا ~~إن كنت من المرسلين": الأعراف: 77. # قوله تعالى: "فأخذهم العذاب - إلى قوله - العزيز الرحيم" اللام للعهد أي ~~أخذهم العذاب الموعود فإن صالحا وعدهم نزول العذاب بعد ثلاثة أيام كما في ~~سورة هود، والباقي ظاهر. PageV15P157 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 160 - 175 # كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إنى ~~لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العلمين (164) أتأتون الذكران من العلمين (165) وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزوجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يلوط ~~لتكونن من المخرجين (167) قال إنى لعملكم من القالين (168) رب نجنى وأهلى ~~مما يعملون (169) فنجينه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا فى الغبرين (171) ثم ~~دمرنا الاخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن فى ذلك ~~لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى قصة لوط النبي (عليه السلام) وهو بعد صالح (عليه ~~السلام). # قوله تعالى: "كذبت قوم لوط المرسلين" - إلى قوله - "رب العالمين"، تقدم ~~تفسيره. # قوله تعالى: "أتأتون الذكران من العالمين" الاستفهام للإنكار والتوبيخ ~~والذكران جمع ذكر مقابل الأنثى وإتيانهم كناية عن اللواط وقد كان شاع فيما ~~بينهم، والعالمين جمع عالم وهو الجماعة من الناس. # وقوله: "من العالمين" يمكن أن يكون متصلا بضمير الفاعل في "تأتون" ~~والمراد أتأتون أنتم من بين العالمين هذا العمل الشنيع؟ فيكون في معنى قوله ~~في موضع آخر: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين": الأعراف: 80، العنكبوت - 28. # ويمكن أن يكون متصلا بقوله: "الذكران" والمعنى على هذا أتنكحون من بين ~~العالمين - على كثرتهم واشتمالهم على النساء - الرجال فقط؟. # قوله تعالى: "وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم" إلخ "تذرون" بمعنى ~~تتركون ولا ماضي له من مادته. # والمتأمل في خلق الإنسان وانقسام أفراده إلى صنفي الذكر والأنثى وما جهز ~~به كل من الصنفين من الأعضاء والأدوات وما يختص به من الخلقة لا يرتاب في ~~أن غرض الصنع والإيجاد من ms5794 هذا التصوير المختلف وإلقاء غريزة الشهوة في ~~القبيلين وتفريق أمرهما بالفعل والانفعال أن يجمع بينهما بالنكاح ليتوسل ~~بذلك إلى التناسل الحافظ لبقاء النوع حتى حين. # فالرجل من الإنسان بما هو رجل مخلوق للمرأة منه لا لرجل مثله والمرأة من ~~الإنسان بما هي امرأة مخلوقة للرجل منه لا لامرأة مثلها وما يختص به الرجل ~~في خلقته للمرأة وما تختص به المرأة في خلقتها للرجل وهذه هي الزوجية ~~الطبيعية التي عقدها الصنع والإيجاد بين الرجل والمرأة من الإنسان فجعلهما زوجين. # ثم الأغراض والغايات الاجتماعية أو الدينية سنت بين الناس سنة النكاح ~~الاجتماعي الاعتباري الذي فيه نوع من الاختصاص بين الزوجين وقسم من التحديد ~~للزوجية الطبيعية المذكورة فالفطرة الإنسانية والخلقة الخاصة تهديه إلى ~~ازدواج الرجال بالنساء دون الرجال وازدواج النساء بالرجال دون النساء، وأن ~~الازدواج مبني على أصل التوالد والتناسل دون الاشتراك في مطلق الحياة. # ومن هنا يظهر أن الأقرب أن يكون المراد بقوله: "ما خلق لكم ربكم" العضو ~~المباح للرجال من النساء بالازدواج واللام للملك الطبيعي، وأن من في قوله: ~~"من أزواجكم" للتبعيض والزوجية هي الزوجية الطبيعية وإن أمكن أن يراد بها ~~الزوجية الاجتماعية الاعتبارية بوجه. # وأما تجويز بعضهم أن يراد بلفظة "ما" النساء ويكون قوله: "من أزواجكم" ~~بيانا له فبعيد. # وقوله: "بل أنتم قوم عادون" أي متجاوزون خارجون عن الحد الذي خطته لكم ~~الفطرة والخلقة فهو في معنى قوله: "إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل": ~~العنكبوت: 29. # وقد ظهر من جميع ما مر أن كلامه (عليه السلام) مبني على حجة برهانية أشير إليها. # قوله تعالى: "قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين" أي المبعدين ~~المنفيين من قريتنا كما نقل عنهم في موضع آخر: "أخرجوا آل لوط من قريتكم". # قوله تعالى: "قال إني لعملكم من القالين" المراد بعملهم - على ما يعطيه ~~السياق - إتيان الذكران وترك الإناث. PageV15P158 # والقالي المبغض، ومقابلة تهديدهم بالنفي بمثل هذا الكلام من غير تعرض ~~للجواب عن تهديدهم يفيد من المعنى أني لا أخاف الخروج من قريتكم ولا أكترث ~~به ms5795 بل مبغض لعملكم راغب في النجاة من وباله النازل بكم لا محالة، ولذا ~~أتبعه بقوله: "رب نجني وأهلي مما يعملون". # قوله تعالى: "رب نجني وأهلي مما يعملون" أي من أصل عملهم الذي يأتون به ~~بمرأى ومسمع منه فهو منزجر منه أو من وبال عملهم والعذاب الذي سيتبعه لا محالة. # وإنما لم يذكر إلا نفسه وأهله إذ لم يكن آمن به من أهل القرية أحد، قال ~~تعالى في ذلك: "فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين": الذاريات: 36. # قوله تعالى: "فنجيناه وأهله أجمعين - إلى قوله - الآخرين" الغابر كما قيل ~~الباقي بعد ذهاب من كان معه، والتدمير الإهلاك، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وأمطرنا عليهم مطرا" إلخ، وهو السجيل كما قال تعالى: ~~"وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل": الحجر: 74. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآية - إلى قوله - العزيز الرحيم" تقدم تفسيره. PageV15P159 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 176 - 191 # كذب أصحب لئيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إنى لكم ~~رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى ~~إلا على رب العلمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض ~~مفسدين (183) واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من ~~المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكذبين (186) فأسقط ~~علينا كسفا من السماء إن كنت من الصدقين (187) قال ربى أعلم بما تعملون ~~(188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن فى ذلك ~~لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) ### |||| AUTO بيان # إجمال قصة شعيب (عليه السلام) وهو من أنبياء العرب، وهي آخر القصص السبع ~~الموردة في السورة. # قوله تعالى: "كذب أصحاب الأيكة المرسلين - إلى قوله - رب العالمين" ~~الأيكة الغيضة الملتف شجرها. # قيل: إنها كانت غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة وكانوا ممن بعث إليهم شعيب ~~(عليه السلام)، وكان أجنبيا منهم ولذلك قيل: "إذ قال لهم شعيب" ولم يقل: ~~أخوهم شعيب بخلاف هود وصالح فقد كانا نسيبين ms5796 إلى قومهما وكذا لوط فقد كان ~~نسيبا إلى قومه بالمصاهرة ولذا عبر عنهم بقوله: "أخوهم هود" "أخوهم صالح" ~~"أخوهم لوط". # وقد تقدم تفسير باقي الآيات. # قوله تعالى: "أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم" الكيل ما يقدر به المتاع من جهة حجمه وإيفاؤه أن لا ينقص الحجم، ~~والقسطاس الميزان الذي يقدر به من جهة وزنه واستقامته أن يزن بالعدل، ~~والآيتان تأمران بالعدل في الأخذ والإعطاء بالكيل والوزن. # قوله تعالى: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين" البخس ~~النقص في الوزن والتقدير كما أن الإخسار النقص في رأس المال. # وظاهر السياق أن قوله: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم" أي سلعهم وأمتعتهم قيد ~~متمم لقوله: "وزنوا بالقسطاس المستقيم" كما أن قوله: "ولا تكونوا من ~~المخسرين" قيد متمم لقوله: "أوفوا الكيل" وقوله: "ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين" تأكيد للنهيين جميعا أعني قوله: "لا تكونوا من المخسرين" وقوله: ~~"لا تبخسوا" وبيان لتبعة التطفيف السيئة المشئومة. # وقوله: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" العثي والعيث الإفساد، فقوله: ~~"مفسدين" حال مؤكد وقد تقدم في قصة شعيب من سورة هود وفي قوله: "وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا": الآية - 35 من سورة الإسراء كلام ~~في كيفية إفساد التطفيف المجتمع الإنساني، فراجع. # قوله تعالى: "واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين" قال في المجمع:، الجبلة ~~الخليقة التي طبع عليها الشيء. # انتهى. # فالمراد بالجبلة ذوو الجبلة أي اتقوا الله الذي خلقكم وآباءكم الأولين ~~الذين فطرهم وقرر في جبلتهم تقبيح الفساد والاعتراف بشؤمه. # ولعل هذا الذي أشرنا إليه من المعنى هو الموجب لتخصيص الجبلة بالذكر، وفي ~~الآية على أي حال دعوة إلى توحيد العبادة فإنهم لم يكونوا يتقون الخالق ~~الذي هو رب العالمين. # قوله تعالى: "قالوا إنما أنت من المسحرين" - إلى قوله: وإن نظنك لمن ~~الكاذبين" تقدم تفسير الصدر، و: "إن في قوله: "إن نظنك" مخففة من الثقيلة. # قوله تعالى: "فأسقط علينا كسفا من السماء" إلخ، الكسف بالكسر فالفتح - ~~على ما قيل - جمع كسفة وهي القطعة، والأمر مبني على ms5797 التعجيز والاستهزاء. # قوله تعالى: "قال ربي أعلم بما تعملون" جواب شعيب عن قولهم واقتراحهم منه ~~إتيان العذاب، وهو كناية عن أنه ليس له من الأمر شيء وإنما الأمر إلى الله ~~لأنه أعلم بما يعملون وأن عملهم هل يستوجب عذابا؟ وما هو العذاب الذي ~~يستوجبه إذا استوجب؟ فهو كقول هود لقومه: "إنما العلم عند الله وأبلغكم ما ~~أرسلت به": الأحقاف: 23. PageV15P160 # قوله تعالى: "فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة" إلخ، يوم الظلة يوم عذب فيه ~~قوم شعيب بظلة من الغمام، وقد تقدم تفصيل قصتهم في سورة هود. # قوله تعالى: "إن في ذلك لآية - إلى قوله - العزيز الرحيم": تقدم تفسيره. ### |||| AUTO بحث روائي # في جوامع الجامع،: في قوله تعالى: "إذ قال لهم شعيب" وفي الحديث أن شعيبا ~~أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين" ~~قال: الخلق الأولين، وقوله: "فكذبوه" قال: قوم شعيب "فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة" قال: يوم حر وسمائم. PageV15P161 ### ||| AUTO 26 سورة الشعراء - 192 - 227 # وإنه لتنزيل رب العلمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) بلسان عربى مبين (195) وإنه لفى زبر الأولين (196) أولم ~~يكن لهم ءاية أن يعلمه علمؤا بنى إسرءيل (197) ولو نزلنه على بعض الأعجمين ~~(198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكنه فى قلوب المجرمين ~~(200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرءيت ~~إن متعنهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ~~ظلمين (209) وما تنزلت به الشيطين (210) وما ينبغى لهم وما يستطيعون (211) ~~إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها ءاخر فتكون من المعذبين ~~(213) وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~(215) فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم ~~(217) الذى يراك حين تقوم (218) وتقلبك فى السجدين (219) إنه هو السميع ~~العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل ms5798 الشيطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم ~~(222) يلقون السمع وأكثرهم كذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاون (224) ألم ~~تر أنهم فى كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم ~~الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون (227) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى ما هو كالنتيجة المستخرجة من القصص السبع السابقة ويتضمن ~~التوبيخ والتهديد لكفار الأمة. # وفيها دفاع عن نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاحتجاج عليه ~~بذكره في زبر الأولين وعلم علماء بني إسرائيل به، ودفاع عن كتابه بالاحتجاج ~~على أنه ليس من إلقاءات الشياطين ولا من أقاويل الشعراء. # قوله تعالى: "وإنه لتنزيل رب العالمين" الضمير للقرآن، وفيه رجوع إلى ما ~~في صدر السورة من قوله: "تلك آيات الكتاب المبين" وتعقيب لحديث كفرهم به ~~كما في قوله بعد ذلك: "وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه ~~معرضين، فقد كذبوا به" الآية. # والتنزيل والإنزال بمعنى واحد، غير أن الغالب على باب الإفعال الدفعة ~~وعلى باب التفعيل التدريج، وأصل النزول في الأجسام انتقال الجسم من مكان ~~عال إلى ما هو دونه وفي غير الأجسام بما يناسبه. # وتنزيله تعالى إخراجه الشيء من عنده إلى موطن الخلق والتقدير وقد سمى ~~نفسه بالعلي العظيم والكبير المتعال ورفيع الدرجات والقاهر فوق عباده فيكون ~~خروج الشيء بإيجاده من عنده إلى عالم الخلق والتقدير - وإن شئت فقل: إخراجه ~~من عالم الغيب إلى عالم الشهادة - تنزيلا منه تعالى له. # وقد استعمل الإنزال والتنزيل في كلامه تعالى في أشياء بهذه العناية كقوله ~~تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم": الأعراف: 26، ~~وقوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6، وقوله: "وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد": الحديد: 25، وقوله: "ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم": البقرة: 105، وقد أطلق ~~القول في قوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": ~~الحجر: 21. # ومن الآيات الدالة على اعتبار هذا ms5799 المعنى في خصوص القرآن قوله تعالى: ~~"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": ~~الزخرف: 4. PageV15P162 # وقد أضيف التنزيل إلى رب العالمين للدلالة على توحيد الرب تعالى لما تكرر ~~مرارا أن المشركين إنما كانوا يعترفون به تعالى بما أنه رب الأرباب ولا ~~يرون أنه رب العالمين. # قوله تعالى: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي ~~مبين" المراد بالروح الأمين هو جبرئيل ملك الوحي بدليل قوله: "من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97 وقد سماه في موضع آخر ~~بروح القدس: "قل نزله روح القدس من ربك بالحق": النحل: 102، وقد تقدم في ~~تفسير سورتي النحل والإسراء ما يتعلق بمعنى الروح من الكلام. # وقد وصف الروح بالأمين للدلالة على أنه مأمون في رسالته منه تعالى إلى ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يغير شيئا من كلامه تعالى بتبديل أو ~~تحريف بعمد أو سهو أو نسيان كما أن توصيفه في آية أخرى بالقدس يشير إلى ذلك. # وقوله: "نزل به الروح" الباء للتعدية أي نزله الروح الأمين وأما قول من ~~قال: إن الباء للمصاحبة والمعنى نزل معه الروح فلا يلتفت إليه لأن العناية ~~في المقام بنزول القرآن لا بنزول الروح مع القرآن. # والضمير في "نزل به" للقرآن بما أنه كلام مؤلف من ألفاظ لها معانيها ~~الحقة فإن ألفاظ القرآن نازلة من عنده تعالى كما أن معانيها نازلة من عنده ~~على ما هو ظاهر قوله: "فإذا قرأناه فاتبع قرآنه": القيامة: 18، وقوله: "تلك ~~آيات الله نتلوها عليك بالحق": آل عمران: 108، الجاثية: 6، إلى غير ذلك. # فلا يعبأ بقول من قال: إن الذي نزل به الروح الأمين إنما هو معاني القرآن ~~الكريم ثم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعبر عنها بما يطابقها ~~ويحكيها من الألفاظ بلسان عربي. # وأسخف منه قول من قال: إن القرآن بلفظه ومعناه من منشئات النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ألقته مرتبة من نفسه الشريفة تسمى الروح الأمين إلى ms5800 مرتبة ~~منها تسمى القلب. # والمراد بالقلب المنسوب إليه الإدراك والشعور في كلامه تعالى هو النفس ~~الإنسانية التي لها الإدراك وإليها تنتهي أنواع الشعور والإرادة دون اللحم ~~الصنوبري المعلق عن يسار الصدر الذي هو أحد الأعضاء الرئيسة كما يستفاد من ~~مواضع في كلامه تعالى، كقوله: "وبلغت القلوب الحناجر": الأحزاب: 10، أي ~~الأرواح، وقوله: "فإنه آثم قلبه": البقرة: 283، أي نفسه إذ لا معنى لنسبة ~~الإثم إلى العضو الخاص. # ولعل الوجه في قوله: "نزل به الروح الأمين على قلبك" دون أن يقول: عليك ~~هو الإشارة إلى كيفية تلقيه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن النازل عليه، ~~وأن الذي كان يتلقاه من الروح هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس ~~الظاهرة التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية. # فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى ويسمع حينما كان يوحى إليه من غير أن ~~يستعمل حاستي البصر والسمع كما روي أنه كان يأخذه شبه إغماء يسمى برجاء الوحي. # فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى الشخص ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ~~ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين في ذلك كما ~~نستخدمهما. # ولو كان رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه ~~وبين غيره فكان سائر الناس يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه والنقل القطعي ~~يكذب ذلك فكثيرا ما كان يأخذه برجاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ومن ~~حوله لا يشعرون بشيء ولا يشاهدون شخصا يكلمه ولا كلاما يلقى إليه. # والقول بأن من الجائز أن يصرف الله تعالى حواس غيره (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من الناس عن بعض ما كانت تناله حواسه وهي الأمور الغيبية المستورة عنا. # هدم لبنيان التصديق العلمي إذ لو جاز مثل هذا الخطإ العظيم على الحواس ~~وهي مفتاح العلوم الضرورية والتصديقات البديهية وغيرها لم يبق وثوق على شيء ~~من العلوم والتصديقات. # على أن هذا الكلام مبني على أصالة الحس وأن لا وجود إلا لمحسوس وهو من ~~أفحش الخطإ وقد تقدم في تفسير ms5801 سورة مريم كلام في معنى تمثل الملك نافع في ~~المقام. # وربما قيل في وجه تخصيص القلب بالإنزال إنه لكونه هو المدرك المكلف دون ~~الجسد وإن كان يتلقى الوحي بتوسيط الأدوات البدنية من السمع والبصر، وقد ~~عرفت ما فيه. PageV15P163 # وربما قيل: لما كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جهتان: جهة ملكية ~~يستفيض بها، وجهة بشرية يفيض بها، جعل الإنزال على روحه لأنها المتصفة ~~بالصفات الملكية التي يستفيض بها من الروح الأمين، وللإشارة إلى ذلك قيل. # "على قلبك" ولم يقل: عليك مع كونه أخصر. # انتهى. # وهذا أيضا مبني على مشاركة الحواس والقوى البدنية في تلقي الوحي فيرد ~~عليه ما قدمناه. # وذكر جمع من المفسرين أن المراد بالقلب هو العضو الخاص البدني وأن ~~الإدراك كيفما كان من خواصه. # فمنهم من قال: إن جعل القلب متعلق الإنزال مبني على التوسع لأن الله ~~تعالى يسمع القرآن جبرئيل بخلق الصوت فيحفظه وينزل به على الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ويقرؤه عليه فيعيه ويحفظه بقلبه فكأنه نزل به على قلبه. # ومنهم من قال: إن تخصيص القلب بالإنزال لأن المعاني الروحانية تنزل أولا ~~على الروح ثم تنتقل منها إلى القلب لما بينهما من التعلق ثم تنتقل منه إلى ~~الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة. # ومنهم من قال: إن تخصيصه به للإشارة إلى كمال تعقله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حيث لم يعتبر الوسائط من سمع وبصر وغيرهما. # ومنهم من قال: إن ذلك للإشارة إلى صلاح قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتقدسه حيث كان منزلا لكلامه تعالى ليعلم به صلاح سائر أجزائه وأعضائه فإن ~~القلب رئيس سائر الأعضاء وملكها وإذا صلح الملك صلحت رعيته. # ومنهم من قال: إن ذلك لأن الله تعالى جعل لقلب رسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سمعا وبصرا مخصوصين يسمع ويبصر بهما تمييزا لشأنه من غيره كما يشعر ~~به قوله تعالى: "ما كذب الفؤاد ما رأى": النجم: 11. # وهذه الوجوه مضافا على اشتمال أكثرها على المجازفة مبنية على قياس هذه ~~الأمور الغيبية على ما ms5802 عندنا من الحوادث المادية وإجراء حكمها فيها وقد بلغ ~~من تعسف بعضهم أن قال: إن معنى إنزال الملك القرآن أن الله ألهمه كلامه وهو ~~في السماء وعلمه قراءته ثم الملك أداه في الأرض وهو يهبط في المكان وفي ذلك ~~طريقتان: إحداهما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انخلع من صورة ~~البشرية إلى صورة الملكية فأخذه من الملك، وثانيتهما أن الملك انخلع إلى ~~صورة البشرية حتى يأخذه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولى أصعب ~~الحالين. # انتهى. # وليت شعري ما الذي تصوره من انخلاع الإنسان من صورته إلى صورة الملكية ~~وصيرورته ملكا ثم عوده إنسانا ومن انخلاع الملك إلى صورة الإنسانية وقد فرض ~~لكل منهما هوية مغايرة للآخر لا رابطة بين أحدهما والآخر ذاتا وأثرا وفي ~~كلامه مواضع أخرى للنظر غير خفية على من تأمل فيه. # وللبحث تتمة لعل الله سبحانه يوفقنا لاستيفائها بإيراد كلام جامع في ~~الملك وآخر في الوحي. # وقوله: "لتكون من المنذرين" أي من الداعين إلى الله سبحانه بالتخويف من ~~عذابه وهو المراد بالإنذار في عرف القرآن دون النبي أو الرسول بالخصوص، قال ~~تعالى في مؤمني الجن: "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما ~~حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين": الأحقاف: 29، وقال في ~~المتفقهين من المؤمنين: "ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم": براءة: 122. # وإنما ذكر إنذاره (صلى الله عليه وآله وسلم) غاية لإنزال القرآن دون ~~نبوته أو رسالته لأن سياق آيات السورة سياق التخويف والتهديد. # وقوله "بلسان عربي مبين" أي ظاهر في عربيته أو مبين للمقاصد تمام البيان ~~والجار والمجرور متعلق بنزل أي أنزله بلسان عربي مبين. # وجوز بعضهم أن يكون متعلقا بقوله: "منذرين" والمعنى أنزله على قلبك لتدخل ~~في زمرة الأنبياء من العرب وقد ذكر منهم في القرآن هود وصالح وإسماعيل ~~وشعيب (عليهما السلام) وأول الوجهين أحسنهما. # قوله تعالى: "وإنه لفي زبر الأولين" الضمير للقرآن أو نزوله على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والزبر جمع زبور وهو الكتاب ms5803 والمعنى وإن خبر ~~القرآن أو خبر نزوله عليك في كتب الماضين من الأنبياء. # وقيل: الضمير لما في القرآن من المعارف الكلية أي إن المعارف القرآنية ~~موجودة مذكورة في كتب الأنبياء الماضين. PageV15P164 # وفيه أولا: أن المشركين ما كانوا يؤمنون بالأنبياء وكتبهم حتى يحتج عليهم ~~بما فيها من التوحيد والمعاد وغيرهما، وهذا بخلاف ذكر خبر القرآن ونزوله ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتب الأولين فإنه حينئذ يكون ملحمة ~~تضطر النفوس إلى قبولها. # وثانيا: أنه لا يلائم الآية التالية. # قوله تعالى: "أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل" ضمير "أن ~~يعلمه" لخبر القرآن أو خبر نزوله على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي ~~أولم يكن علم علماء بني إسرائيل بخبر القرآن أو نزوله عليك على سبيل ~~البشارة في كتب الأنبياء الماضين آية للمشركين على صحة نبوتك وكانت اليهود ~~تبشر بذلك وتستفتح على العرب به كما مر في قوله تعالى: "وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا": البقرة: 89. # وقد أسلم عدة من علماء اليهود في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~واعترفوا بأنه مبشر به في كتبهم والسورة من أوائل السور المكية النازلة قبل ~~الهجرة ولم تبلغ عداوة اليهود للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبلغها بعد ~~الهجرة وكان من المرجو أن ينطقوا ببعض ما عندهم من الحق ولو بوجه كلي. # قوله تعالى: "ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به ~~مؤمنين" قال في المفردات:، العجمة خلاف الإبانة والإعجام الإبهام - إلى أن ~~قال - والعجم خلاف العرب والعجمي منسوب إليهم، والأعجم من في لسانه عجمة ~~عربيا كان أو غير عربي اعتبارا بقلة فهمهم عن العجم، ومنه قيل للبهيمة ~~عجماء والأعجمي منسوب إليه قوله تعالى: "ولو نزلناه على بعض الأعجمين" على ~~حذف الياءات انتهى. # ومقتضى ما ذكره - كما ترى - أن أصل الأعجمين الأعجميين ثم حذفت ياء ~~النسبة وبه صرح بعض آخر، وذكر بعضهم أن الوجه أن أعجم مؤنثه عجماء وأفعل ~~فعلاء لا يجمع جمع السلامة لكن الكوفيين ms5804 من النحاة يجوزون ذلك وظاهر اللفظ ~~يؤيد قولهم فلا موجب للقول بالحذف. # وكيف كان فظاهر السياق اتصال الآيتين بقوله: "بلسان عربي مبين" فتكونان ~~في مقام التعليل له ويكون المعنى: نزلناه عليك بلسان عربي ظاهر العربية ~~واضح الدلالة ليؤمنوا به ولا يتعللوا بعدم فهمهم مقاصده ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين بلسان أعجمي ما كانوا به مؤمنين وردوه بعدم فهم مقاصده. # فيكون المراد بنزوله على بعض الأعجمين نزوله أعجميا وبلسانه، والآيتان ~~والتي بعدهما في معنى قوله تعالى: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا ~~فصلت آياته أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى": حم السجدة: 44. # وقال بعضهم: إن المعنى ولو نزلناه قرآنا عربيا كما هو بنظمه الرائق ~~المعجز على بعض الأعجمين الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية فقرأه عليهم ~~قراءة صحيحة خارقة للعادات ما كانوا به مؤمنين مع انضمام إعجاز القراءة إلى ~~إعجاز المقروء لفرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة. # قال: وأما قول بعضهم: إن المعنى ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم ~~فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين فليس بذاك فإنه بمعزل من المناسبة لمقام ~~بيان تماديهم في المكابرة والعناد. # انتهى ملخصا. # وفيه أن اتصال الآيتين بقوله: "بلسان عربي مبين" أقرب إليهما من اتصالهما ~~بسياق تمادي الكفار في كفرهم وجحودهم وقد عرفت توضيحه. # ويمكن أن يورد على الوجه السابق أن الضمير في قوله: "ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين" راجع إلى هذا القرآن الذي هو عربي فلو كان المراد تنزيله بلسان ~~أعجمي لكان المعنى ولو نزلنا العربي غير عربي ولا محصل له. # ويرده أنه من قبيل قوله تعالى: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": ~~الزخرف: 3، ولا معنى لقولنا: إنا جعلنا العربي عربيا فالمراد بالقرآن على ~~أي حال الكتاب المقروء. # قوله تعالى: "كذلك سلكناه في قلوب المجرمين" الإشارة بقوله: "كذلك" إلى ~~الحال التي عليها القرآن عند المشركين وقد ذكرت في الآيات السابقة وهي أنهم ~~معرضون عنه لا يؤمنون به وإن كان تنزيلا من ms5805 رب العالمين وكان عربيا مبينا ~~غير أعجمي وكان مذكورا في زبر الأولين يعلمه علماء بني إسرائيل. PageV15P165 # والسلوك الإدخال في الطريق والإمرار، والمراد بالمجرمين هم الكفار ~~والمشركون وذكرهم بوصف الإجرام للإشارة إلى علة الحكم وهو سلوكه في قلوبهم ~~على هذه الحال المبغوضة والمنفورة وأن ذلك مجازاة إلهية جازاهم بها عن ~~إجرامهم وليعم الحكم بعموم العلة. # والمعنى على هذه الحال - وهي أن يكون بحيث يعرض عنه ولا يؤمن به - ندخل ~~القرآن في قلوب هؤلاء المشركين ونمره في نفوسهم جزاء لإجرامهم وكذلك كل مجرم. # وقيل: الإشارة إلى ما ذكر من أوصاف القرآن الكريمة والمعنى: ندخل القرآن ~~ونمره في قلوب المجرمين بمثل ما بينا له الأوصاف فيرون أنه كتاب سماوي ذو ~~نظم معجز خارج عن طوق البشر وأنه مبشر به في زبر الأولين يعلمه علماء بني ~~إسرائيل وتتم الحجة به عليهم وهو بعيد من السياق. # وقيل: الضمير في "سلكناه" للتكذيب بالقرآن والكفر به المدلول عليه بقوله: ~~"ما كانوا به مؤمنين" هذا وهو قريب من الوجه الأول لكن الوجه الأول ألطف ~~وأدق، وقد ذكره في الكشاف،. # وقد تبين بما تقدم أن المراد بالمجرمين مشركو مكة غير أن عموم وصف ~~الإجرام يعمم الحكم، وقال بعضهم: إن المراد بالمجرمين غير مشركي مكة من ~~معاصريهم ومن يأتي بعدهم، والمعنى: كما سلكناه في قلوب مشركي مكة نسلكه في ~~قلوب غيرهم من المجرمين. # ولعل الذي دعاه إلى اختيار هذا الوجه إشكال اتحاد المشبه والمشبه به على ~~الوجه الأول مع لزوم المغايرة بينهما فاعتبر المشار إليه بقوله: "كذلك" ~~السلوك في قلوب مشركي مكة وهو المشبه به وجعل المشبه غيرهم من المجرمين ~~وفيه أن تشبيه الكلي ببعض أفراده للدلالة على سراية حكمه في جميع الأفراد ~~طريقة شائعة. # ومن هنا يظهر أن هناك وجها آخر وهو أن يكون المراد بالمجرمين ما يعم ~~مشركي مكة وغيرهم بجعل اللام فيه لغير العهد ولعل الوجه الأول أقرب من ~~السياق. # قوله تعالى: "لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم - إلى قوله - منظرون" ~~تفسير وبيان لقوله: "كذلك سلكناه" ms5806 إلخ هذا على الوجه الأول والثالث من ~~الوجوه المذكورة في الآية السابقة وأما على الوجه الثاني فهو استئناف غير ~~مرتبط بما قبله. # وقوله: "حتى يروا العذاب الأليم" أي حتى يشاهدوا العذاب الأليم فيلجئهم ~~إلى الإيمان الاضطراري الذي لا ينفعهم، والظاهر أن المراد بالعذاب الأليم ~~ما يشاهدونه عند الموت واحتمل بعضهم أن يكون المراد به ما أصابهم يوم بدر ~~من القتل، لكن عموم الحكم في الآية السابقة لمشركي مكة وغيرهم لا يلائم ذلك. # وقوله: "فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون" كالتفسير لقوله: "حتى يروا العذاب ~~الأليم" إذ لو لم يأتهم بغتة وعلموا به قبل موعده لاستعدوا له وآمنوا ~~باختيار منهم غير ملجئين إليه. # وقوله: "فيقولوا هل نحن منظرون" كلمة تحسر منهم. # قوله تعالى: "أفبعذابنا يستعجلون" توبيخ وتهديد. # قوله تعالى: "أفرأيت إن متعناهم سنين - إلى قوله - يمتعون" متصل بقوله: ~~"فيقولوا هل نحن منظرون" ومحصل المعنى أن تمني الإمهال والإنظار تمني أمر ~~لا ينفعهم لو وقع على ما يتمنونه ولم يغن عنهم شيئا لو أجيبوا إلى ما سألوه ~~فإن تمتيعهم أمدا محدودا طال أو قصر لا يرفع العذاب الخالد الذي قضي في حقهم. # وهو قوله: "أفرأيت إن متعناهم سنين" معدودة ستنقضي: "ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون" من العذاب بعد انقضاء سني الإنظار والإمهال "ما أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون" أي تمتيعهم أمدا محدودا. # قوله تعالى: "وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى" إلخ، الأقرب أن ~~يكون قوله: "لها منذرون" حالا من "قرية" وقوله: "ذكرى" حالا من ضمير الجمع ~~في "منذرون" أو مفعولا مطلقا عامله "منذرون" لكونه في معنى مذكرون والمعنى ~~ظاهر، وقيل غير ذلك مما لا جدوى في ذكره وإطالة البحث عنه. # وقوله: "وما كنا ظالمين" ورود النفي على الكون دون أن يقال: وما ظلمناهم ~~ونحو ذلك يفيد نفي الشأنية أي وما كان من شأننا ولا المترقب منا أن نظلمهم. # والجملة في مقام التعليل للحصر السابق والمعنى: ما أهلكنا من قرية إلا في ~~حال لها منذرون مذكرون تتم بهم الحجة عليهم لأنا لو ms5807 أهلكناهم في غير هذه ~~الحال لكنا ظالمين لهم وليس من شأننا أن نظلم أحدا فالآية في معنى قوله ~~تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا": إسراء: 15. # كلام في معنى نفي الظلم عنه تعالى PageV15P166 من لوازم معنى الظلم المتساوية له فعل الفاعل وتصرفه ما لا يملكه من الفعل ~~والتصرف، ويقابله العدل ولازمه أنه فعل الفاعل وتصرفه ما يملكه. # ومن هنا يظهر أن أفعال الفواعل التكوينية من حيث هي مملوكة لها تكوينا لا ~~يتحقق فيها معنى الظلم لأن فرض صدور الفعل عن فاعله تكوينا مساوق لكونه ~~مملوكا له بمعنى قيام وجوده به قياما لا يستقل دونه. # ولله سبحانه ملك مطلق منبسط على الأشياء من جميع جهات وجودها لقيامها به ~~تعالى من غير غنى عنه واستقلال دونه فأي تصرف تصرف به فيها مما يسرها أو ~~يسوؤها أو ينفعها أو يضرها ليس من الظلم في شيء وإن شئت فقل: عدل بمعنى ما ~~ليس بظلم فله أن يفعل ما يشاء وله أن يحكم ما يريد كل ذلك بحسب التكوين. # فله تعالى ملك مطلق بذاته، ولغيره من الفواعل التكوينية ملك تكويني ~~بالنسبة إلى فعله حسب الإعطاء والموهبة الإلهية وهو ملك في طول ملكه تعالى ~~وهو المالك لما ملكها والمهيمن على ما عليه سلطها. # ومن جملة هذه الفواعل النوع الإنساني بالنسبة إلى أفعاله وخاصة ما نسميها ~~بالأفعال الاختيارية والاختيار الذي يتعين به هذه الأفعال، فالواحد منا يجد ~~من نفسه عيانا أنه يملك الاختيار بمعنى إمكان الفعل والترك معا، فإن شاء ~~فعل وإن لم يشأ ترك فهو يرى نفسه حرا يملك الفعل والترك، أي فعل وترك كانا، ~~بمعنى إمكان صدور كل منهما عنه. # ثم إن اضطرار الإنسان إلى الحياة الاجتماعية المدنية اضطر العقل أن يغمض ~~عن بعض ما للإنسان من حرية العمل ويرفع اليد عن بعض الأفعال التي كان يرى ~~أنه يملكها وهي التي يختل بإتيانها أمر المجتمع فيختل نظم حياته نفسه وهذه ~~هي المحرمات والمعاصي التي تنهى عنها القوانين المدنية أو السنن القومية أو ~~الأحكام الملوكية الدائرة ms5808 في المجتمعات. # ومن الضروري لتحكيم هذه القوانين والسنن أن يجعل نوع من الجزاء السيىء ~~على المتخلف عنها - بشرط العلم وتمام الحجة لأنه شرط تحقق التكليف - من ذم ~~أو عقاب، ونوع من الأجر الجميل للمطيع الذي يحترمها من مدح أو ثواب. # ومن الضروري أن ينتصب على المجتمع والقوانين الجارية فيها من يجريها على ~~ما هي عليه وهو مسئول عما نصب له وخاصة بالنسبة إلى أحكام الجزاء، فلو لم ~~يكن مسئولا وجاز له أن يجازي وأن لا يجازي ويأخذ المحسن ويترك المسيء لغا ~~وضع القوانين والسنن من رأس. # هذه أصول عقلائية جارية في الجملة في المجتمعات الإنسانية منذ استقر هذا ~~النوع على الأرض منبعثة عن فطرتهم الإنسانية. # وقد دلت البراهين العقلية وأيدها تواتر الأنبياء والرسل من قبله تعالى ~~على أن القوانين الاجتماعية وسنن الحياة يجب أن تكون من عنده تعالى وهي ~~أحكام ووظائف إنسانية تهدي إليها الفطرة الإنسانية وتضمن سعادة حياته وتحفظ ~~مصالح مجتمعه. # وهذه الشريعة السماوية الفطرية واضعها هو الله سبحانه ومجريها من حيث ~~الثواب والعقاب - وموطنهما موطن الرجوع إليه تعالى - هو الله سبحانه. # ومقتضى تشريعه تعالى هذه الشرائع السماوية واعتباره نفسه مجريا لها أنه ~~أوجب على نفسه إيجابا تشريعيا - وليس بالتكويني - أن لا يناقض نفسه ولا ~~يتخلف بإهمال أو إلغاء جزاء يستوجبه خلاف أو إعمال جزاء لا يستحقه عمل ~~كتعذيب الغافل الجاهل بعذاب المتعمد المعاند، وأخذ المظلوم بإثم الظالم ~~وإلا كان ظلما منه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ولعل هذا معنى ما يقال: إن الظلم مقدور له تعالى لكنه ليس بواقع البتة ~~لأنه نقص كمال يتنزه تعالى عنه ففرض الظلم منه تعالى من فرض المحال وليس ~~بفرض محال، وهو المستفاد من ظاهر قوله تعالى: "وما كنا ظالمين": الآية 209 ~~من السورة، وقوله: "إن الله لا يظلم الناس شيئا": يونس: 44، وقوله: "وما ~~ربك بظلام للعبيد": فصلت: 46، وقوله: "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل": النساء: 165، فظاهرها أنها ليست من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع ~~كما يومىء إليه تفسير من فسرها بأن ms5809 المعنى أن الله لا يفعل فعلا لو فعله ~~غيره لكان ظالما. # فإن قلت: ما ذكر من وجوب إجراء الجزاء ثوابا أو عقابا يخالف ما هو المسلم ~~عندهم أن ترك عقاب العاصي جائز لأنه من حق المعاقب ومن الجائز على صاحب ~~الحق تركه وعدم المطالبة به بخلاف ثواب المطيع لأنه من حق الغير وهو المطيع ~~فلا يجوز تركه وإبطاله. PageV15P167 # على أنه قيل: إن الإثابة على الطاعات من الفضل دون الاستحقاق لأن العبد ~~وعمله لمولاه فلا يملك شيئا حتى يعاوضه بشيء. # قلت: ترك عقاب العاصي في الجملة مما لا كلام فيه لأنه من الفضل وأما ~~بالجملة فلا لاستلزامه لغوية التشريع والتقنين وترتيب الجزاء على العمل. # وأما كون ثواب الأعمال من الفضل بالنظر إلى كون عمل العبد كنفسه لله فلا ~~ينافي فضلا آخر منه تعالى على عبده باعتبار عمله ملكا له، ثم جعل ما يثيبه ~~عليه أجرا لعمله، والقرآن مليء بحديث الأجر على الأعمال الصالحة، وقد قال ~~تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة": براءة: 111. # قوله تعالى: "وما تنزلت به الشياطين - إلى قوله - لمعزولون" شروع في ~~الجواب عن قول المشركين: إن لمحمد جنا يأتيه بهذا الكلام، وقولهم: إنه ~~شاعر، وقدم الجواب عن الأول وقد وجه الكلام أولا إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فبين له أن القرآن ليس من تنزيل الشياطين وطيب بذلك نفسه ثم وجه ~~القول إلى القوم فبينه لهم بما في وسعهم أن يفقهوه. # فقوله: "وما تنزلت به الشياطين" أي ما نزلته والآية متصلة بقوله: "وإنه ~~لتنزيل رب العالمين" ووجه الكلام كما سمعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بدليل قوله تلوا: "فلا تدع مع الله إلها آخر" إلى آخر الخطابات ~~المختصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) المتفرعة على قوله: "وما تنزلت به" ~~إلخ، على ما سيجيء بيانه. # وإنما وجه الكلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون القوم لأنه ~~معلل بما لا يقبلونه بكفرهم أعني قوله: "إنهم عن السمع لمعزولون" والشيطان ~~الشرير ms5810 وجمعه الشياطين والمراد بهم أشرار الجن. # وقوله: "وما ينبغي لهم" أي للشياطين. # قال في مجمع البيان:، ومعنى قول العرب: ينبغي لك أن تفعل كذا أنه يطلب ~~منك فعله في مقتضى العقل من البغية التي هي الطلب. # انتهى. # والوجه في أنه لا ينبغي لهم أن يتنزلوا به أنهم خلق شرير لا هم لهم إلا ~~الشر والفساد والأخذ بالباطل وتصويره في صورة الحق ليضلوا به عن سبيل الله، ~~والقرآن كلام حق لا سبيل للباطل إليه فلا يناسب جبلتهم الشيطانية أن يلقوه ~~إلى أحد. # وقوله: "وما يستطيعون" أي وما يقدرون على التنزل به لأنه كلام سماوي ~~تتلقاه الملائكة من رب العزة فينزلونه بأمره في حفظ وحراسة منه تعالى كما ~~قال: "فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~وأحاط بما لديهم": الجن: 28، وإلى ذلك يشير قوله: "إنهم عن السمع" إلخ. # وقوله: "إنهم عن السمع لمعزولون" أي إن الشياطين عن سمع الأخبار السماوية ~~والاطلاع على ما يجري في الملإ الأعلى معزولون حيث يقذفون بالشهب الثاقبة ~~لو تسمعوا كما ذكره الله في مواضع من كلامه. # قوله تعالى: "فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين" خطاب للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ينهاه عن الشرك بالله متفرع على قوله: "وما ~~تنزلت به الشياطين" إلخ، أي إذا كان هذا القرآن تنزيلا من رب العالمين ولم ~~تنزل به الشياطين وهو ينهى عن الشرك ويوعد عليه العذاب فلا تشرك بالله ~~فينالك العذاب الموعود عليه وتدخل في زمرة المعذبين. # وكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوما بعصمة إلهية يستحيل معها صدور ~~المعصية منه لا ينافي نهيه عن الشرك فإن العصمة لا توجب بطلان تعلق الأمر ~~والنهي بالمعصوم وارتفاع التكليف عنه بما أنه بشر مختار في الفعل والترك ~~متصور في حقه الطاعة والمعصية بالنظر إلى نفسه، وقد تكاثرت الآيات في تكليف ~~الأنبياء (عليهم السلام) في القرآن الكريم كقوله في الأنبياء (عليهم ~~السلام): "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: 88، وقوله في ~~النبي ms5811 (صلى الله عليه وآله وسلم): "لئن أشركت ليحبطن عملك": الزمر: 65، ~~والآيتان في معنى النهي. # وقول بعضهم: إن التكليف للتكميل فيرتفع عند حصول الكمال وتحققه لاستحالة ~~تحصيل الحاصل خطأ فإن الأعمال الصالحة التي يتعلق بها التكاليف من آثار ~~الكمال المطلوب والكمال النفساني كما يجب أن يكتسب بالإتيان بآثاره ومزاولة ~~الأعمال التي تناسبه والارتياض بها كذلك يجب أن يستبقى بذلك فما دام ~~الإنسان بشرا له تعلق بالحياة الأرضية لا مناص له عن تحمل أعباء التكليف، ~~وقد تقدم كلام في هذا المعنى في بعض الأبحاث. PageV15P168 # قوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" في مجمع البيان:، عشيرة الرجل قرابته ~~سموا بذلك لأنه يعاشرهم وهم يعاشرونه انتهى. # وخص عشيرته وقرابته الأقربين بالذكر بعد نهي نفسه عن الشرك وإنذاره ~~تنبيها على أنه لا استثناء في الدعوة الدينية ولا مداهنة ولا مساهلة كما هو ~~معهود في السنن الملوكية فلا فرق في تعلق الإنذار بين النبي وأمته ولا بين ~~الأقارب والأجانب، فالجميع عبيد والله مولاهم. # قوله تعالى: "واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين أي اشتغل بالمؤمنين بك ~~واجمعهم وضمهم إليك بالرأفة والرحمة كما يجمع الطير أفراخه إليه بخفض جناحه ~~لها، وهذا من الاستعارة بالكناية تقدم نظيره في قوله: "واخفض جناحك ~~للمؤمنين": الحجر: 88. # والمراد بالاتباع الطاعة بقرينة قوله في الآية التالية: فإن عصوك فقل إني ~~بريء مما تعملون" فملخص معنى الآيتين: إن آمنوا بك واتبعوك فاجمعهم إليك ~~بالرأفة واشتغل بهم بالتربية وإن عصوك فتبرأ من عملهم. # قوله تعالى: "وتوكل على العزيز الرحيم" أي ليس لك من أمر طاعتهم ومعصيتهم ~~شيء وراء ما كلفناك فكل ما وراء ذلك إلى الله سبحانه فإنه لعزته سيعذب ~~العاصين وبرحمته سينجي المؤمنين المتبعين. # وفي اختصاص اسمي العزيز والرحيم إلفات للذهن إلى ما تقدم من القصص ختمت ~~واحدة بعد واحدة بالاسمين الكريمين. # فهو في معنى أن يقال: توكل في أمر المتبعين والعاصين جميعا إلى الله فهو ~~العزيز الرحيم الذي فعل بقوم نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وقوم ~~فرعون ما فعل مما قصصناه فسنته أخذ العاصين وإنجاء ms5812 المؤمنين. # قوله تعالى: "الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" ظاهر الآيتين - على ~~ما يسبق إلى الذهن - أن المراد بالساجدين الساجدون في الصلاة من المؤمنين ~~وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلاته بهم جماعة، والمراد ~~بقرينة المقابلة القيام في الصلاة فيكون المعنى: الذي يراك وأنت بعينه في ~~حالتي قيامك وسجودك متقلبا في الساجدين وأنت تصلي مع المؤمنين. # وفي معنى الآية روايات من طرق الشيعة وأهل السنة سنتعرض لها في البحث ~~الروائي الآتي إن شاء الله. # قوله تعالى: "إنه هو السميع العليم" تعليل لقوله: "وتوكل على العزيز ~~الرحيم" وفي الآيات - على ما تقدم من معناها - تسلية للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وبشرى للمؤمنين بالنجاة وإيعاد للكفار بالعذاب. # قوله تعالى: "هل أنبئكم على من تنزل الشياطين - إلى قوله - كاذبون"، ~~تعريف لمن تتنزل عليه الشياطين بما يخصه من الصفة ليعلم أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ليس منهم ولا أن القرآن من إلقاء الشياطين، والخطاب متوجه ~~إلى المشركين. # فقوله: "هل أنبئكم على من تنزل الشياطين" في معنى هل أعرفكم الذين تتنزل ~~عليهم شياطين الجن بالأخبار؟ وقوله: "تنزل على كل أفاك أثيم" قال في مجمع ~~البيان:، الأفاك الكذاب وأصل الإفك القلب والأفاك الكثير القلب للخبر عن ~~جهة الصدق إلى جهة الكذب، والأثيم الفاعل للقبيح يقال: أثم يأثم إثما إذا ~~ارتكب القبيح وتأثم إذا ترك الإثم انتهى. # وذلك أن الشياطين لا شأن لهم إلا إظهار الباطل في صورة الحق وتزيين ~~القبيح في زي الحسن فلا يتنزلون إلا على أفاك أثيم. # وقوله: "يلقون السمع وأكثرهم كاذبون" الظاهر أن ضميري الجمع في "يلقون" ~~و"أكثرهم" معا للشياطين، والسمع مصدر بمعنى المسموع والمراد به ما سمعه ~~الشياطين من أخبار السماء ولو ناقصا فإنهم ممنوعون من الاستماع مرميون ~~بالشهب فما استرقوه لا يكون إلا ناقصا غير تام ولا كامل ولذا يتسرب إليه ~~الكذب كثيرا. # وقوله: "وأكثرهم كاذبون" أي أكثر الشياطين كاذبون لا يخبرون بصدق أصلا ~~وهذا هو الكثرة بحسب الأفراد ويمكن أن يكون المراد الكثرة ms5813 من حيث التنزل أي ~~أكثر المتنزلين منهم كاذبون أي أكثر أخبارهم كاذبة. # ومحصل حجة الآيات الثلاث أن الشياطين لابتناء جبلتهم على الشر لا يتنزلون ~~إلا على كل كذاب فاجر وأكثرهم كاذبون في أخبارهم، والنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ليس بأفاك أثيم ولا ما يوحى إليه من الكلام كذبا مختلقا فليس ~~ممن تتنزل عليه الشياطين ولا الذي يتنزل عليه شيطانا، ولا القرآن النازل ~~عليه من إلقاء الشياطين. PageV15P169 # قوله تعالى: "والشعراء يتبعهم الغاون" - إلى قوله - لا يفعلون" جواب عن رمي ~~المشركين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه شاعر، نبه عليه بعد الجواب ~~عن قولهم إن له شيطانا يوحي إليه القرآن. # وهذان أعني قولهم إن من الجن من يأتيه، وقولهم إنه شاعر، مما كانوا ~~يكررونه في ألسنتهم بمكة قبل الهجرة يدفعون به الدعوة الحقة، وهذا مما يؤيد ~~نزول هذه الآيات بمكة خلافا لما قيل إنها نزلت بالمدينة. # على أن الآيات مشتملة على ختام السورة أعني قوله: "وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون" ولا معنى لبقاء سورة هي من أقدم السور المكية سنين على نعت ~~النقص ثم تمامها بالمدينة، ولا دلالة في الاستثناء على أن المستثنين هم ~~شعراء المؤمنين بعد الهجرة. # وكيف كان فالغي خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع فالرشيد هو الذي لا يهتم ~~إلا بما هو حق واقع والغوي هو السالك سبيل الباطل والمخطىء طريق الحق، ~~والغواية مما يختص به صناعة الشعر المبنية على التخييل وتصوير غير الواقع ~~في صورة الواقع ولذلك لا يهتم به إلا الغوي المشعوف بالتزيينات الخيالية ~~والتصويرات الوهمية الملهية عن الحق الصارفة عن الرشد، ولا يتبع الشعراء ~~الذين يبتنى صناعتهم على الغي والغواية إلا الغاوون وذلك قوله تعالى: ~~"والشعراء يتبعهم الغاون". # وقوله: "ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون" يقال: ~~هام يهيم هيمانا إذا ذهب على وجهه والمراد بهيمانهم في كل واد استرسالهم في ~~القول من غير أن يقفوا على حد فربما مدحوا الباطل المذموم كما يمدح الحق ~~المحمود وربما هجوا ms5814 الجميل كما يهجى القبيح الدميم وربما دعوا إلى الباطل ~~وصرفوا عن الحق وفي ذلك انحراف عن سبيل الفطرة الإنسانية المبنية على الرشد ~~الداعية إلى الحق، وكذا قولهم ما لا يفعلون من العدول عن صراط الفطرة. # وملخص حجة الآيات الثلاث أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بشاعر لأن ~~الشعراء يتبعهم الغاوون لابتناء صناعتهم على الغواية وخلاف الرشد لكن الذين ~~يتبعونه إنما يتبعونه ابتغاء للرشد وإصابة الواقع وطلبا للحق لابتناء ما ~~عنده من الكلام المشتمل على الدعوة على الحق والرشد دون الباطل والغي. # قوله تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا" إلخ، ~~استثناء من الشعراء المذمومين، والمستثنون هم شعراء المؤمنين فإن الإيمان ~~وصالحات الأعمال تردع الإنسان بالطبع عن ترك الحق واتباع الباطل ثم الذكر ~~الكثير لله سبحانه يجعل الإنسان على ذكر منه تعالى مقبلا إلى الحق الذي ~~يرتضيه مدبرا عن الباطل الذي لا يحب الاشتغال به فلا يعرض لهؤلاء ما كان ~~يعرض لأولئك. # وبهذا البيان يظهر وجه تقييد المستثنى بالإيمان وعمل الصالحات ثم عطف ~~قوله: "وذكروا الله كثيرا" على ذلك. # وقوله: "وانتصروا من بعد ما ظلموا" الانتصار الانتقام، قيل: المراد به رد ~~الشعراء من المؤمنين على المشركين أشعارهم التي هجوا بها النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أو طعنوا فيها في الدين وقدحوا في الإسلام والمسلمين، وهو ~~حسن يؤيده المقام. # وقوله: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" المنقلب اسم مكان أو مصدر ~~ميمي، والمعنى: وسيعلم الذين ظلموا - وهم المشركون على ما يعطيه السياق - ~~إلى أي مرجع ومنصرف يرجعون وينصرفون وهو النار أو ينقلبون أي انقلاب. # وفيه تهديد للمشركين ورجوع مختتم السورة إلى مفتتحها وقد وقع في أولها ~~قوله: "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون". ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن الحجال عمن ذكره عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ~~سألته عن قول الله عز وجل: "بلسان عربي مبين" قال: يبين الألسن ولا تبينه ~~الألسن. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولو نزلناه على بعض الأعجمين" إلخ، ~~قال ms5815 الصادق (عليه السلام): لو نزلنا القرآن على العجم ما آمنت به العرب وقد ~~نزل على العرب فآمنت به العجم فهذه فضيلة العجم. PageV15P170 # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن عيسى القماط عن عمه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: أرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه بني أمية ~~يصعدون على منبره من بعده ويضلون الناس عن الصراط القهقرى فأصبح كئيبا ~~حزينا. قال: فهبط جبرئيل فقال: يا رسول الله ما لي أراك كئيبا حزينا؟ قال: ~~يا جبرئيل إني رأيت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون ~~الناس عن الصراط القهقرى، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا إني ما اطلعت عليه ~~فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها. قال: ~~"أفرأيت إن متعناهم سنين - ثم جاءهم ما كانوا يوعدون - ما أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون" وأنزل عليه: "إنا أنزلناه في ليلة القدر - وما أدراك ما ليلة ~~القدر - ليلة القدر خير من ألف شهر" جعل الله ليلة القدر لنبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) خيرا من ألف شهر ملك بني أمية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال: رئي النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال: ولم ورأيت عدوي يلون ~~أمر أمتي من بعدي فنزلت "أفرأيت إن متعناهم سنين - ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون - ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون" فطابت نفسه. # أقول: وقوله: ولم ورأيت إلخ، فيه حذف والتقدير ولم لا أكون كذلك وقد رأيت "إلخ". # وفيه، أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وفي الدلائل عن ~~أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: "وأنذر عشيرتك الأقربين" دعا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا وعم وخص فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم ~~من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا. يا معشر بني كعب بن لؤي ms5816 أنقذوا ~~أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا. يا معشر بني قصي أنقذوا ~~أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا. يا معشر بني عبد مناف ~~أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا. يا بني عبد المطلب ~~أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا. يا فاطمة بنت محمد ~~أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا. ألا إن لكم رحما ~~وسأبلها ببلالها. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت "وأنذر ~~عشيرتك الأقربين" جعل يدعوهم قبائل قبائل. # وفيه، أخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما نزلت "وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك ~~منهم المخلصين" خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى صعد على الصفا ~~فنادى يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه ~~فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب ~~وقريش فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي ~~تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: ~~فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا ~~جمعتنا؟ فنزلت: "تبت يدا أبي لهب وتب". # وفيه، أخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: لما نزلت "وأنذر ~~عشيرتك الأقربين" جمع رسول الله بني هاشم فأجلسهم على الباب وجمع نساءه ~~وأهله فأجلسهم في البيت ثم اطلع عليهم فقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من ~~النار واسعوا في فكاك رقابكم وافتكوها بأنفسكم من الله فإني لا أملك لكم من ~~الله شيئا. ثم أقبل على أهل بيته فقال: يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت ~~عمر ويا أم سلمة ويا فاطمة بنت محمد ويا أم الزبير عمة رسول الله اشتروا 1 ~~أنفسكم من الله واسعوا ms5817 في فكاك رقابكم فإني لا أملك لكم من الله شيئا ولا ~~أغني، الحديث. # أقول: وفي معنى هذه الروايات بعض روايات أخر وفي بعضها أنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) خص بني عبد مناف بالإنذار فيشمل بني أمية وبني هاشم جميعا. # والروايات الثلاث الأول لا تنطبق عليها الآية فإنها تعمم الإنذار قريشا ~~عامة والآية تصرح بالعشيرة الأقربين وهم إما بنو عبد المطلب أو بنو هاشم ~~وأبعد ما يكون من الآية الرواية الثانية حيث تقول: جعل يدعوهم قبائل قبائل. PageV15P171 # على أن ما تقدم من معنى الآية وهو نفي أن تكون قرابة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تغنيهم من تقوى الله وفي الروايات إشارة إلى ذلك - حيث تقول: لا ~~أغني عنكم من الله شيئا - لا يناسب عمومه لغير الخاصة من قرابته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وأما الرواية الرابعة فقوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" آية مكية في ~~سورة مكية ولم يقل أحد بنزول الآية بالمدينة وأين كانت يوم نزولها عائشة ~~وحفصة وأم سلمة ولم يتزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهن إلا في ~~المدينة فالمعتمد من الروايات ما يدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) خص ~~بالإنذار يوم نزول الآية بني هاشم أو بني عبد المطلب، ومن عجيب الكلام قول ~~الآلوسي بعد نقل الروايات: وإذا صح الكل فطريق الجمع أن يقال بتعدد ~~الإنذار. # وفي المجمع، عن تفسير الثعلبي بإسناده عن براء بن عازب قال: لما نزلت هذه ~~الآية جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عبد المطلب وهم يومئذ ~~أربعون رجلا الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس فأمر عليا برجل شاة فأدمها ~~ثم قال: ادنوا بسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا. ثم دعا ~~بعقب من لبن فجرع منه جرعا ثم قال لهم: اشربوا بسم الله فشربوا حتى رووا ~~فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل فسكت (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يومئذ ولم يتكلم. ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام ms5818 والشراب ثم ~~أنذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا بني عبد المطلب إني ~~أنا النذير إليكم من الله عز وجل فأسلموا وأطيعوني تهتدوا. ثم قال: من ~~يواخيني ويوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟ فسكت ~~القوم فأعادها ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي أنا فقال في المرة ~~الثالثة: أنت فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمر عليك. # قال الطبرسي،: وروي عن أبي رافع هذه القصة وأنه جمعهم في الشعب فصنع لهم ~~رجل شاة فأكلوا حتى تضلعوا وسقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا. ثم قال: إن ~~الله أمرني أن أنذر عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له من ~~أهله أخا ووزيرا ووارثا ووصيا وخليفة في أهله فأيكم يقوم فيبايعني على أنه ~~أخي ووارثي ووزيري ووصيي ويكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ فقال علي: أنا ~~فقال: ادن مني ففتح فاه ومج في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وثدييه فقال أبو ~~لهب: بئس ما حبوت به ابن عمك أن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقا فقال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ملأته حكمة وعلما. # أقول: وروى السيوطي في الدر المنثور، ما في معنى حديث البراء عن ابن ~~إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي في الدلائل ~~من طرق عن علي رضي الله عنه وفيه: ثم تكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحدا في العرب جاء قومه بأفضل ~~مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم ~~إليه فأيكم يوازرني على أمري هذا؟ فقلت وأنا أحدثهم سنا: إنه أنا، فقام ~~القوم يضحكون. # وفي علل الشرائع، بإسناده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت "وأنذر عشيرتك الأقربين" أي رهطك ~~المخلصين دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عبد المطلب وهم إذ ms5819 ~~ذاك أربعون رجلا يزيدون رجلا وينقصون رجلا فقال: أيكم يكون أخي ووارثي ~~ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم بعدي، فعرض عليهم ذلك رجلا رجلا كلهم يأبى ذلك ~~حتى أتى علي فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: يا بني عبد المطلب هذا وارثي ~~ووزيري وخليفتي فيكم بعدي فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب ~~قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام. # أقول: ومن الممكن أن يستفاد من قوله (عليه السلام): أي رهطك المخلصين أن ~~ما نسب إلى قراءة أهل البيت "وأنذر عشيرتك الأقربين رهطك منهم المخلصين" ~~ونسب أيضا إلى قرآن أبي بن كعب كان من قبيل التفسير. PageV15P172 # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وتقلبك في الساجدين" قيل: معناه وتقلبك في ~~الساجدين الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا: عن ابن عباس في رواية ~~عطاء وعكرمة وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قالا: ~~أصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى أخرجه من صلب أبيه عن نكاح غير سفاح من لدن ~~آدم:. أقول: ورواه غيره من رواة الشيعة، ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه وأبي نعيم وغيرهم عن ابن عباس وغيرهم. # وفي المجمع، روى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لا ترفعوا قبلي ولا تضعوا قبلي فإني أراكم من خلفي ~~كما أراكم من أمامي ثم تلا هذه الآية. # أقول: يريد (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع الجبهة على الأرض ورفعها في ~~السجدة ورواه في الدر المنثور، عن ابن عباس وغيره. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن ~~نسير مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): لئن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء ~~شعرا:. أقول: وهو مروي من طرق الشيعة أيضا عن الصادق (عليه السلام) عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي، قال: يعظون ms5820 الناس ولا يتعظون وينهون عن المنكر ولا ~~ينتهون ويأمرون بالمعروف ولا يعملون وهم الذين قال الله فيهم: "ألم تر أنهم ~~في كل واد يهيمون" أي في كل مذهب يذهبون "وأنهم يقولون ما لا يفعلون" وهم ~~الذين غصبوا آل محمد حقهم. # وفي اعتقادات الصدوق،: سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ~~"والشعراء يتبعهم الغاون" قال: هم القصاص. # أقول: هم من المصاديق والمعنى الجامع ما تقدم في ذيل الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: إن من الشعر حكما وإن من البيان سحرا. # أقول: وروى الجملة الأولى أيضا عنه عن بريدة وابن عباس عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأيضا عن ابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولفظه: إن من الشعر حكمة، والممدوح من الشعر ما فيه نصرة الحق ~~ولا تشمله الآية. # وفي المجمع، عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن كعب بن ~~مالك قال: يا رسول الله ما ذا تقول في الشعراء؟ قال: إن المؤمن مجاهد بسيفه ~~ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما تنضخونهم بالنبل. # قال الطبرسي،: وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحسان بن ثابت: ~~اهجهم أو هاجهم وروح القدس معك: رواه البخاري ومسلم في الصحيحين. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الحسن سالم البراد ~~قال: لما نزلت "والشعراء" الآية جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان ~~بن ثابت وهم يبكون فقالوا يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم ~~أنا شعراء أهلكنا؟ فأنزل الله "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" فدعاهم ~~رسول الله فتلاها عليهم. # أقول: هذه الرواية وما في معناها هي التي دعا بعضهم إلى القول بكون ~~الآيات الخمس من آخر السورة مدنيات وقد عرفت الكلام في ذلك عند تفسير ~~الآيات. # وفي ms5821 الكافي، بإسناده عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من ~~أشد ما فرض الله على خلقه ذكر الله كثيرا. ثم قال: لا أعني سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإن كان منه ولكن ذكر الله عند ما ~~أحل وحرم فإن كان طاعة عمل بها وإن كان معصية تركها. # أقول: فيه تأييد لما تقدم في تفسير الآية. PageV15P173 ### || AUTO ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم طس تلك ءايت القرءان وكتاب مبين (1) هدى وبشرى ~~للمؤمنين (2) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم يوقنون (3) ~~إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعملهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين ~~لهم سوء العذاب وهم فى الاخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرءان من لدن ~~حكيم عليم (6) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة - على ما تدل عليه آيات صدرها والآيات الخمس الخاتمة لها - ~~التبشير والإنذار وقد استشهد لذلك بطرف من قصص موسى وداود وسليمان وصالح ~~ولوط (عليهما السلام) ثم عقبها ببيان نبذة من أصول المعارف كوحدانيته تعالى ~~في الربوبية والمعاد وغير ذلك. # قوله تعالى: "تلك آيات القرآن وكتاب مبين" الإشارة بتلك - كما مر في أول ~~سورة الشعراء - إلى آيات السورة مما ستنزل بعد وما نزلت قبل، والتعبير ~~باللفظ الخاص بالبعيد للدلالة على رفعة قدرها وبعد منالها. # والقرآن اسم للكتاب باعتبار كونه مقروا، والمبين من الإبانة بمعنى ~~الإظهار، وتنكير "قرآن" للتفخيم أي تلك الآيات الرفيعة القدر التي ننزلها ~~آيات الكتاب وآيات كتاب مقرو عظيم الشأن مبين لمقاصده من غير إبهام ولا تعقيد. # قال في مجمع البيان:، وصفه بالصفتين يعني الكتاب والقرآن ليفيد أنه مما ~~يظهر بالقراءة ويظهر بالكتابة وهو بمنزلة الناطق بما فيه من الأمرين جميعا، ~~ووصفه بأنه مبين تشبيه له بالناطق بكذا. # انتهى. # قوله تعالى: "هدى وبشرى للمؤمنين" المصدران أعني "هدى وبشرى" بمعنى اسم ~~الفاعل أو المراد بهما المعنى المصدري للمبالغة. # قوله تعالى: "الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة" إلخ، المراد إتيان ~~الأعمال الصالحة وإنما اقتصر على الصلاة والزكاة لكون كل ms5822 منها ركنا في بابه ~~فالصلاة فيما يرجع إلى الله تعالى والزكاة فيما يرجع إلى الناس وبنظر آخر ~~الصلاة في الأعمال البدنية والزكاة في الأعمال المالية. # وقوله: "وهم بالآخرة هم يوقنون" وصف آخر للمؤمنين معطوف على ما قبله جيء ~~به للإشارة إلى أن هذه الأعمال الصالحة إنما تقع موقعها وتصيب غرضها مع ~~الإيقان بالآخرة فإن العمل يحبط مع تكذيب الآخرة، قال تعالى: "والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم": الأعراف: 147. # وتكرار الضمير في قوله: "وهم بالآخرة هم" إلخ للدلالة على أن هذا الإيقان ~~من شأنهم وهم أهله المترقب منهم ذلك. # قوله تعالى: "إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون" ~~العمه التحير في الأمر ومعنى تزيين العمل جعله بحيث ينجذب إليه الإنسان ~~والذين لا يؤمنون بالآخرة لما أنكروها وهي غاية مسيرهم بقوا في الدنيا وهي ~~سبيل لا غاية فتعلقوا بأعمالهم فيها وكانوا متحيرين في الطريق لا غاية لهم ~~يقصدونها. # قوله تعالى: "أولئك لهم سوء العذاب" إلخ إيعاد بمطلق العذاب من دنيوي ~~وأخروي بدليل ما في قوله: "وهم في الآخرة هم الأخسرون" ولعل وجه كونهم أخسر ~~الناس أن سائر العصاة لهم صحائف أعمال مثبتة فيها سيئاتهم وحسناتهم يجازون ~~بها وأما هؤلاء فسيئاتهم محفوظة عليهم يجازون بها وحسناتهم حابطة. # قوله تعالى: "وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم" التلقية قريبة المعنى ~~من التلقين، وتنكير "حكيم عليم" للتعظيم، والتصريح بكون هذا القرآن من عنده # تعالى ليكون ذلك حجة على الرسالة وتأييدا لما تقدم من المعارف ولصحة ما ~~سيذكره من قصص الأنبياء (عليهم السلام). # وتخصيص الاسمين الكريمين للدلالة على نزوله من ينبوع الحكمة فلا ينقضه ~~ناقض ولا يوهنه موهن، ومنبع العلم فلا يكذب في خبره ولا يخطىء في قضائه. PageV15P174 ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 7 - 14 # إذ قال موسى لأهله إنى ءانست نارا سئاتيكم منها بخبر أو ءاتيكم بشهاب قبس ~~لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودى أن بورك من فى النار ومن حولها وسبحن ~~الله رب العلمين (8) يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك ms5823 فلما ~~رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يموسى لا تخف إنى لا يخاف لدى ~~المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى غفور رحيم (11) وأدخل ~~يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء فى تسع ءايت إلى فرعون وقومه إنهم كانوا ~~قوما فسقين (12) فلما جاءتهم ءايتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقبة المفسدين (14) ### |||| AUTO بيان # أول القصص الخمس التي أشير إليها في السورة استشهادا لما في صدرها من ~~التبشير والإنذار والوعد والوعيد وتغلب في الثلاث الأول منها وهي قصص موسى وداود # وسليمان جهة الوعد على الوعيد وفي الأخيرتين بالعكس. # قوله تعالى: "إذ قال موسى لأهله" إلخ المراد بأهله امرأته وهي بنت شعيب ~~على ما ذكره الله تعالى في سورة القصص قال في المجمع،: إن خطابها بقوله: ~~"آتيكم" بصيغة الجمع لإقامتها مقام الجماعة في الأنس بها في الأمكنة ~~الموحشة. # انتهى ومن المحتمل أنه كان معها غيرها من خادم أو مكار أو غيرهما. # وفي المجمع،: الإيناس الإبصار، وقيل: آنست أي أحسست بالشيء من جهة يؤنس ~~بها وما آنست به فقد أحسست به مع سكون نفسك إليه. # انتهى والشهاب على ما في المجمع:، نور كالعمود من النار وكل نور يمتد ~~كالعمود يسمى شهابا والمراد الشعلة من النار، وفي المفردات:، الشهاب الشعلة ~~الساطعة من النار الموقدة ومن العارض في الجو وفي المفردات، أيضا: القبس ~~المتناول من الشعلة، والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها. # وسياق الآية يشهد ويؤيده ما وقع من القصة في سور أخرى أنه كان حينذاك ~~يسير بأهله وقد ضل الطريق وأصابه وأهله البرد في ليلة داجية فأبصر نارا من ~~بعيد فأراد أن يذهب إليها فإن وجد عندها إنسانا استخبره أو يأخذ قبسا يأتي ~~به إلى أهله فيوقدوا نارا يصطلون بها. # فقال لأهله امكثوا إني أحسست وأبصرت نارا فالزموا مكانكم سآتيكم منها أي ~~من عندها بخبر نهتدي به أو آتيكم بشعلة متناولة من النار لعلكم توقدون بها ~~نارا تصطلون وتستدفئون بها. # ويظهر ms5824 من السياق أيضا أن النار إنما ظهرت له (عليه السلام) ولم يشاهدها ~~غيره وإلا عبر عنها بالإشارة دون التنكير. # ولعل اختلاف الإتيان بالخبر والإتيان بالنار نوعا هو الموجب لتكرار لفظ ~~الإتيان حيث قال: "سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس". # قوله تعالى: "فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله ~~رب العالمين" أي فلما أتى النار وحضر عندها نودي أن بورك "إلخ". # والمراد بالمباركة إعطاء الخير الكثير يقال: باركه وبارك عليه وبارك فيه ~~أي ألبسه الخير الكثير وحباه به، وقد وقع في سورة طه في هذا الموضع من ~~القصة قوله: "فلما أتاه نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى وأنا # اخترتك فاستمع لما يوحى": طه: 13. # ويستأنس منه أن المراد بمن حول النار موسى أو هو ممن حول النار، ومباركته ~~اختياره بعد تقديسه. # وأما المراد بمن في النار فقد قيل: إن معناه من ظهر سلطانه وقدرته في ~~النار فإن التكليم كان من الشجرة - على ما في سورة القصص - وقد أحاطت بها ~~النار، وعلى هذا فالمعنى: تبارك من تجلى لك بكلامه من النار وبارك فيك، ~~ويكون قوله: "وسبحان الله رب العالمين" تنزيها له سبحانه من أن يكون جسما ~~أو جسمانيا يحيط به المكان أو يجاوره الحدثان لا لتعجيب موسى كما قيل. # وقيل: المراد بمن في النار الملائكة الحاضرون فيها كما أن المراد بمن ~~حولها موسى (عليه السلام). # وقيل: المراد به موسى (عليه السلام) وبمن حولها الملائكة. PageV15P175 # وقيل: في الكلام تقدير والأصل بورك من في المكان الذي فيه النار - وهو ~~البقعة المباركة التي كانت فيها الشجرة كما في سورة القصص - ومن فيها هو ~~موسى وحولها هي الأرض المقدسة التي هي الشامات، ومن حولها هم الأنبياء ~~القاطنون فيها من آل إبراهيم وبني إسرائيل. # وقيل: المراد بمن في النار نور الله تعالى وبمن حولها موسى. # وقيل: المراد بمن في النار الشجرة فإنها كانت محاطة بالنار بمن حولها ~~الملائكة المسبحون. # وأكثر هذه الوجوه لا يخلو من تحكم ms5825 ظاهر. # قوله تعالى: "يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم" تعرف منه تعالى لموسى ~~(عليه السلام) ليعلم أن الذي يشافهه بالكلام ربه تعالى فهذه الآية في هذه ~~السورة تحاذي قوله من سورة طه "نودي أن يا موسى إني أنا ربك فاخلع" إلخ، ~~فارجع إلى سورة طه وتدبر في الآيات. # قوله تعالى: "وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب" ~~إلخ، الاهتزاز التحرك الشديد، والجان الحية الصغيرة السريعة الحركة، ~~والإدبار خلاف الإقبال، والتعقيب الكر بعد الفر من عقب المقاتل إذا كر بعد فراره. # وفي الآية حذف وإيجاز تفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله: "فلما رآها تهتز" ~~والتقدير وألق عصاك فلما ألقاها إذا هي ثعبان مبين يهتز كأنه جان ولما رآها ~~تهتز إلخ. # ولا منافاة بين صيرورة العصا ثعبانا مبينا كما وقع في قصته (عليه السلام) ~~من سورتي الأعراف والشعراء والثعبان الحية العظيمة الجثة وبين تشبيهها في ~~هذه السورة بالجان فإن التشبيه إنما وقع في الاهتزاز وسرعة الحركة ~~والاضطراب حيث شاهد العصا وقد تبدلت ثعبانا عظيم الجثة هائل المنظر يهتز ~~ويتحرك بسرعة اهتزاز الجان وتحركه بسرعة وليس تشبيها لنفس العصا أو الثعبان ~~بنفس الجان. # وقيل: إن آية العصا كانت مختلفة الظهور فقد ظهرت العصا لأول مرة في صورة ~~الجان كما وقع في سورة طه: "فألقاها فإذا هي حية تسعى: آية: 20 من السورة ~~ثم ظهرت لما ألقاها عند فرعون في صورة ثعبان مبين كما في سورتي الأعراف ~~والشعراء. # وفيه أن هذا الوجه وإن كان لا يخلو بالنظر إلى سياق الآيات عن وجاهة لكنه ~~لا يندفع به إشكال تشبيه الشيء بنفسه أو عدم تبدلها حية فالمعول في دفع ~~الإشكال على ما تقدم. # قوله تعالى: "يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون" حكاية نفس الخطاب ~~الصادر هناك وهو في معنى قال الله يا موسى لا تخف "إلخ". # وقوله: "لا تخف" نهي مطلق يؤمنه عن كل ما يسوء مما يخاف منه ما دام في ~~حضرة القرب والمشافهة سواء كان المخوف ms5826 منه عصا أو غيرها ولذا علل النهي ~~بقوله: "إني لا يخاف لدي المرسلون" فإن تقييد النفي بقوله: "لدي" يفيد أن ~~مقام القرب والحضور يلازم الأمن ولا يجامع مكروها يخاف منه، ويؤيده تبديل ~~هذه الجملة في القصة من سورة القصص من قوله: "إنك من الآمنين" فيتحصل ~~المعنى: لا تخف من شيء إنك مرسل والمرسلون - وهم لدي في مقام القرب - في ~~مقام الأمن ولا خوف مع الأمن. # وأما فرار موسى (عليه السلام) من العصا وقد تصورت بتلك الصورة الهائلة ~~وهي تهتز كأنها جان فقد كان جريا منه على ما جبل الله الطبيعة الإنسانية ~~عليه إذا فاجأه من المخاطر ما لا سبيل له إلى دفعه عن نفسه إلا الفرار وقد ~~كان أعزل لا سلاح معه إلا # عصاه وهي التي يخافها على نفسه ولم يرد عليه من جانبه تعالى أمر سابق أن ~~يلزم مكانه أو نهي عن الفرار مما يخافه على نفسه إلا قوله تعالى: "وألق ~~عصاك" وقد امتثله، وليس الفرار من المخاطر العظيمة التي لا دافع لها إلا ~~الفرار، من الجبن المذموم حتى يذم عليه. # وأما إن الأنبياء والمرسلين لا يخافون شيئا وهم عند ربهم - على ما يدل ~~عليه قوله: "إني لا يخاف لدي المرسلون" - فهم لا يملكون هذه الكرامة من عند ~~أنفسهم بل إنما ذلك بتعليم من الله وتأديب وإذ كان موقف ليلة الطور أول ~~موقف من موسى قربه الله إليه فيه وخصه بالتكليم وحباه بالرسالة والكرامة ~~فقوله: "لا تخف إنك من الآمنين" وقوله: "لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون" ~~تعليم وتأديب إلهي له (عليه السلام). # فتبين بذلك أن قوله: "لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون" تأديب وتربية ~~إلهية لموسى (عليه السلام) وليس من التوبيخ والتأنيب في شيء. PageV15P176 # قوله تعالى: "إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم" الذي ينبغي ~~أن يقال - والله أعلم - أن الآية السابقة لما أخبرت عن أن المرسلين آمنون ~~لا يخافون فهم منه أن غيرهم من أهل الظلم غير آمنين لهم أن يخافوا ms5827 استدرك ~~في هذه الآية حال أهل التوبة من جملة أهل الظلم فبين أنهم لتوبتهم وتبديلهم ~~ظلمهم - وهو السوء - حسنا بعد سوء مغفور لهم مرحومون فلا يخافون أيضا. # فالاستثناء من المرسلين وهو استثناء منقطع والمراد بالظلم مطلق المعصية ~~وبالحسن بعد السوء التوبة بعد المعصية أو العمل الصالح بعد السيىء، ~~والمعنى: لكن من ظلم باقتراف المعصية ثم بدل ذلك حسنا بعد سوء وتوبة بعد ~~معصية أو عملا صالحا بعد سيىء فإني غفور رحيم أغفر ظلمه وأرحمه فلا يخافن ~~بعد ذلك شيئا. # قوله تعالى: "وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء" إلخ، فسر السوء ~~بالبرص وقد تقدم، وقوله: "في تسع آيات إلى فرعون وقومه" يمكن أن يستظهر من ~~السياق أولا أن "في تسع" حال من الآيتين جميعا، والمعنى: آتيتك هاتين ~~الآيتين - العصا واليد - حال كونهما في تسع آيات. # وثانيا: أن الآيتين من جملة الآيات التسع، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: # "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات: إسراء: 101، كلام في تفصيل الآيات ~~التسع، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين" المبصرة ~~بمعنى الواضحة الجلية، وفي قولهم: "هذا سحر مبين" إزراء وإهانة بالآيات حيث ~~أهملوا الدلالة على خصوصيات الآيات حتى العدد فلم يعبئوا بها إلا بمقدار ~~أنها أمر ما. # قوله تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" إلخ، قال الراغب: ~~الجحد نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه. # انتهى. # والاستيقان والإيقان بمعنى. PageV15P177 ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 15 - 44 # ولقد ءاتينا داود وسليمن علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) وورث سليمن داود وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شىء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمن جنوده من الجن ~~والانس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها ~~النمل ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمن وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ~~ضاحكا من قولها وقال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى ولدى ms5828 وأن ~~أعمل صلحا ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين (19) وتفقد الطير فقال ما ~~لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه ~~أو ليأتينى بسلطن مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك ~~من سبإ بنبإ يقين (22) إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش ~~عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطن أعملهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى ~~السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش ~~العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم كنت من الكذبين (27) اذهب بكتبى هذا فألقه ~~إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا يرجعون (28) قالت يأيها الملؤا إنى ألقى إلى ~~كتب كريم (29) إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا ~~على وأتونى مسلمين (31) قالت يأيها الملؤا أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة ~~أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك ~~فانظرى ما ذا تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون (35) فلما جاء سليمن قال أتمدونن بمال فما ءاتان الله خير مما ~~ءاتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صغرون (37) قال يأيها الملؤا أيكم يأتينى ~~بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين (39) قال الذى عنده علم من الكتب أنا ~~ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رءاه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ~~ليبلونى ء أشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم ~~(40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون (41) ~~فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ms5829 ~~(42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين (43) قيل لها ~~ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمن لله رب # العلمين (44) PageV15P178 ### |||| AUTO بيان # نبذة من قصص داود وسليمان (عليهما السلام) وفيها شيء من عجائب أخبار ~~سليمان بما آتاه الله من الملك. # قوله تعالى: "ولقد آتينا داود وسليمان علما" إلخ، في تنكير العلم إشارة ~~إلى تفخيم أمره، ومما أشير فيه إلى علم داود من كلامه تعالى قوله: "وآتيناه ~~الحكمة وفصل الخطاب": (صلى الله عليه وآله وسلم): 20. # ومما أشير فيه إلى علم سليمان قوله: "ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما": الأنبياء: 79، وذيل الآية يشملهما جميعا. # وقوله: "وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين" المراد ~~بالتفضيل إما التفضيل بالعلم على ما ربما يؤيده سياق الآية، وإما التفضيل ~~بمطلق ما خصهما الله به من المواهب كتسخير الجبال والطير لداود وتليين ~~الحديد له وإيتائه الملك، وتسخير الجن والوحش والطير وكذا الريح لسليمان ~~وتعليمه منطق الطير وإيتائه الملك على ما يستدعيه إطلاق التفضيل. # والآية أعني قوله: "وقالا الحمد لله" إلخ، على أي حال بمنزلة حكاية ~~اعترافهما على التفضيل الإلهي فيكون كالشاهد على المدعى الذي تشير إليه ~~بشارة صدر السورة أن الله سبحانه سيخص المؤمنين بما تقر به عيونهم ومثلها ~~ما سيأتي من اعترافات سليمان في مواضع من كلامه. # قوله تعالى: "وورث سليمان داود" إلخ، أي ورثه ماله وملكه، وأما قول ~~بعضهم: المراد به وراثة النبوة والعلم ففيه أن النبوة لا تقبل الوراثة لعدم ~~قبولها الانتقال، والعلم وإن قبل الانتقال بنوع من العناية غير أنه إنما ~~يصح في العلم الفكري الاكتسابي والعلم الذي يختص به الأنبياء والرسل كرامة ~~من الله لهم وهبي ليس مما يكتسب بالفكر فغير النبي يرث العلم من النبي لكن ~~النبي لا يرث علمه من نبي آخر ولا من غير نبي. # وقوله: "وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير" ظاهر السياق أنه ms5830 (عليه ~~السلام) يباهي عن نفسه وأبيه وهو منه (عليه السلام) تحديث بنعمة الله كما ~~قال تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث": الضحى: 11، وأما إصرار بعض المفسرين على ~~أن الضمير في قوله: "علمنا" و"أوتينا" لنفسه لا له ولأبيه على ما هو عادة ~~الملوك والعظماء في الإخبار عن أنفسهم - فإنهم يخبرون عنهم وعن خدمهم ~~وأعوانهم رعاية لسياسة الملك - فالسياق السابق لا يساعد عليه كل المساعدة. # والمراد بالناس ظاهر معناه وهو عامة المجتمعين من غير تميز لبعضهم من بعض ~~وقول بعضهم إن المراد بهم عظماء أهل مملكته أو علماؤهم غير سديد. # والمنطق والنطق على ما نتعارفه هو الصوت أو الأصوات المؤلفة الدالة ~~بالوضع على معان مقصودة للناطق المسماة كلاما ولا يكاد يقال - على ما ذكره ~~الراغب - إلا للإنسان لكن القرآن الكريم يستعمله في معنى أوسع من ذلك وهو ~~دلالة الشيء على معنى مقصود لنفسه، قال تعالى: "وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": حم السجدة: 21، وهو إما من باب ~~تحليل المعنى كما يستعمله القرآن في أغلب المعاني والمفاهيم المقصورة في ~~الاستعمالات على المصاديق الجسمانية المادية كالرؤية والنظر والسمع واللوح ~~والقلم والعرش والكرسي وغيرها، وإما لأن للفظ معنى أعم واختصاصه بالإنسان ~~من باب الانصراف لكثرة الاستعمال. # وكيف كان فمنطق الطير هو ما تدل به الطير بعضها على مقاصدها، والذي نجده ~~عند التأمل في أحوالها الحيوية هو أن لكل صنف أو نوع منها أصواتا ساذجة ~~خاصة في حالاتها الخاصة الاجتماعية حسب تنوع اجتماعاتها كحال الهياج للسفاد ~~وحال المغالبة والغلبة وحال الوحشة والفزع وحال التضرع أو الاستغاثة إلى ~~غير ذلك ونظير الطير في ذلك سائر الحيوان. # لكن لا ينبغي الارتياب في أن المراد بمنطق الطير في الآية معنى أدق وأوسع ~~من ذلك. # أما أولا: فلشهادة سياق الآية على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث ~~عن أمر اختصاصي ليس في وسع عامة الناس أن ينالوه وإنما ناله بعناية خاصة ~~إلهية، وهذا المقدار المذكور من منطق الطير مما يسع لكل أحد أن يطلع ms5831 عليه ~~ويعرفه. PageV15P179 # وأما ثانيا: فلأن ما حكاه الله تعالى في الآيات التالية من محاورة سليمان ~~والهدهد يتضمن معارف عالية متنوعة لا يسع لما نجده عند الهدهد من الأصوات ~~المعدودة أن تدل عليها بتميز لبعضها من بعض ففي كلام الهدهد ذكر الله ~~سبحانه ووحدانيته وقدرته وعلمه وربوبيته وعرشه العظيم وذكر الشيطان وتزيينه ~~الأعمال والهدى والضلال وغير ذلك، وفيه ذكر الملك والعرش والمرأة وقومها ~~وسجدتهم للشمس، وفي كلام # سليمان أمره بالذهاب بالكتاب وإلقائه إليهم ثم النظر فيما يرجعون، وهذه ~~كما لا يخفى على الباحث في أمر المعاني المتعمق فيها معارف جمة لها أصول ~~عريقة يتوقف الوقوف عليها على ألوف وألوف من المعلومات، وأنى تفي على إفادة ~~تفصيلها أصوات ساذجة معدودة. # على أنه لا دليل على أن كل ما يأتي بها الحيوان في نطقه من الأصوات أو ~~خصوصيات الصوت يفي حسنا بإدراكه أو تمييزه، ويؤيده ما نقل من قول النملة في ~~الآيات التالية وهو من منطق الحيوان قطعا ولا صوت للنملة يناله سمعنا ~~ويؤيده أيضا ما يراه علماء الطبيعة اليوم أن الذي يناله سمع الإنسان من ~~الصوت عدد خاص من الارتعاش المادي وهو ما بين ستة عشر ألفا إلى اثنين ~~وثلاثين ألفا في الثانية، وأن الخارج من ذلك في جانبي القلة والكثرة لا ~~يقوى عليه سمع الإنسان وربما ناله سائر الحيوان أو بعضها. # وقد عثر العلماء الباحثون عن الحيوان من عجيب الفهم ولطيف الإدراك عند ~~أنواع من الحيوان كالفرس والكلب والقرد والدب والزنبور والنملة وغيرها على ~~أمور لا يكاد يعثر على نظائرها عند أكثر أفراد الإنسان. # وقد تبين بما مر أن ظاهر السياق أن للطير منطقا علمه الله سليمان، وظهر ~~به فساد قول من قال إن نطق الطير كان معجزة لسليمان وأما هي في نفسها فليس ~~لها نطق هذا. # وقوله: "وأوتينا من كل شيء" أي أعطينا من كل شيء و"كل شيء" وإن كان شاملا ~~لجميع ما يفرض موجودا - لأن مفهوم شيء من أعم المفاهيم وقد دخل عليه كلمة ~~الاستغراق - لكن لما كان المقام ms5832 مقام التحديث بالنعمة ولا كل نعمة بل النعم ~~التي يمكن أن يؤتاها الإنسان فيتنعم بها تقيد به معنى كل شيء وكان معنى ~~الجملة: وأعطانا الله من كل نعمة يمكن أن يعطاها الإنسان فيتنعم بها مقدارا ~~معتدا به كالعلم والنبوة والملك والحكم وسائر النعم المعنوية والمادية. # وقوله: "إن هذا لهو الفضل المبين" شكر وتأكيد للتحديث بالنعمة من غير عجب ~~ولا كبر واختيال لإسناده الجميع إلى الله بقوله: "علمنا" و"أوتينا"، # واحتمل بعضهم أن تكون الجملة من كلام الله سبحانه لا من كلام سليمان ~~والسياق يأباه. # قوله تعالى: "وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون" ~~الحشر هو جمع الناس وإخراجهم لأمر بإزعاج والوزع المنع وقيل الحبس، والمعنى ~~كما قيل: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يمنعون من التفرق ~~واختلاط كل جمع بآخر برد أولهم إلى آخرهم وحبس كل في مكانه. # ويستفاد من الآية أنه كان له جنود من الجن والطير يسيرون معه كجنوده من الإنس. # وكلمة الحشر ووصف المحشورين بأنهم جنود، وسياق الآيات التالية كل ذلك ~~دليل على أن جنوده كانوا طوائف خاصة من الجن والإنس والطير سواء كانت "من" ~~في الآية للتبعيض أو للبيان. # وقد أغرب في التفسير الكبير، فزعم أن الآية تدل على أن جميع الجن والإنس ~~والطير كانوا جنوده وقد ملك الأرض كلها وأن الله تعالى جعل الطير في زمانه ~~عقلاء مكلفين ثم عادت بعد زمانه على ما كانت عليه قبله وقال بمثله في ~~النملة التي تكلمت، قال في تفسير الآية: والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه ~~الأصناف جنوده، ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا ~~مع العقل الذي يصح معه التكليف أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد ~~التكليف، فلذلك قلنا: إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل وليس ~~كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق ~~التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره. ms5833 # انتهى. # ووجوه التحكم فيه غنية عن البيان. PageV15P180 # وتقديم الجن في الذكر على الإنس والطير لكون تسخيرهم ودخولهم تحت الطاعة ~~عجيبا، وذكر الإنس بعده دون الطير مع كون تسخيرها أيضا عجيبا رعاية لأمر ~~المقابلة بين الجن والإنس. # قوله تعالى: "حتى إذا أتوا على واد النمل" الآية، "حتى" غاية لما يفهم من ~~الآية السابقة، وضمير الجمع لسليمان وجنوده، وتعدية الإتيان بعلى قيل: لكون # الإتيان من فوق، ووادي النمل واد بالشام على ما قيل، وقيل في أرض الطائف، ~~وقيل: في أقصى اليمن، والحطم الكسر. # والمعنى: فلما سار سليمان وجنوده حتى أتوا على وادي النمل قالت نملة ~~مخاطبة لسائر النمل: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يكسرنكم سليمان ~~وجنوده أي لا يطأنكم بأقدامهم وهم لا يشعرون. # وفيه دليل على أنهم كانوا يسيرون على الأرض. # قوله تعالى: "فتبسم ضاحكا من قولها" إلى آخر الآية، قيل: التبسم دون ~~الضحك، وعلى هذا فالمراد بالضحك هو الإشراف عليه مجازا. # ولا منافاة بين قوله (عليه السلام): "علمنا منطق الطير" وبين فهمه كلام ~~النملة إذ لم ينف فهمه كلام سائر الحيوان أو كلام بعضها كالنملة. # وقد تسلم جمع منهم دلالة قوله: "علمنا منطق الطير" على نفي ما عداه ~~فتكلفوا في توجيه فهمه (عليه السلام) قول النملة تارة بأنه كانت قضية في ~~واقعة، وأخرى بتقدير أنها كانت نملة ذات جناحين وهي من الطير، وثالثة بأن ~~كلامها كان من معجزات سليمان (عليه السلام) ورابعة بأنه (عليه السلام) لم ~~يسمع منها صوتا قط وإنما فهم ما في نفس النملة إلهاما من الله تعالى هذا. # وما تقدم من معنى منطق الحيوان يزاح به هذه الأوهام. # على أن سياق الآيات وحده كاف في دفعها. # وقوله: "وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه" الإيزاع الإلهام. # تبسم (عليه السلام) مبتهجا مسرورا بما أنعم الله عليه حتى أوقفه هذا ~~الموقف وهي النبوة والعلم بمنطق الحيوان والملك والجنود من الجن والإنس ~~والطير فسأل الله أن يلهمه شكر نعمته وأن يعمل بما ms5834 فيه رضاه سبحانه. # وقد جعل الشكر للنعمة التي أنعم الله تعالى بها على نفسه مختصة به، ~~وللنعمة التي أنعم بها على والديه فإن الإنعام على والديه إنعام عليه بوجه ~~لكونه منهما وقد أنعم الله تعالى على أبيه داود بالنبوة والملك والحكمة ~~وفصل الخطاب وغيرها وأنعم على أمه حيث زوجها من داود النبي ورزقها سليمان ~~النبي وجعلها من أهل بيت النبوة. # وفي كلامه هذا دليل على أن والدته من أهل الصراط المستقيم الذين أنعم ~~الله عليهم 1 وهم إحدى الطوائف الأربع المذكورين في قوله تعالى: "الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين": النساء: 69. # وقوله: "وأن أعمل صالحا ترضاه" عطف على قوله: "أن أشكر نعمتك" ومسألته ~~هذه: "أوزعني أن أعمل" إلخ، أمر أرفع قدرا وأعلى منزلة من سؤال التوفيق ~~للعمل الصالح فإن التوفيق يعمل في الأسباب الخارجية بترتيبها بحيث توافق ~~سعادة الإنسان والإيزاع الذي سأله دعوة باطنية في الإنسان إلى السعادة، ~~وعلى هذا فليس من البعيد أن يكون المراد به الوحي الذي أكرم الله به ~~إبراهيم وآله فيما يخبر عنه بقوله: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات" الآية: ~~الأنبياء: 73، وهو التأييد بروح القدس على ما مر في تفسير الآية. # وقوله: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" أي اجعلني منهم، وهذا الصلاح ~~لما لم يتقيد بالعمل كان هو صلاح الذات وهو صلاح النفس في جوهرها الذي ~~يستعد به لقبول أي كرامة إلهية. # ومن المعلوم أن صلاح الذات أرفع قدرا من صلاح العمل ففي قوله: "وأن أعمل ~~صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" تدرج في المسألة من الأدنى ~~إلى الأعلى وقد كان صلاح العمل منسوبا إلى صنعه واختياره بوجه دون صلاح ~~الذات ولذا سأل صلاح الذات من ربه ولم يسأل نفس صلاح العمل بل أن يوزعه أن يعمل. # وفي تبديله سؤال صلاح الذات من سؤال أن يدخله في عباده الصالحين إيذان ~~بسؤاله ما خصهم الله به من المواهب وأغزرها العبودية وقد وصفه الله بها في ~~قوله: "نعم العبد إنه أواب": ص: 30. # قوله تعالى: "وتفقد ms5835 الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين" ~~قال الراغب: التفقد التعهد لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشيء والتعهد تعرف العهد PageV15P181 المتقدم قال تعالى: "وتفقد الطير" انتهى. # استفهم أولا متعجبا من حال نفسه إذ لا يرى الهدهد بين الطير كأنه لم يكن ~~من المظنون في حقه أن يغيب عن موكبه ويستنكف عن امتثال أمره ثم أضرب عن ذلك ~~بالاستفهام عن غيبته. # والمعنى: ما بالي لا أرى الهدهد بين الطيور الملازمة لموكبي بل أكان من ~~الغائبين. # قوله تعالى: "لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين" ~~اللامات للقسم والسلطان المبين البرهان الواضح، يقضي (عليه السلام) على ~~الهدهد أحد ثلاث خصال: العذاب الشديد والذبح وفيهما شقاؤه، والإتيان بحجة ~~واضحة وفيه خلاصه ونجاته. # قوله تعالى: "فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ ~~يقين" ضمير "فمكث" لسليمان ويحتمل أن يكون للهدهد ويؤيد الأول سابق السياق ~~والثاني لاحقه، والمراد بالإحاطة العلم الكامل، وقوله: "وجئتك" إلخ، بمنزلة ~~عطف التفسير لقوله: "أحطت" إلخ، وسبأ بلدة باليمن كانت عاصمته يومئذ والنبأ ~~الخبر الذي له أهمية، واليقين ما لا شك فيه. # والمعنى: فمكث سليمان - أو فمكث الهدهد - زمانا غير بعيد - ثم حضر فسأله ~~سليمان عن غيبته وعاتبه - فقال أحطت من العلم بما لم تحط به وجئتك من سبإ ~~بخبر مهم لا شك فيه. # ومنه يظهر أن في الآية حذفا وإيجازا، وقد قيل: إن في قول الهدهد: "أحطت ~~بما لم تحط به" كسرا لسورة سليمان (عليه السلام) فيما شدد عليه. # قوله تعالى: "إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم" ~~الضمير في "تملكهم" لأهل سبإ وما يتبعها وقوله: "وأوتيت من كل شيء" وصف ~~لسعة ملكها وعظمته وهو القرينة على أن المراد بكل شيء في الآية كل شيء هو ~~من لوازم الملك العظيم من حزم وعزم وسطوة ومملكة عريضة وكنوز وجنود مجندة ~~ورعية مطيعة، وخص بالذكر من بينها عرشها العظيم. # قوله تعالى: "وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ms5836 الله" إلخ، أي إنهم # من عبدة الشمس من الوثنيين. # وقوله: "وزين لهم الشيطان أعمالهم" بمنزلة عطف التفسير لما سبقه وهو مع ~~ذلك توطئة لقوله بعد: "فصدهم عن السبيل" لأن تزيين الشيطان لهم أعمالهم ~~التي هي سجدتهم وسائر تقرباتهم هو الذي صرفهم ومنعهم عن سبيل الله وهي ~~عبادته وحده. # وفي إطلاق السبيل من غير إضافتها إليه تعالى إشارة إلى أنها السبيل ~~المتعينة للسبيلية بنفسها للإنسان بالنظر إلى فطرته بل لكل شيء بالنظر إلى ~~الخلقة العامة. # وقوله: "فهم لا يهتدون" تفريع على صدهم عن السبيل إذ لا سبيل مع الصد عن ~~السبيل فلا اهتداء، فافهمه. # قوله تعالى: "ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ~~ما تخفون وما تعلنون" القراءة الدائرة "إلا" - بتشديد اللام - مؤلف من "أن ~~ولا" وهو عطف بيان من "أعمالهم"، والمعنى: زين لهم الشيطان أن لا يسجدوا ~~لله، وقيل: بتقدير لام التعليل، والمعنى: زين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا ~~يسجدوا لله. # والخبء على ما في مجمع البيان، المخبوء وهو ما أحاط به غيره حتى منع من ~~إدراكه وهو مصدر وصف به يقال: خبأته أخبئه خبأ وما يوجده الله تعالى فيخرجه ~~من العدم إلى الوجود يكون بهذه المنزلة. # انتهى. # ففي قوله: "يخرج الخبء في السماوات والأرض" استعارة كأن الأشياء مخبوءة ~~مستورة تحت أطباق العدم فيخرجها الله تعالى إلى الوجود واحدا بعد آخر فيكون ~~تسمية الإيجاد بعد العدم إخراجا للخبء قريبا من تسميته بالفطر وتوصيفه ~~تعالى بأنه فاطر السماوات والأرض والفطر هو الشق كأنه يشق العدم فيخرج ~~الأشياء. # ويمكن حمل الجملة على الحقيقة من غير استعارة لكنه مفتقر إلى بيان موضعه ~~غير هذا الموضع. # وقيل: المراد بالخبء الغيب وإخراجه العلم به وهو كما ترى. # وقوله: "ويعلم ما تخفون وما تعلنون" بالتاء على الخطاب أي يعلم سركم ~~وعلانيتكم، وقرأ الأكثرون بالياء على الغيبة وهو أرجح. # وملخص الحجة: أنهم إنما يسجدون للشمس دون الله تعظيما لها على ما أودع ~~الله سبحانه في طباعها من الآثار الحسنة والتدبير العام للعالم الأرضي ~~وغيره، والله ms5837 الذي PageV15P182 أخرج جميع الأشياء من العدم إلى الوجود ومن الغيب إلى الشهادة فترتب على ~~ذلك نظام التدبير من أصله - ومن جملتها الشمس وتدبيرها - أولى بالتعظيم ~~وأحق أن يسجد له، مع أنه لا معنى لعبادة ما لا شعور له بها ولا شعور للشمس ~~بسجدتهم والله سبحانه يعلم ما يخفون وما يعلنون فالله سبحانه هو المتعين ~~للسجدة والتعظيم لا غير. # وبهذا البيان تبين وجه اتصال قوله تلوا "الله لا إله إلا هو" إلخ. # قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم" من تمام كلام الهدهد ~~وهو بمنزلة التصريح بنتيجة البيان الضمني السابق وإظهار الحق قبال باطلهم ~~ولذا أتى أولا بالتهليل الدال على توحيد العبادة ثم ضم إليه قوله: "رب ~~العرش العظيم" الدال على انتهاء تدبير الأمر إليه فإن العرش الملكي هو ~~المقام الذي تجتمع عنده أزمة الأمور وتصدر منه الأحكام الجارية في الملك. # وفي قوله: "رب العرش العظيم" مناسبة محاذاة أخرى مع قوله في وصف ملكة ~~سبإ: "ولها عرش عظيم" ولعل قول الهدهد هذا هو الذي دعا - أو هو من جملة ما ~~دعا - سليمان (عليه السلام) أن يأمر أن يأتوا بعرشها إليه ليخضع لعظمة ربه ~~كل عظمة. # قوله تعالى: "قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين" الضمير لسليمان (عليه ~~السلام). # أحال القضاء في أمر الهدهد إلى المستقبل فلم يصدقه في قوله لعدم بينة ~~عليه بعد ولم يكذبه لعدم الدليل على كذبه بل وعده أن يجرب ويتأمل. # قوله تعالى: "اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا ~~يرجعون" حكاية قول سليمان خطابا للهدهد كأنه قيل: فكتب سليمان كتابا ثم قال ~~للهدهد: اذهب بكتابي هذا إليهم أي إلى ملكة سبإ وملئها فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم أي تنح عنهم وقع في مكان تراهم فانظر ما ذا يرجعون أي ما ذا يرد بعضهم ~~من الجواب على بعض إذا تكلموا فيه. # وقوله: "فألقه" بسكون الهاء وصلا ووقفا في جميع القراءات وهي هاء السكت، ~~ومما قيل في الآية: إن قوله "ثم تول ms5838 عنهم فانظر" إلخ، من قبيل التقديم ~~والتأخير والأصل فانظر ما ذا يرجعون ثم تول عنهم: وهو كما ترى. # قوله تعالى: "قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه # بسم الله الرحمن الرحيم" في الكلام حذف وإيجاز والتقدير فأخذ الهدهد ~~الكتاب وحمله إلى ملكة سبإ حتى إذا أتاها ألقاه إليها فأخذته ولما قرأته ~~قالت لملئها وأشراف قومها يا أيها الملؤا "إلخ". # فقوله: "قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي كتاب كريم" حكاية ذكرها لملئها ~~أمر الكتاب وكيفية وصوله إليها ومضمونه، وقد عظمته إذ وصفته بالكرم. # وقوله: "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم" ظاهره أنه تعليل ~~لكون الكتاب كريما أي والسبب فيه أنه من سليمان ولم يكد يخفى عليها جبروت ~~سليمان وما أوتيه من الملك العظيم والشوكة العجيبة كما اعترفت بذلك في ~~قولها على ما حكاه الله بعد: "وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين". # "وإنه بسم الله الرحمن الرحيم: أي الكتاب باسمه تعالى فهو كريم لذلك ~~والوثنيون جميعا قائلون بالله سبحانه يرونه رب الأرباب وإن لم يعبدوه، ~~وعبدة الشمس منهم وهم من شعب الصابئين يعظمونه ويعظمون صفاته وإن كانوا ~~يفسرون الصفات بنفي النقائص والأعدام فيفسرون العلم والقدرة والحياة ~~والرحمة مثلا بانتفاء الجهل والعجز والموت والقسوة فكون الكتاب باسم الله ~~الرحمن الرحيم يستدعي كونه كريما، كما أن كونه من سليمان العظيم يستدعي ~~كونه كريما، وعلى هذا فالكتاب أي مضمونه هو قوله: "ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين" وأن مفسرة. # ومن العجيب ما عن جمع من المفسرين أن قوله: "إنه من سليمان" استئناف وقع ~~جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: ممن الكتاب وما ذا فيه فقالت: إنه من سليمان ~~إلخ، وعلى هذا يكون قوله: وإنه بسم الله بيانا للكتاب أي لمتنه وأن الكتاب ~~هو "بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين". # ويتوجه عليهم أولا: وقوع لفظة أن زائدة لا فائدة لها ولذا قال بعضهم: ~~إنها مصدرية و"لا" نافية لا ناهية وهو وجه سخيف كما سيأتي. PageV15P183 # وثانيا: بيان ms5839 الوجه في كون الكتاب كريما فقيل: وجه كرامته أنه كان مختوما ~~ففي الحديث: إكرام الكتاب ختمه حتى ادعى بعضهم أن معنى كرامة الكتاب ختمه، ~~يقال: أكرمت الكتاب فهو كريم إذا ختمته، وقيل: إنها سمته كريما لجودة # خطه وحسن بيانه، وقيل: لوصوله إليها على منهاج غير عادي، وقيل: لظنها ~~بسبب إلقاء الطير أنه كتاب سماوي إلى غير ذلك من الوجوه. # وأنت خبير بأنها تحكمات غير مقنعة، والظاهر أن الذي أوقعهم فيما وقعوا ~~حملهم قوله: "وإنه بسم الله - إلى قوله - مسلمين" على حكاية متن الكتاب ~~وذلك ينافي حمل قوله: "إنه من سليمان وإنه بسم الله" إلخ، على تعليل كرامة ~~الكتاب ويدفعه أن ظاهر أن المفسرة في قوله: "ألا تعلوا علي" إلخ، أنه نقل ~~لمعنى الكتاب ومضمونه لا حكاية متنه فمحصل الآيتين أن الكتاب كان مبدوا ~~ببسم الله الرحمن الرحيم وأن مضمونه النهي عن العلو عليه والأمر بأن يأتوه ~~مسلمين فلا محذور أصلا. # قوله تعالى: "ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين" أن مفسرة تفسر مضمون كتاب ~~سليمان كما تقدمت الإشارة إليه. # وقول بعضهم: إنها مصدرية و"لا" نافية أي عدم علوكم علي، سخيف لاستلزامه ~~أولا: تقدير مبتدإ أو خبر محذوف من غير موجب، وثانيا: عطف الإنشاء وهو ~~قوله: "وأتوني" على الإخبار. # والمراد بعلوهم عليه، استكبارهم عليه، وبقوله: "وأتوني مسلمين" إسلامهم ~~بمعنى الانقياد على ما يؤيده قوله: "ألا تعلوا علي" دون الإسلام بالمعنى ~~المصطلح وهو الإيمان بالله سبحانه وإن كان إتيانهم منقادين له يستلزم ~~إيمانهم بالله على ما يستفاد من سياق قول الهدهد وسياق الآيات الآتية، ولو ~~كان المراد بالإيمان المعنى المصطلح كان المناسب له أن يقال: أن لا تعلوا ~~على الله. # وكون سليمان (عليه السلام) نبيا شأنه الدعوة إلى الإسلام لا ينافي ذلك ~~فإنه كان ملكا رسولا وكانت دعوته إلى الانقياد المطلق تستلزم ذلك كما تقدم ~~وقد انتهت إلى إسلامها لله كما حكى الله تعالى عنها "وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين". # قوله تعالى: "قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا ms5840 حتى ~~تشهدون" الإفتاء إظهار الفتوى وهي الرأي، وقطع الأمر القضاء به والعزم عليه ~~والشهادة الحضور وهذا استشارة منها لهم تقول: أشيروا علي في هذا الأمر الذي ~~واجهته وهو الذي يشير إليه كتاب سليمان - وإنما أستشيركم فيه لأني لم أكن ~~حتى اليوم # أستبد برأيي في الأمور بل أقضي وأعزم عن إشارة وحضور منكم. # فالآية تشير إلى فصل ثان من كلامها مع ملئها بعد الفصل الأول الذي ~~أخبرتهم فيه بكتاب سليمان (عليه السلام) وكيفية وصوله وما فيه. # قوله تعالى: "قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ما ~~ذا تأمرين" القوة ما يتقوى به على المطلوب وهي هاهنا الجند الذي يتقوى به ~~على دفع العدو وقتاله، والبأس الشدة في العمل والمراد به النجدة والشجاعة. # والآية تتضمن جواب الملإ لها يسمعونها أولا ما يطيب له نفسها ويسكن به ~~قلقها ثم يرجعون إليها الأمر يقولون طيبي نفسا ولا تحزني فإن لنا من القوة ~~والشدة ما لا نهاب به عدوا وإن كان هو سليمان ثم الأمر إليك مري بما شئت ~~فنحن مطيعوك. # قوله تعالى: "قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة وكذلك يفعلون" إفساد القرى تخريبها وإحراقها وهدم أبنيتها، وإذلال ~~أعزة أهلها هو بالقتل والأسر والسبي والإجلاء والتحكم. PageV15P184 # كان رأيها على ما يستفاد من هاتين الآيتين - - - زيادة التبصر في أمر ~~سليمان (عليه السلام) بأن ترسل إليه من يختبر حاله ويشاهد مظاهر نبوته ~~وملكه فيخبر الملكة بما رأى حتى تصمم هي العزم على أحد الأمرين: الحرب أو ~~السلم وكان الظاهر من كلام الملإ "حيث بدءوا في الكلام معها بقولهم نحن ~~أولو قوة وأولو بأس شديد، أنهم يميلون إلى القتال لذلك أخذت أولا تذم الحرب ~~ثم نصت على ما هو رأيها فقالت: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها" إلخ، أي ~~إن الحرب لا تنتهي إلا إلى غلبة أحد المتحاربين وفيها فساد القرى وذلة ~~أعزتها فليس من الحزم الإقدام عليها مع قوة العدو وشوكته مهما كانت إلى ~~السلم والصلح سبيل إلا لضرورة ms5841 ورأيي الذي أراه أن أرسل إليهم بهدية ثم أنظر ~~بما ذا يرجع المرسلون من الخبر وعند ذلك أقطع بأحد الأمرين الحرب أو السلم. # فقوله: "إن الملوك إذا دخلوا" إلخ، توطئة لقوله بعد: "وإني مرسلة إليهم ~~بهدية فناظرة" إلخ. # وقوله: "وجعلوا أعزة أهلها أذلة" أبلغ وآكد من قولنا مثلا: استذلوا ~~أعزتها لأنه مع الدلالة على تحقق الذلة يدل على تلبسهم بصفة الذلة. # وقوله: "وكذلك يفعلون" مسوق للدلالة على الاستمرار بعد دلالة قوله: ~~"أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة" على أصل الوقوع، وقيل: إن الجملة من كلام ~~الله سبحانه لا من تمام كلام ملكة سبإ وليس بسديد إذ لا اقتضاء في المقام ~~لمثل هذا التصديق. # قوله تعالى: "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون" أي مرسلة ~~إلى سليمان وهذا نوع من التجبر والاعتزاز الملوكي تصون لسانها عن اسمه ~~وتنسب الأمر إليه وإلى من معه جميعا وأيضا تشير به إلى أنه يفعل ما يفعل ~~بأيدي أعضاده وجنوده وإمداد رعيته. # وقوله: "فناظرة بم يرجع المرسلون" أي حتى أعمل عند ذلك بما تقتضيه الحال ~~وهذا - كما تقدم - هو رأي ملكة سبإ ويعلم من قوله: "المرسلون" أن الحامل ~~للهدية كان جمعا من قومها كما يستفاد من قول سليمان بعد: "ارجع إليهم" أنه ~~كان للقوم المرسلين رئيس يرأسهم. # قوله تعالى: "فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما ~~آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون" ضمير جاء للمال الذي أهدي إليه أو للرسول ~~الذي جاء بالهدية. # والاستفهام في قوله: "أتمدونن بمال" للتوبيخ والخطاب للرسول والمرسل ~~بتغليب الحاضر على الغائب، وتوبيخ القوم من غير تعيين الملكة من بينهم نظير ~~قولها فيما تقدم: "وإني مرسلة إليهم بهدية" كما أشرنا إليه. # وجوز أن يكون الخطاب للمرسلين وكانوا جماعة وهو خطأ فإن الإمداد لم يكن ~~من المرسلين بل ممن أرسلهم فلا معنى لتوجيه التوبيخ إليهم خاصة، وتنكير ~~المال للتحقير، والمراد بما آتاني الله الملك والنبوة. # والمعنى: أتمدونني بمال حقير لا قدر له عندي في جنب ما آتاني الله فما ~~آتاني ms5842 الله من النبوة والملك والثروة خير مما آتاكم. # وقوله: "بل أنتم بهديتكم تفرحون" إضراب عن التوبيخ بإمداده بالمال إلى ~~التوبيخ بفرحهم بهديتهم أي إن إمدادكم إياي بمال لا قدر له عندي في جنب ما ~~آتاني الله قبيح وفرحكم بهديتكم لاستعظامكم لها وإعجابكم بها أقبح. # وقيل: المراد بهديتكم الهدية التي تهدى إليكم، والمعنى: بل أنتم تفرحون بما # يهدى إليكم من الهدية لحبكم زيادة المال وأما أنا فلا أعتد بمال الدنيا هذا. # وبعده ظاهر. # قوله تعالى: "ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها ~~أذلة وهم صاغرون" الخطاب لرئيس المرسلين، وضمائر الجمع راجعة إلى ملكة سبإ ~~وقومها، والقبل الطاقة، وضمير "بها" لسبإ، وقوله: "وهم صاغرون" تأكيد لما ~~قبله، واللام في "فلنأتينهم" و"لنخرجنهم" للقسم. # لما كان ظاهر تبديلهم امتثال أمره - وهو قوله: "وأتوني مسلمين" من إرسال ~~الهدية هو الاستنكاف عن الإسلام قدر بحسب المقام أنهم غير مسلمين له فهددهم ~~بإرسال جنود لا قبل لهم بها ولذلك فرع إتيانهم بالجنود على رجوع الرسول من ~~غير أن يشترطه بعدم إتيانهم مسلمين فقال: "ارجع إليهم فلنأتينهم" إلخ، ولم ~~يقل: ارجع فإن لم يأتوني مسلمين فلنأتينهم إلخ، وإن كان مرجع المعنى إليه ~~فإن إرسال الجنود وإخراجهم من سبإ على حال الذلة كان مشروطا به على أي حال. # والسياق يشهد أنه (عليه السلام) رد إليهم هديتهم ولم يقبلها منهم. PageV15P185 # قوله تعالى: "قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين" ~~كلام تكلم به بعد رد الهدية وإرجاع الرسل، وفيه إخباره أنهم سيأتونه مسلمين ~~وإنما أراد الإتيان بعرشها قبل حضورها وقومها عنده ليكون دلالة ظاهرة على ~~بلوغ قدرته الموهوبة من ربه ومعجزة باهرة لنبوته حتى يسلموا لله كما يسلمون ~~له ويستفاد ذلك من الآيات التالية. # قوله تعالى: "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني ~~عليه لقوي أمين" العفريت - على ما قيل - المارد الخبيث، وقوله: "آتيك به" ~~اسم فاعل أو فعل مضارع من الإتيان، والأول أنسب للسياق لدلالته على التلبس ms5843 ~~بالفعل وكونه أنسب لعطف قوله: "وإني عليه" إلخ، وهو جملة اسمية عليه. # كذا قيل. # وقوله: "وإني عليه لقوي أمين" الضمير للإتيان أي أنا للإتيان بعرشها لقوي ~~لا يثقل علي حمله ولا يجهدني نقله أمين لا أخونك في هذا الأمر. # قوله تعالى: "قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك" مقابلته لمن قبله دليل # على أنه كان من الإنس، وقد وردت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) أنه كان آصف بن برخيا وزير سليمان ووصيه، وقيل: هو الخضر، وقيل: ~~رجل كان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب وقيل: جبرئيل، وقيل: هو ~~سليمان نفسه، وهي وجوه لا دليل على شيء منها. # وأيا ما كان وأي من كان ففصل الكلام مما قبله من غير أن يعطف عليه ~~للاعتناء بشأن هذا العالم الذي أتى بعرشها إليه في أقل من طرفة العين، وقد ~~اعتني بشأن علمه أيضا إذ نكر فقيل: علم من الكتاب أي علم لا يحتمل اللفظ وصفه. # والمراد بالكتاب الذي هو مبدأ هذا العلم العجيب إما جنس الكتب السماوية ~~أو اللوح المحفوظ، والعلم الذي أخذه هذا العالم منه كان علما يسهل له ~~الوصول إلى هذه البغية وقد ذكر المفسرون أنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي ~~إذا سئل به أجاب، وربما ذكر بعضهم أن ذلك الاسم هو الحي القيوم، وقيل: ذو ~~الجلال والإكرام، وقيل: الله الرحمن، وقيل: هو بالعبرانية آهيا شراهيا، ~~وقيل: إنه دعا بقوله: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ~~ائتني بعرشها. # إلى غير ذلك مما قيل. # وقد تقدم في البحث عن الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من الكتاب أن من ~~المحال أن يكون الاسم الأعظم الذي له التصرف في كل شيء من قبيل الألفاظ ولا ~~المفاهيم التي تدل عليها وتكشف عنها الألفاظ بل إن كان هناك اسم له هذا ~~الشأن أو بعض هذا الشأن فهو حقيقة الاسم الخارجية التي ينطبق عليها مفهوم ~~اللفظ نوعا من الانطباق وهي الاسم حقيقة واللفظ الدال عليها ms5844 اسم الاسم. # ولم يرد في لفظ الآية نبأ من هذا الاسم الذي ذكروه بل الذي تتضمنه الآية ~~أنه كان عنده علم من الكتاب، وأنه قال: أنا آتيك به، ومن المعلوم مع ذلك أن ~~الفعل فعل الله حقيقة، وبذلك كله يتحصل أنه كان له من العلم بالله ~~والارتباط به ما إذا سأل ربه شيئا بالتوجه إليه لم يتخلف عن الاستجابة وإن ~~شئت فقل: إذا شاءه الله سبحانه. # ويتبين مما تقدم أيضا أن هذا العلم لم يكن من سنخ العلوم الفكرية التي ~~تقبل الاكتساب والتعلم. # وقوله: "أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك" الطرف - على ما قيل - # اللحظ والنظر وارتداد الطرف وصول المنظور إليه إلى النفس وعلم الإنسان ~~به، فالمراد أنا آتيك به في أقل من الفاصلة الزمانية بين النظر إلى الشيء ~~والعلم به. # وقيل: الطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر، وارتداده هو انضمامها ولكونه ~~أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد فقيل: قبل أن يرتد ~~إليك طرفك ولم يقل: قبل أن يرد. # هذا. # وقد أخطأ فالطرف كالتنفس من أفعال الإنسان الاختيارية غير أن الذي يبعث ~~إليه هو الطبيعة كما في التنفس ولذلك لا يحتاج في صدوره إلى ترو سابق كما ~~يحتاج إليه في أمثال الأكل والشرب، فالفعل الاختياري ما يرتبط إلى إرادة ~~الإنسان وهو أعم مما يسبقه التروي، والذي أوقع هذا القائل فيما وقع ظنه ~~التساوي بين الفعل الصادر عن اختيار والصادر عن ترو، ولعل النكتة في إيثار ~~الارتداد على الرد هي أن الفعل لعدم توقفه على التروي كأنه يقع بنفسه لا عن ~~مشية من اللاحظ. PageV15P186 # والخطاب في قوله: "أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك" لسليمان (عليه ~~السلام) فهو الذي يريد الإتيان به إليه وهو الذي يراد الإتيان به إليه. # وقيل: الخطاب للعفريت القائل: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك والمراد ~~بالذي عنده علم من الكتاب عند هذا القائل هو سليمان، وإنما قاله له إظهارا ~~لفضل النبوة وأن الذي أقدره الله عليه بتعليمه علما من ms5845 الكتاب أعظم مما ~~يتبجح به العفريت من القدرة، فالمعنى: قال سليمان للعفريت لما قال ما قال: ~~أنا آتيك بالعرش قبل ارتداد طرفك. # وقد أصر في التفسير الكبير، على هذا القول وأورد لتأييده وجوها وهي وجوه ~~رديئة وأصل القول لا يلائم السياق كما أومأنا إليه. # قوله تعالى: "فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي" إلى آخر الآية، ~~أي لما رأى سليمان العرش مستقرا عنده قال هذا، أي حضور العرش واستقراره ~~عندي في أقل من طرفة العين من فضل ربي من غير استحقاق مني ليبلوني أي ~~يمتحنني أأشكر نعمته أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه أي يعود نفعه إليه ~~لا إلى ربي ومن كفر فلم يشكر فإن ربي غني كريم - وفي ذيل الكلام تأكيد لما ~~في صدره من حديث الفضل -. # وقيل: المشار إليه بقوله "هذا" هو التمكن من إحضاره بالواسطة أو بالذات. # وفيه أن ظاهر قوله: "فلما رآه مستقرا عنده قال" إلخ، إن هذا الثناء مرتبط ~~بحال الرؤية والذي في حال الرؤية هو حضور العرش عنده دون التمكن من الإحضار ~~الذي كان متحققا منذ زمان. # وفي الكلام حذف وإيجاز، والتقدير فأذن له سليمان في الإتيان به كذلك فأتى ~~به كما قال: "فلما رآه مستقرا عنده" وفي حذف ما حذف دلالة بالغة على سرعة ~~العمل كأنه لم يكن بين دعواه الإتيان به كذلك وبين رؤيته مستقرا عنده فصل أصلا. # قوله تعالى: "قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا ~~يهتدون قال في المفردات:، تنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف، ~~قال تعالى: "قال نكروا لها عرشها" وتعريفه جعله بحيث يعرف. # انتهى. # والسياق يدل على أن سليمان (عليه السلام) إنما قاله حينما قصدته ملكة سبإ ~~وملؤها لما دخلوا عليه، وإنما أراد بذلك اختبار عقلها كما أنه أراد بأصل ~~الإتيان به إظهار آية باهرة من آيات نبوته لها، ولذا أمر بتنكير العرش ثم ~~رتب عليه قوله: "ننظر أتهتدي" إلخ، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "فلما جاءت قيل أهكذا ms5846 عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من ~~قبلها وكنا مسلمين" أي فلما جاءت الملكة سليمان (عليه السلام) قيل له من ~~جانب سليمان: "أهكذا عرشك" وهو كلمة اختبار. # ولم يقل: أهذا عرشك بل زيد في التنكير فقيل: أهكذا عرشك؟ فاستفهم عن ~~مشابهة عرشها لهذا العرش المشار إليه في هيئته وصفاته، وفي نفس هذه الجملة ~~نوع من التنكير. # وقوله: "قالت كأنه هو" المراد به أنه هو وإنما عبرت بلفظ التشبيه تحرزا ~~من الطيش والمبادرة إلى التصديق من غير تثبت، ويكنى عن الاعتقادات ~~الابتدائية التي لم يتثبت عليها غالبا بالتشبيه. # وقوله: "وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين" ضمير "قبلها" لهذه الآية أي ~~الإتيان بالعرش أو لهذه الحالة أي رؤيتها له بعد ما جاءت، وظاهر السياق ~~أنها تتمة # كلام الملكة فهي لما رأت العرش وسألت عن أمره أحست أن ذلك منهم تلويح إلى ~~ما آتى الله سليمان من القدرة الخارقة للعادة فأجابت بقولها: "وأوتينا ~~العلم من قبلها" إلخ، أي لا حاجة إلى هذا التلويح والتذكير فقد علمنا ~~بقدرته قبل هذه الآية أو هذه الحالة وكنا مسلمين لسليمان طائعين له. # وقيل: قوله: "وأوتينا العلم" إلخ، من كلام سليمان، وقيل: من كلام قوم ~~سليمان، وقيل من كلام الملكة، لكن المعنى وأوتينا العلم بإتيان العرش قبل ~~هذه الحال - وهي جميعا وجوه رديئة -. # قوله تعالى: "وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين" ~~الصد: المنع والصرف، ومتعلق الصد الإسلام لله وهو الذي ستشهد به حين تؤمر ~~بدخول الصرح فتقول: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وأما قولها في الآية ~~السابقة: "وكنا مسلمين" فهو إسلامها وانقيادها لسليمان (عليه السلام). # هذا ما يعطيه سياق الآيات وللقوم وجوه أخر في معنى الآية أضربنا عنها. PageV15P187 # وقوله: "إنها كانت من قوم كافرين" في مقام التعليل للصد، والمعنى: ومنعها ~~عن الإسلام لله ما كانت تعبد من دون الله وهي الشمس على ما تقدم في نبإ ~~الهدهد والسبب فيه أنها كانت من قوم كافرين فاتبعتهم في كفرهم. # قوله تعالى: "قيل لها ms5847 ادخلي الصرح" إلى آخر الآية، الصرح هو القصر وكل ~~بناء مشرف والصرح الموضع المنبسط المنكشف من غير سقف، واللجة المعظم من ~~الماء والممرد اسم مفعول من التمريد وهو التمليس، والقوارير الزجاج. # وقوله: "قيل لها ادخلي الصرح" كأن القائل بعض خدم سليمان مع حضور من ~~سليمان ممن كان يهديها إلى الدخول عليه على ما هو الدأب في وفود الملوك ~~والعظماء على أمثالهم. # وقوله: "فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها" أي لما رأت الصرح ظنت أنه ~~لجة لما كان عليه الزجاج من الصفاء كالماء وكشفت عن ساقيها بجمع ثيابها ~~لئلا تبتل بالماء أذيالها. # وقوله: "قال إنه صرح ممرد من قوارير" القائل هو سليمان نبهها أنه ليس بلجة # بل صرح مملس من زجاج فلما رأت ما رأت من عظمة ملك سليمان وقد كانت رأت ~~سابقا ما رأت من أمر الهدهد ورد الهدية والإتيان بعرشها لم تشك أن ذلك من ~~آيات نبوته من غير أن يؤتى بحزم أو تدبير وقالت عند ذلك: رب إني ظلمت نفسي إلخ. # وقوله: "وقالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين" ~~استغاثت أولا بربها بالاعتراف بالظلم إذ لم تعبد الله من بدء أو من حين رأت ~~هذه الآيات ثم شهدت بالإسلام لله مع سليمان. # وفي قوله: "وأسلمت مع سليمان لله" التفات بالنسبة إليه تعالى من الخطاب ~~إلى الغيبة ووجهه الانتقال من إجمال الإيمان بالله إذ قالت: رب إني ظلمت ~~نفسي" إلى التوحيد الصريح فإنها تشهد أن إسلامها لله مع سليمان فهو على نهج ~~إسلام سليمان وهو التوحيد ثم تؤكد التصريح بتوصيفه تعالى برب العالمين فلا ~~رب غيره تعالى لشيء من العالمين وهو توحيد الربوبية المستلزم لتوحيد ~~العبادة الذي لا يقول به مشرك. # كلام في قصة سليمان (عليه السلام) # 1 - ما ورد من قصصه في القرآن: # لم يرد من قصصه (عليه السلام) في القرآن الكريم إلا نبذة يسيرة غير أن ~~التدبر فيها يهدي إلى عامة قصصه ومظاهر شخصيته الشريفة. # منها: وراثته لأبيه داود قال تعالى: "ووهبنا ms5848 لداود سليمان": (عليهما ~~السلام): 30، وقال "وورث سليمان داود": النمل: 16. # ومنها: إيتاؤه الملك العظيم وتسخير الجن والطير والريح له وتعليمه منطق ~~الطير وقد تكرر ذكر هذه النعم في كلامه تعالى كما في سورة البقرة الآية 102 ~~والأنبياء الآية 81، والنمل الآية 16 - 18، وسبإ الآية 12 - 13 وص الآية 35 - 39. # ومنها: الإشارة إلى قصة إلقاء جسد على كرسيه كما في سورة ص الآية 33. # ومنها: الإشارة إلى عرض الصافنات الجياد عليه كما في سورة ص الآية 31 - 33. # ومنها: الإشارة إلى تفهيمه الحكم في الغنم التي نفشت في الحرث كما في ~~سورة الأنبياء الآية 78 - 79. # ومنها: الإشارة إلى حديث النملة كما في سورة النمل الآية 18 - 19. # ومنها: قصة الهدهد وما يتبعها من قصته (عليه السلام) مع ملكة سبإ سورة ~~النمل الآية 20 - 44. # ومنها: الإشارة إلى كيفية موته (عليه السلام) كما في سورة سبإ الآية 14. # وقد أوردنا ما يخص بكل من هذه القصص من الكلام في ذيل الآيات المشيرة ~~إليها الموضوعة في هذا الكتاب. # 2 - الثناء عليه في القرآن: # ورد اسمه (عليه السلام) في بضعة عشر موضعا من كلامه تعالى وقد أكثر ~~الثناء عليه فسماه عبدا أوابا قال تعالى: "نعم العبد إنه أواب": ص: 30، ~~ووصفه بالعلم والحكم قال تعالى: "ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما": ~~الأنبياء: 79 "وقال ولقد آتينا داود وسليمان علما": النمل: 15 وقال: "وقال ~~يا أيها الناس علمنا منطق الطير": النمل: 16، وعده من النبيين المهديين قال ~~تعالى: "وأيوب ويونس وهارون وسليمان": النساء: 163، وقال: "ونوحا هدينا من ~~قبل ومن ذريته داود وسليمان": الأنعام: 84. # 3 - ذكره (عليه السلام) PageV15P188 في العهد العتيق: وقعت قصته في كتاب الملوك الأول وقد أطيل فيه في حشمته ~~وجلالة أمره وسعة ملكه ووفور ثروته وبلوغ حكمته غير أنه لم يذكر فيه شيء من ~~قصصه المشار إليها في القرآن إلا ما ذكر أن ملكة سبإ لما سمعت خبر سليمان ~~وبناءه وبيت الرب بأورشليم وما أوتيه من الحكمة أتت إليه ومعها هدايا كثيرة ~~فلاقته وسألته عن مسائل تمتحنه بها فأجاب عنها ثم رجعت ms5849 1. # وقد أساء العهد العتيق القول فيه (عليه السلام) فذكر 2 أنه (عليه السلام) ~~انحرف في آخر عمره عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام فسجد لأوثان كانت ~~تعبدها بعض أزواجه. # وذكر أن والدته كانت زوج أوريا الحتي فعشقها داود (عليه السلام) ففجر بها ~~فحبلت منه فاحتال في قتل زوجها أوريا حتى قتل في بعض الحروب فضمها إلى ~~أزواجه فحبلت منه ثانيا وولدت له سليمان. # والقرآن الكريم ينزه ساحته (عليه السلام) عن أول الرميتين بما ينزه به ~~ساحة جميع الأنبياء بالنص على هدايتهم وعصمتهم وقال فيه خاصة: "وما كفر ~~سليمان": البقرة: 102. # وعن الثانية بما يحكيه من دعائه (عليه السلام) لما سمع قول النملة: "رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي": النمل: 19، فقد بينا في ~~تفسيره أن فيه دلالة على أن والدته كانت من أهل الصراط المستقيم الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. # 4 - الروايات الواردة في قصصه (عليه السلام) # : الأخبار المروية في قصصه وخاصة في قصة الهدهد وما يتبعها من أخباره مع ~~ملكة سبإ يتضمن أكثرها أمورا غريبة قلما يوجد نظائرها في الأساطير الخرافية ~~يأباها العقل السليم ويكذبها التاريخ القطعي وأكثرها مبالغة ما روي عن ~~أمثال كعب ووهب. # وقد بلغوا من المبالغة أن ما رووا أنه (عليه السلام) ملك جميع الأرض، ~~وكان ملكه سبعمائة سنة، وأن جميع الإنس والجن والوحش والطير كانوا جنوده، ~~وأنه كان يوضع في مجلسه حول عرشه ستمائة ألف كرسي يجلس عليها ألوف من ~~النبيين ومئات الألوف من أمراء الإنس والجن. # وأن ملكة سبإ كانت أمها من الجن، وكانت قدمها كحافر الحمارة وكانت تستر ~~قدميها عن أعين النظار حتى كشفت عن ساقيها حينما أرادت دخول الصرح فبان ~~أمرها، وقد بلغ من شوكتها أنه كان تحت يدها أربعمائة ملك كل ملك على كورة ~~تحت يد كل ملك أربعمائة ألف مقاتل ولها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها ولها ~~اثنا عشر ألف قائد تحت يد كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل إلى غير ذلك من ~~أعاجيب الأخبار ms5850 التي لا يسعنا إلا أن نعدها من الإسرائيليات ونصفح عنها 1 ### |||| AUTO بحث روائي # في الاحتجاج، روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه (عليهم السلام): ~~أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك وبلغها ذلك جاءت ~~إليه وقالت له: يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ ~~لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ ~~يقول: وورث سليمان داود. # الحديث. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله عز وجل: "فهم يوزعون" قال: يحبس أولهم على آخرهم. # وفي الاحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال: والناظرة في ~~بعض اللغة هي المنتظرة ألم تسمع إلى قوله: "فناظرة بم يرجع المرسلون" وفي ~~البصائر، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن اسم الله ~~الأعظم على ثلاث وسبعين حرفا وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به ~~فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض ~~كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفا، وحرف ~~عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم:. أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ورواه ~~في الكافي، عن جابر عن أبي جعفر وعن النوفلي عن أبي الحسن صاحب العسكر ~~(عليه السلام). # وقوله: "إن الاسم الأعظم كذا حرفا وكان عند آصف حرف تكلم به" لا ينافي ما ~~قدمنا أن هذا الاسم ليس من قبيل الألفاظ فإن نفس هذا السياق يدل على أن ~~المراد بالحرف غير الحرف اللفظي والتعبير به من جهة أن المعهود عند الناس ~~من الاسم الاسم اللفظي المؤلف من الحروف الملفوظة. PageV15P189 # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "قبل أن يرتد إليك طرفك" ذكر في ذلك وجوه إلى ~~أن قال والخامس أن الأرض طويت له: وهو المروي عن أبي عبد الله ms5851 (عليه ~~السلام). # أقول: وما رواه من الطي لا يغاير ما تقدمت روايته من الخسف. # والذي نقله من الوجوه الأخر خمسة أحدها: أن الملائكة حملته إليه. # الثاني: أن الريح حملته. # الثالث: أن الله خلق فيه حركات متوالية. # الرابع: أنه انخرق مكانه حيث هو هناك ثم نبع بين يدي سليمان. # الخامس: أن الله أعدمه في موضعه وأعاده في مجلس سليمان. # وهناك وجه آخر ذكره بعضهم وهو أن الوجود بتجدد الأمثال بإيجاده وقد أفاض ~~الله الوجود لعرشها في سبإ ثم في الآن التالي عند سليمان. # وهذه الوجوه بين ممتنع كالخامس وبين ما لا دليل عليه كالباقي. # وفيه، وروى العياشي في تفسيره، بالإسناد قال: التقى موسى بن محمد بن علي ~~بن موسى ويحيى بن أكثم فسأله. قال: فدخلت على أخي علي بن محمد (عليهما ~~السلام) إذ دار بيني وبينه من المواعظ حتى انتهيت إلى طاعته فقلت له: جعلت ~~فداك إن ابن أكثم سألني عن مسائل أفتيه فيها فضحك ثم قال: هل أفتيته فيها ~~قلت: لا. قال: ولم؟ قلت: لم أعرفها قال: ما هي؟ قلت: قال: أخبرني عن سليمان ~~أكان محتاجا إلى علم آصف بن برخيا؟ ثم ذكرت المسائل الأخر: قال: اكتب يا ~~أخي بسم الله الرحمن الرحيم سألت عن قول الله تعالى في كتابه: "قال الذي ~~عنده علم من الكتاب" فهو آصف بن برخيا ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف ~~لكنه أحب أن تعرف أمته من الجن والإنس أنه الحجة من بعده وذلك من علم ~~سليمان أودعه آصف بأمر الله ففهمه الله ذلك لئلا يختلف في إمامته ودلالته ~~كما فهم سليمان في حياة داود ليعرف إمامته ونبوته من بعده لتأكيد الحجة على ~~الخلق:. أقول: وأورد الرواية في روح المعاني، عن المجمع ثم قال: وهو كما ~~ترى انتهى ولا ترى لاعتراضه هذا وجها غير أنه رأى حديث الإمامة فيها فلم يعجبه. # وفي نور الثقلين، عن الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كن لما ~~لا ترجو أرجى منك لما ترجو إلى أن قال ms5852 وخرجت ملكة سبإ فأسلمت مع سليمان ~~(عليه السلام). PageV15P190 ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 45 - 53 # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لو لا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طئركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الأرض ولا يصلحون (48) ~~قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصدقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف ~~كان عقبة مكرهم أنا دمرنهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ~~إن فى ذلك لاية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون (53) ### |||| AUTO بيان # إجمال من قصة صالح النبي (عليه السلام) وقومه، وجانب الإنذار في الآيات ~~يغلب على جانب التبشير كما تقدمت الإشارة إليه. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا" - إلى قوله - - يختصمون" ~~الاختصام والتخاصم التنازع وتوصيف التثنية بالجمع أعني قوله: "فريقان" ~~بقوله: "يختصمون" لكون المراد بالفريقين مجموع الأمة و"إذا" فجائية. # والمعنى: وأقسم لقد أرسلنا إلى قوم ثمود أخاهم ونسيبهم صالحا وكان المرجو ~~أن يجتمعوا على الإيمان لكن فاجأهم أن تفرقوا فريقين مؤمن وكافر يختصمون ~~ويتنازعون في الحق كل يقول: الحق معي، ولعل المراد باختصامهم ما حكاه الله ~~عنهم في موضع آخر بقوله: "قال الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ~~آمن منهم أتعلمون # أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا ~~إنا بالذي آمنتم به كافرون": الأعراف: 76. # ومن هنا يظهر أن أحد الفريقين جمع من المستضعفين آمنوا به والآخر ~~المستكبرون وباقي المستضعفين ممن اتبعوا كبارهم. # قوله تعالى: "قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة" إلخ الاستعجال ~~بالسيئة قبل الحسنة المبادرة إلى سؤال العذاب قبل الرحمة التي سببها ~~الإيمان والاستغفار. # وبه يظهر أن صالحا (عليه السلام) إنما وبخهم بقوله هذا بعد ما عقروا ~~الناقة وقالوا له: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من ms5853 المرسلين فيكون قوله: ~~"لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون" تحضيضا إلى الإيمان والتوبة لعل الله ~~يرحمهم فيرفع عنهم ما وعدهم من العذاب وعدا غير مكذوب. # قوله تعالى: "قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله" إلخ التطير ~~هو التشؤم، وكانوا يتشأمون كثيرا بالطير ولذا سموا التشؤم تطيرا ونصيب ~~الإنسان من الشر طائرا كما قيل. # فقولهم خطابا لصالح: "اطيرنا بك وبمن معك" أي تشأمنا بك وبمن معك ممن آمن ~~بك ولزمك لما أن قيامك بالدعوة وإيمانهم بك قارن ما ابتلينا به من المحن ~~والبلايا فلسنا نؤمن بك. # وقوله خطابا للقوم: "طائركم عند الله" أي نصيبكم من الشر وهو الذي ~~تستوجبه أعمالكم من العذاب عند الله سبحانه. # ولذا أضرب عن قوله: "طائركم عند الله" بقوله: "بل أنتم قوم تفتنون" أي ~~تختبرون بالخير والشر ليمتاز مؤمنكم من كافركم ومطيعكم من عاصيكم. # ومعنى الآية: قال القوم: تطيرنا بك يا صالح وبمن معك فلن نؤمن ولن نستغفر ~~قال صالح: طائركم الذي فيه نصيبكم من الشر عند الله وهو كتاب أعمالكم ولست ~~أنا ومن معي ذوي أثر فيكم حتى نسوق إليكم هذه الابتلاءات بل أنتم قوم ~~تختبرون وتمتحنون بهذه الأمور ليمتاز مؤمنكم من كافركم ومطيعكم من عاصيكم. # وربما قيل: إن الطائر هو السبب الذي منه يصيب الإنسان ما يصيبه من الخير # والشر، فإنهم كما كانوا يتشأمون بالطير كانوا أيضا يتيمنون به والطائر ~~عندهم الأمر الذي يستقبل الإنسان بالخير والشر كما في قوله تعالى: "وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا": إسراء: 13، وإذ ~~كان ما يستقبل الإنسان من خير أو شر هو بقضاء من الله سبحانه مكتوب في كتاب ~~فالطائر هو الكتاب المحفوظ فيه ما قدر للإنسان. PageV15P191 # وفيه أن ظاهر ذيل آية الإسراء أن المراد بالطائر هو كتاب الأعمال دون كتاب ~~القضاء كما يدل عليه قوله: "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". # وقيل: معنى "بل أنتم قوم تفتنون" أي تعذبون، وما ذكرناه أولا أنسب. # قوله تعالى: "وكان في المدينة تسعة رهط" ms5854 إلخ قال الراغب: الرهط العصابة ~~دون العشرة وقيل إلى الأربعين انتهى، وقيل: الفرق بين الرهط والنفر أن ~~الرهط من الثلاثة أو السبعة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة انتهى. # قيل: المراد بالرهط الأشخاص ولذا وقع تمييزا للتسعة لكونه في معنى الجمع ~~فقد كان المتقاسمون تسعة رجال. # قوله تعالى: "قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما ~~شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون" التقاسم المشاركة في القسم، والتبييت القصد ~~بالسوء ليلا، وأهل الرجل من يجمعه وإياهم بيت أو نسب أو دين، ولعل المراد ~~بأهله زوجه وولده بقرينة قوله بعد: "ثم لنقولن لوليه ما شهدنا"، وقوله: ~~"وإنا لصادقون" معطوف على قوله: "ما شهدنا" فيكون من مقول القول. # والمعنى: قال الرهط المفسدون وقد تقاسموا بالله: لنقتلنه وأهله بالليل ثم ~~نقول لوليه إذا عقبنا وطلب الثأر ما شهدنا هلاك أهله وإنا لصادقون في هذا ~~القول، ونفي مشاهدة مهلك أهله نفي لمشاهدة مهلك نفسه بالملازمة أو ~~الأولوية، على ما قيل. # وربما قيل: إن قوله: "وإنا لصادقون" حال من فاعل نقول أي نقول لوليه كذا ~~والحال أنا صادقون في هذا القول لأنا شهدنا مهلكه وأهله جميعا لا مهلك أهله فقط. # ولا يخفى ما فيه من التكلف وقد وجه بوجوه أخر أشد تكلفا منه ولا ملزم ~~لأصل الحالية. # قوله تعالى: "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون" أما مكرهم فهو ~~التواطىء على تبييته وأهله والتقاسم بشهادة السياق السابق وأما مكره تعالى ~~فهو تقديره هلاكهم جميعا بشهادة السياق اللاحق. # قوله تعالى: "فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين" ~~التدمير الإهلاك، وضمائر الجمع للرهط، وكون عاقبة مكرهم هو إهلاكهم وقومهم ~~من جهة أن مكرهم استدعى المكر الإلهي على سبيل المجازاة، واستوجب ذلك ~~إهلاكهم وقومهم. # قوله تعالى: "فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا" إلخ، الخاوية الخالية من ~~الخواء بمعنى الخلاء، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون" فيه تبشير للمؤمنين ~~بالإنجاء، وقد أردفه بقوله: "وكانوا يتقون" إذ التقوى كالمجن للإيمان وقد ~~قال تعالى: "والعاقبة للمتقين": الأعراف: ms5855 128، وقال: "والعاقبة للتقوى": ~~طه: 132. PageV15P192 ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 54 - 58 # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال ~~شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجينه وأهله إلا ~~امرأته قدرنها من الغبرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) ### |||| AUTO بيان # إجمال قصة لوط (عليه السلام) وهي كسابقتها في غلبة جانب الإنذار على جانب ~~التبشير. # قوله تعالى: "ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون" معطوف على ~~موضع "أرسلنا" في القصة السابقة بفعل مضمر والتقدير ولقد أرسلنا لوطا. # كذا قيل، ويمكن أن يكون معطوفا على أصل القصة بتقدير اذكر والفاحشة هي ~~الخصلة البالغة في الشناعة والمراد بها اللواط. # وقوله: "وأنتم تبصرون" أي وأنتم في حال يرى بعضكم بعضا وينظر بعضكم إلى ~~بعض حين الفحشاء فهو على حد قوله في موضع آخر: "وتأتون في ناديكم المنكر: ~~العنكبوت: 29، وقيل: المراد إبصار القلب ومحصله العلم بالشناعة وهو بعيد. # قوله تعالى: "أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~تجهلون" الاستفهام للإنكار، ودخول أداتي التأكيد - إن واللام - على الجملة ~~الاستفهامية للدلالة على أن مضمون الجملة من الاستبعاد بحيث لا يصدقه أحد ~~والجملة على أي حال في محل التفسير للفحشاء. # وقوله: "بل أنتم قوم تجهلون" أي مستمرون على الجهل لا فائدة في توبيخكم ~~والإنكار عليكم فلستم بمرتدعين، ووضع "تجهلون" بصيغة الخطاب موضع "يجهلون" ~~من وضع المسبب موضع السبب كأنه قيل: "بل أنتم قوم يجهلون فأنتم تجهلون". # قوله تعالى: "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون" أي يتنزهون عن هذا العمل وهو وارد مورد الاستهزاء. # قوله تعالى: "فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين" المراد ~~بأهله أهل بيته لقوله تعالى: "فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين": ~~الذاريات: 36، وقوله: "قدرناها من الغابرين" أي جعلناها من الباقين في ~~العذاب. # قوله تعالى: "وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين" المراد بالمطر ms5856 ~~الحجارة من سجيل لقوله تعالى: "وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل": الحجر: 74، ~~فقوله: "مطرا" يدل بتنكيره على النوعية أي أنزلنا عليهم مطرا له نبأ عظيم. PageV15P193 ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 59 - 81 # قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى ءالله خير أما يشركون (59) أمن ~~خلق السموت والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ~~كان لكم أن تنبتوا شجرها أءله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض ~~قرارا وجعل خللها أنهرا وجعل لها روسى وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله ~~بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم ~~خلفاء الأرض أءله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم فى ظلمت البر ~~والبحر ومن يرسل الريح بشرا بين يدى رحمته أءله مع الله تعلى الله عما ~~يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع ~~الله قل هاتوا برهنكم إن كنتم صدقين (64) قل لا يعلم من فى السموت والأرض ~~الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادرك علمهم فى الاخرة بل هم ~~فى شك منها بل هم منها عمون (66) وقال الذين كفروا أءذا كنا تربا وءاباؤنا ~~أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أسطير ~~الأولين (68) قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة المجرمين (69) ولا ~~تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صدقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون (74) وما من غائبة فى السماء والأرض إلا فى كتب مبين (75) إن هذا ~~القرءان يقص على بنى إسرءيل أكثر الذى هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة ~~للمؤمنين (77) إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) فتوكل على ~~الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت ms5857 بهدى العمى عن ضللتهم إن تسمع إلا من يؤمن ~~بئايتنا فهم مسلمون (81) ### |||| AUTO بيان # انتقال من القصص التي قصها سبحانه وهي نماذج من سنته الجارية في النوع ~~الإنساني من حيث هدايته وإراءته لهم طريق سعادتهم في الحياة وإكرامه من ~~اهتدى منهم إلى الصراط المستقيم بالاصطفاء وعظيم الآلاء وأخذه من أشرك به ~~وأعرض عن ذكره ومكر به بعذاب الاستئصال وأليم النكال. # إلى حمده والسلام على عباده المصطفين وتقرير أنه هو المستحق للعبودية دون ~~غيره مما يشركون ثم سرد الحديث في التوحيد وإثبات المعاد وما يناسب ذلك من # متفرقات المعارف الحقة فسياق آيات السورة شبيه بما في سورة مريم من ~~السياق على ما مر. # قوله تعالى: "قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ء آلله خير أما ~~يشركون" لما قص من قصص الأنبياء وأممهم ما قص وفيها بيان سنته الجارية في ~~الأمم الماضين وما فعل بالمؤمنين منهم من الاصطفاء ومزيد الإحسان كما في ~~الأنبياء منهم وما فعل بالكافرين من العذاب والتدمير - ولم يفعل إلا الخير ~~الجميل ولا جرت سنته إلا على الحكمة البالغة - انتقل منها إلى أمر نبيه بأن ~~يحمده ويثني عليه وأن يسلم على المصطفين من عباده وقرر أنه تعالى هو ~~المتعين للعبادة. # فهو انتقال من القصص إلى التحميد والتسليم والتوحيد وليس باستنتاج وإن ~~كان في حكمه وإلا قيل: فقل الحمد لله "إلخ" أو فالله خير "إلخ". PageV15P194 # فقوله: "قل الحمد لله" أمر بتحميده وفيه إرجاع كل حمد إليه تعالى لما تقرر ~~بالآيات السابقة أن مرجع كل خلق وتدبير إليه وهو المفيض كل خير بحكمته ~~والفاعل لكل جميل بقدرته. # وقوله: "وسلام على عباده الذين اصطفى" معطوف على ما قبله من مقول القول ~~وفي التسليم لأولئك العباد المصطفين نفي كل ما في نفس المسلم من جهات ~~التمانع والتضاد لما عندهم من الهداية الإلهية وآثارها الجميلة - على ما ~~يقتضيه معنى السلام - ففي الأمر بالسلام أمر ضمني بالتهيؤ لقبول ما عندهم ~~من الهدى وآثاره فهو بوجه في معنى قوله تعالى: "أولئك الذين هدى الله ms5858 ~~فبهداهم اقتده": الأنعام: 90، فافهمه. # وقوله: "ء آلله خير أما يشركون" من تمام الخطاب للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والاستفهام للتقرير ومحصل المراد أنه إذا كان الثناء كله لله ~~وهو المصطفى لعباده المصطفين فهو خير من آلهتهم الذين يعبدونهم ولا خلق ولا ~~تدبير لهم يحمدون عليه ولا خير بأيديهم يفيضونه على عبادهم. # قوله تعالى: "أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء" إلى آخر ~~الآية، الحدائق جمع حديقة وهي البستان المحدود المحوط بالحيطان وذات بهجة ~~صفة حدائق، قال في مجمع البيان:، ذات بهجة أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه ~~ولم يقل: ذوات بهجة لأنه أراد تأنيث الجماعة ولو أراد تأنيث الأعيان لقال: # ذوات. # انتهى. # وأم في الآية منقطعة تفيد معنى الإضراب، و"من" مبتدأ خبره محذوف وكذا ~~الشق الآخر من الترديد والاستفهام للتقرير وحملهم على الإقرار بالحق ~~والتقدير على ما يدل عليه السياق بل أمن خلق السماوات والأرض "إلخ" خير أم ~~ما يشركون. # والأمر على هذا القياس في الآيات الأربع التالية. # ومعنى الآية: بل أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم أي لنفعكم من السماء ~~وهي جهة العلو ماء وهو المطر فأنبتنا به أي بذلك الماء بساتين ذات بهجة ~~ونضارة ما كان لكم أي لا تملكون وليس في قدرتكم أن تنبتوا شجرها أإله آخر ~~مع الله سبحانه - وهو إنكار وتوبيخ. # وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب بالنسبة إلى المشركين والنكتة فيه ~~تشديد التوبيخ بتبديل الغيبة حضورا فإن مقام الآيات السابقة على هذه الآية ~~مقام التكلم ممن يخاطب أحد خواصه بحضرة من عبيده المتمردين المعرضين عن ~~عبوديته يبث إليه الشكوى وهو يسمعهم حتى إذا تمت الحجة وقامت البينة كما في ~~قوله: "ء آلله خير أما يشركون" هاج به الوجد والأسف فتوجه إليهم بعد ~~الإعراض فأخذ في حملهم على الإقرار بالحق بذكر آية بعد آية وإنكار شركهم ~~وتوبيخهم عليه بعدولهم عنه إلى غيره وعدم علم أكثرهم وقلة تذكرهم مع تعاليه ~~عن شركهم وعدم برهان منهم على ما يدعون. # وقوله: "بل ms5859 هم قوم يعدلون" أي عن الحق إلى الباطل وعن الله سبحانه إلى ~~غيره وقيل: أي يعدلون بالله غيره ويساوون بينهما. # وفي الجملة التفات من الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إلى المشركين ورجوع إلى ~~خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإضراب فيه لبيان أن لا جدوى للسير ~~في حملهم على الحق فإنهم عادلون عنه. # قوله تعالى: "أمن جعل الأرض قرارا" إلى آخر الآية، القرار مصدر بمعنى اسم ~~الفاعل أي القار المستقر، والخلال جمع خلل بفتحتين وهو الفرجة بين الشيئين، ~~والرواسي جمع راسية وهي الثابتة والمراد بها الجبال الثابتات، والحاجز هو المانع # المتخلل بين الشيئين. # والمعنى: بل أمن جعل الأرض مستقرة لا تميد بكم، وجعل في فرجها التي في ~~جوفها أنهارا وجعل لها جبالا ثابتة وجعل بين البحرين مانعا من اختلاطهما ~~وامتزاجهما هو خير أم ما يشركون؟ والكلام في قوله: "أءله مع الله بل أكثرهم ~~لا يعلمون" كالكلام في نظيره من الآية السابقة. # قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ~~أءله مع الله قليلا ما تذكرون" المراد بإجابة المضطر إذا دعاه استجابة دعاء ~~الداعين وقضاء حوائجهم وإنما أخذ وصف الاضطرار ليتحقق بذلك من الداعي حقيقة ~~الدعاء والمسألة إذ ما لم يقع الإنسان في مضيقة الاضطرار وكان في مندوحة من ~~المطلوب لم يتمحض منه الطلب وهو ظاهر. PageV15P195 # ثم قيده بقوله: "إذا دعاه" للدلالة على أن المدعو يجب أن يكون هو الله ~~سبحانه وإنما يكون ذلك عند ما ينقطع الداعي عن عامة الأسباب الظاهرية ~~ويتعلق قلبه بربه وحده وأما من تعلق قلبه بالأسباب الظاهرية فقط أو ~~بالمجموع من ربه ومنها فليس يدعو ربه وإنما يدعو غيره. # فإذا صدق في الدعاء وكان مدعوه ربه وحده فإنه تعالى يجيبه ويكشف السوء ~~الذي اضطره إلى المسألة كما قال تعالى: "ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60، ~~فلم يشترط للاستجابة إلا أن يكون هناك دعاء حقيقة وأن يكون ذلك الدعاء ~~متعلقا به وحده، وقال أيضا: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان": ms5860 البقرة: 186، وقد فصلنا القول في معنى الدعاء في الجزء ~~الثاني من الكتاب في ذيل الآية. # وبما مر من البيان يظهر فساد قول بعضهم إن اللام في "المضطر" للجنس دون ~~الاستغراق فكم من مضطر يدعو فلا يجاب فالمراد إجابة دعاء المضطر في الجملة ~~لا بالجملة. # وجه الفساد أن مثل قوله: "ادعوني أستجب لكم" وقوله: "فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان" يأبى تخلف الدعاء عن الاستجابة، وقوله: كم من مضطر يدعو # فلا يجاب، غير مسلم إذا كان دعاء حقيقة لله سبحانه وحده كما تقدم بيانه. # على أن هناك آيات كثيرة تدل على أن الإنسان يتوجه عند الاضطرار كركوب ~~السفينة نحو ربه فيدعوه بالإخلاص فيستجاب له كقوله تعالى: "وإذا مس الإنسان ~~الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما الآية،: يونس: 12، وقوله: "حتى إذا ~~كنتم في الفلك إلى قوله وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين": ~~يونس: 22، وكيف يتصور تعلق النفس بتوجهها الغريزي الفطري بأمر لا اطمئنان ~~لها به فما قضاء الفطرة في ذلك إلا كقضائها عند إدراك حاجتها الوجودية إلى ~~من يوجدها ويدبر أمرها أن هناك أمرا يرفع حاجتها وهو الله سبحانه. # فإن قلت: نحن كثيرا ما نتوسل في حوائجنا من الأسباب الظاهرية بما لا نقطع ~~بفعلية تأثيره في رفع حاجتنا وإنما نتعلق به رجاء أن ينفعنا إن نفع. # قلت: هذا توسل فكري مبدؤه الطمع والرجاء وهو غير التوسل الغريزي الفطري ~~نعم في ضمنه نوع من التوجه الغريزي الفطري وهو التسبب بمطلق السبب ومطلق ~~السبب لا يتخلف، فافهم. # وظهر أيضا فساد قول من قال: المراد بالمضطر إذا دعاه المذنب إذا استغفره ~~فإن الله يغفر له وهو إجابته. # وفيه أن إشكال الاستغراق بحاله فما كل استغفار يستتبع المغفرة ولا كل ~~مستغفر يغفر له. # على أنه لا دليل على تقييد إطلاق المضطر بالمذنب العاصي. # وذكر بعضهم: أن الاستغراق بحاله لكن ينبغي تقييد الإجابة بالمشية كما وقع ~~ذلك في قوله تعالى: "فيكشف ما تدعون إليه إن شاء": الأنعام: 41. # وفيه أن الآية واقعة في ms5861 سياق لا تصلح معه لتقييد الإجابة في آية المضطر ~~وهو قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" فالساعة ~~من القضاء المحتوم لا يتعلق بكشفها طلب حقيقي، وأما العذاب الإلهي فإن طلب ~~كشفه بتوبة وإيمان حقيقي فإن الله يكشفه كما كشف عن قوم يونس وإن لم يكن ~~كذلك بل احتيالا للنجاة منه فلا لعدم كونه طلبا حقيقيا بل مكرا في صورة ~~الطلب كما حكاه الله عن فرعون لما # أدركه الغرق "قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين ء الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين: يونس": 91، وحكى عن أقوام ~~آخرين أخذهم بالعذاب: "قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم ~~حتى جعلناهم حصيدا خامدين": الأنبياء: 15. # وبالجملة فمورد قوله: "فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" لما كان مما يمكن أن ~~يكون الطلب فيه حقيقيا أو غير حقيقي كان من اللازم تقييد الكشف والإجابة ~~فيه بالمشية فيكشف الله عنهم إن شاء وذلك في مورد حقيقة الطلب والإيمان ولا ~~يكشف إن لم يشأ وهذا غير مورد آية المضطر وسائر آيات إجابة الدعوة الذي ~~يتضمن حقيقة الدعاء من الله سبحانه وحده. # وقوله: "ويجعلكم خلفاء الأرض" الذي يعطيه السياق أن يكون المراد بالخلافة ~~الخلافة الأرضية التي جعلها الله للإنسان يتصرف بها في الأرض وما فيها من ~~الخليقة كيف يشاء كما قال تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة": البقرة: 30. PageV15P196 # وذلك أن تصرفاته التي يتصرف بها في الأرض وما فيها بخلافته أمور مرتبطة ~~بحياته متعلقة بمعاشه فالسوء الذي يوقعه موقع الاضطرار ويسأل الله كشفه لا ~~محالة شيء من الأشياء التي تمنعه التصرف أو بعض التصرف فيها وتغلق عليه باب ~~الحياة والبقاء وما يتعلق بذلك أو بعض أبوابها ففي كشف السوء عنه تتميم ~~لخلافته. # ويتضح هذا المعنى مزيد اتضاح لو حمل الدعاء والمسألة في قوله: "إذا دعاه" ms5862 ~~على الأعم من الدعاء اللساني كما هو الظاهر من قوله تعالى: "وآتاكم من كل ~~ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34، وقوله: "يسأله من ~~في السماوات والأرض": الرحمن: 29، إذ يكون على هذا جميع ما أوتي الإنسان ~~ورزقه من التصرفات من مصاديق كشف السوء عن المضطر المحتاج إثر دعائه فجعله ~~خليفة يتبع إجابة دعائه وكشف السوء الذي اضطره عنه. # وقيل: المعنى ويجعلكم خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض تسكنون مساكنهم ~~وتتصرفون فيها بعدهم هذا. # وما قدمناه من المعنى أنسب منه للسياق. # وقيل: المعنى: ويجعلكم خلفاء من الكفار بنزول بلادهم وطاعة الله تعالى ~~بعد شركهم وعنادهم. # وفيه أن الخطاب في الآية كسائر الآيات الخمس التي قبلها للكفار لا ~~للمؤمنين كما عليه بناء الوجه. # وقوله: "قليلا ما تذكرون" خطاب توبيخي للكفار وقرىء "يذكرون" بالياء ~~للغيبة وهو أرجح لموافقته ما في ذيل سائر الآيات الخمس كقوله: "بل هم قوم ~~يعدلون" "بل أكثرهم لا يعلمون" وغيرهما، فإن الخطاب فيها جميعا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بطريق الالتفات كما مر بيانه. # قوله تعالى: "أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته" إلخ، والمراد بظلمات البر والبحر ظلمات الليالي في البر والبحر ~~ففيه مجاز عقلي، والمراد بإرسال الرياح بشرا إرسالها مبشرات بالمطر قبيل ~~نزوله والرحمة المطر، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض" إلخ، ~~بدء الخلق إيجاده ابتداء لأول مرة وإعادته إرجاعه إليه بالبعث وتبكيت ~~المشركين بالبدء والإعادة مع إنكارهم البعث كما سيذكره بقوله: "وقال الذين ~~كفروا" إلخ، بناء على ثبوت المعاد بالأدلة القاطعة في كلامه فأخذ كالمسلم ~~ثم استدرك إنكارهم له أو شكهم فيه في الآيات التالية. # وقيل: المراد ببدء الخلق ثم إعادته إيجاد الواحد من نوعه ثم إهلاكه ~~وإيجاد نظيره بعده وبالجملة إيجاد المثل بعد المثل فلا يرد أن المشركين ~~منكرون للمعاد فكيف يحتج به عليهم. # هذا وهو بعيد من ظاهر الآية. # وما تتضمنه الآية من لطائف الحقائق القرآنية ms5863 يفيد أن لا بطلان في الوجود ~~مطلقا بل ما أوجده الله تعالى بالبدء سيرجع إليه بالإعادة وما نشاهده من ~~الهلاك فيها فقدان منا له بعد وجدانه. # وأما ما أجمع عليه المتكلمون من امتناع إعادة المعدوم في بعض الموجودات ~~كالأعراض واختلفوا في جواز إعادة بعض آخر كالجواهر، لا ارتباط له بمسألة ~~البعث على ما تقرره الآية، فإن البعث ليس من باب إعادة المعدوم حتى يمتنع ~~بامتناع إعادته # لو امتنعت بل البعث عود الخلق ورجوعه وهو خلق من غير بطلان إلى ربه ~~المبدىء له. # وقوله: "ومن يرزقكم من السماء والأرض" إشارة إلى ما وقع من تدبيره لأمرهم ~~بين البدء والعود وهو رزقهم بأسباب سماوية كالأمطار وأسبابها والأرضية ~~كعامة ما يتغذى به الإنسان من الأرضيات. # وقوله: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" لما ذكر سبحانه فصولا مشتملة ~~على عامة الخلق والتدبير مع الإشارة إلى ارتباط التدبير بعضه ببعض وارتباط ~~الجميع إلى الخلق وعاد الخلق والتدبير بذلك أمرا واحدا منتسبا إليه قائما ~~به تعالى وأثبت بذلك أنه تعالى هو رب كل شيء وحده لا شريك له وكان لازم ذلك ~~إبطال ألوهية الآلهة التي يدعونها من دون الله. # - وذلك أن الألوهية وهي استحقاق العبادة تتبع الربوبية التي هي تدبير عن ~~ملك فالعبادة على ما يتداولونها إما لتكون شكرا للنعمة أو اتقاء للنقمة ~~وعلى أي حال ترتبط بالتدبير الذي هو من شئون الربوبية -. # - وكان إبطال ألوهية الآلهة من دون الله هو الغرض من الفصول الموردة في ~~هذه الآيات كما يدل على ذلك قوله بعد إيراد كل واحد من الفصول: "أءله مع الله". PageV15P197 # أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "قل هاتوا برهانكم" أن يطالبهم ~~بالبرهان على ما يدعونه من ألوهية آلهتهم ليظهر بانقطاعهم أنهم مجازفون في ~~دعواهم إذ لو استدلوا على ألوهيتها بشيء كان من الواجب أن ينسبوا إليها ~~شيئا من تدبير العالم والحال أن جميع الخلق والتدبير له تعالى وحده. # قوله تعالى: "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون ms5864 أيان يبعثون" لما أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إبطال ألوهية ~~آلهتهم بانتساب الخلق والتدبير إليه تعالى وحده أن يطالبهم بالبرهان على ما ~~يدعونه أمره ثانيا أن يواجههم ببرهان آخر على بطلان ألوهية آلهتهم وهو عدم ~~علمهم بالغيب وعدم شعورهم بالساعة وأنهم أيان يبعثون مع أنه لا يعلم أحد ~~ممن في السماوات والأرض - ومنهم آلهتهم الذين هم الملائكة # والجن وقديسو البشر - الغيب وما يشعرون أيان يبعثون، ولو كانوا آلهة لهم ~~تدبير أمر الخلق - ومن التدبير الجزاء يوم البعث - لعلموا بالساعة. # وقد ظهر بهذا البيان أن قوله: "لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله" برهان مستقل على بطلان ألوهية آلهتهم واختصاص الألوهية به تعالى وحده ~~وأن قوله: "وما يشعرون أيان يبعثون" من عطف أوضح أفراد الغيب عليه وأهمها ~~علما بالنسبة إلى أمر التدبير. # وظهر أيضا أن ضميري الجمع في "وما يشعرون أيان يبعثون" لمن في السماوات ~~لعدم تمام البيان بدونه. # فقول بعضهم: إن الضمير للمشركين وإن كان عدم الشعور بما ذكر عاما لئلا ~~يلزم التفكيك بينه وبين الضمائر الآتية الراجعة إليهم قطعا. # فيه أنه ينافي ما سيقت له الآية الكريمة من البيان كما قدمنا الإشارة ~~إليه والتفكيك بين الضمائر مع وجود القرينة لا بأس به. # قوله تعالى: "بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها ~~عمون" ادارك في الأصل تدارك والتدارك تتابع أجزاء الشيء بعضها بعد بعض حتى ~~تنقطع ولا يبقى منها شيء، ومعنى تدارك علمهم في الآخرة أنهم صرفوا ما عندهم ~~من العلم في غيرها حتى نفد علمهم فلم يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة على ~~حد قوله تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك ~~مبلغهم من العلم": النجم: 30 و"عمون" جمع عمي. # لما انتهى احتجاجه تعالى إلى ذكر عدم شعور أحد غيره تعالى بوقت البعث ~~وتبكيت المشركين بذلك رجع إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره أنهم ~~في معزل عن الخطاب بذلك إذ لا ms5865 خبر لهم عن شيء عن أمور الآخرة فضلا عن وقت ~~قيام الساعة وذلك أنهم صرفوا ما عندهم من العلم في جهات الحياة الدنيا فهم ~~في جهل مطلق بالنسبة إلى أمور الآخرة بل هم في شك من الآخرة يرتابون في ~~أمرها كما يظهر من احتجاجاتهم على نفيها المبنية على الاستبعاد بل هم منها ~~عمون والله أعمى قلوبهم عن التصديق بها والاعتقاد بوجودها. # وقد ظهر بهذا البيان أن تكرر كلمة الإضراب لبيان مراتب الحرمان من العلم ~~بالآخرة وأنهم في أعلاها، فقوله: "بل ادارك علمهم في الآخرة" أي لا علم لهم ~~بها كأنها لم تقرع سمعهم، وقوله: "بل هم في شك منها" أي أنه قرع سمعهم ~~خبرها وورد قلوبهم لكنهم ارتابوا ولم يصدقوا بها، وقوله: "بل هم منها عمون" ~~أي إنهم لم ينقطعوا عن الاعتقاد بها من عند أنفسهم وباختيار منهم بل الله ~~سبحانه أعمى أبصار قلوبهم فصاروا عمين فهيهات أن يدركوا من أمرها شيئا. # وقيل: المراد بتدارك علمهم تكامله وبلوغه حد اليقين لتكامل الحجج الدالة ~~على حقية البعث والجملة مسوقة للتهكم، وفيه أنه لا يلائم ما يتبعه من ~~الإضراب بالشك والعمى. # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون - ~~إلى قوله - الأولين" حكاية حجة منهم لنفي البعث مبنية على الاستبعاد أي كيف ~~يمكن أن نخرج من الأرض بشرا تامين كما نحن اليوم وقد متنا وكنا ترابا نحن ~~وآباؤنا كذلك؟. PageV15P198 # وقوله: "لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل" حجة أخرى منهم مبنية على ~~الاستبعاد أي لقد وعدنا هذا وهو البعث بعد الموت نحن وآباؤنا وعدوه قبل أن ~~يعدنا هذا النبي والذين وعدوا قبلا هم الأنبياء الماضون فهو وعد قديم لم ~~نزل نوعد به ولو كان خبرا صادقا ووعدا حقا لوقع إلى هذا اليوم وإذ لم يقع ~~فهو من الخرافات التي اختلقها الأولون وكانوا مولعين باختلاق الأوهام ~~والخرافات والإصغاء إليها. # قوله تعالى: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين" إنذار ~~وتخويف لهم على إنكارهم وعد الأنبياء بالبعث بأمرهم أن ms5866 يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة المجرمين المكذبين للأنبياء المنذرين لهم بالبعث فإن ~~في النظر إلى عاقبة أمرهم على ما تدل عليه مساكنهم الخربة وديارهم الخالية ~~كفاية للمعتبرين من أولي الأبصار، وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين لطف ~~بالمؤمنين في ترك الجرائم. # كذا قيل. # ويمكن أن تقرر الآية حجة تدل على المعاد وتقريبها أن انتهاء عاقبة أمر ~~المجرمين # إلى عذاب الاستئصال دليل على أن الإجرام والظلم من شأنه أن يؤاخذ عليه ~~وأن العمل إحسانا كان أو إجراما محفوظ على عامله سيحاسب عليه وإذ لم تقع ~~عامة هذا الحساب والجزاء - وخاصة على الأعمال الصالحة - في الدنيا فذلك لا ~~محالة في نشأة أخرى وهي الدار الآخرة. # فتكون الآية في معنى قوله تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28، ويؤيد هذا التقرير ~~قوله: "عاقبة المجرمين" ولو كان المراد تهديد مكذبي الرسل وتخويفهم كان ~~الأنسب أن يقال: عاقبة المكذبين، كما تقدمت الإشارة إليه. # قوله تعالى: "ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون" أي لا يحزنك ~~إصرارهم على الكفر والجحود ولا يضق صدرك من مكرهم لإبطال دعوتك وصدهم الناس ~~عن سبيل الله فإنهم بعين الله وليسوا بمعجزيه وسيجزيهم بأعمالهم. # فالآية مسوقة لتطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوله: "ولا ~~تكن في ضيق" إلخ، معطوف على ما قبله عطف التفسير. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" الظاهر أن المراد ~~بالوعد الوعد بعذاب المجازاة أعم من الدنيا والآخرة، والسياق يؤيد ذلك ~~والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون" قالوا: إن اللام ~~في "ردف لكم" مزيدة للتأكيد، كالباء في قوله: "ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة": البقرة: 198، والمعنى تبعكم ولحق بكم، وقيل: إن ردف مضمن معنى ~~فعل يعدى باللام. # والمراد ببعض الذي يستعجلونه هو عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فإنهم كانوا ~~يستعجلون إنجاز ما وعدهم الله من الحكم الفصل، وهو ملازم لعذابهم، وعذابهم ~~في الدنيا بعض العذاب الذي ms5867 يستعجلونه باستنجاز الوعد، ولعل مراد الآية به ~~عذاب يوم بدر كما قيل. # قالوا: إن "عسى ولعل" من الله تعالى واجب لأن حقيقة الترجي مبنية على # الجهل ولا يجوز عليه تعالى ذلك فمعنى قوله: "عسى أن يكون ردف لكم" ~~سيردفكم ويأتيكم العذاب محققا. # وفيه أن معنى الترجي والتمني ونحوهما كما جاز أن يقوم بنفس المتكلم يجوز ~~أن يقوم بالمقام أو بالسامع أو غيرهما وهو في كلامه تعالى قائم بغير ~~المتكلم من المقام وغيره وما في الآية من الجواب لما أرجع إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كان الرجاء المدلول عليه بكلمة عسى قائما بنفسه ~~الشريفة والمعنى: قل أرجو أن يكون ردف لكم العذاب. # وفي تفسير أبي السعود:، وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم ~~بها، وإنما يطلقونها إظهارا للوقار، وإشعارا بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ~~ممن عداهم وعلى ذلك مجرى وعد الله تعالى ووعيده انتهى وهو وجه وجيه. # ومعنى الآية: قل لهؤلاء السائلين عن وقت الوعد: أرجو أن يكون تبعكم بعض ~~الوعد الذي تستعجلونه وهو عذاب الدنيا الذي يقربكم من عذاب الآخرة ويؤديكم ~~إليه، وفي التعبير بقوله: "ردف لكم" إيماء إلى قربه. # قوله تعالى: "وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون" معنى ~~الآية في نفسها ظاهر ووقوعها في سياق التهديد والتخويف يفيد أن تأخيره ~~تعالى العذاب عنهم مع استحقاقهم ذلك إنما هو فضل منه عليهم يجب عليهم شكره ~~عليه لكنهم لا يشكرونه ويسألون تعجيله. PageV15P199 # قوله تعالى: "وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون" أي إن تأخير العذاب ~~ليس عن جهل منه تعالى بحالهم وما يستحقونه بالكفر والجحود فإنه يعلم ما ~~تستره وتخفيه صدورهم وما يظهرونه. # ثم أكد ذلك بأن كل غائبة - وهي ما من شأنه أن يغيب ويخفى في أي جهة من ~~جهات العالم كان - مكتوب محفوظ عنده تعالى وهو قوله: "وما من غائبة في ~~السماء والأرض إلا في كتاب مبين". # قوله تعالى: "إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل" - إلى قوله - العزيز ~~العليم" تطييب ms5868 لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتمهيد لما سيذكره من ~~حقية دعوته وتقوية لإيمان المؤمنين به، وبهذا الوجه يتصل بقوله قبلا: "ولا ~~تحزن عليهم" إلخ المشعر بحقية دعوته. # فقوله: "إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون" ~~يشير إلى ما يقصه القرآن من قصص الأنبياء ويبين الحق فيما اختلفوا فيه من ~~أمرهم ومنه أمر المسيح (عليه السلام) ويبين الحق فيما اختلفوا فيه من ~~المعارف والأحكام. # وقوله: "وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين" يشير إلى أنه يهدي المؤمنين بما قصه ~~على بني إسرائيل إلى الحق وأنه رحمة لهم تطمئن به قلوبهم ويثبت الإيمان ~~بذلك في نفوسهم. # وقوله: "إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم" إشارة إلى أن القضاء ~~بينهم إلى الله فهو ربه العزيز الذي لا يغلب في أمره العليم لا يجهل ولا ~~يخطىء في حكمه فهو القاضي بينهم بحكمه فلترض نفس النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بربه العزيز العليم قاضيا حكما ولترجع الأمر إليه كما ينبغي أن تفعل ~~مثل ذلك في حق المشركين ولا تحزن عليهم ولا تكون في ضيق مما يمكرون. # قوله تعالى: "فتوكل على الله إنك على الحق المبين" تفريع على مجموع ما ~~أمر به قبال كفر المشركين واختلاف بني إسرائيل أي إن أمرهم جميعا إلى الله ~~لا إليك فاتخذه وكيلا فهو كافيك ولا تخافن شيئا إنك في أمن من الحق. # قوله تعالى: "إنك لا تسمع الموتى - إلى قوله - فهم مسلمون" تعليل للأمر ~~بالتوكل أي إنما أمرناك بالتوكل على الله في أمر إيمانهم وكفرهم لأنهم موتى ~~وليس في وسعك أن تسمع الموتى دعوتك وإنهم صم لا يسمعون وعمي ضالون لا تقدر ~~على إسماع الصم إذا ولوا مدبرين - ولعله قيد عدم إسماع الصم بقوله: "إذا ~~ولوا مدبرين" لأنهم لو لم يكونوا مدبرين لأمكن تفهيمهم بنوع من الإشارة - ~~ولا على هداية العمي عن ضلالتهم، وإنما الذي تقدر عليه هو أن تسمع من يؤمن ~~بآياتنا الدالة علينا وتهديهم فإنهم لإذعانهم بتلك الحجج الحقة مسلمون لنا ~~مصدقون ms5869 بما تدل عليه. # وقد تبين بهذا البيان أولا أن المراد بالإسماع الهداية. # وثانيا: أن المراد بالآيات الحجج الدالة على التوحيد وما يتبعه من ~~المعارف الحقة. # وثالثا: أن من تعقل الحجج الحقة من آيات الآفاق والأنفس بسلامة من العقل ~~ثم استسلم لها بالإيمان والانقياد ليس هو من الموتى ولا ممن ختم الله على ~~سمعه وبصره. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وسلام على عباده الذين اصطفى" قال: هم ~~آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).: أقول: ورواه أيضا في جمع الجوامع، ~~عنهم (عليهم السلام) مرسلا مضمرا، وقد عرفت فيما تقدم من البيان في ذيل ~~الآية أن الذي يعطيه السياق أن المراد بهم بحسب مورد الآية الأنبياء ~~المنعمون بنعمة الاصطفاء وقد قص الله قصص جمع منهم فقوله (عليه السلام) - ~~لو صحت الرواية - هم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبيل الجري ~~والانطباق. # ونظيرها ما رواه في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الكتب عن ابن عباس،: ~~في الآية قال: هم أصحاب محمد فهو - لو صحت الرواية - إجراء منه وتطبيق. # ومنه يظهر ما فيما رواه أيضا عن عبد بن حميد وابن جرير عن سفيان الثوري: ~~في الآية قال: نزلت في أصحاب محمد خاصة، فلا نزول ولا اختصاص. # وفي تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: "بل هم قوم يعدلون" قال: عن الحق. # وفيه،: في قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه" الآية،: حدثني أبي عن ~~الحسن بن علي بن فضال عن صالح بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~نزلت في القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو والله المضطر إذا ~~صلى في المقام ركعتين ودعا إلى الله عز وجل فأجابه ويكشف السوء ويجعله ~~خليفة في الأرض. PageV15P200 # أقول: والرواية أيضا من الجري والآية عامة. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه لأن ~~الله تعالى يقول: ms5870 "أمن يجيب المضطر إذا دعاه - ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض" فالخلافة من الله عز وجل فإن كان خيرا فهو يذهب به وإن كان شرا فهو ~~يؤخذ به، عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله به. # أقول: الرواية لا تخلو من شيء فقد تقدم أن المراد بالخلافة في الآية - ~~على ما يشهد به السياق - الخلافة الأرضية المقدرة لكل إنسان وهو السلطة على ~~ما في الأرض بأنواع التصرف دون الخلافة بمعنى الحكومة على الأمة بإدارة رحى ~~مجتمعهم. # ومع الغض عن ذلك فمتن الرواية لا يخلو عن تدافع فإن كان المراد بكون ~~الخلافة من الله تعالى أن سلطانه على الناس بتقدير من الله وبعبارة أخرى ~~انتسابها التكويني إلى الله سبحانه كما ورد في ملك نمرود من قوله تعالى: ~~"أن آتاه الله الملك": البقرة: 258، وقوله حكاية عن فرعون: "أليس لي ملك ~~مصر": الزخرف: 51، فمن البين أن الخلافة بهذا المعنى لا تستتبع وجوب الطاعة ~~وحرمة المخالفة وإلا كان نقضا لأصل الدعوة الدينية وإيجابا لطاعة أمثال ~~نمرود وفرعون وكم لها من نظير، وإن كان المراد به الجعل الوضعي الديني ~~وبعبارة أخرى انتسابها التشريعي إلى الله تعالى ثم وجبت طاعته فيما يأمر به ~~وإن كان معصية كان ذلك نقضا صريحا للأحكام، وإن كان الواجب طاعته في غير ~~معصية الله لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق" جازت مفارقة الجماعة في الجملة وهو يناقض صدر الرواية. # ونظير الإشكال يجري في قوله ذيلا: "عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله به" ~~فلو كان المراد مما أمر الله به طاعته مقام الخلافة وإن كان في معصية كان ~~نقضا صريحا لتشريع الأحكام وإن كان المراد به طاعة الله وإن استلزم معصية ~~مقام الخلافة كان ناقضا لصدر الرواية. # وقد اتضح اليوم بالأبحاث الاجتماعية أن إمضاء حكومة من لا يحترم القوانين ~~المقدسة الجارية لا يرضى به مجتمع عاقل رشيد فمن الواجب تنزيه ساحة مشرع ~~الدين عن ذلك، والقول بأن مصلحة حفظ وحدة الكلمة واتفاق الأمة أهم من حفظ ~~بعض الأحكام ms5871 بالمفارقة معناه جواز هدم حقيقة الدين لحفظ اسمه. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد ~~والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسروق قال: كنت ~~متكئا عند عائشة فقالت عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله ~~الفرية. قلت: وما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله ~~الفرية قال: وكنت متكئا فجلست وقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجلي علي ~~ألم يقل الله: "ولقد رآه بالأفق المبين" "ولقد رآه نزلة أخرى"؟ # فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال: جبرئيل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته ~~منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. قالت: ألم تسمع ~~الله عز وجل يقول: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار - وهو اللطيف ~~الخبير"؟ أولم تسمع الله يقول: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا إلى ~~قوله علي حكيم". ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله ~~الفرية والله جل ذكره يقول: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس". قالت: ومن زعم أنه يخبر ~~الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول: "قل لا ~~يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. أقول: وفي متن الرواية شيء أما ~~آيات الرؤية فإنما تنفي رؤية الحس دون رؤية القلب وهي من الرؤية وراء ~~الإيمان الذي هو الاعتقاد وقد أشبعنا الكلام فيها في الموارد المناسبة له. PageV15P201 # وأما قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ" الآية فقد أوضحنا في تفسير الآية ~~أنها خاصة غير عامة ولو فرضت عامة فإنما تدل على أن كل ما أنزل إليه مما ~~فيه رسالة وجب عليه تبليغه ومن الجائز أن ms5872 ينزل إليه ما يختص علمه به (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيكتمه عن غيره. # وأما قوله: "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله" فلا يدل ~~إلا على اختصاص علم الغيب بالذات به تعالى كسائر آيات اختصاص الغيب به، ولا ~~ينفي علم الغير به بتعليم منه تعالى كما يشير إليه قوله: "عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": الجن: 27، وقد حكى الله سبحانه ~~نحوا من هذا الإخبار عن المسيح (عليه السلام) إذ قال: "وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون": آل عمران: 49، ومن المعلوم أن القائل إن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان يخبر الناس بما يكون في غد لا ينفي كون ذلك بتعليم من الله له. # وقد تواترت الأخبار على تفرقها وتنوعها من طرق الفريقين على إخباره (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بكثير من الحوادث المستقبلة. PageV15P202 ### ||| AUTO 27 سورة النمل - 82 - 93 # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بئايتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بئايتنا فهم ~~يوزعون (83) حتى إذا جاءو قال أكذبتم بئايتى ولم تحيطوا بها علما أما ذا ~~كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا ~~أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ذلك لايت لقوم يؤمنون (86) ~~ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموت ومن فى الأرض إلا من شاء الله وكل ~~أتوه دخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذى ~~أتقن كل شىء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من ~~فزع يومئذ ءامنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم فى النار هل تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل ~~شىء وأمرت أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرءان فمن اهتدى فإنما ~~يهتدى لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم ~~ءايته ms5873 فتعرفونها وما ربك بغفل عما تعملون (93) ### |||| AUTO بيان # هي من تمام الفصل السابق من الآيات تشير إلى البعث وبعض ما يلحق به من ~~الأمور الواقعة فيه وبعض أشراطه وتختم السورة بما يرجع إلى مفتتحها من ~~الإنذار والتبشير. # قوله تعالى "وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" مقتضى السياق - بما أن الآية متصلة بما ~~قبلها من الآيات الباحثة عن أمر المشركين المعاصرين للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أو خصوص أهل مكة من قريش وقد كانوا أشد الناس عداوة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ودعوته - أن ضمائر "عليهم" و"لهم" و"تكلمهم" للمشركين ~~المحدث عنهم لكن لا لخصوصهم بل بما أنهم ناس معنيون بالدعوة فالمراد ~~بالحقيقة عامة الناس من هذه الأمة من حيث وحدتهم فيلحق بأولهم من الحكم ما ~~يلحق بآخرهم وهذا النوع من العناية كثير الورود في كلامه تعالى. # والمراد بوقوع القول عليهم تحقق مصداق القول فيهم وتعينهم لصدقه عليهم ~~كما في الآية التالية: "ووقع القول عليهم بما ظلموا" أي حق عليهم العذاب، ~~فالجملة في معنى "حق عليهم القول" وقد كثر وروده في كلامه تعالى، والفرق ~~بين التعبيرين أن العناية في "وقع القول عليهم" بتعينهم مصداقا للقول وفي ~~"حق عليهم القول" باستقرار القول وثبوته فيهم بحيث لا يزول. # وأما ما هو هذا القول الواقع عليهم فالذي يصلح من كلامه تعالى لأن يفسر ~~به قوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق: حم ~~السجدة: 53، فإن المراد بهذه الآيات التي سيريهم غير الآيات السماوية ~~والأرضية التي هي بمرآهم ومسمعهم دائما قطعا بل بعض آيات خارقة للعادة تخضع ~~لها وتضطر للإيمان بها أنفسهم في حين لا يوقنون بشيء من آيات السماء والأرض ~~التي هي تجاه أعينهم وتحت مشاهدتهم. # وبهذا يظهر أن قوله: أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون تعليل لوقوع القول ~~عليهم والتقدير لأن الناس، وقوله: كانوا لإفادة استقرار عدم الإيقان فيهم ~~والمراد بالآيات الآيات المشهودة من السماء والأرض غير الآيات ms5874 الخارقة، ~~وقرىء إن بكسر # الهمزة وهي أرجح من قراءة الفتح فيؤيد ما ذكرناه وتكون الجملة بلفظها ~~تعليلا من دون تقدير اللام. PageV15P203 # وقوله: أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم بيان لآية خارقة من الآيات ~~الموعودة في قوله: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق وفي كونه وصفا لأمر خارق للعادة دلالة على أن المراد بالإخراج من ~~الأرض إما الإحياء والبعث بعد الموت وإما أمر يقرب منه، وأما كونها دابة ~~تكلمهم فالدابة ما يدب في الأرض من ذوات الحياة إنسانا كان أو حيوانا غيره ~~فإن كان إنسانا كان تكليمه الناس على العادة وإن كان حيوانا أعجم كان ~~تكليمه كخروجه من الأرض خرقا للعادة. # ولا نجد في كلامه تعالى ما يصلح لتفسير هذه الآية وأن هذه الدابة التي ~~سيخرجها لهم من الأرض فتكلمهم ما هي؟ وما صفتها؟ وكيف تخرج؟ وما ذا تتكلم ~~به؟ بل سياق الآية نعم الدليل على أن القصد إلى الإبهام فهو كلام مرموز فيه. # ومحصل المعنى: أنه إذا آل أمر الناس - وسوف يئول - إلى أن كانوا لا ~~يوقنون بآياتنا المشهودة لهم وبطل استعدادهم للإيمان بنا بالتعقل والاعتبار ~~آن وقت أن نريهم ما وعدنا إراءته لهم من الآيات الخارقة للعادة المبينة لهم ~~الحق بحيث يضطرون إلى الاعتراف بالحق فأخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم. # هذا ما يعطيه السياق ويهدي إليه التدبر في الآية من معناها، وقد أغرب ~~المفسرون حيث أمعنوا في الاختلاف في معاني مفردات الآية وجملها والمحصل ~~منها وفي حقيقة هذه الدابة وصفتها ومعنى تكليمها وكيفية خروجها وزمان ~~خروجها وعدد خروجها والمكان الذي تخرج منه في أقوال كثيرة لا معول فيها إلا ~~على التحكم، ولذا أضربنا عن نقلها والبحث عنها، ومن أراد الوقوف عليها ~~فعليه بالمطولات. # قوله تعالى: ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون الفوج ~~كما ذكره الراغب - الجماعة المارة المسرعة، والإيزاع إيقاف القوم وحبسهم ~~بحيث يرد أولهم على آخرهم. # وقوله: ويوم نحشر منصوب على الظرفية لمقدر والتقدير واذكر يوم نحشر ms5875 ~~والمراد بالحشر هو الجمع بعد الموت لأن المحشورين فوج من كل أمة ولا اجتماع لجميع # الأمم في زمان واحد وهم أحياء، ومن في قوله: من كل أمة للتبعيض، وفي ~~قوله: ممن يكذب للتبيين أو للتبعيض. # والمراد بالآيات في قوله: يكذب بآياتنا مطلق الآيات الدالة على المبدإ ~~والمعاد ومنها الأنبياء والأئمة والكتب السماوية دون الساعة وما يقع فيها ~~وعند قيامها ودون الآيات القرآنية فقط لأن الحشر ليس مقصورا على الأمة ~~الإسلامية بل أفواج من أمم شتى. # ومن العجيب إصرار بعضهم على أن الكلام نص في أن المراد بالآيات هاهنا وفي ~~الآية التالية هي الآيات القرآنية قال: لأنها هي المنطوية على دلائل الصدق ~~التي لم يحيطوا بها مع وجوب أن يتأملوا ويتدبروا فيها لا مثل الساعة وما ~~فيها انتهى. # وفساده ظاهر لأن عدم كون أمثال الساعة وما فيها مرادة لا يستلزم إرادة ~~الآيات القرآنية مع ظهور أن المحشورين أفواج من جميع الأمم وليس القرآن إلا ~~كتابا لفوج واحد منهم. # وظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة لأنه حشر للبعض من كل أمة ~~لا لجميعهم وقد قال الله تعالى في صفة الحشر يوم القيامة: وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا: الكهف: 47. # وقيل: المراد بهذا الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لجميع ~~الخلق فهو حشر بعد حشر. # وفيه أنه لو كان المراد الحشر إلى العذاب لزم ذكر هذه الغاية دفعا ~~للإبهام كما في قوله تعالى: ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى ~~إذا ما جاءوها: حم السجدة: 20 مع أنه لم يذكر في ما بعد هذه الآية إلا ~~العتاب والحكم الفصل دون العذاب والآية كما ترى مطلقة لم يشر فيها إلى شيء ~~يلوح إلى هذا الحشر الخاص المذكور ويزيدها إطلاقا قوله بعدها: حتى إذا ~~جاءوا فلم يقل: حتى إذا جاءوا العذاب أو النار أو غيرها. # ويؤيد ذلك أيضا وقوع الآية والآيتين بعدها بعد نبإ دابة الأرض وهي من ~~أشراط الساعة وقبل قوله: ويوم ينفخ في الصور إلى آخر الآيات ms5876 الواصفة لوقائع ~~يوم القيامة، ولا معنى لتقديم ذكر واقعة من وقائع يوم القيامة على ذكر ~~شروعه ووقوع عامة ما يقع فيه فإن الترتيب الوقوعي يقتضي ذكر حشر فوج من كل ~~أمة لو كان من وقائع يوم القيامة بعد ذكر نفخ الصور وإتيانهم إليه داخرين. PageV15P204 # وقد تنبه لهذا الإشكال بعض من حمل الآية على الحشر يوم القيامة فقال: لعل ~~تقديم ذكر هذه الواقعة على نفخ الصور ووقوع الواقعة للإيذان بأن كلا مما ~~تضمنه هذا وذاك من الأحوال طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على ~~حيالها ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة. # وأنت خبير بأنه وجه مختلق غير مقنع، ولو كان كما ذكر لكان دفع توهم كون ~~الحشر المذكور في الآية في غير يوم القيامة بوضع الآية بعد آية نفخ الصور ~~مع ذكر ما يرتفع به الإبهام المذكور أولى بالرعاية من دفع هذا التوهم الذي توهمه. # فقد بان أن الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة ~~وإن لم تكن نصا لا يقبل التأويل. # قوله تعالى: حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا ~~كنتم تعملون المراد بالمجيء - بإعانة من السياق - هو الحضور في موطن الخطاب ~~المدلول عليه بقوله: قال أكذبتم إلخ والمراد بالآيات - كما تقدم في الآية ~~السابقة - مطلق الآيات الدالة على الحق، وقوله: ولم تحيطوا بها علما جملة ~~حالية أي كذبتم بها حال كونكم لا علم لكم بها لإعراضكم عنها فكيف كذبتم بما ~~لا تعلمون أي رميتموها بالكذب وعدم الدلالة من غير علم، وقوله: أما ذا كنتم ~~تعملون أي غير التكذيب. # والمعنى: حتى إذا حضروا في موطن الخطاب قال الله سبحانه لهم: أكذبتم ~~بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علما أم أي شيء كنتم تعملون غير التكذيب، ~~وفي ذلك عتابهم بأنهم لم يشتغلوا بشيء غير تكذيبهم بآيات الله من غير أن ~~يشغلهم عنه شاغل معذر. # قوله تعالى: ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون الباء في بما ~~ظلموا ms5877 للسببية وما مصدرية أي وقع القول عليهم بسبب كونهم ظالمين، وقوله: ~~فهم لا ينطقون تفريع على وقوع القول عليهم. # وبذلك يتأيد أن المراد بالقول الذي يقع عليهم قوله تعالى: إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين: الأنعام: 144، والمعنى: ولكونهم ظالمين في تكذيبهم ~~بالآيات لم يهتدوا إلى ما يعتذرون به فانقطعوا عن الكلام فهم لا ينطقون. # وربما فسر وقوع القول عليهم بوجوب العذاب عليهم والأنسب على هذا أن يكون ~~المراد بالقول الواقع عليهم قضاؤه تعالى بالعذاب في حق الظالمين في مثل قوله: # ألا إن الظالمين في عذاب مقيم: الشورى: 45، والمعنى: ولكونهم ظالمين قضي ~~فيهم بالعذاب فلم يكن عندهم ما ينطقون به، والوجه السابق أوجه. # وأما تفسير وقوع القول بحلول العذاب ودخول النار فبعيد من السياق لعدم ~~ملاءمته التفريع في قوله: فهم لا ينطقون. # قوله تعالى: ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون لما وصف في الآيات السابقة أن كثيرا من الناس في صمم ~~وعمي من استماع كلمة الحق والنظر في آيات الله والاعتبار بهما، ثم ذكر دابة ~~الأرض وأنه سيخرجها آية خارقة للعادة تكلمهم، ثم ذكر أنه سيحشر فوجا من كل ~~أمة من المكذبين فيعاتبهم فتتم عليهم الحجة بقولهم بغير علم بالآيات ~~لإعراضهم عنها وبخهم في هذه الآية ولامهم على تكذيبها بالآيات مع الجهل ~~أنهم كانوا يرون الليل الذي يسكنون فيه بالطبع وأن هناك نهارا مبصرا يظهر ~~لهم بها آيات السماء والأرض فلم لم يتبصروا؟. # وقوله: إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون أي في جعل الليل سكنا يسكنون فيه ~~والنهار مبصرا يبصرون فيه آيات السماء والأرض آيات لقوم فيهم خاصة الإذعان ~~والتصديق للحق اللائح لهم. # والمراد بالآيات العلامات والجهات الدالة فيهما على التوحيد وما يتبعه من ~~حقائق المعارف، ومن جملة ذلك دلالتهما على أن الإنسان عليه أن يسكن فيما من ~~شأنه أن يسكن فيه، وهو الليل الذي يضرب بحجاب ظلمته على الأبصار، ويتحرك ~~فيما من شأنه أن يتحرك فيه وهو النهار المبصر الذي يظهر ms5878 به الأشياء التي ~~تتضمن منافع الحياة للأبصار. # فعلى الإنسان أن يسكت عما حجبته عنه ظلمة الجهل ولا يقول بغير علم ولا ~~يكذب بما لا يحيط به علما وأن يقول ويؤمن بما تجليه له بينات الآيات التي ~~هي كالنهر المبصرة. PageV15P205 # قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله وكل أتوه داخرين النفخ في الصور كناية عن إعلام الجماعة الكثيرين ~~كالعسكر بما يجب عليهم أن يعملوا به جمعا كالحضور والارتحال وغير ذلك، ~~والفزع كما قال الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من ~~جنس الجزع، والدخور الذلة والصغار. # قيل: المراد بهذا النفخ النفخة الثانية للصور التي بها تنفخ الحياة في ~~الأجساد فيبعثون لفصل القضاء، ويؤيده قوله في ذيل الآية: وكل أتوه داخرين ~~والمراد به حضورهم عند الله سبحانه، ويؤيده أيضا استثناؤه من شاء الله من ~~حكم الفزع ثم قوله فيمن جاء بالحسنة: وهم من فزع يومئذ آمنون حيث يدل على ~~أن الفزع المذكور هو الفزع في النفخة الثانية. # وقيل: المراد به النفخة الأولى التي يموت بها الأحياء بدليل قوله: ونفخ ~~في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون: الزمر: 68، فإن الصعقة من الفزع وقد رتب على ~~النفخة الأولى وعلى هذا يكون المراد بقوله: "وكل أتوه داخرين رجوعهم إلى ~~الله سبحانه بالموت. # ولا يبعد أن يكون المراد بالنفخ في الصور يومئذ مطلق النفخ أعم مما يميت ~~أو يحيي فإن النفخ كيفما كان من مختصات الساعة، ويكون ما ذكر من فزع بعضهم ~~وأمن بعضهم من الفزع وسير الجبال من خواص النفخة الأولى وما ذكر من إتيانهم ~~داخرين من خواص النفخة الثانية ويندفع بذلك ما يورد على كل واحد من الوجهين ~~السابقين. # وقد استثنى سبحانه جمعا من عباده من حكم الفزع العام الشامل لمن في ~~السماوات والأرض، وسيجيء كلام في معنى هذا الاستثناء في الكلام على قوله ~~الآتي: وهم من فزع ms5879 يومئذ آمنون. # والظاهر أن المراد بقوله: وكل أتوه داخرين رجوع جميع من في السماوات ~~والأرض حتى المستثنين من حكم الفزع وحضورهم عنده تعالى، وأما قوله: فإنهم ~~لمحضرون إلا عباد الله المخلصين: الصافات: 127، فالظاهر أن المراد نفي ~~إحضارهم في الجمع للحساب والسؤال لا نفي بعثهم ورجوعهم إلى الله وحضورهم ~~عنده فآيات القيامة ناصة على عموم البعث لجميع الخلائق بحيث لا يشذ منهم شاذ. # ونسبة الدخور والذلة إلى أوليائه تعالى لا تنافي ما لهم من العزة عند ~~الله فإن عزة العبد عند الله ذلته عنده وغناه بالله فقره إليه نعم ذلة ~~أعدائه بما يرون لأنفسهم من العزة الكاذبة ذلة هوان. # قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي # أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون الآية بما أنها واقعة في سياق آيات ~~القيامة محفوفة بها تصف بعض ما يقع يومئذ من الآيات وهو سير الجبال وقد قال ~~تعالى في هذا المعنى أيضا: وسيرت الجبال فكانت سرابا: النبأ: 20، إلى غير ذلك. # فقوله: وترى الجبال الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به ~~تمثيل الواقعة، كما في قوله: وترى الناس سكارى: الحج: 2، أي هذا حالها ~~المشهودة في هذا اليوم تشاهدها لو كنت مشاهدا، وقوله: تحسبها جامدة أي ~~تظنها الآن ولم تقم القيامة بعد جامدة غير متحركة، والجملة معترضة أو حالية. # وقوله: وهي تمر مر السحاب حال من الجبال وعاملها ترى أي تراها إذا نفخ في ~~الصور حال كونها تسير سير السحاب في السماء. # وقوله: صنع الله الذي أتقن كل شيء مفعول مطلق لمقدر أي صنعه صنعا وفي ~~الجملة تلويح إلى أن هذا الصنع والفعل منه تعالى تخريب للدنيا وهدم للعالم، ~~لكنه في الحقيقة تكميل لها وإتقان لنظامها لما يترتب عليه من إنهاء كل شيء ~~إلى غايته وإيصاله إلى وجهته التي هو موليها من سعادة أو شقاوة لأن ذلك صنع ~~الله الذي أتقن كل شيء فهو سبحانه لا يسلب الإتقان عما أتقنه ولا يسلط ~~الفساد على ما أصلحه ففي ms5880 تخريب الدنيا تعمير الآخرة. # وقوله: "إنه خبير بما تفعلون قيل: إنه تعليل لكون ما ذكر من النفخ في ~~الصور وما بعده صنعا محكما له تعالى فإن علمه بظواهر أفعال المكلفين ~~وبواطنها مما يستدعي إظهارها وبيان كيفياتها على ما هي عليه من الحسن ~~والسوء وترتيب آثارها من الثواب والعقاب عليها بعد البعث والحشر وتسيير ~~الجبال. # وأنت ترى ما فيه من التكلف وأن السياق بعد ذلك كله لا يقبله. PageV15P206 # وقيل: إن قوله: إنه خبير بما تفعلون استئناف في حكم الجواب عن سؤال مقدر ~~كأنه قيل: فما ذا يكون بعد هذه القوارع فقيل إن الله خبير بعمل العاملين ~~فيجازيهم على أعمالهم وفصل بقوله: من جاء بالحسنة فله خير منها إلى آخر ~~الآيتين. # وهاهنا وجه آخر مستفاد من الإمعان في سياق الآيات السابقة فإن الله ~~سبحانه أمر فيها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوكل عليه ويرجع أمر ~~المشركين وبني إسرائيل إليه فإنه إنما # يستطيع هداية المؤمنين بآياته المستسلمين للحق وأما المشركون في جحودهم ~~وبنو إسرائيل في اختلافهم فإنهم موتى لا يسمعون وصم عمي لا يسمعون ولا ~~يهتدون إلى الحق بالنظر في آيات السماء والأرض والاعتبار بها باختيار منهم. # ثم ذكر ما سيواجههم به - وحالهم هذه الحال لا يؤثر فيهم الآيات - وأنه ~~سيخرج لهم دابة من الأرض تكلمهم وهي آية خارقة تضطرهم إلى قبول الحق وأنه ~~يحشر من كل أمة فوجا من المكذبين فيتم عليهم الحجة، وبالآخرة هو خبير ~~بأفعالهم سيجزي من جاء بحسنة أو سيئة بعمله يوم ينفخ في الصور ففزعوا وأتوه ~~داخرين. # وبالتأمل في هذا السياق يظهر أن الأنسب كون يوم ينفخ ظرفا لقوله: إنه ~~خبير بما يفعلون وقراءة يفعلون بياء الغيبة أرجح من القراءة المتداولة على ~~الخطاب. # والمعنى: وإنه تعالى خبير بما يفعله أهل السماوات والأرض يوم ينفخ في ~~الصور ويأتونه داخرين يجزي من جاء بالحسنة بخير منها ومن جاء بالسيئة بكب ~~وجوههم في النار كل مجزي بعمله، وعلى هذا تكون الآية في معنى قوله تعالى: ~~"أفلا يعلم إذا بعثر ms5881 ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ ~~لخبير: العاديات: 11، وقوله: يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء: ~~المؤمن: 16، ويكون قوله: من جاء بالحسنة إلخ، تفصيلا لقوله: إنه خبير بما ~~يفعلون من حيث لازم الخبرة وهو الجزاء بما فعل وعمل كما أشار إليه ذيلا ~~بقوله: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون والالتفات من الغيبة إلى الخطاب في ~~قوله: هل تجزون إلخ، لتشديد التقريع والتأنيب. # وفي الآية أعني قوله: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب إلخ، ~~قولان آخران: أحدهما: حملها على الحركة الجوهرية وأن الأشياء كالجبال تتحرك ~~بجوهرها إلى غاية وجودها وهي حشرها ورجوعها إلى الله سبحانه. # وهذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما في قوله: تحسبها جامدة من التلويح إلى ~~أنها اليوم متحركة ولما تقم القيامة، وأما جعل يوم القيامة ظرفا لحسبان ~~الجمود وللمرور كالسحاب جميعا فمما لا يلتفت إليه. # وثانيهما: حملها على حركة الأرض الانتقالية وهو بالنظر إلى الآية في ~~نفسها معنى # جيد إلا أنه أولا: يوجب انقطاع الآية عما قبلها وما بعدها من آيات ~~القيامة وثانيا: ينقطع بذلك اتصال قوله: إنه خبير بما يفعلون بما قبله. # قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون هذه ~~الآية وما بعدها - كما تقدمت الإشارة إليه - تفصيل لقوله: إنه خبير بما ~~يفعلون من حيث أثره الذي هو الجزاء والمراد بقوله: من جاء بالحسنة فله خير ~~منها أن له جزاء هو خير مما جاء به من الحسنة وذلك لأن العمل أيا ما كان ~~مقدمة للجزاء مقصود لأجله والغرض والغاية على أي حال أفضل من المقدمة. # وقوله: وهم من فزع يومئذ آمنون ظاهر السياق أن هذا الفزع هو الفزع بعد ~~نفخ الصور الثاني دون الأول فيكون في معنى قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون: الأنبياء: 103. # قوله تعالى: ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون يقال: كبه على وجهه فانكب أي ألقاه ms5882 على وجهه فوقع عليه فنسبة الكب ~~إلى وجوههم من المجاز العقلي والأصل فكبوا على وجوههم. # وقوله: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون الاستفهام للإنكار، والمعنى ليس ~~جزاؤكم هذا إلا نفس العمل الذي عملتموه ظهر لكم فلزمكم فلا ظلم في الجزاء ~~ولا جور في الحكم. # والآيتان في مقام بيان ما في طبع الحسنة والسيئة من الجزاء ففيهما حكم من ~~جاء بالحسنة فقط ومن أحاطت به الخطيئة واستغرقته السيئة وأما من حمل حسنة ~~وسيئة فيعلم بذلك حكمه إجمالا وأما التفصيل ففي غير هذا الموضع. PageV15P207 # قوله تعالى: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء الآيات ~~الثلاث - من هنا إلى آخر السورة - ختام السورة يبين فيها أن هذه الدعوة ~~الحقة تبشير وإنذار فيه إتمام للحجة من غير أن يرجع إليه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من أمرهم شيء وإنما الأمر إلى الله وسيريهم آياته فيعرفونها ليس ~~بغافل عن أعمالهم. # وفي قوله: إنما أمرت إلخ، تكلم عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فهو في معنى: قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة، والمشار إليها بهذه ~~الإشارة مكة المشرفة، وفي الكلام تشريفها من وجهين: إضافة الرب إليها، ~~وتوصيفها بالحرمة حيث قال: # رب هذه البلدة الذي حرمها. # وفيه تعريض لهم حيث كفروا بهذه النعمة نعمة حرمة بلدتهم ولم يشكروا الله ~~بعبادته بل عدلوا إلى عبادة الأصنام. # وقوله: وله كل شيء إشارة إلى سعة ملكه تعالى دفعا لما يمكن أن يتوهم أنه ~~إنما يملك مكة التي هو ربها فيكون حاله حال سائر الأصنام يملك الواحد منها ~~على عقيدتهم جزء من أجزاء العالم كالسماء والأرض وبلدة كذا وقوم كذا وأسرة ~~كذا، فيكون تعالى معبودا كأحد الآلهة واقعا في صفهم وفي عرضهم. # وقوله: وأمرت أن أكون من المسلمين أي من الذين أسلموا له فيما أراد ولا ~~يريد إلا ما يهدي إليه الخلقة ويهتف به الفطرة وهو الدين الحنيف الفطري ~~الذي هو ملة إبراهيم. # قوله تعالى: وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي ms5883 لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين معطوف على قوله: أن أعبد أي أمرت أن أقرأ القرآن ~~والمراد تلاوته عليهم بدليل تفريع قوله: فمن اهتدى إلخ، عليه. # وقوله: فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي فمن اهتدى بهذا القرآن فالذي ~~ينتفع به هو نفسه ولا يعود نفعه إلي. # وقوله: ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين أي ومن لم يهتد به بالإعراض عن ~~ذكر ربه وهو الضلال فعليه ضلاله ووبال كفره لا علي لأني لست إلا منذرا ~~مأمورا بذلك ولست عليه وكيلا والله هو الوكيل عليه. # فالعدول عن مثل قولنا: ومن ضل فإنما أنا من المنذرين وهو الذي كان يقتضيه ~~الظاهر إلى قوله: فقل إنما أنا من المنذرين لتذكيره (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بما تقدم من العهد إليه أنه ليس إلا منذرا وليس إليه من أمرهم شيء ~~فعليه أن يتوكل على ربه ويرجع أمرهم إليه كما قال: فتوكل على الله إنك على ~~الحق المبين إنك لا تسمع الموتى إلخ، فكأنه قيل: ومن ضل فقل له قد سمعت أن ~~ربي لم يجعل علي إلا الإنذار فلست بمسئول عن ضلال من ضل. # قوله تعالى: وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما ~~تعملون معطوف على قوله: فقل إنما أنا من المنذرين وفيه انعطاف إلى ما ذكره ~~بعد أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتوكل عليه في أمرهم من أنه ~~سيجعل للمشركين عاقبة سوء # ويقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه ويريهم من آياته ما يضطرون إلى ~~تصديقه ثم يجزيهم بأعمالهم. # ومحصل المعنى: وقل الثناء الجميل لله تعالى فيما يجريه في ملكه حيث دعا ~~الناس إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وهدى الذين آمنوا بآياته وأسلموا له وأما ~~المكذبون فأمات قلوبهم وأصم آذانهم وأعمى أبصارهم فضلوا وكذبوا بآياته. # وقوله: سيريكم آياته فتعرفونها إشارة إلى ما تقدم من قوله: وإذا وقع ~~القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض وما بعده، وظهور قوله: آياته في ~~العموم دليل على شموله لجميع الآيات التي ms5884 تضطرهم إلى قبول الحق مما يظهر ~~لهم قبل قيام الساعة وبعده. # وقوله: وما ربك بغافل عما تعملون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وهو بمنزلة التعليل لما تقدمه أي إن أعمالكم معاشر العباد بعين ربك فلا ~~يفوته شيء مما تقتضيه الحكمة قبال أعمالكم من الدعوة والهداية والإضلال ~~وإراءة الآيات ثم جزاء المحسنين منكم والمسيئين يوم القيامة. # وقرىء عما يعملون بياء الغيبة ولعلها أرجح ومفادها تهديد المكذبين وفي ~~قوله: ربك بإضافة الرب إلى الكاف تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وتقوية لجانبه. PageV15P208 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم الآية: حدثني أبي ~~عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انتهى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ~~نائم في المسجد قد جمع رملا ووضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال: قم يا دابة ~~الأرض فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ ~~فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة وهو الدابة الذي ذكره الله في كتابه ~~فقال: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض - تكلمهم أن الناس ~~كانوا بآياتنا لا يوقنون. ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في ~~أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعداءك. # فقال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام): إن العامة يقولون: إن هذه الآية ~~إنما تكلمهم فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كلمهم الله في نار جهنم إنما ~~هو تكلمهم من الكلام. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة من طرق الشيعة. # وفي المجمع، وروى محمد بن كعب القرطي قال: سئل علي عن الدابة فقال: أما ~~والله ما لها ذنب وإن لها للحية. # أقول: وهناك روايات كثيرة تصف خلقتها تتضمن عجائب وهي مع ذلك متعارضة من ~~أرادها فليراجع جوامع الحديث كالدر المنثور أو مطولات التفاسير كروح ~~المعاني. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي ms5885 عمير عن حماد عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: ما يقول الناس في هذه الآية يوم نحشر من كل أمة فوجا؟ ~~قلت: يقولون إنه في القيامة. قال: ليس كما يقولون إنها في الرجعة أيحشر ~~الله في القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين؟ إنما آية القيامة وحشرناهم ~~فلم نغادر منهم أحدا. # أقول: وأخبار الرجعة من طرق الشيعة كثيرة جدا. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: ونفخ في الصور: واختلف في معنى الصور إلى أن ~~قال وقيل: هو قرن ينفخ فيه شبه البوق وقد ورد ذلك في الحديث. # وفيه،: في قوله تعالى: إلا من شاء الله قيل: يعني الشهداء فإنهم لا ~~يفزعون في ذلك اليوم وروي ذلك في خبر مرفوع. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: صنع الله الذي أتقن كل شيء قال: فعل ~~الله الذي أحكم كل شيء. # وفيه،: في قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله خير منها - وهم من فزع يومئذ ~~آمنون - ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار قال: الحسنة والله ولاية ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) والسيئة والله عداوته. # أقول: وهو من الجري وليس بتفسير وهناك روايات كثيرة في هذا المضمون ربما ~~أمكن حملها على ما سيأتي. # وفي الخصال، عن يونس بن ظبيان قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما ~~السلام): إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ~~ثوابه فتلك عبادة الحرصاء # وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد وهي الرهبة، ~~ولكني أعبده حبا له فتلك عبادة الكرام وهو الأمن لقوله تعالى: وهم من فزع ~~يومئذ آمنون"، ولقوله: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني - يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم فمن أحب الله أحبه الله ومن أحبه الله كان من الآمنين. # أقول: لازم ما فيه من الاستدلال تفسير الحسنة في الآية بالولاية التي هي ~~عبادته تعالى من طريق المحبة الموجبة لفناء إرادة العبد في إرادته وتوليه ~~تعالى بنفسه أمر عبده وتصرفه فيه وهذا أحد معنيي ولاية علي (عليه السلام) ~~فهو (عليه السلام) ms5886 صاحب الولاية وأول فاتح لهذا الباب من الأمة وبه يمكن أن ~~يفسر أكثر الروايات الواردة في أن المراد بالحسنة في الآية ولاية علي (عليه ~~السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قول الله: من جاء بالحسنة فله خير ~~منها يعني بها شهادة أن لا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يعني بها الشرك ~~يقال: هذه تنجي وهذه تردي. # أقول: وهذا المعنى مروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بألفاظ مختلفة من ~~طرق شتى وينبغي تقييد تفسير الحسنة بلا إله إلا الله بسائر الأحكام الشرعية ~~التي هي من لوازم التوحيد وإلا لغا تشريعها وهو ظاهر. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها قال: مكة. PageV15P209 # وفيه، عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة يوم افتتحها فتح باب ~~الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست فأخذ بعضادتي الباب فقال: ألا إن الله قد ~~حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا ~~ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلالها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. ~~فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه للقبر والبيوت فقال رسول الله ~~إلا الإذخر: أقول: وهو مروي من طرق أهل السنة أيضا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: ما كان في القرآن وما الله بغافل عما تعملون بالتاء، وما ~~كان وما ربك بغافل عما يعملون بالياء. # تم والحمد لله. PageV15P210 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء السادس عشر PageV16P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم طسم (1) تلك ءايت الكتب المبين (2) نتلوا عليك من ~~نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها ~~شيعا يستضعف ms5887 طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين ~~(4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الورثين (5) ونمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهمن وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون (6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ~~ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه ءال ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهمن وجنودهما كانوا خطئين (8) وقالت ~~امرأت فرعون قرت عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا ~~يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فرغا إن كادت لتبدى به لو لا أن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له نصحون (12) فرددنه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى ~~ءاتينه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (14) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة الوعد الجميل للمؤمنين وهم بمكة قبل الهجرة شرذمة قليلون ~~يستضعفهم فراعنة قريش وطغاتها واليوم يوم شدة وعسرة وفتنة بأن الله سيمن ~~عليهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم ويرى طغاة قومهم منهم ما ~~كانوا يحذرون يقص تعالى للمؤمنين من قصة موسى وفرعون أنه خلق موسى في حين ~~كان فرعون في أوج قدرته يستضعف بني إسرائيل يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ~~فرباه في حجر عدو، حتى إذا استوى وبلغ أشده نجاه وأخرجه من بينهم إلى مدين ~~ثم رده إليهم رسولا منه بسلطان مبين حتى إذا أغرق فرعون وجنوده أجمعين وجعل ~~بني إسرائيل هم الوارثين وأنزل التوراة على موسى هدى وبصائر للمؤمنين. # وعلى هذا المجرى يجري حال المؤمنين وفيه وعد لهم بالملك والعزة والسلطان ~~ووعد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) برده إلى معاد. # وانتقل من القصة إلى بيان أن من الواجب في حكمة الله أن ينزل كتابا من ~~عنده للدعوة ms5888 الحقة ثم ذكر طعنهم في دعوة القرآن بقولهم: لو لا أوتي مثل ما ~~أوتي موسى والجواب عنه، وتعللهم عن الإيمان بقولهم: إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنا والجواب عنه وفيه التمثل بقصة قارون وخسفه. # والسورة مكية كما يشهد بذلك سياق آياتها، وما أوردناه من الآيات فصل من ~~قصة موسى وفرعون من يوم ولد موسى إلى بلوغه أشده. # قوله تعالى: "طسم تلك آيات الكتاب المبين" تقدم الكلام فيه في نظائره. # قوله تعالى: "نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون" "من" ~~للتبعيض و"بالحق" متعلق بقوله: "نتلوا" أي نتلو تلاوة متلبسة بالحق فهو من ~~عندنا وبوحي منا من غير أن يداخل في إلقائه الشياطين، ويمكن أن يكون متعلقا ~~بنبإ أي حال كون النبإ الذي نتلوه عليك متلبسا بالحق لا مرية فيه. # وقوله: "لقوم يؤمنون" اللام فيه للتعليل وهو متعلق بقوله: "نتلوا" أي ~~نتلو عليك من نبإهما لأجل قوم يؤمنون بآياتنا. PageV16P002 # ومحصل المعنى: نتلو عليك بعض نبإ موسى وفرعون تلاوة بالحق لأجل أن يتدبر ~~فيه هؤلاء الذين يؤمنون بآياتنا ممن اتبعوك وهم طائفة أذلاء مستضعفون في ~~أيدي فراعنة قريش وطغاة قومهم فيتحققوا أن الله الذي آمنوا به وبرسوله ~~وتحملوا كل أذى في سبيله هو الله الذي أنشأ موسى (عليه السلام) لإحياء الحق ~~وإنجاء بني إسرائيل وإعزازهم بعد ذلتهم هاتيك الذلة يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم وقد علا فرعون وأنشب فيهم مخالب قهره وأحاط بهم بجوره. # أنشأه والجو ذلك الجو المظلم الذي لا مطمع فيه فرباه في حجر عدوه ثم ~~أخرجه من مصر ثم أعاده إليهم بسلطان فأنجى به بني إسرائيل وأفنى بيده فرعون ~~وجنوده وجعلهم أحاديث وأحلاما. # فهو الله جل شأنه يقص على نبيه قصتهم ويرمز له ولهم بقوله: "لقوم يؤمنون" ~~أنه سيفعل بهؤلاء مثل ما فعل بأولئك ويمن على هؤلاء المستضعفين ويجعلهم ~~أئمة ويجعلهم الوارثين حذو ما صنع ببني إسرائيل. # قوله تعالى: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم" ~~إلخ، العلو في الأرض كناية عن التجبر والاستكبار، ms5889 والشيع جمع شيعة وهي ~~الفرقة، قال في المجمع:، الشيع: الفرق وكل فرقة شيعة وسموا بذلك لأن بعضهم ~~يتابع بعضا. # انتهى. # وكان المراد بجعل أهل الأرض - وكأنهم أهل مصر واللام للعهد - فرقا إلقاء ~~الاختلاف بينهم لئلا يتفق كلمتهم فيثوروا عليه ويقلبوا عليه الأمور على ما ~~هو من دأب الملوك في بسط القدرة وتقوية السلطة، واستحياء النساء إبقاء ~~حياتهن. # ومحصل المعنى: أن فرعون علا في الأرض وتفوق فيها ببسط السلطة على الناس ~~وإنفاذ القدرة فيهم وجعل أهلها شيعا وفرقا مختلفة لا تجتمع كلمتهم على شيء ~~وبذلك ضعف عامة قوتهم على المقاومة دون قوته والامتناع من نفوذ إرادته. # وهو يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل وهم أولاد يعقوب (عليه السلام) ~~وقد قطنوا بمصر منذ أحضر يوسف (عليه السلام) أباه وإخوته وأشخصهم هناك ~~فسكنوها وتناسلوا بها حتى بلغوا الألوف. # وكان فرعون هذا وهو ملك مصر المعاصر لموسى (عليه السلام) يعاملهم معاملة ~~الأسراء الأرقاء ويزيد في تضعيفهم حتى بلغ من استضعافه لهم أن أمر بتذبيح ~~أبنائهم واستبقاء نسائهم وكان فيه إفناء رجالهم بقتل الأبناء الذكور وفيه ~~فناء القوم. # والسبب في ذلك أنه كان من المفسدين في الأرض فإن الخلقة العامة التي ~~أوجدت الإنسان لم يفرق في بسط الوجود بين شعب وشعب من الشعوب الإنسانية ثم ~~جهز الكل بما يهديهم إلى حياة اجتماعية بالتمتع من أمتعة الحياة الأرضية ~~ولكل ما يعادل قيمته في المجتمع وما يساوي زنته في التعاون. # هذا هو الإصلاح الذي يهتف به الصنع والإيجاد، والتعدي عن ذلك بتحرير قوم ~~وتعبيد آخرين وتمتيع شعب بما لا يستحقونه وتحريم غيرهم ما يصلحون له هو ~~الإفساد الذي يسوق الإنسانية إلى البيد والهلاك. # وفي الآية تصوير الظرف الذي ولد فيه موسى (عليه السلام) وقد أحدقت ~~الأسباب المبيدة لبني إسرائيل على إفنائه. # قوله تعالى: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض إلى قوله - ما ~~كانوا يحذرون" الأصل في معنى المن - على ما يستفاد من كلام الراغب - الثقل ~~ومنه تسمية ما يوزن به منا، والمنة النعمة الثقيلة ومن ms5890 عليه منا أي أثقله ~~بالنعمة. # قال: ويقال ذلك على وجهين أحدهما بالفعل كقوله: "ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا" أي نعطيهم من النعمة ما يثقلهم والثاني بالقول كقوله: "يمنون ~~عليك أن أسلموا" وهو مستقبح إلا عند كفران النعمة. # انتهى ملخصا. # وتمكينهم في الأرض إعطاؤهم فيها مكانا يملكونه ويستقرون فيه، وعن الخليل ~~أن المكان مفعل من الكون ولكثرته في الكلام أجري مجرى فعال. # فقيل: تمكن وتمسكن نحو تمنزل انتهى. # وقوله: "ونريد أن نمن" إلخ الأنسب أن يكون حالا من "طائفة" والتقدير ~~يستضعف طائفة منهم ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا إلخ وقيل: معطوف ~~على قوله: "إن فرعون علا في الأرض" والأول أظهر، و"نريد" على أي حال لحكاية ~~الحال الماضية. # وقوله: "ونجعلهم أئمة" عطف تفسير على قوله: "نمن" وكذا ما بعده من الجمل ~~المتعاقبة. PageV16P003 # والمعنى: أن الظرف كان ظرف علو فرعون، وتفريقه بين الناس واستضعافه لبني ~~إسرائيل استضعافا يبيدهم ويفنيهم والحال أنا نريد أن ننعم على هؤلاء الذين ~~استضعفوا من كل وجه نعمة تثقلهم وذلك بأن نجعلهم أئمة يقتدى بهم فيكونوا ~~متبوعين بعد ما كانوا تابعين، ونجعلهم الوارثين لها بعد ما كانت بيد غيرهم ~~ونمكن لهم في الأرض بأن نجعل لهم مكانا يستقرون فيه ويملكونه بعد ما لم يكن ~~لهم من المكان إلا ما أراد غيرهم أن يبوأهم فيه ويقرهم عليه، ونري فرعون ~~وهو ملك مصر وهامان وهو وزيره وجنودهما منهم أي من هؤلاء الذين استضعفوا ما ~~كانوا يحذرون وهو أن يظهروا عليهم فيذهبوا بملكهم ومالهم وسنتهم كما قالوا ~~في موسى وأخيه لما أرسلا إليهم: "يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى:" طه: 63. # والآية تصور ما في باطن هذا الظرف الهائل الذي قضى على بني إسرائيل أن لا ~~يعيش منهم متنفس ولا يبقى منهم نافخ نار وقد أحاطت بهم قدرة فرعون الطاغية ~~وملأ أقطار وجودهم رعبه وهو يستضعفهم حتى يقضي عليهم بالبيد هذا ظاهر الأمر ~~وفي باطنه الإرادة الإلهية تعلقت بأن تنجيهم منهم وتحول ثقل النعمة من آل ~~فرعون ms5891 الأقوياء العالين إلى بني إسرائيل الأذلاء المستضعفين وتبدل من ~~الأسباب ما كان على بني إسرائيل لهم وما كان لآل فرعون عليهم والله يحكم لا ~~معقب لحكمه. # قوله تعالى: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في ~~اليم" إلى آخر الآية، الإيحاء هو التكليم الخفي ويستعمل في القرآن في ~~تكليمه تعالى بعض خلقه بنحو الإلهام والإلقاء في القلب كما في قوله: "بأن ~~ربك أوحى لها": الزلزال: 5، وقوله: "وأوحى ربك إلى النحل": النحل: 68، ~~وقوله في أم موسى: "وأوحينا إلى أم موسى" الآية أو بنحو آخر كما في ~~الأنبياء والرسل، وفي غيره تعالى كما في قوله: "إن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم": الأنعام: 121، والإلقاء الطرح، واليم البحر والنهر الكبير. # وقوله: "وأوحينا إلى أم موسى" في الكلام إيجاز بالحذف والتقدير وحبلت أم ~~موسى به - والحال هذه الحال من الشدة والحدة - ووضعته وأوحينا إليها إلخ. # والمعنى: وقلنا بنوع من الإلهام لأم موسى لما وضعته: أرضعيه ما دمت لا ~~تخافين عليه من قبل فرعون فإذا خفت عليه - أن يطلع عليه آل فرعون فيأخذوه ~~ويقتلوه - فألقيه في البحر وهو النيل على ما وردت به الرواية ولا تخافي ~~عليه القتل ولا تحزني لفقده ومفارقته إياك إنا رادوه إليك بعد ذلك وجاعلوه ~~من المرسلين فيكون رسولا إلى آل فرعون وبني إسرائيل. # فقوله: "إنا رادوه إليك" تعليل للنهي في قوله: "ولا تحزني" كما يشهد به ~~أيضا قوله بعد: "فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن" والفرق بين الخوف ~~والحزن بحسب المورد أن الخوف إنما يكون في مكروه محتمل الوقوع والحزن في ~~مكروه قطعي الوقوف. # قوله تعالى: "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين" الالتقاط أصابه الشيء وأخذه من غير طلب، ومنه ~~اللقطة واللام في قوله: "ليكون لهم عدوا وحزنا" للعاقبة - على ما قيل - ~~والحزن بفتحتين والحزن بالضم فالسكون بمعنى واحد كالسقم والسقم، والمراد ~~بالحزن سبب الحزن فإطلاق الحزن عليه مبالغة في سببيته لحزنهم. # والخاطئين اسم فاعل من خطىء يخطأ خطأ كعلم ms5892 يعلم علما كما أن المخطىء اسم ~~فاعل من أخطأ يخطىء إخطاء، والفرق بين الخاطىء والمخطىء على ما ذكره الراغب ~~أن الخاطىء يطلق على من أراد فعلا لا يحسنه ففعله قال تعالى: "إن قتلهم كان ~~خطأ كبيرا"، وقال: "وإن كنا لخاطئين"، والمخطىء يستعمل فيمن أراد فعلا ~~يحسنه فوقع منه غيره واسم مصدره الخطأ بفتحتين، قال تعالى: "ومن قتل مؤمنا ~~خطأ": النساء: 92، والمعنى الجامع هو العدول عن الجهة. # انتهى ملخصا. # فقوله: "إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين" أي فيما كانوا يفعلونه ~~في أبناء بني إسرائيل وموسى تحذرا من انهدام ملكهم وذهاب سلطانهم بيدهم ~~إرادة لتغيير المقادير عن مجاريها فقتلوا الجم الغفير من الأبناء ولا شأن ~~لهم في ذلك وتركوا موسى حيث التقطوه وربوه في حجورهم وكان هو الذي بيده ~~انقراض دولتهم وزوال ملكهم. PageV16P004 # والمعنى: فأصابه آل فرعون وأخذوه من اليم وكان غاية ذلك أن يكون لهم عدوا ~~وسبب حزن إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين في قتل الأبناء وترك موسى: ~~أرادوا أن يقضوا على من سيقضي عليهم فعادوا يجتهدون في حفظه ويجدون في ~~تربيته. # وبذلك يظهر أن تفسير بعضهم كونهم خاطئين بأنهم كانوا مذنبين فعاقبهم الله ~~أن ربى عدوهم على أيديهم ليس بسديد. # قوله تعالى: "وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون" شفاعة من امرأة فرعون وقد كانت عنده حينما ~~جاءوا إليه بموسى - وهو طفل ملتقط من اليم - تخاطب فرعون بقوله: "قرة عين ~~لي ولك" أي هو قرة عين لنا "لا تقتلوه" وإنما خاطب بالجمع لأن شركاء القتل ~~كانوا كثيرين من سبب ومباشر وآمر ومأمور. # وإنما قالت ما قالت لأن الله سبحانه ألقى محبة منه في قلبها فعادت لا ~~تملك نفسها دون أن تدفع عنه القتل وتضمه إليها، قال تعالى فيما يمن به على ~~موسى (عليه السلام): "وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني": طه: 39. # وقوله: "عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" قالته لما رأت في وجهه من آثار ~~الجلال وسيماء ms5893 الجذبة الإلهية، وفي قولها: "أو نتخذه ولدا" دلالة على أنهما ~~كانا فاقدين للابن. # وقوله: "وهم لا يشعرون" جملة حالية أي قالت ما قالت وشفعت له وصرفت عنه ~~القتل والقوم لا يشعرون ما ذا يفعلون وما هي حقيقة الحال وما عاقبته؟ قوله ~~تعالى: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين" الإبداء بالشيء إظهاره، والربط على الشيء شدة وهو ~~كناية عن التثبيت. # والمراد بفراغ فؤاد أم موسى فراغه وخلوه من الخوف والحزن وكان لازم ذلك ~~أن لا يتوارد عليه خواطر مشوشة وأوهام متضاربة يضطرب بها القلب فيأخذها ~~الجزع فتبدي ما كان عليها أن تخفيه من أمر ولدها. # وذلك أن ظاهر السياق أن سبب عدم إبدائها له فراغ قلبها وسبب فراغ قلبها ~~الربط على قلبها وسبب الربط هو قوله تعالى لها فيما أوحى إليها: "لا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك" إلخ. # وقوله: "إن كادت لتبدي به لو لا" إلخ، "إن" مخففة من الثقيلة أي إنها ~~قربت من أن تظهر الأمر وتفشي السر لو لا أن ثبتنا قلبها بالربط عليه، ~~وقوله: "لتكون من المؤمنين" أي الواثقين بالله في حفظه فتصبر ولا تجزع عليه ~~فلا يبدو أمره. # والمجموع أعني قوله: "إن كادت لتبدي به" إلى آخر الآية في مقام البيان ~~لقوله: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا" ومحصل معنى الآية وصار قلب أم موسى بسبب ~~وحينا خاليا من الخوف والحزن المؤديين إلى إظهار الأمر، لو لا أن ثبتنا ~~قلبها بسبب الوحي لتكون واثقة بحفظ الله له لقربت من أن تظهر أمره لهم ~~بالجزع عليه. # وبما تقدم يظهر ضعف بعض ما قيل في تفسير جمل الآية كقول بعضهم في "وأصبح ~~فؤاد أم موسى فارغا" أي صفرا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت ~~بوقوع الطفل في يد فرعون، وقول آخرين: أي فارغا من الوحي الذي أوحي إليها ~~بالنسيان، وما قيل: أي فارغا من كل شيء إلا ذكر موسى أي صار فارغا له. # فإنها ms5894 جميعا وجوه لا يحتمل شيئا منها السياق. # ونظير ذلك في الضعف قولهم: إن جواب لو لا محذوف والتقدير لو لا أن ربطنا ~~على قلبها لأبدته وأظهرته، والوجه في تقديرهم ذلك ما قيل: إن لو لا شبيهه ~~بأدوات الشرط فلها الصدر ولا يتقدم جوابها عليها. # وقد تقدمت المناقشة فيه في الكلام على قوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها ~~لو لا أن رأى برهان ربه": يوسف: 24. # قوله تعالى: "وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون" قال في ~~المجمع:، القص اتباع الأثر ومنه القصص في الحديث لأنه يتبع فيه الثاني الأول. # وقال: ومعنى بصرت به عن جنب أبصرته عن جنابة أي عن بعد. # انتهى. # والمعنى: وقالت أم موسى لأخته اتبعي أثر موسى حتى ترين إلام يئول أمره ~~فرأته عن بعد وقد أخذه خدم فرعون وهم لا يشعرون بأنها تقصه وتراقبه. # قوله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون" التحريم في الآية تكويني لا تشريعي ومعناه جعله ~~بحيث لا يقبل ثدي مرضع ويمتنع من ارتضاعها. # وقوله: "من قبل" أي من قبل حضورها هناك ومجيئها إليهم والمراضع جمع مرضعة ~~كما قيل. PageV16P005 # وقوله: "فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه وهم له ناصحون" تفريع على ما ~~تقدمه غير أن السياق يدل على أن هناك حذفا كأنه قيل: وحرمنا عليه المراضع ~~غير أمه من قبل أن تجيء أخته فكلما أتوا له بمرضع لترضعه لم يقبل ثديها ~~فلما جاءت أخته ورأت الحال قالت عند ذلك لآل فرعون: هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لنفعكم وهم له ناصحون؟. # قوله تعالى: "فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون" تفريع على ما تقدمه مع تقدير ما يدل عليه ~~السياق، والمحصل أنها قالت: هل أدلكم على أهل بيت كذا فأنعموا لها بالقبول ~~فدلتهم على أمه فسلموه إليها فرددناه إلى أمه بنظم هذه الأسباب. # وقوله: "كي تقر عينها ولا ms5895 تحزن ولتعلم" إلخ، تعليل للرد والمراد بالعلم ~~هو اليقين بالمشاهدة فإنها كانت تعلم من قبل أن وعد الله حق وكانت مؤمنة ~~وإنما أريد بالرد أن توقن بالمشاهدة أن وعد الله حق. # والمراد بوعد الله مطلق الوعد الإلهي بدليل قوله: "ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون" أي لا يوقنون بذلك ويرتابون في مواعده تعالى ولا تطمئن إليها ~~نفوسهم، ومحصله أن توقع بمشاهدة حقية هذا الذي وعدها الله به أن مطلق وعده ~~تعالى حق. # وربما يقال: إن المراد بوعد الله خصوص الوعد المذكور في الآية السابقة: ~~"إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين" ولا يلائمه قوله بعد: "ولكن" إلخ على ~~ما تقدم. # قوله تعالى: "ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي ~~المحسنين" بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد عند ذلك قواه ويكون في ~~الغالب في الثمان عشرة، والاستواء الاعتدال والاستقرار فالاستواء في الحياة ~~استقرار الإنسان في أمر حياته ويختلف في الأفراد وهو على الأغلب بعد بلوغ ~~الأشد، وقد تقدم الكلام في معنى الحكم والعلم وإيتائهما ومعنى الإحسان في ~~مواضع من الكتاب. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن ~~أبي طالب رض: في قوله تعالى: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض" ~~قال: يوسف وولده. # أقول: لعل المراد بنو إسرائيل، وإلا فظهور الآية في خلافه غير خفي. # وفي معاني الأخبار، بإسناده عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: سمعت ~~أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~نظر إلى علي والحسن والحسين (عليهما السلام) فبكى وقال: أنتم المستضعفون ~~بعدي. قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك؟ قال: معناه أنكم الأئمة بعدي إن ~~الله عز وجل يقول: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض - ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين" فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة. # أقول: والروايات من طرق الشيعة في كون الآية في أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) كثيرة وبهذه الرواية يظهر ms5896 أنها جميعا من قبيل الجري والانطباق. # وفي نهج البلاغة،: لتعطفن الدنيا عليا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها ~~وتلا عقيب ذلك "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض - ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين". PageV16P006 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأوحينا إلى أم موسى" إلى آخر الآية: ~~حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي ~~جعفر (عليه السلام) قال: إنه لما حملت به أمه لم يظهر حملها إلا عند وضعها ~~له وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهن وذلك أنه ~~كان لما بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون: إنه يولد فينا رجل يقال له: موسى ~~بن عمران يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده فقال فرعون عند ذلك: لأقتلن ذكور ~~أولادهم حتى لا يكون ما يريدون وفرق بين الرجال والنساء وحبس الرجال في ~~المحابس. فلما وضعت أم موسى بموسى نظرت إليه وحزنت عليه واغتمت وبكت وقالت: ~~يذبح الساعة فعطف الله عز وجل قلب الموكلة بها عليه فقالت لأم موسى: ما لك ~~قد اصفر لونك؟ فقالت أخاف أن يذبح ولدي فقالت: لا تخافي وكان موسى لا يراه ~~أحد إلا أحبه وهو قول الله: "وألقيت عليك محبة مني". فأحبته القبطية ~~الموكلة بها وأنزل الله على أم موسى التابوت، ونوديت ضعيه في التابوت ~~فألقيه في اليم وهو البحر "ولا تخافي ولا تحزني - إنا رادوه إليك وجاعلوه ~~من المرسلين" فوضعته في التابوت وأطبقته عليه وألقته في النيل. وكان لفرعون ~~قصر على شط النيل متنزه فنظر من قصره ومعه آسية امرأته إلى سواد في النيل ~~ترفعه الأمواج والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون فأمر فرعون ~~بأخذه فأخذ التابوت ورفع إليه فلما فتحه وجد فيه صبيا فقال: هذا إسرائيلي ~~فألقى الله في قلب فرعون محبة شديدة وكذلك في قلب آسية. وأراد فرعون أن ~~يقتله فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا - وهم لا يشعرون ~~أنه موسى. # وفي المجمع،: في قوله ms5897 تعالى: "قرة عين لي ولك لا تقتلوه" إلخ، عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون له قرة ~~عين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هداها ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه ~~الله عليه. # وفي المعاني، بإسناده عن محمد بن نعمان الأحول عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "فلما بلغ أشده واستوى" قال: أشده ثمان عشرة ~~سنة "واستوى" التحى. PageV16P007 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 15 - 21 # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغثه الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطن إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إنى ظلمت ~~نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت على فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح فى المدينة خائفا يترقب فإذا الذى استنصره ~~بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوى مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذى ~~هو عدو لهما قال يموسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا ~~أن تكون جبارا فى الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من ~~أقصا المدينة يسعى قال يموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من ~~النصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظلمين (21) ### |||| AUTO بيان # فصل ثان من قصة موسى (عليه السلام) فيه ذكر بعض ما وقع بعد بلوغه أشده ~~فأدى إلى خروجه من مصر وقصده مدين. # قوله تعالى: "ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها" إلخ، لا ريب أن ~~المدينة التي دخلها على حين غفلة من أهلها هي مصر، وأنه كان يعيش عند ~~فرعون، ويستفاد من ذلك أن القصر الملكي الذي كان يسكنه فرعون كان خارج ~~المدينة وأنه خرج منه ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، ويؤيد ما ذكرنا ~~ما سيأتي من قوله: "وجاء رجل من أقصى المدينة ms5898 يسعى" على ما سيجيء من ~~الاستظهار. # وحين الغفلة من أهل المدينة هو حين يدخل الناس بيوتهم فتتعطل الأسواق ~~وتخلو الشوارع والأزقة من المارة كالظهيرة وأواسط الليل. # وقوله: "فوجد فيها رجلين يقتتلان" أي يتنازعان ويتضاربان، وقوله: "هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه" حكاية حال تمثل به الواقعة، ومعناه: أن أحدهما كان ~~إسرائيليا من متبعيه في دينه - فإن بني إسرائيل كانوا ينتسبون يومئذ إلى ~~آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام) في دينهم وإن كان لم يبق لهم ~~منه إلا الاسم وكانوا يتظاهرون بعبادة فرعون - والآخر قبطيا عدوا له لأن ~~القبط كانوا أعداء بني إسرائيل، ومن الشاهد أيضا على كون هذا الرجل قبطيا ~~قوله في موضع آخر يخاطب ربه: "ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون": الشعراء: 14. # وقوله: "فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه" الاستغاثة: الاستنصار ~~من الغوث بمعنى النصرة أي طلب الإسرائيلي من موسى أن ينصره على عدوه ~~القبطي. # وقوله: "فوكزه موسى فقضى عليه" ضميرا "وكزه" و"عليه" للذي من عدوه والوكز ~~- على ما ذكره الراغب وغيره - الطعن والدفع والضرب بجمع الكف، والقضاء هو ~~الحكم والقضاء عليه كناية عن الفراغ من أمره بموته، والمعنى: فدفعه أو ضربه ~~موسى بالوكز فمات، وكان قتل خطإ ولو لا ذلك لكان من حق الكلام أن يعبر ~~بالقتل. # وقوله: "قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين" الإشارة بهذا إلى ما ~~وقع بينهما من الاقتتال حتى أدى إلى موت القبطي وقد نسبه نوع نسبة إلى عمل ~~الشيطان إذ قال: "هذا من عمل الشيطان" و"من" ابتدائية تفيد معنى الجنس أو ~~نشوئية، والمعنى: هذا الذي وقع من المعاداة والاقتتال من جنس العمل المنسوب ~~إلى الشيطان أو ناش من عمل الشيطان فإنه هو الذي أوقع العداوة والبغضاء ~~بينهما وأغرى على الاقتتال حتى أدى ذلك إلى مداخلة موسى وقتل القبطي بيده ~~فأوقعه ذلك في خطر عظيم وقد كان يعلم أن الواقعة لا تبقى خفية مكتومة وأن ~~القبط سيثورون عليه وأشرافهم وملؤهم وعلى رأسهم فرعون سينتقمون منه ومن كل ~~من تسبب ms5899 إلى ذلك أشد الانتقام. # فعند ذلك تنبه (عليه السلام) أنه أخطأ فيما فعله من الوكز الذي أورده ~~مورد الهلكة ولا ينسب الوقوع في الخطإ إلى الله سبحانه لأنه لا يهدي إلا ~~إلى الحق والصواب فقضي أن ذلك منسوب إلى الشيطان. PageV16P008 # وفعله ذاك وإن لم يكن معصية منه لوقوعه خطأ وكون دفاعه عن الإسرائيلي دفعا ~~لكافر ظالم، لكن الشيطان كما يوقع بوسوسته الإنسان في الإثم والمعصية كذلك ~~يوقعه في أي مخالفة للصواب يقع بها في الكلفة والمشقة كما أوقع آدم وزوجه ~~فيما أوقع من أكل الشجرة المنهية فأدى ذلك إلى خروجهما من الجنة. # فقوله: "هذا من عمل الشيطان" انزجار منه عما وقع من الاقتتال المؤدي إلى ~~قتل القبطي ووقوعه في عظيم الخطر وندم منه على ذلك، وقوله: "إنه عدو مضل ~~مبين" إشارة منه إلى أن فعله كان من الضلال المنسوب إلى الشيطان وإن لم يكن ~~من المعصية التي فيها إثم ومؤاخذة بل خطأ محضا لا ينسب إلى الله بل إلى ~~الشيطان الذي هو عدو مضل مبين، فكان ذلك منه نوعا من سوء التدبير وضلال ~~السعي يسوقه إلى عاقبة وخيمة ولذا لما اعترض عليه فرعون بقوله: "وفعلت ~~فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين" أجابه بقوله: "فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين": الشعراء: 20. # قوله تعالى: "قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور ~~الرحيم" اعتراف منه عند ربه بظلمه نفسه حيث أوردها مورد الخطر وألقاها في ~~التهلكة، ومنه يظهر أن المراد بالمغفرة المسئولة في قوله: "فاغفر لي" هو ~~إلغاء تبعة فعله وإنجاؤه من الغم وتخليصه من شر فرعون وملئه، كما يظهر من ~~قوله تعالى: "وقتلت نفسا فنجيناك من الغم": طه: 40. # وهذا الاعتراف بالظلم وسؤال المغفرة نظير ما وقع من آدم وزوجه المحكي في ~~قوله تعالى: "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين"،: الأعراف: 23. # قوله تعالى: "قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين" قيل: الباء ~~في قوله: "بما أنعمت" للسببية والمعنى رب بسبب ما ms5900 أنعمت علي، لك علي أن لا ~~أكون معينا للمجرمين فيكون عهدا منه لله تعالى وقيل: الباء للقسم والجواب ~~محذوف والمعنى: أقسم بما أنعمت علي لأتوبن أو لأمتنعن فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين، وقيل: القسم استعطافي وهو القسم الواقع في الإنشاء كقولك بالله ~~زرني، والمعنى أقسمك أن تعطف علي وتعصمني فلن أكون ظهيرا للمجرمين. # والوجه الأول هو الأوجه لأن المراد بقوله: "بما أنعمت علي" - على ما ~~ذكروه - أما إنعامه تعالى عليه إذ حفظه وخلصه من قتل فرعون ورده إلى أمه، ~~وأما إنعامه عليه إذ قبل توبته من قتل القبطي وغفر له بناء على أنه علم ~~مغفرته تعالى بإلهام أو رؤيا أو نحوهما وكيف كان فهو إقسام بغيره تعالى، ~~والمعنى أقسم بحفظك إياي أو أقسم بمغفرتك لي، ولم يعهد في كلامه تعالى ~~حكاية قسم من غيره بغيره بهذا النحو. # وقوله: "فلن أكون ظهيرا للمجرمين" قيل: المراد بالمجرم من أوقع غيره في ~~الجرم أو من أدت إعانته إلى جرم كالإسرائيلي الذي خاصمه القبطي فأوقعت ~~إعانته موسى في جرم القتل فيكون في لفظ المجرمين مجاز في النسبة من حيث ~~تسمية السبب الموقع في الجرم مجرما. # وقيل: المراد بالمجرمين فرعون وقومه والمعنى: أقسم بإنعامك علي لأتوبن ~~فلن أكون معينا لفرعون وقومه بصحبتهم وملازمتهم وتكثير سوادهم كما كنت ~~أفعله إلى هذا اليوم. # ورد هذا الوجه الثاني بأنه لا يناسب المقام. # والحق أن قوله: "رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين" عهد من موسى ~~(عليه السلام) أن لا يعين مجرما على إجرامه شكرا لله تعالى على ما أنعم ~~عليه، والمراد بالنعمة وقد أطلقت إطلاقا الولاية الإلهية على ما يشهد به ~~قوله تعالى: "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين": النساء: 69. # وهؤلاء أهل الصراط المستقيم مأمونون من الضلال والغضب لقوله تعالى: ~~"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين": الفاتحة: 7، وترتب الامتناع عن إعانة المجرمين على الإنعام بهذا ~~المعنى ظاهر لا سترة عليه. # ومن هنا يظهر أن المراد بالمجرمين أمثال ms5901 فرعون وقومه دون أمثال ~~الإسرائيلي الذي أعانه فلم يكن في إعانته جرم ولا كان وكز القبطي جرما حتى ~~يتوب (عليه السلام) منه كيف؟ وهو (عليه السلام) من أهل الصراط المستقيم ~~الذين لا يضلون بمعصيته، وقد نص تعالى على كونه من المخلصين الذين لا سبيل ~~للشيطان إليهم بالإغواء حيث قال: "إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا": مريم: 51. PageV16P009 # وقد نص تعالى أيضا آنفا بأنه آتاه حكما وعلما وأنه من المحسنين ومن المتقين ~~من أمره أن لا تستخفه عصبية قومية أو غضب في غير ما ينبغي أو إعانة ونصرة ~~لمجرم في إجرامه. # وقد كرر "قال" ثلاثا حيث قيل: "قال هذا من عمل الشيطان" "قال رب إني ظلمت ~~نفسي" "قال رب بما أنعمت علي" وذلك لاختلاف السياق في الجمل الثلاث فالجملة ~~الأولى قضاء منه وحكم، والجملة الثانية استغفار ودعاء، والجملة الثالثة عهد ~~والتزام. # قوله تعالى: "فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين" تقييد "أصبح" بقوله: "في المدينة" دليل ~~على أنه بقي في المدينة ولم يرجع إلى قصر فرعون، والاستصراخ الاستغاثة برفع ~~الصوت من الصراخ بمعنى الصياح، والغواية إخطاء الصواب خلاف الرشد. # والمعنى: فأصبح موسى في المدينة - ولم يرجع إلى بلاط فرعون - والحال أنه ~~خائف من فرعون ينتظر الشر ففاجأه أن الإسرائيلي الذي استنصره على القبطي ~~بالأمس يستغيث به رافعا صوته على قبطي آخر قال موسى للإسرائيلي توبيخا ~~وتأنيبا: إنك لغوي مبين لا تسلك سبيل الرشد والصواب لأنه كان يخاصم ويقتتل ~~قوما ليس في مخاصمتهم والمقاومة عليهم إلا الشر كل الشر. # قوله تعالى: "فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس" إلى آخر الآية، ذكر جل المفسرين أن ضمير ~~"قال" للإسرائيلي الذي كان يستصرخه وذلك أنه ظن أن موسى إنما يريد أن يبطش ~~به لما سمعه يعاتبه قبل بقوله: "إنك لغوي مبين" فهاله ما رأى من إرادته ~~البطش فقال: "يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت ms5902 نفسا بالأمس" إلخ، فعلم ~~القبطي عند ذلك أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس فرجع إلى فرعون فأخبره ~~الخبر فائتمروا بموسى وعزموا على قتله. # وما ذكروه في محله لشهادة السياق بذلك فلا يعبأ بما قيل: إن القائل هو ~~القبطي دون الإسرائيلي، هذا ومعنى باقي الآية ظاهر. # وفي قوله: "أن يبطش بالذي هو عدو لهما" تعريض للتوراة الحاضرة حيث تذكر ~~أن المتقاتلين هذين كانا جميعا إسرائيليين، وفيه أيضا تأييد أن القائل: "يا ~~موسى أتريد" إلخ، الإسرائيلي دون القبطي لأن سياقه سياق اللوم والشكوى. # قوله تعالى: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك" إلخ، الائتمار المشاورة، والنصيحة خلاف الخيانة. # والظاهر كون قوله: "من أقصى المدينة" قيدا لقوله: "جاء" فسياق القصة يعطي ~~أن الائتمار كان عند فرعون وبأمر منه، وأن هذا الرجل جاء من هناك وقد كان ~~قصر فرعون في أقصى المدينة وخارجها فأخبر موسى بما قصدوه من قتله وأشار ~~عليه بالخروج من المدينة. # وهذا الاستئناس من الكلام يؤيد ما تقدم أن قصر فرعون الذي كان يسكنه كان ~~خارج المدينة، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين" فيه ~~تأييد أنه ما كان يرى قتله القبطي خطأ جرما لنفسه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، قال: فلم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتى بلغ مبلغ ~~الرجال وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى (عليه السلام) من التوحيد حتى هم ~~به فخرج موسى من عنده ودخل المدينة فإذا رجلان يقتتلان أحدهما يقول بقول ~~موسى والآخر يقول بقول فرعون فاستغاثه الذي من شيعته فجاء موسى فوكز صاحب ~~فرعون فقضى عليه وتوارى في المدينة. فلما كان الغد جاء آخر فتشبث بذلك ~~الرجل الذي يقول بقول موسى فاستغاث بموسى فلما نظر صاحبه إلى موسى قال له. ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فخلى عن صاحبه وهرب. PageV16P010 # وفي العيون، بإسناده إلى علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون ~~وعنده ms5903 الرضا (عليه السلام) فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من ~~قولك: إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال: فأخبرني عن قول الله: "فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان" قال الرضا (عليه السلام): إن موسى ~~(عليه السلام) دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين ~~المغرب والعشاء فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فقضى ~~على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات، قال: هذا من عمل الشيطان يعني ~~الاقتتال الذي وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى (عليه السلام) من قتله ~~"إنه" يعني الشيطان "عدو مضل مبين". قال المأمون: فما معنى قول موسى: "رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي"؟ قال: يقول: وضعت نفسي غير موضعها بدخول هذه ~~المدينة فاغفر لي أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني فغفر له إنه ~~هو الغفور الرحيم. قال موسى: رب بما أنعمت علي من القوة حتى قتلت رجلا ~~بوكزة فلن أكون ظهيرا للمجرمين بل أجاهدهم بهذه القوة حتى ترضى. فأصبح موسى ~~(عليه السلام) في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ~~على آخر قال له موسى إنك لغوي مبين قاتلت رجلا بالأمس وتقاتل هذا اليوم ~~لأؤدبنك وأراد أن يبطش به فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما وهو من ~~شيعته قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض - وما تريد أن تكون من المصلحين. قال المأمون: جزاك ~~الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن. PageV16P011 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 22 - 28 # ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل (22) ولما ورد ~~ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم ~~تولى إلى الظل فقال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير (24) فجاءته إحداهما ~~تمشى على استحياء قالت إن ms5904 أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص ~~عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظلمين (25) قالت إحداهما يأبت ~~استئجره إن خير من استئجرت القوى الأمين (26) قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتى هتين على أن تأجرنى ثمنى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن ~~أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصلحين (27) قال ذلك بينى وبينك أيما ~~الأجلين قضيت فلا عدون على والله على ما نقول وكيل (28) ### |||| AUTO بيان # فصل ثالث من قصته (عليه السلام) يذكر فيه خروجه من مصر إلى مدين عقيب ~~قتله القبطي خوفا من فرعون وتزوجه هناك بابنة شيخ كبير لم يسم في القرآن ~~لكن تذكر روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبعض روايات أهل السنة أنه ~~هو شعيب النبي المبعوث إلى مدين. # قوله تعالى: "ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل" ~~قال في المجمع:، تلقاء الشيء حذاؤه، ويقال: فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من ~~حذاء داعي نفسه. # وقال: سواء السبيل وسط الطريق انتهى. # ومدين - على ما في مراصد الاطلاع -، مدينة قوم شعيب وهي تجاه تبوك على ~~بحر القلزم بينهما ست مراحل وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها ~~موسى لغنم شعيب (عليه السلام) انتهى، ويقال: إنه كان بينهما وبين مصر مسيرة ~~ثمان وكانت خارجة من سلطان فرعون ولذا توجه إليها. # والمعنى: ولما صرف وجهه بعد الخروج من مصر حذاء مدين قال: أرجو من ربي أن ~~يهديني وسط الطريق فلا أضل بالعدول عنه والخروج منه إلى غيره. # والسياق - كما ترى - يعطي أنه (عليه السلام) كان قاصدا لمدين وهو لا يعرف ~~الطريق الموصلة إليها فترجى أن يهديه ربه. # قوله تعالى: "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون" إلخ الذود ~~الحبس والمنع، والمراد بقوله: "تذودان" أنهما يحبسان أغنامهما من أن ترد ~~الماء أو تختلط بأغنام القوم كما أن المراد بقوله: "يسقون" سقيهم أغنامهم ~~ومواشيهم، والرعاء جمع الراعي وهو الذي يرعى الغنم. # والمعنى: ولما ms5905 ورد موسى ماء مدين وجد على الماء جماعة من الناس يسقون ~~أغنامهم ووجد بالقرب منهم مما يليه امرأتين تحبسان أغنامهما وتمنعانها أن ~~ترد المورد قال موسى مستفسرا عنهما - حيث وجدهما تذودان الغنم وليس على ~~غنمهما رجل -: ما شأنكما؟ قالتا لا نسقي غنمنا أي عادتنا ذلك حتى يصدر ~~الراعون ويخرجوا أغنامهم وأبونا شيخ كبير - لا يقدر أن يتصدى بنفسه أمر ~~السقي ولذا تصدينا الأمر. # قوله تعالى: "فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير فهم" (عليهم السلام) من كلامهما أن تأخرهما في السقي نوع تعفف ~~وتحجب منهما وتعد من الناس عليهما فبادر إلى ذلك وسقى لهما. # وقوله: "ثم تولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" أي ~~انصرف إلى الظل ليستريح فيه والحر شديد وقال ما قال، وقد حمل الأكثرون ~~قوله: "رب إني لما أنزلت" إلخ على سؤال طعام يسد به الجوع، وعليه فالأولى ~~أن يكون المراد بقوله "ما أنزلت إلي" القوة البدنية التي كان يعمل بها ~~الأعمال الصالحة التي فيها رضى الله كالدفاع عن الإسرائيلي والهرب من فرعون ~~بقصد مدين وسقي غنم شعيب واللام في "لما أنزلت" بمعنى إلى وإظهار الفقر إلى ~~هذه القوة التي أنزلها الله إليه من عنده بالإفاضة كناية عن إظهار الفقر ~~إلى شيء من الطعام تستبقى به هذه القوة النازلة الموهوبة. PageV16P012 # ويظهر منه أنه (عليه السلام) كان ذا مراقبة شديدة في أعماله فلا يأتي بعمل ~~ولا يريده وإن كان مما يقتضيه طبعه البشري إلا ابتغاء مرضاة ربه وجهادا ~~فيه، وهذا ظاهر بالتدبر في القصة فهو القائل لما وكز القبطي: رب بما أنعمت ~~علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم القائل لما خرج من مصر خائفا يترقب: "رب ~~نجني من القوم الظالمين" ثم القائل لما أخذ في السلوك: "عسى ربي أن يهديني ~~سواء السبيل" ثم القائل لما سقى وتولى إلى الظل: "رب إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير" ثم القائل لما آجر نفسه شعيبا وعقد على ms5906 بنته: "والله على ما نقول وكيل". # وما نقل عن بعضهم أن اللام في "لما أنزلت" للتعليل وكذا قول بعضهم إن ~~المراد بالخير خير الدين وهو النجاة من الظالمين بعيد مما يعطيه السياق. # قوله تعالى: "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء" إلى آخر الآية. # ضمير إحداهما للمرأتين، وتنكير الاستحياء للتفخيم والمراد بكون مشيها على ~~استحياء ظهور التعفف من مشيتها، وقوله: "ليجزيك أجر ما سقيت لنا" ما مصدرية ~~أي ليعطيك جزاء سقيك لنا، وقوله: "فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف" ~~إلخ يلوح إلى أن شعيبا استفسره حاله فقص عليه قصته فطيب نفسه بأنه نجا منهم ~~إذ لا سلطان لهم على مدين. # وعند ذلك تمت استجابته تعالى لموسى (عليه السلام) أدعيته الثلاثة فقد كان ~~سأل الله تعالى عند خروجه من مصر أن ينجيه من القوم الظالمين فأخبره شعيب ~~(عليه السلام) بالنجاة وترجى أن يهديه سواء السبيل وهو في معنى الدعاء فورد ~~مدين، وسأله الرزق فدعاه شعيب ليجزيه أجر ما سقى وزاد تعالى فكفاه رزق عشر ~~سنين ووهب له زوجا يسكن إليها. # قوله تعالى: "قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين" إطلاق الاستيجار يفيد أن المراد استخدامه لمطلق حوائجه التي تستدعي ~~من يقوم مقامه وإن كانت العهدة باقتضاء المقام رعي الغنم. # وقوله: "إن خير من استأجرت" إلخ، في مقام التعليل لقوله: "استأجره" وهو ~~من وضع السبب موضع المسبب والتقدير استأجره لأنه قوي أمين وخير من استأجرت ~~هو القوي الأمين. # وفي حكمها بأنه قوي أمين دلالة على أنها شاهدت من نحو عمله في سقي ~~الأغنام ما استدلت به على قوته وكذا من ظهور عفته في تكليمهما وسقي ~~أغنامهما ثم في صحبته لها عند ما انطلق إلى شعيب حتى أتاه ما استدلت به على ~~أمانته. # ومن هنا يظهر أن هذه القائلة: "يا أبت استأجره" إلخ، هي التي جاءته ~~وأخبرته بدعوة أبيها له كما وردت به روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ~~وذهب إليه جمع من المفسرين. # قوله تعالى: "قال إني أريد ms5907 أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ~~ثماني حجج" إلخ، عرض من شعيب لموسى (عليهما السلام) أن يأجره نفسه ثماني ~~سنين أو عشرا قبال تزويجه إحدى ابنتيه وليس بعقد قاطع ومن الدليل عدم تعين ~~المعقودة في كلامه (عليه السلام). # فقوله: "إحدى ابنتي هاتين" دليل على حضورهما إذ ذاك، وقوله: "على أن ~~تأجرني ثماني حجج" أي على أن تأجرني نفسك أي تكون أجيرا لي ثماني حجج، ~~والحجج جمع حجة والمراد بها السنة بعناية أن كل سنة فيها حجة للبيت الحرام، ~~وبه يظهر أن حج البيت - وهو من شريعة إبراهيم (عليه السلام) - كان معمولا ~~به عندهم. # وقوله: "فإن أتممت عشرا فمن عندك" أي فإن أتممته عشر سنين فهو من عندك ~~وباختيار منك من غير أن تكون ملزما من عندي. # وقوله: "وما أريد أن أشق عليك" إخبار عن نحو ما يريده منه من الخدمة وأنه ~~عمل غير موصوف بالمشقة وأنه مخدوم صالح. # وقوله: "ستجدني إن شاء الله من الصالحين" أي إني من الصالحين وستجدني ~~منهم إن شاء الله فالاستثناء متعلق بوجدان موسى إياه منهم لا بكونه في نفسه منهم. # قوله تعالى: "قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله ~~على ما نقول وكيل" الضمير لموسى (عليه السلام). PageV16P013 # وقوله: "ذلك بيني وبينك" أي ذلك الذي ذكرته وقررته من المشارطة والمعاهدة ~~وعرضته علي ثابت بيننا ليس لي ولا لك أن نخالف ما شارطناه، وقوله: "أيما ~~الأجلين قضيت فلا عدوان علي" بيان للأجل المردد المضروب في كلام شعيب (عليه ~~السلام) وهو قوله: "ثماني حجج وإن أتممت عشرا فمن عندك" أي لي أن أختار أي ~~الأجلين شئت فإن اخترت الثماني سنين فليس لك أن تعدو علي وتلزمني بالزيادة ~~وإن اخترت الزيادة وخدمتك عشرا فليس لك أن تعدو علي بالمنع من الزيادة. # وقوله: "والله على ما نقول وكيل" توكيل له تعالى فيما يشارطان يتضمن ~~إشهاده تعالى على ما يقولان وإرجاع الحكم والقضاء بينهما إليه لو اختلفا، ~~ولذا اختار التوكيل على الإشهاد لأن الشهادة والقضاء ms5908 كليهما إليه تعالى، ~~وهذا كقول يعقوب (عليه السلام) حين أخذ الموثق من بنيه أن يردوا إليه ابنه ~~فيما يحكيه الله: "فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل": يوسف: 66. ### |||| AUTO بحث روائي # في كتاب كمال الدين، بإسناده إلى سدير الصيرفي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) في حديث طويل: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى - قال يا موسى إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك - فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا ~~يترقب من مصر بغير ظهر ولا دابة ولا خادم تخفضه أرض وترفعه أخرى حتى انتهى ~~إلى أرض مدين. فانتهى إلى أصل شجرة فنزل فإذا تحتها بئر وإذا عندها أمة من ~~الناس يسقون وإذا جاريتان ضعيفتان وإذا معهما غنيمة لهما قال ما خطبكما ~~قالتا أبونا شيخ كبير ونحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال فإذا ~~سقى الناس سقينا فرحمهما فأخذ دلوهما فقال لهما: قدما غنمكما فسقى لهما ثم ~~رجعتا بكرة قبل الناس. ثم تولى موسى إلى الشجرة فجلس تحتها وقال: "رب إني ~~لما أنزلت إلي من خير فقير" فروي أنه قال ذلك وهو محتاج إلى شق تمرة فلما ~~رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه الساعة قالتا: وجدنا رجلا صالحا ~~رحمنا فسقى لنا. فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي فجاءته إحداهما تمشي على ~~استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فروي أن موسى (عليه ~~السلام) قال لها: وجهني إلى الطريق وامشي خلفي فإنا بني يعقوب لا ننظر في ~~أعجاز النساء، فلما جاءه وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين. قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين - على أن تأجرني ثماني ~~حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك فروي أنه قضى أتمهما لأن الأنبياء (عليهم ~~السلام) لا تأخذ إلا بالفضل والتمام. # أقول: وروى ما في معناه القمي في تفسيره. # وفي الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز ms5909 وجل حكاية عن موسى (عليه السلام): ~~"رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" قال: سأل الطعام. # أقول: وروى العياشي عن حفص عنه (عليه السلام): مثله، ولفظه إنما عنى ~~الطعام: وأيضا عن ليث عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، وفي نهج البلاغة،: ~~مثله ولفظه والله ما سأله إلا خبزا يأكله. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): لما سقى موسى للجاريتين ثم تولى إلى الظل فقال: ~~رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير قال: إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر. # وفي تفسير القمي، قال: قالت إحدى بنات شعيب: يا أبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين، فقال لها شعيب (عليه السلام): أما قوته فقد عرفتنيه ~~أنه يستقي الدلو وحده فبم عرفت أمانته؟ فقالت: إنه لما قال لي: تأخري عني ~~ودليني على الطريق فإنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء عرفت أنه ليس من ~~الذين ينظرون أعجاز النساء فهذه أمانته: أقول: وروي مثله في المجمع، عن علي ~~(عليه السلام). # وفي المجمع، وروى الحسن بن سعيد عن صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: رسائل أيتهما التي قالت: إن أبي يدعوك؟ قال: التي تزوج بها. قيل: فأي ~~الأجلين قضى؟ قال: أوفاهما وأبعدهما عشر سنين. قيل: فدخل بها قبل أن يمضي ~~الشرط أو بعد انقضائه؟ قال: قبل أن ينقضي. قيل له: فالرجل يتزوج المرأة ~~ويشترط لأبيها إجارة شهرين أيجوز ذلك؟ قال: إن موسى علم أنه سيتم له شرطه. ~~قيل: كيف؟ قال: علم أنه سيبقى حتى يفي. PageV16P014 # أقول: وروى قضاء عشر سنين في الدر المنثور، عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعدة طرق. # وفي تفسير العياشي، وقال الحلبي: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ~~البيت أكان يحج قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: نعم ~~وتصديقه في القرآن قول شعيب حين قال لموسى (عليه السلام) حيث تزوج: "على أن ~~تأجرني ثماني حجج" ms5910 ولم يقل ثماني سنين. PageV16P015 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 29 - 42 # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ءانس من جانب الطور نارا قال لأهله ~~امكثوا إنى ءانست نارا لعلى ءاتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) فلما أتاها نودى من شطى الواد الأيمن فى البقعة المبركة من ~~الشجرة أن يموسى إنى أنا الله رب العلمين (30) وأن ألق عصاك فلما رءاها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يموسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين (31) ~~اسلك يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذنك ~~برهنان من ربك إلى فرعون وملايه إنهم كانوا قوما فسقين (32) قال رب إنى ~~قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله ~~معى ردءا يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطنا فلا يصلون إليكما بئايتنا أنتما ومن اتبعكما الغلبون (35) فلما جاءهم ~~موسى بئايتنا بينت قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا فى ءابائنا ~~الأولين (36) وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظلمون (37) وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله ~~غيرى فأوقد لى يهمن على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى ~~لأظنه من الكذبين (38) واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون (39) فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم فانظر كيف كان عقبة ~~الظلمين (40) وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون (41) ~~وأتبعنهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين (42) ### |||| AUTO بيان # فصل آخر من قصة موسى (عليه السلام) وقد أودع فيه إجمال قصته من حين سار ~~بأهله من مدين قاصدا لمصر وبعثته بالرسالة إلى فرعون وملئه لإنجاء بني ~~إسرائيل وتكذيبهم له إلى أن أغرقهم الله في اليم وتنتهي القصة إلى إيتائه ~~الكتاب وكأنه هو العمدة في سرد القصة. # قوله تعالى: "فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من ms5911 جانب الطور نارا" ~~إلخ، المراد بقضائه الأجل إتمامه مدة خدمته لشعيب (عليه السلام) والمروي ~~أنه قضى أطول الأجلين، والإيناس الإبصار والرؤية، والجذوة من النار القطعة ~~منها، والاصطلاء الاستدفاء. # والسياق يشهد أن الأمر كان بالليل وكانت ليلة شديدة البرد وقد ضلوا ~~الطريق فرأى من جانب الطور وقد أشرفوا عليه نارا فأمر أهله أن يمكثوا ليذهب ~~إلى ما آنسه لعله يجد هناك من يخبره بالطريق أو يأخذ قطعة من النار فيصطلوا ~~بها، وقد وقع في القصة من سورة طه موضع قوله: "لعلي آتيكم منها بخبر" إلخ ~~قوله: "لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى:" طه: 10، وهو أدل على ~~كونهم ضلوا الطريق. # وكذا في قوله خطابا لأهله: "امكثوا" إلخ، شهادة على أنه كان معها من يصح ~~معه خطاب الجمع. # قوله تعالى: "فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة ~~من الشجرة" إلخ قال في المفردات:، شاطىء الوادي جانبه، وقال: أصل الوادي ~~الموضع الذي يسيل منه الماء ومنه سمي المنفرج بين الجبلين واديا وجمعه ~~أودية انتهى والبقعة القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها. # والمراد بالأيمن الجانب الأيمن مقابل الأيسر وهو صفة الشاطىء ولا يعبأ ~~بما قاله بعضهم: إن الأيمن من اليمين مقابل الأشأم من الشؤم. PageV16P016 # والبقعة المباركة قطعة خاصة من الشاطىء الأيمن في الوادي كانت فيه الشجرة ~~التي نودي منها، ومباركتها لتشرفها بالتقريب والتكليم الإلهي وقد أمر بخلع ~~نعليه فيها لتقدسها كما قال تعالى في القصة من سورة طه: "فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى": طه: 12. # ولا ريب في دلالة الآية على أن الشجرة كانت مبدءا للنداء والتكليم بوجه ~~غير أن الكلام وهو كلام الله سبحانه لم يكن قائما بها كقيام الكلام ~~بالمتكلم منا فلم تكن إلا حجابا احتجب سبحانه به فكلمه من ورائه بما يليق ~~بساحة قدسه من معنى الاحتجاب وهو على كل شيء محيط، قال تعالى: "وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشاء": ms5912 الشورى: 51. # ومن هنا يظهر ضعف ما قيل: إن الشجرة كانت محل الكلام لأن الكلام عرض ~~يحتاج إلى محل يقوم به. # وكذا ما قيل: إن هذا التكليم أعلى منازل الأنبياء (عليهم السلام) أن ~~يسمعوا كلام الله سبحانه من غير واسطة ومبلغ. # وذلك أنه كان كلاما من وراء حجاب والحجاب واسطة وظاهر آية الشورى ~~المذكورة آنفا أن أعلى التكليم هو الوحي من غير واسطة حجاب أو رسول مبلغ. # وقوله: "أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين" أن فيه تفسيرية، وفيه ~~إنباء عن الذات المتعالية المسماة باسم الجلالة الموصوفة بوحدانية الربوبية ~~النافية لمطلق الشرك إذ كونه ربا للعالمين جميعا - والرب هو المالك المدبر ~~لملكه الذي يستحق العبادة من مملوكيه - لا يدع شيئا من العالمين يكون ~~مربوبا لغيره حتى يكون هناك رب غيره وإله معبود سواه. # ففي الآية إجمال ما فصله في سورة طه في هذا الفصل من النداء من الإشارة ~~إلى الأصول الثلاثة أعني التوحيد والنبوة والمعاد إذ قال: "إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية" الآيات: طه: 14 - 16. # قوله تعالى: "وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى: مدبرا ولم ~~يعقب" تقدم تفسيره في سورة النمل. # قوله تعالى: "يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين" بتقدير القول أي قيل ~~له: أقبل ولا تخف إنك من الآمنين، وفي هذا الخطاب تأمين له، وبه يظهر معنى ~~قوله في هذا الموضع من القصة في سورة النمل: "يا موسى لا تخف إني لا يخاف ~~لدي المرسلون": النمل: 10 وأنه تأمين معناه أنك مرسل والمرسلون آمنون لدي ~~وليس من العتاب والتوبيخ في شيء. # قوله تعالى: "اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء" المراد بسلوك يده ~~في جيبه إدخاله فيه، والمراد بالسوء - على ما قيل - البرص. # والظاهر أن في هذا التقييد تعريضا لما في التوراة الحاضرة في هذا الموضع ~~من القصة: ثم قال له الرب أيضا: أدخل يدك في عبك فأدخل يده في عبه ثم ~~أخرجها ms5913 وإذا يده برصاء مثل الثلج. # قوله تعالى: "واضمم إليك جناحك من الرهب" إلى آخر الآية، الرهب بالفتح ~~فالسكون وبفتحتين وبالضم فالسكون الخوف، والجناح قيل: المراد به اليد وقيل: العضد. # قيل: المراد بضم الجناح إليه من الرهب أن يجمع يديه على صدره إذا عرضه ~~الخوف عند مشاهدة انقلاب العصا حية ليذهب ما في قلبه من الخوف. # وقيل: إنه لما ألقى العصا وصارت حية بسط يديه كالمتقي وهما جناحاه فقيل ~~له: اضمم إليك جناحك أي لا تبسط يديك خوف الحية فإنك آمن من ضررها. # والوجهان - كما ترى - مبنيان على كون الجملة أعني قوله: "واضمم" إلخ، من ~~تتمة قوله: "أقبل ولا تخف إنك من الآمنين" وهذا لا يلائم تخلل قوله: "اسلك ~~يدك في جيبك" إلخ، بين الجملتين بالفصل من غير عطف. # وقيل: الجملة كناية عن الأمر بالعزم على ما أراده الله سبحانه منه والحث ~~على الجد في أمر الرسالة لئلا يمنعه ما يغشاه من الخوف في بعض الأحوال. # ولا يبعد أن يكون المراد بالجملة الأمر بأن يأخذ لنفسه سيماء الخاشع ~~المتواضع فإن من دأب المتكبر المعجب بنفسه أن يفرج بين عضديه وجنبيه ~~كالمتمطي في مشيته فيكون في معنى ما أمر الله به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من التواضع للمؤمنين بقوله: "واخفض جناحك للمؤمنين": الحجر: 88 على ~~بعض المعاني. # قوله تعالى: "قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون" إشارة إلى قتله ~~القبطي بالوكز وكان يخاف أن يقتلوه قصاصا. PageV16P017 # قوله تعالى: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني ~~أخاف أن يكذبون" قال في المجمع:، يقال: فلان ردء لفلان إذا كان ينصره ويشد ظهره. # انتهى. # وقوله: "إني أخاف أن يكذبون" تعليل لسؤاله إرسال هارون معه، والسياق يدل ~~على أنه كان يخاف أن يكذبوه فيغضب ولا يستطيع بيان حجته للكنة كانت في ~~لسانه لا أنه سأل إرساله لئلا يكذبوه فإن من يكذبه لا يبالي أن يكذب هارون ~~معه ومن الدليل على ذلك ما وقع في سورة الشعراء في هذا ms5914 الموضع من القصة من ~~قوله: "قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون": الشعراء: 13. # فمحصل المعنى: أن أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معينا لي يبين صدقي ~~في دعواي إذا خاصموني إني أخاف أن يكذبون فلا أستطيع بيان صدق دعواي. # قوله تعالى: "قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ~~بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون" شد عضده بأخيه كناية عن تقويته به، ~~وعدم الوصول إليهما كناية عن عدم التسلط عليهما بالقتل ونحوه كأن الطائفتين ~~يتسابقان وإحداهما متقدمة دائما والأخرى لا تدركهم بالوصول إليهم فضلا أن ~~يسبقوهم. # والمعنى: قال سنقويك ونعينك بأخيك هارون ونجعل لكما سلطة وغلبة عليهم فلا ~~يتسلطون عليكما بسبب آياتنا التي نظهركما بها. # ثم قال: "أنتما ومن اتبعكما الغالبون" وهو بيان لقوله: "ونجعل لكما ~~سلطانا" إلخ، يوضح أن هذا السلطان يشملهما ومن اتبعهما من الناس. # وقد ظهر بذلك أن السلطان بمعنى القهر والغلبة وقيل: هو بمعنى الحجة ~~والأولى حينئذ أن يكون قوله: "بآياتنا" متعلقا بقوله: "الغالبون" لا بقوله: ~~"فلا يصلون إليكما" وقد ذكروا في الآية وجوها أخر لا جدوى في التعرض لها. # قوله تعالى: "فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى" ~~إلخ، أي سحر موصوف بأنه مفترى والمفترى اسم مفعول بمعنى المختلق أو مصدر ~~ميمي وصف به السحر مبالغة. # والإشارة في قوله: "ما هذا إلا سحر مفترى" إلى ما جاء به من الآيات أي ~~ليس ما جاء به من الخوارق إلا سحرا مختلقا افتعله فنسبه إلى الله كذبا. # والإشارة في قوله: "وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" إلى ما جاء به من ~~الدعوة وأقام عليها حجة الآيات، وأما احتمال أن يراد بها الإشارة إلى ~~الآيات فلا يلائمه تكرار اسم الإشارة على أنهم كانوا يدعون أنهم سيأتون ~~بمثلها كما حكى الله عن فرعون في قوله: "فلنأتينك بسحر مثله": طه: 58، على ~~أن عدم معهودية السحر وعدم مسبوقيته بالمثل لا ينفعهم شيئا حتى يدعوه. # فالمعنى: أن ما جاء ms5915 به موسى دين مبتدع لم ينقل عن آبائنا الأولين أنهم ~~اتخذوه في وقت من الأوقات، ويناسبه ما حكي في الآية التالية من قول موسى: ~~"ربي أعلم بمن جاء بالهدى" إلخ. # قوله تعالى: "وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له ~~عاقبة الدار" إلخ، مقتضى السياق كونه جوابا من موسى عن قولهم: "وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين" في رد دعوى موسى، وهو جواب مبني على التحدي كأنه ~~يقول: إن ربي - وهو رب العالمين له الخلق والأمر - هو أعلم منكم بمن جاء ~~بالهدى ومن تكون له عاقبة الدار وهو الذي أرسلني رسولا جائيا بالهدى - وهو ~~دين التوحيد - ووعدني أن من أخذ بديني فله عاقبة الدار، والحجة على ذلك ~~الآيات البينات التي آتانيها من عنده. # فقوله: "ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده" يريد به نفسه والمراد بالهدى ~~الدعوة الدينية التي جاء بها. # وقوله: "ومن تكون له عاقبة الدار" المراد بعاقبة الدار إما الجنة التي هي ~~الدار الآخرة التي يسكنها السعداء كما قال تعالى حكاية عنهم: "وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء": الزمر: 74، وإما عاقبة الدار الدنيا كما ~~في قوله: "قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة للمتقين": الأعراف: 128، وإما الأعم الشامل للدنيا ~~والآخرة، والثالث أحسن الوجوه ثم الثاني كما يؤيده تعليله بقوله: "إنه لا ~~يفلح الظالمون". # وفي قوله: "إنه لا يفلح الظالمون" تعريض لفرعون وقومه وفيه نفي أن تكون ~~لهم عاقبة الدار فإنهم بنوا سنة الحياة على الظلم وفيه انحراف عن العدالة ~~الاجتماعية التي تهدي إليها فطرة الإنسان الموافقة للنظام الكوني. PageV16P018 # قال بعض المفسرين: والوجه في عطف قوله: "وقال موسى ربي أعلم" إلخ، على ~~قولهم: "ما هذا إلا سحر مفترى" إلخ حكاية القولين ليوازن السامع بينهما ~~ليميز صحيحهما من الفاسد. # انتهى. # وما قدمناه من كون قول موسى (عليه السلام) مسوقا لرد قولهم أوفق للسياق. # قوله تعالى: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري" إلى ms5916 آخر ~~الآية، فيه تعريض لموسى بما جاء به من الدعوة الحقة المؤيدة بالآيات ~~المعجزة يريد أنه لم يتبين له حقية ما يدعو إليه موسى ولا كون ما أتى به من ~~الخوارق آيات معجزة من عند الله وأنه ما علم لهم من إله غيره. # فقوله: "ما علمت لكم من إله غيري" سوق للكلام في صورة الإنصاف ليقع في ~~قلوب الملأ موقع القبول كما هو ظاهر قوله المحكي في موضع آخر: "ما أريكم ~~إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد": المؤمن: 29. # فمحصل المعنى: أنه ظهر للملإ أنه لم يتضح له من دعوة موسى وآياته أن هناك ~~إلها هو رب العالمين ولا حصل له علم بأن هناك إلها غيره ثم أمر هامان أن ~~يبني له صرحا لعله يطلع إلى إله موسى. # وبذلك يظهر أن قوله: "ما علمت لكم من إله غيري" من قبيل قصر القلب فقد ~~كان موسى (عليه السلام) يثبت الألوهية لله سبحانه وينفيها عن غيره وهو ~~ينفيها عنه تعالى ويثبتها لنفسه، وأما سائر الآلهة التي كان يعبدها هو ~~وقومه فلا تعرض لها. # وقوله: "فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا" المراد بالإيقاد على ~~الطين تأجيج النار عليه لصنعة الأجر المستعمل في الأبنية، والصرح البناء ~~العالي المكشوف من صرح الشيء إذا ظهر ففي الجملة أمر باتخاذ الأجر وبناء ~~قصر عال منه. # وقوله: "لعلي أطلع إلى إله موسى" نسب الإله إلى موسى بعناية أنه هو الذي ~~يدعو إليه، والكلام من وضع النتيجة موضع المقدمة والتقدير: اجعل لي صرحا ~~أصعد إلى أعلى درجاته فأنظر إلى السماء لعلي أطلع إلى إله موسى كأنه كان ~~يرى أنه تعالى جسم ساكن في بعض طبقات الجو أو الأفلاك فكان يرجو إذا نظر من ~~أعلى الصرح أن يطلع إليه أو كان هذا القول من قبيل التعمية على الناس ~~وإضلالهم. # ويمكن أن يكون المراد أن يبني له رصدا يترصد الكواكب فيرى هل فيها ما يدل ~~على بعثة رسول أو حقية ما يصفه موسى (عليه السلام)، ويؤيد هذا ms5917 قوله على ما ~~حكى في موضع آخر: "يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا": المؤمن: 37. # وقوله: "وإني لأظنه من الكاذبين" ترق منه من الجهل الذي يدل عليه قوله: ~~"ما علمت لكم من إله غيري" إلى الظن بعدم الوجود وقد كان كاذبا في قوله هذا ~~ولا يقوله إلا تمويها وتعمية على الناس وقد خاطبه موسى بقوله: "لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض": إسراء: 102. # وذكر بعضهم أن قوله: "ما علمت لكم من إله غيري" من قبيل نفي المعلوم بنفي ~~العلم فيما لو كان لبان فيكون نظير قوله: "قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات والأرض": يونس: 18، وأنت خبير بأنه لا يلائم ذيل الآية. # قوله تعالى: "واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون" أي كانت حالهم حال من يترجح عنده عدم الرجوع وذلك أنهم كانوا ~~موقنين في أنفسهم كما قال تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا". # قوله تعالى: "فأخذناه وجنوده" إلخ النبذ الطرح، واليم البحر والباقي ظاهر. # وفي الآية من الاستهانة بأمرهم وتهويل العذاب الواقع بهم ما لا يخفى. # قوله تعالى: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون" ~~الدعوة إلى النار هي الدعوة إلى ما يستوجب النار من الكفر والمعاصي لكونها ~~هي التي تتصور لهم يوم القيامة نارا يعذبون فيها أو المراد بالنار ما ~~يستوجبها مجازا من باب إطلاق المسبب وإرادة سببه. # ومعنى جعلهم أئمة يدعون إلى النار، تصييرهم سابقين في الضلال يقتدي بهم ~~اللاحقون ولا ضير فيه لكونه بعنوان المجازاة على سبقهم في الكفر والجحود ~~وليس من الإضلال الابتدائي في شيء. # وقيل: المراد بجعلهم أئمة يدعون إلى النار تسميتهم بذلك على حد قوله: ~~"وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا": الزخرف: 19. # وفيه أن الآية التالية على ما سيجيء من معناها لا تلائمه. # على أن كون الجعل في الآية المستشهد بها بمعنى التسمية غير مسلم. PageV16P019 # وقوله: "ويوم القيامة لا ينصرون" أي ms5918 لا تنالهم شفاعة من ناصر. # قوله تعالى: "وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين" بيان للازم ما وصفهم به في الآية السابقة فهم لكونهم أئمة يقتدي ~~بهم من خلفهم في الكفر والمعاصي لا يزال يتبعهم ضلال الكفر والمعاصي من ~~مقتديهم ومتبعيهم وعليهم من الأوزار مثل ما للمتبعين فيتبعهم لعن مستمر ~~باستمرار الكفر والمعاصي بعدهم. # فالآية في معنى قوله: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم": العنكبوت: ~~13 وقوله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم": يس: 12، وتنكير اللعنة للدلالة على ~~تفخيمها واستمرارها. # وكذا لما لم ينلهم يوم القيامة نصر ناصر كانوا بحيث يتنفر ويشمئز عنهم ~~النفوس ويفر منهم الناس ولا يدنو منهم أحد وهو معنى القبح وقد وصف الله ~~تعالى من قبح منظرهم شيئا كثيرا في كلامه. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، روى الواحدي بالإسناد عن ابن عباس قال: سئل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأبطأهما. # أقول: وروي ما في معناه بالإسناد عن أبي ذر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن مقسم قال: لقيت الحسن بن علي بن ~~أبي طالب رض فقلت له: أي الأجلين قضى موسى؟ الأول أو الآخر؟ قال: الآخر. # وفي المجمع، روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قضى موسى ~~الأجل وسار بأهله نحو البيت أخطأ الطريق فرأى نارا "قال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا". # وعن كتاب طب الأئمة، بإسناده عن جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) في ~~حديث قال: وقال الله عز وجل في قصة موسى (عليه السلام): "وأدخل يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء" يعني من غير برص. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا - ~~فأرسله معي ردءا يصدقني" قال الراوي: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): فكم ~~مكث موسى (عليه السلام) غائبا عن أمه حتى رده الله عز وجل عليها؟ قال: ~~ثلاثة أيام. قال: فقلت: فكان هارون أخا موسى (عليه السلام) لأبيه ms5919 وأمه؟ ~~قال: نعم أما تسمع الله عز وجل يقول: "يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي"؟ فقلت: فأيهما كان أكثر سنا؟ قال: هارون. قلت: فكان الوحي ينزل ~~عليهما جميعا؟ قال: كان الوحي ينزل على موسى وموسى يوحيه إلى هارون. فقلت ~~له: أخبرني عن الأحكام والقضاء والأمر والنهي كان ذلك إليهما؟ قال: كان ~~موسى الذي يناجي ربه ويكتب العلم ويقضي بين بني إسرائيل وهارون يخلفه إذا ~~غاب من قومه للمناجاة. قلت: فأيهما مات قبل صاحبه؟ قال: مات هارون قبل موسى ~~وماتا جميعا في التيه. قلت: فكان لموسى ولد؟ قال: لا كان الولد لهارون ~~والذرية له. # أقول: وآخر الرواية لا يوافق روايات أخر تدل على أنه كان له ولد، وفي ~~التوراة الحاضرة أيضا دلالة على ذلك. # في جوامع الجامع،: في قوله تعالى: "واستكبر هو وجنوده" قال (عليه السلام) ~~فيما حكاه عن ربه عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا ~~منهما ألقيته في النار. # وفي الكافي، بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قال: إن الأئمة في كتاب الله عز وجل إمامان قال الله تبارك وتعالى: ~~"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا" لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم ~~وحكم الله قبل حكمهم. قال: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار" يقدمون أمرهم ~~قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله ~~عز وجل. # كلام حول قصص موسى وهارون (عليهما السلام) # في فصول 1 - منزلة موسى عند الله وموقفه العبودي: # كان (عليه السلام) أحد الخمسة أولي العزم الذين هم سادة الأنبياء ولهم ~~كتاب وشريعة كما خصهم الله تعالى بالذكر في قوله: "وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا": الأحزاب: 7، وقال: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13. ولقد امتن الله ~~سبحانه عليه وعلى أخيه في قوله: "ولقد مننا على موسى وهارون": الصافات: ms5920 114 ~~وسلم عليهما في قوله: "سلام على موسى وهارون": الصافات: 120. PageV16P020 # وأثنى على موسى (عليه السلام) بأجمل الثناء في قوله: "واذكر في الكتاب موسى ~~إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه ~~نجيا": مريم: 52، وقال: "وكان عند الله وجيها": الأحزاب: 69، وقال: "وكلم ~~الله موسى تكليما": النساء: 164. # وذكره في جملة من ذكرهم من الأنبياء في سورة الأنعام الآية 84 - 88 فأخبر ~~أنهم كانوا محسنين صالحين وأنه فضلهم على العالمين واجتباهم وهداهم إلى ~~صراط مستقيم. # وذكره في جملة الأنبياء في سورة مريم ثم ذكر في الآية 58 منها أنهم الذين ~~أنعم الله عليهم. # فاجتمع بذلك له (عليه السلام) معنى الإخلاص والتقريب والوجاهة والإحسان ~~والصلاح والتفضيل والاجتباء والهداية والإنعام وقد مر البحث عن معاني هذه ~~الصفات في مواضع تناسبها من هذا الكتاب وكذا البحث عن معنى النبوة والرسالة ~~والتكليم. # وذكر الكتاب النازل عليه وهو التوراة فوصفها بأنها إمام ورحمة سورة ~~الأحقاف: 12 وبأنها فرقان وضياء وذكر: الأنبياء: 48 وبأن فيها هدى ونور: ~~المائدة: 44 وقال: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل ~~شيء": الأعراف: 145. # غير أنه تعالى ذكر في مواضع من كلامه أنهم حرفوها واختلفوا فيها. # وقصة بخت نصر وفتحه فلسطين ثانيا وهدمه الهيكل وإحراقه التوراة وحشره ~~اليهود إلى بابل سنة خمسمائة وثمان وثمانين قبل المسيح ثم فتح كورش الملك ~~بابل سنة خمسمائة وثمان وثلاثين قبل المسيح وإذنه لليهود أن يرجعوا إلى ~~فلسطين ثانيا وكتابة عزراء الكاهن التوراة لهم معروف في التواريخ وقد تقدمت ~~الإشارة إليه في الجزء الثالث من الكتاب في قصص المسيح (عليه السلام). # 2 - قصص موسى (عليه السلام) # في القرآن: هو (عليه السلام) أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن الكريم فقد ~~ذكر اسمه - على ما عدوه - في مائة وستة وستين موضعا من كلامه تعالى، وأشير ~~إلى قصته إجمالا أو تفصيلا في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن، وقد اختص ~~من بين الأنبياء بكثرة المعجزات، وقد ذكر في القرآن شيء كثير من معجزاته ~~الباهرة كصيرورة عصاه ms5921 ثعبانا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، وفلق البحر، وإنزال المن والسلوى، وانبجاس العيون من ~~الحجر بضرب العصا، وإحياء الموتى، ورفع الطور فوق القوم وغير ذلك. # وقد ورد في كلامه تعالى طرف من قصصه (عليه السلام) من دون استيفائها في ~~كل ما دق وجل بل بالاقتصار على فصول منها يهم ذكرها لغرض الهداية والإرشاد ~~على ما هو دأب القرآن الكريم في الإشارة إلى قصص الأنبياء وأممهم. # وهذه الفصول التي فيها كليات قصصه هي أنه تولد بمصر في بيت إسرائيلي ~~حينما كانوا يذبحون المواليد الذكور من بني إسرائيل بأمر فرعون وجعلت أمه ~~إياه في تابوت وألقته في البحر وأخذ فرعون إياه ثم رده إلى أمه للإرضاع ~~والتربية ونشأ في بيت فرعون. # ثم بلغ أشده وقتل القبطي وهرب من مصر إلى مدين خوفا من فرعون وملئه أن ~~يقتلوه قصاصا. # ثم مكث في مدين عند شعيب النبي (عليه السلام) وتزوج إحدى بنتيه. # ثم لما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا وقد ضلوا ~~الطريق في ليلة شاتية فأوقفهم مكانهم وذهب إلى النار ليأتيهم بقبس أو يجد ~~على النار هدى فلما أتاها ناداه الله من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة وكلمه واجتباه وآتاه معجزة العصا واليد البيضاء في تسع ~~آيات واختاره للرسالة إلى فرعون وملئه وإنجاء بني إسرائيل وأمره بالذهاب إليه. # فأتى فرعون ودعاه إلى كلمة الحق وأن يرسل معه بني إسرائيل ولا يعذبهم ~~وأراه آية العصا واليد البيضاء فأبى وعارضه بسحر السحرة وقد جاءوا بسحر ~~عظيم من ثعابين وحيات فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ~~ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وأصر فرعون على جحوده وهدد ~~السحرة ولم يؤمن. PageV16P021 # فلم يزل موسى (عليه السلام) يدعوه وملأه ويريهم الآية بعد الآية كالطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وهم يصرون على استكبارهم، وكلما ~~وقع عليهم الرجز قالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا ~~الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن ms5922 معك بني إسرائيل فلما كشف الله عنهم الرجز إلى أجل ~~هم بالغوه إذا هم ينكثون. # فأمره الله أن يسري بني إسرائيل ليلا فساروا حتى بلغوا ساحل البحر فعقبهم ~~فرعون بجنوده فلما تراءى الفريقان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن ~~معي ربي سيهدين فأمر بأن يضرب بعصاه البحر فانفلق الماء فجاوزوا البحر ~~واتبعهم فرعون وجنوده حتى إذا اداركوا فيها جميعا أطبق الله عليهم الماء ~~فأغرقهم عن آخرهم. # ولما أنجاهم الله من فرعون وجنوده وأخرجهم إلى البر ولا ماء فيه ولا كلاء ~~أكرمهم الله فأنزل عليهم المن والسلوى وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانبجست ~~منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم فشربوا منها وأكلوا منهما ~~وظللهم الغمام. # ثم واعد الله موسى أربعين ليلة لنزول التوراة بجبل الطور فاختار قومه ~~سبعين رجلا ليسمعوا تكليمه تعالى إياه فسمعوا ثم قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ثم أحياهم الله بدعوة موسى، ولما تم ~~الميقات أنزل الله عليه التوراة وأخبره أن السامري قد أضل قومه بعده فعبدوا العجل. # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا فأحرق العجل ونسفه في اليم وطرد السامري ~~وقال له: اذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وأما القوم فأمروا أن ~~يتوبوا ويقتلوا أنفسهم فتيب عليهم بعد ذلك ثم استكبروا عن قبول شريعة ~~التوراة حتى رفع الله الطور فوقهم. # ثم إنهم ملوا المن والسلوى وقالوا لن نصبر على طعام واحد وسألوه أن يدعو ~~ربه أن يخرج لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ~~فأمروا أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فأبوا فحرمها الله عليهم ~~وابتلاهم بالتيه يتيهون في الأرض أربعين سنة. # ومن قصص موسى (عليه السلام) ما ذكره الله في سورة الكهف من مضيه مع فتاه ~~إلى مجمع البحرين للقاء العبد الصالح وصحبته حتى فارقه. # 3 - منزلة هارون (عليه السلام) # عند الله وموقفه العبودي: أشركه الله تعالى مع موسى (عليه السلام) في ~~سورة الصافات في المن ms5923 وإيتاء الكتاب والهداية إلى الصراط المستقيم وفي ~~التسليم وأنه من المحسنين ومن عباده المؤمنين الصافات: 114 - 122 وعده ~~مرسلا طه: 47 ونبيا مريم: 53 وأنه ممن أنعم عليهم مريم: 58 وأشركه مع من ~~عدهم من الأنبياء في سورة الأنعام في صفاتهم الجميلة من الإحسان والصلاح ~~والفضل والاجتباء والهداية الإنعام: 84 - 88. # وفي دعاء موسى ليلة الطور: "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا": طه: 35. # وكان (عليه السلام) ملازما لأخيه في جميع مواقفه يشاركه في عامة أمره ~~ويعينه على جميع مقاصده. # ولم يرد في القرآن الكريم مما يختص به من القصص إلا خلافته لأخيه حين غاب ~~عن القوم للميقات وقال لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وقد عبدوا العجل ألقى الألواح ~~وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القول استضعفوني وكادوا يقتلونني ~~فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي ~~وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين. # 4 - قصة موسى (عليه السلام) # في التوراة الحاضرة: قصصه (عليه السلام) موضوعة فيما عدا السفر الأول من ~~أسفار التوراة الخمسة وهي: سفر الخروج وسفر اللاويين وسفر العدد وسفر ~~التثنية تذكر فيها تفاصيل قصصه (عليه السلام) من حين ولادته إلى حين وفاته ~~وما أوحي إليه من الشرائع والأحكام. # غير أن فيها اختلافات في سرد القصة مع القرآن في أمور غير يسيرة. # ومن أهمها أنها تذكر أن نداء موسى وتكليمه من الشجرة كان في أرض مدين قبل ~~أن يسير بأهله وذلك حين كان يرعى غنم يثرون حمية كاهن مديان فساق الغنم إلى ~~وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط ~~عليقة فناداه الله وكلمه بما كلمه وأرسله إلى فرعون لإنجاء بني إسرائيل. PageV16P022 # ومنها ما ذكرت أن فرعون الذي أرسل إليه موسى غير فرعون الذي أخذ موسى ورباه ms5924 ~~ثم هرب منه موسى لما قتل القبطي خوفا من القصاص. # ومنها أنها لم تذكر إيمان السحرة لما ألقوا عصيهم فصارت حيات فتلقفتها ~~عصا موسى بل تذكر أنهم كانوا عند فرعون وعارضوا موسى في آيتي الدم والضفادع ~~فأتوا بسحرهم مثل ما أتى به موسى (عليه السلام) معجزة. # ومنها أنها تذكر أن الذي صنع لهم العجل فعبدوه هو هارون النبي أخو موسى ~~(عليه السلام) وذلك أنه لما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل ~~اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير إمامنا لأن هذا ~~موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ما ذا أصابه؟ فقال لهم هارون: ~~انزعوا أقراط الشعب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها. # فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون فأخذ ذلك ~~من أيديهم وصوره بالإزميل فصبغه عجلا مسبوكا فقالوا أهذه آلهتك يا إسرائيل ~~التي أصعدتك من أرض مصر. # وفي الآيات القرآنية تعريضات للتوراة في هذه المواضع من قصصه (عليه ~~السلام) غير خفية على المتدبر فيها. # وهناك اختلافات جزئية كثيرة كما وقع في التوراة في قصة قتل القبطي أن ~~المتضاربين ثانيا كانا جميعا إسرائيليين. # وأيضا وقع فيها أن الذي ألقى العصا فتلقفت حيات السحرة هو هارون ألقاها ~~بأمر موسى. # وأيضا لم تذكر فيها قصة انتخاب السبعين رجلا للميقات ونزول الصاعقة عليهم ~~وإحياءهم بعده. # وأيضا فيها أن الألواح التي كانت مع موسى لما نزل من الجبل وألقاها كانت ~~لوحين من حجر وهما لوحا الشهادة. # إلى غير ذلك من الاختلافات. PageV16P023 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 43 - 56 # ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر ~~وما كنت من الشهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ~~ثاويا فى أهل مدين تتلوا عليهم ءايتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما ms5925 أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون (46) ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا ~~لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءايتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم ~~الحق من عندنا قالوا لو لا أوتى مثل ما أوتى موسى أولم يكفروا بما أوتى ~~موسى من قبل قالوا سحران تظهرا وقالوا إنا بكل كفرون (48) قل فأتوا بكتب من ~~عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صدقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم ~~أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا ~~يهدى القوم الظلمين (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين ~~ءاتينهم الكتب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به ~~إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقنهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو ~~أعرضوا عنه وقالوا لنا أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم لا نبتغى الجهلين (55) ~~إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) ### |||| AUTO بيان # سياق الآيات يشهد أن المشركين من قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~راجعوا بعض أهل الكتاب واستفتوهم في أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرضوا ~~عليهم بعض القرآن النازل عليه وهو مصدق للتوراة فأجابوا بتصديقه والإيمان ~~بما يتضمنه القرآن من المعارف الحقة وأنهم كانوا يعرفونه بأوصافه قبل أن ~~يبعث كما قال تعالى: "وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا ~~كنا من قبله مسلمين". # فساء المشركين ذلك وشاجروهم وأغلظوا عليهم في القول وقالوا: إن القرآن ~~سحر والتوراة سحر مثله "سحران تظاهرا" و"إنا بكل كافرون" فأعرض الكتابيون ~~عنهم وقالوا: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. # هذا ما يلوح إليه الآيات الكريمة بسياقها، وهو سبحانه لما ساق قصة موسى ~~(عليه السلام) وأنبأ أنه كيف أظهر قوما مستضعفين معبدين معذبين يذبح ~~أبناؤهم وتستحيى نساؤهم على قوم عالين مستكبرين طغاة مفسدين بوليد منهم ~~رباه في حجر عدوه الذي يذبح بأمره ms5926 الألوف من أبنائهم ثم أخرجه لما نشأ من ~~بينهم ثم بعثه ورده إليهم وأظهره عليهم حتى أغرقهم أجمعين وأنجى شعب ~~إسرائيل فكانوا هم الوارثين. # عطف القول على الكتاب السماوي الذي هو المتضمن للدعوة وبه تتم الحجة وهو ~~الحامل للتذكرة فذكر أنه أنزل التوراة على موسى (عليه السلام) فيه بصائر ~~للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون فينتهون عن معصية الله بعد ما أهلك القرون ~~الأولى بمعاصيهم. PageV16P024 # وكذا أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن وقص عليه قصص موسى ~~(عليه السلام) ولم يكن هو شاهدا لنزول التوراة عليه ولا حاضرا في الطور لما ~~ناداه وكلمه، وقص عليه ما جرى بين موسى وشعيب (عليهما السلام) ولم يكن هو ~~ثاويا في مدين يتلو عليهم آياته ولكن أنزله وقص عليه ما قصه رحمة منه لينذر ~~به قوما ما أتاهم من نذير من قبله لأنهم بسبب كفرهم وفسوقهم في معرض نزول ~~العذاب وأصابه المصيبة فلو لم ينزل الكتاب ولم يبلغ الدعوة لقالوا: ربنا لو ~~لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك وكانت الحجة لهم على الله سبحانه. # فلما جاءهم الحق من عنده ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول ~~القرآن قالوا: لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من ~~قبل حين راجعوا أهل الكتاب في أمره فصدقوه فقال المشركون: سحران تظاهرا ~~يعنون التوراة والقرآن، وقالوا إنا بكل كافرون. # ثم لقن سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة عليهم بقوله: "قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين" أي إن من ~~الواجب في حكمة الله أن يكون هناك كتاب نازل من عند الله يهدي إلى الحق ~~وتتم به الحجة على الناس وهم يعرفون فإن لم تكن التوراة والقرآن كتابي هدى ~~وكافيين لهداية الناس فهناك كتاب هو أهدى منهما وليس كذلك إذ ما في ~~الكتابين من المعارف الحقة مؤيدة بالإعجاز وبدلالة البراهين العقلية. # على أنه ليس هناك كتاب سماوي هو أهدى منهما فالكتابان كتابا هدى والقوم ms5927 ~~في الإعراض عنهما متبعون للهوى ضالون عن الصراط المستقيم وهو قوله: "فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم" إلخ. # ثم مدح سبحانه قوما من أهل الكتاب راجعهم المشركون في أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والقرآن فأظهروا لهم الإيمان والتصديق وأعرضوا عن لغو ~~القول الذي جبهوهم به. # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~بصائر للناس" إلخ اللام للقسم أي أقسم لقد أعطينا موسى الكتاب وهو التوراة ~~بوحيه إليه. # وقوله: "من بعد ما أهلكنا القرون الأولى" أي الأجيال السابقة على نزول ~~التوراة كقوم نوح ومن بعدهم من الأمم الهالكة ولعل منهم قوم فرعون، وفي هذا ~~التقييد إشارة إلى مسيس الحاجة حينئذ إلى نزول الكتاب لاندراس معالم الدين ~~الإلهي بمضي الماضين وليشار في الكتاب الإلهي إلى قصصهم وحلول العذاب ~~الإلهي بهم بسبب تكذيبهم لآيات الله ليعتبر به المعتبرون ويتذكر به ~~المتذكرون. # وقوله: "بصائر للناس" جمع بصيرة بمعنى ما يبصره به وكان المراد بها الحجج ~~البينة التي يبصر بها الحق ويميز بها بينه وبين الباطل، وهي حال من الكتاب ~~وقيل: مفعول له. # وقوله: "وهدى" بمعنى الهادي أو ما يهتدى به وكذا قوله: "ورحمة" بمعنى ما ~~يرحم به وهما حالان من الكتاب كبصائر، وقيل: كل منهما مفعول له. # والمعنى: وأقسم لقد أعطينا موسى الكتاب وهو التوراة من بعد ما أهلكنا ~~الأجيال الأولى فاقتضت الحكمة تجديد الدعوة والإنذار حال كون الكتاب حججا ~~بينة يبصر بها الناس المعارف الحقة وهدى يهتدون به إليها ورحمة يرحمون بسبب ~~العمل بشرائعه وأحكامه لعلهم يتذكرون فيفقهون ما يجب عليهم من الاعتقاد ~~والعمل. # قوله تعالى: "وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين" الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والغربي صفة محذوفة ~~الموصوف والمراد جانب الوادي الغربي أو جانب الجبل الغربي. # وقوله: "إذ قضينا إلى موسى الأمر" كان القضاء مضمن معنى العهد، والمراد ~~بعهد الأمر إليه - على ما قيل - أحكام أمر نبوته بإنزال التوراة إليه وأما ~~العهد ms5928 إليه بأصل الرسالة فيدل عليه قوله بعد: "وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا" وقوله: "وما كنت من الشاهدين" تأكيد لسابقه. # والمعنى: وما كنت حاضرا وشاهدا حين أنزلنا التوراة على موسى في الجانب ~~الغربي من الوادي أو الجبل. PageV16P025 # قوله تعالى: "ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر" تطاول العمر تمادي ~~الأمد والجملة استدراك عن النفي في قوله: "وما كنت بجانب الغربي"، والمعنى: ~~ما كنت حاضرا هناك شاهدا لما جرى فيه ولكنا أوجدنا أجيالا بعده فتمادى بهم ~~الأمد ثم أنزلنا عليك قصته وخبر نزول الكتاب عليه ففي الكلام إيجاز بالحذف ~~لدلالة المقام عليه. # قوله تعالى: "وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا ~~مرسلين" الثاوي المقيم يقال: ثوى في المكان إذا أقام فيه، والضمير في ~~"عليهم" لمشركي مكة الذين كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو عليهم ~~آيات الله التي تقص ما جرى على موسى (عليه السلام) في مدين زمن كونه فيه. # وقوله: "ولكنا كنا مرسلين" استدراك من النفي في صدر الآية. # والمعنى: وما كنت مقيما في أهل مدين - وهم شعيب وقومه - مشاهدا لما جرى ~~على موسى هناك تتلو على المشركين آياتنا القاصة لخبره هناك ولكنا كنا ~~مرسلين لك إلى قومك موحين بهذه الآيات إليك لتتلوها عليهم. # قوله تعالى: "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك" إلى آخر ~~الآية، الظاهر من مقابلة الآية لقوله السابق: "وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا" إلخ، إن المراد بهذا النداء ما كان من الشجرة في الليلة التي آنس ~~فيها من جانب الطور نارا. # وقوله: "ولكن رحمة من ربك" إلخ، استدراك عن النفي السابق، والظاهر أن ~~"رحمة" مفعول له، والالتفات عن التكلم بالغير إلى الغيبة في قوله: "من ربك" ~~للدلالة على كمال عنايته تعالى به (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقوله: "لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك" الظاهر أن المراد بهذا ~~القوم أهل عصر الدعوة النبوية أو هم ومن يقارنهم من آبائهم فإن العرب خلت ~~فيهم رسل منهم كهود ms5929 وصالح وشعيب وإسماعيل (عليهما السلام). # والمعنى: وما كنت حاضرا في جانب الطور إذ نادينا موسى وكلمناه واخترناه ~~للرسالة حتى تخبر عن هذه القصة إخبار الحاضر المشاهد ولكن لرحمة منا ~~أخبرناك بها لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون. # قوله تعالى: "ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا" إلخ، ~~المراد بما قدمت أيديهم ما اكتسبوه من السيئات من طريق الاعتقاد والعمل ~~بدليل ذيل الآية، والمراد بالمصيبة التي تصيبهم أعم من مصيبة الدنيا ~~والآخرة فإن الإعراض عن الحق بالكفر والفسوق يستتبع المؤاخذة الإلهية في ~~الدنيا كما يستتبعها في الآخرة، وقد تقدم بعض الكلام فيه في ذيل قوله: "ولو ~~أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض": الأعراف: ~~96 وغيره. # وقوله: "فيقولوا ربنا لو لا أرسلت" متفرع على ما تقدمه على تقديم عدم ~~إرسال الرسول وجواب لو لا محذوف لظهوره والتقدير: لما أرسلنا رسولا. # ومحصل المعنى: أنه لو لا أنه تكون لهم الحجة علينا على تقدير عدم إرسال ~~الرسول وأخذهم بالعذاب بما قدمت أيديهم من الكفر والفسوق لما أرسلنا إليهم ~~رسولا لكنهم يقولون ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك التي يتلوها ~~علينا ونكون من المؤمنين. # قوله تعالى: "فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي ~~موسى" إلخ، أي فأرسلنا إليهم الرسول بالحق وأنزلنا الكتاب فلما جاءهم الحق ~~من عندنا والظاهر أنه الكتاب النازل على الرسول وهو القرآن النازل على ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمراد بقولهم: "لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى" أي لو لا أوتي النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) مثل التوراة التي أوتيها موسى (عليه السلام)، وكأنهم ~~يريدون به أن ينزل القرآن جملة واحدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: "وقال ~~الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة": الفرقان: 32. # وقد أجاب الله عن قولهم بقوله: "أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ~~سحران تظاهرا" يعنون القرآن والتوراة "وقالوا إنا بكل ms5930 كافرون". # والفرق بين القولين أن الأول كفر بالكتابين والثاني كفر بأصل النبوة ~~ولعله الوجه لتكرار "قالوا" في الكلام. PageV16P026 # قوله تعالى: "قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين" تفريع على كون القرآن والتوراة سحرين تظاهرا، ولا يصح هذا التفريع ~~إلا إذا كان من الواجب أن يكون بين الناس كتاب من عند الله سبحانه يهديهم ~~ويجب عليهم اتباعه فإذا كانا سحرين باطلين كان الحق غيرهما، وهو كذلك على ~~ما تبين بقوله: "ولو لا أن تصيبهم مصيبة" إلخ، إن للناس على الله أن ينزل ~~عليهم الكتاب ويرسل إليهم الرسول، ولذلك أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يطالبهم بكتاب غيرهما هو أهدى منهما ليتبعه. # ثم الكتابان لو كانا سحرين تظاهرا كانا باطلين مضلين لا هدى فيهما حتى ~~يكون غيرهما من الكتاب الذي يأتون به أهدى منهما - لاستلزام صيغة التفضيل ~~اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف - لكن المقام لما كان مقام ~~المحاجة ادعى أن الكتابين هاديان لا مزيد عليهما في الهداية فإن لم يقبل ~~الخصم ذلك فليأت بكتاب يزيد عليهما في معنى ما يشتملان عليه من بيان الواقع ~~فيكون أهدى منهما. # والقرآن الكريم وإن كان يصرح بتسرب التحريف والخلل في التوراة الحاضرة ~~وذلك لا يلائم عدها كتاب هدى بقول مطلق لكن الكلام في التوراة الواقعية ~~النازلة على موسى (عليه السلام) وهي التي يصدقها القرآن. # على أن موضوع الكلام هما معا والقرآن يقوم التوراة الحاضرة ببيان ما فيها ~~من الخلل فهما معا هدى لا كتاب أهدى منهما. # وقوله: "إن كنتم صادقين" أي في دعوى أنهما سحران تظاهرا. # قوله تعالى: "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم" إلى آخر ~~الآية، الاستجابة والإجابة بمعنى واحد، قال في الكشاف: هذا الفعل يتعدى إلى ~~الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في ~~الغالب فيقال: استجاب الله دعاءه أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه. # انتهى. # فقوله: "فإن لم يستجيبوا لك" تفريع على قوله: ms5931 "قل فأتوا بكتاب من عند ~~الله هو أهدى منهما أتبعه" أي فإن قلت لهم كذا وكلفتهم بذلك فلم يأتوا ~~بكتاب هو أهدى من القرآن والتوراة وتعين أن لا هدى أتم وأكمل من هداهما وهم ~~مع ذلك يرمونها بالسحر ويعرضون عنهما فاعلم أنهم ليسوا في طلب الحق ولا ~~بصدد اتباع ما هو صريح حجة العقل وإنما يتبعون أهواءهم ويدافعون عن مشتهيات ~~طباعهم بمثل هذه الأباطيل: "سحران تظاهرا" "إنا بكل كافرون". # ويمكن أن يكون المراد بقوله: "إنما يتبعون أهواءهم" إنهم إن لم يأتوا ~~بكتاب هو أهدى منهما وهم غير مؤمنين بهما فاعلم أنهم إنما يبنون سنة الحياة ~~على اتباع الأهواء ولا يعتقدون بأصل النبوة وأن لله دينا سماويا نازلا ~~عليهم من طريق الوحي وعليهم أن يتبعوه ويسلكوا مسلك الحياة بهدى ربهم، ~~وربما أيد هذا المعنى قوله بعد: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" إلخ. # وقوله: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" استفهام إنكاري والمراد ~~به استنتاج أنهم ضالون، وقوله: "إن الله لا يهدي القوم الظالمين" تعليل ~~لكونهم ضالين باتباع الهوى فإن اتباع الهوى إعراض عن الحق وانحراف عن صراط ~~الرشد وذلك ظلم والله لا يهدي القوم الظالمين وغير المهتدي هو الضال. # ومحصل الحجة أنهم إن لم يأتوا بكتاب هو أهدى منهما وليسوا مؤمنين بهما ~~فهم متبعون للهوى، ومتبع الهوى ظالم والظالم غير مهتد وغير المهتدي ضال فهم ضالون. # قوله تعالى: "ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون" التوصيل تفعيل من ~~الوصل يفيد التكثير كالقطع والتقطيع والقتل والتقتيل، والضمير لمشركي مكة ~~والمعنى أنزلنا عليهم القرآن موصولا بعضه ببعض: الآية بعد الآية، والسورة ~~إثر السورة من وعد ووعيد ومعارف وأحكام وقصص وعبر وحكم ومواعظ لعلهم ~~يتذكرون. # قوله تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون" الضميران ~~للقرآن وقيل: للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والأول أوفق للسياق، وفي الآية وما بعدها مدح طائفة من مؤمني أهل الكتاب ~~بعد ما تقدم في الآيات السابقة من ذم المشركين من أهل ms5932 مكة. # وسياق ذيل الآيات يشهد على أن هؤلاء الممدوحين طائفة خاصة من أهل الكتاب ~~آمنوا به فلا يعبأ بما قيل إن المراد بهم مطلق المؤمنين منهم. PageV16P027 # قوله تعالى: "وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا" إلخ، ضمائر ~~الإفراد للقرآن، واللام في "الحق" للعهد والمعنى وإذا يقرأ القرآن عليهم ~~قالوا: آمنا به إنه الحق الذي نعهده من ربنا فإنه عرفناه من قبل. # وقوله: "إنا كنا من قبله مسلمين" تعليل لكونه حقا معهودا عندهم أي إنا ~~كنا من قبل نزوله مسلمين له أو مؤمنين للدين الذي يدعو إليه ويسميه إسلاما. # وقيل: الضميران للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تقدم أوفق للسياق، ~~وكيف كان فهم يعنون بذلك ما قرءوه في كتبهم من أوصاف النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والكتاب النازل عليه كما يشير إليه قوله تعالى: "الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": ~~الأعراف: 157، وقوله: "أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل": ~~الشعراء: 197. # قوله تعالى: "أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة" ~~إلخ في الآية وعد جميل لهم على ما فعلوا ومدح لهم على حسن سلوكهم ومداراتهم ~~مع جهلة المشركين ولذا كان الأقرب إلى الفهم أن يكون المراد بإيتائهم أجرهم ~~مرتين إيتاؤهم أجر الإيمان بكتابهم وأجر الإيمان بالقرآن وصبرهم على ~~الإيمان بعد الإيمان بما فيهما من كلفة مخالفة الهوى. # وقيل: المراد إيتاؤهم الأجر بما صبروا على دينهم وعلى أذى الكفار وتحمل ~~المشاق وقد عرفت ما يؤيده السياق. # وقوله: "ويدرءون بالحسنة السيئة" إلخ الدرء الدفع، والمراد بالحسنة ~~والسيئة قيل: الكلام الحسن والكلام القبيح، وقيل: العمل الحسن والسيىء وهما ~~المعروف والمنكر، وقيل: الخلق الحسن والسيىء وهما الحلم والجهل، وسياق ~~الآيات أوفق للمعنى الأخير فيرجع المعنى إلى أنهم يدفعون أذى الناس عن ~~أنفسهم بالمدارأة، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم" إلخ، المراد باللغو لغو الكلام بدليل تعلقه بالسمع، والمراد سقط ~~القول الذي لا ينبغي ms5933 الاشتغال به من هذر أو سب وكل ما فيه خشونة، ولذا لما ~~سمعوه أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وهو ~~متاركة، وقوله: "سلام عليكم" أي أمان منا لكم، وهو أيضا متاركة وتوديع ~~تكرما كما قال تعالى: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". # وقوله: "لا نبتغي الجاهلين" أي لا نطلبهم بمعاشرة ومجالسة، وفيه تأكيد ~~لما تقدمه، وهو حكاية عن لسان حالهم إذ لو تلفظوا به لكان من مقابلة السيىء ~~بالسيىء. # قوله تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين" المراد بالهداية الإيصال إلى المطلوب ومرجعه إلى إفاضة الإيمان ~~على القلب ومعلوم أنه من شأنه تعالى لا يشاركه فيه أحد، وليس المراد بها ~~إراءة الطريق فإنه من وظيفة الرسول لا معنى لنفيه عنه، والمراد بالاهتداء ~~قبول الهداية. # لما بين في الآيات السابقة حرمان المشركين وهم قوم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من نعمة الهداية وضلالهم باتباع الهوى واستكبارهم عن الحق ~~النازل عليهم وإيمان أهل الكتاب به واعترافهم بالحق ختم القول في هذا الفصل ~~من الكلام بأن أمر الهداية إلى الله لا إليك يهدي هؤلاء وهم من غير قومك ~~الذين تدعوهم ولا يهدي هؤلاء وهم قومك الذين تحب اهتداءهم وهو أعلم ~~بالمهتدين. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أهلك ~~الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة ~~على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة. ألم تر إلى قوله تعالى: "ولقد ~~آتينا موسى الكتاب - من بعد ما أهلكنا القرون الأولى"؟ أقول: وفي دلالة ~~الآية على الإهلاك بخصوص العذاب السماوي ثم انقطاعه بنزول التوراة خفاء. PageV16P028 # وفيه،: في قوله تعالى: "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا" الآية،: أخرج ابن ~~مردويه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لما قرب الله ~~موسى إلى ms5934 طور سيناء نجيا قال: أي رب هل أحد أكرم عليك مني؟ قربتني نجيا ~~وكلمتني تكليما. قال: نعم، محمد أكرم علي منك. قال: فإن كان محمد أكرم عليك ~~مني فهل أمة محمد أكرم من بني إسرائيل؟ فلقت لهم البحر وأنجيتهم من فرعون ~~وعمله وأطعمتهم المن والسلوى. قال: نعم، أمة محمد أكرم علي من بني إسرائيل. ~~قال: إلهي أرنيهم. قال: إنك لن تراهم وإن شئت أسمعتك صوتهم. قال: نعم إلهي. ~~فنادى ربنا أمة محمد: أجيبوا ربكم، فأجابوا وهم في أصلاب آبائهم وأرحام ~~أمهاتهم إلى يوم القيامة فقالوا: لبيك أنت ربنا حقا ونحن عبيدك حقا. قال: ~~صدقتم وأنا ربك وأنتم عبيدي حقا قد غفرت لكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن ~~تسألوني فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة. قال ابن ~~عباس: فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يمن عليه بما ~~أعطاه وبما أعطى أمته فقال: يا محمد "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا". ~~أقول: ورواه فيه أيضا بطرق أخرى عن غيره، وروى هذا المعنى أيضا الصدوق في ~~العيون، عن الرضا (عليه السلام) لكن حمل الآية على هذا المعنى يوجب اختلال ~~السياق وفساد ارتباط الجمل المتقدمة والمتأخرة بعضها ببعض. # وفي البصائر، بإسناده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام): في ~~قول الله عز وجل: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" يعني من اتخذ ~~دينه هواه بغير هدى من أئمة الهدى. # أقول: وروي مثله بإسناده عن المعلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) وهو من ~~الجري أو من البطن. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب" الآيات، نزل قوله: ~~"الذين آتيناهم الكتاب" وما بعده في عبد الله بن سلام وتميم الداري ~~والجارود والعبدي وسلمان الفارسي فإنهم لما أسلموا نزلت فيهم الآيات. عن ~~قتادة. وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قبل مبعثه اثنان وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن ms5935 ~~أبي طالب وقت قدومه وثمانية قدموا من الشام منهم بحيراء وأبرهة والأشرف ~~وأيمن وإدريس ونافع وتميم. # أقول: وروي غير ذلك. # وفيه،: في معنى قوله تعالى: "ويدرءون بالحسنة السيئة" وقيل: يدفعون ~~بالحلم جهل الجاهل. عن يحيى بن سلام، ومعناه يدفعون بالمدارأة مع الناس ~~أذاهم عن أنفسهم: وروي مثل ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا عماه قل: لا إله إلا الله أشهد ~~لك بها عند الله يوم القيامة، فقال: لو لا أن يعيرني قريش يقولون ما حمله ~~عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عليك فأنزل الله عليه: "إنك لا تهدي من ~~أحببت - ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" أقول: وروي ما في ~~معناه عن ابن عمر وابن المسيب وغيرهما، وروايات أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) مستفيضة على إيمانه والمنقول من أشعار مشحون بالإقرار على صدق ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحقية دينه، وهو الذي آوى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) صغيرا وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة فقد كان أثر مجاهدته ~~وحده في حفظ نفسه الشريفة في العشر سنين قبل الهجرة يعدل أثر مجاهدة ~~المهاجرين والأنصار بأجمعهم في العشر سنين بعد الهجرة. PageV16P029 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 57 - 75 # وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى ~~إليه ثمرت كل شىء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها فتلك مسكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الورثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلوا عليهم ~~ءايتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظلمون (59) وما أوتيتم من شىء فمتع ~~الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدنه ~~وعدا حسنا فهو لقيه كمن ms5936 متعنه متع الحيوة الدنيا ثم هو يوم القيمة من ~~المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركاءى الذين كنتم تزعمون (62) قال ~~الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغوينهم كما غوينا تبرأنا ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ما ذا ~~أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) فأما ~~من تاب وءامن وعمل صلحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار ما كان لهم الخيرة سبحن الله وتعلى عما يشركون (68) وربك يعلم ما ~~تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد فى الأولى ~~والاخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرءيتم إن جعل الله عليكم اليل ~~سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل ~~أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركاءى الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهنكم ~~فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (75) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات عذرا آخر مما اعتذر به مشركو مكة عن الإيمان بكتاب الله بعد ~~ما ذكرت عذرهم السابق: "لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى" وردته وهو قولهم: إن ~~آمنا بما جاء به كتابك من الهدى وهو دين التوحيد تخطفنا مشركو العرب من ~~أرضنا بالقتل والسبي والنهب وسلب الأمن والسلام. # فرده تعالى بأنا جعلنا لهم حرما آمنا يحترمه العرب ويجبى إليه ثمرات كل ~~شيء فلا موجب لخوفهم من تخطفهم. # على أن تنعمهم بالأموال والأولاد وبطر معيشتهم لا يضمن لهم الأمن من ~~الهلاك حتى يرجحوه على اتباع الهدى فكم من قرية بطرت معيشتها أهلكها الله ~~واستأصلها وورثها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا. # على أن الذي يؤثرونه على اتباع ms5937 الهدى إنما هو متاع الحياة الدنيا العاجلة ~~ولا يختاره عاقل على الحياة الآخرة الخالدة التي عند الله سبحانه. # على أن الخلق والأمر لله فإذا اختار شيئا وأمر به فليس لأحد أن يخالفه ~~إلى ما يشتهيه لنفسه فيختار ما يميل إليه طبعه ثم استشهد تعالى بقصة قارون ~~وخسفه به وبداره الأرض. # قوله تعالى: "وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" إلى آخر الآية. PageV16P030 # التخطف الاختلاس بسرعة، وقيل الخطف والتخطف الاستلاب من كل وجه، وكان ~~تخطفهم من أرضهم استعارة أريد به القتل والسبي ونهب الأموال كأنهم وما ~~يتعلق بهم من أهل ومال يؤخذون فتخلو منهم أرضهم، والمراد بالأرض أرض مكة ~~والحرم بدليل قوله بعد: "أولم نمكن لهم حرما آمنا" والقائل بعض مشركي مكة. # والجملة مسوقة للاعتذار عن الإيمان بأنهم إن آمنوا تخطفتهم العرب من ~~أرضهم أرض مكة لأنهم مشركون لا يرضون بإيمانهم ورفض أوثانهم فهو من قبيل ~~إبداء المانع ففيه اعتراف بحقية أصل الدعوة وأن الكتاب بما يشتمل عليه حق ~~لكن خطر التخطف مانع من قبوله والإيمان به، ولهذا عبر بقوله: "إن نتبع ~~الهدى معك" ولم يقل: إن نتبع كتابك أو دينك أو ما يقرب من ذلك. # وقوله: "أولم نمكن لهم حرما آمنا" قيل: التمكين مضمن معنى الجعل والمعنى ~~أولم نجعل لهم حرما آمنا ممكنين إياهم، وقيل: حرما منصوبا على الظرفية ~~والمعنى: أولم نمكن لهم في حرم، و"آمنا" صفة "حرما" أي حرما ذا أمن، وعد ~~الحرم ذا أمن - والمتلبس بالأمن أهله - من المجاز في النسبة، والجملة ~~معطوفة على محذوف والتقدير أولم نعصمهم ونجعل لهم حرما آمنا ممكنين إياهم. # وهذا جواب أول منه تعالى لقولهم: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" ~~ومحصله: أنا مكناهم في أرض جعلناها حرما ذا أمن تحترمه العرب فلا موجب ~~لخوفهم أن يتخطفوا منها أن آمنوا. # وقوله: "يجبى إليه ثمرات كل شيء" الجباية الجمع، والكل للتكثير لا للعموم ~~لعدم إرادة العموم قطعا، والمعنى: يجمع إلى الحرم ثمرات كثير من الأشياء، ~~والجملة صفة لحرما جيء بها لما عسى ms5938 أن يتوهم أنهم يتضررون إن آمنوا بانقطاع ~~الميرة. # وقوله: "رزقا من لدنا" مفعول مطلق أو حال من ثمرات، وقوله: "ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون" استدراك عن جميع ما تقدم أي إنا نحن حفظناهم في أمن ورزقناهم من ~~كل الثمرات لكن أكثرهم جاهلون بذلك فيحسبون أن الذي يحفظهم من تخطف العرب ~~هو شركهم وعبادتهم الأصنام. # قوله تعالى: "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها" إلى آخر الآية البطر ~~الطغيان عند النعمة، و"معيشتها" منصوب بنزع الخافض أي وكم أهلكنا من قرية ~~طغت في معيشتها. # وقوله: "فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا" أي إن مساكنهم الخربة ~~الخاوية على عروشها مشهودة لكم نصب أعينكم باقية على خرابها لم تعمر ولم ~~تسكن بعد هلاكهم إلا قليلا منها. # وبذلك يظهر أن الأنسب كون "إلا قليلا" استثناء من "مساكنهم" لا من قوله: ~~"من بعدهم" بأن يكون المعنى لم تسكن من بعدهم إلا زمانا قليلا إذ لا يسكنها ~~إلا المارة يوما أو بعض يوم في الأسفار. # وقوله: "وكنا نحن الوارثين" حيث ملكوها ثم تركوها فلم يخلفهم غيرنا فنحن ~~ورثناهم مساكنهم، وفي الجملة أعني قوله: "كنا نحن الوارثين" عناية لطيفة ~~فإنه تعالى هو المالك لكل شيء ملكا حقيقيا مطلقا فهو المالك لمساكنهم وقد ~~ملكها إياهم بتسليطهم عليها ثم نزعها من أيديهم بإهلاكهم وبقيت بعدهم لا ~~مالك لها إلا هو فسمى نفسه وارثا لهم بعناية أنه الباقي بعدهم وهو المالك ~~لما كان بأيديهم كان ملكهم الاعتباري انتقل إليه ولا انتقال هناك بالحقيقة ~~وإنما ظهر ملكه الحقيقي بزوال ملكهم الاعتباري. # والآية جواب ثان منه تعالى لقولهم: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" ~~ومحصله أن مجرد عدم تخطف العرب لكم من أرضكم لا يضمن لكم البقاء ولا يحفظ ~~لكم أرضكم والتنعم فيها كما تشاءون فكم من قرية بالغة في التنعم ذات أشر ~~وبطر أهلكنا أهلها وبقيت مساكنهم خالية غير مسكونة لا وارث لها إلا الله. # قوله تعالى: "وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا" أم القرى ~~هي أصلها ms5939 وكبيرتها التي ترجع إليها وفي الآية بيان السنة الإلهية في عذاب ~~القرى بالاستئصال وهو أن عذاب الاستئصال لا يقع منه تعالى إلا بعد إتمام ~~الحجة عليهم بإرسال رسول يتلو عليهم آيات الله، وإلا بعد كون المعذبين ~~ظالمين بالكفر بآيات الله وتكذيب رسوله. # وفي تعقيب الآية السابقة بهذه الآية الشارحة لسنته تعالى في إهلاك القرى ~~تخويف لأهل مكة المشركين بالإيماء إلى أنهم لو أصروا على كفرهم كانوا في ~~معرض نزول العذاب لأن الله قد بعث في أم قراهم وهي مكة رسولا يتلو عليهم ~~آياته وهم مع ذلك ظالمون بتكذيب رسولهم. PageV16P031 # وبذلك يظهر النكتة في الالتفات من التكلم بالغير إلى الغيبة في قوله: "وما ~~كان ربك مهلك القرى" فإن في الإيماء إلى حصول شرائط العذاب فيهم لو كذبوا ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تقوية لنفسه وتأكيدا لحجته، وأما العدول ~~بعده إلى سياق التكلم بالغير في قوله: "وما كنا مهلكي القرى" فهو رجوع إلى ~~السياق السابق بعد قضاء الوطر. # قوله تعالى: "وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا" إلخ الإيتاء: ~~الإعطاء و"من شيء" بيان لما لإفادة العموم أي كل شيء أوتيتموه، والمتاع ما ~~يتمتع به والزينة ما ينضم إلى الشيء ليفيده جمالا وحسنا، والحياة الدنيا ~~الحياة المؤجلة المقطوعة التي هي أقرب الحياتين منا وتقابلها الحياة الآخرة ~~التي هي خالدة مؤبدة، والمراد بما عند الله الحياة الآخرة السعيدة التي عند ~~الله وجواره ولذا عد خيرا وأبقى. # والمعنى: أن جميع النعم الدنيوية التي أعطاكم الله إياها متاع وزينة زينت ~~بها هذه الحياة الدنيا التي هي أقرب الحياتين منكم وهي بائدة فانية وما عند ~~الله من ثوابه في الدار الآخرة المترتب على اتباع الهدى والإيمان بآيات ~~الله خير وأبقى فينبغي أن تؤثروه على متاع الدنيا وزينتها أفلا تعقلون. # والآية جواب ثالث عن قولهم: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" محصله ~~لنسلم أنكم إن اتبعتم الهدى تخطفكم العرب من أرضكم لكن الذي تفقدونه هو ~~متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية فما بالكم تؤثرونه على ما عند ms5940 الله من ~~ثواب اتباع الهدى وسعادة الحياة الآخرة وهي خير وأبقى. # قوله تعالى: "أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين" الآية إلى تمام سبع آيات إيضاح ~~لمضمون الآية السابقة - وهو أن إيثار اتباع الهدى أولى من تركه والتمتع ~~بمتاع الحياة الدنيا - ببيان آخر فيه مقايسة حال من اتبع الهدى وما يلقاه ~~من الوعد الحسن الذي وعده الله، من حال من لم يتبعه واقتصر على التمتع من ~~متاع الحياة الدنيا وسيستقبله يوم القيامة الإحضار وتبري آلهته منه وعدم ~~استجابتهم لدعوته ومشاهدة العذاب والسؤال عن إجابتهم الرسل. # فقوله: "أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه" الاستفهام إنكاري، والوعد ~~الحسن هو وعده تعالى بالمغفرة والجنة كما قال تعالى: "وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم": المائدة: 9، ولا يكذب وعده تعالى ~~قال: "ألا إن وعد الله حق:" يونس: 55. # وقوله: "كمن متعناه متاع الحياة الدنيا" أي وهو محروم من ذلك الوعد الحسن ~~لاقتصاره على التمتع بمتاعها، والدليل على هذا التقييد المقابلة بين الوعد ~~والتمتيع. # وقوله: "ثم هو يوم القيامة من المحضرين" أي للعذاب، أو للسؤال والمؤاخذة ~~و"ثم" للترتيب الكلامي وإتيان الجملة اسمية كما فيما يقابلها من قوله: "فهو ~~لاقيه" للدلالة على التحقق. # قوله تعالى: "ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون" الشركاء ~~هم الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا وكونهم شركاء عندهم لكونهم يعطونهم أو ~~ينسبون إليهم بعض ما هو من شئونه تعالى كالعبادة والتدبير، وفي قوله: ~~"يناديهم" إشارة إلى بعدهم وخذلانهم يومئذ. # قوله تعالى: "قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم ~~كما غوينا" آلهتهم الذين يرونهم شركاء لله سبحانه صنفان صنف منهم عباد لله ~~مكرمون كالملائكة المقربين وعيسى بن مريم (عليهما السلام)، وصنف منهم كعتاة ~~الجن ومدعي الألوهية من الإنس كفرعون ونمرود وغيرهما وقد ألحق الله سبحانه ~~بهم كل مطاع في باطل كإبليس وقرناء الشياطين وأئمة الضلال كما قال: ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ms5941 - إلى أن قال - ولقد أضل منكم ~~جبلا كثيرا": يس: 62، وقال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه:" الجاثية: 23، ~~وقال: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله": التوبة: 31. PageV16P032 # والذين يشير إليهم قوله: "قال الذين حق عليهم القول" هم من الصنف الثاني ~~بدليل ذكرهم إغواءهم وتبريهم من عبادتهم وهؤلاء المشركون وإن كانوا أنفسهم ~~أيضا ممن حق عليهم القول كما يشير إليه قوله: "حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين": الم السجدة: 13، ولكن المراد بهم في الآية المبحوث ~~عنها المتبوعون منهم الذين ينتهي إليهم الشرك والضلال. # وإيراد قول هؤلاء الشركاء مع عدم ذكر أن المسئولين أشاروا إليهم لعله ~~للإشارة إلى أنهم ضلوا عنهم في هذا الموقف كما في قوله تعالى: "ويوم ~~يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد وضل عنهم ما كانوا يدعون من ~~قبل:" حم السجدة: 48. # وقوله: "ربنا هؤلاء الذين أغوينا" أي هؤلاء - يشيرون إلى المشركين - هم ~~الذين أغويناهم والجملة توطئة للجملة التالية. # وقوله: "أغويناهم كما غوينا" أي كانت غوايتهم بإغوائنا لغوايتنا أنفسنا ~~فكما كنا غوينا باختيارنا من غير إلجاء كذلك هم غووا باختيار منهم من غير ~~إلجاء، والدليل على هذا المعنى ما حكاه الله عن إبليس يومئذ إذ قال: "وما ~~كان لي عليكم من سلطان. إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم": إبراهيم: 22، وقال حاكيا لتساؤل الظالمين وقرنائهم: "وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا ~~مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا ~~إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين": الصافات: 32، أي ما كان ليصل إليكم ~~منا ونحن غاون غير الغواية. # ومن هنا يظهر أن لقولهم: "أغويناهم كما غوينا" معنى آخر، وهو أنهم ~~اكتسبوا نظير الوصف الذي كان فينا غير أنا نتبرأ منهم حيث لم نلجئهم إلى ~~الغواية ما كانوا يعبدوننا بإلجاء. # وقوله: "تبرأنا إليك" تبر منهم مطلقا حيث لم يكن لهم أن يلجئوهم ويسلبوا ~~منهم الاختيار، وقوله "ما كانوا إيانا يعبدون" أي ms5942 بإلجاء منا، أو لتبرينا ~~من أعمالهم فإن من تبرأ من عمل لم ينتسب إليه وإلى هذا المعنى يئول قوله ~~تعالى في مواضع من كلامه في وصف هذا الموقف: "وضل عنهم ما كانوا يفترون": ~~الأنعام: 24 "وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل": حم السجدة: 48 "ويوم نحشرهم ~~جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال ~~شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون": يونس: 28، إلى غير ذلك من الآيات فافهم. # وقيل: المعنى تبرأنا إليك من أعمالهم ما كانوا إيانا يعبدون بل كانوا ~~يعبدون أهواءهم أو كانوا يعبدون الشياطين. # ولا يخلو من سخافة. # ولكون كل من قوليه: "تبرأنا إليك" "ما كانوا إيانا يعبدون" في معنى قوله: ~~"أغويناهم كما غوينا" جيء بالفصل من غير عطف. # قوله تعالى: "وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب ~~لو أنهم كانوا يهتدون" المراد بشركائهم الآلهة التي كانوا شركاء لله بزعمهم ~~ولذا أضافهم إليهم. # والمراد بدعوتهم دعوتهم إياهم لينصروهم ويدفعوا عنهم العذاب ولذا قال: ~~"ورأوا العذاب" بعد قوله: "فلم يستجيبوا لهم". # وقوله: "لو أنهم كانوا يهتدون" قيل: جواب لو محذوف لدلالة الكلام عليه ~~والتقدير لو أنهم كانوا يهتدون لرأوا العذاب أي اعتقدوا أن العذاب حق، ~~ويمكن أن يكون لو للتمني أي ليتهم كانوا يهتدون. # قوله تعالى: "ويوم يناديهم فيقول ما ذا أجبتم المرسلين" معطوف على قوله ~~السابق: "ويوم يناديهم" إلخ، سئلوا أولا: عن شركائهم وأمروا أن يستنصروهم، ~~وثانيا: عن جوابهم للمرسلين إليهم من عند الله. # والمعنى: ما ذا قلتم في جواب من أرسل إليكم من رسل الله فدعوكم إلى ~~الإيمان والعمل الصالح؟. # قوله تعالى: "فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون" العمى استعارة ~~عن جعل الإنسان بحيث لا يهتدي إلى خبر، وكان مقتضى الظاهر أن ينسب العمى ~~إليهم لا إلى الأنباء لكن عكس الأمر فقيل: "فعميت عليهم الأنباء" للدلالة ~~على أخذهم من كل جانب وسد جميع الطرق وتقطع الأسباب بهم كما قال: "وتقطعت ~~بهم الأسباب": البقرة: 166، فلسقوط الأسباب عن التأثير يومئذ لا تهتدي ~~إليهم الأخبار ms5943 ولا يجدون شيئا يعتذرون به للتخلص من العذاب. PageV16P033 # وقوله: "فهم لا يتساءلون" تفريع على عمى الأنباء من قبيل تفرع بعض أفراد ~~العام عليه أي لا يسأل بعضهم بعضا ليعدوا به عذرا يعتذرون به عن تكذيبهم ~~الرسل وردهم الدعوة. # وقد فسر صدر الآية وذيلها بتفاسير كثيرة مختلفة لا جدوى في التعرض لها ~~فرأينا الصفح عنها أولى. # قوله تعالى: "فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين" أي ~~هذه حال من كفر ولم يرجع إلى الله سبحانه فأما من رجع وآمن وعمل صالحا فمن ~~المرجو أن يكون من المفلحين، وعسى - كما قيل - للتحقيق على عادة الكرام أو ~~للترجي من قبل التائب، والمعنى: فليتوقع الفلاح. # قوله تعالى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون" الخيرة بمعنى التخير كالطيرة بمعنى التطير. # والآية جواب رابع عن قولهم: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" والذي ~~يتضمنه حجة قاطعة. # بيان ذلك: أن الخلق وهو الصنع والإيجاد ينتهي إليه تعالى كما قال: "الله ~~خالق كل شيء": الزمر: 62 فلا مؤثر في الوجود بحقيقة معنى التأثير غيره ~~تعالى فلا شيء هناك يلجئه تعالى على فعل من الأفعال فإن هذا الشيء المفروض ~~إما مخلوق له منته في وجوده إليه فوجوده وآثار وجوده ينتهي إليه تعالى ولا ~~معنى لتأثير الشيء ولا لتأثير أثره في نفسه وإما غير مخلوق له ولا منته في ~~وجوده إليه يؤثر فيه بالإلجاء والقهر ولا مؤثر في الوجود غيره ولا أن هناك ~~شيئا لا ينتهي في وجوده إليه تعالى فلا يعطيه شيء أثرا ولا يمنعه شيء من ~~أثر كما قال: "والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41، وقال: والله غالب على ~~أمره": يوسف: 21. # وإذ لا قاهر يقهره على فعل ولا مانع يمنعه عن فعل فهو مختار بحقيقة معنى ~~الاختيار هذا بحسب التكوين والتشريع يتبعه فإن حقيقة التشريع هي أنه فطر ~~الناس على فطرة لا تستقيم إلا بإتيان أمور هي الواجبات وما في حكمها وترك ~~أمور هي المحرمات ms5944 وما في حكمها فما ينتفع به الإنسان في كماله وسعادته هو ~~الذي أمر به وندب إليه وما يتضرر به هو الذي نهى عنه وحذر منه. # فله تعالى أن يختار في مرحلة التشريع من الأحكام والقوانين ما يشاء كما ~~أن له أن يختار في مرحلة التكوين من الخلق والتدبير ما يشاء، وهذا معنى ~~قوله: "وربك يخلق ما يشاء ويختار" وقد أطلق إطلاقا. # والظاهر أن قوله: "يخلق ما يشاء" إشارة إلى اختياره التكويني فإن معنى ~~إطلاقه أنه لا تقصر قدرته عن خلق شيء ولا يمنعه شيء عما يشاؤه وبعبارة أخرى ~~لا يمتنع عن مشيته شيء لا بنفسه ولا بمانع يمنع وهذا هو الاختيار بحقيقة ~~معناه، وقوله: "ويختار" إشارة إلى اختياره التشريعي الاعتباري ويكون عطفه ~~على قوله: "يخلق ما يشاء" من عطف المسبب على سببه لكون التشريع والاعتبار ~~متفرعا على التكوين والحقيقة. # ويمكن حمل قوله: "يخلق ما يشاء" على الاختيار التكويني وقوله: "ويختار" ~~على الأعم من الحقيقة والاعتبار لكن الوجه السابق أوجه، ومن الدليل عليه ~~كون المنفي في قوله الآتي: "ما كان لهم الخيرة" هو الاختيار التشريعي ~~الاعتباري، والاختيار المثبت في قوله "ويختار" يقابله فالمراد إثبات ~~الاختيار التشريعي الاعتباري. # ثم لا ريب في أن الإنسان له اختيار تكويني بالنسبة إلى الأفعال الصادرة ~~عنه بالعلم والإرادة وإن لم يكن اختيارا مطلقا فإن للأسباب والعلل الخارجية ~~دخلا في أفعاله إذ أكله لقمة من الطعام مثلا متوقف على تحقق مادة الطعام ~~خارجا وقابليته وملائمته وقربه منه ومساعدة أدوات الأخذ والقبض والالتقام ~~والمضغ والبلع وغير ذلك مما لا يحصى. # فصدور الفعل الاختياري عنه مشروط بموافقة الأسباب الخارجية الداخلية في ~~تحقق فعله، والله سبحانه في رأس تلك الأسباب جميعا وإليه ينتهي الكل وهو ~~الذي خلق الإنسان منعوتا بنعت الاختيار وأعطاه خيرته كما أعطاه خلقه. # ثم إن الإنسان يرى بالطبع لنفسه اختيارا تشريعيا اعتباريا فيما يشاؤه من ~~فعل أو ترك بحذاء اختياره التكويني فله أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء من ~~غير أن يكون لأحد من بني نوعه ms5945 أن يحمله على شيء أو يمنعه عن شيء لكونهم ~~أمثالا له لا يزيدون عليه بشيء في معنى الإنسانية ولا يملكون منه شيئا، ~~وهذا هو المراد بكون الإنسان حرا بالطبع. PageV16P034 # فالإنسان مختار في نفسه حر بالطبع إلا أن يملك غيره من نفسه شيئا فيسلب ~~بنفسه عن نفسه الحرية كما أن الإنسان الاجتماعي يسلب عن نفسه الحرية ~~بالنسبة إلى موارد السنن والقوانين الجارية في مجتمعه بدخوله في المجتمع ~~وإمضائه ما يجري فيه من سنن وقوانين سواء كانت دينية أو اجتماعية، وكما أن ~~المتقاتلين يملك كل منهما الآخر من نفسه ما يغلب عليه فللغالب منهما أن ~~يفعل بأسيره ما يشاء، وكما أن الأجير إذا ابتاع عمله وآجر نفسه فليس بحر في ~~عمله إذ المملوكية لا تجامع الحرية. # فالإنسان بالنسبة إلى سائر بني نوعه حر في عمله مختار في فعله إلا أن ~~يسلب باختيار منه شيئا من اختياره فيملك غيره، والله سبحانه يملك الإنسان ~~في نفسه وفي فعله الصادر منه ملكا مطلقا بالملك التكويني وبالملك الوضعي ~~الاعتباري فلا خيرة له ولا حرية بالنسبة إلى ما يريده منه تشريعا بأمر أو ~~نهي تشريعيين كما لا خيرة ولا حرية له بالنسبة إلى ما يشاؤه بمشيته ~~التكوينية. # وهذا هو المراد بقوله: "ما كان لهم الخيرة" أي لا اختيار لهم إذا اختار ~~الله سبحانه لهم شيئا من فعل أو ترك حتى يختاروا لأنفسهم ما يشاءون وإن ~~خالف ما اختاره الله والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: "وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم": ~~الأحزاب: 36، وللقوم في تفسير الآية أقاويل مختلفة غير مجدية أغمضنا عنها ~~من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى المطولات. # وقوله: "سبحان الله وتعالى عما يشركون" أي عن شركهم باختيارهم أصناما ~~آلهة يعبدونها من دون الله. # وهاهنا معنى آخر أدق أي تنزه وتعالى عن شركهم بادعاء أن لهم خيرة بالنسبة ~~إلى ما يختاره تعالى بقبوله أو رده فإن الخيرة بهذا المعنى لا تتم إلا ~~بدعوى الاستقلال في ms5946 الوجود والاستغناء عنه تعالى ولا تتم إلا مع الاشتراك ~~معه تعالى في صفة الألوهية. # وفي قوله: "وربك يخلق" التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة والنكتة فيه ~~تأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقويته وتطييب نفسه بإضافة صفة ~~الرب إليه فإن معناه أن ما أرسله به من الحكم ماض غير مردود فلا خيرة لهم ~~في قبوله ورده، ولأنهم لا يقبلون ربوبيته. # وفي قوله: "سبحان الله" وضع الظاهر موضع المضمر والنكتة فيه إرجاع الأمر ~~إلى الذات المتعالية التي هي المبدأ للتنزه والتعالي عن كل ما لا يليق ~~بساحة قدسه فإنه تعالى يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقص لأنه هو الله عز اسمه. # قوله تعالى: "وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون" الإكنان الإخفاء ~~والإعلان الإظهار، ولكون الصدر يعد مخزنا للأسرار نسب الإكنان إلى الصدور ~~والإعلان إليهم أنفسهم. # ولعل تعقيب الآية السابقة بهذه الآية للإشارة إلى أنه تعالى إنما اختار ~~لهم ما اختار لعلمه بما في ظاهرهم وباطنهم من أوساخ الشرك والمعصية فطهرهم ~~بذلك بحكمته. # قوله تعالى: "وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله ~~الحكم وإليه ترجعون" ظاهر السياق أن الضمير في صدر الآية راجع إلى "ربك" في ~~الآية السابقة، والظاهر على هذا أن اللام في اسم الجلالة للتلميح إلى معنى ~~الوصف، وقوله: "لا إله إلا هو" تأكيد للحصر المستفاد من قوله: "هو الله" ~~كأنه قيل: وهو الإله - المتصف وحده بالألوهية - لا إله إلا هو. # وعلى ذلك فالآية كالمتمم لبيان الآية السابقة كأنه قيل: هو سبحانه مختار ~~له أن يختار عليهم أن يعبدوه وحده، وهو يعلم ظاهرهم وباطنهم فله أن يقضي ~~عليهم أن يعبدوه وحده وهو الإله المستحق للعبادة وحده فيجب عليهم أن يعبدوه وحده. # ويكون ما في ذيل الآية من قوله: "له الحمد" إلخ، وجوها ثلاثة توجه كونه ~~تعالى معبودا مستحقا للعبادة وحده. # أما قوله: "له الحمد في الأولى والآخرة" فلأن كل كمال موجود في الدنيا ~~والآخرة نعمة نازلة منه تعالى يستحق بها جميل الثناء، ms5947 وكل جميل من هذه ~~النعم الموهوبة مترشحة من كمال ذاتي من صفاته الذاتية يستحق بها الثناء فله ~~كل الثناء ولا يستقل شيء غيره بشيء من الثناء يثنى عليه به إلا وينتهي إليه ~~والعبادة ثناء بقول أو فعل فهو المعبود المستحق للعبادة وحده. PageV16P035 # وأما قوله: "وله الحكم" فلأنه سبحانه هو المالك على الإطلاق لا يملك غيره ~~إلا ما ملكه إياه وهو المالك لما ملكه وهو سبحانه مالك في مرحلة التشريع ~~والاعتبار كما أنه مالك في مرحلة التكوين والحقيقة، ومن آثار ملكه أن يقضي ~~على عبيده ومملوكيه أن لا يعبدوا إلا إياه. # وأما قوله: "وإليه ترجعون" فلأن الرجوع للحساب والجزاء وإذ كان هو المرجع ~~فهو المحاسب المجازي وإذ كان هو المحاسب المجازي وحده فهو الذي يجب أن يعبد ~~وحده وله دين يجب أن يتعبد به وحده. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة" ~~إلى آخر الآية، السرمد على فعلل بمعنى الدائم، وقيل: هو من السرد والميم ~~زائدة ومعناه المتتابع المطرد، وتقييده بيوم القيامة إذ لا ليل بعد يوم ~~القيامة. # وقوله: "من إله غير الله يأتيكم بضياء" أي من الإله الذي ينقض حكمه تعالى ~~ويأتيكم بضياء تستضيئون به وتسعون في طلب المعاش، هذا ما يشهد به السياق، ~~ويجري نظيره في قوله الآتي: "من إله غير الله يأتيكم بليل" إلخ. # وبذلك يندفع ما استشكل على الآيتين من أنه لو فرض تحقق جعل الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة لم يتصور معه الإتيان بضياء أصلا لأن الذي يأتي به إما هو ~~الله تعالى وإما هو غيره أما غيره فعجزه عن ذلك ظاهر، وأما الله تعالى ~~فإتيانه به يستلزم اجتماع الليل والنهار وهو محال والمحال لا يتعلق به ~~القدرة ولا الإرادة، وكذا الكلام في جانب النهار. # وربما أجيب عنه بأن المراد بقوله: "إن جعل الله عليكم" إن أراد الله أن ~~يجعل عليكم. # وهو كما ترى. # وكان مقتضى الظاهر أن يقال: من إله غير الله يأتيكم بنهار، على ما يقتضيه ~~سياق المقابلة ms5948 بين الليل والنهار في الكلام لكن العدول إلى ذكر الضياء بدل ~~النهار من قبيل الإلزام في الحجة بأهون ما يفرض وأيسره ليظهر بطلان مدعى ~~الخصم أتم الظهور كأنه قيل: لو كان غيره تعالى إله يدبر أمر العالم فإن جعل ~~الله الليل سرمدا فليقدر أن يأتي بالنهار، تنزلنا عن ذلك فليقدر أن يأتي ~~بضياء ما تستضيئون به لكن لا قدرة لشيء على ذلك إن القدرة كلها لله سبحانه. # ولا يجري نظير هذا الوجه في الآية التالية في الليل حتى يصح أن يقال ~~مثلا: من إله غير الله يأتيكم بظلمة لأن المأتي به إن كان ظلمة ما لم تكف ~~للسكن وإن كان ظلمة ممتدة كانت هي الليل. # وتنكير "ضياء" يؤيد ما ذكر من الوجه، وقد أوردوا وجوها أخرى في ذلك لا ~~تخلو من تعسف. # وقوله: "أفلا تسمعون" أي سمع تفهم وتفكر حتى تتفكروا فتفهموا أن لا إله ~~غيره تعالى. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ~~من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه" أي تستريحون فيه مما أصابكم من ~~تعب السعي للمعاش. # وقوله: "أفلا تبصرون" أي إبصار تفهم وتذكر وإذ لم يبصروا ولم يسمعوا فهم ~~عمي صم، ومن اللطيف تذييل الآيتين بقوله: "أفلا تسمعون" "أفلا تبصرون" ولعل ~~آية النهار خص بالإبصار لمناسبة ضوء النهار الإبصار وبقي السمع لآية الليل ~~وهو لا يخلو من مناسبة معه. # قوله تعالى: "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون" الآية بمنزلة نتيجة الحجة المذكورة في الآيتين ~~السابقتين سيقت بعد إبطال دعوى الخصم في صورة الإخبار الابتدائي لثبوته من ~~غير معارض. # وقوله: "لتسكنوا فيه" اللام للتعليل والضمير لليل، أي جعل لكم الليل ~~لتستريحوا فيه، وقوله: "لتبتغوا من فضله" أي وجعل لكم النهار لتطلبوا من ~~رزقه الذي هو عطيته فرجوع "لتسكنوا" و"لتبتغوا" إلى الليل والنهار بطريق ~~اللف والنشر المرتب، وقوله: "ولعلكم تشكرون" راجع إليهما جميعا. # وقوله: "ومن رحمته جعل لكم" في معنى قولنا: جعل لكم وذلك ms5949 رحمة منه وفيه ~~إشارة إلى أن التكوين كالسكون والابتغاء والتشريع وهو هدايتهم إلى الشكر من ~~آثار صفة رحمته تعالى فافهم ذلك. # قوله تعالى: "ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون" تقدم ~~تفسيره وقد كررت الآية لحاجة مضمون الآية التالية إليها. PageV16P036 # قوله تعالى: "ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم" إلى آخر الآية، ~~إشارة إلى ظهور بطلان مزعمتهم لهم يوم القيامة، والمراد بالشهيد شهيد ~~الأعمال - كما تقدمت الإشارة إليه مرارا - ولا ظهور للآية في كونه هو النبي ~~المبعوث إلى الأمة نظرا إلى إفراد الشهيد وذكر الأمة إذ الأمة هي الجماعة ~~من الناس ولا ظهور ولا نصوصية له في الجماعة الذين أرسل إليهم نبي وإن كانت ~~من مصاديقها. # وقوله: "فقلنا هاتوا برهانكم" أي طالبناهم بالحجة القاطعة على ما زعموا ~~أن لله شركاء. # وقوله: "فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون" أي غاب عنهم زعمهم ~~الباطل أن لله سبحانه شركاء فعلموا عند ذلك أن الحق في الألوهية لله وحده ~~فالمراد بالضلال الغيبة على طريق الاستعارة. # كذا فسروه، ففي الكلام تقديم وتأخير والأصل فضل عنهم ما كانوا يفترون ~~فعلموا أن الحق لله. # وعلى هذا فقوله: "إن الحق لله" نظير ما يقال في القضاء بين المتخاصمين ~~إذا تداعيا في حق يدعيه كل لنفسه: أن الحق لفلان لا لفلان كأنه تعالى يخاصم ~~المشركين حيث يدعون أن الألوهية بمعنى المعبودية حق لشركائهم فيدعي تعالى ~~أنه حقه فيطالبهم البرهان على دعواهم فيضل عنهم البرهان فيعلمون عندئذ أن ~~هذا الحق لله فالألوهية حق ثابت لا ريب فيه فإذا لم يكن حقا لغيره تعالى ~~فهو حق له. # وهذا وجه بظاهره وجيه لا بأس به لكن الحقيقة التي يعطيها كلامه تعالى أن ~~من خاصة يوم القيامة أن الحق يتمحض فيه للظهور ظهورا مشهودا لا ستر عليه ~~فليرتفع به كل باطل يلتبس به الأمر ويتشبه بالحق، ولازمه أن يظهر أمر ~~الألوهية ظهورا لا ستر عليه فيرتفع به افتراء الشركاء ارتفاعا مترتبا عليه ~~لا أن يفتقد الدليل على الشركاء ms5950 فيستنتج منه توحده تعالى بالألوهية على ~~سبيل الاحتجاجات الفكرية فافهم ذلك. # وبذلك يندفع أولا ما يرد على الوجه السابق أن المستفاد من كلامه تعالى ~~أنهم لا حجة عقلية لهم على مدعاهم ولا موجب على هذا لتأخر علمهم أن الحق ~~لله إلى يوم القيامة، ويرتفع ثانيا حديث التقديم والتأخير المذكور الذي لا ~~نكتة له ظاهرا إلا رعاية السجع. # ومن الممكن أن يكون "الحق" في قوله: "فعلموا أن الحق لله" مصدرا فيرجع ~~معنى الجملة إلى معنى قوله: "ويعلمون أن الله هو الحق المبين": النور: 25، ~~فكون الحق لله هو كونه تعالى حقا إن أريد به الحق في ذاته أو كونه منتهيا ~~إليه قائما به إن أريد به غيره، كما قال تعالى: "الحق من ربك": آل عمران: ~~60، ولم يقل: الحق مع ربك. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا" الآية، قال: نزلت في قريش حين دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى الإسلام والهجرة وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا فقال ~~الله عز وجل: "أولم نمكن لهم حرما آمنا - يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من ~~لدنا - ولكن أكثرهم لا يعلمون". أقول: وروي هذا المعنى في كشف المحجة، ~~وروضة الواعظين، للمفيد ورواه في الدر المنثور، عن ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن ابن عباس. # وفي الدر المنثور، أخرج النسائي وابن المنذر عن ابن عباس: أن الحارث بن ~~عامر بن نوفل الذي قال: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا". وفي تفسير ~~القمي،: في قوله تعالى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة" ~~الآية، قال: يختار الله عز وجل الإمام وليس لهم أن يختاروا. # أقول: وهو من الجري مبنيا على وجوب نصب الإمام المعصوم من قبل الله تعالى ~~كالنبي، وقد مر تفصيل الكلام فيه. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~"ونزعنا من كل أمة شهيدا" يقول: من هذه الأمة إمامها. ms5951 # أقول: وهو من الجري. PageV16P037 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 76 - 84 # إن قرون كان من قوم موسى فبغى عليهم وءاتينه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن ~~كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) ~~قال إنما أوتيته على علم عندى أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون ~~من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على ~~قومه فى زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يليت لنا مثل ما أوتى قرون ~~إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن ~~وعمل صلحا ولا يلقاها إلا الصبرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له ~~من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا ~~مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لو لا ~~أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكفرون (82) تلك الدار الاخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا والعقبة للمتقين (83) من ~~جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات ~~إلا ما كانوا يعملون (84) ### |||| AUTO بيان # قصة قارون من بني إسرائيل ذكرها الله سبحانه بعد ما حكى قول المشركين: ~~"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" وأجاب عنه بما مر من الأجوبة ليعتبروا ~~بها فقد كانت حاله تمثل حالهم ثم أداه الكفر بالله إلى ما أدى ما أدى من ~~سوء العاقبة فليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصابه، فقد آتاه الله من الكنوز ما ~~إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة فظن أنه هو الذي جمعه بعلمه وجودة فكره ~~وحسن تدبيره فآمن العذاب الإلهي وآثر الحياة الدنيا على الآخرة وبغى الفساد ~~في الأرض فخسف الله به وبداره الأرض فلما كان له ms5952 من فئة ينصرونه من دون ~~الله وما كان من المنتصرين. # قوله تعالى: "إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما ~~إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة" قال في المجمع:، البغي طلب العتو بغير حق. # قال: والمفاتح جمع مفتح والمفاتيح جمع مفتاح ومعناهما واحد وهو عبارة عما ~~يفتح به الأغلاق. # قال: وناء بحمله ينوء نوءا إذا نهض به مع ثقله عليه. # انتهى. # وقال غيره: ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله وهو الأوفق للآية. # وقال في المجمع، أيضا: العصبة الجماعة الملتف بعضها ببعض. # وقال: واختلف في معنى العصبة فقيل: ما بين عشرة إلى خمسة عشر عن مجاهد، ~~وقيل: ما بين عشرة إلى أربعين عن قتادة، وقيل أربعون رجلا عن أبي صالح، ~~وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة عن ابن عباس، وقيل: إنهم الجماعة يتعصب ~~بعضهم لبعض. # انتهى. # ويزيف غير القولين الأخيرين قول إخوة يوسف: "ونحن عصبة": يوسف: 8، وهم ~~تسعة نفر. # والمعنى: أن قارون كان من بني إسرائيل فطلب العتو عليهم بغير حق وأعطيناه ~~من الكنوز ما إن مفاتيحه لتثقل الجماعة ذوي القوة، وذكر جمع من المفسرين أن ~~المراد بالمفاتح الخزائن، وليس بذاك. # قوله تعالى: "إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين" فسر الفرح ~~بالبطر وهو لازم الفرح والسرور المفرط بمتاع الدنيا فإنه لا يخلو من تعلق ~~شديد بالدنيا ينسي الآخرة ويورث البطر والأشر، ولذا قال تعالى: "ولا تفرحوا ~~بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور": الحديد: 23. # ولذا أيضا علل النهي بقوله: "إن الله لا يحب الفرحين". PageV16P038 # قوله تعالى: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة" إلى آخر الآية أي واطلب ~~فيما أعطاك الله من مال الدنيا تعمير الدار الآخرة بإنفاقه في سبيل الله ~~ووضعه فيما فيه مرضاته تعالى. # وقوله: "ولا تنس نصيبك من الدنيا" أي لا تترك ما قسم الله لك ورزقك من ~~الدنيا ترك المنسي واعمل فيه لآخرتك لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا هو ~~ما يعمل به لآخرته فهو الذي يبقى ms5953 له. # وقيل: معناه لا تنس أن نصيبك من الدنيا - وقد أقبلت عليك - شيء قليل مما ~~أوتيت وهو ما تأكله وتشربه وتلبسه مثلا والباقي فضل ستتركه لغيرك فخذ منها ~~ما يكفيك وأحسن بالفضل وهذا وجه جيد. # وهناك وجوه أخر غير ملائمة للسياق. # وقوله: "وأحسن كما أحسن الله إليك" أي أنفقه لغيرك إحسانا كما آتاكه الله ~~إحسانا من غير أن تستحقه وتستوجبه، وهذه الجملة من قبيل عطف التفسير لقوله: ~~"ولا تنس نصيبك من الدنيا" على أول الوجهين السابقين ومتممة له على الوجه ~~الثاني. # وقوله: "ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين" أي لا تطلب ~~الفساد في الأرض بالاستعانة بما آتاك الله من مال وما اكتسبت به من جاه ~~وحشمة إن الله لا يحب المفسدين لبناء الخلقة على الصلاح والإصلاح. # قوله تعالى: "قال إنما أوتيته على علم عندي" إلى آخر الآية. # لا شك أن قوله "إنما أوتيته على علم عندي" جواب عن جميع ما قاله المؤمنون ~~من قومه ونصحوه به وكان كلامهم مبنيا على أن ما له من الثروة إنما آتاه ~~الله إحسانا إليه وفضلا منه من غير استيجاب واستحقاق فيجب عليه أن يبتغي ~~فيه الدار الآخرة ويحسن به إلى الناس ولا يفسد في الأرض بالاستعلاء ~~والاستكبار والبطر. # فأجاب بنفي كونه إنما أوتيه إحسانا من غير استحقاق ودعوى أنه إنما أوتيه ~~على استحقاق بما عنده من العلم بطرق اقتناء المال وتدبيره وليس عند غيره ~~ذلك، وإذا كان ذلك باستحقاق فقد استقل بملكه وله أن يفعل فيما اقتناه من ~~المال بما شاء ويستدره في أنواع التنعم وبسط السلطة والعلو والبلوغ إلى ~~الآمال والأماني. # وهذه المزعمة التي ابتلي بها قارون فأهلكته - أعني زعمه أن الذي حصل له ~~الكنوز وساق إليه القوة والجمع هو نبوغه العلمي في اكتساب العزة وقدرته ~~النفسانية لا غير - مزعمة عامة بين أبناء الدنيا لا يرى الواحد منهم فيما ~~ساقه إليه التقدير ووافقته الأسباب الظاهرة من عزة عاجلة وقوة مستعارة إلا ~~أن نفسه هي الفاعلة له وعلمه هو السائق ms5954 له إليه وخبرته هي الماسكة له لأجله. # وإلى عموم هذه المزعمة وركون الإنسان إليها بالطبع يشير قوله تعالى: ~~"وإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم ~~بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ~~ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون": الزمر: 52، وقال: "أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة ~~وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون": المؤمن: 83، ~~وعرض الآيات على قصة قارون لا يبقي شكا في أن المراد بالعلم في كلام ما ~~قدمناه. # وفي قوله: "إنما أوتيته" من غير إسناد الإيتاء إلى الله سبحانه كما في ~~قول الناصحين له: "فيما آتاك الله" نوع إعراض عن ذكره تعالى وإزراء بساحة ~~كبريائه. # وقوله: "أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا" استفهام توبيخي وجواب عن قوله: "إنما أوتيته على علم عندي" ~~بأيسر ما يمكن أن يتنبه به لفساد قوله فإنه كان يرى أن الذي اقتنى به المال ~~وهو يبقيه له ويمتعه منه هو علمه الذي عنده وهو يعلم أنه كان فيمن قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا، وكان ما له من القوة والجمع عن علم ~~عنده على زعمه، وقد أهلكه الله بجرمه، فلو كان العلم الذي يغتر ويتبجح به ~~هو السبب الجامع للمال الحافظ له الممتع منه ولم يكن بإيتاء الله فضلا ~~وإحسانا لنجاهم من الهلاك ومتعهم من أموالهم ودافعوا بقوتهم وانتصروا ~~بجمعهم. PageV16P039 # وقوله: "ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون" ظاهر السياق أن المراد به بيان السنة ~~الإلهية في تعذيب المجرمين وإهلاكهم بذنوبهم ms5955 فيكون كناية عن عدم إمهالهم ~~والإصغاء إلى ما لفقوه من المعاذير أو هيئوه من التذلل والإنابة ليرجو بذلك ~~النجاة كما أن أولي الطول والقوة من البشر إذا أرادوا تعذيب من يتحكمون ~~عليه سألوه عن ذنبه ليقضوا عليه بالجرم ثم العذاب، وربما صرف المجرم بما ~~لفقه من المعاذير عذابهم عن نفسه لكن الله سبحانه لعلمه بحقيقة الحال لا ~~يسأل المجرمين عن ذنوبهم وإنما يقضي عليهم قضاء فيأتيهم عذاب غير مردود. # والظاهر على هذا أن تكون الجملة من تتمة التوبيخ السابق ويكون جوابا عن ~~إسناده ثروته إلى علمه، ومحصله أن المؤاخذة الإلهية ليست كمؤاخذة الناس حتى ~~إذا لاموه أو نصحوه صرف عن نفسه ذلك بما لفقه من الجواب حتى ينتفع في ذلك ~~بعلمه، بل هو سبحانه عليم شهيد لا يسأل المجرم عن ذنبه وإنما يؤاخذه بذنبه، ~~وأيضا يؤاخذه بغتة وهو لا يشعر. # هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية ولهم فيها أقاويل أخرى: فقيل: المراد ~~بالعلم في قوله: "إنما أوتيته على علم عندي" علم التوراة فإنه كان أعلم بني ~~إسرائيل بها. # وقيل: المراد علم الكيمياء وكان قد تعلمه من موسى ويوشع بن نون وكالب بن ~~يوقنا والمراد بكون العلم عنده اختصاصه به دون سائر الناس وقد صنع به ~~مقدارا كثيرا من الذهب. # وقيل: المراد بالعلم علم استخراج الكنوز والدفائن وقد استخرج به كنوزا ~~ودفائن كثيرة. # وقيل: المراد بالعلم علم الله تعالى والمعنى: أوتيته على علم من الله ~~وتخصيص منه قصدني به، ومعنى قوله: "عندي" هو كذلك في ظني ورأيي. # وقيل: العلم علم الله لكنه بمعنى المعلوم، والمعنى أوتيته على خير علمه ~~الله تعالى عندي، و"على" على جميع هذه الأقوال للاستعلاء وجوز أن تكون ~~للتعليل. # وقيل: المراد بالسؤال في قوله: "ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون" سؤال يوم ~~القيامة والمنفي سؤال الاستعلام لأن الله أعلم بذنوبهم لا حاجة له إلى ~~السؤال والملائكة يعلمونها من صحائف أعمالهم ويعرفونهم بسيماهم وأما قوله ~~تعالى: "وقفوهم إنهم مسئولون": الصافات: 24 فهو سؤال تقريع وتوبيخ لا سؤال ~~استعلام، ويمكن ms5956 أن يكون السؤال في الآيتين بمعنى واحد والنفي والإثبات ~~باعتبار اختلاف المواقف يوم القيامة فيسألون في موقف ولا يسألون في آخر فلا ~~تناقض بين الآيتين. # وقيل: الضمير في قوله: "عن ذنوبهم" لمن هو أشد والمراد بالمجرمين غيرهم ~~والمعنى: لا يسأل عن ذنوب من أهلكه الله من أهل القرون السابقة غيرهم من ~~المجرمين. # وهذه كلها وجوه من التفسير لا يلائمها السياق. # قوله تعالى: "فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ~~ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم" الحظ هو النصيب من السعادة ~~والبخت. # وقوله: "يريدون الحياة الدنيا" أي يجعلونها الغاية المطلوبة في مساعيهم ~~ليس لهم وراءها غاية فهم على جهل من الآخرة وما أعد الله لعباده فيها من ~~الثواب قال تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك ~~مبلغهم من العلم" : النجم: 30 ولذلك عدوا ما أوتيه قارون من المال سعادة ~~عظيمة له من دون قيد وشرط. # قوله تعالى: "وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا" إلخ، الويل الهلاك ويستعمل للدعاء بالهلاك وزجرا عما لا يرتضي، وهو ~~في المقام زجرا عن التمني. # والقائلون بهذا القول هم المؤمنون أهل العلم بالله يخاطبون به أولئك ~~الجهلة الذين تمنوا أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون وعدوه سعادة عظيمة على ~~الإطلاق، ومرادهم أن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا مما أوتي قارون فإن ~~كانوا مؤمنين صالحين فليتمنوه. # وقوله: "ولا يلقاها إلا الصابرون" التلقية التفهيم والتلقي التفهم ~~والأخذ، والضمير - على ما قالوا - للكلمة المفهومة من السياق، والمعنى: وما ~~يفهم هذه الكلمة - وهي قولهم: ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا - إلا ~~الصابرون. # وقيل: الضمير للسيرة أو الطريقة ومعنى تلقيها فهمها أو التوفيق للعمل بها. PageV16P040 # والصابرون هم المتلبسون بالصبر عند الشدائد وعلى الطاعات وعن المعاصي، ووجه ~~كونهم هم المتلقين لهذه الكلمة أو السيرة أو الطريقة أن التصديق بكون ثواب ~~الآخرة خيرا من الحظ الدنيوي - وهو لا ينفك عن الإيمان والعمل ms5957 الصالح ~~الملازمين لترك كثير من الأهواء والحرمان عن كثير من المشتهيات - لا يتحقق ~~إلا ممن له صفة الصبر على مرارة مخالفة الطبع وعصيان النفس الأمارة. # قوله تعالى: "فخسفنا به وبداره الأرض" إلى آخر الآية، الضميران لقارون ~~والجملة متفرعة على بغيه. # وقوله: "فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين" ~~الفئة الجماعة يميل بعضهم إلى بعض، وفي النصر والانتصار معنى المنع ~~والامتناع، ومحصل المعنى: فما كان له جماعة يمنعونه العذاب وما كان من ~~الممتنعين على خلاف ما كان يظن أن الذي يجلب إليه الخير ويدفع عنه الشر هو ~~قوته وجمعه اللذان اكتسبهما بعلمه فلم يقه جمعه ولم تفده قوته من دون الله ~~وبان أن الله سبحانه هو الذي آتاه ما آتاه. # فالفاء في قوله: "فما كان" لتفريع الجملة على قوله: "فخسفنا به" إلخ، أي ~~فظهر بخسفنا به وبداره الأرض بطلان ما كان يدعيه لنفسه من الاستحقاق ~~والاستغناء عن الله سبحانه وأن الذي يجلب إليه الخير ويدفع عنه الشر هو ~~قوته وجمعه وقد اكتسبهما بنبوغه العلمي. # قوله تعالى: "وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر" إلخ، ذكروا أن "وي" كلمة تندم وربما تستعمل ~~للتعجب وكلا المعنيين يقبلان الانطباق على المورد وإن كان التندم أسبق إلى الذهن. # وقوله: "كان الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر" اعتراف منهم ~~ببطلان ما كان يزعمه قارون وهم يصدقونه أن القوة والجمع في الدنيا بنبوغ ~~الإنسان في علمه وجودة تدبيره لا بفضل من الله سبحانه بل سعة الرزق وضيقه ~~بمشية من الله. # والمقام مقام التحقيق دون التشبيه المناسب للشك والتردد لكنهم إنما ~~استعملوا في كلامهم "كان" للدلالة على ابتداء ترددهم في قول قارون وقد ~~قبلوه وصدقوه من قبل وهذه صنعة شائعة في الاستعمال. # والدليل على ذلك قولهم بعده: "لو لا أن من الله علينا لخسف بنا" على طريق ~~الجزم والتحقيق. # وقوله: "ويكأنه لا يفلح الكافرون" تندم منهم ثانيا وانتزاع مما كان لازم ~~تمنيتهم ms5958 مكان قارون. # قوله تعالى: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين" الآية وما بعدها بمنزلة النتيجة المستخرجة من القصة. # وقوله: "تلك الدار الآخرة" الإشارة إليها بلفظ البعيد للدلالة على شرفها ~~وبهائها وعلو مكانتها وهو الشاهد على أن المراد بها الدار الآخرة السعيدة ~~ولذا فسروها بالجنة. # وقوله: "نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا" أي نختصها بهم ~~وإرادة العلو هو الاستعلاء والاستكبار على عباد الله وإرادة الفساد فيها ~~ابتغاء معاصي الله تعالى فإن الله بنى شرائعه التي هي تكاليف للإنسان على ~~مقتضيات فطرته وخلقته ولا تقتضي فطرته إلا ما يوافق النظام الأحسن الجاري ~~في الحياة الإنسانية الأرضية فكل معصية تقضي إلى فساد في الأرض بلا واسطة ~~أو بواسطة، قال تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس": ~~الروم: 41. # ومن هنا ظهر أن إرادة العلو من مصاديق إرادة الفساد وإنما أفردت وخصت ~~بالذكر اعتناء بأمرها، ومحصل المعنى: تلك الدار الآخرة السعيدة تخصها ~~بالذين لا يريدون فسادا في الأرض بالعلو على عباد الله ولا بأي معصية أخرى. # والآية عامة يخصصها قوله تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31. # وقوله: "والعاقبة للمتقين" أي العاقبة المحمودة الجميلة وهي الدار الآخرة ~~السعيدة أو العاقبة السعيدة في الدنيا والآخرة لكن سياق الآيتين يؤيد الأول. # قوله تعالى: "من جاء بالحسنة فله خير منها" أي لأنها تتضاعف له بفضل من ~~الله، قال تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام: 160. # قوله تعالى: "ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون" أي لا يزيدون على ما عملوا شيئا وفيه كمال العدل، كما أن في جزاء ~~الحسنة بخير منها كمال الفضل. PageV16P041 # وكان مقتضى الظاهر في قوله: "فلا يجزى الذين عملوا" إلخ، الإضمار ولعل في ~~وضع الموصول موضع الضمير إشارة إلى أن هذا الجزاء إنما هو لمن أكثر من ~~اقتراف المعصية وأحاطت به الخطيئة كما يفيده جمع السيئات، وقوله: "كانوا ms5959 ~~يعملون" الدال على الإصرار والاستمرار، وأما من جاء بالسيئة والحسنة فمن ~~المرجو أن يغفر الله له كما قال: "وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم": التوبة: 102. # وليعلم أن الملاك في الحسنة والسيئة على الأثر الحاصل منها عند الإنسان ~~وبها تسمى الأعمال حسنة أو سيئة وعليها - لا على متن العمل الخارجي الذي هو ~~نوع من الحركة - يثاب الإنسان أو يعاقب، قال تعالى: "وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284. # وبه يظهر الجواب عما استشكل على إطلاق الآية بأن التوحيد حسنة ولا يعقل ~~خير منه وأفضل، فالآية إما خاصة بغير الاعتقادات الحقة أو مخصصة بالتوحيد. # وذلك أن الأثر الحاصل من التوحيد يمكن أن يفرض ما هو خير منه وإن لم ~~يقبله التوحيد بحسب الاعتبار. # على أن التوحيد أيا ما فرض يقبل الشدة والضعف والزيادة والنقيصة وإذا ~~ضوعف عند الجزاء كما تقدم كان مضاعفه خيرا من غيره. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس: أن قارون كان من قوم موسى، قال: ~~كان ابن عمه وكان يبتغي العلم حتى جمع علما فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى ~~على موسى وحسده. فقال له موسى (عليه السلام): إن الله أمرني أن آخذ الزكاة ~~فأبى فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء ~~فاحتملتموها فتحتملوه أن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال ~~لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه ~~أرادها على نفسها فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على ~~موسى أنه فجر بك. قالت نعم. فجاء قارون إلى موسى (عليه السلام) قال: اجمع ~~بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم، فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ~~ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تصلوا الرحم وكذا ms5960 ~~وكذا وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم. قالوا: وإن كنت أنت؟ ~~قال: نعم. قالوا: فإنك قد زنيت، قال: أنا؟. فأرسلوا إلى المرأة فجاءت ~~فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى (عليه السلام): أنشدتك بالله ~~إلا ما صدقت. قالت: أما إذا نشدتني فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلا على أن ~~أقذفك بنفسي وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله. فخر موسى (عليه السلام) ~~ساجدا يبكي فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك، ~~فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى ~~فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال: ~~خذيهم فغيبتهم فأوحى الله: يا موسى سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم ~~فوعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: "فخسفنا به ~~وبداره الأرض" خسف به إلى الأرض السفلى. # أقول: وروي فيه، أيضا عن عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن نوفل الهاشمي ~~القصة: لكن فيها أن المرأة أحضرت إلى مجلس قارون لتشهد عند الملإ من بني ~~إسرائيل على موسى (عليه السلام) بالفجور وتشكوه إلى قارون فجاءت إليه ~~واعترفت عند الملإ بالحق فبلغ ذلك موسى (عليه السلام) فشكاه إلى ربه فسلطه ~~الله عليه. # وروى القمي في تفسيره،: في القصة أن موسى (عليه السلام) جاء إلى قارون ~~وبلغه حكم الزكاة فاستهزأ به وأخرجه من داره فشكاه إلى ربه فسلطه الله عليه ~~فخسف به وبداره الأرض، والرواية موقوفة مشتملة على أمور منكرة ولذلك تركنا ~~نقلها كما أن روايتي ابن عباس وابن نوفل أيضا موقوفتان. # على أن رواية ابن عباس تقصص بغيه على موسى (عليه السلام) والذي تقصه ~~الآيات بغيه على بني إسرائيل، وتشير إلى أن العلم الذي عنده هو ما حصله ~~بالتعلم وظاهر الآية كما مر أنه العلم بطرق تحصيل الثروة ونحوها. PageV16P042 # وقد سيقت القصة في التوراة الحاضرة على نحو آخر ففي الإصحاح السادس عشر من ~~سفر العدد: وأخذ قورح بن بصهار بن نهات بن ms5961 لاوي وداثان وأبيرام ابنا ألياب ~~وأون بن فالت بنور أوبين يقاومون موسى مع أناس من بني إسرائيل مائتين ~~وخمسين رؤساء الجماعة مدعوين للاجتماع ذوي اسم. فاجتمعوا على موسى وهارون ~~وقالوا لهما كفاكما. إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب فما بالكما ~~ترتفعان على جماعة الرب؟. فلما سمع موسى سقط على وجهه ثم كلم قورح وجميع ~~قومه قائلا: غدا يعلن الرب من هو له؟ ومن المقدس؟ حتى يقربه إليه فالذي ~~يختاره يقربه إليه. افعلوا هذا: خذوا لكم محابر قورح وكل جماعته واجعلوا ~~فيها نارا وضعوا عليها بخورا أمام الرب غدا فالرجل الذي يختاره الرب هو ~~المقدس. كفاكم يا بني لاوي. ثم سيقت القصة وذكر فيها حضورهم غدا ومجيؤهم ~~بالمجامر وفيها النار والبخور واجتماعهم على باب خيمة الاجتماع ثم قيل: ~~انشقت الأرض التي تحتهم وفتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم وكل من كان ~~لقورح مع كل الأموال فنزلوا هم وكل ما كان لهم أحياء إلى الهاوية فانطبقت ~~عليهم الأرض فبادوا من بين الجماعة، وكل إسرائيل الذين حولهم هربوا من ~~صوتهم، لأنهم قالوا: لعل الأرض تبتلعنا، وخرجت نار من عند الرب وأكلت ~~المائتين والخمسين رجلا الذين قربوا البخور. # انتهى موضع الحاجة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "إن قارون كان من قوم موسى": وهو ابن خالته: ~~عن عطاء عن ابن عباس وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ما إن مفاتحه لتنوء" الآية، قال: كان ~~يحمل مفاتيح خزائنه العصبة أولوا القوة. # وفي المعاني، بإسناده عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (عليه السلام) ~~عن أبيه عن جده عن آبائه عن علي (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا" قال: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب ~~بها الآخرة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فخرج على قومه في زينته" قال: في ~~الثياب المصبغات يجرها بالأرض. # وفي المجمع، وروى زاذان عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه كان يمشي في ~~الأسواق ms5962 وهو وال يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه ~~القرآن ويقرأ: "تلك الدار الآخرة - نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا" ويقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل ~~القدرة من سائر الناس. # وفيه، روى سلام الأعرج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: الرجل ليعجبه ~~شراك نعله فيدخل في هذه الآية "تلك الدار الآخرة" الآية. # أقول: وعن السيد ابن طاووس في سعد السعود، أنه رواه عن الطبرسي هكذا: إن ~~الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها. # وفي الدر المنثور، أخرج المحاملي والديلمي عن أبي هريرة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): في الآية قال: التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق. PageV16P043 ### ||| AUTO 28 سورة القصص - 85 - 88 # إن الذى فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد قل ربى أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو فى ضلل مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتب إلا رحمة من ربك فلا ~~تكونن ظهيرا للكفرين (86) ولا يصدنك عن ءايت الله بعد إذ أنزلت إليك وادع ~~إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها ءاخر لا إله إلا ~~هو كل شىء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) ### |||| AUTO بيان # الآيات خاتمة السورة وفيها وعد جميل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~الله سبحانه سيمن عليه برفع قدره ونفوذ كلمته وتقدم دينه وانبساط الأمن ~~والسلام عليه وعلى المؤمنين به كما فعل ذلك بموسى وبني إسرائيل، وقد كانت ~~قصة موسى وبني إسرائيل مسوقة في السورة لبيان ذلك. # قوله تعالى: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" إلى آخر الآية ~~الفرض - على ما ذكره - بمعنى الإيجاب فمعنى "فرض عليك القرآن" أي أوجب عليك ~~العمل به أي بما فيه من الأحكام ففيه مجاز في النسبة. # وأحسن منه قول بعضهم: إن المعنى أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به وذلك ~~لكونه أوفق لقوله: "لرادك إلى معاد" بما سيجيء من معناه. # وقوله: "لرادك ms5963 إلى معاد" المعاد اسم مكان أو زمان من العود وقد اختلفت ~~كلماتهم في تفسير هذا المعاد فقيل: هو مكة فالآية وعد له أن الله سيرده بعد ~~هجرته إلى مكة ثانيا، وقيل: هو الموت، وقيل: هو القيامة، وقيل: هو المحشر، ~~وقيل هو المقام المحمود وهو موقف الشفاعة الكبرى، وقيل: هو الجنة، وقيل: هو ~~بيت المقدس، وهو في الحقيقة وعد بمعراج ثان يعود فيه إلى بيت المقدس بعد ما ~~كان دخله في المعراج الأول: وقيل: هو الأمر المحبوب فيقبل الانطباق على جل ~~الأقوال السابقة أو كلها. # والذي يعطيه التدبر في سياق آيات السورة هو أن تكون الآية تصريحا بما ~~كانت القصة المسرودة في أول السورة تلوح إليه ثم الآيات التالية لها تؤيده. # فإنه تعالى أورد قصة بني إسرائيل وموسى (عليهما السلام) في أول السورة ~~ففصل القول في أنه كيف من عليهم بالأمن والسلام والعزة والتمكن بعد ما ~~كانوا أذلاء مستضعفين بأيدي آل فرعون يذبحون أبناءهم يستحيون نساءهم، وقد ~~كانت القصة تدل بالالتزام - ومطلع السورة يؤيده - على وعد جميل للمؤمنين أن ~~الله سبحانه سينجيهم مما هم عليه من الفتنة والشدة والعسرة ويظهر دينهم على ~~الدين كله ويمكنهم في الأرض بعد ما كانوا لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم. # ثم ذكر بعد الفراغ من القصة أن من الواجب في الحكمة أن ينزل كتابا يهدي ~~الناس إلى الحق تذكرة وإتماما للحجة ليتقوا بذلك من عذاب الله كما نزله على ~~موسى بعد ما أهلك القرون الأولى وكما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وإن كذبوا به عنادا للحق وإيثارا للدنيا على الآخرة. # وهذا السياق يرجي السامع أنه تعالى سيتعرض صريحا لما أشار إليه في سرد ~~القصة تلويحا فإذا سمع قوله: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" لم ~~يلبث دون أن يفهم أنه هو الوعد الجميل الذي كان يترقبه وخاصة مع الابتداء ~~بقوله: "إن الذي فرض عليك القرآن" وقد قدم تنظير التوراة بالقرآن وقد كان ~~ما قصه في إنجاء بني إسرائيل مقدمة لنزول ms5964 التوراة حتى يكونوا بالأخذ بها ~~والعمل بها أئمة ويكونوا هم الوارثين. # فمعنى الآية: إن الذي فرض عليك القرآن لتقرأه على الناس وتبلغه وتعملوا ~~به سيردك ويصيرك إلى محل تكون هذه الصيرورة منك إليه عودا ويكون هو معادا ~~لك كما فرض التوراة على موسى ورفع به قدره وقدر قومه، ومن المعلوم أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كان بمكة على ما فيها من الشدة والفتنة ثم هاجر منها ~~ثم عاد إليها فاتحا مظفرا وثبتت قواعد دينه واستحكمت أركان ملته وكسرت ~~الأصنام وانهدم بنيان الشرك والمؤمنون هم الوارثون للأرض بعد ما كانوا ~~أذلاء معذبين. # وفي تنكير قوله: "معاد" إشارة إلى عظمة قدر هذا العود وأنه لا يقاس إلى ~~ما قبله من القطون بها والتاريخ يصدقه. PageV16P044 # وقوله: "قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين" يؤيد ما قدمنا من ~~المعنى فإنه يحاذي قول موسى (عليه السلام) - لما كذبوه ورموا آياته البينات ~~بأنها سحر مفترى -: "ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة ~~الدار" فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول للفراعنة من مشركي ~~قومه لما كذبوه ورموه بالسحر ما قال موسى لآل فرعون لما كذبوه ورموه بالسحر ~~للتشابه التام بين مبعثيهما وسير دعوتهما كما يظهر من القصة ويظهر ذلك تمام ~~الظهور بالتأمل في قوله تعالى: "إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا": المزمل: 15. # ولعل الاكتفاء بالشطر الأول من قول موسى (عليه السلام) والسكوت عن الشطر ~~الثاني أعني قوله: "ومن تكون له عاقبة الدار" لبناء الكلام بحسب سياقه على ~~أن لا يتعدى حد الإشارة والإيماء كما يستشم من سياق قوله: "لرادك إلى معاد" ~~أيضا حيث خص الخطاب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونكر معادا. # وكيف كان فالمراد بقوله: "من جاء بالهدى" النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نفسه وبقوله: "ومن هو في ضلال مبين" المشركون من قومه، واختلاف سياق ~~الجملتين - حيث قيل في جانبه (صلى الله عليه وآله وسلم): "من جاء ms5965 بالهدى" ~~وفي جانبهم: "من هو في ضلال مبين" فقوبل بين ضلالهم وبين مجيئه بالهدى لا ~~بين ضلالهم واهتدائه - لكون تكذيبهم متوجها بالطبع إلى ما جاء به لا إلى نفسه. # وقد ذكروا في قوله: "أعلم من جاء بالهدى" أن "من" منصوب بفعل مقدر يدل ~~عليه "أعلم" والتقدير يعلم من جاء به بناء على ما هو المشهور أن أفعل ~~التفضيل لا ينصب المفعول به، وذكر بعضهم أنه منصوب بأعلم وهو بمعنى عالم ~~ولا دليل عليه، وما أذكر قائلا بأنه منصوب بنزع الخافض وإن لم يظهر فيه ~~النصب لبنائه والتقدير ربي أعلم بمن جاء بالهدى، ولا دليل على منعه. # 1614 16 قوله تعالى: "وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~فلا تكونن ظهيرا للكافرين" صدر الآية تقرير للوعد الذي في قوله: "إن الذي ~~فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" أي أنه سيردك إلى معاد - وما كنت ترجوه ~~كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه -. # وقيل: تذكرة استينافية لنعمته تعالى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ~~وجه وجيه وتقريره أنه تعالى لما وعده بالرد إلى معاد وفيه ارتفاع ذكره ~~وتقدم دعوته وانبساط دينه خط له السبيل التي يجب عليه سلوكها بجهد ومراقبة ~~فبين له أن إلقاء الكتاب إليه لم يكن على نهج الحوادث العادية التي من ~~شأنها أن ترتجى وتترقب بل كانت رحمة خاصة من ربه وقد وعده في فرضه عليه ما ~~وعده فمن الواجب عليه قبال هذه النعمة وفي تقدم دعوته وبلوغها الغاية التي ~~وعدها أن لا ينصر الكافرين ولا يطيعهم ويدعو إلى ربه ولا يكون من المشركين ~~ولا يدعو معه إلها آخر. # وقوله: "إلا رحمة من ربك" استثناء منقطع أي لكنه ألقى إليك رحمة من ربك ~~وليس بإلقاء عادي يرجى مثله. # وقوله: "فلا تكونن ظهيرا للكافرين" تفريع على قوله: "إلا رحمة من ربك" أي ~~فإذا كان إلقاؤه إليك رحمة من ربك خصك بها وهو فوق رجائك فتبرء من الكافرين ~~ولا تكن معينا وناصرا لهم. # ومن المحتمل قريبا ms5966 أن يكون في الجملة نوع محاذاة لقول موسى (عليه السلام) ~~- لما قتل القبطي: "رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين" وعلى هذا ~~يكون في النهي عن إعانتهم إشارة إلى أن إلقاء الكتاب إليه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نعمة أنعمها الله عليه يهدي به إلى الحق ويدعو إلى التوحيد ~~فعليه أن لا يعين الكافرين على كفرهم ولا يميل إلى صدهم إياه عن آيات الله ~~بعد نزولها عليه كما عاهد موسى (عليه السلام) ربه بما أنعم عليه من الحكم ~~والعلم أن لا يكون ظهيرا للمجرمين أبدا، وسيأتي أن قوله: "ولا يصدنك" إلخ، ~~بمنزلة الشارح لهذه الجملة. # قوله تعالى: "ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك" إلى آخر الآية، ~~نهي له (صلى الله عليه وآله وسلم) على الانصراف عن آيات الله بلسان نهي ~~الكفار عن الصد والصرف ووجهه كون انصرافه مسببا لصدهم وهو كقوله لآدم ~~وزوجه: "فلا يخرجنكما من الجنة" أي لا تخرجا منها بإخراجه لكما بالوسوسة. PageV16P045 # والظاهر أن الآية وما بعدها في مقام الشرح لقوله: "فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين" وفائدته تأكيد النهي بعد موارده واحدا بعد واحد فنهاه أولا عن ~~الانصراف عن القرآن النازل عليه برميهم كتاب الله بأنه سحر أو شعر أو كهانة ~~أو أساطير الأولين اكتتبها، وأمره ثانيا أن يدعو إلى ربه، ونهاه ثالثا أن ~~يكون من المشركين وفسره بأن يدعو مع الله إلها آخر. # وقد كرر صفة الرب مضافا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) للدلالة على ~~اختصاصه بالرحمة والنعمة وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) متفرد في عبادته ~~لا يشاركه المشركون فيها. # قوله تعالى: "ولا تدع مع الله إلها آخر" قد تقدم أنه كالتفسير لقوله: ~~"ولا تكونن من المشركين". # قوله تعالى: "لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون" ~~كلمة الإخلاص في مقام التعليل لقوله قبله: "ولا تدع مع الله إلها آخر" أي ~~لأنه لا إله غيره وما بعدها في مقام التعليل بالنسبة إليها كما سيتضح. # وقوله: "كل شيء ms5967 هالك إلا وجهه" الشيء مساو للموجود ويطلق على كل أمر ~~موجود حتى عليه تعالى كما يدل عليه قوله: "قل أي شيء أكبر شهادة قل الله": ~~الأنعام: 19، والهلاك البطلان والانعدام. # والوجه والجهة واحد كالوعد والعدة، ووجه الشيء في العرف العام ما يستقبل ~~به غيره ويرتبط به إليه كما أن وجه الجسم السطح الظاهر منه ووجه الإنسان ~~النصف المقدم من رأسه ووجهه تعالى ما يستقبل به غيره من خلقه ويتوجه إليه ~~خلقه به وهو صفاته الكريمة من حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وما ينتهي إليها ~~من صفات الفعل كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والمغفرة والرحمة وكذا ~~آياته الدالة عليه بما هي آياته. # فكل شيء هالك في نفسه باطل في ذاته لا حقيقة له إلا ما كان عنده مما ~~أفاضه الله عليه وأما ما لا ينسب إليه تعالى فليس إلا ما اختلقه وهم ~~المتوهم أو سرابا صوره الخيال وذلك كالأصنام ليس لها من الحقيقة إلا أنها ~~حجارة أو خشبة أو شيء من الفلزات وأما أنها أرباب أو آلهة أو نافعة أو ضارة ~~أو غير ذلك فليست إلا أسماء سماها عبدتهم وكالإنسان ليس له من الحقيقة إلا ~~ما أودعه فيه الخلقة من الروح والجسم وما اكتسبه من صفات الكمال والجميع ~~منسوبة إلى الله سبحانه وأما ما يضيفه إليه العقل الاجتماعي من قوة وسلطة ~~ورئاسة ووجاهة وثروة وعزة وأولاد وأعضاد فليس إلا سرابا هالكا وأمنية كاذبة ~~وعلى هذا السبيل سائر الموجودات. # فليس عندها من الحقيقة إلا ما أفاض الله عليها بفضله وهي آياته الدالة ~~على صفاته الكريمة من رحمة ورزق وفضل وإحسان وغير ذلك. # فالحقيقة الثابتة في الواقع التي ليست هالكة باطلة من الأشياء هي صفاته ~~الكريمة وآياته الدالة عليها والجميع ثابتة بثبوت الذات المقدسة. # هذا على تقدير كون المراد بالهالك في الآية الهالك بالفعل وعلى هذا يكون ~~محصل تعليل كلمة الإخلاص بقوله: "كل شيء هالك إلا وجهه" أن الإله وهو ~~المعبود بالحق إنما يكون إلها معبودا إذا كان أمرا ذا حقيقة واقعية غير ~~هالك ولا ms5968 باطل له تدبير في العالم بهذا النعت وكل شيء غيره تعالى هالك باطل ~~في نفسه إلا ما كان وجها له منتسبا إليه فليس في الوجود إله غيره سبحانه. # والوثنيون وإن كانوا يرون وجود آلهتهم منسوبا إليه تعالى ومن جهته إلا ~~أنهم يجعلونها مستقلة في التدبير مقطوعة النسبة في ذلك عنه من دون أن يكون ~~حكمها حكمه، ولذلك يعبدونها من دون الله، ولا استقلال لشيء في شيء عنه ~~تعالى فلا يستحق العبادة إلا هو. # وهاهنا وجه آخر أدق منه بناء على أن المراد بالوجه ذات الشيء فقد ذكر ~~بعضهم ذلك من معاني الوجه كما يقال: وجه النهار ووجه الطريق لنفسهما وإن ~~أمكنت المناقشة فيه، وذكر بعض آخر: أن المراد به الذات الشريفة كما يقال: ~~وجوه الناس أي أشرافهم وهو من المجاز المرسل أو الاستعارة وعلى كلا ~~التقديرين فالمراد أن غيره تعالى من الموجودات ممكنة والممكن وإن كان ~~موجودا بإيجاده تعالى فهو معدوم بالنظر إلى حد ذاته هالك في نفسه والذي لا ~~سبيل للبطلان والهلاك إليه هو ذاته الواجبة بذاتها. PageV16P046 # ومحصل التعليل على هذا المعنى: أن الإله المعبود بالحق يجب أن يكون ذاتا ~~بيده شيء من تدبير العالم، والتدبير الكوني لا ينفك عن الخلق والإيجاد فلا ~~معنى لأن يوجد الحوادث شيء ويدبر أمرها شيء آخر - وقد أوضحناه مرارا في هذا ~~الكتاب - ولا يكون الخالق الموجد إلا واجب الوجود ولا واجب إلا هو تعالى ~~فلا إله إلا هو. # وقولهم: إنه تعالى أجل من أن يحيط به عقل أو وهم فلا يمكن التوجه العبادي ~~إليه فلا بد أن يتوجه بالعبادة إلى بعض مقربي حضرته من الملائكة الكرام ~~وغيرهم ليكونوا شفعاء عنده. # مدفوع بمنع توقف التوجه بالعبادة على العلم الإحاطي بل يكفي فيه المعرفة ~~بوجه وهو حاصل بالضرورة. # وأما على تقدير كون المراد بالهالك ما يستقبله الهلاك والفناء بناء على ~~ما قيل: إن اسم الفاعل ظاهر في الاستقبال فظاهر الآية أن كل شيء سيستقبله ~~الهلاك بعد وجوده إلا وجهه. # نعم استقبال الهلاك يختلف باختلاف الأشياء ms5969 فاستقباله في الزمانيات انتهاء ~~أمد وجودها وبطلانها بعده وفي غيرها كون وجودها محاطا بالفناء من كل جانب. # وهلاك الأشياء على هذا بطلان وجودها الابتدائي وخلو النشأة الأولى عنها ~~بانتقالها إلى النشأة الأخرى ورجوعها إلى الله واستقرارها عنده، وأما ~~البطلان المطلق بعد الوجود فصريح كتاب الله ينفيه فالآيات متتابعة في أن كل ~~شيء مرجعه إلى الله وأنه المنتهى وإليه الرجعى وهو الذي يبدىء الخلق ثم يعيده. # فمحصل معنى الآية - لو أريد بالوجه صفاته الكريمة - أن كل شيء سيخلي ~~مكانه ويرجع إليه إلا صفاته الكريمة التي هي مبادىء فيضه فهي تفيض ثم تفيض ~~إلى ما لا نهاية له والإله يجب أن يكون كذلك لا بطلان لذاته ولا انقطاع ~~لصفاته الفياضة وليس شيء غيره تعالى بهذه الصفة فلا إله إلا هو. # ولو أريد بوجهه الذات المقدسة فالمحصل أن كل شيء سيستقبله الهلاك والفناء ~~بالرجوع إلى الله سبحانه إلا ذاته الحقة الثابتة التي لا سبيل للبطلان ~~إليها - والصفات على هذا محسوبة من صقع الذات - والإله يجب أن يكون بحيث لا ~~يتطرق الفناء إليه وليس شيء غيره بهذه الصفة فلا إله إلا هو. # وبما تقدم من التقرير يندفع الاعتراض على عموم الآية بمثل الجنة والنار ~~والعرش فإن الجنة والنار لا تنعدمان بعد الوجود وتبقيان إلى غير النهاية، ~~والعرش أيضا كذلك بناء على ما ورد في بعض الروايات أن سقف الجنة هو العرش. # وجه الاندفاع أن المراد بالهلاك هو تبدل نشأة الوجود والرجوع إلى الله ~~المعبر عنه بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة والتلبس بالعود بعد البدء، وهذا ~~إنما يكون فيما هو موجود بوجود بدئي دنيوي، وأما الدار الآخرة وما هو موجود ~~بوجود أخروي كالجنة والنار فلا يتصف شيء من هذا القبيل بالهلاك بهذا ~~المعنى. # قال تعالى: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: 96، وقال: "وما عند ~~الله خير للأبرار": آل عمران: 198، وقال: "سيصيب الذين أجرموا صغار عند ~~الله وعذاب شديد": الأنعام: 124، ونظيرتهما خزائن الرحمة كما قال: "وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه": الحجر: 21، وكذا اللوح ms5970 المحفوظ كما قال: "وعندنا ~~كتاب حفيظ": ق: 4. # وأما ما ذكروه من العرش فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى: "إن ~~ربكم الله" الآية،: الأعراف: 54. # ويمكن أن يراد بالوجه جهته تعالى التي تنسب إليه وهي الناحية التي يقصد ~~منها ويتوجه إليه بها، وتؤيده كثرة استعمال الوجه في كلامه تعالى بهذا ~~المعنى كقوله: "يريدون وجهه": الأنعام: 52، وقوله: "إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى": الليل: 20، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدا. # وعليه فتكون عبارة عن كل ما ينسب إليه وحده فإن كان الكلام على ظاهر ~~عمومه انطبق على الوجه الأول الذي أوردناه ويكون من مصاديقه أسماؤه وصفاته ~~وأنبياؤه وخلفاؤه ودينه الذي يؤتى منه. # وإن خص الوجه بالدين فحسب - كما وقع في بعض الروايات إن لم يكن من باب ~~التطبيق - كان المراد بالهلاك الفساد وعدم الأثر، وكانت الجملة تعليلا ~~لقوله: "ولا تدع مع الله إلها آخر" وكان ما قبلها قرينة على أن المراد ~~بالشيء الدين والأعمال المتعلقة به وكان محصل المعنى: ولا تتدين بغير دين ~~التوحيد لأن كل دين باطل لا أثر له إلا دينه. PageV16P047 # والأنسب على هذا أن يكون الحكم في ذيل الآية بمعنى الحكم التشريعي أو الأعم ~~منه ومن التكويني والمعنى: كل دين هالك إلا دينه لأن تشريع الدين إليه ~~وإليه ترجعون لا إلى مشرعي الأديان الأخر. # هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وللمفسرين فيها أقوال أخر مختلفة. # فقيل: المراد بالوجه ذاته تعالى المقدسة وبالهلاك الانعدام، والمعنى: كل ~~شيء في نفسه عرضة للعدم لكون وجوده عن غيره إلا ذاته الواجبة الوجود، ~~والكلام على هذا مبني على التشبيه أي كل شيء غيره كالهالك لاستناد وجوده ~~إلى غيره. # وقيل: الوجه بمعنى الذات والمراد به ذات الشيء والضمير لله باعتبار أن ~~وجه الشيء مملوك له، والمعنى: كل شيء هالك إلا وجه الله الذي هو ذات ذلك ~~الشيء ووجوده. # وقيل: المراد بالوجه الجهة المقصودة والضمير لله، والمعنى: كل شيء هالك ~~بجميع ما يتعلق به إلا الجهة المنسوبة إليه تعالى وهو الوجود الذي أفاضه ~~الله ms5971 تعالى عليه. # وقيل: الوجهة هو الجهة المقصودة والمراد به الله سبحانه الذي يتوجه إليه ~~كل شيء والضمير للشيء، والمعنى: كل شيء هالك إلا الله الذي هو الجهة ~~المطلوبة له. # وقيل: المراد بالهلاك هلاك الموت والعموم مخصوص بذوي الحياة والمعنى: كل ~~ذي حياة فإنه سيموت إلا وجهه. # وقيل: المراد بالوجه العمل الصالح والمعنى أن العمل كان في حيز العدم، ~~فلما فعله العبد ممتثلا لأمره تعالى أبقاه الله من غير إحباط حتى يثيبه أو ~~أنه بالقبول صار غير قابل للهلاك لأن الجزاء قائم مقامه وهو باق. # وقيل: المراد بالوجه جاهه تعالى الذي أثبته في الناس. # وقيل: الهلاك عام لجميع ما سواه تعالى دائما لكون الوجود المفاض عليها ~~متجددا في كل آن فهي متغيرة هالكة دائما في الدنيا والآخرة والمعنى كل شيء ~~متغير الذات دائما إلا وجهه. # وهذه الوجوه بين ما لا ينطبق على سياق الآية وبين ما لا ينجح به حجتها ~~وبين ما هو بعيد عن الفهم، وبالتأمل فيما قدمناه يظهر ما في كل منها فلا نطيل. # وقوله: "له الحكم وإليه ترجعون" الحكم هو قضاؤه النافذ في الأشياء وعليه ~~يدور التدبير في نظام الكون، وأما كونه بمعنى فصل القضاء يوم القيامة ~~فيبعده تقديم الحكم في الذكر على الرجوع إليه الذي هو يوم القيامة فإن فصل ~~القضاء متفرع عليه. # وكلتا الجملتين مسوقتان للتعليل وكل واحدة منهما وحدها حجة تامة على توحده. # تعالى بالألوهية صالحة للتعليل كلمة الإخلاص، وقد تقدم إمكان أخذ الحكم ~~على بعض الوجوه بمعنى الحكم التشريعي. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ~~ابن عباس: في قوله تعالى: "لرادك إلى معاد" قال: إلى مكة. زاد ابن مردويه ~~كما أخرجك منها. # أقول: وروي عنه وعن أبي سعيد الخدري: أن المراد به الموت، وأيضا عن علي ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن المراد به الجنة وانطباقهما على ~~الآية ms5972 لا يخلو من خفاء. # وروى القمي في تفسيره، عن حريز عن أبي جعفر (عليه السلام) وعن أبي خالد ~~الكابلي عن علي بن الحسين (عليهما السلام): أن المراد به الرجعة ولعله من ~~البطن دون التفسير. # وفي الإحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل: وأما قوله ~~"كل شيء هالك إلا وجهه" فالمراد كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن ~~يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه. هو أجل وأعظم من ذلك وإنما يهلك من ليس منه ~~ألا ترى أنه قال: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك" ففصل بين خلقه ووجهه؟. # وفي الكافي، بإسناده عن سيف عمن ذكره عن الحارث بن المغيرة النصري قال: ~~سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: "كل شيء هالك ~~إلا وجهه" فقال: ما يقولون فيه؟ قلت: يقولون: يهلك كل شيء إلا وجه الله ~~فقال: سبحان الله لقد قالوا عظيما إنما عنى به وجه الله الذي يؤتى منه. # أقول: وروى مثله في التوحيد، بإسناده عن الحارث بن المغيرة النصري عنه ~~(عليه السلام) ولفظه: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ~~"كل شيء هالك إلا وجهه" قال: كل شيء هالك إلا من أخذ طريق الحق. # وفي محاسن البرقي،: مثله إلا أن آخره "من أخذ الطريق الذي أنتم عليه". PageV16P048 # والتشويش الذي يتراءى في الروايات تطرق إليها من جهة النقل بالمعنى، فإن ~~كان المراد بالوجه الذي يؤتى منه مطلق ما ينسب إليه وكان من صقعه تعالى ومن ~~جانبه كان منطبقا على المعنى الأول الذي قدمناه في معنى الآية. # وإن كان الوجه بمعنى الدين الذي يتوجه إليه تعالى بقصده كان المراد ~~بالهلاك البطلان وعدم التأثير وكان المعنى: لا إله إلا هو كل دين باطل إلا ~~دينه الحق الذي يؤتى منه فإنه سينفع ويثاب عليه، وقد تقدمت الإشارة إلى ~~الوجهين في تفسير الآية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فلا تكونن ظهيرا للكافرين" قال: ~~المخاطبة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى ms5973 للناس، وقوله: "ولا تدع ~~مع الله إلها آخر" المخاطبة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى ~~للناس، وهو قول الصادق (عليه السلام) إن الله بعث نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): بإياك أعني، واسمعي يا جارة. PageV16P049 ### || AUTO ### ||| AUTO 29 سورة العنكبوت - 1 - 13 # بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا ~~وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ~~(4) من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لات وهو السميع العليم (5) ومن ~~جهد فإنما يجهد لنفسه إن الله لغنى عن العلمين (6) والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون (7) ووصينا ~~الانسن بولديه حسنا وإن جهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلى ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لندخلنهم ~~فى الصلحين (9) ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى فى الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما فى صدور العلمين (10) وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن ~~المنفقين (11) وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم ~~وما هم بحملين من خطيهم من شىء إنهم لكذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا ~~مع أثقالهم وليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون (13) ### |||| AUTO بيان # يلوح من سياق آيات السورة وخاصة ما في صدرها من الآيات أن بعضا ممن آمن ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة رجع عنه خوفا من فتنة ~~كانت تهدده من قبل المشركين فإن المشركين كانوا يدعونهم إلى العود إلى ~~ملتهم ويضمنون لهم أن يحملوا خطاياهم إن اتبعوا سبيلهم فإن أبوا فتنوهم ~~وعذبوهم ليعيدوهم إلى ملتهم. # يشير إلى ذلك قوله تعالى: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم" الآية، وقوله: "ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله" الآية. # وكان في ms5974 هؤلاء الراجعين عن إيمانهم من كان رجوعه بمجاهدة من والديه على ~~أن يرجع وإلحاح منهما عليه في الارتداد كبعض أبناء المشركين على ما يستشم ~~من قوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما" الآية، وقد نزلت السورة في شأن هؤلاء. # فغرض السورة على ما يستفاد من بدئها وختامها والسياق الجاري فيها أن الذي ~~يريده الله سبحانه من الإيمان ليس هو مجرد قولهم: آمنا بالله بل هو حقيقة ~~الإيمان التي لا تحركها عواصف الفتن ولا تغيرها غير الزمن وهي إنما تتثبت ~~وتستقر بتوارد الفتن وتراكم المحن، فالناس غير متروكين بمجرد أن يقولوا: ~~آمنا بالله دون أن يفتنوا ويمتحنوا فيظهر ما في نفوسهم من حقيقة الإيمان أو ~~وصمة الكفر فليعلمن الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. # فالفتنة والمحنة سنة إلهية لا معدل عنها تجري في الناس الحاضرين كما جرت ~~في الأمم الماضين كقوم نوح وعاد ثمود وقوم إبراهيم ولوط وشعيب وموسى ~~فاستقام منهم من استقام وهلك منهم من هلك وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون. # فعلى من يقول: آمنت بالله أن يصبر على إيمانه ويعبد الله وحده فإن تعذر ~~عليه القيام بوظائف الدين فليهاجر إلى أرض يستطيع فيها ذلك فأرض الله واسعة ~~ولا يخف عسر المعاش فإن الرزق على الله وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله ~~يرزقها وإياه. PageV16P050 # وأما المشركون الذين يفتنون المؤمنين من غير جرم أجرموه إلا أن يقولوا ربنا ~~الله فلا يحسبوا أنهم يعجزون الله ويسبقونه فأما فتنتهم للمؤمنين وإيذاؤهم ~~وتعذيبهم فإنما هي فتنة لهم وللمؤمنين غير خارجة عن علم الله وتقديره، فهي ~~فتنة وهي محفوظة عليهم إن شاء أخذهم بوبالها في الدنيا وإن شاء أخرهم إلى ~~يوم يرجعون فيه إليه وما لهم من محيص. # وأما ما لفقوه من الحجة وركنوا إليه من باطل القول فهو داحض مردود إليهم ~~والحجة قائمة تامة عليهم. # فهذا محصل غرض السورة ومقتضى ذلك كون السورة كلها مكية، وقول القائل: ~~إنها مدنية كلها أو معظمها ms5975 أو بعضها - وسيجيء في البحث الروائي التالي - ~~غير سديد، فمضامين آيات السورة لا تلائم إلا زمن العسرة والشدة قبل الهجرة. # قوله تعالى: "الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون" ~~الحسبان هو الظن، وجملة "أن يتركوا" قائمة مقام مفعوليه، وقوله: "أن ~~يقولوا" بتقدير باء السببية، والفتنة الامتحان وربما تطلق على المصيبة ~~والعذاب، والأوفق للسياق هو المعنى الأول، والاستفهام للإنكار. # والمعنى: أظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم ولا يمتحنوا بما يظهر به ~~صدقهم أو كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم: آمنا؟ وقيل: المعنى: أظن ~~الناس أن يتركوا فلا يبتلوا ببلية ولا تصيبهم مصيبة لقولهم: آمنا بأن تكون ~~لهم على الله كرامة بسبب الإيمان يسلموا بها من كل مكروه يصيب الإنسان مدى ~~حياته؟ ولا يخلو من بعد بالنظر إلى سياق الآيات. # قوله تعالى: "ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين" اللامان للقسم، وقوله: "ولقد فتنا الذين من قبلهم" حال من الناس ~~في قوله: "أحسب الناس" أو من ضمير الجمع في قوله "لا يفتنون" وعلى الأول ~~فالإنكار والتوبيخ متوجه إلى ظنهم أنهم لا يفتنون مع جريان السنة الإلهية ~~على الفتنة والامتحان وعلى الثاني إلى ظنهم الاختلاف في فعله تعالى حيث ~~يفتن قوما ولا يفتن آخرين، ولعل الوجه الأول أوفق للسياق. # فالظاهر أن المراد بقوله: "ولقد فتنا الذين من قبلهم" أن الفتنة ~~والامتحان سنة جارية لنا وقد جرت في الذين من قبلهم وهي جارية فيهم ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا. # وقوله: "فليعلمن الله الذين صدقوا" إلخ تعليل لما قبله، والمراد بعلمه ~~تعالى بالذين صدقوا بالكاذبين ظهور آثار صدقهم وكذبهم في مقام العمل بسبب ~~الفتنة والامتحان الملازم لثبوت الإيمان في قلوبهم حقيقة وعدم ثبوته فيها ~~حقيقة فإن السعادة التي تترتب على الإيمان المدعو إليه وكذا الثواب إنما ~~تترتب على حقيقة الإيمان الذي له آثار ظاهرة من الصبر عند المكاره والصبر ~~على طاعة الله والصبر عن معصية الله لا على دعوى الإيمان المجردة. # ويمكن أن يكون المراد بالعلم ms5976 علمه تعالى الفعلي الذي هو نفس الأمر ~~الخارجي فإن الأمور الخارجية بنفسها من مراتب علمه تعالى، وأما علمه تعالى ~~الذاتي فلا يتوقف على الامتحان البتة. # والمعنى: أحسبوا أن يتركوا ولا يفتنوا بمجرد دعوى الإيمان وإظهاره والحال ~~أن الفتنة سنتنا وقد جرت في الذين من قبلهم فمن الواجب أن يتميز الصادقون ~~من الكاذبين بظهور آثار صدق هؤلاء وآثار كذب أولئك الملازم لاستقرار ~~الإيمان في قلوب هؤلاء وزوال صورته الكاذبة عن قلوب أولئك. # والالتفات في قوله: "فليعلمن الله" إلى اسم الجلالة قيل: للتهويل وتربية ~~المهابة والظاهر أنه في أمثال المقام لإفادة نوع من التعليل وذلك أن الدعوة ~~إلى الإيمان والهداية إليه والثواب عليه لما كانت راجعة إلى المسمى بالله ~~الذي منه يبدأ كل شيء وبه يقوم كل شيء وإليه ينتهي كل شيء بحقيقته فمن ~~الواجب أن يتميز عنده حقيقة الإيمان من دعواه الخالية ويخرج عن حال الإبهام ~~إلى حال الصراحة ولذلك عدل عن مثل قولنا: فلنعلمن إلى قوله: "فليعلمن الله". # قوله تعالى: "أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون" أم ~~منقطعة، والمراد بقوله: "الذين يعملون السيئات" المشركون الذين كانوا ~~يفتنون المؤمنين ويصدونهم عن سبيل الله كما أن المراد بالناس في قوله: ~~"أحسب الناس" هم الذين قالوا: آمنا وهم في معرض الرجوع عن الإيمان خوفا من ~~الفتنة والتعذيب. PageV16P051 # والمراد بقوله: "أن يسبقونا" الغلبة والتعجيز بسبب فتنة المؤمنين وصدهم عن ~~سبيل الله - على ما يعطيه السياق. # وقوله: "ساء ما يحكمون" تخطئة لظنهم أنهم يسبقون الله بما يمكرون من فتنة ~~وصد فإن ذلك بعينه فتنة من الله لهم أنفسهم وصد لهم عن سبيل السعادة ولا ~~يحيق المكر السيىء إلا بأهله. # وقيل: مفاد الآية توبيخ العصاة من المؤمنين وهم المراد بقوله: "الذين ~~يعملون السيئات" والمراد بالسيئات المعاصي التي يقترفونها غير الشرك، وأنت ~~خبير بأن السياق لا يساعد عليه. # وقيل: المراد بعمل السيئات أعم من الشرك واقتراف سائر المعاصي فالآية ~~عامة لا موجب لتخصيصها بخصوص الشرك أو بخصوص سائر المعاصي دون الشرك. # وفيه أن ms5977 اعتبار الآية من حيث وقوعها في سياق خاص من السياقات أمر ~~واعتبارها مستقلة في نفسها أمر آخر والذي يقتضيه الاعتبار الأول وهو العمدة ~~بالنظر إلى غرض السورة هو ما قدمناه من المعنى، وأما الاعتبار الثاني: ~~فمقتضاه العموم ولا ضير فيه على ذلك التقدير. # قوله تعالى: "من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع ~~العليم" إلى تمام ثلاث آيات. # لما وبخ سبحانه الناس على استهانتهم بأمر الإيمان ورجوعهم عنه بأي فتنة ~~وإيذاء من المشركين ووبخ المشركين على فتنتهم وإيذائهم المؤمنين وصدهم عن ~~سبيل الله إرادة لإطفاء نور الله وتعجيزا له فيما شاء وخطأ الفريقين فيما ظنوا. # رجع إلى بيان الحق الذي لا معدل عنه والواجب الذي لا مخلص منه، فبين في ~~هذه الآيات الثلاث أن من يؤمن بالله لتوقع الرجوع إليه ولقائه فليعلم أنه ~~آت لا محالة وأن الله سميع لأقواله عليم بأحواله وأعماله فليأخذ حذره ~~وليؤمن حق الإيمان الذي لا يصرفه عنه فتنة ولا إيذاء وليجاهد في الله حق ~~جهاده، وليعلم أن الذي ينتفع بجهاده هو نفسه ولا حاجة لله سبحانه إلى ~~إيمانه ولا إلى غيره من العالمين وليعلم أنه إن آمن وعمل صالحا فإن الله ~~سيكفر عنه سيئاته ويجزيه بأحسن أعماله، والعلمان الأخيران يؤكدان العلم ~~الأول ويستوجبان لزومه الإيمان وصبره على الفتن والمحن في جنب الله. # فقوله: "من كان يرجوا لقاء الله" رجوع إلى بيان حال من يقول: آمنت فإنه ~~إنما يؤمن لو صدق بعض الصدق لتوقعه الرجوع إلى الله سبحانه يوم القيامة إذ ~~لو لا المعاد لغا الدين من أصله، فالمراد بقوله: "من كان يرجوا لقاء الله" ~~من كان يؤمن بالله أو من كان يقول: آمنت بالله، فالجملة من قبيل وضع السبب ~~موضع المسبب. # والمراد بلقاء الله وقوف العبد موقفا لا حجاب بينه وبين ربه كما هو الشأن ~~يوم القيامة الذي هو ظرف ظهور الحقائق، قال تعالى: "ويعلمون أن الله هو ~~الحق المبين". # وقيل: المراد بلقاء الله هو البعث، وقيل: الوصول إلى العاقبة من لقاء ms5978 ملك ~~الموت والحساب والجزاء، وقيل: المراد ملاقاة جزاء الله من ثواب أو عقاب ~~وقيل: ملاقاة حكمه يوم القيامة، والرجاء على بعض هذه الوجوه بمعنى الخوف. # وهذه وجوه مجازية بعيدة لا موجب لها إلا أن يكون من التفسير بلازم ~~المعنى. # وقوله: "فإن أجل الله لآت" الأجل هو الغاية التي ينتهي إليها زمان الدين ~~ونحوه وقد يطلق على مجموع ذلك الزمان والغالب في استعماله هو المعنى الأول. # و"أجل الله" هو الغاية التي عينها الله تعالى للقائه، وهو آت لا ريب فيه ~~وقد أكد القول تأكيدا بالغا، ولازم تحتم إتيان هذا الأجل وهو يوم القيامة ~~أن لا يسامح في أمره ولا يستهان بأمر الإيمان بالله حق الإيمان والصبر عليه ~~عند الفتن والمحن من غير رجوع وارتداد، وقد زاد في تأكيد القول بتذييله ~~بقوله: "وهو السميع العليم" إذ هو تعالى لما كان سميعا لأقوالهم عليما ~~بأحوالهم فلا ينبغي أن يقول القائل: آمنت بالله إلا عن ظهر القلب ومع الصبر ~~على كل فتنة ومحنة. # ومن هنا يظهر أن ذيل الآية: "فإن أجل الله لآت" إلخ، من قبيل وضع السبب ~~موضع المسبب كما كان صدرها: "من كان يرجوا لقاء الله" أيضا كذلك، والأصل من ~~قال: آمنت بالله. # فليقله مستقيما صابرا عليه مجاهدا في ربه. PageV16P052 # وقوله: "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين" المجاهدة ~~والجهاد مبالغة من الجهد بمعنى بذل الطاقة، وفيه تنبيه لهم أن مجاهدتهم في ~~الله بلزوم الإيمان والصبر على المكاره دونه ليست مما يعود نفعه إلى الله ~~سبحانه حتى لا يهمهم ويلغو بالنسبة إليهم أنفسهم بل إنما يعود نفعه إليهم ~~أنفسهم لغناه تعالى عن العالمين فعليهم أن يلزموا الإيمان ويصبروا على ~~المكاره دونه. # فقوله: "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه" تأكيد لحجة الآية السابقة، وقوله: ~~"إن الله لغني عن العالمين" تعليل لما قبله. # والالتفات من سياق التكلم بالغير إلى اسم الجلالة في الآيتين نظير ما مر ~~من الالتفات في قوله: "فليعلمن الله الذين صدقوا" الآية. # وقوله: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم ms5979 سيئاتهم ولنجزينهم ~~أحسن الذي كانوا يعملون" بيان لعاقبة إيمانهم حق الإيمان المقارن للجهاد ~~ويتبين به أن نفع إيمانهم يعود إليهم لا إلى الله سبحانه وأنه عطية من الله وفضل. # وعلى هذا فالآية لا تخلو من دلالة ما على أن الجهاد في الله هو الإيمان ~~والعمل الصالح فإنها في معنى تبديل قوله في الآية السابقة: "ومن جاهد" من ~~قوله في هذه الآية: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات". # وتكفير السيئات هو العفو عنها والأصل في معنى الكفر هو الستر، وقيل: ~~تكفير السيئات هو تبديل كفرهم السابق إيمانا ومعاصيهم السابقة طاعات، وليس بذاك. # وجزاؤهم بأحسن الذي كانوا يعملون هو رفع درجتهم إلى ما يناسب أحسن ~~أعمالهم أو عدم المناقشة في أعمالهم عند الحساب إذا كانت فيها جهات رداءة ~~وخسة فيعاملون في كل واحد من أعمالهم معاملة من أتى بأحسن عمل من نوعه ~~فتحتسب صلاتهم أحسن الصلاة وإن اشتملت على بعض جهات الرداءة وهكذا. # قوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما" إلخ، التوصية العهد وهو هاهنا الأمر، وقوله: "حسنا" ~~مصدر في معنى الوصف قائم مقام مفعول مطلق محذوف والتقدير: ووصينا الإنسان ~~بوالديه توصية حسنة أو ذات حسن أي أمرناه أن يحسن إليهما وهذا مثل قوله: ~~"وقولوا للناس حسنا" أي قولا حسنا أو ذا حسن، ويمكن أن يكون وضع المصدر ~~موضع الوصف للمبالغة نحو زيد عدل، وربما وجه بتوجيهات أخر. # وقوله: "وإن جاهداك لتشرك بي" إلخ، تتميم للتوصية بخطاب شفاهي للإنسان ~~بنهيه عن إطاعة والديه إن دعواه إلى الشرك والوجه في ذلك أن التوصية في ~~معنى الأمر فكأنه قيل: وقلنا للإنسان أحسن إلى والديك وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. # ولم يقل: وأن لا يطيعهما إن جاهداه على أن يشرك إلخ، لما في الخطاب من ~~الصراحة وارتفاع الإبهام ولذلك قال أيضا: "لتشرك بي" بضمير المتكلم وحده ~~فافهمه ويئول معنى الجملة إلى أنا نهيناه عن الشرك طاعة لهما ورفعنا عنه ms5980 كل إبهام. # وفي قوله: "ما ليس لك به علم" إشارة إلى علة النهي عن الطاعة فإن دعوتهما ~~إلى الشرك بعبادة إله من دون الله دعوة إلى الجهل وعبادة ما ليس له به علم ~~افتراء على الله وقد نهى الله عن اتباع غير العلم قال: "ولا تقف ما ليس لك ~~به علم": إسراء: 38، وبهذه المناسبة ذيلها بقوله: "إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون" أي سأعلمكم ما معنى أعمالكم ومنها عبادتكم الأصنام وشرككم ~~بالله سبحانه. # ومعنى الآية: وعهدنا إلى الإنسان في والديه عهدا حسنا - وأمرناه أن أحسن ~~إلى والديك - وإن بذلا جهدهما أن تشرك بي فلا تطعهما لأنه اتباع ما ليس لك ~~به علم. # وفي الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - توبيخ تعريضي لبعض من كان قد آمن ~~ثم رجع عن إيمانه بمجاهدة من والديه. # قوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين" معنى ~~الآية ظاهر، وفي وقوعها بعد الآية السابقة وفي سياقها، دلالة على وعد جميل ~~منه تعالى وتطييب نفس لمن ابتلي من المؤمنين بوالدين مشركين يجاهدانه على ~~الشرك فعصاهما وفارقهما، يقول سبحانه: إن جاهداه على الشرك فعصاهما وهجرهما ~~ففاتاه لم يكن بذلك بأس فإنا سنرزقه خيرا منهما وندخله بإيمانه وعمله ~~الصالح في الصالحين وهم العباد المنعمون في الجنة، قال تعالى: "يا أيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي": ~~الفجر: 30. PageV16P053 # وأما إرادة المجتمع الصالح في الدنيا فبعيد من السياق. # قوله تعالى: "ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله" إلى آخر الآية، لما كان إيمان هؤلاء مقيدا بالعافية ~~والسلامة مغيى بالإيذاء والابتلاء لم يعده إيمانا بقول مطلق ولم يقل: ومن ~~الناس من يؤمن بالله بل قال: "ومن الناس من يقول آمنا بالله" فالآية بوجه ~~نظيرة قوله: "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه": الحج: 11. # وقوله: "فإذا أوذي في الله" أي أوذي لأجل الإيمان بالله بناء على أن ms5981 في ~~للسببية كما قيل وفيه عناية كلامية لطيفة بجعله تعالى - أي جعل الإيمان ~~بالله - ظرفا للإيذاء ولمن يقع عليه الإيذاء ليفيد أن الإيذاء منتسب إليه ~~تعالى انتساب المظروف إلى ظرفه وينطبق على معنى السببية والغرضية ونظيره ~~قوله: "يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله": الزمر: 56، وقوله: "والذين ~~جاهدوا فينا": العنكبوت: 69. # وقيل: معنى الإيذاء في الله هو الإيذاء في سبيل الله وكأنه مبني على ~~تقدير مضاف محذوف. # وفيه أن العناية الكلامية مختلفة فالإيذاء في الله ما كان السبب فيه محض ~~الإيمان بالله وهو قولهم: ربنا الله، والإيذاء في سبيل الله ما كان سببه ~~سلوك السبيل التي هي الدين قال تعالى: "فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم ~~وأوذوا في سبيلي": آل عمران: 195 ومن الشاهد على تغاير الاعتبارين قوله في ~~آخر السورة: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" حيث جعل الجهاد في الله ~~طريقا إلى الاهتداء إلى سبله ولو كانا بمعنى واحد لم يصح ذلك. # وقوله: "جعل فتنة الناس كعذاب الله" أي نزل العذاب والإيذاء الذي يصيبه ~~من الناس في وجوب التحرز منه منزلة عذاب الله الذي يجب أن يتحرز منه فرجع ~~عن الإيمان إلى الشرك خوفا وجزعا من فتنتهم مع أن عذابهم يسير منقطع الآخر ~~بنجاة أو موت ولا يقاس ذلك بعذاب الله العظيم المؤبد الذي يستتبع الهلاك ~~الدائم. # وقوله: "ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم" أي لئن أتاكم من قبله ~~تعالى ما فيه فرج ويسر لكم من بعد ما أنتم فيه من الشدة والعسرة من قبل ~~أعداء الله ليقولن هؤلاء إنا كنا معكم فلنا منه نصيب. # و"ليقولن" بضم اللام صيغة جمع، والضمير راجع إلى "من" باعتبار المعنى كما ~~أن ضمائر الإفراد الأخر راجعة إليها باعتبار اللفظ. # وقوله: "أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين" استفهام إنكاري فيه رد ~~دعواهم أنهم مؤمنون بأن الله أعلم بما في الصدور ولا تنطوي قلوب هؤلاء على إيمان. # والمراد بالعالمين الجماعات من الإنسان أو الجماعات المختلفة من أولي ~~العقل إنسانا كان أو غيره ms5982 كالجن والملك، ولو كان المراد به جميع المخلوقات ~~من ذوي الشعور وغيرهم كان المراد بالصدور البواطن وهو بعيد. # قوله تعالى: "وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين" من تتمة ~~الكلام في الآية السابقة والمحصل أن الله مع ذلك يميز بين المؤمنين ~~والمنافقين بالفتنة والامتحان. # وفي الآية إشارة إلى كون هؤلاء منافقين وذلك لكون إيمانهم مقيدا بعدم ~~الفتنة وهم يظهرونه مطلقا غير مقيد والفتنة سنة إلهية جارية لا معدل عنها. # وقد استدل بالآيتين على أن السورة أو خصوص هذه الآيات مدنية وذلك أن ~~الآية تحدث عن النفاق والنفاق إنما ظهر بالمدينة بعد الهجرة وأما مكة قبل ~~الهجرة فلم يكن للإسلام فيها شوكة ولا للمسلمين فيها إلا الذلة والإهانة ~~والشدة والفتنة ولا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المجتمع العربي ~~يومئذ وخاصة عند قريش عزة ولا منزلة فلم يكن لأحد منهم داع يدعوه إلى أن ~~يتظاهر بالإيمان وهو ينوي الكفر. # على أن قوله في الآية: "ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم" يخبر ~~عن النصر وهو الفتح والغنيمة وقد كان ذلك بالمدينة دون مكة. # ونظير الآيتين قوله السابق: "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه" ضرورة إن ~~الجهاد والقتال إنما كان بالمدينة بعد الهجرة. # وهو سخيف: أما حديث النفاق فالذي جعل في الآية ملاكا للنفاق وهو قولهم: ~~آمنا بالله حتى إذا أوذوا في الله راجعوا عن قولهم كان جائز التحقق في مكة ~~كما في غيرها وهو ظاهر بل الذي ذكر من الإيذاء والفتنة إنما كان بمكة فلم ~~تكن في المدينة بعد الهجرة فتنة. PageV16P054 # وأما حديث النصر فالنصر غير منحصر في الفتح والغنيمة فله مصاديق أخر يفرج ~~الله بها عن عباده. # على أن الآية لا تخبر عنه بما يدل على التحقق فقوله: "فإذا أوذي في الله ~~جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم" يدل ~~على تحقق الإيذاء والفتنة حيث عبر بإذا الدالة على تحقق الوقوع بخلاف مجيء ~~النصر حيث عبر عنه بأن الشرطية الدالة على إمكان ms5983 الوقوع دون تحققه. # وأما قوله تعالى: "ومن جاهد" إلخ فقد اتضح مما تقدم أن المراد به جهاد ~~النفس دون مقاتلة الكفار فالحق أن لا دلالة في شيء من الآيات على كون ~~السورة أو بعضها مدنية. # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون" المراد بالذين كفروا ~~مشركوا مكة الذين أبدوا الكفر أول مرة بالدعوة الحقة، وبالذين آمنوا ~~المؤمنون بها أول مرة وقولهم لهم: "اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم" نوع ~~استمالة لهم وتطييب لنفوسهم أن لو رجعوا إلى الشرك واتبعوا سبيلهم لم تكن ~~عليهم تبعة على أي حال: إذ لو لم تكن في ذلك خطيئة فهو، وإن كانت فهم ~~حاملون لها عنهم، ولذلك لم يقولوا: ولنحمل خطاياكم لو كانت بل أطلقوا القول ~~من غير تقييد. # فكأنهم قالوا: لنفرض أن اتباعكم لسبيلنا خطيئة فإنا نحملها عنكم ونحمل كل ~~ما يتفرع عليه من الخطايا أو أنا نحمل عنكم خطاياكم عامة ومن جملتها هذه ~~الخطيئة. # وقوله: "وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء" رد لقولهم: "ولنحمل خطاياكم" ~~وهو رد محفوف بحجة إذ لو كان اتباعهم لسبيلهم ورجوعهم عن الإيمان بالله ~~خطيئة كان خطيئة عند الله لاحقة بالراجعين وانتقالها عن عهدتهم إلى غيرهم ~~يحتاج إلى إذن من الله ورضى فهو الذي يؤاخذهم به ويجازيهم وهو سبحانه يصرح ~~ويقول: "ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء" وقد عمم النفي لكل شيء من ~~خطاياهم. # وقوله: "إنهم لكاذبون" تكذيب لهم لما أن قولهم: "ولنحمل خطاياكم" يشتمل ~~على دعوى ضمني أن خطاياهم تنتقل إليهم لو احتملوها وأن الله يجيز لهم ذلك. # قوله تعالى: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة ~~عما كانوا يفترون" من تمام القول السابق في ردهم وهو في محل الاستدراك أي ~~إنهم لا يحملون خطاياهم بعينها فهي لازمة لفاعليها لكنهم حاملون أثقالا ~~وأحمالا من الأوزار مثل أوزار فاعليها من غير أن ينقص من فاعليها فيحملونها ~~مضافا إلى أثقال أنفسهم وأحمالها لما أنهم ضالون مضلون. ms5984 # فالآية في معنى قوله تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم": النحل: 25. # وقوله: "وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون" فشركهم افتراء على الله ~~سبحانه وكذا دعواهم القدرة على إنجاز ما وعدوه وأن الله يجيز لهم ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس وأيضا ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قالا: نزلت ~~سورة العنكبوت بمكة. # أقول: وقد نقل في روح المعاني، عن البحر عن ابن عباس أن السورة مدنية. # وفي المجمع،: قيل نزلت الآية يعني قوله تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا" في ~~عمار بن ياسر وكان يعذب في الله. عن ابن جريج. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن الشعبي: في قوله: "الم أحسب الناس أن يتركوا" الآية، قال: أنزلت في أناس ~~بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام ~~حتى تهاجروا. قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم ~~فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنه نزل فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج ~~فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ~~ومنهم من نجا فأنزل الله فيهم: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" وفيه، أخرج ابن جرير عن قتادة: ~~"ومن الناس من يقول آمنا بالله إلى قوله وليعلمن المنافقين" قال هذه الآيات ~~نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر مدنية. PageV16P055 # وفيه، أخرج ابن جرير عن الضحاك: في قوله: "ومن الناس من يقول آمنا بالله" ~~قال: ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من ~~المشركين رجعوا إلى الكفر والشرك مخافة من يؤذيهم وجعلوا أذى الناس في ~~الدنيا كعذاب الله. # وفيه، أخرج ابن المنذر وابن ms5985 أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص ~~قال: قالت أمي: لا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تكفر بمحمد فامتنعت من ~~الطعام والشراب حتى جعلوا يسجرون فاها بالعصا فنزلت هذه الآية "ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا" الآية. # وفي المجمع، قال الكلبي: نزل قوله: "ومن الناس من يقول" الآية في عياش بن ~~أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن ~~يهاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلفت أمه أسماء بنت مخرمة بن أبي ~~جندل التميمي أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل كنا حتى يرجع ~~إليها فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام وهما أخوا عياش لأمه ~~جزعها ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه وذكرا له القصة فلم يزالا به ~~حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه وتبعهما وقد كانت أمه صبرت ~~ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت. فلما خرجوا من المدينة أخذاه وأوثقاه كتافا ~~وجلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى برىء من دين محمد جزعا من الضرب وقال ما ~~لا ينبغي فنزلت الآية وكان الحارث أشدهما عليه فحلف عياش لئن قدر عليه ~~خارجا من الحرم ليضربن عنقه. فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون إلى المدينة وهاجر عياش وحسن إسلامه ~~وأسلم الحارث بن هشام وهاجر إلى المدينة وبايع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على الإسلام ولم يحضر عياش فلقيه عياش يوما بظهر قبا ولم يشعر ~~بإسلامه فضرب عنقه فقيل له: إن الرجل قد أسلم فاسترجع عياش وبكى ثم أتى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بذلك فنزل: "وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطأ" الآية. # أقول: وأنت ترى اختلاف الروايات في سبب نزول الآيات وقد تقدم أن الذي ~~يعطيه سياق آيات السورة أنها مكية محضة. # وفي الكافي، عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن معمر بن خلاد قال: سمعت ~~أبا الحسن (عليه السلام) ms5986 يقول: "الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا - ~~وهم لا يفتنون". ثم قال لي: ما الفتنة؟ قلت: جعلت فداك الفتنة في الدين ~~فقال: "يفتنون كما يفتن الذهب. ثم قال: يخلصون كما يخلص الذهب. # وفي المجمع،: قيل: إن معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم وأموالهم: وهو المروي ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفيه،: في قوله تعالى: "أو يلبسكم شيعا": وفي تفسير الكلبي،: أنه لما ~~نزلت هذه الآية قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتوضأ وأسبغ وضوءه ثم ~~قام وصلى فأحسن صلاته ثم سأل الله سبحانه أن لا يبعث عذابا من فوقهم أو من ~~تحت أرجلهم أو يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض. فنزل جبرئيل ولم يجرهم ~~من الخصلتين الأخيرتين فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جبرئيل ما بقاء ~~أمتي مع قتل بعضهم بعضا؟ فقام وعاد إلى الدعاء فنزل: "الم أحسب الناس أن ~~يتركوا" الآيتان فقال: لا بد من فتنة يبتلى بها الأمة بعد نبيها ليتعين ~~الصادق من الكاذب لأن الوحي انقطع وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم ~~القيامة. # وفي نهج البلاغة،: وقام إليه رجل فقال أخبرنا عن الفتنة وهل سألت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها؟ فقال (عليه السلام): لما أنزل الله ~~سبحانه قوله: "الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون" ~~علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ~~أظهرنا فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟ فقال: يا ~~علي إن أمتي سيفتنون من بعدي. # وفي التوحيد، عن علي (عليه السلام) في حديث طويل: وقد سأله رجل عن آيات ~~من القرآن وقوله: "من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت" يعني بقوله: ~~من كان يؤمن بأنه مبعوث فإن وعد الله لآت من الثواب والعقاب فاللقاء هاهنا ~~ليس بالرؤية واللقاء هو البعث فافهم جميع ما في كتاب الله من لقائه فإنه ~~يعني بذلك البعث. # أقول: مراده (عليه السلام) نفي الرؤية الحسية ms5987 والتفسير بلازم المعنى. PageV16P056 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "من كان يرجوا لقاء الله" الآية قال: من ~~أحب لقاء الله جاءه الأجل "ومن جاهد" نفسه عن اللذات والشهوات والمعاصي ~~"فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين". "ووصينا الإنسان بوالديه ~~حسنا" قال: هما اللذان ولداه. # وفيه،: في قوله تعالى: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا - اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم" قال: كان الكفار يقولون للمؤمنين: كونوا معنا فإن الذي ~~تخافون أنتم ليس بشيء فإن كان حقا نتحمل عنكم ذنوبكم، فيعذبهم الله عز وجل ~~مرتين: مرة بذنوبهم ومرة بذنوب غيرهم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن ~~الحنفية قال: كان أبو جهل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاءوا إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يسلمون يقولون: إنه يحرم الخمر ويحرم الزنا ~~ويحرم ما كانت تصنع العرب فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم فنزلت هذه الآية: ~~"وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وفيه، أخرج أحمد عن حذيفة قال: سأل ~~رجل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمسك القوم ثم إن رجلا ~~أعطاه فأعطى القوم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من سن خيرا فاستن ~~به كان له أجره ومن أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سن شرا ~~فاستن به كان عليه وزره ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر وفي بعضها تفسير قوله: "وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم" بذلك. PageV16P057 ### ||| AUTO 29 سورة العنكبوت - 14 - 40 # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظلمون (14) فأنجينه وأصحب السفينة وجعلنها ءاية للعلمين (15) ~~وإبرهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) ~~إنما تعبدون من دون الله أوثنا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله ~~لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ~~(17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما ms5988 على الرسول إلا البلغ المبين ~~(18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الاخرة إن الله ~~على كل شىء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما ~~أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السماء وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير ~~(22) والذين كفروا بئايت الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتى وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من ~~النار إن فى ذلك لايت لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثنا ~~مودة بينكم فى الحيوة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من نصرين (25) فئامن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ~~ربى إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا فى ذريته ~~النبوة والكتب وءاتينه أجره فى الدنيا وإنه فى الاخرة لمن الصلحين (27) ~~ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين ~~(28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصدقين (29) قال رب ~~انصرنى على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى قالوا إنا ~~مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظلمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا ~~نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغبرين (32) ولما أن ~~جاءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك ~~وأهلك إلا امرأتك كانت من الغبرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا ~~من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها ءاية بينة لقوم يعقلون ~~(35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الاخر ولا ~~تعثوا فى الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جثمين ~~(37) وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مسكنهم وزين لهم ms5989 الشيطن أعملهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقرون وفرعون وهمن ولقد جاءهم موسى بالبينت ~~فاستكبروا فى الأرض وما كانوا سبقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم # من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (40) PageV16P058 ### |||| AUTO بيان # لما ذكر سبحانه في صدر السورة أن الفتنة سنة إلهية لا معدل عنها وقد جرت ~~في الأمم السابقة عقب ذلك بالإشارة إلى قصص سبعة من الأنبياء الماضين ~~وأممهم وهم: نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح وموسى (عليه السلام) فتنهم ~~الله وامتحنهم فنجا منهم من نجا وهلك، منهم من هلك وقد ذكر سبحانه في ~~الثلاثة الأول النجاة والهلاك معا وفي الأربعة الأخيرة الهلاك فحسب. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون"، في المجمع:، الطوفان الماء الكثير الغامر ~~لأنه يطوف بكثرته في نواحي الأرض، انتهى. # وقيل: هو كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام ~~والغالب استعماله في طوفان الماء. # والتعبير بألف سنة إلا خمسين عاما دون أن يقال: تسعمائة وخمسين سنة ~~للتكثير والآية ظاهرة في أن الألف إلا خمسين مدة دعوة نوح (عليه السلام) ما ~~بين بعثته إلى أخذ الطوفان فيغاير ما في التوراة الحاضرة أنها مدة عمره ~~(عليه السلام) وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في قصصه (عليه السلام) في تفسير ~~سورة هود، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين" أي فأنجينا ~~نوحا وأصحاب السفينة الراكبين معه فيها وهم أهله وعدة قليلة من المؤمنين به ~~ولم يكونوا ظالمين. # وقوله: "وجعلناها آية للعالمين" الظاهر أن الضمير للواقعة أو للنجاة وأما ~~رجوعه إلى السفينة فلا يخلو من بعد، والعالمين الجماعات الكثيرة المختلفة ~~من الأجيال اللاحقة بهم. # قوله تعالى: "وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون" معطوف على قوله: "نوحا" أي وأرسلنا إبراهيم إلى قومه. # وقوله لقومه: "اعبدوا الله واتقوه" دعوة ms5990 إلى التوحيد وإنذار بقرينة ~~الآيات التالية فتفيد الجملة فائدة الحصر. # على أن الوثنية لا يعبدون الله سبحانه وإنما يعبدون غيره زعما منهم أنه ~~تعالى لا يمكن أن يعبد إلا من طريق الأسباب الفعالة في العالم المقربة عنده ~~كالملائكة والجن ولو عبد لكان معبودا وحده من غير شريك فدعوتهم إلى عبادة ~~الله بقوله: "اعبدوا الله" تفيد الدعوة إليه وحده وإن لم تقيد بأداة الحصر. # قوله تعالى: "إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا" إلى آخر ~~الآية، الأوثان جمع وثن بفتحتين وهو الصنم، والإفك الأمر المصروف عن وجهه ~~قولا أو فعلا. # وقوله: "إنما تعبدون من دون الله أوثانا" بيان لبطلان عبادة الأوثان ~~ويظهر به كون عبادة الله هي العبادة الحقة وبالجملة انحصار العبادة الحقة ~~فيه تعالى "أوثانا" منكر للدلالة على وهن أمرها وكون ألوهيتها دعوى مجردة ~~لا حقيقة وراءها، أي لا تعبدون من دون الله إلا أوثانا من أمرها كذا وكذا. # ولذا عقب الجملة بقوله: "وتخلقون إفكا" أي وتفتعلون كذبا بتسميتها آلهة ~~وعبادتها بعد ذلك فهناك إله تجب عبادته لكنه هو الله الواحد دون الأوثان. # وقوله: "إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا" تعليل لما ذكر ~~من افتعالهم الكذب بتسمية الأوثان آلهة وعبادتها ومحصله أن هؤلاء الذين ~~تعبدون من دون الله وهم الأوثان بما هم تماثيل المقربين من الملائكة والجن ~~إنما تعبدونهم لجلب النفع وهو أن يرضوا عنكم فيرزقوكم ويدروا عليكم الرزق ~~لكنهم ليسوا يملكون لكم رزقا فإن الله هو الذي يملك رزقكم الذي هو السبب ~~الممد لبقائكم لأنه الذي خلقكم وخلق رزقكم فجعله ممدا لبقائكم والملك تابع ~~للخلق والإيجاد. # ولذلك عقبه بقوله: "فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له" أي ~~فاطلبوا الرزق من عند الله لأنه هو الذي يملكه فلا تعبدوهم بل اعبدوا الله ~~واشكروا له على ما رزقكم وأنعم عليكم بألوان النعم فمن الواجب شكر المنعم ~~على ما أنعم. PageV16P059 # وقوله: "إليه ترجعون" في مقام التعليل لقوله: "واعبدوه واشكروا له" ولذا ~~جيء بالفصل من غير عطف، وفي ms5991 هذا التعليل صرفهم عن عبادة الإله ابتغاء للرزق ~~إلى عبادته للرجوع والحساب إذ لو لا المعاد لم يكن لعبادة الإله سبب محصل ~~لأن الرزق وما يجري مجراه له أسباب خاصة كونية غير العبادات والقربات ولا ~~يزيد ولا ينقص بإيمان أو كفر لكن سعادة يوم الحساب تختلف بالإيمان والكفر ~~والعبادة والشكر وخلافهما فليكن الرجوع إلى الله هو الباعث إلى العبادة ~~والشكر دون ابتغاء الرزق. # قوله تعالى: "وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين" الظاهر أنه من تمام كلام إبراهيم (عليه السلام)، وذكر بعضهم أنه ~~خطاب منه تعالى لمشركي قريش ولا يخلو من بعد. # ومعنى الشرط والجزاء في صدر الآية أن التكذيب هو المتوقع منكم لأنه ~~كالسنة الجارية في الأمم المشركة وقد كذب من قبلكم وأنتم منهم وفي آخرهم ~~وليس علي بما أنا رسول إلا البلاغ المبين. # ويمكن أن يكون المراد أن حالكم في تكذيبكم كحال الأمم من قبلكم لم ينفعهم ~~تكذيبهم شيئا حل بهم عذاب الله ولم يكونوا بمعجزين في الأرض ولا في السماء ~~ولم يكن لهم من دون الله من ولي ولا نصير، فكذلكم أنتم، وقوله: "وما على ~~الرسول" يناسب الوجهين جميعا. # قوله تعالى: "أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله ~~يسير" هذه الآية إلى تمام خمس آيات من كلامه تعالى واقعة في خلال القصة ~~تقيم الحجة على المعاد وترفع استبعادهم له متعلقه بما تقدم من حيث إن ~~العمدة في تكذيبهم الرسل إنكارهم للمعاد كما يشير إليه قول إبراهيم: "إليه ~~ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم". # فقوله: "أولم يروا" إلخ الضمير فيه للمكذبين من جميع الأمم من سابق ولاحق ~~والمراد بالرؤية النظر العلمي دون الرؤية البصرية، وقوله: "كيف يبدىء الله ~~الخلق ثم يعيده" في موضع المفعول لقوله: "يروا" بعطف "يعيده" على موضع ~~"يبدىء" خلافا لمن يرى عطفه على "أولم يروا" والاستفهام للتوبيخ. # والمعنى: أولم يعلموا كيفية الإبداء ثم الإعادة أي إنهما من سنخ واحد هو ~~إنشاء ما ms5992 لم يكن، وقوله: "إن ذلك على الله يسير" الإشارة فيه إلى الإعادة ~~بعد الإبداء وفيه رفع الاستبعاد لأنه إنشاء بعد إنشاء وإذ كانت القدرة ~~المطلقة تتعلق بالإيجاد فهي جائزة التعلق بالإنشاء بعد الإنشاء وهي في ~~الحقيقة نقل للخلق من دار إلى دار وإنزال للسائرين إليه في دار القرار. # وقول بعضهم: إن المراد بالإبداء ثم الإعادة إنشاء الخلق ثم إعادة أمثالهم ~~بعد إفنائهم غير سديد لعدم ملائمة الاحتجاج على المعاد الذي هو إعادة عين ~~ما فنى دون مثله. # قوله تعالى: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء ~~النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير" الآية إلى تمام ثلاث آيات أمر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطبهم بما يتم به الحجة عليهم ~~فيرشدهم إلى السير في الأرض لينظروا إلى كيفية بدء الخلق وإنشائهم على ~~اختلاف طبائعهم وتفاوت ألوانهم وأشكالهم من غير مثال سابق وحصر أو تحديد في ~~عدتهم وعدتهم ففيه دلالة على عدم التحديد في القدرة الإلهية فهو ينشىء ~~النشأة الآخرة كما أنشأ النشأة الأولى فالآية في معنى قوله: "ولقد علمتم ~~النشأة الأولى فلو لا تذكرون": الواقعة: 62. # قوله تعالى: "يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون" من مقول القول، ~~والظاهر أنه بيان لقوله: "ينشىء النشأة الآخرة" وقلب الشيء تحويله عن وجهه ~~أو حاله كجعل أسفله أعلاه وجعل باطنه ظاهره وهذا المعنى الأخير يناسب قوله ~~تعالى: "يوم تبلى السرائر": الطارق: 9. # وفسروا القلب بالرد قال في المجمع:، والقلب هو الرجوع والرد فمعناه أنكم ~~تردون إلى حال الحياة في الآخرة حيث لا يملك فيه النفع والضر إلا الله. # انتهى وهذا معنى لطيف يفسر به معنى الرجوع إلى الله والرد إليه وهو ~~وقوفهم موقفا تنقطع فيه عنهم الأسباب ولا يحكم فيه إلا الله سبحانه فالآية ~~في معنى قوله: "وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون": ~~يونس: 30. # ومحصل المعنى: أن النشأة الآخرة هي نشأة يعذب الله فيها من يشاء وهم ~~المجرمون ويرحم من يشاء وهم غيرهم ms5993 وإليه تردون فلا يحكم فيكم غيره. PageV16P060 # قوله تعالى: "وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير" من مقول القول وتوصيف لشأنهم يوم القيامة كما أن الآية ~~السابقة توصيف لشأنه تعالى يومئذ. # فقوله: "وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء أي أنكم لا تقدرون أن ~~تعجزوه تعالى يومئذ بالفوت منه والخروج من حكمه وسلطانه بالفرار والخروج من ~~ملكه والنفوذ من أقطار الأرض والسماء، فالآية تجري مجرى قوله: "يا معشر ~~الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا": ~~الرحمن: 33. # وقيل: الكلام في معنى "من في السماء" فحذف من لدلالة الكلام عليه ~~والتقدير وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السماء بمعجزين في السماء. # وهو بعيد ودلالة الكلام عليه غير مسلمة ولو بني عليه لكفى فيه أن الخطاب ~~للأعم من البشر بتغليب جانب البشر المخاطبين على غيرهم من الجن والملك ~~والمعنى: وما أنتم معاشر الخلق بمعجزين في الأرض ولا في السماء. # وقوله: "وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير" أي ليس لكم اليوم ولي من ~~دون الله يتولى أمركم فيغنيكم من الله ولا نصير ينصركم فيقوي جانبكم ويتمم ~~ناقص قوتكم فيظهركم عليه سبحانه. # فالآية - كما ترى - تنفي ظهورهم على الله وتعجيزهم له بالخروج والامتناع ~~عن حكمه بأقسامه فلا هم يستقلون بذلك وهو قوله: "وما أنتم بمعجزين" إلخ ولا ~~غيرهم يستقل بذلك وهو قوله: "وما لكم من دون الله من ولي" ولا المجموع منهم ~~ومن غيرهم يعجزه تعالى وهو قوله: "ولا نصير". # قوله تعالى: "والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي ~~وأولئك لهم عذاب أليم" خطاب مصروف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~خارج من مقول القول السابق "قل سيروا في الأرض" إلخ والمطلوب فيه أن ينبئه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) صريح الحق فيمن يشقى ويهلك يوم القيامة فإنه ~~أبهم ذلك في قوله أولا: "يعذب من يشاء ويرحم من يشاء". # ومن الدليل عليه الخطاب ms5994 في "أولئك" مرتين ولو كان من كلام النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لقيل: أولئكم". # ويؤيد ذلك أيضا قوله: "من رحمتي" فإن الانتقال من مثل قولنا: أولئك يئسوا ~~من رحمة الله أو من رحمته بسياق الغيبة على ما يقتضيه المقام إلى قوله: ~~"أولئك يئسوا من رحمتي" يفيد التصديق والاعتراف مضافا إلى أصل الإخبار ~~فيفيد صريح التعيين لأهل العذاب، ويؤيد ذلك أيضا تكرار الإشارة وما في ~~السياق من التأكيد. # وكان في تخصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الإخبار تقوية لنفسه ~~الشريفة وعزلا لهم عن صلاحية السمع لمثله وهم لا يؤمنون. # والمراد بآيات الله - على ما يفيده إطلاق اللفظ - جميع الأدلة الدالة على ~~الوحدانية والنبوة والمعاد من الآيات الكونية والمعجزات النبوية ومنها ~~القرآن فالكفر بآيات الله يشمل بعمومه الكفر بالمعاد فذكر الكفر باللقاء ~~وهو المعاد بعد الكفر بالآيات من ذكر الخاص بعد العام والوجه فيه الإشارة ~~إلى أهمية الإيمان بالمعاد إذ مع إنكار المعاد يلغو أمر الدين الحق من أصله ~~وهو ظاهر. # والمراد بالرحمة ما يقابل العذاب ويلازم الجنة وقد تكرر في كلامه تعالى ~~إطلاق الرحمة عليها بالملازمة كقوله: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته": الجاثية: 30، وقوله: "يدخل من يشاء في رحمته ~~والظالمين أعد لهم عذابا أليما": الإنسان: 31. # والمراد بإسناد اليأس إليهم إما تلبسهم به حقيقة فإنهم لجحدهم الحياة ~~الآخرة آيسون من السعادة المؤبدة والجنة الخالدة وإما أنه كناية عن قضائه ~~تعالى المحتوم أن الجنة لا يدخلها كافر. # والمعنى: والذين جحدوا آيات الله الدالة على الدين الحق وخاصة المعاد ~~أولئك يئسوا من الرحمة والجنة وأولئك لهم عذاب أليم. # قوله تعالى: "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه ~~الله من النار" إلخ، تفريع على قوله في صدر القصة: "وإبراهيم إذ قال لقومه ~~اعبدوا الله واتقوه. PageV16P061 # وظاهر قوله: "قالوا اقتلوه أو حرقوه" أن كلا من طرفي الترديد قول طائفة ~~منهم والمراد بالقتل القتل بالسيف ونحوه فهو قولهم أول ما ائتمروا ليجازوه ~~وإن اتفقوا بعد ذلك ms5995 على إحراقه كما قال "قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم": ~~الأنبياء: 68، ويمكن أن يكون الترديد من الجميع لترددهم في أمره أولا ثم ~~اتفاقهم على إحراقه. # وقوله: "فأنجاه الله من النار" فيه حذف وإيجاز وتقديره ثم اتفقوا على ~~إحراقه فأضرموا نارا فألقوه فيها فأنجاه الله منها، وقد فصلت القصة في ~~مواضع من كلامه تعالى. # قوله تعالى: "وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا" إلى آخر الآية إذ كان لا حجة عقلية لهم على اتخاذ الأوثان لم يبق ~~لهم مما يستنون به إلا الاستنان بسنة من يعظمونه ويحترمون جانبه كالآباء ~~للأبناء والرؤساء المعظمين لأتباعهم والأصدقاء لأصدقائهم وبالأخرة الأمة ~~لأفرادها فهذا السبب الرابط هو عمدة ما يحفظ السنن القومية معمولا بها ~~قائمة على ساقها. # فالاستنان بسنة الوثنية بالحقيقة من آثار الموت الاجتماعية يرى العامة ~~ذلك بعضهم من بعض فتبعثه المودة القومية على تقليده والاستنان به مثله ثم ~~هذا الاستنان نفسه يحفظ المودة القومية ويقيم الاتحاد والاتفاق على ساقه. # هذه حال العامة منهم وأما الخاصة فربما ركنوا في ذلك إلى ما يحسبونه حجة ~~وما هو بحجة كقولهم إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو وهم أو عقل فلا ~~يتعلق به توجهنا العبادي فمن الواجب أن نتقرب إلى بعض من له به عناية ~~كالملائكة والجن ليقربونا إليه زلفى ويشفعوا لنا عنده. # فقوله: "إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا" ~~خطاب منه (عليه السلام) لعامة قومه في أمر اتخاذهم الأوثان للمودة القومية ~~ليصلحوا به شأن حياتهم الدنيا الاجتماعية، وقد أجابوه بذلك حيث سألهم عن ~~شأنهم "إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين": الأنبياء: 53، "قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ~~ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74. # ومن هنا يظهر أن قوله: "مودة بينكم" صالح لأن يكون منصوبا بنزع الخافض ~~بتقدير لام التعليل والمودة على هذا سبب مؤد إلى اتخاذ الأوثان، وأن يكون ~~مفعولا له، ms5996 والمودة غاية مقصودة من اتخاذ الأوثان، لكن ذيل الآية إنما ~~تلائم الوجه الثاني على ما سيظهر. # ثم عقب (عليه السلام) بقوله: "إنما اتخذتم" إلخ، بقوله: "ثم يوم القيامة ~~يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا" يبين لهم عاقبة اتخاذهم الأوثان للمودة ~~وهو باطن هذه المودة المقصودة الذي سيظهر يوم تبلى السرائر فإنهم توسلوا ~~إلى هذا المتاع القليل بالشرك الذي هو أعظم الظلم وأكبر الكبائر الموبقة ~~واجتمعوا عليه وتوافقوا لكنهم سيبدو لهم حقيقة عملهم ويلحق بهم وباله ~~فيتبرأ بعضهم من بعض وينكره بعضهم على بعض. # والمراد بكفر بعضهم ببعض كفر آلهتهم بهم وتبريهم منهم، كما قال تعالى: ~~"سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا": مريم: 82، وقال: "ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم": فاطر: 14، وفي معناه: تبري المتبوعين من تابعيهم، كما قال ~~تعالى: "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب": البقرة: 166، والمراد بلعن بعضهم بعضا لعن كل بعض صاحبه، قال ~~تعالى: "كلما دخلت أمة لعنت أختها": الأعراف: 38. # ثم عقب ذلك بقوله: "ومأواكم النار وما لكم من ناصرين" إشارة إلى لحوق ~~الوبال ووقوع الجزاء وهو النار التي فيها الهلاك المؤبد ولا ناصر ينصرهم ~~ويدفع عنهم العذاب فهم إنما توسلوا إلى المودة ليتناصروا ويتعاونوا ~~ويتعاضدوا في الحياة لكنها عادت يوم القيامة معاداة ومضادة وأورثت تبريا ~~وخذلانا. # قوله تعالى: "فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم" ~~أي آمن به لوط والإيمان يتعدى باللام كما يتعدى بالباء والمعنى واحد. # وقوله: "وقال إني مهاجر إلى ربي" قيل الضمير راجع إلى لوط، وقيل: راجع ~~إلى إبراهيم ويؤيده قوله تعالى حكاية عن إبراهيم "وقال إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين": الصافات: 99. PageV16P062 # وكأن المراد بالمهاجرة إلى الله هجره وطنه وخروجه من بين قومه المشركين إلى ~~أرض لا يعترضه فيها المشركون ولا يمنعونه من عبادة ربه فعد المهاجرة مهاجرة ~~إلى الله من المجاز العقلي. # وقوله: "إنه هو العزيز الحكيم" أي عزيز لا يذل من نصره حكيم لا يضيع من حفظه. # قوله تعالى: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا ms5997 في ذريته النبوة والكتاب" ~~معناه ظاهر. # قوله تعالى: "وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين" الأجر ~~هو الجزاء الذي يقابل العمل ويعود إلى عامله والفرق بينه وبين الأجرة أن ~~الأجرة تختص بالجزاء الدنيوي والأجر يعم الدنيا والآخرة، والفرق بينه وبين ~~الجزاء أن الأجر لا يقال إلا في الخير والنافع، والجزاء يعم الخير والشر ~~والنافع والضار. # والغالب في كلامه تعالى استعمال لفظ الأجر في جزاء العمل العبودي الذي ~~أعده الله سبحانه لعباده المؤمنين في الآخرة من مقامات القرب ودرجات ~~الولاية ومنها الجنة، نعم وقع في قوله تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): ~~"أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين": يوسف: 90، وقوله: ~~"وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر المحسنين": يوسف: 56 إطلاق الأجر على الجزاء الدنيوي الحسن. # فقوله: "وآتيناه أجره في الدنيا" يمكن أن يكون المراد به إيتاء الأجر ~~الدنيوي الحسن والأنسب على هذا أن يكون "في الدنيا" متعلقا بالأجر لا ~~بالإيتاء وربما تأيد هذا المعنى بقوله تعالى فيه (عليه السلام) في موضع ~~آخر: "وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين": النحل: 122، ~~فإن الظاهر أن المراد بالحسنة الحياة الحسنة أو العيشة الحسنة وإيتاؤها ~~فعلية إعطائها دون تقديرها وكتابتها. # ويمكن أن يكون المراد به تقديم ما أعد لعامة المؤمنين في الآخرة من ~~مقامات القرب في حقه (عليه السلام) وإيتاؤه ذلك في الدنيا وقد تقدم إحصاء ~~ما يذكره القرآن الكريم من مقاماته (عليه السلام) في قصصه من تفسير سورة ~~الأنعام. # وقوله: "وإنه في الآخرة لمن الصالحين" تقدم الكلام فيه في تفسير قوله ~~تعالى: "ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين": البقرة: ~~130 في الجزء الأول من الكتاب. # قوله تعالى: "ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين" أي وأرسلنا لوطا أو واذكر لوطا إذ قال لقومه، وقوله: ~~"إنكم لتأتون الفاحشة" إخبار بداعي الاستعجاب والإنكار، والمراد بالفاحشة ~~إتيان الذكران. # وقوله: ms5998 "ما سبقكم بها من أحد من العالمين" استئناف يوضح معنى الفاحشة ~~ويؤكده، وكأن المراد أن هذا العمل لم يشع في قوم قبلهم هذا الشيوع أو ~~الجملة حال من فاعل "لتأتون". # قوله تعالى: "أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم ~~المنكر" إلى آخر الآية، استفهام من أمر من الحري أن لا يصدقه سامع ولا ~~يقبله ذو لب ولذا أكد بالنون واللام، وهذا السياق يشهد أن المراد بإتيان ~~الرجل اللواط وبقطع السبيل إهمال طريق التناسل وإلغاؤها وهي إتيان النساء، ~~فقطع السبيل كناية عن الإعراض عن النساء وترك نكاحهن، وبإتيانهم المنكر في ~~ناديهم - والنادي هو المجلس الذي يجتمعون فيه ولا يسمى نادية إلا إذا كان ~~فيه أهله - الإتيان بالفحشاء أو بمقدماتها الشنيعة بمرأى من الجماعة. # وقيل: المراد بقطع السبيل قطع سبيل المارة بديارهم فإنهم كانوا يفعلون ~~هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم وكانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالخذف ~~فأيهم أصابه كان أولى به فيأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة دراهم وكان ~~لهم قاض يقضي بذلك وقيل: بل كانوا يقطعون الطرق، وقد عرفت أن السياق يقضي ~~بخلاف ذلك. # وقيل: المراد بإتيان المنكر في النادي أن مجالسهم كانت تشتمل على أنواع ~~المنكرات والقبائح مثل الشتم والسخف والقمار وخذف الأحجار على من مر بهم ~~وضرب المعازف والمزامير وكشف العورات واللواط ونحو ذلك وقد عرفت ما يقتضيه ~~السياق. # وقوله: "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين" استهزاء وسخرية منهم، ويظهر من جوابهم أنه كان ينذرهم بعذاب الله ~~وقد قال الله في قصته في موضع آخر: "ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر": ~~القمر: 36. PageV16P063 # قوله تعالى: "قال رب انصرني على القوم المفسدين" سؤال للفتح ودعاء منه ~~عليهم، وقد عدهم مفسدين لعملهم الذي يفسد الأرض ويقطع النسل ويهدد ~~الإنسانية بالفناء. # قوله تعالى: "ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه ~~القرية إن أهلها كانوا ظالمين" إجمال قصة هلاك قوم لوط، وقد كان ذلك برسل ~~من الملائكة أرسلهم الله أولا إلى إبراهيم (عليه السلام) ms5999 فبشروه وبشروا ~~امرأته بإسحاق ويعقوب ثم أخبروه بأنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط، والقصة مفصلة ~~في سورة هود وغيرها. # وقوله: "قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية" أي قالوا لإبراهيم، وفي ~~الإتيان بلفظ الإشارة القريبة - هذه القرية - دلالة على قربها من الأرض ~~التي كان إبراهيم (عليه السلام) نازلا بها، وهي الأرض المقدسة. # وقوله: "إن أهلها كانوا ظالمين" تعليل لإهلاكهم بأنهم ظالمون قد استقرت ~~فيهم رذيلة الظلم، وقد كان مقتضى الظاهر أن يقال: إنهم كانوا ظالمين فوضع ~~المظهر موضع المضمر للإشارة إلى أن ظلمهم ظلم خاص بهم يستوجب الهلاك وليس ~~من مطلق الظلم الذي كان الناس مبتلين به يومئذ كأنه قيل: إن أهلها بما أنهم ~~أهلها ظالمون. # قوله تعالى: "قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ~~إلا امرأته كانت من الغابرين" ظاهر السياق أنه (عليه السلام) كان يريد ~~بقوله: "إن فيها لوطا" أن يصرف العذاب بأن فيها لوطا وإهلاك أهلها يشمله ~~فأجابوه بأنهم لا يخفى عليهم ذلك بل معه غيره ممن لا يشمله العذاب وهم أهله ~~إلا امرأته. # لكنه (عليه السلام) لم يكن ليجهل أن الله سبحانه لا يعذب لوطا وهو نبي ~~مرسل، وإن شمل العذاب جميع من سواه من أهل قريته ولا أنه يخوفه ويزعره ~~ويفزعه بقهره عليهم بل كان (عليه السلام) يريد بقوله: "إن فيها لوطا" أن ~~يصرف العذاب عن أهل القرية كرامة للوط لا أن يدفعه عن لوط، فأجيب بأنهم ~~مأمورون بإنجائه وإخراجه من بين أهل القرية ومعه أهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين. # والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى في سورة هود في هذا الموضع من ~~القصة: "فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب، يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود": هود: 76، فالآيات أظهر ما يكون في أن إبراهيم (عليه ~~السلام) كان يدافع عن قوم لوط لا عن لوط نفسه. # فظاهر كلامه (عليه السلام) في الآية التي ms6000 نحن فيها الدفاع عن لوط وعلى ~~ذلك جاراه الرسل فأبقوا كلامه على ظاهره وأجابوا بأنهم ما كانوا ليجهلوا ~~ذلك فهم أعلم بمن فيها وعالمون بأن فيها لوطا ومعه أهله ممن لا ينبغي أن ~~يعذب لكنهم سينجونه وأهله إلا امرأته، لكن الذي أراده إبراهيم (عليه ~~السلام) بكلامه دفع العذاب عن أهل القرية فأجيب بأنه من الأمر المحتوم على ~~ما تشير إليه آيات سورة هود. # وللقوم في قوله: "إن أهلها كانوا ظالمين"، وقوله: "قال إن فيها لوطا" ~~مشاجرات طويلة أعرضنا عن التعرض لها لعدم الجدوى، من أراد الوقوف عليها ~~فليراجع المطولات. # قوله تعالى: "ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا ~~تخف ولا تحزن" إلى آخر الآية، ضميرا الجمع في "سيء بهم وضاق بهم" للرسل ~~والباء للسببية أي أخذته المساءة وهي سوء الحال بسببهم وضاقت طاقته بسببهم ~~لكونهم في صور شبان حسان مرد يخاف عليهم من القوم ثم قصد القوم إياهم ~~بالسوء وضعف لوط من أن يدفعهم عنهم وهم ضيف له نازلون بداره. # وقوله: "وقالوا لا تخف ولا تحزن" أي لا خطر محتملا يهددك ولا مقطوعا يقع ~~عليك فإن الخوف إنما هو في المكروه الممكن والحزن في المكروه الواقع. # وقوله: "إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين" أي الباقين في ~~العذاب تعليل لنفي الخوف والحزن. # قوله تعالى: "إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون" بيان لما يشير إليه قوله: "إنا منجوك وأهلك" من العذاب، والرجز ~~العذاب. # قوله تعالى: "ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون" ضمير التأنيث للقرية ~~والترك الإبقاء أي أبقينا من القرية علامة واضحة لقوم يعقلون ليعتبروا بها ~~فيتقوا الله وهي الآثار الباقية منها بعد خرابها بنزول العذاب. PageV16P064 # وهي اليوم مجهولة المحل لا أثر منها وربما يقال: إن الماء غمرها بعد وهي ~~بحر لوط، لكن الآية ظاهرة - كما ترى - أنها كانت ظاهرة معروفة في زمن نزول ~~القرآن وأوضح منها قوله تعالى: "وإنها لبسبيل مقيم": الحجر: 76، وقوله: ~~"وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ms6001 وبالليل أفلا تعقلون": الصافات: 138. # قوله تعالى: "وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين" يدعوهم إلى عبادة الله وهو التوحيد ~~وإلى رجاء اليوم الآخر وهو الاعتقاد بالمعاد وأن لا يفسدوا في الأرض وكانت ~~عمدة إفسادهم فيها - على ما ذكر في قصتهم في مواضع أخر - نقص الميزان ~~والمكيال. # قوله تعالى: "فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" الرجفة ~~الاضطراب الشديد على ما ذكره الراغب، والجثم والجثوم في المكان القعود فيه ~~أو البروك على الأرض وهو كناية عن الموت والمعنى: فكذبوا شعيبا فأخذهم ~~الاضطراب الشديد أو الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم ميتين لا حراك بهم. # وقال في قصتهم في موضع آخر: "وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين": هود: 94، ويستظهر من ذلك أنهم أهلكوا بالصيحة والرجفة. # قوله تعالى: "وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم" إلى آخر الآية غير ~~السياق تفننا فبدأ بذكر عاد وثمود وكذا في الآية التالية بدأ بذكر قارون ~~وفرعون وهامان بخلاف قصص الأمم المذكورين سابقا حيث بدأ بذكر أنبيائهم كنوح ~~وإبراهيم ولوط وشعيب. # وقوله: "وعادا وثمود" منصوبان بفعل مقدر تقديره واذكر عادا وثمود. # وقوله: "وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين" ~~تزيين الشيطان لهم أعمالهم كناية استعارية عن تحبيب أعمالهم السيئة إليهم ~~وتأكيد تعلقهم بها وصده إياهم عن السبيل صرفهم عن سبيل الله التي هي سبيل ~~الفطرة، ولذا قال بعضهم: إن المراد بكونهم مستبصرين أنهم كانوا قبل ذلك على ~~الفطرة الساذجة. # لكن الظاهر كما تقدم في تفسير قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين": البقرة: 213 أن عهد الفطرة الساذجة كان قبل بعثة نوح (عليه ~~السلام) وعاد وثمود كانوا بعد نوح فكونهم مستبصرين قبل انصدادهم عن السبيل ~~هو كونهم يعيشون على عبادة الله ودين التوحيد وهو دين الفطرة. # قوله تعالى: "وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا ~~في الأرض وما كانوا سابقين" السبق استعارة كنائية من الغلبة، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فكلا أخذنا بذنبه" ms6002 إلى آخر الآية أي كل واحدة من الأمم ~~المذكورين أخذناها بذنبها ثم أخذ في التفصيل فقال: "فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا" والحاصب الحجارة وقيل: الريح التي ترمي بالحصى وعلى الأول فهم قوم ~~لوط، وعلى الثاني قوم عاد "ومنهم من أخذته الصيحة" وهم قوم ثمود وقوم شعيب ~~"ومنهم من خسفنا به الأرض" وهو قارون "ومنهم من أغرقنا" وهم قوم نوح وفرعون ~~وهامان وقومهما. # ثم عاد سبحانه إلى كافة القصص المذكورة وما انتهى إليه أمر تلك الأمم من ~~الأخذ والعذاب فبين ببيان عام أن الذي أوقعهم فيما وقعوا لم يكن بظلم منه ~~سبحانه بل بظلم منهم لأنفسهم فقال: "وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون" أي فيجازيهم الله على ظلمهم لأن الدار دار الفتنة والامتحان ~~وهي السنة الإلهية التي لا معدل عنها فمن اهتدى فقد اهتدى لنفسه ومن ضل ~~فعليها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في حديث يذكر فيه معاني الكفر قال: والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة قال ~~تعالى: "وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا - مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة - يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا" يعني يتبرأ ~~بعضكم من بعض الحديث. # أقول: وروي هذا المعنى في التوحيد، عن علي (عليه السلام): في حديث طويل ~~يجيب فيه عما سئل عنه من تهافت الآيات وفيه: والكفر في هذه الآية البراءة ~~يقول: يتبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: "إني كفرت ~~بما أشركتمون من قبل" وقول إبراهيم خليل الرحمن: "كفرنا بكم" أي تبرأنا". PageV16P065 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر: أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نهى عن الخذف وهو قول الله: "وتأتون في ناديكم المنكر". # أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن عدة من أصحاب الجوامع عن أم هاني بنت أبي ~~طالب ولفظ الحديث: قالت: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قول ~~الله: "وتأتون في ناديكم المنكر" قال: كانوا ms6003 يجلسون بالطريق فيخذفون ابن ~~السبيل ويسخرون منهم. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي زيد الحماد عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في حديث نزول الملائكة على إبراهيم بالبشرى قال: فقال لهم إبراهيم: لما ذا ~~جئتم؟ قالوا: في إهلاك قوم لوط. فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين ~~أتهلكونهم؟ فقال جبرئيل: لا. قال: فإن كان فيها خمسون؟ قال: لا. قال: فإن ~~كان فيها ثلاثون؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها عشرون؟ قال: لا. قال: فإن كان ~~فيها عشرة؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها خمسة؟ قال: لا. قال: فإن كان فيها ~~واحد؟ قال: لا. قال: فإن فيها لوطا؟ قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. # قال الحسن بن علي (عليهما السلام): لا أعلم هذا القول إلا وهو يستبقيهم ~~وهو قول الله عز وجل: "يجادلنا في قوم لوط". PageV16P066 ### ||| AUTO 29 سورة العنكبوت - 41 - 55 # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شىء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثل نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العلمون (43) خلق الله السموت والأرض بالحق إن فى ذلك لاية للمؤمنين (44) ~~اتل ما أوحى إليك من الكتب وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى ~~هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم وحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتب فالذين ~~ءاتينهم الكتب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بئايتنا إلا ~~الكفرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون (48) بل هو ءايت بينت فى صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بئايتنا ~~إلا الظلمون (49) وقالوا لو لا أنزل عليه ءايت من ربه قل إنما الايت عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ms6004 الكتب يتلى ~~عليهم إن فى ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بينى وبينكم ~~شهيدا يعلم ما فى السموت والأرض والذين ءامنوا بالبطل وكفروا بالله أولئك ~~هم الخسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب ~~وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكفرين (54) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما ~~كنتم تعملون (55) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات تذييلا لقصص أولئك الأمم الماضية الهالكة بمثل ضربه الله ~~سبحانه لاتخاذهم أولياء من دون الله فبين فيه أن بناءهم ذلك أوهن البناء ~~ينادي ببطلانه وفساده خلق السماوات والأرض وأنهم ليس لهم من دونه من ولي ~~كما يذكره هذا الكتاب. # ومن هنا ينتقل إلى أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلاوة هذا ~~الكتاب الذي أوحي إليه وإقامة الصلاة ودعوة أهل الكتاب بقول لين ومجادلة ~~حسناء ويجيب عن اقتراح المشركين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يأتيهم بآيات غير القرآن وأن يعجلهم بالعذاب الذي ينذرهم به. # قوله تعالى: "مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا" إلى آخر الآية، العنكبوت معروف ويطلق على الواحد والجمع ويذكر ويؤنث. # العناية في قوله: "مثل الذين اتخذوا" إلخ، باتخاذ الأولياء من دون الله ~~ولذا جيء بالموصول والصلة كما أن العناية في قوله: "كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا" إلى اتخاذها البيت فيئول المعنى إلى أن صفة المشركين في اتخاذهم من ~~دون الله أولياء كصفة العنكبوت في اتخاذها بيتا له نبأ، وهو الوصف الذي يدل ~~عليه تنكير "بيتا". # ويكون قوله: "إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" بيانا لصفة البيت الذي أخذته ~~العنكبوت ولم يقل: إن أوهن البيوت لبيتها كما هو مقتضى الظاهر أخذا للجملة ~~بمنزلة المثل السائر الذي لا يتغير. # والمعنى: أن اتخاذهم من دون الله أولياء وهم آلهتهم الذين يتولونهم ~~ويركنون إليهم كاتخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت إذ ليس له من آثار ~~البيت إلا اسمه لا يدفع حرا ولا بردا ولا يكن شخصا ولا يقي من مكروه ms6005 كذلك ~~ليس لولاية أوليائهم إلا الاسم فقط لا ينفعون ولا يضرون ولا يملكون موتا ~~ولا حياة ولا نشورا. PageV16P067 # ومورد المثل هو اتخاذ المشركين آلهة من دون الله، فتبديل الآلهة من ~~الأولياء لكون السبب الداعي لهم إلى اتخاذ الآلهة زعمهم أن لهم ولاية ~~لأمرهم وتدبيرا لشأنهم من جلب الخير إليهم ودفع الشر عنهم والشفاعة في حقهم. # والآية - مضافا إلى إيفاء هذه النكتة - تشمل بإطلاقها كل من اتخذ في أمر ~~من الأمور وشأن من الشئون وليا من دون الله يركن إليه ويراه مستقلا في أثره ~~الذي يرجوه منه وإن لم يعد من الأصنام إلا أن يرجع ولايته إلى ولاية الله ~~كولاية الرسول والأئمة والمؤمنين كما قال تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون": يوسف: 106. # وقوله: "لو كانوا يعلمون" أي لو كانوا يعلمون أن مثلهم كمثل العنكبوت ما ~~اتخذوهم أولياء. # كذا قيل. # قوله تعالى: "إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم" ~~يمكن أن يكون "ما" في "ما يدعون" موصولة أو نافية أو استفهامية أو مصدرية ~~و"من" في "من شيء" على الاحتمال الثاني زائدة للتأكيد وعلى الباقي للتبيين ~~وأرجح الاحتمالات الأولان وأرجحهما أولهما. # والمعنى: على الثاني أن الله يعلم أنهم ليسوا يدعون من دونه شيئا أي إن ~~الذي يعبدونه من الآلهة لا حقيقة له فيكون كما قال صاحب الكشاف توكيدا ~~للمثل وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا. # والمعنى: على الأول أن الله يعلم الشيء الذي يدعون من دونه ولا يجهل ذلك ~~فيكون كناية عن أن المثل الذي ضربه في محله، وليس لأوليائهم من الولاية إلا اسمها. # ويؤكد هذا المعنى الاسمان الكريمان: العزيز الحكيم في آخر الآية فهو ~~تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء فلا يشاركه في تدبير ملكه أحد كما لا ~~يشاركه في الخلق والإيجاد أحد، الحكيم الذي يأتي بالمتقن من الفعل والتدبير ~~فلا يفوض تدبير خلقه إلى أحد، وهذا كالتمهيد لما سيبين في قوله: "خلق الله ~~السماوات والأرض بالحق". # قوله تعالى: "وتلك الأمثال نضربها للناس ms6006 وما يعقلها إلا العالمون" يشير ~~إلى أن الأمثال المضروبة في القرآن على أنها عامة تقرع أسماع عامة الناس، ~~لكن الإشراف على حقيقة معانيها ولب مقاصدها خاصة لأهل العلم ممن يعقل حقائق ~~الأمور ولا ينجمد على ظواهرها. # والدليل على هذا المعنى قوله: "وما يعقلها" دون أن يقول: وما يؤمن بها أو ~~ما في معناه. # فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقيها باختلاف أفهامهم ~~فمن سامع لا حظ له منها إلا تلقي ألفاظها وتصور مفاهيمها الساذجة من غير ~~تعمق فيها وسبر لأغوارها، ومن سامع يتلقى بسمعه ما يسمعه هؤلاء ثم يغور في ~~مقاصدها العميقة ويعقل حقائقها الأنيقة. # وفيه تنبيه على أن تمثيل اتخاذهم أولياء من دون الله باتخاذ العنكبوت ~~بيتا هو أوهن البيوت ليس مجرد تمثيل شعري ودعوى خالية من البينة بل متك على ~~حجة برهانية وحقيقة حقة ثابتة وهي التي تشير إليه الآية التالية. # قوله تعالى: "خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين" ~~المراد بكون خلق السماوات والأرض بالحق نفي اللعب في خلقها، كما قال تعالى: ~~"وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون": الدخان: 39. # فخلق السماوات والأرض على نظام ثابت لا يتغير وسنة إلهية جارية لا تختلف ~~ولا تتخلف، والخلق والتدبير لا يختلفان حقيقة ولا ينفك أحدهما عن الآخر، ~~وإذ كان الخلق والصنع ينتهي إليه تعالى انتهاء ضروريا ولا محيص فالتدبير ~~أيضا له ولا محيص وما من شيء غيره تعالى إلا وهو مخلوقة القائم به المملوك ~~له لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ومن المحال قيامه بشيء من تدبير أمر نفسه ~~أو غيره بحيث يستقل به مستغنيا في أمره عنه تعالى هذا هو الحق الذي لا لعب ~~فيه والجد الذي لا هزل فيه. # فلما تولى بعض خلقه أمر بعض لم يكن ذلك منه ولاية حق لكونه لا يملك شيئا ~~بحقيقة معنى الملك بل كان ذلك منه جاريا على اللعب وتفويضه تعالى أمر ~~التدبير إليه لعبا منه تعالى وتقدس ms6007 إذ ليس إلا فرضا لا حقيقة له ووهما لا ~~واقع له وهو معنى اللعب. # ومنه يظهر أن ولاية من يدعون ولايته ليس لها إلا اسم الولاية من غير مسمى ~~كما أن بيت العنكبوت كذلك. PageV16P068 # وقوله: "إن في ذلك لآية للمؤمنين" تخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الآية لهم ~~ولغيرهم لكون المنتفعين بها هم المؤمنون دون غيرهم. # قوله تعالى: "اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر" إلخ، لما ذكر إجمال قصص الأمم وما انتهى ~~إليه شركهم وارتكابهم الفحشاء والمنكر من الشقاء اللازم والخسران الدائم ~~انتقل من ذلك - مستأنفا للكلام - إلى أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بتلاوة ما أوحي إليه من الكتاب لكونه خير رادع عن الشرك وارتكاب الفحشاء ~~والمنكر بما فيه من الآيات البينات التي تتضمن حججا نيرة على الحق وتشتمل ~~على القصص والعبر والمواعظ والتبشير والإنذار والوعد والوعيد يرتدع بتلاوة ~~آياته تاليه ومن سمعه. # وشفعه بالأمر بإقامة الصلاة التي هي خير العمل وعلل ذلك بقوله: "إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" والسياق يشهد أن المراد بهذا النهي ردع ~~طبيعة العمل عن الفحشاء والمنكر بنحو الاقتضاء دون العلية التامة. # فلطبيعة هذا التوجه العبادي - إذ أتى به العبد وهو يكرره كل يوم خمس مرات ~~ويداوم عليه وخاصة إذا زاول عليه في مجتمع صالح يؤتى فيه بمثل ما أتى به ~~ويهتم فيه بما اهتم - به أن يردعه عن كل معصية كبيرة يستشنعه الذوق الديني ~~كقتل النفس عدوانا وأكل مال اليتيم ظلما والزنا واللواط، وعن كل ما ينكره ~~الطبع السليم والفطرة المستقيمة ردعا جامعا بين التلقين والعمل. # وذلك أنه يلقنه أولا بما فيه من الذكر الإيمان بوحدانيته تعالى والرسالة ~~وجزاء يوم الجزاء وأن يخاطب ربه بإخلاص العبادة والاستعانة به وسؤال ~~الهداية إلى صراطه المستقيم متعوذا من غضبه ومن الضلال، ويحمله ثانيا على ~~أن يتوجه بروحه وبدنه إلى ساحة العظمة والكبرياء ويذكر ربه بحمده والثناء ~~عليه وتسبيحه وتكبيره ثم السلام على نفسه وأترابه وجميع الصالحين ms6008 من عباد الله. # مضافا إلى حمله إياه على التطهر من الحدث والخبث في بدنه والطهارة في ~~لباسه والتحرز عن الغصب في لباسه ومكانه واستقبال بيت ربه فالإنسان لو داوم ~~على صلاته مدة يسيرة واستعمل في إقامتها بعض الصدق أثبت ذلك في نفسه ملكة ~~الارتداع عن الفحشاء والمنكر البتة، ولو أنك وكلت على نفسك من يربيها تربية ~~صالحة تصلح بها لهذا الشأن وتتحلى بأدب العبودية لم يأمرك بأزيد مما تأمرك ~~به الصلاة ولا روضك بأزيد مما تروضك به. # وقد استشكل على الآية بأنا كثيرا ما نجد من المصلين من لا يبالي ارتكاب ~~الكبائر ولا يرتدع عن المنكرات فلا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر. # ولذلك ذكر بعضهم أن الصلاة في الآية بمعنى الدعاء والمراد الدعوة إلى أمر ~~الله والمعنى: أقم الدعوة إلى أمر الله فإن ذلك يردع الناس عن الفحشاء ~~والمنكر. # وفيه أنه صرف الكلام عن ظاهره. # وذكر آخرون أن الصلاة في الآية في معنى النكرة والمعنى أن بعض أنواع ~~الصلاة أو أفرادها يوجب الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وهو كذلك وليس المراد ~~الاستغراق حتى يرد الإشكال. # وذكر قوم أن المراد نهيها عن الفحشاء والمنكر ما دامت قائمة والمصلي في ~~صلاته كأنه قيل: إن المصلي ما دام مصليا في شغل من معصية الله بإتيان ~~الفحشاء والمنكر. # وقال بعضهم: إن الآية على ظاهرها والصلاة بمنزلة من ينهى ويقول: لا تفعل ~~كذا ولا تقترف كذا لكن النهي لا يستوجب الانتهاء فليس نهي الصلاة بأعظم من ~~نهيه تعالى كما في قوله: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر": النحل: 90، ونهيه تعالى لا يستوجب الانتهاء ~~وليس الإشكال إلا مبنيا على توهم استلزام النهي للانتهاء وهو توهم باطل. # وعن بعضهم في دفع الإشكال أن الصلاة تقام لذكر الله كما قال تعالى: "أقم ~~الصلاة لذكري" ومن كان ذاكرا لله تعالى منعه ذلك عن الإتيان بما يكرهه وكل ~~من تراه يصلي ويأتي بالفحشاء والمنكر فهو بحيث لو لم يصل لكان أشد إتيانا ~~فقد أثرت الصلاة ms6009 في تقليل فحشائه ومنكره. PageV16P069 # وأنت خبير بأن شيئا من هذه الأجوبة لا يلائم سياق الحكم والتعليل في الآية ~~فإن الذي يعطيه السياق أن الأمر بإقامة الصلاة إنما علل بقوله: "إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر" ليفيد أن الصلاة عمل عبادي يورث إقامته صفة روحية ~~في الإنسان تكون رادعة له عن الفحشاء والمنكر فتتنزه النفس عن الفحشاء ~~والمنكر وتتطهر عن قذارة الذنوب والآثام. # فالمراد به التوسل إلى ملكة الارتداع التي هي من آثار طبيعة الصلاة بنحو ~~الاقتضاء لا أنها أثر بعض أفراد طبيعة الصلاة كما في الجواب الثاني، ولا ~~أنها أثر الاشتغال بالصلاة ما دام مشتغلا بها كما في الجواب الثالث، ولا أن ~~المراد هو التوسل إلى تلقي نهي الصلاة فحسب من غير نظر إلى الانتهاء عن ~~نهيها كأنه قيل أقم الصلاة لتسمع نهيها كما في الجواب الرابع، ولا أن ~~المراد أقم الصلاة لينهاك الذكر الذي تشتمل عليه عن الفحشاء والمنكر كما في ~~الجواب الخامس. # فالحق في الجواب أن الردع أثر طبيعة الصلاة التي هي توجه خاص عبادي إلى ~~الله سبحانه وهو بنحو الاقتضاء دون الاستيجاب والعلية التامة فربما تخلف عن ~~أثرها لمقارنة بعض الموانع التي تضعف الذكر وتقربه من الغفلة والانصراف عن ~~حاق الذكر فكلما قوي الذكر وكمل الحضور والخشوع وتمحض الإخلاص زاد أثر ~~الردع عن الفحشاء والمنكر وكلما ضعف ضعف الأثر. # وأنت إذا تأملت حال بعض من تسمى بالإسلام من الناس وهو تارك الصلاة وجدته ~~يضيع بإضاعة الصلاة فريضة الصوم والحج والزكاة والخمس وعامة الواجبات ~~الدينية ولا يفرق بين طاهر ونجس وحلال وحرام فيذهب لوجهه لا يلوي على شيء ~~ثم إذا قست إليه حال من يأتي بأدنى مراتب الصلاة مما يسقط به التكليف، ~~وجدته مرتدعا عن كثير مما يقترفه تارك الصلاة غير مكترث به ثم إذا قست إليه ~~من هو فوقه في الاهتمام بأمر الصلاة وجدته أكثر ارتداعا منه وعلى هذا ~~القياس. # وقوله: "ولذكر الله أكبر" قال الراغب في المفردات:، الذكر تارة يقال ~~ويراد به هيئة للنفس بها يمكن ms6010 للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو ~~كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه والذكر يقال اعتبارا باستحضاره. # وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول ولذلك قيل: الذكر ذكران ذكر عن ~~نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر. # انتهى. # والظاهر أن الأصل في معناه هو المعنى الأول وتسمية اللفظ ذكرا إنما هو ~~لاشتماله على المعنى القلبي والذكر القلبي بالنسبة إلى اللفظي كالأثر ~~المترتب على سببه والغاية المقصودة من الفعل. # والصلاة تسمى ذكرا لاشتمالها على الأذكار القولية من تهليل وتحميد وتنزيه ~~وهي باعتبار آخر مصداق من مصاديق الذكر لأنها بمجموعها ممثل لعبودية العبد ~~لله سبحانه كما قال: "إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله": ~~الجمعة: 9، وهي باعتبار آخر أمر يترتب عليه الذكر ترتب الغاية على ذي ~~الغاية يشير إليه قوله تعالى: "وأقم الصلاة لذكري": طه: 14. # والذكر الذي هو غاية مترتبة على الصلاة أعني الذكر القلبي بمعنى استحضار ~~المذكور في ظرف الإدراك بعد غيبته نسيانا أو إدامة استحضاره، أفضل عمل ~~يتصور صدوره عن الإنسان وأعلاه كعبا وأعظمه قدرا وأثرا فإنه السعادة ~~الأخيرة التي هيئت للإنسان ومفتاح كل خير. # ثم إن الظاهر من سياق قوله: "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر" إن قوله: "ولذكر الله أكبر" متصل به مبين لأثر آخر للصلاة وهو ~~أكبر مما بين قبله، فيقع قوله: "ولذكر الله أكبر" موقع الإضراب والترقي ~~ويكون المراد الذكر القلبي الذي يترتب على الصلاة ترتب الغاية على ذي ~~الغاية فكأنه قيل: أقم الصلاة لتردعك عن الفحشاء والمنكر بل الذي تفيده من ~~ذكر الله الحاصل بها أكبر من ذلك أي من النهي عن الفحشاء والمنكر لأنه أعظم ~~ما يناله الإنسان من الخير وهو مفتاح كل خير والنهي عن الفحشاء والمنكر بعض الخير. # ومن المحتمل أن يراد بالذكر ما تشتمل عليه الصلاة من الذكر أو نفس ~~الصلاة. PageV16P070 # والجملة أيضا واقعة موقع الإضراب، والمعنى: بل الذي تشتمل عليه الصلاة من ~~ذكر الله أو نفس ms6011 الصلاة التي هي ذكر الله أكبر من هذا الأثر الذي هو النهي ~~عن الفحشاء والمنكر لأن النهي أثر من آثارها الحسنة و"ذكر الله" على ~~الاحتمالين جميعا من المصدر المضاف إلى مفعوله والمفضل عليه لقوله: "أكبر" ~~هو النهي عن الفحشاء والمنكر. # ولهم في معنى الذكر وكون المضاف إليه فاعلا أو مفعولا للمصدر وكون المفضل ~~عليه خاصا أو عاما أقوال أخر. # فقيل: معنى الآية: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله تعالى وذلك أن ~~الله تعالى يذكر من ذكره لقوله: "فاذكروني أذكركم": البقرة: 152، وقيل: ~~المعنى: ذكر الله تعالى العبد أكبر من الصلاة، وقيل: المعنى: لذكر الله ~~العبد أكبر من كل شيء. # وقيل: المعنى: لذكر العبد لله في الصلاة أكبر من سائر أركان الصلاة، ~~وقيل: المعنى: لذكر العبد لله في الصلاة أكبر من ذكره خارج الصلاة، وقيل: ~~المعنى: لذكر العبد لله أكبر من سائر أعماله، وقيل: المعنى: للصلاة أكبر من ~~سائر الطاعات وقيل: المعنى: لذكر العبد لله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه ~~عنهما أكبر من زجر الصلاة وردعها، وقيل: إن قوله: "أكبر" معرى من معنى ~~التفضيل لا يحتاج إلى مفضل عليه كقوله: "ما عند الله خير من اللهو". # فهذه أقوال لهم متفرقة أغمضنا عن البحث عما فيها إيثارا للاختصار، ~~والتدبر في الآية يكفي مئونة البحث على أن التحكم في بعضها ظاهر لا يخفى. # وقوله: "والله يعلم ما تصنعون" أي ما تفعلونه من خير أو شر فعليكم أن ~~تراقبوه ولا تغفلوا عنه ففيه حث وتحريض على المراقبة وخاصة على القول الأول. # قوله تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم" لما أمر في قوله: "اتل ما أوحي إليك" إلخ، بالتبليغ والدعوة من طريق ~~تلاوة الكتاب عقبه ببيان كيفية الدعوة فنهى عن مجادلة أهل الكتاب وهم على ~~ما يقتضيه الإطلاق اليهود والنصارى ويلحق بهم المجوس والصابئون - إلا ~~بالمجادلة - التي هي أحسن المجادلة. # والمجادلة إنما تحسن إذا لم تتضمن إغلاظا وطعنا وإهانة، فمن حسنها أن ~~تقارن رفقا ولينا في القول ms6012 لا يتأذى به الخصم وأن يقترب المجادل من خصمه ~~ويدنو منه حتى يتفقا ويتعاضدا لإظهار الحق من غير لجاج وعناد فإذا اجتمع ~~فيها لين الكلام والاقتراب بوجه زادت حسنا على حسن فكانت أحسن. # ولهذا لما نهى عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن استثنى منه الذين ظلموا ~~منهم، فإن المراد بالظلم بقرينة السياق كون الخصم بحيث لا ينفعه الرفق ~~واللين والاقتراب في المطلوب بل يتلقى حسن الجدال نوع مذلة وهوان للمجادل ~~ويعتبره تمويها واحتيالا لصرفه عن معتقده فهؤلاء الظالمون لا ينجح معهم ~~المجادلة بالأحسن. # ولهذا أيضا عقب الكلام ببيان كيفية الاقتراب معهم وبناء المجادلة على ~~كلمة يجتمع فيها الخصمان فيتقاربان معه ويتعاضدان على ظهور الحق فقال: ~~"وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون" والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ~~ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون" أي على تلك الصفة وهي ~~الإسلام لله وتصديق كتبه ورسله أنزلنا إليك القرآن. # وقيل: المعنى: مثل ما أنزلنا إلى موسى وعيسى الكتاب أنزلنا إليك الكتاب ~~وهو القرآن. # فقوله: "فالذين آتيناهم الكتاب" إلخ، تفريع على نحو نزول الكتاب أي لما ~~كان القرآن نازلا في الإسلام لله وتصديق كتبه ورسله فأهل الكتاب يؤمنون به ~~بحسب الطبع لما عندهم من الإيمان بالله وتصديق كتبه ورسله، ومن هؤلاء وهم ~~المشركون من عبدة الأوثان من يؤمن به وما يجحد بآياتنا ولا ينكرها من أهل ~~الكتاب وهؤلاء المشركين إلا الكافرون وهم الساترون للحق بالباطل. # وقد احتمل أن يكون المراد بالذين آتيناهم الكتاب المسلمين والمشار إليه ~~بهؤلاء أهل الكتاب وهو بعيد، ومثله في البعد إرجاع الضمير في "يؤمن به" إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي قوله: "ومن هؤلاء من يؤمن به" نوع استقلال لمن آمن به من المشركين. PageV16P071 # قوله تعالى: "وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون" التلاوة هي القراءة سواء كانت عن حفظ أو عن كتاب مخطوط ms6013 والمراد ~~به في الآية الثاني بقرينة المقام، والخط الكتابة، والمبطلون جمع مبطل وهو ~~الذي يأتي بالباطل من القول، ويقال أيضا للذي يبطل الحق أي يدعي بطلانه، ~~والأنسب في الآية المعنى الثاني وإن جاز أن يراد المعنى الأول. # وظاهر التعبير في قوله: "وما كنت تتلوا" إلخ، نفي العادة أي لم يكن من ~~عادتك أن تتلو وتخط كما يدل عليه قوله في موضع آخر: "فقد لبثت فيكم عمرا من ~~قبله": يونس: 16. # وقيل المراد به نفي القدرة أي ما كنت تقدر أن تتلو وتخط من قبله والوجه ~~الأول أنسب بالنسبة إلى سياق الحجة وقد أقامها لتثبيت حقية القرآن ونزوله ~~من عنده. # وتقييد قوله: "ولا تخطه" بقوله: "بيمينك" نوع من التمثيل يفيد التأكيد ~~كقول القائل: رأيته بعيني وسمعته بأذني. # والمعنى: وما كان من عادتك قبل نزول القرآن أن تقرأ كتابا ولا كان من ~~عادتك أن تخط كتابا وتكتبه - أي ما كنت تحسن القراءة والكتابة لكونك أميا - ~~ولو كان كذلك لارتاب هؤلاء المبطلون الذين يبطلون الحق بدعوى أنه باطل لكن ~~لما لم تحسن القراءة والكتابة واستمرت على ذلك وعرفوك على هذه الحال ~~لمخالطتك لهم ومعاشرتك معهم لم يبق محل ريب لهم في أمر القرآن النازل إليك ~~أنه كلام الله تعالى وليس تلفيقا لفقته من كتب السابقين ونقلته من أقاصيصهم ~~وغيرهم حتى يرتاب المبطلون ويعتذروا به. # قوله تعالى: "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد ~~بآياتنا إلا الظالمون" إضراب عن مقدر يستفاد من الآية السابقة كأنه لما نفى ~~عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) التلاوة والخط معا تحصل من ذلك أن القرآن ~~ليس بكتاب مؤلف مخطوط فأضرب عن هذا المقدر بقوله: "بل هو - أي القرآن - ~~آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم". # وقوله: "وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون" المراد بالظلم بقرينة المقام ~~الظلم لآيات الله بتكذيبها والاستكبار عن قبولها عنادا وتعنتا. # قوله تعالى: "وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين" لما ذكر ms6014 الكتاب وأمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يتلوه ويدعوهم إليه به وأن منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~وهم الكافرون الظالمون أشار في هذه الآية والآيتين بعدها إلى عدم اعتنائهم ~~بالقرآن الذي هو آية النبوة واقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يأتيهم بآيات غيره والجواب عنه. # فقوله: "وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه" اقتراح منهم أن يأتيهم ~~بآيات غير القرآن تعريضا منهم أنه ليس بآية وزعما منهم أن النبي يجب أن ~~يكون ذا قوة إلهية غيبية يقوى على كل ما يريد، وفي قولهم: لو لا أنزل عليه، ~~دون أن يقولوا: لو لا يأتينا بآيات نوع سخرية كقولهم: "يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين": الحجر: 7. # وقوله: "قل إنما الآيات عند الله" جواب عن زعمهم أن من يدعي الرسالة يدعي ~~قوة غيبية يقدر بها على كل ما أراد بأن الآيات عند الله ينزلها متى ما أراد ~~وكيفما شاء لا يشاركه في القدرة عليها غيره فليس إلى النبي شيء إلا أن يشاء ~~الله ثم زاده بيانا بقصر شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإنذار ~~فحسب بقوله: "إنما أنا نذير مبين". # قوله تعالى: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم" إلى آخر ~~الآية توطئة وتمهيد للجواب عن تعريضهم بالقرآن أنه ليس بآية، والاستفهام ~~للإنكار والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي يكفيهم آية هذا الكتاب ~~الذي أنزلناه عليك وهو يتلى عليهم فيسمعونه ويعرفون مكانته من الإعجاز وهو ~~مملو رحمة وتذكرة للمؤمنين. # قوله تعالى: "قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا" إلقاء جواب إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ليجيبهم به وهو أن الله سبحانه شهيد بيني وبينكم فيما ~~نتخاصم فيه وهو أمر الرسالة فإنه سبحانه يشهد في كلامه الذي أنزله علي ~~برسالتي وهو تعالى يعلم ما في السماوات والأرض من غير أن يجهل شيئا وكفى ~~بشهادته لي دليلا على دعواي. ms6015 PageV16P072 # وليس لهم أن يقولوا إنه ليس بكلام الله لمكان تحديه مرة بعد مرة في خلال ~~الآيات ومنه يعلم أن قوله: "قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا" ليس دعوى ~~مجردة أو كلاما خطابيا بل هو بيان استدلالي وحجة قاطعة على ما عرفت. # وقوله: "والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون" قصر ~~الخسران فيهم لعدم إيمانهم بالله بالكفر بكتابه الذي فيه شهادته على ~~الرسالة وهم بكفرهم بالله الحق يؤمنون بالباطل ولذلك خسروا في إيمانهم. # قوله تعالى: "ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب ~~وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون" إشارة إلى قولهم كقول متقدميهم: ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصادقين، وقد حكى الله عنهم استعجالهم في قوله: "ولئن ~~أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه": هود: 8. # والمراد بالأجل المسمى هو الذي قضاه لبني آدم حين أهبط آدم إلى الأرض ~~فقال: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36، وقال: "ولكل أمة ~~أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": الأعراف: 34. # وهذا العذاب الذي يحول بينه وبينهم الأجل المسمى هو الذي يستحقونه لمطلق ~~أعمالهم السيئة كما قال عز من قائل: "وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا": الكهف: 58، ~~ولا ينافي ذلك تعجيل العذاب بنزول الآيات المقترحة على الرسول من غير إمهال ~~وإنظار، قال تعالى: "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون": ~~إسراء: 59. # قوله تعالى: "يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، يوم يغشاهم ~~العذاب" إلى آخر الآية، تكرار "يستعجلونك" للدلالة على كمال جهلهم وفساد ~~فهمهم وأن استعجالهم استعجال لأمر مؤجل لا معجل أولا واستعجال لعذاب واقع ~~لا صارف له عنهم لأنهم مجزيون بأعمالهم التي لا تفارقهم ثانيا. # والغشاوة والغشاية التغطية بنحو الإحاطة، وقوله: "يوم يغشاهم" ظرف لقوله: ~~"محيطة" والباقي ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "وما يعقلها إلا العالمون": روى الواحدي ~~بالإسناد عن جابر قال: تلا النبي (صلى الله عليه وآله ms6016 وسلم) هذه الآية ~~وقال: العالم الذي يعقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه. # وفيه،: في قوله تعالى: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر": روى أنس بن ~~مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا: أقول: ورواه في الدر المنثور، عن عمران ~~بن الحصين وابن مسعود وابن عباس وابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ورواه القمي في تفسيره مضمرا مرسلا. # وفيه، وأيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا صلاة لمن لم تطع ~~الصلاة وطاعة الصلاة أن تنتهي عن الفحشاء والمنكر: أقول: ورواه في الدر ~~المنثور، عن ابن مسعود وغيره. # وفيه، وروى أنس: أن فتى من الأنصار كان يصلي الصلوات مع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ويرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: إن صلاته تنهاه يوما ما. # وفيه، روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أحب أن يعلم ~~قبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما ~~منعته قبلت صلاته. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولذكر الله أكبر": في رواية أبي ~~الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "ولذكر الله أكبر" يقول: ذكر ~~الله لأهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه ألا ترى أنه يقول: "اذكروني أذكركم". # أقول: وهذا أحد المعاني التي تقدم نقلها. # وفي نور الثقلين، عن مجمع البيان، وروى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: ذكر الله عند ما أحل وحرم. # وفيه، عن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي ~~الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل. # وفيه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا معاذ إن السابقين الذين يسهرون ~~بذكر الله عز وجل ومن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله عز وجل. # وفي الكافي، بإسناده عن ms6017 العبدي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" قال: هم ~~الأئمة. PageV16P073 # أقول: وهذا المعنى مروي في الكافي، وفي بصائر الدرجات، بعدة طرق: وهو من ~~الجري بمعنى انطباق الآية على أكمل المصاديق بدليل الرواية الآتية. # وفي البصائر، بإسناده عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قلت له: "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" فقال: أنتم هم من ~~عسى أن يكونوا؟. # وفي الدر المنثور، أخرج الإسماعيلي في معجمه وابن مردويه من طريق يحيى بن ~~جعدة عن أبي هريرة قال: كان ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يكتبون من التوراة فذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال: إن أحمق الحمق وأضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم إلى نبي غير ~~نبيهم وإلى أمة غير أمتهم ثم أنزل الله: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم" الآية. # وفيه، أخرج ابن عساكر عن ابن أبي مليكة قال: أهدى عبد الله بن عامر بن ~~كريز إلى عائشة هدية فظنت أنه عبد الله بن عمر فردتها وقالت: يتتبع الكتب ~~وقد قال الله: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم" فقيل لها: ~~إنه عبد الله بن عامر فقبلها. # أقول: ظاهر الروايتين وخاصة الأولى الآية في بعض الصحابة وسياق الآيات ~~يأبى ذلك. PageV16P074 ### ||| AUTO 29 سورة العنكبوت - 56 - 60 # يعبادى الذين ءامنوا إن أرضى وسعة فإيى فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ~~ثم إلينا ترجعون (57) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنبوئنهم من الجنة غرفا ~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها نعم أجر العملين (58) الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو ~~السميع العليم (60) ### |||| AUTO بيان # لما استفرغ الكلام في توبيخ من ارتد عن دينه من المؤمنين خوف الفتنة عطف ~~الكلام على بقية المؤمنين ممن استضعفه المشركون بمكة وكانوا يهددونهم ~~بالفتنة والعذاب فأمرهم أن يصبروا ويتوكلوا على ms6018 ربهم وأن يهاجروا منها إن ~~أشكل عليهم أمر الدين وإقامة فرائضه، وأن لا يخافوا أمر الرزق فإن الرزق ~~على الله سبحانه وهو يرزقهم إن ارتحلوا وهاجروا كما كان يرزقهم في مقامهم. # قوله تعالى: "يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون" توجيه ~~للخطاب إلى المؤمنين الذين وقعوا في أرض الكفر لا يقدرون على التظاهر ~~بالدين الحق والاستنان بسنته ويدل على ذلك ذيل الآية. # وقوله: "إن أرضي واسعة" الذي يظهر من السياق أن المراد بالأرض هذه الأرض ~~التي نعيش عليها وإضافتها إلى ضمير التكلم للإشارة إلى أن جميع الأرض لا ~~فرق عنده في أن يعبد في أي قطعة منها كانت، ووسعة الأرض كناية عن أنه إن ~~امتنع في ناحية من نواحيها أخذ الدين الحق والعمل به فهناك نواح غيرها لا ~~يمتنع فيها ذلك فعبادته تعالى وحده ليست بممتنعة على أي حال. # وقوله: "فإياي فاعبدون" الفاء الأولى للتفريع على سعة الأرض أي إذا كان ~~كذلك فاعبدوني وحدي والفاء الثانية فاء الجزاء للشرط المحذوف المدلول عليه ~~بالكلام والظاهر أن تقديم "إياي" لإفادة الحصر فيكون قصر قلب والمعنى: لا ~~تعبدوا غيري بل اعبدوني، وقوله: "فاعبدون" قائم مقام الجزاء. # ومحصل المعنى: أن أرضي واسعة إن امتنع عليكم عبادتي في ناحية منها تسعكم ~~لعبادتي أخرى منها فإذا كان كذلك فاعبدوني وحدي ولا تعبدوا غيري فإن لم ~~يمكنكم عبادتي في قطعة منها فهاجروا إلى غيرها واعبدوني وحدي فيها. # قوله تعالى: "كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون" الآية تأكيد للأمر ~~السابق في قوله: "فإياي فاعبدون" وكالتوطئة لقوله الآتي: "الذين صبروا" إلخ. # وقوله: "كل نفس ذائقة الموت" من الاستعارة بالكناية والمراد أن كل نفس ~~ستموت لا محالة، والالتفات في قوله: "ثم إلينا ترجعون" من سياق التكلم وحده ~~إلى سياق التكلم مع الغير للدلالة على العظمة. # ومحصل المعنى: أن الحياة الدنيا ليست إلا أياما قلائل والموت وراءه ثم ~~الرجوع إلينا للحساب فلا يصدنكم زينة الحياة الدنيا - وهي زينة فانية - عن ~~التهيؤ للقاء الله بالإيمان والعمل ففيه السعادة الباقية ms6019 وفي الحرمان منه ~~هلاك مؤبد مخلد. # قوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا" إلخ، ~~بيان لأجر الإيمان والعمل الصالح بعد الموت والرجوع إلى الله وفيه حث ~~وترغيب للمؤمنين على الصبر في الله والتوكل على الله، والتبوئة الإنزال على ~~وجه الإقامة، والغرف جمع غرفة وهي في الدار، العلية العالية. # وقد بين تعالى أولا ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم سماهم عاملين إذ ~~قال: "نعم أجر العاملين" ثم فسر العاملين بقوله: "الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون" فعاد بذلك الصبر والتوكل سمة خاصة للمؤمنين فدل بذلك كله أن ~~المؤمن إنما يرضى عن إيمانه إذا صبر في الله وتوكل عليه، فعلى المؤمن أن ~~يصبر في الله على كل أذى وجفوة ما يجد إلى العيشة الدينية سبيلا فإذا تعذرت ~~عليه إقامة مراسم الدين في أرضه فليخرج وليهاجر إلى أرض غيرها وليصبر على ~~ما يصيبه من التعب والعناء في الله. # قوله تعالى: "الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون" وصف للعالمين، والصبر أعم ~~من الصبر عند المصيبة والصبر على الطاعة والصبر على المعصية، وإن كان ~~المورد مورد الصبر عند المصيبة فهو المناسب لحال المؤمنين بمكة المأمورين ~~بالهجرة. PageV16P075 # قوله تعالى: "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم" كأين للتكثير، وحمل الرزق هو ادخاره كما يفعله الإنسان والنمل ~~والفأر والنحل من سائر الحيوان. # وفي الآية تطييب لنفس المؤمنين وتقوية لقلوبهم أنهم لو هاجروا في الله ~~أتاهم رزقهم أينما كانوا ولا يموتون جوعا فرازقهم ربهم دون أوطانهم، يقول: ~~وكثير من الدواب لا رزق مدخر لها يرزقها الله ويرزقكم معاشر الآدميين الذين ~~يدخرون الأرزاق وهو السميع العليم. # وفي تذييل الآية بالاسمين الكريمين السميع العليم إشارة إلى الحجة على ~~مضمونها وهو أن الإنسان وسائر الدواب محتاجون إلى الرزق يسألون الله ذلك ~~بلسان حاجتهم إليه والله سبحانه سميع للدعاء عليم بحوائج خلقه ومقتضى ~~الاسمين الكريمين أن يرزقهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "يا ms6020 عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة" يقول: لا تطيعوا أهل ~~الفسق من الملوك فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة، وهو ~~يقول: "فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض" فقال: "ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها". # وفي المجمع:، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): معناه إذا عصي الله في ~~أرض أنت بها فاخرج منها إلى غيرها. # وفي العيون، بإسناده إلى الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لما نزلت "إنك ميت وإنهم ميتون" قلت: يا رب أيموت ~~الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء؟ فنزلت "كل نفس ذائقة الموت": أقول: ورواه ~~أيضا في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن علي، ولا يخلو متنه عن شيء فإن ~~قوله: "إنك ميت وإنهم ميتون" يخبر عن موته (صلى الله عليه وآله وسلم) وموت ~~سائر الناس، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم أن الأنبياء المتقدمين ~~عليه ماتوا فلا معنى لقوله: أيموت الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء. # وفي الجمع، عن عطاء عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) حتى دخلنا بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل فقال ~~لي: يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله. قال: أنا ~~أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك ~~كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف ~~اليقين فوالله ما برحنا حتى نزلت "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم - وهو السميع العليم" أقول: وقد روى الرواية في الدر المنثور، وضعف ~~سندها وهي مع ذلك لا تلائم وقوع الآية في سياق ما تقدمها. PageV16P076 ### ||| AUTO 29 سورة العنكبوت - 61 - 69 # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شىء ~~عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا ms6021 به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحيوة الدنيا ~~إلا لهو ولعب وإن الدار الاخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ~~ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون (65) ليكفروا بما ءاتينهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالبطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس ~~فى جهنم مثوى للكفرين (68) والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين (69) ### |||| AUTO بيان # الآيات تصرف الخطاب عن المؤمنين إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~في المعنى خطاب عام يشمل الجميع وإن كان في اللفظ خاصا به (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لأن الحجج المذكورة فيها مما يناله الجميع. # والآيات تذكر مناقضات في آراء المشركين فيما ألقي في الفصل السابق على ~~المؤمنين فآمنوا به فإنهم يعترفون أن خالق السماوات والأرض ومدبر الشمس ~~والقمر - وعليهما مدار الأرزاق - هو الله وأن منزل الماء من السماء ومحيي ~~الأرض بعد موتها هو الله سبحانه ثم يدعون غيره ليرزقهم وهم يعبدونه تعالى ~~إذا ركبوا البحر ثم إذا أنجاهم عبدوا غيره ويقيمون في حرم آمن وهو نعمة لهم ~~فيؤمنون بالباطل ويجحدون الحق ويكفرون بنعمة الله. # وما ختمت به السورة من قوله: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" يلائم ~~ما في مفتتح السورة "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ~~إلى أن قال - ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه" إلخ. # قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون". # خلق السماوات والأرض من الإيجاد وتسخير الشمس والقمر - وذلك بتحويل ~~حالاتهما بالطلوع والغروب والقرب والبعد من الأرض - من التدبير الذي يتفرع ~~عليه كينونة أرزاق الإنسان وسائر الحيوان وهذا الخلق والتدبير لا ينفك ~~أحدهما عن الآخر فمن اعترف بأحدهما فليعترف بالآخر. # وإذا كان الله هو الخالق وبيده تدبير السماوات ويتبعه ms6022 تدبير الأرض ~~وكينونة الأرزاق كان هو الذي يجب أن يدعى للرزق وسائر التدبير فمن العجب ~~حينئذ أن يصرف عنه الإنسان إلى غيره ممن لا يملك شيئا وهو قوله: "فأنى ~~يؤفكون" أي فإذا كان الخلق وتدبير الشمس والقمر إليه تعالى فكيف يصرف هؤلاء ~~إلى دعوة غيره من الأصنام وعبادته. # قوله تعالى: "الله يبسط الرزق لمن يشاء من عبادسرابيةه ويقدر له إن الله ~~بكل شيء عليم" في الآية تصريح بما تلوح إليه الآية السابقة، والقدر التضييق ~~ويقابله البسط والمراد به لازم معناه وهو التوسعة، ووضع الظاهر موضع المضمر ~~في قوله: "إن الله بكل شيء عليم" للدلالة على تعليل الحكم، والمعنى: وهو ~~بكل شيء عليم لأنه الله. # والمعنى: الله يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه على من يشاء - ولا ~~يشاء إلا على طبق المصلحة - لأنه بكل شيء عليم لأنه الله الذي هو الذات ~~المستجمع لجميع صفات الكمال. # قوله تعالى: "ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها" - إلى قوله - لا يعقلون" المراد بإحياء الأرض بعد موتها إنبات ~~النبات في الربيع. # وقوله: "قل الحمد لله" أي احمد الله على تمام الحجة عليهم باعترافهم بأن ~~الله هو المدبر لأمر خلقه فلزمهم أن يعبدوه دون غيره من الأصنام وأرباب ~~الأصنام. PageV16P077 # وقوله: "بل أكثرهم لا يعقلون" أي لا يتدبرون الآيات ولا يحكمون العقول حتى ~~يعرفوا الله ويميزوا الحق من الباطل فهم لا يعقلون حق التعقل. # قوله تعالى: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون" اللهو ما يلهيك ويشغلك عما يهمك فالحياة الدنيا ~~من اللهو لأنها تلهي الإنسان وتشغله بزينتها المزوقة الفانية عن الحياة ~~الخالدة الباقية. # واللعب فعل أو أفعال منتظمة انتظاما خياليا لغاية خيالية كملاعب الصبيان ~~والحياة الدنيا لعب لأنها فانية سريعة البطلان كلعب الصبيان يجتمعون عليه ~~ويتولعون به ساعة ثم يتفرقون وسرعان ما يتفرقون. # على أن عامة المقاصد التي يتنافس فيها المتنافسون ويتكالب عليه الظالمون ~~أمور وهمية سرابية كالأموال والأزواج والبنين ms6023 وأنواع التقدم والتصدر ~~والرئاسة والمولوية والخدم والأنصار وغيرها فالإنسان لا يملك شيئا منها إلا ~~في ظرف الوهم والخيال. # وأما الحياة الآخرة التي يعيش فيها الإنسان بكماله الواقعي الذي اكتسبه ~~بإيمانه وعمله الصالح فهي المهمة التي لا لهو في الاشتغال بها والجد الذي ~~لا لعب فيها ولا لغو ولا تأثيم، والبقاء الذي لا فناء معه، واللذة التي لا ~~ألم، عندها والسعادة التي لا شقاء دونها، فهي الحياة بحقيقة معنى الكلمة. # وهذا معنى قوله سبحانه: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان". # وفي الآية - كما ترى - قصر الحياة الدنيا في اللهو واللعب والإشارة إليها ~~بهذه المفيدة للتحقير وقصر الحياة الآخرة في الحيوان وهو الحياة وتأكيده ~~بأدوات التأكيد كان واللام وضمير الفصل والجملة الاسمية. # وقوله: "لو كانوا يعلمون" أي لو كانوا يعلمون لعلموا أن الأمر كما وصفنا. # قوله تعالى: "فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون" تفريع على ما تحصل من الآيات السابقة من شأنهم وهو ~~أنهم يؤفكون وأن كثيرا منهم لا يعقلون أي لما كانوا يؤفكون ويصرفون عن ~~عبادته إلى عبادة غيره وأكثرهم لا يعقلون ويناقضون أنفسهم بالاعتراف والجحد ~~فإذا ركبوا "إلخ". # والركوب الاستعلاء بالجلوس على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه وتعديته في ~~الآية بفي لتضمنه معنى الاستقرار أو ما يشبهه، والمعنى: فإذا ركبوا مستقرين ~~في الفلك أو استقروا في الفلك راكبين، ومعنى الآية ظاهر وهي تحكي عنهم ~~تناقضا آخر وكفرانا للنعمة. # قوله تعالى: "ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون" اللام في ~~"ليكفروا" و"ليتمتعوا" لام الأمر وأمر الآمر بما لا يرتضيه تهديد وإنذار ~~كقولك لمن تهدده: "افعل ما شئت"، قال تعالى: "اعملوا ما شئتم إنه بما ~~تعملون بصير": حم السجدة: 40. # واحتمل كون اللام للغاية، والمعنى: أنهم يأتون بهذه الأعمال لتنتهي بهم ~~إلى كفران النعمة التي آتيناهم وإلى التمتع، وأول الوجهين أوفق لقوله في ~~ذيل الآية: "فسوف يعلمون"، ويؤيده قوله في موضع آخر: "ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون": ms6024 الروم: 34، ولذا قرأه من قرأ "وليتمتعوا" بسكون ~~اللام إذ لا يسكن غير لام الأمر. # قوله تعالى: "أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم" ~~الحرم الأمن هو مكة وما حولها وقد جعله الله مأمنا بدعاء إبراهيم (عليه ~~السلام) والتخطف كالخطف استلاب الشيء بسرعة واختلاسه وقد كانت العرب يومئذ ~~تعيش في التغاور والتناهب ولا يزالون يغير بعضهم على بعض بالقتل والسبي ~~والنهب لكنهم يحترمون الحرم ولا يتعرضون لمن أقام بها فيها. # والمعنى: أولم ينظروا أنا جعلنا حرما آمنا لا يتعرض لمن فيه بقتل أو سبي ~~أو نهب والحال أن الناس يختلسون من حولهم خارج الحرم. # وقوله: "أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون" توبيخ آخر لهم حيث يقابلون ~~هذه النعمة وهي نعمة عظيمة بالكفران لكنهم يؤمنون بالأصنام وهي باطلة ليس ~~لها إلا الاسم. PageV16P078 # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين" تهديد لهم بالنار بتوسيمهم بأشد الظلم وأعظمه وهو ~~افتراء الكذب على الله بالقول بالآلهة وأن الله اتخذهم شركاء لنفسه، وتكذيب ~~الإنسان بالحق لما جاءه والوصفان جميعا موجودان فيهم فقد عبدوا الأصنام ~~وكذبوا بالقرآن لما جاءهم فهم كافرون ومثوى الكافرين ومحل إقامتهم في ~~الآخرة جهنم. # قوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" ~~الجهد الوسع والطاقة والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو والجهاد ~~ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس كذا ذكره ~~الراغب. # وقوله: "جاهدوا فينا" أي استقر جهادهم فينا وهو استعارة كنائية عن كون ~~جهده مبذولا فيما يتعلق به تعالى من اعتقاد عمل، فلا ينصرف عن الإيمان به ~~والائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه بصارف يصرفه. # وقوله: "لنهدينهم سبلنا" أثبت لنفسه سبلا وهي أيا ما كانت تنتهي إليه ~~تعالى فإنما السبيل سبيل لتأديته إلى ذي السبيل وهو غايتها فسبله هي الطرق ~~المقربة منه والهادية إليه تعالى، وإذ كانت نفس المجاهدة من الهداية كانت ~~الهداية إلى السبل هداية على هداية فتنطبق على مثل قوله تعالى: "والذين ms6025 ~~اهتدوا زادهم هدى": محمد: 17. # ومما تقدم يظهر أن لا حاجة في قوله: "فينا" إلى تقدير مضاف كشأن والتقدير ~~في شأننا. # وقوله: "وإن الله لمع المحسنين" قيل أي معية النصرة والمعونة وتقدم ~~الجهاد المحتاج إليهما قرينة قوية على إرادة ذلك. # انتهى. # وهو وجه حسن وأحسن منه أن يفسر بمعية الرحمة والعناية فيشمل معية النصرة ~~والمعونة وغيرهما من أقسام العنايات التي له سبحانه بالمحسنين من عباده ~~لكمال عنايته بهم وشمول رحمته لهم، وهذه المعية أخص من معية الوجود الذي ~~ينبىء عنه قوله تعالى: "وهو معكم أينما كنتم": الحديد: 4. # وقد تقدمت الإشارة إلى أن الآية خاتمة للسورة منعطفة على فاتحتها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ~~جعفر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عجبا كل العجب ~~للمصدق بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور. # وفيه، أخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنهم قالوا: يا محمد ما يمنعنا ~~أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا والعرب أكثر منا فمتى ~~بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنا أكلة رأس فأنزل الله: "أولم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا" الآية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا - لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين": في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: هذه الآية لآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأشياعهم. PageV16P079 ### || AUTO ### ||| AUTO 30 سورة الروم - 1 - 19 # بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) غلبت الروم (2) فى أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون (3) فى بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح ~~المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا ~~يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظهرا من الحيوة ~~الدنيا وهم عن الاخرة هم غفلون (7) أولم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله ~~السموت والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاى ~~ربهم ms6026 لكفرون (8) أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم ~~بالبينت فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عقبة ~~الذين أسئوا السوأى أن كذبوا بئايت الله وكانوا بها يستهزءون (10) الله ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ~~(12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعؤا وكانوا بشركائهم كفرين (13) ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى روضة ~~يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بئايتنا ولقاى الاخرة فأولئك فى ~~العذاب محضرون (16) فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد فى ~~السموت والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من ~~الحى ويحى الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ### |||| AUTO بيان # تفتتح السورة بوعد من الله وهو أن الروم ستغلب الفرس في بضع سنين بعد ~~انهزامهم أيام نزول السورة عن الفرس ثم تنتقل منه إلى ذكر ميعاد أكبر وهو ~~الوعد بيوم يرجع الكل فيه إلى الله وتقيم الحجة على المعاد ثم تنعطف إلى ~~ذكر آيات الربوبية وتصف صفاته تعالى الخاصة به ثم تختتم السورة بوعد النصر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتؤكد القول فيه إذ تقول: "فاصبر إن وعد ~~الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" وقد قيل قبيل ذلك: "وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين". # فغرض السورة هو الوعد القطعي منه تعالى بنصرة دينه وقد قدم عليه نصر ~~الروم على الفرس في بضع سنين من حين النزول ليستدل بإنجاز هذا الوعد على ~~إنجاز ذلك الوعد، وكذا يحتج به ومن طريق العقل على أنه سينجز وعده بيوم ~~القيامة لا ريب فيه. # قوله تعالى: "غلبت الروم في أدنى الأرض" الروم جيل من الناس على ساحل ~~البحر الأبيض بالمغرب كانت لهم إمبراطورية وسيعة منبسطة إلى الشامات وقعت ~~بينهم وبين الفرس حرب عوان في بعض نواحي الشام قريبا من الحجاز فغلبت الفرس ~~وانهزمت الروم، والظاهر أن المراد بالأرض أرض الحجاز واللام ms6027 للعهد. # قوله تعالى: "وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" ضمير الجمع الأول ~~للروم وكذا الثالث وأما الثاني فقد قيل إنه للفرس والمعنى: والروم من بعد ~~غلبة الفرس سيغلبون، ويمكن أن يكون الغلب من المصدر المبني للمفعول والضمير ~~للروم كالضميرين قبلها وبعدها فلا تختلف الضمائر والمعنى: والروم من بعد ~~مغلوبيتهم سيغلبون. # والبضع من العدد من ثلاثة إلى تسعة. # قوله تعالى: "لله الأمر من قبل ومن بعد" قبل وبعد مبنيان على الضم فهناك ~~مضاف إليه مقدر والتقدير لله الأمر من قبل أن غلبت الروم ومن بعد أن غلبت ~~يأمر بما يشاء فينصر من يشاء ويخذل من يشاء. # وقيل: المعنى لله الأمر من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ومن ~~بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين أي وقت كونهم مغلوبين ووقت كونهم ~~غالبين والمعنى الأول أرجح إن لم يكن راجحا متعينا. PageV16P080 # قوله تعالى: "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز ~~الرحيم" الظرف متعلق بيفرح وكذا قوله "ينصر" والمعنى: ويوم إذ يغلب الروم ~~يفرح المؤمنون بنصر الله الروم، ثم استأنف وقال: "ينصر من يشاء" تقريرا ~~لقوله: "لله الأمر من قبل ومن بعد". # وقوله: "وهو العزيز الرحيم" أي عزيز يعز بنصره من يشاء رحيم يخص برحمته ~~من يشاء. # وفي الآية وجوه أخر ضعيفة ذكروها: منها: أن قوله "ويومئذ" عطف على قوله: ~~"من قبل" والمراد به شمول سلطنته تعالى لجميع الأزمنة الثلاثة: الماضي ~~والمستقبل والحال كأنه قيل: لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ ثم ابتداء ~~وقيل: يفرح المؤمنون بنصر الله. # وفيه أنه يبطل انسجام الآية وينقطع به آخرها عن أولها. # ومنها: أن قوله: "بنصر" متعلق بقوله: "المؤمنون" دون "يفرح" ويدل ~~بالملازمة المقامية أن غلبة الروم بنصر من الله. # وفيه أن لازمه أن يفرح المؤمنون يوم غلبة الفرس ويوم غلبة الروم جميعا ~~فإن في الغلبة نصرا وكل نصر من الله قال تعالى: "وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم": آل عمران: 126 فقصر فرح المؤمنين بالنصر بيوم غلبة ms6028 الروم ~~ترجيح بلا مرجح فافهمه. # ومنها: أن المراد بنصر الله نصر المؤمنين على المشركين يوم بدر دون نصر ~~الروم على الفرس وإن توافق النصران زمانا فكأنه قيل: إن الروم سيغلبون في ~~بضع سنين ويوم يغلبون يغلب المؤمنون المشركين فيفرحون بنصر الله إياهم. # وفيه أن هذا المعنى لا يلائم قوله بعد: "ينصر من يشاء". # ومنها: أن المراد بالنصر نصر المؤمنين بصدق إخبارهم بغلبة الروم، وقيل: ~~النصر هو استيلاء بعض الكفار على بعض وتفرق كلمتهم وانكسار شوكتهم. # وهذان وما يشبههما وجوه لا يعبأ بها. # قوله تعالى: "وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ~~"وعد الله" مفعول مطلق محذوف العامل والتقدير وعد الله وعدا وإخلاف الوعد ~~خلاف إنجازه وقوله: "وعد الله" تأكيد وتقرير للوعد السابق في قوله: ~~"سيغلبون" و"يفرح المؤمنون" كما أن قوله: "لا يخلف الله وعده" تأكيد وتقرير ~~لقوله: "وعد الله". # وقوله: "لا يخلف الله وعده" كقوله: "إن الله لا يخلف الميعاد": الرعد: 31 ~~وخلف الوعد وإن لم يكن قبيحا بالذات لأنه ربما يحسن عند الاضطرار لكنه ~~سبحانه لا يضطره ضرورة فلا يحسن منه خلف الوعد في حال. # على أن خلف الوعد يلازم النقص دائما ويستحيل النقص عليه تعالى. # على أنه تعالى أخبر في كلامه بأنه لا يخلف الميعاد وهو أصدق الصادقين وهو ~~القائل عز من قائل: "والحق أقول": ص: 84. # وقوله: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" أي هم جهلاء بشئونه تعالى لا يثقون ~~بوعده ويقيسونه إلى أمثالهم ممن يصدق ويكذب وينجز ويخلف. # قوله تعالى: "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" ~~جملة "يعلمون" على ما ذكره في الكشاف، بدل من قوله: "لا يعلمون" وفي هذا ~~الإبدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ليعلمك ~~أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز ~~الدنيا انتهى. # وقيل: الجملة استثنائية لبيان موجب جهلهم بأن وعد الله حق وأن لله الأمر ~~من قبل ومن بعد وأنه ينصر المؤمنين ms6029 على الكافرين. # انتهى وهذا أظهر. # وتنكير "ظاهرا" للتحقير وظاهر الحياة الدنيا ما يقابل باطنها وهو الذي ~~يناله حواسهم الظاهرة من زينة الحياة فيرشدهم إلى اقتنائها والعكوف عليها ~~والإخلاد إليها ونسيان ما وراءها من الحياة الآخرة والمعارف المتعلقة بها ~~والغفلة عما فيه خيرهم ونفعهم بحقيقة معنى الكلمة. # وقيل: الظهور في الآية بمعنى الزوال واستشهد بقوله: وعيرها الواشون أني أحبها. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. # والمعنى: يعلمون أمرا زائلا لا بقاء له لكنه معنى شاذ الاستعمال. # قوله تعالى: "أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى" إلخ المراد من خلق السماوات والأرض وما بينهما ~~- وذلك جملة العالم المشهود - بالحق أنها لم تخلق عبثا لا غاية لها وراءها ~~بأن يوجد ويعدم ثم يوجد ثم يعدم من غير غرض وغاية فهو تعالى إنما خلقها ~~لغاية تترتب عليها. PageV16P081 # ثم إن العالم بأجزائها ليس بدائم الوجود غير منقطع الآخر حتى يحتمل كون كل ~~جزء لاحق غاية للجزء السابق وكل آت خلفا لماضيه بل هو بأجزائه فان بائد ~~فهناك غاية مقصودة من خلق العالم ستظهر بعد فناء العالم وهذا المعنى هو ~~المراد بتقييد قوله: "ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما" بقوله: ~~"وأجل مسمى" بعد تقييده بقوله: "إلا بالحق". # فقوله: "أولم يتفكروا في أنفسهم" الاستفهام للتعجيب، وكونهم في أنفسهم ~~استعارة كنائية عن فراغ البال وحضور الذهن كأنهم عند اشتغالهم بأمور الدنيا ~~وسعيهم للمعيشة وتشوش البال يغيبون عن أنفسهم فيكونون عند حضور الذهن ~~حاضرين مستقرين في أنفسهم فيكون تفكرهم حينئذ مجتمعا غير متفرق فيهديهم إلى ~~الحق ويرشدهم إلى الواقع. # وقيل: المراد بتفكرهم في أنفسهم أن يتفكروا في خلق أنفسهم وأن الواحد ~~منهم محدث والمحدث - بالفتح - يحتاج إلى محدث - بالكسر - قديم حي قادر عليم ~~حكيم فلا يخلق ما يخلق عبثا بل لغاية مطلوبة وليست تعود إليه نفسه لغناء ~~المطلق بل إلى الخلق وهو الثواب ولا يكون إلا لصالح العمل فلا بد من دين ~~مشرع يميز العمل الصالح من السيىء فلا بد من ms6030 دار يمتحنون فيها وهي الدنيا ~~ودار يثابون فيها وهي الآخرة. # وفيه أن الجملة أعني قوله: "أولم يتفكروا في أنفسهم" صالح في نفسه لأن ~~يراد منها هذا المعنى لكن اتصال قوله: "ما خلق الله السماوات" إلخ، بها ~~يأباه لاستلزامه بطلان الاتصال لعدم الارتباط بين صدر الآية وذيلها على هذا ~~التقدير. # وقوله: "ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى" هو ~~الفكر الذي يجب عليهم أن يمعنوا فيه النظر في أنفسهم وتقريره على ما تقدم ~~أن الله سبحانه ما خلق هذا العالم كلا ولا بعضا إلا خلقا ملابسا للحق أو ~~مصاحبا للحق أي لغاية حقيقية لا عبثا لا غاية له ولا إلى أجل معين فلا يبقى ~~شيء منها إلى ما لا نهاية له بل يفنى وينقطع وإذا كان كل من أجزائه ~~والمجموع مخلوقا ذا غاية تترتب عليها وليس شيء منها دائم الوجود كانت غايته ~~مترتبة عليه بعد انقطاع وجوده وفنائه، وهذا هو الآخرة التي ستظهر بعد ~~انقضاء الدنيا وفنائها. # وقوله: "وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون" مسوق سوق التعجيب كما ~~بدأت الآية باستفهام التعجيب، والمراد بلقاء الله هو الرجوع إليه في ~~المعاد، وقد عبر عنه باللقاء ليزداد كفرهم به عجبا فكيف يمكن أن يبتدئوا ~~منه ثم لا ينتهوا إليه، ولذلك أكده بإن إشارة إلى أن الكفر بالمعاد من شأنه ~~في نفسه أن لا يصدق به. # قوله تعالى: "أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم" إلى آخر الآية، لما ذكر كفر كثير من الناس بالمعاد وذلك أمر يلغو ~~معه الدين الحق ذكرهم حال الأمم الكافرة وما انتهت إليه من سوء العذاب ~~لعلهم يعتبرون بها فيرجعوا عما هم عليه من الكفر. # وإثارة الأرض قلبها ظهر البطن للحرث والتعمير ونحو ذلك. # وقوله: "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" أي بالكفر والمعاصي. # قوله تعالى: "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزءون" بيان لما انتهى إليه أمر أولئك الظالمين ولذا عبر ~~بثم، و"عاقبة" بالنصب خبر ms6031 كان واسمه "السوآى" قدم الخبر عليه لإفادة الحصر ~~و"أساءوا" مقطوع عن المتعلق بمعنى عملوا السوء، والسوآى الخلة التي يسوء ~~صاحبها والمراد بها سوء العذاب و"أن كذبوا بآيات الله" بحذف لام التعليل ~~والتقدير لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها. # والمعنى: ثم كان سوء العذاب هو الذي انتهى إليه أمر أولئك الذين عملوا ~~السوء لم تكن لهم عاقبة غيرها لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها. # وقيل: إن "السوآى" مفعول لقوله: "أساءوا" وخبر كان هو قوله: "أن كذبوا" ~~إلخ، والمراد أن المعاصي ساقتهم إلى الكفر بتكذيب آيات الله والاستهزاء بها. # وفيه: أنه في نفسه معنى صحيح لكن المناسب للمقام هو المعنى الأول لأن ~~المقام مقام الاعتبار والإنذار والمناسب له بيان انتهاء معاصيهم إلى سوء ~~العذاب لا انتهاء معاصيهم المتفرقة إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أعظمها. PageV16P082 # قوله تعالى: "الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون" بعد ما ذكر الحجة ~~وتكذيب كثير من الناس لخص القول في نتيجتها وهو أن البدء والعود بيده ~~سبحانه وسيرجع إليه الجميع، والمراد بالخلق المخلوقون، ولذا أرجع إليه ضمير ~~الجمع في ترجعون. # قوله تعالى: "ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون" ذكر حال المجرمين بعد قيام ~~الساعة وهي ساعة الرجوع إليه تعالى للحساب والجزاء، والإبلاس اليأس من الله ~~وفيه كل الشقاء. # قوله تعالى: "ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين" يريد ~~أنهم على يأسهم من الرحمة من ناحية أعمالهم أنفسهم آيسون من آلهتهم الذين ~~اتخذوهم شركاء لله فعبدوهم ليشفعوا لهم عند الله كما كانوا يقولون في ~~الدنيا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وكانوا بعبادة شركائهم كافرين ساترين. # قوله تعالى: "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون - إلى قوله - محضرون" قال ~~في المجمع: الروضة البستان المتناهي منظرا وطيبا. # انتهى. # وقال في المفردات: الحبر الأثر المستحسن - إلى أن قال - وقوله عز وجل: ~~"في روضة يحبرون" أي يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم. # انتهى. # والمراد بتفرق الخلق يومئذ تميز المؤمنين الصالحين من المجرمين ودخول ~~هؤلاء النار ودخول أولئك الجنة على ما يشير إليه الآيتان التاليتان. # ولزوم هذا ms6032 التميز والتفرق في الوجود هو الذي أخذه الله سبحانه حجة على ~~ثبوت المعاد حيث قال: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون: الجاثية: 21. # قوله تعالى: "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون" لما ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيدهم ويرجعهم ~~للقائه فيفرقهم طائفتين: أهل الجنة والنعمة وأهل النار والعذاب، أما أهل ~~الجنة فهم المؤمنون العاملون للصالحات وأما أهل النار فهم الكفار المكذبون ~~لآيات الله وقد ذكر أنهم كانوا في الدنيا أهل قوة ونعمة لكنهم نسوا الآخرة ~~وكذبوا بآيات الله واستهزءوا بها حتى انتهى بهم الأمر إلى سوء العذاب عذاب ~~الاستئصال جزاء لظلمهم أنفسهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # فتحصل من ذلك أن في دار الخلقة تدبيرا إلهيا متقنا صالحا جميلا على أجمل ~~ما يكون وأن للإنسان على توالي الأزمنة والدهور آثاما وخطيئات من العقيدة ~~السيئة في حق ربه واتخاذ شركاء له وإنكار لقائه إلى سائر المعاصي. # ذيل الكلام بتسبيحه كلما تجدد حين بعد حين وتحميده على صنعه وتدبيره في ~~السماوات والأرض وهو مجموع العالم المشهود فهو سبحانه منزه عن هذه ~~الاعتقادات الباطلة والأعمال الردية ومحمود في جميع ما خلقه ودبره في ~~السماوات والأرض. # ومن هناك يظهر: أولا: أن التسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء ~~منه تعالى لا من غيره حتى يكون المعنى: قولوا سبحان الله وقولوا الحمد لله ~~فقد تكرر في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه كقوله: "سبحان ربك رب ~~العزة": الصافات: 180 وقوله: "الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده": ~~الفرقان: 1. # وثانيا: أن المراد بالتسبيح والتحميد معناهما المطلق دون الصلوات اليومية ~~المفروضة كما يقول به أكثر القائلين بكون القول مقدرا. # والمعنى: قولوا سبحان الله وقولوا الحمد لله. # وثالثا: أن قوله: "وله الحمد في السماوات والأرض" معترضة واقعة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: "وعشيا وحين تظهرون" معطوفان على محل "حين ~~تمسون" لا على قوله: "في السماوات والأرض" حتى يختص المساء ms6033 والصباح ~~بالتسبيح والسماوات والأرض والعشي والظهيرة بالتحميد بل الأوقات وما فيها ~~للتسبيح والأمكنة وما فيها للتحميد. # فالسياق يشير إلى أن ما في السماوات والأرض من خلق وأمر هو لله يستدعي ~~بحسنه حمدا وثناء لله سبحانه وأن للإنسان على مر الدهور وتغير الأزمنة ~~والأوقات من الشرك والمعصية ما يتنزه عنه ساحة قدسه تعالى وتقدس. PageV16P083 # نعم هاهنا اعتبار آخر يتداخل فيه التحميد والتسبيح وهو أن الأزمنة والأوقات ~~على تغيرها وتصرمها من جملة ما في السماوات والأرض فهي بوجودها يثني على ~~الله تعالى، ثم كل ما في السماوات والأرض بفقرها إليه تعالى وذلتها دونه ~~ونقصها بالنسبة إلى كماله تعالى تسبحه كما قال: "وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده": إسراء: 44، لكن هذا الاعتبار غير منظور إليه في الآيتين اللتين نحن فيهما. # وللمفسرين في الآيتين أقوال أخر متفرقة أشرنا إلى المهم منها في الوجوه ~~التي قدمناها. # وتغيير السياق في قوله: "وعشيا" لكون العشي لم يبن منه فعل من باب ~~الإفعال بخلاف المساء والصباح والظهيرة حيث بني منها الإمساء والإصباح ~~والإظهار بمعنى الدخول في المساء والصباح والظهيرة كذا قيل. # والخطاب الذي في الآيتين في قوله: "تمسون وتصبحون وتظهرون" ليس من ~~الالتفات في شيء بل تعميم للخطاب الذي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ~~شرعت السورة، والمعنى: فإذا كان الأمر على هذه السبيل فالله منزه حينما ~~دخلتم أنتم معاشر البشر في مساء وحينما دخلتم في صباح وفي العشي وحينما ~~دخلتم في ظهيرة وله الثناء الجميل في السماوات والأرض. # ونظير هذا التعميم ما في قوله سابقا: "ثم إليه ترجعون" ولاحقا في قوله: ~~"وكذلك تخرجون". # قوله تعالى: "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد ~~موتها وكذلك تخرجون" ظاهر إخراج الحي من الميت وبالعكس خلق ذوي الحياة من ~~الأرض الميتة ثم تبديل ذوي الحياة أرضا ميتة، وقد فسر بخلق المؤمن من ~~الكافر وخلق الكافر من المؤمن فإنه يعد المؤمن حيا والكافر ميتا، قال ~~تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا": الأنعام: 122. # وأما إحياء الأرض ms6034 بعد موتها فهو انتعاش الأرض وابتهاجها بالنبات في ~~الربيع والصيف بعد خمودها في الخريف والشتاء، وقوله: "وكذلك تخرجون" أي ~~تبعثون وتخرجون من قبوركم بإحياء جديد كإحياء الأرض بعد موتها، وقد تقدم ~~تفسير نظير صدر الآية وذيلها مرارا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل والضياء عن ابن عباس: في قوله: "الم غلبت الروم" قال: غلبت وغلبت. ~~قال: كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان ~~المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر ~~فذكره أبو بكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أما إنهم سيغلبون فذكره أبو بكر لهم فقالوا: ~~اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا ~~وكذا فجعل لهم خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: ألا جعلته أراه قال: دون العشر، فظهرت الروم بعد ذلك ~~فذلك قوله: الم غلبت الروم فغلبت ثم غلبت بعد. يقول الله: "لله الأمر من ~~قبل ومن بعد - ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله" قال سفيان: سمعت أنهم قد ~~ظهروا يوم بدر. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر مختلفة المضامين في الجملة ففي بعضها أن ~~المقامرة كانت بين أبي بكر وأبي بن خلف وفي بعضها أنها كانت بين المسلمين ~~والمشركين وكان أبو بكر من قبل المسلمين وأبي من قبل المشركين، وفي بعضها ~~أنها كانت بين الطائفتين، وفي بعضها بين أبي بكر وبين المشركين كما في هذه ~~الرواية. # ثم الأجل المضروب في بعضها ثلاث سنين، وفي بعضها خمس، وفي بعضها ست، وفي ~~بعضها سبع سنين. # وفي بعضها أن الأجل المضروب أولا انقضى بمكة وهو سبع سنين فمادهم أبو بكر ~~سنتين بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فغلبت الروم، وفي ms6035 بعضها خلافه. # ثم في بعضها أن الأجل الثاني انقضى بمكة وفي بعضها أنه انقضى بعد الهجرة ~~وكانت غلبة الروم يوم بدر، وفي بعضها يوم الحديبية. # وفي بعضها أن أبا بكر لما قمرهم بغلبة الروم أخذ منهم الخطر وهو مائة ~~قلوص وجاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنه سحت تصدق به. PageV16P084 # والذي تتفق فيه الروايات أنه قامرهم فقمرهم وكان القمار بإشارة من النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ووجه ذلك بأنه كان قبل تحريم القمار فإنه حرم مع ~~الخمر في سورة المائدة وقد نزلت في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقد تحقق بما قدمناه في تفسير آية الخمر والميسر أن الخمر كانت محرمة من ~~أول البعثة وكان من المعروف من الدين أنه يحرم الخمر والزنا. # على أن الخمر والميسر من الإثم بنص آية البقرة: "يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير" الآية: البقرة: 219. والإثم محرم بنص آية ~~الأعراف: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي" ~~الآية: الأعراف: 33، والأعراف من العتائق النازلة بمكة فمن الممتنع أن يشير ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمقامرة. # وعلى تقدير تأخر الحرمة إلى آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يشكل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر لما أتى بالخطر إليه أنه سحت ~~ثم قوله: تصدق به. # فلا سبيل إلى تصحيح شيء من ذلك بالموازين الفقهية وقد تكلفوا في توجيه ~~ذلك بما لا يزيد إلا إشكالا. # ثم إن ما في الرواية أن الفرس كانوا عبدة الأوثان لا يوافق ما كان عليه ~~القوم فإنهم وإن كانوا مشركين لكنهم كانوا لا يتخذون أوثانا. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا - وهم عن ~~الآخرة هم غافلون" قال: يرون حاضر الدنيا ويتغافلون عن الآخرة. # وفي الخصال،: وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله تعالى: "أولم يسيروا ~~في الأرض" فقال: أولم ينظروا في القرآن. # وفي تفسير القمي،: وقوله عز وجل: "ويوم تقوم ms6036 الساعة يومئذ يتفرقون" قال: ~~إلى الجنة والنار. PageV16P085 ### ||| AUTO 30 سورة الروم - 20 - 26 # ومن ءايته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن ءايته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزوجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك ~~لايت لقوم يتفكرون (21) ومن ءايته خلق السموت والأرض واختلف ألسنتكم ~~وألونكم إن فى ذلك لايت للعلمين (22) ومن ءايته منامكم باليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لايت لقوم يسمعون (23) ومن ءايته يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحى به الأرض بعد موتها إن فى ذلك لايت ~~لقوم يعقلون (24) ومن ءايته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) وله من فى السموت والأرض كل له قنتون (26) ### |||| AUTO بيان # يذكر في هذا الفصل عدة من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى في الربوبية ~~والألوهية، ويشار فيها إلى امتزاج الخلق والتدبير وتداخلهما ليتضح بذلك أن ~~الربوبية بمعنى ملك التدبير والألوهية بمعنى المعبودية بالحق لا يستحقهما ~~إلا الله الذي خلق الأشياء وأوجدها، لا كما يزعم الوثني أن الخلق لله وحده ~~والتدبير والعبادة لأرباب الأصنام ليكونوا شفعاء لهم عند الله، وليس له ~~سبحانه إلا أنه رب الأرباب وإله الآلهة. # قوله تعالى: "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون" ~~المراد بالخلق من تراب انتهاء خلقة الإنسان إلى الأرض فإن مراتب تكون ~~الإنسان من مضغة أو علقة أو نطفة أو غيرها مركبات أرضية تنتهي إلى العناصر ~~الأرضية. # وقوله: "ثم إذا أنتم بشر تنتشرون" إذا فجائية أي يفاجئكم أنكم أناسي ~~تنتشرون في الأرض أي يخلقكم من تركيبات أرضية المترقب منها كينونة أرضية ~~ميتة أخرى مثلها لكن يفاجئكم دفعة أنه يصير بشرا ذوي حياة وشعور عقلي ~~ينتشرون في الأرض في سبيل تدمير أمر الحياة فقوله: "ثم إذا أنتم بشر ~~تنتشرون" في معنى قوله: "ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14. # فخلق الإنسان أي جمع أجزائه من الأرض وتأليفها آية وكينونة هذا المجموع ~~إنسانا ذا حياة وشعور عقلي ms6037 آية أو آيات أخر تدل على صانع حي عليم يدبر ~~الأمر ويجري هذا النظام العجيب. # وقد ظهر بهذا المعنى أن "ثم" للتراخي الرتبي والجملة معطوفة على قوله: ~~"خلقكم" لا على قوله: "أن خلقكم". # قوله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها" إلى ~~آخر الآية، قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من ~~الحيوانات المتزاوجة: زوج ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج، قال تعالى: ~~"فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى" وقال: "وزوجك الجنة" وزوجة لغة رديئة ~~وجمعها زوجات - إلى أن قال - وجمع الزوج أزواج. # انتهى. # فقوله: "أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها" أي خلق لأجلكم - أو ~~لينفعكم - من جنسكم قرائن وذلك أن كل واحد من الرجل والمرأة مجهز بجهاز ~~التناسل تجهيزا يتم فعله بمقارنة الآخر ويتم بمجموعهما أمر التوالد ~~والتناسل فكل واحد منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر ويحصل من المجموع ~~واحد تام له أن يلد وينسل، ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى ~~الآخر حتى إذا اتصل به سكن إليه لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله وكل مفتقر ~~مائل إلى ما يزيل فقره وهذا هو الشبق المودع في كل من هذين القرينين. # وقوله: "وجعل بينكم مودة ورحمة" المودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام ~~العمل فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى ~~الخشوع الذي هو نوع تأثر نفساني عن العظمة والكبرياء. # والرحمة نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال وحاجته إلى ~~رفع نقيصته يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه. PageV16P086 # ومن أجل موارد المودة والرحمة المجتمع المنزلي فإن الزوجين يتلازمان ~~بالمودة والمحبة وهما معا وخاصة الزوجة يرحمان الصغار من الأولاد لما يريان ~~ضعفهم وعجزهم عن القيام بواجب العمل لرفع الحوائج الحيوية فيقومان بواجب ~~العمل في حفظهم وحراستهم وتغذيتهم وكسوتهم وإيوائهم وتربيتهم ولو لا هذه ~~الرحمة لانقطع النسل ولم يعش النوع قط. # ونظير هذه المودة والرحمة مشهود في المجتمع الكبير المدني بين أفراد ~~المجتمع ms6038 فالواحد منهم يأنس بغيره بالمودة ويرحم المساكين والعجزة والضعفاء ~~الذين لا يستطيعون القيام بواجبات الحياة. # والمراد بالمودة والرحمة في الآية الأوليان على ما يعطيه مناسبة السياق ~~أو الأخيرتان على ما يعطيه إطلاق الآية. # وقوله: "لآيات لقوم يتفكرون" لأنهم إذا تفكروا في الأصول التكوينية التي ~~يبعث الإنسان إلى عقد المجتمع من الذكورة والأنوثة الداعيتين إلى الاجتماع ~~المنزلي والمودة والرحمة الباعثتين على الاجتماع المدني ثم ما يترتب على ~~هذا الاجتماع من بقاء النوع واستكمال الإنسان في حياتيه الدنيا والأخرى ~~عثروا من عجائب الآيات الإلهية في تدبير أمر هذا النوع على ما يبهر به ~~عقولهم وتدهش به أحلامهم. # قوله تعالى: "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم" ~~إلى آخر الآية. # الظاهر أن يكون المراد باختلاف الألسن اختلاف اللغات من العربية ~~والفارسية والأردوية وغيرها وباختلاف الألوان اختلاف الأمم في ألوانهم ~~كالبياض والسواد والصفرة والحمرة. # ويمكن أن يستفاد اختلاف الألسنة من جهة النغم والأصوات ونحو التكلم ~~والنطق وباختلاف الألوان اختلاف كل فردين من أفراد الإنسان بحسب اللون لو ~~دقق فيه النظر على ما يقول به علماء هذا الشأن. # فالباحثون عن العالم الكبير يعثرون في نظام الخلقة على آيات دقيقة دالة ~~على أن الصنع والإيجاد مع النظام الجاري فيه لا يقوم إلا بالله ولا ينتهي ~~إلا إليه. # قوله تعالى: "ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله" إلى ~~آخر الآية، الفضل الزيادة على مقدار الحاجة ويطلق على العطية لأن المعطي ~~إنما يعطي ما فضل من مقدار حاجته، والمراد به في الآية الكريمة الرزق ~~فابتغاء الفضل طلب الرزق. # وفي خلق الإنسان ذا قوى فعالة تبعثه إلى طلب الرزق ورفع حوائج الحياة ~~للبقاء بالحركة والسعي ثم هدايته إلى الاستراحة والسكون لرفع متاعب السعي ~~وتجديد تجهيز القوى وتخصيص الليل والنهار المتعاقبين للسعي والسكون ~~والتسبيب إلى وجود الليل والنهار بأوضاع سماوية قائمة بالأرض والشمس لآيات ~~نافعة لمن له سمع واع يعقل ما يسمع فإذا وجده حقا اتبعه. # قال في الكشاف، في الآية: هذا من باب اللف وترتيبه: ومن آياته ms6039 منامكم ~~وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين القرينين الأولين ~~بالقرينين الآخرين لأنهما زمانان والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة ~~اللف على الاتحاد ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما، ~~والظاهر هو الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن. # انتهى. # وقد ظهر مما تقدم معنى تذييل الآية بقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون". # قوله تعالى: "ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء ~~فيحيي به الأرض بعد موتها" الظاهر أن الفعل نزل منزلة المصدر ولذلك لم يصدر ~~بأن المصدرية كما صدر به قوله: "أن خلقكم" وقوله: "أن خلق لكم" وتنزيل ~~الفعل منزلة المصدر لغة عربية جيدة وعليه يحمل المثل السائر: "وتسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه" ولا ضير في حمل كلامه تعالى عليه فهو تعالى يأتي ~~في مفتتح هذه الآيات بفنون التعبير كقوله: "منامكم" "يريكم" "أن تقوم". # واحتمل في قوله: "يريكم" أن يكون بحذف أن المصدرية والتقدير أن يريكم ~~البرق وأيد بقراءة النصب في يريكم. # واحتمل أن يكون من حذف المضاف، والتقدير: ومن آياته آية أن يريكم البرق، ~~واحتمل أن يكون التقدير ومن آياته آية البرق ثم استونف فقيل: يريكم البرق ~~إلخ، واحتمل أن يكون "من آياته" متعلقا بقوله: "يريكم"، والتقدير: ويريكم ~~من آياته البرق، واحتمل أن يكون "من آياته" حالا من البرق، والتقدير: ~~ويريكم البرق حال كون البرق من آياته. PageV16P087 # وهذه وجوه متفرقة لا يخفى عليك بعدها على أن بعضها يخرج الكلام في الآية عن ~~موافقة السياق في الآيات السابقة النظيرة له كالوجهين الأخيرين. # وقوله: "خوفا وطمعا" أي خوفا من الصاعقة وطمعا في المطر، وقوله: "وينزل ~~من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها" تقدم تفسيره كرارا، وقوله: "إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون" أي إن أهل التعقل يفقهون أن هناك عناية متعلقه بهذه ~~المصالح فليس مجرد اتفاق وصدفة. # قوله تعالى: "ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض إذا أنتم تخرجون" القيام مقابل ms6040 القعود ولما كان أعدل حالات ~~الإنسان حيث يقوى به على عامة أعماله استعير لثبوت الشيء واستقراره على ~~أعدل حالاته كما يستعار لتدبير الأمر، قال تعالى: "أفمن هو قائم على كل نفس ~~بما كسبت": الرعد: 33. # والمراد بقيام السماء والأرض بأمر من الله ثبوتهما على حالهما من حركة ~~وسكون وتغير وثبات بأمره تعالى وقد عرف أمره بقوله: "إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82. # وقوله: "ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون" "إذا" الأولى شرطية ~~و"إذا" الثانية فجائية قائمة مقام فاء الجزاء و"من الأرض" متعلق بقوله: ~~"دعوة" والجملة معطوفة على محل الجملة الأولى لأن المراد بالجملة أعني ~~قوله: "ثم إذا دعاكم" إلخ البعث والرجوع إلى الله وليس في عداد الآيات بل ~~الجملة إخبار بأمر احتج عليه سابقا وسيحتج عليه لاحقا. # وأما قول القائل: إن الجملة على تأويل المفرد وهي معطوفة على "أن تقوم" ~~والتقدير ومن آياته قيام السماء والأرض بأمره ثم خروجكم إذا دعاكم دعوة من الأرض. # فلازمه كون البعث معدودا من الآيات وليس منها على أن البعث أحد الأصول ~~الثلاثة التي يحتج بالآيات عليه، ولا يحتج به على التوحيد مثلا بل لو احتج ~~فبالتوحيد عليه فافهم ذلك. # ولما كانت الآيات المذكورة من خلق البشر من تراب وخلقهم أزواجا واختلاف ~~ألسنتهم وألوانهم ومنامهم وابتغائهم من فضله وإراءة البرق وتنزيل الماء من ~~السماء كلها آيات راجعة إلى تدبير أمر الإنسان كان المراد بقوله: "أن تقوم ~~السماء والأرض" بمعونة السياق ثبات السماء والأرض على وضعهما الطبيعي ~~وحالهما العادية ملائمتين لحياة النوع الإنساني المرتبطة بهما وكان قوله: ~~"ثم إذا دعاكم" إلخ مترتبا على ذلك ترتب التأخير أي إن خروجهم من الأرض ~~متأخر عن هذا القيام مقارن لخرابهما كما ينبىء به آيات كثيرة في مواضع ~~مختلفة من كلامه تعالى. # ويظهر بذلك أيضا أن المراد من قوله السابق "ومن آياته خلق السماوات ~~والأرض" خلقهما من جهة ما يرتبطان بالحياة البشرية وينفعانها. # وقد رتبت الآيات المذكورة آخذة من بدء خلق الإنسان وتكونه ms6041 ثم تصنفه ~~صنفين: الذكر والأنثى ثم ارتباط وجوده بالسماء والأرض واختلاف ألسنتهم ~~وألوانهم ثم السعي في طلب الرزق وسكون المنام ثم إراءة البرق وتنزيل ~~الأمطار حتى تنتهي إلى قيام السماء والأرض إلى أجل مسمى ليتم لهذا النوم ~~الإنساني ما قدر له من أمد الحياة ويعقب ذلك البعث فهذا بعض ما في ترتيب ~~ذكر هذه الآيات من النكات. # وقد رتبت الفواصل أعني قوله "يتفكرون" "للعالمين" "يسمعون" "يعقلون" على ~~هذا الترتيب لأن الإنسان يتفكر فيصير عالما ثم إذا سمع شيئا من الحقائق ~~وعاه ثم عقله والله أعلم. # قوله تعالى: "وله من في السماوات والأرض كل له قانتون" كانت الآيات ~~المذكورة مسوقة لإثبات ربوبيته تعالى وألوهيته كما تقدمت الإشارة إليه ولما ~~انتهى الكلام إلى ذكر البعث والرجوع إلى الله عقب ذلك بالبرهان على إمكانه ~~والحجة مأخوذة من الخلق والتدبير المذكورين في الآيات السابقة. # فقوله: "وله من في السماوات والأرض" إشارة إلى إحاطة ملكه الحقيقي لجميع ~~من في السماوات والأرض وهم المحشورون إليه وذلك لأن وجودهم من جميع الجهات ~~قائم به تعالى قيام فقر وحاجة لا استقلال ولا استغناء لهم عنه بوجه من ~~الوجوه وهذا هو الملك الحقيقي الذي أثره جواز تصرف المالك في ملكه كيف شاء ~~فله تعالى أن يتصرف في مملوكيه بنقلهم من النشأة الدنيا إلى النشأة الآخرة. PageV16P088 # وقد أكد ذلك بقوله: "كل له قانتون" والقنوت لزوم الطاعة مع الخضوع - على ما ~~ذكره الراغب في المفردات -، والمراد بالطاعة مع الخضوع الطاعة التكوينية - ~~على ما يعطيه السياق - دون التشريعية التي ربما تخلفت. # وذلك أنهم الملائكة والجن والإنس فأما الملائكة فليس عندهم إلا خضوع ~~الطاعة، وأما الجن والإنس فهم مطيعون منقادون للعلل والأسباب الكونية وكلما ~~احتالوا في إلغاء أثر علة من العلل أو سبب من الأسباب الكونية توسلوا إلى ~~علة أخرى وسبب آخر كوني ثم علمهم وإرادتهم كاختيارهم جميعا من الأسباب ~~الكونية فلا يكون إلا ما شاء الله أي الذي تمت علله في الخارج ولا يتحقق ~~مما شاءوا إلا ما أذن فيه وشاءه فهو ms6042 المالك لهم ولما يملكونه. PageV16P089 ### ||| AUTO 30 سورة الروم - 27 - 39 # وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السموت ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمنكم من شركاء فى ما رزقنكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك ~~نفصل الايت لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن ~~يهدى من أضل الله وما لهم من نصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله ~~التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين ~~(31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا ~~مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون (33) ليكفروا بما ءاتينهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا ~~عليهم سلطنا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة ~~فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن فى ذلك لايت لقوم يؤمنون (37) فئات ذا ~~القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم ~~المفلحون (38) وما ءاتيتم من ربا ليربوا فى أمول الناس فلا يربوا عند الله ~~وما ءاتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) ### |||| AUTO بيان # لما انساق الاحتجاج على الوحدانية والمعاد من طريق عد الآيات الدالة على ~~ذلك بقوله: "ومن آياته" إلى قوله: "وله من في السماوات والأرض" الآية، وهو ~~من صفات الفعل غير سياق الاحتجاج بالآيات إلى سياق الاحتجاج بصفاته الفعلية ~~وأوردها إلى آخر السورة في أربعة فصول يورد في كل فصل شيئا من صفات الفعل ~~المستوجبة للوحدانية والمعاد وهي قوله: "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده" ~~إلخ، وقوله: "الله الذي خلقكم ثم رزقكم" إلخ، وقوله: "الله الذي يرسل ~~الرياح" إلخ، وقوله: "الله الذي خلقكم من ضعف" ms6043 إلخ. # وإنما لم يبدأ الفصل الأول باسم الجلالة كما بدأ به في الفصول الأخر لسبق ~~ذكره في الآية السابقة عليه المتصلة به أعني قوله: "وله من في السماوات ~~والأرض كل له قانتون" الذي هو كالبرزخ المتوسط بين السياقين، فقوله: "وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده" فصل في صورة الوصل. # قوله تعالى: "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه" إلى آخر ~~الآية، بدء الخلق إنشاؤه ابتداء من غير مثال سابق والإعادة إنشاء بعد إنشاء. # وقوله: "وهو أهون عليه" الضمير الأول للإعادة المفهوم من قوله: "يعيد" ~~والضمير الثاني راجع إليه تعالى على ما يتبادر من السياق. # وقد استشكل قوله: "وهو أهون عليه" الدال ظاهرا على كون الإعادة أسهل ~~وأهون عليه من البدء وهو ينافي كون قدرته مطلقة غير محدودة فإن القدرة ~~اللامتناهية لا تختلف حالها في تعلقها بشيء دون شيء فتعلقها بالصعب والسهل ~~على السواء فلا معنى لاسم التفضيل هاهنا. # وقد أجيب عنه بوجوه: منها: أن ضمير "عليه" راجع إلى الخلق دونه تعالى ~~والإعادة أهون على الخلق لأنه مسبوق بالابتداء الذي يسهل الفعل على الفاعل ~~بتحققه منه مرة أو أزيد بخلاف الابتداء الذي لا يسبقه فعل، فالابتداء أصعب ~~بالطبع بالنسبة إلى الإعادة والإعادة بالعكس، فالمعنى: أن الإعادة أهون من ~~البدء بالنسبة إلى الخلق وإذا كان كذلك بالنسبة إلى الخلق فما ظنك بالخالق. # وفيه أن رجوع الضمير إلى الخلق خلاف ظاهر الآية. PageV16P090 # ومنها: أن أفعل هاهنا منسلخ عن معنى التفضيل فأهون عليه بمعنى هين عليه ~~نظير قوله: "ما عند الله خير من اللهو". # وفيه أنه تحكم ظاهر لا دليل عليه. # ومنها: أن التفضيل إنما هو للإعادة في نفسها بالقياس إلى الإنشاء ~~الابتدائي لا بالنسبة إليه تعالى ووقوع التفضيل بين فعل منه وفعل لا بأس به ~~كما في قوله تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس": المؤمن: 57. # وهذا هو الذي يستفاد من كلام الزمخشري إذ يقول: فإن قلت: ما بال الإعادة ~~استعظمت في قوله: "ثم إذا دعاكم" حتى كأنها فضلت على ms6044 قيام السماوات والأرض ~~بأمره ثم هونت بعد ذلك؟ قلت: الإعادة في نفسها عظيمة لكنها هونت بالقياس ~~إلى الإنشاء. # انتهى. # وفيه أن تقييد الوصف بقوله: "عليه" أصدق شاهد على أن القياس الواقع بين ~~الإعادة والإنشاء إنما هو بالنسبة إليه تعالى لا بين نفس الإعادة والإنشاء ~~فالإشكال على ما كان. # ومنها: أن التفضيل إنما هو بالنظر إلى الأصول الدائرة بين الناس ~~والموازين المتبعة عندهم لا بالنظر إلى الأمر في نفسه، لما يرون أن تكرر ~~الوقوع حتى لمرة واحدة يوجب سهولته على الفاعل بالنسبة إلى الفعل غير ~~المسبوق بمثله فكأنه قيل: والإعادة أهون عليه بالنظر إلى أصولكم العلمية ~~المتبعة عندكم وإلا فالإنشاء والإعادة بالنسبة إليه تعالى على السواء. # وفيه أنه معنى صحيح في نفسه لكن الشأن في استفادته من اللفظ ولا شاهد ~~عليه من جهة لفظ الآية. # ومنها: ما ذكره أيضا في الكشاف، قال: ووجه آخر وهو أن الإنشاء من قبيل ~~التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله والإعادة من قبيل ~~الواجب الذي لا بد له من فعله لأنها لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب والأفعال ~~إما محال والمحال ممتنع أصلا خارج عن المقدور وأما ما يصرف الحكيم عن فعله ~~صارف وهو القبيح وهو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه ~~الإحالة، وإما تفضل والتفضل حالة بين بين للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله، ~~وإما واجب لا بد من فعله ولا سبيل إلى الإخلال به. # فكان الواجب أبعد الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول فلما كانت ~~الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعد الأفعال من الامتناع وإذا كانت أبعدها من ~~الامتناع كانت أدخلها في التأتي والتسهل فكانت أهون منها وإذا كانت أهون ~~منها كانت أهون من الإنشاء انتهى. # وفيه أولا: أنه مبني على تحقق الأشياء بالأولوية دون الوجوب وقد تحقق في ~~محله بطلانه. # وثانيا: أن القرب والبعد اللذين ذكرهما تصوير عقلي محض والسهولة والصعوبة ~~وصفان وجوديان يتصف بهما وجود الشيء من حيث صدوره عن فاعله الموجد له ولا ~~يبتني الوصف ms6045 الوجودي على الاعتبار العقلي. # وثالثا: أن الإنشاء أيضا كالإعادة في الابتناء على المصلحة وهي الغاية ~~فما لم يكن الإنشاء ذا مصلحة موجبة لم يتحقق كما أن الإعادة كذلك فهما في ~~القرب والبعد من الامتناع على السواء كما قيل. # ورابعا: أن مقتضى هذا الوجه كون الإعادة أهون من الإنشاء بالنظر إلى ~~أنفسهما فيعود في الحقيقة إلى الوجه الثالث ويتوجه إليه ما توجه إليه. # والذي ينبغي أن يقال أن الجملة أعني قوله: "وهو أهون عليه" معلل بقوله ~~بعده: "وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم" فهو الحجة ~~المثبتة لقوله: "وهو أهون عليه". # والمستفاد من قوله: "وله المثل الأعلى" إلخ، إن كل وصف كمالي يمثل به شيء ~~في السماوات والأرض كالحياة والقدرة والعلم والملك والجود والكرم والعظمة ~~والكبرياء وغيرها فلله سبحانه أعلى ذلك الوصف وأرفعها من مرتبة تلك ~~الموجودات المحدودة كما قال: "ولله الأسماء الحسنى": الأعراف: 180. # وذلك أن كل وصف من أوصاف الكمال اتصف به شيء مما في السماوات والأرض فله ~~في حد نفسه ما يقابله فإنه مما أفاضه الله عليه وهو في نفسه خال عنه فالحي ~~منها ميت في ذاته والقادر منها عاجز في ذاته ولذلك كان الوصف فيها محدودا ~~مقيدا بشيء دون شيء وحال دون حال، وهكذا فالعلم فيها مثلا ليس مطلقا غير ~~محدود بل محدود مخلوط بالجهل بما وراءه وكذلك الحياة والقدرة والملك ~~والعظمة وغيرها. PageV16P091 # والله سبحانه هو المفيض لهذه الصفات من فضله والذي له من معنى هذه الصفات ~~مطلق غير محدود وصرف غير مخلوط فلا جهل في مقابل علمه ولا ممات يقابل حياته ~~وهكذا فله سبحانه من كل صفة يتصف به الموجودات السماوية والأرضية - وهي ~~صفات غير ممحضة ولا مطلقة - ما هو أعلاها أي مطلقها ومحضها. # فكل صفة توجد فيه تعالى وفي غيره من المخلوقات، فالذي فيه أعلاها وأفضلها ~~والذي في غيره مفضول بالنسبة إلى ما عنده. # ولما كانت الإعادة متصفة بالهون إذا قيس إلى الإنشاء فيما عند الخلق فهو ~~عنده تعالى أهون أي هون محض غير ms6046 مخلوط بصعوبة ومشقة بخلاف ما عندنا معاشر ~~الخلق ولا يلزم منه أن يكون في الإنشاء صعوبة ومشقة عليه تعالى لأن المشقة ~~والصعوبة في الفعل تتبع قدرة الفاعل بالتعاكس فكلما قلت القدرة كثرت المشقة ~~وكلما كثرت قلت حتى إذا كانت القدرة غير متناهية انعدمت المشقة من رأس، ~~وقدرته تعالى غير متناهية فلا يشق عليه فعل أصلا وهو المستفاد من قوله: "إن ~~الله على كل شيء قدير" فإن القدرة إذا جاز تعلقها بكل شيء لم تكن إلا غير ~~متناهية فافهم ذلك. # وقوله: "وله المثل الأعلى في السماوات والأرض" تقدم أنه في مقام الحجة ~~بالنسبة إلى قوله: "وهو أهون عليه" ومحصله أن كل صفة كمالية يتصف به شيء ~~مما في السماوات والأرض من جمال أو جلال فإن لله سبحانه أعلاها أي مطلقها ~~من غير تقييد ومحضها من غير شوب وصرفها من غير خلط. # وقوله: "وهو العزيز الحكيم" في مقام التعليل بالنسبة إلى قوله: "وله ~~المثل الأعلى" إلخ، أي إنه تعالى عزيز واجد لكل ما يفقده غيره ممتنع من أن ~~يمتنع عليه شيء حكيم لا يعرض فعله فتور، ولو لم تكن صفة من صفاته مثلا أعلى ~~مما عند غيره من الممكنات كانت محدودة غير مطلقة ومخلوطة غير صرفة غير ~~خالية من النقص والقصور فاستذله ذاك القصور فلم يكن عزيزا على الإطلاق ~~وأحدث ذاك النقص في فعله ثلمة وفتورا فلم يكن حكيما على الإطلاق. # قوله تعالى: "ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء ~~فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم" إلخ، "من" في قوله: ~~"من أنفسكم" لابتداء الغاية أي ضرب لكم مثلا متخذا من أنفسكم منتزعا من ~~الحالات التي لديكم، وقوله: "هل لكم" شروع في المثل المضروب والاستفهام ~~للإنكار، و"ما" في "مما ملكت" للنوع أي من نوع ما ملكت أيمانكم من العبيد ~~والإماء، و"من" في "من شركاء" زائدة وهو مبتدأ، وقوله: "فأنتم فيه سواء" ~~تفريع على الشركة، و"أنتم" خطاب شامل للمالكين والمملوكين على طريق ~~التغليب، وقوله: "تخافونهم كخيفتكم أنفسكم" ms6047 أي تخافون المماليك الشركاء أن ~~تستبدوا في تصرف المال المشترك من غير إذن منهم ورضى كما تخافون أنفسكم من ~~الشركاء الأحرار. # وهذا مثل ضربه الله لبيان بطلان ما يزعمون أن الله سبحانه مما خلق شركاء ~~في الألوهية والربوبية وقد ألقى المثل في صورة الاستفهام الإنكاري: هل يوجد ~~بين مماليككم من العبيد والإماء من يكونون شركاء لكم في الأموال التي ~~رزقناكم - والحال أنهم مماليك لكم تملكونهم وما في أيديهم - بحيث تخافونهم ~~من التصرف في أموالكم بغير إذن منهم ورضى كما تخافون الشركاء الأحرار من ~~نوع أنفسكم؟!. # لا يكون ذلك أبدا ولا يجوز أن يكون المملوك شريكا لمولاه في ماله وإذا لم ~~يجز فكيف يجوز أن يكون بعض من خلقه الله كالملائكة والجن وهم عبيده ~~المملوكون شركاء له فيما يملك من مخلوقيه وآلهة وأربابا من دونه؟. # ثم تمم الكلام بقوله: "كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون" وفيه تمهيد لما ~~يتلوه من الكلام. # قوله تعالى: "بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ~~وما لهم من ناصرين" إضراب عما يستفاد من ذيل الآية السابقة والتقدير وهؤلاء ~~المشركون لم يبنوا شركهم على التعقل بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم. # وكان مقتضى الظاهر أن يقال: بل اتبع الذين أشركوا وإنما بدله من قوله: ~~"بل اتبع الذين ظلموا" فوصفهم بالظلم ليتعلل به ما سيصفهم بالضلال في قوله: ~~"فمن يهدي من أضل الله" فالظلم يستتبع الإضلال الإلهي، قال تعالى: "يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27. PageV16P092 # فقوله: "فمن يهدي من أضل الله" استفهام إنكاري مدلوله الإيئاس من نعمة ~~الهداية للمشركين المتبعين لأهوائهم مع ظهور الحق لهم لمكان ظلمهم الموجب ~~لإضلالهم وقد تكرر في كلامه تعالى: "إن الله لا يهدي القوم الظالمين". # وقوله: "وما لهم من ناصرين" نفي لنجاتهم بنصرة الناصرين لهم من غيرهم بعد ~~ما لم ينالوا النجاة من الضلال وتبعاته من عند أنفسهم لإضلال الله لهم ونفي ~~الجمع دليل على ms6048 أن لغيرهم ناصرين كالشفعاء. # وقول القائل إن معنى نفي الناصرين لهم أنه ليس لواحد منهم ناصر واحد على ~~ما هو المشهور من مقابلة الجمع بالجمع غير مطرد. # ومعنى الآية: بل اتبع الذين ظلموا بشركهم أهواءهم بغير علم وتعقل فأضلهم ~~الله بظلمهم ولا هادي يهديهم وليس لهم ناصرون ينصرونهم. # قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" الكلام متفرع ~~على ما تحصل من الآيات السابقة المثبتة للمبدإ والمعاد أي إذا ثبت أن الخلق ~~والتدبير لله وحده لا شريك له وهو سيبعث ويحاسب ولا نجاة لمن أعرض عنه ~~وأقبل على غيره فأقم وجهك للدين والزمه فإنه الدين الذي تدعو إليه الخلقة ~~الإلهية. # وقيل: الكلام متفرع على معنى التسلية المفهوم من سياق البيان السابق ~~الدال على ما هو الحق وأن المشركين لظلمهم اتبعوا الأهواء وأعرضوا عن ~~التعقل الصحيح فأضلهم الله ولم يأذن لناصر ينصرهم بالهداية ولا لمنقذ ~~ينقذهم من الضلال لا أنت ولا غيرك فاستيئس منهم واهتم بخاصة نفسك ومن تبعك ~~من المؤمنين وأقم وجهك ومن تبعك للدين. # فقوله: "فأقم وجهك للدين" المراد بإقامة الوجه للدين الإقبال عليه ~~بالتوجه من غير غفلة منه كالمقبل على الشيء بقصر النظر فيه بحيث لا يلتفت ~~عنه يمينا وشمالا والظاهر أن اللام في الدين للعهد والمراد به الإسلام. # وقوله: "حنيفا" حال من فاعل أقم وجوز أن يكون حالا من الدين أو حالا من ~~الوجه والأول أظهر وأنسب للسياق، والحنف ميل القدمين إلى الوسط والمراد به ~~الاعتدال. # وقوله: "فطرة الله التي فطر الناس عليها" الفطرة بناء نوع من الفطر بمعنى ~~الإيجاد والإبداع و"فطرة الله" منصوب على الإغراء أي الزم الفطرة ففيه ~~إشارة إلى أن هذا الدين الذي يجب إقامة الوجه له هو الذي يهتف به الخلقة ~~ويهدي إليه الفطرة الإلهية التي لا تبديل لها. # وذلك أنه ليس الدين إلا سنة الحياة والسبيل التي يجب على الإنسان أن ~~يسلكها حتى يسعد في حياته ms6049 فلا غاية للإنسان يتبعها إلا السعادة وقد هدي كل ~~نوع من أنواع الخليقة إلى سعادته التي هي بغية حياته بفطرته ونوع خلقته ~~وجهز في وجوده بما يناسب غايته من التجهيز، قال تعالى: "ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، وقال: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3. # فالإنسان كسائر الأنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه ~~ورفع حوائجه وتهتف له بما ينفعه وما يضره في حياته، قال تعالى: "ونفس وما ~~سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8، وهو مع ذلك مجهز بما يتم له به ~~ما يجب له أن يقصده من العمل، قال تعالى: "ثم السبيل يسره": عبس: 20. # فللإنسان فطرة خاصة تهديه إلى سنة خاصة في الحياة وسبيل معينة ذات غاية ~~مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة وهو قوله: "فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها" وليس الإنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعا واحدا لا يختلف ما ~~ينفعه وما يضره بالنظر إلى هذه البنية المؤلفة من روح وبدن فما للإنسان من ~~جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة وشقاء واحد فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه ~~عمله سنة واحدة ثابتة يهديه إليها هاد واحد ثابت. # وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة ولذلك عقب قوله "فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها" بقوله: "لا تبديل لخلق الله". PageV16P093 # فلو اختلفت سعادة الإنسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن ~~سعادة الأفراد المجتمعين، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأقطار التي تعيش ~~فيها الأمم المختلفة بمعنى أن يكون الأساس الوحيد للسنة الاجتماعية أعني ~~الدين هو ما يقتضيه حكم المنطقة كان الإنسان أنواعا مختلفة باختلاف ~~الأقطار، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأزمنة بمعنى أن تكون الأعصار ~~والقرون هي الأساس الوحيد للسنة الدينية اختلفت نوعية كل قرن وجيل مع من ~~ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم ولم يسر الاجتماع الإنساني سير ~~التكامل ولم تكن الإنسانية متوجهة من النقص إلى الكمال إذ لا يتحقق النقص ~~والكمال إلا مع أمر مشترك ثابت محفوظ بينهما. # وليس المراد بهذا ms6050 إنكار أن يكون لاختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة ~~بعض التأثير في انتظام السنة الدينية في الجملة بل إثبات أن الأساس للسنة ~~الدينية هو البنية الإنسانية التي هي حقيقة واحدة ثابتة مشتركة بين ~~الأفراد، فللإنسانية سنة واحدة ثابتة بثبات أساسها الذي هو الإنسان وهي ~~التي تدير رحى الإنسانية مع ما يلحق بها من السنن الجزئية المختلفة باختلاف ~~الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة. # وهذا هو الذي يشير إلى قوله بعد: "ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون" وسنزيد المقام إيضاحا في بحث مستقل إن شاء الله تعالى. # وللقوم في مفردات الآية ومعناها أقوال أخر متفرقة: منها: أن المراد ~~بإقامة الوجه تسديد العمل فإن الوجه هو ما يتوجه إليه وهو العمل وإقامته ~~تسديده. # وفيه: أن وجه العمل هو غايته المقصودة منه وهي غير العمل والذي في الآية ~~هو "فأقم وجهك" ولم يقل فأقم وجه عملك. # ومنها: أن "فطرة الله" منصوب بتقدير أعني والفطرة هي الملة، والمعنى: ~~اثبت وأدم الاستقامة للدين أعني الملة التي خلق الله الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله. # وفيه: أنه مبني على اختلاف المراد بالفطرة وهي الملة و"فطر الناس" وهو ~~الخلقة والتفكيك خلاف ظاهر الآية ولو أخذ "فطر الناس" بمعنى الإدانة أي ~~الحمل على الدين وهو التوحيد بقي قوله: "لا تبديل لخلق الله" لا يلائم ما قبله. # على أن فيه خلاف ظاهر آخر وهو حمل الدين على التوحيد، ولو أخذ الدين ~~بمعنى الإسلام أو مجموع الدين كله وأبقيت الفطرة على معناه المتبادر منها ~~وهو الخلقة لم يستقم تقدير "أعني" فإن الدين بهذا المعنى غير الفطرة بمعنى ~~الخلقة. # ومنها: أن "فطرة" بدل من "حنيفا" والفطرة بمعنى الملة ويرد عليه ما يرد ~~على سابقه. # ومنها: أن "فطرة" مفعول مطلق لفعل محذوف مقدر، والتقدير: فطر الله فطرة ~~فطر الناس عليها وفساده غني عن البيان. # ومنها: أن معناه اتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله وهو ما دلك عليه ~~ابتداء خلقه للأشياء لأنه خلقهم وركبهم وصورهم على وجه يدل على أن ms6051 لهم ~~صانعا قادرا عالما حيا قديما واحدا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. # وفيه أنه مبني على كون "فطرة" منصوبا بتقدير اتبع وقد ذكره أبو السعود ~~وقبله أبو مسلم المفسر فيكون المراد من اتباع الفطرة اتباع دلالة الفطرة ~~بمعنى الخلقة والمراد بعدم تبديل الخلق عدم تغيره في الدلالة على الصانع ~~بما له من الصفات الكريمة، وهذا قريب من المعنى الذي قدمناه للآية بحمل ~~"فطرة" على الإغراء لكن يبقى عليه أن الآية عامة لا دليل على تخصيصها ~~بالتوحيد. # ومنها: أن لا في قوله: "لا تبديل لخلق الله" تفيد النهي أي لا تبدلوا خلق ~~الله أي دينه الذي أمرتم بالتمسك به، أو لا تبدلوا خلق الله بإنكار دلالته ~~على التوحيد ومنه ما نسب إلى ابن عباس أن المراد به النهي عن الخصاء. # وفيه أن لا دليل على أخذ الخلق بمعنى الدين ولا موجب لتسمية الإعراض عن ~~دلالة الخلقة أو إنكارها تبديلا لخلق الله. # وأما ما نسب إلى ابن عباس ففساده ظاهر. # ومنها: ما ذكره الرازي في التفسير الكبير، قال: ويحتمل أن يقال: خلق الله ~~الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيدا مثل ~~كون المملوك عبدا للإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل ~~لا - خروج للخلق عن العبادة والعبودية. PageV16P094 # وهذا لبيان فساد قول من يقول: العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة ~~فلا يبقى عليه تكليف، وقول المشركين: إن الناقص لا يصلح لعبادة الله وإنما ~~الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وقول النصارى إن عيسى كان يحل ~~الله فيه وصار إلها فقال: لا تبديل لخلق الله بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك. # انتهى. # وفيه أنه مغالطة بين الملك والعبادة التكوينيين والملك والعبادة ~~التشريعيين فإن ملكه تعالى الذي لا يقبل الانتقال والبطلان ملك تكويني ~~بمعنى قيام وجود الأشياء به تعالى والعبادة التي بإزائه عبادة تكوينية وهو ~~خضوع ذوات الأشياء له تعالى ولا تقبل التبديل والترك كما في قوله: "وإن من ~~شيء إلا يسبح ms6052 بحمده": إسراء: 44، وأما العبادة الدينية التي تقبل التبديل ~~والترك فهي عبادة تشريعية بإزاء الملك التشريعي المعتبر له تعالى فافهمه. # ولو دل قوله: "لا تبديل لخلق الله" على عدم تبديل الملك والعبادة ~~والعبودية لدل على التكويني منهما والذي يبدله القائلون بارتفاع التكليف عن ~~الإنسان الكامل أو بعبادة الكواكب أو المسيح فإنما يعني به التشريعي منهما. # قوله تعالى: "منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين" ~~تعميم للخطاب بعد تخصيصه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نظير قوله: "يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء": الطلاق: 1، وقوله: "فاستقم كما أمرت ومن تاب ~~معك ولا تطغوا": هود: 112، فيئول المعنى إلى نحو من قولنا: فأقم وجهك للدين ~~حنيفا أنت ومن معك منيبين إلى الله، والإنابة الرجوع بالتوبة. # وقوله: "واتقوه وأقيموا الصلاة" التقوى بحسب دلالة المقام يشمل امتثال ~~أوامره والانتهاء عن نواهيه تعالى فاختصاص إقامة الصلاة من بين سائر ~~العبادات بالذكر للاعتناء بشأنها فهي عمود الدين. # وقوله: "ولا تكونوا من المشركين" القول في اختصاصه من بين المحرمات ~~بالذكر نظير القول في الصلاة فالشرك بالله أكبر الكبائر الموبقة، وقد قال ~~تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: ~~48، إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: "من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" ~~"من" للتبيين و"من الذين فرقوا دينهم" إلخ، بيان للمشركين وفيه تعريفهم ~~بأخص صفاتهم في دينهم وهو تفرقهم في دينهم وعودهم شيعة شيعة وحزبا حزبا ~~يفرح ويسر كل شيعة وحزب بما عندهم من الدين والسبب في ذلك ما ذكره قبيل هذا ~~بقوله: "بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما ~~لهم من ناصرين" فبين أنهم بنوا دينهم على أساس الأهواء وأنه لا يهديهم ولا ~~هادي غيره. # ومن المعلوم أن هوى النفس لا يتفق في النفوس بل ولا يثبت على حال واحدة ~~دون أن يختلف باختلاف الأحوال وإذا كان هو الأساس للدين لم يلبث دون أن ~~يسير بسير الأهواء وينزل ms6053 بنزولها، ولا فرق في ذلك بين الدين الباطل والدين ~~الحق المبني على أساس الهوى. # ومن هنا يظهر أن النهي عن تفرق الكلمة في الدين نهي في الحقيقة عن بناء ~~الدين على أساس الهوى دون العقل، وربما احتمل كون الآية استئنافا من الكلام ~~وهو لا يلائم السياق. # وفي الآية ذم للمشركين بما عندهم من صفة التفرق في الكلمة والتحزب في الدين. # قوله تعالى: "وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون" التعبير بالمس للدلالة على القلة والخفة ~~وتنكير ضر ورحمة أيضا لذلك والمعنى: إذا أصاب الناس شيء من الضر ولو قليلا ~~كمرض ما وفقر ما وشدة ما دعوا ربهم وهو الله سبحانه حال كونهم راجعين من ~~غيره ثم إذا أذاقهم الله من عنده رحمة إذا فريق من هؤلاء الناس بربهم الذي ~~كانوا يدعونه ويعترفون بربوبيته يشركون باتخاذ الأنداد والشركاء. # أي إنهم كافرون للنعمة طبعا وإن اعترفوا بها عند الضر وقد أخذ لذلك فريقا ~~منهم لأن منهم من ليس كذلك. PageV16P095 # قوله تعالى: "ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون" تهديد لأولئك ~~المشركين عند إذاقة الرحمة واللام في "ليكفروا" للأمر الغائب وقوله: ~~"فتمتعوا" متفرع على سابقه وهو أمر آخر والأمران جميعا للتهديد، والالتفات ~~من الأمر الغائب إلى الأمر الحاضر لثوران الوجد والسخط من تفريطهم في جنب ~~الله واستهانتهم بأمره فقد بلغ منهم ذلك أن يتضرعوا عند الضر ويكفروا إذا كشف. # قوله تعالى: "أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون" ~~"أم" منقطعة والمراد بالإنزال الإعلام أو التعليم مجازا، والسلطان البرهان، ~~والمراد بالتكلم الدلالة مجازا فالمعنى بل أعلمناهم برهانا فهو يدل على ما ~~كانوا به يشركون أو بشركهم. # ويمكن أن يراد بالسلطان ذو السلطان وهو الملك فلا مجاز في الإنزال ~~والتكلم والمعنى: بل أأنزلنا عليهم ملكا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أو ~~بشركهم. # قوله تعالى: "وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون" الإذاقة كالمس ms6054 تدل على قليل النيل ويسيره، والقنوط اليأس. # وإذا الأولى شرطية والثانية فجائية والمقابلة بين "إذا" في إذاقة الرحمة ~~و"إن" في إصابة السيئة لأن الرحمة كثيرة قطعية والسيئة قليلة احتمالية، ~~ونسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة لأن الرحمة وجودية مفاضة منه تعالى ~~والسيئة عدمية هي عدم الإفاضة ولذا عللها بقوله: "بما قدمت أيديهم"، وفي ~~تعليل السيئة بذلك وعدم التعليل في جانب الرحمة بشيء إشارة إلى أن الرحمة تفضل. # والتعبير في الرحمة بقوله: "فرحوا" وفي السيئة بقوله: "إذا هم يقنطون" ~~للدلالة على حدوث القنوط ولم يكن بمترقب فإن الرحمة والسيئة بيد الله ~~والرحمة واسعة ولهذا عبر بالمضارع الدال على الحال لتمثيل حالهم. # والمراد بالآية بيان أن الناس لا يعدو نظرهم ظاهر ما يشاهدونه من النعمة ~~والنقمة إذا وجدوا فرحوا بها من غير أن يتبصروا ويعقلوا أن الأمر بيد غيرهم ~~وبمشية من ربهم إذا لم يشأ لم يكن، وإذا فقدوا قنطوا كان ليس ذلك بإذن من ~~ربهم وإذا لم يشأ لم يأذن وفتح باب النعمة فهم ظاهريون سطحيون. # وبهذا يتضح أن لا تدافع بين هذه الآية وبين قوله السابق: "وإذا مس الناس ~~ضر دعوا ربهم منيبين إليه" الآية وذلك أن مدلول هذه الآية أن أفهامهم سطحية ~~إذا وجدوا فرحوا وإذا فقدوا قنطوا ومدلول تلك أنهم إذا وجدوا فرحوا وإذا ~~فقدوا دعوا الله وهم قانطون من الشيء وأسبابه منيبين راجعين إلى الله ~~سبحانه فلا تدافع. # وربما أجيب بأن المراد بالناس في هذه الآية فريق آخر غير الفريق المراد ~~بالناس في الآية السابقة ولو فرض اتحادهما كان ما ذكر من دعائهم في حال ~~وقنوطهم في حال أخرى. # وأجيب عنه أيضا بأن الدعاء لساني جار على العادة ولا ينافي القنوط الذي ~~هو أمر قلبي وأنت خبير بما في كل من الجوابين من الفتور. # وأجيب أيضا أن المراد بقنوطهم فعلهم فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر ~~أيام الغلاء. # وفيه مضافا إلى عدم الدليل على ذلك أنه لا يلائم معنى المفاجأة في ~~القنوط. # قوله تعالى: "أولم يروا أن الله ms6055 يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون" بيان لخطئهم في المبادرة إلى الفرح والقنوط عند إذاقة ~~الرحمة وإصابة السيئة فإن الرزق في سعته وضيقه تابع لمشية الله فعلى ~~الإنسان أن يعلم أن الرحمة التي ذاقها والسيئة التي أصابته ممكنة الزوال ~~بمشية الله سبحانه ولا موجب للفرح بما لا يؤمن فقده ولا للقنوط مما يرجى زواله. # وأما أنه أمر ظاهر للإنسان مقطوع به كأنه يراه فلأن الرزق الذي يناله ~~الإنسان أو يكتسبه متوقف الوجود على ألوف وألوف من الأسباب والشرائط ليس ~~الإنسان الذي يراه لنفسه إلا أحد تلك الأسباب ولا السبب الذي يركن إليه ~~ويطيب به نفسا إلا بعض تلك الأسباب وعامة الأسباب منتهية إليه سبحانه فهو ~~الذي يعطي ويمنع وهو الذي يبسط ويقدر أي يوسع ويضيق، والباقي ظاهر. PageV16P096 # قوله تعالى: "فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل" إلخ، ذو القربى صاحب ~~القرابة من الأرحام والمسكين أسوأ حالا من الفقير وابن السبيل المسافر ذو ~~الحاجة، وإضافة الحق إلى الضمير تدل على أن لذي القربى حقا ثابتا، والخطاب ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فظاهر الآية بما تحتف به من القرائن أن ~~المراد بها الخمس والتكليف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتبعه غيره ~~ممن كلف بالخمس، والقرابة على أي حال قرابة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما في آية الخمس، هذا كله على تقدير كون الآية مدنية وأما على تقدير ~~كونها مكية كسائر آيات السورة فالمراد مطلق الإحسان للقرابة والمسكين وابن ~~السبيل. # ولعموم الآية معنى عمم ذكره أثره الجميل فقال: "ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله وأولئك هم المفلحون". # قوله تعالى: "وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند ~~الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" الربا نماء ~~المال، وقوله: "ليربوا" إلخ، يشير إلى وجه التسمية، فالمراد أن المال الذي ~~تؤتونه الناس ليزيد في أموالهم لا إرادة لوجه الله - بقرينة ذكر إرادة ~~الوجه في مقابله - فليس يزيد وينمو عند ms6056 الله أي لا تثابون عليه لعدم قصد الوجه. # وقوله: "وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" المراد ~~بالزكاة مطلق الصدقة أي إعطاء المال لوجه الله من غير تبذير، والمضعف ذو ~~الضعف، والمعنى: وما أعطيتم من المال صدقة تريدون وجه الله فأولئك هم الذين ~~يضاعف لهم مالهم أو ثوابهم. # فالمراد بالربا والزكاة بقرينة المقابلة وما احتف بهما من الشواهد، الربا ~~الحلال وهو العطية من غير قربة، والصدقة وهي إعطاء المال مع قصد القربة. # هذا كله على تقدير كون الآية مكية وأما على تقدير كونها مدنية فالمراد ~~بالربا الربا المحرم وبالزكاة هي الزكاة المفروضة. # وهذه الآية والتي قبلها أشبه بالمدنيات منهما بالمكيات ولا اعتبار بما ~~يدعى من الرواية أو الإجماع المنقول. ### |||| AUTO بحث روائي # في العيون، عن عبيد الله بن عباس قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فينا خطيبا فقال في آخر خطبته: نحن كلمة التقوى وسبيل الهدى والمثل ~~الأعلى والحجة العظمى والعروة الوثقى. # الحديث. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ضرب لكم مثلا من أنفسكم" الآية أن سبب ~~نزولها أن قريشا كانوا يحجون البيت بحج إبراهيم (عليه السلام) ويلبون ~~تلبيته: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ~~لا شريك لك. فجاءهم إبليس في صورة شيخ فغير تلبيتهم إلى قول: لبيك اللهم لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. فكانت قريش تلبي هذه التلبية حتى ~~بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنكر عليهم ذلك وقال: إنه شرك. ~~فأنزل الله عز وجل: "ضرب لكم مثلا من أنفسكم - هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء فيما رزقناكم - فأنتم فيه سواء" أي أترضون أنتم فيما تملكون أن ~~يكون لكم فيه شريك؟ فكيف ترضون أن تجعلوا لي شريكا فيما أملك؟. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قوله ~~تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا" قال: هي الولاية. # وفيه، بإسناده عن هشام بن سالم ms6057 عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: ~~"فطرة الله التي فطر الناس عليها" قال: التوحيد: أقول: ورواه أيضا عن ~~الحلبي وزرارة عنه (عليه السلام) ورواه الصدوق في التوحيد، عن العلاء بن ~~فضيل وزرارة وبكير عنه (عليه السلام). # وفي روضة الكافي، بإسناده عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: كانت شريعة نوح (عليه السلام) أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع ~~الأنداد، وهو الفطرة التي فطر الناس عليها. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن الهيثم الرماني عن الرضا عن أبيه عن جده عن ~~أبيه محمد بن علي (عليهما السلام): في قوله عز وجل: "فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها" قال: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ~~ولي الله إلى هاهنا التوحيد. # أقول: وروى هذا المعنى في بصائر الدرجات، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ~~ورواه في التوحيد، عن عبد الرحمن مولى أبي جعفر عنه (عليه السلام). PageV16P097 # ومعنى كون الفطرة هي الشهادات الثلاث أن الإنسان مفطور على الاعتراف بالله ~~لا شريك له بما يجد من الحاجة إلى الأسباب المحتاجة إلى ما وراءها وهو ~~التوحيد وبما يجد من النقص المحوج إلى دين يدين به ليكمله وهو النبوة، وبما ~~يجد من الحاجة إلى الدخول في ولاية الله بتنظيم العمل بالدين وهو الولاية ~~والفاتح لها في الإسلام هو علي (عليه السلام)، وليس معناه أن كل إنسان حتى ~~الإنسان الأولي يدين بفطرته بخصوص الشهادات الثلاث. # وإلى هذا يئول معنى الرواية السابقة أنها الولاية فإنها تستلزم التوحيد ~~والنبوة وكذا ما مر من تفسيره الفطرة بالتوحيد فإن التوحيد هو القول ~~بوحدانية الله تعالى المستجمع لصفات الكمال المستلزمة للمعاد والنبوة ~~والولاية فالمال في تفسيرها بالشهادات الثلاث والتوحيد والولاية واحد. # وفي المحاسن، بإسناده عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول ~~الله عز وجل "فطرة الله التي فطر الناس عليها" قال: فطرهم على معرفة أنه ~~ربهم ولو لا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ومن رازقهم؟. # وفي الكافي، بإسناده عن الحسين ms6058 بن نعيم الصحاف عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) في حديث قال: فقال (عليه السلام): إن الله عز وجل خلق الناس كلهم ~~على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة ولا كفرا بجحود ثم ~~بعث الله عز وجل الرسل يدعو العباد إلى الإيمان به فمنهم من هدى الله ومنهم ~~من لم يهده. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر واردة في تفسير قوله تعالى: "كان الناس ~~أمة واحدة": البقرة: 213 والمراد فيها بالإنسان الفطري الإنسان الساذج الذي ~~يعيش على الفطرة الإنسانية الذي لم يفسده الأوهام الفكرية والأهواء ~~النفسانية فإنه بالقوة القريبة من الفعل بالنسبة إلى أصول العقائد الحقة ~~وكليات الشرائع الإلهية فإنه يعيش ببعث وتحريك من فطرته وخصوص خلقته. # وأما الاهتداء إلى خصوص العقائد الحقة وتفاصيل الشرائع الإلهية فيتوقف ~~على هداية خاصة إلهية من طريق النبوة من الجزء الثاني من الكتاب. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن حماد بن عمرو الصفار قال: سألت ~~قتادة عن قوله تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها" فقال: حدثني أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها" قال: دين الله. # وفيه، أخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من مولود إلا يولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم "فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها" الآية. # أقول: ورواه أيضا عن مالك وأبي داود وابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولفظه: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء. # ورواه أيضا في الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~حديث قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل مولود يولد على ~~الفطرة يعني ms6059 على المعرفة بأن الله خالقه. # الحديث. # وفي التوحيد، بإسناده عن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا تضربوا أطفالكم على بكائهم فإن بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا ~~إله إلا الله، وأربعة أشهر الصلاة على النبي وأربعة أشهر الدعاء لوالديه. # أقول: هو حديث لطيف ومعناه: أن الطفل في الأربعة أشهر الأولى لا يعرف ~~أحدا وإنما يحس بالحاجة فيطلب بالبكاء رفعها والرافع لها هو الله سبحانه ~~فهو يتضرع إليه ويشهد له بالوحدانية. # وفي الأربعة أشهر الثانية يعرف من والديه واسطة ما بينه وبين رافع حاجته ~~من غير أن يعرفهما بشخصيهما والواسطة بينه وبين ربه هو النبي فبكاؤه طلب ~~الرحمة من ربه للنبي حتى يصل بتوسطه إليه. # وفي الأربعة أشهر الثالثة يميز والديه بشخصيهما عن غيرهما فبكاؤه دعاء ~~منه لهما وطلب جريان الرحمة من طريقهما إليه. # ففي الحديث ألطف الإشارة إلى كيفية جريان الفيض من مجرى الوسائط فافهم ذلك. PageV16P098 # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وآت ذا القربى حقه": وروى أبو سعيد الخدري ~~وغيره: أنه لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى ~~فاطمة (عليها السلام) فدكا وسلمه إليها وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن إبراهيم اليماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: الربا رباءان: ربا يؤكل وربا لا يؤكل، فأما الذي يؤكل فهديتك إلى ~~الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها فذلك الربا الذي يؤكل، وهو قول الله عز ~~وجل: "وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله" وأما ~~الذي لا يؤكل فهو الذي نهى الله عنه وأوعد عليه النار: أقول: ورواه أيضا في ~~التهذيب، عن إبراهيم بن عمر عنه (عليه السلام)، وفي تفسير القمي، عن حفص بن ~~غياث عنه (عليه السلام)، وفي المجمع، مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام). # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "فأولئك هم المضعفون" قال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): فرض الله الصلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة تسبيبا للرزق، ms6060 ~~والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، وصلة الأرحام منماة للعدد. # وفي الفقيه،: خطبة للزهراء (عليها السلام) وفيها: ففرض الله الإيمان ~~تطهيرا من الشرك والصلاة تنزيها عن الكبر والزكاة زيادة في الرزق. # كلام في معنى كون الدين فطريا، في فصول # 1 - إذا تأملنا هذه الأنواع الموجودة التي تتكون وتتكامل تدريجا سواء ~~كانت ذوات حياة وشعور كأنواع الحيوان أو ذات حياة فقط كأنواع النبات أو ~~ميتة غير ذي حياة كسائر الأنواع الطبيعية - على ما يظهر لنا - وجدنا كل نوع ~~منها يسير في وجوده سيرا تكوينيا معينا ذا مراحل مختلفة بعضها قبل بعض ~~وبعضها بعد بعض يرد النوع في كل منها بعد المرور بالبعض الذي قبله وقبل ~~الوصول إلى ما بعده ولا يزال يستكمل بطي هذه المنازل حتى ينتهي إلى آخرها ~~وهو نهاية كماله. # نجد هذه المراتب المطوية بحركة النوع يلازم كل منها مقامه الخاص به لا ~~يستقدم ولا يستأخر من لدن حركة النوع في وجوده إلى أن تنتهي إلى كماله ~~فبينها رابطة تكوينية يربط بها بعض المراتب ببعض بحيث لا يتجافى ولا ينتقل ~~إلى غير مكانه ومن هنا يستنتج أن للنوع غاية تكوينية يتوجه إليها من أول ~~وجوده حتى يبلغها. # فالجوزة الواحدة مثلا إذا استقرت في الأرض استقرارا يهيئها للنمو على ~~اجتماع مما يتوقف عليه النمو من العلل والشرائط كالرطوبة والحرارة وغيرهما ~~أخذ لبها في النمو وشق القشر وشرع في ازدياد من أقطار جسمه ولم يزل يزيد ~~وينمو حتى يصل إلى حد يعود فيه شجرة قوية خضراء مثمرة ولا يختلف حاله في ~~مسيره هذا التكويني وهو في أول وجوده قاصدا قاصدا تكوينيا إلى غايته ~~التكوينية التي هي مرتبة الشجرة الكاملة المثمرة. # وكذا الواحد من نوع الحيوان كالواحدة من الضأن مثلا لا نشك في أنها في ~~أول تكونها جنينا متوجهة إلى غايتها النوعية التي هي مرتبة الضأنة الكاملة ~~التي لها خواصها فلا تضل عن سبيلها التكوينية الخاصة بها إلى سبيل غيرها ~~ولا تنسى غايتها يوما فتسير إلى غير غايتها كغاية الفيلة مثلا أو غاية شجرة ms6061 ~~الجوز مثلا فكل نوع من الأنواع التكوينية له مسير خاص في استكمال الوجود ذو ~~مراتب خاصة مترتبة بعضها على بعض تنتهي إلى مرتبة هي غاية النوع ذاتا ~~يطلبها طلبا تكوينيا بحركته التكوينية والنوع في وجوده مجهز بما هو وسيلة ~~حركته وبلوغه إلى غايته. # وهذا التوجه التكويني لاستناده إلى الله يسمى هداية عامة إلهية وهي كما ~~عرفت لا تضل ولا تخطىء في تسيير كل نوع مسيره التكويني وسوقه إلى غايته ~~الوجودية بالاستكمال التدريجي وبإعمال قواه وأدواته التي جهز بها لتسهيل ~~مسيره إلى غايته، قال تعالى: "ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، ~~وقال: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أهوى": ~~الأعلى: 5. # 2 - نوع الإنسان غير مستثنى من كلية الحكم المذكور أعني شمول الهداية ~~العامة له فنحن نعلم أن النطفة الإنسانية من حين تشرع في التكون متوجهة إلى ~~مرتبة إنسان تام كامل له آثاره وخواصه قد قطع في مسيره مراحل الجنينية ~~والطفولية والمراهقة والشباب والكهولة والشيب. PageV16P099 # غير أن الإنسان يفارق سائر الأنواع الحيوانية والنباتية وغيرها فيما نعلم ~~في أمر وهو أنه لسعة حاجته التكوينية وكثرة نواقصه الوجودية لا يقدر على ~~تتميم نواقصه الوجودية ورفع حوائجه الحيوية وحده بمعنى أن الواحد من ~~الإنسان لا تتم له حياته الإنسانية وهو وحده بل يحتاج إلى اجتماع منزلي ثم ~~اجتماع مدني يجتمع فيه مع غيره بالازدواج والتعاون والتعاضد فيسعى الكل ~~بجميع قواهم التي جهزوا بها للكل ثم يقسم الحاصل من عملهم بين الكل فيذهب ~~كل بنصيبه على قدر زنته الاجتماعية. # وقد عرفت في سابق مباحث هذا الكتاب أن المدنية ليست بطبيعية للإنسان ~~بمعنى أن ينبعث إليه من ناحية طبيعته الإنسانية ابتداء بل له طبيعة مستخدمة ~~لغيره لنفع نفسه ما وجد إليه سبيلا فهو يستخدم الأمور الطبيعية ثم أقسام ~~النبات والحيوان في سبيل مقاصده الحيوية فهو باستخدام فرد مثله أو أفراد ~~أمثاله أجرأ لكنه يجد سائر الأفراد أمثاله في الأميال والمقاصد وفي ~~الجهازات والقوى فيضطر إلى المسالمة وأن يسلم لهم ms6062 حقوقا مثل ما يراه لنفسه. # وينتهي هذا التضارب بين المنافع أن يشارك البعض البعض في العمل التعاوني ~~ثم يقسم الحاصل من الأعمال بين الجميع ويعطى منه لكل ما يستحقه. # وكيف كان فالمجتمع الإنساني لا يتم انعقاده ولا يعمر إلا بأصول علميه ~~وقوانين اجتماعية يحترمها الكل وحافظ يحفظها من الضيعة ويجريها في المجتمع ~~وعند ذلك تطيب لهم العيشة وتشرف عليهم السعادة. # أما الأصول العلمية فهي معرفته إجمالا بما عليه نشأة الوجود من الحقيقة ~~وما عليه الإنسان من حيث البداية والنهاية فإن المذاهب المختلفة مؤثرة في ~~خصوص السنن المعمول بها في المجتمعات فالمعتقدون في الإنسان أنه مادي محض ~~ليس له من الحياة إلا الحياة المعجلة المؤجلة بالموت وأن ليس في دار الوجود ~~إلا السبب المادي الكائن الفاسدة ينظمون سنن اجتماعهم، بحيث تؤديهم إلى ~~اللذائذ المحسوسة والكمالات المادية ما وراءها شيء. # والمعتقدون بصانع وراء المادة كالوثنية يبنون سننهم وقوانينهم على إرضاء ~~الآلهة ليسعدوهم في حياتهم الدنيوية والمعتقدون بالمبدإ والمعاد يبنون ~~حياتهم على أساس يسعدهم في الحياة الدنيوية ثم في الحياة المؤبدة التي بعد ~~الموت فصور الحياة الاجتماعية تختلف باختلاف الأصول الاعتقادية في حقيقة ~~العالم والإنسان الذي هو جزء من أجزائه. # وأما القوانين والسنن الاجتماعية فلو لا وجود قوانين وسنن مشتركة يحترمها ~~المجتمعون جميعهم أو أكثرهم ويتسلمونها تفرق الجمع وانحل المجتمع. # وهذه السنن والقوانين قضايا كلية عملية صورها: يجب أن يفعل كذا عند كذا ~~أو يحرم أو يجوز وهي أيا ما كانت معتبرة في العمل لغايات مصلحة للاجتماع ~~والمجتمع تترتب عليها تسمى مصالح الأعمال ومفاسدها. # 3 - قد عرفت أن الإنسان إنما ينال ما قدر له من كمال وسعادة بعقد مجتمع ~~صالح يحكم فيه سنن وقوانين صالحة تضمن بلوغه ونيله سعادته التي تليق به ~~وهذه السعادة أمر أو أمور كمالية تكوينية تلحق الإنسان الناقص الذي هو أيضا ~~موجود تكويني فتجعله إنسانا كاملا في نوعه تاما في وجوده. # فهذه السنن والقوانين - وهي قضايا عملية اعتبارية - واقعة بين نقص ~~الإنسان وكماله متوسطة كالعبرة بين المنزلتين وهي كما ms6063 عرفت تابعة للمصالح ~~التي هي كمال أو كمالات إنسانية، وهذه الكمالات أمور حقيقية مسانخة ملائمة ~~للنواقص التي هي مصاديق حوائج الإنسان الحقيقية. # فحوائج الإنسان الحقيقية هي التي وضعت هذه القضايا العملية واعتبرت هذه ~~النواميس الاعتبارية، والمراد بالحوائج هي ما تطلبه النفس الإنسانية ~~بأميالها وعزائمها ويصدقه العقل الذي هو القوة الوحيدة التي تميز بين الخير ~~والنافع وبين الشر والضار دون ما تطلبه الأهواء النفسانية مما لا يصدقه ~~العقل فإنه كمال حيواني غير إنساني. # فأصول هذه السنن والقوانين يجب أن تكون الحوائج الحقيقة التي هي بحسب ~~الواقع حوائج لا بحسب تشخيص الأهواء النفسانية. PageV16P100 # وقد عرفت أن الصنع والإيجاد قد جهز كل نوع من الأنواع - ومنها الإنسان - من ~~القوى والأدوات بما يرتفع بفعاليته حوائجه ويسلك به سبيل الكمال ومنه ~~يستنتج أن للجهازات التكوينية التي جهز بها الإنسان اقتضاءات للقضايا ~~العملية المسماة بالسنين والقوانين التي بالعمل بها يستقر الإنسان في مقر ~~كماله مثل السنن والقوانين الراجعة إلى التغذي المعتبرة بما أن الإنسان ~~مجهز بجهاز التغذي والراجعة إلى النكاح بما أن الإنسان مجهز بجهاز التوالد ~~والتناسل. # فتبين أن من الواجب أن يتخذ الدين - أي الأصول العلمية والسنن والقوانين ~~العملية التي تضمن باتخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقية - من ~~اقتضاءات الخلقة الإنسانية وينطبق التشريع على الفطرة والتكوين، وهذا هو ~~المراد بكون الدين فطريا وهو قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم". # 4 - قد عرفت معنى كون الدين فطريا فالإسلام يسمى دين الفطرة لما أن ~~الفطرة الإنسانية تقتضيه وتهدي إليه. # ويسمى إسلاما لما أن فيه تسليم العبد لإرادة الله سبحانه منه، ومصداق ~~الإرادة وهي صفة الفعل تجمع العلل المؤلفة من خصوص خلقة الإنسان وما يحتف ~~به من مقتضيات الكون العام على اقتضاء الفعل أو الترك قال تعالى: "إن الدين ~~عند الله الإسلام". # ويسمى دين الله لأنه الذي يريده الله من عباده من فعل أو ترك، بما مر من ~~معنى الإرادة. # ويسمى سبيل الله لما أنه ms6064 السبيل التي أرادها الله أن يسلكها الإنسان ~~لتنتهي به إلى كماله وسعادته، قال تعالى: "الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا": الأعراف: 45. # وأما أن الدين الحق يجب أن يؤخذ من طريق الوحي والنبوة ولا يكفي فيه ~~العقل فقد تقدم بيانه في مباحث النبوة وغيرها من مباحث الكتاب. PageV16P101 ### ||| AUTO 30 سورة الروم - 40 - 47 # الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شىء سبحنه وتعلى عما يشركون (40) ظهر الفساد فى البر والبحر بما ~~كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا فى ~~الأرض فانظروا كيف كان عقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك ~~للدين القيم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من ~~كفر فعليه كفره ومن عمل صلحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزى الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت من فضله إنه لا يحب الكفرين (45) ومن ءايته أن يرسل الرياح ~~مبشرت وليذيقكم من رحمته ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينت فانتقمنا ~~من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثاني من الفصول الأربعة التي يحتج فيها بالأفعال الخاصة ~~به وإن شئت فقل: بأسماء الأفعال على إبطال الشركاء ونفي ربوبيتهم وألوهيتهم ~~وعلى إثبات المعاد. # قوله تعالى: "الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء" إلخ، اسم الجلالة مبتدأ و"الذي خلقكم" ~~خبره، وكذا قوله: "من يفعل" إلخ مبتدأ خبره "من شركائكم" المقدم عليه ~~والاستفهام إنكاري وقد ذكر في تركيب الآية احتمالات أخر. # والمعنى: أن الله سبحانه هو الذي اتصف بكذا وكذا وصفا من أوصاف الألوهية ~~والربوبية فهل من الآلهة الذين تدعون أنهم آلهة من يفعل شيئا من ذلكم يعني ~~من الخلق والرزق والإماتة والإحياء وإذ ليس منهم من يفعل شيئا من ذلكم ~~فالله سبحانه هو إلهكم وربكم لا إله إلا هو. ms6065 # ولعل الوجه في ذكر الخلق مع الرزق والإحياء والإماتة مع تكرر تقدم ذكره ~~في سلك الاحتجاجات السابقة الإشارة إلى أن الرزق لا ينفك عن الخلق بمعنى أن ~~بعض الخلق يسمى بالقياس إلى بعض آخر يديم بقاءه به رزقا فالرزق في الحقيقة ~~من الخلق فالذي يخلق الخلق هو الذي يرزق الرزق. # فليس لهم أن يقولوا: إن الرازق وكذا المحيي والمميت بعض آلهتنا كما ربما ~~يدعيه بعضهم أن مدبر عالم الإنسان بعض الآلهة ومدبر كل شأن من شئون العالم ~~من الخيرات والشرور بعضهم لكنهم لا يختلفون أن الخلق والإيجاد منه تعالى لا ~~يشاركه في ذلك أحد فإذا سلم ذلك ومن المسلم أن الرزق مثلا خلق وكذا سائر ~~الشئون لا تنفك عن الخلق رجع الأمر كالخلق إليه تعالى ولم يبق لآلهتهم شأن ~~من الشئون. # ثم نزه سبحانه نفسه عن شركهم فقال: "سبحانه وتعالى عما يشركون". # قوله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون" الآية بظاهر لفظها عامة لا تختص بزمان دون زمان ~~أو بمكان أو بواقعة خاصة، فالمراد بالبر والبحر معناهما المعروف ويستوعبان ~~سطح الكرة الأرضية. # والمراد بالفساد الظاهر المصائب والبلايا الظاهرة فيهما الشاملة لمنطقة ~~من مناطق الأرض من الزلازل وقطع الأمطار والسنين والأمراض السارية والحروب ~~والغارات وارتفاع الأمن وبالجملة كل ما يفسد النظام الصالح الجاري في ~~العالم الأرضي سواء كان مستندا إلى اختيار الناس أو غير مستند إليه. # فكل ذلك فساد ظاهر في البر أو البحر مخل بطيب العيش الإنساني. # وقوله: "بما كسبت أيدي الناس" أي بسبب أعمالهم التي يعملونها من شرك أو ~~معصية وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" الآية: الأعراف: 96، وأيضا في مباحث ~~النبوة من الجزء الثاني من الكتاب أن بين أعمال الناس والحوادث الكونية ~~رابطة مستقيمة يتأثر إحداهما من صلاح الأخرى وفسادها. PageV16P102 # وقوله: "ليذيقهم بعض الذي عملوا" اللام للغاية، أي ظهر ما ظهر لأجل أن ~~يذيقهم الله وبال ms6066 بعض أعمالهم السيئة بل ليذيقهم نفس ما عملوا وقد ظهر في ~~صورة الوبال وإنما كان بعض ما عملوا لأن الله سبحانه برحمته يعفو عن بعض ~~كما قال: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30. # والآية ناظرة إلى الوبال الدنيوي وإذاقة بعضه لأكله من غير نظر إلى وبال ~~الأعمال الأخروي فما قيل: إن المراد إذاقة الوبال الدنيوي وتأخير الوبال ~~الأخروي إلى يوم القيامة لا دليل عليه ولعله جعل تقدير الكلام: "ليذيقهم ~~بعض جزاء ما عملوا مع أن التقدير "ليذيقهم جزاء بعض ما عملوا"، لأن الذي ~~يحوجنا إلى تقدير المضاف - لو أحوجنا - هو أن الراجع إليهم ثانيا في صورة ~~الفساد هو جزاء أعمالهم لا نفس أعمالهم فالذي أذيقوا هو جزاء بعض ما عملوا ~~لا بعض جزاء ما عملوا. # وقوله: "لعلهم يرجعون" أي يذيقهم ما يذيقهم رجاء أن يرجعوا من شركهم ~~ومعاصيهم إلى التوحيد والطاعة. # ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه لما احتج في الآية السابقة على التوحيد ~~ونزهه عن شركهم أشار في هذه الآية إلى ما يستتبع الشرك - وهو معصية - من ~~الفساد في الأرض وإذاقة وبال السيئات فبين ذلك بيان عام. # ولهم في الآية تفاسير مختلفة عجيبة كقول بعضهم المراد بالأرض أرض مكة ~~وقول بعضهم: المراد بالبر القفار التي لا يجري فيها نهر وبالبحر كل قرية ~~على شاطىء نهر عظيم، وقول بعضهم: البر الفيافي ومواضع القبائل والبحر ~~السواحل والمدن التي عند البحر والنهر، وقول بعضهم: البر البرية والبحر ~~المواضع المخصبة الخضرة، وقول بعضهم: إن هناك مضافا محذوفا والتقدير في ~~البر ومدن البحر، ولعل الذي دعاهم إلى هذه الأقاويل ما ورد أن الآية ناظرة ~~إلى القحط الذي وقع بمكة إثر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~قريش لما لجوا في كفرهم وداموا على عنادهم فأرادوا تطبيق الآية على سبب ~~النزول فوقعوا فيما وقعوا من التكلف. # وقول بعضهم: إن المراد بالفساد في البر قتل ابن آدم أخاه وفي البحر أخذ ~~كل سفينة غصبا وهو كما ترى. # قوله تعالى: ms6067 "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين" أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمرهم أن يسيروا ~~في الأرض فينظروا إلى آثار الذين كانوا من قبل حيث خربت ديارهم وعفت آثارهم ~~وبادوا عن آخرهم وانقطع دابرهم بأنواع من النوائب والبلايا كان أكثرهم ~~مشركين فأذاقهم الله بعض ما عملوا ليعتبر به المعتبرون فيرجعوا إلى ~~التوحيد، فالآية في مقام الاستشهاد لمضمون الآية السابقة. # قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله يومئذ يصدعون" تفريع على ما تقدمه أي إذا كان الشرك والكفر بالحق بهذه ~~المثابة وله وبال سيلحق بالمتلبس به فأقم وجهك للدين القيم. # وقوله: "من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله" متعلق بقوله: "فأقم" ~~والمرد مصدر ميمي بمعنى الرد وهو بمعنى الراد واليوم الذي لا مرد له من ~~الله يوم القيامة. # وقوله: "يومئذ يصدعون" أصله يتصدعون، والتصدع في الأصل تفرق أجزاء ~~الأواني ثم استعمل في مطلق التفرق كما قيل، والمراد به - كما قيل - تفرقهم ~~يومئذ إلى الجنة والنار. # وقيل: المراد تفرق الناس بأشخاصهم كما يشير إليه قوله تعالى: "يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث": القارعة: 4. ولكل وجه، ولعل الأظهر امتياز ~~الفريقين كما سيأتي. # قوله تعالى: "من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون" الظاهر ~~أنه تفسير لقوله في الآية السابقة: "يتفرقون" وقوله: "من كفر فعليه كفره" ~~أي وبال كفره بتقدير المضاف أو نفس كفره الذي سينقلب عليه نارا يخلد فيها ~~وهذا أحد الفريقين. # وقوله: "ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون" مهد الفراش بسطه وإيطاؤه، وهؤلاء ~~الفريق الآخر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقد جيء بالجزاء "فلأنفسهم ~~يمهدون" جمعا نظرا إلى المعنى، كما أنه جيء به مفردا في الشرطية السابقة ~~"فعليه كفره" نظرا إلى اللفظ، واكتفى في الشرط بذكر العمل الصالح ولم يذكر ~~الإيمان معه لأن العمل إنما يصلح بالإيمان على أنه مذكور في الآية التالية. PageV16P103 # والمعنى: والذين عملوا عملا صالحا - بعد الإيمان - فلأنفسهم يوطئون ms6068 ما ~~يعيشون به ويستقرون عليه. # قوله تعالى: "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب ~~الكافرين" قال الراغب: الجزاء الغناء والكفاية، قال الله تعالى: "لا تجزي ~~نفس عن نفس شيئا"، وقال: "لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا" والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير وإن شرا فشر، يقال: ~~جزيته كذا وبكذا. # انتهى. # وقوله: "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله" اللام للغاية ولا ~~ينافي عد ما يؤتيهم جزاء - وفيه معنى المقابلة - عده من فضله وفيه معنى عدم ~~الاستحقاق وذلك لأنهم بأعيانهم وما يصدر عنهم من أعمالهم ملك طلق لله ~~سبحانه فلا يملكون لأنفسهم شيئا حتى يستحقوا به أجرا، وأين العبودية من ~~الملك والاستحقاق فما يؤتونه من الجزاء فضل من غير استحقاق. # لكنه سبحانه بفضله ورحمته اعتبر لهم ملكا لأعمالهم في عين أنه يملكهم ~~ويملك أعمالهم فجعل لهم بذلك حقا يستحقونه، وجعل ما ينالونه من الجنة ~~والزلفى أجرا مقابلا لأعمالهم وهذا الحق المجعول أيضا فضل آخر منه سبحانه. # ومنشأ ذلك حبه تعالى لهم لأنهم لما أحبوا ربهم أقاموا وجوههم للدين القيم ~~واتبعوا الرسول فيما دعا إليه فأحبهم الله كما قال: "قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله": آل عمران: 31. # ولذا كانت الآية تعد ما يؤتيهم الله من الثواب جزاء وفيه معنى المقابلة ~~والمبادلة وتعد ذلك من فضله نظرا إلى أن نفس هذه المقابلة والمبادلة فضل ~~منه سبحانه ومنشؤه حبه تعالى لهم كما يومىء إليه تذييل الآية بقوله: "إنه ~~لا يحب الكافرين". # ومن هنا يظهر أن قوله: "إنه لا يحب الكافرين"، يفيد التعليل بالنسبة إلى ~~جانبي النفي والإثبات جميعا أي أنه تعالى يخص المؤمنين العاملين للصالحات ~~بهذا الفضل ويحرم الكافرين منه لأنه يحب هؤلاء ولا يحب هؤلاء. # قوله تعالى: "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"، المراد بكون الرياح مبشرات ~~تبشيرها بالمطر حيث تهب قبيل نزوله. # وقوله: "وليذيقكم من رحمته" عطف ms6069 على موضع مبشرات لما فيه من معنى التعليل ~~والتقدير يرسل الرياح لتبشركم وليذيقكم من رحمته والمراد بإذاقة الرحمة ~~إصابة أنواع النعم المترتبة على جريان الرياح كتلقيح الأشجار ودفع العفونات ~~وتصفية الأجواء وغير ذلك مما يشمله إطلاق الجملة. # وقوله: "ولتجري الفلك بأمره" أي لجريان الرياح وهبوبها. # وقوله: "ولتبتغوا من فضله" أي لتطلبوا من رزقه الذي هو من فضله. # وقوله: "ولعلكم تشكرون"، غاية معنوية كما أن الغايات المذكورة من قبل ~~غايات صورية، والشكر هو استعمال النعمة بنحو ينبىء عن إنعام منعمه أو ~~الثناء اللفظي عليه بذكر إنعامه، وينطبق بالأخرة على عبادته ولذلك جيء بلعل ~~المفيدة للرجاء فإن الغايات المعنوية الاعتبارية ربما تخلفت. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ~~فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين" قال الراغب: أصل ~~الجرم - بالفتح فالسكون - قطع الثمرة عن الشجر - إلى أن قال - وأجرم صار ذا ~~جرم نحو أثمر وأتمر وألبن واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في ~~عامة كلامهم للكيس المحمود انتهى. # والآية كالمعترضة وكأنها مسوقة لبيان أن للمؤمنين حقا على ربهم وهو نصرهم ~~في الدنيا والآخرة ومنه الانتقام من المجرمين، وهذا الحق مجعول من قبله ~~تعالى لهم على نفسه فلا يرد عليه محذور لزوم كونه تعالى مغلوبا في نفسه ~~مقهورا محكوما لغيره. # وقوله: "فانتقمنا من الذين أجرموا" الفاء فصيحة أي فآمن بعضهم وأجرم ~~آخرون فانتقمنا من المجرمين وكان حقا علينا نصر المؤمنين بإنجائهم من ~~العذاب وإهلاك مخالفيهم، وفي الآية بعض الإشعار بأن الانتقام من المجرمين ~~لأجل المؤمنين فإنه من النصر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس" قال: في البر فساد الحيوان إذا لم يمطر وكذلك هلاك دواب البحر بذلك. PageV16P104 # وقال الصادق (عليه السلام): حياة دواب البحر بالمطر فإذا كف المطر ظهر ~~الفساد في البر والبحر، وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصي. # أقول: وهو من الجري. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن أبي الربيع الشامي قال: سألت ms6070 أبا عبد الله ~~(عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "قل سيروا في الأرض - فانظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبل" فقال: عنى بذلك أي انظروا في القرآن فانظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلكم". # وفي المجمع،: في قوله: "ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون": روى منصور بن ~~حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن العمل الصالح ليسبق صاحبه إلى ~~الجنة فيمهد له كما يمهد لأحدهم خادمه فراشه. # وفيه، وجاءت الرواية عن أم الدرداء أنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يقول: ما من امرىء يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله ~~أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم قرأ: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين": ~~أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ~~أبي الدرداء. PageV16P105 ### ||| AUTO 30 سورة الروم - 48 - 53 # الله الذى يرسل الريح فتثير سحابا فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفا ~~فترى الودق يخرج من خلله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ~~(48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى ءاثر ~~رحمت الله كيف يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحى الموتى وهو على كل شىء قدير ~~(50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهد العمى عن ~~ضللتهم إن تسمع إلا من يؤمن بئايتنا فهم مسلمون (53) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثالث من الآيات المحتجة من طريق أفعاله تعالى وإن شئت ~~فقل: أسماء أفعاله وعمدة غرضها الاحتجاج على المعاد، ولما كان عمدة إنكارهم ~~وجحودهم متوجها إلى المعاد وبإنكاره يلغو الأحكام والشرائع فيلغو التوحيد ~~عقب الاحتجاج بإيئاس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره بأن يشتغل ~~بدعوة في نفسه استعداد الإيمان وصلاحية الإسلام والتسليم للحق. # قوله تعالى: "الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء" إلى آخر الآية، الإثارة التحريك ms6071 والنشر والسحاب الغمام والسماء جهة ~~العلو فكل ما علاك وأظلك فهو سماء والكسف بالكسر فالفتح جمع كسفة وهي ~~القطعة والودق القطر من المطر والخلال جمع خلة وهي الفرجة. # والمعنى: الله الذي يرسل الرياح فتحرك وتنشر سحابا ويبسط ذلك السحاب في ~~جهة العلو من الجو كيف يشاء سبحانه ويجعله قطعات متراكبة متراكمة فترى قطر ~~المطر يخرج من فرجه فإذا أصاب بذلك المطر من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ~~لأنه مادة حياتهم وحياة الحيوان والنبات. # قوله تعالى: "وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين" الإبلاس: ~~اليأس والقنوط. # وضمير "ينزل" للمطر وكذا ضمير "من قبله" على ما قيل، وعليه يكون "من ~~قبله" تأكيدا لقوله: "من قبل أن ينزل عليهم" وفائدة التأكيد - على ما قيل - ~~الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من اليأس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله: "من ~~قبل أن ينزل عليهم" يحتمل الفسحة في الزمان فجاء "من قبله" للدلالة على ~~الاتصال ودفع ذلك الاحتمال. # وفي الكشاف، أن قوله: "من قبله" من باب التكرير والتوكيد كقوله تعالى: ~~"فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها" ومعنى التوكيد فيه الدلالة على ~~أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم فكان ~~الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. # انتهى. # وربما قيل: إن ضمير "من قبله" لإرسال الرياح، والمعنى: وإن كانوا من قبل ~~أن ينزل عليهم المطر من قبل إرسال الرياح لآيسين قانطين. # قوله تعالى: "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك ~~لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير" الآثار جمع الأثر وهو ما يبقى بعد الشيء ~~فيدل عليه كأثر القدم وأثر البناء واستعير لكل ما يتفرع على شيء، والمراد ~~برحمة الله المطر النازل من السحاب الذي بسطته الرياح، وآثارها ما يترتب ~~على نزول المطر من النبات والأشجار والأثمار وهي بعينها آثار حياة الأرض ~~بعد موتها. # ولذا قال: "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها" فجعل ~~آثار الرحمة التي هي المطر كيفية إحياء الأرض بعد موتها، ms6072 فحياة الأرض بعد ~~موتها من آثار الرحمة والنبات والأشجار والأثمار من آثار حياتها وهي أيضا ~~من آثار الرحمة والتدبير تدبير إلهي يتفرع على خلقة الرياح والسحاب والمطر. # وقوله: "إن ذلك لمحيي الموتى" الإشارة بذلك إليه تعالى بما له من الرحمة ~~التي من آثارها إحياء الأرض بعد موتها، وفي الإشارة البعيدة تعظيم، والمراد ~~بالموتى موتى الإنسان أو الإنسان وغيره من ذوي الحياة. PageV16P106 # والمراد بقوله: "إن ذلك لمحيي الموتى" الدلالة على المماثلة بين إحياء ~~الأرض الميتة وإحياء الموتى إذ في كل منهما موت هو سقوط آثار الحياة من شيء ~~محفوظ وحياة هي تجدد تلك الآثار بعد سقوطها، وقد تحقق الإحياء في الأرض ~~والنبات وحياة الإنسان وغيره من ذوي الحياة مثلها وحكم الأمثال فيما يجوز ~~وفيما لا يجوز واحد، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال وهو الأرض ~~والنبات فليجز في البعض الآخر. # وقوله: "وهو على كل شيء قدير" تقرير للإحياء المذكور ببيان آخر وهو عموم ~~القدرة فإن القدرة غير محدودة ولا متناهية فيشمل الإحياء بعد الموت وإلا ~~لزم تقيدها وقد فرضت مطلقة غير محدودة. # قوله تعالى: "ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون" ضمير ~~"فرأوه" للنبات المفهوم من السياق، وقوله "لظلوا" جواب للقسم قائم مقام ~~الجزاء، والمعنى: وأقسم لئن أرسلنا ريحا باردة فضربت زروعهم وأشجارهم ~~بالصفار ورأوه لظلوا بعده كافرين بنعمه. # ففي الآية توبيخهم بالتقلب السريع في النعمة والنقمة، فإذا لاحت لهم ~~النعمة بادروا إلى الاستبشار، وإذا أخذ بعض ما أنعم الله به من فضله لم ~~يلبثوا دون أن يكفروا بالمسلمات من النعم. # وقيل: ضمير "فرأوه" للسحاب لأن السحاب إذا كان أصفر لم يمطر، وقيل: للريح ~~فإنه يذكر ويؤنث، والقولان بعيدان. # قوله تعالى: "فإنك لا تسمع الموتى - إلى قوله - فهم مسلمون" تعليل لما ~~يفهم من السياق السابق كأنه قيل: لا تشتغل ولا تحزن بهؤلاء الذين تتبدل بهم ~~الأحوال من إبلاس واستبشار وكفر ومن عدم الإيمان بآياتنا وعدم تعقلها فإنهم ~~موتى وصم وعمي وأنت لا تقدر على إسماعهم وهدايتهم وإنما تسمع ms6073 وتهدي من يؤمن ~~بآياتنا أي يعقل هذه الحجج ويصدقها فهم مسلمون. # وقد تقدم تفسير الآيتين في سورة النمل. PageV16P107 ### ||| AUTO 30 سورة الروم - 54 - 60 # الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والايمن ~~لقد لبثتم فى كتب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ~~(56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا ~~للناس فى هذا القرءان من كل مثل ولئن جئتهم بئاية ليقولن الذين كفروا إن ~~أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر ~~إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الرابع من الآيات وهو كسابقه وفيها ختام السورة. # قوله تعالى: "الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا وشيبة" إلخ، الضعف والقوة متقابلان، و"من" في قوله: "من ضعف ~~للابتداء أي ابتداء خلقكم من ضعف أي ابتدأكم ضعفاء، ومصداقه على ما تفيده ~~المقابلة أول الطفولية وإن أمكن صدقه على النطفة. # والمراد بالقوة بعد الضعف بلوغ الأشد وبالضعف بعد القوة الشيخوخة ولذا ~~عطف عليه "شيبة" عطف تفسير، وتنكير "ضعف" و"قوة" للدلالة على الإبهام وعدم ~~تعين المقدار لاختلاف الأفراد في ذلك. # وقوله: "يخلق ما يشاء" أي كما شاء الضعف فخلقه ثم القوة بعده فخلقها ثم ~~الضعف بعدها فخلقه وفي ذلك أتم الإشارة إلى أن تتالي هذه الأحوال من الخلق ~~وإذ كان هذا النقل من حال إلى حال في عين أنه تدبير خلقا فهو لله الخالق ~~للأشياء فليس لقائل منهم أن يقول: إن ذلك من التدبير الراجع إلى إله ~~الإنسان، مثلا كما يقوله الوثنية. # ثم تمم الكلام بالعلم والقدرة فقال: "وهو العليم القدير". # قوله تعالى: "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ms6074 كذلك ~~كانوا يؤفكون"، هذه الآيات كالذنابة للآيات السابقة العادة للآيات والحجج ~~على وحدانيته تعالى والبعث، وكالتمهيد والتوطئة للآية التي تختتم بها ~~السورة فإنه لما عد شيئا من الآيات والحجج وأشار إلى أنهم ليسوا ممن يترقب ~~منهم الإيمان أو يطمع في إيمانهم أراد أن يبين أنهم في جهل من الحق يتلقون ~~الحديث الحق باطلا والآيات الصريحة الدلالة منعزلة عن دلالتها وكذلك يؤفكون ~~ولا عذر لهم يعتذرون به. # وهذا الإفك والتقلب من الحق إلى الباطل يدوم عليهم ويلازمهم حتى قيام ~~الساعة فيظنون أنهم لم يلبثوا في قبورهم فيما بين الموت والبعث غير ساعة من ~~نهار فاشتبه عليهم أمر البعث كما اشتبه عليهم كل حق فظنوه باطلا. # فقوله: "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة"، يحكي عنهم ~~اشتباه الأمر عليهم في أمر الفصل بين الدنيا ويوم البعث حتى ظنوه ساعة من ~~ساعات الدنيا. # وقوله: "كذلك كانوا يؤفكون" أي يصرفون من الحق إلى الباطل فيدعون إلى ~~الحق ويقام عليه الحجج والآيات فيظنونه باطلا من القول وخرافة من الرأي. # قوله تعالى: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث" إلخ، رد منهم لقول المجرمين: "ما لبثوا غير ~~ساعة" فإن المجرمين لإخلادهم إلى الأرض وتوغلهم في نشأة الدنيا يرون يوم ~~البعث والفصل بينه وبين الدنيا محكوما بنظام الدنيا فقدروا الفصل بساعة وهو ~~مقدار قليل من الزمان كأنهم ظنوا أنهم بعد في الدنيا لأنه مبلغ علمهم. # فرد عليهم أهل العلم والإيمان أن اللبث مقدر بالفصل بين الدنيا ويوم ~~البعث وهو الفصل الذي يشير إليه قوله: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون": ~~المؤمنون: 100. PageV16P108 # فاستنتجوا منه أن اليوم يوم البعث ولكن المجرمين لما كانوا في ريب من البعث ~~ولم يكن لهم يقين بغير الدنيا ظنوا أنهم لم يمر بهم إلا ساعة من ساعات ~~الدنيا وهذا معنى قولهم: "لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم ~~البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون"، أي كنتم جاهلين مرتابين لا يقين لكم ms6075 بهذا ~~اليوم ولذلك اشتبه عليكم أمر اللبث. # ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: "أوتوا العلم والإيمان"، اليقين والالتزام ~~بمقتضاه وأن العلم بمعنى اليقين بالله وبآياته والإيمان بمعنى الالتزام ~~بمقتضى اليقين من الموهبة الإلهية، ومن هنا يظهر أيضا أن المراد بكتاب الله ~~الكتب السماوية أو خصوص القرآن لا غيره وقول بعضهم: إن في الآية تقديما ~~وتأخيرا والتقدير وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم ~~إلى يوم البعث لا يعتد به. # قوله تعالى: "فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون" ~~الاستعتاب طلب العتبى، والعتبى إزالة العتاب أي لا ينفعهم المعذرة عن ظلمهم ~~ولا يطلب منهم أن يزيلوا العتاب عن أنفسهم. # قوله تعالى: "ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل" إلخ، إشارة إلى ~~كونهم مأفوكين مصروفين عن الحق حيث لا ينفعهم مثل يقرب الحق من قلوبهم ~~لأنها مطبوع عليها، ولذا عقبه بقوله: "ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا ~~إن أنتم إلا مبطلون" أي جاءون بالباطل وهذا القول منهم لأنهم مصروفون عن ~~الحق يرون كل حق باطلا، ووضع الموصول والصلة موضع الضمير للدلالة على سبب القول. # قوله تعالى: "كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون"، أي يجهلون بالله ~~وآياته ومنها البعث وهم يصرون على جهلهم وارتيابهم. # قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون"، أي ~~فاصبر على ما يواجهونك به من قولهم: "إن أنتم إلا مبطلون" وسائر تهكماتهم، ~~إن وعد الله أنه ينصرك حق كما أومأ إليه بقوله: "وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين"، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون بوعد الله سبحانه. # وقول بعضهم: إن المعنى لا يوقنون بما تتلو عليهم من الآيات البينات ~~بتكذيبهم لها وإيذائهم لك بأباطيلهم، ليس بشيء وقد بدأت السورة بالوعد ~~وختمت بالوعد والوعدان جميعا بالنصرة. PageV16P109 ### || AUTO ### ||| AUTO 31 سورة لقمان - 1 - 11 # بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) تلك ءايت الكتب الحكيم (2) هدى ورحمة ~~للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم يوقنون (4) ~~أولئك على هدى من ربهم ms6076 وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشترى لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) ~~وإذا تتلى عليه ءايتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره ~~بعذاب أليم (7) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت النعيم (8) خلدين ~~فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السموت بغير عمد ترونها وألقى ~~فى الأرض روسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأرونى ما ذا خلق الذين من ~~دونه بل الظلمون فى ضلل مبين (11) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة كما يومىء إليه فاتحتها وخاتمتها ويشير إليه سياق عامة آياتها ~~الدعوة إلى التوحيد والإيقان بالمعاد والأخذ بكليات شرائع الدين. # ويلوح من صدر السورة أنها نزلت في بعض المشركين حيث كان يصد الناس عن ~~استماع القرآن بنشر بعض أحاديث مزوقة ملهية كما ورد فيه الأثر في سبب نزول ~~قوله: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" الآية، وسيوافي حديثه. # فنزلت السورة تبين أصول عقائد الدين وكليات شرائعه الحقة وقصت شيئا من ~~خبر لقمان الحكيم ومواعظه تجاه أحاديثهم الملهية. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى: "ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل" الآية. # قوله تعالى: "تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين - إلى قوله - ~~يوقنون" تقدم تفسير مفردات هذه الآيات في السور السابقة. # وقد وصف الكتاب بالحكيم إشعارا بأنه ليس من لهو الحديث من شيء بل كتاب لا ~~انثلام فيه ليداخله لهو الحديث وباطل القول، ووصفه أيضا بأنه هدى ورحمة ~~للمحسنين تتميما لصفة حكمته فهو يهدي إلى الواقع الحق ويوصل إليه لا كاللهو ~~الشاغل للإنسان عما يهمه، وهو رحمة لا نقمة صارفة عن النعمة. # ووصف المحسنين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللتين هما العمدتان في ~~الأعمال وبالإيقان بالآخرة ويستلزم التوحيد والرسالة وعامة التقوى، كل ذلك ~~مقابلة الكتاب للهو الحديث المصغي إليه لمن ms6077 يستمع لهو الحديث. # قوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا" إلخ، اللهو ما يشغلك عما يهمك، ولهو الحديث: الحديث الذي ~~يلهي عن الحق بنفسه كالحكايات الخرافية والقصص الداعية إلى الفساد والفجور، ~~أو بما يقارنه كالتغني بالشعر أو بالملاهي والمزامير والمعازف فكل ذلك ~~يشمله لهو الحديث. # وقوله: "ليضل عن سبيل الله بغير علم" مقتضى السياق أن يكون المراد بسبيل ~~الله القرآن الكريم بما فيه من المعارف الحقة الاعتقادية والعلمية وخاصة ~~قصص الأنبياء وأممهم الخالية فإن لهو الحديث والأساطير المزوقة المختلقة ~~تعارض أولا هذه القصص ثم تهدم بنيان سائر المعارف الحقة وتوهنها في أنظار الناس. # ويؤيد ذلك قوله بعد: "ويتخذها هزوا" فإن لهو الحديث بما أنه حديث كما ~~سمعت يعارض أولا الحديث ويتخذه سخريا. # فالمراد بسبيل الله القرآن بما فيه من القصص والمعارف وكأن مراد من كان ~~يشتري لهو الحديث أن يضل الناس بصرفهم عن القرآن وأن يتخذ القرآن هزوا بأنه ~~حديث مثله وأساطير كأساطيره. # وقوله: "بغير علم" متعلق بيضل وهو في الحقيقة وصف ضلال الضالين دون إضلال ~~المضلين وإن كانوا أيضا لا علم لهم ثم هددهم بقوله: "أولئك لهم عذاب مهين" ~~أي مذل يوهنهم ويذلهم حذاء استكبارهم في الدنيا. PageV16P110 # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في ~~أذنيه وقرا" إلخ، وصف لذاك الذي يشتري لهو الحديث ليضل الناس عن القرآن ~~ويهزأ به والوقر الحمل الثقيل والمراد بكون الوقر على أذنيه أن يشد عليهما ~~ما يمنع من السمع وقيل: هو كناية عن الصمم. # والمعنى: وإذا تتلى على هذا المشتري لهو الحديث آياتنا أي القرآن ولى ~~وأعرض عنها وهو مستكبر كأن لم يسمعها قط كأنه أصم فبشره بعذاب أليم. # وقد أعيد إلى من يشتري ضمير الإفراد أولا كما في "يشتري" و"ليضل" ~~و"يتخذها" باعتبار اللفظ والضمير الجمع، ثانيا باعتبار المعنى ثم ضمير ~~الإفراد باعتبار اللفظ كما في "عليه" وغيره كذا قيل، ومن الممكن أن يكون ~~ضمير "لهم" في الآية السابقة ms6078 راجعا إلى مجموع المضل والضالين المدلول عليهم ~~بالسياق فتكون الضمائر الراجعة إلى "من" مفردة جميعا. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم - إلى قوله ~~- العزيز الحكيم" رجوع بعد إنذار ذاك المشتري وتهديده بالعذاب المهين ثم ~~العذاب الأليم إلى تبشير المحسنين وتطييب أنفسهم بجنة النعيم الخالدة ~~الموعودة من قبله تعالى ووعده الحق. # ولما كان غرض من اشترى لهو الحديث أن يلتبس الأمر على من يضله بغير علم ~~فيحسب القرآن من الأساطير الباطلة كأساطيره ويهين به وكان لا يعتني بما ~~تتلى عليه من الآيات مستكبرا وذلك استهانة بالله سبحانه أكد أولا ما وعده ~~للمحسنين بقوله: "وعد الله حقا" ثم وصف ثانيا نفسه بالعزة المطلقة، فلا ~~يطرأ عليه ذلة وأهانه والحكمة المطلقة فلا يداخل كلامه باطل ولا هزل ~~وخرافة. # ثم وصفه ثالثا بأنه الذي يدبر أمر السماء والأرض والنبات والحيوان ~~والإنسان لأنه خالقها فله أن يعد هؤلاء بالجنة وأولئك بالعذاب وهو قوله: ~~"خلق السماوات بغير عمد ترونها" إلخ. # قوله تعالى: "خلق السماوات بغير عمد ترونها" إلخ، تقدم في تفسير قوله ~~تعالى: "الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها": الرعد: 2، أن قوله: ~~"ترونها" يحتمل أن يكون قيدا توضيحيا، والمعنى أنكم ترونها ولا أعمدة لها، ~~وأن يكون قيدا احترازيا والمعنى خلقها بغير أعمدة مرئية إشعارا بأن هناك ~~أعمدة غير مرئية. # وقوله: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم"، أي ألقى فيها جبالا شامخة ~~لئلا تضطرب بكم وفيه إشعار بأن بين الجبال والزلازل رابطة مستقيمة. # وقوله: "وبث فيها من كل دابة" أي نشر في الأرض من كل حيوان يدب عليها. # وقوله: "وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم" أي وأنزلنا ~~من جهة العلو ماء وهو المطر وأنبتنا فيها شيئا من كل زوج نباتي شريف فيه ~~منافع وله فوائد، وفيه إشارة إلى تزوج النبات وقد تقدم الكلام فيه في نظيره. # والالتفات فيها من الغيبة إلى التكلم مع الغير للإشارة إلى كمال العناية ~~بأمره كما قيل. # قوله تعالى: "هذا خلق الله فأروني ms6079 ما ذا خلق الذين من دونه بل الظالمون ~~في ضلال مبين"، لما أراهم خلقه وتدبيره تعالى للسماوات والأرض وما عليها ~~فأثبت به ربوبيته وألوهيته تعالى كلفهم أن يروه شيئا من خلق آلهتهم إن ~~كانوا آلهة وأربابا فإن لم يقدروا على إراءة شيء ثبت بذلك وحدانيته تعالى ~~في ألوهيته وربوبيته. # وإنما كلفهم بإراءة شيء من خلق آلهتهم - وهم يعترفون أن الخلق لله وحده ~~ولا يسندون إلى آلهتهم خلقا وإنما ينسبون إليهم التدبير فقط، لأنه نسب إلى ~~الله خلقا هو بعينه تدبير من غير انفكاك، فلو كان لآلهتهم تدبير في العالم ~~كان لهم خلق ما يدبرون أمره وإذ ليس لهم خلق فليس لهم تدبير فلا إله إلا ~~الله ولا رب غيره. # وقد سيقت الآية خطابا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن نوع هذا ~~الخطاب "فأروني ما ذا خلق الذين من دونه" لا يستقيم من غيره (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: نزل قوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" في النضر ~~بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب كان يتجر فيخرج ~~إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدث بها قريشا ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم ~~بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة ~~فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن: عن الكلبي. PageV16P111 # أقول: وروى هذا المعنى في الدر المنثور، عن البيهقي عن ابن عباس، ولا يبعد ~~أن يكون ذلك سبب نزول تمام السورة كما تقدمت الإشارة إليه. # وفي المعاني، بإسناده عن يحيى بن عبادة عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~قلت: قوله عز وجل: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" قال: منه الغناء. # أقول: وروى هذا المعنى في الكافي، بإسناده عن مهران عنه (عليه السلام)، ~~وبإسناده عن الوشاء عن الرضا عنه (عليهما السلام)، وبإسناده عن الحسن بن ~~هارون عنه (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~سمعته يقول: الغناء مما أوعد الله ms6080 عليه النار وتلا هذه الآية: "ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا - أولئك لهم ~~عذاب مهين". # وفيه، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن كسب ~~المغنيات فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام والتي تدعى إلى الأعراس ليس به ~~بأس وهو قول الله عز وجل: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله". وفي المجمع، وروى أبو أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام وقد نزل تصديق ذلك في ~~كتاب الله: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" الآية: أقول: ورواه في الدر ~~المنثور، عن جم غفير من أصحاب الجوامع عن أبي أمامة عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وفيه، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: هو الطعن في الحق ~~والاستهزاء به وما كان أبو جهل وأصحابه يجيئون به إذ قال: يا معاشر قريش ~~ألا أطعمكم من الزقوم الذي يخوفكم به صاحبكم؟ ثم أرسل إلى زبد وتمر فقال: ~~هذا هو الزقوم الذي يخوفكم به. قال: ومنه الغناء. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن الحسين قال: ما قدست ~~أمة فيها البربط. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث - ليضل عن سبيل الله بغير علم" فهو ~~النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة من بني عبد الدار بن قصي، وكان النضر ذا ~~رواية لأحاديث الناس وأشعارهم، يقول الله عز وجل: "وإذا تتلى عليه آياتنا ~~ولى مستكبرا" الآية. # وفيه، عن أبيه عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: ~~قلت له: أخبرني عن قول الله تعالى: "والسماء ذات الحبك" قال: هي محبوكة إلى ~~الأرض وشبك بين أصابعه. فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول: "رفع ~~السماوات بغير عمد ترونها"؟ فقال: سبحان الله أليس يقول: "بغير عمد ~~ترونها"؟ فقلت: ms6081 بلى. فقال: فثم عمد ولكن لا ترونها. PageV16P112 ### ||| AUTO 31 سورة لقمان - 12 - 19 # ولقد ءاتينا لقمن الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غنى حميد (12) وإذ قال لقمن لابنه وهو يعظه يبنى لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الانسن بولديه حملته أمه وهنا على وهن وفصله ~~فى عامين أن اشكر لى ولولديك إلى المصير (14) وإن جهداك على أن تشرك بى ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب ~~إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يبنى إنها إن تك مثقال حبة ~~من خردل فتكن فى صخرة أو فى السموت أو فى الأرض يأت بها الله إن الله لطيف ~~خبير (16) يبنى أقم الصلوة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الأرض مرحا ~~إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر ~~الأصوت لصوت الحمير (19) ### |||| AUTO بيان # في الآيات إشارة إلى إيتاء لقمان الحكمة ونبذة من حكمه ومواعظه لابنه ولم ~~يذكر في القرآن إلا في هذه السورة ويناسب المورد من حيث مقابلة قصته ~~الممتلئة حكمة وموعظة لما قص من حديث من كان يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله بغير علم ويتخذها هزوا. # قوله تعالى: "ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله" إلخ، الحكمة على ما ~~يستفاد من موارد استعمالها هي المعرفة العلمية النافعة وهي وسط الاعتدال ~~بين الجهل والجربزة. # وقوله: "أن اشكر لي" قيل: هو بتقدير القول أي وقلنا: أن اشكر لي. # والظاهر أنه تفسير إيتائه الحكمة من غير تقدير القول، وذلك أن حقيقة ~~الشكر هي وضع النعم في موضعها الذي ينبغي له بحيث يشير إلى إنعام المنعم، ~~وإيقاعه كما هو حقه يتوقف على معرفة المنعم ومعرفة نعمه بما هي نعمة وكيفية ~~وضعها موضعه بحيث يحكي عن إنعامه فإيتاؤه الحكمة بعث له إلى الشكر فإيتاء ms6082 ~~الحكمة أمر بالشكر بالملازمة. # وفي قوله: "أن اشكر لله" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة وذلك أن ~~التكلم مع الغير من المتكلم إظهار للعظمة بالتكلم عن قبل نفسه وخدمه وقول ~~أن اشكر لنا على هذا لا يناسب التوحيد في الشكر وهو ظاهر. # وقوله: "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد" استغناء ~~منه تعالى أن نفع الشكر إنما يرجع إلى نفس الشاكر والكفر لا يتضرر به إلا ~~نفسه دونه سبحانه ومن يشكر فإنما يوقع الشكر لنفع نفسه ولا ينتفع به الله ~~سبحانه لغناه المطلق ومن كفر فإنما يتضرر به نفسه إن الله غني لا يؤثر فيه ~~الشكر نفعا ولا ضرا حميد محمود على ما أنعم سواء شكر أو كفر. # وفي التعبير عن الشكر بالمضارع الدال على الاستمرار وفي الكفر بالماضي ~~الدال على المرة إشعار بأن الشكر إنما ينفع مع الاستمرار لكن الكفر يتضرر ~~بالمرة منه. # قوله تعالى: "وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم" عظمة كل عمل بعظمة أثره وعظمة المعصية بعظمة المعصي فإن ~~مؤاخذة العظيم عظيمة فأعظم المعاصي معصية الله لعظمته وكبريائه فوق كل عظمة ~~وكبرياء بأنه الله لا شريك له وأعظم معاصيه معصيته في أنه الله لا شريك له. # وقوله: "إن الشرك لظلم عظيم" حيث أطلق عظمته من غير تقييد بقياسه إلى ~~سائر المعاصي يدل على أن له من العظمة ما لا يقدر بقدر. # قوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه" إلى آخر الآية، اعتراض واقع بين ~~الكلام المنقول عن لقمان وليس من كلام لقمان وإنما اطرد هاهنا للدلالة على ~~وجوب شكر الوالدين كوجوب الشكر لله بل هو من شكره تعالى لانتهائه إلى وصيته ~~وأمره تعالى، فشكرهما عبادة له تعالى وعبادته شكر. # وقوله: "حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين" ذكر بعض ما تحملته أمه ~~من المحنة والأذى في حمله وتربيته ليكون داعيا له إلى شكرهما وخاصة الأم. PageV16P113 # والوهن الضعف وهو حال بمعنى ذات وهن أو مفعول ms6083 مطلق والتقدير تهن وهنا على ~~وهن، والفصال الفطم وترك الإرضاع، ومعنى كون الفصال في عامين تحققه بتحقق ~~العامين فيئول إلى كون الإرضاع عامين، وإذا ضم إلى قوله تعالى: "وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا": الأحقاف: 15، بقي لأقل الحمل ستة أشهر، وستكرر ~~الإشارة إليه فيما سيأتي. # وقوله: "أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير" تفسير لقوله: "وصينا" إلخ، في ~~أول الآية أي كانت وصيتنا هو أمرنا بشكرهما كما أمرناه بشكر الله، وقوله: ~~"إلي المصير" إنذار وتأكيد للأمر بالشكر. # والقول في الالتفات الواقع في الآية في قوله: "أن اشكر لي ولوالديك إلي ~~المصير" إلخ، من سياق التكلم مع الغير إلى سياق التكلم وحده كالقول في ~~الالتفات في قوله السابق: "أن اشكر لله". # قوله تعالى: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما" ~~إلى آخر الآية. # أي إن ألحا عليك بالمجاهدة أن تجعل ما ليس لك علم به أو بحقيقته شريكا لي ~~فلا تطعهما ولا تشرك بي، والمراد بكون الشريك المفروض لا علم به كونه ~~معدوما مجهولا مطلقا لا يتعلق به علم فيئول المعنى: لا تشرك بي ما ليس ~~بشيء، هذا محصل ما ذكره في الكشاف، وربما أيده قوله تعالى: "أتنبئونه بما ~~لا يعلم في السماوات ولا في الأرض": يونس: 18. # وقيل: "تشرك" بمعنى تكفر و"ما" بمعنى الذي، والمعنى: وإن جاهداك أن تكفر ~~بي كفرا لا حجة لك به فلا تطعهما ويؤيده تكرار نفي السلطان على الشريك في ~~كلامه تعالى كقوله: "ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان": يوسف: 40، إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله: "وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي" الجملتان ~~كالتلخيص والتوضيح لما تقدم في الآيتين من الوصية بهما والنهي عن إطاعتهما ~~إن جاهدا على الشرك بالله. # يقول سبحانه: يجب على الإنسان أن يصاحبهما في الأمور الدنيوية غير الدين ~~الذي هو سبيل الله صحابا معروفا ومعاشرة متعارفة غير منكرة من رعاية حالهما ~~بالرفق واللين من غير جفاء وخشونة وتحمل ms6084 المشاق التي تلحقه من جهتهما فليست ~~الدنيا إلا أياما معدودة متصرمة، وأما الوالدين فإن كانا ممن أناب إلى الله ~~فلتتبع سبيلهما وإلا فسبيل غيرهما ممن أناب إلى الله. # ومن هنا يظهر أن في قوله: "واتبع سبيل من أناب إلي" إيجازا لطيفا فهو ~~يفيد أنهما لو كانا من المنيبين إلى الله فلتتبع سبيلهما وإلا فلا يطاعا ~~ولتتبع سبيل غيرهما ممن أناب إلى الله. # وقوله: "ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" أي هذا الذي ذكر، ~~تكليفكم في الدنيا ثم ترجعون إلي يوم القيامة فأظهر لكم حقيقة أعمالكم التي ~~عملتموها في الدنيا فأقضي بينكم على حسب ما تقتضيه أعمالكم من خير أو شر. # وبما مر يظهر أن قوله: "في الدنيا" يفيد أولا قصر المصاحبة بالمعروف في ~~الأمور الدنيوية دون الدينية، وثانيا: تهوين أمر الصحبة وأنها ليست إلا في ~~أيام قلائل فلا كثير ضير في تحمل مشاق خدمتهما، وثالثا المقابلة ليوم ~~الرجوع إلى الله المشار إليه بقوله: "ثم إلي مرجعكم" إلخ. # قوله تعالى: "يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله" إلخ، ذكروا أن الضمير في "أنها" للخصلة ~~من الخير والشر لدلالة السياق على ذلك وهو أيضا اسم كان و"مثقال حبة" خبره، ~~والمراد بكونها في صخرة اختفاؤها بالاستقرار في جوف الصخرة الصماء أو في ~~السماوات أو في الأرض، والمراد بالإتيان بها إحضارها للحساب والجزاء. # كان الفصل السابق من كلامه المنقول راجعا إلى التوحيد ونفي الشريك وما في ~~هذه الآية فصل ثان في المعاد وفيه حساب الأعمال، والمعنى: يا بني إن تكن ~~الخصلة التي عملت من خير أو شر أخف الأشياء وأدقها كمثقال حبة من خردل فتكن ~~تلك الخصلة الصغيرة مستقرة في جوف صخرة أو في أي مكان من السماوات والأرض ~~يأت بها الله للحساب والجزاء لأن الله لطيف ينفذ علمه في أعماق الأشياء ~~ويصل إلى كل خفي خبير يعلم كنه الموجودات. # قوله تعالى: "يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه ms6085 عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" الآية وما بعدها من كلامه راجع إلى نبذة من ~~الأعمال والأخلاق الفاضلة. PageV16P114 # فمن الأعمال الصلاة التي هي عمود الدين ويتلوها الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ومن الأخلاق الصبر على ما يصيب من مصيبة. # وقوله: "إن ذلك من عزم الأمور" الإشارة إلى الصبر والإشارة البعيدة ~~للتعظيم والترفيع وقول بعضهم: إن الإشارة إلى جميع ما تقدم من الصلاة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر ليس في محله لتكرر عد الصبر من ~~عزم الأمور في كلامه تعالى كقوله: "ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور": ~~الشورى: 43، وقوله: "إن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور": آل عمران: 186. # والعزم - على ما ذكره الراغب - عقد القلب على إمضاء الأمر وكون الصبر - ~~وهو حبس النفس في الأمر - من العزم إنما هو من حيث إن العقد القلبي ما لم ~~ينحل وينفصم ثبت الإنسان على الأمر الذي عقد عليه فالصبر لازم الجد في ~~العقد والمحافظة عليه وهو من قدرة النفس وشهامتها. # وقول بعضهم: إن المعنى أن ذلك من عزيمة الله وإيجابه في الأمور بعيد وكذا ~~قول بعضهم: إن العزم هو الجزم وهو لغة هذيل. # قوله تعالى: "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب ~~كل مختال فخور" قال الراغب: الصعر ميل في العنق والتصعير إمالته عن النظر ~~كبرا قال: "ولا تصعر خدك للناس" وقال: المرح شدة الفرح والتوسع فيه انتهى. # فالمعنى: لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا ولا تمش في الأرض مشية من اشتد ~~فرحه إن الله لا يحب كل من تأخذه الخيلاء - وهو التكبر بتخيل الفضيلة - ~~ويكثر من الفخر. # وقال بعضهم إن معنى: "لا تصعر خدك للناس" لا تلو عنقك لهم تذللا عند ~~الحاجة وفيه أنه لا يلائمه ذيل الآية. # قوله تعالى: "واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" ~~القصد في الشيء الاعتدال فيه والغض - على ما ذكره الراغب - النقصان من ~~الطرف والصوت فغض الصوت النقص ms6086 والقصر فيه. # والمعنى: وخذ بالاعتدال في مشيك وبالنقص والقصر في صوتك إن أنكر الأصوات ~~لصوت الحمير لمبالغتها في رفعه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إن من الكبائر عقوق الوالدين واليأس من روح الله والأمن من ~~مكر الله وقد روي: أكبر الكبائر الشرك بالله. # وفي الفقيه، في الحقوق المروية عن سيد العابدين (عليه السلام): حق الله ~~الأكبر عليك أن تعبده ولا تشرك به شيئا فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على ~~نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة. قال: وأما حق أمك أن تعلم أنها حملتك ~~حيث لا يحتمل أحد أحدا وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا ووقتك ~~بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، ~~وتضحى وتظلك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحر والبرد لتكون لها فإنك لا تطيق ~~شكرها إلا بعون الله وتوفيقه. وأما حق أبيك فأن تعلم أنه أصلك فإنك لولاه ~~لم تكن فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه ~~فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله. # وفي الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله من أبر؟ ~~قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك. # وفي المناقب،: مر الحسين بن علي (عليهما السلام) على عبد الرحمن بن عمرو ~~بن العاص. فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء ~~فلينظر إلى هذا المجتاز وما كلمته منذ ليالي صفين. فأتى به أبو سعيد الخدري ~~إلى الحسين (عليه السلام) فقال له الحسين (عليه السلام): أتعلم أني أحب أهل ~~الأرض إلى أهل السماء وتقاتلني وأبي يوم صفين؟ والله إن أبي لخير مني. ~~فاستعذر وقال إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms6087 قال لي: أطع أباك. فقال ~~له الحسين (عليه السلام): أما سمعت قول الله عز وجل: "وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما" وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إنما الطاعة بالمعروف، وقوله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # وفي الفقيه،: في ألفاظه (صلى الله عليه وآله وسلم) الموجزة: لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق. PageV16P115 # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته ~~يقول: اتقوا المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا، يقول أحدكم أذنب وأستغفر إن ~~الله عز وجل يقول: "ونكتب ما قدموا وآثارهم - وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ~~وقال عز وجل: "إنها إن تك مثقال حبة من خردل - فتكن في صخرة أو في السماوات ~~أو في الأرض - يأت بها الله إن الله لطيف خبير". # وفيه، بإسناده إلى معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم وأحب ذلك إلى الله عز وجل فقال: ما ~~أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة. # الحديث. # وفيه، بإسناده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه ~~قال: الصلاة قربان كل تقي. # وفي المجمع،: "واصبر على ما أصابك" من المشقة والأذى في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر: عن علي (عليه السلام). وفيه،: في قوله تعالى: "ولا تصعر ~~خدك للناس" أي ولا تمل وجهك من الناس بكل ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به،: ~~وهذا المعنى قول ابن عباس وأبي عبد الله (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب ~~الأنصاري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن قول الله: "ولا ~~تصعر خدك للناس" قال: إلى الشدق. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير": وروي عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) قال: هي العطسة المرتفعة القبيحة والرجل يرفع صوته ~~بالحديث رفعا قبيحا إلا أن يكون داعيا أو يقرأ ms6088 القرآن. # أقول: وفي جميع هذه المعاني وخاصة في العقوق روايات كثيرة متظافرة. # كلام في قصة لقمان ونبذ من حكمه، في فصلين # 1 - لم يرد اسم لقمان في كلامه تعالى إلا في سورة لقمان ولم يذكر من قصصه ~~إلا ما في قوله عز من قائل: "ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله" وقد ~~وردت في قصته وحكمه روايات كثيرة مختلفة ونحن نورد بعض ما كان منها أقرب ~~إلى الاعتبار. # ففي الكافي، عن بعض أصحابنا رفعه إلى هشام بن الحكم قال: قال لي أبو ~~الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): يا هشام إن الله قال: "ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة" قال: الفهم والعقل. # وفي المجمع، روى نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقول: حقا أقول لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر ~~حسن اليقين أحب الله فأحبه ومن عليه بالحكمة. كان نائما نصف النهار إذ جاءه ~~نداء: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق؟ ~~فأجاب الصوت إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء وإن هو عزم علي ~~فسمعا وطاعة فإني أعلم أنه إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني. فقالت الملائكة ~~بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحكم أشد المنازل وآكدها يغشاه ~~الظلم من كل مكان إن وفى فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن ~~يكن في الدنيا ذليلا وفي الآخرة شريفا خير من أن يكون في الدنيا شريفا وفي ~~الآخرة ذليلا ومن تخير الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. ~~فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها ثم ~~كان يوازر داود بحكمته فقال له داود: طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت ~~عنك البلوى. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أتدرون ما كان لقمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~كان حبشيا. PageV16P116 # 2 - وفي تفسير ms6089 القمي، بإسناده عن حماد قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عز وجل، فقال: أما والله ما أوتي ~~لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال. ولكنه كان ~~رجلا قويا في أمر الله متورعا في الله ساكتا مستكينا عميق النظر طويل الفكر ~~حديد النظر مستغن بالعبر لم ينم نهارا قط ولم يره أحد من الناس علي بول ولا ~~غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعموق نظره وتحفظه في أمره، ولم يضحك من شيء قط ~~مخافة الإثم ولم يغضب قط، ولم يمازح إنسانا قط، ولم يفرح بشيء أتاه من أمر ~~الدنيا ولا حزن منها على شيء قط وقد نكح من النساء وولد له من الأولاد ~~الكثير وقدم أكثرهم أفراطا فما بكى على موت أحد منهم. ولم يمر برجلين ~~يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ولم يمض عنهما حتى تحابا، ولم يسمع ~~قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة ~~الفقهاء والحكماء، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة مما ~~ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لغرتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك، ويعتبر ~~ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان يداوي قلبه ~~بالفكر ويداوي نفسه بالعبر، وكان لا يظعن إلا فيما يعنيه فبذلك أوتي الحكمة ~~ومنح العصمة. وإن الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف ~~النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا: يا ~~لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس؟ فقال لقمان: إن ~~أمرني الله بذلك فالسمع والطاعة لأنه إن فعل ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني ~~وإن هو خيرني قبلت العافية. فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ قال: لأن الحكم ~~بين الناس بأشد المنازل وأكثر فتنا وبلاء يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل ~~مكان وصاحبه فيه بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم وإن أخطأ أخطأ ~~طريق الجنة، ومن يكن ms6090 في الدنيا ذليلا ضعيفا كان أهون عليه في المعاد من أن ~~يكون حكما سريا شريفا، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول ~~هذه ولا تدرك تلك. قال: فتعجب الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه فلما ~~أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى ~~قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاء فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه، وخرج ~~على الناس ينطق بالحكمة ويبثها فيها. قال: فلما أوتي الحكم بالخلافة ولم ~~يقبلها أمر الله عز وجل الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط ~~فيها بشرط لقمان فأعطاه الله عز وجل الخلافة في الأرض وابتلي بها غير مرة ~~كل ذلك يهوي في الخطإ يقيله الله ويغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود ~~(عليه السلام) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه، وكان داود يقول له: طوبى لك ~~يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية وأعطي داود الخلافة وابتلي بالحكم ~~والفتنة. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: "وإذ قال ~~لقمان لابنه وهو يعظه - يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" قال: ~~فوعظ لقمان ابنه باثار حتى تفطر وانشق. وكان فيما وعظه به يا حماد أن قال: ~~يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها ~~تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بني جالس العلماء وزاحمهم ~~بركبتيك ولا تجادلهم فيمنعوك، وخذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها فتكون عيالا ~~على الناس، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك، وصم صوما يقطع شهوتك ولا تصم ~~صياما يمنعك من الصلاة فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام. يا بني: إن ~~الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير فاجعل سفينتك فيها الإيمان واجعل ~~شراعها التوكل، واجعل زادك فيها تقوى الله فإن نجوت فبرحمة الله وإن هلكت ~~فبذنوبك. يا بني: إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا ومن عنى بالأدب اهتم به، ~~ومن اهتم به تكلف علمه ومن تكلف علمه اشتد له ms6091 طلبه ومن اشتد له طلبه أدرك ~~منفعته فاتخذه عادة فإنك تخلف في سلفك وينتفع به من خلفك ويرتجيك فيه راغب ~~ويخشى صولتك راهب، وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره فإن غلبت على الدنيا فلا ~~تغلبن على الآخرة وإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على PageV16P117 الآخرة واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك نصيبا في طلب العلم فإنك لن تجد له ~~تضييعا أشد من تركه ولا تمارين فيه لجوجا ولا تجادلن فقيها ولا تعادين ~~سلطانا، ولا تماشين ظلوما ولا تصادقنه ولا تؤاخين فاسقا ولا تصاحبن متهما ~~واخزن علمك كما تخزن ورقك. يا بني: خف الله عز وجل خوفا لو أتيت القيامة ~~ببر الثقلين خفت أن يعذبك وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين ~~رجوت أن يغفر الله لك. فقال له ابنه: يا أبت كيف أطيق هذا وإنما لي قلب ~~واحد؟ فقال له لقمان: يا بني: لو استخرج قلب المؤمن يوجد فيه نوران نور ~~للخوف ونور للرجاء لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة فمن يؤمن ~~بالله يصدق ما قال الله عز وجل ومن يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله، ومن ~~لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض. ~~فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا ومن يعمل لله خالصا ~~ناصحا فقد آمن بالله صادقا ومن أطاع الله خافه، ومن خافه فقد أحبه، ومن ~~أحبه فقد اتبع أمره ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته، ومن لم يتبع رضوان ~~الله فقد هان عليه سخطه نعوذ بالله من سخط الله. يا بني: لا تركن إلى ~~الدنيا ولا تشغل قلبك بها فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها ألا ترى أنه ~~لم يجعل نعيمها ثواب المطيعين ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين. # وفي قرب الإسناد:، هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): قيل ~~للقمان: ما الذي أجمعت عليه من حكمتك؟ قال: لا أتكلف ما قد كفيته ولا أضيع ms6092 ~~ما وليته. # - وفي البحار، عن قصص الأنبياء بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال: يا بني: إن تك في شك من ~~الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فارفع عن ~~نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك فإنك إذا فكرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك ~~وإنما النوم بمنزلة الموت وإنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت، ~~وقال: قال لقمان لابنه: يا بني لا تقترب فيكون أبعد لك ولا تبعد فتهان، كل ~~دابة تحب مثلها وابن آدم لا يحب مثله. لا تنشر بزك إلا عند باغيه، وكما ليس ~~بين الكبش والذئب خلة، كذلك ليس بين البار والفاجر خلة، من يقترب من الزفت ~~تعلق به بعضه كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرفه، من يحب المراء يشتم، ومن ~~يدخل مدخل السوء يتهم، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه ~~يندم. وقال يا بني صاحب مائة ولا تعاد واحدا، يا بني إنما هو خلاقك وخلقك ~~فخلاقك دينك وخلقك بينك وبين الناس فلا تبغضن إليهم وتعلم محاسن الأخلاق. ~~يا بني كن عبدا للأخيار ولا تكن ولدا للأشرار. يا بني أد الأمانة تسلم ~~دنياك وآخرتك وكن أمينا فإن الله لا يحب الخائنين. يا بني لا تر الناس أنك ~~تخشى الله وقلبك فاجر. # وفي الكافي، بإسناده عن يحيى بن عقبة الأزدي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان فيما وعظ به لقمان لابنه يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك ~~لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد ~~أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا فأوف عملك واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا ~~بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن ~~اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها فتركتها ولم ترجع إليها آخر ~~الدهر أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها. ms6093 واعلم أنك ستسأل غدا إذا ~~وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ~~ومالك مما اكتسبته وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جوابا ولا تأس على ما ~~فاتك من الدنيا فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه فخذ ~~حذرك، وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك، وتعرض لمعروف ربك، وجدد التوبة ~~في قلبك، وأكمش في فراقك قبل أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ~~ما تريد. PageV16P118 # وفي البحار، عن القصص بإسناده عن حماد عن الصادق (عليه السلام) قال: قال ~~لقمان: يا بني إياك والضجر وسوء الخلق وقلة الصبر فلا يستقيم على هذه ~~الخصال صاحب، وألزم نفسك التؤدة في أمورك وصبر على مئونات الإخوان نفسك، ~~وحسن مع جميع الناس خلقك. يا بني إن عدمك ما تصل به قرابتك وتتفضل به على ~~إخوانك فلا يعدمنك حسن الخلق وبسط البشر فإن من أحسن خلقه أحبه الأخيار ~~وجانبه الفجار، واقنع بقسم الله ليصفو عيشك فإن أردت أن تجمع عز الدنيا ~~فاقطع طمعك مما في أيدي الناس فإنما بلغ الأنبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم. # أقول: والأخبار في مواعظه كثيرة اكتفينا منها بما أوردناه إيثارا ~~للاختصار. PageV16P119 ### ||| AUTO 31 سورة لقمان - 20 - 34 # ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموت وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظهرة وباطنة ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير (20) ~~وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا ~~أولو كان الشيطن يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عقبة الأمور (22) ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) ~~نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما فى ~~السموت والأرض إن الله هو الغنى الحميد ms6094 (26) ولو أنما فى الأرض من شجرة ~~أقلم والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمت الله إن الله عزيز حكيم ~~(27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن ~~الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى ~~إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما ~~يدعون من دونه البطل وأن الله هو العلى الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجرى ~~فى البحر بنعمت الله ليريكم من ءايته إن فى ذلك لايت لكل صبار شكور (31) ~~وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد وما يجحد بئايتنا إلا كل ختار كفور (32) يأيها الناس اتقوا ~~ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن ~~وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33) إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى نفس ما ذا ~~تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير (34) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى ما قبل القصة من آيات الوحدانية ونفي الشريك وأدلتها المنتهية ~~إلى قوله: "هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ~~ضلال مبين". # قوله تعالى: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" رجوع إلى ما قبل قصة لقمان وهو الدليل على ~~أن الخطاب للمشركين وإن كان ذيل الآية يشعر بعموم الخطاب. # وعليه فصدر الآية من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتصل ~~بقوله: "هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه" ولا التفات في قوله: ~~"ألم تروا". # وعلى تقدير كونه من كلامه تعالى ففي قوله: "ألم تروا" التفات من سياق ~~الغيبة الذي في قوله: "بل الظالمون في ضلال مبين" إلى الخطاب، والالتفات في ~~مثل هذه الموارد ms6095 يكون لاشتداد وجد المتكلم وتأكد غيظه من جهل المخاطبين ~~وتماديهم في غيهم بحيث لا ينفعهم دلالة ولا ينجح فيهم إشارة فيواجهون بذكر ~~ما هو بمرأى منهم ومسمع لعلهم يتنبهوا عن نومتهم وينتزعوا عن غفلتهم. # وكيف كان فالمراد بتسخير السماوات والأرض للإنسان وهم يرون ذلك ما نشاهده ~~من ارتباط أجزاء الكون بعضها ببعض في نظام عام يدبر أمر العالم عامة ~~والإنسان خاصة لكونه أشرف أجزاء هذا العالم المحسوس بما فيه من الشعور ~~والإرادة فقد سخر الله الكون لأجله. PageV16P120 # والتسخير قهر الفاعل في فعله بحيث يفعله على ما يستدعيه القاهر ويريده ~~كتسخير الكاتب القلم للكتابة وكما يسخر المولى عبده والمخدوم خادمه في أن ~~يفعل باختياره وإرادته ما يختاره ويريده المولى والمخدوم والأسباب الكونية ~~كائنة ما كانت تفعل بسببيتها الخاصة ما يريده الله من نظام يدبر به العالم ~~الإنساني. # ومما مر يظهر أن اللام في "لكم" للتعليل الغائي والمعنى لأجلكم والمسخر ~~بالكسر هو الله تعالى دون الإنسان، وربما احتمل كون اللام للملك والمسخر ~~بالكسر هو الإنسان بمشية من الله تعالى كما يشاهد من تقدم الإنسان بمرور ~~الزمان في تسخير أجزاء الكون واستخدامه لها في سبيل مقاصده لكن لا يلائمه ~~تصدير الكلام بقوله: "ألم تروا". # وقوله: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" الإسباغ الإتمام والإيساع أي أتم ~~وأوسع عليكم نعمه، والنعم جمع نعمة وهو في الأصل بناء النوع وغلب عليه ~~استعماله في ما يلائم الإنسان فيستلذ منه، والمراد بالنعم الظاهرة والباطنة ~~بناء على كون الخطاب للمشركين النعم الظاهرة للحس كالسمع والبصر وسائر ~~الجوارح والصحة والعافية والطيبات من الرزق والنعم الغائبة عن الحس كالشعور ~~والإرادة والعقل. # وبناء على عموم الخطاب لجميع الناس الظاهرة من النعم هي ما ظهر للحس كما ~~تقدم وكالدين الذي به ينتظم أمور دنياهم وآخرتهم والباطنة منها كما تقدم ~~وكالمقامات المعنوية التي تنال بإخلاص العمل. # وقوله: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" ~~رجوع الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما كان في السياق ms6096 ~~السابق، والمجادلة المخاصمة النظرية بطريق المغالبة، والمقابلة بين العلم ~~والهدى والكتاب تلوح بأن المراد بالعلم ما هو مكتسب من حجة عقلية، وبالهدى ~~ما يفيضه الله بالوحي أو الإلهام، وبالكتاب الكتاب السماوي المنتهي إليه ~~تعالى بالوحي النبوي ولذلك وصفه بالمنير فهذه طرق ثلاث من العلم لا رابع لها. # فمعنى قوله: يجادل في الله بغير كذا وكذا أنه يجادل في وحدانيته تعالى في ~~الربوبية والألوهية بغير حجة يصح الركون إليها بل عن تقليد. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا" إلخ، ضمائر الجمع راجعة إلى "من" باعتبار المعنى كما أن ضمير ~~الإفراد في الآية السابقة راجع إليه باعتبار اللفظ. # وقوله: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله" في التعبير بما أنزل الله من ~~غير أن يقال: اتبعوا الكتاب أو القرآن إشارة إلى كون الدعوة دعوة ذات حجة ~~لا تحكم فيها لأن نزول الكتاب مؤيد بحجة النبوة فكأنه قيل: وإذا دعوا إلى ~~دين التوحيد الذي يدل عليه الكتاب المقطوع بنزوله من عند الله سبحانه، ~~وبعبارة أخرى إذا ألقى إليهم القول مع الحجة قابلوه بالتحكم من غير حجة ~~فقالوا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. # وقوله: "أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير" أي أيتبعون آباءهم ولو ~~كان الشيطان يدعوهم بهذا الاتباع إلى عذاب السعير؟ فالاستفهام للإنكار ولو ~~وصلية معطوفة على محذوف مثلها والتقدير أيتبعونهم لو لم يدعهم الشيطان ولو دعاهم. # ومحصل الكلام: أن الاتباع إنما يحسن إذا كانوا على الحق وأما لو كانوا ~~على الباطل وكان اتباعا يدعوهم به إلى الشقاء وعذاب السعير وهو كذلك فإنه ~~اتباع في عبادة غير الله ولا معبود غيره. # قوله تعالى: "ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~وإلى الله عاقبة الأمور" استئناف ويحتمل أن يكون حالا من مفعول "يدعوهم" ~~وفي معنى الجملة الحالية ضمير عائد إليهم، والمعنى: أو لو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى كذا والحال أن من أسلم وجهه إلى الله كذا فقد نجا وأفلح ms6097 والحال ~~أن عاقبة الأمور ترجع إلى الله فيجب أن يكون هو المعبود. # وإسلام الوجه إلى الله تسليمه له وهو إقبال الإنسان بكليته عليه بالعبادة ~~وإعراضه عمن سواه. # والإحسان الإتيان بالأعمال الصالحة عن إيقان بالآخرة كما فسره به في أول ~~السورة "هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم يوقنون" والعروة الوثقى المستمسك الذي لا انفصام له. PageV16P121 # والمعنى: ومن وحد الله وعمل صالحا مع اليقين بالمعاد فهو ناج غير هالك ~~البتة في عاقبة أمره لأنها إلى الله وهو الذي يعده بالنجاة والفلاح. # ومن هنا يظهر أن قوله: "وإلى الله عاقبة الأمور" في مقام التعليل لقوله: ~~"فقد استمسك بالعروة الوثقى" بما أنه استعارة تمثيلية عن النجاة والفلاح. # قوله تعالى: "ومن كفر فلا يحزنك كفره - إلى قوله - إلى عذاب غليظ" تسلية ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه أن لا يغلبه الحزن وهم ~~بالآخرة راجعون إليه تعالى فينبؤهم بما عملوا أي يظهر لهم حقيقة أعمالهم ~~وتبعاتها وهي النار. # وقوله: "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" كشف عن حقيقة حالهم ببيان ~~آخر فإن البيان السابق "إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا" ربما أوهم أنهم ما ~~داموا متنعمين في الدنيا خارجون من قدرة الله ثم إذا ماتوا أو بعثوا دخلوا ~~فيما خرجوا منه فانتقم منهم بالعذاب جيء بهذا البيان للدلالة على أنهم غير ~~خارجين من التدبير قط وإنما يمتعهم في الدنيا قليلا ثم يضطرهم إلى عذاب ~~غليظ فهم مغلوبون مقهورون على كل حال وأمرهم إلى الله دائما لن يعجزوا الله ~~في حال التنعم ولا غيرها. # قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون" إشارة إلى أنهم مفطورون على التوحيد معترفون به ~~من حيث لا يشعرون، فإنهم إن سئلوا عمن خلق السماوات والأرض اعترفوا بأنه ~~الله عز اسمه وإذا كان الخالق هو هو فالمدبر لها هو هو لأن التدبير لا ينفك ~~عن الخلق، وإذا كان مدبر الأمر والمنعم الذي يبسط ويقبض ويرجى ويخاف ms6098 هو ~~فالمعبود هو هو وحده لا شريك له فقد اعترفوا بالوحدة من حيث لا يعلمون. # ولذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحمد الله على اعترافهم من حيث ~~لا يشعرون فقال: "قل الحمد لله" ثم أشار إلى أن كون أكثرهم لا يعلمون معنى ~~اعترافهم أن الله هو الخالق وما يستلزمه فقال: "بل أكثرهم لا يعلمون" نعم ~~قليل منهم يعلمون ذلك ولكنهم لا يطاوعون الحق بل يجحدونه وقد أيقنوا به كما ~~قال تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14. # قوله تعالى: "لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد" لما ~~كان اعترافهم بأن الخالق هو الله سبحانه إنما يثبت التوحد بالربوبية ~~والألوهية إذا كان التدبير والتصرف إليه تعالى وكان نفس الخلق كافيا في ~~استلزامه اكتفى به في تمام الحجة واستحمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~واستجهل القوم لغفلتهم. # ثم احتج عليه ثانيا من طريق انحصار الملك الحقيقي فيه تعالى لكونه غنيا ~~محمودا مطلقا وتقريره أنه تعالى مبدىء كل خلق ومعطي كل كمال فهو واجد لكل ~~ما يحتاج إليه الأشياء فهو غني على الإطلاق إذ لو لم يكن غنيا من جهة من ~~الجهات لم يكن مبدئا له معطيا لكماله هذا خلف، وإذا كان غنيا على الإطلاق ~~كان له ما في السماوات والأرض فهو المالك لكل شيء على الإطلاق فله أن يتصرف ~~فيها كيف شاء فكل تدبير وتصرف يقع في العالم فهو له إذ لو كان شيء من ~~التدبير لغيره لا له كان مالكه ذلك الغير دونه وإذا كان التدبير والتصرف له ~~تعالى فهو رب العالمين والإله الذي يعبد ويشكر إنعامه وإحسانه. # وهذا هو الذي يشير إليه قوله: "لله ما في السماوات والأرض إن الله هو ~~الغني" فقوله: "لله ما في" إلخ، حجة على وحدانيته وقوله: "إن الله هو ~~الغني" تعليل للملك. # وأما قوله: "الحميد" أي المحمود في أفعاله فهو مبدأ آخر للحجة وذلك أن ~~الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري وكل جميل في العالم فهو له سبحانه ~~فإليه يعود ms6099 الثناء فيه فهو حميد على الإطلاق ولو كان شيء من هذا التدبير ~~المتقن الجميل من غيره تعالى من غير انتساب إليه لكان الحمد والثناء لغيره ~~تعالى لا له فلا يكون حميدا على الإطلاق وبالنسبة إلى كل شيء وقد فرض أنه ~~حميد على الإطلاق هذا خلف. PageV16P122 # قوله تعالى: "ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله" إلخ، "من شجرة" بيان للموصول والشجرة واحد الشجر ~~وتفيد في المقام - وهي في سياق "لو" الاستغراق أي كل شجرة في الأرض، ~~والمراد بالبحر مطلق البحر، وقوله: "يمده من بعده سبعة أبحر" أي يعينه ~~بالانضياف إليه سبعة أمثاله والظاهر أن المراد بالسبعة التكثير دون خصوص ~~هذا العدد والكلمة هي اللفظ الدال على معنى، وقد أطلق في كلامه تعالى على ~~الوجود المفاض بأمره تعالى، وقد قال: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون": يس: 82، وقد أطلق على المسيح (عليه السلام) الكلمة في قوله: ~~"وكلمته ألقاها إلى مريم": النساء: 171. # فالمعنى: ولو جعل أشجار الأرض أقلاما وأخذ البحر وأضيف إليه سبعة أمثاله ~~وجعل المجموع مدادا فكتب كلمات الله - بتبديلها ألفاظا دالة عليها - بتلك ~~الأقلام من ذلك المداد لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله لكونها غير ~~متناهية. # ومن هنا يظهر أن في الكلام إيجازا بالحذف وأن قوله: "إن الله عزيز حكيم" ~~في مقام التعليل، والمعنى: لأنه تعالى عزيز لا يعزه ولا يقهره شيء فهذه ~~الكتابة لا ينفد بها ما هو من عنده حكيم لا يفوض التدبير إلى غيره. # والآية متصلة بما قبلها من حيث دلالته على كون تدبير الخلق له سبحانه لا ~~لغيره فسيقت هذه الآية للدلالة على سعة تدبيره وكثرة أوامره التكوينية في ~~الخلق والتدبير إلى حيث ينفد البحر الممدود بسبعة أمثاله لو جعل مدادا ~~وكتبت به أشجار الأرض المجعولة أقلاما قبل أن ينفد أوامره وكلماته. # قوله تعالى: "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير" سوق ~~للكلام إلى إمكان الحشر وخاصة ms6100 من جهة استبعادهم المعاد لكثرة عدد الموتى ~~واختلاطهم بالأرض من غير تميز بعضهم من بعض. # فقال تعالى: "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة" في الإمكان والتأتي ~~فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولا يعجزه كثرة ولا يتفاوت بالنسبة إليه ~~الواحد والجمع، وذكر الخلق مع البعث للدلالة على عدم الفرق بين البدء ~~والعود من حيث السهولة والصعوبة بل لا يتصف فعله بالسهولة والصعوبة. # ويشهد لما ذكر إضافة الخلق والبعث إلى ضمير الجمع المخاطب والمراد به ~~الناس ثم تنظيره بالنفس الواحدة، والمعنى: ليس خلقكم معاشر الناس على ~~كثرتكم ولا بعثكم إلا كخلق نفس واحدة وبعثها فأنتم على كثرتكم والنفس ~~الواحدة سواء لأنه لو أشكل عليه بعث الجميع على كثرتهم والبعث لجزاء ~~الأعمال فإنما يشكل من جهة الجهل بمختلف أعمالكم على كثرتها واختلاط بعضها ~~ببعض لكنه ليس يجهل شيئا منها لأنه سميع لأقوالكم بصير بأعمالكم وبعبارة ~~أخرى عليم بأعمالكم من طريق المشاهدة. # وبما مر يندفع الاعتراض على الآية بأن المناسب لتعليل كون خلق الكثير ~~وبعثهم كنفس واحدة أن يعلل بمثل قولنا: إن الله على كل شيء قدير أو قوي ~~عزيز أو ما يشبه ذلك لا بمثل السميع البصير الذي لا ارتباط له بالخلق ~~والبعث. # وذلك أن الإشكال الذي تعرضت الآية لدفعه هو أن البعث لجزاء الأعمال وهي ~~على كثرتها واندماج بعضها في بعض كيف تتميز حتى تجزى عليها فالإشكال متوجه ~~إلى ما ذكره قبل ثلاث آيات بقوله: "فننبئهم بما عملوا" وقد أجيب بأنه كيف ~~يخفى عليه شيء من الأقوال والأعمال وهو سميع بصير لا يشذ عن مشاهدته قول ~~ولا فعل. # وقد كان ذيل قوله السابق: "فننبئهم بما عملوا" بقوله: "إن الله عليم بذات ~~الصدور" وهو مبني على أن الجزاء على حسب ما يحمله القلب من الحسنة والسيئة ~~كما يشير إليه قوله: "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": ~~البقرة: 284، وجواب عن هذا الإشكال لو وجه إلى ما تحمله القلوب على كثرته ~~فيجاب عنه أن الله عليم بذات الصدور ms6101 ولو وجه إلى نفس الأعمال الخارجية من ~~الأقوال والأفعال فالجواب عنه بما في هذه الآية التي نحن فيها: "إن الله ~~سميع بصير"، فالإشكال والجواب بوجه نظير ما وقع في قوله تعالى: "قال فما ~~بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى": طه: ~~52، فافهم. # وقد أجابوا عن الاعتراض بأجوبة أخرى غير تامة من أراد الوقوف عليها ~~فليراجع المطولات. PageV16P123 # قوله تعالى: "ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى" إلخ، استشهاد لما تقدم في الآية ~~السابقة من علمه بالأعمال بأن التدبير الجاري في نظام الليل والنهار حيث ~~يزيد هذا وينقض ذاك وبالعكس بحسب الفصول المختلفة وبقاع الأرض المتفرقة في ~~نظم ثابت جار على اختلافه، وكذا التدبير الجاري في الشمس والقمر على اختلاف ~~طلوعهما وغروبهما واختلاف جريانهما ومسيرهما بحسب الحس وكل منهما يجري لأجل ~~مسمى ولا اختلاف ولا تشوش في النظام الدقيق الذي لهما فهذا كله مما يمتنع ~~من غير علم وخبرة من مدبرها. # فالمراد بإيلاج الليل في النهار أخذ الليل في الطول وإشغاله بعض ساعات ~~النهار من قبل وبإيلاج النهار في الليل عكس ذلك، والمراد بجريان الشمس ~~والقمر المسخرين إلى أجل مسمى انتهاء كل وضع من أوضاعهما إلى وقت محدود ~~مقدر ثم عودهما إلى بدء فمن شاهد هذا النظام الدقيق الجاري وأمعن فيه لم ~~يشك في أن مدبره إنما يدبره عن علم لا يخالطه جهل وليس ذلك عن صدفة واتفاق. # وقوله: "وأن الله بما تعملون خبير" عطف على موضع "أن الله يولج" والتقدير ~~ألم تر أن الله بما تعملون خبير وذلك لأن من شاهد نظام الليل والنهار ~~والشمس والقمر لم يكد يغفل عن كون صانعه عليما بجلائل أعماله ودقائقها، كذا قيل. # وفيه أن استنتاج العلم بالأعمال من العلم بالنظام الجاري في الليل ~~والنهار والشمس والقمر وإن صح في نفسه فهو علم حدسي لا مصحح لتسميتها رؤية ~~وهو ظاهر. # ولعل المراد من مشاهدة خبرته تعالى ms6102 بالأعمال أن الإنسان لو أمعن في ~~النظام الجاري في أعمال نفسه بما أنها صادرة عن العالم الإنساني موزعة من ~~جهة إلى الأعمال الصادرة عن القوى الظاهرة من سمع وبصر وشم وذوق ولمس ~~والصادرة عن القوى الباطنة المدركة أو الفعالة أو من جهة إلى بعض القوى ~~والأدوات أو كلها ومن جهة إلى جاذبة ودافعة ومن جهة إلى سني العمر من ~~طفولية ورهاق وشباب وشيب إلى غير ذلك. # ثم في ارتباط بعضها ببعض واستخدام بعضها لبعض واهتداء النفس إلى وضع كل ~~في موضعه الذي يليق به وحركته بهذه القافلة من القوى والأعمال نحو غايتها ~~من الكمال وسعادتها في المال وتورطها في ورطات عالم المادة وموطن الزينة ~~والفتنة فمن ناج أو هالك. # فإذا أمعن في هذا النظام المحير للأحلام لم يرتب أنه تقدير قدره ربه ~~ونظام نظمه صانعه العليم القدير ومشاهدة هذا النظام العلمي العجيب مشاهدة ~~أنه بما يعملون خبير، والله العالم. # قوله تعالى: "ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله ~~هو العلي الكبير" لما ذكر سبحانه أن منه بدء كل شيء فيستند إليه في وجوده ~~وتدبير أمره وأن إليه عود كل شيء من غير فرق بين الواحد والكثير وأنه ليس ~~إلى من يدعون من دونه خلق ولا أمر جمع الجميع تحت بيان واحد جامع فقال ~~مشيرا إلى ما تقدم: "ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل" إلخ. # توضيحه أن الحق هو الثابت من جهة ثبوته والباطل يقابل الحق فهو اللاثابت ~~من جهة عدم ثبوته، وقوله: "إن الله هو الحق" بما فيه من ضمير الفصل وتعريف ~~الخبر باللام يفيد القصر أعني حصر المبتدإ في الخبر. # فقوله: "بأن الله هو الحق" قصر له تعالى في الثبوت، أي هو ثابت لا يشوب ~~ثبوته بطلان وبعبارة أخرى هو ثابت من جميع الجهات وبعبارة ثالثة هو موجود ~~على كل تقدير فوجوده مطلق غير مقيد بقيد ولا مشروط بشرط فوجوده ضروري وعدمه ~~ممتنع وغيره من الموجودات الممكنة موجود ms6103 على تقدير وهو تقدير وجود سببه وهو ~~الوجود المقيد الذي يوجد بغيره من غير ضرورة في ذاته. # وإذا كان حقية الشيء هو ثبوته فهو تعالى حق بذاته وغيره إنما يحق ويتحقق به. # وإذا تأملت هذا المعنى حق تأمله وجدت أولا: أن الأشياء بأجمعها تستند في ~~وجودها إليه تعالى وأيضا تستند في النظام الجاري فيها عامة وفي النظامات ~~الجزئية الجارية في كل نوع من أنواعها وكل فرد من أفرادها إليه تعالى. PageV16P124 # وثانيا: أن الكمالات الوجودية التي هي صفات الوجود كالعلم والقدرة والحياة ~~والسمع والبصر والوحدة والخلق والملك والغنى والحمد والخبرة - مما عد في ~~الآيات السابقة أو لم يعد - صفات قائمة به تعالى على حسب ما يليق بساحة ~~كبريائه وعز قدسه لأنها صفات وجودية والوجود قائم به تعالى فهي إما عين ~~ذاته كالعلم والقدرة وإما صفات خارجة عن ذاته منتزعة عن فعله كالخلق والرزق ~~والرحمة. # وثالثا: أن قبول الشريك في ذاته أو في تدبيره وكل ما يحمل معنى الفقد ~~والنقص مسلوب عنه تعالى وهذه هي الصفات السلبية كنفي الشريك ونفي التعدد ~~ونفي الجسم والمكان والزمان والجهل والعجز والبطلان والزوال إلى غيرها. # فإن إطلاق وجوده وعدم تقيده بقيد ينفي عنه كل معنى عدمي أي إثبات الوجود ~~مطلقا فإن مرجع نفي النفي إلى الإثبات. # ولعل قوله: "وأن الله هو العلي الكبير" يفيد ثبوت الصفات له بكلتا ~~مرحلتيها بناء على أن اسم "العلي" يفيد معنى تنزهه عن ما لا يليق بساحته ~~فهو مجمع الصفات السلبية والكبير يفيد سعته لكل كمال وجودي فهو مجمع الصفات ~~الثبوتية. # وأن صدر الآية برهان على ذيلها وذيلها برهان على استجماعه تعالى الصفات ~~الثبوتية والسلبية جميعا على ما تقدم تقريره فهو الذات المستجمع لجميع صفات ~~الكمال فهو الله عز اسمه. # وقوله: "وأن ما يدعون من دونه الباطل" يجري فيه ما جرى في قوله: "ذلك بأن ~~الله هو الحق" فالذي يدعونه من الآلهة ليس لهم من الحقيقة شيء ولا إليهم من ~~الخلق والتدبير شيء لأن الشريك في الألوهية والربوبية باطلا لا حق ms6104 فيه وإذ ~~كان باطلا على كل تقدير فلا يستند إليه خلق ولا تدبير مطلقا. # والحق والعلي والكبير ثلاثة من الأسماء الحسنى وقد تحقق مما تقدم أن الحق ~~في معنى الواجب الوجود وأن العلي من الصفات السلبية والكبير من الصفات ~~الثبوتية قريب المعنى من قولنا: المستجمع لصفات الكمال. # قوله تعالى: "ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته" ~~إلخ، الباء في "بنعمة الله" للسببية وذكر النعمة كالتوطئة لآخر الآية وفيه ~~تلويح إلى وجوب شكره على نعمته لأن شكر المنعم واجب. # والمعنى: ألم تر أن الفلك تجري وتسير في البحر بسبب نعمة الله وهي أسباب ~~جريانها من الريح ورطوبة الماء وغير ذلك. # واحتمل بعضهم أن الباء للتعدية أو المعية والمراد بالنعمة ما تحمله السفن ~~من الطعام وسائر أمتعة الحياة. # وقد تمم الآية بقوله: "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" والصبار الشكور أي ~~كثير الصبر عند الضراء وكثير الشكر عند النعماء كناية عن المؤمن على ما قيل. # قوله تعالى: "وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين" إلخ، قال ~~الراغب: الظلة سحابة تظل وأكثر ما يقال فيما يستوخم ويكره، قال: "كأنه ظلة" ~~"عذاب يوم الظلة" انتهى. # والمعنى: وإذا غشيهم وأحاط بهم في البحر موج كقطع السحاب انقطعوا إلى ~~الله ودعوه للنجاة حال كونهم مخلصين له الدين أي وفي ذلك دليل على أن ~~فطرتهم على التوحيد. # وقوله: "فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد" المقتصد سالك القصد أي الطريق ~~المستقيم والمراد به التوحيد الذي دلتهم عليه فطرتهم إذ ذلك، وفي التعبير ~~بمن التبعيضية استقلال عدتهم أي فلما نجا الله سبحانه هؤلاء الداعين ~~بالإخلاص إلى البر فقليل منهم المقتصدون. # وقوله: "وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور" الختار مبالغة من الختر وهو ~~شدة الغدر وفي السياق دليل على الاستكثار والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم" لما ساق الحجج والمواعظ الشافية ~~الوافية جمعهم في خاتمتها في خطاب عام يدعوهم إلى التقوى وينذرهم بيوم ~~القيامة الذي لا يغني فيه ms6105 مغن إلا الإيمان والتقوى. # قال الراغب: الجزاء الغنى والكفاية، وقال: يقال: غررت فلانا أصبت غرته ~~ونلت منه ما أريد والغرة غفلة في اليقظة والغرار غفلة مع غفوة، إلى أن قال: ~~فالغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وقد فسر بالشيطان إذ ~~هو أخبث الغارين وبالدنيا لما قيل: الدنيا تغر وتضر وتمر انتهى. PageV16P125 # فمعنى الآية: "يا أيها الناس اتقوا ربكم" وهو الله سبحانه "واخشوا يوما" ~~وهو يوم القيامة "لا يجزى" لا يغني "والد عن ولده ولا مولود هو جاز" مغن ~~كاف "عن والده" شيئا "إن وعد الله" بالبعث "حق" ثابت لا يخلف "فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا" بزينتها الغارة "ولا يغرنكم بالله الغرور" أي جنس ما يغر ~~الإنسان من شئون الحياة الدنيا أو خصوص الشيطان. # قوله تعالى: "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ~~وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير" ~~الغيث المطر ومعنى جمل الآية ظاهر. # وقد عد سبحانه أمورا ثلاثة مما تعلق به علمه وهي العلم بالساعة وهو مما ~~استأثر الله علمه لنفسه لا يعلمه إلا هو ويدل على القصر قوله: "إن الله ~~عنده علم الساعة" وتنزيل الغيث وعلم ما في الأرحام ويختصان به تعالى إلا أن ~~يعلمه غيره. # وعد أمرين آخرين يجهل بهما الإنسان وبذلك يجهل كل ما سيجري عليه من ~~الحوادث وهو قوله: "وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا" وقوله: "وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت". # وكان المراد تذكرة أن الله يعلم كل ما دق وجل حتى مثل الساعة التي لا ~~يتيسر علمها للخلق وأنتم تجهلون أهم ما يهمكم من العلم فالله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون فإياكم أن تشركوا به وتتمردوا عن أمره وتعرضوا عن دعوته فتهلكوا ~~بجهلكم. ### |||| AUTO بحث روائي # في كمال الدين، بإسناده إلى حماد بن أبي زياد قال: سألت سيدي موسى بن ~~جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" ~~فقال: النعمة ms6106 الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب. # أقول: هو من الجري والآية أعم مدلولا. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن جابر قال: قال رجل عند أبي جعفر (عليه ~~السلام): "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" قال: أما النعمة الظاهرة فالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به من معرفة الله عز وجل وتوحيده وأما ~~النعمة الباطنة فولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا. الحديث. # أقول: هو كسابقه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وأسبغ عليكم" الآية،: وفي رواية الضحاك عن ~~ابن عباس قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه فقال: يا ابن عباس ~~أما ما ظهر فالإسلام وما سوى الله من خلقك وما أفاض عليك من الرزق وأما ما ~~بطن فستر مساوي عملك ولم يفضحك به، يا ابن عباس إن الله تعالى يقول: ثلاثة ~~جعلتهن للمؤمن ولم يكن له: صلاة المؤمنين عليه من بعد انقطاع عمله، وجعلت ~~له ثلث ماله أكفر به عنه خطاياه، والثالث سترت مساوي عمله ولم أفضحه بشيء ~~منه ولو أبديتها عليه لنبذه أهله فمن سواهم. أقول: روى ما يقرب منه في الدر ~~المنثور، بطرق عن ابن عباس، والحديث كسابقيه من الجري. # وفي التوحيد، بإسناده عن عمر بن أذينة عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~حديث: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل مولود يولد على الفطرة ~~يعني على المعرفة بأن الله خالقه فذلك قوله عز وجل: "ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله". # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة ~~الله" قال: السفن تجري في البحر بقدرة الله. # وفيه،: في قوله: "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" قال: الذي يصبر على ~~الفقر والفاقة ويشكر الله عز وجل على جميع أحواله. # وفي المجمع،: في الآية وفي الحديث: الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر. # أقول: وهو مأخوذ من الآية فقد مر أنه كناية عن المؤمن. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إلا كل ختار كفور" قال: الختار الخداع ~~وفي قوله: ms6107 "إن وعد الله حق" قال: ذلك القيامة. PageV16P126 # وفي إرشاد المفيد،: من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل سمعه يذم ~~الدنيا من غير معرفة بما يجب أن يقول في معناها: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ~~ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط ~~وحيه، ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها ~~الجنة فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها، فشوقت ~~بسرورها إلى السرور، وحذرت ببلائها البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا. ~~فيا أيها الذام للدنيا والمغتر بتغريرها متى غرتك؟ أبمصارع آبائك في البلى ~~أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك ومرضت بيديك تبتغي لهم الشفاء ~~واستوصفت لهم الأطباء، وتلتمس لهم الدواء، لم تنفعهم بطلبك ولم تشفعهم ~~بشفاعتك مثلت بهم الدنيا مصرعك ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ولا تغني عنك ~~أحباؤك. # وفي الخصال، عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: ألا ~~أخبركم بخمسة لم يطلع الله عليها أحدا من خلقه؟ قال: قلت: بلى قال: "إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث - ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ما ~~ذا تكسب غدا - وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير". # أقول: هناك روايات كثيرة جدا عن النبي والأئمة (عليهم السلام) تخبر عن ~~مستقبل حالهم وعن زمان موتهم ومكانه وهي تقيد هذه الرواية وما في معناها من ~~الروايات بالتعليم الإلهي لكن بعض الروايات يأبى التقييد ولا يعبأ بأمرها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن عكرمة: أن رجلا يقال له الوراث من ~~بني مازن بن حفصة بن قيس غيلان جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقال: يا محمد، متى تقوم الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وقد تركت ~~امرأتي حبلى فمتى تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فما ذا أكسب غدا؟ وقد علمت ~~بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية. # أقول: الحديث لا يخلو من شيء لعدم انطباق الآية على فقرات السؤال. ms6108 # وفيه، أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: لم يعم على نبيكم (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان إلى ~~آخر السورة. PageV16P127 ### || AUTO ### ||| AUTO 32 سورة السجدة - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العلمين ~~(2) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك لعلهم يهتدون (3) الله الذى خلق السموت والأرض وما بينهما فى ستة أيام ~~ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما ~~تعدون (5) ذلك علم الغيب والشهدة العزيز الرحيم (6) الذى أحسن كل شىء خلقه ~~وبدأ خلق الانسن من طين (7) ثم جعل نسله من سللة من ماء مهين (8) ثم سواه ~~ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) ~~وقالوا أءذا ضللنا فى الأرض أءنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كفرون (10) ~~قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صلحا إنا ~~موقنون (12) ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسينكم ~~وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة تقرير المبدإ والمعاد وإقامة الحجة عليهما ودفع ما يختلج ~~القلوب في ذلك مع إشارة إلى النبوة والكتاب ثم بيان ما يتميز به الفريقان ~~المؤمنون بآيات الله حقا والفاسقون الخارجون عن زي العبودية ووعد أولئك بما ~~هو فوق تصور المتصورين من الثواب ووعيد هؤلاء بالانتقام الشديد بأليم ~~العذاب المخلد وأنهم سيذوقون عذابا أدنى دون العذاب الأكبر، وتختتم السورة ~~بتأكيد الوعيد وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالانتظار كما هم ~~منتظرون. # وهي مكية إلا ثلاث آيات نزلت ms6109 - كما قيل - بالمدينة وهي قوله تعالى: "أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا" إلى تمام ثلاث آيات. # والذي أوردناه من آياتها يتضمن الفصل الأول من فصلي غرض السورة الذي ~~أشرنا إليه. # قوله تعالى: "تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين"، أي هذا تنزيل ~~الكتاب، والتنزيل مصدر بمعنى اسم المفعول وإضافته إلى الكتاب من إضافة ~~الصفة إلى الموصوف، والمعنى: هذا هو الكتاب المنزل لا ريب فيه. # وقوله: "من رب العالمين" فيه براعة استهلال لما في غرض السورة أن يتعاطى ~~بيانه من الوحدانية والمعاد اللذين ينكرهما الوثنية لما مر مرارا أنهم لا ~~يقولون برب العالمين بل يثبتون لكل عالم إلها ولمجموع الآلهة إلها هو الله ~~تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # قوله تعالى: "أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك" إلخ، أم منقطعة، والمعنى: بل يقولون افترى القرآن على الله ~~وليس من عنده فرده بقوله: "بل هو الحق من ربك لتنذر" إلخ. # وقوله: "لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك" قيل: يعني قريشا فإنهم لم ~~يأتهم نبي قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلاف غيرهم من قبائل العرب ~~فإنهم أتاهم بعض الأنبياء كخالد بن سنان العبسي وحنظلة على ما في الروايات. # وقيل: المراد به أهل الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما خلقهم له من العبادة ~~وفيه أن معنى الفترة هو عدم انبعاث نبي له شريعة وكتاب وأما الفترة عن مطلق ~~النبوة فلا نسلم تحققها وخلو جميع الزمان وهو قريب من ستة قرون من النبي مطلقا. # وقوله: "لعلهم يهتدون" غاية رجائية لإرسال الرسول والترجي قائم بالمقام ~~أو بالمخاطب دون المتكلم كما تقدم في نظائره. PageV16P128 # قوله تعالى: "الله الذي خلق السماوات والأرض - إلى قوله - أفلا تتذكرون" ~~تقدم الكلام في تفسير قوله: "خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش" في نظائره من الآيات وتقدم أيضا أن الاستواء ms6110 على العرش ~~كناية عن مقام تدبير الموجودات بنظام عام إجمالي يحكم على الجميع ولذا اتبع ~~العرش في أغلب ما وقع فيه من الموارد بما فيه معنى التدبير كقوله: "ثم ~~استوى على العرش يغشي الليل النهار": الأعراف: 54 وقوله: "ثم استوى على ~~العرش يدبر الأمر": يونس: 3، وقوله: "ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في ~~الأرض": الحديد: 4، وقوله: "ذو العرش المجيد فعال لما يريد": البروج: 16. # والوجه في ذكر الاستواء على العرش، بعد ذكر خلق السماوات والأرض أن ~~الكلام في اختصاص الربوبية والألوهية بالله وحده ومجرد استناد الخلقة إليه ~~تعالى لا ينفع في إبطال ما يقول به الوثنية شيئا فإنهم لا ينكرون استناد ~~الخلقة إليه وحده وإنما يقولون باستناد التدبير وهو الربوبية للعالم إلى ~~آلهتهم ثم اختصاص الألوهية وهي المعبودية بآلهتهم ولله تعالى من الشأن أنه ~~رب الأرباب وإله الآلهة. # فكان من الواجب عند إقامة الحجة لإبطال قولهم إن يذكر أمر الخلقة ثم ~~يتعقب بأمر التدبير لمكان تلازمهما وعدم انفكاك أحدهما من الآخر حتى يكون ~~موجد الأشياء وخالقها هو الذي يربها ويدبر أمرها فيكون ربا وحده وإلها وحده ~~كما أنه موجد خالق وحده. # ولذلك بعينه ذكر أمر التدبير بعد ذكر الخلقة في الآية التي نحن فيها إذ ~~قيل: "خلق السماوات والأرض - وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع" فالولاية والشفاعة كالاستواء على العرش من ~~شئون التدبير. # وقوله: "ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع" الولي هو الذي يملك تدبير أمر ~~الشيء ومن المعلوم أن أمورنا والشئون التي تقوم به حياتنا قائمة بالوجود ~~محكومة مدبرة للنظام العام الحاكم في الأشياء عامة وما يخص بنا من نظام ~~خاص، والنظام أيا ما كان من لوازم خصوصيات خلق الأشياء والخلقة كيفما كانت ~~مستندة إليه تعالى فهو تعالى ولينا القائم بأمرنا المدبر لشئوننا وأمورنا، ~~كما هو ولي كل شيء كذلك وحده لا شريك له. # والشفيع - على ما تقدم في مباحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب ms6111 - هو ~~الذي ينضم إلى سبب ناقص فيتمم سببيته وتأثيره، والشفاعة تتميم السبب الناقص ~~في تأثيره وإذا طبقناها على الأسباب والمسببات الخارجية كانت أجزاء الأسباب ~~المركبة وشرائطها بعضها شفيعا لبعض لتتميم حصة من الأثر منسوبة إليه كما أن ~~كلا من السحاب والمطر والشمس والظل وغيرها شفيع للنبات. # وإذ كان موجد الأسباب وأجزائها والرابط بينها وبين المسببات هو الله ~~سبحانه فهو الشفيع بالحقيقة الذي يتمم نقصها ويقيم صلبها فالله سبحانه هو ~~الشفيع بالحقيقة لا شفيع غيره. # وببيان آخر أدق قد تقدم في البحث عن الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من ~~الكتاب أن أسماءه تعالى الحسنى وسائط بينه وبين خلقه في إيصال الفيض إليهم ~~فهو تعالى يرزقهم مثلا بما أنه رازق جواد غني رحيم ويشفي المريض بما أنه ~~شاف معاف رءوف رحيم ويهلك الظالمين بما أنه شديد البطش ذو انتقام عزيز وهكذا. # فما من شيء من المخلوقات المركبة الوجود إلا ويتوسط لوجوده عدة من ~~الأسماء الحسنى بعضها فوق بعض وبعضها في عرض بعض وكل ما هو أخص منها يتوسط ~~بين الشيء وبين الأعم منها كما أن الشافي يتوسط بين المريض وبين الرءوف ~~الرحيم والرحيم يتوسط بينه وبين القدير وهكذا. # والتوسط المذكور في الحقيقة تتميم لتأثير السبب فيه وإن شئت فقل هو تقريب ~~للشيء من السبب لفعلية تأثيره وينتج منه أنه تعالى شفيع ببعض أسمائه عند ~~بعض فهو الشفيع ليس من دونه شفيع في الحقيقة فافهم. # وقد تبين بما مر أن لا إشكال في إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعنى كونه ~~شفيعا بنفسه عند نفسه وحقيقته توسط صفة من صفاته الكريمة بين الشيء وصفة من ~~صفاته كما يستعاذ من سخطه إلى رحمته ومن عدله إلى فضله، وأما كونه تعالى ~~شفيعا بمعنى شفاعته لشيء عند غيره فهو مما لا يجوز البتة. PageV16P129 # والقوم لتقريبهم إشكال إطلاق الشفيع عليه تعالى على المعنى الثاني أي بمعنى ~~كونه شفيعا عند غيره اختلفوا في تفسير الآية على أقوال: فقال بعضهم: إن دون ~~في قوله: "ما لكم من دونه من ولي ولا ms6112 شفيع" بمعنى عند و"من دونه" حال من ~~ضمير "لكم" والمعنى: ما لكم حال كونكم مجاوزين دونه ومن عند ولي ولا شفيع ~~أي لا ولي لكم ولا شفيع ففيه نفي الولي والشفيع لهم عند الله. # وفيه أن دون وإن صح كونه بمعنى عند لكن وجود "من" قرينة على أنه بمعنى ~~غير، ولا معنى لأخذ المجاوزة ورجوع "ما لكم من دونه" إلى معنى "ما لكم عنده". # وقال بعضهم: إن الشفيع في الآية بمعنى الناصر مجازا ودون بمعنى غير و"من ~~دونه" حال من "ولي" والمعنى: ما لكم ولي ولا ناصر غيره، وفيه أنه تجوز من ~~غير موجب. # وقال بعضهم إن إطلاق الشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن ~~المشركين المنذرين كثيرا ما كانوا يقولون في آلهتهم: هؤلاء شفعاؤنا ويزعمون ~~أن كل واحد منهم شفيع لهم والمعنى: على هذا لو فرض وقدر أن الإله ولي شفيع ~~ما لكم ولي ولا شفيع غير الله سبحانه. # وقال بعضهم: إن دون بمعنى عند والضمير في "من دونه" للعذاب، والمعنى: ليس ~~لكم من دون عذابه ولي، أي قريب ينفعكم ويرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم. # وفيه أن إرجاع الضمير إلى العذاب تحكم من غير دليل، ويرد على جميع هذه ~~الوجوه أنها تكلفات ناشئة من أخذ الشفيع غير المشفوع عنده وقد عرفت أن ~~المعنى تحليلي والشفيع والمشفوع عنده واحد. # وقوله: "أفلا تتذكرون" استفهام توبيخي يوبخهم على استمرارهم على الإعراض ~~عن أدلة العقول حتى يتذكروا أن الملك والتدبير لله سبحانه وهو المعبود ~~بالحق ليس لهم دونه ولي ولا شفيع كما يزعمون ذلك لآلهتهم. # قوله تعالى: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون" تتميم لبيان أن تدبير أمر الموجودات قائم به ~~سبحانه وهذا هو القرينة على أن المراد بالأمر في الآية الشأن دون الأمر ~~المقابل للنهي. # والتدبير وضع الشيء في دابر الشيء والإتيان بالأمر بعد الأمر فيرجع إلى ~~إظهار وجود الحوادث واحدا بعد واحد كالسلسلة المتصلة بين السماء والأرض ms6113 وقد ~~قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": ~~الحجر: 21، وقال: "إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر: 49. # وقوله: "ثم يعرج إليه" بعد قوله: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض" لا ~~يخلو من إشعار بأن "يدبر" مضمن معنى التنزيل والمعنى: يدبر الأمر منزلا أو ~~ينزله مدبرا - من السماء إلى الأرض ولعله الأمر الذي يشير إليه قوله: ~~"فسواهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها": حم السجدة: 12. # وفي قوله: "يعرج إليه" إشعار بأن المراد بالسماء مقام القرب الذي تنتهي ~~إليه أزمة الأمور دون السماء بمعنى جهة العلو أو ناحية من نواحي العالم ~~الجسماني فإن الأمر قد وصف قبل العروج بالنزول فظاهر العروج أنه صعود من ~~الطريق التي نزل منها، ولم يذكر هناك إلا علو هو السماء، وسفل هو الأرض ~~ونزول وعروج فالنزول من السماء والعروج إلى الله يشعر بأن السماء هو مقام ~~الحضور الذي يصدر منه تدبير الأمر أو أن موطن تدبير الأمر الأرضي هو السماء ~~والله المحيط بكل شيء ينزل التدبير الأرضي من هذا الموطن، ولعل هذا هو ~~الأقرب إلى الفهم بالنظر إلى قوله: "وأوحى في كل سماء أمرها". # وقوله: "في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون" معناه على أي حال أنه في ~~ظرف لو طبق على ما في الأرض من زمان الحوادث ومقدار حركتها انطبق على ألف ~~سنة مما نعده فإن من المسلم أن الزمان الذي يقدره ما نعده من الليل والنهار ~~والشهور والسنين لا يتجاوز العالم الأرضي. # وإذ كان المراد بالسماء هو عالم القرب والحضور وهو مما لا سبيل للزمان ~~إليه كان المراد أنه وعاء لو طبق على مقدار حركة الحوادث في الأرض كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون. # وأما أن هذا المقدار هل هو مقدار النزول واللبث والعروج أو مقدار مجموع ~~النزول والعروج دون اللبث أو مقدار كل واحد من النزول والعروج أو مقدار نفس ~~العروج فقط بناء على أن "في يوم" قيد لقوله: "يعرج إليه" فقط كما وقع في ms6114 ~~قوله: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة": ~~المعارج: 4. PageV16P130 # ثم على تقدير كون الظرف قيدا للعروج هل العروج مطلق عروج الحوادث إلى الله ~~أو العروج يوم القيامة وهو مقدار يوم القيامة، وأما كونه خمسين ألف سنة فهو ~~بالنسبة إلى الكافر من حيث الشقة أو أن الألف سنة مقدار مشهد من مشاهد يوم ~~القيامة وهو خمسون موقفا كل موقف مقداره ألف سنة. # ثم المراد بقوله: "مقداره ألف سنة" هل هو التحديد حقيقة أو المراد مجرد ~~التكثير كما في قوله: "يود أحدهم لو يعمر ألف سنة": البقرة: 96، أي يعمر ~~عمرا طويلا جدا وإن كان هذا الاحتمال بعيدا من السياق. # والآية - كما ترى - تحتمل الاحتمالات جميعا ولكل منها وجه والأقرب من ~~بينها إلى الذهن كون "في يوم" قيدا لقوله: "ثم يعرج إليه" وكون المراد بيوم ~~عروج الأمر مشهدا من خمسين مشهدا من مشاهد يوم القيامة، والله أعلم. # قوله تعالى: "ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم" تقدم تفسير مفردات ~~الآية، ومناسبة الأسماء الثلاثة الكريمة للمقام ظاهرة. # قوله تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه" قال الراغب: الحسن عبارة عن كل مبهج ~~- بصيغة الفاعل - مرغوب فيه وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل ومستحسن ~~من جهة الهوى ومستحسن من جهة الحس. # انتهى. # وهذا تعريف له من جهة خاصته وانقسامه بانقسام الإدراكات الإنسانية. # وحقيقته ملاءمة أجزاء الشيء بعضها لبعض والمجموع للغرض والغاية الخارجة ~~منه فحسن الوجه تلاؤم أجزائه من العين والحاجب والأنف والفم وغيرها، وحسن ~~العدل ملاءمته للغرض من الاجتماع المدني وهو نيل كل ذي حق حقه، وهكذا. # والتدبر في خلقة الأشياء وكل منها في نفسه متلائم الأجزاء بعضها لبعض ~~والمجموع من وجوده مجهز بما يلائم كماله وسعادته تجهيزا لا أتم ولا أكمل ~~منه يعطي أن كلا منها حسن في نفسه حسنا لا أتم وأكمل منه بالنظر إلى نفسه. # وأما ما نرى من المساءة والقبح في الأشياء فلأحد أمرين: إما لكون الشيء ~~السيىء ذا عنوان عدمي يعود إليه المساءة لا لوجوده في نفسه ms6115 كالظلم والزنا ~~فإن الظلم ليس بسيىء قبيح بما أنه فعل من الأفعال بل بما أنه مبطل لحق ثابت ~~والزنا ليس بسيىء قبيح من جهة نفس العمل الخارجي الذي هو مشترك بينه وبين ~~النكاح بل بما أن فيه مخالفة للنهي الشرعي أو للمصلحة الاجتماعية. # أو بقياسه إلى شيء آخر فيعرضه المساءة والقبح من طريق المقايسة كقياس ~~الحنظل إلى البطيخ وقياس الشوك إلى الورد وقياس العقرب إلى الإنسان فإن ~~المساءة إنما تطرأ هذه الأشياء من طريق القياس إلى مقابلاتها ثم قياسها إلى ~~طبعنا، ويرجع هذا الوجه من المساءة إلى الوجه الأول بالحقيقة. # وكيف كان فالشيء بما أنه موجود مخلوق لا يتصف بالمساءة ويدل عليه الآية ~~"الذي أحسن كل شيء خلقه" إذا انضم إلى قوله: "الله خالق كل شيء": الزمر: 62 ~~فينتجان أولا: أن الخلقة تلازم الحسن فكل مخلوق حسن من حيث هو مخلوق. # وثانيا: أن كل سيىء وقبيح ليس بمخلوق من حيث هو سيىء قبيح كالمعاصي ~~والسيئات من حيث هي معاص وسيئات والأشياء السيئة من جهة القياس. # قوله تعالى: "وبدأ خلق الإنسان من طين" المراد بالإنسان النوع فالمبدو ~~خلقه من طين هو النوع الذي ينتهي أفراده إلى من خلق من طين من غير تناسل من ~~أب وأم كآدم وزوجه (عليهما السلام)، والدليل على ذلك قوله بعده: "ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين" فالنسل الولادة بانفصال المولود عن الوالدين ~~والمقابلة بين بدء الخلق وبين النسل لا يلائم كون المراد ببدء الخلق بدء ~~خلق الإنسان المخلوق من ماء مهين، ولو كان المراد ذلك لكان حق الكلام أن ~~يقال: ثم جعله سلالة من ماء مهين فافهمه. # وقوله: "ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" السلالة كما في المجمع، ~~الصفوة التي تنسل أي تنزع من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من ~~صلبه، والمهين من الهون وهو الضعف والحقارة وثم للتراخي الزماني. # والمعنى: ثم جعل ولادته بطريق الانفصال من صفوة من ماء ضعيف أو حقير. PageV16P131 # قوله تعالى: "ثم سواه ونفخ فيه من روحه" ms6116 التسوية التصوير وتتميم العمل، وفي ~~قوله: "نفخ فيه من روحه" استعارة بالكناية بتشبيه الروح بالنفس الذي يتنفس ~~به ثم نفخة في قالب من سواه، وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريفية، ~~والمعنى: ثم صور الإنسان المبدو خلقه من الطين والمجعول نسله من سلالة من ~~ماء مهين ونفخ فيه من روح شريف منسوب إليه تعالى. # قوله تعالى: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون" امتنان ~~بنعمة الإدراك الحسي والفكري فالسمع والبصر للمحسوسات والقلوب للفكريات أعم ~~من الإدراكات الجزئية الخيالية والكلية العقلية. # وقوله: "قليلا ما تشكرون" أي تشكرون شكرا قليلا، والجملة اعتراضية في محل ~~التوبيخ وقيل: الجملة حالية، والمعنى: جعل لكم الأبصار والأفئدة والحال ~~أنكم تشكرون قليلا، والجملة على أي حال مسوقة للبث والشكوى والتوبيخ. # والالتفات في قوله: "وجعل لكم" إلخ، من الغيبة إلى خطاب الجمع لتسجيل أن ~~الإنعام الإلهي الشامل للجميع يربو على شكرهم فهم قاصرون أو أكثرهم مقصرون. # قوله تعالى: "وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ~~ربهم كافرون" حجة من منكري البعث مبنية على الاستبعاد. # والضلال في الأرض قيل: هو الضيعة كما يقال: ضلت النعمة أي ضاعت، وقيل: هو ~~بمعنى الغيبة، وكيف كان فمرادهم به أإنا إذا متنا وانتشرت أجزاء أبداننا في ~~الأرض وصرنا بحيث لا تميز لأجزائنا من سائر أجزاء الأرض ولا خبر عنا نقع في ~~خلق جديد ونخلق ثانيا خلقنا الأول؟. # والاستفهام للإنكار، والخلق الجديد هو البعث. # وقوله: "بل هم بلقاء ربهم كافرون" إضراب عن فحوى قولهم: "أإذا ضللنا في ~~الأرض" كأنه قيل: إنهم لا يجحدون الخلق الجديد لجحدهم قدرتنا على ذلك أو ~~لسبب آخر بل هم كافرون بالرجوع إلينا ولقائنا ولذا جيء في الجواب عن قولهم ~~بما يدل على الرجوع. # قوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون" ~~توفي الشيء أخذه تاما كاملا كتوفي الحق وتوفي الدين من المديون. # وقوله: "ملك الموت الذي وكل بكم" قيل: أي وكل بإماتتكم وقبض أرواحكم ~~والآية مطلقة ظاهرة في أعم ms6117 من ذلك. # وقد نسب التوفي في الآية إلى ملك الموت، وفي قوله: "الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها": الزمر: 42 إليه تعالى، وفي قوله: "حتى إذا جاء أحدهم الموت ~~توفته رسلنا": الأنعام: 61، وقوله: "الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم": ~~النحل: 28، إلى الرسل والملائكة نظرا إلى اختلاف مراتب الأسباب فالسبب ~~القريب الملائكة الرسل أعوان ملك الموت وفوقهم ملك الموت الآمر بذلك المجرى ~~لأمر الله والله من ورائهم محيط وهو السبب الأعلى ومسبب الأسباب فذلك بوجه ~~كمثل كتابة الإنسان بالقلم فالقلم كاتب واليد كاتبة والإنسان كاتب. # وقوله: "ثم إلى ربكم ترجعون" هو الرجوع الذي عبر عنه في الآية السابقة ~~باللقاء وموطنه البعث المترتب على التوفي والمتراخي عنه، كما يدل عليه ~~العطف بثم الدالة على التراخي. # والآية - على أي تقدير - جواب عن الاحتجاج بضلال الموتى في الأرض على نفي ~~البعث ومن المعلوم أن إماتة ملك الموت لهم ليس يحسم مادة الإشكال فيبقى ~~قوله: "ثم إلى ربكم ترجعون" دعوى خالية عن الدليل في مقابل دعواهم المدللة ~~والكلام الإلهي أنزه ساحة أن يتعاطى هذا النوع من المحاجة. # لكنه تعالى أمر رسوله أن يجيب عن حجتهم المبنية على الاستبعاد بأن حقيقة ~~الموت ليس بطلانا لكم وضلالا منكم في الأرض بل ملك الموت الموكل بكم يأخذكم ~~تامين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم بمعنى قطع علاقتها من ~~الأبدان وأرواحكم تمام حقيقتكم فأنتم أي ما يعني بلفظة "كم" محفوظون لا يضل ~~منكم شيء في الأرض وإنما يضل الأبدان وتتغير من حال إلى حال وقد كانت في ~~معرض التغير من أول كينونتها. # ثم إنكم محفوظون حتى ترجعوا إلى ربكم بالبعث ورجوع الأرواح إلى أجسادها. PageV16P132 # وبهذا يندفع حجتهم على نفي المعاد بضلالهم سواء قررت على نحو الاستبعاد أو ~~قررت على أن تلاشي البدن يبطل شخصية الإنسان فينعدم ولا معنى لإعادة ~~المعدوم فإن حقيقة الإنسان هي نفسه التي يحكي عنها بقول "أنا" وهي غير ~~البدن والبدن تابع لها في شخصيته وهي لا تتلاشى بالموت ولا تنعدم بل محفوظة ~~في قدرة الله ms6118 حتى يؤذن في رجوعها إلى ربها للحساب والجزاء فيبعث على ~~الشريطة التي ذكر الله سبحانه. # وظهر بما تقدم أولا وجه اتصال قوله: "قل يتوفاكم" إلخ بقوله: "ء إذا ~~ضللنا في الأرض" إلخ وأنه جواب حاسم للإشكال قاطع للشبهة، وقد أشكل الأمر ~~على بعض من فسر التوفي بمطلق الإماتة من غير التفات إلى نكتة التعبير بلفظ ~~التوفي فتكلف في توجيه اتصال الآيتين بما لا يرتضيه العقل السليم. # وثانيا: أن الآية من أوضح الآيات القرآنية الدالة على تجرد النفس بمعنى ~~كونها غير البدن أو شيء من حالات البدن. # قوله تعالى: "ولو ترى إذا المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" نكس الرأس إطراقه وطأطأته، والمراد ~~بالمجرمين بقرينة ذيل الآية خصوص المنكرين للمعاد فاللام فيه لا تخلو من ~~معنى العهد أي هؤلاء الذين يجحدون المعاد ويقولون: "أإذا ضللنا في الأرض" إلخ. # وفي التعبير عن البعث بقوله: "عند ربهم" محاذاة لما تقدم من قوله: "بل هم ~~بلقاء ربهم كافرون" أي واقفون موقفا من اللقاء لا يسعهم إنكاره، وقولهم: ~~"أبصرنا وسمعنا" ومسألتهم الرجوع للعمل الصالح لما ينجلي لهم أن النجاة في ~~الإيمان والعمل الصالح وقد حصل لهم الإيمان اليقيني وبقي العمل الصالح ولذا ~~يعترفون باليقين ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا فيتم لهم سببا ~~النجاة. # والمعنى: ولو ترى إذ هؤلاء الذين يجرمون بإنكار لقاء الله مطرقوا رءوسهم ~~عند ربهم في موقف اللقاء من الخزي والذل والندم يقولون ربنا أبصرنا ~~بالمشاهدة وسمعنا بالطاعة فارجعنا نعمل عملا صالحا إنا موقنون والمحصل أنك ~~تراهم يجحدون اللقاء ولو تراهم إذ أحاط بهم الخزي والذل فنكسوا رءوسهم ~~واعترفوا بما ينكرونه اليوم وسألوا العود إلى هاهنا ولن يعودوا. # قوله تعالى: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" إلى آخر الآية أي لو شئنا أن ~~نعطي كل نفس أعم من المؤمنة والكافرة الهدى الذي يختص بها ويناسبها ~~لأعطيناه لها بأن نشاء من طريق اختيار الكافر وإرادته أن يتلبس بالهدى ~~فيتلبس بها من طريق الاختيار والإرادة كما شئنا ms6119 في المؤمن كذلك فتلبس ~~بالهدى باختيار منه وإرادة من دون أن ينجر إلى الإلجاء والاضطرار فيبطل ~~التكليف ويلغو الجزاء. # وقوله: "ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" أي ولكن ~~هناك قضاء سابق مني محتوم وهو إملاء جهنم من الجنة والناس أجمعين وهو قوله ~~لإبليس لما امتنع من سجدة آدم وقال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين": "فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين": ص: 85، فقضى أن يدخل متبعي إبليس العذاب المخلد. # ولازم ذلك أن لا يهديهم لظلمهم وفسقهم بالخروج عن زي العبودية كما قال: ~~"إن الله لا يهدي القوم الظالمين" "والله لا يهدي القوم الفاسقين": التوبة: ~~80، إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: "فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم" إلى آخر ~~الآية، تفريع على قوله: "ولكن حق القول مني" والنسيان ذهول صورة الشيء عن ~~الذاكرة ويكنى به عن عدم الاعتناء بما يهم الشيء وهو المراد في الآية. # والمعنى: فإذا كان من القضاء إذاقة العذاب لمتبعي إبليس فذوقوا العذاب ~~بسبب عدم اعتنائكم بلقاء هذا اليوم حتى جحدتموه ولم تعملوا صالحا تثابون به ~~فيه لأنا لم نعتن بما يهمكم في هذا اليوم من السعادة والنجاة، وقوله: ~~"وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون" تأكيد وتوضيح لسابقه أي إن الذوق الذي ~~أمرنا به ذوق عذاب الخلد ونسيانهم لقاء يومهم هذا أعمالهم السيئة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة السجدة بمكة ~~سوى ثلاث آيات "أفمن كان مؤمنا" إلى تمام الآيات الثلاث. PageV16P133 # وفيه، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن علي قال: عزائم سجود القرآن الم ~~تنزيل السجدة، وحم تنزيل السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك الذي خلق. # وفي الخصال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن العزائم أربع: اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال: أبصر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلا ms6120 قد أسبل إزاره فقال له: ارفع إزارك، ~~فقال: يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي. قال: ارفع إزارك كل خلق الله حسن. # وفي الفقيه،: سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها" وعن قول الله عز وجل: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم" وعن قول الله عز وجل: "الذين يتوفاهم الملائكة طيبين" و"الذين يتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم" وعن قول الله عز وجل: "توفته رسلنا" وعن قوله عز ~~وجل: "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة" وقد يموت في الدنيا في ~~الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، فكيف هذا؟. ~~فقال: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون ~~الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه فيتوفاهم ~~الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفاها الله ~~تعالى من ملك الموت. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي ~~قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل من الأنصار يعوده ~~فإذا ملك الموت عند رأسه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ملك ~~الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق. واعلم ~~يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم فيصرخ أهله فأقوم في جانب من الدار فأقول: ~~والله ما لي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر وما خلق الله من أهل ~~بيت ولا مدر ولا شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم ~~وليلة خمس مرات حتى إني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم. والله يا محمد ~~إني لا أقدر أن أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى هو الذي يأمر بقبضه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" قال: ~~لو شئنا أن نجعلهم كلهم معصومين لقدرنا. # أقول: العصمة لا تنافي ms6121 الاختيار فلا تنافي بين مضمون الرواية وما قدمناه ~~في تفسير الآية. # كلام في كينونة الإنسان الأولي # تقدم في تفسير أول سورة النساء كلام في هذا المعنى وكلامنا هذا كالتكملة له. # قدمنا هناك أن الآيات القرآنية ظاهرة ظهورا قريبا من الصراحة في أن البشر ~~الموجودين اليوم - ونحن منهم - ينتهون بالتناسل إلى زوج أي رجل وامرأة ~~بعينهما وقد سمي الرجل في القرآن بآدم وهما غير متكونين من أب وأم بل ~~مخلوقان من تراب أو طين أو صلصال أو الأرض على اختلاف تعبيرات القرآن. # فهذا هو الذي يفيده الآيات ظهورا معتدا به وإن لم تكن نصة صريحة لا تقبل ~~التأويل ولا المسألة من ضروريات الدين نعم يمكن عد انتهاء النسل الحاضر إلى ~~آدم ضروريا من القرآن وأما أن آدم هذا هل أريد به آدم النوعي أعني الطبيعة ~~الإنسانية الفاشية في الأشخاص أو عدة معدودة من الأفراد هم أصول النسب ~~والآباء والأمهات الأولية أو فرد إنساني واحد بالشخص؟. PageV16P134 # وعلى هذا التقدير هل هو فرد من نوع الإنسان تولد من نوع آخر كالقردة مثلا ~~على طريق تطور الأنواع وظهور الأكمل من الكامل والكامل من الناقص وهكذا أو ~~هو فرد من الإنسان كامل بالكمال الفكري تولد من زوج من الإنسان غير المجهز ~~بجهاز التعقل فكان مبدأ لظهور النوع الإنساني المجهز بالتعقل القابل ~~للتكليف وانفصاله من النوع غير المجهز بذلك فالبشر الموجودون اليوم نوع ~~كامل من الإنسان ينتهي أفراده إلى الإنسان الأول الكامل الذي يسمى بآدم، ~~وينشعب هذا النوع الكامل بالتولد تطورا من نوع آخر من الإنسان ناقص فاقد ~~للتعقل وهو يسير القهقرى في أنواع حيوانية مترتبة حتى ينتهي إلى أبسط ~~الحيوان تجهيزا وأنقصها كمالا وإن أخذنا من هناك سائرين لم نزل ننتقل من ~~ناقص إلى كامل ومن كامل إلى أكمل حتى ننتهي إلى الإنسان غير المجهز بالتعقل ~~ثم إلى الإنسان الكامل كل ذلك في سلسلة نسبية متصلة مؤلفة من آباء وأعقاب. # أو أن سلسلة التوالد والتناسل تنقطع بالاتصال بآدم وزوجه وهما متكونان من ~~الأرض من غير ms6122 تولد من أب وأم فليس شيء من هذه الصور ضروريا. # وكيف كان فظاهر الآيات القرآنية هو الصورة الأخيرة وهي انتهاء النسل ~~الحاضر إلى آدم وزوجه المتكونين من الأرض من غير أب وأم. # غير أن الآيات لم تبين كيفية خلق آدم من الأرض وأنه هل عملت في خلقه علل ~~وعوامل خارقة للعادة؟ وهل تمت خلقته بتكوين إلهي آني من غير مهل فتبدل ~~الجسد المصنوع من طين بدنا عاديا ذا روح إنساني أو أنه عاد إنسانا تاما ~~كاملا في أزمنة معتد بها يتبدل عليه فيها استعداد بعد استعداد وصورة وشكل ~~بعد صورة وشكل حتى تم الاستعداد فنفخ فيه الروح وبالجملة اجتمعت عليه من ~~العلل والشرائط نظير ما تجتمع على النطفة في الرحم. # ومن أوضح الدليل عليه قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59، فإن الآية نزلت جوابا عن ~~احتجاج النصارى على بنوة عيسى بأنه ولد من غير أب بشري ولا ولد إلا بوالد ~~فأبوه هو الله سبحانه، فرد في الآية بما محصله أن صفته كصفة آدم حيث خلقه ~~الله من أديم الأرض بغير والد يولده فلم لا يقولون بأن آدم ابن الله؟. # ولو كان المراد بخلقه من تراب انتهاء خلقته كسائر المتكونين من النطف إلى ~~الأرض كان المعنى: أن صفة عيسى ولا أب له كمثل آدم حيث تنتهي خلقته كسائر ~~الناس إلى الأرض، ومن المعلوم أن لا خصوصية لآدم على هذا المعنى حتى يؤخذ ~~ويقاس إليه عيسى فيفسد معنى الآية في نفسه ومن حيث الاحتجاج به على ~~النصارى. # وبهذا يظهر دلالة جميع الآيات الدالة على خلق آدم من تراب أو طين أو نحو ~~ذلك، على المطلوب كقوله: "إني خالق بشرا من طين": ص: 71، وقوله: "وبدأ خلق ~~الإنسان من طين": الم السجدة: 7. # وأما قول من قال: إن المراد بآدم هو آدم النوعي دون الشخصي بمعنى الطبيعة ~~الإنسانية الخارجية الفاشية في الأفراد، والمراد ببنوة الأفراد له تكثر ~~الأشخاص منه بانضمام القيود إليه ms6123 وقصة دخوله الجنة وإخراجه منها لمعصيته ~~بإغواء من الشيطان تمثيل تخييلي لمكانته في نفسه ووقوفه موقف القرب ثم كونه ~~في معرض الهبوط باتباع الهوى وطاعة إبليس. # ففيه أنه مدفوع بالآية السابقة وظواهر كثير من الآيات كقوله: "هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء": النساء: ~~1، فلو كان المراد بالنفس الواحدة آدم النوعي لم يبق لفرض الزوج لها محل ~~ونظير الآية الآيات التي تفيد أن الله أدخله وزوجه الجنة وأنه وزوجه عصيا ~~الله بالأكل من الشجرة. # على أن أصل القول بآدم النوعي مبني على قدم الأرض والأنواع المتأصلة ~~ومنها الإنسان وأن أفراده غير متناهية من الجانبين والأصول العلمية تبطل ~~ذلك بتاتا. # وأما القول بكون النسل منتهيا إلى أفراد معدودين كأربعة أزواج مختلفين ~~ببياض اللون وسواده وحمرته وصفرته أو أزواج من الإنسان ناشئين بعضهم ~~بالدنيا القديمة وبعضهم بالدنيا الحديثة والأراضي المكشوفة أخيرا وفيها بشر ~~قاطنون كأمريكا وأستراليا. PageV16P135 # فمدفوع بجميع الآيات الدالة على انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجه فإن ~~المراد بآدم فيها إما شخص واحد إنساني وإما الطبيعة الإنسانية الفاشية في ~~الأفراد وهو آدم النوعي وأما الأفراد المعدودون فلا يحتمل لفظ الآيات ذلك البتة. # على أنه مبني على تباين الأصناف الأربعة من الإنسان: البيض والسود والحمر ~~والصفر وكون كل من هذه الأصناف نوعا برأسه ينتهي إلى زوج غير ما ينتهي إليه ~~الآخر أو كون قارات الأرض منفصلا بعضها عن بعض انفصالا أبديا غير مسبوق ~~بالعدم، وقد ظهر بطلان هذه الفرضيات اليوم بطلانا كاد يلحقها بالبديهيات. # وأما القول بانتهاء النسل إلى زوج من الإنسان أو أزيد انفصلا أو انفصلوا ~~من نوع آخر هو أقرب الأنواع إليه كالقرد مثلا انفصال الأكمل من الكامل تطورا. # ففيه أن الآيات السابقة الدالة على خلق الإنسان الأول من تراب من غير أب ~~وأم تدفعه. # على أن ما أقيم عليه من الحجة العلمية قاصر عن إثباته كما سنشير إليه في ~~الكلام على القول التالي. # وأما القول بانتهاء النسل إلى فردين من الإنسان الكامل ms6124 بالكمال الفكري من ~~طريق التولد ثم انشعابهما وانفصالهما بالتطور من نوع آخر من الإنسان غير ~~الكامل بالكمال الفكري ثم انقراض الأصل وبقاء الفرع المتولد منهما على ~~قاعدة تنازع البقاء وانتخاب الأصلح. # فيدفعه قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون" على التقريب المتقدم وما في معناه من الآيات. # على أن الحجة التي أقيمت على هذا القول قاصرة عن إثباته فإنها شواهد ~~مأخوذة من التشريح التطبيقي وأجنة الحيوان والآثار الحفرية الدالة على ~~التغير التدريجي في صفات الأنواع وأعضائها وظهور الحيوان تدريجا آخذا من ~~الناقص إلى الكامل وخلق ما هو أبسط من الحيوان قبل ما هو أشد تركيبا. # وفيه أن ظهور النوع الكامل من حيث التجهيزات الحيوية بعد الناقص زمانا لا ~~يدل على أزيد من تدرج المادة في استكمالها لقبول الصور الحيوانية المختلفة ~~فهي قد استعدت لظهور الحياة الكاملة فيها بعد الناقصة والشريفة بعد الخسيسة ~~وأما كون الكامل من الحيوان منشعبا من الناقص بالتولد والاتصال النسبي فلا ~~ولم يعثر هذا الفحص والبحث على غزارته وطول زمانه على فرد نوع كامل متولد ~~من فرع نوع آخر على أن يقف على نفس التولد دون الفرد والفرد. # وما وجد منها شاهدا على التغير التدريجي فإنما هو تغير في نوع واحد ~~بالانتقال من صفة لها إلى صفة أخرى لا يخرج بذلك عن نوعيته والمدعى خلاف ذلك. # فالذي يتسلم أن نشأة الحياة ذات مراتب مختلفة بالكمال والنقص والشرف ~~والخسة وأعلى مراتبها الحياة الإنسانية ثم ما يليها ثم الأمثل فالأمثل وأما ~~أن ذلك من طريق تبدل كل نوع مما يجاوره من النوع الأكمل، فلا يفيده هذا ~~الدليل على سبيل الاستنتاج. # نعم يوجب حدسا ما غير يقيني بذلك فالقول بتبدل الأنواع بالتطور فرضية ~~حدسية تبتني عليها العلوم الطبيعية اليوم ومن الممكن أن يتغير يوما إلى ~~خلافها بتقدم العلوم وتوسع الأبحاث. # وربما استدل على هذا القول بقوله تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين": آل عمران: ms6125 33، بتقريب أن الاصطفاء هو ~~انتخاب صفوة الشيء وإنما يصدق الانتخاب فيما إذا كان هناك جماعة يختار ~~المصطفى من بينهم ويؤثر عليهم كما اصطفي كل من نوح وآل إبراهيم وآل عمران ~~من بين قومهم ولازم ذلك أن يكون مع آدم قوم غيره فيصطفى من بينهم عليهم، ~~وليس إلا البشر الأولي غير المجهز بجهاز التعقل فاصطفي آدم من بينهم فجهز ~~بالعقل فانتقل من مرتبة نوعيتهم إلى مرتبة الإنسان المجهز بالعقل الكامل ~~بالنسبة إليهم ثم نسل وكثر نسله وانقرض الإنسان الأولي الناقص. # وفيه أن "العالمين" في الآية جمع محلى باللام وهو يفيد العموم ويصدق على ~~عامة البشر إلى يوم القيامة فهم مصطفون على جميع المعاصرين لهم والجائين ~~بعدهم كمثل قوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" فما المانع من كون آدم ~~مصطفى مختارا من بين أولاده ما خلا المذكورين منهم في الآية؟. # وعلى تقدير اختصاص الاصطفاء بما بين المعاصرين وعليهم ما هو المانع من ~~كونه مصطفى مختارا من بين أولاده المعاصرين له ولا دلالة في الآية على كون ~~اصطفائه أول خلقته قبل ولادة أولاده. PageV16P136 # على أن اصطفاء آدم لو كان على الإنسان الأولي كما يذكره المستدل كان ذلك ~~بما أنه مجهز بالعقل وكان ذلك مشتركا بينه وبين بني آدم جميعا على الإنسان ~~الأولي فكان تخصيص آدم في الآية بالذكر تخصيصا من غير مخصص. # وربما استدل بقوله: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم" الآية: الأعراف: 11، بناء على أن "ثم" تدل على التراخي الزماني فقد ~~كان للنوع الإنساني وجود قبل خلق آدم وأمر الملائكة بالسجدة له. # وفيه أن "ثم" في الآية للترتيب الكلامي وهو كثير الورود في كلامه تعالى ~~على أن هناك معنى آخر أشرنا إليه في تفسير الآية في الجزء الثامن من ~~الكتاب. # وربما استدل بقوله: "وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه" الآيات وتقريبه أن الآية الأولى ~~المتعرضة لأول خلق الإنسان تذكر خلقته الأولية من تراب التي يشترك فيها ms6126 ~~جميع الأفراد، والآية الثالثة تذكر تسويته ونفخ الروح فيه وبالجملة كماله ~~الإنساني والعطف بثم تدل على توسط زمان معتد به بين أول خلقته من تراب وبين ~~ظهوره بكماله. # وليس هذا الزمان المتوسط إلا زمان توسط الأنواع الأخر التي تنتهي بتغيرها ~~التدريجي إلى الإنسان الكامل وخاصة بالنظر إلى تنكر "سلالة" المفيد للعموم. # وفيه أن قوله: "ثم سواه" عطف على قوله "بدأ" والآيات في مقام بيان ظهور ~~النوع الإنساني بالخلق وأن بدأ خلقه وهو خلقه وهو خلق آدم كان من طين ثم ~~بدل سلالة من ماء في ظهور أولاده، ثم تمت الخلقة سواء كان فيه أو في أولاده ~~بالتسوية ونفخ الروح. # وهذا معنى صحيح يقبل الانطباق على اللفظ ولا يلزم منه حمل قوله: "ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين" على أنواع متوسطة بين الخلق من الطين وبين ~~التسوية ونفخ الروح، وكون "سلالة" نكرة لا يستلزم العموم فإن إفادة النكرة ~~للعموم إنما هو فيما إذا وقعت في سياق النفي دون الإثبات. # وقد استدل بآيات أخر مربوطة بخلقه الإنسان وآدم بنحو مما مر يعلم الجواب ~~عنها بما قدمناه فلا موجب لنقلها وإطالة الكلام بالجواب عنها. PageV16P137 ### ||| AUTO 32 سورة السجدة - 15 - 30 # إنما يؤمن بئايتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقنهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون (18) أما الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فلهم جنت المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين ~~فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه ثم أعرض عنها ~~إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد ءاتينا موسى الكتب فلا تكن فى مرية من ~~لقائه وجعلنه هدى لبنى إسرءيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ms6127 لما ~~صبروا وكانوا بئايتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة فيما ~~كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون ~~فى مسكنهم إن فى ذلك لايت أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى ~~الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ~~ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمنهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) ### |||| AUTO بيان # الآيات تفرق بين المؤمنين بحقيقة معنى الإيمان وبين الفاسقين والظالمين ~~وتذكر لكل ما يلزمه من الآثار والتبعات ثم تنذر الظالمين بعذاب الدنيا ~~وتأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بانتظار الفتح وعند ذلك تختم ~~السورة. # قوله تعالى: "إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون" لما ذكر شطرا من الكلام في الكفار الذين يجحدون ~~لقاءه ويستكبرون في الدنيا عن الإيمان والعمل الصالح أخذ في صفة الذين ~~يؤمنون بآيات ربهم ويخضعون للحق لما ذكروا ووعظوا. # فقوله: "إنما يؤمن بآياتنا" حصر للإيمان بحقيقة معناه فيهم ومعناه أن ~~علامة التهيؤ للإيمان الحقيقي هو كذا وكذا. # وقوله: "الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا" ذكر سبحانه شيئا من أوصافهم ~~وشيئا من أعمالهم، أما ما هو من أوصافهم فتذللهم لمقام الربوبية وعدم ~~استكبارهم عن الخضوع لله وتسبيحه وحمده وهو قوله: "إذا ذكروا بها" أي ~~الدالة على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته وما يلزمها من المعاد والدعوة ~~النبوية إلى الإيمان والعمل الصالح "خروا سجدا" أي سقطوا على الأرض ساجدين ~~لله تذللا واستكانة "وسبحوا بحمد ربهم" أي نزهوه مقارنا للثناء الجميل عليه. # والسجدة والتسبيح والتحميد وإن كانت من الأفعال لكنها مظاهر لصفة التذلل ~~والخضوع لمقام الربوبية والألوهية، ولذا أردفها بصفة تلازمها فقال: "وهم لا ~~يستكبرون". # قوله تعالى: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون" هذا معرفهم من حيث أعمالهم كما أن ما في الآية السابقة كان ~~معرفهم من حيث أوصافهم. # فقوله: "تتجافى ms6128 جنوبهم عن المضاجع" التجافي التنحي والجنوب جمع جنب وهو ~~الشق، والمضاجع جمع مضجع وهو الفراش وموضع النوم، والتجافي عن المضاجع ~~كناية عن ترك النوم. PageV16P138 # وقوله: "يدعون ربهم خوفا وطمعا" حال من ضمير جنوبهم والمراد اشتغالهم بدعاء ~~ربهم في جوف الليل حين تنام العيون وتسكن الأنفاس لا خوفا من سخطه تعالى ~~فقط حتى يغشيهم اليأس من رحمة الله ولا طمعا في ثوابه فقط حتى يأمنوا غضبه ~~ومكره بل يدعونه خوفا وطمعا فيؤثرون في دعائهم أدب العبودية على ما يبعثهم ~~إليه الهدى وهذا التجافي والدعاء ينطبق على النوافل الليلية. # وقوله: "ومما رزقناهم ينفقون" عمل آخر لهم وهو الإنفاق لله وفي سبيله. # قوله تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون" تفريع لما لهم من الأوصاف والأعمال يصف ما أعد الله لهم من الثواب. # ووقوع نفس وهي نكرة في سياق النفي يفيد العموم، وإضافة قرة إلى أعين لا ~~أعينهم تفيد أن فيما أخفي لهم قرة عين كل ذي عين. # والمعنى: فلا تعلم نفس من النفوس - أي هو فوق علمهم وتصورهم - ما أخفاه ~~الله لهم مما تقر به عين كل ذي عين جزاء في قبال ما كانوا يعملون في ~~الدنيا. # قوله تعالى: "أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون" الإيمان سكون علمي ~~خاص من النفس بالشيء ولازمه الالتزام العملي بما آمن به والفسق هو الخروج ~~عن الالتزام المذكور من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها ومآل معناه الخروج ~~عن زي العبودية. # والاستفهام في الآية للإنكار، وقوله: "لا يستون" نفي لاستواء الفريقين ~~تأكيدا لما يفيده الإنكار السابق. # قوله تعالى: "أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما ~~كانوا يعملون" المأوى المكان الذي يأوي إليه ويسكن فيه الإنسان، والنزل ~~بضمتين كل ما يعد للنازل في بيت من الطعام والشراب، ثم عمم كما قيل لكل ~~عطية، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وأما الذين فسقوا فمأواهم النار" إلى آخر الآية، كون النار ~~مأواهم لازمه خلودهم فيها ولذلك عقبه بقوله: "كلما ms6129 أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها"، وقوله: "وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون" ~~دليل على أن المراد بالذين فسقوا هم منكرو المعاد وخطابهم وهم في النار ~~بهذا الخطاب شماتة بهم وكثيرا ما كانوا يشمتون في الدنيا بالمؤمنين لقولهم ~~بالمعاد. # قوله تعالى: "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون" لما كان غاية إذاقتهم العذاب رجوعهم المرجو والرجوع المرجو هو ~~الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة كان المراد بالعذاب الأدنى هو عذاب ~~الدنيا النازل بهم للتخويف والإنذار ليتوبوا دون عذاب الاستئصال ودون ~~العذاب الذي بعد الموت وحينئذ المراد بالعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة. # والمعنى: أقسم لنذيقنهم من العذاب الأدنى أي الأقرب مثل السنين والأمراض ~~والقتل ونحو ذلك قبل العذاب الأكبر يوم القيامة لعلهم يرجعون إلينا بالتوبة ~~من شركهم وجحودهم. # قيل: سمي عذاب الدنيا أدنى ولم يقل: الأصغر، حتى يقابل الأكبر لأن المقام ~~مقام الإنذار والتخويف ولا يناسبه عد العذاب أصغر، وكذا لم يقل دون العذاب ~~الأبعد حتى يقابل العذاب الأدنى لعدم ملاءمته مقام التخويف. # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين ~~منتقمون" كأنه في مقام التعليل لما تقدم من عذابهم بالعذاب الأكبر بما أنهم ~~مكذبون فعلله بأنهم ظالمون أشد الظلم بالإعراض عن الآيات بعد التذكرة ~~فيكونون مجرمين والله منتقم منهم. # فقوله: "ومن أظلم" إلخ تعليل لعذابهم بأنهم ظالمون أشد الظلم ثم قوله: ~~"إنا من المجرمين منتقمون"، تعليل لعذاب الظالمين بأنهم مجرمون والعذاب ~~انتقام منهم، والله منتقم من المجرمين. # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل" المراد بالكتاب التوراة والمرية الشك والريب. # وقد اختلفوا في مرجع الضمير في قوله: "من لقائه" ومعنى الكلمة فقيل: ~~الضمير لموسى وهو مفعول اللقاء والتقدير فلا تكن في مرية من لقائك موسى وقد ~~لقيه ليلة المعراج كما وردت به الروايات فإن كانت السورة نازلة بعد المعراج ~~فهو تذكرة لما قد وقع وإن كانت نازلة قبله فهو وعد منه ms6130 تعالى للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه سيراه. # وقيل: الضمير لموسى والمعنى: فلا تكن في مرية من لقائك موسى يوم القيامة. # وقيل: الضمير للكتاب والتقدير فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب. PageV16P139 # وقيل: التقدير من لقائك الكتاب أو من لقاء الكتاب إياك. # وقيل: الضمير لما لقي موسى من الأذى من قومه والمعنى: فلا تكن في مرية من ~~لقاء الأذى كما لقيه موسى من قومه وأنت خبير بأن الطبع السليم لا يقبل شيئا ~~من هذه الوجوه - على أنها لا تفي لبيان وجه اتصال الآية بما قبلها. # ومن الممكن - والله أعلم - أن يرجع ضمير لقائه إليه تعالى والمراد بلقائه ~~البعث بعناية أنه يوم يحضرون لربهم لا حجاب بينه وبينهم كما تقدم، وقد عبر ~~عنه باللقاء قبل عدة آيات في قوله: "بل هم بلقاء ربهم كافرون"، ثم عبر عنه ~~بما في معناه في قوله: "ناكسوا رءوسهم عند ربهم". # فيكون المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب كما آتيناك القرآن فلا تكن في مرية ~~من البعث الذي ينطق به القرآن بالشك في نفس القرآن وقد أيد نزول القرآن ~~عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنزول التوراة على موسى في مواضع من ~~القرآن، ويؤيده قوله بعد: "وجعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا" إلخ. # ويمكن أن يكون المراد بلقائه الانقطاع التام إليه تعالى عند وحي القرآن ~~أو بعضه كما في بعض الروايات، فيكون رجوعا إلى ما في صدر السورة من قوله: ~~"تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين"، وذيل الآية أشد تأييدا لهذا ~~الوجه من سابقه والله أعلم. # وقوله: "وجعلناه هدى لبني إسرائيل" أي هاديا فالمصدر بمعنى اسم الفاعل أو ~~بمعناه المصدري مبالغة. # قوله تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون" أي وجعلنا من بني إسرائيل أئمة يهدون الناس بأمرنا وإنما نصبناهم ~~أئمة هداة للناس حين صبروا في الدين وكانوا قبل ذلك موقنين بآياتنا. # وقد تقدم البحث عن معنى الإمامة وهداية الإمام بأمر الله في تفسير قوله: ~~"قال ms6131 إني جاعلك للناس إماما": البقرة: 124، وقوله: "وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا": الأنبياء: 73، وغير ذلك من الموارد المناسبة. # وقد تضمنت هاتان الآيتان من الرحمة المنبسطة بالتوراة أنها هدى في نفسه ~~يهدي من اتبعه إلى الحق، وأنها أنشأت في حجر تربيتها أناسا اجتباهم الله ~~للإمامة فصاروا يهدون بأمره فهي مباركة للعمل بها ومباركة بعد العمل. # قوله تعالى: "إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" ~~يريد اختلافهم في الدين وإنما كان ذلك بغيا بينهم كما يذكره في مواضع من ~~كلامه كقوله: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب - إلى أن قال - فما اختلفوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون": الجاثية: 17. # فالمراد بقوله: "يفصل بينهم" القضاء الفاصل بين الحق والباطل والمحق ~~والمبطل والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم" إلخ، العطف على محذوف كأنه قيل: ألم يبين لهم كذا وكذا، أولم يهد ~~لهم إلخ، والهداية بمعنى التبيين أو هو مضمن معنى التبيين ولذا عدي باللام. # وقوله: "كم أهلكنا من قبلهم من القرون" مشير إلى الفاعل قائم مقامه، ~~والمعنى: أولم يبين لهم كثرة من أهلكنا من القرون والحال أنهم يمشون في ~~مساكنهم. # وقوله: "إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون" المراد بالسمع سمع المواعظ المؤدي ~~إلى طاعة الحق وقبوله. # قوله تعالى: "أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم" إلخ، قال في المجمع:، السوق الحث على السير من ~~ساقه يسوقه، وقال: الجرز الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها. # انتهى. # والزرع مصدر في الأصل والمراد به هنا المزروع. # والآية تذكر آية أخرى من آيات الله سبحانه تدل على حسن تدبيره للأشياء ~~وخاصة ذوي الحياة منها كالأنعام والإنسان، والمراد بسوق الماء إلى الأرض ~~الخالية من النبات سوق السحب الحاملة للأمطار إليها، ففي نزول ماء المطر ~~منها حياة الأرض وخروج الزرع واغتذاء الإنسان والأنعام التي يسخرها ويربيها ms6132 ~~لمقاصد حياته. PageV16P140 # وقوله: "أفلا يبصرون" تنبيه وتوبيخ وتخصيص هذه الآية بالإبصار، والآية ~~السابقة بالسمع لما أن العلم بإهلاك الأمم الماضين إنما هو بالأخبار التي ~~تنال من طريق السمع وأما العلم بسوق الأمطار إلى الأرض الجرز وإخراج الزرع ~~واغتذاء الأنعام والإنسان فالطريق إليه حاسة البصر. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الفتح - إلى قوله - ولا هم ينظرون" قال ~~الراغب: الفتح إزالة الإغلاق والإشكال - إلى أن قال - وفتح القضية فتاحا ~~فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها، قال: "ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق وأنت خير الفاتحين" انتهى. # وقد تقدم في الآيات السابقة مما يصدق عليه الفتح بمعنى الفصل أمران: ~~أحدهما فصل بينهم يوم القيامة، والآخر إذاقة العذاب الأدنى أو الانتقام ~~منهم في الدنيا ولذا فسر الفتح بعضهم بيوم القيامة فيكون معنى قولهم: متى ~~هذا الفتح إن كنتم صادقين هو معنى قولهم المحكي كرارا في كلامه تعالى: "متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين". # وفسره بعضهم بيوم بدر فإنه لم ينفع الذين قتلوا من المشركين إيمانهم بعد القتل. # وذكر بعضهم أن المراد به فتح مكة ولا يلائمه الجواب المذكور في قوله: "قل ~~يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون" إلا أن يقول قائل: ~~إن إيمانهم يومئذ - وقد عاندوا الحق وقاتلوا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سنين وجاهدوا في إطفاء نور الله - لم يكن إيمانا إلا نفاقا من غير أن ~~يدخل في قلوبهم وينتفع به نفوسهم وقد ألزموا بالإيمان ولم ينظروا. # ويمكن أن يكون المراد هو القضاء بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وبين الأمة ويكون ذلك في آخر الزمان كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله: ~~"ولكل أمة رسول" الآية،: يونس: 47. # وكيف كان فالمراد بالآيتين استعجال المشركين بالفتح والجواب أنه فتح لا ~~ينفع حال الذين كفروا إيمانهم لأنه ظرف لا ينفع نفسا إيمانها ولا أن العذاب ~~يمهلهم وينظرهم. # قوله تعالى: "فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون" أمر بالإعراض عنهم وانتظار ~~الفتح كما أنهم ينتظرون وإنما كانوا منتظرين موته أو قتله (صلى ms6133 الله عليه ~~وآله وسلم) وبالجملة انقطاع دابر دعوته الحقة فلينتظر هو كما هم ينتظرون ~~حتى يظهر الله الحق على الباطل والمحق على المبطل. # ومن هذا السياق يظهر أن المراد بالفتح الفتح الدنيوي. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع"، قال: هم الذين لا ينامون قبل ~~العشاء فأثنى عليهم فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه ~~عينه فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير. أقول: ورواها أيضا فيه بطرق ~~أخر موصولة وموقوفة، وروى صدر الحديث الشيخ في أماليه بالإسناد عن الصادق ~~(عليه السلام) في الآية ولفظه كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة. # وفي الكافي، بإسناده عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~ألا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك. قال: أما ~~أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: إن شئت أخبرتك ~~بأبواب الخير: قلت: نعم جعلت فداك. قال: الصوم جنة والصدقة تذهب بالخطيئة ~~وقيام الرجل في جوف الليل يذكر الله ثم قرأ: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" ~~أقول: وروى هذا المعنى في المحاسن، بإسناده عن علي بن عبد العزيز عن الصادق ~~(عليه السلام) وفي المجمع، عن الواحدي بالإسناد عن معاذ بن جبل عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ورواه في الدر المنثور، عن الترمذي والنسائي ~~وابن ماجة وغيرهم عن معاذ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: ذكر لنا رسول الله قيام ~~الليل ففاضت عيناه حتى تحادرت دموعه فقال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والطبراني وابن جرير والحاكم وصححه ~~وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة من طريق أبي صخر عن أبي حازم عن ~~سهل بن سعد قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~يصف الجنة حتى انتهى. ثم قال: فيها ما ms6134 لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر ثم قرأ: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" الآيتين. PageV16P141 # وفي المجمع، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ما من حسنة إلا ~~ولها ثواب مبين في القرآن إلا صلاة الليل فإن الله عز اسمه لم يبين ثوابها ~~لعظم خطرها قال: "فلا تعلم نفس" الآية. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ~~ثواب في القرآن إلا صلاة الليل فإن الله عز وجل لم يبين ثوابها لعظيم خطره ~~عنده، فقال جل ذكره: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع - يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~ومما رزقناهم ينفقون -" إلى قوله يعملون" ثم قال: إن لله عز وجل كرامة في ~~عباده المؤمنين في كل يوم جمعة فإذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمن ~~ملكا معه حلتان فينتهي إلى باب الجنة فيقول: استأذنوا لي على فلان فيقال له ~~هذا رسول ربك على الباب فيقول لأزواجه: أي شيء ترين علي أحسن؟ فيقلن يا ~~سيدنا والذي أباحك الجنة ما رأينا عليك أحسن من هذا الذي قد بعث إليك ربك ~~فيتزر بواحدة ويتعطف بالأخرى فلا يمر بشيء إلا أضاء له حتى ينتهي إلى ~~الموعد. فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فإذا نظروا إليه أي إلى ~~رحمته خروا سجدا فيقول: عبادي ارفعوا رءوسكم ليس هنا يوم سجود ولا عبادة قد ~~رفعت عنكم المئونة فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل مما أعطيتنا؟ أعطيتنا ~~الجنة فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين مرة. فيرجع المؤمن في كل جمعة ~~بسبعين ضعفا مثل ما في يديه وهو قوله: "ولدينا مزيد" وهو يوم الجمعة إن ~~ليلها ليلة غراء ويومها يوم أزهر فأكثروا من التسبيح والتهليل والتكبير ~~والثناء على الله عز وجل والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ~~قال: فيمر المؤمن فلا يمر بشيء إلا أضاء له حتى ينتهي إلى ms6135 أزواجه فيقلن: ~~والذي أباحنا الجنة، يا سيدنا ما رأيناك أحسن منك الساعة. فيقول: إني نظرت ~~إلى نور ربي إلى أن قال: قلت جعلت فداك زدني. فقال: إن الله تعالى خلق جنة ~~بيده ولم يرها عين ولم يطلع عليها مخلوق يفتحها الرب كل صباح فيقول: ازدادي ~~ريحا ازدادي طيبا وهو قول الله: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين - ~~جزاء بما كانوا يعملون". # أقول: ذيل الرواية تفسير لصدرها وقوله: أي إلى رحمة ربه. # من كلام الراوي. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: من أطعم مؤمنا حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله جل وعز ما له ~~من الأجر في الآخرة لا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون" قال: إن علي بن أبي ~~طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط تشاجرا فقال الفاسق وليد بن عقبة: أنا ~~والله أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا وأمثل منك جثوا في الكتيبة. فقال علي ~~(عليه السلام): اسكت إنما أنت فاسق فأنزل الله "أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون". أقول: ورواه في المجمع، عن الواحدي عن ابن عباس وفي الدر ~~المنثور، عن كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن ~~عساكر عنه وأيضا عن ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار وعن ابن أبي حاتم ~~عن السدي عنه وأيضا عن ابن أبي حاتم عن ابن أبي ليلى مثله. # وفي الاحتجاج، عن الحسن بن علي (عليهما السلام): في حديث يحاج فيه رجالا ~~عند معاوية: وأما أنت يا وليد بن عقبة فوالله ما ألومك أن تبغض عليا وقد ~~جلدك في الخمر ثمانين جلدة وقتل أباك صبرا بيده يوم بدر أم كيف تسبه وقد ~~سماه الله مؤمنا في عشر آيات من القرآن وسماك فاسقا وهو قول ms6136 الله عز وجل: ~~"أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون". وفي الدر المنثور، أخرج ابن ~~مردويه عن أبي إدريس الخولاني قال: سألت عبادة بن الصامت عن قول الله: ~~"ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر" فقال: سألت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عنها فقال: هي المصائب والأسقام والأنصاب عذاب للمسرف ~~في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت: يا رسول الله فما هي لنا؟ قال: زكاة وطهور. # وفي المجمع، في الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام): أن ~~العذاب الأدنى الدابة والدجال. PageV16P142 ### || AUTO ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكفرين والمنفقين ~~إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من ~~قلبين فى جوفه وما جعل أزوجكم الئى تظهرون منهن أمهتكم وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم ذلكم قولكم بأفوهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل (4) ادعوهم ~~لابائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءاباءهم فإخونكم فى الدين وموليكم ~~وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا ~~رحيما (5) النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزوجه أمهتهم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض فى كتب الله من المؤمنين والمهجرين إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليائكم معروفا كان ذلك فى الكتب مسطورا (6) وإذ أخذنا من النبيين ميثقهم ~~ومنك ومن نوح وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثقا غليظا (7) ~~ليسئل الصدقين عن صدقهم وأعد للكفرين عذابا أليما (8) ### |||| AUTO بيان # تتضمن السورة تفاريق من المعارف والأحكام والقصص والعبر والمواعظ وفيها ~~قصة غزوة الخندق وإشارة إلى قصة بني القريظة من اليهود، وسياق آياتها يشهد ~~بأنها مما نزلت بالمدينة. # قوله تعالى: "يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن ~~الله كان عليما حكيما" أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتقوى الله ~~وفيه تمهيد للنهي الذي بعده "ولا تطع الكافرين والمنافقين". ms6137 # وفي سياق النهي - وقد جمع فيه بين الكافرين والمنافقين ونهى عن إطاعتهم - ~~كشف عن أن الكافرين كانوا يسألونه أمرا لا يرتضيه الله سبحانه وكان ~~المنافقون يؤيدونهم في مسألتهم ويلحون، أمرا كان الله سبحانه بعلمه وحكمته ~~قد قضى بخلافه وقد نزل الوحي الإلهي بخلافه، أمرا خطيرا لا يؤمن مساعدة ~~الأسباب على خلافه إلا أن يشاء الله فحذر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عن إجابتهم إلى ملتمسهم وأمر بمتابعة ما أوحى الله إليه والتوكل عليه. # وبهذا يتأيد ما ورد في أسباب النزول أن عدة من صناديد قريش بعد وقعة أحد ~~دخلوا المدينة بأمان من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسألوا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يتركهم وآلهتهم فيتركوه وإلهه فنزلت الآيات ولم ~~يجبهم النبي إلى ذلك وسيأتي في البحث الروائي التالي. # وبما تقدم ظهر وجه تذييل الآية بقوله: "إن الله كان عليما حكيما" وكذا ~~تعقيب الآية بالآيتين بعدها. # قوله تعالى: "واتبع ما يوحى إليك من ربك أن الله كان بما تعملون خبيرا" ~~الآية عامة في حد نفسها لكنها من حيث وقوعها في سياق النهي تأمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) باتباع ما نزل به الوحي فيما يسأله الكافرون ~~والمنافقون وأتباعه إجراؤه عملا بدليل قوله: "إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا". # قوله تعالى: "وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا" الآية كالآية السابقة في ~~أنها عامة في حد نفسها، لكنها لوقوعها في سياق النهي السابق تدل على الأمر ~~بالتوكل على الله فيما يأمره به الوحي وتشعر بأنه أمر صعب المنال بالنظر ~~إلى الأسباب الظاهرية لا يسلم القلب معه من عارضة المخافة والاضطراب إلا ~~التوكل على الله سبحانه فإنه السبب الوحيد الذي لا يغلبه سبب مخالف. PageV16P143 # قوله تعالى: "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه" كناية عن امتناع الجمع ~~بين المتنافيين في الاعتقاد فإن القلب الواحد أي النفس الواحدة لا يسع ~~اعتقادين متنافيين ورأيين متناقضين فإن كان هناك متنافيان فهما لقلبين وما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ms6138 فالرجل الواحد لا يسعه أن يعتقد المتنافيين ~~ويصدق بالمتناقضين وقوله: "في جوفه" يفيد زيادة التقرير كقوله: "ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور": الحج: 46. # قيل: الجملة توطئة وتمهيد كالتعليل لما يتلوها من إلغاء أمر الظهار ~~والتبني فإن في الظهار جعل الزوجة بمنزلة الأم وفي التبني والدعاء جعل ولد ~~الغير ولدا لنفسه والجمع بين الزوجية والأمومة وكذا الجمع بين بنوة الغير ~~وبنوة نفسه جمع بين المتنافيين ولا يجتمعان إلا في قلبين وما جعل الله لرجل ~~من قلبين في جوفه. # ولا يبعد أن تكون الجملة في مقام التعليل لقوله السابق: "لا تطع الكافرين ~~والمنافقين" "واتبع ما يوحى إليك من ربك" فإن طاعة الله وولايته وطاعة ~~الكفار والمنافقين وولايتهم متنافيتان متباينتان كالتوحيد والشرك لا ~~يجتمعان في القلب الواحد وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. # قوله تعالى: "وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم" كان الرجل في ~~الجاهلية يقول لزوجته أنت مني كظهر أمي أو ظهرك علي كظهر أمي فيشبه ظهرها ~~بظهر أمه وكان يسمى ذلك ظهارا ويعد طلاقا لها، وقد ألغاه الإسلام. # فمفاد الآية أن الله لم يجعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن بقول ظهرك علي ~~كظهر أمي أمهات لكم وإذ لم يجعل ذلك فلا أثر لهذا القول والجعل تشريعي. # قوله تعالى: "وما جعل أدعياءكم أبناءكم" الأدعياء جمع دعي وهو المتخذ ~~ولدا المدعو ابنا وقد كان الدعاء والتبني دائرا بينهم في الجاهلية وكذا بين ~~الأمم الراقية يومئذ كالروم وفارس وكانوا يرتبون على الدعي أحكام الولد ~~الصلبي من التوارث وحرمة الازدواج وغيرهما وقد ألغاه الإسلام. # فمفاد الآية أن الله لم يجعل الذين تدعونهم لأنفسكم أبناء لكم بحيث يجري ~~فيهم ما يجري في الأبناء الصلبيين. # قوله تعالى: "ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" ~~الإشارة بقوله: "ذلكم" إلى ما تقدم من الظهار والدعاء أو إلى الدعاء فقط ~~وهو الأظهر ويؤيده اختصاص الآية التالية بحكم الدعاء فحسب. # وقوله: "قولكم بأفواهكم" أي إن نسبة الدعي إلى أنفسكم ليس إلا قولا ~~تقولونه بأفواهكم ليس له أثر ms6139 وراء ذلك فهو كناية عن انتفاء الأثر كما في ~~قوله: "كلا إنها كلمة هو قائلها": المؤمنون: 100. # وقوله: "والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" معنى كون قوله: هو الحق أنه إن ~~أخبر عن شيء كان الواقع مطابقا لما أخبر به وإن أنشأ حكما ترتب عليه آثاره ~~وطابقته المصلحة الواقعية. # ومعنى هدايته السبيل أنه يحمل من هداه على سبيل الحق التي فيها الخير ~~والسعادة وفي الجملتين تلويح إلى أن دعوا أقوالكم وخذوا بقوله. # قوله تعالى: "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" إلى آخر الآية. # اللام في "لآبائهم" للاختصاص أي ادعوهم وهم مخصوصون بآبائهم أي انسبوهم ~~إلى آبائهم وقوله: "هو أقسط عند الله"، الضمير إلى المصدر المفهوم من قوله: ~~"ادعوهم" نظير قوله: "اعدلوا هو أقرب للتقوى" و"أقسط" صيغة تفضيل من القسط ~~بمعنى العدل. # والمعنى: انسبوهم إلى آبائهم - إذا دعوتموهم - لأن الدعاء لآبائهم أعدل ~~عند الله. # وقوله: "فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم"، المراد بعدم ~~علمهم آباءهم عدم معرفتهم بأعيانهم، والموالي هم الأولياء، والمعنى: وإن لم ~~تعرفوا آباءهم فلا تنسبوهم إلى غير آبائهم بل ادعوهم بالإخوة والولاية ~~الدينية. # وقوله: "ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم" أي لا ذنب ~~لكم في الذي أخطأتم به لسهو أو نسيان فدعوتموهم لغير آبائهم ولكن الذي ~~تعمدته قلوبكم ذنب أو ولكن تعمد قلوبكم بذلك فيه الذنب. # وقوله: "وكان الله غفورا رحيما" راجع إلى ما أخطىء به. PageV16P144 # قوله تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم" أنفس ~~المؤمنين هم المؤمنون فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم ~~منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى ~~منه فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة ~~واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه ولو دار الأمر ~~بين النبي وبين نفسه في شيء من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه. # ففيما إذا توجه شيء من المخاطر إلى نفس النبي فليقه المؤمن ms6140 بنفسه ويفده ~~نفسه وليكن النبي أحب إليه من نفسه وأكرم عنده من نفسه ولو دعته نفسه إلى ~~شيء والنبي إلى خلافه أو أرادت نفسه منه شيئا وأراد النبي خلافه كان ~~المتعين استجابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطاعته وتقديمه على نفسه. # وكذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهم فيما يتعلق بالأمور ~~الدنيوية أو الدينية كل ذلك لمكان الإطلاق في قوله: "النبي أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم". # ومن هنا يظهر ضعف ما قيل: إن المراد أنه أولى بهم في الدعوة فإذا دعاهم ~~إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى خلافه كان عليهم أن يطيعوه ويعصوا أنفسهم، فتكون ~~الآية في معنى قوله: "وأطيعوا الرسول": النساء: 59، وقوله: "وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64، وما أشبه ذلك من الآيات وهو مدفوع ~~بالإطلاق. # وكذا ما قيل إن المراد أن حكمه فيهم أنفذ من حكم بعضهم على بعض كما في ~~قوله: "فسلموا على أنفسكم": النور: 61، ويئول إلى أن ولايته على المؤمنين ~~فوق ولاية بعضهم على بعض المدلول عليه بقوله: "المؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض": براءة: - 71. # وفيه أن السياق لا يساعد عليه. # وقوله: "وأزواجه أمهاتهم" جعل تشريعي أي أنهن منهم بمنزلة أمهاتهم في ~~وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما سيأتي ~~التصريح به في قوله: "ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا". # فالتنزيل إنما هو في بعض آثار الأمومة لا في جميع الآثار كالتوارث بينهن ~~وبين المؤمنين والنظر في وجوههن كالأمهات وحرمة بناتهن على المؤمنين ~~لصيرورتهن أخوات لهم وكصيرورة آبائهن وأمهاتهن أجدادا وجدات وإخوتهن ~~وأخواتهن أخوالا وخالات للمؤمنين. # قوله تعالى: "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين" إلخ، الأرحام جمع رحم وهي العضو الذي يحمل النطفة حتى تصير ~~جنينا فيتولد، وإذ كانت القرابة النسبية لازمة الانتهاء إلى رحم واحدة عبر ~~عن القرابة بالرحم فسمي ذوو القرابة أولي الأرحام. # والمراد بكون أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، الأولوية في التوارث، وقوله: ~~"في كتاب الله" المراد به اللوح ms6141 المحفوظ أو القرآن أو السورة، وقوله: "من ~~المؤمنين والمهاجرين" مفضل عليه والمراد بالمؤمنين غير المهاجرين منهم، ~~والمعنى: وذوو القرابة بعضهم أولى ببعض من المهاجرين وسائر المؤمنين الذين ~~كانوا يرثون بالمؤاخاة الدينية، وهذه الأولوية في كتاب الله وربما احتمل ~~كون قوله: "من المؤمنين والمهاجرين" بيانا لقوله: "وأولوا الأرحام". # والآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين. # وقوله: "إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا" الاستثناء منقطع، والمراد ~~بفعل المعروف إلى الأولياء الوصية لهم بشيء من التركة، وقد حد شرعا بثلث ~~المال فما دونه، وقوله: "كان ذلك في الكتاب مسطورا" أي حكم فعل المعروف ~~بالوصية مسطور في اللوح المحفوظ أو القرآن أو السورة. # قوله تعالى: "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا" إضافة الميثاق إلى ضمير النبيين ~~دليل على أن المراد بالميثاق ميثاق خاص بهم كما أن ذكرهم بوصف النبوة مشعر ~~بذلك فالميثاق المأخوذ من النبيين ميثاق خاص من حيث إنهم نبيون وهو غير ~~الميثاق المأخوذ من عامة البشر الذي يشير إليه في قوله: "وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى": ~~الأعراف: 127. PageV16P145 # وقد ذكر أخذ الميثاق من النبيين في موضع آخر وهو قوله: "وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا": آل عمران: 81. # والآية المبحوث عنها وإن لم تبين ما هو الميثاق المأخوذ منهم وإن كانت ~~فيها إشارة إلى أنه أمر متعلق بالنبوة لكن يمكن أن يستفاد من آية آل عمران ~~أن الميثاق مأخوذ على وحدة الكلمة في الدين وعدم الاختلاف فيه كما في قوله: ~~"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون": الأنبياء: 92، وقوله: "شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13. # وقد ms6142 ذكر النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثم سمى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف ~~عليهم فقال: "ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم" ومعنى العطف ~~إخراجهم من بينهم وتخصيصهم بالذكر كأنه قيل: وإذ أخذنا الميثاق منكم أيها ~~الخمسة ومن باقي النبيين. # ولم يخصهم بالذكر على هذا النمط إلا لعظمة شأنهم ورفعة مكانهم فإنهم ~~أولوا عزم وأصحاب شرائع وكتب وقد عدهم على ترتيب زمانهم: نوح ثم إبراهيم ثم ~~موسى ثم عيسى بن مريم (عليهما السلام)، لكن قدم ذكر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وهو آخرهم زمانا لفضله وشرفه وتقدمه على الجميع. # وقوله: "وأخذنا منهم ميثاقا غليظا" تأكيد وتغليظ للميثاق نظير قوله: ~~"فلما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ": هود: 58. # قوله تعالى: "ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما" اللام ~~في "ليسأل" للتعليل أو للغاية وهو متعلق بمحذوف يدل عليه قوله: "وإذ أخذنا" ~~وقوله: "وأعد" معطوف على ذلك المحذوف، والتقدير فعل ذلك أي أخذ الميثاق ~~ليتمهد له سؤال الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما. # ولم يقل: وليعد للكافرين عذابا، إشارة أن عذابهم ليس من العلل الغائية ~~لأخذ الميثاق وإنما النقص من ناحيتهم والخلف من قبلهم. # وأما سؤال الصادقين عن صدقهم فقيل: المراد بالصادقين الأنبياء وسؤالهم عن ~~صدقهم هو سؤالهم يوم القيامة عما جاءت به أممهم وكأنه مأخوذ من قوله تعالى: ~~"يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم": المائدة: 190. # وقيل: المراد سؤال الصادقين في توحيد الله وعدله والشرائع عن صدقهم أي ~~عما كانوا يقولون فيه، وقيل: المراد سؤال الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في ~~أفعالهم، وقيل: المراد سؤال الصادقين عما قصدوا بصدقهم أهو وجه الله أو ~~غيره؟ إلى غير ذلك من الوجوه وهي كما ترى. # والتأمل فيما يفيده قوله: "ليسأل الصادقين عن صدقهم" يرشد إلى خلاف ما ~~ذكروه، ففرق بين قولنا: سألت الغني عن غناه وسألت العالم عن علمه، وبين ~~قولنا: سألت زيدا عن ماله أو عن علمه، فالمتبادر من الأولين أني طالبته ms6143 أن ~~يظهر غناه وأن يظهر علمه، ومن الأخيرين أني طالبته أن يخبرني هل له مال أو ~~هل له علم؟ أو يصف لي ما له من المال أو من العلم. # وعلى هذا فمعنى سؤال الصادقين عن صدقهم مطالبتهم أن يظهروا ما في باطنهم ~~من الصدق في مرتبة القول والفعل وهو عملهم الصالح في الدنيا فالمراد بسؤال ~~الصادقين عن صدقهم توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم ليظهر منهم صدقهم ~~المستبطن في نفوسهم وهذا في الدنيا لا في الآخرة فأخذ الميثاق في نشأة أخرى ~~قبل الدنيا كما يدل عليه آيات الذر "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" الآيات. # وبالجملة الآيتان من الآيات المنبئة عن عالم الذر المأخوذ فيه الميثاق ~~وتذكر أن أخذ الميثاق من الأنبياء (عليهم السلام) وترتب شأنهم وعملهم في ~~الدنيا على ذلك في ضمن ترتب صدق كل صادق على الميثاق المأخوذ منه. # ولمكان هذا التعميم ذكر عاقبة أمر الكافرين مع أنهم ليسوا من قبيل ~~النبيين والكلام في الميثاق المأخوذ منهم فكأنه قيل: أخذنا ميثاقا غليظا من ~~النبيين أن تتفق كلمتهم على دين واحد يبلغونه ليسأل الصادقين ويطالبهم ~~بالتكليف والهداية إظهار صدقهم في الاعتقاد والعمل ففعلوا فقدر لهم الثواب ~~وأعد للكافرين عذابا أليما. PageV16P146 # ومن هنا يظهر وجه الالتفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله: "ليسأل ~~الصادقين" إلخ، وذلك لأن الميثاق على عبادته وحده لا شريك له وإن كان أخذه ~~منه تعالى بوساطة من الملائكة المصحح لقوله: "أخذنا" "وأخذنا" فالمطالب ~~لصدق الصادقين والمعد لعذاب الكافرين بالحقيقة هو تعالى وحده ليعبد وحده فتدبر. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "يا أيها النبي اتق الله" الآيات نزلت في أبي ~~سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السلمي قدموا المدينة ونزلوا ~~على عبد الله بن أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ليكلموه فقاموا وقام معهم عبد الله بن أبي وعبد الله بن سعيد ms6144 بن أبي ~~سرح وطعمة بن أبيرق فدخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقالوا: يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة وقل: إن لها شفاعة لمن ~~عبدها وندعك وربك. فشق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال ~~عمر بن الخطاب: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان ~~وأمر فأخرجوا من المدينة ونزلت الآية "ولا تطع الكافرين" من أهل مكة أبا ~~سفيان وأبا الأعور وعكرمة "والمنافقين" ابن أبي وابن سعيد وطعمة: أقول: ~~وروي إجمال القصة في الدر المنثور، عن جرير عن ابن عباس، وروي أسباب أخر ~~لنزول الآيات لكنها أجنبية غير ملائمة لسياق الآيات فأضربنا عنها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وما جعل أدعياءكم أبناءكم": حدثني أبي ~~عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سبب ذلك ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى ~~سوق عكاظ في تجارة ورأى زيدا يباع ورآه غلاما كيسا حصينا فاشتراه فلما نبىء ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه إلى الإسلام فأسلم وكان يدعى زيد ~~مولى محمد. فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة وكان ~~رجلا جليلا فأتى أبا طالب فقال: يا أبا طالب إن ابني وقع عليه السبي وبلغني ~~أنه صار إلى ابن أخيك تسأله إما أن يبيعه وإما أن يفاديه وإما أن يعتقه. ~~فكلم أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله: هو حر ~~فليذهب حيث شاء فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له: يا بني الحق بشرفك وحسبك، ~~فقال زيد: لست أفارق رسول الله، فقال له أبوه: فتدع حسبك ونسبك وتكون عبدا ~~لقريش؟ فقال زيد: لست أفارق رسول الله ما دمت حيا، فغضب أبوه فقال: يا معشر ~~قريش اشهدوا أني قد برئت منه وليس هو ابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): اشهدوا أن زيدا ابني ms6145 أرثه ويرثني. فكان زيد يدعى ابن محمد وكان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبه وسماه زيد الحب. فلما هاجر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش وأبطأ عنه ~~يوما فأتى رسول الله منزله يسأل عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها يستحق ~~طيبها بفهر لها فدفع رسول الله الباب ونظر إليها وكانت جميلة حسنة فقال: ~~سبحان الله رب النور وتبارك الله أحسن الخالقين، ثم رجع رسول الله إلى ~~منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا. وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب ~~بما قال رسول الله فقال لها زيد: هل لك أن أطلقك حتى يتزوج بك رسول الله؟ ~~فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله. فجاء زيد إلى رسول الله ~~فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك أن أطلقها ~~حتى تتزوجها؟ فقال له رسول الله: لا اذهب واتق الله وأمسك عليك زوجك، ثم ~~حكى الله فقال: "أمسك عليك زوجك واتق الله - وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس - والله أحق أن تخشاه - فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إلى ~~قوله وكان أمر الله مفعولا" فزوجه الله من فوق عرشه. فقال المنافقون: يحرم ~~علينا نساء أبنائنا ويزوج امرأة ابنه زيد فأنزل الله في هذا "وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم إلى قوله يهدي السبيل". # أقول: وروى قريبا منه مع اختلاف ما في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن ~~ابن عباس. PageV16P147 # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه كان يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل ~~مات وترك دينا فالي، ومن ترك مالا فهو لورثته. # أقول: وفي معناه روايات أخر من طرق الشيعة وأهل السنة. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة قال: غزوت مع على اليمن ~~فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرت ~~عليا فتنقصته فرأيت ms6146 وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تغير وقال: يا ~~بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: من كنت ~~مولاه فعلي مولاه. # وفي الاحتجاج، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في حديث طويل قال: سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ~~من كنت أولى به من نفسه فأنت أولى به من نفسه وعلي بين يديه في البيت: ~~أقول: ورواه في الكافي، بإسناده عن جعفر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والأحاديث في هذا المعنى من طرق الفريقين فوق حد الإحصاء. # وفي الكافي، بإسناده عن حنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي ~~شيء للموالي؟ فقال: ليس لهم من الميراث إلا ما قال الله عز وجل: "إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا". # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله ~~متى أخذ ميثاقك؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. # أقول: وهو بلفظه مروي بطرق مختلفة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعناه ~~كون الميثاق مأخوذا في نشأة غير هذه النشأة وقبلها. PageV16P148 ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 9 - 27 # يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ~~ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ~~(10) هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنفقون ~~والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة ~~منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبى يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هى بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا ~~عهدوا الله من قبل لا يولون الأدبر وكان عهد الله مسئولا (15) قل لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ms6147 (16) قل من ذا ~~الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين ~~لاخونهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء ~~الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت فإذا ذهب ~~الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعملهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت ~~الأحزاب يودوا لو أنهم بادون فى الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ~~ما قتلوا إلا قليلا (20) لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا ~~الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمنا وتسليما ~~(22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم ~~من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزى الله الصدقين بصدقهم ويعذب المنفقين ~~إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ~~(25) وأنزل الذين ظهروهم من أهل الكتب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديرهم وأمولهم وأرضا لم ~~تطئوها وكان الله على كل شىء قديرا (27) ### |||| AUTO بيان # قصة غزوة الخندق وما عقبها من أمر بني قريظة ووجه اتصالها بما قبلها ما ~~فيها من ذكر حفظ العهد ونقضه. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود" إلخ، تذكير للمؤمنين بما أنعم عليهم أيام الخندق بنصرهم وصرف جنود ~~المشركين عنهم وقد كانوا جنودا مجندة من شعوب وقبائل شتى كغطفان وقريش ~~والأحابيش وكنانة ويهود بني قريظة والنضير أحاطوا بهم من فوقهم ومن أسفل ~~منهم فسلط الله عليهم الريح وأنزل ملائكة يخذلونهم. PageV16P149 # وهو قوله: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ" ظرف ms6148 للنعمة أو ~~لثبوتها "جاءتكم جنود" من طوائف كل واحدة منهم جند كغطفان وقريش وغيرهما ~~"فأرسلنا" بيان للنعمة وهو الإرسال المتفرع على مجيئهم "عليهم ريحا" وهي ~~الصبا وكانت باردة في ليال شاتية "وجنودا لم تروها" وهي الملائكة لخذلان ~~المشركين "وكان الله بما تعملون بصيرا". # قوله تعالى: "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم" إلخ الجاءون من فوقهم ~~وهو الجانب الشرقي للمدينة غطفان ويهود بني قريظة وبني النضير والجاءون من ~~أسفل منهم وهو الجانب الغربي لها قريش ومن انضم إليهم من الأحابيش وكنانة ~~فقوله: "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم" عطف بيان لقوله: "إذ جاءتكم جنود". # وقوله: "إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر"، عطف بيان آخر لقوله: "إذ ~~جاءتكم" إلخ، وزيغ الأبصار ميلها والقلوب هي الأنفس والحناجر جمع حنجر وهو ~~جوف الحلقوم. # والوصفان أعني زيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر كنايتان عن كمال غشيان ~~الخوف لهم حتى حولهم إلى حال المحتضر الذي يزيغ بصره وتبلغ روحه الحلقوم. # وقوله: "وتظنون بالله الظنونا" أي يظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~الظنون فبعضهم يقول: إن الكفار سيغلبون ويستولون على المدينة، وبعضهم يقول: ~~إن الإسلام سينمحق والدين سيضيع، وبعضهم يقول: إن الجاهلية ستعود كما كانت، ~~وبعضهم يقول: إن الله غرهم ورسوله إلى غير ذلك من الظنون. # قوله تعالى: "هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا" هنالك إشارة ~~بعيدة إلى زمان أو مكان والمراد الإشارة إلى زمان مجيء الجنود وكان شديدا ~~عليهم لغاية بعيدة، والابتلاء الامتحان، والزلزلة والزلزال الاضطراب، ~~والشدة القوة وتختلفان في أن الغالب على الشدة أن تكون محسوسا بخلاف القوة، ~~قيل: ولذلك يطلق القوي عليه تعالى دون الشديد. # والمعنى في ذلك الزمان الشديد امتحن المؤمنون واضطربوا خوفا اضطرابا شديدا. # قوله تعالى: "وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا" الذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين وهم ~~غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وإنما سمي المنافقون ~~الرسول لمكان إظهارهم الإسلام. # والغرور حمل الإنسان على الشر بإراءته في صورة ms6149 الخير والاغترار احتماله له. # قال الراغب: يقال: غررت فلانا أصبت غرته ونلت منه ما أريد، والغرة - بكسر ~~الغين - غفلة في اليقظة. # انتهى. # والوعد الذي يعدونه غرورا من الله ورسوله لهم بقرينة المقام هو وعد الفتح ~~وظهور الإسلام على الدين كله وقد تكرر في كلامه تعالى كما ورد أن المنافقين ~~قالوا: يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى ~~الخلاء. # قوله تعالى: "وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا" يثرب ~~اسم المدينة قبل الإسلام ثم غلب عليه اسم مدينة الرسول بعد الهجرة ثم ~~المدينة، والمقام بضم الميم الإقامة، وقولهم: لا مقام لكم فارجعوا أي لا ~~وجه لإقامتكم هاهنا قبال جنود المشركين فالغلبة لهم لا محالة فارجعوا ثم ~~أتبعه بحكاية ما قاله آخرون فقال عاطفا على قوله: قالت طائفة: "ويستأذن ~~فريق منهم" أي من المنافقين والذين في قلوبهم مرض "النبي" في الرجوع ~~"يقولون" استئذانا "إن بيوتنا عورة" أي فيها خلل لا يأمن صاحبها دخول ~~السارق وزحف العدو "وما هي بعورة إن يريدون" أي ما يريدون بقولهم هذا "إلا ~~فرارا". # قوله تعالى: "ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما ~~تلبثوا بها إلا يسيرا" ضمائر الجمع للمنافقين والمرضى القلوب والضمير في ~~"دخلت" للبيوت ومعنى دخلت عليهم دخل الجنود البيوت حال كونه دخولا عليهم، ~~والأقطار جمع قطر وهو الجانب، والمراد بالفتنة بقرينة المقام الردة والرجعة ~~من الدين والمراد بسؤالها طلبها منهم، والتلبث التأخر. # والمعنى: ولو دخل جنود المشركين بيوتهم من جوانبها وهم فيها ثم طلبوا ~~منهم أن يرتدوا عن الدين لأعطوهم مسئولهم وما تأخروا بالردة إلا يسيرا من ~~الزمان بمقدار الطلب والسؤال أي إنهم يقيمون على الدين ما دام الرخاء فإذا ~~هجمت عليهم الشدة والبأس لم يلبثوا دون أن يرجعوا. PageV16P150 # قوله تعالى: "ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد ~~الله مسئولا" اللام للقسم، وقوله: "لا يولون الأدبار" أي لا يفرون عن ~~القتال وهو بيان للعهد ولعل المراد بعهدهم من ms6150 قبل هو بيعتهم بالإيمان بالله ~~ورسوله وما جاء به رسوله ومما جاء به: الجهاد الذي يحرم الفرار فيه ومعنى ~~الآية ظاهر. # قوله تعالى: "قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا" إذ لا بد لكل نفس من الموت لأجل مقضي محتوم لا يتأخر عنه ~~ساعة ولا يتقدم عليه فالفرار لا يؤثر في تأخير الأجل شيئا. # وقوله: "وإذا لا تمتعون إلا قليلا" أي وإن نفعكم الفرار فمتعتم بتأخر ~~الأجل فرضا لا يكون ذلك التمتيع إلا تمتيعا قليلا أو في زمان قليل لكونه ~~مقطوع الآخر لا محالة. # قوله تعالى: "قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا" كانت الآية السابقة تنبيها ~~لهم على أن حياة الإنسان مقضي مؤجل لا ينفع معه فرار من الزحف وفي هذه ~~الآية تنبيه - على أن الشر والخير تابعان لإرادة الله محضا لا يمنع عن ~~نفوذها سبب من الأسباب ولا يعصم الإنسان منها أحد فالحزم إيكال الأمر إلى ~~إرادته تعالى والقرار على أمره بالتوكل عليه. # ولما كانت قلوبهم مرضى أو مشغولة بكفر مستبطن عدل عن أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بتكليمهم إلى تكليم نفسه فقال: "ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا". # قوله تعالى: "قد يعلم الله المعوقين منكم - إلى قوله - يسيرا التعويق ~~التثبيط والصرف، وهلم اسم فعل بمعنى أقبل، ولا يثنى ولا يجمع في لغة ~~الحجاز، والبأس الشدة والحرب، وأشحة جمع شحيح بمعنى البخيل، والذي يغشى ~~عليه هو الذي أخذته الغشوة فغابت حواسه وأخذت عيناه تدوران، والسلق بالفتح ~~فالسكون الضرب والطعن. # ومعنى الآيتين: إن الله ليعلم الذين يثبطون منكم الناس ويصرفونهم عن ~~القتال وهم المنافقون ويعلم الذين يقولون من المنافقين لإخوانهم من ~~المنافقين أو ضعفة الإيمان تعالوا وأقبلوا ولا يحضرون الحرب إلا قليلا ~~بخلاء عليكم بنفوسهم. # فإذا جاء الخوف بظهور مخائل القتال تراهم ينظرون إليك من الخوف نظرا لا ~~إرادة ms6151 لهم فيه ولا استقرار فيه لأعينهم تدور أعينهم كالمغشي عليه من الموت ~~فإذا ذهب الخوف ضربوكم وطعنوكم بألسنة حداد قاطعة حال كونهم بخلاء على ~~الخير الذي نلتموه. # أولئك لم يؤمنوا ولم يستقر الإيمان في قلوبهم وإن أظهروه في ألسنتهم ~~فأبطل الله أعمالهم وأحبطها وكان ذلك على الله يسيرا. # قوله تعالى: "يحسبون الأحزاب لم يذهبوا" إلى آخر الآية، أي يظنون من شدة ~~الخوف أن الأحزاب - وهم جنود المشركين المتحزبون على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) - لم يذهبوا بعد "وإن يأت الأحزاب" مرة ثانية بعد ذهابهم وتركهم ~~المدينة "يودوا" ويحبوا "أنهم بادون" أي خارجون من المدينة إلى البدو "في ~~الأعراب يسألون عن أنبائكم" وأخباركم "ولو كانوا فيكم" ولم يخرجوا منها ~~بادين "ما قاتلوا إلا قليلا" أي ولا كثير فائدة في لزومهم إياكم وكونهم ~~معكم فإنهم لن يقاتلوا إلا قليلا لا يعتد به. # قوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" الأسوة القدوة وهي الاقتداء والاتباع، ~~وقوله: "في رسول الله" أي في مورد رسول الله والأسوة التي في مورده هي ~~تأسيهم به واتباعهم له والتعبير بقوله: "لقد كان لكم" الدال على الاستقرار ~~والاستمرار في الماضي إشارة إلى كونه تكليفا ثابتا مستمرا. # والمعنى: ومن حكم رسالة الرسول وإيمانكم به أن تتأسوا به في قوله وفعله ~~وأنتم ترون ما يقاسيه في جنب الله وحضوره في القتال وجهاده في الله حق جهاده. # وفي الكشاف:، فإن قلت: فما حقيقة قوله: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة"؟ وقرىء أسوة بالضم. # قلت: فيه وجهان: أحدهما أنه في نفسه أسوة حسنة أي قدوة وهو المؤتسى أي ~~المقتدى به كما تقول: في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا المبلغ ~~من الحديد. # والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع وهي المواساة بنفسه ~~انتهى وأول الوجهين قريب مما قدمناه. PageV16P151 # وقوله: "لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" بدل من ضمير ~~الخطاب ms6152 في "لكم" للدلالة على أن التأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) خصلة جميلة زاكية لا يتصف بها كل من تسمى بالإيمان، وإنما يتصف بها ~~جمع ممن تلبس بحقيقة الإيمان فكان يرجو الله واليوم الآخر أي تعلق قلبه ~~بالله فآمن به وتعلق قلبه باليوم الآخر فعمل صالحا ومع ذلك ذكر الله كثيرا ~~فكان لا يغفل عن ربه فتأسى بالنبي في أفعاله وأعماله. # وقيل: قوله: "لمن كان" إلخ، صلة لقوله: "حسنة" أو صفة له للمنع عن ~~الإبدال من ضمير الخطاب ومآل الوجوه الثلاثة بحسب المعنى واحد. # قوله تعالى: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله"، وصف لحال المؤمنين لما شاهدوا الأحزاب ونزول جيوشهم حول ~~المدينة فكان ذلك سبب رشدهم وتبصرهم في الإيمان وتصديقهم لله ولرسوله على ~~خلاف ما ظهر من المنافقين والذين في قلوبهم مرض من الارتياب وسيىء القول، ~~وبذلك يظهر أن المراد بالمؤمنين المخلصون لإيمانهم بالله ورسوله. # وقوله: "قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله" الإشارة بهذا إلى ما شاهدوه ~~مجردا عن سائر الخصوصيات، كما في قوله: "فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ~~ربي"،: الأنعام: 78. # والوعد الذي أشاروا إليه قيل: هو ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قد وعدهم أن الأحزاب سيتظاهرون عليهم فلما شاهدوهم تبين لهم أن ذلك ~~هو الذي وعدهم. # وقيل: إنهم كانوا قد سمعوا قوله تعالى في سورة البقرة: "أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب": البقرة: 241 فتحققوا أنهم سيصيبهم ما أصاب الأنبياء والمؤمنين بهم ~~من الشدة والمحنة التي تزلزل القلوب وتدهش النفوس فلما رأوا الأحزاب أيقنوا ~~أنه من الوعد الموعود وأن الله سينصرهم على عدوهم. # والحق هو الجمع بين الوجهين نظرا إلى جمعهم بين الله ورسوله في الوعد إذ ~~قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. # وقوله: "وصدق الله ورسوله" شهادة منهم على صدق ms6153 الوعد، وقوله: "وما زادهم ~~إلا إيمانا وتسليما" أي إيمانا بالله ورسوله وتسليما لأمر الله بنصرة دينه ~~والجهاد في سبيله. # قوله تعالى: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"، قال الراغب: النحب النذر المحكوم ~~بوجوبه، يقال: قضى فلان نحبه أي وفى بنذره قال تعالى: "فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر"، ويعبر بذلك عمن مات كقولهم: قضى أجله واستوفى أكله وقضى ~~من الدنيا حاجته. # انتهى. # وقوله: "صدقوا ما عاهدوا الله عليه" أي حققوا صدقهم فيما عاهدوه أن لا ~~يفروا إذا لاقوا العدو، ويشهد على أن المراد بالعهد ذلك أن في الآية محاذاة ~~لقوله السابق في المنافقين والضعفاء الإيمان: "ولقد كانوا عاهدوا الله من ~~قبل لا يولون الأدبار" كما أن في الآية السابقة محاذاة لما ذكر سابقا من ~~ارتياب القوم وعدم تسليمهم لأمر الله. # وقوله: "فمنهم من قضى نحبه" إلخ، أي منهم من قضى أجله بموت أو قتل في ~~سبيل الله ومنهم من ينتظر ذلك وما بدلوا شيئا مما كانوا عليه من قول أو عهد ~~تبديلا. # قوله تعالى: "ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب ~~عليهم إن الله كان غفورا رحيما" اللام للغاية وما تتضمنه الآية غاية لجميع ~~من تقدم ذكرهم من المنافقين والمؤمنين. # فقوله: "ليجزي الله الصادقين بصدقهم" المراد بالصادقين المؤمنين وقد ذكر ~~صدقهم قبل، والباء في "بصدقهم" للسببية أي ليجزي المؤمنين الذين صدقوا ~~عهدهم بسبب صدقهم. # وقوله: "ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم" أي وليعذب المنافقين إن ~~شاء تعذيبهم وذلك فيما لو لم يتوبوا أو يتوب عليهم إن تابوا إن الله كان ~~غفورا رحيما. # وفي الآية من حيث كونها بيان غاية نكتة لطيفة هي أن المعاصي ربما كانت ~~مقدمة للسعادة والمغفرة لا بما أنها معاص بل لكونها سائقة للنفس من الظلمة ~~والشقوة إلى حيث تتوحش النفس وتتنبه فتتوب إلى ربها وتنتزع عن معاصيها ~~وذنوبها فيتوب الله عليها في الغاية. PageV16P152 # قوله تعالى: "ورد الله الذين كفروا ms6154 بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا" الغيظ الغم والحنق والمراد بالخير ~~ما كان يعده الكفار خيرا وهو الظفر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمؤمنين. # والمعنى: ورد الله الذين كفروا مع غمهم وحنقهم والحال أنهم لم ينالوا ما ~~كانوا يتمنونه وكفى الله المؤمنين القتال فلم يقاتلوا وكان الله قويا على ~~ما يريد عزيزا لا يغلب. # قوله تعالى: "وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم - إلى قوله - ~~قديرا" المظاهرة المعاونة، والصياصي جمع صيصية وهي الحصن الذي يمتنع به ~~ولعل التعبير بالإنزال دون الإخراج لأن المتحصنين يصعدون بروج الحصون ~~ويشرفون منها ومن أعالي الجدران على أعدائهم في خارجها ومحاصريهم. # والمعنى: "وأنزل الذين ظاهروهم" أي عاونوا المشركين وهم بنو قريظة "من ~~أهل الكتاب" وهم اليهود "من صياصيهم" وحصونهم "وقذف" وألقى "في قلوبهم ~~الرعب" والخوف "فريقا تقتلون" وهم الرجال "وتأسرون فريقا" وهم الذراري ~~والنساء "وأورثكم" أي وملككم بعدهم "أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطئوها" وهي أرض خيبر أو الأرض التي أفاء الله مما لم يوجف عليها بخيل ولا ~~ركاب، وأما تفسيرها بأنها كل أرض ستفتح إلى يوم القيامة أو أرض مكة أو أرض ~~الروم وفارس فلا يلائمه سياق الآيتين "وكان الله على كل شيء قديرا". ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، ذكر محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير قالوا: كان من ~~حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب في ~~جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم. فقالت لهم قريش: يا ~~معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فديننا خير أم دين محمد؟ قالوا: بل ~~دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله فيهم "ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت - ويقولون للذين ~~كفروا ms6155 هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا إلى قوله وكفى بجهنم سعيرا" فسر ~~قريشا ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه فأجمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج ~~أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأخبروهم أنهم سيكونون عليه وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك ~~فأجابوهم. فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة ~~بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة والحارث بن عوف في بني مرة ومسعر بن جبلة ~~الأشجعي فيمن تابعه من الأشجع وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طليحة ~~فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان أسد وغطفان وكتب قريش إلى رجال من بني ~~سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش. فلما علم ~~بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب الخندق على المدينة وكان ~~الذي أشار إليه سلمان الفارسي وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو يومئذ حر قال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا ~~حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمسلمون حتى أحكموه. PageV16P153 # فما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله الحافظ ~~بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المزني قال: حدثني أبي عن أبيه ~~قال: خط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخندق عام الأحزاب أربعين ~~ذراعا بين عشرة فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلا قويا ~~فقال الأنصار: سلمان منا، وقال المهاجرون: سلمان منا، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): سلمان منا أهل البيت. قال عمرو بن عوف: فكنت أنا ~~وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار نقطع أربعين ~~ذراعا، فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء ~~مدورة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله (صلى ~~الله ms6156 عليه وآله وسلم) فأخبره عن الصخرة، فأما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب ~~وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقي سلمان حتى أتى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مضروب عليه قبة فقال: يا رسول ~~الله خرجت صخرة بيضاء من الخندق مدورة فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحك ~~فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمرك فهبط رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مع سلمان في الخندق وأخذ المعول وضرب بها ضربة فلمعت منها برقة أضاءت ~~ما بين لابتيها يعني لابتي المدينة حتى لكان مصباحا في جوف ليل مظلم فكبر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تكبيرة فتح فكبر المسلمون ثم ضرب ضربة ~~أخرى فلمعت برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى. فقال سلمان: بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي أرى؟ فقال: أما الأولى فإن الله عز وجل ~~فتح علي بها اليمن وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب وأما ~~الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق فاستبشر المسلمون بذلك وقالوا: الحمد ~~لله موعد صادق. قال: وطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله، وقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يحدثكم ويعدكم ~~الباطل ويخبركم أنه يبصر في يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم ~~وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا. PageV16P154 # ومما ظهر فيه أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن ~~عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال حدثني، أيمن المخزومي قال: سمعت جابر بن ~~عبد الله قال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية وهي الجبل فقلنا: ~~يا رسول الله إن كدية عرضت فيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~رشوا عليها ماء ثم قام وأتاها وبطنه معصوب الحجر من الجوع فأخذ المعول أو ~~المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل فقلت: ائذن لي يا رسول الله ~~إلى المنزل ففعل فقلت للمرأة ms6157 هل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع من شعير ~~وعناق فطحنت الشعير فعجنته وذبحت العناق وسلختها وخليت بين المرأة وبين ~~ذلك. ثم أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلست عنده ساعة ثم قلت: ~~ائذن لي يا رسول الله ففعل فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا فرجعت ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: إن عندنا طعيما لنا فقم يا ~~رسول الله أنت ورجلان من أصحابك فقال: وكم هو؟ فقلت: صاع من شعير وعناق ~~فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه ~~إلا الله فقلت: جاء بالخلق إلى صاع شعير وعناق. فدخلت على المرأة وقلت قد ~~افتضحت جاءك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلق أجمعين فقالت: هل ~~كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا ~~فكشفت عني غما شديدا. فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: خذي ~~ودعيني من اللحم فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يثرد ويفرق ~~اللحم ثم يحم هذا ويحم هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود ~~التنور والقدر أملأ ما كانا. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع أورده البخاري في الصحيح. قالوا: ~~ولما فرغ رسول الله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة في ~~عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ~~ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد، وخرج رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من ~~المسلمين فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء ~~فرفعوا في الآطام وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد ~~القرظي صاحب بني قريظة وكان قد وادع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على قومه وعاهده على ms6158 ذلك فلما سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه. ~~فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه يا كعب افتح لي فقال: ويحك يا حيي إنك ~~رجل مشئوم، إني قد عاهدت محمدا ولست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا ~~وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي حتى أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: إن ~~أغلقت دوني إلا على جشيشة تكره أن آكل منها معك. فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ~~ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها ~~وبغطفان على سادتها وقادتها قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ~~ومن معه. فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر بجهام قد أهراق ماءه يرعد ويبرق ~~وليس فيه شيء فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. ~~فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا ~~وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى ~~يصيبني ما أصابك فنقض كعب عهده وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فلما انتهى الخبر إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس أحد بني عبد ~~الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ~~وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال: ~~انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا ~~فالحنوا لنا لحنا نعرفه ولا تفتوا أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء ~~فاجهروا به للناس. وخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم. ~~قالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، ~~وقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا PageV16P155 وبينهم أعظم من المشاتمة. ثم أقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ms6159 وقالوا: عضل والقارة لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله خبيب بن عدي ~~وأصحابه أصحاب الرجيع فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الله ~~أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم ~~عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن وظهر النفاق من بعض ~~المنافقين. فأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقام المشركون عليه ~~بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبال إلا أن فوارس من ~~قريش منهم عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لوي وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن ~~الخطاب وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال وخرجوا على ~~خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا بني كنانة ~~فستعلمون اليوم من الفرسان؟ ثم أقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على ~~الخندق فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا ~~ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق ~~وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي ~~منها اقتحموا وأقبلت الفرسان نحوهم. وكان عمرو بن عبد ود فارس قريش وكان قد ~~قاتل يوم بدر حتى ارتث وأثبته الجراح ولم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق ~~خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس وكان يسمى فارس يليل لأنه أقبل ~~في ركب من قريش حتى إذا كانوا بيليل وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر ~~في عدد فقال لأصحابه: امضوا فمضوا فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم أن يصلوا ~~إليه فعرف بذلك. وكان اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق المذاد وكان أول من ~~طفره عمرو وأصحابه فقيل في ذلك. عمرو بن عبد كان أول فارس جزع المذاد وكان ~~فارس يليل. وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود - كان ينادي: من يبارز؟ فقام ~~علي وهو مقنع في الحديد - فقال: أنا له يا نبي ms6160 الله، فقال: إنه عمرو اجلس. # ونادى عمرو: ألا رجل؟ وهو يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل ~~منكم دخلها؟ وقام علي فقال: أنا له يا رسول الله. # ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت عن النداء - بجمعكم هل من مبارز؟ ووقفت ~~إذ جبن المشجع - موقف البطل المناجز إن السماحة والشجاعة في - الفتى خير ~~الغرائز فقام علي فقال: يا رسول الله أنا له، فقال: إنه عمرو، فقال: وإن ~~كان عمرا فاستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأذن له -. # قال ابن إسحاق: فمشى إليه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك - مجيب صوتك غير ~~عاجز ذو نية وبصيرة - والصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقيم - عليك نائحة ~~الجنائز من ضربة نجلاء يبقى - ذكرها عند الهزاهز قال له عمرو: من أنت؟ قال: ~~أنا علي. # قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن ~~عبد مناف. # فقال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك - فإني أكره أن أهريق دمك. # فقال علي: لكني والله ما أكره أن أهريق دمك. # فغضب عمرو ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار - ثم أقبل نحو علي مغضبا فاستقبله ~~علي بدرقته فضربه عمرو بالدرقة فقدها - وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، ~~وضربه علي على حبل العاتق فسقط. # وفي رواية حذيفة: وتسيف على رجليه بالسيف من أسفل - فوقع على قفاه وثارت ~~بينهما عجاجة - فسمع علي يكبر فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~قتله والذي نفسي بيده - فكان أول من ابتدر العجاج عمرو بن الخطاب - وقال: ~~يا رسول الله قتله فجز على رأسه - وأقبل نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ووجهه يتهلل. # قال حذيفة: فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أبشر يا علي - فلو وزن ~~اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم - وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت ~~المشركين - إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا ~~وقد ms6161 دخله عز بقتل عمرو. PageV16P156 # وعن الحاكم أبي القاسم أيضا بالإسناد عن سفيان الثوري عن زبيد الثاني عن ~~مرة عن عبد الله بن مسعود قال: كان يقرأ "وكفى الله المؤمنين القتال بعلي". ~~وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق وتبادر المسلمون فوجدوا نوفل ~~بن عبد العزى جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من ~~هذه ينزل بعضكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام، وذكر ابن إسحاق: أن عليا ~~طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق. وبعث المشركون إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي: هو ~~لكم لا نأكل ثمن الموتى، وذكر علي أبياتا منها: نصر الحجارة من سفاهة رأيه ~~ونصرت رب محمد بصواب فضربته وتركته متجدلا كالجذع بين دكادك ورواب وعففت عن ~~أثوابه لو أنني كنت المقطر بزني أثوابي قال ابن اسحاق: ورمى حنان بن قيس بن ~~العرفة سعد بن معاذ بسهم وقال: خذها وأنا ابن العرفة فقطع أكحله فقال سعد: ~~عرف الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ~~فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت ~~وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني ~~قريظة. قال: وجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم بي أحد من قومي فمرني ~~بأمرك فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما أنت فينا رجل واحد ~~فخذل عنا ما استطعت فإنما الحرب خدعة. فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني ~~قريظة فقال لهم: إني لكم صديق، والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة ~~واحدة إن البلد بلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وإنما قريش وغطفان ~~بلادهم غيرها وإنما جاءوا حتى نزلوا معكم فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن رأوا ~~غير ذلك رجعوا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم ms6162 به فلا ~~تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا ~~محمدا. فقالوا له: قد أشرت برأي. ثم ذهب فأتى أبا سفيان وأشراف قريش فقال: ~~يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا ودينه وإني قد جئتكم ~~بنصيحة فاكتموا علي. فقالوا: نفعل ما أنت عندنا بمتهم. قال: تعلمون أن بني ~~قريظة قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا ~~إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم ثم نكون ~~معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك. فقال: بلى فإن بعثوا إليكم يسألونك نفرا من ~~رجالكم فلا تعطوهم رجلا واحدا واحذروا. ثم جاء غطفان وقال: يا معشر غطفان ~~إني رجل منكم، ثم قال لهم ما قال لقريش. فلما أصبح أبو سفيان وذلك يوم ~~السبت في شوال سنة خمس من الهجرة بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في ~~نفر من قريش أن أبا سفيان يقول لكم: يا معشر اليهود إن الكراع والخف قد ~~هلكا وإنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه. فبعثوا إليه أن ~~اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى ~~تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا وتدعونا حتى نناجز محمدا فقال ~~أبو سفيان: والله لقد حذرنا هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان: أنا لا نعطيكم ~~رجلا واحدا فإن شئتم أن تخرجوا وتقاتلوا وإن شئتم فاقعدوا، فقالت اليهود: ~~هذا والله الذي قال لنا نعيم. فبعثوا إليهم أنا والله لا نقاتل حتى تعطونا ~~رهنا، وخذل الله بينهم وبعث سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة ~~البرد حتى انصرفوا راجعين. قال محمد بن كعب قال حذيفة بن اليمان والله لقد ~~رأيتنا يوم الخندق وبنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا الله وقام ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي ما شاء الله من الليل ثم قال: ~~ألا رجل يأتينا بخبر القوم ms6163 يجعله الله رفيقي في الجنة. قال حذيفة: فوالله ~~ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع، فلما لم يقم أحد دعاني فلم ~~أجد بدا من إجابته. قلت: لبيك قال: اذهب فجىء بخبر القوم ولا تحدثن شيئا ~~حتى ترجع. قال: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده تفعل بهم ما تفعل ما ~~يستمسك لهم بناء ولا تثبت لهم نار ولا يطمئن لهم قدر فإني لكذلك إذ خرج أبو ~~سفيان من رحله ثم قال: يا PageV16P157 معشر قريش لينظر أحدكم من جليسه؟ قال حذيفة: فبدأت بالذي عن يميني فقلت: من ~~أنت؟ قال: أنا فلان. ثم عاد أبو سفيان براحلته فقال: يا معشر قريش والله ما ~~أنتم بدار مقام هلك الخف والحافر وأخلفتنا بنو قريظة وهذه الريح لا يستمسك ~~لنا معها شيء ثم عجل فركب راحلته وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ~~ركبها. قال: قلت في نفسي: لو رميت عدو الله وقتلته كنت قد صنعت شيئا فوترت ~~قوسي ثم وضعت السهم في كبد القوس وأنا أريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تحدثن شيئا حتى ترجع. قال فحططت القوس ~~ثم رجعت إلى رسول الله وهو يصلي فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته، ~~وأرسل على طائفة من مرطة فركع وسجد ثم قال: ما الخبر؟ فأخبرته. وعن سليمان ~~بن صرد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أجلى عنه ~~الأحزاب: الآن نغزوهم ولا يغزوننا فكان كما قال فلم يغزهم قريش بعد ذلك ~~وكان هو يغزوهم حتى فتح الله عليهم مكة: أقول: هذا ما أورده الطبرسي في ~~مجمع البيان، من القصة أوردناه ملخصا وروى القمي في تفسيره، قريبا منه ~~وأورده في الدر المنثور، في روايات متفرقة. PageV16P158 # وفي المجمع، أيضا روى الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: ~~لما انصرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الخندق ووضع عنه اللأمة ~~واغتسل واستحم تبدى له جبريل فقال: عذيرك من ms6164 محارب ألا أراك أن قد وضعت عنك ~~اللأمة وما وضعناها بعد. فوثب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فزعا ~~فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا قريظة فلبس الناس السلاح ~~فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس واختصم الناس فقال بعضهم: إن رسول الله ~~عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي قريظة فإنما نحن في عزمة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابا وتركت ~~طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بني قريظة احتسابا فلم ~~يعنف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدا من الفريقين. وذكر عروة ~~أنه بعث علي بن أبي طالب على المقدم ودفع إليه اللواء وأمره أن ينطلق حتى ~~يقف بهم على حصن بني قريظة ففعل وخرج رسول الله على آثارهم فمر على مجلس من ~~الأنصار في بني غنم ينتظرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فزعموا ~~أنه قال: مر بكم الفارس آنفا فقالوا: مر بنا دحية الكلبي على بغلة شهباء ~~تحته قطيفة ديباج فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس ذلك بدحية ~~ولكنه جبرائيل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب. قالوا: ~~وسار علي حتى إذا دنا من الحصن سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فرجع حتى لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالطريق ~~فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث قال: أظنك سمعت لي ~~منهم أذى؟ فقال: نعم يا رسول الله فقال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك ~~شيئا، فلما دنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حصونهم قال: يا ~~إخوة القردة والخنازير! هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ فقالوا: يا أبا ~~لقاسم ما كنت جهولا. وحاصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسا ~~وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكان حيي بن ~~أخطب دخل ms6165 مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان فلما أيقنوا أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن ~~أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ~~ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا: ما هن؟. قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله ~~لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم ~~وأموالكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. ~~قال: فإذا أبيتم علي هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد ~~رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين ~~محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يهمنا وإن نظهر لنجدن النساء ~~والأبناء. فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير في العيش بعدهم. قال: فإن ~~أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا ~~فيها فانزلوا فلعلنا نصيب منهم غرة. فقالوا: نفسد سبتنا؟ ونحدث فيه ما أحدث ~~من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ؟ فقال: ما بات رجل منكم منذ ~~ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. قال الزهري: وقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا: اختاروا من شئتم من ~~أصحابي، فاختاروا سعد بن معاذ فرضي بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بسلاحهم فجعل في قبته وأمر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة، وبعث ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سعد بن معاذ فجيء به فحكم فيهم ~~بأن يقتل مقاتلوهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم وتغنم أموالهم وأن عقارهم ~~للمهاجرين دون الأنصار وقال للأنصار: إنكم ذو عقار وليس للمهاجرين عقار، ~~فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم ~~الله عز وجل، وفي بعض الروايات: لقد حكمت فيهم ms6166 بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ~~وأرقعة جمع رقيع اسم سماء الدنيا. فقتل رسول الله مقاتليهم، وكانوا فيما ~~زعموا: ستمائة مقاتل، وقيل: قتل منهم أربعمائة وخمسين PageV16P159 رجلا وسبى سبعمائة وخمسين، وروي أنهم قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إرسالا: يا كعب ما ترى يصنع بنا؟ فقال ~~كعب: أفي كل موطن تقولون؟ ألا ترون أن الداعي لا ينزع ومن يذهب منكم لا ~~يرجع هو والله القتل. وأتي بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة فاختية قد شقها ~~عليه من كل ناحية كموضع الأنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، ~~فلما بصر برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أما والله ما لمت ~~نفسي على عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم قال: يا أيها الناس إنه لا بأس ~~بأمر الله كتاب الله وقدرة ملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضرب عنقه. ~~ثم قسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءهم وأبناءهم وأموالهم على ~~المسلمين وبعث بسبايا منهم إلى نجد مع سعد بن زيد الأنصاري فابتاع بهم خيلا ~~وسلاحا، قالوا: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ فرجعه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. وروي ~~عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبرائيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له ~~العرش فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا سعد بن معاذ قد قبض. # أقول: وروى القصة القمي في تفسيره، مفصلة وفيه: فأخرج كعب بن أسيد مجموعة ~~يداه إلى عنقه فلما نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: ~~يا كعب أما نفعك وصية ابن الحواس الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام ~~فقال: تركت الخمر والخمير وجئت إلى البئوس والتمور لنبي يبعث مخرجه بمكة ~~ومهاجرته في هذه البحيرة يجتزي ms6167 بالكسيرات والتميرات، ويركب الحمار العري، ~~في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من ~~لاقى منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر فقال قد كان ذلك يا محمد ولو لا ~~أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك ولكني على دين ~~اليهود عليه أحيا وعليه أموت. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~قدموه واضربوا عنقه فضربت. وفيه أيضا: فقتلهم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في البردين بالغداة والعشي في ثلاثة أيام وكان يقول: اسقوهم ~~العذب وأطعموهم الطيب وأحسنوا أساراهم حتى قتلهم كلهم فأنزل الله عز وجل ~~فيهم: "وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم" إلى قوله وكان الله ~~على كل شيء قديرا". # وفي المجمع،: روى أبو القاسم الحسكاني عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن ~~علي (عليه السلام) قال: فينا نزلت "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" فأنا ~~والله المنتظر ما بدلت تبديلا. PageV16P160 ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 28 - 35 # يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة ~~فإن الله أعد للمحسنت منكن أجرا عظيما (29) ينساء النبى من يأت منكن بفحشة ~~مبينة يضعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن ~~لله ورسوله وتعمل صلحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) ~~ينساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى ~~قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجهلية ~~الأولى وأقمن الصلوة وءاتين الزكوة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ~~ءايت الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن المسلمين والمسلمت ~~والمؤمنين والمؤمنت والقنتين والقنتت والصدقين والصدقت والصبرين والصبرت ~~والخشعين والخشعت والمتصدقين والمتصدقت والصئمين والصئمت والحفظين فروجهم ~~والحفظت والذكرين الله كثيرا والذكرت أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) ### |||| AUTO بيان ms6168 # آيات راجعة إلى أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تأمره أولا: أن ~~ينبئهن أن ليس لهن من الدنيا وزينتها إلا العفاف والكفاف إن اخترن زوجية ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم تخاطبهن ثانيا: أنهن واقفات في موقف ~~صعب على ما فيه من العلو والشرف فإن اتقين الله يؤتين أجرهن مرتين وإن أتين ~~بفاحشة مبينة يضاعف لهن العذاب ضعفين ويأمرهن بالعفة ولزوم بيوتهن من غير ~~تبرج والصلاة والزكاة وذكر ما يتلى في بيوتهن من الآيات والحكمة ثم يعد ~~مطلق الصالحين من الرجال والنساء وعدا بالمغفرة والأجر العظيم. # قوله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك" إلى تمام الآيتين، سياق الآيتين ~~يلوح أن أزواج النبي أو بعضهن كانت لا ترتضي ما في عيشتهن في بيت النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من الضيق والضنك فاشتكت إليه ذلك واقترحت عليه ~~أن يسعدهن في الحياة بالتوسعة فيها وإيتائهن من زينتها. # فأمر الله سبحانه نبيه أن يخيرهن بين أن يفارقنه ولهن ما يردن وبين أن ~~يبقين عنده ولهن ما هن عليه من الوضع الموجود. # وقد ردد أمرهن بين أن يردن الحياة الدنيا وزينتها وبين أن يردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة، وهذا الترديد يدل أولا: أن الجمع بين سعة العيش ~~وصفائها بالتمتع من الحياة وزينتها وزوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والعيشة في بيته مما لا يجتمعان. # وثانيا: أن كلا من طرفي الترديد مقيد بما يقابل الآخر، والمراد بإرادة ~~الحياة الدنيا وزينتها جعلها هي الأصل سواء أريدت الآخرة أو لم يرد، ~~والمراد بإرادة الحياة الآخرة جعلها - هي الأصل في تعلق القلب بها سواء ~~توسعت معها الحياة الدنيا ونيلت الزينة وصفاء العيش أو لم يكن شيء من ذلك. # ثم الجزاء أعني نتيجة اختيارهن كلا من طرفي الترديد مختلف فلهن على تقدير ~~اختيارهن الحياة الدنيا وزينتها بمفارقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يطلقهن ويمتعهن جمعاء من مال الدنيا، وعلى تقدير بقائهن على زوجية النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) واختيار الآخرة على الحياة الدنيا ms6169 وزينتها الأجر ~~العظيم عند الله لكن لا مطلقا بل بشرط الإحسان والعمل الصالح. PageV16P161 # ويتبين بذلك أن ليس لزوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث هي ~~زوجية كرامة عند الله سبحانه وإنما الكرامة لزوجيته المقارنة للإحسان ~~والتقوى ولذلك لما ذكر ثانيا علو منزلتهن قيده أيضا بالتقوى فقال: "لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن" وهذا كقوله في النبي وأصحابه: "محمد رسول الله ~~والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا - إلى أن قال - ~~وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما" حيث مدحهم ~~عامة بظاهر أعمالهم أولا ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل ~~الصالح. # وبالجملة فإطلاق قوله: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 10 على ~~حاله غير منتقض بكرامة أخرى بسبب أو نسب أو غير ذلك. # فقوله: "يا أيها النبي قل لأزواجك" أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يبلغ الآيتين أزواجه ولازمه أن يطلقهن ويمتعهن إن اخترن الشق الأول ~~ويبقيهن على زوجيته إن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة. # وقوله: "إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها" إرادة الحياة الدنيا ~~وزينتها كناية بقرينة المقابلة عن اختيارها وتعلق القلب بتمتعاتها والإقبال ~~عليها والإعراض عن الآخرة. # وقوله: "فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا" قال في الكشاف:، أصل تعال ~~أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطأ ثم كثرت حتى استوت ~~في استعماله الأمكنة، ومعنى تعالين أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين ~~ولم يرد نهوضهن بأنفسهن كما تقول: أقبل يخاصمني وذهب يكلمني وقام يهددني. # انتهى. # والتمتيع إعطاؤهن عند التطليق مالا يتمتعن به والتسريح هو التطليق ~~والسراح الجميل هو الطلاق من غير خصومة ومشاجرة بين الزوجين. # وفي الآية أبحاث فقهية أوردها المفسرون والحق أن ما تتضمنه من الأحكام ~~الشخصية خاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا دليل من جهة لفظها على ~~شموله لغيره وتفصيل القول في الفقه. # وقوله: "وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة" فقد تقدم أن المقابلة ~~بين هذه الجملة وبين قوله: "إن كنتن تردن الحياة ms6170 الدنيا وزينتها" إلخ، تقيد ~~كلا منهما بخلاف الأخرى وعدمها، فمعنى الجملة: وإن كنتن تردن وتخترن طاعة ~~الله ورسوله وسعادة الدار الآخرة مع الصبر على ضيق العيش والحرمان من زينة ~~الحياة الدنيا وهي مع ذلك كناية عن البقاء في زوجية النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والصبر على ضيق العيش وإلا لم يصح اشتراك الإحسان في الأجر ~~الموعود وهو ظاهر. # فالمعنى: وإن كنتن تردن وتخترن البقاء على زوجية النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والصبر على ضيق العيش فإن. # الله هيأ لكن أجرا عظيما بشرط أن تكن محسنات في أعمالكن مضافا إلى ~~إرادتكن الله ورسوله والدار الآخرة فإن لم تكن محسنات لم يكن لكن إلا خسران ~~الدنيا والآخرة جميعا. # قوله تعالى: "يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين" إلخ، عدل عن مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهن إلى ~~مخاطبتهن أنفسهن لتسجيل ما لهن من التكليف وزيادة التوكيد، والآية والتي ~~بعدها تقرير وتوضيح بنحو لما يستفاد من قوله: "فإن الله أعد للمحسنات منكن ~~أجرا عظيما" إثباتا ونفيا. # فقوله: "من يأت منكن بفاحشة مبينة" الفاحشة الفعلة البالغة في الشناعة ~~والقبح وهي الكبيرة كإيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والافتراء ~~والغيبة وغير ذلك، والمبينة هي الظاهرة. # ووقوله: "يضاعف لها العذاب ضعفين" أي حال كونه ضعفين والضعفان المثلان ~~ويؤيد هذا المعنى قوله في جانب الثواب بعد: "نؤتها أجرها مرتين" فلا يعبأ ~~بما قيل إن المراد بمضاعفة العذاب ضعفين تعذيبهم بثلاثة أمثاله بتقريب أن ~~مضاعفة العذاب زيادته وإذا زيد على العذاب ضعفاه صار المجموع ثلاثة أمثاله. # وختم الآية بقوله: "وكان ذلك على الله يسيرا" للإشارة إلى أنه لا مانع من ~~ذلك من كرامة الزوجية ونحوها إذ لا كرامة إلا للتقوى وزوجية النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إنما تؤثر الأثر الجميل إذا قارن التقوى وأما مع ~~المعصية فلا تزيد إلا بعدا ووبالا. PageV16P162 # قوله تعالى: "ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين" ~~إلخ، القنوت الخضوع، وقيل: ms6171 الطاعة وقيل: لزوم الطاعة مع الخضوع، والإعتاد ~~التهيئة، والرزق الكريم مصداقه الجنة. # والمعنى: ومن يخضع منكن لله ورسوله أو لزم طاعة الله ورسوله مع الخضوع ~~ويعمل عملا صالحا نعطها أجرها مرتين أي ضعفين وهيأنا لها رزقا كريما وهي الجنة. # والالتفات من الغيبة إلى التكلم بالغير في قوله: "نؤتها" و"أعتدنا" ~~للإيذان بالقرب والكرامة، خلاف البعد والخزي المفهوم من قوله: "يضاعف لها ~~العذاب ضعفين". # قوله تعالى: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" إلخ، الآية تنفي مساواتهن لسائر النساء إن ~~اتقين وترفع منزلتهن على غيرهن ثم تذكر أشياء من النهي والأمر متفرعة على ~~كونهن لسن كسائر النساء كما يدل عليه قوله: فلا تخضعن بالقول وقرن ولا ~~تبرجن إلخ، وهي خصال مشتركة بين نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وسائر النساء. # فتصدير الكلام بقوله: "لستن كأحد من النساء إن اتقيتن" ثم تفريع هذه ~~التكاليف المشتركة عليه، يفيد تأكد هذه التكاليف عليهن كأنه قيل: لستن ~~كغيركن فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف وتحتطن في دين الله ~~أكثر من سائر النساء. # وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن مضاعفة جزائهن خيرا وشرا كما دلت عليها ~~الآية السابقة فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف. # وقوله: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" بعد ما بين علو ~~منزلتهن ورفعة قدرهن لمكانهن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرط في ~~ذلك التقوى فبين أن فضيلتهن بالتقوى لا بالاتصال بالنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نهاهن عن الخضوع في القول وهو ترقيق الكلام وتليينه مع الرجال ~~بحيث يدعو إلى الريبة وتثير الشهوة فيطمع الذي في قلبه مرض وهو فقدان قوة ~~الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء. # وقوله: "وقلن قولا معروفا" أي كلاما معمولا مستقيما يعرفه الشرع والعرف ~~الإسلامي وهو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله معرى عن الإيماء ~~إلى فساد وريبة. # قوله تعالى: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ms6172 الجاهلية الأولى - إلى قوله ~~- وأطعن الله ورسوله" "قرن" من قر يقر إذا ثبت وأصله اقررن حذفت إحدى ~~الرائين أو من قار يقار إذا اجتمع كناية عن ثباتهن في بيوتهن ولزومهن لها، ~~والتبرج الظهور للناس كظهور البروج لناظريها. # والجاهلية الأولى الجاهلية قبل البعثة فالمراد الجاهلية القديمة، وقول ~~بعضهم: إن المراد به زمان ما بين آدم ونوح (عليهما السلام) ثمان مائة سنة، ~~وقول آخرين إنها ما بين إدريس ونوح، وقول آخرين زمان داود وسليمان وقول ~~آخرين إنه زمان ولادة إبراهيم، وقول آخرين إنه زمان الفترة بين عيسى (عليه ~~السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أقوال لا دليل يدل عليها. # وقوله: "وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله" أمر بامتثال ~~الأوامر الدينية وقد أفرد الصلاة والزكاة بالذكر من بينها لكونهما ركنين في ~~العبادات والمعاملات ثم جمع الجميع في قوله: "وأطعن الله ورسوله". # وطاعة الله هي امتثال تكاليفه الشرعية وطاعة رسوله فيما يأمر به وينهى ~~بالولاية المجعولة له من عند الله كما قال: "النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم". # قوله تعالى: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" ~~كلمة "إنما" تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير وكلمة أهل البيت ~~سواء كان لمجرد الاختصاص أو مدحا أو نداء يدل على اختصاص إذهاب الرجس ~~والتطهير بالمخاطبين بقوله: "عنكم"، ففي الآية في الحقيقة قصران قصر ~~الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت. PageV16P163 # وليس المراد بأهل البيت نساء النبي خاصة لمكان الخطاب الذي في قوله: "عنكم" ~~ولم يقل: عنكن فأما أن يكون الخطاب لهن ولغيرهن كما قيل: إن المراد بأهل ~~البيت أهل البيت الحرام وهم المتقون لقوله تعالى: "إن أولياؤه إلا المتقون" ~~أو أهل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أهل بيت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهم الذين يصدق عليهم عرفا أهل بيته من أزواجه ~~وأقربائه وهم آل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي أو النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأزواجه، ms6173 ولعل هذا هو المراد مما نسب إلى عكرمة وعروة أنها في ~~أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة. # أو يكون الخطاب لغيرهن كما قيل: إنهم أقرباء النبي من آل عباس وآل عقيل ~~وآل جعفر وآل علي. # وعلى أي حال فالمراد بإذهاب الرجس والتطهير مجرد التقوى الديني بالاجتناب ~~عن النواهي وامتثال الأوامر فيكون المعنى أن الله لا ينتفع بتوجيه هذه ~~التكاليف إليكم وإنما يريد إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم على حد قوله: "ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم": ~~المائدة: 6، وهذا المعنى لا يلائم شيئا من معاني أهل البيت السابقة ~~لمنافاته البينة للاختصاص المفهوم من أهل البيت لعمومه لعامة المسلمين ~~المكلفين بأحكام الدين. # وإن كان المراد بإذهاب الرجس والتطهير التقوى الشديد البالغ ويكون ~~المعنى: أن هذا التشديد في التكاليف المتوجهة إليكن أزواج النبي وتضعيف ~~الثواب والعقاب ليس لينتفع الله سبحانه به بل ليذهب عنكم الرجس ويطهركم ~~ويكون من تعميم الخطاب لهن ولغيرهن بعد تخصيصه بهن، فهذا المعنى لا يلائم ~~كون الخطاب خاصا بغيرهن وهو ظاهر ولا عموم الخطاب لهن ولغيرهن فإن الغير لا ~~يشاركهن في تشديد التكليف وتضعيف الثواب والعقاب. # لا يقال: لم لا يجوز أن يكون الخطاب على هذا التقدير متوجها إليهن مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكليفه شديد كتكليفهن. # لأنه يقال: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤيد بعصمة من الله وهي موهبة ~~إلهية غير مكتسبة بالعمل فلا معنى لجعل تشديد التكليف وتضعيف الجزاء ~~بالنسبة إليه مقدمة أو سببا لحصول التقوى الشديد له امتنانا عليه على ما ~~يعطيه سياق الآية ولذلك لم يصرح بكون الخطاب متوجها إليهن مع النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقط أحد من المفسرين وإنما احتملناه لتصحيح قول من ~~قال: إن الآية خاصة بأزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وإن كان المراد إذهاب الرجس والتطهير بإرادته تعالى ذلك مطلقا لا بتوجيه ~~مطلق التكليف ولا بتوجيه التكليف الشديد بل إرادة مطلقة لإذهاب الرجس ~~والتطهير لأهل البيت خاصة ms6174 بما هم أهل البيت كان هذا المعنى منافيا لتقييد ~~كرامتهن بالتقوى سواء كان المراد بالإرادة الإرادة التشريعية أو التكوينية. # وبهذا الذي تقدم يتأيد ما ورد في أسباب النزول أن الآية نزلت في النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسنين (عليهم السلام) خاصة لا ~~يشاركهم فيها غيرهم. # وهي روايات جمة تزيد على سبعين حديثا يربو ما ورد منها من طرق أهل السنة ~~على ما ورد منها من طرق الشيعة فقد روتها أهل السنة بطرق كثيرة عن أم سلمة ~~وعائشة وأبي سعيد الخدري وسعد ووائلة بن الأسقع وأبي الحمراء وابن عباس ~~وثوبان مولى النبي وعبد الله بن جعفر وعلي والحسن بن علي (عليهما السلام) ~~في قريب من أربعين طريقا. # وروتها الشيعة عن علي والسجاد والباقر والصادق والرضا (عليهما السلام) ~~وأم سلمة وأبي ذر وأبي ليلى وأبي الأسود الدؤلي وعمرو بن ميمون الأودي وسعد ~~بن أبي وقاص في بضع وثلاثين طريقا. # فإن قيل: إن الروايات إنما تدل على شمول الآية لعلي وفاطمة والحسنين ~~(عليهم السلام) ولا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهن. # قلنا: إن كثيرا من هذه الروايات وخاصة ما رويت عن أم سلمة - وفي بيتها ~~نزلت الآية - تصرح باختصاصها بهم وعدم شمولها لأزواج النبي وسيجيء الروايات ~~وفيها الصحاح. # فإن قيل: هذا مدفوع بنص الكتاب على شمولها لهن كوقوع الآية في سياق ~~خطابهن. PageV16P164 # قلنا: إنما الشأن كل الشأن في اتصال الآية بما قبلها من الآيات فهذه ~~الأحاديث على كثرتها البالغة ناصة في نزول الآية وحدها، ولم يرد حتى في ~~رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبي ولا ذكره أحد حتى ~~القائل باختصاص الآية بأزواج النبي كما ينسب إلى عكرمة وعروة، فالآية لم ~~تكن بحسب النزول جزءا من آيات نساء النبي ولا متصلة بها وإنما وضعت بينها ~~إما بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عند التأليف بعد الرحلة، ~~ويؤيده أن آية "وقرن في بيوتكن" على ms6175 انسجامها واتصالها لو قدر ارتفاع آية ~~التطهير من بين جملها، فموقع آية التطهير من آية "وقرن في بيوتكن" كموقع ~~آية "اليوم يئس الذين كفروا" من آية محرمات الأكل من سورة المائدة، وقد ~~تقدم الكلام في ذلك في الجزء الخامس من الكتاب. # وبالبناء على ما تقدم تصير لفظة أهل البيت اسما خاصا - في عرف القرآن - ~~بهؤلاء الخمسة وهم النبي وعلي وفاطمة والحسنان (عليه السلام) لا يطلق على ~~غيرهم، ولو كان من أقربائه الأقربين وإن صح بحسب العرف العام إطلاقه عليهم. # والرجس - بالكسر فالسكون - صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في ~~الشيء توجب التجنب والتنفر منها، وتكون بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير، ~~قال تعالى: "أو لحم الخنزير فإنه رجس": الأنعام: 154، وبحسب باطنه - وهو ~~الرجاسة والقذارة المعنوية - كالشرك والكفر وأثر العمل السيىء، قال تعالى: ~~"وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون": ~~التوبة: 152، وقال: "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون": الأنعام: 152. # وأيا ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلق القلب بالاعتقاد الباطل ~~أو العمل السيىء وإذهاب الرجس - واللام فيه للجنس - إزالة كل هيئة خبيثة في ~~النفس تخطىء حق الاعتقاد والعمل فتنطبق على العصمة الإلهية التي هي صورة ~~علمية نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيىء العمل. # على أنك عرفت أن إرادة التقوى أو التشديد في التكاليف لا تلائم اختصاص ~~الخطاب في الآية بأهل البيت، وعرفت أيضا أن إرادة ذلك لا تناسب مقام النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من العصمة. # فمن المتعين حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة ويكون المراد بالتطهير ~~في قوله: "ويطهركم تطهيرا" - وقد أكد بالمصدر - إزالة أثر الرجس بإيراد ما ~~يقابله بعد إذهاب أصله، ومن المعلوم أن ما يقابل الاعتقاد الباطل هو ~~الاعتقاد الحق فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد والعمل، ويكون ~~المراد بالإرادة أيضا غير الإرادة التشريعية لما عرفت أن الإرادة التشريعية ~~التي هي توجيه التكاليف ms6176 إلى المكلف لا تلائم المقام أصلا. # والمعنى: أن الله سبحانه تستمر إرادته أن يخصكم بموهبة العصمة بإذهاب ~~الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيىء عنكم أهل البيت وإيراد ما يزيل أثر ذلك ~~عليكم وهي العصمة. # قوله تعالى: "واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان ~~لطيفا خبيرا" ظاهر السياق أن المراد بالذكر ما يقابل النسيان إذ هو المناسب ~~لسياق التأكيد والتشديد الذي في الآيات فيكون بمنزلة الوصية بعد الوصية ~~بامتثال ما وجه إليهن من التكاليف، وفي قوله في بيوتكن تأكيد آخر. # والمعنى: واحفظن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وليكن منكن في ~~بال حتى لا تغفلن ولا تتخطين مما خط لكم من المسير. # وأما قول بعضهم: إن المراد واشكرن الله إذ صيركن في بيوت يتلى فيهن ~~القرآن والسنة فبعيد من السياق وخاصة بالنظر إلى قوله في ذيل الآية: "إن ~~الله كان لطيفا خبيرا". # قوله تعالى: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" إلخ، الإسلام ~~لا يفرق بين الرجال والنساء في التلبس بكرامة الدين وقد أشار سبحانه إلى ~~ذلك إجمالا في مثل قوله: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 13، ثم صرح به ~~في مثل قوله: "إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى": آل عمران: 159، ثم ~~صرح به تفصيلا في هذه الآية. PageV16P165 # فقوله: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" المقابلة بين الإسلام ~~والإيمان تفيد مغايرتهما نوعا من المغايرة والذي يستفاد منه نحو مغايرتهما ~~قوله تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم - إلى أن قال - إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله": الحجرات: 15، يفيد ~~أولا أن الإسلام هو تسليم الدين بحسب العمل وظاهر الجوارح والإيمان أمر قلبي. # وثانيا: أن الإيمان الذي هو أمر قلبي اعتقاد وإذعان باطني بحيث يترتب ~~عليه العمل بالجوارح. # فالإسلام هو التسليم العملي للدين بإتيان عامة التكاليف والمسلمون ~~والمسلمات ms6177 هم المسلمون لذلك والإيمان هو عقد القلب على الدين، بحيث يترتب ~~عليه العمل بالجوارح والمؤمنون والمؤمنات هم الذين عقدوا قلوبهم على الدين ~~بحيث يترتب عليه العمل بالجوارح فكل مؤمن مسلم ولا عكس. # وقوله: "والقانتين والقانتات" القنوت على ما قيل لزوم الطاعة مع الخضوع ~~وقوله: "والصادقين والصادقات" الصدق مطابقة ما يخبر به الإنسان أو يظهره، ~~للواقع. # فهم صادقون في دعواهم صادقون في قولهم صادقون في وعدهم. # وقوله: "والصابرين والصابرات" فهم متلبسون بالصبر عند المصيبة والنائبة ~~وبالصبر على الطاعة وبالصبر عن المعصية، وقوله: "والخاشعين والخاشعات" ~~الخشوع تذلل باطني بالقلب كما أن الخضوع تذلل ظاهري بالجوارح. # وقوله: "والمتصدقين والمتصدقات" والصدقة إنفاق المال في سبيل الله ومنه ~~الزكاة الواجبة، وقوله: "والصائمين والصائمات" بالصوم الواجب والمندوب، ~~وقوله: "والحافظين فروجهم والحافظات" أي لفروجهن وذلك بالتجنب عن غير ما ~~أحل الله لهم، وقوله: "والذاكرين الله كثيرا والذاكرات" أي الله كثيرا حذف ~~لظهوره وهم الذين يكثرون من ذكر الله بلسانهم وجنانهم ويشمل الصلاة والحج. # وقوله: "أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما" التنكير للتعظيم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك" كان سبب ~~نزولها أنه لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة خيبر ~~وأصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه أعطنا ما أصبت فقال لهن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قسمته بين المسلمين على ما أمر الله عز وجل فغضبن من ~~ذلك، وقلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا؟. ~~فأنف الله عز وجل لرسوله فأمره أن يعزلهن فاعتزلهن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوما حتى حضن وطهرن ثم ~~أنزل الله عز وجل هذه الآية وهي آية التخيير فقال: "يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إلى قوله أجرا عظيما" فقامت أم سلمة أول من قامت فقالت: قد اخترت ~~الله ورسوله فقمن كلهن فعانقنه وقلن مثل ذلك الحديث. # أقول: وروي ما يقرب من ذلك من ms6178 طرق أهل السنة وفيها أن أول من اختارت الله ~~ورسوله منهن عائشة. # وفي الكافي، بإسناده عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن ~~زينب بنت جحش قالت: يرى رسول الله إن خلى سبيلنا أن لا نجد زوجا غيره وقد ~~كان اعتزل نساءه تسعة وعشرين ليلة فلما قالت زينب الذي قالت بعث الله ~~جبرائيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "قل لأزواجك" الآيتين ~~كلتيهما فقلن: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. # وفيه، بإسناده عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت؟ قال: لا. إنما هذا شيء كان ~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة أمر بذلك ففعل، ولو اخترن ~~أنفسهن لطلقهن وهو قول الله عز وجل: "قل لأزواجك - إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا". PageV16P166 # وفي المجمع، روى الواحدي بالإسناد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا مع حفصة فتشاجرا بينهما فقال ~~لها: هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلا؟ قالت: نعم. فأرسل إلى عمر فلما أن دخل ~~عليهما قال لها: تكلمي، فقالت: يا رسول الله تكلم ولا تقل إلا حقا فرفع عمر ~~يده فوجأ وجهها ثم رفع يده فوجأ وجهها. فقال له النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): كف فقال عمر: يا عدوة الله النبي لا يقول إلا حقا والذي بعثه بالحق، ~~لو لا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصعد # إلى غرفة فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه يتغدى ويتعشى فيها فأنزل ~~الله تعالى هذه الآيات. # وفي الخصال، عن الصادق (عليه السلام) قال: تزوج رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بخمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشر امرأة منهن، وقبض عن تسع فأما ~~اللتان لم يدخل بهما فعمرة وسنا. وأما الثلاث عشرة اللاتي دخل بهن فأولهن ~~خديجة بنت خويلد ms6179 ثم سودة بنت زمعة ثم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية ثم ~~أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر ثم حفصة بنت عمر ثم زينب بنت خزيمة بن ~~الحارث أم المساكين، ثم زينب بنت جحش ثم أم حبيب رملة بنت أبي سفيان ثم ~~ميمونة بنت الحارث ثم زينب بنت عميس ثم جويرية بنت الحارث ثم صفية بنت حيي ~~بن أخطب والتي وهبت نفسها للنبي خولة بنت حكيم السلمي. وكان له سريتان يقسم ~~لهما مع أزواجه مارية القبطية وريحانة الخندفية. والتسع اللاتي قبض عنهن ~~عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث وأم حبيب بنت أبي ~~سفيان وجويرية وسودة وصفية. وأفضلهن خديجة بنت خويلد ثم أم سلمة ثم ميمونة. # وفي المجمع،: في قوله: "يا نساء النبي من يأت منكن" الآيتين: روى محمد بن ~~أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه ~~عن علي بن الحسين (عليهما السلام): أنه قال رجل إنكم أهل بيت مغفور لكم. ~~قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي من أن ~~نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب. # وفي تفسير القمي، مسندا عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه السلام): في هذه ~~الآية "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" قال: أي ستكون جاهلية أخرى. # أقول: وهو استفادة لطيفة. # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني عن أم سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): قال لفاطمة: ائتيني بزوجك وابنيه فجاءت بهم فألقى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال: ~~اللهم إن هؤلاء أهل محمد وفي لفظ آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد ~~كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء ~~لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال: إنك على خير: أقول: ورواه في غاية المرام، ~~عن عبد الله بن أحمد ms6180 بن حنبل عن أبيه بإسناده عن أم سلمة. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي "إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا" وفي البيت سبعة ~~جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأنا على باب البيت. قلت: يا ~~رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك على خير إنك من أزواج النبي. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ~~أم سلمة زوج النبي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ببيتها على ~~منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم فبينما هم ~~يأكلون إذ نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا". فأخذ النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بفضلة إزاره فغشاهم إياها ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى ~~السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا، قالها ثلاث مرات. قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي في الستر فقلت: يا ~~رسول الله وأنا معكم؟ فقال: إنك إلى خير مرتين. أقول: وروى الحديث في غاية ~~المرام، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بثلاث طرق عن أم سلمة وكذا عن تفسير ~~الثعلبي. PageV16P167 # وفيه، أخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: كان يوم أم سلمة أم ~~المؤمنين فنزل جبريل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية ~~"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا" قال: فدعا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسن وحسين وفاطمة وعلي فضمهم إليه ~~ونشر عليهم الثوب، والحجاب على أم سلمة مضروب، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل ~~بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: فأنا معهم يا نبي ~~الله؟ قال: أنت على مكانك وإنك على خير. # وفيه، أخرج ms6181 ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت هذه الآية في خمسة في وفي ~~علي وفاطمة وحسن وحسين "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ~~ويطهركم تطهيرا": أقول: ورواه أيضا في غاية المرام، عن الثعلبي في تفسيره. # وفيه، أخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت: "إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت" وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين ~~فجللهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء ~~أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. # وفي غاية المرام، عن الحميدي قال: الرابع والستون من المتفق عليه من ~~الصحيحين عن البخاري ومسلم من مسند عائشة عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة ~~عن عائشة قالت: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات غداة وعليه مرط ~~مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم ~~جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا: أقول: والحديث مروي عنها بطرق مختلفة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما دخل علي ~~بفاطمة جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين صباحا إلى بابها يقول: ~~السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمكم الله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا أنا حرب لمن حاربتم أنا ~~سلم لمن سالمتم. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: شهدنا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة ~~فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت "إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم تطهيرا" أقول: ورواه أيضا عن الطبراني عن ~~أبي ms6182 الحمراء ولفظه: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب علي ~~وفاطمة ستة أشهر فيقول: "إنما يريد الله" الآية. # وأيضا عن ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء ولفظه: حفظت من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة ~~الغداة إلا أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب ثم قال: الصلاة ~~الصلاة "إنما يريد الله ليذهب" الآية. # ورواه أيضا عن ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر ~~والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس ولفظه: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: الصلاة ~~يا أهل البيت الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - ويطهركم ~~تطهيرا. # أقول: والروايات في هذه المعاني من طرق أهل السنة كثيرة وكذا من طرق ~~الشيعة، ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع غاية المرام للبحراني والعبقات. # وفي غاية المرام، عن الحمويني بإسناده عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على ~~زيد بن أرقم فقال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ألا ~~إني تركت فيكم الثقلين أحدهما كتاب الله عز وجل من اتبعه كان على هدى ومن ~~تركه كان على ضلالة، ثم أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات. قلنا: ~~من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا أهل بيته عصبته الذين حرموا الصدقة بعده آل علي ~~وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. PageV16P168 # وفيه، أيضا عن مسلم في صحيحه بإسناده عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين أحدهما ~~كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة، ~~فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر ~~ثم الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أهلها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين ~~حرموا الصدقة بعده. # أقول: ms6183 فسر البيت بالنسب كما يطلق عرفا على هذا المعنى، يقال: بيوتات ~~العرب بمعنى الأنساب، لكن الروايات السابقة عن أم سلمة وغيرها تدفع هذا ~~المعنى وتفسير أهل البيت بعلي وفاطمة وابنيهما (عليهم السلام). # وفي المجمع، قال مقاتل بن حيان: لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع ~~زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، فقال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): ومم ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية "إن المسلمين والمسلمات" إلخ. # أقول: وفي روايات أخر أن القائلة هي أم سلمة. PageV16P169 ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 36 - 40 # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا (36) وإذ تقول للذى أنعم الله ~~عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجنكها لكى لا ~~يكون على المؤمنين حرج فى أزوج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله ~~مفعولا (37) ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له سنة الله فى الذين ~~خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسلت الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شىء عليما (40) ### |||| AUTO بيان # الآيات أعني قوله: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه - إلى قوله - وكان الله ~~بكل شيء عليما" في قصة تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزوج ~~مولاه زيد الذي كان قد اتخذه ابنا، ولا يبعد أن تكون الآية الأولى أعني ~~قوله: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة" ms6184 الآية، مرتبطة بالآيات التالية كالتوطئة لها. # قوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم" إلخ، يشهد السياق على أن المراد بالقضاء هو القضاء ~~التشريعي دون التكويني فقضاء الله تعالى حكمه التشريعي في شيء مما يرجع إلى ~~أعمال العباد أو تصرفه في شأن من شئونهم بواسطة رسول من رسله، وقضاء رسوله ~~هو الثاني من القسمين وهو التصرف في شأن من شئون الناس بالولاية التي جعلها ~~الله تعالى له بمثل قوله: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم". # فقضاؤه (صلى الله عليه وآله وسلم) قضاء منه بولايته وقضاء من الله سبحانه ~~لأنه الجاعل لولايته المنفذ أمره، ويشهد سياق قوله: "إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا" حيث جعل الأمر الواحد متعلقا لقضاء الله ورسوله معا، على أن المراد ~~بالقضاء التصرف في شئون الناس دون الجعل التشريعي المختص بالله. # وقوله: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة" أي ما صح ولا يحق لأحد من المؤمنين ~~والمؤمنات أن يثبت لهم الاختيار من أمرهم بحيث يختارون ما شاءوا وقوله: ~~"إذا قضى الله ورسوله أمرا" ظرف لنفي الاختيار. # وضميرا الجمع في قوله: "لهم الخيرة من أمرهم" للمؤمن والمؤمنة المراد ~~بهما جميع المؤمنين والمؤمنات لوقوعهما في حيز النفي ووضع الظاهر موضع ~~المضمر حيث قيل: "من أمرهم" ولم يقل: أن يكون لهم الخيرة فيه للدلالة على ~~منشإ توهم الخيرة وهو انتساب الأمر إليهم. # والمعنى: ليس لأحد من المؤمنين والمؤمنات إذا قضى الله ورسوله بالتصرف في ~~أمر من أمورهم أن يثبت لهم الاختيار من جهته لانتسابه إليهم وكونه أمرا من ~~أمورهم فيختاروا منه غير ما قضى الله ورسوله بل عليهم أن يتبعوا إرادة الله ~~ورسوله. # والآية عامة لكنها لوقوعها في سياق الآيات التالية يمكن أن تكون كالتمهيد ~~لما سيجيء من قوله: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم" الآية، حيث يلوح منه ~~أن بعضهم كان قد اعترض على تزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بزوج زيد ~~وتعييره بأنها كانت زوج ابنه المدعو له بالتبني ms6185 وسيجيء في البحث الروائي ~~بعض ما يتعلق بالمقام. # قوله تعالى: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله" إلى آخر الآية المراد بهذا الذي أنعم الله عليه وأنعم النبي ~~عليه زيد بن حارثة الذي كان عبدا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم حرره ~~واتخذه ابنا له وكان تحته زينب بنت جحش بنت عمة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أتى زيد النبي فاستشاره في طلاق زينب فنهاه النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عن الطلاق ثم طلقها زيد فتزوجها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ونزلت الآيات. PageV16P170 # فقوله: "أنعم الله عليه" أي بالهداية إلى الإيمان وتحبيبه إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقوله: "وأنعمت عليه" أي بالإحسان إليه وتحريره ~~وتخصيصه بنفسك، وقوله: أمسك عليك زوجك واتق الله" كناية عن الكف عن ~~تطليقها، ولا يخلو من إشعار بإصرار زيد على تطليقها. # وقوله: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه" أي مظهره "وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه" ذيل الآيات أعني قوله: "الذين يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحدا ~~إلا الله" دليل على أن خشيته (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس لم تكن خشية ~~على نفسه بل كان خشية في الله فأخفى في نفسه ما أخفاه استشعارا منه أنه لو ~~أظهره عابه الناس وطعن فيه بعض من في قلبه مرض فأثر ذلك أثرا سيئا في إيمان ~~العامة، وهذا الخوف - كما ترى ليس خوفا مذموما بل خوف في الله هو في ~~الحقيقة خوف من الله سبحانه. # وقوله: "وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه" الظاهر في نوع من العتاب ردع عن ~~نوع من خشية الله وهي خشيته عن طريق الناس وهداية إلى نوع آخر من خشيته ~~تعالى وأنه كان من الحري أن يخشى الله دون الناس ولا يخفي ما في نفسه ما ~~الله مبديه وهذا نعم الشاهد على أن الله كان قد فرض له أن يتروج زوج زيد ~~الذي كان تبناه ليرتفع بذلك الحرج عن المؤمنين في التزوج ms6186 بأزواج الأدعياء ~~وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخفيه في نفسه إلى حين مخافة سوء أثره ~~في الناس فآمنه الله ذلك بعتابه عليه نظير ما تقدم في قوله تعالى: "يا أيها ~~النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك - إلى قوله - والله يعصمك من الناس" الآية. # فظاهر العتاب الذي يلوح من قوله: "وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه" مسوق ~~لانتصاره وتأييد أمره قبال طعن الطاعنين ممن في قلوبهم مرض نظير ما تقدم في ~~قوله: "عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين": التوبة: 43. # ومن الدليل على أنه انتصار وتأييد في صورة العتاب قوله بعد: "فلما قضى ~~زيد منها وطرا زوجناكها" حيث أخبر عن تزويجه إياها كأنه أمر خارج عن إرادة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واختياره ثم قوله: "وكان أمر الله ~~مفعولا". # فقوله: "فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها" متفرع على ما تقدم من قوله: ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه" وقضاء الوطر منها كناية عن الدخول والتمتع، ~~وقوله: "لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا" تعليل للتزويج ومصلحة للحكم، وقوله: "وكان أمر الله مفعولا" مشير إلى ~~تحقق الوقوع وتأكيد للحكم. # ومن ذلك يظهر أن الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخفيه في نفسه ~~هو ما فرض الله له أن يتزوجها لا هواها وحبه الشديد لها وهي بعد مزوجة كما ~~ذكره جمع من المفسرين واعتذروا عنه بأنها حالة جبلية لا يكاد يسلم منها ~~البشر فإن فيه أولا: منع أن يكون بحيث لا يقوى عليه التربية الإلهية، ~~وثانيا: أنه لا معنى حينئذ للعتاب على كتمانه وإخفائه في نفسه فلا مجوز في ~~الإسلام لذكر حلائل الناس والتشبب بهن. # قوله تعالى: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له" إلخ، الفرض هو ~~التعيين والإسهام يقال: فرض له كذا أي عينه له وأسهمه به، وقيل: هو في ~~المقام بمعنى الإباحة والتجويز، والحرج الكلفة والضيق، والمراد بنفي الحرج ~~نفي ms6187 سببه وهو المنع عما فرض له. # والمعنى: ما كان على النبي من منع فيما عين الله له أو أباح الله له حتى ~~يكون عليه حرج في ذلك. # وقوله: "سنة الله في الذين خلوا من قبل" اسم موضوع موضع المصدر فيكون ~~مفعولا مطلقا والتقدير سن الله ذلك سنة، والمراد بالذين خلوا من قبل هم ~~الأنبياء والرسل الماضون بقرينة قوله بعد: "الذين يبلغون رسالات الله" إلخ. # وقوله: "وكان أمر الله قدرا مقدورا" أي يقدر من عنده لكل أحد ما يلائم ~~حاله ويناسبها، والأنبياء لم يمنعوا مما قدره الله وأباحه لغيرهم حتى يمنع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعض ما قدر وأبيح. # قوله تعالى: "الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله" ~~إلخ، الموصول بيان للموصول المتقدم أعني قوله: "الذين خلوا من قبل". PageV16P171 # والخشية هي تأثر خاص للقلب عن المكروه وربما ينسب إلى السبب الذي يتوقع منه ~~المكروه، يقال: خشيت أن يفعل بي فلان كذا أو خشيت فلانا أن يفعل بي كذا، ~~والأنبياء يخشون الله ولا يخشون أحدا غيره لأنه لا مؤثر في الوجود عندهم ~~إلا الله. # وهذا غير الخوف الذي هو توقع المكروه بحيث يترتب عليه الاتقاء عملا سواء ~~كان معه تأثر قلبي أو لا فإنه أمر عملي ربما ينسب إلى الأنبياء كقوله تعالى ~~حكاية عن موسى (عليه السلام): "ففررت منكم لما خفتكم": الشعراء: 21، وقوله ~~في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "وإما تخافن من قوم خيانة": الأنفال: ~~58، وهذا هو الأصل في معنى الخوف والخشية وربما استعملا كالمترادفين. # ومما تقدم يظهر أن الخشية منفية عن الأنبياء (عليهم السلام) مطلقا وإن ~~كان سياق قوله: "يبلغون رسالات الله ويخشونه" إلخ، يلوح إلى أن المنفي هو ~~الخشية في تبليغ الرسالة. # على أن جميع أفعال الأنبياء كأقوالهم من باب التبليغ فالخشية في أمر ~~التبليغ مستوعبة لجميع أعمالهم. # وقوله: "وكفى بالله حسيبا" أي محاسبا يحاسب على الصغيرة والكبيرة فيجب أن ~~يخشى ولا يخشى غيره. # قوله تعالى:" ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ms6188 ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين" إلخ، لا شك في أن الآية مسوقة لدفع اعتراضهم على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بأنه تزوج زوج ابنه ومحصل الدفع أنه ليس أبا زيد ولا أبا ~~أحد من الرجال الموجودين في زمن الخطاب حتى يكون تزوجه بزوج أحدهم بعده ~~تزوجا بزوج ابنه فالخطاب في قوله: "من رجالكم" للناس الموجودين في زمن نزول ~~الآية، والمراد بالرجال ما يقابل النساء والولدان ونفي الأبوة نفي تكويني ~~لا تشريعي ولا تتضمن الجملة شيئا من التشريع. # والمعنى: ليس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا أحد من هؤلاء الرجال ~~الذين هم رجالكم حتى يكون تزوجه بزوج أحدهم بعده تزوجا منه بزوج ابنه وزيد ~~أحد هؤلاء الرجال فتزوجه بعد تطليقه ليس تزوجا بزوج الابن حقيقة وأما تبنيه ~~زيدا فإنه لا يترتب عليه شيء من آثار الأبوة والبنوة وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم. # وأما القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم فإنهم أبناؤه حقيقة لكنهم ماتوا قبل ~~أن يبلغوا فلم يكونوا رجالا حتى ينتقض الآية وكذا الحسن والحسين وهما ابنا ~~رسول الله فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبض قبل أن يبلغا حد ~~الرجال. # ومما تقدم ظهر أن الآية لا تقتضي نفي أبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~للقاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وكذا للحسنين لما عرفت أنها خاصة بالرجال ~~الموجودين في زمن النزول على نعت الرجولية. # وقوله: "ولكن رسول الله وخاتم النبيين" الخاتم بفتح التاء ما يختم به ~~كالطابع والقالب بمعنى ما يطبع به وما يقلب به والمراد بكونه خاتم النبيين ~~أن النبوة اختتمت به (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا نبي بعده. # وقد عرفت فيما مر معنى الرسالة والنبوة وأن الرسول هو الذي يحمل رسالة من ~~الله إلى الناس والنبي هو الذي يحمل نبأ الغيب الذي هو الدين وحقائقه ولازم ~~ذلك أن يرتفع الرسالة بارتفاع النبوة فإن الرسالة من أنباء الغيب، فإذا ~~انقطعت هذه الأنباء انقطعت الرسالة. # ومن هنا يظهر أن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين يستلزم ~~كونه خاتما ms6189 للرسل. # وفي الآية إيماء إلى أن ارتباطه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعلقه بكم ~~تعلق الرسالة والنبوة وأن ما فعله كان بأمر من الله سبحانه. # وقوله: "وكان الله بكل شيء عليما" أي ما بينه لكم إنما كان بعلمه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا ~~خير منه حسبا وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة" ~~الآية كلها. # أقول: وفي معناها روايات أخر. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالت إنما أردنا ~~رسول الله فزوجنا عبده فنزلت. # أقول: والروايتان أشبه بالتطبيق منهما بسبب النزول. PageV16P172 # وفي العيون،: في باب مجلس الرضا (عليه السلام) عند المأمون مع أصحاب الملل ~~في حديث يجيب فيه عن مسألة علي بن الجهم في عصمة الأنبياء:. قال: وأما محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وقول الله عز وجل: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~- وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه" فإن الله عز وجل عرف نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وأنهن ~~أمهات المؤمنين وأحد من سمي له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة ~~فأخفى (صلى الله عليه وآله وسلم) اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد من ~~المنافقين: أنه قال في امرأة في بيت رجل: إنها أحد أزواجه من أمهات ~~المؤمنين وخشي قول المنافقين. قال الله عز وجل: "وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه" يعني في نفسك الحديث. # أقول: وروي ما يقرب منه فيه عنه (عليه السلام) في جواب مسألة المأمون عنه ~~في عصمة الأنبياء. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وتخفي في نفسك ms6190 ما الله مبديه" قيل: إن الذي ~~أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا ~~سيطلقها فلما جاء زيد وقال له: أريد أن أطلق زينب قال له: أمسك عليك زوجك، ~~فقال سبحانه: لم قلت: أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟: ~~وروي ذلك عن علي بن الحسين (عليهما السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن المنذر ~~والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو ~~زينب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك فنزلت: "وتخفي في نفسك ما ~~الله مبديه". قال أنس: فلو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كاتما ~~شيئا لكتم هذه الآية، فتزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث. # أقول: والروايات كثيرة في المقام وإن كان كثير منها لا يخلو من شيء وفي ~~الروايات: ما أولم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على امرأة من نسائه ~~ما أولم على زينب ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم، وفي الروايات أنها ~~كانت تفتخر على سائر نساء النبي بثلاث أن جدها وجد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) واحد فإنها كانت بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأن الذي زوجها منه هو الله سبحانه وأن السفير جبريل. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ولكن رسول الله وخاتم النبيين": وصح الحديث ~~عن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنما مثلي في ~~الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها ~~ونظر إليها فقال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة. قال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء: أورده البخاري ومسلم في ~~صحيحيهما. # أقول: وروى هذا المعنى غيرهما كالترمذي والنسائي وأحمد وابن مردويه عن ~~غير جابر كأبي ms6191 سعيد وأبي هريرة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي قال: كنت أقرىء الحسن والحسين فمر بي علي بن أبي طالب وأنا أقرئهما ~~فقال لي: أقرئهما وخاتم النبيين بفتح التاء. PageV16P173 ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 41 - 48 # يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) ~~هو الذى يصلى عليكم وملئكته ليخرجكم من الظلمت إلى النور وكان بالمؤمنين ~~رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلم وأعد لهم أجرا كريما (44) يأيها النبى ~~إنا أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~(46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكفرين ~~والمنفقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) ### |||| AUTO بيان # آيات تدعو المؤمنين إلى الذكر والتسبيح وتبشرهم وتعدهم الوعد الجميل ~~وتخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصفاته الكريمة وتأمره أن يبشر ~~المؤمنين ولا يطيع الكافرين والمنافقين، ويمكن أن يكون القبيلان مختلفين في ~~النزول زمانا. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا" الذكر ما ~~يقابل النسيان وهو توجيه الإدراك نحو المذكور وأما التلفظ بما يدل عليه من ~~أسمائه وصفاته فهو بعض مصاديق الذكر. # قوله تعالى: "وسبحوه بكرة وأصيلا" التسبيح هو التنزيه وهو مثل الذكر لا ~~يتوقف على اللفظ وإن كان التلفظ بمثل سبحان الله بعض مصاديق التسبيح. # والبكرة أول النهار والأصيل آخره بعد العصر وتقييد التسبيح بالبكرة ~~والأصيل لما فيهما من تحول الأحوال فيناسب تسبيحه وتنزيهه من التغير ~~والتحول وكل نقص طار، ويمكن أن يكون البكرة والأصيل معا كناية عن الدوام ~~كالليل والنهار في قوله: "يسبحون له بالليل والنهار": حم السجدة: 38. # قوله تعالى: "هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور" ~~المعنى الجامع للصلاة على ما يستفاد من موارد استعمالها هو الانعطاف فيختلف ~~باختلاف ما نسب إليه ولذلك قيل: إن الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة ~~الاستغفار ومن الناس الدعاء لكن الذي نسب من الصلاة إلى الله سبحانه في ~~القرآن هو الصلاة بمعنى الرحمة الخاصة بالمؤمنين وهي ms6192 التي تترتب عليها ~~سعادة العقبى والفلاح المؤبد ولذلك علل تصليته عليهم بقوله: "ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما". # وقد رتب سبحانه في كلامه على نسيانهم له نسيانه لهم وعلى ذكرهم له ذكره ~~لهم فقال: "نسوا الله فنسيهم": التوبة: 67، وقال: "فاذكروني أذكركم": ~~البقرة: 125 وتصليته عليهم ذكر منه لهم بالرحمة فإن ذكروه كثيرا وسبحوه ~~بكرة وأصيلا صلى عليهم كثيرا وغشيهم بالنور وأبعدهم من الظلمات. # ومن هنا يظهر أن قوله: "هو الذي يصلي عليكم" إلخ، في مقام التعليل لقوله: ~~"يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا" وتفيد التعليل أنكم إن ذكرتم ~~الله كثيرا ذكركم برحمته كثيرا وبالغ في إخراجكم من الظلمات إلى النور ~~ويستفاد منه أن الظلمات إنما هي ظلمات النسيان والغفلة والنور نور الذكر. # وقوله: "وكان بالمؤمنين رحيما" وضع الظاهر موضع المضمر، أعني قوله: ~~"بالمؤمنين" ولم يقل: وكان بكم رحيما، ليدل به على سبب الرحمة وهو وصف ~~الإيمان. # قوله تعالى: "تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما" ظاهر السياق ~~أن "تحيتهم" مصدر مضاف إلى المفعول أي إنهم يحيون - بالبناء للمفعول - يوم ~~يلقون ربهم من عند ربهم ومن ملائكته بالسلام أي إنهم يوم اللقاء في أمن ~~وسلام لا يصيبهم مكروه ولا يمسهم عذاب. # وقوله: "وأعد لهم أجرا كريما" أي وهيأ الله لهم ثوابا جزيلا. # قوله تعالى: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا" شهادته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) على الأعمال أن يتحملها في هذه النشأة ويؤديها ~~يوم القيامة وقد تقدم في قوله: "لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا": البقرة: 121، وغيره من آيات الشهادة أنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) شهيد الشهداء. # وكونه مبشرا ونذيرا تبشيره المؤمنين المطيعين لله ورسوله بثواب الله ~~والجنة وإنذاره الكافرين والعاصين بعذاب الله والنار. PageV16P174 # قوله تعالى: "وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا" دعوته إلى الله هي دعوته ~~الناس إلى الإيمان بالله وحده، ولازمه الإيمان بدين الله وتقيد الدعوة بإذن ~~الله يجعلها مساوقة للبعثة. # وكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) سراجا ms6193 منيرا هو كونه بحيث يهتدي به ~~الناس إلى سعادتهم وينجون من ظلمات الشقاء والضلالة فهو من الاستعارة، وقول ~~بعضهم: إن المراد بالسراج المنير القرآن والتقدير ذا سراج منير تكلف من غير موجب. # قوله تعالى: "وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا"، الفضل من ~~العطاء ما كان من غير استحقاق ممن يأخذه وقد وصف الله عطاءه فقال: "من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام: 106، وقال: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا ~~مزيد": ق: 35، فبين أنه يعطي من الثواب ما لا يقابل العمل وهو الفضل ولا ~~دليل في الآية يدل على اختصاصه بالآخرة. # قوله تعالى: "ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله" ~~إلخ، تقدم معنى طاعة الكافرين والمنافقين في أول السورة. # وقوله: "ودع أذاهم" أي اترك ما يؤذونك بالإعراض عنه وعدم الاشتغال به ~~والدليل على هذا المعنى قوله: "وتوكل على الله" أي لا تستقل بنفسك في دفع ~~أذاهم بل اجعل الله وكيلا في ذلك وكفى بالله وكيلا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما ~~من شيء إلا وله حد ينتهي إليه إلا الذكر فليس له حد ينتهي إليه فرض الله عز ~~وجل الفرائض فمن أداهن فهو حدهن وشهر رمضان فمن صامه فهو حده والحج فمن حج ~~فهو حده إلا الذكر فإن الله عز وجل لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدا ~~ينتهي إليه ثم تلا: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - وسبحوه ~~بكرة وأصيلا" فقال: لم يجعل الله له حدا ينتهي إليه. قال: وكان أبي كثير ~~الذكر لقد كنت أمشي معه وإنه ليذكر الله وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله ~~ولقد كان يحدث القوم ما يشغله ذلك عن ذكر الله وكنت أرى لسانا لازقا بحنكه ~~يقول: لا إله إلا الله. وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس ويأمر ~~بالقراءة من كان يقرأ منا ومن كان لا يقرأ منا أمره بالذكر، والبيت الذي ~~يقرأ فيه القرآن ويذكر الله ms6194 عز وجل فيه يكثر بركته ويحضره الملائكة ويهجره ~~الشياطين ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب لأهل الأرض والبيت الذي لا ~~يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله يقل بركته ويهجره الملائكة ويحضره الشياطين. ~~وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا أخبركم بخير أعمالكم أرفعها ~~في درجاتكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من الدينار والدرهم وخير لكم من أن ~~تلقوا عدوكم فتقتلوهم ويقتلوكم؟ فقالوا: بلى. قال: ذكر الله عز وجل كثيرا. ~~ثم قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من خير أهل ~~المسجد؟ فقال: أكثرهم لله ذكرا. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~من أعطي لسانا ذاكرا فلقد أعطي خير الدنيا والآخرة. وقال في قوله تعالى: ~~"ولا تمنن تستكثر" قال: لا تستكثر ما عملت من خير لله. وفيه، بإسناده عن ~~أبي المعزى رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من ذكر الله في ~~السر فقد ذكر الله كثيرا إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا ~~يذكرونه في السر فقال الله عز وجل: "يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا". أقول: وهو استفادة لطيفة. # وفي الخصال، عن زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما ~~ابتلي المؤمن بشيء أشد عليه من ثلاث خصال يحرمها. قيل: وما هي؟ قال: ~~المواساة في ذات يده، والإنصاف من نفسه، وذكر الله كثيرا. أما إني لا أقول: ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وإن كان منه ولكن ذكر ~~الله عند ما أحل له وذكر الله عند ما حرم عليه. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري: أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم ~~القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا. قلت: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل ~~الله؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان ~~الذاكرون الله أفضل درجة منه. PageV16P175 # وفي العلل، بإسناده عن عبد الله بن ms6195 الحسن عن أبيه عن جده الحسن بن علي ~~(عليهما السلام) قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فسأله أعلمهم فيما سأله فقال: لأي شيء سميت محمدا وأحمد وأبا القاسم ~~وبشيرا ونذيرا وداعيا؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أما الداعي فإني ~~أدعو الناس إلى دين ربي عز وجل، وأما النذير فإني أنذر بالنار من عصاني، ~~وأما البشير فإني أبشر بالجنة من أطاعني. # الحديث. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "يا أيها النبي إنا أرسلناك إلى قوله ودع ~~أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا" أنها نزلت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين. PageV16P176 ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 49 - 62 # يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) يأيها النبى ~~إنا أحللنا لك أزوجك التى ءاتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ~~وبنات عمك وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خلتك التى هاجرن معك وامرأة مؤمنة ~~إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ~~قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزوجهم وما ملكت أيمنهم لكيلا يكون عليك حرج ~~وكان الله غفورا رحيما (50) ترجى من تشاء منهن وتئوى إليك من تشاء ومن ~~ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما ~~ءاتيتهن كلهن والله يعلم ما فى قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل ~~لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزوج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت ~~يمينك وكان الله على كل شىء رقيبا (52) يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير نظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا ~~فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى ~~منكم والله لا يستحى من الحق وإذا سألتموهن متعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول ms6196 الله ولا أن تنكحوا أزوجه ~~من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن ~~الله كان بكل شىء عليما (54) لا جناح عليهن فى ءابائهن ولا أبنائهن ولا ~~إخونهن ولا أبناء إخونهن ولا أبناء أخوتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمنهن ~~واتقين الله إن الله كان على كل شىء شهيدا (55) إن الله وملئكته يصلون على ~~النبى يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56) إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) ~~والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا وإثما ~~مبينا (58) يأيها النبى قل لأزوجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من ~~جلبيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ~~ينته المنفقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم ~~لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ~~(61) سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات أحكاما متفرقة بعضها خاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأزواجه وبعضها عامة. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا" ~~المراد بنكاحهن العقد عليهن بالنكاح، وبالمس الدخول، وبالتمتيع إعطاؤهن ~~شيئا من المال يناسب شأنهن وحالهن والتسريح بالجميل إطلاقهن من غير خصومة ~~وخشونة. # والمعنى: إذا طلقتم النساء بعد النكاح وقبل الدخول فلا عدة لهن للطلاق ~~ويجب تمتيعهن بشيء من المال والسراح الجميل. PageV16P177 # والآية مطلقة تشمل ما إذا فرض لهن فريضة المهر وما إذا لم يفرض فيقيدها ~~قوله: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم": ~~البقرة: 273، وتبقى حجة فيما لم يفرض لهن فريضة. # قوله تعالى: "يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن" ~~إلى آخر الآية، يذكر سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإحلال سبعة ~~أصناف من النساء: الصنف ms6197 الأول ما في قوله: "أزواجك اللاتي آتيت أجورهن" ~~والمراد بالأجور المهور، والثاني ما في قوله: "وما ملكت يمينك مما أفاء ~~الله عليك" أي من يملكه من الإماء الراجعة إليه من الغنائم والأنفال، ~~وتقييد ملك اليمين بكونه مما أفاء الله عليه كتقييد الأزواج بقوله: "اللاتي ~~آتيت أجورهن" للتوضيح لا للاحتراز. # والثالث والرابع ما في قوله: "وبنات عمك وبنات عماتك" قيل: يعني نساء ~~قريش، والخامس والسادس ما في قوله: "وبنات خالك وبنات خالاتك" قيل: يعني ~~نساء بني زهرة، وقوله: "اللاتي هاجرن معك" قال في المجمع:، هذا إنما كان ~~قبل تحليل غير المهاجرات ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. # والسابع ما في قوله: "وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها" وهي المرأة المسلمة التي بذلت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بمعنى أن ترضى أن يتزوج بها من غير صداق ومهر فإن الله أحلها له إن ~~أراد أن يستنكحها، وقوله: "خالصة لك من دون المؤمنين" إيذان بأن هذا الحكم ~~- أي حلية المرأة للرجل ببذل النفس - من خصائصه لا يجري في المؤمنين، وقوله ~~بعده: "قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم" تقرير لحكم ~~الاختصاص. # وقوله: "لكيلا يكون عليك حرج" تعليل لقوله في صدر الآية: "إنا أحللنا لك" ~~أو لما في ذيلها من حكم الاختصاص والأول أظهر وقد ختمت الآية بالمغفرة ~~والرحمة. # قوله تعالى: "ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء" إلخ، الإرجاء ~~التأخير والتبعيد، وهو كناية عن الرد، والإيواء: الإسكان في المكان وهو ~~كناية عن القبول والضم إليه. # والسياق يدل على أن المراد به أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) على خيرة من ~~قبول من وهبت نفسها له أو رده. # وقوله: "ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك"، الابتغاء هو الطلب أي ومن ~~طلبتها من اللاتي عزلتها ولم تقبلها فلا إثم عليك ولا لؤم أي يجوز لك أن ~~تضم إليك من عزلتها ورددتها من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك بعد العزل والرد. # ويمكن أن يكون ms6198 إشارة إلى أن له (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقسم بين ~~نسائه وأن يترك القسم فيؤخر من يشاء منهن ويقدم من يشاء ويعزل بعضهن من ~~القسم فلا يقسم لها أو يبتغيها فيقسم لها بعد العزل وهو أوفق لقوله بعده: ~~"ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى - أي أقرب - أن تقر أعينهن - ~~أي يسررن - ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم" وذلك ~~لسرور المتقدمة بما قسمت له ورجاء المتأخرة أن تتقدم بعد. # وقوله: "وكان الله عليما حليما" أي يعلم مصالح عباده ولا يعاجل في ~~العقوبة. # وفي الآية أقوال مختلفة أخر والذي أوردناه هو الأوفق لوقوعها في سياق ~~سابقتها متصلة بها وبه وردت الأخبار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما سيجيء. # قوله تعالى: "لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن" إلخ، ظاهر الآية لو فرضت مستقلة في نفسها غير متصلة بما قبلها ~~تحريم النساء له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا من خيرهن فاخترن الله ونفي ~~جواز التبدل بهن يؤيد ذلك. # لكن لو فرضت متصلة بما قبلها وهو قوله: "إنا أحللنا لك" إلخ، كان مدلولها ~~تحريم ما عدا المعدودات وهي الأصناف الستة التي تقدمت. # وفي بعض الروايات عن بعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بالآية ~~محرمات النساء المعدودة في قوله: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم" الآية: ~~النساء: 23. # فقوله: "لا يحل لك النساء من بعد" أي من بعد اللاتي اخترن الله ورسوله ~~وهي التسعة على المعنى الأول أو من بعد من عددناه في قولنا: "إنا أحللنا ~~لك" على المعنى الثاني أو من بعد المحللات وهي المحرمات على المعنى الثالث. PageV16P178 # وقوله: "ولا أن تبدل بهن من أزواج" أي أن تطلق بعضهن وتزوج مكانها من ~~غيرهن، وقوله: "إلا ما ملكت يمينك" يعني الإماء وهو استثناء من قوله في صدر ~~الآية "لا يحل لك النساء". # وقوله: "وكان الله على كل شيء رقيبا" معناه ظاهر وفيه تحذير عن المخالفة. # قوله ms6199 تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~- إلى قوله - من الحق" بيان لأدب الدخول في بيوت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وقوله: "إلا أن يؤذن لكم" استثناء من النهي، وقوله: "إلى طعام" ~~متعلق بالإذن، وقوله: "غير ناظرين إناه" أي غير منتظرين لورود إناء الطعام ~~بأن تدخلوا من قبل فتطيلوا المكث في انتظار الطعام ويبينه قوله: "ولكن إذا ~~دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم - أي أكلتم - فانتشروا"، وقوله: "ولا مستأنسين ~~لحديث" عطف على قوله: "غير ناظرين إناه" وهو حال بعد حال، أي غير ماكثين في ~~حال انتظار الإناء قبل الطعام ولا في حال الاستئناس لحديث بعد الطعام. # وقوله: "إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم" تعليل للنهي أي لا تمكثوا ~~كذلك لأن مكثكم ذلك كان يتأذى منه النبي فيستحيي منكم أن يسألكم الخروج ~~وقوله: "والله لا يستحيي من الحق" أي من بيان الحق لكم وهو ذكر تأذيه ~~والتأديب بالأدب اللائق. # قوله تعالى: "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن"، ضمير "هن" لأزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وسؤالهن متاعا كناية عن تكليمهن لحاجة أي إذا مست الحاجة إلى تكليمكم أزواج ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكلموهن من وراء حجاب، وقوله: "ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن" بيان لمصلحة الحكم. # قوله تعالى: "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا" إلخ، أي ليس لكم إيذاؤه بمخالفة ما أمرتم في نسائه وفي غير ذلك ~~وليس لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم أي نكاحكم أزواجه من بعده ~~كان عند الله عظيما، وفي الآية إشعار بأن بعضهم ذكر ما يشير إلى نكاحهم ~~أزواجه بعده وهو كذلك كما سيأتي في البحث الروائي الآتي. # قوله تعالى: "إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما" معناه ~~ظاهر وهو في الحقيقة تنبيه تهديدي لمن كان يؤذي النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو يذكر نكاح أزواجه من بعده. ms6200 # قوله تعالى: "لا جناح عليهن في آبائهن" إلى آخر الآية ضمير "عليهن" لنساء ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والآية في معنى الاستثناء من عموم حكم ~~الحجاب وقد استثنى الآباء والأبناء والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات ~~وهؤلاء محارم، قيل: ولم يذكر الأعمام والأخوال لأنهم من الممكن أن يصفوهن ~~لأبنائهم. # واستثنى أيضا نساءهن وإضافة النساء إلى ضمير هن يلوح إلى أن المراد ~~النساء المؤمنات دون الكوافر كما مر في قوله تعالى: "أو نسائهن": النور: ~~31، واستثنى أيضا ما ملكت أيمانهن من العبيد والإماء. # وقوله: "واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا" فيه تأكيد الحكم ~~وخاصة من جهة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في "اتقين الله". # قوله تعالى: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما" قد تقدم أن أصل الصلاة الانعطاف فصلاته تعالى انعطافه ~~عليه بالرحمة انعطافا مطلقا لم يقيد في الآية بشيء دون شيء وكذلك صلاة ~~الملائكة عليه انعطاف عليه بالتزكية والاستغفار وهي من المؤمنين الدعاء ~~بالرحمة. # وفي ذكر صلاته تعالى وصلاة ملائكته عليه قبل أمر المؤمنين بالصلاة عليه ~~دلالة على أن في صلاة المؤمنين له اتباعا لله سبحانه وملائكته وتأكيدا ~~للنهي الآتي. # وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن طريق صلاة المؤمنين أن ~~يسألوا الله تعالى أن يصلي عليه وآله. # قوله تعالى: "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ~~وأعد لهم عذابا مهينا" من المعلوم أن الله سبحانه منزه من أن يناله الأذى ~~وكل ما فيه وصمة النقص والهوان فذكره مع الرسول وتشريكه في إيذائه تشريف ~~للرسول وإشارة إلى أن من قصد رسوله بسوء فقد قصده أيضا بالسوء إذ ليس ~~للرسول بما أنه رسول إلا ربه فمن قصده فقد قصد ربه. PageV16P179 # وقد أوعدهم باللعن في الدنيا والآخرة واللعن هو الإبعاد من الرحمة والرحمة ~~الخاصة بالمؤمنين هي الهداية إلى الاعتقاد الحق وحقيقة الإيمان، ويتبعه ~~العمل الصالح فالإبعاد من الرحمة في الدنيا تحريمه عليه جزاء لعمله فيرجع ~~إلى طبع ms6201 القلوب كما قال: "لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية": المائدة: 13، وقال: ~~"ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا": النساء: 46، وقال: "أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم": سورة محمد: 23. # وأما اللعن في الآخرة فهو الإبعاد من رحمة القرب فيها وقد قال تعالى: ~~"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15. # ثم أوعدهم بأنه أعد لهم - أي في الآخرة - عذابا مهينا ووصف العذاب ~~بالمهين لأنهم يقصدون باستكبارهم في الدنيا إهانة الله ورسوله فقوبلوا في ~~الآخرة بعذاب يهينهم. # قوله تعالى: "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا" تقييد إيذائهم بغير ما اكتسبوا لأن إيذاءهم ~~بما اكتسبوا كما في القصاص والحد والتعزير لا إثم فيه. # وأما إيذاؤهم بغير ما اكتسبوا ومن دون استحقاق فيعده سبحانه احتمالا ~~للبهتان والإثم المبين، والبهتان هو الكذب على الغير يواجهه به، ووجه كون ~~الإيذاء من غير اكتساب بهتانا أن المؤذي إنما يؤذي لسبب عنده يعده جرما له ~~يقول: لم قال كذا؟ لم فعل كذا؟ وليس بجرم فيبهته عند الإيذاء بنسبة الجرم ~~إليه مواجهة وليس بجرم. # وكونه إثما مبينا لأن الافتراء والبهتان مما يدرك العقل كونه إثما من غير ~~حاجة إلى ورود النهي عنهما شرعا. # قوله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن" إلخ، الجلابيب جمع جلباب وهو ثوب تشتمل به المرأة فيغطي ~~جميع بدنها أو الخمار الذي تغطي به رأسها ووجهها. # وقوله: "يدنين عليهن من جلابيبهن" أي يتسترن بها فلا تظهر جيوبهن وصدورهن ~~للناظرين. # وقوله: "ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" أي ستر جميع البدن أقرب إلى أن ~~يعرفن أنهن أهل الستر والصلاح فلا يؤذين أي لا يؤذيهن أهل الفسق بالتعرض لهن. # وقيل: المعنى ذلك أقرب من أن يعرفن أنهن مسلمات حرائر فلا يتعرض لهن ~~بحسبان أنهن إماء أو من غير المسلمات من الكتابيات أو غيرهن والأول أقرب. # قوله تعالى: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم" إلخ، الانتهاء عن الشيء الامتناع والكف ms6202 عنه، والإرجاف ~~إشاعة الباطل للاغتمام به وإلقاء الاضطراب بسببه، والإغراء بالفعل التحريض عليه. # والمعنى: أقسم لئن لم يكف المنافقون والذين في قلوبهم مرض عن الإفساد ~~والذين يشيعون الأخبار الكاذبة في المدينة لإلقاء الاضطراب بين المسلمين ~~لنحرضنك عليهم ثم يجاورونك في المدينة بسبب نفيهم عنها إلا زمانا قليلا وهو ~~ما بين صدور الأمر وفعلية إجرائه. # قوله تعالى: "ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا" الثقف إدراك ~~الشيء والظفر به، والجملة حال من المنافقين ومن عطف عليهم أي حال كونهم ~~ملعونين أينما وجدوا أخذوا وبولغ في قتلهم فعمهم القتل. # قوله تعالى: "سنة الله في في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا" السنة هي الطريقة المعمولة التي تجري بطبعها غالبا أو دائما. # يقول سبحانه هذا النكال الذي أوعدنا به المنافقين ومن يحذو حذوهم من ~~النفي والقتل الذريع هي سنة الله التي جرت في الماضين فكلما بالغ قوم في ~~الإفساد وإلقاء الاضطراب بين الناس وتمادوا وطغوا في ذلك أخذناهم كذلك ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا فتجري فيكم كما جرت في الأمم من قبلكم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، روى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: "ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن - فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها - فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا" قال: متعوهن أي أجملوهن بما قدرتم ~~عليه من معروف فإنهن يرجعن بكآبة ووحشة وهم عظيم وشماتة من أعدائهن فإن ~~الله كريم يستحيي ويحب أهل الحياء إن أكرمكم أشدكم إكراما لحلائلهم. # وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل ~~طلق امرأته قبل أن يدخل بها. قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا وإن ~~لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يمتع به مثلها من النساء. PageV16P180 # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة وهي مبنية على تخصيص الآية بآية ~~البقرة كما تقدم في تفسير الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن حبيب بن ثابت قال: ms6203 جاء رجل إلى ~~علي بن الحسين فسأله عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق قال: ليس بشيء ~~بدأ الله بالنكاح قبل الطلاق فقال: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن": أقول: ورواه في المجمع، عن حبيب بن ثابت عنه (عليه ~~السلام). # وفيه، أخرج ابن ماجة وابن مردويه عن المسور بن مخرمة عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك: أقول: وروي مثله ~~عن جابر وعائشة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الكافي، بإسناده عن الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) وبإسناده عن ~~الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "يا أيها النبي ~~إنا أحللنا لك أزواجك" كم أحل له من النساء؟ قال: ما شاء من شيء. # وفيه، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: "لا ~~يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج"؟ فقال: لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن ينكح ما شاء من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله ~~وبنات خالاته وأزواجه اللاتي هاجرن معه. وأحل له أن ينكح من عرض المؤمنين ~~بغير مهر وهي الهبة ولا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأما لغير رسول الله فلا يصلح نكاح إلا بمهر وذلك معنى قوله تعالى: ~~"وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي" وفي الدر المنثور، أخرج ابن سعد وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن علي بن الحسين: ~~في قوله: "وامرأة مؤمنة" هي أم شريك الأزدية التي وهبت نفسها للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # أقول: وروي أنها خولة بنت الحكيم وأنها ليلى بنت الخطيم وأنها ميمونة، ~~والظاهر أن الواهبة نفسها عدة من النساء. # وفي الكافي، مسندا عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاءت ~~امرأة من الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول ~~الله إن ms6204 المرأة لا تخطب الزوج وأنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر ولا ولد ~~فهل لك من حاجة؟ فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني. فقال لها رسول الله ~~خيرا ودعا لها. ثم قال: يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا فقد ~~نصرني رجالكم ورغبت في نساؤكم. فقالت لها حفصة: ما أقل حياءك وأجرأك وأنهمك ~~للرجال. فقال رسول الله: كفي عنها يا حفصة فإنها خير منك رغبت في رسول الله ~~ولمتها وعبتها. ثم قال للمرأة: انصرفي رحمك الله فقد أوجب الله لك الجنة ~~لرغبتك في وتعرضك لمحبتي وسروري وسيأتيك أمري إن شاء الله، فأنزل الله عز ~~وجل "وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي - إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة ~~لك من دون المؤمنين" قال: فأحل الله عز وجل هبة المرأة نفسها للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولا يحل ذلك لغيره. # وفي المجمع، وقيل: إنها لما وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر؟ فنزلت الآية، فقالت ~~عائشة: ما أرى الله إلا يسارع في هواك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): فإنك إن أطعت الله سارع في هواك. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء" قال ~~أبو جعفر وأبو عبد الله (عليه السلام). من أرجى لم ينكح ومن آوى فقد نكح. # وفي الكافي، بإسناده عن الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله ~~عز وجل: "لا يحل لك النساء من بعد" فقال: إنما عنى به لا يحل لك النساء ~~التي حرم الله عليك في هذه الآية "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم - وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم" إلى آخرها. ولو كان الأمر كما يقولون كان قد أحل لكم ما ~~لم يحل له لأن أحدكم يستبدل كلما أراد ولكن الأمر ليس كما يقولون إن الله ~~عز وجل أحل لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينكح من النساء ما أراد إلا ~~ما حرم في ms6205 هذه الآية في سورة النساء. PageV16P181 # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي ~~بن زيد عن الحسن: في قوله: "ولا أن تبدل بهن من أزواج" قال: قصره الله على ~~نسائه التسع اللاتي مات عنهن. قال علي فأخبرت علي بن الحسين فقال: لو شاء ~~تزوج غيرهن. ولفظ عبد بن حميد فقال: بل كان له أيضا أن يتزوج غيرهن. # وفي تفسير القمي،: وأما قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا - لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم" فإنه لما أن تزوج رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بزينب بنت جحش وكان يحبها فأولم ودعا أصحابه فكان أصحابه إذا ~~أكلوا يحبون أن يتحدثوا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان يحب ~~أن يخلو مع زينب فأنزل الله عز وجل. "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم" وذلك أنهم كانوا يدخلون بلا إذن فقال عز وجل: "إلا ~~أن يؤذن لكم إلى قوله - من وراء حجاب": أقول: وروي تفصيل القصة عن أنس بطرق ~~مختلفة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان قال: نزل حجاب رسول ~~الله على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. # أقول: ورواها أيضا ابن سعد عن أنس وفيه: أن السنة كانت مبتنى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب. # وفيه،: في قوله تعالى: "وما كان لكم أن تؤذوا" الآية: أخرج ابن أبي حاتم ~~عن السدي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ~~ويتزوج نساءنا من بعدنا؟ لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده فنزلت الآية. # أقول: وقد وردت بذلك عدة من الروايات وفي بعضها أنه كان يريد عائشة وأم سلمة. # وفي ثواب الأعمال، عن أبي المعزى عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث ~~قال: قلت: ما معنى صلاة الله وصلاة ملائكته وصلاة المؤمن؟ قال: صلاة الله ~~رحمة من الله، وصلاة الملائكة تزكية منهم ms6206 له، وصلاة المؤمنين دعاء منهم له. # وفي الخصال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: ~~صلوا على محمد وآل محمد فإن الله تعالى يقبل دعاءكم عند ذكر محمد ودعاءكم ~~وحفظكم إياه إذا قرأتم "إن الله وملائكته يصلون على النبي" فصلوا عليه في ~~الصلاة كنتم أو في غيرها. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ~~والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن كعب ~~بن عجرة قال: قال رجل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف ~~الصلاة عليك؟ قال: قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. # أقول: وقد أورد ثماني عشرة حديثا غير هذه الرواية تدل على تشريك آل النبي ~~معه في الصلاة روتها أصحاب السنن والجوامع عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس ~~وطلحة وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وأبو مسعود الأنصاري وبريدة وابن مسعود ~~وكعب بن عجرة وعلي (عليه السلام) وأما روايات الشيعة فهي فوق حد الإحصاء. # وفيه، أخرج أحمد والترمذي عن الحسن بن علي أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين - يدنين عليهن من جلابيبهن" فإنه كان سبب نزولها أن النساء ~~كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا ~~كان الليل وخرجن إلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة يقعد الشباب لهن في طريقهن ~~فيؤذونهن ويتعرضون لهن فأنزل الله: "يا أيها النبي" الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية "يدنين ~~عليهن من جلابيبهن" خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من أكسية ms6207 سود ~~يلبسنها. PageV16P182 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لئن لم ينته المنافقون" نزلت في قوم ~~منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ~~خرج في بعض غزواته يقولون: قتل وأسر فيغتم المسلمون لذلك ويشكون إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله عز وجل في ذلك "لئن لم ينته إلى ~~قوله إلا قليلا" أي نأمرك بإخراجهم من المدينة إلا قليلا. "ملعونين أينما ~~ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا" وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: "ملعونين" فوجبت عليهم اللعنة بعد اللعنة بقول الله. PageV16P183 ### ||| AUTO 33 سورة الأحزاب - 63 - 73 # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا (63) إن الله لعن الكفرين وأعد لهم سعيرا (64) خلدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون يليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا (67) ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يأيها ~~الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند ~~الله وجيها (69) يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) ~~يصلح لكم أعملكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ~~(71) إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الانسن إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنفقين والمنفقت ~~والمشركين والمشركت ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنت وكان الله غفورا ~~رحيما (73) ### |||| AUTO بيان # آيات تذكر شأن الساعة وبعض ما يجري على الكفار من عذابها وتأمر المؤمنين ~~بالقول السديد وتعدهم عليه وعدا جميلا ثم تختتم السورة بذكر الأمانة. # قوله تعالى: "يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك ~~لعل الساعة تكون قريبا" تذكر الآية سؤال الناس عن الساعة وإنما كانوا ~~يريدون أن يقدر لهم زمن وقوعها وأنها قريبة أو بعيدة كما يومىء إليه ~~التعبير عنها بالساعة فأمر أن يجيبهم بقصر العلم بها في الله ms6208 سبحانه وعلى ~~ذلك جرت الحال كلما ذكرت في القرآن. # وقوله: "وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا" زيادة في الإبهام وليعلموا أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل غيره في عدم العلم بها وليس من الستر ~~الذي أسره إليه وستره من الناس. # قوله تعالى: "إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا" لعن الكفار إبعادهم ~~من الرحمة، والإعداد التهيئة، والسعير النار التي أشعلت فالتهبت، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا" الفرق بين الولي ~~والنصير أن الولي يلي بنفسه تمام الأمر والمولى عليه بمعزل، والنصير يعين ~~المنصور على بعض الأمر وهو إتمامه فالولي يتولى الأمر كله والنصير يتصدى ~~بعضه، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا" تقلب وجوههم في النار تحولها لحال بعد حال فتصفر وتسود ~~وتكون كالحة أو انتقالها من جهة إلى جهة لتكون أبلغ في مس العذاب كما يفعل ~~باللحم المشوي. # وقولهم: "يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا" كلام منهم على وجه التحسر ~~والتمني. # قوله تعالى: "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا" ~~السادة جمع سيد وهو - على ما في المجمع، - المالك المعظم الذي يملك تدبير ~~السواد الأعظم وهو الجمع الأكثر، والكبراء جمع كبير ولعل المراد به الكبير ~~سنا فالعامة تطيع وتقلد أحد رجلين إما سيد القوم وإما أسنهم. # قوله تعالى: "ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا" الضعفان ~~المثلان وإنما سألوا لهم ضعفي العذاب لأنهم ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم، ~~ولذلك أيضا سألوا لهم اللعن الكبير. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا وكان عند الله وجيها" نهي عن أن يكونوا كبعض بني إسرائيل ~~فيعاملوا نبيهم بمثل ما عامل به بنو إسرائيل من الإيذاء وليس المراد مطلق ~~الإيذاء بقول أو فعل وإن كان منهيا عنه بل قوله: "فبرأه الله" يشهد بأنه ~~كان إيذاء من قبيل التهمة والافتراء المحوج في رفعه إلى التبرئة والتنزيه. # ولعل ms6209 السكوت عن ذكر ما آذوا به موسى (عليه السلام) يؤيد ما ورد في الحديث ~~أنهم قالوا: ليس لموسى ما للرجال فبرأه الله من قولهم وسيوافيك. PageV16P184 # وأوجه ما قيل في إيذائهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه إشارة إلى ~~قصة زيد وزينب، وإن يكن كذلك فمن إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما في ~~كثير من روايات القصة من سردها على نحو لا يناسب ساحة قدسه. # وقوله: "وكان عند الله وجيها" أي ذا جاه ومنزلة والجملة مضافا إلى ~~اشتمالها على التبرئة إجمالا تعلل تبرئته تعالى له وللآية وما بعدها نوع ~~اتصال بالآيات الناهية عن إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا"، السديد ~~من السداد وهو الإصابة والرشاد فالسديد من القول ما يجتمع فيه مطابقة ~~الواقع وعدم كونه لغوا أو ذا فائدة غير مشروعة كالنميمة وغير ذلك فعلى ~~المؤمن أن يختبر صدق ما يتكلم به وأن لا يكون لغوا أو يفسد به إصلاح. # قوله تعالى: "يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد ~~فاز فوزا عظيما" رتب على ملازمة القول السديد إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب ~~وذلك أن النفس إذا لازمت القول السديد انقطعت عن كذب القول ولغو الحديث ~~والكلام الذي يترتب عليه فساد، وبرسوخ هذه الصفة فيها تنقطع طبعا عن ~~الفحشاء والمنكر واللغو في الفعل وعند ذلك يصلح أعمال الإنسان فيندم بالطبع ~~على ما ضيعه من عمره في موبقات الذنوب إن كان قد ابتلي بشيء من ذلك وكفى ~~بالندم توبة. # ويحفظه الله فيما بقي من عمره عن اقتحام المهلكات وإن رام شيئا من صغائر ~~الذنوب غفر الله له فقد قال الله تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم": النساء: 31، فملازمة القول السديد تسوق الإنسان إلى ~~صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب بإذن الله. # وقوله: "ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما" وعد جميل على الإتيان ~~بجميع الأعمال الصالحة والاجتناب عن جميع المناهي بترتيب الفوز العظيم ms6210 على ~~طاعة الله ورسوله. # وبذلك تختتم السورة في معناها في الحقيقة لأن طاعة الله ورسوله هي الكلمة ~~الجامعة بين جميع الأحكام السابقة، من واجبات ومحرمات والآيتان التاليتان ~~كالمتمم لمعنى هذه الآية. # قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا - إلى قوله - ~~غفورا رحيما" الأمانة - أيا ما كانت - شيء يودع عند الغير ليحتفظ عليه ثم ~~يرده إلى من أودعه، فهذه الأمانة المذكورة في الآية شيء ائتمن الله الإنسان ~~عليه ليحفظ على سلامته واستقامته ثم يرده إليه سبحانه كما أودعه. # ويستفاد من قوله: "ليعذب الله المنافقين والمنافقات" إلخ، أنه أمر يترتب ~~على حمله النفاق والشرك والإيمان، فينقسم حاملوه باختلاف كيفية حملهم إلى ~~منافق ومشرك ومؤمن. # فهو لا محالة أمر مرتبط بالدين الحق الذي يحصل بالتلبس به وعدم التلبس به ~~النفاق والشرك والإيمان. # فهل هو الاعتقاد الحق والشهادة على توحده تعالى أو مجموع الاعتقاد والعمل ~~بمعنى أخذ الدين الحق بتفاصيله مع الغض عن العمل به، أو التلبس بالعمل به ~~أو الكمال الحاصل للإنسان من جهة التلبس بواحد من هذه الأمور. # وليست هي الأول أعني التوحيد فإن السماوات والأرض وغيرهما من شيء توحده ~~تعالى وتسبح بحمده، وقد قال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: ~~44، والآية تصرح بإبائها عنه. # وليست هي الثاني أعني الدين الحق بتفاصيله فإن الآية تصرح بحمل الإنسان ~~كائنا من كان من مؤمن وغيره له ومن البين أن أكثر من لا يؤمن لا يحمله ولا ~~علم له به، وبهذا يظهر أنها ليست بالثالث وهو التلبس بالعمل بالدين الحق ~~تفصيلا. # وليست هي الكمال الحاصل له بالتلبس بالتوحيد فإن السماوات والأرض وغيرهما ~~ناطقة بالتوحيد فعلا متلبسة به. # وليست هي الكمال الحاصل من أخذ دين الحق والعلم به إذ لا يترتب على نفس ~~الاعتقاد الحق والعلم بالتكاليف الدينية نفاق ولا شرك ولا إيمان ولا يستعقب ~~سعادة ولا شقاء وإنما يترتب الأثر على الالتزام بالاعتقاد الحق والتلبس ~~بالعمل. # فبقي أنها الكمال الحاصل ms6211 له من جهة التلبس بالاعتقاد والعمل الصالح وسلوك ~~سبيل الكمال بالارتقاء من حضيض المادة إلى أوج الإخلاص الذي هو أن يخلصه ~~الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره فيتولى هو سبحانه تدبير أمره وهو الولاية ~~الإلهية. PageV16P185 # فالمراد بالأمانة الولاية الإلهية وبعرضها على هذه الأشياء اعتبارها مقيسة ~~إليها والمراد بحملها والإباء عنه وجود استعدادها وصلاحية التلبس بها ~~وعدمه، وهذا المعنى هو القابل لأن ينطبق على الآية فالسماوات والأرض ~~والجبال على ما فيها من العظمة والشدة والقوة فاقدة لاستعداد حصولها فيها ~~وهو المراد بإبائهن عن حملها وإشفاقهن منها. # لكن الإنسان الظلوم الجهول لم يأب ولم يشفق من ثقلها وعظم خطرها فحملها ~~على ما بها من الثقل وعظم الخطر فتعقب ذلك أن انقسم الإنسان من جهة حفظ ~~الأمانة وعدمه بالخيانة إلى منافق ومشرك ومؤمن بخلاف السماوات والأرض ~~والجبال فما منها إلا مؤمن مطيع. # فإن قلت: ما بال الحكيم العليم حمل على هذا المخلوق الظلوم الجهول حملا ~~لا يتحمله لثقله وعظم خطره السماوات والأرض والجبال على عظمتها وشدتها ~~وقوتها وهو يعلم أنه أضعف من أن يطيق حمله وإنما حمله على قبولها ظلمه ~~وجهله وأجرأه عليه غروره وغفلته عن عواقب الأمور فما تحميله الأمانة ~~باستدعائه لها ظلما وجهلا إلا كتقليد مجنون ولاية عامة يأبى قبولها العقلاء ~~ويشفقون منها يستدعيها المجنون لفساد عقله وعدم استقامة فكره. # قلت: الظلم والجهل في الإنسان وإن كانا بوجه ملاك اللوم والعتاب فهما ~~بعينهما مصحح حمله الأمانة والولاية الإلهية فإن الظلم والجهل إنما يتصف ~~بهما من كان من شأنه الاتصاف بالعدل والعلم فالجبال مثلا لا تتصف بالظلم ~~والجهل فلا يقال: جبل ظالم أو جاهل لعدم صحة اتصافه بالعدل والعلم وكذلك ~~السماوات والأرض لا يحمل عليها الظلم والجهل لعدم صحة اتصافها بالعدل ~~والعلم بخلاف الإنسان. # والأمانة المذكورة في الآية وهي الولاية الإلهية وكمال صفة العبودية إنما ~~تتحصل بالعلم بالله والعمل الصالح الذي هو العدل وإنما يتصف بهذين الوصفين ~~أعني العلم والعدل الموضوع القابل للجهل والظلم فكون الإنسان في حد نفسه ~~وبحسب طبعه ظلوما ms6212 جهولا هو المصحح لحمل الأمانة الإلهية فافهم ذلك. # فمعنى الآيتين يناظر بوجه معنى قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون": التين: 6. # فقوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة" أي الولاية الإلهية والاستكمال بحقائق ~~الدين الحق علما وعملا وعرضها هو اعتبارها مقيسة إلى هذه الأشياء. # وقوله: "على السماوات والأرض والجبال" أي هذه المخلوقات العظيمة التي ~~خلقها أعظم من خلق الإنسان كما قال: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس": المؤمن: 57، وقوله: "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها" إباؤها عن ~~حملها وإشفاقها منها عدم اشتمالها على صلاحية التلبس وتجافيها عن قبولها ~~وفي التعبير بالحمل إيماء إلى أنها ثقيلة ثقلا لا يحتملها السماوات والأرض ~~والجبال. # وقوله: "وحملها الإنسان" أي اشتمل على صلاحيتها والتهيؤ للتلبس بها على ~~ضعفه وصغر حجمه "إنه كان ظلوما جهولا" أي ظالما لنفسه جاهلا بما تعقبه هذه ~~الأمانة لو خانها من وخيم العاقبة والهلاك الدائم. # وبمعنى أدق لكون الإنسان خاليا بحسب نفسه عن العدل والعلم قابلا للتلبس ~~بما يفاض عليه من ذلك والارتقاء من حضيض الظلم والجهل إلى أوج العدل ~~والعلم. # والظلوم والجهول وصفان من الظلم والجهل معناهما من كان من شأنه الظلم ~~والجهل نظير قولنا: فرس شموس ودابة جموح وماء طهور أي من شأنها ذلك كما ~~قاله الرازي أو معناهما المبالغة في الظلم والجهل كما ذكر غيره، والمعنى ~~مستقيم كيفما كانا. # وقوله: "ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات" اللام ~~للغاية أي كانت عاقبة هذا الحمل أن يعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات وذلك أن الخائن للأمانة يتظاهر في الأغلب بالصلاح ~~والأمانة وهو النفاق وقليلا ما يتظاهر بالخيانة لها ولعل اعتبار هذا المعنى ~~هو الموجب لتقديم المنافقين والمنافقات في الآية على المشركين والمشركات. PageV16P186 # وقوله: "ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما" عطف على ~~"يعذب" أي وكان عاقبة ذلك أن يتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، والتوبة من ~~الله هي رجوعه إلى عبده بالرحمة فيرجع إلى الإنسان إذا آمن ms6213 به ولم يخن ~~بالرحمة ويتولى أمره وهو ولي المؤمنين فيهديه إليه بالستر على ظلمه وجهله ~~وتحليته بالعلم النافع والعمل الصالح لأنه غفور رحيم. # فإن قلت: ما هو المانع من جعل الأمانة بمعنى التكليف وهو الدين الحق وكون ~~الحمل بمعنى الاستعداد والصلاحية والإباء هو فقده والعرض هو اعتبار القياس ~~فيجري فيه حينئذ جميع ما تقدم في بيان الانطباق على الآية. # قلت: نعم لكن التكليف إنما هو مطلوب لكونه مقدمة لحصول الولاية الإلهية ~~وتحقق صفة العبودية الكاملة فهي المعروضة بالحقيقة والمطلوبة لنفسها. # والالتفات في قوله: "ليعذب الله" من التكلم إلى الغيبة والإتيان باسم ~~الجلالة للدلالة على أن عواقب الأمور إلى الله سبحانه لأنه الله. # ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: "ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات" ~~للإشعار بكمال العناية في حقهم والاهتمام بأمرهم. # ولهم في تفسير الأمانة المذكورة في الآية أقوال مختلفة: فقيل: المراد بها ~~التكاليف الموجبة طاعتها دخول الجنة ومعصيتها دخول النار والمراد بعرضها ~~على السماوات والأرض والجبال اعتبارها بالنسبة إلى استعدادها وإباؤهن عن ~~حملها وإشفاقهن منها عدم استعدادهن لها، وحمل الإنسان لها استعداده، ~~والكلام جار مجرى التمثيل. # وقيل: المراد بها العقل الذي هو ملاك التكليف ومناط الثواب والعقاب. # وقيل: هي قول لا إله إلا الله. # وقيل: هي الأعضاء فالعين أمانة من الله يجب حفظها وعدم استعمالها إلا ~~فيما يرتضيه الله تعالى، وكذلك السمع واليد والرجل والفرج واللسان. # وقيل: المراد بها أمانات الناس والوفاء بالعهود. # وقيل: المراد بها معرفة الله بما فيها وهذا أقرب الأقوال من الحق يرجع ~~بتقريب ما إلى ما قدمنا. # وكذلك اختلف في معنى عرض الأمانة عليها على أقوال: منها: أن العرض بمعناه ~~الحقيقي غير أن المراد بالسماوات والأرض والجبال أهلها فعرضت على أهل ~~السماء من الملائكة وبين لهم أن في خيانتها الإثم العظيم فأبوها وخافوا ~~حملها وعرض على الإنسان فلم يمتنع. # ومنها: أنه بمعناه الحقيقي وذلك أن الله لما خلق هذه الأجرام خلق فيها ~~فهما وقال لها: إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها ونارا لمن عصاني ms6214 ~~فيها فقلن: نحن مسخرات لما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا ~~ولما خلق آدم عرض عليه ذلك فاحتمله وكان ظلوما لنفسه جهولا بوخامة عاقبته. # ومنها: أن المراد بالعرض المعارضة والمقابلة، ومحصل الكلام أنا قابلنا ~~بهذه الأمانة السماوات والأرض والجبال فكانت هذه أرجح وأثقل منها. # ومنها أن الكلام جار مجرى الفرض والتقدير والمعنى: أنا لو قدرنا أن ~~السماوات والأرض والجبال فهما، وعرضنا عليها هذه الأمانة لأبين حملها ~~وأشفقن منها لكن الإنسان تحملها. # وبالمراجعة إلى ما قدمناه يظهر ما في كل من هذه الأقوال من جهات الضعف ~~والوهن فلا تغفل. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ~~قال: ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عز وجل: "إن الله لعن الكافرين وأعد لهم ~~سعيرا - خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا". PageV16P187 # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن ~~بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسى ما للرجال، وكان موسى إذا أراد ~~الاغتسال ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد فكان يوما يغتسل على شط نهر وقد وضع ~~ثيابه على صخرة فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتى نظر بنو إسرائيل إليه ~~فعلموا أن ليس كما قالوا فأنزل الله "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~آذوا موسى" الآية. وفي المجمع،: واختلفوا فيما أوذي به موسى على أقوال: ~~أحدها: أن موسى وهارون صعدا الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته ~~فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة ~~بموته حتى عرفوا أنه قد مات وبرأه الله من ذلك عن علي وابن عباس. وثانيها: ~~أن موسى كان حييا ستيرا يغتسل وحده فقالوا: ما يستتر منا إلا لعيب في جلده ~~إما برص وأما أدرة فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر فمر الحجر بثوبه فطلبه ~~موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا فبرأه الله مما قالوا. ~~رواه أبو هريرة مرفوعا. # أقول: ms6215 وروى الرواية الأولى في الدر المنثور، أيضا عن ابن مسعود والثانية ~~أيضا عن أنس وابن عباس. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي ~~قال: ما جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا المنبر قط إلا ~~تلا هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا". أقول: ~~وروي ما يقرب منه أيضا عن عائشة وأبي موسى الأشعري وعروة. # وفي نهج البلاغة،: ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها إنها عرضت ~~على السماوات المبنية والأرض المدحوة والجبال ذات الطول المنصوبة فلا أطول ~~ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوة أو عز ~~لأمتنعن ولكن أشفقن من العقوبة، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا. # وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن رجل عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قول الله عز وجل: "إنا عرضنا الأمانة" الآية، قال: هي ولاية ~~أمير المؤمنين (عليه السلام). # أقول: المراد بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ما كان هو أول فاتح ~~لبابه من هذه الأمة وهو كون الإنسان، بحيث يتولى الله سبحانه أمره بمجاهدته ~~فيه بإخلاص العبودية له دون الولاية بمعنى المحبة أو بمعنى الإمامة وإن كان ~~ظاهر بعض الروايات ذلك بنوع من الجري والانطباق. PageV16P188 ### || AUTO ### ||| AUTO 34 سورة سبأ - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى له ما فى السموت وما فى الأرض وله ~~الحمد فى الاخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا ~~لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم علم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى ~~السموت ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتب مبين (3) ليجزى ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعو فى ~~ءايتنا معجزين أولئك لهم ms6216 عذاب من رجز أليم (5) ويرى الذين أوتوا العلم الذى ~~أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صرط العزيز الحميد (6) وقال الذين ~~كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد (7) ~~أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب ~~والضلل البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ~~إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن فى ذلك لاية لكل ~~عبد منيب (9) ### |||| AUTO بيان # تتكلم السورة حول الأصول الثلاثة أعني الوحدانية والنبوة والبعث فتذكرها ~~وتذكر ما لمنكريها من الاعتراض فيها والشبه التي ألقوها ثم تدفعها بوجوه ~~الدفع من حكمة وموعظة ومجادلة حسنة وتهتم ببيان أمر البعث أكثر من غيره ~~فتذكره في مفتتح الكلام ثم تعود إليه عودة بعد عودة إلى مختتمه. # وهي مكية بشهادة مقاصد آياتها على ذلك. # قوله تعالى: "الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" إلخ، ~~المطلوب بيان البعث والجزاء بيانا لا يعتريه شك بالإشارة إلى الحجة التي ~~ينقطع بها الخصم والأساس الذي يقوم عليه ذلك أمران أحدهما عموم ملكه تعالى ~~لكل شيء من كل جهة حتى يصح له أي تصرف أراد فيها من إبداء ورزق وإماتة ~~وإحياء بالإعادة وجزاء، وثانيهما كمال علمه تعالى بالأشياء من جميع جهاتها ~~علما لا يطرأ عليه عزوب وزوال حتى يعيد كل من أراد ويجزيه على ما علم من ~~أعماله خيرا أو شرا. # وقد أشير إلى أول الأمرين في الآية الأولى التي نحن فيها وإلى الثانية في ~~الآية الثانية وبذلك يظهر أن الآيتين تمهيد لما في الآية الثالثة والرابعة. # فقوله: "الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" ثناء عليه على ~~ملكه المنبسط على كل شيء بحيث له أن يتصرف في كل شيء بما شاء وأراد. # وقوله: "وله الحمد في الآخرة" تخصيص الحمد بالآخرة لما أن الجملة الأولى ~~تتضمن الحمد في الدنيا فإن النظام المشهود في السماوات والأرض نظام ms6217 دنيوي ~~كما يشهد به قوله تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات": إبراهيم: ~~48. وقوله: "وهو الحكيم الخبير" ختم الآية بالاسمين الكريمين للدلالة على ~~أن تصرفه في نظام الدنيا ثم تعقيبه بنظام الآخرة مبني على الحكمة والخبرة ~~فبحكمته عقب الدنيا بالآخرة وإلا لغت الخلقة وبطلت ولم يتميز المحسن من ~~المسيء كما قال: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا - إلى أن قال - ~~أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار": ص: 28، وبخبرته يحشرهم ولا يغادر منهم أحدا ويجزي كل نفس بما كسبت. # والخبير من أسماء الله الحسنى مأخوذة من الخبرة وهي العلم بالجزئيات فهو ~~أخص من العليم. # قوله تعالى: "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما ~~يعرج فيها" الولوج مقابل الخروج والعروج مقابل النزول وكان العلم بالولوج ~~والخروج والنزول والعروج كناية عن علمه بحركة كل متحرك وفعله واختتام الآية ~~بقوله: "وهو الرحيم الغفور" كان فيه إشارة إلى أن له رحمة ثابتة ومغفرة ~~ستصيب قوما بإيمانهم. PageV16P189 # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم ~~الغيب" إلخ، يذكر إنكارهم لإتيان الساعة وهي يوم القيامة وهم ينكرونه مع ~~ظهور عموم ملكه وعلمه بكل شيء ولا مورد للارتياب في إتيانها مع ذلك كما ~~تقدم فضلا عن إنكار إتيانها ولذلك أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يجيب عن قولهم بقوله: "قل بلى وربي لتأتينكم" أي الساعة. # ولما كان السبب العمدة في إنكارهم هو اختلاط الأشياء ومنها أبدان الأموات ~~بعضها ببعض وتبدل صورها تبدلا بعد تبدل بحيث لا خبر عن أعيانها فيمتنع ~~إعادتها من دون تميز بعضها من بعض أشار إلى دفع ذلك بقوله: "عالم الغيب لا ~~يعزب" أي لا يفوت "عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض". # وقوله: "ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين" تعميم لعلمه لكل شيء ~~وفيه مع ذلك إشارة إلى أن للأشياء كائنة ما كانت ثبوتا في كتاب مبين ms6218 لا ~~تتغير ولا تتبدل وإن زالت رسومها عن صفحة الكون وقد تقدم بعض الكلام في ~~الكتاب المبين في سورة الأنعام وغيرها. # قوله تعالى: "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق ~~كريم" اللام في "ليجزي" للتعليل وهو متعلق بقوله: "لتأتينكم" وفي قوله: ~~"لهم مغفرة ورزق كريم" نوع محاذاة لقوله السابق: "وهو الرحيم الغفور". # وفي الآية بيان أحد السببين لقيام الساعة وهو أن يجزي الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالمغفرة والرزق الكريم وهو الجنة بما فيها والسبب الأخير ~~ما يشير إليه قوله: "والذين سعوا في آياتنا معاجزين" إلخ. # قوله تعالى: "والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم" ~~السعي الجد في المشي والمعاجزة المبالغة في الإعجاز وقيل: المسابقة والكلام ~~مبني على الاستعارة بالكناية كان الآيات مسافة يسيرون فيها سيرا حثيثا ~~ليعجزوا الله ويسبقوه والرجز كالرجس القذر ولعل المراد به العمل السيىء ~~فيكون إشارة إلى تبدل العمل عذابا أليما عليهم أو سببا لعذابهم، وقيل: ~~الرجز هو سيء العذاب. # وفي الآية تعريض للكفار الذين يصرون على إنكار البعث. # قوله تعالى: "ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق" ~~الموصول الأول فاعل يرى والموصول الثاني مفعوله الأول والحق مفعوله الثاني ~~والمراد بالذين أوتوا العلم العلماء بالله وبآياته، وبالذي أنزل إليه ~~القرآن النازل إليه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وجملة "ويرى" إلخ، استئناف متعرض لقوله السابق: "وقال الذين كفروا" أو ~~حال من فاعل كفروا، والمعنى: أولئك يقولون: لا تأتينا الساعة وينكرونه ~~جهلا، والعلماء بالله وآياته يرون أن هذا القرآن النازل إليك المخبر بأن ~~الساعة آتية هو الحق. # وقوله: "ويهدي إلى صراط العزيز الحميد" معطوف على الحق أي ويرون القرآن ~~يهدي إلى صراط من هو عزيز لا يغلب على ما يريد محمود يثنى على جميع أفعاله ~~لأنه لا يفعل مع عزته إلا الجميل وهو الله سبحانه، وفي التوصيف بالعزيز ~~الحميد مقابلة لما وصفهم به في قوله: "الذين سعوا في آياتنا معاجزين". # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا هل ندلكم على ms6219 رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد" كلام منهم وارد مورد الاستهزاء يعرفون فيه النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بعضهم لبعض بالقول بالمعاد. # والتمزيق التقطيع والتفريق، وكونهم في خلق جديد استقرارهم فيه أي تجديد ~~خلقتهم بإحيائهم بعد موتهم ووجودهم ثانيا بعد عدمهم، وقوله: "إذا مزقتم" ~~ظرف لقوله: "إنكم لفي خلق جديد". # والمعنى: وقال الذين كفروا بعضهم لبعض على طريق الاستهزاء بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لإنذاره إياهم بالبعث والجزاء: هل ندلكم على رجل ~~والمراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينبئكم ويخبركم أنكم ستستقرون ~~في خلق جديد ويتجدد لكم الوجود إذا فرقت أبدانكم كل التفريق وقطعت بحيث لا ~~يتميز شيء منها من شيء. PageV16P190 # قوله تعالى: "افترى على الله كذبا أم به جنة" إلخ، الاستفهام للتعجيب فإن ~~القول ببعث الأجساد بعد فنائها عجيب عندهم لا يقول به عاقل إلا لتلبيس ~~الأمر على الناس وإضلالهم لينال بعض ما عندهم وإلا فكيف يلتبس فيه الأمر ~~على عاقل، ولهذا رددوا الأمر بين الافتراء والجنة في الاستفهام والمعنى: ~~أهو عاقل يكذب على الله افتراء عليه بالقول بالبعث أم به نوع جنون يتفوه ~~بما بدا له من غير فكر مستقيم. # وقوله: "بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد" رد لقولهم ~~وإضراب عن الترديد الذي أتوا به مستفهمين، ومحصله أن ذلك ليس افتراء على ~~الله ولا جنون فيه بل هؤلاء الكفار مستقرون في عذاب سيظهر لهم وقد أبعدهم ~~ذلك عن الحق فكانوا في ضلال بعيد لا يسعهم مع ذلك أن يعقلوا الحق ويذعنوا به. # ووضع الموصول موضع الضمير في قوله: "بل الذين لا يؤمنون بالآخرة" للدلالة ~~على أن علة وقوعهم فيما وقعوا فيه من العذاب والضلال عدم إيمانهم بالآخرة. # قوله تعالى: "أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء" إلخ، وعظ وإنذار لهم ~~باستعظام ما اجترءوا عليه من تكذيب آيات الله والاستهزاء برسوله فالمراد ~~بقوله: ms6220 "ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض" إحاطة السماء والأرض ~~بهم من بين أيديهم ومن خلفهم فأينما نظروا وجدوا سماء تظلهم وأرضا تقلهم لا ~~مفر لهم منهما. # وقوله: "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء" أي إذ أحاط ~~بهم الأرض والسماء وهما مدبرتان بتدبيرنا منقادتان مسخرتان لنا أن نشأ نخسف ~~بهم الأرض فنهلكهم أو نسقط عليهم قطعة من السماء فنهلكهم فما لهم لا ينتهون ~~عن هذه الأقاويل؟. # وقوله: "إن في ذلك لآية لكل عبد منيب"، أي فيما ذكر من إحاطة السماء ~~والأرض وكونهما مدبرتين لله سبحانه أن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم ~~كسفا من السماء لآية لكل عبد منيب، راجع إلى ربه بالطاعة، فهؤلاء لا ~~يستهينون بهذه الأمور ولا يجترءون على تكذيب هذه الآيات إلا لكونهم ~~مستكبرين عاتين لا يريدون إنابة إلى ربهم ورجوعا إلى طاعته. PageV16P191 ### ||| AUTO 34 سورة سبأ - 10 - 21 # ولقد ءاتينا داود منا فضلا يجبال أوبى معه والطير وألنا له الحديد (10) ~~أن اعمل سبغت وقدر فى السرد واعملوا صلحا إنى بما تعملون بصير (11) ولسليمن ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين ~~يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) يعملون له ~~ما يشاء من محريب وتمثيل وجفان كالجواب وقدور راسيت اعملوا ءال داود شكرا ~~وقليل من عبادى الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا ~~دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا فى العذاب المهين (14) لقد كان لسبإ فى مسكنهم ءاية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلنهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشىء من ~~سدر قليل (16) ذلك جزينهم بما كفروا وهل نجزى إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التى بركنا فيها قرى ظهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى ~~وأياما ءامنين (18) فقالوا ربنا بعد ms6221 بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلنهم ~~أحاديث ومزقنهم كل ممزق إن فى ذلك لايت لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم ~~إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطن ~~إلا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن هو منها فى شك وربك على كل شىء حفيظ (21) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى نبذة من قصص داود وسليمان إذ آتاهما الله من فضله إذ ~~أنعم على داود بتسخير الجبال والطير معه وتليين الحديد له، وسخر لسليمان ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر وسخر الجن يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وغيرها وأمرهما بالعمل الصالح شكرا وكانا عبدين شكورين. # ثم إلى قصة سبإ حيث أنعم عليهم بجنتين عن اليمين والشمال ليعيشوا فيها ~~عيشا رغدا فكفروا بالنعمة وأعرضوا عن الشكر فأرسل عليهم سيل العرم وبدل ~~جنتيهم جنتين دون ذلك وقد كان عمر بلادهم فكفروا فجعلهم أحاديث ومزقهم كل ~~ممزق، كل ذلك لكفرهم النعمة وإعراضهم عن الشكر ولا يجازى إلا الكفور. # وجه اتصال القصص على ما تقدم من حديث البعث أن الله هو المدبر لأمور ~~عباده وهم مغمورون في أنواع نعمه وللمنعم على المنعم عليه الشكر على نعمته ~~وعليه أن يميز بين الشاكرين لنعمته والكافر بها وإذ لا ميز في هذه النشأة ~~فهناك نشأة أخرى يتميز فيها الفريقان فالبعث لا مفر عنه. # قوله تعالى: "ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد" الفضل العطية والتأويب الترجيع من الأوب بمعنى الرجوع والمراد به ~~ترجيع الصوت بالتسبيح بدليل قوله فيه في موضع آخر: "إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب": ص: 19. والطير معطوف على ~~محل الجبال ومنه يظهر فساد قول بعضهم: إن الأوب بمعنى السير وأن الجبال ~~كانت تسير معه حيثما سار. # وقوله: "يا جبال أوبي معه والطير" بيان للفضل الذي أوتي داود وقد وضع فيه ~~الخطاب الذي خوطبت به الجبال والطير فسخرتا به موضع نفس التسخير الذي هو ~~العطية وهو من قبيل وضع السبب موضع ms6222 المسبب والمعنى: سخرنا الجبال له تئوب ~~معه والطير، وهذا هو المتحصل من تسخير الجبال والطير له كما يشير إليه ~~قوله: "إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له ~~أواب": ص: 19. وقوله: "وألنا له الحديد" أي وجعلناه لينا له على ما به من ~~الصلابة. PageV16P192 # قوله تعالى: "أن اعمل سابغات وقدر في السرد" إلخ، السابغات جمع سابغة وهي ~~الدرع الواسعة، والسرد نسج الدرع، وتقديره الاقتصاد فيه بحيث تتناسب حلقه ~~أي اعمل دروعا واسعة وأجعلها متناسبة الحلق، وجملة "أن اعمل" إلخ، نوع ~~تفسير لا لأنه الحديد له. # وقوله: "واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير" معنى الجملة في نفسها ظاهر ~~وهي لوقوعها في سياق بيان إيتاء الفضل وعد النعم تفيد معنى الأمر بالشكر ~~كأنه قيل: وقلنا اشكر النعم أنت وقومك بالعمل الصالح. # قوله تعالى: "ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر" إلخ، أي وسخرنا ~~لسليمان الريح مسير غدو تلك الريح - وهو أول النهار إلى الظهر - مسير شهر ~~ورواح تلك الريح - وهو من الظهر إلى آخر النهار - مسير شهر أي أنها تسير في ~~يوم مسير شهرين. # وقوله: "وأسلنا له عين القطر" الإسالة إفعال من السيلان بمعنى الجريان ~~والقطر النحاس أي وأذبنا له القطر فسالت كالعين الجارية. # قوله: "ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه"، أي وجمع من الجن - بدليل ~~قوله بعد: "يعملون له" - يعمل بين يديه بإذن ربه مسخرين له "ومن يزغ" أي ~~ينحرف "عن أمرنا" ولم يطع سليمان "نذقه من عذاب السعير" ظاهر السياق أن ~~المراد به عذاب النار في الدنيا دون الآخرة، وفي لفظ الآية دلالة على أن ~~المسخر له كان بعض الجن لا جميعهم. # قوله تعالى: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور ~~راسيات" إلخ، المحاريب جمع محراب وهو مكان إقامة الصلاة والعبادة، ~~والتماثيل جمع تمثال وهي الصورة المجسمة من الشيء والجفان جمع جفنة وهي ~~صحفة الطعام، والجوابي جمع جابية الحوض الذي يجبى أي يجمع فيه الماء، ~~والقدور جمع قدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، والراسيات ms6223 الثابتات والمراد بكون ~~القدور راسيات كونها ثابتات في أمكنتها لا يزلن عنها لعظمها. # وقوله: "اعملوا آل داود شكرا" خطاب لسليمان وسائر من معه من آل داود أن ~~يعملوا ويعبدوا الله شكرا له، وقوله: "وقليل من عبادي الشكور" أي الشاكر ~~لله شكرا بعد شكر والجملة إما في مقام ترفيع مقام أهل الشكر بأن المتمكنين ~~في هذا المقام قليلون وهم الأوحديون من الناس، وإما في مقام التعليل كأنه ~~قيل: إنهم قليل فكثروا عدتهم. # قوله تعالى: "فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ~~تأكل منسأته" المراد بدابة الأرض الأرضة على ما وردت به الروايات والمنسأة ~~العصا وقوله: "فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين" الخرور السقوط على الأرض. # ويستفاد من السياق أنه (عليه السلام) لما قبض كان متكئا على عصاه فبقي ~~على تلك الحال قائما متكئا على عصاه زمانا لا يعلم بموته إنس ولا جن فبعث ~~الله عز وجل أرضة فأخذت في أكل منسأته حتى إذا أكلت انكسرت العصا وسقط ~~سليمان على الأرض فعلموا عند ذلك بموته وتبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب لعلموا بموت سليمان المستور عنهم وما لبثوا هذا المقدار من الزمان - ~~وهو من حين قبضه إلى خروره - في العذاب المهين المذل لهم. # قوله تعالى: "لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال" إلخ، سبأ ~~العرب العاربة باليمن سموا - كما قيل - باسم أبيهم سبإ بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان، وقوله: "عن يمين وشمال" أي عن يمين مسكنهم وشماله. # وقوله: "كلوا من رزق ربكم" أمر بالأكل من جنتين وهو كناية عن رزقهم ~~منهما، ثم بالشكر له على نعمته ورزقه، وقوله: "بلدة طيبة ورب غفور" أي بلدة ~~ملائمة صالحة للمقام ورب كثير الغفران لا يؤاخذكم بسيئاتكم. # قوله تعالى: "فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ~~ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل" العرم المسناة التي تحبس الماء، ~~وقيل: المطر الشديد وقيل غير ذلك، والأكل بضمتين كل ms6224 ثمرة مأكولة، والخمط - ~~على ما قيل - كل نبت أخذ طعما من المرارة، والأثل الطرفاء وقيل: شجر يشبهها ~~أعظم منها لا ثمرة له، والسدر معروف، والأثل وشيء معطوفان على "أكل" لا على خمط. # والمعنى: فأعرضوا أي قوم سبإ عن الشكر الذي أمروا به فجازيناهم وأرسلنا ~~عليهم سيل العرم فأغرق بلادهم وذهب بجنتيهم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي ~~ثمرة مرة وذواتي طرفاء وشيء قليل من السدر. PageV16P193 # قوله تعالى: "ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور" "ذلك" إشارة إلى ~~ما ذكر من إرسال السيل وتبديل الجنتين ومحله النصب مفعولا ثانيا لجزيناهم ~~والفرق بين الجزاء والمجازاة - كما قيل إن المجازاة لا تستعمل إلا في الشر ~~والجزاء أعم. # والمعنى: جزينا سبأ ذلك الجزاء بسبب كفرهم وإعراضهم عن الشكر - أو في ~~مقابلة ذلك - ولا نجازي بالسوء إلا من كان كثير الكفران لأنعم الله. # قوله تعالى: "وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة" إلخ، ~~ضمير "بينهم" لسبإ والكلام مسوق لبيان تتمة قصتهم المطلوب ذكرها وهو عطف ~~على قوله: "كان لسبإ" والمراد بالقرى التي باركنا فيها القرى الشامية، ~~والمراد بكون القرى ظاهرة كونها متقاربة يرى بعضها من بعض. # وقوله: "وقدرنا فيها السير" أي جعلنا السير فيها على نسبة مقدرة متناسبة ~~غير مختلفة فالنسبة بين واحدة منها وما يليها كالنسبة بين ما يليها وما ~~يليه، وقوله: "سيروا فيها ليالي وأياما آمنين" على تقدير القول أي وقلنا: ~~سيروا في هذه القرى على أمن إن شئتم ليالي وإن شئتم أياما، والمراد قررنا ~~فيها الأمن يسيرون فيها متى ما شاءوا من غير خوف وقلق. # قوله تعالى: "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم" إلخ، أي ~~أنعمنا عليهم ما أنعمنا من وفور الفواكه وقرب المنازل وأمن الطرق وسهولة ~~السير ورغد العيش فملوا ذلك وسئموه وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا أي اجعل ~~أسفارنا ذوات مسافات بعيدة نركب فيها الرواحل ونقطع المفاوز والبوادي وهذا ~~بغي منهم وكفران كما طلبت بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان المن والسلوى. # وبالجملة أتم الله نعمه عليهم في السفر ms6225 بقرب المنازل وأمن الطرق ووفور ~~النعمة كما أتم نعمه عليهم في الحضر وأراد منهم الشكر على ذلك فكفروا بنعمه ~~في السفر كما كفروا بها في الحضر، فأسرع الله في إسعاف ما اقترحوه فخرب ~~بلادهم وفرق جمعهم وشتت شملهم. # فقوله: "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا" اقتراح ضمني لتخريب بلادهم، ~~وقوله: "وظلموا أنفسهم" أي بالمعاصي. # وقوله: "فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق" أي أزلنا أعيانهم وآثارهم فلم ~~يبق منهم إلا أحاديث يحدث بها فيما يحدث فعادوا أسماء لا مسمى لهم إلا في ~~وهم المتوهم وخيال المتخيل وفرقناهم كل تفرق فلم يبق من أجزاء وجودهم جزآن ~~مجتمعان إلا فرقنا بينهما فصاروا كسدى لا شبح له بعد ما كانوا مجتمعا ذا ~~قوة وشوكة حتى ضرب بهم المثل "تفرقوا أيادي سبإ". # وقوله: "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" أي في هذا الذي ذكر من قصتهم ~~لآيات لكل من كثر صبره في جنب الله وكثر شكره لنعمه التي لا تحصى يستدل ~~بتلك الآيات على أن على الإنسان أن يعبد ربه شكرا لنعمه وأن وراءه يوما ~~يبعث فيه ويجزى بعمله. # قوله تعالى: "ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين" ~~أي حقق إبليس عليهم ظنه أو وجد ظنه صادقا عليهم إذ قال لربه: "لأغوينهم ~~ولأضلنهم" "ولا تجد أكثرهم شاكرين"، وقوله: "فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين" بيان لتصديقه ظنه. # ومنه يظهر أن ضمير الجمع في "عليهم" هاهنا وكذا في الآية التالية لعامة ~~الناس لا لسبإ خاصة وإن كانت الآية منطبقة عليهم. # قوله تعالى: "وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن ~~هو منها في شك" ظاهر السياق أن المراد أنهم لم يتبعوه عن سلطان له عليهم ~~يضطرهم إلى اتباعه حتى يكونوا معذورين بل إنما اتبعوه عن سوء اختيارهم فهم ~~يختارون اتباعه فيتسلط عليهم لا أنه يتسلط فيتبعونه، قال تعالى: "إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42، وقال حاكيا عن ~~إبليس يوم القيامة: "وما كان لي عليكم من ms6226 سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم": إبراهيم: 22. # ومنشأ اتباعهم له ريب وشك في قلوبهم من الآخرة يظهر منهم بظهور أثره الذي ~~هو الاتباع لإبليس، فإذنه سبحانه لإبليس أن يتسلط عليهم من طريق اختيارهم ~~هذا المقدار من التسلط ليمتاز به أهل الشك في الآخرة من أهل الإيمان به ولا ~~يرفع ذلك مسئوليتهم في اتباعه لكونه عن اختيار منهم. PageV16P194 # فقوله: "وما كان له عليهم من سلطان" نفي لكل سلطان، وقوله: "إلا لنعلم" أي ~~لنميز "من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك" استثناء لسلطانه عليهم من طريق ~~اتباعهم له عن اختيار منهم، وقد وضع فيه الغاية موضع ذي الغاية أي التمييز ~~المذكور موضع التسلط من طريق الاتباع الاختياري. # وتقييد الإيمان والشك بالآخرة في الآية لمكان أن الرادع الوحيد عن ~~المعصية والداعي إلى الطاعة هو الإيمان بالآخرة دون الإيمان بالله ورسوله ~~لو لا الآخرة كما قال تعالى: "إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب": ص: 26. وقوله: "وربك على كل شيء حفيظ" أي عالم علما ~~لا يفوته المعلوم بنسيان أو سهو أو غير ذلك وفيه تحذير عن الكفران والمعصية ~~وإنذار لأهل الكفر والمعصية. ### |||| AUTO بحث روائي # في كمال الدين، بإسناده إلى هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام): في ~~حديث يذكر فيه قصة داود (عليه السلام) قال: إنه خرج يقرأ الزبور وكان إذا ~~قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلا أجابه. # وفي تفسير القمي،: قوله عز وجل: "أن اعمل سابغات" قال: الدروع "وقدر في ~~السرد" قال: المسامير التي في الحلقة، وقوله عز وجل: "ولسليمان الريح غدوها ~~شهر ورواحها شهر" قال: كانت الريح تحمل كرسي سليمان فتسير به في الغداة ~~مسيرة شهر وبالعشي مسيرة شهر. # وفي الكافي، بإسناده عن داود بن الحصين وعن أبان بن عثمان عن الفضل أبي ~~العباس قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): "يعملون له ما يشاء - من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجواب" قال: ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها ms6227 تماثيل ~~الشجر وشبهه. # وفيه، عن بعض أصحابنا مرفوعا عن هشام بن الحكم قال: قال أبو الحسن موسى ~~بن جعفر (عليه السلام): يا هشام ثم مدح الله القلة فقال: "وقليل من عبادي ~~الشكور". أقول: وقد وقع هذا المعنى في عدة روايات وهو ينطبق على أحد ~~المعنيين المتقدمين في ذيل الآية. # وفي العلل، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أمر سليمان بن داود ~~الجن فصنعوا له قبة من قوارير فبينا هو متكىء على عصاه في القبة ينظر إلى ~~الجن كيف ينظرون إليه إذ حانت منه التفاتة فإذا رجل معه في القبة قال له: ~~من أنت؟ قال: أنا الذي لا أقبل الرشا ولا أهاب الملوك أنا ملك الموت. فقبضه ~~وهو قائم متكىء على عصاه في القبة والجن ينظرون إليه. قال: فمكثوا سنة ~~يدأبون له حتى بعث الله عز وجل الأرضة فأكلت منسأته وهي العصا، فلما خر ~~تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين الحديث. # أقول: وبقاؤه (عليه السلام) على حال القيام متكئا على عصاه سنة وارد في ~~عدة من روايات الشيعة وأهل السنة. # وفي المجمع، في الحديث عن فروة بن مسيك قال: سألت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن سبإ أرجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من العرب ولد عشرة ~~تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة فأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة ومذحج ~~والأشعرون وأنمار وحمير فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم ~~وبجيلة. وأما الذين تشاءموا فعاملة وجذام ولخم وغسان: أقول: ورواه في الدر ~~المنثور، عن عدة من أرباب الجوامع والسنن عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمراد بالتيامن والتشاؤم السكونة باليمن والشام. # وفي الكافي، بإسناده عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل. "قالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم" الآية فقال: ~~هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية وأموال ~~ظاهرة فكفروا نعم الله عز وجل وغيروا ما بأنفسهم ms6228 من عافية الله فغير الله ~~ما بهم من نعمة والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فأرسل الله ~~عليهم سيل العرم ففرق قراهم وخرب ديارهم وذهب بأموالهم وأبدلهم مكان جنانهم ~~جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ثم قال: "ذلك جزيناهم بما كفروا ~~وهل نجازي إلا الكفور". # أقول: وورد في عدة من الروايات أن القرى التي بارك الله فيها هم أهل بيت ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرى الظاهرة هم الوسائط بينهم وبين ~~الناس من حملة أحاديثهم وغيرهم، وهو من بطن القرآن وليس من التفسير في شيء. PageV16P195 ### ||| AUTO 34 سورة سبأ - 22 - 30 # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموت ولا فى ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفعة عنده ~~إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلى الكبير (23) قل من يرزقكم من السموت والأرض قل الله وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى أو فى ضلل مبين (24) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون ~~(25) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل ~~أرونى الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلنك ~~إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صدقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ساعة ولا ~~تستقدمون (30) ### |||| AUTO بيان # آيات مقررة للتوحيد واحتجاجات حوله. # قوله تعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة" إلى ~~آخر الآية، أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحتج على إبطال ألوهية ~~آلهتهم بعدم قدرتهم على استجابة الدعاء، فقوله: "قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله" أي ادعوا الذين زعمتموهم آلهة من دون الله - فمفعولا "زعمتم" ~~محذوفان لدلالة السياق عليهما - ودعاؤهم هو مسألتهم شيئا من الحوائج. # وقوله: "لا يملكون مثقال ذرة في ms6229 السماوات ولا في الأرض" واقع موقع الجواب ~~كأنه قيل: فما ذا يكون إذا دعوهم؟ فقيل: لا يستجيبون لهم بشيء لأنهم "لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض" ولو ملكوا لاستجابوا، ولا تتم ~~الربوبية والألوهية إلا بأن يملك الرب والإله شيئا مما يحتاج إليه الإنسان ~~فيملكه له وينعم عليه به فيستحق بإزائه العبادة شكرا له فيعبد، أما إذا لم ~~يملك شيئا فلا يكون ربا ولا إلها. # وقوله: "وما لهم فيهما من شرك" كان الملك المنفي في الجملة السابقة "لا ~~يملكون" إلخ، الملك المطلق المنبسط على الجميع والمنفي في هذه الجملة الملك ~~المحدود المتبعض الذي ينبسط على البعض دون الكل إما مشاعا أو مفروزا، لكن ~~المشركين ما كانوا يقولون بالملك المشترك بينهم وبين الله سبحانه مشاعا بل ~~كانوا يقولون بملك كل من آلهتهم لنوع من الخلقة أو بعض منها، وأما الله ~~سبحانه فهو رب الأرباب وإله الآلهة. # وعلى هذا كان من الواجب أن يستجيب آلهتهم إذا دعوا فيما يملكونه من ~~الخلقة وعدم استجابتهم كاشف عن عدم ربوبيتهم وألوهيتهم. # وقوله: "وما له منهم من ظهير" أي ليس لله سبحانه منهم كلا أو بعضا من ~~معين يعينه فيما يفرض فيه عجزه عن القيام بأمر تدبيره إذ لو كان له منهم ~~ظهير يظهره على التدبير كان مالكا فيستجيب إذا دعي فيما هو ظهير بالنسبة ~~إليه وإذ ليس فليس. # فتبين مما تقدم أن احتجاج الآية على نفي الملك بانتفاء استجابتهم دعاء ~~الداعي يجري في جميع الصور الثلاث وهي ملكهم لما في السماوات وما في الأرض ~~مطلقا وملكهم على وجه الشركة مع الله سبحانه وكونهم أو بعضهم ظهيرا لله ~~سبحانه. # قوله تعالى: "ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" المشركون كانوا ~~يقولون بشفاعة آلهتهم كما حكاه الله سبحانه عنهم بقوله: "هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله": يونس: 18، وليس مرادهم بالشفاعة شفاعة يوم القيامة التي يثبتها ~~القرآن الكريم فإنهم ما كانوا يقولون بالمعاد بل الشفاعة في الدنيا لعبادهم ~~عند الله سبحانه ليسعدهم بقضاء حوائجهم وإصلاح شئونهم بتوسط ms6230 آلهتهم. # وإذ كانت الآلهة مخلوقين لله مملوكين له من كل وجه فلا يملكون الشفاعة من ~~عند أنفسهم مستقلين بها إلا أن يملكهم الله سبحانه ذلك وهو الإذن لهم في أن ~~يشفعوا فأصل شفاعتهم لو شفعوا بإذن الله سبحانه. PageV16P196 # وقوله: "إلا لمن أذن له" يحتمل أن يكون اللام في "لمن" لام الملك والمراد ~~بمن أذن له الشافع من الملائكة، والمعنى: لا تنفع الشفاعة إلا أن يملكه ~~الشافع بالإذن من الله وأن يكون لام التعليل والمراد بمن أذن له المشفوع ~~له، والمعنى: لا تنفع الشفاعة إلا لأجل من أذن له من المشفوع لهم، قال في ~~الكشاف: وهذا يعني الوجه الثاني وجه لطيف وهو الوجه. # انتهى. # وهو الوجه فإن الملائكة على ما يستفاد من كلامه تعالى وسائط لإنفاذ الأمر ~~الإلهي وإجرائه، قال تعالى: "لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": ~~الأنبياء: 27، وقال: "جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة": فاطر: 1، والوساطة ~~المذكورة من الشفاعة كما تقدم في مباحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب. # فالملائكة جميعا شفعاء لكن لا في كل أمر ولكل أحد بل في أمر أذن الله فيه ~~ولمن أذن له فنفي شفاعتهم إلا مع الإذن يناسب المشفوع لهم دون الشفعاء، ~~فالآية في معنى قوله تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28، لا ~~في معنى قوله: "ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس: 3. # قوله تعالى: "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير" التفزيع إزالة الفزع وكشفه وضمائر الجمع - على ما يعطيه ~~السياق - للشفعاء وهم الملائكة. # ولازم قوله: "حتى إذا فزع عن قلوبهم" - وهو غاية - أن يكون هناك أمر مغيى ~~بها وهو كون قلوبهم في فزع ممتد في انتظار أمر الله سبحانه حتى يرتفع بصدور ~~الأمر منه، فالآية في معنى قوله تعالى: "ولله يسجد - إلى أن قال - ~~والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون": ~~النحل: 50، فالفزع هو التأثر والانقباض من الخوف وهو المراد بسجدتهم تذللا ~~من خوف ربهم من فوقهم. # وبذلك يظهر ms6231 أن المراد بفزعهم حتى يفزع عنهم أن التذلل غشي قلوبهم وهو ~~تذللهم من حيث إنهم أسباب وشفعاء في نفوذ الأوامر الإلهية ووقوعه على ما ~~صدر وكما أريد، وكشف هذا التذلل هو تلقيهم الأمر الإلهي واشتغالهم بالعمل ~~كأنهم بحيث لا يظهر من وجودهم إلا فعلهم وطاعتهم لله فيما أمرهم به وأنه لا ~~واسطة بين الله سبحانه وبين الفعل إلا أمره فافهم ذلك. # وإنما نسب الفزع والتفزيع إلى قلوبهم للدلالة على أنهم ذاهلون منصرفون عن ~~أنفسهم وعن كل شيء إلا ربهم وهم على هذه الحالة لا يشعرون بشيء غيره حتى ~~إذا كشف الفزع عن قلوبهم عند صدور الأمر الإلهي بلا مهل ولا تخلف فليس ~~الأمر بحيث يعطل أو يتأخر عن الوقوع، قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون": يس: 82، فالمستفاد من الآية نظرا إلى هذا المعنى ~~أنهم في فزع حتى إذا أزيل فزعهم بصدور الأمر الإلهي. # وقوله: "قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق" يدل على أنهم طوائف كثيرون ~~يسأل بعضهم بعضا عن الأمر الإلهي بعد صدوره وانكشاف الفزع عن قلوب ~~السائلين. # ويتبين منه أن كشف الفزع ونزول الأمر إلى بعضهم أسبق منه إلى بعض آخر فإن ~~لازم السؤال أن يكون المسئول عالما بما سئل عنه قبل السائل. # فلهم مراتب مختلفة ومقامات متفاوتة بعضها فوق بعض تتلقى الدانية منها ~~الأمر الإلهي من العالية من غير تخلف ولا مهلة وهو طاعة الداني منهم ~~للعالي، كما يستفاد ذلك أيضا بالتدبر في قوله تعالى: "وما منا إلا له مقام ~~معلوم": الصافات: 164، وقوله في وصف الروح الأمين: "ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين": التكوير: 21. # فبينهم مطاع ومطيع ولا طاعة مع ذلك إلا لله سبحانه لأن المطاع منهم لا ~~شأن له إلا إيصال ما وصل إليه من الأمر الإلهي إلى مطيعه الذي دونه، ويمكن ~~أن يستفاد ذلك من توصيف القول بالحق في قوله: "قالوا ما ذا قال ربكم قالوا ~~الحق" أي قال القول الثابت الذي لا سبيل للبطلان والتبدل ms6232 إليه. # وما ألطف ختم الآية بقوله تعالى: "وهو العلي الكبير" أي هو العلي الذي ~~دونه كل شيء والكبير الذي يصغر عنده كل شيء فليس للملائكة المكرمين إلا ~~تلقي قوله الحق وامتثاله وطاعته كما يريد. PageV16P197 # فقد تحصل من الآية الكريمة أن الملائكة فزعون في أنفسهم متذللون في ذواتهم ~~ذاهلون عن كل شيء إلا عن ربهم محدقون إلى ساحة العظمة والكبرياء في انتظار ~~صدور الأمر حتى يكشف عن قلوبهم الفزع، بصدور الأمر ونزوله وهم مع ذلك طوائف ~~مختلفة ذووا مقامات متفاوتة علوا ودنوا يتوسط كل عال في إيصال الأمر النازل ~~إلى من هو دونه. # فهم مع كونهم شفعاء وأسبابا متوسطة لا يشفعون ولا يتوسطون في حدوث حادث ~~من حوادث الخلق والتدبير إلا بإذن خاص من ربهم في حدوثه فيتحملون الأمر ~~النازل إليهم حتى يحققوه في الكون من غير أن يستقلوا من أنفسهم في شيء أو ~~يستبدوا برأي، ومن كان هذا شأنه لا يشعر بشيء إلا طاعة ربه فيما يأمره به ~~كيف يكون ربا مستقلا في أمره مفوضا إليه التدبير يعطي ما يشاء ويمنع ما ~~يشاء؟ وفي الآية أقوال مختلفة أخر: منها: أن ضمير "قلوبهم" و"قالوا" الثاني ~~للمشركين دون الملائكة وضمير "قالوا" الأول للملائكة والمعنى: حتى إذا كشف ~~الفزع عن قلوب المشركين وقت الفزع قالت الملائكة لهم: ما ذا قال ربكم؟ قالت ~~المشركون لهم: الحق فيعترفون بما أنكروه في الدنيا. # ومنها: أن ضمير "قلوبهم" للملائكة والمراد أن الملائكة الموكلين بالأعمال ~~إذا صعدوا بأعمال العباد إلى السماء ولهم زجل وصوت عظيم خشيت الملائكة أنها ~~الساعة فيفزعون ويخرون سجدا لله سبحانه حتى إذا كشف عن قلوبهم الفزع وعلموا ~~أنه ليس الأمر كذلك فسألوا ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق. # ومنها: أن الله لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فترة بينه ~~وبين عيسى (عليه السلام) لم ينزل فيها شيء من الوحي أنزل الله سبحانه جبريل ~~بالوحي فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة فصعقوا لذلك فجعل ~~جبريل يمر بكل سماء ms6233 ويكشف الفزع عن الملائكة الساكنين فيها فرفعوا رءوسهم ~~وقال بعضهم لبعض: ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق أي الوحي. # ومنها: أن الضمير للملائكة والمراد أن الله سبحانه إذا أوحى إلى بعض ~~الملائكة غشي على الملائكة عند سماع الوحي ويصعقون ويخرون سجدا للآية ~~العظيمة فإذا فزع عن قلوبهم سألت الملائكة ذلك الملك الذي أوحي إليه ما ذا ~~قال ربك؟ أو سأل بعضهم بعضا ما ذا قال ربكم؟ فيعلمون أن الأمر في غيرهم. # وأنت بعد التدبر في الآية الكريمة والتأمل فيما قدمناه تعلم وجه الضعف في ~~هذه الأقوال وأن شيئا منها على تقدير صحته في نفسه لا يصلح تفسيرا لها. # قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله" إلخ، احتجاج آخر ~~على المشركين من جهة الرزق الذي هو الملاك العمدة في اتخاذهم الآلهة فإنهم ~~يتعللون في عبادتهم الآلهة بأنها ترضيهم فيوسعون لهم في رزقهم فيسعدون بذلك. # فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم من يرزقهم من السماوات ~~والأرض؟ والجواب عنه أنه الله سبحانه لأن الرزق خلق في نفسه ولا خالق - حتى ~~عند المشركين - إلا الله عز اسمه لكنهم يستنكفون عن الاعتراف به بألسنتهم ~~وإن أذعنت به قلوبهم ولذلك أمر أن ينوبهم في الجواب فقال: "قل الله". # وقوله: "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، تتمة قول النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهذا القول بعد إلقاء الحجة القاطعة ووضوح الحق في ~~مسألة الألوهية مبني على سلوك طريق الإنصاف، ومفاده أن كل قول إما هدى أو ~~ضلال لا ثالث لهما نفيا وإثباتا ونحن وأنتم على قولين مختلفين لا يجتمعان ~~فإما أن نكون نحن على هدى وأنتم في ضلال وإما أن تكونوا أنتم على هدى ونحن ~~في ضلال فانظروا بعين الإنصاف إلى ما ألقي إليكم من الحجة وميزوا المهدي من ~~الضال والمحق من المبطل. # واختلاف التعبير في قوليه: "على هدى" و"في ضلال" بلفظة على وفي - كما قيل ~~- للإشارة إلى أن المهتدي كأنه مستعل على منار يتطلع على السبيل ms6234 وغايتها ~~التي فيها سعادته، والضال منغمر في ظلمة لا يدري أين يضع قدمه وإلى أين ~~يسير وما ذا يراد به؟. # قوله تعالى: "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون" أي إن العمل ~~وخاصة عمل الشر لا يتعدى عن عامله ولا يلحق وباله إلا به فلا يسأل عنه غيره ~~فلا تسألون عما أجرمنا بل نحن المسئولون عنه ولا نسأل عما تعملون بل أنتم ~~المسئولون. PageV16P198 # وهذا تمهيد لما في الآية التالية من حديث الجمع والفتح فإن الطائفتين إذا ~~اختلفا في الأعمال خيرا وشرا كان من الواجب أن يفتح بينهما ويتميز كل من ~~الأخرى حتى يلحق به جزاء عمله من خير أو شر أو سعادة أو شقاء والذي يفتح ~~ويميز هو الرب تعالى. # وفي التعبير عن عمل أنفسهم بالإجرام وفي ناحية المشركين بقوله: "تعملون" ~~ولم يقل تجرمون أخذ بحسن الأدب في المناظرة. # قوله تعالى: "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" ~~لما كان من الواجب أن يلحق بكل من المحسن والمسيء جزاء عمله وكان لازمه ~~التمييز بينهما بالجمع ثم الفرق كان ذلك شأن مدبر الأمر وهو الرب أمر نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكرهم أن الذي يجمع بين الجميع ثم يفتح ~~بينهم بالحق هو الله، فهو رب هؤلاء وأولئك فإنه هو الفتاح العليم يفتح بين ~~كل شيئين بالخلق والتدبير فيتميز بذلك الشيء من الشيء كما قال: "إن ~~السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما": الأنبياء: 30، وهو العليم بكل شيء. # فالآية تثبت البعث لتمييز المحسن من المسيء أولا ثم انحصار التمييز ~~والجزاء في جانبه تعالى بانحصار الربوبية فيه ويبطل بذلك ربوبية من اتخذوه ~~من الأرباب. # والفتاح من أسماء الله الحسنى والفتح إيجاد الفصل بين شيئين لفائدة تترتب ~~عليه كفتح الباب للدخول بإيجاد الفصل بين مصراعيه والفتح بين الشيئين ~~ليتميز كل منهما عن الآخر بذاته وصفاته وأفعاله. # قوله تعالى: "قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز ~~الحكيم" أمر آخر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms6235 أن يسألهم أن يروه آلهتهم ~~حتى يختبر هل فيهم الصفات الضرورية للإله المستحق للعبادة من الاستقلال ~~بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر؟ وهذا معنى قوله: "أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء" أي ألحقتموهم به شركاء له. # ثم ردع بنفسه وقال: كلا لا يكونون شركاء له لأنهم إما أن يروه الأصنام ~~بما أنها معبودة لهم معدودة آلهتهم وهي أجسام ميتة خالية عن الحياة والعلم ~~والقدرة وإما أن يروه أرباب هذه الأصنام وهم الملائكة وغيرهم بجعل الأصنام ~~تماثيل مشيرة إليهم وهم وإن لم يخلوا عن حياة وعلم وقدرة إلا أن ما لهم من ~~صفات الكمال مفاضة عليهم من الله سبحانه لا استقلال لهم في شيء من هذه ~~الصفات ولا في الأفعال المتفرعة عليها فأين الاستقلال في التدبير الذي ~~يدعون أنه مفوض إليهم فالوجود الواجبي بكماله اللامتناهي يمنع أن يكون في ~~خلقه من يشاركه في شيء من كماله. # اللهم إلا أن يدعوا أنه شاركهم في بعض ما له من الشئون لتدبير خلقه من ~~غير صلاحية لهم ذاتية وهذا ينافي حكمته تعالى. # وقد أشير إلى هذه الحجة بقوله: "بل هو الله العزيز الحكيم" فإن عزته ~~تعالى - وهو منع جانبه أن يعدو إلى حريم كماله عاد لكونه لا يحد بحد - تمنع ~~أن يشاركه في شيء من صفات كماله كالربوبية والألوهية المنتهيتين إلى الذات ~~أحد غيره هذا لو كانت الشركة عن صلاحية ذاتية من الشريك ولو كانت عن إرادة ~~حزافية منه من غير صلاحية حقيقة من الشريك فالحكمة الإلهية تمنع ذلك. # وقد تبين بذلك أن الآية متضمنة لحجة قاطعة برهانية فأحسن التدبر فيها. # قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون" قال الراغب في المفردات:، الكف كف الإنسان وهي ما بها يقبض ~~ويبسط وكففته أصبت كفه، وكففته أصبته بالكف ودفعته بها وتعورف الكف بالدفع ~~على أي وجه كان بالكف كان أو غيرها حتى قيل: رجل مكفوف لمن قبض بصره، ~~وقوله: وما أرسلناك إلا كافة للناس أي كافا لهم عن المعاصي والهاء فيه ms6236 ~~للمبالغة كقولهم: راوية وعلامة ونسابة. # انتهى. # ويؤيد هذا المعنى توصيفه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبشير والنذير، ~~فقوله: "بشيرا ونذيرا" حالان يبينان صفته لقوله: "كافة للناس". # وربما قيل: إن التقدير وما أرسلناك إلا إرساله كافة للناس ولا يخلو من ~~تكلف وبعد. # وأما كون كافة بمعنى جميعا وحالا من الناس، والمعنى: وما أرسلناك إلا ~~للناس جميعا فهم يمنعون عن تقدم الحال على صاحبه المجرور. PageV16P199 # واعلم أن منطوق الآية وإن كان راجعا إلى النبوة وفيها انتقال من الكلام في ~~التوحيد إلى الكلام في النبوة على حد الآيات التالية، لكن في مدلولها حجة ~~أخرى على التوحيد وذلك أن الرسالة من لوازم الربوبية التي شأنها تدبير ~~الناس في طريق سعادتهم ومسيرهم إلى غايات وجودهم فعموم رسالته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وهو رسول الله تعالى لا رسول غيره دليل على أن الربوبية ~~منحصرة في الله سبحانه فلو كان هناك رب غيره لجاءهم رسوله ولم يعم رسالة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عمتهم واحتاجوا معه إلى غيره، وهذا ~~معنى قول علي (عليه السلام) - على ما روي - لو كان لربك شريك لأتتك رسله. # ويؤيده ما في ذيل الآية من قوله: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" فإن دالة ~~انحصار الرسالة في رسل الله على انحصار الربوبية في الله عز اسمه أمس بجهل ~~الناس من كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا كافا لهم عن المعاصي بشيرا ~~ونذيرا. # فمفاد الآية على هذا: لا يمكنهم أن يروك شريكا له والحال أنا لم نرسلك ~~إلا كافا لجميع الناس بشيرا ونذيرا ولو كان لهم إله غيرنا لم يسع لنا أن ~~نرسلك إليهم وهم عباد لإله آخر والله أعلم. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" سؤال عن وقت الجمع ~~والفتح وهو البعث فالآية متصلة بقوله السابق: "قل يجمع بيننا ربنا" الآية، ~~وهذا أيضا من شواهد ما قدمنا من المعنى لقوله: "وما أرسلناك إلا كافة" وإلا ~~كانت هذه الآية والتي بعدها متخللتين بين قوله: "وما أرسلناك" الآية، ~~والآيات ms6237 التالية المتعرضة لمسألة النبوة. # قوله تعالى: "قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون" أمر ~~منه تعالى أن يجيبهم بأن لهم ميعاد يوم مقضي محتوم لا يتخلف عن الوقوع فهو ~~واقع قطعا ولا يختلف وقت وقوعه البتة أي إن الله وعد به وعدا لا يخلفه إلا ~~أن وقت وقوعه مستور لا يعلمه إلا الله سبحانه. # وما قيل: إن المراد به يوم الموت غير سديد فإنهم لم يسألوا إلا عما تقدم ~~وعده وهو يوم الجمع والفتح والجمع ثم الفتح من خصائص يوم القيامة دون يوم الموت. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "حتى إذا فزع عن قلوبهم - قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير" وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى ~~بن مريم إلى أن بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما بعث الله جبرئيل ~~إلى محمد سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا فصعق أهل ~~السماوات. فلما فرغ عن الوحي انحدر جبرئيل كلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم ~~يقول: كشف عن قلوبهم، فقال بعض لبعض: ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو ~~العلي الكبير: أقول: وروي مثله من طرق أهل السنة موصولا وموقوفا عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ومدلول الرواية على أي حال مصداق من مصاديق ~~الآية ولا تصلح لتفسيرها البتة. # وفي الدر المنثور، عن ابن مردويه عن ابن عباس وفي المجمع عنه قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي. بعثت ~~إلى الناس كافة الأحمر والأسود وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، ونصرت ~~بالرعب يرعب مني عدوي على مسيرة شهر، وأطعمت المغنم، وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة وهي إن شاء الله ~~نائلة من لا يشرك بالله شيئا. # أقول: وروي أيضا هذا المعنى عن ابن المنذر عن ms6238 أبي هريرة عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # والرواية معارضة لما ورد مستفيضا أن نوحا كان مبعوثا إلى الناس كافة وذكر ~~في بعضها إبراهيم (عليه السلام) وفي بعضها أن أولي العزم كلهم مبعوثون إلى ~~الدنيا كافة، وتخالف أيضا عموم الشفاعة للأنبياء المستفاد من عدة من ~~الروايات وقد قال تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86، وقد شهد القرآن بأن المسيح (عليه السلام) ~~من الشهداء قال تعالى: "ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء: 159. PageV16P200 # والروايات من طرق العامة والخاصة كثيرة في عموم رسالته للناس كافة وظاهر ~~كثير منها أخذ "كافة" في قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا كافة للناس" حالا من ~~"للناس" قدم عليه ويمنعه البصريون من النحاة ويجوزه الكوفيون. PageV16P201 ### ||| AUTO 34 سورة سبأ - 31 - 54 # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرءان ولا بالذى بين يديه ولو ترى إذ ~~الظلمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددنكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلل فى ~~أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) وما أرسلنا فى قرية ~~من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كفرون (34) وقالوا نحن أكثر ~~أمولا وأولدا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم عندنا ~~زلفى إلا من ءامن وعمل صلحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفت ~~ءامنون (37) والذين يسعون فى ءايتنا معجزين أولئك فى العذاب محضرون (38) قل ~~إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه ~~وهو خير الرزقين (39) ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملئكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون ms6239 (40) قالوا سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون (41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم ~~ءايتنا بينت قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ءاباؤكم ~~وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا ~~سحر مبين (43) وما ءاتينهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ~~(44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما ءاتينهم فكذبوا رسلى فكيف كان ~~نكير (45) قل إنما أعظكم بوحدة أن تقوموا لله مثنى وفردى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله وهو على كل شىء شهيد (47) قل إن ربى يقذف ~~بالحق علم الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ البطل وما يعيد (49) قل إن ~~ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب (50) ~~ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا ءامنا به وأنى ~~لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان ~~بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~فى شك مريب (54) ### |||| AUTO بيان # فصل آخر من آيات السورة تتكلم في أمر النبوة وما يرجع إليها وما يقول ~~المشركون فيها وتتخلص في خلالها بما يجري عليهم يوم الموت أو يوم القيامة، ~~وقد اتصلت بقوله في الفصل السابق: "وما أرسلناك إلا كافة للناس" الآية، وقد ~~عرفت أن الآية كالبرزخ بين الفصلين تذكر الرسالة وتجعلها دليلا على ~~التوحيد. PageV16P202 # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه" ~~المراد بالذين كفروا المشركون والمراد بالذي بين يديه الكتب السماوية من ~~التوراة والإنجيل وذلك أن المشركين وهم الوثنيون ليسوا قائلين بالنبوة ~~ويتبعها الكتاب السماوي. # وقول بعضهم: إن ms6240 المراد بالذي بين يديه هو أمر الآخرة مما لا دليل يساعده، ~~وقد أكثر القرآن الكريم من التعبير عن التوراة والإنجيل بالذي بين يديه، ~~ومن الخطإ قول بعضهم: إن المراد بالذين كفروا هم اليهود. # قوله تعالى: "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم" إلخ، الظاهر أن ~~اللام في "الظالمون" للعهد، وهذه الآية والآيتان بعدها تشير إلى أن وبال ~~هذا الكفر - وأساسه ضلال أئمة الكفر وإضلالهم تابعيهم - سيلحق بهم وسيندمون ~~عليه ولن ينفعهم الندم. # فقوله: "ولو ترى" خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ هم بمعزل عن ~~فهم الخطاب "إذ الظالمون" وهم الكافرون بكتب الله ورسله، الذين ظلموا ~~أنفسهم بالكفر "موقوفون عند ربهم" للحساب والجزاء يوم القيامة "يرجع بعضهم ~~إلى بعض القول" أي يتحاورون ويتراجعون في الكلام متخاصمين "يقول الذين ~~استضعفوا" بيان لرجوع بعضهم إلى بعض في القول والمستضعفون الأتباع الذين ~~استضعفتهم المتبوعون "للذين استكبروا" وهم الأئمة القادة "لو لا أنتم لكنا ~~مؤمنين" يريدون أنكم أجبرتمونا على الكفر وحلتم بيننا وبين الإيمان. # "قال الذين استكبروا للذين استضعفوا" جوابا عن قولهم وردا لما اتهموهم به ~~من الإجبار والإكراه "أنحن صددناكم" الاستفهام للإنكار أي أنحن صرفناكم "عن ~~الهدى بعد إذ جاءكم" فبلوغه إليكم بالدعوة النبوية أقوى الدليل على أنا لم ~~نحل بينه وبينكم وكنتم مختارين في الإيمان به والكفر "بل كنتم مجرمين" ~~متلبسين بالإجرام مستمرين عليه فأجرمتم بالكفر به لما جاءكم من غير أن ~~نجبركم عليه فكفركم منكم ونحن برآء منه. # "وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا" ردا لقولهم ودعواهم البراءة "بل ~~مكر الليل والنهار" أي مكركم بالليل والنهار حملنا على الكفر "إذ تأمروننا ~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا" وأمثالا من الآلهة أي أنكم لم تزالوا في ~~الدنيا تمكرون الليل والنهار وتخطون الخطط لتستضعفونا وتتآمروا علينا ~~فتحملونا على طاعتكم فيما تريدون، فلم نشعر إلا ونحن مضطرون على الائتمار ~~بأمركم إذ تأمروننا بالكفر والشرك. # "وأسروا" وأخفوا "الندامة لما رأوا العذاب" وشاهدوا أن لا مناص، وإخفاؤهم ~~الندامة يوم القيامة - وهو يوم هم بارزون لا يخفى ms6241 على الله منهم شيء - نظير ~~كذبهم على الله وإنكارهم الشرك بالله وحلفهم لله كان بين كل ذلك من قبيل ~~ظهور ملكاتهم الرذيلة التي رسخت في نفوسهم فقد كانوا يسرون الندامة في ~~الدنيا خوفا من شماتة الأعداء وكذلك يفعلون يوم القيامة مع ظهور ما أسروا ~~واليوم يوم تبلى السرائر كما يكذبون بمقتضى ملكة الكذب مع ظهور أنهم كاذبون ~~في قولهم. # ثم ذكر سبحانه أخذهم للعذاب فقال: "وجعلنا الأغلال" السلاسل "في أعناق ~~الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" فصارت أعمالهم أغلالا في ~~أعناقهم تحبسهم في العذاب. # قوله تعالى: "وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم ~~به كافرون" المترفون اسم مفعول من الإتراف وهو الزيادة في التنعيم، وفيه ~~إشعار بأن الإتراف يفضي إلى الاستكبار على الحق كما تفيده الآية اللاحقة. # قوله تعالى: "وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" ضمير ~~الجمع للمترفين، ومن شأن الإتراف والترفه والتقلب في نعم الدنيا أن يتعلق ~~قلب الإنسان بها ويستعظمها فيرى السعادة فيها سواء وافق الحق أم خالفه فلا ~~يذكر إلا ظاهر الحياة وينسى ما وراءه. # ولذا حكى سبحانه عنهم ذلك إذ قالوا: "نحن أكثر أموالا وأولادا" فلا سعادة ~~إلا فيها ولا شقوة معها "وما نحن بمعذبين" في آخرة، ولم ينفوا العذاب إلا ~~للغفلة والانصراف عما وراء كثرة الأموال والأولاد فإذ كانت هي السعادة ~~والفلاح فحسب فالعذاب في فقدها ولا عذاب معها. PageV16P203 # وهاهنا وجه آخر وهو أنهم لغرورهم بما رزقوا به من المال والولد ظنوا أن لهم ~~كرامة على الله سبحانه وهم على كرامتهم عليهم ما داموا، والمعنى: أنا ذوو ~~كرامة على الله بما أوتينا من كثرة الأموال والأولاد ونحن على كرامتنا فما ~~نحن بمعذبين لو كان هناك عذاب. # فتكون الآية في معنى قوله: "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ~~ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": ~~حم السجدة: 50. # قوله تعالى: "قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من ms6242 عباده ويقدر ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون" الآية وما يتلوها إلى تمام أربع آيات جواب عن قولهم: "نحن ~~أكثر أموالا" إلخ، وقد أجيب عنه بوجهين أحدهما أن أمر الرزق من الأموال ~~والأولاد سعة وضيقا بيد الله على ما تستدعيه الحكمة والمصلحة وهيأ من ~~الأسباب لا بمشية الإنسان ولا لكرامة له على الله فربما بسط في رزق مؤمن أو ~~كافر أو عاقل ذي حزم أو أحمق خفيف العقل، وربما بسط على واحد ثم قدر له. # فلا دلالة في الإتراف على سعادة أو كرامة. # وهذا معنى قوله: "قل إن ربي" نسبه إلى نفسه لأنهم لم يكونوا يرون الله ~~ربا لأنفسهم والرزق من شئون الربوبية "يبسط" أي يوسع "الرزق لمن يشاء" من ~~عباده بحسب الحكمة والمصلحة "ويقدر" أي يضيق "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ~~فينسبونه ما لم يؤتوه إلى الأسباب الظاهرية الاتفاقية ثم إذا أوتوه نسبوه ~~إلى حزمهم وحسن تدبيرهم أنفسهم وكفى به دليلا على الحمق. # قوله تعالى: "وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى" إلى آخر ~~الآيتين هذا هو الجواب الثاني عن قولهم: "نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين" ومحصله أن انتفاء العذاب المترتب على القرب من الله لا يترتب على ~~الأموال والأولاد إذ لا توجب الأموال والأولاد قربا وزلفى من الله حتى ~~ينتفي معها العذاب الإلهي فوضع تقريب المال في الآية موضع انتفاء العذاب من ~~قبيل وضع السبب موضع المسبب. # وهذا معنى قوله: "وما أموالكم ولا أولادكم" التي تعتمدون عليها في ~~السعادة وانتفاء عذاب الله "بالتي" أي بالجماعة التي "تقربكم عندنا زلفى" ~~أي تقريبا. # "إلا من آمن وعمل صالحا" في ماله وولده بأن أنفق من أمواله في سبيل الله ~~وبث الإيمان والعمل الصالح في أولاده بتربية دينية "فأولئك لهم جزاء الضعف" ~~لعله من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الجزاء المضاعف من جهة أنهم اهتدوا ~~وهدوا وأيضا من جهة تضعيف الحسنات إلى عشر أضعافها وزيادة "وهم في الغرفات" ~~أي في القباب العالية "آمنون" من العذاب فما هم بمعذبين. # "والذين يسعون ms6243 في آياتنا معاجزين" أي يجدون في آياتنا وهم يريدون أن ~~يعجزونا - أو أن يسبقونا - أولئك في العذاب محضرون" وإن كثرت أموالهم ~~وأولادهم. # وفي قوله: "وما أموالكم ولا أولادكم" إلخ، انتقال إلى خطاب عامة الناس من ~~الكفار وغيرهم والوجه فيه أن ما ذكره من الحكم حكم الأموال والأولاد سواء ~~في ذلك المؤمن والكافر فالمال والولد إنما يؤثران أثرهما الجميل إذا كان ~~هناك إيمان وعمل صالح فيهما وإلا فلا يزيدان إلا وبالا. # قوله تعالى: "قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر وما أنفقتم ~~من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" قال في مجمع البيان،: يقال: أخلف الله ~~له وعليه إذا أبدل له ما ذهب عنه. # انتهى. # سياق الآية يدل على أن المراد بالإنفاق فيها الإنفاق في وجوه البر ~~والمراد بيان أن هذا النحو من الإنفاق لا يضيع عند الله بل يخلفه ويرزق بدله. # فقوله في صدر الآية: "قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر" ~~للإشارة إلى أن أمر الرزق في سعته وضيقه إلى الله سبحانه لا ينقص بالإنفاق ~~ولا يزيد بالإمساك ثم قال: "وما أنفقتم من شيء" قليلا كان أو كثيرا وأيا ما ~~كان من المال "فهو يخلفه" ويرزقكم بدله إما في الدنيا وإما في الآخرة "وهو ~~خير الرازقين" فإنه يرزق جودا ورزق غيره معاملة في الحقيقة ومعاوضة، ولأنه ~~الرازق في الحقيقة وغيره ممن يسمى رازقا واسطة لوصول الرزق. # قوله تعالى: "ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون" المراد بهم جميعا بشهادة السياق العابدون والمعبودون جميعا. PageV16P204 # وقوله: "ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون" ليس سؤال استخبار عن ~~أصل عبادتهم لهم ولو كان كذلك لم يسعهم إنكارها لأنهم عبدوهم في الدنيا وقد ~~أنكروها كما في الآية بل المراد السؤال عن رضاهم بعبادتهم على حد قوله ~~تعالى لعيسى بن مريم: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله". # والغرض من السؤال تبكيت المشركين وإقناطهم من نصرة الملائكة وشفاعتهم لهم ~~وقد عبدوهم في الدنيا ms6244 لذلك. # قوله تعالى: "قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون" أخذت الملائكة في جوابهم عن سؤاله تعالى بجوامع الأدب ~~فنزهوه سبحانه أولا تنزيها مطلقا فيه تنزيهه من أن يعبدوا من دونه ثم نفوا ~~رضاهم بعبادة المشركين لهم لكن لا بالتصريح بنفي الرضا بالعبادة ولا ~~بالتفوه بعبادتهم صونا لساحة المخاطبة عما يقرع السمع بذلك، ولو تصورا لا ~~تصديقا بل أجابوا بقصر ولايتهم فيه تعالى ونفيها عنهم ليدل على نفي الرضا ~~بعبادتهم لهم على طريق الكناية فإن الرضا بعبادتهم لازمه الموالاة بينهم، ~~والموالاة بينهم تنافي قصر الولاية في الله سبحانه فإذا انحصرت الولاية فيه ~~تعالى لم تكن موالاة وإذا لم تكن موالاة لم يكن رضا. # ثم قالوا على ما حكاه الله سبحانه: "بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون" والجن هم الطائفة الثانية من الطوائف الثلاث التي يعبدهم الوثنيون ~~وهم الملائكة والجن والقديسون من البشر، والأقدم في استحقاق العبادة عندهم ~~هم الطائفتان الأوليان والطائفة الثالثة ملحقة بهما بعد الكمال وإن كانوا ~~أفضل منهما. # والإضراب في قولهم: "بل كانوا يعبدون الجن" يدل على أن الجن كانوا على ~~رضى من عبادتهم لهم. # وهؤلاء من الجن هم الذين يعدهم الوثنيون مبادىء الشرور في العالم ~~فيعبدونهم اتقاء من شرورهم كما يعبدون الملائكة طمعا في خيراتهم لما أنهم ~~مباد للخيرات لا كما قيل: إن المراد بالجن إبليس وذريته وقبيله ومعنى ~~عبادتهم لهم طاعتهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة أو مطلق المعاصي، ~~ويرده ما وقع في الآية من التعبير بلفظ الإيمان دون الطاعة ولا ما قيل: ~~إنهم كانوا يتمثلون لهم ويخيلون لهم أنهم الملائكة فيعبدونهم ولا ما قيل: ~~إنهم كانوا يدخلون أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها. # ولعل الوجه في نسبة الإيمان بهم إلى أكثرهم دون جميعهم أن أكثرهم يعبدون ~~الآلهة اتقاء من طروق الشر من قبلهم، ومبادىء الشر عندهم مطلقا الجن لا كما ~~قيل: إن المراد بالأكثر الكل، وهو مبني على تفسير العبادة بمعنى الطاعة وقد ~~عرفت ما فيه. # قوله ms6245 تعالى: "فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون" نوع تفريع على تبري الملائكة منهم ~~وقد بين تبري عامة المتبوعين من تابعيهم والتابعين من متبوعيهم في مواضع ~~كقوله تعالى: "ويوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14، وقوله: "ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا": العنكبوت: 25. # ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آباؤكم" إلخ، خطابهم هذا لعامتهم بعد استماع الآيات ~~تنبيه لهم على الجد في التمسك بدين آبائهم وتحريض لهم عليه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وفي توصيف الآيات بالبينات نوع عتبى كأنه قيل: إذا تتلى عليهم ~~هذه الآيات وهي بينة لا ريب فيها فبدلا من أن يدعوا عامتهم إلى اتباعها ~~حثوهم على الإصرار على تقليد آبائهم وحرضوهم عليه - وفي إضافة الآباء إلى ~~ضمير "كم" مبالغة في التحريض والإثارة. # وقوله: "وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى" معطوف على "قالوا" أي وقالوا مشيرا ~~إلى الآيات البينات إشارة تحقير ليس هذا إلا كلاما مصروفا عن وجهه مكذوبا ~~به على الله، بدلا من أن يقولوا: إنها آيات بينات نازلة من عند الله تعالى ~~- وقد أشاروا إلى الآيات البينات بهذا دلالة على أنهم لم يفهموا منها إلا ~~أنها شيء ما لا أزيد من ذلك. PageV16P205 # ثم غير سبحانه السياق وقال: "وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا ~~سحر مبين" ومجيء الحق لهم بلوغه وظهوره لهم، والأخذ بوصف الكفر للإشعار ~~بالتعليل والمعنى: والذين كفروا بعثهم الكفر إلى أن يقولوا للحق الصريح ~~الذي بلغهم وظهر لهم هذا سحر ظاهر سحريته وبطلانه. # وأكد إصرارهم على دحض الحق باتباع الهوى من غير دليل يدل عليه بقوله: ~~"وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير" والجملة ~~حالية أي وعد الذين كفروا - أي كفار قريش - الحق الصريح الظاهر لهم سحرا ~~مبينا والحال أنا لم نعطهم كتبا يدرسونها حتى يميزوا بها الحق من ms6246 الباطل ~~ولم نرسل إليهم قبلك من رسول ينذرهم ويبين لهم ذلك فيقولوا استنادا إلى ~~الكتاب الإلهي أو إلى قول الرسول النذير: إنه حق أو باطل. # قوله تعالى: "وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا ~~رسلي فكيف كان نكير" ضميرا الجمع الأول والثاني لكفار قريش ومن يتلوهم ~~والثالث والرابع للذين من قبلهم، والمعشار العشر والنكير الإنكار، والمراد ~~به في الآية لازمه وهو الأخذ بالعذاب. # والمعنى: وكذب بالحق من الآيات الذين كانوا من قبل كفار قريش من الأمم ~~الماضية ولم يبلغ كفار قريش عشر ما آتيناهم من القوة والشدة فكذب أولئك ~~الأقوام رسلي فكيف كان أخذي بالعذاب وما أهون أمر قريش. # والالتفات في الآية إلى التكلم لاستعظام الجرم وتهويل المؤاخذة. # قوله تعالى: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~ما بصاحبكم من جنة" المراد بالموعظة الوصية كناية أو تضمينا، وقوله: "أن ~~تقوموا لله" أي تنهضوا لأجل الله ولوجهه الكريم، وقوله: "مثنى وفرادى" أي ~~اثنين اثنين وواحدا واحدا كناية عن التفرق وتجنب التجمع والغوغاء فإن ~~الغوغاء لا شعور لها ولا فكر وكثيرا ما تميت الحق وتحيي الباطل. # وقوله: "ما بصاحبكم من جنة" استئناف "ما" نافية ويشهد بذلك قوله بعد: "إن ~~هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ويمكن أن يكون "ما" استفهامية أو ~~موصولة و"من جنة" بيانا له. # والمراد بصاحبكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه والوجه في التعبير ~~به تذكرتهم بصحبته الممتدة لهم أربعين سنة من حين ولادته إلى حين بعثته ~~ليتذكروا أنهم لم يعهدوا منه اختلالا في فكر أو خفة في رأي أو أي شيء يوهم ~~أن به جنونا. # والمعنى: قل لهم: إنما أوصيكم بالعظة أن تنهضوا وتنتصبوا لوجه الله ~~متفرقين حتى يصفو فكركم ويستقيم رأيكم اثنين اثنين وواحدا واحدا وتتفكروا ~~في أمري فقد صاحبتكم طول عمري على سداد من الرأي وصدق وأمانة ليس في من جنة. # ما أنا إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد في يوم القيامة فأنا ناصح لكم ms6247 غير خائن. # قوله تعالى: "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم" إلخ، كناية عن عدم سؤال أجر ~~على الدعوة فإنه إذا وهبهم كما سألهم من أجر فليس له عليهم أجر مسئول ~~ولازمه أن لا يسألهم وهذا تطييب لنفوسهم أن لا يتهموه بأنه جعل الدعوة ~~ذريعة إلى نيل مال أو جاه. # ثم تمم القول بقوله: "إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد" لئلا ~~يرد عليه قوله بأنه دعوى غير مسموعة فإن الإنسان لا يروم عملا بغير غاية ~~فدفعه بأن لعملي أجرا لكنه على الله لا عليكم وهو يشهد عملي وهو على كل شيء شهيد. # قوله تعالى: "قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب" القذف الرمي، وقوله: ~~"علام الغيوب" خبر بعد خبر أو خبر لمبتدء محذوف وهو الضمير الراجع إليه تعالى. # ومقتضى سياق الآيات السابقة أن المراد بالحق المقذوف القرآن النازل إليه ~~بالوحي من عنده تعالى الذي هو قول فصل يحق الحق ويبطل الباطل فهو الحق ~~المقذوف إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من عند علام الغيوب فيدمغ الباطل ~~ويزهقه، قال تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق": ~~الأنبياء: 18، وقال: "قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا": ~~إسراء: 81. # قوله تعالى: "قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد" المراد بمجيء الحق ~~على ما تهدي إليه الآية السابقة نزول القرآن المبطل بحججه القاطعة وبراهينه ~~الساطعة لكل باطل من أصله. PageV16P206 # وقوله: "وما يبدىء الباطل وما يعيد" أي ما يظهر أمرا ابتدائيا جديدا بعد ~~مجيء الحق وما يعيد أمرا كان قد أظهره من قبل إظهارا ثانيا بنحو الإعادة ~~فهو كناية عن بطلان الباطل وسقوطه عن الأثر من أصله بالحق الذي هو القرآن. # قوله تعالى: "قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي إنه سميع قريب" بيان لأثر الحق الذي هو الوحي فإنه عرفه حقا مطلقا ~~فالحق إذا كان حقا من كل جهة لم يخطىء في إصابة الواقع في جهة من الجهات ~~وإلا ms6248 كان باطلا من تلك الجهة فالوحي يهدي ولا يخطىء البتة. # ولذا قال تأكيدا لما تقدم: "قل إن ضللت" وفرض مني ضلال "فإنما أضل" ~~مستقرا ذلك الضلال "على نفسي" فإن للإنسان من نفسه أن يضل "وإن اهتديت فبما ~~يوحي إلي ربي" فوحيه حق لا يحتمل ضلالا ولا يؤثر إلا الهدى. # وقد علل الكلام بقوله: "إنه سميع قريب" للدلالة على أنه يسمع الدعوة ولا ~~يحجبه عنها حاجب البعد وقد مهد له قبلا وصفه تعالى في قذف الحق بأنه علام ~~الغيوب فلا يغيب عنه أمر يخل بأمره ويمنع نفوذ مشيته هداية الناس بالوحي ~~قال تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما ~~لديهم وأحصى كل شيء عددا": الجن: 28. # قوله تعالى: "ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب" ظاهر السياق ~~السابق ويشعر به قوله الآتي: "وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم ~~من قبل" أن الآيات الأربع وصف حال مشركي قريش ومن يلحق بهم حال الموت. # فقوله: "ولو ترى إذ فزعوا" أي حين فزع هؤلاء المشركون عند الموت "فلا ~~فوت" أي لا يفوتون الله بهرب أو تحصن أو أي حائل آخر. # وقوله: "وأخذوا من مكان قريب" كناية عن عدم فصل بينهم وبين من يأخذهم وقد ~~عبر بقوله: "أخذوا" مبنيا للمفعول ليستند الأخذ إليه سبحانه، وقد وصف نفسه ~~بأنه قريب، وكشف عن معنى قربه بقوله: "ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصرون": الواقعة: 85، وأزيد منه في قوله: "من حبل الوريد": ق: 16، وأزيد ~~منه في قوله: "إن الله يحول بين المرء وقلبه": الأنفال: 24، فبين أنه أقرب ~~إلى الإنسان من نفسه وهذا الموقف هو المرصاد الذي ذكره في قوله: "إن ربك ~~لبالمرصاد": الفجر: 14، فكيف يتصور فوت الإنسان منه وهو أقرب إليه من نفسه؟ ~~أو من ملائكته المكرمين الذين يأخذون الأمر منه تعالى من غير حاجب يحجبهم ~~عنه أو واسط يتوسط بينه وبينهم. ms6249 # فقوله: "وأخذوا من مكان قريب" نوع تمثيل لقربه تعالى من الإنسان بحسب ما ~~نتصوره من معنى القرب لاحتباسنا في سجن الزمان والمكان وأنسنا بالأمور ~~المادية وإلا فالأمر أعظم من ذلك. # قوله تعالى: "وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد" التناوش ~~التناول وضمير "به" للقرآن على ما يعطيه السياق. # والمراد بكونهم في مكان بعيد أنهم في عالم الآخرة وهي دار تعين الجزاء ~~وهي أبعد ما يكون من عالم الدنيا التي هي دار العمل وموطن الاكتساب ~~بالاختيار وقد تبدل الغيب شهادة لهم والشهادة غيبا كما تشير إليه الآية ~~التالية. # قوله تعالى: "وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد" حال من ~~الضمير في "وأنى لهم التناوش" والمراد بقوله: "ويقذفون بالغيب من مكان ~~بعيد" رميهم عالم الآخرة وهم في الدنيا بالظنون مع عدم علمهم به وكونه ~~غائبا عن حواسهم إذ كانوا يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار، وقيل: المراد به ~~رميهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر والكذب والافتراء والشعر. # والعناية في إطلاق المكان البعيد على الدنيا بالنسبة إلى الآخرة نظيره ~~إطلاقه على الآخرة بالنسبة إلى الدنيا وقد تقدمت الإشارة إليه. # ومعنى الآيتين: وقال المشركون حينما أخذوا آمنا بالحق الذي هو القرآن ~~وأنى لهم تناول الإيمان به - إيمانا يفيد النجاة - من مكان بعيد وهو الآخرة ~~والحال أنهم كفروا به من قبل في الدنيا وهم ينفون أمور الآخرة بالظنون ~~والأوهام من مكان بعيد وهو الدنيا. PageV16P207 # قوله تعالى: "وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب" ظاهر السياق أن المراد بما يشتهون اللذائذ المادية ~~الدنيوية التي يحال بينهم وبينها بالموت، والمراد بأشياعهم من قبل أشباههم ~~من الأمم الماضية أو موافقوهم في المذهب، وقوله: "إنهم كانوا في شك مريب" ~~تعليل لقوله: "كما فعل" إلخ. # والمعنى: ووقعت الحيلولة بين المشركين المأخوذين وبين ما يشتهون من ملاذ ~~الدنيا كما فعل ذلك بأشباههم من مشركي الأمم الدارجة من قبلهم إنهم كانوا ~~في شك مريب من الحق ms6250 أو من الآخرة فيقذفونها بالغيب. # واعلم أن ما قدمناه من الكلام في هذه الآيات الأربع مبني على ما يعطيه ~~ظاهر السياق وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآيات ~~ناظرة إلى خسف جيش السفياني بالبيداء وهو من علائم ظهور المهدي (عليه ~~السلام) المتصلة به فعلى تقدير نزول الآيات في ذلك يكون ما قدمناه من ~~المعنى من باب جري الآيات فيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب" قال: ~~يسرون الندامة في النار إذا رأوا ولي الله فقيل: يا بن رسول الله وما ~~يغنيهم أسرارهم الندامة وهم في العذاب؟ قال: يكرهون شماتة الأعداء:. أقول: ~~ورواه أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفيه،: وذكر رجل عند أبي عبد الله (عليه السلام) الأغنياء ووقع فيهم فقال ~~أبو عبد الله (عليه السلام): اسكت فإن الغني إذا كان وصولا لرحمه بارا ~~بإخوانه أضعف الله له الأجر ضعفين لأن الله يقول: "وما أموالكم ولا أولادكم ~~بالتي تقربكم عندنا زلفى - إلا من آمن وعمل صالحا - فأولئك لهم جزاء الضعف ~~بما عملوا - وهم في الغرفات آمنون". # وفي أمالي الشيخ، بإسناده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث يقول ~~فيه: حتى إذا كان يوم القيامة حسب لهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف قال الله عز وجل: "جزاء من ربك عطاء حسابا" وقال: "أولئك لهم ~~جزاء الضعف بما عملوا - وهم في الغرفات آمنون". # وفي الكافي، بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من صدق بالخلف جاد بالعطية. # وفيه، بإسناده عن سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): من أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم ~~بالصدقة، ثم قال: اقرءوا مواضع الخلف ms6251 فإني سمعت الله يقول: "وما أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه" إذا لم ينفقوا كيف يخلف؟ وفي تفسير القمي، في رواية أبي ~~الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: "قل ما سألتكم عليه من ~~أجر فهو لكم" وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سأل قومه أن ~~يودوا أقاربه ولا يؤذوهم. وأما قوله: "فهو لكم" يقول: ثوابه لكم. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "ولو ترى إذ فزعوا" الآية،: أخرج ~~الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من يتبعه من كلب فيقتل حتى ~~يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان فيجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب ~~تلعة ويخرج رجل من أهل بيتي فيبلغ السفياني فيبعث إليه جندا من جنده ~~فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم ~~فلا ينجو منهم إلا المخبر منهم. # أقول: والرواية مستفيضة من طرق أهل السنة مختصرة أو مفصلة وقد رووها من ~~طرق مختلفة عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وجد عمرو بن شعيب وأم ~~سلمة وصفية وعائشة وحفصة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونفيرة ~~امرأة القعقاع عن سعيد بن جبير موقوفا. PageV16P208 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت": حدثني أبي ~~عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي خالد الكابلي قال: قال أبو جعفر ~~(عليه السلام): والله لكأني أنظر إلى القائم (عليه السلام) وقد أسند ظهره ~~إلى الحجر ثم ينشد الله حقه ثم يقول: يا أيها الناس من يحاجني في الله. ~~فأنا أولى بالله أيها الناس من يحاجني بآدم فأنا أولى بآدم. أيها الناس من ~~يحاجني في نوح فأنا أولى بنوح. أيها الناس من يحاجني بإبراهيم فأنا أولى ~~بإبراهيم. أيها الناس من يحاجني بموسى فأنا أولى بموسى. أيها الناس من ~~يحاجني بعيسى فأنا أولى بعيسى. أيها الناس من يحاجني ms6252 بمحمد فأنا أولى ~~بمحمد. أيها الناس من يحاجني بكتاب الله فأنا أولى بكتاب الله. ثم ينتهي ~~إلى المقام فيصلي ركعتين وينشد الله حقه. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ~~هو والله المضطر في كتاب الله في قوله: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض". فيكون أول من يبايعه جبرئيل ثم الثلاثمائة ~~والثلاثة عشر فمن كان ابتلي بالمسير وافى ومن لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه ~~وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): هم المفقودون عن فرشهم وذلك قول ~~الله: "فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا" قال: الخيرات ~~الولاية، وقال في موضع آخر: "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة" وهم ~~أصحاب القائم (عليه السلام) يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة. فإذا جاء ~~إلى البيداء يخرج إليه جيش السفياني فيأمر الله عز وجل الأرض فيأخذ ~~بأقدامهم وهو قوله عز وجل: "ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت - وأخذوا من مكان ~~قريب وقالوا آمنا به" يعني بالقائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~"وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون" يعني أن لا ~~يعذبوا "كما فعل بأشياعهم" يعني من كان قبلهم من المكذبين هلكوا "من قبل ~~إنهم كانوا في شك مريب". # تم والحمد لله. PageV16P209 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء السابع عشر PageV17P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 35 سورة فاطر - 1 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله فاطر السموت والأرض جاعل الملئكة رسلا ~~أولى أجنحة مثنى وثلث وربع يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء قدير (1) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة بيان الأصول الثلاثة: وحدانيته تعالى في ربوبيته ورسالة ~~الرسول والمعاد إليه وتقرير الحجة لذلك وقد توسل لذلك بعد جمل من نعمه ~~العظيمة السماوية والأرضية والإشارة إلى تدبيره المتقن لأمر العالم عامة ~~والإنسان خاصة. # وقد قدم على هذا التفصيل الإشارة الإجمالية إلى انحصار فتح الرحمة ~~وإمساكها وهو إفاضة النعمة والكف عنها فيه تعالى بقوله: "ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها" الآية. ms6253 # وقدم على ذلك الإشارة إلى وسائط هذه الرحمة المفتوحة والنعم الموهوبة وهم ~~الملائكة المتوسطون بينه تعالى وبين خلقه في حمل أنواع النعم من عنده تعالى ~~وإيصالها إلى خلقه فافتتح السورة بذكرهم. # والسورة مكية كما يدل عليه سياق آياتها، وقد استثنى بعضهم آيتين وهما ~~قوله تعالى: "إن الذين يتلون كتاب الله" الآية وقوله: "ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا" الآية وهو غير ظاهر من سياق الآيتين. # قوله تعالى: "الحمد لله فاطر السموات والأرض" الفطر - على ما ذكره الراغب ~~- هو الشق طولا فإطلاق الفاطر عليه تعالى بعناية استعارية كأنه شق العدم ~~فأخرج من بطنها السماوات والأرض فمحصل معناه أنه موجد السماوات والأرض ~~إيجادا ابتدائيا من غير مثال سابق، فيقرب معناه من معنى البديع والمبدع ~~والفرق بين الإبداع والفطر أن العناية في الإبداع متعلقة بنفي المثال ~~السابق وفي الفطر بطرد العدم وإيجاد الشيء من رأس لا كالصانع الذي يؤلف ~~مواد مختلفة فيظهر به صورة جديدة لم تكن. # والمراد بالسماوات والأرض مجموع العالم المشهود فيشملهما وما فيهما من ~~مخلوق فيكون من قبيل إطلاق معظم الأجزاء وإرادة الكل مجازا، أو المراد نفس ~~السماوات والأرض اعتناء بشأنهما لكبر خلقتهما وعجيب أمرهما كما قال: "لخلق ~~السموات والأرض أكبر من خلق الناس:" المؤمن - 57. # وكيف كان فقوله: "فاطر السموات والأرض" من أسمائه تعالى أجري صفة لله ~~والمراد بالوصف الاستمرار دون الماضي فقط لأن الإيجاد مستمر وفيض الوجود ~~غير منقطع ولو انقطع لانعدمت الأشياء. # والإتيان بالوصف بعد الوصف للإشعار بأسباب انحصار الحمد فيه تعالى كأنه ~~قيل: الحمد لله على ما أوجد السماوات والأرض وعلى ما جعل الملائكة رسلا ~~أولي أجنحة فهو تعالى محمود ما أتى فيما أتى إلا الجميل. # قوله تعالى: "جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع" الملائكة ~~جمع ملك بفتح اللام وهم موجودات خلقهم الله وجعلهم وسائط بينه وبين العالم ~~المشهود وكلهم بأمور العالم التكوينية والتشريعية عباد مكرمون لا يعصون ~~الله فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # فقوله تعالى: "جاعل الملائكة رسلا" يشعر بل يدل على كون جميع الملائكة ms6254 - ~~والملائكة جمع محلى باللام مفيد للعموم - رسلا وسائط بينه وبين خلقه في ~~إجراء أوامره التكوينية والتشريعية. # ولا موجب لتخصيص الرسل في الآية بالملائكة النازلين على الأنبياء (عليهم ~~السلام) وقد أطلق القرآن الرسل على غيرهم من الملائكة كقوله تعالى: "حتى ~~إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا:" الأنعام: - 61، وقوله: "إن رسلنا يكتبون ~~ما تمكرون:" يونس: - 21، وقوله: "ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا ~~إنا مهلكوا أهل هذه القرية:" العنكبوت: - 31. # والأجنحة جمع جناح وهو من الطائر بمنزلة اليد من الإنسان يتوسل به إلى ~~الصعود إلى الجو والنزول منه والانتقال من مكان إلى مكان بالطيران. # فوجود الملك مجهز بما يفعل به نظير ما يفعله الطائر بجناحه فينتقل به من ~~السماء إلى الأرض بأمر الله ويعرج به منها إليها ومن أي موضع إلى أي موضع، ~~وقد سماه القرآن جناحا ولا يستوجب ذلك إلا ترتب الغاية المطلوبة من الجناح ~~عليه وأما كونه من سنخ جناح غالب الطير ذا ريش وزغب فلا يستوجبه مجرد إطلاق ~~اللفظ كما لم يستوجبه في نظائره كألفاظ العرش والكرسي واللوح والقلم ~~وغيرها. PageV17P002 # وقوله: "أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع" صفة للملائكة، ومثنى وثلاث ورباع ~~ألفاظ دالة على تكرر العدد أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة كأنه ~~قيل: جعل الملائكة بعضهم ذا جناحين وبعضهم ذا ثلاثة أجنحة وبعضهم ذا أربعة أجنحة. # وقوله: "يزيد في الخلق ما يشاء" لا يخلو من إشعار بحسب السياق بأن منهم ~~من يزيد أجنحته على أربعة. # وقوله: "إن الله على كل شيء قدير" تعليل لجميع ما تقدمه أو الجملة ~~الأخيرة والأول أظهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في البحار، عن الإختصاص بإسناده عن المعلى بن محمد رفعه إلى أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الملائكة من نور، الخبر. # وفي تفسير القمي، قال الصادق (عليه السلام): خلق الله الملائكة مختلفة ~~وقد أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرئيل وله ستمائة جناح على ~~ساقه الدر مثل القطر على البقل قد ملأ ما بين السماء والأرض وقال إذا ms6255 أمر ~~الله عز وجل ميكائيل بالهبوط إلى الدنيا صارت رجله في السماء السابعة ~~والأخرى في الأرض السابعة، وإن لله ملائكة أنصافهم من برد وأنصافهم من نار ~~يقولون: يا مؤلفا بين البرد والنار ثبت قلوبنا على طاعتك. وقال: إن لله ~~ملكا بعد ما بين شحمة أذنه إلى عينه مسيرة خمسمائة عام بخفقان الطير. وقال: ~~إن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون وإنما يعيشون بنسيم العرش، ~~وإن لله عز وجل ملائكة ركعا إلى يوم القيامة وإن لله عز وجل ملائكة سجدا ~~إلى يوم القيامة. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ما من شيء مما خلق الله عز وجل أكثر من الملائكة ~~وإنه ليهبط في كل يوم أو في كل ليلة سبعون ألف ملك، فيأتون البيت الحرام ~~فيطوفون به ثم يأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يأتون أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فيسلمون ثم يأتون الحسين (عليه السلام) فيقيمون ~~عنده فإذا كان عند السحر وضع لهم معراج إلى السماء ثم لا يعودون أبدا. وقال ~~أبو جعفر (عليه السلام): إن الله عز وجل خلق إسرافيل وجبرائيل وميكائيل من ~~تسبيحة واحدة، وجعل لهم السمع والبصر وجودة العقل وسرعة الفهم. وقال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في خلقة الملائكة: وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سماواتك ~~فليس فيهم فترة، ولا عندهم غفلة، ولا فيهم معصية، هم أعلم خلقك بك وأخوف ~~خلقك منك، وأقرب خلقك منك، وأعملهم بطاعتك، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو ~~العقول، ولا فترة الأبدان لم يسكنوا الأصلاب، ولم تضمهم الأرحام، ولم ~~تخلقهم من ماء مهين أنشأتهم إنشاء فأسكنتهم سماواتك وأكرمتهم بجوارك، ~~وائتمنتهم على وحيك، وجنبتهم الآفات، ووقيتهم البليات، وطهرتهم من الذنوب، ~~ولو لا قوتك لم يقووا، ولو لا تثبيتك لم يثبتوا، ولو لا رحمتك لم يطيعوا، ~~ولو لا أنت لم يكونوا. أما إنهم على مكانتهم منك وطاعتهم إياك ومنزلتهم ~~عندك وقلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا ما خفي عنهم منك لاحتقروا أعمالهم، ~~ولآزروا على أنفسهم، ms6256 ولعلموا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك سبحانك خالقا ~~ومعبودا ما أحسن بلاءك عند خلقك. # وفي البحار، عن الدر المنثور، عن أبي العلاء بن سعد: أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال يوما لجلسائه: أطت السماء وحق لها أن تئط ليس ~~منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد. ثم قرأ "وإنا لنحن الصافون وإنا ~~لنحن المسبحون". # وعن الخصال، بإسناده عن محمد بن طلحة يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: الملائكة على ثلاثة أجزاء فجزء لهم جناحان وجزء لهم ثلاثة ~~أجنحة وجزء لهم أربعة أجنحة:. أقول: ورواه في الكافي، بإسناده عن عبد الله ~~بن طلحة مثله، ولعل المراد به وصف أغلب الملائكة حتى لا يعارض سياق الآية ~~والروايات الأخر. # وعن التوحيد، بإسناده عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) قال: ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى ~~في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء فإذا حان أجله خلوا بينه وبين ما ~~يصيبه - الخبر. PageV17P003 # وعن البصائر، عن السياري عن عبد الله بن أبي عبد الله الفارسي وغيره رفعوه ~~إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق ~~الأول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم. ثم ~~قال: إن موسى (عليه السلام) لما أن سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين ~~فتجلى للجبل فجعله دكا. # وعن الصحيفة السجادية، وكان من دعائه على حملة العرش وكل ملك مقرب: اللهم ~~وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك، ولا يسأمون من تقديسك، ولا يستحسرون ~~عن عبادتك، ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك، ولا يغفلون عن الوله ~~إليك، وإسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الإذن وحلول الأمر فينبه ~~بالنفخة صرعى رهائن القبور، وميكائيل ذو الجاه عندك والمكان الرفيع من ~~طاعتك وجبريل الأمين على وحيك المطاع في سماواتك المكين لديك المقرب عندك، ~~والروح الذي هو على ملائكة ms6257 الحجب والروح الذي هو من أمرك. اللهم فصل عليهم ~~وعلى الملائكة الذين من دونهم من سكان سماواتك وأهل الأمانة على رسالاتك، ~~والذين لا يدخلهم سأمة من دءوب ولا إعياء من لغوب ولا فتور ولا تشغلهم عن ~~تسبيحك الشهوات ولا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات، الخشع الأبصار فلا ~~يرومون النظر إليك، النواكس الأذقان الذين قد طالت رغبتهم فيما لديك ~~المستهترون بذكر آلائك والمتواضعون دون عظمتك وجلال كبريائك، والذين يقولون ~~إذا نظروا إلى جهنم تزفر على أهل معصيتك سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. فصل ~~عليهم وعلى الروحانيين من ملائكتك وأهل الزلفة عندك وحمال الغيب إلى رسلك ~~والمؤتمنين على وحيك وقبائل الملائكة الذين اختصصتهم لنفسك وأغنيتهم عن ~~الطعام والشراب بتقديسك وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك، والذين هم على ~~أرجائها إذا نزل الأمر بتمام وعدك. وخزان المطر وزواجر السحاب والذي بصوت ~~زجره يسمع زجل الرعود، وإذا سبحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، ~~ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل، والقوام على خزائن ~~الرياح، والموكلين بالجبال فلا تزول، والذين عرفتهم مثاقيل المياه وكيل ما ~~يحويه لواعج الأمطار وعوالجها ورسلك من الملائكة إلى أهل الأرض بمكروه ما ~~ينزل من البلاء ومحبوب الرخاء. والسفرة الكرام البررة والحفظة الكرام ~~الكاتبين، وملك الموت وأعوانه، ومنكر ونكير، ومبشر وبشير، ورؤمان فتان ~~القبور، والطائفين بالبيت المعمور، ومالك والخزنة، ورضوان وسدنة الجنان، ~~والذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والذين يقولون: سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، والزبانية الذين إذا قيل لهم: "خذوه ~~فغلوه ثم الجحيم صلوه" ابتدروه سراعا ولم ينظروه، ومن ألهمنا ذكره ولم نعلم ~~مكانه منه وبأي أمر وكلته، وسكان الهواء والأرض والماء، ومن منهم على ~~الخلق. فصل عليهم يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد وصل عليهم صلاة تزيدهم ~~كرامة على كرامتهم وطهارة على طهارتهم. # الدعاء. # وفي البحار، عن الدر المنثور، عن ابن شهاب: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) سأل جبرئيل أن يتراءى له في صورته فقال جبرئيل: إنك لن تطيق ms6258 ~~ذلك. قال: إني أحب ذلك فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ~~المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبرئيل في صورته فغشي على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) حين رآه ثم أفاق وجبرئيل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره ~~والأخرى بين كتفيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما كنت أرى ~~أن شيئا ممن يخلق هكذا فقال جبرئيل: فكيف لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ~~جناحا جناح في المشرق وجناح في المغرب وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضأل ~~الأحيان لعظمة الله حتى يصير مثل الوصع 1 حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته. # وفي الصافي، عن التوحيد، بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث ~~قال: وقوله في آخر الآيات: "ما زاغ البصر وما طغى - لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى" رأى جبرئيل في صورته مرتين هذه المرة ومرة أخرى وذلك أن خلق جبرئيل ~~عظيم فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم وصفتهم إلا الله. PageV17P004 # وعن الخصال، بإسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معشر ~~الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تمثال جسد ولا إناء يبال فيه. # أقول: وهناك روايات أخرى في صفة الملائكة فوق حد الإحصاء واردة في باب ~~المعاد ومعراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبواب متفرقة أخرى، وفيما ~~أوردناه أنموذج كاف في ذلك. # وفي العيون، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المجموعة ~~بإسناده عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، وقرأ "يزيد في ~~الخلق ما يشاء". # وفي التوحيد، بإسناده عن زرارة عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله يزيد ~~في الخلق ما يشاء. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "يزيد في ms6259 الخلق ما يشاء": روى أبو هريرة عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن. # أقول: والروايات الثلاث الأخيرة من قبيل الجري والانطباق. # كلام في الملائكة # تكرر ذكر الملائكة في القرآن الكريم ولم يذكر منهم بالتسمية إلا جبريل ~~وميكال وما عداهما مذكور بالوصف كملك الموت والكرام الكاتبين والسفرة ~~الكرام البررة والرقيب والعتيد وغير ذلك. # والذي ذكره الله سبحانه في كلامه - وتشايعه الأحاديث السابقة - من صفاتهم ~~وأعمالهم هو أولا: أنهم موجودات مكرمون هم وسائط بينه تعالى وبين العالم ~~المشهود فما من حادثة أو واقعة صغيرة أو كبيرة إلا وللملائكة فيها شأن ~~وعليها ملك موكل أو ملائكة موكلون بحسب ما فيها من الجهة أو الجهات وليس ~~لهم في ذلك شأن إلا إجراء الأمر الإلهي في مجراه أو تقريره في مستقره كما ~~قال تعالى لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون:" الأنبياء: - 27. # وثانيا: أنهم لا يعصون الله فيما أمرهم به فليست لهم نفسية مستقلة ذات ~~إرادة مستقلة تريد شيئا غير ما أراد الله سبحانه فلا يستقلون بعمل ولا ~~يغيرون أمرا حملهم الله إياه بتحريف أو زيادة أو نقصان قال تعالى: "لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون:" التحريم: - 6. # وثالثا: أن الملائكة على كثرتهم على مراتب مختلفة علوا ودنوا فبعضهم فوق ~~بعض وبعضهم دون بعض فمنهم آمر مطاع ومنهم مأمور مطيع لأمره، والآمر منهم ~~آمر بأمر الله حامل له إلى المأمور والمأمور مأمور بأمر الله مطيع له، فليس ~~لهم من أنفسهم شيء البتة قال تعالى: "وما منا إلا له مقام معلوم:" الصافات: ~~- 146 وقال: "مطاع ثم أمين:" التكوير: - 21، وقال: "قالوا ما ذا قال ربكم ~~قالوا الحق:" سبأ: - 23. # ورابعا: أنهم غير مغلوبين لأنهم إنما يعملون بأمر الله وإرادته "وما كان ~~الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض:" فاطر: - 44، وقد قال الله: ~~"والله غالب على أمره:" يوسف: - 21، وقال: "إن الله بالغ أمره:" الطلاق: - 3. # ومن هنا يظهر أن الملائكة موجودات منزهة في وجودهم عن المادة الجسمانية ~~التي هي في ms6260 معرض الزوال والفساد والتغير ومن شأنها الاستكمال التدريجي الذي ~~تتوجه به إلى غايتها، وربما صادفت الموانع والآفات فحرمت الغاية وبطلت دون ~~البلوغ إليها. # ومن هنا يظهر أن ما ورد في الروايات من صور الملائكة وأشكالهم وهيئاتهم ~~الجسمانية كما تقدم نبذة منها في البحث الروائي السابق إنما هو بيان ~~تمثلاتهم وظهوراتهم للواصفين من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وليس من ~~التصور والتشكل في شيء ففرق بين التمثل والتشكل فتمثل الملك إنسانا هو ~~ظهوره لمن يشاهده في صورة الإنسان فهو في ظرف المشاهدة والإدراك ذو صورة ~~الإنسان وشكله وفي نفسه والخارج من ظرف الإدراك ملك ذو صورة ملكية وهذا ~~بخلاف التشكل والتصور فإنه لو تشكل بشكل الإنسان وتصور بصورته صار إنسانا ~~في نفسه من غير فرق بين ظرف الإدراك والخارج عنه فهو إنسان في العين والذهن ~~معا؟ وقد تقدم كلام في معنى التمثل في تفسير سورة مريم. # ولقد صدق الله سبحانه ما تقدم من معنى التمثل في قوله في قصة المسيح ~~ومريم: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا:" مريم: - 17 وقد تقدم ~~تفسيره. PageV17P005 # وأما ما شاع في الألسن أن الملك جسم لطيف يتشكل بأشكال مختلفة إلا الكلب ~~والخنزير، والجن جسم لطيف يتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير فمما لا ~~دليل عليه من عقل ولا نقل من كتاب أو سنة معتبرة، وأما ما ادعاه بعضهم من ~~إجماع المسلمين على ذلك فمضافا إلى منعه لا دليل على حجيته في أمثال هذه ~~المسائل الاعتقادية. PageV17P006 ### ||| AUTO 35 سورة فاطر - 2 - 8 # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ~~وهو العزيز الحكيم (2) يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خلق غير ~~الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك ~~فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يأيها الناس إن وعد الله ~~حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطن لكم ~~عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا ms6261 من أصحب السعير (6) الذين كفروا ~~لهم عذاب شديد والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن ~~زين له سوء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرت إن الله عليم بما يصنعون (8) ### |||| AUTO بيان # لما أشار إلى الملائكة وهم وسائط في وصول النعم إلى الخليقة أشار إلى نفس ~~النعم إشارة كلية فذكر أن عامة النعم من الله سبحانه لا غير فهو الرازق لا ~~يشاركه فيه أحد، ثم احتج بالرازقية على الربوبية ثم على المعاد وأن وعده ~~تعالى بالبعث وعذاب الكافرين ومغفرة المؤمنين الصالحين حق، وفي الآيات ~~تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده" إلخ المعنى أن ما يؤتيه الله الناس من النعمة وهو الرزق فلا ~~مانع عنه وما يمنع فلا مؤتي له فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما يرسل الله ~~للناس إلخ. # كما عبر في الجملة الثانية بالإرسال لكنه عدل عن الإرسال إلى الفتح لما ~~وقع مكررا في كلامه أن لرحمته خزائن كقوله: "أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب:" ص: - 9 وقوله: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق:" الإسراء: - 100 والتعبير بالفتح أنسب من الإرسال في ~~الخزائن ففيه إشارة إلى أن الرحمة التي يؤتاها الناس مخزونة في خزائن محيطة ~~بالناس لا يتوقف نيلهم منها إلا إلى فتحها من غير مئونة زائدة. # وقد عبر عن الرزق الذي هو النعمة بالرحمة للدلالة على أن إفاضته تعالى ~~لهذه النعم ناشئة من مجرد الرحمة من غير توقع لنفع يعود إليه أو كمال ~~يستكمل به. # وقوله: "وما يمسك فلا مرسل له من بعده" أي وما يمنع من الرحمة فلا مرسل ~~له من دونه، وفي التعبير بقوله: "من بعده" إشارة إلى أنه تعالى أول في ~~المنع كما أنه أول في الإعطاء. # وقوله: "وهو العزيز الحكيم" تقرير للحكم المذكور في الآية الكريمة ~~بالاسمين الكريمين ms6262 فهو تعالى لكونه عزيزا لا يغلب إذا أعطى فليس لمانع أن ~~يمنع عنه وإذا منع فليس لمعط أن يعطيه، وهو تعالى حكيم إذا أعطى أعطى عن ~~حكمة ومصلحة وإذا منع منع عن حكمة ومصلحة وبالجملة لا معطي إلا الله ولا ~~مانع إلا هو، ومنعه وإعطائه عن حكمة. # قوله تعالى: "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض" الخ. # لما قرر في الآية السابقة أن الإعطاء والمنع لله سبحانه لا يشاركه في ذلك ~~أحد احتج في هذه الآية بذلك على توحده في الربوبية. # وتقرير الحجة أن الإله إنما يكون إلها معبودا لربوبيته وهي ملكة تدبير ~~أمر الناس وغيرهم، والذي يملك تدبير الأمر بهذه النعم التي يتقلب فيها ~~الناس وغيرهم ويرتزقون بها هو الله سبحانه دون غيره من الآلهة التي اتخذوها ~~لأنه سبحانه هو الذي خلقها دونهم والخلق لا ينفك عن التدبير ولا يفارقه فهو ~~سبحانه إلهكم لا إله إلا هو لأنه ربكم الذي يدبر أمركم بهذه النعم التي ~~تتقلبون فيها وإنما كان ربا مدبرا بهذه النعم لأنه خالقها وخالق النظام ~~الذي يجري عليها. # وبذلك يظهر أن المراد بالناس المخاطبين الوثنيون وغيرهم ممن اتخذ لله شريكا. # وقوله: "اذكروا نعمة الله عليكم" المراد بالذكر ما يقابل النسيان دون ~~الذكر اللفظي. PageV17P007 # وقوله: "هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض" الرزق هو ما يمد به ~~البقاء ومبدؤه السماء بواسطة الأشعة والأمطار وغيرهما والأرض بواسطة النبات ~~والحيوان وغيرهما. # وبذلك يظهر أيضا أن في الآية إيجازا لطيفا فقد بدلت الرحمة في الآية ~~السابقة نعمة في هذه الآية أولا ثم النعمة رزقا ثانيا وكان مقتضى سياق ~~الآيتين أن يقال: هل من رازق أو هل من منعم أو هل من راحم لكن بدل ذلك من ~~قوله: "هل من خالق" ليكون إشارة إلى برهان ثان ينقطع به الخصام، فإنهم يرون ~~تدبير العالم لآلهتهم بإذن الله فلو قيل: هل من رازق أو منعم غير الله لم ~~ينقطع الخصام وأمكن أن يقولوا ms6263 نعم آلهتنا بتفويض التدبير من الله إليهم لكن ~~لما قيل: "هل من خالق" أشير بالوصف إلى أن الرازق والمدبر هو خالق الرزق لا ~~غير فانقطع الخصام ولم يمكنهم إلا أن يجيبوا بنفي خالق غير الله يرزقهم من ~~السماء والأرض. # وقوله: "لا إله إلا هو" اعتراض بالتوحيد يفيد التعظيم نظير قوله: "وقالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه". # أي لا معبود بالحق إلا هو لأن المستحق للعبادة هو الذي ينعم عليكم ~~ويرزقكم وليس إلا الله. # وقوله: "فأنى تؤفكون" توبيخ متفرع على ما سبغ من البرهان أي فإذا كان ~~الأمر هكذا وأنتم تقرون بذلك فإلى متى تصرفون عن الحق إلى الباطل ومن ~~التوحيد إلى الإشراك. # وفي إعراب الآية أعني قوله: "هل من خالق غير الله" الخ. # بين القوم مشاجرات طويلة والذي يناسب ما تقدم من تقرير البرهان أن "من" ~~زائدة للتعميم، وقوله: "غير الله" صفة لخالق تابع لمحله، وكذا قوله: ~~"يرزقكم" الخ. # و"من خالق" مبتدأ محذوف الخبر وهو موجود، وقوله: "لا إله إلا هو" اعتراض، ~~وقوله: "فأنى تؤفكون" تفريع على ما تقدمه. # قوله تعالى: "وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور" ~~تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي وإن يكذبوك بعد استماع هذه ~~البراهين الساطعة فلا تحزن فليس ذلك ببدع فقد كذبت رسل من قبلك كذبتهم ~~أممهم وأقوامهم وإلى الله ترجع عامة الأمور فيجازيهم بما يستحقونه بتكذيبهم ~~الحق بعد ظهوره فليسوا بمعجزين بتكذيبهم. # ومن هنا يظهر أن قوله؟ "فقد كذبت رسل من قبلك" من قبيل وضع السبب موضع ~~المسبب وأن قوله: "وإلى الله ترجع الأمور" معطوف على قوله: "قد كذبت" الخ. # قوله تعالى: "يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور" خطاب عام للناس يذكرهم بالمعاد كما كان الخطاب العام ~~السابق يذكرهم بتوحده تعالى في الربوبية والألوهية. # فقوله: "إن وعد الله حق" أي وعده أنه يبعثكم فيجازي كل عامل بعمله إن ~~خيرا وإن شرا "حق أي ثابت واقع، وقد صرح بهذا الوعد ms6264 في قوله الآتي: "الذين ~~كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفره وأجر كبير". # وقوله: "فلا تغرنكم الحياة الدنيا" النهي وإن كان متوجها إلى الحياة ~~الدنيا صورة لكنه في الحقيقة متوجه إليهم، والمعنى إذا كان وعد الله حقا ~~فلا تغتروا بالحياة الدنيا بالاشتغال بزينتها والتلهي بما ينسيكم يوم ~~الحساب من ملاذها وملاهيها والاستغراق في طلبها والإعراض عن الحق. # وقوله: "ولا يغرنكم بالله الغرور" الغرور بفتح الغين صيغة مبالغة من ~~الغرور بالضم وهو الذي يبالغ في الغرور ومن عادته ذلك، والظاهر - كما قيل - ~~إن المراد به الشيطان ويؤيده التعليل الواقع في الآية التالية: "إن الشيطان ~~لكم عدو" الخ. # ومعنى غروره بالله توجيهه أنظارهم إلى مظاهر حلمه وعفوه تعالى تارة ~~ومظاهر ابتلائه واستدراجه وكيده أخرى فيرون أن الاشتغال بالدنيا ونسيان ~~الآخرة والإعراض عن الحق والحقيقة لا يستعقب عقوبة ولا يستتبع مؤاخذة، وأن ~~أبناء الدنيا كلما أمعنوا في طلبهم وتوغلوا في غفلتهم واستغرقوا في المعاصي ~~والذنوب زادوا في عيشهم طيبا وفي حياتهم راحة وبين الناس جاها وعزة فيلقي ~~الشيطان عند ذلك في قلوبهم أن لا كرامة إلا في التقدم في الحياة الدنيا، ~~ولا خبر عما وراءها وليس ما تتضمنه الدعوة الحقة من الوعد والوعيد وتخبر به ~~النبوة من البعث والحساب والجنة والنار إلا خرافة. # فالمراد بغرور الشيطان الإنسان بالله اغترار الإنسان بما يعامل به الله ~~الإنسان على غفلته وظلمه. PageV17P008 # وربما قيل: إن المراد بالغرور الدنيا الغارة للإنسان وأن قوله: "ولا يغرنكم ~~بالله الغرور" تأكيد لقوله: "فلا تغرنكم الحياة الدنيا" بتكراره معنى. # قوله تعالى: "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا" الخ. # تعليل للنهي المتقدم في قوله: "ولا يغرنكم بالله الغرور" والمراد بعداوة ~~الشيطان أنه لا شأن له إلا أغواء الإنسان وتحريمه سعادة الحياة وحسن ~~العاقبة، والمراد باتخاذ الشيطان عدوا التجنب من اتباع دعوته إلى الباطل ~~وعدم طاعته فيما يشير إليه في وساوسه وتسويلاته ولذلك علل عداوته بقوله: ~~"إنما يدعوا حزبه". # فقوله؟ "إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" في مقام تعليل ما ms6265 ~~تقدمه والحزب هو العدة من الناس يجمعهم غرض واحد، واللام في "ليكونوا" ~~للتعليل فكونهم من أصحاب السعير علة غائية لدعوته، والسعير النار المسعرة ~~وهو من أسماء جهنم في القرآن. # قوله تعالى: "الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفره وأجر كبير" هذا هو الوعد الحق الذي ذكره الله سبحانه، وتنكير ~~العذاب للدلالة على التفخيم على أن لهم دركات ومراتب مختلفة من العذاب ~~باختلاف كفرهم وفسوقهم فالإبهام أنسب ويجري نظير الوجهين في قوله: "مغفره وأجر". # قوله تعالى: "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء" تقرير وبيان للتقسيم الذي تتضمنه الآية السابقة أعني تقسيم الناس ~~إلى كافر له عذاب شديد ومؤمن عامل بالصالحات له مغفره وأجر كبير والمراد ~~أنهما لا يستويان فلا تستوي عاقبة أمرهما. # فقوله: "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا" مبتدأ خبره محذوف أي كمن ليس ~~كذلك، والفاء لتفريع الجملة على معنى الآية السابقة، والاستفهام للإنكار، ~~والمراد بمن زين له سوء عمله فرآه حسنا الكافر ويشير به إلى أنه منكوس فهمه ~~مغلوب على عقله يرى عمله على غير ما هو عليه والمعنى أنه لا يستوي من زين ~~له عمله السيىء فرآه حسنا والذي ليس كذلك بل يرى السيىء سيئا. # وقوله: "فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء" تعليل للإنكار السابق في ~~قوله: "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا" أي الكافر الذي شأنه ذلك والمؤمن ~~الذي بخلافه لا يستويان لأن الله يضل أحدهما بمشيته وهو الكافر الذي يرى ~~السيئة حسنة ويهدي الآخر بمشيته وهو المؤمن الذي يعمل الصالحات ويرى السيئة سيئة. # وهذا الإضلال إضلال على سبيل المجازاة وليس إضلالا ابتدائيا فلا ضير في ~~انتسابه إلى الله سبحانه. # وبالجملة اختلاف الكافر والمؤمن في عاقبتهما بحسب الوعد الإلهي بالعذاب ~~والرحمة لاختلافهما بالإضلال والهداية الإلهيين واختلافهما بالإضلال ~~والهداية باختلافهما في رؤية السيئة حسنة وعدمها. # وقوله: "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" الحسرات جمع حسرة وهي الغم لما فأت ~~والندم عليه، وهي ms6266 منصوبة لأنه مفعول لأجله والمراد بذهاب النفس عليهم ~~هلاكها فيهم لأجل الحسرات الناشئة من عدم إيمانهم. # والجملة متفرعة على الفرق السابق أي إذا كانت الطائفتان مختلفتين ~~بالإضلال والهداية من جانب الله فلا تهلك نفسك حسرات عليهم إذ كذبوك وكفروا ~~بك فإن الله هو الذي يضلهم جزاء لكفرهم ورؤيتهم السيئة حسنة وهو عليم بما ~~يصنعون فلا يختلط عليه الأمر ولا يفعل بهم إلا الحق ولا يجازيهم إلا بالحق. # ومن هنا يظهر أن قوله: "إن الله عليم بما يصنعون" في موضع التعليل لقوله: ~~"فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" فلا ينبغي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يهلك نفسه عليهم حسرات حيث ضلوا وحقت عليهم كلمة العذاب فإن الله هو ~~الذي يضلهم لصنعهم وهو عليم بما يصنعون. PageV17P009 ### ||| AUTO 35 سورة فاطر - 9 - 14 # والله الذى أرسل الريح فتثير سحابا فسقنه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصلح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور (10) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزوجا وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب إن ذلك على الله يسير (11) وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك ~~فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج اليل فى النهار ويولج ~~النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له ~~الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل ~~خبير (14) ### |||| AUTO بيان # احتجاجات على وحدانيته تعالى في ألوهيته بعد جملة من النعم السماوية ~~والأرضية التي يتنعم بها الإنسان ولا خالق لها ولا مدبر لأمرها إلا الله ~~سبحانه، وفيها بعض الإشارة ms6267 إلى البعث. # قوله تعالى: "والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت" إلخ. # العناية في المقام بتحقق وقوع الأمطار وإنبات النبات بها، ولذلك قال: ~~"الله الذي أرسل الرياح" وهذا بخلاف ما في سورة الروم من قوله: "الله الذي ~~يرسل الرياح فتثير سحابا:" الروم: - 48. # وقوله: "فتثير سحابا" عطف على "أرسل" والضمير للرياح والإتيان بصيغة ~~المضارع لحكاية الحال الماضية والإثارة إفعال من ثار الغبار يثور ثورانا ~~إذا انتشر ساطعا. # وقوله: "فسقناه إلى بلد ميت" أي إلى أرض لا نبات فيها "فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها" وأنبتنا فيها نباتا بعد ما لم تكن، ونسبة الإحياء إلى الأرض وإن ~~كانت مجازية لكن نسبته إلى النبات حقيقية وأعمال النبات من التغذية والنمو ~~وتوليد المثل وما يتعلق بذلك أعمال حيوية تنبعث من أصل الحياة. # ولذلك شبه البعث وإحياء الأموات بعد موتهم بإحياء الأرض بعد موتها أي ~~إنبات النبات بعد توقفه عن العمل وركوده في الشتاء فقال: "كذلك النشور" أي ~~البعث فالنشور بسط الأموات يوم القيامة بعد إحيائهم وإخراجهم من القبور. # وفي قوله: "فسقناه إلى بلد ميت" إلخ. # التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير فهو تعالى في قوله: "والله الذي ~~أرسل" بنعت الغيبة وفي قوله: "فسقناه" إلخ. # بنعت التكلم مع الغير ولعل النكتة في ذلك هي أنه لما قال: "والله الذي ~~أرسل الرياح" أخذ لنفسه نعت الغيبة ويتبعه فيه الإرسال فإن فعل الغائب ~~غائب، ثم لما قال: "فتثير سحابا" على نحو حكاية الحال الماضية صار المخاطب ~~كأنه يرى الفعل ويشاهد الرياح وهي تثير السحاب وتنشره في الجو فصار كأنه ~~يرى من يرسل الرياح لأن مشاهدة الفعل كادت أن لا تنفك عن مشاهدة الفاعل ~~فلما ظهر تعالى بنعت الحضور غير سياق كلامه من الغيبة إلى التكلم واختار ~~لفظ التكلم مع الغير للدلالة على العظمة. # وقوله: "فأحيينا به الأرض" ولم يقل: فأحييناه مع كفايته وكذا قوله: "بعد ~~موتها" مع جواز الاكتفاء بما تقدمه للأخذ بصريح القول الذي لا ارتياب دونه. # قوله تعالى: "من كان يريد العزة ms6268 فلله العزة جميعا" قال الراغب في ~~المفردات،: العزة حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم: أرض عزاز أي ~~صلبة قال تعالى: "أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا" انتهى. # فالصلابة هو الأصل في معنى العزة ثم توسع فاستعمل العزيز فيمن يقهر ولا ~~يقهر كقوله تعالى: "يا أيها العزيز مسنا:" يوسف: - 88. PageV17P010 # وكذا العزة بمعنى الغلبة قال تعالى: "وعزني في الخطاب:" (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): - 23 والعزة بمعنى القلة وصعوبة المنال، قال تعالى: "وإنه ~~لكتاب عزيز:" حم السجدة: - 41 والعزة بمعنى مطلق الصعوبة قال تعالى: "عزيز ~~عليه ما عنتم:" التوبة: - 182: "والعزة بمعنى الأنفة والحمية قال تعالى بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق:" ص: - 2 إلى غير ذلك. # ثم إن العزة بمعنى كون الشيء قاهرا غير مقهور أو غالبا غير مغلوب تختص ~~بحقيقة معناها بالله عز وجل إذ غيره تعالى فقير في ذاته ذليل في نفسه لا ~~يملك لنفسه شيئا إلا أن يرحمه الله ويؤتيه شيئا من العزة كما فعل ذلك ~~بالمؤمنين به قال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين:" المنافقون: - 8. # وبذلك يظهر أن قوله: "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا" ليس بمسوق ~~لبيان اختصاص العزة بالله بحيث لا ينالها غيره وأن من أرادها فقد طلب محالا ~~وأراد ما لا يكون بل المعنى من كان يريد العزة فليطلبها منه تعالى لأن ~~العزة له جميعا لا توجد عند غيره بالذات. # فوضع قوله: "فلله العزة جميعا" في جزاء الشرط من قبيل وضع السبب موضع ~~المسبب وهو طلبها من عنده أي اكتسابها منه بالعبودية التي لا تحصل إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح. # قوله تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" الكلم - كما ~~قيل - اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث، وقال في المجمع،: والكلم جمع كلمة يقال؟ ~~هذا كلم وهذه كلم فيذكر ويؤنث، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء يجوز ~~فيه التذكير والتأنيث انتهى. # والمراد بالكلم على أي حال ما يفيد معنى تاما كلاميا ويشهد به توصيفه ~~بالطيب فطيب الكلم هو ملاءمته لنفس سامعه ms6269 ومتكلمه بحيث تنبسط منه وتستلذه ~~وتستكمل به وذلك إنما يكون بإفادته معنى حقا فيه سعادة النفس وفلاحها. # وبذلك يظهر أن المراد به ليس مجرد اللفظ بل بما أن له معنى طيبا فالمراد ~~به الاعتقادات الحقة التي يسعد الإنسان بالإذعان لها وبناء عمله عليها ~~والمتيقن منها كلمة التوحيد التي يرجع إليها سائر الاعتقادات الحقة وهي ~~المشمولة لقوله تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها:" إبراهيم: - 25 ~~وتسمية الاعتقاد قولا وكلمة أمر شائع بينهم. # وصعود الكلم الطيب إليه تعالى هو تقربه منه تعالى اعتلاء وهو العلي ~~الأعلى رفيع الدرجات، وإذ كان اعتقادا قائما بمعتقده فتقربه منه تعالى تقرب ~~المعتقد به منه، وقد فسروا صعود الكلم الطيب بقبوله تعالى له وهو من لوازم ~~المعنى. # ثم إن الاعتقاد والإيمان إذا كان حق الاعتقاد صادقا إلى نفسه صدقه العمل ~~ولم يكذبه أي يصدر عنه العمل على طبقه فالعمل من فروع العلم وآثاره التي لا ~~تنفك عنه، وكلما تكرر العمل زاد الاعتقاد رسوخا وجلاء وقوي في تأثيره ~~فالعمل الصالح وهو العمل الحري بالقبول الذي طبع عليه بذل العبودية ~~والإخلاص لوجهه الكريم يعين الاعتقاد الحق في ترتب أثره عليه وهو الصعود ~~إليه تعالى وهو المعزى إليه بالرفع فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. # فقد تبين بما مر معنى قوله: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" ~~وأن ضمير "إليه" لله سبحانه والمراد بالكلم الطيب الاعتقاد الحق كالتوحيد، ~~وبصعوده تقربه منه تعالى، وبالعمل الصالح ما كان على طبق الاعتقاد الحق ~~ويلائمه وأن الفاعل في "يرفعه" ضمير مستكن راجع إلى العمل الصالح وضمير ~~المفعول راجع إلى الكلم الطيب. # ولهم في الآية أقوال أخر: فقد قيل: إن المراد بصعود الكلم الطيب قبوله ~~والإثابة عليه كما تقدمت الإشارة إليه، وقيل: المراد صعود الملائكة بما كتب ~~من الإيمان والطاعات إلى الله سبحانه، وقيل: المراد صعودهم به إلى السماء ~~فسمي الصعود إلى السماء صعودا إلى الله مجازا. # وقيل: إن ms6270 فاعل "يرفعه" ضمير عائد إلى الكلم الطيب وضمير المفعول للعمل ~~الصالح والمعنى أن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح أي أن العمل الصالح لا ~~ينفع إلا إذا صدر عن التوحيد، وقيل: فاعل "يرفعه" ضمير مستكن راجع إليه ~~تعالى والمعنى العمل الصالح يرفعه الله. # وجملة هذه الوجوه لا تخلو من بعد والأسبق إلى الذهن ما قدمناه من المعنى. PageV17P011 # قوله تعالى: "والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور" ~~ذكروا أن "السيئات" وصف قائم مقام موصوف محذوف وهو المكرات، ووضع اسم ~~الإشارة موضع الضمير في "مكر أولئك" للدلالة على أنهم متعينون لا مختلطون ~~بغيرهم والمعنى والذين يمكرون المكرات السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك ~~الماكرين هو يبور ويهلك فلا يستعقب أثرا حيا فيه سعادتهم وعزتهم. # وقد بان أن المراد بالسيئات أنواع المكرات والحيل التي يتخذها المشركون ~~وسائل لكسب العزة، والآية مطلقة، وقيل: المراد المكرات التي اتخذتها قريش ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دار الندوة وغيرها من إثبات أو ~~إخراج أو قتل فرد الله كيدهم إليهم وأخرجهم إلى بدر وقتلهم وأثبتهم في ~~القليب فجمع عليهم الإثبات والإخراج والقتل وهذا وجه حسن لكن الآية مطلقة. # ووجه اتصال ذيل الآية بصدرها أعني اتصال قوله: "إليه يصعد" إلى آخر الآية ~~بقوله: "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا" أن المشركين كانوا يعتزون ~~بآلهتهم كما قال تعالى: "واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا:" مريم: ~~- 81 فدعاهم الله سبحانه وهم يطلبون العز إلى نفسه بتذكيرهم أن العزة لله ~~جميعا وبين تعالى ذلك بأن توحيده يصعد إليه والعمل الصالح يرفعه فيكتسب ~~الإنسان بالتقرب منه عزة من منبع العزة وأما الذين يمكرون كل مكر سيىء ~~لاكتساب العزة فلهم عذاب شديد وما مكروه من المكر بائر هالك لا يصعد إلى ~~محل ولا يكسب لهم عزا. # قوله تعالى: "والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا" إلخ. # يشير تعالى إلى خلق الإنسان فابتدأ خلقه من تراب وهو المبدأ البعيد الذي ~~تنتهي إليه الخلقة ms6271 ثم من نطفة وهي مبدأ قريب تتعلق به الخلقة. # وقيل المراد بخلقهم من تراب خلق أبيهم آدم من تراب فإن الشيء يضاف إلى ~~أصله وقيل: بل المراد خلق آدم نفسه وقيل: بل المراد خلقهم خلقا إجماليا من ~~تراب في ضمن خلق آدم من تراب والخلق التفصيلي هو من نطفة كما قال: ثم من نطفة. # والفرق بين الوجوه الثلاثة أن في الأول نسبة الخلق من تراب إليهم على ~~طريق المجاز العقلي، وفي الثاني المراد بخلقهم خلق آدم ولا مجاز في النسبة، ~~وفي الثالث المراد خلق كل واحد من الأفراد من التراب حقيقة من غير مجاز إلا ~~أنه خلق إجمالي لا تفصيلي وبهذا يفارق ما قدمناه من الوجه. # ويمكن تأييد القول الأول بقوله تعالى: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار:" ~~الرحمن: - 14، والثاني بنحو قوله: "وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء مهين:" السجدة: - 8، والثالث بقوله: "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ~~ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم:" الأعراف: - 11 ولكل وجه. # وقوله: "ثم جعلكم أزواجا أي ذكورا وإناثا، وقيل: أي قدر بينكم الزوجية ~~وزوج بعضكم من بعض، وهو كما ترى، وقيل: أي أصنافا وشعوبا. # وهو كسابقه. # وقوله: "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه" من زائدة لتأكيد النفي، ~~والباء في "بعلمه" للمصاحبة وهو حال من الحمل والوضع، والمعنى ما تحمل ولا ~~تضع أنثى إلا وعلمه يصاحب حمله ووضعه، وذكر بعضهم أنه حال من الفاعل وأن ~~كونه حالا من الحمل والوضع وكذا من مفعوليهما أي المحمول والموضوع خلاف ~~الظاهر وهو ممنوع. # وقوله: "وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب" أي وما يمد ~~ويزاد في عمر أحد فيكون معمرا ولا ينقص من عمره أي عمر أحد إلا في كتاب. # فقوله: "وما يعمر من معمر" من قبيل قوله: "إني أراني أعصر خمرا:" يوسف: - ~~26 فوضع معمر موضع نائب الفاعل وهو أحد بعناية أنه بعد تعلق التعمير به ~~يصير معمرا وإلا فتعمير المعمر لا معنى له. # وقوله: "ولا ينقص من ms6272 عمره" الضمير في "عمره" راجع إلى "معمر" باعتبار ~~موصوفه المحذوف وهو أحد والمعنى ولا ينقص من عمر أحد وإلا فنقص عمر المفروض ~~معمرا تناقض خارق للفرض. # وقوله: "إلا في كتاب" وهو اللوح المحفوظ الذي لا سبيل للتغيير إليه فقد ~~كتب فيه أن فلانا يزاد في عمره كذا لسبب كذا وفلانا ينقص من عمره كذا لسبب ~~كذا وأما كتاب المحو والإثبات فهو مورد التغير وسياق الآية يفيد وصف العلم ~~الثابت ولهم في قوله: "وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره" وجوه أخر ضعيفة ~~لا جدوى في التعرض لها. PageV17P012 # وقوله: "إن ذلك على الله يسير" تعليل وتقرير لما في الآية من وصف خلق ~~الإنسان وكيفية إحداثه وإبقائه والمعنى أن هذا التدبير الدقيق المتين ~~المهيمن على كليات الحوادث وجزئياتها المقرر كل شيء في مقره على الله يسير ~~لأنه الله العليم القدير المحيط بكل شيء بعلمه وقدرته فهو تعالى رب الإنسان ~~كما أنه رب كل شيء. # قوله تعالى: "وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج" ~~إلى آخر الآية قيل: العذب من الماء طيبه، والفرات الماء الذي يكسر العطش أو ~~البارد كما في المجمع، والسائغ هو الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته ~~والأجاج الذي يحرق لملوحته أو المر. # وقوله: "ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها" اللحم الطري ~~الغض الجديد، والمراد لحم السمك أو السمك والطير، البحري والحلية المستخرجة ~~من البحر اللؤلؤ والمرجان والأصداف قال تعالى: "يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان:" الرحمن: - 22. # وفي الآية تمثيل للمؤمن والكافر بالبحر العذب والمالح يتبين به عدم تساوي ~~المؤمن والكافر في الكمال الفطري وإن تشاركا في غالب الخواص الإنسانية ~~وآثارها فالمؤمن باق على فطرته الأصلية ينال بها سعادة الحياة الدائمة ~~والكافر منحرف فيها متلبس بما لا تستطيبه الفطرة الإنسانية وسيعذب بأعماله ~~فمثلهما مثل البحرين المختلفين عذوبة وملوحة فهما مختلفان من حيث البقاء ~~على فطرة الماء الأصلية وهي العذوبة والخروج عنها بالملوحة وإن اشتركا في ~~بعض الآثار التي ينتفع بها، فمن كل منهما تأكلون لحما ms6273 طريا وهو لحم السمك ~~والطير المصطاد من البحر وتستخرجون حلية تلبسونها كاللؤلؤ والمرجان ~~والأصداف. # فظاهر الآية أن الحلية المستخرجة مشتركة بين البحر العذب والبحر المالح ~~لكن جمعا من المفسرين استشكلوا ذلك بأن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من ~~البحر المالح دون العذب، وقد أجابوا عنه بأجوبة مختلفة. # منها أن الآية مسوقة لبيان اشتراك البحرين في مطلق الفائدة وإن اختص ~~ببعضها كأنه قيل: ومن كل تنتفعون وتستفيدون كما تأكلون منهما لحما طريا ~~وتستخرجون من البحر المالح حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر. # ومنها أنه شبه المؤمن والكافر بالعذب والأجاج ثم فضل الأجاج على الكافر ~~بأن في الأجاج بعض النفع والكافر لا نفع في وجوده فالآية على طريقة قوله ~~تعالى: "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة" ثم قال: "وإن ~~من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله:" البقرة: - 74. # ومنها أن قوله: "وتستخرجون حلية تلبسونها" من تتمة التمثيل على معنى أن ~~البحرين وإن اشتركا في بعض المنافع تفاوتا فيما هو المقصود بالذات لأن ~~أحدهما خالطه ما خرج به عن صفاء فطرته والمؤمن والكافر وإن اتفقا أحيانا في ~~بعض المكارم كالشجاعة والسخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على ~~صفاء الفطرة الأصلية دون الآخر. # ومنها أنه لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة وإن لم نره ~~فالإشكال باختصاص الحلية بالماء المالح ممنوع. # ومنها منع أصل الدعوى وهو كون الآية "وما يستوي البحران" إلخ. # تمثيلا للمؤمن والكافر بل هي واقعة في سياق تعداد النعم لإثبات الربوبية ~~كقوله قبلا: "والله الذي أرسل الرياح" وقوله بعدا: "يولج الليل في النهار" إلخ. # فالآية مسوقة لبيان نعمة البحر واختلافه بالعذوبة والملوحة وما فيهما من ~~المنافع المشتركة والمختصة. # ويؤيد هذا الوجه أن نظير الآية في سورة النحل واقعة في سياق الآيات ~~العادة لنعم الله سبحانه وهو قوله: "وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر ms6274 فيه ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون: النحل: - 14. # والحق أن أصل الاستشكال في غير محله وأن البحرين يشتركان في وجود الحلية ~~فيهما كما هو مذكور في الكتب الباحثة عن هذه الشئون مشروح فيها 1. # قوله تعالى: "وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" ضمير ~~"فيه" للبحر، ومواخر جمع ماخرة من المخر بمعنى الشق عدت السفينة ماخرة ~~لشقها الماء بجؤجؤتها. PageV17P013 # قيل: إنما أفرد ضمير الخطاب في قوله: "ترى" بخلاف الخطابات المتقدمة ~~والمتأخرة لأن الخطاب لكل أحد يتأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط. # وقوله: "لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" أي مخر الفلك البحر بتسخيره ~~لتطلبوا من عطائه وهو الرزق ورجاء أن تشكروا الله سبحانه، وقد تقدم أن ~~الترجي الذي تفيده "لعل" في كلامه تعالى قائم بالمقام دون المتكلم. # وقد قيل في هذه الآية: "وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله" وفي سورة ~~النحل: "وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله" فاختلفت الآيتان في تقديم ~~"فيه" على "مواخر" وتأخيره منه وعطف "لتبتغوا" وعدمه. # ولعل النكتة في ذلك أن آية النحل مصدرة بكلمة التسخير فهي مسوقة لبيان ~~كيفية التسخير والأنسب لذلك تأخير "فيه" ليتعلق بمواخر ويشير إلى مخر البحر ~~فيصرح بالتسخير بخلاف ما هاهنا ثم التسخير له غايات كثيرة منها ابتغاء ~~الفضل والأنسب لذلك عطف "لتبتغوا" على محذوف ليدل على عدم انحصار الغاية في ~~ابتغاء الفضل بخلاف ما هاهنا فإن الغرض بيان أنه الرازق المدبر ليرتدع ~~المكذبون - وقد تقدم ذكر تكذيبهم - عن تكذيبهم ويكفي في ذلك بيان ابتغائهم ~~الفضل غاية من غير حاجة إلى العطف. # والله أعلم. # وقال في روح المعاني، في المقام: والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت ~~لتعداد النعم كما يؤذن بذلك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه: ~~"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر ~~الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطرادا أو تتمة للتمثيل كما علمت ~~آنفا فقدم فيه "فيه" إيذانا بأنه ليس المقصود بالذات ذلك، وكان ms6275 الاهتمام ~~بما هناك اقتضى أن يقال في تلك الآية: "ولتبتغوا" بالواو ومخالفة ما هنا ~~لذلك اقتضت ترك الواو في قوله: "لتبتغوا" انتهى. # قوله تعالى: "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى" إلخ. # إيلاج الليل في النهار قصر النهار بطول الليل وإيلاج النهار في الليل قصر ~~الليل بطول النهار، والمراد بالجملتين الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار في ~~الطول والقصر المستمر في أيام السنة بتغير الأيام ولذا عبر بقوله: "يولج" ~~الدال على استمرار التغيير بخلاف جريان الشمس والقمر فإنه ثابت على حاله ~~ولذا عبر فيه بقوله: "وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى" والعناية صورية ~~مسامحية. # وقوله: "ذلكم الله ربكم" بمنزلة النتيجة لما تقدم أي إذا كان أمر خلقكم ~~وتدبيركم برا وبحرا وأرضا وسماء منتسبا إليه مدبرا بتدبيره فذلكم الله ربكم ~~الذي يملككم ويدبر أمركم. # وقوله: "له الملك" مستنتج مما قبله وتوطئة وتمهيد لما بعده من قوله: ~~"والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير". # وقوله: "والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير" القطمير على ما قاله ~~الراغب الأثر على رأس النواة وذلك مثل للشيء الطفيف، وفي المجمع، القطمير ~~لفافة النواة وقيل: الحبة في بطن النواة انتهى والكلام على أي حال مبالغة ~~في نفي أصل الملك والمراد بالذين تدعون من دون الله آلهتهم الذين كانوا ~~يدعونها من الأصنام وأربابها. # قوله تعالى: "إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم" إلخ. # بيان وتقرير لما تقدم من قوله: "والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير" أي تصديق كونهم لا يملكون شيئا أنكم إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأن ~~الأصنام جمادات لا شعور لها ولا حس وأرباب الأصنام كالملائكة والقديسين من ~~البشر في شغل شاغل من ذلك على أنهم لا يملكون سمعا من عند أنفسهم فلا ~~يسمعون إلا بإسماعه. # وقوله: "ولو سمعوا ما استجابوا لكم" إذ لا قدرة لهم على الاستجابة قولا ~~ولا فعلا أما الأصنام فظاهر وأما أرباب الأصنام فقدرتهم من الله ms6276 سبحانه ولن ~~يأذن الله لأحد أن يستجيب أحدا يدعوه بالربوبية قال تعالى: "لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا:" النساء: - 127. # وقوله: "ويوم القيامة يكفرون بشرككم" أي يردون عبادتكم إليكم ويتبرءون ~~منكم بدلا من أن يكونوا شفعاء لكم "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا:" ~~البقرة: - 166. PageV17P014 # فالآية في نفي الاستجابة وكفر الشركاء يوم القيامة في معنى قوله: "ومن أضل ~~ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين:" الأحقاف: - 6. # وقوله: "ولا ينبئك مثل خبير" أي لا يخبرك عن حقيقة الأمر مخبر مثل مخبر ~~خبير وهو خطاب خاص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الإعراض عن خطابهم ~~لعدم تفقههم بالبيان الحق أو خطاب عام في صورة الخطاب الخاص خوطب به السامع ~~أي من كان كقوله: "وترى الفلك فيه مواخر" الآية السابقة، وقوله: "وترى ~~الشمس إذا طلعت" الآية: الكهف: - 17، وقوله: "وتحسبهم إيقاظا وهم رقود:" ~~الكهف: - 18. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "كذلك النشور:" حدثني أبي عن ابن أبي ~~عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد الله أن ~~يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت ~~اللحوم. # أقول: وفي هذا المعنى عدة روايات أخر. # وفي الدر المنثور، أخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي ~~قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: أما مررت بأرض مجدبة ثم ~~مررت بها مخصبة تهتز خضراء؟ قال: بلى. قال: كذلك يحيي الله الموتى وكذلك ~~النشور. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن لكل قول مصداقا من عمل يصدقه ~~أو يكذبه فإذا قال ابن آدم وصدق قوله ms6277 بعمله رفع قوله بعمله إلى الله، وإذا ~~قال وخالف عمله قوله رد قوله على عمله الخبيث وهوى به في النار. # وفي التوحيد، بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه (عليه السلام) في حديث قال: ~~وإن لله تبارك وتعالى بقاعا في سماواته فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج ~~به إليه. ألا تسمع الله عز وجل يقول: "تعرج الملائكة والروح إليه" ويقول في ~~قصة عيسى بن مريم (عليهما السلام) "بل رفعه الله" ويقول عز وجل: "إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه:". أقول: وعن الفقيه، مثله. # وفي نهج البلاغة،: ولو لا إقرارهن 1 له بالربوبية وإذعانهن له بالطواعية ~~2 لما جعلهن موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل ~~الصالح من خلقه. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "وما يستوي البحران - هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج" ~~الأجاج المر. # وفيه: في قوله: "والذين تدعون من دونه - ما يملكون من قطمير" قال: الجلدة ~~الرقيقة التي على ظهر النوى. PageV17P015 ### ||| AUTO 35 سورة فاطر - 15 - 26 # يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد (15) إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلوة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى ~~الله المصير (18) وما يستوى الأعمى والبصير (19) ولا الظلمت ولا النور (20) ~~ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوى الأحياء ولا الأموت إن الله يسمع من ~~يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) إنا أرسلنك ~~بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب ~~الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينت وبالزبر وبالكتب المنير (25) ثم أخذت ~~الذين كفروا فكيف كان نكير (26) ### |||| AUTO بيان # لما بين لهم أن الخلق والتدبير إليه تعالى فهو ربهم له الملك دون ms6278 الذين ~~يدعون من دونه فهم لا يملكون شيئا حتى يقوموا بتدبيره، أخذ يبين ذلك ببيان ~~آخر مشوب بالوعيد والتهديد وهو أنه تعالى غني عنهم وهم فقراء إليه فله أن ~~يذهبهم ويأت بخلق جديد إن شاء جزاء بما كسبوا. # ثم وجه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما حاصله أن هذه ~~المؤاخذة والإهلاك لا يشمل إلا هؤلاء المكذبين دون المؤمنين الذين يؤثر ~~فيهم إنذار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبينهما فرق ظاهر وهو (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) نذير كالنذر الماضين وحاله كحال من قبله من المنذرين ~~وإن يكذبوه فقد كذبت الأنبياء الماضين مكذبو أممهم فأخذهم الله أخذا شديدا ~~وسيأخذ المكذبين من هذه الأمة. # قوله تعالى: "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد" لا ريب أن في الآية نوع تمهيد بالنسبة إلى الآيتين التاليتين يتبين ~~بها مضمونهما وهي مع ذلك مستقلة في مفادها. # بيان ذلك: أن السياق يشعر بأن أعمال هؤلاء المكذبين كانت تكشف عن أنهم ~~كانوا يتوهمون أن لهم أن يستغنوا عن الله سبحانه بعبادة آلهتهم وأن لله ~~إليهم حاجة ولذلك يدعوهم إلى نفسه بالدعوة الإلهية التي يقوم بها رسله ~~فهناك غنى وفقر ولهم نصيب من الغنى ولله نصيب من الفقر تعالى عن ذلك. # فرد الله سبحانه زعمهم ذلك بقوله: "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ~~والله هو الغني" فقصر الفقر فيهم وقصر الغنى فيه سبحانه فكل الفقر فيهم وكل ~~الغنى فيه سبحانه، وإذ كان الغنى والفقر وهما الوجدان والفقدان متقابلين لا ~~يرتفعان عن موضوعهما كان لازم القصر السابق قصر آخر وهو قصرهم في الفقر ~~وقصره تعالى في الغنى فليس لهم إلا الفقر وليس له تعالى إلا الغنى. # فالله سبحانه غني بالذات له أن يذهبهم ويستغني عنهم وهم فقراء بالذات ليس ~~لهم أن يستغنوا عنه بغيره. # والملاك في غناه تعالى عنهم وفقرهم أنه تعالى خالقهم ومدبر أمرهم وإليه ~~الإشارة بأخذ لفظ الجلالة في بيان فقرهم وبيان غناه، والإشارة إلى الخلق ~~والتدبير في ms6279 قوله: "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد" وكذا توصيفه تعالى ~~بالحميد وهو المحمود في فعله الذي هو خلقه وتدبيره. # فيعود معنى الكلام إلى نحو من قولنا: يا أيها الناس أنتم بما أنكم ~~مخلوقون مدبرون لله الفقراء إلى الله فيكم كل الفقر والحاجة والله بما أنه ~~الخالق المدبر، الغني لا غنى سواه. # وعلى هذا لا ضير في قصر الفقر في الناس سواء أريد به المكذبون خاصة أو ~~عامة الناس مع كون غيرهم من المخلوقات فقراء إلى الله كمثلهم وذلك أن عموم ~~علة الحكم يعمم الحكم فكأنه قيل: أنتم معاشر الخليقة الفقراء إلى خالقكم ~~المدبر لأمركم وهو الغني الحميد. PageV17P016 # وقد أجيب عن إشكال قصر الفقر في الناس مع عمومه لغيرهم بوجوه من الجواب: ~~منها أن في قصر الفقر في الناس مبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم وشدة ~~احتياجهم هم الفقراء فحسب وأن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم ~~بمنزلة العدم ولذلك قال تعالى: "خلق الإنسان ضعيفا" ولا يرد الجن لأنهم لا ~~يحتاجون في المطعم والملبس وغيرهما كما يحتاج الإنسان. # ومنها أن المراد الناس وغيرهم وهو على طريقة تغليب الحاضر على الغائب ~~وأولي العلم على غيرهم. # ومنها أن الوجه حمل اللام في الناس على العهد وفي الفقراء على الجنس لأن ~~المخاطبين في الآية هم الذين خوطبوا في قوله: "ذلكم الله ربكم له الملك" ~~الآية أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين تدعون من دونه ~~وأنتم أشد الخلائق احتياجا إليه. # ومنها أن القصر إضافي بالنسبة إليه تعالى لا حقيقي. # وغير خفي عليك أن مفاد الآية وسياقها لا يلائم شيئا من هذه الأجوبة نعم ~~يمكن توجيه الجواب الأخير بما يرجع إلى ما قدمناه من الوجه. # وتذييل الآية بصفة الحميد للإشارة إلى أنه غني محمود الأفعال إن أعطى وإن ~~منع لأنه إذا أعطى لم يعطه لبدل لغناه عن الجزاء والشكر وكل بدل مفروض وإن ~~منع لم يتوجه إليه لائمة إذ لا حق لأحد عليه ولا يملك منه شيء. # قوله تعالى: "إن يشأ يذهبكم ms6280 ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" أي ~~إن يرد إذهابكم يذهبكم أيها الناس لأنه غني عنكم لا يستضر بذهابكم ويأت ~~بخلق جديد يحمدونه ويثنون عليه لا لحاجة منه إليهم بل لأنه حميد ومقتضاه أن ~~يجود فيحمد وليس ذلك على الله بصعب لقدرته المطلقة لأنه الله عز اسمه. # فقد بان أن مضمون الآية متفرع على مضمون الآية السابقة فقوله: "إن يشأ ~~يذهبكم" متفرع على كونه تعالى غنيا، وقوله: "ويأت بخلق جديد" متفرع على ~~كونه تعالى حميدا، وقد فرع مضمون الجملتين في موضع آخر على غناه ورحمته قال ~~تعالى: "وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء:" ~~الأنعام: - 133. # قوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" إلخ. # قال الراغب: الوزر - بفتحتين - الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، قال ~~تعالى: "كلا لا وزر" والوزر - بالكسر فالسكون - الثقل تشبيها بوزر الجبل، ~~ويعبر به عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل قال تعالى: "ليحملوا أوزارهم كاملة" ~~الآية كقوله: "ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم". # انتهى فالمعنى لا تحمل نفس حاملة للإثم إثم نفس أخرى ولازم ذلك أن لا ~~تؤاخذ نفس إلا بما حملت من إثم نفسها واكتسبته من الوزر. # والآية كأنه دفع دخل يشعر به آخرها كأنه لما قال: إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بآخرين، فهددهم بالإهلاك والإفناء، قيل: هؤلاء المكذبون أخذوا بوزرهم فما ~~حال المؤمنين؟ أيؤخذون بوزر غيرهم؟. # فأجيب أن لا تزر وازرة وزر أخرى ولا تحمل نفس حمل غيرها الذي أثقلها وإن ~~كانت ذات قربى. # فهؤلاء المكذبون هم المعنيون بالتهديد ولا تنفع فيهم دعوتك وإنذارك لأنهم ~~مطبوع على قلوبهم، وإنما ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب ويقيمون ~~الصلاة والفريقان لا يستويان لأن مثلهم مثل الأعمى والبصير، والظلمات ~~والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات. # فقوله: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي لا تحمل نفس حاملة للوزر والإثم إثم ~~نفس أخرى حاملة. # وقوله: "وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى" أي ~~وإن تدع نفس مثقلة أثقلها حملها من ms6281 الإثم غيرها إلى ما حملته من الإثم ~~ليحمله عنها لا يستجاب لها ولا يحمل من حملها شيء ولو كان المدعو ذا قربى ~~للداعي كالأب والأم والأخ والأخت. # وقوله: "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة" أي هؤلاء ~~المكذبون لا ينتفعون بالإنذار ولا تتحقق معهم حقيقة الإنذار لأنهم مطبوع ~~على قلوبهم إنما تنذر وينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب ويقيمون الصلاة ~~التي هي أفضل العبادات وأهمها وبالجملة يؤمنون بالله ويعبدونه أي الذين ~~يخشون ربهم بالغيب ويقيمون الصلاة إثر إنذارك لا أنهم يخشون ربهم ويصلون ثم ~~ينذرون بعد ذلك حتى يلزم تحصيل الحاصل فالآية كقوله: "إني أراني أعصر ~~خمرا:" يوسف: - 36. PageV17P017 # وقوله: "ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه" بدل الخشية وإقامة الصلاة من التزكي ~~للإشارة إلى أن المطلوب بالدعوة والإنذار هو التزكي وتزكية النفس تلبسها ~~بالخشية من الله على الغيب وإقامة الصلاة. # وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من كونه تعالى غنيا حميدا فهو تعالى لا ينتفع ~~بما يدعو إليه من التزكي بل الذي تزكى فإنما يتزكى لنفع نفسه. # وقد ختم الآية بقوله: "وإلى الله المصير" للدلالة على أن تزكية من تزكى ~~لا تذهب سدى، فإن كلا من الفريقين صائرون إلى ربهم لا محالة وهو يحاسبهم ~~ويجازيهم فيجازي هؤلاء المتزكين أحسن الجزاء. # قوله تعالى: "وما يستوي الأعمى والبصير" الظاهر أنه عطف على قوله: "وإلى ~~الله المصير" تعليل في صورة التمثيل لعدم مساواة هؤلاء المتزكين لأولئك ~~المكذبين، وقيل: عطف على قوله السابق: "وما يستوي البحران". # قوله تعالى: "ولا الظلمات ولا النور" تكرار حروف النفي مرة بعد مرة في ~~الآية وما يليها لتأكيد النفي. # قوله تعالى: "ولا الظل ولا الحرور" الحرور شدة حر الشمس على ما قيل وقيل: ~~هو السموم وقيل: السموم يهب نهارا والحرور يهب ليلا ونهارا. # قوله تعالى: "وما يستوي الأحياء ولا الأموات" إلى آخر الآية عطف على ~~قوله: "وما يستوي الأعمى والبصير" وإنما كرر قوله: "ما يستوي" ولم يعطف ~~"الأحياء ولا الأموات" على قوله: الأعمى والبصير" كرابعته لطول الفصل فأعيد ~~"ما يستوي" لئلا ms6282 يغيب المعنى عن ذهن السامع فهو كقوله: "كيف يكون للمشركين ~~عهد عند الله ورسوله - إلى أن قال - كيف وإن يظهروا عليكم" إلخ. التوبة: - 8. # والجمل المتوالية المترتبة أعني قوله: "وما يستوي الأعمى والبصير - إلى ~~قوله - وما يستوي الأحياء ولا الأموات" تمثيلات للمؤمن والكافر وتبعات ~~أعمالهما. # وقوله: "إن الله يسمع من يشاء" وهو المؤمن كان ميتا فأحياه الله فأسمعه ~~لما في نفسه من الاستعداد لذلك قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا:" الأنعام: - 122، وأما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما هو ~~وسيلة والهدى هدى الله. # وقوله: "وما أنت بمسمع من في القبور" أي الأموات والمراد بهم الكفار ~~المطبوع على قلوبهم. # قوله تعالى: "إن أنت إلا نذير" قصر إضافي أي ليس لك إلا إنذارهم وأما ~~هداية من اهتدى منهم وإضلال من ضل ولم يهتد جزاء له بسيىء عمله فإنما ذلك ~~لله سبحانه. # ولم يذكر البشير مع النذير مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) متلبسا ~~بالوصفين معا لأن المقام مقام الإنذار فالمناسب هو التعرض لوصف الإنذار مع ~~أنه مذكور في الآية التالية. # قوله تعالى: "إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير" المفاد على ما يقتضيه السياق إنا أرسلناك بالتبشير والإنذار وليس ~~ببدع مستغرب فما من أمة من الأمم إلا وقد خلا ومضى فيها نذير فذلك من سنن ~~الله الجارية في خلقه. # وظاهر السياق أن المراد بالنذير الرسول المبعوث من عند الله وفسر بعضهم ~~النذير بمطلق من يقوم بالعظة والإنذار من نبي أو عالم غير نبي وهو خلاف ~~ظاهر الآية. # نعم ليس من الواجب أن يكون نذير كل أمة من أفرادها فقد قال تعالى: "خلا ~~فيها" ولم يقل: "خلا منها". # قوله تعالى: "وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير" البينات هي الآيات المعجزة التي تشهد على حقية ~~الرسل، والزبر جمع زبور ولعل المراد بها بقرينة مقابلتها للكتاب الصحائف ~~والكتب التي فيها ذكر الله تعالى من غير أن تتضمن الأحكام والشرائع، ms6283 ~~والكتاب المنير الكتاب المنزل من السماء المتضمن للشرائع ككتاب نوح ~~وإبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى (عليه السلام)، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير" الأخذ كناية عن ~~التعذيب، والنكير الإنكار، والباقي ظاهر. # كلام في معنى عموم الإنذار # قد تقدم في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح (عليه السلام) في ~~الجزء العاشر من الكتاب ما يدل من طريق العقل على عموم النبوة ويؤيده ~~الكتاب. # فلا تخلو أمة من الأمم الإنسانية عن ظهور ما للدعوة الحقة النبوية فيها ~~وأما كون نبي كل أمة من نفس تلك الأمة فلا دليل عليه، وقد عرفت أن قوله ~~تعالى: "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" الآية مفاده ذلك. PageV17P018 # وأما فعلية الإنذار - بحيث يبلغ كل فرد فرد من الأمة مضافا إلى أصل ~~الاقتضاء - واطراد الدعوة في كل واحد واحد فحكومة العلل والأسباب المتزاحمة ~~في هذه النشأة المادية لا توافقه كما لا توافق سائر المقتضيات العامة التي ~~قدرها الصنع كما أن في بنية كل مولود إنساني أن يعمر عمرا طبيعيا والحوادث ~~تحول بين أكثر الأفراد وبين ذلك، وكل مولود إنساني مجهز بجهاز التناسل ~~للاستيلاد والإيلاد وكثير من الأفراد يموت قبل بلوغه فلا يبلغ ذلك إلى غير ~~ذلك من النظائر. # فالنبوة والإنذار عام لكل أمة ولا يستلزم استلزاما ضروريا أن تبلغ الدعوة ~~كل شخص من أشخاصها بل من الجائز أن تبلغ بلا واسطة أو معها بعض الأمة ~~وتتخلف عن بعض لحيلولة علل وأسباب مزاحمة بينه وبين البلوغ فمن توجهت منهم ~~إليه الدعوة وبلغته تمت عليه الحجة ومن توجهت إليه ولم تبلغه لم تتم عليه ~~الحجة وكان من المستضعفين وكان أمره إلى الله قال تعالى: "إلا المستضعفين ~~من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا:" النساء: - 98. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى": أخرج أحمد ~~والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص: أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال ms6284 في حجة الوداع: ألا لا يجني جان إلا على نفسه لا ~~يجني والد على ولده ولا مولود على والده. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع ~~من في القبور" قال: هؤلاء الكفار لا يسمعون منك كما لا يسمع أهل القبور. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري الخامس من ~~حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس: في قوله: "إنك لا تسمع ~~الموتى وما أنت بمسمع من في القبور" قال كان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقف على القتلى يوم بدر ويقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا يا فلان بن ~~فلان ألم تكفر بربك؟ ألم تكذب نبيك؟ ألم تقطع رحمك؟ فقالوا: يا رسول الله ~~أيسمعون ما تقول؟ قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول: فأنزل الله: "إنك لا ~~تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور" مثل ضربه الله للكفار أنهم لا ~~يسمعون لقوله. # أقول: وفي الرواية ما لا يخفى من لوائح الوضع فساحة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أجل من أن يقول ما ليس له به علم من ربه حتى ينزل الله عليه آية ~~تكذبه فيما يدعيه ويخبر به. # على أن ما نقله من الآية لا يطابق المصحف فصدره مأخوذ من سورة النمل ~~الآية 80 وذيله مأخوذ من سورة فاطر الآية 22. # على أن سياق الآية مكي في سياق آيات سابقة ولاحقة مكية. # وفي الإحتجاج، في احتجاج الصادق (عليه السلام): قال السائل فأخبرني عن ~~المجوس أفبعث إليهم نبيا؟ فإني أجد لهم كتبا محكمة ومواعظ بليغة وأمثالا ~~شافية، ويقرون بالثواب والعقاب، ولهم شرائع يعملون بها. قال: ما من أمة إلا ~~خلا فيها نذير، وقد بعث إليهم نبي بكتاب من عند الله فأنكروه وجحدوا كتابه. PageV17P019 ### ||| AUTO 35 سورة فاطر - 27 - 38 # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرت مختلفا ألونها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ms6285 ~~والأنعم مختلف ألونه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلمؤا إن الله عزيز ~~غفور (28) إن الذين يتلون كتب الله وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقنهم سرا ~~وعلانية يرجون تجرة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور ~~شكور (30) والذى أوحينا إليك من الكتب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرت بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ~~(32) جنت عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها ~~حرير (33) وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) ~~الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ~~(35) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزى كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير ~~الذى كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما ~~للظلمين من نصير (37) إن الله علم غيب السموت والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى ذكر آيات أخر من آيات التوحيد وفيها انتقال إلى حديث الكتاب ~~وأنه حق نازل من عند الله تعالى وقد انجر الكلام في الفصل السابق من الآيات ~~إلى ذكر النبوة والكتاب حيث قال: "إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا" وقال: ~~"جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير" فكان من الحري أن يتعرض ~~لصفة الكتاب وما تستتبعه من الآثار. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها" إلخ. # حجة أخرى على التوحيد وهو أن الله سبحانه ينزل الماء من السماء بالأمطار ~~وهو أقوى العوامل المعينة لخروج الثمرات، ولو كان خروجها عن مقتضى طباع هذا ~~العامل وهو واحد لكان جميعها ذا لون واحد فاختلاف الألوان يدل على وقوع ~~التدبير الإلهي. # والقول بأن اختلافها منوط باختلاف العوامل المؤثرة فيها ومنها اختلاف ~~العناصر الموجودة فيها نوعا وقدرا وخصوصية التأليف. # مدفوع ms6286 بأن الكلام منقول حينئذ إلى اختلاف نفس العناصر وهي منتهية إلى ~~المادة المشتركة التي لا اختلاف فيها فاختلاف العناصر المكونة منها يدل على ~~عامل آخر وراء المادة يدبر أمرها ويسوقها إلى غايات مختلفة. # والظاهر أن المراد باختلاف ألوان الثمرات اختلاف نفس ألوانها ويلزمه ~~اختلافات أخر من حيث الطعم والرائحة والخواص، وقيل المراد باختلاف الألوان ~~اختلاف الأنواع فكثيرا ما يطلق اللون في الفواكه والأطعمة على النوع كما ~~يقال: قدم فلان ألوانا من الطعام والفاكهة فهو من الكناية، وقوله بعد: "ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر" لا يخلو من تأييد للوجه الأول. # وفي قوله: "فأخرجنا به" إلخ. # التفات من الغيبة إلى التكلم. # قيل: إن ذلك لكمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبىء عن ~~كمال القدرة والحكمة. # ونظير الوجه يجري في قوله السابق: "إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا" وأما ~~ما في الآية السابقة من قوله: "ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير" فلعل ~~الوجه فيه أن أمرهم إلى الله لا يتخلل بينه وبينهم أحد حتى يشفع لهم أو ~~ينصرهم فينجوا من العذاب. PageV17P020 # وقوله: "ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود" الجدد بالضم ~~فالفتح جمع جدة بضم الجيم وهي الطريقة والجادة، والبيض والحمر جمع أبيض ~~وأحمر، والظاهر أن قوله: "مختلف ألوانها" صفة لجدد و"ألوانها" فاعل "مختلف" ~~ولو كانت الجملة مبتدأ وخبرا لقيل: مختلفة ألوانها كما قيل، والغرابيب جمع ~~غربيب وهو الأسود الشديد السواد ومنه الغراب و"سود" بدل أو عطف بيان ~~لغرابيب. # والمعنى: ألم تر أن من الجبال طرائق بيض وحمر وسود مختلف ألوانها، ~~والمراد إما الطرق المسلوكة في الجبال ولها ألوان مختلفة، وإما نفس الجبال ~~التي هي خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض وحمر وسود مختلف ألوانها. # قوله تعالى: "ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك" أي ومن ~~الناس والدواب التي تدب في الأرض والأنعام كالإبل والغنم والبقر بعض مختلف ~~ألوانه بالبياض والحمرة والسواد كاختلاف الثمرات والجبال في ألوانها. # وقيل: قوله: "كذلك" خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير الأمر كذلك فهو تقرير ms6287 ~~إجمالي للتفصيل المتقدم من اختلاف الثمرات والجبال والناس والدواب ~~والأنعام. # وقيل: "كذلك" متعلق بقوله: "يخشى" في قوله: "إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء" والإشارة إلى ما تقدم من الاعتبار بالثمرات والجبال وغيرهما ~~والمعنى إنما يخشى الله كذلك الاعتبار بالآيات من عباده العلماء، وهو بعيد ~~لفظا ومعنى. # قوله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" استئناف يوضح أن الاعتبار ~~بهذه الآيات إنما يؤثر أثره ويورث الإيمان بالله حقيقة والخشية منه بتمام ~~معنى الكلمة في العلماء دون الجهال، وقد مر أن الإنذار إنما ينجح فيهم حيث ~~قال: "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة" فهذه الآية ~~كالموضحة لمعنى تلك تبين أن الخشية حق الخشية إنما توجد في العلماء. # والمراد بالعلماء العلماء بالله وهم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه ~~وصفاته وأفعاله معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم وتزيل وصمة الشك والقلق عن ~~نفوسهم وتظهر آثارها في أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم، والمراد بالخشية حينئذ ~~حق الخشية ويتبعها خشوع في باطنهم وخضوع في ظاهرهم. # هذا ما يستدعيه السياق في معنى الآية. # وقوله: "إن الله عزيز غفور" يفيد معنى التعليل فلعزته تعالى وكونه قاهرا ~~غير مقهور وغالبا غير مغلوب من كل جهة يخشاه العارفون، ولكونه غفورا كثير ~~المغفرة للآثام والخطيئات يؤمنون به ويتقربون إليه ويشتاقون إلى لقائه. # قوله تعالى: "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور" تلاوة الكتاب قراءة القرآن وقد ~~أثنى عليها الله سبحانه، وإقامة الصلاة إدامة إتيانها وحفظها من أن تترك، ~~والإنفاق من الرزق سرا وعلانية بذل المال سرا تحذرا من الرياء وزوال ~~الإخلاص في الإنفاق المسنون، وبذل المال علانية ليشيع بين الناس كما في ~~الإنفاق الواجب. # وقوله: "يرجون تجارة لن تبور" أي لن تهلك بالخسران، وذكر بعضهم أن قوله: ~~"يرجون" إلخ. # خبر إن في صدر الآية وعند بعضهم الخبر مقدر يتعلق به قوله: "ليوفيهم" إلخ ~~"أي فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أجورهم" إلخ. # قوله تعالى: "ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور" متعلق ~~بقوله: ms6288 "يتلون" وما عطف عليه في الآية السابقة أي إنهم عملوا ما عملوا لأن ~~يوفيهم ويؤتيهم إيتاء تاما كاملا أجورهم وثوابات أعمالهم. # وقوله: "ويزيدهم من فضله" يمكن أن يراد بهذه الزيادة تضعيف الثواب أضعافا ~~كما في قوله: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها:" الأنعام: - 106 وقوله: ~~"مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء:" البقرة: - 216، ويمكن أن يراد بها ~~زيادة ليست من سنخ ثواب الأعمال كما في قوله: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا ~~مزيد:" ق: - 35. # وقوله: "إنه غفور شكور" تعليل لمضمون الآية وزيادة فهو تعالى لكونه غفورا ~~يغفر زلاتهم ولكونه شكورا يثيبهم ويزيد من فضله. # قوله تعالى: "والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق" ضمير الفصل واللام في ~~قوله: "هو الحق" للتأكيد لا للقصر أي هو حق لا يشوبه باطل. PageV17P021 # قوله تعالى: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" إلى آخر الآية. # يقال: أورثه مالا كذا أي تركه فيهم يقومون بأمره بعده وقد كان هو القائم ~~بأمره المتصرف فيه، وكذا إيراث العلم والجاه ونحوهما تركه عند الغير يقوم ~~بأمره بعد ما كان عند غيره ينتفع به فإيراث القوم الكتاب تركه عندهم ~~يتناولونه خلفا عن سلف وينتفعون به. # وتصح هذه النسبة وإن كان القائم به بعض القوم دون كلهم، قال تعالى: "ولقد ~~آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب:" ~~المؤمن: - 54، وقال "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله:" ~~المائدة: - 44، وقال: "وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب:" ~~الشورى: - 14. # فبنو إسرائيل أورثوا الكتاب وإن كان المؤدون حقه القائمون بأمره بعضهم لا ~~جميعهم. # والمراد بالكتاب في الآية على ما يعطيه السياق هو القرآن الكريم كيف؟ ~~وقوله في الآية السابقة: "والذي أوحينا إليك من الكتاب" نص فيه، فاللام في ~~الكتاب للعهد دون الجنس فلا يعبأ بقول من يقول: إن اللام للجنس والمراد ms6289 ~~بالكتاب مطلق الكتاب السماوي المنزل على الأنبياء. # والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ويقرب من معنى الاختيار والفرق أن الاختيار أخذ ~~الشيء من بين الأشياء بما أنه خيرها والاصطفاء أخذه من بينها بما أنه ~~صفوتها وخالصها. # وقوله: "من عبادنا" يحتمل أن يكون "من" للتبيين أو للابتداء أو للتبعيض ~~الأقرب إلى الذهن أن يكون بيانية وقد قال تعالى: "وسلام على عباده الذين ~~اصطفى:" النمل: - 59. # واختلفوا في هؤلاء المصطفين من عباده من هم؟ فقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم ~~بنو إسرائيل الداخلون في قوله: "إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين:" آل عمران: - 33، وقيل: هم أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقد أورثوا القرآن من نبيهم إليه يرجعون وبه ينتفعون علماؤهم ~~بلا واسطة وغيرهم بواسطتهم، وقيل: هم العلماء من الأمة المحمدية. # وقيل: - وهو المأثور عن الصادقين (عليهما السلام) في روايات كثيرة ~~مستفيضة - إن المراد بهم ذرية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أولاد ~~فاطمة (عليها السلام) وهم الداخلون في آل إبراهيم في قوله: "إن الله اصطفى ~~آدم ونوحا وآل إبراهيم:" آل عمران: - 33، وقد نص النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على علمهم بالقرآن وإصابة نظرهم فيه وملازمتهم إياه بقوله في الحديث ~~المتواتر المتفق عليه: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". # وعلى هذا فالمعنى بعد ما أوحينا إليك القرآن - ثم للتراخي الرتبي - ~~أورثنا ذريتك إياه وهم الذين اصطفينا من عبادنا إذا اصطفينا آل إبراهيم ~~وإضافة العباد إلى نون العظمة للتشريف. # وقوله: "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات" يحتمل أن ~~يكون ضمير "منهم" راجعا إلى "الذين اصطفينا" فيكون الطوائف الثلاث الظالم ~~لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات شركاء في الوراثة وإن كان الوارث الحقيقي ~~العالم بالكتاب والحافظ له هو السابق بالخيرات. # ويحتمل أن يكون راجعا إلى عبادنا - من غير إفادة الإضافة للتشريف - فيكون ~~قوله: "فمنهم" مفيدا للتعليل والمعنى إنما أورثنا الكتاب بعض عبادنا وهم ~~المصطفون لا جميع العباد لأن من عبادنا من ms6290 هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق ولا يصلح الكل للوراثة. # ويمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع ~~قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى: "وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب:" المؤمن: - 54. # وما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات ~~يعطي أن المراد بالظالم لنفسه من عليه شيء من السيئات وهو مسلم من أهل ~~القرآن لكونه مصطفى ووارثا، والمراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد ~~السبيل وسواء الطريق والمراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم ~~والمقتصد إلى درجات القرب فهو إمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال ~~تعالى: "والسابقون السابقون أولئك المقربون:" الواقعة: - 11. PageV17P022 # وقوله تعالى: "ذلك هو الفضل الكبير" أي ما تقدم من الإيراث هو الفضل الكبير ~~من الله لا دخل للكسب فيه. # هذا ما يعطيه السياق وتفيده الأخبار من معنى الآية وفيها للقوم اختلاف ~~عجيب فقد اختلف في "ثم" فقيل: هي للتراخي بحسب الأخبار، وقيل: للتراخي ~~الرتبي، وقيل: للتراخي الزماني. # ثم العطف على "أوحينا" أو على "الذي أوحينا". # واختلف في "أورثنا" فقيل: هو على ظاهره، وقيل: معناه حكمنا بإيراثه ~~وقدرناه، واختلف في الكتاب فقيل: المراد به القرآن، وقيل: جنس الكتب ~~السماوية، واختلف في "الذين اصطفينا" فقيل: المراد بهم الأنبياء، وقيل: بنو ~~إسرائيل، وقيل: أمة محمد، وقيل: العلماء منهم، وقيل: ذرية النبي من ولد ~~فاطمة (عليها السلام). # واختلف في "من عبادنا" فقيل: من للتبعيض أو للابتداء أو للتبيين ويختلف ~~المراد من العباد بحسب اختلاف معنى "من" وكذا إضافة "عبادنا" للتشريف على ~~بعض الوجوه ولغيره على بعضها. # واختلف في "فمنهم" فقيل: مرجع الضمير "الذين" وقيل: "عبادنا" واختلف في ~~الظالم لنفسه والمقتصد والسابق فقيل الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه ~~والمقتصد من استوى ظاهره وباطنه والسابق من كان باطنه خيرا من ظاهره، وقيل: ~~السابق هم السابقون الماضون في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~أصحابه والمقتصد من تبع أثرهم ولحق بهم من الصحابة والظالم لنفسه غيرهم، ~~وقيل: ms6291 الظالم من غلبت عليه السيئة والمقتصد المتوسط حالا والسابق هو المقرب ~~إلى الله السابق في الدرجات. # وهناك أقوال متفرقة أخر تركنا إيرادها ولو ضربت الاحتمالات بعضها في بعض ~~جاوز الألف. # قوله تعالى: "جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير" التحلية هي التزيين والأساور جمع أسورة وهي جمع سوار ~~بكسر السين قال الراغب: سوار المرأة معرب وأصله دستواره. # انتهى. # وقوله: "جنات عدن" إلخ. # ظاهره أنه بيان للفضل الكبير قال في المجمع: هذا تفسير للفضل كأنه قيل: ~~ما ذلك الفضل؟ فقال: هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات ويجوز أن يكون بدلا ~~من الفضل كأنه قال: ذلك دخول جنات. # انتهى. # والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور" ~~قيل: المراد بالحزن الذي يحمدون الله على إذهابه بإدخالهم الجنة الحزن الذي ~~كان يتوجه إليهم في الحياة الدنيا وما يحف بها من الشدائد والنوائب. # وقيل: المراد به الحزن الذي كان قد أحاط بهم بعد الارتحال من الدنيا، ~~وقيل الدخول في جنة الآخرة إشفاقا مما اكتسبوه من السيئات. # وعلى هذا فالقول قول الظالم لنفسه منهم أو قوله وقول المقتصد وأما السابق ~~بالخيرات منهم فلا سيئة في صحيفة أعماله حتى يعذب بها. # وهذا الوجه أنسب لقولهم في آخر حمدهم: "إن ربنا لغفور شكور". # قوله تعالى: "الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا ~~يمسنا فيها لغوب" المقامة الإقامة، ودار المقامة المنزل الذي لا خروج منه ~~ولا تحول. # والنصب بفتحتين التعب والمشقة، واللغوب بضم اللام: العي والتعب في طلب ~~المعاش وغيره. # والمعنى: الذي جعلنا حالين في دار الخلود من فضله من غير استحقاق منا ~~عليه لا يمسنا في هذه الدار وهي الجنة مشقة وتعب ولا يمسنا فيها عي ولا ~~كلال في طلب ما نريد أي إن لنا فيها ما نشاء. # وفي قوله: "من فضله" مناسبة خاصة مع قوله السابق: "ذلك هو الفضل الكبير". # قوله تعالى: "والذين كفروا لهم نار جهنم" ms6292 إلى آخر الآية اللام في "لهم" ~~للاختصاص ويفيد كون النار جزاء لهم لا ينفك عنهم، وقوله: "لا يقضى عليهم ~~فيموتوا" أي لا يحكم عليهم بالموت حتى يموتوا فهم أحياء على ما هم فيه من ~~شدة العذاب ولا يخفف عنهم من عذاب النار كذلك نجزي كل كفور شديد الكفران أو كثيره. # قوله تعالى: "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا إلى آخر الآية في المجمع،: ~~الاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة افتعال من الصراخ انتهى. # وقوله: "ربنا أخرجنا" إلخ. # بيان لاصطراخهم، وقوله: "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" إلخ. # جواب اصطراخهم وقوله: "فذوقوا" وقوله: "فما للظالمين من نصير" كل منهما ~~متفرع على ما قبله. PageV17P023 # والمعنى، وهؤلاء الذين في النار من الكفار يصطرخون ويصيحون بالاستغاثة فيها ~~قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل صالحا غير سيىء غير الذي كنا نعمل فيقال ~~لهم ردا عليهم: - كلا - أولم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ~~فأنذركم هذا العذاب فلم تتذكروا ولم تؤمنوا؟ فذوقوا العذاب فما للظالمين من ~~نصير ينصرهم ليتخلصوا من العذاب. # قوله تعالى: "إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور" ~~فيعاملكم بما في باطنكم من الاعتقاد وآثار الأعمال ويحاسبكم عليه سواء وافق ~~ظاهركم باطنكم أو خالف قال تعالى: "إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله:" البقرة: - 248، وقال: "يوم تبلى السرائر:" الطارق: - 9. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" الآية: ~~روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن ~~لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. وفي الحديث أعلمكم بالله أخوفكم لله. # أقول: وفي روضة الكافي، بإسناده عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) ما في معناه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): العلم علمان: علم في القلب فذاك ~~العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على خلقه. # وفي المجمع، روى ابن مسعود ms6293 عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ~~في قوله: "ويزيدهم من فضله": هو الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليه ~~معروفا في الدنيا. # وفي الكافي، بإسناده عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" ~~الآية قال: فقال: ولد فاطمة (عليها السلام)، والسابق بالخيرات الإمام ~~والمقتصد العارف بالإمام والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام. # وعن كتاب سعد السعود، لابن طاووس في حديث لأبي إسحاق السبيعي عن الباقر ~~(عليه السلام): في الآية قال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق أما السابق ~~بالخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا، وأما المقتصد فصائم ~~بالنهار وقائم بالليل، وأما الظالم لنفسه ففيه ما في الناس وهو مغفور له. # أقول: المراد بالشهيد بقرينة الروايات الأخر الإمام. # وفي معاني الأخبار، مسندا عن الصادق (عليه السلام): في الآية قال: الظالم ~~يحوم حوم نفسه والمقتصد يحوم حوم قلبه والسابق بالخيرات يحوم حوم ربه. # أقول: الحوم والحومان الدوران، ودوران الظالم لنفسه حوم نفسه اتباعه ~~أهواءها وسعيه في تحصيل ما يرضيها، ودوران المقتصد حوم قلبه اشتغاله بما ~~يزكي قلبه ويطهره بالزهد والتعبد، ودوران السابق بالخيرات حوم ربه إخلاصه ~~له تعالى فيذكره وينسى غيره فلا يرجو إلا إياه ولا يقصد إلا إياه. # واعلم أن الروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في ~~كون الآية خاصة بولد فاطمة (عليها السلام) كثيرة جدا. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~الدرداء سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: قال الله تعالى: ~~"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~- ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله" فأما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة ~~بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا، وأما ~~الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم ms6294 هم الذين يلقاهم الله ~~برحمة فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ~~الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب:. ~~أقول: ورواه في المجمع، عن أبي الدرداء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي ~~معناه أحاديث أخر، وهناك ما يخالفها ولا يعبأ به كما فيه، عن ابن مردويه عن ~~عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "فمنهم ظالم لنفسه" قال: ~~الكافر. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لا يمسنا - فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب" قال: النصب العناء واللغوب الكسل والضجر. PageV17P024 # وفي نهج البلاغة، وقال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة:. ~~أقول: ورواه عنه (عليه السلام) في المجمع، ورواه في الدر المنثور، عن ابن ~~جرير عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في سننه ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في ~~شعب الإيمان عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا كان ~~يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين وهو المعمر الذي قال الله: "أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر":. أقول: وروي ذلك بطرق أخرى عن سهل بن سعد وأبي ~~هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المجمع،: وقيل هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة وروي ذلك عن الباقر ~~(عليه السلام):. أقول: ورواه في الفقيه، عنه (عليه السلام) مضمرا. PageV17P025 ### ||| AUTO 35 سورة فاطر - 39 - 45 # هو الذى جعلكم خلئف فى الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكفرين كفرهم ~~عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرءيتم ~~شركاءكم الذين تدعون من دون الله أرونى ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك فى ~~السموت أم ءاتينهم كتبا فهم على بينت منه بل إن يعد الظلمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا (40) إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من ms6295 ~~أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) ~~استكبارا فى الأرض ومكر السيى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) ~~أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم ~~قوة وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموت ولا فى الأرض إنه كان عليما ~~قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) ### |||| AUTO بيان # احتجاج على توحيد الربوبية كقوله: "هو الذي جعلكم خلائف في الأرض" الآية، ~~وقوله: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" الآية، وعلى نفي ربوبية ~~شركائهم "قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله" الآية وتوبيخ وتهديد ~~لهم على نقضهم ما أبرموه باليمين ومكرهم السيىء. # ثم تسجيل أن الله لا يعجزه شيء وإنما يمهل من أمهله من هؤلاء الظالمين ~~إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم جازاهم ما يستحقونه وبذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "هو الذي جعلكم خلائف في الأرض" إلخ. # الخلائف جمع خليفة، وكون الناس خلائف في الأرض هو قيام كل لاحق منهم مقام ~~سابقه وسلطته على التصرف والانتفاع منها كما كان السابق مسلطا عليه وهم ~~إنما نالوا هذه الخلافة من جهة نوع الخلقة وهو الخلقة من طريق النسل ~~والولادة فإن هذا النوع من الخلقة يقسم المخلوق إلى سلف وخلف. # فجعل الخلافة الأرضية نوع من التدبير مشوب بالخلق غير منفك عنه ولذلك ~~استدل به على توحده تعالى في ربوبيته لأنه مختص به تعالى لا مجال لدعواه لغيره. # فقوله: "هو الذي جعلكم خلائف في الأرض" حجة على توحده تعالى في ربوبيته ~~وانتفائها عن شركائهم: تقريره أن الذي جعل الخلافة الأرضية في العالم ~~الإنساني هو ربهم المدبر لأمرهم، وجعل الخلافة لا ينفك عن نوع ms6296 الخلقة فخالق ~~الإنسان هو رب الإنسان لكن الخالق هو الله سبحانه حتى عند الخصم فالله هو ~~رب الإنسان. # وقوله: "فمن كفر فعليه كفره" أي فالله سبحانه هو رب الإنسان فمن كفر وستر ~~هذه الحقيقة ونسب الربوبية إلى غيره تعالى فعلى ضرره كفره. # وقوله: "ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا" بيان لكون كفرهم عليهم وهو أن كفرهم يورث لهم مقتا عند ~~ربهم والمقت شدة البغض لأن فيه إعراضا عن عبوديته واستهانة بساحته، ويورث ~~لهم خسارا في أنفسهم لأنهم بدلوا السعادة الإنسانية شقاء ووبالا سيصيبهم في ~~مسيرهم ومنقلبهم إلى دار الجزاء. # وإنما عبر عن أثر الكفر بالزيادة لأن الفطرة الإنسانية بسيطة ساذجة واقعة ~~في معرض الاستكمال والازدياد فإن أسلم الإنسان زاده ذلك كمالا وقربا من ~~الله وإن كفر زاده ذلك مقتا عند الله وخسارا. # وإنما قيد المقت بقوله: "عند ربهم" دون الخسار لأن الخسار من تبعات تبديل ~~الإيمان كفرا والسعادة شقاء وهو أمر عند أنفسهم وأما المقت وشدة البغض فمن ~~عند الله سبحانه. PageV17P026 # والحب والبغض المنسوبان إلى الله سبحانه من صفات الأفعال وهي معان خارجة عن ~~الذات غير قائمة بها، ومعنى حبه تعالى لأحد انبساط رحمته عليه وانجذابها ~~إليه وبغضه تعالى لأحد انقباض رحمته منه وابتعادها عنه. # قوله تعالى: "قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله" إلى آخر الآية ~~إضافة الشركاء إليهم بعناية أنهم يدعون أنهم شركاء لله فهي إضافة لامية ~~مجازية. # وفي الآية تلقين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة على نفي ربوبية ~~آلهتهم الذين كانوا يعبدونهم وتقرير الحجة أنهم لو كانوا أربابا آلهة من ~~دون الله لكان لهم شيء من تدبير العالم فكانوا خالقين لما يدبرونه لأن ~~الخلق والتدبير لا ينفك أحدهما عن الآخر ولو كانوا خالقين لدل عليه دليل ~~والدليل إما من العالم أو من قبل الله سبحانه أما العالم فلا شيء منه يدل ~~على كونه مخلوقا لهم ولو بنحو الشركة وهو قوله: "أروني ما ذا خلقوا من ~~الأرض ms6297 أم لهم شرك في السماوات". # وأما من قبله تعالى فلو كان لكان كتابا سماويا نازلا من عنده سبحانه ~~يعترف بربوبيتهم ويجوز للناس أن يعبدوهم ويتخذوهم آلهة، ولم ينزل كتاب على ~~هذه الصفة وهم معترفون بذلك وهو قوله: "أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه". # وإنما عبر عن نفي خالقيتهم في الأرض بقوله: "أروني ما ذا خلقوا من الأرض" ~~ولم يقل: أنبئوني ألهم شرك في الأرض؟ وعبر في السماوات بقوله: "أم لهم شرك ~~في السماوات" ولم يقل: أم ما ذا خلقوا من السماوات. # لأن المراد بالأرض - على ما يدل عليه سياق الاحتجاج - العالم الأرضي وهو ~~الأرض بما فيها وما عليها والمراد بالسماوات العالم السماوي المشتمل على ~~السماوات وما فيها وما عليها فقوله: "ما ذا خلقوا من الأرض" في معنى ألهم ~~شرك في الأرض ولا يكون إلا بخلق شيء منها، وقوله: "أم لهم شرك في السماوات" ~~في معنى أم ما ذا خلقوا من السماوات، وقد اكتفى بذكر الخلق في جانب الأرض ~~إشارة إلى أن الشرك في الربوبية لا يكون إلا بخلق. # وقوله: "أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه" أي بل آتيناهم كتابا فهم على ~~بينة منه أي على حجة ظاهرة من الكتاب أن لشركائهم شركة معنا وذلك بدلالته ~~على أنهم شركاء لله. # وقد قال: "أم آتيناهم كتابا" ولم يقل: أم لهم كتاب ونحو ذلك ليتأكد النفي ~~والإنكار فإن قولنا: أم لهم كتاب ونحو ذلك إنكار لوجود الكتاب لكن قوله: ~~"أم آتيناهم كتابا" إنكار لوجود الكتاب ممن ينزل الكتاب لو نزل. # وقد تبين بما تقدم أن ضمير الجمع في "آتيناهم" وفي "فهم على بينة" ~~للمشركين فلا يعبأ بما قيل: إن الضميرين للشركاء. # وقوله: "بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا" إضراب عما تقدم من ~~الاحتجاج بأن الذي حملهم على الشرك ليس هو حجة تحملهم عليه ويعتمدون عليها ~~بل غرور بعضهم بعضا بوعد الشفاعة والزلفى فأسلافهم يغرون أخلافهم ورؤساؤهم ~~وأئمتهم يغرون مرءوسيهم وتابعيهم ويعدونهم شفاعة الشركاء عند الله سبحانه ~~ولا حقيقة لها. ms6298 # وحجة الآية عامة على المشركين عبدة الأصنام وهم الذين يعبدون الملائكة ~~والجن وقديسي البشر ويتخذون لهم أصناما يتوجهون إليها، وعلى الذين يعبدون ~~روحانيي الكواكب ويتوجهون إلى الكواكب ثم يتخذون للكواكب أصناما، وعلى ~~الذين يعبدون الملائكة والعناصر من غير أن يتخذوا لها أصناما كما ينقل عن ~~الفرس القدماء، وعلى الذين يعبدون بعض البشر كالنصارى للمسيح (عليه ~~السلام). # قوله تعالى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن ~~أمسكهما من أحد من بعده" إلخ. # قيل: إن الآية استئناف مقرر لغاية قبح الشرك وهوله أي إن الله تعالى يحفظ ~~السماوات والأرض كراهة أن تزولا أو لئلا تزولا وتضمحلا لأن الممكن كما ~~يحتاج إلى الواجب حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه. # انتهى. PageV17P027 # والظاهر أنه تعالى لما استدل على توحده في الربوبية يجعل الخلافة في النوع ~~الإنساني بقوله: "هو الذي جعلكم خلائف في الأرض" الآية ثم نفى الشركة مطلقا ~~بالحجة عمم الحجة بحيث تشمل الخلق كله أعني السماوات والأرض فاحتج على ~~توحده بإبقاء الخلق بعد إحداثه فإن من البين الذي لا يرتاب فيه أن حدوث ~~الشيء وأصل تلبسه بالوجود بعد العدم غير بقائه وتلبسه بالوجود بعد الوجود ~~على نحو الاستمرار فبقاء الشيء بعد حدوثه يحتاج إلى إيجاد بعد إيجاد على ~~نحو الاتصال والاستمرار. # وإبقاء الشيء بعد إحداثه كما أنه إيجاد بعد الإيجاد كذلك هو تدبير لأمره ~~فإنك إن دققت النظر وجدت أن النظام الجاري في الكون إنما يجري بالإحداث ~~والإبقاء فقط. # والموجد والخالق هو الله سبحانه حتى عند الخصم فالله سبحانه هو الخالق ~~المدبر للسماوات والأرض وحده لا شريك له. # فقوله: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" الإمساك بمعناه المعروف ~~وقوله: "أن تزولا" - وتقديره كراهة أن تزولا أو لئلا تزولا - متعلق به، ~~وقيل: الإمساك بمعنى المنع أو بمعنى الحفظ وعلى أي حال فالإمساك كناية عن ~~الإبقاء وهو الإيجاد بعد الإيجاد على سبيل الاتصال والاستمرار، والزوال هو ~~الاضمحلال والبطلان. # ونقل عن بعضهم أنه فسر الزوال بالانتقال المكاني، والمعنى أن الله يمنع ~~السماوات والأرض ms6299 من أن ينتقل شيء منهما عن مكانه الذي استقر فيه فيرتفع أو ~~ينخفض انتهى والشأن في تصور مراده تصورا صحيحا. # وقوله: "ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده" السياق يعطي أن المراد ~~بالزوال هاهنا الإشراف على الزوال إذ نفس الزوال لا يجتمع معه الإمساك ~~والمعنى وأقسم لئن أشرفتا على الزوال لم يمسكهما أحد من بعد الله سبحانه إذ ~~لا مفيض للوجود غيره ويمكن أن يكون المراد بالزوال معناه الحقيقي والمراد ~~بالإمساك القدرة على الإمساك وقد تبين أن "من" الأولى زائدة للتأكيد ~~والثانية للابتداء، وضمير "من بعده" راجع إليه تعالى، وقيل: راجع إلى ~~الزوال. # وقوله: "إنه كان حليما غفورا" فهو لحلمه لا يعجل إلى أمر ولمغفرة يستر ~~جهات العدم في الأشياء، ومقتضى الاسمين أن يمسك السماوات والأرض أن تزولا ~~إلى أجل مسمى. # وقال في إرشاد العقل السليم،: إنه كان حليما غفورا غير معاجل بالعقوبة ~~التي تستوجبها جناياتهم حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا حسبما قال ~~تعالى: "تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض" انتهى. # قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا" قال الراغب: الجهد - بفتح ~~الجيم - والجهد - بضمها - الطاقة والمشقة - إلى أن قال - وقال تعالى: ~~"وأقسموا بالله جهد أيمانهم" أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على ~~أبلغ ما في وسعهم. # انتهى. # وقال: النفر الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالفزع إلى الشيء وعن الشيء ~~يقال: نفر عن الشيء نفورا قال تعالى: "ما زادهم إلا نفورا" انتهى. # قيل 1: بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أهل ~~الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم ~~فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم انتهى، وسياق الآية يصدق ~~هذا النقل ويؤيده. # فقوله: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم" الضمير لقريش وقد حلفوا هذا الحلف ~~قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله بعد: "فلما جاءهم ~~نذير"، والمقسم به قوله: ms6300 "لئن جاءهم نذير" إلخ. # وقوله: "لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم" أي إحدى الأمم التي ~~جاءهم نذير كاليهود والنصارى وإنما قال: "ليكونن أهدى من إحدى الأمم" ولم ~~يقل: أهدى منهم لأن المعنى أنهم كانوا أمة ما جاءهم نذير ثم لو جاءهم نذير ~~كانوا أمة ذات نذير كإحدى تلك الأمم المنذرة ثم بتصديق النذير يصيرون أهدى ~~من التي ماثلوها وهو قوله: "أهدى من إحدى الأمم" فافهمه. # وقيل: إن مقتضى المقام العموم، وقوله: "إحدى الأمم" عام وإن كان نكرة في ~~سياق الإثبات واللام في "الأمم" للعهد، والمعنى ليكونن أهدى من كل واحدة من ~~تلك الأمم التي كذبوا رسلهم من اليهود والنصارى وغيرهم. PageV17P028 # وقيل: المعنى ليكونن أهدى من أمة يقال فيها: إحدى الأمم تفضيلا لها على ~~غيرها من الأمم كما يقال: هو واحد القوم وواحد عصره. # انتهى. # ولا يخلو الوجه الأخير عن تكلف وبعد. # وقوله: "فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا" المراد بالنذير النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والنفور التباعد والهرب. # قوله تعالى: "استكبارا في الأرض ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله" قال الراغب: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر ~~محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل وعلى ذلك قال تعالى: "والله خير ~~الماكرين" ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال تعالى: "لا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله" انتهى. # وقال أيضا: قال عز وجل: "ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله" أي لا ينزل ~~ولا يصيب. # قيل: وأصله حق فقلب نحو زل وزال وقد قرىء فأزلهما الشيطان وأزالهما وعلى ~~هذا ذمه وذامه. # انتهى. # وقوله: "استكبارا في الأرض" مفعول لأجله لقوله: "نفورا" أي نفروا عنه ~~وتباعدوا للاستكبار في الأرض وقوله: "ومكر السيىء" معطوف على "استكبارا" ~~ومفعول لأجله مثله، وقيل: معطوف على "نفورا" والإضافة فيه من إضافة الموصوف ~~إلى الصفة بدليل قوله ثانيا: "ولا يحيق المكر السيىء" إلخ. # وقوله: "ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله" أي لا يصيب ولا ينزل المكر ~~السيىء إلا بأهله ولا يستقر ms6301 إلا فيه، فإن المكر السيىء وإن كان ربما أصاب ~~به مكروه للممكور به، لكنه سيزول ولا يدوم إلا أن أثره السيىء بما أنه ~~المكر سيىء يبقى في نفس الماكر وسيظهر فيه ويجزى به إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة البتة، ولهذا فسر الآية في مجمع البيان، بقوله: والمعنى لا ينزل ~~جزاء المكر السيىء إلا بمن فعله. # والكلام مرسل إرسال المثل كقوله تعالى: "إنما بغيكم على أنفسكم:" يونس: - ~~23 "فمن نكث فإنما ينكث على نفسه:" الفتح: - 10. # وقوله: "فهل ينظرون إلا سنة الأولين" النظر والانتظار بمعنى التوقع ~~والفاء للتفريع والجملة استنتاج مما تقدمها والاستفهام للإنكار والمعنى وإذ ~~مكروا المكر السيىء والمكر السيىء يحيق بأهله فهم لا ينتظرون إلا السنة ~~الجارية في الأمم الماضين وهي العذاب الإلهي النازل بهم إثر مكرهم وتكذيبهم ~~بآيات الله. # وقوله: "فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا" تبديل السنة ~~أن توضع العافية والنعمة موضع العذاب، وتحويلها أن ينقل العذاب من قوم ~~يستحقونه إلى غيرهم، وسنة الله لا تقبل تبديلا ولا تحويلا لأنه تعالى على ~~صراط مستقيم لا يقبل حكمه تبعيضا ولا استثناء. # وقد أخذ الله بالعذاب هؤلاء المشركين الماكرين يوم بدر فقتل عامتهم. # والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لكل سامع. # قوله تعالى: "أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~وكانوا أشد منهم قوة" استشهاد على سنته الجارية في الأمم الماضية وقد كانوا ~~أشد قوة من مشركي مكة فأخذهم الله بالعذاب لما مكروا وكذبوا. # قوله تعالى: "وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه ~~كان عليما قديرا" تتميم لسابق البيان لمزيد إنذارهم وتخويفهم، والمحصل ~~ليتقوا الله وليؤمنوا به ولا يمكروا به ولا يكذبوا فإن سنة الله في ذلك هي ~~العذاب كما يشهد به ما جرى في الأمم السابقة من الإهلاك والتعذيب وقد كانوا ~~أشد قوة منهم والله سبحانه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض بقوة أو مكر ~~فإنه عليم على الإطلاق لا يغفل ولا يجهل ms6302 حتى ينخدع بمكر أو حيلة قدير على ~~الإطلاق لا يقاومه شيء. # قوله تعالى: "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" إلخ. # المراد بالمؤاخذة المؤاخذة الدنيوية كما يدل عليه قوله الآتي: "ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى" إلخ. # والمراد بالناس جميعهم فإن الآية مسبوقة بذكر مؤاخذة بعضهم وهم الماكرون ~~المكذبون بآيات الله، والمراد بما كسبوا المعاصي التي اكتسبوها بقرينة ~~المؤاخذة التي هي العذاب وقد قال في نظيره الآية من سورة النحل: "ولو يؤاخذ ~~الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة:" النحل: - 61. # والمراد بظهرها ظهر الأرض لأن الناس يعيشون عليه على أن الأرض تقدم ذكرها ~~في الآية السابقة. PageV17P029 # والمراد بالدابة كل ما يدب في الأرض من إنسان ذكر أو أنثى أو كبير أو صغير ~~واحتمل أن يكون المراد كل ما يدب في الأرض من حيوان وإهلاك غير الإنسان من ~~أنواع الحيوان إنما هو لكونها مخلوقة للإنسان كما قال تعالى: "خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا:" البقرة: - 29. # وقول بعضهم: ذلك لشؤم المعاصي وقد قال تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة" مدفوع بأن شؤم المعصية لا يتعدى العاصي إلى غيره ~~وقد قال تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى:" فاطر: - 18، وأما الآية أعني ~~قوله: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة:" الأنفال: - 25 ~~فمدلولها على ما تقدم من تفسيرها اختصاص الفتنة بالذين ظلموا منهم خاصة لا ~~عمومها لهم ولغيرهم فراجع. # وقوله: "ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" وهو الموت أو القيامة وقوله: "فإذا ~~جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا" أي فيجازي كلا بما عمل فإنه بصير بهم ~~عليم بأعمالهم لأنهم عباده وكيف يمكن أن يجهل الخالق خلقه والرب عمل عبده؟. # وقد بان بما تقدم أن قوله: "فإن الله كان بعباده بصيرا" من وضع السبب ~~موضع المسبب الذي هو الجزاء. # والآية أعني قوله تعالى: "ولو يؤاخذ الله الناس" إلخ. # واقعة موقع الجواب عن سؤال مقدر ناش عن الآية السابقة فإنه تعالى لما ~~أنذر أهل المكر والتكذيب من ms6303 المشركين بالمؤاخذة واستشهد بما جرى في الأمم ~~السابقة وذكر أنه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض كأنه قيل: فإذا لم يعجزه ~~شيء في السماوات والأرض فكيف يترك سائر الناس على ما هم عليه من المعاصي؟ ~~وما ذا يمنعه أن يؤاخذهم بما كسبوا؟ فأجاب أنه لو يؤاخذ جميع الناس بما ~~كسبوا من المعاصي كما يؤاخذ هؤلاء الماكرين المكذبين ما ترك على ظهر الأرض ~~أحدا منهم يدب ويتحرك، وقد قضى سبحانه أن يعيشوا في الأرض ويعمروها إذ قال: ~~"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:" البقرة: - 36 فلا يؤاخذهم ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى وهو الموت أو البعث فإذا جاء أجلهم عاملهم بما عملوا ~~إنه كان بعباده بصيرا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي زكريا الكوفي ~~عن رجل حدثه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إياكم والمكر السيىء ~~فإنه لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله ولهم من الله طالب. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سبق العلم، وجف ~~القلم، ومضى القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل، وبالسعادة من ~~الله لمن آمن واتقى وبالشقاء لمن كذب وكفر، وبالولاية من الله عز وجل ~~للمؤمنين، وبالبراءة منه المشركين. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): إن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما ~~تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت ~~على معصيتي، وبقوتي وعصمتي وعافيتي أديت إلي فرائضي وأنا أولى بحسناتك منك ~~وأنت أولى بذنبك مني، الخير مني إليك واصل بما أوليتك به والشر منك إليك ~~بما جنيت جزاء وبكثير من تسلطي لك انطويت على طاعتي، وبسوء ظنك بي قنطت من ~~رحمتي. فلي الحمد والحجة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك ~~الجزاء الحسن عندي بالإحسان، لم أدع تحذيرك، ولم ms6304 آخذك عند غرتك وهو قوله عز ~~وجل: "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا - ما ترك على ظهرها من دابة"، لم ~~أكلفك فوق طاقتك، ولم أحملك من الأمانة إلا ما أقررت بها على نفسك، ورضيت ~~لنفسي منك بما رضيت به لنفسك مني ثم قال عز وجل: "ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~- فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا". PageV17P030 ### || AUTO ### ||| AUTO 36 سورة يس - 1 - 12 # بسم الله الرحمن الرحيم يس (1) والقرءان الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) ~~على صرط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم ~~فهم غفلون (6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا فى ~~أعنقهم أغللا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا فأغشينهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة ~~وأجر كريم (11) إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثرهم وكل شىء أحصينه ~~فى إمام مبين (12) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة بيان الأصول الثلاثة للدين فهي تبتدىء بالنبوة وتصف حال الناس ~~في قبول الدعوة وردها وأن غاية الدعوة الحقة إحياء قوم بركوبهم صراط ~~السعادة وتحقيق القول على آخرين وبعبارة أخرى تكميل الناس في طريقي السعادة ~~والشقاء. # ثم تنتقل السورة إلى التوحيد فتعد جملة من آيات الوحدانية ثم تنتقل إلى ~~ذكر المعاد فتذكر بعث الناس للجزاء وامتياز المجرمين يومئذ من المتقين وتصف ~~ما تئول إليه حال كل من الفريقين. # ثم ترجع إلى ما بدأت فتلخص القول في الأصول الثلاثة وتستدل عليها وعند ~~ذلك تختتم السورة. # ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون" فالسورة عظيمة الشأن ~~تجمع أصول الحقائق وأعراقها وقد ورد من طرق العامة والخاصة: أن لكل شيء ~~قلبا وقلب القرآن يس 1. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "يس والقرآن الحكيم - إلى قوله - فهم غافلون" إقسام منه ms6305 ~~تعالى بالقرآن الحكيم على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~المرسلين، وقد وصف القرآن بالحكيم لكونه مستقرا فيه الحكمة وهي حقائق ~~المعارف وما يتفرع عليها من الشرائع والعبر والمواعظ. # وقوله: "إنك لمن المرسلين" مقسم عليه كما تقدم. # وقوله: "على صراط مستقيم" خبر بعد خبر لقوله: "إنك"، وتنكير الصراط - كما ~~قيل - للدلالة على التفخيم وتوصيفه بالمستقيم للتوضيح فإن الصراط هو الطريق ~~الواضح المستقيم، والمراد به الطريق الذي يوصل عابريه إلى الله تعالى أي ~~إلى السعادة الإنسانية التي فيها كمال العبودية لله والقرب، وقد تقدم في ~~تفسير الفاتحة بعض ما ينفع في هذا المقام من الكلام. # وقوله: "تنزيل العزيز الرحيم" وصف للقرآن مقطوع عن الوصفية منصوب على ~~المدح، والمصدر بمعنى المفعول ومحصل المعنى أعني بالقرآن ذاك المنزل الذي ~~أنزله الله العزيز الرحيم الذي استقر فيه العزة والرحمة. # والتذييل بالوصفين للإشارة إلى أنه قاهر غير مقهور وغالب غير مغلوب فلا ~~يعجزه إعراض المعرضين عن عبوديته ولا يستذله جحود الجاحدين وتكذيب ~~المكذبين، وأنه ذو رحمة واسعة لمن يتبع الذكر ويخشاه بالغيب لا لينتفع ~~بإيمانهم بل ليهديهم إلى ما فيه سعادتهم وكمالهم فهو بعزته ورحمته أرسل ~~الرسول وأنزل عليه القرآن الحكيم لينذر الناس فيحق كلمة العذاب على بعضهم ~~ويشمل الرحمة منهم آخرين. # وقوله: "لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون" تعليل للإرسال والتنزيل ~~و"ما" نافية والجملة صفة لقوله: "قوما" والمعنى إنما أرسلك وأنزل عليك ~~القرآن لتنذر وتخوف قوما لم ينذر آباؤهم فهم غافلون. # والمراد بالقوم إن كان هو قريش ومن يلحق بهم فالمراد بآبائهم آباؤهم ~~الأدنون فإن الأبعدين من آبائهم كان فيهم النبي إسماعيل ذبيح الله، وقد ~~أرسل إلى العرب رسل آخرون كهود وصالح وشعيب (عليهما السلام)، وإن كان ~~المراد جميع الناس المعاصرين نظرا إلى عموم الرسالة فكذلك أيضا فآخر رسول ~~معروف بالرسالة قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عيسى (عليه السلام) ~~وبينهما زمان الفترة. PageV17P031 # واعلم أن ما ذكرناه في تركيب الآيات هو الذي يسبق منها إلى الفهم وقد ~~أوردوا في ذلك ms6306 وجوها أخر بعيدة عن الفهم تركناها من أرادها فليراجع ~~المطولات. # قوله تعالى: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون" اللام للقسم أي ~~أقسم لقد ثبت ووجب القول على أكثرهم، والمراد بثبوت القول عليهم صيرورتهم ~~مصاديق يصدق عليهم القول. # والمراد بالقول الذي حق عليهم كلمة العذاب التي تكلم بها الله سبحانه في ~~بدء الخلقة مخاطبا بها إبليس: "الحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين:" ص: - 85 والمراد بتبعية إبليس طاعته فيما يأمر به بالوسوسة ~~والتسويل بحيث تثبت الغواية وترسخ في النفس كما يشير إليه قوله تعالى خطابا ~~لإبليس: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين:" الحجر: - 43. # ولازمه الطغيان والاستكبار على الحق كما يشير إليه ما يحكيه الله من ~~تساؤل المتبوعين والتابعين في النار: "بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ~~ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين:" الصافات: - 32، وقوله: "ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين:" الزمر: - 72. # ولازمه الانكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة بالمرة ورسوخ ذلك في ~~نفوسهم قال تعالى: "ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون:" النحل: - 108 فيطبع الله على قلوبهم ومن آثاره أن لا سبيل لهم ~~إلى الإيمان قال تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون:" يونس: - 96. # وبما تقدم ظهر أن الفاء في قوله: "فهم لا يؤمنون" للتفريع لا للتعليل كما ~~احتمله بعضهم. # قوله تعالى: "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون" ~~الأعناق جمع عنق بضمتين وهو الجيد، والأغلال جمع غل بالكسر وهي على ما قيل ~~ما تشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، ومقمحون اسم مفعول من الإقماح ~~وهو رفع الرأس كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت ~~رءوسهم ms6307 مرفوعة إلى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى ما بين ~~أيديهم من الطريق فيعرفوها ويميزوها من غيرها. # وتنكير قوله: "أغلالا" للتفخيم والتهويل. # والآية في مقام التعليل لقوله السابق: "فهم لا يؤمنون". # قوله تعالى: "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون" السد الحاجز بين الشيئين، وقوله: "من بين أيديهم ومن خلفهم" كناية ~~عن جميع الجهات، والغشي والغشيان التغطية يقال: غشيه كذا أي غطاه وأغشى ~~الأمر فلانا أي جعل الأمر يغطيه، والآية متممة للتعليل السابق وقوله: ~~"جعلنا" معطوف على "جعلنا" المتقدم. # وعن الرازي في تفسيره في معنى التشبيه في الآيتين أن المانع عن النظر في ~~الآيات قسمان: قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه ~~مقمحا لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه، وقسم يمنع عن النظر في الآفاق ~~فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا يظهر ~~له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر بالكلية. # ومعنى الآيتين أنهم لا يؤمنون لأنا جعلنا في أعناقهم أغلالا نشد بها ~~أيديهم على أعناقهم فهي إلى الأذقان فهم مرفوعة رءوسهم باقون على تلك الحال ~~وجعلنا من جميع جهاتهم سدا فجعلناه يغطيهم فهم لا يبصرون فلا يهتدون. # ففي الآيتين تمثيل لحالهم في حرمانهم من الاهتداء إلى الإيمان وتحريمه ~~تعالى عليهم ذلك جزاء لكفرهم وغوايتهم وطغيانهم في ذلك. # وقد تقدم في قوله تعالى: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا:" البقرة: - 26 ~~في الجزء الأول من الكتاب أن ما وقع في القرآن من هذه الأوصاف ونظائرها ~~التي وصف بها المؤمنون والكفار يكشف عن حياة أخرى للإنسان في باطن هذه ~~الحياة الدنيوية مستورة عن الحس المادي ستظهر له إذا انكشفت الحقائق بالموت ~~أو البعث، وعليه فالكلام في أمثال هذه الآيات جار في مجرى الحقيقة دون ~~المجاز كما عليه القوم. PageV17P032 # قوله تعالى: "وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" عطف تفسير ~~وتقرير لما تتضمنه الآيات الثلاث ms6308 المتقدمة وتلخيص للمراد وتمهيد لما يتلوه ~~من قوله: "إنما تنذر من اتبع الذكر" الآية. # واحتمل أن يكون عطفا على قوله: "لا يبصرون" والمعنى فهم لا يبصرون ويستوي ~~عليهم إنذارك وعدم إنذارك لا يؤمنون والوجه الأول أقرب إلى الفهم. # قوله تعالى: "إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة ~~وأجر كريم" القصر للإفراد، والمراد بالإنذار الإنذار النافع الذي له أثر، ~~وبالذكر القرآن الكريم، وباتباعه تصديقه والميل إليه إذا تليت آياته، ~~والتعبير بالماضي للإشارة إلى تحقق الوقوع، والمراد بخشية الرحمن بالغيب ~~خشيته تعالى من وراء الحجاب وقبل انكشاف الحقيقة بالموت أو البعث، وقيل: أي ~~حال غيبته من الناس بخلاف المنافق وهو بعيد. # وقد علقت الخشية على اسم الرحمن الدال على صفة الرحمة الجالبة للرجاء ~~للإشعار بأن خشيتهم خوف مشوب برجاء وهو الذي يقر العبد في مقام العبودية ~~فلا يأمن ولا يقنط. # وتنكير "مغفرة" و"أجر كريم" للتفخيم أي فبشره بمغفرة عظيمة من الله وأجر ~~كريم لا يقدر قدره وهو الجنة، والدليل على جميع ما تقدم هو السياق. # والمعنى: إنما تنذر الإنذار النافع الذي له أثر، من اتبع القرآن إذا تليت ~~عليه آياته ومال إليه وخشي الرحمن خشية مشوبة بالرجاء فبشره بمغفرة عظيمة ~~وأجر كريم لا يقدر قدره. # قوله تعالى: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء ~~أحصيناه في إمام مبين" المراد بإحياء الموتى إحياؤهم للجزاء. # والمراد بما قدموا الأعمال التي عملوها قبل الوفاة فقدموها على موتهم، ~~والمراد بآثارهم ما تركوها لما بعد موتهم من خير يعمل به كتعليم علم ينتفع ~~به أو بناء مسجد يصلى فيه أو ميضاة يتوضأ فيها، أو شر يعمل به كوضع سنة ~~مبتدعة يستن بها أو بناء مفسقة يعصى الله فيها. # وربما قيل: إن المراد بما قدموا النيات وبآثارهم الأعمال المترتبة ~~المتفرعة عليها وهو بعيد من السياق. # والمراد بكتابة ما قدموا وآثارهم ثبتها في صحائف أعمالهم وضبطها فيها ~~بواسطة كتبة الأعمال من الملائكة وهذه الكتابة غير كتابة الأعمال وإحصائها ~~في الإمام المبين الذي هو ms6309 اللوح المحفوظ وإن توهم بعضهم أن المراد بكتابة ~~ما قدموا وآثارهم هو إحصاؤها في الكتاب المبين وذلك أنه تعالى يثبت في ~~كلامه كتابا يحصي كل شيء ثم لكل أمة كتابا يحصي أعمالهم ثم لكل إنسان كتابا ~~يحصي أعماله كما قال: "ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين:" الأنعام: - 59، ~~وقال: "كل أمة تدعى إلى كتابها:" الجاثية: - 28، وقال: "وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا:" الإسراء: - 13، ~~وظاهر الآية أيضا يقضي بنوع من البينونة بين كتاب الأعمال والإمام المبين ~~حيث فرق بينهما بالخصوص والعموم واختلاف التعبير بالكتابة والإحصاء. # وقوله: "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" هو اللوح المحفوظ من التغيير الذي ~~يشتمل على تفصيل قضائه سبحانه في خلقه فيحصي كل شيء وقد ذكر في كلامه تعالى ~~بأسماء مختلفة كاللوح المحفوظ وأم الكتاب والكتاب المبين والإمام المبين كل ~~منها بعناية خاصة. # ولعل العناية في تسميته إماما مبينا أنه لاشتماله على القضاء المحتوم ~~متبوع للخلق مقتدى لهم وكتب الأعمال كما سيأتي في تفسير سورة الجاثية ~~مستنسخة منه قال تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون:" الجاثية: - 29. # وقيل: المراد بالإمام المبين صحف الأعمال وليس بشيء، وقيل: علمه تعالى ~~وهو كسابقه نعم لو أريد به العلم الفعلي كان له وجه. # ومن عجيب القول في هذا المقام ما ذكره بعضهم أن الذي كتب في اللوح ~~المحفوظ هو ما كان وما يكون إلى يوم القيامة لا حوادث العالم إلى أبد ~~الآبدين وذلك أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم متناهي الأبعاد كما يشهد ~~به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف عندنا دفعة مقتض لكون ~~المتناهي ظرفا لغير المتناهي وهو محال بالبديهة فالوجه تخصيص عموم كل شيء ~~والقول بأن المراد به الحوادث إلى يوم القيامة هذا. # وهو تحكم وسنتعرض له تفصيلا. PageV17P033 # والآية في معنى التعليل بالنسبة إلى ما تقدمها كأنه تعالى يقول: ما أخبرنا ~~به ووصفناه من حال أولئك الذين حق عليهم القول وهؤلاء الذين يتبعون ms6310 الذكر ~~ويخشون ربهم بالغيب هو كذلك لأن أمر حياة الكل إلينا وأعمالهم وآثارهم ~~محفوظة عندنا فنحن على علم وخبرة بما تئول إليه حال كل من الفريقين. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فهم مقمحون" قال: قد رفعوا رءوسهم. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~"وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا - فأغشيناهم فهم لا يبصرون" ~~الهدى، أخذ الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم وأعمالهم عن الهدى. نزلت في أبي ~~جهل بن هشام ونفر من أهل بيته وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام ~~يصلي وقد حلف أبو جهل لعنه الله لئن رآه يصلي ليدمغه 1 فجاءه ومعه حجر ~~والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم يصلي فجعل كلما رفع الحجر ليرميه ~~أثبت الله عز وجل يده إلى عنقه ولا يدور الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه ~~سقط الحجر من يده. ثم قام رجل آخر وهو رهطه أيضا فقال أنا أقتله فلما دنا ~~منه فجعل يسمع قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرعب فرجع إلى ~~أصحابه فقال حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه فخفت أن أتقدم. وقوله ~~تعالى: "وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" فلم يؤمن من أولئك ~~الرهط من بني مخزوم أحد. # أقول: وروي نحو منه في الدر المنثور، عن البيهقي في الدلائل عن ابن عباس ~~وفيه: أن ناسا من بني مخزوم تواطئوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ليقتلوه منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة فبينا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قائم يصلي يسمعون قراءته فأرسلوا إليه الوليد ليقتله فانطلق حتى أتى ~~المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته ولا يراه فانطلق إليهم فأعلمهم ذلك ~~فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته فيذهبون إليه ~~فيسمعون أيضا من خلفهم فانصرفوا فلم يجدوا إليه سبيلا. فذلك قوله: "وجعلنا ~~من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا" الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ms6311 ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس ~~قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة ~~حتى تأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم ~~وإذا هم لا يبصرون فجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: ~~ننشدك الله والرحم يا محمد ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فيهم قرابة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ذهب ~~ذلك عنهم فنزلت: "يس والقرآن الحكيم إلى قوله أم لم تنذرهم لا يؤمنون". ~~قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد. # أقول: وقد رووا القصة بأشكال مختلفة في بعضها أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قرأ الآيات فاحتجب منهم فلم يروه ودفع الله عنه شرهم ~~وكيدهم، وفي بعضها أن الآيات - من أول السورة إلى قوله: "فهم لا يؤمنون" - ~~نزلت في القصة فقوله: "إنا جعلنا" إلى آخر الآيتين يقص صنع الله بهم في ستر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبصارهم وقوله: "وسواء عليهم" إلخ يخبر ~~عن عدم إيمان ذاك النفر. # وأنت خبير بأن سياق الآيات يأبى الانطباق على هذه الروايات بما فيها من ~~القصة فهو سياق متناسق منسجم يصف حال طائفتين من الناس وهم الذين حق عليهم ~~القول فهم لا يؤمنون والذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم بالغيب. # وأين ذلك من حمل قوله: "لقد حق القول على أكثرهم" على الناس المنذرين ~~وحمل قوله: "إنا جعلنا في أعناقهم" و"جعلنا من بين أيديهم سدا" الآيتين على ~~قصة أبي جهل ورهطه، وحمل قوله: "وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم" على ~~رهطه وأضف إلى ذلك حمل قوله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم" على قصة قوم من ~~الأنصار بالمدينة وسيوافيك خبره فيختل بذلك السياق وتنثلم وحدة النظم. # فالحق أن الآيات نازلة دفعة ذات سياق واحد تصف حال الناس وتفرقهم عند ~~بلوغ الدعوة ووقوع الإنذار على فرقتين، ولا مانع من وقوع القصة واحتجاب ~~النبي (صلى الله عليه ms6312 وآله وسلم) من أعدائه بالآيات. PageV17P034 # وفيه، أخرج عبد الرزاق والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد ~~الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب ~~المسجد فأنزل الله: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" فدعاهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنه يكتب آثاركم ثم قرأ عليهم ~~الآية فتركوا. # وفيه، أخرج الفاريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير ~~وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت الأنصار منازلهم ~~بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريبا من المسجد فنزلت "ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم" فقالوا: بل نمكث مكاننا. # أقول: والكلام في الروايتين كالكلام فيما تقدمهما. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من ~~بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر ~~من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيء. ثم تلا هذه الآية "ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم". # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" أي في ~~كتاب مبين وهو محكم، وذكر ابن عباس عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا ~~والله الإمام المبين أبين الحق من الباطل ورثته من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفي معاني الأخبار، بإسناده إلى أبي الجارود عن أبي جعفر عن أبيه عن جده ~~(عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: أنه قال في ~~علي (عليه السلام) إنه الإمام الذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كل شيء. # أقول: الحديثان لو صحا لم يكونا من التفسير في شيء بل مضمونهما من بطن ~~القرآن وإشاراته، ولا مانع من أن يرزق الله عبدا وحده وأخلص العبودية له ~~العلم ms6313 بما في الكتاب المبين وهو (عليه السلام) سيد الموحدين بعد النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). PageV17P035 ### ||| AUTO 36 سورة يس - 13 - 32 # واضرب لهم مثلا أصحب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شىء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا ~~يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلغ المبين (17) قالوا إنا ~~تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا ~~طئركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصا المدينة رجل ~~يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون ~~(21) وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون (22) ء أتخذ من دونه ءالهة إن ~~يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إنى إذا لفى ضلل ~~مبين (24) إنى ءامنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يليت قومى ~~يعلمون (26) بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه ~~من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة وحدة فإذا ~~هم خمدون (29) يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون ~~(30) ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون (32) ### |||| AUTO بيان # مثل مشتمل على الإنذار والتبشير ضربه الله سبحانه لعامة القوم يشير فيه ~~إلى الرسالة الإلهية وما تستتبعه الدعوة الحقة من المغفرة والأجر الكريم ~~لمن آمن بها واتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، ومن العذاب الأليم لمن كفر ~~وكذب بها فحق عليه القول، وفيه إشارة إلى وحدانيته تعالى ومعاد الناس إليه جميعا. # ولا منافاة بين إخباره بأنهم لا يؤمنون سواء أنذروا أم لم ينذروا وبين ~~إنذارهم لأن في البلاغ إتماما للحجة وتكميلا للسعادة أو الشقاوة قال تعالى: ~~"ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة:" الأنفال: - 42، وقال: "وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ms6314 الظالمين إلا خسارا:" ~~الإسراء: - 82. # قوله تعالى: "واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون" المثل كلام ~~أو قصة يمثل به مقصد من المقاصد فيتضح للمخاطب، ولما كانت قصتهم توضح ما ~~تقدم من الوعد والوعيد أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يضربها مثلا لهم. # والظاهر أن "مثلا" مفعول ثان لقوله: "اضرب" ومفعوله الأول قوله: "أصحاب ~~القرية" والمعنى واضرب لهم أصحاب القرية وحالهم هذه الحال مثلا وقد قدم ~~المفعول الثاني تحرزا عن الفصل المخل. # قوله تعالى: "إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا ~~إليكم مرسلون" التعزيز من العزة بمعنى القوة والمنعة، وقوله: "إذ أرسلنا ~~إليهم" بيان تفصيلي لقوله: "إذ جاءها المرسلون". # والمعنى: واضرب لهم مثلا أصحاب القرية وهم في زمان أرسلنا إليهم رسولين ~~اثنين من رسلنا فكذبوهما أي الرسولين فقويناهما برسول ثالث فقالت الرسل إنا ~~إليكم مرسلون من جانب الله. # قوله تعالى: "قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن ~~أنتم إلا تكذبون" كانوا يرون أن البشر لا ينال النبوة والوحي، ويستدلون على ~~ذلك بأنفسهم حيث لا يجدون من أنفسهم شيئا من ذاك القبيل فيسرون الحكم إلى ~~نفوس الأنبياء مستندين إلى أن حكم الأمثال واحد. PageV17P036 # وعلى هذا التقرير يكون معنى قوله: "وما أنزل الرحمن من شيء" لم ينزل الله ~~وحيا ولو نزل شيئا على بشر لنلناه من نفوسنا كما تدعون أنتم ذلك، وتعبيرهم ~~عن الله سبحانه بالرحمن إنما هو لكونهم كسائر الوثنيين معترفين بالله ~~سبحانه واتصافه بكرائم الصفات 1 كالخلق والرحمة والملك غير أنهم يرون أنه ~~فوض أمر التدبير إلى مقربي خلقه كالملائكة الكرام فهم الأرباب المدبرون ~~والآلهة المعبودون، وأما الله عز اسمه فهو رب الأرباب وإله الآلهة. # ومن الممكن أن يكون ذكر اسم الرحمن في الحكاية دون المحكي فيكون التعبير ~~به لحلمه ورحمته تعالى قبل إنكارهم وتكذيبهم للحق الصريح. # وقوله: "إن أنتم إلا تكذبون" بمنزلة النتيجة لصدر الآية، ومحصل قولهم ~~إنكم بشر مثلنا ولا نجد نحن على بشريتنا في نفوسنا شيئا من الوحي ms6315 النازل ~~الذي تدعونه وأنتم مثلنا فما أنزل الرحمن شيئا من الوحي فدعواكم كاذبة وإذ ~~ليس لكم إلا هذه الدعوى فإن أنتم إلا تكذبون. # ويظهر بما تقدم نكتة الحصر في قوله: "إن أنتم إلا تكذبون" وكذا الوجه في ~~نفي الفعل ولم يقل: إن أنتم إلا كاذبون لأن المراد نفي الفعل في الحال دون ~~الاستمرار والاستقبال. # قوله تعالى: "قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ ~~المبين" لم يحك الله سبحانه عن هؤلاء الرسل جوابا عن حجة قومهم ما أنتم إلا ~~بشر مثلنا" إلخ. # كما نقل عن الرسل المبعوثين إلى الأمم الدارجة لما احتجت أممهم بمثل هذه ~~الحجة "إن أنتم إلا بشر مثلنا" فردتها رسلهم بقولهم: "إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشاء من عباده:" إبراهيم: - 11 وقد مر تقريره. # بل حكى عنهم أنهم ذكروا للقوم أنهم مرسلون إليهم مأمورون بتبليغ الرسالة ~~ليس عليهم إلا ذلك وأنهم في غنى عن تصديقهم لهم وإيمانهم بهم ويكفيهم فيه ~~أن يعلم ربهم بأنهم مرسلون لا حاجة لهم إلى أزيد من ذلك. # فقوله: "قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون" إخبار عن رسالتهم وقد أكد ~~الكلام بأن المشددة المكسورة واللام، والاستشهاد بعلم ربهم بذلك، وقوله: ~~"ربنا يعلم" معترض بمنزلة القسم، والمعنى إنا مرسلون إليكم صادقون في دعوى ~~الرسالة ويكفينا في ذلكم علم ربنا الذي أرسلنا بها ولا حاجة لنا فيه إلى ~~تصديقكم لنا ولا نفع لنا فيه من أجر ونحوه ولا يهمنا تحصيله منكم بل الذي ~~يهمنا هو تبليغ الرسالة وإتمام الحجة. # وقوله: "وما علينا إلا البلاغ المبين" البلاغ هو التبليغ والمراد به ~~تبليغ الرسالة أي لم يؤمر ولم نكلف إلا بتبليغ الرسالة وإتمام الحجة. # قوله تعالى: "قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا ~~عذاب أليم" القائلون أصحاب القرية والمخاطبون هم الرسل، والتطير هو التشؤم ~~وقولهم: "لئن لم تنتهوا" إلخ. # تهديد منهم للرسل. # والمعنى: قالت أصحاب القرية لرسلهم، إنا تشأمنا بكم ونقسم لئن لم تنتهوا ~~عن التبليغ ولم ms6316 تكفوا عن الدعوة لنرجمنكم بالحجارة وليصلن إليكم وليقعن بكم ~~منا عذاب أليم. # قوله تعالى: "قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون" القائلون ~~هم الرسل يخاطبون به أصحاب القرية. # وقوله: "طائركم معكم" الطائر في الأصل هو الطير وكان يتشاءم به ثم توسع ~~واستعمل في كل ما يتشاءم به، وربما يستعمل فيما يستقبل الإنسان من الحوادث، ~~وربما يستعمل في البخت الشقي الذي هو أمر موهوم يرونه مبدأ لشقاء الإنسان ~~وحرمانه من كل خير. # وكيف كان فقوله: "طائركم معكم" ظاهر معناه أن الذي ينبغي أن تتشأموا به ~~هو معكم وهو حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد وإقبالكم إلى الباطل ~~الذي هو الشرك. # وقيل: المعنى طائركم أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر معكم من أفعالكم إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر، هذا وهو أخذ الطائر بالمعنى الثاني لكن قوله بعد: ~~"أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون" أنسب بالنسبة إلى المعنى الأول. # وقوله: "أئن ذكرتم" استفهام توبيخي والمراد بالتذكير تذكيرهم بالحق من ~~وحدانيته تعالى ورجوع الكل إليه ونحوهما وجزاء الشرط محذوف في الكلام ~~تلويحا إلى أنه مما لا ينبغي أن يذكر أو يتفوه به والتقدير أإن ذكرتم بالحق ~~قابلتموه بمثل هذا الجحود الشنيع والصنيع الفظيع من التطير والتوعد. PageV17P037 # وقوله: "بل أنتم قوم مسرفون" أي مجاوزون للحد في المعصية وهو إضراب عما ~~تقدم والمعنى بل السبب الأصلي في جحودكم وتكذيبكم للحق أنكم قوم تستمرون ~~على الإسراف ومجاوزة الحد. # قوله تعالى: "وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين" ~~أقصى المدينة أبعد مواضعها بالنسبة إلى مبدإ مفروض، وقد بدلت القرية في أول ~~الكلام مدينة هنا للدلالة على عظمها والسعي هو الإسراع في المشي. # ووقع نظير هذا التعبير في قصة موسى والقبطي وفيها "وجاء رجل من أقصى ~~المدينة يسعى" فقدم "رجل" هناك وأخر هاهنا ولعل النكتة في ذلك أن الاهتمام ~~هناك بمجيء الرجل وإخباره موسى بائتمار الملإ لقتله فقدم الرجل ثم أشير إلى ~~اهتمام الرجل نفسه بإيصال الخبر وإبلاغه فجيء بقوله: "يسعى" ms6317 حالا مؤخرا ~~بخلاف ما هاهنا فالاهتمام بمجيئه من أقصى المدينة ليعلم أن لا تواطؤ بينه ~~وبين الرسل في أمر الدعوة فقدم "من أقصى المدينة" وأخر الرجل وسعيه. # وقد اشتد الخلاف بينهم في اسم الرجل واسم أبيه وحرفته وشغله ولا يهمنا ~~الاشتغال بذلك في فهم المراد ولو توقف عليه الفهم بعض التوقف لأشار سبحانه ~~في كلامه إليه ولم يهمله. # وإنما المهم هو التدبر في حظه من الإيمان في هذا الموقف الذي انتهض فيه ~~لتأييد الرسل (عليهم السلام) ونصرتهم فقد كان على ما يعطيه التدبر في ~~المنقول من كلامه رجلا نور الله سبحانه قلبه بنور الإيمان يؤمن بالله إيمان ~~إخلاص يعبده لا طمعا في جنة أو خوفا من نار بل لأنه أهل للعبادة ولذلك كان ~~من المكرمين ولم يصف الله سبحانه في كلامه بهذا الوصف إلا ملائكته المقربين ~~وعباده المخلصين، وقد خاصم القوم فخصمهم وأبطل ما تعلق به القوم من الحجة ~~على عدم جواز عبادة الله سبحانه ووجوب عبادة آلهتهم وأثبت وجوب عبادته وحده ~~وصدق الرسل في دعواهم الرسالة ثم آمن بهم. # قوله تعالى: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" بيان لقوله: "اتبعوا ~~المرسلين" وفي وضع قوله: "من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" في هذه الآية موضع ~~قوله: "المرسلين" في الآية السابقة إشعار بالعلية وبيانها أن عدم جواز ~~اتباع قائل في قوله إنما يكون لأحد أمرين: إما لكون قوله ضلالا والقائل به ~~ضالا ولا يجوز اتباع الضال في ضلاله، وإما لأن القول وإن كان حقا والحق ~~واجب الاتباع لكن لقائله غرض فاسد يريد أن يتوسل إليه بكلمة الحق كاقتناء ~~المال واكتساب الجاه والمقام ونحو ذلك، وأما إذا كان القول حقا وكان القائل ~~بريئا من الغرض الفاسد منزها من الكيد والمكر والخيانة كان من الواجب ~~اتباعه في قوله، وهؤلاء الرسل مهتدون في قولهم: لا تعبدوا إلا الله، وهم لا ~~يريدون منكم أجرا من مال أو جاه فمن الواجب عليكم أن تتبعوهم في قولهم. # أما أنهم مهتدون فلقيام الحجة على صدق ما يدعون ms6318 إليه من التوحيد وكونه ~~حقا، والحجة هي قوله: "وما لي لا أعبد" إلى تمام الآيتين. # وأما أنهم لا يريدون منكم أجرا فلما دل عليه قولهم: "ربنا يعلم إنا إليكم ~~لمرسلون" وقد تقدم تقريره. # وبهذا البيان يتأيد ما قدمناه من كون قولهم: "ربنا يعلم إنا إليكم ~~لمرسلون" مسوقا لنفي إرادتهم من القوم أجرا أو غير ذلك. # قوله تعالى: "وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ء أتخذ من دونه ~~آلهة" - إلى قوله - ولا ينقذون" شرع في استفراغ الحجة على التوحيد ونفي ~~الآلهة في آيتين واختار لذلك سياق التكلم وحده إلا في جملة اعترض بها في ~~خلال الكلام وهي قوله: "وإليه ترجعون" وذلك بإجراء الحكم في نفسه بما أنه ~~إنسان أوجده الله وفطره حتى يجري في كل إنسان هو مثله والأفراد أمثال ~~فقوله: "وما لي لا أعبد" إلخ. # في معنى وما للإنسان لا يعبد إلخ. # أيتخذ الإنسان من دونه آلهة إلخ. # وقد عبر عنه تعالى بقوله: "الذي فطرني" للإشعار بالعلية فإن فطره تعالى ~~للإنسان وإيجاده له بعد العدم لازمه رجوع كل ما للإنسان من ذات وصفات ~~وأفعال إليه تعالى وقيامه به وملكه له فليس للإنسان إلا العبودية محضة فعلى ~~الإنسان أن ينصب نفسه في مقام العبودية ويظهرها بالنسبة إليه تعالى وهذا هو ~~العبادة فعليه أن يعبده تعالى لأنه أهل لها. # وهذا هو الذي أشرنا إليه آنفا أن الرجل كان يعبد الله بالإخلاص له لا ~~طمعا في جنة ولا خوفا من نار بل لأنه أهل للعبادة. PageV17P038 # وإذ كان الإيمان به تعالى وعبادته هكذا أمرا لا يناله عامة الناس فإن ~~الأكثرين منهم إنما يعبدون خوفا أو طمعا أو لكليهما التفت الرجل بعد بيان ~~حال نفسه إلى القوم فقال: "وإليه ترجعون" يريد به إنذارهم بيوم الرجوع وأنه ~~تعالى سيحاسبهم على ما عملوا فيجازيهم بمساوىء أعمالهم فقوله: "وإليه ~~ترجعون" كالمعترضة الخارجة عن السياق أو هي هي. # ثم إن الآيتين حجتان قائمتان على إبطال ما احتج به الوثنية وبنوا على ذلك ~~عبادة الأصنام وأربابها. # توضيح ذلك ms6319 أنهم قالوا: إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو خيال أو ~~عقل لا يناله شيء من القوى الإدراكية فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فسبيل ~~العبادة أن نتوجه إلى مقربي حضرته والأقوياء من خلقه كالملائكة الكرام ~~والجن والقديسين من البشر حتى يكونوا شفعاء لنا عند الله في إيصال الخيرات ~~ودفع الشرور والمكاره. # والجواب عن أولى الحجتين بما حاصله أن الإنسان وإن كان لا يحيط علما ~~بالذات المتعالية لكنه يعرفه تعالى بصفاته الخاصة به مثل كونه فاطرا له ~~موجدا إياه فله أن يتوجه إليه من طريق هذه الصفات وإنكار إمكانه مكابرة، ~~وهذا الجواب هو الذي أشار إليه بقوله: "وما لي لا أعبد الذي فطرني". # وعن الثانية أن هؤلاء الآلهة إن كانت لهم شفاعة كانت مما أفاضه الله ~~عليهم والله سبحانه لا يعطيهم ذلك إلا فيما لا تتعلق به منه إرادة حاتمة ~~ولازمه أن شفاعتهم فيما أذن الله لهم فيه كما قال: "ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه:" يونس: - 3 أما إذا أراد الله شيئا إرادة حتم فلا تنفع شفاعتهم شيئا ~~في المنع عن نفوذها فاتخاذهم آلهة وعدمه سواء في عدم التأثير لجلب خير أو ~~دفع شر، وإلى ذلك أشار بقوله: "ء أتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا ~~تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون". # وتعبيره عنه تعالى بالرحمن إشارة إلى سعة رحمته وكثرتها وأن النعم كلها ~~من عنده وتدبير الخير والشر إليه ويتحصل من هنا برهان آخر على وحدانيته ~~تعالى في الربوبية، إذ لما كان جميع النعم وكذا النظام الجاري فيها، من ~~رحمته وقائمة به من غير استقلال في شيء منها كان المستقل بالتدبير هو تعالى ~~حتى أن تدبير الملائكة لو فرض تدبيرهم لشيء من رحمته وتدبيره تعالى وكانت ~~الربوبية له تعالى وحده وكذا الألوهية. # قوله تعالى: "إني إذا لفي ضلال مبين" تسجيل للضلال على اتخاذ الآلهة. # قوله تعالى: "إني آمنت بربكم فاسمعون" من كلام الرجل خطابا للرسل وقوله: ~~"فاسمعون" كناية عن الشهادة بالتحمل، وقوله: "إني ms6320 آمنت بربكم" إلخ. # تجديد الشهادة بالحق وتأكيد للإيمان فإن ظاهر السياق أنه إنما قال: "إني ~~آمنت بربكم" بعد محاجته خطابا للرسل ليستشهدهم على إيمانه وليؤيدهم ~~بإيمانهم بمرأى من القوم ومسمع. # وقيل: إنه خطاب للقوم تأييدا للرسل، والمعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني ~~فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك أو المعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني ~~وآمنوا به أو أنه أراد به أن يغضبهم ويشغلهم عن الرسل بنفسه حيث إنه رأى ~~أنهم بصدد الإيقاع بهم. # هذا. # وفيه أنه لا يلائمه التعبير عن الله سبحانه بقوله: "ربكم" فإن القوم ما ~~كانوا يتخذونه تعالى ربا لهم وإنما كانوا يعبدون الأرباب من دون الله ~~سبحانه. # ورد بأن المعنى إني آمنت بربكم الذي قامت الحجة على ربوبيته لكم وهو الله ~~سبحانه. # وفيه أنه تقييد من غير مقيد. # قوله تعالى: "قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين" الخطاب للرجل وهو - كما يفيده السياق - يلوح إلى أن ~~القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد: "وما ~~أنزلنا على قومه من بعده" إلخ فوضع قوله: "قيل ادخل الجنة موضع الإخبار عن ~~قتلهم إياه إشارة إلى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم وبين أمره بدخول الجنة ~~أي فصل وانفكاك كأن قتله بأيديهم هو أمره بدخول الجنة. # والمراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة، وقول بعضهم: إن ~~المراد بها جنة الآخرة والمعنى سيقال له: ادخل الجنة يوم القيامة والتعبير ~~بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل: إن الله رفعه إلى السماء ~~فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها إلى قيام الساعة، وهو تحكم كسابقه. PageV17P039 # وقيل: إن القائل: "ادخل الجنة" هو القوم قالوا له ذاك حين قتله استهزاء ~~وفيه أنه لا يلائم ما أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد: "قال يا ليت قومي ~~يعلمون" إلخ فإن ظاهره أنه تمنى علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء "ادخل ~~الجنة" ولم يسبق ms6321 من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك. # وقوله: "قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين" ~~استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان بعد تأييده ~~للرسل؟ فقيل: "قيل ادخل الجنة" ثم قيل: فما ذا كان بعد؟ فقيل: "قال يا ليت ~~قومي يعلمون" إلخ وهو نصح منه لقوله ميتا كما كان ينصحهم حيا. # و"ما" في قوله: "بما غفر لي" إلخ مصدرية، وقوله: "وجعلني" عطف على "غفر" ~~والمعنى بمغفرة ربي لي وجعله إياي من المكرمين. # وموهبة الإكرام وإن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإكرام بالنعمة كما في ~~قوله: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن:" ~~الفجر: - 15، وقوله: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم:" الحجرات: - 13 فإن كرامة ~~العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الإطلاق إلا ~~طائفتين من خلقه: الملائكة الكرام كما في قوله: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون:" الأنبياء: - 27، والكاملين في إيمانهم من ~~المؤمنين سواء كانوا من المخلصين بكسر اللام كما في قوله: "أولئك في جنات ~~مكرمون:" المعارج: - 35، أو من المخلصين بفتح اللام كما في قوله: "إلا عباد ~~الله المخلصين - إلى أن قال - وهم مكرمون:" الصافات: - 42. # والآية من أدلة وجود البرزخ. # قوله تعالى: "وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا ~~منزلين" الضميران للرجل، و"من بعده" أي من بعد قتله، و"من" الأولى والثالثة ~~لابتداء الغاية، والثانية مزيدة لتأكيد النفي. # والآية توطئة للآية التالية، وهي مسوقة لبيان هوان أمر القوم والانتقام ~~منهم بإهلاكهم على الله سبحانه وأنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى عدة وعدة حتى ~~ينزل من السماء جندا من الملائكة يقاتلونهم فيهلكونهم فلم يفعل ذلك فيهم ~~ولا فعل ذلك في إهلاك من أهلك من الأمم الماضين وإنما أهلكهم بصيحة واحدة ~~تقضي عليهم. # قوله تعالى: "إن كانت إلا صيحة واحدة، فإذا هم خامدون" أي ما كان الأمر ~~الذي كان سبب إهلاكهم بمشيتنا إلا صيحة واحدة، وتأنيث الفعل ms6322 لتأنيث الخبر ~~وتنكير "صيحة" وتوصيفها بالوحدة للاستحقار، والخمود السكون واستئناف الجملة ~~لكونها كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان سبب إهلاكهم؟ فقيل: إن ~~كانت إلا صيحة واحدة. # والمعنى: كان سبب هلاكهم أيسر أمر وهي صيحة واحدة ففاجأهم السكون فصاروا ~~ساكنين لا يسمع لهم حس وهم عن آخرهم موتى لا يتحركون. # قوله تعالى: "يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزءون" أي يا ندامة العباد ونداء الحسرة عليهم أبلغ من إثباتها لهم، ~~وسبب الحسرة ما يتضمنه قوله: "ما يأتيهم من رسول" إلخ. # ومن هذا السياق يستفاد أن المراد بالعباد عامة الناس وتتأكد الحسرة ~~بكونهم عبادا فإن رد العبد دعوة مولاه وتمرده عنه أشنع من رد غيره نصيحة ~~الناصح. # وبذلك يظهر سخافة قول من قال: إن المراد بالعباد الرسل أو الملائكة أو ~~هما جميعا. # وكذا قول من قال: إن المراد بالعباد الناس لكن المتحسر هو الرجل. # وظهر أيضا أن قوله: "يا حسرة على العباد" إلخ من قول الله تعالى لا من ~~تمام قول الرجل. # قوله تعالى: "ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون" ~~توبيخ لأولئك الذين نودي عليهم بالحسرة، و"من القرون" بيان لكم، والقرون ~~جمع قرن وهو أهل عصر واحد. # وقوله: "إنهم إليهم لا يرجعون" بيان لقوله: "كم أهلكنا قبلهم من القرون" ~~ضمير الجمع الأول للقرون والثاني والثالث للعباد. # والمعنى: ألم يعتبروا بكثرة المهلكين بأمر الله من القرون الماضية وأنهم ~~مأخوذون بأخذ إلهي لا يتمكنون من الرجوع إلى ما كانوا يترفون فيه؟ وللقوم ~~في مراجع الضمائر وفي معنى الآية أقوال أخر بعيدة عن الفهم تركنا إيرادها. PageV17P040 # قوله تعالى: "وإن كل لما جميع لدينا محضرون" لفظة "إن" حرف نفي و"كل" مبتدأ ~~تنوينه عوض عن المضاف إليه، و"لما" بمعنى إلا، وجميع بمعنى مجموع، ولدينا ~~ظرف متعلق به، ومحضرون خبر بعد خبر وهو جميع، واحتمل بعضهم أن يكون صفة لجميع. # والمعنى: وما كلهم إلا مجموعون لدينا محضرون للحساب والجزاء يوم القيامة ~~فالآية في معنى قوله: "ذلك ms6323 يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود:" هود - 103. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قالوا: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية فلما ~~قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب صاحب يس فسلما عليه ~~فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى ~~عبادة الرحمن فقال: أمعكما آية؟ قالا نعم نحن نشفي المريض ونبرىء الأكمه ~~والأبرص بإذن الله تعالى فقال الشيخ: إن لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين ~~قالا: فانطلق بنا إلى منزل نتطلع حاله فذهب بهما فمسحا ابنه فقام في الوقت ~~بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في المدينة وشفى الله على أيديهما كثيرا ~~من المرضى. وكان لهم ملك يعبد الأصنام فأنهي الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: ~~من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى ~~عبادة من يسمع ويبصر. قال الملك: ولنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك ~~وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما فأخذهما الناس في السوق وضربوهما. ~~قال وهب بن منبه: بعث عيسى هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها ولم يصلا إلى ~~ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله فغضب الملك ~~وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة. فلما كذب الرسولان وضربا، بعث ~~عيسى شمعون الصفا رأس الحواريين على أمرهما لينصرهما فدخل شمعون البلد ~~متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه ~~ورضي عشرته وأنس به وأكرمه. ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست ~~رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل سمعت قولهما؟ قال ~~الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما ~~عندهما. فدعاهما الملك فقال لها شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله ~~الذي خلق كل شيء لا شريك له. قال: وما آتاكما؟ قالا: ما تتمناه، فأمر الملك ~~حتى جاءوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة فما زالا ms6324 يدعوان الله ~~حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين ~~يبصر بهما فتعجب الملك ثم قال شمعون للملك: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع ~~صنيعا مثل هذا؟ فيكون لك ولأهلك شرفا. فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا ~~الذي نعبده لا يضر ولا ينفع. ثم قال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما على ~~إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إلهنا قادر على كل شيء فقال، الملك إن ~~هاهنا ميتا مات منذ سبعة أيام لم ندفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا فجاءوا ~~بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سرا ~~فقام الميت وقال لهم إني قد مت منذ سبعة أيام وأدخلت في سبعة أودية من ~~النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك، فلما علم شمعون ~~أن قوله أثر في الملك دعاه إلى الله فآمن وآمن من أهل مملكته قوم وكفر آخرون. # قال: وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي وغيره عن أبي جعفر وأبي ~~عبد الله (عليه السلام) إلا أن في بعض الروايات: بعث الله الرسولين إلى أهل ~~أنطاكية ثم بعث الثالث وفي بعضها أن عيسى أوحى الله إليه أن يبعثهما ثم بعث ~~وصيه شمعون ليخلصهما، وأن الميت الذي أحياه الله بدعائهما كان ابن الملك ~~وأنه قد خرج من قبره ينفض التراب عن رأسه فقال له: يا بني ما حالك؟ قال: ~~كنت ميتا فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله تعالى أن يحييني. قال: يا بني ~~فتعرفهما إذا رأيتهما؟ قال: نعم فأخرج الناس إلى الصحراء فكان يمر عليه رجل ~~بعد رجل فمر أحدهما بعد جمع كثير فقال: هذا أحدهما. ثم مر الآخر فعرفهما ~~وأشار بيده إليهما فآمن الملك وأهل مملكته. # وقال ابن إسحاق: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك ~~حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الرسل. PageV17P041 # أقول: سياق آيات القصة لا يلائم بعض هذه الروايات. # وفي الدر ms6325 المنثور، أخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ~~ليلى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الصديقين ثلاثة حبيب ~~النجار مؤمن آل ياسين الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل ~~فرعون الذي قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وعلي بن أبي طالب وهو ~~أفضلهم. # أقول: ورواه أيضا عن البخاري في تأريخه عن ابن عباس عنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولفظه: الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب ~~آل ياسين وعلي بن أبي طالب. # في المجمع، عن تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله ~~طرفة عين علي بن أبي طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون وعلي ~~أفضلهم. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن الطبراني وابن مردويه وضعفه ~~عن ابن عباس عنه (عليه السلام) ولفظه: السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع ~~بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) علي بن أبي طالب. PageV17P042 ### ||| AUTO 36 سورة يس - 33 - 47 # وءاية لهم الأرض الميتة أحيينها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) ~~وجعلنا فيها جنت من نخيل وأعنب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره ~~وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحن الذى خلق الأزوج كلها مما تنبت ~~الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا ~~هم مظلمون (37) والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) ~~والقمر قدرنه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغى لها أن ~~تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون (40) وءاية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن ~~نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتعا إلى حين ~~(44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما ~~تأتيهم من ءاية من ms6326 ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ءامنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه إن أنتم إلا فى ضلل مبين (47) ### |||| AUTO بيان # بعد ما قص عليهم قصة أصحاب القرية وما آل إليه أمرهم في الشرك وتكذيب ~~الرسل ووبخهم على الاستهانة بأمر الرسالة، وأنذرهم بنزول العذاب عليهم كما ~~نزل على المكذبين من القرون الأولى، وبأنهم جميعا محضرون للحساب والجزاء. # أورد آيات من الخلق والتدبير تدل على ربوبيته وألوهيته تعالى وحده لا ~~شريك له ثم وبخهم على ترك النظر في آيات الوحدانية والمعاد والإعراض عنها ~~والاستهزاء بالحق والإمساك عن الإنفاق للفقراء والمساكين. # قوله تعالى: "وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون" يذكر سبحانه في الآية واللتين بعدها آية من آيات الربوبية وهي ~~تدبير أمر أرزاق الناس وتغذيتهم من أثمار النبات من الحبوب والتمر والعنب ~~وغيرها. # فقوله: "وآية لهم الأرض الميتة أحييناها" وإن كان ظاهره أن الآية هي ~~الأرض إلا أن الجملتين توطئتان لقوله: "وأخرجنا منها حبا" إلخ ومسوقتان ~~للإشارة إلى أن هذه الأغذية النباتية من آثار نفخ الحياة في الأرض الميتة ~~وتبديلها حبا وثمرا يأكلون من ذلك فالآية بنظر هي الأرض الميتة من حيث ظهور ~~هذه الخواص فيها وتمام تدبير أرزاق الناس بها. # وقوله: "وأخرجنا منها حبا" أي وأخرجنا من الأرض بإنبات النبات حبا ~~كالحنطة والشعير والأرز وسائر البقولات. # وقوله: "فمنه يأكلون" تفريع على إخراج الحب وبالأكل يتم التدبير، وضمير ~~"فمنه" للحب. # قوله تعالى: "وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون" ~~قال الراغب: الجنة كل بستان ذي شجر تستر بأشجاره الأرض انتهى. # والنخيل جمع نخل وهو معروف، والأعناب جمع عنب يطلق على الشجرة وهي الكرم ~~وعلى الثمرة. # وقال الراغب: العين الجارحة - إلى أن قال - ويستعار العين لمعان هي ~~موجودة في الجارحة بنظرات مختلفة - إلى أن قال - ويقال لمنبع الماء عين ~~تشبيها بها لما فيها من الماء انتهى، والتفجير في الأرض شقها لإخراج ~~المياه، والباقي ظاهر. # قوله ms6327 تعالى: "ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون اللام لتعليل ~~ما ذكر في الآية السابقة أي جعلنا فيها جنات وفجرنا فيها العيون بشقها ~~ليأكل الناس من ثمره. # وقوله: "من ثمره" قيل: الضمير للمجعول من الجنات ولذا أفرد وذكر ولم يقل: ~~من ثمرها أي من ثمر الجنات، أو من ثمرهما أي من ثمر النخيل والأعناب. # وقيل: الضمير للمذكور وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة كما في قول رؤبة: ~~فيها خطوط من سواد وبلق. # كأنه في الجلد توليع البهق. # فقد روي أن أبا عبيدة سأله عن قوله "كأنه" فقال كان ذاك. PageV17P043 # وفي مرجع ضمير "من ثمره" أقوال أخر رديئة كقول بعضهم إن الضمير للنخيل فقط، ~~وقول آخر: إنه للماء لدلالة العيون عليه أو بحذف مضاف والتقدير ماء العيون ~~وقول آخر: إن الضمير للتفجير المفهوم من "فجرنا" والمراد بالثمر على هذين ~~الوجهين الفائدة، وقول آخر: إن الضمير له تعالى وإضافته إليه لأنه خلقه وملكه. # وقوله: "وما عملته أيديهم" العمل هو الفعل والفرق بينهما - على ما ذكره ~~الراغب - أن أكثر ما يستعمل العمل في الفعل المقارن للقصد والإرادة، ولذلك ~~يشذ استعماله في الحيوان والجماد، ولذلك أيضا يتصف العمل بالصلاح وخلافه فيقال. # عمل صالح وعمل طالح ولا يتصف بهما مطلق الفعل. # و"ما" في "وما عملته" نافية والمعنى ولم يعمل الثمر بأيديهم حتى يشاركونا ~~في تدبير الأرزاق بل هو مما اختصصنا بخلقه وتتميم التدبير به من دون أن ~~نستعين بهم فما بالهم لا يشكرون. # ويؤيد هذا المعنى قوله في أواخر السورة وهو يمتن عليهم بخلق الأنعام ~~لتدبير أمر رزقهم وحياتهم: "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما - إلى أن قال - ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون". # واحتمل بعضهم كون "ما" في "وما عملته" موصولة معطوفة على "ثمره" والمعنى ~~ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته أيديهم من ثمره كالخل والدبس المأخوذين من ~~التمر والعنب وغير ذلك. # وهذا الوجه وإن عده بعضهم أوجه من سابقه ليس بذاك فإن المقام مقام بيان ~~آيات دالة ms6328 على ربوبيته تعالى بذكر أمور من التدبير يخصه تعالى ولا يناسبه ~~ذكر شيء من تدبير الغير معه وتتميم الحجة بذلك، ولو كان المراد ذكر عملهم ~~بما أنه منته إلى خلقه تعالى وجزء من التدبير العام كان الأنسب أن يقال: ~~وما هديناهم إلى عمله أو ما يؤدي معناه لينتفي به توهم الشركة في التدبير. # واحتمل بعضهم كون "ما" نكرة موصوفة معطوفة على "ثمره" والمعنى ليأكلوا من ~~ثمره ومن شيء عملته أيديهم. # هذا ويرد عليه ما يرد على سابقه. # وقوله: "أفلا يشكرون" توبيخ واستقباح لعدم شكره وشكره تعالى منهم على هذا ~~التدبير إظهارهم جميل نعمه بذكره قولا وفعلا أي إظهارهم أنهم عباد له ~~مدبرون بتدبيره وهو العبادة فشكره تعالى هو الاعتراف بربوبيته واتخاذه إلها ~~معبودا. # قوله تعالى: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ~~ومما لا يعلمون" إنشاء لتنزيهه تعالى، لما ذكر عدم شكرهم له على ما خلق لهم ~~من أنواع النبات ورزقهم من الحبوب والأثمار، وإنما عمل ذلك بتزويج بعض ~~النبات بعضا كما قال: "وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج:" ق: - 7 أشار إلى ما ~~هو أعظم وأوسع من خلق أزواج النبات وهو خلق الأزواج كلها وتنظيم العالم ~~المشهود باستيلاد كل شيء من فاعل ومنفعل قبله هما أبواه كالذكر والأنثى من ~~الإنسان والحيوان والنبات، وكل فاعل ومنفعل يتلاقيان فينتجان بتلاقيهما ~~أمرا ثالثا، أشار تعالى إلى ذلك فنزه نفسه بقوله: "سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها" إلخ. # فقوله: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها" إنشاء تسبيح على ما يعطيه السياق ~~لا إخبار. # وقوله: "مما تنبت الأرض" هو وما بعده بيان للأزواج والذي تنبت الأرض هو ~~النبات ولا يبعد شموله الحيوان وقد قال تعالى في الإنسان وهو من أنواع ~~الحيوان "والله أنبتكم من الأرض نباتا:" نوح: - 17 ويؤيد ذلك أن ظاهر سياق ~~البيان استيعابه للمبين مع عدم ذكر الحيوان في عدد الأزواج. # وقوله: "ومن أنفسهم" أي الناس، وقوله: "ومما لا يعلمون" وهو الذي يجهله ~~الإنسان من الخليقة أو يجهل كيفية ظهوره أو ms6329 ظهور الكثرة فيه. # وربما قيل في الآية: إن المراد بالأزواج الأنواع والأصناف، ولا يساعد ~~عليه الآيات التي تذكر خلق الأزواج كقوله تعالى: "ومن كل شيء خلقنا زوجين ~~لعلكم تذكرون:" الذاريات: - 49 والمقارنة ونوع من التألف والتركب من لوازم ~~مفهوم الزوجية. # قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات ~~المتزاوجة: زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج كالخف والنعل، ولكل ما ~~يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج، قال: وقوله: "خلقنا زوجين" فبين أن كل ~~ما في العالم زوج من حيث إن له ضدا ما أو مثلا ما أو تركيبا ما بل لا ينفك ~~بوجه من تركيب. # انتهى. PageV17P044 # فزوجية الزوج هي كونه مفتقرا في تحققه إلى تألف وتركب ولذلك يقال لكل واحد ~~من القرينين من حيث هما قرينان: زوج لافتقاره إلى قرينه، وكذا يقال لمجموع ~~القرينين: زوج لافتقاره في تحققه زوجا إلى التألف والتركب فكون الأشياء ~~أزواجا مقارنة بعضها بعضا لإنتاج ثالث أو كونه مولدا من تألف اثنين. # قوله تعالى: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون" آية أخرى ~~من آيات الربوبية الدالة على وقوع التدبير العام السماوي للعالم الإنساني ~~مذكورة في أربع آيات. # ولا شك أن الآية تشير إلى مفاجأة الليل عقيب ذهاب النهار، والسلخ في ~~الآية بمعنى الإخراج ولذلك عدي بمن ولو كان بمعنى النزع كما في قولنا: سلخت ~~الإهاب عن الشاة تعين تعديه بعن دون من. # ويؤيد ذلك أنه تعالى عبر في مواضع من كلامه عن ورود كل من الليل والنهار ~~عقيب الآخر بإيلاجه فيه فقال في مواضع من كلامه: "يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل:" الحج: - 61 فإذا كان ورود النهار بعد الليل إيلاجا ~~للنهار في الليل اعتبارا كان مفاجأة الليل بعد النهار إخراجا للنهار من ~~الليل اعتبارا. # كأن الليل أطبق عليهم وأحاطت بهم ظلمته ثم ولج فيه النهار فوسعهم نوره ~~وضياؤه ثم خرج منه ففاجأهم الليل ثانيا بانطباق الظلام وإحاطته بما أضاءه ~~النهار ففي الكلام نوع من الاستعارة ms6330 بالكناية. # ولعل فيما ذكرناه من الوجه كفاية عما أطنبوا فيه من البحث في معنى سلخ ~~النهار من الليل ثم مفاجأة الليل. # قوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" جريها ~~حركتها وقوله "لمستقر لها" اللام بمعنى إلى أو للغاية، والمستقر مصدر ميمي ~~أو اسم زمان أو مكان، والمعنى أنها تتحرك نحو مستقرها أو حتى تنتهي إلى ~~مستقرها أي استقرارها وسكونها بانقضاء أجلها أو زمن استقرارها أو محله. # وأما جريها وهو حركتها فظاهر النظر الحسي يثبت لها حركة دورية حول الأرض ~~لكن الأبحاث العلمية تقضي بالعكس وتكشف أن لها مع سياراتها حركة انتقالية ~~نحو النسر الواقع. # وكيف كان فمحصل المعنى أن الشمس لا تزال تجري ما دام النظام الدنيوي على ~~حاله حتى تستقر وتسكن بانقضاء أجلها فتخرب الدنيا ويبطل هذا النظام، وهذا ~~المعنى يرجع بالمال إلى معنى القراءة المنسوبة إلى أهل البيت وغيرهم: ~~"والشمس تجري لا مستقر لها" كما قيل. # وأما حمل جريها على حركتها الوضعية حول مركزها فهو خلاف ظاهر الجري الدال ~~على الانتقال من مكان إلى مكان. # وقوله: "ذلك تقدير العزيز العليم" أي الجري المذكور تقدير وتدبير ممن لا ~~يغلبه غالب في إرادته ولا يجهل جهات الصلاح في أفعاله. # قوله تعالى: "والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم" المنازل جمع ~~منزل اسم مكان من النزول والظاهر أن المراد به المنازل الثمانية والعشرون ~~التي يقطعها القمر في كل ثمانية وعشرين يوما وليلة تقريبا. # والعرجون عود عذق النخلة من بين الشمراخ إلى منبته وهو عود أصفر مقوس ~~يشبه الهلال، والقديم العتيق. # وقد اختلفت الأنظار في معنى الآية للاختلاف في تركيبها، وأقرب التقديرات ~~من الفهم قول من قال: إن التقدير والقمر قدرناه ذا منازل أو قدرنا له منازل ~~حتى عاد هلالا يشبه العرجون العتيق المصفر لونه. # تشير الآية إلى اختلاف مناظر القمر بالنسبة إلى أهل الأرض فإن نوره مكتسب ~~من الشمس يستنير بها نصف كرته تقريبا وما يقرب من النصف الآخر غير المسامت ~~للشمس مظلم ثم يتغير موضع الاستنارة ولا ms6331 يزال كذلك حتى يعود إلى الوضع ~~الأول ويعرض ذلك أن يظهر لأهل الأرض في صورة هلال ثم لا يزال ينبسط عليه ~~النور حتى يتبدر ثم لا يزال ينقص حتى يعود إلى ما كان عليه أوله. # ولاختلاف صوره آثار بارزة في البر والبحر وحياة الناس على ما بين في ~~الأبحاث المربوطة. # فالآية الكريمة تذكر من آية القمر أحواله الطارئة له بالنسبة إلى الأرض ~~وأهلها دون حاله في نفسه ودون حاله بالنسبة إلى الشمس فقط. PageV17P045 # ومن هنا لا يبعد أن يقال في قوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها" إن ~~المراد بقوله: "تجري" الإشارة إلى ما يعطيه ظاهر الحس من حركتها اليومية ~~والفصلية والسنوية وهي حالها بالنسبة إلينا، وبقوله: "لمستقر لها" حالها في ~~نفسها وهي سكونها بالنسبة إلى سياراتها المتحركة حولها كأنه قيل: وآية لهم ~~أن الشمس على استقرارها تجري عليهم وقد دبر العزيز العليم بذلك كينونة ~~العالم الأرضي وحياة أهله والله أعلم. # قوله تعالى: "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ~~وكل في فلك يسبحون" لفظة ينبغي تدل على الترجح ونفي ترجح الإدراك من الشمس ~~نفي وقوعه منها، والمراد به أن التدبير ليس مما يجري يوما ويقف آخر بل هو ~~تدبير دائم غير مختل ولا منقوض حتى ينقضي الأجل المضروب منه تعالى لذلك. # فالمعنى أن الشمس والقمر ملازمان لما خط لهما من المسير فلا تدرك الشمس ~~القمر حتى يختل بذلك التدبير المعمول بهما ولا الليل سابق النهار وهما ~~متعاقبان في التدبير فيتقدم الليل والنهار فيجتمع ليلتان ثم نهاران بل ~~يتعاقبان. # ولم يتعرض لنفي إدراك القمر للشمس ولا لنفي سبق النهار الليل لأن المقام ~~مقام بيان انحفاظ النظم الإلهي عن الاختلال والفساد فنفى إدراك ما هو أعظم ~~وأقوى وهو الشمس لما هو أصغر وأضعف وهو القمر، ويعلم منه حال العكس ونفى ~~سبق الليل الذي هو افتقاده للنهار الذي هو ليله والليل مضاف إليه متأخر ~~طبعا منه ويعلم به حال العكس. # وقوله: "وكل في فلك يسبحون" أي كل من الشمس ms6332 والقمر وغيرهما من النجوم ~~والكواكب يجرون في مجرى خاص به كما تسبح السمكة في الماء فالفلك هو المدار ~~الفضائي الذي يتحرك فيه الجرم العلوي، ولا يبعد حينئذ أن يكون المراد بالكل ~~كل من الشمس والقمر والليل والنهار وإن كان لا يوجد في كلامه تعالى ما يشهد ~~على ذلك. # والإتيان بضمير الجمع الخاص بالعقلاء في قوله "يسبحون" لعله للإشارة إلى ~~كونها مطاوعة لمشيته مطيعة لأمره تعالى كالعقلاء كما في قوله: "ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين:" حم السجدة: - 11. # وللمفسرين في جمل الآية آراء أخر مضطربة أضربنا عنها من أراد الوقوف ~~عليها فليراجع المفصلات. # قوله تعالى: "وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون" قال الراغب: ~~الذرية أصلها الصغار من الأولاد، وتقع في التعارف على الصغار والكبار معا، ~~ويستعمل للواحد والجمع وأصله للجمع. # انتهى، والفلك السفينة، والمشحون المملوء. # آية أخرى من آيات ربوبيته تعالى وهو جريان تدبيره في البحر حيث يحمل ~~ذريتهم في الفلك المشحون بهم وبأمتعتهم يجوزون به من جانب إلى جانب للتجارة ~~وغيرها، ولا حامل لهم فيه ولا حافظ لهم عن الغرق إلا هو تعالى والخواص التي ~~يستفيدون منها في ركوب البحر أمور مسخرة له تعالى منتهية إلى خلقه على أن ~~هذه الأسباب لو لم تنته إليه تعالى لم تغن طائلا. # وإنما نسبت الحمل إلى الذرية دونهم أنفسهم فلم يقل: أنا حملناهم لإثارة ~~الشفقة والرحمة. # قوله تعالى: "وخلقنا لهم من مثله ما يركبون" المراد به - على ما فسروه - ~~الأنعام قال تعالى: "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون:" الزخرف: - 12 ~~وقال: "وعليها وعلى الفلك تحملون:" المؤمن - 80. # وفسر بعضهم الفلك المذكور في الآية السابقة بسفينة نوح (عليه السلام) وما ~~في هذه الآية بالسفن والزوارق المعمولة بعدها وهو تفسير رديء ومثله تفسير ~~ما في هذه الآية بالإبل خاصة. # وربما فسر ما في هذه الآية بالطيارات والسفن الجوية المعمولة في هذه ~~الأعصار والتعميم أولى. # قوله تعالى: "وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا ms6333 هم ينقذون" الصريخ هو الذي ~~يجيب الصراخ ويغيث، الاستغاثة والإنقاذ هو الإنجاء من الغرق. # والآية متصلة بقوله السابق: "أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون" أي إن ~~الأمر إلى مشيتنا فإن نشأ نغرقهم فلا يغيثهم مغيث ولا ينقذهم منقذ. # قوله تعالى: "إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين" استثناء مفرغ والتقدير لا ~~ينجون بسبب من الأسباب وأمر من الأمور إلا لرحمة منا تنالهم ولتمتع إلى حين ~~الأجل المسمى الذي قدرناه لهم. PageV17P046 # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون" ~~لما ذكر الآيات الدالة على الربوبية ذمهم على عدم رعايتهم حقها وعدم ~~إقبالهم عليها وعدم ترتيبهم عليها آثارها فإذا قيل لهم هذه الآيات البينات ~~ناطقة أن ربكم الله فاتقوا معصيته في حالكم الحاضرة وما قدمتم من المعاصي، ~~أو عذاب الشرك والمعاصي التي أنتم مبتلون بها وما خلفتم وراءكم، أو اتقوا ~~ما بين أيديكم من الشرك والمعاصي في الحياة الدنيا وما خلفكم من العذاب في ~~الآخرة، أعرضوا عنه ولم يستجيبوا له على ما هو دأبهم في جميع الآيات التي ~~ذكروا بها. # ومن هنا يظهر أولا أن المراد بما بين أيديهم وما خلفهم الشرك والمعاصي ~~التي هم مبتلون بها في حالهم الحاضرة وما كانوا مبتلين به قبل، أو العذاب ~~الذي استوجبوه بذلك والمآل واحد، أو الشرك والمعاصي في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة وهو أوجه الوجوه. # وثانيا: أن حذف جواب إذا للدلالة على أن حالهم بلغت من الجرأة على الله ~~والاستهانة بالحق مبلغا لا يستطاع معها ذكر ما يجيبون به داعي الحق إذا ~~دعاهم إلى التقوى فيجب أن يترك أسفا ولا يذكر، وقد دل عليه بقوله: "وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين". # قوله تعالى: "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين" ~~المراد بإتيان الآيات موافاتها لهم بالمشاهدة أو بالتلاوة والذكر، وأيضا هي ~~أعم من أن تكون آية آفاقية أو أنفسية، أو تكون آية معجزة كالقرآن فهم ~~معرضون عنها جميعا. # قوله تعالى: "وإذا ms6334 قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله" إلى آخر الآية كان ~~قوله: "وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم" متعرضا لجوابهم إذا ~~دعوا إلى عبادة الله وهي أحد ركني الدين الحق، وهذه الآية تعرضت لجوابهم ~~إذا دعوا إلى الشفقة على خلق الله وهو الركن الآخر ومعلوم أن جوابهم الرد ~~دون القبول. # فقوله: "وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله" يتضمن دعوتهم إلى الإنفاق ~~على الفقراء والمساكين من أموالهم وفي التعبير عن الأموال بما رزقهم الله ~~إشعار بأن المالك لها حقيقة هو الله الذي رزقهم بها وسلطهم عليها، وهو الذي ~~خلق الفقراء والمساكين وأقام حاجتهم إلى ما عند هؤلاء من فضل المؤن الذي لا ~~يفتقرون إليه فلينفقوا عليهم وليحسنوا وليجملوا والله يحب الإحسان وجميل الفعل. # وقوله: "قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه" ~~جوابهم للدعوة إلى الإنفاق، وإنما أظهر القائل - الذين كفروا - ومقتضى ~~المقام الإضمار للإشارة إلى أن كفرهم بالحق وإعراضهم عنه باتباع الشهوات هو ~~الذي دعاهم إلى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الإعراض عما تدعو إليه ~~الفطرة من الشفقة على خلق الله وإصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الإظهار في ~~قوله: "للذين آمنوا" للإشارة إلى أن قائل "أنفقوا مما رزقكم الله" هم الذين آمنوا. # وفي قولهم: "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه" إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا ~~لهم: "أنفقوا مما رزقكم الله" بعنوان أنه مما يشاؤه الله ويريده حكما دينيا ~~فردوه بأن إرادة الله لا تتخلف عن مراده فلو شاء أن يطعمهم أطعمهم أي وسع ~~في رزقهم وجعلهم أغنياء. # وهذه مغالطة منهم خلطوا فيه بين الإرادة التشريعية المبنية على الابتلاء ~~والامتحان وهداية العباد إلى ما فيه صلاح حالهم في دنياهم وآخرتهم ومن ~~الجائز أن تتخلف عن المراد بالعصيان، وبين الإرادة التكوينية التي لا تتخلف ~~عن المراد ومن المعلوم أن مشيئة الله وإرادته المتعلقة بإطعام الفقراء ~~والإنفاق عليهم من المشيئة التشريعية دون التكوينية فتخلفها في مورد ~~الفقراء إنما يدل على عصيان الذين كفروا وتمردهم ms6335 عما أمروا به لا على عدم ~~تعلق الإرادة به وكذب مدعيه. # وهذه مغالطة بنوا عليها جل ما افتعلوه من سنن الوثنية وقد حكى الله ~~سبحانه ذلك عنهم في قوله: "وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء:" النحل: - 35، وقوله: ~~"سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء:" ~~الأنعام: - 148، وقوله: "وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم:" الزخرف: - 20. PageV17P047 # وقوله: "إن أنتم إلا في ضلال مبين" من تمام قول الذين كفروا يخاطبون به ~~المؤمنين أي إنكم في ضلال مبين في دعواكم أن الله أمرنا بالإنفاق وشاء منا ذلك. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، روي عن علي بن الحسين زين العابدين وأبي جعفر الباقر وجعفر ~~الصادق (عليه السلام): "لا مستقر لها" بنصب الراء. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وأحمد البخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~ذر قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قوله تعالى: "والشمس ~~تجري لمستقر لها" قال: مستقرها تحت العرش. # أقول: وقد روي هذا المعنى عن أبي ذر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~طرق الخاصة والعامة مختصرة ومطولة، وفي بعضها أنها بعد الغروب تصعد سماء ~~سماء حتى تصل إلى ما دون العرش فتسجد وتستأذن في الطلوع وتبقى على ذلك حتى ~~تكسى نورا ويؤذن لها في الطلوع. # والرواية إن صحت فهي مؤولة. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: إن الله عز وجل خلق الشمس قبل القمر وخلق النور قبل الظلمة. # وفي المجمع، روى العياشي في تفسيره بالإسناد عن الأشعث بن حاتم قال: كنت ~~بخراسان حيث اجتمع الرضا والفضل بن سهل والمأمون في الإيوان بمرو فوضعت ~~المائدة فقال الرضا (عليه السلام): إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة ~~فقال: النهار خلق قبل أم الليل؟ فما عندكم؟ قال: وأداروا الكلام ms6336 فلم يكن ~~عندهم في ذلك شيء. فقال الفضل للرضا: أخبرنا بها أصلحك الله. قال: نعم من ~~القرآن أم من الحساب قال له الفضل من جهة الحساب فقال: قد علمت يا فضل إن ~~طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها فزحل في الميزان والمشتري في ~~السرطان والمريخ في الجدي والشمس في الحمل والزهرة في الحوت وعطارد في ~~السنبلة والقمر في الثور فتكون الشمس في العاشر وسط السماء فالنهار قبل ~~الليل، ومن القرآن قوله تعالى: "ولا الليل سابق النهار" أي الليل قد سبقه ~~النهار:. أقول: نقل الآلوسي في روح المعاني، هذا الحديث ثم قال: وفي ~~الاستدلال بالآية بحث ظاهر، وأما بالحساب فله وجه في الجملة ورأى المنجمون ~~أن ابتداء الدورة دائرة نصف النهار وله موافقة لما ذكر والذي يغلب على الظن ~~عدم صحة الخبر من مبتدئه فالرضا أجل من أن يستدل بالآية على ما سمعت من ~~دعواه انتهى. # وقد اختلط عليه الأمر في تحصيل حقيقة معنى الليل والنهار. # توضيحه: أن الليل والنهار متقابلان تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر ~~فكما أن العمى ليس مطلق عدم البصر حتى يكون الجدار مثلا أعمى لعدم البصر ~~فيه بل هو عدم البصر مما من شأنه أن يتصف بالبصر كالإنسان كذلك الليل ليس ~~هو مطلق عدم النور بل هو زمان عدم استضاءة ناحية من نواحي الأرض بنور الشمس ~~ومن المعلوم أن عدم الملكة يتوقف في تحققه على تحقق الملكة المقابلة له ~~قبله حتى يتعين بالإضافة إليه فلو لا البصر لم يتحقق عمى ولو لا النهار لم ~~يتحقق الليل. # فمطلق الليل بمعناه الذي هو به ليل مسبوق الوجود بالنهار وقوله: "ولا ~~الليل سابق النهار" وإن كان ناظرا إلى الترتيب المفروض بين النهر والليالي ~~وأن هناك نهارا وليلا ونهارا وليلا وأن واحدا من هذه الليالي لا يسبق ~~النهار الذي بجنبه. # لكنه تعالى أخذ في قوله: "ولا الليل سابق النهار" مطلق الليل ونفى تقدمه ~~على مطلق النهار ولم يقل: إن واحدا من الليالي الواقعة في هذا الترتيب لا ~~يسبق النهار الواقع ms6337 في الترتيب قبله. # فالحكم في الآية مبني على ما يقتضيه طبيعة الليل والنهار بحسب التقابل ~~الذي أودعه الله بينهما وقد استفيد منه الحكم بانحفاظ الترتيب في تعاقب ~~الليل والنهار فإن كل ليل هو افتقاد النهار الذي هو يتلوه فلا يتقدم عليه ~~وإلى هذا يشير (عليه السلام) بعد ذكر الآية بقوله: "أي الليل قد سبقه ~~النهار" يعني أن سبق النهار الليل هو خلقه قبله وليس كما يتوهم أن هناك نهر ~~أو ليالي موجودة ثم يتعين لكل منها محله. # وقول المعترض: "وأما بالحساب فله وجه في الجملة" لا يدرى وجه قوله: في ~~الجملة وهو وجه تام مبني على تسليم أصول التنجيم صحيح بالجملة على ذلك ~~التقدير لا في الجملة. PageV17P048 # وكذا قوله: "ورأى المنجمون أن ابتداء الدورة دائرة نصف النهار وله موافقة ~~لما ذكر" لا محصل له لأن دائرة نصف النهار وهي الدائرة المارة على القطبين ~~ونقطة ثالثة بينهما غير متناهية في العدد لا تتعين لها نقطة معينة في ~~السماء دون نقطة أخرى فيكون كون الشمس في إحداهما نهارا للأرض دون أخرى. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم": روى الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: معناه اتقوا ما بين ~~أيديكم من الذنوب وما خلفكم من العقوبة. PageV17P049 ### ||| AUTO 36 سورة يس - 48 - 65 # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (48) ما ينظرون إلا صيحة وحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) ونفخ ~~فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يويلنا من بعثنا ~~من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة وحدة ~~فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون (54) إن أصحب الجنة اليوم فى شغل فكهون (55) هم وأزوجهم فى ظلل ~~على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فكهة ولهم ما يدعون (57) سلم قولا من رب ~~رحيم (58) وامتزوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يبنى ءادم أن ~~لا ms6338 تعبدوا الشيطن إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدونى هذا صرط مستقيم (61) ~~ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التى كنتم ~~توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفوههم ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ### |||| AUTO بيان # لما فرغ من تفصيل آيات التوحيد المشار إليه إجمالا في أول الكلام شرع في ~~تفصيل خبر المعاد وذكر كيفية قيام الساعة وإحضارهم للحساب والجزاء وما يجزى ~~به أصحاب الجنة وما يجازى به المجرمون كل ذلك تبيينا لما تقدم من إجمال خبر ~~المعاد. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" كلام منهم وارد مورد ~~الاستهزاء مبني على الإنكار، ولعله لذلك جيء باسم الإشارة الموضوعة للقريبة ~~ولأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين كثيرا ما كانوا يسمعونهم ~~حديث يوم القيامة وينذرونهم به، والوعد يستعمل في الخير والشر إذا ذكر وحده ~~وإذا قابل الوعيد تعين الوعد للخير والوعيد للشر. # قوله تعالى: "ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون" النظر بمعنى ~~الانتظار، والمراد بالصيحة نفخة الصور الأولى بإعانة السياق، وتوصيف الصيحة ~~بالوحدة للإشارة إلى هوان أمرهم على الله جلت عظمته فلا حاجة إلى مئونة ~~زائدة، و"يخصمون" أصله يختصمون من الاختصام بمعنى المجادلة والمخاصمة. # والآية جواب لقولهم: "متى هذا الوعد" مسوقة سوق الاستهزاء بهم والاستهانة ~~بأمرهم كما كان قولهم كذلك، والمعنى ما ينتظر هؤلاء القائلون: متى هذا ~~الوعد في سؤالهم عن وقت الوعد المنبىء عن الانتظار إلا صيحة واحدة - يسيرة ~~علينا بلا مئونة ولا تكلف - تأخذهم فلا يسعهم أن يفروا وينجوا منها والحال ~~أنهم غافلون عنها يختصمون فيما بينهم. # قوله تعالى: "فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون" أي يتفرع على هذه ~~الصيحة بما أنها تفاجئهم ولا تمهلهم أن يموتوا من فورهم فلا يستطيعوا توصية ~~- على أن الموت يعمهم جميعا دفعة فلا يترك منهم أحدا يوصى إليه - ولا أن ~~يرجعوا إلى أهلهم إذا كانوا في الخارج من بيوتهم مثلا. # قوله تعالى: "ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ms6339 ربهم ينسلون" هذه هي ~~نفخة الصور الثانية التي بها الإحياء والبعث، والأجداث جمع جدث وهو القبر ~~والنسل الإسراع في المشي وفي التعبير عنه بقوله: "إلى ربهم" تقريع لهم ~~لأنهم كانوا ينكرون ربوبيته والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون" البعث الإقامة، والمرقد محل الرقاد والمراد به القبر، وتعبيرهم ~~عنه تعالى بالرحمن نوع استرحام وقد كانوا يقولون في الدنيا: "وما الرحمن:" ~~الفرقان: - 60، وقوله: "وصدق المرسلون" عطف على قوله: "هذا ما وعد الرحمن" ~~والجملة الفعلية قد تعطف على الاسمية. PageV17P050 # وقولهم: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا مبني على إنكارهم البعث وهم في الدنيا ~~ورسوخ أثر الإنكار والغفلة عن يوم الجزاء في نفوسهم وهم لا يزالون مستغرقين ~~في الأهواء فإذا قاموا من قبورهم مسرعين إلى المحشر فاجأهم الورود في عالم ~~لا يستقبلهم فيه إلا توقع الشر فأخذهم الفزع الأكبر والدهشة التي لا تقوم ~~لها الجبال ولذا يتبادرون أولا إلى دعوة الويل والهلاك كما كان ذلك دأبهم ~~في الدنيا عند الوقوع في المخاطر ثم سألوا عمن بعثهم من مرقدهم لأن الذي ~~أحاط بهم من الدهشة أذهلهم من كل شيء. # ثم ذكروا ما كانت الرسل (عليهم السلام) يذكرونهم به من الوعد الحق بالبعث ~~والجزاء فشهدوا بحقية الوعد واستعصموا بالرحمة فقالوا: "هذا ما وعد الرحمن" ~~على ما هو دأبهم في الدنيا حيث يكيدون عدوهم إذا ظهر عليهم بالتملق وإظهار ~~الذلة والاعتراف بالظلم والتقصير ثم صدقوا الرسل بقولهم: "وصدق المرسلون". # وبما تقدم ظهر أولا وجه دعوتهم بالويل إذا بعثوا. # وثانيا وجه سؤالهم عمن بعثهم من مرقدهم الظاهر في أنهم جاهلون به أولا ثم ~~إقرارهم بأنه الذي وعده الرحمن وتصديقهم المرسلين فيما بلغوا عنه تعالى. # ويظهر أيضا أن قوله: "من بعثنا من مرقدنا" إلخ وقوله: "هذا ما وعد ~~الرحمن" إلخ. # من قولهم. # وقيل: قوله: "وصدق المرسلون" عطف على مدخول "ما" و"ما" موصولة أو مصدرية ~~و"هذا ما وعد الرحمن" إلخ جواب من الله أو من الملائكة أو من المؤمنين ms6340 ~~لقولهم: "من بعثنا من مرقدنا"؟. # وغير خفي أنه خلاف الظاهر وخاصة على تقدير كون "ما" مصدرية ولو كان قوله: ~~"هذا ما وعد الرحمن" إلخ. # جوابا من الله أو الملائكة لقولهم: "من بعثنا من مرقدنا" لأجيب بالفاعل ~~دون الفعل لأنهم سألوا عن فاعل البعث! وما قيل: إن العدول إليه لتذكير ~~كفرهم وتقريعهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل هذا. # لا يغني طائلا. # وظهر أيضا أن قوله: "هذا ما وعد الرحمن" مبتدأ وخبر، وقيل "هذا" صفة ~~لمرقدنا بتأويل اسم الإشارة إلى المشتق و"ما" مبتدأ خبره محذوف تقديره ما ~~وعد الرحمن حق وهو بعيد عن الفهم. # قوله تعالى: "إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون" اسم كان ~~محذوف والتقدير إن كانت الفعلة أو النفخة إلا نفخة واحدة تفاجئهم أنهم ~~مجموع محضرون لدينا من غير تأخير ومهلة. # والتعبير بقوله: "لدينا" لأن اليوم يوم الحضور لفصل القضاء عند الله ~~سبحانه. # قوله تعالى: "فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون" أي ~~في هذا اليوم يقضي بينهم قضاء عدلا ويحكم حكما حقا فلا تظلم نفس شيئا. # وقوله: "ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون" عطف تفسير لقوله: فاليوم لا تظلم ~~نفس شيئا" وهو في الحقيقة بيان برهاني لانتفاء الظلم يومئذ لدلالته على أن ~~جزاء أعمال العاملين يومئذ نفس أعمالهم، ولا يتصور مع ذلك ظلم لأن الظلم ~~وضع الشيء في غير موضعه وتحميل العامل عمله وضع الشيء في موضعه ضرورة. # وخطاب الآية من باب تمثيل يوم القيامة وإحضاره وإحضار من فيه بحسب ~~العناية الكلامية، وليس - كما توهم - حكاية عما سيقال لهم أو يخاطبون به من ~~جانب الله سبحانه أو الملائكة أو المؤمنين يوم القيامة فلا موجب له من جهة ~~السياق. # والمخاطب بقوله: "ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون" السعداء والأشقياء جميعا. # وما قيل عليه أن الحصر يأبى التعميم فإنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ~~ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة مدفوع بأن الحصر في الآية نازل إلى جزاء ~~العمل وأجره وما يدل من الآيات ms6341 على المزيد كقوله: "لهم ما يشاءون فيها ~~ولدينا مزيد:" ق: - 35 أمر وراء الجزاء والأجر خارج عن طور العمل. # وربما أجيب عنه بأن معنى الآية أن الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد ~~عقابه فإن الحكمة تنافيه أما زيادة الثواب ونقض العقاب فلا مانع منه أو أن ~~المراد بقوله: "لا تجزون إلا ما كنتم تعملون" أنكم لا تجزون إلا من جنس ~~عملكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # وفيه أن مدلول الآية لو كان ما ذكر اندفع الإشكال لكن الشأن في دلالتها ~~على ذلك. # قوله تعالى: "إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون" الشغل الشأن الذي يشغل ~~الإنسان ويصرفه عما عداه، والفاكه من الفكاهة وهي التحدث بما يسر أو التمتع ~~والتلذذ ولا فعل له من الثلاثي المجرد على ما قيل. PageV17P051 # وقيل: "فاكهون" معناه ذوو فاكهة نحو لابن وتامر ويبعده أن الفاكهة مذكورة ~~في السياق ولا موجب لتكرارها. # والمعنى أن أصحاب الجنة في هذا اليوم في شأن يشغلهم عن كل شيء دونه وهو ~~التنعم في الجنة متمتعون فيها. # قوله تعالى: "هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون" الظلال جمع ظل ~~وقيل جمع ظلة بالضم وهي السترة من الشمس من سقف أو شجر أو غير ذلك، ~~والأريكة كل ما يتكأ عليه من وسادة أو غيرها. # والمعنى: هم أي أصحاب الجنة وأزواجهم من حلائلهم المؤمنات في الدنيا أو ~~من الحور العين في ظلال أو أستار من الشمس وغيرها متكئون على الأرائك اتكاء ~~الأعزة. # قوله تعالى: "لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون" الفاكهة ما يتفكه به من ~~الثمرات كالتفاح والأترج ونحوهما، وقوله: "يدعون" من الادعاء بمعنى التمني ~~أي لهم في الجنة فاكهة ولهم فيها ما يتمنونه ويطلبونه. # قوله تعالى: "سلام قولا من رب رحيم" سلام مبتدأ محذوف الخبر والتنكير ~~للتفخيم والتقدير سلام عليهم أو لهم سلام، و"قولا" مفعول مطلق لفعل محذوف ~~والتقدير أقوله قولا من رب رحيم. # والظاهر أن السلام منه تعالى وهو غير سلام الملائكة المذكور في قوله: ~~"والملائكة يدخلون عليهم من كل ms6342 باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار:" ~~الرعد: - 24. # قوله تعالى: "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" أي ونقول اليوم للمجرمين ~~امتازوا من أصحاب الجنة وهو تمييزهم منهم يوم القيامة وإنجاز لما في قوله ~~في موضع آخر: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار:" ص: - 28، وقوله أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم:" الجاثية: - 21. # قوله تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين" العهد الوصية، والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس ويأمر به ~~إذ لا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته، وقد علل النهي عن طاعته بكونه عدوا ~~مبينا لأن العدو لا يريد بعدوه خيرا. # وقيل: المراد بعبادته عبادة الآلهة من دون الله وإنما نسبت إلى الشيطان ~~لكونها بتسويله وتزيينه، وهو تكلف من غير موجب. # وإنما وجه الخطاب إلى المجرمين بعنوان أنهم بنو آدم لأن عداوة الشيطان ~~إنما نشبت أول ما نشبت بآدم حيث أمر أن يسجد له فأبى واستكبر فرجم ثم عاد ~~ذريته بعداوته وأوعدهم كما حكاه الله تعالى إذ قال: "أرأيتك هذا الذي كرمت ~~علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا:" الإسراء: - 62. # وأما عهده تعالى ووصيته إلى بني آدم أن لا يطيعوه فهو الذي وصاهم به ~~بلسان رسله وأنبيائه وحذرهم عن اتباعه كقوله تعالى: "يا بني آدم لا يفتننكم ~~الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة:" الأعراف: - 27: وقوله: "ولا يصدنكم ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين:" الزخرف: - 62. # وقيل: المراد بالعهد عهده تعالى إليهم في عالم الذر حيث قال: "ألست بربكم ~~قالوا بلى". # وقد عرفت مما قدمناه في تفسير آية الذر أن العهد الذي هناك هو بوجه عين ~~العهد الذي وجه إليهم في الدنيا. # قوله تعالى: "وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم" عطف تفسير لما سبقه، وقد تقدم ~~كلام في معنى الصراط المستقيم في تفسير قوله: "اهدنا الصراط المستقيم" من ~~سورة الفاتحة. # قوله تعالى: "ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم ms6343 تكونوا تعقلون" الجبل ~~الجماعة وقيل: الجماعة الكثيرة والكلام مبني على التوبيخ والعتاب. # قوله تعالى: "هذه جهنم التي كنتم توعدون" أي كان يستمر عليكم الإيعاد بها ~~مرة بعد مرة بلسان الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وأول ما أوعد الله ~~سبحانه بها حين قال لإبليس: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين:" الحجر: - 43 وفي لفظ الآية إشارة إلى ~~إحضار جهنم يومئذ. # قوله تعالى: "اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون" الصلا. # اللزوم والاتباع، وقيل: مقاساة الحرارة ويظهر بقوله: "بما كنتم تكفرون" ~~أن الخطاب للكفار وهم المراد بالمجرمين. # قوله تعالى: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون" أي يشهد كل منها بما كانوا يكسبونه بواسطته فالأيدي بالمعاصي ~~التي كسبوها بها والأرجل بالمعاصي الخاصة بها على ما يعطيه السياق. PageV17P052 # ومن هنا يظهر أن كل عضو ينطق بما يخصه من العمل وأن ذكر الأيدي والأرجل من ~~باب الأنموذج ولذا ذكر في موضع آخر السمع والبصر والفؤاد كما في سورة ~~الإسراء الآية 36. # وفي موضع آخر الجلود كما في سورة حم السجدة الآية 20، وسيأتي بعض ما ~~يتعلق به من الكلام في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ما ينظرون إلا صيحة واحدة" الآية قال: ~~ذلك في آخر الزمان يصاح فيهم صيحة وهم في أسواقهم يتخاصمون فيموتون كلهم في ~~مكانهم لا يرجع أحد منهم إلى منزله ولا يوصي بوصية، وذلك قوله عز وجل: "فلا ~~يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون". # وفي المجمع، في الحديث: تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان ~~فما يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلته إلى فيه حتى تقوم الساعة، ~~والرجل يليط 1 حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم:. أقول: وروي هذا ~~المعنى في الدر المنثور عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وكذا عن قتادة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلا. # وفي تفسير القمي،: وقوله عز وجل: "ونفخ ms6344 في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ~~ربهم ينسلون" قال:. من القبور: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه ~~السلام): في قوله: تعالى "يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا" فإن القوم كانوا في ~~القبور فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياما وقالوا: يا ويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا. قالت الملائكة: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. # وفي الكافي، بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~كان أبو ذر رحمه الله يقول في خطبته: وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ~~ثم استيقظت منها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون" ~~قال يفاكهون النساء ويلاعبونهن. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله عز وجل: ~~"في ظلال على الأرائك متكئون" الأرائك السرر عليها الحجال. # وفيه،: في قوله عز وجل: "سلام قولا من رب رحيم" قال: السلام منه هو ~~الأمان. وقوله: "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" قال: إذا جمع الله الخلق ~~يوم القيامة بقوا قياما على أقدامهم حتى يلجمهم العرق فينادون: يا رب ~~حاسبنا ولو إلى النار قال: فيبعث الله رياحا فتضرب بينهم وينادي مناد: ~~"وامتازوا اليوم أيها المجرمون" فيميز بينهم فصار المجرمون في النار، ومن ~~كان في قلبه الإيمان صار إلى الجنة. # أقول: وقد ورد في بعض الروايات أن الله سبحانه يتجلى لهم فيشتغلون به عن ~~كل من سواه ما دام التجلي والمراد به ارتفاع كل حجاب بينهم وبين ربهم دون ~~الرؤية البصرية التي لا تتحقق إلا بمقارنة الجهات والأبعاد فإنها مستحيلة ~~في حقه تعالى. # وفي اعتقادات الصدوق، قال (عليه السلام): من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن ~~كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ~~قال: وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب ~~فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله ms6345 عز وجل: "فمن أوتي كتابه بيمينه ~~فأولئك يقرءون كتابهم - ولا يظلمون فتيلا:" الإسراء: - 71. # وفي تفسير العياشي، عن مسعد بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم الله على ~~الأفواه فلا تكلم وتكلمت الأيدي وشهدت الأرجل ونطقت الجلود بما عملوا فلا ~~يكتمون الله حديثا. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر يأتي بعضها في ذيل تفسير قوله تعالى: ~~"شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم" الآية: حم السجدة: - 20، وتقدم بعضها ~~في الكلام على قوله: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا:" ~~الإسراء: - 36. PageV17P053 ### ||| AUTO 36 سورة يس - 66 - 83 # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصرط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء ~~لمسخنهم على مكانتهم فما استطعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه فى ~~الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمنه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان ~~مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكفرين (70) أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعما فهم لها ملكون (71) وذللنها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منفع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا ~~من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ~~(75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) أولم ير الانسن ~~أنا خلقنه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من ~~يحى العظم وهى رميم (78) قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ~~(79) الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس ~~الذى خلق السموت والأرض بقدر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلق العليم (81) ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحن الذى بيده ملكوت ~~كل شىء وإليه ترجعون (83) ### |||| AUTO بيان # بيان تلخيصي للمعاني السابقة في سياق آخر ففيه تهديد لهم بالعذاب، ~~والإشارة إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول وأن كتابه ذكر وقرآن وليس ~~بشاعر ولا كتابه بشعر، والإشارة إلى ms6346 خلق الأنعام آية للتوحيد، والاحتجاج ~~على الميعاد. # قوله تعالى: "ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون" ~~قال في مجمع البيان،: الطمس محو الشيء حتى يذهب أثره فالطمس على العين ~~كالطمس على الكتاب ومثله الطمس على المال وهو إذهابه حتى لا يقع عليه ~~إدراك، وأعمى مطموس وطميس وهو أن يذهب الشق الذي بين الجفنين، انتهى. # فقوله: "ولو نشاء لطمسنا على أعينهم" أي لو أردنا لأذهبنا أعينهم فصارت ~~ممسوحة لا أثر منها فذهبت به أبصارهم وبطل أبصارهم. # وقوله: "فاستبقوا الصراط" أي أرادوا السبق إلى الطريق الواضح الذي لا ~~يخطىء قاصده ولا يظل سالكه فلم يبصروه ولن يبصروه فالاستبعاد المفهوم من ~~قوله: "فأنى يبصرون" كناية عن الامتناع. # وقول بعضهم: إن المراد باستباق الصراط مبادرتهم إلى سلوك طريق الحق وعدم ~~اهتدائهم إليها، لا يخلو من بعد. # قوله تعالى: "ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا ~~يرجعون" قال في المجمع،: والمسخ قلب الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوم ~~قردة وخنازير وقال: والمكانة والمكان واحد. # انتهى. # والمراد بمسخهم على مكانتهم تشويه خلقهم وهم قعود في مكانهم الذي هم فيه ~~من غير أن يغيرهم عن حالهم بعلاج وتكلف بل بمجرد المشية فهو كناية عن كونه ~~هينا سهلا عليه تعالى من غير أي صعوبة. # وقوله: "فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون" أي مضيا في العذاب ولا يرجعون إلى ~~حالهم قبل العذاب والمسخ فالمضي والرجوع كنايتان عن الرجوع إلى حال السلامة ~~والبقاء على حال العذاب والمسخ. # وقيل: المراد مضيهم نحو مقاصدهم ورجوعهم إلى منازلهم وأهليهم ولا يخلو من بعد. # قوله تعالى: "ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون" التعمير التطويل في ~~العمر، والتنكيس تقليب الشيء بحيث يعود أعلاه أسفله ويتبدل قوته ضعفا ~~وزيادته نقصا والإنسان في عهد الهرم منكس الخلق يتبدل قوته ضعفا وعلمه جهلا ~~وذكره نسيانا. # والآية في مقام الاستشهاد بتنكيس الخلق على إمكان مضمون الآيتين ~~السابقتين والمراد أن الذي ينكس خلق الإنسان إذا عمره قادر على أن يطمس على ~~أعينهم وعلى أن يمسخهم ms6347 على مكانتهم. PageV17P054 # وفي قوله: "أفلا يعقلون" توبيخهم على عدم التعقل وحثهم على التدبر في هذه ~~الأمور والاعتبار بها. # قوله تعالى: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ~~عطف ورجوع إلى ما تقدم في صدر السورة من تصديق رسالة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وكون كتابه تنزيلا من عنده تعالى. # فقوله: "وما علمناه الشعر" نفى أن يكون علمه الشعر ولازمه أن يكون بحيث ~~لا يحسن قول الشعر لا أن يحسنه ويمتنع من قوله للنهي من الله متوجه إليه، ~~ولا أن النازل من القرآن ليس بشعر وإن أمكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوله. # وبه يظهر أن قوله: "وما ينبغي له" في مقام الامتنان عليه بأنه نزهه عن أن ~~يقول شعرا فالجملة في مقام دفع الدخل والمحصل أن عدم تعليمنا إياه الشعر ~~ليس يوجب نقصا فيه ولا أنه تعجيز له بل لرفع درجته وتنزيه ساحته عما ~~يتعاوره العارف بصناعة الشعر فيقع في معرض تزيين المعاني بالتخيلات الشعرية ~~الكاذبة التي كلما أمعن فيها كان الكلام أوقع في النفس، وتنظيم الكلام ~~بأوزان موسيقية ليكون أوقع في السمع، فلا ينبغي له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يقول الشعر وهو رسول من الله وآية رسالته ومتن دعوته القرآن ~~المعجز في بيانه الذي هو ذكر وقرآن مبين. # وقوله: "إن هو إلا ذكر وقرآن مبين" تفسير وتوضيح لقوله: "وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له" بما أن لازم معناه أن القرآن ليس بشعر فالحصر المستفاد ~~من قوله: "إن هو إلا ذكر" إلخ من قصر القلب والمعنى ليس هو بشعر ما هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين. # ومعنى كونه ذكرا وقرآنا أنه ذكر مقروء من الله ظاهر ذلك. # قوله تعالى: "لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين" تعليل متعلق ~~بقوله: "وما علمناه الشعر" والمعنى ولم نعلمه الشعر لينذر بالقرآن المنزه ~~من أن يكون شعرا من كان حيا "إلخ" أو متعلق بقوله: "إن هو إلا ذكر" إلخ ~~والمعنى ليس ما يتلوه على الناس ms6348 إلا ذكرا وقرآنا مبينا نزلناه إليه لينذر ~~من كان حيا "إلخ" ومآل الوجهين واحد. # والآية - كما ترى - تعد غاية إرسال الرسول وإنزال القرآن إنذار من كان ~~حيا - وهو كناية عن كونه يعقل الحق ويسمعه - وحقيقة القول ووجوبه على ~~الكافرين فمحاذاة الآية لما في صدر السورة من الآيات في هذا المعنى ظاهر. # قوله تعالى: "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها ~~مالكون" ذكر آية من آيات التوحيد تدل على ربوبيته تعالى وتدبيره للعالم ~~الإنساني وهي نظيرة ما تقدم في ضمن آيات التوحيد السابقة من إحياء الأرض ~~الميتة بإخراج الحب والثمرات وتفجير العيون. # والمراد بكون الأنعام مما عملته أيديه تعالى عدم إشراكهم في خلقها ~~واختصاصه به تعالى فعمل الأيدي كناية عن الاختصاص. # وقوله: "فهم لها مالكون" تفريع على قوله: "خلقنا لهم" فإن المعنى خلقنا ~~لأجلهم فهي مخلوقة لأجل الإنسان ولازمه اختصاصها به وينتهي الاختصاص إلى ~~الملك فإن الملك الاعتباري الذي في المجتمع من شعب الاختصاص. # وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن في تفرع قوله: "فهم لها مالكون" على ~~قوله: "خلقنا لهم" خفاء، والظاهر تفرعها على مقدر والتقدير خلقناها لهم فهم ~~لها مالكون، وأنت خبير بعدم خفاء تفرعها على "خلقنا لهم" وعدم الحاجة إلى تقدير. # وقيل: الملك بمعنى القدرة والقهر، وفيه أنه مفهوم من قوله بعد: "وذللناها ~~لهم" والتأسيس خير من التأكيد. # قوله تعالى: "وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" تذليل الأنعام ~~جعلها منقادة لهم غير عاصية وهو تسخيرها لهم، والركوب بفتح الراء الحمولة ~~كالإبل والبقر، وقوله: "ومنها يأكلون" أي من لحمها يأكلون. # قوله تعالى: "ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون" المراد بالمنافع ما ~~ينتفعون به من شعرها ووبرها وجلودها وغير ذلك، والمشارب جمع مشرب - مصدر ~~ميمي بمعنى المفعول - والمراد بها الألبان، والكلام في معنى الشكر كالكلام ~~فيما تقدم في قوله: "وما عملته أيديهم أفلا يشكرون". PageV17P055 # ومعنى الآيات الثلاث: أولم يعلموا أنا خلقنا لأجلهم ولتدبير أمر حياتهم ~~الدنيا أنعاما من الإبل والبقر والغنم فتفرع على ذلك أنهم مالكون ms6349 لها ملكا ~~يصحح لهم أنواع تصرفاتهم فيها من غير معارض، وذللناها لهم بجعلها مسخرة لهم ~~منقادة غير عاصية فمنها ركوبهم الذي يركبونه، ومنها أي من لحومها يأكلون، ~~ولهم فيها منافع ينتفعون بأشعارها وأوبارها وجلودها ومشروبات من ألبانها ~~يشربونها أفلا يشكرون الله على هذا التدبير الكامل الذي يكشف عن ربوبيته ~~لهم؟ أولا يعبدونه شكرا لأنعمه؟. # قوله تعالى: "واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون" ضمائر الجمع ~~للمشركين، والمراد بالآلهة الأصنام أو الشياطين وفراعنة البشر دون الملائكة ~~المقربين والأولياء من الإنسان لعدم ملاءمة ذيل الكلام: "وهم لهم جند ~~محضرون" لذلك. # وإنما اتخذوهم آلهة رجاء أن ينصروا من ناحيتهم لأن عامتهم تتخذ إلها زعما ~~منهم أن تدبير أمره مفوض إلى من اتخذه إلها من خير أو شر فيعبده العابد ~~منهم ليرضيه بعبادته فلا يسخط فيقطع النعمة أو يرسل النقمة. # قوله تعالى: "لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون" أي لا يستطيع هؤلاء ~~الآلهة الذين اتخذوهم آلهة نصر هؤلاء المشركين لأنهم لا يملكون شيئا من خير أو شر. # وقوله: "وهم لهم جند محضرون" الظاهر أن أول الضميرين للمشركين وثانيهما ~~للآلهة من دون الله والمراد أن المشركين جند للآلهة وذلك أن من لوازم معنى ~~الجندية التبعية والملازمة والمشركون هم المعدودون أتباعا لآلهتهم مطيعين ~~لهم دون العكس. # والمراد بالإحضار في قوله: "محضرون" الإحضار للجزاء يوم القيامة قال ~~تعالى: "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون:" ~~الصافات: - 158 وقال: "ولو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين:" الصافات: - 57. # ومحصل المعنى لا يستطيع الآلهة المتخذون نصر المشركين وهم أي المشركون ~~لهم أي لآلهتهم أتباع مطيعون محضرون معهم يوم القيامة. # وأما قول القائل: إن المعنى أن المشركين جند لآلهتهم معدون للذب عنهم في ~~الدنيا، أو إن المعنى وهم أي الآلهة لهم أي للمشركين جند محضرون لعذاب ~~المشركين يوم القيامة لأنهم وقود النار التي يعذب بها المشركون، أو محضرون ~~لعذابهم إظهارا لعجزهم عن النصر أو لإقناط المشركين عن شفاعتهم فهي معان رديئة. # قوله تعالى: "فلا يحزنك قولهم إنا ms6350 نعلم ما يسرون وما يعلنون" الفاء ~~لتفريع النهي عن الحزن على حقيقة اتخاذهم الآلهة من دون الله رجاء للنصر أي ~~إذا كان هذا حقيقة حالهم أن الذين استنصروهم لا يستطيعون نصرهم أبدا وأنهم ~~سيحضرون معهم للعذاب فلا يحزنك قولهم ما قالوا به من الشرك فإنا لسنا ~~بغافلين عنهم حتى يعجزونا أو يفسدوا علينا بعض الأمر بل نعلم ما يسرون من ~~أقوالهم وما يعلنون، وفي تركيب الآية بعض أقوال رديئة أضربنا عنه. # قوله تعالى: "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين" ~~رجوع إلى ما تقدم من حديث البعث والاحتجاج عليه إثر إنكارهم، ولا يبعد أن ~~يكون بيانا تفصيليا لقولهم المشار إليه في قوله تعالى: "فلا يحزنك قولهم" ~~إلخ والمراد بالرؤية العلم القطعي أي أولم يعلم الإنسان علما قاطعا أنا ~~خلقناه من نطفة، وتنكير نطفة للتحقير والخصيم المصر على خصومته وجداله. # والاستفهام للتعجب والمعنى من العجيب أن الإنسان يعلم أنا خلقناه من نطفة ~~مهينة فيفاجئه أنه خصيم مجادل مبين. # قوله تعالى: "وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم" ~~الرميم البالي من العظام، و"نسي خلقه" حال من فاعل ضرب، وقوله: "قال من ~~يحيي العظام وهي رميم" بيان للمثل الذي ضربه الإنسان، ولذلك جيء به مفصولا ~~من غير عطف لأن الكلام في معنى أن يقال: فما ذا ضرب مثلا؟ فقيل قال من يحيي ~~العظام وهي رميم. # والمعنى وضرب الإنسان لنا مثلا وقد نسي خلقه من نطفة لأول مرة، ولو كان ~~ذاكره لم يضرب المثل الذي ضربه وهو قوله: "من يحيي العظام وهي بالية؟" لأنه ~~كان يرد على نفسه ويجيب عن المثل الذي ضربه بخلقه الأول كما لقنه الله ~~تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) جوابا عنه. # قوله تعالى: "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" تلقين ~~الجواب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV17P056 # الإنشاء هو الإيجاد الابتدائي وتقييده بقوله ""أول مرة" للتأكيد، وقوله: ~~"وهو بكل خلق عليم" إشارة إلى أنه تعالى لا ms6351 ينسى ولا يجهل شيئا من خلقه ~~فإذا كان هو خالق هذه العظام لأول مرة وهو لا يجهل شيئا مما كانت عليه قبل ~~الموت وبعده فإحياؤه ثانيا بمكان من الإمكان لثبوت القدرة وانتفاء الجهل ~~والنسيان. # قوله تعالى: "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون" ~~بيان لقوله: "الذي أنشأها أول مرة" والإيقاد إشعال النار. # والآية مسوقة لرفع استبعاد جعل الشيء الموات شيئا ذا حياة والحياة والموت ~~متنافيان والجواب أنه لا استبعاد فيه فإنه هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~الذي يقطر ماء نارا فإذا أنتم منه توقدون وتشعلون النار، والمراد به على ~~المشهور بين المفسرين شجر 1 المرخ والعفار كانوا يأخذون منهما على خضرتهما ~~فيجعل العفار زندا أسفل ويجعل المرخ زندا أعلى فيسحق الأعلى على الأسفل ~~فتنقدح النار بإذن الله فحصول الحي من الميت ليس بأعجب من انقداح النار من ~~الشجرة الخضراء وهما متضادان. # قوله تعالى: "أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى ~~وهو الخلاق العليم" الاستفهام للإنكار والآية بيان للحجة السابقة المذكورة ~~في قوله : "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة" إلخ. # ببيان أقرب إلى الذهن وذلك بتبديل إنشائهم أول مرة من خلق السماوات ~~والأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان كما قال تعالى: "لخلق السموات والأرض ~~أكبر من خلق الناس:" المؤمن: - 57. # فالآية في معنى قولنا: وكيف يمكن أن يقال: إن الله الذي خلق عوالم ~~السماوات والأرض بما فيها من سعة الخلقة البديعة وعجيب النظام العام ~~المتضمن لما لا يحصى من الأنظمة الجزئية المدهشة للعقول المحيرة للألباب ~~والعالم الإنساني جزء يسير منها، لا يقدر أن يخلق مثل هؤلاء الناس، بلى ~~وإنه خلاق عليم. # والمراد بمثلهم قيل: هم وأمثالهم وفيه أنه مغاير لمعنى مثل على ما يعرف ~~من اللغة والعرف. # وقيل: المراد بمثلهم هم أنفسهم بنحو الكناية على حد قولهم: مثلك غني عن ~~كذا أي أنت غني عنه، وفيه أنه لو كان كناية لصح التصريح به لكن لا وجه ~~لقولنا: أوليس الذي خلق السماوات ms6352 والأرض بقادر على أن يخلقهم فإن الكلام في ~~بعثهم لا في خلقهم والمشركون معترفون بأن خالقهم هو الله سبحانه. # وقيل: ضمير "مثلهم" للسماوات والأرض فإنهما تشملان ما فيهما من العقلاء ~~فأعيد إليهما ضمير العقلاء تغليبا فالمراد أن الله الخالق للعالم قادر على ~~خلق مثله. # وفيه أن المقام مقام إثبات بعث الإنسان لا بعث السماوات والأرض. # على أن الكلام في الإعادة وخلق مثل الشيء ليس إعادة لعينه بل بالضرورة. # فالحق أن يقال: إن المراد بخلق مثلهم إعادتهم للجزاء بعد الموت كما ~~يستفاد من كلام الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان،. # بيانه أن الإنسان مركب من نفس وبدن، والبدن في هذه النشأة في معرض التحلل ~~والتبدل دائما فهو لا يزال يتغير أجزاؤه والمركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه ~~فهو في كل آن غيره في الآن السابق بشخصه وشخصية الإنسان محفوظة بنفسه - ~~روحه - المجردة المنزهة عن المادة والتغيرات الطارئة من قبلها المأمونة من ~~الموت والفساد. # والمتحصل من كلامه تعالى أن النفس لا تموت بموت البدن وأنها محفوظة حتى ~~ترجع إلى الله سبحانه كما تقدم استفادته من قوله تعالى: "وقالوا أإذا ضللنا ~~في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون:" الم السجدة: - 11. # فالبدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان ~~مثله لا عينه لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن ~~السابق كان عينه لا مثله لأن الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها. PageV17P057 # ولما كان استبعاد المشركين في قولهم: "من يحيي العظام وهي رميم" راجعا إلى ~~خلق البدن الجديد دون النفس أجاب سبحانه بإثبات إمكان خلق مثلهم وأما عودهم ~~بأعيانهم فهو إنما يتم بتعلق النفوس والأرواح المحفوظة عند الله بالأبدان ~~المخلوقة جديدا، فيكون الأشخاص الموجودين في الدنيا من الناس بأعيانهم كما ~~قال تعالى: "أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على أن يحيي الموتى:" الأحقاف - 33 فعلق الإحياء على الموتى ms6353 بأعيانهم ~~فقال: على أن يحيي الموتى ولم يقل: على أن يحيي أمثال الموتى. # قوله تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" الآية من غرر ~~الآيات القرآنية تصف كلمة الإيجاد وتبين أنه تعالى لا يحتاج في إيجاد شيء ~~مما أراده إلى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في ~~إيجاده أو يدفع عنه مانعا يمنعه. # وقد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه فقال: "إنما قولنا لشيء ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون:" النحل: - 40، وقال: "وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون:" البقرة: - 117. # فقوله: "إنما أمره" الظاهر أن المراد بالأمر الشأن، وقوله في آية النحل ~~المنقولة آنفا: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه" إن كان يؤيد كون الأمر بمعنى ~~القول وهو الأمر اللفظي بلفظة كن إلا أن التدبر في الآيات يعطي أن الغرض ~~فيها وصف الشأن الإلهي عند إرادة خلق شيء من الأشياء لا بيان أن قوله تعالى ~~عند خلق شيء من الأشياء هذا القول دون غيره، فالوجه حمل القول على الأمر ~~بمعنى الشأن بمعنى أنه جيء به لكونه مصداقا للشأن لا حمل الأمر على القول ~~بمعنى ما يقابل النهي. # وقوله: "إذا أراد شيئا" أي إذا أراد إيجاد شيء كما يعطيه سياق الآية وقد ~~ورد في عدة من الآيات القضاء مكان الإرادة كقوله: "إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون 1" ولا ضير فالقضاء هو الحكم والقضاء والحكم والإرادة من الله ~~شيء واحد وهو كون 2 الشيء الموجود بحيث ليس له من الله سبحانه إلا أن يوجد ~~فمعنى إذا أردناه إذا أوقفناه موقف تعلق الإرادة. # وقوله: "أن يقول له كن" خبر إنما أمره أي يخاطبه بكلمة كن ومن المعلوم أن ~~ليس هناك لفظ يتلفظ به وإلا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر وهلم جرا فيتسلسل ~~ولا أن هناك مخاطبا ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به لأدائه إلى الخلف فالكلام ~~تمثيل لإفاضته تعالى وجود الشيء من غير حاجة إلى شيء آخر ms6354 وراء ذاته ~~المتعالية ومن غير تخلف ولا مهل. # وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال: الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ ~~كن وإليه ذهب معظم السلف وشئون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام فدع ~~عنك الكلام والخصام. # انتهى. # وذلك أن ما ذكره من كون شئونه تعالى وراء طور الأفهام لو أبطل الحجة ~~العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها فصحة الكتاب مثلا بما ~~يفيده من المعارف الحقيقية إنما تثبت بالحجة العقلية فلو بطلت الحجة ~~العقلية بكتاب أو سنة أو شيء آخر مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل ~~مبطلا لنفسه أولا فلا تزل قدم بعد ثبوتها. # ومن المعلوم أن ليس هناك إلا الله عز اسمه والشيء الذي يوجد لا ثالث ~~بينهما وإسناد العلية والسببية إلى - إرادته دونه تعالى والإرادة صفة فعلية ~~منتزعة من مقام الفعل كما تقدم - يستلزم انقطاع حاجة الأشياء إليه تعالى من ~~رأس لاستيجابه استغناء الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس. # ومن المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى إيجادا ووجودا ثم يتصل ~~بالشيء فيصير به موجودا وهو ظاهر فليس بعده تعالى إلا وجود الشيء فحسب. # ومن هنا يظهر أن كلمة الإيجاد وهي كلمة كن هي وجود الشيء الذي أوجده لكن ~~بما أنه منتسب إليه قائم به وأما من حيث انتسابه إلى نفسه فهو موجود لا ~~إيجاد ومخلوق لا خلق. # ويظهر أيضا أن الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا نظرة ولا يتحمل ~~تبدلا ولا تغيرا، ولا يتلبس بتدريج وما يتراءى في الخلق من هذه الأمور إنما ~~يتأتى في الأشياء في ناحية نفسها لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه وهذا ~~باب ينفتح منه ألف باب. PageV17P058 # وفي الآيات للتلويح إلى هذه الحقائق إشارات لطيفة كقوله تعالى: "كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون:" آل عمران: - 59، وقوله تعالى: "وما ~~أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر:" القمر: 50، وقوله تعالى: "وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا:" الأحزاب: - 38 إلى غير ذلك. ms6355 # وقوله في آخر الآية: "فيكون" بيان لطاعة الشيء المراد له تعالى وامتثاله ~~لأمر "كن" ولبسه الوجود. # قوله تعالى: "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون" الملكوت ~~مبالغة في معنى الملك كالرحموت والرهبوت في معنى الرحمة والرهبة. # وانضمام الآية إلى ما قبلها يعطي أن المراد بالملكوت الجهة التالية له ~~تعالى من وجهي وجود الأشياء، وبالملك الجهة التالية للخلق أو الأعم الشامل ~~للوجهين. # وعليه يحمل قوله تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين:" الأنعام: - 75. # وقوله: "أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض:" الأعراف: - 185: وقوله: ~~"قل من بيده ملكوت كل شيء:" المؤمنون: - 88. # وجعل الملكوت بيده تعالى للدلالة على أنه متسلط عليها لا نصيب فيها لغيره. # ومآل المعنى قوله: "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء" تنزيهه تعالى عما ~~استبعدوا منكرين للمعاد لغفلتهم عن أن ملكوت كل شيء بيده وفي قبضته. # وقوله: "وإليه ترجعون" خطاب لعامة الناس من مؤمن ومشرك، وبيان لنتيجة ~~البيان السابق بعد التنزيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له" الآية ~~قال: كانت قريش تقول: إن هذا الذي يقوله محمد شعر فرد الله عليهم فقال: ~~"وما علمناه الشعر وما ينبغي له - إن هو إلا ذكر وقرآن مبين" ولم يقل رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شعرا قط. # وفي المجمع، روي عن الحسن: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ~~يتمثل بهذا البيت: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال له أبو بكر: يا ~~رسول الله إنما قال: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا وأشهد أنك رسول الله ~~وما علمك الله الشعر وما ينبغي لك. # وفيه، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يتمثل ببيت أخي بني قيس: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا. ويأتيك بالأخبار من ~~لم تزود. فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار فيقول أبو بكر: ليس هكذا ~~يا رسول الله فيقول: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي:. أقول: وروي في الدر ~~المنثور، ms6356 الخبرين عن الحسن وعائشة كما رواه وروي في الدر المنثور غير ذلك ~~مما تمثل به (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقال في المجمع، فأما قوله: أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب. فقد ~~قال قوم: إن هذا ليس بشعر، وقال آخرون: إنما هو اتفاق منه وليس يقصد إلى ~~شعر انتهى. # والبيت منقول عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أكثروا من البحث فيه ~~وطرح الرواية أهون من نفي كونه شعرا أو شعرا مقصودا إليه. # وفيه،: في قوله تعالى: "لينذر من كان حيا" الآية ويجوز أن يكون المراد ~~بمن كان حيا عاقلا: وروي ذلك عن علي (عليه السلام). # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "واتخذوا من دون الله إلى قوله محضرون" يقول: لا تستطيع الآلهة ~~لهم نصرا وهم للآلهة جند محضرون. # وعن تفسير العياشي، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء ~~أبي بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففته ثم قال: إذا كنا عظاما ورفاتا ~~أإنا لمبعثون خلقا؟ فأنزل الله: قال من يحيي العظام وهي رميم - قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم:. أقول: وروي مثله في الدر المنثور، ~~بطرق كثيرة عن ابن عباس وعروة بن الزبير وعن قتادة والسدي وعكرمة وروي أيضا ~~عن ابن عباس: أن القائل هو العاص بن وائل وبطريق آخر عنه أن القائل هو عبد ~~الله بن أبي. PageV17P059 # وفي الإحتجاج،: في احتجاج أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): قال السائل: ~~أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الأشياء وتنفى فلا ~~حس ولا محسوس ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها وذلك أربعمائة سنة يسبت ~~فيها الخلق وذلك بين النفختين. قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء ~~قد تفرقت فعضو ببلدة تأكله سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو قد صار ~~ترابا يبنى ms6357 به مع الطين في حائط. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الذي ~~أنشأه من غير شيء وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. ~~قال: أوضح لي ذلك. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الروح مقيمة في ~~مكانها روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة والبدن يصير ~~ترابا كما منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها فما أكلته ومزقته ~~كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم ~~عدد الأشياء ووزنها وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب. فإذا كان ~~حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير ~~تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء والزبد من اللبن إذا مخض ~~فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ~~فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ويلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من ~~نفسه شيئا. # وفي نهج البلاغة،: يقول لما أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع ولا نداء ~~يسمع وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ولو ~~كان قديما لكان إلها ثانيا. # وفيه،: يقول ولا يلفظ ويريد ولا يضمر. # وفي الكافي، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال:. قلت لأبي الحسن (عليه ~~السلام): أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق قال: فقال: الإرادة من الخلق ~~الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله فإرادته إحداثه لا غير ~~ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات ~~الخلق. فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول له: كن فيكون بلا لفظ ولا نطق ~~بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه لا كيف له. # أقول: والروايات عنهم (عليهم السلام) في كون إرادته من صفات الفعل ~~مستفيضة. PageV17P060 ### || AUTO ### ||| AUTO 37 سورة الصافات - 1 - 11 # بسم الله الرحمن الرحيم ms6358 والصفت صفا (1) فالزجرت زجرا (2) فالتليت ذكرا ~~(3) إن إلهكم لوحد (4) رب السموت والأرض وما بينهما ورب المشرق (5) إنا ~~زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطن مارد (7) لا يسمعون ~~إلى الملا الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من ~~خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا ~~خلقنهم من طين لازب (11) ### |||| AUTO بيان # في السورة احتجاج على التوحيد، وإنذار للمشركين وتبشير للمخلصين من ~~المؤمنين، وبيان ما يئول إليه حال كل من الفريقين ثم ذكر عدة من عباده ~~المؤمنين ممن من الله عليهم وقضى أن ينصرهم على عدوهم، وفي خاتمة السورة ما ~~هو بمنزلة محصل الغرض منها وهو تنزيهه والسلام على عباده المرسلين وتحميده ~~تعالى فيما فعل والسورة مكية بشهادة سياقها. # قوله تعالى: "والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا" الصافات - على ~~ما قيل - جمع صافة وهي جمع صاف، والمراد بها على أي حال الجماعة التي تصطف ~~أفرادها والزاجرات من الزجر وهو الصرف عن الشيء بالتخويف بذم أو عقاب ~~والتاليات من التلاوة بمعنى القراءة. # وقد أقسم الله تعالى بهذه الطوائف الثلاث: الصافات والزاجرات والتاليات ~~وقد اختلفت كلماتهم في المراد بها: فأما الصافات فقيل: إن المراد بها ~~الملائكة تصف أنفسها في السماء صفوفا كصفوف المؤمنين في الصلاة، وقيل: إنها ~~الملائكة تصف أجنحتها في الهواء إذا أرادت النزول إلى الأرض واقفة في ~~انتظار أمر الله تعالى، وقيل: إنها الجماعة من المؤمنين يقومون في الصلاة ~~أو في الجهاد مصطفين. # وأما الزاجرات فقيل: إنها الملائكة تزجر العباد عن المعاصي فيوصله الله ~~إلى قلوب الناس في صورة الخطرات كما يوصل وساوس الشياطين، وقيل: إنها ~~الملائكة الموكلة بالسحاب تزجرها وتسوقها إلى حيث أراد الله سبحانه، وقيل: ~~هي زواجر القرآن وهي آياته الناهية عن القبائح، وقيل: هم المؤمنون يرفعون ~~أصواتهم بالقرآن عند قراءته فيزجرون الناس عن المنهيات. # وأما التاليات فقيل: هم الملائكة يتلون الوحي على النبي الموحى إليه، ~~وقيل: هي الملائكة تتلو الكتاب الذي كتبه الله وفيها ذكر الحوادث، وقيل: ~~جماعة ms6359 قراء القرآن يتلونه في الصلاة. # ويحتمل - والله العالم - أن يكون المراد بالطوائف الثلاث المذكورة في ~~الآيات طوائف الملائكة النازلين بالوحي المأمورين بتأمين الطريق ودفع ~~الشياطين عن المداخلة فيه وإيصاله إلى النبي مطلقا أو خصوص محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كما يستفاد من قوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن ~~قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم:" الجن: - 28. # وعليه فالمعنى أقسم بالملائكة الذين يصفون في طريق الوحي صفا فبالذين ~~يزجرون الشياطين ويمنعونهم عن المداخلة في الوحي فبالذين يتلون على النبي ~~الذكر وهو مطلق الوحي أو خصوص القرآن كما يؤيده التعبير عنه بتلاوة الذكر. # ويؤيد ما ذكرنا وقوع حديث رمي الشياطين بالشهب بعد هذه الآيات، وكذا قوله ~~بعد: "فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا" الآية كما سنشير إليه. # ولا ينافي ذلك إسناد النزول بالقرآن إلى جبرئيل وحده في قوله: "من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك:" البقرة: - 97 وقوله: "نزل به الروح ~~الأمين على قلبك:" الشعراء: - 194 لأن الملائكة المذكورين أعوان جبرئيل ~~فنزولهم به نزوله به وقد قال تعالى: "في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ~~كرام بررة:" عبس: - 16، وقال حكاية عنهم: "وما نتنزل إلا بأمر ربك:" مريم: ~~- 64، وقال: "وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون:" الصافات: - 166 وهذا ~~كنسبة التوفي إلى الرسل من الملائكة في قوله: "حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا:" الأنعام: - 61 وإلى ملك الموت وهو رئيسهم في قوله: "قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم:" السجدة: - 11. PageV17P061 # ولا ضير في التعبير عن الملائكة بلفظ الإناث: الصافات والزاجرات والتاليات ~~لأن موصوفها الجماعة، والتأنيث لفظي. # وهذه أول سورة في القرآن صدرت بالقسم وقد أقسم الله سبحانه في كلامه ~~بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والنجم والليل والنهار ~~والملائكة والناس والبلاد والأثمار، وليس ذلك إلا لما فيها من الشرف ~~باستناد خلقها إليه تعالى وهو قيومها المنبع لكل شرف وبهاء. # قوله تعالى: ms6360 "إن إلهكم لواحد" الخطاب لعامة الناس وهو مقسم به، وهو كلام ~~مسوق بدليل كما سيأتي. # قوله تعالى: "رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق" خبر بعد خبر ~~لأن، أو خبر لمبتدإ محذوف والتقدير هو رب السماوات "إلخ" أو بدل من واحد. # وفي سوق الأوصاف إشعار بعلة كون الإله واحدا كما أن خصوصية القسم مشعر ~~بعلة كونه رب السماوات والأرض وما بينهما. # كأنه قيل إن إلهكم لواحد لأن الملاك في ألوهية الإله وهي كونه معبودا ~~بالحق أن يكون ربا يدبر الأمر على ما تعترفون وهو سبحانه رب السماوات ~~والأرض وما بينهما الذي يدبر أمرها ويتصرف في جميعها. # وكيف لا؟ وهو تعالى يوحي إلى نبيه فيتصرف في السماء وسكانها بإرسال ~~ملائكة يصطفون بينها وبين الأرض وهناك مجال الشياطين فيزجرونهم وهو تصرف ~~منه فيما بين السماء والأرض وفي الشياطين ثم يتلون الذكر على نبيه وفيه ~~تكميل للناس وتربية لهم سواء صدقوا أم كذبوا ففي الوحي تصرف منه في ~~السماوات والأرض وما بينهما فهو على وحدانيته رب الجميع المدبر لأمرها ~~والإله الواحد. # وقوله: "ورب المشارق" أي مشارق الشمس باختلاف الفصول أو المراد مشارق ~~مطلق النجوم أو مطلق المشارق، وفي تخصيص المشارق بالذكر مناسبة لطلوع الوحي ~~بملائكته من السماء وقد قال تعالى: "ولقد رآه بالأفق المبين:" التكوير - ~~23، وقال: "وهو بالأفق الأعلى:" النجم: - 7. # قوله تعالى: "إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب" المراد بالزينة ما ~~يزين به، والكواكب بيان أو بدل من الزينة وقد تكرر حديث تزيين السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب في كلامه كقوله: "وزينا السماء الدنيا بمصابيح:" حم ~~السجدة: - 12 وقوله: "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح:" الملك: - 5، ~~وقوله: "أولم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها:" ق: - 6. # ولا يخلو من ظهور في كون السماء الدنيا من السماوات السبع التي يذكرها ~~القرآن هو عالم الكواكب فوق الأرض وإن وجهه بعضهم بما يوافق مقتضى الهيئة ~~القديمة أو الجديدة. # قوله تعالى: "وحفظا من كل شيطان مارد" حفظا مفعول مطلق لفعل محذوف ~~والتقدير وحفظناها حفظا من كل شيطان مارد، والمراد ms6361 بالشيطان الشرير من الجن ~~والمارد الخبيث العاري من الخير. # قوله تعالى: "لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب" أصل "لا ~~يسمعون" لا يتسمعون والتسمع الإصغاء، وهو كناية عن كونهم ممنوعين مدحورين ~~وبهذه العناية صار وصفا لكل شيطان ولو كان بمعنى الإصغاء صريحا أفاد لغوا ~~من الفعل إذ لو كانوا لا يصغون لم يكن وجه لقذفهم. # والملأ من الناس الأشراف منهم الذين يملئون العيون، والملأ الأعلى هم ~~الذين يريد الشياطين التسمع إليهم وهم الملائكة الكرام الذين هم سكنة ~~السماوات العلى على ما يدل عليه كلامه تعالى كقوله: "لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا:" الإسراء: - 95. # وقصدهم من التسمع إلى الملإ الأعلى الاطلاع على أخبار الغيب المستوردة عن ~~هذا العالم الأرضي كالحوادث المستقبلة والأسرار المكنونة كما يشير إليه ~~قوله تعالى: "وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن ~~السمع لمعزولون:" الشعراء: - 212، وقوله حكاية عن الجن: "وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا:" الجن: - 9. # وقوله: "ويقذفون من كل جانب" القذف الرمي والجانب الجهة. # قوله تعالى: "دحورا ولهم عذاب واصب" الدحور الطرد والدفع، وهو مصدر بمعنى ~~المفعول منصوب حالا أي مدحورين أو مفعول له أو مفعول مطلق، والواصب الواجب ~~اللازم. PageV17P062 # قوله تعالى: "إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب" الخطفة الاختلاس ~~والاستلاب، والشهاب ما يرى في الجو كالكوكب المنقض، والثقوب الركوز وسمي ~~الشهاب ثاقبا لأنه لا يخطىء هدفه وغرضه. # والمراد بالخطفة اختلاس السمع وقد عبر عنه في موضع آخر باستراق السمع قال ~~تعالى: "إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين:" الحجر: - 18، والاستثناء من ~~ضمير الفاعل في قوله: "لا يسمعون" وجوز بعضهم كون الاستثناء منقطعا. # ومعنى الآيات الخمس: أنا زينا السماء التي هي أقرب السماوات منكم - أو ~~السماء السفلى بزينة وهي الكواكب، وحفظناها حفظا من كل شيطان خبيث عار من ~~الخير ممنوعين من الإصغاء إلى الملإ الأعلى - للاطلاع إلى ما يلقون بين ~~أنفسهم من أخبار الغيب - ويرمون ms6362 من كل جهة حال كونهم مطرودين ولهم عذاب ~~لازم لا يفارقهم إلا من اختلس من أخبارهم الاختلاسة فأتبعه شهاب ثاقب لا ~~يخطىء غرضه. # كلام في معنى الشهب # أورد المفسرون أنواعا من التوجيه لتصوير استراق السمع من الشياطين ورميهم ~~بالشهب وهي مبنية على ما يسبق إلى الذهن من ظاهر الآيات والأخبار أن هناك ~~أفلاكا محيطة بالأرض تسكنها جماعات الملائكة ولها أبواب لا يلج فيها شيء ~~إلا منها وأن في السماء الأولى جمعا من الملائكة بأيديهم الشهب يرصدون ~~المسترقين للسمع من الشياطين فيقذفونهم بالشهب. # وقد اتضح اليوم اتضاح عيان بطلان هذه الآراء ويتفرع على ذلك بطلان الوجوه ~~التي أوردوها في تفسير الشهب وهي وجوه كثيرة أودعوها في المطولات كالتفسير ~~الكبير، للرازي وروح المعاني، للآلوسي وغيرهما. # ويحتمل - والله العالم أن هذه البيانات في كلامه تعالى من قبيل الأمثال ~~المضروبة تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس لتقريبها من ~~الحس وهو القائل عز وجل: "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون:" العنكبوت: - 43. # وهو كثير في كلامه تعالى ومنه العرش والكرسي واللوح والكتاب وقد تقدمت ~~الإشارة إليها وسيجيء بعض منها. # وعلى هذا يكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالما ملكوتيا ذا ~~أفق أعلى نسبته إلى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة بأجرامها إلى ~~الأرض، والمراد باقتراب الشياطين من السماء واستراقهم السمع وقذفهم بالشهب ~~اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على أسرار الخلقة والحوادث المستقبلة ~~ورميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت، أو كرتهم على الحق لتلبيسه ورمي ~~الملائكة إياهم بالحق الذي يبطل أباطيلهم. # وإيراده تعالى قصة استراق الشياطين للسمع ورميهم بالشهب عقيب الإقسام ~~بملائكة الوحي وحفظهم إياه عن مداخلة الشياطين لا يخلو من تأييد لما ذكرناه ~~والله أعلم. # قوله تعالى: "فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين ~~لازب" اللازب الملتزق بعضه ببعض بحيث يلزمه ما جاوره، وقال في مجمع ~~البيان،: اللازب واللازم بمعنى. # انتهى. # والمراد بقوله: "من خلقنا" إما الملائكة المشار إليهم في الآيات السابقة ~~وهم حفظة الوحي ms6363 ورماة الشهب، وإما غير الناس من الخلق العظيم كالسماوات ~~والأرض والملائكة، والتعبير بلفظ أولي العقل للتغليب. # والمعنى: فإذا كان الله هو رب السماوات والأرض وما بينهما والملائكة ~~فاسألهم أن يفتوا أهم أشد خلقا أم غيرهم ممن خلقنا فهم أضعف خلقا لأنا ~~خلقناهم من طين ملتزق فليسوا بمعجزين لنا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والصافات صفا" قال: الملائكة ~~والأنبياء. # وفيه، عن أبيه ويعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن هذه النجوم ~~التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض. # الحديث. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "عذاب واصب" ~~أي دائم موجع قد وصل إلى قلوبهم. # وفيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في حديث المعراج: قال: فصعد ~~جبرئيل وصعدت معه إلى سماء الدنيا وعليها ملك يقال له: إسماعيل وهو صاحب ~~الخطفة التي قال الله عز وجل: "إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب" وتحته ~~سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك. # الحديث. PageV17P063 # أقول: والروايات في هذا الباب كثيرة أوردنا بعضا منها في تفسير قوله تعالى: ~~"إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين:" الحجر: - 18 وسيأتي بعضها في تفسير ~~سورتي الملك والجن إن شاء الله تعالى. # وفي نهج البلاغة،: ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة ~~سنها بالماء حتى خلصت ولاطها بالبلة حتى لزبت. PageV17P064 ### ||| AUTO 37 سورة الصافات - 12 - 70 # بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا ءاية يستسخرون ~~(14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا ~~لمبعوثون (16) أوءاباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم دخرون (18) فإنما هى ~~زجرة وحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم ~~الفصل الذى كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزوجهم وما كانوا ~~يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صرط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسئولون ~~(24) ما لكم لا تناصرون ms6364 (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم ~~تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطن بل كنتم قوما طغين (30) فحق ~~علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغوينكم إنا كنا غوين (32) فإنهم يومئذ ~~فى العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل ~~لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر ~~مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم ~~(38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك ~~لهم رزق معلوم (41) فوكه وهم مكرمون (42) فى جنت النعيم (43) على سرر ~~متقبلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشربين (46) لا فيها ~~غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قصرت الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون ~~(49) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إنى كان لى قرين ~~(51) يقول أءنك لمن المصدقين (52) أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم (55) قال تالله ~~إن كدت لتردين (56) ولو لا نعمة ربى لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين ~~(58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) ~~لمثل هذا فليعمل العملون (61) أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا ~~جعلنها فتنة للظلمين (63) إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم (64) طلعها كأنه ~~رءوس الشيطين (65) فإنهم لاكلون منها فمالئون منها البطون (66) ثم إن لهم ~~عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لالى الجحيم (68) إنهم ألفوا ~~ءاباءهم ضالين (69) فهم على ءاثرهم يهرعون (70) ### |||| AUTO بيان # حكاية استهزائهم بآيات الله وبعض أقاويلهم المبنية على الكفر وإنكار ~~المعاد والرد عليهم بتقرير أمر البعث وما يجري عليهم فيه من الشدة وألوان ~~العذاب وما يكرم الله به عباده المخلصين من النعمة والكرامة. # وفيها ذكر تخاصم أهل النار يوم القيامة، وذكر محادثة بين أهل الجنة وأخرى ~~بين بعضهم وبعض أهل النار. # قوله تعالى: "بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون" أي بل عجبت يا محمد ~~من تكذيبهم إياك مع دعوتك إياهم ms6365 إلى كلمة الحق، وهم يسخرون ويهزءون من ~~تعجبك منهم أو من دعائك إياهم إلى الحق، وإذا ذكروا بآيات الله الدالة على ~~التوحيد ودين الحق لا يذكرون ولا يتنبهون. # قوله تعالى: "وإذا رأوا آية يستسخرون" في مجمع البيان،: سخر واستسخر ~~بمعنى واحد. # انتهى. PageV17P065 # والمعنى: وإذا رأوا هؤلاء المشركون أية معجزة من آيات الله المعجزة كالقرآن ~~وشق القمر يستهزءون بها. # قوله تعالى: "وقالوا إن هذا إلا سحر مبين" في إشارتهم إلى الآية بلفظة ~~هذا إشعار منهم أنهم لا يفقهون منها إلا أنها شيء ما من غير زيادة وهو من ~~أقوى الإهانة والاستسخار. # قوله تعالى: "أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا ~~الأولون" إنكار منهم للبعث مبني على الاستبعاد فمن المستبعد عند الوهم أن ~~يموت الإنسان فيتلاشى بدنه ويعود ترابا وعظاما ثم يعود إلى صورته الأولى. # ومن الدليل على أن الكلام مسوق لإفادة الاستبعاد تكرارهم الاستفهام ~~الإنكاري بالنسبة إلى آبائهم الأولين فإن استبعاد الوهم لبعثهم وقد انمحت ~~رسومهم ولم يبق منهم إلا أحاديث أشد وأقوى من استبعاده بعثهم أنفسهم. # ولو كان إنكارهم البعث مبنيا على أنهم ينعدمون بالموت فتستحيل إعادتهم ~~كان الحكم فيهم وفي آبائهم على نهج واحد ولم يحتج إلى تجديد استفهام ~~بالنسبة إلى آبائهم. # قوله تعالى: "قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون" ~~أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم بأنهم مبعوثون. # وقوله: "وأنتم داخرون" أي صاغرون مهانون أذلاء، وهذا في الحقيقة احتجاج ~~بعموم القدرة ونفوذ الإرادة من غير مهلة، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون ولذا عقبه بقوله: "فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون" وقد ~~قال تعالى: "ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب إن الله على كل شيء قدير:" النحل - 77. # وقوله: "فإنما هي زجرة واحدة" إلخ الفاء لإفادة التعليل والجملة تعليل ~~لقوله: "وأنتم داخرون" وفي التعبير بزجرة إشعار باستذلالهم. # قوله تعالى: "وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل ms6366 الذي كنتم به ~~تكذبون" معطوف على قوله: "ينظرون" المشعر بأنهم مبهوتون مدهوشون متفكرون ثم ~~يتنبهون بكونه يوم البعث فيه الدين والجزاء وهم يحذرون منه بما كفروا ~~وكذبوا ولذا قالوا: يوم الدين، ولم يقولوا يوم البعث، والتعبير بالماضي ~~لتحقق الوقوع. # وقوله: "هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون" قيل هو كلام بعضهم لبعض ~~وقيل: كلام الملائكة أو كلامه تعالى لهم، ويؤيده الآية التالية، والفصل هو ~~التمييز بين الشيئين وسمي يوم الفصل لكونه يوم التمييز بين الحق والباطل ~~بقضائه وحكمه تعالى أو التمييز بين المجرمين والمتقين قال تعالى: "وامتازوا ~~اليوم أيها المجرمون:" يس: - 59. # قوله تعالى: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم" من كلامه تعالى للملائكة والمعنى وقلنا للملائكة: ~~احشروهم وقيل: هو من كلام الملائكة بعضهم لبعض. # والحشر - على ما ذكره الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى ~~الحرب ونحوها. # والمراد بالذين ظلموا على ما يؤيده آخر الآية المشركون ولا كل المشركين ~~بل المعاندون للحق الصادون عنه منهم قال تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة ~~كافرون:" الأعراف: - 44 45، والتعبير بالماضي في المقام يفيد فائدة الوصف ~~فليس المراد بالذين ظلموا من تحقق منه ظلم ما ولو مرة واحدة بل تعريف لهم ~~بحاصل ما اكتسبوا في حياتهم الدنيا كما لو قيل: ما ذا فعل فلان في حياته ~~فيقال ظلم، فالفعل يفيد فائدة الوصف، وفي كلامه تعالى من ذلك شيء كثير ~~كقوله تعالى: "وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا:" الزمر: - 73: "وقوله وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا:" الزمر: - 71 وقوله: "للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة:" يونس - 26. # وقوله: "وأزواجهم" الظاهر أن المراد به قرناؤهم من الشياطين قال تعالى: ~~"ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين - إلى أن قال - حتى إذا ~~جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين:" الزخرف: - 38. # وقيل: المراد بالأزواج الأشباه والنظائر فأصحاب الزنا يحشرون مع أصحاب ~~الزنا وأصحاب ms6367 الخمر مع أصحاب الخمر وهكذا. # وفيه أن لازمه أن يراد بالذين ظلموا طائفة خاصة من أصحاب كل معصية واللفظ ~~لا يساعد عليه على أن ذيل الآية لا يناسبه. PageV17P066 # وقيل: المراد بالأزواج نساؤهم الكافرات وهو ضعيف كسابقه. # وقوله: "وما كانوا يعبدون من دون الله" الظاهر أن المراد به الأصنام التي ~~يعبدونها نظرا إلى ظاهر لفظة "ما" فالآية نظيرة قوله: "إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم:" الأنبياء: - 98. # ويمكن أن يكون المراد بلفظة "ما" ما يعم أولي العقل من المعبودين ~~كالفراعنة والنماردة، وأما الملائكة المعبودون والمسيح (عليه السلام) ~~فيخرجهم من العموم قوله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون:" الأنبياء: - 101. # وقوله: "فاهدوهم إلى صراط الجحيم" الجحيم من أسماء جهنم في القرآن وهو من ~~الجحمة بمعنى شدة تأجج النار على ما ذكره الراغب. # والمراد بهدايتهم إلى صراطها إيصالهم إليه وإيقاعهم فيه بالسوق، وقيل: ~~تسمية ذلك بالهداية من الاستهزاء، وقال في مجمع البيان،: إنما عبر عن ذلك ~~بالهداية من حيث كان بدلا من الهداية إلى الجنة كقوله: "فبشرهم بعذاب أليم" ~~من حيث إن هذه البشارة وقعت لهم بدلا من البشارة بالنعيم. # انتهى. # قوله تعالى: "وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم ~~مستسلمون" قال في المجمع، يقال: وقفت أنا ووقفت غيري - أي يعدى ولا يعدى - ~~وبعض بني تميم يقول: أوقفت الدابة والدار. # انتهى. # فقوله: "وقفوهم إنهم مسئولون" أي احبسوهم لأنهم مسئولون أي حتى يسأل عنهم. # والسياق يعطي أن هذا الأمر بالوقوف والسؤال إنما يقع في صراط الجحيم. # واختلفت كلماتهم فيما هو السؤال عنه فقيل: يسألون عن قول لا إله إلا ~~الله، وقيل: عن شرب الماء البارد استهزاء بهم، وقيل: عن ولاية علي (عليه ~~السلام). # وهذه الوجوه لو صحت فإنما تشير إلى مصاديق ما يسأل عنه والسياق يشهد أن ~~السؤال هو ما يشتمل عليه قوله: "ما لكم لا تناصرون" أي لا ينصر بعضكم بعضا ~~كما كنتم تفعلونه في الدنيا فتستعينون به على حوائجكم ومقاصدكم، وما يتلوه ~~من قوله: "بل ms6368 هم اليوم مستسلمون" أي مسلمون لا يستكبرون يدل على أن المراد ~~بقوله: "ما لكم لا تناصرون" السؤال عن استكبارهم عن طاعة الحق كما كانوا ~~يستكبرون في الدنيا. # فالسؤال عن عدم تناصرهم سؤال عن سبب الاستكبار الذي كانوا عليه في الدنيا ~~فقد تبين به أن المسئول عنه هو كل حق أعرضوا عنه في الدنيا من اعتقاد حق أو ~~عمل صالح استكبارا على الحق تظاهرا بالتناصر. # قوله تعالى: "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - إلى قوله - إنا كنا غاوين" ~~تخاصم واقع بين الأتباع والمتبوعين يوم القيامة، والتعبير عنه بالتساؤل ~~لأنه في معنى سؤال بعضهم بعضا تلاوما وتعاتبا يقول التابعون لمتبوعيهم: لم ~~أضللتمونا؟ فيقول المتبوعون: لم قبلتم منا ولا سلطان لنا عليكم؟. # فقوله: "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" البعض الأول هم المعترضون والبعض ~~الثاني المعترض عليهم كما يعطيه سياق التساؤل وتساؤلهم تخاصمهم. # وقوله: "قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" أي من جهة الخير والسعادة ~~فاستعمال اليمين فيها شائع كثير كقوله: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين:" ~~الواقعة: - 27 والمعنى أنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير والسعادة فتقطعون ~~الطريق وتحولون بيننا وبين الخير والسعادة وتضلوننا. # وقيل: المراد باليمين الدين وهو قريب من الوجه السابق، وقيل: المراد ~~باليمين القهر والقوة كما في قوله تعالى: "فراغ عليهم ضربا باليمين:" ~~الصافات: - 93 ولا يخلو من وجه نظرا إلى جواب المتبوعين. # وقوله: "قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان - إلى ~~قوله - غاوين" جواب المتبوعين بتبرئة أنفسهم من إشقاء التابعين وأن جرمهم ~~مستند إلى سوء اختيار أنفسهم. # فقالوا: بل لم تكونوا مؤمنين أي لم نكن نحن السبب الموجب لإجرامكم ~~وهلاككم بخلوكم عن الإيمان بل لم تكونوا مؤمنين لا أنا جردناكم من الإيمان. # ثم قالوا: "وما كان لنا عليكم من سلطان" وهو في معنى الجواب على فرض ~~التسليم كأنه قيل: ولو فرض أنه كان لكم إيمان فما كان لنا عليكم من سلطان ~~حتى نسلبه منكم ونجردكم منه. # على أن سلطان المتبوعين إنما هو بالتابعين فهم الذين يعطونهم السلطة ms6369 ~~والقوة فيتسلطون عليهم أنفسهم. PageV17P067 # ثم قالوا: "بل كنتم قوما طاغين" والطغيان هو التجاوز عن الحد وهو إضراب عن ~~قوله: "لم تكونوا مؤمنين" كأنه قيل: ولم يكن سبب هلاككم مجرد الخلو من ~~الإيمان بل كنتم قوما طاغين كما كنا مستكبرين طاغين فتعاضدنا جميعا على ترك ~~سبيل الرشد واتخاذ سبيل الغي فحق علينا كلمة العذاب التي قضى بها الله ~~سبحانه قال تعالى: "إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا:" النبأ: - 22 وقال: ~~"فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى:" النازعات: - 39. # ولهذا المعنى عقب قوله: "بل كنتم قوما طاغين" بقوله: "فحق علينا قول ربنا ~~إنا لذائقون" أي لذائقون العذاب. # ثم قالوا: "فأغويناكم إنا كنا غاوين" وهو متفرع على ثبوت كلمة العذاب ~~وآخر الأسباب لهلاكهم فإن الطغيان يستتبع الغواية ثم نار جهنم، قال تعالى ~~لإبليس "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين:" الحجر: - 43. # فكأنه قيل: فلما تلبستم بالطغيان حل بكم الغواية بأيدينا من غير سلطان ~~لنا عليكم إلا اتباعكم لنا واتصالكم بنا فسرى إليكم ما فينا من الصفة وهي ~~الغواية فالغاوي لا يتأتى منه إلا الغواية والإناء لا يترشح منه إلا ما ~~فيه، وبالجملة إنكم لم تجبروا ولم تسلبوا الاختيار منذ بدأتم في سلوك سبيل ~~الهلاك إلى أن وقعتم في ورطته وهي الغواية فحق عليكم القول. # قوله تعالى: "فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون - إلى قوله - يستكبرون" ضمير ~~"فإنهم" للتابعين والمتبوعين فهم مشتركون في العذاب لاشتراكهم في الظلم ~~وتعاونهم على الجرم من غير مزية لبعضهم على بعض. # واستظهر بعضهم أن المغوين أشد عذابا وذلك في مقابلة أوزارهم وأوزار أمثال ~~أوزارهم فالشركة لا تقتضي المساواة والحق أن الآيات مسوقة لبيان اشتراكهم ~~في الظلم والجرم والعذاب اللاحق بهم من قبله، ويمكن مع ذلك أن يلحق بكل من ~~المتبوعين والتابعين ألوان من العذاب ناشئة عن خصوص شأنهم قال تعالى: ~~"وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم:" العنكبوت: - 13، وقال: "ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن ms6370 لا تعلمون:" الأعراف: - 38. # وقوله: "إنا كذلك نفعل بالمجرمين" تأكيد لتحقيق العذاب، والمراد ~~بالمجرمين المشركون بدليل قوله بعد: "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا ~~الله يستكبرون" أي إذا عرض عليهم التوحيد أن يؤمنوا به أو كلمة الإخلاص أن ~~يقولوها استمروا على استكبارهم ولم يقبلوا. # قوله تعالى: "ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين" قولهم هذا إنكار منهم للرسالة بعد استكبارهم عن التوحيد وإنكارهم له. # وقوله: "بل جاء بالحق وصدق المرسلين" رد لقولهم: "لشاعر مجنون" حيث رموه ~~(عليه السلام) بالشعر والجنون وفيه رمي لكتاب الله بكونه شعرا ومن هفوات ~~الجنون فرد عليهم بأن ما جاء به حق وفيه تصديق الرسل السابقين فليس بباطل ~~من القول كالشعر وهفوة الجنون وليس ببدع غير مسبوق في معناه. # قوله تعالى: "إنكم لذائقوا العذاب الأليم" تهديد لهم بالعذاب لاستكبارهم ~~ورميهم الحق بالباطل. # قوله تعالى: "وما تجزون إلا ما كنتم تعملون" أي لا ظلم فيه لأنه نفس ~~عملكم يرد إليكم. # قوله تعالى: "إلا عباد الله المخلصين - إلى قوله - بيض مكنون" استثناء ~~منقطع من ضمير "لذائقوا" أو من ضمير "ما تجزون" ولكل وجه والمعنى على الأول ~~لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم وليسوا بذائقي العذاب الأليم ~~والمعنى على الثاني لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم وراء جزاء ~~عملهم وسيجيء الإشارة إلى معناه. # واحتمال كون الاستثناء متصلا ضعيف لا يخلو من تكلف. # وقد سماهم الله سبحانه عباد الله المخلصين فأثبت لهم عبودية نفسه والعبد ~~هو الذي لا يملك لنفسه شيئا من إرادة ولا عمل فهؤلاء لا يريدون إلا ما ~~أراده الله ولا يعملون إلا له. # ثم أثبت لهم أنهم مخلصون بفتح اللام أي إن الله تعالى أخلصهم لنفسه فلا ~~يشاركه فيهم أحد فلا تعلق لهم بشيء غيره تعالى من زينة الحياة الدنيا ولا ~~من نعم العقبى وليس في قلوبهم إلا الله سبحانه. PageV17P068 # ومن المعلوم أن من كانت هذه صفته كان التذاذه وتنعمه غير ما يلتذ ويتنعم ~~غيره وارتزاقه بغير ما ms6371 يرتزق به سواه وإن شاركهم في ضروريات المأكل والمشرب ~~ومن هنا يتأيد أن المراد بقوله: "أولئك لهم رزق معلوم" الإشارة إلى أن ~~رزقهم في الجنة - وهم عباد مخلصون - رزق خاص لا يشبه رزق غيرهم ولا يختلط ~~بما يتمتع به من دونهم وإن اشتركا في الاسم. # فقوله: "أولئك لهم رزق معلوم" أي رزق خاص متعين ممتاز من رزق غيرهم فكونه ~~معلوما كناية عن امتيازه كما في قوله: "وما منا إلا له مقام معلوم:" ~~الصافات: - 164 والإشارة بلفظ البعيد للدلالة على علو مقامهم. # وأما ما فسره بعضهم أن المراد بكون رزقهم معلوما كونه معلوم الخصائص مثل ~~كونه غير مقطوع ولا ممنوع حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الرائحة، وكذا ما ذكره ~~آخرون أن المراد أنه معلوم الوقت لقوله: "ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا:" ~~مريم: - 62 وكذا قول القائل: إن المراد به الجنة فهي وجوه غير سديدة. # ومن هنا يظهر أن أخذ قوله: "إلا عباد الله المخلصين" استثناء من ضمير ~~"وما تجزون" لا يخلو من وجه كما تقدمت الإشارة إليه. # وقوله: "فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم" الفواكه جمع فاكهة وهي ما ~~يتفكه به من الأثمار بيان لرزقهم المعلوم غير أنه تعالى شفعه بقوله: "وهم ~~مكرمون" للدلالة على امتياز هذا الرزق أعني الفاكهة مما عند غيرهم بأنها ~~مقارنة لإكرام خاص يخصهم قبال اختصاصهم بالله سبحانه وكونه لهم لا يشاركهم ~~فيه شيء. # وفي إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ذلك فقد تقدم في قوله: "فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم" الآية: النساء: - 69، وقوله: "وأتممت عليكم نعمتي:" ~~المائدة: - 3 وغيرهما أن حقيقة النعمة هي الولاية وهي كونه تعالى هو القائم ~~بأمر عبده. # وقوله: "على سرر متقابلين" السرر جمع سرير وهو معروف وكونهم متقابلين ~~معناه استئناس بعضهم ببعض واستمتاعهم بنظر بعضهم في وجه بعض من غير أن يرى ~~بعضهم قفا بعض. # وقوله: "يطاف عليهم بكأس من معين" الكأس إناء الشراب ونقل عن كثير من ~~اللغويين أن إناء الشراب لا يسمى كأسا إلا وفيه الشراب فإن خلا منه ms6372 فهو قدح ~~والمعين من الشراب الظاهر منه من عان الماء إذا ظهر وجرى على وجه الأرض، ~~والمراد بكون الكأس من معين صفاء الشراب فيها ولذا عقبه بقوله: "بيضاء". # وقوله: "بيضاء لذة للشاربين" أي صافية في بياضها لذيذة للشاربين فاللذة ~~مصدر أريد به الوصف مبالغة أو هي مؤنث لذ بمعنى لذيذ كما قيل. # وقوله: "لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون" الغول الإضرار والإفساد، قال ~~الراغب: الغول إهلاك الشيء من حيث لا يحس به انتهى. # فنفي الغول عن الخمر نفي مضارها والإنزاف فسر بالسكر المذهب للعقل وأصله ~~إذهاب الشيء تدريجا. # ومحصل المعنى: أنه ليس فيها مضار الخمر التي في الدنيا ولا إسكارها ~~بإذهاب العقل. # وقوله: "وعندهم قاصرات الطرف عين" وصف للحور التي يرزقونها وقصور طرفهن ~~كناية عن نظرهن نظرة الغنج والدلال ويؤيده ذكر العين بعده وهو جمع عيناء ~~مؤنث أعين وهي الواسعة العين في جمال. # وقيل: المراد بقاصرات الطرف أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم ~~لحبهن لهم، وبالعين أن أعينهن شديدة في سوادها شديدة في بياضها. # وقوله: "كأنهن بيض مكنون" البيض معروف وهو اسم جنس واحدته بيضة والمكنون ~~هو المستور بالادخار قيل: المراد تشبيههن بالبيض الذي كنه الريش في العش أو ~~غيره في غيره فلم تمسه الأيدي ولم يصبه الغبار، وقيل: المراد تشبيههن ببطن ~~البيض قبل أن يقشر وقبل أن تمسه الأيدي. # قوله تعالى: "فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - إلى قوله - فليعمل ~~العاملون" حكاية محادثة تقع بين أهل الجنة فيسأل بعضهم عن أحوال بعض ويحدث ~~بعضهم بما جرى عليه في الدنيا وتنتهي المحادثة إلى تكليمهم بعض أهل النار ~~وهو في سواء الجحيم. # فقوله: "فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" ضمير الجمع لأهل الجنة من عباد ~~الله المخلصين وتساؤلهم - كما تقدم - سؤال بعضهم عن بعض وما جرى عليه. # وقوله: "قال قائل منهم إني كان لي قرين" أي قال قائل من أهل الجنة ~~المتسائلين إني كان لي في الدنيا مصاحب يختص بي من الناس. # كذا يعطي السياق. PageV17P069 # وقيل: المراد بالقرين القرين من ms6373 الشياطين وفيه أن القرآن إنما يثبت قرناء ~~الشياطين في المعرضين عن ذكر الله والمخلصون في عصمة إلهية من قرين ~~الشياطين وكذا من تأثير الشيطان فيهم كما حكى عن إبليس استثناءهم من ~~الإغواء: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين:" ص: - 83 نعم ~~ربما أمكن أن يتعرض لهم الشيطان من غير تأثير فيهم لكنه غير أثر القرين. # وقوله: "يقول أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمدينون" ضمير "يقول" للقرين، ومفعول "المصدقين" البعث للجزاء وقد قام ~~مقامه قوله: "أإذا متنا" إلخ والمدينون المجزيون. # والمعنى: كأن يقول لي قريني مستبعدا منكرا أإنك لمن المصدقين للبعث ~~للجزاء أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما فتلاشت أبداننا وتغيرت صورها أإنا ~~لمجزيون بالإحياء والإعادة؟ فهذا مما لا ينبغي أن يصدق. # وقوله: "قال هل أنتم مطلعون" ضمير "قال" للقائل المذكور قبلا، والاطلاع ~~الإشراف والمعنى ثم قال القائل المذكور مخاطبا لمحادثيه من أهل الجنة: هل ~~أنتم مشرفون على النار حتى تروا قريني والحال التي هو فيها؟. # وقوله: "فاطلع فرآه في سواء الجحيم" السواء الوسط ومنه سواء الطريق أي ~~وسطه والمعنى فأشرف القائل المذكور على النار فرآه أي قرينه في وسط الجحيم. # وقوله: "قال تالله إن كدت لتردين" "إن" مخففة من الثقيلة، والإرداء ~~السقوط من مكان عال كالشاهق ويكنى به عن الهلاك والمعنى أقسم بالله إنك ~~قربت أن تهلكني وتسقطني فيما سقطت فيه من الجحيم. # وقوله: "ولو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين" المراد بالنعمة التوفيق ~~والهداية الإلهية، والإحضار الإشخاص للعذاب قال في مجمع البيان،: ولا ~~يستعمل "أحضر" مطلقا إلا في الشر. # والمعنى ولو لا توفيق ربي وهدايته لكنت من المحضرين للعذاب مثلك. # وقوله: "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" الاستفهام ~~للتقرير والتعجيب، والمراد بالموتة الأولى هي الموتة عن الحياة الدنيا وأما ~~الموتة عن البرزخ المدلول عليها بقوله: "ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين:" المؤمن: - 11 فلم يعبأ بها لأن الموت الذي يزعم الزاعم فيه الفناء ~~والبطلان هو الموت الدنيوي. # والمعنى - على ما في الكلام من ms6374 الحذف والإيجاز - ثم يرجع القائل المذكور ~~إلى نفسه وأصحابه فيقول متعجبا أنحن خالدون منعمون فما نحن بميتين إلا ~~الموتة الأولى وما نحن بمعذبين؟. # قال في مجمع البيان،: ويريدون به التحقيق لا الشك وإنما قالوا هذا القول ~~لأن لهم في ذلك سرورا مجددا وفرحا مضاعفا وإن كان قد عرفوا أنهم سيخلدون في ~~الجنة وهذا كما أن الرجل يعطى المال الكثير فيقول مستعجبا: كل هذا المال ~~لي؟ وهو يعلم أن ذلك له وهذا كقوله: أبطحاء مكة هذا الذي. # أراه عيانا وهذا أنا؟. # قال: ولهذا عقبه بقوله: "إن هذا لهو الفوز العظيم" انتهى. # وقوله: "إن هذا لهو الفوز العظيم" هو من تمام قول القائل المذكور وفيه ~~إعظام لموهبة الخلود وارتفاع العذاب وشكر للنعمة. # وقوله: "لمثل هذا فليعمل العاملون" ظاهر السياق أنه من قول القائل ~~المذكور والإشارة بهذا إلى الفوز أو الثواب أي لمثل هذا الفوز أو الثواب ~~فليعمل العاملون في دار التكليف، وقيل: هو من قول الله سبحانه وقيل: من قول ~~أهل الجنة. # واعلم أن لهم أقوالا مختلفة في نسبة أكثر الجمل السابقة إلى قول الله ~~تعالى أو قول الملائكة أو قول أهل الجنة غير القائل المذكور والذي أوردناه ~~هو الذي يساعد عليه السياق. # قوله تعالى: "أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم - إلى قوله - يهرعون" مقايسة ~~بين ما هيأه الله نزلا لأهل الجنة مما وصفه من الرزق الكريم وبين ما أعده ~~نزلا لأهل النار من شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين وشراب من حميم. # فقوله: "أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم" الإشارة بذلك إلى الرزق الكريم ~~المذكورة سابقا المعد لورود أهل الجنة والنزل بضمتين ما يهيأ لورود الضيف ~~فيقدم إليه إذا ورد من الفواكه ونحوها. PageV17P070 # والزقوم - على ما قيل - اسم شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة ذات لبن ~~إذا أصاب جسد إنسان تورم تكون في تهامة والبلاد المجدبة المجاورة للصحراء ~~سميت به الشجرة الموصوفة بما في الآية من الأوصاف، وقيل: إن قريشا ما كانت ~~تعرفه وسيأتي ذلك في البحث الروائي. # ولفظة خير ms6375 في الآية بمعنى الوصف دون التفضيل إذ لا خيرية في الزقوم أصلا ~~فهو كقوله: "ما عند الله خير من اللهو:" الجمعة: - 11 والآية على ما يعطيه ~~السياق من كلامه تعالى. # وقوله: "إنا جعلناها فتنة للظالمين" الضمير لشجرة الزقوم، والفتنة المحنة ~~والعذاب. # وقوله: "إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم" وصف لشجرة الزقوم، وأصل الجحيم ~~قعرها، ولا عجب في نبات شجرة في النار وبقائها فيها فحياة الإنسان وبقاؤه ~~خالدا فيها أعجب والله يفعل ما يشاء. # وقوله: "طلعها كأنه رءوس الشياطين" الطلع حمل النخلة أو مطلق الشجرة أول ~~ما يبدو، وتشبيه ثمرة الزقوم برءوس الشياطين بعناية أن الأوهام العامية ~~تصور الشيطان في أقبح صورة كما تصور الملك في أحسن صورة وأجملها قال تعالى: ~~"ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم:" يوسف: - 31، وبذلك يندفع ما قيل: إن ~~الشيء إنما يشبه بما يعرف ولا معرفة لأحد برءوس الشياطين. # وقوله: "فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون" الفاء للتعليل يبين به ~~كونها نزلا للظالمين يأكلون منها، وفي قوله: "فمالئون منها البطون" إشارة ~~إلى تسلط جوع شديد عليهم يحرصون به على الأكل كيفما كان. # وقوله: "ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم" الشوب المزيج والخليط، والحميم ~~الماء الحار البالغ في حرارته، والمعنى ثم إن لأولئك الظالمين - زيادة ~~عليها - لخليطا مزيجا من ماء حار بالغ الحرارة يشربونه فيختلط به ما ملئوا ~~منه البطون من الزقوم. # وقوله: "ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم" أي إنهم بعد شرب الحميم يرجعون إلى ~~الجحيم فيستقرون فيها ويعذبون، وفي الآية تلويح إلى أن الحميم خارج الجحيم. # وقوله: "إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون" ألفيت كذا أي ~~وجدته وصادفته، والإهراع الإسراع والمعنى أن سبب أكلهم وشربهم ثم رجوعهم ~~إلى الجحيم أنهم صادفوا آباءهم ضالين - وهم مقلدون وأتباع لهم وهم أصلهم ~~ومرجعهم - فهم يسرعون على آثارهم فجوزوا بنزل كذلك والرجوع إلى الجحيم جزاء وفاقا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح: في قوله تعالى: "بل عجبت" ~~قال النبي (صلى ms6376 الله عليه وآله وسلم): عجبت بالقرآن حين أنزل ويسخر منه ~~ضلال بني آدم. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "احشروا الذين ظلموا" قال: الذين ظلموا ~~آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حقهم "وأزواجهم" قال: أشباههم. # أقول: صدر الرواية من الجري. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وقفوهم إنهم مسئولون" قيل: عن ولاية علي ~~(عليه السلام) عن أبي سعيد الخدري:. أقول: ورواه الشيخ في الأمالي، بإسناده ~~إلى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي العيون، عن علي ~~وعن الرضا (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي تفسير القمي، ~~عن الإمام (عليه السلام). # وفي الخصال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن ~~عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، ~~وعن حبنا أهل البيت:. أقول: وروي في العلل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله. # وفي نهج البلاغة،: اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسئولون حتى عن ~~البقاع والبهائم. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري في تأريخه والترمذي والدارمي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا يوم ~~القيامة لازما به لا يفارقه وإن دعا رجل رجلا ثم قرأ "وقفوهم إنهم ~~مسئولون". PageV17P071 # وفي روضة الكافي، بإسناده عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: وأما قوله: "أولئك ~~لهم رزق معلوم" قال: يعلمه 1 الخدام فيأتون به إلى أولياء الله قبل أن ~~يسألوهم إياه. أما قوله: "فواكه وهم مكرمون" قال: فإنهم لا يشتهون شيئا في ~~الجنة إلا أكرموا به. # وفي تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~"فاطلع فرآه في سواء الجحيم" يقول: في وسط الجحيم. # وفيه،: في ms6377 قوله تعالى: "أفما نحن بميتين": إلخ بإسناده عن أبيه عن علي بن ~~مهزيار والحسن بن محبوب عن النضر بن سويد عن درست عن أبي بصير عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جيء بالموت ~~ويذبح كالكبش بين الجنة والنار ثم يقال: خلود فلا موت أبدا فيقول أهل ~~الجنة: "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين - إن هذا لهو ~~الفوز العظيم - لمثل هذا فليعمل العاملون". # أقول: وحديث ذبح الموت في صورة كبش يوم القيامة من المشهورات رواه الشيعة ~~وأهل السنة، وهو تمثل الخلود يومئذ. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "شجرة الزقوم" روي أن قريشا لما سمعت هذه ~~الآية قالت: ما نعرف هذه الشجرة قال ابن الزبعري: الزقوم بكلام البربر ~~التمر والزبد وفي رواية بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته: يا جارية زقمينا ~~فأتته الجارية بتمر وزبد فقال لأصحابه: تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد ~~فيزعم أن النار تنبت الشجر والنار تحرق الشجر فأنزل الله سبحانه "إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين". # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق عديدة. PageV17P072 ### ||| AUTO 37 سورة الصافات - 71 - 113 # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف ~~كان عقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون (75) ونجينه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين ~~(77) وتركنا عليه فى الاخرين (78) سلم على نوح فى العلمين (79) إنا كذلك ~~نجزى المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الاخرين (82) ~~وإن من شيعته لابرهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه وقومه ~~ما ذا تعبدون (85) أئفكا ءالهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العلمين ~~(87) فنظر نظرة فى النجوم (88) فقال إنى سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) ~~فراغ إلى ءالهتهم فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ~~ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) ~~والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنينا فألقوه فى الجحيم (97) ~~فأرادوا به كيدا فجعلنهم الأسفلين (98) وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين (99) ~~رب ms6378 هب لى من الصلحين (100) فبشرنه بغلم حليم (101) فلما بلغ معه السعى قال ~~يبنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ~~ستجدنى إن شاء الله من الصبرين (102) فلما أسلما وتله للجبين (103) وندينه ~~أن يإبرهيم (104) قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزى المحسنين (105) إن هذا لهو ~~البلؤا المبين (106) وفدينه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه فى الاخرين (108) ~~سلم على إبرهيم (109) كذلك نجزى المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين ~~(111) وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين (112) وبركنا عليه وعلى إسحق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ### |||| AUTO بيان # تعقيب لغرض السياق السابق المتعرض لشركهم وتكذيبهم بآيات الله وتهديدهم ~~بأليم العذاب يقول: إن أكثر الأولين ضلوا كضلالهم وكذبوا الرسل المنذرين ~~كتكذيبهم ويستشهد بقصص نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس ~~(عليهما السلام) وما في الآيات المنقولة إشارة إلى قصة نوح وخلاصة قصص ~~إبراهيم (عليه السلام). # قوله تعالى: "ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين - إلى قوله - المخلصين" كلام ~~مسوق لإنذار مشركي هذه الأمة بتنظيرهم للأمم الهالكين من قبلهم فقد ضل ~~أكثرهم كما ضل هؤلاء وأرسل إليهم رسل منذرون كما أرسل منذر إلى هؤلاء ~~فكذبوا فكان عاقبة أمرهم الهلاك إلا المخلصين منهم. # واللام في "لقد ضل" للقسم وكذا في "لقد أرسلنا" والمنذرين الأول بكسر ~~الذال المعجمة وهم الرسل والثاني بفتح الذال المعجمة وهم الأمم الأولون، ~~و"إلا عباد الله" إن كان المراد بهم من في الأمم من المخلصين كان استثناء ~~متصلا وإن عم الأنبياء كان منقطعا إلا بتغليبه غير الأنبياء عليهم والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون" اللامان للقسم وهو يدل على ~~كمال العناية بنداء نوح وإجابته تعالى، وقد مدح تعالى نفسه في إجابته فإن ~~التقدير فلنعم المجيبون نحن، وجمع المجيب لإفادة التعظيم وقد كان نداء نوح ~~- على ما يفيده السياق - دعاءه على قومه واستغاثته بربه المنقولين في قوله ~~تعالى: "وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا:" نوح: - 26، وفي ~~قوله تعالى: "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر:" القمر: - 10. PageV17P073 # قوله تعالى: "ونجيناه ms6379 وأهله من الكرب العظيم" الكرب - على ما ذكره الراغب - ~~الغم الشديد والمراد به الطوفان أو أذى قومه، والمراد بأهله أهل بيته ~~والمؤمنون به من قومه وقد قال تعالى في سورة هود: "قلنا احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن:" هود: - 40 والأهل كما ~~يطلق على زوج الرجل وبنيه يطلق على كل من هو من خاصته. # قوله تعالى: "وجعلنا ذريته هم الباقين" أي الباقين من الناس بعد قرنهم ~~وقد بحثنا في هذا المعنى في قصة نوح من سورة هود. # قوله تعالى: "وتركنا عليه في الآخرين" المراد بالترك الإبقاء وبالآخرين ~~الأمم الغابرة غير الأولين، وقد ذكرت هذه الجملة بعد ذكر إبراهيم (عليه ~~السلام) أيضا في هذه السورة وقد بدلت في القصة بعينها من سورة الشعراء من ~~قوله: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين:" الشعراء: - 84 واستفدنا منه هناك أن ~~المراد بلسان صدق كذلك أن يبعث الله بعده من يقوم بدعوته ويدعو إلى ملته ~~وهي دين التوحيد. # فيتأيد بذلك أن المراد بالإبقاء في الآخرين هو إحياؤه تعالى دعوة نوح ~~(عليه السلام) إلى التوحيد ومجاهدته في سبيل الله عصرا بعد عصر وجيلا بعد ~~جيل إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: "سلام على نوح في العالمين" المراد بالعالمين جميعها لكونه ~~جمعا محلى باللام مفيدا للعموم، والظاهر أن المراد به عالمو البشر وأممهم ~~وجماعاتهم إلى يوم القيامة فإنه تحية من عند الله مباركة طيبة تهدى إليه من ~~قبل الأمم الإنسانية ما جرى فيها شيء من الخيرات اعتقادا أو عملا فإنه ~~(عليه السلام) أول من انتهض لدعوة التوحيد ودحض الشرك وما يتبعه من العمل ~~وقاسى في ذلك أشد المحنة فيما يقرب من ألف سنة لا يشاركه في ذلك أحد فله ~~نصيب من كل خير واقع بينهم إلى يوم القيامة، ولا يوجد في كلامه تعالى سلام ~~على هذه السعة على أحد ممن دونه. # وقيل: المراد بالعالمين عوالم الملائكة والثقلين من الجن والإنس. # قوله تعالى: "إنا كذلك نجزي المحسنين تعليل لما امتن عليه ms6380 من الكرامة ~~كإجابة ندائه وتنجيته وأهله من الكرب العظيم وإبقاء ذريته وتركه عليه في ~~الآخرين والسلام عليه في العالمين، وتشبيه جزائه بجزاء عموم المحسنين من ~~حيث أصل الجزاء الحسن لا في خصوصياته فلا يوجب ذلك اشتراك الجميع فيما اختص ~~به (عليه السلام) وهو ظاهر. # قوله تعالى: "إنه من عبادنا المؤمنين" تعليل لإحسانه المدلول عليه ~~بالجملة السابقة وذلك لأنه (عليه السلام) لكونه عبدا لله بحقيقة معنى ~~الكلمة كان لا يريد ولا يفعل إلا ما يريده الله، ولكونه من المؤمنين حقا ~~كان لا يرى من الاعتقاد إلا الحق وسرى ذلك إلى جميع أركان وجوده ومن كان ~~كذلك لا يصدر منه إلا الحسن الجميل فكان من المحسنين. # قوله تعالى: "ثم أغرقنا الآخرين" ثم للتراخي الكلامي دون الزماني والمراد ~~بالآخرين قومه المشركون. # قوله تعالى: "وإن من شيعته لإبراهيم" الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم ~~الذاهبون على أثرهم وبالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم ~~أو تأخر قال تعالى: "وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل:" ~~سبأ: - 54. # وظاهر السياق أن ضمير "شيعته" لنوح أي إن إبراهيم كان ممن يوافقه في دينه ~~وهو دين التوحيد، وقيل: الضمير لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا دليل ~~عليه من جهة اللفظ. # قيل: ومن حسن الإرداف في نظم الآيات تعقيب قصة نوح (عليه السلام) وهو آدم ~~الثاني أبو البشر بقصة إبراهيم (عليه السلام) وهو أبو الأنبياء إليه تنتهي ~~أنساب جل الأنبياء بعده وعلى دينه تعتمد أديان التوحيد الحية اليوم كدين ~~موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأيضا نوح (عليه السلام) نجاه ~~الله من الغرق وإبراهيم (عليه السلام) نجاه الله من الحرق. # قوله تعالى: "إذ جاء ربه بقلب سليم" مجيئه ربه كناية عن تصديقه له ~~وإيمانه به، ويؤيد ذلك أن المراد بسلامة القلب عروه عن كل ما يضر التصديق ~~والإيمان بالله سبحانه من الشرك الجلي والخفي ومساوىء الأخلاق وآثار ~~المعاصي وأي تعلق بغيره ينجذب إليه الإنسان ويختل به صفاء توجهه إليه ~~سبحانه. ms6381 # وبذلك يظهر أن المراد بالقلب السليم ما لا تعلق له بغيره تعالى كما في ~~الحديث وسيجيء إن شاء الله في البحث الروائي الآتي. PageV17P074 # وقيل: المراد به السالم من الشرك، ويمكن أن يوجه بما يرجع إلى الأول وقيل: ~~المراد به القلب الحزين، وهو كما ترى. # والظرف في الآية متعلق بقوله سابقا "من شيعته" والظروف يغتفر فيها ما لا ~~يغتفر في غيرها، وقيل متعلق باذكر المقدر. # قوله تعالى: "إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون" أي أي شيء تعبدون؟ وإنما ~~سألهم عن معبودهم وهو يرى أنهم يعبدون الأصنام تعجبا واستغرابا. # قوله تعالى: "أإفكا آلهة دون الله تريدون" أي تقصدون آلهة دون الله إفكا ~~وافتراء، إنما قدم الإفك والآلهة لتعلق عنايته بذلك. # قوله تعالى: "فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم" لا شك أن ظاهر الآيتين ~~أن إخباره (عليه السلام) بأنه سقيم مرتبط بنظرته في النجوم ومبني عليه ~~ونظرته في النجوم إما لتشخيص الساعة وخصوص الوقت كمن به حمى ذات نوبة يعين ~~وقتها بطلوع كوكب أو غروبها أو وضع خاص من النجوم وإما للوقوف على الحوادث ~~المستقبلة التي كان المنجمون يرون أن الأوضاع الفلكية تدل عليها، وقد كان ~~الصابئون مبالغين فيها وكان في عهده (عليه السلام) منهم جم غفير. # فعلى الوجه الأول لما أراد أهل المدينة أن يخرجوا كافة إلى عيد لهم نظر ~~إلى النجوم وأخبرهم أنه سقيم ستعتريه العلة فلا يقدر على الخروج معهم. # وعلى الوجه الثاني نظر (عليه السلام) حينذاك إلى النجوم نظرة المنجمين ~~فأخبرهم أنها تدل على أنه سيسقم فليس في وسعه الخروج معهم. # وأول الوجهين أنسب لحاله (عليه السلام) وهو في إخلاص التوحيد بحيث لا يرى ~~لغيره تعالى تأثيرا، ولا دليل لنا قويا يدل على أنه (عليه السلام) لم يكن ~~به في تلك الأيام سقم أصلا، وقد أخبر القرآن بإخباره بأنه سقيم وذكر سبحانه ~~قبيل ذلك أنه جاء ربه بقلب سليم فلا يجوز عليه كذب ولا لغو من القول. # ولهم في الآيتين وجوه أخر أوجهها أن نظرته في النجوم ms6382 وإخباره بالسقم من ~~المعاريض في الكلام والمعاريض أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره ويفهم منه ~~غير ما يقصده فلعله نظر (عليه السلام) في النجوم نظر الموحد في صنعه تعالى ~~يستدل به عليه تعالى وعلى وحدانيته وهم يحسبون أنه ينظر إليها نظر المنجم ~~فيها ليستدل بها على الحوادث ثم قال: إني سقيم يريد أنه سيعتريه سقم فإن ~~الإنسان لا يخلو في حياته من سقم ما ومرض ما كما قال: "وإذا مرضت فهو ~~يشفين:" الشعراء: - 80 وهم يحسبون أنه يخبر عن سقمه يوم يخرجون فيه لعيد ~~لهم، والمرجح عنده لجميع ذلك ما كان يهتم به من الرواغ إلى أصنامهم وكسرها. # لكن هذا الوجه مبني على أنه كان صحيحا غير سقيم يومئذ، وقد سمعت أن لا ~~دليل يدل عليه. # على أن المعاريض غير جائزة على الأنبياء لارتفاع الوثوق بذلك عن قولهم. # قوله تعالى: "فتولوا عنه مدبرين" ضمير الجمع للقوم وضمير الإفراد ~~لإبراهيم (عليه السلام) أي خرجوا من المدينة وخلفوه. # قوله تعالى: "فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون" الروغ ~~والرواغ والروغان الحياد والميل، وقيل أصله الميل في جانب ليخدع من يريده. # وفي قوله: "ألا تأكلون"؟ تأييد لما ذكروا أن المشركين كانوا يضعون أيام ~~أعيادهم طعاما عند آلهتهم. # وقوله: "ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون"؟ تكليم منه لآلهتهم وهي جماد وهو ~~يعلم أنها جماد لا تأكل ولا تنطق لكن الوجد وشدة الغيظ حمله على أن يمثل ~~موقفها موقف العقلاء ثم يؤاخذها مؤاخذة العقلاء كما يفعل بالمجرمين. # فنظر إليها وهي ذوات أبدان كهيئة من يتغذى ويأكل وعندها شيء من الطعام ~~فامتلأ غيظا وجاش وجدا فقال: ألا تأكلون؟ فلم يسمع منها جوابا فقال: "ما ~~لكم لا تنطقون"؟ وأنتم آلهة يزعم عبادكم أنكم عقلاء قادرون مدبرون لأمورهم ~~فلما لم يسمع لها حسا راغ عليها ضربا باليمين. # قوله تعالى: "فراغ عليهم ضربا باليمين" أي تفرع على ذاك الخطاب أن مال ~~على آلهتهم يضربهم ضربا باليد اليمنى أو بقوة بناء على كون المراد باليمين القوة. ms6383 # وقول بعضهم: إن المراد باليمين القسم والمعنى مال عليهم ضربا بسبب القسم ~~الذي سبق منه وهو قوله: "تالله لأكيدن أصنامكم:" الأنبياء: - 57 بعيد. # قوله تعالى: "فأقبلوا إليه يزفون" الزف والزفيف الإسراع في المشي أي ~~فجاءوا إلى إبراهيم والحال أنهم يسرعون اهتماما بالحادثة التي يظنون أنه ~~الذي أحدثها. PageV17P075 # وفي الكلام إيجاز وحذف من خبر رجوعهم إلى المدينة ووقوفهم على ما فعل ~~بالأصنام وتحقيقهم الأمر وظنهم به (عليه السلام) مذكور في سورة الأنبياء. # قوله تعالى: "قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" فيه إيجاز ~~وحذف من حديث القبض عليه والإتيان به على أعين الناس ومسألته وغيرها. # والاستفهام للتوبيخ وفيه مع ذلك احتجاج على بطلان طريقتهم فهو يقول: لا ~~يصلح ما نحته الإنسان بيده أن يكون ربا للإنسان معبودا له والله سبحانه خلق ~~الإنسان وما يعمله والخلق لا ينفك عن التدبير فهو رب الإنسان ومن السفه أن ~~يترك هذا ويعبد ذاك. # وقد بان بذلك أن الأظهر كون ما في قوله: "ما تنحتون" موصولة والتقدير ما ~~تنحتونه، وكذا في قوله: "وما تعملون" وجوز بعضهم كون "ما" فيها مصدرية وهو ~~في أولهما بعيد جدا. # ولا ضير في نسبة الخلق إلى ما عمله الإنسان أو إلى عمله لأن ما يريده ~~الإنسان ويعمله من طريق اختياره مراد الله سبحانه من طريق إرادة الإنسان ~~واختياره ولا يوجب هذا النوع من تعلق الإرادة بالفعل بطلان تأثير إرادة ~~الإنسان وخروج الفعل عن الاختيار وصيرورته مجبرا عليه، وهو ظاهر. # ولو كان المراد نسبة خلق أعمالهم إلى الله سبحانه بلا واسطة لا من طريق ~~إرادتهم بل بتعلق إرادته بنفس عملهم وأفاد الجبر لكان القول أقرب إلى أن ~~يكون عذرا لهم من أن يكون توبيخا وتقبيحا، وكانت الحجة لهم لا عليهم. # قوله تعالى: "قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم" البنيان مصدر بنى ~~يبني والمراد به المبني، والجحيم النار في شدة تأججها. # قوله تعالى: "فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين" الكيد الحيلة والمراد ~~احتيالهم إلى إهلاكه وإحراقه بالنار. # وقوله: "فجعلناهم الأسفلين" كناية عن ms6384 جعل إبراهيم فوقهم لا يؤثر فيه ~~كيدهم شيئا إذ قال سبحانه: "يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم:" ~~الأنبياء: - 69. # وقد اختتم بهذا فصل من قصص إبراهيم (عليه السلام) وهو انتهاضه أولا على ~~عبادة الأوثان واختصامه لعبادها وانتهاء أمره إلى إلقائه النار وإبطاله ~~تعالى كيدهم. # قوله تعالى: "وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين" فصل آخر من قصصه (عليه ~~السلام) يذكر عزمه على المهاجرة من بين قومه واستيهابه من الله ولدا صالحا ~~وإجابته إلى ذلك وقصة ذبحه ونزول الفداء. # فقوله: "وقال إني ذاهب إلى ربي" إلخ كالإنجاز لما وعدهم به مخاطبا لآزر: ~~"وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا:" ~~مريم: - 48 ومنه يعلم أن مراده بالذهاب إلى ربه الذهاب إلى مكان يتجرد فيه ~~لعبادته تعالى ودعائه وهو الأرض المقدسة. # وقول بعضهم: إن المراد أذهب إلى حيث أمرني ربي لا شاهد عليه. # وكذا قول بعضهم: إن المراد أني ذاهب إلى لقاء ربي حيث يلقونني في النار ~~فأموت وألقى ربي سيهديني إلى الجنة. # وفيه - كما قيل - إن ذيل الآية لا يناسبه وهو قوله: "رب هب لي من ~~الصالحين" وكذا قوله بعده: "فبشرناه بغلام حليم". # قوله تعالى: "رب هب لي من الصالحين" حكاية دعاء إبراهيم (عليه السلام) ~~ومسألته الولد أي قال: رب هب لي "إلخ" وقد قيده بكونه من الصالحين. # قوله تعالى: "فبشرناه بغلام حليم" أي فبشرناه أنا سنرزقه غلاما حليما ~~وفيه إشارة إلى أنه يكون ذكرا ويبلغ حد الغلمان، وأخذ الغلومة في وصفه مع ~~أنه بلغ مبلغ الرجال للإشارة إلى حاله التي يظهر فيها صفة كماله وصفاء ذاته ~~وهو حلمه الذي مكنه من الصبر في ذات الله إذ قال: "يا أبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين". # ولم يوصف في القرآن من الأنبياء بالحلم إلا هذا النبي الكريم في هذه ~~الآية وأبوه في قوله تعالى: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب:" هود: - 75. # قوله تعالى: "فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام ms6385 أني أذبحك ~~فانظر ما ذا ترى" إلخ الفاء في أول الآية فصيحة تدل على محذوف والتقدير ~~فلما ولد له ونشأ وبلغ معه السعي، والمراد ببلوغ السعي بلوغه من العمر ~~مبلغا يسعى فيه لحوائج الحياة عادة وهو سن الرهاق، والمعنى فلما راهق ~~الغلام قال له يا بني "إلخ". PageV17P076 # وقوله: "قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك" هي رؤيا إبراهيم ذبح ~~ابنه، وقوله: "إني أرى" يدل على تكرر هذه الرؤيا له كما في قوله: "وقال ~~الملك إني أرى" إلخ: يوسف: - 33. # وقوله: "فانظر ما ذا ترى" هو من الرأي بمعنى الاعتقاد أي فتفكر فيما قلت ~~وعين ما هو رأيك فيه، وهذه الجملة دليل على أن إبراهيم (عليه السلام) فهم ~~من منامه أنه أمر له بالذبح مثل له في مثال نتيجة الأمر ولذا طلب من ابنه ~~الرأي فيه وهو يختبره بما ذا يجيبه؟. # وقوله: "قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" جواب ~~ابنه، وقوله: "يا أبت افعل ما تؤمر" إظهار رضا بالذبح في صورة الأمر وقد ~~قال: افعل ما تؤمر ولم يقل اذبحني إشارة إلى أن أباه مأمور بأمر ليس له إلا ~~ائتماره وطاعته. # وقوله: "ستجدني إن شاء الله من الصابرين" تطييب منه لنفس أبيه أنه لا ~~يجزع منه ولا يأتي بما يهيج وجد الوالد عن ولده المزمل بدمائه، وقد زاد في ~~كلامه صفاء على صفاء إذ قيد وعده بالصبر بقوله: "إن شاء الله" فأشار إلى أن ~~اتصافه بهذه الصفة الكريمة أعني الصبر ليس له من نفسه ولا أن زمامه بيده بل ~~هو من مواهب الله ومننه إن يشأ تلبس به وله أن لا يشاء فينزعه منه. # قوله تعالى: "فلما أسلما وتله للجبين" الإسلام الرضا والاستسلام: والتل ~~الصرع والجبين أحد جانبي الجبهة واللام في "للجبين" لبيان ما وقع عليه ~~الصراع كقوله: "يخرون للأذقان سجدا:" الإسراء: - 107، والمعنى فلما استسلما ~~إبراهيم وابنه لأمر الله ورضيا به وصرعه إبراهيم على جبينه. # وجواب لما محذوف إيماء إلى شدة المصيبة ومرارة الواقعة. ms6386 # قوله تعالى: "وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا" معطوف على جواب لما ~~المحذوف، وقوله: "قد صدقت الرؤيا" أي أوردتها مورد الصدق وجعلتها صادقة ~~وامتثلت الأمر الذي أمرناك فيها أي إن الأمر فيها كان امتحانيا يكفي في ~~امتثاله تهيؤ المأمور للفعل وإشرافه عليه فحسب. # قوله تعالى: "إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين" الإشارة ~~بكذلك إلى قصة الذبح بما أنها محنة شاقة وابتلاء شديد والإشارة بهذا إليها ~~أيضا وهو تعليل لشدة الأمر. # والمعنى: إنا على هذه الوتيرة نجزي المحسنين فنمتحنهم امتحانات شاقة صورة ~~هينة معنى فإذا أتموا الابتلاء جزيناهم أحسن الجزاء في الدنيا والآخرة، ~~وذلك لأن الذي ابتلينا به إبراهيم لهو البلاء المبين. # قوله تعالى: "وفديناه بذبح عظيم" أي وفدينا ابنه بذبح عظيم وكان كبشا أتى ~~به جبرئيل من عند الله سبحانه فداء على ما في الأخبار، والمراد بعظمة الذبح ~~عظمة شأنه بكونه من عند الله سبحانه وهو الذي فدى به الذبيح. # قوله تعالى: "وتركنا عليه في الآخرين" تقدم الكلام فيه. # قوله تعالى: "سلام على إبراهيم" تحية منه تعالى عليه، وفي تنكير سلام ~~تفخيم له. # قوله تعالى: "كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين" تقدم تفسير ~~الآيتين. # قوله تعالى: "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" الضمير لإبراهيم (عليه ~~السلام). # واعلم أن هذه الآية المتضمنة للبشرى بإسحاق بوقوعها بعد البشرى السابقة ~~بقوله: "فبشرناه بغلام حليم" المتعقبة بقوله: "فلما بلغ معه السعي" إلى آخر ~~القصة ظاهرة كالصريحة أو هي صريحة في أن الذبيح غير إسحاق وهو إسماعيل ~~(عليه السلام) وقد فصلنا القول في ذلك في قصص إبراهيم (عليه السلام) من ~~سورة الأنعام. # قوله تعالى: "وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه ~~مبين" المباركة على شيء جعل الخير والنماء والثبات فيه أي وجعلنا فيما ~~أعطينا إبراهيم وإسحاق الخير الثابت والنماء. # ويمكن أن يكون قوله: "ومن ذريتهما" إلخ قرينة على أن المراد بقوله: ~~"باركنا" إعطاء البركة والكثرة في أولاده وأولاد إسحاق، والباقي ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله ms6387 تعالى: "بقلب سليم" قال: القلب السليم الذي ~~يلقى الله عز وجل وليس فيه أحد سواه. # وفيه، قال: القلب السليم من الشك. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن حجر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال ~~أبو جعفر (عليه السلام): عاب آلهتهم فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم. ~~قال أبو جعفر (عليه السلام): والله ما كان سقيما وما كذب. PageV17P077 # أقول: وفي معناه روايات أخر وفي بعضها: ما كان إبراهيم سقيما وما كذب إنما ~~عنى سقيما في دينه مرتادا. # وقد تقدم الروايات في قصة حجاج إبراهيم (عليه السلام) قومه وكسره الأصنام ~~وإلقائه في النار في تفسير سور الأنعام ومريم والأنبياء والشعراء. # وفي التوحيد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: وقد سأله رجل عما ~~اشتبه عليه من الآيات قال: وقد أعلمتك أن رب شيء من كتاب الله عز وجل ~~تأويله غير تنزيله ولا يشبه كلام البشر وسأنبئك بطرف منه فتكتفي إن شاء ~~الله. من ذلك قول إبراهيم (عليه السلام): "إني ذاهب إلى ربي سيهدين" فذهابه ~~إلى ربه توجهه إليه عبادة واجتهادا وقربة إلى الله عز وجل ألا ترى أن ~~تأويله غير تنزيله؟. # وفيه، بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) ~~قال: يا فتح إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم، وإرادة عزم ينهى وهو يشاء ~~ذلك ويأمر وهو لا يشاء أوما رأيت أنه نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة ~~وهو يشاء ذلك؟ ولو لم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت شهوتهما مشيئة الله ~~تعالى، وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) وشاء أن لا يذبحه ولو ~~لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله عز وجل. قلت: فرجت عني ~~فرج الله عنك. # وعن أمالي الشيخ، بإسناده إلى سليمان بن يزيد قال: حدثنا علي بن موسى ~~قال: حدثني أبي عن أبيه عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: ~~الذبيح إسماعيل (عليه السلام): أقول: وروي مثله في المجمع، عن أبي جعفر ~~وأبي عبد ms6388 الله (عليه السلام)، وبهذا المضمون روايات كثيرة أخرى عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام)، وقد وقع في بعض رواياتهم أنه إسحاق وهو مطروح ~~لمخالفة الكتاب. # وعن الفقيه،: سئل الصادق (عليه السلام) عن الذبيح من كان؟ فقال إسماعيل ~~لأن الله تعالى ذكر قصته في كتابه ثم قال: "وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين. # أقول: هذا ما تقدم في بيان الآية أن الآية بسياقها ظاهرة بل صريحة في ذلك. # وفي المجمع، عن ابن إسحاق: أن إبراهيم كان إذا زار إسماعيل وهاجر حمل على ~~البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى ~~إذا بلغ معه السعي رأى في المنام أن 1 يذبحه فقال له: يا بني خذ الحبل ~~والمدية 2 ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب. فلما خلا إبراهيم بابنه في ~~شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه فقال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب ~~واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شيئا فتراه أمي واشحذ شفرتك وأسرع مر ~~السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد فقال له إبراهيم: نعم العون ~~أنت يا بني على أمر الله. ثم ساق القصة وفيها ثم انحنى إليه بالمدية وقلب ~~جبرئيل المدية على قفاها واجتر الكبش من قبل ثبير واجتر الغلام من تحته ~~ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا. # أقول: والروايات في القصة كثيرة ولا تخلو من اختلاف. # وفيه،: روى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد ~~الله (عليه السلام): كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل وبين بشارته بإسحاق ~~(عليه السلام)؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين قال الله سبحانه فبشرناه ~~بغلام حليم يعني إسماعيل وهي أول بشارة بشر الله به إبراهيم (عليه السلام) ~~في الولد. PageV17P078 ### ||| AUTO 37 سورة الصافات - 114 - 132 # ولقد مننا على موسى وهرون (114) ونجينهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ~~ونصرنهم فكانوا هم الغلبين (116) وءاتينهما الكتب المستبين (117) وهدينهما ~~الصرط المستقيم (118) وتركنا عليهما ms6389 فى الاخرين (119) سلم على موسى وهرون ~~(120) إنا كذلك نجزى المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) وإن ~~إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون ~~أحسن الخلقين (125) الله ربكم ورب ءابائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم ~~لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه فى الاخرين (129) ~~سلم على إلياسين (130) إنا كذلك نجزى المحسنين (131) إنه من عبادنا ~~المؤمنين (132) ### |||| AUTO بيان # ملخص قصة موسى وهارون وإشارة إلى قصة إلياس (عليه السلام). # وبيان ما أنعم الله عليهم وعذاب مكذبيهم وجانب الرحمة يربو فيها على جانب ~~العذاب والتبشير يزيد على الإنذار. # قوله تعالى: "ولقد مننا على موسى وهارون" المن الإنعام ومن المحتمل أن ~~يكون المراد به ما سيعده مما أنعم عليهما وعلى قومهما من التنجية والنصر ~~وإيتاء الكتاب والهداية وغيرها فيكون قوله: "ونجيناهما" إلخ من عطف ~~التفسير. # قوله تعالى: "ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم" وهو الغم الشديد من ~~استضعاف فرعون لهم يسومهم سوء العذاب ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. # قوله تعالى: "ونصرناهم فكانوا هم الغالبين" وهو الذي أدى إلى خروجهم من ~~مصر وجوازهم البحر وهلاك فرعون وجنوده. # وبذلك يندفع ما توهم أن مقتضى الظاهر أن يذكر النصر قبل التنجية لتوقفها ~~عليه، وذلك أن النصر إنما يكون فيما إذا كان للمنصور قوة ما لكنها لا تكفي ~~لدفع الشر فتتم بالنصر وكان لبني إسرائيل عند الخروج من مصر بعض القوة ~~فناسب إطلاق النصر على إعانتهم على ذلك بخلاف أصل تخليصهم من يد فرعون ~~فإنهم كانوا أسراء مستعبدين لا قوة لهم فلا يناسب هذا الاعتبار إلا ذكر ~~التنجية دون النصر. # قوله تعالى: "وآتيناهما الكتاب المستبين" أي يستبين المجهولات الخفية ~~فيبينها وهي التي يحتاج إليها الناس في دنياهم وآخرتهم. # قوله تعالى: "وهديناهما الصراط المستقيم" المراد بها الهداية بتمام معنى ~~الكلمة، ولذا خصها بهما ولم يشرك فيها معهما قومهما، ولقد تقدم كلام في ~~معنى الهداية إلى الصراط المستقيم في سورة الفاتحة. # قوله تعالى: "وتركنا عليهما في الآخرين - إلى قوله - المؤمنين" تقدم ~~تفسيرها. # قوله تعالى: "وإن إلياس لمن المرسلين" قيل: إنه (عليه السلام) ms6390 من آل ~~هارون كان مبعوثا إلى بعلبك 1 ولم يذكر في كلامه ما يستشهد به عليه. # قوله تعالى: "إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين - ~~إلى قوله - الأولين" شطر من دعوته (عليه السلام) يدعو قومه فيها إلى ~~التوحيد ويوبخهم على عبادة بعل - صنم كان لهم - وترك عبادة الله سبحانه. # وكلامه (عليه السلام) على ما فيه من التوبيخ واللوم يتضمن حجة تامة على ~~توحيده تعالى فإن قوله: "وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم ~~الأولين" يوبخهم أولا على ترك عبادة أحسن الخالقين، والخلق والإيجاد كما ~~يتعلق بذوات الأشياء يتعلق بالنظام الجاري فيها الذي يسمى تدبيرا فكما أن ~~الخلق إليه تعالى فالتدبير أيضا إليه فهو المدبر كما أنه الخالق، وأشار إلى ~~ذلك بقوله: "الله ربكم" بعد وصفه تعالى بأحسن الخالقين. # ثم أشار إلى أن ربوبيته تعالى لا تختص بقوم دون قوم كالأصنام التي يتخذ ~~كل قوم بعضا منها دون بعض فيكون صنم ربا لقوم دون آخرين بل هو تعالى رب لهم ~~ولآبائهم الأولين لا يختص ببعض دون بعض لعموم خلقه وتدبيره، وإليه أشار ~~بقوله: "الله ربكم ورب آبائكم الأولين". # قوله تعالى: "فكذبوه فإنهم لمحضرون" أي مبعوثون ليحضروا العذاب، وقد تقدم ~~أن الإحضار إذا أطلق أفاد معنى الشر. # قوله تعالى: "إلا عباد الله المخلصين" دليل على أنه كان في قومه جمع منهم. PageV17P079 # قوله تعالى: "وتركنا عليه في الآخرين - إلى قوله - المؤمنين" تقدم الكلام ~~في نظائرها. # - بحث روائي - # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أتدعون بعلا" قال كان لهم صنم يسمونه بعلا. # وفي المعاني، بإسناده إلى قادح عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه ~~عن علي (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "سلام على آل يس" قال: يس محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن آل يس:. أقول: وعن العيون، عن الرضا (عليه ~~السلام) مثله، وهو مبني على قراءة آل يس كما قرأه نافع وابن عامر ويعقوب وزيد. # كلام في قصة إلياس (عليه السلام) # 1 - قصته في القرآن: ms6391 # لم يذكر اسمه (عليه السلام) في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع وفي سورة ~~الأنعام عند ذكر هداية الأنبياء حيث قال: "وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وكل ~~من الصالحين:" الأنعام: - 85. # ولم يذكر تعالى من قصته في هذه السورة إلا أنه كان يدعو إلى عبادة الله ~~سبحانه قوما كانوا يعبدون بعلا فآمن به وأخلص الإيمان قوم منهم وكذبه آخرون ~~وهم جل القوم وإنهم لمحضرون. # وقد أثنى الله سبحانه عليه في سورة الأنعام بما أثنى به على الأنبياء ~~عامة وأثنى عليه في هذه السورة بأنه من عباده المؤمنين المحسنين وحياه ~~بالسلام بناء على القراءة المشهورة "سلام على إل ياسين". # 2 - الأحاديث فيه: # ورد فيه (عليه السلام) أخبار مختلفة متهافتة كغالب الأخبار الواردة في ~~قصص الأنبياء، الحاكية للعجائب كالذي روي عن ابن مسعود: أن إلياس هو إدريس ~~وما عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن الخضر هو إلياس، ~~وما عن وهب وكعب الأحبار وغيرهما: أن إلياس حي لا يموت إلى النفخة الأولى، ~~وما عن وهب: أن إلياس سأل الله أن يريحه من قومه فأرسل الله إليه دابة ~~كهيئة الفرس في لون النار فوثب إليه فانطلق به فكساه الله الريش والنور ~~وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار في الملائكة، وما عن كعب الأحبار: أن ~~إلياس صاحب الجبال والبر وأنه الذي سماه الله بذي النون، وما عن الحسن: أن ~~إلياس موكل بالفيافي والخضر موكل بالجبال، وما عن أنس: أن إلياس لاقى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض أسفاره فقعدا يتحدثان ثم نزل عليهما ~~مائدة من السماء فأكلا وأطعماني ثم ودعه وودعني ثم رأيته مر على السحاب نحو ~~السماء إلى غير ذلك 1. # وفي بعض أخبار الشيعة أنه (عليه السلام) حي مخلد 2 لكنها ضعاف وظاهر آيات ~~القصة لا يساعد عليه. PageV17P080 # وفي البحار، في قصة إلياس (عليه السلام) عن قصص الأنبياء، بالإسناد عن ~~الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه، ورواه الثعلبي في العرائس، عن ابن إسحاق ~~وعلماء الأخبار أبسط منه والحديث طويل ms6392 جدا، وملخصه: أنه بعد انشعاب ملك بني ~~إسرائيل وتقسمه بينهم سار سبط منهم إلى بعلبك وكان لهم ملك منهم يعبد صنما ~~اسمه بعل ويحمل الناس على عبادته. وكانت له مرأة فاجرة قد تزوجت قبله بسبعة ~~من الملوك وولدت تسعين ولدا سوى أبناء الأبناء، وكان الملك يستخلفها إذ غاب ~~فتقضي بين الناس، وكان له كاتب مؤمن حكيم قد خلص من يدها ثلاثمائة مؤمن ~~تريد قتلهم، وكان في جوار قصر الملك رجل مؤمن له بستان وكان الملك يحترم ~~جواره ويكرمه. ففي بعض ما غاب الملك قتلت المرأة الجار المؤمن وغصبت بستانه ~~فلما رجع وعلم به عاتبها فاعتذرت إليه وأرضته فآلى الله تعالى على نفسه أن ~~ينتقم منهما إن لم يتوبا فأرسل إليهم إلياس (عليه السلام) يدعوهم إلى عبادة ~~الله وأخبرهما بما آلى الله فاشتد غضبهم عليه وهموا بتعذيبه وقتله فهرب ~~منهم إلى أصعب جبل هناك فلبث فيه سبع سنين يعيش بنبات الأرض وثمار الشجر. ~~فأمرض الله ابنا للملك يحبه حبا شديدا فاستشفع ببعل فلم ينفعه فقيل له: إنه ~~غضبان عليك إن لم تقتل إلياس فأرسل إليه فئة من قومه ليخدعوه ويقبضوا عليه ~~فأرسل الله إليهم نارا فأحرقتهم ثم أرسل إليه فئة أخرى من ذوي البأس مع ~~كاتبه المؤمن فذهب معه إلياس صونا له من غضب الملك لكن الله سبحانه أمات ~~ابنه فشغله حزنه عن إلياس فرجع سالما. ثم لما طال الأمر نزل إلياس من الجبل ~~واستخفى عند أم يونس بن متى في بيتها ويونس طفل رضيع ثم خرج بعد ستة أشهر ~~إلى الجبل ثانيا واتفق أن مات بعده يونس ثم أحياه الله بدعاء إلياس بعد ما ~~خرجت أمه في طلبه فوجدته فتضرعت إليه. ثم إنه سأل الله أن ينتقم له من بني ~~إسرائيل ويمسك عنهم الأمطار فأجيب وسلط الله عليهم القحط فأجهدوا سنين ~~فندموا فجاءوه فتابوا وأسلموا فدعا الله فأرسل عليهم المطر فسقاهم وأحيا ~~بلادهم. فشكوا إليه هدم الجدران وعدم البذر من الحبوب فأوحى إليه أن يأمرهم ~~أن يبذروا الملح فأنبت لهم ms6393 الحمص وأن يبذروا الرمل فأنبت لهم منه الدخن. ثم ~~لما كشف الله عنهم الضر نقضوا العهد وعادوا إلى أخبث ما كانوا عليه فأمل ~~ذلك إلياس فدعا الله أن يريحه منهم فأرسل الله إليه فرسا من نار فوثب عليه ~~إلياس فرفعه الله إلى السماء وكساه الريش والنور فكان مع الملائكة. ثم سلط ~~الله على الملك وامرأته عدوا فقصدهما وظهر عليهما فقتلهما وألقى جيفتهما في ~~بستان ذلك الرجل المؤمن الذي قتلاه وغصبوا بستانه. # وأنت بالتأمل فيما تقصه الرواية لا ترباب في ضعفها. PageV17P081 ### ||| AUTO 37 سورة الصافات - 133 - 148 # وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجينه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا فى ~~الغبرين (135) ثم دمرنا الاخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) ~~وباليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) ~~فلو لا أنه كان من المسبحين (143) للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون (144) ~~فنبذنه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلنه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فئامنوا فمتعنهم إلى حين (148) ### |||| AUTO بيان # خلاصة قصة لوط (عليه السلام) ثم قصة يونس (عليه السلام) وابتلاء الله ~~تعالى له بالحوت مأخوذا بما أعرض عن قومه عند ارتفاع العذاب عنهم بعد نزوله ~~وإشرافه عليهم. # قوله تعالى: "وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين" وإنما نجاه ~~وأهله من العذاب النازل على قومه وهو الخسف وأمطار حجارة من سجيل على ما ~~ذكره الله تعالى في سائر كلامه. # قوله تعالى: "إلا عجوزا في الغابرين" أي في الباقين في العذاب المهلكين ~~به وهي امرأة لوط. # قوله تعالى: "ثم دمرنا الآخرين" التدمير الإهلاك، والآخرين قومه الذين ~~أرسل إليهم. # قوله تعالى: "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون" فإنهم على ~~طريق الحجاز إلى الشام، والمراد بالمرور عليهم المرور على ديارهم الخربة ~~وهي اليوم مستورة بالماء على ما قيل. # قوله تعالى: "وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون" أي ~~السفينة المملوءة من الناس والإباق هرب العبد من مولاه. # والمراد بإباقه إلى الفلك ms6394 خروجه من قومه معرضا عنهم وهو (عليه السلام) ~~وإن لم يعص في خروجه ذلك ربه ولا كان هناك نهي من ربه عن الخروج لكن خروجه ~~إذ ذاك كان ممثلا لإباق العبد من خدمة مولاه فأخذه الله بذلك، وقد تقدم بعض ~~الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: "وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه:" الأنبياء: - 87. # قوله تعالى: "فساهم فكان من المدحضين" المساهمة المقارعة والإدحاض الغلبة ~~أي فقارع من في السفينة فكان من المغلوبين، وقد كان عرض لسفينتهم الحوت ~~فاضطروا إلى أن يلقوا واحدا منهم في البحر ليبتلعه ويخلي السفينة فقارعوا ~~فأصابت يونس (عليه السلام). # قوله تعالى: "فالتقمه الحوت وهو مليم" الالتقام الابتلاع، ومليم من ألام ~~أي دخل في اللوم كأحرم إذا دخل في الحرم أو بمعنى صار ذا ملامة. # قوله تعالى: "فلو لا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" ~~عده من المسبحين وهم الذين تكرر منهم التسبيح وتمكن منهم حتى صار وصفا لهم ~~يدل على دوام تلبسه زمانا بالتسبيح. # قيل: أي من المسبحين قبل التقام الحوت إياه، وقيل: بل في بطن الحوت، ~~وقيل: أي كان من المسبحين قبل التقام الحوت وفي بطنه. # والذي حكي من تسبيحه في كلامه تعالى قوله في سورة الأنبياء: "فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين:" الأنبياء: - 87 ~~ولازم ذلك أن يكون من المسبحين في بطن الحوت خاصة أو فيه وفيما قبله ~~فاحتمال كون المراد تسبيحه قبل التقام الحوت مرجوح لا ينبغي أن يصار إليه. # على أن تسبيحه مع اعترافه بالظلم في قوله: "سبحانك إني كنت من الظالمين" ~~- على ما سيجيء - تسبيح له تعالى عما كان يشعر به 1 فعله من ترك قومه ~~وذهابه على وجهه، وقوله: "فلو لا أنه كان من المسبحين" إلخ يدل على أن ~~تسبيحه كان هو السبب المستدعي لنجاته، ولازم ذلك أن يكون إنما ابتلي بما ~~ابتلي به لينزهه تعالى فينجو بذلك من الغم الذي ساقه إليه فعله إلى ms6395 ساحة ~~العافية. # وبذلك يظهر أن العناية في الكلام إنما هي بتسبيحه في بطن الحوت خاصة فخير ~~الأقوال الثلاثة أوسطها. PageV17P082 # فالظاهر أن المراد بتسبيحه نداؤه في الظلمات بقوله: "لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين" وقد قدم التهليل ليكون كالعلة المبينة لتسبيحه كأنه ~~يقول: لا معبود بالحق يتوجه إليه غيرك فأنت منزه مما كان يشعر به فعلى أني ~~آبق منك معرض عن عبوديتك متوجه إلى سواك إني كنت ظالما لنفسي في فعلي فها ~~أنا متوجه إليك متبرىء مما كان يشعر به فعلى من التوجه عنك إلى غيرك. # فهذا معنى تسبيحه ولو لا ذلك منه لم ينج أبدا إذ كان سبب نجاته منحصرا في ~~التسبيح والتنزيه بالمعنى الذي ذكر. # وبذلك يظهر أن المراد بقوله: "للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" تأبيد مكثه ~~في بطنه إلى أن يبعث فيخرج منه كالقبر الذي يقبر فيه الإنسان ويلبث فيه حتى ~~يبعث فيخرج منه قال تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى:" طه: - 55. # ولا دلالة في الآية على كونه (عليه السلام) على تقدير اللبث حيا في بطن ~~الحوت إلى يوم يبعثون أو ميتا وبطنه قبره مع بقاء بدنه وبقاء جسد الحوت على ~~حالهما أو بنحو آخر فلا مساغ لاختلافهم في كونه (عليه السلام) حيا على هذا ~~التقدير أو ميتا وبطنه قبره، وأن المراد بيوم يبعثون النفخة الأولى التي ~~فيها يموت الخلائق أو النفخة الثانية أو التأجيل بيوم القيامة كناية عن طول اللبث. # قوله تعالى: "فنبذناه بالعراء وهو سقيم" النبذ طرح الشيء والرمي به، ~~والعراء المكان الذي لا سترة فيه يستظل بها من سقف أو خباء أو شجر. # والمعنى على ما يعطيه السياق أنه صار من المسبحين فأخرجناه من بطن الحوت ~~وطرحناه خارج الماء في أرض لا ظل فيها يستظل به وهو سقيم. # قوله تعالى: "وأنبتنا عليه شجرة من يقطين" اليقطين من نوع القرع ويكون ~~ورقه عريضا مستديرا وقد أنبتها الله عليه ليستظل بورقها. # قوله تعالى: "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" أو ms6396 في مورد الترقي وتفيد ~~معنى بل، والمراد بهذه الجماعة أهل نينوى. # قوله تعالى: "فآمنوا فمتعناهم إلى حين" أي آمنوا به فلم نعذبهم ولم ~~نهلكهم بما أشرف عليهم من العذاب فمتعناهم بالحياة والبقاء إلى أجلهم ~~المقدر لهم. # والآية في إشعارها برفع العذاب عنهم وتمتيعهم تشير إلى قوله تعالى: "فلو ~~لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين:" يونس: - 98. # ولا يخلو السياق من إشعار - بل دلالة - على أن المراد من إرساله في قوله: ~~"وأرسلناه" أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم، وبإيمانهم في قوله: "فآمنوا" إلخ ~~إيمانهم بتصديقه واتباعه بعد ما آمنوا وتابوا حين رأوا العذاب. # ومن هنا يظهر ضعف ما استدل بعضهم بالآيتين أن إرساله إلى القوم كان بعد ~~خروجه من بطن الحوت وأنه أمر أولا بالذهاب إلى أهل نينوى ودعوتهم إلى الله ~~وكانوا يعبدون الأصنام فاستعظم الأمر وخرج من بيته يسير في الأرض لعل الله ~~يصرف عنه هذا التكليف وركب البحر فابتلاه الله بالحوت ثم لما نبذ بالعراء ~~كلف ثانيا فأجاب وأطاع ودعاهم فاستجابوا فدفع الله عذابا كان يهددهم إن لم ~~يؤمنوا. # وذلك أن السياق كما سمعت يدل على كون إرساله بأمر ثان وأن إيمانهم كان ~~إيمانا ثانيا بعد الإيمان والتوبة وأن تمتيعهم إلى حين كان مترتبا على ~~إيمانهم به لا على كشف العذاب عنهم فلم يكن الله سبحانه ليتركهم لو لم ~~يؤمنوا برسوله ثانيا كما آمنوا به وتابوا إليه أولا في غيبته فافهم ذلك. # على أن قوله تعالى: "وذا النون إذ ذهب مغاضبا:" الأنبياء: - 87 وقوله: ~~"ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم:" ن: - 48 لا يلائم ما ذكروه، وكذا ~~قوله: "إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا:" ~~يونس: - 98 إذ لا يطلق الكشف إلا في عذاب واقع حال أو مشرف. # كلام في قصة يونس (عليه السلام) # في فصول # 1 - PageV17P083 لم يتعرض القرآن الكريم إلا لطرف من قصته وقصة قومه فقد تعرض ms6397 في سورة ~~الصافات لإرساله ثم إباقه وركوبه الفلك والتقام الحوت له ثم نجاته وإرساله ~~إلى القوم وإيمانهم قال تعالى: "وإن يونس لمن المرسلين. إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون فساهم فكان من المدحضين. فالتقمه الحوت وهو مليم. فلو لا أنه كان ~~من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون. فنبذناه بالعراء وهو سقيم. ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين. وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون. فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين". # وفي سورة الأنبياء: لتسبيحه في بطن الحوت وتنجيته قال تعالى: "وذا النون ~~إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين:" الأنبياء: - 87 88. # وفي سورة ن: لندائه مكظوما وخروجه من بطنه واجتبائه قال تعالى: "فاصبر ~~لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم. فلو لا أن تداركه نعمة من ~~ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم. فاجتباه ربه فجعله من الصالحين:" ن: - 50. # وفي سورة يونس: لإيمان قومه وكشف العذاب عنهم قال تعالى: "فلو لا كانت ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين:" يونس: - 98. # وخلاصة ما يستفاد من الآيات بضم بعضها إلى بعض واعتبار القرائن الحافة ~~بها أن يونس (عليه السلام) كان من الرسل أرسله الله تعالى إلى قومه وهم جمع ~~كثير يزيدون على مائة ألف فدعاهم فلم يجيبوه إلا بالتكذيب والرد حتى جاءهم ~~عذاب أوعدهم به يونس ثم خرج من بينهم. # فلما أشرف عليهم العذاب وشاهدوه مشاهدة عيان أجمعوا على الإيمان والتوبة ~~إلى الله سبحانه فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. # ثم إن يونس (عليه السلام) استخبر عن حالهم فوجد العذاب انكشف عنهم - ~~وكأنه لم يعلم بإيمانهم وتوبتهم - فلم يعد إليهم وذهب لوجهه على ما به من ~~الغضب والسخط عليهم فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه ظانا أن ~~لا يقدر عليه وركب البحر في فلك ms6398 مشحون. # فعرض لهم حوت عظيم لم يجدوا بدا من أن يلقوا إليه واحدا منهم يبتلعه ~~وينجو الفلك بذلك فساهموا وقارعوا فيما بينهم فأصابت يونس (عليه السلام) ~~فألقوه في البحر فابتلعه الحوت ونجت السفينة. # ثم إن الله سبحانه حفظه حيا سويا في بطنه أياما وليالي ويونس (عليه ~~السلام) يعلم أنها بلية ابتلاه الله بها مؤاخذة بما فعل وهو ينادي في بطنه ~~أن "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". # فاستجاب الله له فأمر الحوت أن يلفظه فنبذه بالعراء وهو سقيم فأنبت الله ~~سبحانه عليه شجرة من يقطين يستظل بأوراقها ثم لما استقامت حاله أرسله إلى ~~قومه فلبوا دعوته وآمنوا به فمتعهم الله إلى حين. # والأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على كثرتها وبعض ~~الأخبار من طرق أهل السنة مشتركة المتون في قصة يونس (عليه السلام) على ~~النحو الذي يستفاد من الآيات وإن اختلفت في بعض الخصوصيات الخارجة عن ذلك 1. # 2 - قصته عند أهل الكتاب: # هو (عليه السلام) مذكور باسم يوناه بن إمتاي في مواضع من العهد القديم ~~وكذا في مواضع من العهد الجديد أشير في بعضها إلى قصة لبثه في بطن الحوت ~~لكن لم تذكر قصته الكاملة في شيء منهما. # ونقل الآلوسي في روح المعاني، في قصته عند أهل الكتاب ويؤيده ما في بعض ~~كتبهم من إجمال 2 القصة: أن الله أمره بالذهاب إلى دعوة أهل نينوى 3 وكانت ~~إذ ذاك عظيمة جدا لا يقطع إلا في نحو ثلاثة أيام وكانوا قد عظم شرهم وكثر ~~فسادهم، فاستعظم الأمر وهرب إلى ترسيس 4 فجاء يافا 5 فوجد سفينة يريد أهلها ~~الذهاب بها إلى ترسيس فاستأجر وأعطى الأجرة وركب السفينة فهاجت ريح عظيمة ~~وكثرت الأمواج وأشرفت السفينة على الغرق. # ففزع الملاحون ورموا في البحر بعض الأمتعة لتخف السفينة وعند ذلك نزل ~~يونس إلى بطن السفينة ونام حتى علا نفسه فتقدم إليه الرئيس فقال له: ما ~~بالك نائما؟ قم وادع إلهك لعله يخلصنا مما نحن فيه ولا يهلكنا. PageV17P084 # وقال ms6399 بعضهم لبعض: تعالوا نتقارع لنعرف من أصابنا هذا الشر بسببه فتقارعوا ~~فوقعت القرعة على يونس فقالوا له: أخبرنا ما ذا عملت: ومن أين جئت؟ وإلى ~~أين تمضي؟ ومن أي كورة أنت؟ ومن أي شعب أنت؟ فقال لهم: أنا عبد الرب إله ~~السماء خالق البر والبحر وأخبرهم خبره فخافوا خوفا عظيما وقالوا له: لم ~~صنعت ما صنعت؟ يلومونه على ذلك. # ثم قالوا له: ما نصنع الآن بك؟ ليسكن البحر عنا؟ فقال: ألقوني في البحر ~~يسكن فإنه من أجلي صار هذا الموج العظيم فجهد الرجال أن يردوه إلى البر فلم ~~يستطيعوا فأخذوا يونس وألقوه في البحر لنجاة جميع من في السفينة فسكن البحر ~~وأمر الله حوتا عظيما فابتلعه فبقي في بطنه ثلاثة أيام وثلاث ليال وصلى في ~~بطنه إلى ربه واستغاث به فأمر سبحانه الحوت فألقاه إلى اليبس ثم قال له: قم ~~وامض إلى نينوى وناد في أهلها كما أمرتك من قبل. # فمضى (عليه السلام) ونادى وقال: يخسف نينوى بعد ثلاثة أيام فآمنت رجال ~~نينوى بالله ونادوا بالصيام ولبسوا المسوح جميعا ووصل الخبر إلى الملك فقام ~~عن كرسيه ونزع حلته ولبس مسحا وجلس على الرماد ونودي أن لا يذق أحد من ~~الناس والبهائم طعاما ولا شرابا وجاروا إلى الله تعالى ورجعوا عن الشر ~~والظلم فرحمهم الله ولم ينزل بهم العذاب. # فحزن يونس وقال: إلهي من هذا هربت، فإني علمت أنك الرحيم الرءوف الصبور ~~التواب. # يا رب خذ نفسي فالموت خير لي من الحياة فقال: يا يونس حزنت من هذا جدا؟ ~~فقال: نعم يا رب. # وخرج يونس وجلس مقابل المدينة وصنع له هناك مظلة وجلس تحتها إلى أن يرى ~~ما يكون في المدينة؟ فأمر الله يقطينا فصعد على رأسه ليكون ظلا له من كربه ~~ففرح باليقطين فرحا عظيما وأمر الله تعالى دودة فضربت اليقطين فجف ثم هبت ~~ريح سموم وأشرقت الشمس على رأس يونس فعظم الأمر عليه واستطاب الموت. # فقال الرب: يا يونس أحزنت جدا على اليقطين؟ فقال: نعم يا رب حزنت جدا ms6400 ~~فقال تعالى: حزنت عليه وأنت لم تتعب فيه ولم تربه بل صار من ليلته وهلك من ~~ليلته فأنا لا أشفق على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي ~~عشرة ربوة من الناس قوم لا يعلمون يمينهم ولا شمالهم وبهائمهم كثيرة انتهى. # وجهات اختلاف القصة مع ما يستفاد من القرآن الكريم ظاهرة كالفرار من ~~الرسالة وعدم رضاه برفع العذاب عنهم مع علمه بإيمانهم وتوبتهم. # فإن قلت: نظير ذلك وارد في القرآن الكريم كنسبة الإباق إليه في سورة ~~الصافات وكذا مغاضبته وظنه أن الله لن يقدر عليه على ما في سورة الأنبياء. # قلت: بين النسبتين فرق فكتبهم المقدسة أعني العهدين لا تأبى عن نسبة ~~المعاصي حتى الكبائر الموبقة إلى الأنبياء (عليهم السلام) فلا موجب لتوجيه ~~ما نسب من المعاصي إليه بما يخرج به عن كونه معصية بخلاف القرآن الكريم ~~فإنه ينزه ساحتهم عن لوث المعاصي حتى الصغائر فما ورد فيه مما يوهم ذلك ~~يحمل على أحسن الوجوه بهذه القرينة الموجبة ولذا حملنا قوله: "إذ أبق" ~~وقوله: "مغاضبا فظن أن لن نقدر" على حكاية الحال وإيهام فعله. # 3 - ثناؤه تعالى عليه: # أثنى الله سبحانه عليه بأنه من المؤمنين "سورة الأنبياء 88" وأنه اجتباه ~~وقد عرفت أن اجتباءه إخلاصه العبد لنفسه خاصة، وأنه جعله من الصالحين "سورة ~~ن: 50" وعده في سورة الأنعام فيمن عده من الأنبياء وذكر أنه فضلهم على ~~العالمين وأنه هداهم إلى صراط مستقيم "سورة الأنعام: 87". ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، وقال الصادق (عليه السلام): ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى ~~الله عز وجل إلا خرج سهم الحق، وقال: أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر ~~إلى الله. أليس الله عز وجل يقول: "فساهم فكان من المدحضين". # وفي البحار، عن البصائر بإسناده عن حبة العرني قال: قال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض أقر ~~بها من أقر وأنكرها من أنكر أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها. # أقول: وفي معناه ms6401 روايات أخر، والمراد الولاية الكلية الإلهية التي هو ~~(عليه السلام) أول من فتح بابها من هذه الأمة وهي قيامه تعالى مقام عبده في ~~تدبير أمره فلا يتوجه العبد إلا إليه ولا يريد إلا ما أراده وذلك بسلوك ~~طريق العبودية التي تنتهي بالعبد إلى أن يخلصه الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره. PageV17P085 # وكان ظاهر ما أتى به يونس (عليه السلام) مما لا يرتضيه الله تعالى فلم يكن ~~قابلا للانتساب إلى إرادته فابتلاه الله بما ابتلاه ليعترف بظلمه على نفسه ~~وأنه تعالى منزه عن إرادة مثله فالبلايا والمحن التي يبتلى بها الأولياء من ~~التربية الإلهية التي يربيهم بها ويكملهم ويرفع درجاتهم بسببها وإن كان ~~بعضها من جهة أخرى مؤاخذة ذات عتاب، وقد قيل البلاء للولاء. # ويؤيد ذلك ما عن العلل، بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): لأي علة صرف الله العذاب عن قوم يونس وقد أظلهم ولم يفعل ~~ذلك بغيرهم من الأمم؟ فقال: لأنه كان في علم الله أنه سيصرفه عنهم لتوبتهم ~~وإنما ترك إخبار يونس بذلك لأنه أراد أن يفرغه لعبادته في بطن الحوت ~~فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته. PageV17P086 ### ||| AUTO 37 سورة الصافات - 149 - 182 # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملئكة إنثا وهم ~~شهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكذبون (152) ~~أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) ~~أم لكم سلطن مبين (156) فأتوا بكتبكم إن كنتم صدقين (157) وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحن الله عما يصفون (159) ~~إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفتنين ~~(162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا ~~لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو ~~أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به ~~فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم ~~المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغلبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) ~~وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم ms6402 فساء ~~صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحن ~~ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلم على المرسلين (181) والحمد لله رب ~~العلمين (182) ### |||| AUTO بيان # قدم سبحانه ما بين به أنه رب معبود، عبده عباد مخلصون كالأنبياء المكرمين ~~وكفر به آخرون فنجى عباده وأخذ الكافرين بأليم العذاب. # ثم تعرض في هذه الآيات لما يعتقدونه في آلهتهم وهم الملائكة والجن وأن ~~الملائكة بنات الله وبينه وبين الجنة نسبا. # والوثنية البرهمية والبوذية والصابئة ما كانوا يقولون بأنوثة جميع ~~الملائكة وإن قالوا بها في بعضهم لكن المنقول عن بعض قبائل العرب الوثنيين ~~كجهينة وسليم وخزاعة وبني مليح القول بأنوثة الملائكة جميعا، وأما الجن ~~فالقول بانتهاء نسبهم إليه في الجملة منقول عن الجميع. # وبالجملة يشير تعالى في الآيات إلى فساد قولهم ثم يبشر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالنصر ويهددهم بالعذاب، ويختم السورة بتنزيهه تعالى ~~والتسليم على المرسلين والحمد لله رب العالمين. # قوله تعالى: "فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون" حلل سبحانه قولهم: إن ~~الملائكة بنات الله إلى ما يستلزمه من اللوازم وهي أن الملائكة أولاده، ~~وأنهم بنات، وأنه تعالى خص نفسه بالبنات وهم مخصوصون بالبنين ثم رد هذه ~~اللوازم واحدا بعد واحد فرد قولهم: إن له البنات ولهم البنين بقوله: ~~"فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون" وهو استفهام إنكاري لقولهم بما يلزمه ~~من تفضيلهم على الله لما أنهم يفضلون البنين على البنات ويتنزهون منهن ~~ويئدونهن. # قوله تعالى: "أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون" أم منقطعة أي بل ~~أخلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون يشهدون خلقهم ولم يكونوا شاهدين خلقهم ~~ولا لهم أن يدعوا ذلك، والذكورة والأنوثة مما لا يثبت إلا بنوع من الحس، ~~وهذا رد لقولهم بأنوثة الملائكة. # قوله تعالى: "ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون" رد ~~لقولهم بالولادة بأنه من الإفك أي صرف القول عن وجهه إلى غير وجهه أي من ~~الحق إلى الباطل فيوجهون خلقهم بما يعدونه ولادة ويعبرون عنه بها فهم آفكون ~~كاذبون. # قوله تعالى: "اصطفى البنات على البنين ms6403 ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون" ~~كرر الإنكار على اصطفاء البنات من بين لوازم قولهم لشدة شناعته. PageV17P087 # ثم وبخهم بقوله: "ما لكم كيف تحكمون" لكون قولهم حكما من غير دليل ثم عقبه ~~بقوله: "أفلا تذكرون" توبيخا وإشارة إلى أن قولهم ذلك - فضلا عن كونه مما ~~لا دليل عليه - الدليل على خلافه ولو تذكروا لانكشف لهم فقد تنزهت ساحته ~~تعالى عن أن يتجزأ فيلد أو يحتاج فيتخذ ولدا، وقد احتج عليهم بذلك في مواضع ~~من كلامه. # والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على اشتداد السخط الموجب ~~لتوبيخهم شفاها. # قوله تعالى: "أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين" أم منقطعة ~~والمراد بالسلطان وهو البرهان كتاب نازل من عند الله سبحانه يخبر فيه أن ~~الملائكة بناته على ما يعطيه السياق إذ لما لم يثبت بعقل أو حس بقي أن يثبت ~~بكتاب من عند الله نازل بالوحي فلو كانت دعواهم حقة وهم صادقون فيها كان ~~لهم أن يأتوا بالكتاب. # وإضافة الكتاب إليهم بعناية فرضه دالا على دعواهم. # قوله تعالى: "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون" ~~جعل النسب بينه وبين الجنة قولهم: إن الجنة أولاده وقد تقدم تفصيل قولهم في ~~تفسير سورة هود في الكلام على عبادة الأصنام. # وقوله: "ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون" أي للحساب أو للنار على ما يفيده ~~إطلاق "لمحضرون" وكيف كان فهم يعلمون أنهم مربوبون لله سيحاسبهم ويجازيهم ~~بما عملوا فبينهم وبين الله سبحانه نسبة الربوبية والعبودية لا نسب الولادة ~~ومن كان كذلك لا يستحق العبادة. # ومن الغريب قول بعضهم: إن المراد بالجنة طائفة من الملائكة يسمون بها ~~ولازمه إرجاع ضمير "إنهم" إلى الكفار دون الجنة. # وهو مما لا شاهد له من كلامه تعالى مضافا إلى بعده من السياق. # قوله تعالى: "سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين" ضمير "يصفون" ~~- نظرا إلى اتصال الآية بما قبلها - راجع إلى الكفار المذكورين قبل، ~~والاستثناء منه منقطع والمعنى هو منزه عن وصفهم - أو عما يصفه الكفار به ms6404 من ~~الأوصاف كالولادة والنسب والشركة ونحوها - لكن عباد الله المخلصين يصفونه ~~تعالى وصفا يليق به - أو بما يليق به من الأوصاف -. # وقيل: إنه استثناء منقطع من ضمير "لمحضرون"، وقيل: من فاعل "جعلوا" وما ~~بينهما من الجمل المتخللة اعتراض، وهما وجهان بعيدان. # وللآيتين باستقلالهما معنى أوسع من ذلك وأدق وهو رجوع ضمير "يصفون" إلى ~~الناس، والوصف مطلق يشمل كل ما يصفه به واصف، والاستثناء متصل والمعنى هو ~~منزه عن كل ما يصفه الواصفون إلا عباد الله المخلصين. # وذلك أنهم إنما يصفونه بمفاهيم محدودة عندهم وهو سبحانه غير محدود لا ~~يحيط به حد ولا يدركه نعت فكل ما وصف به فهو أجل منه وكل ما توهم أنه هو ~~فهو غيره لكن له سبحانه عباد أخلصهم لنفسه وخصهم بنفسه لا يشاركه فيهم أحد ~~غيره فعرفهم نفسه وأنساهم غيره يعرفونه ويعرفون غيره به فإذا وصفوه في ~~نفوسهم وصفوه بما يليق بساحة كبريائه وإذا وصفوه بألسنتهم - والألفاظ قاصرة ~~والمعاني محدودة - اعترفوا بقصور البيان وأقروا بكلال اللسان كما قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد المخلصين: لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك 1 فافهم ذلك. # قوله تعالى: "فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال ~~الجحيم" تفريع على حكم المستثنى والمستثنى منه أو المستثنى خاصة، والمعنى ~~لما كان ما وصفتموه ضلالا - وعباد الله المخلصون لا يضلون في وصفهم - فلستم ~~بمضلين به إلا سالكي سبيل النار. # والظاهر من السياق أن "ما" في "ما تعبدون" موصولة والمراد بها الأصنام ~~فحسب أو الأصنام وآلهة الضلال كشياطين الجن، وما في "ما أنتم" نافية، وضمير ~~"عليه" لله سبحانه والظرف متعلق بفاتنين، وفاتنين اسم فاعل من الفتنة بمعنى ~~الإضلال و"صال" من الصلو بمعنى الاتباع فصالي الجحيم هو المتبع للجحيم ~~السالك سبيل النار، والاستثناء مفرغ تقديره ما أنتم بفاتنين أحدا إلا من هو ~~صال الجحيم. # والمعنى فإنكم وآلهة الضلال التي تعبدونها لستم جميعا بمضلين أحدا على ~~الله إلا من هو متبع الجحيم. PageV17P088 # وقيل: إن "ما" ms6405 الأولى مصدرية أو موصولة وجملة "فإنكم وما تعبدون كلام" تام ~~مستقل من قبيل قولهم: أنت وشأنك والمعنى فإنكم وما تعبدون متقارنان ثم ~~استونف وقيل: "ما أنتم عليه بفاتنين" و"فاتنين" مضمن معنى الحمل وضمير ~~"عليه" راجع إلى "ما تعبدون" إن كانت ما مصدرية وإلى "ما" بتقدير مضاف إن ~~كانت موصولة والمعنى ما أنتم بحاملين على عبادتكم أو على عبادة ما تعبدونه ~~إلا من هو صال الجيم. # قيل: ويمكن أن يكون "على" بمعنى الباء والضمير لما تعبدون أو لما أن كانت ~~موصولة و"فاتنين" على ظاهر معناه من غير تضمين، والمعنى ما أنتم بمضلين ~~أحدا بعبادتكم أو بعبادة ما تعبدونه إلا "إلخ". # وهذه كلها تكلفات من غير موجب والكلام فيما في الآية من الالتفات كالكلام ~~فيما سبق منه. # قوله تعالى: "وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن ~~المسبحون" الآيات الثلاث - على ما يعطيه السياق - اعتراض من كلام جبرئيل أو ~~هو وأعوانه من ملائكة الوحي نظير قوله تعالى في سورة مريم: "وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك" إلخ: مريم: - 64. # وقيل: هي من كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يصف نفسه والمؤمنين ~~به للكافرين تبكيتا لهم وتقريعا وهو متصل بقوله: "فاستفتهم" والتقدير ~~فاستفتهم وقل: ما منا معشر المسلمين إلا له مقام معلوم على قدر أعماله يوم ~~القيامة وإنا لنحن الصافون في الصلاة وإنا لنحن المسبحون. # وهو تكلف لا يلائمه السياق. # والآيات الثلاث مسوقة لرد قولهم بألوهية الملائكة بإيراد نفس اعترافهم ~~بما ينتفي به قول الكفار وهم لا ينفون العبودية عن الملائكة بل يرون أنهم ~~مربوبون لله سبحانه أرباب وآلهة لمن دونهم يستقلون بالتصرف فيما فوض إليهم ~~من أمر العالم من غير أن يرتبط شيء من هذا التدبير إلى الله سبحانه وهذا هو ~~الذي ينفيه الملائكة عن أنفسهم لا كونهم أسبابا متوسطة بينه تعالى وبين ~~خلقه كما قال تعالى "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون:" ~~الأنبياء: - 27. # فقوله: "وما منا إلا ms6406 له مقام معلوم" أي معين مشخص أقيم فيه ليس له أن ~~يتعداه بأن يفوض إليه أمر فيستقل فيه بل مجبول على طاعة الله فيما يأمر به ~~وعبادته. # وقوله: "وإنا لنحن الصافون" أي نصف عند الله في انتظار أوامره في تدبير ~~العالم لنجريها على ما يريد. # كما قال تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" هذا ما يفيده ~~السياق، وربما قيل: إن المراد إنا نصف للصلاة عند الله وهو بعيد من الفهم ~~لا شاهد عليه. # وقوله: "وإنا لنحن المسبحون" أي المنزهون له تعالى عما لا يليق بساحة ~~كبريائه كما قال تعالى: "يسبحون الليل والنهار لا يفترون:" الأنبياء: - 20. # فالآيات الثلاث تصف موقف الملائكة في الخلقة وعملهم المناسب لخلقتهم وهو ~~الاصطفاف لتلقي أمره تعالى والتنزيه لساحة كبريائه عن الشريك وكل ما لا ~~يليق بكمال ذاته المتعالية. # قوله تعالى: "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد ~~الله المخلصين" رجوع إلى السياق السابق. # والضمير في قوله: "وإن كانوا ليقولون" لقريش ومن يتلوهم، و"إن" مخففة من ~~الثقيلة، والمراد بذكر من الأولين كتاب سماوي من جنس الكتب النازلة على ~~الأولين. # والمعنى لو أن عندنا كتابا سماويا من جنس الكتب النازلة قبلنا على ~~الأولين لاهتدينا وكنا عباد الله المخلصين يريدون أنهم معذورون لو كفروا ~~لعدم قيام الحجة عليهم من قبل الله سبحانه. # وهذا في الحقيقة هفوة منهم فإن مذهب الوثنية يحيل النبوة والرسالة ونزول ~~الكتاب السماوي. # قوله تعالى: "فكفروا به فسوف يعلمون" الفاء فصيحة، والمعنى فأنزلنا عليهم ~~الذكر وهو القرآن الكريم فكفروا به ولم يفوا بما قالوا فسوف يعلمون وبال ~~كفرهم وهذا تهديد منه تعالى لهم. # قوله تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون" ~~كلمته تعالى لهم قوله الذي قاله فيهم وهو حكمه وقضاؤه في حقهم وسبق الكلمة ~~تقدمها عهدا أو تقدمها بالنفوذ والغلبة واللام تفيد معنى النفع أي إنا ~~قضينا قضاء محتوما فيهم إنهم لهم المنصورون وقد أكد الكلام بوجوه من ~~التأكيد. PageV17P089 # وقد أطلق النصر من غير تقييده بدنيا ms6407 أو آخرة أو بنحو آخر بل القرينة على ~~خلافه قال تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد:" المؤمن: - 51. # فالرسل (عليهم السلام) منصورون في الحجة لأنهم على الحق والحق غير مغلوب. # وهم منصورون على أعدائهم إما بإظهارهم عليهم وإما بالانتقام منهم قال ~~تعالى: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى - إلى أن ~~قال - حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ~~ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين:" يوسف: - 110. # وهم منصورون في الآخرة كما قال تعالى: "يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه:" التحريم: - 8، وقد تقدم آنفا آية في سورة المؤمن في هذا ~~المعنى. # قوله تعالى: "وإن جندنا لهم الغالبون" الجند هو المجتمع الغليظ ولذا يقال ~~للعسكر جند فهو قريب المعنى من الحزب 1 وقد قال تعالى في موضع آخر من ~~كلامه: "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون:" ~~المائدة: - 56. # والمراد بقوله: "جندنا" هو المجتمع المؤتمر بأمره المجاهد في سبيله وهم ~~المؤمنون خاصة أو الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين وفي الكلام على التقدير ~~الثاني تعميم بعد التخصيص، وكيف كان فالمؤمنون منصورون كمتبوعيهم من ~~الأنبياء قال تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين:" ~~آل عمران: - 139 وقد مر بعض الآيات الدالة عليه آنفا. # والحكم أعني النصر والغلبة حكم اجتماعي منوط على العنوان لا غير أي إن ~~الرسل وهم عباد أرسلهم الله والمؤمنون وهم جند لله يعملون بأمره ويجاهدون ~~في سبيله ما داموا على هذا النعت منصورون غالبون، وأما إذا لم يبق من ~~الإيمان إلا اسمه ومن الانتساب إلا حديثه فلا ينبغي أن يرجى نصر ولا غلبة. # قوله تعالى: "فتول عنهم حتى حين" تفريع على حديث النصر والغلبة ففيه وعد ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصر والغلبة وإيعاد للمشركين ولقريش خاصة. # والأمر بالإعراض عنهم ثم جعله مغيا بقوله: "حتى حين" يلوح إلى أن الأمد ~~غير بعيد وكان كذلك فهاجر النبي (صلى ms6408 الله عليه وآله وسلم) بعد قليل وأباد ~~الله صناديد قريش في غزوة بدر وغيرها. # قوله تعالى: "وأبصرهم فسوف يبصرون" الأمر بالإبصار والإخبار بإبصارهم ~~عاجلا وعطف الكلام على الأمر بالتولي معجلا يفيد بحسب القياس أن المعنى ~~أنظرهم وأبصر ما هم عليه من الجحود والعناد قبال إنذارك وتخويفك فسوف ~~يبصرون وبال جحودهم واستكبارهم. # قوله تعالى: "أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين" ~~توبيخ لهم لاستعجالهم وقولهم: متى هذا الوعد؟ متى هذا الفتح؟ وإيذان بأن ~~هذا العذاب مما لا ينبغي أن يستعجل لأنه يعقب يوما بئيسا وصباحا مشئوما. # ونزول العذاب بساحتهم كناية عن نزوله بهم على نحو الشمول والإحاطة، ~~وقوله: "فساء صباح المنذرين" أي بئس صباحهم صباحا، والمنذرون هم المشركون ~~من قريش. # قوله تعالى: "وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون" تأكيد لما مر بتكرار ~~الآيتين على ما قيل، واحتمل بعضهم أن يكون المراد بما تقدم التهديد بعذاب ~~الدنيا وبهذا، التهديد بعذاب الآخرة. # ولا يخلو من وجه فإن الواقع في الآية "وأبصر" من غير مفعول كما في الآية ~~السابقة من قوله: "وأبصرهم" والحذف يشعر بالعموم وأن المراد إبصار ما عليه ~~عامة الناس من الكفر والفسوق ويناسبه التهديد بعذاب يوم القيامة. # قوله تعالى: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون" تنزيه له تعالى عما يصفه به ~~الكفار المخالفون لدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما تقدم ذكره في ~~السورة. # والدليل عليه إضافة التنزيه إلى قوله: "ربك" أي الرب الذي تعبده وتدعو ~~إليه، وإضافة الرب ثانيا إلى العزة المفيد لاختصاصه تعالى بالعزة فهو منيع ~~الجانب على الإطلاق فلا يذله مذل ولا يغلبه غالب ولا يفوته هارب فالمشركون ~~أعداء الحق المهددون بالعذاب ليسوا له بمعجزين. # قوله تعالى: "وسلام على المرسلين" تسليم على عامة المرسلين وصون لهم من ~~أن يصيبهم من قبله تعالى ما يسوؤهم ويكرهونه. # قوله تعالى: "والحمد لله رب العالمين" تقدم الكلام فيه في تفسير سورة ~~الفاتحة. PageV17P090 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج محمد بن نضر وابن عساكر عن العلاء بن سعيد: أن ms6409 ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوما لجلسائه: أطت السماء وحق لها ~~أن تئط، ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد. ثم قرأ "وإنا لنحن ~~الصافون وإنا لنحن المسبحون". # أقول: وروي هذا المعنى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير هذا الطريق. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ~~إذا قام إلى الصلاة قال: استووا تقدم يا فلان تأخر يا فلان أقيموا صفوفكم ~~يريد الله بكم هدى الملائكة ثم يتلو: "وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن ~~المسبحون". # وفي نهج البلاغة،: قال (عليه السلام) في وصف الملائكة: وصافون لا ~~يتزايلون ومسبحون لا يسأمون. PageV17P091 ### || AUTO ### ||| AUTO 38 سورة ص - 1 - 16 # بسم الله الرحمن الرحيم ص والقرءان ذى الذكر (1) بل الذين كفروا فى عزة ~~وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم وقال الكفرون هذا سحر كذاب (4) أجعل الالهة إلها وحدا إن ~~هذا لشىء عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ءالهتكم إن هذا ~~لشىء يراد (6) ما سمعنا بهذا فى الملة الاخرة إن هذا إلا اختلق (7) أءنزل ~~عليه الذكر من بيننا بل هم فى شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم ~~خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا فى الأسبب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحب لئيكة أولئك ~~الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة ~~وحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) ### |||| AUTO بيان # يدور الكلام في السورة حول كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذرا ~~بالذكر النازل عليه من عند الله سبحانه الداعي إلى التوحيد وإخلاص العبودية ~~له تعالى. # فتبدأ بذكر اعتزاز الكفار وشقاقهم وبالجملة استكبارهم عن اتباعه والإيمان ~~به وصد الناس عنه وتفوههم بباطل القول في ذلك ms6410 ورده في فصل. # ثم تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وذكر قصص عباده الأولين ~~في فصل ثم يذكر مآل حال المتقين والطاغين في فصل. # ثم تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإبلاغ نذارته ودعوته إلى توحيد ~~الله وأن مآل أتباع الشيطان إلى النار على ما قضى به الله يوم أمر الملائكة ~~بالسجدة لآدم فأبى إبليس فرجمه وقضى عليه وعلى من تبعه النار في فصل. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: " (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن ذي الذكر بل الذين ~~كفروا في عزة وشقاق" المراد بالذكر ذكر الله تعالى بتوحيده وما يتفرع عليه ~~من المعارف الحقة من المعاد والنبوة وغيرهما، والعزة الامتناع، والشقاق ~~المخالفة، قال في مجمع البيان،: وأصله أن يصير كل من الفريقين في شق أي في ~~جانب ومنه يقال: شق فلان العصا إذا خالف انتهى. # والمستفاد من سياق الآيات أن قوله: "والقرآن ذي الذكر" قسم نظير ما في ~~قوله: "يس والقرآن الحكيم" "ق والقرآن المجيد" "ن والقلم" لا عطف على ما ~~تقدمه، وأما المقسم عليه فالذي يدل عليه الإضراب في قوله: "بل الذين كفروا ~~في عزة وشقاق أنه أمر يمتنع عن قبوله القوم ويكفرون به عزة وشقاقا وقد هلك ~~فيه قرون كثيرة ثم ذكر إنذار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما قاله ~~الكفار عليه وما أمرهم به ملؤهم حول إنذاره (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ~~أعني المقسم عليه نحو من قولنا: إنك لمن المنذرين، ويشهد على ذلك أيضا ~~التعرض في السورة بإنذاره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذكر مرة بعد أخرى. # وقد قيل في قوله: " (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن ذي الذكر" من حيث ~~الإعراب والمعنى وجوه كثيرة لا محصل لأكثرها تركنا إيرادها لعدم الجدوى. # والمعنى - والله أعلم - أقسم بالقرآن المتضمن للذكر - إنك لمن المنذرين - ~~بل الذين كفروا في امتناع عن قبوله واتباعه ومخالفة له. # قوله تعالى: "كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص" القرن أهل ~~عصر واحد، ms6411 والمناص بالنون مصدر ناص ينوص أي تأخر كما أنه بالباء الموحدة ~~بمعنى التقدم على ما في المجمع، وقيل: هو بمعنى الفرار. # والمعنى: كثيرا ما أهلكنا من قبل هؤلاء الكفار من قرن وأمة بتكذيبهم ~~الرسل المنذرين فنادوا عند نزول العذاب بالويل كقولهم: يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين أو بالاستغاثة بالله سبحانه وليس الحين حين تأخر الأخذ والعذاب أو ~~ليس الحين حين فرار. PageV17P092 # قوله تعالى: "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب" أي ~~تعجبوا من مجيء منذر من نوعهم بأن كان بشرا فإن الوثنية تنكر رسالة البشر. # وقوله: "وقال الكافرون هذا ساحر كذاب" يشيرون بهذا إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يرمونه بالسحر لكونهم عاجزين عن الإتيان بمثل ما أتى به ~~وهو القرآن، وبالكذب لزعمهم أنه يفتري على الله بنسبة القرآن وما فيه من ~~المعارف الحقة إليه تعالى. # قوله تعالى: "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" العجاب بتخفيف ~~الجيم اسم مبالغة من العجب وهو بتشديد الجيم أبلغ. # وهو من تتمة قول الكافرين والاستفهام للتعجيب والجعل بمعنى التصيير وهو ~~كما قيل تصيير بحسب القول والاعتقاد والدعوى لا بحسب الواقع كما في قوله ~~تعالى: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا:" الزخرف: - 19 فمعنى ~~جعله (صلى الله عليه وآله وسلم) الآلهة إلها واحدا هو إبطاله ألوهية الآلهة ~~من دون الله وحكمه بأن الإله هو الله لا إله إلا هو. # قوله تعالى: "وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء ~~يراد" نسبة الانطلاق إلى ملإهم وأشرافهم وقولهم ما قالوا يلوح إلى أن أشراف ~~قريش اجتمعوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليحلوا مشكلة دعوته إلى ~~التوحيد ورفض الآلهة بنوع من الاستمالة وكلموه في ذلك فما وافقهم في شيء ~~منه ثم انطلقوا وقال بعضهم لبعض أو قالوا لأتباعهم أن امشوا واصبروا "إلخ" ~~وهذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول مما سيجيء في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. # وقوله: "أن امشوا واصبروا على آلهتكم" بتقدير القول ms6412 أي قائلين أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم ولا تتركوا عبادتها وإن عابها وقدح فيها، وظاهر السياق ~~أن القول قول بعضهم لبعض، ويمكن أن يكون قولهم لتبعتهم. # وقوله: "إن هذا لشيء يراد" ظاهره أنه إشارة إلى ما يدعو إليه النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ويطلبه وأن مطلوبه شيء يراد بالطبع وهو السيادة ~~والرئاسة وإنما جعل الدعوة ذريعة إليه فهو نظير قول الملإ من قوم نوح ~~لعامتهم: "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم:" المؤمنون: - 24. # وقيل: المعنى إن هذا الذي شاهدناه من إسراره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على ما يطلبه وتصلبه في دينه لشيء عظيم يراد من قبله. # وقيل: المعنى إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا حيلة إلا أن ~~تمشوا وتصبروا. # وقيل: المعنى إن الصبر خلق محمود يراد منا في مثل هذه الموارد، وقيل غير ~~ذلك وهي وجوه ضعيفة لا يلائمها السياق. # قوله تعالى: "ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق" أرادوا ~~بالملة الآخرة المذهب الذي تداوله الآخرون من الأمم المعاصرين لهم أو ~~المقارنين لعصرهم قبال الملل الأولى التي تداولها الأولون كأنهم يقولون: ~~ليس هذا من الملة الآخرة التي يرتضيها أهل الدنيا اليوم بل من أساطير ~~الأولين. # وقيل: المراد بالملة الآخرة النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يقولون ~~بالتوحيد بل بالتثليت. # وضعفه ظاهر إذ لم يكن للنصرانية وقع عندهم كالإسلام. # وقوله: "إن هذا إلا اختلاق" أي كذب وافتعال. # قوله تعالى: "أأنزل عليه الذكر من بيننا" استفهام إنكاري بداعي التكذيب ~~أي لا مرجح عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يترجح به علينا فينزل عليه ~~الذكر دوننا فهو في إنكار الاختصاص بنزول الذكر نظير قولهم: ما أنت إلا بشر ~~مثلنا في نفي الاختصاص بالرسالة. # قوله تعالى: "بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب" إضراب عن جميع ما ~~قالوه أي إنهم لم يقولوا عن إيمان واعتقاد به بل هم في شك من ذكري وهو ~~القرآن. # وليس شكهم فيه من جهة ms6413 خفاء دلالة آية النبوة وقصورها عن إفادة اليقين بل ~~تعلق قلوبهم بما عندهم من الباطل ولزومهم التقليد يصرفهم عن النظر في دلالة ~~الآية الإلهية المعجزة فشكوا في الذكر والحال أنه آية معجزة. # وقوله: "بل لما يذوقوا عذاب" إضراب عن الإضراب أي ليس إنكارهم وعدم ~~إيمانهم به عن شك منهم فيه بل لأنهم لعتوهم واستكبارهم لا يعترفون بحقيته ~~ولو لم يكن شك، حتى يذوقوا عذابي فيضطروا إلى الاعتراف كما فعل غيرهم. # وفي قوله: "لما يذوقوا عذاب" أي لم يذوقوا بعد عذابي، تهديد بعذاب واقع. PageV17P093 # قوله تعالى: "أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب" الكلام في موقع ~~الإضراب و"أم" منقطعة والكلام ناظر إلى قولهم: "ما أنزل عليه الذكر من ~~بيننا" أي بل أعندهم خزائن رحمة ربك التي ينفق منها على من يشاء حتى يمنعوك ~~منها بل هي له تعالى وهو أعلم حيث يجعل رسالته ويخص برحمته من يشاء. # وتذييل الكلام بقوله: "العزيز الوهاب" لتأييد محصل الجملة أي ليس عندهم ~~شيء من خزائن رحمته لأنه عزيز منيع جانبه لا يداخل في أمره أحد، ولا لهم أن ~~يصرفوا رحمته عن أحد لأنه وهاب كثير الهبات. # قوله تعالى: "أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب" ~~"أم" منقطعة، والأمر في قوله: "ليرتقوا" للتعجيز والارتقاء الصعود، ~~والأسباب المعارج والمناهج التي يتوسل بها إلى الصعود إلى السماوات ويمكن ~~أن يراد بارتقاء الأسباب التسبيب بالعلل والحيل الذي يحصل به لهم المنع ~~والصرف. # والمعنى: بل لهم ملك السماوات والأرض فيكون لهم أن يتصرفوا فيها فيمنعوا ~~نزول الوحي السماوي إلى بشر أرضي فإن كان كذلك فليصعدوا معارج السماوات أو ~~فليتسببوا الأسباب وليمنعوا من نزول الوحي عليك. # قوله تعالى: "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب" الهزيمة الخذلان و"من ~~الأحزاب" بيان لقوله: "جند ما" و"ما" للتقليل والتحقير، والكلام مسوق ~~لتحقير أمرهم رغما لما يشعر به ظاهر كلامهم من التعزز والإعجاب بأنفسهم. # يدل على ذلك تنكير "جند" وتتميمه بلفظة "ما" والإشارة إلى مكانتهم بهنالك ~~الدال على البعيد وعدهم من الأحزاب المتحزبين ms6414 على الرسل الذين قطع الله ~~دابر الماضين منهم كما سيذكر ولذلك عد هذا الجند مهزوما قبل انهزامهم. # والمعنى: هم جند ما أقلاء أذلاء منهزمون هنالك من أولئك الأحزاب ~~المتحزبين على الرسل الذين كذبوهم فحق عليهم عقابي. # قوله تعالى: "كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد - إلى قوله - ~~فحق عقاب" ذو الأوتاد وصف فرعون والأوتاد جمع وتد وهو معروف. # قيل: سمي بذي الأوتاد لأنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها، وقيل: ~~لأنه كان يعذب من غضب عليه من المجرمين بالأوتاد يوتد يديه ورجليه ورأسه ~~على الأرض فيعذبه وقيل: معناه ذو الجنود أوتاد الملك، وقيل: غير ذلك من ~~الوجوه، ولا دليل على شيء منها يعول عليه. # وأصحاب الأيكة قوم شعيب وقد تقدم في سورة الحجر والشعراء، وقوله: "فحق ~~عقاب" أي ثبت في حقهم واستقر فيهم عقابي فأهلكتهم. # قوله تعالى: "وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق" النظر ~~الانتظار والفواق الرجوع والمهلة اليسيرة، والمعنى وما ينتظر هؤلاء ~~المكذبون من أمتك إلا صيحة واحدة تقضي عليهم وتهلكهم ما لها من رجوع أو ~~مهلة وهي عذاب الاستئصال. # قالوا: والمراد من الصيحة صيحة يوم القيامة لأن أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) مؤخر عنهم العذاب إلى قيام الساعة، وقد عرفت في تفسير سورة يونس ~~أن ظاهر آيات الكتاب يعطي خلاف ذلك فراجع. # قوله تعالى: "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب" القط النصيب ~~والحظ، وهذه الكلمة استعجال منهم للعذاب قبل يوم القيامة استهزاء بحديث يوم ~~الحساب والوعيد بالعذاب فيه. PageV17P094 ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أقبل أبو جهل ~~بن هشام ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا. إن ابن أخيك قد ~~آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكف عن آلهتنا ونكف عن إلهه. قال: فبعث أبو ~~طالب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعاه فلما دخل النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لم ير في البيت إلا ms6415 مشركا فقال: السلام على من اتبع ~~الهدى ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاءوا به فقال: أوهل لهم في كلمة خير لهم ~~من هذا يسودون بها العرب ويطئون أعناقهم؟ فقال أبو جهل: نعم وما هذه ~~الكلمة؟ قال: تقولون: لا إله إلا الله. قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم ~~وخرجوا وهم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق فأنزل ~~الله في قولهم (عليهم السلام) والقرآن ذي الذكر إلى قوله إلا اختلاق وفي ~~تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم" قال: لما أظهر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعوة اجتمعت قريش إلى أبي طالب ~~فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شبابنا ~~وفرق جماعتنا فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون ~~أغنى رجل في قريش ونملكه علينا. فأخبر أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بذلك فقال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما ~~أردته ولكن يعطونني كلمة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم ويكونون ~~ملوكا في الجنة فقال لهم أبو طالب ذلك فقالوا: نعم وعشر كلمات فقال لهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله فقالوا: ندع ثلاثمائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا؟. فأنزل الله ~~سبحانه: "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم - وقال الكافرون هذا ساحر كذاب إلى ~~قوله إلا اختلاق" أي تخليط "أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري ~~إلى قوله من الأحزاب" يعني الذين تحزبوا عليه يوم الأحزاب. # أقول: والقصة مروية من طريق أهل السنة أيضا وفي بعض رواياتهم أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لما عرض عليهم كلمة التوحيد قالوا له: سلنا غير هذه ~~قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فغضبوا وقالوا ~~والكلمة كناية عن تمليكهم إياه زمام نظام العالم الأرضي فإن الشمس والقمر ~~من أعظم ms6416 المؤثرات فيه، وقد أخذ على ما يظهر أن للحسن من القدر ليصح ما أريد ~~من التمثيل. # وفي العلل، بإسناده إلى إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر ~~(عليه السلام) كيف صارت الصلاة ركعة وسجدتين؟ وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ~~ركعتين؟ فقال: إذا سألت عن شيء ففرغ قلبك لتفهم. إن أول صلاة صلاها رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك ~~وتعالى قدام عرشه. وذلك أنه لما أسري به وصار عند عرشه قال يا محمد ادن من ~~صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى حيث أمره الله تبارك وتعالى فتوضأ وأسبغ وضوءه. قلت: جعلت فداك ~~وما صاد الذي أمر أن يغتسل منه؟ فقال: عين تنفجر من ركن من أركان العرش ~~يقال لها ماء الحيوان وهو ما قال الله عز وجل: " (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والقرآن ذي الذكر" الحديث. # أقول: وروي هذا المعنى أعني أن (صلى الله عليه وآله وسلم) نهر يخرج من ~~ساق العرش في المعاني، عن سفيان الثوري عن الصادق (عليه السلام)،: وروي ذلك ~~في مجمع البيان، عن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى: قال: وروي ذلك ~~عن الصادق (عليه السلام). # وفي المعاني، بإسناده إلى الأصبغ عن علي (عليه السلام): في قول الله عز ~~وجل: "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب" قال: نصيبهم من العذاب. PageV17P095 ### ||| AUTO 38 سورة ص - 17 - 29 # اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشى والاشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) ~~وشددنا ملكه وءاتينه الحكمة وفصل الخطاب (20) وهل أتاك نبؤا الخصم إذ ~~تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصرط (22) إن ~~هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة وحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب ~~(23) قال ms6417 لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم ~~على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وقليل ما هم وظن داود أنما فتنه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مئاب (25) يداود إنا جعلنك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما ~~نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما بطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتب أنزلنه إليك ~~مبرك ليدبروا ءايته وليتذكر أولوا الألبب (29) ### |||| AUTO بيان # لما حكى سبحانه عن المشركين رميهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ودعوته الحقة باختلاق وأنها ذريعة إلى التقدم والرئاسة وأنه لا مرجح له ~~عليهم حتى يختص بالرسالة والإنذار. # ثم استهزائهم بيوم الحساب وعذابه الذي ينذرون به، أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالصبر وأن لا يزلزله هفواتهم ولا يوهن عزمه وأن يذكر عدة ~~من عباده الأوابين له الراجعين إليه فيما دهمهم من الحوادث. # وهؤلاء تسعة من الأنبياء الكرام ذكرهم الله سبحانه: داود وسليمان وأيوب ~~وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذو الكفل (عليه السلام)، وبدأ ~~بداود (عليه السلام) وذكر بعض قصصه. # قوله تعالى: "اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب" ~~الأيد القوة وكان (عليه السلام) ذا قوة في تسبيحه تعالى يسبح ويسبح معه ~~الجبال والطير وذا قوة في ملكه وذا قوة في علمه وذا قوة وبطش في الحروب وقد ~~قتل جالوت الملك كما قصه الله في سورة البقرة. # والأواب اسم مبالغة من الأوب بمعنى الرجوع والمراد به كثرة رجوعه إلى ربه. # قوله تعالى: "إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق" الظاهر أن ~~"معه" متعلق بقوله: "يسبحن" وجملة "معه يسبحن" بيان لمعنى التسخير وقدم ~~الظرف لتعلق العناية بتبعيتها لداود واقتدائها في التسبيح لكن قوله تعالى ~~في ms6418 موضع آخر: "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير:" الأنبياء: - 79 يؤيد ~~تعلق الظرف بسخرنا، وقد وقع في موضع آخر من كلامه تعالى: "يا جبال أوبي معه ~~والطير:" سبأ: - 10. # والعشي والإشراق الرواح والصباح. # وقوله: "إنا سخرنا" إلخ "إن" فيه للتعليل والآية وما عطف عليها من الآيات ~~بيان لكونه (عليه السلام) ذا أيد في تسبيحه وملكه وعلمه وكونه أوابا إلى ربه. # قوله تعالى: "والطير محشورة كل له أواب" المحشورة من الحشر بمعنى الجمع ~~بإزعاج أي وسخرنا معه الطير مجموعة له تسبح معه. # وقوله: "كل له أواب" استئناف يقرر ما تقدمه من تسبيح الجبال والطير أي كل ~~من الجبال والطير أواب أي كثير الرجوع إلينا بالتسبيح فإن التسبيح من ~~مصاديق الرجوع إليه تعالى. # ويحتمل رجوع ضمير "له" إلى داود على بعد. PageV17P096 # ولم يكن تأييد داود (عليه السلام) في أصل جعله تعالى للجبال والطير تسبيحا ~~فإن كل شيء مسبح لله سبحانه قال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم:" الإسراء: - 44 بل في موافقة تسبيحها لتسبيحه وقرع تسبيحها ~~أسماع الناس وقد تقدم كلام في معنى تسبيح الأشياء لله سبحانه في تفسير قوله ~~تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" الآية وأنه بلسان القال دون لسان الحال. # قوله تعالى: "وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب" قال الراغب: الشد ~~العقد القوي يقال شددت الشيء قويت عقده. # انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية والمراد به تقوية الملك وتحكيم ~~أساسه بالهيبة والجنود والخزائن وحسن التدبير وسائر ما يتقوى به الملك. # والحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم والمراد بها المعارف الحقة المتقنة ~~التي تنفع الإنسان وتكمله، وقيل: المراد النبوة، وقيل الزبور وعلم الشرائع، ~~وقيل غير ذلك وهي وجوه ردية. # وفصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره وتمييز حقه من ~~باطله وينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم. # وقيل: المراد به الكلام القصد ليس بإيجازه مخلا ولا بإطنابه مملا، وقيل: ~~فصل الخطاب قول أما بعد فهو (عليه السلام) أول من قال: أما بعد، ms6419 والآية ~~التالية "وهل أتاك نبؤا الخصم" إلخ تؤيد ما قدمناه. # قوله تعالى: "وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب" الخصم مصدر ~~كالخصومة أريد به القوم الذي استقر فيهم الخصومة، والتسور الارتقاء إلى ~~أعلى السور وهو الحائط الرفيع كالتسنم بمعنى الارتقاء إلى سنام البعير ~~والتذري بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجبل، وقد فسر المحراب بالغرفة والعلية، ~~والاستفهام للتعجيب والتشويق إلى استماع الخبر. # والمعنى هل أتاك يا محمد خبر القوم المتخاصمين إذ علوا سور المحراب محراب ~~داود (عليه السلام). # قوله تعالى: "إذ دخلوا على داود ففزع منهم" إلى آخر الآية لفظة "إذ" هذه ~~ظرف لقوله: "تسوروا" كما أن "إذ" الأولى ظرف لقوله: "نبؤا الخصم" ومحصل ~~المعنى أنهم دخلوا على داود وهو في محرابه لا من الطريق العادي بل بتسوره ~~بالارتقاء إلى سوره والورود عليه منه ولذا فزع منهم لما رآهم دخلوا عليه من ~~غير الطريق العادي وبغير إذن. # وقوله: "ففزع منهم" قال الراغب: الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من ~~الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال: فزعت من الله كما يقال: خفت منه. # انتهى. # وقد تقدم أن الخشية تأثير القلب بحيث يستتبع الاضطراب والقلق وهي رذيلة ~~مذمومة إلا الخشية من الله سبحانه ولذا كان الأنبياء (عليهم السلام) لا ~~يخشون غيره قال تعالى: "ولا يخشون أحدا إلا الله:" الأحزاب: - 39. # وأن الخوف هو التأثير عن المكروه في مقام العمل بتهيئة ما يتحرز به من ~~الشر ويدفع به المكروه لا في مقام الإدراك فليس برذيلة مذمومة لذاته بل هو ~~حسن فيما يحسن الاتقاء قال تعالى خطابا لرسوله: "وإما تخافن من قوم خيانة:" ~~الأنفال: - 58. # وإذا كان الفزع هو الانقباض والنفار الحاصل من الشيء المخوف كان أمرا ~~راجعا إلى مقام العمل دون الإدراك فلم يكن رذيلة بذاته بل كان فضيلة عند ~~تحقق مكروه ينبغي التحرز منه فلا ضير في نسبته إلى داود (عليه السلام) في ~~قوله: "ففزع منهم" وهو من الأنبياء الذين لا يخشون إلا الله. # وقوله: "قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض" لما رأوا ms6420 ما عليه داود ~~(عليه السلام) من الفزع أرادوا تطييب نفسه وإسكان روعه فقالوا: "لا تخف" ~~وهو نهي عن الفزع بالنهي عن سببه الذي هو الخوف "خصمان بغى" إلخ أي نحن ~~خصمان أي فريقان متخاصمان تجاوز بعضنا ظلما على بعض. # وقوله: "فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط" إلخ الشطط الجور أي فاحكم بيننا ~~حكما مصاحبا للحق ولا تجر في حكمك ودلنا على وسط العدل من الطريق. # قوله تعالى: "إن هذا أخي" إلى آخر الآية بيان لخصومتهم وقوله: "إن هذا ~~أخي" كلام لواحد من أحد الفريقين يشير إلى آخر من الفريق الآخر بأن هذا أخ ~~له" إلخ. # وبهذا يظهر فساد ما استدل بعضهم بالآية على أن أقل الجمع اثنان لظهور ~~قوله: "إذ تسوروا" "إذ دخلوا" في كونهم جمعا ودلالة قوله: "خصمان" "هذا ~~أخي" على الاثنينية. PageV17P097 # وذلك لجواز أن يكون في كل واحد من جانبي التثنية أكثر من فرد واحد قال ~~تعالى: "وهذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا" إلخ: الحج: - 19 وجواز ~~أن يكون أصل الخصومة بين فردين ثم يلحق بكل منهما غيره لإعانته في دعواه. # وقوله: "له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب" النعجة الأنثى من الضأن، و"أكفلنيها" أي اجعلها في كفالتي وتحت ~~سلطتي و"عزني في الخطاب" أي غلبني فيه والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه - إلى قوله - وقليل ما ~~هم" جواب داود (عليه السلام)، ولعله قضاء تقديري قبل استماع كلام المتخاصم ~~الآخر فإن من الجائز أن يكون عنده من القول ما يكشف عن كونه محقا فيما ~~يطلبه ويقترحه على صاحبه لكن صاحب النعجة الواحدة ألقى كلامه بوجه هيج ~~الرحمة والعطوفة منه (عليه السلام) فبادر إلى هذا التصديق التقديري فقال: ~~"لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه". # فاللام للقسم، والسؤال - على ما قيل - مضمن معنى الإضافة ولذا عدي إلى ~~المفعول الثاني بإلى، والمعنى أقسم لقد ظلمك بسؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه. # وقوله: "وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ms6421 ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم" من تمام كلام داود (عليه السلام) يقرر به ~~كلامه الأول والخلطاء الشركاء المخالطون. # قوله تعالى: "وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب" أي علم ~~داود أنما فتناه بهذه الواقعة أي أنها إنما كانت فتنة فتناه بها والفتنة ~~الامتحان، وقيل: ظن بمعناه المعروف الذي هو خلاف اليقين وذكر استغفاره ~~وتوبته مطلقين يؤيد ما قدمناه ولو كان الظن بمعناه المعروف كان الاستغفار ~~والتوبة على تقدير كونها فتنة واقعا وإطلاق اللفظة يدفعه، والخر على ما ~~ذكره الراغب سقوط يسمع منه خرير والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك ~~مما يسقط من علو، والركوع - على ما ذكره - مطلق الانحناء. # والإنابة إلى الله - على ما ذكره الراغب - الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص ~~العمل وهي من النوب بمعنى رجوع الشيء مرة بعد أخرى. # والمعنى: وعلم داود أن هذه الواقعة إنما كانت امتحانا امتحناه وأنه أخطأ ~~فاستغفر ربه - مما وقع منه - وخر منحنيا وتاب إليه. # وأكثر المفسرين تبعا للروايات على أن هؤلاء الخصم الداخلين على داود ~~(عليه السلام) كانوا ملائكة أرسلهم الله سبحانه إليه ليمتحنه وستعرف حال ~~الروايات. # لكن خصوصيات القصة كتسورهم المحراب ودخولهم عليه دخولا غير عادي بحيث ~~أفزعوه، وكذا تنبهه بأنه إنما كان فتنة من الله له لا واقعة عادية، وقوله ~~تعالى بعد: "فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى" الظاهر في أن الله ~~ابتلاه بما ابتلى لينبهه ويسدده في خلافته وحكمه بين الناس، كل ذلك يؤيد ~~كونهم من الملائكة وقد تمثلوا له في صورة رجال من الإنس. # وعلى هذا فالواقعة تمثل تمثل فيه الملائكة في صورة متخاصمين لأحدهما نعجة ~~واحدة يسألها آخر له تسع وتسعون نعجة وسألوه القضاء فقال لصاحب النعجة ~~الواحدة: "لقد ظلمك" إلخ وكان قوله (عليه السلام) - لو كان قضاء منجزا - ~~حكما منه في ظرف التمثل كما لو كان رآهم فيما يرى النائم فقال لهم ما قال ~~وحكم فيهم بما حكم ومن المعلوم أن لا تكليف في ظرف التمثل كما لا تكليف في ~~عالم الرؤيا وإنما ms6422 التكليف في عالمنا المشهود وهو عالم المادة ولم تقع ~~الواقعة فيه ولا كان هناك متخاصمان ولا نعجة ولا نعاج إلا في ظرف التمثل ~~فكانت خطيئة داود (عليه السلام) في هذا الظرف من التمثل ولا تكليف هناك ~~كخطيئة آدم (عليه السلام) في الجنة من أكل الشجرة قبل الهبوط إلى الأرض ~~وتشريع الشرائع وجعل التكاليف، واستغفاره وتوبته مما صدر منه كاستغفار آدم ~~وتوبته مما صدر منه وقد صرح الله بخلافته في كلامه كما صرح بخلافة آدم ~~(عليه السلام) في كلامه وقد مر توضيح ذلك في قصة آدم (عليه السلام) من سورة ~~البقرة في الجزء الأول من الكتاب. PageV17P098 # وأما على قول بعض المفسرين من أن المتخاصمين الداخلين عليه كانوا بشرا ~~والقصة على ظاهرها فينبغي أن يؤخذ قوله: "لقد ظلمك" إلخ قضاء تقديريا أي ~~إنك مظلوم لو لم يأت خصيمك بحجة بينة، وإنما ذلك لحفظ على ما قامت عليه ~~الحجة من طريقي العقل والنقل أن الأنبياء معصومون بعصمة من الله لا يجوز ~~عليهم كبيرة ولا صغيرة. # على أن الله سبحانه صرح قبلا بأنه آتاه الحكمة وفصل الخطاب ولا يلائم ذلك ~~خطأه في القضاء. # قوله تعالى: "وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب" الزلفة والزلفى المنزلة ~~والحظوة، والمآب المرجع، وتنكير "زلفى" و"مآب" للتفخيم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض" إلى آخر الآية الظاهر ~~أن الكلام بتقدير القول والتقدير فغفرنا له ذلك وقلنا يا داود "إلخ". # وظاهر الخلافة أنها خلافة الله فتنطبق على ما في قوله تعالى: "وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة:" البقرة: - 30 ومن شأن الخلافة أن ~~يحاكي الخليفة من استخلفه في صفاته وأعماله فعلى خليفة الله في الأرض أن ~~يتخلق بأخلاق الله ويريد ويفعل ما يريده الله ويحكم ويقضي بما يقضي به الله ~~- والله يقضي بالحق - ويسلك سبيل الله ولا يتعداها. # ولذلك فرع على جعل خلافته قوله: "فاحكم بين الناس بالحق" وهذا يؤيد أن ~~المراد بجعل خلافته إخراجها من القوة إلى الفعل في حقه لا مجرد ms6423 الخلافة ~~الشأنية لأن الله أكمله في صفاته وآتاه الملك يحكم بين الناس. # وقول بعضهم: إن المراد بخلافته المجعولة خلافته ممن قبله من الأنبياء ~~وتفريع قوله: "فاحكم بين الناس بالحق" لأن الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل ~~أو أن المترتب هو مطلق الحكم بين الناس الذي هو من آثار الخلافة وتقييده ~~بالحق لأن سداده به، تصرف في اللفظ من غير شاهد. # وقوله: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" العطف والمقابلة بينه وبين ~~ما قبله يعطيان أن المعنى ولا تتبع في قضائك الهوى هوى النفس فيضلك عن الحق ~~الذي هو سبيل الله فتفيد الآية أن سبيل الله هو الحق. # قال بعضهم: إن في أمره (عليه السلام) بالحكم بالحق ونهيه عن اتباع الهوى ~~تنبيها لغيره ممن يلي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق ولا يتبع الباطل وإلا ~~فهو (عليه السلام) من حيث إنه معصوم لا يحكم إلا بالحق ولا يتبع الباطل. # وفيه أن أمر تنبيه غيره بما وجه إليه من التكليف في محله لكن عصمة ~~المعصوم وعدم حكمه إلا بالحق لا يمنع توجه التكليف بالأمر والنهي إليه فإن ~~العصمة لا توجب سلب اختياره وما دام اختياره باقيا جاز بل وجب توجه التكليف ~~إليه كما يتوجه إلى غيره من الناس، ولو لا توجه التكليف إلى المعصوم لم ~~يتحقق بالنسبة إليه واجب ومحرم ولم تتميز طاعة من معصية فلغا معنى العصمة ~~التي هي المصونية عن المعصية. # وقوله: "إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب" ~~تعليل للنهي عن اتباع الهوى بأنه يلازم نسيان يوم الحساب وفي نسيانه عذاب ~~شديد والمراد بنسيانه عدم الاعتناء بأمره. # وفي الآية دلالة على أن كل ضلال عن سبيل الله سبحانه بمعصية من المعاصي ~~لا ينفك عن نسيان يوم الحساب. # قوله تعالى: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا" إلى آخر الآية، ~~لما انتهى الكلام إلى ذكر يوم الحساب عطف عنان البيان عليه فاحتج عليه ~~بحجتين إحداهما ما ساقه في هذه الآية بقوله: "وما خلقنا السماء" ms6424 إلخ وهو ~~احتجاج من طريق الغايات إذ لو لم يكن خلق السماء والأرض وما بينهما - وهي ~~أمور مخلوقة مؤجلة توجد وتفنى - مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان ~~باطلا والباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقق في الأعيان. # على أنه مستحيل من الحكيم ولا ريب في حكمته تعالى. # وربما أطلق الباطل وأريد به اللعب ولو كان المراد ذلك كانت الآية في معنى ~~قوله: "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا ~~بالحق:" الدخان: - 39. # وقيل: الآية عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: ولا تتبع الهوى لأنه ~~يكون سببا لضلالك ولأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل اتباع الهوى وهو الباطل ~~بل خلقه للتوحيد ومتابعة الشرع. # وفيه أن الآية التالية: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~في الأرض" إلخ لا تلائم هذا المعنى. PageV17P099 # وقوله: "ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار" أي خلق العالم ~~باطلا لا غاية له وانتفاء يوم الحساب الذي يظهر فيه ما ينتجه حساب الأمور ~~ظن الذين كفروا بالمعاد فويل لهم من عذاب النار. # قوله تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار" هذه هي الحجة الثانية على المعاد وتقريرها أن ~~للإنسان كسائر الأنواع كمالا بالضرورة وكمال الإنسان هو خروجه في جانبي ~~العلم والعمل من القوة إلى الفعل بأن يعتقد الاعتقادات الحقة ويعمل الأعمال ~~الصالحة اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة وهما الإيمان بالحق والعمل ~~الصالح اللذين بهما يصلح المجتمع الإنساني الذي في الأرض. # فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المتقون هم الكاملون من الإنسان ~~والمفسدون في الأرض بفساد اعتقادهم وعملهم وهم الفجار هم الناقصون الخاسرون ~~في إنسانيتهم حقيقة، ومقتضى هذا الكمال والنقص أن يكون بإزاء الكمال حياة ~~سعيدة وعيش طيب وبإزاء خلافه خلاف ذلك. # ومن المعلوم أن هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة ~~الأسباب والعوامل المادية ونسبتها إلى الكامل والناقص والمؤمن والكافر على ~~السواء فمن أجاد العمل ووافقته الأسباب المادية فاز بطيب العيش ms6425 ومن كان على ~~خلاف ذلك لزمه الشقاء وضنك المعيشة. # فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيوية التي نسبتها إلى ~~الفريقين على السواء ولم تكن هناك حياة تختص بكل منهما وتناسب حاله كان ذلك ~~منافيا للعناية الإلهية بإيصال كل ذي حق حقه وإعطاء المقتضيات ما تقتضيه. # وإن شئت فقل: تسوية 1 بين الفريقين وإلغاء ما يقتضيه صلاح هذا وفساد ذلك ~~خلاف عدله تعالى. # والآية - كما ترى - لا تنفي استواء حال المؤمن والكافر وإنما قررت ~~المقابلة بين من آمن وعمل صالحا وبين من لم يكن كذلك سواء كان غير مؤمن أو ~~مؤمنا غير صالح ولذا أتت بالمقابلة ثانيا بين المتقين والفجار. # قوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا ~~الألباب" أي هذا كتاب من وصفه كذا وكذا، وتوصيفه بالإنزال المشعر بالدفعة ~~دون التنزيل الدال على التدريج لأن ما ذكر من التدبر والتذكر يناسب اعتباره ~~مجموعا لا نجوما مفرقة. # والمقابلة بين "ليدبروا" و"ليتذكر أولوا الألباب" تفيد أن المراد بضمير ~~الجمع الناس عامة. # والمعنى: هذا كتاب أنزلناه إليك كثير الخيرات والبركات للعامة والخاصة ~~ليتدبره الناس فيهتدوا به أو تتم لهم الحجة وليتذكر به أولو الألباب ~~فيهتدوا إلى الحق باستحضار حجته وتلقيها من بيانه. ### |||| AUTO بحث روائي # روي في الدر المنثور، بطريق عن أنس وعن مجاهد والسدي وبعدة طرق عن ابن ~~عباس قصة دخول الخصم على داود (عليه السلام) على اختلاف ما في الروايات ~~وروى مثلها القمي في تفسيره، ورواها في العرائس، وغيره وقد لخصها في مجمع ~~البيان، كما يأتي: أن داود كان كثير الصلاة فقال: يا رب فضلت علي إبراهيم ~~فاتخذته خليلا وفضلت علي موسى فكلمته تكليما فقال: يا داود إنا ابتليناهم ~~بما لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك فقال: نعم يا رب فابتلني. فبينا هو في ~~محرابه ذات يوم إذ وقعت حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ~~ليأخذها فاطلع من الكوة فإذا امرأة أوريا بن حيان تغتسل فهواها وهم ~~بتزويجها فبعث بأوريا إلى بعض سراياه وأمر بتقديمه ms6426 أمام التابوت الذي فيه ~~السكينة ففعل ذلك وقتل. فلما انقضت عدتها تزوجها وبنى بها فولد له منها ~~سليمان فبينا هو ذات يوم في محرابه إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما فقالا لا ~~تخف خصمان بغى بعضنا على بعض إلى قوله وقليل ما هم، فنظر أحد الرجلين إلى ~~صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين ~~ليبكتاه على خطيئته فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه. # ثم قال في المجمع، - ونعم ما قال -: إنه مما لا شبهة في فساده فإن ذلك ~~مما يقدح في العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على ~~وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته وعلى حالة تنفر عن ~~الاستماع إليه والقبول منه. # أقول: والقصة مأخوذة من التوراة غير أن التي فيها أشنع وأفظع فعدلت بعض ~~التعديل على ما سيلوح لك. PageV17P100 # ففي التوراة ما ملخصه: وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على ~~سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر ~~جدا. فأرسل داود وسأل عن المرأة فقيل: إنها بتشبع امرأة أوريا الحتي فأرسل ~~داود رسلا وأخذها فدخلت عليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى ~~بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود أنها حبلى. وكان أوريا في جيش لداود ~~يحاربون بني عمون فكتب داود إلى يوآب أمير جيشه يأمره بإرسال أوريا إليه ~~ولما أتاه وأقام عنده أياما كتب مكتوبا إلى يوآب 1 وأرسله بيد أوريا، وكتب ~~في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه ~~فيضرب ويموت ففعل به ذلك فقتل وأخبر داود بذلك. فلما سمعت امرأة أوريا أنه ~~قد مات ندبت بعلها ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له ~~امرأة وولدت له ابنا وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب. فأرسل ~~الرب ناثان النبي إلى داود فجاء إليه وقال له كان رجلان في مدينة واحدة ms6427 ~~واحد منهما غني والآخر فقير، وكان للغني غنم وبقر كثيرة جدا وأما الفقير ~~فلم يكن له شيء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها ورباها فجاء ضيف إلى الرجل ~~الغني فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيىء للضيف الذي جاء إليه فأخذ نعجة ~~الرجل الفقير وهيأ لضيفه، فحمي غضب داود على الرجل جدا وقال لناثان: حي هو ~~الرب إنه يقتل الرجل الفاعل ذلك وترد النعجة أربعة أضعاف لأنه فعل هذا ~~الأمر ولأنه لم يشفق. فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل يعاتبك الرب ويقول: ~~سأقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع معهن ~~قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس جزاء لما فعلت بأوريا وامرأته. فقال داود ~~لناثان: قد أخطأت إلى الرب فقال ناثان لداود: الرب أيضا قد نقل عنك خطيئتك. ~~لا تموت غير أنه من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الرب يشمتون فالابن ~~المولود لك من المرأة يموت، فأمرض الله الصبي سبعة أيام ثم قبضه ثم ولدت ~~مرأة أوريا بعده لداود ابنه سليمان. # وفي العيون، في باب مجلس الرضا عند المأمون مع أصحاب الملل والمقالات: ~~قال الرضا (عليه السلام) لابن جهم: وأما داود فما يقول من قبلكم فيه؟ قال: ~~يقولون: إن داود كان يصلي في محرابه إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما ~~يكون من الطيور فقطع داود صلاته وقام يأخذ الطير إلى الدار فخرج في أثره ~~فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حيان. فاطلع ~~داود في أثر الطير فإذا بامرأة أوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وكان قد ~~أخرج أوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام التابوت فقدم ~~فظفر أوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام ~~التابوت فقدم فقتل أوريا وتزوج داود بامرأته. قال: فضرب الرضا (عليه ~~السلام) يده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد نسبتم نبيا من ~~أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى ms6428 خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم ~~بالقتل. فقال: يا ابن رسول الله ما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك إن داود (عليه ~~السلام) إنما ظن أنه ما خلق الله خلقا هو أعلم منه فبعث الله عز وجل إليه ~~الملكين فتسورا المحراب فقالا: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ~~ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب فعجل داود على المدعى عليه فقال لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على ~~المدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم لا ما ذهبتم إليه ~~ألا تسمع الله عز وجل يقول: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض - فاحكم ~~بين الناس بالحق" إلى آخر الآية. فقال: يا ابن رسول الله ما قصته مع أوريا؟ ~~قال الرضا (عليه السلام): إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو ~~قتل لا تتزوج بعده أبدا فأول من أباح الله عز وجل له أن يتزوج بامرأة قتل ~~بعلها داود (عليه السلام) فتزوج بامرأة أوريا لما قتل وانقضت عدتها فذلك ~~الذي شق على الناس من قتل أوريا. PageV17P101 # وفي أمالي الصدوق، بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال ~~لعلقمة: إن رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط ألم ينسبوا داود (عليه ~~السلام) إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أوريا فهواها، وأنه قدم زوجها ~~أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها الحديث. # كلام في قصص داود في فصول # 1 - قصته في القرآن: # لم يقع من قصته في القرآن إلا إشارات فقد ذكر سبحانه أنه كان في جيش ~~طالوت الملك حين حارب جالوت فقتل داود فأتاه الله الملك بعد طالوت والحكمة ~~وعلمه مما يشاء "البقرة: 251" وجعله خليفة له يحكم بين الناس وآتاه فصل ~~الخطاب " (صلى الله عليه وآله وسلم): 20 و26" وقد أيد الله ملكه وسخر معه ~~الجبال والطير يسبحن معه "الأنبياء: ms6429 79، (عليهم السلام) 19" وألان له ~~الحديد يعمل وينسج منه الدروع "الأنبياء: 80 سبأ: 11". # 2 - جميل الثناء عليه في القرآن. # عده سبحانه من الأنبياء وأثنى عليه بما أثنى عليهم وخصه بقوله: "وآتينا ~~داود زبورا:" "النساء: - 163 الأنعام: 84 - 87" وآتاه فضلا وعلما "سبأ: 10 ~~النمل: 15" وآتاه الحكمة وفصل الخطاب وجعله خليفة في الأرض "ص: 20 و26" ~~ووصفه بأنه أواب وإن له عنده لزلفى وحسن مآب "ص: 19 و25". # 3 - # التدبر في آيات الكتاب المتعرضة لقصة دخول المتخاصمين على داود (عليه ~~السلام) لا يعطي أزيد من كونه امتحانا منه تعالى له (عليه السلام) في ظرف ~~التمثل ليربيه تربية إلهية ويعلمه رسم القضاء العدل فلا يجور في الحكم ولا ~~يعدل عن العدل. # وأما ما تضمنته غالب الروايات من قصة أوريا وامرأته فهو مما يجل عنه ~~الأنبياء ويتنزه عنه ساحتهم وقد تقدم في بيان الآيات والبحث الروائي محصل ~~الكلام في ذلك. PageV17P102 ### ||| AUTO 38 سورة ص - 30 - 40 # ووهبنا لداود سليمن نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشى الصفنت ~~الجياد (31) فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب (32) ~~ردوها على فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمن وألقينا على ~~كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى ~~إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب (36) ~~والشيطين كل بناء وغواص (37) وءاخرين مقرنين فى الأصفاد (38) هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب (40) ### |||| AUTO بيان # القصة الثانية من قصص العباد الأوابين التي أمر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يصبر ويذكرها. # قوله تعالى:: "ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب" أي وهبناه له ~~ولدا والباقي ظاهر مما تقدم. # قوله تعالى: "إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد" العشي مقابل الغداة ~~وهو آخر النهار بعد الزوال، والصافنات على ما في المجمع، جمع الصافنة من ~~الخيل وهي التي تقوم على ثلاث قوائم وترفع إحدى يديها حتى تكون على طرف ~~الحافر. # قال: ms6430 والجياد جمع جواد والياء هاهنا منقلبة عن واو والأصل جواد وهي ~~السراع من الخيل كأنها تجود بالركض. # انتهى. # قوله تعالى: "فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب" ~~الضمير لسليمان، والمراد بالخير: الخيل - على ما قيل - فإن العرب تسمي ~~الخيل خيرا وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): الخير معقود بنواصي الخيل ~~إلى يوم القيامة. # وقيل: المراد بالخير المال الكثير وقد استعمل بهذا المعنى في مواضع من ~~كلامه تعالى كقوله: "إن ترك خيرا:" البقرة: - 180. # وقوله: "إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي" قالوا: إن "أحببت" مضمن معنى ~~الإيثار و"عن" بمعنى على، والمراد إني آثرت حب الخيل على ذكر ربي وهو ~~الصلاة محبا إياه أو أحببت الخيل حبا مؤثرا إياه على ذكر ربي - فاشتغلت بما ~~عرض علي من الخيل عن الصلاة حتى غربت الشمس. # وقوله: "حتى توارت بالحجاب" الضمير على ما قالوا للشمس والمراد بتواريها ~~بالحجاب غروبها واستتارها تحت حجاب الأفق، ويؤيد هذا المعنى ذكر العشي في ~~الآية السابقة إذ لو لا ذلك لم يكن غرض ظاهر يترتب على ذكر العشي. # فمحصل معنى الآية أني شغلني حب الخيل - حين عرض الخيل علي - عن الصلاة ~~حتى فات وقتها بغروب الشمس، وإنما كان يحب الخيل في الله ليتهيأ به للجهاد ~~في سبيل الله فكان الحضور للعرض عبادة منه فشغلته عبادة عن عبادة غير أنه ~~يعد الصلاة أهم. # وقيل: ضمير "توارت" للخيل وذلك أنه أمر بإجراء الخيل فشغله النظر في ~~جريها حتى غابت عن نظره وتوارت بحجاب البعد، وقد تقدم أن ذكر العشي يؤيد ~~المعنى السابق ولا دليل على ما ذكره من حديث الأمر بالجري من لفظ الآية. # قوله تعالى: "ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق" قيل: الضمير في ~~"ردوها" للشمس وهو أمر منه للملائكة برد الشمس ليصلي صلاته في وقتها، ~~وقوله: "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" أي شرع يمسح ساقيه وعنقه ويأمر أصحابه ~~أن يمسحوا سوقهم وأعناقهم وكان ذلك وضوءهم ثم صلى وصلوا، وقد ورد ذلك في ~~بعض الروايات عن أئمة ms6431 أهل البيت (عليهم السلام). # وقيل: الضمير للخيل والمعنى قال: ردوا الخيل فلما ردت. # شرع يمسح مسحا بسوقها وأعناقها ويجعلها مسبلة في سبيل الله جزاء ما اشتغل ~~بها عن الصلاة. # وقيل: الضمير للخيل والمراد بمسح أعناق الخيل وسوقها ضربها بالسيف وقطعها ~~والمسح القطع فهو (عليه السلام) غضب عليها في الله لما شغلته عن ذكر الله ~~فأمر بردها ثم ضرب بالسيف أعناقها وسوقها فقتلها جميعا. # وفيه أن مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة الأنبياء (عليهم السلام) عن مثله ~~فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن الصلاة حتى تؤاخذ بأشد المؤاخذة ~~فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها مع ما فيه من إتلاف المال المحترم. PageV17P103 # وأما استدلال بعضهم عليه برواية أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): في قوله تعالى: فطفق مسحا بالسوق والأعناق قطع سوقها وأعناقها ~~بالسيف ثم أضاف إليها وقد جعلها بذلك قربانا لله وكان تقريب الخيل مشروعا ~~في دينه فليس من التقريب ذكر في الحديث ولا في غيره. # على أنه (عليه السلام) لم يشتغل عن العبادة بالهوى بل شغلته عبادة عن ~~عبادة كما تقدمت الإشارة إليه. # فالمعول عليه هو أول الوجوه إن ساعده لفظ الآية وإلا فالوجه الثاني. # قوله تعالى: "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب" الجسد هو ~~الجسم الذي لا روح فيه. # قيل: المراد بالجسد الملقى على كرسيه هو سليمان نفسه لمرض امتحنه الله به ~~وتقدير الكلام ألقيناه على كرسيه جسدا أي كجسد لا روح فيه من شدة المرض. # وفيه أن حذف الضمير من "ألقيناه" وإخراج الكلام على صورته التي في الآية ~~الظاهرة في أن الملقى هو الجسد مخل بالمعنى المقصود لا يجوز حمل أفصح ~~الكلام عليه. # ولسائر المفسرين أقوال مختلفة في المراد من الآية تبعا للروايات المختلفة ~~الواردة فيها والذي يمكن أن يؤخذ من بينها إجمالا أنه كان جسد صبي له أماته ~~الله وألقى جسده على كرسيه، ولقوله: "ثم أناب قال رب اغفر لي" إشعار أو ~~دلالة على أنه كان له (عليه ms6432 السلام) فيه رجاء أو أمنية في الله فأماته الله ~~سبحانه وألقاه على كرسيه فنبهه أن يفوض الأمر إلى الله ويسلم له. # قوله: "قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب" ظاهر السياق أن الاستغفار مرتبط بما في الآية السابقة من إلقاء ~~الجسد على كرسيه، والفصل لكون الكلام في محل دفع الدخل كأنه لما قيل: "ثم ~~أناب" قيل: فما ذا قال؟ فقيل: قال رب اغفر لي" إلخ. # وربما استشكل في قوله: "وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" أن فيه ضنا ~~وبخلا، فإن فيه اشتراط أن لا يؤتى مثل ما أوتيه من الملك لأحد من العالمين غيره. # ويدفعه أن فيه سؤال ملك يختص به لا سؤال أن يمنع غيره عن مثل ما آتاه ~~ويحرمه ففرق بين أن يسأل ملكا اختصاصيا وأن يسأل الاختصاص بملك أوتيه. # قوله تعالى: "فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب متفرع على سؤاله ~~الملك وإخباره عن إجابة دعوته وبيان الملك الذي لا ينبغي لأحد غيره وهو ~~تسخير الريح والجن. # والرخاء بالضم اللينة والظاهر أن المراد بكون الريح تجري بأمره رخاء ~~مطاوعتها لأمره وسهولة جريانها على ما يريده (عليه السلام) فلا يرد أن ~~توصيف الريح هاهنا بالرخاء يناقض توصيفه في قوله: "ولسليمان الريح عاصفة ~~تجري بأمره:" الأنبياء: - 81 بكونها عاصفة. # وربما أجيب عنه بأن من الجائز أن يجعلها الله رخوة تارة وعاصفة أخرى حسب ~~ما أراد سليمان (عليه السلام). # وقوله: "حيث أصاب" أي حيث شاء سليمان (عليه السلام) وقصد وهو متعلق بتجري. # قوله تعالى: "والشياطين كل بناء وغواص" أي وسخرنا له الشياطين من الجن كل ~~بناء منهم يبني له في البر وكل غواص يعمل له في البحر فيستخرج اللئالىء ~~وغيرها. # قوله تعالى: "وآخرين مقرنين في الأصفاد" الأصفاد جمع صفد وهو الغل من ~~الحديد، والمعنى سخرنا له آخرين منهم مجموعين في الأغلال مشدودين بالسلاسل. # قوله تعالى: "هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب" أي هذا الذي ذكر من ~~الملك عطاؤنا ms6433 لك بغير حساب والظاهر أن المراد بكونه بغير حساب أنه لا ينفد ~~بالعطاء والمن ولذا قيل: "فامنن أو أمسك" أي أنهما يستويان في عدم التأثير فيه. # وقيل: المراد بغير حساب أنك لا تحاسب عليه يوم القيامة، وقيل: المراد أن ~~إعطاءه تفضل لا مجازاة وقيل غير ذلك. # قوله تعالى: "وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب" تقدم معناه. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي" الآية ~~قيل: إن هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر حتى فات وقتها: عن علي (عليه ~~السلام) وفي رواية أصحابنا: أنه فاته أول الوقت. PageV17P104 # وفيه، قال ابن عباس: سألت عليا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها يا ابن ~~عباس؟ قلت: سمعت كعبا يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة ~~فقال: ردوها علي يعني الأفراس وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها ~~بالسيف فقتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل بقتلها. فقال ~~علي: كذب كعب لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنه أراد جهاد العدو ~~حتى توارت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها ~~علي فردت فصلى العصر في وقتها وإن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم ~~لأنهم معصومون مطهرون. # أقول: وقول كعب الأحبار: فسلبه الله ملكه إشارة إلى حديث الخاتم الذي ~~سنشير إليه. # وفي الفقيه، روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن سليمان بن داود عرض ~~عليه ذات يوم بالعشي الخيل فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب ~~فقال للملائكة: ردوا الشمس علي حتى أصلي صلاتي في وقتها فردوها فقام ومسح ~~ساقيه وعنقه بمثل ذلك وكان ذلك وضوءهم للصلاة ثم قام فصلى فلما فرغ غابت ~~الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عز وجل: "ووهبنا لداود سليمان إلى قوله ~~مسحا بالسوق والأعناق". # أقول: والرواية لا بأس بها لو ساعد لفظ الآية أعني قوله: "فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق" على ما فيها من المعنى، وأما مسألة رد الشمس فلا إشكال ~~فيه ms6434 بعد ثبوت إعجاز الأنبياء، وقد ورد ردها لغيره (عليه السلام) كيوشع بن ~~نون وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في النقل المعتبر ولا يعبأ بما أورده ~~الرازي في تفسيره الكبير،. # وأما عقره (عليه السلام) الخيل وضربه أعناقها بالسيف فقد روي في ذلك عدة ~~روايات من طرق أهل السنة وأورده القمي في تفسيره، وكأنها تنتهي إلى كعب كما ~~مر في رواية ابن عباس المتقدمة وكيف كان فلا يعبأ بها كما تقدم. # وقد بلغ من إغراقهم في القصة أن رووا أن الخيل كانت عشرين ألف فرس ذات ~~أجنة ومثله ما روي في قوله: حتى توارت بالحجاب عن كعب أنه حجاب من ياقوتة ~~خضراء محيط بالخلائق منه اخضرت السماء. # ومثل هذه الروايات أعاجيب من القصص رووها في قوله تعالى: "وألقينا على ~~كرسيه جسدا" الآية كما روي: أنه ولد له ولد فأمر بإرضاعه وحفظه في السحاب ~~إشفاقا عليه من مردة الجن وفي بعضها خوفا عليه من ملك الموت فوقع يوما جسده ~~على كرسيه ميتا. # وما روي: أنه قال يوما: لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي تلد لي كل ~~واحدة منهن لي فارسا يجاهد في سبيل الله ولم يستثن فلم تحمل منهن إلا واحدة ~~بشق من ولد وكان يحبه فخبأه له بعض الجن من ملك الموت فأخذه من مخبئه وقبضه ~~على كرسي سليمان. # وما روي في روايات كثيرة تنتهي عدة منها إلى ابن عباس وهو يصرح في بعضها ~~أنه أخذه عن كعب: أن ملك سليمان كان في خاتمه فتخطفه شيطان منه فزال ملكه ~~وتسلط الشيطان على ملكه أياما ثم أعاد الله الخاتم إليه فعاد إلى ما كان ~~عليه من الملك، وقد أوردوا في القصة أمورا ينبغي أن تنزه ساحة الأنبياء ~~(عليهم السلام) عن ذكرها فضلا عن نسبتها إليهم. # قالوا: وجلوس الشيطان على كرسي سليمان هو المراد بقوله تعالى: "وألقينا ~~على كرسيه جسدا" الآية. # فهذه 1 كلها مما لا يعبأ بها على ما تقدمت الإشارة إليه وإنما هي مما ~~لعبت بها أيدي الوضع. PageV17P105 ### ||| AUTO 38 سورة ms6435 ص - 41 - 48 # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطن بنصب وعذاب (41) اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ~~وذكرى لأولى الألبب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدنه صابرا ~~نعم العبد إنه أواب (44) واذكر عبدنا إبرهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدى ~~والأبصر (45) إنا أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار (47) واذكر إسمعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) ### |||| AUTO بيان # القصة الثالثة مما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصبر ويذكرها ~~وهي قصة أيوب النبي (عليه السلام) وما ابتلي به من المحنة ثم أكرمه الله ~~بالعافية والعطية. # ثم الأمر بذكر إبراهيم وخمسة من ذريته من الأنبياء (عليهم السلام). # قوله تعالى: "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" ~~دعاء منه (عليه السلام) وسؤال للعافية وأن يكشف عنه ربه ما أصابه من سوء ~~الحال، ولم يصرح بما يريده ويسأله تواضعا وتذللا غير أن نداءه تعالى بلفظ ~~ربي يشعر بأنه يناديه لحاجة. # والنصب التعب، وقوله: "إذ نادى" إلخ بدل اشتمال من "عبدنا" أو "أيوب" ~~وقوله: "أني مسني" إلخ حكاية ندائه. # والظاهر من الآيات التالية أن مراده من النصب والعذاب ما أصابه من سوء ~~الحال في بدنه وأهله وهو الذي ذكره عنه (عليه السلام) في سورة الأنبياء من ~~ندائه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين بناء على شمول الضر مصيبته في نفسه ~~وأهله ولم يشر في هذه السورة ولا في سورة الأنبياء إلى ذهاب ماله وإن وقع ~~ذكر المال في الروايات. # والظاهر أن المراد من مس الشيطان له بالنصب والعذاب استناد نصبه وعذابه ~~من الشيطان بنحو من السببية والتأثير وهو الذي يظهر من الروايات، ولا ينافي ~~استناد المرض ونحوه إلى الشيطان استناده أيضا إلى بعض الأسباب العادية ~~الطبيعية لأن السببين ليسا عرضيين متدافعين بل أحدهما في طول الآخر وقد ~~أوضحنا ذلك في تفسير قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء:" ms6436 الأعراف: - 96 في الجزء الثامن من الكتاب. # ولا دليل يدل على امتناع وقوع هذا النوع من التأثير للشيطان في الإنسان ~~وقد قال تعالى: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان:" المائدة: - 90 فنسبها أنفسها إليه، وقال حاكيا عن موسى (عليه ~~السلام): "هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين:" القصص: - 15 يشير إلى ~~الاقتتال. # ولو أغمض عن الروايات أمكن أن يحتمل أن يكون المراد بانتساب ذلك إلى ~~الشيطان إغراؤه الناس بوسوسته أن يتجنبوا من الاقتراب منه وابتعادهم وطعنهم ~~فيه أن لو كان نبيا لم تحط به البلية من كل جانب ولم يصر إلى ما صار إليه ~~من العاقبة السوأى وشماتتهم واستهزائهم به. # وقد أنكر في الكشاف، ما تقدم من الوجه قائلا: لا يجوز أن يسلط الله ~~الشيطان على أنبيائه (عليهم السلام) ليقضي من تعذيبهم وإتعابهم وطره ولو ~~قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا ~~سلطان له إلا الوسوسة فحسب. # انتهى. # وفيه أن الذي يخص الأنبياء وأهل العصمة أنهم لمكان عصمتهم في أمن من ~~تأثير الشيطان في نفوسهم بالوسوسة، وأما تأثيره في أبدانهم وسائر ما ينسب ~~إليهم بإيذاء أو إتعاب أو نحو ذلك من غير إضلال فلا دليل يدل على امتناعه، ~~وقد حكى الله سبحانه عن فتى موسى وهو يوشع النبي (عليه السلام): "فإني نسيت ~~الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره:" الكهف: - 63. # ولا يلزم من تسلطه على نبي بالإيذاء والإتعاب لمصلحة تقتضيه كظهور صبره ~~في الله سبحانه وأوبته إليه أن يقدر على ما يشاء فيمن يشاء من عباد الله ~~تعالى إلا أن يشاء الله ذلك وهو ظاهر. PageV17P106 # قوله تعالى: "اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" وقوع الآية عقيب ندائه ~~ومسألته يعطي أنه إيذان باستجابة دعائه وأن قوله تعالى: "اركض برجلك" إلخ ~~حكاية لما أوحي إليه عند الكشف عن الاستجابة أو هو بإضمار القول والتقدير ~~فاستجبنا له وقلنا: اركض "إلخ" وسياق الأمر مشعر بل كاشف عن أنه كان لا ~~يقدر ms6437 على القيام والمشي بقدميه وكان مصابا في سائر بدنه فأبرأ الله ما في ~~رجليه من ضر وأظهر له عينا هناك وأمره أن يغتسل منها ويشرب حتى يبرأ ظاهر ~~بدنه وباطنه ويتأيد بذلك ما سيأتي من الرواية. # وفي الكلام إيجاز بالحذف والتقدير فركض برجله واغتسل وشرب فبرأه الله من مرضه. # قوله تعالى: "ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب" ~~ورد في الرواية أنه ابتلي فيما ابتلي بموت جميع أهله إلا امرأته وأن الله ~~أحياهم له ووهبهم له ومثلهم معهم، وقيل: إنهم كانوا قد تفرقوا عنه أيام ~~ابتلائه فجمعهم الله إليه بعد برئه وتناسلوا فكانوا مثلي ما كانوا عددا. # وقوله: "رحمة منا وذكرى لأولي الألباب" مفعول له أي فعلنا به ما فعلنا ~~ليكون رحمة منا وذكرى لأولي الألباب يتذكرون به. # قوله تعالى: "وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد إنه أواب" في المجمع،: الضغث ملء الكف من الشجرة والحشيش والشماريخ ~~ونحو ذلك انتهى، وكان (عليه السلام) قد حلف لئن عوفي أن يجلد امرأته مائة ~~جلدة لأمر أنكره عليها على ما سيأتي من الرواية فلما عافاه الله تعالى أمره ~~أن يأخذ بيده ضغثا بعدد ما حلف عليه من الجلدات فيضربها به ولا يحنث. # وفي سياق الآية تلويح إلى ذلك وإنما طوي ذكر المرأة وسبب الحلف تأدبا ~~ورعاية لجانبه. # وقوله: "إنا وجدناه صابرا" أي فيما ابتليناه به من المرض وذهاب الأهل ~~والمال، والجملة تعليل لقوله: "واذكر" أو لقوله: "عبدنا" أي لتسميته عبدا ~~وإضافته إليه تعالى، والأول أولى. # وقوله: "نعم العبد إنه أواب" مدح له (عليه السلام). # قوله تعالى: "واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار" ~~مدحهم بتوصيفهم بأن لهم الأيدي والأبصار ويد الإنسان وبصره إنما يمدحان إذا ~~كانا يد إنسان وبصر إنسان واستعملا فيما خلقا له وخدما الإنسان في إنسانيته ~~فتكتسب اليد صالح العمل ويجري منها الخير على الخلق ويميز البصر طرق ~~العافية والسلامة من موارد الهلكة ويصيب الحق ولا يلتبس عليه الباطل. # فيكون كونهم ms6438 أولي الأيد والأبصار كناية عن قوتهم في الطاعة وإيصال الخير ~~وتبصرهم في إصابة الحق في الاعتقاد والعمل وقد جمع المعنيين في قوله تعالى: ~~"ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا ~~عابدين:" الأنبياء: - 73 فجعلهم أئمة والأمر والوحي لأبصارهم وفعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأيديهم 1 وإليه يئول ما في الرواية من تفسير ~~ذلك بأولي القوة في العبادة والبصر فيها. # قوله تعالى: "إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار" الخالصة وصف قائم مقام ~~موصوفه، والباء للسببية والتقدير بسبب خصلة خالصة، وذكرى الدار بيان للخصلة ~~والدار هي الدار الآخرة. # والآية أعني قوله: "إنا أخلصناهم" إلخ لتعليل ما في الآية السابقة من ~~قوله: "أولي الأيدي والأبصار" أو لقوله: "عبادنا" أو لقوله: "واذكر" وأوجه ~~الوجوه أولها، وذلك لأن استغراق الإنسان في ذكرى الدار الآخرة وجوار رب ~~العالمين وركوز همه فيها يلازم كمال معرفته في جنب الله تعالى وإصابة نظره ~~في حق الاعتقاد والتبصر في سلوك سبيل العبودية والتخلص عن الجمود على ظاهر ~~الحياة الدنيا وزينتها كما هو شأن أبنائها قال تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ~~ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم:" النجم: - 30. # ومعنى الآية وإنما كانوا أولي الأيدي والأبصار لأنا أخلصناهم بخصلة خالصة ~~غير مشوبة عظيمة الشأن هي ذكرى الدار الآخرة. # وقيل: المراد بالدار هي الدنيا والمراد بالآية بقاء ذكرهم الجميل في ~~الألسن ما دامت الدنيا كما قال تعالى: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب - إلى أن ~~قال - وجعلنا لهم لسان صدق عليا:" مريم: - 50 والوجه السابق أوجه. PageV17P107 # قوله تعالى: "وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار" تقدم أن الاصطفاء يلازم ~~الإسلام التام لله سبحانه، وفي الآية إشارة إلى قوله تعالى: "إن الله اصطفى ~~آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين:" آل عمران: - 33. # والأخيار جمع خير مقابل الشر على ما قيل، وقيل: جمع خير بالتشديد أو ~~التخفيف كأموات جمع ميت بالتشديد أو بالتخفيف. # قوله تعالى: "واذكر إسماعيل واليسع وذا ms6439 الكفل وكل من الأخيار" معناه ظاهر. # كلام في قصة أيوب (عليه السلام) # في فصول # 1 - قصته في القرآن: # لم يذكر من قصته في القرآن إلا ابتلاؤه بالضر في نفسه وأولاده ثم تفريجه ~~تعالى بمعافاته وإيتائه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى للعابدين ~~"الأنبياء: 83 - 84. # (عليهم السلام): 41 - 44". # 2 - جميل ثنائه: # ذكره تعالى في زمرة الأنبياء من ذرية إبراهيم (عليه السلام) في سورة ~~الأنعام وأثنى عليهم بكل ثناء جميل "الأنعام: 84 - 90" وذكره في سورة ص ~~فعده صابرا ونعم العبد وأوابا "ص: 44". # قصته في الروايات: PageV17P108 # في تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن فضال عن عبد الله بن بحر عن ابن مسكان عن ~~أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن بلية أيوب التي ~~ابتلي بها في الدنيا لأي علة كانت؟ قال: لنعمة أنعم الله عز وجل عليه بها ~~في الدنيا وأدى شكرها وكان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس دون العرش فلما صعد ~~ورأى شكر نعمة أيوب حسده إبليس. فقال: يا رب إن أيوب لم يؤد إليك شكر هذه ~~النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا ولو حرمته دنياه ما أدى إليك شكر نعمة ~~أبدا فسلطني على دنياه حتى تعلم أنه لم يؤد إليه شكر نعمة أبدا فقيل له: قد ~~سلطتك على ماله وولده. قال: فانحدر إبليس فلم يبق له مالا ولا ولدا إلا ~~أعطبه فازداد أيوب لله شكرا وحمدا، وقال: فسلطني على زرعه يا رب. قال: قد ~~فعلت فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق فازداد أيوب لله شكرا وحمدا فقال: يا ~~رب سلطني على غنمه فأهلكها فازداد أيوب لله شكرا وحمدا. فقال: يا رب سلطني ~~على بدنه فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه فنفخ فيه إبليس فصار قرحة ~~واحدة من قرنه إلى قدمه فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد الله ويشكره حتى وقع ~~في بدنه الدود فكانت تخرج من بدنه فيردها فيقول لها: ارجعي إلى موضعك الذي ~~خلقك الله منه، ونتن حتى أخرجه أهل القرية من القرية وألقوه ms6440 في المزبلة ~~خارج القرية. وكانت امرأته رحمة بنت أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم (عليهما السلام) وعليها يتصدق من الناس وتأتيه بما تجده. قال: فلما ~~طال عليه البلاء ورأى إبليس صبره أتى أصحابا لأيوب كانوا رهبانا في الجبال ~~وقال لهم: مروا بنا إلى هذا العبد المبتلى فنسأله عن بليته فركبوا بغالا ~~شهبا وجاءوا فلما دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه فنظر بعضهم إلى بعض ثم ~~مشوا إليه وكان فيهم شاب حدث السن فقعدوا إليه فقالوا: يا أيوب لو أخبرتنا ~~بذنبك لعل الله يهلكنا إذا سألناه، وما نرى ابتلاءك بهذا البلاء الذي لم ~~يبتل به أحد إلا من أمر كنت تستره. فقال أيوب: وعزة ربي إنه ليعلم أني ما ~~أكلت طعاما إلا ويتيم أو ضعيف يأكل معي، وما عرض لي أمران كلاهما طاعة الله ~~إلا أخذت بأشدهما على بدني. فقال الشاب: سوأة لكم عيرتم نبي الله حتى أظهر ~~من عبادة ربه ما كان يسترها. فقال أيوب: يا رب لو جلست مجلس الحكم منك ~~لأدليت بحجتي فبعث الله إليه غمامة فقال: يا أيوب أدل بحجتك فقد أقعدتك ~~مقعد الحكم وها أنا ذا قريب ولم أزل. فقال: يا رب إنك لتعلم أنه لم يعرض لي ~~أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي. ألم أحمدك؟ ألم أشكرك؟ ~~ألم أسبحك؟. قال: فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان: يا أيوب من صيرك تعبد ~~الله والناس عنه غافلون؟ وتحمده وتسبحه وتكبره والناس عنه غافلون؟ أتمن على ~~الله بما لله فيه المنة عليك؟ قال: فأخذ التراب ووضعه في فيه ثم قال: لك ~~العتبى يا رب أنت فعلت ذلك بي. فأنزل الله عليه ملكا فركض برجله فخرج الماء ~~فغسله بذلك الماء فعاد أحسن ما كان وأطرأ، وأنبت الله عليه روضة خضراء، ورد ~~عليه أهله وماله وولده وزرعه وقعد معه الملك يحدثه ويؤنسه. فأقبلت امرأته ~~معها الكسرة 1 فلما انتهت إلى الموضع إذا الموضع متغير وإذا رجلان جالسان ~~فبكت وصاحت وقالت: يا أيوب ms6441 ما دهاك؟ فناداها أيوب فأقبلت فلما رأته وقد رد ~~الله عليه بدنه ونعمه سجدت لله شكرا. فرأى ذؤابتها مقطوعة وذلك أنها سألت ~~قوما أن يعطوها ما تحمله إلى أيوب من الطعام وكانت حسنة الذوائب فقالوا ~~لها: تبيعينا ذؤابتك هذه حتى نعطيك؟ فقطعتها ودفعتها إليهم وأخذت منهم ~~طعاما لأيوب، فلما رآها مقطوعة الشعر غضب وحلف عليها أن يضربها مائة ~~فأخبرته أنه كان سببه كيت وكيت. فاغتم أيوب من ذلك فأوحى الله عز وجل إليه ~~"خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث" فأخذ عذقا مشتملا على مائة شمراخ فضربها ~~ضربة واحدة فخرج من يمينه. # أقول: وروي عن ابن عباس ما يقرب منه، وعن وهب أن امرأته كانت بنت ميشا بن ~~يوسف، والرواية - كما ترى - تذكر ابتلاءه بما تتنفر عنه الطباع وهناك من ~~الروايات ما يؤيد ذلك لكن بعض الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) ينفي ذلك وينكره أشد الإنكار كما يأتي. PageV17P109 # وعن الخصال،: القطان عن السكري عن الجوهري عن ابن عمارة عن أبيه عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: إن أيوب (عليه السلام) ابتلي سبع سنين من ~~غير ذنب وإن الأنبياء لا يذنبون لأنهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزيغون ~~ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا. وقال: إن أيوب من جميع ما ابتلي به لم ~~تنتن له رائحة، ولا قبحت له صورة ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا ~~استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدود شيء من جسده وهكذا ~~يصنع الله عز وجل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه. ~~وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بما له عند ربه تعالى ~~ذكره من التأييد والفرج، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أعظم ~~الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وإنما ابتلاه الله بالبلاء العظيم ~~الذي يهون معه على جميع الناس لئلا يدعوا له الربوبية إذا شاهدوا ما أراد ~~الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه متى ms6442 شاهدوه، وليستدلوا بذلك على أن ~~الثواب من الله على ضربين: استحقاق واختصاص، ولئلا يحتقروا ضعيفا لضعفه ولا ~~فقيرا لفقره ولا مريضا لمرضه، وليعلموا أنه يسقم من يشاء، ويشفي من يشاء ~~متى شاء كيف شاء، بأي سبب شاء ويجعل ذلك عبرة لمن شاء، وشقاوة لمن شاء، ~~وسعادة لمن شاء، وهو عز وجل في جميع ذلك عدل في قضائه وحكيم في أفعاله لا ~~يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ولا قوة لهم إلا به. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ووهبنا له أهله ومثلهم معهم" الآية ~~قال: فرد الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلاء، ورد عليه أهله الذين ~~ماتوا بعد ما أصابهم البلاء كلهم أحياهم الله له فعاشوا معه. وسئل أيوب بعد ~~ما عافاه الله: أي شيء كان أشد عليك مما مر؟ فقال: شماتة الأعداء. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أني مسني الشيطان" الآية قيل: إنه اشتد ~~مرضه حتى تجنبه الناس فوسوس الشيطان إلى الناس أن يستقذروه ويخرجوه من ~~بينهم ولا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم فكان أيوب يتأذى بذلك ~~ويتألم به ولم يشك الألم الذي كان من أمر الله سبحانه. قال قتادة: دام ذلك ~~سبع سنين: وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام). # خبر اليسع وذي الكفل " (عليه السلام) # " ذكر سبحانه اسمهما في كلامه وعدهما من الأنبياء وأثنى عليهما وعدهما من ~~الأخيار "ص: 48" وعد ذا الكفل من الصابرين "الأنبياء: 85" ولهما ذكر في ~~الأخبار. # ففي البحار، عن الإحتجاج والتوحيد والعيون في خبر طويل رواه الحسن بن ~~محمد النوفلي عن الرضا (عليه السلام) فيما احتج به على جاثليق النصارى أن ~~قال (عليه السلام): إن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى (عليه السلام) مشى على ~~الماء وأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فلم يتخذه أمته ربا، الخبر. # وعن قصص الأنبياء،: الصدوق عن الدقاق عن الأسدي عن سهل عن عبد العظيم ~~الحسني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني أسأله عن ذي الكفل ما اسمه؟ وهل كان ~~من المرسلين؟. فكتب (عليه السلام) بعث ms6443 الله جل ذكره مائة ألف نبي وأربعة ~~وعشرين ألف نبي. مرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وإن ذا الكفل منهم، ~~وكان بعد سليمان بن داود، وكان يقضي بين الناس كما كان يقضي داود، ولم يغضب ~~إلا لله عز وجل وكان اسمه عويديا وهو الذي ذكره الله جلت عظمته في كتابه ~~حيث قال: "واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار". # أقول: وهناك روايات متفرقة أخر في قصصهما (عليهما السلام) تركنا إيرادها ~~لضعفها وعدم الاعتماد عليها. PageV17P110 ### ||| AUTO 38 سورة ص - 49 - 64 # هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب (49) جنت عدن مفتحة لهم الأبوب (50) ~~متكئين فيها يدعون فيها بفكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قصرت الطرف أتراب ~~(52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا ~~وإن للطغين لشر مئاب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم ~~وغساق (57) وءاخر من شكله أزوج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ~~(60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا فى النار (61) وقالوا ما ~~لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذنهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصر (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) ### |||| AUTO بيان # فصل آخر من الكلام يبين فيه مآل أمر المتقين والطاغين تبشيرا وإنذارا. # قوله تعالى: "هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب" الإشارة بهذا إلى ما ذكر من ~~قصص الأوابين من الأنبياء الكرام (عليهم السلام)، والمراد بالذكر الشرف ~~والثناء الجميل أي هذا الذي ذكر شرف وذكر جميل وثناء حسن لهم يذكرون به في ~~الدنيا أبدا ولهم حسن مآب من ثواب الآخرة. # كذا قالوا. # وعلى هذا فالمراد بالمتقين هم المذكورون من الأنبياء بالخصوص أو عموم أهل ~~التقوى وهم داخلون فيهم ويكون ذكر مآب الطاغين بعد من باب الاستطراد. # والظاهر أن الإشارة بهذا إلى القرآن والمراد بالذكر ما يشتمل عليه من ~~الذكر وفي الكلام عود إلى ما بدىء به في السورة من قوله "والقرآن ذي الذكر" ms6444 ~~فهو فصل من الكلام يذكر فيه الله سبحانه ما في الدار الآخرة من ثواب ~~المتقين وعقاب الطاغين. # وقوله: "وإن للمتقين لحسن مآب" المآب المرجع والتنكير للتفخيم، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "جنات عدن مفتحة لهم الأبواب" أي جنات استقرار وخلود وكون ~~الأبواب مفتحة لهم كناية عن أنهم غير ممنوعين عن شيء من النعم الموجودة ~~فيها فهي مهيأة لهم مخلوقة لأجلهم، وقيل: المراد أن أبوابها مفتحة لهم لا ~~تحتاج إلى الوقوف وراءها ودقها، وقيل: المراد أنها تفتح بغير مفتاح وتغلق ~~بغير مغلاق. # والآية وما بعدها بيان لحسن مآبهم. # قوله تعالى: "متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب" أي حال كونهم ~~جالسين فيها بنحو الاتكاء والاستناد جلسة الأعزة والأشراف. # وقوله: "يدعون فيها بفاكهة إلخ أي يتحكمون فيها بدعوة الفاكهة وهي كثيرة ~~والشراب فإذا دعيت فاكهة أو دعي شراب أجابهم المدعو فأتاهم من غير حاجة إلى ~~من يحمله ويناوله. # قوله تعالى: "وعندهم قاصرات الطرف أتراب" الضمير للمتقين وقاصرات الطرف ~~صفة قائمة مقام الموصوف والتقدير وعندهم أزواج قاصرات الطرف والمراد قصور ~~طرفهن على أزواجهن يرضين بهم ولا يرون غيرهم أو هو كناية عن كونهن ذوات غنج ودلال. # والأتراب الأقران أي أنهن أمثال لا يختلفن سنا أو جمالا أو أنهن أمثال ~~لأزواجهن فكلما زادوا نورا وبهاء زدن حسنا وجمالا. # قوله تعالى: "هذا ما توعدون ليوم الحساب" الإشارة إلى ما ذكر من الجنة ~~ونعيمها، والخطاب للمتقين ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب والنكتة ~~فيه إظهار القرب منهم والإشراف عليهم ليكمل نعمهم الصورية بهذه النعمة ~~المعنوية. # قوله تعالى: "إن هذا لرزقنا ما له من نفاد" النفاد الفناء والانقطاع، ~~والآية من تمام الخطاب الذي في الآية السابقة على ما يعطيه السياق. # قوله تعالى: "هذا وإن للطاغين لشر مآب" الإشارة بهذا إلى ما ذكر من مقام ~~المتقين أي هذا ما للمتقين من المآب، ويمكن أن يكون هذا اسم فعل أي خذ هذا. # والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "جهنم يصلونها فبئس المهاد" الصلي دخول النار ومقاساة ~~حرارتها أو اتباعها والمهاد - على ms6445 ما في المجمع، - الفراش الموطأ يقال: ~~مهدت له تمهيدا مثل وطأت له توطئة، والآية وما بعدها تفسير لمآب الطاغين. PageV17P111 # قوله تعالى: "هذا فليذوقوه حميم وغساق" الحميم الحار الشديد الحرارة الغساق ~~- على ما في المجمع، - قيح شديد النتن، وفسر بتفاسير أخر، وقوله: "حميم ~~وغساق" بيان لهذا، وقوله: "فليذوقوه" دال على إكراههم وحملهم على ذوقه ~~وتقديم المخبر عنه وجعله اسم إشارة يؤكد ذلك، والمعنى هذا حميم وغساق عليهم ~~أن يذوقوه ليس إلا. # قوله تعالى: "وآخر من شكله أزواج" شكل الشيء ما يشابهه وجنسه والأزواج ~~الأنواع والأقسام أي وهذا آخر من جنس الحميم والغساق أنواع مختلفة ~~ليذوقوها. # قوله تعالى: "هذا فوج مقتحم معكم - إلى قوله - في النار" الآيات الثلاث - ~~على ما يعطيه السياق - حكاية ما يجري بين التابعين والمتبوعين من الطاغين ~~في النار من التخاصم والمجاراة. # فقوله: "هذا فوج مقتحم معكم" خطاب يخاطب به المتبوعون يشار به إلى ~~التابعين الذين يدخلون النار مع المتبوعين فوجا، والاقتحام الدخول في الشيء ~~بشدة وصعوبة. # وقوله: "لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار" جواب المتبوعين لمن يخاطبهم ~~بقوله: "هذا فوج" ومرحبا تحية للوارد معناه عرض رحب الدار وسعتها له ~~فقولهم: "لا مرحبا بهم" معناه نفي الرحب والسعة عنهم. # وقولهم: "إنهم صالوا النار" أي داخلوها ومقاسوا حرارتها أو متبعوها تعليل ~~لتحيتهم بنفي التحية. # وقوله: "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار" نقل ~~كلام التابعين وهم القائلون يردون إلى متبوعيهم نفي التحية ويذمون القرار ~~في النار. # قوله تعالى: "قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" لم ~~يذكر تعالى جواب المتبوعين لقولهم: "أنتم قدمتموه لنا" إلخ وقد ذكره في ~~سورة الصافات فيما حكى من تساؤلهم بقوله: "قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما ~~كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين" إلخ: الآية - 30 فقولهم: ربنا ~~من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كلامهم بعد الانقطاع عن ~~المخاصمة. # وجملة "من قدم" إلخ شرط وجزاء، والضعف المثل و"عذابا ضعفا" أي ذا ضعف ms6446 ~~ومثل أي ضعفين من العذاب. # قوله تعالى: "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار" القائلون ~~- على ما يعطيه السياق - مطلق أهل النار، ومرادهم بالرجال الذين كانوا ~~يعدونهم من الأشرار المؤمنون وهم في الجنة فيطلبهم أهل النار فلا يجدونهم فيها. # قوله تعالى: "اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" أي اتخذناهم سخريا في ~~الدنيا فأخطأنا وقد كانوا ناجين أم عدلت أبصارنا فلا نراهم وهم معنا في النار. # قوله تعالى: "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار" إشارة إلى ما حكي من تخاصمهم ~~وبيان أن تخاصم أهل النار ثابت واقع لا ريب فيه وهو ظهور ما استقر في ~~نفوسهم في الدنيا من ملكة التنازع والتشاجر. PageV17P112 ### ||| AUTO 38 سورة ص - 65 - 88 # قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الوحد القهار (65) رب السموت ~~والأرض وما بينهما العزيز الغفر (66) قل هو نبؤا عظيم (67) أنتم عنه معرضون ~~(68) ما كان لى من علم بالملا الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلى إلا أنما ~~أنا نذير مبين (70) إذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من طين (71) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له سجدين (72) فسجد الملئكة كلهم أجمعون ~~(73) إلا إبليس استكبر وكان من الكفرين (74) قال يإبليس ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتنى من ~~نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتى إلى ~~يوم الدين (78) قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين ~~(80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا ~~عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) ~~إن هو إلا ذكر للعلمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) ### |||| AUTO بيان # الفصل الأخير من فصول السورة المشتمل على أمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بإبلاغ نذارته ودعوته إلى التوحيد. # وأن الإعراض عن الحق واتباع الشيطان ينتهي بالإنسان إلى عذاب النار ~~المقضي ms6447 في حقه وحق أتباعه وعند ذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار - إلى ~~قوله - العزيز الغفار" في الآيتين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بإبلاغ أنه منذر وأن الله تعالى واحد في الألوهية فقوله: "إنما أنا منذر" ~~يفيد قصره في كونه منذرا ونفي سائر الأغراض التي ربما تتلبس به الدعوة بين ~~الناس من طلب مال أو جاه كما يشير إليه ما في آخر الآيات من قوله: "قل ما ~~أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين". # وقوله: "وما من إله إلا الله" إلى آخر الآيتين إبلاغ لتوحيده تعالى بحجة ~~يدل عليها ما أورد من صفاته المدلول عليها بأسمائه. # فقوله: "وما من إله إلا الله" نفي لكل إله - والإله هو المعبود بالحق - ~~غيره تعالى وأما ثبوت ألوهيته تعالى فهو مسلم بانتفاء ألوهية غيره إذ لا ~~نزاع بين الإسلام والشرك في أصل ثبوت الإله وإنما النزاع في أن الإله وهو ~~المعبود بالحق هو الله تعالى أو غيره. # على أن ما ذكر في الآيتين من الصفات متضمن لإثبات ألوهيته كما أنها حجة ~~على انتفاء ألوهية غيره تعالى. # وقوله: "الواحد القهار" يدل على توحده تعالى في وجوده وقهره كل شيء وذلك ~~أنه تعالى واحد لا يماثله شيء في وجوده ولا تناهي كماله الذي هو عين وجوده ~~الواجب فهو الغني بذاته وعلى الإطلاق وغيره من شيء فقير يحتاج إليه من كل ~~جهة ليس له من الوجود وآثار الوجود إلا ما أنعم وأفاض فهو سبحانه القاهر ~~لكل شيء على ما يريد وكل شيء مطيع له فيما أراد خاضع له فيما شاء. # وهذا الخضوع الذاتي هو حقيقة العبادة فلو جاز أن يعبد شيء في الوجود عملا ~~بأن يؤتى بعمل يمثل به العبودية والخضوع فهي عبادته سبحانه إذ كل شيء مفروض ~~دونه فهو مقهور خاضع له لا يملك لنفسه ولا لغيره شيء ولا يستقل من الوجود ~~وآثار الوجود بشيء فهو سبحانه الإله المعبود بالحق لا غير. PageV17P113 # وقوله: "رب ms6448 السموات والأرض وما بينهما" يفيد حجة أخرى على توحده تعالى في ~~الألوهية وذلك أن نظام التدبير الجاري في العالم برمته نظام واحد متصل غير ~~متبعض ولا متجز وهو آية وحدة المدبر، وقد تقدم كرارا أن الخلق والتدبير لا ~~ينفكان فالتدبير خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه والخالق الموجد للسماوات ~~والأرض وما بينهما هو الله سبحانه - حتى عند الخصم - فهو تعالى ربها المدبر ~~لها جميعا فهو وحده الإله الذي يجب أن يقصد بالعبادة لأن العبادة تمثيل ~~عبودية العابد ومملوكيته تجاه مولوية المعبود ومالكيته وتصرفه في العابد ~~بإفاضة النعمة ودفع النقمة فهو سبحانه الإله في السماوات والأرض وما بينهما ~~لا إله غيره. # فافهم ذلك. # ويمكن أن يكون قوله: "رب السموات والأرض وما بينهما" بيانا لقوله ~~"القهار" أو "الواحد القهار". # وقوله: "العزيز الغفار" يفيد حجة أخرى على توحده تعالى في الألوهية وذلك ~~أنه تعالى عزيز لا يغلبه شيء بإكراهه على ما لم يرد أو بمنعه عما أراد فهو ~~العزيز على الإطلاق وغيره من شيء ذليل عنده قانت له والعبادة إظهار للمذلة ~~ولا يستقيم إلا قبال العزة ولا عزة لغيره تعالى إلا به. # وأيضا غاية العبادة وهي تمثيل العبودية التقرب إلى المعبود ورفع وصمة ~~البعد عن العبد العابد وهو مغفرة الذنب والله سبحانه هو المستقل بالرحمة ~~التي لا تنفد خزائنها وهو الذي يورد عباده العابدين له في الآخرة دار ~~كرامته فهو الغفار الذي يجب أن يعبد طمعا في مغفرته. # ويمكن أن يكون قوله: "العزيز الغفار" تلويحا إلى وجه الدعوة إلى التوحيد ~~أو وجوب الإيمان به المفهوم بحسب المقام من قوله: "وما من إله إلا الله ~~الواحد القهار" والمعنى أدعوكم إلى توحيده فآمنوا به لأنه العزيز الذي لا ~~يشوبه ذلة الغفار للذنوب وهكذا يجب أن يكون الإله. # قوله تعالى: "قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون" مرجع الضمير ما ذكره من ~~حديث الوحدانية في قوله: "وما من إله إلا الله" إلخ. # وقيل: الضمير للقرآن فهو النبأ العظيم الذي أعرضوا عنه، وهو أوفق لسياق ~~الآيات ms6449 السابقة المرتبطة بأمر القرآن، وأوفق أيضا لقوله الآتي: "ما كان لي ~~من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون" أي حتى أخبرني به القرآن، وقيل: المراد ~~به يوم القيامة وهو أبعد الوجوه. # قوله تعالى: "ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون" الملأ الأعلى ~~جماعة الملائكة وكأن المراد باختصامهم ما أشار تعالى إليه بقوله: "إذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" إلى آخر الآيات. # وكأن المعنى إني ما كنت أعلم اختصام الملإ الأعلى حتى أوحى الله إلي ذلك ~~في كتابه فإنما أنا منذر أتبع الوحي. # قوله تعالى: "إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين" تأكيد لقوله: "إنما ~~أنا منذر" وبمنزلة التعليل لقوله: "ما كان لي من علم بالملإ الأعلى" ~~والمعنى لم أكن أعلم ذلك لأن علمي ليس من قبل نفسي وإنما هو بالوحي وليس ~~يوحى إلي إلا ما يتعلق بالإنذار. # قوله تعالى: "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين" الذي يعطيه ~~السياق أن الآية وما بعدها ليست تتمة لقول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "إنما أنا منذر" إلخ والشاهد عليه قوله: "ربك" فهو من كلامه تعالى ~~يشير إلى زمان اختصام الملإ الأعلى والظرف متعلق بما تعلق به قوله: "إذ ~~يختصمون" أو متعلق بمحذوف والتقدير "اذكر إذ قال ربك للملائكة" إلخ فإن ~~قوله تعالى للملائكة: "إني جاعل في الأرض خليفة" وقوله لهم: "إني خالق بشرا ~~من طين" متقارنان وقعا في ظرف واحد. # وعلى هذا يؤول معنى قوله: "إذ قال ربك" إلخ إلى نحو من قولنا: اذكر وقتئذ ~~قال ربك كذا وكذا فهو وقت اختصامهم. # وجعل بعضهم قوله: "إذ قال ربك" إلخ مفسرا لقوله: "إذ يختصمون" ثم أخذ ~~الاختصام بعد تفسيره بالتقاول مجموع قوله تعالى للملائكة "إني جاعل في ~~الأرض خليفة" وقولهم: "أتجعل" إلخ، وقوله لآدم وقول آدم لهم، وقوله تعالى ~~لهم: إني خالق بشرا" وقول إبليس وقوله تعالى له. PageV17P114 # وقال على تقدير كون الاختصام بمعنى المخاصمة ودلالة قوله: "إذ يختصمون" على ~~كون المخاصمة بين الملائكة أنفسهم ms6450 لا بينهم وبين الله سبحانه أن إخباره ~~تعالى لهم بقوله: "إني جاعل في الأرض خليفة" "إني خالق بشرا" كان بتوسط ملك ~~من الملائكة وكذا قوله لآدم ولإبليس فيكون قولهم لربهم: "أتجعل فيها من ~~يفسد فيها" إلخ وغيره قولا منهم للملك المتوسط ويقع الاختصام فيما بينهم ~~أنفسهم. # وأنت خبير بأن شيئا مما ذكره لا يستفاد من سياق الآيات. # وقوله: "إني خالق بشرا من طين" البشر الإنسان، قال الراغب: البشر ظاهر ~~الجلد والأدمة باطنه. # كذا قال عامة الأدباء، قال: وعبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده ~~من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الوبر، واستوى في لفظ البشر ~~الواحد والجمع وثني فقال تعالى: "أنؤمن لبشرين" وخص في القرآن كل موضع ~~اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر. # انتهى. # وقد عد في الآية مبدأ خلق الإنسان الطين، وفي سورة الروم التراب وفي سورة ~~الحجر صلصال من حمإ مسنون، وفي سورة الرحمن صلصال كالفخار ولا ضير فإنها ~~أحوال مختلفة لمادته الأصلية التي منها خلق وقد أشير في كل موضع إلى واحدة منها. # قوله تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" تسوية ~~الإنسان تعديل أعضائه بتركيب بعضها على بعض وتتميمها صورة إنسان تام، ونفخ ~~الروح فيه جعله ذا نفس حية إنسانية وإضافة الروح إليه تعالى تشريفية وقوله: ~~"فقعوا" أمر من الوقوع وهو متفرع على التسوية والنفخ. # قوله تعالى: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" ظاهر الدلالة على سجود الملائكة ~~له من غير استثناء. # قوله تعالى: "إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين" أي استكبر إبليس فلم ~~يسجد له وكان قبل ذلك من الكافرين كما حكى سبحانه عنه في سورة الحجر قوله: ~~"لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون:" الحجر: - 33. # قوله تعالى: "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت ~~من العالين" نسبة خلقه إلى اليد للتشريف بالاختصاص كما قال: "ونفخت فيه من ~~روحي" وتثنية اليد كناية عن الاهتمام التام بخلقه وصنعه فإن الإنسان إنما ~~يستعمل اليدين ms6451 فيما يهتم به من العمل فقوله: "خلقت بيدي" كقوله: "مما عملت ~~أيدينا:" يس: - 71. # وقيل: المراد باليد القدرة والتثنية لمجرد التأكيد كقوله: "فارجع البصر ~~كرتين:" الملك: - 3 وقد وردت به الرواية. # وقيل: المراد باليدين نعم الدنيا والآخرة، ويمكن أن يحتمل إرادة مبدأي ~~الجسم والروح أو الصورة والمعنى أو صفتي الجلال والجمال من اليدين لكنها ~~معان لا دليل على شيء منها من اللفظ. # وقوله: "استكبرت أم كنت من العالين" استفهام توبيخ أي أكان عدم سجودك ~~لأنك استكبرت أم كنت من الذين يعلون أي يعلو قدرهم أن يؤمروا بالسجود، ولذا ~~قال بعضهم بالاستفادة من الآية أن العالين قوم من خلقه تعالى مستغرقون في ~~التوجه إلى ربهم لا يشعرون بغيره تعالى. # وقيل: المراد بالعلو الاستكبار كما في قوله تعالى: "وإن فرعون لعال في ~~الأرض:" يونس: - 83 والمعنى استكبرت حين أمرت بالسجدة أم كنت من قبل من ~~المستكبرين؟. # ويدفعه أنه لا يلائم مقتضى المقام فإن مقتضاه تعلق الغرض باستعلام أصل ~~استكباره لا تعيين كون استكباره قديما أو حديثا. # وقيل: المراد بالعالين ملائكة السماء فإن المأمورين بالسجود هم ملائكة الأرض. # ويدفعه ما في الآية من العموم. # قوله تعالى: "قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" تعليل عدم ~~سجوده بما يدعيه من شرافة ذاته وأنه لكون خلقه من نار خير من آدم المخلوق ~~من طين، وفيه تلويح أن الأمر الإلهي إنما يطاع إذا كان حقا لا لذاته، وليس ~~أمره بالسجود له حقا، ويؤول إلى إنكار إطلاق ملكه تعالى وحكمته وهو الأصل ~~الذي ينتهي إليه كل معصية فإن المعصية إنما تقع بالخروج عن حكم عبوديته ~~تعالى ومملوكيته وبالإعراض عن كون تركها أولى من فعلها واقترافها. # قوله تعالى: "قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين" ~~الرجم الطرد، ويوم الدين يوم الجزاء. PageV17P115 # وقوله: "وإن عليك لعنتي" وفي سورة الحجر: "وإن عليك اللعنة:" الآية - 35 ~~قيل في وجهه: لو كانت اللام للعهد فلا فرق بين التعبيرين، ولو كانت للجنس ~~فكذلك أيضا لأن لعن غيره ms6452 تعالى من الملائكة والناس عليه إنما يكون طردا له ~~حقيقة وإبعادا من الرحمة إذا كان بأمر الله وبإبعاده من رحمته. # قوله تعالى: "قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون - إلى قوله - إلى يوم الوقت ~~المعلوم" ظاهر تغير الغاية في السؤال والجواب حيث قال: "إلى يوم يبعثون" ~~فأجيب بقوله: "إلى يوم الوقت المعلوم" أن ما أجيب إليه غير ما سأله فهو لا ~~محالة آخر يوم يعصي فيه الناس ربهم وهو قبل يوم البعث، والظاهر أن المراد ~~باليوم الظرف فتفيد إضافته إلى الوقت التأكيد. # قوله تعالى: "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" الباء ~~في "فبعزتك" للقسم أقسم بعزته ليغوينهم أجمعين واستثنى منهم المخلصين وهم ~~الذين أخلصهم الله لنفسه فلا نصيب فيهم لإبليس ولا لغيره. # قوله تعالى: "قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين" جوابه تعالى لإبليس وهو يتضمن القضاء عليه وعلى من تبعه بالنار. # فقوله: "فالحق" مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدإ، والفاء لترتيب ~~ما بعده على ما قبله، والمراد بالحق ما يقابل الباطل على ما يؤيده إعادة ~~الحق ثانيا باللام والمراد به ما يقابل الباطل قطعا والتقدير فالحق أقسم به ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم، أو فقولي الحق لأملأن "إلخ". # وقوله: "والحق أقول" جملة معترضة تشير إلى حتمية القضاء وترد على إبليس ~~ما يلوح إليه قوله: "أنا خير منه" إلخ من كون قوله تعالى وهو أمره بالسجود ~~غير حق، وتقديم الحق في "والحق أقول" وتحليته باللام لإفادة الحصر. # وقوله: "لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين" متن القضاء الذي قضى به ~~وكأن المراد بقوله: "منك" جنس الشياطين حتى يشمل إبليس وذريته وقبيله، ~~وقوله: "وممن تبعك منهم" أي من الناس ذرية آدم. # وقد أشبعنا الكلام في نظائر الآيات من سورة الحجر وفي القصة من سور ~~البقرة والأعراف والإسراء فعليك بالرجوع إليها. # قوله تعالى: "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" رجوع إلى ~~ما تقدم في أول السورة وخلال آياتها أن القرآن ذكر ms6453 وأن ليس النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلا منذرا لا غير ورد لما رموه بقولهم "امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد". # فقوله: "ما أسألكم عليه من أجر" أي أجرا دنيويا من مال أو جاه، وقوله: ~~"وما أنا من المتكلفين" أي من أهل التكلف وهو التصنع والتحلي بما ليس له. # قوله تعالى: "إن هو إلا ذكر للعالمين" أي القرآن ذكر عام للعالمين من ~~جماعات الناس ومختلف الشعوب والأمم وغيرهم لا يختص بقوم دون قوم حتى يؤخذ ~~على تلاوته مال وعلى تعليمه أجر بل هو للجميع. # قوله تعالى: "ولتعلمن نبأه بعد حين" أي لتعلمن ما أخبر به القرآن من ~~الوعد والوعيد وظهوره على الأديان وغير ذلك بعد حين أي بعد مرور زمان. # قيل: المراد بعد حين يوم القيامة، وقيل: يوم الموت، وقيل: يوم بدر، ولا ~~يبعد أن يقال: إن نبأه مختلف لا يختص بيوم من هذه الأيام حتى يكون هو ~~المراد بل المراد به المطلق فلكل من أقسام نبئه حينه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام): ~~في حديث يذكر فيه المعراج، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قال تعالى: ~~يا محمد. قلت: لبيك يا رب. قال: فيما اختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: سبحانك ~~لا علم لي إلا ما علمتني. قال: فوضع يده أي يد القدرة بين ثديي فوجدت بردها ~~بين كتفي قال: فلم يسألني عما مضى ولا عما بقي إلا علمته. فقال: يا محمد ~~فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: في الكفارات والدرجات والحسنات الحديث. PageV17P116 # وفي المجمع، روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قال لي ~~ربي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا. قال: اختصموا في الكفارات ~~والدرجات فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى ~~الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام وإطعام ~~الطعام والصلاة بالليل والناس نيام:. أقول: ورواه في الخصال، عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فجعل ms6454 ما فسر به الكفارات تفسيرا للدرجات وبالعكس، ~~وروي في الدر المنثور، حديث المجمع بطرق كثيرة عن عدة من الصحابة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) على اختلاف ما في الروايات. # وكيفما كان فسياق الآية يأبى الانطباق على مضمون هذه الروايات ولا دليل ~~يدل على كون الروايات في مقام تفسير الآية فلعل الاختصام المذكور فيها غير ~~المذكور في الآية. # وفي نهج البلاغة،: الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء واختارهما لنفسه ~~دون خلقه، وجعلهما حمى وحرما على غيره، واصطفاهما لجلاله، وجعل اللعنة على ~~من نازعه فيهما من عباده، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين ~~منهم من المستكبرين فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات ~~الغيوب: إني خالق بشرا من طين - فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين - فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس اعترضته الحمية فافتخر على ~~آدم بخلقه وتعصب عليه بأصله. فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين ~~الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداء الجبرية، وأدرع لباس التعزز، وخلع ~~قناع التذلل ألا ترون كيف صغره الله بتكبره، ووضعه بترفعه فجعله في الدنيا ~~مدحورا، وأعد له في الآخرة سعيرا. الخطبة. # وفي العيون، بإسناده إلى محمد بن عبيدة قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن ~~قول الله تعالى لإبليس: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" قال: يعني بقدرتي وقوتي. # أقول: وروي مثله في التوحيد، بإسناده عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه ~~السلام). # وفي القصة روايات أخر أوردناها في ذيلها من سور البقرة والأعراف والحجر ~~والإسراء فراجع. # وعن جوامع الجامع، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): للمتكلف ثلاث ~~علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم. # أقول: وروي مثله في الخصال، عن الصادق (عليه السلام) عن لقمان في وصيته ~~لابنه، وروي أيضا من طرق أهل السنة، وفي بعض الروايات: ينازل من فوقه. PageV17P117 ### || AUTO ### ||| AUTO 39 سورة الزمر - 1 - 10 # بسم الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم (1) إنا ~~أنزلنا إليك الكتب بالحق ms6455 فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~إن الله يحكم بينهم فى ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كذب كفار ~~(3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحنه هو الله ~~الوحد القهار (4) خلق السموت والأرض بالحق يكور اليل على النهار ويكور ~~النهار على اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفر ~~(5) خلقكم من نفس وحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج ~~يخلقكم فى بطون أمهتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمت ثلث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) وإذا مس الانسن ~~ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه من قبل ~~وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحب النار (8) ~~أمن هو قنت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل ~~يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألبب (9) قل يعباد ~~الذين ءامنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة وأرض الله وسعة ~~إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب (10) ### |||| AUTO بيان # يظهر من خلال آيات السورة أن المشركين من قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~سألوه أن ينصرف عما هو عليه من التوحيد والدعوة إليه والتعرض لآلهتهم ~~وخوفوه بآلهتهم فنزلت السورة - وهي قرينة سورة ص بوجه - وهي تؤكد الأمر بأن ~~يخلص دينه لله سبحانه ولا يعبأ بآلهتهم وأن يعلمهم أنه مأمور بالتوحيد ~~وإخلاص الدين الذي تواترت الآيات من طريق الوحي والعقل جميعا عليه. # ولذلك نراه سبحانه يعطف الكلام عليه في خلال السورة مرة بعد مرة كقوله ms6456 في ~~مفتتح السورة: "فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص" ثم يرجع ~~إليه ويقول: "قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين" - إلى قوله - "قل ~~الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه". # ثم يقول: "إنك ميت وإنهم ميتون" إلخ ثم يقول: "أليس الله بكاف عبده ~~ويخوفونك بالذين من دونه" ثم يقول: "قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عامل" ثم يقول: "قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون" إلى غير ذلك من ~~الإشارات. # ثم عمم الاحتجاج على توحده تعالى في الربوبية والألوهية من الوحي ومن ~~طريق البرهان وقايس بين المؤمنين والمشركين مقايسات لطيفة فوصف المؤمنين ~~بأجمل أوصافهم وبشرهم بما سيثيبهم في الآخرة مرة بعد مرة وذكر المشركين ~~وأنذرهم بما سيلحقهم من الخسران وعذاب الآخرة مضافا إلى ما يصيبهم في ~~الدنيا من وبال أمرهم كما أصاب الذين كذبوا من الأمم الدارجة من عذاب الخزي ~~في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر. # ومن ثم وصفت السورة يوم البعث وخاصة في مختتمها بأوضح الوصف وأتمه. # والسورة مكية لشهادة سياق آياتها بذلك وكأنها نزلت دفعة واحدة لما بين ~~آياتها من الاتصال. # والآيات العشر المنقولة تجمع الدعوة من طريق الوحي والحجة العقلية بادئة ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV17P118 # قوله تعالى: "تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم" "تنزيل الكتاب" خبر ~~لمبتدإ محذوف، وهو مصدر بمعنى المفعول فيكون إضافته إلى الكتاب من إضافة ~~الصفة إلى موصوفها و"من الله" متعلق بتنزيل والمعنى هذا كتاب منزل من الله ~~العزيز الحكيم. # وقيل: "تنزيل الكتاب" مبتدأ و"من الله" خبره ولعل الأول أقرب إلى الذهن. # قوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين" ~~عبر بالإنزال دون التنزيل كما في الآية السابقة لأن القصد إلى بيان كونه ~~بالحق وهو يناسب مجموع ما نزل إليه من ربه. # وقوله: "بالحق" الباء فيه للملابسة أي أنزلناه إليك متلبسا بالحق فما فيه ~~من الأمر بعبادة الله وحده حق، وعلى هذا المعنى فرع عليه قوله: "فاعبد الله ~~مخلصا ms6457 له الدين" والمعنى فإذا كان بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين لأن فيه ذلك. # والمراد بالدين - على ما يعطيه السياق - العبادة ويمكن أن يراد به سنة ~~الحياة وهي الطريقة المسلوكة في الحياة في المجتمع الإنساني، ويراد ~~بالعبادة تمثيل العبودية بسلوك الطريق التي شرعها الله سبحانه والمعنى ~~فأظهر العبودية لله في جميع شئون حياتك باتباع ما شرعه لك فيها والحال أنك ~~مخلص له دينك لا تتبع غير ما شرعه لك. # قوله تعالى: "ألا لله الدين الخالص" إظهار وإعلان لما أضمر وأجمل في ~~قوله: "بالحق" وتعميم لما خصص في قوله: "فاعبد الله مخلصا له الدين" أي إن ~~الذي أوحيناه إليك من إخلاص الدين لله واجب على كل من سمع هذا النداء، ~~ولكون الجملة نداء مستقلا أظهر اسم الجلالة وكان مقتضى الظاهر أن يضمر ~~ويقال: له الدين الخالص. # ومعنى كون الدين الخالص له أنه لا يقبل العبادة ممن لا يعبده وحده سواء ~~عبده وغيره أو عبد غيره وحده. # قوله تعالى: "والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى" إلى آخر الآية تقدم أن الوثنية يرون أن الله سبحانه أجل من أن ~~يحيط به الإدراك الإنساني من عقل أو وهم أو حس فيتنزه تعالى عن أن يقع عليه ~~توجه عبادي منا. # فمن الواجب أن نتقرب إليه بالتقرب إلى مقربيه من خلقه وهم الذين فوض ~~إليهم تدبير شئون العالم فنتخذهم أربابا من دون الله ثم آلهة نعبدهم ونتقرب ~~إليهم ليشفعوا لنا عند الله ويقربونا إليه زلفى وهؤلاء هم الملائكة والجن ~~وقديسو البشر وهؤلاء هم الأرباب والآلهة بالحقيقة. # أما الأصنام المصنوعة المنصوبة في الهياكل والمعابد فإنما هي تماثيل ~~للأرباب والآلهة وليست في نفسها أربابا ولا آلهة غير أن الجهلة من عامتهم ~~ربما لم يفرقوا بين الأصنام وأرباب الأصنام فعبدوا الأصنام كما يعبد ~~الأرباب والآلهة وكذلك كانت عرب الجاهلية وكذلك الجهلة من عامة الصابئين ~~ربما لم يفرقوا بين أصنام الكواكب والكواكب التي هي أيضا أصنام لأرواحها ~~الموكلة عليها وبين أرواحها التي هي الأرباب ms6458 والآلهة بالحقيقة عند خاصتهم. # وكيف كان فالأرباب والآلهة هم المعبودون عندهم وهم موجودات ممكنة مخلوقة ~~لله مقربة عنده مفوضة إليهم تدبير أمر العالم لكل بحسب منزلته وأما الله ~~سبحانه فليس له إلا الخلق والإيجاد وهو رب الأرباب وإله الآلهة. # إذا تذكرت ما مر ظهر أن المراد بقوله: "والذين اتخذوا من دونه أولياء" ~~اتخاذهم أربابا يدبرون الأمر بأن يسندوا الربوبية وأمر التدبير إليهم لا ~~إلى الله فهم المدبرون للأمر عندهم ويتفرع عليه أن يخضع لهم ويعبدوا لأن ~~العبادة لجلب النفع أو لدفع الضرر أو شكر النعم وكل ذلك إليهم لتصديهم أمر ~~التدبير دون الله سبحانه. # فالمراد باتخاذهم أولياء اتخاذهم أربابا 1، ولذا عقب اتخاذ الأولياء بذكر ~~العبادة "ما نعبدهم إلا ليقربونا" فقوله: "والذين اتخذوا من دونه أولياء" ~~مبتدأ خبره "إن الله يحكم" إلخ والمراد بهم المشركون القائلون بربوبية ~~الشركاء وألوهيتهم دون الله إلا ما ذهب إليه جهلتهم من كونه تعالى شريكا ~~لهم في المعبودية. PageV17P119 # وقوله: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" تفسير لمعنى اتخاذ الأولياء ~~من دون الله وهو حكاية لقولهم أو بتقدير القول أي يقولون: ما نعبدهم هؤلاء ~~إلا ليقربونا بسبب عبادتنا لهم إلى الله تقريبا فهم عادلون منه تعالى إلى ~~غيره، وإنما سموا مشركين لأنهم يشركون به تعالى غيره حيث يقولون بكونهم ~~أربابا وآلهة للعالم وكونه تعالى ربا وإلها لأولئك الأرباب والآلهة، وأما ~~الشركة في الخلق والإيجاد فلم يقل به لا مشرك ولا موحد. # وقوله: "إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون" قيل: ضمير الجمع ~~للمشركين وأوليائهم أي إن الله يحكم بين المشركين وبين أوليائهم فيما هم ~~فيه يختلفون، وقيل: الضميران راجعان إلى المشركين وخصمائهم من أهل الإخلاص ~~في الدين المفهوم من السياق، والمعنى إن الله يحكم بينهم وبين المخلصين للدين. # وقوله: "إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار" الكفار كثير الكفران لنعم الله ~~أو كثير الستر للحق، وفي الجملة إشعار بل دلالة على أن الحكم يوم القيامة ~~على المشركين لا لهم وأنهم مسيرون إلى العذاب، والمراد ms6459 بالهداية الإيصال ~~إلى حسن العاقبة. # قوله تعالى: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه ~~هو الله الواحد القهار" احتجاج على نفي قولهم: إن الله اتخذ ولدا، وقول ~~بعضهم: الملائكة بنات الله. # والقول بالولد دائر بين عامة الوثنية على اختلاف مذاهبهم وقد قالت ~~النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود على ما حكاه القرآن عنهم: عزير ابن ~~الله وكأنها بنوة تشريفية. # والبنوة كيفما كانت تقتضي شركة ما بين الابن والأب والولد والوالد فإن ~~كانت بنوة حقيقية وهي اشتقاق شيء من شيء وانفصاله منه اقتضت الشركة في ~~حقيقة الذات والخواص والآثار المنبعثة من الذات كبنوة إنسان لإنسان ~~المقتضية لشركة الابن لأبيه في الإنسانية ولوازمها، وإن كانت بنوة اعتبارية ~~كالبنوة الاجتماعية وهو التبني اقتضت الاشتراك في الشئونات الخاصة بالأب ~~كالسؤدد والملك والشرف والتقدم والوراثة وبعض أحكام النسب، والحجة المسوقة ~~في الآية تدل على استحالة اتخاذ الولد عليه تعالى بكلا المعنيين. # فقوله: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا" شرط صدر بلو الدال على الامتناع ~~للامتناع، وقوله: "لاصطفى مما يخلق ما يشاء" أي لاختار لذلك مما يخلق ما ~~يتعلق به مشيئته على ما يفيده السياق وكونه مما يخلق لكون ما عداه سبحانه ~~خلقا له. # وقوله: "سبحانه" تنزيه له سبحانه، وقوله: "هو الله الواحد القهار" بيان ~~لاستحالة الشرط وهو إرادة اتخاذ الولد ليترتب عليه استحالة الجزاء وهو ~~اصطفاء ما يشاء مما يخلق وذلك لأنه سبحانه واحد في ذاته المتعالية لا ~~يشاركه فيها شيء ولا يماثله فيها أحد لأدلة التوحيد، وواحد في صفاته ~~الذاتية التي هي عين ذاته كالحياة والعلم والقدرة، وواحد في شئونه التي هي ~~من لوازم ذاته كالخلق والملك والعزة والكبرياء لا يشاركه فيها أحد. # وهو سبحانه قهار يقهر كل شيء بذاته وصفاته فلا يستقل قبال ذاته ووجوده ~~شيء في ذاته ووجوده ولا يستغني عنه شيء في صفاته وآثار وجوده فالكل أذلاء ~~داخرون بالنسبة إليه مملوكون له فقراء إليه. # فمحصل حجة الآية قياس استثنائي ساذج يستثنى فيه نقيض المقدم لينتج نقيض ms6460 ~~التالي وهو نحو من قولنا: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى لذلك بعض من ~~يشاء من خلقه لكن إرادته اتخاذ الولد ممتنعة لكونه واحدا قهارا فاصطفاؤه ~~لذلك بعض من يشاء من خلقه ممتنع. # وقد أغرب بعضهم في تقريب حجة الآية فقال: حاصل المعنى لو أراد سبحانه ~~اتخاذ الولد لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ لكن لا ~~يجوز للباري إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض الممكنات على بعض. # وأصل الكلام لو اتخذ الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الألوهية فعدل إلى ~~لو أراد الاتخاذ لامتنع أن يريده ليكون أبلغ وأبلغ ثم حذف هذا الجواب وجيء ~~بدله لاصطفى تنبيها على أن الممكن هذا لا الأول وأنه لو كان هذا من اتخاذ ~~الولد في شيء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه وتعالى شأنه عن ذلك فقد تحقق ~~التلازم وحق نفي اللازم وإثبات الملزوم دون صعوبة. # انتهى. PageV17P120 # وكأنه مأخوذ من قول الزمخشري في الكشاف، في تفسير الآية حيث قال: يعني لو ~~أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح لكونه محالا ولم يتأت إلا أن يصطفي من ~~خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه وقد فعل ذلك ~~بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم فزعمتم أنهم أولاده جهلا منكم ~~به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض كأنه قال: لو أراد اتخاذ ~~الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة لكنكم ~~لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادا ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم ~~فجعلتموهم بنات فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله ~~وملائكته غالين في الكفر انتهى. # وأنت خبير أن سياق الآية لا يلائم هذا البيان. # على أنه لا يدفع قول القائل بالتبني التشريفي كقول اليهود عزير ابن الله ~~فإنهم لا يريدون بالتبني إلا اصطفاء من يشاء من خلقه. # وهناك بعض تقريبات أخر منهم لا جدوى فيه تركنا إيراده. # قوله تعالى: "خلق السموات والأرض بالحق" لا يبعد أن يكون ما فيه من ~~الإشارة إلى الخلق والتدبير بيانا لقهاريته تعالى لكن اتصال الآيتين ms6461 ~~وارتباطهما مضمونا وانتهاء الثانية إلى قوله: "ذلكم الله ربكم" إلخ كالصريح ~~في أن ذلك استئناف بيان للاحتجاج على توحيد الربوبية. # فالآية والتي تليها مسوقتان لتوحيد الربوبية وقد جمع فيهما بين الخلق ~~والتدبير لما مر مرارا أن إثبات وحدة الخالق لا يستلزم عند الوثني نفي تعدد ~~الأرباب والآلهة لأنهم لا ينكرون انحصار الخلق والإيجاد فيه تعالى لكنه ~~سبحانه فيما يحتج على توحده في الربوبية والألوهية في كلامه يجمع بين الخلق ~~والتدبير إشارة إلى أن التدبير غير خارج من الخلق بل هو خلق بوجه كما أن ~~الخلق تدبير بوجه وعند ذلك يتم الاحتجاج على رجوع التدبير إليه تعالى ~~وانحصاره فيه برجوع الخلق إليه. # وقوله: "خلق السموات والأرض بالحق" إشارة إلى الخلقة، وفي قوله: "بالحق" ~~- والباء للملابسة - إشارة إلى البعث فإن كون الخلقة حقا غير باطل يلازم ~~كونها لغاية تقصدها وتنساق إليها وهي البعث قال تعالى: "وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا:" ص: - 27. # وقوله: "يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل" قال في المجمع، ~~التكوير طرح الشيء بعضه على بعض. # انتهى فالمراد طرح الليل على النهار وطرح النهار على الليل فيكون من ~~الاستعارة بالكناية قريب المعنى من قوله: "يغشي الليل النهار:" الأعراف: - ~~54 والمراد استمرار توالي الليل والنهار بظهور هذا على ذاك ثم ذاك على هذا ~~وهكذا، وهو من التدبير. # وقوله: "وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى" أي سخر الشمس والقمر ~~فأجراهما للنظام الجاري في العالم الأرضي إلى أجل مسمى معين لا يتجاوزانه. # وقوله: "ألا هو العزيز الغفار" يمكن أن يكون في ذكر الاسمين إشارة إلى ما ~~يحتج به على توحده تعالى في الربوبية والألوهية فإن العزيز الذي لا يعتريه ~~ذلة إن كان فهو الله وهو المتعين للعبادة لا غيره الذي تغشاه الذلة وتغمره ~~الفاقة وكذا الغفار للذنوب إذا قيس إلى من ليس من شأنه ذلك. # ويمكن أن يكون ذكرهما تحضيضا على التوحيد والإيمان بالله الواحد والمعنى ~~أنبهكم أنه هو العزيز فآمنوا به واعتزوا بعزته، الغفار فآمنوا به يغفر لكم. ms6462 # قوله تعالى: "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها" إلخ الخطاب لعامة ~~البشر، والمراد بالنفس الواحدة - على ما تؤيده نظائره من الآيات - آدم أبو ~~البشر، والمراد بزوجها امرأته التي هي من نوعها وتماثلها في الإنسانية، ~~و"ثم" للتراخي بحسب رتبة الكلام. # والمراد أنه تعالى خلق هذا النوع وكثر أفراده من نفس واحدة وزوجها. # وقوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" الأنعام هي الإبل والبقر ~~والضأن والمعز، وكونها ثمانية أزواج باعتبار انقسامها إلى الذكر والأنثى. # وتسمية خلق الأنعام في الأرض إنزالا لها باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور ~~الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا لها من خزائنه التي هي عنده ومن ~~الغيب إلى الشهادة قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم:" الحجر: - 21. PageV17P121 # وقوله: "يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث" بيان ~~لكيفية خلق من تقدم ذكره من البشر والأنعام، وفي الخطاب تغليب أولي العقل ~~على غيرهم، والخلق من بعد الخلق التوالي والتوارد كخلق النطفة علقة وخلق ~~العلقة مضغة وهكذا، والظلمات الثلاث هي ظلمة البطن والرحم والمشيمة كما قيل ~~ورواه في المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام). # وقيل: المراد بها ظلمة الصلب والرحم والمشيمة وهو خطأ فإن قوله: "في بطون ~~أمهاتكم" صريح في أن المراد بالظلمات الثلاث ما في بطون النساء دون أصلاب ~~الرجال. # وقوله: "ذلكم الله ربكم" أي الذي وصف لكم في الآيتين بالخلق والتدبير هو ~~ربكم دون غيره لأن الرب هو المالك الذي يدبر أمر ما ملكه وإذ كان خالقا لكم ~~ولكل شيء دونكم وللنظام الجاري فيكم فهو الذي يملككم ويدبر أمركم فهو ربكم ~~لا غير. # وقوله: "له الملك" أي على جميع المخلوقات في الدنيا والآخرة فهو المليك ~~على الإطلاق" وتقديم الظرف يفيد الحصر، والجملة خبر بعد خبر لقوله: "ذلكم ~~الله" كما أن قوله: "لا إله إلا هو، كذلك، وانحصار الألوهية فيه تعالى فرع ~~انحصار الربوبية فيه لأن الإله إنما يعبد لأنه رب مدبر فيعبد إما خوفا منه ~~أو ms6463 رجاء فيه أو شكرا له. # وقوله: "فأنى تصرفون" أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره وهو ربكم ~~الذي خلقكم ودبر أمركم وهو المليك عليكم. # قوله تعالى: "إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر" إلى ~~آخر الآية. # مسوق لبيان أن الدعوة إلى التوحيد وإخلاص الدين لله سبحانه ليست لحاجة ~~منه تعالى إلى إقبالهم إليه بالانصراف عن عبادة غيره بل لعناية منه تعالى ~~بهم فيدعوهم إلى سعادتهم اعتناء بها كما يعتني برزقهم فيفيض النعم عليهم ~~وكما يعتني بحفظهم فيلهمهم أن يدفعوا الآفات عن أنفسهم. # فقوله: "إن تكفروا فإن الله غني عنكم" الخطاب لعامة المكلفين أي إن ~~تكفروا بالله فلم توحدوه فإنه غني عنكم لذاته لا ينتفع بإيمانكم وطاعتكم ~~ولا يتضرر بكفركم ومعصيتكم فالنفع والضرر إنما يتحققان في مجال الإمكان ~~والحاجة وأما الواجب الغني بذاته فلا يتصور في حقه انتفاع ولا تضرر. # وقوله: "ولا يرضى لعباده الكفر" دفع لما ربما يمكن أن يتوهم من قوله: ~~"فإن الله غني عنكم" إنه إذا لم يتضرر بكفر ولم ينتفع بإيمان فلا موجب له ~~أن يريد منا الإيمان والشكر فدفعه بأن تعلق العناية الإلهية بكم يقتضي أن ~~لا يرضى بكفركم وأنتم عباده. # والمراد بالكفر كفر النعمة الذي هو ترك الشكر بقرينة مقابلة قوله: "وإن ~~تشكروا يرضه لكم" وبذلك يظهر أن التعبير بقوله: "لعباده" دون أن يقول: لكم ~~للدلالة على علة الحكم أعني سبب عدم الرضا. # والمحصل أنكم عباد مملوكون لله سبحانه منغمرون في نعمه ورابطة المولوية ~~والعبودية وهي نسبة المالكية والمملوكية لا تلائمه أن يكفر العبد بنعمة ~~سيده فينسى ولاية مولاه ويتخذ لنفسه أولياء من دونه ويعصي المولى ويطيع ~~عدوه وهو عبد عليه طابع العبودية لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. # وقوله: "وإن تشكروا يرضه لكم" الضمير للشكر نظير قوله تعالى: "اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى:" المائدة: - 8 والمعنى وإن تشكروا الله بالجري على مقتضى ~~العبودية وإخلاص الدين له يرض الشكر لكم وأنتم عباده، والشكر والكفر ~~المقابل له ينطبقان على الإيمان والكفر المقابل له. ms6464 # ومما تقدم يظهر أن العباد في قوله: "ولا يرضى لعباده الكفر" عام يشمل ~~الجميع فقول بعضهم: إنه خاص أريد به من عناهم في قوله: "إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين:" الحجر: - 42 وهم المخلصون - أو ~~المعصومون على ما فسره الزمخشري - ولازمه أن الله سبحانه رضي الإيمان لمن ~~آمن ورضي الكفر لمن كفر إلا المعصومين فإنه أراد منهم الإيمان، وصانهم عن ~~الكفر سخيف جدا، والسياق يأباه كل الإباء، إذ الكلام مشعر حينئذ برضاه ~~الكفر للكافر فيؤول معنى الكلام إلى نحو من قولنا: إن تكفروا فإن الله غني ~~عنكم ولا يرضى للأنبياء مثلا الكفر لرضاه لهم الإيمان وإن تشكروا أنتم يرضه ~~لكم وإن تكفروا يرضه لكم وهذا - كما ترى - معنى رديء ساقط وخاصة من حيث ~~وقوعه في سياق الدعوة. PageV17P122 # على أن الأنبياء مثلا داخلون فيمن شكر وقد رضي لهم الشكر والإيمان ولم يرض ~~لهم الكفر فلا موجب لإفرادهم بالذكر وقد ذكر الرضا عمن شكر. # وقوله: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى أي ~~لا يؤاخذ بالذنب إلا من ارتكبه. # وقوله: "ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات ~~الصدور" أي هذا في الدنيا من كفر أو شكر ثم يبعثكم الله فيظهر لكم حقيقة ~~أعمالكم ويحاسبكم على ما في قلوبكم وقد تكرر الكلام في معاني هذه الجمل ~~فيما تقدم. # كلام في معنى الرضا والسخط من الله # الرضا من المعاني التي يتصف بها أولو الشعور والإرادة ويقابله السخط ~~وكلاهما وصفان وجوديان. # ثم الرضا يتعلق بالمعاني من الأوصاف والأفعال دون الذوات يقال: رضي له ~~كذا ورضي بكذا قال تعالى: "ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله:" التوبة: - ~~59 وقال: ورضوا بالحياة الدنيا:" يونس: - 7 وما ربما يتعلق بالذوات فإنما ~~هو بعناية ما ويؤول بالآخرة إلى المعنى كقوله: "ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى:" البقرة: - 120. # وليس الرضا هو الإرادة بعينها وإن كان كلما تعلقت به الإرادة فقد تعلق به ~~الرضا بعد وقوعه ms6465 بوجه. # وذلك لأن الإرادة - كما قيل - تتعلق بأمر غير واقع والرضا إنما يتعلق ~~بالأمر بعد وقوعه أو فرض وقوعه فإذن كون الإنسان راضيا بفعل كذا كونه بحيث ~~يلائم ذلك الفعل ولا ينافره، وهو وصف قائم بالراضي دون المرضي. # ثم الرضا لكونه متعلقا بالأمر بعد وقوعه كان متحققا بتحقق المرضي حادثا ~~بحدوثه فيمتنع أن يكون صفة من الصفات القائمة بذاته لتنزهه تعالى عن أن ~~يكون محلا للحوادث فما نسب إليه تعالى من الرضا صفة فعل قائم بفعله منتزع ~~عنه كالرحمة والغضب والإرادة والكراهة قال تعالى: "رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه:" البينة: - 8 وقال: "وأن أعمل صالحا ترضاه:" النمل: - 19، وقال: ~~"ورضيت لكم الإسلام دينا:" المائدة: - 3. # فرضاه تعالى عن أمر من الأمور ملائمة فعله تعالى له، وإذ كان فعله قسمين ~~تكويني وتشريعي انقسم الرضا منه أيضا إلى تكويني وتشريعي فكل أمر تكويني ~~وهو الذي أراد الله وأوجده فهو مرضي له رضا تكوينيا بمعنى كون فعله وهو ~~إيجاده عن مشية ملائما لما أوجده، وكل أمر تشريعي وهو الذي تعلق به التكليف ~~من اعتقاد أو عمل كالإيمان والعمل الصالح فهو مرضي له رضا تشريعيا بمعنى ~~ملاءمة تشريعه للمأتي به. # وأما ما يقابل هذه الأمور المأمور بها مما تعلق به نهي فلا يتعلق بها رضا ~~البتة لعدم ملاءمة التشريع لها كالكفر والفسوق كما قال تعالى: "إن تكفروا ~~فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر:" الزمر: - 7، وقال: "فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين:" التوبة: - 96. # قوله تعالى: "وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه" إلى آخر الآية ~~الإنابة الرجوع، والتخويل العطية العظيمة على وجه الهبة وهي المنحة. # على ما في المجمع،. # لما مر في الآية السابقة ذكر من كفر النعمة وأن الله سبحانه على غناه من ~~الناس لا يرضى لهم ذلك نبه في هذه الآية على أن الإنسان كفور بالطبع مع أنه ~~يعرف ربه بالفطرة ولا يلبث عند الاضطرار دون أن يرجع إليه فيسأله كشف ضره ~~كما قال: "وكان الإنسان كفورا:" الإسراء: ms6466 - 67، وقال: "إن الإنسان لظلوم ~~كفار:" إبراهيم: - 34. # فقوله: "وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه" أي إذا أصاب الإنسان ضر ~~من شدة أو مرض أو قحط ونحوه دعا ربه - وهو الله يعترف عند ذلك بربوبيته - ~~راجعا إليه معرضا عمن سواه يسأله كشف الضر عنه. # وقوله: "ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل" أي وإذا ~~أعطاه ربه سبحانه بعد كشف الضر نعمة منه اشتغل به مستغرقا ونسي الضر الذي ~~كان يدعو إليه أي إلى كشفه من قبل إعطاء النعمة. # فما في قوله: "ما كان يدعوا إليه" موصولة والمراد به الضر وضمير "إليه" ~~له وقيل: مصدرية والضمير للرب سبحانه والمعنى نسي دعاءه إلى ربه من قبل ~~الإعطاء، وقيل: موصولة والمراد به الله سبحانه وهو أبعد الوجوه. PageV17P123 # وقوله: "وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله" الأنداد الأمثال والمراد بها - على ~~ما قيل - الأصنام وأربابها، واللام في "ليضل عن سبيله" للعاقبة، والمعنى ~~واتخذ الله أمثالا يشاركونه في الربوبية والألوهية على مزعمته لينتهي به ~~ذلك إلى إضلال الناس عن سبيل الله لأن الناس مطبوعون على التقليد يتشبه ~~بعضهم ببعض وفي الفعل دعوة كالقول. # ولا يبعد أن يراد بالأنداد مطلق الأسباب التي يعتمد عليها الإنسان ويطمئن ~~إليها ومن جملتها أرباب الأصنام عند الوثني وذلك لأن الآية تصف الإنسان وهو ~~أعم من المشرك نعم مورد الآية هو الكافر. # وقوله: "قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار" أي تمتع تمتعا قليلا لا ~~يدوم لك لأنك من أصحاب النار مصيرك إليها، وهو أمر تهديدي في معنى الإخبار ~~أي إنك إلى النار ولا يدفعها عنك تمتعك بالكفر أياما قلائل. # قوله تعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا ~~رحمة ربه" الآية لا تخلو عن مناسبة واتصال بقوله السابق: "ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى" فإن فحواه أن الكافر والشاكر لا يستويان ولا يختلطان فأوضح ذلك ~~في هذه الآية بأن القانت الذي يخاف العذاب ويرجو رحمة لا يساوي غيره. # فقوله: "أمن هو قانت آناء ms6467 الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ~~ربه" أحد شقي الترديد محذوف والتقدير أهذا الذي ذكرناه خير أم من هو قانت إلخ؟. # والقنوت - على ما ذكره الراغب - لزوم الطاعة مع الخضوع، والآناء جمع أنى ~~وهو الوقت، و"يحذر الآخرة" أي عذاب الله في الآخرة قال تعالى: "إن عذاب ربك ~~كان محذورا:" الإسراء: - 57، وقوله: "يرجوا رحمة ربه" هو وما قبله يجمعان ~~خوف العذاب ورجاء الرحمة، ولم يقيد الرحمة بالآخرة فإن رحمة الآخرة ربما ~~وسعت الدنيا. # والمعنى أهذا الكافر الذي هو من أصحاب النار خير أم من هو لازم للطاعة ~~والخضوع لربه في أوقات الليل إذا جن عليه ساجدا في صلاته تارة قائما فيها ~~أخرى يحذر عذاب الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ أي لا يستويان. # وقوله: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" العلم وعدمه مطلقان ~~لكن المراد بهما بحسب ما ينطبق على مورد الآية العلم بالله وعدمه فإن ذلك ~~هو الذي يكمل به الإنسان وينتفع بحقيقة معنى الكلمة ويتضرر بعدمه، وغيره من ~~العلم كالمال ينتفع به في الحياة الدنيا ويفنى بفنائها. # وقوله: "إنما يتذكر أولوا الألباب" أي ذوو العقول وهو في مقام التعليل ~~لعدم تساوي الفريقين بأن أحد الفريقين يتذكر حقائق الأمور دون الفريق الآخر ~~فلا يستويان بل يترجح الذين يعلمون على غيرهم. # قوله تعالى: "قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة" إلى آخر الآية، الجار والمجرور "في هذه الدنيا" متعلق بقوله: ~~"أحسنوا" فالمراد بالجملة وعد الذين أحسنوا أي لزموا الأعمال الحسنة أن لهم ~~حسنة لا يقدر وصفها بقدر. # وقد أطلق الحسنة فلم يقيدها بدنيا أو آخرة وظاهرها ما يعلم الدنيا ~~فللمؤمنين المحسنين في هذه الدنيا طيب النفس وسلامة الروح وصون النفوس عما ~~يتقلب فيه الكفار من تشوش البال وتقسم القلب وغل الصدر والخضوع للأسباب ~~الظاهرية وفقد من يرجى في كل نائبة وينصر عند طروق الطارقة ويطمأن إليه في ~~كل نازلة وفي الآخرة سعادة دائمة ونعيم مقيم. # وقيل: "في هذه الدنيا" متعلق بحسنة. # وليس بذاك. # وقوله: "وأرض ms6468 الله واسعة" حث وترغيب لهم في الهجرة من مكة إذ كان التوقف ~~فيها صعبا على المؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركون يزيدون ~~كل يوم في التشديد عليهم وفتنتهم، والآية بحسب لفظها عامة. # وقيل: المراد بأرض الله الجنة أي إن الجنة واسعة لا تزاحم فيها فاكتسبوها ~~بالطاعة والعبادة. # وهو بعيد. # وقوله: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" توفية الأجر إعطاؤه تاما ~~كاملا، والسياق يفيد أن القصر في الكلام متوجه إلى قوله: "بغير حساب" ~~فالجار والمجرور متعلق بقوله: "يوفى" صفة لمصدر يدل عليه والمعنى لا يعطى ~~الصابرون أجرهم إلا إعطاء بغير حساب، فالصابرون لا يحاسبون على أعمالهم ولا ~~ينشر لهم ديوان ولا يقدر أجرهم بزنة عملهم. PageV17P124 # وقد أطلق الصابرون في الآية ولم يقيد بكون الصبر على الطاعة أو عن المعصية ~~أو عند المصيبة وإن كان الذي ينطبق على مورد الآية هو الصبر على مصائب ~~الدنيا وخاصة ما يصيب من جهة أهل الكفر والسوق من آمن بالله وأخلص له دينه ~~واتقاه. # وقيل: "بغير حساب" حال من "أجرهم" ويفيد كثرة الأجر الذي يوفونه، والوجه ~~السابق أقرب. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي: أن رجلا قال: يا رسول ~~الله إنا نعطي أموالنا التماس الذكر فهل لنا في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله لا يقبل إلا ممن أخلص له. ثم تلا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية "ألا لله الدين الخالص". # وفيه، أخرج ابن جرير من طريق جويبر عن ابن عباس: "والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء" الآية قال: أنزلت في ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة كانوا ~~يعبدون الأوثان ويقولون: الملائكة بناته فقالوا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى". # أقول: الآية مطلقة تشمل عامة الوثنيين، وقول: "ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى" قول جميعهم، وكذا القول بالولد ولا تصريح في الآية بالقول ~~بكون الملائكة بنات فالحق أن الخبر من التطبيق. # وفي الكافي، والعلل، بإسنادهما عن ms6469 زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قلت: "آناء الليل ساجدا وقائما" إلخ قال: يعني صلاة الليل. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله عز وجل: "هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون - إنما يتذكر أولوا الألباب" قال نحن ~~الذين يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أولو الألباب. # أقول: وهذا المعنى مروي بطرق كثيرة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ~~وهو جري وليس من التفسير في شيء. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن سعد في طبقاته وابن مردويه عن ابن عباس: في ~~قوله: "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما" قال: نزلت في عمار بن ياسر:. ~~أقول: وروي مثله عن جويبر عن عكرمة، وروي عن جويبر عن ابن عباس أيضا: أنها ~~نزلت في ابن مسعود وعمار وسالم مولى أبي حذيفة:. وروي عن أبي نعيم وابن ~~عساكر عن ابن عمر أنه عثمان وقيل غير ذلك، والجميع من التطبيق وليس من ~~النزول بالمعنى المصطلح عليه، والسورة نازلة دفعة. # وفي المجمع، روى العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا نشرت ~~الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان. ثم ~~تلا هذه الآية "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". # أقول: وروي ما في معناه في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن أنس بن مالك ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث. PageV17P125 ### ||| AUTO 39 سورة الزمر - 11 - 20 # قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد ~~مخلصا له دينى (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون (16) ~~والذين اجتنبوا الطغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ms6470 فبشر عباد ~~(17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولوا الألبب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار (19) ~~لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهر وعد ~~الله لا يخلف الله الميعاد (20) ### |||| AUTO بيان # في الآيات نوع رجوع إلى أول الكلام وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يبلغهم أن الذي يدعوهم إليه من التوحيد وإخلاص الدين لله هو مأمور به ~~كأحدهم ويزيد أنه مأمور أن يكون أول مسلم لما يدعو إليه أي يكون بحيث يدعو ~~إلى ما قد أسلم له وآمن به قبل، سواء أجابوا إلى دعوته أو ردوها. # فعليهم أن لا يطمعوا فيه أن يخالف فعله قوله وسيرته دعوته فإنه مجيب لربه ~~مسلم له متصلب في دينه خائف منه أن يعصيه ثم تنذر الكافرين وتبشر المؤمنين ~~بما أعد الله سبحانه لكل من الفريقين من عذاب أو نعمة. # قوله تعالى: "قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين - إلى قوله - أول ~~المسلمين" نحو رجوع إلى قوله تعالى في مفتتح السورة: "إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين" بداعي أن يؤيسهم من نفسه، فلا ~~يطمعوا فيه أن يترك دعوتهم ويوافقهم على الإشراك بالله كما يشير إليه أول ~~سورة ص وآيات أخر. # فكأنه يقول: قل لهم إن الذي تلوت عليكم من أمره تعالى بعبادته بإخلاص ~~الدين - وقد وجه به الخطاب إلي - ليس المراد به مجرد دعوتكم إلى ذلك ~~بإقامتي في الخطاب مقام السامع فيكون من قبيل "إياك أعني واسمعي يا جارة" ~~بل أنا كأحدكم مأمور بعبادته مخلصا له الدين، ولا ذلك فحسب، بل مأمور بأن ~~أكون أول المسلمين لما ينزل إلي من الوحي فأسلم له أولا ثم أبلغه لغيري - ~~فأنا أخاف ربي وأعبده بالإخلاص آمنتم به أو كفرتم فلا تطمعوا في. # فقوله: "قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين" إشارة إلى أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يشارك غيره في الأمر بدون ms6471 الإخلاص. # وقوله: "وأمرت لأن أكون أول المسلمين" إشارة إلى أن في الأمر المتوجه إلي ~~زيادة على ما توجه إليكم من التكليف وهو أني أمرت بما أمرت وقد توجه الخطاب ~~إلي قبلكم والغرض منه أن أكون أول من أسلم لهذا الأمر وآمن به. # قيل: اللام في قوله: "لأن أكون" للتعليل والمعنى وأمرت بذلك لأجل أن أكون ~~أول المسلمين، وقيل: اللام زائدة كما تركت اللام في قوله تعالى: "قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم:" الأنعام: - 14. # ومآل الوجهين واحد بحسب المعنى فإن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) أول ~~المسلمين يعطي عنوانا لإسلامه وعنوان الفعل يصح أن يجعل غاية للأمر بالفعل ~~وأن يجعل متعلقا للأمر فيؤمر به يقال: اضربه للتأديب، ويقال: أدبه بالضرب. # قال في الكشاف،: وفي معناه أوجه: أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي ~~لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأن أكون أول الذين ~~دعوتهم إلى الإسلام إسلاما، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا غيره ~~لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون ~~بما لا يفعلون، وأن أفعل ما استحق به الأولية من أعمال السابقين دلالة على ~~السبب بالمسبب. # انتهى. # وأنت خبير بأن الأنسب لسياق الآيات هو الوجه الثالث وهو الذي قدمناه ~~ويلزمه سائر الوجوه. PageV17P126 # قوله تعالى: "قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" المراد بمعصية ربه ~~بشهادة السياق مخالفة أمره بعبادته مخلصا له الدين، وباليوم العظيم يوم ~~القيامة والآية كالتوطئة لمضمون الآية التالية. # قوله تعالى: "قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه" تصريح ~~بأنه ممتثل لأمر ربه مطيع له بعد التكنية عنه في الآية السابقة، وإياس لهم ~~أن يطمعوا فيه أن يخالف أمر ربه. # وتقديم المفعول في قوله: "قل الله أعبد" يفيد الحصر، وقوله: "مخلصا له ~~ديني" يؤكد معنى الحصر، وقوله: "فاعبدوا ما شئتم من دونه" أمر تهديدي بمعنى ~~أنهم لا ينفعهم ذلك فإنهم مصيبهم وبال إعراضهم عن ms6472 عبادة الله بالإخلاص كما ~~يشير إليه ذيل الآية "قل إن الخاسرين" إلخ. # قوله تعالى: "قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة" ~~إلخ الخسر والخسران ذهاب رأس المال إما كلا أو بعضا والخسران أبلغ من ~~الخسر، وخسران النفس هو إيرادها مورد الهلكة والشقاء بحيث يبطل منها ~~استعداد الكمال فيفوتها السعادة بحيث لا يطمع فيها وكذا خسارة الأهل. # وفي الآية تعريض للمشركين المخاطبين بقوله: "فاعبدوا ما شئتم من دونه" ~~كأنه يقول: فأيا ما عبدتم فإنكم تخسرون أنفسكم بإيرادها بالكفر مورد الهلكة ~~وأهليكم وهم خاصتكم بحملهم على الكفر والشرك وهي الخسران بالحقيقة. # وقوله: "ألا ذلك هو الخسران المبين" وذلك لأن الخسران المتعلق بالدنيا - ~~وهو الخسران في مال أو جاه - سريع الزوال منقطع الآخر بخلاف خسران يوم ~~القيامة الدائم الخالد فإنه لا زوال له ولا انقطاع. # على أن المال أو الجاه إذا زال بالخسران أمكن أن يخلفه آخر مثله أو خير ~~منه بخلاف النفس إذا خسرت. # هذا على تقدير كون المراد بالأهل خاصة الإنسان في الدنيا، وقيل: المراد ~~بالأهل من أعده الله في الجنة للإنسان لو آمن واتقى من أزواج وخدم وغيرهم ~~وهو أوجه وأنسب للمقام فإن النسب وكل رابطة من الروابط الدنيوية الاجتماعية ~~مقطوعة يوم القيامة قال تعالى: "فلا أنساب بينهم يومئذ:" المؤمنون: - 101 ~~وقال: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئا:" الانفطار: - 19 إلى غير ذلك من الآيات. # ويؤيده أيضا قوله تعالى: "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا:" الانشقاق: - 9. # قوله تعالى: "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل" إلخ الظلل جمع ~~ظلة وهي - كما قيل - الستر العالي. # والمراد بكونها من فوقهم ومن تحتهم إحاطتها بهم فإن المعهود من النار ~~الجهتان والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى" قال الراغب: الطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ~~ويستعمل في الواحد والجمع. # انتهى، والظاهر أن المراد بها في الآية الأوثان وكل معبود طاغ من ms6473 دون الله. # ولم يقتصر على مجرد اجتناب عبادة الطاغوت بل أضاف إليه قوله: "وأنابوا ~~إلى الله" إشارة إلى أن مجرد النفي لا يجدي شيئا بل الذي ينفع الإنسان ~~مجموع النفي والإثبات، عبادة الله وترك عبادة غيره وهو عبادته مخلصا له الدين. # وقوله: "لهم البشرى" إنشاء بشرى وخبر لقوله: "والذين اجتنبوا" إلخ. # قوله تعالى: "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" إلى آخر ~~الآية كان مقتضى الظاهر أن يقال: فبشرهم غير أنه قيل: فبشر عباد وأضيف إلى ~~ضمير التكلم لتشريفهم به ولتوصيفهم بقوله: "الذين يستمعون القول" إلخ. # والمراد بالقول بقرينة ما ذكر من الاتباع ما له نوع ارتباط ومساس بالعمل ~~فأحسن القول أرشده في إصابة الحق وأنصحه للإنسان، والإنسان إذا كان ممن يحب ~~الحسن وينجذب إلى الجمال كان كلما زاد الحسن زاد انجذابا فإذا وجد قبيحا ~~وحسنا مال إلى الحسن، وإذا وجد حسنا وأحسن قصد ما هو أحسن، وأما لو لم يمل ~~إلى الأحسن وانجمد على الحسن كشف ذلك عن أنه لا ينجذب إليه من حيث حسنه ~~وإلا زاد الانجذاب بزيادة الحسن. # فتوصيفهم باتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق وإرادة ~~الرشد وإصابة الواقع فكلما دار الأمر بين الحق والباطل والرشد والغي اتبعوا ~~الحق والرشد وتركوا الباطل والغي وكلما دار الأمر بين الحق والأحق والرشد ~~وما هو أكثر رشدا أخذوا بالأحق الأرشد. PageV17P127 # فالحق والرشد هو مطلوبهم ولذلك يستمعون القول ولا يردون قولا بمجرد ما قرع ~~سمعهم اتباعا لهوى أنفسهم من غير أن يتدبروا فيه ويفقهوه. # فقوله: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" مفاده أنهم طالبو الحق ~~والرشد يستمعون القول رجاء أن يجدوا فيه حقا وخوفا أن يفوتهم شيء منه. # وقيل: المراد باستماع القول واتباع أحسنه استماع القرآن وغيره واتباع ~~القرآن، وقيل: المراد استماع أوامر الله تعالى واتباع أحسنها كالقصاص ~~والعفو فيتبعون العفو وإبداء الصدقات وإخفائها فيتبعون الإخفاء، والقولان ~~من قبيل التخصيص من غير مخصص. # وقوله: "أولئك الذين هداهم الله" إشارة إلى أن هذه الصفة هي الهداية ~~الإلهية وهذه الهداية أعني ms6474 طلب الحق والتهيؤ التام لاتباع الحق أينما وجد ~~هي الهداية الإجمالية وإليها تنتهي كل هداية تفصيلية إلى المعارف الإلهية. # وقوله: "وأولئك هم أولوا الألباب" أي ذوو العقول ويستفاد منه أن العقل هو ~~الذي به الاهتداء إلى الحق وآيته صفة اتباع الحق، وقد تقدم في تفسير قوله: ~~"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه:" البقرة: - 130 أنه يستفاد منه ~~أن العقل ما يتبع به دين الله. # قوله تعالى: "أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار" ثبوت ~~كلمة العذاب وجوب دخول النار بالكفر بقوله عند إهباط آدم إلى الأرض: ~~"والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:" البقرة: ~~- 39 وما في معناه من الآيات. # ومقتضى السياق أن في الآية إضمارا يدل عليه قوله: "أفأنت تنقذ من في ~~النار" والتقدير أفمن حقت عليه كلمة العذاب ينجو منه وهو أولى من تقدير ~~قولنا: خير أم من وجبت عليه الجنة. # وقيل: المعنى أفمن وجب عليه وعيده تعالى بالعقاب أفأنت تخلصه من النار ~~فاكتفى بذكر "من في النار" عن ذكر الضمير العائد إلى المبتدإ وجيء ~~بالاستفهام مرتين للتأكيد تنبيها على المعنى. # وقيل: التقدير أفأنت تنقذ من في النار منهم فحذف الضمير وهو أردأ الوجوه. # قوله تعالى: "لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار" الغرف جمع غرفة وهي المنزل الرفيع. # قيل: وهذا في مقابلة قوله في الكافرين: "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن ~~تحتهم ظلل". # وقوله: "وعد الله" أي وعدهم الله ذلك وعدا فهو مفعول مطلق قائم مقام فعله ~~وقوله: "لا يخلف الله الميعاد" إخبار عن سنته تعالى في مواعيده وفيه تطييب ~~لنفوسهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم" يقول: غبنوا ~~أنفسهم وأهليهم. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والذين اجتنبوا الطاغوت - أن يعبدوها ~~وأنابوا إلى الله لهم البشرى": روى أبو بصير عن أبي ms6475 عبد الله (عليه السلام) ~~أنه قال: أنتم هم ومن أطاع جبارا فقد عبده. # أقول: وهو من الجري. # وفي الكافي،: بعض أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن ~~موسى بن جعفر (عليه السلام): يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل ~~والفهم في كتابه فقال: "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه - ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب". # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: في قوله ~~تعالى: "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها" قال: نزلت هاتان الآيتان في ~~ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، في زيد بن عمرو بن ~~نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي:. أقول: ورواه في المجمع، عن عبد الله ~~بن زيد، وروي في الدر المنثور، أيضا عن ابن مردويه عن ابن عمر: أنها نزلت ~~في سعيد بن زيد وأبي ذر وسلمان، وروي أيضا عن جويبر عن جابر بن عبد الله: ~~أنها نزلت في رجل من الأنصار أعتق سبعة مماليك لما نزل قوله تعالى: "لها ~~سبعة أبواب" الآية، والظاهر أن الجميع من تطبيق القصة على الآية. PageV17P128 ### ||| AUTO 39 سورة الزمر - 21 - 37 # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينبيع فى الأرض ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألونه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطما إن فى ذلك لذكرى لأولى ~~الألبب (21) أفمن شرح الله صدره للاسلم فهو على نور من ربه فويل للقسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك فى ضلل مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتبا ~~متشبها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) ~~أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيمة وقيل للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ~~(24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله ~~الخزى فى الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون ms6476 (26) ولقد ~~ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرءانا عربيا غير ~~ذى عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ~~ميتون (30) ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على ~~الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس فى جهنم مثوى للكفرين (32) والذى جاء بالصدق ~~وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ~~(34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا ~~يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام (37) ### |||| AUTO بيان # عود إلى بدء من الاحتجاج على ربوبيته تعالى والقول في اهتداء المهتدين ~~وضلال الضالين والمقايسة بين الفريقين وما ينتهي إليه عاقبة أمر كل منهما، ~~وفيها معنى هداية القرآن. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض" ~~إلى آخر الآية، قال في المجمع،: الينابيع جمع ينبوع وهو الذي ينبع منه ~~الماء يقال نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه، والزرع ما ينبت على غير ساق ~~والشجر ما له ساق وأغصان النبات يعم الجميع، وهاج النبت يهيج هيجا إذا جف ~~وبلغ نهايته في اليبوسة، والحطام فتات التبن والحشيش. # انتهى. # وقوله: "فسلكه ينابيع في الأرض" أي فأدخله في عيون ومجاري في الأرض هي ~~كالعروق في الأبدان تنقل ما تحمله من جانب إلى جانب، والباقي ظاهر والآية - ~~كما ترى - تحتج على توحده تعالى في الربوبية. # قوله تعالى: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله" إلخ لما ذكر في الآية السابقة أن فيما ذكره من ~~إنزال الماء وإنبات النبات ذكرى لأولي الألباب وهم عباده المتقون وقد ذكر ~~قبل أنهم الذين هداهم الله ذكر في هذه الآية أنهم ليسوا كغيرهم ms6477 من الضالين ~~وأوضح السبب في ذلك وهو أنهم على نور من ربهم يبصرون به الحق وفي قلوبهم ~~لين لا تعصي عن قبول ما يلقى إليهم من أحسن القول. # فقوله: "أفمن شرح الله صدره" خبره محذوف يدل عليه قوله: "فويل للقاسية ~~قلوبهم" إلخ أي كالقاسية قلوبهم والاستفهام للإنكار أي لا يستويان. PageV17P129 # وشرح الصدر بسطه ليسع ما يلقى إليه من القول وإذ كان ذلك للإسلام وهو ~~التسليم لله فيما أراد وليس إلا الحق كان معناه كون الإنسان بحيث يقبل ما ~~يلقى إليه من القول الحق ولا يرده، وليس قبولا من غير دراية وكيفما كان بل ~~عن بصيرة بالحق وعرفان بالرشد ولذا عقبه بقوله: "فهو على نور من ربه" فجعله ~~بحسب التمثيل راكب نور يسير عليه ويبصر ما يمر به في ساحة صدره الرحب ~~الوسيع من الحق فيبصره ويميزه من الباطل بخلاف الضال الذي لا في صدره شرح ~~فيسع الحق ولا هو راكب نور من ربه فيبصر الحق ويميزه. # وقوله: "فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله" تفريع على الجملة السابقة بما ~~يدل على أن القاسية القلوب - وقساوة القلب وصلابته لازمة عدم شرح الصدر ~~وعدم النور - لا يتذكرون بآيات الله فلا يهتدون إلى ما تدل عليه من الحق، ~~ولذا عقبه بقوله: "أولئك في ضلال مبين". # وفي الآية تعريف الهداية بلازمها وهو شرح الصدر وجعله على نور من ربه، ~~وتعريف الضلال بلازمه وهو قساوة القلب من ذكر الله. # وقد تقدم في تفسير قوله: "ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" ~~الآية: الأنعام: - 125 كلام في معنى الهداية فراجع. # قوله تعالى: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني" إلى آخر الآية ~~كالإجمال بعد التفصيل بالنسبة إلى الآية السابقة بالنظر إلى ما يتحصل من ~~الآية في معنى الهداية وإن كانت بيانا لهداية القرآن. # فقوله: "الله نزل أحسن الحديث" هو القرآن الكريم والحديث هو القول كما في ~~قوله تعالى: "فليأتوا بحديث مثله:" الطور: - 34، وقوله: "فبأي حديث بعده ~~يؤمنون:" المرسلات: - 50 فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق ms6478 الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلامه المجيد. # وقوله: "كتابا متشابها" أي يشبه بعض أجزائه بعضا وهذا غير التشابه الذي ~~في المتشابه المقابل للمحكم فإنه صفة بعض آيات الكتاب وهذا صفة الجميع. # وقوله: "مثاني" جمع مثنية بمعنى المعطوف لانعطاف بعض آياته على بعض ~~ورجوعه إليه بتبين بعضها ببعض وتفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها بحيث ~~يدفع بعضه بعضا ويناقضه كما قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا:" النساء: - 82. # وقوله: "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم" صفة الكتاب وليس استئنافا، ~~والاقشعرار تقبض الجلد تقبضا شديدا لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو ~~رؤيته، وليس ذلك إلا لأنهم على تبصر من موقف نفوسهم قبال عظمة ربهم فإذا ~~سمعوا كلامه توجهوا إلى ساحة العظمة والكبرياء فغشيت قلوبهم الخشية وأخذت ~~جلودهم في الاقشعرار. # وقوله: "ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" "تلين" مضمنة معنى السكون ~~والطمأنينة ولذا عدي بإلى والمعنى ثم تسكن وتطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله لينة تقبله أو تلين له ساكنة إليه. # ولم يذكر القلوب في الجملة السابقة عند ذكر الاقشعرار لأن المراد بالقلوب ~~النفوس ولا اقشعرار لها وإنما لها الخشية. # وقوله: "ذلك هدى الله يهدي به من يشاء" أي ما يأخذهم من اقشعرار الجلود ~~من القرآن ثم سكون جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله هو هدى الله وهذا تعريف آخر ~~للهداية بلازمها. # وقوله: "يهدي به من يشاء" أي يهدي بهداه من يشاء من عباده وهو الذي لن ~~يبطل استعداده للاهتداء ولم يشغل بالموانع عنه كالفسق والظلم وفي السياق ~~إشعار بأن الهداية من فضله وليس بموجب فيها مضطر إليها. # وقيل: المشار إليه بقوله: "ذلك هدى الله" القرآن وهو كما ترى، وقد استدل ~~بالآيات على أن الهداية من صنع الله لا يشاركه فيها غيره، والحق أنها خالية ~~عن الدلالة على ذلك وإن كان الحق هو ذلك بمعنى كونها لله سبحانه أصالة ولمن ~~اختاره من عباده لذلك تبعا كما يستفاد ms6479 من مثل قوله: "قل إن هدى الله هو ~~الهدى:" البقرة: - 120 وقوله: "إن علينا للهدى:" الليل: - 12، وقوله: ~~"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:" الأنبياء: - 73، وقوله: "وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم:" الشورى: - 52. PageV17P130 # فالهداية كلها لله إما بلا واسطة أو بواسطة الهداة المهديين من خلقه وعلى ~~هذا فمن أضله من خلقه بأن لم يهده بالواسطة ولا بلا واسطة فلا هادي له وذلك ~~قوله في ذيل الآية: "ومن يضلل الله فما له من هاد" وسيأتي الجملة بعد عدة ~~آيات وهي متكررة في كلامه تعالى. # قوله تعالى: "أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون" مقايسة بين أهل العذاب يوم القيامة والآمنين منه ~~والفريقان هما أهل الضلال وأهل الهدى ولذا عقب الآية السابقة بهذه الآية. # والاستفهام للإنكار وخبر "من" محذوف والتقدير كمن هو في أمن منه، ويوم ~~القيامة متعلق بيتقي، والمعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة لكون ~~يده التي بها كان يتقي المكاره مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن من العذاب لا ~~يصيبه مكروه. # كذا قيل. # وقيل: الاتقاء بوجهه بالمعنى المذكور لا وجه له لأن الوجه ليس مما يتقى ~~به بل المراد الاتقاء بكليته أو بخصوص وجهه سوء عذاب يوم القيامة ويوم ~~القيامة قيد للعذاب والمراد عكس الوجه السابق، والمعنى أفمن يتقي سوء ~~العذاب الذي يوم القيامة في الدنيا بتقوى الله كالمصر على كفره، ولا يخلو ~~من التكلف. # وقوله: "وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون" القول لملائكة النار، ~~والظاهر أن الجملة بتقدير قد أو بدونه والأصل وقيل لهم ذوقوا "إلخ" لكن وضع ~~الظاهر موضع الضمير للدلالة على علة الحكم وهي الظلم. # قوله تعالى: "كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون" أي من ~~الجهة التي لا يحتسبون ففوجئوا وأخذوا على غفلة وهو أشد الأخذ، وفي الآية ~~وما بعدها بيان لما أصاب بعض الكفار من عذاب الخزي ليكون عبرة لغيرهم. # قوله تعالى: "فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون" الخزي هو الذل والصغار، ms6480 وقد أذاقهم الله ذلك في ألوان من ~~العذاب أنزلنا عليهم كالغرق والخسف والصيحة والرجفة والمسخ والقتل. # قوله تعالى: "ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون" ~~أي ضربنا لهم من كل نوع من الأمثال شيئا لعلهم يتنبهون ويعتبرون ويتعظون ~~بتذكر ما تتضمنه. # قوله تعالى: "قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون" العوج الانحراف ~~والانعطاف، "قرآنا عربيا" منصوب على المدح بتقدير أمدح أو أخص ونحوه أو حال ~~معتمد على الوصف. # قوله تعالى: "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان" إلخ، قال الراغب: الشكس - بالفتح فالكسر - سيىء الخلق، وقوله: ~~"شركاء متشاكسون" أي متشاجرون لشكاسة خلقهم. # انتهى وفسروا السلم بالخالص الذي لا يشترك فيه كثيرون. # مثل ضربه الله للمشرك الذي يعبد أربابا وآلهة مختلفين فيشتركون فيه وهم ~~متنازعون فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر وكل يريد أن يتفرد فيه ويخصه ~~بخدمة نفسه، وللموحد الذي هو خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه ~~فيما يريد منه من غير تنازع يؤدي إلى الحيرة فالمشرك هو الرجل الذي فيه ~~شركاء متشاكسون والموحد هو الرجل الذي هو سلم لرجل. # لا يستويان بل الذي هو سلم لرجل أحسن حالا من صاحبه. # وهذا مثل ساذج ممكن الفهم لعامة الناس لكنه عند المداقة يرجع إلى قوله ~~تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا:" الأنبياء: - 22 وعاد برهانا ~~على نفي تعدد الأرباب والآلهة. # وقوله: "الحمد لله" ثناء لله بما أن عبوديته خير من عبودية من سواه. # وقوله: "بل أكثرهم لا يعلمون" مزية عبادته على عبادة غيره على ما له من ~~الظهور التام لمن له أدنى بصيرة. # قوله تعالى: "إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" ~~الآية الأولى تمهيد لما يذكر في الثانية من اختصامهم يوم القيامة عند ربهم ~~والخطاب في "إنكم" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته أو المشركين منهم ~~خاصة والاختصام - كما في المجمع، - رد كل واحد من الاثنين ما أتى به الآخر ~~على وجه ms6481 الإنكار عليه. # والمعنى: إن عاقبتك وعاقبتهم الموت ثم إنكم جميعا يوم القيامة بعد ما ~~حضرتم عند ربكم تختصمون وقد حكى مما يلقيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا:" الفرقان: - 30. PageV17P131 # والآيتان عامتان بحسب لفظهما لكن الآيات الأربع التالية تؤيد أن المراد ~~بالاختصام ما يقع بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الكافرين من ~~أمته يوم القيامة. # قوله تعالى: "فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين" في الآية وما بعدها مبادرة إلى ذكر ما ينتهي إليه أمر ~~اختصامهم يوم القيامة وتلويح إلى ما هو نتيجة القضاء بينهم كأنه قيل: ~~ونتيجة ما يقضى به بينكم معلومة اليوم وأنه من هو الناجي منكم، ومن هو ~~الهالك؟ فإن القضاء يومئذ يدور مدار الظلم والإحسان ولا أظلم من الكافر ~~والمؤمن متق محسن والظلم إلى النار والإحسان إلى الجنة. # هذا ما يعطيه السياق. # فقوله: "فمن أظلم ممن كذب على الله" أي افترى عليه بأن ادعى أن له شركاء ~~والظلم يعظم بعظم من تعلق به وإذا كان هو الله سبحانه كان أعظم من كل ظلم ~~ومرتكبه أظلم من كل ظالم. # وقوله: "وكذب بالصدق إذ جاءه" المراد بالصدق الصادق من النبإ وهو الدين ~~الإلهي الذي جاء به الرسول بقرينة قوله: "إذ جاءه". # وقوله: "أليس في جهنم مثوى للكافرين" المثوى اسم مكان بمعنى المنزل ~~والمقام، والاستفهام للتقرير أي إن في جهنم مقام هؤلاء الظالمين لتكبرهم ~~على الحق الموجب لافترائهم على الله وتكذيبهم بصادق النبإ الذي جاء به ~~الرسول. # والآية خاصة بمشركي عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بمشركي أمته ~~بحسب السياق وعامة لكل من ابتدع بدعة وترك سنة من سنن الدين. # قوله تعالى: "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون" المراد بالمجيء ~~بالصدق الإتيان بالدين الحق والمراد بالتصديق به الإيمان به والذي جاء به ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقوله: "أولئك هم المتقون" لعل الإشارة إلى الذي ms6482 جاء به بصيغة الجمع ~~لكونه جمعا بحسب المعنى وهو كل نبي جاء بالدين الحق وآمن بما جاء به بل وكل ~~مؤمن آمن بالدين الحق ودعي إليه فإن الدعوة إلى الحق قولا وفعلا من شئون ~~اتباع النبي، قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني:" يوسف: - 108. # قوله تعالى: "لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين" هذا جزاؤهم عند ~~ربهم وهو أن لهم ما تتعلق به مشيتهم فالمشية هناك هي السبب التام لحصول ما ~~يشاؤه الإنسان أيا ما كان بخلاف ما عليه الأمر في الدنيا فإن حصول شيء من ~~مقاصد الحياة فيها يتوقف - مضافا إلى المشية - على عوامل وأسباب كثيرة منها ~~السعي والعمل المستمد من الاجتماع والتعاون. # فالآية تدل أولا على إقامتهم في دار القرب وجوار رب العالمين، وثانيا أن ~~لهم ما يشاءون فهذان جزاء المتقين وهم المحسنون فإحسانهم هو السبب في ~~إيتائهم الأجر المذكور وهذه هي النكتة في إقامة الظاهر مقام الضمير في ~~قوله: "ذلك جزاء المحسنين" وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وذلك جزاؤهم. # وتوصيفهم بالإحسان وظاهره العمل الصالح أو الاعتقاد الحق والعمل الحسن ~~جميعا يشهد أن المراد بالتصديق المذكور هو التصديق قولا وفعلا. # على أن القرآن لا يسمي تارك بعض ما أنزله الله من حكم مصدقا به. # قوله تعالى: "ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا" إلى آخر الآية ومن ~~المعلوم أنه إذا كفر أسوأ أعمالهم كفر ما دون ذلك، والمراد بأسوإ الذي ~~عملوا ما هو كالشرك والكبائر. # قال في المجمع البيان، في الآية: أي أسقط الله عنهم عقاب الشرك والمعاصي ~~التي فعلوها قبل ذلك بإيمانهم وإحسانهم ورجوعهم إلى الله تعالى انتهى وهو ~~حسن من جهة تعميم الأعمال السيئة، ومن جهة تقييد التكفير بكونه قبل ذلك ~~بالإيمان والإحسان والتوبة فإن الآية تبين أثر تصديق الصدق الذي أتاهم وهو ~~تكفير السيئات بالتصديق والجزاء الحسن في الآخرة. # وقوله: "ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون". # قيل: المراد أنه ينظر إلى أعمالهم فيجازيهم في أحسنها جزاءه اللائق به ~~وفي ms6483 غير الأحسن يجازيهم جزاء الأحسن فالباء للمقابلة نحو بعت هذا بهذا. # ويمكن أن يقال: إن المراد أنه ينظر إلى أرفع أعمالهم درجة فيترفع درجتهم ~~بحسبه فلا يضيع شيء مما هو آخر ما بلغه عملهم من الكمال لكن في جريان نظير ~~الكلام في تكفير الأسوإ خفاء. PageV17P132 # وقيل: صيغة التفضيل في الآية "أسوأ" و"أحسن" مستعملة في الزيادة المطلقة من ~~غير نظر إلى مفضل عليه فإن معصية الله كلها أسوأ وطاعته كلها أحسن. # قوله تعالى: "أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه" المراد ~~بالذين من دونه آلهتهم من دون الله على ما يستفاد من السياق، والمراد ~~بالعبد من مدحه الله تعالى في الآيات السابقة ويشمل النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) شمولا أوليا. # والاستفهام للتقرير والمعنى هو يكفيهم، وفيه تأمين للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قبال تخويفهم إياه بآلهتهم وكناية عن وعده بالكفاية كما صرح به ~~في قوله: "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم:" البقرة: - 137. # قوله تعالى: "ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل" ~~إلخ جملتان كالمتعاكستين مرسلتان إرسال الضوابط الكلية ولذا جيء فيهما باسم ~~الجلالة وكان من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير. # وفي تعقيب قوله: "أليس الله بكاف" إلخ بقوله: "ومن يضلل" إلخ إشارة إلى ~~أن هؤلاء المخوفين لا يهتدون بالإيمان أبدا ولن ينجح مسعاهم وأنهم لن ~~ينالوا بغيتهم ولا أمنيتهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن الله لن ~~يضله وقد هداه. # وقوله: "أليس الله بعزيز ذي انتقام" استفهام للتقرير أي هو كذلك، وهو ~~تعليل ظاهر لقوله: "ومن يضلل الله" إلخ فإن عزته وكونه ذا انتقام يقتضيان ~~أن ينتقم ممن جحد الحق وأصر على كفره فيضله ولا هادي يهديه لأنه تعالى عزيز ~~لا يغلبه فيما يريد غالب، وكذا إذا هدى عبدا من عباده لتقواه وإحسانه لم ~~يقدر على إضلاله مضل. # وفي التعليل دلالة على أن الإضلال المنسوب إلى الله تعالى هو ما كان على ~~نحو المجازاة والانتقام دون الضلال الابتدائي وقد مر ms6484 مرارا. ### |||| AUTO بحث روائي # عن روضة الواعظين، روي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ "أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" فقال: إن النور إذا وقع في ~~القلب انفسح له وانشرح. قالوا: يا رسول الله فهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: ~~التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن عبد الله بن ~~مسعود وعن الحكيم الترمذي عن ابن عمر، وعن ابن جرير وغيره عن قتادة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أفمن شرح الله صدره" الآية قال: نزلت ~~في أمير المؤمنين (عليه السلام). # أقول: ونزول السورة دفعة لا يلائمه كما مر في نظيره. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس: قالوا: يا رسول الله لو ~~حدثتنا فنزل: "الله نزل أحسن الحديث". # أقول: وهو من التطبيق. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "تقشعر منه جلود" الآية: روي عن العباس بن ~~عبد المطلب أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا اقشعر جلد العبد ~~من خشية الله تحاتت 1 عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "قرآنا عربيا غير ذي عوج": أخرج ~~الديلمي في مسند الفردوس عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في ~~قوله: "قرآنا عربيا غير ذي عوج" قال: غير مخلوق. # أقول: الآية تأبى عن الانطباق على الرواية وقد تقدم كلام في معنى الكلام ~~في ذيل قوله تعالى: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض:" البقرة: - 253 في ~~الجزء الثاني من الكتاب. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ورجلا سلما لرجل": روى الحاكم أبو القاسم ~~الحسكاني بالإسناد عن علي أنه قال: أنا ذلك الرجل السلم لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم):. أقول: ورواه أيضا عن العياشي بإسناده عن أبي خالد ~~عن أبي جعفر (عليه السلام) وهو من الجري والمثل عام. # وفيه،: في قوله تعالى: "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" ms6485 قال ابن ~~عمر: كنا نرى أن هذه فينا وفي أهل الكتابين وقلنا: كيف نختصم نحن ونبينا ~~واحد وكتابنا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعلمت أنها فينا نزلت. PageV17P133 # وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول: إن ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد فما ~~هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو ~~هذا:. أقول: وروي في الدر المنثور، الحديث الأول بطرق مختلفة عن ابن عمر ~~وفي ألفاظها اختلاف والمعنى واحد، ورواه أيضا عن عدة من أصحاب الجوامع عن ~~إبراهيم النخعي، وروي ما يقرب منه بطريقين عن الزبير بن العوام، وروي ~~الحديث الثاني عن سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري. # والأحاديث تعارض ما روي أن الصحابة مجتهدون مأجورون إن أصابوا وإن ~~أخطئوا. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والذي جاء بالصدق وصدق به" قيل: الذي جاء ~~بالصدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدق به علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) وهو المروي عن أئمة الهدى من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):. ~~أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن أبي هريرة، والظاهر أنه من ~~الجري نظرا إلى قوله في ذيل الآية "أولئك هم المتقون". # وروي من طرقهم: أن الذي صدق به أبو بكر وهو أيضا من تطبيق الراوي، روي: ~~أن الذي جاء به جبرئيل والذي صدق به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ~~أيضا تطبيق غير أن السياق يدفعه فإن الآيات مسوقة لوصف النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والمؤمنين وجبرئيل أجنبي عنه لا تعلق للكلام به. PageV17P134 ### ||| AUTO 39 سورة الزمر - 38 - 52 # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله قل أفرءيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن كشفت ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكت ~~رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يقوم اعملوا على مكانتكم ~~إنى عمل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) ~~إنا أنزلنا عليك الكتب ms6486 للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت ~~فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن فى ذلك ~~لايت لقوم يتفكرون (42) أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفعة جميعا له ملك السموت والأرض ثم ~~إليه ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة ~~وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السموت والأرض ~~علم الغيب والشهدة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن ~~للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم ~~القيمة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (48) فإذا مس الانسن ضر دعانا ثم إذا ~~خولنه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هى فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم ~~سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم ~~بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن فى ذلك ~~لايت لقوم يؤمنون (52) ### |||| AUTO بيان # في الآيات كرة أخرى على المشركين بالاحتجاج على توحده تعالى في الربوبية ~~وأنه لا يصلح لها شركاؤهم وأن الشفاعة التي يدعونها لشركائهم لا يملكها إلا ~~الله سبحانه وفيها أمور أخر متعلقة بالدعوة من موعظة وإنذار وتبشير. # قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله" إلى آخر ~~الآية شروع في إقامة الحجة وقد قدم لها مقدمة تبتني الحجة عليها وهي مسلمة ~~عند الخصم وهي أن خالق العالم هو الله سبحانه فإن الخصم لا نزاع له في أن ~~الخالق هو الله وحده لا شريك له وإنما يدعي لشركائه التدبير دون الخلق. # وإذا كان الخلق إليه تعالى فما في السماوات ms6487 والأرض من عين ولا أثر إلا ~~وينتهي وجوده إليه تعالى فما يصيب كل شيء من خير أو شر كان وجوده منه تعالى ~~وليس لأحد أن يمسك خيرا يريده تعالى له أو يكشف شرا يريده تعالى له لأنه من ~~الخلق والإيجاد ولا شريك له تعالى في الخلق والإيجاد حتى يزاحمه في خلق شيء ~~أو يمنعه من خلق شيء أو يسبقه إلى خلق شيء والتدبير نظم الأمور وترتيب ~~بعضها على بعض خلق وإيجاد فالله الخالق لكل شيء كاف في تدبير أمر العالم ~~لأنه الخالق لكل شيء وليس وراء الخلق شيء حتى يتوهم استناده إلى غيره فهو ~~الله رب كل شيء وإلهه لا رب سواه ولا إله غيره. PageV17P135 # فقوله: "قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله" أي أقم الحجة عليهم بانيا لها ~~على هذه المقدمة المسلمة عندهم أن الله خالق كل شيء وقل مفرعا عليه أخبروني ~~عما تدعون من دون الله، والتعبير عن آلهتهم بلفظة "ما" دون "من" ونحوه يفيد ~~تعميم البيان للأصنام وأربابها جميعا فإن الخواص منهم وإن قصروا العبادة ~~على الأرباب من الملائكة وغيرهم واتخذوا الأصنام قبلة وذريعة إلى التوجه ~~إلى أربابها لكن عامتهم ربما أخذوا الأصنام نفسها أربابا وآلهة يعبدونها ~~ونتيجة الحجة عامة تشمل الجميع. # وقوله: "إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته" الضر كالمرض والشدة ونحوهما وظاهر مقابلته الرحمة عمومه لكل ~~مصيبة، وإضافة الضر والرحمة إلى ضميره تعالى في "كاشفات ضره" و"ممسكات ~~رحمته" لحفظ النسبة لأن المانع من كشف الضر وإمساك الرحمة هو نسبتهما إليه تعالى. # وتخصيص الضر والرحمة به (صلى الله عليه وآله وسلم) من عموم الحجة له ~~ولغيره لكونه المخاصم الأصيل لهم وقد خوفوه بآلهتهم من دون الله. # وإرجاع ضمير الجمع المؤنث إلى ما يدعونه من دون الله لتغليب جانب غير ~~أولي العقل من الأصنام وهو يؤيد ما قدمناه في قوله: "أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله" أن التعبير بما لتعميم الحجة للأصنام وأربابها. # وقوله: "قل حسبي الله" أمر ms6488 بالتوكل عليه تعالى كما يدل عليه قوله بعده: ~~"عليه يتوكل المتوكلون" وهو موضوع موضع نتيجة الحجة كأنه قيل: قل لهم: إني ~~اتخذت الله وكيلا لأن أمر تدبيري إليه كما أن أمر خلقي إليه فهو في معنى ~~قولنا: فقد دلت الحجة على ربوبيته وصدقت ذلك عملا باتخاذه وكيلا في أموري. # وقوله: "عليه يتوكل المتوكلون" تقديم الظرف على متعلقه للدلالة على الحصر ~~أي عليه يتوكلون لا على غيره، وإسناد الفعل إلى الوصف من مادته للدلالة على ~~كون المراد المتوكلين بحقيقة معنى التوكل ففي الجملة ثناء عليه تعالى بأنه ~~الأهل للتوكل عليه يتوكل أهل البصيرة في التوكل فلا لوم علي أن توكلت عليه ~~وقلت: حسبي الله. # قوله تعالى: "قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل - إلى قوله - عذاب ~~مقيم" المكانة هي المنزلة والقدر وهي في المعقولات كالمكان في المحسوسات ~~فأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم معناه أمرهم أن يستمروا على الحالة التي هم ~~عليها من الكفر والعناد والصد عن سبيل الله. # وقوله: "فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه" الظاهر أن "من" استفهامية لا ~~موصولة لظهور العلم فيما يتعلق بالجملة لا بالمفرد. # وقوله: "ويحل عليه عذاب مقيم" أي دائم وهو المناسب للحلول، وتفكيك أمر ~~العذابين يشهد أن المراد بالأول عذاب الدنيا وبالثاني عذاب الآخرة، وفي ~~الكلام أشد التهديد. # والمعنى قل مخاطبا للمشركين من قومك: يا قوم اعملوا - مستمرين - على ~~حالتكم التي أنتم عليها من الكفر والعناد إني عامل - كما أومر غير منصرف ~~عنه - فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويذله؟ وهو عذاب الدنيا كما في يوم ~~بدر ويحل عليه ولا يفارقه عذاب دائم وهو عذاب الآخرة. # قوله تعالى: "إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق" إلى آخر الآية. # في مقام التعليل للأمر الذي في الآية السابقة، واللام في قوله: "للناس" ~~للتعليل أي لأجل الناس أن تتلوه عليهم وتبلغهم ما فيه، والباء في قوله: ~~"بالحق" للملابسة أي ملابسا للحق لا يشوبه باطل. # وقوله: "فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها" أي يتفرع على هذا ~~الإنزال ms6489 أن من اهتدى فإنما يعود نفعه من سعادة الحياة وثواب الدار الآخرة ~~إلى نفسه، ومن ضل ولم يهتد به فإنما يعود شقاؤه ووباله من عقاب الدار ~~الآخرة إلى نفسه فالله سبحانه أجل من أن ينتفع بهداهم أو يتضرر بضلالهم. # وقوله: "وما أنت عليهم بوكيل" أي مفوضا إليه أمرهم قائما بتدبير شئونهم ~~حتى توصل ما فيه من الهدى إلى قلوبهم. # والمعنى إنما أمرناك أن تهددهم بما قلنا لأنا نزلنا عليك الكتاب بالحق ~~لأجل أن تقرأه على الناس لا غير فمن اهتدى منهم فإنما يعود نفعه إلى نفسه ~~ومن ضل ولم يهتد به فإنما يعود ضرره إلى نفسه وما أنت وكيلا من قبلنا عليهم ~~تدبر شئونهم فتوصل الهدى إلى قلوبهم فليس لك من الأمر شيء. PageV17P136 # قوله تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين موتها" إلى آخر الآية، قال في المجمع،: ~~التوفي قبض الشيء على الإيفاء والإتمام يقال: توفيت حقي من فلان واستوفيته بمعنى. # انتهى. # تقديم المسند إليه في الآية يفيد الحصر أي هو تعالى المتوفي لها لا غير ~~وإذا انضمت الآية إلى مثل قوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم:" السجدة: - 11، وقوله: "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا:" ~~الأنعام: - 61 أفادت معنى الأصالة والتبعية أي إنه تعالى هو المتوفي ~~بالحقيقة وملك الموت والملائكة الذين هم أعوانه أسباب متوسطة يعملون بأمره. # وقوله: "الله يتوفى الأنفس حين موتها" المراد بالأنفس الأرواح المتعلقة ~~بالأبدان لا مجموع الأرواح والأبدان لأن المجموع غير مقبوض عند الموت وإنما ~~المقبوض هو الروح يقبض من البدن بمعنى قطع تعلقه بالبدن تعلق التصرف ~~والتدبير والمراد بموتها موت أبدانها إما بتقدير المضاف أو بنحو المجاز ~~العقلي، وكذا المراد بمنامها. # وقوله: "والتي لم تمت في منامها" معطوف على الأنفس في الجملة السابقة، ~~والظاهر أن المنام اسم زمان وفي منامها متعلق بيتوفى والتقدير ويتوفى ~~الأنفس التي لم تمت في وقت نومها. # ثم فصل تعالى في القول في الأنفس المتوفاة في وقت النوم فقال: "فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى" ms6490 أي فيحفظ النفس التي قضى ~~عليها الموت كما يحفظ النفس التي توفاها حين موتها ولا يردها إلى بدنها، ~~ويرسل النفس الأخرى التي لم يقض عليها الموت إلى بدنها إلى أجل مسمى تنتهي ~~إليه الحياة. # وجعل الأجل المسمى غاية للإرسال دليل على أن المراد بالإرسال جنسه بمعنى ~~أنه يرسل بعض الأنفس إرسالا واحدا وبعضها إرسالا بعد إرسال حتى ينتهي إلى ~~الأجل المسمى. # ويستفاد من الآية أولا: أن النفس موجود مغاير للبدن بحيث تفارقه وتستقل ~~عنه وتبقى بحيالها. # وثانيا: أن الموت والنوم كلاهما توف وإن افترقا في أن الموت توف لا إرسال ~~بعده والنوم توف ربما كان بعده إرسال. # ثم تمم الآية بقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" فيتذكرون أن الله ~~سبحانه هو المدبر لأمرهم وأنهم إليه راجعون سيحاسبهم على ما عملوا. # قوله تعالى: "أم اتخذوا من دون الله شفعاء" إلخ "أم" منقطعة أي بل اتخذ ~~المشركون من دون الله شفعاء وهم آلهتهم الذين يعبدونهم ليشفعوا لهم عند ~~الله سبحانه كما قال في أول السورة: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى" وقال: "يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله:" يونس: - 18. # وقوله: "قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون" أمر بأن يرده عليهم ~~بالمناقشة في إطلاق كلامهم فإن من البديهي أن الشفاعة تتوقف على علم في ~~الشفيع يعلم به ما يريد؟ وممن يريد؟ ولمن يريد؟ فلا معنى لشفاعة الجهاد ~~الذي لا شعور له وكذا تتوقف على أن يملك الشفيع الشفاعة ويكون له حق أن ~~يشفع ولا ملك لغير الله إلا أن يملكه الله شيئا ويأذن له في التصرف فيه ~~فقولهم بشفاعة أوليائهم مطلقا الشامل لما لا يملكونه ولا علم لهم بإذنه ~~تعالى لهم فيها تخرص. # فالاستفهام في "أولو كانوا" إلخ للإنكار والمعنى قل لهم هل تتخذونهم ~~شفعاء لكم ولو كانوا لا يملكون من عند أنفسهم شيئا كالملائكة ولا يعقلون ~~شيئا كالأصنام؟ فإنه سفه. # قوله تعالى: "قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض" إلخ توضيح ~~وتأكيد لما مر من قوله: "قل أولو ms6491 كانوا لا يملكون شيئا" واللام في "لله" ~~للملك، وقوله: "له ملك السموات والأرض" في مقام التعليل للجملة السابقة، ~~والمعنى كل شفاعة فإنها مملوكة لله فإنه المالك لكل شيء إلا أن يأذن لأحد ~~في شيء منها فيملكه إياها، وأما استغلال بعض عباده كالملائكة يملك الشفاعة ~~مطلقا كما يقولون فمما لا يكون قال تعالى: "ما من شفيع إلا من بعد إذنه:" ~~يونس: - 3. # وللآية معنى آخر أدق إذا انضمت إلى مثل قوله تعالى: "ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع:" الأنعام: - 51 وهو أن الشفيع بالحقيقة هو الله سبحانه وغيره من ~~الشفعاء لهم الشفاعة بإذن منه فقد تقدم في بحث الشفاعة في الجزء الأول من ~~الكتاب أن الشفاعة ينتهي إلى توسط بعض صفاته تعالى بينه وبين المشفوع له ~~لإصلاح حاله كتوسط الرحمة والمغفرة بينه وبين عبده المذنب لإنجائه من وبال ~~الذنب وتخليصه من العذاب. PageV17P137 # والفرق بين هذا الملك وما في الوجه السابق أن المالك لا يتصف بمملوكه في ~~الوجه السابق كما في ملك زيد للدار بخلاف الملك في هذا الوجه فإن المالك ~~فيه يتصف بمملوكه كملك زيد الشجاع لشجاعته. # وقوله: "ثم إليه ترجعون" تعليل آخر لكونه يملك الشفاعة جميعا الدال على ~~الحصر وذلك أن الشفاعة إنما يملكها الذي ينتهي إليه أمر المشفوع له إن شاء ~~قبلها وأصلح حال المشفوع له وأما غيره فإنما يملكها إذا رضي بها وأذن فيها ~~والله سبحانه هو الذي يرجع إليه العباد دون الذين يدعون من دون الله فالله ~~هو المالك للشفاعة جميعا فقولهم بكون أوليائهم شفعاء لهم مطلقا ثم عبادتهم ~~لهم كذلك بناء بلا مبنى يعتمد عليه. # وقيل: قوله: "ثم إليه ترجعون" تهديد لهم كأنه قيل: ثم إليه ترجعون ~~فتعلمون أنهم لا يشفعون لكم ويخيب سعيكم في عبادتهم. # وقيل: يحتمل أن يكون تنصيصا على مالكية الآخرة التي فيها معظم نفع ~~الشفاعة وإيماء إلى انقطاع الملك الصوري عما سواه تعالى، والوجه ما قدمناه. # قوله تعالى: "وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة" ~~إلخ المراد من ذكره ms6492 تعالى وحده جعله مفردا بالذكر من غير ذكر آلهتهم ومن ~~مصاديقه قول لا إله إلا الله، والاشمئزاز الانقباض والنفور عن الشيء. # وإنما ذكر من وصفهم عدم إيمانهم بالآخرة لأن ذلك هو الأصل في اشمئزازهم ~~ولو كانوا مؤمنين بالآخرة وأنهم يرجعون إلى الله فيجازيهم بأعمالهم عبدوه ~~دون أوليائهم ولم يرغبوا عن ذكره وحده. # وقوله: "وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون" المراد بالذين من دونه ~~آلهتهم، والاستبشار سرور القلب بحيث يظهر أثره في الوجه. # قوله تعالى: "قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم" إلخ لما بلغ الكلام مبلغا لا يرجى معه فيهم خير لنسيانهم أمر الآخرة ~~وإنكارهم الرجوع إليه تعالى حتى كانوا يشمئزون من ذكره تعالى وحده أمره ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكره تعالى وحده ويذكرهم حكمه بين عباده ~~فيما اختلفوا فيه في صورة الالتجاء إليه تعالى على ما فيه من الإقرار ~~بالبعث وقد وصف الله تعالى بأنه فاطر السماوات والأرض أي مخرجها من كتم ~~العدم إلى ساحة الوجود، وعالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء، ولازمه أن ~~يحكم بالحق وينفذ حكمه. # قوله تعالى: "ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ~~من سوء العذاب يوم القيامة" إلخ المراد بالذين ظلموا هم الذين ظلموا في ~~الدنيا فالفعل يفيد مفاد الوصف، والظالمون هم المنكرون للمعاد كما قال: "أن ~~لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة كافرون:" الأعراف: - 45. # والمعنى: ولو أن للظالمين المنكرين للمعاد ضعفي ما في الأرض من أموال ~~وذخائر وكنوز لجعلوه فدية من سوء العذاب. # وقوله: "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" البداء والبدو بمعنى ~~الظهور والحساب والحسبان العد، والاحتساب الاعتداد بالشيء بمعنى البناء على ~~عده شيئا وكثيرا ما يستعمل الحسبان والاحتساب بمعنى الظن كما قيل ومنه ~~قوله: "ما لم يكونوا يحتسبون" أي ما لم يكونوا يظنون لكن فرق الراغب بين ~~الحسبان والظن حيث قال: والحسبان أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن ms6493 يخطر ~~الآخر بباله ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك، ويقارب ذلك الظن لكن الظن أن ~~يخطر النقيضين بباله فيغلب أحدهما على الآخر. # انتهى. # ومقتضى سياق الآية أن المراد بيان أنهم سيواجهون يوم القيامة أمورا على ~~صفة هي فوق ما تصوروه وأعظم وأهول مما خطر ببالهم لا أنهم يشاهدون أمورا ما ~~كانوا يعتقدونها ويذعنون بها وبالجملة كانوا يسمعون أن لله حسابا ووزنا ~~للأعمال وقضاء ونارا وألوانا من العذاب فيقيسون ما سمعوه - على إنكار منهم ~~له - على ما عهدوه من هذه الأمور في الدنيا فلما شاهدوها إذ ظهرت لهم ~~وجدوها أعظم مما كان يخطر ببالهم من صفتها فهذه الآية في وصف عذابه نظير ~~قوله في وصف نعيم أهل الجنة: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين:" ~~السجدة: - 17. # وأيضا مقتضى السياق أن البدو المذكور من قبيل الظهور بعد الخفاء ~~والانكشاف بعد الاستتار كما يشير إليه قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد:" ق: - 22. PageV17P138 # قوله تعالى: "وبدا لهم سيئات ما كسبوا" إلى آخر الآية أي ظهر لهم سيئات ~~أعمالهم بعد ما كانت خفية عليهم فهو كقوله: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا وما عملت من سوء:" آل عمران: - 30. # وقوله: "وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون" أي ونزل عليهم وأصابهم ما كانوا ~~يستهزءون به في الدنيا إذا سمعوه من أولياء الدين من شدائد يوم القيامة ~~وأهواله وأنواع عذابه. # قوله تعالى: "فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما ~~أوتيته على علم" إلخ الآية في مقام التعليل البياني لما تقدم من وصف ~~الظالمين ولذا صدرت بالفاء لتتفرع على ما تقدم تفرع البيان على المبين. # فهو تعالى لما ذكر من حالهم أنهم أعرضوا عن كل آية دالة على الحق ولم ~~يصغوا إلى الحجج المقامة عليهم ولم يسمعوا موعظة ولم يعتدوا بعبرة فجحدوا ~~ربوبيته تعالى وأنكروا البعث والحساب وبلغ بهم ذلك أن اشمأزت قلوبهم إذا ~~ذكر الله وحده. # بين أن ذلك مما ms6494 يستدعيه طبع الإنسان المائل إلى اتباع هوى نفسه والاغترار ~~بما زين له من نعم الدنيا والأسباب الظاهرية الحافة بها فالإنسان حليف ~~النسيان إذا مسه الضر أقبل إلى ربه وأخلص له ودعاه ثم إذا خوله ربه نعمة ~~نسبه إلى علم نفسه وخبرته ونسي ربه وجهل أنها فتنة فتن بها. # فقوله: "فإذا مس الإنسان ضر" أي مرض أو شدة "دعانا" أي خصنا بالدعاء ~~وانقطع عن غيرنا. # وقوله: "ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم" التخويل ~~الإعطاء على نحو الهبة، وتقييد النعمة بقوله: "منا" للدلالة على كون وصف ~~النعمة محفوظا لها والمعنى خولناه نعمة ظاهرا كونها نعمة. # وضمير "أوتيته" للنعمة بما أنه شيء أو مال والعناية في ذلك بالإشارة إلى ~~أنه لا يعترف بكونها نعمة منا بل يقطعها عنا فيسميها شيئا أو مالا ونحوه ~~ولا يسميها نعمة حتى يضطره ذلك إلى الاعتراف بمنعم والإشارة إليه كما قال: ~~"أوتيته" فصفح عن الفاعل لذلك والتعبيران أعني "نعمة منا" "إنما أوتيته" من ~~لطيف تعبير القرآن، وقد وجهوا تذكير الضمير في "أوتيته" بوجوه أخر غير ~~موجهة من أرادها فليرجع إلى المفصلات. # والملائم لسياق الآية أن يكون معنى "على علم" على علم مني أي أوتيت هذا ~~الذي أوتيت على علم مني وخبرة بطرق كسب المعاش واقتناء الثروة وجمع المال. # وقيل: المراد إنما أوتيته على علم من الله بخير عندي أستحق به أن يؤتيني ~~النعمة، وقيل: المراد على علم مني برضا الله عني، وأنت خبير بأن ما تقدم من ~~معنى قوله: "ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته" لا يلائم شيئا من ~~القولين. # وقوله: "بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون" أي بل النعمة التي خولناه منا ~~فتنة أي ابتلاء وامتحان نمتحنه بذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون بذلك. # وقيل: معناه بل تلك النعمة عذاب لهم، وقيل: المعنى بل هذه المقالة فتنة ~~لهم يعاقبون عليها والوجهان بعيدان سيما الأخير. # قوله تعالى: "قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~فأصابهم سيئات ما كسبوا" ms6495 ضمير "قد قالها" راجع إلى القول السابق باعتبار ~~أنه مقالة أو كلمة. # والآية رد لقولهم وإثبات لكونها فتنة يمتحنون بها بأنهم لو أوتوها على ~~علم منهم واكتسبوها بحولهم وقوتهم لأغنى عنهم كسبهم ولم يصبهم سيئات ما ~~كسبوا وحفظوها لأنفسهم وتنعموا بها ولم يهلكوا دونها وليس كذلك فهؤلاء ~~الذين قبلهم قالوا هذه المقالة فما أغنى عنهم كسبهم وأصابهم سيئات ما كسبوا. # والظاهر أن الآية تشير بقوله: "قد قالها الذين من قبلهم" إلى قارون ~~وأمثاله وقد حكي عنه قول "إنما أوتيته على علم عندي" في قصته من سورة القصص. # قوله تعالى: "والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم ~~بمعجزين" الإشارة بهؤلاء إلى قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى أن ~~هؤلاء الذين ظلموا من قومك سبيلهم سبيل من قبلهم سيصيبهم سيئات كسبهم ~~ووبالات عملهم وما هم بمعجزين لله. # قوله تعالى: "أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" إلخ جواب ~~آخر عن قول القائل منهم: "إنما أوتيته على علم" وقد كان الجواب الأول "قد ~~قالها الذين من قبلهم" إلخ جوابا من طريق النقض وهذا جواب من طريق المعارضة ~~بالإشارة إلى دلالة الدليل على أن الله سبحانه هو الذي يبسط الرزق ويقدر. PageV17P139 # بيان ذلك: أن سعي الإنسان عن علم وإرادة لتحصيل الرزق ليس سببا تاما موجبا ~~لحصول الرزق وإلا لم يتخلف ومن البين خلافه فكم من طالب رجع آيسا وساع خاب سعيه. # فهناك علل وشرائط زمانية ومكانية وموانع مختلفة باختلاف الظروف خارجة عن ~~حد الإحصاء إذا اجتمعت وتوافقت أنتج ذلك حصول الرزق. # وليس اجتماع هذه العلل والشرائط على ما فيها من الاختلاف والتشتت والتفرق ~~من مادة وزمان ومكان ومقتضيات أخر مرتبطة بها مقارنة أو متقدمة وعلل العلل ~~ومقدماتها الذاهبة إلى ما لا يحصى، اجتماعا وتوافقا على سبيل الاتفاق فإن ~~الاتفاق لا يكون دائميا ولا أكثريا وقانون ارتزاق المرتزقين الشامل ~~للموجودات الحية بل المنبسط على أقطار العالم المشهود وأرجائه ثابت محفوظ ~~في نظام جار على ما فيه من السعة والانبساط ms6496 ولو انقطع لهلكت الأشياء لأول ~~لحظة ومن فورها. # وهذا النظام الجاري بوحدته وتناسب أجزائه وتلاؤمها يكشف عن وحدانية ناظمه ~~وفردانية مدبره ومديره الخارج عن أجزاء العالم المحفوظة بنفس النظام ~~الباقية به وهو الله عز اسمه. # على أن النظام من التدبير والتدبير من الخلق كما مر مرارا فخالق العالم ~~مدبره ومدبره رازقه وهو الله تعالى شأنه. # ويشير إلى هذا البرهان في الآية قوله: "لمن يشاء" فإنه إذا كان بسط الرزق ~~وقدره بمشيئته تعالى لم يكن بمشيئة الإنسان الذي يتبجح بعلمه وسعيه ولا ~~بمشيئة شيء من العلل والأسباب وإيجابه كما هو ظاهر وليس من قبيل الاتفاق بل ~~هو على نظام جار فهو بمشيئة جاعل النظام ومجريه وهو الله سبحانه. # وقد تقدم كلام في معنى الرزق في ذيل قوله تعالى: "وترزق من تشاء بغير ~~حساب:" آل عمران: - 27 وسيأتي كلام فيه في تفسير قوله: "فورب السماء والأرض ~~إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون:" الذاريات: - 23 إن شاء الله تعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، عن علي (عليه السلام) في حديث: وقد سأله رجل عما اشتبه عليه ~~من الآيات قال: وأما قوله: "يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم" وقوله: "الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها" وقوله: "توفته رسلنا وهم لا يفرطون" وقوله: "الذين ~~تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" وقوله: "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ~~يقولون سلام عليكم" فإن الله تبارك وتعالى يدبر الأمر كيف يشاء ويوكل من ~~خلقه من يشاء بما يشاء أما ملك الموت فإن الله يوكله بخاصته ممن يشاء من ~~خلقه ويوكل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه. وليس كل العلم يستطيع ~~صاحب العلم أن يفسره لكل الناس لأن فيهم القوي والضعيف، ولأن منه ما يطاق ~~حمله ومنه ما لا يطاق حمله إلا أن يسهل الله له حمله وأعانه عليه من خاصة ~~أوليائه. وإنما يكفيك أن تعلم أن الله المحيي المميت، وأنه يتوفى الأنفس ~~على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم. # وفي الخصال، عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: لا ms6497 ينام المسلم ~~وهو جنب لا ينام إلا على طهور فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد فإن روح ~~المؤمن ترفع إلى الله تعالى فيقبلها ويبارك عليها فإن كان أجلها قد حضر ~~جعلها في كنوز رحمته وإن لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع أمنائه من ملائكته ~~فيردونها في جسده. # وفي المجمع،: روى العياشي بالإسناد عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن ثابت عن ~~أبي المقدام عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من أحد ينام إلا ~~عرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه وصار بينهما سبب كشعاع الشمس فإن ~~أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس وإن أذن الله في رد الروح أجابت ~~النفس الروح وهو قوله سبحانه: "الله يتوفى الأنفس حين موتها" الآية. فمهما ~~رأت في ملكوت السموات فهو مما له تأويل وما رأت فيما بين السماء والأرض فهو ~~مما يخيله الشيطان ولا تأويل له. PageV17P140 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سليم بن عامر أن عمر ~~بن الخطاب قال: العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على ~~بال فيكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الرؤيا فلا يكون رؤياه شيئا. فقال ~~علي بن أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى: "الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها - فيمسك التي قضى عليها ~~الموت - ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى" فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي ~~عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقيها ~~الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فعجب عمر من قوله. # أقول: تقدم تفصيل الكلام في الرؤيا في سورة يوسف والرجوع إليه يعين في ~~فهم معنى الروايتين، وقد أطلق فيهما السماء على ما اصطلح عليه بعالم المثال ~~الأعظم وما بين السماء والأرض على ما اصطلح عليه بعالم المثال الأصغر فتبصر. PageV17P141 ### ||| AUTO 39 سورة الزمر - 53 - 61 # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ms6498 رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من ~~قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) أن تقول نفس ~~يحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن السخرين (56) أو تقول لو أن ~~الله هداخ لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون ~~من المحسنين (58) بلى قد جاءتك ءايتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكفرين ~~(59) ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس فى جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم ~~يحزنون (61) ### |||| AUTO بيان # في الآيات أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعوهم إلى الإسلام واتباع ~~ما أنزل الله ويحذرهم عما يستعقبه إسرافهم على أنفسهم من الحسرة والندامة ~~يوم لا ينفعهم ذلك مع استكبارهم في الدنيا على الحق والفوز والنجاة يومئذ ~~للمتقين والنار والخسران للكافرين، وفي لسان الآيات من الرأفة والرحمة ما ~~لا يخفى. # قوله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله" إلخ أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعوهم من قبله ويناديهم ~~بلفظة يا عبادي وفيه تذكير بحجة الله سبحانه على دعوتهم إلى عبادتهم وترغيب ~~لهم إلى استجابة الدعوة أما التذكير بالحجة فلأنه يشير إلى أنهم عباده وهو ~~مولاهم ومن حق المولى على عبده أن يطيعه ويعبده فله أن يدعوه إلى طاعته ~~وعبادته، وأما ترغيبهم إلى استجابة الدعوة فلما فيه من الإضافة إليه تعالى ~~الباعث لهم إلى التمسك بذيل رحمته ومغفرته. # وقوله: "الذين أسرفوا على أنفسهم" الإسراف - على ما ذكره الراغب - تجاوز ~~الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، وكان الفعل ~~مضمن معنى الجناية أو ما يقرب منها ولذا عدي بعلى والإسراف على النفس هو ~~التعدي عليها باقتراف الذنب أعم من الشرك وسائر الذنوب الكبيرة والصغيرة ~~على ما ms6499 يعطيه السياق. # وقال جمع: إن المراد بالعباد المؤمنون وقد غلب استعماله فيهم مضافا إليه ~~تعالى في القرآن فمعنى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم أيها المؤمنون ~~المذنبون. # ويدفعه أن قوله: "يا عبادي الذين أسرفوا" إلى تمام سبع آيات ذو سياق واحد ~~متصل يفصح عن دعوتهم وقوله في ذيل الآيات: "بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت" إلخ كالصريح أو هو صريح في شمول العباد للمشركين. # وما ورد في كلامه تعالى من لفظ "عبادي" والمراد به المؤمنون بضعة عشر ~~موردا جميعها محفوفة بالقرينة وليس بحيث ينصرف عند الإطلاق إلى المؤمنين ~~كما أن الموارد التي أطلق فيها وأريد به الأعم من المشرك والمؤمن في كلامه كذلك. # وبالجملة شمول "عبادي" في الآية للمشركين لا ينبغي أن يرتاب فيه، والقول ~~بأن المراد به المشركون خاصة نظرا إلى سياق الآيات كما نقل عن ابن عباس ~~أقرب إلى القبول من تخصيصه بالمؤمنين. # وقوله: "لا تقنطوا من رحمة الله" القنوط اليأس، والمراد بالرحمة بقرينة ~~خطاب المذنبين ودعوتهم هو الرحمة المتعلقة بالآخرة دون ما هي أعم الشاملة ~~للدنيا والآخرة ومن المعلوم أن الذي يفتقر إليه المذنبون من شئون رحمة ~~الآخرة بلا واسطة هو المغفرة فالمراد بالرحمة المغفرة ولذا علل النهي عن ~~القنوط من الرحمة بقوله: "إن الله يغفر الذنوب جميعا". # وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة حيث قيل: "إن الله يغفر" ولم يقل: ~~إني أغفر وذلك للإشارة إلى أنه الله الذي له الأسماء الحسنى ومنها أنه غفور ~~رحيم كأنه يقول لا تقنطوا من رحمتي فإني أنا الله أغفر الذنوب جميعا لأن ~~الله هو الغفور الرحيم. PageV17P142 # وقوله: "إن الله يغفر الذنوب جميعا تعليل للنهي عن القنوط وإعلام بأن جميع ~~الذنوب قابلة للمغفرة فالمغفرة عامة لكنها تحتاج إلى سبب مخصص ولا تكون ~~جزافا، والذي عده القرآن سببا للمغفرة أمران: الشفاعة 1 والتوبة لكن ليس ~~المراد في قوله: "إن الله يغفر الذنوب جميعا" المغفرة الحاصلة بالشفاعة لأن ~~الشفاعة لا تنال الشرك بنص القرآن في آيات كثيرة وقد مر أيضا أن ms6500 قوله: "إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء:" النساء: - 48 ناظر ~~إلى الشفاعة والآية أعني قوله: "إن الله يغفر الذنوب جميعا" موردها الشرك ~~وسائر الذنوب. # فلا يبقى إلا أن يكون المراد المغفرة الحاصلة بالتوبة وكلامه تعالى صريح ~~في مغفرة الذنوب جميعا حتى الشرك بالتوبة. # على أن الآيات السبع - كما عرفت - كلام واحد ذو سياق واحد متصل ينهى عن ~~القنوط - وهو تمهيد لما يتلوه - ويأمر بالتوبة والإسلام والعمل الصالح ~~وليست الآية الأولى كلاما مستقلا منقطعا عما يتلوه حتى يحتمل عدم تقييد ~~عموم المغفرة فيها بالتوبة وأي سبب آخر مفروض للمغفرة. # والآية أعني قوله: "إن الله يغفر الذنوب جميعا" من معارك الآراء بينهم ~~فقد ذهب قوم إلى تقييد عموم المغفرة فيها بالشرك وسائر الكبائر التي وعد ~~الله عليها النار مع عدم تقييد العموم بالتوبة فالمغفرة لا تنال إلا ~~الصغائر من الذنوب. # وذهب آخرون إلى إطلاق المغفرة وعدم تقيدها بالتوبة ولا بسبب آخر من أسباب ~~المغفرة غير أنهم قيدوها بالشرك لصراحة قوله: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" الآية فاستنتجوا عموم المغفرة وإن لم يكن هناك ~~سبب مخصص يرجح المذنب المغفور له على غيره في مغفرته كالتوبة والشفاعة وهي ~~المغفرة الجزافية وقد استدلوا على 1 ذلك بوجوه غير سديدة. # وأنت خبير بأن مورد الآية هو الشرك وسائر الذنوب، ومن المعلوم من كلامه ~~تعالى أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة فتقيد إطلاق المغفرة في الآية بالتوبة ~~مما لا مفر منه. # قوله تعالى: "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون" عطف على قوله: "لا تقنطوا"، والإنابة إلى الله الرجوع إليه وهو ~~التوبة، وقوله: "إلى ربكم" من وضع الظاهر موضع المضمر وكان مقتضى الظاهر أن ~~يقال: وأنيبوا إليه والوجه فيه الإشارة إلى التعليل فإن الملاك في عبادة ~~الله سبحانه صفة ربوبية. # والمراد بالإسلام التسليم لله والانقياد له فيما يريد، وإنما قال: ~~"وأسلموا له" ولم يقل: وآمنوا به ms6501 لأن المذكور قبل الآية وبعدها استكبارهم ~~على الحق والمقابل له الإسلام. # وقوله: "من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون" متعلق بقوله: "أنيبوا ~~وأسلموا" والمراد بالعذاب عذاب الآخرة بقرينة الآيات التالية، ويمكن على ~~بعد أن يراد مطلق العذاب الذي لا تقبل معه التوبة ومنه عذاب الاستئصال قال ~~تعالى: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده:" المؤمن: - 85. # والمراد بقوله: "ثم لا تنصرون" أن المغفرة لا تدرككم بوجه لعدم تحقق ~~سببها فالتوبة مفروضة العدم والشفاعة لا تشمل الشرك. # قوله تعالى: "واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون" الخطاب عام للمؤمن والكافر كالخطابات السابقة ~~والقرآن قد أنزل إلى الفريقين جميعا. # وفي الآية أمر باتباع أحسن ما أنزل من الله قيل: المراد به اتباع الأحكام ~~من الحلال والحرام دون القصص، وقيل: اتباع ما أمر به ونهي عنه كإتيان ~~الواجب والمستحب واجتناب الحرام والمكروه دون المباح، وقيل: الاتباع في ~~العزائم وهي الواجبات والمحرمات، وقيل: اتباع الناسخ دون المنسوخ، وقيل: ما ~~أنزل هو جنس الكتب السماوية وأحسنها القرآن فاتباع أحسن ما أنزل وهو اتباع ~~القرآن. # والإنصاف أن قوله في الآية السابقة: "وأسلموا له" يشمل مضمون كل من هذه ~~الأقوال فحمل قوله: "واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم" على شيء منها لا يخلو عن ~~تكرار من غير موجب. PageV17P143 # ولعل المراد من أحسن ما أنزل الخطابات التي تشير إلى طريق استعمال حق ~~العبودية في امتثال الخطابات الإلهية الاعتقادية والعملية وذلك كالخطابات ~~الداعية إلى ذكر الله تعالى بالاستغراق وإلى حبه وإلى تقواه حق تقاته وإلى ~~إخلاص الدين له فإن اتباع هذه الخطابات يحيي الإنسان حياة طيبة وينفخ فيه ~~روح الإيمان ويصلح أعماله ويدخله في ولاية الله تعالى وهي الكرامة ليست ~~فوقها كرامة. # وقوله: "من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون" أنسب لهذا المعنى ~~فإن الدعوة إلى عمل بالتخويف من مفاجأة الحرمان ومباغتة المانع إنما تكون ~~غالبا فيما يساهل المدعو في أمره ويطيب ms6502 نفسه بسوف ولعل، وهذا المعنى أمس ~~بإصلاح الباطن منه بإصلاح الظاهر والإتيان بأجساد الأعمال، ويقرب منه قوله ~~تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه:" الأنفال: - 24. # قوله تعالى: "أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله" إلخ قال في ~~المجمع،: التفريط إهمال ما يجب أن يتقدم فيه حتى يفوت وقته، وقال: التحسر ~~الاغتمام مما فات وقته لانحساره عنه بما لا يمكن استدراكه. # انتهى. # وقال الراغب: الجنب الجارحة. # قال: ثم يستعار في الناحية التي تليها لعادتهم في استعارة سائر الجوارح ~~لذلك نحو اليمين والشمال. # انتهى. # فجنب الله جانبه وناحيته وهي ما يرجع إليه تعالى مما يجب على العبد أن ~~يعامله ومصداق ذلك أن يعبده وحده ولا يعصيه والتفريط في جنب الله التقصير ~~في ذلك. # وقوله: "وإن كنت لمن الساخرين" "إن" مخففة من الثقيلة، والساخرين اسم ~~فاعل من سخر بمعنى استهزأ. # ومعنى الآية إنما نخاطبكم بهذا الخطاب حذر أن تقول أو لئلا تقول نفس منكم ~~يا حسرتا على ما قصرت في جانب الله وإني كنت من المستهزءين، وموطن القول ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: "أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين" ضمير تقول ~~للنفس، والمراد بالهداية الإرشاد وإراءة الطريق، والمعنى ظاهر وهو قطع للعذر. # قوله تعالى: "أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" لو ~~للتمني والكرة الرجعة، والمعنى أو تقول نفس متمنية حين ترى العذاب يوم ~~القيامة: ليت لي رجعة إلى الدنيا فأكون من المحسنين. # قوله تعالى: "بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين" ~~رد لها وجواب لخصوص قولها ثانيا: "لو أن الله هداني لكنت من المتقين" ~~ومواطن الجواب يوم القيامة كما أن موطن القول ذلك ولسياق الجواب شهادة عليه. # وقد فصل بين قولها وجوابه بقوله: "أو تقول حين ترى" إلخ ولم يجب إلا عن ~~قولها: "لو أن الله هداني" إلخ. # والوجه في الفصل أن الأقوال الثلاثة المنقولة عنها ms6503 مرتبة على ترتيب ~~صدورها عن المجرمين يوم القيامة فإذا قامت القيامة ورأى المجرمون أن اليوم ~~يوم الجزاء بالأعمال وقد فرطوا فيها وفاتهم وقتها تحسروا على ما فرطوا ~~ونادوا بالحسرة على تفريطهم "يا حسرتا على ما فرطت" قال تعالى: "حتى إذا ~~جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها:" الأنعام: - 31. # ثم إذا حوسبوا وأمر المتقون بدخول الجنة وقيل: "وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون:" يس: - 59 تعللوا بقولهم: "لو أن الله هداني لكنت من المتقين". # ثم إذا أمروا بدخول النار فأوقفوا عليها ثم أدخلوا فيها تمنوا الرجوع إلى ~~الدنيا ليحسنوا فيها فيسعدوا "أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة" قال ~~تعالى: "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين:" الأنعام: - 27، وقال حاكيا عنهم: "ربنا أخرجنا ~~منها فإن عدنا فإنا ظالمون:" المؤمنون: - 107. # ثم لما نقل الأقوال على ما بينها من الترتيب أخذ في الجواب ولو أخر القول ~~المجاب عنه حتى يتصل بالجواب أو قدم الجواب حتى يتصل به اختل النظم 1. PageV17P144 # وقد خص قولهم الثاني: "لو أن الله هداني" إلخ بالجواب وأمسك عن جواب قولهم ~~الأول والثالث لأن في الأول حديث استهزائهم بالحق وأهله وفي الثالث تمنيهم ~~للرجوع إلى الدنيا والله سبحانه يزجر هؤلاء يوم القيامة ويمنعهم أن يكلموه ~~ولا يجيب عن كلامهم كما يشير إلى ذلك قوله: "قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني ~~جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون:" المؤمنون: - 111. # قوله تعالى: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس ~~في جهنم مثوى للمتكبرين" الكذب على الله هو القول بأن له شريكا وأن له ولدا ~~ومنه البدعة في الدين. # وسواد الوجه آية الذلة وهي جزاء تكبرهم ولذا قال: "أليس في جهنم ms6504 مثوى ~~للمتكبرين". # قوله تعالى: "وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم ~~يحزنون" الظاهر أن مفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز وهو الظفر بالمراد، والباء ~~في "بمفازتهم" للملابسة أو السببية فالفوز الذي يقضيه الله لهم اليوم سبب ~~تنجيتهم. # وقوله: "لا يمسهم" إلخ بيان لتنجيتهم كأنه قيل: ينجيهم لا يمسهم السوء من ~~خارج ولا هم يحزنون في أنفسهم. # وللآية نظر إلى قوله تعالى في ذيل آيات سورة المؤمنون المنقولة آنفا: ~~"إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون" فتدبر ولا تغفل. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ما في القرآن آية ~~أوسع من: "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم" الآية:. أقول: ورواه في الدر ~~المنثور، عن ابن جرير عن ابن سيرين عنه (عليه السلام)، وستأتي إن شاء الله ~~في تفسير سورة الليل الرواية عنه (عليه السلام) أن قوله تعالى: "ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى" أرجى من هذه الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقول: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية "يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم" إلى آخر. الآية فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك" فسكت ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: إلا من أشرك. # أقول: في الرواية شيء فقد تقدم أن مورد الآية هو الشرك وأن الآية مقيدة ~~بالتوبة. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لو لا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون ~~فيغفر لهم. # أقول: ما في الحديث من المغفرة لا يأبى التقيد بأسباب المغفرة كالتوبة ~~والشفاعة. # وفي الجميع،: قيل: هذه الآية يعني قوله: "يا عبادي الذين أسرفوا" إلخ ~~نزلت في وحشي قاتل حمزة حين أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته فلما نزلت ~~الآية أسلم فقيل: يا رسول الله ms6505 هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): بل للمسلمين عامة. # وعن كتاب سعد السعود، لابن طاووس نقلا عن تفسير الكلبي: بعث وحشي وجماعة ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ما يمنعنا من دينك إلا أننا ~~سمعناك تقرأ في كتابك أن من يدعو مع الله إلها آخر ويقتل النفس ويزني يلق ~~أثاما ويخلد في العذاب ونحن قد فعلنا ذلك كله فبعث إليهم بقوله تعالى "إلا ~~من تاب وآمن وعمل صالحا" فقالوا: نخاف أن لا نعمل صالحا. فبعث إليهم "إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" فقالوا نخاف أن لا ~~ندخل في المشية. فبعث إليهم "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" فجاءوا وأسلموا. فقال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لوحشي قاتل حمزة: غيب وجهك عني فإني لا أستطيع النظر ~~إليك. قال: فلحق بالشام فمات في الخمر. # أقول: وروي ما يقرب منه في الدر المنثور، بعدة طرق وفي بعضها أن قوله: ~~"يا عبادي الذين أسرفوا" إلخ نزل فيه كما في خبر المجمع، السابق، ويضعفه أن ~~السورة مكية وقد أسلم وحشي بعد الهجرة. # على أن ظاهر الخبر عدم تقيد إطلاق المغفرة في الآية بالتوبة وقد عرفت أن ~~السياق يأباه. PageV17P145 # وقوله: فمات في الخمر لعله بفتح الخاء وتشديد الميم موضع من أعراض المدينة ~~ولعله من غلط الناس والصحيح الحمص، ولعل المراد به موته عن شرب الخمر فإنه ~~كان مدمن الخمر وقد جلد في ذلك غير مرة ثم ترك. # واعلم أن هناك روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تطبيق ~~هذه الآيات على شيعتهم وتطبيق جنب الله عليهم وهي جميعا من الجري دون ~~التفسير ولذا تركنا إيرادها هاهنا. PageV17P146 ### ||| AUTO 39 سورة الزمر - 62 - 75 # الله خلق كل شىء وهو على كل شىء وكيل (62) له مقاليد السموت والأرض ~~والذين كفروا بئايت الله أولئك هم الخسرون (63) قل أفغير الله تأمرونى أعبد ~~أيها ms6506 الجهلون (64) ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ولتكونن من الخسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشكرين (66) وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت مطويت بيمينه سبحنه ~~وتعلى عما يشركون (67) ونفخ فى الصور فصعق من فى السموت ومن فى الأرض إلا ~~من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ~~ربها ووضع الكتب وجاىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ~~(69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوبها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم ءايت ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكفرين (71) قيل ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوبها وقال لهم خزنتها سلم عليكم طبتم فادخلوها خلدين (73) وقالوا الحمد ~~لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر ~~العملين (74) وترى الملئكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم ~~بالحق وقيل الحمد لله رب العلمين (75) ### |||| AUTO بيان # فصل من الآيات به تختم السورة يذكر فيه خلاصة ما تنتجه الحجج المذكورة ~~فيها قبل ذلك ثم يؤمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب المشركين أن ما ~~اقترحوا به عليه أن يعبد آلهتهم ليس إلا جهلا بمقامه تعالى ويذكر النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ما أوحي إليه وإلى الذين من قبله: لئن أشرك ~~ليحبطن عمله. # ثم يذكر سبحانه أن المشركين ما عرفوه واجب معرفته وإلا لم يرتابوا في ~~ربوبيته لهم ولا عبدوا غيره ثم يذكر تعالى نظام الرجوع إليه وهو تدبير جانب ~~المعاد من الخلقة ببيان جامع كاف لا مزيد عليه ويختم السورة بالحمد. # قوله تعالى: "الله خالق كل شيء" هذا هو الذي ذكر اعتراف المشركين به من ~~قبل في قوله: "ولئن سألتهم من خلق السموات ms6507 والأرض ليقولن الله" الآية: - 38 ~~من السورة وبنى عليه استناد الأشياء في تدبيرها إليه. # والجملة في المقام تمهيد لما يذكر بعدها من كون التدبير مستندا إليه لما ~~تقدم مرارا أن الخلق لا ينفك عن التدبير فانتقل في المقام من استناد الخلق ~~إليه إلى اختصاص الملك به وهو قوله: "له مقاليد السموات والأرض" ومن اختصاص ~~الملك به إلى كونه هو الوكيل على كل شيء القائم مقامه في تدبير أمره. # وقد تقدم في ذيل قوله: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء:" ~~الأنعام: - 102 في الجزء السابع من الكتاب كلام في معنى عموم الخلقة لكل شيء. # قوله تعالى: "وهو على كل شيء وكيل" وذلك لأن انتهاء خلق كل شيء وجوده ~~إليه يقتضي أن يكون تعالى هو المالك لكل شيء فلا يملك شيء من الأشياء لا ~~نفسه ولا شيئا مما يترشح من نفسه إلا بتمليك الله تعالى، فهو لفقره مطلقا ~~لا يملك تدبيرا والله المالك لتدبيره. # وأما تمليكه تعالى له نفسه وعمله فهو أيضا نوع من تدبيره تعالى مؤكد ~~لملكه غير ناف ولا مناف من شئون وكالته تعالى عليهم لا تفويض للأمر وإبطال ~~للوكالة فافهم ذلك. PageV17P147 # وبالجملة إذ كان كل شيء من الأشياء لا يملك لنفسه شيئا كان سبحانه هو ~~الوكيل عليه القائم مقامه المدبر لأمره والأسباب والمسببات في ذلك سواء ~~فالله سبحانه هو ربها وحده. # فقد تبين أن الجملة مسوقة للإشارة إلى توحده في الربوبية وهو المقصود ~~بيانه فقول بعضهم إن ذكر ذلك بعد قوله: "الله خالق كل شيء" للدلالة على أنه ~~هو الغني المطلق وأن المنافع والمضار راجعة إلى العباد، أو أن المراد أنه ~~تعالى حفيظ على كل شيء فيكون إشارة إلى أن الأشياء محتاجة إليه في بقائها ~~كما أنها محتاجة إليه في حدوثها، أجنبي عن معنى الآية بالمرة. # قوله تعالى: "له مقاليد السموات والأرض" إلخ المقاليد - كما قيل - بمعنى ~~المفاتيح ولا مفرد له من لفظه. # ومفاتيح السماوات والأرض مفاتيح خزائنها قال تعالى: "ولله خزائن السموات ~~والأرض:" المنافقون: ms6508 - 7 وخزائنها غيبها الذي يظهر منه الأشياء والنظام ~~الجاري فيها فتخرج إلى الشهادة قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم:" الحجر: - 21. # وملك مقاليد السماوات والأرض كناية عن ملك خزائنها التي منها وجودات ~~الأشياء وأرزاقها وأعمارها وآجالها وسائر ما يواجهها في مسيرها من حين ~~تبتدىء منه تعالى إلى حين ترجع إليه. # وهو أعني قوله: "له مقاليد" إلخ في مقام التعليل لقوله: "وهو على كل شيء ~~وكيل" ولذا جيء به مفصولا من غير عطف. # وقوله: "والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون" قد تقدم أن قوله: ~~"الله خالق كل شيء - إلى قوله - والأرض" ذكر خلاصة ما تفيده الحجج المذكورة ~~في خلال الآيات السابقة، وعليه فقوله: "والذين كفروا بآيات الله" إلخ معطوف ~~على قوله: "الله خالق كل شيء" والمعنى الذي تدل عليه الآيات والحجج ~~المتقدمة أن الله سبحانه خالق فمالك فوكيل على كل شيء أي متوحد في الربوبية ~~والألوهية والذين كفروا بآيات ربهم فلم يوحدوه ولم يعبدوه أولئك هم ~~الخاسرون. # وقد اختلفوا فيما عطف عليه قوله: "والذين كفروا" إلخ فذكروا فيه وجوها ~~مختلفة كثيرة لا جدوى فيها من أرادها فليرجع إلى المطولات. # قوله تعالى: "قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون" لما أورد سبحانه ~~خلاصة ما تنطق به الحجج المذكورة في السورة من توحده تعالى بالخلق والملك ~~والتدبير ولازم ذلك توحده تعالى في الربوبية والألوهية أمر نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يخاطب المشركين المقترحين عليه أن يعبد آلهتهم أنه لا ~~يبقى مع هذه الحجج الباهرة الظاهرة محل لعبادته غير الله وإجابة اقتراحهم ~~وهل هي إلا الجهل. # فقوله: "أفغير الله تأمروني أعبد" الفاء لتفريع مضمون الجملة على قوله: ~~"الله خالق كل شيء" إلى آخر الآيتين، والاستفهام إنكاري، و"غير الله" مفعول ~~"أعبد" قدم عليه لتعلق العناية به، و"تأمروني" معترض بين الفعل ومفعوله ~~وأصله تأمرونني أدغمت فيه إحدى النونين في الأخرى. # وقوله: "أيها الجاهلون" خطابهم بصفة الجهل للإشارة إلى أن أمرهم إياه ~~بعبادة غير الله واقتراحهم بذلك مع ms6509 ظهور آيات وحدته في الربوبية والألوهية ~~ليس إلا جهلا منهم. # قوله تعالى: "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك" ~~إلخ فيه تأييد لمدلول الحجج العقلية المذكورة بالوحي كأنه قيل: لا تعبد غير ~~الله فإنه جهل وكيف يسوغ لك أن تعبده وقد دل الوحي على النهي عنه كما دل ~~العقل على ذلك. # فقوله: "ولقد أوحي إليك" اللام للقسم، وقوله: "لئن أشركت ليحبطن عملك" ~~بيان لما أوحي إليه، وتقدير الكلام وأقسم لقد أوحي إليك لئن أشركت "إلخ" ~~وإلى الذين من قبلك من الأنبياء والرسل لئن أشركتم ليحبطن عملكم ولتكونن من ~~الخاسرين. # وخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الأنبياء (عليهم السلام) ~~بالنهي عن الشرك وإنذارهم بحبط العمل والدخول في زمرة الخاسرين خطاب وإنذار ~~على حقيقة معناهما كيف؟ وغرض السورة - كما تقدمت الإشارة إليه - بيان أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بالإيمان بما يدعو المشركين إلى ~~الإيمان به مكلف بما يكلفهم ولا يسعه أن يجيبهم إلى ما يقترحون به عليه من ~~عبادة آلهتهم. PageV17P148 # وأما كون الأنبياء معصومين بعصمة إلهية يمتنع معها صدور المعصية عنهم فلا ~~يوجب ذلك سقوط التكليف عنهم وعدم صحة توجهه إليهم ولو كان كذلك لم تتصور في ~~حقهم معصية كسائر من لا تكليف عليه فلم يكن معنى لعصمتهم. # على أن العصمة - وهي قوة يمتنع معها صدور المعصية - من شئون مقام العلم - ~~كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى: "وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يضرونك من شيء:" النساء: - 113 - لا تنافي ثبوت الاختيار الذي هو من شئون ~~مقام العمل وصحة صدور الفعل والترك عن الجوارح. # فمنع العلم القطعي بمفسدة شيء منعا قطعيا عن صدوره عن العالم به كمنع ~~العلم بأثر السم عن شربه لا ينافي كون العالم بذلك مختارا في الفعل لصحة ~~صدوره ولا صدوره عن جوارحه فالعصمة لا تنافي بوجه التكليف. # ومما تقدم يظهر ضعف ما يستفاد من بعضهم أن نهيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن الشرك ونحوه نهي صوري والمراد ms6510 به نهي أمته فهو من قبيل "إياك أعني ~~واسمعي يا جارة". # ووجه الضعف ظاهر مما تقدم، وأما قولنا كما ورد في بعض الروايات أن هذه ~~الخطابات القرآنية من قبيل "إياك أعني واسمعي يا جارة" فمعناه أن التكليف ~~لما كان من ظاهر أمره أن يتعلق بمن يجوز عليه الطاعة والمعصية فلو تعلق بمن ~~ليس منه إلا الطاعة مع مشاركة غيره له كان ذلك تكليفا على وجه أبلغ ~~كالكناية التي هي أبلغ من التصريح. # وقوله: "ولتكونن من الخاسرين" ظهر معناه مما تقدم ويمكن أن يكون اللام في ~~الخاسرين مفيدا للعهد، والمعنى ولتكونن من الخاسرين الذين كفروا بآيات الله ~~وأعرضوا عن الحجج الدالة على وحدانيته. # قوله تعالى: "بل الله فاعبد وكن من الشاكرين" إضراب عن النهي المفهوم من ~~سابق الكلام كأنه قيل فلا تعبد غير الله بل الله فاعبد، وتقديم اسم الجلالة ~~للدلالة على الحصر. # والفاء في "فاعبد" زائدة للتأكيد على ما قيل، وقيل: هي فاء الجزاء وقد ~~حذف شرطه والتقدير بل إن كنت عابدا أو عاقلا فاعبد الله. # وقوله: "وكن من الشاكرين" أي وكن بعبادتك له من الذين يشكرونه على نعمه ~~الدالة على توحده في الربوبية والألوهية، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ~~"وسيجزي الله الشاكرين:" آل عمران: - 144 وقوله: "ولا تجد أكثرهم شاكرين:" ~~الأعراف: - 17 أن مصداق الشاكرين بحقيقة معنى الكلمة هم المخلصون بفتح ~~اللام فراجع. # قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره" إلى آخر الآية قدر الشيء هو مقداره ~~وكميته من حجم أو عدد أو وزن وما أشبه ذلك ثم استعير للمعنويات من المكانة ~~والمنزلة. # فقوله: "وما قدروا الله حق قدره" تمثيل أريد به عدم معرفتهم به تعالى ~~واجب المعرفة إذ لم يعرفوه من حيث المعاد ورجوع الأشياء إليه كما يدل عليه ~~تعقيب الجملة بقوله: "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة" إلى آخر السورة حيث ~~ذكر فيه انقطاع كل سبب دونه يوم القيامة، وقبضه الأرض وطيه السماوات ونفخ ~~الصور لإماتة الكل ثم لإحيائهم وإشراق الأرض بنور ربها ووضع الكتاب والمجيء ~~بالنبيين ms6511 والشهداء والقضاء وتوفية كل نفس ما عملت وسوق المجرمين إلى النار ~~والمتقين إلى الجنة فمن كان شأنه في الملك والتصرف هذا الشأن وعرف بذلك ~~أوجبت هذه المعرفة الإقبال إليه بعبادته وحده والإعراض عن غيره بالكلية. # لكن المشركين لما لم يؤمنوا بالمعاد ولم يقدروه حق قدره ولم يعرفوه واجب ~~معرفته أعرضوا عن عبادته إلى عبادة من سواه. # وقوله: "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة" أي الأرض بما فيها من الأجزاء ~~والأسباب الفعالة بعضها في بعض، والقبضة مصدر بمعنى المقبوضة، والقبض على ~~الشيء وكونه في القبضة كناية عن التسلط التام عليه أو انحصار التسلط عليه ~~في القابض والمراد هاهنا المعنى الثاني كما يدل عليه قوله تعالى: "والأمر ~~يومئذ لله:" الانفطار: - 19 وغيره من الآيات. # وقد مر مرارا أن معنى انحصار الملك والأمر والحكم والسلطان وغير ذلك يوم ~~القيامة فيه تعالى ظهور ذلك لأهل الجمع يومئذ وإلا فهي له تعالى دائما ~~فمعنى كون الأرض جميعا قبضته يوم القيامة ظهور ذلك يومئذ للناس لا أصله. PageV17P149 # وقوله: "والسموات مطويات بيمينه" يمين الشيء يده اليمنى وجانبه القوي ويكنى ~~بها عن القدرة، ويستفاد من السياق أن محصل الجملتين أعني قوله: "والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه" تقطع الأسباب الأرضية ~~والسماوية وسقوطها وظهور أن لا مؤثر في الوجود إلا الله سبحانه. # وقوله: "سبحانه وتعالى عما يشركون" تنزيه له تعالى عما أشركوا غيره في ~~ربوبيته وألوهيته فنسبوا تدبير العالم إلى آلهتهم وعبدوها. # قوله تعالى: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله" إلخ ظاهر ما ورد في كلامه تعالى في معنى نفخ الصور أن النفخ نفختان ~~نفخة للإماتة ونفخة للإحياء، وهو الذي تدل عليه روايات أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) وبعض ما ورد من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وإن كان بعض آخر من رواياتهم لا يخلو عن إبهام ولذا اختار بعضهم أنها ~~ثلاث نفخات نفخة للإماتة ونفخة للإحياء والبعث ونفخة للفزع والصعق وقال ~~بعضهم: إنها أربع ms6512 نفخات ولكن دون إثبات ذلك من ظواهر الآيات خرط القتاد. # ولعل انحصار النفخ في نفختي الإماتة والإحياء هو الموجب لتفسيرهم الصعق ~~في النفخة الأولى بالموت مع أن المعروف من معنى الصعق الغشية، قال في ~~الصحاح،: يقال: صعق الرجل صعقا وتصاعقا أي غشي عليه وأصعقه غيره، ثم قال: ~~وقوله تعالى: "فصعق من في السموات ومن في الأرض" أي مات. # انتهى. # وقوله: "إلا من شاء الله" استثناء من أهل السماوات والأرض واختلف في من ~~هم؟ فقيل: هم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل سادة الملائكة فإنهم إنما ~~يموتون بعد ذلك، وقيل: هم هؤلاء الأربعة وحملة العرش، وقيل: هم رضوان ~~والحور ومالك والزبانية، وقيل: وهو أسخف الأقوال: إن المراد بمن شاء الله ~~هو الله سبحانه. # وأنت خبير بأن شيئا من هذه الأقاويل لا يستند إلى دليل من لفظة الآيات ~~يصح الاستناد إليه. # نعم لو تصور لله سبحانه خلق وراء السماوات والأرض جاز استثناؤهم من ~~أهلهما استثناء منقطعا أو قيل: إن الموت إنما يلحق الأجساد بانقطاع تعلق ~~الأرواح بها وأما الأرواح فإنها لا تموت فالأرواح هم المستثنون استثناء ~~متصلا ويؤيد هذا الوجه بعض 1 الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام). # وقوله: "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون" ضمير "فيه" للصور، و"أخرى" ~~صفة محذوف موصوفها أي نفخة أخرى، وقيام جمع قائم و"ينظرون" أي ينتظرون أو ~~من النظر بمعناه المعروف. # والمعنى: ونفخ في الصور نفخة أخرى فإذا هم قائمون من قبورهم ينتظرون ما ~~يؤمرون أو ينتظرون ما ذا يفعل بهم أو فإذا هم قائمون ينظرون نظر المبهوت ~~المتحير. # ولا ينافي ما في هذه الآية من كونهم بعد النفخ قياما ينظرون ما في قوله: ~~"ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون:" يس: - 51 أي يسرعون، ~~وقوله: "يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا:" النبأ: - 18، وقوله: "ويوم ينفخ ~~في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض:" النمل: - 87 فإن فزعهم بالنفخ ~~وإسراعهم في المشي إلى عرصة المحشر وإتيانهم إليها أفواجا كقيامهم ينظرون ~~حوادث ms6513 متقارنة لا يدفع بعضها بعضا. # قوله تعالى: "وأشرقت الأرض بنور ربها" إلى آخر الآية إشراق الأرض ~~إضاءتها، والنور معروف المعنى وقد استعمل النور في كلامه تعالى في النور ~~الحسي كثيرا وأطلق أيضا على الإيمان وعلى القرآن بعناية أن كلا منهما يظهر ~~للمتلبس به ما خفي عليه لولاه قال تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور:" البقرة: - 257، وقال: "فآمنوا بالله ورسوله والنور ~~الذي أنزلنا:" التغابن: - 8. # وقد اختلفوا في معنى إشراق الأرض بنور ربها فقيل: إنها تضيء بنور يخلقه ~~الله بلا واسطة أجسام مضيئة كالشمس والقمر وإضافته إليه تعالى من قبيل روحي ~~و"ناقة الله". # وفيه أنه لا يستند إلى دليل يعتمد عليه. # وقيل: المراد به تجلي الرب تعالى لفصل القضاء كما ورد في بعض الأخبار من ~~طرق أهل السنة. # وفيه أنه على تقدير صحة الرواية لا يدل على المدعى. # وقيل: المراد به إضاءة الأرض بعدل ربها يوم القيامة لأن نور الأرض بالعدل ~~كما أن نور العلم بالعمل. PageV17P150 # وفيه أن صحة استعارة النور للعدل في نفسه لا تستلزم كون المراد بالنور في ~~الآية هو العدل إلا بدليل يدل عليه ولم يأت به. # وفي الكشاف، قد استعار الله عز وجل النور للحق والبرهان في مواضع من ~~التنزيل وهذا من ذاك، والمعنى وأشرقت الأرض بما يقيمه فيها من الحق والعدل ~~ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات. # وينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه لأنه هو الحق العدل، وإضافة ~~اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله وينصب فيها موازين قسطه ~~ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه، ~~وفي هذه الإضافة أن ربها وخالقها هو الذي يعدل فيها وإنما يجور فيها غير ~~ربها، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء ~~والقضاء بالحق وهو النور المذكور، وترى الناس يقولون للملك العادل: أشرقت ~~الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك كما تقول أظلمت البلاد بجور فلان قال ~~رسول الله (صلى الله عليه ms6514 وآله وسلم): الظلم ظلمات يوم القيامة وكما فتح ~~الآية بإثبات العدل ختمها بنفي الظلم. # انتهى. # وفيه أولا: أن قوله إن النور مستعار في مواضع كثيرة من القرآن للحق ~~والقرآن والبرهان فاستعارته للحق والبرهان غير ظاهر في شيء من الآيات. # وثانيا: أن الحق والعدل مفهومان متغايران وإن كانا ربما يتصادقان وكون ~~النور في الآية مستعارا للحق لا يستلزم كون العدل مرادا به، ولذا لما أراد ~~بيان إرادة العدل من النور ذكر الحق مع العدل ثم استنتج للعدل دون الحق. # ولا يبعد أن يراد - والله أعلم - من إشراق الأرض بنور ربها ما هو خاصة ~~يوم القيامة من انكشاف الغطاء وظهور الأشياء بحقائقها وبدو الأعمال من خير ~~أو شر أو طاعة أو معصية أو حق أو باطل للناظرين، وإشراق الشيء هو ظهوره ~~بالنور ولا ريب أن مظهرها يومئذ هو الله سبحانه إذ الأسباب ساقطة دونه ~~فالأشياء مشرقة بنور مكتسب منه تعالى. # وهذا الإشراق وإن كان عاما لكل شيء يسعه النور لكن لما كان الغرض بيان ما ~~للأرض وأهله يومئذ من الشأن خصها بالبيان فقال: "وأشرقت الأرض بنور ربها" ~~وذكره تعالى بعنوان ربوبية الأرض تعريضا للمشركين المنكرين لربوبيته تعالى ~~للأرض وما فيها. # والمراد بالأرض مع ذلك الأرض وما فيها وما يتعلق بها كما تقدم أن المراد ~~بالأرض في قوله: "والأرض جميعا قبضته" ذلك. # ويستفاد ما قدمناه من مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى: "لقد كنت ~~في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد:" ق: - 22 وقوله: "يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء:" آل عمران: - 30، وقوله: ~~"يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره:" ~~الزلزال: - 8 وآيات أخرى كثيرة تدل على ظهور الأعمال وتجسمها وشهادة ~~الأعضاء وغير ذلك. # وقوله: "ووضع الكتاب" قيل: المراد به الحساب وهو كما ترى وقيل: المراد به ~~صحائف الأعمال التي يحاسب عليها ويقضى بها، ms6515 وقيل: المراد به اللوح المحفوظ ~~ويؤيده قوله تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون:" الجاثية: - 29. # وقوله: "وجيء بالنبيين والشهداء" أما النبيون فليسألوا عن أداء رسالتهم ~~كما يشعر به السياق قال تعالى: "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين:" الأعراف: - 6، وأما الشهداء وهم شهداء الأعمال فليؤدوا ما ~~تحملوه من الشهادة قال تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا:" النساء: - 41. # وقوله: "وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون" ضميرا الجمع للناس المعلوم من ~~السياق، والقضاء بينهم هو القضاء فيما اختلفوا فيه الوارد كرارا في كلامه ~~تعالى قال: "إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون:" يونس: - 93. # قوله تعالى: "ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون" التوفية الإعطاء ~~بالتمام وقد علقت بنفس ما عملت دون جزائه ويقطع ذلك الريب في كونه قسطا ~~وعدلا من أصله والآية بمنزلة البيان لقوله: "وهم لا يظلمون". PageV17P151 # وقوله: "وهو أعلم بما يفعلون" أي ليس حكمه بهذا النمط من وضع الكتاب ~~والمجيء بالنبيين والشهداء عن جهل منه وحاجة بل لأن يجري حكمه على القسط ~~والعدل فهو أعلم بما يفعلون. # والآية السابقة تتضمن القضاء والحكم وهذه الآية إجراؤه والآيات اللاحقة ~~تفصيل إجرائه. # قوله تعالى: "وسيق الذين كفروا إلى جهنم" إلى آخر الآية السوق بالفتح ~~فالسكون - على ما في المجمع، - الحث على السير، والزمر جمع زمرة وهي - كما ~~في الصحاح، - الجماعة من الناس. # والمعنى "وسيق" وحث على السير "الذين كفروا إلى جهنم زمرا" جماعة بعد ~~جماعة "حتى إذا جاءوها" بلغوها "فتحت أبوابها" لأجل دخولهم وهي سبعة قال ~~تعالى: "لها سبعة أبواب:" الحجر: - 44 "وقال لهم خزنتها" وهم الملائكة ~~الموكلون عليها يقولون لهم تهجينا وإنكارا عليهم "ألم يأتكم رسل منكم" من ~~نوعكم من البشر "يتلون" ويقرءون "عليكم آيات ربكم" من الحجج الدالة على ~~وحدانيته ووجوب عبادته "قالوا" بلى قد جاءوا وتلوا "ولكن" كفرنا وكذبنا ~~و"حقت كلمة العذاب على الكافرين" وكلمة العذاب هي قوله تعالى حين أمر آدم ~~بالهبوط: "والذين ms6516 كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:" ~~البقرة: - 39. # قوله تعالى: "قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين" ~~القائل - على ما يفيده السياق - خزنة جهنم، وفي قوله: "فبئس مثوى ~~المتكبرين" دلالة على أن هؤلاء الذين كفروا هم المكذبون بآيات الله ~~المعاندون للحق. # قوله تعالى: "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها" لم يذكر في الآية جواب إذا إشارة إلى أنه أمر فوق ما يوصف ووراء ~~ما يقدر بقدر، وقوله: "وفتحت أبوابها" حال أي جاءوها وقد فتحت أبوابها، ~~وقوله: "خزنتها" هم الملائكة الموكلون عليها. # والمعنى "وسيق" وحث على السير "الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا" جماعة ~~بعد جماعة "حتى إذا جاءوها و" قد "فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها" الموكلون ~~عليها مستقبلين لهم "سلام عليكم" أنتم في سلام مطلق لا يلقاكم إلا ما ترضون ~~"طبتم" ولعله تعليل لإطلاق السلام "فادخلوها خالدين" فيها. # وهو أثر طيبهم. # قوله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض" إلى آخر الآية. # القائلون هم المتقون والمراد بالوعد ما تكرر في كلامه تعالى وفيما أوحي ~~إلى سائر الأنبياء من وعد المتقين بالجنة قال: "للذين اتقوا عند ربهم ~~جنات:" آل عمران: - 15 وقال: "إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم:" القلم: - ~~34، كذا قيل، وقيل: المراد بالوعد الوعد بالبعث والثواب. # ولا يبعد أن يراد بالوعد الوعد بإيراث الجنة كما في قوله: "أولئك هم ~~الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون:" المؤمنون: - 11 ويكون قوله: ~~"وأورثنا الأرض" عطف تفسير لقوله "صدقنا وعده". # وقوله: "وأورثنا الأرض" المراد بالأرض - على ما قالوا - أرض الجنة وهي ~~التي عليها الاستقرار فيها وقد تقدم في أول سورة المؤمنون أن المراد ~~بوراثتهم الجنة بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركها غيرهم أو يملكها ~~دونهم لكنهم زالوا عنها فانتقلت إليهم. # وقوله: "نتبوأ من الجنة حيث نشاء" بيان لإيراثهم الأرض، وتبديل ضمير ~~الأرض بالجنة للإشارة إلى أنها المراد بالأرض. # وقيل: المراد بالأرض هي أرض الدنيا وهو سخيف إلا أن ms6517 يوجه بأن الجنة هي ~~عقبى هذه الدار قال تعالى: "أولئك لهم عقبى الدار:" الرعد: - 22. # والمعنى وقال المتقون بعد دخول الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده أن ~~سيدخلنا أو أن سيورثنا الجنة نسكن منها حيث نشاء ونختار - فلهم ما يشاءون ~~فيها -. # وقوله: "فنعم أجر العاملين" أي فنعم الأجر أجر العاملين لله تعالى، وهو ~~على ما يعطيه السياق قول أهل الجنة، واحتمل أن يكون من قوله تعالى. # قوله تعالى: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم" إلى ~~آخر الآية الحف الإحداق والإحاطة بالشيء، والعرش هو المقام الذي يصدر منه ~~الفرامين والأوامر الإلهية التي يدبر بها العالم، والملائكة هم المجرون ~~لمشيته العاملون بأمره، ورؤية الملائكة على تلك الحال كناية عن ظهور ذلك ~~وقد طويت السماوات. PageV17P152 # والمعنى: وترى يومئذ الملائكة والحال أنهم محدقون بالعرش مطيفون به لإجراء ~~الأمر الصادر منه وهم يسبحون بحمد ربهم. # وقوله: "وقضي بينهم" احتمل رجوع الضمير إلى الملائكة، ورجوعه إلى الناس ~~والملائكة جميعا، ورجوعه إلى جميع الخلائق، ورجوعه إلى الناس فالقضاء بين ~~أهل الجنة وأهل النار منهم أو بين الأنبياء وأممهم. # ويضعف الاحتمال الأخير أن القضاء بين الناس قد ذكر قبلا في قوله: "وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون" فذكر القضاء بينهم ثانيا تكرار من غير موجب. # لكن ظاهر القضاء بين جماعة هو الحكم لبعضهم على بعض لوجود اختلاف ما ~~بينهم ولا تحقق للاختلاف بين الملائكة، وهذا يؤيد أن يكون الضمير لغيرهم ~~والقضاء بين الناس غير أن القضاء كما يطلق على نفس حكم الحاكم يصح إطلاقه ~~على مجموع الحكم ومقدماته وتبعاته من حضور المتخاصمين وطرح الدعوى وشهادة ~~الشهود وحكم الحاكم وإيفاء المحق حقه فمن الممكن أن يكون المراد بالقضاء ~~المذكور أولا نفس الحكم الإلهي وبهذا القضاء المذكور ثانيا هو مجموع ما ~~يجري عليهم من حين يبعثون إلى حين دخول أهل النار النار وأهل الجنة الجنة ~~واستقرارهم فيهما وبذلك يندفع إشكال التكرار من غير موجب. # وقوله: "وقيل الحمد لله رب العالمين" كلمة خاتمة للبدء والعود وثناء عام ~~له تعالى ms6518 أنه لم يفعل ولا يفعل إلا الجميل. # قيل: قائله المتقون وكان حمدهم الأول على دخولهم الجنة والثاني للقضاء ~~بينهم وبين غيرهم بالحق، وقيل: قائله الملائكة ولم ينسب إليهم صريحا لتعظيم ~~أمرهم، وقيل: القائل جميع الخلائق. # ويؤيد الأول قوله تعالى في صفة أهل الجنة: "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين:" يونس: - 10 وهو حمد عام خاتم للخلقة كما سمعت. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين" فهذه مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى لأمته، وهو ~~ما قاله الصادق (عليه السلام): إن الله عز وجل بعث نبيه بإياك أعني واسمعي ~~يا جارة. # وعن كتاب التوحيد، بإسناده إلى الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل لا يوصف:. قال: وقال زرارة: قال أبو ~~جعفر (عليه السلام): إن الله لا يوصف وكيف يوصف وقد قال في كتابه: "وما ~~قدروا الله حق قدره؟" فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك. # وفيه، بإسناده عن سليمان بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله عز وجل: "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة" قال: ملكه لا يملكها ~~معه أحد. والقبض عن الله تعالى في موضع آخر المنع والبسط منه الإعطاء ~~والتوسع كما قال عز وجل: "والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون" يعني يعطي ويوسع ~~ويضيق، والقبض منه عز وجل في وجه آخر الأخذ والأخذ في وجه القبول منه كما ~~قال: "ويأخذ الصدقات" أي يقبلها من أهلها ويثيب عليها. قلت: فقوله عز وجل: ~~"والسموات مطويات بيمينه"؟ قال: اليمين اليد واليد القدرة والقوة يقول عز ~~وجل: "والسموات مطويات بيمينه" أي بقدرته وقوته سبحانه وتعالى عما يشركون. # أقول: وروي في الدر المنثور، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): في قوله تعالى: "فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله" ~~أنهم الشهداء مقلدون بأسيافهم حول عرشه الخبر وظاهره أن النفخة غير نفخة ~~الإماتة ms6519 وقد تقدم أن الآية ظاهرة في خلافه. # وروي عن أنس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنهم جبرئيل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش وأنهم يموتون بعدها الخبر. # والآية ظاهرة في خلافه. # وروي عن جابر: استثني موسى لأنه كان صعق قبل، الخبر. # وفيه أن الصعق سواء أخذ بمعنى الموت أو بمعنى الغشية لا يختص الصعق قبل ~~ذلك بموسى (عليه السلام). # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "لها سبعة أبواب" فيه قولان أحدهما ما روي ~~عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن جهنم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق ~~بعض ووضع إحدى يديه على الأخرى فقال: هكذا وأن الله وضع الجنان على الأرض، ~~ووضع النيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم، وفوقها لظى، وفوقها الحطمة، ~~وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية وفي رواية ~~الكلبي أسفلها الهاوية وأعلاها جهنم. PageV17P153 # وفي الخصال، عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: إن ~~للجنة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه ~~الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا. فلا أزال واقفا ~~على الصراط أدعو وأقول: رب سلم شيعتي ومحبي وأنصاري ومن تولاني في دار ~~الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش قد أجيبت دعوتك وشفعت في شيعتك ويشفع كل ~~رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا ~~من جيرانه وأقربائه. وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا ~~الله ولم يكن في قلبه مثقال من بغضنا أهل البيت. PageV17P154 ### || AUTO ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتب من الله العزيز العليم (2) ~~غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول لا إله إلا هو إليه المصير ~~(3) ما يجدل فى ءايت الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم فى البلد (4) ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجدلوا ~~بالبطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمت ربك ms6520 على ~~الذين كفروا أنهم أصحب النار (6) ### |||| AUTO بيان # تتكلم السورة في استكبار الكافرين ومجادلتهم بالباطل ليدحضوا به الحق ~~الذي يدعون إليه ولذلك نراها تذكر جدالهم وتعود إليه عودة بعد عودة "ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد" "الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا" "ألم تر إلى الذين ~~يجادلون في آيات الله أنى يصرفون". # فتكسر سورة استكبارهم وجدالهم بذكر ما عاقب الله به الماضين من الأمم ~~المكذبين وما أعد الله لهم من العذاب المهين بذكر طرف مما يجري عليهم في ~~الآخرة. # وتدحض باطل أقاويلهم بوجوه من الحجج الناطقة بتوحده في الربوبية ~~والألوهية وتأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وتعده والمؤمنين ~~به بالنصر، وتأمرهم أن يؤذنهم أنه مسلم لربه غير تارك لعبادته فلييأسوا منه. # والسورة مكية كلها لاتصال آياتها وشهادة مضامينها بذلك، وما قيل فيه من ~~الآيات إنه نزل بالمدينة لا يعبأ به وسيجيء الإشارة إليها إن شاء الله. # قوله تعالى "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم" التنزيل مصدر بمعنى ~~المفعول فقوله: "تنزيل الكتاب" من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها والتقدير ~~هذا كتاب منزل من الله. # وتخصيص الوصفين: "العزيز العليم" بالذكر قيل: للإشارة إلى ما في القرآن ~~من الإعجاز وأنواع العلوم التي يضيق عنها نطاق الأفهام، وقيل: هو من باب ~~التفنن. # والوجه أن يقال: إن السورة لما كانت تتكلم حول جحد الجاحدين ومجادلتهم في ~~آيات الله بالباطل جهلا وهم يحسبونه علما ويعتزون به كما حكى ذلك عنهم في ~~خاتمة السورة بقوله: "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم" وكما حكى عن فرعون قوله لقومه في موسى: "إني أخاف أن يبدل دينكم أو ~~أن يظهر في الأرض الفساد" وقوله لهم: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا ~~سبيل الرشاد". # افتتح الكلام في السورة بما فيه إشارة إلى أن هذا الكتاب النازل عليهم ~~تنزيل ممن هو عزيز على الإطلاق لا يغلبه غالب حتى يخاف على ما نزله من ms6521 ~~استعلائهم واستكبارهم بحسب أوهامهم، عليم على الإطلاق لا يدخل علمه جهل ~~وضلال فلا يقاوم جدالهم بالباطل ما نزله من الحق وبينه بحججه الباهرة. # ويؤيد هذا الوجه ما في الآية التالية من قوله: "غافر الذنب وقابل التوب" ~~إلخ على ما سنبين. # قوله تعالى: "غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو ~~إليه المصير" الإتيان بصيغة اسم الفاعل في "غافر الذنب وقابل التوب" - لعله ~~- للدلالة على الاستمرار التجددي فإن المغفرة وقبول التوب من صفاته الفعلية ~~ولا يزال تعالى يغفر الذنب ثم يغفر ويقبل التوب ثم يقبل. # وإنما عطف قابل التوب على ما قبله دون "شديد العقاب ذي الطول" لأن غافر ~~الذنب وقابل التوب مجموعهما كصفة واحدة متعلقة بالعباد المذنبين يغفر لهم ~~تارة بتوبة وتارة بغيرها كالشفاعة. # والعقاب والمعاقبة المؤاخذة التي تكون في عاقبة الذنب قال الراغب: والعقب ~~والعقبى يختصان بالثواب نحو خير ثوابا وخير عقبا، وقال تعالى: "أولئك لهم ~~عقبى الدار، والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو والعاقبة للمتقين، ~~وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو ثم كان عاقبة الذين أساءوا، وقوله: ~~فكان عاقبتهما أنهما في النار يصح أن يكون ذلك استعارة من ضده، والعقوبة ~~والمعاقبة والعقاب تختص بالعذاب. # انتهى. # فشديد العقاب كذي انتقام من أسماء الله الحسنى تحكي صفته تعالى في جانب ~~العذاب كما يحكي الغفور والرحيم صفته تعالى في جانب الرحمة. PageV17P155 # والطول - على ما في المجمع، - الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه فذو الطول ~~من أسمائه الحسنى في معنى المنعم لكنه أخص من المنعم لعدم شموله النعم ~~القصار. # وذكر هذه الأسماء الأربعة: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ~~بعد اسم العليم للإشارة إلى أن تنزيل هذا الكتاب المشتمل على دعوته الحقة ~~المبني على العلم مبني على أساس ما تقتضيه مضامين هذه الأسماء الأربعة. # وذلك أن العالم الإنساني كما يتحد قبيلا واحدا في نيل الطول الإلهي ~~والتنعم بنعمه المستمرة المتوالية مدى الحياة الدنيا ينقسم من حيث حياته ~~الآخرة قسمين وينشعب إلى شعبتين: سعيد وشقي والله سبحانه عالم ms6522 بتفاصيل خلقه ~~وكيف لا يعلم وهو خالقها وفاعلها، ومقتضى كونه غافرا للذنب قابلا للتوب أن ~~يغفر لمن استعد للمغفرة وأن يقبل توبة التائب إليه، ومقتضى كونه شديد ~~العقاب أن يعاقب من استحق ذلك. # ومقتضى ذلك أن يهدي الناس إلى صراط السعادة كما قال: "إن علينا للهدى وإن ~~لنا للآخرة والأولى:" الليل: - 13، وقال: "وعلى الله قصد السبيل:" النحل: - 9. # لينقسم الناس بذلك قسمين ويتميز عنده السعيد من الشقي والمهتدي من الضال ~~فيرحم هذا ويعذب ذلك. # فتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم مبني على علمه المحيط بخلقه أنهم في ~~حاجة إلى دعوة يهتدي بها قوم ويضل بردها آخرون ليغفر لقوم ويعذب آخرين، وفي ~~حاجة إليها لينتظم بها نظام معاشهم في الدنيا فينعموا بطوله ونعمته في ~~الدنيا ثم في دار القرار. # فهذا شأن كتابه المنزل بعلمه الذي لا يشوبه جهل والمبني على الحق الذي لا ~~يداخله باطل، وأين هو من تكذيب الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة ~~وجدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق. # وعلى هذا الذي ذكرنا من العناية بالعلم يشهد ما سيذكره تعالى من دعاء ~~الملائكة للمؤمنين بالمغفرة: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك" فتدبر فيه. # وقوله: "لا إله إلا هو إليه المصير" ذكر كلمة التوحيد للإشارة إلى وجوب ~~عبادته وحده فلا تلغو الدعوة الدينية بتنزيل الكتاب، وذكر كون مصير الكل ~~ورجوعهم إليه وهو البعث للإشارة إلى أنه هو السبب العمدة الداعي إلى ~~الإيمان بالكتاب واتباعه فيما يدعو إليه لأن الاعتقاد بيوم الحساب هو الذي ~~يستتبع الخوف والرجاء خوف العقاب ورجاء الثواب الداعيين إلى عبادة الله ~~سبحانه. # قوله تعالى: "ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد" لما ذكر تنزيل الكتاب وأشار إلى الحجة الباهرة على حقيته، ~~المستفادة من صفاته الكريمة المعدودة في الآيتين، الدالة على أنه منزل ~~بعلمه الذي لا يشوبه جهل وبالحق الذي لا يدحضه باطل تعرض لحال الذين قابلوا ~~حججه الحقة بباطل جدالهم فلوح إلى أن هؤلاء أهل العقاب وليسوا ms6523 بفائتين ولا ~~مغفولا عنهم فإنهم كما نزل الكتاب ليغفر الذنب ويقبل التوب كذلك نزله ~~ليعاقب أهل العقاب فلا يسوأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جدالهم ولا ~~يغرنه ما يشاهده من حالهم. # فقوله: "ما يجادل في آيات الله" لم يقل: ما يجادل فيه أي في القرآن ليدل ~~على أن الجدال في الحق الذي تدل عليه الآيات بما هي آيات. # على أن طرف جدالهم هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو داع إلى الحق ~~الذي تدل عليه الآيات فجدالهم لدفع الحق لا للدفاع عن الحق. # على أن الجدال في الآية التالية مقيدة بالباطل لإدحاض الحق. # فالمراد بالمجادلة في آيات الله هي المجادلة لإدحاضها ودفعها وهي ~~المذمومة ولا تشمل الجدال لإثبات الحق والدفاع عنه كيف؟ وهو سبحانه يأمر ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك إذا كان جدالا بالتي هي أحسن قال ~~تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن:" النحل: - 125. # قوله: "إلا الذين كفروا" ظاهر السياق أنهم الذين رسخ الكفر في قلوبهم فلا ~~يرجى زواله، وقد قيل: "ما يجادل" ولم يقل: لا يجادل، وكذا ظاهر قوله: "فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد" أن المراد بهم الكفار المعاصرون للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وإن لم يكونوا من أهل مكة. PageV17P156 # وتقلبهم في البلاد انتقالهم من طور من أطوار الحياة إلى طور آخر ومن نعمة ~~إلى نعمة في سلامة وصحة وعافية، وتوجيه النهي عن الغرور إلى تقلبهم في ~~البلاد كناية عن نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الاغترار بما ~~يشاهده منهم أن يحسب أنهم أعجزوه سبحانه. # قوله تعالى: "كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم" إلخ في مقام الجواب ~~عما يسبق إلى الوهم أنهم استكبروا وجادلوا في آيات الله فلم يكن بهم بأس ~~وسبقوا في ذلك. # ومحصل الجواب: أن الأمم الماضين كقوم نوح والأحزاب من بعدهم كعاد وثمود ~~وقوم لوط وغيرهم سبقوا هؤلاء إلى مثل صنيعهم من التكذيب والجدال بالباطل ~~وهموا برسولهم ليأخذوه فحل بهم العقاب وكذلك قضي في حق الكفار العذاب فتوهم ~~أن ms6524 هؤلاء سبقوا الله إلى ما يريد توهم باطل. # فقوله: "كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم" دفع للدخل السابق ولذا ~~جيء بالفصل، وقوله: "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه" يقال: هم به أي قصده ~~ويغلب فيه القصد بالسوء أي قصدوا رسولهم ليأخذوه بالقتل أو الإخراج أو ~~غيرهما كما قصه الله تعالى في قصصهم. # وقوله: "وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق" الإدحاض الإزالة والإبطال ~~وقوله: "فأخذتهم" أي عذبتهم، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم وحده ~~والنكتة فيه الإشارة إلى أن أمرهم في هذا الطغيان والاستكبار إلى الله وحده ~~لا يدخل بينه وبينهم أحد بنصرة أو شفاعة كما قال: "فصب عليهم ربك سوط عذاب ~~إن ربك لبالمرصاد:" الفجر: - 14. # وقوله: "فكيف كان عقاب" توجيه لذهن المخاطب إلى ما يعلمه من كيفية ~~إهلاكهم وقطع دابرهم ليحضر شدة ما نزل بهم وقد قصه الله فيما قص من قصصهم. # قوله تعالى: "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار" ظاهر ~~السياق أن المشبه به هو ما في الآية السابقة من أخذهم وعقابهم، والمراد ~~بالذين كفروا مطلق الكفار من الماضين، والمعنى كما أخذ الله المكذبين من ~~الماضين بعذاب الدنيا كذلك حقت كلمته على مطلق الكافرين بعذاب الآخرة، ~~والذين كفروا من قومك منهم. # وقيل: المراد بالذين كفروا كفار مكة، ولا يساعد عليه السياق والتشبيه لا ~~يخلو عليه من اختلال. # وفي قوله: "كلمة ربك" ولم يقل: كلمتي تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وتأييد له بالإشارة إلى أن الركن الذي يركن إليه هو الشديد القوي. PageV17P157 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن- 7 - 12 # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم ومن صلح من ءابائهم ~~وأزوجهم وذريتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ms6525 إلى الايمن فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا ~~اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم ~~بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير (12) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر سبحانه تكذيب الذين كفروا وجدالهم في آيات الله بالباطل ولوح إلى ~~أنهم غير معجزين ولا مغفول عنهم بل معنيون في هذه الدعوة والعناية فيهم أن ~~يتميزوا فيحق عليهم كلمة العذاب فيعاقبوا عاد إلى بدء الكلام الذي أشار فيه ~~إلى أن تنزيل الكتاب وإقامة الدعوة لمغفرة جمع وقبول توبتهم وعقاب آخرين ~~فذكر أن الناس قبال هذه الدعوة قبيلان: قبيل تستغفر لهم حملة العرش ~~والحافون به من الملائكة وهم التائبون إلى الله المتبعون سبيله ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وقبيل ممقوتون معذبون وهم الكافرون بالتوحيد. # قوله تعالى: "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به" ~~إلى آخر الآية. # لم يعرف سبحانه هؤلاء الحاملين للعرش من هم؟ ولا في كلامه تصريح بأنهم من ~~الملائكة لكن يشعر عطف قوله: "ومن حوله عليهم وقد قال فيهم: "وترى الملائكة ~~حافين من حول العرش:" الزمر: - 75 أن حملة العرش أيضا من الملائكة. # وقد تقدم تفصيل الكلام في معنى العرش في الجزء الثامن من الكتاب. # فقوله: "الذين يحملون العرش ومن حوله" أي الملائكة الذين يحملون العرش ~~الذي منه تظهر الأوامر وتصدر الأحكام الإلهية التي بها يدبر العالم، والذين ~~حول العرش من الملائكة وهم المقربون منهم. # وقوله: "يسبحون بحمد ربهم" أي ينزهون الله سبحانه والحال أن تنزيههم له ~~يصاحب ثناؤهم لربهم فهم ينزهونه تعالى عن كل ما لا يليق بساحة قدسه ومن ذلك ~~وجود الشريك في ملكه ويثنون عليه على فعله وتدبيره. # وقوله: "ويؤمنون به" إيمانهم به - والحال هذه الحال عرش الملك والتدبير ~~لله وهم حاملوه أو مطيفون حوله لتلقي الأوامر وينزهونه عن كل نقص ويحمدونه ~~على أفعاله - معناه الإيمان بوحدانيته في ربوبيته وألوهيته ففي ذكر العرش ~~ونسبة التنزيه والتحميد والإيمان إلى الملائكة رد للمشركين حيث يعدون ~~الملائكة المقربين شركاء لله ms6526 في ربوبيته وألوهيته ويتخذونهم أربابا آلهة ~~يعبدونهم. # وقوله: "ويستغفرون للذين آمنوا" أي يسألون الله سبحانه أن يغفر للذين آمنوا. # وقوله: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" إلخ حكاية متن استغفارهم وقد بدءوا ~~فيه بالثناء عليه تعالى بسعة الرحمة والعلم، وإنما ذكروا الرحمة وشفعوها ~~بالعلم لأنه برحمته ينعم على كل محتاج فالرحمة مبدأ إفاضة كل نعمة وبعلمه ~~يعلم حاجة كل محتاج مستعد للرحمة. # وقوله: "فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم" تفريع على ما ~~أثنوا به من سعة الرحمة والعلم، والمراد بالسبيل التي اتبعوها هو ما شرع ~~لهم من الدين وهو الإسلام واتباعهم له هو تطبيق عملهم عليه فالمراد بتوبتهم ~~رجوعهم إليه تعالى بالإيمان والمعنى فاغفر للذين رجعوا إليك بالإيمان ~~بوحدانيتك وسلوك سبيلك الذي هو الإسلام وقهم عذاب الجحيم وهو غاية المغفرة ~~وغرضها. # قوله تعالى: "ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم" إلى آخر الآية تكرار ~~النداء بلفظة ربنا لمزيد الاستعطاف والمراد بالوعد وعده تعالى لهم بلسان ~~رسله وفي كتبه. PageV17P158 # وقوله: "ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم" عطف على موضع الضمير في ~~قوله: "وأدخلهم" والمراد بالصلوح صلاحية دخول الجنة، والمعنى وأدخل من صلح ~~لدخول الجنة من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم جنات عدن. # ثم من المعلوم من سياق الآيات أن استغفارهم لعامة المؤمنين، ومن المعلوم ~~أيضا أنهم قسموهم قسمين اثنين قسموهم إلى الذين تابوا واتبعوا سبيل الله ~~وقد وعدهم الله جنات عدن، وإلى من صلح وقد جعلوا الطائفة الأولى متبوعين ~~والثانية تابعين. # ويظهر منه أن الطائفة الأولى هم الكاملون في الإيمان والعمل على ما هو ~~مقتضى حقيقة معنى قولهم: "الذين تابوا واتبعوا سبيلك" فذكروهم وسألوه أن ~~يغفر لهم وينجز لهم ما وعدهم من جنات عدن، والطائفة الثانية دون هؤلاء في ~~المنزلة ممن لم يستكمل الإيمان والعمل من ناقص الإيمان ومستضعف وسيىء العمل ~~من منسوبي الطائفة الأولى فذكروهم وسألوه تعالى أن يلحقهم بالطائفة الأولى ~~الكاملين في جناتهم ويقيهم السيئات. # فالآية في معنى قوله تعالى: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم وما ألتناهم ms6527 من عملهم من شيء:" الطور: - 21 غير أن الآية التي ~~نحن فيها أوسع وأشمل لشمولها الآباء والأزواج بخلاف آية سورة الطور، ~~والمأخوذ فيها الصلوح وهو أعم من الإيمان المأخوذ في آية الطور. # وقوله: "إنك أنت العزيز الحكيم" تعليل لقولهم: "فاغفر للذين تابوا" إلى ~~آخر مسألتهم، وكان الذي يقتضيه الظاهر أن يقال: إنك أنت الغفور الرحيم لكنه ~~عدل إلى ذكر الوصفين: العزيز الحكيم لأنه وقع في مفتتح مسألتهم الثناء عليه ~~تعالى بقولهم: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما". # ولازم سعة الرحمة وهي عموم الإعطاء أن له أن يعطي ما يشاء لمن يشاء ويمنع ~~ما يشاء ممن يشاء وهذا معنى العزة التي هي القدرة على الإعطاء والمنع، ~~ولازم سعة العلم لكل شيء أن ينفذ العلم في جميع أقطار الفعل فلا يداخل ~~الجهل شيئا منها ولازمه إتقان الفعل وهو الحكمة. # فقوله: "إنك أنت العزيز الحكيم" في معنى الاستشفاع بسعة رحمته وسعة علمه ~~تعالى المذكورتين في مفتتح المسألة تمهيدا وتوطئة لذكر الحاجة وهي المغفرة ~~والجنة. # قوله تعالى: "وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته" إلخ ظاهر ~~السياق أن الضمير في "قهم" للذين تابوا ومن صلح جميعا. # والمراد بالسيئات - على ما قيل - تبعات المعاصي وهي جزاؤها وسميت التبعات ~~سيئات لأن جزاء السيىء سيىء قال تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها:" الشورى: - 40. # وقيل: المراد بالسيئات المعاصي والذنوب نفسها والكلام على تقدير مضاف ~~والتقدير وقهم جزاء السيئات أو عذاب السيئات. # والظاهر أن الآية من الآيات الدالة على أن الجزاء بنفس الأعمال خيرها ~~وشرها، وقد تكرر في كلامه تعالى أمثال قوله: "إنما تجزون ما كنتم تعملون:" ~~التحريم: - 7. # وكيف كان فالمراد بالسيئات التي سألوا وقايتهم عنها هي الأهوال والشدائد ~~التي تواجههم يوم القيامة غير عذاب الجحيم فلا تكرار في قوليهم: "وقهم عذاب ~~الجحيم" "وقهم السيئات". # وقيل: المراد بالسيئات نفس المعاصي التي في الدنيا، وقولهم: "يومئذ" ~~إشارة إلى الدنيا، والمعنى واحفظهم من اقتراف المعاصي وارتكابها في الدنيا ~~بتوفيقك. # وفيه أن السياق يؤيد كون المراد بيومئذ يوم القيامة كما يشهد به ms6528 قولهم: ~~"وقهم عذاب الجحيم" وقولهم: "وأدخلهم جنات عدن" إلخ فالحق أن المراد ~~بالسيئات ما يظهر للناس يوم القيامة من الأهوال والشدائد. # ويظهر من هذه الآيات المشتملة على دعاء الملائكة ومسألتهم: أولا: أن من ~~الأدب في الدعاء أن يبدأ بحمده والثناء عليه تعالى ثم يذكر الحاجة ثم ~~يستشفع بأسمائه الحسنى المناسبة له. # وثانيا: أن سؤال المغفرة قبل سؤال الجنة وقد كثر ذكر المغفرة قبل الجنة ~~في كلامه تعالى إذا ذكرا معا، وهو الموافق للاعتبار فإن حصول استعداد أي ~~نعمة كانت بزوال المانع قبل حصول نفس النعمة. # وذكر بعضهم أن في قوله: "فاغفر للذين تابوا" الآية دلالة على أن إسقاط ~~العقاب عند التوبة تفضل من الله تعالى إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه ~~إلى مسألتهم بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة. PageV17P159 # وفيه أن وجوب صدور الفعل عنه تعالى لا ينافي صحة مسألته وطلبه منه تعالى ~~كما يشهد به قولهم بعد الاستغفار: "ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم" فقد ~~سألوا لهم الجنة مع اعترافهم بأن الله وعدهم إياها ووعده تعالى واجب ~~الإنجاز فإنه لا يخلف الميعاد، وأصرح من هذه الآية قوله يحكي عن المؤمنين: ~~"ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد:" آل عمران: - 194. # وقبول التوبة مما أوجبه الله تعالى على نفسه وجعله حقا للتائبين عليه قال ~~تعالى: "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم:" النساء: - 17 فطلب كل حق أوجبه الله تعالى على ~~نفسه منه كسؤال المغفرة للتائب هو في الحقيقة رجوع إليه لاستنجاز ما وعده ~~وإظهار اشتياق للفوز بكرامته. # وكذا لا يستلزم التفضل منه تعالى كون الفعل جائز الصدور غير واجبة فكل ~~عطية من عطاياه تفضل سواء كانت واجبة الصدور أم لم تكن إذ لو كان فعل من ~~أفعاله واجب الصدور عنه لم يكن إيجابه عليه بتأثير من غيره فيه وقهره عليه ~~إذ هو المؤثر في كل شيء لا يؤثر فيه غيره بل ms6529 كان ذلك بإيجاب منه تعالى على ~~نفسه ويؤول معناه إلى قضائه تعالى فعل شيء من الأفعال وإفاضة عطية من ~~العطايا قضاء حتم فيكون سبحانه إنما يفعله بمشية من نفسه منزها عن إلزام ~~الغير إياه عليه متفضلا به فالفعل تفضل منه وإن كان واجب الصدور، وأما لو ~~لم يكن الفعل واجب الصدور فكونه تفضلا أوضح. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون" المقت أشد البغض. # لما ذكر المؤمنين ببعض ما لهم من جهة إيمانهم رجع إلى ذكر الكافرين ببعض ~~ما عليهم من جهة كفرهم. # وظاهر الآية والآية التالية أن هذا النداء المذكور فيها إنما ينادون به ~~في الآخرة بعد دخول النار حين يذوقون العذاب لكفرهم فيظهر لهم أن كفرهم في ~~الدنيا إذ كانوا يدعون من قبل الأنبياء إلى الإيمان كان مقتا وشدة بغض منهم ~~لأنفسهم حيث أوردوها بذلك مورد الهلاك الدائم. # وينادون من جانب الله سبحانه فيقال لهم: أقسم لمقت الله وشدة بغضه لكم ~~أكبر من مقتكم أنفسكم وشدة بغضكم لها إذ تدعون - حكاية حال ماضية - إلى ~~الإيمان من قبل الأنبياء فتكفرون. # قوله تعالى: "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ~~فهل إلى خروج من سبيل" سياق الآية وما قبلها يشعر بأنهم يقولون هذا القول ~~بعد استماع النداء السابق، وإنما يقولونه وهم في النار بدليل قولهم: "فهل ~~إلى خروج من سبيل". # وتقديم هذا الاعتراف منهم نوع تسبيب وتوسل إلى التخلص من العذاب ولات حين ~~مناص، وذلك أنهم كانوا - وهم في الدنيا - في ريب من البعث والرجوع إلى الله ~~فأنكروه ونسوا يوم الحساب وكان نسيان ذلك سبب استرسالهم في الذنوب وذهابهم ~~لوجوههم في المعاصي ونسيان يوم الحساب مفتاح كل معصية وضلال قال تعالى: "إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب:" ص: - 26. # ثم لما أماتهم الله إماتة بعد إماتة وأحياهم إحياءة بعد إحياءة زال ~~ارتيابهم في أمر البعث والرجوع إلى الله بما عاينوا من البقاء بعد ms6530 الموت ~~والحياة بعد الحياة وقد كانوا يرون أن الموت فناء، ويقولون إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. # وبالجملة زال عنهم الارتياب بحصول اليقين وبقيت الذنوب والمعاصي ولذلك ~~توسلوا إلى التخلص من العذاب بالاعتراف فتارة اعترفوا بحصول اليقين كما ~~حكاه الله عنهم في قوله: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون:" الم السجدة: - 12، وتارة ~~اعترفوا بذنوبهم كما في الآية المبحوث عنها وقد كانوا يرون أنهم أحرار ~~مستقلون في إرادتهم وأفعالهم لهم أن يشاءوا ما شاءوا وأن يفعلوا ما فعلوا ~~ولا حساب ولا ذنب. # ومن ذلك يظهر وجه ترتب قولهم: "فاعترفنا بذنوبنا" على قولهم: "أمتنا ~~اثنتين وأحييتنا اثنتين" فالاعتراف في الحقيقة مترتب على حصول اليقين ~~بالمعاد الموجب لحصول العلم بكون انحرافاتهم عن سبيل الله ضلالات وذنوبا. PageV17P160 # والمراد بقولهم: "أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين" - كما قيل - الإماتة عن ~~الحياة الدنيا والإحياء للبرزخ ثم الإماتة عن البرزخ والإحياء للحساب يوم ~~القيامة فالآية تشير إلى الإماتة بعد الحياة الدنيا والإماتة بعد الحياة ~~البرزخية وإلى الإحياء في البرزخ والإحياء ليوم القيامة ولو لا الحياة ~~البرزخية لم تتحقق الإماتة الثانية لأن كلا من الإماتة والإحياء يتوقف ~~تحققه على سبق خلافه. # ولم يتعرضوا للحياة الدنيا ولم يقولوا: وأحييتنا ثلاثا وإن كانت إحياء ~~لكونها واقعة بعد الموت الذي هو حال عدم ولوج الروح لأن مرادهم ذكر الإحياء ~~الذي هو سبب الإيقان بالمعاد وهو الإحياء في البرزخ ثم في القيامة وأما ~~الحياة الدنيوية فإنها وإن كانت إحياء لكنها لا توجب بنفسها يقينا بالمعاد ~~فقد كانوا مرتابين في المعاد وهم أحياء في الدنيا. # وبما تقدم من البيان يظهر فساد ما اعترض عليه بأنه لو كان المراد ~~بالإحياءتين ما كان في البرزخ وفي الآخرة لكان من الواجب أن يقال: "أمتنا ~~اثنتين وأحييتنا ثلاثا" إذ ليس المراد إلا ذكر ما مر عليهم من الإماتة ~~والإحياءة وذلك إماتتان اثنتان وإحياءات ثلاث. # والجواب أنه ليس المراد هو مجرد ذكر الإماتة والإحياء اللتين مرتا عليهم ~~كيفما ms6531 كانتا بل ذكر ما كان منهما مورثا لليقين بالمعاد، وليس الإحياء ~~الدنيوي على هذه الصفة. # وقيل: المراد بالإماتة الأولى حال النطفة قبل ولوج الروح، وبالإحياءة ~~الأولى ما هو حال الإنسان بعد ولوجها، وبالإماتة الثانية إماتته في الدنيا، ~~وبالإحياءة الثانية إحياءته بالبعث للحساب يوم القيامة، والآية منطبقة على ~~ما في قوله تعالى: "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم:" البقرة: - 28. # ولما أحسوا بعدم صدق الإماتة على حال الإنسان قبل ولوج الروح في جسده ~~لتوقفها على سبق الحياة تمحلوا في تصحيحه تمحلات عجيبة من أراد الوقوف ~~عليها فليراجع الكشاف، وشروحه. # على أنك قد عرفت أن ذكرهم ما مر عليهم من الإماتة والإحياءة إشارة إلى ~~أسباب حصول يقينهم بالمعاد والحياة الدنيا والموت الذي قبلها لا أثر لهما ~~في ذلك. # وقيل: إن الحياة الأولى في الدنيا والثانية في القبر، والموتة الأولى في ~~الدنيا والثانية في القبر ولا تعرض في الآية لحياة يوم البعث، ويرد عليه ما ~~تقدم أن الحياة الدنيا لا تعلق لها بالغرض فلا موجب للتعرض لها، والحياة ~~يوم القيامة بالخلاف من ذلك. # وقيل: المراد بالإحياءتين إحياء البعث والإحياء الذي قبله وإحياء البعث ~~قسمان إحياء في القبر وإحياء عند البعث ولم يتعرض لهذا التقسيم في الآية ~~فتشمل الآية الإحياءات الثلاث والإماتتين جميعا. # ويرد عليه ما يرد على الوجهين السابقين عليه مضافا إلى ما أورد عليه أن ~~ذكر الإماتة الثانية التي في القبر دليل على أن التقسيم ملحوظ والمراد ~~التعدد الشخصي لا النوعي. # وقيل: المراد إحياء النفوس في عالم الذر ثم الإماتة ثم الإحياء في الدنيا ~~ثم الإماتة ثم الإحياء للبعث، ويرد عليه ما يرد على سوابقه. # وقيل: المراد بالتثنية التكرار كما في قوله تعالى: "ثم ارجع البصر ~~كرتين:" الملك: - 4، والمعنى أمتنا إماتة وأحييتنا إحياءة بعد إحياءة. # وأورد عليه أنه إنما يتم لو كان القول: أمتنا إماتتين وأحييتنا إحياءتين ~~أو كرتين مثلا لكن المقول نفس العدد وهو لا يحتمل ذلك كما قيل في قوله: ~~"إلهين اثنين:" النحل: - 51. # وقولهم: "فهل إلى خروج ms6532 من سبيل" دعاء ومسألة في صورة الاستفهام، وفي ~~تنكير الخروج والسبيل إشارة إلى رضاهم بأي نوع من الخروج كان من أي سبيل ~~كانت فقد بلغ بهم الجهد واليوم يوم تقطعت بهم الأسباب فلا سبب يرجى أثره في ~~تخلصهم من العذاب. # قوله تعالى: "ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا" إلخ ~~خطاب تشديد للكفار موطنه يوم القيامة، ويحتمل أن يكون موطنه الدنيا خوطبوا ~~بداعي زجرهم عن الشرك. PageV17P161 # والإشارة بقوله: "ذلكم" إلى ما هم فيه من الشدة، وفي قوله: "وإن يشرك به" ~~دلالة على الاستمرار، والكلام مسوق لبيان معاندتهم للحق ومعاداتهم لتوحيده ~~تعالى فهم يكفرون بكل ما يلوح فيه أثر التوحيد ويؤمنون بكل ما فيه سمة ~~الشرك فهم لا يراعون لله حقا ولا يحترمون له جانبا فالله سبحانه يحرم عليهم ~~رحمته ولا يراعي في حكمه لهم جانبا. # وبهذا المعنى يتصل قوله: "فالحكم لله العلي الكبير" بأول الآية ويتفرع ~~عليه كأنه قيل: فإذا قطعتم عن الله بالمرة وكفرتم بكل ما يريده وآمنتم بكل ~~ما يكرهه فهو يقطع عنكم ويحكم فيكم بما يحكم من غير أي رعاية لحالكم. # فالآية في معنى قوله: "نسوا الله فنسيهم:" التوبة: - 67، والجملة أعني ~~قوله: "فالحكم لله العلي الكبير" خاصة بحسب السياق وإن كانت عامة في نفسها، ~~وفيها تهديد ويتأكد التهديد باختتامها بالاسمين العلي الكبير. PageV17P162 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 13 - 20 # هو الذى يريكم ءايته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~(13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكفرون (14) رفيع الدرجت ذو ~~العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم ~~هم برزون لا يخفى على الله منهم شىء لمن الملك اليوم لله الوحد القهار (16) ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) وأنذرهم ~~يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كظمين ما للظلمين من حميم ولا شفيع يطاع ~~(18) يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور (19) والله يقضى بالحق والذين ~~يدعون من دونه لا ms6533 يقضون بشىء إن الله هو السميع البصير (20) ### |||| AUTO بيان # احتجاج على التوحيد وإنذار بعد تقسيم الناس إلى راجع إلى الله متبع سبيله ~~ومكذب بالآيات مجادل بالباطل. # قوله تعالى: "هو الذي يريكم آياته" إلى آخر الآية المراد بالآيات هي ~~العلائم والحجج الدالة على وحدانيته تعالى في الربوبية والألوهية بدليل ما ~~سيجيء من تفريع قوله: "فادعوا الله مخلصين له الدين" عليه، والآيات مطلقة ~~شاملة للآيات الكونية المشهودة في العالم لكل إنسان صحيح الإدراك والآيات ~~التي تجري على أيدي الرسل والحجج القائمة من طريق الوحي. # والجملة مشتملة على حجة فإنه لو كان هناك إله تجب عبادته على الإنسان ~~وكانت عبادته كمالا للإنسان وسعادة له كان من الواجب في تمام التدبير وكامل ~~العناية أن يهدي الإنسان إليه، والذي تدل الآيات الكونية على ربوبيته ~~وألوهيته ويؤيد دلالتها الرسل والأنبياء بالدعوة والإتيان بالآيات هو الله ~~سبحانه، وأما آلهتهم الذين يدعونهم من دون الله فلا آية من قبلهم تدل على ~~شيء فالله سبحانه هو الإله وحده لا شريك له، وإلى هذه الحجة يشير علي (عليه ~~السلام) بقوله فيما روي عنه: "لو كان لربك شريك لأتتك رسله". # وقوله: "وينزل لكم من السماء رزقا" حجة أخرى على وحدانيته تعالى من جهة ~~الرزق فإن رزق العباد من شئون الربوبية والألوهية والرزق من الله دون ~~شركائهم فهو الرب الإله دونهم. # وقد فسروا الرزق بالمطر والسماء بجهة العلو، ولا يبعد أن يراد بالرزق نفس ~~الأشياء التي يرتزق بها وبنزولها من السماء بروزها من الغيب إلى الشهادة ~~على ما يفيده قوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم:" الحجر: - 21. # وقوله: "وما يتذكر إلا من ينيب" معترضة تبين أن حصول التذكر بهذه الحجج ~~إنما هو شأن إحدى الطائفتين المذكورتين من قبل وهم المنيبون الراجعون إلى ~~ربهم دون المجادلين الكافرين فإن الكفر والجحود يبطل استعداد التذكر بالحجة ~~والاتباع للحق. # قوله تعالى: "فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" الأنسب ~~للسياق أن يكون الخطاب عاما للمؤمنين وغيرهم متفرعا على الحجة السابقة ms6534 غير ~~أنه لا يشمل الكافرين المذكورين في آخر الآية وهم المكذبون المجادلون ~~بالباطل. # كأنه قيل: إذا كانت الآيات تدل على وحدانيته تعالى وهو الرازق فعلى غير ~~الكافرين الذين كذبوا وجادلوا أن يدعوا الله مخلصين له الدين، وأما ~~الكافرون الكارهون للتوحيد فلا مطمع فيهم ولا آية تفيدهم ولا حجة تقنعهم ~~فاعبدوه بالإخلاص ودعوا الكافرين يكرهون ذلك. # قوله تعالى: "رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده" إلخ صفات ثلاث له تعالى وكل منها خبر بعد خبر للضمير في قوله: "هو ~~الذي يريكم آياته" والآية وما بعدها مسوقة للإنذار. # وقد أورد لقوله: "رفيع الدرجات" تفاسير شتى فقيل: معناه رافع درجات ~~الأنبياء والأولياء في الجنة، وقيل: رافع السماوات السبع التي منها تصعد ~~الملائكة إلى عرشه، وقيل: رفيع مصاعد عرشه، وقيل: كناية عن رفعة شأنه ~~وسلطانه. PageV17P163 # والذي يعطيه التدبر أن الآية وما بعدها يصفان ملكه تعالى على خلقه أن له ~~عرشا تجتمع فيه أزمة أمور الخلق ويتنزل منه الأمر متعاليا بدرجات رفيعة هي ~~مراتب خلقه ولعلها السماوات التي وصفها في كلامه بأنها مساكن ملائكته وأن ~~أمره يتنزل بينهن وهي التي تحجب عرشه عن الناس. # ثم إن له يوما هو يوم التلاق يرفع فيه الحجاب ما بينه وبين الناس بكشف ~~الغطاء عن بصائرهم وطي السماوات بيمينه وإظهار عرشه لهم فينكشف لهم أنه هو ~~المليك على كل شيء لا ملك إلا ملكه فيحكم بينهم. # فالمراد بالدرجات الدرجات التي يرتقى منها إلى عرشه ويعود قوله: "رفيع ~~الدرجات ذو العرش" كناية استعارية عن تعالي عرش ملكه عن مستوى الخلق وغيبته ~~واحتجابه عنهم قبل يوم القيامة بدرجات رفيعة ومراحل بعيدة. # وقوله: "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده" إشارة إلى أمر الرسالة ~~التي من شأنها الإنذار، وتقييد الروح بقوله: "من أمره" دليل على أن المراد ~~بها الروح التي ذكرها في قوله: "قل الروح من أمر ربي:" الإسراء: - 85، وهي ~~التي تصاحب ملائكة الوحي كما يشير إليه قوله: "ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره على ms6535 من يشاء من عباده أن أنذروا:" النحل: - 2. # فالمراد بإلقاء الروح على من يشاء تنزيلها مع ملائكة الوحي عليه، والمراد ~~بقوله: "من يشاء من عباده" الرسل الذين اصطفاهم الله لرسالته، وفي معنى ~~الروح الملقاة على النبي أقوال أخر لا يعبأ بها. # وقوله: "لينذر يوم التلاق" وهو يوم القيامة سمي به لالتقاء الخلائق فيه ~~أو لالتقاء الخالق والمخلوق أو لالتقاء أهل السماء والأرض أو لالتقاء ~~الظالم والمظلوم أو لالتقاء المرء وعمله ولكل من هذه الوجوه قائل. # ويمكن أن يتأيد القول الثاني بما تكرر في كلامه تعالى من حديث اللقاء ~~كقوله: "بلقاء ربهم لكافرون:" الروم: - 8، وقوله: "إنهم ملاقوا ربهم:" هود: ~~- 29، وقوله: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه:" الانشقاق: ~~- 6 ومعنى اللقاء تقطع الأسباب الشاغلة وظهور أن الله هو الحق المبين ~~وبروزهم لله. # قوله تعالى: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" إلخ تفسير ليوم ~~التلاق، ومعنى بروزهم لله ظهور ذلك لهم وارتفاع الأسباب الوهمية التي كانت ~~تجذبهم إلى نفسها وتحجبهم عن ربهم وتغفلهم عن إحاطة ملكه وتفرده في الحكم ~~وتوحده في الربوبية والألوهية. # فقوله: "يوم هم بارزون" إشارة إلى ارتفاع كل سبب حاجب، وقوله: "لا يخفى ~~على الله منهم شيء" تفسير لمعنى بروزهم لله وتوضيح فقلوبهم وأعمالهم بعين ~~الله وظاهرهم وباطنهم وما ذكروه وما نسوه مكشوفة غير مستورة. # وقوله: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" سؤال وجواب من ناحيته سبحانه ~~تبين بهما حقيقة اليوم وهي ظهور ملكه وسلطانه تعالى على الخلق على الإطلاق. # وفي توصيفه تعالى بالواحد القهار تعليل لانحصار الملك فيه لأنه إذ قهر كل ~~شيء ملكه وتسلط عليه بسلب الاستقلال عنه وهو واحد فله الملك وحده. # قوله تعالى: "اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب" الباء في "بما كسبت" للصلة والمراد بيان خصيصة اليوم وهي أن كل نفس ~~تجزى عين ما كسبت فجزاؤها عملها، قال تعالى: "يا أيها الذين كفروا لا ~~تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون:" التحريم: - 7. # وقوله: ms6536 "إن الله سريع الحساب" تعليل لنفي الظلم في قوله: "لا ظلم اليوم" ~~أي إنه تعالى سريع في المحاسبة لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى حتى يخطىء ~~فيجزي نفسا غير جزائها فيظلمها. # وهذا التعليل ناظر إلى نفي الظلم الناشىء عن الخطإ وأما الظلم عن عمد ~~وعلم فانتفاؤه مفروغ عنه لأن الجزاء لما كان بنفس العمل لم يتصور معه ظلم. # قوله تعالى: "وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين" إلى آخر الآية. # الأزفة من أوصاف القيامة ومعناها القريبة الدانية قال تعالى: "إنهم يرونه ~~بعيدا ونراه قريبا:" المعارج: - 7. # وقوله: "إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين" الحناجر جمع حنجرة وهي رأس ~~الغلصمة من خارج وكون القلوب لدى الحناجر كناية عن غاية الخوف كأنها تزول ~~عن مقرها وتبلغ الحناجر من شدة الخوف، وكاظمين من الكظم وهو شدة الاغتمام. PageV17P164 # وقوله: "ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" الحميم القريب أي ليس لهم قريب ~~يقوم بنصرهم بحمية القرابة قال تعالى: "فلا أنساب بينهم يومئذ:" المؤمنون: ~~- 101، ولا شفيع يطاع في شفاعته. # قوله تعالى: "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" قيل: الخائنة مصدر ~~كالخيانة نظيرة الكاذبة واللاغية بمعنى الكذب واللغو، وليس المراد بخائنة ~~الأعين كل معصية من معاصيها بل المعاصي التي لا تظهر للغير كسارقة النظر ~~بدليل ذكرها مع ما تخفي الصدور. # وقيل: "خائنة الأعين" من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، ولازمه كون العلم ~~بمعنى المعرفة والمعنى يعرف الأعين الخائنة، والوجه هو الأول. # وقوله: "وما تخفي الصدور" وهو ما تسره النفس وتستره من وجوه الكفر ~~والنفاق وهيئات المعاصي. # قوله تعالى: "والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء" إلخ ~~هذه حجة أخرى على توحده تعالى بالألوهية أقامها بعد ما ذكر حديث انحصار ~~الملك فيه يوم القيامة وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور تمهيدا وتوطئة. # ومحصلها أن من اللازم الضروري في الألوهية أن يقضي الإله في عباده وبينهم ~~والله سبحانه هو يقضي بين الخلق وفيهم يوم القيامة والذين يدعون من دونه لا ~~يقضون بشيء لأنهم عباد مملوكون ms6537 لا يملكون شيئا. # ومن قضائه تعالى تدبيره جزئيات أمور عباده بالخلق بعد الخلق فإنه مصداق ~~القضاء والحكم قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون:" ~~يس: - 82، وقال: "إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون:" آل عمران: - 47، ~~ولا نصيب لغيره تعالى في الخلق فلا نصيب له في القضاء. # ومن قضائه تعالى تشريع الدين وارتضاؤه سبيلا لنفسه قال تعالى: "وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه" الآية: الإسراء: - 23. # وقوله: "إن الله هو السميع البصير" أي له حقيقة العلم بالمسموعات ~~والمبصرات لذاته، وليس لغيره من ذلك إلا ما ملكه الله وأذن فيه لا لذاته. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يلقي الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده" قال: روح القدس وهو خاص برسول الله والأئمة (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي المعاني، بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض:. أقول: ورواه القمي في ~~تفسيره، مضمرا مرسلا. # وفي التوحيد، بإسناده عن ابن فضال عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام) في حديث قال: ويقول الله عز وجل: "لمن الملك اليوم" ثم ينطق أرواح ~~أنبيائه ورسله وحججه فيقولون ""لله الواحد القهار" ثم يقول الله جل جلاله: ~~"اليوم تجزى كل نفس بما كسبت" الآية. # وفي نهج البلاغة،: وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه، ~~كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت ولا زمان ولا حين ولا ~~مكان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شيء إلا ~~الله الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور، بلا قدرة منها كان ابتداء ~~خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها ~~وفي تفسير القمي، بإسناده عن ثوير بن أبي فاختة عن علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) قال: سئل عن النفختين كم بينهما؟ قال: ما شاء. ثم ذكر (عليه ~~السلام) كيفية النفخ وموت أهل الأرض والسماء ms6538 إلى أن قال فيمكثون في ذلك ما ~~شاء الله ثم يأمر السماء فتمور ويأمر الجبال فتسير وهو قوله: "يوم تمور ~~السماء مورا وتسير الجبال سيرا" يعني يبسط وتبدل الأرض غير الأرض يعني بأرض ~~لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها أول مرة، ~~ويعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة مستقلا بعظمته وقدرته. قال: فعند ذلك ~~ينادي الجبار جل جلاله بصوت من قبله جهوري يسمع أقطار السماوات والأرضين ~~"لمن الملك اليوم" فلم يجبه مجيب فعند ذلك يقول الجبار عز وجل مجيبا لنفسه ~~"لله الواحد القهار" الحديث. # أقول: التدبر في الروايات الثلاث الأخيرة يهدي إلى أن الذي يفنى من الخلق ~~استقلال وجودها والنسب وروابط التأثير التي بينها كما تفيده الآيات ~~القرآنية وأن الأرواح لا تموت، وأن لا وقت بين النفختين فلا تغفل، وفي ~~الروايات لطائف من الإشارات تظهر للمتدبر، وفيها ما يخالف بظاهره ما تقدم. PageV17P165 # وفي روضة الكافي، بإسناده عن ابن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه السلام) ~~في حديث قال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا أساءه ذلك وندم عليه ~~وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "كفى بالندم توبة" وقال: "من سرته ~~حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن" فإن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم ~~تجب له شفاعة وكان ظالما والله تعالى يقول: "ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع". # وفي المعاني، بإسناده إلى عبد الرحمن بن سلمة الحريري قال: سألت أبا عبد ~~الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "يعلم خائنة الأعين" فقال: ألم تر ~~إلى الرجل ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر فذلك خائنة الأعين. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد قال: لما ~~كان يوم فتح مكة أمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس إلا أربعة ~~نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة منهم عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان. ms6539 فلما دعا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) الناس إلى البيعة جاء به فقال: يا رسول الله بايع عبد ~~الله فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى أن يبايعه ثم بايعه ثم أقبل على أصحابه ~~فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا إلى حين رآني كففت يدي عن بيعته ~~فيقتله؟ فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك. ~~قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين. PageV17P166 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 21 - 54 # أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا ~~هم أشد منهم قوة وءاثارا فى الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله ~~من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينت فكفروا فأخذهم الله إنه ~~قوى شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بئايتنا وسلطن مبين (23) إلى فرعون ~~وهمن وقرون فقالوا سحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبناء الذين ءامنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكفرين إلا فى ضلل (25) ~~وقال فرعون ذرونى أقتل موسى وليدع ربه إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~فى الأرض الفساد (26) وقال موسى إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمنه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينت من ربكم وإن يك كذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب (28) يقوم لكم ~~الملك اليوم ظهرين فى الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما ~~أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذى ءامن يقوم إنى ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد ~~(32) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ~~(33) ولقد جاءكم ms6540 يوسف من قبل بالبينت فما زلتم فى شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) ~~الذين يجدلون فى ءايت الله بغير سلطن أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~ءامنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يهمن ابن لى ~~صرحا لعلى أبلغ الأسبب (36) أسبب السموت فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه ~~كذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا فى تباب ~~(37) وقال الذى ءامن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يقوم إنما هذه ~~الحيوة الدنيا متع وإن الاخرة هى دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها ومن عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون ~~فيها بغير حساب (40) ويقوم ما لى أدعوكم إلى النجوة وتدعوننى إلى النار ~~(41) تدعوننى لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به علم وأنا أدعوكم إلى ~~العزيز الغفر (42) لا جرم أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى ~~الاخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحب النار (43) فستذكرون ما ~~أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ~~ما مكروا وحاق بئال فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب (46) وإذ يتحاجون فى النار ~~فيقول الضعفؤا للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا ~~من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ~~(48) وقال الذين فى النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ~~(49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينت قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعؤا ~~الكفرين إلا فى ضلل (50) إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا فى الحيوة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهد (51) يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار (52) ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرءيل الكتب (53) هدى ~~وذكرى لأولى الألبب (54) PageV17P167 ### |||| AUTO ms6541 بيان # في الآيات موعظتهم بالإرجاع إلى آثار الأمم الماضين وقصصهم للنظر ~~والاعتبار فلينظروا فيها وليعتبروا بها ويعلموا أن الله سبحانه لا تعجزه ~~قوة الأقوياء واستكبار المستكبرين ومكر الماكرين وتذكر منها من باب ~~الأنموذج طرفا من قصص موسى وفرعون وفيها قصة مؤمن آل فرعون. # قوله تعالى: "أولم يسيروا في الأرض فينظروا" إلى آخر الآية الاستفهام ~~إنكاري، والواقي اسم فاعل من الوقاية بمعنى حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. # والمعنى: أولم يسيروا هؤلاء الذين أرسلناك إليهم "في الأرض فينظروا" نظر ~~تفكر واعتبار "كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم" من الأمم الدارجة ~~المكذبين لرسلهم "كانوا هم أشد منهم قوة" أي قدرة وتمكنا وسلطة "وآثارا" ~~كالمدائن الحصينة والقلاع المنيعة والقصور العالية المشيدة "في الأرض ~~فأخذهم الله بذنوبهم" وأهلكهم بأعمالهم "وما كان لهم من الله من واق" يقيهم ~~وحافظ يحفظهم. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات" إلخ الإشارة بذلك ~~إلى الأخذ الإلهي، والمراد بالبينات الآيات الواضحات، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين" لعل المراد بالآيات ~~الخوارق المعجزة التي أرسل بها كالعصا واليد وغيرهما وبالسلطان المبين ~~السلطة الإلهية القاهرة التي أيد بها فمنعت فرعون أن يقتله ويطفىء نوره، ~~وقيل: المراد بالآيات الحجج والدلالات وبالسلطان معجزاته من العصا واليد ~~وغيرهما، وقيل: غير ذلك. # قوله تعالى: "إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب" فرعون جبار ~~القبط ومليكهم، وهامان وزيره وقارون من طغاة بني إسرائيل ذو الخزائن ~~المليئة؟ وإنما اختص الثلاثة من بين الأمتين بالذكر لكونهم أصولا ينتهي ~~إليهم كل فساد وفتنة فيهما. # قوله تعالى: "فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا ~~معه" إلخ مقايسة بين ما جاءهم به موسى ودعاهم إليه وبين ما قابلوه به من ~~كيدهم فقد جاءهم بالحق وكان من الواجب أن يقبلوه لأنه حق وكان ما جاء به من ~~عند الله وكان من الواجب أن يقبلوه ولا يردوه فقابلوه بالكيد وقالوا ما ~~قالوا لئلا يؤمن به أحد لكن الله أضل كيدهم فلم يصب المؤمنين معه. # ويشعر ms6542 السياق أن من القائلين بهذا القول قارون وهو من بني إسرائيل ولا ~~ضير فيه لأن الحكم بقتل الأبناء واستحياء النساء كان قبل الدعوة صادرا في ~~حق بني إسرائيل عامة وهذا الحكم في حق المؤمنين منهم خاصة فلعل قارون ~~وافقهم عليه لعداوته وبغضه موسى والمؤمنين من قومه. # وفي قوله: "الذين آمنوا معه" ولم يقل: آمنوا به إشارة إلى مظاهرتهم موسى ~~في دعوته. # قوله تعالى: "وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه" إلخ "ذروني" أي ~~اتركوني، خطاب يخاطب به ملأه، وفيه دلالة على أنه كان هناك قوم يشيرون عليه ~~أن لا يقتل موسى ويكف عنه كما يشير إليه قوله تعالى: "قالوا أرجه وأخاه:" ~~الشعراء: - 36. # وقوله: "وليدع ربه" كلمة قالها كبرا وعتوا يقول: اتركوني أقتله وليدع ربه ~~فلينجه من يدي وليخلصه من القتل إن قدر. PageV17P168 # وقوله: "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد" تعليل لما عزم ~~عليه من القتل وقد ذكر أنه يخافه عليهم من جهة دينهم ومن جهة دنياهم، أما ~~من جهة دينهم - وهو عبادة الأصنام - فأن يبدله ويضع موضعه عبادة الله وحده، ~~وأما من جهة دنياهم فكأن يعظم أمره ويتقوى جانبه ويكثر متبعوه فيتظاهروا ~~بالتمرد والمخالفة فيئول الأمر إلى المشاجرة والقتال وانسلاب الأمن. # قوله تعالى: "وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب" مقابلة منه (عليه السلام) لتهديد فرعون إياه بالقتل واستعاذة منه ~~بربه، وقوله: "عذت بربي وربكم" فيه مقابلة منه أيضا لفرعون في قوله: "وليدع ~~ربه" حيث خص ربوبيته تعالى بموسى فأشار موسى بقوله: "عذت بربي وربكم" إلى ~~أنه تعالى ربهم كما هو ربه نافذ حكمه فيهم كما هو نافذ فيه فله أن يقي ~~عائذه من شرهم وقد وقى. # ومن هنا يظهر أن الخطاب في قوله: "وربكم" لفرعون ومن معه دون قومه من بني ~~إسرائيل. # وقوله: "من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" يشير به إلى فرعون وكل من ~~يشاركه في صفتي التكبر وعدم الإيمان بيوم الحساب ولا يؤمن ممن اجتمعت ms6543 فيه ~~الصفتان شر أصلا. # قوله تعالى: "وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه" إلى آخر الآية. # ظاهر السياق أن "من آل فرعون" صفة رجل و"يكتم إيمانه" صفة أخرى فكان ~~الرجل من القبط من خاصة فرعون وهم لا يعلمون بإيمانه لكتمانه إياهم ذلك تقية. # وقيل: قوله: "من آل فرعون" مفعول ثان لقوله: "يكتم" قدم عليه، والغالب ~~فيه وإن كان التعدي إلى المفعول الثاني بنفسه كما في قوله: "ولا يكتمون ~~الله حديثا:" النساء: - 42 لكنه قد يتعدى إليه بمن كما صرح به في المصباح،. # وفيه أن السياق يأباه فلا نكتة ظاهرة تقتضي تقدم المفعول الثاني على ~~الفعل من حصر ونحوه. # على أن الرجل يكرر نداء فرعون وقومه بلفظة "يا قوم" ولو لم يكن منهم لم ~~يكن له ذلك. # وقوله: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" ~~إنكار لعزمهم على قتله، وفي قوله: "من ربكم" دليل على أن في البينات التي ~~جاء بها دلالة على أن الله ربهم أيضا كما اتخذه ربا فقتله قتل رجل جاء ~~بالحق من ربهم. # وقوله: "وإن يك كاذبا فعليه كذبه" قيل: إن ذكره هذا التقدير تلطف منه لا ~~أنه كان شاكا في صدقه. # وقوله: "وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم" فيه تنزل في المخاصمة ~~بالاكتفاء على أيسر التقادير وأقلها كأنه يقول: وإن يك صادقا يصبكم ما ~~وعدكم من أنواع العذاب ولا أقل من إصابة بعض ما يعدكم مع أن لازم صدقه ~~إصابة جميع ما وعد. # وقوله: "إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب" تعليل للتقدير الثاني فقط ~~والمعنى إن يك كاذبا كفاه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم لأنكم ~~حينئذ مسرفون متعدون طوركم كذابون في نفي ربوبية ربكم واتخاذ أرباب من دونه ~~والله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وأما على تقدير كذبه فلا ربوبية لمن اتخذه ~~ربا حتى يهديه أو لا يهديه. # ومن هنا يظهر أن ما ذكره بعضهم من كون الجملة تعليلا للتقديرين جميعا ~~متعلقة بكلتا الجملتين ms6544 غير مستقيم. # قوله تعالى: "يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس ~~الله إن جاءنا" ظهورهم غلبتهم وعلوهم في الأرض، والأرض أرض مصر، وبأس الله ~~أخذه وعذابه والاستفهام للإنكار. # والمعنى: يا قوم لكم الملك حال كونهم غالبين عالين في أرض مصر على من ~~دونكم من بني إسرائيل فمن ينصرنا من أخذ الله وعذابه كما يعدنا به موسى إن ~~جاءنا؟ وقد أدخل نفسه فيهم على تقدير مجيء البأس ليكون أبلغ في النصح وأوقع ~~في قلوبهم أنه يريد لهم من العافية ما يريده لنفسه. # قوله تعالى: "قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" ~~أي طريق الصواب المطابقة للواقع يريد أنه على يقين مما يهدي إليه قومه من ~~الطريق وهي مع كونها معلومة له مطابقة للواقع، وهذا كان تمويها منه وتجلدا. PageV17P169 # قوله تعالى: "وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب - إلى ~~قوله - للعباد" المراد بالذي آمن هو مؤمن آل فرعون، ولا يعبأ بما قيل: إنه ~~موسى لقوة كلامه، والمراد بالأحزاب الأمم المذكورون في الآية التالية قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وقوله: "مثل دأب قوم نوح" بيان للمثل ~~السابق والدأب هو العادة. # والمعنى: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأقوام الماضين مثل العادة ~~الجارية من العذاب عليهم واحدا بعد واحد لكفرهم وتكذيبهم الرسل، أو مثل ~~جزاء عادتهم الدائمة من الكفر والتكذيب وما الله يريد ظلما للعباد. # قوله تعالى: "ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد - إلى قوله - من هاد" ~~يوم التناد يوم القيامة، ولعل تسميته بذلك لكون الظالمين فيه ينادي بعضهم ~~بعضا وينادون بالويل والثبور على ما اعتادوا به في الدنيا. # وقيل: المراد بالتنادي المناداة التي تقع بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ~~على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف، وهناك وجوه أخر ذكروها لا جدوى فيها. # وقوله: "يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم" المراد به يوم القيامة ~~ولعل المراد أنهم يفرون في النار من ms6545 شدة عذابها ليتخلصوا منها فردوا إليها ~~كما قال تعالى: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق:" الحج: - 22. # وقوله: "ومن يضلل الله فما له من هاد" بمنزلة التعليل لقوله: "ما لكم من ~~الله من عاصم" أي تفرون مدبرين ما لكم من عاصم ولو كان لكان من جانب الله ~~وليس وذلك لأن الله أضلهم ومن يضلل الله فما له من هاد. # قوله تعالى: "ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات" إلى آخر الآية. # لما ذكر أن الله أضلهم ولا هادي لهم استشهد له بما عاملوا به يوسف (عليه ~~السلام) في رسالته إليهم حيث شكوا في نبوته ما دام حيا ثم إذا مات قالوا: ~~لا نبي بعده. # فالمعنى: وأقسم لقد جاءكم يوسف من قبل بالآيات البينات التي لا تدع ريبا ~~في رسالته من الله فما زلتم في شك مما جاءكم به ما دام حيا حتى إذا هلك ~~ومات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا فناقضتم أنفسكم ولم تبالوا. # ثم أكده - وهو في معنى التعليل - بقوله: "كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب". # قوله تعالى: "الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم" إلخ وصف لكل ~~مسرف مرتاب فإن من تعدى طوره بالإعراض عن الحق واتباع الهوى واستقر في نفسه ~~الارتياب فكان لا يستقر على علم ولا يطمئن إلى حجة تهديه إلى الحق جادل في ~~آيات الله بغير برهان إذا خالفت مقتضى هواه. # وقوله: "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" يفيد أن قلوبهم مطبوع ~~عليها فلا يفقهون حجة ولا يركنون إلى برهان. # قوله تعالى: "وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا - إلى قوله - في تباب" أمر ~~منه لوزيره هامان أن يبني له بناء يتوصل به إلى الاطلاع إلى إله موسى ولعله ~~أصدر هذا الأمر أثناء محاجة الذي آمن وبعد الانصراف عن قتل موسى ولذلك وقع ~~ذكره بين مواعظ الذي آمن واحتجاجاته. # والصرح - على ما في المجمع، - البناء الظاهر الذي لا يخفى على عين الناظر ~~وإن بعد، والأسباب ms6546 جمع سبب وهو ما تتوصل به إلى ما يبتعد عنك. # وقوله: "لعلي أبلغ الأسباب" في معنى التعليل لأمره ببناء الصرح، والمعنى ~~آمرك ببنائه لأني أرجو أن أبلغ بالصعود عليه الأسباب ثم فسر الأسباب بقوله: ~~"أسباب السموات" وفرع عليه قوله: "فأطلع إلى إله موسى" كأنه يقول: إن الإله ~~الذي يدعوه ويدعو إليه موسى ليس في الأرض إذ لا إله فيها غيري فلعله في ~~السماء فابن لي صرحا لعلي أبلغ بالصعود عليه الأسباب السماوية الكاشفة عن ~~خبايا السماء فأطلع من جهتها إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا. # وقيل: إن مراده أن يبني له رصدا يرصد فيه الأوضاع السماوية لعله يعثر ~~فيها على ما يستدل به على وجود إله موسى بعد اليأس عن الظفر عليه بالوسائل ~~الأرضية وهو حسن، وعلى أي حال لا يستقيم ما ذكره على شيء من مذاهب الوثنية ~~فلعله كان منه تمويها على الناس أو جهلا منه وما هو من الظالمين ببعيد. PageV17P170 # وقوله: "وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل" مفاد السياق أنه في معنى ~~إعطاء الضابط لما واجه به فرعون الحق الذي كان يدعوه إليه موسى فقد زين ~~الشيطان له قبيح عمله فرآه حسنا وصده عن سبيل الرشاد فرأى انصداده عنها ~~ركوبا عليها فجادل في آيات الله بالباطل وأتى بمثل هذه الأعمال القبيحة ~~والمكائد السفيهة لإدحاض الحق. # ولذلك ختمت الآية بقوله: "وما كيد فرعون إلا في تباب" أي هلاك وانقطاع. # قوله تعالى: "وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد" يدعوهم إلى ~~اتباعه ليهديهم، واتباعه اتباع موسى، وسبيل الرشاد السبيل التي في سلوكها ~~إصابة الحق والظفر بالسعادة، والهداية بمعنى إراءة الطريق، وفي قوله: ~~"أهدكم سبيل الرشاد" تعريض لفرعون حيث قال: "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" ~~والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار ~~القرار" هذا هو السناد الذي يستند إليه سلوك سبيل الرشاد والتدين بدين الحق ~~لا غنى عنه بحال وهو الاعتقاد بأن للإنسان حياة خالدة مؤبدة هي الحياة ~~الآخرة ms6547 وأن هذه الحياة الدنيا متاع في الآخرة ومقدمة مقصودة لأجلها، ولذلك ~~بدأ به في بيان سبيل الرشاد ثم ذكر السيئة والعمل الصالح. # قوله تعالى: "من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها" إلى آخر الآية. # أي إن الذي يصيبه ويعيش به في الآخرة يشاكل ما أتى به في هذه الحياة ~~الدنيا التي هي متاع فيها فإنما الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء. # من عمل في الدنيا سيئة ذات صفة المساءة فلا يجزى في الآخرة إلا مثلها مما ~~يسوؤه ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى من غير فرق بينهما في ذلك والحال أنه ~~مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. # وفيه إشارة إلى المساواة بين الذكر والأنثى في قبول العمل وتقييد العمل ~~الصالح في تأثيره بالإيمان لكون العمل حبطا بدون الإيمان قال تعالى: "ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله:" المائدة: - 5 إلى غيرها من الآيات. # وقد جمع الدين الحق وهو سبيل الرشاد في أوجز بيان وهو أن للإنسان دار ~~قرار يجزى فيها بما عمل في الدنيا من عمل سيىء أو صالح فليعمل صالحا ولا ~~يعمل سيئا، وزاد بيانا إذ أفاد أنه إن عمل صالحا يرزق بغير حساب. # قوله تعالى: "ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار - إلى ~~قوله - العزيز الغفار" كأنه لما دعاهم إلى التوحيد قابلوه بدعوته إلى عبادة ~~آلهتهم أو قدرها لهم لما شاهد جدالهم بالباطل وإصرارهم على الشرك فنسب ~~إليهم الدعوة بشهادة حالهم فأظهر العجب من مقابلتهم دعوته الحقة بدعوتهم ~~الباطلة. # فقال: ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة أي النجاة من النار وتدعونني إلى ~~النار وقد كان يدعوهم إلى سبب النجاة ويدعونه إلى سبب دخول النار فجعل ~~الدعوة إلى السببين دعوة إلى المسببين أو لأن الجزاء هو العمل بوجه. # ثم فسر ما دعوه إليه وما دعاهم إليه فقال: تدعونني لأكفر أي إلى أن أكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم أي أشرك به شيئا لا حجة لي على كونه شريكا ~~فأفتري على ms6548 الله بغير علم، وأنا أدعوكم إلى العزيز، الذي يغلب ولا يغلب ~~الغفار لمن تاب إليه وآمن به أي أدعوكم إلى الإيمان به والإسلام له. # قوله تعالى: "لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في ~~الآخرة" إلخ لا جرم بمعنى حقا أو بمعنى لا بد، ومفاد الآية إقامة الحجة على ~~عدم كون ما يدعون إليه إلها من طريق عدم الدعوة إليه وفي ذلك تأييد لقوله ~~في الآية السابقة "ما ليس لي به علم". # والمعنى: ثبت ثبوتا أن ما تدعونني إليه مما تسمونه شريكا له سبحانه ليس ~~له دعوة في الدنيا إذ لم يعهد نبي أرسل إلى الناس من ناحيته ليدعوهم إلى ~~عبادته، ولا في الآخرة إذ لا رجوع إليه فيها من أحد، وأما الذي أدعوكم إليه ~~وهو الله سبحانه فإن له دعوة في الدنيا وهي التي تصداها أنبياؤه ورسله ~~المبعوثون من عنده المؤيدون بالحجج والبينات، وفي الآخرة وهي التي يتبعها ~~رجوع الخلق إليه لفصل القضاء بينهم، قال تعالى: "يوم يدعوكم فتستجيبون ~~بحمده:" إسراء: - 52. PageV17P171 # ومن المعلوم كما قررناه في ذيل قوله تعالى: "هو الذي يريكم آياته" الآية: - ~~13 من السورة أن الربوبية لا تتم بدون دعوة في الدنيا ونظيرتها الدعوة في ~~الآخرة، وإذ كان الذي يدعوهم إليه ذا دعوة في الدنيا والآخرة دون ما يدعونه ~~إليه فهو الإله دون ما يدعون إليه. # وقوله: "وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار" معطوف على ~~قوله: "إنما تدعونني" أي لا جرم أن مردنا إلى الله فيجب الإسلام له واتباع ~~سبيله ورعاية حدود العبودية، ولا جرم أن المسرفين وهم المتعدون طور ~~العبودية - وهم أنتم - أصحاب النار فالذي أدعوكم إليه فيه النجاة دون ما ~~تدعونني إليه. # قوله تعالى: "فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير ~~بالعباد" صدر الآية موعظة وتخويف لهم وهو تفريع على قوله: "وأن مردنا إلى ~~الله" إلخ أي إذ كان لا بد من الرجوع إلى الله وحلول العذاب بالمسرفين ~~وأنتم منهم ولم تسمعوا اليوم ms6549 ما أقول لكم فستذكرون ما أقول لكم حين عاينتم ~~العذاب وتعلمون عند ذاك أني كنت ناصحا لكم. # وقوله: "وأفوض أمري إلى الله" التفويض على ما فسره الراغب هو الرد فتفويض ~~الأمر إلى الله رده إليه فيقرب من معنى التوكل والتسليم والاعتبار مختلف: ~~فالتفويض من العبد رده ما نسب إليه من الأمر إلى الله سبحانه وحال العبد ~~حينئذ حال من هو أعزل لا أمر راجعا إليه، والتوكل من العبد جعله ربه وكيلا ~~يتصرف فيما له من الأمر، والتسليم من العبد مطاوعته المحضة لما يريده الله ~~سبحانه فيه ومنه من غير نظر إلى انتساب أمر إليه فهي مقامات ثلاث من مقامات ~~العبودية: التوكل ثم التفويض وهو أدق من التوكل ثم التسليم وهو أدق منهما. # وقوله: "إن الله بصير بالعباد" تعليل لتفويضه أمره إلى الله، وفي وضع اسم ~~الجلالة موضع ضميره - وكان مقتضى الظاهر الإضمار إشارة إلى علة بصيرته ~~بالعباد كأنه قيل: إنه بصير بالعباد لأنه الله عز اسمه. # قوله تعالى: "فوقاه الله سيئات ما مكروا" تفريع على تفويضه الأمر إلى ~~الله فكفاه الله شرهم ووقاه سيئات مكرهم، وفيه إشارة إلى أنهم قصدوه بالسوء ~~لكن الله دفعهم عنه. # قوله تعالى: "وحاق بآل فرعون سوء العذاب - إلى قوله - أشد العذاب" أي نزل ~~بهم وأصابهم العذاب السيىء فسوء العذاب من إضافة الصفة إلى موصوفها وفي ~~التوصيف بالمصدر مبالغة، وآل فرعون أشياعه وأتباعه، وربما يقال آل فلان ~~ويشمل نفسه. # وقوله: "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب" ظاهر السياق أنه بيان لسوء العذاب وليس من الاستئناف في شيء. # والآية صريحة أولا في أن هناك عرضا على النار ثم إدخالا فيها والإدخال ~~أشد من العرض، وثانيا: في أن العرض على النار قبل قيام الساعة التي فيها ~~الإدخال وهو عذاب البرزخ - عالم متوسط بين الموت والبعث - وثالثا: أن ~~التعذيب في البرزخ ويوم تقوم الساعة بشيء واحد وهو نار الآخرة لكن ~~البرزخيين يعذبون بها من بعيد وأهل الآخرة بدخولها. # وفي قوله: "غدوا وعشيا" ms6550 إشارة إلى التوالي من غير انقطاع، ولعل لأهل ~~البرزخ لعدم انقطاعهم عن الدنيا بالكلية نسبة ما إلى الغداة والعشي. # وفي قوله: "ويوم تقوم الساعة أدخلوا" إيجاز بالحذف والتقدير يقال: أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب. # قوله تعالى: "وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا - إلى ~~قوله - بين العباد" يفيد السياق أن الضمير في "يتحاجون" لآل فرعون ومن ~~الدليل على ذلك تغيير السياق في قوله بعد: "وقال الذين في النار" والمعنى ~~وحاق بآل فرعون سوء العذاب إذ يتحاجون في النار أو واذكر من سوء عذابهم إذ ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء منهم للذين استكبروا إنا كنا في الدنيا لكم ~~تبعا وكان لازم ذلك أن تكفونا في الحوائج وتنصرونا في الشدائد ولا شدة أشد ~~مما نحن فيه فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار وإن لم يكن جميع عذابها فقد ~~قنعنا بالبعض. # وهذا ظهور مما رسخ في نفوسهم في الدنيا من الالتجاء بكبريائهم ومتبوعيهم ~~من دون الله يظهر منهم ذلك يوم القيامة وهم يعلمون أنهم في يوم لا تغني فيه ~~نفس عن نفس شيئا والأمر يومئذ لله وله نظائر محكية عنهم في كلامه تعالى من ~~كذبهم يومئذ وخلفهم وإنكارهم أعمالهم وتكذيب بعضهم لبعض وغير ذلك. PageV17P172 # وقوله: "قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد" جواب ~~من مستكبريهم عن قولهم ومحصله أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل فالأسباب ساقطة ~~عن التأثير وقد طاحت منا ما كنا نتوهمه لأنفسنا في الدنيا من القوة والقدرة ~~فحالنا وحالكم - ونحن جميعا في النار - واحدة. # فقولهم: "إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد" مفاده أن ظهور الحكم ~~الإلهي قد أبطل أحكام سائر الأسباب وتأثيراتها وأثبتنا على ما نحن فيه من ~~الحال في حد سواء فلسنا نختص دونكم بقوة حتى نغني عنكم شيئا من العذاب. # ومما قيل في الآية أن الضمير في قوله "يتحاجون" لمطلق الكفار من أهل ~~النار وهو بعيد كما عرفت، وقيل: الضمير لقريش وهو أبعد. # قوله تعالى: "وقال الذين ms6551 في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما ~~من العذاب" مكالمة بين أهل النار - ومنهم آل فرعون - وبين خزنة جهنم أوردها ~~سبحانه تلو قصة آل فرعون، وهم إنما سألوا الخزنة أن يدعوا لهم ليأسهم من أن ~~يستجاب منهم أنفسهم. # والمراد باليوم من العذاب ما يناسب من معنى اليوم لعالمهم الذي هم فيه، ~~ويؤول معناه إلى قطعة من العذاب. # قوله تعالى: "قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا ~~فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" أجابوهم بالاستخبار عن إتيان رسلهم ~~إياهم بالبينات فاعترفوا بذلك وهو اعتراف منهم بأنهم كفروا بهم مع العلم ~~بكونهم على الحق وهو الكفر بالنبوة فلم يجبهم الخزنة فيما سألوهم من الدعاء ~~إثباتا ولا نفيا بل ردوهم إلى أنفسهم مشيرين إلى أنهم لا يستجاب لهم دعاء. # وقوله: "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" أي إن دعاءهم قد أحاط به الضلال ~~فلا يهتدي إلى هدف الإجابة وهو تتمة كلام الخزنة على ما يعطيه السياق، ~~ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى، على بعد. # والجملة على أي حال تفيد معنى التعليل والمحصل: ادعوا فلا يستجاب لكم ~~فإنكم كافرون، والكافرون لا يستجاب لهم دعاء. # وتعليق حكم عدم الاستجابة بوصف الكفر مشعر بعليته وذلك أن الله سبحانه ~~وإن وعد عباده وعدا قطعيا أن يجيب دعوة من دعاه منهم فقال: "أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان:" البقرة - 186، والدعاء إذا كان واقعا على حقيقته لا يرد ~~البتة لكن الذي يتضمنه متن هذا الوعد هو أن يكون هناك دعاء وطلب حقيقة وأن ~~يتعلق ذلك بالله حقيقة أي يدعو الداعي ويطلب جدا وينقطع في ذلك إلى الله عن ~~سائر الأسباب التي يسميها أسبابا. # والكافر بعذاب الآخرة وهو الذي ينكرها ويستر حقيقتها لا يتمشى منه طلب ~~جدي لرفعه أما في الدنيا فظاهر، وأما في الآخرة فلأنه وإن أيقن به ~~بالمعاينة وانقطع إلى الله سبحانه لما هو فيه من الشدة وقد انقطعت عنه ~~الأسباب لكن صفة الإنكار لزمته وبالا وقد جوزي بها فلا تدعه يطلب ما كان ms6552 ~~ينكره طلبا جديا. # على أن الكلام في انقطاعه إلى الله أيضا كالكلام في طلبه الجدي للتخلص ~~وأنى له الانقطاع إلى الله هناك ولم يتلبس به في الدنيا فافهمه. # وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالآية على أن دعاء الكافر لا يستجاب مطلقا ~~فإنك عرفت أن مدلول الآية عدم استجابة دعائه في ما يكفر به وينكره لا مطلقا ~~كيف؟ وهناك آيات كثيرة تذكر استجابة دعائه في موارد الاضطرار. # قوله تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد" الأشهاد جمع شهيد بمعنى شاهد، والآية وعد نوعي لا وعد شخصي لكل ~~واحد شخصي منهم في كل واقعة شخصية، وقد تقدم كلام في معنى النصر الإلهي في ~~تفسير قوله تعالى : "إنهم لهم المنصورون:" الصافات: - 172. # قوله تعالى: "يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار" ~~تفسير ليوم يقوم الأشهاد، وظاهر إضافة المصدر إلى فاعله في قوله "معذرتهم" ~~ولم يقل: إن يعتذروا، تحقق معذرة ما منهم يومئذ، وأما قوله: "هذا يوم لا ~~ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون:" المرسلات: - 36 فمحمول على بعض مراحل يوم ~~القيامة وعقباته لدلالة آيات أخرى على وقوع تكلم ما منهم يومئذ. # وقوله: "ولهم اللعنة" أي البعد من رحمة الله، وقوله "لهم سوء الدار" أي ~~الدار السيئة وهي جهنم. PageV17P173 # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب - إلى قوله ~~- الألباب" خاتمة لما تقدم من إرسال موسى بالآيات والسلطان المبين ومجادلة ~~آل فرعون في الآيات بالباطل ومحاجة مؤمن آل فرعون، يشير بها وقد صدرت بلام ~~القسم إلى حقية ما أرسل به وظلمهم في ما قابلوه به. # والمراد بالهدى الدين الذي أوتيه موسى، وبإيراث بني إسرائيل الكتاب" ~~إبقاء التوراة بينهم يعملون بها ويهتدون. # وقوله: "هدى وذكرى لأولي الألباب" أي حال كون الكتاب هدى يهتدي به عامتهم ~~وذكرى يتذكر به خاصتهم من أولي الألباب. ### |||| AUTO بحث روائي # في العلل، بإسناده عن إسماعيل بن منصور أبي زياد عن رجل عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول فرعون: "ذروني أقتل موسى" ms6553 ما كان يمنعه؟ قال: منعته ~~رشدته، ولا يقتل الأنبياء ولا أولاد الأنبياء إلا أولاد الزنا. # وفي المجمع، قال أبو عبد الله: التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا ~~تقية له، والتقية ترس الله في الأرض لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل. # أقول: والروايات من طرق الشيعة فيها كثيرة والآيات تؤيدها كقوله: "إلا أن ~~تتقوا منهم تقاة:" آل عمران: - 28 وقوله: "إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان:" النحل: - 106. # وفي المحاسن، بإسناده عن أيوب بن الحر عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول الله: "فوقاه الله سيئات ما مكروا" قال: أما لقد سطوا عليه وقتلوه ولكن ~~أتدرون ما وقاه؟ وقاه أن يفتنوه في دينه. # أقول: وفي معناه بعض روايات أخر وفي بعض ما ورد من طرق أهل السنة أن الله ~~نجاه من القتل. # وفي الخصال، عن الصادق (عليه السلام) قال: عجبت لمن يفزع من أربع كيف لا ~~يفزع إلى أربع؟ إلى أن قال وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله: "وأفوض ~~أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" فإني سمعت الله تعالى يقول بعقبها: ~~"فوقاه الله سيئات ما مكروا". # أقول: وهو مروي في غير هذا الكتاب. # وفي تفسير القمي،: قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في قول ~~الله عز وجل: "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا" فقال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): ما يقول الناس؟ فقال: يقولون: إنها في نار الخلد وهم لا يعذبون ~~فيما بين ذلك فقال: فهم من السعداء. فقيل له: جعلت فداك فكيف هذا؟ فقال: ~~إنما هذا في الدنيا فأما في دار الخلد فهو قوله: "يوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب". # أقول: مراده (عليه السلام) بالدنيا البرزخ وهو كثير الورود في رواياتهم. # وفي المجمع، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة ~~فمن الجنة، وإن كان من أهل النار ms6554 فمن النار يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله ~~يوم القيامة: أورده البخاري ومسلم في الصحيح،. أقول: ورواه السيوطي في الدر ~~المنثور، عنهما وعن ابن أبي شيبة وابن مردويه. # وهذا المعنى كثير الورود في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ~~مر كثير منها في البحث عن البرزخ في الجزء الأول من الكتاب وغيره من ~~المواضع. PageV17P174 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 55 - 60 # فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكر (55) ~~إن الذين يجدلون فى ءايت الله بغير سلطن أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببلغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السموت والأرض أكبر من ~~خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما يستوى الأعمى والبصير والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت ولا المسىء قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لاتية لا ~~ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين (60) ### |||| AUTO بيان # لما قص قصة موسى وإرساله بالحق إلى فرعون وقومه، ومجادلتهم في آيات الله ~~بالباطل ومكرهم فيها ونصره تعالى لنبيه وإبطاله كيدهم وما آل إليه أمرهم من ~~خيبة السعي وسوء المنقلب فرع على ذلك أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالصبر منبها له أن وعد الله بالنصر حق وأن كيد قومه وجدالهم بالباطل ~~واستكبارهم عن قبول دعوته سيبطل ويعود وبالا على أنفسهم فليسوا بمعجزي الله ~~وستقوم الساعة الموعودة ويدخلون جهنم داخرين. # قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق" إلى آخر الآية. # تفريع على ما تقدم من الأمر بالاعتبار في قوله: "أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم" وما أورد بعده من قصة موسى ~~ومآل أمر المستكبرين المجادلين بالباطل ونصره تعالى للحق وأهله. # والمعنى: إذا كان الأمر على ذلك فاصبر على إيذاء المشركين ومجادلتهم ~~بالباطل إن وعد الله حق وسيفي لك بما وعد، والمراد بالوعد ما في قوله قبيل ~~هذا: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا" الآية من وعد النصر. ms6555 # وقوله: "واستغفر لذنبك" أمر له بالاستغفار لما يعد بالنسبة إليه ذنبا وإن ~~لم يكن ذنبا بمعنى المخالفة للأمر المولوي لمكان عصمته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وقد تقدم كلام في معنى الذنب والمغفرة في أواخر الجزء السادس من ~~الكتاب. # وللذنب المنسوب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) معنى آخر سنشير إليه في ~~تفسير أول سورة الفتح إن شاء الله تعالى، وقيل: المراد بذنبه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ذنب أمته أعطي الشفاعة فيه. # وقوله: "وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار" أي نزهه سبحانه مصاحبا لحمده على ~~جميل آلائه مستمرا متواليا بتوالي الأيام أو في كل صباح ومساء، وكونه ~~بالعشي والإبكار على المعنى الأول من قبيل الكناية. # وقيل: المراد به صلاتا الصبح والعصر، والآية مدنية. # وفيه أن المسلم من الروايات ومنها أخبار المعراج أن الصلوات الخمس فرضت ~~جميعا بمكة قبل الهجرة فلو كان المراد به الفريضتين كان ذلك بمكة قبل فرض ~~بقية الصلوات الخمس. # قوله تعالى: "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه" إلخ تأكيد لما تقدم في الآية السابقة من ~~أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وتطييب نفسه بتأييد وعد النصر، ~~ومحصله أن هؤلاء المجادلين لا ينالون بغيتهم ولن ينالوا فلا يحزنك جدالهم ~~وطب نفسا من ناحيتهم. # فقوله: "إن في صدورهم إلا كبر" حصر للسبب الموجب لمجادلتهم في الكبر أي ~~ليس عاملهم في ذلك طلب الحق أو الارتياب في آياتنا والشك فيها حتى يريدوا ~~بها ظهور الحق ولا حجة ولا سلطان عندهم حتى يريدوا إظهارها بل الذي في ~~صدورهم وهو الداعي لهم إلى الجدال، الكبر، يريدون به إدحاض الحق الصريح. # وقوله: "ما هم ببالغيه" الضمير لكبر باعتبار مسببه فإن الكبر سبب للجدال ~~والجدال يراد به إبطال الحق ومحق الدعوة الحقة، والمعنى ما هم ببالغي ~~مرادهم وبغيتهم من الجدال الذي يأتون به لكبرهم. # وقوله: "فاستعذ بالله" أي فاستعذ بالله منهم بما لهم من الكبر كما استعاذ ~~موسى من كل متكبر مجادل ms6556 كما قال: "وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل ~~متكبر لا يؤمن بيوم الحساب". # وقوله: "إنه هو السميع البصير" أي السميع لدعاء عباده البصير بحوائجهم ~~والذي يبصر ما هم فيه من شدة أو رخاء. PageV17P175 # قوله تعالى: "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون" اللام للقسم، والمراد بالسماوات والأرض مجموع العالم، ومعنى الآية ~~حسب ما يعطيه المقام أنهم ليسوا ببالغي بغيتهم وليسوا بمعجزين فإن الله ~~الذي قدر على خلق مجموع العالم ولم يعجزه ذلك على ما فيه من العظمة ليس ~~يعجزه جزء يسير منه وهو الناس المخلوقون الذين هم أهون عليه ولكن أكثر ~~الناس جاهلون يظنون بجهلهم أنهم يعجزون الله بجدال يجادلونه أو أي كيد ~~يكيدونه. # قوله تعالى: "وما يستوي الأعمى والبصير" إلخ لما ذكر أن أكثر الناس لا ~~يعلمون أكده بأنهم ليسوا على وتيرة واحدة فإن منهم الأعمى والبصير ولا ~~يستويان وعطف عليهما الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء فالطائفة الأولى ~~أولو بصيرة يتذكرون بها والثانية أعمى الله قلوبهم فلا يتذكرون. # وقوله: "قليلا ما تتذكرون" خطاب للناس بداعي التوبيخ وهو الوجه في ~~الالتفات من الغيبة إلى الحضور. # قوله تعالى: "إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" ~~ذكرهم تعالى في هذه الآية بإتيان الساعة وفي الآية التالية بدعوة ربهم ~~إياهم إلى دعائه وعبادته كما نبه الذي آمن من آل فرعون في القصة السابقة ~~بإتيان الساعة وبأن لله الدعوة وليس لآلهتهم دعوة في الدنيا ولا في الآخرة. # قوله تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" دعوة منه تعالى لعباده إلى ~~دعائه ووعد بالاستجابة، وقد أطلق الدعوة والدعاء والاستجابة إطلاقا، وقد ~~أشبعنا الكلام في معنى الدعاء والإجابة في ذيل قوله تعالى: "أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان:" البقرة: - 186 في الجزء الأول من الكتاب. # وقوله: "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" الدخور الذلة، ~~وقد بدل الدعاء عبادة فدل على أن الدعاء عبادة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الصحيفة السجادية،: وقلت: "ادعوني أستجب لكم - إن الذين ms6557 يستكبرون عن ~~عبادتي - سيدخلون جهنم داخرين" فسميت دعاءك عبادة وتركه استكبارا وتوعدت ~~على تركه دخول جهنم داخرين. # وفي الكافي، بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سمعته يقول: ادع ولا تقل: قد فرغ من الأمر فإن الدعاء هو العبادة إن الله ~~عز وجل يقول: "إن الذين يستكبرون عن عبادتي - سيدخلون جهنم داخرين" وقال: ~~"ادعوني أستجب لكم". # أقول: قوله (عليه السلام): فإن الدعاء - إلى قوله - داخرين احتجاج على ما ~~ندب إليه أولا بقوله: ادع، وقوله: وقال: "ادعوني أستجب لكم" احتجاج على ما ~~قاله ثانيا: ولا تقل: قد فرغ من الأمر ولذا قدم (عليه السلام) في بيانه ذيل ~~الآية على صدرها. # وفي الخصال، عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا ~~معاوية من أعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة: من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، ومن ~~أعطي الشكر أعطي الزيادة ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية فإن الله عز وجل ~~يقول في كتابه: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" وقال: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، ~~وقال: "ادعوني أستجب لكم". # وفي التوحيد، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قال قوم ~~للصادق (عليه السلام): ندعوه فلا يستجاب لنا. قال: لأنكم تدعون من لا ~~تعرفونه. # أقول: وقد أوردنا جملة من روايات الدعاء في ذيل قوله: "أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان:" البقرة: - 186 في الجزء الأول من الكتاب. PageV17P176 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 61 - 68 # الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خلق كل شىء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بئايت الله يجحدون (63) ~~الله الذى جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبت ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العلمين (64) هو الحى لا إله إلا هو ~~فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العلمين (65) قل إنى نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله لما جاءنى ms6558 البينت من ربى وأمرت أن أسلم لرب ~~العلمين (66) هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ~~ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا ~~مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذى يحى ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون (68) ### |||| AUTO بيان # رجع سبحانه ثانيا إلى الإشارة إلى آيات التوحيد توحيد الربوبية والألوهية ~~بعد ما بدأ بها في السورة أولا بقوله: "هو الذي يريكم آياته". # قوله تعالى: "الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا" الآية. # أي جعل لأجلكم الليل مظلما لتسكنوا فيه من التعب الذي عرض لكم وجه النهار ~~من جهة السعي في طلب الرزق، والنهار مبصرا لتبتغوا من فضل ربكم وتكسبوا ~~الرزق، وهذا من أركان تدبير الحياة الإنسانية. # وقد ظهر بذلك أن نسبة الإبصار إلى النهار من المجاز العقلي لكن ليس من ~~المبالغة في شيء كما ادعاه بعضهم. # وقوله: "إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" امتنان ~~عليهم بالفضل وتقريع لهم بعدم شكرهم له قبال هذا الفضل العظيم ولو شكروه ~~لعبدوه ووضع "الناس" الثاني موضع الضمير للإشارة إلى أن من طبع الناس بما ~~هم ناس كفران النعم كما قال: "إن الإنسان لظلوم كفار:" إبراهيم: - 34. # قوله تعالى: "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون" أي ~~ذلكم الذي يدبر أمر حياتكم ورزقكم بسكون الليل وسعي النهار هو الله تعالى ~~وهو ربكم لأن تدبير أمركم إليه. # وقوله: "خالق كل شيء" أي ورب كل شيء لأنه خالق كل شيء والخلق لا ينفك عن ~~التدبير ولازم ذلك أن لا يكون في الوجود رب غيره لا لكم ولا لغيركم ولذلك ~~عقبه بقوله: "لا إله إلا هو" أي فإذن لا معبود بالحق غيره إذ لو كان هناك ~~معبود آخر كان رب آخر فإن الألوهية من شئون الربوبية. # وقوله: "فأنى تؤفكون" أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. # قوله تعالى: "كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات ms6559 الله يجحدون" أي كمثل هذا ~~الإفك يؤفك الجاحدون لآيات الله فإن الآيات ظاهرة غير خفية فالانصراف عن ~~مدلولها لا سبب له إلا الجحد. # قوله تعالى: "الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء" إلى آخر الآية ~~القرار المستقر الذي يستقر عليه، والبناء - على ما قيل - القبة ومنه أبنية ~~العرب للقباب المضروبة عليهم. # يذكر تعالى نعمة استقرار الإنسان على الأرض وتحت السماء. # وقوله: "وصوركم فأحسن صوركم" الفاء للتفسير والمعنى أحسن خلق صوركم وذلك ~~أن الإنسان جهز من دقائق التجهيز في صورته بما يقوى به من الأعمال المتنوعة ~~العجيبة على ما لا يقوى عليه شيء من سائر الموجودات الحية، ويلتذ من مزايا ~~الحياة بما لا يتيسر لغيره أبدا. # وقوله: "ورزقكم من الطيبات" هي الأرزاق المتنوعة التي تلائم بطبائعها ~~طبيعة الإنسان من الحبوب والفواكه واللحوم وغيرها، وليس في الحيوان متنوع ~~في الرزق كالإنسان. PageV17P177 # وقوله: "ذلكم الله ربكم" أي المدبر لأمركم، وقوله: "فتبارك الله رب ~~العالمين" ثناء عليه عز وجل بربوبيته لجميع العالمين، وقد فرعه على ربوبيته ~~وتدبيره للإنسان إشارة إلى أن الربوبية واحدة وتدبيره لأمر الإنسان عين ~~تدبيره لأمر العالمين جميعا فإن النظام الجاري نظام واحد روعي في انطباقه ~~على كل، انطباقه على الكل فهو سبحانه متبارك منشأ للخير الكثير فتبارك الله ~~رب العالمين. # قوله تعالى: "هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين" إلخ في جملة ~~"هو الحي" إطلاق لا مقيد لا عقلا ولا نقلا مضافا إلى إفادة الحصر فمفادها ~~أن له تعالى وحده حياة لا يداخلها موت ولا يزيلها فناء فهو تعالى حي بذاته ~~وغيره كائنا ما كان حي بإحياء غيره. # وإذا فرض هناك حي بذاته وحي بغيره لم يستحق العبادة بذاته إلا من كان حيا ~~بذاته، ولذلك عقب قوله: "هو الحي" بقوله: "لا إله إلا هو". # وقد سيقت الجملتان توطئة للأمر بدعائه ولا مطلق دعائه بل دعائه بالتوحيد ~~وإخلاص الدين له وحده لأنه الحي بذاته دون غيره ولأنه المعبود بالاستحقاق ~~الذاتي دون غيره، ولذلك فرع على قوله: "هو ms6560 الحي لا إله إلا هو" قوله: ~~"فادعوه مخلصين له الدين". # وقوله: "الحمد لله رب العالمين" ثناء عليه بربوبيته للعالمين. # قوله تعالى: "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين" معنى الآية ظاهر، وفيه إياس ~~للمشركين من موافقته لهم في عبادة آلهتهم" وقد تكرر هذا المعنى في سورة ~~الزمر ويمكن أن يستأنس منه أن هذه السورة نزلت بعد سورة الزمر. # قوله تعالى: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة" إلخ المراد بخلقهم من ~~تراب خلق أبيهم آدم من تراب فإن خلق غيره ينتهي إليه فخلقه من تراب هو ~~خلقهم منه أو المراد بخلقهم من تراب تكوين النطفة من البسائط الأرضية. # وقوله: "ثم من نطفة" إلخ أي ثم خلقناكم من نطفة حقيرة معلومة الحال "ثم ~~من علقة" كذلك "ثم يخرجكم" من بطون أمهاتكم "طفلا" أي أطفالا، والطفل - كما ~~قيل - يطلق على الواحد والجمع قال تعالى: "أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء:" النور: - 31. # "ثم لتبلغوا أشدكم" اللام للغاية وكان متعلقها محذوف والتقدير ثم ينشئكم ~~لتبلغوا أشدكم وهو من العمر زمان اشتداد القوى "ثم لتكونوا شيوخا" معطوف ~~على "لتبلغوا" "ومنكم من يتوفى من قبل" فلا يبلغ أحد هذه المراحل من العمر ~~كالشيخوخة وبلوغ الأشد وغيرهما. # "ولتبلغوا أجلا مسمى" وهو النهاية من الأمد المضروب الذي لا سبيل للتغير ~~إليه أصلا، وهو غاية عامة لجميع الناس كيفما عمروا قال تعالى: "وأجل مسمى ~~عنده:" الأنعام: - 2. # ولذلك لم تعطف الجملة بثم حتى تتميز من الغايتين المذكورتين سابقا. # وقوله: "ولعلكم تعقلون" أي تدركون الحق بالتعقل المغروز فيكم، وهذا غاية ~~خلقة الإنسان بحسب حياته المعنوية كما أن بلوغ الأجل المسمى غاية حياته ~~الدنيا الصورية. # قوله تعالى: "هو الذي يحيي ويميت" إلخ أي هو الذي يفعل الإحياء والإماتة ~~وفيهما نقل الأحياء من عالم إلى عالم وكل منهما مبدأ لتصرفاته بالنعم التي ~~يتفضل بها على من يدبر أمره. # وقوله: "فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون" ms6561 تقدم تفسيره كرارا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند صحيح عن أبي ~~العالية قال: إن اليهود أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا إن ~~الدجال يكون منا في آخر الزمان ويكون من أمره فعظموا أمره وقالوا يصنع كذا ~~فأنزل الله: "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم - إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه" قال: لا يبلغ الذي يقول: "فاستعذ بالله" ~~فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتعوذ من فتنة الدجال "لخلق ~~السموات والأرض أكبر من خلق الناس" الدجال. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار: في قوله: "إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان" قال: هم اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر ~~الدجال. PageV17P178 # وفيه، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح: في قوله: "لخلق السموات والأرض أكبر من ~~خلق الناس" قال: زعموا أن اليهود قالوا: يكون منا ملك في آخر الزمان البحر ~~إلى ركبتيه، والسحاب دون رأسه، يأخذ الطير بين السماء والأرض، معه جبل خبز ~~ونهر فنزلت: "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس". # أقول: قد عرفت فيما تقدم أن غرض السورة - كما يستفاد من سياق آياتها - ~~التكلم حول استكبارهم ومجادلتهم في آيات الله بغير الحق فمنها ابتداء ~~الكلام وإليها يعود عودة بعد عودة كقوله: "ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا" وقوله: "وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق"، وقوله: "الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا"، وقوله: "إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر"، وقوله: "ألم تر إلى ~~الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون". # فسياق آيات السورة يأبى أن يكون بعضها يختص بسبب في نزولها لا يشاركها ~~فيه غيرها كما هو مؤدى هذه الروايات الثلاث. # على أن ما في الروايات من قصة إخبار اليهود بالدجال لا ينطبق على الآيتين ~~انطباقا ظاهرا بعد التأمل في مضمون الآيتين نفسهما أعني قوله: "إن الذين ms6562 ~~يجادلون - إلى قوله - ولكن أكثر الناس لا يعلمون". # ومن هذا يظهر أن القول بكون الآيتين مدنيتين استنادا إلى هذه الروايات ~~كما ترى. PageV17P179 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 69 - 78 # ألم تر إلى الذين يجدلون فى ءايت الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا ~~بالكتب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلل فى أعنقهم والسلسل ~~يسحبون (71) فى الحميم ثم فى النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم ~~تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك ~~يضل الله الكفرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون (75) ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر ~~إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ~~ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما ~~كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون (78) ### |||| AUTO بيان # رجوع بعد رجوع إلى حديث المجادلين في آيات الله وقد تعرض لبيان مآل أمرهم ~~بذكر ما آل إليه أمر أشباههم من الأمم الخالية ونصره تعالى لدينه في أول ~~السورة إجمالا ثم بذكر الحال في دعوة موسى (عليه السلام) بالخصوص فيما قصه ~~من قصته ونصره له بالخصوص ثم في ضمن أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالصبر ووعده بالنصر. # وهذا آخر كرة عليهم يذكر فيها مآل أمرهم وما يصرفون إليه وهو العذاب ~~المخلد ثم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وبعده بالنصر ويطيب ~~نفسه بأن وعد الله حق. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون" "ألم ~~تر" مفيد للتعجيب و"أنى" بمعنى كيف، والمعنى ألا تعجب أو ألم تعجب من أمر ~~هؤلاء المجادلين في آيات الله كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل وعن الهدى إلى ~~الضلال. # والتعرض لحال المجادلين هاهنا من حيث الإشارة إلى كونهم مصروفين عن الحق ~~والهدى ومآل ذلك، وفيما تقدم من ms6563 قوله: "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه" من حيث إن الداعي لهم إلى ~~ذلك الكبر وأنهم لا يبلغون ما يريدون فلا تكرار. # ومنه يظهر ما في قول بعضهم: إن تكرير ذكر المجادلة محمول على تعدد ~~المجادل بأن يكون المجادلون المذكورون في الآية السابقة غير المذكورين في ~~هذه الآية أو على اختلاف ما فيه المجادلة كأن يكون المجادلة هناك في أمر ~~البعث وهاهنا في أمر التوحيد على أن فيه غفلة عن غرض السورة كما عرفت. # قوله تعالى: "الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون" ~~الذي يعطيه سياق الآيات التالية أن المراد بهؤلاء المجادلين هم المجادلون ~~من قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فالأنسب أن يكون المراد ~~بالكتاب هو القرآن الكريم، وبقوله: "بما أرسلنا به رسلنا" ما جاءت به الرسل ~~(عليهم السلام) من عند الله من كتاب ودين فالوثنية منكرون للنبوة. # وقوله: "فسوف يعلمون" تفريع على مجادلتهم وتكذيبهم وتهديد لهم أي سوف ~~يعلمون حقيقة مجادلتهم في آيات الله وتكذيبهم بالكتاب وبالرسل. # قوله تعالى: "إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في ~~النار يسجرون" في المجمع،: الأغلال جمع غل وهو طوق يدخل في العنق للذل ~~والألم وأصله الدخول، وقال: السلاسل جمع سلسلة وهي الحلق منتظمة في جهة ~~الطول مستمرة وقال: السحب جر الشيء على الأرض. # هذا أصله، وقال: السجر أصله إلقاء الحطب في معظم النار كالتنور الذي يسجر ~~بالوقود. # انتهى. # وقوله: "إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل" ظرف لقوله: "فسوف يعلمون" قيل: ~~الإتيان بإذ - وهو للماضي - للدلالة على تحقق الوقوع وإن كان موقعه ~~المستقبل فلا تنافي، في الجمع بين سوف وإذ. # و"الأغلال في أعناقهم" مبتدأ وخبر، و"السلاسل" معطوف على الأغلال، ~~و"يسحبون في الحميم" خبر بعد خبر، و"في النار يسجرون" معطوف على "يسحبون". PageV17P180 # والمعنى: سوف يعلمون حقيقة عملهم حين تكون الأغلال والسلاسل في أعناقهم ~~يجرون في الماء الحار الشديد الحرارة ثم يقذفون في النار. # وقيل: معنى قوله: "ثم ms6564 في النار يسجرون" ثم يصيرون وقود النار، ويؤيده ~~قوله تعالى في صفة جهنم: "وقودها الناس والحجارة:" البقرة: - 24، وقوله: ~~"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم:" الأنبياء: - 98. # قوله تعالى: "ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا" ~~إلى آخر الآية. # أي قيل لهم وهم يتقلبون بين السحب والسجر: أين ما كنتم تشركون من شركائكم ~~من دون الله حتى ينصروكم بالإنجاء من هذا العذاب أو يشفعوا لكم كما كنتم ~~تزعمون أنهم سيشفعون لكم قبال عبادتكم لهم؟. # وقوله: "قالوا ضلوا عنا" أي غابوا عنا من قولهم: ضلت الدابة إذا غابت فلم ~~يعرف مكانها، وهذا جوابهم عما قيل لهم: أين ما كنتم تشركون من دون الله. # وقوله: "بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا" إضراب منهم عن الجواب الأول لما ~~يظهر لهم أن الآلهة الذين كانوا يزعمونهم شركاء لم يكونوا إلا أسماء لا ~~مسميات لها ومفاهيم لا يطابقها شيء ولم يكن عبادتهم لها إلا سدى، ولذلك ~~نفوا أن يكونوا يعبدون شيئا قال تعالى: "فزيلنا بينهم:" يونس: - 28 وقال: ~~"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون:" الأنعام: - 94. # وقيل: هذا من كذبهم يوم القيامة على حد قوله: "والله ربنا ما كنا ~~مشركين:" الأنعام: - 23. # وقوله: "كذلك يضل الله الكافرين" أي إضلاله تعالى للكافرين وهم الساترون ~~للحق يشبه هذا الضلال وهو أنهم يرون الباطل حقا فيقصدونه ثم يتبين لهم بعد ~~ضلال سعيهم أنه لم يكن إلا باطلا في صورة حق وسرابا في سيماء الحقيقة. # والمعنى: على الوجه الثاني أعني كون قولهم: "بل لم نكن ندعوا من قبل ~~شيئا" كذبا منهم: كمثل هذا الإضلال يضل الله الكافرين فيئول أمرهم إلى ~~الكذب حيث لا ينفع مع علمهم بأنه لا ينفع. # وقد فسرت الجملة بتفاسير أخرى متقاربة وقريبة مما ذكرناه. # قوله تعالى: "ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون" ~~الفرح مطلق السرور، والمرح الإفراط فيه وهو مذموم، وقال الراغب: الفرح ~~انشراح الصدر بلذة عاجلة وأكثر ما يكون ذلك في اللذات ms6565 البدنية، وقال: المرح ~~شدة الفرح والتوسع فيه. # انتهى. # وقوله: "ذلكم بما كنتم" الإشارة إلى ما هم فيه من العذاب والباء في "بما ~~كنتم" للسببية أو المقابلة. # والمعنى: ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بسبب كونكم تفرحون في الأرض بغير ~~الحق من اللذات العاجلة وبسبب كونكم تفرطون في الفرح وذلك لتعلق قلوبهم ~~بعرض الدنيا وزينتها ومعاداتهم لكل حق يخالف باطلهم فيفرحون ويمرحون بإحياء ~~باطلهم وإماتة الحق واضطهاده. # قال في المجمع،: قيد الفرح وأطلق المرح لأن الفرح قد يكون بحق فيحمد عليه ~~وقد يكون بالباطل فيذم عليه، والمرح لا يكون إلا باطلا. # انتهى. # قوله تعالى: "ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين" أي ~~ادخلوا أبوابها المقسومة لكم خالدين فيها فبئس مقام الذين يتكبرون عن الحق ~~جهنم، وقد تقدم أن أبواب جهنم دركاتها. # قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق" لما بين مآل أمر المجادلين في آيات ~~الله وهي النار وأن الله يضلهم بكفرهم فرع عليه أمر نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بالصبر معللا ذلك بأن وعد الله حق. # وقوله: "فإما نرينك بعض الذي نعدهم" هو عذاب الدنيا "أو نتوفينك" بالموت ~~فلم نرك ذلك "فإلينا يرجعون" ولا يفوتوننا فننجز فيهم ما وعدناه. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك" إلخ بيان لكيفية النصر المذكور في الآية السابقة أن آية النصر - ~~التي جرت سنة الله على إنزالها للقضاء بين كل رسول وأمته وإظهار الحق على ~~الباطل كما يشير إليه قوله: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون:" يونس: - 47 - لم يفوض أمرها إلى رسول من الرسل من ~~قبلك بل كان يأتي بها من يأتي منهم بإذن الله، وحالك حالهم، فمن الممكن أن ~~نأذن لك في الإتيان بها فنريك بعض ما نعدهم، ومن الممكن أن نتوفاك فلا نريك ~~غير أن أمر الله إذا جاء قضي بينهم بالحق وخسر هنالك المبطلون. # هذا ما يفيده السياق. PageV17P181 # فقوله: "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ms6566 منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك" مسوق للإشارة إلى كون ما سيذكره سنة جارية منه تعالى. # وقوله: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله" الآية وإن كانت أعم ~~من الآية المعجزة التي يؤتاها الرسول لتأييد رسالته، والآية التي تنصر الحق ~~وتقضي بين الرسول وبين أمته والكل بإذن الله لكن مورد الكلام كما استفدناه ~~من السياق القسم الثاني وهي القاضية بين الرسول وأمته. # وقوله: "فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون" أي فإذا جاء ~~أمر الله بالعذاب قضي بالحق فأظهر الحق وأزهق الباطل وخسر عند ذلك ~~المتمسكون بالباطل في دنياهم بالهلاك وفي آخرتهم بالعذاب الدائم. # واستدل بالآية على أن من الرسل من لم تذكر قصته في القرآن، وفيه أن الآية ~~مكية لا تدل على أزيد من عدم ذكر قصة بعض الرسل إلى حين نزولها بمكة، وقد ~~ورد في سورة النساء: "ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك:" ~~النساء: - 164 ولم يذكر في السور النازلة بعد سورة النساء اسم أحد من الرسل ~~المذكورين بأسمائهم في القرآن. # وفي المجمع، وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: بعث الله نبيا أسود لم ~~يقص علينا قصته، وروي في الدر المنثور عن الطبراني في الأوسط وابن مردويه ~~عنه ما في معناه. PageV17P182 ### ||| AUTO 40 سورة المؤمن - 79 - 85 # الله الذى جعل لكم الأنعم لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها منفع ~~ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم ءايته ~~فأى ءايت الله تنكرون (81) أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا فى الأرض فما أغنى عنهم ~~ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينت فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله ~~وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا ~~سنت الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكفرون (85) ### |||| AUTO بيان # رجوع ms6567 بعد رجوع إلى ذكر بعض آيات التوحيد وإرجاع لهم إلى الاعتبار بحال ~~الأمم الدارجة الهالكة وسنة الله الجارية فيهم بإرسال رسله إليهم ثم القضاء ~~بين رسلهم وبينهم المؤدي إلى خسران الكافرين منهم، وعند ذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون" ذكر ~~سبحانه مما ينتفع به الإنسان في حياته ويدبر به أمره الأنعام والمراد بها ~~الإبل والبقر والغنم، وقيل: المراد بها هاهنا الإبل خاصة. # فقوله: "جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون" الجعل هنا الخلق أو ~~التسخير، واللام في "لتركبوا" للغرض و"من" للتبعيض، والمعنى خلق لأجلكم أو ~~سخر لكم الأنعام والغرض من هذا الجعل أن تركبوا بعضها كبعض الإبل وبعضها ~~كبعض الإبل والبقر والغنم تأكلون. # قوله تعالى: "ولكم فيها منافع" إلخ كانتفاعكم بألبانها وأصوافها وأوبارها ~~وأشعارها وجلودها وغير ذلك، وقوله: "ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم" أي ومن ~~الغرض من جعلها أن تبلغوا، حال كونكم عليها بالركوب، حاجة في صدوركم وهي ~~الانتقال من مكان إلى مكان لأغراض مختلفة. # وقوله: "وعليها وعلى الفلك تحملون" كناية عن قطع البر والبحر بالأنعام ~~والفلك. # قوله تعالى: "ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون" تقدم معنى إراءته تعالى ~~آياته في تفسير أوائل السورة، وكأن الجملة أعني قوله: "ويريكم آياته" غير ~~مقصودة لنفسها حتى يلزم التكرار وإنما هي تمهيد وتوطئة للتوبيخ الذي في ~~قوله: "فأي آيات الله تنكرون" أي أي هذه الآيات التي يريكم الله إياها ~~عيانا وبيانا، تنكرون إنكارا يمهد لكم الإعراض عن توحيده. # قوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا" إلى آخر الآية توبيخ لهم ~~وعطف لأنظارهم إلى ما جرى من سنة القضاء والحكم في الأمم السالفة، وقد ~~تقدمت نظيرة الآية في أوائل السورة وكان الغرض هناك أن يتبين لهم أن الله ~~أخذ كلا منهم بذنوبهم لما كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فيكفرون بهم ولذا ذيل ~~الآية بقوله: "فأخذهم الله بذنوبهم"، والغرض هاهنا أن يتبين لهم أنهم لم ~~يغنهم ما كسبوا ولم ينفعهم في دفع عذاب الله ما فرحوا به من ms6568 العلم الذي ~~عندهم ولا توبتهم وندامتهم مما عملوا. # وقد صدرت الآية بفاء التفريع فقيل: "أفلم يسيروا" إلخ مع الالتفات من ~~الخطاب إلى الغيبة، وكأن الكلام تفريع على قوله: "فأي آيات الله تنكرون" ~~فكأنه لما ذمهم وأنكر إنكارهم لآياته رجع وانصرف عنهم إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مشيرا إلى سقوطه من منزلة الخطاب وقال: إذا كانت آياته ~~تعالى ظاهرة بينة لا تقبل الإنكار ومن جملتها ما في آثار الماضين من الآيات ~~الناطقة وهم قد ساروا في الأرض وشاهدوها فلم لم ينظروا فيها فيتبين لهم أن ~~الماضين مع كونهم أقوى من هؤلاء كما وكيفا لم ينفعهم ما فرحوا به من علم وقوة. PageV17P183 # قوله تعالى: "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم" إلخ ~~ضمائر الجمع في الآية - وهي سبع - للذين من قبلهم، والمراد بما عندهم من ~~العلم ما وقع في قلوبهم وشغل نفوسهم من زينة الحياة الدنيا وفنون التدبير ~~للظفر بها وبلوغ لذائذها وقد عد الله سبحانه ذلك علما لهم وقصر علمهم فيه، ~~قال تعالى: "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون:" ~~الروم: - 7، وقال: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك ~~مبلغهم من العلم:" النجم: - 30. # والمراد بفرحهم بما عندهم من العلم شدة إعجابهم بما كسبوه من الخبرة ~~والعلم الظاهري وانجذابهم إليه الموجب لإعراضهم عن المعارف الحقيقية التي ~~جاءت بها رسلهم، واستهانتهم بها وسخريتهم لها، ولذا عقب فرحهم بما عندهم من ~~العلم بقوله: "وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون". # وفي معنى قوله: "فرحوا بما عندهم من العلم" أقوال أخر: منها: أن المراد ~~بما عندهم من العلم عقائدهم الفاسدة وآراؤهم الباطلة وتسميتها علما للتهكم ~~فهم كانوا يفرحون بها ويستحقرون لذلك علم الرسل، وأنت خبير بأنه تصوير من ~~غير دليل. # ومنها: أن المراد بالعلم هو علوم الفلاسفة من اليونان والدهريين فكانوا ~~إذا سمعوا بالوحي ومعارف النبوة صغروا علم الأنبياء وتبجحوا بما عندهم، وهو ~~كسابقه على أنه لا ينطبق على أحد من الأمم التي قص القرآن ms6569 قصتهم كقوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب وغيرهم. # ومنها: أن أصل المعنى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات لم يفرحوا بما جاءهم من ~~العلم فوضع موضعه فرحوا بما عندهم من الجهل ثم بدل الجهل علما تهكما فقيل: ~~فرحوا بما عندهم من العلم، وهذا الوجه - على ما فيه من التكلف والبعد من ~~الفهم - يرد عليه ما يرد على الأول. # ومنها: أن ضمير فرحوا للكفار وضمير "عندهم" للرسل، والمعنى فرح الكفار ~~بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء وفيه أن لازمه اختلاف الضمائر ~~المتسقة مضافا إلى أن الضحك والاستهزاء لا يسمى فرحا ولا قرينة. # ومنها: أن ضميري "فرحوا بما عندهم" للرسل، والمعنى أن الرسل لما جاءوهم ~~وشاهدوا ما هم فيه من الجهل والتمادي على الكفر والجحود وعلموا عاقبة أمرهم ~~فرحوا بما عندهم من العلم الحق وشكروا الله على ذلك. # وفيه أن سياق الآيات أصدق شاهد على أنها سيقت لبيان حال الكفار بعد إتيان ~~رسلهم بالبينات وكيف آلت إلى نزول العذاب ولم ينفعهم الإيمان بعد مشاهدة ~~البأس؟ وأي ارتباط له بفرح الرسل بعلومهم الحقة؟ على أن لازمه أيضا اختلاف ~~الضمائر. # قوله تعالى: "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين" البأس شدة العذاب، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا" إلخ وذلك لعدم ~~استناد الإيمان حينئذ إلى الاختيار، وقوله: "سنة الله التي قد خلت في ~~عباده" أي سنها الله سنة ماضية في عباده أن لا تقبل توبة بعد رؤية البأس ~~"وخسر هنالك الكافرون". PageV17P184 ### || AUTO ### ||| AUTO 41 سورة حم السجدة - 1 - 12 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتب فصلت ~~ءايته قرءانا عربيا لقوم يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون (4) وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ~~أنما إلهكم إله وحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا ~~يؤتون الزكوة وهم ms6570 بالاخرة هم كفرون (7) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~أجر غير ممنون (8) قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العلمين (9) وجعل فيها روسى من فوقها وبرك فيها وقدر فيها ~~أقوتها فى أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهى دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع ~~سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصبيح وحفظا ~~ذلك تقدير العزيز العليم (12) ### |||| AUTO بيان # تتكلم السورة حول إعراضهم عن الكتاب المنزل عليهم وهو القرآن الكريم فهو ~~الغرض الأصلي ولذلك ترى طائف الكلام يطوف حوله ويبتدىء به ثم يعود إليه ~~فصلا بعد فصل فقد افتتح بقوله: "تنزيل من الرحمن الرحيم" إلخ ثم قيل: "وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن" إلخ، وقيل: "إن الذين يلحدون في آياتنا ~~لا يخفون علينا" إلخ، وقيل: "إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم" إلخ، وقيل - ~~وهو في خاتمة الكلام -: "قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به" إلخ. # ولازم إعراضهم عن كتاب الله إنكار الأصول الثلاثة التي هي أساس دعوته ~~الحقة وهي الوحدانية والنبوة والمعاد فبسطت الكلام فيها وضمنته التبشير ~~والإنذار. # والسورة مكية لشهادة مضامين آياتها على ذلك وهي من السور النازلة في ~~أوائل البعثة على ما يستفاد من الروايات. # قوله تعالى: "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" خبر مبتدإ محذوف، والمصدر بمعنى ~~المفعول، والتقدير هذا منزل من الرحمن الرحيم، والتعرض للصفتين الكريمتين: ~~الرحمن الدال على الرحمة العامة للمؤمن والكافر، والرحيم الدالة على الرحمة ~~الخاصة بالمؤمنين للإشارة إلى أن هذا التنزيل يصلح للناس دنياهم كما يصلح ~~لهم آخرتهم. # قوله تعالى: "كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون" خبر بعد خبر، ~~والتفصيل يقابل الإحكام والإجمال، والمراد بتفصيل آيات القرآن تمييز أبعاضه ~~بعضها من بعض بإنزاله إلى مرتبة البيان بحيث يتمكن السامع العارف بأساليب ~~البيان من فهم معانيه وتعقل مقاصده وإلى هذا يشير قوله تعالى: "كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم ms6571 خبير:" هود: - 1، وقوله: "والكتاب المبين إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم:" ~~الزخرف: - 4. # وقوله: "قرآنا عربيا" حال من الكتاب أو من آياته، وقوله: "لقوم يعلمون" ~~اللام للتعليل أو للاختصاص، ومفعول "يعلمون" إما محذوف والتقدير لقوم ~~يعلمون معانيه لكونهم عارفين باللسان الذي نزل به وهم العرب وإما متروك ~~والمعنى لقوم لهم علم. # ولازم المعنى الأول أن يكون هناك عناية خاصة بالعرب في نزول القرآن عربيا ~~وهو الذي يشعر به أيضا قوله الآتي: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا ~~فصلت آياته أأعجمي وعربي" الآية وقريب منه قوله: "ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين:" الشعراء: - 199. PageV17P185 # ولا ينافي ذلك عموم دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) لعامة البشر لأن دعوته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مرتبة على مراحل فأول ما دعا دعا الناس ~~بالموسم فقوبل بإنكار شديد منهم ثم كان يدعو بعد ذلك سرا مدة ثم أمر بدعوة ~~عشيرته الأقربين كما يشير إليه قوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين:" ~~الشعراء: - 214 ثم أمر بدعوة قومه كما يشير إليه قوله: "فاصدع بما تؤمر ~~وأعرض عن المشركين:" الحجر: - 94 ثم أمر بدعوة الناس عامة كما يشير إليه ~~قوله: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا:" الأعراف: - 158، ~~وقوله: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ:" الأنعام: - 19. # على أن من المسلم تاريخا أنه كان من المؤمنين به سلمان وكان فارسيا، ~~وبلال وكان حبشيا، وصهيب وكان روميا، ودعوته لليهود ووقائعه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) معهم، وكذا كتابه إلى ملك إيران ومصر والحبشة والروم في دعوتهم ~~إلى الإسلام كل ذلك دليل على عموم الدعوة. # قوله تعالى: "بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون" "بشيرا ونذيرا" ~~حالان من الكتاب في الآية السابقة، والمراد بالسمع المنفي سمع القبول كما ~~يدل عليه قرينة الإعراض. # قوله تعالى: "وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه" إلى آخر الآية. # قال الراغب: الكن ما يحفظ فيه الشيء قال: الكنان الغطاء الذي ms6572 يكن فيه ~~الشيء والجمع أكنة نحو غطاء وأغطية قال تعالى: "وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه". # انتهى. # فقوله: "قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه" كناية عن كون قلوبهم بحيث لا ~~تفقه ما يدعو (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه من التوحيد كأنها مغطاة ~~بأغطية لا يتطرق إليها شيء من خارج. # وقوله: "وفي آذاننا وقر" أي ثقل من الصمم فلا تسمع شيئا من هذه الدعوة، ~~وقوله: "ومن بيننا وبينك حجاب" أي حاجز يحجزنا منك فلا نجتمع معك على شيء ~~مما تريد فقد أيأسوه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبول دعوته بما أخبروه ~~أولا بكون قلوبهم في أكنة فلا تقع فيها دعوته حتى يفقهوها، وثانيا بكون طرق ~~ورودها إلى القلوب وهي الآذان مسدودة فلا تلجها دعوة ولا ينفذ منها إنذار ~~وتبشير، وثالثا بأن بينهم وبينه (صلى الله عليه وآله وسلم) حجابا مضروبا لا ~~يجمعهم معه جامع وفيه تمام الإياس. # وقوله: "فاعمل إننا عاملون" تفريع على ما سبق، ولا يخلو من شوب تهديد، ~~وعليه فالمعنى إذا كان لا سبيل إلى التفاهم بيننا فاعمل بما يمكنك العمل به ~~في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك. # وقيل: المعنى فاعمل على دينك فإننا عاملون على ديننا، وقيل: المعنى فاعمل ~~في هلاكنا فإننا عاملون في هلاكك، ولا يخلوان من بعد. # قوله تعالى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه" في مقام الجواب عن قولهم: "قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه" على ما يعطيه السياق فمحصله قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم ~~أعاشركم كما يعاشر بعضكم بعضا وأكلمكم كما يكلم أحدكم صاحبه فلست من جنس ~~يباينكم كالملك حتى يكون بيني وبينكم حجاب مضروب أو لا ينفذ كلامي في ~~آذانكم أو لا يرد قولي في قلوبكم غير أن الذي أقول لكم وأدعوكم إليه وحي ~~يوحى إلي وهو إنما إلهكم الذي يستحق أن تعبدوه إله واحد لا آلهة متفرقون. # وقوله: "فاستقيموا إليه واستغفروه" أي فإذا لم يكن إلا إلها واحدا لا ms6573 ~~شريك له فاستووا إليه بتوحيده ونفي الشركاء عنه واستغفروه فيما صدر عنكم من ~~الشرك والذنوب. # قوله تعالى: "وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~كافرون" تهديد للمشركين الذين يثبتون لله شركاء ولا يوحدونه، وقد وصفهم من ~~أخص صفاتهم بصفتين هما عدم إيتائهم الزكاة وكفرهم بالآخرة. # والمراد بإيتاء الزكاة مطلق إنفاق المال للفقراء والمساكين لوجه الله فإن ~~الزكاة بمعنى الصدقة الواجبة في الإسلام لم تكن شرعت بعد عند نزول السورة ~~وهي من أقدم السور المكية. # وقيل: المراد بإيتاء الزكاة تزكية النفس وتطهيرها من أوساخ الذنوب ~~وقذارتها وإنماؤها نماء طيبا بعبادة الله سبحانه، وهو حسن لو حسن إطلاق ~~إيتاء الزكاة على ذلك. # وقوله: "وهم بالآخرة هم كافرون" وصف آخر للمشركين هو من لوازم مذهبهم وهو ~~إنكار المعاد، ولذلك أتى بضمير الفصل ليفيد أنهم معروفون بالكفر بالآخرة. PageV17P186 # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون" أي غير ~~مقطوع بل متصل دائم كما فسره بعضهم، وفسره آخرون بغير معدود كما قال تعالى: ~~"يرزقون فيها بغير حساب:" المؤمن: - 40. # وجوز أن يكون المراد أنه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة، ويمكن أن ~~يوجه هذا الوجه بأن في تسمية ما يؤتونه بالأجر دلالة على ذلك لإشعاره ~~بالاستحقاق وإن كان هذا الاستحقاق بجعل من الله تعالى لا لهم من عند أنفسهم ~~قال تعالى: "إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا:" الدهر: - 22. # قوله تعالى: "قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا" الآية. # أمره ثانيا أن يستفهم عن كفرهم بالله بمعنى شركهم مع ظهور آيات وحدانية ~~في خلق السماوات والأرض وتدبير أمرهما بعد ما أمره أولا بدفع قولهم: ~~"قلوبنا في أكنة" إلخ. # والاستفهام للتعجيب ولذا أكد المستفهم عنه بأن واللام كأن المستفهم لا ~~يكاد يذعن بكفرهم بالله وقولهم بالأنداد مع ظهور المحجة واستقامة الحجة. # وقوله: "وتجعلون له أندادا" تفسير لقوله: "لتكفرون بالذي خلق الأرض" إلخ، ~~والأنداد جمع ند وهو المثل، والمراد بجعل الأنداد له اتخاذ شركاء له ~~يماثلونه ms6574 في الربوبية والألوهية. # وقوله: "ذلك رب العالمين" في الإشارة بلفظ البعيد رفع لساحته تعالى ~~وتنزيهه عن أمثال هذه الأوهام فهو رب العالمين المدبر لأمر الخلق أجمعين ~~فلا مسوغ لأن يتوهم ربا آخر سواه وإلها آخر غيره. # والمراد باليوم في قوله: "خلق الأرض في يومين" برهة من الزمان دون مصداق ~~اليوم الذي نعهده ونحن على بسيط أرضنا هذه وهو مقدار حركة الكرة الأرضية ~~حول نفسها مرة واحدة فإنه ظاهر الفساد، وإطلاق اليوم على قطعة من الزمان ~~تحوي حادثة من الحوادث كثير الورود شائع الاستعمال، ومن ذلك قوله تعالى: ~~"وتلك الأيام نداولها بين الناس:" آل عمران: - 140، وقوله: "فهل ينتظرون ~~إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم:" يونس: - 102، وغير ذلك. # فاليومان اللذان خلق الله فيهما الأرض قطعتان من الزمان تم فيهما تكون ~~الأرض أرضا تامة، وفي عدهما يومين لا يوما واحدا دليل على أن الأرض لاقت ~~زمان تكونها الأولي مرحلتين متغايرتين كمرحلة النيء والنضج أو الذوبان ~~والانعقاد أو نحو ذلك. # قوله تعالى: "وجعل فيها رواسي من فوقها" إلى آخر الآية. # معطوف على قوله: "خلق الأرض في يومين" ولا ضير في تخلل الجملتين: ~~"وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين" بين المعطوف والمعطوف عليه لأن الأولى ~~تفسير لقوله: "لتكفرون" والثانية تقرير للتعجيب الذي يفيده الاستفهام. # والرواسي صفة لموصوف محذوف والتقدير جبالا رواسي أي ثابتات على الأرض ~~وضمائر التأنيث الخمس في الآية للأرض. # وقوله: "وبارك فيها" أي جعل فيها الخير الكثير الذي ينتفع به ما على ~~الأرض من نبات وحيوان وإنسان في حياته أنواع الانتفاعات. # وقوله: "وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين" قيل: الظرف أعني ~~قوله: "في أربعة أيام" بتقدير مضاف وهو متعلق بقدر، والتقدير قدر الأقوات ~~في تتمة أربعة أيام من حين بدء الخلق - فيومان لخلق الأرض ويومان - وهما ~~تتمة أربعة أيام - لتقدير الأقوات. # وقيل: متعلق بحصول الأقوات وتقدير المضاف على حاله، والتقدير قدر حصول ~~أقواتها في تتمة أربعة أيام - فيها خلق الأرض وأقواتها جميعا -. # وقيل: متعلق بحصول جميع الأمور المذكورة من جعل ms6575 الرواسي من فوقها ~~والمباركة فيها وتقدير أقواتها والتقدير وحصول ذلك كله في تتمة أربعة أيام ~~وفيه حذف وتقدير كثير. # وجعل الزمخشري في الكشاف، الظرف متعلقا بخبر مبتدإ محذوفين من غير تقدير ~~مضاف والتقدير كل ذلك كائن في أربعة أيام فيكون قوله: "في أربعة أيام" من ~~قبيل الفذلكة كأنه قيل: خلق الأرض في يومين وأقواتها وغير ذلك في يومين فكل ~~ذلك في أربعة أيام. # قالوا: وإنما لم يجز حمل الآية على أن جعل الرواسي وما ذكر عقيبه أو ~~تقدير الأقوات في أربعة أيام لأن لازمه كون خلق الأرض وما فيها في ستة أيام ~~وقد ذكر بعده أن السماوات خلقت في يومين فيكون المجموع ثمانية أيام وقد ~~تكرر في كلامه تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام فهذا هو الوجه في ~~حمل الآية على أحد الوجوه السابقة على ما فيها من ارتكاب الحذف والتقدير. PageV17P187 # والإنصاف أن الآية أعني قوله: "وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين" ظاهرة في غير ما ذكروه والقرائن الحافة بها تؤيد كون المراد بها ~~تقدير أقواتها في الفصول الأربعة التي يكونها ميل الشمس الشمالي والجنوبي ~~بحسب ظاهر الحس فالأيام الأربعة هي الفصول الأربعة. # والذي ذكر في هذه الآيات من أيام خلق السماوات والأرض أربعة أيام يومان ~~لخلق الأرض ويومان لتسوية السماوات سبعا بعد كونها دخانا وأما أيام الأقوات ~~فقد ذكرت أياما لتقديرها لا لخلقها، وما تكرر في كلامه تعالى هو خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام لا مجموع خلقها وتقدير أمرها فالحق أن الظرف ~~قيد للجملة الأخيرة فقط ولا حذف ولا تقدير في الآية والمراد بيان تقدير ~~أقوات الأرض وأرزاقها في الفصول الأربعة من السنة. # وقوله: "سواء للسائلين" مفعول مطلق لفعل مقدر أي استوت الأقوات المقدرة ~~استواء للسائلين أو حال من الأقوات أي قدرها حال كونها مستوية للسائلين ~~يقتاتون بها جميعا وتكفيهم من دون زيادة أو نقيصة. # والسائلون هم أنواع النبات والحيوان والإنسان فإنهم محتاجون في بقائهم ~~إلى الأرزاق والأقوات فهم سائلون ربهم 1 قال تعالى: ms6576 "يسأله من في السموات ~~والأرض:" الرحمن: - 29، وقال: "وآتاكم من كل ما سألتموه:" إبراهيم: - 34. # قوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين" الاستواء - على ما ذكره الراغب - إذا عدي بعلى ~~أفاد معنى الاستيلاء نحو الرحمن على العرش استوى، وإذا عدي بإلى أفاد معنى ~~الانتهاء إليه. # وأيضا في المفردات، أن الكره بفتح الكاف المشتقة التي تنال الإنسان من ~~خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكره بضم الكاف ما تناله من ذاته وهو يعافه. # فقوله: "ثم استوى إلى السماء" أي توجه إليها وقصدها بالخلق دون القصد ~~المكاني الذي لا يتم إلا بانتقال القاصد من مكان إلى مكان ومن جهة إلى جهة ~~لتنزهه تعالى على ذلك. # وظاهر العطف بثم تأخر خلق السماوات عن الأرض لكن قيل: إن "ثم" لإفادة ~~التراخي بحسب الخبر لا بحسب الوجود والتحقق ويؤيده قوله تعالى: "أم السماء ~~بناها - إلى أن قال - والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها ~~والجبال أرساها:" النازعات: - 32 فإنه يفيد تأخر الأرض عن السماء خلقا. # والاعتراض عليه بأن مفاده تأخر دحو الأرض عن بناء السماء ودحوها غير ~~خلقها مدفوع بأن الأرض كروية فليس دحوها وبسطها غير تسويتها كرة وهو خلقها ~~على أنه تعالى أشار بعد ذكر دحو الأرض إلى إخراج مائها ومرعاها وإرساء ~~جبالها وهذه بعينها جعل الرواسي من فوقها والمباركة فيها وتقدير أقواتها ~~التي ذكرها في الآيات التي نحن فيها مع خلق الأرض وعطف عليها خلق السماء ~~بثم فلا مناص عن حمل ثم على غير التراخي الزماني فإن قوله في آية النازعات: ~~"بعد ذلك" أظهر في التراخي الزماني من لفظة "ثم" فيه في آية حم السجدة ~~والله أعلم. # وقوله: "وهي دخان" حال من السماء أي استوى إلى السماء بالخلق حال كونها ~~شيئا سماه الله دخانا وهو مادتها التي ألبسها الصورة وقضاها سبع سماوات بعد ~~ما لم تكن معدودة متميزا بعضها من بعض، ولذا أفرد السماء فقال: "استوى إلى ~~السماء". # وقوله: "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ms6577 أو كرها" تفريع على استوائه إلى ~~السماء والمورد مورد التكوين بلا شك فقوله لها وللأرض: "ائتيا طوعا أو ~~كرها" كلمة إيجاد وأمر تكويني كقوله لشيء أراد وجوده: كن، قال تعالى: "إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن:" يس: - 83. # ومجموع قوله لهما: "ائتيا" إلخ وقولهما له: "أتينا" إلخ تمثيل لصفة ~~الإيجاد والتكوين على الفهم الساذج العرفي وحقيقة تحليلية بناء على ما ~~يستفاد من كلامه تعالى من سراية العلم في الموجودات وكون تكليم كل شيء بحسب ~~ما يناسب حاله، وقد أوردنا بعض الكلام فيه فيما تقدم من المباحث، وسيجيء ~~شطر من الكلام فيه في تفسير قوله: "قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء:" ~~الآية - 21 من السورة إن شاء الله. # وقول بعضهم: إن المراد بقوله: "ائتيا" إلخ أمرهما بإظهار ما فيهما من ~~الآثار والمنافع دون الأمر بأن توجدا وتكونا مدفوع بأن تكون السماء مذكور ~~فيما بعد ولا معنى لتقديم الأمر بإظهار الآثار والمنافع قبل ذكر التكون. PageV17P188 # وفي قوله: "ائتيا طوعا أو كرها" إيجاب الإتيان عليهما وتخييرهما بين أن ~~تفعلا ذلك بطوع أو كره، ولعل المراد بالطوع والكره - وهما بوجه قبول الفعل ~~ونوع ملاءمة وعدمه - هو الاستعداد السابق للكون وعدمه فيكون قوله: "ائتيا ~~طوعا أو كرها" كناية عن وجوب إتيانهما بلا مناص وأنه أمر لا يتخلف البتة ~~أرادتا أو كرهتا سألتاه أو لم تسألا فأجابتا أنهما يمتثلان الأمر عن ~~استعداد سابق وقبول ذاتي وسؤال فطري إذ قالتا: أتينا طائعين. # وقول بعضهم: إن قوله: "طوعا أو كرها" تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى ~~فيهما واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما. # مدفوع بقوله بعد: "قالتا أتينا طائعين" إذ لو كان الترديد المذكور تمثيلا ~~فقط من غير إثبات كما ذكره لم يكن لإثبات الطوع في الجواب وجه. # وقوله: "قالتا أتينا طائعين" جواب السماء والأرض لخطابه تعالى باختيار ~~الطوع، والتعبير باللفظ الخاص بأولي العقل - طائعين - لمكان المخاطبة ~~والجواب وهما من خواص أولي العقل، والتعبير بلفظ الجمع دون أن تقولا: أتينا ~~طائعتين لعله تواضع ms6578 منهما بعد أنفسهما غير متميزة من سائر مخلوقاته تعالى ~~المطيعة لأمره فأجابتا عن لسان الجميع، نظير ما قيل في قوله تعالى: "إياك ~~نعبد وإياك نستعين:" الحمد: - 5. # ثم إن تشريك الأرض مع السماء في خطاب "ائتيا" إلخ مع ذكر خلقها وتدبير ~~أمرها قبلا لا يخلو من إشعار بأن بينهما نوع ارتباط في الوجود واتصال في ~~النظام الجاري فيهما وهو كذلك فإن الفعل والانفعال والتأثير والتأثر دائر ~~بين أجزاء العالم المشهود. # وفي قوله: "فقال لها وللأرض" تلويح على أي حال إلى كون "ثم" في قوله: "ثم ~~استوى" للتراخي بحسب رتبة الكلام. # قوله تعالى: "فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها" الأصل ~~في معنى القضاء فصل الأمر، وضمير "هن" للسماء على المعنى، و"سبع سموات" حال ~~من الضمير و"في يومين" متعلق بقضاهن فتفيد الجملة أن السماء لما استوى ~~سبحانه إليها وهي دخان كان أمرها مبهما غير مشخص من حيث فعلية الوجود ففصل ~~تعالى أمرها بجعلها سبع سماوات في يومين. # وقيل: إن القضاء في الآية مضمن معنى التصيير و"سبع سموات" مفعوله الثاني، ~~وقيل فيها وجوه أخر لا يهمنا إيرادها. # والآية وما قبلها ناظرة إلى تفصيل ما أجمل في قوله: "أولم ير الذين كفروا ~~أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما:" الأنبياء: - 30. # وقوله: "وأوحى في كل سماء أمرها" قيل: المراد بأمر السماء ما تستعد له أو ~~تقتضيه الحكمة فيها من وجود ملك أو كوكب وما أشبه ذلك، والوحي هو الخلق ~~والإيجاد، والجملة معطوفة على قوله: "قضاهن" مقيدة بالوقت المذكور للمعطوف ~~عليه، والمعنى وخلق في كل سماء ما فيها من الملائكة والكواكب وغيرها. # وأنت خبير بأن إرادة الخلق من الوحي وأمثال الملك والكوكب من الأمر تحتاج ~~إلى عناية زائدة لا تثبت إلا بدليل بين، وكذا تقيد الجملة المعطوفة بالوقت ~~المذكور في المعطوف عليها. # وقيل: المراد بالأمر التكليف الإلهي المتوجه إلى أهل كل سماء من الملائكة ~~والوحي بمعناه المعروف والمعنى وأوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم ~~به من العبادة. # وفيه أن ظاهر الآية ms6579 وقد قال تعالى: "في كل سماء" ولم يقل: إلى كل سماء لا ~~يوافقه تلك الموافقة. # وقيل: المراد بأمرها ما أراده الله منها، وهذا الوجه في الحقيقة راجع إلى ~~أحد الوجهين السابقين فإن أريد بالوحي الخلق والإيجاد رجع إلى أول الوجهين ~~وإن أريد به معناه المعروف رجع إلى ثانيهما. # والذي وقع في كلامه تعالى من الأمر المتعلق بوجه بالسماء يلوح إلى معنى ~~أدق مما ذكروه فقد قال تعالى: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه:" الم السجدة: - 5، وقال: "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن:" الطلاق: - 12، وقال: "ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما ~~كنا عن الخلق غافلين:" المؤمنون: - 17. PageV17P189 # دلت الآية الأولى على أن السماء مبدأ لأمره تعالى النازل إلى الأرض بوجه ~~والثانية على أن الأمر يتنزل بين السماوات من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى ~~الأرض، والثالثة على أن السماوات طرائق لسلوك الأمر من عند ذي العرش أو ~~لسلوك الملائكة الحاملين للأمر إلى الأرض كما يشير إليه قوله: "تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر:" القدر: - 4، وقوله: "فيها يفرق ~~كل أمر حكيم:" الدخان: - 4. # ولو كان المراد بالأمر أمره تعالى التكويني وهو كلمة الإيجاد كما يستفاد ~~من قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن:" يس: - 82، أفادت الآيات ~~بانضمام بعضها إلى بعض أن الأمر الإلهي الذي مضيه في العالم الأرضي هو خلق ~~الأشياء وحدوث الحوادث تحمله الملائكة من عند ذي العرش تعالى وتسلك في ~~تنزيله طرق السماوات فتنزله من سماء إلى سماء حتى تنتهي به إلى الأرض. # وإنما تحمله ملائكة كل سماء إلى من دونهم كما يستفاد من قوله: "حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير:" سبأ: - ~~23 وقد تقدم الكلام فيه والسماوات مساكن الملائكة كما يستفاد من قوله: "وكم ~~من ملك في السماوات:" النجم: - 26، وقوله: "لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ~~ويقذفون من كل جانب:" الصافات: - 8. # فللأمر نسبة إلى كل سماء باعتبار الملائكة الساكنين ms6580 فيها، ونسبة إلى كل ~~قبيل من الملائكة الحاملين له باعتبار تحميله لهم وهو وحيه إليهم فإن الله ~~سبحانه سماه قولا كما قال: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن:" ~~النحل: - 40. # فتحصل بما مر أن معنى قوله: "وأوحى في كل سماء أمرها" أوحى في كل سماء ~~إلى أهلها من الملائكة الأمر الإلهي. # المنسوب إلى تلك السماء المتعلق بها، وأما كون اليومين المذكورين في ~~الآية ظرفا لهذا الوحي كما هما ظرف لخلق السماوات سبعا فلا دليل عليه من ~~لفظ الآية. # قوله تعالى: "وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز ~~العليم" توصيف هذه السماء بالدنيا للدلالة على أنها أقرب السماوات من الأرض ~~وهي طباق بعضها فوق بعض كما قال: "خلق سبع سماوات طباقا:" الملك: - 3. # والظاهر من معنى تزيينها بمصابيح وهي الكواكب كما قال: "إنا زينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب:" الصافات: - 6 أن الكواكب في السماء الدنيا أو دونها ~~كالقناديل المعلقة ولو كانت متفرقة في جميع السماوات من غير حجب بعضها بعضا ~~لكون السماوات شفافة كما قيل كانت زينة لجميعها ولم تختص الزينة ببعضها كما ~~يفيده السياق فلا وجه لقول القائل: إنها في الجميع لكن لكونها ترى متلألئة ~~على السماء الدنيا عدت زينة لها. # وأما قوله: "ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا ~~وجعل الشمس سراجا:" نوح: - 16 فهو بالنسبة إلينا معاشر المستضيئين بالليل ~~والنهار كقوله: "وجعلنا سراجا وهاجا:" النبأ: - 13. # وقوله: "وحفظا" أي وحفظناها من الشياطين حفظا كما قال: "وحفظناها من كل ~~شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين:" الحجر: - 18. # وقوله: "ذلك تقدير العزيز العليم" إشارة إلى ما تقدم من النظم والترتيب. # كلام فيه تتميم # قد تحصل مما تقدم: أولا: أن المستفاد من ظاهر الآيات الكريمة - وليست بنص ~~- أن السماء الدنيا من هذه السبع هي عالم النجوم والكواكب فوقنا. # وثانيا: أن هذه السماوات السبع المذكورة جميعا من الخلق الجسماني فكأنها ~~طبقات سبع متطابقة من عالم الأجسام أقربها منا عالم النجوم والكواكب، ولم ~~يصف القرآن ms6581 شيئا من السماوات الست الباقية دون أن ذكر أنها طباق. # وثالثا: أن ليس المراد بالسماوات السبع الأجرام العلوية أو خصوص بعضها ~~كالشمس والقمر أو غيرهما. # ورابعا: أن ما ورد من كون السماوات مساكن للملائكة وأنهم ينزلون منها ~~بأمر الله حاملين له ويعرجون إليها بكتب الأعمال، وأن للسماء أبوابا لا ~~تفتح للكفار وأن الأشياء والأرزاق تنزل منها وغير ذلك مما تشير إليه ~~متفرقات الآيات والروايات يكشف عن أن لهذه الأمور نوع تعلق بهذه السماوات ~~لا كتعلق ما نراه من الأجسام بمحالها وأماكنها الجسمانية الموجبة لحكومة ~~النظام المادي فيها وتسرب التغير والتبدل والدثور والفتور إليها. PageV17P190 # وذلك أن من الضروري اليوم أن لهذه الأجرام العلوية كائنة ما كانت كينونة ~~عنصرية جسمانية تجري فيها نظائر الأحكام والآثار الجارية في عالمنا الأرضي ~~العنصري والنظام الذي يثبت للسماء وأهلها والأمور الجارية فيها مما أشرنا ~~إليه يباين هذا النظام العنصري المشهود. # أضف إلى ذلك ما ورد أن الملائكة خلقوا من نور، وأن غذاءهم التسبيح، وما ~~ورد من توصيف خلقهم، وما ورد في توصيف خلق السماوات وما خلق فيها إلى غير ذلك. # فللملائكة عوالم ملكوتية سبعة مترتبة سميت سماوات سبعا ونسبت ما لها من ~~الخواص والآثار إلى ظاهر هذه السماوات بلحاظ ما لها من العلو والإحاطة ~~بالنسبة إلى الأرض تسهيلا للفهم الساذج. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم ~~وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن ~~جابر بن عبد الله قال: اجتمع قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر ~~والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وعاب ~~ديننا فليكلمه ولينظر ما ذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ~~ربيعة قالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ ~~أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: فإن ~~كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي ms6582 عبدت وإن كنت تزعم أنك ~~خير منهم فتكلم حتى نسمع منك. أما والله ما رأينا سلحة قط أشأم على قومك ~~منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار ~~فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا والله ما ننتظر إلا مثل صيحة ~~الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف. يا أيها الرجل إن كان نما بك الحاجة ~~جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا واحدا وإن كان نما بك الباءة فاختر أي ~~نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~فرغت؟ قال: نعم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "بسم الله ~~الرحمن الرحيم - حم تنزيل من الرحمن الرحيم - كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا ~~لقوم يعلمون" حتى بلغ "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة - مثل صاعقة عاد ~~وثمود". فقال عتبة: حسبك. ما عندك غير هذا؟ قال: لا فرجع إلى قريش فقالوا: ~~ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا: فهل ~~أجابك؟ قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه قال: "أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما ~~قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة:. أقول: ورواه عن ~~عدة من الكتب قريبا منه، وفي بعض الطرق: قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ ~~قال: والله إني قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا ~~بالسحر ولا بالكهانة، والله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، وفي بعضها غير ذلك. # وفي تلاوته (صلى الله عليه وآله وسلم) آيات أول السورة على الوليد بن ~~المغيرة رواية أخرى ستوافيك إن شاء الله في تفسير سورة المدثر في ذيل قوله ~~تعالى: "ذرني ومن خلقت وحيدا" الآيات. # وفيه، أخرج ابن جرير عن أبي بكر قال: جاء اليهود إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق ms6583 في هذه ~~الأيام الستة؟ فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم ~~الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، ~~وخلق السماوات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة، ~~وخلق في أول ساعة الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم. قالوا: صدقت ~~إن تممت فعرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يريدون فغضب فأنزل الله ~~"وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون". # أقول: وروي ما يقرب منه عن ابن عباس وعبد الله بن سلام وعن عكرمة وغيره ~~وقد ورد في بعض أخبار الشيعة، وقوله: قالوا: صدقت إن تممت أي تممت كلامك في ~~الخلق بأن تقول: إنه تعالى فرغ من الخلق يوم السبت واستراح فيه. PageV17P191 # والروايات لا تخلو من شيء: أما أولا: فمن جهة اشتمالها على تصديق اليهود ما ~~ذكر فيها من ترتيب الخلق وهو مخالف لما ورد في أول سفر التكوين من التوراة ~~مخالفة صريحة ففيها أنه خلق النور والظلمة - النهار والليل - يوم الأحد، ~~وخلق السماء يوم الإثنين، وخلق الأرض والبحار والنبات يوم الثلاثاء وخلق ~~الشمس والقمر والنجوم يوم الأربعاء وخلق دواب البحر والطير يوم الخميس، ~~وخلق حيوان البر والإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت واستراح فيه، ~~والقول بأن التوراة الحاضرة غير ما كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما ترى. # وأما ثانيا: فلأن اليوم من الأسبوع وهو نهار مع ليلته يتوقف في كينونته ~~على حركة الأرض الوضعية دورة واحدة قبال الشمس فما معنى خلق الأرض في يومين ~~ولم يخلق السماء والسماويات بعد ولا تمت الأرض كرة متحركة؟ ونظير الإشكال ~~جار في خلق السماء والسماويات ومنها الشمس ولا يوم حيث لا شمس بعد. # وأما ثالثا: فلأنه عد فيها يوم لخلق الجبال وقد جزم الفحص العلمي بأنها ~~تخلق تدريجا، ونظير الإشكال جار في خلق المدائن والأنهار والأقوات. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن محمد بن عطية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه ~~قال: وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه ms6584 وهو الماء الذي خلق الأشياء منه ~~فجعل نسب كل شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، وخلق الريح من ~~الماء. ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد ~~على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ~~ولا ثقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء. ثم خلق ~~الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ~~ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا ~~ثقب وذلك قوله: "السماء بناها". # أقول: وفي هذه المعنى بعض روايات أخر، ويمكن تطبيق ما في الرواية وكذا ~~مضامين الآيات على ما تسلمته الأبحاث العلمية اليوم في خلق العالم وهيئته ~~غير أنا تركنا ذلك احترازا من تحديد الحقائق القرآنية بالأحداس والفرضيات ~~العلمية ما دامت فرضية غير مقطوع بها من طريق البرهان العلمي. # وفي نهج البلاغة،: فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد قائمات ~~بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات، ولو لا ~~إقرارهن له بالربوبية، وإذعانهن له بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه، ولا ~~مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه. # وفي كمال الدين، بإسناده إلى فضيل الرسان قال: كتب محمد بن إبراهيم إلى ~~أبي عبد الله (عليه السلام): أخبرنا ما فضلكم أهل البيت؟ فكتب إليه أبو عبد ~~الله (عليه السلام): إن الكواكب جعلت أمانا لأهل السماء فإذا ذهبت نجوم ~~السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون، وقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): جعل أهل بيتي أمانا لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي جاء أمتي ما كانوا ~~يوعدون. # أقول: وورد هذا المعنى في غير واحد من الروايات. # وفي البحار، عن كتاب الغارات بإسناده عن ابن نباتة قال: سئل أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) كم بين السماء والأرض؟ قال: مد البصر ودعوة ~~المظلوم. # أقول: وهو من لطائف ms6585 كلامه (عليه السلام) يشير به إلى ظاهر السماء وباطنها ~~كما تقدم. PageV17P192 ### ||| AUTO 41 سورة حم السجدة - 13 - 25 # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من ~~بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملئكة ~~فإنا بما أرسلتم به كفرون (14) فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بئايتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى أيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزى فى الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة أخزى وهم لا ينصرون ~~(16) وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صعقة العذاب ~~الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون (18) ويوم ~~يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم ~~سمعهم وأبصرهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ~~(21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم ~~أرداش فأصبحتم من الخسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا ~~فما هم من المعتبين (24) وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس إنهم كانوا ~~خسرين (25) ### |||| AUTO بيان # الآيات تتضمن الإنذار بالعذاب الدنيوي الذي ابتليت به عاد وثمود بكفرهم ~~بالرسل وجحدهم لآيات الله، وبالعذاب الأخروي الذي سيبتلى به أعداء الله من ~~أهل الجحود الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وفيها إشارة إلى كيفية إضلالهم في ~~الدنيا وإلى استنطاق أعضائهم في الآخرة. # قوله تعالى: "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" قال في ~~المجمع،: الصاعقة المهلكة من كل شيء انتهى، وقال الراغب: قال بعض أهل ~~اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه: الموت كقوله: "صعق من في السموات" وقوله: ~~"فأخذتهم الصاعقة" والعذاب ms6586 كقوله: "أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" ~~والنار كقوله: "ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء" وما ذكره فهو أشياء حاصلة ~~من الصاعقة فإن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو ثم يكون نار فقط أو عذاب ~~أو موت وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها. # انتهى. # وعلى ما مر تنطبق الصاعقة على عذابي عاد وثمود وهما الريح والصيحة، ~~والتعبير بالماضي في قوله: "أنذرتكم" للدلالة على التحقق والوقوع. # قوله تعالى: "إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أن لا تعبدوا إلا ~~الله" إلخ ظرف للصاعقة الثانية فإن الإنذار بالصاعقة بالحقيقة إنذار ~~بوقوعها وحلولها فالمعنى مثل حلول صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم إلخ. # ونسبة المجيء إلى الرسل وهو جمع - مع أن الذي ذكر في قصتهم رسولان هما ~~هود وصالح - باعتبار أن الرسل دعوتهم واحدة والمبعوث منهم إلى قوم مبعوث ~~لآخرين وكذا القوم المكذبون لأحدهم مكذبون لآخرين قال تعالى: "كذبت عاد ~~المرسلين:" الشعراء: - 123 وقال: "كذبت ثمود المرسلين:" الشعراء: - 141، ~~وقال: "كذبت قوم لوط المرسلين:" الشعراء: - 160 إلى غير ذلك. # وقول بعضهم: إن إطلاق الرسل وهو جمع على هود وصالح (عليهما السلام) وهما ~~اثنان من إطلاق الجمع على ما دون الثلاثة وهو شائع، ومن هذا القبيل إرجاع ~~ضمير الجمع في قوله: "إذ جاءتهم" إلى عاد وثمود. PageV17P193 # ممنوع بما تقدم، وأما إرجاع ضمير الجمع إلى عاد وثمود فإنما هو لكون مجموع ~~الجمعين جمعا مثلهما. # وقوله: "من بين أيديهم ومن خلفهم" أي من جميع الجهات فاستعمال هاتين ~~الجهتين في جميع الجهات شائع، وجوز أن يكون المراد به الماضي والمستقبل ~~فقوله: "جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم" كناية عن دعوتهم لهم من ~~جميع الطرق الممكنة خلوة وجلوة وفرادى ومجتمعين بالتبشير والإنذار ولذلك ~~فسر مجيئهم كذلك بعد بقوله: "أن لا تعبدوا إلا الله" وهو التوحيد. # وقوله: "قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة" رد منهم لرسالتهم بأن الله لو ~~شاء إرسال رسول إلينا لأرسل من الملائكة، وقد تقدم كرارا معنى قولهم هذا ~~وأنه مبني على إنكارهم ms6587 نبوة البشر. # وقوله: "فإنا بما أرسلتم به كافرون" تفريع على النفي المفهوم من الجملة ~~السابقة أي فإذا لم يشأ ولم يرسل فإنا بما أرسلتم به وهو التوحيد كافرون. # قوله تعالى: "فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق" إلخ رجوع إلى تفصيل ~~حال من كل الفريقين على حدته، من كفرهم ووبال ذلك، وقوله: "بغير الحق" قيد ~~توضيحي للاستكبار في الأرض فإنه بغير الحق دائما، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات" إلخ فسر الصرصر ~~بالريح الشديدة السموم، وبالريح الشديدة البرد، وبالريح الشديدة الصوت ~~وتلازم شدة الهبوب، والنحسات بكسر الحاء صفة مشبهة من نحس ينحس نحسا خلاف ~~سعد فالأيام النحسات الأيام المشئومات. # وقيل: أيام نحسات أي ذوات الغبار والتراب لا يرى فيها بعضهم بعضا، ويؤيده ~~قوله في سورة الأحقاف: "فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ~~ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم:" الأحقاف: - 24. # وقوله: "وهم لا ينصرون" أي لا منج ينجيهم ولا شفيع يشفع لهم. # والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى" إلخ المراد ~~بهدايتهم إراءتهم الطريق ودلالتهم على الحق ببيان حق الاعتقاد والعمل لهم، ~~والمراد بالاستحباب الإيثار والاختيار، ولعله بالتضمين ولذا عدي إلى ~~المفعول الثاني بعلى والمراد بالعمى الضلال استعارة، وفي مقابله الهدى له ~~إيماء إلى أن الهدى بصر كما أن الضلالة عمى، والهون مصدر بمعنى الذل وتوصيف ~~العذاب به للمبالغة أو بحذف ذي والتقدير صاعقة العذاب ذي الهون. # والمعنى: وأما قوم ثمود فدللناهم على طريق الحق وعرفناهم الهدى بتمييزه ~~من الضلال فاختاروا الضلال الذي هو عمى على الهدى الذي هو بصر فأخذتهم صيحة ~~العذاب ذي المذلة - أو أخذهم العذاب بناء على كون الصاعقة بمعنى العذاب ~~والإضافة بيانية - بما كانوا يكسبون. # قوله تعالى: "ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون" ضم التقوى إلى الإيمان ~~معبرا عن التقوى بقوله: "وكانوا يتقون" الدال على الاستمرار للدلالة على ~~جمعهم بين الإيمان والعمل الصالح وذلك هو السبب لنجاتهم من عذاب الاستئصال ~~على ما وعده ms6588 الله بقوله: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين:" الروم: - 47. # والظاهر أن الآية متعلقة بالقصتين جميعا متممة لهما وإن كان ظاهر ~~المفسرين تعلقها بالقصة الثانية. # قوله تعالى: "ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون" الحشر إخراج ~~الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها. # كذا قال الراغب، و"يوزعون" من الوزع وهو حبس أول القوم ليلحق بهم آخرهم ~~فيجتمعوا. # قيل: المراد بحشرهم إلى النار إخراجهم إلى المحشر للسؤال والحساب، وجعل ~~النار غاية لحشرهم لأن عاقبتهم إليها، والدليل عليه ما ذكره من أمر شهادة ~~الأعضاء فإنها في الموقف قبل الأمر بهم إلى النار. # وقيل: المراد حشرهم إلى النار نفسها ومن الممكن أن يستشهد عليهم مرتين ~~مرة في الموقف ومرة على شفير جهنم وهو كما ترى. # والمراد بأعداء الله - على ما قيل - المكذبون بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من مشركي قومه لا مطلق الكفار والدليل عليه قوله الآتي: "وحق عليهم ~~القول في أمم قد خلت من قبلهم" الآية. # قوله تعالى: "حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون" "ما" في "إذا ما جاءوها" زائد للتأكيد والضمير للنار. PageV17P194 # وشهادة الأعضاء أو القوى يوم القيامة ذكرها وإخبارها ما تحملته في الدنيا ~~من معصية صاحبها فهي شهادة أداء لما تحملته، ولو لا التحمل في الدنيا حين ~~العمل كما لو جعل الله لها شعورا ونطقا يوم القيامة فعلمت ثم أخبرت بما ~~عملته أو أوجد الله عندها صوتا يفيد معنى الإخبار من غير شعور منها به لم ~~يصدق عليه الشهادة، ولا تمت بذلك على العبد المنكر حجة وهو ظاهر. # وبذلك يظهر فساد قول بعضهم: إن الله يخلق يوم القيامة للأعضاء علما وقدرة ~~على الكلام فتخبر بمعاصي صاحبيها وهو شهادتها وقول بعضهم: إنه يخلق عندها ~~أصواتا في صورة كلام مدلوله الشهادة، وكذا قول بعضهم: إن معنى الشهادة ~~دلالة الحال على صدور معصية كذائية منهم. # وظاهر الآية أن شهادة السمع والبصر أداؤهما ما تحملاه وإن لم يكن معصية ~~مأتيا بها بواسطتهما كشهادة السمع أنه سمع آيات ms6589 الله تتلى عليه فأعرض عنها ~~صاحبه أو أنه سمع صاحبه يتكلم بكلمة الكفر، وشهادة البصر أنه رأى الآيات ~~الدالة على وحدانية الله تعالى فأعرض عنها صاحبه أو أنه رأى صاحبه يستمع ~~إلى الغيبة أو سائر ما يحرم الإصغاء إليه فتكون الآية على حد قوله تعالى: ~~"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا:" إسراء: - 36. # وعلى هذا يختلف السمع والأبصار والجلود فيما شهدت عليه فالسمع والأبصار ~~تشهد على معصية العبد وإن لم تكن بسببهما والجلود تشهد على المعصية التي ~~كانت هي آلات لها بالمباشرة، وهذا الفرق هو السبب لتخصيصهم الجلود بالخطاب ~~في قولهم: "لم شهدتم علينا" على ما سيجيء. # والمراد بالجلود على ظاهر إطلاق الآية مطلق الجلود وشهادتها على أنواع ~~المعاصي التي تتم بالجلود من التمتعات المحرمة كالزنا ونحوه، ويمكن حينئذ ~~أن تعمم الجلود بحيث تشمل شهادتها ما شهدت الأيدي والأرجل المذكورة في ~~قوله: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم:" يس: - 65 على بعد. # وقيل: المراد بالجلود الفروج وقد كني بها عنها تأدبا. # قوله تعالى: "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا" اعتراض وعتاب منهم لجلودهم ~~في شهادتها عليهم، وقيل: الاستفهام للتعجب فهو سؤال عن السبب لرفع التعجب ~~وإنما خصوها بالسؤال دون سمعهم وأبصارهم مع اشتراكها في الشهادة لأن الجلود ~~شهدت على ما كانت هي بنفسها أسبابا وآلات مباشرة له بخلاف السمع والأبصار ~~فإنها كسائر الشهداء تشهد بما ارتكبه غيرها. # وقيل: تخصيص الجلود بالذكر تقريع لهم وزيادة تشنيع وفضاحة وخاصة لو كان ~~المراد بالجلود الفروج وقيل غير ذلك. # قوله تعالى: "قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء" إلخ إرجاع ضمير أولي ~~العقل إلى الجوارح لمكان نسبة الشهادة والنطق إليها وذلك من شئون أولي العقل. # والمتيقن من معنى النطق إذا استعمل على الحقيقة من غير تجوز هو إظهار ما ~~في الضمير من طريق التكلم فيتوقف على علم وكشفه لغيره، قال الراغب: ولا ~~يكاد يستعمل النطق في غير الإنسان إلا تبعا وبنوع من التشبيه وظاهر سياق ~~الآيات وما فيها من ألفاظ القول ms6590 والتكلم والشهادة والنطق أن المراد بالنطق ~~ما هو حقيقة معناه. # فشهادة الأعضاء على المجرمين كانت نطقا وتكلما حقيقة عن علم تحملته سابقا ~~بدليل قولها: "أنطقنا الله". # ثم إن قولها: "أنطقنا الله" جوابا عن قول المجرمين: "لم شهدتم علينا"؟ ~~إراءة منها للسبب الذي أوجب نطقها وكشف عن العلم المدخر عندها المكنون في ~~ضميرها فهي ملجؤه إلى التكلم والنطق، ولا يضر ذلك نفوذ شهادتها وتمام الحجة ~~بذلك فإنها إنما ألجئت إلى الكشف عما في ضميرها لا على الستر عليه والإخبار ~~بخلافه كذبا وزورا حتى ينافي جواز الشهادة وتمام الحجة. # وقوله: "الذي أنطق كل شيء" توصيف لله سبحانه وإشارة إلى أن النطق ليس ~~مختصا بالأعضاء حتى تختص هي بالسؤال بل هو عام شامل لكل شيء والسبب الموجب ~~له هو الله سبحانه. # وقوله: "وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون" من تتمة الكلام السابق أو هو من ~~كلامه، وهو احتجاج على علمه بأعمالهم وقد أنطق الجوارح بما علم. PageV17P195 # يقول: إن وجودكم يبتدىء منه تعالى وينتهي إليه تعالى فعند ما تظهرون من كتم ~~العدم - وهو خلقكم أول مرة - يعطيكم الوجود ويملككم الصفات والأفعال فتنسب ~~إليكم ثم ترجعون وتنتهون إليه فيرجع ما عندكم من ظاهر الملك الموهوب إليه ~~فلا يبقى ملك إلا وهو لله سبحانه. # فهو سبحانه المالك لجميع ما عندكم أولا وآخرا فما عندكم من شيء في أول ~~وجودكم هو الذي أعطاكموه وملكه لكم وهو أعلم بما أعطى وأودع، وما عندكم من ~~شيء حينما ترجعون إليه هو الذي يقبضه منكم إليه ويملكه فكيف لا يعلمه، ~~وانكشافه له سبحانه حينما يرجع إليه إنطاقه لكم وشهادتكم على أنفسكم عنده. # وبما مر من البيان يظهر وجه تقييد قوله: "وهو خلقكم" بقوله: "أول مرة" ~~فالمراد به أول وجودهم. # ولهم في قوله: "قالوا أنطقنا الله" في معنى الإنطاق نظائر ما تقدم في ~~قوله: "شهد عليهم" من الأقوال فمن قائل: إن الله يخلق لهم يومئذ العلم ~~والقدرة على النطق فينطقون، ومن قائل: إنه يخلق عند الأعضاء أصواتا شبيهة ~~بنطق الناطقين وهو المراد ms6591 بنطقهم، ومن قائل: إن المراد بالنطق دلالة ظاهر ~~الحال على ذلك. # وكذا في عموم قوله: "أنطق كل شيء" فقيل: هو مخصص بكل حي نطق إذ ليس كل ~~شيء ولا كل حي ينطق بالنطق الحقيقي ومثل هذا التخصيص شائع ومنه قوله تعالى ~~في الريح المرسلة إلى عاد: "تدمر كل شيء:" الأحقاف: - 25. # وقيل: النطق في "أنطقنا" بمعناه الحقيقي وفي قوله: "أنطق كل شيء" بمعنى ~~الدلالة فيبقى الإطلاق على حاله. # ويرد عليهما أن تخصيص الآية أو حملها على المعنى المجازي مبني على تسلم ~~كون غير ما نعده من الأشياء حيا ناطقا كالإنسان والحيوان والملك والجن ~~فاقدا للعلم والنطق على ما نراه من حالها. # لكن لا دليل على فقدان الأشياء غير ما استثنيناه للشعور والإرادة سوى أنا ~~في حجاب من بطون ذواتها لا طريق لنا إلى الاطلاع على حقيقة حالها، والآيات ~~القرآنية وخاصة الآيات المتعرضة لشئون يوم القيامة ظاهرة في عموم العلم. ### |||| AUTO بحث إجمالي قرآني # كررنا الإشارة في الأبحاث المتقدمة إلى أن الظاهر من كلامه تعالى أن ~~العلم صار في الموجودات عامة كما تقدم في تفسير قوله تعالى: "وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم:" إسراء: - 44 فإن قوله: "ولكن لا ~~تفقهون" نعم الدليل على كون التسبيح منهم عن علم وإرادة لا بلسان الحال. # ومن هذا القبيل قوله: "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين" وقد تقدم تفسيره في السورة. # ومن هذا القبيل قوله: "ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين:" الأحقاف: - 6 فالمراد بمن لا يستجيب الأصنام فقط ~~أو هي وغيرها، وقوله: "يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها:" الزلزال: - 5. # ومن هذا القبيل الآيات الدالة على شهادة الأعضاء ونطقها وتكليمها لله ~~والسؤال منها وخاصة ما ورد في ذيل الآيات الماضية آنفا من قوله: "أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء" الآية. # لا يقال: لو كان غير الإنسان ms6592 والحيوان كالجماد والنبات ذا شعور وإرادة ~~لبانت آثاره وظهر منها ما يظهر من الإنسان والحيوان من الأعمال العلمية ~~والأفعال والانفعالات الشعورية. # لأنه يقال: لا دليل على كون العلم ذا سنخ واحد حتى تتشابه الآثار ~~المترشحة منه فمن الممكن أن يكون ذا مراتب مختلفة تختلف باختلافها آثارها. # على أن الآثار والأعمال العجيبة المتقنة المشهودة من النبات وسائر ~~الأنواع الطبيعية في عالمنا هذا لا تقصر في إتقانها ونظمها وترتيبها عن ~~آثار الأحياء كالإنسان والحيوان. ### |||| AUTO بحث إجمالي فلسفي # حقق في مباحث العلم من الفلسفة أن العلم وهو حضور شيء لشيء يساوق الوجود ~~المجرد لكونه ما له من فعلية الكمال حاضرا عنده من غير قوة فكل وجود مجرد ~~يمكنه أن يوجد حاضرا لمجرد غيره أو يوجد له مجرد غيره وما أمكن لمجرد ~~بالإمكان العام فهو له بالضرورة. # فكل عالم فهو مجرد وكذا كل معلوم وينعكسان بعكس النقيض إلى أن المادة وما ~~تألف منها ليس بعالم ولا معلوم. PageV17P196 # فالعلم يساوق الوجود المجرد، والوجودات المادية لا يتعلق بها علم ولا لها ~~علم بشيء لكن لها، على كونها مادية متغيرة متحركة لا تستقر على حال، ثبوتا ~~من غير تغير ولا تحول لا ينقلب عما وقع عليه. # فلها من هذه الجهة تجرد والعلم سار فيها كما هو سار في المجردات المحضة ~~العقلية والمثالية فافهم ذلك. # قوله تعالى: "وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم" إلخ لا شك أن الله سبحانه خالق كل شيء لا موجد غيره فلا يحول بين ~~خلقه وبينه شيء ولا يحجب خلقه من حاجب فهو تعالى مع كل شيء أينما كان ~~وكيفما كان قال تعالى: "إن الله على كل شيء شهيد:" الحج: - 17 وقال: "وكان ~~الله على كل شيء رقيبا:" الأحزاب: - 52. # فالإنسان أينما كان كان الله معه، وأي عمل عمله كان الله مع عمله، وأي ~~عضو من أعضائه استعمله وأي سبب أو أداة أو طريق اتخذه لعمله كان مع ذلك ~~العضو والسبب والأداة والطريق قال تعالى: "وهو معكم أينما كنتم:" ms6593 الحديد: - ~~4، وقال: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت:" الرعد: - 33، وقال: "إن ربك ~~لبالمرصاد:" الفجر: - 14. # ومن هنا يستنتج أن الإنسان - وهو جار في عمله - واقع بين مراصد كثيرة ~~يرصده من كل منها ربه ويرقبه ويشهده فمرتكب المعصية وهو متوغل في سيئته ~~غافل عنه تعالى في جهل عظيم بمقام ربه واستهانة به سبحانه وهو يرصده ~~ويرقبه. # وهذه الحقيقة هي التي تشير إليه الآية أعني قوله: "وما كنتم تستترون" إلخ ~~على ما يعطيه السياق. # فقوله: "وما كنتم تستترون" نفي لاستتارهم وهم في المعاصي قبلا وهم في ~~الدنيا وقوله: "أن يشهد" إلخ منصوب بنزع الخافض والتقدير من أن يشهد إلخ. # وقوله: "ولكن ظننتم أن الله لا يعلم" استدراك في معنى الإضراب عن محذوف ~~يدل عليه صدر الآية، والتقدير ولم تظنوا أنها لا تعلم أعمالكم ولكن ظننتم ~~إلخ والآية تقريع وتوبيخ للمشركين أو لمطلق المجرمين يوجه إليهم يوم ~~القيامة من قبله تعالى. # ومحصل المعنى وما كنتم تستخفون في الدنيا عند المعاصي من شهادة أعضائكم ~~التي تستعملونها في معصية الله ولم يكن ذلك لظنكم أنها لا إدراك فيها ~~لعملكم بل لظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون أي لم تستهينوا عند ~~المعصية بشهادة أعضائكم وإنما استهنتم بشهادتنا. # فالاستدراك ومعنى الإضراب في الآية نظير ما في قوله تعالى: "وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى:" الأنفال: - 17، وقوله: "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون:" البقرة: - 57. # وقوله: "كثيرا مما تعملون" ولم يقل: لا يعلم ما تعملون ولعل ذلك لكونهم ~~معتقدين بالله وبصفاته العليا التي منها العلم فهم يعتقدون فيه العلم في ~~الجملة لكن حالهم في المعاصي حال من لا يرى علمه بكثير من أعماله. # ويستفاد من الآية أن شهادة الشهود شهادته تعالى بوجه قال تعالى: "ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهود إذ تفيضون فيه:" يونس: - 61. # ولهم في توجيه معنى الآية أقوال أخر لا يساعد عليها السياق ولا تخلو من ~~تكلف أضربنا عن التعرض لها. # قوله تعالى: "وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من ms6594 الخاسرين" ~~الإرداء من الردى بمعنى الهلاك، و"ذلكم ظنكم" مبتدأ وخبر و"أرداكم" خبر بعد ~~خبر، ويمكن أن يكون "ظنكم" بدلا من ذلكم. # ومعنى الآية على الأول وذلكم الظن الذي ذكر ظن ظننتموه لا يغني من الحق ~~شيئا والعلم والشهادة على حالها أهلككم ذلك الظن فأصبحتم من الخاسرين. # وعلى الثاني وظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم ~~إذ هون عليكم أمر المعاصي وأدى بكم إلى الكفر فأصبحتم من الخاسرين. # قوله تعالى: "فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين" في المفردات،: الثواء الإقامة مع الاستقرار. # انتهى، وفي المجمع، الاستعتاب طلب العتبى وهي الرضا وهو الاسترضاء، ~~والإعتاب الإرضاء، وأصل الإعتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدباغ ~~ثم استعير فيما يستعطف به البعض بعضا لإعادته ما كان من الألفة. # انتهى. # ومعنى الآية فإن يصبروا فالنار مأواهم ومستقرهم وإن يطلبوا الرضا ~~ويعتذروا لينجوا من العذاب فليسوا ممن يرضى عنهم ويقبل أعتابهم ومعذرتهم ~~فالآية في معنى قوله: "اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم:" الطور: - 16. PageV17P197 # قوله تعالى: "وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم" إلى ~~آخر الآية. # أصل التقييض - كما في المجمع، - التبديل، والقرناء جمع قرين وهو معروف. # فقوله: "وقيضنا لهم قرناء" إشارة إلى أنهم لو آمنوا واتقوا لأيدهم الله ~~بمن يسددهم ويهديهم كما قال: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه:" المجادلة: - 22 لكنهم كفروا وفسقوا فبدل الله لهم قرناء من الشياطين ~~يقارنونهم ويلازمونهم، وإنما يفعل ذلك بهم مجازاة لكفرهم وفسوقهم. # وقيل: المعنى بدلناهم قرناء سوء من الجن والإنس مكان قرناء الصدق الذين ~~أمروا بمقارنتهم فلم يفعلوا، ولعل ما قدمناه أحسن. # وقوله: "فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم" لعل المراد التمتعات ~~المادية التي هم مكبون عليها في الحال وما تعلقت به آمالهم وأمانيهم في ~~المستقبل. # وقيل: ما بين أيديهم ما قدموه من أعمالهم السيئة حتى ارتكبوها، وما خلفهم ~~ما سنوه لغيرهم ممن يأتي بعدهم، ويمكن إدراج هذا الوجه في سابقه. # وقيل: ما ms6595 بين أيديهم هو ما يحضرهم من أمر الدنيا فيؤثرونه ويقبلون إليه ~~ويعملون له، وما خلفهم هو أمر الآخرة حيث يدعوهم قرناؤهم إلى أنه لا بعث ~~ولا نشور ولا حساب ولا جنة ولا نار، وهو وجه بعيد إذ لا يقال لمن ينكر ~~الآخرة أنها زينت له. # وقوله: "وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس" أي ثبت ~~ووجب عليهم كلمة العذاب حال كونهم في أمم مماثلين لهم ماضين قبلهم من الجن ~~والإنس وكلمة العذاب قوله تعالى: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون:" البقرة: - 39 كقوله: "لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين:" ص: - 85. # وقوله: "إنهم كانوا خاسرين" تعليل لوجوب كلمة العذاب عليهم أو لجميع ما تقدم. # ويظهر من الآية أن حكم الموت جار في الجن مثل الإنس. ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابن الحنفية: قال ~~الله تعالى: "وما كنتم تستترون - أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم" يعني بالجلود الفروج. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في الآية: يعني بالجلود الفروج والأفخاذ. # وفي المجمع، قال الصادق (عليه السلام): ينبغي للمؤمن أن يخاف الله خوفا ~~كأنه يشرف على النار، ويرجوه رجاء كأنه من أهل الجنة إن الله تعالى يقول: ~~"وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم" الآية، ثم قال: إن الله عند ظن عبده إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) في حديث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس من عبد يظن ~~بالله عز وجل خيرا إلا كان عند ظنه به وذلك قوله عز وجل: "وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم" الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والطبراني وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود ~~وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لا يموتن أحدكم ms6596 إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما قد ~~أرداهم سوء ظنهم بالله عز وجل قال الله: "وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم - ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين". # أقول: وقد روي في سبب نزول بعض الآيات السابقة ما لا يلائم سياقها تلك ~~الملاءمة ولذلك أغمضنا عن إيراده. PageV17P198 ### ||| AUTO 41 سورة حم السجدة - 26 - 39 # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون (27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بئايتنا ~~يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والانس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى ~~كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم فى الحيوة الدنيا وفى الاخرة ولكم فيها ما ~~تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله وعمل صلحا وقال إننى من المسلمين (33) ولا تستوى ~~الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عدوة كأنه ولى ~~حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ~~ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن ءايته ~~اليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~باليل والنهار وهم لا يسئمون (38) ومن ءايته أنك ترى الأرض خشعة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذى أحياها لمحى الموتى إنه على كل شىء ~~قدير (39) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى حديث كفرهم بالقرآن المذكور في أول السورة وذكر كيدهم لإبطال ~~حجته، وفي الآيات ذكر الكفار وبعض ما في عقبى ضلالتهم وأهل الاستقامة من ~~المؤمنين وبعض ما لهم في الآخرة ومتفرقات أخر. # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون" اللغو من الأمر ما لا أصل ms6597 له ومن الكلام ما لا معنى له يقال: لغا ~~يلغى ويلغو لغوا أي أتى باللغو، والإشارة إلى القرآن مع ذكر اسمه دليل على ~~كمال عنايتهم بالقرآن لإعفاء أثره. # والآية تدل على نهاية عجزهم عن مخاصمة القرآن بإتيان كلام يعادله ويماثله ~~أو إقامة حجة تعارضه حتى أمر بعضهم بعضا أن لا ينصتوا له ويأتوا بلغو ~~الكلام عند قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن ليختل به قراءته ~~ولا تقرع أسماع الناس آياته فيلغو أثره وهو الغلبة. # قوله تعالى: "فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا" إلخ اللام للقسم، والمراد ~~بالذين كفروا بحسب مورد الآية هم الذين قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن وإن ~~كانت الآية مطلقة بحسب اللفظ. # وقوله: "ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون" قيل: المراد العمل السيىء ~~الذي كانوا يعملون بتجريد أفعل عن معنى التفضيل، وقيل: المراد بيان جزاء ما ~~هو أسوأ أعمالهم وسكت عن الباقي مبالغة في الزجر. # قوله تعالى: "ذلك جزاء أعداء الله النار" إلخ "ذلك جزاء" مبتدأ وخبر ~~و"النار" بدل أو عطف بيان من "ذلك" أو خبر مبتدإ محذوف والتقدير هي النار ~~أو مبتدأ خبره "لهم فيها دار الخلد". # وقوله: "لهم فيها دار الخلد" أي النار محيطة بهم جميعا ولكل منهم فيها ~~دار تخصه خالدا فيها. # وقوله: "جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون" مفعول مطلق لفعل مقدر، والتقدير ~~يجزون جزاء أو للمصدر المتقدم أعني قوله: "ذلك جزاء" نظير قوله: "فإن جهنم ~~جزاؤكم جزاء موفورا:" إسراء: - 63. PageV17P199 # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس" ~~محكي قول يقولونه وهم في النار، يسألون الله أن يريهم متبوعيهم من الجن ~~والإنس ليجعلوهما تحت أقدامهم إذلالا لهما وتشديدا لعذابهما كما يشعر به ~~قولهم ذيلا: "نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين". # قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة" إلخ قال الراغب: الاستقامة تقال في الطريق الذي يكون على خط ~~مستو، وبه شبه طريق الحق نحو "اهدنا الصراط المستقيم". # قال: واستقامة الإنسان لزومه المنهج المستقيم نحو قوله: "إن ms6598 الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا". # انتهى. # وفي الصحاح،: الاستقامة الاعتدال يقال: استقام له الأمر. # انتهى. # فالمراد بقوله: "ثم استقاموا لزوم وسط الطريق من غير ميل وانحراف والثبات ~~على القول الذي قالوه، قال تعالى: "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم:" ~~التوبة: - 7 وقال: "واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم:" الشورى: - 15 وما ~~ورد فيها من مختلف التفاسير يرجع إلى ما ذكر. # والآية وما يتلوها بيان حسن حال المؤمنين كما كانت الآيات قبلها بيان سوء ~~حال الكافرين. # وقوله: "تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي ~~كنتم توعدون" إخبار عما سيستقبلهم به الملائكة من تقوية قلوبهم وتطييب ~~نفوسهم والبشرى بالكرامة. # فالملائكة يؤمنونهم من الخوف والحزن، والخوف إنما يكون من مكروه متوقع ~~كالعذاب الذي يخافونه والحرمان من الجنة الذي يخشونه، والحزن إنما يكون من ~~مكروه واقع وشر لازم كالسيئات التي يحزنون من اكتسابها والخيرات التي ~~يحزنون لفوتها عنهم فيطيب الملائكة أنفسهم أنهم في أمن من أن يخافوا شيئا ~~أو يحزنوا لشيء فالذنوب مغفورة لهم والعذاب مصروف عنهم. # ثم يبشرونهم بالجنة الموعودة بقولهم: "وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" ~~وفي قولهم: "كنتم توعدون" دلالة على أن تنزلهم بهذه البشرى عليهم إنما هو ~~بعد الحياة الدنيا. # قوله تعالى: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة" إلخ من تتمة ~~البشارة، وعلى هذا فذكر ولايتهم لهم في الحياة الدنيا مع انقضاء وقتها كما ~~تقدم من باب التوطئة والتمهيد إلى ذكر الآخرة للإشارة إلى أن ولاية الآخرة ~~مترتبة على ولاية الدنيا فكأنه قيل نحن أولياؤكم في الآخرة كما كنا - لما ~~كنا - أولياءكم في الحياة الدنيا وسنتولى أمركم بعد هذا كما توليناه قبل. # وكون الملائكة أولياء لهم لا ينافي كونه تعالى هو الولي لأنهم وسائط ~~الرحمة والكرامة ليس لهم من الأمر شيء، ولعل ذكر ولايتهم لهم في الآية دون ~~ولايته تعالى للمقابلة والمقايسة بين أوليائه تعالى وأعدائه إذ قال في حق ~~أعدائه: "وقيضنا لهم قرناء" إلخ وقال في حق أوليائه عن لسان ملائكته: "نحن ~~أولياؤكم". # وبالمقابلة يستفاد أن ms6599 المراد ولايتهم لهم بالتسديد والتأييد فإن الملائكة ~~المسددين هم المخصوصون بأهل ولاية الله وأما الملائكة الحرس وموكلو الأرزاق ~~والآجال وغيرهم فمشتركون بين المؤمن والكافر. # وقيل: الآية من كلام الله دون الملائكة. # وقوله: "ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون" ضمير "فيها" في ~~الموضعين للآخرة، وأصل الشهوة نزوع النفس بقوة من قواها إلى ما تريده تلك ~~القوة وتلتذ به كشهوة الطعام والشراب والنكاح، وأصل الادعاء - وهو افتعال ~~من الدعاء - هو الطلب فالجملة الثانية أعني قوله: "ولكم فيها ما تدعون" ~~أوسع نطاقا من الأولى أعني قوله: "لكم فيها ما تشتهي أنفسكم" فإن الشهوة ~~طلب خاص ومطلق الطلب أعم منها. # فالآية تبشرهم بأن لهم في الآخرة ما يمكن أن تتعلق به شهواتهم من أكل ~~وشرب ونكاح وغير ذلك بل ما هو أوسع من ذلك وأعلى كعبا وهو أن لهم ما يشاءون ~~فيها كما قال تعالى: "لهم ما يشاءون فيها: ق - 35. # قوله تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين" الآية اتصال بقوله السابق: "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن، والغوا فيه" الآية فإنهم كانوا يخاصمون النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما ينازعون القرآن، وقد ذكر في أول السورة قولهم: "قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه" الآية فأيد سبحانه في هذه الآية نبيه بأن قوله وهو دعوته ~~أحسن القول. PageV17P200 # فقوله: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله" المراد به النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وإن كان لفظ الآية يعم كل من دعا إلى الله ولما أمكن أن يدعو ~~الداعي إلى الله لغرض فاسد وليست الدعوة التي هذا شأنها من القول الأحسن ~~قيده بقوله: "وعمل صالحا" فإن العمل الصالح يكشف عن نية صالحة غير أن العمل ~~الصالح لا يكشف عن الاعتقاد الحق والالتزام به، ولا حسن في قول لا يقول به ~~صاحبه ولذا قيده بقوله: "وقال إنني من المسلمين" والمراد بالقول الرأي ~~والاعتقاد على ما يعطيه السياق. # فإذا تم الإسلام لله والعمل الصالح للإنسان ms6600 ثم دعا إلى الله كان قوله ~~أحسن القول لأن أحسن القول أحقه وأنفعه ولا قول أحق من كلمة التوحيد ولا ~~أنفع منها وهي الهادية للإنسان إلى حاق سعادته. # قوله تعالى: "لا تستوي الحسنة ولا السيئة" الآية لما ذكر أحسن القول وأنه ~~الدعوة إلى الله والقائم به حقا هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التفت ~~إليه ببيان أحسن الطريق إلى الدعوة وأقربها من الغاية المطلوبة منها وهي ~~التأثير في النفوس فخاطبه بقوله: "لا تستوي" إلخ. # فقوله: "لا تستوي الحسنة ولا السيئة" أي الخصلة الحسنة والسيئة من حيث ~~حسن التأثير في النفوس، و"لا" في "لا السيئة" زائدة لتأكيد النفي. # وقوله: "ادفع بالتي هي أحسن" استئناف في معنى دفع الدخل كأن المخاطب لما ~~سمع قوله: "لا تستوي" إلخ قال: فما ذا أصنع؟ فقيل: "ادفع" إلخ والمعنى ادفع ~~بالخصلة التي هي أحسن الخصلة السيئة التي تقابلها وتضادها فادفع بالحق الذي ~~عندك باطلهم لا بباطل آخر وبحلمك جهلهم وبعفوك إساءتهم وهكذا. # وقوله: "فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" بيان لأثر الدفع ~~بالأحسن ونتيجته والمراد أنك إن دفعت بالتي هي أحسن فاجأك أن عدوك صار كأنه ~~ولي شفيق. # قيل: "الذي بينك وبينه عداوة" أبلغ من "عدوك" ولذا اختاره عليه مع ~~اختصاره. # ثم عظم الله سبحانه الدفع بالتي هي أحسن ومدحه أحسن التعظيم وأبلغ المدح ~~بقوله: "وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" أي ذو نصيب ~~وافر من كمال الإنسانية وخصال الخير. # وفي الآية مع ذلك دلالة ظاهرة على أن الحظ العظيم إنما يوجد لأهل الصبر خاصة. # قوله تعالى: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~العليم" النزغ النخس وهو غرز جنب الدابة أو مؤخرها بقضيب ونحوه ليهيج، ~~و"ما" في "إما ينزغنك" زائدة والأصل وإن ينزغنك فاستعذ. # والنازغ هو الشيطان أو تسويله ووسوسته، والأول هو الأنسب لمقام النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه لا سبيل للشيطان إليه بالوسوسة غير أنه ~~يمكن أن يقلب له الأمور بالوسوسة ms6601 على المدعوين من أهل الكفر والجحود ~~فيبالغوا في جحودهم ومشاقتهم وإيذائهم له فلا يؤثر فيهم الدفع بالأحسن ~~ويؤول هذا إلى نزغ من الشيطان بتشديد العداوة في البين كما في قوله: "من ~~بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي:" يوسف: - 100، قال تعالى: "وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته" الآية: ~~الحج: - 52. # ولو حمل على الوجه الثاني فالمتعين حمله على مطلق الدستور تتميما للأمر، ~~وهو بوجه من باب "إياك أعني واسمعي يا جارة". # وقوله: "فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم" العوذ والعياذ بكسر العين ~~والمعاذ والاستعاذة بمعنى وهو الالتجاء والمعنى فالتجىء بالله من نزغه إنه ~~هو السميع لمسألتك العليم بحالك أو السميع لأقوالكم العليم بأفعالكم. # قوله تعالى: "ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر" إلخ لما ذكر سبحانه ~~كون دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن القول ووصاه أن يدفع بأحسن ~~الخصال عاد إلى أصل الدعوة فاحتج على الوحدانية والمعاد في هذه الآيات ~~الثلاث. # فقوله: "ومن آياته الليل والنهار" إلخ احتجاج بوحدة التدبير واتصاله على ~~وحدة الرب المدبر، وبوحدة الرب على وجوب عبادته وحده، ولذلك عقبه بقوله "لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر" إلخ. PageV17P201 # فالكلام في معنى دفع الدخل كأنه لما قيل: "ومن آياته الليل والنهار" إلخ ~~فأثبت وحدته في ربوبيته قيل: فما ذا نصنع؟ فقيل "لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر" هما مخلوقان مدبران من خلقه بل خصوه بالسجدة واعبدوه وحده، وعامة ~~الوثنيين كانوا يعظمون الشمس والقمر وإن لم يعبدهما غير الصابئين على ما ~~قيل، وضمير "خلقهن" لليل والنهار والشمس والقمر. # وقوله: "إن كنتم إياه تعبدون" أي إن عبادته لا تجامع عبادة غيره. # قوله تعالى: "فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم ~~لا يسأمون" السأمة الملال، والمراد "بالذين عند ربك" الملائكة والمخلصون من ~~عباد الله وقد تقدم كلام في ذلك في تفسير قوله: "إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون:" الأعراف: - 206. # وقوله: "يسبحون له" ولم يقل: يسبحونه للدلالة على ms6602 الحصر والاختصاص أي ~~يسبحونه خاصة، وقوله: "بالليل والنهار" أي دائما لا ينقطع فإن الملائكة ليس ~~عندهم ليل ولا نهار. # والمعنى: فإن استكبر هؤلاء الكفار عن السجدة لله وحده فعبادته تعالى لا ~~ترتفع من الوجود فهناك من يسبحه تسبيحا دائما لا ينقطع من غير سأمة وهم ~~الذين عند ربك. # قوله تعالى: "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة" إلخ الخشوع التذلل، ~~والاهتزاز التحرك الشديد، والربو النشوء والنماء والعلو، واهتزاز الأرض ~~وربوها تحركها بنباتها وارتفاعه. # وفي الآية استعارة تمثيلية شبهت فيها الأرض في جدبها وخلوها عن النبات ثم ~~اخضرارها ونمو نباتها وعلوه بشخص كان وضيع الحال رث الثياب متذللا خاشعا ثم ~~أصاب ما لا يقيم أوده فلبس أفخر الثياب وانتصب ناشطا متبخترا يعرف في وجهه ~~نضرة النعيم. # والآية مسوقة للاحتجاج على المعاد، وقد تكرر البحث عن مضمونها في السور ~~المتقدمة. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "أرنا الذين أضلانا" يعنون إبليس الأبالسة ~~وقابيل بن آدم أول من أبدع المعصية: روي ذلك عن علي (عليه السلام). # أقول: ولعله من نوع الجري فالآية عامة. # وفيه،: في قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا": روي عن ~~أنس قال: قرأ علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية ثم قال: ~~قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها. # وفيه،: في قوله تعالى: "تتنزل عليهم الملائكة" يعني عند الموت: عن مجاهد ~~والسدي وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا" قال: ~~كنا نحرسكم من الشياطين "وفي الآخرة" أي عند الموت. # وفي المجمع،: في الآية قيل: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا" أي نحرسكم ~~في الدنيا وعند الموت في الآخرة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن" قال: ادفع سيئة ~~من أساء إليك بحسنتك حتى يكون الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. PageV17P202 ### ||| AUTO 41 سورة حم السجدة - 40 - 54 # إن الذين يلحدون فى ءايتنا ms6603 لا يخفون علينا أفمن يلقى فى النار خير أم من ~~يأتى ءامنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتب عزيز (41) لا يأتيه البطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ولو جعلنه قرءانا أعجميا لقالوا ~~لو لا فصلت ءايته ء اعجمى وعربى قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء والذين لا ~~يؤمنون فى ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (44) ولقد ~~ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم ~~لفى شك منه مريب (45) من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلم ~~للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرت من أكمامها وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركاءى قالوا ءاذنك ما منا من ~~شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) لا ~~يسئم الانسن من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط (49) ولئن أذقنه رحمة ~~منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لى وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ~~ربى إن لى عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ (50) وإذا أنعمنا على الانسن أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء ~~عريض (51) قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق ~~بعيد (52) سنريهم ءايتنا فى الافاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ~~يكف بربك أنه على كل شىء شهيد (53) ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم ألا إنه ~~بكل شىء محيط (54) ### |||| AUTO بيان # عودة أخرى إلى حديث القرآن وكفرهم به على ظهور آيته ورفعة درجته وما ~~فرطوا في جنبه ورميهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجحدهم الحق وكفرهم ~~بالآيات وما يتبع ذلك، وتختتم السورة. ms6604 # والآية الأولى أعني قوله: "إن الذين يلحدون في آياتنا" الآية كالبرزخ ~~الرابط بين هذا الفصل والفصل السابق من الآيات لما وقعت بين قوله: "إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جاءهم" الآية وبين قوله: "وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن" الآية وقوله: "ومن آياته الليل والنهار" إلخ. # قوله تعالى: "إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا" إلخ سياق تهديد ~~لملحدي هذه الأمة كما يؤيده الآية التالية، والإلحاد الميل. # وإطلاق قوله: "يلحدون" وقوله: "آياتنا" يشمل كل إلحاد في كل آية فيشمل ~~الإلحاد في الآيات التكوينية كالشمس والقمر وغيرهما فيعدونها آيات لله ~~سبحانه ثم يعودون فيعبدونها، ويشمل آيات الوحي والنبوة فيعدون القرآن ~~افتراء على الله وتقولا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يلغون فيه ~~لتختل تلاوته فلا يسمعه سامع أو يفسرونه من عند أنفسهم أو يأولونه ابتغاء ~~الفتنة فكل ذلك إلحاد في آيات الله بوضعها في غير موضعها والميل بها إلى ~~غير مستقرها. PageV17P203 # وقوله: "أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة" إيذان ~~بالجزاء وهو الإلقاء في النار يوم القيامة قسرا من غير أي مؤمن متوقع كشفيع ~~أو ناصر أو عذر مسموع فليس لهم إلا النار يلقون فيها، والظاهر أن قوله "أم ~~من يأتي آمنا يوم القيامة" لإبانة أنهما قبيلان لا ثالث لهما فمستقيم في ~~الإيمان بالآيات وملحد فيها ويظهر به أن أهل الاستقامة في أمن يوم القيامة. # وقوله: "اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير" تشديد في التهديد. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم - إلى قوله - من حكيم ~~حميد" المراد بالذكر القرآن لما فيه من ذكر الله، وتقييد الجملة بقوله: ~~"لما جاءهم" يدل على أن المراد بالذين كفروا هم مشركو العرب المعاصرين ~~للقرآن من قريش وغيرهم. # وقد اختلفوا في خبر "إن" ويمكن أن يستظهر من السياق أنه محذوف يدل عليه ~~قوله: "إن الذين يلحدون في آياتنا" إلخ فإن الكفر بالقرآن من مصاديق ~~الإلحاد في آيات الله فالتقدير إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يلقون ms6605 في ~~النار يوم القيامة، وإنما حذف ليذهب فيه وهم السامع أي مذهب ممكن والكلام ~~مسوق للوعيد. # وإلى هذا المعنى يرجع قول الزمخشري في الكشاف،: إن قوله: "إن الذين ~~كفروا" إلخ بدل من قوله: "إن الذين يلحدون في آياتنا". # وقيل: خبر إن قوله الآتي: "أولئك ينادون من مكان بعيد"، وقيل: الخبر ~~قوله: "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" بحذف ضمير عائد إلى اسم ~~إن والتقدير لا يأتيه منهم أي لا يأتيه من قبلهم ما يبطله ولا يقدرون على ~~ذلك أو بجعل أل في الباطل عوضا من الضمير والمعنى لا يأتيه باطلهم. # وقيل: إن قوله: "وإنه لكتاب عزيز" إلخ قائم مقام الخبر، والتقدير إن ~~الذين كفروا بالذكر كفروا به وإنه لكتاب عزيز. # وقيل: الخبر قوله: "ما يقال لك" إلخ بحذف الضمير وهو "فيهم" والمعنى ما ~~يقال لك في الذين كفروا بالذكر إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن لهم عذاب ~~الاستئصال في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، ووجوه التكلف في هذه الوجوه ~~غير خفية على المتأمل البصير. # وقوله: "وإنه لكتاب عزيز" الضمير للذكر وهو القرآن، والعزيز عديم النظير ~~أو المنيع الممتنع من أن يغلب، والمعنى الثاني أنسب لما يتعقبه من قوله: ~~"لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". # وقوله: "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" إتيان الباطل إليه ~~وروده فيه وصيرورة بعض أجزائه أو جميعها باطلا بأن يصير ما فيه من المعارف ~~الحقة أو بعضها غير حقة أو ما فيه من الأحكام والشرائع وما يلحقها من ~~الأخلاق أو بعضها لغا لا ينبغي العمل به. # وعليه فالمراد بقوله: "من بين يديه ولا من خلفه" زمانا الحال والاستقبال ~~أي زمان النزول وما بعده إلى يوم القيامة، وقيل: المراد بما بين يديه ومن ~~خلفه جميع الجهات كالصباح والمساء كناية عن الزمان كله فهو مصون من البطلان ~~من جميع الجهات وهذا العموم على الوجه الأول مستفاد من إطلاق النفي في ~~قوله: "لا يأتيه". # والمدلول على أي حال ms6606 أنه لا تناقض في بياناته، ولا كذب في إخباره، ولا ~~بطلان يتطرق إلى معارفه وحكمه وشرائعه، ولا يعارض ولا يغير بإدخال ما ليس ~~منه فيه أو بتحريف آية من وجه إلى وجه. # فالآية تجري مجرى قوله: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون:" الحجر: - 9. # وقوله: "تنزيل من حكيم حميد" بمنزلة التعليل لكونه كتابا عزيزا لا يأتيه ~~الباطل "إلخ" أي كيف لا يكون كذلك وهو منزل من حكيم متقن في فعله لا يشوب ~~فعله وهن، محمود على الإطلاق. # قوله تعالى: "ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك" إلخ "ما" في "ما ~~يقال لك" نافية، والقائلون هم الذين كفروا حيث قالوا: إنه ساحر أو مجنون أو ~~شاعر لاغ في كلامه أو يريد أن يتأمر علينا، والقائلون لما قد قيل للرسل أممهم. # والمعنى: ما يقال لك من قبل كفار قومك حيث أرسلت إليهم فدعوتهم فرموك بما ~~رموك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك أي مثل ما قد قيل لهم. PageV17P204 # وقوله: "إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم" في موضع التهديد والوعيد أي إن ~~ربك ذو هاتين الصفتين أي فانظر أو فلينظروا ما ذا يصيبهم من ربهم وهم ~~يقولون ما يقولونه لرسوله؟ أهو مغفرة أم عقاب؟ فالآية في معنى قوله: ~~"اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير" أي ما عملتم من حسنة أو سيئة أصابكم ~~جزاؤه بعينه. # وقيل: المعنى ما يوحى إليك في أمر هؤلاء الذين كفروا بالذكر إلا ما قد ~~أوحي للرسل من قبلك وهو أن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم فالمراد بالقول ~~الوحي، و"إن ربك" إلخ بيان لما قد قيل. # قوله تعالى: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياته أأعجمي ~~وعربي" قال الراغب،: العجمة خلاف الإبانة. # قال: والعجم خلاف العرب والعجمي منسوب إليهم، والأعجم من في لسانه عجمة ~~عربيا كان أو غير عربي اعتبارا بقلة فهمهم عن العجم. # انتهى. # فالأعجمي غير العربي البليغ سواء كان من غير أهل اللغة العربية أو كان ~~منهم وهو غير ms6607 مفصح للكنة في لسانه، وإطلاق الأعجمي على الكلام كإطلاق ~~العربي من المجاز. # فالمعنى: ولو جعلنا القرآن أعجميا غير مبين لمقاصده غير بليغ في نظمه ~~لقال الذين كفروا من قومك: هلا فصلت وبينت آياته وأجزاؤه فانفصلت وبانت ~~بعضها من بعض بالعربية والبلاغة أكتاب مرسل أعجمي ومرسل إليه عربي؟ أي ~~يتنافيان ولا يتناسبان. # وإنما قال: "عربي" ولم يقل: عربيون أو عربية مع كون من أرسل إليه جمعا ~~وهم جماعة العرب، إذ القصد إلى مجرد العربية من دون خصوصية للكثرة بل ~~المراد بيان التنافي بين الكلام وبين المخاطب به لا بيان كون المخاطب واحدا ~~أو كثيرا. # قال في الكشاف،: فإن قلت: كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمة ~~العرب؟ قلت: هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتابا عجميا كتب ~~إلى قوم من العرب يقول: كتاب أعجمي ومكتوب إليه عربي وذلك لأن مبنى الإنكار ~~على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه لا على أن المكتوب إليه واحد أو ~~جماعة فوجب أن يجرد لما سيق إليه من الغرض ولا يوصل به ما يخل غرضا آخر ألا ~~تراك تقول وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللابس قصير ~~ولو قلت واللابس قصيرة جئت بما هو لكنة وفضول قول لأن الكلام لم يقع في ~~ذكورة اللابس وأنوثته إنما وقع في غرض وراءهما. # وقوله: "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء" بيان أن أثر القرآن وخاصته لا يدور ~~مدار لغته بل الناس تجاهه صنفان وهم الذين آمنوا والذين لا يؤمنون، وهو هدى ~~وشفاء للذين آمنوا يهديهم إلى الحق ويشفي ما في قلوبهم من مرض الشك والريب. # وهو عمى على الذين لا يؤمنون - وهم الذين في آذانهم وقر - يعميهم فلا ~~يبصرون الحق وسبيل الرشاد. # وفي توصيف الذين لا يؤمنون بأن في آذانهم وقرا إيماء إلى اعترافهم بذلك ~~المنقول عنهم في أول السورة: "وفي آذاننا وقر". # وقوله: "أولئك ينادون من مكان بعيد" أي فلا يسمعون الصوت ولا يرون الشخص ~~وهو تمثيل لحالهم حيث ms6608 لا يقبلون العظة ولا يعقلون الحجة. # قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه" إلخ تسلية للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عن جحود قومه وكفرهم بكتابه. # وقوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم" الكلمة هي قوله: "ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين:" الأعراف: - 24. # وقوله: "وإنهم لفي شك منه مريب" أي في شك مريب من كتاب موسى (عليه ~~السلام). # بيان حال قومه ليتسلى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى من قومه. # قوله تعالى: "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها" إلخ أي إن العمل قائم ~~بصاحبه ناعت له فلو كان صالحا نافعا انتفعت به نفسه وإن كان سيئا ضارا ~~تضررت به نفسه فليس في إيصاله تعالى نفع العمل الصالح إلى صاحبه وهو الثواب ~~ولا في إيصال ضرر العمل السيىء إلى صاحبه وهو العقاب ظلم ووضع للشيء في غير موضعه. # ولو كان ذلك ظلما كان تعالى في إثابته وتعذيبه من لا يحصى من العباد في ~~ما لا يحصى من الأعمال ظلاما للعبيد لكنه ليس بظلم ولا أنه تعالى ظلام ~~لعبيده وبذلك يظهر وجه التعبير باسم المبالغة في قوله: "وما ربك بظلام ~~للعبيد" ولم يقل: وما ربك بظالم. PageV17P205 # قوله تعالى: "إليه يرد علم الساعة - إلى قوله - إلا بعلمه" ارتداد علم ~~الساعة إليه اختصاصه به فلا يعلمها إلا هو، وقد تكرر ذلك في كلامه تعالى. # وقوله: "وما تخرج من ثمرات من أكمامها" "ثمرات" فاعل "تخرج" و"من" زائدة ~~للتأكيد كقوله: "وكفى بالله شهيدا:" النساء: - 79، وأكمام جمع كم وهو وعاء ~~الثمرة و"ما" مبتدأ خبره "إلا بعلمه" والمعنى وليس تخرج ثمرات من أوعيتها ~~ولا تحمل أنثى ولا تضع حملها إلا مصاحبا لعلمه أي هو تعالى يعلم جزئيات ~~حالات كل شيء. # فهو تعالى على كونه خالقا للأشياء محولا لأحوالها عالم بها وبجزئيات ~~حالاتها مراقب لها، وهذا هو أحسن التدبير فهو الرب وحده، ففي الآية إشارة ~~إلى توحده تعالى في الربوبية والألوهية، ولذا ذيل هذا الصدر بقوله: "ويوم ~~يناديهم أين شركائي" إلخ. ms6609 # قوله تعالى: "ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد - إلى ~~قوله - من محيص" الظرف متعلق بقوله: "قالوا" وقيل: ظرف لمضمر مؤخر قد ترك ~~إيذانا بقصور البيان عنه كما في قوله تعالى: "ويوم يجمع الله الرسل"، وقيل: ~~متعلق بمحذوف نحو اذكر، ولعل الوجه الأول أنسب لصدر الآية بالمعنى الذي ~~ذكرناه فتكون الآية مسوقة لنفي الشركاء ببيان قيام التدبير به تعالى ~~واعتراف المشركين بذلك يوم القيامة. # والإيذان الإعلام، والمراد بالشهادة الشهادة القولية أو الشهادة بمعنى ~~الرؤية الحضورية وعلى الثاني فقوله: "وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل" عطف ~~تفسير يبين به سبب انتفاء الشهادة. # وقوله: "وظنوا ما لهم من محيص" الظن - على ما قيل - بمعنى اليقين، ~~والمحيص المهرب والمفر، والمعنى: ويوم ينادي الله المشركين: أين شركائي؟ - ~~على زعمكم - قالوا: أعلمناك ما منا من يشهد عليك بالشركاء - أو ما منا من ~~يشاهد الشركاء وغاب عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في الدنيا، وأيقنوا أن ~~ليس لهم مهرب من العذاب. # قوله تعالى: "لا يسئم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط" ~~السأمة الملال، واليأس والقنوط بمعنى وهو انقطاع الرجاء، والدعاء الطلب. # شروع في ختم الكلام في السورة ببيان ما هو السبب في جحودهم ودفعهم الحق ~~الصريح، وهو أن الإنسان مغتر بنفسه فإذا مسه شر يعجز عن دفعه يئس من الخير ~~وتعلق بذيل الدعاء والمسألة وتوجه إلى ربه، وإذا مسه خير اشتغل به وأعجب ~~بنفسه وأنساه ذلك كل حق وحقيقة. # والمعنى: لا يمل الإنسان من طلب الخير وهو ما يراه نافعا لحياته ومعيشته ~~وإن مسه الشر فكثير اليأس والقنوط لما يرى من سقوط الأسباب التي كان يستند ~~إليها، وهذا لا ينافي تعلق رجائه إذ ذاك بالله سبحانه كما سيأتي. # قوله تعالى: "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي" إلخ ~~الأصل بالنظر إلى مضمون الآية السابقة أن يقال: وإن ذاق خيرا قال: هذا لي ~~لكن بدل ذاق من "أذقناه" وخيرا" من قوله: "رحمة منا" ليدل على ms6610 أن الخير ~~الذي ذاقه هو رحمة من الله أذاقه إياها وليس بمصيبة برأسه ولا هو يملكه ولو ~~كان يملكه لم ينفك عنه ولم يمسسه الضراء، ولذا قيد قوله: "ولئن أذقناه" إلخ ~~بقوله: "من بعد ضراء مسته". # وقوله: "ليقولن هذا لي" أي أنا أملكه فلي أن أفعل فيه ما أشاء وأتصرف فيه ~~كيف أريد، فليس لأحد أن يمنعني من شيء منه أو يحاسبني على فعل، ولهذا ~~المعنى عقبه بقوله: "وما أظن الساعة قائمة" فإن الساعة هي يوم الحساب. # وقوله: "ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى" أي للمثوبة الحسنى أو ~~للعاقبة الحسنى، وهذا مبنى على ما يراه لنفسه من الكرامة واستحقاق الخير ~~كأنه يقول: ما ملكته من الخير لو كان من الله فإنما هو لكرامة نفسي عليه ~~وعلى هذا فإن قامت الساعة ورجعت إلى ربي كانت لي عنده العاقبة الحسنى. # فالمعنى: وأقسم لئن أذقنا الإنسان رحمة هي منا ولا يستحقها ولا يملكها ~~فأذقناها من بعد ضراء مسته وذلك يدله على أنه لا يملك ما أذيقه نسي ما كان ~~من قبل وقال: هذا لي - يشير إلى شخص النعمة ولا يسميها رحمة - وليس لأحد أن ~~يمنعني عما أفعل فيه ويحاسبني عليه وما أظن الساعة - وهي يوم الحساب - ~~قائمة، وأقسم لئن رجعت إلى ربي وقامت ساعة كانت لي عنده العاقبة الحسنى ~~لكرامتي عليه كما أنعم علي من النعمة. PageV17P206 # والآية نظيرة قوله في قصة صاحب الجنة: "ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا:" الكهف: - 36. # وقد تقدم بعض الكلام فيه. # وقوله: "فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ" تهديد ووعيد. # قوله تعالى: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~فذو دعاء عريض" النأي الابتعاد، والمراد بالجانب الجارحة وهي الجنب أو ~~المراد الجهة والمكان فقوله: "نأى بجانبه" كناية عن الابتعاد بنفسه وهو ~~كناية عن التكبر والخيلاء، والمراد بالعريض الوسيع، والدعاء العريض كالدعاء ~~الطويل كناية عما استمر وأصر عليه الداعي، والآية ms6611 في مقام ذم الإنسان ~~وتوبيخه أنه إذا أنعم الله عليه أعرض عنه وتكبر وإذا سلب النعمة ذكر الله ~~وأقبل عليه بالدعاء مستمرا مصرا. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد" "أرأيتم" أي أخبروني، والشقاق والمشاقة الخلاف، والشقاق البعيد ~~الخلاف الذي لا يقارب الوفاق وهو شديده، وقوله: "ممن هو في شقاق بعيد" ~~كناية عن المشركين ولم يقل: منكم بل أتى بالموصول والصلة وذلك في معنى ~~الصفة ليدل على علة الحكم وهو الشقاق البعيد من الحق. # والمعنى: قل للمشركين أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل منكم؟ أي لا أضل منكم لأنكم في خلاف بعيد من حق ما فوقه حق. # فمفاد الآية أن القرآن يدعوكم إلى الله ناطقا بأنه من عند الله فلا أقل ~~من احتمال صدقه في دعواه وهذا يكفي في وجوب النظر في أمره دفعا للضرر ~~المحتمل وأي ضرر أقوى من الهلاك الأبدي فلا معنى لإعراضكم عنه بالكلية. # قوله تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق" إلخ، الآفاق جمع أفق وهو الناحية، والشهيد بمعنى الشاهد أو بمعنى ~~المشهود وهو المناسب لسياق الآية. # وضمير "أنه" للقرآن على ما يعطيه سياق الآية ويؤيده الآية السابقة التي ~~تذكر كفرهم بالقرآن، وعلى هذا فالآية تعد إراءة آيات في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين بها كون القرآن حقا، والآيات التي شأنها إثبات حقية القرآن هي ~~الحوادث والمواعيد التي أخبر القرآن أنها ستقع كإخباره بأن الله سينصر نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ويمكن لهم في الأرض ويظهر دينهم على ~~الدين كله وينتقم من مشركي قريش إلى غير ذلك. # فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجرة إلى المدينة وقد ~~اشتد الأمر عليه وعلى من آمن به غايتها فلا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم ثم ~~قتل صناديد قريش في بدر ولم يزل يرفع ذكره ويفتح على يديه حتى فتح مكة ~~ودانت ms6612 له جزيرة العرب ثم فتح بعد رحلته للمسلمين معظم المعمورة فأرى سبحانه ~~المشركين آياته في الآفاق وهي النواحي التي فتحها للمسلمين ونشر فيها ~~دينهم، وفي أنفسهم وهو قتلهم الذريع في بدر. # وليست هذه آيات في أنفسها فكم من فتح وغلبة يذكره التاريخ ومقاتل ذريعة ~~يقصها لكنها آيات بما أن الله سبحانه وعد بها والقرآن الكريم أخبر بها قبل ~~وقوعها ثم وقعت على ما أخبر بها. # ويمكن أن يكون المراد بإراءة الآيات وتبين الحق بذلك ما يستفاد من آيات ~~أخرى أن الله سيظهر دينه بتمام معنى الظهور على الدين كله فلا يعبد على ~~الأرض إلا الله وحده وتظل السعادة على النوع الإنساني وهي الغاية لخلقتهم، ~~وقد تقدم استفادة ذلك من قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" الآية: النور: - 55 وغيره وأيدناه بالدليل ~~العقلي. # والفرق بين الوجهين أن وجه الكلام على الأول إلى مشركي مكة ومن يتبعهم ~~خاصة وعلى الثاني إلى مشركي الأمة عامة والخطاب على أي حال اجتماعي، ويمكن ~~الجمع بين الوجهين. # ويمكن أن يكون المراد ما يشاهده الإنسان في آخر لحظة من لحظات حياته ~~الدنيا حيث تطير عنه الأوهام وتضل عنه الدعاوي وتبطل الأسباب ولا يبقى إلا ~~الله عز اسمه ويؤيده ذيل الآية والآية التالية، وضمير "أنه الحق" على هذا ~~لله سبحانه. # ولهم في الآية أقوال أخرى أغمضنا عن إيرادها. PageV17P207 # وقوله: "أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" فاعل "لم يكف" هو "بربك" ~~والباء زائدة، و"أنه على كل شيء شهيد" بدل من الفاعل، والاستفهام للإنكار، ~~والمعنى أولم يكف في تبين الحق كون ربك مشهودا على كل شيء إذ ما من شيء إلا ~~وهو فقير من جميع جهاته إليه متعلق به وهو تعالى قائم به قاهر فوقه فهو ~~تعالى معلوم لكل شيء وإن لم يعرفه بعض الأشياء. # واتصال الجملة أعني قوله: "أولم يكف بربك" إلخ بقوله: "سنريهم" إلخ على ~~الوجه الأخير من الوجوه الثلاثة الماضية ظاهر، وأما على الوجهين الأولين ~~فلعل الوجه فيه أن ms6613 المشركين إنما كفروا بالقرآن لدعوته إلى التوحيد فانتقل ~~من الدلالة على حقية القرآن للدلالة على حقية ما يدعو إليه إلى الدلالة على ~~حقية ما يدعو إليه مستقيما من غير واسطة كأنه قيل: سنريهم آياتنا ليتبين ~~لهم أن القرآن الذي يخبرهم بها حق فيتبين أن ربك واحد لا شريك له ثم قيل: ~~وهذا طريق بعيد هناك ما هو أقرب منه أولم يكفهم أن ربك مشهود على كل شيء؟ ~~قوله تعالى: "ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم" إلخ الذي يفيده السياق أن في ~~الآية تنبيها على أنهم لا ينتفعون بالاحتجاج على وحدانيته تعالى بكونه ~~شهيدا على كل شيء وهو أقوى براهين التوحيد وأوضحها لمن تعقل لأنهم في مرية ~~وشك من لقاء ربهم وهو كونه تعالى غير محجوب بصفاته وأفعاله عن شيء من خلقه. # ثم نبه بقوله: "ألا إنه بكل شيء محيط" على ما ترتفع به هذه المرية وتنبت ~~من أصلها وهو إحاطته تعالى بكل شيء على ما يليق بساحة قدسه وكبريائه فلا ~~يخلو عنه مكان وليس في مكان ولا يفقده شيء وليس في شيء. # وللمفسرين في الآية أقوال لو راجعتها لرأيت عجبا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن عساكر عن عكرمة: في قوله: "أفمن يلقى في النار ~~خير - أم من يأتي آمنا يوم القيامة" نزلت في عمار بن ياسر وفي أبي جهل.: ~~أقول: ورواه أيضا عن عدة من الكتب عن بشر بن تميم، وروي أيضا عن ابن مردويه ~~عن ابن عباس: "أفمن يلقى في النار" قال: أبو جهل بن هشام، و"أم من يأتي ~~آمنا يوم القيامة" قال: أبو بكر الصديق، والروايات من التطبيق. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم" يعني القرآن "لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه" قال: لا يأتيه الباطل من قبل التوراة ولا من قبل ~~الإنجيل والزبور "ولا من خلفه" قال: لا يأتيه من بعده كتاب يبطله. # وفي المجمع، في الآية قيل ms6614 فيه أقوال إلى أن قال وثالثها معناه: أنه ليس ~~في إخباره عما مضى باطل ولا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل بل أخباره ~~كلها موافقة لمخبراتها،: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أعجمي وعربي" قال: لو كان هذا القرآن ~~أعجميا لقالوا: كيف نتعلمه ولساننا عربي وأتيتنا بقرآن أعجمي فأحب الله أن ~~ينزله بلسانهم وقد قال الله عز وجل: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه". # وفي روضة الكافي، بإسناده عن الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول الله عز وجل: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم - حتى يتبين لهم أنه ~~الحق" قال خسف ومسخ وقذف. قال: قلت: "حتى يتبين لهم" قال: دع ذا ذاك قيام ~~القائم. # وفي إرشاد المفيد، عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): ~~في الآية قال: الفتن في آفاق الأرض والمسخ في أعداء الحق. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الآية قال: ~~يريهم في أنفسهم المسخ، ويريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم فيرون قدرة ~~الله عز وجل في أنفسهم وفي الآفاق. قلت له: حتى يتبين لهم أنه الحق؟ قال: ~~خروج القائم هو الحق عند الله عز وجل يراه الخلق. # تم والحمد لله. PageV17P208 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء الثامن عشر PageV18P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 42 سورة الشورى - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) عسق (2) كذلك يوحى إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم (3) له ما فى السموت وما فى الأرض وهو العلى ~~العظيم (4) تكاد السموت يتفطرن من فوقهن والملئكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن فى الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) ### |||| AUTO بيان # تتكلم السورة حول الوحي الذي هو نوع تكليم من الله سبحانه لأنبيائه ورسله ~~كما يدل عليه ما في مفتتحها من قوله: "كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~الله" ms6615 الآية وما في مختتمها من قوله: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~إلخ" الآيات، ورجوع الكلام إليه مرة بعد أخرى في قوله: "وكذلك أوحينا إليك ~~قرآنا عربيا" الآية، وقوله: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا" الآية، ~~وقوله: "الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان" الآية وما يتكرر في السورة ~~من حديث الرزق على ما سيجيء. # فالوحي هو الموضوع الذي يجري عليه الكلام في السورة وما فيها من التعرض ~~لآيات التوحيد وصفات المؤمنين والكفار وما يستقبل كلا من الفريقين في ~~معادهم ورجوعهم إلى الله سبحانه مقصود بالقصد الثاني وكلام جره كلام. # والسورة مكية وقد استثني قوله: "والذين استجابوا لربهم" إلى تمام ثلاث ~~آيات، وقوله: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" إلى تمام أربع ~~آيات وسيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "حم عسق" من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل عدة من السور ~~القرآنية، وذلك من مختصات القرآن الكريم لا يوجد في غيره من الكتب ~~السماوية. # وقد اختلف المفسرون من القدماء والمتأخرين في تفسيرها وقد نقل عنهم ~~الطبرسي في مجمع البيان أحد عشر قولا في معناها: أحدها: أنها من المتشابهات ~~التي استأثر الله سبحانه بعلمها لا يعلم تأويلها إلا هو. # الثاني: أن كلا منها اسم للسورة التي وقعت في مفتتحها. # الثالث: أنها أسماء القرآن أي لمجموعه. # الرابع: أن المراد بها الدلالة على أسماء الله تعالى فقوله: "الم" معناه ~~أنا الله أعلم، وقوله: "المر" معناه أنا الله أعلم وأرى، وقوله: "المص" ~~معناه أنا الله أعلم وأفصل، وقوله: "كهيعص" الكاف من الكافي، والهاء من ~~الهادي، والياء من الحكيم، والعين من العليم، والصاد من الصادق، وهو مروي ~~عن ابن عباس، والحروف المأخوذة من الأسماء مختلفة في أخذها فمنها ما هو ~~مأخوذ من أول الاسم كالكاف من الكافي، ومنها ما هو مأخوذ من وسطه كالياء من ~~الحكيم، ومنها ما هو مأخوذ من آخر الكلمة كالميم من أعلم. # الخامس: أنها أسماء لله تعالى مقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا ms6616 اسم ~~الله الأعظم تقول: الر وحم ون يكون الرحمن وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر ~~على تأليفها وهو مروي عن سعيد بن جبير. # السادس: أنها أقسام أقسم الله بها فكأنه هو أقسم بهذه الحروف على أن ~~القرآن كلامه وهي شريفة لكونها مباني كتبه المنزلة، وأسمائه الحسنى وصفاته ~~العليا، وأصول لغات الأمم على اختلافها. # السابع: أنها إشارات إلى آلائه تعالى وبلائه ومدة الأقوام وأعمارهم ~~وآجالهم. # الثامن: أن المراد بها الإشارة إلى بقاء هذه الأمة على ما يدل عليه حساب الجمل. # التاسع: أن المراد بها حروف المعجم وقد استغنى بذكر ما ذكر منها عن ذكر ~~الباقي كما يقال: أب ويراد به جميع الحروف. # العاشر: أنها تسكيت للكفار لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا ~~يستمعوا للقرآن وأن يلغوا فيه كما حكاه القرآن عنهم بقوله: "لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه" الآية، فربما صفروا وربما صفقوا وربما غلطوا فيه ~~ليغلطوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلاوته، فأنزل الله تعالى هذه ~~الحروف فكانوا إذا سمعوها استغربوها واستمعوا إليها وتفكروا فيها واشتغلوا ~~بها عن شأنهم فوقع القرآن في مسامعهم. PageV18P002 # الحادي عشر: أنها من قبيل تعداد حروف التهجي والمراد بها أن هذا القرآن ~~الذي عجزتم عن معارضته هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في خطبكم ~~وكلامكم فإذا لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من عند الله تعالى، وإنما كررت ~~الحروف في مواضع استظهارا في الحجة، وهو مروي عن قطرب واختاره أبو مسلم ~~الأصبهاني وإليه يميل جمع من المتأخرين. # فهذه أحد عشر قولا وفيما نقل عنهم ما يمكن أن يجعل قولا آخر كما نقل عن ~~ابن عباس في "الم" أن الألف إشارة إلى الله واللام إلى جبريل والميم إلى ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما عن بعضهم أن الحروف المقطعة في أوائل ~~السور المفتتحة بها إشارة إلى الغرض المبين فيها كان يقال: إن "ن" إشارة ~~إلى ما تشتمل عليه السورة من النصر الموعود للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، و"ق" إشارة إلى ms6617 القرآن أو القهر الإلهي المذكور في السورة، وما عن ~~بعضهم أن هذه الحروف للإيقاظ. # والحق أن شيئا من هذه الأقوال لا تطمئن إليه النفس: أما القول الأول فقد ~~تقدم في بحث المحكم والمتشابه في أوائل الجزء الثالث من الكتاب أنه أحد ~~الأقوال في معنى المتشابه وعرفت أن الإحكام والتشابه من صفات الآيات التي ~~لها دلالة لفظية على مداليلها، وأن التأويل ليس من قبيل المداليل اللفظية ~~بل التأويلات حقائق واقعية تنبعث من مضامين البيانات القرآنية أعم من ~~محكماتها ومتشابهاتها، وعلى هذا فلا هذه الحروف المقطعة متشابهات ولا ~~معانيها المراد بها تأويلات لها. # وأما الأقوال العشرة الآخر فإنما هي تصويرات لا تتعدى حد الاحتمال ولا ~~دليل يدل على شيء منها. # نعم في بعض الروايات المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة ~~أهل البيت (عليهم السلام) بعض التأييد للقول الرابع والسابع والثامن ~~والعاشر وسيأتي نقلها والكلام في مفادها في البحث الروائي الآتي إن شاء ~~الله تعالى. # والذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن هذه الحروف تكررت في سور شتى وهي تسع ~~وعشرون سورة افتتح بعضها بحرف واحد وهي ص وق ون، وبعضها بحرفين وهي سور طه ~~وطس ويس وحم. # وبعضها بثلاثة أحرف كما في سورتي "الم" و"الر" و"طسم" وبعضها بأربعة أحرف ~~كما في سورتي "المص" و"المر" وبعضها بخمسة أحرف كما في سورتي "كهيعص" ~~و"حمعسق". # وتختلف هذه الحروف أيضا من حيث أن بعضها لم يقع إلا في موضع واحد مثل "ن" ~~وبعضها واقعة في مفتتح عدة من السور مثل "الم" و"الر" و"طس" و"حم". # ثم إنك إن تدبرت بعض التدبر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح ~~بها مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في ~~الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور. # ويؤكد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح الحواميم من ~~قوله: "تنزيل الكتاب من الله" أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراءات من ~~قوله: "تلك ms6618 آيات الكتاب" أو ما هو في معناه، ونظير ذلك واقع في مفتتح ~~الطواسين، وما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه. # ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذا الحروف المقطعة وبين مضامين السور ~~المفتتحة بها ارتباطا خاصا، ويؤيد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة ~~بالمص في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات وص، وكذا سورة الرعد ~~المصدرة بالمر في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات والراءات. # ويستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) خفية عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن ~~نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا. # ولعل المتدبر لو تدبر في مشتركات هذه الحروف وقايس مضامين السور التي ~~وقعت فيها بعضها إلى بعض تبين له الأمر أزيد من ذلك. PageV18P003 # ولعل هذا معنى ما روته أهل السنة عن علي (عليه السلام) على ما في المجمع،: ~~أن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. قوله تعالى: "كذلك يوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم - إلى قوله - العلي العظيم" ~~مقتضى كون غرض السورة بيان الوحي بتعريف حقيقته والإشارة إلى غايته وآثاره ~~أن تكون الإشارة بقوله: "كذلك" إلى شخص الوحي بإلقاء هذه السورة إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون تعريفا لمطلق الوحي بتشبيهه بفرد مشار ~~إليه مشهود للمخاطب فيكون كقولنا في تعريف الإنسان مثلا هو كزيد. # وعليه يكون قوله: "إليك وإلى الذين من قبلك" في معنى إليكم جميعا، وإنما ~~عبر بما عبر للدلالة على أن الوحي سنة إلهية جارية غير مبتدعة، والمعنى أن ~~الوحي الذي نوحيه إليكم معشر الأنبياء - نبيا بعد نبي سنة جارية - هو كهذا ~~الذي تجده وتشاهده في تلقي هذه السورة. # وقد أخذ جمهور المفسرين قوله: "كذلك" إشارة إلى الوحي لا من حيث نفسه بل ~~من حيث ما يشتمل عليه من المفاد فيكون في الحقيقة إشارة إلى المعارف التي ~~تشتمل عليها السورة ms6619 وتتضمنها واستنتجوا من ذلك أن مضمون السورة مما أوحاه ~~الله تعالى إلى جميع الأنبياء فهو من الوحي المشترك فيه، وقد عرفت أنه لا ~~يوافق غرض السورة ويأباه سياق آياتها. # وقوله: "العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم" ~~خمسة من أسمائه الحسنى، وقوله: "له ما في السماوات وما في الأرض" في معنى ~~المالك، وهو واقع موقع التعليل لأصل الوحي ولكونه سنة إلهية جارية فالذي ~~يعطيه الوحي شرع إلهي فيه هداية الناس إلى سعادة حياتهم في الدنيا والآخرة ~~وليس المانع أن يمنعه تعالى عن ذلك لأنه عزيز غير مغلوب فيما يريد، ولا هو ~~تعالى يهمل أمر هداية عباده لأنه حكيم متقن في أفعاله ومن إتقان الفعل أن ~~يساق إلى غايته. # ومن حقه تعالى أن يتصرف فيهم وفي أمورهم كيف يشاء، لأنه مالكهم وله أن ~~يعبدهم ويستعبدهم بالأمر والنهي لأنه على عظيم فلكل من الأسماء الخمسة حظه ~~من التعليل، وينتج مجموعها أنه وليهم من كل جهة لا ولي غيره. # قوله تعالى: "تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن" إلخ التفطر التشقق من الفطر ~~بمعنى الشق. # الذي يهدي إليه السياق والكلام مسرود لبيان حقيقة الوحي وغايته وآثاره أن ~~يكون المراد من تفطر السماوات من فوقهن تفطرها بسبب الوحي النازل من عند ~~الله العلي العظيم المار بهن سماء سماء حتى ينزل على الأرض فإن مبدأ الوحي ~~هو الله سبحانه والسماوات طرائق إلى الأرض قال تعالى: "ولقد خلقنا فوقكم ~~سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين": المؤمنون: 17. # والوجه في تقييد "يتفطرن" بقوله: "من فوقهن" ظاهر فإن الوحي ينزل عليهن ~~من فوقهن من عند من له العلو المطلق والعظمة المطلقة فلو تفطرن كان ذلك من فوقهن. # على ما فيه من إعظام أمر الوحي وإعلائه فإنه كلام العلي العظيم فلكونه ~~كلام ذي العظمة المطلقة تكاد السماوات يتفطرن بنزوله ولكونه كلاما نازلا من ~~عند ذي العلو المطلق يتفطرن من فوقهن لو تفطرن. # فالآية في إعظام أمر كلام الله من حيث نزوله ومروره على السماوات نظيره ~~قوله: ms6620 "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير": سبأ: 23 في إعظامه من حيث تلقي ملائكة السماوات إياه، ونظيره ~~قوله: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله": ~~الحشر: 21 في إعظامه على فرض نزوله على جبل ونظيره قوله: "إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا": المزمل: 5 في استثقاله واستصعاب حمله. # هذا ما يعطيه السياق. # وقد حمل القوم الآية على أحد معنيين آخرين: أحدهما: أن المراد تفطرهن من ~~عظمة الله وجلاله جل جلاله كما يؤيده توصيفه تعالى قبله بالعلي العظيم. # وثانيهما: أن المراد تفطرهما من شرك المشركين من أهل الأرض وقولهم: "اتخذ ~~الرحمن ولدا" فقد قال تعالى فيه: "تكاد السماوات يتفطرن منه": مريم: 90 ~~فأدى ذلك إلى التكلف في توجيه تقييد التفطر بقوله: "من فوقهن" وخاصة على ~~المعنى الثاني، وكذا في توجيه اتصال قوله: "والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض" إلخ بما قبله كما لا يخفى على من راجع كتبهم. PageV18P004 # وقوله: "والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض" أي ينزهونه ~~تعالى عما لا يليق بساحة قدسه ويثنون عليه بجميل فعله، ومما لا يليق بساحة ~~قدسه أن يهمل أمر عباده فلا يهديهم بدين يشرعه لهم بالوحي وهو منه فعل ~~جميل، ويسألونه تعالى أن يغفر لأهل الأرض، وحصول المغفرة إنما هو بحصول ~~سببها وهو سلوك سبيل العبودية بالاهتداء بهداية الله سبحانه فسؤالهم ~~المغفرة لهم مرجعه إلى سؤال أن يشرع لهم دينا يغفر لمن تدين به منهم ~~فالمعنى والملائكة يسألون الله سبحانه أن يشرع لمن في الأرض من طريق الوحي ~~دينا يدينون به فيغفر لهم بذلك. # ويشهد على هذا المعنى وقوع الجملة في سياق بيان صفة الوحي وكذا تعلق ~~الاستغفار بمن في الأرض إذ لا معنى لطلب المغفرة منهم لمطلق أهل الأرض حتى ~~لمن قال: "اتخذ الله ولدا" وقد حكى الله تعالى عنهم: "ويستغفرون للذين ~~آمنوا" الآية: المؤمن: 7 فالمتعين حمل سؤال المغفرة على سؤال سببها وهو ~~تشريع الدين لأهل ms6621 الأرض ليغفر لمن تدين به. # وقوله: "ألا إن الله هو الغفور الرحيم" أي إن الله سبحانه لاتصافه بصفتي ~~المغفرة والرحمة وتسميه باسمي الغفور الرحيم يليق بساحة قدسه أن يفعل بأهل ~~الأرض ما ينالون به المغفرة والرحمة من عنده وهو أن يشرع لهم دينا يهتدون ~~به إلى سعادتهم من طريق الوحي والتكليم. # قيل: وفي قوله: "ألا إن الله" إلخ إشارة إلى قبول استغفار الملائكة وأنه ~~سبحانه يزيدهم على ما طلبوه من المغفرة رحمة. # قوله تعالى: "والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت ~~عليهم بوكيل" لما استفيد من الآيات السابقة أن الله تعالى هو الولي لعباده ~~لا ولي غيره وهو يتولى أمر من في الأرض منهم بتشريع دين لهم يرتضيه من طريق ~~الوحي إلى أنبيائه على ما يقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا، ولازم ذلك ~~أن لا يتخذ عباده أولياء من دونه، أشار في هذه الآية إلى حال من اتخذ من ~~دونه أولياء باتخاذهم شركاء له في الربوبية والألوهية فذكر أنه ليس بغافل ~~عما يعملون وأن أعمالهم محفوظة عليهم سيؤاخذون بها، وليس على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إلا البلاغ من غير أن يكون وكيلا عليهم مسئولا عن ~~أعمالهم. # فقوله: "الله حفيظ عليهم" أي يحفظ عليهم شركهم وما يتفرع عليه من الأعمال ~~السيئة. # وقوله: "وما أنت عليهم بوكيل" أي مفوضا إليك أعمالهم حتى تصلحها لهم ~~بهدايتهم إلى الحق، والكلام لا يخلو من نوع من التسلية للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). PageV18P005 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف ~~عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال ~~من يهود برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ~~"الم ذلك الكتاب" فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون؟ ~~والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه "الم ذلك الكتاب" فقالوا: أنت ~~سمعته؟ قال نعم. ms6622 فمشى أولئك النفر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك "الم ذلك الكتاب"؟ قال: ~~بلى. قالوا: قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث ~~الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي لهم ما مدة ملكه؟ وما أجل أمته غيرك. ~~فقال حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم ~~أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته ~~إحدى وسبعون سنة. ثم أقبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ~~يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ما ذا؟ قال: المص قال: هذا أثقل ~~وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه مائة ~~وإحدى وستون سنة هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال: ما ذا؟ قال: الر. ~~قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى ~~وثلاثون ومائتا سنة فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم قال: ما ذا؟، قال المر قال: ~~فهذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان ~~فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ~~ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا؟ ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من ~~الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ~~ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون فقالوا: لقد تشابه ~~علينا أمره فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: "هو الذي أنزل عليك الكتاب - ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب - وأخر متشابهات":. أقول: وروي قريبا منه عن ~~ابن المنذر عن ابن جريح، وروى مثله أيضا القمي في تفسيره، عن أبيه عن ابن ~~رئاب عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، وليس في الرواية ما يدل ~~على إمضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لدعواهم ولا كانت لهم على ms6623 ما ~~ادعوه حجة، وقد تقدم أن الآيات المتشابهة غير الحروف المقطعة في فواتح السور. PageV18P006 # وفي المعاني، بإسناده عن جويرية عن سفيان الثوري قال: قلت لجعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): يا ابن رسول الله ما معنى ~~قول الله عز وجل: الم والمص والر والمر وكهيعص وطه وطس وطسم ويس وص وحم ~~وحمعسق وق ون؟ قال (عليه السلام) أما الم في أول البقرة فمعناه أنا الله ~~الملك، وأما الم في أول آل عمران فمعناه أنا الله المجيد، والمص فمعناه أنا ~~الله المقتدر الصادق، والر فمعناه أنا الله الرءوف، والمر فمعناه أنا الله ~~المحيي المميت الرازق، وكهيعص معناه أنا الكافي الهادي الولي العالم الصادق ~~الوعد، فأما طه فاسم من أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعناه يا ~~طالب الحق الهادي إليه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد به. وأما طس ~~فمعناه أنا الطالب السميع، وأما طسم فمعناه أنا الطالب السميع المبدىء ~~المعيد، وأما يس فاسم من أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعناه يا ~~أيها السامع للوحي والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم. وأما ~~ص فعين تنبع من تحت العرش وهي التي توضأ منها النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لما عرج به ويدخلها جبرئيل كل يوم دخلة فيغتمس فيها ثم يخرج منها ~~فينفض أجنحته فليس من قطرة تقطر من أجنحته إلا خلق الله تبارك وتعالى منها ~~ملكا يسبح الله ويقدسه ويكبره ويحمده إلى يوم القيامة. وأما حم فمعناه ~~الحميد المجيد، وأما حمعسق فمعناه الحليم المثيب العالم السميع القادر ~~القوي، وأما ق فهو الجبل المحيط بالأرض وخضرة السماء منه وبه يمسك الله ~~الأرض أن تميد بأهلها، وأما ن فهو نهر في الجنة قال الله عز وجل اجمد فجمد ~~فصار مدادا ثم قال عز وجل للقلم: اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان ~~وما هو كائن إلى يوم القيامة فالمداد مداد من نور والقلم قلم من نور واللوح ~~لوح ms6624 من نور. قال سفيان: فقلت له: يا ابن رسول الله بين لي أمر اللوح والقلم ~~والمداد فضل بيان وعلمني مما علمك الله فقال: يا ابن سعيد لو لا أنك أهل ~~للجواب ما أجبتك فنون ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك، والقلم يؤدي إلى اللوح ~~وهو ملك، واللوح يؤدي إلى إسرافيل، وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل، وميكائيل ~~يؤدي إلى جبرئيل، وجبرئيل يؤدي إلى الأنبياء والرسل (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). قال: ثم قال لي: قم يا سفيان فلا آمن عليك. أقول: ظاهر ما في ~~الرواية من تفسير غالب الحروف المقطعة بأسماء الله الحسنى أنها حروف مأخوذة ~~من الأسماء إما من أولها كالميم من الملك والمجيد والمقتر، وإما من بين ~~حروفها كاللام من الله والياء من الولي فتكون الحروف المقطعة إشارات على ~~سبيل الرمز إلى أسماء الله تعالى، وقد روي هذا المعنى من طرق أهل السنة عن ~~ابن عباس والربيع بن أنس وغيرهما لكن لا يخفى عليك أن الرمز في الكلام إنما ~~يصار إليه في الإفصاح عن الأمور التي لا يريد المتكلم أن يطلع عليه غير ~~المخاطب بالخطاب فيرمز إليه بما لا يتعداه ومخاطبه ولا يقف عليه غيرهما ~~وهذه الأسماء الحسنى قد أوردت وبينت في مواضع كثيرة من كلامه تعالى تصريحا ~~وتلويحا وإجمالا وتفصيلا ولا يبقى مع ذلك فائدة في الإشارة إلى كل منها ~~بحرف مأخوذ منه رمزا إليه. # فالوجه - على تقدير صحة الرواية - أن يحمل على كون هذه الأحرف دالة على ~~هذه المعاني دلالة غير وضعية فتكون رموزا إليها مستورة عنا مجهولة لنا دالة ~~على مراتب من هذه المعاني هي أدق وأرقى وأرفع من أفهامنا، ويؤيد ذلك بعض ~~التأييد تفسيره الحرف الواحد كالميم في المواضع المختلفة بمعان مختلفة، ~~وكذا ما ورد أنها من حروف اسم الله الأعظم. # وقوله: "وأما ق فهو الجبل المحيط بالأرض وخضرة السماء منه" إلخ وروى ~~قريبا منه القمي في تفسيره، وهو مروي بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس ~~وغيره، ولفظ بعضها جبل من زمرد محيط بالدنيا ms6625 على كنفي السماء، وفي بعضها ~~أنه جبل محيط بالبحر المحيط بالأرض والسماء الدنيا مترفرفة عليها وأن هناك ~~سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سماوات. PageV18P007 # وفي بعض ما عن ابن عباس: خلق الله جبلا يقال له: ق محيط بالعالم وعروقه إلى ~~الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك ~~العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك القرية دون ~~القرية. # والروايات بظاهرها أشبه بالإسرائيليات، ولو لا قوله: "وبه يمسك الله ~~الأرض أن تميد بأهلها" لأمكن حمل قوله: "وأما ق فهو الجبل المحيط بالدنيا ~~وخضرة السماء منه" على إرادة الهواء المحيط بالأرض بضرب من التأويل. # وأما قوله: إن طه ويس من أسماء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمعنى ~~الذي فسره به فينبغي أن يحمل أيضا على ما قدمناه به ويفسر الروايات الكثيرة ~~الواردة من طرق العامة والخاصة في أن طه ويس من أسماء النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وأما قوله في ن إنه نهر صيره الله مدادا كتب به القلم بأمره على اللوح ما ~~كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأن المداد والقلم واللوح من النور ثم قوله: ~~إن المداد ملك والقلم ملك واللوح ملك فهو نعم الشاهد على أن ما ورد في ~~كلامه تعالى من العرش والكرسي واللوح والقلم ونظائر ذلك وفسر بما فسر به في ~~كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) من ~~باب التمثيل أريد به تقريب معارف حقيقية هي أعلى وأرفع من سطح الأفهام ~~العامة بتنزيلها منزلة المحسوس. # وفي المعاني، أيضا بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال "الم" هو حرف من حروف اسم الله الأعظم المقطع في القرآن الذي يؤلفه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام فإذا دعا به أجيب. الحديث. # أقول: كون هذه الحروف المقطعة من حروف اسم الله الأعظم المقطع في القرآن ~~مروي بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس وغيره، وقد تبين ms6626 في البحث عن ~~الأسماء الحسنى في سورة الأعراف أن الاسم الأعظم الذي له أثره الخاص به ليس ~~من قبيل الألفاظ، وأن ما ورد مما ظاهره أنه اسم مؤلف من حروف ملفوظة مصروف ~~عن ظاهره بنوع من الصرف المناسب له. # وفيه، بإسناده عن محمد بن زياد ومحمد بن سيار عن العسكري (عليه السلام) ~~أنه قال: كذبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا: سحر مبين تقوله فقال الله: ~~"الم ذلك الكتاب" أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف ~~المقطعة التي منها ألف لام ميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن ~~كنتم صادقين واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم. الحديث. # أقول: والحديث من تفسير العسكري وهو ضعيف. # وفي تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله تعالى: "يتفطرن من فوقهن" أي يتصدعن. # وعن جوامع الجامع،: في قوله تعالى: "ويستغفرون لمن في الأرض": قال الصادق ~~(عليه السلام): لمن في الأرض من المؤمنين:. أقول: وروي ما في معناه في ~~المجمع، عنه (عليه السلام) ورواه القمي مضمرا. PageV18P008 ### ||| AUTO 42 سورة الشورى - 7 - 12 # وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم ~~الجمع لا ريب فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم ~~أمة وحدة ولكن يدخل من يشاء فى رحمته والظلمون ما لهم من ولى ولا نصير (8) ~~أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولى وهو يحى الموتى وهو على كل شىء ~~قدير (9) وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربى عليه توكلت ~~وإليه أنيب (10) فاطر السموت والأرض جعل لكم من أنفسكم أزوجا ومن الأنعم ~~أزوجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير (11) له مقاليد السموت ~~والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شىء عليم (12) ### |||| AUTO بيان # فصل ثان من الآيات يعرف فيه الوحي من حيث الغاية المترتبة عليه كما عرفه ~~في الفصل السابق بالإشارة إليه نفسه. # فبين في هذا الفصل أن الغرض من الوحي إنذار الناس وخاصة ms6627 الإنذار المتعلق ~~بيوم الجمع الذي يتفرق فيه الناس فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير إذ ~~لو لا الإنذار بيوم الجمع الذي فيه الحساب والجزاء لم تنجح دعوة دينية ولم ~~ينفع تبليغ. # ثم بين أن تفرقهم فريقين هو الذي شاءه الله سبحانه فعقبه بتشريع الدين ~~وإنذار الناس يوم الجمع من طريق الوحي لأنه وليهم الذي يحييهم بعد موتهم ~~الحاكم بينهم فيما اختلفوا فيه. # ثم ساق الكلام فانتقل إلى توحيد الربوبية وأنه تعالى هو الرب لا رب غيره ~~لاختصاصه بصفات الربوبية من غير شريك يشاركه في شيء منها. # قوله تعالى: "وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها" ~~الإشارة إلى الوحي المفهوم من سابق السياق، وأم القرى هي مكة المشرفة ~~والمراد بإنذار أم القرى إنذار أهلها، والمراد بمن حولها سائر أهل الجزيرة ~~ممن هو خارج مكة كما يؤيده توصيف القرآن بالعربية. # وذلك أن الدعوة النبوية كانت ذات مراتب في توسعها فابتدأت الدعوة العلنية ~~بدعوة العشيرة الأقربين كما قال: "وأنذر عشيرتك الأقربين": الشعراء، 214 ثم ~~توسعت فتعلقت بالعرب عامة كما قال: "قرآنا عربيا لقوم يعلمون": حم السجدة: ~~3 ثم بجميع الناس كما قال: "وأنزل إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ". # ومن الدليل على ما ذكرناه من الأمر بالتوسع تدريجا قوله تعالى: "قل ما ~~أسألكم عليه من أجر - إلى أن قال - إن هو إلا ذكر للعالمين": ص: 87 فإن ~~الخطاب على ما يعطيه سياق السورة لكفار قريش يقول سبحانه إنه ذكر للعالمين ~~لا يختص ببعض دون بعض، فإذا كان للجميع فلا معنى لأن يسأل بعضهم - كالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) - بعضا عليه أجرا. # على أن تعلق الدعوة بأهل الكتاب وخاصة باليهود والنصارى من ضروريات ~~القرآن، وكذا إسلام رجال من غير العرب كسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب ~~الرومي من ضروريات التاريخ. # وقيل المراد بقوله: "من حولها" سائر الناس من أهل قرى الأرض كلها ويؤيده ~~التعبير عن مكة بأم القرى. # والآية - كما ترى - تعرف الوحي بغايته التي هي إنذار الناس من ms6628 طريق ~~الإلقاء الإلهي وهو النبوة فالوحي إلقاء إلهي لغرض النبوة والإنذار. # قوله تعالى: "وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير" ~~عطف على "تنذر" السابق وهو من عطف الخاص على العام لأهميته كأنه قيل: لتنذر ~~الناس وتخوفهم من الله وخاصة من سخطه يوم الجمع. # وقوله: "يوم الجمع" مفعول ثان لقوله: "تنذر" وليس بظرف له وهو ظاهر، ويوم ~~الجمع هو يوم القيامة قال تعالى: "ذلك يوم مجموع له الناس - إلى أن قال - ~~فمنهم شقي وسعيد": هود: 105. # وقوله: "فريق في الجنة وفريق في السعير" في مقام التعليل ودفع الدخل كأنه ~~قيل: لما ذا ينذرهم يوم الجمع؟ فقيل: "فريق في الجنة وفريق في السعير" أي ~~إنهم يتفرقون فريقين: سعيد مثاب وشقي معذب فلينذروا حتى يتحرزوا سبيل ~~الشقاء والهبوط في مهبط الهلكة. PageV18P009 # قوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة" إلى آخر الآية لما كانت الآية ~~مسوقة لبيان لزوم الإنذار والنبوة من جهة تفرق الناس فريقين يوم القيامة ~~كان الأسبق إلى الذهن من جعلهم أمة واحدة مطلق رفع التفرق والتميز من بينهم ~~بتسويتهم جميعا على صفة واحدة من غير فرق وميز، ولم تقع عند ذلك حاجة إلى ~~النبوة والإنذار. # وقوله: "ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير" ~~استدراك يبين فيه أن سنته تعالى جرت على التفريق ولم يشأ جعلهم أمة واحدة ~~يدل على ذلك قوله: "يدخل من يشاء" الدال على الاستمرار، ولم يقل: ولكن أدخل ونحوه. # وقد قوبل في الآية قوله: "من يشاء" بقوله: "والظالمون" فالمراد بمن يشاء ~~غير الظالمين وقد فسر الظالمين يوم القيامة بقوله: "فأذن مؤذن بينهم أن ~~لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة كافرون": الأعراف: 45 فهم المعاندون المنكرون للمعاد. # وقوبل أيضا بين الإدخال في الرحمة وبين نفي الولي والنصير فالمدخلون في ~~رحمته هم الذين وليهم الله، والذين ما لهم من ولي ولا نصير هم الذين لا ~~يدخلهم الله في رحمته، وأيضا الرحمة هي ms6629 الجنة وانتفاء الولاية والنصرة ~~يلازم السعير. # فمحمل معنى الآية: أن الله سبحانه إنما قدر النبوة والإنذار المتفرع على ~~الوحي لمكان ما سيعتريهم يوم القيامة من التفرق فريقين، ليتحرزوا من الدخول ~~في فريق السعير. # ولو أراد الله لجعلهم أمة واحدة فاستوت حالهم ولم يتفرقوا يوم القيامة ~~فريقين فلم يكن عند ذلك ما تقتضي النبوة والإنذار فلم يكن وحي لكنه تعالى ~~لم يرد ذلك بل جرت سنته على أن يتولى أمر قوم منهم وهم غير الظالمين ~~فيدخلهم الجنة وفي رحمته، ولا يتولى أمر آخرين وهم الظالمون فيكونوا لا ولي ~~لهم ولا نصير ويصيروا إلى السعير لا مخلص لهم من النار. # فقد تحصل مما تقدم أن المراد بجعلهم أمة واحدة هو التسوية بينهم بإدخال ~~الجميع في الجنة وإدخال الجميع في السعير أي أنه تعالى ليس بملزم بإدخال ~~السعداء في الجنة والأشقياء في النار فلو لم يشأ لم يفعل لكنه شاء أن يفرق ~~بين الفريقين وجرت سنته على ذلك ووعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد ومع ذلك ~~فقدرته المطلقة باقية على حالها لم تنسلب ولم تتغير فقوله: "وتنذر يوم ~~الجمع لا ريب فيه" إلى تمام الآيتين في معنى قوله في سورة هود: "إن في ذلك ~~لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس" إلى تمام سبع آيات فراجع وتدبر. # وقيل: المراد بجعلهم أمة واحدة جعلهم مؤمنين جميعا داخلين في الجنة، قال ~~في الكشاف: والمعنى ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعا على الإيمان ولكنه ~~شاء مشيئة حكمة فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته ~~وهم المرادون بمن يشاء ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة الظالمين، ويترك ~~الظالمين بغير ولي ولا نصير في عذابه. # واستدل على ما اختاره من المعنى بقوله تعالى: "ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها": الم السجدة: 13 وقوله: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا": ~~يونس: 99 والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان قوله: "أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين". # وفيه أن ms6630 الآيات - كما عرفت مسوقة لتعريف الوحي من حيث غايته وأن تفرق في ~~الناس يوم الجمع: فريقين سبب يستدعي وجود النبوة والإنذار من طريق الوحي، ~~وقوله: "ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة" مسوق لبيان أنه تعالى ليس بمجبر ~~على ذلك ولا ملزم به بل له أن لا يفعل، وهذا المعنى يتم بمجرد أن لا يجعلهم ~~متفرقين فريقين بل أمة واحدة كيفما كانوا، وأما كونهم فرقة واحدة مؤمنة ~~بالخصوص فلا مقتضى له هناك. # وأما ما استدل به من الآيتين فسياقهما غير سياق الآية المبحوث عنها، ~~والمراد بهما غير الإيمان القسري الذي ذكره وقد تقدم البحث عنهما في ~~الكتاب. PageV18P010 # وقيل: إن الأنسب للسياق هو اتحادهم في الكفر بأن يراد جعلهم أمة واحدة ~~كافرة كما في قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة: 213 ~~فالمعنى: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم ~~رسولا ينذرهم فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته ~~أي شأنه ذلك فيرسل إلى الكل من ينذرهم فيتأثر به من تأثر فيوفقهم الله ~~للإيمان والطاعات في الدنيا ويدخلهم في رحمته في الآخرة، ولا يتأثر به ~~الآخرون وهم الظالمون فيعيشون في الدنيا كافرين ويصيرون في الآخرة إلى ~~السعير من غير ولي ولا نصير. # وفيه أولا: أن المراد من كون الناس أمة واحدة في الآية المقيس عليها ليس ~~هو اتفاقهم على الكفر بل عدم اختلافهم في الأمور الراجعة إلى المعاش كما ~~تقدم في تفسير الآية، ولو سلم ذلك أدى إلى التنافي البين بين المقيسة ~~والمقيس عليها لدلالة المقيسة على التفرق وعدم الاتحاد دلالة المقيس عليها ~~على ثبوت الاتحاد وعدم التفرق. # ولو أجيب عنه بأن المقيس عليها تدل على كون الناس أمة واحدة بحسب الطبع ~~دون الفعلية فلا تنافي بين الآيتين، رد بمنافاته لما دل من الآيات على كون ~~الإنسان مؤمنا بحسب الفطرة الأصلية كقوله تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها": الشمس: 8. # وثانيا: أن فيه إخراجا لقوله: "ولكن يدخل من ms6631 يشاء في رحمته" عن المقابلة ~~مع قوله: "والظالمون" إلخ من غير دليل، ثم تكلف تقدير ما يفيد معناه ليحفظ ~~به ما يقيده الكلام من المقابلة. # قوله تعالى: "أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي - إلى قوله - ~~فحكمه إلى الله" "أم" تفيد الإنكار كما ذكره الزمخشري. # لما أفاد في الآية السابقة أن الله سبحانه يتولى أمر المؤمنين خاصة ~~فيدخلهم في رحمته وأن الظالمين هم الكافرون المعاندون لا ولي لهم تعرض في ~~هذه الآية لاتخاذهم أولياء يدينون لهم ويعبدونهم من دونه وكان يجب أن ~~يتخذوا الله وليا يدينون له ويعبدونه فأنكر عليهم ذلك واحتج على وجوب ~~اتخاذه وليا بالحجة بعد الحجة وذلك قوله: "فالله هو الولي" إلخ. # فقوله: "فالله هو الولي" تعليل للإنكار السابق لاتخاذهم من دونه أولياء ~~فيكون حجة لوجوب اتخاذه وليا، والجملة - فالله هو الولي - تفيد حصر الولاية ~~في الله وقد تبينت الحجة على أصل ولايته وانحصارها فيه من قوله في الآيات ~~السابقة: "العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم" ~~كما أشرنا إليه في تفسير الآيات. # والمعنى: أنه تعالى ولي ينحصر فيه الولاية فمن الواجب على من يتخذ وليا ~~أن يتخذه وليا ولا يتعداه إلى غيره إذ لا ولي غيره. # وقوله: "وهو يحيي الموتى" حجة ثانية على وجوب اتخاذه تعالى وحده وليا، ~~ومحصله أن عمدة الغرض في اتخاذ الولي والتدين له بعبوديته التخلص من عذاب ~~السعير والفوز بالجنة يوم القيامة والمثيب والمعاقب يوم القيامة هو الله ~~الذي يحيي الموتى فيجمعهم فيجازيهم بأعمالهم فهو الذي يجب أن يتخذ وليا دون ~~أوليائهم الذين هم أموات غير أحياء ولا يشعرون أيان يبعثون. # وقوله: "وهو على كل شيء قدير" حجة ثالثة على وجوب اتخاذه تعالى وليا دون ~~غيره، ومحصله أن من الواجب في باب الولاية أن يكون للولي قدرة على ما ~~يتولاه من شئون من يتولاه وأموره، والله سبحانه على كل شيء قدير ولا قدرة ~~لغيره إلا مقدار ما أقدره الله عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ms6632 ما ~~عليه أقدره فهو الولي لا ولي غيره تعالى وتقدس. # وقوله: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" حجة رابعة على كونه ~~تعالى وليا لا ولي غيره، وحكم الحاكم بين المختلفين هو أحكامه وتثبيته الحق ~~المضطرب بينهما بسبب تخالفهما بالإثبات والنفي، والاختلاف ربما كان في ~~عقيدة كالاختلاف في أن الإله واحد أو كثير، وربما كان في عمل أو ما يرجع ~~إليه كالاختلاف في أمور المعيشة وشئون الحياة فهو أعني الحكم يساوق القضاء ~~مصداقا وإن اختلفا مفهوما. # ثم الحكم والقضاء إنما يتم إذا ملكه الحاكم بنوع من الملك والولاية وإن ~~كان بتمليك المختلفين له ذلك كالمتنازعين إذا رجعا إلى ثالث فاتخذاه حكما ~~ليحكم بينهما ويتسلما ما يحكم به فقد ملكاه الحكم بما يرى وأعطياه من ~~نفسهما القبول والتسليم فهو وليهما في ذلك. PageV18P011 # والله سبحانه هو المالك لكل شيء لا مالك سواه لكون كل شيء بوجوده وآثار ~~وجوده قائما به تعالى فله الحكم والقضاء بالحق قال تعالى: "كل شيء هالك إلا ~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون": القصص: 88، وقال: "إن الله يحكم ما يريد": ~~المائدة: 2 وقال: "الحق من ربك": آل عمران: 60. # وحكمه تعالى إما تكويني وهو تحقيقه وتثبيته المسببات قبال الأسباب ~~المجتمعة عليها المتنازعة فيها بتقديم ما نسميه سببا تاما على غيره قال ~~تعالى حاكيا عن يعقوب (عليه السلام): "إن الحكم إلا لله عليه توكلت": يوسف: ~~67 وإما تشريعي كالتكاليف الموضوعة في الدين الإلهي الراجعة إلى الاعتقاد ~~والعمل قال تعالى: "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين ~~القيم": يوسف: 40. # وهناك قسم ثالث من الحكم يمكن أن يعد من كل من القسمين السابقين بوجه وهو ~~حكمه تعالى يوم القيامة بين عباده فيما اختلفوا فيه وهو إعلانه وإظهاره ~~الحق يوم القيامة لأهل الجمع يشاهدونه مشاهدة عيان وإيقان فيسعد به وبآثاره ~~من كان مع الحق ويشقى بالاستكبار عليه وتبعات ذلك من استكبر عليه قال ~~تعالى: "فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": البقرة: 113. # ثم إن اختلاف الناس في ms6633 عقائدهم وأعمالهم اختلاف تشريعي لا يرفعه إلا ~~الأحكام والقوانين التشريعية ولو لا الاختلاف لم يجود قانون كما يشير إليه ~~قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه": البقرة: 213، وقد تبين أن الحكم التشريعي ~~لله سبحانه فهو الولي في ذلك فيجب أن يتخذ وحده وليا فيعبد ويدان بما أنزله ~~من الدين. # وهذا معنى قوله: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" ومحصل الحجة أن ~~الولي الذي يعبد ويدان له يجب أن يكون رافعا لاختلافات من يتولونه مصلحا ~~لما فسد من شئون مجتمعهم سائقا لهم إلى سعادة الحياة الدائمة بما يضعه ~~عليهم من الحكم وهو الدين، والحكم في ذلك إلى الله سبحانه، فهو الولي الذي ~~يجب أن يتخذ وليا لا غير. # وللقوم في تفسير الآية أعني قوله: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله" تفاسير أخر فقيل: هو حكاية قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~للمؤمنين أي ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم ~~وهم فيه من أمر من أمور الدين، فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو ~~إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين ذكره صاحب الكشاف. # وقيل معناه ما اختلفتم فيه وتنازعتم في شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره ~~كقوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول". # وقيل: المعنى ما اختلفتم فيه من تأويل آية واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه ~~إلى محكم كتاب الله وظاهر سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقيل: المعنى وما اختلفتم فيه من العلوم مما لا يتصل بتكليفكم ولا طريق ~~لكم إلى علمه فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح قال تعالى: "ويسألونك عن ~~الروح قل الروح ms6634 من أمر ربي". # والآية على جميع هذه الأقوال من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إما بنحو الحكاية وإما بتقدير "قل" في أولها. # وأنت بالتدبر في سياق الآيات ثم الرجوع إلى ما تقدم لا ترتاب في سقوط هذه ~~الأقوال. # قوله تعالى: "ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب" كلام محكي للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والإشارة بذلكم إلى من أقيمت الحجج في الآيتين على ~~وجوب اتخاذه وليا وهو الله سبحانه، ولازم ولايته ربوبيته. # لما أقيمت الحجج على أنه تعالى هو الولي لا ولي غيره أمر (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بإعلام أنه الله وأنه اتخذه وليا بالاعتراف له بالربوبية التي ~~هي ملك التدبير ثم عقب ذلك بالتصريح بما للاتخاذ المذكور من الآثار وهو ~~قوله: "عليه توكلت وإليه أنيب". PageV18P012 # وذلك أن ولاية الربوبية تتعلق بنظام التكوين بتدبير الأمور وتنظيم الأسباب ~~والمسببات بحيث يتعين بها للمخلوق المدبر كالإنسان مثلا ما قدر له من ~~الوجود والبقاء، وتتعلق بنظام التشريع وهو تدبير أعمال الإنسان بجعل قوانين ~~وأحكام يراعيها الإنسان بتطبيق أعماله عليها في مسير حياته لتنتهي به إلى ~~كمال سعادته. # ولازم اتخاذه تعالى ربا وليا من جهة التكوين إرجاع أمر التدبير إليه ~~بالانقطاع عن الأسباب الظاهرية والركون إليه من حيث أنه سبب غير مغلوب ~~ينتهي إليه كل سبب وهذا هو التوكل، ومن جهة التشريع الرجوع إلى حكمه في كل ~~واقعة يستقبله الإنسان في مسير حياته وهذا هو الإنابة فقوله: "عليه توكلت ~~وإليه أنيب" أي أرجع في جميع أموري، تصريح بإرجاع الأمر إليه تكوينا ~~وتشريعا. # قوله تعالى: "فاطر السماوات والأرض" إلى آخر الآية لما صرح بأنه تعالى هو ~~ربه لقيام الحجج على أنه هو الولي وحده عقب ذلك بإقامة الحجة في هذه الآية ~~والتي بعدها على ربوبيته تعالى وحده. # ومحصل الحجة: أنه تعالى موجد الأشياء وفاطرها بالإخراج من كتم العدم إلى ~~الوجود وقد جعلكم أزواجا فكثركم بذلك وجعل من الأنعام أزواجا فكثرها بذلك ~~لتنتفعوا بها، وهذا خلق وتدبير، وهو سميع لما يسأله خلقه ms6635 من الحوائج فيقضي ~~لكل ما يستحقه من الحاجة، بصير لما يعمله خلقه من الأعمال فيجازيهم بما ~~عملوا وهو الذي يملك مفاتيح خزائن السماوات والأرض التي ادخر فيها ما لها ~~من خواص وجودها وآثاره مما يتألف منها بظهورها النظام المشهود وهو الذي ~~يرزق المرزوقين فيوسع في رزقهم ويضيق عن علم منه بذلك. # وهذا كله من التدبير فهو الرب المدبر للأمور. # فقوله: "فاطر السماوات والأرض" أي موجدها من كتم العدم على سبيل الإبداع. # وقوله: "جعل لكم من أنفسكم أزواجا" وذلك بخلق الذكر والأنثى للذين يتم ~~بتزاوجهما أمر التوالد والتناسل وتكثر الأفراد "ومن الأنعام أزواجا" أي ~~وجعل من الأنعام أزواجا "يذرؤكم فيه" أي يكثركم في هذا الجعل، والخطاب في ~~"يذرؤكم" للإنسان والأنعام بتغليب جانب العقلاء على غيرهم كما ذكره ~~الزمخشري. # وقوله: "ليس كمثله شيء" أي ليس مثله شيء، فالكاف زائدة للتأكيد وله نظائر ~~كثيرة في كلام العرب. # وقوله: "وهو السميع البصير" أي السميع لما يرفع إليه من مسائل خلقه ~~البصير لأعمال خلقه قال تعالى: "يسأله من في السماوات والأرض": الرحمن: 29، ~~وقال: "وآتاكم من كل ما سألتموه": إبراهيم: 34، وقال: "والله بما تعملون ~~بصير": الحديد: 4. # قوله تعالى: "له مقاليد السماوات والأرض" إلى آخر الآية المقاليد ~~المفاتيح وفي إثبات المقاليد للسماوات والأرض دلالة على أنها خزائن لما ~~يظهر في الكون من الحوادث والآثار الوجودية. # وقوله: "يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" بسط الرزق توسعته وقدره تضييقه ~~والرزق كل ما يمد به البقاء ويرتفع به حاجة من حوائج الوجود في استمراره. # وتذييل الكلام بقوله: "إنه بكل شيء عليم" للإشارة إلى أن الرزق واختلافه ~~في موارده بالبسط والقدر ليس على سبيل المجازفة جهلا بل عن علم منه تعالى ~~بكل شيء فرزق كل مرزوق على علم منه بما يستدعيه المرزوق بحسب حاله والرزق ~~بحسب حاله وما يحف بهما من الأوضاع والأحوال الخارجية، وهذا هو الحكمة فهو ~~يبسط ويقدر بالحكمة. PageV18P013 ### ||| AUTO 42 سورة الشورى - 13 - 16 # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبرهيم ms6636 ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى ~~بينهم وإن الذين أورثوا الكتب من بعدهم لفى شك منه مريب (14) فلذلك فادع ~~واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ءامنت بما أنزل الله من كتب وأمرت ~~لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعملنا ولكم أعملكم لا حجة بيننا وبينكم ~~الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب ~~له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) ### |||| AUTO بيان # فصل ثالث من الآيات يعرف الوحي الإلهي بأثره الذي هو مفاده وما احتوى ~~عليه من المضمون وهو الدين الإلهي الواحد الذي يجب على الناس أن يتخذوه سنة ~~في الحياة وطريقة مسلوكة إلى سعادتهم. # وقد بين فيها بحسب مناسبة المقام أن الشريعة المحمدية أجمع الشرائع ~~المنزلة وأن الاختلافات الواقعة في دين الله على وحدته ليست من ناحية الوحي ~~السماوي وإنما هي من بغي الناس بعد علمهم، وفي الآيات فوائد أخر أشير إليها ~~في خلالها. # قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى" يقال: شرع الطريق شرعا أي سواه طريقا واضحا بينا. # قال الراغب: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل مقترنا بوعظ من قولهم: أرض ~~واصية متصلة النبات ويقال: أوصاه ووصاه انتهى. # وفي معناه إشعار بالأهمية فما كل أمر يوصى به وإنما يختار لذلك ما يهتم ~~به الموصي ويعتني بشأنه. # فقوله: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا" أي بين وأوضح لكم من الدين وهو ~~سنة الحياة ما قدم وعهد إلى نوح مهتما به، واللائح من السياق أن الخطاب ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته، وأن المراد مما وصى به نوحا شريعة ~~نوح (عليه السلام). # وقوله: "والذي أوحينا إليك" ظاهر المقابلة ms6637 بينه وبين نوح (عليه السلام) ~~أن المراد بما أوحي إليه ما اختصت به شريعته من المعارف والأحكام، وإنما ~~عبر عن ذلك بالإيحاء دون التوصية لأن التوصية كما تقدم إنما تتعلق من ~~الأمور بما يهتم به ويعتنى بشأنه خاصة وهو أهم العقائد والأعمال، وشريعته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) جامعة لكل ما جل ودق محتوية على الأهم وغيره ~~بخلاف شرائع غيره فقد كانت محدودة بما هو الأهم المناسب لحال أممهم ~~والموافق لمبلغ استعدادهم. # والالتفات في قوله: "والذي أوحينا" من الغيبة إلى التكلم مع الغير ~~للدلالة على العظمة فإن العظماء يتكلمون عنهم وعن خدمهم وأتباعهم. # وقوله: "وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى" عطف على قوله: "ما وصى به" ~~والمراد به ما شرع لكل واحد منهم (عليهم السلام). # والترتيب الذي بينهم (عليهم السلام) في الذكر على وفق ترتيب زمنهم فنوح ~~ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى (عليه السلام)، وإنما قدم ذكر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) للتشريف والتفضيل كما في قوله تعالى: "وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم": الأحزاب: 7 ~~وإنما قدم نوحا وبدأ به للدلالة على قدم هذه الشريعة وطول عهدها. # ويستفاد من الآية أمور: أحدها: أن السياق بما أنه يفيد الامتنان وخاصة ~~بالنظر إلى ذيل الآية والآية التالية يعطي أن الشريعة المحمدية جامعة ~~للشرائع الماضية ولا ينافيه قوله تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا": ~~المائدة: 48 لأن كون الشريعة شريعة خاصة لا ينافي جامعيتها. PageV18P014 # الثاني: أن الشرائع الإلهية المنتسبة إلى الوحي إنما هي شريعة نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لو كان هناك غيرها لذكر ~~قضاء لحق الجامعية المذكورة. # ولازم ذلك أولا: أن لا شريعة قبل نوح (عليه السلام) بمعنى القوانين ~~الحاكمة في المجتمع الإنساني الرافعة للاختلافات الاجتماعية وقد تقدم نبذة ~~من الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين" الآية: البقرة: 213. # وثانيا: أن الأنبياء المبعوثين بعد نوح كانوا على شريعته إلى ms6638 بعثة ~~إبراهيم وبعدها على شريعة إبراهيم إلى بعثة موسى وهكذا. # الثالث: أن الأنبياء أصحاب الشرائع وأولي العزم هم هؤلاء الخمسة ~~المذكورون في الآية إذ لو كان معهم غيرهم لذكر فهؤلاء سادة الأنبياء ويدل ~~على تقدمهم أيضا قوله: "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم": الأحزاب: 7. # وقوله: "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا" أن تفسيرية، وإقامة الدين حفظه ~~بالاتباع والعمل واللام في الدين للعهد أي أقيموا هذا الدين المشروع لكم، ~~وعدم التفرق فيه حفظ وحدته بالاتفاق عليه وعدم الاختلاف فيه. # لما كان شرع الدين لهم في معنى أمرهم جميعا باتباعه والعمل به من غير ~~اختلاف فسره بالأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه فكان محصله أن عليهم ~~جميعا إقامة الدين جميعا وعدم التفرق والتشتت فيه بإقامة بعض وترك بعض، ~~وإقامته الإيمان بجميع ما أنزل الله والعمل بما يجب عليه العمل به. # فجميع الشرائع التي أنزلها الله على أنبيائه دين واحد يجب إقامته وعدم ~~التفرق فيه فأما الأحكام السماوية المشترك فيها الباقية ببقاء التكليف ~~فمعنى الإقامة فيها ظاهر وأما الأحكام المشرعة في بعض هذه الشرائع المنسوخة ~~في الشريعة اللاحقة فحقيقة الحكم المنسوخ أنه حكم ذو أمد خاص بطائفة من ~~الناس في زمن خاص ومعنى نسخه تبين انتهاء أمده لا ظهور بطلانه قال تعالى: ~~"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل": الأحزاب: 4 فالحكم المنسوخ حق دائما ~~غير أنه خاص بطائفة خاصة في زمن خاص يجب عليهم أن يؤمنوا به ويعملوا به ~~ويجب على غيرهم أن يؤمنوا به فحسب من غير عمل وهذا معنى إقامته وعدم التفرق فيه. # فتبين أن الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه في قوله: "أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه" مطلق شامل لجميع الناس في جميع الأزمان. # وبذلك يظهر فساد قول جمع إن الأمر بالإقامة وعدم التفرق إنما يشمل ~~الأحكام المشتركة بين الشرائع دون المختصة فهي أحكام متفاوتة مختلفة ~~باختلاف الأمم من حيث أحوالها ومصالحها. # وذلك أنه لا موجب لتقييد إطلاق قوله: "أقيموا الدين ولا تتفرقوا ms6639 فيه" ولو ~~كان كما يقولون كان الأمر بالإقامة مختصا بأصول الدين الثلاثة: التوحيد ~~والنبوة والمعاد، وأما غيرها من الأحكام الفرعية فلا يكاد يوجد هناك حكم ~~واحد مشترك فيه في جميع خصوصياته بين جميع الشرائع وهذا مما يأباه قطعا ~~سياق قوله: "شرع لكم من الدين ما وصى به" إلخ، ومثل قوله: "وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا": المؤمنون: 53 ~~وقوله: "إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم": آل عمران: 19. # وقوله: "كبر على المشركين ما تدعوهم إليه" المراد بقوله: "ما تدعوهم ~~إليه" دين التوحيد الذي كان يدعو إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ~~أصل التوحيد فحسب على ما تشهد به الآية التالية، والمراد بكبره على ~~المشركين تحرجهم من قبوله. # وقوله: "الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب" الاجتباء هو الجمع ~~والاجتلاب، ومقتضى اتساق الضمائر أن يكون ضمير "إليه" الثاني والثالث راجعا ~~إلى ما يرجع إليه الأول والمعنى الله يجمع ويجتلب إلى دين التوحيد - وهو ما ~~تدعوهم إليه - من يشاء من عباده ويهدي إليه من يرجع إليه فيكون مجموع قوله: ~~"كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء" في معنى قوله: ~~هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم": الحج: 78. PageV18P015 # وقيل: الضميران لله تعالى، ولا بأس به لكن ما تقدم هو الأنسب، وعلى أي حال ~~قوله: "الله يجتبي إليه" إلى آخر الآية موضوع موضع الاستغناء عن إيمان ~~المشركين المستكبرين للإيمان نظير قوله تعالى: "فإن استكبروا فالذين عند ~~ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة: 38. # وقيل: المراد بما تدعوهم إليه ما تدعوهم إلى الإيمان به وهو الرسالة أي ~~إن رسالتك كبرت عليهم، وقوله: "الله يجتبي" إلخ في معنى قوله: "الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته": الأنعام: 124 وهو خلاف الظاهر. # قوله تعالى: "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم" إلى آخر ms6640 ~~الآية ضمير "تفرقوا" للناس المفهوم من السياق، والبغي الظلم أو الحسد، ~~وتقييده بقوله: "بينهم" للدلالة على تداوله، والمعنى وما تفرق الناس الذين ~~شرعت لهم الشريعة باختلافهم وتركهم الاتفاق إلا حال كون تفرقهم آخذا - أو ~~ناشئا - من بعد ما جاءهم العلم بما هو الحق ظلما أو حسدا تداولوه بينهم. # وهذا هو الاختلاف في الدين المؤدي إلى الانشعابات والتحزبات الذي ينسبه ~~الله سبحانه في مواضع من كلامه إلى البغي، وأما الاختلاف المؤدي إلى نزول ~~الشريعة وهو الاختلاف في شئون الحياة والتفرق في أمور المعاش فهو أمر عائد ~~إلى اختلاف طبائع الناس في مقاصدهم وهو الذريعة إلى نزول الوحي وتشريع ~~الشرع لرفعه كما يشير إليه قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": ~~البقرة: 213 كما تقدم في تفسير الآية. # وقوله: "ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم" المراد ~~بالكلمة مثل قوله: حين إهباط آدم (عليه السلام) إلى الأرض: "ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36. # والمعنى: ولو لا أن الله قضى فيهم الاستقرار والتمتع في الأرض إلى أجل ~~سماه وعينه لقضي بينهم إثر تفرقهم في دينه وانحرافهم عن سبيله فأهلكهم ~~باستدعاء من هذا الذنب العظيم. # وقول القائل: إن الله قد قضى وأهلك كما يقصه في قصص نوح وهود وصالح ~~(عليهما السلام) وقد قال تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم ~~بالقسط": يونس: 47. # مدفوع بأن ما قصه تعالى من القضاء والإهلاك إنما هو في أمم الأنبياء في ~~زمانهم من المكذبين بين الرادين عليهم وما نحن فيه من قوله: "ولو لا كلمة ~~سبقت من ربك" الآية في أممهم بعدهم وهو واضح من السياق. # وقوله: "وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب" ضمير "من ~~بعدهم" لأولئك الذين تفرقوا من بعد علم بغيا بينهم وهم الأسلاف، والذين ~~أورثوا الكتاب من بعدهم أخلافهم فمفاد الآية أن البادئين بالاختلاف ~~المؤسسين للتفرقة كانوا على علم من الحق وإنما أبدعوا ما أبدعوا، بغيا ~~بينهم، وأخلافهم الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ms6641 في شك مريب - موقع في الريب - منه. # وما أوردناه في معنى الآية هو الذي يعطيه السياق، ولهم في تفسيرها أقاويل ~~كثيرة لا جدوى في إسقاطها فليرجع في الوقوف عليها إلى كتبهم. # قوله تعالى: "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم" إلى آخر الآية. # تفريع على ما ذكر من شرع دين واحد لجميع الأنبياء وأممهم ثم انقسام أممهم ~~إلى أسلاف اختلفوا في الدين عن علم بغيا، وإلى أخلاف شاكين مرتابين فيما ~~أورثوه من الكتاب أي فلأجل أنه شرع لكم جميع ما شرع لمن قبلكم فادع ولأجل ~~ما ذكر من تفرق بعضهم بغيا وارتياب آخرين فاستقم كما أمرت ولا تتبع ~~أهواءهم. # واللام في قوله: "فلذلك" للتعليل، وقيل: اللام بمعنى إلى أي إلى ما شرع ~~لكم من الدين فادع واستقم كما أمرت، والاستقامة - كما ذكره الراغب - لزوم ~~المنهاج المستقيم، وقوله: "ولا تتبع أهواءهم" كالمفسر له. # وقوله: "وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب" تسوية بين الكتب السماوية من ~~حيث تصديقها والإيمان بها وهي الكتب المنزلة من عند الله المشتملة على ~~الشرائع. # وقوله: "وأمرت لأعدل بينكم" قيل: اللام زائدة للتأكيد نظير قوله: "وأمرنا ~~لنسلم لرب العالمين": الأنعام: 71، والمعنى: وأمرت أن أعدل بينكم أي أسوي ~~بينكم فلا أقدم قويا على ضعيف ولا غنيا على فقير ولا كبيرا على صغير، ولا ~~أفضل أبيض على أسود ولا عربيا على عجمي ولا هاشميا أو قرشيا على غيره ~~فالدعوة متوجهة إلى الجميع، والناس قبال الشرع الإلهي سواء. PageV18P016 # فقوله: "آمنت بما أنزل الله من كتاب" تسوية بين الكتب المنزلة من حيث ~~الإيمان بها، وقوله: "وأمرت لأعدل بينكم" تسوية بين الناس من حيث الدعوة ~~وتوجه ما جاء به من الشرع. # وقيل: اللام في "لأعدل بينكم" للتعليل، والمعنى: وأمرت بما أمرت لأجل أن ~~أعدل بينكم، وكذا قيل: المراد بالعدل العدل في الحكم، وقيل: العدل في ~~القضاء بينكم، وقيل غير ذلك، وهذه معان بعيدة لا يساعد عليها السياق. # وقوله: "الله ربنا وربكم" إلخ، في مقام التعليل لما ذكر من التسوية بين ~~الكتب ms6642 والشرائع في الإيمان بها وبين الناس في دعوتهم وشمول الأحكام لهم، ~~ولذا جيء في الكلام بالفصل من غير عطف. # فقوله: "الله ربنا وربكم" يشير إلى أن رب الكل هو الله الواحد تعالى فليس ~~لهم أرباب كثيرون حتى يلحق كل بربه ويتفاضلوا بالأرباب ويقتصر كل منهم ~~بالإيمان بشريعة ربه بل الله هو رب الجميع وهم جميعا عباده المملوكون له ~~المدبرون بأمره والشرائع المنزلة على الأنبياء من عنده فلا موجب للإيمان ~~ببعضها دون بعض كما يؤمن اليهود بشريعة موسى دون من بعده وكذا النصارى ~~بشريعة عيسى دون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بل الواجب الإيمان بكل ~~كتاب نازل من عنده لأنها جميعا من عنده. # وقوله: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" يشير إلى أن الأعمال وإن اختلفت من ~~حيث كونها حسنة أو سيئة ومن حيث الجزاء ثوابا أو عقابا إلا أنها لا تتعدى ~~عاملها فلكل امرىء ما عمل فلا ينتفع أحد بعمل آخر ولا يتضرر بعمل غيره فليس ~~له أن يقدم امرأ للانتفاع بعمله أو يؤخر امرأ للتضرر بعمله نعم في الأعمال ~~تفاضل تختلف به درجات العاملين لكن ذلك إلى الله فيما يحاسب به عباده لا ~~إلى الناس - النبي فمن دونه - الذين هم جميعا عباد مملوكون لا يملك منهم ~~نفس من نفس شيئا، وهذا هو الذي ذكره تعالى في محاورة نوح (عليه السلام) ~~قومه: "قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن ~~حسابهم إلا على ربي لو تشعرون": الشعراء: 113، وكذا قوله يخاطب النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): "ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من ~~شيء": الأنعام: 52. # وقوله: "لا حجة بيننا وبينكم" لعل المراد أنه لا حجة تدل على تقدم بعض ~~على بعض تكون فيما بيننا يقيمها بعض على بعض يثبت بها تقدمه عليه. # ويمكن أن يكون نفي الحجة كناية عن نفي لازمها وهو الخصومة أي لا خصومة ~~بيننا بتفاوت الدرجات لأن ربنا واحد ونحن في أننا جميعا عباده واحد ولكل ~~نفس ما عملت فلا ms6643 حجة في البين أي لا خصومة حتى تتخذ لها حجة. # ومن هنا يظهر أن لا وجه لقول بعضهم في تفسير الجملة: أي لا احتجاج ولا ~~خصومة لأن الحق قد ظهر فلم يبق للاحتجاج حاجة ولا للمخالفة محمل سوى ~~المكابرة والعناد انتهى. # إذ الكلام مسوق لبيان ما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفسه ~~وفي أمته من سنة التسوية لا لإثبات شيء من أصول المعارف حتى تحمل الحجة على ~~ما حملها عليه. # وقوله: "الله يجمع بيننا" المراد بضمير التكلم فيه مجموع المتكلم ~~والمخاطب في الجمل السابقة، والمراد بالجمع جمعه تعالى إياهم يوم القيامة ~~للحساب والجزاء على ما قيل. # وغير بعيد أن يراد بالجمع جمعه تعالى بينهم في الربوبية فهو رب الجميع ~~والجميع عباده فيكون قوله: "الله يجمع بيننا" تأكيدا لقوله السابق: "الله ~~ربنا وربكم" وتوطئة وتمهيدا لقوله: "وإليه المصير" ويكون مفاد الجملتين أن ~~الله هو مبدئنا لأنه ربنا جميعا وإليه منتهانا لأنه إليه المصير فلا موجد ~~لما بيننا إلا هو عز اسمه. # وكان مقتضى الظاهر في التعليل أن يقال: "الله ربي وربكم لي عملي ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيني وبينكم على محاذاة قوله: "آمنت" "وأمرت لأعدل" لكن عدل ~~عن المتكلم وحده إلى المتكلم مع الغير لدلالة قوله السابق: "شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا" إلخ، وقوله: "الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ~~ينيب" إن هناك قوما يؤمنون بما آمن به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ويلبون دعوته ويتبعون شريعته. PageV18P017 # فالمراد بالمتكلم مع الغير في "ربنا" و"لنا أعمالنا" و"بيننا" هو (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والمؤمنون به، وبالمخاطبين في قوله: "وربكم" و"أعمالكم" ~~و"بينكم" سائر الناس من أهل الكتاب والمشركين، والآية على وزان قوله تعالى: ~~"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون": آل عمران: 64. # قوله تعالى: "والذين يحاجون في الله ms6644 من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد" الحجة هي القول الذي يقصد به إثبات شيء أو ~~إبطاله من الحج بمعنى القصد، والدحض البطلان والزوال. # والمعنى: - على ما قيل - والذين يحاجون في الله أي يحتجون على نفي ~~ربوبيته أو على إبطال دينه من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه لظهور ~~الحجة ووضوح المحجة حجتهم باطلة زائلة عند ربهم وعليهم غضب منه تعالى ولهم ~~عذاب شديد. # والظاهر أن المراد بالاستجابة له ما هو حق الاستجابة وهو التلقي بالقبول ~~عن علم لا يداخله شك تضطر إليه الفطرة الإنسانية السليمة فإن الدين بما فيه ~~من المعارف فطري تصدقه وتستجيب له الفطرة الحية قال تعالى: "إنما يستجيب ~~الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله": الأنعام: 36، وقال: "ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8، وقال: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها": الروم: 30. # ومحصل الآية: على هذا أن الذين يحاجون فيه تعالى أو في دينه بعد استجابة ~~الفطرة السليمة له أو بعد استجابة الناس بفطرتهم السليمة له حجتهم باطلة ~~زائلة عند ربهم وعليهم غضب منه ولهم عذاب شديد لا يقادر قدره. # ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد سياق الآيات السابقة حيث تذكر أن الله شرع ~~دينا ووصى به أنبياءه واجتبى إليه من شاء من عباده فالمحاجة في أن لله دينا ~~يستعبد به عباده داحضة ومن الممكن حينئذ أن يكون قوله: "الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان" في مقام التعليل وحجة مدحضة لحجتهم فتدبر فيه. # وقيل: ضمير "له" للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمستجيب أهل الكتاب، ~~واستجابتهم له اعترافهم بورود أوصافه ونعوته في كتبهم والمراد أن محاجتهم ~~في الله بعد اعترافهم له بما اعترفوا حجتهم باطلة عند ربهم. # وقيل: الضمير له (صلى الله عليه وآله وسلم) والمستجيب هو الله تعالى حيث ~~استجاب دعاءه على صناديد قريش فقتلهم يوم بدر، ودعاءه على أهل مكة فابتلاهم ~~بالقحط والسنة، ودعاءه على المستضعفين حتى خلصهم الله من يد قريش إلى غير ms6645 ~~ذلك من معجزاته، والمعنيان بعيدان من السياق. ### |||| AUTO بحث روائي # في روح المعاني،: في قوله تعالى: "والذين يحاجون في الله" الآية: عن ابن ~~عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام ~~وإضلالهم فقالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فديننا أفضل من ~~دينكم: وفي رواية: بدل "فديننا" إلخ فنحن أولى بالله منكم. وفي الدر ~~المنثور، أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ~~قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله ~~أفواجا فاخرجوا من بين أظهرنا فعلام تقيمون بين أظهرنا فنزلت: "والذين ~~يحاجون في الله من بعد ما استجيب له" الآية. # أقول: مضمون الآية لا ينطبق على الرواية إذ لا محاجة في القصة، وكذا ~~الخبر السابق لا يفي بتوجيه قوله: "من بعد ما استجيب له". PageV18P018 ### ||| AUTO 42 سورة الشورى - 17 - 26 # الله الذى أنزل الكتب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفى ضلل بعيد (18) الله لطيف بعباده ~~يرزق من يشاء وهو القوى العزيز (19) من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ~~ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الاخرة من نصيب (20) أم لهم ~~شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولو لا كلمة الفصل لقضى بينهم ~~وإن الظلمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظلمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك ~~هو الفضل الكبير (22) ذلك الذى يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا إن الله غفور شكور (23) أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك ويمح الله البطل ويحق الحق بكلمته إنه عليم بذات الصدور (24) ~~وهو ms6646 الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ~~ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ويزيدهم من فضله والكفرون لهم عذاب ~~شديد (26) ### |||| AUTO بيان # فصل رابع من الآيات يعرف الوحي الإلهي بأن الدين النازل به كتاب مكتوب ~~على الناس وميزان يوزن به أعمالهم فيجزون بذلك يوم القيامة، والجزاء الحسن ~~من الرزق ثم يستطرد الكلام في ما يستقبلهم يوم القيامة من الثواب والعقاب، ~~وفيها آية المودة في القربى وما يلحق بذلك. # قوله تعالى: "الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان" إلخ، كان مفتتح ~~الفصول السابقة في سياق الفعل إخبارا عن الوحي وغرضه وآثاره "كذلك يوحي ~~إليك" "وكذلك أوحينا إليك" "شرع لكم من الدين" وقد غير السياق في مفتتح هذا ~~الفصل فجيء بالجملة الاسمية المتضمنة لتوصيفه تعالى بإنزال الكتاب والميزان ~~"الله الذي أنزل الكتاب" إلخ، ولازمه تعريف الوحي بنزول الكتاب والميزان به. # ولعل الوجه فيه ما تقدم في الآية السابقة من ذكر المحاجة في الله "والذين ~~يحاجون في الله" فاستدعى ذلك تعريفه تعالى للمحاجين فيه بأنه الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان، ولازمه تعريف الوحي بأثره كما عرفت. # وكيف كان فالمراد بالكتاب هو الوحي المشتمل على الشريعة والدين الحاكم في ~~المجتمع البشري، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة" ~~الآية: البقرة: 213 أن هذا المعنى هو المراد بالكتاب في الكتاب، وكون ~~إنزاله بالحق نزوله مصاحبا للحق لا يخالطه اختلاف شيطاني ولا نفساني. # والميزان ما يوزن ويقدر به الأشياء، والمراد به بقرينة ذيل الآية والآيات ~~التالية هو الدين المشتمل عليه الكتاب حيث يوزن به العقائد والأعمال فتحاسب ~~عليه ويجزي بحسبه الجزاء يوم القيامة فالميزان هو الدين بأصوله وفروعه، ~~ويؤيده قوله تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان": الحديد: 25، على ما هو ظاهر قوله: "معهم". # وقيل: المراد به العدل وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف ~~والتسوية بين الناس والعدل كذلك وأيد بسبق ذكر العدل في قوله: "وأمرت لأعدل ~~بينكم". # وفيه أنه لا شاهد يشهد عليه من اللفظ، وقد تقدم ms6647 أن المراد بالعدل في ~~"لأعدل" هو التسوية بين الناس في التبليغ وفي جريان الحكم دون عدل الحاكم ~~والقاضي. # وقيل: المراد به الميزان المعروف المقدر للأثقال. # وهو كما ترى. PageV18P019 # وقيل: المراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويمكن إرجاعه إلى ما ~~قدمناه من الوجه لأن النبي مصداق كامل ومثل أعلى للدين بأصوله وفروعه ولكل ~~فرد من أمته من الزنة الدينية قدر ما يشابهه ويماثله لكن لا يلائم هذا ~~الوجه ما تقدم نقله آنفا من آية سورة الحديد كثير ملاءمة. # وقوله: "وما يدريك لعل الساعة قريب" لما كان الميزان المشعر بالحساب ~~والجزاء يومىء إلى البعث والقيامة انتقل إلى الكلام فيه وإنذارهم بما ~~سيستقبلهم فيه من الأهوال والتبشير بما أعد فيه للصالحين. # والإدراء الإعلام، والمراد بالساعة - على ما قيل - إتيانها ولذا جيء ~~بالخبر مذكرا، والمعنى: ما الذي يعلمك لعل إتيان الساعة قريب والخطاب للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان أنه سامع فيشمل كل من له أن يسمع ويعم ~~الإنذار والتخويف. # قوله تعالى: "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها" ~~إلخ المراد استعجالهم استعجال سخرية واستهزاء وقد تكرر في القرآن نقل ~~قولهم: "متى هذا الوعد إن كنتم صادقين". # والإشفاق نوع من الخوف، قال الراغب: الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن ~~المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه، قال تعالى: "وهم من الساعة مشفقون" ~~فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر، ~~قال تعالى: "إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين" "مشفقون منها" انتهى. # وقوله: "ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد" المماراة الإصرار ~~على الجدال، والمراد إلحاحهم على إنكارها بالجدال، وإنما كانوا في ضلال ~~بعيد لأنهم أخطئوا طريق الحياة التي أصابتها أهم ما يتصور للإنسان فتوهموها ~~حياة مقطوعة فانية انكبوا فيها على شهوات الدنيا وإنما هي حياة خالده باقية ~~يجب عليهم أن يتزودوا من دنياهم لأخراهم لكنهم ضلوا عن سبيل الرشد فوقعوا ~~في سبيل الغي. # قوله تعالى: "الله لطيف بعباده يرزق من يشاء ms6648 وهو القوي العزيز" في معنى ~~اللطف شيء من الرفق وسهولة الفعل وشيء من الدقة في ما يقع عليه الفعل فإذا ~~تم الرفق والدقة وكان الفاعل يفعل برفق وسهولة ويقع فعله على الأمور ~~الدقيقة كان لطيفا كالهواء النافذ في منافذ الأجسام برفق وسهولة المماس ~~لدقائق أجزائها الباطنة. # وإذا ألقيت الخصوصيات المادية عن هذا المعنى صح أن يتصف به الله سبحانه ~~فإنه تعالى ينال دقائق الأمور بإحاطته وعلمه ويفعل فيها ما يشاء برفق فهو لطيف. # وقد رتب الرزق في الآية على كونه تعالى لطيفا بعباده قويا عزيزا دلالة ~~على أنه تعالى بلطفه لا يغيب عنه أحد ممن يشاء أن يرزق ولا يعصيه وبقوته ~~عليه لا يعجز عنه وبعزته لا يمنعه مانع عنه. # والمراد بالرزق ما يعم موهبة الدين الذي يتلبس بها من يشاء من عباده على ~~ما يشهد به الآية التالية، ولذا ألحق القول فيه بقوله: "الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان". # قوله تعالى: "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه" إلخ، الحرث الزرع ~~والمراد به نتيجة الأعمال التي يؤتاها الإنسان في الآخرة على سبيل ~~الاستعارة كان الأعمال الصالحة بذور وما تنتجه في الآخرة حرث. # والمراد بالزيادة له في حرثه تكثير ثوابه ومضاعفته، قال تعالى: "من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام: 160، وقال: "والله يضاعف لمن يشاء": ~~البقرة: 261. # وقوله: "ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب" أي ~~ومن كان يريد النتائج الدنيوية بأن يعمل للدنيا ويريد نتيجة ما عمله فيها ~~دون الآخرة نؤته من الدنيا وما له في الآخرة نصيب، وفي التعبير بإرادة ~~الحرث إشارة إلى اشتراط العمل لما يريده من الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ~~"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى": النجم: 39. # وقد أبهم ما يعطيه من الدنيا إذ قال: "نؤته منها" إشارة إلى أن الأمر إلى ~~المشية الإلهية فربما بسطت الرزق وربما قدرت كما قال تعالى: "من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد": إسراء: 18. # والالتفات من الغيبة إلى ms6649 التكلم بالغير في قوله "نزد له" و"نؤته منها" ~~للدلالة على العظمة التي يشعر بها قوله: "وهو القوي العزيز". PageV18P020 # والمحصل من معنى الآيتين: أن الله سبحانه لطيف بعباده جميعا ذو قوة مطلقة ~~وعزة مطلقة يرزق عباده على حسب مشيته وقد شاء في من أراد الآخرة وعمل لها ~~أن يرزقه منها ويزيد فيه، وفيمن أراد الدنيا وعمل لها فحسب أن يؤتيه منها ~~وما له في الآخرة من نصيب. # ويظهر من ذلك أن الآية الأولى عامة تشمل الفريقين، والمراد بالعباد ما ~~يعم أهل الدنيا والآخرة، وكذا الرزق وأن الآية الثانية في مقام تفصيل ما في ~~قوله: "يرزق من يشاء" من الإجمال. # قوله تعالى: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" إلى ~~آخر الآية لما بين أن الله سبحانه هو الذي أنزل الكتاب بالحق وشرع لهم ~~الدين الذي هو ميزان أعمالهم وأنه بلطفه وقوته وعزته يرزق من أراد الآخرة ~~وعمل لها ما أراده منها ويزيد، وإن من أراد الدنيا ونسي الآخرة لا نصيب له ~~فيها سجل على من كفر بالآخرة عدم النصيب فيها بإنكار أن لا دين غير ما شرعه ~~الله يدين به هؤلاء حتى يرزقوا بالعمل به مثل ما يرزق أهل الإيمان بالآخرة ~~فيها إذ لا شريك لله حتى يشرع دينا غير ما شرعه الله من غير إذن منه تعالى ~~فلا دين إلا لله ولا يرزق في الآخرة رزقا حسنا إلا من آمن بها وعمل لها. # فقوله: "أم لهم شركاء" إلخ، في مقام الإنكار، وقوله: "ولو لا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم" إشارة إلى الكلمة التي سبقت منه تعالى أنهم يعيشون في الأرض ~~إلى أجل مسمى، وفيه إكبار لجرمهم ومعصيتهم. # وقوله: "وإن الظالمين لهم عذاب أليم" وعيد لهم على ظلمهم، وإشارة إلى ~~أنهم لا يفوتونه تعالى فإن لم يقض بينهم ولم يعذبهم في الدنيا فلهم في ~~الآخرة عذاب أليم. # قوله تعالى: "ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم" إلخ، الخطاب ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان أنه ms6650 سامع فيشمل كل من من شأنه أن ~~يرى، والمراد بالظالمين التاركون لدين الله الذي شرعه لعباده المعرضون عن ~~الساعة، والمعنى: يرى الراءون هؤلاء الظالمين يوم القيامة خائفين مما كسبوا ~~من السيئات وهو واقع بهم لا مناص لهم عنه. # والآية من الآيات الظاهرة في تجسم الأعمال، وقيل: في الكلام مضاف محذوف ~~والتقدير مشفقين من وبال ما كسبوا، ولا حاجة إليه. # وقوله: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات" في المجمع،: أن ~~الروضة الأرض الخضرة بحسن النبات، والجنة الأرض التي تحفها الشجر فروضات ~~الجنات الحدائق المشجرة المخضرة متونها. # وقوله: "لهم ما يشاءون عند ربهم" أي إن نظام الأسباب مطوي فيها بل السبب ~~الوحيد هو إرادتهم وحدها يخلق الله لهم من عنده ما يشاءون ذلك هو الفضل ~~الكبير. # وقوله: "ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات" تبشير ~~للمؤمنين الصالحين، وإضافة العباد تشريفية. # قوله تعالى: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" الذي نفي ~~سؤال الأجر عليه هو تبليغ الرسالة والدعوة الدينية، وقد حكى الله ذلك عن ~~عدة ممن قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرسل كنوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب فيما حكي مما يخاطب كل منهم أمته: "وما أسألكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين" الشعراء وغيرها. # وقد حكي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك إذ قال: "وما تسألهم ~~عليه من أجر": يوسف: 104، وقد أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب ~~الناس بذلك بتعبيرات مختلفة حيث قال: "قل ما أسألكم عليه من أجر": ص 86، ~~وقال: "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله": سبأ: 47، وقال: ~~"قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين": الأنعام: 90، فأشار إلى ~~وجه النفي وهو أنه ذكرى للعالمين لا يختص ببعض دون بعض حتى يتخذ عليه الأجر. # وقال: "قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا": ~~الفرقان: 57، ومعناه على ما مر في تفسير الآية: إلا أن ms6651 يشاء أحد منكم أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا أي يستجيب دعوتي باختياره فهو أجري أي لا شيء هناك وراء ~~الدعوة أي لا أجر. PageV18P021 # وقال تعالى في هذه السورة: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" ~~فجعل أجر رسالته المودة في القربى، ومن المتيقن من مضامين سائر الآيات التي ~~في هذا المعنى أن هذه المودة أمر يرجع إلى استجابة الدعوة إما استجابة كلها ~~وإما استجابة بعضها الذي يهتم به وظاهر الاستثناء على أي حال أنه متصل ~~بدعوى كون المودة من الأجر ولا حاجة إلى ما تمحله بعضهم بتقريب الانقطاع فيه. # وأما معنى المودة في القربى فقد اختلف فيه تفاسيرهم: فقيل - ونسب إلى ~~الجمهور - أن الخطاب لقريش والأجر المسئول هو مودتهم للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لقرابته منهم وذلك لأنهم كانوا يكذبونه ويبغضونه لتعرضه لآلهتهم ~~على ما في بعض الأخبار فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم: إن لم ~~يؤمنوا به فليودوه لمكان قرابته منهم ولا يبغضوه ولا يؤذوه فالقربى مصدر ~~بمعنى القرابة، وفي للسببية. # وفيه أن معنى الأجر إنما يتم إذا قوبل به عمل يمتلكه معطي الأجر فيعطي ~~العامل ما يعادل ما امتلكه من مال ونحوه فسؤال الأجر من قريش وهم كانوا ~~مكذبين له كافرين بدعوته إنما كان يصح على تقدير إيمانهم به (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لأنهم على تقدير تكذيبه والكفر بدعوته لم يأخذوا منه شيئا حتى ~~يقابلوه بالأجر، وعلى تقدير الإيمان به - والنبوة أحد الأصول الثلاثة في ~~الدين - لا يتصور بغض حتى تجعل المودة أجرا للرسالة ويسأل. # وبالجملة لا تحقق لمعنى الأجر على تقدير كفر المسئولين ولا تحقق لمعنى ~~البغض على تقدير إيمانهم حتى يسألوا المودة. # وهذا الإشكال وارد حتى على تقدير أخذ الاستثناء منقطعا فإن سؤال الأجر ~~منهم على أي حال إنما يتصور على تقدير إيمانهم والاستدراك على الانقطاع ~~إنما هو عن الجملة بجميع قيودها فأجد التأمل فيه. # وقيل: المراد بالمودة في القربى ما تقدم والخطاب للأنصار فقد قيل: إنهم ~~أتوه بمال ليستعين ms6652 به على ما ينوبه فنزلت الآية فرده، وقد كان له منهم ~~قرابة من جهة سلمى بنت زيد النجارية ومن جهة أخوال أمه آمنة على ما قيل. # وفيه أن أمر الأنصار في حبهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوضح من أن ~~يرتاب فيه ذو ريب وهم الذين سألوه أن يهاجر إليهم، وبوءوا له الدار، وفدوه ~~بالأنفس والأموال والبنين وبذلوا كل جهدهم في نصرته وحتى في الإحسان على من ~~هاجر إليهم من المؤمنين به، وقد مدحهم الله تعالى بمثل قوله: "والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفهسم ولو كان بهم خصاصة": الحشر: 9، وهذا ~~مبلغ حبهم للمهاجرين إليهم لأجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما هو ~~الظن في حبهم له؟. # وإذا كان هذا مبلغ حبهم فما معنى أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يتوسل إلى مودتهم بقرابته منهم هذه القرابة البعيدة؟. # على أن العرب ما كانت تعتني بالقرابة من جهة النساء ذاك الاعتناء وفيهم ~~القائل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا. # بنوهن أبناء الرجال الأباعد. # والقائل: وإنما أمهات الناس أوعية. # مستودعات وللأنساب آباء. # وإنما هو الإسلام أدخل النساء في القرابة وساوى بين أولاد البنين وأولاد ~~البنات وقد تقدم الكلام في ذلك. # وقيل: الخطاب لقريش والمودة في القربى هي المودة بسبب القرابة غير أن ~~المراد بها مودة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا مودة قريش كما في ~~الوجه الأول، والاستثناء منقطع، ومحصل المعنى: أني لا أسألكم أجرا على ما ~~أدعوكم إليه من الهدى الذي ينتهي بكم إلى روضات الجنات والخلود فيها ولا ~~أطلب منكم جزاء لكن حبي لكم بسبب قرابتكم مني دفعني إلى أن أهديكم إليه ~~وأدلكم عليه. PageV18P022 # وفيه أنه لا يلائم ما يخده الله سبحانه له (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~طريق الدعوة والهداية فإنه تعالى يسجل عليه في مواضع كثيرة من كلامه أن ~~الأمر في هداية الناس إلى الله وليس له من الأمر شيء ms6653 وأن ليس له أن يحزن ~~لكفرهم وردهم دعوته وإنما عليه البلاغ فلم يكن له أن يندفع إلى هداية أحد ~~لحب قرابة أو يعرض عن هداية آخرين لبغض أو كراهة ومع ذلك كله كيف يتصور أن ~~يأمره الله بقوله: "قل لا أسألكم" الآية أن يخبر كفار قريش أنه إنما اندفع ~~إلى دعوتهم وهدايتهم بسبب حبه لهم لقرابتهم منه لا لأجر يسألهم إياه عليه. # وقيل: المراد بالمودة في القربى مودة الأقرباء والخطاب لقريش أو لعامة ~~الناس والمعنى: لا أسألكم على دعائي أجرا إلا أن تودوا أقرباءكم. # وفيه أن مودة الأقرباء على إطلاقهم ليست مما يندب إليه في الإسلام قال ~~تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22، وسياق هذه الآية لا يلائم كونها ~~مخصصة أو مقيدة لعموم قوله: "إلا المودة في القربى" أو إطلاقه حتى تكون ~~المودة للأقرباء المؤمنين هي أجر الرسالة على أن هذه المودة الخاصة لا ~~تلائم خطاب قريش أو عامة الناس. # بل الذي يفيده سياق الآية أن الذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله من ~~غير أن يكون للقرابة خصوصية في ذلك، نعم هناك اهتمام شديد بأمر القرابة ~~والرحم لكنه بعنوان صلة الرحم وإيتاء المال، على حبه ذوي القربى لا بعنوان ~~مودة القربى فلا حب إلا لله عز اسمه. # ولا مساغ للقول بأن المودة في القربى في الآية كناية عن صلتهم والإحسان ~~إليهم بإيتاء المال إذ ليس في الكلام ما يدفع كون المراد هو المعنى الحقيقي ~~غير الملائم لما ندب إليه الإسلام من الحب في الله. # وقيل: معنى القربى هو التقرب إلى الله، والمودة في القربى هي التودد إليه ~~تعالى بالطاعة والتقرب فالمعنى: لا أسألكم عليه أجرا إلا أن توددوا إليه ~~تعالى بالتقرب إليه. # وفيه أن في قوله: "إلا المودة في القربى" على هذا المعنى إبهاما لا يصلح ~~به أن يخاطب به المشركون فإن حاق ms6654 مدلوله التودد إليه - أو وده تعالى - ~~بالتقرب إليه والمشركون لا ينكرون ذلك بل يرون ما هم عليه من عبادة الآلهة ~~توددا إليه بالتقرب منه فهم القائلون على ما يحكيه القرآن عنهم: "ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى": الزمر: 3، "هؤلاء شفعاؤنا عند الله": يونس: 18. # فسؤال التودد إلى الله بالتقرب إليه من غير تقييده بكونه بعبادته وحده، ~~وجعل ذلك أجرا مطلوبا ممن يرى شركة نوع تودد إلى الله بالتقرب إليه، ~~وخطابهم بذلك على ما فيه من الإبهام - والمقام مقام تمحيضه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نفسه في دعوتهم إلى دين التوحيد لا يسألهم لنفسه شيئا قط - مما ~~لا يرتضيه الذوق السليم. # على أن المستعمل في الآية هو المودة دون التودد فالمراد بالمودة حبهم لله ~~في التقرب إليه ولم يرد في كلامه تعالى إطلاق المودة على حب العباد لله ~~سبحانه وإن ورد العكس كما في قوله: "إن ربي رحيم ودود": هود: 90، وقوله: ~~"وهو الغفور الودود": البروج: 14، ولعل ذلك لما في لفظ المودة من الإشعار ~~بمراعاة حال المودود وتعاهده وتفقده، حتى قال بعضهم - على ما حكاه الراغب - ~~أن مودة الله لعباده مراعاته لهم. # والإشكال السابق على حاله ولو فسرت المودة في القربى بموادة الناس بعضهم ~~بعضا ومحابتهم في التقرب إلى الله بأن تكون القربات أسبابا للمودة والحب ~~فيما بينهم فإن للمشركين ما يماثل ذلك فيما بينهم على ما يعتقدون. # وقيل: المراد بالمودة في القربى، مودة قرابة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهم عترته من أهل بيته (عليهم السلام) وقد وردت به روايات من طرق أهل ~~السنة وتكاثرت الأخبار من طرق الشيعة على تفسير الآية بمودتهم وموالاتهم، ~~ويؤيده الأخبار المتواترة من طرق الفريقين على وجوب موالاة أهل البيت ~~(عليهم السلام) ومحبتهم. PageV18P023 # ثم التأمل الكافي في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) المتضمنة لإرجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه ~~من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه إلى أهل البيت (عليهم السلام) ~~كحديث الثقلين وحديث السفينة ms6655 وغيرهما لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم ~~وجعلها أجرا للرسالة إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إليهم فيما كان لهم من ~~المرجعية العلمية. # فالمودة المفروضة على كونها أجرا للرسالة لم تكن أمرا وراء الدعوة ~~الدينية من حيث بقائها ودوامها، فالآية في مؤداها لا تغاير مؤدى سائر ~~الآيات النافية لسؤال الأجر. # ويئول معناها إلى أني لا أسألكم عليه أجرا إلا أن الله لما أوجب عليكم ~~مودة عامة المؤمنين ومن جملتهم قرابتي فإني أحتسب مودتكم لقرابتي وأعدها ~~أجرا لرسالتي، قال تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا": مريم: 96 وقال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض": ~~التوبة: 71. # وبذلك يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه ~~من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئا ويسألون عليه ما يكون فيه نفع ~~لأولادهم وقراباتهم. # وأيضا فيه منافاة لقوله تعالى: "وما تسألهم عليه من أجر": يوسف: 104. # وجه الفساد أن إطلاق الأجر عليها وتسميتها به إنما هو بحسب الدعوى وأما ~~بحسب الحقيقة فلا يزيد مدلول الآية على ما يدل عليه الآيات الآخر النافية ~~لسؤال الأجر كما عرفت وما في ذلك من النفع عائد إليهم فلا مورد للتهمة. # على أن الآية على هذا مدنية خوطب بها المسلمون وليس لهم أن يتهموا نبيهم ~~المصون بعصمة إلهية - بعد الإيمان به وتصديق عصمته - فيما يأتيهم به من ~~ربهم ولو جاز اتهامهم له في ذلك وكان ذلك غير مناسب لشأن النبوة لا يصلح ~~لأن يخاطب به، لاطرد مثل ذلك في خطابات كثيرة قرآنية كالآيات الدالة على ~~فرض طاعته المطلقة والدالة على كون الأنفال والغنائم لله ولرسوله، والدالة ~~على خمس ذوي القربى، وما أبيح له في أمر النساء وغير ذلك. # على أنه تعالى تعرض لهذه التهمة ودفعها في قوله الآتي: "أم يقولون افترى ~~على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك" الآية على ما سيأتي. # وهب أنا صرفنا الآية عن هذا المعنى بحملها على غيره دفعا لما ذكر من ~~التهمة فما هو ms6656 الدافع لها عن الأخبار التي لا تحصى كثرة الواردة من طرق ~~الفريقين في إيجاب مودة أهل البيت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟. # وأما منافاة هذا الوجه لقوله تعالى: "وما تسألهم عليه من أجر" فقد اتضح ~~بطلانه مما ذكرناه، والآية بقياس مدلولها إلى الآيات النافية لسؤال الأجر ~~نظيره قوله تعالى: "قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا": الفرقان: 57. # قال في الكشاف بعد اختياره هذا الوجه: فإن قلت: هلا قيل: إلا مودة القربى ~~أو إلا المودة للقربى، وما معنى قوله: إلا المودة في القربى؟ قلت: جعلوا ~~مكانا للمودة ومقرا لها كقولك: لي في آل فلان مودة، ولي فيهم هوى وحب شديد، ~~تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله. # قال: وليست في بصلة للمودة كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى. # إنما هي متعلقه بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: ~~إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها. # انتهى. # قوله تعالى: "ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور" ~~الاقتراف الاكتساب، والحسنة الفعلة التي يرتضيها الله سبحانه ويثيب عليها، ~~وحسن العمل ملاءمته لسعادة الإنسان والغاية التي يقصدها كما أن مساءته ~~وقبحه خلاف ذلك، وزيادة حسنها إتمام ما نقص من جهاتها وإكماله ومن ذلك ~~الزيادة في ثوابها كما قال تعالى: "ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون": ~~العنكبوت: 7، وقال: "ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله": النور: 38. # والمعنى: ومن يكتسب حسنة نزد له في تلك الحسنة حسنا - برفع نقائصها ~~وزيادة أجرها - إن الله غفور يمحو السيئات شكور يظهر محاسن العمل من عامله. PageV18P024 # وقيل: المراد بالحسنة مودة قربى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤيده ما ~~في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن قوله: "قل لا أسألكم عليه ~~أجرا" إلى تمام أربع آيات نزلت في مودة قربى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ولازم ذلك كون الآيات مدنية وأنها ذات سياق واحد وأن المراد بالحسنة ~~من حيث انطباقها على المورد هي المودة، وعلى ms6657 هذا فالإشارة بقوله: "أم ~~يقولون افترى" إلخ، إلى بعض ما تفوه به المنافقون تثاقلا عن قبوله وفي ~~المؤمنين سماعون لهم، وبقوله: "وهو الذي يقبل التوبة" إلى آخر الآيتين إلى ~~توبة الراجعين منهم وقبولها. # وفي قوله: "إن الله غفور شكور" التفات من التكلم إلى الغيبة والوجه فيه ~~الإشارة إلى علة الاتصاف بالمغفرة والشكر فإن المعنى: أن الله غفور شكور ~~لأنه الله عز اسمه. # قوله تعالى: "أم يقولون افترى على الله كذبا" إلى آخر الآية أم منقطعة، ~~والكلام مسوق للتوبيخ ولازمه إنكار كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مفتريا ~~على الله كذبا. # وقوله: "فإن يشإ الله يختم على قلبك" معناه على ما يعطيه السياق أنك لست ~~مفتريا على الله كذبا فإنه ليس لك من الأمر شيء حتى تشاء الفرية فتأتي بها ~~وإنما هو وحي من الله سبحانه من غير أن يكون لك فيه صنع والأمر إلى مشيته ~~تعالى فإن يشأ يختم على قلبك وسد باب الوحي إليك، لكنه شاء أن يوحي إليك ~~ويبين الحق، وقد جرت سنته أن يمحو الباطل ويحق الحق بكلماته. # فقوله: "فإن يشإ الله يختم على قلبك" كناية عن إرجاع الأمر إلى مشية الله ~~وتنزيه لساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتي بشيء من عنده. # وهذا المعنى - كما سترى - أنسب للسياق بناء على كون المراد بالقربى قرابة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتوبيخ متوجها إلى المنافقين ومرضي ~~القلوب. # وقد ذكروا في معنى الجملة وجوها أخر: منها: ما ذكره الزمخشري في الكشاف ~~حيث فسر قوله: "فإن يشإ الله يختم على قلبك" بقوله: فإن يشإ الله يجعلك من ~~المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب فإنه لا يفتري على الله الكذب إلا ~~من كان في مثل حالهم. # وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله وأنه في البعد مثل الشرك ~~بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم، ومثال هذا أن يخون بعض الأمناء ~~فيقول: لعل الله خذلني لعل الله أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى ~~القلب وإنما ms6658 يريد استبعاد أن يخون مثله والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم. # انتهى. # ومنها ما قيل: إن المعنى لو حدثت نفسك بأن تفتري على الله الكذب لطبع ~~الله على قلبك ولأنساك القرآن فكيف تقدر أن تفتري على الله، وهذا كقوله: ~~"لئن أشركت ليحبطن عملك". # ومنها ما قيل: إن معناه فإن يشإ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى ~~لا يشق عليك قولهم: إنه مفتر وساحر، وهي وجوه لا تخلو من ضعف. # ومنها ما قيل: إن المعنى فإن يشإ الله يختم على قلبك كما ختم على قلوبهم ~~وهو تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليشكر ربه على ما آتاه من ~~النعمة. # ومنها ما قيل: إن المعنى فإن يشإ الله يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم ~~ويعاجلهم بالعذاب، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب وعن الجمع إلى الإفراد، ~~والمراد: يختم على قلبك أيها القائل: أنه افترى على الله كذبا. # وقوله: "ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته" الإتيان بالمضارع - يمحو ~~ويحق - للدلالة على الاستمرار، فمحو الباطل وإحقاق الحق بالكلمات سنة جارية ~~له تعالى والمراد بالكلمات ما ينزل على الأنبياء من الوحي الإلهي والتكليم ~~الربوبي ويمكن أن يكون المراد نفوس الأنبياء من حيث أنها مفصحة عن الضمير ~~الغيبي. # وقوله: "إنه عليم بذات الصدور" تعليل لقوله: "ويمح الله الباطل إلخ أي ~~أنه يمحو الباطل ويحق الحق بكلماته لأنه عليم بالقلوب وما انطوت عليه فيعلم ~~ما تستدعيه من هدى أو ضلال أو شرح أو ختم بإنزال الوحي وتوجيه الدعوة. # قيل: وفي الآية إشعار بوعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصر ولا ~~يخلو من وجه. PageV18P025 # قوله تعالى: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون" يقال: قبل منه وقبل عنه قال في الكشاف: يقال: قبلت منه الشيء ~~وقبلته عنه فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى ~~قبلته عنه عزلته وأبنته عنه. # انتهى. # وفي قوله: "ويعلم ما تفعلون" تحضيض على التوبة وتحذير عن اقتراف السيئات ~~والمعنى ظاهر. # قوله ms6659 تعالى: "ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ~~والكافرون لهم عذاب شديد" فاعل "يستجيب" ضمير راجع إليه تعالى و"الذين ~~آمنوا" إلخ، في موضع المفعول بنزع الخافض والتقدير ويستجيب للذين - آمنوا ~~على ما قيل - وقيل: فاعل "يستجيب" هو "الذين" وهو بعيد من السياق. # والاستجابة إجابة الدعاء ولما كانت العبادة دعوة له تعالى عبر عن قبولها ~~بالاستجابة لهم، والدليل على هذا المعنى قوله: "ويزيدهم من فضله" فإن ظاهره ~~زيادة الثواب وكذا مقابلة استجابة المؤمنين بقوله: "والكافرون لهم عذاب شديد". # وقيل: المراد أنه يستجيب لهم إذا دعوه وأعطاهم ما سألوه وزادهم على ما ~~طلبوه وهو بعيد من السياق. # على أن استجابة الدعاء لا يختص بالمؤمن. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، روى زادان عن علي (عليه السلام) قال: فينا في آل حم آية لا ~~يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن. ثم قرأ "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى". # قال الطبرسي: وإلى هذا أشار الكميت في قوله: وجدنا لكم في آل حم آية. # تأولها منا تقي ومعرب. # وفيه، وصح عن الحسن بن علي (عليهما السلام): أنه خطب الناس فقال في ~~خطبته: إنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال: "قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى". # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله تعالى: "قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى" قال: هم ~~الأئمة. # أقول: والأخبار في هذا المعنى من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) كثيرة جدا مروية عنهم. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ~~جرير وابن مردويه من طريق طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: "إلا المودة ~~في القربى" فقال سعيد بن جبير: هم قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجلت إن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ~~فقال: إلا أن تصلوا ما بيني ms6660 وبينكم من القرابة.: أقول: ورواه أيضا عن ابن ~~عباس بطرق أخرى غير هذا الطريق، وقد تقدم في بيان الآية أن هذا المعنى غير ~~مستقيم ولا منطبق على سياق الآية، ومن العجيب ما في بعض هذه الطرق أن الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله". # وفيه، أخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ~~أن تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم لي. # وفيه، أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف ~~من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية "قل لا أسألكم ~~عليه أجرا - إلا المودة في القربى" قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء ~~الذين وجبت مودتهم قال: علي وفاطمة وولداها:. أقول: ورواه الطبرسي في ~~المجمع،: وفيها "وولدها" مكان "وولداها". # وفيه، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا ~~فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم ~~واستأصلكم فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل ~~حم؟ قال: نعم قال: أما قرأت "قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في ~~القربى"؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس "ومن يقترف حسنة" قال: المودة لآل ~~محمد: أقول: وروي ما في معناه في الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي ~~جعفر (عليه السلام). PageV18P026 # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن ~~مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: في قول الله عز وجل: "قل لا ~~أسألكم عليه أجرا - إلا المودة في القربى" يعني في أهل بيته. قال: جاءت ~~الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إنا قد آوينا ~~ونصرنا فخذ طائفة من ms6661 أموالنا فاستعن بها على ما نابك فأنزل الله عز وجل "قل ~~لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" أي في أهل بيته. ثم قال: ألا ~~ترى أن الرجل يكون له صديق وفي نفس ذلك الرجل شيء على أهل بيته فلا يسلم ~~صدره فأراد الله عز وجل أن لا يكون في نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) شيء على أمته ففرض الله عليهم المودة في القربى فإن أخذوا أخذوا ~~مفروضا، وإن تركوا تركوا مفروضا. قال: فانصرفوا من عنده وبعضهم يقول: عرضنا ~~عليه أموالنا فقال: لا. قاتلوا عن أهل بيتي من بعدي، وقال طائفة: ما قال ~~هذا رسول الله وجحدوه وقالوا كما حكى الله عز وجل: "أم يقولون افترى على ~~الله كذبا" فقال عز وجل: "فإن يشإ الله يختم على قلبك" قال: لو افتريت ~~"ويمح الله الباطل" يعني يبطله "ويحق الحق بكلماته" يعني بالأئمة والقائم ~~من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) "إنه عليم بذات الصدور":. أقول: وروى ~~قصة الأنصار السيوطي في الدر المنثور، عن الطبراني وابن مردويه من طريق ابن ~~جبير وضعفه. PageV18P027 ### ||| AUTO 42 سورة الشورى - 27 - 50 # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه ~~بعباده خبير بصير (27) وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ~~وهو الولى الحميد (28) ومن ءايته خلق السموت والأرض وما بث فيهما من دابة ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29) وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير (30) وما أنتم بمعجزين فى الأرض وما لكم من دون الله من ولى ~~ولا نصير (31) ومن ءايته الجوار فى البحر كالأعلم (32) إن يشأ يسكن الريح ~~فيظللن رواكد على ظهره إن فى ذلك لايت لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجدلون فى ءايتنا ما لهم من محيص (35) ~~فما أوتيتم من شىء فمتع الحيوة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبئر الاثم والفوحش ms6662 وإذا ما غضبوا ~~هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ~~ومما رزقنهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون (39) وجزؤا ~~سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظلمين (40) ~~ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر ~~وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده وترى ~~الظلمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون ~~عليها خشعين من الذل ينظرون من طرف خفى وقال الذين ءامنوا إن الخسرين الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا إن الظلمين فى عذاب مقيم (45) وما كان ~~لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) ~~استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ ~~وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلنك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلغ ~~وإنا إذا أذقنا الانسن منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~فإن الانسن كفور (48) لله ملك السموت والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء ~~إنثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإنثا ويجعل من يشاء ~~عقيما إنه عليم قدير (50) # 1809 18 ### |||| AUTO بيان # صدر الآيات متصل بحديث الرزق المذكور في قوله: "الله لطيف بعباده يرزق من ~~يشاء" وقد سبقه قوله: "له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر" وقد تقدمت الإشارة إلى أن من الرزق نعمة الدين التي آتاها الله ~~سبحانه عباده المؤمنين وبهذه العناية دخل الكلام فيه في الكلام على الوحي ~~الذي سيقت لبيانه آيات السورة وانعطف عليه انعطافا بعد انعطاف. # ثم يذكر بعض آيات التوحيد المتعلقة بالرزق كخلق السماوات والأرض وبث ~~الدواب فيهما والسفائن الجواري في البحر وإيتاء الأولاد الذكور والإناث أو ~~إحداهما لمن يشاء وجعل من يشاء عقيما. PageV18P028 # ثم يذكر ms6663 أن من الرزق ما آتاهموه في الدنيا وهو متاعها الفاني بفنائها ومنه ~~ما يخص المؤمنين في الآخرة وهو خير وأبقى، وينتقل الكلام من هنا إلى صفات ~~المؤمنين وحسن عاقبتهم وإلى وصف ما يلقاه الظالمون وهم غيرهم في عقباهم من ~~أهوال القيامة وعذاب الآخرة. # ووراء ذلك في خلال الآيات من إجمال بعض الأحكام والإنذار والتخويف ~~والدعوة إلى الحق وحقائق المعارف شيء كثير. # قوله تعالى: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ~~ما يشاء أنه بعباده خبير بصير" القدر مقابل البسط معناه التضييق ومنه قوله ~~السابق: "يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" والقدر بفتح الدال وسكونها كمية الشيء ~~وهندسته ومنه قوله: "ولكن ينزل بقدر ما يشاء" أو جعل الشيء على كمية معينة ~~ومنه قوله: "فقدرنا فنعم القادرون": المرسلات: 23. # والبغي الظلم، وقوله: "بعباده" من وضع الظاهر موضع الضمير، والنكتة فيه ~~الإشارة إلى بيان كونه خبيرا بصيرا بهم وذلك أنهم عباده المخلوقون له ~~القائمون به فلا يكونون محجوبين عنه مجهولين له، وكذا قوله السابق: ~~"لعباده" لا يخلو من إشارة إلى بيان إيتاء الرزق وذلك أنهم عباده ورزق ~~العبد على مولاه. # ومعنى الآية: ولو وسع الله الرزق على عباده فأشبع الجميع بإيتائه لظلموا ~~في الأرض - لما أن من طبع سعة المال الأشر والبطر والاستكبار والطغيان كما ~~قال تعالى: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى": العلق: 7 - ولكن ينزل ما ~~يشاء من الرزق بقدر وكمية معينة أنه بعباده خبير بصير فيعلم ما يستحقه كل ~~عبد وما يصلحه من غنى أو فقر فيؤتيه ذلك. # ففي قوله: "ولكن ينزل بقدر ما يشاء" بيان للسنة الإلهية في إيتاء الرزق ~~بالنظر إلى صلاح حال الناس أي إن لصلاح حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم، ولا ~~ينافي ذلك ما نشاهد من طغيان بعض المثرين ونماء رزقهم على ذلك فإن هناك سنة ~~أخرى حاكمة على هذه السنة وهي سنة الابتلاء والامتحان، قال تعالى: "إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة": التغابن: 15، وسنة أخرى هي سنة المكر والاستدراج، ~~قال تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا ms6664 يشعرون وأملي لهم إن كيدي متين": الأعراف: 183. # فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان إلا أن ~~يمتحنه الله كما قال: "وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم": آل ~~عمران: 154 أو يغير النعمة ويكفر بها فيغير الله في حقه سنته فيعطيه ما ~~يطغيه، قال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": ~~الرعد: 11. # وكما أن إيتاء المال والبنين وسائر النعم الصورية من الرزق المقسوم كذلك ~~المعارف الحقة والشرائع السماوية المنتهية إلى الوحي من حيث إنزالها ومن ~~حيث الابتلاء بها والتلبس بالعمل بها من الرزق المقسوم. # فلو نزلت المعارف والأحكام عن آخرها دفعة واحدة - على ما لها من الإحاطة ~~والشمول لجميع شئون الحياة الإنسانية - لشقت على الناس ولم يؤمن بها إلا ~~الأوحدي منهم لكن الله سبحانه أنزلها على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تدريجا وعلى مكث وهيأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض، قال تعالى: ~~"وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث": إسراء: 106. # وكذا المعارف العالية التي هي في بطون المعارف الساذجة الدينية لو لم ~~يضرب عليها بالحجاب وبينت لعامة الناس على حد الظواهر المبينة لهم لم ~~يتحملوها ودفعته أفهامهم إلا الأوحدي منهم لكن الله سبحانه كلمهم في ذلك ~~نوع تكليم يستفيد منه كل على قدر فهمه وسعة صدره كما قال في مثل ضربه في ~~ذلك: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها": الرعد: 17. # وكذلك الأحكام والتكاليف الشرعية لو كلف بجميعها جميع الناس لتحرجوا منها ~~ولم يتحملوها لكنه سبحانه قسمها بينهم حسب تقسيم الابتلاءات المقتضية لتوجه ~~التكاليف المتنوعة بينهم. # فالرزق بالمعارف والشرائع من أي جهة فرض كالرزق الصوري مفروز بين الناس ~~مقدر على حسب صلاح حالهم. # قوله تعالى: "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي ~~الحميد" القنوط اليأس، والغيث المطر، قال في مجمع البيان: الغيث ما كان ~~نافعا في وقته، والمطر قد يكون نافعا وقد يكون ضارا في وقته وغير وقته. # انتهى. PageV18P029 # ونشر الرحمة تفريق النعمة بين ms6665 الناس بإنبات النبات وإخراج الثمار التي يكون ~~سببها المطر. # وفي الآية انتقال من حديث الرزق إلى آيات التوحيد التي لها تعلق ما ~~بالأرزاق، ويتلوها في هذا المعنى آيات، وتذييل الآية بالاسمين: الولي ~~الحميد وهما من أسمائه تعالى الحسنى للثناء عليه في فعله الجميل. # قوله تعالى: "ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة" إلخ، ~~البث التفريق، ويقال: بث الريح التراب إذا أثاره، والدابة كل ما يدب على ~~الأرض فيعم الحيوانات جميعا، والمعنى ظاهر. # وظاهر الآية أن في السماوات خلقا من الدواب كالأرض، وقول بعضهم: إن ما في ~~السموات من دابة هي الملائكة يدفعه أن إطلاق الدواب على الملائكة غير معهود. # وقوله: "وهو على جمعهم إذا يشاء قدير" إشارة إلى حشر ما بث فيهما من دابة ~~وقد عبر بالجمع لمقابلته البث الذي هو التفريق، ولا دلالة في قوله: "على ~~جمعهم" حيث أتى بضمير أولي العقل على كون ما في السماوات من الدواب أولي ~~عقل كالإنسان لقوله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون": الأنعام: 38. # والقدير من أسمائه تعالى الحسنى وهو الذي أركزت فيه القدرة وثبتت، قال ~~الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ~~ما، وإذا وصف الله بها فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة ~~المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا بل حقه أن يقال: قادر على كذا، ومتى قيل: ~~هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من ~~وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز ~~من كل وجه. # والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه ولا ~~ناقصا عنه ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى قال: "إنه على ما يشاء ~~قدير"، والمقتدر يقاربه نحو "عند مليك مقتدر" لكن قد يوصف به ms6666 البشر، وإذا ~~استعمل في الله فمعناه معنى القدير وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف ~~والمكتسب للقدرة، انتهى. # وهو حسن غير أن في قوله: إن القدرة إذا وصف بها الله فهي نفي العجز عنه ~~مساهلة ظاهرة فإن صفاته تعالى الذاتية كالحياة والعلم والقدرة لها معان ~~إيجابية هي عين الذات لا معان سلبية حتى تكون الحياة بمعنى انتفاء الموت ~~والعلم بمعنى انتفاء الجهل والقدرة بمعنى انتفاء العجز على ما يقوله ~~الصابئون ولازمه خلو الذات عن صفات الكمال. # فالحق أن معنى قدرته تعالى كونه بحيث يفعل ما يشاء، ولازم هذا المعنى ~~الإيجابي انتفاء مطلق العجز عنه تعالى. # قوله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير" ~~المصيبة النائبة تصيب الإنسان كأنها تقصده، والمراد بما كسبت أيديكم ~~المعاصي والسيئات، وقوله: "ويعفوا عن كثير" أي عن كثير مما كسبت أيديكم وهي ~~السيئات. # والخطاب في الآية اجتماعي موجه إلى المجتمع غير منحل إلى خطابات جزئية ~~ولازمه كون المراد بالمصيبة التي تصيبهم المصائب العامة الشاملة كالقحط ~~والغلاء والوباء والزلازل وغير ذلك. # فيكون المراد أن المصائب والنوائب التي تصيب مجتمعكم ويصابون بها إنما ~~تصيبكم بسبب معاصيكم والله يصفح عن كثير منها فلا يأخذ بها. # فالآية في معنى قوله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41، وقوله: "ولو أن ~~أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا": ~~الأعراف: 96، وقوله: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": ~~الرعد: 11، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن بين أعمال الإنسان وبين ~~النظام الكوني ارتباطا خاصا فلو جرى المجتمع الإنساني على ما يقتضيه الفطرة ~~من الاعتقاد والعمل لنزلت عليه الخيرات وفتحت عليه البركات ولو أفسدوا أفسد عليهم. # هذا ما تقتضيه هذه السنة الإلهية إلا أن ترد عليه سنة الابتلاء أو سنة ~~الاستدراج والإملاء فينقلب الأمر، قال تعالى: "ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ~~حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا السراء والضراء فأخذناهم بغتة وهم ms6667 لا ~~يشعرون": الأعراف: 95. PageV18P030 # ويمكن أن يكون الخطاب في الآية عاما منحلا إلى خطابات الأفراد فيكون ما ~~يصاب كل إنسان بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده أو عرضه وما يتعلق به مستندا ~~إلى معصية أتى بها وسيئة عملها ويعفو الله عن كثير منها. # وكيف كان فالخطاب في الآية لعامة الناس من المؤمن والكافر وهو الذي يفيده ~~السياق وتؤيده الآية التالية هذا أولا، والمراد بما كسبته الأيدي المعاصي ~~والسيئات دون مطلق الأعمال، وهذا ثانيا، والمصائب التي تصيب إنما هي آثار ~~الأعمال في الدنيا لما بين الأعمال وبينها من الارتباط والتداعي دون جزاء ~~الأعمال وهذا ثالثا. # وبما ذكر يندفع أولا ما استشكل على عموم الآية بالمصائب النازلة على ~~الأنبياء (عليهم السلام) وهم معصومون لا معصية لهم، المصائب النازلة على ~~الأطفال والمجانين وهم غير مكلفين بتكليف فلا معصية لهم فيجب تخصيص الآية ~~بمصائب الأنبياء ومصائب الأطفال والمجانين. # وجه الاندفاع أن إثبات المعصية لهم في قوله: "فبما كسبت أيديكم" دليل على ~~أن الخطاب في الآية لمن يجوز عليه صدور المعصية فلا يشمل المعصومين وغير ~~المكلفين من رأس فعدم شمول الآية لهم من باب التخصص دون التخصيص. # وثانيا ما قيل: إن مقتضى الآية مغفرة ذنوب المؤمنين جميعا فإنها بين ما ~~يجزون عليها بإصابة المصائب وما يعفى عنها. # وجه الاندفاع أن الآية مسوقة لبيان ارتباط المصائب بالمعاصي وكون المعاصي ~~ذوات آثار دنيوية سيئة منها ما يصيب الإنسان ولا يخطىء ومنها ما يعفى عنه ~~فلا يصيب لأسباب صارفة وحكم مانعة كصلة الرحم والصدقة ودعاء المؤمن والتوبة ~~وغير ذلك مما وردت به الأخبار، وأما جزاء الأعمال فالآية غير ناظرة إليه ~~كما تقدم. # على أن الخطاب في الآية يعم المؤمن والكافر كما تقدمت الإشارة إليه، ولا ~~معنى لتبعضها في الدلالة فتدل على المغفرة في المؤمن وعدمها في الكافر. # وبعد هذا كله فالوجه الأول هو الأوجه. # قوله تعالى: "وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير"، معنى الآية ظاهر وهي باتصالها بما قبلها تفيد ms6668 أنكم لا تعجزون الله ~~حتى لا تصيبكم المصائب لذنوبكم وليس لكم من دونه من ولي يتولى أمركم فيدفع ~~عنكم المصائب ولا نصير ينصركم ويعينكم على دفعها. # قوله تعالى: "ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام"، الجواري جمع جارية ~~وهي السفينة، والأعلام جمع علم وهو العلامة ويسمى به الجبل وشبهت السفائن ~~بالجبال لعظمها وارتفاعها والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره" إلخ، ضمير "يشأ" ~~لله تعالى، وظل بمعنى صار، و"رواكد" جمع راكدة وهي الثابتة في محلها ~~والمعنى: إن يشأ الله يسكن الريح التي تجري بها الجواري فيصرن أي الجواري ~~ثوابت على ظهر البحر. # وقوله: "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" أصل الصبر الحبس وأصل الشكر ~~إظهار نعمة المنعم بقول أو فعل، والمعنى: أن فيما ذكر من أمر الجواري من ~~كونها جارية على ظهر البحر بسبب جريان الرياح ناقلة للناس وأمتعتهم من ساحل ~~إلى ساحل لآيات لكل من حبس نفسه عن الاشتغال بما لا يعنيه واشتغل بالتفكر ~~في نعمه والتفكر في النعمة من الشكر. # وقيل: المراد بكل صبار شكور المؤمن لأن المؤمن لا يخلو من أن يكون في ~~الضراء أو في السراء فإن كان في الضراء كان من الصابرين وإن كان في السراء ~~كان من الشاكرين. # قوله تعالى: "أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير" الإيباق الإهلاك، وضمير ~~التأنيث للجواري وضمير التذكير للناس، ويوبقهن ويعف معطوفان على "يسكن"، ~~والمعنى: إن يشأ يهلك الجواري بإغراقها بسبب ما كسبوا من السيئات ويعف عن ~~كثير منها أي إن بعضها كاف في اقتضاء الإهلاك وإن عفا عن كثير منها. # وقيل: المراد بإهلاكها إهلاك أهلها إما مجازا أو بتقدير مضاف، و"يوبقهن" ~~بالعطف على "يسكن" في معنى يرسل الرياح العاصفة فيوبقهم، والمعنى: إن يشأ ~~يسكن الريح إلخ، وإن يشأ يرسلها فيهلكهم بالإغراق وينج كثير منهم بالعفو، ~~والمحصل: إن يشأ يسكن الريح أو يرسلها فيهلك ناسا بذنوبهم وينج ناسا بالعفو ~~عنهم ولا يخفى وجه التكلف فيه. PageV18P031 # وقيل: إن "يعف" عطف على قوله: "يسكن الريح" ms6669 إلى قوله: "بما كسبوا" ولذا عطف ~~بالواو لا بأو، والمعنى: إن يشأ يعاقبهم بالإسكان أو الإعصاف وإن يشأ يعف ~~عن كثير. # وهو في التكلف كسابقه. # قوله تعالى: "ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص" قيل: هو ~~غاية معطوفة على أخرى محذوفة، والتقدير نحو من قولنا: ليظهر به قدرته ويعلم ~~الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من مفر ولا مخلص، وهذا كثير الورود في ~~القرآن الكريم غير أن المعطوف فيما ورد فيه مقارن للأم الغاية كقوله: ~~"وليعلم الله الذين آمنوا": آل عمران: 140. # وقوله: "وليكون من الموقنين": الأنعام: 75. # وجوز بعضهم أن يكون معطوفا على جزاء الشرط بتقدير إن نحو إن جئتني أكرمك ~~وأعطيك كذا وكذا بنصب أعطيك، والمسألة نحوية خلافية فليرجع إلى ما ذكروه فيه. # قوله تعالى: "فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا" إلخ، تفصيل لما ~~تقدم ذكره من الرزق وتقسيم له إلى ما عند الناس من رزق الدنيا الشامل ~~للمؤمن والكافر وما عند الله من رزق الآخرة المختص بالمؤمنين، وفيه تخلص ~~إلى ذكر صفات المؤمنين وذكر بعض ما يلقاه الظالمون يوم القيامة. # فقوله: "فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا" الخطاب للناس على ما ~~يفيده السياق دون المشركين خاصة، والمراد بما أوتيتم من شيء جميع ما أعطيه ~~للناس ورزقوه من النعيم، وإضافة المتاع إلى الحياة للإشارة إلى انقطاعه ~~وعدم ثباته ودوامه، والمعنى: فكل شيء أعطيتموه مما عندكم متاع تتمتعون به ~~في أيام قلائل. # وقوله: "وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون" المراد ~~بما عند الله ما ادخره الله ثوابا ليثيب به المؤمنين، واللام في "للذين ~~آمنوا" للملك والظرف لغو، وقيل اللام متعلق بقوله: "أبقى" والأول أظهر، ~~وكون ما عند الله خيرا لكونه خالصا من الألم والكدر وكونه أبقى لكونه أدوم ~~غير منقطع الآخر. # قوله تعالى: "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون" عطف على قوله: "الذين آمنوا" والآية وآيتان بعدها تعد صفات ~~المؤمنين الحسنة وقول بعضهم إنه كلام مستأنف لا يساعد عليه ms6670 السياق. # وكبائر الإثم المعاصي الكبيرة التي لها آثار سوء عظيمة وقد عد تعالى منها ~~شرب الخمر والميسر، قال تعالى: "قل فيهما إثم كبير": البقرة: 219، والفواحش ~~جمع فاحشة وهي المعصية الشنيعة النكراء وقد عد تعالى منها الزنا واللواط ~~قال: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة": إسراء: 32، وقال حاكيا عن لوط: ~~"أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون": النمل: 54. # وقوله: "يجتنبون كبائر الإثم والفواحش" وهو في سورة مكية إشارة إلى إجمال ~~ما سيفصل من تشريع تحريم كبائر المعاصي والفواحش. # وفي قوله: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون" إشارة إلى العفو عند الغضب وهو من ~~أخص صفات المؤمنين ولذا عبر عنه بما عبر ولم يقل: ويغفرون إذا غضبوا ففي ~~الكلام جهات من التأكيد وليس قصرا للمغفرة عند الغضب فيهم. # قوله تعالى: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة" إلخ، الاستجابة هي ~~الإجابة واستجابتهم لربهم إجابتهم لما يكلفهم به من الأعمال الصالحة - على ~~ما يفيده السياق - وذكر إقامة الصلاة بعدها من قبيل ذكر الخاص بعد العام لشرفه. # على أن الظاهر أن الآيات مكية ولم يشرع يومئذ أمثال الزكاة والخمس والصوم ~~والجهاد، وفي قوله: "والذين استجابوا لربهم" من الإشارة إلى الإجمال ~~الأعمال الصالحة المشرعة نظير ما تقدم في قوله: "والذين يجتنبون" إلخ، ~~ونظير الكلام جار في الآيات التالية. # وقوله: "وأمرهم شورى بينهم" قال الراغب: والتشاور والمشاورة والمشورة ~~استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا أخذته من ~~موضعه واستخرجته منه، قال تعالى: "وشاورهم في الأمر" والشورى الأمر الذي ~~يتشاور فيه، قال تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" انتهى. # فالمعنى: الأمر الذي يعزمون عليه شورى بينهم يتشاورون فيه، ويظهر من ~~بعضهم أنه مصدر، والمعنى: وشأنهم المشاورة بينهم. # وكيف كان ففيه إشارة إلى أنهم أهل الرشد وإصابة الواقع يمعنون في استخراج ~~صواب الرأي بمراجعة العقول فالآية قريبة المعنى من قول الله تعالى: "الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه": الزمر: 18. PageV18P032 # وقوله: "ومما رزقناهم ينفقون" إشارة إلى بذل المال لمرضاة الله. # قوله تعالى: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" قال الراغب: الانتصار ~~والاستنصار طلب النصرة. ms6671 # انتهى. # فالمعنى: الذين إذا أصاب الظلم بعضهم طلب النصرة من الآخرين وإذا كانوا ~~متفقين على الحق كنفس واحدة فكان الظلم أصاب جميعهم فطلبوا المقاومة قباله ~~وأعدوا عليه النصرة. # وعن بعضهم أن الانتصار بمعنى التناصر نظير اختصم وتخاصم واستبق وتسابق ~~والمعنى عليه ظاهر. # وكيف كان فالمراد مقاومتهم لرفع الظلم فلا ينافي المغفرة عند الغضب ~~المذكورة في جملة صفاتهم فإن المقاومة دون الظلم وسد بابه عن المجتمع لمن ~~استطاعه والانتصار والتناصر لأجله من الواجبات الفطرية، قال تعالى: "وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر": الأنفال: 72، وقال: "فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله": الحجرات: 9. # قوله تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" إلى آخر الآية بيان لما جعل للمنتصر ~~في انتصاره وهو أن يقابل الباغي بما يماثل فعله وليس بظلم وبغي. # قيل: وسمي الثانية وهي ما يأتي بها المنتصر سيئة لأنها في مقابلة الأولى ~~كما قال تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم": ~~البقرة: 194، وقال الزمخشري: كلتا الفعلتين: الأولى وجزاؤها سيئة لأنها ~~تسوء من تنزل به ففيه رعاية لحقيقة معنى اللفظ وإشارة إلى أن مجازاة السيئة ~~بمثلها إنما تحمد بشرط المماثلة من غير زيادة. # وقوله: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" وعد جميل على العفو والإصلاح، ~~والظاهر أن المراد بالإصلاح إصلاحه أمره فيما بينه وبين ربه، وقيل: المراد ~~إصلاحه ما بينه وبين ظالمه بالعفو والإغضاء. # وقوله: "إنه لا يحب الظالمين" قيل: فيه بيان أنه تعالى لم يرغب المظلوم ~~في العفو عن الظالم لميله إلى الظالم أو لحبه إياه ولكن ليعرض المظلوم بذلك ~~لجزيل الثواب، ولحبه تعالى الإحسان والفضل. # وقيل: المراد أنه لا يحب الظالم في قصاص وغيره بتعديه عما هو له إلى ما ~~ليس هو له. # والوجهان وإن كانا حسنين في نفسهما لكن سياق الآية لا يساعد عليهما وخاصة ~~مع حيلولة قوله: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" بين التعليل والمعلل. # ويمكن أيضا أن يكون قوله: "إنه لا يحب الظالمين" تعليلا لأصل كون جزاء ~~السيئة سيئة من غير نظر إلى المماثلة ms6672 والمساواة. # قوله تعالى: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - إلى قوله - ~~من عزم الأمور" ضمير "ظلمه" راجع إلى المظلوم. # والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله. # الآيات الثلاث تبيين ورفع لبس من قوله في الآية السابقة: "فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله" فمن الجائز أن يتوهم المظلوم أن في ذلك إلغاء لحق انتصاره ~~فبين سبحانه بقوله أولا: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل" أن ~~لا سبيل على المظلومين ولا مجوز لإبطال حقهم في الشرع الإلهي، وإرجاع ضمير ~~الإفراد إلى الموصول أولا باعتبار لفظه، وضمير الجمع ثانيا باعتبار معناه. # وبين بقوله ثانيا: "إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض ~~بغير الحق" إن السبيل كله على الظالمين في الانتقام منهم للمظلومين، وأكد ~~ذلك ذيلا بقوله: "أولئك لهم عذاب أليم". # وبين بقوله ثالثا: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور" إن الدعوة إلى ~~الصبر والعفو ليست إبطالا لحق الانتصار وإنما هي إرشاد إلى فضيلة هي من ~~أعظم الفضائل فإن في المغفرة الصبر الذي هو من عزم الأمور، وقد أكد الكلام ~~بلام القسم أولا وباللام في خبر إن ثانيا لإفادة العناية بمضمونه. # قوله تعالى: "ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده" إلخ، لما ذكر ~~المؤمنين بأوصافهم وأن لهم عند الله رزقهم المدخر لهم وفيه سعادة عقباهم ~~التي هداهم الله إليها التفت إلى غيرهم وهم الظالمون الآيسون من تلك ~~الهداية الموصلة إلى السعادة المحرومون من هذا الرزق الكريم فبين أن الله ~~سبحانه أضلهم لكفرهم وتكذيبهم فلا ينتهون إلى ما عنده من الرزق ولا يسعدهم ~~به وليس لهم من دونه من ولي حتى يتولى أمرهم ويرزقهم ما حرمهم الله من ~~الرزق، فهم صفر الأكف يتمنون عند مشاهدة العذاب الرجوع إلى الدنيا ليعملوا ~~صالحا فيكونوا أمثال المؤمنين. PageV18P033 # فقوله: "ومن يضلل الله" إلخ، من قبيل وضع السبب وهو إضلال الله لهم وعدم ~~ولي آخر يتولى أمرهم فيهديهم ويرزقهم موضع المسبب وهو الهداية والرزق. # وقوله: "وترى الظالمين لما رأوا ms6673 العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل" إشارة ~~إلى تمنيهم الرجوع إلى الدنيا بعد اليأس عن السعادة ومشاهدة العذاب. # و"ترى" خطاب عام وجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه راء ~~ومعناه وترى ويرى كل من هو راء، وفيه إشارة إلى أنهم يتمنون ذلك على رءوس ~~الأشهاد، والمرد هو الرد. # قوله تعالى: "وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي" ~~ضمير "عليها" للنار للدلالة المقام عليها وخفي الطرف ضعيفه وإنما ينظر من ~~طرف خفي. # إلى المكاره المهولة من ابتلي بها فهو لا يريد أن ينصرف فيغفل عنها ولا ~~يجترىء أن يمتلىء بها بصره كالمبصور ينظر إلى السيف، والباقي ظاهر. # وقوله: "وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة" أي إن الخاسرين كل الخسران وبحقيقته هم الذين خسروا أنفهسم ~~بحرمانها عن النجاة وأهليهم بعدم الانتفاع بهم يوم القيامة. # وقيل أهلوهم أزواجهم من الحور وخدمهم في الجنة لو آمنوا ولا يخلو من وجه ~~نظرا إلى آيات وراثة الجنة. # وهذا القول المنسوب إلى المؤمنين إنما يقولونه يوم القيامة - والتعبير ~~بلفظ الماضي لتحقق الوقوع - لا في الدنيا كما يظهر من بعضهم فليس لاستناده ~~تعالى إلى مقالة المؤمنين في الدنيا وجه في مثل المقام، وليس القائلون به ~~جميع المؤمنين كائنين من كانوا وإنما هم الكاملون منهم المأذون لهم في ~~الكلام الناطقون بالصواب محضا كأصحاب الأعراف وشهداء الأعمال قال تعالى: ~~"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105. # وقال: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38. # فلا يصغى إلى ما قيل: إن القول المذكور إنما نسب إلى المؤمنين للدلالة ~~على ابتهاجهم بما رزقوا يومئذ من الكرامة ونجوا من الخسران وإلا فالقول قول ~~كل من يتأتى منه القول من أهل الجمع كما أن الرؤية المذكورة قبله رؤية كل ~~من تتأتى منه الرؤية. # وقوله: "ألا إن الظالمين في عذاب مقيم" تسجيل عليهم بالعذاب وأنه دائم ~~غير منقطع، وجوز أن يكون من تمام كلام المؤمنين. # قوله تعالى: "وما كان ms6674 لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله" إلخ، هذا ~~التعبير أعني قوله: "وما كان لهم" إلخ، دون أن يقال: وما لهم من ولي كما ~~قيل أولا للدلالة على ظهور بطلان دعواهم ولاية أوليائهم في الدنيا وأن ذلك ~~كان باطلا من أول الأمر. # وقوله: "ومن يضلل الله فما له من سبيل" صالح لتعليل صدر الآية وهو ~~كالنتيجة لجميع ما تقدم من الكلام في حال الظالمين في عقباهم، ونوع انعطاف ~~إلى ما سبق من حديث تشريع الشريعة والسبيل بالوحي. # فهو كناية عن أنه لا سبيل إلى السعادة إلا سبيل الله الذي شرعه لعباده من ~~طريق الوحي والرسالة فمن أضله عن سبيله لكفره وتكذيبه بسبيله فلا سبيل له ~~يهتدي به إلى سعادة العقبى والتخلص من العذاب والهلاك. # قوله تعالى: "استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما ~~لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير" دعوة وإنذار بيوم القيامة المذكور في ~~الآيات السابقة على ما يعطيه السياق، وقول بعضهم: إن المراد باليوم يوم ~~الموت غير وجيه. # وفي قوله: "لا مرد له من الله" "لا" لنفي الجنس و"مرد" اسمه و"له" خبره ~~و"من الله" حال من "مرد" والمعنى، يوم لا رد له من قبل الله أي أنه مقضي ~~محتوم لا يرده الله البتة فهو في معنى ما تكرر في كلامه تعالى من وصف يوم ~~القيامة بأنه لا ريب فيه. # وقد ذكروا للجملة أعني قوله: "يوم لا مرد له من الله" وجوها أخر من ~~الإعراب لا جدوى في نقلها. # وقوله: "ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير" الملجأ الملاذ الذي يلتجأ ~~إليه والنكير - كما قيل - مصدر بمعنى الإنكار، والمعنى: ما لكم من ملاذ ~~تلتجئون إليه من الله وما لكم من إنكار لما صدر منكم لظهور الأمر من كل جهة. PageV18P034 # قوله تعالى: "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ" عدول ~~من خطابهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لإعلام أن ما حمله من ~~الأمر إنما ms6675 هو التبليغ لا أزيد من ذلك فقد أرسل مبلغا لدين الله إن عليه ~~إلا البلاغ ولم يرسل حفيظا عليهم مسئولا عن إيمانهم وطاعتهم حتى يمنعهم عن ~~الإعراض ويتعب نفسه لإقبالهم عليه. # قوله تعالى: "وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة ~~بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور" الفرح بالرحمة كناية عن الاشتغال ~~بالنعمة ونسيان المنعم، والمراد بالسيئة المصيبة التي تسوء الإنسان إذا ~~أصابته، وقوله: "فإن الإنسان كفور" من وضع الظاهر موضع الضمير، والنكتة فيه ~~تسجيل الذم واللوم عليه بذكره باسمه. # وفي الآية استشعار بإعراضهم وتوبيخهم بعنوان الإنسان المشتغل بالدنيا ~~فإنه بطبعه حليف الغفلة إن ذكر بنعمة يؤتاها صرفه الفرح بها عن ذكر الله، ~~وإن ذكر بسيئة تصيبه بما قدمت يداه شغله الكفران عن ذكر ربه فهو في غفلة عن ~~ذكر ربه في نعمة كانت أو في نقمة فكاد أن لا تنجح فيه دعوة ولا تنفع فيه موعظة. # قوله تعالى: "لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء" إلى آخر الآيتين، ~~للآيتين نوع اتصال بما تقدم من حديث الرزق لما أن الأولاد المذكورين فيهما ~~من قبيل الرزق. # وقيل: إنهما متصلتان بالآية السابقة حيث ذكر فيها إذاقة الرحمة وإصابة ~~السيئة وإن الإنسان يفرح بالرحمة ويكفر في السيئة فذكر تعالى في هاتين ~~الآيتين أن ملك السماوات والأرض لله سبحانه يخلق ما يشاء فليس لمن يذوق ~~رحمته أن يفرح بها ويشتغل به ولا لمن أصابته السيئة أن يكفر ويعترض بل له ~~الخلق والأمر فعلى المرحوم أن يشكر وعلى المصاب أن يرجع إليه. # ويبعده أنه تعالى لم ينسب السيئة في الآية السابقة إلى نفسه بل إلى تقديم ~~أيديهم فلا يناسبه نسبة القسمين جميعا في هذه الآية إلى مشيته ودعوتهم إلى ~~التسليم لها. # وكيف كان فقوله: "لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء" فيه قصر الملك ~~والسلطنة فيه تعالى على جميع العالم وأن الخلق منوط بمشيته من غير أن يكون ~~هناك أمر يوجب عليه المشية أو يضطره على الخلق. # وقوله: "يهب لمن يشاء إناثا ms6676 ويهب لمن يشاء الذكور" الإناث جمع أنثى ~~والذكور والذكران جمعا ذكر، وظاهر التقابل أن المراد هبة الإناث فقط لمن ~~يشاء وهبة الذكور فقط لمن يشاء ولذلك كررت المشية، قيل: وجه تعريف الذكور ~~أنهم المطلوبون لهم المعهودون في أذهانهم وخاصة العرب. # وقوله: "أو يزوجهم ذكرانا وإناثا" أي يجمع بينهم حال كونهم ذكرانا وإناثا ~~معا فالتزويج في اللغة الجمع، وقوله: "ويجعل من يشاء عقيما" أي لا يلد ولا ~~يولد له، ولما كان هذا أيضا قسما برأسه قيده بالمشية كالقسمين الأولين، ~~وأما قسم الجمع بين الذكران والإناث فإنه بالحقيقة جمع بين القسمين الأولين ~~فاكتفى بما ذكر من المشية فيهما. # وقوله: "إنه عليم قدير" تعليل لما تقدم أي أنه عليم لا يزيد ما يزيد لجهل ~~قدير لا ينقص ما ينقص عن عجز. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن علي قال: إنما أنزلت هذه ~~الآية في أصحاب الصفة: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض" وذلك ~~أنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا الدنيا. # أقول: والآية على هذا مدنية لكن الرواية أشبه بالتطبيق منها بسبب النزول. # وفي تفسير القمي،: قوله: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض": ~~قال الصادق (عليه السلام): لو فعل لفعلوا ولكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض ~~واستعبدهم بذلك ولو جعلهم أغنياء لبغوا "ولكن ينزل بقدر ما يشاء" مما يعلم ~~أنه يصلحهم في دينهم ودنياهم "إنه بعباده خبير بصير". # وفي المجمع، روى أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل عن ~~الله جل ذكره: أن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو صححته لأفسده، وإن من ~~عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده، وإن من عبادي من لا يصلحه ~~إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو ~~أغنيته لأفسده، وذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم. PageV18P035 # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي حمزة ~~عن الأصبغ بن نباتة ms6677 عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إني سمعته يقول: ~~إني أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه. ثم أقبل علينا فقال: ما عاقب ~~الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا إلا كان الله أحكم وأجود وأمجد من أن يعود ~~في عقابه يوم القيامة. ثم قال: وقد يبتلي الله عز وجل المؤمن بالبلية في ~~بدنه أو ماله أو ولده أو أهله ثم تلا هذه الآية: "وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم - ويعفوا عن كثير" وحثا بيده ثلاث مرات. # وفي الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~أما أنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب وذلك قول الله ~~عز وجل في كتابه: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير" ~~قال: ثم قال: وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به. # أقول: وروي هذا المعنى بطريق آخر عن مسمع عنه (عليه السلام)، وروي مثله ~~في الدر المنثور، عن الحسن عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظه: لما ~~نزلت هذه الآية "وما أصابكم من مصيبة - فبما كسبت أيديكم" قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ~~ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. # وفي الكافي، أيضا بإسناده عن علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله عن قول ~~الله عز وجل: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" أرأيت ما أصاب عليا ~~وأهل بيته (عليهم السلام) من بعده أهو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة ~~معصومون؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتوب إلى الله ~~ويستغفر في كل يوم وليلة مائة مرة من غير ذنب إن الله يخص أولياءه بالمصائب ~~ليأجرهم عليها. # وفي المجمع، روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): خير آية في كتاب الله هذه الآية. يا على ms6678 ما من خدش عود ~~ولا نكبة قدم إلا بذنب، وما عفا إله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود ~~فيه، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده:. أقول: ورواه ~~في الدر المنثور، عن عدة من أرباب الجوامع عن علي (عليه السلام) عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وفحوى الرواية أن قوله تعالى: "وما أصابكم" الآية ~~خاص بالمؤمنين والخطاب لهم وأن مفاده غفران ذنوبهم كافة فلا يعاقبون عليها ~~في برزخ ولا قيامة لأن الآية تقصر الذنوب في مأخوذ به بإصابة المصيبة ومعفو ~~عنه ومفاد الرواية نفي المؤاخذة بعد المؤاخذة ونفي المؤاخذة بعد العفو. # فيشكل الأمر أولا: من جهة ما عرفت أن الآية في سياق يفيد عموم الخطاب ~~للمؤمن والكافر. # وثانيا: من جهة معارضة الرواية لما ورد في أخبار متكاثرة لعلها تبلغ حد ~~التواتر المعنوي من أن من المؤمنين من يعذب في قبره أو في الآخرة. # وثالثا: من جهة مخالفة الرواية لظواهر ما دلت من الآيات على أن موطن جزاء ~~الأعمال هي الدار الآخرة كقوله تعالى: "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك ~~عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون": النحل: 61، وغيره من الآيات الدالة على أن كل مظلمة ومعصية ~~مأخوذ بها وأن موطن الأخذ هو ما بعد الموت وفي القيامة إلا ما غفرت بالتوبة ~~أو تذهب بحسنة أو بشفاعة في الآخرة أو نحو ذلك. # على أن الآية أعني قوله: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا ~~عن كثير" - كما تقدمت الإشارة إليه - غير ظاهرة في كون أصابة المصيبة جزاء ~~للعمل ولا في كون العفو بمعنى إبطال الجزاء وإنما هو الأثر الدنيوي للسيئة ~~يصيب مرة ويمحى أخرى. # فالحري أن تحمل الرواية - لو قبلت - على الأخذ بحسن الظن بالله سبحانه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم": وقد روي عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى ms6679 الرشد. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله عز وجل: "يهب لمن يشاء إناثا" يعني ليس معهن ذكور "ويهب لمن يشاء ~~الذكور" يعني ليس معهم أنثى "أو يزوجهم ذكرانا وإناثا" أي يهب لمن يشاء ~~ذكرانا وإناثا جميعا يجمع له البنين والبنات أي يهبهم جميعا لواحد. PageV18P036 # وفي التهذيب، بإسناده عن الحسين بن علوان عن زيد بن علي عن آبائه عن علي ~~(عليه السلام) قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل فقال: يا رسول ~~الله إن أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أنت ومالك من هبة الله لأبيك أنت سهم من كنانته "يهب ~~لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور - أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من ~~يشاء عقيما" جازت عتاقة أبيك يتناول والدك من مالك وبدنك وليس لك أن تتناول ~~من ماله ولا من بدنه شيئا إلا بإذنه. # أقول: وهذا المعنى مروي عن الرضا (عليه السلام) في جواب مسائل محمد بن ~~سنان في العلل ومروي من طرق أهل السنة عن عائشة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV18P037 ### ||| AUTO 42 سورة الشورى - 51 - 53 # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراى حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحى بإذنه ما يشاء إنه على حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدرى ما الكتب ولا الايمن ولكن جعلنه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ~~وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم (52) صرط الله الذى له ما فى السموت وما فى ~~الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات آخر ما يفيده سبحانه في تعريف الوحي في هذه السورة وهو ~~تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ~~ما يشاء ثم يذكر أنه يوحي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يوحي، على هذه ~~الوتيرة وأن ما أوحي إليه منه تعالى لم يكن النبي ms6680 (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يعلم ذلك من نفسه بل هو نور يهدي به الله من يشاء من عباده ويهدي به ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإذنه. # قوله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" إلخ، قد تقدم البحث عن معنى كلامه تعالى ~~في الجزء الثاني من الكتاب، وإطلاق الكلام على كلامه تعالى والتكليم على ~~فعله الخاص سواء كان إطلاقا حقيقيا أو مجازيا واقع في كلامه تعالى قال: "يا ~~موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي": الأعراف: 144 وقال: "وكلم ~~الله موسى تكليما": النساء: 164، ومن مصاديق كلامه ما يتلقاه الأنبياء ~~(عليهم السلام) منه تعالى بالوحي. # وعلى هذا لا موجب لعد الاستثناء في قوله: "إلا وحيا" منقطعا بل الوحي ~~والقسمان المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاق التكليم ~~عليها إطلاقا حقيقيا أو مجازيا فكل واحد من الوحي وما كان من وراء حجاب وما ~~كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر. # فقوله: "وحيا" - والوحي الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق ~~نوعي وكذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي، والمعنى: ما كان لبشر أن ~~يكلمه الله نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحي وحيا أو ~~يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. # ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام وقد ~~قيد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب، والرسول الذي يوحي إلى النبي ولم يقيد ~~القسم الأول بشيء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون ~~أن يتوسط واسطة بينة تعالى وبين النبي أصلا، وأما القسمان الآخران ففيهما ~~قيد زائد وهو الحجاب أو الرسول الموحي وكل منهما واسطة غير أن الفارق أن ~~الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه والحجاب واسطة ليس بموح وإنما ~~الوحي من ورائه. # فتحصل أن القسم الثالث "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" وحي بتوسط ~~الرسول ms6681 الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله سبحانه ~~قال تعالى: "نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194، وقال: "قل من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97، والموحي مع ~~ذلك هو الله سبحانه كما قال: "بما أوحينا إليك هذا القرآن": يوسف: 3. # وأما قول بعضهم: إن المراد بالرسول في قوله: "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ~~ما يشاء" هو النبي يبلغ الناس الوحي فلا يلائمه قوله: "يوحي" إذ لا يطلق ~~الوحي على تبليغ النبي. # وإن القسم الثاني "أو من وراء حجاب" وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن ~~الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث وإنما يبتدىء الوحي مما وراءه لمكان ~~من، وليس وراء بمعنى خلف وإنما هو الخارج عن الشيء المحيط به، قال تعالى: ~~"والله من ورائهم محيط": البروج: 20، وهذا كتكليم موسى (عليه السلام) في ~~الطور، قال تعالى: "فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة": القصص: 30، ومن هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في ~~مناماتهم. # وإن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينة وبين ربه من رسول أو ~~أي حجاب مفروض. PageV18P038 # ولما كان للوحي في جميع هذه الأقسام نسبة إليه تعالى على اختلافها صح إسناد ~~مطلق الوحي إليه بأي قسم من الأقسام تحقق وبهذه العناية أسند جميع الوحي ~~إليه في كلامه كما قال: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده": النساء: 163. # وقال: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم": النحل: 43. # هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة، وللمفسرين فيها أبحاث طويلة الذيل ~~ومشاجرات أضربنا عن الاشتغال بها من أرادها فليراجع المفصلات. # وقوله: "إنه علي حكيم" تعليل لمضمون الآية فهو تعالى لعلوه عن الخلق ~~والنظام الحاكم فيهم يجل أن يكلمهم كما يكلم بعضهم بعضا، ولعلوه وحكمته ~~يكلمهم بما اختار من الوحي وذلك أن هداية كل نوع إلى سعادته من شأنه تعالى ~~كما قال: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، وقال: "وعلى ms6682 الله قصد ~~السبيل": النحل: 9، وسعادة الإنسان الذي يسلك سبيل سعادته بالشعور والعلم ~~في إعلام سعادته والدلالة إلى سنة الحياة التي تنتهي إليها ولا يكفي في ذلك ~~العقل الذي من شأنه الإخطاء والإصابة فاختار سبحانه لذلك طريق الوحي الذي ~~لا يخطىء البتة، وقد فصلنا القول في هذه الحجة في موارد من هذا الكتاب. # قوله تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان" إلخ، ظاهر السياق كون "كذلك" إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة ~~من الوحي بأقسامه الثلاث، ويؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كما كان يوحى إليه بتوسط جبريل وهو القسم الثالث كان ~~يوحى إليه في المنام وهو من القسم الثاني ويوحى إليه من دون توسط واسطة وهو ~~القسم الأول. # وقيل: الإشارة إلى مطلق الوحي النازل على الأنبياء وهذا متعين على تقدير ~~كون المراد بالروح هو جبريل أو الروح الأمري كما سيأتي. # والمراد بإيحاء الروح - على ما قيل - إيحاء القرآن وأيد بقوله: "ولكن ~~جعلناه نورا" إلخ، ومن هنا قيل: إن المراد بالروح القرآن. # لكن يبقى عليه أولا: أنه لا ريب أن الكلام مسوق لبيان أن ما عندك من ~~المعارف والشرائع التي تتلبس بها وتدعو الناس إليها ليس مما أدركته بنفسك ~~وأبديته بعلمك بل أمر من عندنا منزل إليك بوحينا، وعلى هذا فلو كان المراد ~~بالروح الموحي القرآن كان من الواجب الاقتصار على الكتاب في قوله: "ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان" لأن المراد بالكتاب القرآن فيكون الإيمان ~~زائدا مستغنى عنه. # وثانيا: أن القرآن وإن أمكن أن يسمى روحا باعتبار إحيائه القلوب بهداه ~~كما قال تعالى: "إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24، وقال: "أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122، لكن لا وجه ~~لتقيده حينئذ بقوله: "من أمرنا" والظاهر من كلامه تعالى أن الروح من أمره ~~خلق من العالم العلوي يصاحب الملائكة في نزولهم، قال تعالى: "تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": ms6683 القدر: 4، وقال: "يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا": النبأ: 38، وقال: "قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85، وقال: ~~"وأيدناه بروح القدس": البقرة: 87، وقد سمي جبريل الروح الأمين وروح القدس ~~حيث قال: "نزل به الروح الأمين": الشعراء: 193، وقال: "قل نزله روح القدس ~~من ربك": النحل: 102. # ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مقتضى المقام وإن كان هو الاقتصار على ذكر ~~الكتاب فقط لكن لما كان إيمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتفاصيل ما في ~~الكتاب من المعارف والشرائع من لوازم نزول الكتاب غير المنفكة عنه وآثاره ~~الحسنة صح أن يذكر مع الكتاب فالمعنى: وكذلك أوحينا إليك كتابا ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا ما تجده في نفسك من أثره الحسن الجميل وهو إيمانك به. # وعن الثاني أن المعهود من كلامه في معنى الروح وإن كان ذلك لكن حمل الروح ~~في الآية على ذلك المعنى وإرادة الروح الأمري أو جبريل منه يوجب أخذ ~~"أوحينا" بمعنى أرسلنا إذ لا يقال: أوحينا الروح الأمري أو الملك فلا مفر ~~من كون الإيحاء بمعنى الإرسال وهو كما ترى فأخذ الروح بمعنى القرآن أهون من ~~أخذ الإيحاء بمعنى الإرسال والجوابان لا يخلوان عن شيء. PageV18P039 # وقيل: المراد بالروح جبريل فإن الله سماه في كتابه روحا قال: "نزل به الروح ~~الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وقال: "قل نزله روح القدس من ربك". # وقيل: المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على ~~الأنبياء كما قال تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده أن أنذروا": النحل: 2، فالمراد بإيحائه إليه إنزاله عليه. # ويمكن أن يوجه التعبير عن الإنزال بالإيحاء بأن أمره تعالى على ما يعرفه ~~في قوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن": يس: 82، هو كلمته، ~~والروح من أمره كما قال: "قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85، فهو كلمته، وهو ~~يصدق ذلك قوله في عيسى بن مريم (عليهما السلام): "إنما المسيح عيسى بن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171، وإنزال الكلمة ~~تكليم ms6684 فلا ضير في التعبير عن إنزال الروح بإيحائه، والأنبياء مؤيدون بالروح ~~في أعمالهم كما أنهم يوحى إليهم الشرائع به قال تعالى: "وأيدناه بروح ~~القدس" وقد تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى: "وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة": الأنبياء: 73. # ويمكن رفع إشكال كون الإيحاء بمعنى الإنزال والإرسال بالقول بكون قوله: ~~"روحا" منصوبا بنزع الخافض ورجوع ضمير "جعلناه" إلى القرآن المعلوم من ~~السياق أو الكتاب والمعنى وكذلك أوحينا إليك القرآن بروح منا ما كنت تدري ~~ما الكتاب وما الإيمان ولكن جعلنا القرآن أو الكتاب نورا إلخ، هذا وما أذكر ~~أحدا من المفسرين قال به. # وقوله: "ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان" قد تقدم أن الآية مسوقة ~~لبيان أن ما عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يدعو إليه إنما هو من عند ~~الله سبحانه لا من قبل نفسه وإنما أوتي ما أوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة ~~فالمراد بعدم درايته بالكتاب عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف ~~الاعتقادية والشرائع العملية فإن ذلك هو الذي أوتي العلم به بعد النبوة ~~والوحي، وبعدم درايته بالإيمان عدم تلبسه بالالتزام التفصيلي بالعقائد ~~الحقة والأعمال الصالحة وقد سمي العمل إيمانا في قوله: "وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم: البقرة: 143. # فالمعنى: ما كان عندك قبل وحي الروح الكتاب بما فيه من المعارف والشرائع ~~ولا كنت متلبسا بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام الاعتقادي والعملي ~~بمضامينه وهذا لا ينافي كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمنا بالله موحدا ~~قبل البعثة صالحا في عمله فإن الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في ~~الكتاب والالتزام بها اعتقادا وعملا ونفي العلم والالتزام التفصيليين لا ~~يلازم نفي العلم والالتزام الإجماليين بالإيمان بالله والخضوع للحق. # وبذلك يندفع ما استدل بعضهم بالآية على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~كان غير متلبس بالإيمان قبل بعثته. # ويندفع أيضا ما عن بعضهم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل كاملا في ~~نفسه علما وعملا وهو ينافي ظاهر الآية أنه ms6685 ما كان يدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان. # ووجه الاندفاع أن من الضروري وجود فرق في حاله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قبل النبوة وبعدها والآية تشير إلى هذا الفرق، وأن ما حصل له بعد النبوة لا ~~صنع له فيه وإنما هو من الله من طريق الوحي. # وقوله: "ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" ضمير "جعلناه" ~~للروح والمراد بقوله: "من نشاء" على تقدير أن يراد بالروح القرآن هو النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن آمن به فإنهم جميعا مهتدون بالقرآن. # وعلى تقدير أن يراد به الروح الأمري فالمراد بمن نشاء جميع الأنبياء ومن ~~آمن بهم من أممهم فإنه يهدي بالوحي الذي نزل به، الأنبياء والمؤمنين من ~~أممهم ويسدد الأنبياء خاصة ويهديهم إلى الأعمال الصالحة ويشير عليهم بها. # وعلى هذا تكون الآية في مقام تصديق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تصدقه في دعواه أن كتابه من عند الله بوحي منه، وتصدقه في دعواه أنه مؤمن ~~بما يدعو إليه فيكون في معنى قوله تعالى: "إنك لمن المرسلين على صراط ~~مستقيم تنزيل العزيز الرحيم": يس: 5. PageV18P040 # وقوله: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" إشارة إلى أن الذي يهدي إليه صراط ~~مستقيم وأن الذي يهديه من الناس هو الذي يهديه الله سبحانه، فهدايته (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) هداية الله. # قوله تعالى: "صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" إلخ، بيان ~~للصراط المستقيم الذي يهدي إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتوصيفه ~~تعالى بقوله: "الذي له ما في السماوات وما في الأرض" للدلالة على الحجة على ~~استقامة صراطه فإنه تعالى لما ملك كل شيء ملك الغاية التي تسير إليها ~~الأشياء والسعادة التي تتوجه إليها، فكانت الغاية والسعادة هي التي عينها، ~~وكان الطريق إليها والسبيل الذي عليهم أن يسلكوه لنيل سعادتهم هو الذي شرعه ~~وبينه، وليس يملك أحد شيئا حتى ينصب له غاية ونهاية أو يشرع له إليها ~~سبيلا، فالسعادة التي يدعو سبحانه إليها حق السعادة والطريق الذي يدعو ms6686 إليه ~~حق الطريق ومستقيم الصراط. # وقوله: "ألا إلى الله تصير الأمور" تنبيه على لازم ملكه لما في السماوات ~~وما في الأرض فإن لازمه رجوع أمورهم إليه ولازمه كون السبيل الذي يسلكونه - ~~وهو من جملة أمورهم - راجعا إليه فالصراط المستقيم هو صراطه فالمضارع أعني ~~قوله: "تصير" للاستمرار. # وفيه إشعار بلم الوحي والتكليم الإلهي، إذ لما كان مصير الأشياء إليه ~~تعالى كان لكل نوع إليه تعالى سبيل يسلكه وكان عليه تعالى أن يهديه إليه ~~ويسوقه إلى غايته كما قال: "وعلى الله قصد السبيل": النحل: 9، وهو تكليم كل ~~نوع بما يناسب ذاته وهو في الإنسان التكليم المسمى بالوحي والإرسال. # وقيل: المضارع للاستقبال والمراد مصيرها جميعا إليه يوم القيامة، وقد ~~سيقت الجملة لوعد المهتدين إلى الصراط المستقيم ووعيد الضالين عنه، وأول ~~الوجهين أظهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن عائشة أن الحارث بن ~~هشام سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف يأتيك الوحي؟ قال: ~~أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وهو ~~أشده علي، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول: قالت عائشة: ~~ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم وإن جبينه ليتفصد عرقا. # وفي التوحيد، بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ~~جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ~~نزل عليه الوحي؟ قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد ذاك إذا ~~تجلى الله له. قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة وأقبل يتخشع. # وفي العلل، بإسناده عن ابن أبي عمير عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: كان جبرئيل إذا أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذنه. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: قال ms6687 بعض أصحابنا: أصلحك الله كان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يقول: قال جبرئيل، وهذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال ~~أخرى يغمى عليه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أنه إذا كان الوحي من ~~الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، وإذا كان ~~بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال: قال لي جبرئيل وهذا جبرئيل. # وفي البصائر، عن علي بن حسان عن ابن بكير عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ~~(عليه السلام) من الرسول؟ من النبي؟ من المحدث؟ فقال: الرسول الذي يأتيه ~~جبرئيل فيكلمه قبلا فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه فهذا الرسول، ~~والنبي الذي يؤتى في النوم نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام)، ونحو ما كان ~~يأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من السبات إذا أتاه جبرئيل في ~~النوم فهكذا النبي، ومنهم من يجمع له الرسالة والنبوة فكان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) رسولا نبيا يأتيه جبرئيل قبلا فيكمله ويراه، ويأتيه ~~في النوم، وأما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير أن يراه ومن ~~غير أن يأتيه في النوم. # أقول: وفي معناه روايات أخر. PageV18P041 # وفي التوحيد، بإسناده عن محمد بن مسلم ومحمد بن مروان عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: ما علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن جبرئيل ~~من قبل الله إلا بالتوفيق. # وفي تفسير العياشي، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ~~لم يخف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يأتيه من قبل الله أن ~~يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟ قال: فقال: إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا ~~أنزل عليه السكينة والوقار فكان يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~عن قول الله تبارك وتعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا - ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان" قال: خلق من خلق أعظم ms6688 من جبرئيل وميكائيل كان مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده. # أقول: وفي معناها عدة روايات وفي بعضها أنه من الملكوت، قال في روح ~~المعاني،: ونقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبد الله: أن المراد من هذا الروح ~~ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ولم يصعد إلى السماء، وهذا القول في غاية الغرابة ولعله لا يصح عن هذين ~~الإمامين. # انتهى. # والذي في مجمع البيان،. عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قالا: ~~ولم يصعد إلى السماء وإنه لفينا. انتهى. # واستغرابه فيما لا دليل له على نفيه غريب. # على أنه يسلم تسديد هذا الروح لبعض الأمة غير النبي كما هو ظاهر لمن راجع ~~قسم الإشارات من تفسيره. # وفي النهج،: ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن كان ~~فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ~~ونهاره. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي قال: قيل ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل عبدت وثنا قط؟ قال: لا. قالوا: فهل ~~شربت خمرا قط؟ قال: لا. وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما ~~الكتاب وما الإيمان، وبذلك نزل القرآن "ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان". # وفي الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~في حديث، وقال في نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): "وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم" يقول: تدعو. # وفي الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ~~وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه إلا هذه الآية: "ألا إلى الله ~~تصير الأمور". PageV18P042 ### || AUTO ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلنه قرءنا عربيا ~~لعلكم تعقلون (3) وإنه فى أم الكتب لدينا لعلى حكيم (4) أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا ms6689 أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبى فى الأولين (6) وما يأتيهم ~~من نبى إلا كانوا به يستهزءون (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ~~(8) ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذى ~~جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذى نزل من ~~السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذى خلق الأزوج ~~كلها وجعل لكم من الفلك والأنعم ما تركبون (12) لتستوا على ظهوره ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحن الذى سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) ### |||| AUTO بيان # السورة موضوعة للإنذار كما تشهد به فاتحتها وخاتمتها والمقاصد المتخللة ~~بينهما إلا ما في قوله: "إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم" إلى تمام ~~ست آيات استطرادية. # تذكر أن السنة الإلهية إنزال الذكر وإرسال الأنبياء والرسل ولا يصده عن ~~ذلك إسراف الناس في قولهم وفعلهم بل يرسل الأنبياء والرسل ويهلك المستهزءين ~~بهم والمكذبين لهم ثم يسوقهم إلى نار خالدة. # وقد ذكرت إرسال الأنبياء بالإجمال أولا ثم سمي منهم إبراهيم ثم موسى ثم ~~عيسى (عليه السلام)، وذكرت من إسراف الكفار أشياء ومن عمدتها قولهم بأن لله ~~سبحانه ولدا وأن الملائكة بنات الله ففيها عناية خاصة بنفي الولد عنه تعالى ~~فكررت ذلك وردته وأوعدتهم بالعذاب، وفيها حقائق متفرقة أخرى. # والسورة مكية بشهادة مضامين آياتها إلا قوله: "واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا" الآية، ولم يثبت كما سيأتي إن شاء الله. # قوله تعالى: "والكتاب المبين" ظاهره أنه قسم وجوابه قوله: "إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا" إلى آخر الآيتين، وكون القرآن مبينا هو إبانته وإظهاره طريق ~~الهدى كما قال تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل: 89، أو ~~كونه ظاهرا في نفسه لا يرتاب فيه كما قال: "ذلك الكتاب لا ريب فيه": ~~البقرة: 2. # قوله تعالى: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" الضمير للكتاب، ~~و"قرآنا عربيا" أي مقروا باللغة العربية و"لعلكم تعقلون" غاية الجعل وغرضه. # وجعل رجاء تعقله غاية ms6690 للجعل المذكور يشهد بأن له مرحلة من الكينونة ~~والوجود لا ينالها عقول الناس، ومن شأن العقل أن ينال كل أمر فكري وإن بلغ ~~من اللطافة والدقة ما بلغ فمفاد الآية أن الكتاب بحسب موطنه الذي له في ~~نفسه أمر وراء الفكر أجنبي عن العقول البشرية وإنما جعله الله قرآنا عربيا ~~وألبسه هذا اللباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه، والرجاء في كلامه ~~تعالى قائم بالمقام أو المخاطب دون المتكلم كما تقدم غير مرة. # قوله تعالى: "وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم" تأكيد وتبيين لما تدل ~~عليه الآية السابقة أن الكتاب في موطنه الأصلي وراء تعقل العقول. # والضمير للكتاب، والمراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ كما قال تعالى: "بل هو ~~قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج: 22، وتسميته بأم الكتاب لكونه أصل الكتب ~~السماوية يستنسخ منه غيره، والتقييد بأم الكتاب و"لدينا" للتوضيح لا ~~للاحتراز، والمعنى: أنه حال كونه في أم الكتاب لدينا - حالا لازمة - لعلي ~~حكيم، وسيجيء في أواخر سورة الجاثية كلام في أم الكتاب إن شاء الله. # والمراد بكونه عليا على ما يعطه مفاد الآية السابقة أنه رفيع القدر ~~والمنزلة من أن تناله العقول، وبكونه حكيما أنه هناك محكم غير مفصل ولا ~~مجزى إلى سور وآيات وجمل وكلمات كما هو كذلك بعد جعله قرآنا عربيا كما ~~استفدناه من قوله تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": ~~هود: 1. PageV18P043 # وهذان النعتان أعني كونه عليا حكيما هما الموجبان لكونه وراء العقول ~~البشرية فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ ~~أولا وكان مؤلفا من مقدمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات ~~والجمل القرآنية، وأما إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ وكان غير متجز ~~إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله. # فمحصل معنى الآيتين: أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع ~~وأحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين وإنما أنزلناه بجعله مقروا عربيا ~~رجاء أن يعقله الناس. # فإن قلت: ظاهر قوله: "لعلكم ms6691 تعقلون" إمكان تعقل الناس هذا القرآن العربي ~~النازل تعقلا تاما فهذا الذي نقرؤه ونعقله إما أن يكون مطابقا لما في أم ~~الكتاب كل المطابقة أو لا يكون، والثاني باطل قطعا كيف؟ وهو تعالى يقول: ~~"وإنه في أم الكتاب" و"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ": البروج: 22، و"إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون": الواقعة: 78، فتعين الأول ومع مطابقته لأم ~~الكتاب كل المطابقة ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولا لنا وما ~~في أم الكتاب عند الله غير معقول لنا. # قلت: يمكن أن تكون النسبة بين ما عندنا وما في أم الكتاب نسبة المثل ~~والممثل فالمثل هو الممثل بعينه لكن الممثل له لا يفقه إلا المثل فافهم ذلك. # وبما مر يظهر ضعف الوجوه التي أوردوها في تفسير الوصفين كقول بعضهم: إن ~~المراد بكونه عليا أنه عال في بلاغته مبين لما يحتاج إليه الناس، وقول ~~بعضهم: معناه أنه يعلو كل كتاب بما اختص به من الإعجاز وهو ينسخ الكتب غيره ~~ولا ينسخه كتاب، وقول بعضهم يعني أنه يعظمه الملائكة والمؤمنون. # وكقول بعضهم في معنى "حكيم" إنه مظهر للحكمة البالغة، وقول بعضهم معناه ~~أنه لا ينطق إلا بالحكمة ولا يقول إلا الحق والصواب، ففي توصيفه بالحكيم ~~تجوز لغرض المبالغة. # وضعف هذه الوجوه ظاهر بالتدبر في مفاد الآية السابقة وظهور أن جعله قرآنا ~~عربيا بالنزول عن أم الكتاب. # قوله تعالى: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين" الاستفهام ~~للإنكار، والفاء للتفريع على ما تقدم، وضرب الذكر عنهم صرفه عنهم. # قال في المجمع:، وأصل ضربت عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابة فأراد أن ~~يصرفه عن جهة ضربه بعصا أو سوط ليعدل به إلى جهة أخرى ثم وضع الضرب موضع ~~الصرف والعدل. # انتهى. # والصفح بمعنى الإعراض فصفحا مفعول له، واحتمل أن يكون بمعنى الجانب "وإن ~~كنتم" محذوف الجار والتقدير لأن كنتم وهو متعلق بقوله: "أفنضرب". # والمعنى: أفنصرف عنكم الذكر - وهو الكتاب الذي جعلناه قرآنا لتعقلوه - ~~للإعراض عنكم لكونكم مسرفين أو أفنصرفه عنكم إلى جانب ms6692 لكونكم مسرفين أي أنا ~~لا نصرفه عنكم لذلك. # قوله تعالى: "وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا ~~به يستهزءون" "كم" للتكثير، والأولون هم الأمم الدارجة و"ما يأتيهم" إلخ، ~~حال والعامل فيها "أرسلنا". # والآيتان وما يتلوهما في مقام التعليل لعدم صرف الذكر عنهم ببيان أن ~~كونكم قوما مسرفين لا يمنعنا من إجراء سنة الهداية من طريق الوحي فإنا ~~كثيرا ما أرسلنا من نبي في الأمم الماضين والحال أنه ما يأتيهم من نبي إلا ~~استهزءوا به وانجر الأمر إلى أن أهلكنا من أولئك من هو أشد بطشا منكم. # فكما كانت عاقبة إسرافهم واستهزائهم الهلاك دون الصرف فكذلك عاقبة ~~إسرافكم ففي الآيات الثلاث كما ترى وعد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ووعيد لقومه. # قوله تعالى: "فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين" قال الراغب،: ~~البطش تناول الشيء بصولة. # انتهى وفي الآية التفات في قوله: "منهم" من الخطاب إلى الغيبة، وكان ~~الوجه فيه العدول عن خطابهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعدم ~~اعتبارهم بهذه القصص والعبر وليكون تمهيدا لقوله بعد: "ومضى مثل الأولين" ~~ويؤيده قوله بعد: "ولئن سألتهم" خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # ومعنى قوله: "ومضى مثل الأولين" ومضى في السور النازلة قبل هذه السورة من ~~القرآن وصف الأمم الأولين وأنه كيف حاق بهم ما كانوا به يستهزءون. PageV18P044 # قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم" في الآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات احتجاج على ربوبيته تعالى ~~وتوحده فيها مع إشارة ما إلى المعاد وتبكيت لهم على إسرافهم مأخوذ من ~~اعترافهم بأنه تعالى هو خالق الكل ثم الأخذ بجهات من الخلق هي بعينها تدبير ~~لأمور العباد كجعل الأرض لهم مهدا وجعله فيها سبلا وإنزال الأمطار فينتج ~~أنه تعالى وحده مالك مدبر لأمورهم فهو الرب لا رب غيره. # وبذلك تبين أن الآية تقدمة وتوطئة لما تتضمنه الآيات التالية من الحجة ~~وقد تقدم في هذا الكتاب مرارا أن الوثنية لا ms6693 تنكر رجوع الصنع والإيجاد إليه ~~تعالى وحده وإنما تدعي رجوع أمر التدبير إلى غيره. # قوله تعالى: "الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون" ~~أي جعل لكم الأرض بحيث تربون فيها كما يربى الأطفال في المهد، وجعل لكم في ~~الأرض سبلا وطرقا تسلكونها وتهتدون بها إلى مقاصدكم. # وقيل: معنى "لعلكم تهتدون" رجاء أن تهتدوا إلى معرفة الله وتوحيده في ~~العبادة والأول أظهر. # وفي الكلام التفات إلى خطاب القوم بعد صرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ولعل الوجه فيه إظهار العناية بهذا المعنى في الخلقة ~~وهو أن التدبير بعينه من الخلق فاعترافهم بكون الخلق مختصا بالله سبحانه ~~وقولهم برجوع التدبير إلى غيره من خلقه من التهافت في القول جهلا فقرعهم ~~بهذا الخطاب من غير واسطة. # قوله تعالى: "والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون" قيد تنزيل الماء بقدر للإشارة إلى أنه عن إرادة وتدبير لا كيف اتفق ~~والإنشار الإحياء، والميت مخفف الميت بالتشديد، وتوصيف البلدة به باعتبار ~~أنها مكان لأن البلدة أيضا إنما تتصف بالموت والحياة باعتبار أنها مكان، ~~والالتفات عن الغيبة إلى التكلم مع الغير في "أنشرنا" لإظهار العناية. # ولما استدل بتنزيل الماء بقدر وإحياء البلدة الميتة على خلقه وتدبيره ~~استنتج منه أمر آخر لا يتم التوحيد إلا به وهو المعاد الذي هو رجوع الكل ~~إليه تعالى فقال: "كذلك تخرجون" أي كما أحيا البلدة الميتة كذلك تبعثون من ~~قبوركم أحياء. # قيل: في التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى وعن ~~إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث لتقويم سنن ~~الاستدلال وتوضيح منهاج القياس. # قوله تعالى: "والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون" قيل: المراد بالأزواج أصناف الموجودات من ذكر وأنثى وأبيض وأسود ~~وغيرها، وقيل: المراد الزوج من كل شيء فكل ما سوى الله كالفوق وتحت واليمين ~~واليسار والذكر والأنثى زوج. # وقوله: "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون" أي تركبونه، والركوب ms6694 إذا ~~نسب إلى الحيوان كالفرس والإبل تعدى بنفسه فيقال: ركبت الفرس وإذا نسب إلى ~~مثل الفلك والسفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى: "وإذا ركبوا في ~~الفلك" ففي قوله: "ما تركبون" أي تركبونه تغليب لجانب الأنعام. # قوله تعالى: "لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا - إلى قوله - لمنقلبون" الاستواء على الظهور الاستقرار عليها، ~~والضمير في "ظهوره" راجع إلى لفظ الموصول في "ما تركبون"، والضمير في قوله: ~~"إذا استويتم عليه" للموصول أيضا فكما يقال: استويت على ظهر الدابة يقال: ~~استويت على الدابة. # والمراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك والأنعام ذكر ~~النعم التي ينتفع بها الإنسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من ~~مكان إلى مكان وحمل الأثقال قال تعالى: "وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ~~بأمره": إبراهيم: 32، وقال: "والأنعام خلقها - إلى أن قال - وتحمل أثقالكم ~~إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس": النحل: 7، أو المراد ذكر مطلق ~~نعمه تعالى بالانتقال من ذكر هذه النعم إليه. # وقوله: "وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" أي مطيقين ~~والإقران الإطاقة. PageV18P045 # وظاهر ذكر النعمة عند استعمالها والانتفاع بها شكر منعمها ولازم ذلك أن ~~يكون ذكر النعمة غير قول: "سبحان الذي" إلخ، فإن هذا القول تسبيح وتنزيه له ~~عما لا يليق بساحة كبريائه وهو الشريك في الربوبية والألوهية، وذكر النعمة ~~شكر - كما تقدم - والشكر غير التنزيه. # ويؤيد هذا ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) في ما يقال عند الاستواء على المركوب فإن الروايات على ~~اختلافها تتضمن التحميد وراء التسبيح يقول "سبحان الذي" إلخ. # وروي في الكشاف، عن الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه رأى رجلا يركب دابة ~~فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا فقال: أبهذا أمرتم؟ فقال: وبم أمرنا؟ قال: إن ~~تذكروا نعمة ربكم. # وقوله: "وإنا إلى ربنا لمنقلبون" أي صائرون شهادة بالمعاد. PageV18P046 ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 15 - 25 # وجعلوا له من عباده جزءا إن ms6695 الانسن لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشؤا فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين (18) ~~وجعلوا الملئكة الذين هم عبد الرحمن إنثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهدتهم ~~ويسئلون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون (20) أم ءاتينهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا ~~وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ~~ءاثرهم مقتدون (23) قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم قالوا إنا ~~بما أرسلتم به كفرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عقبة المكذبين (25) ### |||| AUTO بيان # حكاية بعض أقوالهم التي دعاهم إلى القول بها الإسراف والكفر بالنعم وهو ~~قولهم بالولد وأن الملائكة بنات الله سبحانه، واحتجاجهم على عبادتهم ~~الملائكة ورده عليهم. # قوله تعالى: "وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين" المراد ~~بالجزء الولد فإن الولادة إنما هي الاشتقاق فالولد جزء من والده منفصل منه ~~متصور بصورته. # وإنما عبر عن الولد بالجزء للإشارة إلى استحالة دعواهم، فإن جزئية شيء من ~~شيء كيفما تصورت لا تتم إلا بتركب في ذلك الشيء والله سبحانه واحد من جميع ~~الجهات. # وقد بان بما تقدم أن "من عباده" بيان لقوله: "جزء" ولا ضير في تقدم هذا ~~النوع من البيان على المبين ولا في جمعية البيان وإفراد المبين. # قوله تعالى: "أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين" أي أخلصكم للبنين ~~فلكم بنون وليس له إلا البنات وأنتم ترون أن البنت أخس من الابن فتثبتون له ~~أخس الصنفين وتخصون أنفسكم بأشرفهما وهذا مع كونه قولا محالا في نفسه إزراء ~~وإهانة ظاهرة وكفران. # وتقييد اتخاذ البنات بكونه مما يخلق لكونهم قائلين بكون الملائكة - على ~~ربوبيتهم وألوهيتهم - مخلوقين لله، والالتفات في الآية إلى خطابهم لتأكيد ~~الإلزام وتثبيت التوبيخ، والتنكير والتعريف في "بنات" و"البنين" ms6696 للتحقير ~~والتفخيم. # قوله تعالى: "وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم" المثل هو المثل والشبه المجانس للشيء وضرب الشيء مثلا أخذه مجانسا ~~للشيء "وما ضرب للرحمان مثلا" الأنثى، والكظيم المملوء كربا وغيظا. # والمعنى: وحالهم أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى الذي جعلها شبها مجانسا ~~للرحمان صار وجهه مسودا من الغم وهو مملوء كربا وغيظا لعدم رضاهم بذلك وعده ~~عارا لهم لكنهم يرضونه له. # والالتفات في الآية إلى الغيبة لحكاية شنيع سيرتهم وقبيح طريقتهم للغير ~~حتى يتعجب منه. # قوله تعالى: "أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين" أي أوجعلوا ~~لله سبحانه من ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة وهو في المخاصمة والمحاجة ~~غير مبين لحجته لا يقدر على تقرير دعواه. # وإنما ذكر هذين النعتين لأن المرأة بالطبع أقوى عاطفة وشفقة وأضعف تعقلا ~~بالقياس إلى الرجل وهو بالعكس ومن أوضح مظاهر قوة عواطفها تعلقها الشديد ~~بالحلية والزينة وضعفها في تقرير الحجة المبني على قوة التعقل. # قوله تعالى: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا" إلخ، هذا معنى ~~قولهم: إن الملائكة بنات الله وقد كان يقول به طوائف من عرب الجاهلية وأما ~~غيرهم من الوثنية فربما عدوا في آلهتهم إلهة هي أم إله أو بنت إله لكن لم ~~يقولوا بكون جميع الملائكة إناثا كما هو ظاهر المحكي في الآية الكريمة. PageV18P047 # وإنما وصف الملائكة بقوله: "الذين هم عباد الرحمن" ردا لقولهم بأنوثتهم لأن ~~الإناث لا يطلق عليهن العباد، ولا يلزم منه اتصافهم بالذكورة بالمعنى الذي ~~يتصف به الحيوان فإن الذكورة والأنوثة اللتين في الحيوان من لوازم وجوده ~~المادي المجهز للتناسل وتوليد المثل، والملائكة في معزل من ذلك. # وقوله: "أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون" رد لدعواهم الأنوثة في ~~الملائكة بأن الطريق إلى العلم بذلك الحس وهم لم يروهم حتى يعلموا بها فلم ~~يكونوا حاضرين عند خلقهم حتى يشاهدوا منهم ذلك. # فقوله: "أشهدوا خلقهم إلخ" استفهام إنكاري ووعيد على قولهم بغير علم أي ~~لم يشهدوا خلقهم وستكتب في صحائف ms6697 أعمالهم هذه الشهادة عليهم ويسألون عنه ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: "وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون" حجة عقلية داحضة محكية عنهم يمكن أن تقرر تارة لإثبات صحة ~~عبادة الشركاء بأن يقال: لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء ما عبدناهم ضرورة ~~لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم فهو لم يشأ ذلك وعدم ~~مشيته عدم عبادتهم إذن في عبادتهم فلا منع من قبله تعالى عن عبادة الشركاء ~~والملائكة منهم، وهذا المعنى هو المنساق إلى الذهن من قوله في سورة ~~الأنعام: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء": الأنعام: 148، على ما يعطيه السياق ما قبله وما بعده. # وتقرر تارة لإبطال النبوة القائلة إن الله يوجب عليكم كذا وكذا ويحرم ~~عليكم كذا كذا بأن يقال لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء ولا نحل ولا نحرم ~~شيئا لم نعبد الشركاء ولم نضع من عندنا حكما لاستحالة تخلف مراده تعالى عن ~~إرادته لكنا نعبدهم ونحل ونحرم أشياء فلم يشأ الله سبحانه منا شيئا، فقول ~~إن الله يأمركم بكذا وينهاكم عن كذا وبالجملة أنه شاء كذا باطل. # وهذا المعنى هو الظاهر المستفاد من قوله تعالى في سورة النحل: "وقال ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء": النحل: 35، بالنظر إلى السياق. # وقولهم في محكي الآية المبحوث عنها: "لو شاء الرحمن ما عبدناهم" على ما ~~يفيده سياق الآيات السابقة واللاحقة مسوق للاحتجاج على المعنى الأول وهو ~~تصحيح عبادتهم للملائكة فيكون في معنى آية سورة الأنعام وأخص منها. # وقوله: "ما لهم بذلك من علم" أي هو منهم قول مبني على الجهل فإنه مغالطة ~~خلطوا فيها بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية وأخذ الأولى مكان ~~الثانية، فمقتضى الحجة أن لا إرادة تكوينية منه تعالى متعلقة بعدم عبادتهم ~~الملائكة وانتفاء تعلق هذا النوع من الإرادة بعدم عبادتهم لهم لا يستلزم ms6698 ~~انتفاء تعلق الإرادة التشريعية به. # فهو سبحانه لما لم يشأ أن لا يعبدوا الشركاء بالإرادة التكوينية كانوا ~~مختارين غير مضطرين على فعل أو ترك فأراد منهم بالإرادة التشريعية أن ~~يوحدوه ولا يعبدوا الشركاء، والإرادة التشريعية لا يستحيل تخلف المراد عنها ~~لكونها اعتبارية غير حقيقية، وإنما تستعمل في الشرائع والقوانين والتكاليف ~~المولوية، والحقيقة التي تبتني عليها هي اشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة. # وبما تقدم يظهر فساد ما قيل: إن حجتهم مبنية على مقدمتين: الأولى أن ~~عبادتهم للملائكة بمشيته تعالى، والثانية أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده ~~تعالى وقد أصابوا في الأولى وأخطئوا في الثانية حيث جهلوا أن المشية عبارة ~~عن ترجيح بعض الممكنات على بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضا والسخط في ~~شيء من الطرفين. # وجه الفساد: أن مضمون الحجة عدم تعلق المشية على ترك العبادة وعدم تعلق ~~المشية بالترك لا يستلزم تعلق المشية بالفعل بل لازمه الإذن الذي هو عدم ~~المنع من الفعل. # ثم إن ظاهر كلامه قصر الإرداة في التكوينية وإهمال التشريعية التي عليها ~~المدار في التكاليف المولوية وهو خطأ منه. # ويظهر أيضا فساد ما نسب إلى بعضهم أن المراد بقولهم: "لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم" الاعتذار عن عبادة الملائكة بتعلق مشية الله بها مع الاعتراف ~~بكونها قبيحة. # وذلك أنهم لم يكونوا مسلمين لقبح عبادة آلهتهم حتى يعتذروا عنها وقد حكي ~~عنهم ذيلا قولهم: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون". PageV18P048 # وقوله: "إن هم إلا يخرصون" الخرص - على ما يظهر من الراغب - القول على الظن ~~والتخمين، وفسر أيضا بالكذب. # قوله تعالى: "أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون" ضمير "من قبله" ~~للقرآن، وفي الآية نفي أن يكون لهم حجة من طريق النقل كما أن في الآية ~~السابقة نفي حجتهم من طريق العقل، ومحصل الآيتين أن لا حجة لهم على عبادة ~~الملائكة لا من طريق العقل ولا من طريق النقل فلم يأذن الله فيها. # قوله تعالى: "بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ms6699 على آثارهم مهتدون" ~~الأمة الطريقة التي تؤم وتقصد، والمراد بها الدين، والإضراب عما تحصل من ~~الآيتين، والمعنى: لا دليل لهم على حقية عبادتهم بل قالوا إنا وجدنا آباءنا ~~على دين وإنا على آثارهم مهتدون أي إنهم متشبثون بتقليد آبائهم فحسب. # قوله تعالى: "وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها ~~إنا وجدنا" إلخ، أي إن التشبث بذيل التقليد ليس مما يختص بهؤلاء فقد كان ~~ذلك دأب أسلافهم من الأمم المشركين وما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير وهو ~~النبي إلا تشبث متنعموها بذيل التقليد وقالوا: إنا وجدنا أسلافنا على دين ~~وإنا على آثارهم مقتدون لن نتركها ولن نخالفهم. # ونسبة القول إلى مترفيهم للإشارة إلى أن الإتراف والتنعم هو الذي يدعوهم ~~إلى التقليد ويصرفهم عن النظر في الحق. # قوله تعالى: "قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم" إلخ، القائل ~~هو النذير، والخطاب للمترفين ويشمل غيرهم بالتبعية، والعطف في "أولو جئتكم" ~~على محذوف يدل عليه كلامهم، والتقدير أنكم على آثارهم مقتدون ولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟ والمحصل: هل أنتم لازمون لدينهم حتى لو كان ~~ما جئتكم به من الدين أهدى منه؟ وعد النذير ما جاءهم به أهدى من دينهم مع ~~كون دينهم باطلا لا هدى فيه من باب مجاراة الخصم. # وقوله: "قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون" جواب منهم لقول النذير: "أولو ~~جئتكم" إلخ وهو تحكم من غير دليل. # قوله تعالى: "فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين" أي تفرع على ~~ذلك الإرسال والرد بالتقليد والتحكم أنا أهلكناهم بتكذيبهم فانظر كيف كان ~~عاقبة أولئك السابقين من أهل القرى وفيه تهديد لقوم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). PageV18P049 ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 26 - 45 # وإذ قال إبرهيم لأبيه وقومه إننى براء مما تعبدون (26) إلا الذى فطرنى ~~فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية فى عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت ~~هؤلاء وءاباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا ~~سحر وإنا به كفرون (30) وقالوا لو ms6700 لا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيوة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجت ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما ~~يجمعون (32) ولو لا أن يكون الناس أمة وحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوبا وسررا عليها ~~يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متع الحيوة الدنيا والاخرة عند ربك ~~للمتقين (35) ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطنا فهو له قرين (36) وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يليت بينى ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى ~~العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان فى ضلل مبين ~~(40) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذى وعدنهم فإنا ~~عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صرط مستقيم (43) وإنه ~~لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن ءالهة يعبدون (45) ### |||| AUTO بيان # لما انجر الكلام إلى ردهم رسالة الرسول وكفرهم بها تحكما وتشبثهم في ~~الشرك بذيل تقليد الآباء والأسلاف من غير دليل عقب ذلك بالإشارة إلى قصة ~~إبراهيم (عليه السلام) ورفضه تقليد أبيه وقومه وتبريه عما يعبدونه من دون ~~الله سبحانه واستهدائه هدى ربه الذي فطره. # ثم يذكر تمتيعه لهم بنعمه وكفرانهم بها بالكفر بكتاب الله وطعنهم فيه وفي ~~رسوله بما هو مردود عليهم. # ثم يذكر تبعة الإعراض عن ذكر الله وما تنتهي إليه من الشقاء والخسران، ~~ويعطف عليه إياس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من إيمانهم وتهديدهم ~~بالعذاب ويؤكد الأمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستمسك بالقرآن ~~وإنه لذكر له ولقومه وسوف يسألون عنه، وإن الذي فيه من دين التوحيد هو الذي ~~كان عليه الأنبياء السابقون عليه. # قوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون" البراء ~~مصدر من برىء يبرأ فهو بريء فمعنى "إنني براء" ms6701 إنني: ذو براء أو بريء على ~~سبيل المبالغة مثل زيد عدل. # وفي الآية إشارة إلى تبري إبراهيم (عليه السلام) مما كان يعبده أبوه ~~وقومه من الأصنام والكواكب بعد ما حاجهم فيها فاستندوا فيها إلى سيرة ~~آبائهم على ما ذكر في سور الأنعام والأنبياء والشعراء وغيرها. # والمعنى: واذكر لهم إذ تبرأ إبراهيم عن آلهة أبيه وقومه إذ كانوا ~~يعبدونها تقليدا لآبائهم من غير حجة وقام بالنظر وحده. # قوله تعالى: "إلا الذي فطرني فإنه سيهدين" أي إلا الذي أوجدني وهو الله ~~سبحانه، وفي توصيفه تعالى بالفطر إشارة إلى الحجة على ربوبيته وألوهيته فإن ~~الفطر والإيجاد لا ينفك عن تدبير أمر الموجود المفطور فالذي فطر الكل هو ~~الذي يدبر أمرهم فهو الحقيق أن يعبد. PageV18P050 # وقوله: "فإنه سيهدين" أي إلى الحق الذي أطلبه، وقيل: أي إلى طريق الجنة، ~~وفي هذه الجملة إشارة إلى خاصة أخرى ربوبية وهي الهداية إلى السبيل الحق ~~يجب أن يسلكه الإنسان فإن السوق إلى الكمال من تمام التدبير فعلى الرب ~~المدبر لأمر مربوبه أن يهديه إلى كماله وسعادته، قال تعالى: "ربنا الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، وقال: "وعلى الله قصد السبيل": النحل: ~~9، فالرجوع إلى الله بتوحيد العبادة يستتبع الهداية كما قال تعالى: "والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا": العنكبوت: 69. # والاستثناء في قوله: "إلا الذي فطرني" منقطع لأن الوثنيين لا يعبدون الله ~~كما مر مرارا، فقول بعضهم: إنه متصل، وإنهم كانوا يقولون: الله ربنا مع ~~عبادتهم الأوثان، كما ترى. # قوله تعالى: "وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون" الظاهر أن ضمير ~~الفاعل المستتر في "جعلها" لله سبحانه، والضمير البارز - على ما قيل - ~~لكلمة البراءة التي تكلم بها إبراهيم (عليه السلام) ومعناها معنى كلمة ~~التوحيد فإن مفاد لا إله إلا الله نفي الآلهة غير الله لا نفي الآلهة ~~وإثبات الإله تعالى وهو ظاهر فلا حاجة إلى ما تكلف به بعضهم أن الضمير ~~لكلمة التوحيد المعلوم مما تكلم به إبراهيم (عليه السلام). # والمراد بعقبه ذريته وولده، وقوله: "لعلهم يرجعون" أي يرجعون ms6702 من عبادة ~~آلهة غير الله إلى عبادته تعالى أي يرجع بعضهم - وهم العابدون لغير الله ~~بدعوة بعضهم وهم العابدون لله - إلى عبادته تعالى، وبهذا يظهر أن المراد ~~ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوهم عن الموحد ما داموا، ولعل هذا عن استجابة ~~دعائه (عليه السلام) إذ يقول: "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام": إبراهيم: 35. # وقيل: الضمير في "جعل" لإبراهيم (عليه السلام) فهو الجاعل هذه الكلمة ~~باقية في عقبه رجاء أن يرجعوا إليها، والمراد بجعلها باقية فيهم وصيته لهم ~~بذلك كما قال تعالى: "وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون": البقرة: 132. # وأنت خبير بأن الوصية بكلمة التوحيد لا تسمى جعلا للكلمة باقية في العقب ~~وإن صح أن يقال: أراد بها ذلك لكنه غير جعلها باقية فيهم. # وقيل: المراد أن الله جعل الإمامة كلمة باقية في عقبه وسيجيء الكلام فيه ~~في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. # ويظهر من الآية أن ذرية إبراهيم (عليه السلام) لا تخلو من هذه الكلمة إلى ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: "بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين" إضراب ~~عما يفهم من الآية السابقة، والمعنى: أن رجوعهم عن الشرك إلى التوحيد كان ~~هو الغاية المرجوة منهم لكنهم لم يرجعوا بل متعت هؤلاء من قومك وآباءهم ~~فتمتعوا بنعمي "حتى جاءهم الحق ورسول مبين". # ولعل الالتفات إلى التكلم وحده في قوله: "بل متعت" للإشارة إلى تفخيم ~~جرمهم وأنهم لا يقصدون في كفرانهم للنعمة وكفرهم بالحق ورمية بالسحر إلا ~~إياه تعالى وحده. # والمراد بالحق الذي جاءهم هو القرآن، وبالرسول المبين محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون" هذا طعنهم ~~في الحق الذي جاءهم وهو القرآن ويستلزم الطعن في الرسول. # كما أن قولهم الآتي: "لو لا نزل" إلخ، كذلك. # قوله تعالى: "وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" ~~المراد بالقريتين مكة والطائف، ومرادهم بالعظمة - على ما يفيده السياق ms6703 - ما ~~هو من حيث المال والجاه اللذين هما ملاك الشرافة وعلو المنزلة عند أبناء ~~الدنيا، والمراد بقوله: "رجل من القريتين عظيم" رجل من إحدى القريتين حذف ~~المضاف إيجازا. # ومرادهم أن الرسالة منزلة شريفة إلهية لا ينبغي أن يتلبس به إلا رجل شريف ~~في نفسه عظيم مطاع في قومه، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقير فاقد ~~لهذه الخصلة، فلو كان القرآن الذي جاء به وحيا نازلا من الله فلو لا نزل ~~على رجل عظيم من مكة أو الطائف كثير المال رفيع المنزلة. # وفي المجمع،: ويعنون بالرجل العظيم من إحدى القريتين الوليد بن المغيرة ~~من مكة وأبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف. # عن قتادة، وقيل: عتبة بن أبي ربيعة من مكة وابن عبد ياليل من الطائف. # عن مجاهد، وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة وحبيب بن عمر الثقفي من ~~الطائف. PageV18P051 # عن ابن عباس. # انتهى. # والحق أن ذلك من تطبيق المفسرين وإنما قالوا ما قالوا على الإبهام ~~وأرادوا أحد هؤلاء من عظماء القريتين على ما هو ظاهر الآية. # قوله تعالى: "أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا" إلخ، المراد بالرحمة - على ما يعطيه السياق - النبوة. # وقال الراغب: العيش الحياة المختصة بالحيوان، وهو أخص من الحياة لأن ~~الحياة تقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك، ويشتق منه المعيشة لما ~~يتعيش به. # انتهى. # وقال: التسخير سياقه إلى الغرض المختص قهرا - إلى أن قال: والسخري هو ~~الذي يقهر فيتسخر بإرادته. # انتهى. # والآية والآيتان بعدها في مقام الجواب عن قولهم: "لو لا نزل هذا القرآن ~~على رجل" إلخ، ومحصلها أن قولهم هذا تحكم ظاهر ينبغي أن يتعجب منه فإنهم ~~يحكمون فيما لا يملكون. # هذه معيشتهم في الحياة الدنيا يعيشون بها ويرتزقون وهي رحمة منا لا قدر ~~لها ولا منزلة عندنا وليست إلا متاعا زائلا نحن نقسمها بينهم وهي خارجة عن ~~مقدرتهم ومشيتهم فكيف يقسمون النبوة التي هي الرحمة الكبرى وهي مفتاح سعادة ~~البشر الدائمة والفلاح الخالد فيعطونها لمن شاءوا ms6704 ويمنعونها ممن شاءوا. # فقوله: "أهم يقسمون رحمة ربك" الاستفهام للإنكار، والالتفات إلى الغيبة ~~في قوله: "رحمة ربك" ولم يقل: رحمتنا، للدلالة على اختصاص النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بعناية الربوبية في النبوة. # والمعنى: أنهم لا يملكون النبوة التي هي رحمة لله خاصة به حتى يمنعوك ~~منها ويعطوها لمن هووا. # وقوله: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا" بيان لوجه الإنكار في ~~الجملة السابقة بأنهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوة بمراحل ولا منزلة له ~~وهو معيشتهم في الحياة الدنيا فنحن قسمناها بينهم فكيف يقسمون ما هو أرفع ~~منزلة منها بما لا يقدر قدره وهو النبوة التي هي رحمة ربك الخاصة به. # والدليل على أن الأرزاق والمعايش ليست بيد الإنسان اختلاف أفراده بالغنى ~~والفقر والعافية والصحة وفي الأولاد وسائر ما يعد من الرزق، وكل يريد أن ~~يقتني منها ما لا مزيد عليه، ولا يكاد يتيسر لأحد منهم جميع ما يتمناه ~~ويرتضيه فلو كان ذلك بيد الإنسان لم يوجد معدم فقير في شيء منها بل لم ~~يختلف اثنان فيها فاختلافهم فيها أوضح دليل على أن الرزق مقسوم بمشية من ~~الله دون الإنسان. # على أن الإرادة والعمل من الإنسان بعض الأسباب الناقصة لحصول المطلوب ~~الذي هو الرزق ووراءهما أسباب كونية لا تحصى خارجة عن مقدرة الإنسان لا ~~يحصل المطلوب إلا بحصولها جميعا واجتماعها عليه وليست إلا بيد الله الذي ~~إليه تنتهي الأسباب. # هذا كله في المال وأما الجاه فهو أيضا مقسوم من عند الله فإنه يتوقف على ~~صفات خاصة بها ترتفع درجات الإنسان في المجتمع فيتمكن من تسخير من هو دونه ~~كالفطنة والدهاء والشجاعة وعلو الهمة وأحكام العزيمة وكثرة المال والعشيرة ~~وشيء من ذلك لا يتم إلا بصنع من الله سبحانه، وذلك قوله: "ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا". # فيتبين بمجموع القولين أعني قوله: "نحن قسمنا" إلخ، وقوله: "ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض" إلخ، إن القاسم للمعيشة والجاه بين الناس هو الله سبحانه لا غير، ~~وقوله: "ورحمة ربك خير ms6705 مما يجمعون" أي النبوة خير من المال فكيف يملكون ~~قسمها وهم لا يملكون قسم المال فيما بينهم. # ومن الممكن أن يكون قوله: "ورفعنا بعضهم فوق بعض" عطف تفسير على قوله: ~~"نحن قسمنا بينهم معيشتهم" إلخ، يبين قسم المعيشة بينهم ببيان علل انقسامها ~~في المجتمع الإنساني، بيان ذلك أن كثرة حوائج الإنسان في حياته الدنيا بحيث ~~لا يقدر على رفع جميعها في عيش انفرادي أحوجته إلى الاجتماع مع غيره من ~~الأفراد على طريق الاستخدام والاستدرار أولا وعلى طريق التعاون والتعاضد ~~ثانيا كما مر في مباحث النبوة من الجزء الثاني من الكتاب. PageV18P052 # فآل الأمر إلى المعاوضة العامة المفيدة لنوع من الاختصاص بأن يعطي كل مما ~~عنده من حوائج الحياة ما يفضل من حاجته ويأخذ به من الغير ما يعادله مما ~~يحتاج إليه فيعطي مثلا ما يفضل من حاجته من الماء الذي عنده وقد حصله واختص ~~به ويأخذ من غيره ما يزيد على قوته من الغذاء، ولازم ذلك أن يسعى كل فرد ~~بما يستعد له ويحسنه من السعي فيقتني مما يحتاج إليه ما يختص به، ولازم ذلك ~~أن يحتاج غيره إليه فيما عنده من متاع الحياة فيتسخر له فيفيده ما يحتاج ~~إليه كالخباز يحتاج إلى ما عند السقاء من الماء وبالعكس فيتعاونان ~~بالمعاوضة وكالمخدوم يتسخر للخادم لخدمته والخادم يتسخر للمخدوم لماله ~~وهكذا فكل بعض من المجتمع مسخر لآخرين بما عنده والآخرون متسخرون له بلا ~~واسطة أو بواسطة أو وسائط لما أن كلا يرتفع على غيره بما يختص به مما عنده ~~بدرجات مختلفة باختلاف تعلق الهمم والقصود به. # وعلى ما تقدم فالمراد بالمعيشة كل ما يعاش به أعم من المال والجاه أو ~~خصوص المال وغيره تبع له كما يؤيده قوله ذيلا: "ورحمة ربك خير مما يجمعون" ~~فإن المراد به المال وغيره من لوازم الحياة مقصود بالتبع. # قوله تعالى: "ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة" - إلى قوله - ومعارج عليها ~~يظهرون" الآية وما يتلوها لبيان أن متاع الدنيا من مال وزينة لا قدر لها ~~عند ms6706 الله سبحانه ولا منزلة. # قالوا: المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم مجتمعين على سنة واحدة هي ~~الكفر بالله لو رأوا أن زينة الدنيا بحذافيرها عند الكافر بالله والمؤمن ~~صفر الكف منها مطلقا، والمعارج الدرجات والمصاعد. # والمعنى: ولو لا أن يجتمع الناس على الكفر لو رأوا تنعم الكافرين وحرمان ~~المؤمنين لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ودرجات عليها يظهرون ~~لغيرهم. # ويمكن أن يكون المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم جميعا على نسبة واحدة ~~تجاه الأسباب العاملة في حظوظ العيش من غير فرق بين المؤمن والكافر، فمن ~~سعى سعيه للرزق ووافقته الأسباب والعوامل الموصلة الأخرى نال منه مؤمنا كان ~~أو كافرا، ومن لم يجتمع له حرم ذلك وقتر عليه الرزق مؤمنا أو كافرا. # والمعنى: لو لا ما أردنا أن يتساوى الناس تجاه الأسباب الموصلة إلى زخارف ~~الدنيا ولا يختلفوا فيها بالإيمان والكفر لجعلنا لمن يكفر، إلخ. # قوله تعالى: "ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا" تنكير "أبوابا" ~~و"سررا" للتفخيم، والزخرف الذهب أو مطلق الزينة، قال في المجمع،: الزخرف ~~كمال حسن الشيء ومنه قيل للذهب، ويقال: زخرفه زخرفة إذا حسنه وزينه، ومنه ~~قيل للنقوش والتصاوير: زخرف، وفي الحديث: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ~~يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنحي. انتهى. # والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك ~~للمتقين" "إن" للنفي و"لما" بمعنى إلا أي ليس كل ما ذكر من مزايا المعيشة ~~إلا متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية التي لا تدوم. # وقوله: "والآخرة عند ربك للمتقين" المراد بالآخرة بقرينة المقام الحياة ~~الآخرة السعيدة كان الحياة الآخرة الشقية لا تعد حياة. # والمعنى: أن الحياة الآخرة السعيدة بحكم من الله تعالى وقضاء منه مختصة ~~بالمتقين، وهذا التخصيص والقصر يؤيد ما قدمناه من معنى كون الناس أمة واحدة ~~في الدنيا بعض التأييد. # قوله تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" يقال: ~~عشي يعشى عشا من باب علم يعلم إذا كان ببصره آفة ms6707 لا يبصر مطلقا أو بالليل ~~فقط، وعشا يعشو عشوا وعشوا من باب نصر ينصر إذا تعامى وتعشى بلا آفة، ~~والتقييض التقدير والإتيان بشيء إلى شيء، يقال: قيضه له إذا جاء به إليه. # لما انتهى الكلام إلى ذكر المتقين وأن الآخرة لهم عند الله قرنه بعاقبة ~~أمر المعرضين عن الحق المتعامين عن ذكر الرحمن مشيرا إلى أمرهم من أوله وهو ~~أن تعاميهم عن ذكر الله يورثهم ملازمة قرناء الشياطين فيلازمونهم مضلين لهم ~~حتى يردوا عذاب الآخرة معهم. PageV18P053 # فقوله: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا" أي من تعامى عن ذكر الرحمن ~~ونظر إليه نظر الأعشى جئنا إليه بشيطان، وقد عبر تعالى عنه في موضع آخر ~~بالإرسال فقال: "ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا": ~~مريم: 83، وإضافة الذكر إلى الرحمن للإشارة إلى أنه رحمة. # وقوله: "فهو له قرين" أي مصاحب لا يفارقه. # قوله تعالى: "وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون" ضمير "أنهم" ~~للشياطين، وضمائر الجمع الباقية للعاشين عن الذكر، واعتبار الجمع نظرا إلى ~~المعنى في "ومن يعش" إلخ، والصد الصرف، والمراد بالسبيل ما يدعو إليه الذكر ~~من سبيل الله الذي هو دين التوحيد. # والمعنى: وإن الشياطين ليصرفون العاشين عن الذكر ويحسب العاشون أنهم - أي ~~العاشين أنفهسم - مهتدون إلى الحق. # وهذا أعني حسبانهم أنهم مهتدون عند انصدادهم عن سبيل الحق أمارة تقييض ~~القرين ودخولهم تحت ولاية الشيطان فإن الإنسان بطبعه الأولي مفطور على ~~الميل إلى الحق ومعرفته إذا عرض عليه ثم إذا عرض عليه فأعرض عنه اتباعا ~~للهوى ودام عليه طبع الله على قلبه وأعمى بصره وقيض له القرين فلم ير الحق ~~الذي تراءى له وطبق الحق الذي يميل إليه بالفطرة على الباطل الذي يدعوه ~~إليه الشيطان فيحسب أنه مهتد وهو ضال ويخيل إليه أنه على الحق وهو على ~~الباطل. # وهذا هو الغطاء الذي يذكر تعالى أنه مضروب عليهم في الدنيا وأنه سينكشف ~~عنهم يوم القيامة، قال تعالى: "الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري - إلى أن ~~قال - قل ms6708 هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا": الكهف: 104، وقال فيما يخاطبه يوم القيامة ومعه ~~قرينه: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" - إلى ~~أن قال - "قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد": ق: 27. # قوله تعالى: "حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين" "حتى" غاية لاستمرار الفعل الذي يدل عليه قوله في الآية السابقة: ~~"يصدونهم" وقوله: "يحسبون" أي لا يزال القرناء يصدونهم ولا يزالون يحسبون ~~أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا الواحد منهم. # والمراد بالمجيء إليه تعالى البعث، وضمير "جاء" و"قال" راجع إلى الموصول ~~باعتبار لفظه، والمراد بالمشرقين المشرق والمغرب غلب فيه جانب المشرق. # والمعنى: وأنهم يستمرون على صدهم عن السبيل ويستمر العاشون عن الذكر على ~~حسبان أنهم مهتدون في انصدادهم حتى إذا حضر الواحد منهم عندنا ومعه قرينه ~~وكشف له عن ضلاله وما يستتبعه من العذاب الأليم، قال مخاطبا لقرينه متأذيا ~~من صحابته: يا ليت بيني وبينك بعد المشرق والمغرب فبئس القرين أنت. # ويستفاد من السياق أنهم معذبون بصحابة القرناء وراء عذابهم بالنار، ولذا ~~يتمنون التباعد عنهم ويخصونه بالذكر وينسون سائر العذاب. # قوله تعالى: "ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون" الظاهر ~~أنه معطوف على ما قبله من وصف حالهم، والمراد باليوم يوم القيامة، وقوله: ~~"أنكم في العذاب مشتركون" فاعل "لن ينفعكم" والمراد بضمير جمع المخاطب ~~العاشون عن الذكر وقرناؤهم، و"إذ ظلمتم" واقع موقع التعليل. # والمراد - والله أعلم - أنكم إذا أساء بعضكم إلى بعض في الدنيا فأوقعه في ~~مصيبة ربما تسليتم بعض التسلي لو ابتلي هو نفسه بمثل ما ابتلاكم به فينفعكم ~~ذلك تسليا وتشفيا لكن لا ينفعكم يوم القيامة اشتراك قرنائكم معكم في العذاب ~~فإن اشتراكهم معكم في العذاب وكونهم معكم في النار هو بعينه عذاب لكم. # وذكر بعض المفسرين أن فاعل "لن ينفعكم" ضمير راجع إلى تمنيهم المذكور في ~~الآية السابقة، وقوله: "إذ ظلمتم" أي لأجل ms6709 ظلمكم أنفسكم في الدنيا باتباعكم ~~إياهم في الكفر والمعاصي، وقوله: "أنكم في العذاب مشتركون" تعليل لنفي ~~النفع والمعنى: ولن ينفعكم تمني التباعد عنكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم ~~وقرناؤكم في العذاب. # وفيه أن فيه تدافعا فإنه أخذ قوله: "إذ ظلمتم" تعليلا لنفي نفع التمني ~~أولا وقوله: "أنكم في العذاب مشتركون" تعليلا له ثانيا ولازم التطابق بين ~~التعليلين أن يذكر ثانيا القضاء على المتمنين التابعين بالعذاب لا باشتراك ~~التابعين والمتبوعين فيه. PageV18P054 # وقال بعضهم: معنى الآية أنه لا يخفف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لأن لكل ~~واحد منكم ومن قرنائكم الحظ الأوفر من العذاب. # وفيه أن ما ذكر من سبب عدم النفع وإن فرض صحيحا في نفسه لكن لا دلالة ~~عليه من جهة لفظ الآية ولا سياق الكلام. # وقال بعضهم: المعنى: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في ~~شدائد الدنيا اشتراكهم فيها لتعاونهم في تحمل أعبائها وتقسمهم لعنائها لأن ~~لكل منكم ومن قرنائكم من العذاب ما لا تبلغه طاقته. # وفيه ما في سابقه من الكلام، ورد أيضا بأن الانتفاع بذلك الوجه ليس مما ~~يخطر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه. # قوله تعالى: "أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين" لما ~~ذكر تقييضه القرناء لهم وتقليبهم إدراكهم بحيث يرون الضلال هدى ولا يقدرون ~~على معرفة الحق فرع عليه أن نبه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن هؤلاء صم عمي ~~لا يقدر هو على أسماعهم كلمة الحق وهدايتهم إلى سبيل الرشد فلا يتجشم ولا ~~يتكلف في دعوتهم ولا يحزن لإعراضهم، والاستفهام للإنكار، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون" المراد بالإذهاب به توفيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قبل الانتقام منهم، وقيل: المراد إذهابه بإخراجه من بينهم، وقوله: "فإنا ~~منهم منتقمون" أي لا محالة، والمراد بإراءته ما وعدهم الانتقام منهم قبل ~~توفيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو حال كونه بينهم، وقوله: "فإنا عليهم ~~مقتدرون" أي اقتدارنا يفوق عليهم. ms6710 # وقوله في الصدر: "فإما نذهبن بك" أصله أن نذهب بك زيدت عليه ما والنون ~~للتأكيد، ومحصل الآية إنا منتقمون منهم بعد توفيك أو قبلها لا محالة. # قوله تعالى: "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم" الظاهر أنه ~~تفريع لجميع ما تقدم من أن إنزال الذكر من طريق الوحي والنبوة من سننه ~~تعالى وأن كتابه النازل عليه حق وهو رسول مبين لا يستجيب دعوته إلا المتقون ~~ولا يعرض عنها إلا قرناء الشياطين، ولا مطمع في إيمانهم وسينتقم الله منهم. # فأكد عليه الأمر بعد ذلك كله أن يجد في التمسك بالكتاب الذي أوحي إليه ~~لأنه على صراط مستقيم. # قوله تعالى: "وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون" الظاهر أن المراد بالذكر ~~ذكر الله، وبهذا المعنى تكرر مرارا في السورة، واللام في "لك ولقومك" ~~للاختصاص بمعنى توجه ما فيه من التكاليف إليهم، ويؤيده بعض التأييد قوله: ~~"وسوف تسألون" أي عنه يوم القيامة. # وعن أكثر المفسرين أن المراد بالذكر الشرف الذي يذكر به، والمعنى: وإنه ~~لشرف عظيم لك ولقومك من العرب تذكرون به بين الأمم. # قوله تعالى: "واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون" قيل: المراد بالسؤال منهم السؤال من أممهم وعلماء دينهم كقوله ~~تعالى: "فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك": يونس: 94، وفائدة هذا المجاز ~~أن المسئول عنه السؤال منهم عين ما جاءت به رسلهم لا ما يجيبونه من تلقاء ~~أنفسهم. # وقيل: المراد السؤال من أهل الكتابين: التوراة والإنجيل فإنهم وإن كفروا ~~لكن الحجة تقوم بتواتر خبرهم، والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والتكليف لأمته. # وبعد الوجهين غير خفي ويزيد الثاني بعدا التخصيص بأهل الكتابين من غير ~~مخصص ظاهر. # وقيل: الآية مما خوطب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج ~~أن يسأل أرواح الأنبياء (عليهم السلام) وقد اجتمع بهم أن يسألهم هل جاءوا ~~بدين وراء دين التوحيد. # وقد وردت به غير واحدة من الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ~~وسيوافيك في البحث الروائي الآتي ms6711 إن شاء الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "وجعلها كلمة باقية في عقبه" وقيل: الكلمة ~~الباقية في عقبه هي الإمامة إلى يوم الدين: عن أبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر وقد طبقت الآية في بعضها على الإمامة في ~~عقب الحسين (عليه السلام). PageV18P055 # والتأمل في الروايات يعطي أن بناءها على إرجاع الضمير في "جعلها" إلى ~~الهداية المفهومة من قوله: "سيهدين" وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "إني ~~جاعلك للناس إماما" إن الإمام وظيفته هداية الناس في ملكوت أعمالهم بمعنى ~~سوقهم إلى الله سبحانه بإرشادهم وإيرادهم درجات القرب من الله سبحانه ~~وإنزال كل ذي عمل منزلة الذي يستدعيه عمله، وحقيقة الهداية من الله سبحانه ~~وتنسب إليه بالتبع أو بالعرض. # وفعلية الهداية النازلة من الله إلى الناس تشمله أولا ثم تفيض عنه إلى ~~غيره فله أتم الهداية ولغيره ما هي دونها وما ذكره إبراهيم (عليه السلام) ~~في قوله: "فإنه سيهدين" هداية مطلقة تقبل الانطباق على أتم مراتب الهداية ~~التي هي حظ الإمام منها فهي الإمامة وجعلها كلمة باقية في عقبه جعل الإمامة كذلك. # وفي الإحتجاج، عن العسكري عن أبيه (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبد الله ~~بن أمية المخزومي: لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما ~~بيننا مالا وأحسنه حالا فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك ~~وابتعثك به رسولا، على رجل من القريتين عظيم: إما الوليد بن المغيرة بمكة ~~وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف. ثم ذكر (عليه السلام) في كلام طويل ~~جواب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قوله بما في معنى الآيات. ثم ~~قال: وذلك قوله تعالى: "وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم" قال الله: "أهم يقسمون رحمة ربك" يا محمد "نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا" فأحوجنا بعضنا إلى بعض أحوج ms6712 هذا إلى مال ذلك وأحوج ذلك ~~إلى سلعة هذا وإلى خدمته. فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر ~~الفقراء في ضرب من الضروب إما سلعة معه ليست معه، وإما خدمة يصلح لها لا ~~يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به وأما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى ~~أن يستفيدها من هذا الفقير الذي يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني، وذلك الملك ~~يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته. ثم ليس للملك أن يقول: هلا ~~اجتمع إلي مالي علم هذا الفقير ولا للفقير أن يقول: هلا اجتمع إلى رأيي ~~ومعرفتي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني، ثم قال ~~تعالى: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات - ليتخذ بعضهم بعضا سخريا". ثم قال: يا ~~محمد "ورحمة ربك خير مما يجمعون" أي ما يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا. # وفي الكافي، بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة" قال: عنى ~~بذلك أمة محمد أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم "لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمان" إلى آخر الآية. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن يحيى بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: "فإما نذهبن بك" يا محمد من مكة إلى المدينة فإما رادوك إليها ~~ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه عن قتادة في قوله: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون": قال: ~~قال أنس: ذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقيت النقمة ولم ير ~~الله نبيه في أمته شيئا يكرهه حتى قبض ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة ~~في أمته إلا نبيكم رأى ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبض. # أقول: وروي فيه هذا المعنى عنه وعن علي بن أبي طالب وعن غيرهما بطرق أخرى. # وفيه، أخرج ms6713 ابن مردويه من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ~~جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى: "فإما ~~نذهبن بك فإنا منهم منتقمون" نزلت في علي بن أبي طالب أنه ينتقم من ~~الناكثين والقاسطين بعدي. # أقول: ظاهر الرواية وما قبلها وما في معناهما أن الوعيد في الآيتين ~~للمنحرفين عن الحق من أهل القبلة دون كفار قريش. PageV18P056 # وفي الإحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: وأما ~~قوله تعالى: "واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا" فهذا من براهين نبينا (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) التي آتاه الله إياها وأوجب به الحجة على سائر خلقه ~~لأنه لما ختم به الأنبياء وجعله الله رسولا إلى جميع الأمم وسائر الملل خصه ~~بالارتقاء إلى السماء عند المعراج وجمع له يومئذ الأنبياء فعلم منهم ما ~~أرسلوا به وحملوه من عزائم الله وآياته وبراهينه. # الحديث. # أقول: وروى هذا المعنى القمي في تفسيره، بإسناده عن أبي الربيع عن أبي ~~جعفر (عليه السلام) في جواب ما سأله نافع بن الأزرق، ورواه في الدر ~~المنثور، بطرق عن سعيد بن جبير وابن جريح وابن زيد. PageV18P057 ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 46 - 56 # ولقد أرسلنا موسى بئايتنا إلى فرعون وملايه فقال إنى رسول رب العلمين ~~(46) فلما جاءهم بئايتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من ءاية إلا هى ~~أكبر من أختها وأخذنهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يأيه الساحر ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون (50) ونادى فرعون فى قومه قال يقوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهر ~~تجرى من تحتى أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد ~~يبين (52) فلو لا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملئكة مقترنين (53) ~~فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فسقين (54) فلما ءاسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقنهم أجمعين (55) فجعلنهم سلفا ومثلا للاخرين (56) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر طغيانهم بعد تمتيعهم بنعمه ورميهم ms6714 الحق الذي جاءهم به رسول مبين ~~بأنه سحر وأنهم قالوا: "لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" ~~فرجحوا الرجل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكثرة ماله مثل لهم بقصة ~~موسى (عليه السلام) وفرعون وقومه حيث أرسله الله إليهم بآياته الباهرة ~~فضحكوا منها واستهزءوا بها، واحتج فرعون فيما خاطب به قومه على أنه خير من ~~موسى بملك مصر وأنهار تجري من تحته فاستخفهم فأطاعوه فآل أمر استكبارهم أن ~~انتقم الله منهم فأغرقهم. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب ~~العالمين" اللام في "لقد" للقسم، والباء في قوله: "بآياتنا" للمصاحبة، ~~والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون" المراد بمجيئهم ~~بالآيات إظهار المعجزات للدلالة على الرسالة، والمراد بالضحك ضحك الاستهزاء ~~استخفافا بالآيات. # قوله تعالى: "وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها" إلخ، الأخت المثل، ~~وقوله: "هي أكبر من أختها" كناية عن كون كل واحدة منها بالغة في الدلالة ~~على حقية الرسالة، وجملة "وما نريهم من آية" إلخ، حال من ضمير "منها"، ~~والمعنى: فلما أتاهم بالمعجزات إذا هم منها يضحكون والحال أن كلا منها تامة ~~كاملة في إعجازها ودلالتها من غير نقص ولا قصور. # وقوله: "وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون" أي رجاء أن يرجعوا عن استكبارهم ~~إلى قبول رسالته، والمراد بالعذاب الذي أخذوا به آيات الرجز التي نزلت ~~عليهم من السنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ~~آيات مفصلات كما في سورة الأعراف. # قوله تعالى: "وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون" ما في "بما عهد عندك" مصدرية أي بعهده عندك والمراد به عهده أن ~~يكشف عنهم العذاب لو آمنوا كما قيل أو أن يستجيب دعاءه إذا دعا كما احتمله بعضهم. # وقولهم: يا أيها الساحر خطاب استهزاء استكبارا منهم كما قالوا: ادع ربك ~~ولم يقولوا: ادع ربنا أو ادع الله استكبارا، والمراد أنهم طلبوا منه الدعاء ~~لكشف العذاب عنهم ووعدوه الاهتداء. ms6715 # وقيل: معنى الساحر في عرفهم العالم وكان الساحر عندهم عظيما يعظمونه ولم ~~يكن صفة ذم. # وليس بذاك بل كانوا ساخرين على استكبارهم كما يشهد به قولهم: ادع لنا ربك. # قوله تعالى: "فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون" النكث نقض العهد ~~وخلف الوعد، ووعدهم هو قولهم: "إننا لمهتدون". # قوله تعالى: "ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" أي ناداهم وهو بينهم، وفصل "قال" لكونه ~~في موضع جواب السؤال كأنه قيل: فما ذا قال؟ فقيل: قال كذا. # وقوله: "وهذه الأنهار تجري من تحتي" أي من تحت قصري أو من بستاني الذي ~~فيه قصري المرتفع العالي البناء، والجملة أعني قوله: "وهذه الأنهار" إلخ، ~~حالية أو "وهذه الأنهار" معطوف على "ملك مصر"، وقوله: "تجري من تحتي" حال ~~من الأنهار، والأنهار أنهار النيل. PageV18P058 # وقوله: "أفلا تبصرون" في معنى تكرير الاستفهام السابق في قوله: "أليس لي ~~ملك مصر" إلخ. # قوله تعالى: "أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين" المهين ~~الحقير الضعيف من المهانة بمعنى الحقارة، ويريد بالمهين موسى (عليه السلام) ~~لما به من الفقر ورثاثة الحال. # وقوله: "ولا يكاد يبين" أي يفصح عن مراده ولعله كان يصف موسى (عليه ~~السلام) به باعتبار ما كان عليه قبل الرسالة لكن الله رفع عنه ذلك لقوله: ~~"قال قد أوتيت سؤلك يا موسى": طه: 36 بعد قوله (عليه السلام): "واحلل عقدة ~~من لساني يفقهوا قولي": طه: 28. # وقوله في صدر الآية: "أم أنا خير" إلخ، أم فيه إما منقطعة لتقرير كلامه ~~السابق والمعنى: بل أنا خير من موسى لأنه كذا وكذا، وإما متصلة، وأحد طرفي ~~الترديد محذوف مع همزة الاستفهام، والتقدير: أهذا خير أم أنا خير إلخ، وفي ~~المجمع، قال سيبويه والخليل: عطف أنا بأم على "أفلا تبصرون" لأن معنى "أنا ~~خير" معنى أم تبصرون فكأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون لأنهم إذا قالوا له: ~~أنت خير منه فقد صاروا بصراء عنده انتهى. # أي إن ms6716 وضع "أم أنا خير" موضع أم تبصرون من وضع المسبب موضع السبب أو ~~بالعكس. # وكيف كان فالإشارة إلى موسى بهذا من دون أن يذكر باسمه للتحقير وتوصيفه ~~بقوله: "الذي هو مهين ولا يكاد يبين" للتحقير وللدلالة على عدم خيريته. # قوله تعالى: "فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين" الأسورة جمع سوار بالكسر، وقال الراغب: هو معرب دستواره قالوا: ~~كان من دأبهم أنهم إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب ~~فالمعنى لو كان رسولا وساد الناس بذلك لألقي إليه أسورة من ذهب. # وقوله: "أو جاء معه الملائكة مقترنين" الظاهر أن الاقتران بمعنى التقارن ~~كالاستباق والاستواء بمعنى التسابق والتساوي، والمراد إتيان الملائكة معه ~~متقارنين لتصديق رسالته، وهذه الكلمة مما تكررت على لسان مكذبي الرسل ~~كقولهم: "لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا": الفرقان: 7. # قوله تعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين" أي استخف عقول ~~قومه وأحلامهم، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين" الإيساف ~~الإغضاب أي فلما أغضبونا بفسوقهم انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، والغضب ~~منه تعالى إرادة العقوبة. # قوله تعالى: "فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين" السلف المتقدم والظاهر أن ~~المراد بكونهم سلفا للآخرين تقدمهم عليهم في دخول النار، والمثل الكلام ~~السائر الذي يتمثل به ويعتبر به، والظاهر أن كونهم مثلا لهم كونهم مما ~~يعتبر به الآخرون لو اعتبروا واتعظوا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا يكاد يبين" قال: لم يبين الكلام. ~~وفي التوحيد، بإسناده إلى أحمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي عبد الله ~~(عليه السلام): في قول الله عز وجل "فلما آسفونا انتقمنا منهم" قال: إن ~~الله لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون ~~مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضى وسخطهم لنفسه سخطا وذلك لأنه جعلهم الدعاة ~~إليه والأدلاء عليه فلذلك صاروا كذلك. وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل ~~إلى خلقه ولكن هذا معنى ما قال من ذلك، ms6717 وقد قال أيضا من أهان لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة ودعاني إليها، وقال أيضا: "من يطع الرسول فقد أطاع الله"، ~~وقال أيضا: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" وكل هذا وشبهه على ما ~~ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك. ولو كان ~~يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن ~~يقول: إن المكون يبيد يوما لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير فإذا ~~دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من ~~المكون وإلا القادر من المقدور ولا الخالق من المخلوقين تعالى الله عن هذا ~~القول علوا كبيرا. هو الخالق للأشياء لا لحاجة فإذا كان لا لحاجة استحال ~~الحد والكيف فيه فافهم ذلك إن شاء الله:. أقول: وروي مثله في الكافي، ~~بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن عمه حمزة بن بزيع عنه (عليه ~~السلام). PageV18P059 ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 57 - 65 # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا ء ألهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلنه مثلا لبنى إسرءيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملئكة فى الأرض يخلفون ~~(60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صرط مستقيم (61) ولا ~~يصدنكم الشيطن إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينت قال قد جئتكم ~~بالحكمة ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله ~~هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل ~~للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) ### |||| AUTO بيان # إشارة إلى قصة عيسى بعد الفراغ عن قصة موسى (عليه السلام) وقدم عليها ~~مجادلتهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عيسى (عليه السلام) وأجيب عنها. # قوله تعالى: "ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون - إلى قوله - ~~خصمون" الآية إلى تمام أربع آيات أو ست آيات حول جدال القوم فيما ضرب من ~~مثل ابن مريم، ms6718 والذي يتحصل بالتدبر فيها نظرا إلى كون السورة مكية ومع قطع ~~النظر عن الروايات هو أن المراد بقوله: "ولما ضرب ابن مريم مثلا" هو ما ~~أنزله الله من وصفه في أول سورة مريم فإنها السورة المكية الوحيدة التي ~~وردت فيها قصة عيسى بن مريم (عليهما السلام) تفصيلا، والسورة تقص قصص عدة ~~من النبيين بما أن الله أنعم عليهم كما تختتم قصصهم بقوله: "أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين": مريم: 58، وقد وقع في هذه الآيات قوله: "إن ~~هو إلا عبد أنعمنا عليه" وهو من الشواهد على كون قوله: "ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا" إشارة إلى ما في سورة مريم. # والمراد بقوله: "إذا قومك منه يصدون" بكسر الصاد أي يضجون ويضحكون ذم ~~لقريش في مقابلتهم المثل الحق بالتهكم والسخرية، وقرىء "يصدون" بضم الصاد ~~أي يعرضون وهو أنسب للجملة التالية. # وقوله: "وقالوا ء آلهتنا خير أم هو" الاستفهام للإنكار أي آلهتنا خير من ~~ابن مريم كأنهم لما سمعوا اسمه بما يصفه القرآن به من النعمة والكرامة ~~أعرضوا عنه بما يصفه به القرآن وأخذوه بما له من الصفة عند النصارى أنه إله ~~ابن إله فردوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن آلهتنا خير منه ~~وهذا من أسخف الجدال كأنهم يشيرون بذلك إلى أن الذي في القرآن من وصفه لا ~~يعتنى به وما عند النصارى لا ينفع فإن آلهتهم خير منه. # وقوله: "ما ضربوه لك إلا جدلا" أي ما وجهوا هذا الكلام: "أآلهتنا خير أم ~~هو" إليك إلا جدلا يريدون به إبطال المثل المذكور وإن كان حقا "بل هم قوم ~~خصمون" أي ثابتون على خصومتهم مصرون عليها. # وقوله: "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه" رد لما يستفاد من قولهم: "ء آلهتنا ~~خير أم هو" أنه إله النصارى كما سيجيء. # وقال الزمخشري في الكشاف، وكثير من المفسرين ونسب إلى ابن عباس وغيره في ~~تفسير الآية: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قرأ قوله تعالى: ~~"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ms6719 جهنم" على قريش امتعضوا من ذلك امتعاضا ~~شديدا فقال ابن الزبعري: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال ~~(عليه السلام): هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم. فقال: خصمتك ورب الكعبة ألست ~~تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه خيرا وعلى أمه؟ وقد علمت أن النصارى ~~يعبدونهما، وعزير يعبد والملائكة يعبدون فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا ~~أن نكون نحن وآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا وسكت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فأنزل الله: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون" ~~ونزلت هذه الآية. PageV18P060 # والمعنى: ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلا وجادل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بعبادة النصارى إياه إذا قومك يعني قريشا من هذا ~~المثل يضجون فرحا وضحكا بما سمعوا منه من إسكات رسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وقالوا: ء آلهتنا خير أم هو أي إن عيسى عندك خير من آلهتنا وإذا كان ~~هو حصب جهنم فأمر آلهتنا هين. # ما ضربوا هذا المثل لك إلا جدلا وغلبة في القول لا لميز الحق من الباطل. # وفيه أنه تقدم في تفسير قوله: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم": ~~الأنبياء: 98، أن هذه الرواية بما فيها من وجوه الوهن والخلل ضعيفة لا يعبأ ~~بها حتى نقل عن الحافظ ابن حجر أن الحديث لا أصل له ولم يوجد في شيء من كتب ~~الحديث لا مسندا ولا غير مسند. # وقصة ابن الزبعري هذه وإن رويت من طرق الشيعة على وجه سليم عن المناقشة ~~لكن لم يذكر فيها نزول قوله: "ولما ضرب ابن مريم" الآية هناك. # على أن ظاهر قوله: "ضرب ابن مريم مثلا" وقوله: "أآلهتنا خير أم هو" لا ~~يلائم ما فسرته تلك الملاءمة. # وقيل: إنهم لما سمعوا قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59، قالوا: نحن أهدى من النصارى ~~لأنهم يعبدون آدميا ونحن نعبد الملائكة - يريدون أرباب الأصنام - فآلهتنا ~~خير من ms6720 إلههم فالذي ضرب المثل بابن مريم هو الله سبحانه، وقولهم: "ء آلهتنا ~~خير أم هو" لتفضيل آلهتهم على عيسى لا بالعكس كما في الوجه السابق. # وفيه أن قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم" مدنية. # وهذه الآيات أعني قوله: "ولما ضرب ابن مريم" إلخ، آيات مكية من سورة مكية. # على أن الأساس في قولهم - على هذا الوجه - تفضيلهم أنفسهم على النصارى ~~فلا يرتبط على هذا قوله: "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه" إلخ، بما تقدمه. # وقيل: إنهم لما سمعوا قوله: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم" ضجوا ~~وقالوا: ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده كما يعبد النصارى المسيح، وآلهتنا ~~خير منه أي من محمد. # وفيه ما في سابقه. # وقيل: مرادهم بقولهم: "ء آلهتنا خير أم هو" التنصل والتخلص عما أنكر ~~عليهم من قولهم: الملائكة بنات الله، ومن عبادتهم لهم كأنهم قالوا: ما كان ~~ذلك منا بدعا فإن النصارى يعبدون المسيح وينسبونه إلى الله وهو بشر ونحن ~~نعبد الملائكة وننسبهم إلى الله وهم أفضل من البشر. # وفيه أنه لا يفي بتوجيه قوله: "ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون" على أن قوله: "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه" على هذا الوجه لا يرتبط ~~بما قبله كما في الوجهين السابقين. # وقيل: معنى قولهم: "ء آلهتنا خير أم هو" أن مثلنا في عبادة الآلهة مثل ~~النصارى في عبادة المسيح فأيهما خير؟ عبادة آلهتنا أم عبادة المسيح؟ فإن ~~قال: عبادة المسيح خير فقد اعترف بعبادة غير الله، وإن قال: عبادة الآلهة ~~فكذلك، وإن قال: ليس في عبادة المسيح خير فقد قصر به عن منزلته وجوابه أن ~~اختصاص المسيح بضرب من التشريف والإنعام من الله تعالى لا يوجب جواز ~~عبادته. # وفيه أنه في نفسه لا بأس به لكن الشأن في دلالة قوله تعالى: "ء آلهتنا ~~خير أم هو" على هذا التفصيل. # وقال في المجمع، في الوجوه التي أوردها في معنى الآية: ورابعها ما رواه ~~سادة أهل البيت عن علي ms6721 (عليه السلام) أنه قال: جئت إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يوما فوجدته في ملإ من قريش فنظر إلي ثم قال: يا علي، إنما ~~مثلك في هذه الأمة مثل عيسى بن مريم أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا، ~~وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا. فعظم ذلك عليهم ~~فضحكوا وقالوا: يشبهه بالأنبياء والرسل، فنزلت الآية. # أقول: والرواية غير متعرضة لتوجيه قولهم: "ء آلهتنا خير أم هو" ولئن كانت ~~القصة سببا للنزول فمعنى الجملة: لئن نتبع آلهتنا ونطيع كبراءنا خير من أن ~~نتولى عليا فيتحكم علينا أو خير من أن نتبع محمدا فيحكم علينا ابن عمه. # ويمكن أن يكون قوله: "وقالوا ء آلهتنا خير أم هو" إلخ، استئنافا والنازل ~~في القصة هو قوله: "ولما ضرب ابن مريم مثلا" الآية. PageV18P061 # قوله تعالى: "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل" الذي ~~يستدعيه السياق أن يكون الضمير لابن مريم، والمراد بكونه مثلا - على ما قيل ~~- كونه آية عجيبة إلهية يسير ذكره كالأمثال السائرة. # والمعنى: ليس ابن مريم إلا عبدا متظاهرا بالعبودية أنعمنا عليه بالنبوة ~~وتأييده بروح القدس وإجراء المعجزات الباهرة على يديه وغير ذلك وجلعناه آية ~~عجيبة خارقة نصف به الحق لبني إسرائيل. # وهذا المعنى كما ترى رد لقولهم: "ء آلهتنا خير أم هو" الظاهر في تفضيلهم ~~آلهتهم في ألوهيتها على المسيح (عليه السلام) في ألوهيته ومحصله أن المسيح ~~لم يكن إلها حتى ينظر في منزلته في ألوهيته وإنما كان عبدا أنعم الله عليه ~~بما أنعم، وأما آلهتهم فنظر القرآن فيهم ظاهر. # قوله تعالى: "ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون" الظاهر أن ~~الآية متصلة بما قبلها مسرودة لرفع استبعاد أن يتلبس البشر من الكمال ما ~~يقصه القرآن عن عيسى (عليه السلام) فيخلق الطير ويحيي الموتى ويكلم الناس ~~في المهد إلى غير ذلك، فيكون كالملائكة المتوسطين في الإحياء والإماتة ~~والرزق وسائر أنواع التدبير ويكون مع ذلك عبدا غير معبود ومألوها غير إله ~~فإن هذا النوع ms6722 من الكمال عند الوثنية مختص بالملائكة وهو ملاك ألوهيتهم ~~ومعبوديتهم وبالجملة هم يحيلون تلبس البشر بهذا النوع من الكمال الذي ~~يخصونه بالملائكة. # فأجيب بأن لله أن يزكي الإنسان ويطهره من أدناس المعاصي بحيث يصير باطنه ~~باطن الملائكة فظاهره ظاهر البشر وباطنه باطن الملك يعيش في الأرض يخلف ~~مثله ويخلفه مثله ويظهر منه ما يظهر من الملائكة. # وعلى هذا فمن في قوله "منكم" للتبعيض، وقوله: "يخلفون" أي يخلف بعضهم بعضا. # وفي المجمع، أن "من" في قوله: "منكم" تفيد معنى البدلية كما في قوله: ~~فليت لنا من ماء زمزم شربة. # مبردة باتت على الطهيان. # وقوله: "يخلفون" أي يخلفون بني آدم ويكونون خلفاء لهم، والمعنى: ولو نشاء ~~أهلكناكم وجعلنا بدلكم ملائكة يسكنون الأرض ويعمرونها ويعبدون الله. # وفيه أنه لا يلائم النظم تلك الملاءمة. # قوله تعالى: "وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم" ~~ضمير "إنه" لعيسى (عليه السلام) والمراد بالعلم ما يعلم به، والمعنى: وإن ~~عيسى يعلم به الساعة في خلقه من غير أب وإحيائه الموتى فيعلم به أن الساعة ~~ممكنة فلا تشكوا في الساعة ولا ترتابوا فيها البتة. # وقيل: المراد بكونه علما للساعة كونه من أشراطها ينزل على الأرض فيعلم به ~~قرب الساعة. # وقيل: الضمير للقرآن وكونه علما للساعة كونه آخر الكتب المنزلة من ~~السماء. # وفي الوجهين جميعا خفاء التفريع الذي في قوله: "فلا تمترن بها". # وقوله: "واتبعون هذا صراط مستقيم" قيل: هو من كلامه تعالى، والمعنى: ~~اتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي، وقيل: من كلام الرسول بأمر منه تعالى. # قوله تعالى: "ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين" الصد الصرف، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة" إلخ، المراد ~~بالبينات الآيات البينات من المعجزات، وبالحكمة المعارف الإلهية من العقائد ~~الحقة والأخلاق الفاضلة. # وقوله: "ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه" أي في حكمه من الحوادث ~~والأفعال، والذي يختلفون فيه وإن كان أعم من الاعتقادات التي يختلف في ~~كونها حقة أو باطلة والحوادث والأفعال التي يختلف ms6723 في مشروع حكمها لكن ~~المناسب لسبق قوله: "قد جئتكم بالحكمة" أن يختص ما اختلفوا فيه بالحوادث ~~والأفعال والله أعلم. # وقيل: المراد بقوله: "بعض الذي تختلفون فيه" كل الذي تختلفون فيه. # وهو كما ترى. # وقيل: المراد لأبين لكم أمور دينكم دون أمور دنياكم ولا دليل عليه من لفظ ~~الآية ولا من المقام. # وقوله: "فاتقوا الله وأطيعون" نسب التقوى إلى الله والطاعة إلى نفسه ~~ليسجل أنه لا يدعي إلا الرسالة. # قوله تعالى: "إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" دعوة منه ~~إلى عبادة الله وحده وأنه هو ربه وربهم جميعا وإتمام للحجة على من يقول ~~بألوهيته. PageV18P062 # قوله تعالى: "فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم" ~~ضمير "من بينهم" لمن بعث إليهم عيسى (عليه السلام) والمعنى: فاختلف الأحزاب ~~المتشعبة من بين أمته في أمر عيسى من كافر به قال فيه، ومن مؤمن به غال ~~فيه، ومن مقتصد لزم الاعتدال. # وقوله: "فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم" تهديد ووعيد للقالي منهم ~~والغالي. PageV18P063 ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 66 - 78 # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ~~(68) الذين ءامنوا بئايتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم وأزوجكم ~~تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خلدون (71) وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون ~~(72) لكم فيها فكهة كثيرة منها تأكلون (73) إن المجرمين فى عذاب جهنم خلدون ~~(74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) وما ظلمنهم ولكن كانوا هم الظلمين ~~(76) ونادوا يملك ليقض علينا ربك قال إنكم مكثون (77) لقد جئنكم بالحق ولكن ~~أكثركم للحق كرهون (78) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى إنذار القوم وفيه تخويفهم بالساعة والإشارة إلى ما يئول إليه ~~حال المتقين والمجرمين فيها من الثواب والعقاب. # قوله تعالى: "هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون" النظر ~~الانتظار، والبغتة الفجأة، والمراد بعدم شعورهم بها غفلتهم عنها ms6724 لاشتغالهم ~~بأمور الدنيا كما قال تعالى: "ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون": يس: 49، فلا يتكرر المعنى في قوله: "بغتة وهم لا يشعرون". # والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الكفار بكفرهم وتكذيبهم لآيات الله إلا أن ~~تأتيهم الساعة مباغتة لهم وهم غافلون عنها مشتغلون بأمور دنياهم أي إن ~~حالهم حال من هدده الهلاك فلم يتوسل بشيء من أسباب النجاة وقعد ينتظر ~~الهلاك ففي الكلام كناية عن عدم اعتنائهم بالإيمان بالحق ليتخلصوا به عن ~~أليم العذاب. # قوله تعالى: "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" الأخلاء جمع ~~خليل وهو الصديق حيث يرفع خلة صديقه وحاجته، والظاهر أن المراد بالأخلاء ~~المطلق الشامل للمخالة والتحاب في الله كما في مخالة المتقين أهل الآخرة ~~والمخالة في غيره كما في مخالة أهل الدنيا فاستثناء المتقين متصل. # والوجه في عداوة الأخلاء غير المتقين أن من لوازم المخالة إعانة أحد ~~الخليلين الآخر في مهام أموره فإذا كانت لغير وجه الله كان فيها الإعانة ~~على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد كما قال تعالى حاكيا عن الظالمين يوم ~~القيامة: "يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني": الفرقان: 29، وأما الأخلاء من المتقين فإن مخالتهم تتأكد وتنفعهم يومئذ. # وفي الخبر النبوي: إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام وقلت الأنساب ~~وذهبت الأخوة إلا الأخوة في الله وذلك قوله: "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين. # قوله تعالى: "يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون" من خطابه ~~تعالى لهم يوم القيامة كما يشهد به قوله بعد: "ادخلوا الجنة" إلخ، وفي ~~الخطاب تأمين لهم من كل مكروه محتمل أو مقطوع به فإن مورد الخوف المكروه ~~المحتمل ومورد الحزن المكروه المقطوع به فإذا ارتفعا ارتفعا. # قوله تعالى: "الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين" الموصول بدل من المنادى ~~المضاف في "يا عباد" أو صفة له، والآيات كل ما يدل عليه تعالى من نبي وكتاب ~~وأي آية أخرى دالة، والمراد بالإسلام التسليم لإرادة الله وأمره. # قوله تعالى: "ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ms6725 تحبرون" ظاهر الأمر بدخول الجنة ~~أن المراد بالأزواج هي النساء المؤمنات في الدنيا دون الحور العين لأنهن في ~~الجنة غير خارجات منها. # والحبور - على ما قيل - السرور الذي يظهر أثره وحباره في الوجه والحبرة ~~الزينة وحسن الهيئة، والمعنى: ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم المؤمنات والحال ~~أنكم تسرون سرورا يظهر أثره في وجوهكم أو تزينون بأحسن زينة. # قوله تعالى: "يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب" إلخ الصحاف جمع صحفة وهي ~~القصعة أو أصغر منها، والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وفي ذكر الصحاف ~~والأكواب إشارة إلى تنعمهم بالطعام والشراب. PageV18P064 # وفي الالتفات إلى الغيبة في قوله: "يطاف عليهم" بين الخطابين "ادخلوا ~~الجنة" و"أنتم فيها خالدون" تفخيم لإكرامهم وإنعامهم أن ذلك بحيث ينبغي أن ~~يذكر لغيرهم ليزيد به اغتباطهم ويظهر به صدق ما وعدوا به. # وقوله: "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين" الظاهر أن المراد بما ~~تشتهيه الأنفس ما تتعلق به الشهوة الطبيعية من مذوق ومشموم ومسموع وملموس ~~مما يتشارك فيه الإنسان وعامة الحيوان، والمراد بما تلذه الأعين الجمال ~~والزنية وذلك مما الالتذاذ به كالمختص بالإنسان كما في المناظر البهجة ~~والوجه الحسن واللباس الفاخر، ولذا غير التعبير فعبر عما يتعلق بالأنفس ~~بالاشتهاء وفيما يتعلق بالأعين باللذة وفي هذين القسمين تنحصر اللذائذ ~~النفسانية عندنا. # ويمكن أن تندرج اللذائذ الروحية العقلية فيما تلذه الأعين فإن الالتذاذ ~~الروحي يعد من رؤية القلب. # قال في المجمع،: وقد جمع الله سبحانه في قوله: "ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين" ما لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يصفوا ما في الجنة من أنواع ~~النعيم لم يزيدوا على ما انتظمته هاتان الصفتان. # انتهى. # وقوله: "وأنتم فيها خالدون" إخبار ووعد وتبشير بالخلود ولهم في العلم به ~~من اللذة الروحية ما لا يقاس بغيره ولا يقدر بقدر. # قوله تعالى: "وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون" قيل: المعنى ~~أعطيتموها بأعمالكم، وقيل أورثتموها من الكفار وكانوا داخليها لو آمنوا ~~وعملوا صالحا، وقد تقدم الكلام في المعنيين في تفسير قوله تعالى: "أولئك هم ~~الوارثون": ms6726 المؤمنون: 10. # قوله تعالى: "لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون" أضاف الفاكهة إلى ما مرت ~~الإشارة إليه من الطعام والشراب لإحصاء النعمة، ومن في "منها تأكلون" ~~للتبعيض ولا يخلو من إشارة إلى أنها لا تنفد بالأكل. # قوله تعالى: "إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه ~~مبلسون" المراد بالمجرمين المتلبسون بالإجرام فيكون أعم من الكفار ويؤيده ~~إيراده في مقابلة المتقين وهو أخص من المؤمنين. # والتفتير التخفيف والتقليل، والإبلاس اليأس ويأسهم من الرحمة أو من ~~الخروج من النار. # قوله تعالى: "وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين" وذلك أنه تعالى جازاهم ~~بأعمالهم لكنهم ظلموا أنفسهم حيث أوردوها بأعمالهم مورد الشقوة والهلكة. # قوله تعالى: "ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون" مالك هو ~~الملك الخازن للنار على ما وردت به الأخبار من طرق العامة والخاصة. # وخطابهم مالكا بما يسألونه من الله سبحانه لكونهم محجوبين عنه كما قال ~~تعالى: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15، وقال: "قال ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون": المؤمنون: 108. # فالمعنى: أنهم يسألون مالكا أن يسأل الله أن يقضي عليهم. # والمراد بالقضاء عليهم إماتتهم، ويريدون بالموت الانعدام والبطلان لينجوا ~~بذلك عما هم فيه من الشقوة وأليم العذاب، وهذا من ظهور ملكاتهم الدنيوية ~~فإنهم كانوا يرون في الدنيا أن الموت انعدام وفوت لا انتقال من دار إلى دار ~~فيسألون الموت بالمعنى الذي ارتكز في نفوسهم وإلا فهم قد ماتوا وشاهدوا ما ~~هي حقيقته. # وقوله: "قال إنكم ماكثون" أي فيما أنتم فيه من الحياة الشقية والعذاب ~~الأليم، والقائل هو مالك جوابا عن مسألتهم. # قوله تعالى: "لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون" ظاهره أنه من ~~تمام كلام مالك يقوله عن لسان الملائكة وهو منهم، وقيل: من كلامه تعالى ~~ويبعده أنهم محجوبون يومئذ عن ربهم لا يكلمهم الله تعالى. # والخطاب لأهل النار بما أنهم بشر، فالمعنى: لقد جئناكم معشر البشر بالحق ~~ولكن أكثركم وهم المجرمون كارهون للحق. # وقيل: المراد بالحق مطلق الحق أي حق كان فهم يكرهونه وينفرون منه وأما ms6727 ~~الحق المعهود الذي هو التوحيد أو القرآن فكلهم كارهون له مشمئزون منه. # والمراد بكراهتهم للحق الكراهة بحسب الطبع الثاني المكتسب بالمعاصي ~~والذنوب لا بحسب الطبع الأول الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها إذ لو ~~كرهوه بحسبها لم يكلفوا بقبوله، قال تعالى: "لا تبديل لخلق الله": الروم: ~~30، وقال: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8. # ويظهر من الآية أن الملاك في السعادة والشقاء قبول الحق ورده. PageV18P065 ### ||| AUTO 43 سورة الزخرف - 79 - 89 # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين (81) سبحن ~~رب السموت والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا ~~يومهم الذى يوعدون (83) وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله وهو الحكيم ~~العليم (84) وتبارك الذى له ملك السموت والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة ~~وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفعة إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله ~~يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلم فسوف يعلمون (89) ### |||| AUTO بيان # رجوع إلى سابق الكلام وفيه توبيخهم على ما يريدون من الكيد برسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديدهم بأن الله يكيدهم، ونفي الولد الذي ~~يقولون به، وإبطال القول بمطلق الشريك وإثبات الربوبية المطلقة لله وحده، ~~وتختتم السورة بالتهديد والوعيد. # قوله تعالى: "أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون" الإبرام خلاف النقض وهو ~~الإحكام، وأم منقطعة. # والمعنى: على ما يفيده سياق الآية والآية التالية: بل أحكموا أمرا من ~~الكيد بك يا محمد فإنا محكمون الكيد بهم فالآية في معنى قوله تعالى: "أم ~~يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون": الطور: 42. # قوله تعالى: "أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون" السر ما يستسرونه في قلوبهم والنجوى ما يناجيه بعضهم بعضا بحيث لا ~~يسمعه غيرهما، ولما كان السر حديث النفس عبر عن العلم بالسر والنجوى جميعا ~~بالسمع. # وقوله: "بلى ms6728 ورسلنا لديهم يكتبون" أي بلى نحن نسمع سرهم ونجواهم ورسلنا ~~الموكلون على حفظ أعمالهم عليهم يكتبون ذلك. # قوله تعالى: "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين" إبطال لألوهية ~~الولد بإبطال أصل وجوده من جهة علمه بأنه ليس، والتعبير بأن الشرطية دون لو ~~الدالة على الامتناع - وكان مقتضى المقام أن يقال: لو كان للرحمن ولد، ~~لاستنزالهم عن رتبة المكابرة إلى مرحلة الانتصاف. # والمعنى: قل لهم إن كان للرحمن ولد كما يقولون، فأنا أول من يعبده أداء ~~لحق بنوته ومسانخته لوالده، لكني أعلم أنه ليس ولذلك لا أعبده لا لبغض ونحوه. # وقد أوردوا للآية معاني أخرى: منها: أن المعنى لو كان لله ولد كما تزعمون ~~فأنا أعبد الله وحده ولا أعبد الولد الذي تزعمون. # ومنها: أن "إن" نافية والمعنى: قل ما كان لله ولد فأنا أول العابدين ~~الموحدين له من بينكم. # ومنها: أن "العابدين" من عبد بمعنى أنف والمعنى: قل لو كان للرحمن ولد ~~فأنا أول من أنف واستنكف عن عبادته لأن الذي يلد لا يكون إلا جسما والجسمية ~~تنافي الألوهية. # ومنها: أن المعنى: كما أني لست أول من عبد الله كذلك ليس لله ولد أي لو ~~جاز لكم أن تدعوا ذاك المحال جاز لي أن أدعي هذا المحال. # إلى غير ذلك مما قيل لكن الظاهر من الآية ما قدمناه. # قوله تعالى: "سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون" تسبيح له ~~سبحانه عما ينسبون إليه، والظاهر أن "رب العرش" عطف بيان لرب السماوات ~~والأرض لأن المراد بالسماوات والأرض مجموع العالم المشهود وهو عرش ملكه ~~تعالى الذي استوى عليه وحكم فيه ودبر أمره. # ولا يخلو من إشارة إلى حجة على الوحدانية إذ لما كان الخلق مختصا به ~~تعالى حتى باعتراف الخصم وهو من شئون عرش ملكه، والتدبير من الخلق والإيجاد ~~فإنه إيجاد النظام الجاري بين المخلوقات فالتدبير أيضا من شئون عرشه ~~فربوبيته للعرش ربوبية لجميع السماوات والأرض. # قوله تعالى: "فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون" وعيد ~~إجمالي لهم بأمر ms6729 النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإعراض عنهم حتى يلاقوا ~~ما يحذرهم منه من عذاب يوم القيامة. PageV18P066 # والمعنى: فاتركهم يخوضوا في أباطيلهم ويلعبوا في دنياهم ويشتغلوا بذلك حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدونه وهو يوم القيامة كما ذكر في الآيات السابقة: "هل ~~ينظرون إلا الساعة" إلخ. # قوله تعالى: "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم" ~~أي هو الذي هو في السماء إله مستحق للمعبودية وهو في الأرض إله أي هو ~~المستحق لمعبودية أهل السماوات والأرض وحده، ويفيد تكرار "إله" كما قيل ~~التأكيد والدلالة على أن كونه تعالى إلها في السماء والأرض بمعنى تعلق ~~ألوهيته بهما لا بمعنى استقراره فيهما أو في أحدهما. # وفي الآية مقابلة لما يثبته الوثنية لكل من السماء والأرض إلها أو آلهة، ~~وفي تذييل الآية بقوله: "وهو الحكيم العليم" الدال على الحصر إشارة إلى ~~وحدانيته في الربوبية التي لازمها الحكمة والعلم. # قوله تعالى: "وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة وإليه ترجعون" ثناء عليه تعالى بالتبارك وهو مصدريته للخير الكثير. # وكل من الصفات الثلاث المذكورة حجة على توحده في الربوبية أما ملكه ~~للجميع فظاهر فإن الربوبية لمن يدبر الأمر والتدبير للملك، وأما اختصاص علم ~~الساعة به فلأن الساعة هي المنزل الأقصى إليه يسير الكل وكيف يصح أن يرب ~~الأشياء من لا علم له بمنتهى مسيرها فهو تعالى رب الأشياء لا من يدعونه، ~~وأما رجوع الناس إليه فإن الرجوع للحساب والجزاء وهو آخر التدبير فمن إليه ~~الرجوع فإليه التدبير ومن إليه التدبير له الربوبية. # قوله تعالى: "ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون" السياق سياق العموم فالمراد بالذين يدعون، أي يعبدونهم من دونه، كل ~~معبود غيره تعالى من الملائكة والجن والبشر وغيرهم. # والمراد "بالحق" الحق الذي هو التوحيد، والشهادة به الاعتراف به، والمراد ~~بقوله: "وهم يعلمون" حيث أطلق العلم علمهم بحقيقة حال من شفعوا له وحقيقة ~~عمله كما قال: "لا يتكلمون إلا من أذن له ms6730 الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38، ~~وإذا كان هذا حال الشفعاء لا يملكونها إلا بعد الشهادة بالحق فما هم ~~بشافعين إلا لأهل التوحيد كما قال: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى". # والآية مصرحة بوجود الشفاعة. # قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون" أي إلى متى ~~يصرفون عن الحق الذي هو التوحيد إلى الباطل الذي هو الشرك، وذلك أنهم ~~معترفون أن لا خالق إلا الله والتدبير الذي هو ملاك الربوبية غير منفك عن ~~الخلق كما اتضح مرارا فالرب المعبود هو الذي بيده الخلق وهو الله سبحانه. # قوله تعالى: "وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون" ضمير "قيله" للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا إشكال، والقيل مصدر كالقول والقال، و"قيله" ~~معطوف - على ما قيل - على الساعة في قوله: "وعنده علم الساعة"، والمعنى: ~~وعنده علم قوله: "يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون". # قوله تعالى: "فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون" أمر بالإعراض عنهم وإقناط ~~من إيمانهم، وقوله: "قل سلام" أي وادعهم موادعة ترك من غير هم لك فيهم، وفي ~~قوله: "فسوف يعلمون" تهديد ووعيد. ### |||| AUTO بحث روائي # في الإحتجاج، عن علي (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: قوله: إن كان ~~للرحمن ولد - فأنا أول العابدين أي الجاحدين، والتأويل في هذا القول باطنه ~~مضاد لظاهره. # أقول: الظاهر أن المراد أنه خلاف ما ينصرف إليه لفظ عابد عند الإطلاق. # وفي الكافي، بإسناده عن هشام بن الحكم قال: قال أبو شاكر الديصاني: إن في ~~القرآن آية هي قولنا. قلت: وما هي؟ قال: هو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله فلم أدر بما أجيبه فحججت فخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا ~~كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه فقل: ما اسمك بالكوفة؟ فإنه يقول: فلان، ~~فقل: ما اسمك بالبصرة؟ فإنه يقول: فلان، فقل: كذلك الله ربنا في السماء ~~إله، وفي الأرض إله، وفي البحار إله، وفي القفار إله، وفي كل مكان إله. ~~قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال: هذه نقلت ms6731 من الحجاز. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~قال: هم الذين عبدوا في الدنيا لا يملكون الشفاعة لمن عبدهم. PageV18P067 # وفي الكافي، بإسناده عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا جعفر الثاني (عليه ~~السلام): ما معنى الواحد؟ فقال: إجماع الألسن عليه بالوحدانية لقوله: ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله. PageV18P068 ### || AUTO ### ||| AUTO 44 سورة الدخان - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلنه فى ليلة ~~مبركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا ~~مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السموت والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحى ويميت ربكم ورب ءابائكم ~~الأولين (8) ### |||| AUTO بيان # يتلخص غرض السورة في إنذار المرتابين في الكتاب بعذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة وقد سيق بيان ذلك بأنه كتاب مبين نازل من عند الله على من أرسله إلى ~~الناس لإنذارهم وقد نزل رحمة منه تعالى لعباده خير نزول في ليلة القدر التي ~~فيها يفرق كل أمر حكيم. # غير أن الناس وهم الكفار ارتابوا فيه لاعبين في هوساتهم وسيغشاهم أليم ~~عذاب الدنيا ثم يرجعون إلى ربهم فينتقم منهم بعد فصل القضاء بعذاب خالد. # ثم يذكر لهم تنظيرا لأول الوعيدين قصة إرسال موسى (عليه السلام) إلى قوم ~~فرعون لإنجاء بني إسرائيل وتكذيبهم له وإغراقهم نكالا منه. # ثم يذكر إنكارهم لثاني الوعيدين وهو الرجوع إلى الله في يوم الفصل فيقيم ~~الحجة على أنه آت لا محالة ثم يذكر طرفا من أخباره وما سيجري فيه على ~~المجرمين ويصيبهم من ألوان عذابه، وما سيثاب به المتقون من حياة طيبة ومقام كريم. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "حم والكتاب المبين" الواو للقسم والمراد بالكتاب المبين ~~القرآن. # قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين" المراد بالليلة ~~المباركة التي نزل فيها القرآن ليلة القدر على ما يدل عليه قوله تعالى: ~~"إنا أنزلناه في ليلة القدر": القدر: 1، وكونها مباركة ظرفيتها ms6732 للخير ~~الكثير الذي ينبسط على الخلق من الرحمة الواسعة، وقد قال تعالى: "وما أدراك ~~ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر": القدر: 3. # وظاهر اللفظ أنها إحدى الليالي التي تدور على الأرض وظاهر قوله: "فيها ~~يفرق" الدال على الاستمرار أنها تتكرر وظاهر قوله تعالى: "شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن": البقرة: 185، أنها تتكرر بتكرر شهر رمضان فهي تتكرر ~~بتكرر السنين القمرية وتقع في كل سنة قمرية مرة واحدة في شهر رمضان، وأما ~~إنها أي ليلة هي؟ فلا إشعار في كلامه تعالى بذلك، وأما الروايات فستوافيك ~~في البحث الروائي التالي. # والمراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة على ما هو ظاهر قوله: "إنا أنزلناه ~~في ليلة مباركة" وقوله: "إنا أنزلناه في ليلة القدر": القدر: 1، وقوله: ~~"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان": ~~البقرة: 185، أن النازل هو القرآن كله. # ولا يدفع ذلك قوله: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا": إسراء: 106، وقوله: "وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا": الفرقان: 32، الظاهرين في ~~نزوله تدريجا، ويؤيد ذلك آيات أخر كقوله: "فإذا أنزلت سورة محكمة": سورة ~~محمد: 20، وقوله: "وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض": التوبة: 127 ~~وغير ذلك ويؤيد ذلك أيضا ما لا يحصى من الأخبار المتضمنة لأسباب النزول. # وذلك أنه يمكن أن يحمل على نزول القرآن مرتين مرة مجموعا وجملة في ليلة ~~واحدة من ليالي شهر رمضان، ومرة تدريجا ونجوما في مدة ثلاث وعشرين سنة وهي ~~مدة دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم). # لكن الذي لا ينبغي الارتياب فيه أن هذا القرآن المؤلف من السور والآيات ~~بما فيه من السياقات المختلفة المنطبقة على موارد النزول المختلفة الشخصية ~~لا يقبل النزول دفعة فإن الآيات النازلة في وقائع شخصية وحوادث جزئية ~~مرتبطة بأزمنة وأمكنة وأشخاص وأحوال خاصة لا تصدق إلا مع تحقق مواردها ~~المتفرقة زمانا ومكانا وغير ذلك بحيث لو اجتمعت زمانا ومكانا وغير ذلك ~~انقلبت عن ms6733 تلك الموارد وصارت غيرها فلا يمكن احتمال نزول القرآن وهو على ~~هيئته وحاله بعينها مرة جملة، ومرة نجوما. PageV18P069 # فلو قيل بنزوله مرتين كان من الواجب أن يفرق بين المرتين بالإجمال والتفصيل ~~فيكون نازلا مرة إجمالا ومرة تفصيلا ونعني بهذا الإجمال والتفصيل ما يشير ~~إليه قوله تعالى: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود: 1، ~~وقوله: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي ~~حكيم": الزخرف: 4، وقد مر الكلام في معنى الإحكام والتفصيل في تفسير سورتي ~~هود والزخرف. # وقيل: المراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة افتتاح نزوله التدريجي في ليلة ~~القدر من شهر رمضان فأول ما نزل من آيات القرآن - وهو سورة العلق أو سورة ~~الحمد - نزل في ليلة القدر. # وهذا القول مبني على استشعار منافاة نزول الكتاب كله في ليلة ونزوله ~~التدريجي الذي تدل عليه الآيات السابقة وقد عرفت أن لا منافاة بين الآيات. # على أنك خبير بأنه خلاف ظاهر الآيات. # وقيل: إنه نزل أولا جملة على السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل من ~~السماء الدنيا على الأرض تدريجا في ثلاث وعشرين سنة مدة الدعوة النبوية. # وهذا القول مأخوذ من الأخبار الواردة في تفسير الآيات الظاهرة في نزوله ~~جملة وستمر بك في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # وقوله: "إنا كنا منذرين" واقع موقع التعليل، وهو يدل على استمرار الإنذار ~~منه تعالى قبل هذا الإنذار، فيدل على أن نزول القرآن من عنده تعالى ليس ~~ببدع، فإنما هو إنذار والإنذار سنة جارية له تعالى لم تزل تجري في السابقين ~~من طريق الوحي إلى الأنبياء والرسل وبعثهم لإنذار الناس. # قوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم" ضمير "فيها" لليلة والفرق فصل الشيء ~~من الشيء بحيث يتمايزان ويقابله الإحكام فالأمر الحكيم ما لا يتميز بعض ~~أجزائه من بعض ولا يتعين خصوصياته وأحواله كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ~~"وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21. # فللأمور بحسب القضاء الإلهي مرحلتان: مرحلة ms6734 الإجمال والإبهام ومرحلة ~~التفصيل، وليلة القدر - على ما يدل عليه قوله: "فيها يفرق كل أمر حكيم - ~~ليلة يخرج فيها الأمور من مرحلة الإحكام إلى مرحلة الفرق والتفصيل، وقد نزل ~~فيها القرآن وهو أمر من الأمور المحكمة فرق في ليلة القدر. # ولعل الله سبحانه أطلع نبيه على جزئيات الحوادث التي ستقع في زمان دعوته ~~وما يقارن منها نزول كل آية أو آيات أو سورة من كتابه فيستدعي نزولها ~~وأطلعه على ما ينزل منها فيكون القرآن نازلا عليه دفعة وجملة قبل نزوله ~~تدريجا ومفرقا. # ومآل هذا الوجه اطلاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على القرآن في ~~مرحلة نزوله إلى القضاء التفصيلي قبل نزوله على الأرض واستقراره في مرحلة ~~العين، وعلى هذا الوجه لا حاجة إلى تفريق المرتين بالإجمال والتفصيل كما ~~تقدم في الوجه الأول. # وظاهر كلام بعضهم أن المراد بقوله: "فيها يفرق كل أمر حكيم" تفصيل الأمور ~~المبينة في القرآن من معارف وأحكام وغير ذلك. # ويدفعه أن ظاهر قوله: "فيها يفرق" الاستمرار والذي يستمر في هذه الليلة ~~بتكررها تفصيل الأمور الكونية بعد إحكامها وأما المعارف والأحكام الإلهية ~~فلا استمرار في تفصيلها فلو كان المراد فرقها كان الأنسب أن يقال: "فيها فرق". # وقيل: المراد بكون الأمر حكيما إحكامه بعد الفرق لا الإحكام الذي قبل ~~التفصيل، والمعنى: يقضى في الليلة كل أمر محكم لا يتغير بزيادة أو نقصان أو ~~غير ذلك هذا، والأظهر ما قدمناه من المعنى. # قوله تعالى: "أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين" المراد بالأمر الشأن وهو حال ~~من الأمر السابق والمعنى فيها يفرق كل أمر حال كونه أمرا من عندنا ومبتدأ ~~من لدنا، ويمكن أن يكون المراد به ما يقابل النهي والمعنى: يفرق فيها كل ~~أمر بأمر منا، وهو على أي حال متعلق بقوله: "يفرق". # ويمكن أن يكون متعلقا بقوله: "أنزلناه" أي حال كون الكتاب أمرا أو بأمر ~~من عندنا، وقوله: "إنا كنا مرسلين" لا يخلو من تأييد لذلك، ويكون تعليلا له ~~والمعنى: إنا أنزلناه أمرا من عندنا لأن سنتنا ms6735 الجارية إرسال الأنبياء ~~والرسل. # قوله تعالى: "رحمة من ربك إنه هو السميع العليم" أي إنزاله رحمة من ربك ~~أو أنزلناه لأجل إفاضة الرحمة على الناس أو لاقتضاء رحمة ربك إنزاله فقوله: ~~"رحمة" حال على المعنى الأول ومفعول له على الثاني والثالث. PageV18P070 # وفي قوله: "من ربك" التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة ووجهه إظهار ~~العناية بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه هو الذي أنزل عليه القرآن ~~وهو المنذر المرسل إلى الناس. # وقوله: "إنه هو السميع العليم" أي السميع للمسائل والعليم بالحوائج فيسمع ~~مسألتهم ويعلم حاجتهم إلى الاهتداء بهدى ربك فينزل الكتاب ويرسل الرسول ~~رحمة منه لهم. # قوله تعالى: "رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين" لما كانت ~~الوثنية يرون أن لكل صنف من الخلق إلها أو أكثر وربما اتخذ قوم منهم إلها ~~غير ما يتخذه غيرهم عقب قوله: "من ربك" بقوله: "رب السماوات" إلخ، لئلا ~~يتوهم متوهم منهم أن ربوبيته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست ~~بالاختصاص كالتي بينهم بل هو تعالى ربه ورب السماوات والأرض وما بينهما، ~~ولذلك عقبه أيضا في الآية التالية بقوله: "لا إله إلا هو". # وقوله: "إن كنتم موقنين" هذا الاشتراط كما ذكره الزمخشري من قبيل قولنا ~~هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه واشتهروا سخاءه أن بلغك حديثه وحدثت ~~بقصته فالمعنى هو الذي يعرفه الموقنون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ~~إن كنتم منهم عرفتموه بأنه رب كل شيء. # قوله تعالى: "لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين" لما كان ~~مدلول الآية السابقة انحصار الربوبية وهي الملك والتدبير فيه تعالى ~~والألوهية وهي المعبودية بالحق من لوازم الربوبية عقبه بكلمة التوحيد ~~النافية لكل إله دونه تعالى. # وقوله: "يحيي ويميت" من أخص الصفات به تعالى وهما من شئون التدبير، وفي ~~ذكرهما نوع تمهيد لما سيأتي من إنذارهم بالمعاد. # وقوله: "ربكم ورب آبائكم الأولين" فيه كمال التصريح بأنه ربهم ورب آبائهم ~~فليعبدوه ولا يتعللوا باتباع آبائهم في عبادة الأصنام، ولتكميل التصريح ~~سيقت ms6736 الجملة بالخطاب فقيل: "ربكم ورب آبائكم". # وهما أعني قوله: "يحيي ويميت" وقوله: "ربكم" خبران لمبتدإ محذوف والتقدير ~~هو يحيي ويميت إلخ. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" والليلة ~~المباركة هي ليلة القدر: و، هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر ~~بن أذينة عن الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم عن حمران أنه سأل أبا جعفر (عليه ~~السلام) عن قول الله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" قال: نعم ليلة ~~القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر فلم ينزل القرآن إلا في ~~ليلة القدر قال الله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم" قال: يقدر في ليلة ~~القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل: خير وشر وطاعة ومعصية ~~ومولود وأجل ورزق فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم ولله تعالى فيه ~~المشية. # أقول: قوله: فهو المحتوم ولله فيه المشية أي أنه محتوم من جهة الأسباب ~~والشرائط فلا شيء يمنع عن تحققه إلا أن يشاء الله ذلك. # وفي البصائر، عن عباس بن معروف عن سعدان بن مسلم عن عبد الله بن سنان ~~قال: سألته عن النصف من شعبان فقال: ما عندي فيه شيء ولكن إذا كانت ليلة ~~تسع عشرة من شهر رمضان قسم فيها الأرزاق وكتب فيها الآجال وخرج فيها صكاك ~~الحاج واطلع الله إلى عباده فغفر الله لهم إلا شارب خمر مسكر. فإذا كانت ~~ليلة ثلاث وعشرين فيها يفرق كل أمر حكيم ثم ينهى ذلك ويمضي ذلك. قلت: إلى ~~من؟ قال: إلى صاحبكم ولو لا ذلك لم يعلم. # وفي الدر المنثور، أخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم" قال: يكتب من أم الكتاب في ~~ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة ms6737 أو مطر حتى يكتب الحاج: ~~يحج فلان ويحج فلان. # أقول: والأخبار في ليلة القدر وما يقضى فيها وفي تعيينها كثيرة جدا ~~وسيأتي عمدتها في تفسير سورة القدر إن شاء الله تعالى. PageV18P071 ### ||| AUTO 44 سورة الدخان - 9 - 33 # بل هم فى شك يلعبون (9) فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين (10) يغشى ~~الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم ~~الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا ~~كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ~~(16) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلى عباد ~~الله إنى لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إنى ءاتيكم بسلطن مبين ~~(19) وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون (21) ~~فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادى ليلا إنكم متبعون (23) ~~واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنت وعيون (25) وزروع ~~ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فكهين (27) كذلك وأورثنها قوما ءاخرين ~~(28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) ولقد نجينا بنى ~~إسرءيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) ~~ولقد اخترنهم على علم على العلمين (32) وءاتينهم من الايت ما فيه بلؤا مبين (33) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات ارتيابهم في كتاب الله بعد ما ذكرت أنه كتاب مبين نازل في ~~خير ليلة على رسوله لغرض الإنذار رحمة من الله، ثم تهددهم بعذاب الدنيا ~~وبطش يوم القيامة وتتمثل لهم بقصة إرسال موسى إلى قوم فرعون وتكذيبهم له ~~وإغراقهم. # ولا تخلو القصة من إيماء إلى أنه تعالى سينجي النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والمؤمنين به من عتاة قريش بإخراجهم من مكة ثم إهلاك صناديد قريش في ~~تعقيبهم النبي والمؤمنين به. # قوله تعالى: "بل هم في شك يلعبون" ضمير الجمع لقوم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، والإضراب عن محذوف يدل عليه السياق السابق أي إنهم لا يوقنون ~~ولا يؤمنون بما ذكر من رسالة الرسول وصفة الكتاب ms6738 الذي أنزل عليه بل هم في ~~شك وارتياب فيه يلعبون بالاشتغال بدنياهم، وذكر الزمخشري أن الإضراب عن ~~قوله: "إن كنتم موقنين". # قوله تعالى: "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس" الارتقاب ~~الانتظار وهذا وعيد بالعذاب وهو إتيان السماء بدخان مبين يغشى الناس. # واختلف في المراد بهذا العذاب المذكور في الآية. # فقيل: المراد به المجاعة التي ابتلي بها أهل مكة فإنهم لما أصروا على ~~كفرهم وأذاهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين به دعا عليهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: اللهم سنين كسني يوسف فأجدبت الأرض ~~وأصابت قريشا مجاعة شديدة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين ~~السماء كالدخان وأكلوا الميتة والعظام ثم جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وقالوا: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا، ووعدوه إن ~~كشف الله عنهم الجدب أن يؤمنوا، فدعا وسأل الله لهم بالخصب والسعة فكشف ~~عنهم ثم عادوا إلى كفرهم ونقضوا عهدهم. # وقيل: إن الدخان المذكور في الآية من أشراط الساعة وهو لم يأت بعد وهو ~~يأتي قبل قيام الساعة فيدخل أسماع الناس حتى أن رءوسهم تكون كالرأس الحنيذ. # ويصيب المؤمن منه مثل الزكمة وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه ~~خصاص ويمكث ذلك أربعين يوما. # وربما قيل: إن المراد بيوم الدخان يوم فتح مكة حين دخل جيش المسلمين مكة ~~فارتفع الغبار كالدخان المظلم، وربما قيل: المراد به يوم القيامة، والقولان ~~كما ترى. # وقوله: "يغشى الناس" أي يشملهم ويحيط بهم، والمراد بالناس أهل مكة على ~~القول الأول، وعامة الناس على القول الثاني. PageV18P072 # قوله تعالى: "هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون" حكاية قول ~~الناس عند نزول عذاب الدخان أي يقول الناس يوم تأتي السماء بدخان مبين: هذا ~~عذاب أليم ويسألون الله كشفه بالاعتراف بربوبيته وإظهار الإيمان بالدعوة ~~الحقة فيقولون: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. # قوله تعالى: "أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين" أي من أين لهم أن ~~يتذكروا ويذعنوا ms6739 بالحق والحال أنه قد جاءهم رسول مبين ظاهر في رسالته لا ~~يقبل الارتياب وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الآية رد صدقهم في وعدهم. # قوله تعالى: "ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون" التولي الإعراض، وضمير ~~"عنه" للرسول و"معلم مجنون" خبران لمبتدإ محذوف هو ضمير راجع إلى الرسول ~~والمعنى: ثم أعرضوا عن الرسول وقالوا هو معلم مجنون فرموه أولا بأنه معلم ~~يعلمه غيره فيسند ما تعلمه إلى الله سبحانه، قال تعالى: "ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر": النحل: 103، وثانيا بأنه مجنون مختل العقل. # قوله تعالى: "إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون" أي إنا كاشفون للعذاب ~~زمانا أنكم عائدون إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب هذا بناء على القول ~~الأول والآية تأكيد لرد صدقهم فيما وعدوه من الإيمان. # وأما على القول الثاني فالأقرب أن المعنى: أنكم عائدون إلى العذاب يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: "يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون" البطش - على ما ذكره ~~الراغب - تناول الشيء بصولة، وهذا اليوم بناء على القول الأول المذكور يوم ~~بدر وبناء على القول الثاني يوم القيامة، وربما أيد توصيف البطشة بالكبرى ~~هذا القول الثاني فإن بطش يوم القيامة وعذابه أكبر البطش والعذاب، قال ~~تعالى: "فيعذبه الله العذاب الأكبر": الغاشية: 24، كما أن أجره أكبر الأجر ~~قال تعالى: "ولأجر الآخرة أكبر": النحل: 41. # قوله تعالى: "ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم" الفتنة ~~الامتحان والابتلاء للحصول على حقيقة الشيء، وقوله: "وجاءهم رسول كريم" ~~إلخ، تفسير للامتحان، والرسول الكريم موسى (عليه السلام)، والكريم هو ~~المتصف بالخصال الحميدة قال الراغب: الكرم إذا وصف الله تعالى به فهو اسم ~~لإحسانه وإنعامه المتظاهر نحو قوله: "إن ربي غني كريم" وإذا وصف به الإنسان ~~فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم حتى ~~يظهر ذلك منه، قال: وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم قال تعالى: ~~"أنبتنا فيها من كل زوج كريم" "وزروع ومقام كريم" "إنه لقرآن كريم" "وقل ~~لهما قولا كريما" انتهى. # قوله ms6740 تعالى: "أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين" تفسير لمجيء ~~الرسول فإن معنى مجيء الرسول تبليغ الرسالة وكان من رسالة موسى (عليه ~~السلام) إلى فرعون وقومه أن يرسلوا معهم بني إسرائيل ولا يعذبوهم، والمراد ~~بعباد الله بنو إسرائيل وعبر عنهم بذلك استرحاما وتلويحا إلى أنهم في ~~استكبارهم وتعديهم عليهم إنما يستكبرون على الله لأنهم عباد الله. # وفي قوله: "إني لكم رسول أمين" حيث وصف نفسه بالأمانة دفع لاحتمال أن ~~يخونهم في دعوى الرسالة وإنجاء بني إسرائيل من سيطرتهم فيخرج معهم عليهم ~~فيخرجهم من أرضهم كما حكى تعالى عن فرعون إذ قال للملإ حوله: "إن هذا لساحر ~~عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره": الشعراء: 25. # وقيل: "عباد الله" نداء لفرعون وقومه والتقدير أن أدوا إلى ما آمركم به ~~يا عباد الله، ولا يخلو من التقدير المخالف للظاهر. # قوله تعالى: "وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين" أي لا ~~تتجبروا على الله بتكذيب رسالتي والإعراض عما أمركم الله فإن تكذيب الرسول ~~في رسالته استعلاء وتجبر على من أرسله والدليل على أن المراد ذلك تعليل ~~النهي بقوله: "إني آتيكم بسلطان مبين" أي حجة بارزة من الآيات المعجزة أو ~~حجة المعجزة وحجة البرهان. # قيل: ومن حسن التعبير الجمع بين التأدية والأمين وكذا بين العلو ~~والسلطان. # قوله تعالى: "وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون" أي التجأت إليه تعالى من ~~رجمكم إياي فلا تقدرون على ذلك، والظاهر أنه إشارة إلى ما آمنه ربه قبل ~~المجيء إلى القوم كما في قوله تعالى: "قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا ~~أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى": طه: 46. PageV18P073 # وبما مر يظهر فساد ما قيل: إن هذا كان قبل أن يخبره الله بعجزهم عن رجمه ~~بقوله سبحانه: "فلا يصلون إليكما". # قوله تعالى: "وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون" أي إن لم تؤمنوا لي فكونوا ~~بمعزل مني لا لي ولا علي ولا تتعرضوا لي بخير أو شر، وقيل: المراد تنحوا ~~عني وانقطعوا، وهو بعيد. ms6741 # قوله تعالى: "فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون" أي دعاه بأن هؤلاء قوم ~~مجرمون وقد ذكر من دعائه السبب الداعي له إلى الدعاء وهو إجرامهم إلى حد ~~يستحقون معه الهلاك ويعلم ما سأله مما أجاب به ربه تعالى إذ قال: "فأسر ~~بعبادي" إلخ، وهو الإهلاك. # قوله تعالى: "فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون" الإسراء: السير بالليل فيكون ~~قوله: "ليلا" تأكيدا له وتصريحا به، والمراد بعبادي بنو إسرائيل، وقوله: ~~"إنكم متبعون" أي يتبعكم فرعون وجنوده، وهو استئناف يخبر عما سيقع عقيب ~~الإسراء. # وفي الكلام إيجاز بالحذف والتقدير فقال له: أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ~~يتبعكم فرعون وجنوده. # قوله تعالى: "واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون" قال في المفردات: واترك ~~البحر رهوا أي ساكنا، وقيل: سعة من الطريق وهو الصحيح. # انتهى. # وقوله: "إنهم جند مغرقون" تعليل لقوله: "واترك البحر رهوا". # وفي الكلام إيجاز بالحذف اختصارا والتقدير: أسر بعبادي ليلا يتبعكم فرعون ~~وجنوده حتى إذا بلغتم البحر فاضربه بعصاك لينفتح طريق لجوازكم فجاوزوه ~~واتركه ساكنا أو مفتوحا على حاله فيدخلونه طمعا في إدراككم فهم جند مغرقون. # قوله تعالى: "كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين كذلك" "كم" للتكثير أي كثيرا ما تركوا، وقوله: "من جنات" إلخ... ~~بيان لما تركوا، والمقام الكريم المساكن الحسنة الزاهية، والنعمة فتح النون ~~التنعم وبناؤها بناء المرة كالضربة وبكسر النون قسم من التنعم وبناؤها بناء ~~النوع كالجلسة وفسروا النعمة هاهنا بما يتنعم به وهو أنسب للترك، وفاكهين ~~من الفكاهة بمعنى حديث الأنس ولعل المراد به هاهنا التمتع كما يتمتع ~~بالفواكه وهي أنواع الثمار. # وقوله: "كذلك" قيل: معناه الأمر كذلك، وقيل: المعنى نفعل فعلا كذلك لمن ~~نريد إهلاكه، وقيل: الإشارة إلى الإخراج المفهوم من الكلام السابق، ~~والمعنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. # ويمكن أن يكون حالا من مفعول "تركوا" المحذوف والمعنى: كثيرا ما تركوا ~~أشياء كذلك أي على حالها والله أعلم. # قوله تعالى: "وأورثناها قوما آخرين" الضمير لمفعول "تركوا" المحذوف ~~المبين بقوله: "من جنات" إلخ، والمعنى ms6742 ظاهر. # قوله تعالى: "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين" بكاء السماء ~~والأرض على شيء فائت كناية تخييلية عن تأثرهما عن فوته وفقده فعدم بكائهما ~~عليهم بعد إهلاكهم كناية عن هوان أمرهم على الله وعدم تأثير هلاكهم في شيء ~~من أجزاء الكون. # وقوله: "وما كانوا منظرين" كناية عن سرعة جريان القضاء الإلهي والقهر ~~الربوبي في حقهم وعدم مصادفته لمانع يمنعه أو يحتاج إلى علاج في رفعه حتى ~~يتأخر به. # قوله تعالى: "ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين" وهو ما يصيبهم ~~وهم في أسارة فرعون من ذبح الأبناء واستحياء النساء وغير ذلك. # قوله تعالى: "من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين" "من فرعون" بدل من ~~قوله: "من العذاب" إما بحذف مضاف والتقدير من عذاب فرعون، أو من غير حذف ~~بجعل فرعون عين العذاب دعوى للمبالغة، وقوله: "إنه كان عاليا من المسرفين" ~~أي متكبرا من أهل الإسراف والتعدي عن الحد. # قوله تعالى: "ولقد اخترناهم على علم على العالمين" أي اخترناهم على علم ~~منا باستحقاقهم الاختيار على ما يفيده السياق. # والمراد بالعالمين جميع العالمين من الأمم إن كان المراد بالاختيار ~~الاختيار من بعض الوجوه ككثرة الأنبياء فإنهم يمتازون من سائر الأمم بكثرة ~~الأنبياء المبعوثين منهم ويمتازون بأن مر عليهم دهر طويل في التيه وهم ~~يتظلون بالغمام ويأكلون المن والسلوى إلى غير ذلك. # وعالمو أهل زمانهم إن كان المراد بالاختيار مطلقة فإنهم لم يختاروا على ~~الأمة الإسلامية التي خاطبهم الله تعالى بمثل قوله: "كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس": آل عمران: 110، وقوله: "هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج": الحج: 78. PageV18P074 # قوله تعالى: "وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين" البلاء الاختبار ~~والامتحان أي وأعطينا بني إسرائيل من الآيات المعجزات ما فيه امتحان ظاهر ~~ولقد أوتوا من الآيات المعجزات ما لم يعهد في غيرهم من الأمم وابتلوا بذلك ~~ابتلاء مبينا. # قيل: وفي قوله: "فيه" إشارة إلى أن هناك أمورا أخرى ككونه معجزة. # وفي تذييل القصة بهذه الآيات الأربع أعني قوله: "ولقد نجينا ms6743 بني إسرائيل" ~~- إلى قوله - بلاء مبين" نوع تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وإيماء إلى أن الله تعالى سينجيه والمؤمنين به من فراعنة مكة ويختارهم ~~ويمكنهم في الأرض فينظر كيف يعملون. ### |||| AUTO بحث روائي # عن جوامع الجامع،: في قوله تعالى: "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين" ~~واختلف في الدخان فقيل: إنه دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة يدخل في ~~أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ويعتري المؤمن منه كهيئة ~~الزكام ويكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص يمد ذلك أربعين يوما، ~~وروي ذلك عن علي وابن عباس والحسن: أقول: ورواه في الدر المنثور، عنهم ~~وأيضا عن حذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ورواه أيضا عن ابن عمر موقوفا. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر يغشى ~~الناس كلهم الظلمة فيقولون: هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا ~~مؤمنون. # وفي المجمع، وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ~~بكت السماء على يحيى بن زكريا والحسين بن علي (عليهما السلام) أربعين ~~صباحا. قلت: فما بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: ما ~~بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين. قيل لعبيد: أليس السماء والأرض ~~تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه وحيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء ~~السماء؟ قال: لا. قال: تحمر وتصير وردة كالدهان. إن يحيى بن زكريا لما قتل ~~احمرت السماء وقطرت دما، وإن الحسين بن علي يوم قتل احمرت السماء. # وفي الفقيه، عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا مات المؤمن بكت عليه بقاع ~~الأرض التي كان يعبد الله عز وجل فيها والباب الذي كان يصعد منه عمله وموضع سجوده. # أقول: وفي هذا المعنى ومعنى الروايتين السابقتين روايات أخر من طرق ~~الشيعة وأهل السنة. # ولو بني في معنى بكاء السماء ms6744 والأرض على ما يظهر من هذه الروايات لم يحتج ~~إلى حمل بكائهما على الكناية التخييلية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وقالوا معلم مجنون" قال: قالوا ذلك ~~لما نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه الغشي ~~فقالوا: هو مجنون. PageV18P075 ### ||| AUTO 44 سورة الدخان - 34 - 59 # إن هؤلاء ليقولون (34) إن هى إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) ~~فأتوا بئابائنا إن كنتم صدقين (36) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكنهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما لعبين ~~(38) ما خلقنهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) إن يوم الفصل ميقتهم ~~أجمعين (40) يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) إلا من رحم ~~الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) ~~كالمهل يغلى فى البطون (45) كغلى الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ~~(47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) ~~إن هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين فى مقام أمين (51) فى جنت وعيون ~~(52) يلبسون من سندس وإستبرق متقبلين (53) كذلك وزوجنهم بحور عين (54) ~~يدعون فيها بكل فكهة ءامنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرنه ~~بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) ### |||| AUTO بيان # لما أنذر القوم بالعذاب الدنيوي ثم بالعذاب الأخروي وتمثل للعذاب الدنيوي ~~بما جرى على قوم فرعون إذ جاءهم موسى (عليه السلام) بالرسالة من ربه فكذبوه ~~فأخذهم الله بعذاب الإغراق فاستأصلهم. # رجع إلى الكلام في العذاب الأخروي فذكر إنكار القوم للمعاد وقولهم أن ليس ~~بعد الموتة الأولى حياة فاحتج على إثبات المعاد بالبرهان ثم أنبأ عن بعض ما ~~سيلقاه المجرمون من العذاب في الآخرة وبعض ما سيلقاه المتقون من النعيم ~~المقيم وعند ذلك تختتم السورة بما بدأت به وهو نزول الكتاب للتذكر وأمره ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالارتقاب. # قوله تعالى: "إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين" ~~رجوع ms6745 إلى أول الكلام من قوله: "بل هم في شك يلعبون" والإشارة بهؤلاء إلى ~~قريش ومن يلحق بهم من العرب الوثنيين المنكرين للمعاد، وقولهم: "إن هي إلا ~~موتتنا الأولى" يريدون به نفي الحياة بعد الموت الملازم لنفي المعاد بدليل ~~قولهم بعده: "وما نحن بمنشرين" أي بمبعوثين، قال في الكشاف يقال: أنشر الله ~~الموتى ونشرهم إذا بعثهم. # انتهى. # فقولهم: "إن هي إلا موتتنا الأولى" الضمير فيه للعاقبة والنهاية أي ليست ~~عاقبة أمرنا ونهاية وجودنا وحياتنا إلا موتتنا الأولى فنعدم بها ولا حياة ~~بعدها أبدا. # ووجه تقييد الموتة في الآية بالأولى، بأنه ليس بقيد احترازي إذ لا ملازمة ~~بين الأول والآخر أو بين الأول والثاني فمن الجائز أن يكون هناك شيء أول ~~ولا ثاني له ولا في قباله آخر، كذا قيل. # وهناك وجه آخر ذكره الزمخشري في الكشاف فقال: فإن قلت: كان الكلام واقعا ~~في الحياة الثانية لا في الموت فهلا قيل: إلا حياتنا الأولى وما نحن ~~بمنشرين كما قيل: إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين، وما معنى ~~قوله: "إلا موتتنا الأولى"؟ وما معنى ذكر الأولى؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى ~~حتى نفوها وجحدوها وأثبتوا الأولى. # قلت: معناه - والله الموفق للصواب - أنهم قيل لهم: إنكم تموتون موتة ~~تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة وذلك قوله عز وجل: "وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم" فقالوا: إن هي إلا موتتنا الأولى ~~يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون ~~الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها ~~إلا للموتة الأولى خاصة فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله: "إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا" في المعنى انتهى. PageV18P076 # ويمكن أن يوجه بوجه ثالث وهو أن يقولوا: "إن هي إلا موتتنا الأولى" بعد ما ~~سمعوا قوله تعالى: "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين" الآية، وقد ~~تقدم في تفسير الآية أن الإماتة الأولى هي الموتة بعد الحياة الدنيا، ~~والإماتة الثانية هي التي بعد الحياة البرزخية ms6746 فهم في قولهم: "إن هي إلا ~~موتتنا الأولى" ينفون الموتة الثانية الملازمة للحياة البرزخية التي هي ~~حياة بعد الموت فإنهم يرون موت الإنسان انعداما له وبطلانا لذاته. # ويمكن أن يوجه بوجه رابع وهو أن يرجع التقيد بالأولى إلى الحكاية دون ~~المحكي وذلك بأن يكون الذي قالوا إنما هو "إن هي إلا موتتنا" ويكون معنى ~~الكلام أن هؤلاء ينفون الحياة بعد الموت ويقولون: إن هي إلا موتتنا يريدون ~~الموتة الأولى من الموتتين اللتين ذكرنا في قولنا: "قالوا ربنا أمتنا ~~اثنتين" الآية. # والوجوه الأربع مختلفة في القرب من الفهم فأقربها ثالثها ثم الرابع ثم الأول. # قوله تعالى: "فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين" تتمة كلام القوم وخطاب منهم ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين به حيث كانوا يذكرون لهم البعث ~~والإحياء فاحتجوا لرد الإحياء بعد الموت بقولهم: "فأتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين" أي فليحي آباؤنا الماضون بدعائكم أو بأي وسيلة اتخذتموها حتى نعلم ~~صدقكم في دعواكم أن الأموات سيحيون وأن الموت ليس بانعدام. # قوله تعالى: "أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا ~~مجرمين" تهديد للقوم بالإهلاك كما أهلك قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم. # وتبع هذا ملك من ملوك الحمير باليمن واسمه على ما ذكروا أسعد أبو كرب ~~وقيل: سعد أبو كرب وسيأتي في البحث الروائي نبذة من قصته وفي الكلام نوع ~~تلويح إلى سلامة تبع نفسه من الإهلاك. # قوله تعالى: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما ~~إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون" ضمير التثنية في قوله: "وما بينهما" ~~لجنسي السماوات والأرض ولذا لم يجمع، والباء في قوله "بالحق" للملابسة أي ~~ما خلقناهما إلا متلبستين بالحق، وجوز بعضهم كونها للسببية أي ما خلقناهما ~~بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء، ~~ولا يخفى بعده. # ومضمون الآيتين حجة برهانية على ثبوت المعاد وتقريرها أنه لو لم يكن وراء ~~هذا العالم عالم ثابت باق بل كان الله لا يزال يوجد أشياء ثم ms6747 يعدمها ثم ~~يوجد أشياء أخر ثم يعدمها ويحيي هذا ثم يميته ويحيي آخر وهكذا كان لاعبا في ~~فعله عابثا به واللعب عليه تعالى محال ففعله حق له غرض صحيح فهناك عالم آخر ~~باق دائمي ينتقل إليه الأشياء وما في هذا العالم الدنيوي الفاني البائد ~~مقدمة للانتقال إلى ذلك العالم وهو الحياة الآخرة. # وقد فصلنا القول في هذا البرهان في تفسير الآية 16 من سورة الأنبياء، ~~والآية 27 من سورة ص فليراجع. # وقوله: "ولكن أكثرهم لا يعلمون" تقريع لهم بالجهل. # قوله تعالى: "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين" بيان لصفة اليوم الذي يثبته ~~البرهان السابق وهو يوم القيامة الذي فيه يقوم الناس لرب العالمين. # وسماه الله يوم الفصل لأنه يفصل فيه بين الحق والباطل وبين المحق والمبطل ~~والمتقين والمجرمين أو لأنه يوم القضاء الفصل منه تعالى. # وقوله: "ميقاتهم أجمعين" أي موعد الناس أجمعين أو موعد من تقدم ذكره من ~~قوم تبع وقوم فرعون ومن تقدمهم وقريش وغيرهم. # قوله تعالى: "يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون" بيان ليوم ~~الفصل، والمولى هو الصاحب الذي له أن يتصرف في أمور صاحبه ويطلق على من ~~يتولى الأمر وعلى من يتولى أمره والمولى الأول في الآية هو الأول والثاني ~~هو الثاني. # والآية تنفي أولا إغناء مولى عن مولاه يومئذ، وتخبر ثانيا أنهم لا ينصرون ~~والفرق بين المعنيين أن الإغناء يكون فيما استقل المغني في عمله ولا يكون ~~لمن يغني عنه صنع في ذلك، والنصرة إنما تكون فيما كان للمنصور بعض أسباب ~~الظفر الناقصة ويتم له ذلك بنصرة الناصر. # والوجه في انتفاء الإغناء والنصر يومئذ أن الأسباب المؤثرة في نشأة ~~الحياة الدنيا تسقط يوم القيامة، قال تعالى: "وتقطعت بهم الأسباب": البقرة: ~~166، وقال: "فزيلنا بينهم": يونس: 28. PageV18P077 # قوله تعالى: "إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم" استثناء من ضمير "لا ~~هم ينصرون" والآية من أدلة الشفاعة يومئذ وقد تقدم تفصيل القول في الشفاعة ~~في الجزء الأول من الكتاب. # هذا على تقدير رجوع ضمير "لا هم ms6748 ينصرون" إلى الناس جميعا على ما هو ~~الظاهر. # وأما لو رجع إلى الكفار كما قيل فالاستثناء منقطع والمعنى: لكن من رحمة ~~الله وهم المتقون فإنهم في غني عن مولى يغني عنهم وناصر ينصرهم. # وأما ما جوزه بعضهم من كونه استثناء متصلا من "مولى" فقد ظهر فساده مما ~~قدمناه فإن الإغناء إنما هو فيما لم يكن عند الإنسان شيء من أسباب النجاة ~~ومن كان على هذه الصفة لم يغن عنه مغن ولا استثناء والشفاعة نصرة تحتاج إلى ~~بعض أسباب النجاة وهو الدين المرضي وقد تقدم في بحث الشفاعة، نعم يمكن أن ~~يوجه بما سيجيء في رواية الشحام. # وقوله: "إنه هو العزيز الرحيم" أي الغالب الذي لا يغلبه شيء حتى يمنعه من ~~تعذيب من يريد عذابه، ومفيض الخير على من يريد أن يرحمه ويفيض الخير عليه ~~ومناسبة الاسمين الكريمين لمضامين الآيات ظاهرة. # قوله تعالى: "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" تقدم الكلام في شجرة الزقوم في ~~تفسير سورة الصافات، والأثيم من استقر فيه الإثم إما بالمداومة على معصية ~~أو بالإكثار من المعاصي والآية إلى تمام ثمان آيات بيان حال أهل النار. # قوله تعالى: "كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم" المهل هو المذاب من ~~النحاس والرصاص وغيرهما، والغلي والغليان معروف، والحميم الماء الحار ~~الشديد الحرارة، وقوله: "كالمهل" خبر ثان لقوله: "إن" كما أن قوله: "طعام ~~الأثيم" خبر أول، وقوله: "يغلي في البطون كغلي الحميم" خبر ثالث، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم" الاعتلاء الزعزعة والدفع ~~بعنف وسواء الجحيم وسطه، والخطاب للملائكة الموكلين على النار أي نقول ~~للملائكة خذوا الأثيم وادفعوه بعنف إلى وسط النار لتحيط به قال تعالى: "وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين": التوبة: 49. # قوله تعالى: "ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم" كان المراد بالعذاب ما ~~يعذب به، وإضافته إلى الحميم بيانية والمعنى: ثم صبوا فوق رأسه من الحميم ~~الذي يعذب به. # قوله تعالى: "ذق إنك أنت العزيز الكريم" خطاب يخاطب به الأثيم وهو يقاسي ~~العذاب بعد العذاب، وتوصيفه بالعزة والكرامة ms6749 على ما هو عليه من الذلة ~~واللآمة استهزاء به تشديدا لعذابه وقد كان يرى في الدنيا لنفسه عزة وكرامة ~~لا تفارقانه كما يظهر مما حكى الله سبحانه من قوله: "وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50. # قوله تعالى: "إن هذا ما كنتم به تمترون" الامتراء الشك والارتياب، والآية ~~تتمة قولهم له: "ذق" إلخ، وفيها تأكيد وإعلام لهم بخطاهم وزلتهم في الدنيا ~~حيث ارتابوا فيما يشاهدونه اليوم من العذاب مشاهدة عيان، ولذا عبر عن تحمل ~~العذاب بالذوق لما أنه يعبر عن إدراك ألم المولمات ولذة الملذات إدراكا ~~تاما بالذوق. # ويمكن أن تكون الآية استئنافا من كلام الله سبحانه يخاطب به الكفار بعد ~~ذكر حالهم في يوم القيامة، وربما أيده قوله: "كنتم به تمترون" بخطاب الجمع ~~والخطاب في الآيات السابقة بالإفراد. # قوله تعالى: "إن المتقين في مقام أمين" المقام محل القيام بمعنى الثبوت ~~والركوز ولذا فسر أيضا بموضع الإقامة، والأمين صفة من الأمن بمعنى عدم ~~إصابة المكروه، والمعنى: أن المتقين - يوم القيامة - ثابتون في محل ذي أمن ~~من إصابة المكروه مطلقا. # وبذلك يظهر أن نسبة الأمن إلى المقام بتوصيف المقام بالأمين من المجاز في ~~النسبة. # قوله تعالى: "في جنات وعيون" بيان لقوله: "في مقام أمين" وجعل العيون ~~ظرفا لهم باعتبار المجاورة ووجودها في الجنات التي هي ظرف، وجمع الجنات ~~باعتبار اختلاف أنواعها أو باعتبار أن لكل منهم وحده جنة أو أكثر. # قوله تعالى: "يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين" السندس الرقيق من الحرير ~~والإستبرق الغليظ منه وهما معربان من الفارسية. # وقوله: "متقابلين" أي يقابل بعضهم بعضا للاستيناس إذ لا شر ولا مكروه ~~عندهم لكونهم في مقام أمين. PageV18P078 # قوله تعالى: "كذلك وزوجناهم بحور عين" أي الأمر كذلك أي كما وصفناه والمراد ~~بتزويجهم بالحور جعلهم قرناء لهن من الزوج بمعنى القرين وهو أصل التزويج في ~~اللغة، والحور جمع حوراء بمعنى شديدة سواد العين وبياضها أو ذات المقلة ~~السوداء كالظباء، والعين جمع عيناء بمعنى عظيمة العينين، وظاهر كلامه تعالى ms6750 ~~أن الحور العين غير نساء الدنيا الداخلة في الجنة. # قوله تعالى: "يدعون فيها بكل فاكهة آمنين" أي آمنين من ضررها. # قوله تعالى: "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب ~~الجحيم" أي إنهم في جنة الخلد أحياء بحياة أبدية لا يعتريها موت. # وقد استشكل في الآية بأن استثناء الموتة الأولى من قوله: "لا يذوقون فيها ~~الموت" يفيد أنهم يذوقون الموتة الأولى فيها، والمراد خلافه قطعا، وبتقرير ~~آخر الموتة الأولى هي موتة الدنيا وقد مضت بالنسبة إلى أهل الجنة، والتلبس ~~في المستقبل بأمر ماض محال قطعا فما معنى استثناء الموتة الأولى من عدم ~~الذوق في المستقبل؟. # وهنا إشكال آخر لم يتعرضوا له وهو أنه قد تقدم في قوله تعالى: "ربنا ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين": المؤمن: 11، إن بين الحياة الدنيا والساعة ~~موتتين: موتة بالانتقال من الدنيا إلى البرزخ وموتة بالانتقال من البرزخ ~~إلى الآخرة، والظاهر أن المراد بالموتة الأولى في الآية هي موتة الدنيا ~~الناقلة للإنسان إلى البرزخ فهب أنا أصلحنا استثناء الموتة الأولى بوجه فما ~~بال الموتة الثانية لم تستثن؟ وما الفرق بينهما وهما موتتان ذاقوهما قبل ~~الدخول في جنة الخلد؟. # وأجيب عن الإشكال الأول بأن الاستثناء منقطع، والمعنى: لكنهم قد ذاقوا ~~الموتة الأولى في الدنيا وقد مضت فعموم قوله: "لا يذوقون فيها الموت" على حاله. # وعلى تقدير عدم كون الاستثناء منقطعا "إلا" بمعنى سوى و"إلا الموتة ~~الأولى" بدل من "الموت" وليس من الاستثناء في شيء، والمعنى: لا يذوقون فيها ~~سوى الموتة الأولى من الموت أما الموتة الأولى فقد ذاقوها ومحال أن تعود ~~وتذاق وهي أولى. # وأجيب ببعض وجوه أخر لا يعبأ به، وأنت خبير بأن شيئا من الوجهين لا يوجه ~~اتصاف الموتة بالأولى وقد تقدم في تفسير قوله: "إن هي إلا موتتنا الأولى" ~~الآية، وجوه في ذلك. # وأما الإشكال الثاني فيمكن أن يجاب عنه بالجواب الثاني المتقدم لما أن ~~هناك موتتين الموتة الأولى وهي الناقلة للإنسان من الدنيا إلى البرزخ ~~والموتة الثانية وهي الناقلة له من البرزخ إلى الآخرة ms6751 فإذا كان "إلا" في ~~قوله: "إلا الموتة الأولى" بمعنى سوى والمجموع بدلا من الموت كانت الآية ~~مسوقة لنفي غير الموتة الأولى وهي الموتة الثانية التي هي موتة البرزخ فلا ~~موت في جنة الآخرة لا موتة الدنيا لأنها تحققت لهم قبلا ولا غير موتة ~~الدنيا التي هي موتة البرزخ، ويتبين بهذا وجه تقييد الموتة بالأولى. # وقوله: "ووقاهم عذاب الجحيم" الوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، ~~فالمعنى: وحفظهم من عذاب الجحيم، وذكر وقايتهم من عذاب الجحيم مع نفي الموت ~~عنهم تتميم لقسمة المكاره أي إنهم مصونون من الانتقال من دار إلى دار ومن ~~نشأة الجنة إلى نشأة غيرها وهو الموت ومصونون من الانتقال من حال سعيدة إلى ~~حال شقية وهي عذاب الجحيم. # قوله تعالى: "فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم" حال مما تقدم ذكره من ~~الكرامة والنعمة، ويمكن أن يكون مفعولا مطلقا أو مفعولا له، وعلى أي حال هو ~~تفضل منه تعالى من غير استحقاق من العباد استحقاقا يوجب عليه تعالى ويلزمه ~~على الإثابة فإنه تعالى مالك غير مملوك لا يتحكم عليه شيء، وإنما هو وعده ~~لعباده ثم أخبر أنه لا يخلف وعده، وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعنى في ~~الأبحاث السابقة. # وقوله: "ذلك هو الفوز العظيم" الفوز هو الظفر بالمراد وكونه فوزا عظيما ~~لكونه آخر ما يسعد به الإنسان. # قوله تعالى: "فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون" تفريع على جميع ما تقدم ~~من أول السورة إلى هنا وفذلكة للجميع، والتيسير التسهيل، والضمير للكتاب ~~والمراد بلسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العربية. # والمعنى: فإنما سهلنا القرآن - أي فهم مقاصده - بالعربية لعلهم - أي لعل ~~قومك - يتذكرون فتكون الآية قريبة المعنى من قوله: "إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون": الزخرف: 3. PageV18P079 # وقيل: المراد من تيسير الكتاب بلسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إجراؤه على لسانه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ليكون آية لصدق نبوته، وهو بعيد ~~من سياق الفذلكة. # قوله تعالى: "فارتقب إنهم مرتقبون" كأنه متفرع على ما يتفرع على الآية ms6752 ~~السابقة، ومحصل المعنى أنا يسرناه بالعربية رجاء أن يتذكروا فلم يتذكروا بل ~~هم في شك يلعبون وينتظرون العذاب الذي لا مرد له من المكذبين فانتظر العذاب ~~إنهم منتظرون له. # فإطلاق المرتقبين على القوم من باب التهكم، ومن سخيف القول قول من يقول ~~إن في الآية أمرا بالمتاركة وهي منسوخة بآية السيف. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "أهم خير أم قوم تبع": روى سهل بن ساعد عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن ابن عباس أيضا، وأيضا عن ابن ~~عساكر عن عطاء بن أبي رباح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، وروى الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن تبعا ~~قال للأوس والخزرج: كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي، أما أنا فلو أدركته ~~لخدمته وخرجت معه. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن سلام قال: لم ~~يمت تبع حتى صدق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان يهود يثرب ~~يخبرونه. # أقول: والأخبار في أمر تبع كثيرة، وفي بعضها أنه أول من كسا الكعبة. # وفي الكافي، بإسناده عن زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (عليه ~~السلام) ونحن في الطريق في ليلة الجمعة: اقرأ فإنها ليلة الجمعة قرآنا، ~~فقرأت "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين - يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا - ولا ~~هم ينصرون إلا من رحم الله" فقال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن والله ~~الذي استثنى الله فكنا نغني عنهم. # أقول: يشير (عليه السلام) إلى الشفاعة وقد أخذ الاستثناء عن "مولى" الأول. # وفي تفسير القمي، ثم قال: "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" نزلت في أبي جهل ~~بن هشام، وقوله: "كالمهل" قال: المهل الصفر المذاب "يغلي في البطون كغلي ~~الحميم" وهو الذي قد حمي وبلغ المنتهى. # أقول: ومن طرق أهل السنة أيضا روايات تؤيد نزول الآية في أبي ms6753 جهل. PageV18P080 ### || AUTO ### ||| AUTO 45 سورة الجاثية - 1 - 13 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم (2) إن ~~فى السموت والأرض لايت للمؤمنين (3) وفى خلقكم وما يبث من دابة ءايت لقوم ~~يوقنون (4) واختلف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وتصريف الريح ءايت لقوم يعقلون (5) تلك ءايت الله نتلوها ~~عليك بالحق فبأى حديث بعد الله وءايته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) ~~يسمع ءايت الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ~~(8) وإذا علم من ءايتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ~~ورائهم جهنم ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ~~ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بئايت ربهم لهم عذاب من رجز أليم ~~(11) الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما فى السموت وما فى الأرض جميعا منه إن فى ~~ذلك لايت لقوم يتفكرون (13) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة دعوة عامة على الإنذار تفتتح بآيات الوحدانية ثم تذكر تشريع ~~الشريعة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتشير إلى لزوم اتباعها له ولغيره ~~بما أن أمامهم يوما يحاسبون فيه على أعمالهم الصالحة من الإيمان واتباع ~~الشريعة واجتراحهم السيئات بالإعراض عن الدين، ثم تذكر ما سيجري على ~~الفريقين في ذلك اليوم وهو يوم القيامة. # وفي خلال مقاصدها إنذار ووعيد شديد للمستكبرين المعرضين عن آيات الله ~~والذين اتخذوا إلههم هواهم وأضلهم الله على علم. # ومن طرائف مطالبها بيان معنى كتابة الأعمال واستنساخها. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها واستثنى بعضهم قوله تعالى: "قل للذين ~~آمنوا" الآية، ولا شاهد له. # قوله تعالى: "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم" الظاهر أن "تنزيل ~~الكتاب" من إضافة الصفة إلى الموصوف والمصدر بمعنى المفعول، و"من الله" ~~متعلق بتنزيل، والمجموع خبر لمبتدإ محذوف. # والمعنى: هذا كتاب منزل من الله العزيز الحكيم، وقد تقدم الكلام في ~~مفردات الآية فيما تقدم. ms6754 # قوله تعالى: "إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين" آية الشيء علامته ~~التي تدل عليه وتشير إليه، والمراد بكون السماوات والأرض فيها آيات كونها ~~بنفسها آيات له فليس وراء السماوات والأرض وسائر ما خلق الله أمر مظروف لها ~~هو آية دالة عليه تعالى. # ومن الدليل على ما ذكرنا اختلاف التعبير فيها في كلامه تعالى فتارة يذكر ~~أن في الشيء آية له وأخرى يعده بنفسه آية كقوله تعالى: "إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات": آل عمران: 190، وقوله: "ومن آياته ~~خلق السماوات والأرض": الروم: 22، ونظائرهما كثيرة، ويستفاد من اختلاف ~~التعبير الذي فيها أن معنى كون الشيء فيه آية هو كونه بنفسه آية كما يستفاد ~~من اختلاف التعبير في مثل قوله: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات"، وقوله: "إن في السماوات والأرض لآيات" الآية، أن المراد من ~~خلق السماوات والأرض نفسها لا غير. # والعناية في أخذ الشيء ظرفا للآية مع كونه بنفسه آية اعتبار جهات وجوده ~~وإن لوجوده جهة أو جهات كل واحدة منها آية من الآيات ولو أخذت نفس الشيء لم ~~يستقم إلا أخذها آية واحدة كما في قوله تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين": ~~الذاريات: 20، ولو أخذت الآية نفس الأرض لم يستقم إلا أن يقال: والأرض آية ~~للموقنين وضاع المراد وهو أن في وجود الأرض جهات كل واحدة منها آية وحدها. PageV18P081 # فمعنى قوله: "إن في السماوات والأرض" إلخ، إن لوجود السماوات والأرض جهات ~~دالة على أن الله تعالى هو خالقها المدبر لها وحده لا شريك له فإنها ~~بحاجتها الذاتية إلى من يوجدها وعظمة خلقتها وبداعة تركيبها واتصال وجود ~~بعضها ببعض وارتباطه على كثرتها الهائلة واندراج أنظمتها الجزئية الخاصة ~~بكل واحد تحت نظام عام يجمعها ويحكم فيها تدل على أن لها خالقا هو وحده ~~ربها المدبر أمرها فلو لا أن هناك من يوجدها لم توجد من رأس، ولو لا أن ~~مدبرها واحد لتناقضت النظامات وتدافعت واختلف التدبير. # ومما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن قوله: "في السماوات" بتقدير ms6755 مضاف محذوف ~~والتقدير في خلق السماوات، تكلف من غير ضرورة تدعو إليه. # قوله تعالى: "وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون" البث التفريق ~~والإثارة وبثه تعالى للدواب خلقها وتفريقها ونشرها على الأرض كما قال في ~~خلق الإنسان: "ثم إذا أنتم بشر تنتشرون": الروم: 20. # ومعنى الآية: وفيكم من حيث وجودكم المخلوق وفيما يفرقه الله من دابة من ~~حيث خلقها آيات لقوم يسلكون سبيل اليقين. # وخلق الإنسان على كونه موجودا أرضيا له ارتباط بالمادة نوع آخر من الخلق ~~يغاير خلق السماوات والأرض لأنه مركب من بدن أرضي مؤلف من مواد كونية ~~عنصرية تفسد بالموت بالتفرق والتلاشي وأمر آخر وراء ذلك علوي غير مادي لا ~~يفسد بالموت بل يتوفى ويحفظ عند الله، وهو الذي يسميه القرآن بالروح قال ~~تعالى: "ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29، وقال بعد ذكر خلق الإنسان من نطفة ~~ثم من علقة ثم مضغة ثم تتميم خلق بدنه: "ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: ~~14 وقال: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم السجدة: 11. # فالناظر في خلق الإنسان ناظر في آية ملكوتية وراء الآيات المادية وكذا ~~الناظر في خلق الدواب ولها نفوس ذوات حياة وشعور وإن كانت دون الإنسان في ~~حياتها وشعورها كما أنها دونه في تجهيزاتها البدنية ففي الجميع آيات لأهل ~~اليقين يعرفون بها الله سبحانه بأنه واحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته. # قوله تعالى: "واختلاف الليل والنهار" إلى آخر الآية هذا القبيل من الآيات ~~آيات ما بين السماء والأرض. # وقوله: "واختلاف الليل والنهار" يريد به اختلافهما في الطول والقصر ~~اختلافا منظما باختلاف الفصول الأربعة بحسب بقاع الأرض المختلفة ويتكرر ~~بتكرر السنين يدبر سبحانه بذلك أقوات أهل الأرض ويربيهم بذلك تربية صالحة ~~قال تعالى: "وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين": حم السجدة: 10. # وقوله: "وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها" ~~المراد بالرزق الذي ينزله الله من السماء هو المطر تسمية للسبب باسم المسبب ~~مجازا أو لأن المطر أيضا من الرزق ms6756 فإن مياه الأرض من المطر، والمراد ~~بالسماء جهة العلو أو السحاب مجازا، وإحياء الأرض به بعد موتها هو إحياء ما ~~فيها من النبات بالأخذ في الرشد والنمو، ولا يخلو التعرض للإحياء بعد الموت ~~من تلويح إلى المعاد. # وقوله: "وتصريف الرياح" أي تحويلها وإرسالها من جانب إلى جانب، لتصريفها ~~فوائد عامة كثيرة من أعمها سوق السحب إلى أقطار الأرض وتلقيح النباتات ودفع ~~العفونات والروائح المنتنة. # وقوله: "آيات لقوم يعقلون" أي يميزون بين الحق والباطل والحسن والقبيح ~~بالعقل الذي أودعه الله سبحانه فيهم. # وقد خص كل قبيل من الآيات بقوم خاص فخصت آية السماوات والأرض بالمؤمنين ~~وآية الإنسان وسائر الحيوان بقوم يوقنون، وآية اختلاف الليل والنهار ~~والأمطار وتصريف الرياح بقوم يعقلون. # ولعل الوجه في ذلك أن آية السماوات والأرض تدل بدلالة بسيطة ساذجة على ~~أنها لم توجد نفسها بنفسها ولا عن اتفاق وصدفة بل لها موجد أوجدها مع ما ~~لها من الآثار والأفعال التي يتحصل منها النظام المشهود فخالقها خالق ~~الجميع ورب الكل، والإنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج والمؤمنون بجميع ~~طبقاتهم يفهمون ذلك وينتفعون به. PageV18P082 # وأما أنه خلق الإنسان وسائر الدواب التي لها حياة وشعور فإنها من حيث ~~أرواحها ونفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة وهو المسمى ~~بالملكوت وقد خص القرآن كمال إدراكه ومشاهدته بأهل اليقين كما قال: "وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75. # وأما آية اختلاف الليل والنهار والأمطار المحيية للأرض وتصريف الرياح ~~فإنها لتنوع أقسامها وتعدد جهاتها وارتباطها بالأرض والأرضيات وكثرة ~~فوائدها وسعة منافعها تحتاج إلى تعقل فكري تفصيلي عميق ولا تنال بالفهم ~~البسيط الساذج ولذلك خصت بقوم يعقلون والآيات آيات لجميع الناس لكن لما كان ~~المنتفع بها بعضهم خصت بهم. # وقد عبر عن أهل اليقين والعقل بقوم يوقنون وبقوم يعقلون وعن أهل الإيمان ~~بالمؤمنين لأن بساطة آية أهل الإيمان تفيد أن المراد بالإيمان أصله وهو ~~ثابت فيهم فناسب التعبير عنهم بالوصف بخلاف آيتي أهل اليقين والعقل فإنهما ~~لدقتهما وعلو منالهما تدركان شيئا ms6757 فشيئا فناسبتا التعبير بالفعل المضارع ~~الدال على الاستمرار التجددي. # وقيل في وجه ما في الآيات الثلاث من الترتيب بين أهلها حيث ذكر أولا أهل ~~الإيمان ثم الإيقان ثم العقل أنه على ترتيب الترقي فإن الإيقان مرتبة خاصة ~~في الإيمان فهو بعد الإيمان والعقل مدار الإيمان والإيقان ونعني العقل ~~المؤيد بنور البصيرة فبسببه يخلص اليقين من اعتراء الشكوك من كل وجه وفي ~~استحكامه كل خير. # وروعي في ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث. # وفيه أن مقتضى ما وصفه من أمر العقل وقوعه قبل الثاني بل قبل أول المراتب ~~على أن ما ذكره من إمكان اعتراء الشكوك على اليقين مما لا سبيل إلى تصوره. # وقيل في وجه الترتيب: أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول ~~لأن السماوات والأرض من أسباب تكون الحيوان بوجه فيجب أن تذكر قبله، وكذلك ~~النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين أما الأول فظاهر، وأما الثاني ~~فلأنه العلة الغائية فلا بد أن يكون جامعا أي إن الثالث وهو المعلول يتوقف ~~في معرفته على ذكر علته الغائية قبله. # وفيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الآيات دون مراتب الصفات الثلاث أعني ~~الإيمان والإيقان والعقل. # على أن الثالث أيضا كالأول من أسباب تكون الحيوان فيجب أن يتقدم على ~~الثاني، وبوجه آخر الثاني علة غائية للأول فيجب أن يتقدم على الأول كما ~~تقدم على الثالث. # وقيل: إن السبب في ترتيب هذه الفواصل أنه قيل: إن كنتم مؤمنين فافهموا ~~هذه الدلائل، وإن كنتم لستم بمؤمنين وكنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا ~~هذه الدلائل، وإن كنتم لستم بمؤمنين ولا موقنين فاجتهدوا في معرفة هذه ~~الدلائل. # وفيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الصفات الثلاث دون أقسام الآيات ~~الثلاثة على أن لازمه أن لا يختص شيء من الآيات الثلاث بواحدة من الصفات ~~الثلاث بل يكون الجميع للجميع والسياق لا يساعد عليه على أن ظاهر كلامه أنه ~~فسر اليقين بالجزم وهو العلم فلا يبقى للعقل إلا الحكم الظني ولا ms6758 يعبأ به ~~في المعارف الاعتقادية. # قوله تعالى: "تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون" الإيمان بأمر هو العلم به مع الالتزام به عملا فلو لم يلتزم لم يكن ~~إيمانا وإن كان هناك علم، قال تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": ~~النمل: 14، وقال: "وأضله الله على علم": الجاثية: 23. # والآيات هي العلامات الدالة فآيات الله الكونية هي الأمور الكونية الدالة ~~بوجودها الخارجي على كونه تعالى واحدا في الخلق متصفا بصفات الكمال منزها ~~عن كل نقص وحاجة، والإيمان بهذه الآيات هو الإيمان بدلالتها عليه تعالى ~~ولازمه الإيمان به تعالى كما تدل هي عليه. # والآيات القرآنية آيات له تعالى بما تدل على الآيات الكونية الدالة عليه ~~سبحانه أو على معارف اعتقادية أو أحكام عملية أو أخلاق يرتضيها الله سبحانه ~~ويأمر بها فإن مضامينها دالة عليه ومن عنده، والإيمان بهذه الآيات أيضا ~~إيمان بدلالتها ويلزمه الإيمان بمدلولها. # والآيات المعجزة أيضا إما آيات كونية ودلالتها دلالة الآيات الكونية وإما ~~غير كونية كالقرآن في إعجازه ومرجع دلالتها إلى دلالة الآيات الكونية. PageV18P083 # وقوله: "تلك آيات الله نتلوها عليك" الإشارة إلى الآيات القرآنية المتلوة ~~عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن أن تكون إشارة إلى الآيات الكونية ~~المذكورة في الآيات الثلاث السابقة بعناية الاتحاد بين الدال والمدلول. # وقوله: "فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون" قيل: هو من قبيل قولك: أعجبني ~~زيد وكرمه، وإنما أعجبك كرمه والمعنى بحسب النظر الدقيق أعجبني كرم زيد ~~وزيد من حيث كرمه، فمعنى الآية فبأي حديث بعد آيات الله يعني الآيات ~~القرآنية يؤمنون؟ يعني إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فبأي حديث بعده يؤمنون؟. # وقيل: الكلام بتقدير حديث أي إذا لم يؤمنوا فبأي حديث بعد حديث الله ~~وآياته يؤمنون، والأنسب على هذا المعنى أن يكون المراد بالآيات الآيات ~~الكونية ولذا قال الطبرسي بعد ذكر هذا المعنى: والفرق بين الحديث الذي هو ~~القرآن وبين الآيات أن الحديث قصص يستخرج منه عبر تبيين الحق من الباطل، ~~والآيات هي الأدلة الفاصلة بين الصحيح والفاسد. # انتهى ms6759 وأول الوجهين ألطف. # قوله تعالى: "ويل لكل أفاك أثيم" الويل والهلاك، والأفاك مبالغة من الإفك ~~وهو الكذب، والأثيم من الإثم بمعنى المعصية والمعنى: ليكن الهلاك على كل ~~كذاب ذي معصية. # قوله تعالى: "يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها" ~~إلخ صفة لكل أفاك أثيم، و"ثم" للتراخي الرتبي وتفيد معنى الاستبعاد، ~~والإصرار على الفعل ملازمته وعدم الانفكاك عنه. # والمعنى: يسمع آيات الله - وهي آيات القرآن - تقرأ عليه ثم يلازم الكفر ~~والحال أنه مستكبر لا يتواضع للحق كأن لم يسمع تلك الآيات فبشره بعذاب أليم. # قوله تعالى: "وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا" إلخ، ظاهر السياق أن ~~ضمير "اتخذها" للآيات، وجعل الهزء متعلقا بالآيات دون ما علم منها يفيد ~~كمال جهله، والمعنى: وإذا علم ذلك الأفاك الأثيم المصر المستكبر بعض آياتنا ~~استهزأ بآياتنا جميعا. # وقوله: "أولئك لهم عذاب مهين" أي مذل مخز، وتوصيف العذاب بالإهانة مقابلة ~~لاستكبارهم واستهزائهم، والإشارة بأولئك إلى كل أفاك، وقيل في الآية بوجوه ~~أخر أعرضنا عنها لعدم الجدوى فيها. # قوله تعالى: "من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا ~~من دون الله أولياء" إلخ، لما كانوا مشتغلين بالدنيا معرضين عن الحق غير ~~ملتفتين إلى تبعات أعمالهم جعلت جهنم وراءهم مع أنها قدامهم وهم سائرون ~~نحوها متوجهون إليها. # وقيل: وراءهم بمعنى قدامهم قال في المجمع،: وراء اسم يقع على القدام ~~والخلف فما توارى عنك فهو وراءك خلفك كان أو أمامك. # انتهى وفي قوله: "من ورائهم جهنم" قضاء حتم. # وقوله: "ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا" المراد بما كسبوا ما حصلوه في ~~الدنيا من مال ونحوه، وتنكير "شيئا" للتحقير أي ولا يغني عنهم يوم الحساب ~~ما كسبوه من مال وجاه وأنصار في الدنيا شيئا يسيرا حقيرا. # وقوله: "ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء" "ما" مصدرية والمراد ~~بالأولياء أرباب الأصنام الذين اتخذوهم أربابا آلهة وزعموا أنهم لهم شفعاء ~~أو الأصنام. # وقوله: "ولهم عذاب عظيم" تأكيد لوعيدهم وقد أوعدهم الله سبحانه أولا ms6760 ~~بقوله: "ويل لكل أفاك" إلخ، وثانيا بقوله: "فبشره بعذاب أليم" وثالثا ~~بقوله: "أولئك لهم عذاب مهين" ورابعا بقوله: "من ورائهم جهنم" إلخ، وخامسا ~~بقوله: "ولهم عذاب عظيم"، ووصف عذابهم في خلالها بأنه أليم مهين عظيم. # قوله تعالى: "هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم" ~~الإشارة بقوله: "هذا هدى" إلى القرآن ووصفه بالهدى للمبالغة نحو زيد عدل ~~والرجز - كما قيل - أشد العذاب وأصله الاضطراب. # والآية في مقام الرد لما رموا به القرآن وعدوه مهانا بالهزء والسخرية ~~وخلاصة وعيد من كفر بآياته. PageV18P084 # قوله تعالى: "الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره" إلخ، لما ذكر ~~سبحانه حال الأفاكين من الاستكبار عن الإيمان بالآيات إذا تليت عليهم ~~والاستهزاء بما علموا منها وأوعدهم أبلغ الإيعاد بأشد العذاب رجع إليهم ~~بخطاب الجميع ممن يؤمن ويكفر، وذكر بعض آيات ربوبيته التي فيها من عظيم ~~عليهم وليس في وسعهم إنكارها فذكر أولا تسخير البحر لهم ثم ما في السماوات ~~والأرض جميعا ففيها آيات لا يكفر بها إلا من انسلخ عن الفطرة الإنسانية ~~ونسي التفكر الذي هو من أجلى خواص الإنسان. # فقوله: "الله الذي سخر لكم البحر" اللام في "لكم" للغاية أي سخر لأجلكم ~~البحر بأن خلقه على نحو يحمل الفلك ويقبل أن تجري فيه فينتفع به الإنسان، ~~ويمكن أن تكون للتعدية فيكون الإنسان يسخر البحر بإذن الله. # وقوله: "لتجري الفلك فيه بأمره" غاية لتسخير البحر، وجريان الفلك فيه ~~بأمره، هو إيجاد الجريان بكلمة كن فآثار الأشياء كنفس الأشياء منسوبة إليه ~~تعالى وقوله: "ولتبتغوا من فضله" أي ولتطلبوا بركوبه عطيته تعالى وهو رزقه. # وقوله: "ولعلكم تشكرون" أي رجاء أن تشكروه تعالى قبال هذه النعمة التي هي ~~تسخير البحر. # قوله تعالى: "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه" إلخ، هذا ~~من الترقي بعطف العام على الخاص، والكلام في "لكم" كالكلام في مثله في ~~الآية السابقة، وقوله: "جميعا" تأكيد لما في السماوات والأرض أو حال منه. # وقوله: "سخر لكم ما في السماوات ms6761 وما في الأرض جميعا" معنى تسخيرها ~~للإنسان أن أجزاء العالم المشهود تجري على نظام واحد يحكم فيها ويربط بعضها ~~ببعض ويربط الجميع بالإنسان فينتفع في حياته من علويها وسفليها ولا يزال ~~المجتمع البشري يتوسع في الانتفاع بها والاستفادة من توسيطها والتوسل ~~بشتاتها في الحصول على مزايا الحياة فالكل مسخر له. # وقوله: "منه" من للابتداء، والضمير لله تعالى وهو حال مما في السماوات ~~والأرض، والمعنى: سخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا حال كونه مبتدأ منه ~~حاصلا من عنده فذوات الأشياء تبتدىء منه بإيجاده لها من غير مثال سابق ~~وكذلك خواصها وآثارها بخلقه ومن خواصها وآثارها ارتباط بعضها ببعض وهو ~~النظام الجاري فيها المرتبط بالإنسان قال تعالى: "الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده": الروم: 11، وقال: "إنه هو يبديء ويعيد": البروج: 13. # وقد ذكروا لقوله: "منه" معاني أخر لا يخلو شيء منها عن التكلف تركنا ~~التعرض لها. # وقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" وجه تعلقها بالتفكر ظاهر. PageV18P085 ### ||| AUTO 45 سورة الجاثية - 14 - 19 # قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ~~ولقد ءاتينا بنى إسرءيل الكتب والحكم والنبوة ورزقنهم من الطيبت وفضلنهم ~~على العلمين (16) وءاتينهم بينت من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(17) ثم جعلنك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ~~(18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظلمين بعضهم أولياء بعض والله ~~ولى المتقين (19) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر آيات الوحدانية وأشار فيها بعض الإشارة إلى المعاد وكذا إلى ~~النبوة في ضمن ذكر تنزيل الكتاب وإيعاد المستكبرين المستهزءين به ذكر في ~~هذه الآيات تشريع الشريعة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتوسل إلى ذلك ~~بمقدمتين تربطانه بما تقدم من الكلام إحداهما دعوة المؤمنين إلى أن يكفوا ~~عن التعرض لحال الكفار الذين لا يرجون أيام الله ms6762 فإن الله مجازيهم لأن ~~الأعمال مسئول عنها صالحة أو طالحة، وهذا هو السبب لتشريع الشريعة، ~~والثانية: أن إنزال الكتاب والحكم والنبوة ليس ببدع فقد آتى الله بني ~~إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة وآتاهم البينات التي لا يبقى معها في دين ~~الله ريب لمرتاب إلا أن علماءهم اختلفوا فيه بغيا منهم وسيقضي الله بينهم. # ثم ذكر سبحانه تشريع الشريعة له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء ~~الجاهلين. # قوله تعالى: "قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله" إلخ، أمر ~~منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر المؤمنين أن يغفروا ~~للكفار فيصير تقدير الآية: قل لهم: اغفروا يغفروا فهي كقوله تعالى: "قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة": إبراهيم: 31. # والآية مكية واقعة في سياق الآيات السابقة الواصفة لحال المستكبرين ~~المستهزءين بآيات الله المهددة لهم بأشد العذاب وكان المؤمنين بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كانوا إذا رأوا هؤلاء المستهزءين يبالغون في طعنهم ~~وإهانتهم للنبي واستهزائهم بآيات الله لم يتمالكوا أنفسهم دون أن يدافعوا ~~عن كتاب الله ومن أرسله به ويدعوهم إلى رفض ما هم فيه والإيمان مع كونهم ~~ممن حقت عليهم كلمة العذاب كما هو ظاهر الآيات السابقة، فأمر الله سبحانه ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمرهم بالعفو والصفح عنهم وعدم التعرض ~~لحالهم فإن وبال أعمالهم سيلحق بهم وجزاء ما كسبوه سينالهم. # وعلى هذا فالمراد بالمغفرة في قوله: "قل للذين آمنوا يغفروا" الصفح ~~والإعراض عنهم بترك مخاصمتهم ومجادلتهم، والمراد بالذين لا يرجون أيام الله ~~هم الذين ذكروا في الآيات السابقة فإنهم لا يتوقعون لله أياما لا حكم فيها ~~ولا ملك إلا له تعالى كيوم الموت والبرزخ ويوم القيامة ويوم عذاب ~~الاستئصال. # وقوله: "ليجزي قوما بما كانوا يكسبون" تعليل للأمر بالمغفرة أو للأمر ~~بالأمر بالمغفرة ومحصله ليصفحوا عنهم ولا يتعرضوا لهم، فلا حاجة إلى ذلك ~~لأن الله سيجزيهم بما كانوا يكسبون فتكون الآية نظيرة قوله: "وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما": المزمل: 12، ~~وقوله: "ثم ذرهم ms6763 في خوضهم يلعبون": الأنعام: 91 وقوله: "فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون": المعارج: 42، وقوله: "فاصفح عنهم ~~وقل سلام فسوف يعلمون": الزخرف: 89. # ومعنى الآية: مر الذين آمنوا أن يعفوا ويصفحوا عن أولئك المستكبرين ~~المستهزءين بآيات الله الذين لا يتوقعون أيام الله ليجزيهم الله بما كانوا ~~يكسبون ويوم الجزاء يوم من أيامه أي ليصفحوا عن هؤلاء المنكرين لأيام الله ~~حتى يجزيهم بأعمالهم في يوم من أيامه. PageV18P086 # وفي قوله: "ليجزي قوما" وضع الظاهر موضع الضمير، وكان مقتضى الظاهر أن ~~يقال: ليجزيهم، والنكتة فيه مع كون "قوما" نكرة غير موصوفة تحقير أمرهم ~~وعدم العناية بشأنهم كأنهم قوم منكرون لا يعرف شخصهم ولا يهتم بشيء من أمرهم. # وبما تقدم من تقرير معنى الآية تتصل الآية وما بعدها بما قبلها وتندفع ~~الإشكالات التي أوردوها عليها واهتموا بالجواب عنها، ويظهر فساد المعاني ~~المختلفة التي ذكروها لها ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات. # قوله تعالى: "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون" ~~في موضع التعليل لقوله: "ليجزي قوما" إلخ، ولذا لم يعطف وليس من الاستئناف ~~في شيء. # ومحصل المعنى: ليجزيهم الله بما كسبوا فإن الأعمال لا تذهب سدى وبلا أثر ~~بل من عمل صالحا انتفع به ومن أساء العمل تضرر به ثم إلى ربكم ترجعون ~~فيجزيكم حسب أعمالكم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. # قوله تعالى: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة" إلخ، لما ~~بين أن للأعمال آثارا حسنة أو سيئة تلحق صاحبيها أراد التنبيه على تشريع ~~شريعة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان على الله سبحانه أن يهدي ~~عباده إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم كما قال تعالى: "وعلى الله قصد السبيل ~~ومنها جائر": النحل: 9. # فنبه على ذلك بقوله الآتي: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر" إلخ، وقدم على ~~ذلك الإشارة إلى ما آتى بني إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة ورزقهم من ~~الطيبات وتفضيلهم وإيتائهم البينات ليؤذن به أن الإفاضة الإلهية بالشريعة ~~والنبوة والكتاب ليست ببدع لم يسبق إليه ms6764 بل لها نظير في بني إسرائيل وهم ~~بمرآهم ومسمعهم. # فقوله: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة" المراد بالكتاب ~~التوراة المشتملة على شريعة موسى (عليه السلام) وأما الإنجيل فلا يتضمن ~~الشريعة وشريعته شريعة التوراة، وأما زبور داود فهي أدعية وأذكار، ويمكن أن ~~يراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة والإنجيل والزبور كما قيل لكن يبعده أن ~~الكتاب لم يطلق في القرآن إلا على ما يشتمل على الشريعة. # والمراد بالحكم بقرينة ذكره مع الكتاب ما يحكم ويقضي به الكتاب من وظائف ~~الناس كما يذكره قوله تعالى: "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213، وقال في التوراة: "يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله": ~~المائدة: 44، فالحكم من لوازم الكتاب كما أن النبوة من لوازمه. # والمراد بالنبوة معلوم وقد بعث الله من بني إسرائيل جما غفيرا من ~~الأنبياء كما في الأخبار وقص في كتابه جماعة من رسلهم. # وقوله: "ورزقناهم من الطيبات" أي طيبات الرزق ومن ذلك المن والسلوى. # وقوله: "وفضلناهم على العالمين" إن كان المراد جميع العالمين فقد فضلوا ~~من بعض الجهات ككثرة الأنبياء المبعوثين والمعجزات الكثيرة الظاهرة من ~~أنبيائهم، وإن كان المراد عالمي زمانهم فقد فضلوا من جميع الجهات. # قوله تعالى: "وآتيناهم بينات من الأمر" إلى آخر الآية المراد بالبينات ~~الآيات البينات التي تزيل كل شك وريب وتمحوه عن الحق ويشهد بذلك تفريع ~~قوله: "فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم". # والمراد بالأمر قيل: هو أمر الدين، و"من" بمعنى في والمعنى: وأعطيناهم ~~دلائل بينة في أمر الدين ويندرج فيه معجزات موسى (عليه السلام). # وقيل: المراد به أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: آتيناهم ~~آيات من أمر النبي وعلامات مبينة لصدقه كظهوره في مكة ومهاجرته منها إلى ~~يثرب ونصرة أهله وغير ذلك مما كان مذكورا في كتبهم. # وقوله: "فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم" يشير إلى أن ~~ما ظهر بينهم من الاختلاف في الدين واختلاط الباطل بالحق ms6765 لم يكن عن شبهة أو ~~جهل وإنما أوجدها علماؤهم بغيا وكان البغي دائرا بينهم. # وقوله: "إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" إشارة ~~إلى أن اختلافهم الذي لا يخلو من اختلاط الباطل بالحق لا يذهب سدى وسيؤثر ~~أثره ويقضي الله بينهم يوم القيامة فيجزون على حسب ما يستدعيه أعمالهم. PageV18P087 # قوله تعالى: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون" الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويشاركه فيه أمته، ~~والشريعة طريق ورود الماء والأمر أمر الدين، والمعنى: بعد ما آتينا بني ~~إسرائيل ما آتينا جعلناك على طريقة خاصة من أمر الدين الإلهي وهي الشريعة ~~الإسلامية التي خص الله بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته. # وقوله: "فاتبعها" إلخ، أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باتباع ما ~~يوحى إليه من الدين وأن لا يتبع أهواء الجاهلين المخالفة للدين الإلهي. # ويظهر من الآية أولا: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكلف بالدين ~~كسائر الأمة. # وثانيا: أن كل حكم عملي لم يستند إلى الوحي الإلهي ولم ينته إليه فهو هوى ~~من أهواء الجاهلين غير منتسب إلى العلم. # قوله تعالى: "إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا" إلخ، تعليل للنهي عن اتباع ~~أهواء الذين لا يعلمون، والإغناء من شيء رفع الحاجة إليه، والمحصل: أن لك ~~إلى الله سبحانه حوائج ضرورية لا يرفعها إلا هو والذريعة إلى ذلك اتباع ~~دينه لا غير فلا يغني عنك هؤلاء الذين اتبعت أهواءهم شيئا من الأشياء إليها ~~الحاجة أو لا يغني شيئا من الإغناء. # وقوله: "وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين" الذي يعطيه ~~السياق أنه تعليل آخر للنهي عن اتباع أهواء الجاهلين، وأن المراد بالظالمين ~~المتبعون لأهوائهم المبتدعة وبالمتقين المتبعون لدين الله. # والمعنى: أن الله ولي الذين يتعبون دينه لأنهم متقون والله وليهم، والذين ~~يتبعون أهواء الجهلة ليس هو تعالى وليا لهم بل بعضهم أولياء بعض لأنهم ~~ظالمون والظالمون بعضهم أولياء بعض فاتبع دين الله يكن ms6766 لك وليا ولا تتبع ~~أهواءهم حتى يكونوا أولياء لك لا يغنون عنك من الله شيئا. # وتسمية المتبعين لغير دين الله بالظالمين هو الموافق لما يستفاد من قوله: ~~"أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~وبالآخرة هم كافرون": الأعراف: 45. PageV18P088 ### ||| AUTO 45 سورة الجاثية - 20 - 37 # هذا بصئر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصلحت سواء محياهم ومماتهم ساء ما ~~يحكمون (21) وخلق الله السموت والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا ~~يظلمون (22) أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ~~ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ما كان حجتهم إلا أن ~~قالوا ائتوا بئابائنا إن كنتم صدقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم ~~يجمعكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك ~~السموت والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة ~~جاثية كل أمة تدعى إلى كتبها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) هذا كتبنا ~~ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) وأما الذين ~~كفروا أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) وإذا ~~قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة إن نظن إلا ~~ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون (33) وقيل اليوم ننساش كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواش النار وما ~~لكم من نصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم ءايت الله هزوا وغرتكم الحيوة الدنيا ~~فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السموت ورب ~~الأرض رب العلمين (36) وله الكبرياء فى السموت ms6767 والأرض وهو العزيز الحكيم (37) ### |||| AUTO بيان # لما أشار إلى جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على شريعة من الأمر ~~وهو تشريع الشريعة الإسلامية أشار في هذه الآيات إلى أنها بصائر للناس ~~يبصرون بها ما يجب عليهم أن يسلكوه من سبيل الحياة الطيبة في الدنيا ~~وتتلوها سعادة الحياة الآخرة، وهدى ورحمة لقوم يوقنون بآيات الله. # وأشار إلى أن الذي يدعو مجترحي السيئات أن يستنكفوا عن التشرع بالشريعة ~~إنكارهم المعاد فيحسبون أنهم والمتشرعون بالدين سواء في الحياة والممات وأن ~~لا أثر للتشرع بالشريعة فلا ثمرة للعمل الصالح الذي تهدي إليه الشريعة إلا ~~إتعاب النفس بالتقيد من غير موجب. # فبرهن تعالى على بطلان حسبانهم بإثبات المعاد ثم أردفه بوصف المعاد وما ~~يثيب به الصالحين يومئذ وما يعاقب به الطالحين أهل الجحود والإجرام، وعند ~~ذلك تختتم السورة بالتحميد والتسبيح. # قوله تعالى: "هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون" الإشارة بهذا إلى ~~الأمر المذكور الذي هو الشريعة أو إلى القرآن بما يشتمل على الشريعة، ~~والبصائر جمع بصيرة وهي الإدراك المصيب للواقع، والمراد بها ما يبصر به، ~~وإنما كانت الشريعة بصائر لأنها تتضمن أحكاما وقوانين كل منها يهدي إلى ~~واجب العمل في سبيل السعادة. # والمعنى: هذه الشريعة المشرعة أو القرآن المشتمل عليها وظائف عملية يتبصر ~~بكل منها الناس ويهتدون إلى السبيل الحق وهو سبيل الله وسبيل السعادة، ~~فقوله بعد ذكر تشريع الشريعة: "هذا بصائر للناس" كقوله بعد ذكر آيات ~~الوحدانية في أول السورة: "هذا هدى والذين كفروا" إلخ. PageV18P089 # وقوله: "وهدى ورحمة لقوم يوقنون" أي دلالة واضحة وإفاضة خير لهم، والمراد ~~بقوم يوقنون: الذين يوقنون بآيات الله الدالة على أصول المعارف فإن المعهود ~~في القرآن تعلق الإيقان بالأصول الاعتقادية. # وتخصيص الهدى والرحمة بقوم يوقنون مع التصريح بكونه بصائر للناس لا يخلو ~~من تأييد لكون المراد بالهدى الوصول إلى المطلوب دون مجرد التبصر، وبالرحمة ~~الرحمة الخاصة بمن اتقى وآمن برسوله بعد الإيمان بالله، قال تعالى: "يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ms6768 ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم": الحديد: 28، وقال: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب - إلى أن قال - وبالآخرة هم يوقنون": البقرة: ~~4، وللرحمة درجات كثيرة تختلف سعة وضيقا ثم للرحمة الخاصة بأهل الإيمان ~~أيضا مراتب مختلفة باختلاف مراتب الإيمان فلكل مرتبة من مراتبه ما يناسبها منها. # وأما الرحمة بمعنى مطلق الخير الفائض منه تعالى فإن القرآن بما يشتمل على ~~الشريعة رحمة للناس كافة كما أن الرسول المبعوث به رحمة لهم جميعا، قال ~~تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين": الأنبياء: 107، وقد أوردنا بعض ~~الكلام في هذا المعنى في بعض المباحث السابقة. # قوله تعالى: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم" إلخ، قال في الجمع،: الاجتراح ~~الاكتساب، يقال: جرح واجترح وكسب واكتسب وأصله من الجراح لأن لذلك تأثيرا ~~كتأثير الجراح. # قال: والسيئة الفعلة القبيحة التي يسوء صاحبها باستحقاق الذم عليها. # انتهى. # والجعل بمعنى التصيير، وقوله: "كالذين آمنوا وعملوا الصالحات" في محل ~~المفعول الثاني للجعل، والتقدير كائنين كالذين آمنوا، إلخ. # وجزم الزمخشري في الكشاف على كون الكاف في "كالذين" اسما بمعنى المثل هو ~~مفعول ثان لقوله: "نجعلهم"، وقوله: "سواء" بدلا منه. # وقوله: "سواء" بالنصب على القراءة الدائرة وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي ~~مستويا أو متساويا، وقوله: "محياهم" مصدر ميمي وفاعل "سواء" وضميره راجع ~~إلى مجموع المجترحين والمؤمنين، و"مماتهم" معطوف على "محياهم" وحاله كحاله. # والآية مسوقة سوق الإنكار و"أم" منقطعة، والمعنى: بل أحسب وظن الذين ~~يكتسبون السيئات أن نصيرهم مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستويا محياهم ~~ومماتهم أي تكون حياة هؤلاء كحياة أولئك وموتهم كموتهم فيكون الإيمان ~~والتشرع بالدين لغوا لا أثر له في حياة ولا موت ويستوي وجوده وعدمه. # وقوله: "ساء ما يحكمون" رد لحسبانهم المذكور وحكمهم بالمماثلة بين مجترحي ~~السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات ومساءة الحكم كناية عن بطلانه. # فالفريقان لا يتساويان في الحياة ولا في الممات. # أما أنهما لا يتساويان في الحياة فلأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~سلوكهم ms6769 مسلك الحياة على بصيرة من أمرهم وهدى ورحمة من ربهم كما ذكره سبحانه ~~في الآية السابقة والمسيء صفر الكف، من ذلك وقال تعالى في موضع آخر: "فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا": طه: 124، ~~وقال في موضع آخر: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122. # وأما أنهما لا يتساويان في الممات فلأن الموت كما ينطق به البراهين ~~الساطعة ليس انعداما للشيء وبطلانا للنفس الإنسانية كما يحسبه المبطلون بل ~~هو رجوع إلى الله سبحانه وانتقال من نشأة الدنيا إلى نشأة الآخرة التي هي ~~دار البقاء وعالم الخلود يعيش فيها المؤمن الصالح في سعادة ونعمة وغيره في ~~شقاء وعذاب. # وقد أشار سبحانه إليه فيما تقدم من كلامه بقوله: "كذلك يحيي الله الموتى" ~~وقوله: "ثم إلى ربكم ترجعون" وغير ذلك، وسيتعرض له بقوله: "وخلق الله ~~السماوات والأرض بالحق" إلخ. # والآية من حيث تركيب ألفاظها والمعنى المتحصل منها من معارك الآراء بين ~~المفسرين وقد ذكروا لها محامل كثيرة والذي يعطيه السياق ويساعد عليه هو ما ~~قدمناه ولا كثير فائدة في التعرض لوجوه أخر ذكروها فمن أراد الاطلاع عليها ~~فليراجع المطولات. PageV18P090 # قوله تعالى: "وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم ~~لا يظلمون" الظاهر أن المراد بالسماوات والأرض مجموع العالم المشهود والباء ~~في "بالحق" للملابسة فكون خلق العالم بالحق كونه حقا لا باطلا ولعبا وهو أن ~~يكون لهذا العالم الكائن الفاسد غاية ثابتة باقية وراءه. # وقوله: "ولتجزى" إلخ، عطف على "بالحق" والباء في قوله: "بما كسبت" ~~للتعدية أو للمقابلة أي لتجزى مقابل ما كسبت إن كان طاعة فالثواب وإن كان ~~معصية فالعقاب، وقوله: "وهم لا يظلمون" حال من كل نفس أي ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت بالعدل. # فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا وخلق الله السماوات والأرض بالحق وبالعدل ~~فكون الخلق بالحق يقتضي أن يكون وراء هذا العالم عالم آخر يخلد فيه ms6770 ~~الموجودات وكون الخلق بالعدل يقتضي أن تجزى كل نفس ما تستحقه بكسبها ~~فالمحسن يجزى جزاء حسنا والمسيء يجزى جزاء سيئا وإذ ليس ذلك في هذه النشأة ~~ففي نشأة أخرى. # وبهذا البيان يظهر أن الآية تتضمن حجتين على المعاد إحداهما ما أشير إليه ~~بقوله: "وخلق الله السماوات والأرض بالحق" ويسلك من طريق الحق، والثانية ما ~~أشير إليه بقوله: "ولتجزى" إلخ، ويسلك من طريق العدل. # فتئول الحجتان إلى ما يشتمل عليه قوله: "وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28. # والآية بما فيها من الحجة تبطل حسبانهم أن المسيء كالمحسن في الممات فإن ~~حديث المجازاة بالثواب والعقاب على الطاعة والمعصية يوم القيامة ينفي تساوي ~~المطيع والعاصي في الممات، ولازم ذلك إبطال حسبانهم أن المسيء كالمحسن في ~~الحياة فإن ثبوت المجازاة يومئذ يقتضي وجوب الطاعة في الدنيا والمحسن على ~~بصيرة من الأمر في حياته يأتي بواجب العمل ويتزود من يومه لغده بخلاف ~~المسيء العائش في عمى وضلال فليسا بمتساويين. # قوله تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم" إلى آخر ~~الآية ظاهر السياق أن قوله: "أفرأيت" مسوق للتعجيب أي ألا تعجب ممن حاله ~~هذا الحال؟ والمراد بقوله: "اتخذ إلهه هواه" حيث قدم "إلهه" على "هواه" إنه ~~يعلم أن له إلها يجب أن يعبده - وهو الله سبحانه - لكنه يبدله من هواه ~~ويجعل هواه مكانه فيعبده فهو كافر بالله سبحانه على علم منه، ولذلك عقبه ~~بقوله: "وأضله الله على علم" أي أنه ضال عن السبيل وهو يعلم. # ومعنى اتخاذ الإله العبادة والمراد بها الإطاعة فإن الله سبحانه عد ~~الطاعة عبادة كما في قوله: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61، وقوله: "اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله": التوبة: 31، وقوله: "ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله": آل عمران: 64. # والاعتبار ms6771 يوافقه إذ ليست العبادة إلا إظهار الخضوع وتمثيل أن العابد عبد ~~لا يريد ولا يفعل إلا ما أراده ورضيه معبوده فمن أطاع شيئا فقد اتخذه إلها ~~وعبده فمن أطاع هواه فقد اتخذ إلهه هواه ولا طاعة إلا لله أو من أمر ~~بطاعته. # فقوله: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" أي ألا تعجب ممن يعبد هواه بإطاعته ~~واتباعه وهو يعلم أن له إلها غيره يجب أن يعبده ويطيعه لكنه يجعل معبوده ~~ومطاعه هو هواه. # وقوله: "وأضله الله على علم" أي هو ضال بإضلال منه تعالى يضله به مجازاة ~~لاتباعه الهوى حال كون إضلاله مستقرا على علم هذا الضال، ولا ضير في اجتماع ~~الضلال مع العلم بالسبيل ومعرفته كما في قوله تعالى: "وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14 وذلك أن العلم لا يلازم الهدى ولا الضلال ~~يلازم الجهل بل الذي يلازم الهدى هو العلم مع التزام العالم بمقتضى علمه ~~فيتعقبه الاهتداء وأما إذا لم يلتزم العالم بمقتضى علمه لاتباع منه للهوى ~~فلا موجب لاهتدائه بل هو الضلال وإن كان معه علم. # وأما قول بعضهم: إن المراد بالعلم هو علمه تعالى والمعنى: وأضله الله على ~~علم منه تعالى بحاله فبعيد عن السياق. PageV18P091 # وقوله: "وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة" كالعطف التفسيري لقوله: ~~"وأضله الله على علم" والختم على السمع والقلب هو أن لا يسمع الحق ولا ~~يعقله، وجعل الغشاوة على البصر هو أن لا يبصر الحق من آيات الله ومحصل ~~الجميع: أن لا يترتب على السمع والقلب والبصر أثرها وهو الالتزام بمقتضى ما ~~ناله من الحق إذا أدركه لاستكبار من نفسه واتباع للهوى، وقد عرفت أن الضلال ~~عن السبيل لا ينافي العلم به إذا لم يكن هناك التزام بمقتضاه. # وقوله: "فمن يهديه من بعد الله" الضمير لمن اتخذ إلهه هواه والتفريع على ~~ما تحصل من حاله أي إذا كان حاله هذا الحال وقد أضله الله على علم إلخ، فمن ~~يهديه من بعد الله سبحانه فلا هادي دونه قال تعالى: "قل إن هدى ms6772 الله هو ~~الهدى": البقرة: 120 وقال: "ومن يضلل الله فما له من هاد": المؤمن: 33. # وقوله: "أفلا تذكرون" أي أفلا تتفكرون في حاله فتتذكروا أن هؤلاء لا سبيل ~~لهم إلى الهدى مع اتباع الهوى فتتعظوا. # قوله تعالى: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر" إلى آخر الآية، قال الراغب: الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدإ ~~وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى: "هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر" ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان فإن الزمان يقع على ~~المدة القليلة والكثيرة. # انتهى. # والآية على ما يعطيه السياق - سياق الاحتجاج على الوثنيين المثبتين ~~للصانع المنكرين للمعاد - حكاية قول المشركين في إنكار المعاد لا كلام ~~الدهريين الناسبين للحوادث وجودا وعدما إلى الدهر المنكرين للمبدإ والمعاد ~~جميعا إذا لم يسبق لهم ذكر في الآيات السابقة. # فقولهم: "ما هي إلا حياتنا الدنيا" الضمير للحياة أي لا حياة لنا إلا ~~حياتنا الدنيا لا حياة وراءها فلا وجود لما يدعيه الدين الإلهي من البعث ~~والحياة الآخرة، وهذا هو القرينة المؤيدة لأن يكون المراد بقوله: "نموت ~~ونحيا" يموت بعضنا ويحيا بعضنا الآخر فيستمر بذلك بقاء النسل الإنساني بموت ~~الأسلاف وحياة الأخلاف ويؤيد ذلك بعض التأييد قوله بعده: "وما يهلكنا إلا ~~الدهر" المشعر بالاستمرار. # فالمعنى: وقال المشركون: ليست الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نعيش بها في ~~الدنيا فلا يزال يموت بعضنا وهم الأسلاف ويحيى آخرون وهم الأخلاف وما ~~يهلكنا إلا الزمان - الذي بمروره يبلى كل جديد ويفسد كل كائن ويميت كل حي - ~~فليس الموت انتقالا من دار إلى دار منتهيا إلى البعث والرجوع إلى الله. # ولعل هذا كلام بعض الجهلة من وثنية العرب وإلا فالعقيدة الدائرة بين ~~الوثنية هي التناسخ وهو أن نفوس غير أهل الكمال إذا فارقت الأبدان تعلقت ~~بأبدان أخرى جديدة فإن كانت النفس المفارقة اكتسبت السعادة في بدنها السابق ~~تعلقت ببدن جديد تتنعم فيه وتسعد، وإن كانت اكتسبت الشقاء في البدن السابق ~~تعلقت ببدن ms6773 لاحق تشقى فيه وتعذب جزاء لعملها السيىء وهكذا، وهؤلاء لا ~~ينكرون استناد أمر الموت كالحياة إلى وساطة الملائكة. # ولهذا أعني كون القول بالتناسخ دائرا بين الوثنية ذكر بعض المفسرين أن ~~المراد بالآية قولهم بالتناسخ، والمعنى: "إن هي إلا حياتنا الدنيا" فلسنا ~~نخرج من الدنيا أبدا "نموت" عن حياة دنيا "ونحيا" بعد الموت بالتعلق ببدن ~~جديد وهكذا "وما يهلكنا إلا الدهر". # وهذا لا يخلو من وجه لكن لا يلائمه قولهم المنقول ذيلا: "وما يهلكنا إلا ~~الدهر" إلا أن يوجه بأن مرادهم من نسبة الإهلاك إلى الدهر كون الدهر وسيلة ~~يتوسل بها الملك الموكل على الموت إلى الإماتة، وكذا لا تلائمه حجتهم ~~المنقولة ذيلا: "ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين" الظاهرة في أنهم يرون ~~آباءهم معدومين باطلي الذوات. # وذكر في معنى الآية وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم: المعنى نكون أمواتا ~~لا حياة فيها وهو قبل ولوج الروح ثم نحيا بولوجها على حد قوله تعالى: ~~"وكنتم أمواتا فأحياكم": البقرة: 28. # وقول بعضهم: المراد بالحياة بقاء النسل مجازا، والمعنى: نموت نحن ونحيا ~~ببقاء نسلنا. # إلى غير ذلك مما قيل. PageV18P092 # وقوله: "وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون" أي إن قولهم ذلك المشعر ~~بإنكار المعاد قول بغير علم وإنما هو ظن يظنونه وذلك أنهم لا دليل لهم يدل ~~على نفي المعاد مع ما هناك من الأدلة على ثبوته. # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين" تأكيد لكون قولهم بنفي المعاد وحصر الحياة ~~في الحياة الدنيا قولا بغير علم. # والمراد بالآيات البينات الآيات المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد ~~وكونها بينات وضوح دلالتها على ثبوته بلا شك، وتسمية قولهم: "ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين" مع كونه اقتراحا جزافيا بعد قيام الحجة إنما هو من باب ~~التهكم فإنه من قبيل طلب الدليل على المطلوب بعد قيام الدليل عليه فكأنه ~~قيل: ما كانت حجتهم إلا اللاحجة. # والمعنى: وإذا تتلى على هؤلاء المنكرين للمعاد آياتنا المشتملة على ms6774 الحجج ~~المثبتة للمعاد والحال أنها واضحات الدلالة على ثبوته ما قابلوها إلا بجزاف ~~من القول وهو طلب الدليل على إمكانه بإحياء آبائهم الماضين. # قوله تعالى: "قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون - إلى قوله - والأرض" ما ذكر من اقتراحهم ~~الحجة على مطلوب قامت عليه الحجة وإن كان اقتراحا جزافيا لا يستدعي شيئا من ~~الجواب لكنه سبحانه أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم بإثبات ~~إمكانه الذي كانوا يستبعدونه. # ومحصله: أن الذي يحييكم لأول مرة ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ~~الذي لا ريب فيه هو الله سبحانه ولله ملك السماوات والأرض يحكم فيها ما ~~يشاء ويتصرف فيها كيفما يريد فله أن يحكم برجوع الناس إليه ويتصرف فيكم ~~بجمعكم إلى يوم القيامة والقضاء بينكم ثم الجزاء، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون" قال الراغب: الخسر ~~والخسران انتقاص رأس المال وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى ~~الفعل فيقال: خسرت تجارته، قال تعالى: "تلك إذا كرة خاسرة" ويستعمل ذلك في ~~المقتنيات الخارجية كالمال والجاه في الدنيا وهو الأكثر، وفي المقنيات ~~النفسية كالصحة والسلامة والعقل والإيمان والثواب وهو الذي جعله الله تعالى ~~الخسران المبين. # قال: وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير دون ~~الخسران المتعلق بالمقتنيات المالية والتجارات البشرية. # وقال: والإبطال يقال في إفساد الشيء وإزالته سواء كان ذلك الشيء حقا أو ~~باطلا قال تعالى: "ليحق الحق ويبطل الباطل" وقد يقال فيمن يقول شيئا لا ~~حقيقة له نحو "ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون"، ~~وقوله تعالى: "خسر هنالك المبطلون" أي الذين يبطلون الحق. # انتهى. # والأشبه أن يكون المراد بقيام الساعة فعلية ما يقع فيها من البعث والجمع ~~والحساب والجزاء وظهوره، وبذلك صح جعل الساعة مظروفا لليوم وهما واحد، ~~والأشبه أن يكون قوله: "يومئذ" تأكيدا لقوله: "يوم تقوم الساعة". # والمعنى: ويوم تقوم الساعة وهي يوم الرجوع ms6775 إلى الله يومئذ يخسر المبطلون ~~الذين أبطلوا الحق وعدلوا عنه. # قوله تعالى: "وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها" إلخ، الجثو ~~البروك على الركبتين كما أن الجذو البروك على أطراف الأصابع. # والخطاب عام لكل من يصح منه الرؤية وإن كان متوجها إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والمراد بالدعوة إلى الكتاب الدعوة إلى الحساب على ما ينطق ~~به الكتاب بإحصائه الأعمال بشهادة قوله بعده: "اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون". # والمعنى: وترى أنت وغيرك من الرائين كل أمة من الأمم جالسة على الجثو ~~جلسة الخاضع الخائف كل أمة منهم تدعى إلى كتابها الخاص بها وهي صحيفة ~~الأعمال وقيل لهم: "اليوم تجزون ما كنتم تعملون". # ويستفاد من ظاهر الآية أن لكل أمة كتابا خاصا بهم كما أن لكل إنسان كتابا ~~خاصا به قال تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا": إسراء: 13. # قوله تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون" قال في الصحاح: ونسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته كله بمعنى، ~~والنسخة اسم المنتسخ منه. PageV18P093 # انتهى، وقال الراغب: النسخ إزالة الشيء بشيء يتعقبه كنسخ الشمس الظل ونسخ ~~الظل الشمس والشيب الشباب - إلى أن قال - ونسخ الكتاب نقل صورته المجردة ~~إلى كتاب آخر وذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي إثبات مثلها في ~~مادة أخرى كاتخاذ نقش الخاتم في شموع كثيرة، والاستنساخ التقدم بنسخ الشيء ~~والترشح للنسخ. # انتهى. # ومقتضى ما نقل أن المفعول الذي يتعدى إليه الفعل في قولنا: استنسخت ~~الكتاب هو الأصل المنقول منه، ولازم ذلك أن تكون الأعمال في قوله: "إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون" كتابا وأصلا وإن شئت فقل: في أصل وكتاب يستنسخ ~~وينقل منه ولو أريد به ضبط الأعمال الخارجية القائمة بالإنسان بالكتابة ~~لقيل: إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون إذ لا نكتة تستدعي فرض هذه الأعمال ~~كتابا وأصلا يستنسخ، ولا دليل على كون "يستنسخ" بمعنى يستكتب كما ذكره بعضهم. # ولازم ذلك أن يكون المراد ms6776 بما تعملون هو أعمالهم الخارجية بما أنها في ~~اللوح المحفوظ فيكون استنساخ الأعمال استنساخ ما يرتبط بأعمالهم من اللوح ~~المحفوظ وتكون صحيفة الأعمال صحيفة الأعمال وجزء من اللوح المحفوظ، ويكون ~~معنى كتابة الملائكة للأعمال تطبيقهم ما عندهم من نسخة اللوح على الأعمال. # وهذا هو المعنى الذي وردت به الرواية من طرق الشيعة عن الصادق (عليه ~~السلام) ومن طرق أهل السنة عن ابن عباس، وسيوافيك في البحث الروائي التالي. # وعلى هذا فقوله: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق" من كلامه تعالى لا من ~~كلام الملائكة، وهو من خطابه تعالى لأهل الجمع يوم القيامة يحكيه لنا فيكون ~~في معنى: "ويقال لهم هذا كتابنا" إلخ. # والإشارة بهذا - على ما يعطيه السياق - إلى صحيفة الأعمال وهي بعينها ~~إشارة إلى اللوح المحفوظ على ما تقدم وإضافة الكتاب إليه تعالى نظرا إلى ~~أنه صحيفة الأعمال من جهة أنه مكتوب بأمره تعالى ونظرا إلى أنه اللوح ~~المحفوظ من جهة التشريف وقوله: "ينطق عليكم بالحق" أي يشهد على ما عملتم ~~ويدل عليه دلالة واضحة ملابسا للحق. # وقوله: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" تعليل لكون الكتاب ينطق عليهم ~~بالحق أي إن كتابنا هذا دال على عملكم بالحق من غير أن يتخلف عنه لأنه ~~اللوح المحفوظ المحيط بأعمالكم بجميع جهاتها الواقعية. # ولو لا أن الكتاب يريهم أعمالهم بنحو لا يداخله شك ولا يحتمل منهم ~~التكذيب لكذبوه، قال تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت ~~من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا": آل عمران: 30. # وللقوم في الآية أقوال أخر: منها ما قيل: إن الآية من كلام الملائكة لا ~~من كلام الله ومعنى الاستنساخ الكتابة والمعنى: هذا أي صحيفة الأعمال ~~كتابنا معشر الملائكة الكاتبين للأعمال يشهد عليكم بالحق إنا كنا نكتب ما ~~كنتم تعملون. # وفيه أن كونه من كلام الملائكة بعيد من السياق على أن كون الاستنساخ ~~بمعنى مطلق الكتابة لم يثبت لغة. # ومنها: أن الآية من كلام الله، والإشارة بهذا إلى صحيفة الأعمال، وقيل: ms6777 ~~إلى اللوح المحفوظ، والاستنساخ بمعنى الاستكتاب مطلقا. # قوله تعالى: "أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك ~~هو الفوز المبين" تفصيل حال الناس يومئذ بحسب اختلافهم بالسعادة والشقاء ~~والثواب والعقاب، والسعداء المثابون هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ~~والأشقياء المعاقبون هم الذين كفروا من المستكبرين المجرمين. # والمراد بالرحمة الإفاضة الإلهية تسعد من استقر فيها ومنها الجنة، والفوز ~~المبين الفلاح الظاهر، والباقي واضح. # قوله تعالى: "وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم ~~وكنتم قوما مجرمين" المراد بالذين كفروا المتلبسون بالكفر عن تكذيب وجحود ~~بشهادة قوله: "أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم" إلخ. # والفاء في "أفلم تكن" للتفريع فتدل على مقدر متفرع عليه هو جواب لما، ~~والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، والمراد بالآيات الحجج ~~الإلهية الملقاة إليهم عن وحي ودعوة، والمجرم هو المتلبس بالأجرام وهو الذنب. # والمعنى: وأما الذين كفروا جاحدين للحق مع ظهوره فيقال لهم توبيخا ~~وتقريعا: ألم تكن حججي تقرأ وتبين لكم في الدنيا فاستكبرتم عن قبولها وكنتم ~~قوما مذنبين. PageV18P094 # قوله تعالى: "وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما ~~الساعة" إلخ، المراد بالوعد الموعود وهو ما وعده الله بلسان رسله من البعث ~~والجزاء فيكون قوله: "والساعة لا ريب فيها" من عطف التفسير، ويمكن أن يراد ~~بالوعد المعنى المصدري. # وقولهم: "ما ندري ما الساعة" معناه أنه غير مفهوم لهم والحال أنهم أهل ~~فهم ودراية فهو كناية عن كونه أمرا غير معقول ولو كان معقولا لدروه. # وقوله: "إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين" أي ليست مما نقطع به ونجزم بل ~~نظن ظنا لا يسعنا أن نعتمد عليه، ففي قولهم: "ما ندري ما الساعة" إلخ، غب ~~ما تليت عليهم من الآيات البينة أفحش المكابرة مع الحق. # قوله تعالى: "وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون" ~~إضافة السيئات إلى ما عملوا بيانية أو بمعنى من، والمراد بما عملوا جنس ما ~~عملوا أي ظهر لهم أعمالهم السيئة ms6778 أو السيئات من أعمالهم فالآية في معنى ~~قوله: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30. # فالآية من الآيات الدالة على تمثل الأعمال، وقيل: إن في الكلام حذفا ~~والتقدير: وبدا لهم جزاء سيئات ما عملوا. # وقوله: "وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون" أي وحل بهم العذاب الذي كانوا ~~يسخرون منه في الدنيا إذا أنذروا به بلسان الأنبياء والرسل. # قوله تعالى: "وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار ~~وما لكم من ناصرين" النسيان كناية عن الإعراض والترك فنسيانه تعالى لهم يوم ~~القيامة إعراضه عنهم وتركه لهم في شدائده وأهواله، ونسيانهم لقاء يومهم ذاك ~~في الدنيا إعراضهم عن تذكره وتركهم التأهب للقائه، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا" ~~إلخ، الإشارة بقوله: "ذلكم" إلى ما ذكر من عقابهم من ظهور السيئات وحلول ~~العذاب والهزء السخرية التي يستهزأ بها والباء للسببية. # والمعنى: ذلكم العذاب الذي يحل بكم بسبب أنكم اتخذتم آيات الله سخرية ~~تستهزءون بها وبسبب أنكم غرتكم الحياة الدنيا فأخلدتم إليها وتعلقتم بها. # وقوله: "فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون" صرف الخطاب عنهم إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتضمن الكلام خلاصة القول فيما يصيبهم ~~من العذاب يومئذ وهو الخلود في النار وعدم قبول العذر منهم. # والاستعتاب طلب العتبى والاعتذار، ونفي الاستعتاب كناية عن عدم قبول العذر. # قوله تعالى: "فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين" تحميد له ~~تعالى بالتفريع على ما تقدم في السورة من كونه خالق السماوات والأرض وما ~~بينهما والمدبر لأمر الجميع ومن بديع تدبيره خلق الجميع بالحق المستتبع ~~ليوم الرجوع إليه والجزاء بالأعمال وهو المستدعي لجعل الشرائع التي تسوق ~~إلى السعادة والثواب ويتعقبه الجمع ليوم الجمع ثم الجزاء واستقرار الجميع ~~على الرحمة والعدل بإعطاء كل شيء ما يستحقه فلم يدبر إلا تدبيرا جميلا ولم ~~يفعل إلا فعلا محمودا فله الحمد كله. # وقد كرر "الرب" فقال: رب السماوات ورب الأرض ms6779 ثم أبدل منهما قوله: "رب ~~العالمين" ليأتي بالتصريح بشمول الربوبية للجميع فلو جيء برب العالمين ~~واكتفي به أمكن أن يتوهم أنه رب المجموع لكن للسماوات خاصة رب آخر وللأرض ~~وحدها رب آخر كما ربما قال بمثله الوثنية، وكذا لو اكتفي بالسماوات والأرض ~~لم يكن صريحا في ربوبيته لغيرهما، وكذا لو اكتفي بإحداهما. # قوله تعالى: "وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم" ~~الكبرياء على ما عن الراغب: الترفع عن الانقياد، وعن ابن الأثير: العظمة ~~والملك وفي المجمع، السلطان القاهر والعظمة القاهرة والعظمة والرفعة. # وهي على أي حال أبلغ معنى من الكبر وتستعمل في العظمة غير الحسية ومرجعه ~~إلى كمال وجوده ولا تناهي كماله. # وقوله: "وله الكبرياء في السماوات والأرض" أي له الكبرياء في كل مكان فلا ~~يتعالى عليه شيء فيهما ولا يستصغره شيء وتقديم الخبر في "له الكبرياء" يفيد ~~الحصر كما في قوله: "فلله الحمد". # وقوله: "وهو العزيز الحكيم أي الغالب غير المغلوب فيما يريد من خلق ~~وتدبير في الدنيا والآخرة والباني خلقه وتدبيره على الحكمة والإتقان. PageV18P095 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" قال: نزلت ~~في قريش كلما هووا شيئا عبدوه. # وفي الدر المنثور، أخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: كان الرجل من العرب يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه أخذه وألقى ~~الآخر فأنزل الله "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه". # وفي المجمع، في قوله تعالى: "وما يهلكنا إلا الدهر" وقد روي في الحديث عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر. # أقول: قال الطبرسي بعد إيراد الحديث: وتأويله أن أهل الجاهلية كانوا ~~ينسبون الحوادث المجحفة والبلايا النازلة إلى الدهر فيقولون: فعل الدهر ~~كذا، وكانوا يسبون الدهر فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن فاعل هذه ~~الأمور هو الله فلا تسبوا فاعلها انتهى. # ويؤيد هذا الوجه الرواية التالية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن ms6780 أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال الله تبارك ~~وتعالى: لا يقل ابن آدم يسب الدهر يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل ~~والنهار فإذا شئت قبضتهما. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق" الآية:، ~~حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: سألته عن "ن والقلم" قال: إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة ~~يقال لها الخلد ثم قال لنهر في الجنة: كن مدادا فجمد النهر وكان أشد بياضا ~~من الثلج وأحلى من الشهد. ثم قال للقلم: اكتب. قال: يا رب ما أكتب؟ قال: ~~اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب القلم في رق أشد بياضا من ~~الفضة وأصفى من الياقوت. ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم على فم القلم ~~فلن ينطق أبدا. فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها أولستم عربا؟ فكيف ~~لا تعرفون معنى الكلام؟ وأحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب أوليس إنما ~~ينسخ من كتاب آخر من الأصل؟ وهو قوله: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون". # أقول: قوله (عليه السلام): فكتب القلم في رق إلخ، تمثيل للوح المكتوب فيه ~~الحوادث بالرق والرق ما يكتب فيه شبه الكاغد - على ما ذكره الراغب - وقد ~~تقدم الحديث عنه (عليه السلام) أن القلم ملك واللوح ملك، وقوله: فجعله في ~~ركن العرش تمثيل للعرش بعرش الملك ذي الأركان والقوائم وقوله: ثم ختم على ~~فم القلم "إلخ" كناية عن كون ما كتب في الرق قضاء محتوما لا يتغير ولا ~~يتبدل، وقوله: أولستم عربا "إلخ"، إشارة إلى ما تقدم توضيحه في تفسير الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهو ~~الدواة وخلق القلم فقال: اكتب؟ قال: ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة من عمل معمول بر أو فاجر أو رزق مرزوق حلال أو حرام ثم ألزم ms6781 كل شيء ~~من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف؟. ثم جعل ~~على العباد حفظة وعلى الكتاب خزانا تحفظه ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك ~~اليوم فإذا فني ذلك الرزق انقطع الأمر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة ~~يطلبون عمل ذلك اليوم فيقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا فيرجع ~~الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال ابن عباس: ألستم قوما عربا؟ تسمعون الحفظة ~~يقولون: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟. # أقول: والخبر كما ترى يجعل الآية من كلام الملائكة الحفظة. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: في الآية قال: يستنسخ الحفظة من أم ~~الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم ~~الكتاب. # وعن كتاب سعد السعود لابن طاووس، قال بعد ذكر الملكين الموكلين بالعبد: ~~وفي رواية: أنهما إذا أرادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما إسرافيل عمل ~~العبد من اللوح المحفوظ فيعطيهما ذلك فإذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد ~~قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه. PageV18P096 # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وله الكبرياء في السماوات والأرض" وفي الحديث ~~يقول الله: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في ~~نار جهنم. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن مسلم وأبي داود وابن ماجة ~~وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV18P097 ### || AUTO ### ||| AUTO 46 سورة الأحقاف - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~ما خلقنا السموت والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما ~~أنذروا معرضون (3) قل أرءيتم ما تدعون من دون الله أرونى ما ذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك فى السموت ائتونى بكتب من قبل هذا أو أثرة من علم إن كنتم ~~صدقين (4) ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيمة ~~وهم عن دعائهم غفلون (5) وإذا حشر الناس ms6782 كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم ~~كفرين (6) وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا ~~سحر مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لى من الله شيئا ~~هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ~~ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى ~~وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد ~~شاهد من بنى إسرءيل على مثله فئامن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم ~~الظلمين (10) وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ~~وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتب موسى إماما ~~ورحمة وهذا كتب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك ~~أصحب الجنة خلدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة إنذار المشركين الرادين للدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله ~~بالمعاد بما فيه من أليم العذاب لمنكريه المعرضين عنه، ولذلك تفتتح الكلام ~~بإثبات المعاد: "ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق" ثم يعود ~~إليه عودة بعد عودة كقوله: "وإذا حشر الناس"، وقوله: "والذي قال لوالديه أف ~~لكما أتعدانني أن أخرج"، وقوله: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم ~~طيباتكم"، وقوله: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق"، وقوله ~~في مختتم السورة: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ~~بلاغ" الآية. # وفيها احتجاج على الوحدانية والنبوة، وإشارة إلى هلاك قوم هود وهلاك ~~القرى التي حول مكة وإنذارهم بذلك، وإنباء عن حضور نفر من الجن عند النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) واستماعهم القرآن وإيمانهم به ورجوعهم إلى قومهم ~~منذرين لهم. # والسورة مكية كلها إلا آيتين اختلف فيهما سنشير إليهما في البحث الروائي ~~الآتي إن شاء الله، قوله تعالى: "أم يقولون افتراه" إلخ، ms6783 وقوله: "قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله" الآية. # قوله تعالى: "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم" تقدم تفسيره. # قوله تعالى: "ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى" ~~إلخ، المراد بالسماوات والأرض وما بينهما مجموع العالم المشهود علويه ~~وسفليه، والباء في "بالحق" للملابسة، والمراد بالأجل المسمى ما ينتهي إليه ~~أمد وجود الشيء، والمراد به في الآية الأجل المسمى لوجود مجموع العالم وهو ~~يوم القيامة الذي تطوى فيه السماء كطي السجل للكتب وتبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار. PageV18P098 # والمعنى: ما خلقنا العالم المشهود بجميع أجزائه العلوية والسفلية إلا ~~ملابسا للحق له غاية ثابتة وملابسا لأجل معين لا يتعداه وجوده وإذا كان له ~~أجل معين يفنى عند حلوله وكانت مع ذلك له غاية ثابتة فبعد هذا العالم عالم ~~آخر هو عالم البقاء وهو المعاد الموعود، وقد تكرر الكلام فيما تقدم في معنى ~~كون الخلق بالحق. # وقوله: "والذين كفروا عما أنذروا معرضون" المراد بالذين كفروا هم ~~المشركون بدليل الآية التالية لكن ظاهر السياق أن المراد بكفرهم كفرهم ~~بالمعاد، و"ما" في "عما" مصدرية أو موصولة والثاني هو الأوفق للسياق ~~والمعنى: والمشركون الذين كفروا بالمعاد عما أنذروا به - وهو يوم القيامة ~~بما فيه من أليم العذاب لمن أشرك بالله - معرضون منصرفون. # قوله تعالى: "قل أرأيتم ما تدعون من دون الله" إلى آخر الآية "أرأيتم" ~~بمعنى أخبروني والمراد بما تدعون من دون الله الأصنام التي كانوا يدعونها ~~ويعبدونها وإرجاع ضمائر أولي العقل إليها بعد لكونهم ينسبون إليه أفعال ~~أولي العقل وحجة الآية وما بعدها مع ذلك تجري في كل إله معبود من دون الله. # وقوله: "أروني ما ذا خلقوا من الأرض" أروني بمعنى أخبروني و"ما" اسم ~~استفهام و"ذا" بعده زائدة والمجموع مفعول "خلقوا" ومن الأرض متعلق به. # وقوله: "أم لهم شرك في السماوات" أي شركة في خلق السماوات فإن خلق شيء من ~~السماوات والأرض هو المسئول عنه. # توضيح ذلك أنهم وإن لم ينسبوا إليها إلا تدبير الكون وخصوا الخلق ms6784 به ~~سبحانه كما قال تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله": ~~الزمر: 38، وقال: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله": الزخرف: 87، لكن لما ~~كان الخلق لا ينفك عن التدبير أوجب ذلك أن يكون لمن له سهم من التدبير سهم ~~في الخلق ولذلك أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم عما ~~لأربابهم الذين يدعون من دون الله من النصيب في خلق الأرض أو في خلق ~~السماوات فلا معنى للتدبير في الكون من غير خلق. # وقوله: "ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين" ~~الإشارة بهذا إلى القرآن، والمراد بكتاب من قبل القرآن كتاب سماوي كالتوراة ~~نازل من عند الله يذكر شركة آلهتهم في خلق السماوات أو الأرض. # والأثارة على ما ذكره الراغب مصدر بمعنى النقل والرواية قال: وأثرت العلم ~~رويته آثره أثرا وأثارة وأثرة وأصله تتبعت أثره انتهى. # وعليه فالأثارة في الآية مصدر بمعنى المفعول أي شيء منقول من علم يثبت أن ~~لآلهتهم شركة في شيء من السماوات والأرض، وفسره غالب المفسرين بمعنى البقية ~~وهو قريب مما تقدم. # والمعنى: ائتوني للدلالة على شركهم لله في خلق شيء من الأرض أو في خلق ~~السماوات بكتاب سماوي من قبل القرآن يذكر ذلك أو بشيء منقول من علم أو بقية ~~من علم أورثتموها يثبت ذلك إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم شركاء لله ~~سبحانه. # قوله تعالى: "ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة" إلخ، الاستفهام إنكاري، وتحديد عدم استجابتهم الدعوة بيوم القيامة ~~لما أن يوم القيامة أجل مسمى للدنيا والدعوة مقصورة في الدنيا ولا دنيا بعد ~~قيام الساعة. # وقوله: "وهم عن دعائهم غافلون" صفة أخرى من صفات آلهتهم مضافة إلى صفة ~~عدم استجابتهم وليس تعليلا لعدم الاستجابة فإن عدم استجابتهم معلول كونهم ~~لا يملكون لعبادهم شيئا قال تعالى: "قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا": المائدة: 76. # بل هي صفة مضافة إلى صفة مذكورة لتكون ms6785 توطئة وتمهيدا لما سيذكره في الآية ~~التالية من عداوتهم لهم وكفرهم بعبادتهم يوم القيامة فهم في الدنيا غافلون ~~عن دعائهم وسيطلعون عليه يوم القيامة فيعادونهم ويكفرون بعبادتهم. # وفي الآية دلالة على سراية الحياة والشعور في الأشياء حتى الجمادات فإن ~~الأصنام من الجماد وقد نسب إليها الغفلة والغفلة من شئون ذوي الشعور لا ~~تطلق إلا على ما من شأن موصوفه أن يشعر. PageV18P099 # قوله تعالى: "وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين" ~~الحشر إخراج الشيء من مقره بإزعاج، والمراد بعث الناس من قبورهم وسوقهم إلى ~~المحشر يوم القيامة فيومئذ يعاديهم آلهتهم ويكفرون بشرك عبادهم بالتبري ~~منهم كما قال تعالى: "ويوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14، وقال حكاية ~~عنهم: "تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون": القصص: 63، وقال: "فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين": يونس: 29. # وفي سياق الآيتين تلويح إلى أن هذه الجمادات التي لا تظهر لنا في هذه ~~النشأة أن لها حياة لعدم ظهور آثارها سيظهر في النشأة الآخرة أن لها حياة ~~وتظهر آثارها وقد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: "قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": الم السجدة: 21. # قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم هذا سحر مبين" الآية والتي بعدها مسوقتان للتوبيخ، والمراد بالآيات ~~البينات آيات القرآن تتلى عليهم، ثم بدلها من الحق الذي جاءهم حيث قال: ~~"للحق لما جاءهم" - وكان مقتضى الظاهر أن يقال: "لها" للدلالة على أنها حق ~~جاءهم لا مسوغ لرميها بأنها سحر مبين وهم يعلمون أنها حق مبين فهم متحكمون ~~مكابرون للحق الصريح. # قوله تعالى: "أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله ~~شيئا" إلخ، "أم" منقطعة أي بل يقولون افترى القرآن على الله في دعواه أنه كلامه. # وقوله: "قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا" أي إن افتريت القرآن ~~لأجلكم آخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب على الافتراء ولستم تقدرون على دفع ~~عذابه عني فكيف أفتريه ms6786 عليه لأجلكم، والمحصل أني على يقين من أمر الله ~~وأعلم أنه يأخذ المفترى عليه أو يعاجل في عقوبته وأنكم لا تقدرون على دفع ~~ما يريده فكيف أفتري عليه فأعرض نفسي على عذابه المقطوع لأجلكم؟ أي لست ~~بمفتر عليه. # ويتبين بذلك أن جزاء الشرط في قوله: "إن افتريته فلا تملكون لي" إلخ، ~~محذوف وقد أقيم مقامه ما يجري مجرى ارتفاع المانع، والتقدير: إن افتريته ~~آخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب ولا مانع من قبلكم يمنع عنه، وليس من قبيل ~~وضع المسبب موضع السبب كما قيل. # وقوله: "هو أعلم بما تفيضون فيه" الإفاضة في الحديث الخوض فيه و"ما" ~~موصولة يرجع إليه ضمير "فيه" أو مصدرية ومرجع الضمير هو القرآن، والمعنى: ~~الله سبحانه أعلم بالذي تخوضون فيه من التكذيب برمي القرآن بالسحر ~~والافتراء على الله أو المعنى: هو أعلم بخوضكم في القرآن. # وقوله: "كفى به شهيدا بيني وبينكم" احتجاج ثان على نفي الافتراء وأول ~~الاحتجاجين قوله: "إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا" وقد تقدم بيانه ~~آنفا، ومعنى الجملة: أن شهادة الله سبحانه في كلامه بأنه كلامه وليس افتراء ~~مني يكفي في نفي كوني مفتريا به عليه، وقد صدق سبحانه هذه الدعوى بقوله: ~~"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه": النساء: 166، وما في معناه من ~~الآيات، وأما أنه كلامه فيكفي في ثبوته آيات التحدي. # وقوله: "وهو الغفور الرحيم" تذييل الآية بالاسمين الكريمين للاحتجاج على ~~نفي ما يتضمنه تحكمهم الباطل من نفي الرسالة كأنه قيل: إن قولكم: "افتراه" ~~يتضمن دعويين: دعوى عدم كون هذا القرآن من كلام الله ودعوى بطلان الرسالة - ~~والوثنيون ينفونها مطلقا - أما الدعوى الأولى فيدفعه أولا: أنه إن افتريته ~~فلا تملكون، إلخ، وثانيا: أن الله يكفيني شهيدا على كونه كلامه لا كلامي. # وأما الدعوى الثانية فيدفعها أن الله سبحانه غفور رحيم، ومن الواجب في ~~حكمته أن يعامل خلقه بالمغفرة والرحمة ولا تشملان إلا التائبين الراجعين ~~إليه الصالحين لذلك وذلك بأن يهديهم إلى صراط يقربهم منه سلوكه فتشملهم ~~مغفرته ورحمته بحط ms6787 السيئات والاستقرار في دار السعادة الخالدة، وكونه واجبا ~~في حكمته لأن فيهم صلاحية هذا الكمال وهو الجواد الكريم، قال تعالى: "وما ~~كان عطاء ربك محظورا": إسراء: 20، وقال: "وعلى الله قصد السبيل": النحل: 9، ~~والسبيل إلى هذه الهداية هي الدعوة من طريق الرسالة فمن الواجب في الحكمة ~~أن يرسل إلى الناس رسولا يدعوهم إلى سبيله الموصلة إلى مغفرته ورحمته. PageV18P100 # قوله تعالى: "قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" إلخ، ~~البدع ما كان غير مسبوق بالمثل من حيث صفاته أو من حيث أقواله وأفعاله ولذا ~~فسره بعضهم بأن المعنى: ما كنت أول رسول أرسل إليكم لا رسول قبلي، وقيل: ~~المعنى: ما كنت مبدعا في أقوالي وأفعالي لم يسبقني إليها أحد من الرسل. # والمعنى الأول لا يلائم السياق ولا قوله المتقدم: "وهو الغفور الرحيم" ~~بالمعنى الذي تقدم توجيهه فثاني المعنيين هو الأنسب، وعليه فالمعنى: لست ~~أخالف الرسل السابقين في صورة أو سيرة وفي قول أو فعل بل أنا بشر مثلهم في ~~من آثار البشرية ما فيهم وسبيلهم في الحياة سبيلي. # وبهذه الجملة يجاب عن مثل ما حكاه الله من قولهم: "ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه ~~كنز أو تكون له جنة يأكل منها": الفرقان: 8. # وقوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" نفي لعلم الغيب عن نفسه فهو نظير ~~قوله: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء": الأعراف: ~~188، والفرق بين الآيتين أن قوله: "ولو كنت أعلم الغيب" إلخ، نفي للعلم ~~بمطلق الغيب واستشهاد له بمس السوء وعدم الاستكثار من الخير، وقوله: "وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم" نفي للعلم بغيب خاص وهو ما يفعل به وبهم من ~~الحوادث التي يواجهونها جميعا، وذلك أنهم كانوا يزعمون أن المتلبس بالنبوة ~~لو كان هناك نبي يجب أن يكون عالما في نفسه بالغيوب ذا قدرة مطلقة غيبية ~~كما يظهر من اقتراحاتهم المحكية في القرآن فأمر ms6788 (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يعترف - مصرحا به - أنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم فينفي عن نفسه العلم ~~بالغيب، وأن ما يجري عليه وعليهم من الحوادث خارج عن إرادته واختياره وليس ~~له في شيء منها صنع بل يفعله به وبهم غيره وهو الله سبحانه. # فقوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" كما ينفي عنه العلم بالغيب ينفي ~~عنه القدرة على شيء مما يصيبه ويصيبهم مما هو تحت أستار الغيب. # ونفي الآية العلم بالغيب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينافي علمه ~~بالغيب من طريق الوحي كما يصرح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله: "ذلك من ~~أنباء الغيب نوحيه إليك": آل عمران: 44، يوسف: 102، وقوله: "تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك": هود: 49، وقوله: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول": الجن: 27 ومن هذا الباب قول المسيح (عليه السلام): ~~"وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم": آل عمران: 49، وقول يوسف (عليه ~~السلام) لصاحبي السجن: "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل ~~أن يأتيكما": يوسف: 37. # وجه عدم المنافاة أن الآيات النافية للعلم بالغيب عنه وعن سائر الأنبياء ~~(عليهم السلام) إنما تنفيه عن طبيعتهم البشرية بمعنى أن تكون لهم طبيعة ~~بشرية أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خاصتها العلم بالغيب بحيث ~~يستعمله في جلب كل نفع ودفع كل شر كما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب ~~وهذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي كما أن إتيانهم ~~بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم بل بإذن ~~من الله تعالى وأمر، قال تعالى: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": ~~الإسراء: 93، جوابا عما اقترحوا عليه من الآيات، وقال: "قل إنما الآيات عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين": العنكبوت: 50، وقال: "وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق": المؤمن: 78. # ويشهد بذلك قوله بعده متصلا به: "إن ms6789 أتبع إلا ما يوحى إلي" فإن اتصاله ~~بما قبله يعطي أنه في موضع الإضراب، والمعنى: أني ما أدري شيئا من هذه ~~الحوادث بالغيب من قبل نفسي وإنما أتبع ما يوحى إلي من ذلك. # وقوله: "وما أنا إلا نذير مبين" تأكيد لجميع ما تقدم في الآية من قوله: ~~"ما كنت بدعا" إلخ، و"وما أدري" إلخ، وقوله: "إن أتبع" إلخ. PageV18P101 ### |||| AUTO بحث فلسفي ودفع شبهة # تظافرت الأخبار من طرق أئمة أهل البيت أن الله سبحانه علم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) علم كل شيء، وفسر ذلك في ~~بعضها أن علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق الوحي وأن علم ~~الأئمة (عليهم السلام) ينتهي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأورد عليه أن المأثور من سيرتهم أنهم كانوا يعيشون مدى حياتهم عيشة سائر ~~الناس فيقصدون مقاصدهم ساعين إليها على ما يرشد إليه الأسباب الظاهرية ~~ويهدي إليه السبل العادية فربما أصابوا مقاصدهم وربما أخطأ بهم الطريق فلم ~~يصيبوا، ولو علموا الغيب لم يخيبوا في سعيهم أبدا فالعاقل لا يترك سبيلا ~~يعلم يقينا أنه مصيب فيه ولا يسلك سبيلا يعلم يقينا أنه مخطىء فيه. # وقد أصيبوا بمصائب ليس من الجائز أن يلقي الإنسان نفسه في مهلكتها لو علم ~~بواقع الأمر كما أصيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد بما أصيب، ~~وأصيب علي (عليه السلام) في مسجد الكوفة حين فتك به المرادي لعنه الله، ~~وأصيب الحسين (عليه السلام) فقتل في كربلاء، وأصيب سائر الأئمة بالسم، فلو ~~كانوا يعلمون ما سيجري عليهم كان ذلك من إلقاء النفس في التهلكة وهو محرم، ~~والإشكال كما ترى مأخوذ من الآيتين: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير" "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم". # ويرده أنه مغالطة بالخلط بين العلوم العادية وغير العادية فالعلم غير ~~العادي بحقائق الأمور لا أثر له في تغيير مجرى الحوادث الخارجية. # توضيح ذلك أن أفعالنا الاختيارية كما تتعلق بإرادتنا كذلك تتعلق بعلل ~~وشرائط أخرى مادية زمانية ms6790 ومكانية إذا اجتمعت عليها تلك العلل والشرائط ~~وتمت بالإرادة تحققت العلة التامة وكان تحقق الفعل عند ذلك واجبا ضروريا إذ ~~من المستحيل تخلف المعلول عن علته التامة. # فنسبة الفعل وهو معلول إلى علته التامة نسبة الوجوب والضرورة كنسبة جميع ~~الحوادث إلى عللها التامة، ونسبته إلى إرادتنا وهي جزء علته نسبة الجواز ~~والإمكان. # فتبين أن جميع الحوادث الخارجية ومنها أفعالنا الاختيارية واجبة الحصول ~~في الخارج واقعة فيها على صفة الضرورة ولا ينافي ذلك كون أفعالنا ~~الاختيارية ممكنة بالنسبة إلينا مع وجوبها على ما تقدم. # فإذا كان كل حادث ومنها أفعالنا الاختيارية بصفة الاختيار معلولا له علة ~~تامة يستحيل معها تخلفه عنها كانت الحوادث سلسلة منتظمة يستوعبها الوجوب لا ~~يتعدى حلقة من حلقاتها موضعها ولا تتبدل من غيرها وكان الجميع واجبا من أول ~~يوم سواء في ذلك ما وقع في الماضي وما لم يقع بعد، فلو فرض حصول علم بحقائق ~~الحوادث على ما هي عليها في متن الواقع لم يؤثر ذلك في إخراج حادث منها وإن ~~كان اختياريا عن ساحة الوجوب إلى حد الإمكان. # فإن قلت: بل يقع هذا العلم اليقيني في مجرى أسباب الأفعال الاختيارية ~~كالعلم الحاصل من الطرق العادية فيستفاد منه فيما إذا خالف العلم الحاصل من ~~الطرق العادية فيصير سببا للفعل أو الترك حيث يبطل معه العلم العادي. # قلت: كلا فإن المفروض تحقق العلة التامة للعلم العادي مع سائر أسباب ~~الفعل الاختياري فمثله كمثل أهل الجحود والعناد من الكفار يستيقنون بأن ~~مصيرهم مع الجحود إلى النار ومع ذلك يصرون على جحودهم لحكم هواهم بوجوب ~~الجحود وهذا منهم هو العلم العادي بوجوب الفعل، قال تعالى في قصة آل فرعون: ~~"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14. # وبهذا يندفع ما يمكن أن يقال: لا يتصور علم يقيني بالخلاف مع عدم تأثيره ~~في الإرادة فليكشف عدم تأثيره في الإرادة عن عدم تحقق علم على هذا الوصف. # وجه الاندفاع: أن مجرد تحقق العلم بالخلاف لا يستوجب تحقق الإرادة مستندة ~~إليه وإنما هو العلم الذي يتعلق ms6791 بوجوب الفعل مع التزام النفس به كما مر في ~~جحود أهل الجحود وإنكارهم الحق مع يقينهم به ومثله الفعل بالعناية فإن سقوط ~~الواقف على جذع عال، منه على الأرض بمجرد تصور السقوط لا يمنع عنه علمه بأن ~~في السقوط هلاكه القطعي. # وقد أجاب بعضهم عن أصل الإشكال بأن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والأئمة (عليهم السلام) تكاليف خاصة بكل واحد منهم فعليهم أن يقتحموا هذه ~~المهالك وإن كان ذلك منا إلقاء النفس في التهلكة وهو حرام، وإليه إشارة في ~~بعض الأخبار. PageV18P102 # وأجاب بعضهم عنه بأن الذي ينجز التكاليف من العلم هو العلم من الطرق ~~العادية وأما غيره فليس بمنجز، ويمكن توجيه الوجهين بما يرجع إلى ما تقدم. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم" إلخ، ضمائر "كان" و"به" و"مثله" على ما ~~يعطيه السياق للقرآن، وقوله: "وشهد شاهد من بني إسرائيل" إلخ، معطوف على ~~الشرط ويشاركه في الجزاء، والمراد بمثل القرآن مثله من حيث مضمونه في ~~المعارف الإلهية وهو كتاب التوراة الأصلية التي نزلت على موسى (عليه ~~السلام)، وقوله: "فآمن واستكبرتم" أي فآمن الشاهد الإسرائيلي المذكور بعد ~~شهادته. # وقوله: "إن الله لا يهدي القوم الظالمين" تعليل للجزاء المحذوف دال عليه، ~~والظاهر أنه ألستم ضالين لا ما قيل: إنه ألستم ظلمتم لأن التعليل بعدم ~~هداية الله الظالمين إنما يلائم ضلالهم لا ظلمهم وإن كانوا متصفين بالوصفين جميعا. # والمعنى: قل للمشركين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله والحال ~~أنكم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما في القرآن من المعارف ~~فآمن هو واستكبرتم أنتم ألستم في ضلال؟ فإن الله لا يهدي القوم الظالمين. # والذي شهد على مثله فآمن على ما في بعض الأخبار هو عبد الله بن سلام من ~~علماء اليهود، والآية على هذا مدنية لا مكية لأنه ممن آمن بالمدينة، وقول ~~بعضهم: من الجائز أن يكون التعبير بالماضي في قوله: "وشهد شاهد من ms6792 بني ~~إسرائيل على مثله فآمن" لتحقق الوقوع والقصة واقعة في المستقبل سخيف لأنه ~~لا يلائم كون الآية في سياق الاحتجاج فالمشركون ما كانوا ليسلموا للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) صدقه فيما يخبرهم به من الأمور المستقبلة. # وفي معنى الآية أقوال أخر منها أن المراد ممن شهد على مثله فآمن هو موسى ~~(عليه السلام) شهد على التوراة فآمن به وإنما عدلوا عن المعنى السابق إلى ~~هذا المعنى للبناء على كون الآية مكية، وأنه إنما أسلم عبد الله بن سلام ~~بالمدينة. # وفيه أولا: عدم الدليل على كون الآية مكية ولتكن القصة دليلا على كونها ~~مدنية، وثانيا: بعد أن يجعل موسى الكليم (عليه السلام) قرينا لهؤلاء ~~المشركين الأجلاف يقاسون به فيقال ما محصله: أن موسى (عليه السلام) آمن ~~بالكتاب النازل عليه وأنتم استكبرتم عن الإيمان بالقرآن فسخافته ظاهرة. # ومما قيل إن المثل في الآية بمعنى نفس الشيء كما قيل في قوله تعالى: "ليس ~~كمثله شيء": الشورى: 11، وهو في البعد كسابقه. # قوله تعالى: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه" ~~إلى آخر الآية قيل: اللام في قوله: "للذين آمنوا" للتعليل أي لأجل إيمانهم ~~ويئول إلى معنى في، وضمير "كان" و"إليه" للقرآن من جهة الإيمان به. # والمعنى: وقال الذين كفروا في الذين آمنوا - أي لأجل إيمانهم -: لو كان ~~الإيمان بالقرآن خيرا ما سبقونا - أي المؤمنون - إليه. # وقال بعضهم: إن المراد بالذين آمنوا بعض المؤمنين وبالضمير العائد إليه ~~في قوله: "سبقونا" البعض الآخر، واللام متعلق بقال والمعنى: وقال الذين ~~كفروا لبعض المؤمنين لو كان خيرا ما سبقنا البعض من المؤمنين وهم الغائبون ~~إليه، وفيه أنه بعيد من سياق الآية. # وقال آخرون: إن المراد بالذين آمنوا المؤمنون جميعا لكن في قوله: ما ~~سبقونا التفاتا والأصل ما سبقتمونا وهو في البعد كسابقه وليس خطاب الحاضرين ~~بصيغة الغيبة من الالتفات في شيء. # وقوله: "وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم" ضمير "به" للقرآن وكذا ~~الإشارة بهذا إليه والإفك الافتراء أي وإذ لم يهتدوا ms6793 بالقرآن لاستكبارهم عن ~~الإيمان به فسيقولون أي الذين كفروا هذا أي القرآن إفك وافتراء قديم، ~~وقولهم: هذا إفك قديم كقولهم: أساطير الأولين. # قوله تعالى: "ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا ~~عربيا" إلخ، الظاهر أن قوله: "ومن قبله" إلخ، جملة حالية والمعنى: فسيقولون ~~هذا إفك قديم والحال أن كتاب موسى حال كونه إماما ورحمة قبله أي قبل القرآن ~~وهذا القرآن كتاب مصدق له حال كونه لسانا عربيا ليكون منذرا للذين ظلموا ~~وهو بشرى للمحسنين فكيف يكون إفكا. PageV18P103 # وكون التوراة إماما ورحمة هو كونها بحيث يقتدي بها بنو إسرائيل ويتبعونها ~~في أعمالهم ورحمة للذين آمنوا بها واتبعوها في إصلاح نفوسهم. # قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا" إلى آخر الآية ~~المراد بقولهم ربنا الله إقرارهم وشهادتهم بانحصار الربوبية في الله سبحانه ~~وتوحده فيها، وباستقامتهم ثباتهم على ما شهدوا به من غير زيغ وانحراف ~~والتزامهم بلوازمه العملية. # وقوله: "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" أي ليس قبالهم مكروه محتمل يخافونه ~~من عقاب محتمل، ولا مكروه محقق يحزنون به من عقاب أو هول، فالخوف إنما يكون ~~من مكروه ممكن الوقوع، والحزن من مكروه محقق الوقوع، والفاء في قوله: "فلا ~~خوف" إلخ، لتوهم معنى الشرط فإن الكلام في معنى من قال ربنا الله ثم استقام ~~فلا خوف إلخ. # قوله تعالى: "أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون" ~~المراد بصحابة الجنة ملازمتها، وقوله: "خالدين فيها" حال مؤكدة لمعنى ~~الصحابة. # والمعنى: أولئك الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ملازمون للجنة حال ~~كونهم خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من الطاعات والقربات. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ~~قول الله تعالى: "ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم - إن كنتم ~~صادقين" قال: عنى بالكتاب التوراة والإنجيل "وأثارة من علم" فإنما عنى بذلك ~~علم أوصياء الأنبياء. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ms6794 وابن ~~مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) "أو أثارة من علم" قال: الخط. # أقول: لعل المراد بالخط كتاب مخطوط موروث من الأنبياء أو العلماء الماضين ~~لكن في بعض ما روي في تفسير قوله: "أو أثارة من علم" أنه حسن الخط وفي بعض ~~آخر أنه جودة الخط وهو أجنبي من سياق الاحتجاج الذي في الآية. # وفي العيون، في باب مجلس الرضا مع المأمون عنه (عليه السلام) حدثني أبي ~~عن جدي عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: اجتمع المهاجرون ~~والأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إن لك يا رسول ~~الله مئونة في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود، وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم ~~فيها بارا مأجورا أعط ما شئت واحكم ما شئت من غير حرج. قال: فأنزل الله ~~تعالى إليه الروح الأمين فقال: يا محمد "قل لا أسألكم عليه أجرا - إلا ~~المودة في القربى" يعني أن تودوا قرابتي من بعدي، فخرجوا فقال المنافقون: ~~ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحثنا على قرابته من بعده، ~~وإن هو إلا شيء افتراه في مجلسه وكان ذلك من قولهم عظيما. فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية "أم يقولون افتراه قل إن افتريته - فلا تملكون لي من الله ~~شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه - كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم" فبعث إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: هل من حدث؟ ~~فقالوا: إي والله يا رسول الله لقد قال بعضنا كلاما غليظا كرهناه فتلا ~~عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الآية فبكوا واشتد بكاؤهم فأنزل ~~الله تعالى: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده - ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون". # وفي الدر المنثور، أخرج أبو داود في ناسخه من طريق عكرمة عن ابن عباس في ~~قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" قال: نسختها هذه الآية التي في الفتح ~~فخرج ms6795 إلى الناس فبشرهم بالذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال رجل من ~~المؤمنين: هنيئا لك يا نبي الله قد علمنا الآن ما يفعل بك فما ذا يفعل بنا؟ ~~فأنزل الله في سورة الأحزاب "وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا" ~~وقال: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات - جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~- ويكفر عنهم سيئاتهم - وكان ذلك عند الله فوزا عظيما" فبين الله ما به ~~يفعل وبهم. # أقول: الرواية لا تخلو من شيء: أما أولا: فلما تقدم بيانه في تفسير الآية ~~أعني قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" أنها أجنبية عن العلم بالغيب ~~الذي هو من طريق الوحي بدلالة صريحة من القرآن فلا ينفي بها العلم بالمغفرة ~~من طريق الوحي حتى تنسخها آية سورة الفتح. PageV18P104 # وأما ثانيا: فلأن ظاهر الرواية أن الذنب الذي تصرح بمغفرته آية سورة الفتح ~~هو الذنب بمعنى مخالفة الأمر والنهي المولويين وسيأتي في تفسير سورة الفتح ~~- إن شاء الله تعالى - أن الذنب في الآية لغير هذا المعنى. # وأما ثالثا: فلأن الآيات الدالة على دخول المؤمنين الجنة كثيرة جدا في ~~مكية السور ومدنيتها ولا تدل آيتا سورة الأحزاب على أزيد مما يدل عليه سائر ~~الآيات فلا وجه لتخصيصهما بالدلالة على دخول المؤمنين الجنة وشمول المغفرة لهم. # على أن سورة الأحزاب نازلة قبل سورة الفتح بزمان. # وفيه، أخرج أبو يعلى وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه بسند صحيح عن عوف ~~بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا معه حتى ~~دخلنا على كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم. فقال لهم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب ~~الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد فثلث فلم ~~يجبه أحد فقال: أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفي آمنتم أو ms6796 ~~كذبتم. ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه فقال: كما أنت ~~يا محمد، فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمونني فيكم يا معشر اليهود؟ ~~فقالوا: والله لا نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك ~~ولا من جدك، فقال: إني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه في التوراة ~~والإنجيل، قالوا: كذبت ثم ردوا عليه وقالوا شرا، فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): كذبتم لن يقبل منكم قولكم. فخرجنا ونحن ثلاث: رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا وابن سلام فأنزل الله: "قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله وكفرتم به - وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ~~- إن الله لا يهدي القوم الظالمين". # أقول: وفي نزول الآية في عبد الله بن سلام روايات أخرى من طرق أهل السنة ~~غير هذه الرواية، وسياق الآية وخاصة قوله: "من بني إسرائيل" لا يلائم كون ~~الخطاب فيها لبني إسرائيل، وقد عد الإنجيل في الرواية من كتبهم وليس من ~~كتبهم واليهود لا يصدقونه. # وفي بعض الروايات أن الآية نزلت في ابن يامين من علمائهم حين شهد وأسلم ~~فكذبته اليهود، والإشكال السابق على حاله. PageV18P105 ### ||| AUTO 46 سورة الأحقاف - 15 - 20 # ووصينا الانسن بولديه إحسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ~~ثلثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك ~~التى أنعمت على وعلى ولدى وأن أعمل صلحا ترضاه وأصلح لى فى ذريتى إنى تبت ~~إليك وإنى من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز ~~عن سيئاتهم فى أصحب الجنة وعد الصدق الذى كانوا يوعدون (16) والذى قال ~~لولديه أف لكما أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان ~~الله ويلك ءامن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أسطير الأولين (17) أولئك ~~الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس إنهم كانوا ~~خسرين (18) ولكل درجت مما عملوا ms6797 وليوفيهم أعملهم وهم لا يظلمون (19) ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيبتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تفسقون (20) ### |||| AUTO بيان # لما قسم الناس في قوله: "لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين" إلى ظالمين ~~ومحسنين وأشير فيه إلى أن للظالمين ما يخاف ويحذر وللمحسنين ما يسر الإنسان ~~ويبشر به عقب ذلك في هذا الفصل من الآيات بتفصيل القول فيه، وأن الناس بين ~~قوم تائبين إلى الله مسلمين له وهم الذين يتقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة، وقوم خاسرين حق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس. # ومثل الطائفة الأولى بمن كان مؤمنا بالله مسلما له بارا بوالديه يسأل ~~الله أن يلهمه الشكر على ما أنعم عليه وعلى والديه والعمل الصالح وإصلاح ~~ذريته، والطائفة الثانية بمن كان عاقا لوالديه إذا دعواه إلى الإيمان بالله ~~واليوم الآخر فيزجرهما ويعد ذلك من أساطير الأولين. # قوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا" إلى آخر الآية، الوصية على ~~ما ذكره الراغب هو التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ والتوصية ~~تفعيل من الوصية قال تعالى: "ووصى بها إبراهيم بنيه": البقرة: 132، فمفعوله ~~الثاني الذي يتعدى إليه بالباء من قبيل الأفعال، فالمراد بالتوصية ~~بالوالدين التوصية بعمل يتعلق بهما وهو الإحسان إليهما. # وعلى هذا فتقدير الكلام: ووصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا. # وفي إعراب: "إحسانا" أقوال أخر كقول بعضهم: إنه مفعول مطلق على تضمين ~~"وصينا" معنى أحسنا، والتقدير: وصينا الإنسان محسنين إليهما إحسانا، وقول ~~بعضهم: إنه صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان، وقول بعضهم: هو ~~مفعول له، والتقدير: وصيناه بهما لإحساننا إليهما، إلى غير ذلك مما قيل. # وكيف كان فبر الوالدين والإحسان إليهما من الأحكام العامة المشرعة في ~~جميع الشرائع كما تقدم في تفسير قوله تعالى: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا": الأنعام: 151، ولذلك قال: ~~"ووصينا الإنسان" ms6798 فعممه لكل إنسان. # ثم عقبه سبحانه بالإشارة إلى ما قاسته أمه في حمله ووضعه وفصاله إشعارا ~~بملاك الحكم وتهييجا لعواطفه وإثارة لغريزة رحمته ورأفته فقال: "حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" أي حملته أمه حملا ذا كره أي ~~مشقة وذلك لما في حمله من الثقل، ووضعته وضعا ذا كره وذلك لما عنده من ألم الطلق. # وأما قوله: "وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" فقد أخذ فيه أقل مدة الحمل وهو ~~ستة أشهر، والحولان الباقيان إلى تمام ثلاثين شهرا مدة الرضاع، قال تعالى: ~~"والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين": البقرة: 233، وقال: "وفصاله في ~~عامين": لقمان: 14. PageV18P106 # والفصال التفريق بين الصبي وبين الرضاع، وجعل العامين ظرفا للفصال بعناية ~~أنه في آخر الرضاع ولا يتحقق إلا بانقضاء عامين. # وقوله: "حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة" بلوغ الأشد بلوغ زمان من ~~العمر تشتد فيه قوى الإنسان، وقد مر نقل اختلافهم في معنى بلوغ الأشد في ~~تفسير قوله: "ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما": يوسف: 22، وبلوغ الأربعين ~~ملازم عادة لكمال العقل. # وقوله: "قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه" الإيزاع الإلهام، وهذا الإلهام ليس بإلهام علم يعلم به ~~الإنسان ما جهلته نفسه بحسب الطبع كما في قوله: "ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها": الشمس: 8، بل هو إلهام عملي بمعنى البعث والدعوة الباطنية ~~إلى فعل الخير وشكر النعمة وبالجملة العمل الصالح. # وقد أطلق النعمة التي سأل إلهام الشكر عليها فتعم النعم الظاهرية كالحياة ~~والرزق والشعور والإرادة، والباطنية كالإيمان بالله والإسلام والخشوع له ~~والتوكل عليه والتفويض إليه ففي قوله: "رب أوزعني أن أشكر نعمتك" إلخ، سؤال ~~أن يلهمه الثناء عليه بإظهار نعمته قولا وفعلا: أما قولا فظاهر، وأما فعلا ~~فباستعمال هذه النعم استعمالا يظهر به أنها لله سبحانه أنعم بها عليه وليست ~~له من قبل نفسه ولازمه ظهور العبودية والمملوكية من هذا الإنسان في قوله ~~وفعله جميعا. # وتفسير النعمة بقوله: "التي أنعمت علي وعلى والدي" يفيد شكره من قبل ms6799 نفسه ~~على ما اختص به من النعمة ومن قبل والديه فيما أنعم به عليهما فهو لسان ~~ذاكر لهما بعدهما. # وقوله: "وأن أعمل صالحا ترضاه" عطف على قوله: "أن أشكر" إلخ، سؤال متمم ~~لسؤال الشكر على النعم فإن الشكر يحلي ظاهر الأعمال، والصلاحية التي ~~يرتضيها الله تعالى تحلي باطنها وتخلصها له تعالى. # وقوله: "وأصلح لي في ذريتي" الإصلاح في الذرية إيجاد الصلاح فيهم وهو من ~~الله سبحانه توفيقهم للعمل الصالح وينجر إلى إصلاح نفوسهم، وتقييد الإصلاح ~~بقوله: "لي" للدلالة على أن يكون إصلاحهم بنحو ينتفع هو به أي أن يكون ~~ذريته له في بره وإحسانه كما كان هو لوالديه. # ومحصل الدعاء سؤال أن يلهمه الله شكر نعمته وصالح العمل وأن يكون بارا ~~محسنا بوالديه ويكون ذريته له كما كان هو لوالديه، وقد تقدم غير مرة أن شكر ~~نعمه تعالى بحقيقة معناه هو كون العبد خالصا لله فيئول معنى الدعاء إلى ~~سؤال خلوص النفس وصلاح العمل. # وقوله: "إني تبت إليك وإني من المسلمين" أي الذين يسلمون الأمر لك فلا ~~تريد شيئا إلا أرادوه بل لا يريدون إلا ما أردت. # والجملة في مقام التعليل لما يتضمنه الدعاء من المطالب، ويتبين بالآية ~~حيث ذكر الدعاء ولم يرده بل أيده بما وعد في قوله: "أولئك الذين نتقبل ~~عنهم" إلخ، إن التوبة والإسلام لله سبحانه إذا اجتمعا في العبد استعقب ذلك ~~الهامة تعالى بما يصير به العبد من المخلصين - بفتح اللام - ذاتا والمخلصين ~~- بكسر اللام - عملا أما إخلاص الذات فقد تقدمت الإشارة إليه آنفا، وأما ~~إخلاص العمل فلأن العمل لا يكون صالحا لقبوله تعالى مرفوعا إليه إلا إذا ~~كان خالصا لوجهه الكريم، قال تعالى: "ألا لله الدين الخالص": الزمر: 3. # قوله تعالى: "أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ~~في أصحاب الجنة" إلخ، التقبل أبلغ من القبول، والمراد بأحسن ما عملوا ~~طاعاتهم من الواجبات والمندوبات فإنها هي المقبولة المتقبلة وأما المباحات ~~فإنها وإن كانت ذات حسن لكنها ليست بمتقبلة، كذا ذكر في مجمع البيان ms6800 وهو ~~تفسير حسن ويؤيده مقابلة تقبل أحسن ما عملوا بالتجاوز عن السيئات فكأنه ~~قيل: إن أعمالهم طاعات من الواجبات والمندوبات وهي أحسن أعمالهم فنتقبلها ~~وسيئات فنتجاوز عنها وما ليس بطاعة ولا حسنة فلا شأن له من قبول وغيره. # وقوله: "في أصحاب الجنة" متعلق بقوله: "نتجاوز" أي نتجاوز عن سيئاتهم في ~~جملة من نتجاوز عن سيئاتهم من أصحاب الجنة، فهو حال من ضمير "عنهم". # وقوله: "وعد الصدق الذي كانوا يوعدون" أي يعدهم الله بهذا الكلام وعد ~~الصدق الذي كانوا يوعدونه إلى هذا الحين بلسان الأنبياء والرسل، أو المراد ~~أنه ينجز لهم بهذا التقبل والتجاوز يوم القيامة وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدونه في الدنيا. PageV18P107 # قوله تعالى: "والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون ~~من قبلي" لما ذكر الإنسان الذي تاب إلى الله وأسلم له وسأله الخلوص ~~والإخلاص وبر والديه وإصلاح أولاده له قابله بهذا الإنسان الذي يكفر بالله ~~ورسوله والمعاد ويعق والديه إذا دعواه إلى الإيمان وأنذراه بالمعاد. # فقوله: "والذي قال لوالديه أف لكما" الظاهر أنه مبتدأ في معنى الجمع ~~وخبره قوله بعد: "أولئك الذين" إلخ، و"أف" كلمة تبرم يقصد بها إظهار التسخط ~~والتوجع و"أتعدانني أن أخرج" الاستفهام للتوبيخ، والمعنى: أتعدانني أن أخرج ~~من قبري فأحيا وأحضر للحساب أي أتعدانني المعاد "وقد خلت القرون من قبلي" ~~أي والحال أنه هلكت أمم الماضون العائشون من قبلي ولم يحي منهم أحد ولا بعث. # وهذا على زعمهم حجة على نفي المعاد وتقريره أنه لو كان هناك إحياء وبعث ~~لأحيي بعض من هلك إلى هذا الحين وهم فوق حد الإحصاء عددا في أزمنة طويلة لا ~~أمد لها ولا خبر عنهم ولا أثر ولم يتنبهوا أن القرون السالفة لو عادوا كما ~~يقولون كان ذلك بعثا لهم وإحياء في الدنيا والذي وعده الله سبحانه هو البعث ~~للحياة الآخرة والقيام لنشأة أخرى غير الدنيا. # وقوله: "وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق" الاستغاثة طلب ~~الغوث من الله أي والحال أن والديه يطلبان من ms6801 الله أن يغيثهما ويعينهما على ~~إقامة الحجة واستمالته إلى الإيمان ويقولان له: ويلك آمن بالله وبما جاء به ~~رسوله ومنه وعده تعالى بالمعاد إن وعد الله بالمعاد من طريق رسله حق. # ومنه يظهر أن مرادهما بقولهما: "آمن" هو الأمر بالإيمان بالله ورسوله ~~فيما جاء به من عند الله، وقولهما: "إن وعد الله حق" المراد به المعاد، ~~وتعليل الأمر بالإيمان به لغرض الإنذار والتخويف. # وقوله: "فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين" الإشارة بهذا إلى الوعد الذي ~~ذكراه وأنذراه به أو مجموع ما كانا يدعوانه إليه والمعنى: فيقول هذا ~~الإنسان لوالديه ليس هذا الوعد الذي تنذرانني به أو ليس هذا الذي تدعوانني ~~إليه إلا خرافات الأولين وهم الأمم الأولية الهمجية. # قوله تعالى: "أولئك الذين حق عليهم القول" إلخ، تقدم بعض الكلام فيه في ~~تفسير الآية 25 من سورة حم السجدة. # قوله تعالى: "ولكل درجات مما عملوا" إلى آخر الآية أي لكل من المذكورين ~~وهم المؤمنون البررة والكافرون الفجرة منازل ومراتب مختلفة صعودا وحدورا ~~فللجنة درجات وللنار دركات. # ويعود هذا الاختلاف إلى اختلافهم في أنفسهم وإن كان ظهوره في أعمالهم ~~ولذلك قال: "لكل درجات مما عملوا" فالدرجات لهم ومنشؤها أعمالهم. # وقوله: "وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون" اللام للغاية والجملة معطوفة ~~على غاية أو غايات أخرى محذوفة لم يتعلق بذكرها غرض، وإنما جعلت غاية ~~لقوله: "لكل درجات" لأنه في معنى وجعلناهم درجات، والمعنى: جعلناهم درجات ~~لكذا وكذا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون. # ومعنى توفيتهم أعمالهم إعطاؤهم نفس أعمالهم فالآية من الآيات الدالة على ~~تجسم الأعمال، وقيل: الكلام على تقدير مضاف والتقدير وليوفيهم أجور ~~أعمالهم. # قوله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار" إلخ، عرض الماء على ~~الدابة وللدابة وضعه بمرأى منها بحيث إن شاءت شربته، وعرض المتاع على البيع ~~وضعه موضعا لا مانع من وقوع البيع عليه. # وقوله: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار" قيل: المراد بعرضهم على النار ~~تعذيبهم فيها من قولهم: عرض فلان على السيف إذا قتل وهو مجاز شائع. # وفيه أن ms6802 قوله في آخر السورة "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا ~~بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب" لا يلائمه تلك الملاءمة حيث فرع ~~ذوق العذاب على العرض فهو غيره. # وقيل: إن في الآية قلبا والأصل عرض النار على الذين كفروا لأن من الواجب ~~في تحقق معنى العرض أن يكون في المعروض عليه شعور بالمعروض والنار لا شعور ~~لها بالذين كفروا بل الأمر بالعكس ففي الكلام قلب، والمراد عرض النار على ~~الذين كفروا. PageV18P108 # ووجهه بعض المفسرين بأن المناسب أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض عليه كما في ~~قولنا: عرضت الماء على الدابة وعرضت الطعام على الضيف، ولما كان الأمر في ~~عرض النار على الذين كفروا بالعكس فإنهم هم المسيرون إلى النار فقلب الكلام ~~رعاية لهذا الاعتبار. # وفيه نظر أما ما ذكر من أن المعروض عليه يجب أن يكون ذا شعور وإدراك ~~بالمعروض حتى يرغب إليه أو يرغب عنه والنار لا شعور لها ففيه أولا: أنه ~~ممنوع كما يؤيده قولهم: عرضت المتاع على البيع، وقوله تعالى: "إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال": الأحزاب: 72، وثانيا: أنا لا نسلم ~~خلو نار الآخرة عن الشعور، ففي الأخبار الصحيحة أن للجنة والنار شعورا ~~ويشعر به قوله: "يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد": ق: 30، وغيره ~~من الآيات. # وأما ما قيل من أن المناسب تحريك المعروض إلى المعروض عليه فلا نسلم ~~لزومه ولا اطراده فهو منقوض بقوله: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض" الآية:، الأحزاب: 72. # على أن في كلامه تعالى ما يدل على الإتيان بالنار إلى الذين كفروا كقوله: ~~"وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى": الفجر: 23. # فالحق أن العرض وهو إظهار عدم المانع من تلبس شيء بشيء معنى له نسبة إلى ~~الجانبين يمكن أخذ كل منهما أصلا معروضا عليه والآخر فرعا معروضا فتارة ~~تؤخذ النار معروضة على الكافرين بعناية أن لا مانع من عمل صالح أو شفاعة ~~تمنع من دخولهم فيها كقوله تعالى: "وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا": ~~الكهف: 100، وتارة ms6803 يؤخذ الكفار معروضين للنار بعناية أن لا مانع يمنع النار ~~أن تعذبهم، كما في قوله: "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا": المؤمن: 36، ~~وقوله: "يعرض الذين كفروا على النار" الآية. # وعلى هذا فالأشبه تحقق عرضين يوم القيامة: عرض جهنم للكافرين حين تبرز ~~لهم ثم عرضهم على جهنم بعد الحساب والقضاء الفصل بدخولهم فيها حين يساقون ~~إليها، قال تعالى: "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا": الزمر: 71. # وقوله: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها" على تقدير القول ~~أي يقال لهم: "أذهبتم" إلخ، والطيبات الأمور التي تلائم النفس وتوافق الطبع ~~ويستلذ بها الإنسان، وإذهاب الطيبات إنفادها بالاستيفاء لها، والمراد ~~بالاستمتاع بها استعمالها والانتفاع بها لنفسها لا للآخرة والتهيؤ لها. # والمعنى: يقال لهم حين عرضهم على النار: أنفذتم الطيبات التي تلتذون بها ~~في حياتكم الدنيا واستمتعتم بتلك الطيبات فلم يبق لكم شيء تلتذون به في ~~الآخرة. # وقوله: "فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تفسقون" تفريع على إذهابهم الطيبات، وعذاب الهون العذاب الذي فيه ~~الهوان والخزي. # والمعنى: فاليوم تجزون العذاب الذي فيه الهوان والخزي قبال استكباركم في ~~الدنيا عن الحق وقبال فسقكم وتوليكم عن الطاعات، وهما ذنبان أحدهما متعلق ~~بالاعتقاد وهو الاستكبار عن الحق والثاني متعلق بالعمل وهو الفسق. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق ~~قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة ~~أشهر فسأل عنها أصحاب النبي فقال علي: لا رجم عليها ألا ترى أنه يقول: ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، وقال: وفصاله في عامين، وكان الحمل هاهنا ستة ~~أشهر فتركها عمر. قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر:. أقول: وروى ~~القصة المفيد في الإرشاد،. # وفيه، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: ~~تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له تماما لستة أشهر فانطلق زوجها إلى ~~عثمان بن عفان فأمر برجمها فبلغ ذلك عليا ms6804 فأتاه فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت ~~تماما لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ قال علي: أما سمعت الله تعالى يقول: وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا وقال: حولين كاملين فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟. فقال ~~عثمان: والله ما فطنت لهذا. علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها، وكان من ~~قولها لأختها: لا تحزني فو الله ما كشف فرجي أحد قط غيره. قال: فشب الغلام ~~بعد فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به. قال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا ~~عضوا على فراشه. PageV18P109 # وفي التهذيب، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: "حتى إذا بلغ أشده" قال: ~~الاحتلام. # وفي الخصال، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا بلغ ~~العبد ثلاثا وثلاثين سنة فقد بلغ أشده، وإذا بلغ أربعين سنة فقد بلغ ~~منتهاه، فإذا طعن في إحدى وأربعين فهو في النقصان، وينبغي لصاحب الخمسين أن ~~يكون كمن كان في النزع. # أقول: لا تخلو الرواية من إشعار بكون بلوغ الأشد مما يختلف بالمراتب ~~فيكون الاحتلام وهو غالبا في الست عشرة أول مرتبة منها والثلاث والثلاثين ~~وهي بعد مضي ست عشرة أخرى المرتبة الثانية، وقد تقدم في نظيره الآية من ~~سورة يوسف بعض أخبار أخر. # واعلم أنه قد وردت في الآية أخبار تطبقها على الحسين بن علي (عليهما ~~السلام) وولادته لستة أشهر وهي من الجري. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله قال: إني ~~لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا ~~حسنا وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: ~~أهرقلية؟ إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ~~ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال ~~لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول ms6805 ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟. قال: وسمعتها عائشة فقالت: يا مروان أنت ~~القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت والله ما فيه نزلت. نزلت في فلان بن فلان. # وفيه، أخرج ابن جرير عن ابن عباس: في الذي قال لوالديه أف لكما الآية، ~~قال: هذا ابن لأبي بكر: أقول: وروي ذلك أيضا عن قتادة والسدي، وقصة رواية ~~مروان وتكذيب عائشة له مشهورة. # قال في روح المعاني بعد رد رواية مروان: ووافق بعضهم كالسهيلي في الأعلام ~~مروان في زعم نزولها في عبد الرحمن، وعلى تسليم ذلك لا معنى للتعيير لا ~~سيما من مروان فإن الرجل أسلم وكان من أفاضل الصحابة وأبطالهم، وكان له في ~~الإسلام عناء يوم اليمامة وغيره، والإسلام يجب ما قبله فالكافر إذا أسلم لا ~~ينبغي أن يعير بما كان يقول. # انتهى. # وفيه أن الروايات لو صحت لم يكن مناص عن صريح شهادة الآية عليه بقوله: ~~"أولئك الذين حق عليهم القول - إلى قوله - إنهم كانوا خاسرين" ولم ينفع شيء ~~مما دافع عنه به. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا إلى قوله ~~واستمتعتم بها" قال: أكلتم وشربتم وركبتم، وهي في بني فلان "فاليوم تجزون ~~عذاب الهون" قال: العطش. # وفي المحاسن، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن ~~آبائه (عليهم السلام) قال: أتي يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخبيص ~~فأبى أن يأكله فقيل: أتحرمه؟ فقال: لا ولكني أكره أن تتوق إليه نفسي ثم تلا ~~الآية "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا". # وفي المجمع، في الآية وقد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال: استأذنت ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم ~~وإنه لمضطجع على حفصة وإن بعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا ~~فسلمت عليه ثم جلست فقلت: يا رسول الله أنت نبي الله وصفوته وخيرته من خلقه ~~وكسرى وقيصر على سرير الذهب وفرش الحرير والديباج! فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ms6806 أولئك قوم عجلت طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنما ~~أخرت لنا طيباتنا:. أقول: ورواه في الدر المنثور، بطرق عنه. PageV18P110 ### ||| AUTO 46 سورة الأحقاف - 21 - 28 # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن ءالهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين (22) قال إنما العلم ~~عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكنى أراش قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا ~~مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ~~أليم (24) تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم كذلك نجزى ~~القوم المجرمين (25) ولقد مكنهم فيما إن مكنكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصرا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ولا أفئدتهم من شىء إذ كانوا يجحدون ~~بئايت الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من ~~القرى وصرفنا الايت لعلهم يرجعون (27) فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا ءالهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) ### |||| AUTO بيان # لما قسم الناس على قسمين وانتهى الكلام إلى الإنذار عقب ذلك بالإشارة إلى ~~قصتين قصة قوم عاد وهلاكهم ومعها الإشارة إلى هلاك القرى التي حول مكة وقصة ~~إيمان قوم من الجن صرفهم الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فاستمعوا القرآن فآمنوا ورجعوا إلى قومهم منذرين وإنما أورد القصتين ليعتبر ~~بهما من شاء أن يعتبر منهم، وهذه الآيات المنقولة تتضمن أولى القصتين. # قوله تعالى: "واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين ~~يديه ومن خلفه" إلخ، أخو القوم هو المنسوب إليهم من جهة الأب، والمراد بأخي ~~عاد هود النبي (عليه السلام)، والأحقاف مسكن قوم عاد والمتيقن أنه في جنوب ~~جزيرة العرب ولا أثر اليوم باقيا منهم، واختلفوا أين هو؟ فقيل: واد بين ~~عمان ومهرة، وقيل رمال بين عمان إلى حضرموت، وقيل: رمال مشرفة على البحر ~~بالشحر من ms6807 أرض اليمن وقيل غير ذلك. # وقوله: "وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه" النذر جمع نذير والمراد به ~~الرسول على ما يفيده السياق، وأما تعميم بعضهم الندر للرسول ونوابهم من ~~العلماء ففي غير محله. # وفسروا "من بين يديه" بالذين كانوا قبله و"من خلفه" بالذين جاءوا بعده ~~ويمكن العكس بأن يكون المراد بالنذر بين يديه من كانوا في زمانه، ومن خلفه ~~من كان قبله، والأولى على الأول أن يكون المراد بخلو النذر من بين يديه ومن ~~خلفه أن يكون كناية عن مجيئه إليهم وإنذاره لهم على فترة من الرسل. # وقوله: "ألا تعبدوا إلا الله" تفسير للإنذار وفيه إشارة إلى أن أساس دينه ~~الذي يرجع إليه تفاصيله هو التوحيد. # وقوله: "إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم" تعليل لدعوتهم إلى التوحيد، ~~والظاهر أن المراد باليوم العظيم يوم عذاب الاستئصال لا يوم القيامة يدل ~~على ذلك ما سيأتي من قولهم: "فائتنا بما تعدنا" وقوله: "بل هو ما استعجلتم ~~به" والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا" إلخ، جواب القوم له قبال ~~إنذاره، وقوله: "لتأفكنا عن آلهتنا" بتضمين الإفك وهو الكذب والفرية معنى ~~الصرف والمعنى: قالوا أجئتنا لتصرفنا عن آلهتنا إفكا وافتراء. # وقوله: "فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين" أمر تعجيزي منهم له زعما ~~منهم أنه (عليه السلام) كاذب في دعواته آفك في إنذاره. PageV18P111 # قوله تعالى: "قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به" إلخ، جواب هود ~~عن قولهم ردا عليهم، فقوله: "إنما العلم عند الله" قصر العلم بنزول العذاب ~~فيه تعالى لأنه من الغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله جل شأنه، وهو كناية ~~عن أنه (عليه السلام) لا علم له بأنه ما هو؟ ولا كيف هو؟ ولا متى هو؟ ولذلك ~~عقبه بقوله: "وأبلغكم ما أرسلت به" أي إن الذي حملته وأرسلت به إليكم هو ~~الذي أبلغكموه ولا علم لي بالعذاب الذي أمرت بإنذاركم به ما هو؟ وكيف هو؟ ~~ومتى هو؟ ولا قدرة لي عليه. # وقوله: "ولكني أراكم قوما ms6808 تجهلون" إضراب عما يدل عليه الكلام من نفيه ~~العلم عن نفسه، والمعنى: لا علم لي بما تستعجلون به من العذاب ولكني أراكم ~~قوما تجهلون فلا تميزون ما ينفعكم مما يضركم وخيركم من شركم حين تردون دعوة ~~الله وتكذبون بآياته وتستهزءون بما يوعدكم به من العذاب. # قوله تعالى: "فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا" ~~إلخ، صفة نزول العذاب إليهم بادىء ظهوره عليهم. # والعارض هو السحاب يعرض في الأفق ثم يطبق السماء وهو صفة العذاب الذي ~~يرجع إليه ضمير "رأوه" المعلوم من السياق، وقوله: "مستقبل أوديتهم" صفة ~~أخرى له، والأودية جمع الوادي، وقوله: "قالوا هذا عارض ممطرنا" أي استبشروا ~~ظنا منهم أنه سحاب عارض ممطر لهم فقالوا: هذا الذي نشاهده سحاب عارض ممطر إيانا. # وقوله: "بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم" رد لقولهم: "هذا عارض ~~ممطرنا" بالإضراب عنه إلى بيان الحقيقة فبين أولا على طريق التهكم أنه ~~العذاب الذي استعجلتم به حين قلتم: "فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين" ~~وزاد في البيان ثانيا بقوله: "ريح فيها عذاب أليم". # والكلام من كلامه تعالى وقيل: هو كلام لهود النبي (عليه السلام). # قوله تعالى: "تدمر كل شيء بإذن ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك ~~نجزي القوم المجرمين" التدمير الإهلاك، وتعلقه بكل شيء وإن كان يفيد عموم ~~التدمير لكن السياق يخصصه بنحو الإنسان والدواب والأموال، فالمعنى: أن تلك ~~الريح ريح تهلك كل ما مرت عليه من إنسان ودواب وأموال. # وقوله: "فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم" بيان لنتيجة نزول العذاب، وقوله: ~~"كذلك نجزي القوم المجرمين" إعطاء ضابط كلي في مجازاة المجرمين بتشبيه ~~الكلي بالفرد الممثل به والتشبيه في الشدة أي إن سنتنا في جزاء المجرمين ~~على هذا النحو الذي قصصناه من الشدة فهو كقوله تعالى: "وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد": هود: 102. # قوله تعالى: "ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه" إلخ، موعظة لكفار مكة ~~مستنتجة من القصة. # والتمكين إقرار الشيء وإثباته في المكان، ms6809 وهو كناية عن إعطاء القدرة ~~والاستطاعة في التصرف و"ما" في "فيما" موصولة أو موصوفة و"إن" نافية، ~~والمعنى: ولقد جعلنا قوم هود في الذي - أو في شيء - ما مكناكم معشر كفار ~~مكة ومن يتلوكم فيه من بسطة الأجسام وقوة الأبدان والبطش الشديد والقدرة ~~القومية. # وقوله: "وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة" أي جهزناهم بما يدركون به ما ~~ينفعهم وما يضرهم وهو السمع والأبصار وما يميزون به ما ينفعهم مما يضرهم ~~فيحتالون لجلب النفع ولدفع الضر بما قدروا كما أن لكم ذلك. # وقوله: "فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله" ما في "فما أغنى" نافية لا استفهامية، و"إذ" ظرف متعلق ~~بالنفي الذي في قوله: "فما أغنى". # ومحصل المعنى: أنهم كانوا من التمكن على ما ليس لكم ذلك وكان لهم من ~~أدوات الإدراك والتمييز ما يحتال به الإنسان لدفع المكاره والاتقاء من ~~الحوادث المهلكة المبيدة لكن لم يغن عنهم ولم ينفعهم هذه المشاعر والأفئدة ~~شيئا عند ما جحدوا آيات الله فما الذي يؤمنكم من عذاب الله وأنتم جاحدون ~~لآيات الله. PageV18P112 # وقيل: معنى الآية: ولقد مكناهم في الذي أو في شيء ما مكناكم فيه من القوة ~~والاستطاعة وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ليستعملوها فيما خلقت له ~~ويسمعوا كلمة الحق ويشاهدوا آيات التوحيد ويعتبروا بالتفكر في العبر، ~~ويستدلوا بالتعقل الصحيح على المبدإ والمعاد فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء حيث لم يستعملوها فيما يوصل إلى معرفة الله ~~سبحانه، هذا ولعل الذي قدمناه من المعنى أنسب للسياق. # وقد جوزوا في مفردات الآية وجوها لم نوردها لعدم جدوى فيها. # وقد تقدم في نظائر قوله: "سمعا وأبصارا وأفئدة" أن إفراد السمع - والمراد ~~منه الجمع - لمكان مصدريته في الأصل نظير الضيف والقربان والجنب، قال ~~تعالى: "ضيف إبراهيم المكرمين": الذاريات: 24 وقال: "إذ قربا قربانا": ~~المائدة: 27، وقال: "وإن كنتم جنبا": المائدة: 6. # وقوله: "وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون" عطف على قوله: "ما أغنى عنهم" إلخ. # قوله تعالى: "ولقد أهلكنا ms6810 ما حولكم من القرى" تذكرة إنذارية متفرعة على ~~العظة التي في قوله: "ولقد مكناهم" إلخ، فهي معطوفة عليه على ما يفيده ~~السياق لا على قوله: "واذكر أخا عاد". # وقوله: "وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون" أي وصيرنا الآيات المختلفة من معجزة ~~أيدنا بها الأنبياء ووحي أنزلناه عليهم ونعم رزقناهموها ليتذكروا بها ونقم ~~ابتليناهم بها ليتوبوا وينصرفوا عن ظلمهم لعلهم يرجعون من عبادة غير الله ~~سبحانه إلى عبادته. # والضمير في "لعلهم يرجعون" راجع إلى القرى والمراد بها أهل القرى. # قوله تعالى: "فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة" إلخ، ~~ظاهر السياق أن آلهة مفعول ثان لاتخذوا ومفعوله الأول هو الضمير الراجع إلى ~~الموصول و"قربانا" بمعنى ما يتقرب به، والكلام مسوق للتهكم، والمعنى: فلو ~~لا نصرهم الذين اتخذوهم آلهة حال كونهم متقربا بهم إلى الله كما كانوا ~~يقولون: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". # وقوله: "بل ضلوا عنهم" أي ضل الآلهة عن أهل القرى وانقطعت رابطة الألوهية ~~والعبودية التي كانوا يزعمونها ويرجون بذلك أن ينصروهم عند الشدائد ~~والمكاره فالضلال عنهم كناية عن بطلان مزعمتهم. # وقوله: "وذلك إفكهم وما كانوا يفترون" مبتدأ وخبر والإشارة إلى ضلال ~~آلهتهم، والمراد بالإفك أثر الإفك أو بتقدير مضاف، و"ما" مصدرية، والمعنى: ~~وذلك الضلال أثر إفكهم وافترائهم. # ويمكن أن يكون الكلام على صورته من غير تقدير مضاف أو تجوز والإشارة إلى ~~إهلاكهم بعد تصريف الآيات وضلال آلهتهم عند ذلك، ومحصل المعنى: أن هذا الذي ~~ذكرناه من عاقبة أمرهم هو حقيقة زعمهم أن الآلهة يشفعون لهم ويقربونهم من ~~الله زعمهم الذي أفكوه وافتروه، والكلام مسوق للتهكم. PageV18P113 ### ||| AUTO 46 سورة الأحقاف - 29 - 35 # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يقومنا إنا سمعنا كتبا أنزل من ~~بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يقومنا ~~أجيبوا داعى الله وءامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ~~ومن لا يجب داعى ms6811 الله فليس بمعجز فى الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك فى ~~ضلل مبين (32) أولم يروا أن الله الذى خلق السموت والأرض ولم يعى بخلقهن ~~بقدر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شىء قدير (33) ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم ~~يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفسقون (35) ### |||| AUTO بيان # هذه هي القصة الثانية عقبت بها قصة عاد ليعتبر بها قومه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن اعتبروا، وفيه تقريع للقوم حيث كفروا به (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وبكتابه النازل على لغتهم وهم يعلمون أنها آية معجزة وهم مع ذلك ~~يماثلونه في النوعية البشرية وقد آمن الجن بالقرآن إذ استمعوا إليه ورجعوا ~~إلى قومهم منذرين. # قوله تعالى: "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن" إلى آخر الآية ~~الصرف رد الشيء من حالة إلى حالة أو من مكان إلى مكان، والنفر - على ما ~~ذكره الراغب - عدة من الرجال يمكنهم النفر وهو اسم جمع يطلق على ما فوق ~~الثلاثة من الرجال والنساء والإنسان وعلى الجن كما في الآية و"يستمعون ~~القرآن" صفة نفر، والمعنى: واذكر إذ وجهنا إليك عدة من الجن يستمعون ~~القرآن. # وقوله: "فلما حضروه قالوا أنصتوا" ضمير "حضروه" للقرآن بما يلمح إليه من ~~المعنى الحدثي والإنصات السكوت للاستماع أي فلما حضروا قراءة القرآن ~~وتلاوته قالوا أي بعضهم لبعض: اسكتوا حتى نستمع حق الاستماع. # وقوله: "فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين" ضمير "قضى" للقرآن باعتبار ~~قراءته وتلاوته، والتولية الانصراف و"منذرين" حال من ضمير الجمع في "ولوا" ~~أي فلما أتمت القراءة وفرغ منها انصرفوا إلى قومهم حال كونهم منذرين مخوفين ~~لهم من عذاب الله. # قوله تعالى: "قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه" إلخ، حكاية دعوتهم قومهم وإنذارهم لهم، والمراد بالكتاب ms6812 النازل ~~بعد موسى القرآن، وفي الكلام إشعار بل دلالة على كونهم مؤمنين بموسى (عليه ~~السلام) وكتابه، والمراد بتصديق القرآن لما بين يديه تصديقه التوراة أو ~~جميع الكتب السماوية السابقة. # وقوله: "يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم" أي يهدي من اتبعه إلى صراط الحق ~~وإلى طريق مستقيم لا يضل سالكوه عن الحق في الاعتقاد والعمل. # قوله تعالى: "يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويجركم من عذاب أليم" المراد بداعي الله هو النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة": يوسف: 108، ~~وقيل: المراد به ما سمعوه من القرآن وهو بعيد. # والظاهر أن "من" في "يغفر لكم من ذنوبكم" للتبعيض، والمراد مغفرة بعض ~~الذنوب وهي التي اكتسبوها قبل الإيمان، قال تعالى: "إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف": الأنفال: 38. # وقيل: المراد بهذا البعض حقوق الله سبحانه فإنها مغفورة بالتوبة والإيمان ~~توبة وأما حقوق الناس فإنها غير مغفورة بالتوبة، ورد بأن الإسلام يجب ما قبله. PageV18P114 # قوله تعالى: "ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه ~~أولياء" إلخ، أي ومن لم يؤمن بداعي الله فليس بمعجز لله في الأرض برد دعوته ~~وليس له من دون الله أولياء ينصرونه ويمدونه في ذلك، والمحصل: أن من لم يجب ~~داعي الله في دعوته فإنما ظلم نفسه وليس له أن يعجز الله بذلك لا مستقلا ~~ولا بنصرة من ينصره من الأولياء فليس له أولياء من دون الله، ولذلك أتم ~~الكلام بقوله: "أولئك في ضلال مبين". # قوله تعالى: "أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر" إلخ، الآية وما بعدها إلى آخر السورة متصلة بما تقدم من قوله تعالى: ~~"ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم" إلخ، وفيها تتميم القول فيما به ~~الإنذار في هذه السورة وهو المعاد والرجوع إلى الله تعالى كما أشرنا إليه ~~في البيان المتقدم. # والمراد بالرؤية العلم عن بصيرة، والعي العجز والتعب، والأول أفصح ms6813 على ما ~~قيل، والباء في "بقادر" زائدة لوقوعها موقعا فيه شائبة حيز النفي كأنه قيل: ~~أليس الله بقادر. # والمعنى: أولم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعجز عن ~~خلقهن أو لم يتعب بخلقهن قادر على إحياء الموتى - وهو تعالى مبدىء وجود كل ~~شيء وحياته - بلى هو قادر لأنه على كل شيء قدير، وقد أوضحنا هذه الحجة فيما ~~تقدم غير مرة. # قوله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق" إلى آخر ~~الآية، تأييد للحجة المذكورة في الآية السابقة بالإخبار عما سيجري على ~~منكري المعاد يوم القيامة، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" إلى ~~آخر الآية، تفريع على حقية المعاد على ما دلت عليه الحجة العقلية وأخبر به ~~الله سبحانه ونفي الريب عنه. # والمعنى: فاصبر على جحود هؤلاء الكفار وعدم إيمانهم بذاك اليوم كما صبر ~~أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم بالعذاب فإنهم سيلاقون اليوم بما فيه ~~من العذاب وليس اليوم عنهم ببعيد وإن استبعدوه. # وقوله: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار" تبيين ~~لقرب اليوم منهم ومن حياتهم الدنيا بالإخبار عن حالهم حينما يشاهدون ذلك ~~اليوم فإنهم إذا رأوا ما يوعدون من اليوم وما هيىء لهم فيه من العذاب كان ~~حالهم حال من لم يلبث في الأرض إلا ساعة من نهار. # وقوله: "بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون" أي هذا القرآن بما فيه من ~~البيان تبليغ من الله من طريق النبوة فهل يهلك بهذا الذي بلغه الله من ~~الإهلاك إلا القوم الفاسقون الخارجون عن زي العبودية. # وقد أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وفيه تلويح إلى أنه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) منهم فليصبر كصبرهم، ومعنى العزم هاهنا أما الصبر كما قال بعضهم ~~لقوله تعالى: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور": الشورى: 43، وإما ~~العزم على الوفاء ms6814 بالميثاق المأخوذ من الأنبياء كما يلوح إليه قوله: "ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما": طه: 115، وإما العزم بمعنى ~~العزيمة وهي الحكم والشريعة. # وعلى المعنى الثالث وهو الحق الذي تذكره روايات أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) هم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعليهم ولقوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13، وقد مر تقريب معنى الآية. # وعن بعض المفسرين أن جميع الرسل أولوا العزم، وقد أخذ "من الرسل" بيانا ~~لأولي العزم في قوله: "أولوا العزم من الرسل" وعن بعضهم أنهم الرسل ~~الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام الآية 83 - 90 لأنه تعالى قال بعد ~~ذكرهم: "فبهداهم اقتده". # وفيه أنه تعالى قال بعد عدهم: "ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم" ثم قال: ~~"فبهداهم اقتده" ولم يقل ذلك بعد عدهم بلا فصل. PageV18P115 # وعن بعضهم أنهم تسعة: نوح وإبراهيم والذبيح ويعقوب ويوسف وأيوب وموسى وداود ~~وعيسى، وعن بعضهم أنهم سبعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى، ~~وعن بعضهم أنهم ستة وهم الذين أمروا بالقتال: نوح وهود وصالح وموسى وداود ~~وسليمان، وذكر بعضهم أن الستة هم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب، ~~وعن بعضهم أنهم خمسة وهم: نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى، وعن بعضهم أنهم ~~أربعة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وذكر بعضهم أن الأربعة هم نوح وإبراهيم ~~وهود ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين. # وهذه الأقوال بين ما لم يستدل عليه بشيء أصلا وبين ما استدل عليه بما لا ~~دلالة فيه، ولذا أغمضنا عن نقلها، وقد تقدم في أبحاث النبوة في الجزء ~~الثاني من الكتاب بعض الكلام في أولي العزم من الرسل فراجعه إن شئت. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن" الآيات، ~~كان سبب نزول هذه الآيات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من ~~مكة إلى سوق عكاظ، ومعه ms6815 زيد بن حارثة يدعو الناس إلى الإسلام فلم يجبه أحد ~~ولم يجد أحدا يقبله ثم رجع إلى مكة. فلما بلغ موضعا يقال له: وادي مجنة ~~تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به نفر من الجن فلما سمعوا قراءة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) استمعوا له فلما سمعوا قرآنه قال بعضهم لبعض: ~~"أنصتوا" يعني اسكتوا "فلما قضى" أي فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من القرآن "ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا" إلى آخر الآيات. ~~فجاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسلموا وآمنوا وعلمهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شرائع الإسلام فأنزل الله عز وجل على ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن" ~~السورة كلها، فحكى الله قولهم وولى عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) منهم، وكانوا يعودون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل ~~وقت فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~أن يعلمهم ويفقههم فمنهم مؤمنون وكافرون وناصبون ويهود ونصارى ومجوس، وهم ~~ولد الجان. # أقول: والروايات في قصة هؤلاء النفر من الجن الذين استمعوا إلى القرآن ~~كثيرة مختلفة اختلافا شديدا، ولا سبيل إلى تصحيح متونها بالكتاب أو بقرائن ~~موثوق بها ولذا اكتفينا منها على ما تقدم من خبر القمي وسيأتي نبذ منها في ~~تفسير سورة الجن إن شاء الله تعالى. # وفيه،: سئل العالم (عليه السلام) عن مؤمني الجن أيدخلون الجنة؟ فقال: لا، ~~ولكن لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنوا الجن وفساق الشيعة. # أقول: وروي مثله في بعض الروايات الموقوفة من طرق أهل السنة، ورواية ~~القمي مرسلة كالمضمرة فإن قبلت فلتحمل على أدنى مراتب الجنة وعمومات الكتاب ~~تدل على عموم الثواب للمطيعين من الإنس والجن. # وفي الكافي، بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: سادة النبيين والمرسلين خمسة: وهم أولوا العزم من الرسل ~~وعليهم دارت ms6816 الرحى: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعلى جميع الأنبياء. # وفيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة ~~الله بن آدم، وما من نبي مضى إلا وله وصي. وكان جميع الأنبياء مائة ألف ~~وعشرين ألف نبي: منهم خمسة أولوا العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم. الحديث. # أقول: كون أولي العزم خمسة مما استفاضت عليه الروايات عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) فهو مروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الباقر ~~والصادق والرضا (عليهما السلام) بطرق كثيرة. # وعن روضة الواعظين للمفيد،: قيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كم بين ~~الدنيا والآخرة؟ قال: غمضة عين قال الله عز وجل: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون ~~- لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ" الآية. PageV18P116 ### || AUTO ### ||| AUTO 47 سورة محمد - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعملهم (1) ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا البطل وأن ~~الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثلهم (3) فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعملهم (4) سيهديهم ~~ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) ### |||| AUTO بيان # تصف السورة الذين كفروا بما يخصهم من الأوصاف الخبيثة والأعمال السيئة ~~وتصف الذين آمنوا بصفاتهم الطيبة وأعمالهم الحسنة ثم تذكر ما يعقب صفات ~~هؤلاء من النعمة والكرامة وصفات أولئك من النقمة والهوان وعلى الجملة فيها ~~المقايسة بين الفريقين في صفاتهم وأعمالهم في الدنيا وما يترتب عليها في ~~الأخرى، وفيها بعض ما يتعلق بالقتال من ms6817 الأحكام. # وهي سورة مدنية على ما يشهد به سياق آياتها. # قوله تعالى: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم" فسر الصد ~~بالإعراض عن سبيل الله وهو الإسلام كما عن بعضهم، وفسر بالمنع وهو منعهم ~~الناس أن يؤمنوا بما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوهم إليه من ~~دين التوحيد كما عن بعض آخر. # وثاني التفسيرين أوفق لسياق الآيات التالية وخاصة ما يأمر المؤمنين ~~بقتلهم وأسرهم وغيرهم. # فالمراد بالذين كفروا كفار مكة ومن تبعهم في كفرهم وقد كانوا يمنعون ~~الناس عن الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويفتنونهم، وصدوهم أيضا ~~عن المسجد الحرام. # وقوله: "أضل أعمالهم" أي جعل أعمالهم ضالة لا تهتدي إلى مقاصدها التي ~~قصدت بها وهي بالجملة إبطال الحق وإحياء الباطل فالجملة في معنى ما تكرر ~~منه تعالى من قوله: "والله لا يهدي القوم الكافرين": البقرة: 264، وقد وعد ~~سبحانه بإحياء الحق وإبطال الباطل كما في قوله: "ليحق الحق ويبطل الباطل ~~ولو كره المجرمون": الأنفال: 8. # فالمراد من ضلال أعمالهم بطلانها وفسادها دون الوصول إلى الغاية، وعد ذلك ~~ضلالا من الاستعارة بالكناية. # قوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو ~~الحق من ربهم" إلخ، ظاهر إطلاق صدر الآية أن المراد بالذين آمنوا إلخ، مطلق ~~من آمن وعمل صالحا فيكون قوله: "وآمنوا بما نزل على محمد" تقييدا احترازيا ~~لا تأكيدا وذكرا لما تعلقت به العناية في الإيمان. # وقوله: "وهو الحق من ربهم" جملة معترضة والضمير راجع إلى ما نزل. # وقوله: "كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم" قال في المجمع: البال الحال ~~والشأن والبال القلب أيضا يقال: خطر ببالي كذا، والبال لا يجمع لأنه أبهم ~~أخواته من الحال والشأن انتهى. # وقد قوبل إضلال الأعمال في الآية السابقة بتكفير السيئات وإصلاح البال في ~~هذه الآية فمعنى ذلك هداية إيمانهم وعملهم الصالح إلى غاية السعادة، وإنما ~~يتم ذلك بتكفير السيئات المانعة من الوصول إلى السعادة، ولذلك ضم تكفير ~~السيئات إلى إصلاح البال. # والمعنى: ضرب الله الستر على سيئاتهم بالعفو ms6818 والمغفرة، وأصلح حالهم في ~~الدنيا والآخرة أما الدنيا فلأن الدين الحق هو الدين الذي يوافق ما تقتضيه ~~الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، والفطرة لا تقتضي إلا ما فيه ~~سعادتها وكمالها ففي الإيمان بما أنزل الله من دين الفطرة والعمل به صلاح ~~حال المؤمنين في مجتمعهم الدنيوي، وأما في الآخرة فلأنها عاقبة الحياة ~~الدنيا وإذ كانت فاتحتها سعيدة كانت خاتمتها كذلك قال تعالى: "والعاقبة ~~للتقوى": طه: 132. PageV18P117 # قوله تعالى: "ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم" إلخ، تعليل لما في الآيتين السابقتين من إضلال أعمال الكفار ~~وإصلاح حال المؤمنين مع تكفير سيئاتهم. # وفي تقييد الحق بقوله: "من ربهم" إشارة إلى أن المنتسب إليه تعالى هو ~~الحق ولا نسبة للباطل إليه ولذلك تولى سبحانه إصلاح بال المؤمنين لما ينتسب ~~إليه طريق الحق الذي اتبعوه، وأما الكفار بأعمالهم فلا شأن له تعالى فيهم ~~وأما انتساب ضلالهم إليه في قوله: "أضل أعمالهم" فمعنى إضلال أعمالهم عدم ~~هدايته لها إلى غايات صالحة سعيدة. # وفي الآية إشارة إلى أن الملاك كل الملاك في سعادة الإنسان وشقائه اتباع ~~الحق واتباع الباطل والسبب في ذلك انتساب الحق إليه تعالى دون الباطل. # وقوله: "كذلك يضرب الله للناس أمثالهم" أي يبين لهم أوصافهم على ما هي ~~عليه، وفي الإتيان باسم الإشارة الموضوعة للبعيد تفخيم لأمر ما ضربه من المثل. # قوله تعالى: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب" إلى آخر الآية، تفريع ~~على ما تقدم في الآيات الثلاث من وصف الفريقين كأنه قيل: إذا كان المؤمنون ~~أهل الحق والله ينعم عليهم بما ينعم والكفار أهل الباطل والله يضل أعمالهم ~~فعلى المؤمنين إذا لقوا الكفار أن يقتلوهم ويأسروهم ليحيا الحق الذي عليه ~~المؤمنون وتطهر الأرض من الباطل الذي عليه الكفار. # فقوله: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب" المراد باللقاء اللقاء في ~~القتال وضرب الرقاب مفعول مطلق قائم مقام فعله العامل فيه، والتقدير: ~~فاضربوا الرقاب - أي رقابهم - ضربا وضرب الرقبة كناية عن القتل بالسيف، لأن ~~أيسر ms6819 القتل وأسرعه ضرب الرقبة به. # وقوله: "حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق" في المجمع: الإثخان إكثار القتل ~~وغلبة العدو وقهرهم ومنه أثخنه المرض اشتد عليه وأثخنه الجراح. # انتهى. # وفي المفردات: وثقت به أثق ثقة سكنت إليه واعتمدت عليه، وأوثقته شددته، ~~والوثاق - بفتح الواو - والوثاق - بكسر الواو - اسمان لما يوثق به الشيء. # انتهى. # و"حتى" غاية لضرب الرقاب، والمعنى: فاقتلوهم حتى إذا أكثرتم القتل فيهم ~~فأسروهم بشد الوثاق وإحكامه فالمراد بشد الوثاق الأسر فالآية في ترتب الأسر ~~فيها على الإثخان في معنى قوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض": الأنفال: 67. # وقوله: "فإما منا بعد وإما فداء" أي فأسروهم ويتفرع عليه أنكم إما تمنون ~~عليهم منا بعد الأسر فتطلقونهم أو تسترقونهم وإما تفدونهم فداء بالمال أو ~~بمن لكم عندهم من الأسارى. # وقوله: "حتى تضع الحرب أوزارها" أوزار الحرب أثقالها وهي الأسلحة التي ~~يحملها المحاربون والمراد به وضع المقاتلين وأهل الحرب أسلحتهم كناية عن ~~انقضاء القتال. # وقد تبين بما تقدم من المعنى ما في قول بعضهم إن هذه الآية ناسخة لقوله ~~تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض": الأنفال: 67، لأن ~~هذه السورة متأخرة نزولا عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها. # وذلك لعدم التدافع بين الآيتين فآية الأنفال تنهى عن الأسر قبل الإثخان ~~والآية المبحوث عنها تأمر بالأسر بعد الإثخان. # وكذا ما قيل: إن قوله: "فشدوا الوثاق" إلخ، منسوخ بآية السيف "فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم": التوبة: 5، وكأنه مبني على كون العام الوارد بعد ~~الخاص ناسخا له لا مخصصا به والحق خلافه وتمام البحث في الأصول، وفي الآية ~~أيضا مباحث فقهية محلها علم الفقه. # وقوله: "ذلك" أي الأمر ذلك أي إن حكم الله هو ما ذكر في الآية. # وقوله: "ولو يشاء الله لانتصر منهم" الضمير للكفار أي ولو شاء الله ~~الانتقام منهم لانتقم منهم بإهلاكهم وتعذيبهم من غير أن يأمركم بقتالهم. # وقوله: "ولكن ليبلوا بعضكم ببعض" استدراك من مشية الانتصار أي ولكن لم ~~ينتصر منهم بل ms6820 أمركم بقتالهم ليمتحن بعضكم ببعض فيمتحن المؤمنين بالكفار ~~يأمرهم بقتالهم ليظهر المطيعون من العاصين ويمتحن الكفار بالمؤمنين فيتميز ~~أهل الشقاء منهم ممن يوفق للتوبة من الباطل والرجوع إلى الحق. # وقد ظهر بذلك أن قوله: "ليبلوا بعضكم ببعض" تعليل للحكم المذكورة في ~~الآية والخطاب في "بعضكم" لمجموع المؤمنين والكفار ووجه الخطاب إلى ~~المؤمنين. PageV18P118 # وقوله: "والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم" الكلام مسوق سوق الشرط ~~والحكم عام أي ومن قتل في سبيل الله وهو الجهاد والقتال مع أعداء الدين فلن ~~يبطل أعمالهم الصالحة التي أتوا بها في سبيل الله. # وقيل: المراد بقوله: "والذين قتلوا في سبيل الله" شهداء يوم أحد، وفيه ~~أنه تخصيص من غير مخصص والسياق سياق العموم. # قوله تعالى: "سيهديهم ويصلح بالهم" الضمير للذين قتلوا في سبيل الله ~~فالآية وما يتلوها لبيان حالهم بعد الشهادة أي سيهديهم الله إلى منازل ~~السعادة والكرامة ويصلح حالهم بالمغفرة والعفو عن سيئاتهم فيصلحون لدخول الجنة. # وإذا انضمت هذه الآية إلى قوله تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم": آل عمران: 169، ظهر أن المراد بإصلاح ~~بالهم إحياؤهم حياة يصلحون بها للحضور عند ربهم بانكشاف الغطاء. # وقال في المجمع،: والوجه في تكرير قوله: "بالهم" أن المراد بالأول أنه ~~أصلح بالهم في الدين والدنيا، وبالثاني أنه يصلح حالهم في نعيم العقبى ~~فالأول سبب النعيم والثاني نفس النعيم. # انتهى. # والفرق بين ما ذكره من المعنى وما قدمناه أن قوله تعالى: "ويصلح بالهم" ~~على ما ذكرنا كالعطف التفسيري لقوله: "سيهديهم" دون ما ذكره، وقوله الآتي: ~~"ويدخلهم الجنة" على ما ذكره كالعطف التفسيري لقوله: "ويصلح بالهم" دون ما ~~ذكرناه. # قوله تعالى: "ويدخلهم الجنة عرفها لهم" غاية هدايته لهم، وقوله: "عرفها ~~لهم" حال من إدخاله إياهم الجنة أي سيدخلهم الجنة والحال أنه عرفها لهم إما ~~بالبيان الدنيوي من طريق الوحي والنبوة وإما بالبشرى عند القبض أو في القبر ~~أو في القيامة أو في جميع هذه المواقف هذا ما يفيده السياق من المعنى. ### |||| AUTO ms6821 بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي قال: سورة محمد آية فينا وآية ~~في بني أمية. أقول: وروى القمي في تفسيره، عن أبيه عن بعض أصحابنا عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام): مثله. # وفي المجمع،: في قوله: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب" إلخ:، ~~المروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام): أن الأسارى ضربان: ضرب يؤخذون قبل ~~انقضاء القتال والحرب قائمة فهؤلاء يكون الإمام مخيرا بين أن يقتلهم أو ~~يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، ولا يجوز المن ولا ~~الفداء. والضرب الآخر الذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقضى ~~القتال فالإمام مخير فيهم بين المن والفداء إما بالمال أو بالنفس وبين ~~الاسترقاق وضرب الرقاب فإذا أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك وكان حكمهم حكم ~~المسلمين. # أقول: وروي ما في معناه في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح: في قوله تعالى: "والذين ~~قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم" قال: نزل فيمن قتل من أصحاب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد. # أقول: قد عرفت أن الآية عامة، وسياق الاستقبال في قوله: سيهديهم ويصلح ~~بالهم" إلخ، إنما يلائم العموم وكون الكلام مسوقا لضرب القاعدة. # وقد روي أن قوله تعالى: "حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق" ناسخ لقوله: ~~"وما كان لنبي أن يكون له أسرى" الآية، وأيضا أن قوله: "فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم" ناسخ لقوله: "فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء" وقد عرفت ~~فيما تقدم عدم استقامة النسخ. PageV18P119 ### ||| AUTO 47 سورة محمد - 7 - 15 # يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعملهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعملهم (9) أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم دمر ~~الله عليهم وللكفرين أمثلها (10) ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن ~~الكفرين لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر ms6822 والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعم والنار ~~مثوى لهم (12) وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكنهم فلا ~~ناصر لهم (13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم (14) مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهر من ماء غير ءاسن وأنهر ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهر من خمر لذة للشربين وأنهر من عسل مصفى ولهم ~~فيها من كل الثمرت ومغفرة من ربهم كمن هو خلد فى النار وسقوا ماء حميما ~~فقطع أمعاءهم (15) ### |||| AUTO بيان # الآيات جارية على السياق السابق. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" ~~تحضيض لهم على الجهاد ووعد لهم بالنصر إن نصروا الله تعالى فالمراد بنصرهم ~~لله أن يجاهدوا في سبيل الله على أن يقاتلوا لوجه الله تأييدا لدينه وإعلاء ~~لكلمة الحق لا ليستعلوا في الأرض أو ليصيبوا غنيمة أو ليظهروا نجده وشجاعة. # والمراد بنصر الله لهم توفيقه الأسباب المقتضية لظهورهم وغلبتهم على ~~عدوهم كإلقاء الرعب في قلوب الكفار وإدارة الدوائر للمؤمنين عليهم وربط جاش ~~المؤمنين وتشجيعهم، وعلى هذا فعطف تثبيت الأقدام على النصر من عطف الخاص ~~على العام وتخصيص تثبيت الأقدام، وهو كناية عن التشجيع وتقوية القلوب، ~~لكونه من أظهر أفراد النصر. # قوله تعالى: "والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم" ذكر ما يفعل بالكفار ~~عقيب ذكر ما يفعل بالمؤمنين الناصرين لله لقياس حالهم من حالهم. # والتعس هو سقوط الإنسان على وجهه وبقاؤه عليه ويقابله الانتعاش وهو ~~القيام عن السقوط على الوجه فقوله: "تعسا لهم" أي تعسوا تعسا وهو ما يتلوه ~~دعاء عليهم نظير قوله: "قاتلهم الله أنى يؤفكون": التوبة: 30، "قتل الإنسان ~~ما أكفره": عبس: 17، ويمكن أن يكون إخبارا عن تعسهم وبطلان أثر مساعيهم على ~~نحو الكناية فإن الإنسان أعجز ما يكون إذا كان ساقطا على وجهه. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم" المراد بما ~~أنزل الله هو القرآن والشرائع والأحكام التي أنزلها الله تعالى على نبيه ~~(صلى الله ms6823 عليه وآله وسلم) وأمر بإطاعتها والانقياد لها فكرهوها واستكبروا ~~عن اتباعها. # والآية تعليل مضمون الآية السابقة والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها" التدمير الإهلاك، يقال: دمره الله أي ~~أهلكه، ويقال: دمر الله عليه أي أهلك ما يخصه من نفس وأهل ودار وعقار فدمر ~~عليه أبلغ من دمره كما قيل، وضمير "أمثالها" للعاقبة أو للعقوبة المدلول ~~عليها بسابق الكلام. # والمراد بالكافرين الكافرون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعنى: ~~وللكافرين بك يا محمد أمثال تلك العاقبة أو العقوبة وإنما أوعدوا بأمثال ~~العاقبة أو العقوبة ولا يحل بهم إلا مثل واحد لأنهم في معرض عقوبات كثيرة ~~دنيوية وأخروية وإن كان لا يحل بهم إلا بعضها، ويمكن أن يراد بالكافرين ~~مطلق الكافرين، والجملة من باب ضرب القاعدة. PageV18P120 # قوله تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم" ~~الإشارة بذلك إلى ما تقدم من نصر المؤمنين ومقت الكافرين وسوء عاقبتهم، ولا ~~يصغى إلى ما قيل: إنه إشارة إلى ثبوت عاقبة أو عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء، ~~وكذا ما قيل: إنه إشارة إلى نصر المؤمنين، وذلك لأن الآية متعرضة لحال ~~الطائفتين: المؤمنين والكفار جميعا. # والمولى كأنه مصدر ميمي أريد به المعنى الوصفي فهو بمعنى الولي ولذلك ~~يطلق على سيد العبد ومالكه لأن له ولاية التصرف في أمور عبده، ويطلق على ~~الناصر لأنه يلي التصرف في أمر منصورة بالتقوية والتأييد والله سبحانه مولى ~~لأنه المالك الذي يلي أمور خلقه في صراط التكوين ويدبرها كيف يشاء، قال ~~تعالى: "ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع": الم السجدة: 4، وقال: "وردوا إلى ~~الله مولاهم الحق": يونس: 30، وهو تعالى مولى لأنه يلي تدبير أمور عباده في ~~صراط السعادة فيهديهم إلى سعادتهم والجنة ويوفقهم للصالحات وينصرهم على ~~أعدائهم، والمولوية بهذا المعنى الثانية تختص بالمؤمنين، لأنهم هم الداخلون ~~في حظيرة العبودية المتبعون لما يريده منهم ربهم دون الكفار. # وللمؤمنين مولى وولي هو الله سبحانه كما ms6824 قال: "ذلك بأن الله مولى الذين ~~آمنوا"، وقال: "الله ولي الذين آمنوا": البقرة: 257، وأما الكفار فقد ~~اتخذوا الأصنام أو أرباب الأصنام أولياء فهم أولياؤهم على ما زعموا كما قال ~~بالبناء على مزعمتهم بنوع من التهكم: "والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت": ~~البقرة: 257، ونفي ولايتهم بالبناء على حقيقة الأمر فقال: "وأن الكافرين لا ~~مولى لهم" ثم نفى ولايتهم مطلقا تكوينا وتشريعا مطلقا فقال: "أم اتخذوا من ~~دونه أولياء فالله هو الولي": الشورى: 9، وقال: "إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم": النجم: 23. # فمعنى الآية: أن نصره تعالى للمؤمنين وتثبيته أقدامهم وخذلانه الكفار ~~وإضلاله أعمالهم وعقوبته لهم إنما ذلك بسبب أنه تعالى مولى المؤمنين ~~ووليهم، وأن الكفار لا مولى لهم فينصرهم ويهدي أعمالهم وينجيهم من عقوبته. # وقد تبين بما تقدم ضعف ما قيل: إن المولى في الآية بمعنى الناصر دون ~~المالك وإلا كان منافيا لقوله تعالى: "وردوا إلى الله مولاهم الحق": يونس: ~~30، ووجه الضعف ظاهر. # قوله تعالى: "إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم" مقايسة بين الفريقين وبيان أثر ولاية الله للمؤمنين وعدم ولايته ~~للكفار من حيث العاقبة والآخرة وهي أن المؤمنين يدخلون الجنة والكفار ~~يقيمون في النار. # وقد أشير في الكلام إلى منشأ ما ذكر من الأثر حيث وصف كلا من الفريقين ~~بما يناسب مآل حاله فأشار إلى صفة المؤمنين بقوله: "الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات" وإلى صفة الكفار بقوله: "يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام" ~~فأفاد الوصفان بما بينهما من المقابلة أن المؤمنين راشدون في حياتهم الدنيا ~~مصيبون للحق حيث آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة فسلكوا سبيل الرشد ~~وقاموا بوظيفة الإنسانية، وأما الكفار فلا عناية لهم بإصابة الحق ولا تعلق ~~لقلوبهم بوظائف الإنسانية، وإنما همهم بطنهم وفرجهم يتمتعون في حياتهم ~~الدنيا القصيرة ويأكلون كما تأكل الأنعام لا منية لهم إلا ذلك ولا غاية لهم وراءه. # فهؤلاء أي المؤمنون تحت ولاية الله حيث يسلكون مسلكا يريده منهم ربهم ~~ويهديهم إليه ولذلك ms6825 يدخلهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، وأولئك ~~أي الكفار ما لهم من ولي وإنما وكلوا إلى أنفسهم ولذلك كان مثواهم ومقامهم النار. # وإنما نسب دخول المؤمنين الجنات إلى الله نفسه دون إقامة الكفار في النار ~~قضاء لحق الولاية المذكورة فله تعالى عناية خاصة بأوليائه، وأما المنسلخون ~~من ولايته فلا يبالي في أي واد هلكوا. # قوله تعالى: "وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ~~فلا ناصر لهم" المراد بالقرية أهل القرية بدليل قوله بعد: "أهلكناهم" إلخ، ~~والقرية التي أخرجته (صلى الله عليه وآله وسلم) هي مكة. PageV18P121 # وفي الآية تقوية لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديد لأهل مكة ~~وتحقير لأمرهم إن الله أهلك قرى كثيرة كل منها أشد قوة من قريتهم ولا ناصر ~~لهم ينصرهم. # قوله تعالى: "أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم" السياق الجاري على قياس حال المؤمنين بحال الكفار يدل على أن ~~المراد بمن كان على بينة من ربه هم المؤمنون فالمراد بكونهم على بينة من ~~ربهم كونهم على دلالة بينة من ربهم توجب اليقين على ما اعتقدوا عليه وهي ~~الحجة البرهانية فهم إنما يتبعون الحجة القاطعة على ما هو الحري بالإنسان ~~الذي من شأنه أن يستعمل العقل ويتبع الحق. # وأما الذين كفروا فقد شغفهم أعمالهم السيئة التي زينها لهم الشيطان ~~وتعلقت بها أهواؤهم وعملوا السيئات، فكم بين الفريقين من فرق. # قوله تعالى: "مثل الجنة التي وعد المتقون" إلى آخر الآية يفرق بين ~~الفريقين ببيان مآل أمرهما وهو في الحقيقة توضيح ما مر في قوله: "إن الله ~~يدخل الذين آمنوا" إلخ من الفرق بينهما فهذه الآية في الحقيقة تفصيل تلك الآية. # فقوله: "مثل الجنة التي وعد المتقون" المثل بمعنى الصفة - كما قيل - أي ~~صفة الجنة التي وعد الله المتقين أن يدخلهم فيها، وربما حمل المثل على ~~معناه المعروف واستفيد منه أن الجنة أرفع وأعلى من أن يحيط بها الوصف ~~ويحدها اللفظ وإنما تقرب إلى الأذهان ms6826 نوع تقريب بأمثال مضروبة كما يلوح ~~إليه قوله تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين": السجدة: 17. # وقد بدل قوله في الآية السابقة: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" في هذه ~~الآية من قوله: "المتقون" تبديل اللازم من الملزوم فإن تقوى الله يستلزم ~~الإيمان به وعمل الصالحات من الأعمال. # وقوله: "فيها أنهار من ماء غير آسن" أي غير متغير بطول المقام، وقوله: ~~"وأنهار من لبن لم يتغير طعمه" كما في ألبان الدنيا، وقوله: "وأنهار من خمر ~~لذة للشاربين" أي لذيذة للشاربين، واللذة إما صفة مشبهة مؤنثة وصف للخمر، ~~وإما مصدر وصفت به الخمر مبالغة، وإما بتقدير مضاف أي ذات لذة، وقوله: ~~"وأنهار من عسل مصفى" أي خالص من الشمع والرغوة والقذى وسائر ما في عسل ~~الدنيا من الأذى والعيوب، وقوله: "ولهم فيها من كل الثمرات" جمع للتعميم. # وقوله: "ومغفرة من ربهم" ينمحي بها عنهم كل ذنب وسيئة فلا تتكدر عيشتهم ~~بمكدر ولا ينتغص بمنغص، وفي التعبير عنه تعالى بربهم إشارة إلى غشيان ~~الرحمة وشمول الحنان والرأفة الإلهية. # وقوله: "كمن هو خالد في النار" قياس محذوف أحد طرفيه أي أمن يدخل الجنة ~~التي هذا مثلها كمن هو خالد في النار وشرابهم الماء الشديد الحرارة الذي ~~يقطع أمعاءهم وما في جوفهم من الأحشاء إذا سقوه، وإنما يسقونه وهم مكرهون ~~كما في قوله: "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" وقيل: قوله: "كمن هو خالد" ~~إلخ، بيان لقوله في الآية السابقة: "كمن زين" إلخ، وهو كما ترى. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله": قال أبو ~~جعفر (عليه السلام): كرهوا ما أنزل الله في حق علي (عليه السلام). # وفيه،: في قوله تعالى: "كمن زين له سوء عمله" قيل: هم المنافقون: وهو ~~المروي عن أبي جعفر (عليه السلام). # أقول: ويحتمل أن تكون الروايتان من الجري. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "كمن هو خالد في النار - وسقوا ماء ~~حميما فقطع أمعاءهم" قال: ليس من هو في هذه الجنة الموصوفة ms6827 كمن هو في هذه ~~النار كما أن ليس عدو الله كوليه. PageV18P122 ### ||| AUTO 47 سورة محمد - 16 - 32 # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ما ~~ذا قال ءانفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنت والله يعلم متقلبكم ومثواش (19) ~~ويقول الذين ءامنوا لو لا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) ~~أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصرهم (23) أفلا يتدبرون القرءان أم ~~على قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبرهم من بعد ما تبين لهم ~~الهدى الشيطن سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم فى بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم ~~الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضونه فأحبط أعملهم (28) أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ~~أضغنهم (29) ولو نشاء لأرينكهم فلعرفتهم بسيمهم ولتعرفنهم فى لحن القول ~~والله يعلم أعملكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين ونبلوا ~~أخباركم (31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما ~~تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعملهم (32) ### |||| AUTO بيان # الآيات جارية على السياق السابق، وفيها تعرض لحال الذين في قلوبهم مرض ~~والمنافقين ومن ارتد بعد إيمانه. # قوله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ما ذا قال آنفا" إلخ، آنفا اسم فاعل منصوب على الظرفية أو ~~لكونه مفعولا فيه، ومعناه الساعة التي قبيل ساعتك، وقيل: معناه هذه الساعة ~~وهو ms6828 على أي حال مأخوذ من الأنف بمعنى الجارحة. # وقوله: "ومنهم من يستمع إليك" الضمير للذين كفروا، والمراد باستماعهم إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إصغاؤهم إلى ما يتلوه من القرآن وما يبين ~~لهم من أصول المعارف وشرائع الدين. # وقوله: "حتى إذا خرجوا من عندك" الضمير للموصول وجمع الضمير باعتبار ~~المعنى كما أن إفراده في "يستمع" باعتبار اللفظ. # وقوله: "قالوا للذين أوتوا العلم ما ذا قال آنفا" المراد بالذين أوتوا ~~العلم العلماء بالله من الصحابة، والضمير في "ما ذا قال" للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # والاستفهام في قولهم: "ما ذا قال آنفا" قيل: للاستعلام حقيقة لأن ~~استغراقهم في الكبر والغرور واتباع الأهواء ما كان يدعهم أن يفقهوا القول ~~الحق كما قال تعالى: "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا": النساء: ~~78، وقيل: للاستهزاء، وقيل: للتحقير كأن القول لكونه مشحونا بالأباطيل لا ~~يرجع إلى معنى محصل، ولكل من المعاني الثلاثة وجه. # وقوله: "أولئك الذين طبع الله على قلوبهم" تعريف لهم، وقوله: "واتبعوا ~~أهواءهم" تعريف بعد تعريف فهو كعطف التفسير، ويتحصل منه أن اتباع الأهواء ~~أمارة الطبع على القلب فالقلب غير المطبوع عليه الباقي على طهارة الفطرة ~~الأصلية لا يتوقف في فهم المعارف الدينية والحقائق الإلهية. PageV18P123 # قوله تعالى: "والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم" المقابلة الظاهرة بين ~~الآية وبين الآية السابقة يعطي أن المراد بالاهتداء ما يقابل الضلال ~~الملازم للطبع على القلب وهو التسليم لما تهدي إليه الفطرة السليمة واتباع ~~الحق، وزيادة هداهم من الله سبحانه رفعه تعالى درجة إيمانهم، وقد تقدم أن ~~الهدى والإيمان ذو مراتب مختلفة، والمراد بالتقوى ما يقابل اتباع الأهواء ~~وهو الورع عن محارم الله والتجنب عن ارتكاب المعاصي. # وبذلك يظهر أن زيادة الهدى راجع إلى تكميلهم في ناحية العلم وإيتاء ~~التقوى إلى تكميلهم في ناحية العمل، ويظهر أيضا بالمقابلة أن الطبع على ~~القلوب راجع إلى فقدانهم كمال العلم واتباع الأهواء راجع إلى فقدانهم العمل ~~الصالح وحرمانهم منه وهذا لا ينافي ما قدمنا أن اتباع الأهواء كعطف التفسير ms6829 ~~بالنسبة إلى الطبع على القلوب. # قوله تعالى: "فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها" ~~إلخ، النظر هو الانتظار، والأشراط جمع شرط بمعنى العلامة، والأصل في معناه ~~الشرط بمعنى ما يتوقف عليه وجود الشيء لأن تحققه علامة تحقق الشيء فأشراط ~~الساعة علاماتها الدالة عليها. # وسياق الآية سياق التهكم كأنهم واقفون موقفا عليهم إما أن يتبعوا الحق ~~فتسعد بذلك عاقبتهم، وإما أن ينتظروا الساعة حتى إذا أيقنوا بوقوعها ~~وأشرفوا عليها تذكروا وآمنوا واتبعوا الحق أما اتباع الحق اليوم فلم يخضعوا ~~له بحجة أو بموعظة أو عبرة، وأما انتظارهم مجيء الساعة ليتذكروا عنده فلا ~~ينفعهم شيئا فإنها تجيء بغتة ولا تمهلهم شيئا حتى يستعدوا لها بالذكرى وإذا ~~وقعت لم ينفعهم الذكرى لأن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل قال تعالى: "يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي": الفجر: 24. # مضافا إلى أن أشراطها وعلاماتها قد جاءت وتحققت، ولعل المراد بأشراطها ~~خلق الإنسان وانقسام نوعه إلى صلحاء ومفسدين ومتقين وفجار المستدعي للحكم ~~الفصل بينهم ونزول الموت عليهم فإن ذلك كله من شرائط وقوع الواقعة وإتيان ~~الساعة، وقيل: المراد بأشراط الساعة ظهور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وهو خاتم الأنبياء وانشقاق القمر ونزول القرآن وهو آخر الكتب السماوية. # هذا ما يعطيه التدبر في الآية من المعنى وهي - كما ترى - حجة برهانية في ~~عين أنها مسوقة سوق التهكم. # وعليه فقوله: "بغتة" حال من الإتيان جيء به لبيان الواقع وليتفرع عليه ~~قوله الآتي: "فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم" وليس قيدا للانتظار حتى يفيد ~~أنهم إنما ينتظرون إتيانها بغتة، ولدفع هذا التوهم قيل: "إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة" ولم يقل: إلا أن تأتيهم الساعة بغتة. # وقوله: "فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم" أنى خبر مقدم و"ذكراهم" مبتدأ مؤخر ~~و"إذا جاءتهم" معترضة بينهما، والمعنى: فكيف يكون لهم أن يتذكروا إذا ~~جاءتهم؟ أي كيف ينتفعون بالذكرى في يوم لا ينفع العمل الذي يعمل فيه وإنما ~~هو يوم الجزاء. # وللقوم في معنى جمل الآية ومعناها ms6830 بالجملة أقوال مختلفة تركنا إيرادها من ~~أرادها فليراجع كتبهم المفصلة. # قوله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات" إلخ، قيل: هو متفرع على جميع ما تقدم في السورة من سعادة ~~المؤمنين وشقاوة الكفار كأنه قيل: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة ~~هؤلاء وشقاوة أولئك فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله سبحانه ~~فمعنى الأمر بالعلم على هذا هو الأمر بالثبات على العلم. # ويمكن أن يكون تفريعا على ما بينه في الآيتين السابقتين أعني قوله: ~~"ومنهم من يستمع إليك - إلى قوله - وآتاهم تقواهم" من أنه تعالى يطبع على ~~قلوب المشركين ويتركهم وذنوبهم ويعكس الأمر في الذين اهتدوا إلى توحيده ~~والإيمان به فكأنه قيل: إذا كان الأمر على ذلك فاستمسك بعلمك بوحدانية ~~الإله واطلب مغفرة ذنبك ومغفرة أمتك من المؤمنين بك والمؤمنات حتى لا تكون ~~ممن يطبع الله على قلبه ويحرمه التقوى بتركه وذنوبه، ويؤيد هذا الوجه قوله ~~في ذيل الآية: "والله يعلم متقلبكم ومثواكم". PageV18P124 # فقوله: "فاعلم أنه لا إله إلا الله" معناه على ما يؤيده السياق فاستمسك ~~بعلمك أنه لا إله إلا الله، وقوله: "واستغفر لذنبك" تقدم الكلام في معنى ~~الذنب المنسوب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيأتي أيضا في تفسير أول ~~سورة الفتح إن شاء الله تعالى. # وقوله: "وللمؤمنين والمؤمنات" أمر بطلب المغفرة للأمة من المؤمنين ~~والمؤمنات وحاشا أن يأمر تعالى بالاستغفار ولا يواجهه بالمغفرة أو بالدعاء ~~ولا يقابله بالاستجابة. # وقوله: "والله يعلم متقلبكم ومثواكم" تعليل لما في صدر الآية: "فاعلم ~~أنه" إلخ، والظاهر أن المتقلب مصدر ميمي بمعنى الانتقال من حال إلى حال، ~~وكذلك المثوى بمعنى الاستقرار والسكون، والمراد أنه تعالى يعلم كل أحوالكم ~~من متغير وثابت وحركة وسكون فاثبتوا على توحيده واطلبوا مغفرته، واحذروا أن ~~يطبع على قلوبكم ويترككم وأهواءكم. # وقيل: المراد بالمتقلب والمثوى التصرف في الحياة الدنيا والاستقرار في ~~الآخرة وقيل: المتقلب هو التقلب من الأصلاب إلى الأرحام والمثوى السكون في الأرض. # وقيل: المتقلب التصرف في اليقظة والمثوى ms6831 المنام، وقيل: المتقلب التصرف في ~~المعايش والمكاسب والمثوى الاستقرار في المنازل، وما قدمناه أظهر وأعم. # قوله تعالى: "ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة" إلى آخر الآية، لو لا ~~تحضيضية أي هلا أنزلت سورة يظهرون بها الرغبة في نزول سورة جديدة تأتيهم ~~بتكاليف جديدة يمتثلونها، والمراد بالسورة المحكمة المبينة التي لا تشابه ~~فيها، والمراد بذكر القتال الأمر به. # والمراد بالذين في قلوبهم مرض، الضعفاء الإيمان من المؤمنين دون ~~المنافقين فإن الآية صريحة في أن الذين أظهروا الرغبة في نزولها هم الذين ~~آمنوا، ولا يعم الذين آمنوا للمنافقين إلا على طريق المساهلة غير اللائقة ~~بكلام الله تعالى فالآية كقوله تعالى في فريق من المؤمنين: "ألم تر إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية": النساء: 77. # والمغشي عليه من الموت هو المحتضر، يقال: غشيه غشاوة إذا ستره وغطاه وغشي ~~على فلان - بالبناء - للمفعول - إذا نابه ما غشي فهمه، ونظر المغشي عليه من ~~الموت إشخاصه ببصره إليك من غير أن يطرف. # وقوله: "فأولى لهم" لعله خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: أولى لهم ذلك أي ~~حري بهم أن ينظروا كذلك أي أن يحتضروا فيموتوا، وعن الأصمعي أن قولهم: ~~"أولى لك" كلمة تهديد معناه وليك وقارنك ما تكره، والآية نظيرة قوله تعالى: ~~"أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى": القيامة: 35. # ومعنى الآية: ويقول الذين آمنوا هلا أنزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة لا ~~تشابه فيها وأمروا فيها بالقتال والجهاد رأيت الضعفاء الإيمان منهم ينظرون ~~إليك من شدة الخشية نظر المحتضر فأولى لهم ذلك. # قوله تعالى: "طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم" عزم الأمر أي جد وتنجز. # وقوله: "طاعة وقول معروف" كأنه خبر لمبتدإ محذوف والتقدير أمرنا - أو ~~أمرهم وشأنهم - أي إيمانهم بنا طاعة واثقونا عليها وقول معروف غير منكر ~~قالوا لنا وهو إظهار السمع والطاعة كما يحكيه تعالى عنهم بقوله: "آمن ~~الرسول بما أنزل ms6832 إليه من ربه والمؤمنون - إلى أن قال - وقالوا سمعنا ~~وأطعنا": البقرة: 285. # وعلى هذا يتصل قوله بعده: "فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم" ~~بما قبله اتصالا بينا، والمعنى: أن الأمر هو ما واثقوا الله عليه من قولهم: ~~سمعنا وأطعنا فلو أنهم حين عزم الأمر صدقوا الله فيما قالوا وأطاعوه فيما ~~يأمر به ومنه أمر القتال لكان خيرا لهم. # ويحتمل أن يكون قوله: "طاعة" إلخ، خبرا لضمير عائد إلى القتال المذكور ~~والتقدير القتال المذكور في السورة طاعة منهم وقول معروف فلو أنهم حين عزم ~~الأمر صدقوا الله في إيمانهم وأطاعوه به لكان خيرا لهم. # أما كونه طاعة منهم فظاهر، وأما كونه قولا معروفا فلأن إيجاب القتال ~~والأمر بالدفاع عن المجتمع الصالح لإبطال كيد أعدائه قول معروف يعرفه العقل ~~والعقلاء. PageV18P125 # وقيل: إن قوله: "طاعة" إلخ، مبتدأ الخبر والتقدير طاعة وقول معروف خير لهم ~~وأمثل، وقيل: مبتدأ خبره "فأولى لهم" في الآية السابقة فالآية من تمام ~~الآية السابقة، وهو قول ردي، وأردأ منه ما قيل: إن "طاعة" إلخ، صفة لسورة ~~في قوله: "فإذا أنزلت سورة" وقيل غير ذلك. # قوله تعالى: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم" ~~الخطاب للذين في قلوبهم مرض المتثاقلين في أمر الجهاد في سبيل الله، وقد ~~التفت إليهم بالخطاب لزيادة التوبيخ والتقريع، والاستفهام للتقرير، والتولي ~~الإعراض والمراد به الإعراض عن كتاب الله والعمل بما فيه والعود إلى الشرك ~~ورفض الدين. # والمعنى: فهل يتوقع منكم أن أعرضتم عن كتاب الله والعمل بما فيه ومنه ~~الجهاد في سبيل الله أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم بسفك الدماء ونهب ~~الأموال وهتك الأعراض تكالبا على جيفة الدنيا أي إن توليتم كان المتوقع ~~منكم ذلك. # وقد ظهر بذلك أن الآية في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة: "لكان ~~خيرا لهم" ولذا صدر بالفاء. # وقيل: المراد بالتولي التصدي للحكم والولاية، والمعنى: هل يتوقع منكم إن ~~جعلتم ولاة أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم بسفك الدماء الحرام وأخذ ~~الرشاء والجور في ms6833 الحكم هذا، وهو معنى بعيد عن السياق. # قوله تعالى: "أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم" الإشارة إلى ~~المفسدين في الأرض المقطعين للأرحام وقد وصفهم الله بأنه لعنهم فأصمهم ~~وأذهب بسمعهم فلا يسمعون القول الحق وأعمى أبصارهم فلا يرون الرأي الحق ~~فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور. # قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" الاستفهام ~~للتوبيخ وضمير الجمع راجع إلى المذكورين في الآية السابقة، وتنكير "قلوب" ~~كما قيل للدلالة على أن المراد قلوب هؤلاء وأمثالهم. # قال في مجمع البيان،: وفي هذا دلالة على بطلان قول من قال: لا يجوز تفسير ~~شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع. # انتهى. # قوله تعالى: "إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم" الارتداد على الأدبار الرجوع إلى الاستدبار بعد ~~الاستقبال وهو استعارة أريد بها الترك بعد الأخذ، والتسويل تزيين ما تحرض ~~النفس عليه وتصوير القبيح لها في صورة الحسن، والمراد بالإملاء الأمداد أو ~~تطويل الآمال. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض ~~الأمر والله يعلم أسرارهم" الإشارة بذلك إلى تسويل الشيطان وإملائه ~~وبالجملة تسلطه عليهم، والمراد "بالذين كرهوا ما نزل الله" هم الذين كفروا ~~كما تقدم في قوله: "والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ~~ما أنزل الله": الآية: 9 من السورة. # وقوله: "سنطيعكم في بعض الأمر" مقول قولهم ووعد منهم للكفار بالطاعة وهو ~~كما يلوح من تقييد الطاعة ببعض الأمر على نحو الإجمال كلام من لا يقدر على ~~التظاهر بطاعة من يريد طاعته في جميع الأمور لكونه على خطر من التظاهر ~~بالطاعة المطلقة فيسر إلى من يعده أنه سيطيعه في بعض الأمر وفيما تيسر له ~~ذلك ثم يكتم ذلك ويقعد متربصا للدوائر. # ويستفاد من ذلك أن هؤلاء كانوا قوما من المنافقين أسروا إلى الكفار ما ~~حكاه تعالى عنهم ووعدهم الطاعة لهم مهما تيسر لهم ذلك، ويؤيد ذلك قوله ~~تعالى بعد: "والله ms6834 يعلم أسرارهم". # واختلفوا في هؤلاء من هم؟ فقيل: هم اليهود قالوا للمنافقين: إن أعلنتم ~~الكفر نصرناكم، وقيل: هم اليهود أو اليهود والمنافقون قالوا ذلك للمشركين. # ويرد على الوجهين جميعا أن موضوع الكلام في الآية المرتدون بعد إيمانهم ~~واليهود لم يؤمنوا حتى يرتدوا. # وقيل: هم المنافقون وعدوا اليهود النصر كما قال تعالى: "ألم تر إلى الذين ~~نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ~~ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم": الحشر: 11. # وفيه أن الآية تقبل الانطباق على ذلك كما تقبل الانطباق على اليهود في ~~وعدهم النصر للمشركين على تكلف في صدق الارتداد على كفرهم برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بعد تبين رسالته لهم لكن لا دليل من طريق لفظ الآية ~~على ذلك فلعلهم قوم من المنافقين غيرهم. PageV18P126 # قوله تعالى: "فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" متفرع على ~~ما قبله، والمعنى: هذا حالهم اليوم يرتدون بعد تبين الهدى لهم فيفعلون ما ~~يشاءون فكيف حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم" الظاهر أن المراد بما أسخط الله أهواء النفس وتسويلات الشيطان ~~المستتبعة للمعاصي والذنوب الموبقة كما قال تعالى: "واتبعوا أهواءهم"، ~~وقال: "الشيطان سول لهم وأملى لهم". # والسخط والرضا من صفاته تعالى الفعلية والمراد بهما العقاب والثواب. # والإشارة في قوله: "ذلك" إلى ما ذكر في الآية السابقة من عذاب الملائكة ~~لهم عند توفيهم أي سبب عقابهم أن أعمالهم حابطة لاتباعهم ما أسخط الله ~~وكراهتهم رضوانه، وإذ لا عمل لهم صالحا يشقون بالعذاب. # قوله تعالى: "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم" قال ~~الراغب: الضغن - بكسر الضاد - والضغن - بضمها - الحقد الشديد وجمعه أضغان انتهى. # والمراد بالذين في قلوبهم مرض الضعفاء الإيمان ولعلهم الذين آمنوا أولا ~~على ضعف في إيمانهم ثم مالوا إلى النفاق وارتدوا بعد الإيمان، فالتدبر ~~الدقيق في تاريخ صدر الإسلام يوضح أن قوما ممن آمن بالنبي (صلى ms6835 الله عليه ~~وآله وسلم) كانوا على هذه الصفة كما أن قوما منهم آخرين كانوا منافقين من ~~أول يوم آمنوا إلى آخر عمرهم، وعلى هذا فعدهم من المؤمنين فيما تقدم ~~بملاحظة بادىء أمرهم. # والمعنى: بل ظن هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ولن ~~يظهر أحقادهم للدين وأهله. # قوله تعالى: "ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن ~~القول والله يعلم أعمالكم" السيماء العلامة، والمعنى: ولو نشاء لأريناك ~~أولئك المرضى القلوب فلعرفتهم بعلامتهم التي أعلمناهم بها. # وقوله: "ولتعرفنهم في لحن القول" قال الراغب: اللحن صرف الكلام عن سننه ~~الجاري عليه: إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم، وذلك أكثر ~~استعمالا، وأما بإزالته عن التصريح وصرفه إلى تعريض وفحوى، وهو محمود عند ~~أكثر الأدباء من حيث البلاغة. # انتهى. # فالمعنى: ولتعرفنهم من جنس قولهم بما يشتمل عليه من الكناية والتعريض، ~~وفي جعل لحن القول ظرفا للمعرفة نوع من العناية المجازية. # وقوله: "والله يعلم أعمالكم" أي يعلم حقائقها وأنها من أي القصود والنيات ~~صدرت فيجازي المؤمنين بصالح أعمالهم وغيرهم بغيرها، ففيه وعد للمؤمنين ~~ووعيد لغيرهم. # قوله تعالى: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا ~~أخباركم" البلاء والابتلاء الامتحان والاختبار، والآية بيان علة كتابة ~~القتال على المؤمنين، وهو الاختبار الإلهي ليمتاز به المجاهدون في سبيل ~~الله الصابرون على مشاق التكاليف الإلهية. # وقوله: "ونبلوا أخباركم" كان المراد بالأخبار الأعمال من حيث إنها تصدر ~~عن العاملين فيكون إخبارا لهم يخبر بها عنهم، واختبار الأعمال يمتاز به ~~صالحها من طالحها كما أن اختبار النفوس يمتاز به النفوس الصالحة الخيرة وقد ~~تقدم فيما تقدم أن المراد بالعلم الحاصل له تعالى من امتحان عباده هو ظهور ~~حال العباد بذلك، وبنظر أدق هو علم فعلي له تعالى خارج عن الذات. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما ~~تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم" المراد بهؤلاء رؤساء ~~الضلال من كفار مكة ومن يلحق بهم لأنهم الذين صدوا عن سبيل ms6836 الله وشاقوا ~~الرسول وعادوه أشد المعاداة بعد ما تبين لهم الهدى. # وقوله: "لن يضروا الله شيئا" لأن كيد الإنسان ومكره لا يرجع إلا إلى نفسه ~~ولا يضر إلا إياه وقوله: "وسيحبط أعمالهم" أي مساعيهم لهدم أساس الدين وما ~~عملوه لإطفاء نور الله، وقيل: المراد إحباط أعمالهم وإبطالها فلا يثابون في ~~الآخرة على شيء من أعمالهم، والمعنى الأول أنسب للسياق لأن فيه تحريض ~~المؤمنين وتشجيعهم على قتال المشركين وتطييب نفوسهم أنهم هم الغالبون كما ~~تفيده الآيات التالية. PageV18P127 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك" إلخ:، عن الأصبغ بن ~~نباتة عن علي (عليه السلام) قال: إنا كنا عند رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيخبرنا بالوحي فأعيه أنا ومن يعيه فإذا خرجنا قالوا: ما ذا قال آنفا. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار ~~بالسبابة والوسطى:. أقول: وروي هذا اللفظ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بطرق أخرى عن أبي هريرة وسهل بن مسعود. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن مردويه عن أبي ~~هريرة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما بارزا للناس ~~فأتاه رجل فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من ~~السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، ~~وإذا كانت الحفاة العراة رعاء الشاء رءوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا ~~تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها. # وفي العلل، بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في حديث طويل يقول فيه لعبد الله بن سلام وقد سأله عن مسائل: أما أشراط ~~الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. # أقول: ولعل المراد به غير ظاهرة، والأخبار في أشراط الساعة من طرق الشيعة ~~وأهل السنة فوق حد الإحصاء، وقد مرت في آخر الجزء الخامس من الكتاب ms6837 رواية ~~سلمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورواية حمران عن الصادق (عليه ~~السلام) وهما روايتان جامعتان في الباب. # وفي المجمع، قد صح الحديث بالإسناد عن حذيفة بن اليمان قال: كنت رجلا ذرب ~~اللسان على أهلي فقلت: يا رسول الله إني لأخشى أن يدخلني لساني النار فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فأين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر ~~الله في اليوم مائة مرة. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي ~~وابن حبان وابن مردويه عن الأغر المزني قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة. # وفيه،: في قوله تعالى: "فهل عسيتم إن توليتم" الآية: أخرج البيهقي عن ~~جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الرحم ~~معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني. # أقول: والروايات فيها وفي صلتها وقطعها كثيرة، وقد مر شطر منها في تفسير ~~أول سورة النساء. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن" الآية أفلا يتدبرون ~~القرآن فيقضوا ما عليهم من الحق: عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه ~~السلام). # وفي التوحيد، بإسناده إلى محمد بن عمارة قال: سألت الصادق جعفر بن محمد ~~(عليهما السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله أخبرني عن الله عز وجل هل له ~~رضى وسخط؟ قال: نعم وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين ولكن غضب الله عقابه ~~ورضاه ثوابه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ولتعرفنهم في لحن القول" الآية:، عن أبي ~~سعيد الخدري قال: لحن القول بغضهم علي بن أبي طالب. قال: كنا نعرف ~~المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ببغضهم علي بن أبي ~~طالب.: قال في المجمع،: وروي مثل ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري. # وقال: وعن عبادة بن الصامت قال: كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي طالب ~~فإذا رأينا أحدهم ms6838 لا يحبه علمنا أنه لغير رشدة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كنا نعرف ~~المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ببغض علي بن ~~أبي طالب. # وفي أمالي الطوسي، بإسناده إلى علي (عليه السلام) أنه قال: قلت أربعا ~~أنزل الله تعالى تصديقي بها في كتابه، قلت: المرء مخبوء تحت لسانه فإذا ~~تكلم ظهر، فأنزل الله: "ولتعرفنهم في لحن القول". PageV18P128 ### ||| AUTO 47 سورة محمد - 33 - 38 # يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعملكم (33) ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعملكم (35) إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~ولا يسئلكم أمولكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغنكم (37) ~~هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل ~~عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثلكم (38) ### |||| AUTO بيان # لما وصف حال الكفار وأضاف إليه وصف حال الذين في قلوبهم مرض وتثاقلهم في ~~أمر القتال وحال من ارتد منهم بعد، رجع يحذر المؤمنين أن يكونوا أمثالهم ~~فيفاوضوا المشركين ويميلوا إليهم فيتبعوا ما أسخط الله ويكرهوا رضوانه ~~فيبطل أعمالهم بالحبط، وفي الآيات موعظة لهم بالترغيب والترهيب والتطميع ~~والتخويف، وبذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم" الآية وإن كانت في نفسها مستقلة في مدلولها مطلقة في معناها حتى ~~استدل الفقهاء بقوله فيها: "ولا تبطلوا أعمالكم" على حرمة إبطال الصلاة بعد ~~الشروع فيها لكنها من حيث وقوعها في سياق الآيات السابقة المتعرضة لأمر ~~القتال، وكذا الآيات اللاحقة الجارية على السياق وخاصة ما في ظاهر قوله: ~~"إن الذين كفروا" إلخ، من التعليل وما في قوله: "فلا تهنوا وتدعوا إلى ~~السلم" إلخ، من التفريع، وبالجملة الآية بالنظر إلى سياقها تدل على إيجاب ~~طاعة الله ms6839 سبحانه فيما أنزل من الكتاب وشرع من الحكم وإيجاب طاعة الرسول ~~فيما بلغ عن الله سبحانه، وفيما يصدر من الأمر من حيث ولايته على المؤمنين ~~في المجتمع الديني، وعلى تحذير المؤمنين من إبطال أعمالهم بفعل ما يوجب حبط ~~أعمالهم كما ابتلي به أولئك الضعفاء الإيمان المائلون إلى النفاق الذين ~~انجر أمر بعضهم أن ارتدوا بعد ما تبين لهم الهدى. # فالمراد بحسب المورد من طاعة الله طاعته فيما شرع وأنزل من حكم القتال، ~~ومن طاعة الرسول طاعته فيما بلغ منه وفيما أمر به منه ومن مقدماته بما له ~~من الولاية فيه وبإبطال الأعمال التخلف عن حكم القتال كما تخلف المنافقون ~~وأهل الردة. # وقيل: المراد بإبطال الأعمال إحباطها بمنهم على الله ورسوله بإيمانهم كما ~~في قوله تعالى: "يمنون عليك أن أسلموا"، وقيل:. # إبطالها بالرياء والسمعة، وقيل: بالعجب، وقيل: بالكفر والنفاق، وقيل: ~~المراد إبطال الصدقات بالمن والأذى كما قال: "لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى": البقرة: 264، وقيل: إبطالها بالمعاصي، وقيل: بخصوص الكبائر. # ويرد على هذه الأقوال جميعا أن كل واحد منها على تقدير صحته وتسليمه ~~مصداق من مصاديق الآية مع الغض من وقوعها في السياق الذي تقدمت الإشارة ~~إليه، وأما من حيث وقوعها في السياق فلا تشمل إلا القتال كما مر. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم" ظاهر السياق أنه تعليل لمضمون الآية السابقة فيفيد أنكم لو ~~لم تطيعوا الله ورسوله وأبطلتم أعمالكم باتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه ~~أداكم ذلك إلى اللحوق بأهل الكفر والصد ولا مغفرة لهم بعد موتهم كذلك أبدا. # والمراد بالصد عن سبيل الله الإعراض عن الإيمان أو منع الناس أن يؤمنوا. PageV18P129 # قوله تعالى: "فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن ~~يتركم أعمالكم" تفريع على ما تقدم، وقوله: "فلا تهنوا" من الوهن بمعنى ~~الضعف والفتور، وقوله: "وتدعوا إلى السلم" معطوف على "تهنوا" واقع في حيز ~~النهي أي ولا تدعوا إلى السلم، والسلم - بفتح السين - الصلح، وقوله: ms6840 "وأنتم ~~الأعلون" جملة حالية أي لا تفعلوا الصلح، وقوله: "وأنتم الأعلون" جملة ~~حالية أي لا تفعلوا ذلك والحال أنكم الغالبون، والمراد بالعلو الغلبة وهي ~~استعارة مشهورة. # وقوله: "والله معكم" معطوف على "وأنتم الأعلون" يبين سبب علوهم ويعلله ~~فالمراد بمعيته تعالى لهم معية النصر دون المعية القيومية التي يشير إليها ~~قوله تعالى: "وهو معكم أينما كنتم": الحديد: 4. # وقوله: "ولن يتركم أعمالكم" قال في المجمع: يقال: وتره يتره وترا إذا ~~نقصه ومنه الحديث فكأنه وتر أهله وماله، وأصله القطع ومنه الترة القطع ~~بالقتل ومنه الوتر المنقطع بانفراده عن غيره. # انتهى. # فالمعنى: لن ينقصكم أعمالكم أي يوفي أجرها تاما كاملا، وقيل: المعنى: لن ~~يضيع أعمالكم، وقيل: لن يظلمكم، والمعاني متقاربة. # ومعنى الآية: إذا كانت سبيل عدم طاعة الله ورسوله وإبطال أعمالكم هذه ~~السبيل وكان مؤديا إلى الحرمان من مغفرة الله أبدا فلا تضعفوا ولا تفتروا ~~في أمر القتال ولا تدعوا المشركين إلى الصلح وترك القتال والحال أنكم أنتم ~~الغالبون والله ناصركم عليهم ولن ينقصكم شيئا من أجوركم بل يوفيكموها تامة كاملة. # وفي الآية وعد المؤمنين بالغلبة والظفر إن أطاعوا الله ورسوله فهي كقوله: ~~"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 139. # قوله تعالى: "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم ~~أجوركم ولا يسألكم أموالكم" ترغيب لهم في الآخرة وتزهيد لهم عن الدنيا ~~ببيان حقيقتها وهي أنها لعب ولهو - وقد مر معنى كونها لعبا ولهوا -. # وقوله: "وإن تؤمنوا" إلخ، أي أن تؤمنوا وتتقوا بطاعته وطاعة رسوله يؤتكم ~~أجوركم ولا يسألكم أموالكم بإزاء ما أعطاكم وظاهر السياق أن المراد ~~بالأموال جميع أموالهم ويؤيده أيضا الآية التالية. # قوله تعالى: "إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم" الإحفاء الإجهاد ~~وتحميل المشقة، والمراد بالبخل - كما قيل - الكف عن الإعطاء، والأضغان ~~الأحقاد. # والمعنى: أن يسألكم جميع أموالكم فيجهدكم بطلب كلها كففتم عن الإعطاء ~~لحبكم لها ويخرج أحقاد قلوبكم فضللتم. # قوله تعالى: "ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل" ~~إلى آخر الآية ms6841 بمنزلة الاستشهاد في بيان الآية السابقة كأنه قيل: إنه إن ~~يسأل الجميع فيحفكم تبخلوا ويشهد بذلك أنكم أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في ~~سبيل الله - وهو بعض أموالكم - فبعضكم يبخل فيظهر به أنه لو سأل الجميع ~~جميعكم بخلتم. # وقوله: "ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه" أي يمنع الخير عن نفسه فإن الله لا ~~يسأل ما لهم لينتفع هو به بل لينتفع به المنفقون فيما فيه خير دنياهم ~~وآخرتهم فامتناعهم عن إنفاقه امتناع منهم عن خير أنفسهم، وإليه يشير قوله ~~بعده: "والله الغني وأنتم الفقراء" والقصران للقلب أي الله هو الغني دونكم ~~وأنتم الفقراء دون الله. # وقوله: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" قيل: عطف ~~على قوله: "وإن تؤمنوا وتتقوا" والمعنى: إن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم وإن ~~تتلوا وتعرضوا يستبدل قوما غيركم بأن يوفقهم للإيمان دونكم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم بل يؤمنون ويتقون وينفقون في سبيل الله. ### |||| AUTO بحث روائي # في ثواب الأعمال، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): من قال: سبحان الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ~~ومن قال: الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: لا إله إلا ~~الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: الله أكبر غرس الله له بها ~~شجرة في الجنة. فقال رجل من قريش: يا رسول الله إن شجرنا في الجنة لكثير. ~~قال: نعم ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نارا فتحرقوها، وذلك أن الله عز وجل ~~يقول: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله - وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم". PageV18P130 # وفي تفسير القمي،: "وإن جنحوا للسلم كافة فاجنح لها" قال: هي منسوخة بقوله: ~~"فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم - وأنتم الأعلون والله معكم". # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن ~~أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: تلا ~~رسول الله هذه الآية: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم - ثم ms6842 لا يكونوا ~~أمثالكم" فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا؟ ~~فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على منكب سلمان ثم قال: هذا ~~وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس. # أقول: وروي بطرق أخر عن أبي هريرة: مثله. وكذا عن ابن مردويه عن جابر: مثله. # وفي المجمع، وروى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "إن تتولوا" ~~يا معشر العرب "يستبدل قوما غيركم" يعني الموالي. # وفيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قد والله أبدل خيرا منهم ~~الموالي. PageV18P131 ### || AUTO ### ||| AUTO 48 سورة الفتح - 1 - 7 # بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صرطا مستقيما (2) وينصرك ~~الله نصرا عزيزا (3) هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمنا ~~مع إيمنهم ولله جنود السموت والأرض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم ~~وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنفقين والمنفقت والمشركين ~~والمشركت الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم ~~وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السموت والأرض وكان الله عزيزا ~~حكيما (7) ### |||| AUTO بيان # مضامين آيات السورة بفصولها المختلفة ظاهرة الانطباق على قصة صلح ~~الحديبية الواقعة في السنة السادسة من الهجرة وما وقع حولها من الوقائع ~~كقصة تخلف الأعراب وصد المشركين، وبيعة الشجرة على ما تفصله الآثار وسيجيء ~~شطر منها في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # فغرض السورة بيان ما امتن الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بما رزقه من الفتح المبين في هذه السفرة، وعلى المؤمنين ممن معه، ~~ومدحهم البالغ، والوعد الجميل للذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات، والسورة مدنية. # قوله تعالى: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" كلام واقع موقع الامتنان، وتأكيد ~~الجملة بإن ونسبة الفتح إلى نون العظمة وتوصيفه بالمبين كل ذلك للاعتناء ms6843 ~~بشأن الفتح الذي يمتن به. # والمراد بهذا الفتح على ما تؤيده قرائن الكلام هو ما رزق الله نبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من الفتح في صلح الحديبية. # وذلك أن ما سيأتي في آيات السورة من الامتنان على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والمؤمنين، ومدحهم والرضا عن بيعتهم ووعدهم الجميل في الدنيا ~~بمغانم عاجلة وآجلة وفي الآخرة بالجنة وذم المخلفين من الأعراب إذ استنفرهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يخرجوا معه، وذم المشركين في صدهم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه، وذم المنافقين، وتصديقه تعالى ~~رؤيا نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوله: "فعلم ما لم تعلموا وجعل من ~~دون ذلك فتحا قريبا" - وكاد يكون صريحا - كل ذلك معان مرتبطة بخروجه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إلى مكة للحج وانتهاء ذلك إلى صلح الحديبية. # وأما كون هذا الصلح فتحا مبينا رزقه الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فظاهر بالتدبر في لحن آيات السورة في هذه القصة فقد كان خروج النبي ~~والمؤمنين إلى هذه البغية خروجا على خطر عظيم لا يرجى معه رجوعهم إلى ~~المدينة عادة كما يشير إليه قوله تعالى: "بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا" والمشركون من صناديد قريش ومن يتبعهم على ما ~~لهم من الشوكة والقوة والعداوة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمؤمنين لم يتوسط بينهم منذ سنين إلا السيف ولم يجمعهم جامع غير معركة ~~القتال كغزوة بدر وأحد والأحزاب، ولم يخرج مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلا شرذمة قليلون - ألف وأربعمائة - لا قدر لهم عند جموع المشركين ~~وهم في عقر دارهم. # لكن الله سبحانه قلب الأمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ~~على المشركين فرضوا بما لم يكن مطموعا فيه متوقعا منهم فسألوا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يصالحهم على ترك القتال عشر سنين، وعلى تأمين كل ~~من القبيلين أتباع الآخر ومن لحق به، وعلى أن يرجع النبي (صلى ms6844 الله عليه ~~وآله وسلم) إلى المدينة عامة هذا ثم يقدم إلى مكة العام القابل فيخلوا له ~~المسجد والكعبة ثلاثة أيام. PageV18P132 # وهذا من أوضح الفتح رزقه الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من أمس ~~الأسباب بفتح مكة سنة ثمان من الهجرة فقد آمن جمع كثير من المشركين في ~~السنتين بين الصلح وفتح مكة، وفتح في أوائل سنة سبع خيبر وما والاه وقوي به ~~المسلمون واتسع الإسلام اتساعا بينا وكثر جمعهم وانتشر صيتهم وأشغلوا بلادا ~~كثيرة، وخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفتح مكة في عشرة آلاف أو في ~~اثني عشر ألفا، وقد كان خرج إلى حديبية في ألف وأربعمائة على ما تفصله ~~الآثار. # وقيل: المراد بالفتح فتح مكة فالمراد بقوله: "إنا فتحنا لك" إنا قضينا لك ~~فتح مكة، وفيه أن القرائن لا تساعده. # وقيل: المراد به فتح خيبر، ومعناه - على تقدير نزول السورة عند مرجع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية إلى المدينة - أنا قضينا لك ~~فتح خيبر، وحال هذا القول أيضا كسابقه. # وقيل: المراد به الفتح المعنوي وهو الظفر على الأعداء بالحجج البينة ~~والمعجزات الباهرة التي غلب بها كلمة الحق على الباطل وظهر الإسلام على ~~الدين كله، وهذا الوجه وإن كان في نفسه لا بأس به لكن سياق الآيات لا ~~يلائمه. # قوله تعالى: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا" اللام في قوله: "ليغفر" ~~للتعليل على ما هو ظاهر اللفظ فظاهره أن الغرض من هذا الفتح المبين هو ~~مغفرة ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ومن المعلوم أن لا رابطة بين الفتح وبين ~~مغفرة الذنب ولا معنى معقولا لتعليله بالمغفرة. # وقول بعضهم فرارا عن الإشكال: أن اللام المكسورة في "ليغفر" لام القسم ~~والأصل ليغفرن حذفت نون التوكيد وبقي ما قبلها مفتوحا للدلالة على المحذوف ~~غلط لا شاهد عليه من الاستعمال. # وكذا قول بعض آخر فرارا عن الإشكال: "أن العلة هو مجموع المغفرة وما ms6845 عطف ~~عليه من إتمام النعمة والهداية والنصر العزيز من حيث المجموع فلا ينافي عدم ~~كون البعض أي مغفرة الذنب في نفسه علة للفتح" كلام سخيف لا يغني طائلا فإن ~~مغفرة الذنب لا هي علة أو جزء علة للفتح ولا مرتبطة نوع ارتباط بما عطف ~~عليها حتى يوجه دخولها في ضمن علله فلا مصحح لذكرها وحدها ولا مع العلل وفي ضمنها. # وبالجملة هذا الإشكال نعم الشاهد على أن ليس المراد بالذنب في الآية هو ~~الذنب المعروف وهو مخالفة التكليف المولوي، ولا المراد بالمغفرة معناها ~~المعروف وهو ترك العقاب على المخالفة المذكورة فالذنب في اللغة على ما ~~يستفاد من موارد استعمالاته هو العمل الذي له تبعة سيئة كيفما كان، ~~والمغفرة هي الستر على الشيء، وأما المعنيان المذكوران المتبادران من لفظي ~~الذنب والمغفرة إلى أذهاننا اليوم أعني مخالفة الأمر المولوي المستتبع ~~للعقاب وترك العقاب عليها فإنما لزماهما بحسب عرف المتشرعين. # وقيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة ونهضته على الكفر ~~والوثنية فيما تقدم على الهجرة وإدامته ذلك وما وقع له من الحروب والمغازي ~~مع الكفار والمشركين فيما تأخر عن الهجرة كان عملا منه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ذا تبعة سيئة عند الكفار والمشركين وما كانوا ليغفروا له ذلك ما كانت ~~لهم شوكة ومقدرة، وما كانوا لينسوا زهوق ملتهم وانهدام سنتهم وطريقتهم، ولا ~~ثارات من قتل من صناديدهم دون أن يشفوا غليل صدورهم بالانتقام منه وإمحاء ~~اسمه وإعفاء رسمه غير أن الله سبحانه رزقه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا ~~الفتح وهو فتح مكة أو فتح الحديبية المنتهي إلى فتح مكة فذهب بشوكتهم وأخمد ~~نارهم فستر بذلك عليه ما كان لهم عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الذنب ~~وآمنه منهم. # فالمراد بالذنب - والله أعلم - التبعة السيئة التي لدعوته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عند الكفار والمشركين وهو ذنب لهم عليه كما في قول موسى لربه: ~~"ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون": الشعراء: 14، وما تقدم من ذنبه هو ما كان ~~منه (صلى ms6846 الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة، وما تأخر من ذنبه هو ما ~~كان منه بعد الهجرة، ومغفرته تعالى لذنبه هي سترة عليه بإبطال تبعته بإذهاب ~~شوكتهم وهدم بنيتهم، ويؤيد ذلك ما يتلوه من قوله: "ويتم نعمته عليك - إلى ~~أن قال - وينصرك الله نصرا عزيزا". PageV18P133 # وللمفسرين في الآية مذاهب مختلفة أخر: فمن ذلك: أن المراد بذنبه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ما صدر عنه من المعصية، والمراد بما تقدم منه. # وما تأخر ما صدر عنه قبل النبوة وبعدها، وقيل: ما صدر قبل الفتح وما صدر بعده. # وفيه أنه مبني على جواز صدور المعصية عن الأنبياء (عليهم السلام) وهو ~~خلاف ما يقطع به الكتاب والسنة والعقل من عصمتهم (عليهم السلام) وقد تقدم ~~البحث عنه في الجزء الثاني من الكتاب وغيره. # على أن إشكال عدم الارتباط بين الفتح والمغفرة على حاله. # ومن ذلك: أن المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر مغفرة ما وقع من ~~معصيته وما لم يقع بمعنى الوعد بمغفرة ما سيقع منه إذا وقع لئلا يرد ~~الإشكال بأن مغفرة ما لم يتحقق من المعصية لا معنى له. # وفيه مضافا إلى ورود ما ورد على سابقه عليه أن مغفرة ما سيقع من المعصية ~~قبل وقوعه تلازم ارتفاع التكاليف عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عامة، ~~ويدفعه نص كلامه تعالى في آيات كثيرة كقوله تعالى: "إنا أنزلنا عليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين": الزمر: 2، وقوله: "وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين": الزمر: 12، إلى غير ذلك من الآيات التي تأبى بسياقها التخصيص. # على أن من الذنوب والمعاصي مثل الشرك بالله وافتراء الكذب على الله ~~والاستهزاء بآيات الله والإفساد في الأرض وهتك المحارم، وإطلاق مغفرة ~~الذنوب يشملها ولا معنى لأن يبعث الله عبدا من عباده فيأمره أن يقيم دينه ~~على ساق ويصلح به الأرض فإذا فتح له ونصره وأظهره على ما يريد يجيز له ~~مخالفة ما أمره وهدم ما بناه وإفساد ما أصلحه بمغفرة كل مخالفة ومعصية منه ~~والعفو عن كل ms6847 ما تقوله وافتراه على الله، وفعله تبليغ كقوله، وقد قال ~~تعالى: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين": الحاقة: 46. # ومن ذلك: قول بعضهم: إن المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه مغفرة ما تقدم من ~~ذنب أبويه آدم وحواء (عليهما السلام) ببركته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمراد بمغفرة ما تأخر منه مغفرة ذنوب أمته بدعائه. # وفيه ورود ما ورد على ما تقدم عليه. # ومن ذلك: أن الكلام في معنى التقدير وإن كان في سياق التحقيق والمعنى: ~~ليغفر لك الله قديم ذنبك وحديثه لو كان لك ذنب. # وفيه أنه أخذ بخلاف الظاهر من غير دليل. # ومن ذلك: أن القول خارج مخرج التعظيم وحسن الخطاب والمعنى: غفر الله لك ~~كما في قوله تعالى: "عفا الله عنك لم أذنت لهم": التوبة: 43. # وفيه أن العادة جرت في هذا النوع من الخطاب أن يورد بلفظ الدعاء. # كما قيل. # ومن ذلك: أن المراد بالذنب في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك الأولى ~~وهو مخالفة الأوامر الإرشادية دون التمرد عن امتثال التكاليف المولوية، ~~والأنبياء على ما هم عليه من درجات القرب يؤاخذون على ترك ما هو أولى كما ~~يؤاخذ غيرهم على المعاصي المعروفة كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. # ومن ذلك: ما ارتضاه جمع من أصحابنا من أن المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر مغفرة ما تقدم من ذنوب أمته وما تأخر منها بشفاعته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، ولا ضير في إضافة ذنوب أمته (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه ~~للاتصال والسبب بينه وبين أمته. # وهذا الوجه والوجه السابق عليه سليمان عن عامة الإشكالات لكن إشكال عدم ~~الارتباط بين الفتح والمغفرة على حاله. # ومن ذلك: ما عن علم الهدى رحمه الله إن الذنب مصدر، والمصدر يجوز إضافته ~~إلى الفاعل والمفعول معا فيكون هنا مضافا إلى المفعول، والمراد ما تقدم من ~~ذنبهم إليك في منعهم إياك من مكة وصدهم لك عن المسجد الحرام، ويكون معنى ~~المغفرة على هذا الإزالة ms6848 والنسخ لأحكام أعدائه من المشركين أي يزيل الله ~~تعالى ذلك عنك ويستر عليك تلك الوصمة بما يفتح لك من مكة فتدخلها فيما بعد. # وهذا الوجه قريب المأخذ مما قدمنا من الوجه، ولا بأس به لو لم يكن فيه ~~بعض المخالفة لظاهر الآية. PageV18P134 # وفي قوله: "ليغفر لك الله" إلخ، بعد قوله: "إنا فتحنا لك" التفات من التكلم ~~إلى الغيبة ولعل الوجه فيه أن محصل السورة امتنانه تعالى على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين بما رزق من الفتح وإنزال السكينة والنصر ~~وسائر ما وعدهم فيها فناسب أن يكون السياق الجاري في السورة سياق الغيبة ~~ويذكر تعالى فيها باسمه وينسب إليه النصر بما يعبده نبيه والمؤمنون وحده ~~قبال ما لا يعبده المشركون وإنما يعبدون آلهة من دونه طمعا في نصرهم ولا ~~ينصرونهم. # وأما سياق التكلم مع الغير المشعر بالعظمة في الآية الأولى فلمناسبته ذكر ~~الفتح فيها ويجري الكلام في قوله تعالى الآتي: "إنا أرسلناك شاهدا" الآية. # وقوله: "ويتم نعمته عليك" قيل: أي يتمها عليك في الدنيا بإظهارك على عدوك ~~وإعلاء أمرك وتمكين دينك، وفي الآخرة برفع درجتك، وقيل: أي يتمها عليك بفتح ~~خيبر ومكة والطائف. # وقوله: "ويهديك صراطا مستقيما" قيل: أي ويثبتك على صراط يؤدي بسالكه إلى ~~الجنة، وقيل: أي ويهديك إلى مستقيم الصراط في تبليغ الأحكام وإجراء الحدود. # وقوله: "وينصرك الله نصرا عزيزا" قيل: النصر العزيز هو ما يمتنع به من كل ~~جبار عنيد وعات مريد، وقد فعل بنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك إذ جعل ~~دينه أعز الأديان وسلطانه أعظم السلطان، وقيل: المراد بالنصر العزيز ما هو ~~نادر الوجود قليل النظير أو عديمه ونصره تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كذلك كما يظهر بقياس حاله في أول بعثته إلى حاله في آخر أيام دعوته. # والتدبر في سياق الآيتين بالبناء على ما تقدم من معنى قوله: "إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" يعطي أن يكون ~~المراد بقوله: "ويتم نعمته عليك" ms6849 هو تمهيده تعالى له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لتمام الكلمة وتصفيته الجو لنصره نصرا عزيزا بعد رفع الموانع بمغفرة ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # وبقوله: "ويهديك صراطا مستقيما" هدايته (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ~~تصفية الجو له إلى الطريق الموصل إلى الغاية الذي سلكه بعد الرجوع من ~~الحديبية من فتح خيبر وبسط سلطة الدين في أقطار الجزيرة حتى انتهى إلى فتح ~~مكة والطائف. # وبقوله: "وينصرك الله نصرا عزيزا" نصره له (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاك ~~النصر الظاهر الباهر الذي قلما يوجد - أو لا يوجد - له نظير إذ فتح له مكة ~~والطائف وانبسط الإسلام في أرض الجزيرة وانقلع الشرك وذل اليهود وخضع له ~~نصارى الجزيرة والمجوس القاطنون بها، وأكمل تعالى للناس دينهم وأتم عليهم ~~نعمته ورضي لهم الإسلام دينا. # قوله تعالى: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم" إلخ، الظاهر أن المراد بالسكينة سكون النفس وثباتها واطمئنانها ~~إلى ما آمنت به، ولذا علل إنزالها فيها بقوله: "ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم" وقد تقدم البحث عن السكينة في ذيل قوله تعالى: "أن يأتيكم التابوت ~~فيه سكينة من ربكم": البقرة: 248 في الجزء الثاني من الكتاب وذكرنا هناك ~~أنها تنطبق على روح الإيمان المذكور في قوله تعالى: "وأيدهم بروح منه": ~~المجادلة: 22. # وقيل: السكينة هي الرحمة، وقيل: العقل، وقيل: الوقار والعصمة لله ~~ولرسوله، وقيل: الميل إلى ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وقيل: ملك يسكن قلب المؤمن، وقيل: شيء له رأس كرأس الهرة، وهذه الأقاويل لا ~~دليل على شيء منها. # والمراد بإنزال السكينة في قلوبهم إيجادها فيها بعد عدمها فكثيرا ما يعبر ~~في القرآن عن الخلق والإيجاد بالإنزال كقوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج": الزمر: 6، وقوله: "وأنزلنا الحديد": الحديد: 25، وقوله: "وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21. # وإنما عبر عن الخلق والإيجاد بالإنزال للإشارة إلى علو مبدئه. # وقيل: المراد بالإنزال الإسكان والإقرار من قولهم: نزل في مكان كذا ms6850 أي حط ~~رحله فيه وأنزلته فيه أي حططت رحله فيه هذا. PageV18P135 # وهو معنى غير معهود في كلامه تعالى مع كثرة وروده فيه، ولعل الباعث لهم على ~~اختيار هذا المعنى تعديته في الآية بلفظة "في" إذ قال: "أنزل السكينة في ~~قلوب المؤمنين" لكنه عناية كلامية لوحظ فيها تعلق السكينة بالقلوب تعلق ~~الاستقرار فيها كما لوحظ تعلقها تعلق الوقوع عليها من علو في قوله الآتي: ~~"فأنزل السكينة عليهم" الآية وقوله: "فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين" الآية. # والمراد بزيادة الإيمان اشتداده فإن الإيمان بشيء هو العلم به مع ~~الالتزام بحيث يترتب عليه آثاره العملية، ومن المعلوم أن كلا من العلم ~~والالتزام المذكورين مما يشتد ويضعف فالإيمان الذي هو العلم المتلبس ~~بالالتزام يشتد ويضعف. # فمعنى الآية: الله الذي أوجد الثبات والاطمئنان الذي هو لازم مرتبة من ~~مراتب الروح في قلوب المؤمنين ليشتد به الإيمان الذي كان لهم قبل نزول ~~السكينة فيصير أكمل مما كان قبله. # كلام في الإيمان وازدياده # الإيمان بالشيء ليس مجرد العلم الحاصل به كما يستفاد من أمثال قوله ~~تعالى: "إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى": سورة ~~محمد: 25، وقوله: "إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ~~ما تبين لهم الهدى": سورة محمد: 32، وقوله: "وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم": النمل: 14، وقوله: "وأضله الله على علم": الجاثية: 23، فالآيات - ~~كما ترى - تثبت الارتداد والكفر والجحود والضلال مع العلم. # فمجرد العلم بالشيء والجزم بكونه حقا لا يكفي في حصول الإيمان واتصاف من ~~حصل له به، بل لا بد من الالتزام بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه بحيث يترتب ~~عليه آثاره العملية ولو في الجملة، فالذي حصل له العلم بأن الله تعالى إله ~~لا إله غيره فالتزم بمقتضاه وهو عبوديته وعبادته وحده كان مؤمنا ولو علم به ~~ولم يلتزم فلم يأت بشيء من الأعمال المظهرة للعبودية كان عالما وليس بمؤمن. # ومن هنا يظهر بطلان ما قيل: إن الإيمان هو مجرد العلم والتصديق وذلك لما ~~مر أن العلم ربما ms6851 يجامع الكفر. # ومن هنا يظهر أيضا بطلان ما قيل: إن الإيمان هو العمل، وذلك لأن العمل ~~يجامع النفاق فالمنافق له عمل وربما كان ممن ظهر له الحق ظهورا علميا ولا ~~إيمان له على أي حال. # وإذ كان الإيمان هو العلم بالشيء مع الالتزام به بحيث يترتب عليه آثاره ~~العملية، وكل من العلم والالتزام مما يزداد وينقص ويشتد ويضعف كان الإيمان ~~المؤلف منهما قابلا للزيادة والنقيصة والشدة والضعف فاختلاف المراتب وتفاوت ~~الدرجات من الضروريات التي لا يشك فيها قط. # هذا ما ذهب إليه الأكثر وهو الحق ويدل عليه من النقل قوله تعالى: ~~"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" وغيره من الآيات، وما ورد من أحاديث أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) الدالة على أن الإيمان ذو مراتب. # وذهب جمع منهم أبو حنيفة وإمام الحرمين وغيرهما إلى أن الإيمان لا يزيد ~~ولا ينقص، واحتجوا عليه بأن الإيمان اسم للتصديق البالغ حد الجزم والقطع ~~وهو مما لا يتصور فيه الزيادة والنقصان فالمصدق إذا ضم إلى تصديقه الطاعات ~~أو ضم إليه المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا. # وأولوا ما دل من الآيات على قبوله الزيادة والنقصان بأن الإيمان عرض لا ~~يبقى بشخصه بل بتجدد الأمثال فهو بحسب انطباقه على الزمان بأمثاله المتجددة ~~يزيد وينقص كوقوعه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلا على التوالي من ~~غير فترة متخللة وفي غيره بفترات قليلة أو كثيرة فالمراد بزيادة الإيمان ~~توالي أجزاء الإيمان من غير فترة أصلا أو بفترات قليلة. # وأيضا للإيمان كثرة بكثرة ما يؤمن به، وشرائع الدين لما كانت تنزل تدريجا ~~والمؤمنون يؤمنون بما ينزل منها وكان يزيد عدد الأحكام حينا بعد حين كان ~~إيمانهم أيضا يزيد تدريجا، وبالجملة المراد بزيادة الإيمان كثرته عددا. # وهو بين الضعف، أما الحجة ففيها أولا: أن قولهم: الإيمان اسم للتصديق ~~الجازم ممنوع بل هو اسم للتصديق الجازم الذي معه الالتزام كما تقدم بيانه ~~اللهم إلا أن يكون مرادهم بالتصديق العلم مع الالتزام. PageV18P136 # وثانيا: أن قولهم: إن هذا التصديق لا يختلف بالزيادة والنقصان ms6852 دعوى بلا ~~دليل بل مصادرة على المطلوب وبناؤه على كون الإيمان عرضا وبقاء الأعراض على ~~نحو تجدد الأمثال لا ينفعهم شيئا فإن من الإيمان ما لا تحركه العواصف ومنه ~~ما يزول بأدنى سبب يعترض وأوهن شبهة تطرأ، وهذا مما لا يعلل بتجدد الأمثال ~~وقلة الفترات وكثرتها بل لا بد من استناده إلى قوة الإيمان وضعفه سواء قلنا ~~بتجدد الأمثال أم لا. # مضافا إلى بطلان تجدد الأمثال على ما بين في محله. # وقولهم: إن المصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ضم إليه المعاصي لم يتغير حاله ~~أصلا ممنوع فقوة الإيمان بمزاولة الطاعات وضعفها بارتكاب المعاصي مما لا ~~ينبغي الارتياب فيه، وقوة الأثر وضعفه كاشفة عن قوة مبدإ الأثر وضعفه، قال ~~تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": فاطر: 10، وقال: "ثم ~~كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": ~~الروم: 10. # وأما ما ذكروه من التأويل فأول التأويلين يوجب كون من لم يستكمل الإيمان ~~وهو الذي في قلبه فترات خالية من أجزاء الإيمان على ما ذكروه مؤمنا وكافرا ~~حقيقة وهذا مما لا يساعده ولا يشعر به شيء من كلامه تعالى. # وأما قوله تعالى: "ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106، ~~فهو إلى الدلالة على كون الإيمان مما يزيد وينقص أقرب منه إلى الدلالة على ~~نفيه فإن مدلوله أنهم مؤمنون في حال أنهم مشركون فإيمانهم إيمان بالنسبة ~~إلى الشرك المحض وشرك بالنسبة إلى الإيمان المحض، وهذا معنى قبول الإيمان ~~للزيادة والنقصان. # وثاني التأويلين يفيد أن الزيادة في الإيمان وكثرته إنما هي بكثرة ما ~~تعلق به وهو الأحكام والشرائع المنزلة من عند الله فهي صفة للإيمان بحال ~~متعلقه والسبب في اتصافه بها هو متعلقه، ولو كان هذه الزيادة هي المرادة من ~~قوله: "ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" كان الأنسب أن تجعل زيادة الإيمان في ~~الآية غاية لتشريع الأحكام الكثيرة وإنزالها لا لإنزال السكينة في قلوب ~~المؤمنين هذا. # وحمل بعضهم زيادة الإيمان في الآية على زيادة أثره وهو النور المشرق منه ms6853 ~~على القلب. # وفيه أن زيادة الأثر وقوته فرع زيادة المؤثر وقوته فلا معنى لاختصاص أحد ~~الأمرين المتساويين من جميع الجهات بأثر يزيد على أثر الآخر. # وذكر بعضهم أن الإيمان الذي هو مدخول مع في قوله: "ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم" الإيمان الفطري والإيمان المذكور قبله هو الإيمان الاستدلالي، ~~والمعنى: ليزدادوا إيمانا استدلاليا على إيمانهم الفطري. # وفيه أنه دعوى من غير دليل يدل عليه. # على أن الإيمان الفطري أيضا استدلالي فمتعلق العلم والإيمان على أي حال ~~أمر نظري لا بديهي. # وقال بعضهم كالإمام الرازي: إن النزاع في قبول الإيمان للزيادة والنقص ~~وعدم قبوله نزاع لفظي فمراد النافين عدم قبول أصل الإيمان وهو التصديق ذلك ~~وهو كذلك لعدم قبوله الزيادة والنقصان، ومراد المثبتين قبول ما به كمال ~~الإيمان وهو الأعمال للزيادة والنقصان وهو كذلك بلا شك. # وفيه أولا: أن فيه خلطا بين التصديق والإيمان فالإيمان تصديق مع الالتزام ~~وليس مجرد التصديق فقط كما تقدم بيانه. # وثانيا: أن نسبة نفي الزيادة في أصل الإيمان إلى المثبتين غير صحيحة فهم ~~إنما يثبتون الزيادة في أصل الإيمان، ويرون أن كلا من العلم والالتزام ~~المؤلف منهما الإيمان يقبل القوة والضعف. # وثالثا: أن إدخال الأعمال في محل النزاع غير صحيح لأن النزاع في شيء غير ~~النزاع في أثره الذي به كماله ولا نزاع لأحد في أن الأعمال والطاعات تقبل ~~العد وتقل وتكثر بحسب تكرر الواحد. # وقوله: "ولله جنود السماوات والأرض" الجند هو الجمع الغليظ من الناس إذا ~~جمعهم غرض يعملون لأجله ولذا أطلق على العسكر المجتمعين على إجراء ما يأمر ~~به أميرهم، والسياق يشهد أن المراد بجنود السماوات والأرض الأسباب الموجودة ~~في العالم مما يرى ولا يرى من الخلق فهي وسائط متخللة بينه تعالى وبين ما ~~يريده من شيء تطيعه ولا تعصاه. PageV18P137 # وإيراد الجملة أعني قوله: "ولله جنود" إلخ، بعد قوله: "هو الذي أنزل ~~السكينة" إلخ، للدلالة على أن له جميع الأسباب والعلل التي في الوجود فله ~~أن يبلغ إلى ما يشاء بما يشاء ولا يغلبه شيء في ms6854 ذلك، وقد نسبت إلى زيادة ~~إيمان المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم. # وقوله: "وكان الله عزيزا حكيما" أي منيعا جانبه لا يغلبه شيء متقنا في ~~فعله لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته والجملة بيان تعليلي لقوله: "ولله جنود" ~~إلخ، كما أنه بيان تعليلي لقوله: "هو الذي أنزل السكينة" إلخ، كأنه قيل: ~~أنزل السكينة لكذا وله ذلك لأن له جميع الجنود والأسباب لأنه العزيز على ~~الإطلاق والحكيم على الإطلاق. # قوله تعالى: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار" إلى ~~آخر الآية، تعليل آخر لقوله: "أنزل السكينة في قلوب المؤمنين" على المعنى ~~كما أن قوله: "ليزدادوا إيمانا" تعليل له بحسب اللفظ كأنه قيل: خص المؤمنين ~~بإنزال السكينة وحرم على غيرهم ذلك ليزداد إيمان هؤلاء مع إيمانهم وحقيقة ~~ذلك أن يدخل هؤلاء الجنة ويعذب أولئك فيكون قوله: "ليدخل" بدلا أو عطف بيان ~~من قوله. # "ليزدادوا" إلخ. # وفي متعلق لام "ليدخل" إلخ، أقوال أخر كالقول بتعلقها بقوله: "فتحنا" أو ~~قوله: "يزدادوا" أو بجميع ما تقدم إلى غير ذلك مما لا جدوى لإيراده. # وضم المؤمنات إلى المؤمنين في الآية لدفع توهم اختصاص الجنة وتكفير ~~السيئات بالذكور لوقوع الآية في سياق الكلام في الجهاد، والجهاد والفتح ~~واقعان على أيديهم فصرح باسم المؤمنات لدفع التوهم كما قيل. # وضمير "خالدين" و"يكفر عنهم سيئاتهم" للمؤمنين والمؤمنات جميعا على ~~التغليب. # وقوله: "وكان ذلك عند الله فوزا عظيما" بيان لكون ذلك سعادة حقيقية لا ~~ريب فيها لكونه عند الله كذلك وهو يقول الحق. # قوله تعالى: "ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات" إلى آخر ~~الآية معطوف على قوله: "يدخل" بالمعنى الذي تقدم، وتقديم المنافقين ~~والمنافقات على المشركين والمشركات في الآية لكونهم أضر على المسلمين من ~~أهل الشرك ولأن عذاب أهل النفاق أشد قال تعالى: "إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار". # وقوله: "الظانين بالله ظن السوء" السوء بالفتح فالسكون مصدر بمعنى القبح ~~والسوء بالضم اسم مصدر، وظن السوء هو ظنهم أن الله لا ينصر رسوله وقيل: ~~المراد بظن السوء ما يعم ذلك وسائر ms6855 ظنونهم السيئة من الشرك والكفر. # وقوله: "عليهم دائرة السوء" دعاء عليهم أو قضاء عليهم أي ليستضروا بدائرة ~~السوء التي تدور لتصيب من تصيب من الهلاك والعذاب. # وقوله: "وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم" معطوف على قوله: "عليهم ~~دائرة" إلخ، وقوله: "وساءت مصيرا" بيان مساءة مصيرهم، كما أن قوله: "وكان ~~ذلك عند الله فوزا عظيما" بيان لحسن مصير أهل الإيمان. # قوله تعالى: "ولله جنود السماوات والأرض" تقدم معناه، والظاهر أنه بيان ~~تعليلي للآيتين أعني قوله: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات" - إلى قوله - وأعد ~~لهم جهنم" على حذو ما كان مثله فيما تقدم بيانا تعليليا لقوله: "أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين" إلخ. # وقيل: إن مضمونه متعلق بالآية الأخيرة فهو تهديد لهم أنهم في قبضة قدرته ~~فينتقم منهم، والوجه الأول أظهر. PageV18P138 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا": حدثني أبي ~~عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سبب ~~نزول هذه الآية وهذا الفتح العظيم أن الله جل وعز أمر رسوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين فأخبر ~~أصحابه وأمرهم بالخروج فخرجوا. فلما نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا ~~البدن وساق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة وستين بدنة وأحرموا من ~~ذي الحليفة ملبين بالعمرة وقد ساق من ساق منهم الهدي معرات مجللات. فلما ~~بلغ قريشا بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا يستقبل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فكان يعارضه على الجبال فلما كان في بعض الطريق حضرت ~~صلاة الظهر فأذن بلال فصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس ~~فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة لأصبناهم لأنهم لا ~~يقطعون صلاتهم ولكن تجيء الآن لهم صلاة أخرى أحب إليهم من ضياء أبصارهم ~~فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم، فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بصلاة ms6856 الخوف في قوله عز وجل: "فإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة" الآية. قال: فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) الحديبية، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يستنفر الأعراب في طريقه فلم يتبعه أحد ويقولون: أيطمع محمد وأصحابه أن ~~يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم، أنه لا يرجع محمد ~~وأصحابه إلى المدينة أبدا. الحديث. # وفي المجمع،: قال ابن عباس: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج ~~يريد مكة فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته فزجرها فلم تنزجر وبركت الناقة فقال ~~أصحابه: خلأت الناقة، فقال: ما هذا لها عادة ولكن حبسها حابس الفيل. ودعا ~~عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته ~~وينحر هديه فقال: يا رسول الله ما لي بها حميم وإني أخاف قريشا لشدة عداوتي ~~إياها ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان فقال: صدقت. فدعا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عثمان فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف ~~قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، ~~فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين ~~أن عثمان قد قتل. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا نبرح حتى نناجز ~~القوم، ودعا الناس إلى البيعة فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى الشجرة واستند إليها وبايع الناس على أن يقاتلوا المشركين ولا يفروا. ~~قال عبد الله بن مغفل: كنت قائما على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة أذب عنه وهو يبايع الناس فلم يبايعهم ~~على الموت وإنما بايعهم على أن لا يفروا. PageV18P139 # وروى الزهري وعروة بن الزبير والمسور بن مخرمة قالوا: خرج رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا ~~بذي الحليفة قلد رسول الله (صلى الله عليه ms6857 وآله وسلم) الهدي وأشعره وأحرم ~~بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه ~~عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش ~~وجمعوا جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): روحوا فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات ~~اليمين. فسار حتى إذا كان بالثنية بركت راحلته فقال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): ما خلأت القصواء ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والله لا يسألوني ~~خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت به. قال: ~~فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ~~فشكوا إليه العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في الماء ~~فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل ~~بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ~~ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إنا لم نجىء لقتال أحد وإنا جئنا معتمرين، وإن قريشا ~~قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلو بيني وبين الناس، ~~وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن أبوا ~~فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذ الله ~~تعالى أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا ~~قد جئناكم من عند هذا الرجل وأنه يقول: كذا وكذا فقام عروة بن مسعود الثقفي ~~فقال: إنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني ms6858 آته فقالوا: ائته فأتاه ~~فجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن ~~استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى ~~فوالله إني لأرى وجوها وأرى أشابا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك فقال له ~~أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قال: أبو بكر. ~~قال: أما والذي نفسي بيده لو لا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: ~~وجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة ~~بن شعبة قائم على رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه السيف وعليه ~~المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قبل أن لا ترجع إليك، فقال: من هذا؟ قال المغيرة بن شعبة. قال: أي ~~غدر أولست أسعى في غدرتك. قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم ~~وأخذ أموالهم. ثم جاء فأسلم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ~~الإسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه. ثم إن عروة ~~جعل يرمق أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أمرهم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ابتدروا أمره، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، ~~وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. قال: ~~فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على ~~قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب ~~محمد إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا ~~تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وأنه قد عرض ~~عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من ms6859 بني كنانة: دعوني آته فقالوا: ائته ~~فلما أشرف عليهم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا فلان وهو من ~~قوم يعظمون البدن فابعثوها فبعثت له واستقبله PageV18P140 القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن ~~البيت. فقام رجل يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته فلما ~~أشرف عليهم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا مكرز وهو رجل فاجر ~~فجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن ~~عمرو فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قد سهل عليكم أمركم فقال: اكتب بيننا ~~وبينك كتابا. فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب ~~فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ~~فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم فقال ~~المسلمون: والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): اكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال ~~سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب ~~محمد بن عبد الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لرسول ~~الله وإن كذبتموني ثم قال لعلي امح رسول الله فقال: يا رسول الله إن يدي لا ~~تنطلق بمحو اسمك من النبوة فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فمحاه. ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو ~~واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن ~~بعض وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل ~~الله فهو آمن على دمه وماله ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى ~~الشام فهو آمن على دمه وماله، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ms6860 ولا ~~إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في ~~عقد قريش وعهده دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، ~~وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): على أن تخلو بيننا وبين البيت فنطوف فقال سهيل: والله ما ~~تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب فقال سهيل: على ~~أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ومن جاءنا ممن معك ~~لم نرده عليك فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء ~~مسلما؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من جاءهم منا فأبعده ~~الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له ~~مخرجا. فقال سهيل: وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة فإذا كان ~~عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا ولا تدخلها ~~بالسلاح إلا السيوف في القراب وسلاح الراكب، وعلى أن هذا الهدي حيث ما ~~حبسناه محله لا تقدمه علينا فقال: نحن نسوق وأنتم تردون. فبينا هم كذلك إذ ~~جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى ~~بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ~~ترده فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا لم نقض بالكتاب بعد. قال: ~~والله إذا لا أصالحك على شيء أبدا فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~فأجره لي فقال: ما أنا بمجيره لك قال: بلى فافعل، قال ما أنا بفاعل. قال ~~مكرز: بلى قد أجرناه، قال أبو جندل بن سهيل: معاشر المسلمين أرد إلى ~~المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا. ~~فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت مذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي (صلى ~~الله عليه ms6861 وآله وسلم) فقلت: ألست نبي الله؟ فقال: بلى. قلت: ألسنا على الحق ~~وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني ~~رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ~~ونطوف حقا؟ قال: بلى أفأخبرتك أن نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه ~~وتطوف به فنحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدنة فدعا بحالقه فحلق ~~شعره ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات" الآية. قال محمد بن إسحاق بن يسار: وحدثني بريدة ~~بن سفيان عن محمد بن كعب: أن كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~هذا الصلح كان علي بن أبي طالب فقال له رسول الله (صلى PageV18P141 الله عليه وآله وسلم): اكتب "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن ~~عمرو" فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا محمد رسول الله فقال رسول الله: ~~فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد، فكتب ما قالوا. ثم رجع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم ~~فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين ~~فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلا يأكلان من تمر لهم قال أبو بصير لأحد ~~الرجلين: وإني لأرى سيفك جيدا جدا فاستله فقال: أجل إنه لجيد وجربت به ثم ~~جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد وفر الآخر ~~حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا ~~رسول الله قد أوفى الله ذمتك ورددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد، ms6862 فلما سمع ذلك ~~عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر. وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل ~~فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت ~~عليه عصابة. قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش قد خرجت إلى الشام إلا ~~اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم فأتوه. # وفي تفسير القمي، في حديث طويل أوردنا صدره في أول البحث قال: وقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه بعد ما كتب الكتاب: انحروا بدنكم ~~واحلقوا رءوسكم فامتنعوا وقالوا: كيف ننحر ونحلق ولم نطف بالبيت ولم نسع ~~بين الصفا والمروة فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشكا ذلك إلى ~~أم سلمة فقالت: يا رسول الله انحر أنت واحلق فنحر رسول الله وحلق فنحر ~~القوم على حيث يقين وشك وارتياب:. أقول: وهو مروي في روايات أخر من طرق ~~الشيعة وأهل السنة. وهذا الذي رواه الطبرسي مأخوذ مع تلخيص ما عما رواه ~~البخاري وأبو داود والنسائي عن مروان والمسور:. # وفي الدر المنثور، أخرج البيهقي عن عروة قال: أقبل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): والله ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا وعكف ~~رسول الله بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا. فبلغ رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قول رجال من أصحابه: إن هذا ليس بفتح فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): بئس الكلام. هذا أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن ~~يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإياب وقد ~~كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين ~~فهذا أعظم الفتح. أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم ms6863 ~~في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟. قال المسلمون: صدق ~~الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ~~ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا فأنزل الله سورة الفتح. # أقول: والأحاديث في قصة الحديبية كثيرة وما أوردناه طرف منها. # وفي تفسير القمي، بإسناده إلى عمر بن يزيد بياع السابري قال: قلت لأبي ~~عبد الله (عليه السلام) قول الله في كتابه: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر" قال: ما كان له ذنب ولا هم بذنب ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم ~~غفر لها. PageV18P142 # وفي العيون، في مجلس الرضا مع المأمون بإسناده إلى ابن الجهم قال: حضرت ~~مجلس المأمون وعنده الرضا (عليه السلام) فقال المأمون: يا ابن رسول الله ~~أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، إلى أن قال قال: فأخبرني عن ~~قول الله عز وجل: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر". قال الرضا ~~(عليه السلام): لم يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنبا من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما فلما ~~جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ~~فلما فتح الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة قال: يا محمد إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر عند مشركي مكة ~~بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم، وخرج ~~بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد إذا دعا الناس إليه ~~فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم. فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن. ms6864 # وفي تفسير العياشي، عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم" حتى نزلت سورة الفتح فلم يعد إلى ذلك الكلام. # أقول: وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضا، والحديث لا يخلو من شيء ~~لأنه مبنى على كون المراد بالذنب في الآية هو المعصية المنافية للعصمة. # وفي الكافي، بإسناده إلى جميل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين" قال: الإيمان ~~قال عز من قائل: "ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم". # أقول: "ظاهر الرواية أنه (عليه السلام) أخذ قوله تعالى في الآية: ~~"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" تفسيرا للسكينة، وفي معنى الرواية روايات أخر. # وفيه، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قلت له: أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال: ما لا يقبل ~~الله شيئا إلا به. قلت: وما هو؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو ~~أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا. قال: قلت: ألا تخبرني عن ~~الإيمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل؟ قال: الإيمان عمل كله والقول بعض ذلك ~~العمل بفرض من الله بين في كتابه واضح نوره ثابتة حجته يشهد له به الكتاب ~~ويدعوه إليه. قال: قلت: صف لي جعلت فداك حتى أفهمه قال: الإيمان حالات ~~ودرجات وصفات ومنازل فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص المبين نقصانه ~~ومنه الراجح الزائد رجحانه. قلت: إن الإيمان ليتم وينقص ويزيد؟ قال: نعم. ~~قلت: كيف ذلك؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم ~~وقسمه عليها وفرقه فيها فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ~~ما وكلت به أختها فمن لقي الله عز وجل حافظا لجوارحه موفيا كل جارحة من ~~جوارحه ما فرض الله عز وجل عليها لقي الله مستكملا لإيمانه وهو من أهل ~~الجنة، ms6865 ومن خان في شيء منها أو تعدى ما أمر الله عز وجل فيها لقي الله عز ~~وجل ناقص الإيمان. قلت: وقد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جاءت ~~زيادته؟ فقال: قول الله عز وجل: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول - أيكم ~~زادته هذه إيمانا - فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون - وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم" وقال: "نحن نقص عليك نبأهم ~~بالحق - إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى". ولو كان كله واحدا لا زيادة ~~فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه، ولاستوى ~~الناس وبطل التفضيل ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في ~~الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار. PageV18P143 ### ||| AUTO 48 سورة الفتح - 8 - 10 # إنا أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما (10) ### |||| AUTO بيان # فصل ثان من آيات السورة يعرف سبحانه فيه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تعريف إكبار وإعظام بأنه أرسله شاهدا ومبشرا ونذيرا طاعته طاعة الله وبيعته ~~بيعة الله، وقد كان الفصل الأول امتنانا منه تعالى على نبيه بالفتح ~~والمغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر وعلى المؤمنين بإنزال السكينة في ~~قلوبهم وإدخال الجنة ووعيد المشركين والمنافقين بالغضب واللعن والنار. # قوله تعالى: "إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا" المراد بشهادته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) شهادته على الأعمال من إيمان وكفر وعمل صالح أو طالح، وقد ~~تكرر في كلامه تعالى ذكر شهادته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقدم استيفاء ~~الكلام في معنى هذه الشهادة، وهي شهادة حمل في الدنيا، وأداء في الآخرة. # وكونه مبشرا تبشيره لمن آمن واتقى بالقرب من الله وجزيل ثوابه، وكونه ~~نذيرا إنذاره وتخويفه لمن كفر وتولى بأليم عذابه. # قوله تعالى: "لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا" ~~القراءة المشهورة ms6866 بتاء الخطاب في الأفعال الأربعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بياء الغيبة في الجميع وقراءتهما أرجح بالنظر إلى السياق. # وكيف كان فاللام في "لتؤمنوا" للتعليل أي أرسلناك كذا وكذا لتؤمنوا بالله ~~ورسوله. # والتعزير - على ما قيل - النصر والتوقير التعظيم كما قال تعالى: "ما لكم ~~لا ترجون لله وقارا": نوح: 13، والظاهر أن الضمائر في "تعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه" جميعا لله تعالى والمعنى: إنا أرسلناك كذا وكذا ليؤمنوا بالله ~~ورسوله وينصروه تعالى بأيديهم وألسنتهم ويعظموه ويسبحوه - وهو الصلاة - ~~بكرة وأصيلا أي غداة وعشيا. # وقيل: الضميران في "تعزروه وتوقروه" للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وضمير "تسبحوه" لله تعالى ويوهنه لزوم اختلاف الضمائر المتسقة. # قوله تعالى: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم" ~~إلى آخر الآية. # البيعة نوع من الميثاق ببذل الطاعة قال في المفردات: وبايع السلطان إذا ~~تضمن بذل الطاعة له بما رضخ له انتهى، والكلمة مأخوذة من البيع بمعناه ~~المعروف فقد كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا إنجاز البيع أعطى البائع يده ~~للمشتري فكأنهم كانوا يمثلون بذلك نقل الملك بنقل التصرفات التي يتحقق ~~معظمها باليد إلى المشتري بالتصفيق، وبذلك سمي التصفيق عند بذل الطاعة بيعة ~~ومبايعة، وحقيقة معناه إعطاء المبايع يده للسلطان مثلا ليعمل به ما يشاء. # فقوله: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" تنزيل بيعته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) منزلة بيعته تعالى بدعوى أنها هي فما يواجهونه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) به من بذل الطاعة لا يواجهون به إلا الله سبحانه لأن طاعته ~~طاعة الله ثم قرره زيادة تقرير وتأكيد بقوله: "يد الله فوق أيديهم" حيث جعل ~~يده (صلى الله عليه وآله وسلم) يد الله كما جعل رميه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) رمى نفسه في قوله: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى": الأنفال: 17. # وفي نسبة ما له (صلى الله عليه وآله وسلم) من الشأن إلى نفسه تعالى آيات ~~كثيرة كقوله تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله": النساء: 80، وقوله: ~~"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ms6867 بآيات الله يجحدون": الأنعام: 33، وقوله: ~~"ليس لك من الأمر شيء": آل عمران: 128. # وقوله: "فمن نكث فإنما ينكث على نفسه" النكث نقض العهد والبيعة، والجملة ~~تفريع على قوله: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" والمعنى: فإذا كان ~~بيعتك بيعة الله فالناكث الناقض لها ناقض لبيعة الله ولا يتضرر بذلك إلا ~~نفسه كما لا ينتفع بالإيفاء إلا نفسه لأن الله غني عن العالمين. # وقوله: "ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما" وعد جميل على ~~حفظ العهد والإيفاء به. PageV18P144 # والآية لا تخلو من إيماء إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عند ~~البيعة يضع يده على أيديهم فكانت يده على أيديهم لا بالعكس. # وللمفسرين في قوله: "يد الله فوق أيديهم" أقوال أخر. # فقيل: إنه من الاستعارة التخييلية والاستعارة بالكناية جيء به لتأكيد ما ~~تقدمه وتقرير أن مبايعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كمبايعة الله من ~~غير تفاوت فخيل أنه سبحانه كأحد المبايعين من الناس فأثبتت له يد تقع فوق ~~أيدي المبايعين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مكان يد الرسول وفيه أنه ~~غير مناسب لساحة قدسه تعالى أن يخيل على وجه هو منزه عنه. # وقيل: المراد باليد القوة والنصرة أي قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ~~أي ثق بنصرة الله لا بنصرتهم. # وفيه أن المقام مقام إعظام بيعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن ~~مبايعتهم له مبايعة لله، والوثوق بالله ونصرته وإن كان حسنا في كل حال لكنه ~~أجنبي عن المقام. # وقيل: المراد باليد العطية والنعمة أي نعمة الله عليهم بالثواب أو ~~بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم عليك بالمبايعة، وقيل: نعمته عليهم بالهداية ~~أعظم من نعمتهم عليك بالطاعة إلى غير ذلك من الوجوه التي أوردوها ولا طائل تحتها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه ~~عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) هذه الآية "وتعزروه" قال النبي (صلى الله عليه ms6868 وآله وسلم) لأصحابه: ~~ما ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: لتنصروه. # وفي العيون، بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لعلي بن موسى ~~الرضا (عليهما السلام): يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل ~~الحديث: أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟ فقال: يا أبا الصلت ~~إن الله تعالى فضل نبيه محمدا على جميع خلقه من النبيين والملائكة، وجعل ~~طاعته طاعته، ومبايعته مبايعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عز ~~وجل: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" وقال: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله - يد الله فوق أيديهم" وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من ~~زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله. ودرجته في الجنة أعلى الدرجات، ~~ومن زاره في درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى. # وفي إرشاد المفيد، في حديث بيعة الرضا (عليه السلام) قال: وجلس المأمون ~~ووضع للرضا (عليه السلام) وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه، وأجلس ~~الرضا (عليه السلام) في الحضرة وعليه عمامة وسيف. ثم أمر ابنه العباس بن ~~المأمون أن يبايع له في أول الناس فرفع الرضا (عليه السلام) يده فتلقى بها ~~وجهه وببطنها وجوههم فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة فقال الرضا (عليه ~~السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا كان يبايع فبايعه ~~الناس ويده فوق أيديهم. PageV18P145 ### ||| AUTO 48 سورة الفتح - 11 - 17 # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أمولنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب ~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك فى قلوبكم وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكفرين سعيرا ~~(13) ولله ملك السموت والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا ~~رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ms6869 لتأخذوها ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلم الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون ~~بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل للمخلفين من الأعراب ~~ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله ~~أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) ### |||| AUTO بيان # فصل ثالث من الآيات متعرض لحال الأعراب الذين قعدوا عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في سفره الحديبية ولم ينفروا إذا استنفرهم وهم على ما ~~قيل أعراب حول المدينة من قبائل جهينة ومزينة وغفار وأشجع وأسلم ودئل ~~فتخلفوا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يصاحبوه قائلين: إن محمدا ~~ومن معه يذهبون إلى قوم غزوهم بالأمس في عقر دارهم فقتلوهم قتلا ذريعا، ~~وإنهم لن يرجعوا من هذه السفرة ولن ينقلبوا إلى ديارهم وأهليهم أبدا. # فأخبر الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآيات أنهم ~~سيلقونك ويعتلون في قعودهم باشتغالهم بالأموال والأهلين ويسألونك أن تستغفر ~~الله لهم، وكذبهم الله فيما قالوا وذكر أن السبب في قعودهم غير ذلك وهو ~~ظنهم السوء، وأخبر أنهم سيسألونك اللحوق وليس لهم ذلك غير أنهم سيدعون إلى ~~قتال قوم آخرين فإن أطاعوا كان لهم الأجر الجزيل وإن تولوا فأليم العذاب. # قوله تعالى: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا" إلى آخر الآية، قال في المجمع،: المخلف هو المتروك في المكان ~~خلف الخارجين من البلد، وهو مشتق من الخلف وضده المقدم. # انتهى. # والأعراب - وعلى ما قالوا - الجماعة من عرب البادية ولا يطلق على عرب ~~الحاضرة، وهو اسم جمع لا مفرد له من لفظه. # وقوله: "سيقول لك المخلفون من الأعراب" إخبار عما سيأتي من قولهم للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي اللفظ دلالة ما على نزول ms6870 الآيات في رجوعه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية إلى المدينة ولما يردها. # وقوله: "شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا" أي كان الشاغل المانع لنا ~~عن صحابتك والخروج معك هو أموالنا وأهلونا حيث لم يكن هنا من يقوم بأمرنا ~~فخفنا ضيعتها فلزمناها فاستغفر لنا الله تعالى يغفر لنا تخلفنا عنك، وفي ~~سؤال الاستغفار دليل على أنهم كانوا يرون التخلف ذنبا فتعلقهم بأنه شغلتهم ~~الأموال والأهلون ليس اعتذارا للتبري عن الذنب بل ذكرا للسبب الموقع في الذنب. # وقوله: "يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم" تكذيب لهم في جميع ما أخبروا ~~به وسألوه فلا أن الشاغل لهم هو شغل الأموال والأهلين، ولا أنهم يهتمون ~~باستغفاره (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما سألوه ليكون ذلك جنة يصرفون ~~بها العتاب والتوبيخ عن أنفسهم. PageV18P146 # وقوله: "قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا" ~~جواب حلي عما اعتذروا به من شغل الأموال والأهلين محصله أن الله سبحانه له ~~الخلق والأمر وهو المالك المدبر لكل شيء لا رب سواه فلا ضر ولا نفع إلا ~~بإرادته ومشيته فلا يملك أحد منه تعالى شيئا حتى يقهره على ترك الضر أو فعل ~~الخير إن أراد الضر أو على ترك الخير إن أراد ما لا يريده هذا القاهر من ~~الخير، وإذا كان كذلك فانصرافكم عن الخروج مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نصرة للدين واشتغالكم بما اعتللتم به من حفظ الأموال والأهلين لا ~~يغني من الله شيئا لا يدفع الضر إن أراد الله بكم ضرا ولا يعين على جلب ~~الخير ولا يعجله إن أراد بكم خيرا. # فقوله: "قل فمن يملك لكم" إلخ، جواب عن تعللهم بالشغل على تقدير تسليم ~~صدقهم فيه، ملخصه أن تعلقكم في دفع الضر وجلب الخير بظاهر الأسباب ومنها ~~تدبيركم والقعود بذلك عن مشروع ديني لا يغنيكم شيئا في ضر أو نفع بل الأمر ~~تابع لما أراده الله سبحانه فالآية في معنى قوله تعالى: "قل لن يصيبنا إلا ~~ما كتب ms6871 الله لنا". # والتمسك بالأسباب وعدم إلغائها وإن كان مشروعا مأمورا به لكنه فيما لا ~~يعارض ما هو أهم منها كالدفاع عن الحق وإن كان فيه بعض المكاره المحتملة ~~اللهم إلا إذا تعقب خطرا قطعيا لا أثر معه للدفاع والسعي. # وقوله: "بل كان الله بما تعملون خبيرا" تعريض لهم فيه إشارة إلى كذبهم في ~~قولهم: "شغلتنا أموالنا وأهلونا". # قوله تعالى: "بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ~~وزين ذلك في قلوبكم" إلخ، بيان لما يشير إليه قوله: "بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا" من كذبهم في اعتذارهم، والمعنى: ما تخلفتم عن الخروج بسبب ~~اشتغالكم بالأموال والأهلين بل ظننتم أن الرسول والمؤمنين لن يرجعوا إلى ~~أهليهم أبدا وأن الخارجين سيقتلون بأيدي قريش بما لهم من الجموع والبأس ~~الشديد والشوكة والقدرة ولذلك تخلفتم. # وقوله: "وزين ذلك في قلوبكم" أي زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم فأخذتم ~~بما يقتضيه ذلك الظن المزين وهو أن تتخلفوا ولا تخرجوا حذرا من أن تهلكوا ~~وتبيدوا. # وقوله: "وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا" البور - على ما قيل - مصدر ~~بمعنى الفساد أو الهلاك أريد به معنى الفاعل أي كنتم قوما فاسدين أو ~~هالكين. # قيل: المراد بظن السوء ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا ولا يبعد أن يكون المراد به ظنهم أن الله لا ينصر رسوله ولا يظهر دينه ~~كما مر في قوله في الآية السادسة من السورة: "الظانين بالله ظن السوء" بل ~~هو أظهر. # قوله تعالى: "ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا" ~~الجمع في هذه الآيات بين الإيمان بالله ورسوله للدلالة على أن الكفر ~~بالرسول بعدم طاعته كفر بالله، وفي الآية لحن تهديد. # وقوله: "فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا" كان مقتضى الظاهر أن يقال: أعتدنا ~~لهم فوضع الظاهر موضع الضمير للإشارة إلى علة الحكم بتعليقه على المشتق، ~~والمعنى: أعتدنا وهيأنا لهم لكفرهم سعيرا أي نارا مسعرة مشتعلة، وتنكير ~~سعيرا للتهويل. # قوله تعالى: "ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من ms6872 يشاء وكان ~~الله غفورا رحيما" معنى الآية ظاهر وفيها تأييد لما تقدم، وفي تذييل الملك ~~المطلق بالاسمين: الغفور الرحيم إشارة إلى سبق الرحمة الغضب وحث على ~~الاستغفار والاسترحام. # قوله تعالى: "سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم" إلى آخر الآية إخبار عن أن المؤمنين سيغزون غزوة فيرزقون الفتح ~~ويصيبون مغانم ويسألهم المخلفون أن يتركوهم يتبعونهم طمعا في الغنيمة، وتلك ~~غزوة خيبر اجتاز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون إليه ففتحوه ~~وأخذوا الغنائم وخصها الله تعالى بمن كان مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في سفره الحديبية لم يشرك معهم غيرهم. # والمعنى: أنكم ستنطلقون إلى غزوة فيها مغانم تأخذونها فيقول هؤلاء ~~المخلفون: اتركونا نتبعكم. PageV18P147 # وقوله: "يريدون أن يبدلوا كلام الله" قيل: المراد به وعده تعالى أهل ~~الحديبية أن يخصهم بغنائم خيبر بعد فتحه كما سيجيء من قوله: "وعدكم الله ~~مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه الآية، ويشير إليه في هذه الآية بقوله: ~~"إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها". # وقوله: "قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل" أمر منه تعالى للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يمنعهم عن اتباعهم استنادا إلى قوله تعالى من قبل ~~أن يسألوهم الاتباع. # وقوله: "فسيقولون بل تحسدوننا" أي سيقول المخلفون بعد ما منعوا عما سألوه ~~من الاتباع: "بل تحسدوننا" وقوله: "بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا" جواب عن ~~قولهم: "بل تحسدوننا" لم يوجه الخطاب إليهم أنفسهم لأن المدعي أنهم لا ~~يفقهون الحديث ولذلك وجه الخطاب بالجواب إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وقال: "بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا". # وذلك أن قولهم: "بل تحسدوننا" إضراب عن قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لهم بأمر الله: "لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل" فمعنى قولهم: إن ~~منعنا من الاتباع ليس عن أمر من قبل الله بل إنما تمنعنا أنت ومن معك من ~~المؤمنين أهل الحديبية أن نشارككم في الغنائم وتريدون أن تختص بكم. # وهذا كلام لا يواجه به مؤمن له عقل ms6873 وتمييز رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) المعصوم الذي لا يرد ولا يصدر في شأن إلا بأمر من الله اللهم إلا أن ~~يكون من بساطة العقل وبلادة الفهم فهذا القول الذي واجهوا به النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهم مدعون للإيمان والإسلام أدل دليل على ضعف تعقلهم ~~وقلة فقههم. # ومن هنا يظهر أن المراد بعدم فقههم إلا قليلا بساطة عقلهم وضعف فقههم ~~للقول لا أنهم يفقهون بعض القول ولا يفقهون بعضه وهو الكثير ولا أن بعضهم ~~يفقه القول وجلهم لا يفقهونه كما فسره به بعضهم. # قوله تعالى: "قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون" إلخ، اختلفوا في هذا القوم من هم؟ فقيل: المراد به ~~هوازن، وقيل: ثقيف، وقيل: هوازن وثقيف، وقيل: هم الروم في غزاة مؤتة وتبوك، ~~وقيل: هم أهل الردة قاتلهم أبو بكر بعد الرحلة، وقيل: هم الفارس، وقيل: ~~أعراب الفارس وأكرادهم. # وظاهر قوله: "ستدعون" أنهم بعض الأقوام الذين قاتلهم النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بعد فتح خيبر من هوازن وثقيف والروم في مؤتة، وقوله تعالى ~~سابقا: "قل لن تتبعونا" ناظر إلى نفي اتباعهم في غزوة خيبر على ما يفيده ~~السياق. # وقوله: "تقاتلونهم أو يسلمون" استئناف يدل على التنويع أي إما تقاتلون أو ~~يسلمون أي إنهم مشركون لا تقبل منهم جزية كما تقبل من أهل الكتاب بل إما أن ~~يقاتلوا أو يسلموا. # ولا يصح أخذ "تقاتلونهم" صفة لقوم لأنهم يدعون إلى قتال القوم لا إلى ~~قتال قوم يقاتلونهم، وكذا لا يصح أخذ حالا من نائب فاعل "ستدعون" لأنهم ~~يدعون إلى قتال القوم لا أنهم يدعون إليهم حال قتالهم، كذا قيل. # ثم تمم سبحانه الكلام بالوعد والوعيد على الطاعة والمعصية فقال: "فإن ~~تطيعوا" أي بالخروج إليهم "يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا" أي بالمعصية ~~وعدم الخروج "كما توليتم من قبل" ولم تخرجوا في سفره الحديبية "يعذبكم ~~عذابا أليما" أي في الدنيا كما هو ظاهر المقام أو في الدنيا والآخرة معا. # قوله ms6874 تعالى: "ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج" ~~رفع للحكم بوجوب الجهاد عن ذوي العاهة الذين يشق عليهم الجهاد برفع لازمه ~~وهو الحرج. # ثم تمم الآية أيضا بإعادة نظير ذيل الآية السابقة فقال: "ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما". PageV18P148 ### ||| AUTO 48 سورة الفتح - 18 - 28 # لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثبهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان ~~الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف ~~أيدى الناس عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صرطا مستقيما (20) وأخرى لم ~~تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شىء قديرا (21) ولو قتلكم ~~الذين كفروا لولوا الأدبر ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التى ~~قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذى كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ~~(24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله ~~ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنت لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله فى رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شىء عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27) هو الذى أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28) ### |||| AUTO بيان # فصل رابع من الآيات يذكر تعالى فيه المؤمنين ممن كان مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في خروجه إلى الحديبية فيذكر رضاه عنهم إذ بايعوا النبي ms6875 ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة ثم يمتن عليهم بإنزال السكينة وإثابة ~~فتح قريب ومغانم كثيرة يأخذونها. # ويخبرهم - وهو بشرى - أن المشركين لو قاتلوهم لانهزموا وولوا الأدبار وأن ~~الرؤيا التي رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤيا صادقة سيدخلون ~~المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم لا يخافون فإنه تعالى أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. # قوله تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" الرضا ~~هيئة تطرأ على النفس من تلقي ما يلائمها وتقبله من غير دفع، ويقابله السخط، ~~وإذا نسب إلى الله سبحانه كان المراد الإثابة والجزاء الحسن دون الهيأة ~~الطارئة والصفة العارضة الحادثة لاستحالة ذلك عليه تعالى: فرضاه سبحانه من ~~صفات الفعل لا من صفات الذات. # والرضا - كما قيل - يستعمل متعديا إلى المفعول بنفسه ومتعديا بعن ومتعديا ~~بالباء فإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو: رضيت زيدا، وعلى المعنى ~~نحو: رضيت إمارة زيد، قال تعالى: "ورضيت لكم الإسلام دينا": المائدة: 3، ~~وإذا عدي بعن دخل على الذات كقوله: "رضي الله عنهم ورضوا عنه": البينة: 8، ~~وإذا عدي بالباء دخل على المعنى كقوله تعالى: "أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة". # ولما كان الرضا المنسوب إليه تعالى صفة فعل له بمعنى الإثابة والجزاء، ~~والجزاء إنما يكون بإزاء العمل دون الذات ففيما نسب من رضاه تعالى إلى ~~الذات وعدي بعن كما في الآية "لقد رضي الله عن المؤمنين" نوع عناية استدعى ~~عد الرضا وهو متعلق بالعمل متعلقا بالذات وهو أخذ بيعتهم التي هي متعلقة ~~الرضا ظرفا للرضى فلم يسع إلا أن يكون الرضا متعلقا بهم أنفسهم. PageV18P149 # فقوله: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" إخبار عن إثابته ~~تعالى لهم بإزاء بيعتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة. # وقد كانت البيعة يوم الحديبية تحت شجرة سمرة بها بايعه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من معه من المؤمنين وقد ظهر به أن الظرف في قوله: "إذ يبايعونك" ~~متعلق بقوله: "لقد رضي" واللام ms6876 للقسم. # قوله تعالى: "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ~~ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما" تفريع على قوله: "لقد رضي ~~الله" إلخ، والمراد بما في قلوبهم حسن النية وصدقها في مبايعتهم فإن العمل ~~إنما يكون مرضيا عند الله لا بصورته وهيئته بل بصدق النية وإخلاصها. # فالمعنى: فعلم ما في قلوبهم من صدق النية وإخلاصها في مبايعتهم لك. # وقيل: المراد بما في قلوبهم الإيمان وصحته وحب الدين والحرص عليه، وقيل: ~~الهم والأنفة من لين الجانب للمشركين وصلحهم. # والسياق لا يساعد على شيء من هذين الوجهين كما لا يخفى. # فإن قلت: المراد بما في قلوبهم ليس مطلق ما فيها بل نيتهم الصادقة ~~المخلصة في المبايعة كما ذكر، وعلمه تعالى بنيتهم الموصوفة بالصدق والإخلاص ~~سبب يتفرع عليه رضاه تعالى عنهم لا مسبب متفرع على الرضا، ولازم ذلك تفريع ~~الرضا على العلم بأن يقال: لقد علم ما في قلوبهم فرضي عنهم لا تفريع العلم ~~على الرضا كما في الآية. # قلت: كما أن للمسبب تفرعا على السبب من حيث التحقق والوجود كذلك للسبب - ~~سواء كان تاما أو ناقصا - تفرع على المسبب من حيث الانكشاف والظهور، والرضا ~~كما تقدم صفة فعل له تعالى منتزع عن مجموع علمه تعالى بالعمل الصالح وما ~~يثيب به ويجزي صاحب العمل، والذي انتزع عنه الرضا في المقام هو مجموع علمه ~~تعالى بما في قلوبهم وإنزاله السكينة عليهم وإثابتهم فتحا قريبا ومغانم ~~كثيرة يأخذونها. # فقوله: "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة" إلخ، تفريع على قوله: "لقد رضي ~~الله عن المؤمنين" للدلالة على حقيقة هذا الرضا والكشف عن مجموع الأمور ~~التي بتحققها يتحقق معنى الرضا. # ثم قوله: "فأنزل السكينة عليهم" متفرع على قوله: "فعلم ما في قلوبهم" ~~وكذا ما عطف عليه من قوله: "وأثابهم فتحا قريبا" إلخ. # والمراد بالفتح القريب فتح خيبر على ما يفيده السياق وكذا المراد بمغانم ~~كثيرة يأخذونها، غنائم خيبر، وقيل: المراد بالفتح القريب فتح مكة، والسياق ~~لا يساعد عليه. # وقوله: "وكان الله عزيزا حكيما" ms6877 أي غالبا فيما أراد متقنا لفعله غير ~~مجازف فيه. # قوله تعالى: "وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه" إلخ، المراد ~~بهذه المغانم الكثيرة المغانم التي سيأخذها المؤمنون بعد الرجوع من ~~الحديبية أعم من مغانم خيبر وغيرها فتكون الإشارة بقوله: "فعجل لكم هذه" ~~إلى المغانم المذكورة في الآية السابقة وهي مغانم خيبر نزلت منزلة الحاضرة ~~لاقتراب وقوعها. # هذا على تقدير نزول الآية مع الآيات السابقة، وأما على ما قيل: إن الآية ~~نزلت بعد فتح خيبر فأمر الإشارة في قوله: "فعجل لكم هذه" ظاهر لكن المعروف ~~نزول السورة بتمامها في مرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية ~~بينها وبين المدينة. # وقيل: الإشارة بهذه إلى البيعة التي بايعوها تحت الشجرة وهو كما ترى. # وقوله: "وكف أيدي الناس عنكم" قيل: المراد بالناس قبيلتا أسد وغطفان هموا ~~بعد مسير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيبر أن يغيروا على أموال ~~المسلمين وعيالهم بالمدينة فقذف الله في قلوبهم الرعب وكف أيديهم. # وقيل: المراد مالك بن عوف وعيينة بن حصين مع بني أسد وغطفان جاءوا لنصرة ~~يهود خيبر فقذف الله في قلوبهم الرعب فرجعوا، وقيل: المراد بالناس أهل مكة ~~ومن والاها حيث لم يقاتلوه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورضوا بالصلح. # وقوله: "ولتكون آية للمؤمنين" عطف على مقدر أي وعدهم الله بهذه الإثابة ~~إثابة الفتح والغنائم الكثيرة المعجلة والمؤجلة لمصالح كذا وكذا ولتكون آية ~~للمؤمنين أي علامة وأمارة تدلهم على أنهم على الحق وأن ربهم صادق في وعده ~~ونبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) صادق في إنبائه. PageV18P150 # وقد اشتملت السورة على عدة من أنباء الغيب فيها هدى للمتقين كقوله: "سيقول ~~لك المخلفون من الأعراب شغلتنا" إلخ، وقوله: "سيقول المخلفون إذا انطلقتم" ~~إلخ، وقوله: "قل للمخلفين من الأعراب ستدعون" إلخ، وما في هذه الآيات من ~~وعد الفتح والمغانم، وقوله بعد: "وأخرى لم تقدروا عليها" إلخ، وقوله بعد: ~~"لقد صدق الله رسوله الرؤيا" إلخ. # وقوله: "ويهديكم صراطا مستقيما" عطف على "تكون" أي وليهديكم صراطا ~~مستقيما ms6878 وهو الطريق الموصل إلى إعلاء كلمة الحق وبسط الدين، وقيل: هو الثقة ~~بالله والتوكل عليه في كل ما تأتون وتذرون، وما ذكرناه أوفق للسياق. # قوله تعالى: "وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل ~~شيء قديرا" أي وغنائم أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها إحاطة قدرة ~~وكان الله على كل شيء قديرا. # فقوله: "أخرى" مبتدأ و"لم تقدروا عليها" صفته وقوله: "قد أحاط الله بها" ~~خبره الثاني وخبره الأول محذوف، وتقدير الكلام: وثمة غنائم أخرى قد أحاط ~~الله بها. # وقيل: قوله: "أخرى" في موضع نصب بالعطف على قوله: "هذه" والتقدير: وعجل ~~لكم غنائم أخرى، وقيل: في موضع نصب بفعل محذوف، والتقدير: وقضى غنائم أخرى، ~~وقيل: في موضع جر بتقدير رب والتقدير: ورب غنائم أخرى وهذه وجوه لا يخلو ~~شيء منها من وهن. # والمراد بالأخرى في الآية - على ما قيل - غنائم هوازن، وقيل: المراد ~~غنائم فارس والروم، وقيل: المراد فتح مكة والموصوف محذوف، والتقدير: وقرية ~~أخرى لم تقدروا عليها أي على فتحها، وأول الوجوه أقربها. # قوله تعالى: "ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا" خبر آخر ينبئهم الله سبحانه ضعف الكفار عن قتال المؤمنين بأنفسهم ~~وأن ليس لهم ولي يتولى أمرهم ولا نصير ينصرهم، ويتخلص في أنهم لا يقوون في ~~أنفسهم على قتالكم ولا نصير لهم من الأعراب ينصرهم، وهذا في نفسه بشرى ~~للمؤمنين. # قوله تعالى: "سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" ~~"سنة الله" مفعول مطلق لفعل مقدر أي سن سنة الله أي هذه سنة قديمة له ~~سبحانه أن يظهر أنبياءه والمؤمنين بهم إذا صدقوا في إيمانهم وأخلصوا نياتهم ~~على أعدائهم من الذين كفروا ولن تجد لسنة الله تبديلا كما قال تعالى: "كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي": المجادلة: 21. # ولم يصب المسلمون في شيء من غزواتهم إلا بما خالفوا الله ورسوله بعض ~~المخالفة. # قوله تعالى: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ms6879 أن ~~أظفركم عليهم" إلخ، الظاهر أن المراد بكف أيدي كل من الطائفتين عن الأخرى ~~ما وقع من الصلح بين الفئتين بالحديبية وهي بطن مكة لقربها منها واتصالها ~~بها حتى قيل إن بعض أراضيها من الحرم وذلك أن كلا من الفئتين كانت أعدى عدو ~~للأخرى وقد اهتمت قريش بجمع المجموع من أنفسهم ومن الأحابيش، وبايع ~~المؤمنون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يقاتلوا، وعزم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) على أن يناجز القوم، وقد أظفر الله النبي والذين ~~آمنوا على الكفار حيث دخلوا أرضهم وركزوا أقدامهم في عقر دارهم فلم يكن ~~ليتوهم بينهم إلا القتال لكن الله سبحانه كف أيدي الكفار عن المؤمنين وأيدي ~~المؤمنين عن الكفار بعد إظفار المؤمنين عليهم وكان الله بما يعملون بصيرا. # قوله تعالى: "هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله" العكوف على أمر هو الإقامة عليه، والمعكوف - كما في المجمع - ~~الممنوع من الذهاب إلى جهة بالإقامة في مكانه، ومنه الاعتكاف وهو الإقامة ~~في المسجد للعبادة. # والمعنى: المشركون مشركوا مكة هم الذين كفروا ومنعوكم عن المسجد الحرام ~~ومنعوا الهدي - الذي سقتموه - حال كونه محبوسا من أن يبلغ محله أي الموضع ~~الذي ينحر أو يذبح فيه وهو مكة التي ينحر أو يذبح فيها هدي العمرة كما أن ~~هدي الحج ينحر أو يذبح في منى، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ومن معه من المؤمنين محرمين للعمرة ساقوا هديا لذلك. PageV18P151 # قوله تعالى: "ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم" الوطء الدوس، والمعرة المكروه، وقوله: "أن ~~تطئوهم" بدل اشتمال من مدخول لو لا، وجواب لو لا محذوف، والتقدير: ما كف ~~أيديكم عنهم. # والمعنى: ولو لا أن تدوسوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بمكة وأنتم جاهلون ~~بهم لا تعلمون فتصيبكم من قتلهم وإهلاكهم مكروه لما كف الله أيديكم عنهم. # وقوله: "ليدخل الله في رحمته من يشاء" اللام متعلق بمحذوف، والتقدير: ~~ولكن كف أيديكم عنهم ms6880 ليدخل في رحمته أولئك المؤمنين والمؤمنات غير ~~المتميزين بسلامتهم من القتل وإياكم بحفظكم من أصابه المعرة. # وقيل: المعنى: ليدخل في رحمته من أسلم من الكفار بعد الصلح. # وقوله: "لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما" التزيل التفرق ~~وضمير "تزيلوا" لجميع من تقدم ذكره من المؤمنين والكفار من أهل مكة أي لو ~~تفرقوا بأن يمتاز المؤمنون من الكفار لعذبنا الذين كفروا من أهل مكة عذابا ~~أليما لكن لم نعذبهم لحرمة من اختلط بهم من المؤمنين. # قوله تعالى: "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية" إلى ~~آخر الآية قال الراغب: وعبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحمية ~~فيقال: حميت على فلان أي غضبت عليه قال تعالى: "حمية الجاهلية" وعن ذلك ~~استعير قولهم: حميت المكان حمى انتهى. # والظرف في قوله: "إذ جعل" متعلق بقوله سابقا: "وصدوكم" وقيل: متعلق ~~بقوله: "لعذبنا" وقيل: متعلق باذكر المقدر، والجعل بمعنى الإلقاء و"الذين ~~كفروا" فاعله والحمية مفعوله و"حمية الجاهلية" بيان للحمية والجاهلية وصف ~~موضوع في موضع الموصوف والتقدير الملة الجاهلية. # ولو كان "جعل" بمعنى صير كان مفعوله الثاني مقدرا والتقدير إذ جعل الذين ~~كفروا الحمية راسخة في قلوبهم ووضع الظاهر موضع الضمير في قوله: "جعل الذين ~~كفروا" للدلالة على سبب الحكم. # ومعنى الآية: هم الذين كفروا وصدوكم إذ ألقوا في قلوبهم الحمية حمية ~~الملة الجاهلية. # وقوله: "فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين" تفريع على قوله: ~~"جعل الذين كفروا" ويفيد نوعا من المقابلة كأنه قيل: جعلوا في قلوبهم ~~الحمية فقابله الله سبحانه بإنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين فاطمأنت ~~قلوبهم ولم يستخفهم الطيش وأظهروا السكينة والوقار من غير أن يستفزهم ~~الجهالة. # وقوله: "وألزمهم كلمة التقوى" أي جعلها معهم لا تنفك عنهم، وهي على ما ~~اختاره جمهور المفسرين كلمة التوحيد وقيل: المراد الثبات على العهد والوفاء ~~به وقيل: المراد بها السكينة وقيل: قولهم: بلى في عالم الذر، وهو أسخف ~~الأقوال. # ولا يبعد أن يراد بها روح الإيمان التي تأمر بالتقوى كما قال تعالى: ~~"أولئك كتب ms6881 في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22، وقد أطلق ~~الله الكلمة على الروح في قوله: "وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": ~~النساء: 171. # وقوله: "وكانوا أحق بها وأهلها" أما كونهم أحق بها فلتمام استعدادهم ~~لتلقي هذه العطية الإلهية بما عملوا من الصالحات فهم أحق بها من غيرهم، ~~وأما كونهم أهلها فلأنهم مختصون بها لا توجد في غيرهم وأهل الشيء خاصته. # وقيل: المراد وكانوا أحق بالكسينة وأهلها، وقيل: إن في الكلام تقديما ~~وتأخيرا والأصل وكانوا أهلها وأحق بها وهو كما ترى. # وقوله: "وكان الله بكل شيء عليما" تذييل لقوله: "وكانوا أحق بها وأهلها" ~~أو لجميع ما تقدم، والمعنى على الوجهين ظاهر. # قوله تعالى: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون" الخ، قيل: إن صدق وكذب ~~مخففين يتعديان إلى مفعولين يقال: صدقت زيدا الحديث وكذبته الحديث، وإلى ~~المفعول الثاني بفي يقال: صدقته في الحديث وكذبته فيه، ومثقلين يتعديان إلى ~~مفعول واحد يقال: صدقته في حديثه وكذبته في حديثه. # واللام في "لقد صدق الله" للقسم، وقوله: "لتدخلن المسجد الحرام" جواب القسم. PageV18P152 # وقوله: "بالحق" حال من الرؤيا والباء فيه للملابسة، والتعليق بالمشية في ~~قوله: "إن شاء الله" لتعليم العباد والمعنى: أقسم لقد صدق الله رسوله في ~~الرؤيا التي أراه لتدخلن أيها المؤمنون المسجد الحرام إن شاء الله حال ~~كونكم آمنين من شر المشركين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون المشركين. # وقوله: "فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا" "ذلك" إشارة إلى ~~ما تقدم من دخولهم المسجد الحرام آمنين، والمراد بقوله: "من دون ذلك" أقرب ~~من ذلك والمعنى: فعلم تعالى من المصلحة في دخولكم المسجد الحرام آمنين ما ~~جهلتموه ولم تعلموه، ولذلك جعل قبل دخولكم كذلك فتحا قريبا ليتيسر لكم ~~الدخول كذلك. # ومن هنا يظهر أن المراد بالفتح القريب في هذه الآية فتح الحديبية فهو ~~الذي سوى للمؤمنين الطريق لدخول المسجد الحرام آمنين ويسر لهم ذلك ولو لا ~~ذلك لم يمكن لهم الدخول ms6882 فيه إلا بالقتال وسفك الدماء ولا عمرة مع ذلك لكن ~~صلح الحديبية وما اشترط من شرط أمكنهم من دخول المسجد معتمرين في العام ~~القابل. # ومن هنا تعرف أن قول بعضهم: إن المراد بالفتح القريب في الآية فتح خيبر ~~بعيد من السياق، وأما القول بأنه فتح مكة فأبعد. # وسياق الآية يعطي أن المراد بها إزالة الريب عن بعض من كان مع النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فإن المؤمنين كانوا يزعمون من رؤيا رآها النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من دخولهم المسجد آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، أنهم ~~سيدخلونه كذلك في عامهم ذلك فلما خرجوا قاصدين مكة معتمرين فاعترضهم ~~المشركون بالحديبية وصدوهم عن المسجد الحرام ارتاب بعضهم في الرؤيا فأزال ~~الله ريبهم بما في الآية. # ومحصله: أن الرؤيا حقة أراها الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ~~صدق تعالى في ذلك، وستدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ~~ومقصرين لا تخافون، لكنه تعالى أخره وقدم عليه هذا الفتح وهو صلح الحديبية ~~ليتيسر لكم دخوله لعلمه تعالى بأنه لا يمكن لكم دخوله آمنين محلقين رءوسكم ~~ومقصرين لا تخافون إلا بهذا الطريق. # قوله تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" ~~إلخ، تقدم تفسيره في سورة التوبة الآية 33، وقوله: "وكفى بالله شهيدا" أي ~~شاهدا على صدق نبوته والوعد إن دينه سيظهر على الدين كله أو على أن رؤياه ~~صادقة، فالجملة تذييل ناظر إلى نفس الآية أو الآية السابقة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين" الآية: ~~أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: بينا نحن ~~قائلون إذ نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أيها الناس ~~البيعة البيعة نزل روح القدس، فثرنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى: "لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" فبايع لعثمان إحدى ms6883 يديه على الأخرى فقال ~~الناس هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت ونحن هاهنا. فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف. # وفيه، أخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن مغفل بن يسار قال: لقد ~~رأيتني يوم الشجرة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبايع الناس وأنا رافع ~~غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة ولم نبايعه على الموت ولكن ~~بايعناه على أن لا نفر. # أقول: كون المؤمنين يومئذ أربع عشرة مائة مروي في روايات أخرى، وفي بعض ~~الروايات ألف وثلاثمائة وفي بعضها إلى ألف وثمان مائة، وكذا كون البيعة على ~~أن لا يفروا وفي بعضها على الموت. # وفيه، أخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: "فعلم ما في قلوبهم ~~- فأنزل السكينة عليهم" قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء. PageV18P153 # أقول: والرواية تخصص ما تقدم عليها ويدل عليه قوله تعالى فيما تقدم: "إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث ~~على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما" فاشترط في الأجر ~~- ويلازمه الاشتراط في الرضا - الوفاء وعدم النكث، وقد أورد القمي هذا ~~المعنى في تفسيره وكأنه رواية. # وفي الدر المنثور، أيضا: في قوله تعالى: "إذ جعل الذين كفروا" الآية: ~~أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: اتهموا ~~أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية نرجىء الصلح الذي كان بين النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وبين المشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا. فجاء عمر إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على ~~الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس ms6884 قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. ~~قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: ~~يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا. فرجع متغيظا فلم يصبر ~~حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: ~~بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى قال: فلم نعطي ~~الدنية في ديننا؟ قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا ~~فنزلت سورة الفتح فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عمر ~~فأقرأه إياها فقال: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: نعم. # وفي كمال الدين، بإسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~في قول الله عز وجل: "لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما" قال: ~~لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من ~~المؤمنين لعذبنا الذين كفروا. # أقول: وهذا المعنى مروي في روايات أخر. # وبإسناده عن جميل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: ~~"وألزمهم كلمة التقوى" قال: هو الإيمان. # وفي الدر المنثور، أخرج الترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن ~~جرير والدارقطني في الإفراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ~~أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "وألزمهم كلمة التقوى" ~~قال: لا إله إلا الله. # أقول: وروي هذا المعنى أيضا بطرق أخرى عن علي وسلمة بن الأكوع وأبي ~~هريرة، وروي أيضا من طرق الشيعة كما في العلل، بإسناده عن الحسن بن عبد ~~الله عن آبائه عن جده الحسن بن علي (عليهما السلام) عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): في حديث يفسر فيه "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر" قال (صلى الله عليه وآله وسلم): وقوله: لا إله إلا الله ~~يعني وحدانيته لا يقبل الله الأعمال إلا بها، وهي كلمة التقوى يثقل الله ~~بها الموازين يوم ms6885 القيامة. # وفي المجمع، في قصة فتح خيبر قال: ولما قدم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة ثم خرج منها غاديا إلى خيبر. # ذكر ابن إسحاق بإسناده إلى أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن جده قال: خرجنا ~~مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيبر حتى إذا كنا قريبا منها ~~وأشرفنا عليها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قفوا فوقف الناس ~~فقال اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب ~~الشياطين وما أضللن إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ~~ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها. أقدموا بسم الله. PageV18P154 # وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ~~خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك ~~وكان عامر رجلا شاعرا فجعل يقول: لا هم لو لا أنت ما حجينا ولا تصدقنا ولا ~~صلينا فاغفر فداء لك ما اقتنينا وثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا ~~إنا إذا صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): من هذا السائق؟ قالوا: عامر. قال: يرحمه الله. قال عمر وهو على ~~جمل له وجيب: يا رسول الله لو لا أمتعتنا به، وذلك أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ما استغفر لرجل قط يخصه إلا استشهد. قالوا: فلما جد الحرب ~~وتصاف القوم خرج يهودي وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل ~~مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز إليه عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أني ~~عامر شاكي السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف اليهودي في ترس عامر ~~وكان سيف عامر فيه قصر فتناول به ساق اليهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب ~~عين ركبة عامر فمات منه. قال سلمة: فإذا نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله ms6886 وسلم) يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه. قال: فأتيت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأنا أبكي فقلت: قالوا: إن عامرا بطل عمله، فقال: من ~~قال ذلك؟ قلت: نفر من أصحابك، فقال: كذب أولئك بل أوتي من الأجر مرتين. ~~قال: فحاصرناهم حتى أصابنا مخمصة شديدة ثم إن الله فتحها علينا، وذلك أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض ~~معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله ~~يجبنه أصحابه ويجبنهم، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذته ~~الشقيقة فلم يخرج إلى الناس فقال حين أفاق من وجعه: ما فعل الناس بخيبر؟ ~~فأخبر فقال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ~~كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه. # وروى البخاري ومسلم عن قتيبة بن سعيد قال: حدثنا يعقوب عن عبد الرحمن ~~الإسكندراني عن أبي حازم قال: أخبرني سعد بن سهل: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على ~~يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون بجملتهم ~~أنهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كلهم يرجون أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول ~~الله هو يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال علي: ~~يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل ~~بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فوالله لأن ~~يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. قال سلمة: فبرز ~~مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب... الأبيات، فبرز له علي وهو يقول: ~~أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات ms6887 كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل ~~السندرة فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله وكان الفتح على يده:. أورده مسلم في ~~صحيحه. وروى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن أبي رافع مولى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود ~~فطرح ترسه من يده فتناول علي باب الحصن فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده ~~وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر مع سبعة ~~أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه. # وبإسناده عن ليث بن أبي سليم عن أبي جعفر محمد بن علي قال: حدثني جابر بن ~~عبد الله: أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فاقتحموها، ~~وأنه حرك بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا:. قال: وروي من وجه آخر عن جابر: ~~ثم اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب. PageV18P155 # وبإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان علي يلبس في الحر والشتاء ~~القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر فأتاني أصحابي فقالوا: إنا رأينا من ~~أمير المؤمنين شيئا فهل رأيت؟ فقلت: وما هو؟ قالوا: رأيناه يخرج علينا في ~~الحر الشديد في القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر، ويخرج علينا في البرد ~~الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد فهل سمعت في ذاك شيئا؟ فقلت: ~~لا فقالوا: فسل لنا أباك عن ذلك فإنه يسمر معه فسألته فقال: ما سمعت في ذلك ~~شيئا. فدخل على علي فسمر معه ثم سأله عن ذلك فقال: أوما شهدت خيبر؟ قلت: ~~بلى. قال: أفما رأيت رسول الله حين دعا أبا بكر فعقد له ثم بعثه إلى القوم ~~فانطلق فلقي القوم ثم جاء بالناس وقد هزم ثم بعث إلى عمر فعقد له ثم بعثه ~~إلى القوم فانطلق فلقي القوم فقاتلهم ثم رجع وقد هزم. فقال رسول الله ms6888 (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه ~~الله ورسوله يفتح الله على يديه كرارا غير فرار فدعاني وأعطاني الراية ثم ~~قال: اللهم اكفه الحر والبرد فما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا وهذا كله منقول ~~من كتاب دلائل النبوة للإمام أبي بكر البيهقي. # قال الطبرسي: ثم لم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفتح الحصون ~~حصنا حصنا ويحوز الأموال حتى انتهوا إلى حصن الوطيح والسلالم وكان آخر حصون ~~خيبر افتتح، وحاصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بضع عشرة ليلة. PageV18P156 # قال ابن إسحاق: ولما افتتح القموص حصن أبي الحقيق أتى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما بلال وهو الذي ~~جاء بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي معها صفية صاحت وصكت وجهها ~~وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~أعزبوا عني هذه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرف ~~المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه، وقال لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما ~~رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟ وكانت ~~صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا ~~وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك ~~الحجاز محمدا ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها فأتي بها رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وبها أثر منها فسألها رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما هو؟ فأخبرته. وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنزل فأكلمك؟ قال: نعم. فنزل وصالح رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم، ~~ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وبين ما كان لهم من ms6889 مال وأرض على الصفراء والبيضاء والكراع والخلقة ~~وعلى البز إلا ثوبا على ظهر إنسان، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك. ~~فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلون بينه وبين الأموال ~~ففعل وكان ممن مشى بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهم في ذلك ~~محيصة بن مسعود أحد بني حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعاملهم الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم ~~بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف ~~على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت ~~أموال خيبر فيئا بين المسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب. ولما اطمأن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم وهي ~~ابنة أخي مرحب شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها السم وسمت سائر الشاة ثم ~~جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فأخذها ولاك منها مضغة وانتهش ~~منها ومعه بشر بن البراء بن معرور فتناول عظما فانتهش منه فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أنها ~~مسمومة ثم دعاها فاعترفت فقال: ما حملك على ذلك؟ فقالت: بلغت من قومي ما لم ~~يخف عليك فقلت: إن كان نبيا فسيخبر وإن كان ملكا استرحت منه فتجاوز عنها ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومات بشر بن البراء من أكلته التي ~~أكل. قال: ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يعوده ms6890 في مرضه الذي توفي فيه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أم بشر ما ~~زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري، ~~وكان المسلمون يرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مات شهيدا مع ~~ما أكرمه الله به من النبوة. PageV18P157 ### ||| AUTO 48 سورة الفتح - 29 # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضونا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى ~~التوراة ومثلهم فى الانجيل كزرع أخرج شطئه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما (29) ### |||| AUTO بيان # الآية خاتمة السورة تصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتصف الذين معه ~~بما وصفهم به في التوراة والإنجيل وتعد الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات ~~وعدا جميلا، وللآية اتصال بما قبلها حيث أخبر فيه أنه أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق. # قوله تعالى: "محمد رسول الله" إلى آخر الآية، الظاهر أنه مبتدأ وخبر فهو ~~كلام تام، وقيل: "محمد" خبر مبتدإ محذوف وهو ضمير عائد إلى الرسول في الآية ~~السابقة والتقدير: هو محمد، و"رسول الله" عطف بيان أو صفة أو بدل، وقيل: ~~"محمد" مبتدأ و"رسول الله" عطف بيان أو صفة أو بدل و"الذين معه" معطوف على ~~المبتدإ و"أشداء على الكفار" إلخ، خبر المبتدإ. # وقوله: "والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" مبتدأ وخبر، فالكلام ~~مسوق لتوصيف الذين معه والشدة والرحمة المذكورتان من نعوتهم. # وتعقيب قوله: "أشداء على الكفار" بقوله: "رحماء بينهم" لدفع ما يمكن أن ~~يتوهم أن كونهم أشداء على الكفار يستوجب بعض الشدة فيما بينهم فدفع ذلك ~~بقوله: "رحماء بينهم" وأفادت الجملتان أن سيرتهم مع الكفار الشدة ومع ~~المؤمنين فيما بينهم الرحمة. # وقوله: "تراهم ركعا سجدا" الركع والسجد جمعا راكع وساجد، والمراد بكونهم ~~ركعا سجدا إقامتهم للصلاة، و"تراهم" يفيد الاستمرار، والمحصل: أنهم مستمرون ~~على الصلاة، والجملة خبر بعد خبر للذين معه. # وقوله: ms6891 "يبتغون فضلا من الله ورضوانا" الابتغاء الطلب، والفضل العطية وهو ~~الثواب، والرضوان أبلغ من الرضا. # والجملة إن كانت مسوقة لبيان غايتهم من الركوع والسجود كان الأنسب أن ~~تكون حالا من ضمير المفعول في "تراهم" وإن كانت مسوقة لبيان غايتهم من ~~الحياة مطلقا كما هو الظاهر كانت خبرا بعد خبر للذين معه. # وقوله: "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" السيما العلامة و"سيماهم في ~~وجوههم" مبتدأ وخبر و"من أثر السجود" حال من الضمير المستكن في الخبر أو ~~بيان للسيما أي إن سجودهم لله تذللا وتخشعا أثر في وجوههم أثرا وهو سيما ~~الخشوع لله يعرفهم به من رآهم، ويقرب من هذا المعنى ما عن الصادق (عليه ~~السلام) أنه السهر في الصلاة. # وقيل: المراد أثر التراب في جباههم لأنهم كانوا إنما يسجدون على التراب ~~لا على الأثواب. # وقيل: المراد سيماهم يوم القيامة فيكون موضع سجودهم يومئذ مشرقا مستنيرا. # وقوله: "ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل" المثل هو الصفة أي الذي ~~وصفناهم به من أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم إلخ، وصفهم الذي وصفناهم ~~به في الكتابين التوراة والإنجيل. # فقوله: "ومثلهم في الإنجيل" معطوف على قوله: "مثلهم في التوراة" وقيل: إن ~~قوله: "ومثلهم في الإنجيل" إلخ، استئناف منقطع عما قبله، وهو مبتدأ خبره ~~قوله: "كزرع أخرج شطأه" إلخ، فيكون وصفهم في التوراة هو أنهم أشداء على ~~الكفار - إلى قوله -: "من أثر السجود"، ووصفهم في الإنجيل هو أنهم كزرع ~~أخرج شطأه إلخ. # وقوله: "كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع" شطء ~~النبات أفراخه التي تتولد منه وتنبت حوله، والإيزار الإعانة، والاستغلاظ ~~الأخذ في الغلظة، والسوق جمع ساق، والزراع جمع زارع. # والمعنى: هم كزرع أخرج أفراخه فأعانها فقويت وغلظت وقام على سوقه يعجب ~~الزارعين بجودة رشده. # وفيه إشارة إلى أخذ المؤمنين في الزيادة والعدة والقوة يوما فيوما ولذلك ~~عقبه بقوله: "ليغيظ بهم الكفار". PageV18P158 # وقوله: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما" ~~ضمير "منهم" للذين معه، و"من" للتبعيض على ما هو ms6892 الظاهر المتبادر من مثل ~~هذا النظم ويفيد الكلام اشتراط المغفرة والأجر العظيم بالإيمان حدوثا وبقاء ~~وعمل الصالحات فلو كان منهم من لم يؤمن أصلا كالمنافقين الذين لم يعرفوا ~~بالنفاق كما يشير إليه قوله تعالى: "ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم": التوبة: 101، أو آمن أولا ثم أشرك وكفر كما في قوله: ~~"إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى - إلى أن قال - ولو ~~نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم": سورة محمد: 30. # أو آمن ولم يعمل الصالحات كما يستفاد من آيات الإفك وآية التبين في نبأ ~~الفاسق وأمثال ذلك لم يشمله وعد المغفرة والأجر العظيم. # ونظير هذا الاشتراط ما تقدم في قوله تعالى: "إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما" ويؤيده أيضا ما فهمه ابن عباس من قوله ~~تعالى: "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم" حيث فسره بقوله: إنما ~~أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء، وقد تقدمت الرواية. # ونظير الآية أيضا في الاشتراط قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض - إلى أن قال - ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون": النور: 55. # وقيل: إن "من" في الآية بيانية لا تبعيضية فتفيد شمول الوعد لجميع الذين معه. # وهو مدفوع - كما قيل - بأن "من" البيانية لا تدخل على الضمير مطلقا في ~~كلامهم، والاستشهاد لذلك بقوله تعالى: "لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم" ~~مبني على إرجاع ضمير "تزيلوا" إلى المؤمنين وضمير "منهم" للذين كفروا، وقد ~~تقدم في تفسير الآية أن الضميرين جميعا راجعان إلى مجموع المؤمنين ~~والكافرين من أهل مكة فتكون "من" تبعيضية لا بيانية. # وبعد ذلك كله لو كانت العدة بالمغفرة أو نفس المغفرة شملتهم شمولا مطلقا ~~من غير اشتراط بالإيمان والعمل الصالح وكانوا مغفورين - آمنوا أو أشركوا ~~وأصلحوا أو فسقوا - لزمته لزوما بينا لغوية جميع التكاليف الدينية في حقهم ~~وارتفاعها عنهم وهذا مما يدفعه ms6893 الكتاب والسنة فهذا الاشتراط ثابت في نفسه ~~وإن لم يتعرض له في اللفظ، وقد قال تعالى في أنبيائه: "ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: 88، فأثبته في أنبيائه وهم معصومون فكيف ~~فيمن هو دونهم. # فإن قيل: اشتراط الوعد بالمغفرة والأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح ~~اشتراط عقلي كما ذكر ولا سبيل إلى إنكاره لكن سياق قوله: "وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم" يشهد باتصافهم بالإيمان وعمل الصالحات وأنهم ~~واجدون للشرط. # وخاصة بالنظر إلى تأخير "منهم" عن قوله: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" ~~حيث يدل على أن عمل الصالحات لا ينفك عنهم بخلاف قوله في آية النور: "وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم": النور: 55، كما ذكره ~~بعضهم، ويؤيده أيضا قوله في مدحهم "تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا" حيث يدل على الاستمرار. # قلنا: أما تأخير "منهم" في الآية فليس للدلالة على كون العمل الصالح لا ~~ينفك عنهم بل لأن موضوع الحكم هو مجموع "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" ولا ~~يترتب على مجرد الإيمان من دون العمل الصالح أثر المغفرة والأجر ثم قوله: ~~"منهم" متعلق بمجموع الموضوع فمن حقه أن يذكر بعد تمام الموضوع وهو "الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات"، وأما تقدم الضمير في قوله: "وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم" فلانة مسوق سوق البشرى للمؤمنين والأنسب ~~لها التسريع في خطاب من بشر بها لينشط بذلك وينبسط لتلقي البشرى. # وأما دلالة قوله: "تراهم ركعا سجدا" إلخ، على الاستمرار فإنما يدل عليه ~~في ما مضى إلى أن ينتهي إلى الحال، وأما في المستقبل فلا ومصب إشكال لغوية ~~الأحكام إنما هو المستقبل دون الماضي إذ مغفرة الذنوب الماضية لا تزاحم ~~تعلق التكليف بل تؤكده بخلاف تعلق المغفرة المطلقة بما سيأتي فإنه لا يجامع ~~بقاء التكليف المولوي على اعتباره فيرتفع بذلك التكاليف وهو مقطوع البطلان. PageV18P159 # على أن ارتفاع التكاليف يستلزم ارتفاع المعصية ويرتفع بارتفاعها موضوع ~~المغفرة فوجود المغفرة كذلك يستلزم عدمها. PageV18P160 ### || AUTO ### ||| AUTO 49 سورة الحجرات - 1 - 10 # بسم الله الرحمن ms6894 الرحيم يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ~~ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا ~~أصوتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعملكم ~~وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصوتهم عند رسول الله أولئك الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرت أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا ~~لهم والله غفور رحيم (5) يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين (6) واعلموا أن فيكم رسول ~~الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الايمن وزينه ~~فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الرشدون (7) فضلا من ~~الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله ~~فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) ### |||| AUTO بيان # تتضمن السورة مسائل من شرائع الدين بها تتم الحياة السعيدة للفرد ويستقر ~~النظام الصالح الطيب في المجتمع منها ما هو أدب جميل للعبد مع الله سبحانه ~~ومع رسوله كما في الآيات الخمس في مفتتح السورة، ومنها ما يتعلق بالإنسان ~~مع أمثاله من حيث وقوعهم في المجتمع الحيوي، ومنها ما يتعلق بتفاضل الأفراد ~~وهو من أهم ما ينتظم به الاجتماع المدني ويهدي الإنسان إلى الحياة السعيدة ~~والعيش الطيب الهنيء ويتميز به دين الحق من غيره من السنن الاجتماعية ~~القانونية وغيرها وتختتم السورة بالإشارة إلى حقيقة الإيمان والإسلام ~~وامتنانه تعالى بما يفيضه من نور الإيمان. # والسورة مدنية بشهادة مضامين آياتها سوى ما قيل في قوله تعالى: "يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" الآية وسيجيء. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله ms6895 سميع عليم" بين يدي الشيء أمامه وهو استعمال شائع مجازي أو ~~استعاري وإضافته إلى الله ورسوله معا لا إلى الرسول دليل على أنه أمر مشترك ~~بينه تعالى وبين رسوله وهو مقام الحكم الذي يختص بالله سبحانه وبرسوله ~~بإذنه كما قال تعالى: "إن الحكم إلا لله": يوسف: 40، وقال: "وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64. # ومن الشاهد على ذلك تصدير النهي بقوله: "يا أيها الذين آمنوا" وتذييله ~~بقوله: "واتقوا الله إن الله سميع عليم" الظاهر في أن المراد بما بين يدي ~~الله ورسوله هو المقام الذي يربط المؤمنين المتقين بالله ورسوله وهو مقام ~~الحكم الذي يأخذون منه أحكامهم الاعتقادية والعملية. # وبذلك يظهر أن المراد بقوله: "لا تقدموا" تقديم شيء ما من الحكم قبال حكم ~~الله ورسوله إما بالاستباق إلى قول قبل أن يأخذوا القول فيه من الله ورسوله ~~أو إلى فعل قبل أن يتلقوا الأمر به من الله ورسوله لكن تذييله تعالى النهي ~~بقوله: "إن الله سميع عليم" يناسب تقديم القول دون تقديم الفعل ودون الأعم ~~الشامل للقول والفعل وإلا لقيل: إن الله سميع بصير ليحاذي بالسميع القول ~~وبالبصير الفعل كما يأتي تعالى في كثير من موارد الفعل بمثل قوله: "والله ~~بما تعملون بصير": الحديد: 4، فمحصل المعنى: أن لا تحكموا فيما لله ولرسوله ~~فيه حكم إلا بعد حكم الله ورسوله أي لا تحكموا إلا بحكم الله ورسوله ولتكن ~~عليكم سمة الاتباع والاقتفاء. PageV18P161 # لكن بالنظر إلى أن كل فعل وترك من الإنسان لا يخلو من حكم له فيه وكذلك ~~العزم والإرادة إلى فعل أو ترك يدخل الأفعال والتروك وكذا إرادتها والعزم ~~عليها في حكم الاتباع، ويفيد النهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله النهي ~~عن المبادرة والإقدام إلى قول لم يسمع من الله ورسوله، وإلى فعل أو ترك أو ~~عزم وإرادة بالنسبة إلى شيء منهما قبل تلقي الحكم من الله ورسوله فتكون ~~الآية قريبة المعنى من قوله تعالى في صفة الملائكة: "بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": ms6896 الأنبياء: 27. # وهذا الاتباع المندوب إليه بقوله: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" هو ~~الدخول في ولاية الله والوقوف في موقف العبودية والسير في مسيرها بجعل ~~العبد مشيته تابعة لمشية الله في مرحلة التشريع كما أنها تابعة لها في ~~مرحلة التكوين قال تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله": الإنسان: 30، ~~وقال: "والله ولي المؤمنين": آل عمران: 68، وقال: "والله ولي المتقين": ~~الجاثية: 19. # وللقوم في قوله تعالى: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" وجوه منها: أن ~~التقديم بمعنى التقدم فهو لازم ومعنى "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" لا ~~تعجلوا بالأمر والنهي دون الله ورسوله ولا تقطعوا بالأمر والنهي دون الله ~~ورسوله، وربما قيل: إن التقديم في الآية بمعناه المعروف لكنه مستعمل ~~بالإعراض عن متعلقاته كقوله: "يحيي ويميت": الحديد: 2، فيئول المعنى إلى ~~مجرد كون شيء قدام شيء فيرجع إلى معنى التقدم. # واللفظ مطلق يشمل التقدم في قول أو فعل حتى التقدم على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في المشية والجلسة، والتقدم بالطاعات الموقتة قبل وقتها ~~وغير ذلك. # ومنها: أن المراد النهي عن التكلم قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أي إذا كنتم في مجلسه وسئل عن شيء فلا تسبقوه بالجواب حتى يجيب هو أولا. # ومنها: أن المعنى: لا تسبقوه بقول أو فعل حتى يأمركم به. # ومنها: أن المعنى: لا تقدموا أقوالكم وأفعالكم على قول النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وفعله ولا تمكنوا أحدا يمشي أمامه. # والظاهر أن تفسير "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" بالنهي عن التقديم بين ~~يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط في هذه الوجوه الثلاثة ~~الأخيرة مبني على حملهم ذكر الله تعالى مع رسوله في الآية على نوع من ~~التشريف كقوله: أعجبني زيد وكرمه فيكون ذكره تعالى للإشارة إلى أن السبقة ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أي حال في معنى السبقة على الله ~~سبحانه. # ولعل التأمل فيما قدمناه من الوجه يكفيك في المنع عن المصير إلى شيء من ~~هذه الوجوه. ms6897 # وقوله: "واتقوا الله إن الله سميع عليم" أمر بالتقوى في موقف الاتباع ~~والعبودية ولا ظرف للإنسان إلا ظرف العبودية ولذلك أطلق التقوى. # وفي قوله: "إن الله سميع عليم" تعليل للنهي والتقوى فيه أي اتقوه ~~بالانتهاء عن هذا النهي فلا تقدموا قولا بلسانكم ولا في سركم لأن الله سميع ~~يسمع أقوالكم عليم يعلم ظاهركم وباطنكم وعلانيتكم وسركم. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" إلخ، ~~وذلك بأن تكون أصواتهم عند مخاطبته وتكليمه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرفع ~~من صوته وأجهر لأن في ذلك كما قيل أحد شيئين: إما نوع استخفاف به وهو ~~الكفر، وإما إساءة الأدب بالنسبة إلى مقامه وهو خلاف التعظيم والتوقير ~~المأمور به. # وقوله: "ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض" فإن من التعظيم عند ~~التخاطب أن يكون صوت المتكلم أخفض من صوت مخاطبه فمطلق الجهر بالخطاب فاقد ~~لمعنى التعظيم فخطاب العظماء بالجهر فيه كخطاب عامة الناس لا يخلو من إساءة ~~الأدب والوقاحة. # وقوله: "أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" أي لئلا تحبط أو كراهة أن تحبط ~~أعمالكم، وهو متعلق بالنهيين جميعا أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت فوق صوته ~~والجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض لئلا تبطل أعمالكم بذلك من حيث لا تشعرون ~~فإن فيهما الحبط، وقد تقدم القول في الحبط في الجزء الثاني من الكتاب. PageV18P162 # وجوز بعضهم كون "أن تحبط" إلخ، تعليلا للمنهي عنه وهو الرفع والجهر، ~~والمعنى: فعلكم ذلك لأجل الحبوط منهي عنه، والفرق بين تعليله للنهي وتعليله ~~للمنهي عنه أن الفعل المنهي عنه معلل على الأول والفعل المعلل منهي عنه على ~~الثاني، وفيه تكلف ظاهر. # وظاهر الآية أن رفع الصوت فوق صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والجهر له بالقول معصيتان موجبتان للحبط فيكون من المعاصي غير الكفر ما ~~يوجب الحبط. # وقد توجه الآية بأن المراد بالحبط فقدان نفس العمل للثواب لا إبطال العمل ~~ثواب سائر الأعمال كما في الكفر، قال في مجمع البيان،: وقال أصحابنا: أن ~~المعنى ms6898 في قوله: "أن تحبط أعمالكم" إنه ينحبط ثواب ذلك العمل لأنهم لو ~~أوقعوه على وجه تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوقيره لاستحقوا ~~الثواب فلما أوقعوه على خلاف ذلك الوجه استحقوا العقاب وفاتهم ذلك الثواب ~~فانحبط عملهم فلا تعلق لأهل الوعيد بهذه الآية. # ولأنه تعالى علق الإحباط في هذه الآية بنفس العمل وهم يعلقونه بالمستحق ~~على العمل وذلك خلاف الظاهر. # انتهى. # وفيه أن الحبط المتعلق بالكفر الذي لا ريب في تعلقه بثواب الأعمال أيضا ~~متعلق في كلامه بنفس الأعمال كما في هذه الآية فلتحمل هذه على ما حملت عليه ~~ذلك من غير فرق، وكونه خلاف الظاهر ممنوع فإن بطلان العمل بطلان أثره ~~المترتب عليه. # وقد توجه الآية أيضا بالبناء على اختصاص الحبط بالكفر بأن رفع الصوت فوق ~~صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والجهر له بالقول ليسا بمحبطين من حيث ~~أنفسهما بل من حيث أدائهما أحيانا إلى إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وإيذاؤه كفر والكفر محبط للعمل. # قال بعضهم: المراد في الآية النهي عن رفع الصوت مطلقا ومعلوم أن ملاكه ~~التحذر مما يتوقع فيه من إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو ~~كفر محبط للعمل بالاتفاق. # فورد النهي عما هو مظنة أذاه - سواء وجد هذا المعنى أو لا - حماية للحومة ~~وحسما للمادة. # ثم لما كان هذا المنهي عنه منقسما إلى ما يبلغ حد الكفر وهو المؤذي له ~~عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ، ولا دليل يميز أحد ~~القسمين من الآخر ولو فرض وجوده لم يلتفت إليه في كثير من الأحيان، لزم ~~المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا مخافة أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى. # وإلى التباس أحد القسمين بالآخر الإشارة بقوله تعالى: "أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون" وإلا فلو كان رفع الصوت والجهر بالقول منهيا عنهما مطلقا ~~سواء بلغا حد الأذى أو لم يبلغا لم يكن موقع لقوله تعالى: "وأنتم لا ~~تشعرون" إذ الأمر منحصر بين أن ms6899 يكون رفع الصوت أو الجهر بالقول بالغا حد ~~الأذى فيكون كفرا محبطا قطعا أو غير بالغ فيكون أيضا ذنبا محبطا قطعا ~~فالإحباط محقق على أي تقدير فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشعور مع أن ~~الشعور ثابت مطلقا للعلم به بعد النهي. # انتهى ملخصا. # وفيه أن ظهور قوله: "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض" في النهي النفسي دون النهي المقدمي أخذا بالاحتياط ~~مما لا ريب فيه لكن كلا من الفعلين مما يدرك كونه عملا سيئا عقلا قبل ورود ~~النهي الشرعي عنه كالافتراء والإفك، وكان الذين يأتون بهما المؤمنين كما ~~صدر النهي بقوله: "يا أيها الذين آمنوا" وهم وإن أمكن أن يسامحوا في بعض ~~السيئات بحسبانه هينا لكنهم لا يرضون ببطلان إيمانهم وأعمالهم الصالحة من أصله. # فنبه سبحانه بقوله: "أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" على أنكم لا ~~تشعرون بما لذلك من الأثر الهائل العظيم فإنما هو إحباط الأعمال فلا تقربوا ~~شيئا منهما أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. # فقوله: "وأنتم لا تشعرون" ناظر إلى حالهم قبل النهي حيث كانوا يشعرون ~~بكون الفعل سيئة لكنهم ما كانوا يعلمون بعظمة مساءته لهذا الحد، وأما بعد ~~صدور البيان الإلهي فهم شاعرون بالإحباط. # فالآية من وجه نظيره قوله تعالى في آيات الإفك: "وتحسبونه هينا وهو عند ~~الله عظيم": النور: 15، وقوله في آيات القيامة: "وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون": الزمر: 47. PageV18P163 # قوله تعالى: "إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى" إلخ، غض الصوت خلاف رفعه، ومعنى الامتحان الابتلاء ~~والاختبار وإنما يكون لتحصيل العلم بحال الشيء المجهول قبل ذلك، وإذ يستحيل ~~ذلك في حقه تعالى فالمراد به هنا التمرين والتعويد - كما قيل - أو حمل ~~المحنة والمشقة على القلب ليعتاد بالتقوى. # والآية مسوقة للوعد الجميل على غض الصوت عند رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بعد توصيفهم بأن قلوبهم ممتحنة للتقوى والذي امتحنهم لذلك هو ~~الله سبحانه، وفيه تأكيد وتقوية لمضمون الآية ms6900 السابقة وتشويق للانتهاء بما ~~فيها من النهي. # وفي التعبير عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية برسول الله بعد ~~التعبير عنه في الآية السابقة بالنبي إشارة إلى ملاك الحكم فإن الرسول بما ~~هو رسول ليس له من الأمر شيء فما له فلمرسله، وتعظيمه وتوقيره تعظيم لمرسله ~~وتوقير له فغض الصوت عند رسول الله تعظيم وتكبير لله سبحانه، والمداومة ~~والاستمرار على ذلك - كما يستفاد من قوله: "يغضون" المفيد للاستمرار - كاشف ~~عن تخلقهم بالتقوى وامتحانه تعالى قلوبهم للتقوى. # وقوله: "لهم مغفرة وأجر عظيم" وعد جميل لهم بإزاء ما في قلوبهم من تقوى ~~الله، والعاقبة للتقوى. # قوله تعالى: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون" سياق ~~الآية يؤدي أنه واقع وأنهم كانوا قوما من الجفاة ينادونه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من وراء حجرات بيته من غير رعاية لمقتضى الأدب وواجب التعظيم ~~والتوقير فذمهم الله سبحانه حيث وصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون كالبهائم من ~~الحيوان. # قوله تعالى: "ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور ~~رحيم" أي ولو أنهم صبروا عن ندائك فلم ينادوك حتى تخرج إليهم لكان خيرا لما ~~فيه من حسن الأدب ورعاية التعظيم والتوقير لمقام الرسالة، وكان ذلك مقربا ~~لهم إلى مغفرة الله ورحمته لأنه غفور رحيم. # فقوله: "والله غفور رحيم" كالناظر إلى ما ذكر من الصبر ويمكن أن يكون ~~ناظرا إلى كون أكثرهم لا يعقلون والمعنى: أن ما صدر عنهم من الجهالة وسوء ~~الأدب معفو عنه لأنه لم يكن عن تعقل وفهم منهم بل عن قصور في ذلك والله ~~غفور رحيم. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" إلخ، ~~الفاسق - كما قيل - الخارج عن الطاعة إلى المعصية، والنبأ الخبر العظيم ~~الشأن، والتبين والاستبانة والإبانة - على ما في الصحاح - بمعنى واحد وهي ~~تتعدى ولا تتعدى فإذا تعدت كانت بمعنى الإيضاح والإظهار يقال: تبينت الأمر ~~واستبنته وأبنته أي أوضحته وأظهرته، وإذا لزمت كانت بمعنى الاتضاح والظهور ~~يقال: أبان الأمر واستبان ms6901 وتبين أي اتضح وظهر. # ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن فتبينوا ~~خبره بالبحث والفحص للوقوف على حقيقته حذر أن تصيبوا قوما بجهالة فتصيروا ~~نادمين على ما فعلتم بهم. # وقد أمضى الله سبحانه في هذه الآية أصل العمل بالخبر وهو من الأصول ~~العقلائية التي يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعية الإنسانية، وأمر بالتبين ~~في خبر الفاسق وهو في معنى النهي عن العمل بخبره، وحقيقته الكشف عن عدم ~~اعتبار حجيته وهذا أيضا كالإمضاء لما بني عليه العقلاء من عدم حجية الخبر ~~الذي لا يوثق بمن يخبر به وعدم ترتيب الأثر على خبره. # بيان ذلك: أن حياة الإنسان حياة علمية يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ~~ما يشاهده من الخير والشر والنافع والضار والرأي الذي يأخذ به فيه، ولا ~~يتيسر له ذلك إلا فيما هو بمرأى منه ومشهد، وما غاب عنه مما تتعلق به حياته ~~ومعاشه أكثر مما يحضره وأكثر فاضطر إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند ~~غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة والنظر، ولا طريق إليه إلا السمع وهو الخبر. # فالركون إلى الخبر بمعنى ترتيب الأثر عليه عملا ومعاملة مضمونة معاملة ~~العلم الحاصل للإنسان من طريق المشاهدة والنظر في الجملة مما يتوقف عليه ~~حياة الإنسان الاجتماعية توقفا ابتدائيا، وعليه بناء العقلاء ومدار العمل. PageV18P164 # فالخبر إن كان متواترا أو محفوفا بقرائن قطعية توجب قطعية مضمونه كان حجة ~~معتبرة من غير توقف فيها فإن لم يكن متواترا ولا محفوفا بما يفيد قطعية ~~مضمونه وهو المسمى بخبر الواحد اصطلاحا كان المعتبر منه عندهم ما هو ~~الموثوق به بحسب نوعه وإن لم يفده بحسب شخصه، وكل ذلك لأنهم لا يعملون إلا ~~بما يرونه علما وهو العلم الحقيقي أو الوثوق والظن الاطمئناني المعدود علما عادة. # إذا تمهد هذا فقوله تعالى في تعليل الأمر بالتبين في خبر الفاسق: "أن ~~تصيبوا قوما بجهالة" إلخ، يفيد أن المأمور به هو رفع الجهالة وحصول العلم ~~بمضمون الخبر عند ما يراد العمل به وترتيب الأثر ms6902 عليه ففي الآية إثبات ما ~~أثبته العقلاء ونفي ما نفوه في هذا الباب، وهو إمضاء لا تأسيس. # قوله تعالى: "واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم" إلخ، العنت الإثم والهلاك، والطوع والطاعة الانقياد لكن أكثر ما ~~يقال الطاعة في الائتمار لما أمر والارتسام لما رسم على ما ذكره الراغب لكن ~~ربما يعكس الأمر فيسمى جري المتبوع على ما يريده التابع ويهواه طاعة من ~~المتبوع للتابع ومنه قوله تعالى في الآية: "لو يطيعكم" حيث سمي عمل الرسول ~~على ما يراه ويهواه المؤمنون طاعة منه لهم. # والآية على ما يفيده السياق من تتمة الكلام في الآية السابقة تعمم ما ~~فيها من الحكم وتؤكد ما فيها من التعليل فمضمون الآية السابقة الحكم بوجوب ~~التبين في خبر الفاسق وتعليله بوجوب التحرز عن بناء العمل على الجهالة، ~~ومضمون هذه الآية تنبيه المؤمنين على أن الله سبحانه أوردهم شرع الرشد ~~ولذلك حبب إليهم الإيمان وزينة في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق ~~والعصيان فعليهم أن لا يغفلوا عن أن فيهم رسول الله وهو مؤيد من عند الله ~~وعلى بينة من ربه لا يسلك إلا سبيل الرشد دون الغي فعليهم أن يطيعوا الرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يأمرهم به ويريدوا ما أراده ويختاروا ما ~~اختاره، ولا يصروا على أن يطيعهم في آرائهم وأهوائهم فإنه لو يطيعهم في ~~كثير من الأمر جهدوا وهلكوا. # فقوله: "واعلموا أن فيكم رسول الله" عطف على قوله في الآية السابقة: ~~"فتبينوا" وتقديم الخبر للدلالة على الحصر، والإشارة إلى ما هو لازمه فإن ~~اختصاصهم بكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم لازمه أن يتعلقوا ~~بالرشد ويتجنبوا الغي ويرجعوا الأمور إليه ويطيعوه ويتبعوا أثره ولا ~~يتعلقوا بما تستدعيه منهم أهواؤهم. # فالمعنى: ولا تنسوا أن فيكم رسول الله، وهو كناية عن أنه يجب عليهم أن ~~يرجعوا الأمور ويسيروا فيما يواجهونه من الحوادث على ما يراه ويأمر به من ~~غير أن يتبعوا أهواء أنفسهم. # وقوله: "لو يطيعكم في كثير ms6903 من الأمر لعنتم" أي جهدتم وهلكتم، والجملة ~~كالجواب لسؤال مقدر كان سائلا يسأل فيقول: لما ذا نرجع إليه ولا يرجع إلينا ~~ولا يوافقنا؟ فأجيب بأنه "لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم". # وقوله: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم" استدراك عما يدل ~~عليه الجملة السابقة: "لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم" من أنهم مشرفون ~~بالطبع على الهلاك والغي فاستدرك أن الله سبحانه أصلح ذلك بما أنعم عليهم ~~من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان. # والمراد بتحبيب الإيمان إليهم جعله محبوبا عندهم وبتزيينه في قلوبهم ~~تحليته بجمال يجذب قلوبهم إلى نفسه فيتعلقون به ويعرضون عما يلهيهم عنه. # وقوله: "وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان" عطف على "حبب" وتكريه الكفر ~~وما يتبعه إليهم جعلها مكروهة عندهم تتنفر عنها نفوسهم، والفرق بين الفسوق ~~والعصيان - على ما قيل - إن الفسوق هو الخروج عن الطاعة إلى المعصية، ~~والعصيان نفس المعصية وإن شئت فقل: جميع المعاصي، وقيل: المراد بالفسوق ~~الكذب بقرينة الآية السابقة والعصيان سائر المعاصي. # وقوله: "أولئك هم الراشدون" بيان أن حب الإيمان والانجذاب إليه وكراهة ~~الكفر والفسوق والعصيان هو سبب الرشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته ويتنفر عن ~~الغي الذي يقابله فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان ويتجنبوا الكفر والفسوق ~~والعصيان حتى يرشدوا ويتبعوا الرسول ولا يتبعوا أهواءهم. PageV18P165 # ولما كان حب الإيمان والانجذاب إليه وكراهة الكفر ونحوه صفة بعض من كان ~~الرسول فيهم دون الجميع كما يصرح به الآية السابقة، وقد وصف بذلك جماعتهم ~~تحفظا على وحدتهم وتشويقا لمن لم يتصف بذلك منهم غير السياق والتفت عن ~~خطابهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "أولئك هم ~~الراشدون" والإشارة إلى من اتصف بحب الإيمان وكراهة الكفر والفسوق ~~والعصيان، ليكون مدحا للمتصفين بذلك وتشويقا لغيرهم. # واعلم أن في قوله: "واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم" إشعارا بأن قوما من المؤمنين كانوا مصرين على قبول نبأ الفاسق ~~الذي تشير إليه الآية السابقة، وهو الوليد بن عقبة أرسله النبي ms6904 (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلى بني المصطلق لأخذ زكواتهم فجاء إليهم فلما رآهم هابهم ~~ورجع إلى المدينة وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم ارتدوا فعزم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على قتالهم فنزلت الآية فانصرف وفي القوم ~~بعض من يصر على أن يغزوهم. # وسيجيء القصة في البحث الروائي التالي. # قوله تعالى: "فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم" تعليل لما تقدم من ~~فعله تعالى بالمؤمنين من تحبيب الإيمان وتزيينه وتكريه الكفر والفسوق ~~والعصيان أي إن ذلك منه تعالى مجرد عطية ونعمة لا إلى بدل يصل إليه منهم ~~لكن ليس فعلا جزافيا فإنه تعالى عليهم بمورد عطيته ونعمته حكيم لا يفعل ما ~~يفعل جزافا كما قال: "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله ~~بكل شيء عليما": الفتح: 26. # قوله تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" إلى آخر ~~الآية الاقتتال والتقاتل بمعنى واحد كالاستباق والتسابق، ورجوع ضمير الجمع ~~في "اقتتلوا" إلى الطائفتين باعتبار المعنى فإن كلا من الطائفتين جماعة ~~ومجموعهما جماعة كما أن رجوع ضمير التثنية إليهما باعتبار المعنى. # ونقل عن بعضهم في وجه التفرقة بين الضميرين: أنهم أولا في حال القتال ~~مختلطون فلذا جمع أولا ضميرهم، وفي حال الصلح متميزون متفارقون فلذا ثنى ~~الضمير. # وقوله: "فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله" البغي الظلم والتعدي بغير حق، والفيء الرجوع، والمراد بأمر الله ما ~~أمر به الله، والمعنى: فإن تعدت إحدى الطائفتين على الأخرى بغير حق فقاتلوا ~~الطائفة المتعدية حتى ترجع إلى ما أمر به الله وتنقاد لحكمه. # وقوله: "فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل" أي فإن رجعت الطائفة المتعدية ~~إلى أمر الله فأصلحوا بينهما لكن لا إصلاحا بوضع السلاح وترك القتال فحسب ~~بل إصلاحا متلبسا بالعدل بإجراء أحكام الله فيما تعدت به المتعدية من دم أو ~~عرض أو مال أو أي حق آخر ضيعته. # وقوله: "وأقسطوا إن الله يحب المقسطين" الإقساط إعطاء كل ما يستحقه من ~~القسط والسهم وهو ms6905 العدل فعطف قوله: "وأقسطوا" على قوله: "أصلحوا بينهما ~~بالعدل" من عطف المطلق على المقيد للتأكيد، وقوله: "إن الله يحب المقسطين" ~~تعليل يفيد تأكيدا على تأكيد كأنه قيل: أصلحوا بينهما بالعدل وأعدلوا دائما ~~وفي جميع الأمور لأن الله يحب العادلين لعدالتهم. # قوله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" استئناف مؤكد لما ~~تقدم من الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين، وقصر النسبة بين ~~المؤمنين في نسبة الإخوة مقدمة ممهدة لتعليل ما في قوله: "فأصلحوا بين ~~أخويكم" من حكم الصلح فيفيد أن الطائفتين المتقاتلتين لوجود الإخوة بينهما ~~يجب أن يستقر بينهما الصلح، والمصلحون لكونهم إخوة للمتقاتلتين يجب أن ~~يسعوا في إصلاح ما بينهما. # وقوله: "فأصلحوا بين أخويكم" ولم يقل: فأصلحوا بين الأخوين من أوجز ~~الكلام وألطفه حيث يفيد أن المتقاتلتين بينهما أخوة فمن الواجب أن يستقر ~~بينهما الصلح وسائر المؤمنين إخوان للمتقاتلتين فيجب عليهم أن يسعوا في ~~الإصلاح بينهما. # وقوله: "واتقوا الله لعلكم ترحمون" موعظة للمتقاتلتين والمصلحين جميعا. # كلام في معنى الإخوة PageV18P166 واعلم أن قوله: "إنما المؤمنون إخوة" جعل تشريعي لنسبة الإخوة بين المؤمنين ~~لها آثار شرعية وحقوق مجعولة، وقد تقدم في بعض المباحث المتقدمة أن من ~~الأبوة والبنوة والأخوة وسائر أنواع القرابة ما هو اعتباري مجعول يعتبره ~~الشرائع والقوانين لترتيب آثار خاصة عليه كالوراثة والإنفاق وحرمة الإزدواج ~~وغير ذلك، ومنها ما هو طبيعي بالانتهاء إلى صلب واحد أو رحم واحدة أو هما. # والاعتباري من القرابة غير الطبيعي منها فربما يجتمعان كالأخوين ~~المتولدين بين الرجل والمرأة عن نكاح مشروع، وربما يختلفان كالولد الطبيعي ~~المتولد من زنا فإنه ليس ولدا في الإسلام ولا يلحق بمولده وإن كان ولدا ~~طبيعيا، وكالداعي الذي هو ولد في بعض القوانين وليس بولد طبيعي. # واعتبار المعنى الاعتباري وإن كان لغرض ترتيب آثار حقيقته عليه كما يؤخذ ~~أحد القوم رأسا لهم ليكون نسبته إليهم نسبة الرأس إلى البدن فيدبر أمر ~~المجتمع ويحكم بينهم وفيهم كما يحكم الرأس على البدن. # لكن لما كان الاعتبار لمصلحة مقتضية كان تابعا للمصلحة فإن ms6906 اقتضت ترتيب ~~جميع آثار الحقيقة ترتبت عليه جميعا وإن اقتضت بعضها كان المترتب على ~~الموضوع الاعتباري ذلك البعض كما أن القراءة مثلا جزء من الصلاة والجزء ~~الحقيقي ينتفي بانتفائه الكل مطلقا لكن القراءة لا ينتفي بانتفائها الصلاة ~~إذا كان ذلك سهوا وإنما تبطل الصلاة إذا تركت عمدا. # ولذلك أيضا ربما اختلفت آثار معنى اعتباري بحسب الموارد المختلفة كجزئية ~~الركوع حيث تبطل الصلاة بزيادته ونقيصته عمدا وسهوا بخلاف جزئية القراءة ~~كما تقدم فمن الجائز أن يختلف الآثار المترتبة على معنى اعتباري بحسب ~~الموارد المختلفة لكن لا تترتب الآثار الاعتبارية إلا على موضوع اعتباري ~~كالإنسان يتصرف في ماله لكن لا بما أنه إنسان بل بما أنه مالك والأخ يرث ~~أخاه في الإسلام لا لأنه أخ طبيعي يشارك الميت في الوالد أو الوالدة أو ~~فيهما - فولد الزنا كذلك ولا يرث أخاه الطبيعي - بل يرثه لأنه أخ في ~~الشريعة الإسلامية. # والإخوة من هذا القبيل فمنها أخوة طبيعية لا أثر لها في الشرائع ~~والقوانين وهي اشتراك إنسانين في أب أو أم أو فيهما، ومنها أخوة اعتبارية ~~لها آثار اعتبارية وهي في الإسلام أخوة نسبية لها آثار في النكاح والإرث، ~~وأخوة رضاعية لها آثار في النكاح دون الإرث، وأخوة دينية لها آثار اجتماعية ~~ولا أثر لها في النكاح والإرث، وسيجيء قول الصادق (عليه السلام): المؤمن ~~أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه، ولا يظلمه ولا يغشه، ولا يعده عدة ~~فيخلفه. # وقد خفي هذا المعنى على بعض المفسرين فأخذ إطلاق الإخوة في كلامه تعالى ~~على المؤمنين إطلاقا مجازيا من باب الاستعارة بتشبيه الاشتراك في الإيمان ~~بالمشاركة في أصل التوالد لأن كلا منهما أصل للبقاء إذ التوالد منشأ ~~الحياة، والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان، وقيل: هو من باب التشبيه ~~البليغ من حيث انتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للبقاء الأبدي. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا": روى زرارة عن أبي ~~جعفر (عليه السلام) أنه قال: ما سلت السيوف، ولا أقيمت الصفوف ms6907 في صلاة ولا ~~زحوف، ولا جهر بأذان، ولا أنزل الله: "يا أيها الذين آمنوا" حتى أسلم أبناء ~~قبيلة الأوس والخزرج. أقول: وعن ابن عباس أيضا: ما نزل يا أيها الذين آمنوا ~~إلا بالمدينة، ولا "يا أيها الناس" إلا بمكة الخبر. # وتوقف بعضهم في عموم ذيله، واعلم أن هناك روايات في الدر المنثور، وتفسير ~~القمي، في سبب نزول قوله: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" الآية لا تنطبق ~~على الآية ذاك الانطباق تركناها من أراد الوقوف عليها فليراجعهما. PageV18P167 # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو يعلى والبغوي في معجم ~~الصحابة، وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أنس ~~قال: لما نزلت "يا أيها الذين آمنوا - لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي إلى ~~قوله وأنتم لا تشعرون" وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي ~~كنت أرفع صوتي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حبط عملي أنا من ~~أهل النار، وجلس في بيته حزينا. ففقده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: فقدك رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأجهر له بالقول حبط عملي وأنا من أهل النار، فأتوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فأخبروه بذلك فقال: لا بل هو من أهل الجنة. فلما كان يوم ~~اليمامة قتل. # أقول: قوله: "فلما كان يوم اليمامة قتل" من كلام الراوي يريد أنه استشهد ~~يوم اليمامة فكان ذلك تصديق قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والرواية ~~مروية بطرق مختلفة أخرى باختلاف يسير. # وفيه، أخرج البخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس ~~قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشي من خارج بمسوح الشعر وأظن عرض الباب ~~من باب الحجرة إلى باب البيت نحوا من ستة أو سبعة أذرع وأحزر البيت الداخل ~~عشرة أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع: أقول: وروي ms6908 مثل صدره عن ابن سعد ~~عن عطاء الخراساني قال: أدركت حجر أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود. # الحديث. # وفيه، أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد ~~عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت ~~بها. قلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة ~~فمن استجاب لي وترسل إلي يا رسول الله رسولا إبان كذا وكذا لتأتيك ما جمعت ~~من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت ~~فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطه من الله ورسوله فدعا بسروات قومه فقال لهم: ~~إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان وقت لي وقتا يرسل إلى رسوله ~~ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوليد بن عقبة ~~إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليد حتى ~~بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ~~إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) البعث إلى الحارث. فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل ~~عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من ~~بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال: لا ~~والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته ولا أتاني. فلما دخل ms6909 الحارث على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا ~~والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) خشيت أن يكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزل "يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ - فتبينوا إلى قوله حكيم". # أقول: نزول الآية في قصة الوليد بن عقبة مستفيض من طرق أهل السنة والشيعة ~~وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن ~~فيما علمت أن قوله عز وجل: "إن جاءكم فاسق بنبأ" نزلت في الوليد بن عقبة. PageV18P168 # وفي المحاسن، بإسناده عن زياد الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث له ~~قال: يا زياد ويحك وهل الدين إلا الحب؟ ألا ترى إلى قول الله: "إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني - يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"؟ أولا ترون إلى قول ~~الله لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم" قال: "يحبون من هاجر إليهم" وقال: الحب هو الدين والدين هو الحب: ~~أقول: وروي في الكافي، بإسناده عن فضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) ما ~~في معناه ولفظه: وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآية: "حبب ~~إليكم الإيمان" إلى آخر الآية:. وفي المجمع، وقيل: الفسوق هو الكذب عن ابن ~~عباس وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام):. # أقول: وفي هذا المعنى بعض روايات أخر. # وفي الكافي، بإسناده عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة ~~فيخلفه. # أقول: وفي معناه روايات أخر عنه (عليه السلام) وفي بعضها: المسلم أخو ~~المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يغتابه. وفي المحاسن، بإسناده عن أبي حمزة ~~الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه وذلك ~~أن الله تبارك وتعالى خلق المؤمن من طينة جنان السماوات، ms6910 وأجرى فيهم من ريح ~~روحه فلذلك هو أخوه لأبيه وأمه. وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ~~ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: قيل ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق وركب ~~حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليهم قال: إليك عني ~~فوالله لقد آذاني ريح حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه ~~فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل فيهم ~~"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - فأصلحوا بينهما". # أقول: وفي بعض الروايات كما في المجمع، أن الذي قال ذلك لعبد الله بن أبي ~~بن سلول هو عبد الله بن رواحة وأن التضارب وقع بين رهطه من الأوس ورهط عبد ~~الله بن أبي من الخزرج، وفي انطباق الآية بموضوعها وحكمها على هذه الروايات خفاء. PageV18P169 ### ||| AUTO 49 سورة الحجرات - 11 - 18 # يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء ~~من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقب بئس ~~الاسم الفسوق بعد الايمن ومن لم يتب فأولئك هم الظلمون (11) يأيها الذين ~~ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم ~~بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب ~~رحيم (12) يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت الأعراب ~~ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمن فى قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعملكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما ~~المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهدوا بأمولهم وأنفسهم ~~فى سبيل الله أولئك هم الصدقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما ~~فى السموت وما فى ms6911 الأرض والله بكل شىء عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل ~~لا تمنوا على إسلمكم بل الله يمن عليكم أن هداش للايمن إن كنتم صدقين (17) ~~إن الله يعلم غيب السموت والأرض والله بصير بما تعملون (18) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن" إلخ، السخرية الاستهزاء وهو ~~ذكر ما يستحقر ويستهان به الإنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليدا بحيث يضحك ~~منه بالطبع، والقوم الجماعة وهو في الأصل الرجال دون النساء لقيامهم ~~بالأمور المهمة دونهن، وهذا المعنى هو المراد بالقوم في الآية بما قوبل ~~بالنساء. # وقوله: "عسى أن يكونوا خيرا منهم" و"عسى أن يكن خيرا منهن" حكمة النهي. # والمستفاد من السياق أن الملاك رجاء كون المسخور منه خيرا عند الله من ~~الساخر سواء كان الساخر رجلا أو امرأة وكذا المسخور منه فتخصيص النهي في ~~اللفظ بسخرية القوم من القوم وسخرية النساء من النساء لمكان الغلبة عادة. # وقوله: "ولا تلمزوا أنفسكم" اللمز - على ما قيل - التنبيه على المعايب، ~~وتعليق اللمز بقوله: "أنفسكم" للإشارة إلى أنهم مجتمع واحد بعضهم من بعض ~~فلمز الواحد منهم غيره في الحقيقة لمز نفسه فليجتنب من أن يلمز غيره كما ~~يكره أن يلمزه غيره، ففي قوله: "أنفسكم" إشارة إلى حكمة النهي. # وقوله: "ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان" النبز ~~بالتحريك هو اللقب، ويختص - على ما قيل - بما يدل على ذم فالتنابز بالألقاب ~~ذكر بعضهم بعضا بلقب السوء مما يكرهه كالفاسق والسفيه ونحو ذلك. # والمراد بالاسم في "بئس الاسم الفسوق" الذكر كما يقال: شاع اسم فلان ~~بالسخاء والجود، وعلى هذا فالمعنى: بئس الذكر ذكر الناس - بعد إيمانهم - ~~بالفسوق فإن الحري بالمؤمن بما هو مؤمن أن يذكر بالخير ولا يطعن فيه بما ~~يسوؤه نحو يا من أبوه كان كذا ويا من أمه كانت كذا. # ويمكن أن يكون المراد بالاسم السمة والعلامة والمعنى: بئست السمة أن يوسم ~~الإنسان بعد الإيمان ms6912 بالفسوق بأن يذكر بسمة السوء كان يقال لمن اقترف معصية ~~ثم تاب: يا صاحب المعصية الفلانية، أو المعنى: بئس الاسم أن يسم الإنسان ~~نفسه بالفسوق بذكر الناس بما يسوءهم من الألقاب، وعلى أي معنى كان ففي ~~الجملة إشارة إلى حكمة النهي. # وقوله: "ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" أي ومن لم يتب عن هذه المعاصي ~~التي يقترفها بعد ورود النهي فلم يندم عليها ولم يرجع إلى الله سبحانه ~~بتركها فأولئك ظالمون حقا فإنهم لا يرون بها بأسا وقد عدها الله معاصي ونهى عنها. PageV18P170 # وفي الجملة أعني قوله: "ومن لم يتب" إلخ، إشعار بأن هناك من كان يقترف هذه ~~المعاصي من المؤمنين. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم" إلى آخر الآية المراد بالظن المأمور بالاجتناب عنه ظن السوء فإن ظن ~~الخير مندوب إليه كما يستفاد من قوله تعالى: "لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا": النور: 12. # والمراد بالاجتناب عن الظن الاجتناب عن ترتيب الأثر عليه كان يظن بأخيه ~~المؤمن سوء فيرميه به ويذكره لغيره ويرتب عليه سائر آثاره، وأما نفس الظن ~~بما هو نوع من الإدراك النفساني فهو أمر يفاجىء النفس لا عن اختيار فلا ~~يتعلق به النهي اللهم إلا إذا كان بعض مقدماته اختياريا. # وعلى هذا فكون بعض الظن إثما من حيث كون ما يترتب عليه من الأثر إثما ~~كإهانة المظنون به وقذفه وغير ذلك من الآثار السيئة المحرمة، والمراد بكثير ~~من الظن - وقد جيء به نكرة ليدل على كثرته في نفسه لا بالقياس إلى سائر ~~أفراد الظن - هو بعض الظن الذي هو إثم فهو كثير في نفسه وبعض من مطلق الظن، ~~ولو أريد بكثير من الظن أعم من ذلك كأن يراد ما يعلم أن فيه إثما وما لا ~~يعلم منه ذلك كان الأمر بالاجتناب عنه أمرا احتياطيا توقيا من الوقوع في الإثم. # وقوله: "ولا تجسسوا" التجسس بالجيم تتبع ما استتر من أمور الناس للاطلاع ~~عليها، ومثله التحسس بالحاء المهملة ms6913 إلا أن التجسس بالجيم يستعمل في الشر ~~والتحسس بالحاء يستعمل في الخير، ولذا قيل: معنى الآية لا تتبعوا عيوب ~~المسلمين لتهتكوا الأمور التي سترها أهلها. # وقوله: "ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه" ~~الغيبة على ما في مجمع البيان ذكر العيب بظهر الغيب على وجه يمنع الحكمة ~~منه، وقد فسرت بتفاسير مختلفة حسب الاختلاف في مصاديقها سعة وضيقا في ~~الفقه، ويئول إلى أن يذكر من الإنسان في ظهر الغيب ما يسوءه لو ذكر به ولذا ~~لم يعدوا من الغيبة ذكر المتجاهر بالفسق بما تجاهر به. # والغيبة تفسد أجزاء المجتمع واحدا بعد واحد فتسقطها عن صلاحية التأثير ~~الصالح المرجو من الاجتماع وهو أن يخالط كل صاحبه ويمازجه في أمن وسلامة ~~بأن يعرفه إنسانا عدلا سويا يأنس به ولا يكرهه ولا يستقذره، وأما إذا عرفه ~~بما يكرهه ويعيبه به انقطع عنه بمقدار ذلك وضعفت رابطة الاجتماع فهي ~~كالأكلة التي تأكل جثمان من ابتلي بها عضوا بعد عضو حتى تنتهي إلى بطلان ~~الحياة. # والإنسان إنما يعقد المجتمع ليعيش فيه بهوية اجتماعية أعني بمنزلة ~~اجتماعية صالحة لأن يخالطه ويمازج فيفيد ويستفاد منه، وغيبته بذكر عيبه ~~لغيره تسقطه عن هذه المنزلة وتبطل منه هذه الهوية، وفيه تنقيص واحد من عدد ~~المجتمع الصالح ولا يزال ينتقص بشيوع الغيبة حتى يأتي على آخره فيتبدل ~~الصلاح فسادا ويذهب الأنس والأمن والاعتماد وينقلب الدواء داء. # فهي في الحقيقة إبطال هوية اجتماعية على حين غفلة من صاحبها ومن حيث لا ~~يشعر به، ولو علم بذلك على ما فيه من المخاطرة لتحرز منه وتوقى انهتاك ستره ~~وهو الستر ألقاه الله سبحانه على عيوب الإنسان ونواقصه ليتم به ما أراده من ~~طريق الفطرة من تألف أفراد الإنسان وتجمعهم وتعاونهم وتعاضدهم، وأين ~~الإنسان والنزاهة من كل عيب. # وإلى هذه الحقيقة أشار تعالى فيما ذكره من التمثيل بقوله: "أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه" وقد أتي بالاستفهام الإنكاري ونسب الحب ~~المنفي إلى أحدهم ولم يقل: بعضكم ونحو ms6914 ذلك ليكون النفي أوضح استيعابا ~~وشمولا ولذا أكده بقوله بعد: "فكرهتموه" فنسب الكراهة إلى الجميع ولم يقل: فكرهه. # وبالجملة محصله أن اغتياب المؤمن بمنزلة أن يأكل الإنسان لحم أخيه حال ~~كونه ميتا، وإنما كان لحم أخيه لأنه من أفراد المجتمع الإسلامي المؤلف من ~~المؤمنين وإنما المؤمنون إخوة، وإنما كان ميتا لأنه لغيبته غافل لا يشعر ~~بما يقال فيه. # وفي قوله: "فكرهتموه" ولم يقل: فتكرهونه إشعار بأن الكراهة أمر ثابت محقق ~~منكم في أن تأكلوا إنسانا هو أخوكم وهو ميت فكما أن هذا مكروه لكم فليكن ~~مكروها لكم اغتياب أخيكم المؤمن بظهر الغيب فإنه في معنى أكل أحدكم أخاه ميتا. PageV18P171 # واعلم أن ما في قوله: "أيحب أحدكم أن يأكل" إلخ، من التعليل جار في التجسس ~~أيضا كالغيبة، وإنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصل ~~إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير، والتجسس هو التوصل إلى العلم بعيب ~~الغير من طريق تتبع آثاره ولذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله: "أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا" إلخ، تعليلا لكل من الجملتين أعني "ولا ~~تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا". # واعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين، ~~ومن القرينة عليه قوله في التعليل: "لحم أخيه" فالأخوة إنما هي بين ~~المؤمنين. # وقوله: "واتقوا الله إن الله تواب رحيم" ظاهره أنه عطف على قوله: ~~"اجتنبوا كثيرا من الظن" إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب ~~التي كانوا يقترفونها بالتوبة إلى الله سبحانه فالمراد بقوله: "إن الله ~~تواب رحيم" أن الله كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين إليه اللائذين به. # وإن كان هو التجنب عنها والتورع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد ~~بقوله: "إن الله تواب رحيم" أن الله كثير الرجوع إلى عباده المتقين ~~بالهداية والتوفيق والحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم. # وذلك أن التوبة من الله توبتان: توبة قبل توبة العبد بالرجوع إليه ~~بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى: "ثم تاب ms6915 عليهم ليتوبوا": التوبة: 118، ~~وتوبة بعد توبة العبد بالرجوع إليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله: ~~"فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه": المائدة: 39. # قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" إلخ، الشعوب جمع شعب بالكسر ~~فالسكون وهو على ما في المجمع الحي العظيم من الناس كربيعة ومضر، والقبائل ~~جمع قبيلة وهي دون الشعب كتميم من مضر. # وقيل: الشعوب دون القبائل وسميت بها لتشعبها، قال الراغب: الشعب القبيلة ~~المنشعبة من حي واحد، وجمعه شعوب، قال تعالى: "شعوبا وقبائل" والشعب من ~~الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف فإذا نظرت إليه من الجانب الذي تفرق ~~أخذت في وهمك واحدا يتفرق، وإذا نظرت من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين ~~اجتمعا فلذلك قيل: شعبت إذا جمعت، وشعبت إذا فرقت. # انتهى. # وقيل: الشعوب العجم والقبائل العرب، والظاهر أن مآله إلى أحد القولين ~~السابقين، وسيجيء تمام الكلام فيه. # ذكر المفسرون أن الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب، وعليه فالمراد ~~بقوله: "من ذكر وأنثى" آدم وحواء، والمعنى: أنا خلقناكم من أب وأم تشتركون ~~جميعا فيهما من غير فرق بين الأبيض والأسود والعربي والعجمي وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضا ~~ويتم بذلك أمرا اجتماعكم فيستقيم مواصلاتكم ومعاملاتكم فلو فرض ارتفاع ~~المعرفة من بين أفراد المجتمع انفصم عقد الاجتماع وبادت الإنسانية فهذا هو ~~الغرض من جعل الشعوب والقبائل لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتباهوا بالآباء ~~والأمهات. # وقيل: المراد بالذكر والأنثى مطلق الرجل والمرأة، والآية مسوقة لإلغاء ~~مطلق التفاضل بالطبقات كالأبيض والأسود والعرب والعجم والغني والفقير ~~والمولى والعبد والرجل والمرأة، والمعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من رجل ~~وامرأة فكل واحد منكم إنسان مولود من إنسانين لا تفترقون من هذه الجهة، ~~والاختلاف الحاصل بالشعوب والقبائل - وهو اختلاف راجع إلى الجعل الإلهي - ~~ليس لكرامة وفضيلة وإنما هو لأن تتعارفوا فيتم بذلك اجتماعكم. # واعترض عليه بأن الآية مسوقة لنفي ms6916 التفاخر بالأنساب وذمه كما يدل عليه ~~قوله: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" وترتب هذا الغرض على هذا الوجه غير ~~ظاهر، ويمكن أن يناقش فيه أن الاختلاف في الأنساب من مصاديق الاختلاف ~~الطبقاتي وبناء هذا الوجه على كون الآية مسوقة لنفي مطلق الاختلاف الطبقاتي ~~وكما يمكن نفي التفاخر بالأنساب وذمه استنادا إلى أن الأنساب تنتهي إلى آدم ~~وحواء والناس جميعا مشتركون فيهما، كذلك يمكن نفيه وذمه استنادا إلى أن كل ~~إنسان مولود من إنسانين والناس جميعا مشتركون في ذلك. PageV18P172 # والحق أن قوله: "وجعلناكم شعوبا وقبائل" إن كان ظاهرا في ذم التفاخر ~~بالأنساب فأول الوجهين أوجه، وإلا فالثاني لكونه أعم وأشمل. # وقوله: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" استئناف مبين لما فيه الكرامة عند ~~الله سبحانه، وذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي ~~بعضهم بعضا لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره، وأن الاختلاف ~~المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنما هو للتوصل به إلى تعارفهم ~~ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم إذ لا يتم ائتلاف ولا تعاون وتعاضد من غير ~~تعرف فهذا هو غرض الخلقة من الاختلاف المجعول لا أن تتفاخروا بالأنساب ~~وتتفاضلوا بأمثال البياض والسواد فيستعبد بذلك بعضهم بعضا ويستخدم إنسان ~~إنسانا ويستعلي قوم على قوم فينجر إلى ظهور الفساد في البر والبحر وهلاك ~~الحرث والنسل فينقلب الدواء داء. # ثم نبه سبحانه في ذيل الآية بهذه الجملة أعني قوله: "إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم" على ما فيه الكرامة عنده، وهي حقيقة الكرامة. # وذلك أن الإنسان مجبول على طلب ما يتميز به من غيره ويختص به من بين ~~أقرانه من شرف وكرامة، وعامة الناس لتعلقهم بالحياة الدنيا يرون الشرف ~~والكرامة في مزايا الحياة المادية من مال وجمال ونسب وحسب وغير ذلك فيبذلون ~~جل جهدهم في طلبها واقتنائها ليتفاخروا بها ويستعلوا على غيرهم. # وهذه مزايا وهمية لا تجلب لهم شيئا من الشرف والكرامة دون أن توقعهم في ~~مهابط الهلكة والشقوة، والشرف الحقيقي هو الذي يؤدي الإنسان إلى ms6917 سعادته ~~الحقيقية وهو الحياة الطيبة الأبدية في جوار رب العزة وهذا الشرف والكرامة ~~هو بتقوى الله سبحانه وهي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة، وتتبعها ~~سعادة الدنيا قال تعالى: "تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة": الأنفال: ~~67، وقال: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى": البقرة: 197، وإذا كانت الكرامة ~~بالتقوى فأكرم الناس عند الله أتقاهم كما قال تعالى. # وهذه البغية والغاية التي اختارها الله بعلمه غاية للناس لا تزاحم فيها ~~ولا تدافع بين المتلبسين بها على خلاف الغايات والكرامات التي يتخذها الناس ~~بحسب أوهامهم غايات يتوجهون إليها ويتباهون بها كالغنى والرئاسة والجمال ~~وانتشار الصيت وكذا الأنساب وغيرها. # وقوله: "إن الله عليم خبير" فيه تأكيد لمضمون الآية وتلويح إلى أن الذي ~~اختاره الله كرامة للناس كرامة حقيقية اختارها الله بعلمه وخبرته بخلاف ما ~~اختاره الناس كرامة وشرفا لأنفسهم فإنها وهمية باطلة فإنها جميعا من زينة ~~الحياة الدنيا قال تعالى: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت: 64. # وفي الآية دلالة على أن من الواجب على الناس أن يتبعوا في غايات الحياة ~~أمر ربهم ويختاروا ما يختاره ويهدي إليه وقد اختار لهم التقوى كما أن من ~~الواجب عليهم أن يختاروا من سنن الحياة ما يختاره لهم من الدين. # قوله تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم" إلخ الآية وما يليها إلى آخر السورة متعرضة لحال ~~الأعراب في دعواهم الإيمان ومنهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بإيمانهم، وسياق نقل قولهم وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم ~~بقوله: "لم تؤمنوا" يدل على أن المراد بالأعراب بعض الأعراب البادين دون ~~جميعهم، ويؤيده قوله: "ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر": التوبة: 99. # وقوله: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا" أي قالوا لك آمنا وادعوا ~~الإيمان قل لم تؤمنوا وكذبهم في دعواهم، وقوله: "ولكن قولوا أسلمنا" ~~استدراك مما يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: فلا تقولوا آمنا ولكن قولوا: ~~أسلمنا. ms6918 # وقوله: "ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" لنفي دخول الإيمان في قلوبهم مع ~~انتظار دخوله، ولذلك لم يكن تكرارا لنفي الإيمان المدلول عليه بقوله: "لم ~~تؤمنوا". PageV18P173 # وقد نفي في الآية الإيمان عنهم وأوضحه بأنه لم يدخل في قلوبهم بعد وأثبت ~~لهم الإسلام، ويظهر به الفرق بين الإيمان والإسلام بأن الإيمان معنى قائم ~~بالقلب من قبيل الاعتقاد، والإسلام أمر قائم باللسان والجوارح فإنه ~~الاستسلام والخضوع لسانا بالشهادة على التوحيد والنبوة وعملا بالمتابعة ~~العملية ظاهرا سواء قارن الاعتقاد بحقية ما شهد عليه وعمل به أو لم يقارن، ~~وبظاهر الشهادتين تحقن الدماء وعليه تجري المناكح والمواريث. # وقوله: "وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا" الليت النقص ~~يقال: لاته يليته ليتا إذا نقصه، والمراد بالإطاعة الإخلاص فيها بموافقة ~~الباطن للظاهر من غير نفاق، وطاعة الله استجابة ما دعا إليه من اعتقاد ~~وعمل، وطاعة رسوله تصديقه واتباعه فيما يأمر به فيما له الولاية عليه من ~~أمور الأمة، والمراد بالأعمال جزاؤها المراد بنقص الأعمال نقص جزائها. # والمعنى: وإن تطيعوا الله فيما يأمركم به من اتباع دينه اعتقادا، وتطيعوا ~~الرسول فيما يأمركم به لا ينقص من أجور أعمالكم شيئا، وقوله: "إن الله غفور ~~رحيم" تعليل لعدم نقصه تعالى أعمالهم إن أطاعوه ورسوله. # قوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون" تعريف تفصيلي ~~للمؤمنين بعد ما عرفوا إجمالا بأنهم الذين دخل الإيمان في قلوبهم كما هو ~~لازم قوله: "لم تؤمنوا" و"لما يدخل الإيمان في قلوبكم". # فقوله: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله" فيه قصر المؤمنين في ~~الذين آمنوا بالله ورسوله إلخ، فتفيد تعريفهم بما ذكر من الأوصاف تعريفا ~~جامعا مانعا فمن اتصف بها مؤمن حقا كما أن من فقد شيئا منها ليس بمؤمن حقا. # والإيمان بالله ورسوله عقد القلب على توحيده تعالى وحقية ما أرسل به ~~رسوله وعلى صحة الرسالة واتباع الرسول فيما يأمر به. # وقوله: "ثم لم يرتابوا" أي لم يشكوا في حقية ما ms6919 آمنوا به وكان إيمانهم ~~ثابتا مستقرا لا يزلزله شك، والتعبير بثم دون الواو - كما قيل - للدلالة ~~على انتفاء عروض الريب حينا بعد حين كأنه طري جديد دائما فيفيد ثبوت ~~الإيمان على استحكامه الأولى ولو قيل: ولم يرتابوا كان من الجائز أن يصدق ~~مع الإيمان أولا مقارنا لعدم الارتياب مع السكوت عما بعد. # وقوله: "وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله" المجاهدة بذل الجهد ~~والطاقة وسبيل الله دينه، والمراد بالمجاهدة بالأموال والأنفس العمل بما ~~تسعه الاستطاعة وتبلغه الطاقة في التكاليف المالية كالزكاة وغير ذلك من ~~الإنفاقات الواجبة، والتكاليف البدنية كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك. # والمعنى: ويجدون بإتيان التكاليف المالية والبدنية حال كونهم أو حال كون ~~عملهم في دين الله وسبيله. # وقوله: "أولئك هم الصادقون" تصديق في إيمانهم إذا كانوا على الصفات ~~المذكورة. # قوله تعالى: "قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض والله بكل شيء عليم" توبيخ للأعراب حيث قالوا: آمنا ولازمه دعوى ~~الصدق في قولهم والإصرار على ذلك، وقيل: لما نزلت الآية السابقة حلفت ~~الأعراب أنهم مؤمنون صادقون في قولهم: آمنا، فنزل: "قل أتعلمون الله ~~بدينكم" الآية، ومعنى الآية ظاهر. # قوله تعالى: "يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين" أي يمنون عليك بأن أسلموا وقد ~~أخطئوا في منهم هذا من وجهين أحدهما أن حقيقة النعمة التي فيها المن هو ~~الإيمان الذي هو مفتاح سعادة الدنيا والآخرة دون الإسلام الذي له فوائد ~~صورية من حقن الدماء وجواز المناكح والمواريث، وثانيهما أن ليس للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من أمر الدين إلا أنه رسول مأمور بالتبليغ فلا من ~~عليه لأحد ممن أسلم. # فلو كان هناك من لكان لهم على الله سبحانه لأن الدين دينه لكن لا من لأحد ~~على الله لأن المنتفع بالدين في الدنيا والآخرة هم المؤمنون دون الله الغني ~~على الإطلاق فالمن لله عليهم أن هداهم له. # وقد بدل ثانيا الإسلام من الإيمان للإشارة ms6920 إلى أن المن إنما هو بالإيمان ~~دون الإسلام الذي إنما ينفعهم في الظاهر فقط. PageV18P174 # فقد تضمن قوله: "قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن" إلخ، الإشارة إلى ~~خطئهم من الجهتين جميعا: إحداهما: خطئهم من جهة توجيه المن إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو رسول ليس له من الأمر شيء، وإليه الإشارة بقوله: ~~"لا تمنوا علي إسلامكم". # وثانيهما: أن المن - لو كان هناك من - إنما هو بالإيمان دون الإسلام، ~~وإليه الإشارة بتبديل الإسلام من الإيمان. # قوله تعالى: "إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون" ~~ختم للسورة وتأكيد يعلل ويؤكد به جميع ما تقدم في السورة من النواهي ~~والأوامر وما بين فيها من الحقائق وما أخبر فيها عن إيمان قوم وعدم إيمان ~~آخرين فالآية تعلل بمضمونها جميع ذلك. # والمراد بغيب السماوات والأرض ما فيها من الغيب أو الأعم مما فيهما ومن ~~الخارج منهما. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله تعالى: "يا أيها ~~الذين آمنوا - لا يسخر قوم من قوم" قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزءوا ~~من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة. وفي ~~المجمع،: نزل قوله: "لا يسخر قوم من قوم" في ثابت بن قيس بن شماس وكان في ~~أذنه وقر وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيسمع ما يقول. فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة ~~وأخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى ~~رجل فقال له: أصبت مجلسا فاجلس فجلس خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة قال: من ~~هذا؟ قال الرجل: أنا فلان فقال ثابت: ابن فلانة ذكر أما له كان يعير بها في ~~الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء فنزلت الآية.: عن ابن عباس. وفيه،: وقوله: ~~"ولا نساء من نساء" نزل في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سخرن من ~~أم سلمة.: عن أنس.: وذلك ms6921 أنها ربطت حقويها بسبيبة وهي ثوب أبيض وسدلت ~~طرفيها خلفها فكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ما ذا تجر خلفها كأنه ~~لسان كلب فهذه كانت سخريتهما، وقيل: إنها عيرتها بالقصر، وأشارت بيدها أنها ~~قصيرة.: عن الحسن. وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في ~~الأدب، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن ~~المنذر والبغوي في معجمه، وابن حبان والشيرازي في الألقاب، والطبراني وابن ~~السني في عمل اليوم والليلة، والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب ~~الإيمان، عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة "ولا تنابزوا ~~بالألقاب" قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وليس فينا رجل ~~إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا ~~رسول الله إنه يكره هذا الاسم فأنزل الله "ولا تنابزوا بالألقاب". وفيه، ~~أخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر يخدمهما ~~وينال من طعامهما وأن سلمان نام نوما فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء ~~وقالا ما يريد سلمان شيئا غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب فلما ~~جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب لهما إداما ~~فانطلق فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال: ~~ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا. فرجع سلمان فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاما ~~منذ نزلنا. قال: إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما. فنزلت "أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا". وفيه، أخرج الضياء المقدسي عن أنس قال: كانت العرب ~~يخدم بعضها بعضا في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما فناما ~~واستيقظا ولم يهيىء لهما طعاما فقالا: إن هذا لنئوم فأيقظاه فقالا: ائت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك ~~السلام ويستأدمانك، فقال: إنهما ائتدما، فجاءاه ms6922 فقالا يا رسول الله بأي شيء ~~ائتدمنا؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما، ~~فقالا: استغفر لنا يا رسول الله. قال: مراه فليستغفر لكما. PageV18P175 # أقول: الظاهر أن القصة الموردة في الروايتين واحدة والرجلان المذكوران في ~~الرواية الأولى أبو بكر وعمر والرجل المذكور في الثانية هو سلمان، ويؤيد ~~هذا ما عن جوامع الجامع، قال: وروي: أن أبا بكر وعمر بعثا سلمان إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليأتي لهما بطعام فبعثه إلى أسامة بن زيد ~~وكان خازن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رحله فقال: ما عندي شيء ~~فعاد إليهما فقالا: بخل أسامة ولو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها. ~~ثم انطلقا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهما: ما لي أرى ~~خضرة اللحم في أفواهكما قالا: يا رسول الله ما تناولنا اليوم لحما. قال: ~~ظلمتم تأكلون لحم سلمان وأسامة فنزلت. وفي العيون، بإسناده عن محمد بن يحيى ~~بن أبي عباد عن عمه قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يوما ينشد وقليلا ما كان ~~ينشد شعرا: كلنا نأمل مدا في الأجل والمنايا هن آفات الأمل لا يغرنك أباطيل ~~المنى والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل حل فيه راكب ثم رحل ~~فقلت: لمن هذا أعز الله الأمير؟ فقال: لعراقي لكم قلت: أنشدنيه أبو ~~العتاهية لنفسه فقال: هات اسمه ودع هذا، إن الله سبحانه يقول: "ولا تنابزوا ~~بالألقاب" ولعل الرجل يكره هذا. وفي الكافي، بإسناده عن الحسين بن مختار عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام ~~له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من ~~أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. وفي نهج البلاغة، وقال (عليه ~~السلام): إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم أساء رجل الظن برجل لم ~~يظهر منه حوبة فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ثم أحسن رجل ms6923 ~~الظن برجل فقد غرر. # أقول: والروايتان غير متعارضتين فالثانية ناظرة إلى نفس الظن والأولى إلى ~~ترتيب الأثر عليه عملا. PageV18P176 # وفي الخصال، عن أسباط بن محمد بإسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أنه قال: الغيبة أشد من الزنا، فقيل: يا رسول الله ولم ذلك؟ قال: صاحب ~~الزنا يتوب فيتوب الله عليه وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه حتى يكون ~~صاحبه الذي يحله:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه والبيهقي عن ~~أبي سعيد وجابر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولفظه قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): الغيبة أشد من الزنا. قالوا: يا رسول الله وكيف ~~الغيبة أشد من الزنا؟ قال: إن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب ~~الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه. وفي الكافي، بإسناده إلى السكوني ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه. وفيه، بإسناده ~~عن حفص بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ما كفارة الاغتياب قال: تستغفر الله لمن اغتبته كما ذكرته. ~~وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل" قال: الشعوب ~~العجم والقبائل العرب:. أقول: ونسبه في مجمع البيان، إلى الصادق (عليه ~~السلام). وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله ~~قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وسط أيام التشريق خطبة ~~الوداع فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا ~~فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على ~~أسود إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا ~~رسول الله. قال فليبلغ الشاهد الغائب. وفي الكافي، بإسناده عن أبي بكر ~~الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى ms6924 الله عليه ~~وآله وسلم) زوج مقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. إنما زوجه ~~لتضع المناكح، وليتأسوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليعلموا أن ~~أكرمهم عند الله أتقاهم. وفي روضة الكافي، بإسناده عن جميل بن دراج قال: ~~قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): فما الكرم؟ قال: التقوى. وفي الكافي، ~~بإسناده عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: إن ~~الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون وعليه يتناكحون والإيمان عليه يثابون. ~~وفي الخصال، عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث: والإسلام ~~غير الإيمان، وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. وفي الدر المنثور،: في ~~قوله تعالى: "قالت الأعراب آمنا": أخرج ابن جرير عن قتادة: في قوله: "قالت ~~الأعراب آمنا" قال: نزلت في بني أسد.: أقول: وهو مروي أيضا عن مجاهد وغيره. ~~وفيه، أخرج ابن ماجة وابن مردويه والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ~~علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الإيمان ~~معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. وفيه، أخرج النسائي والبزاز ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلك العرب ولم نقاتلك فنزلت هذه ~~الآية "يمنون عليك أن أسلموا". أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر. PageV18P177 ### || AUTO ### ||| AUTO 50 سورة ق - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم ق والقرءان المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم فقال الكفرون هذا شىء عجيب (2) أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) ~~قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم ~~فهم فى أمر مريج (5) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنينها وزينها وما ~~لها من فروج (6) والأرض مددنها وألقينا فيها روسى وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج (7) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مبركا فأنبتنا ~~به جنت وحب الحصيد (9) والنخل باسقت لها طلع نضيد (10) رزقا ms6925 للعباد وأحيينا ~~به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحب الرس وثمود (12) ~~وعاد وفرعون وإخون لوط (13) وأصحب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) ### |||| AUTO بيان # السورة تذكر الدعوة وتشير إلى ما فيها من الإنذار بالمعاد وجحد المشركين ~~به واستعجابهم ذلك بأن الموت يستعقب بطلان الشخصية الإنسانية بصيرورته ~~ترابا لا يبقى معه أثر مما كان عليه فكيف يرجع ثانيا إلى ما كان عليه قبل ~~الموت فتدفع ما أظهروه من الاستعجاب والاستبعاد بأن العلم الإلهي محيط بهم ~~وعنده الكتاب الحفيظ الذي لا يعزب عنه شيء مما دق وجل من أحوال خلقه ثم ~~توعدهم بإصابة مثل ما أصاب الأمم الماضية الهالكة. # وتنبه ثانيا على علمه وقدرته تعالى بالإشارة إلى ما جرى من تدبيره تعالى ~~في خلق السماوات وما زينها به من الكواكب والنجوم وغير ذلك، وفي خلق الأرض ~~من حيث مدها وإلقاء الرواسي عليها وإنبات الأزواج النباتية فيها ثم بإنزال ~~الماء وتهيئة أرزاق العباد وإحياء الأرض به. # ثم بيان حال الإنسان من أول ما خلق وأنه تحت المراقبة الشديدة الدقيقة ~~حتى ما يلفظ به من لفظ وحتى ما يخطر بباله وتوسوس به نفسه ما دام حيا ثم ~~إذا أدركه الموت ثم إذا بعث لفصل القضاء ثم إذا فرغ من حسابه فأدخل النار ~~إن كان من المكذبين أو الجنة المزيفة إن كان من المتقين. # وبالجملة مصب الكلام في السورة هو المعاد، ومن غرر الآيات فيها قوله: ~~"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"، وقوله: "يوم ~~نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد" وقوله: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد". # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها إلا ما قيل في قوله: "ولقد خلقنا ~~السماوات والأرض" الآية أو الآيتين، ولا شاهد عليه من اللفظ. # وما أوردناه من الآيات فيه إجمال الإشارة إلى المعاد واستبعادهم له، ~~وإجمال الجواب والتهديد أولا ثم الإشارة إلى تفصيل الجواب والتهديد ثانيا. # قوله تعالى: "ق والقرآن المجيد"، قال في المجمع،: المجد في كلامهم ms6926 الشرف ~~الواسع يقال: مجد الرجل ومجد - بضم العين وفتحها - مجدا إذا عظم وكرم، ~~وأصله من قولهم: مجدت الإبل مجودا إذا عظمت بطونها من كثرة أكلها من كلاء ~~الربيع. # انتهى. # وقوله: "والقرآن المجيد" قسم وجوابه محذوف يدل عليه الجمل التالية ~~والتقدير والقرآن المجيد أن البعث حق أو إنك لمن المنذرين أو الإنذار حق، ~~وقيل: جواب القسم مذكور وهو قوله: "بل عجبوا" إلخ، وقيل: هو قوله: "قد ~~علمنا ما تنقص" إلخ، وقيل: قوله: "ما يلفظ من قول" إلخ، وقيل: قوله: "إن في ~~ذلك لذكرى" إلخ، وقيل: قوله: "ما يبدل القول لدي" إلخ، وهذه أقوال سخيفة لا ~~يصار إليها. # قوله تعالى: "بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب" ~~إضراب عن مضمون جواب القسم المحذوف فكأنه قيل: إنا أرسلناك نذيرا فلم ~~يؤمنوا بك بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم، أو قيل إن البعث الذي أنذرتهم به ~~حق ولم يؤمنوا به بل عجبوا منه واستبعدوه. PageV18P178 # وضمير "منهم" في قوله: "بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم" راجع إليهم بما هم ~~بشر أي من جنسهم وذلك أن الوثنيين ينكرون نبوة البشر كما تقدمت الإشارة ~~إليه مرارا أو راجع إليهم بما هم عرب والمعنى: بل عجبوا أن جاءهم منذر من ~~قومهم وبلسانهم يبين لهم الحق أوفى بيان فيكون أبلغ في تقريعهم. # وقوله: "فقال الكافرون هذا شيء عجيب" وصفهم بالكفر ولم يقل: وقال ~~المشركون ونحو ذلك للدلالة على سترهم للحق لما جاءهم، والإشارة في قولهم: ~~"هذا شيء عجيب"، إلى البعث والرجوع إلى الله كما يفسره قوله بعد: "أإذا ~~متنا وكنا ترابا" إلخ. # قوله تعالى: "أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد" الرجع والرجوع بمعنى ~~والمراد بالبعد البعد عن العقل. # وجواب إذا في قولهم: "أءذا متنا وكنا ترابا" محذوف يدل عليه قولهم: "ذلك ~~رجع بعيد" والتقدير أءذا متنا وكنا ترابا نبعث ونرجع؟ والاستفهام للتعجيب، ~~وإنما حذف للإشارة إلى أنه عجيب بحيث لا ينبغي أن يذكر، إذ لا يقبله عقل ذي ~~عقل والآية في مساق قوله: "وقالوا ms6927 أءذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد": ~~الم السجدة: 10. # والمعنى: أنهم يتعجبون ويقولون: أءذا متنا وكنا ترابا - وبطلت ذواتنا ~~بطلانا لا أثر معه منها - نبعث ونرجع؟ ثم كان قائلا يقول لهم: مم تتعجبون؟ ~~فقالوا: ذلك رجع بعيد يستبعده العقل ولا يسلمه. # قوله تعالى: "قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ" رد منه ~~تعالى لاستبعادهم البعث والرجوع مستندين في ذلك إلى أنهم ستتلاشى أبدانهم ~~بالموت فتصير ترابا متشابه الأجزاء لا تمايز لجزء منها من جزء والجواب أنا ~~نعلم بما تأكله الأرض من أبدانهم وتنقصه منها فلا يفوت علمنا جزء من ~~أجزائهم حتى يتعسر علينا إرجاعه أو يتعذر بالجهل. # أو أنا نعلم من يموت منهم فيدفن في الأرض فتنقصه الأرض من جمعهم، و"من" ~~على أول الوجهين تبعيضية وعلى الثاني تبيينية. # وقوله: "وعندنا كتاب حفيظ" أي حافظ لكل شيء ولآثاره وأحواله، أو كتاب ~~ضابط للحوادث محفوظ عن التغيير والتحريف، وهو اللوح المحفوظ الذي فيه كل ما ~~كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. # وقول بعضهم إن المراد به كتاب الأعمال غير سديد أولا من جهة أن الله ذكره ~~حفيظا لما تنقص الأرض منهم وهو غير الأعمال التي يحفظه كتاب الأعمال. # وثانيا: أنه سبحانه إنما وصف في كلامه بالحفظ اللوح المحفوظ دون كتب ~~الأعمال فحمل الكتاب الحفيظ على كتاب الأعمال من غير شاهد. # ومحصل جواب الآية أنهم زعموا أن موتهم وصيرورتهم ترابا متلاشي الذرات غير ~~متمايز الأجزاء يصيرهم مجهولي الأجزاء عندنا فيمتنع علينا جمعها وإرجاعها ~~لكنه زعم باطل فإنا نعلم بمن مات منهم وما يتبدل إلى الأرض من أجزاء ~~أبدانهم وكيف يتبدل وإلى أين يصير؟ وعندنا كتاب حفيظ فيه كل شيء وهو اللوح ~~المحفوظ. # قوله تعالى: "بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج" المرج الاختلاط ~~والالتباس، وفي الآية إضراب عما تلوح إليه الآية السابقة فإن اللائح منها ~~أنهم إنما تعجبوا من أمر البعث والرجوع واستبعدوه لجهلهم بأن الله سبحانه ~~عليم لا يعزب عنه شيء من أحوال خلقه ms6928 وآثارهم وأن جميع ذلك مستطر في اللوح ~~المحفوظ عند الله بحيث لا يشذ عنه شاذ. # فأضرب في هذه الآية أن ذلك ليس من جهلهم وإن تجاهلوا بل كذبوا بالحق لما ~~جاءهم فاستبان لهم أنه حق فهم جاحدون للحق معاندون له وليسوا بجاهلين به ~~قاصرين عن إدراكه فهم في أمر مريج مختلط غير منتظم يدركون الحق ويكذبون به ~~مع أن لازم العلم بشيء تصديقه والإيمان به. # وقيل: المراد بكونهم في أمر مريج أنهم متحيرون بعد إنكار الحق لا يدرون ~~ما يقولون فتارة يقولون: افتراء على الله، وتارة: سحر، وتارة: شعر، وتارة: ~~كهانة وتارة: زجر. # ولذلك عقب الكلام بذكر آيات علمه وقدرته توبيخا لهم ثم بالإشارة إلى ~~تكذيب الأمم الماضية الهالكة الذي ساقهم إلى عذاب الاستئصال، تهديدا لهم. PageV18P179 # قوله تعالى: "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج" الفروج جمع فرجة: الشقوق والفتوق، وتقييد السماء بكونها فوقهم ~~للدلالة على أنها بمرأى منهم لا تغيب عن أنظارهم، والمراد بتزيينها خلق ~~النجوم اللامعة فيها بما لها من الجمال البديع، فبناء هذا الخلق البديع بما ~~لها من الجمال الرائع من غير شقوق وفتوق أصدق شاهد على قدرته القاهرة وعلمه ~~المحيط بما خلق. # قوله تعالى: "والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج" مد الأرض بسطها لتلائم عيشة الإنسان، والرواسي جمع الراسية بمعنى ~~الثابتة صفة محذوفة الموصوف وهو الجبال، والمراد جعل الجبال الثابتة على ~~ظهرها، والبهيج من البهجة، قال في المجمع،: البهجة الحسن الذي له روعة عند ~~الرؤية كالزهرة والأشجار النضرة والرياض الخضرة. # انتهى. # وقيل: المراد بالبهيج الذي من رآه بهج وسر به فهو بمعنى المبهوج به. # والمراد بإنبات كل زوج بهيج إنبات كل صنف حسن المنظر من النبات. # فخلق الأرض وما جرى فيها من التدبير الإلهي العجيب أحسن دليل يدل العقل ~~على كمال القدرة والعلم. # قوله تعالى: "تبصرة وذكرى لكل عبد منيب" مفعول له أي فعلنا ما فعلنا من ~~بناء السماء ومد الأرض وعجائب التدبير التي أجريناها فيهما ms6929 ليكون تبصرة ~~يتبصر بها وذكرى يتذكر بها كل عبد راجع إلى الله سبحانه. # قوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد" ~~السماء جهة العلو والماء المبارك المطر، وصف بالمباركة لكثرة خيراته ~~العائدة إلى الأرض وأهلها، وحب الحصيد المحصود من الحب وهو من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "والنخل باسقات لها طلع نضيد" الباسقات جمع باسقة وهي ~~الطويلة العالية، والطلع أول ما يطلع من ثمر النخيل، والنضيد بمعنى المنضود ~~بعضه على بعض والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج" الرزق ما ~~يمد به البقاء، و"رزقا للعباد" مفعول له أي أنبتنا هذه الجنات وحب الحصيد ~~والنخل باسقات بما لها من الطلع النضيد ليكون رزقا للعباد فمن خلق هذه ~~النباتات ليرزق به العباد بما في ذلك من التدبير الوسيع الذي يدهش اللب ~~ويحير العقل هو ذو علم لا يتناهى وقدرة لا تعيى لا يشق عليه إحياء الإنسان ~~بعد موته وإن تلاشت ذرات جسمه وضلت في الأرض أجزاء بدنه. # وقوله: "وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج" برهان آخر على البعث غير ما ~~تقدم استنتج من طي الكلام فإن البيان السابق في رد استبعادهم للبعث مستندين ~~إلى صيرورتهم ترابا غير متمايز الأجزاء كان برهانا من مسلك إثبات علمه بكل ~~شيء وقدرته على كل شيء وهذا البرهان الذي يتضمنه قوله: "وأحيينا به بلدة ~~ميتا كذلك الخروج" من مسلك إثبات إمكان الشيء بوقوع مثله فليس الخروج من ~~القبور بالإحياء بعد الموت إلا مثل خروج النبات الميت من الأرض بعد موتها ~~ووقوف قواه عن النماء والنشوء. # وقد قررنا هذا البرهان في ذيل الآيات المستدلة بإحياء الأرض بعد موتها ~~على البعث غير مرة فيما تقدم من أجزاء الكتاب. # قوله تعالى: "كذبت قبلهم قوم نوح - إلى قوله - كل كذب الرسل فحق وعيد"، ~~تهديد وإنذار لهم بما كذبوا بالحق لما جاءهم وتبين لهم عنادا كما أشرنا ~~إليه قبل. # وقد تقدم ذكر أصحاب الرس في تفسير سورة الفرقان، وذكر أصحاب ms6930 الأيكة وهم ~~قوم شعيب في سور الحجر والشعراء وص، وذكر قوم تبع في سورة الدخان. # وفي قوله: "كل كذب الرسل فحق وعيد" إشارة إلى أن هناك وعيدا بالهلاك ينجز ~~عند تكذيب الرسل قال تعالى: "فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين": النحل: 36. PageV18P180 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من ~~وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له: ق السماء ~~الدنيا مترفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع ~~مرات ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له ~~ق السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل ~~وسبع سماوات. قال: وذلك قوله: "والبحر يمده من بعده سبعة أبحر". وفيه، أخرج ~~ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله ~~تعالى: "ق" قال: جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء. وفيه، أخرج ~~ابن أبي الدنيا في العقوبات، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس قال: خلق ~~الله جبلا يقال له ق محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا ~~أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية ~~فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك القرية دون القرية: أقول: وروى القمي بإسناده ~~عن يحيى بن ميسرة الخثعمي عن الباقر (عليه السلام): مثل ما مر عن عبد الله ~~بن بريدة، وروي ما في معناه مرسلا ومضمرا ولفظه: قال: جبل محيط بالدنيا ~~وراء يأجوج ومأجوج. # وكيفما كان لا تعويل على هذه الروايات، وبطلان ما فيها يكاد يلحق اليوم ~~بالبديهيات أو هو منها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فقال الكافرون هذا شيء عجيب" قال: ~~نزلت في أبي بن خلف قال لأبي جهل: تعال إلي أعجبك من محمد ثم أخذ عظما ففته ~~ثم قال: يا محمد تزعم أن هذا يحيا؟ ms6931 فقال الله: بل كذبوا بالحق لما جاءهم ~~فهم في أمر مريج". PageV18P181 ### ||| AUTO 50 سورة ق - 15 - 38 # أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الانسن ~~ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ فى الصور ~~ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت فى غفلة من ~~هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدى عتيد ~~(23) ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (25) الذى جعل ~~مع الله إلها ءاخر فألقياه فى العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ~~ولكن كان فى ضلل بعيد (27) قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ~~ما يبدل القول لدى وما أنا بظلم للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون ~~لكل أواب حفيظ (32) من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلم ~~ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلد هل من محيص (36) إن فى ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) ### |||| AUTO بيان # الآية الأولى متممة لما أورده في الآيات السابقة من الحجة على علمه ~~وقدرته بما خلق السماء والأرض وما فيهما من خلق ودبر ذلك أكمل التدبير ~~وأتمه وذلك كله هو الخلق الأول والنشأة الأولى. # فتمم ذلك بقوله: "أفعيينا بالخلق الأول" واستنتج منه أن القادر على الخلق ~~الأول العالم به قادر على خلق جديد ونشأة ثانية وعالم به لأنهما مثلان إذا ~~جاز له خلق أحدهما جاز خلق الآخر وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن. # ثم أضرب ms6932 عنه أنهم في التباس من خلق جديد مع مماثلة الخلقين ثم أشار إلى ~~نشأة الإنسان أول مرة وهو يعلم منه حتى خطرات قلبه وعليه رقباؤه يراقبونه ~~أدق المراقبة ثم يجيئه سكرة الموت بالحق ثم البعث ثم دخول الجنة أو النار ~~ثم أشار ثانيا إلى ما حل بالقرون الماضية المكذبة من السخط الإلهي وعذاب ~~الاستئصال وهم أشد بطشا من هؤلاء فمن جازاهم بالهلاك قادر على أن يجازي هؤلاء. # قوله تعالى: "أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد" العي عجز ~~يلحق من تولي الأمر والكلام كذا، قال الراغب: يقال: أعياني كذا وعييت بكذا ~~أي عجزت عنه والخلق الأول خلق هذه النشأة الطبيعية بنظامها الجاري ومنها ~~الإنسان في حياته الدنيا فلا وجه لقصر الخلق الأول في خلق السماء والأرض ~~فقط كما مال إليه الرازي في التفسير الكبير ولا لقصره في خلق الإنسان كما ~~مال إليه بعضهم وذلك لأن الخلق الجديد يشمل السماء والأرض والإنسان جميعا ~~كما قال تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار": إبراهيم: 48. # والخلق الجديد خلق النشأة الثانية وهي النشأة الآخرة، والاستفهام ~~للإنكار. # والمعنى: أعجزنا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الخلق الجديد؟ أي لم نعجز عن ~~الخلق الأول وهو إبداؤه فلا نعجز عن الخلق الجديد وهو إعادته. PageV18P182 # ولو أخذ العي بمعنى التعب كما مال إليه بعضهم كان المعنى: هل تعبنا بسبب ~~الخلق الأول حتى يتعذر أو يتعسر علينا الخلق الجديد؟ وذلك كما أن الإنسان ~~وسائر الحيوان إذا أتى بشيء من الفعل وأكثر منه انتهي به إلى التعب البدني ~~فيكفه ذلك عن الفعل بعد، فما لم يأت به من الفعل لكونه تعبان مثل ما أتى ~~لكنه لا يؤتى به لأن الفاعل لا يستطيعه لتعبه وإن كان الفعل جائزا متشابه ~~الأمثال. # وهذا معنى لا بأس به لكن قيل: إن استعمال العي بمعنى العجز أفصح. # على أن سوق الحجة من طريق العجز يفيد استحالة الإتيان ونفيها هو المطلوب ~~بخلاف سوقها من طريق التعب فإنه يفيد تعسره ms6933 دون استحالة الإتيان ومراد ~~النافين للمعاد استحالته دون تعسره هذا. # وقوله: "بل هم في لبس من خلق جديد" اللبس هو الالتباس، والمراد بالخلق ~~الجديد تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة أخرى ذات نظام آخر وراء النظام الطبيعي ~~الحاكم في الدنيا فإن في النشأة الأخرى وهي الخلق الجديد بقاء من غير فناء ~~وحياة من غير موت ثم إن كان الإنسان من أهل السعادة فله نعمة من غير نقمة ~~وإن كان من أهل الشقاء ففي نقمة لا نعمة معها، والنشأة الأولى وهي الخلق ~~الأول والنظام الحاكم فيها على خلاف ذلك. # والمعنى: إذا كنا خلقنا العالم بسمائه وأرضه وما فيهما ودبرناه أحسن ~~تدبير لأول مرة بقدرتنا وعلمنا ولم نعجز عن ذلك علما وقدرة فنحن غير عاجزين ~~عن تجديد خلقه وهو تبديله خلقا جديدا فلا ريب في قدرتنا ولا التباس بل هم ~~في التباس لا سبيل لهم مع ذلك إلى الإيمان بخلق جديد. # قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد" قال الراغب: الوسوسة الخطرة الرديئة وأصله من الوسواس وهو ~~صوت الحلي والهمس الخفي. # انتهى. # والمراد بخلق الإنسان وجوده المتدرج المتحول خلقا بعد خلق لا أول تكوينه ~~إنسانا وإن عبر عنه بالماضي إذ قال: "ولقد خلقنا الإنسان" إذ الإنسان - ~~وكذا كل مخلوق له حظ من البقاء - كما يحتاج إلى عطية ربه في أول وجوده كذلك ~~يحتاج إليه في بقائه. # ولما ذكر من النكتة عطف قوله: "ونعلم ما توسوس به نفسه" وهو فعل مضارع ~~مسوق للدلالة على الاستمرار على قوله: "ولقد خلقنا الإنسان" وهو فعل ماض ~~لكنه مستمر المعنى، وكذا قوله: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" مفيد للثبوت ~~والدوام والاستمرار باستمرار وجود الإنسان. # وللآية اتصال بما تقدم من الاحتجاج على علمه وقدرته تعالى في الخلق الأول ~~بقوله: "أفلم ينظروا إلى السماء" واتصال أيضا بقوله تعالى في الآية ~~السابقة: "بل هم في لبس من خلق جديد" فهي في سياق يذكر قدرته على الإنسان ~~بخلقه، وعلمه به بلا واسطة ms6934 وبواسطة الملائكة الحفظة الكتبة. # فقوله: "ولقد خلقنا الإنسان" - واللام للقسم - دال على القدرة عليه ~~بإثبات الخلق. # وقوله: "ونعلم ما توسوس به نفسه" في ذكر أخفى أصناف العلم وهو العلم ~~بالخطور النفساني الخفي إشارة إلى استيعاب العلم له كأنه قيل: ونعلم ظاهره ~~وباطنه حتى ما توسوس به نفسه ومما توسوس به الشبهة في أمر المعاد: كيف يبعث ~~الإنسان وقد صار بعد الموت ترابا متلاشي الأجزاء غير متميز بعضها من بعض. # وقد بان أن "ما" في "ما توسوس به" موصولة وضمير "به" عائد إليه والباء ~~للآلة أو للسببية، ونسب الوسوسة إلى النفس دون الشيطان وإن كانت منسوبة ~~إليه أيضا لأن الكلام في إحاطة العلم بالإنسان حتى بما في زوايا نفسه من ~~هاجس ووسوسة. # وقوله: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" الوريد عرق متفرق في البدن فيه ~~مجاري الدم، وقيل: هو العرق الذي في الحلق، وكيف كان فتسميته حبلا لتشبيهه ~~به، وإضافة حبل الوريد بيانية. # والمعنى: نحن أقرب إلى الإنسان من حبل وريده المخالط لأعضائه المستقر في ~~داخل بدنه فكيف لا نعلم به وبما في نفسه. PageV18P183 # وهذا تقريب للمقصود بجملة ساذجة يسهل تلقيها لعامة الأفهام وإلا فأمر قربه ~~تعالى إليه أعظم من ذلك وأعظم فهو سبحانه الذي جعلها نفسا ورتب عليها ~~آثارها فهو الواسطة بينها وبين نفسها وبينها وبين آثارها وأفعالها فهو أقرب ~~إلى الإنسان من كل أمر مفروض حتى في نفسه، ولكون هذا المعنى دقيقا يشق ~~تصوره على أكثر الأفهام عدل سبحانه إلى بيانه بنحو قوله: "ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد" وقريب منه بوجه قوله: "إن الله يحول بين المرء وقلبه". # ولهم في معنى الآية وجوه كثيرة أخر لا جدوى في نقلها والبحث عنها من ~~أرادها فليراجع كتبهم. # قوله تعالى: "إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد" التلقي ~~الأخذ والتلقن، والمراد بالمتلقيان على ما يفيده السياق الملكان الموكلان ~~على الإنسان اللذان يتلقيان عمله فيحفظانه بالكتابة. # وقوله: "عن اليمين وعن الشمال قعيد" تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال ~~قعيد، والمراد باليمين ms6935 والشمال يمين الإنسان وشماله، والقعيد القاعد. # والظرف في قوله: "إذ يتلقى المتلقيان" الظاهر أنه متعلق بمحذوف والتقدير ~~اذكر إذ يتلقى المتلقيان، والمراد به الإشارة إلى علمه تعالى بأعمال ~~الإنسان من طريق كتاب الأعمال من الملائكة وراء علمه تعالى بذاته من غير ~~توسط الوسائط. # وقيل: الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة: "أقرب" والمعنى: نحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد في حين يتلقى الملكان الموكلان عليه أعماله ليكتباها. # ولعل الوجه السابق أوفق للسياق فإن بناء هذا الوجه على كون العمدة في ~~الغرض بيان أقربيته تعالى إليه وعلمه به والباقي مقصود لأجله، وظاهر السياق ~~وخاصة بالنظر إلى الآية التالية كون كل من العلم من طريق القرب ومن طريق ~~تلقي الملكين مقصودا بالاستقلال. # وقيل: "إذ" تعليلية تعلل علمه تعالى المدلول عليه بقوله: "ونحن أقرب ~~إليه" إلخ، بمفاد مدخولها. # وفيه أن من البعيد من مذاق القرآن أن يستدل على علمه تعالى بعلم الملائكة ~~أو بحفظهم وكتابتهم. # وقوله: "عن اليمين وعن الشمال قعيد" تمثيل لموقعهما من الإنسان، واليمين ~~والشمال جانبا الخير والشر ينتسب إليهما الحسنة والسيئة. # قوله تعالى: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" اللفظ الرمي سمي به ~~التكلم بنوع من التشبيه، والرقيب المحافظ، والعتيد المعد المهيأ للزوم الأمر. # والآية تذكر مراقبة الكتبة للإنسان فيما يتكلم به من كلام، وهي بعد قوله: ~~"إذ يتلقى المتلقيان" إلخ، من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به. # قوله تعالى: "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد" الحيد العدول ~~والميل على سبيل الهرب، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ ~~يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له. # وفي تقييد مجيء سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء ~~الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى: "كل نفس ~~ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون": الأنبياء: 35، وقد ~~مر تفسيره فالموت - وهو الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها - حق ms6936 كما أن ~~البعث حق والجنة حق والنار حق، وفي معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى ~~في نقلها والتعرض لها. # وفي قوله: "ذلك ما كنت منه تحيد" إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع ~~وذلك أن الله سبحانه زين الحياة الدنيا والتعلق بزخارفها للإنسان ابتلاء ~~وامتحانا، قال تعالى: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوكم أيكم أحسن ~~عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": الكهف: 8. # قوله تعالى: "ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد" هذه نقلة ثانية إلى عالم ~~الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى، والمراد بنفخ الصور النفخة الثانية ~~المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ. # والمراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز الله تعالى فيه وعيده على ~~المجرمين من عباده. # قوله تعالى: "وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد" السياقة حث الماشية على ~~المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها. # فقوله: "وجاءت كل نفس" أي جاءت إلى الله وحضرت عنده لفصل القضاء، والدليل ~~عليه قوله تعالى: "إلى ربك يومئذ المساق": القيامة: 30. PageV18P184 # والمعنى: وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها ~~ولم يصرح تعالى بكونهما من الملائكة أو بكونهما هما الكاتبين أو من غير ~~الملائكة، غير أن السابق إلى الذهن من سياق الآيات أنهما من الملائكة، ~~وسيجيء الروايات في ذلك. # وكذا لا تصريح بكون الشهادة منحصرة في هذا الشاهد المذكور في الآية بل ~~الآيات الواردة في شهداء يوم القيامة تقضي بعدم الانحصار، وكذا الآيات ~~التالية الذاكرة لاختصام الإنسان وقرينة دالة على أن مع الإنسان يومئذ غير ~~السائق والشهيد. # قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" ~~وقوع الآية في سياق آيات القيامة واحتفافها بها يقضي بكونها من خطابات يوم ~~القيامة، والمخاطب بها هو الله سبحانه، والذي خوطب بها هو الإنسان المذكور ~~في قوله: "وجاءت كل نفس" وعليه فالخطاب عام متوجه إلى كل إنسان إلا أن ~~التوبيخ والتقريع اللائح من سياق الآية ربما استدعى اختصاص الخطاب بمنكري ~~المعاد، ms6937 أضف إلى ذلك، كون الآيات مسوقة لرد منكري المعاد في قولهم: "أءذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد". # والإشارة بقوله: "هذا" إلى ما يشاهده يومئذ ويعاينه من تقطع الأسباب ~~وبوار الأشياء ورجوع الكل إلى الله الواحد القهار، وقد كان تعلق الإنسان في ~~الدنيا بالأسباب الظاهرية وركونه إليها أغفله عن ذلك حتى إذا كشف الله عنه ~~حجاب الغفلة فبدت له حقيقة الأمر فشاهد ذلك مشاهدة عيان لا علما فكريا. # ولذا خوطب بقوله: "لقد كنت" في الدنيا "في غفلة" أحاطت بك "من هذا" الذي ~~تشاهده وتعاينه وإن كان في الدنيا نصب عينيك لا يغيب لكن تعلقك بذيل ~~الأسباب أذهلك وأغفلك عنه "فكشفنا عنك غطاءك" اليوم "فبصرك" وهو البصيرة ~~وعين القلب "اليوم" وهو يوم القيامة "حديد" أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره ~~في الدنيا. # ويتبين بالآية أولا: أن معرف يوم القيامة أنه يوم ينكشف فيه غطاء الغفلة ~~عن الإنسان فيشاهد حقيقة الأمر، وفي هذا المعنى وما يقرب منه آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: "والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19، وقوله: "لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار": المؤمن: 16، إلى غير ذلك من الآيات. # وثانيا: أن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجود مهيأ له وهو في الدنيا ~~غير أنه في غفلة منه، وخاصة يوم القيامة أنه يوم انكشاف الغطاء ومعاينة ما ~~وراءه، وذلك لأن الغفلة إنما يتصور فيما يكون هناك أمر موجود مغفول عنه، ~~والغطاء يستلزم أمرا وراءه وهو يغطيه ويستره، وعدم حدة البصر إنما ينفع ~~فيما إذا كان هناك مبصر دقيق لا ينفذ فيه البصر. # ومن أسخف القول ما قيل: إن الآية خطاب منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، والمعنى: لقد كنت قبل الرسالة في غفلة من هذا الذي نوحي إليك ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد يدرك الوحي أو يبصر ملك الوحي فيتلقى ~~الوحي، وذلك لأن السياق لا يساعده ولا لفظ الآية ينطبق عليه. # قوله تعالى: "وقال قرينه هذا ما لدي عتيد" لا يخلو السياق من ظهور في أن ~~المراد بهذا القرين الملك ms6938 الموكل به فإن كان هو السائق كان معنى قوله: "هذا ~~ما لدي عتيد" هذا الإنسان الذي هو عندي حاضر، وإن كان هو الشهيد كان المعنى ~~هذا - وهو يشير إلى أعماله التي حمل الشهادة عليها - ما عندي من أعماله ~~حاضر مهيأ. # وقيل: المراد بالقرين الشيطان الذي يصاحبه ويغويه، ومعنى كلامه على هذا ~~هذا الإنسان هو الذي توليت أمره وملكته حاضر مهيأ لدخول جهنم. # قوله تعالى: "ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب" الكفار ~~اسم مبالغة من الكفر، والعنيد المعاند للحق المستمر على عناده، والمعتدي ~~المتجاوز عن الحد المتخطىء للحق، والمريب الشاك أو المشكك في أمر البعث. # وبين هذه الصفات المعدودة شبه الاستلزام فإن كثرة الكفر برد الإنسان كل ~~حق يواجهه تنتج العناد مع الحق والإصرار عليه، والإصرار على العناد يوجب ~~المنع عن أكثر الخيرات إذ لا خير إلا في الحق ومن ناحيته، وهو يستلزم ~~الخروج عن حد الحق إلى الباطل وتجاوز الإنسان عن حد العبودية إلى الاستكبار ~~والطغيان ويستلزم تشكيك الناس في ما يرومونه من دين الحق. PageV18P185 # والخطاب في الآية منه تعالى، وظاهر سياق الآيات أن المخاطب به هما الملكان ~~الموكلان السائق والشهيد، واحتمل بعضهم أن يكون الخطاب إلى ملكين من ملائكة ~~النار وخزنتها. # قوله تعالى: "الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد" ~~العدول في ذكر صفة الشرك عن الإيجاز إلى الإطناب حيث لم يقل: مشرك وقال: ~~"الذي جعل" إلخ، للإشارة إلى أن هذه الصفة أعظم المعاصي وأم الجرائم التي ~~أتى بها والصفات الرذيلة التي عدت له من الكفر والعناد ومنع الخير ~~والاعتداء والإرابة. # وقوله: "فألقياه في العذاب الشديد" تأكيد لما تقدم من الأمر بقوله: ~~"ألقيا" إلخ، ويلوح إلى تشديد الأمر من جهة الشرك، ولذا عقبه بقوله: "في ~~العذاب الشديد". # قوله تعالى: "قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد" المراد ~~بهذا القرين قرينه من الشياطين بلا شك، وقد تكرر في كلامه تعالى ذكر القرين ~~من الشيطان وهو الذي يلازم الإنسان ويوحي إليه ms6939 ما يوحي من الغواية والضلال، ~~قال تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين": الزخرف: 38. # فقوله: "قال قرينه" أي شيطانه الذي يصاحبه ويغويه "ربنا" أضاف الرب إلى ~~نفسه والإنسان الذي هو قرينه لأنهما في مقام الاختصام "ما أطغيته" أي ما ~~أجبرته على الطغيان "ولكن كان في ضلال بعيد" أي متهيئا مستعدا لقبول ما ~~ألقيته إليه تلقاه باختياره فما أنا بمسئولين عن ذنبه في طغيانه. # وقد تقدم في سورة الصافات تفصيل اختصام الظالمين وأزواجهم في قوله: ~~"احشروا الذين ظلموا وأزواجهم": الصافات: 22، إلى آخر الآيات. # قوله تعالى: "قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد" القائل هو الله ~~سبحانه يخاطبهم وكأنه خطاب واحد لعامة المشركين الطاغين وقرنائهم ينحل إلى ~~خطابات جزئية لكل إنسان وقرينه بمثل قولنا: لا تختصما لدي، إلخ. # وقوله: "وقد قدمت إليكم بالوعيد" حال من فاعل "لا تختصموا" و"بالوعيد" ~~مفعول "قدمت" والباء للوصلة. # والمعنى: لا تختصموا لدي فلا نفع لكم فيه بعد ما أبلغتكم وعيدي لمن أشرك ~~وظلم، والوعيد الذي قدمه إليهم مثل قوله تعالى لإبليس: "اذهب فمن تبعك منهم ~~فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا": إسراء: 63، وقوله: "فالحق والحق أقول لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85. # أو قوله: "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": السجدة: 13. # قوله تعالى: "ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد" الذي يعطيه السياق ~~أن تكون الآية استئنافا بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر كان قائلا يقول: هب أنك ~~قد قدمت فهلا غيرته وعفوت؟ فأجيب بقوله: "ما يبدل القول لدي" والمراد ~~بالقول مطلق القضاء المحتوم الذي قضى به الله، وقد قضى لمن مات على الكفر ~~بدخول جهنم وينطبق بحسب المورد على الوعيد الذي أوعده الله لإبليس ومن تبعه. # فقد بان أن الجملة مستأنفة، والمراد بتبديل القول تغيير القضاء المحتوم، ~~و"لدي" متعلق بالتبديل، هذا ما يعطيه السياق، وقد ذكر بعضهم في هذه الجملة ms6940 ~~وإعراب مفرداتها ومعنى تبديل القول وجوها واحتمالات كثيرة بعيدة عن الفهم ~~لا تزيد في الكلام إلا تعقيدا فأغمضنا عن إيرادها. # وقوله: "وما أنا بظلام للعبيد" متمم لمعنى الجملة السابقة أي لا يبدل ~~قولي فأنتم معذبون لا محالة ولست أظلم عبيدي في عذابهم على طبق ما قدمت ~~إليهم بالوعيد لأنهم مستحقون لذلك بعد إتمام الحجة. # ومن وجه آخر: لا ظلم في مجازاتهم بالعذاب فإنهم إنما يجزون بأعمالهم التي ~~قدموها في أعمالهم ردت إليهم كما هو ظاهر قوله تعالى: "يا أيها الذين كفروا ~~لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7. # وما في قوله: "وما أنا بظلام" من نفي الظلم الكثير لا يستوجب جواز الظلم ~~اليسير فإنه تعالى لو ظلم في شيء من الجزاء كان ظلما كثيرا لكثرة أمثاله ~~فإن الخطاب لكل إنسان مشرك ظالم مع قرينه، وهم كثيرون فهو سبحانه لو ظلم في ~~شيء من الجزاء لكان ظلاما. PageV18P186 # قوله تعالى: "يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد" خطاب منه تعالى ~~لجهنم وجواب منها، وقد اختلف في حقيقة هذا التكليم والتكلم فقيل: الخطاب ~~والجواب بلسان الحال ويرده أنه لو كان بلسان الحال لم يختص به تعالى بل كان ~~لكل من يشاهدها على تلك الحال أن يسألها عن امتلائها فتجيبه بقولها: هل من ~~مزيد؟ فليس لتخصيص الخطاب به تعالى نكتة ظاهرة. # وقيل: حقيقة الخطاب لخزنة جهنم والجواب منهم وإن كانا نسبا إلى جهنم وفيه ~~أنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل. # وقيل: الخطاب والجواب على ظاهره، ولا دليل يدل على عدم الجواز، وقد أخبر ~~الله سبحانه عن تكليم الأيدي والأرجل والجلود وغيرها، وهو الوجه وقد تقدم ~~في تفسير سورة فصلت أن العلم والشعور سار في جميع الموجودات. # وقوله: "هل امتلأت" استفهام تقريري، وكذا قوله حكاية عنها: "هل من مزيد" ~~ولعل إيراد هذا السؤال والجواب للإشارة إلى أن قهره وعذابه لا يقصر عن ~~الإحاطة بالمجرمين وإيفاء ما يستحقونه من الجزاء قال تعالى: "وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين": التوبة: 49. # واستشكل بأنه مناف ms6941 لصريح قوله تعالى: "لأملأن جهنم" الآية وأجيب بأن ~~الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو شيء من طبقاتها من السكنة كما يقال: البلد ~~ممتلىء بأهله. # على أنه يمكن أن يكون هذا القول منها قبل دخول جميع أهل النار فيها. # وقيل: الاستفهام في قوله: "هل من مزيد" للإنكار والمعنى: لا مزيد أي لا ~~مكان في يزيد على من ألقي في من المجرمين فقد امتلأت فيكون إشارة إلى ما ~~قضى به في قوله: "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": السجدة: 13، وقوله: ~~"هل امتلأت" في معنى أن يقال: "حق القول مني لأملأن جهنم"، وقوله: "هل من ~~مزيد" تقرير وتصديق له. # وربما أيد هذا الوجه قوله تعالى قبل: "ما يبدل القول لدي" على تقدير أن ~~يراد بالقول قوله تعالى: "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين". # قوله تعالى: "وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد" شروع في وصف حال المتقين ~~يوم القيامة، والإزلاف التقريب، و"غير بعيد" على ما قيل صفة لظرف محذوف ~~والتقدير في مكان غير بعيد. # والمعنى: وقربت الجنة يومئذ للمتقين حال كونها في مكان غير بعيد أي هي ~~بين أيديهم لا تكلف لهم في دخولها. # قوله تعالى: "هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ" الإشارة إلى ما تقدم من ~~الثواب الموعود، والأواب من الأوب بمعنى الرجوع، والمراد كثرة الرجوع إلى ~~الله بالتوبة والطاعة، والحفيظ هو الذي يدوم على حفظ ما عهد الله إليه من ~~أن يترك فيضيع، وقوله: "لكل أواب حفيظ" خبر بعد خبر لهذا أو حال. # قوله تعالى: "من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب" بيان لكل أواب ~~والخشية بالغيب الخوف من عذاب الله حال كونه غائبا غير مرئي له، والإنابة ~~هو الرجوع، والمجيء إلى ربه بقلب منيب أن يتم عمره بالإنابة فيأتي ربه بقلب ~~متلبس بالإنابة. # قوله تعالى: "ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود" خطاب للمتقين أي يقال لهم: ~~ادخلوا بسلام أي بسلامة وأمن من كل مكروه وسوء، أو بسلام من الله وملائكته ~~عليكم، وقوله: "ذلك يوم الخلود" بشرى يبشرون بها. # قوله تعالى: "لهم ما ms6942 يشاءون فيها ولدينا مزيد" يمكن أن يكون "فيها" ~~متعلقا بيشاءون أو بمحذوف هو حال من الموصول، والتقدير: حال كون ما يشاءون ~~فيها أو من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول، والتقدير: ما يشاءونه حال ~~كونه فيها، والأول أوفق لسعة كرامتهم عند الله سبحانه. # والمحصل: أن أهل الجنة وهم في الجنة يملكون كل ما تعلقت به مشيتهم ~~وإرادتهم كائنا ما كان من غير تقييد واستثناء فلهم كلما أمكن أن يتعلق به ~~الإرادة والمشية لو تعلقت. # وقوله: "ولدينا مزيد" أي ولهم عندنا ما يزيد على ذلك - على ما يفيده ~~السياق - وإذ كان لهم كل ما أمكن أن تتعلق به مشيتهم مما يتعلق به علمهم من ~~المطالب والمقاصد فالمزيد على ذلك أمر أعظم مما تتعلق به مشيتهم لكونه فوق ~~ما يتعلق به علمهم من الكمال. # وقيل: المراد بالمزيد الزيادة على ما يشاءون من جنس ما يشتهون فإذا شاءوا ~~رزقا أعطوا منه أكثر مما شاءوا وأفضل وأعجب كما ورد عن بعضهم أنه تمر بهم ~~السحابة فتقول: ما ذا تريدون فأمطره عليكم فلا يريدون شيئا إلا أمطرته عليهم. PageV18P187 # وفيه أنه تقييد لإطلاق الكلام من غير مقيد فإن ظاهر قوله: "لهم ما يشاءون ~~فيها" إنهم يملكون كل ما يمكنهم أن يشاءوا لا تملكهم ما شاءوه بالفعل ~~فالمزيد وراء ما يمكن أن تتعلق به مشيتهم. # وقيل: المراد أنه يضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها وفيه ما في سابقه. # قوله تعالى: "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص" التنقيب السير، المحيص المحيد والمنجا. # وفي الآية تذييل الاحتجاج بخلق الإنسان والعلم به وبيان سيره إلى الله ~~بالتخويف والإنذار نظير ما جرى عليه الكلام في صدر السورة من الاحتجاج على ~~المعاد وتذييله بالتخويف والإنذار في قوله: "كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب ~~الرس وثمود" إلخ. # والمعنى: وكثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قرن هم أي أهل ذلك ~~القرن أشد بطشا منهم أي من هؤلاء المشركين فساروا ببطشهم في البلاد ففتحوها ~~وتحكموا عليها هل من ms6943 محيد ومنجا من إهلاك الله وعذابه؟. # قوله تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" ~~القلب ما يعقل به الإنسان فيميز الحق من الباطل والخير من الشر والنافع من ~~الضار، فإذا لم يعقل ولم يميز فوجوده بمنزلة عدمه إذ ما لا أثر له فوجوده ~~وعدمه سواء، وإلقاء السمع هو الاستماع كأن السمع شيء يلقى إلى المسموع ~~فيناله ويدركه والشهيد الحاضر المشاهد. # والمعنى: أن فيما أخبرنا به من الحقائق وأشرنا إليه من قصص الأمم الهالكة ~~لذكرى يتذكر بها من كان يتعقل فيدرك الحق ويختار ما فيه خيره ونفعه أو ~~استمع إلى حق القول ولم يشتغل عنه بغيره والحال أنه شاهد حاضر يعي ما يسمعه. # والترديد بين من كان له قلب ومن استمع شهيدا لمكان أن المؤمن بالحق أحد ~~رجلين إما رجل ذو عقل يمكنه أن يتناول الحق فيتفكر فيه ويرى ما هو الحق ~~فيذعن به، وإما رجل لا يقوى على التفكر حتى يميز الحق والخير والنافع فعليه ~~أن يستمع القول فيتبعه، وأما من لا قلب له يعقل به ولا يسمع شهيدا على ما ~~يقال له ويلقى إليه من الرسالة والإنذار فجاهل متعنت لا قلب له ولا سمع، ~~قال تعالى: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير": الملك: 10. # قوله تعالى: "ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب" اللغوب التعب والنصب، والمعنى ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في التوحيد، بإسناده إلى عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر ~~(عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من ~~خلق جديد" قال: يا جابر تأويل ذلك أن الله عز وجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا ~~العالم وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عالما غير هذا ~~العالم وجدد خلقا من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه وخلق لهم أرضا ~~غير هذه الأرض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم. ms6944 لعلك ترى أن الله إنما ~~خلق هذا العالم الواحد أو ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم بلى والله لقد ~~خلق ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين:. ~~أقول: وروي في الخصال، الشطر الأول من الحديث بإسناده عن محمد بن مسلم عنه ~~(عليه السلام)، ولعل المراد بكون ما ذكر تأويل الآية أنه مما ينطبق عليه. # وعن جوامع الجامع، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كاتب الحسنات على ~~يمين الرجل وكاتب السيئات على شماله، وصاحب اليمين أمير على صاحب الشمال: ~~فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب ~~الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر. # أقول: وفي معناها روايات أخرى، وروي ست ساعات بدل سبع ساعات. PageV18P188 # وفي نهج البلاغة،: "وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد" سائق يسوقها إلى محشرها ~~وشاهد يشهد عليها بعملها. وفي المجمع، وروى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد ~~عن الأعمش قال: حدثنا أبو المتوكل التاجر عن أبي السعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان يوم القيامة يقول الله لي ~~ولعلي: ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا في الجنة من أحبكما وذلك قوله: ~~"ألقيا في جهنم كل كفار عنيد":. أقول: ورواه شيخ الطائفة في أماليه، ~~بإسناده عن أبي سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي الدر ~~المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو نعيم في ~~الحلية، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقول: إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له إن الله إذا أراد خلقه قال ~~للملك: اكتب رزقه. اكتب أثره. اكتب أجله شقيا أم سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ~~ويبعث الله ملكا فيحفظه حتى يدرك ثم يرتفع ذلك الملك. ثم يوكل الله به ~~ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا حضره الموت ارتفع ذلك الملكان وجاء ملك ~~الموت ليقبض روحه فإذا أدخل قبره رد الروح ms6945 في جسده وجاءه ملكا القبر ~~فامتحناه ثم يرتفعان. فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات ~~فبسطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق وآخر شهيد. ثم قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه ~~فاستعينوا بالله العظيم. وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يوم نقول لجهنم ~~هل امتلأت - وتقول هل من مزيد" قال: هو استفهام لأن الله وعد النار أن ~~يملأها فتمتلىء النار ثم يقول لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ على حد ~~الاستفهام أي ليس في مزيد. # أقول: بناؤه على كون الاستفهام إنكاريا. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير ~~وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى تضع ~~رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك وكرمك. ولا ~~يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا آخر فيسكنهم في قصور الجنة. # أقول: وضع القدم على النار وقولها: قط قط مروي في روايات كثيرة من طرق ~~أهل السنة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد" قال: ~~النظر إلى رحمة الله. وفي الدر المنثور، أخرج البزاز وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي في البعث والنشور عن أنس في ~~قوله تعالى: "ولدينا مزيد" قال: يتجلى لهم الرب عز وجل. وفي الكافي، بعض ~~أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه ~~السلام): يا هشام إن الله يقول في كتابه: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب" ~~يعني عقل. وفي الدر المنثور، أخرج الخطيب في تاريخه، عن العوام بن حوشب ~~قال: سألت أبا مجلز عن الرجل يجلس فيضع إحدى رجليه على الأخرى فقال: لا بأس ~~به إنما كره ذلك اليهود زعموا أن الله خلق السماوات والأرض ms6946 في ستة أيام ثم ~~استراح يوم السبت فجلس تلك الجلسة فأنزل الله "ولقد خلقنا السماوات والأرض ~~- وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب". أقول: وروي هذا المعنى عن ~~الضحاك وقتادة، وروى هذا المعنى المفيد في روضة الواعظين، في رواية ضعيفة، ~~وأصل تقسيم خلق الأشياء إلى ستة من أيام الأسبوع واقع في التوراة، والقرآن ~~وإن كرر ذكر خلق الأشياء في ستة أيام لكنه لم يذكر كون هذه الأيام هي أيام ~~الأسبوع ولا لوح إليه. # وعلى هذه الروايات اعتمد من قال: إن الآية مدنية، ولا دلالة في ردها قول ~~اليهود أن تكون نازلة بالمدينة، وفي الآيات المكية ما تعرض سبحانه فيه لشأن ~~اليهود كما في سورة الأعراف وغيرها. PageV18P189 ### ||| AUTO 50 سورة ق - 39 - 45 # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن ~~اليل فسبحه وأدبر السجود (40) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) ~~يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحى ونميت وإلينا ~~المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم ~~بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف وعيد (45) ### |||| AUTO بيان # خاتمة السورة يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها أن يصبر على ما ~~يقولون مما يرمونه بنحو السحر والجنون والشعر، وما يتعنتون به باستهزاء ~~المعاد والرجوع إلى الله تعالى فيأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر ~~وأن يعبد ربه بتسبيحه وأن يتوقع البعث بانتظار الصيحة، وأن يذكر بالقرآن من ~~يخاف الله بالغيب. # قوله تعالى: "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب" تفريع على جميع ما تقدم من إنكار المشركين للبعث، ومن تفصيل القول ~~في البعث والحجة عليه، ومن وعيد المنكرين له المكذبين للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وتهديدهم بمثل ما جرى على المكذبين من الأمم الماضية. # وقوله: "وسبح بحمد ربك" إلخ، أمر بتنزيهه تعالى عما يقولون مصاحبا للحمد ~~ومحصله إثبات جميل الفعل له ونفي كل نقص وشين عنه ms6947 تعالى، والتسبيح قبل طلوع ~~الشمس يقبل الانطباق على صلاة الصبح، والتسبيح قبل الغروب يقبل الانطباق ~~على صلاة العصر أو عليها وعلى صلاة الظهر. # قوله تعالى: "ومن الليل فسبحه وأدبار السجود" أي ومن الليل فسبحه فيه، ~~ويقبل الانطباق على صلاتي المغرب والعشاء. # وقوله: "وأدبار السجود" الأدبار جمع دبر وهو ما ينتهي إليه الشيء وبعده، ~~وكان المراد بأدبار السجود بعد الصلوات فإن السجود آخر الركعة من الصلاة ~~فينطبق على التعقيب بعد الصلوات، وقيل: المراد به النوافل بعد الفرائض، ~~وقيل: المراد به الركعتان أو الركعات بعد المغرب وقيل: ركعة الوتر في آخر الليل. # قوله تعالى: "واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب" فسروا الاستماع بمعان ~~مختلفة والأقرب أن يكون مضمنا معنى الانتظار و"يوم يناد المناد" مفعوله ~~والمعنى: وانتظر يوما ينادي فيه المنادي ملقيا سمعك لاستماع ندائه، والمراد ~~بنداء المنادي نفخ صاحب الصور في الصور على ما تفيده الآية التالية. # وكون النداء من مكان قريب لإحاطته بهم فيقع في سمعهم على نسبة سواء لا ~~تختلف بالقرب والبعد فإنما هو نداء البعث وكلمة الحياة. # قوله تعالى: "يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج" بيان ليوم ينادي ~~المنادي، وكون الصيحة بالحق لأنها مقضية قضاء محتوما كما مر في قوله: ~~"وجاءت سكرة الموت بالحق" الآية. # وقوله: "ذلك يوم الخروج" أي يوم الخروج من القبور كما قال تعالى: "يوم ~~يخرجون من الأجداث سراعا": المعارج: 43. # قوله تعالى: "إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير" المراد بالإحياء إفاضة ~~الحياة على الأجساد الميتة في الدنيا، وبالإماتة الإماتة في الدنيا وهي ~~النقل إلى عالم القبر، وبقوله: "وإلينا المصير" الإحياء بالبعث في الآخرة ~~على ما يفيده السياق. # قوله تعالى: "يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير" أصل "تشقق" ~~تتشقق أي تتصدع عنهم فيخرجون منها مسارعين إلى الداعي. # وقوله: "ذلك حشر علينا يسير" أي ما ذكرنا من خروجهم من القبور المنشقة ~~عنهم سراعا جمع لهم علينا يسير. # قوله تعالى: "نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد" في ms6948 مقام التعليل لقوله: "فاصبر على ما يقولون" الآية، والجبار ~~المتسلط الذي يجبر الناس على ما يريد. # والمعنى: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك وانتظر البعث فنحن أعلم بما ~~يقولون سنجزيهم بما عملوا ولست أنت بمتسلط جبار عليهم حتى تجبرهم على ما ~~تدعوهم إليه من الإيمان بالله واليوم الآخر وإذا كانت حالهم هذه الحال فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيدي. PageV18P190 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج الطبراني في الأوسط، وابن عساكر عن جرير بن عبد ~~الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "وسبح بحمد ربك - قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب" قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل الغروب صلاة ~~العصر. وفي المجمع، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن قوله: ~~"وسبح بحمد ربك - قبل طلوع الشمس وقبل الغروب" فقال: تقول حين تصبح وحين ~~تمسي عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير. # أقول: هو مأخوذ من إطلاق التسبيح في الآية وإن كان خصوص مورده صلاتي ~~الصبح والعصر فلا منافاة. # وفي الكافي، بإسناده عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~قلت: "وأدبار السجود" قال: ركعات بعد المغرب:. أقول: ورواه القمي في ~~تفسيره، بإسناده عن ابن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) ولفظه قال: أربع ~~ركعات بعد المغرب. # وفي الدر المنثور، أخرج مسدد في مسنده، وابن المنذر وابن مردويه عن علي ~~بن أبي طالب قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أدبار ~~النجوم والسجود فقال: أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم ~~الركعتان قبل الغداة:. أقول: وروي مثله عن ابن عباس وعمر عنه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وأسنده في مجمع البيان، إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) ~~أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فذكر بالقرآن من يخاف وعيد" قال: ذكر ~~يا محمد ما وعدناه من العذاب. PageV18P191 ### || AUTO ### ||| AUTO 51 سورة الذاريات ms6949 - 1 - 19 # بسم الله الرحمن الرحيم والذريت ذروا (1) فالحملت وقرا (2) فالجريت يسرا ~~(3) فالمقسمت أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لوقع (6) والسماء ~~ذات الحبك (7) إنكم لفى قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخرصون ~~(10) الذين هم فى غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على ~~النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذى كنتم به تستعجلون (14) إن المتقين ~~فى جنت وعيون (15) ءاخذين ما ءاتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) ~~كانوا قليلا من اليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفى أمولهم ~~حق للسائل والمحروم (19) ### |||| AUTO بيان # كانت الدعوة النبوية تدعو الوثنية إلى توحيد الربوبية وإن الله تعالى هو ~~ربهم ورب كل شيء، وكانت الدعوة من طريق الإنذار والتبشير وخاصة بالإنذار ~~وكان الإنذار بعذاب الله في الدنيا للمكذبين عذاب الاستئصال، وفي الآخرة ~~بالعذاب الخالد يوم القيامة وهو العمدة في نجاح الدعوة إذ لو لا الحساب ~~والجزاء يوم القيامة كان الإيمان بالوحدانية والنبوة لغى لا أثر له. # والمشركون باتخاذهم آلهة دون الله سبحانه شددوا الإنكار لأصول التوحيد ~~والنبوة والمعاد، وكانوا يتعنتون بإنكار المعاد والإصرار على نفيه ~~والاستهزاء به من أي طريق ممكن لما يرون أن في بطلانه بطلان الأصلين ~~الآخرين. # والسورة تذكر المعاد وإنكارهم له فتبدأ به وتختم عليه لكن لا من حيث نفسه ~~كما جرى عليه الكلام في مواضع من كلامه بل من حيث إنه يوم الجزاء وإن الله ~~الذي وعدهم به هو ربهم وهو الذي وعدهم به ووعده صدق لا ريب فيه. # ولذلك لما انساق الكلام إلى الاحتجاج عليه احتجت بأدلة التوحيد من آيات ~~الأرض والسماء والأنفس وما عاقب الله به الأمم الماضين إثر دعوتهم إلى ~~التوحيد وتكذيبهم لرسله، وليس إلا ليثبت بها التوحيد فيثبت به يوم الجزاء ~~الذي وعده الله والله لا يخلف الميعاد وأخبرت به الدعوة النبوية فيندفع ~~بذلك إنكارهم للجزاء وقد توسلوا بذلك إلى إبطال دين التوحيد ورسالة الرسول ~~لصيرورة الإيمان به لغوا لا أثر له كما تقدمت الإشارة إليه. # والسورة مكية لشهادة سياق آياتها عليه ولم يختلف في ms6950 ذلك أحد، ومن غرر ~~آياتها قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". # والفصل الذي أوردناه من الآيات مفتتح الكلام يذكر فيه أن الجزاء الذي ~~وعدوه صدق وإنكارهم له وتعنتهم بذلك تخرص ثم يصف يوم الجزاء وحال المتقين ~~والمنكرين فيه. # قوله تعالى: "والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات ~~أمرا" الذاريات جمع الذارية من قولهم: ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا ~~أطارته والوقر بالكسر فالسكون ثقل الحمل في الظهر أو في البطن. # وفي الآيات إقسام بعد إقسام يفيد التأكيد بعد التأكيد للمقسم عليه وهو ~~الجزاء على الأعمال فقوله: "والذاريات ذروا" إقسام بالرياح المثيرة للتراب، ~~وقوله: فالحاملات وقرا" بالفاء المفيدة للتأخير والترتيب معطوف على ~~الذاريات وإقسام بالسحب الحاملة لثقل الماء، وقوله: "فالجاريات يسرا" عطف ~~عليه وإقسام بالسفن الجارية في البحار بيسر وسهولة. # وقوله: "فالمقسمات أمرا" عطف على ما سبقه وإقسام بالملائكة الذين يعملون ~~بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم فإن أمر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد ~~فإذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم انشعب الأمر وتقسم بتقسمهم ~~ثم إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الأولى تقسم ثانيا بتقسمهم وهكذا حتى ~~ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونية الجزئية فينقسم بانقسامها ~~ويتكثر بتكثرها. # والآيات الأربع - كما ترى - تشير إلى عامة التدبير حيث ذكرت أنموذجا مما ~~يدبر به الأمر في البر وهو الذاريات ذروا، وأنموذجا مما يدبر به الأمر في ~~البحر وهو الجاريات يسرا وأنموذجا مما يدبر به الأمر في الجو وهو الحاملات ~~وقرا، وتمم الجميع بالملائكة الذين هم وسائد التدبير وهم المقسمات أمرا. PageV18P192 # فالآيات في معنى أن يقال: أقسم بعامة الأسباب التي يتمم بها أمر التدبير في ~~العالم أن كذا كذا، وقد ورد من طرق الخاصة والعامة عن علي عليه أفضل السلام ~~تفسير الآيات الأربع بما تقدم. # وعن الفخر الرازي في التفسير الكبير، أن الأقرب حمل الآيات الأربع جميعا ~~على الرياح فإنها كما تذرو التراب ذروا تحمل السحب الثقال وتجري في الجو ~~بيسر وتقسم السحب على الأقطار من الأرض. # والحق أن ما استقربه بعيد، ms6951 وما تقدم من المعنى أبلغ مما ذكره. # قوله تعالى: "إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع" "ما" موصولة، والضمير ~~العائد إليها محذوف أي الذين توعدونه، أو مصدرية، و"توعدون" من الوعد كما ~~يؤيده قوله: "وإن الدين لواقع" الشامل لمطلق الجزاء، وقيل: من الإيعاد كما ~~يؤيده قوله: "فذكر بالقرآن من يخاف وعيد": ق - 45. # وعد الوعد صادقا من المجاز في النسبة كما في قوله: "في عيشة راضية": ~~الحاقة: 21 أو الصادق بمعنى ذو صدق كما قيل بمثله في قوله: "في عيشة راضية" ~~والدين الجزاء. # وكيف كان فقوله: "إنما توعدون لصادق" جواب القسم، وقوله: "وإن الدين ~~لواقع" معطوف عليه بمنزلة التفسير، والمعنى أقسم بكذا وكذا أن الذي توعدونه ~~- وهو الذي يعدهم القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنزل إليه ~~- من يوم البعث وأن الله سيجزيهم فيه بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ~~لصادق، وإن الجزاء لواقع. # قوله تعالى: "والسماء ذات الحبك" الحبك بمعنى الحسن والزينة، وبمعنى ~~الخلق المستوي، ويأتي جمعا لحبيكة أو حباك بمعنى الطريقة كالطرائق التي ~~تظهر على الماء إذا تثنى وتكسر من مرور الرياح عليه. # والمعنى على الأول: أقسم بالسماء ذات الحسن والزينة نظير قوله تعالى: ~~"إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب": الصافات: 6، وعلى الثاني: أقسم ~~بالسماء ذات الخلق المستوي نظير قوله: "والسماء بنيناها بأيد": الآية 47 من ~~السورة وعلى الثالث أقسم بالسماء ذات الطرائق نظير قوله: "ولقد خلقنا فوقكم ~~سبع طرائق": المؤمنون: 17. # ولعل المعنى الثالث أظهر لمناسبته لجواب القسم الذي هو اختلاف الناس ~~والتشتت طرائقهم كما أن الأقسام السابقة: "والذاريات ذروا" إلخ كانت مشتركة ~~في معنى الجري والسير مناسبة لجوابها: "إنما توعدون" إلخ المتضمن لمعنى ~~الرجوع إلى الله والسير إليه. # قوله تعالى: "إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك" القول المختلف ما ~~يتناقض ويدفع بعضه بعضا وحيث إن الكلام في إثبات صدق القرآن أو الدعوة أو ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما وعدهم من أمر البعث والجزاء فالمراد ~~بالقول المختلف - على الأقرب - قولهم المختلف في أمر ms6952 القرآن لغرض إنكار ما ~~يثبته فتارة يقولون: إنه سحر والجائي به ساحر، وتارة يقولون: زجر والجائي ~~به مجنون، وتارة يقولون: إلقاء شياطين الجن والجائي به كاهن، وتارة يقولون: ~~شعر والجائي به شاعر، وتارة أنه افتراء، وتارة يقولون إنما يعلمه بشر، ~~وتارة يقولون: أساطير الأولين اكتتبها. # وقوله: "يؤفك عنه من أفك" الإفك الصرف، وضمير "عنه" إلى الكتاب من حيث ~~اشتماله على وعد البعث والجزاء، والمعنى: يصرف عن القرآن من صرف، وقيل: ~~الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: يصرف عن الإيمان به من ~~صرف، وقد عرفت أن المعنى السابق أوفق للسياق وإن كان مآل المعنيين واحدا. # وحكي عن بعضهم أن ضمير "عنه" لما توعدون أو للدين أقسم تعالى أولا ~~بالذاريات وغيرها على أن البعث والجزاء حق ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول ~~مختلف في وقوعه فمنهم شاك ومنهم جاحد ثم قال تعالى: يؤفك عن الإقرار بأمر ~~البعث والجزاء من هو مأفوك. # وهذا الوجه قريب من الوجه السابق. # وعن بعضهم: أن الضمير لقول مختلف و"عن" للتعليل كما في قوله تعالى: "وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك": هود: 53 فيكون الجملة صفة لقول والمعنى: أنكم ~~لفي قول مختلف يؤفك بسببه من أفك، وهو وجه حسن. # وقيل: الضمير في "أنكم" للمسلم والكافر جميعا فيكون المراد بالقول ~~المختلف قول المسلمين بوقوع البعث والجزاء وقول الكفار بعدم الوقوع. # ولعل السياق لا يلائمه وقيل: بعض وجوه أخر رديئة لا جدوى في التعرض له. PageV18P193 # قوله تعالى: "قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين" ~~أصل الخرص القول بالظن والتخمين من غير علم، ولكون القول بغير علم في خطر ~~من الكذب يسمى الكذاب خراصا، والأشبه أن يكون المراد بالخراصين في الآية ~~القوالين من غير علم ودليل وهم الخائضون في أمر البعث والجزاء المنكرون له ~~بغير علم. # وفي قوله: "قتل الخراصون" دعاء عليهم بالقتل وهو كناية عن نوع من الطرد ~~والحرمان من الفلاح وإليه يئول قول من فسره باللعن. # وقوله: "الذين هم في غمرة ساهون" ms6953 الغمرة - كما ذكر الراغب - معظم الماء ~~الساتر لمقرها، وجعل مثلا للجهالة التي تغمر صاحبها، والمراد بالسهو - كما ~~قيل - مطلق الغفلة. # ومعنى الآية وهي تصف الخراصين: الذين هم في جهالة أحاطت بهم غافلون عن ~~حقيقة ما أخبروا به. # وقوله: "يسألون أيان يوم الدين" ضمير الجمع للخراصين قول قالوه على طريق ~~الاستعجال استهزاء كقولهم: "متى هذا الوعد إن كنتم صادقين": يس - 48. # والسؤال بأيان - الموضوعة للسؤال عن زمان مدخولها - عن يوم الدين وهو ~~ظاهر في الزمان إنما هو بعناية أن يوم الدين لكونه موعودا ملحق بالزمانيات ~~فيسأل عنه كما يسأل عن الزمانيات بأيان ومتى كما يقال: متى يوم العيد لكونه ~~ذا شأن ملحقا لذلك بالزمانيات كذا قيل. # ويمكن أن يكون من التوسع في معنى الظرفية بأن يعد أوصاف الظرف الخاصة به ~~ظرفا توسعا فيكون السؤال عن زمان الزمان سؤالا عن أنه بعد أي زمان أو قبل ~~أي زمان؟ كما يقال: متى يوم العيد؟ فيجاب بأنه بعد عشرة أيام مثلا أو قبل ~~يوم كذا، وهو توسع جار في العرف غير مختص بكلام العرب، وفي القرآن منه شيء كثير. # قوله تعالى: "يوم هم على النار يفتنون" ضمير الجمع للخراصين، والفتن في ~~الأصل إدخال الذهب النار ليظهر جودته ثم استعمل في مطلق الإحراق والتعذيب، ~~والظرف متعلق بفعل محذوف أو مبتدأ، والآية جواب عن سؤالهم عدل فيه عن بيان ~~وقت يوم الدين إلى بيان صفته والإشارة إلى حالهم فيه لما أن وقته من الغيب ~~الذي لا يعلمه إلا الله قال تعالى: "لا يجليها لوقتها إلا هو". # وتقدير الآية ومعناها: يقع يوم الدين أو هو واقع يوم هم أي الخراصون في ~~النار يعذبون أو يحرقون. # قوله تعالى: "ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون" حكاية خطاب منه ~~تعالى أو من الملائكة بأمره للخراصين وهم يفتنون على النار يومئذ. # والمعنى: يقال لهم ذوقوا العذاب الذي يخصكم. # هذا العذاب هو الذي كنتم تستعجلون به إذ تقولون استعجالا واستهزاء: أيان ~~يوم الدين. # قوله تعالى: "إن المتقين في جنات وعيون" بيان لحال ms6954 المتقين يوم الدين بعد ~~وصف حال أولئك الخراصين. # وتنكير جنات وعيون للإشارة إلى عظم قدرها كأنها بحيث لا يقدر الواصفون ~~على وصفها، وقد ألحقت العيون بالجنات في ظرفيتها توسعا. # قوله تعالى: "آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين" أي قابلين ~~ما أعطاهم ربهم الرءوف بهم راضين عنه وبما أعطاهم كما يفيده خصوص التعبير ~~بالأخذ والإيتاء ونسبة الإيتاء إلى ربهم. # وقوله: "إنهم كانوا قبل ذلك محسنين" تعليل لما تقدمه أي إن حالهم تلك ~~الحال لأنهم كانوا قبل ذلك أي في الدنيا ذوي إحسان في أعمالهم أي ذوي أعمال حسنة. # قوله تعالى: "كانوا قليلا من الليل ما يهجعون" الآيات تفسير لإحسانهم، ~~والهجوع النوم في الليل وقيل: النوم القليل. # ويمكن أن تكون: ما زائدة و"يهجعون" خبر كانوا، و"قليلا" ظرفا متعلقا به ~~أي في زمان قليل أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي هجوعا قليلا و"من الليل" ~~متعلقا بقليلا والمعنى: كانوا ينامون في زمان قليل من الليل أو ينامون ~~الليل نوما قليلا. # وأن تكون موصولة والضمير العائد إليها محذوفا و"قليلا" خبر كانوا ~~والموصول فاعله والمعنى: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعون فيه. # وأن تكون مصدرية والمصدر المسبوك منها ومن مدخولها فاعلا لقوله: "قليلا" ~~وهو خبر "كانوا". # وعلى أي حال فالقليل من الليل إما مأخوذ بالقياس إلى مجموع زمان كل ليلة ~~فيفيد أنهم يهجعون كل ليلة زمانا قليلا منها ويصلون أكثرها، وإما مأخوذ ~~بالقياس إلى مجموع الليالي فيفيد أنهم يهجعون في قليل من الليالي ويقومون ~~للصلاة في أكثرها أي لا يفوتهم صلاة الليل إلا في قليل من الليالي. PageV18P194 # قوله تعالى: "وبالأسحار هم يستغفرون" أي يسألون الله المغفرة لذنوبهم، ~~وقيل: المراد بالاستغفار الصلاة وهو كما ترى. # قوله تعالى: "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" الآيتان السابقتان تبينان ~~خاصة سيرتهم في جنب الله سبحانه وهي قيام الليل والاستغفار بالأسحار وهذه ~~الآية تبين خاصة سيرتهم في جنب الناس وهي إيتاء السائل والمحروم. # وتخصيص حق السائل والمحروم بأنه في أموالهم - مع أنه لو ثبت فإنما يثبت ~~في كل مال ms6955 - دليل على أن المراد أنهم يرون بصفاء فطرتهم أن في أموالهم حقا ~~لهما فيعملون بما يعملون نشرا للرحمة وإيثارا للحسنة. # والسائل هو الذي يسأل العطية بإظهار الفاقة والمحروم هو الذي حرم الرزق ~~فلم ينجح سعيه في طلبه ولا يسأل تعففا. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) في قوله تعالى: "والذاريات ذروا" فقال: إن ابن الكوا سأل ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) عن "الذاريات ذروا" قال: الريح، وعن ~~"فالحاملات وقرا" فقال: هي السحاب، وعن "فالجاريات يسرا" فقال: هي السفن، ~~وعن "فالمقسمات أمرا" فقال: الملائكة. # أقول: والحديث مروي من طرق أهل السنة أيضا كما في روح المعاني. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق والفاريابي وسعيد بن منصور والحارث بن ~~أبي أسامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، ~~والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، من طرق عن علي بن أبي طالب في ~~قوله: "والذاريات ذروا" قال: الرياح "فالحاملات وقرا" قال: السحاب ~~"فالجاريات يسرا" قال: السفن "فالمقسمات أمرا" قال: الملائكة. # وفي المجمع، قال أبو جعفر وأبو عبد الله (عليه السلام): لا يجوز لأحد أن ~~يقسم إلا بالله تعالى، والله يقسم بما شاء من خلقه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن منيع عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن قوله: ~~"والسماء ذات الحبك" قال: ذات الخلق الحسن:. أقول: وروي مثله في المجمع، ~~ولفظه: وقيل: ذات الحسن والزينة: عن علي (عليه السلام) وفي جوامع الجامع، ~~ولفظه: وعن علي (عليه السلام): حسنها وزينتها. # وفي بعض الأخبار: في قوله تعالى: "إنكم لفي قول مختلف - يؤفك عنه من أفك" ~~تطبيقه على الولاية. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "كانوا قليلا من الليل ما يهجعون" وقيل ~~معناه: كانوا أقل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها: وهو المروي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام). # وفيه، في قوله تعالى: "وبالأسحار هم يستغفرون" وقال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرة ms6956 في السحر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن آخر الليل في التهجد أحب إلي من أوله لأن الله يقول: ~~"وبالأسحار هم يستغفرون". # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~قوله: "وبالأسحار هم يستغفرون" قال: يصلون. # أقول: لعل تفسير الاستغفار بالصلاة من جهة اشتمال الوتر عليه كإرادة ~~الصلاة من القرآن في قوله: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا": إسراء: 78. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" قال: ~~السائل الذي يسأل، والمحروم الذي قد منع كده. # وفي التهذيب، بإسناده عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~الآية قال: المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع. # قال: وفي رواية أخرى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~المحروم الرجل ليس بعقله بأس ولا يبسط له في الرزق وهو محارف. PageV18P195 ### ||| AUTO 51 سورة الذاريات - 20 - 51 # وفى الأرض ءايت للموقنين (20) وفى أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفى السماء ~~رزقكم وما توعدون (22) فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~(23) هل أتاك حديث ضيف إبرهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال ~~سلم قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلم عليم (28) ~~فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ربك ~~إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك ~~للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير ~~بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها ءاية للذين يخافون العذاب الأليم (37) ~~وفى موسى إذ أرسلنه إلى فرعون بسلطن مبين (38) فتولى بركنه وقال سحر أو ~~مجنون (39) فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم وهو مليم (40) وفى عاد إذ أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم (41) ما تذر ms6957 من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) ~~وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصعقة ~~وهم ينظرون (44) فما استطعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من ~~قبل إنهم كانوا قوما فسقين (46) والسماء بنينها بأييد وإنا لموسعون (47) ~~والأرض فرشنها فنعم المهدون (48) ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ~~ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر ~~إنى لكم منه نذير مبين (51) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى عدة من آيات الله الدالة على وحدانيته في الربوبية ورجوع ~~أمر التدبير في الأرض والسماء والناس وأرزاقهم إليه، ولازمه إمكان نزول ~~الدين الإلهي من طريق الرسالة بل وجوبه، ولازمه صدق الدعوة النبوية فيما ~~تضمنته من وعد البعث والجزاء وإن ما يوعدون لصادق وإن الدين لواقع، وقد مرت ~~إشارة إلى خصوصية سلوك السورة في احتجاجها في البيان السابق. # قوله تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين" الاستنتاج الآتي في آخر هذه ~~الآيات في قوله: "ففروا إلى الله - إلى أن قال - ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر" الآية، يشهد على أن سوق هذه الآيات والدلائل لإثبات وحدانيته تعالى في ~~الربوبية لا لإثبات أصل وجوده أو انتهاء الخلق إليه ونحو ذلك. # وفي الآية إشارة إلى ما تتضمنه الأرض من عجائب الآيات الدالة على وحدة ~~التدبير القائمة بوحدانية مدبره من بر وبحر وجبال وتلال وعيون وأنهار ~~ومعادن ومنافعها المتصلة بعضها ببعض الملاءمة بعضها لبعض ينتفع بها ما ~~عليها من النبات والحيوان في نظام واحد مستمر من غير اتفاق وصدفة، لائح ~~عليها آثار القدرة والعلم والحكم دال على أن خلقها وتدبير أمرها ينتهي إلى ~~خالق مدبر قادر عليم حكيم. # فأي جانب قصد من جوانبها وأية وجهة وليت من جهات التدبير العام الجاري ~~فيها كانت آية بينة وبرهانا ساطعا على وحدانية ربها لا شريك له ينجلي فيه ~~الحق لأهل اليقين ففيها آيات للموقنين. # قوله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" معطوف على قوله: "في الأرض" أي وفي ~~أنفسكم آيات ظاهرة لمن ms6958 أبصر إليها وركز النظر فيها أفلا تبصرون. PageV18P196 # والآيات التي في النفوس منها ما هي في تركب الأبدان من أعضائها وأعضاء ~~أعضائها حتى ينتهي إلى البسائط وما لها من عجائب الأفعال والآثار المتحدة ~~في عين تكثرها المدبرة جميعا لمدبر واحد، وما يعرضها من مختلف الأحوال ~~كالجنينية والطفولية والرهاق والشباب والشيب. # ومنها ما هي من حيث تعلق النفوس أعني الأرواح بها كالحواس من البصر ~~والسمع والذوق والشم واللمس التي هي الطرق الأولية لاطلاع النفوس على ~~الخارج لتميز بذلك الخير من الشر والنافع من الضار لتسعى إلى ما فيه كمالها ~~وتهرب مما لا يلائمها، وفي كل منها نظام وسيع جار فيه منفصل بذاته عن غيره ~~كالبصر لا خبر عنده عما يعمله السمع بنظامه الجاري فيه وهكذا، والجميع مع ~~هذا الانفصال والتقطع مؤتلفة تعمل تحت تدبير مدبر واحد هو النفس المدبرة ~~والله من ورائهم محيط. # ومن هذا القبيل سائر القوى المنبعثة عن النفوس في الأبدان كالقوة الغضبية ~~والقوة الشهوية وما لها من اللواحق والفروع فإنها على ما للواحد منها ~~بالنسبة إلى غيره من البينونة وانفصال النظام الجاري فيه عن غيره واقعة تحت ~~تدبير مدبر واحد تتعاضد جميع شعبها وتأتلف لخدمته. # ونظام التدبير الذي لكل من هذه المدبرات إنما وجد له حينما وجد وأول ما ~~ظهر من غير فصل فليس مما عملت فيه خيرته وأوجده هو لنفسه عن فكر وروية أو ~~بغيره فنظام تدبيره كنفسه من صانع صنعه وألزمه نظامه بتدبيره. # ومنها الآيات الروحانية الواقعة في عالم النفوس الظاهرة لمن رجع إليها ~~وراقب الله سبحانه فيها من آيات الله التي لا يسعها وصف الواصفين وينفتح ~~بها باب اليقين وتدرج المتطلع عليها في زمرة الموقنين فيرى ملكوت السماوات ~~والأرض كما قال تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين": الأنعام: 75. # قوله تعالى: "وفي السماء رزقكم وما توعدون" قيل: المراد بالسماء جهة ~~العلو فإن كل ما علاك وأظلك فهو سماء لغة، والمراد بالرزق المطر الذي ينزله ~~الله على الأرض فيخرج به أنواع ما يقتاتونه ويلبسونه ms6959 وينتفعون به وقد قال ~~تعالى: "وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها": ~~الجاثية: 5، فسمي المطر رزقا فالمراد بالرزق سببه أو بتقدير مضاف أي سبب رزقكم. # وقيل: المراد أسباب الرزق السماوية من الشمس والقمر والكواكب واختلاف ~~المطالع والمغارب الراسمة للفصول الأربعة وتوالي الليل والنهار وهي جميعا ~~أسباب الرزق فالكلام على تقدير مضاف أي أسباب رزقكم أو فيه تجوز بدعوى أن ~~وجود الأسباب فيها وجود ذوات الأسباب. # وقيل: المراد بكون الرزق فيها كون تقديره فيها، أو أن الأرزاق مكتوبة في ~~اللوح المحفوظ فيها. # ويمكن أن يكون المراد به عالم الغيب فإن الأشياء ومنها الأرزاق تنزل من ~~عند الله سبحانه وقد صرح بذلك في أشياء كقوله تعالى: "وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج": الزمر: 6، وقوله: "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد": الحديد: ~~25، وقوله على نحو العموم: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم": الحجر: 21، والمراد بالرزق كل ما ينتفع به الإنسان في بقائه ~~من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومنكح وولد وعلم وقوة وغير ذلك. # وقوله: "وما توعدون" عطف على "رزقكم" الظاهر أن المراد به الجنة لقوله ~~تعالى: "عندها جنة المأوى": النجم: 15، وقول بعضهم: إن المراد به الجنة ~~والنار أو الثواب والعقاب لا يلائمه قوله تعالى: "إن الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط": الأعراف: 40. # نعم تكرر في القرآن نسبة نزول العذاب الدنيوي إلى السماء كقوله: "فأنزلنا ~~على الذين ظلموا رجزا من السماء": البقرة: 59، وغير ذلك. # وعن بعضهم أن قوله: "وما توعدون" مبتدأ خبره قوله: "فورب السماء والأرض ~~إنه لحق" والواو للاستئناف وهو معنى بعيد عن الفهم. # قوله تعالى: "فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون" النطق ~~التكلم وضمير "إنه" راجع إلى ما ذكر من كون الرزق وما توعدون في السماء ~~والحق هو الثابت المحتوم في القضاء الإلهي دون أن يكون أمرا تبعيا أو ~~اتفاقيا. PageV18P197 # والمعنى: أقسم برب السماء والأرض أن ما ms6960 ذكرناه من كون رزقكم وما توعدونه من ~~الجنة - وهو أيضا من الرزق فقد تكرر في القرآن تسمية الجنة رزقا كقوله: ~~"لهم مغفرة ورزق كريم": الأنفال: 74، وغير ذلك - في السماء لثابت مقضي مثل ~~نطقكم وتكلمكم الذي هو حق لا ترتابون فيه. # وجوز بعضهم أن يكون ضمير "إنه" راجعا إلى "ما توعدون" فقط أو إلى الرزق ~~فقط أو إلى الله أو إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إلى القرآن أو ~~إلى الدين في قوله: "وإن الدين لواقع" أو إلى اليوم في قوله: "أيان يوم ~~الدين" أو إلى جميع ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، ولعل الأوجه رجوعه ~~إلى ما ذكر في قوله: "وفي السماء رزقكم وما توعدون" كما قدمنا. # كلام في تكافؤ الرزق والمرزوق # الرزق بمعنى ما يرتزق به هو ما يمد شيئا آخر في بقائه بانضمامه إليه أو ~~لحوقه به بأي معنى كان كالغذاء الذي يمد الإنسان في حياته وبقائه بصيرورته ~~جزء من بدنه وكالزوج يمد زوجه في إرضاء غريزته وبقاء نسله وعلى هذا القياس. # ومن البين: أن الأشياء المادية يرتزق بعضها ببعض كالإنسان بالحيوان ~~والنبات مثلا فما يلحق المرزوق في بقائه من أطوار الكينونة ومختلف الأحوال ~~كما أنها أطوار من الكون لاحقة به منسوبة إليه كذلك هي بعينها أطوار من ~~الكون لاحقة بالرزق منسوبة إليه وإن كان ربما تغيرت الأسماء فكما أن ~~الإنسان يصير بالتغذي ذا أجزاء جديدة في بدنه كذلك الغذاء يصير جزءا جديدا ~~من بدنه اسمه كذا. # ومن البين أيضا: أن القضاء محيط بالكون مستوعب للأشياء يتعين به ما يجري ~~على كل شيء في نفسه وأطوار وجوده، وبعبارة أخرى سلسلة الحوادث بما لها من ~~النظام الجاري مؤلفة من علل تامة ومعلولات ضرورية. # ومن هنا يظهر أن الرزق والمرزوق متلازمان لا يتفارقان فلا معنى لموجود ~~يطرأ عليه طور جديد في وجوده بانضمام شيء أو لحوقه إلا مع وجود الشيء ~~المنضم أو اللاحق المشترك معه في طوره ذلك فلا معنى لمرزوق مستمد في بقائه ~~ولا رزق له، ms6961 ولا معنى لرزق متحقق ولا مرزوق له كما لا معنى لزيادة الرزق ~~على ما يحتاج إليه المرزوق، وكذا لبقاء مرزوق من غير رزق فالرزق داخل في ~~القضاء الإلهي دخولا أوليا لا بالعرض ولا بالتبع وهو المعنى بكون الرزق حقا. # قوله تعالى: "هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين" إشارة إلى قصة دخول ~~الملائكة المكرمين على إبراهيم (عليه السلام) وتبشيرهم له ولزوجه ثم ~~إهلاكهم قوم لوط، وفيها آية على وحدانية الربوبية كما تقدمت الإشارة إليه. # وفي قوله: "هل أتاك حديث" تفخيم لأمر القصة و"المكرمين" - وهم الملائكة ~~الداخلون على إبراهيم - صفة "ضيف" وإفراده لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى ~~ولا يجمع. # قوله تعالى: "إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون" الظرف ~~متعلق بقوله في الآية السابقة: "حديث" و"سلاما" مقول القول والعامل فيه ~~محذوف أي قالوا: نسلم عليك سلاما. # وقوله: "قال سلام" قول ومقول و"سلام" مبتدأ محذوف الخبر والتقدير سلام ~~عليكم، وفي إتيانه بالجواب جملة اسمية دالة على الثبوت تحية منه (عليه ~~السلام) بما هو أحسن من تحيتهم بقولهم: سلاما فإنه جملة فعليه دالة على ~~الحدوث. # وقوله: "قوم منكرون" الظاهر أنه حكاية قول إبراهيم في نفسه، ومعناه أنه ~~لما رآهم استنكرهم وحدث نفسه أن هؤلاء قوم منكرون، ولا ينافي ذلك ما وقع في ~~قوله تعالى: "فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم": هود: 70 حيث ذكر نكره ~~بعد تقريب العجل الحنيذ إليهم فإن ما في هذه السورة حديث نفسه به وما في ~~سورة هود ظهوره في وجهه بحيث يشاهد منه ذلك. # وهذا المعنى أوجه من قول جمع من المفسرين: إنه حكاية قوله (عليه السلام) ~~لهم والتقدير أنتم قوم منكرون. # قوله تعالى: "فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين" الروغ الذهاب على سبيل ~~الاحتيال على ما قاله الراغب وقال غيره: هو الذهاب إلى الشيء في خفية، ~~والمعنى الأول يرجع إلى الثاني. # والمراد بالعجل السمين المشوي منه بدليل قوله: "فقربه إليهم" أو الفاء ~~فصيحة والتقدير فجاء بعجل سمين فذبحه وشواه وقربه إليهم. # قوله تعالى: "فقربه ms6962 إليهم قال ألا تأكلون" عرض الأكل على الملائكة وهو ~~يحسبهم بشرا. PageV18P198 # قوله تعالى: "فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إلخ" الفاء فصيحة والتقدير فلم ~~يمدوا إليه أيديهم فلما رأى ذلك نكرهم وأوجس منهم خيفة، والإيجاس الإحساس ~~في الضمير والخيفة بناء نوع من الخوف أي أضمر منهم في نفسه نوعا من الخوف. # وقوله: "قالوا لا تخف" جيء بالفصل لا بالعطف لأنه في معنى جواب سؤال مقدر ~~كأنه قيل: فما ذا كان بعد إيجاس الخيفة فقيل: قالوا: لا تخف وبشروه بغلام ~~عليم فبدلوا خوفه أمنة وسرورا والمراد بغلام عليم إسماعيل أو إسحاق وقد ~~تقدم الخلاف فيه. # قوله تعالى: "فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم" في ~~المجمع، الصرة شدة الصياح وهو من صرير الباب ويقال للجماعة صرة أيضا. # قال: والصك الضرب باعتماد شديد انتهى. # والمعنى فأقبلت امرأة إبراهيم (عليه السلام) - لما سمعت البشارة - في ضجة ~~وصياح فلطمت وجهها وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ أو المعنى هل عجوز عقيم ~~تلد غلاما؟ وقيل: المراد بالصرة الجماعة وأنها جاءت إليهم في جماعة فصكت ~~وجهها وقالت ما قالت، والمعنى الأول أوفق للسياق. # قوله تعالى: "قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم" الإشارة بكذلك ~~إلى ما بشروها به بما لها ولزوجها من حاضر الوضع هي عجوز عقيم وبعلها شيخ ~~مسه الكبر فربها حكيم لا يريد ما يريد إلا بحكمه، عليم لا يخفى عليه وجه الأمر. # قوله تعالى: "قال فما خطبكم أيها المرسلون - إلى قوله - للمسرفين" الخطب ~~الأمر الخطير الهام، والحجارة من الطين الطين المتحجر، والتسويم تعليم ~~الشيء بمعنى جعله ذا علامة من السومة بمعنى العلامة. # والمعنى: "قال إبراهيم (عليه السلام) "فما خطبكم" والشأن الخطير الذي لكم ~~"أيها المرسلون" من الملائكة "قالوا" أي الملائكة لإبراهيم "إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين" وهم قوم لوط "لنرسل عليهم حجارة من طين" طينا متحجرا سماه الله ~~سجيلا "مسومة" معلمة "عند ربك للمسرفين" تختص بهم لإهلاكهم، والظاهر أن ~~اللام في المسرفين للعهد. # قوله تعالى: "فأخرجنا من كان فيها من ms6963 المؤمنين" - إلى قوله - العذاب ~~الأليم" الفاء فصيحة وقد أوجز بحذف ما في القصة من ذهاب الملائكة إلى لوط ~~وورودهم عليه وهم القوم بهم حتى إذا أخرجوا آل لوط من القرية، وقد فصلت ~~القصة في غير موضع من كلامه تعالى. # فقوله: "فأخرجنا" إلخ بيان إهلاكهم بمقدمته، وضمير "فيها" للقرية ~~المفهومة من السياق، و"بيت من المسلمين" بيت لوط، وقوله: "وتركنا فيها آية" ~~إشارة إلى إهلاكهم وجعل أرضهم عاليها سافلها، والمراد بالترك الإبقاء كناية ~~وقد بينت هذه الخصوصيات في سائر كلامه تعالى. # والمعنى: فلما ذهبوا إلى لوط وكان من أمرهم ما كان "أخرجنا من كان فيها" ~~في القرية "من المؤمنين فما وجدنا غير بيت" واحد "من المسلمين" وهم آل لوط ~~"وتركنا فيها" في أرضهم بقلبها وإهلاكهم "آية" دالة على ربوبيتنا وبطلان ~~الشركاء "للذين يخافون العذاب الأليم" من الناس. # قوله تعالى: "وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين" عطف على قوله: ~~"وتركنا فيها آية" والتقدير وفي موسى آية، والمراد بسلطان مبين الحجج ~~الباهرة التي كانت معه من الآيات المعجزة. # قوله تعالى: "فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون" التولي الإعراض والباء في ~~قوله: "بركنه" للمصاحبة، والمراد بركنه جنوده كما يؤيده الآية التالية، ~~والمعنى: أعرض مع جنوده، وقيل: الباء للتعدية، والمعنى: جعل ركنه متولين ~~معرضين. # وقوله: "وقال ساحر أو مجنون" أي قال تارة هو مجنون كقوله: "إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون": الشعراء: 27، وقال أخرى: هو ساحر كقوله: "إن هذا ~~لساحر عليم": الشعراء: 34. # قوله تعالى: "فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم" النبذ طرح الشيء ~~من غير أن يعتد به، واليم البحر، والمليم الآتي بما يلام عليه من ألام ~~بمعنى أتى بما يلام عليه كأغرب إذا أتى بأمر غريب. # والمعنى: فأخذناه وجنوده وهم ركنه وطرحناهم في البحر والحال أنه أتى من ~~الكفر والجحود والطغيان بما يلام عليه، وإنما خص فرعون بالملامة مع أن ~~الجميع يشاركونه فيها لأنه إمامهم الذي قادهم إلى الهلاك، قال تعالى: "يقدم ~~قومه يوم القيامة فأوردهم النار": هود: 98. PageV18P199 # وفي الكلام من الإيماء ms6964 إلى عظمة القدرة وهول الأخذ وهو أن أمر فرعون وجنوده ~~ما لا يخفى. # قوله تعالى: "وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم" عطف على ما تقدمه أي ~~وفي عاد أيضا آية إذ أرسلنا عليهم أي أطلقنا عليهم الريح العقيم. # والريح العقيم هي الريح التي عقمت وامتنعت من أن يأتي بفائدة مطلوبة من ~~فوائد الرياح كتنشئة سحاب أو تلقيح شجر أو تذرية طعام أو نفع حيوان أو ~~تصفية هواء كما قيل وإنما أثرها الإهلاك كما تشير إليه الآية التالية. # قوله تعالى: "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم" "ما تذر" أي ما ~~تترك"، والرميم الشيء الهالك البالي كالعظم البالي السحيق، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين - إلى قوله - منتصرين" ~~عطف على ما تقدمه أي وفي ثمود أيضا آية إذ قيل لهم: تمتعوا حتى حين، ~~والقائل نبيهم صالح (عليه السلام) إذ قال لهم: "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ~~ذلك وعد غير مكذوب": هود: 65 قال لهم ذلك لما عقروا الناقة فأمهلهم ثلاثة ~~أيام ليرجعوا فيها عن كفرهم وعتوهم لكن لم ينفعهم ذلك وحق عليهم كلمة ~~العذاب. # وقوله: "فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون" العتو - على ما ~~ذكره الراغب - النبوء عن الطاعة فينطبق على التمرد، والمراد بهذا العتو ~~العتو عن الأمر والرجوع إلى الله أيام المهلة فلا يستشكل بأن عتوهم عن أمر ~~الله كان مقدما على تمتعهم - كما يظهر من تفصيل القصة - والآية تدل على العكس. # وقوله: "فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون" هذا لا ينافي ما في موضع آخر من ذكر ~~الصيحة بدل الصاعقة كقوله: "وأخذ الذين ظلموا الصيحة": هود: 67 لجواز ~~تحققهما معا في عذابهم. # وقوله: "فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين" لا يبعد أن يكون ~~"استطاعوا" مضمنا معنى تمكنوا، و"من قيام" مفعوله أي ما تمكنوا من قيام من ~~مجلسهم ليفروا من عذاب الله وهو كناية عن أنهم لم يمهلوا حتى بمقدار أن ~~يقوموا من مجلسهم. # وقوله: "وما كانوا منتصرين" عطف على ms6965 "ما استطاعوا" أي ما كانوا منتصرين ~~بنصرة غيرهم ليدفعوا بها العذاب عن أنفسهم، ومحصل الجملتين أنهم لم يقدروا ~~على دفع العذاب عن أنفسهم لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم. # قوله تعالى: "وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين" عطف على القصص ~~السابقة، و"قوم نوح" منصوب بفعل محذوف والتقدير وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد ~~وثمود إنهم كانوا فاسقين عن أمر الله. # فهناك أمر ونهي كلف الناس بهما من قبل الله سبحانه وهو ربهم ورب كل شيء ~~دعاهم إلى الدين الحق بلسان رسله فما جاء به الأنبياء (عليهم السلام) حق من ~~عند الله ومما جاءوا به الوعد بالبعث والجزاء. # قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون" رجوع إلى السياق السابق ~~في قوله: "وفي الأرض آيات للموقنين" إلخ، والأيد القدرة والنعمة، وعلى كل ~~من المعنيين يتعين لقوله: "وإنا لموسعون" ما يناسبه من المعنى. # فالمعنى على الأول: والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنا لذووا سعة ~~في القدرة لا يعجزها شيء، وعلى الثاني: والسماء بنيناها مقارنا بناؤها ~~لنعمة لا تقدر بقدر وإنا لذووا سعة وغنى لا تنفد خزائننا بالإعطاء والرزق ~~نرزق من السماء من نشاء فنوسع الرزق كيف نشاء. # ومن المحتمل أن يكون "موسعون" من أوسع في النفقة أي كثرها فيكون المراد ~~توسعة خلق السماء كما تميل إليه الأبحاث الرياضية اليوم. # قوله تعالى: "والأرض فرشناها فنعم الماهدون" الفرش البسط وكذا المهد أي ~~والأرض بسطناها وسطحناها لتستقروا عليها وتسكنوها فنعم الباسطون نحن، وهذا ~~الفرش والبسط لا ينافي كروية الأرض. # قوله تعالى: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" الزوجان المتقابلان ~~يتم أحدهما بالآخر: فاعل ومنفعل كالذكر والأنثى، وقيل: المراد مطلق ~~المتقابلات كالذكر والأنثى والسماء والأرض والليل والنهار والبر والبحر ~~والإنس والجن وقيل: الذكر والأنثى. # وقوله: "لعلكم تذكرون" أي تتذكرون أن خالقها منزه عن الزوج والشريك واحد موحد. PageV18P200 # قوله تعالى: "ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله ~~إلها آخر إني لكم منه نذير مبين" في الآيتين تفريع على ما تقدم ms6966 من الحجج ~~على وحدانيته في الربوبية والألوهية، وفيها قصص عدة من الأمم الماضين كفروا ~~بالله ورسله فانتهى بهم ذلك إلى عذاب الاستئصال. # فالمراد بالفرار إلى الله الانقطاع إليه من الكفر والعقاب الذي يستتبعه، ~~بالإيمان به تعالى وحده واتخاذه إلها معبودا لا شريك له. # وقوله: "ولا تجعلوا مع الله إلها آخر" كالتفسير لقوله: "ففروا إلى الله" ~~أي المراد بالإيمان به الإيمان به وحده لا شريك له في الألوهية والمعبودية. # وقد كرر قوله: "إني لكم منه نذير مبين" لتأكيد الإنذار، والآيتان محكيتان ~~عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" قال: خلقك ~~سميعا بصيرا، تغضب مرة وترضى مرة، وتجوع مرة وتشبع مرة، وذلك كله من آيات الله. # أقول: ونسبه في المجمع إلى الصادق (عليه السلام). # وفي التوحيد، بإسناده إلى هشام بن سالم قال: سئل أبو عبد الله (عليه ~~السلام) فقيل له: بما عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزم ونقض الهم، عزمت ففسخ ~~عزمي، وهممت فنقض همي:. أقول: ورواه في الخصال، عنه عن أبيه عن جده عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن علي بن أبي طالب ~~"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" قال: سبيل الغائط والبول. # أقول: الرواية كالروايتين السابقتين مسوقة لبيان بعض المصاديق من طرق ~~المعرفة. # وفيه، أخرج ابن النقور والديلمي عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في قوله: "وفي السماء رزقكم وما توعدون" قال: المطر:. أقول: وروى ~~نحوا منه القمي في تفسيره، مرسلا ومضمرا. # وفي إرشاد المفيد، عن علي (عليه السلام) في حديث: اطلبوا الرزق فإنه ~~مضمون لطالبه. # وفي التوحيد، بإسناده إلى أبي البختري قال: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن جده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أنه قال: يا علي: إن اليقين أن لا ترضي أحدا على سخط الله، ولا تحمدن ~~أحدا على ما آتاك الله، ولا تذمن أحدا ms6967 على ما لم يؤتك الله فإن الرزق لا ~~يجره حرص حريص، ولا يصرفه كره كاره. # الحديث. # وفي المجمع،: "فأقبلت امرأته في صرة" وقيل: في جماعة. عن الصادق (عليه ~~السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: ~~الريح العقيم النكباء. # وفي التوحيد، بإسناده إلى محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~فقلت: قول الله عز وجل "يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"؟ فقال: ~~اليد في كلام العرب القوة والنعمة، قال الله: "واذكر عبدنا داود ذا الأيد"، ~~وقال: "والسماء بنيناها بأيد" أي بقوة، وقال: "وأيدهم بروح منه" أي بقوة، ~~ويقال: لفلان عندي يد بيضاء أي نعمة. # وفي التوحيد، بإسناده إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) خطبة طويلة ~~وفيها: بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا ~~جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف ~~أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، واليبس بالبلل، والخشن باللين، والصرد ~~بالحرور، مؤلفا بين متعادياتها، مفرقا بين متدانياتها، دالة بتفريقها على ~~مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها وذلك قوله: "من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم ~~تذكرون". ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد له، شاهدة بغرائزها ~~أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ~~ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ففروا إلى الله" وقيل: معناه حجوا. عن ~~الصادق (عليه السلام):. أقول: ورواه في الكافي، وفي المعاني، بالإسناد عن ~~أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام):. # ولعله من التطبيق. PageV18P201 ### ||| AUTO 51 سورة الذاريات - 52 - 60 # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون (56) ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ms6968 ذو القوة المتين ~~(58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحبهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين ~~كفروا من يومهم الذى يوعدون (60) ### |||| AUTO بيان # مختتم السورة وفيه إرجاع الكلام إلى ما في مفتتحها من إنكارهم للبعث ~~الموعود ومقابلتهم الرسالة بقول مختلف ثم إيعادهم باليوم الموعود. # قوله تعالى: "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون" أي الأمر كذلك، فقوله: "كذلك" كالتلخيص لما تقدم من إنكارهم ~~واختلافهم في القول. # وقوله: "ما أتى الذين من قبلهم" إلخ، بيان للمشبه. # قوله تعالى: "أتواصوا به بل هم قوم طاغون" التواصي إيصاء القوم بعضهم ~~بعضا بأمر، وضمير "به" للقول، والاستفهام للتعجيب، والمعنى: هل وصى بعض هذه ~~الأمم بعضا - هل السابق وصي اللاحق؟ - على هذا القول؟ لا بل هم قوم طاغون ~~يدعوهم إلى هذا القول طغيانهم. # قوله تعالى: "فتول عنهم فما أنت بملوم" تفريع على طغيانهم واستكبارهم ~~وإصرارهم على العناد واللجاج، فالمعنى: فإذا كان كذلك ولم يجيبوك إلا بمثل ~~قولهم ساحر أو مجنون ولم يزدهم دعوتك إلا عنادا فأعرض عنهم ولا تجادلهم على ~~الحق فما أنت بملوم فقد أريت المحجة وأتممت الحجة. # قوله تعالى: "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين" تفريع على الأمر بالتولي ~~عنهم فهو أمر بالتذكير بعد النهي عن الجدال معهم، والمعنى: واستمر على ~~التذكير والعظة فذكر كما كنت تذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين بخلاف الاحتجاج ~~والجدال مع أولئك الطاغين فإنه لا ينفعهم شيئا ولا يزيدهم إلا طغيانا وكفرا. # قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" فيه التفات من سياق ~~التكلم بالغير إلى التكلم وحده لأن الأفعال المذكورة سابقا المنسوبة إليه ~~تعالى كالخلق وإرسال الرسل وإنزال العذاب كل ذلك مما يقبل توسيط الوسائط ~~كالملائكة وسائر الأسباب بخلاف الغرض من الخلق والإيجاد فإنه أمر يختص ~~بالله سبحانه لا يشاركه فيه أحد. # وقوله: "إلا ليعبدون" استثناء من النفي لا ريب في ظهوره في أن للخلقة ~~غرضا وأن الغرض العبادة بمعنى كونهم عابدين لله لا كونه معبودا فقد قال: ~~ليعبدون ولم يقل: لأعبد أو لأكون ms6969 معبودا لهم. # على أن الغرض كيفما كان أمر يستكمل به صاحب الغرض ويرتفع به حاجته والله ~~سبحانه لا نقص فيه ولا حاجة له حتى يستكمل به ويرتفع به حاجته، ومن جهة ~~أخرى الفعل الذي لا ينتهي إلى غرض لفاعله لغو سفهي ويستنتج منه أن له ~~سبحانه في فعله غرضا هو ذاته لا غرض خارج منه، وأن لفعله غرضا يعود إلى نفس ~~الفعل وهو كمال للفعل لا لفاعله، فالعبادة غرض لخلقة الإنسان وكمال عائد ~~إليه هي وما يتبعها من الآثار كالرحمة والمغفرة وغير ذلك، ولو كان للعبادة ~~غرض كالمعرفة الحاصلة بها والخلوص لله كان هو الغرض الأقصى والعبادة غرضا ~~متوسطا. # فإن قلت: ما ذكرته من حمل اللام في "ليعبدون" على الغرض يعارضه قوله ~~تعالى: "لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم": هود: 119، وقوله: ~~"ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس": الأعراف: 179، فإن ظاهر الآية ~~الأولى كون الغرض من الخلقة الاختلاف، وظاهر الثانية كون الغرض من خلق كثير ~~من الجن والإنس دخول جهنم فلا محيص عن رفع اليد من حمل اللام على الغرض ~~وحملها على الغاية. # قلت: أما الآية الأولى فالإشارة فيها إلى الرحمة دون الاختلاف، وأما ~~الآية الثانية فاللام فيها للغرض لكنه غرض تبعي وبالقصد الثاني لا غرض أصلي ~~وبالقصد الأول وقد تقدم إشباع الكلام في تفسير الآيتين. PageV18P202 # فإن قلت: لو كان اللام في "ليعبدون" للغرض كانت العبادة غرضه تعالى المراد ~~من الخلقة، ومن المحال أن يتخلف مراده تعالى عن إرادته لكن من المعلوم ~~المشاهد عيانا أن كثيرا منهم لا يعبدونه تعالى وهذا نعم الدليل على أن ~~اللام في الآية ليست للغرض أو أنها للغرض لكن المراد بالعبادة العبادة ~~التكوينية كما في قوله: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44. # أو أن المراد بخلقهم للعبادة خلقهم على وجه صالح لأن يعبدوا الله بجعلهم ~~ذوي اختيار وعقل واستطاعة، وتنزيل الصلاحية والاستعداد منزلة الفعلية مجاز ~~شائع كما يقال: خلق البقر للحرث، والدار للسكنى. # قلت: الإشكال مبني على كون اللام في الجن ms6970 والإنس للاستغراق فيكون تخلف ~~الغرض في بعض الأفراد منافيا له وتخلفا من الغرض، والظاهر أن اللام فيهما ~~للجنس دون الاستغراق فوجود العبادة في النوع في الجملة تحقق للغرض لا يضره ~~تخلفه في بعض الأفراد نعم لو ارتفعت العبادة عن جميع الأفراد كان ذلك ~~بطلانا للغرض، ولله سبحانه في النوع غرض كما أن له في الفرد غرضا. # وأما حمل العبادة على العبادة التكوينية فيضعفه أنها شأن عامة المخلوقات ~~لا موجب لتخصيصه بالجن والإنس مضافا إلى أن السياق سياق توبيخ الكفار على ~~ترك عبادة الله التشريعية وتهديدهم على إنكار البعث والحساب والجزاء وذلك ~~متعلق بالعبادة التشريعية دون التكوينية. # وأما حمل العبادة على الصلوح والاستعداد بأن يكون الغرض من خلق الجن ~~والإنس كونهما بحيث يصلحان للعبادة ويستعدان لها أو لتعلق الأمر والنهي ~~العباديين فيضعفه أن من البين أن الصلوح والاستعداد إنما يتعلق به الطلب ~~لأجل الفعلية التي يتعلق به الصلوح والاستعداد فلو كان الغرض المطلوب من ~~خلقهما كونهما بحيث يصلحان للعبادة أو لتعلق الأمر والنهي العباديين فقد ~~تعلق الغرض أولا بفعلية عبادتهما ثم بالصلوح والاستعداد لمكان المقدمية. # ففي حمل العبادة على الصلوح والاستعداد اعتراف بكون الغرض من الخلق أولا ~~وبالذات نفس العبادة ثم الصلوح والاستعداد فيعود الإشكال لو كان هناك إشكال. # فالحق أن اللام في "الجن والإنس" للجنس دون الاستغراق، والمراد بالعبادة ~~نفسها دون الصلوح والاستعداد، ولو كان المراد هو الصلوح والاستعداد للعبادة ~~لكان ذلك غرضا أدنى مطلوبا لأجل غرض أعلى هو العبادة كما أن نفس العبادة ~~بمعنى ما يأتي به العبد من الأعمال بالجوارح من قيام وركوع وسجود ونحوها ~~غرض مطلوب لأجل غرض آخر هو المثول بين يدي رب العالمين بذلة العبودية وفقر ~~المملوكية المحضة قبال العزة المطلقة والغنى المحض كما ربما استفيد من قوله ~~تعالى: "قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم": الفرقان: 77، حيث بدل العبادة دعاء. # فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية وتوجيه وجهه إلى ~~مقام ربه، وهذا هو مراد من فسر العبادة بالمعرفة يعني المعرفة ms6971 الحاصلة ~~بالعبادة. # فحقيقة العبادة هي الغرض الأقصى من الخلقة وهي أن ينقطع العبد عن نفسه ~~وعن كل شيء ويذكر ربه. # هذا ما يعطيه التدبر في قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" ~~ولعل تقديم الجن على الإنس لسبق خلقهم على خلق الإنس قال تعالى: "والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم": الحجر: 27، والعبادة هي غرض الفعل أي كمال ~~عائد إليه لا إلى الفاعل على ما تقدم. # ويظهر من القصر في الآية بالنفي والاستثناء أن لا عناية لله بمن لا يعبده ~~كما يفيده أيضا قوله: "قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم". # قوله تعالى: "ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون" الإطعام إعطاء ~~الطعام ليطعم ويؤكل قال تعالى: "والذي هو يطعمني ويسقين": الشعراء: 79، ~~وقال: "الذي أطعمهم من جوع": الإيلاف: 4، فيكون ذكر الإطعام بعد الرزق من ~~قبيل ذكر الخاص بعد العام لتعلق عناية خاصة به وهي أن التغذي أوسع حوائج ~~الإنسان وغيره وأخسها لكونه مسبوقا بالجوع وملحوقا بالدفع. # وقيل: المراد بالرزق رزق العباد والمعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا عبادي ~~الذين أرزقهم وما أريد أن يطعموني نفسي. PageV18P203 # وقيل: المراد بالإطعام تقديم الطعام إليه كما يقدم العبد الطعام إلى سيده ~~والخادم إلى مخدومه فيكون المراد بالرزق تحصيل أصل الرزق وبالإطعام تقديم ~~ما حصلوه والمعنى: ما أريد منهم رزقا يحصلونه لي فأرتزق به وما أريد منهم ~~أن يقدموا إلى ما أرتزق به وأطعمه. # قوله تعالى: "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" تعليل لقوله: "ما أريد ~~منهم من رزق" إلخ، والالتفات في الآية من التكلم وحده إلى الغيبة لإنهاء ~~التعليل إلى اسم الجلالة الذي منه يبتدىء كل شيء وإليه يرجع كأنه قال: ما ~~أريد منهم رزقا لأني أنا الرزاق لأني أنا الله تبارك اسمه. # والتعبير بالرزاق - اسم مبالغة - وكان الظاهر أن يقال: إن الله هو الرزاق ~~للإشارة إلى أنه تعالى إذا كان رازقا وحده كان رزاقا لكثرة من يرزقه فالآية ~~نظير قوله: "وما أنا بظلام للعبيد". # وذو القوة من أسمائه ms6972 تعالى بمعنى القوي لكنه أبلغ من القوي، والمتين أيضا ~~من أسمائه تعالى بمعنى القوي. # والتعبير بالأسماء الثلاثة للدلالة على انحصار الرزق فيه تعالى وأنه لا ~~يأخذه ضعف في إيصال الرزق إلى المرتزقين على كثرتهم. # قوله تعالى: "فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون" ~~الذنوب النصيب، والاستعجال طلب العجلة والحث عليها، والآية متفرعة على ~~قوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" بلازم معناه. # والمعنى: فإذا كان هؤلاء الظالمون لا يعبدون الله ولا عناية له بهم ولا ~~سعادة من قبله تشملهم فإن لهم نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم من الأمم ~~الماضية الهالكة فلا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب ولا يقولوا متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين، وأيان يوم الدين. # وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم وحده وهو في الحقيقة رجوع من سياق ~~الغيبة الذي في قوله: "إن الله هو الرزاق" إلخ، إلى التكلم وحده الذي في ~~قوله: "وما خلقت" إلخ، لتفرع الكلام عليه. # قوله تعالى: "فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون" تفريع على قوله: ~~"فإن للذين ظلموا ذنوبا" إلخ، وتنبيه على أن هذا الذنوب محقق لهم يوم ~~القيامة وإن أمكن أن يجعل لهم بعضه، وهو يوم ليس لهم فيه إلا الويل والهلاك ~~وهو يومهم الموعود. # وفي تبديل قوله في الآية السابقة للذين ظلموا من قوله في هذه الآية: ~~"للذين كفروا" تنبيه على أن المراد بالظلم ظلم الكفر. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، وروي بالإسناد عن مجاهد قال: خرج علي بن أبي طالب معتما ~~مشتملا في قميصة فقال: لما نزلت "فتول عنهم فما أنت بملوم" لم يبق أحد منا ~~إلا أيقن بالهلكة حين قيل للنبي: "فتول عنهم" فلما نزل "وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين" طابت نفوسنا، ومعناه: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى ~~تنفعهم:. عن الكلبي. أقول: ورواه في الدر المنثور، وروي أيضا ما في معناه ~~عن ابن راهويه وابن مردويه عنه (عليه السلام):. # وفي التوحيد، بإسناده عن ابن أبي عمير قال: قلت لأبي الحسن ms6973 موسى بن جعفر ~~(عليه السلام): ما معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له؟ فقال: إن الله عز وجل خلق الجن والإنس ليعبدوه ولم ~~يخلقهم ليعصوه وذلك قوله عز وجل: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" فيسر ~~كلا لما خلق له فويل لمن استحب العمى على الهدى. # وفي العلل، بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج الحسين بن ~~علي (عليهما السلام) على أصحابه فقال: إن الله عز وجل ما خلق العباد إلا ~~ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه. # وفيه، بإسناده إلى أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول ~~الله عز وجل: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" قال: خلقهم ليأمرهم ~~بالعبادة. # أقول: وروى القمي في تفسيره،: مثله مرسلا ومضمرا، وقد مر في تفسير الآية ~~ما يتضح به معنى هذه الروايات، وأن هناك أغراضا مترتبة: التكليف والعبادة ~~والمعرفة. # وفي تفسير العياشي، عن يعقوب بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" قال: خلقهم ~~للعبادة. قال: قلت: قوله: "ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم" فقال: نزلت هذه بعد ذلك. PageV18P204 # أقول: أي نزلت "ولا يزالون" إلخ، بعد "وما خلقت" إلخ، يريد النسخ، وفي ~~تفسير القمي: وفي حديث آخر هي منسوخة بقوله: "ولا يزالون مختلفين" والمراد ~~بالنسخ البيان ورفع الإبهام دون النسخ المصطلح، وكثيرا ما ورد بهذا المعنى ~~في كلامهم (عليهم السلام) كما أشرنا إليه في تفسير قوله تعالى: "ما ننسخ من ~~آية أو ننسها" الآية: البقرة: 106. # والمراد أن الغرض الأعلى هو الرحمة الخاصة المترتبة على العبادة وهي ~~السعادة الخاصة بالمعرفة. # وفي التهذيب، بإسناده إلى سدير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي ~~شيء على الرجل في طلب الرزق؟ فقال: إذا فتحت بابك وبسطت بساطك فقد قضيت ما عليك. # تم والحمد لله. PageV18P205 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء التاسع عشر ms6974 PageV19P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 52 سورة الطور - 1 - 10 # بسم الله الرحمن الرحيم والطور (1) وكتب مسطور (2) فى رق منشور (3) ~~والبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك ~~لوقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة إنذار أهل التكذيب والعناد من الكفار بالعذاب الذي أعد لهم ~~يوم القيامة فتبدأ بالإنباء عن وقوع العذاب الذي أنذروا به وتحققه يوم ~~القيامة بأقسام مؤكدة وأيمان مغلظة، وأنه غير تاركهم يومئذ حتى يقع بهم ولا مناص. # ثم تذكر نبذة من صفة هذا العذاب والويل الذي يعمهم ولا يفارقهم ثم تقابل ~~ذلك بشمة من نعيم أهل النعيم يومئذ وهم المتقون الذين كانوا في الدنيا ~~مشفقين في أهلهم يدعون الله مؤمنين به موحدين له. # ثم تأخذ في توبيخ المكذبين على ما كانوا يرمون النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وما أنزل عليه من القرآن وما أتي به من الدين الحق. # وتختم الكلام بتكرار التهديد والوعيد وأمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بتسبيح ربه. # والسورة مكية كما يشهد بذلك سياق آياتها. # قوله تعالى: "والطور" قيل: الطور مطلق الجبل وقد غلب استعماله في الجبل ~~الذي كلم الله عليه موسى (عليه السلام)، والأنسب أن يكون المراد به في ~~الآية جبل موسى (عليه السلام) أقسم الله تعالى به لما قدسه وبارك فيه كما ~~أقسم به في قوله: "وطور سينين": التين: 2، وقال: "وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن": مريم: 52، وقال في خطابه لموسى (عليه السلام): "فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى": طه: 12، وقال: "نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة": القصص: 30. # وقيل: المراد مطلق الجبل أقسم الله تعالى به لما أودع فيه من أنواع نعمه ~~قال تعالى: "وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها": حم السجدة: 10. # قوله تعالى: "وكتاب مسطور في رق منشور" قيل: الرق مطلق ما يكتب فيه وقيل: ~~هو الورق، وقيل: الورق المأخوذ من الجلد، والنشر هو البسط، والتفريق. # والمراد بهذا الكتاب قيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه ms6975 ما كان وما ~~يكون وما هو كائن تقرؤه ملائكة السماء، وقيل: المراد به صحائف الأعمال ~~تقرؤه حفظة الأعمال من الملائكة، وقيل: هو القرآن كتبه الله في اللوح ~~المحفوظ، وقيل: هو التوراة وكانت تكتب في الرق وتنشر للقراءة. # والأنسب بالنظر إلى الآية السابقة هو القول الأخير. # قوله تعالى: "والبيت المعمور" قيل: المراد به الكعبة المشرفة فإنها أول ~~بيت وضع للناس ولم يزل معمورا منذ وضع إلى يومنا هذا قال تعالى: "إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين": آل عمران: 96. # وفي الروايات المأثورة أن البيت المعمور بيت في السماء بحذاء الكعبة ~~تزوره الملائكة. # وتنكير "كتاب" للإيماء إلى استغنائه عن التعريف فهو تنكير يفيد التعريف ~~ويستلزمه. # قوله تعالى: "والسقف المرفوع" هو السماء. # قوله تعالى: "والبحر المسجور" قال الراغب: السجر تهييج النار، وفي ~~المجمع،: المسجور المملوء يقال: سجرت التنور أي ملأتها نارا، وقد فسرت ~~الآية بكل من المعنيين ويؤيد المعنى الأول قوله: "وإذا البحار سجرت": ~~التكوير: 6، أي سعرت وقد ورد في الحديث أن البحار تسعر نارا يوم القيامة، ~~وقيل: المراد أنها تغيض مياهها بتسجير النار فيها. # قوله تعالى: "إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع" جواب القسم السابق ~~والمراد بالعذاب المخبر بوقوعه عذاب يوم القيامة الذي أوعد الله به الكفار ~~المكذبين كما تشير إليه الآية التالية، وفي قوله: "ما له من دافع" دلالة ~~على أنه من القضاء المحتوم الذي لا محيص عن وقوعه قال تعالى: وأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور": الحج: 7. # وفي قوله: "عذاب ربك" بنسبة العذاب إلى الرب المضاف إلى ضمير الخطاب دون ~~أن يقال: عذاب الله تأييد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مكذبي دعوته ~~وتطييب لنفسه أن ربه لا يخزيه يومئذ كما قال: "يوم لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا معه": التحريم: 8. # قوله تعالى: "يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا" ظرف لقوله: "إن ~~عذاب ربك لواقع". PageV19P002 # والمور - على ما في المجمع، - تردد الشيء بالذهاب والمجيء كما يتردد الدخان ms6976 ~~ثم يضمحل، ويقرب منه قول الراغب: إنه الجريان السريع. # وعلى أي حال فيه إشارة إلى انطواء العالم السماوي كما يذكره تعالى في ~~مواضع من كلامه كقوله: "إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت": الانفطار: ~~2، وقوله: "يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب": الأنبياء: 104، وقوله: ~~"والسماوات مطويات بيمينه": الزمر: 67. # كما أن قوله: "وتسير الجبال سيرا" إشارة إلى زلزلة الساعة في الأرض التي ~~يذكرها تعالى في مواضع من كلامه كقوله: "إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا ~~فكانت هباء منبثا": الواقعة: 6، وقوله: وسيرت الجبال فكانت سرابا": النبأ: 20. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والطور وكتاب مسطور" قال: الطور جبل ~~بطور سيناء. # وفي المجمع، "والبيت المعمور" وهو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة ~~يعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة:. عن ابن عباس ومجاهد، وروي ~~أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:. ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم ~~لا يعودون إليه أبدا. # أقول: كون البيت المعمور بيتا في السماء يطوف عليه الملائكة واقع في عدة ~~أحاديث من طرق الفريقين غير أنها مختلفة في محله ففي أكثرها أنه في السماء ~~الرابعة وفي بعضها أنه في السماء الأولى، وفي بعضها السابعة. # وفيه،: "والسقف المرفوع" وهو السماء عن علي (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: "والسقف المرفوع" قال: السماء، "والبحر المسجور" قال: ~~تسجر يوم القيامة. # وفي المجمع،: "والبحر المسجور" أي المملوء. عن قتادة، وقيل: هو الموقد ~~المحمي بمنزلة التنور. عن مجاهد والضحاك والأخفش وابن زيد. ثم قيل: إنه ~~تحمى البحار يوم القيامة فتجعل نيرانا ثم تفجر بعضها في بعض ثم تفجر إلى ~~النار:. ورد به الحديث. PageV19P003 ### ||| AUTO 52 سورة الطور - 11 - 28 # فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم فى خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار ~~جهنم دعا (13) هذه النار التى كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا ~~تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون (16) إن المتقين فى جنت ونعيم (17) فكهين بما ءاتاهم ربهم ووقاهم ~~ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا ms6977 واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على ~~سرر مصفوفة وزوجنهم بحور عين (20) والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتنهم من عملهم من شىء كل امرى بما كسب رهين (21) ~~وأمددنهم بفكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنزعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا ~~تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات من يقع عليهم هذا العذاب الذي لا ريب في تحققه ووقوعه، وتصف ~~حالهم إذ ذاك، وهذا هو الغرض الأصيل في السورة كما تقدمت الإشارة إليه وأما ~~ما وقع في الآيات من وصف حال المتقين يومئذ فهو من باب التطفل لتأكيد ~~الإنذار المقصود. # قوله تعالى: "فويل يومئذ للمكذبين" تفريع على ما دلت عليه الآيات السابقة ~~من تحقق وقوع العذاب يوم القيامة أي إذا كان الأمر كما ذكر ولم يكن محيص عن ~~وقوع العذاب فويل لمن يقع عليه وهم المكذبون لا محالة فالجملة تدل على كون ~~المعذبين هم المكذبين بالاستلزام وعلى تعلق الويل بهم بالمطابقة. # أو التقدير إذا كان العذاب واقعا لا محالة ولا محالة لا يقع إلا على ~~المكذبين لأنهم الكافرون بالله المكذبون ليوم القيامة فويل يومئذ لهم، ~~فالدال على تعلق العذاب بالمكذبين هو قوله: "عذاب ربك" لأن عذاب الله إنما ~~يقع على من دعاه فلم يجبه وكذب دعوته. # قوله تعالى: "الذين هم في خوض يلعبون" الخوض هو الدخول في باطل القول قال ~~الراغب: الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور وأكثر ما ~~ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه انتهى، وتنوين التنكير في "خوض" يدل ~~على صفة محذوفة أي في خوض عجيب. # ولما كان الاشتغال بباطل القول لا يفيد نتيجة حقة إلا نتيجة خيالية ~~يزينها الوهم للخائض سماه لعبا - واللعب من الأفعال ما ليس له إلا الأثر ~~الخيالي -. # والمعنى: الذين هم مستمرون في خوض ms6978 عجيب يلعبون بالمجادلة في آيات الله ~~وإنكارها والاستهزاء بها. # قوله تعالى: "يوم يدعون إلى نار جهنم دعا" الدع هو الدفع الشديد، والظاهر ~~أن "يوم" بيان لقوله: "يومئذ". # قوله تعالى: "هذه النار التي كنتم بها تكذبون" أي يقال لهم: هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون، والمراد بالتكذيب بالنار التكذيب بما أخبر به ~~الأنبياء (عليهم السلام) بوحي من الله من وجود هذه النار وأنه سيعذب بها ~~المجرمون ومحصل المعنى هذه مصداق ما أخبر به الأنبياء فكذبتم به. # قوله تعالى: "أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون" تفريع على قوله: "هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون" والاستفهام للإنكار تفريعا لهم أي إذا كانت هذه هي ~~تلك النار التي كنتم تكذبون بها فليس هذا سحرا كما كنتم ترمون إخبار ~~الأنبياء بها أنه سحر وليس هذا أمرا موهوما خرافيا كما كنتم تتفوهون به بل ~~أمر مبصر معاين لكم فالآية في معنى قوله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أليس هذا بالحق": الأحقاف: 34. # وبما مر من المعنى يظهر أن "أم" في قوله: "أم أنتم لا تبصرون" متصلة ~~وقيل: منقطعة ولا يخلو من بعد. # قوله تعالى: "اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون"، الصلي بالفتح فالسكون مقاساة حرارة النار فمعنى اصلوها قاسوا ~~حرارة نار جهنم. PageV19P004 # وقوله: "فاصبروا أو لا تصبروا" تفريع على الأمر بالمقاساة، والترديد بين ~~الأمر والنهي كناية عن مساواة الفعل والترك، ولذا أتبعه بقوله: "سواء ~~عليكم" أي هذه المقاساة لازمة لكم لا تفارقكم سواء صبرتم أو لم تصبروا فلا ~~الصبر يرفع عنكم العذاب أو يخففه ولا الجزع وترك الصبر ينفع لكم شيئا. # وقوله: "سواء عليكم" خبر مبتدإ محذوف أي هما سواء وإفراد "سواء" لكونه ~~مصدرا في الأصل. # وقوله: "إنما تجزون ما كنتم تعملون" في مقام التعليل لما ذكر من ملازمة ~~العذاب ومساواة الصبر والجزع. # والمعنى: إنما يلازمكم هذا الجزاء السيىء ولا يفارقكم لأنكم تجزون ~~بأعمالكم التي كنتم تعملونها ولا تسلب نسبة العمل عن عامله فالعذاب يلازمكم ~~أو إنما تجزون بتبعات ms6979 ما كنتم تعملون وجزائه. # قوله تعالى: "إن المتقين في جنات ونعيم" الجنة البستان تجنيه الأشجار ~~وتستره، والنعيم النعمة الكثيرة أي إن المتصفين بتقوى الله يومئذ في جنات ~~يسكنون فيها ونعمة كثيرة تحيط بهم. # قوله تعالى: "فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم" الفاكهة ~~مطلق الثمرة، وقيل: هي الثمرة غير العنب والرمان، ويقال: تفكه وفكه إذا ~~تعاطى الفكاهة، وتفكه وفكه إذا تناول الفاكهة، وقد فسرت الآية بكل من ~~المعنيين فقيل: المعنى: يتحدثون بما آتاهم ربهم من النعيم، وقيل: المعنى: ~~يتناولون الفواكه والثمار التي آتاهم ربهم، وقيل: المعنى: يتلذذون بإحسان ~~ربهم ومرجعه إلى المعنى الأول، وقيل: معناه فاكهين معجبين بما آتاهم ربهم، ~~ولعل مرجعه إلى المعنى الثاني. # وتكرار "ربهم" في قوله: "ووقاهم ربهم عذاب الجحيم" لإفادة مزيد العناية بهم. # قوله تعالى: "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون" أي يقال لهم: كلوا ~~واشربوا أكلا وشربا هنيئا أو طعاما وشرابا هنيئا، فهنيئا وصف قائم مقام ~~مفعول مطلق أو مفعول به. # وقوله: "بما كنتم تعملون" متعلق بقوله: "كلوا واشربوا" أو بقوله: ~~"هنيئا". # قوله تعالى: "متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين" الاتكاء الاعتماد ~~على الوسادة ونحوها، والسرر جمع سرير، ومصفوفة من الصف أي مصطفة موصولة ~~بعضها ببعض، والمعنى: متكئين على الوسائد والنمارق قاعدين على سرر مصطفة. # وقوله: "وزوجناهم بحور عين" المراد بالتزويج القرن أي قرناهم بهن دون ~~النكاح بالعقد، والدليل عليه تعديه بالباء فإن التزويج بمعنى النكاح بالعقد ~~متعد بنفسها، قال تعالى: "زوجناكها": الأحزاب: 37 كذا قيل. # قوله تعالى: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء" إلخ، قيل: الفرق بين الاتباع واللحوق مع اعتبار ~~التقدم والتأخر فيهما جميعا أنه يعتبر في الاتباع اشتراك بين التابع ~~والمتبوع في مورد الاتباع بخلاف اللحوق فاللاحق لا يشارك الملحوق في ما لحق ~~به فيه. # ولات وألات بمعنى نقص فمعنى ما ألتناهم ما نقصناهم شيئا من عملهم ~~بالإلحاق. # وظاهر الآية أنها في مقام الامتنان فهو سبحانه يمتن على الذين آمنوا أنه ~~سيلحق ms6980 بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان فتقر بذلك أعينهم، وهذا هو القرينة ~~على أن التنوين في "إيمان" للتنكير دون التعظيم. # والمعنى: اتبعوهم بنوع من الإيمان وإن قصر عن درجة إيمان آبائهم إذ لا ~~امتنان لو كان إيمانهم أكمل من إيمان آبائهم أو مساويا له. # وإطلاق الاتباع في الإيمان منصرف إلى اتباع من يصح منه في نفسه الإيمان ~~ببلوغه حدا يكلف به فالمراد بالذرية الأولاد الكبار المكلفون بالإيمان ~~فالآية لا تشمل الأولاد الصغار الذين ماتوا قبل البلوغ، ولا ينافي ذلك كون ~~صغار أولاد المؤمنين محكومين بالإيمان شرعا. # اللهم إلا أن يستفاد العموم من تنكير الإيمان ويكون المعنى: واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ما سواء كان إيمانا في نفسه أو إيمانا بحسب حكم الشرع. # وكذا الامتنان قرينة على أن الضمير في قوله: "وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء" للذين آمنوا كالضميرين في قوله: "واتبعتهم ذريتهم" إذ قوله: "وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء" مسوق حينئذ لدفع توهم ورود النقص في الثواب على ~~تقرير الإلحاق وهو ينافي الامتنان ومن المعلوم أن الذي ينافي الامتنان هو ~~النقص في ثواب الآباء الملحق بهم دون الذرية. PageV19P005 # فتحصل أن قوله: "والذين آمنوا" إلخ، استئناف يمتن تعالى فيه على الذين ~~آمنوا بأنه سيلحق بهم أولادهم الذين اتبعوهم بنوع من الإيمان وإن كان قاصرا ~~عن درجة إيمانهم لتقر به أعينهم، ولا ينقص مع ذلك من ثواب عمل الآباء ~~بالإلحاق شيء بل يؤتيهم مثل ما آتاهم أو بنحو لا تزاحم فيه على ما هو أعلم به. # وفي معنى الآية أقوال أخر لا تخلو من سخافة كقول بعضهم إن قوله: "والذين ~~آمنوا" معطوف على "حور عين" والمعنى: وزوجناهم بحور عين وبالذين آمنوا ~~يتمتعون من الحور العين بالنكاح وبالذين آمنوا بالرفاقة والصحبة، وقول ~~بعضهم: إن المراد بالذرية صغار الأولاد فقط، وقول بعضهم: إن الضميرين في ~~"وما ألتناهم من عملهم من شيء" للذرية والمعنى: وما نقصنا الذرية من عملهم ~~شيئا بسبب إلحاقهم بآبائهم بل نوفيهم أعمالهم من خير أو شر ثم نلحقهم ~~بآبائهم. # وقوله: "كل امرىء ms6981 بما كسب رهين" تعليل لقوله: "وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء" على ما يفيده السياق، والرهن والرهين والمرهون ما يوضع وثيقة للدين ~~على ما ذكره الراغب قال: ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك لحبس أي ~~شيء كان. # انتهى. # ولعل هذا المعنى الاستعاري هو المراد في الآية والمرء رهن مقبوض ومحفوظ ~~عند الله سبحانه بما كسبه من خير أو شر حتى يوفيه جزاء ما عمله من ثواب أو ~~عقاب فلو نقص شيئا من عمله ولم يوفه ذلك لم يكن رهين ما كسب بل رهين بعض ما ~~عمل وامتلك بعضه الآخر غيره كذريته الملحقين به. # وأما قوله تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين": المدثر: 39، ~~فالمراد كونها رهينة العذاب يوم القيامة كما يشهد به سياق ما بعده من قوله: ~~"في جنات يتساءلون عن المجرمين": المدثر: 41. # وقيل: المراد كون المرء رهين عمله السيىء كما تدل عليه آية سورة المدثر ~~المذكورة آنفا بشهادة استثناء أصحاب اليمين، والآية أعني قوله: "كل امرىء ~~بما كسب رهين" جملة معترضة من صفات أهل النار اعترضت في صفات أهل الجنة. # وحمل صاحب الكشاف الآية على نوع من الاستعارة فرفع به التنافي بين ~~الآيتين قال: كان نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به ~~كما يرهن الرجل عبده بدين عليه فإن عمل صالحا فكها وخلصها وإلا أوبقها. # انتهى. # وأنت خبير بأن مجرد ما ذكره لا يوجه اتصال الجملة أعني قوله: "كل امرىء ~~بما كسب رهين" بما قبلها. # قوله تعالى: "وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون" بيان لبعض تتماتهم ~~وتمتعاتهم في الجنة المذكورة إجمالا في قوله السابق: "كلوا واشربوا هنيئا" إلخ. # والإمداد الإتيان بالشيء وقتا بعد وقت ويستعمل في الخير كما أن المد ~~يستعمل في الشر قال تعالى: "ونمد له من العذاب مدا": مريم: 79. # والمعنى: أنا نرزقهم بالفاكهة وما يشتهونه من اللحم رزقا بعد رزق ووقتا ~~بعد وقت من غير انقطاع. # قوله تعالى: "يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم" التنازع في ~~الكأس تعاطيها ms6982 والاجتماع على تناولها، والكأس القدح ولا يطلق الكأس إلا ~~فيما كان فيها الشراب. # والمراد باللغو لغو القول الذي يصدر من شاربي الخمر في الدنيا، والتأثيم ~~جعل الشخص ذا إثم وهو أيضا من آثار الخمر في الدنيا، ونفي اللغو والتأثيم ~~هو القرينة على أن المراد بالكأس التي يتنازعون فيها كأس الخمر. # قوله تعالى: "ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون" المراد به طوافهم ~~عليهم للخدمة قال بعضهم: قيل: "غلمان لهم" بالتنكير ولم يقل: غلمانهم لئلا ~~يتوهم أن المراد بهم غلمانهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فهم كالحور من ~~مخلوقات الجنة كأنهم لؤلؤ مكنون مخزون في الحسن والصباحة والصفا. # قوله تعالى: "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" أي يسأل كل منهم غيره عن ~~حاله في الدنيا وما الذي ساقه إلى الجنة والنعيم؟. # قوله تعالى: "قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين" قال الراغب: والإشفاق ~~عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه قال تعالى: ~~"وهم من الساعة مشفقون" فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بفي ~~فمعنى العناية فيه أظهر قال تعالى: "إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين"، انتهى. PageV19P006 # فالمعنى: أنا كنا في الدنيا ذوي إشفاق في أهلنا نعتني بسعادتهم ونجاتهم من ~~مهلكة الضلال فنعاشرهم بجميل المعاشرة ونسير فيهم ببث النصيحة والدعوة إلى الحق. # قوله تعالى: "فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم" المن على ما ذكره ~~الراغب الإنعام بالنعمة الثقيلة ويكون بالفعل وهو حسن، وبالقول وهو قبيح من ~~غيره تعالى، قال تعالى: "يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين": الحجرات: 17. # ومنه تعالى على أهل الجنة إسعاده إياهم لدخولها بالرحمة وتمامه بوقايتهم ~~عذاب السموم. # والسموم - على ما ذكره الطبرسي - الحر الذي يدخل في مسام البدن يتألم به ~~ومنه ريح السموم. # قوله تعالى: "إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم" تعليل لقوله: ~~"فمن الله علينا" إلخ، كما أن قوله: "إنه هو البر الرحيم" تعليل له. # وتفيد ms6983 هذه الآية مع الآيتين قبلها أن هؤلاء كانوا في الدنيا يدعون الله ~~بتوحيده للعبادة والتسليم لأمره وكانوا مشفقين في أهلهم يقربونهم من الحق ~~ويجنبونهم الباطل فكان ذلك سببا لمن الله عليهم بالجنة ووقايتهم من عذاب ~~السموم، وإنما كان ذلك سببا لذلك لأنه تعالى بر رحيم فيحسن لمن دعاه ~~ويرحمه. # فالآيات الثلاث في معنى قوله: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر": العصر: 3. # والبر من أسماء الله تعالى الحسنى، وهو من البر بمعنى الإحسان، وفسره ~~بعضهم باللطيف. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن أبي بكر عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول ~~الله عز وجل: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان - ألحقنا بهم ذريتهم" ~~قال: فقال: قصرت الأبناء عن عمل الآباء فألحقوا الأبناء بالآباء لتقر بذلك ~~أعينهم:. أقول: ورواه أيضا في التوحيد، بإسناده إلى أبي بكر الحضرمي عنه ~~(عليه السلام). # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن سليمان الديلمي عن أبي بصير عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: إن أطفال شيعتنا من المؤمنين تربيهم فاطمة (عليها ~~السلام)، وقوله: "ألحقنا بهم ذريتهم" قال: يهدون إلى آبائهم يوم القيامة:. ~~أقول: وروي في المجمع، ذيل الحديث عنه (عليه السلام) مرسلا. # وفي التوحيد، بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~إذا مات الطفل من أطفال المؤمنين نادى مناد في ملكوت السماوات والأرض ألا ~~إن فلان بن فلان قد مات فإن كان قد مات والداه أو أحدهما أو بعض أهل بيته ~~من المؤمنين دفع إليه يغذوه، وإلا دفع إلى فاطمة تغذوه حتى يقدم أبواه أو ~~أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين فيدفعه إليه. # وفي الفقيه،: وفي رواية الحسن بن محبوب عن علي عن الحلبي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى كفل إبراهيم وسارة أطفال المؤمنين ~~يغذوانهم بشجرة في الجنة لها أخلاف كأخلاف البقر في قصر من درة فإذا كان ~~يوم القيامة ألبسوا وطيبوا وأهدوا إلى آبائهم فهم ملوك في ms6984 الجنة مع آبائهم، ~~وهذا قول الله تعالى: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان - ألحقنا بهم ~~ذريتهم". # وفي المجمع، روى زاذان عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، ثم قرأ هذه الآية. # وفي الدر المنثور، أخرج البزار وابن مردويه عن ابن عباس رفعه إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله يرفع ذرية المؤمن إليه في درجته ~~وإن كانوا دونه في العمل ثم قرأ "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان - ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء" قال: وما نقصنا الآباء بما ~~أعطينا الأبناء. # وفيه، أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وذريته وولده فيقال: ~~إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم ~~به وقرأ ابن عباس: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان" الآية. # أقول: والآية لا تشمل الآباء المذكورين في الحديث، والأنسب للدلالة عليه ~~ما ذكره تعالى في دعاء الملائكة "ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن ~~صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم" الآية: المؤمن: 8. PageV19P007 # وفي تفسير القمي،: قوله: "لا لغو فيها ولا تأثيم" قال: ليس في الجنة غناء ~~ولا فحش، ويشرب المؤمن ولا يأثم "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" قال: في الجنة. PageV19P008 ### ||| AUTO 52 سورة الطور - 29 - 44 # فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون (30) قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلمهم ~~بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صدقين (34) أم خلقوا من غير شىء أم هم الخلقون (35) أم ~~خلقوا السموت والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ~~(37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطن مبين (38) أم له البنت ~~ولكم البنون (39) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون ms6985 (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله ~~غير الله سبحن الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا ~~سحاب مركوم (44) ### |||| AUTO بيان # لما أخبر عن العذاب الواقع يوم القيامة وأنه سيصيب المكذبين، والمتقون في ~~جنات ونعيم قريرة العيون أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمضي في ~~دعوته وتذكرته مشيرا إلى أنه صالح لإقامة الدعوة الحقة، ولا عذر لهؤلاء ~~المكذبين في تكذيبه ورد دعوته. # فنفى جميع الأعذار المتصورة لهم وهي ستة عشر أمرا شطر منها راجع إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو تحقق شيء منه فيه سلب صلاحيته للاتباع ~~وكان مانعا عن قبول قوله ككونه كاهنا أو مجنونا أو شاعرا أو متقولا مفتريا ~~على الله وكسؤاله الأجر على دعوته وشطر منها راجع إلى المكذبين أنفسهم مثل ~~كونهم خلقوا من غير شيء أو كونهم الخالقين أو أمر عقولهم بالتكذيب إلى غير ~~ذلك ولا تخلو الآيات مع ذلك عن توبيخهم الشديد على التكذيب. # قوله تعالى: "فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون" تفريع على ما مر ~~من الإخبار المؤكد بوقوع العذاب الإلهي يوم القيامة، وأنه سيغشى المكذبين ~~والمتقون في وقاية منه متلذذون بنعيم الجنة. # فالآية في معنى أن يقال: إذا كان هذا حقا فذكر فإنما تذكر وتنذر بالحق ~~ولست كما يرمونك كاهنا أو مجنونا. # وتقييد النفي بقوله: "بنعمة ربك" يفيد معنى الامتنان على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) خاصة وليس هذا الامتنان الخاص من جهة مجرد انتفاء الكهانة ~~والجنون فأكثر الناس على هذه الصفة بل من وجهه تلبسه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالنعمة الخاصة به المانع من عروض هذه الصفات عليه من كهانة أو جنون ~~وغير ذلك. # قوله تعالى: "أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون" أم منقطعة، والتربص ~~الانتظار، وفي مجمع البيان،: التربص الانتظار بالشيء من انقلاب حال له إلى ~~خلافها والمنون المنية والموت، والريب القلق والاضطراب. # فريب المنون قلق الموت. # ومحصل المعنى: بل يقولون هو أي النبي (صلى الله ms6986 عليه وآله وسلم) شاعر ~~ننتظر به الموت حتى يموت ويخمد ذكره وينسى رسمه فنستريح منه. # قوله تعالى: "قل تربصوا فإني معكم من المتربصين" أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يأمرهم بالتربص كما رضوا لأنفسهم ذلك، وهو أمر تهديدي ~~أي تربصوا كما ترون لأنفسكم ذلك فإن هناك أمر من حقه أن ينتظر وقوعه، وأنا ~~أنتظره مثلكم لكنه عليكم لا لكم وهو هلاككم ووقوع العذاب عليكم. # قوله تعالى: "أم تأمرهم أحلامهم بهذا" الأحلام جمع حلم وهو العقل، وأم ~~منقطعة والكلام بتقدير الاستفهام والإشارة بهذا إلى ما يقولونه للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ويتربصون به. # والمعنى: بل أتأمرهم عقولهم أن يقولوا هذا الذي يقولونه ويتربصوا به ~~الموت؟ فأي عقل يدفع الحق بمثل هذه الأباطيل؟. # قوله تعالى: "أم هم قوم طاغون" أي إن عقولهم لم تأمرهم بهذا بل هم طاغون ~~حملهم على هذا طغيانهم. # قوله تعالى: "أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون" قال في المجمع،: التقول تكلف ~~القول ولا يقال ذلك إلا في الكذب، والمعنى بل يقولون: افتعل القرآن ونسبه ~~إلى الله كذبا وافتراء. # لا بل لا يؤمنون فيرمونه بهذه الفرية. PageV19P009 # قوله تعالى: "فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين" جواب عن قولهم: "تقوله" ~~بأنه لو كان كلاما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان كلاما بشريا مماثلا ~~لسائر الكلام ويماثله سائر الكلام فكان يمكنهم أن يأتوا بحديث مثله فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين في دعواهم التقول بل هو كلام إلهي لائحة عليه ~~دلائل الإعجاز يعجز البشر عن إتيان مثله، وقد تقدم الكلام في وجوه إعجاز ~~القرآن في تفسير سورة البقرة الآية 23 تفصيلا. # ويمكن أن تؤخذ الآية ردا لجميع ما تقدم من قولهم المحكي إنه كاهن أو ~~مجنون أو شاعر أو متقول لأن عجز البشر عن الإتيان بمثله يأبى إلا أن يكون ~~كلام الله سبحانه لكن الأظهر ما تقدم. # قوله تعالى: "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" إتيان "شيء" منكرا ~~بتقدير صفة تناسب المقام والتقدير من غير شيء ms6987 خلق منه غيرهم من البشر. # والمعنى: بل أخلق هؤلاء المكذبون من غير شيء خلق منه غيرهم من البشر فصلح ~~لإرسال الرسول والدعوة إلى الحق والتلبس بعبوديته تعالى فهؤلاء لا يتعلق ~~بهم تكليف ولا يتوجه إليهم أمر ولا نهي ولا تستتبع أعمالهم ثوابا ولا عقابا ~~لكونهم مخلوقين من غير ما خلق منه غيرهم. # وفي معنى الجملة أقوال أخر. # فقيل: المراد أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع من غير مقدر وخالق فلا ~~حاجة لهم إلى خالق يدبر أمرهم. # وقيل: المراد أم خلقوا من غير شيء حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كالجمادات. # وقيل: المعنى أم خلقوا من غير علة ولا لغاية ثواب وعقاب فهم لذلك لا ~~يسمعون. # وقيل: المعنى أم خلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون. # وما قدمناه من المعنى أقرب إلى لفظ الآية وأشمل. # وقوله: "أم هم الخالقون" أي لأنفسهم فليسوا مخلوقين لله سبحانه حتى يربهم ~~ويدبر أمرهم بالأمر والنهي. # قوله تعالى: "أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون" أي أم أخلقوا ~~العالم حتى يكونوا أربابا آلهة ويجلوا من أن يستعبدوا ويكلفوا بتكليف ~~العبودية بل هم قوم لا يوقنون. # قوله تعالى: "أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون" أي بل أعندهم خزائن ~~ربك حتى يرزقوا النبوة من شاءوا ويمسكوها عمن شاءوا فيمنعوك النبوة ~~والرسالة. # وقوله: "أم هم المصيطرون" السيطرة - وربما يقلب سينها صادا - الغلبة ~~والقهر والمعنى: بل أهم الغالبون القاهرون على الله سبحانه حتى يسلبوا عنك ~~ما رزقك الله من النبوة والرسالة. # قوله تعالى: "أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين" السلم ~~المرقاة ذات الدرج التي يتوسل بالصعود فيه إلى الأمكنة العالية، والاستماع ~~مضمن معنى الصعود، والسلطان الحجة والبرهان. # والمعنى: بل أعندهم سلم يصعدون فيه إلى السماء فيستمعون بالصعود فيه ~~الوحي فيأخذون ما يوحى إليهم ويردون غيره؟ فليأت مستمعهم أي المدعي ~~للاستماع منهم بحجة ظاهرة. # قوله تعالى: "أم له البنات ولكم البنون" قيل: فيه تسفيه لعقولهم حيث ~~نسبوا إليه تعالى ما أنفوا منه. # قوله تعالى: "أم تسئلهم ms6988 أجرا فهم من مغرم مثقلون" قال الراغب: الغرم - ~~بالضم فالسكون - ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه أو خيانة ~~انتهى والإثقال تحميل الثقل وهو كناية عن المشقة. # والمعنى: بل أتسألهم أجرا على تبليغ رسالتك فهم يتحرجون عن تحمل الغرم ~~الذي ينوبهم بتأدية الأجر؟. # قوله تعالى: "أم عندهم الغيب فهم يكتبون" ذكر بعضهم أن المراد بالغيب ~~اللوح المحفوظ المكتوب فيه الغيوب والمعنى: بل أعندهم اللوح المحفوظ يكتبون ~~منه ويخبرون به الناس فما أخبروا به عنك من الغيب الذي لا ريب فيه. # وقيل: المراد بالغيب علم الغيب، وبالكتابة الإثبات والمعنى: بل أعندهم ~~علم الغيب فهم يثبتون ما علموه شرعا للناس عليهم أن يطيعوهم فيما أثبتوا، ~~وقيل: يكتبون بمعنى يحكمون. # قوله تعالى: "أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون" الكيد ضرب من ~~الاحتيال على ما ذكره الراغب، وفي المجمع،: الكيد هو المكر، وقيل: هو فعل ~~ما يوجب الغيظ في خفية. # انتهى. # ظاهر السياق أن المراد بكيدهم هو مكرهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بما رموه به من الكهانة والجنون والشعر والتقول ليعرض عنه الناس ويبتعدوا ~~عنه فتبطل بذلك دعوته وينطفىء نوره، وهذا كيد منهم ومكر بأنفسهم حيث يحرمون ~~لها السعادة الخالدة والركوب على PageV19P010 صراط الحق بذلك بل كيد من الله بقطع التوفيق عنهم والطبع على قلوبهم. # وقيل: المراد بالكيد الذي يريدونه هو ما كان منهم في حقه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في دار الندوة والمراد بالذين كفروا المذكورون من المكذبين وهم ~~أصحاب دار الندوة، وقد قلب الله كيدهم إلى أنفسهم فقتلهم يوم بدر، والكلام ~~على هذا من الإخبار بالغيب لنزول السورة قبل ذلك بكثير، وهو بعيد من ~~السياق. # قوله تعالى: "أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون" فإنهم إذا كان ~~لهم إله غير الله كان هو الخالق لهم والمدبر لأمرهم فاستغنوا بذلك عن الله ~~سبحانه واستجابة دعوة رسوله ونصرهم إلههم ودفع عنهم عذاب الله الذي أوعد به ~~المكذبين وأنذرهم به رسوله. # وقوله: "سبحان الله عما يشركون" ms6989 تنزيه له تعالى أن يكون له شريك كما ~~يدعون، وما في قوله: "عما يشركون" مصدرية أي سبحانه عن شركهم. # قوله تعالى: "وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم" الكسف ~~بالكسر فالسكون القطعة، والمركوم المتراكم الواقع بعضه على بعض. # والمعنى: أن كفرهم وإصرارهم على تكذيب الدعوة الحقة بلغ إلى حيث لو رأوا ~~قطعة من السماء ساقطا عليهم لقالوا سحاب متراكم ليست من آية العذاب في شيء ~~فهو كقوله: "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا": الحجر: 15. PageV19P011 ### ||| AUTO 52 سورة الطور - 45 - 49 # فذرهم حتى يلقوا يومهم الذى فيه يصعقون (45) يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ~~ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن اليل ~~فسبحه وإدبر النجوم (49) ### |||| AUTO بيان # الآيات تختم السورة وتأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك أولئك ~~المكذبين وشأنهم ولا يتعرض لحالهم، وأن يصبر لحكم ربه ويسبح بحمده، وفي ~~خلالها مع ذلك تكرار إيعادهم بما أوعدهم به في أول السورة من عذاب واقع ليس ~~له من دافع، وتضيف إليه الإيعاد بعذاب آخر دون ذلك للذين ظلموا. # قوله تعالى: "فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون" ذرهم أمر بمعنى ~~اتركهم وهو فعل لم يستعمل من تصريفاته إلا المستقبل والأمر، و"يصعقون" من ~~الإصعاق بمعنى الإماتة وقيل: من الصعق بمعنى الإماتة. # لما أنذر سبحانه المكذبين لدعوته بعذاب واقع لا ريب فيه ثم رد جميع ما ~~تعلل به أو يفرض أن يتعلل به أولئك المكذبون، وذكر أنهم في الإصرار على ~~الباطل بحيث لو عاينوا أوضح آية للحق أولوه وردوه، أمر نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يتركهم وشأنهم، وهو تهديد كنائي بشمول العذاب لهم وحالهم هذه الحال. # والمراد باليوم الذي فيه يصعقون يوم نفخ الصور الذي يصعق فيه من في ~~السماوات والأرض وهو من أشراط الساعة قال تعالى: "ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ms6990 ومن في الأرض": الزمر: 68. # ويؤيد هذا المعنى قوله في الآية التالية: "يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ~~ولا هم ينصرون" فإن انتفاء إغناء الكيد والنصر من خواص يوم القيامة الذي ~~يسقط فيه عامة الأسباب والأمر يومئذ لله. # واستشكل بأنه لا يصعق يوم النفخ إلا من كان حيا وهؤلاء ليسوا بأحياء ~~يومئذ والجواب أنه يصعق فيه جميع من في الدنيا من الأحياء ومن في البرزخ من ~~الأموات وهؤلاء إن لم يكونوا في الدنيا ففي البرزخ. # على أنه يمكن أن يكون ضمير "يصعقون" راجعا إلى الأحياء يومئذ، والتهديد ~~إنما هو بالعذاب الواقع في هذا اليوم لا بالصعقة التي فيه. # وقيل: المراد به يوم بدر وهو بعيد، وقيل: المراد به يوم الموت، وفيه أنه ~~لا يلائم السياق الظاهر في التهديد بما وقع في أول السورة وهو عذاب يوم ~~القيامة لا عذاب يوم الموت. # قوله تعالى: "وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون" لا ~~يبعد أن يكون المراد به عذاب القبر، وقوله: "ولكن أكثرهم لا يعلمون" مشعر ~~بأن فيهم من يعلم ذلك لكنه يصر على كفره وتكذيبه عنادا وقيل: المراد به يوم ~~بدر لكن ذيل الآية لا يلائمه تلك الملاءمة. # قوله تعالى: "فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا" عطف على قوله: "فذرهم" وظاهر ~~السياق أن المراد بالحكم حكمه تعالى في المكذبين بالإمهال والإملاء والطبع ~~على قلوبهم، وفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو إلى الحق بما فيه ~~من الأذى في جنب الله فالمراد بقوله: "فإنك بأعيننا" إنك بمرأى منا نراك ~~بحيث لا يخفى علينا شيء من حالك ولا نغفل عنك ففي تعليل الصبر بهذه الجملة ~~تأكيد للأمر بالصبر وتشديد للخطاب. # وقيل: المراد بقوله: "فإنك بأعيننا" إنك في حفظنا وحراستنا فالعين مجاز ~~عن الحفظ، ولعل المعنى المتقدم أنسب للسياق. # قوله تعالى: "وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم" ~~الباء في "بحمد" للمصاحبة أي سبح ربك ونزهه حال كونه مقارنا لحمده. # والمراد بقوله: "حين تقوم" قيل هو القيام من ms6991 النوم، وقيل: هو القيام من ~~القائلة، فهو صلاة الظهر، وقيل: هو القيام من المجلس، وقيل: هو كل قيام، ~~وقيل: هو القيام إلى الفريضة وقيل: هو القيام إلى كل صلاة، وقيل: هو ~~الركعتان قبل فريضة الصبح سبعة أقوال كما ذكره الطبرسي. # وقوله: "ومن الليل فسبحه" أي من الليل فسبح ربك فيه، والمراد به صلاة ~~الليل، وقيل: المراد صلاتا المغرب والعشاء الآخرة. PageV19P012 # وقوله: "وإدبار النجوم" قيل: المراد به وقت إدبار النجوم وهو اختفاؤها بضوء ~~الصبح، وهو الركعتان قبل فريضة الصبح، وقيل: المراد فريضة الصبح، وقيل: ~~المراد تسبيحه تعالى صباحا ومساء من غير غفلة عن ذكره. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وسبح بحمد ربك حين تقوم" قال: لصلاة ~~الليل "فسبحه" قال: صلاة الليل:. أقول: وروي هذا المعنى في مجمع البيان، عن ~~زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # وفيه، بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: أدبار السجود أربع ركعات بعد ~~المغرب وإدبار النجوم ركعتان قبل صلاة الصبح:. أقول: وروي ذيله في المجمع، ~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام)، والقمي، بإسناده عن زرارة عن أبي ~~جعفر (عليه السلام). # وقد ورد من طرق أهل السنة في عدة من الروايات: أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان إذا قام من مجلسه سبح الله وحمده ويقول: إنه كفارة المجلس ~~لكنها غير ظاهرة في كونها تفسيرا للآية. PageV19P013 ### || AUTO ### ||| AUTO 53 سورة النجم - 1 - 18 # بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ~~ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحى يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة ~~فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى ~~(9) فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمرونه على ~~ما يرى (12) ولقد رءاه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة ~~المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد ~~رأى من ءايت ربه الكبرى (18) ### |||| AUTO بيان # غرض ms6992 السورة تذكير الأصول الثلاثة: وحدانيته تعالى في ربوبيته والمعاد ~~والنبوة فتبدأ بالنبوة فتصدق الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتصفه ثم تتعرض للوحدانية فتنفي الأوثان والشركاء أبلغ النفي ثم تصف انتهاء ~~الخلق والتدبير إليه تعالى من إحياء وإماتة وإضحاك وإبكاء وإغناء وإقناء ~~وإهلاك وتعذيب ودعوة وإنذار، وتختم الكلام بالإشارة إلى المعاد والأمر ~~بالسجدة والعبادة. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها ولا يصغي إلى قول بعضهم بكون بعض آياتها ~~أو كلها مدنية، وقد قيل: إنها أول سورة أعلن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بقراءتها فقرأها على المؤمنين والمشركين جميعا، ومن غرر الآيات فيها ~~قوله تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى" وقوله: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. # وما أوردناه من الآيات هي الفصل الأول من فصول السورة الثلاثة وهي الآيات ~~اللاتي تصدق الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتصفه، لكن هناك ~~روايات مستفيضة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ناصة على أن المراد ~~بالآيات ليس بيان صفة كل وحي بل بيان وحي المشافهة الذي أوحاه الله سبحانه ~~إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج فالآيات متضمنة لقصة ~~المعراج وظاهر الآيات لا يخلو من تأييد لهذه الروايات وهو المستفاد أيضا من ~~أقوال بعض الصحابة كابن عباس وأنس وأبي سعيد الخدري وغيرهم على ما روي عنهم ~~وعلى ذلك جرى كلام المفسرين وإن اشتد الخلاف بينهم في تفسير مفرداتها ~~وجملها. # قوله تعالى: "والنجم إذا هوى" ظاهر الآية أن المراد بالنجم هو مطلق الجرم ~~السماوي المضيء وقد أقسم الله في كتابه بكثير من خلقه ومنها عدة من الأجرام ~~السماوية كالشمس والقمر وسائر السيارات، وعلى هذا فالمراد بهوى النجم سقوطه ~~للغروب. # وقيل: المراد بالنجم القرآن لنزوله نجوما، وقيل: الثريا، وقيل: الشعري، ~~وقيل: الشهاب الذي يرمى به شياطين الجن لأن العرب تسميه نجما، وللهوى ما ~~يناسب لكل من هذه الأقوال من المعنى، لكن لفظ الآية لا يساعد على شيء من ~~هذه المعاني. # قوله تعالى: "ما ضل صاحبكم وما غوى" الضلال الخروج والانحراف ms6993 عن الصراط ~~المستقيم، والغي خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع، قال الراغب: الغي جهل من ~~اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا ~~صالحا ولا فاسدا وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا النحو الثاني يقال له ~~غي، قال تعالى: "ما ضل صاحبكم وما غوى". # انتهى. # والمراد بالصاحب هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمعنى: ما خرج صاحبكم عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة ولا أخطأ ~~في اعتقاده ورأيه فيها، ويرجع المعنى إلى أنه لم يخطىء لا في الغاية ~~المطلوبة التي هي السعادة الإنسانية وهو عبوديته تعالى، ولا في طريقها التي ~~تنتهي إليها. # قوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" المراد بالهوى هوى ~~النفس ورأيها، والنطق وإن كان مطلقا ورد عليه النفي وكان مقتضاه نفي الهوى ~~عن مطلق نطقه (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنه لما كان خطابا للمشركين وهم ~~يرمونه في دعوته وما يتلو عليهم من القرآن بأنه كاذب متقول مفتر على الله ~~سبحانه كان المراد بقرينة المقام أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ينطق ~~فيما يدعوكم إلى الله أو فيما يتلوه عليكم من القرآن عن هوى نفسه ورأيه بل ~~ليس ذلك إلا وحيا يوحى إليه من الله سبحانه. PageV19P014 # قوله تعالى: "علمه شديد القوى" ضمير "علمه" للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو للقرآن بما هو وحي أو لمطلق الوحي والمفعول الآخر لعلمه محذوف على ~~أي حال والتقدير علم النبي الوحي أو علم القرآن أو الوحي إياه. # والمراد بشديد القوى - على ما قالوا - جبريل وقد وصفه الله بالقوة في ~~قوله: "ذي قوة عند ذي العرش مكين": التكوير: 20، وقيل: المراد به هو الله ~~سبحانه. # قوله تعالى: "ذو مرة فاستوى" المرة بكسر الميم الشدة، وحصافة العقل ~~والرأي وبناء نوع عن المرور وقد فسرت المرة في الآية بكل من المعاني ~~الثلاثة مع القول بأن المراد بذي مرة جبريل، والمعنى: هو أي جبريل ذو شدة ~~في جنب الله أو هو ذو ms6994 حصافة في عقله ورأيه، أو هو ذو نوع من المرور بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في الهواء. # وقيل: المراد بذو مرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ذو شدة في جنب ~~الله أو ذو حصافة في عقله ورأيه أو ذو نوع من المرور عرج فيه إلى السماوات. # وقوله: "فاستوى" بمعنى استقام أو استولى وضمير الفاعل راجع إلى جبريل ~~والمعنى: فاستقام جبريل على صورته الأصلية التي خلق عليها على ما روي أن ~~جبريل كان ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صور مختلفة، وإنما ~~ظهر له في صورته الأصلية مرتين أو المعنى: فاستولى جبريل بقوته على ما جعل ~~له من الأمر. # وإن كان الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالمعنى فاستقام واستقر. # قوله تعالى: "وهو بالأفق الأعلى" الأفق الناحية قيل: المراد بالأفق ~~الأعلى ناحية الشرق من السماء لأن أفق المشرق فوق المغرب في صعيد الأرض لا ~~في الهواء وهو كما ترى والظاهر أن المراد به أفق أعلى من السماء من غير ~~اعتبار كونه أفقا شرقيا. # وضمير هو في الآية راجع إلى جبريل أو إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، والجملة حال من ضمير "استوى". # قوله تعالى: "ثم دنا فتدلى" الدنو القرب، والتدلي التعلق بالشيء ويكنى به ~~عن شدة القرب، وقيل: الامتداد إلى جهة السفل مأخوذ من الدلو. # والمعنى: على تقدير رجوع الضميرين لجبريل: ثم قرب جبريل فتعلق بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ليعرج به إلى السماوات، وقيل: ثم تدلى جبريل من ~~الأفق الأعلى فدنا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعرج به. # والمعنى: على تقدير رجوع الضميرين إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~ثم قرب النبي من الله سبحانه وزاد في القرب. # قوله تعالى: "فكان قاب قوسين أو أدنى" قال في المجمع: القاب والقيب ~~والقاد والقيد عبارة عن مقدار الشيء انتهى. # والقوس معروفة وهي آلة الرمي، ويقال قوس على الذراع في لغة أهل الحجاز ~~على ما قيل. # والمعنى: فكان البعد قدر ms6995 قوسين أو قدر ذراعين أو أقرب من ذلك. # وقيل: القاب ما بين مقبض القوس وسيتها ففي الكلام قلب والمعنى: فكان قابي ~~قوس، واعترض عليه بأن قابي قوس وقاب قوسين واحد فلا موجب للقلب. # قوله تعالى: "فأوحى إلى عبده ما أوحى" ضمير أوحى في الموضعين لجبريل على ~~تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى جبريل، والمعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله ~~وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أوحى، قيل: ولا ضير في رجوع الضمير ~~إليه تعالى من عدم سبق الذكر لكونه في غاية الوضوح. # أو الضمائر الثلاث لله والمعنى: فأوحى الله بتوسط جبريل إلى عبده ما أوحى ~~أو الضمير الأول لجبريل والثاني والثالث لله والمعنى فأوحى جبريل ما أوحى ~~الله إليه إلى عبد الله. # والضمائر الثلاث كلها لله على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والمعنى: فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وهذا المعنى ~~أقرب إلى الذهن من المعنى السابق الذي لا يرتضيه الذوق السليم وإن كان صحيحا. # قوله تعالى: "ما كذب الفؤاد ما رأى" الكذب خلاف الصدق يقال: كذب فلان في ~~حديثه، ويقال: كذبه الحديث بالتعدي إلى مفعولين أي حدثه كذبا، والكذب كما ~~يطلق على القول والحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يطلق على خطاء القوة ~~المدركة يقال: كذبته عينه أي أخطأت في رؤيتها. # ونفي الكذب عن الفؤاد إنما هو بهذا المعنى سواء أخذ الكذب لازما والتقدير ~~ما كذب الفؤاد فيما رأى أو متعديا إلى مفعولين، والتقدير ما كذب الفؤاد - ~~فؤاد النبي - النبي ما رآه أي إن رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة. PageV19P015 # وعلى هذا فالمراد بالفؤاد فؤاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضمير ~~الفاعل في "ما رأى" راجع إلى الفؤاد والرؤية رؤيته. # ولا بدع في نسبة الرؤية وهي مشاهدة العيان إلى الفؤاد فإن للإنسان نوعا ~~من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة والتخيل والتفكر ~~بالقوى الباطنة كما إننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى وليست هذه المشاهدة ~~العيانية إبصارا بالبصر ولا معلوما بفكر، وكذا ms6996 نرى من أنفسنا أننا نسمع ~~ونشم ونذوق ونلمس ونشاهد أننا نتخيل ونتفكر وليست هذه الرؤية ببصر أو بشيء ~~من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى ~~بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منا لمدركها وليس هذه المشاهدة بنفس ~~تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد. # وليس في الآية ما يدل على أن متعلق الرؤية هو الله سبحانه وأنه لمرئي له ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بل المرئي هو الأفق الأعلى والدنو والتدلي وأنه ~~أوحى إليه فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة وهي آيات له تعالى، ويؤيد ~~ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الأخرى من قوله: "ما زاغ البصر وما طغى لقد ~~رأى من آيات ربه الكبرى". # على أنها لو دلت على تعلق الرؤية به تعالى لم يكن به بأس فإنها رؤية ~~القلب ورؤية القلب غير رؤية البصر الحسية التي تتعلق بالأجسام ويستحيل ~~تعلقها به تعالى وقد قدمنا كلاما في رؤية القلب في تفسير سورة الأعراف ~~الآية 143. # وما قيل: إن ضمير "ما رأى" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: ما ~~قال فؤاده (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رآه ببصره لم أعرفك ولو قال ذلك ~~لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، ومحصله أن فؤاده صدق بصره فيما رآه. # وكذا ما قيل: إن المعنى أن فؤاده لم يكذب بصره فيما رآه بل صدقه واعتقد ~~به، ويؤيده قراءة من قرأ "ما كذب" بتشديد الذال. # ففيه أن الذي يعطيه سياق الآيات تأييده تعالى صدق النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيما يدعيه من الوحي ورؤية آيات الله الكبرى، ولو كان ضمير "ما ~~رأى" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان محصل معنى الآية الاحتجاج على ~~صدق رؤيته باعتقاده ذلك بفؤاده وهو بعيد من دأب القرآن وهذا بخلاف ما لو ~~رجع ضمير "ما رأى" إلى الفؤاد فإن محصل معناه تصديقه تعالى لفؤاده فيما رآه ~~ويجري الكلام على السياق السابق الأخذ من قوله: "ما ضل صاحبكم ms6997 وما غوى إن ~~هو إلا وحي يوحى" إلخ. # فإن قلت: إنه تعالى يحتج في الآية التالية "أفتمارونه على ما يرى" برؤيته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقه فيما يدعيه فليكن مثله الاحتجاج ~~باعتقاد فؤاده بما يراه بعينه. # قلت: ليس قوله: "أفتمارونه على ما يرى" مسوقا للاحتجاج برؤيته على صدقه ~~بل توبيخ على مماراتهم إياه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمر يراه ويبصره ~~ومجادلتهم إياه فيه، والمماراة والمجادلة إنما تصح - لو صحت - في الآراء ~~النظرية والاعتقادات الفكرية وأما فيما يرى ويشاهد عيانا فلا معنى للمماراة ~~والمجادلة فيه، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما كان يخبرهم بما يشاهده ~~عيانا لا عن فكر وتعقل. # قوله تعالى: "أفتمارونه على ما يرى" الاستفهام للتوبيخ والخطاب للمشركين ~~والضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمماراة الإصرار على المجادلة، ~~والمعنى: أفتصرون في جدالكم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذعن ~~بخلاف ما يدعيه ويخبركم به وهو يشاهد ذلك عيانا. # قوله تعالى: "ولقد رآه نزلة أخرى" النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول ~~واحد، وتدل الآية على أن هذه قصة رؤية في نزول آخر والآيات السابقة تقص ~~نزولا آخر غيره. # وقد قالوا: إن ضمير الفاعل المستكن في قوله "رآه" للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وضمير المفعول لجبريل، وعلى هذا فالنزلة نزول جبريل عليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ليعرج به إلى السماوات، وقوله: "عند سدرة المنتهى" ~~ظرف للرؤية لا للنزلة، والمراد برؤيته رؤيته وهو في صورته الأصلية. # والمعنى: أنه نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزلة أخرى وعرج به إلى ~~السماوات وتراءى له (صلى الله عليه وآله وسلم) عند سدرة المنتهى وهو في ~~صورته الأصلية. PageV19P016 # وقد ظهر مما تقدم صحة إرجاع ضمير المفعول إليه تعالى والمراد بالرؤية رؤية ~~القلب والمراد بنزلة أخرى نزلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند سدرة ~~المنتهى في عروجه إلى السماوات فالمفاد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل ~~نزلة أخرى أثناء معراجه عند سدرة المنتهى ms6998 فرآه بقلبه كما رآه في النزلة ~~الأولى. # قوله تعالى: "عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى" ~~السدر شجر معروف والتاء للوحدة والمنتهى - كأنه - اسم مكان ولعل المراد به ~~منتهى السماوات بدليل كون الجنة عندها والجنة في السماء، قال تعالى: "وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون": الذاريات: 22. # ولا يوجد في كلامه تعالى ما يفسر هذه الشجرة، وكان البناء على الإبهام ~~كما يؤيده قوله بعد: "إذ يغشى السدرة ما يغشى" وقد فسر في الروايات أيضا ~~بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم وستمر ببعض هذه ~~الروايات. # وقوله: "عندها جنة المأوى" أي الجنة التي يأوي إليها المؤمنون وهي جنة ~~الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث، قال تعالى: "فلهم جنات ~~المأوى نزلا بما كانوا يعملون": السجدة: 19، وقوله: "فإذا جاءت الطامة ~~الكبرى - إلى أن قال - فإن الجنة هي المأوى": النازعات: 41 وهي في السماء ~~على ما يدل عليه قوله تعالى: "وفي السماء رزقكم وما توعدون": الذاريات: 22 ~~وقيل: المراد بها جنة البرزخ. # وقوله: "إذ يغشى السدرة ما يغشى" غشيان الشيء الإحاطة به، و"ما" موصولة ~~والمعنى: إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها، وقد أبهم تعالى هذا الذي يغشى ~~السدرة ولم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة إليه. # قوله تعالى: "ما زاغ البصر وما طغى" الزيغ الميل عن الاستقامة، والطغيان ~~تجاوز الحد في العمل، وزيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه، ~~وطغيانه إدراكه ما لا حقيقة له، والمراد بالبصر بصر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # والمعنى: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبصر ما أبصره على غير صفته ~~الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطىء في إبصاره. # والمراد بالإبصار رؤيته (صلى الله عليه وآله وسلم) بقلبه لا بجارحة العين ~~فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله: "ولقد رآه نزلة أخرى" المشير إلى ~~مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله: "ما كذب ~~الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى" ms6999 فافهم ولا تغفل. # قوله تعالى: "لقد رأى من آيات ربه الكبرى" "من" للتبعيض، والمعنى: أقسم ~~لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه، وبذلك تم مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته ~~تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا ~~تحكي إلا ذا الآية ولا تحكي عن نفسه شيئا وإلا لم تكن من تلك الجهة آية. # وأما مشاهدة ذاته المتعالية من غير توسط آية وتخلل حجاب فمن المستحيل ذلك ~~قال تعالى: "ولا يحيطون به علما": طه: 110. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والنجم إذا هوى" قال: النجم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) "إذا هوى" لما أسري به إلى السماء وهو في الهوي. # أقول: وروي تسميته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنجم بإسناده عن أبيه عن ~~الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام)، وهو من البطن. # وفي الكافي، عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم قال: قلت ~~لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله عز وجل: "والليل إذا يغشى" "والنجم إذا ~~هوى" وما أشبه ذلك؟ قال: إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس ~~لخلقه أن يقسموا إلا به:. أقول: وفي الفقيه، عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر ~~الثاني: مثله. # وفي المجمع، وروت العامة عن جعفر الصادق أنه قال: إن محمدا (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج ولما نزلت السورة أخبر ~~بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلق ابنته ~~وتفل في وجهه وقال: كفرت بالنجم ورب النجم، فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عليه وقال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك. فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض ~~الطريق وألقى الله عليه الرعب فقال لأصحابه أنيموني بينكم ليلا ففعلوا فجاء ~~أسد فافترسه من بين الناس. PageV19P017 # أقول: ثم أورد الطبرسي شعر حسان في ذلك، وروي في الدر المنثور، القصة بطرق ~~مختلفة. # وفي الكافي، بإسناده ms7000 إلى هشام وحماد وغيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث ~~الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير ~~المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحديث رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قول الله عز وجل. # وفي تفسير القمي، بإسناده إلى ابن سنان في حديث: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): وذلك أنه يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرب الخلق إلى ~~الله تعالى وكان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما أسري به إلى السماء: تقدم ~~يا محمد فقد وطأت موطئا لم يطأه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولو لا أن روحه ~~ونفسه كان من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، وكان من الله عز وجل كما قال ~~الله عز وجل: "قاب قوسين أو أدنى" أي بل أدنى. # وفي الاحتجاج، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل: أنا ابن ~~من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربه قاب قوسين أو أدنى. # أقول: وقد ورد هذا المعنى في كثير من روايات أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ~~لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو ~~أدنى. قال: ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر؟ وفيه، أخرج ابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: "ثم دنا فتدلى" قال: هو محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) دنا فتدلى إلى ربه عز وجل. # وفي المجمع، وروي مرفوعا عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): في قوله: "فكان قاب قوسين أو أدنى" قال: قدر ذراعين أو أدنى من ~~ذراعين. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فأوحى إلى عبده ما أوحى" قال: وحي ~~مشافهة. # وفي التوحيد، بإسناده إلى محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن ms7001 (عليه ~~السلام) هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه عز وجل؟ فقال: نعم ~~بقلبه رآه، أما سمعت الله عز وجل يقول: "ما كذب الفؤاد ما رأى"؟ لم يره ~~بالبصر ولكن رآه بالفؤاد. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد ~~بن كعب القرظي عن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قالوا: ~~يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين ثم تلا ~~"ثم دنا فتدلى". # أقول: وروى هذا المعنى النسائي عن أبي ذر على ما في الدر المنثور، ولفظه: ~~رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه بقلبه ولم يره ببصره. # وعن صحيح مسلم، والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال: سألت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): هل رأيت ربك؟ فقال: نوراني أراه. # أقول: "نوراني" منسوب إلى النور على خلاف القياس كجسماني في النسبة إلى ~~جسم، وقرىء "نور إني أراه" بتنوين الراء وكسر الهمزة وتشديد النون ثم ياء ~~المتكلم، والظاهر أنه تصحيف وإن أيد برواية أخرى عن مسلم في صحيحه وابن ~~مردويه عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل رأيت ~~ربك؟ فقال: رأيت نورا. # وكيف كان فالمراد بالرؤية رؤية القلب فلا الرؤية رؤية حسية ولا النور نور حسي. # وفي الكافي، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن ~~أدخله إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل ~~عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام. إلى قوله: قال أبو قرة: فإنه يقول: ~~"ولقد رآه نزلة أخرى" فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن بعد هذه الآية ما ~~يدل على ما رأى حيث قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" يقول: ما كذب فؤاد محمد ما ~~رأت عيناه ثم أخبر بما رأى فقال: "لقد رأى من آيات ربه الكبرى" وآيات الله ~~غير الله. # أقول: الظاهر أن كلامه (عليه السلام) مسوق لإلزام أبي قرة ms7002 حيث كان يريد ~~إثبات رؤيته تعالى بالعين الحسية فألزمه بأن الرؤية إنما تعلقت بالآيات ~~وآيات الله غير الله ولا ينافي ذلك كون رؤية الآيات بما هي آياته رؤيته وإن ~~كانت آياته غيره، وهذه الرؤية إنما كانت بالقلب كما مرت عدة من الروايات في ~~هذا المعنى. PageV19P018 # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): انتهيت إلى سدرة ~~المنتهى وإذا الورقة منها تظل أمة من الأمم فكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن جرير عن أنس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): انتهيت إلى السدرة فإذا نبقها مثل الجراد، وإذا ~~ورقها مثل آذان الفيلة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتا ~~وزمردا ونحو ذلك. # وفي تفسير القمي، بإسناده إلى إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~في حديث طويل: فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): في هذا الموضع تخذلني؟ فقال: تقدم أمامك ~~فوالله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك فرأيت من نور ربي ~~وحال بيني وبينه السبحة. قلت: وما السبحة جعلت فداك؟ فأومى بوجهه إلى الأرض ~~وأومأ بيده إلى السماء وهو يقول: جلال ربي جلال ربي ثلاث مرات. # أقول: السبحة الجلال كما فسر في الرواية، والسبحة ما يدل على تنزهه تعالى ~~من خلقه ومرجعه إلى المعنى الأول، ومحصل ذيل الرواية أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) رأى ربه برؤية آياته. # وفيه،: في قوله تعالى: "ولقد رآه نزلة أخرى - عند سدرة المنتهى" قال: في ~~السماء السابعة. # وفيه،: في قوله تعالى: "إذ يغشى السدرة ما يغشى" قال: لما رفع الحجاب ~~بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غشي نور السدرة. # أقول: وفي المعاني السابقة روايات أخرى وقد تقدم في أول تفسير سورة ~~الإسراء روايات جامعة لقصة معراجه (صلى الله ms7003 عليه وآله وسلم). # وقد نقلنا هناك في ذيل الروايات الاختلاف في كيفية معراجه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنه كان في المنام أو في اليقظة وعلى الثاني بجسمه وروحه معا أو ~~بروحه فحسب، ونقلنا عن صاحب المناقب أن الإمامية ترى أن إسراءه من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى كان بالروح والجسم معا على ما تدل عليه آية ~~الإسراء، وأما من المسجد الأقصى إلى السماوات فقد قال قوم بكونه بالروح ~~والجسم معا أيضا ووافقهم كثير من الشيعة ومال بعضهم إلى كونه بالروح ومال ~~إليه بعض المتأخرين. # ولا ضير في القول به لو أيدته القرائن الحافة بالآيات والروايات غير أن ~~من الواجب حينئذ أن يحمل قوله تعالى: "عندها جنة المأوى" على جنة البرزخ ~~ليحمل كونها عندها على نحو من التعلق كما ورد أن القبر إما روضة من رياض ~~الجنة أو حفرة من حفر النار، أو توجه الآية بما لا ينافي كون العروج في ~~السماوات روحيا. # وأما كون الإسراء في المنام فقد تقدم في تفسير آية الإسراء أنه مما لا ~~ينبغي أن يلتفت إليه. # وأما تطبيق الإسراء إلى السماوات على تسييره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ليلا في الكواكب الأخرى غير الأرض من منظومتنا الشمسية أو في منظومات أخرى ~~غير منظومتنا أو في مجرات أخرى غير مجرتنا فمما لا يلائمه الأخبار الواردة ~~في تفصيل القصة البتة بل ولا محصل مضامين الآيات المتقدمة. PageV19P019 ### ||| AUTO 53 سورة النجم - 19 - 32 # أفرءيتم اللت والعزى (19) ومنوة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله ~~الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطن إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) أم للانسن ما تمنى (24) فلله الاخرة والأولى ~~(25) وكم من ملك فى السموت لا تغنى شفعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى (26) إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون الملئكة تسمية ~~الأنثى (27) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ms7004 يغنى من ~~الحق شيئا (28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا (29) ~~ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ~~(30) ولله ما فى السموت وما فى الأرض ليجزى الذين أسئوا بما عملوا ويجزى ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبئر الاثم والفوحش إلا اللمم إن ~~ربك وسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة فى بطون ~~أمهتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) ### |||| AUTO بيان # شطر من آيات الفصل الثاني من الفصول الثلاثة في السورة تتعرض لأمر ~~الأوثان وعبادتها بدعوى أنها ستشفع لهم والرد عليهم أبلغ الرد، وفيها إشارة ~~إلى أمر المعاد وهو مقصد الفصل الثالث. # قوله تعالى: "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى" لما سجل في ~~الآيات السابقة صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنه وحي يوحى إليه ~~وترتب عليه حقية النبوة المبنية على التوحيد ونفي الشركاء، فرع عليه الكلام ~~في الأوثان: اللات والعزى ومناة وهي عند المشركين تماثيل للملائكة بدعوى ~~أنهم إناث أو بعضها للملائكة وبعضها للإنسان كما قاله بعضهم ونفي ربوبيتها ~~وألوهيتها واستقلال الملائكة الذين هم أرباب الأصنام في الشفاعة وأنوثيتهم ~~وأشار إلى حقائق أخرى تنتج المعاد وجزاء الأعمال. # واللات والعزى ومناة أصنام ثلاث كانت معبودة لعرب الجاهلية، وقد اختلفوا ~~في وصف صورها، وفي موضعها الذي كانت منصوبة عليه، وفي من يعبدها من العرب، ~~وفي الأسباب التي أوجبت عبادتهم لها، وهي أقوال متدافعة لا سبيل إلى ~~الاعتماد على شيء منها، والمتيقن منها ما أوردناه. # والمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكرناه من حقية الدعوة وصدق النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في دعوى الوحي والرسالة من عند الله سبحانه فأخبروني ~~عن اللات والعزى ومناة التي هي ثالثة الصنمين وغيرهما - وهي التي تدعون ~~أنها أصنام الملائكة الذين هم بنات الله على زعمكم -. # قوله تعالى: "ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى" استفهام إنكاري ~~مشوب بالاستهزاء، وقسمة ضيزى أي جائرة غير عادلة. ms7005 # والمعنى: إذا كان كذلك وكانت أرباب هذه الأصنام من الملائكة بنات الله، ~~وأنتم لا ترضون لأنفسكم إلا الذكر من الأولاد فهل لكم الذكر ولله سبحانه ~~الأنثى من الأولاد؟ تلك القسمة إذا قسمة جائرة غير عادلة - استهزاء -. # قوله تعالى: "إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان" إلخ، ضمير "هي" للات والعزى ومناة أو لها بما هي أصنام، وضمير ~~"سميتموها" للأسماء وتسمية الأسماء جعلها أسماء، والمراد بالسلطان البرهان. # والمعنى: ليست هذه الأصنام الآلهة إلا أسماء جعلتموها أسماء لها أنتم ~~وآباؤكم ليست لهذه الأسماء وراءها مصاديق ومسميات ما أنزل الله معها برهانا ~~يستدل به على ربوبيتها وألوهيتها. # ومحصل الآية الرد على المشركين بعدم الدليل على ألوهية آلهتهم. PageV19P020 # وقوله: "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس" ما موصولة والضمير العائد ~~إليها محذوف أي الذي تهواه النفس، وقيل: مصدرية والتقدير هوى النفس والهوى ~~الميل الشهواني للنفس والجملة مسوقة لذمهم في اتباع الباطل وتأكيد لما تقدم ~~من أنه لا برهان لهم على ذلك. # ويؤكده قوله: "ولقد جاءهم من ربهم الهدى" والجملة حالية. # والمعنى: إن يتبع هؤلاء المشركون في أمر آلهتهم إلا الظن وما يميل إليه ~~أنفسهم شهوة يتبعون ذلك والحال أنه قد جاءهم من الله وهو ربهم الهدى وهي ~~الدعوة الحقة أو القرآن الذي يهديهم إلى الحق. # والالتفات في الآية من الخطاب إلى الغيبة للإشعار بأنهم أحط فهما من أن ~~يخاطبوا بهذا الكلام على أنهم غير مستعدين لأن يخاطبوا بكلام برهاني وهم ~~أتباع الظن والهوى. # قوله تعالى: "أم للإنسان ما تمنى" أم منقطعة والاستفهام إنكاري، والكلام ~~مسوق لنفي أن يملك الإنسان ما يتمناه بمجرد أنه يتمناه أي ليس يملك الإنسان ~~ما يتمناه بمجرد أنه يتمناه حتى يملك المشركون ما يتمنونه بهوى أنفسهم من ~~شفاعة الملائكة الذين هم أرباب أصنامهم وبنات لله بزعمهم أو يملكوا ألوهية ~~آلهتهم بمجرد التمني. # وفي الكلام تلويح إلى أنهم ليس لهم للدلالة على صحة ألوهية آلهتهم أو ~~شفاعتهم إلا التمني، ولا يملك شيء بالتمني. # قوله تعالى: ms7006 "فلله الآخرة والأولى" تفريعه على سابقه من تفريع العلة ~~للمعلول للدلالة على التعلق والارتباط ففيه تعليل للجملة السابقة، والمعنى: ~~ليس يملك الإنسان ما تمناه بمجرد التمني لأن الآخرة والأولى لله سبحانه ولا ~~شريك له في ملكه. # قوله تعالى: "وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى" الفرق بين الإذن والرضا أن الإذن إعلام ارتفاع ~~المانع من قبل الآذن، والرضا ملاءمة نفس الراضي للشيء وعدم امتناعها فربما ~~تحقق الإذن بشيء مع عدم الرضا ولا يتحقق رضا إلا مع الإذن بالفعل أو ~~بالقوة. # والآية مسوقة لنفي أن يملك الملائكة من أنفسهم الشفاعة مستغنين في ذلك عن ~~الله سبحانه كما يروم إليه عبدة الأصنام فإن الأمر مطلقا إلى الله تعالى ~~فإنما يشفع من يشفع منهم بعد إذنه تعالى له في الشفاعة ورضاه بها. # وعلى هذا فالمراد بقوله: "لمن يشاء" الملائكة، ومعنى الآية: وكثير من ~~الملائكة في السماوات لا تؤثر شفاعتهم أثرا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء منهم أي من الملائكة ويرضى بشفاعته. # وقيل: المراد بمن يشاء ويرضى الإنسان، والمعنى: إلا من بعد أن يأذن الله ~~في شفاعة من يشاء أن يشفع له من الإنسان ويرضى، وكيف يأذن ويرضى بشفاعة من ~~كفر به وعبد غيره؟. # والآية تثبت الشفاعة للملائكة في الجملة، وتقيد شفاعتهم بالإذن والرضا من ~~الله سبحانه. # قوله تعالى: "إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى" ~~رد لقولهم بأنوثية الملائكة بعد رد قولهم بشفاعتهم. # والمراد بتسميتهم الملائكة تسمية الأنثى قولهم: إن الملائكة بنات الله ~~فالمراد بالأنثى الجنس أعم من الواحد والكثير. # وقيل: إن الملائكة في معنى استغراق المفرد فيكون التقدير ليسمون كل واحد ~~من الملائكة تسمية الأنثى أي يسمونه بنتا فالكلام على وزان كسانا الأمير ~~حلة أي كسا كل واحد منا حلة. # قال بعضهم: في تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنها في ~~الشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترىء عليها إلا من ~~لا يؤمن بها ms7007 رأسا. # انتهى. # قوله تعالى: "وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا" العلم هو التصديق المانع من النقيض، والظن هو التصديق الراجح ~~ويسمى المرجوح وهما، وقولهم بأنوثية الملائكة كما لم يكن معلوما لهم كذلك ~~لم يكن مظنونا إذ لا سبيل إلى ترجيح القول به على خلافه لكنه لما كان عن ~~هوى أنفسهم أثبته الهوى في أنفسهم وزينه لهم فلم يلتفتوا إلى خلافه، وكلما ~~لاح لهم لائح خلافه أعرضوا عنه وتعلقوا بما يهوونه، وبهذه العناية سمي ظنا ~~وهو في الحقيقة تصور فقط. # وبهذا يظهر استقامة قول من قال: إن الظن في هذه الآية وفي قوله السابق: ~~"إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس" بمعنى التوهم دون الاعتقاد الراجح ~~وأيد بما يظهر من كلام الراغب: إن الظن ربما يطلق على التوهم. PageV19P021 # وقوله: "إن الظن لا يغني من الحق شيئا" الحق ما هو عليه الشيء وظاهر أنه لا ~~يدرك إلا بالعلم الذي هو الاعتقاد المانع من النقيض لا غير وأما غير العلم ~~مما فيه احتمال الخلاف فلا يتعين فيه المدرك على ما هو عليه في الواقع فلا ~~مجوز لأن يعتمد عليه في الحقائق قال تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم": ~~إسراء: 36. # وأما العمل بالظن في الأحكام العملية فإنما هو لقيام دليل عليه يقيد به ~~إطلاق الآية، وتبقى الأمور الاعتقادية تحت إطلاق الآية. # قال بعضهم: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: "إن الظن لا يغني" ليجري ~~الكلام مجرى المثل. # قوله تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا" تفريع ~~على اتباعهم الظن وهوى الأنفس، فقوله: "فأعرض عمن" إلخ، أمر بالإعراض عنهم ~~وإنما لم يقل: فأعرض عنهم، ووضع قوله: "من تولى عن ذكرنا" إلخ، موضع الضمير ~~للدلالة على علة الأمر بالإعراض كأنه قيل: إن هؤلاء يتركون العلم ويتبعون ~~الظن وما تهوى الأنفس وإنما فعلوا ذلك لأنهم تولوا عن الذكر وأرادوا الحياة ~~الدنيا فلا هم لهم إلا الدنيا فهي مبلغهم من العلم، وإذا ms7008 كان كذلك فأعرض ~~عنهم لأنهم في ضلال. # والمراد بالذكر إما القرآن الذي يهدي متبعيه إلى الحق الصريح ويرشدهم إلى ~~سعادة الدار الآخرة التي وراء الدنيا بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة ~~التي لا تبقى معها وصمة شك. # وأما ذكر الله بالمعنى المقابل للغفلة فإن ذكره تعالى بما يليق بذاته ~~المتعالية من الأسماء والصفات يهدي إلى سائر الحقائق العلمية في المبدأ ~~والمعاد هداية علمية لا ريب معها. # قوله تعالى: "ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بمن اهتدى" الإشارة بذلك إلى أمر الدنيا وهو معلوم من الآية السابقة ~~وكونه مبلغ علمهم من قبيل الاستعارة كان العلم يسير إلى المعلوم وينتهي ~~إليه وعلمهم انتهى في مسيره إلى الدنيا وبلغها ووقف عندها ولم يتجاوزها، ~~ولازم ذلك أن تكون الدنيا متعلق إرادتهم وطلبهم، وموطن همهم، وغاية آمالهم ~~لا يطمئنون إلى غيرها ولا يقبلون إلا عليها. # وقوله: "إن ربك هو أعلم" إلخ، تأكيد لمضمون الجملة السابقة وشهادة منه ~~تعالى عليه. # قوله تعالى: "ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى" يمكن أن يكون صدر الآية حالا من فاعل ~~"أعلم" في الآية السابقة والواو للحال، والمعنى: أن ربك هو أعلم بالفريقين ~~الضالين والمهتدين والحال أنه يملك ما في السماوات وما في الأرض فكيف يمكن ~~أن لا يعلم بهم وهو مالكهم؟. # وعلى هذا فالظاهر تعلق قوله: "ليجزي" إلخ، بقوله السابق: "فأعرض عمن ~~تولى" إلخ، والمعنى: أعرض عنهم وكل أمرهم إلى الله ليجزيهم كذا وكذا ويجزيك ~~ويجزي المحسنين كذا وكذا. # ويمكن أن يكون قوله: "ولله ما في السماوات" إلخ، كلاما مستأنفا للدلالة ~~على أن الأمر بالإعراض عنهم لا لإهمالهم وتركهم سدى بل الله سبحانه يجزي ~~كلا بعمله إن سيئا وإن حسنا، ووضع اسم الجلالة وهو ظاهر موضع الضمير ~~للدلالة على كمال العظمة. # وقوله: "لله ما في السماوات وما في الأرض" إشارة إلى ملكه تعالى للكل ~~ومعناه قيام الأشياء به تعالى لكونه خالقهم الموجد لهم فالملك ms7009 ناشىء من ~~الخلق وهو مع ذلك منشأ للتدبير فالجملة دالة على الخلق والتدبير كأنه قيل: ~~ولله الخلق والتدبير. # وبهذا المعنى يتعلق قوله: "ليجزي" إلخ، واللام للغاية، والمعنى: له الخلق ~~والتدبير وغاية ذلك والغرض منه أن يجزي الذين أساءوا إلخ، والمراد بالجزاء ~~ما يخبر عنه الكتاب من شئون يوم القيامة، والمراد بالإساءة والإحسان ~~المعصية والطاعة، والمراد بما عملوا جزاء ما عملوا أو نفس ما عملوا، ~~وبالحسنى المثوبة الحسنى. # والمعنى: ليجزي الله الذين عصوا بمعصيتهم أو بجزاء معصيتهم ويجزي الذين ~~أطاعوا بالمثوبة الحسنى، وقد أوردوا في الآية احتمالات أخرى وما قدمناه هو ~~أظهرها. PageV19P022 # قوله تعالى: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة" إلخ، الإثم هو الذنب وأصله - كما ذكره الراغب - الفعل المبطىء عن ~~الثواب والخير، وكبائر الإثم المعاصي الكبيرة وهو على ما في الرواية ما ~~أوعد الله عليه النار، وقد تقدم البحث عنها في تفسير قوله تعالى: "إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم" الآية،: النساء: 31. # والفواحش الذنوب الشنيعة الفظيعة، وقد عد تعالى في كلامه الزنا واللواط ~~من الفواحش ولا يبعد أن يستظهر من الآية اتحادها مع الكبائر. # وأما اللمم فقد اختلفوا في معناه فقيل: هو الصغيرة من المعاصي، وعليه ~~فالاستثناء منقطع، وقيل: هو أن يلم بالمعصية ويقصدها ولا يفعل والاستثناء ~~أيضا منقطع، وقيل: هو المعصية حينا بعد حين من غير عادة أي المعصية على ~~سبيل الاتفاق فيكون أعم من الصغيرة والكبيرة وينطبق مضمون الآية على معنى ~~قوله تعالى في وصف المتقين المحسنين: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون": آل عمران: 135. # وقد فسر في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بثالث المعاني. # والآية تفسر ما في الآية السابقة من قوله: "الذين أحسنوا" فهم الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ومن الجائز أن يقع منهم لمم. # وفي قوله: "إن ربك واسع المغفرة" تطميعهم في التوبة رجاء المغفرة. # وقوله: "هو أعلم بكم ms7010 إذ أنشأكم من الأرض" قال الراغب: النشء والنشأة ~~إحداث الشيء وتربيته. # انتهى. # فأنشئوهم من الأرض ما جرى عليهم في بدء خلقهم طورا بعد طور من أخذهم من ~~المواد العنصرية إلى أن يتكونوا في صورة المني ويردوا الأرحام. # وقوله: "وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم" الأجنة جمع جنين، والكلام معطوف ~~على "إذ" السابق أي وهو أعلم بكم إذ كنتم أجنة في أرحام أمهاتكم يعلم ما ~~حقيقتكم وما أنتم عليه من الحال وما في سركم وإلى ما يئول أمركم. # وقوله: فلا تزكوا أنفسكم" تفريع على العلم أي إذا كان الله أعلم من أول ~~أمر فلا تزكوا أنفسكم بنسبتها إلى الطهارة هو أعلم بمن اتقى. PageV19P023 ### ||| AUTO 53 سورة النجم - 33 - 62 # أفرءيت الذى تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى ~~(35) أم لم ينبأ بما فى صحف موسى (36) وإبرهيم الذى وفى (37) ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى (38) وأن ليس للانسن إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى ~~(43) وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة ~~إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه ~~هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمودا فما أبقى (51) وقوم ~~نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما ~~غشى (54) فبأى ءالاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت ~~الازفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) ~~وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سمدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) ### |||| AUTO بيان # سياق التسع آيات الواقعة في صدر هذا الفصل يصدق ما ورد في أسباب النزول ~~أن رجلا من المسلمين كان ينفق من ماله في سبيل الله فلامه بعض الناس على ~~كثرة الإنفاق وحذره وخوفه بنفاد المال والفقر وضمن حمل خطاياه وذنوبه فأمسك ~~عن الإنفاق فنزلت الآيات. # أشار سبحانه بالتعرض لهذه القصة ونقل ما نقل من صحف إبراهيم وموسى ~~(عليهما السلام) إلى بيان وجه الحق فيها، وإلى ما هو ms7011 الحق الصريح فيما تعرض ~~له الفصل السابق من أباطيل المشركين من أنهم إنما يعبدون الأصنام لأنها ~~تماثيل الملائكة الذين هم بنات الله يعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله سبحانه ~~وقد أبطلتها الآيات السابقة أوضح الإبطال. # وقد أوضحت هذه الآيات ما هو وجه الحق في الربوبية والألوهية وهو أن الخلق ~~والتدبير لله سبحانه، إليه ينتهي كل ذلك، وأنه خلق ما خلق ودبر ما دبر خلقا ~~وتدبيرا يستعقب نشأة أخرى فيها جزاء الكافر والمؤمن والمجرم والمتقي ومن ~~لوازمه تشريع الدين وتوجيه التكاليف وقد فعل، ومن شواهده إهلاك من أهلك من ~~الأمم الدارجة الطاغية كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكة. # ثم عقب سبحانه هذا الذي نقله عن صحف النبيين الكريمين بالتنبيه على أن ~~هذا النذير من النذر الأولى الخالية وأن الساعة قريبة، وخاطبهم بالأمر ~~بالسجود لله والعبادة، وبذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى" التولي هو الإعراض ~~والمراد به بقرينة الآية التالية الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله، ~~والإعطاء الإنفاق والإكداء قطع العطاء، والتفريع الذي في قوله: "أفرأيت" ~~مبنى على ما قدمنا من تفرع مضمون هذه الآيات على ما قبلها. # والمعنى: فأخبرني عمن أعرض عن الإنفاق وأعطى قليلا من المال وأمسك بعد ~~ذلك أشد الإمساك. # قوله تعالى: "أعنده علم الغيب فهو يرى" الضمائر لمن تولى والاستفهام ~~للإنكار والمعنى: أيعلم الغيب فيترتب عليه أن يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ~~ذنوبه ويعذب مكانه يوم القيامة لو استحق العذاب. # كذا فسروا. # والظاهر أن المراد نفي علمه بما غاب عنه من مستقبل حاله في الدنيا ~~والمعنى: أيعلم الغيب فهو يعلم أنه لو أنفق ودام على الإنفاق نفد ماله ~~وابتلي بالفقر وأما تحمل الذنوب والعذاب فالمتعرض له قوله الآتي: "ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى". # قوله تعالى: "أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى" صحف موسى ~~التوراة، وصحف إبراهيم. # ما نزل عليه من الكتاب والجمع للإشارة إلى كثرته بكثرة أجزائه. # والتوفية تأدية الحق بتمامه وكماله، وتوفيته (عليه السلام) تأديته ما ~~عليه من الحق في ms7012 العبودية أتم التأدية وأبلغها قال تعالى: "وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن": البقرة: 124. PageV19P024 # وما نقله الله سبحانه في الآيات التالية من صحف إبراهيم وموسى (عليهما ~~السلام) وإن لم يذكر في القرآن بعنوان أنه من صحفهما قبل هذه الآيات لكنه ~~مذكور بعنوان الحكم والمواعظ والقصص والعبر فمعنى الآيتين: أم لم ينبأ بهذه ~~الأمور وهي في صحف إبراهيم وموسى. # قوله تعالى: "ألا تزر وازرة وزر أخرى" الوزر الثقل وكثر استعماله في ~~الإثم، والوازرة النفس التي من شأنها أن تحمل الإثم، والآية بيان ما في صحف ~~إبراهيم وموسى (عليهما السلام)، وكذا سائر الآيات المصدرة بأن وأن إلى تمام ~~سبع عشرة آية. # والمعنى: ما في صحفهما هو أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى أي لا تتأثم نفس ~~بما لنفس أخرى من الإثم فلا تؤاخذ نفس بإثم نفس أخرى. # قوله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" قال الراغب: السعي المشي ~~السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا قال تعالى: ~~"وسعى في خرابها". # انتهى واستعماله في الجد في الفعل استعمال استعاري. # ومعنى اللام في قوله: "للإنسان" الملك الحقيقي الذي يقوم بصاحبه قياما ~~باقيا ببقائه يلازمه ولا يفارقه بالطبع وهو الذي يكتسبه الإنسان بصالح ~~العمل أو طالحه من خير أو شر، وأما ما يراه الإنسان مملوكا لنفسه وهو في ~~ظرف الاجتماع من مال وبنين وجاه وغير ذلك من زخارف الحياة الدنيا وزينتها ~~فكل ذلك من الملك الاعتباري الوهمي الذي يصاحب الإنسان ما دام في دار ~~الغرور ويودعه عند ما أراد الانتقال إلى دار الخلود وعالم الآخرة. # فالمعنى: وأنه لا يملك الإنسان ملكا يعود إليه أثره من خير أو شر أو نفع ~~أو ضر حقيقة إلا ما جد فيه من عمل فله ما قام بفعله بنفسه وأما ما قام به ~~غيره من عمل فلا يلحق بالإنسان أثره خيرا أو شرا. # وأما الانتفاع من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لأهل الكبائر فلهم في ذلك ~~سعي جميل حيث دخلوا في حضيرة الإيمان بالله وآياته، ms7013 وكذا استفادة المؤمن ~~بعد موته من استغفار المؤمنين له، والأعمال الصالحة التي تهدي إليه ~~مثوباتها هي مرتبطة بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين وتكثير سوادهم وتأييد ~~إيمانهم الذي من آثاره ما يأتون به من الأعمال الصالحة. # وكذا من سن سنة حسنة فله ثوابها وثواب من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان ~~له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة فإن له سعيا في عملهم حيث سن ~~السنة وتوسل بها إلى أعمالهم كما تقدم في تفسير قوله تعالى: "ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم": يس: 12، وقد تقدم في تفسير قوله: "وليخش الذين لو تركوا من ~~خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم": النساء: 9، وتفسير قوله: "ليميز الله ~~الخبيث من الطيب": الأنفال: 37، كلام نافع في هذا المقام. # قوله تعالى: "وأن سعيه سوف يرى" المراد بالسعي ما سعى فيه من العمل ~~وبالرؤية المشاهدة، وظرف المشاهدة يوم القيامة بدليل تعقيبه بالجزاء فالآية ~~قريبة المعنى من قوله تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء": آل عمران: 30، وقوله: "يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": ~~الزلزال: 8. # وإتيان قوله: "سوف يرى" مبنيا للمفعول لا يخلو من إشعار بأن هناك من ~~يشاهد العمل غير عامله. # قوله تعالى: "ثم يجزاه الجزاء الأوفى" الوفاء بمعنى التمام لأن الشيء ~~التام يفي بجميع ما يطلب من صفاته، والجزاء الأوفى الجزاء الأتم. # وضمير "يجزاه" للسعي الذي هو العمل والمعنى: ثم يجزي الإنسان عمله أي ~~بعمله أتم الجزاء. # قوله تعالى: "وأن إلى ربك المنتهى" المنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء وقد ~~أطلق إطلاقا فيفيد مطلق الانتهاء، فما في الوجود من شيء موجود إلا وينتهي ~~في وجوده وآثار وجوده إلى الله سبحانه بلا واسطة أو مع الواسطة، ولا فيه ~~أمر من التدبير والنظام الجاري جزئيا أو كليا إلا وينتهي إليه سبحانه إذ ~~ليس التدبير الجاري بين الأشياء إلا الروابط الجارية بينها القائمة بها ~~وموجد الأشياء هو الموجد لروابطها المجري لها ms7014 بينها فالمنتهى المطلق لكل ~~شيء هو الله سبحانه. # قال تعالى: "الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات ~~والأرض": الزمر: 63، وقال: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54. PageV19P025 # والآية تثبت الربوبية المطلقة لله سبحانه بإنهاء كل تدبير وكل التدبير إليه ~~وتشمل انتهاء الأشياء إليه من حيث البدء وهو الفطر، وانتهاءها إليه من حيث ~~العود والرجوع وهو الحشر. # ومما تقدم يظهر ضعف ما قيل في تفسير الآية أن المراد بذلك رجوع الخلق ~~إليه سبحانه يوم القيامة، وكذا ما قيل: إن المعنى أن إلى ثواب ربك وعقابه ~~آخر الأمر، وكذا ما قيل: المعنى أن إلى حساب ربك منتهاهم، وكذا ما قيل: ~~إليه سبحانه ينتهي الأفكار وتقف دونه، ففي جميع هذه التفاسير تقييد الآية ~~من غير مقيد. # قوله تعالى: "وأنه هو أضحك وأبكى" الآية وما يتلوها إلى تمام اثنتي عشرة ~~آية بيان لموارد من انتهاء الخلق والتدبير إلى الله سبحانه. # والسياق في جميع هذه الآيات سياق الحصر، وتفيد انحصار الربوبية فيه تعالى ~~وانتفاء الشريك، ولا ينافي ما في هذه الموارد من الحصر توسط أسباب أخر ~~طبيعية أو غير طبيعية فيها كتوسط السرور والحزن وأعضاء الضحك والبكاء من ~~الإنسان في تحقق الضحك والبكاء، وكذا توسط الأسباب المناسبة الطبيعية وغير ~~الطبيعية في الإحياء والإماتة وخلق الزوجين والغنى والقنى وإهلاك الأمم ~~الهالكة وذلك أنها لما كانت مسخرة لأمر الله غير مستقلة في نفسها ولا ~~منقطعة عما فوقها كانت وجوداتها وآثار وجوداتها وما يترتب عليها لله وحده ~~لا يشاركه في ذلك أحد. # فمعنى قوله: "وأنه هو أضحك وأبكى" إنه تعالى هو أوجد الضحك في الضاحك ~~وأوجد البكاء في الباكي لا غيره تعالى: ولا منافاة بين انتهاء الضحك ~~والبكاء في وجودهما إلى الله سبحانه وبين انتسابهما إلى الإنسان وتلبسه ~~بهما لأن نسبة الفعل إلى الإنسان بقيامه به ونسبة الفعل إليه تعالى ~~بالإيجاد وكم بينهما من فرق. # ولا أن تعلق الإرادة الإلهية بضحك الإنسان مثلا يوجب بطلان إرادة الإنسان ~~للضحك وسقوطها عن التأثير لأن الإرادة الإلهية لم ms7015 تتعلق بمطلق الضحك كيفما ~~كان وإنما تعلقت بالضحك الإرادي الاختياري من حيث إنه صادر عن إرادة ~~الإنسان واختياره فإرادة الإنسان سبب لضحكه في طول إرادة الله سبحانه لا في ~~عرضها حتى تتزاحما ولا تجتمعا معا فنضطر إلى القول بأن أفعال الإنسان ~~الاختيارية مخلوقة لله ولا صنع للإنسان فيها كما يقوله الجبري أو أنها ~~مخلوقة للإنسان ولا صنع لله سبحانه فيها كما يقوله المعتزلي. # ومما تقدم يظهر فساد قول بعضهم: إن معنى الآية أنه خلق قوتي الضحك ~~والبكاء، وقول آخرين: إن المعنى أنه خلق السرور والحزن، وقول آخرين: إن ~~المعنى أنه أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر، وقول آخرين: إن المعنى ~~أنه أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار. # قوله تعالى: "وأنه هو أمات وأحيا" الكلام في انتساب الموت والحياة إلى ~~أسباب أخر طبيعية وغير طبيعية كالملائكة كالكلام في انتساب الضحك والبكاء ~~إلى غيره تعالى مع انحصار الإيجاد فيه تعالى، وكذا الكلام في الأمور ~~المذكورة في الآيات التالية. # قوله تعالى: "وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى" النطفة ~~ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منه الولد، وأمنى الرجل أي صب المني، وقيل: ~~معناه التقدير، وقوله: "الذكر والأنثى" بيان للزوجين. # قيل: لم يذكر الضمير في الآية على طرز ما تقدم - أنه هو - لأنه لا يتصور ~~نسبة خلق الزوجين إلى غيره تعالى. # قوله تعالى: "وأن عليه النشأة الأخرى" النشأة الأخرى الخلقة الأخرى ~~الثانية وهي الدار الآخرة التي فيها جزاء، وكون ذلك عليه تعالى قضاؤه قضاء ~~حتم وقد وعد به ووصف نفسه بأنه لا يخلف الميعاد. # قوله تعالى: "وأنه هو أغنى وأقنى" أي أعطى الغنى وأعطى القنية، والقنية ~~ما يدوم من الأموال ويبقى ببقاء نفسه كالدار والبستان والحيوان، وعلى هذا ~~فذكر "أقنى" بعد أغنى من التعرض للخاص بعد العام لنفاسته وشرفه. # وقيل: الإغناء التمويل والإقناء الإرضاء بذلك، وقال بعضهم: معنى الآية ~~أنه هو أغنى وأفقر. # قوله تعالى: "وأنه هو رب الشعرى" كان المراد بالشعرى الشعرى اليمانية وهي ~~كوكبة مضيئة من الثوابت شرقي صورة الجبار ms7016 في السماء. PageV19P026 # قيل: كانت الخزاعة وحمير تعبد هذه الكوكبة، وممن كان يعبده أبو كبشة أحد ~~أجداد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة أمه، وكان المشركون يسمونه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في الدين كما خالف ~~أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى. # قوله تعالى: "وأنه أهلك عادا الأولى" وهم قوم هود النبي (عليه السلام) ~~ووصفوا بالأولى لأن هناك عادا ثانية هم بعد عاد الأولى. # قوله تعالى: "وثمود فما أبقى" وهم قوم صالح النبي (عليه السلام) أهلك ~~الله الكفار منهم عن آخرهم، وهو المراد من قوله: "فما أبقى" وإلا فهو ~~سبحانه نجى المؤمنين منهم من الهلاك كما قال: "ونجينا الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون": فصلت: 18. # قوله تعالى: "وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى" عطف كسابقه على ~~قوله: "عادا" والإصرار بالتأكيد على كونهم أظلم وأطغى، أي من القومين عاد ~~وثمود على ما يعطيه السياق لأنهم لم يجيبوا دعوة نوح (عليه السلام) ولم ~~يتعظوا بموعظته فيما يقرب من ألف سنة ولم يؤمن منهم معه إلا أقل قليل. # قوله تعالى: "والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى" قيل: إن المؤتفكة قرى قوم ~~لوط ائتفكت بأهلها أي انقلبت والائتفاك الانقلاب، والأهواء الإسقاط. # والمعنى: وأسقط القرى المؤتفكة إلى الأرض بقلبها وخسفها فشملها وأحاط بها ~~من العذاب ما شملها وأحاط بها. # واحتمل أن يكون المراد بالمؤتفكة ما هو أعم من قرى قوم لوط وهي كل قرية ~~نزل عليها العذاب فباد أهلها فبقيت خربة داثرة معالمها خاوية على عروشها. # قوله تعالى: "فبأي آلاء ربك تتمارى" الآلاء جمع إلى بمعنى النعمة، ~~والتماري التشكك، والجملة متفرعة على ما تقدم ذكره مما ينسب إليه تعالى من ~~الأفعال. # والمعنى: إذا كان الله سبحانه هو الذي نظم هذا النظام البديع من صنع ~~وتدبير بالإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء والخلق والإهلاك إلى آخر ما ~~قيل فبأي نعم ربك تتشكك وفي أيها تريب؟. # وعد مثل الإبكاء والإماتة وإهلاك الأمم الطاغية نعما لله سبحانه لما فيها ~~من الدخل في تكون النظام ms7017 الأتم الذي يجري في العالم وتنساق به الأمور في ~~مرحلة استكمال الخلق ورجوع الكل إلى الله سبحانه. # والخطاب في الآية للذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أو للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، والاستفهام للإنكار. # قوله تعالى: "هذا نذير من النذر الأولى" قيل: النذير يأتي مصدرا بمعنى ~~الإنذار ووصفا بمعنى المنذر ويجمع على النذر بضمتين على كلا المعنيين ~~والإشارة بهذا إلى القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "أزفت الآزفة" أي قربت القيامة والآزفة من أسماء القيامة قال ~~تعالى: "وأنذرهم يوم الآزفة": المؤمن: 18. # قوله تعالى: "ليس لها من دون الله كاشفة" أي نفس كاشفة والمراد بالكشف ~~إزالة ما فيها من الشدائد والأهوال، والمعنى: ليس نفس تقدر على إزالة ما ~~فيها من الشدائد والأهوال إلا أن يكشفها الله سبحانه. # قوله تعالى: "أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون" ~~الإشارة بهذا الحديث إلى ما تقدم من البيان، والسمود اللهو، والآية متفرعة ~~على ما تقدم من البيان، والاستفهام للتوبيخ. # والمعنى: إذا كان الله هو ربكم الذي ينتهي إليه كل أمر وعليه النشأة ~~الأخرى وكانت القيامة قريبة وليس لها من دون الله كاشفة كان عليكم أن تبكوا ~~لما فرطتم في جنب الله، وتعرضتم للشقاء الدائم أفمن هذا البيان الذي يدعوكم ~~إلى النجاة تعجبون إنكارا وتضحكون استهزاء ولا تبكون؟. # قوله تعالى: "فاسجدوا لله واعبدوا" تفريع آخر على ما تقدم من البيان ~~والمعنى: إذا كان كذلك فعليكم أن تسجدوا لله وتعبدوه ليكشف عنكم ما ليس له ~~من دونه كاشفة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكشاف،: في قوله تعالى: "أفرأيت الذي تولى" إلخ، روي أن عثمان كان ~~يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من ~~الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني ~~أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله: أعطني ناقتك ~~برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه ms7018 وأشهد عليه وأمسك عن العطاء ~~فنزلت، ومعنى: "تولى" ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. PageV19P027 # أقول: وأورد القصة في مجمع البيان ونسبها إلى ابن عباس والسدي والكلبي ~~وجماعة من المفسرين، وفي انطباق "تولى" على تركه المركز يوم أحد نظر ~~والآيات مكية. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد: في قوله: "أفرأيت الذي تولى" قال: الوليد بن ~~المغيرة كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبا بكر فسمع ما يقولان ~~وذلك ما أعطى من نفسه، أعطى الاستماع "وأكدى" قال: انقطع عطاؤه نزل في ذلك ~~"أعنده علم الغيب" قال: الغيب القرآن أرأى فيه باطلا أنفذه ببصره إذ كان ~~يختلف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر. # أقول: وأنت خبير بأن الآيات بظاهرها لا تنطبق على ما ذكره. # وروي: أنها نزلت في العاص بن وائل، وروي أنها نزلت في رجل لم يذكر اسمه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإبراهيم الذي وفى" قال: وفى بما أمره ~~الله به من الأمر والنهي وذبح ابنه. # وفي الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: ~~سألته عن الرجل يحج فيجعل حجته وعمرته أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ~~في بلد آخر؟ قال: قلت: فينتقص ذلك من أجره؟ قال: هي له ولصاحبه وله أجر سوى ~~ذلك بما وصل. قلت: وهو ميت أيدخل ذلك عليه؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه ~~فيغفر له أو يكون مضيقا عليه فيوسع له. قلت: فيعلم هو في مكانه أنه عمل ذلك ~~لحقه؟ قال: نعم. قلت: وإن كان ناصبا ينفعه ذلك؟ قال: نعم يخفف عنه. # أقول: مورد الرواية إهداء ثواب العمل دون العمل نيابة عن الميت. # وفيه، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يقول الله عز وجل للملك الموكل ~~بالمؤمن إذا مرض: اكتب له ما ms7019 كنت تكتب له في صحته فإني أنا الذي صيرته في حبالي. # وفي الخصال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس يتبع الرجل بعد موته ~~من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته إلى يوم ~~القيامة صدقة موقوفة لا تورث، وسنة هدى سنها وكان يعمل بها وعمل بها من ~~بعده غيره، وولد صالح يستغفر له. # أقول: وهذه الروايات الثلاث - وفي معناها روايات كثيرة جدا عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) - توسع معنى السعي في قوله تعالى: "وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى" وقد تقدمت إشارة إليها. # وفي أصول الكافي، بإسناده إلى سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): إن الله يقول: "وأن إلى ربك المنتهى" فإذا انتهى الكلام إلى ~~الله فأمسكوا. # أقول: وهو من التوسعة في معنى الانتهاء. # وفيه، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا ~~زياد إياك والخصومات فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن ~~يتكلم بالشيء فلا يغفر له. أنه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به، ~~وطلبوا علم ما كفوه حتى انتهى كلامهم إلى الله فتحيروا حتى كان الرجل يدعى ~~من بين يديه فيجيب من خلفه، ويدعى من خلفه فيجيب من بين يديه. قال: وفي ~~رواية أخرى: حتى تاهوا في الأرض. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا. # أقول: وفي النهي عن التفكر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في ~~جوامع الفريقين، والنهي إرشادي متعلق بمن لا يحسن الورود في المسائل ~~العقلية العميقة فيكون خوضه فيها تعرضا للهلاك الدائم. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأنه هو أضحك وأبكى" قال: أبكى السماء ~~بالمطر، وأضحك الأرض بالنبات. # أقول: هو من التوسعة في معنى الإبكاء والإضحاك. # وفي المعاني، بإسناده إلى السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائهم (عليهم ~~السلام) قال: قال ms7020 أمير المؤمنين (عليه السلام): في قول الله عز وجل: "وأنه ~~هو أغنى وأقنى" قال: أغنى كل إنسان بمعيشته، وأرضاه بكسب يده. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأنه هو رب الشعرى" قال: النجم في ~~السماء يسمى الشعرى كانت قريش وقوم من العرب يعبدونه، وهو نجم يطلع في آخر الليل. PageV19P028 # أقول: الظاهر أن قوله: وهو نجم يطلع في آخر الليل تعريف له بحسب زمان صدور ~~الحديث وكان في الصيف وإلا فهو يستوفي في مجموع السنة جميع ساعات الليل ~~والنهار. # وفيه،: في قوله تعالى: "أزفت الآزفة" قال قربت القيامة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "أفمن هذا الحديث تعجبون" يعني بالحديث ما ~~تقدم من الأخبار. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا ~~تبكون" فما رئي النبي بعدها ضاحكا حتى ذهب من الدنيا. PageV19P029 ### || AUTO ### ||| AUTO 54 سورة القمر - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا ءاية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ~~ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بلغة فما تغن النذر (5) فتول ~~عنهم يوم يدع الداع إلى شىء نكر (6) خشعا أبصرهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكفرون هذا يوم عسر (8) ### |||| AUTO بيان # سورة ممحضة في الإنذار والتخويف إلا آيتين من آخرها تبشران المتقين ~~بالجنة والحضور عند ربهم. # تبدأ السورة بالإشارة إلى آية شق المقر التي أتى بها رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن اقتراح من قومه، وتذكر رميهم له بالسحر وتكذيبهم به ~~واتباعهم الأهواء مع ما جاءهم أنباء زاجرة من أنباء يوم القيامة وأنباء ~~الأمم الماضين الهالكين ثم يعيد تعالى عليهم نبذة من تلك الأنباء إعادة ~~ساخط معاتب فيذكر سيىء حالهم يوم القيامة عند خروجهم من الأجداث وحضورهم ~~للحساب. # ثم تشير إلى قصص قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون وما نزل بهم من ms7021 ~~أليم العذاب إثر تكذيبهم بالنذر وليس قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بأعز عند الله منهم وما هم بمعجزين، وتختتم السورة ببشرى للمتقين. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها، ولا يعبأ بما قيل: إنها نزلت ببدر، ~~وكذا بما قيل: إن بعض آياتها مدنية، ومن غرر آياتها ما في آخرها من آيات القدر. # قوله تعالى: "اقتربت الساعة وانشق القمر" الاقتراب زيادة في القرب فقوله: ~~"اقتربت الساعة" أي قربت جدا، والساعة هي الظرف الذي تقوم فيه القيامة. # وقوله: "وانشق القمر" أي انفصل بعضه عن بعض فصار فرقتين شقتين تشير الآية ~~إلى آية شق القمر التي أجراها الله تعالى على يد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بمكة قبل الهجرة إثر سؤال المشركين من أهل مكة، وقد استفاضت الروايات ~~على ذلك، واتفق أهل الحديث والمفسرون على قبولها كما قيل. # ولم يخالف فيه منهم إلا الحسن وعطاء والبلخي حيث قالوا: معنى قوله: "انشق ~~القمر" سينشق القمر عند قيام الساعة وإنما عبر بلفظ الماضي لتحقق الوقوع. # وهو مزيف مدفوع بدلالة الآية التالية "وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر" فإن سياقها أوضح شاهد على أن قوله "آية" مطلق شامل لانشقاق القمر ~~فعند وقوعه إعراضهم وقولهم: سحر مستمر ومن المعلوم أن يوم القيامة يوم يظهر ~~فيه الحقائق ويلجئون فيه إلى المعرفة، ولا معنى حينئذ لقولهم في آية ظاهرة: ~~أنها سحر مستمر فليس إلا أنها آية قد وقعت للدلالة على الحق والصدق وتأتي ~~لهم أن يرموها عنادا بأنها سحر. # ومثله في السقوط ما قيل: إن الآية إشارة إلى ما ذهب إليه الرياضيون أخيرا ~~أن القمر قطعة من الأرض كما أن الأرض جزء منفصل من الشمس فقوله: "وانشق ~~القمر" إشارة إلى حقيقة علمية لم ينكشف يوم النزول بعد. # وذلك أن هذه النظرية على تقدير صحتها لا يلائمها قوله: "وإن يروا آية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" إذ لم ينقل عن أحد أنه قال للقمر: هو سحر مستمر. # على أن انفصال القمر عن الأرض اشتقاق والذي في الآية الكريمة انشقاق، ms7022 ولا ~~يطلق الانشقاق إلا على تقطع الشيء في نفسه قطعتين دون انفصاله من شيء بعد ~~ما كان جزء منه. # ومثله في السقوط ما قيل: إن معنى انشقاق القمر انكشاف الظلمة عند طلوعه ~~وكذا ما قيل: إن انشقاق القمر كناية عن ظهور الأمر ووضوح الحق. # والآية لا تخلو من إشعار بأن انشقاق القمر من لوازم اقتراب الساعة. # قوله تعالى: "وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" الاستمرار من الشيء ~~مرور منه بعد مرور مرة بعد مرة، ولذا يطلق على الدوام والاطراد فقولهم: سحر ~~مستمر أي سحر بعد سحر مداوما. # وقوله: "آية" نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، والمعنى وكل آية ~~يشاهدونها يقولون فيها أنها سحر بعد سحر، وفسر بعضهم المستمر بالمحكم ~~الموثق، وبعضهم بالذاهب الزائل، وبعضهم بالمستبشع المنفور، وهي معان بعيدة. PageV19P030 # قوله تعالى: "وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر" متعلق التكذيب بقرينة ~~ذيل الآية هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما أتى به من الآيات أي ~~وكذبوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما أتى به من الآيات والحال أن ~~كل أمر مستقر سيستقر في مستقره فيعلم أنه حق أو باطل وصدق أو كذب فسيعلمون ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صادق أو كاذب، على الحق أو لا فقوله: ~~"وكل أمر مستقر" في معنى قوله: "ولتعلمن نبأه بعد حين": ص: 88. # وقيل متعلق التكذيب انشقاق القمر والمعنى: وكذبوا بانشقاق القمر واتبعوا ~~أهواءهم، وجملة "وكل أمر مستقر" لا تلائمه تلك الملاءمة. # قوله تعالى: "لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر" المزدجر مصدر ميمي وهو ~~الاتعاظ، وقوله: "من الأنباء" بيان لما فيه مزدجر، والمراد بالأنباء أخبار ~~الأمم الدارجة الهالكة أو أخبار يوم القيامة وقد احتمل كل منهما، والظاهر ~~من تعقيب الآية بأنباء يوم القيامة ثم بأنباء عدة من الأمم الهالكة أن ~~المراد بالأنباء التي فيها مزدجر جميع ذلك. # قوله تعالى: "حكمة بالغة فما تغن النذر" الحكمة كلمة الحق التي ينتفع ~~بها، والبلوغ وصول الشيء إلى ما تنتهي إليه المسافة ويكنى به عن ms7023 تمام الشيء ~~وكماله فالحكمة البالغة هي الحكمة التامة الكاملة التي لا نقص فيها من حيث ~~نفسها ومن حيث أثرها. # وقوله: "فما تغن النذر" الفاء فيه فصيحة تفصح عن جملة مقدرة تترتب عليها ~~الكلام، والنذر جمع نذير بمعنى المنذر أو بمعنى الإنذار والكل صحيح وإن كان ~~الأول أقرب إلى الفهم. # والمعنى: هذا القرآن أو الذي يدعون إليه حكمة بالغة كذبوا بها واتبعوا ~~أهواءهم فما تغني المنذرون أو الإنذارات؟. # قوله تعالى: "فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر" التولي الإعراض ~~والفاء في "فتول" لتفريع الأمر بالتولي على ما تقدمه من وصف حالهم أي إذا ~~كانوا مكذبين بك متبعين أهواءهم لا يغني فيهم النذر ولا تؤثر فيهم الزواجر ~~فتول عنهم ولا تلح عليهم بالدعوة. # وقوله: "يوم يدع الداع إلى شيء نكر" قال الراغب: الإنكار ضد العرفان ~~يقال: أنكرت كذا ونكرت، وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضرب من ~~الجهل قال تعالى: "فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم". # قال: والنكر الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف. # انتهى. # وقد تم الكلام في قوله: "فتول عنهم" ببيان حالهم تجاه الحكمة البالغة ~~التي ألقيت إليهم والزواجر التي ذكروا بها على سبيل الإنذار، ثم أعاد ~~سبحانه نبذة من تلك الزواجر التي هي أنباء من حالهم يوم القيامة ومن عاقبة ~~حال الأمم المكذبين من الماضين في لحن العتاب والتوبيخ الشديد الذي تهز ~~قلوبهم للانتباه وتقطع منابت أعذارهم في الإعراض. # فقوله: "يوم يدع الداع" إلخ، كلام مفصول عما قبله لذكر الزواجر التي أشير ~~إليها سابقا في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه لما قال: "فتول عنهم" سئل ~~فقيل: فإلى م يئول أمرهم؟ فقيل: "يوم يدع" إلخ، أي هذه حال آخرتهم وتلك ~~عاقبة دنيا أشياعهم وأمثالهم من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وليسوا خيرا منهم. # وعلى هذا فالظرف في "يوم يدع" متعلق بما سيأتي من قوله: "يخرجون" ~~والمعنى: يخرجون من الأجداث يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر، إلخ وإما متعلق ~~بمحذوف، والتقدير اذكر يوم يدعو الداعي، ms7024 والمحصل اذكر ذاك اليوم وحالهم ~~فيه، والآية في معنى قوله: "هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم": الزخرف: 66، ~~وقوله: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم": يونس: 102. # ولم يسم سبحانه هذا الداعي من هو؟ وقد نسب الدعوة في موضع من كلامه إلى ~~نفسه فقال: "يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده": إسراء: 52. # وإنما أورد من أنباء القيامة نبأ دعوتهم للخروج من الأجداث والحضور لفصل ~~القضاء وخروجهم منها خشعا أبصارهم مهطعين إلى الداعي ليحاذي به دعوتهم في ~~الدنيا إلى الإيمان بالآيات وإعراضهم وقولهم: سحر مستمر. # ومعنى الآية: اذكر يوم يدعو الداعي إلى أمر صعب عليهم وهو القضاء ~~والجزاء. # قوله تعالى: "خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر" الخشع ~~جمع خاشع والخشوع نوع من الذلة ونسب إلى الأبصار لأن ظهوره فيها أتم. PageV19P031 # والأجداث جمع جدث وهو القبر، والجراد حيوان معروف، وتشبيههم في الخروج من ~~القبور بالجراد المنتشر من حيث إن الجراد في انتشاره يدخل البعض منه في ~~البعض ويختلط البعض بالبعض في جهات مختلفة فكذلك هؤلاء في خروجهم من ~~القبور، قال تعالى: "يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة ~~أبصارهم": المعارج: 44. # قوله تعالى: "مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر" أي حال كونهم ~~مسرعين إلى الداعي مطيعين مستجيبين دعوته يقول الكافرون: هذا يوم عسر أي ~~صعب شديد. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: "اقتربت الساعة" قال: اقتربت القيامة فلا يكون بعد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا القيامة وقد انقضت النبوة والرسالة. ~~وقوله: "وانشق القمر" فإن قريشا سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يريهم آية فدعا الله فانشق القمر نصفين حتى نظروا إليه ثم التأم فقالوا: ~~هذا سحر مستمر أي صحيح. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده عن عبيد الله بن علي عن الرضا عن آبائه عن علي ~~(عليه السلام) قال: انشق القمر بمكة فلقتين فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): اشهدوا اشهدوا. # أقول: ورد انشقاق القمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ms7025 روايات ~~الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كثيرا وقد تسلمه محدثوهم والعلماء ~~من غير توقف. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير ~~وابن المنذر والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: سأل أهل ~~مكة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت ~~"اقتربت الساعة وانشق القمر" إلى قوله: "سحر مستمر" أي ذاهب. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي وكلاهما ~~في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فقال قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا: انتظروا ما ~~يأتيكم به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم فجاء السفار ~~فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه فأنزل الله "اقتربت الساعة وانشق القمر". # وفيه، أخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم ~~والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عمر: في قوله: "اقتربت ~~الساعة وانشق القمر" قال: كان ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) انشق فرقتين: فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه فقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): اللهم اشهد. # وفيه، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والحاكم وأبو نعيم ~~والبيهقي عن جبير بن مطعم: في قوله: "وانشق القمر" قال: انشق القمر ونحن ~~بمكة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى صار فرقتين: فرقة ~~على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل فقال الناس: سحرنا محمد فقال رجل: إن ~~كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس: في ~~قوله: "اقتربت الساعة وانشق القمر" قال: قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر ~~حتى رأوا شقيه. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ~~وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم ms7026 عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا ~~حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: اقتربت الساعة ~~وانشق القمر ألا وإن الساعة قد اقتربت. ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق. ألا وإن ~~اليوم المضمار وغدا السباق. # أقول: وقد روي انشقاق القمر بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطرق ~~مختلفة كثيرة عن هؤلاء النفر من الصحابة وهم أنس، وعبد الله بن مسعود، وابن ~~عمر، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وحذيفة بن اليمان، وعد في روح المعاني ممن ~~روي عنه الحديث من الصحابة عليا (عليه السلام) ثم نقل عن السيد الشريف في ~~شرح المواقف وعن ابن السبكي في شرح المختصر أن الحديث متواتر لا يمترى في ~~تواتره. # هذه حال الحديث عند أهل السنة وقد عرفت حاله عند الشيعة. # كلام فيه إجمال القول في شق القمر PageV19P032 آية شق القمر بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة باقتراح ~~من المشركين مما تسلمها المسلمون بلا ارتياب منهم. # ويدل عليها من القرآن الكريم دلالة ظاهرة قوله تعالى: "اقتربت الساعة ~~وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر": القمر: 2، فالآية ~~الثانية تأبى إلا أن يكون مدلول قوله: "وانشق القمر" آية واقعة قريبة من ~~زمان النزول أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها وقالوا: سحر مستمر. # ويدل عليها من الحديث روايات مستفيضة متكاثرة رواها الفريقان وتسلمها ~~المحدثون، وقد تقدمت نماذج منها في البحث الروائي. # فالكتاب والسنة يدلان عليها وانشقاق كرة من الكرات الجوية ممكن في نفسه ~~لا دليل على استحالته العقلية، ووقوع الحوادث الخارقة للعادة - ومنها ~~الآيات المعجزات - جائز وقد قدمنا في الجزء الأول من الكتاب تفصيل الكلام ~~فيها إمكانا ووقوعا ومن أوضح الشواهد عليه القرآن الكريم فمن الواجب قبول ~~هذه الآية وإن لم يكن من ضروريات الدين. # واعترض عليها بأن صدور الآية المعجزة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~باقتراح من الناس ينافي قوله تعالى: ms7027 "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب ~~بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا": إسراء: 59 فإن مفاد الآية إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الأمة ~~لأن الأمم السابقة كذبوا بها وهؤلاء يماثلونهم في طباعهم فيكذبون بها، ولا ~~فائدة في الإرسال مع عدم ترتب أثر عليه أو المفاد أنا لا نرسل بها لأنا ~~أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها فعذبوا وأهلكوا ولو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا ~~بها وعذبوا عذاب الاستئصال لكنا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب، وعلى أي حال ~~لا يرسل بالآيات إلى هذه الأمة كما كانت ترسل إلى الأمم الدارجة. # نعم هذا في الآيات المرسلة باقتراح من الناس دون الآيات التي تؤيد بها ~~الرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكآيتي ~~العصا واليد لموسى (عليه السلام) وآية إحياء الموتى وغيرها لعيسى (عليه ~~السلام)، وكذا الآيات النازلة لطفا منه سبحانه كالخوارق الصادرة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لا عن اقتراح منهم. # ومثل الآية السابقة قوله تعالى: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا - إلى أن قال - قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": إسراء: ~~93 وغير ذلك من الآيات. # والجواب عن هذا الاعتراض يحتاج إلى تقديم مقدمة هي أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بعث رسولا إلى أهل الدنيا كافة بنبوة خاتمة كما يدل عليه ~~قوله تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا": الأعراف: 158، ~~وقوله: "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ": الأنعام: 19، وقوله: ~~"ولكن رسول الله وخاتم النبيين": الأحزاب: 40 إلى غير ذلك من الآيات. # وقد بدأ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكة بدعوة قومه من أهل مكة ~~وحواليها فقابلوه بما استطاعوا من الشقاق والإيذاء والاستهزاء وهموا ~~بإخراجه أو إثباته أو قتله حتى أمره ربه بالهجرة غير أنه آمن به وهو بمكة ~~جمع كثير منهم وإن كانت عامتهم على الكفر والمؤمنون وإن كانوا قليلين ~~بالنسبة إلى المشركين ms7028 مضطهدين مفتنين لكنهم كانوا في أنفسهم جمعا ذا عدد ~~كما يدل عليه قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة": النساء: 77 فقد استجازوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يقاتلوا المشركين فلم يأذن الله لهم في ذلك على ما روي في سبب نزول الآية ~~وهذا يدل على أنهم كانوا ذوي عدة وعدة في الجملة ولم يزالوا يزيدون جمعا. # ثم هاجر (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وبسط هنالك الدعوة ونشر ~~الإسلام فيها وفي حواليها وفي القبائل وفي اليمن وسائر أقطار الجزيرة ما ~~عدا مكة وحواليها ثم بسط الدعوة على غير الجزيرة فكاتب الملوك والعظماء من ~~فارس والروم ومصر سنة ست من الهجرة ثم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وقد أسلم ~~ما بين الهجرة والفتح جمع من أهلها وحواليها. # ثم ارتحل (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من انتشار الإسلام ما كان، ولم ~~يزل الإسلام يزيد جمعا وينتشر صيتا إلى يومنا هذا وقد بلغوا خمس أهل الأرض عددا. PageV19P033 # إذا تمهد هذا فنقول: كانت آية انشقاق القمر آية اقتراحية تستعقب العذاب لو ~~كذبوا بها وقد كذبوا وقالوا سحر مستمر وما كان الله ليهلك بها جميع من أرسل ~~إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أهل الأرض جميعا لعدم تمام ~~الحجة عليهم يومئذ وقد كان الانشقاق سنة خمس قبل الهجرة، وقد قال تعالى: ~~"ليهلك من هلك عن بينة": الأنفال: 42. # وما كان الله ليهلك جميع أهل مكة وحواليها خاصة وبينهم جمع من المسلمين ~~كما قال تعالى: "ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا ~~الذين كفروا منهم عذابا أليما:" الفتح: 25. # وما كان الله سبحانه لينجي المؤمنين ويهلك كفارهم وقد آمن جمع كثير منهم ~~فيما بين سنة خمس قبل الهجرة وسنة ثمان بعد الهجرة عام فتح مكة ثم آمنت ~~عامتهم يوم الفتح والإسلام كان يكتفي منهم بظاهر الشهادتين. # ولم تكن ms7029 عامة أهل مكة وحواليها أهل عناد وجحود وإنما كان أهل الجحود ~~والعناد عظماؤهم وصناديدهم المستهزئين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~المعذبين للمؤمنين، المقترحين عليه بالآيات وهم الذين يقول تعالى فيهم: "إن ~~الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6، وقد ~~أوعد الله هؤلاء الجاحدين المقترحين بتحريم الإيمان والهلاك في مواضع من ~~كلامه فلم يؤمنوا وأهلكهم الله يوم بدر وتمت كلمة الرب صدقا وعدلا. # وأما التمسك لنفي إرسال الآيات مطلقا بقوله تعالى: "وما منعنا أن نرسل ~~بالآيات إلا أن كذب بها الأولون" فالآية لا تشمل قطعا الآيات المؤيدة ~~للرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذا ~~الآيات النازلة لطفا كالخوارق الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من الإخبار بالمغيبات وشفاء المرضى بدعائه وغير ذلك. # فلو كانت مطلقة فإنما تشمل الآيات الاقتراحية وتفيد أن الله سبحانه لم ~~يرسل الآيات التي اقترحتها قريش - أو لم يرسل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالآيات التي اقترحوها - لأن الأمم السابقة كذبوا بها وطباع هؤلاء ~~المقترحين طباعهم يكذبون بها ولازمها نزول العذاب والله لا يريد أن يعذبهم عاجلا. # وقد أوضح سبحانه سبب عدم معاجلتهم بالعذاب بقوله: "وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون": الأنفال: 33، واستبان بذلك ~~أن المانع من عذابهم وجود الرسول فيهم كما يفيده أيضا قوله تعالى: "وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا": ~~إسراء: 76. # ثم قال تعالى: "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما ~~كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون": ~~الأنفال: 35 والآيات نزلت عقيب غزوة بدر. # والآيات تبين أنه لم يكن من قبلهم مانع من نزول العذاب غير وجود النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم فإذا زال المانع بخروجه من بينهم فليذوقوا ~~العذاب وهو ما أصابهم في وقعة بدر من القتل ms7030 الذريع. # وبالجملة كان المانع من إرسال الآيات تكذيب الأولين ومماثلتهم لهم في ~~خصيصة التكذيب ووجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم المانع من ~~معاجلة العذاب فإذا وجد مقتض للعذاب كالصد والمكاء والتصدية وزال أحد ركني ~~المانع وهو كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم فلا مانع من العذاب ولا ~~مانع من نزول الآية وإرسالها ليحق عليهم القول فيعذبوا بسبب تكذيبهم لها ~~وبسبب مقتضيات أخر كالصد ونحوه. PageV19P034 # فتحصل أن قوله تعالى: "وما منعنا أن نرسل بالآيات" إلخ، إنما يفيد الإمساك ~~عن إرسال الآيات ما دام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم وأما إرسالها ~~وتأخير العذاب إلى خروجه من بينهم فلا دلالة فيه عليه وقد صرح سبحانه بأن ~~وقعة بدر كانت آية وما أصابهم فيها كان عذابا، وكذا لو كان مفاد الآية هو ~~الامتناع عن الإرسال لكونه لغوا بسبب كونهم مجبولين على التكذيب فإن ~~إرسالها مع تأخير العذاب والنكال إلى خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من بينهم من الفائدة ليحق الله الحق ويبطل الباطل فلتكن آية انشقاق القمر ~~من الآيات النازلة التي من فائدتها نزول العذاب عليهم بعد خروج النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من بينهم. # وأما قوله تعالى: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا" فليس مدلوله نفي ~~تأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآيات المعجزة وإنكار نزولها من ~~أصلها كيف؟ وهو ينفيها عن نفسه بما أنه بشر رسول، ولو كان المراد ذلك لأفاد ~~إنكار معجزات الأنبياء جميعا لكون كل منهم بشرا رسولا، وصريح القرآن فيما ~~حدث من قصص الأنبياء وأخبر عن آياتهم يناقض ذلك، وأوضح من الجميع في مناقضة ~~ذلك نفس الآية التي هي من القرآن المتحدي بالإعجاز. # بل مدلوله أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر رسول غير قادر من حيث ~~نفسه على شيء من الآيات التي يقترحون عليه، وإنما الأمر إلى الله سبحانه إن ~~شاء أنزلها وإن لم يشأ لم يفعل قال تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ms7031 ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون": الأنعام: 109، وقال حاكيا عن قوم نوح: "قالوا يا نوح قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم ~~به الله إن شاء": هود: 33، وقال: "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله": المؤمن: 78، والآيات في هذا المعنى كثيرة. # ومن الاعتراض على آية الانشقاق ما قيل: إن القمر لو انشق كما يقال لرآه ~~جميع الناس ولضبطه أهل الأرصاد في الشرق والغرب لكونه من أعجب الآيات ~~السماوية ولم يعهد فيما بلغ إلينا من التاريخ والكتب الباحثة عن الأوضاح ~~السماوية له نظير والدواعي متوفرة على استماعه ونقله. # وأجيب بما حاصله أن من الممكن أولا: أن يغفل عنه فلا دليل على كون كل ~~حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس محفوظا عندهم يرثه خلف عن سلف. # وثانيا: أن الحجاز وما حولها من البلاد العربية وغيرها لم يكن بها مرصد ~~للأوضاع السماوية، وإنما كان ما كان من المراصد بالهند والمغرب من الروم ~~واليونان وغيرهما ولم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت - وهو على ما في بعض ~~الروايات أول الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة سنة خمس قبل الهجرة -. # على أن بلاد الغرب التي كانوا معتنين بهذا الشأن بينها وبين مكة من ~~اختلاف الأفق ما يوجب فصلا زمانيا معتدا به وقد كان القمر - على ما في بعض ~~الروايات - بدرا وانشق في حوالي غروب الشمس حين طلوعه ولم يبق على الانشقاق ~~إلا زمانا يسيرا ثم التأم فيقع طلوعه على بلاد الغرب وهو ملتئم ثانيا. # على أنا نتهم غير المسلمين من أتباع الكنيسة والوثنية في الأمور الدينية ~~التي لها مساس نفع بالإسلام. # ومن الاعتراض عليها ما قيل: إن الانشقاق لا يقع إلا ببطلان التجاذب بين ~~الشقتين وحينئذ يستحيل الالتيام فلو كان منشقا لم يلتئم أبدا. # والجواب عنه أن الاستحالة العقلية ممنوعة، والاستحالة العادية بمعنى ~~اختراق العادة لو منعت عن الالتيام بعد الانشقاق لمنعت أولا عن الانشقاق ~~بعد الالتيام ولم ms7032 تمنع وأصل الكلام مبني على جواز خرق العادة. PageV19P035 ### ||| AUTO 54 سورة القمر - 9 - 42 # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أنى ~~مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبوب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا ~~فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملنه على ذات ألوح ودسر (13) تجرى ~~بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركنها ءاية فهل من مدكر (15) فكيف كان ~~عذابى ونذر (16) ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف ~~كان عذابى ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى يوم نحس مستمر (19) ~~تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابى ونذر (21) ولقد ~~يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا ~~منا وحدا نتبعه إنا إذا لفى ضلل وسعر (24) أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو ~~كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة ~~لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) ~~فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابى ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم ~~صيحة وحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر ~~(32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا ءال لوط نجينهم ~~بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ~~بالنذر (36) ولقد رودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابى ونذر (37) ولقد ~~صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابى ونذر (39) ولقد يسرنا القرءان ~~للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جاء ءال فرعون النذر (41) كذبوا بئايتنا كلها ~~فأخذنهم أخذ عزيز مقتدر (42) ### |||| AUTO بيان # إشارة إلى بعض ما فيه مزدجر من أنباء الأمم الدارجة خص بالذكر من بينهم ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون فذكرهم بأنبائهم وأعاد عليهم إجمال ~~ما قص عليهم سابقا من قصصهم وما آل إليه تكذيبهم بآيات الله ورسله من أليم ~~العذاب وهائل العقاب تقريرا لقوله: "ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر". # ولتوكيد التقرير وتمثيل ما في هذه القصص الزاجرة من الزجر القارع للقلوب ~~عقب كل واحدة من ms7033 القصص بقوله خطابا لهم: "فكيف كان عذابي ونذر" ثم ثناه ~~بذكر الغرض من الإنذار والتخويف فقال: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر". # قوله تعالى: "كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر" ~~التكذيب الأول منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب، وقوله: "فكذبوا عبدنا" ~~إلخ، تفسيره كما في قوله: "ونادى نوح ربه فقال" إلخ،: هود: 45. # وقيل: المراد بالتكذيب الأول التكذيب المطلق وهو تكذيبهم بالرسل وبالثاني ~~التكذيب بنوح خاصة كقوله في سورة الشعراء: "كذبت قوم نوح المرسلين": ~~الشعراء: 105، والمعنى: كذبت قوم نوح المرسلين فترتب عليه تكذيبهم لنوح، ~~وهو وجه حسن. # وقيل: المراد بتفريع التكذب على التكذيب الإشارة إلى كونه تكذيبا إثر ~~تكذيب بطول زمان دعوته فكلما انقرض قرن منهم مكذب جاء بعدهم قرن آخر مكذب، ~~وهو معنى بعيد. # ومثله قول بعضهم: إن المراد بالتكذيب الأول قصده وبالثاني فعله. # وقوله: "فكذبوا عبدنا" في التعبير عن نوح (عليه السلام) بقوله: "عبدنا" ~~في مثل المقام تجليل لمقامه وتعظيم لأمره وإشارة إلى أن تكذيبهم له يرجع ~~إليه تعالى لأنه عبد لا يملك شيئا وما له فهو لله. PageV19P036 # وقوله: "وقالوا مجنون وازدجر" المراد بالازدجار زجر الجن له أثر الجنون، ~~والمعنى: ولم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون فقالوا هو ~~مجنون وازدجره الجن فلا يتكلم إلا عن زجر وليس كلامه من الوحي السماوي في شيء. # وقيل: الفاعل المحذوف للازدجار هو القوم، والمعنى: وازدجره القوم عن ~~الدعوة والتبليغ بأنواع الإيذاء والتخويف، ولعل المعنى الأول أظهر. # قوله تعالى: "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر" الانتصار الانتقام، وقوله: "أني ~~مغلوب" أي بالقهر والتحكم دون الحجة، وهذا الدعاء تلخيص لتفصيل دعائه، ~~وتفصيل دعائه مذكور في سورة نوح وتفصيل حججه في سورة هود وغيرها. # قوله تعالى: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر" قال في المجمع،: الهمر صب ~~الدمع والماء بشدة، والانهمار الانصباب، انتهى. # وفتح أبواب السماء وهي الجو بماء منصب استعارة تمثيلية عن شدة انصباب ~~الماء وجريان المطر متواليا كأنه مدخر وراء باب مسدود يمنع عن انصبابه ففتح ~~الباب فانصب أشد ms7034 ما يكون. # قوله تعالى: "وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر" قال في ~~المجمع،: التفجير تشقيق الأرض عن الماء، والعيون جمع عين الماء وهو ما يفور ~~من الأرض مستديرا كاستدارة عين الحيوان. # انتهى. # والمعنى: جعلنا الأرض عيونا منفجرة عن الماء تجري جريانا متوافقا ~~متتابعا. # وقوله: "فالتقى الماء على أمر قد قدر" أي فالتقى الماءان ماء السماء وماء ~~الأرض مستقرا على أمر قدره الله تعالى أي حسب ما قدر من غير نقيصة ولا ~~زيادة ولا عجل ولا مهل. # فالماء اسم جنس أريد به ماء السماء وماء الأرض ولذلك لم يثن، والمراد ~~بأمر قد قدر الصفة التي قدرها الله لهذا الطوفان. # قوله تعالى: "وحملناه على ذات ألواح ودسر" المراد بذات الألواح والدسر ~~السفينة، والألواح جمع لوح وهو الخشبة التي يركب بعضها على بعض في السفينة، ~~والدسر جمع دسار ودسر وهو المسمار الذي تشد بها الألواح في السفينة، وقيل ~~فيه معان أخر لا تلائم الآية تلك الملاءمة. # قوله تعالى: "تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر" أي تجري السفينة على الماء ~~المحيط بالأرض بأنواع من مراقبتنا وحفظنا وحراستنا، وقيل: المراد تجري ~~بأعين أوليائنا ومن وكلناه بها من الملائكة. # وقوله: "جزاء لمن كان كفر" أي جريان السفينة كذلك وفيه نجاة من فيها من ~~الهلاك ليكون جزاء لمن كان كفر به وهو نوح (عليه السلام) كفر به وبدعوته ~~قومه، فالآية في معنى قوله: "ونجيناه وأهله من الكرب العظيم - إلى أن قال - ~~إنا كذلك نجزي المحسنين": الصافات: 80. # قوله تعالى: "ولقد تركناها آية فهل من مدكر" ضمير "تركناها" للسفينة على ~~ما يفيده السياق واللام للقسم، والمعنى: أقسم لقد أبقينا تلك السفينة التي ~~نجينا بها نوحا والذين معه، وجعلناها آية يعتبر بها من اعتبر فهل من متذكر ~~يتذكر بها وحدانيته تعالى وأن دعوة أنبيائه حق، وأن أخذه أليم شديد؟ ولازم ~~هذا المعنى بقاء السفينة إلى حين نزول هذه الآيات علامة دالة على واقعة ~~الطوفان مذكرة لها، وقد قال بعضهم في تفسير الآية على ما نقل: أبقى الله ms7035 ~~سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة، انتهى. # وقد أوردنا في تفسير سورة هود في آخر الأبحاث حول قصة نوح خبر أنهم عثروا ~~في بعض قلل جبل آراراط وهو الجودي قطعات أخشاب من سفينة متلاشية وقعت هناك، فراجع. # وقيل: ضمير "تركناها" لما مر من القصة بما أنها فعله. # قوله تعالى: "فكيف كان عذابي ونذر" النذر جمع نذير بمعنى الإنذار، وقيل: ~~مصدر بمعنى الإنذار. # والظاهر أن "كان" ناقصة واسمها "عذابي" وخبرها "فكيف"، ويمكن أن تكون ~~تامة فاعلها قوله: "عذابي" وقوله: "فكيف" حالا منه. # وكيف كان فالاستفهام للتهويل يسجل به شدة العذاب وصدق الإنذار. # قوله تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" التيسير التسهيل ~~وتيسير القرآن للذكر هو إلقاؤه على نحو يسهل فهم مقاصده للعامي والخاصي ~~والأفهام البسيطة والمتعمقة كل على مقدار فهمه. # ويمكن أن يراد به تنزيل حقائقه العالية ومقاصده المرتفعة عن أفق الأفهام ~~العادية إلى مرحلة التكليم العربي تناله عامة الأفهام كما يستفاد من قوله ~~تعالى: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي ~~حكيم": الزخرف: 4. PageV19P037 # والمراد بالذكر ذكره تعالى بأسمائه أو صفاته أو أفعاله، قال في المفردات،: ~~الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه ~~من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، والذكر يقال ~~اعتبارا باستحضاره وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: ~~الذكر ذكران: ذكر بالقلب وذكر باللسان وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان ~~وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر. # انتهى. # ومعنى الآية: وأقسم لقد سهلنا القرآن لأن يتذكر به، فيذكر الله تعالى ~~وشئونه، فهل من متذكر يتذكر به فيؤمن بالله ويدين بما يدعو إليه من الدين الحق؟. # فالآية دعوة عامة إلى التذكر بالقرآن بعد تسجيل صدق الإنذار وشدة العذاب ~~الذي أنذر به. # قوله تعالى: "كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر" شروع في قصة أخرى من القصص ~~التي فيها الإزدجار ولم يعطف ms7036 على ما قبلها - ومثلها القصص الآتية - لأن كل ~~واحدة من هذه القصص مستقلة كافية في الزجر والردع والعظة لو اتعظوا بها. # وقوله: "فكيف كان عذابي ونذر" مسوق لتوجيه قلوب السامعين إلى ما يلقى ~~إليهم من كيفية العذاب الهائل بقوله: "إنا أرسلنا" إلخ، وليس مسوقا للتهويل ~~وتسجيل شدة العذاب وصدق الإنذار كسابقه وإلا لتكرر قوله بعد: "فكيف كان" ~~إلخ، كذا قيل وهو وجه حسن. # قوله تعالى: "إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر" بيان لما ~~استفهم عنه في قوله: "فكيف كان عذابي ونذر" والصرصر - على ما في المجمع، - ~~الريح الشديدة الهبوب، والنحس بالفتح فالسكون مصدر كالنحوسة بمعنى الشؤم، ~~ومستمر صفة لنحس، ومعنى إرسال الريح في يوم نحس مستمر إرسالها في يوم متلبس ~~بالنحوسة والشأمة بالنسبة إليهم المستمرة عليهم لا يرجى فيه خير لهم ولا نجاة. # والمراد باليوم قطعة من الزمان لا اليوم الذي يساوي سبع الأسبوع لقوله ~~تعالى في موضع آخر من كلامه: "فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات": حم ~~السجدة 16، وفي موضع آخر: "سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما": ~~الحاقة: 7. # وفسر بعضهم النحس بالبرد. # قوله تعالى: "تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر" فاعل "تنزع" ضمير راجع ~~إلى الريح أي تنزع الريح الناس من الأرض، وأعجاز النخل أسافله، والمنقعر ~~المقلوع من أصله، والمعنى ظاهر، وفي الآية إشعار ببسطة القوم أجساما. # قوله تعالى: "فكيف كان عذابي - إلى قوله - مدكر" تقدم تفسير الآيتين. # كلام في سعادة الأيام ونحوستها والطيرة والفأل في فصول # 1 - في سعادة الأيام ونحوستها: # نحوسة اليوم أو أي مقدار من الزمان أن لا يعقب الحوادث الواقعة فيه إلا ~~الشر ولا يكون الأعمال أو نوع خاص من الأعمال فيه مباركة لعاملها، وسعادته خلافه. # ولا سبيل لنا إلى إقامة البرهان على سعادة يوم من الأيام أو زمان من ~~الأزمنة ولا نحوسته وطبيعة الزمان المقدارية متشابهة الأجزاء والأبعاض، ولا ~~إحاطة لنا بالعلل والأسباب الفاعلة المؤثرة في حدوث الحوادث وكينونة ~~الأعمال حتى يظهر لنا دوران اليوم أو القطعة من الزمان ms7037 من علل وأسباب تقتضي ~~سعادته أو نحوسته، ولذلك كانت التجربة الكافية غير متأتية لتوقفها على تجرد ~~الموضوع لأثره حتى يعلم أن الأثر أثره وهو غير معلوم في المقام. # ولما مر بعينه لم يكن لنا سبيل إلى إقامة البرهان على نفي السعادة ~~والنحوسة كما لم يكن سبيل إلى الإثبات وإن كان الثبوت بعيدا فالبعد غير ~~الاستحالة. # هذا بحسب النظر العقلي. # وأما بحسب النظر الشرعي ففي الكتاب ذكر من النحوسة وما يقابلها، قال ~~تعالى: "إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر": القمر: 19، وقال: ~~"فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات": حم السجدة: 16، لكن لا يظهر من ~~سياق القصة ودلالة الآيتين أزيد من كون النحوسة والشؤم خاصة بنفس الزمان ~~الذي كانت تهب عليهم فيه الريح عذابا وهو سبع ليال وثمانية أيام متوالية ~~يستمر عليهم فيها العذاب من غير أن تدور بدوران الأسابيع وهو ظاهر وإلا كان ~~جميع الزمان نحسا، ولا بدوران الشهور والسنين. PageV19P038 # وقال تعالى: "والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة": الدخان: 3، ~~والمراد بها ليلة القدر التي يصفها الله تعالى بقوله: "ليلة القدر خير من ~~ألف شهر": القدر: 3، وظاهر أن مباركة هذه الليلة وسعادتها إنما هي ~~بمقارنتها نوعا من المقارنة لأمور عظام من الإفاضات الباطنية الإلهية ~~وأفاعيل معنوية كإبرام القضاء ونزول الملائكة والروح وكونها سلاما، قال ~~تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم": الدخان: 4، وقال: "تنزل الملائكة والروح ~~فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر": القدر: 5. # ويئول معنى مباركتها وسعادتها إلى فضل العبادة والنسك فيها وغزارة ثوابها ~~وقرب العناية الإلهية فيها من المتوجهين إلى ساحة العزة والكبرياء. # وأما السنة فهناك روايات كثيرة جدا في السعد والنحس من أيام الأسبوع ومن ~~أيام الشهور العربية ومن أيام شهور الفرس ومن أيام الشهور الرومية، وهي ~~روايات بالغة في الكثرة مودعة في جوامع الحديث أكثرها ضعاف من مراسيل ~~ومرفوعات وإن كان فيها ما لا يخلو من اعتبار من حيث إسنادها. # أما الروايات العادة للأيام النحسة كيوم الأربعاء والأربعاء لا تدور ~~وسبعة ms7038 أيام من كل شهر عربي ويومين من كل شهر رومي ونحو ذلك، ففي كثير منها ~~وخاصة فيما يتعرض لنحوسة أيام الأسبوع وأيام الشهور العربية تعليل نحوسة ~~اليوم بوقوع حوادث مرة غير مطلوبة بحسب المذاق الديني كرحلة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وشهادة الحسين (عليه السلام) وإلقاء إبراهيم (عليه ~~السلام) في النار ونزول العذاب بأمة كذا وخلق النار وغير ذلك. # ومعلوم أن في عدها نحسة مشئومة وتجنب اقتراب الأمور المطلوبة وطلب ~~الحوائج التي يلتذ الإنسان بالحصول عليها فيها تحكيما للتقوى وتقوية للروح ~~الدينية وفي عدم الاعتناء والاهتمام بها والاسترسال في الاشتغال بالسعي في ~~كل ما تهواه النفس في أي وقت كان إضرابا عن الحق وهتكا لحرمة الدين وإزراء ~~لأوليائه فتئول نحوسة هذه الأيام إلى جهات من الشقاء المعنوي منبعثة عن علل ~~وأسباب اعتبارية مرتبطة نوعا من الارتباط بهذه الأيام تفيد نوعا من الشقاء ~~الديني على من لا يعتني بأمرها. # وأيضا قد ورد في عدة من هذه الروايات الاعتصام بالله بصدقة أو صوم أو ~~دعاء أو قراءة شيء من القرآن أو غير ذلك لدفع نحوسة هذه الأيام كما عن ~~مجالس ابن الشيخ، بإسناده عن سهل بن يعقوب الملقب بأبي نواس عن العسكري ~~(عليه السلام) في حديث: قلت: يا سيدي في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد ~~لما ذكر فيها من النحس والمخاوف فتدلني على الاحتراز من المخاوف فيها فإنما ~~تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها؟ فقال لي: يا سهل إن لشيعتنا ~~بولايتنا لعصمة لو سلكوا بها في لجة البحار الغامرة وسباسب البيداء الغائرة ~~بين سباع وذئاب وأعادي الجن والإنس لآمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا، فثق ~~بالله عز وجل وأخلص في الولاء لأئمتك الطاهرين وتوجه حيث شئت واقصد ما شئت. ~~الحديث. ثم أمره (عليه السلام) بشيء من القرآن والدعاء أن يقرأه ويدفع به ~~النحوسة والشأمة ويقصد ما شاء. # وفي الخصال، بإسناده عن محمد بن رياح الفلاح قال: رأيت أبا إبراهيم (عليه ~~السلام) يحتجم يوم الجمعة فقلت: جعلت فداك تحتجم يوم الجمعة؟ ms7039 قال: أقرأ آية ~~الكرسي فإذا هاج بك الدم ليلا كان أو نهارا فاقرأ آية الكرسي واحتجم. # وفي الخصال، أيضا بإسناده عن محمد بن أحمد الدقاق قال: كتبت إلى أبي ~~الحسن الثاني (عليه السلام) أسأله عن الخروج يوم الأربعاء لا تدور، فكتب ~~(عليه السلام): من خرج يوم الأربعاء لا تدور خلافا على أهل الطيرة وقي من ~~كل آفة وعوفي من كل عاهة وقضى الله له حاجته. وكتب إليه مرة أخرى يسأله عن ~~الحجامة يوم الأربعاء لا تدور، فكتب (عليه السلام): من احتجم في يوم ~~الأربعاء لا تدور خلافا على أهل الطيرة عوفي من كل آفة، ووقي من كل عاهة، ~~ولم تخضر محاجمه. PageV19P039 # وفي معناها ما في تحف العقول،: قال الحسين بن مسعود: دخلت على أبي الحسن ~~علي بن محمد (عليهما السلام) وقد نكبت إصبعي وتلقاني راكب وصدم كتفي، ودخلت ~~في زحمه فخرقوا علي بعض ثيابي فقلت: كفاني الله شرك من يوم فما أيشمك. فقال ~~(عليه السلام) لي: يا حسن هذا وأنت تغشانا ترمي بذنبك من لا ذنب له؟. قال ~~الحسن: فأثاب إلى عقلي وتبينت خطئي فقلت: يا مولاي أستغفر الله. فقال: يا ~~حسن ما ذنب الأيام حتى صرتم تتشاءمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم فيها؟ قال ~~الحسن: أنا أستغفر الله أبدا، وهي توبتي يا بن رسول الله. قال: ما ينفعكم ~~ولكن الله يعاقبكم بذمها على ما لا ذم عليها فيه. أما علمت يا حسن أن الله ~~هو المثيب والمعاقب والمجازي بالأعمال عاجلا وآجلا؟ قلت: بلى يا مولاي. ~~قال: لا تعد ولا تجعل للأيام صنعا في حكم الله. قال الحسن: بلى يا مولاي. # والروايات السابقة - ولها نظائر في معناها - يستفاد منها أن الملاك في ~~نحوسة هذه الأيام النحسات هو تطير عامة الناس بها وللتطير تأثير نفساني كما ~~سيأتي، وهذه الروايات تعالج نحوستها التي تأتيها من قبل الطيرة بصرف النفس ~~عن الطيرة إن قوي الإنسان على ذلك، وبالالتجاء إلى الله سبحانه والاعتصام ~~به بقرآن يتلوه أو دعاء يدعو به إن لم يقو عليه بنفسه. ms7040 # وحمل بعضهم هذه الروايات المسلمة لنحوسة بعض الأيام على التقية، وليس ~~بذاك البعيد فإن التشاؤم والتفاؤل بالأزمنة والأمكنة والأوضاع والأحوال من ~~خصائص العامة يوجد منه عندهم شيء كثير عند الأمم والطوائف المختلفة على ~~تشتتهم وتفرقهم منذ القديم إلى يومنا وكان بين الناس حتى خواصهم في الصدر ~~الأول في ذلك روايات دائرة يسندونها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لا يسع لأحد أن يردها كما في كتاب المسلسلات، بإسناده عن الفضل بن الربيع ~~قال: كنت يوما مع مولاي المأمون فأردنا الخروج يوم الأربعاء فقال المأمون: ~~يوم مكروه سمعت أبي الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت المنصور يقول: ~~سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي عليا يقول: سمعت أبي عبد الله بن عباس ~~يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن آخر الأربعاء في ~~الشهر يوم نحس مستمر. # وأما الروايات الدالة على الأيام السعيدة من الأسبوع وغيرها فالوجه فيها ~~نظير ما تقدمت إليه الإشارة في الأخبار الدالة على نحوستها من الوجه الأول ~~فإن في هذه الأخبار تعليل بركة ما عده من الأيام السعيدة بوقوع حوادث ~~متبركة عظيمة في نظر الدين كولادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعثته ~~وكما ورد: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا فقال: اللهم بارك لأمتي في ~~بكورها يوم سبتها وخميسها، وما ورد: أن الله ألان الحديد لداود (عليه ~~السلام) يوم الثلاثاء، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخرج للسفر ~~يوم الجمعة، وأن الأحد من أسماء الله تعالى. # فتبين مما تقدم على طوله أن الأخبار الواردة في سعادة الأيام ونحوستها لا ~~تدل على أزيد من ابتنائهما على حوادث مرتبطة بالدين توجب حسنا وقبحا بحسب ~~الذوق الديني أو بحسب تأثير النفوس، وأما اتصاف اليوم أو أي قطعة من الزمان ~~بصفة الميمنة أو المشأمة واختصاصه بخواص تكوينية عن علل وأسباب طبيعية ~~تكوينية فلا، وما كان من الأخبار ظاهرا في خلاف ذلك فإما محمول على التقية ~~أو لا اعتماد عليه. # 2 - في سعادة ms7041 الكواكب ونحوستها # وتأثير الأوضاع السماوية في الحوادث الأرضية سعادة ونحوسة. # الكلام في ذلك من حيث النظر العقلي كالكلام في سعادة الأيام ونحوستها فلا ~~سبيل إلى إقامة البرهان على شيء من ذلك كسعادة الشمس والمشتري وقران ~~السعدين ونحوسة المريخ وقران النحسين والقمر في العقرب. # نعم كان القدماء من منجمي الهند يرون للحوادث الأرضية ارتباطا بالأوضاع ~~السماوية مطلقا أعم من أوضاع الثوابت والسيارات، وغيرهم يرى ذلك بين ~~الحوادث وبين أوضاع السيارات السبع دون الثوابت وأوردوا لأوضاعها المختلفة ~~خواص وآثارا تسمى بأحكام النجوم يرون عند تحقق كل وضع أنه يعقب وقوع آثاره. PageV19P040 # والقوم بين قائل بأن الأجرام الكوكبية موجودات ذوات نفوس حية مريدة تفعل ~~أفاعيلها بالعلية الفاعلية، وقائل بأنها أجرام غير ذات نفس تؤثر أثرها ~~بالعلية الفاعلية، أو هي معدات لفعله تعالى وهو الفاعل للحوادث أو أن ~~الكواكب وأوضاعها علامات للحوادث من غير فاعلية ولا إعداد، أو أنه لا شيء ~~من هذه الارتباطات بينها وبين الحوادث حتى على نحو العلامية وإنما جرت عادة ~~الله على أن يحدث حادثة كذا عند وضع سماوي، كذا. # وشيء من هذه الأحكام ليس بدائمي مطرد بحيث يلزم حكم كذا وضعا كذا فربما ~~تصدق وربما تكذب لكن الذي بلغنا من عجائب القصص والحكايات في استخراجاتهم ~~يعطي أن بين الأوضاع السماوية والحوادث الأرضية ارتباطا ما إلا أنه في ~~الجملة لا بالجملة كما أن بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) يصدق ذلك كذلك. # وعلى هذا لا يمكن الحكم البتي بكون كوكب كذا أو وضع كذا سعدا أو نحسا ~~وأما أصل ارتباط الحوادث والأوضاع السماوية والأرضية بعضها ببعض فليس في ~~وسع الباحث الناقد إنكار ذلك. # وأما القول بكون الكواكب أو الأوضاع السماوية ذوات تأثير فيما دونها سواء ~~قيل بكونها ذوات نفوس ناطقة أو لم يقل فليس مما يخالف شيئا من ضروريات ~~الدين إلا أن يقال بكونها خالقة موجدة لما دونها من غير أن ينتهي ذلك إليه ~~تعالى فيكون شركا لكنه لا قائل به حتى من وثنية الصابئة التي تعبد ms7042 الكواكب، ~~أو أن يقال بكونها مدبرة للنظام الكوني مستقلة في التدبير فيكون ربوبية ~~تستعقب المعبودية فيكون شركا كما عليه الصابئة عبدة الكواكب. # وأما الروايات الواردة في تأثير النجوم سعدا ونحسا وتصديقا وتكذيبا فهي ~~كثيرة جدا على أقسام: منها: ما يدل بظاهره على تسليم السعادة والنحوسة فيها ~~كما في الرسالة الذهبية، عن الرضا (عليه السلام): اعلم أن جماعهن والقمر في ~~برج الحمل أو الدلو من البروج أفضل وخير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه ~~شرف القمر. # وفي البحار، عن النوادر بإسناده عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى الخبر، وفي كتاب ~~النجوم، لابن طاووس عن علي (عليه السلام): يكره أن يسافر الرجل في محاق ~~الشهر وإذا كان القمر في العقرب. # ويمكن حمل أمثال هذه الروايات على التقية على ما قيل، أو على مقارنة ~~الطيرة العامة كما ربما يشعر به ما في عدة من الروايات من الأمر بالصدقة ~~لدفع النحوسة كما في نوادر الراوندي، بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن ~~جده في حديث: إذا أصبحت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس ذلك اليوم، وإذا أمسيت ~~فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس تلك الليلة الخبر، ويمكن أن يكون ذلك لارتباط خاص ~~بين الوضع السماوي والحادثة الأرضية بنحو الاقتضاء. # ومنها: ما يدل على تكذيب تأثيرات النجوم في الحوادث والنهي الشديد عن ~~الاعتقاد بها والاشتغال بعلمها كما في نهج البلاغة،: المنجم كالكاهن ~~والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار. # ويظهر من أخبار أخر تصدقها وتجوز النظر فيها أن النهي عن الاشتغال بها ~~والبناء عليها إنما هو فيما اعتقد لها استقلال في التأثير لتأديته إلى ~~الشرك كما تقدم. # ومنها: ما يدل على كونه حقا في نفسه غير أن قليله لا ينفع وكثيره لا يدرك ~~كما في الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن سيابة قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): جعلت فداك إن الناس يقولون: إن النجوم لا يحل النظر فيها ~~وهو ms7043 يعجبني فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شيء يضر بديني، وإن كانت لا ~~تضر بديني فو الله إني لأشتهيها وأشتهي النظر فيها. فقال: ليس كما يقولون ~~لا يضر بدينك ثم قال: إنكم تنظرون في شيء منها كثيرة لا يدرك وقليله لا ~~ينتفع به. # الخبر. # وفي البحار، عن كتاب النجوم لابن طاووس عن معاوية بن حكيم عن محمد بن ~~زياد عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~النجوم حق هي؟ قال لي: نعم فقلت له: وفي الأرض من يعلمها؟ قال: نعم وفي ~~الأرض من يعلمها،: وفي عدة من الروايات: ما يعلمها إلا أهل بيت من الهند ~~وأهل بيت من العرب: وفي بعضها: من قريش. # وهذه الروايات تؤيد ما قدمناه من أن بين الأوضاع والأحكام ارتباطا ما في ~~الجملة. PageV19P041 # نعم ورد في بعض هذه الروايات: أن الله أنزل المشتري على الأرض في صورة رجل ~~فلقي رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن أنه بلغ ثم قال له انظر أين ~~المشتري؟ فقال: ما أراه في الفلك وما أدري أين هو؟ فنحاه وأخذ بيد رجل من ~~الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ وقال: انظر إلى المشتري أين هو؟ فقال: إن ~~حسابي ليدل على أنك أنت المشتري قال: فشهق شهقة فمات وورث علمه أهله فالعلم هناك. # الخبر، وهو أشبه بالموضوع. # 3 - في التفاؤل والتطير # وهما الاستدلال بحادث من الحوادث على الخير وترقبه وهو التفاؤل أو على ~~الشر وهو التطير وكثيرا ما يؤثران ويقع ما يترقب منهما من خير أو شر وخاصة ~~في الشر وذلك تأثير نفساني. # وقد فرق الإسلام بين التفاؤل والتطير فأمر بالتفاؤل ونهى عن التطير، وفي ~~ذلك تصديق لكون ما فيهما من التأثير تأثيرا نفسانيا. # أما التفاؤل ففيما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تفاءلوا ~~بالخير تجدوه، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) كثير التفاؤل نقل عنه ذلك في ~~كثير من مواقفه. # وأما التطير فقد ورد في مواضع من الكتاب نقله عن ms7044 أمم الأنبياء في دعواتهم ~~لهم حيث كانوا يظهرون لأنبيائهم أنهم اطيروا بهم فلا يؤمنون، وأجاب عن ذلك ~~أنبياؤهم بما حاصله أن التطير لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا، وأن ~~الأمر إلى الله سبحانه لا إلى الطائر الذي لا يملك لنفسه شيئا فضلا عن أن ~~يملك لغيره الخير والشر والسعادة والشقاء قال تعالى: "قالوا إنا تطيرنا بكم ~~لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم": يس: ~~19، أي ما يجر إليكم الشر هو معكم لا معنا، وقال: "قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك قال طائركم عند الله": النمل: 47، أي الذي يأتيكم به الخير أو الشر عند ~~الله فهو الذي يقدر فيكم ما يقدر لا أنا ومن معي فليس لنا من الأمر شيء. # وقد وردت أخبار كثيرة في النهي عن الطيرة وفي دفع شؤمها بعدم الاعتناء أو ~~بالتوكل والدعاء، وهي تؤيد ما قدمناه من أن تأثيرها من التأثيرات النفسانية ~~ففي الكافي، بإسناده عن عمرو بن حريث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت، وإن لم تجعلها ~~شيئا لم تكن شيئا. # ودلالة الحديث على كون تأثيرها من التأثيرات النفسانية ظاهرة، ومثله ~~الحديث المروي من طرق أهل السنة: ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والحسد ~~والظن. قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت ~~فلا تحقق. # وفي معناه ما في الكافي، عن القمي عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~كفارة الطيرة التوكل. # الخبر وذلك أن في التوكل إرجاع أمر التأثير إلى الله تعالى، فلا يبقى ~~للشيء أثر حتى يتضرر به، وفي معناه ما ورد من طرق أهل السنة على ما في ~~نهاية ابن الأثير،: الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل. # وفي المعنى السابق ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال: الشؤم ~~للمسافر في طريقه سبعة أشياء: ms7045 الغراب الناعق عن يمينه، والكلب الناشر ~~لذنبه، والذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو مقع على ذنبه ثم يرتفع ثم ~~ينخفض ثلاثا، والظبي السانح عن يمين إلى شمال، والبومة الصارخة، والمرأة ~~الشمطاء تلقى فرجها، والأتان العضبان يعني الجدعاء، فمن أوجس في نفسه منهن ~~شيئا فليقل: اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي فيعصم من ذلك. ويلحق ~~بهذا البحث الكلامي في نحوسة سائر الأمور المعدودة عند العامة مشئومة نحسة ~~كالعطاس مرة واحدة عند العزم على أمر وغير ذلك وقد وردت في النهي عن التطير ~~بها والتوكل عند ذلك روايات في أبواب متفرقة، وفي النبوي المروي من طرق ~~الفريقين: لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا شؤم، ولا صفر، ولا رضاع بعد ~~فصال، ولا تعرب بعد هجرة، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا طلاق قبل نكاح، ولا ~~عتق قبل ملك، ولا يتم بعد إدراك. PageV19P042 # قوله تعالى: "كذبت ثمود بالنذر" النذر إما مصدر كما قيل والمعنى: كذبت ثمود ~~بإنذار نبيهم صالح (عليه السلام)، وإما جمع نذير بمعنى المنذر، والمعنى: ~~كذبت ثمود بالأنبياء لأن تكذيبهم بالواحد منهم تكذيب منهم بالجميع لأن ~~رسالتهم واحدة لا اختلاف فيها فيكون في معنى قوله: "كذبت ثمود المرسلين": ~~الشعراء: 141، وإما جمع نذير بمعنى الإنذار ومرجعه إلى أحد المعنيين ~~السابقين. # قوله تعالى: "فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر" تفريع ~~على التكذيب والسعر جمع سعير بمعنى النار المشتعلة، واحتمل أن يكون بمعنى ~~الجنون وهو أنسب للسياق، والظاهر أن المراد بالواحد الواحد العددي، ~~والمعنى: كذبوا به فقالوا: أبشرا من نوعنا وهو شخص واحد لا عدة له ولا جموع ~~معه نتبعه إنا إذا مستقرون في ضلال عجيب وجنون. # فيكون هذا القول توجيها منهم لعدم اتباعهم لصالح لفقده العدة والقوة وهم ~~قد اعتادوا على اتباع من عنده ذلك كالملوك والعظماء وقد كان صالح (عليه ~~السلام) يدعوهم إلى طاعة نفسه ورفض طاعة عظمائهم كما يحكيه الله سبحانه عنه ~~بقوله: "فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين": الشعراء: ms7046 151. # ولو أخذ الواحد واحدا نوعيا كان المعنى: أبشرا هو واحد منا أي هو مثلنا ~~ومن نوعنا نتبعه؟ وكانت الآية التالية مفسرة لها. # قوله تعالى: "أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر" الاستفهام ~~كسابقه للإنكار والمعنى: أأنزل الوحي عليه واختص به من بيننا ولا فضل له ~~علينا؟ لا يكون ذلك أبدا، والتعبير بالإلقاء دون الإنزال ونحوه للإشعار ~~بالعجلة كما قيل. # ومن المحتمل أن يكون المراد نفي أن يختص بإلقاء الذكر من بينهم وهو بشر ~~مثلهم فلو كان الوحي حقا وجاز أن ينزل على البشر لنزل على البشر كلهم فما ~~باله اختص بما من شأنه أن يرزقه الجميع؟ فتكون الآية في معنى قولهم له كما ~~في سورة الشعراء: "ما أنت إلا بشر مثلنا": الشعراء: 154. # وقوله: "بل هو كذاب أشر" أي شديد البطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بهذا ~~الطريق. # قوله تعالى: "سيعلمون غدا من الكذاب الأشر" حكاية قوله سبحانه لصالح ~~(عليه السلام) كالآيتين بعدها. # والمراد بالغد العاقبة من قولهم: إن مع اليوم غدا، يشير سبحانه به إلى ما ~~سينزل عليهم من العذاب فيعلمون عند ذلك علم عيان من هو الكذاب الأشر صالح ~~أو هم؟. # قوله تعالى: "إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر" في مقام ~~التعليل لما أخبر من أنهم سينزل عليهم العذاب والمفاد أنهم سينزل عليهم ~~العذاب لأنا فاعلون كذا وكذا، والفتنة الامتحان والابتلاء، والمعنى: أنا ~~مرسلون - على طريق الإعجاز - الناقة التي يسألونها امتحانا لهم فانتظرهم ~~واصبر على أذاهم. # قوله تعالى: "ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر" ضمير الجمع الأول ~~للقوم والثاني للقوم والناقة على سبيل التغليب، والقسمة بمعنى المقسوم، ~~والشرب النصيب من شرب الماء، والمعنى: وخبرهم بعد إرسال الناقة أن الماء ~~مقسوم بين القوم وبين الناقة كل نصيب من الشرب يحضر عنده صاحبه فيحضر القوم ~~عند شربهم والناقة عند شربها قال تعالى: "قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم": الشعراء: 155. # قوله تعالى: "فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر" المراد بصاحبهم عاقر الناقة، ~~والتعاطي التناول والمعنى: فنادى ms7047 القوم عاقر الناقة لعقرها فتناول عقرها ~~فعقرها وقتلها. # قوله تعالى: "فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا ~~كهشيم المحتظر" المحتظر صاحب الحظيرة وهي كالحائط يعمل ليجعل فيه الماشية، ~~وهشيم المحتظر الشجر اليابس ونحوه يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "ولقد يسرنا" إلخ تقدم تفسيره. # قوله تعالى: "كذبت قوم لوط بالنذر" تقدم تفسيره في نظيره. # قوله تعالى: "إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر" الحاصب ~~الريح التي تأتي بالحجارة والحصباء، والمراد بها الريح التي أرسلت فرمتهم ~~بسجيل منضود. # وقال في مجمع البيان،: سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يقال: ~~رأيت زيدا سحرا من الأسحار فإذا أردت سحر يومك قلت: أتيته بسحر - بالفتح - ~~وأتيته سحر - من غير تنوين - انتهى، والمعنى ظاهر. PageV19P043 # قوله تعالى: "نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر" "نعمة" مفعول له من ~~"نجيناهم" أي نجيناهم ليكون نعمة من عندنا نخصهم بها لأنهم كانوا شاكرين ~~لنا وجزاء الشكر لنا النجاة. # قوله تعالى: "ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر" ضمير الفاعل في ~~"أنذرهم" للوط (عليه السلام)، والبطشة الأخذة الشديدة بالعذاب، والتماري ~~الإصرار على الجدال وإلقاء الشك، والنذر الإنذار، والمعنى: أقسم لقد خوفهم ~~لوط أخذنا الشديد فجادلوا في إنذاره وتخويفه. # قوله تعالى: "ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر" ~~مراودته عن ضيفه طلبهم منه أن يسلم إليهم أضيافه وهم الملائكة، وطمس أعينهم ~~محوها، وقوله: "فذوقوا عذابي ونذر" التفات إلى خطابهم تشديدا وتقريعا، ~~والنذر مصدر أريد به ما يتعلق به الإنذار وهو العذاب، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر" قال في مجمع البيان،: وقوله: ~~"بكرة" ظرف زمان فإذا كان معرفة بأن تريد بكرة يومك تقول: أتيته بكرة وغدوة ~~لم تصرفهما فبكرة هنا - وقد نون - نكرة، والمراد باستقرار العذاب حلوله بهم ~~وعدم تخلفه عنهم. # قوله تعالى: "فذوقوا عذابي - إلى قوله - من مدكر" تقدم تفسيره. # قوله تعالى: "ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر" المراد بالنذر الإنذار، ms7048 وقوله: "كذبوا بآياتنا" مفصول من غير ~~عطف لكونه جوابا لسؤال مقدر كأنه لما قيل: "ولقد جاء آل فرعون النذر" قيل: ~~فما فعلوا؟ فأجيب بقوله: "كذبوا بآياتنا"، وفرع عليه قوله: "فأخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر". ### |||| AUTO بحث روائي # في روح المعاني،: في قوله تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر": أخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس: لو لا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد ~~من الخلق أن يتكلم بكلام الله تعالى:. قال: وأخرج الديلمي مرفوعا عن أنس مثله. # ثم قال: ولعل خبر أنس إن صح ليس تفسيرا للآية. # أقول: وليس من البعيد أن يكون المراد المعنى الثاني الذي قدمناه في تفسير الآية. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر" قال: صب ~~بلا قطر "وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء" قال: ماء السماء وماء الأرض ~~"على أمر قد قدر وحملناه" يعني نوحا "على ذات ألواح ودسر" قال: الألواح ~~السفينة والدسر المسامير. # وفيه،: في قوله تعالى: "فنادوا صاحبهم" قال: قدار الذي عقر الناقة، ~~وقوله: "كهشيم" قال: الحشيش والنبات. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام): في حديث ~~يذكر فيه قصة قوم لوط قال: فكابروه يعني لوطا حتى دخلوا البيت فصاح به ~~جبرئيل فقال: يا لوط دعهم فلما دخلوا أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت ~~أعينهم وهو قول الله عز وجل: "فطمسنا أعينهم". PageV19P044 ### ||| AUTO 54 سورة القمر - 43 - 55 # أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة فى الزبر (43) أم يقولون نحن جميع ~~منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ~~وأمر (46) إن المجرمين فى ضلل وسعر (47) يوم يسحبون فى النار على وجوههم ~~ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شىء خلقنه بقدر (49) وما أمرنا إلا وحدة كلمح ~~بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شىء فعلوه فى الزبر ~~(52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين فى جنت ونهر (54) فى مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر (55) ### |||| AUTO بيان # الآيات في معنى أخذ النتيجة مما أعيد ذكره من الأنباء التي ms7049 فيها مزدجر ~~وهي نبأ الساعة المذكور أولا ثم أنباء الأمم الهالكة المذكورة ثانيا فهي ~~تنعطف أولا على أنباء الأمم الهالكة فتخاطب قوم النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن كفاركم ليسوا خيرا من أولئك الأمم الطاغية الجبارة وقد أهلكهم ~~الله على أذل وجه وأهونه ولا لكم براءة مكتوبة من عذاب الله، ولا أن جمعكم ~~ينفعكم في الذب عن العقاب. # ثم تنعطف إلى ما مر من نبأ الساعة بأنها موعدهم الصعب أن أجرموا وكذبوا ~~والساعة أدهى وأمر، ثم تشير إلى موطن المتقين يومئذ وعند ذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر" الظاهر أنه ~~خطاب لقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسلم وكافر على ما تشعر به ~~الإضافة في "كفاركم" والخيرية هي الخيرية في زينة الدنيا وزخارف حياتها ~~كالمال والبنين أو من جهة الأخلاق العامة في مجتمعهم كالسخاء والشجاعة ~~والشفقة على الضعفاء، والإشارة بأولئكم إلى الأقوام المذكورة أنباؤهم: قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون، والاستفهام للإنكار. # والمعنى: ليس الذين كفروا منكم خيرا من أولئكم الأمم المهلكين المعذبين ~~حتى يشملهم العذاب دونكم. # ويمكن أن يكون خطاب "أكفاركم" لخصوص الكفار بعناية أنهم قوم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وفيهم كفار وهم هم. # وقوله: "أم لكم براءة في الزبر" ظاهره أيضا عموم الخطاب، والزبر جمع زبور ~~وهو الكتاب، وقد ذكروا أن المراد بالزبر الكتب السماوية المنزلة على ~~الأنبياء، والمعنى: بل ألكم براءة في الكتب السماوية التي نزلت من عند الله ~~أنكم في أمن من العذاب والمؤاخذة وإن كفرتم وأجرمتم واقترفتم ما شئتم من ~~الذنوب. # قوله تعالى: "أم يقولون نحن جميع منتصر" الجميع المجموع والمراد به وحدة ~~مجتمعهم من حيث الإرادة والعمل، والانتصار الانتقام أو التناصر كما في ~~خطابات يوم القيامة: "ما لكم لا تناصرون": الصافات: 25، والمعنى: بل ~~أيقولون أي الكفار نحن قوم مجتمعون متحدون ننتقم ممن أرادنا بسوء أو ينصر ~~بعضنا بعضا فلا ننهزم. # قوله تعالى: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" اللام في "الجمع" ms7050 للعهد الذكري ~~وفي "الدبر" للجنس، وتولي الدبر الإدبار، والمعنى: سيهزم الجمع الذي ~~يتبجحون به ويولون الأدبار ويفرون. # وفي الآية إخبار عن مغلوبية وانهزام لجمعهم، ودلالة على أن هذه المغلوبية ~~انهزام منهم في حرب سيقدمون عليها، وقد وقع ذلك في غزاة بدر، وهذا من ملاحم ~~القرآن الكريم. # قوله تعالى: "بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر" "أدهى" اسم تفضيل من ~~الدهاء وهو عظم البلية المنكرة التي ليس إلى التخلص منها سبيل، و"أمر" اسم ~~تفضيل من المرارة ضد الحلاوة، وفي الآية إضراب عن إيعادهم بالانهزام ~~والعذاب الدنيوي إلى إيعادهم بما سيجري عليهم في الساعة وقد أشير إلى نبئها ~~في أول الأنباء الزاجرة، والكلام يفيد الترقي. # والمعنى: وليس الانهزام والعذاب الدنيوي مقام عقوبتهم بل الساعة التي ~~أشرنا إلى نبئها هي موعدهم والساعة أدهى من كل داهية وأمر من كل مر. PageV19P045 # قوله تعالى: "إن المجرمين في ضلال وسعر" جمع سعير وهي النار المسعرة وفي ~~الآية تعليل لما قبلها من قوله: "والساعة أدهى وأمر"، والمعنى: إنما كانت ~~الساعة أدهى وأمر لهم لأنهم مجرمون والمجرمون في ضلال عن موطن السعادة وهو ~~الجنة ونيران مسعرة. # قوله تعالى: "يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر" السحب جر ~~الإنسان على وجهه، و"يوم" ظرف لقوله: "في ضلال وسعر"، و"سقر" من أسماء جهنم ~~ومسها هو إصابتها لهم بحرها وعذابها. # والمعنى: كونهم في ضلال وسعر في يوم يجرون في النار على وجوههم يقال لهم: ~~ذوقوا ما تصيبكم جهنم بحرها وعذابها. # قوله تعالى: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" "كل شيء" منصوب بفعل مقدر يدل عليه ~~"خلقناه" والتقدير خلقنا كل شيء خلقناه، و"بقدر" متعلق بقوله: "خلقناه" ~~والباء للمصاحبة، والمعنى: أنا خلقنا كل شيء مصاحبا لقدر. # وقدر الشيء هو المقدار الذي لا يتعداه والحد والهندسة التي لا يتجاوزه في ~~شيء من جانبي الزيادة والنقيصة، قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21، فلكل شيء حد محدود في خلقه لا ~~يتعداه وصراط ممدود في وجوده يسلكه ولا يتخطاه. # والآية ms7051 في مقام التعليل لما في الآيتين السابقتين من عذاب المجرمين يوم ~~القيامة كأنه قيل: لما ذا جوزي المجرمون بالضلال والسعر يوم القيامة ~~وأذيقوا مس سقر؟ فأجيب بقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" ومحصله أن لكل شيء ~~قدرا ومن القدر في الإنسان أن الله سبحانه خلقه نوعا متكاثر الأفراد ~~بالتناسل اجتماعيا في حياته الدنيا يتزود من حياته الدنيا الداثرة لحياته ~~الآخرة الباقية، وقدر أن يرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى سعادة الدنيا والآخرة ~~فمن استجاب الدعوة فاز بالسعادة ودخل الجنة وجاور ربه، ومن ردها وأجرم فهو ~~في ضلال وسعر. # ومن الخطإ أن يقال: إن الجواب عن السؤال بهذا النحو من المصادرة الممنوعة ~~في الاحتجاج فإن السؤال عن مجازاته تعالى إياهم بالنار لإجرامهم في معنى ~~السؤال عن تقديره ذلك، فمعنى السؤال: لم قدر الله للمجرمين المجازاة ~~بالنار؟ ومعنى الجواب: أن الله قدر للمجرمين المجازاة بالنار، أو معنى ~~السؤال: لم يدخلهم الله النار؟ ومعنى الجواب: أن الله يدخلهم النار وذلك ~~مصادرة بينة. # وذلك لأن بين فعلنا وبين فعله تعالى فرقا فإنا نتبع في أفعالنا القوانين ~~والأصول الكلية المأخوذة من الكون الخارجي والوجود العيني، وهي الحاكمة ~~علينا في إرادتنا وأفعالنا، فإذا أكلنا لجوع أو شربنا لعطش فإنما نريد بذلك ~~الشبع والري لما حصلنا من الكون الخارجي أن الأكل يفيد الشبع والشرب يفيد ~~الري وهو الجواب لو سئلنا عن الفعل. # وبالجملة أفعالنا تابعة للقواعد الكلية والضوابط العامة المنتزعة عن ~~الوجود العيني المتفرعة عليه، وأما فعله تعالى فهو نفس الوجود العيني، ~~والأصول العقلية الكلية مأخوذة منه متأخرة عنه محكومة له فلا تكون حاكمة ~~فيه متقدمة عليه، قال تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": الأنبياء: 23، ~~وقال: "إن الله يفعل ما يشاء": الحج: 18، وقال: "الحق من ربك": آل عمران: 60. # فلا سؤال عن فعله تعالى بلم بمعنى السؤال عن السبب الخارجي إذ لا سبب ~~دونه يعينه في فعله، ولا بمعنى السؤال عن الأصل الكلي العقلي الذي يصحح ~~فعله إذ الأصول العقلية منتزعة عن فعله متأخرة عنه. # نعم وقع في ms7052 كلامه سبحانه تعليل الفعل بأحد ثلاثة أوجه: أحدها: تعليل ~~الفعل بما يترتب عليه من الغايات والفوائد العائدة إلى الخلق لا إليه، لكنه ~~تعليل للفعل لا لكونه فعلا له سبحانه بل لكونه أمرا واقعا في صف الأسباب ~~والمسببات كما في قوله تعالى: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون": المائدة: 82، ~~وقال: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة - إلى أن قال - ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون": البقرة: 61. PageV19P046 # الثاني: تعليل فعله تعالى بشيء من أسمائه وصفاته المناسبة له كتعليله تعالى ~~مضامين كثير من الآيات في كلامه بمثل قوله: "إن الله غفور رحيم" "وهو ~~العزيز الحكيم" "وهو اللطيف الخبير" إلى غير ذلك وهو شائع في القرآن ~~الكريم، وإذا أجدت التأمل في موارده وجدتها من تعليل الفعل بما له من صفة ~~خاصة بصفة عامة لفعله تعالى فإن أسماءه تعالى الفعلية منتزعة عن فعله العام ~~فتعليل فعل خاص بصفة من صفاته واسم من أسمائه تعليل الوجه الخاص في الفعل ~~بالوجه العام فيه كقوله تعالى: "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم": العنكبوت: 60، يعلل قضاء حاجة الدواب والإنسان ~~إلى الرزق المسئول بلسان حاجتها بأنه سميع عليم أي أنه خلق كل شيء والحال ~~أن مسائلهم مسموعة له وأحوالهم معلومة عنده وهما صفتا فعله العام، وقوله: ~~"فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم": البقرة: 37، ~~يعلل توبته على آدم بأنه تواب رحيم أي صفة فعله هي التوبة والرحمة. # الثالث: تعليل فعله الخاص بفعله العام ومرجعه في الحقيقة إلى الوجه ~~الثاني كقوله: "إن المجرمين في ضلال وسعر - إلى أن قال - إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر" فإن القدر وهو كون الشيء محدودا لا يتخطى حده في مسير وجوده فعل عام ~~له تعالى لا يخلو عنه شيء من الخلق فتعليل العذاب بالقدر من تعليل فعله ~~الخاص بفعله العام وبيان أنه مصداق من مصاديق القدر إذ كان من المقدر في ~~الإنسان أن لو أجرم برد دعوة النبوة ms7053 عذب ودخل النار يوم القيامة، وكقوله: ~~"وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا": مريم: 71، يعلل الورود ~~بالقضاء وهو فعل له عام والورود خاص بالنسبة إليه. # فتبين أن ما في كلامه من تعليل فعل من أفعاله إنما هو من تعليل الفعل ~~الخاص بصفته العامة والعلة علة للإثبات لا للثبوت، وليس من المصادرة في شيء. # قوله تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر" قال في المجمع،: اللمح ~~النظر بالعجلة وهو خطف البصر. # انتهى. # والمراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه الأمر التكويني بإرادة وجود الشيء، ~~قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 فهو ~~كلمة كن ولعله لكونه كلمة اعتبر الخبر مؤنثا فقيل: "إلا واحدة". # والذي يفيده السياق أن المراد بكون الأمر واحدة أنه لا يحتاج في مضيه ~~وتحقق متعلقه إلى تعدد وتكرار بل أمر واحد بإلقاء كلمة كن يتحقق به المتعلق ~~المراد كلمح بالبصر من غير تأن ومهل حتى يحتاج إلى الأمر ثانيا وثالثا. # وتشبيه الأمر من حيث تحقق متعلقه بلمح بالبصر لا لإفادة أن زمان تأثيره ~~قصير كزمان تحقق اللمح بالبصر بل لإفادة أنه لا يحتاج في تأثيره إلى مضي ~~زمان ولو كان قصيرا فإن التشبيه باللمح بالبصر في الكلام يكنى به عن ذلك، ~~فأمره تعالى وهو إيجاده وإرادة وجوده لا يحتاج في تحققه إلى زمان ولا مكان ~~ولا حركة كيف لا؟ ونفس الزمان والمكان والحركة إنما تحققت بأمره تعالى. # والآية وإن كانت بحسب مؤداها في نفسها تعطي حقيقة عامة في خلق الأشياء ~~وأن وجودها من حيث إنه فعل الله سبحانه كلمح بالبصر وإن كان من حيث إنه ~~وجود لشيء كذا تدريجيا حاصلا شيئا فشيئا. # إلا أنها بحسب وقوعها في سياق إيعاد الكفار بعذاب يوم القيامة ناظرة إلى ~~إتيان الساعة وأن أمرا واحدا منه تعالى يكفي في قيام الساعة وتجديد الخلق ~~بالبعث والنشور فتكون متممة لما أقيم من الحجة بقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر". # فيكون مفاد الآية الأولى أن عذابهم بالنار على ms7054 وفق الحكمة ولا محيص عنه ~~بحسب الإرادة الإلهية لأنه من القدر، ومفاد هذه الآية أن تحقق الساعة التي ~~يعذبون فيها بمضي هذه الإرادة وتحقق متعلقها لا مئونة فيه عليه سبحانه لأنه ~~يكفي فيه أمر واحد منه تعالى كلمح بالبصر. # قوله تعالى: "ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر" الأشياع جمع شيعة والمراد ~~- كما قيل - الأشباه والأمثال في الكفر وتكذيب الأنبياء من الأمم الماضية. # والمراد بالآية والآيتين بعدها تأكيد الحجة السابقة التي أقيمت على شمول ~~العذاب لهم لا محالة. PageV19P047 # ومحصل المعنى: أن ليس ما أنذرناكم به من عذاب الدنيا وعذاب الساعة مجرد خبر ~~أخبرناكم به ولا قول ألقيناه إليكم فهذه أشياعكم من الأمم الماضية شرع فيهم ~~بذلك فقد أهلكناهم وهو عذابهم في الدنيا وسيلقون عذاب الآخرة فإن أعمالهم ~~مكتوبة مضبوطة في كتب محفوظة عندنا سنحاسبهم بها ونجازيهم بما عملوا. # قوله تعالى: "وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر" الزبر كتب ~~الأعمال وتفسيره باللوح المحفوظ سخيف، والمراد بالصغير والكبير صغير ~~الأعمال وكبيرها على ما يفيده السياق. # قوله تعالى: "إن المتقين في جنات ونهر" أي في جنات عظيمة الشأن بالغة ~~الوصف ونهر كذلك، قيل: المراد بالنهر الجنس، وقيل: النهر بمعنى السعة. # قوله تعالى: "في مقعد صدق عند مليك مقتدر" المقعد المجلس، المليك صيغة ~~مبالغة للملك على ما قيل، وليس من إشباع كسر لام الملك، والمقتدر القادر ~~العظيم القدرة وهو الله سبحانه. # والمراد بالصدق صدق المتقين في إيمانهم وعملهم أضيف إليه المقعد لملابسة ~~ما ويمكن أن يراد به كون مقامهم وما لهم فيه صدقا لا يشوبه كذب فلهم حضور ~~لا غيبة معه، وقرب لا بعد معه، ونعمة لا نقمة معها، وسرور لا غم معه، وبقاء ~~لا فناء معه. # ويمكن أن يراد به صدق هذا الخبر من حيث إنه تبشير ووعد جميل للمتقين، ~~وعلى هذا ففيه نوع مقابلة بين وصف عاقبة المتقين والمجرمين حيث أوعد ~~المجرمون بالعذاب والضلال وقرر ذلك بأنه من القدر ولن يتخلف، ووعد المتقون ~~بالثواب والحضور عند ربهم المليك المقتدر وقرر ms7055 ذلك بأنه صدق لا كذب فيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في كمال الدين، بإسناده إلى علي بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سألته عن الرقى أتدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر. وقال: إن ~~القدرية مجوس هذه الأمة وهم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من ~~سلطانه وفيهم نزلت هذه الآية: "يوم يسحبون في النار على وجوههم - ذوقوا مس ~~سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر". # أقول: المراد بالقدرية النافون للقدر وهم المعتزلة القائلون بالتفويض، ~~وقوله: إنهم مجوس هذه الأمة ذلك لقولهم: إن خالق الأفعال الاختيارية هو ~~الإنسان والله خالق لما وراء ذلك فأثبتوا إلهين اثنين كما أثبتت المجوس ~~إلهين اثنين: خالق الخير وخالق الشر. # وقوله: أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، وذلك أنهم قالوا ~~بخلق الإنسان لأفعاله فرارا عن القول بالجبر المنافي للعدل فأخرجوا الله من ~~سلطانه على أعمال عباده بقطع نسبتها عنه تعالى. # وقوله: وفيهم نزلت هذه الآية، إلخ، المراد به جري الآيات فيهم دون كونهم ~~سببا للنزول وموردا له لما عرفت في تفسير الآيات من كونها عامة بحسب ~~السياق، وفي نزول الآيات فيهم روايات أخرى مروية عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~(عليه السلام)، ومن طرق أهل السنة أيضا روايات في هذا المعنى عن ابن عباس ~~وابن عمر ومحمد بن كعب وغيرهم. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إن لكل أمة مجوسا وإن مجوس هذه الأمة الذين يقولون: ~~لا قدر. # الخبر. # أقول: ورواه في ثواب الأعمال، بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي (عليه ~~السلام) ولفظه: لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. # وفيه، أخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): النهر الفضاء والسعة ليس بنهر جار. # وفيه، أخرج أبو نعيم عن جابر قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يوما في مسجد المدينة فذكر ms7056 بعض أصحابه الجنة فقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): يا أبا دجانة أما علمت أن من أحبنا وابتلي بمحبتنا أسكنه ~~الله تعالى معنا؟ ثم تلا "في مقعد صدق عند مليك مقتدر". # وفي روح المعاني،: في قوله: "في مقعد صدق" الآية،: وقال جعفر الصادق رضي ~~الله عنه: مدح المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. # كلام في القدر PageV19P048 القدر وهو هندسة الشيء وحد وجوده مما تكرر ذكره في كلامه تعالى فيما تكلم ~~فيه في أمر الخلقة، قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم": الحجر: 21، وظاهره أن القدر ملازم للإنزال من الخزائن ~~الموجودة عنده تعالى، وأما نفس الخزائن وهي من إبداعه تعالى لا محالة فهي ~~غير مقدرة بهذا القدر الذي يلازم الإنزال والإنزال إصداره إلى هذا العالم ~~المشهود كما يفيده قوله: "وأنزلنا الحديد": الحديد: 25، وقوله: "وأنزل لكم ~~من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6. # ويؤيد ذلك ما ورد من تفسير القدر بمثل العرض والطول وسائر الحدود ~~والخصوصيات الطبيعية الجسمانية كما في المحاسن، عن أبيه عن يونس عن أبي ~~الحسن الرضا (عليه السلام) قال: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. ~~قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتدأ الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت ~~عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى ~~قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له. # وروي هذا المعنى عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق عن الرضا ~~(عليه السلام) في خبر مفصل وفيه: فقال: أوتدري ما قدر؟ قال: لا، قال: هو ~~الهندسة من الطول والعرض والبقاء. # الخبر. # ومن هنا يظهر أن المراد بكل شيء في قوله: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا": ~~الفرقان: 3، وقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر: 49، وقوله: "وكل شيء ~~عنده بمقدار": الرعد: 8، وقوله: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، ~~الأشياء الواقعة في عالمنا المشهود، من الطبيعيات الواقعة تحت الخلق ~~والتركيب، أو أن للتقدير مرتبتين: ms7057 مرتبة تعم جميع ما سوى الله وهي تحديد ~~أصل الوجود بالإمكان والحاجة وهذا يعم جميع الموجودات ما خلا الله سبحانه، ~~قال تعالى: "وكان الله بكل شيء محيطا": النساء: 126. # ومرتبة تخص عالمنا المشهود وهي تحديد وجود الأشياء الموجودة فيه من حيث ~~وجودها وآثار وجودها وخصوصيات كونها بما أنها متعلقة الوجود والآثار بأمور ~~خارجة من العلل والشرائط فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها ~~فهي مقلوبة بقوالب من داخل وخارج تعين لها من العرض والطول والشكل والهيئة ~~وسائر الأحوال والأفعال ما يناسبها. # فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر لها في مسير وجودها، ~~قال تعالى: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3، أي هدى ما خلقه إلى ~~ما قدر له، ثم أتم ذلك بإمضاء القضاء، وفي معناه قوله في الإنسان: "من نطفة ~~خلقه فقدره ثم السبيل يسره": عبس: 20، ويشير بقوله: "ثم السبيل يسره" إلى ~~أن التقدير لا ينافي اختيارية أفعاله الاختيارية. # وهذا النوع من القدر في نفسه غير القضاء الذي هو الحكم البتي منه تعالى ~~بوجوده "والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41، فربما قدر ولم يعقبه القضاء ~~كالقدر الذي يقتضيه بعض العلل والشرائط الخارجة ثم يبطل لمانع أو باستخلاف ~~سبب آخر، قال تعالى: "يمحوا الله ما يشاء ويثبت": الرعد: 39، وقال: "ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": البقرة: 106، وربما قدر ~~وتبعه القضاء كما إذا قدر من جميع الجهات باجتماع جميع علله وشرائطه ~~وارتفاع موانعه. # وإلى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في خبر المحاسن السابق: إذا قضى أمضاه ~~فذلك الذي لا مرد له، وقريب منه ما في عدة من أخبار القضاء والقدر ما معناه ~~أن القدر يمكن أن يتخلف وأما القضاء فلا يرد. # وعن علي (عليه السلام) بطرق مختلفة كما في التوحيد، بإسناده عن ابن ~~نباتة: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر ~~فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى ~~قدر الله عز وجل. ms7058 # وأما النوع الأول من الموجودات الذي قدره حد وجوده من إمكانه وحاجته فحسب ~~فالقدر والقضاء فيه واحد ولا يتخلف القدر فيه عن التحقق البتة. PageV19P049 # والبحث العقلي يؤيد ما تقدم فإن الأمور التي لها علل مركبة من فاعل ومادة ~~وشرائط ومعدات وموانع فإن لكل منها تأثيرا في الشيء بما يسانخه فهو كالقالب ~~الذي يقلب به الشيء فيأخذ لنفسه هيئة قالبة وخصوصيته وهذا هو قدره ثم العلة ~~التامة إذا اجتمعت أجزاؤه أعطته ضرورة الوجود، وهذه هي القضاء الذي لا مرد ~~له، وقد تقدم في تفسير أول سورة الإسراء كلام في القضاء لا يخلو من نفع في ~~هذا البحث، فليرجع إليه. PageV19P050 ### ||| CHECK [- 1 - 30 بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن (1) علم القرءان ~~(2) خلق الانسن (3) علمه البيان (4) الشمس و القمر بحسبان (5) و النجم و ~~الشجر يسجدان (6) و السماء رفعها و وضع الميزان (7) ألا تطغوا فى الميزان ~~(8) و أقيموا الوزن بالقسط و لا تخسروا الميزان (9) و ال] ### || AUTO 55 سورة الرحمن - 1 - 30 ### |||| AUTO بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن (1) علم القرءان (2) خلق ~~الانسن (3) علمه البيان (4) الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان ~~(6) والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا فى الميزان (8) وأقيموا ~~الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) والأرض وضعها للأنام (10) فيها فكهة ~~والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو العصف والريحان (12) فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان (13) خلق الانسن من صلصل كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار ~~(15) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان ~~(20) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان (23) وله الجوار المنشئات فى البحر كالأعلم (24) فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان (25) كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلل ~~والاكرام (27) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (28) يسئله من فى السموت والأرض كل ~~يوم هو فى شأن (29) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (30) # بيان # تتضمن السورة الإشارة إلى خلقه تعالى العالم بأجزائه من سماء وأرض وبر ~~وبحر وإنس وجن ونظم أجزائه نظما ينتفع به الثقلان الإنس والجن في ms7059 حياتهما ~~وينقسم بذلك العالم إلى نشأتين: نشأة دنيا ستفنى بفناء أهلها، ونشأة أخرى ~~باقية تتميز فيها السعادة من الشقاء والنعمة من النقمة. # وبذلك يظهر أن دار الوجود من دنياها وآخرتها ذات نظام واحد مؤتلف الأجزاء ~~مرتبط الأبعاض قويم الأركان يصلح بعضه ببعض ويتم شطر منه بشطر. # فما فيه من عين وأثر، من نعمه تعالى وآلائه، ولذا يستفهمهم مرة بعد مرة ~~استفهاما مشوبا بعتاب بقوله: "فبأي آلاء ربكما تكذبان" فقد كررت الآية في ~~السورة إحدى وثلاثين مرة. # ولذلك افتتحت السورة بذكره تعالى بصفة رحمته العامة الشاملة للمؤمن ~~والكافر والدنيا والآخرة واختتمت بالثناء عليه بقوله: "تبارك اسم ربك ذي ~~الجلال والإكرام". # والسورة يحتمل كونها مكية أو مدنية وإن كان سياقها بالسياق المكي أشبه ~~وهي السورة الوحيدة في القرآن افتتحت بعد البسملة باسم من أسماء الله عز ~~اسمه، وفي المجمع، عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن جل ~~ذكره،: ورواه في الدر المنثور، عن البيهقي عن علي (عليه السلام) عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "الرحمن علم القرآن" الرحمن كما تقدم في تفسير سورة الفاتحة ~~صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة ببذل النعم ولذلك ناسب أن يعم ما يناله ~~المؤمن والكافر من نعم الدنيا وما يناله المؤمن من نعم الآخرة، ولعمومه ~~ناسب أن يصدر به الكلام لاشتمال الكلام في السورة على أنواع النعم الدنيوية ~~والأخروية التي ينتظم بها عالم الثقلين الإنس والجن. # ذكروا أن الرحمن من الأسماء الخاصة به تعالى لا يسمى به غيره بخلاف مثل ~~الرحيم والراحم. # وقوله: "علم القرآن" شروع في عد النعم الإلهية، ولما كان القرآن أعظم ~~النعم قدرا وشأنا وأرفعها مكانا - لأنه كلام الله الذي يخط صراطه المستقيم ~~ويتضمن بيان نهج السعادة التي هي غاية ما يأمله آمل ونهاية ما يسأله سائل - ~~قدم ذكر تعليمه على سائر النعم حتى على خلق الإنس والجن اللذين نزل القرآن ~~لأجل تعليمهما. # وحذف مفعول ms7060 "علم" الأول وهو الإنسان أو الإنس والجن والتقدير علم الإنسان ~~القرآن أو علم الإنس والجن القرآن، وهذا الاحتمال الثاني وإن لم يتعرضوا له ~~لكنه أقرب الاحتمالين لأن السورة تخاطب في تضاعيف آياتها الجن كالإنس ولو ~~لا شمول التعليم في قوله: "علم القرآن" لهم لم يتم ذلك. PageV19P051 # وقيل: المفعول المحذوف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو جبرئيل والأنسب ~~للسياق ما تقدم. # قوله تعالى: "خلق الإنسان علمه البيان" ذكر خلق الإنسان وسيذكر خصوصية ~~خلقه بقوله: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار"، والإنسان من أعجب مخلوقات ~~الله تعالى أو هو أعجبها يظهر ذلك بقياس وجوده إلى وجود غيره من المخلوقات ~~والتأمل فيما خط له من طريق الكمال في ظاهره وباطنه ودنياه وآخرته، قال ~~تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات": التين: 6. # وقوله: "علمه البيان" البيان الكشف عن الشيء والمراد به الكلام الكاشف ~~عما في الضمير، وهو من أعجب النعم وتعليمه للإنسان من عظيم العناية الإلهية ~~المتعلقة به فليس الكلام مجرد إيجاد صوت ما باستخدام الرئة وقصبتها ~~والحلقوم ولا ما يحصل من التنوع في الصوت الخارج من الحلقوم باعتماده على ~~مخارج الحروف المختلفة في الفم. # بل يجعل الإنسان بإلهام باطني من الله سبحانه الواحد من هذه الأصوات ~~المعتمدة على مخرج من مخارج الفم المسمى حرفا أو المركب من عدة من الحروف ~~علامة مشيرة إلى مفهوم من المفاهيم يمثل به ما يغيب عن حس السامع وإدراكه ~~فيقدر به على إحضار أي وضع من أوضاع العالم المشهود وإن جل ما جل أو دق ما ~~دق من موجود أو معدوم ماض أو مستقبل، ثم على إحضار أي وضع من أوضاع المعاني ~~غير المحسوسة التي ينالها الإنسان بفكره ولا سبيل للحس إليها يحضرها جميعا ~~لسامعه ويمثلها لحسه كأنه يشخصها له بأعيانها. # ولا يتم للإنسان اجتماعه المدني ولا تقدم في حياته هذا التقدم الباهر إلا ~~بتنبهه لوضع الكلام وفتحه بذلك باب التفهيم والتفهم، ولو لا ذلك لكان هو ~~والحيوان العجم ms7061 سواء في جمود الحياة وركودها. # ومن أقوى الدليل على أن اهتداء الإنسان إلى البيان بإلهام إلهي له أصل في ~~التكوين اختلاف اللغات باختلاف الأمم والطوائف في الخصائص الروحية والأخلاق ~~النفسانية وبحسب اختلاف المناطق الطبيعية التي يعيشون فيها، قال تعالى: ~~"ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم": الروم: 22. # وليس المراد بقوله: "علمه البيان" أن الله سبحانه وضع اللغات ثم علمها ~~الإنسان بالوحي إلى نبي من الأنبياء أو بالإلهام فإن الإنسان بوقوعه في ظرف ~~الاجتماع مندفع بالطبع إلى اعتبار التفهيم والتفهم بالإشارات والأصوات وهو ~~التكلم والنطق لا يتم له الاجتماع المدني دون ذلك. # على أن فعله تعالى هو التكوين والإيجاد والرابطة بين اللفظ ومعناه اللغوي ~~وضعية اعتبارية لا حقيقية خارجية بل الله سبحانه خلق الإنسان وفطره فطرة ~~تؤديه إلى الاجتماع المدني ثم إلى وضع اللغة بجعل اللفظ علامة للمعنى بحيث ~~إذا ألقي اللفظ إلى سامعه فكأنما يلقى إليه المعنى ثم إلى وضع الخط بجعل ~~الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ فالخط مكمل لغرض الكلام، وهو يمثل الكلام ~~كما أن الكلام يمثل المعنى. # وبالجملة البيان من أعظم النعم والآلاء الربانية التي تحفظ لنوع الإنسان ~~موقفه الإنساني وتهديه إلى كل خير. # هذا ما هو الظاهر المتبادر من الآيتين، ولهم في معناهما أقوال: فقيل: ~~الإنسان هو آدم (عليه السلام) والبيان الأسماء التي علمه الله إياها، وقيل: ~~الإنسان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والبيان القرآن أو تعليمه المؤمنين ~~القرآن، وقيل: البيان الخير والشر علمهما الإنسان، وقيل: سبيل الهدى وسبيل ~~الضلال إلى غير ذلك وهي أقوال بعيدة عن الفهم. # قوله تعالى: "الشمس والقمر بحسبان" الحسبان مصدر بمعنى الحساب، والشمس ~~مبتدأ والقمر معطوف عليه، وبحسبان خبره، والجملة خبر بعد خبر لقوله: ~~"الرحمن" والتقدير الشمس والقمر يجريان بحساب منه على ما قدر لهما من نوع الجري. # قوله تعالى: "والنجم والشجر يسجدان" قالوا: المراد بالنجم ما ينجم من ~~النبات ويطلع من الأرض ولا ساق له، والشجر ما له ساق من النبات، وهو معنى ~~حسن يؤيده الجمع والقرن بين النجم والشجر ms7062 وإن كان ربما أوهم سبق ذكر الشمس ~~والقمر كون المراد بالنجم هو الكواكب. PageV19P052 # وسجود النجم والشجر انقيادهما للأمر الإلهي بالنشوء والنمو على حسب ما قدر ~~لهما كما قيل، وأدق منه أنهما يضربان في التراب بأصولهما وأعراقهما لجذب ما ~~يحتاجان إليه من المواد العنصرية التي يغتذيان بها وهذا السقوط على الأرض ~~إظهارا للحاجة إلى المبدأ الذي يقضي حاجتهما - وهو في الحقيقة الله الذي ~~يربيهما كذلك - سجود منهما له تعالى. # والكلام في إعراب قوله: "والنجم والشجر يسجدان" وهو معطوف على الآية ~~السابقة كالكلام في قوله: "الشمس والقمر بحسبان" والتقدير والنجم والشجر ~~يسجدان له. # قال في الكشاف،: فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن يعني قوله: ~~"الشمس والقمر - إلى قوله - يسجدان"؟ قلت: استغني فيهما عن الوصل اللفظي ~~بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره. # وقال في وجه إخلاء الآيات السابقة - خلق الإنسان علمه البيان الشمس ~~والقمر بحسبان - عن العاطف ما محصله أن هذه الجمل الأول واردة على سنن ~~التعديد ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تفريع الذين أنكروا الرحمن ~~وآلاءه كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه فيقال: زيد ~~أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما ~~تنكر من إحسانه؟. # ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يحب وصله للتناسب ~~والتقارب بالعاطف فقيل: "والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها" إلخ، انتهى. # قوله تعالى: "والسماء رفعها ووضع الميزان" المراد بالسماء إن كان جهة ~~العلو فرفعها خلقها مرفوعة لا رفعها بعد خلقها وإن كان ما في جهة العلو من ~~الأجرام فرفعها تقدير محالها بحيث تكون مرفوعة بالنسبة إلى الأرض بالفتق ~~بعد الرتق كما قال تعالى: "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا ~~رتقا ففتقناهما": الأنبياء: 30، والرفع على أي حال رفع حسي. # وإن كان المراد ما يشمل منازل الملائكة الكرام ومصادر الأمر الإلهي ~~والوحي فالرفع معنوي أو ما يشمل الحسي والمعنوي. # وقوله: "ووضع الميزان" المراد بالميزان ms7063 كل ما يوزن أي يقدر به الشيء أعم ~~من أن يكون عقيدة أو قولا أو فعلا ومن مصاديقه الميزان الذي يوزن به ~~الأثقال، قال تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط": الحديد: 25. # فظاهره مطلق ما يميز به الحق من الباطل والصدق من الكذب والعدل من الظلم ~~والفضيلة من الرذيلة على ما هو شأن الرسول أن يأتي به من عند ربه. # وقيل: المراد بالميزان العدل أي وضع الله العدل بينكم لتسووا به بين ~~الأشياء بإعطاء كل ذي حق حقه. # وقيل: المراد الميزان الذي يوزن به الأثقال والمعنى الأول أوسع وأشمل. # قوله تعالى: "ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان" الظاهر أن المراد بالميزان الميزان المعروف وهو ميزان الأثقال، ~~فقوله: "ألا تطغوا" إلخ على تقدير أن يراد بالميزان في الآية السابقة أيضا ~~ميزان الأثقال، وهو بيان وضع الميزان، والمعنى أن معنى وضعنا الميزان بينكم ~~هو أن اعدلوا في وزن الأثقال ولا تطغوا فيه. # وعلى تقدير أن يراد به مطلق التقدير الحق أو العدل هو استخراج حكم جزئي ~~من حكم كلي، والمعنى أن لازم ما وضعناه من التقدير الحق أو العدل بينكم هو ~~أن تزنوا الأثقال بالقسط ولا تطغوا فيه. # وعلى أي حال الظاهر أن "إن" في قوله: "أن لا تطغوا" تفسيرية، و"لا تطغوا" ~~نهي عن الطغيان في الميزان و"أقيموا الوزن بالقسط" أمر معطوف عليه، والقسط ~~العدل و"لا تخسروا الميزان" نهي آخر مبين لقوله: "لا تطغوا إلخ، ومؤكد له. # والإخسار في الميزان التطفيف به بزيادة أو نقيصة بحيث يخسر البائع أو ~~المشتري. # وأما جعل "أن" ناصبة و"لا تطغوا" نفيا، والتقدير: لئلا تطغوا، فيحتاج إلى ~~تكلف توجيه في عطف الإنشاء على الإخبار في قوله: "وأقيموا الوزن" إلخ. # قوله تعالى: "والأرض وضعها للأنام" الأنام الناس، وقيل: الإنس والجن، ~~وقيل: كل ما يدب على الأرض، وفي التعبير في الأرض بالوضع قبال التعبير في ~~السماء بالرفع لطف ظاهر. PageV19P053 # قوله تعالى: "فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام" المراد بالفاكهة الثمرة غير ms7064 ~~التمر، والأكمام جمع كم بضم الكاف وكسرها وعاء التمر وهو الطلع، وأما كم ~~القميص فهو مضموم الكاف لا غير كما قيل. # قوله تعالى: "والحب ذو العصف والريحان" معطوف على قوله: "فاكهة" أي وفيها ~~الحب والريحان، والحب ما يقتات به كالحنطة والشعير والأرز، والعصف ما هو ~~كالغلاف للحب وهو قشره، وفسر بورق الزرع مطلقا وبورق الزرع اليابس، ~~والريحان النبات الطيب الرائحة. # قوله تعالى: "فبأي آلاء ربكما تكذبان" الآلاء جمع إلى بمعنى النعمة. # والخطاب في الآية لعامة الثقلين: الجن والإنس ويدل على ذلك توجيه الخطاب ~~إليهما صريحا فيما سيأتي من قوله: "سنفرغ لكم أيها الثقلان" وقوله: "يا ~~معشر الجن والإنس" إلخ، وقوله: "يرسل عليكما شواظ" إلخ، فلا يصغى إلى قول ~~من قال: إن الخطاب في الآية للذكر والأنثى من بني آدم، ولا إلى قول من قال: ~~إنه من خطاب الواحد بخطاب الاثنين ويفيد تكرر الخطاب نحو يا شرطي اضربا ~~عنقه أي اضرب عنقه اضرب عنقه. # وتوجيه الخطاب إلى عالمي الجن والإنس هو المصحح لعد ما سنذكره من شدائد ~~يوم القيامة وعقوبات المجرمين من أهل النار من آلائه ونعمه تعالى، فإن سوق ~~المسيئين وأهل الشقوة في نظام الكون إلى ما تقتضيه شقوتهم ومجازاتهم بتبعات ~~أعمالهم من لوازم صلاح النظام العام الجاري في الكل الحاكم على الجميع فذلك ~~نعمة بالقياس إلى الكل وإن كان نقمة بالنسبة إلى طائفة خاصة منهم وهم ~~المجرمون وهذا نظير ما نجده في السنن والقوانين الجارية في المجتمعات فإن ~~التشديد على أهل البغي والفساد مما يتوقف عليه حياة المجتمع وبقاؤه وليس ~~يتنعم به أهل الصلاح خاصة كما أن إثابة أهل الصلاح بالثناء الجميل والأجر ~~الحسن كذلك. # فما في النار من عذاب وعقاب لأهلها وما في الجنة من كرامة وثواب آلاء ~~ونعم على معشر الجن والإنس كما أن الشمس والقمر والسماء المرفوعة والأرض ~~الموضوعة والنجم والشجر وغيرها آلاء ونعم على أهل الدنيا. # ويظهر من الآية أن للجن تنعما في الجملة بهذه النعم المعدودة في خلال ~~الآيات كما للإنس وإلا لم يصح ms7065 إشراكهم مع الإنس في التوبيخ. # قوله تعالى: "خلق الإنسان من صلصال كالفخار" الصلصال الطين اليابس الذي ~~يتردد منه الصوت إذا وطىء، والفخار الخزف. # والمراد بالإنسان نوعه والمراد بخلقه من صلصال كالفخار انتهاء خلقه إليه، ~~وقيل: المراد بالإنسان آدم (عليه السلام). # قوله تعالى: "وخلق الجان من مارج من نار" المارج هو اللهب الخالص من ~~النار، وقيل: اللهب المختلط بسواد، والكلام في الجان كالكلام في الإنسان ~~فالمراد به نوع الجن، وعدهم مخلوقين من النار باعتبار انتهاء خلقتهم إليها، ~~وقيل: المراد بالجان أبو الجن. # قوله تعالى: "رب المشرقين ورب المغربين" المراد بالمشرقين مشرق الصيف ~~ومشرق الشتاء، وبذلك تحصل الفصول الأربعة وتنتظم الأرزاق، وقيل: المراد ~~بالمشرقين مشرق الشمس والقمر وبالمغربين مغرباهما. # قوله تعالى: "مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان" المرج الخلط ~~والمرج الإرسال، يقال: مرجه أي خلطه ومرجه أي أرسله والمعنى الأول أظهر، ~~والظاهر أن المراد بالبحرين العذب الفرات والملح الأجاج، قال تعالى: "وما ~~يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما ~~طريا وتستخرجون حلية تلبسونها": فاطر: 12. # وأمثل ما قيل في الآيتين أن المراد بالبحرين جنس البحر المالح الذي يغمر ~~قريبا من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من البحار المحيطة، وغير المحيطة ~~والبحر العذب المدخر في مخازن الأرض التي تنفجر الأرض عنها فتجري العيون ~~والأنهار الكبيرة فتصب في البحر المالح، ولا يزالان يلتقيان، وبينهما حاجز ~~وهو نفس المخازن الأرضية والمجاري يحجز البحر المالح أن يبغي على البحر ~~العذب فيغشيه ويبدله بحرا مالحا وتبطل بذلك الحياة، ويحجز البحر العذب أن ~~يزيد في الانصباب على البحر المالح فيبدله ماء عذبا فتبطل بذلك مصلحة ~~ملوحته من تطهير الهواء وغيره. # ولا يزال البحر المالح يمد البحر العذب بالأمطار التي تأخذها منه السحب ~~فتمطر على الأرض وتدخرها المخازن الأرضية والبحر العذب يمد البحر المالح ~~بالانصباب عليه. PageV19P054 # فمعنى الآيتين - والله أعلم - خلط البحرين العذب الفرات والملح الأجاج حال ~~كونهما مستمرين في تلاقيهما بينهما حاجز لا يطغيان بأن يغمر أحدهما الآخر ~~فيذهب بصفته من العذوبة ms7066 والملوحة فيختل نظام الحياة والبقاء. # قوله تعالى: "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" أي من البحرين العذب والمالح ~~جميعا وذلك من فوائدهما التي ينتفع بها الإنسان، وقد تقدم فيه الكلام في ~~تفسير قوله تعالى: "وما يستوي البحران" الآية،: فاطر: 12. # قوله تعالى: "وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام" الجواري جمع جارية ~~وهي السفينة، والمنشئات اسم مفعول من الإنشاء وهو إحداث الشيء وتربيته، ~~والأعلام جمع علم بفتحتين وهو الجبل. # وعد الجواري مملوكة له تعالى مع كونها من صنع الإنسان لأن الأسباب ~~العاملة في إنشائها من خشب وحديد وسائر أجزائها التي تتركب منها والإنسان ~~الذي يركبها وشعوره وفكره وإرادته كل ذلك مخلوق له ومملوك فما ينتجه عملها ~~من ملكه. # فهو تعالى المنعم بها للإنسان ألهمه طريق صنعها والمنافع المترتبة عليها ~~وسبيل الانتفاع بمنافعها الجمة. # قوله تعالى: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" ضمير ~~"عليها" للأرض أي كل ذي شعور وعقل على الأرض سيفنى وفيه تسجيل الزوال ~~والدثور على الثقلين. # وإنما أتى باللفظ الدال على أولي العقل - كل من عليها - ولم يقل: كل ما ~~عليها كذلك لأن الكلام مسرود في السورة لتعداد نعمه وآلائه تعالى للثقلين ~~في نشأتيهم الدنيا والآخرة. # وظهور قوله: "فإن" في الاستقبال كما يستفاد أيضا من السياق يعطي أن قوله: ~~"كل من عليها فان" يشير إلى انقطاع أمد النشأة الدنيا وارتفاع حكمها بفناء ~~من عليها وهم الثقلان وطلوع النشأة الأخرى عليهم، وكلاهما أعني فناء من ~~عليها وطلوع نشأة الجزاء عليهم من النعم والآلاء لأن الحياة الدنيا حياة ~~مقدمية لغرض الآخرة والانتقال من المقدمة إلى الغرض والغاية نعمة. # وبذلك يندفع قول من قال: أي نعمة في الفناء حتى يجعل من النعم ويعد من ~~الآلاء. # ومحصل الجواب أن حقيقة هذا الفناء الرجوع إلى الله بالانتقال من الدنيا ~~كما تفسره آيات كثيرة في كلامه تعالى وليس هو الفناء المطلق. # وقوله: "ويبقى وجه ربك" وجه الشيء ما يستقبل به غيره ويقصده به غيره، وهو ~~فيه سبحانه صفاته الكريمة التي تتوسط بينه وبين خلقه ms7067 فتنزل بها عليهم ~~البركات من خلق وتدبير كالعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والمغفرة ~~والرزق وقد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام مبسوط في كون أسمائه وصفاته ~~تعالى وسائط بينه وبين خلقه. # وقوله: "ذو الجلال والإكرام" في الجلال شيء من معنى الاعتلاء والترفع ~~المعنوي على الغير فيناسب من الصفات ما فيه شائبة الدفع والمنع كالعلو ~~والتعالي والعظمة والكبرياء والتكبر والإحاطة والعزة والغلبة. # ويبقى للإكرام من المعنى ما فيه نعت البهاء والحسن الذي يجذب الغير ~~ويولهه كالعلم والقدرة والحياة والرحمة والجود والجمال والحسن ونحوها وتسمى ~~صفات الجمال كما تسمى القسم الأول صفات الجلال وتسمى الأسماء أيضا على حسب ~~ما فيها من صفات الجمال أو الجلال بأسماء الجمال أو الجلال. # فذو الجلال والإكرام اسم من الأسماء الحسنى جامع بمفهومه بين أسماء ~~الجمال وأسماء الجلال جميعا. # والمسمى به بالحقيقة هو الذات المقدسة كما في قوله في آخر السورة: "تبارك ~~اسم ربك ذي الجلال والإكرام" لكن أجرى في هذه الآية - ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام - على الوجه، وهو إما لكونه وصفا مقطوعا عن الوصفية للمدح، ~~والتقدير هو ذو الجلال والإكرام، وإما لأن المراد بالوجه كما تقدم هو صفته ~~الكريمة واسمه المقدس وإجراء الاسم على الاسم مآله إلى إجراء الاسم على الذات. # ومعنى الآية على تقدير أن يراد بالوجه ما يستقبل به الشيء غيره وهو الاسم ~~- ومن المعلوم أن بقاء الاسم 1 فرع بقاء المسمى -: ويبقى ربك عز اسمه بما ~~له من الجلال والإكرام من غير أن يؤثر فناؤهم فيه أثرا أو يغير منه شيئا. PageV19P055 # وعلى تقدير أن يراد بالوجه ما يقصده به غيره ومصداقه كل ما ينتسب إليه ~~تعالى فيكون مقصودا بنحو للمتوجه إليه كأنبيائه وأوليائه ودينه وثوابه ~~وقربه وسائر ما هو من هذا القبيل فالمعنى: ويبقى بعد فناء أهل الدنيا ما هو ~~عنده تعالى وهو من صقعه وناحيته كأنواع الجزاء والثواب والقرب منه، قال ~~تعالى: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: 96. # وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "كل شيء هالك إلا ms7068 وجهه": القصص: 88 من ~~الكلام بعض ما لا يخلو من نفع في المقام. # قوله تعالى: "يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن" سؤالهم سؤال ~~حاجة فهم في حاجة من جميع جهاتهم إليه تعالى متعلقوا الوجودات به متمسكون ~~بذيل غناه وجوده، قال تعالى: "أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني": ~~فاطر: 15، وقال في هذا المعنى من السؤال: "وآتاكم من كل ما سألتموه": ~~إبراهيم: 34. # وقوله: "كل يوم هو في شأن" تنكير "شأن" للدلالة على التفرق والاختلاف ~~فالمعنى: كل يوم هو تعالى في شأن غير ما في سابقه ولاحقه من الشأن فلا ~~يتكرر فعل من أفعاله مرتين ولا يماثل شأن من شئونه شأنا آخر من جميع الجهات ~~وإنما يفعل على غير مثال سابق وهو الإبداع، قال تعالى: "بديع السماوات ~~والأرض": البقرة: 117. # ومعنى ظرفية اليوم إحاطته تعالى في مقام الفعل على الأشياء فهو سبحانه في ~~كل زمان وليس في زمان وفي كل مكان وليس في مكان ومع كل شيء ولا يداني شيئا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرحمن على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا، ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الجن كانوا أحسن جوابا منكم لما ~~قرأت عليهم "فبأي آلاء ربكما تكذبان" قالوا: لا ولا بشيء من آلاء ربنا ~~نكذب:. أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع ~~وصححه عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي العيون، بإسناده عن الرضا (عليه السلام): فيما سأل الشامي عليا (عليه ~~السلام) وفيه: سأله عن اسم أبي الجن فقال: شؤمان وهو الذي خلق من مارج من نار. # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) في حديث: وأما قوله: "رب المشرقين ~~ورب المغربين" فإن مشرق الشتاء على حدة ومشرق الصيف على حدة. أما تعرف ذلك ~~من قرب الشمس وبعدها؟: أقول: وروى هذا المعنى القمي في تفسيره، مرسلا مضمرا. # وفي ms7069 الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: في قوله: "مرج البحرين ~~يلتقيان" قال: علي وفاطمة "بينهما برزخ لا يبغيان" قال: النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" قال: الحسن والحسين:. أقول: ~~ورواه أيضا عن ابن مردويه عن أنس بن مالك مثله، ورواه في مجمع البيان، عن ~~سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري. # وهو من البطن. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "كل من عليها فان" قال من على وجه ~~الأرض "ويبقى وجه ربك" قال: دين ربك، وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): ~~نحن الوجه الذي يؤتى الله منه. # وفي مناقب ابن شهرآشوب،: قوله: "ويبقى وجه ربك" قال الصادق (عليه ~~السلام): نحن وجه الله. # أقول: وفي معنى هاتين الروايتين غيرهما، وقد تقدم ما يوجه به تفسير الوجه ~~بالدين وبالإمام. # وفي الكافي، في خطبة لعلي (عليه السلام): الحمد لله الذي لا يموت ولا ~~ينقضي عجائبه لأنه كل يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: يحيي ويميت ويزيد وينقص. # وفي المجمع، عن أبي الدرداء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في ~~قوله: "كل يوم هو في شأن" قال: من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع ~~قوما، ويضع آخرين:. أقول: ورواه عنه في الدر المنثور، وروي ما في معناه عن ~~ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظه: يغفر ذنبا ويفرج كربا. PageV19P056 ### ||| AUTO 55 سورة الرحمن - 31 - 78 # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (32) يمعشر الجن ~~والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطن (33) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ~~فلا تنتصران (35) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت السماء فكانت ~~وردة كالدهان (37) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسئل عن ذنبه ~~إنس ولا جان (39) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ ~~بالنوصى والأقدام (41) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التى يكذب ~~بها المجرمون (43) يطوفون بينها ms7070 وبين حميم ءان (44) فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان (45) ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (47) ~~ذواتا أفنان (48) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فكهة زوجان (52) فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان (55) فيهن قصرت الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ~~(56) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان (59) هل جزاء الاحسن إلا الاحسن (60) فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~(61) ومن دونهما جنتان (62) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان (67) فيهما فكهة ونخل ورمان (68) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (69) فيهن ~~خيرت حسان (70) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورت فى الخيام (72) ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان (76) فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان (77) تبرك اسم ربك ذى الجلل والاكرام (78) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثاني من آيات السورة يصف نشأة الثقلين الثانية وهي نشأة ~~الرجوع إلى الله وجزاء الأعمال ويعد آلاء الله تعالى عليهم كما كانت الآيات ~~السابقة فصلا أولا يصف النشأة الأولى ويعد آلاء الله فيها عليهم. # قوله تعالى: "سنفرغ لكم أيه الثقلان" يقال: فرغ فلان لأمر كذا إذا كان ~~مشتغلا قبلا بأمور ثم تركها وقصر الاشتغال بذاك الأمر اهتماما به. # فمعنى "سنفرغ لكم" سنطوي بساط النشأة الأولى ونشتغل بكم، وتبين الآيات ~~التالية أن المراد بالاشتغال بهم بعثهم وحسابهم ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو ~~شرا فالفراغ لهم استعارة بالكناية عن تبدل النشأة. # ولا ينافي الفراغ لهم كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن فإن الفراغ المذكور ~~ناظر إلى تبدل النشأة وكونه لا يشغله شأن عن شأن ناظر إلى إطلاق القدرة ~~وسعتها كما لا ينافي كونه تعالى كل يوم هو في شأن الناظر إلى اختلاف الشئون ~~كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. # والثقلان الجن والإنس، وإرجاع ضمير الجمع في "لكم" و"إن ms7071 استطعتم" وغيرهما ~~إليهما لكونهما جمعا ذا أفراد. # قوله تعالى: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا" إلخ، الخطاب - على ما يفيده السياق - من خطابات ~~يوم القيامة وهو خطاب تعجيزي. PageV19P057 # والمراد بالاستطاعة القدرة، وبالنفوذ من الأقطار الفرار، والأقطار جمع قطر ~~وهو الناحية. # والمعنى: يا معشر الجن والإنس - وقدم الجن لأنهم على الحركات السريعة ~~أقدر - إن قدرتم أن تفروا بالنفوذ من نواحي السماوات والأرض والخروج من ملك ~~الله والتخلص من مؤاخذته ففروا وانفذوا. # وقوله: "لا تنفذون إلا بسلطان" أي لا تقدرون على النفوذ إلا بنوع من ~~السلطة على ذلك وليس لكم والسلطان القدرة الوجودية، والسلطان البرهان أو ~~مطلق الحجة، والسلطان الملك. # وقيل: المراد بالنفوذ المنفي في الآية النفوذ العلمي في السماوات والأرض ~~من أقطارهما، وقد عرفت أن السياق لا يلائمه. # قوله تعالى: "يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران" الشواظ - على ~~ما ذكره الراغب - اللهب الذي لا دخان فيه، ويقرب منه ما في المجمع، أنه ~~اللهب الأخضر المنقطع من النار، والنحاس الدخان وقال الراغب: هو اللهب بلا ~~دخان والمعنى ظاهر. # وقوله: "فلا تنتصران" أي لا تتناصران بأن ينصر بعضكم بعضا لرفع البلاء ~~والتخلص عن العناء لسقوط تأثير الأسباب ولا عاصم اليوم من الله. # قوله تعالى: "فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان" أي كانت حمراء ~~كالدهان وهو الأديم الأحمر. # قوله تعالى: "فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان" الآية وما يتلوها من ~~الآيات إلى آخر السورة تصف الحساب والجزاء تصف حال المجرمين والخائفين مقام ~~ربهم وما ينتهي إليه. # ثم الآية تصف سرعة الحساب وقد قال تعالى: "والله سريع الحساب": النور: 39. # والمراد بيومئذ يوم القيامة، والسؤال المنفي هو النحو المألوف من السؤال، ~~ولا ينافي نفي السؤال في هذه الآية إثباته في قوله: "وقفوهم إنهم مسئولون": ~~الصافات: 24، وقوله: "فو ربك لنسألنهم أجمعين": الحجر: 92، لأن اليوم ذو ~~مواقف مختلفة يسأل في بعضها، ويختم على الأفواه في بعضها وتكلم الأعضاء، ~~ويعرف بالسيماء في بعضها. # قوله تعالى: "يعرف المجرمون بسيماهم ms7072 فيؤخذ بالنواصى والأقدام" في مقام ~~الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فإذا لم يسألوا عن ذنبهم فما يصنع بهم؟ ~~فأجيب بأنه يعرف المجرمون بسيماهم إلخ، ولذا فصلت الجملة ولم يعطف، والمراد ~~بسيماهم علامتهم البارزة في وجوههم. # وقوله: "فيؤخذ بالنواصي والأقدام" الكلام متفرع على المعرفة المذكورة، ~~والنواصي جمع ناصية وهي شعر مقدم الرأس، والأقدام جمع قدم، وقوله: ~~"بالنواصي" نائب فاعل يؤخذ. # والمعنى: - لا يسأل أحد عن ذنبه - يعرف المجرمون بعلامتهم الظاهرة في ~~وجوههم فيؤخذ بالنواصي والأقدام من المجرمين فيلقون في النار. # قوله تعالى: "هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون - إلى قوله - آن" مقول قول ~~مقدر أي يقال يومئذ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، وقال الطبرسي: ويمكن ~~أنه لما أخبر الله سبحانه أنهم يؤخذون بالنواصي والأقدام قال للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون من قومك فسيردونها ~~فليهن عليك أمرهم. # انتهى. # والحميم الماء الحار، والآني الذي انتهت حرارته والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" شروع في وصف حال السعداء من ~~الخائفين مقام ربهم، والمقام مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى فاعله، ~~والمراد قيامه تعالى عليه بعمله وهو إحاطته تعالى وعلمه بما عمله وحفظه له ~~وجزاؤه عليه قال تعالى: "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت": الرعد: 33. # ويمكن أن يكون المقام اسم مكان والإضافة لامية والمراد به مقامه وموقفه ~~تعالى من عبده وهو أنه تعالى ربه الذي يدبر أمره ومن تدبير أمره أنه دعاه ~~بلسان رسله إلى الإيمان والعمل الصالح وقضى أن يجازيه على ما عمل خيرا أو ~~شرا هذا وهو محيط به وهو معه سميع بما يقول بصير بما يعمل لطيف خبير. # والخوف من الله تعالى ربما كان خوفا من عقابه تعالى على الكفر به ~~ومعصيته، ولازمه أن يكون عبادة من يعبده خوفا بهذا المعنى يراد بها التخلص ~~من العقاب لا لوجه الله محضا وهو عبادة العبيد يعبدون مواليهم خوفا من ~~السياسة كما أن عبادة من يعبده طمعا في الثواب غايتها الفوز ms7073 بما تشتهيه ~~النفس دون وجهه الكريم وهي عبادة التجار كما في الروايات وقد تقدم شطر منها. PageV19P058 # والخوف المذكور في الآية - ولمن خاف مقام ربه - ظاهره غير هذا الخوف فإن ~~هذا خوف من العقاب وهو غير الخوف من قيامه تعالى على عبده بما عمل أو الخوف ~~من مقامه تعالى من عبده فهو تأثر خاص ممن ليس له إلا الصغار والحقارة تجاه ~~ساحة العظمة والكبرياء، وظهور أثر المذلة والهوان والاندكاك قبال العزة ~~والجبروت المطلقين. # وعبادته تعالى خوفا منه بهذا المعنى من الخوف خضوع له تعالى لأنه الله ذو ~~الجلال والإكرام لا لخوف من عقابه ولا طمعا في ثوابه بل فيه إخلاص العمل ~~لوجهه الكريم، وهذا المعنى من الخوف هو الذي وصف الله به المكرمين من ~~ملائكته وهم معصومون آمنون من عقاب المخالفة وتبعة المعصية قال تعالى: ~~"يخافون ربهم من فوقهم": النحل: 50. # فتبين مما تقدم أن الذين أشار إليهم بقوله: "ولمن خاف" أهل الإخلاص ~~الخاضعون لجلاله تعالى العابدون له لأنه الله عز اسمه لا خوفا من عقابه ولا ~~طمعا في ثوابه، ولا يبعد أن يكونوا هم الذين سموا سابقين في قوله: "وكنتم ~~أزواجا ثلاثة - إلى أن قال - والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة: 11. # وقوله: "جنتان" قيل: إحداهما منزله ومحل زيارة أحبابه له والأخرى منزل ~~أزواجه وخدمه، وقيل: بستانان بستان داخل قصره وبستان خارجه، وقيل: منزلان ~~ينتقل من أحدهما إلى الآخر ليكمل به التذاذه، وقيل: جنة لعقيدته وجنة ~~لعمله، وقيل: جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي، وقيل: جنة جسمانية وجنة ~~روحانية وهذه الأقوال - كما ترى - لا دليل على شيء منها. # وقيل: جنة يثاب بها وجنة يتفضل بها عليه، ويمكن أن يستشعر ذلك من قوله ~~تعالى: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35، على ما مر في تفسيره. # قوله تعالى: "ذواتا أفنان" ذواتا تثنية ذات، و"أفنان" إما جمع فن بمعنى ~~النوع والمعنى: ذواتا أنواع من الثمار ونحوها، وإما جمع فنن بمعنى الغصن ~~الرطب اللين والمعنى: ذواتا أغصان لينة أشجارهما. # قوله تعالى: "فيهما عينان تجريان" وقد أبهمت ms7074 العينان وفيه دلالة على ~~فخامة أمرهما. # قوله تعالى: "فيهما من كل فاكهة زوجان" أي صنفان قيل: صنف معروف لهم ~~شاهدوه في الدنيا وصنف غير معروف لم يروه في الدنيا، وقيل: غير ذلك، ولا ~~دلالة في الكلام على شيء من ذلك. # قوله تعالى: "متكئين على فرش بطائنها من إستبرق" إلخ، الفرش جمع فراش، ~~والبطائن جمع بطانة وهي داخل الشيء وجوفه مقابل الظهائر جمع ظهارة، ~~والإستبرق الحرير الغليظ قال في المجمع،: ذكر البطانة ولم يذكر الظهارة لأن ~~البطانة تدل على أن لها ظهارة والبطانة دون الظهارة فدل على أن الظهارة فوق ~~الإستبرق، انتهى. # وقوله: "وجنى الجنتين دان" الجنى الثمر المجتنى و"دان" اسم فاعل من الدنو ~~بمعنى القرب أي ما يجتنى من ثمار الجنتين قريب. # قوله تعالى: "فيهن قاصرات الطرف" إلى آخر الآية ضمير "فيهن" للفرش وجوز ~~أن يرجع إلى الجنان فإنها جنان لكل واحد من أولياء الله منها جنتان، والطرف ~~جفن العين، والمراد بقصور الطرف اكتفاؤهن بأزواجهن فلا يردن غيرهم. # وقوله: "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان" الطمث الافتضاض والنكاح بالتدمية، ~~والمعنى: لم يمسسهن بالنكاح إنس ولا جان قبل أزواجهن. # قوله تعالى: "كأنهن الياقوت والمرجان" أي في صفاء اللون والبهاء ~~والتلالؤ. # قوله تعالى: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" استفهام إنكاري في مقام ~~التعليل لما ذكر من إحسانه تعالى عليهم بالجنتين وما فيهما من أنواع النعم ~~والآلاء فيفيد أنه تعالى يحسن إليهم هذا الإحسان جزاء لإحسانهم بالخوف من ~~مقام ربهم. # وتفيد الآية أن ما أوتوه من الجنة ونعيمها جزاء لأعمالهم وأما ما يستفاد ~~من بعض الآيات أنهم يعطون فضلا وراء جزاء أعمالهم فلا تعرض في هذه الآيات ~~لذلك إلا أن يقال: الإحسان إنما يتم إذا كان يربو على ما أحسن به المحسن ~~إليه فإطلاق الإحسان في قوله: "إلا الإحسان" يفيد الزيادة. # قوله تعالى: "ومن دونهما جنتان" ضمير التثنية للجنتين الموصوفتين في ~~الآيات السابقة ومعنى. PageV19P059 # "من دونهما" أي أنزل درجة وأحط فضلا وشرفا منهما وإن كانتا شبيهتين ~~بالجنتين السابقتين في نعمهما وآلائهما، وقد تقدم ms7075 أن الجنتين السابقتين ~~لأهل الإخلاص الخائفين مقام ربهم فهاتان الجنتان لمن دونهم من المؤمنين ~~العابدين لله سبحانه خوفا من النار أو طمعا في الجنة وهم أصحاب اليمين. # وقيل: معنى "من دونهما" بالقرب منهما، ويستفاد من السياق حينئذ أن هاتين ~~الجنتين أيضا لأهل الجنتين المذكورتين قبلا بل ادعى بعضهم أن هاتين الجنتين ~~أفضل من السابقتين والصفات المذكورة فيهما أمدح. # وأنت بالتدبر فيما قدمناه في معنى لمن خاف مقام ربه وما يستفاد من كلامه ~~تعالى أن أهل الجنة صنفان: المقربون أهل الإخلاص وأصحاب اليمين تعرف قوة ~~الوجه السابق. # قوله تعالى: "مدهامتان" الادهيمام من الدهمة اشتداد الخضرة بحيث تضرب إلى ~~السواد وهو ابتهاج الشجرة. # قوله تعالى: "فيهما عينان نضاختان" أي فوارتان تخرجان من منبعهما بالدفع. # قوله تعالى: "فيهما فاكهة ونخل ورمان" المراد بالفاكهة والرمان شجرتهما ~~بقرينة النخل. # قوله تعالى: "فيهن خيرات حسان" ضمير "فيهن" للجنان باعتبار أنها جنتان من ~~هاتين الجنتين، وقيل: مرجع الضمير الجنات الأربع المذكورة في الآيات، وقيل: ~~الضمير للفاكهة والنخل والرمان. # وأكثر ما يستعمل الخير في المعاني كما أن أكثر استعمال الحسن في الصور، ~~وعلى هذا فمعنى خيرات حسان أنهن حسان في أخلاقهن حسان في وجوههن. # قوله تعالى: "حور مقصورات في الخيام" الخيام جمع خيمة وهي الفسطاط، ~~وكونهن مقصورات في الخيام أنهن مصونات غير مبتذلات لا نصيب لغير أزواجهن فيهن. # قوله تعالى: "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان" تقدم معناه. # قوله تعالى: "متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان" في الصحاح،: الرفرف ثياب ~~خضر تتخذ منها المجالس. # انتهى. # وقيل: هي الوسائد، وقيل: غير ذلك، والخضر جمع أخضر صفة لرفرف، والعبقري ~~قيل: الزرابي، وقيل: الطنافس، وقيل: الثياب الموشاة، وقيل: الديباج. # قوله تعالى: "تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام" ثناء جميل له تعالى بما ~~امتلأت النشأتان الدنيا والآخرة بنعمه وآلائه وبركاته النازلة من عنده ~~برحمته الواسعة، وبذلك يظهر أن المراد باسمه المتبارك هو الرحمن المفتتحة ~~به السورة، والتبارك كثرة الخيرات والبركات الصادرة. # فقوله: "تبارك اسم ربك" تبارك الله المسمى بالرحمن بما أفاض هذه ms7076 الآلاء. # وقوله: "ذي الجلال والإكرام" إشارة إلى تسميه بأسمائه الحسنى واتصافه بما ~~يدل عليه من المعاني الوصفية ونعوت الجلال والجمال، ولصفات الفاعل ظهور في ~~أفعاله وأثر فيها يرتبط به الفعل بفاعله فهو تعالى خلق الخلق ونظم النظام ~~لأنه بديع خالق مبدىء فأتقن الفعل لأنه عليم حكيم وجازى أهل الطاعة بالخير ~~لأنه ودود شكور غفور رحيم وأهل الفسق بالشر لأنه منتقم شديد العقاب. # فتوصيف الرب - الذي أثنى على سعة رحمته - بذي الجلال والإكرام للإشارة ~~إلى أن لأسمائه الحسنى وصفاته العليا دخلا في نزول البركات والخيرات من ~~عنده، وأن نعمه وآلاءه عليها طابع أسمائه الحسنى وصفاته العليا تبارك ~~وتعالى. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: وقد جاء في الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ~~ثم ينادون: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم إلى قوله يرسل عليكما شواظ من ~~نار":. أقول: وروي هذا المعنى عن مسعدة بن صدقة عن كليب عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في ~~قول الله عز وجل: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" قال: من علم أن الله يراه ~~ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من ~~الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر ~~الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر ~~والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قرأ هذه الآية "ولمن خاف مقام ربه جنتان" فقلت: "أوإن زنى وإن سرق يا رسول ~~الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الثانية "ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان" فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء. PageV19P060 # أقول: الرواية لا تخلو من شيء فإن الخوف من مقامه تعالى لا يجامع هذه ~~الكبائر الموبقة، وقد روي عن أبي الدرداء نفسه ما يدفع ms7077 هذه الرواية ففي ~~الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي ~~الدرداء: في قوله: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" قال: قيل: يا أبا الدرداء وإن ~~زنى وإن سرق؟ قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "قاصرات الطرف" قال: الحور العين يقصر ~~الطرف عنها من ضوء نورها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "قاصرات الطرف" قال: لا ينظرن ~~إلا إلى أزواجهن. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "كأنهن الياقوت والمرجان" في الحديث أن ~~المرأة من أهل الجنة يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من حرير. # أقول: وهذا المعنى وارد في عدة روايات. # وفي تفسير العياشي، بإسناده عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: آية في كتاب الله مسجلة. قلت: وما هي؟ قال: قول الله عز وجل: ~~"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" جرى في الكافر والمؤمن والبر والفاجر، ومن ~~صنع إليه معروف فعليه أن يكافىء به، وليس المكافأة أن يصنع كما صنع حتى ~~يربى فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء. # وفي المجمع،: في قوله: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان": جاءت الرواية من ~~أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية فقال: ~~هل تدرون ما يقول ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن ربكم يقول: هل ~~جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة؟ وفي تفسير القمي،: في الآية قال: ~~ما جزاء من أنعمت عليه بالمعرفة إلا الجنة. # أقول: الرواية مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) وقد أسندها في التوحيد إلى جعفر بن محمد عن آبائه عن علي ~~(عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظها: أن الله عز وجل ~~قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة. # وأسندها في ms7078 العلل، إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) واللفظ: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة؟: وروي ~~الرواية بألفاظها المختلفة في الدر المنثور، بطرق مختلفة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقوله: أنعمت عليه، إشارة إلى أن إحسان العبد ~~بالحقيقة إحسان من الله إليه. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "ومن دونهما جنتان": عن العلاء بن سيابة عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام): قلت له: إن الناس يتعجبون منا إذا قلنا: يخرج ~~قوم من النار فيدخلون الجنة فيقولون لنا فيكونون مع أولياء الله في الجنة؟ ~~فقال يا علي إن الله يقول: "ومن دونهما جنتان" ما يكونون مع أولياء الله. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" ~~وقوله: "ومن دونهما جنتان" قال: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من ورق ~~لأصحاب اليمين. # أقول: والروايتان تؤيدان ما قدمناه في تفسير الآيتين. # وفيه، أخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: سألت النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن قوله: "مدهامتان" قال: خضراوان. # وفي تفسير القمي، بإسناده إلى يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): في قوله تعالى: "نضاختان" قال: تفوران. # وفيه،: في قوله: "فيهن خيرات حسان" قال: جوار نابتات على شط الكوثر كلما ~~أخذت منها نبتت مكانها أخرى. # وفي المجمع،: في قوله: "خيرات حسان" أي نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه:. ~~روته أم سلمة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الفقيه، قال الصادق (عليه السلام): الخيرات الحسان من نساء أهل ~~الدنيا وهن أجمل من الحور العين. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "فيهن خيرات حسان" قال: هن صوالح المؤمنات ~~العارفات. # أقول: وفي انطباق الآية بالنظر إلى سياقها على مورد الروايتين إبهام. PageV19P061 ### || AUTO ### ||| AUTO 56 سورة الواقعة - 1 - 10 ms7079 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) ~~خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء ~~منبثا (6) وكنتم أزوجا ثلثة (7) فأصحب الميمنة ما أصحب الميمنة (8) وأصحب ~~المشئمة ما أصحب المشئمة (9) والسبقون السبقون (10) ### |||| AUTO بيان # تصف السورة القيامة الكبرى التي فيها بعث الناس وحسابهم وجزاؤهم فتذكر ~~أولا شيئا من أهوالها مما يقرب من الإنسان والأرض التي يسكنها فتذكر ~~تقليبها للأوضاع والأحوال بالخفض والرفع وارتجاج الأرض وانبثاث الجبال ~~وتقسم الناس إلى ثلاثة أزواج إجمالا ثم تذكر ما ينتهي إليه حال كل من ~~الأزواج السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال. # ثم تحتج على أصحاب الشمال المنكرين لربوبيته وللبعث المكذبين بالقرآن ~~الداعي إلى التوحيد والإيمان بالبعث. # ثم تختم الكلام بذكر الاحتضار بنزول الموت وانقسام الناس إلى ثلاثة أزواج. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "إذا وقعت الواقعة" وقوع الحادثة هو حدوثها، والواقعة صفة ~~توصف بها كل حادثة، والمراد بها هاهنا واقعة القيامة وقد أطلقت إطلاق ~~الأعلام كأنها لا تحتاج إلى موصوف مقدر ولذا قيل: إنها من أسماء القيامة في ~~القرآن كالحاقة والقارعة والغاشية. # والجملة "إذا وقعت الواقعة" مضمنة معنى الشرط ولم يذكر جزاء الشرط إعظاما ~~له وتفخيما لأمره وهو على أي حال أمر مفهوم مما ستصفه السورة من حال الناس ~~يوم القيامة، والتقدير نحو من قولنا: فاز المؤمنون وخسر الكافرون. # قوله تعالى: "ليس لوقعتها كاذبة" قال في المجمع،: الكاذبة مصدر كالعافية ~~والعاقبة. # انتهى. # وعليه فالمعنى: ليس في وقعتها وتحققها كذب، وقيل: كاذبة صفة محذوفة ~~الموصوف والتقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة. # قوله تعالى: "خافضة رافعة" خبران مبتدؤهما الضمير الراجع إلى الواقعة، ~~والخفض خلاف الرفع وكونها خافضة رافعة كناية عن تقليبها نظام الدنيا ~~المشهود فتظهر السرائر وهي محجوبة اليوم وتحجب وتستر آثار الأسباب وروابطها ~~وهي ظاهرة اليوم وتذل الأعزة من أهل الكفر والفسق وتعز المتقين. # قوله تعالى: "إذا رجت الأرض رجا" الرج تحريك الشيء تحريكا شديدا إشارة ~~إلى زلزلة الساعة التي يعظمها الله سبحانه في قوله: "إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم": ms7080 الحج: 1، وقد عظمها في هذه الآية حيث عبر عنها برج الأرض ثم أكد ~~شدتها بتنكير قوله: "رجا" أي رجا لا يوصف شدته. # والجملة بدل أو بيان لقوله: "إذا وقعت الواقعة". # قوله تعالى: "وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا" عطف على رجت والبس الفت ~~وهو عود الجسم بدق ونحوه أجزاء صغارا متلاشية كالدقيق، وقيل: البس هو ~~التسيير فهو في معنى قوله: "وسيرت الجبال": النبأ: 20. # وقوله: "فكانت هباء منبثا" الهباء قيل: هو الغبار وقيل: هو الذرة من ~~الغبار الظاهر في شعاع الشمس الداخل من كوة، والانبثات التفرق، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وكنتم أزواجا ثلاثة" الزوج بمعنى الصنف والخطاب لعامة البشر. # قوله تعالى: "فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة" متفرع على ما قبلها تفرع ~~البيان على المبين، فهذه الآية والآيتان بعدها بيان للأزواج الثلاثة. # والميمنة من اليمن مقابل الشؤم، فأصحاب الميمنة أصحاب السعادة واليمن ~~مقابل أصحاب المشأمة أصحاب الشقاء والشؤم، وما قيل: إن المراد بالميمنة ~~اليمين، أي ناحية اليمين لأنهم يؤتون كتابهم بيمينهم وغيرهم يؤتونه بشمالهم ~~يرده مقابلة أصحاب الميمنة بأصحاب المشأمة، ولو كان كما قيل لقيل أصحاب ~~الشمال وهو ظاهر. # وما في قوله: "ما أصحاب الميمنة" استفهامية ومبتدأ خبره "أصحاب الميمنة"، ~~والمجموع خبر لقوله: "فأصحاب الميمنة" وفي الاستفهام إعظام لأمرهم وتفخيم ~~لشأنهم. # قوله تعالى: "وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة" المشأمة مصدر كالشؤم ~~مقابل اليمين، والميمنة والمشأمة السعادة والشقاء. PageV19P062 # قوله تعالى: "والسابقون السابقون" الذي يصلح أن يفسر به السابقون الأول ~~قوله تعالى: "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله": فاطر: 32، وقوله: "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات": البقرة: ~~148، وقوله: "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون": المؤمنون: 61. # فالمراد بالسابقين - الأول - في الآية السابقون بالخيرات من الأعمال، ~~وإذا سبقوا بالخيرات سبقوا إلى المغفرة والرحمة التي بإزائها كما قال ~~تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة": الحديد: 21، فالسابقون بالخيرات ~~هم السابقون بالرحمة وهو قوله: "والسابقون السابقون". # وقيل: المراد بالسابقون الثاني هو الأول على حد قوله: أنا أبو النجم ~~وشعري شعري. # وقوله: "والسابقون السابقون" ms7081 مبتدأ وخبر، وقيل: الأول مبتدأ والثاني ~~تأكيد، والخبر قوله: "أولئك المقربون". # ولهم في تفسير السابقين أقوال أخر فقيل: هم المسارعون إلى كل ما دعا الله ~~إليه، وقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة من غير توان، وقيل: هم ~~الأنبياء (عليهم السلام) لأنهم مقدموا أهل الأديان، وقيل: هم مؤمن آل فرعون ~~وحبيب النجار المذكور في سورة يس وعلي (عليه السلام) السابق إلى الإيمان ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أفضلهم وقيل: هم السابقون إلى ~~الهجرة، وقيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: هم الذين صلوا إلى ~~القبلتين، وقيل: هم السابقون إلى الجهاد، وقيل غير ذلك. # والقولان الأولان راجعان إلى ما تقدم من المعنى، والثالث والرابع ينبغي ~~أن يحملا على التمثيل، والباقي كما ترى إلا أن يحمل على نحو من التمثيل. ### |||| AUTO بحث روائي # في الخصال، عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: من ~~لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، والله ما الدنيا والآخرة ~~إلا ككفتي ميزان فأيهما رجح ذهب بالآخر ثم تلا قوله عز وجل: "إذا وقعت ~~الواقعة" يعني القيامة "ليس لوقعتها كاذبة خافضة" خفضت والله بأعداء الله ~~في النار "رافعة" رفعت والله أولياء الله إلى الجنة. # وفي تفسير القمي،: "إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة" قال: القيامة هي ~~حق، وقوله: "خافضة" قال: بأعداء الله "رافعة" لأولياء الله "إذا رجت الأرض ~~رجا" قال: يدق بعضها على بعض "وبست الجبال بسا" قال: قلعت الجبال قلعا ~~"فكانت هباء منبثا" قال: الهباء الذي في الكوة من شعاع الشمس. وقوله: ~~"وكنتم أزواجا ثلاثة" قال: يوم القيامة "فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة - ~~وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة - والسابقون السابقون" الذين سبقوا إلى الجنة. # أقول: قوله: الذين سبقوا إلى الجنة تفسير للسابقون الثاني. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي ~~طالب قال: الهباء المنبث رهج 1 الذرات والهباء المنثور غبار الشمس الذي ~~تراه في شعاع الكوة. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن ms7082 عباس: في قوله: "والسابقون السابقون" قال: ~~نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس وعلي بن أبي ~~طالب، كل رجل منهم سابق أمته وعلي أفضلهم سبقا. # وفي المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السابقون أربعة: ابن آدم ~~المقتول، وسابق أمة موسى وهو مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى وهو حبيب ~~والسابق في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام):. أقول: وروي هذا المعنى في روضة الواعظين، عن الصادق (عليه ~~السلام). # وفي أمالي الشيخ، بإسناده إلى ابن عباس قال: سألت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن قول الله عز وجل: "والسابقون السابقون - أولئك المقربون ~~في جنات النعيم" فقال: قال لي جبرئيل: ذلك علي وشيعته، هم السابقون إلى ~~الجنة المقربون من الله بكرامته لهم. # وفي كمال الدين، بإسناده إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~حديث: ونحن السابقون السابقون ونحن الآخرون. # وفي العيون، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المجموعة ~~بإسناده عن علي (عليه السلام) قال: "والسابقون السابقون أولئك المقربون" في نزلت. # وفي المجمع،: في الآية: وقيل: إلى الصلوات الخمس:. عن علي (عليه السلام). # أقول: الوجه حمل جميع هذه الأخبار على التمثيل كما تقدم. PageV19P063 ### ||| AUTO 56 سورة الواقعة - 11 - 56 # أولئك المقربون (11) فى جنت النعيم (12) ثلة من الأولين (13) وقليل من ~~الاخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقبلين (16) يطوف عليهم ~~ولدن مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ~~ينزفون (19) وفكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين ~~(22) كأمثل اللؤلو المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلما سلما (26) وأصحب اليمين ما أصحب اليمين ~~(27) فى سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) ~~وفكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأنهن ~~إنشاء (35) فجعلنهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحب اليمين (38) ثلة من ~~الأولين (39) وثلة من الاخرين (40) وأصحب الشمال ما أصحب الشمال (41) فى ~~سموم وحميم ms7083 (42) وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ~~ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا ~~متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون (47) أوءاباؤنا الأولون (48) قل إن ~~الأولين والاخرين (49) لمجموعون إلى ميقت يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها ~~الضالون المكذبون (51) لاكلون من شجر من زقوم (52) فمالئون منها البطون ~~(53) فشربون عليه من الحميم (54) فشربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم ~~الدين (56) ### |||| AUTO بيان # الآيات تفصل ما ينتهي إليه حال كل واحد من الأزواج الثلاثة يوم القيامة. # قوله تعالى: "أولئك المقربون في جنات النعيم" الإشارة بأولئك إلى ~~السابقين، و"أولئك المقربون" مبتدأ وخبر، والجملة استئنافية، وقيل: خبر ~~لقوله: "والسابقون"، وقيل: مبتدأ خبره في جنات النعيم، وأول الوجوه الثلاثة ~~أوجه بالنظر إلى سياق تقسيم الناس إلى ثلاثة أزواج أولا ثم تفصيل ما ينتهي ~~إليه أمر كل منهم. # والقرب والبعد معنيان متضائفان تتصف بهما الأجسام بحسب النسبة المكانية ~~ثم توسع فيهما فاعتبرا في غير المكان من الزمان ونحوه، يقال: الغد قريب من ~~اليوم والأربعة أقرب إلى الثلاثة من الخمسة، والخضرة أقرب إلى السواد من ~~البياض ثم توسع فيهما فاعتبرا في غير الأجسام والجسمانيات من الحقائق. # وقد اعتبر القرب وصفا له تعالى بما له من الإحاطة بكل شيء، قال تعالى: ~~"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب": البقرة: 186، وقال: "ونحن أقرب إليه ~~منكم": الواقعة: 85، وقال: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد": ق: 16. # وهذا المعنى أعني كونه تعالى أقرب إلى الشيء من نفسه أعجب ما يتصور من ~~معنى القرب، وقد أشرنا إلى تصويره في تفسير الآية. # واعتبر القرب أيضا وصفا للعباد في مرحلة العبودية ولما كان أمرا اكتسابيا ~~يستعمل فيه لفظ التقرب فالعبد يتقرب بصالح العمل إلى الله سبحانه وهو وقوعه ~~في معرض شمول الرحمة الإلهية بزوال أسباب الشقاء والحرمان، والله سبحانه ~~يقرب العبد بمعنى إنزاله منزلة يختص بنيل ما لا يناله من دونه من إكرامه ~~تعالى ومغفرته ورحمته، قال تعالى: "كتاب مرقوم يشهده المقربون": المطففين: ~~21، وقال: "ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون": المطففين: 28. # فالمقربون هم ms7084 النمط الأعلى من أهل السعادة كما يشير إليه قوله: ~~"والسابقون السابقون أولئك المقربون" ولا يتم ذلك إلا بكمال العبودية كما ~~قال: "لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون": النساء: ~~172، ولا تكمل العبودية إلا بأن يكون العبد تبعا محضا في إرادته وعمله ~~لمولاه لا يريد ولا يعمل إلا ما يريده وهذا هو الدخول تحت ولاية الله ~~فهؤلاء هم أولياء الله. PageV19P064 # وقوله: "في جنات النعيم" أي كل واحد منهم في جنة النعيم فالكل في جنات ~~النعيم، ويمكن أن يراد به أن كلا منهم في جنات النعيم لكن يبعده قوله في ~~آخر السورة: "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم". # وقد تقدم غير مرة أن النعيم هي الولاية وأن جنة النعيم هي جنة الولاية ~~وهو المناسب لما تقدم آنفا أن المقربين هم أهل ولاية الله. # قوله تعالى: "ثلة من الأولين وقليل من الآخرين" الثلة - على ما قيل - ~~الجماعة الكثيرة، والمراد بالأولين الأمم الماضون للأنبياء السابقين، ~~وبالآخرين هذه الأمة على ما هو المعهود من كلامه تعالى في كل موضع ذكر فيه ~~الأولين والآخرين معا ومنها ما سيأتي من قوله: "أإنا لمبعوثون أوآباؤنا ~~الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم" فمعنى ~~الآيتين: هم أي المقربون جماعة كثيرة من الأمم الماضين وقليل من هذه الأمة. # وبما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن المراد بالأولين والآخرين أولوا هذه ~~الأمة وآخروها غير سديد. # قوله تعالى: "على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين" الوضن النسج وقيل: ~~نسج الدرع وإطلاقه على نسج السرر استعارة يراد بها إحكام نسجها. # وقوله: "متكئين عليها" حال من الضمير العائد إلى المقربين والضمير للسرر، ~~وقوله: "متقابلين" حال آخر منه أو من ضمير "متكئين" وتقابلهم كناية عن بلوغ ~~أنسهم وحسن عشرتهم وصفاء باطنهم فلا ينظرون في قفاء صاحبهم ولا يعيبونه ولا ~~يغتابونه. # والمعنى: هم أي المقربون مستقرون على سرر منسوجة حال كونهم متكئين عليها ~~حال كونهم متقابلين. # قوله تعالى: "يطوف عليهم ولدان مخلدون" الولدان جمع ولد وهو الغلام، ~~وطوافهم ms7085 عليهم كناية عن خدمتهم لهم، والمخلدون من الخلود بمعنى الدوام أي ~~باقون أبدا على هيئتهم من حداثة السن، وقيل من الخلد بفتحتين وهو القرط، ~~والمراد أنهم مقرطون بالخلد. # قوله تعالى: "بأكواب وأباريق وكأس من معين" الأكواب جمع كوب وهو الإناء ~~الذي لا عروة له ولا خرطوم، والأباريق جمع إبريق وهو الإناء الذي له خرطوم، ~~وقيل: عروة وخرطوم معا، والكأس معروف، قيل: أفرد الكأس لأنها لا تسمى كأسا ~~إلا إذا كانت ممتلئة، والمراد بالمعين الخمر المعين وهو الظاهر للبصر ~~الجاري. # قوله تعالى: "لا يصدعون عنها ولا ينزفون" أي لا يأخذهم صداع لأجل خمار ~~يحصل من الخمر كما في خمر الدنيا ولا يزول عقلهم بالسكر الحاصل منها. # قوله تعالى: "وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون" الفاكهة والطير ~~معطوفان على قوله: "بأكواب"، والمعنى: يطوف عليهم الولدان بفاكهة مما ~~يختارون وبلحم طير مما يشتهون. # ولا يستشكل بما ورد في الروايات أن أهل الجنة إذا اشتهوا فاكهة تدلى ~~إليهم غصن شجرتها بما لها من ثمرة فيتناولونها، وإذا اشتهوا لحم طير وقع ~~مقليا مشويا في أيديهم فيأكلون منها ما أرادوا ثم حيي وطار. # وذلك لأن لهم ما شاءوا ومن فنون التنعم تناول ما يريدونه من أيدي خدمهم ~~وخاصة حال اجتماعهم واحتفالهم كما أن من فنونه تناولهم أنفسهم من غير توسيط ~~خدمهم فيه. # قوله تعالى: "وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون" مبتدأ محذوف الخبر على ما ~~يفيده السياق والتقدير ولهم حور عين أو وفيها حور عين والحور العين نساء ~~الجنة وقد تقدم معنى الحور العين في تفسير سورة الدخان. # وقوله: "كأمثال اللؤلؤ المكنون" أي اللؤلؤ المصون المخزون في الصدف لم ~~تمسه الأيدي فهو منته في صفائه. # قوله تعالى: "جزاء بما كانوا يعملون" قيد لجميع ما تقدم وهو مفعول له، ~~والمعنى: فعلنا بهم ما فعلنا ليكون جزاء لهم قبال ما كانوا يستمرون عليه من ~~العمل الصالح. # قوله تعالى: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما" اللغو من القول ما لا ~~فائدة فيه ولا أثر يترتب عليه، والتأثيم النسبة إلى ms7086 الإثم أي لا يخاطب ~~أحدهم صاحبه بما لا فائدة فيه ولا ينسبه إلى الإثم إذ لا إثم هناك، وفسر ~~بعضهم التأثيم بالكذب. # قوله تعالى: "إلا قيلا سلاما سلاما" استثناء منقطع من اللغو والتأثيم، ~~والقيل مصدر كالقول، و"سلاما" بيان لقوله: "قيلا" وتكراره يفيد تكرر ~~الوقوع، والمعنى: إلا قولا هو السلام بعد السلام. # قيل: ويمكن أن يكون "سلاما" مصدرا بمعنى الوصف وصفة لقيلا، والمعنى: إلا ~~قولا هو سالم. PageV19P065 # قوله تعالى: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين" شروع في تفصيل ما انتهى إليه ~~حال أصحاب الميمنة وفي تبديله من أصحاب اليمين يعلم أن أصحاب اليمين وأصحاب ~~الميمنة واحد وهم الذين يؤتون كتابهم بيمينهم. # والجملة استفهامية مسوقة لتفخيم أمرهم والتعجيب من حالهم وهي خبر لقوله: ~~"وأصحاب اليمين". # قوله تعالى: "في سدر مخضود" السدر شجرة النبق، والمخضود ما قطع شوكه فلا ~~شوك له. # قوله تعالى: "وطلح منضود" الطلح شجر الموز، وقيل: ليس بالموز بل شجر له ~~ظل بارد رطب، وقيل: شجرة أم غيلان لها أنوار طيبة الرائحة، ونضد الأشياء ~~جعل بعضها على بعض، والمعنى: وفي شجر موز منضود الثمر بعضه على بعض من ~~أسفله إلى أعلاه. # قوله تعالى: "وظل ممدود وماء مسكوب" قيل: الممدود من الظل هو الدائم الذي ~~لا تنسخه شمس فهو باق لا يزول، والماء المسكوب هو المصبوب الجاري من غير ~~انقطاع. # قوله تعالى: "وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة" أي لا مقطوعة في بعض ~~الأزمان كانقطاع الفواكه في شتاء ونحوه في الدنيا، ولا ممنوعة التناول ~~لمانع من قبل أنفسهم كسأمة أو شبع أو من خارج كبعد المكان أو شوكة تمنع ~~القطف أو غير ذلك. # قوله تعالى: "وفرش مرفوعة" الفرش جمع فراش وهو البساط، والمرفوعة ~~العالية، وقيل: المراد بالفرش المرفوعة النساء المرتفعات قدرا في عقولهن ~~وجمالهن وكمالهن والمرأة تسمى فراشا، ويناسب هذا المعنى قوله بعد: "إنا ~~أنشأناهن إنشاء" إلخ. # قوله تعالى: "إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا" أي إنا ~~أوجدناهن وأحدثناهن وربيناهن أحداثا وتربية خاصة، وفيه تلويح إلى أنهن لا ~~يختلف حالهن بالشباب ms7087 والشيب وصباحة المنظر وخلافها، وقوله: "فجعلناهن ~~أبكارا" أي خلقناهن عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. # وقوله: "عربا أترابا" العرب جمع عروب وهي المتحننة إلى زوجها أو الغنجة ~~أو العاشقة لزوجها، والأتراب جمع ترب بالكسر فالسكون بمعنى المثل أي أنهن ~~أمثال أو أمثال في السن لأزواجهن. # قوله تعالى: "لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" يتضح معناه ~~بما تقدم، ويستفاد من الآيات أن أصحاب اليمين في الآخرين جمع كثير كالأولين ~~لكن السابقين المقربين في الآخرين أقل جمعا منهم في الأولين. # قوله تعالى: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال" مبتدأ وخبر، والاستفهام ~~للتعجيب والتهويل، وقد بدل أصحاب المشأمة من أصحاب الشمال إشارة إلى أنهم ~~الذين يؤتون كتابهم بشمالهم كما مر نظيره في أصحاب اليمين. # قوله تعالى: "في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم" السموم - على ~~ما في الكشاف، - حر نار ينفذ في المسام، والحميم الماء الشديد الحرارة، ~~والتنوين فيهما لتعظيم الأمر، واليحموم الدخان الأسود، وقوله: "لا بارد ولا ~~كريم" الظاهر أنهما صفتان للظل لا ليحموم، وذلك أن الظل هو الذي يتوقع منه ~~أن يتبرد بالاستظلال به ويستراح فيه دون الدخان. # قوله تعالى: "إنهم كانوا قبل ذلك مترفين" تعليل لاستقرار أصحاب الشمال في ~~العذاب، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من عذابهم يوم القيامة، وإتراف النعمة ~~الإنسان إبطارها وإطغاؤها له، وذلك إشغالها نفسه بحيث يغفل عما وراءها فكون ~~الإنسان مترفا تعلقه بما عنده من نعم الدنيا وما يطلبه منها سواء كانت ~~كثيرة أو قليلة. # فلا يرد ما استشكل من أن كثيرا من أصحاب الشمال ليسوا من المترفين بمعنى ~~المتوسعين في التنعم وذلك أن الإنسان محفوف بنعم ربه وليست النعمة هي المال ~~فحسب فاشتغاله بنعم ربه عن ربه ترفه منه، والمعنى: أنا إنما نعذبهم بما ذكر ~~لأنهم كانوا قبل ذلك في الدنيا بطرين طاغين بالنعم. # قوله تعالى: "وكانوا يصرون على الحنث العظيم" في المجمع،: الحنث نقض ~~العهد المؤكد بالحلف، والإصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه. # انتهى. # ولعل المستفاد من السياق أن ms7088 إصرارهم على الحنث العظيم هو استكبارهم عن ~~عبودية ربهم التي عاهدوا الله عليها بحسب فطرتهم وأخذ منهم الميثاق عليها ~~في عالم الذر فيطيعون غير ربهم وهو الشرك المطلق. PageV19P066 # وقيل: الحنث الذنب العظيم فتوصيفه بالعظيم مبالغة والحنث العظيم الشرك ~~بالله، وقيل: الحنث العظيم جنس المعاصي الكبيرة، وقيل: هو القسم على إنكار ~~البعث المشار إليه بقوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت": النحل: 38، ولفظ الآية مطلق. # قوله تعالى: "وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~أوآباؤنا الأولون" قول منهم مبني على الاستبعاد ولذا أكدوا استبعاد بعث ~~أنفسهم ببعث آبائهم لأن الاستبعاد في موردهم آكد، والتقدير أوآباؤنا ~~الأولون مبعوثون. # قوله تعالى: "قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم" أمر ~~منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيب عن استبعادهم البعث ~~بتقريره ثم إخبارهم عما يعيشون به يوم البعث من طعام وشراب وهما الزقوم ~~والحميم. # ومحصل القول إن الأولين والآخرين - من غير فرق بينهم لا كما فرقوا فجعلوا ~~بعث أنفسهم مستبعدا وبعث آبائهم الأولين أشد استبعادا وآكد - لمجموعون ~~محشورين إلى ميقات يوم معلوم. # والميقات ما وقت به الشيء وهو وقته المعين، والمراد بيوم معلوم يوم ~~القيامة المعلوم عند الله فإضافة الميقات إلى يوم معلوم بيانية. # قوله تعالى: "ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم ~~فمالئون منها البطون" من تمام كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبرهم ~~عما ينتهي إليه حالهم يوم القيامة ويعيشون به من طعام وشراب. # وفي خطابهم بالضالين المكذبين إشارة إلى ملاك شقائهم وخسرانهم يوم البعث ~~وهو ضلالهم عن طريق الحق واستقرار ذلك في نفوسهم باستمرارهم على تكذيبهم ~~وإصرارهم على الحنث، ولو كانوا ضالين فحسب من غير تكذيب لكان من المرجو أن ~~ينجوا ولا يهلكوا. # و"من" في قوله: "من شجر" للابتداء، وفي قوله: "من زقوم" بيانية ويحتمل أن ~~يكون "من زقوم" بدلا من "من شجر"، وضمير "منها" للشجر أو الثمر وكل منهما ~~يؤنث ويذكر ولذا جيء هاهنا بضمير ms7089 التأنيث وفي الآية التالية في قوله: ~~"فشاربون عليه" بضمير التذكير، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم" كلمة "على" ~~للاستعلاء وتفيد في المورد كون الشرب عقيب الأكل من غير ريث، والهيم جمع ~~هيماء الإبل التي أصابها الهيام بضم الهاء وهو داء شبه الاستسقاء يصيب ~~الإبل فتشرب الماء حتى تموت أو تسقم سقما شديدا، وقيل: الهيم الرمال التي ~~لا تروى بالماء. # والمعنى: فشاربون عقيب ما أكلتم من الزقوم من الماء الشديد الحرارة ~~فشاربون كشرب الإبل الهيم أو كشرب الرمال الهيم وهذا آخر ما أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أن يقوله لهم. # قوله تعالى: "هذا نزلهم يوم الدين" أي يوم الجزاء والنزل ما يقدم للضيف ~~النازل من طعام وشراب إكراما له، والمعنى: هذا الذي ذكر من طعامهم وشرابهم ~~هو نزل الضالين المكذبين ففي تسمية ما أعد لهم بالنزل نوع تهكم، والآية من ~~كلامه تعالى خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان من كلام النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) خطابا لهم لقيل: هذا نزلكم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن ~~جابر بن عبد الله قال: لما نزلت إذا وقعت الواقعة ذكر فيها "ثلة من الأولين ~~وقليل من الآخرين" قال عمر: يا رسول الله ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تعال واستمع ما قد أنزل الله ~~ثلة من الأولين وثلة من الآخرين". ألا وإن من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة ولن ~~نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له:. قال السيوطي وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن ~~رويم مرسلا وفيه، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت "ثلة من ~~الأولين وقليل من الآخرين" حزن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وقالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا ms7090 قليل فنزلت نصف النهار "ثلة من ~~الأولين وثلة من الآخرين" تقابلون الناس فنسخت الآية "وقليل من الآخرين". PageV19P067 # أقول: قال في الكشاف، في تفسير الآية: فإن قلت: فقد روي أنها لما نزلت شق ~~ذلك على المسلمين فما زال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يراجع ربه ~~حتى نزلت "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين". # قلت: هذا لا يصح لأمرين: أحدهما: أن هذه الآية واردة في السابقين ورودا ~~ظاهرا وكذلك الثانية في أصحاب اليمين، ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم ~~على السابقين ووعدهم؟ الثاني: أن النسخ في الأخبار غير جائز. # انتهى. # وأجيب عنه بأنه يمكن أن يحمل الحديث على أن الصحابة لما سمعوا الآية ~~الأولى حسبوا أن الأمر في هذه الأمة يذهب على هذا النهج فيكون أصحاب اليمين ~~ثلة من الأولين وقليلا منهم فيكون الفائزون بالجنة في هذه الأمة أقل منهم ~~في الأمم السالفة فنزلت "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" فزال حزنهم، ~~ومعنى نسخ الآية السابقة إزالة حسبانهم المذكور. # وأنت خبير بأنه حمل على ما لا دليل عليه من جهة اللفظ واللفظ يأباه وخاصة ~~حمل نسخ الآية على إزالة الحسبان، وحال الرواية الأولى وخاصة من جهة ذيلها ~~كحال هذه الرواية. # وفي المجمع، في قوله تعالى: "يطوف عليهم ولدان مخلدون" اختلف في هذه ~~الولدان فقيل: إنهم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا ~~سيئات فيعاقبوا عليها فأنزلوا هذه المنزلة. # قال: وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه سئل عن أطفال ~~المشركين؟ فقال: هم خدم أهل الجنة:. أقول: ورواه في الدر المنثور عن الحسن، ~~والرواية ضعيفة لا تعويل عليها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن مردويه ~~والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة وفي بعضها أن المؤمن يأكل ما يشتهيه ~~ثم ms7091 يعود الباقي إلى ما كان عليه ويحيا فيطير إلى مكانه ويباهي بذلك. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما" قال: ~~الفحش والكذب والغنا. # أقول: لعل المراد بالغنا ما يكون منه لهوا أو الغنا مصحف الخنا. # وفيه،: في قوله تعالى: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين" قال: علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) وأصحابه وشيعته. # أقول: الرواية مبنية على ما ورد في ذيل قوله تعالى: "يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه": إسراء: 71، إن اليمين هو الإمام الحق ~~ومعناها أن اليمين هو علي (عليه السلام) وأصحاب اليمين شيعته، والرواية من الجري. # وفيه،: في قوله تعالى: "في سدر مخضود" شجر لا يكون له ورق ولا شوك فيه، ~~وقرأ أبو عبد الله (عليه السلام): "وطلع منضود" قال: بعضه على بعض. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي أمامة ~~قال: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: إن الله ~~ينفعنا بالأعراب ومسائلهم. أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله لقد ذكر ~~الله في القرآن شجرة مؤذية. وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها. ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وما هي؟ قال: السدر فإن لها ~~شوكا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أليس يقول الله: "في سدر ~~مخضود" يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة أنها تنبت ثمرا تفتق ~~الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر. # وفي المجمع،: وروت العامة عن علي (عليه السلام): أنه قرأ رجل عنده "وطلح ~~منضود" فقال: ما شأن الطلح إنما هو "وطلع" كقوله: "ونخل طلعها هضيم" فقيل ~~له: ألا تغيره؟ قال: إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحرك:، رواه عنه ابنه ~~الحسن (عليه السلام) وقيس بن سعد. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق والفاريابي وهناد وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن مردويه عن علي بن أبي طالب: في قوله: "وطلح منضود" قال: ms7092 هو الموز. # وفي المجمع، ورد في الخبر: أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة ~~سنة لا يقطعها اقرءوا إن شئتم "وظل ممدود" وروي أيضا: أن أوقات الجنة ~~كغدوات الصيف لا يكون فيها حر ولا برد. # أقول: وروي الأول في الدر المنثور عن أبي سعيد وأنس وغيرهما عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). PageV19P068 # وفي روضة الكافي، بإسناده عن علي بن إبراهيم عن ابن محبوب عن محمد بن إسحاق ~~المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في ~~حديث يصف فيه الجنة وأهلها: ويزور بعضهم بعضا ويتنعمون في جناتهم في ظل ~~ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وأطيب من ذلك. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "إنا أنشأناهن إنشاء" قال: الحور العين في ~~الجنة "فجعلناهن أبكارا عربا" قال: لا يتكلمون إلا بالعربية. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "عربا" قال: كلامهن عربي. # أقول: وفيه روايات أخر أن عربا جمع عروب وهي الغنجة. # وفيه، أخرج مسدد في مسنده وابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ~~أبي بكرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله تعالى: "ثلة من ~~الأولين وثلة من الآخرين" قال: هما جميعا من هذه الأمة. # أقول: وهذا المعنى مروي في غير واحد من الروايات لكن ظاهر آيات السورة أن ~~القسمة لكافة البشر لا لهذه الأمة خاصة، ولعل المراد من هذه الروايات بيان ~~بعض المصاديق وإن كان بعيدا، وكذا المراد مما ورد أن أصحاب اليمين أصحاب ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما ورد أن أصحاب الشمال أعداء آل محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وفي المحاسن، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سألته عن الشرب بنفس واحد فكرهه وقال: ذلك شرب الهيم. قلت: وما الهيم؟ ~~قال: الإبل. # وفيه، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه ms7093 السلام): أنه كان يكره أن ~~يتشبه بالهيم. قلت: وما الهيم؟ قال الرمل. # أقول: والمعنيان جميعا واردان في روايات أخر. PageV19P069 ### ||| AUTO 56 سورة الواقعة - 57 - 96 # نحن خلقنكم فلو لا تصدقون (57) أفرءيتم ما تمنون (58) ء أنتم تخلقونه أم ~~نحن الخلقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل ~~أمثلكم وننشئكم فى ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا ~~تذكرون (62) أفرءيتم ما تحرثون (63) ء أنتم تزرعونه أم نحن الزرعون (64) لو ~~نشاء لجعلنه حطما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) ~~أفرءيتم الماء الذى تشربون (68) ء أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~(69) لو نشاء جعلنه أجاجا فلو لا تشكرون (70) أفرءيتم النار التى تورون ~~(71) ء أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) نحن جعلنها تذكرة ومتعا ~~للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بموقع النجوم (75) وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرءان كريم (77) فى كتب مكنون (78) لا يمسه ~~إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العلمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ~~(81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) فلو لا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم ~~حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلو لا إن كنتم ~~غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صدقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) ~~فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحب اليمين (90) فسلم لك من ~~أصحب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) ~~وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96) ### |||| AUTO بيان # لما فصل سبحانه القول فيما ينتهي إليه حال كل من الأزواج الثلاثة ففصل ~~حال أصحاب الشمال وأن الذي ساقهم إلى ذلك نقضهم عهد العبودية وتكذيبهم ~~للبعث والجزاء وأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرد عليهم بتقرير ~~البعث والجزاء وبيان ما يجزون به يوم البعث. # وبخهم على تكذيبهم بالمعاد مع أن الذي يخبرهم به هو خالقهم الذي يدبر ~~أمرهم ويقدر لهم الموت ثم الإنشاء فهو يعلم ما يجري عليهم مدى وجودهم وما ~~ينتهي إليه حالهم ومع أن الكتاب الذي ينبئهم ms7094 بالمعاد هو قرآن كريم مصون من ~~أن يلعب به أيدي الشياطين وأولياؤهم المضلين. # ثم يعيد الكلام إلى ما بدىء به من حال الأزواج الثلاثة ويذكر أن اختلاف ~~أحوال الأقسام يأخذ من حين الموت وبذلك تختتم السورة. # قوله تعالى: "نحن خلقناكم فلو لا تصدقون" السياق سياق الكلام في البعث ~~والجزاء وقد أنكروه وكذبوا به، فقوله: "فلو لا تصدقون" تحضيض على تصديق ~~حديث المعاد وترك التكذيب به، وقد علله بقوله: "نحن خلقناكم" كما يستفاد من ~~التفريع الذي في قوله: "فلو لا تصدقون". # وإيجاب خلقه تعالى لهم وجوب تصديقه فيما يخبر به من المعاد من وجهين: ~~أحدهما: أنه تعالى خلقهم أول مرة فهو قادر على إعادة خلقهم ثانيا كما قال: ~~"قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم": يس: 79. # وثانيهما: أنه تعالى لما كان هو خالقهم وهو المدبر لأمرهم المقدر لهم ~~خصوصيات خلقهم وأمرهم فهو أعلم بما يفعل بهم وسيجري عليهم فإذا أنبأهم بأنه ~~سيبعثهم بعد موتهم ويجزيهم بما عملوا إن خيرا وإن شرا لم يكن بد من تصديقه ~~فلا عذر لمن كذب بما أخبر به كتابه من البعث والجزاء، قال تعالى: "ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير": الملك: 14، وقال: "كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين": الأنبياء: 104، وقال: "وعد الله حقا ومن أصدق ~~من الله قيلا": النساء: 122. PageV19P070 # فمحصل الآية: نحن خلقناكم ونعلم ما فعلنا وما سنفعل بكم فنخبركم أنا ~~سنبعثكم ونجزيكم بما عملتم فهلا تصدقون بما نخبركم به فيما أنزلناه من ~~الكتاب. # وفي الآية وما يتلوها من الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن السياق ~~سياق التوبيخ والمعاتبة وذلك بالخطاب أوقع وآكد. # قوله تعالى: "أفرأيتم ما تمنون" الأمناء قذف المني وصبه والمراد قذفه ~~وصبه في الأرحام، والمعنى: أفرأيتم المني الذي تصبونه في أرحام النساء. # قوله تعالى: "أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون" أي أأنتم تخلقونه بشرا ~~مثلكم أم نحن خالقوه بشرا. # قوله تعالى: "نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين" تدبير ms7095 أمر الخلق ~~بجميع شئونه وخصوصياته من لوازم الخلق بمعنى إفاضة الوجود فوجود الإنسان ~~المحدود بأول كينونته إلى آخر لحظة من حياته الدنيا بجميع خصوصياته التي ~~تتحول عليه بتقدير من خالقه عز وجل. # فموته أيضا كحياته بتقدير منه، وليس يعتريه الموت لنقص من قدرة خالقه أن ~~يخلقه بحيث لا يعتريه الموت أو من جهة أسباب وعوامل تؤثر فيه بالموت فتبطل ~~الحياة التي أفاضها عليه خالقه تعالى فإن لازم ذلك أن تكون قدرته تعالى ~~محدودة ناقصة وأن يعجزه بعض الأسباب وتغلب إرادته إرادته وهو محال كيف؟ ~~والقدرة مطلقة والإرادة غير مغلوبة. # ويتبين بذلك أن المراد بقوله: "نحن قدرنا بينكم الموت" أن الموت حق مقدر ~~وليس أمرا يقتضيه ويستلزمه نحو وجود الحي بل هو تعالى قدر له وجودا كذا ثم ~~موتا يعقبه. # وأن المراد بقوله: "وما نحن بمسبوقين" و- السبق هو الغلبة والمسبوق ~~المغلوب - ولسنا مغلوبين في عروض الموت عن الأسباب المقارنة له بأن نفيض ~~عليكم حياة نريد أن يدوم ذلك عليكم فيسبقنا الأسباب وتغلبنا فتبطل بالموت ~~الحياة التي كنا نريد دوامها. # قوله تعالى: "على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون" "على" متعلقه ~~بقوله: "قدرنا" وجملة الجار والمجرور في موضع الحال أي نحن قدرنا بينكم ~~الموت حال كونه على أساس تبديل الأمثال والإنشاء فيما لا تعلمون. # والأمثال جمع مثل بالكسر فالسكون ومثل الشيء ما يتحد معه في نوعه كالفرد ~~من الإنسان بالنسبة إلى فرد آخر، والمراد بقوله: "أن نبدل أمثالكم" أن نبدل ~~أمثالكم من البشر منكم أو نبدل أمثالكم مكانكم، والمعنى على أي حال تبديل ~~جماعة من أخرى وجعل الأخلاف مكان الأسلاف. # وقوله: "وننشئكم فيما لا تعلمون" ما موصولة والمراد به الخلق والجملة ~~معطوفة على "نبدل" والتقدير وعلى أن ننشئكم ونوجدكم في خلق آخر لا تعلمونه ~~وهو الوجود الأخروي غير الوجود الدنيوي الفاني. # ومحصل معنى الآيتين أن الموت بينكم إنما هو بتقدير منا لا لنقص في قدرتنا ~~بأن لا يتيسر لنا إدامة حياتكم ولا لغلبة الأسباب المهلكة المبيدة وقهرها ~~وتعجيزها لنا في حفظ ms7096 حياتكم وإنما قدرناه بينكم على أساس تبديل الأمثال ~~وإذهاب قوم والإتيان بآخرين وإنشاء خلق لكم يناسب الحياة الآخرة وراء الخلق ~~الدنيوي الداثر فالموت انتقال من دار إلى دار وتبدل خلق إلى خلق آخر وليس ~~بانعدام وفناء. # واحتمل بعضهم أن يكون الأمثال في الآية جمع مثل بفتحتين وهو الوصف فتكون ~~الجملتان "على أن نبدل" إلخ، و"ننشئكم" إلخ، تفيدان معنى واحدا، والمعنى: ~~على أن نغير أوصافكم وننشئكم في وصف لا تعرفونه أو لا تعلمونه كحشركم في ~~صفة الكلب أو الخنزير أو غيرهما من الحيوان بعد ما كنتم في الدنيا على صفة ~~الإنسان، والمعنى السابق أجمع وأكثر فائدة. # قوله تعالى: "ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون" المراد بالنشأة ~~الأولى نشأة الدنيا، والعلم بها بخصوصياتها يستلزم الإذعان بنشأة أخرى ~~خالدة فيها الجزاء، فإن من المعلوم من النظام الكوني أن لا لغو ولا باطل في ~~الوجود فلهذه النشأة الفانية غاية باقية، وأيضا من ضروريات هذا النظام ~~هداية كل شيء إلى سعادة نوعه وهداية الإنسان تحتاج إلى بعث الرسل وتشريع ~~الشرائع وتوجيه الأمر والنهي، والجزاء على خير الأعمال وشرها وليس في ~~الدنيا فهو في دار أخرى وهي النشأة الآخرة 1. PageV19P071 # على أنهم شاهدوا النشأة الأولى وعرفوها وعلموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم ~~هو الله سبحانه وإذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر، قال ~~تعالى: "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة": يس: 79، وهذا برهان على الإمكان ~~يرتفع به استبعادهم للبعث. # وبالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الأولى علم بمبادىء البرهان على إمكان ~~البعث فيرتفع به استبعاد البعث فلا استبعاد مع الإمكان. # وهذا - كما ترى - برهان على إمكان حشر الأجساد، محصله أن البدن المحشور ~~مثل البدن الدنيوي وإذ جاز صنع البدن الدنيوي وإحياؤه فليجز صنع البدن ~~الأخروي وإحياؤه لأنه مثله وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد. # فمن العجيب قول الزمخشري في الكشاف، في الآية: وفي هذا دليل على صحة ~~القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى بالأولى. # انتهى. # وذلك لأن الذي في ms7097 الآية قياس برهاني منطقي والذي يستدل بها عليه قياس ~~فقهي مفيد للظن فأين أحدهما من الآخر؟. # وقال في روح المعاني، في الآية: فهلا تتذكرون أن من قدر عليها يعني على ~~النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر وأقدر فإنها أقل صنعا لحصول ~~المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال، وهذا على ما قالوا دليل على صحة القياس ~~لكن قيل: لا يدل إلا على قياس الأولي لأنه الذي في الآية. # انتهى. # وفيه ما في سابقه. # على أن الذي في الآية ليس من قياس الأولي في شيء لأن الجامع بين النشأة ~~الأولى والأخرى أنهما مثلان ومبدأ القياس أن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما ~~لا يجوز واحد. # وأما قوله: إن النشأة الأخرى أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الأجزاء، فهو ~~ممنوع فإن المواد تحتاج إلى إفاضة الوجود بقاء كما تحتاج إليها في حدوثها ~~وأول حصولها، وكذا تخصص الأجزاء يحتاج إليها بقاء كما تحتاج إليها فالصنع ~~ثانيا كالصنع أولا. # وأما قوله: وسبق المثال، فقد خلط بين المثل والمثال فالبدن الأخروي ~~بالنظر إلى نفسه مثل البدن الدنيوي لا على مثاله ولو كان على مثاله كانت ~~الآخرة دنيا لا آخرة. # فإن قلت: لو كان البدن الأخروي مثلا للبدن الدنيوي ومثل الشيء غيره كان ~~الإنسان المعاد في الآخرة غير الإنسان المبتدء في الدنيا لأنه مثله لا عينه. # قلت: قد تقدم في المباحث السابقة غير مرة أن شخصية الإنسان بروحه لا ~~ببدنه، والروح لا تنعدم بالموت وإنما يفسد البدن وتتلاشى أجزاؤه ثم إذا سوي ~~ثانيا مثل ما كان في الدنيا ثم تعلقت به الروح كان الإنسان عين الإنسان ~~الذي في الدنيا كما كان زيد الشائب مثلا عين زيد الشاب لبقاء الروح على ~~شخصيتها مع تغير البدن لحظة بعد لحظة. # قوله تعالى: "أفرأيتم ما تحرثون - إلى قوله - محرومون" بعد ما ذكرهم ~~بكيفية خلق أنفسهم وتقدير الموت بينهم تمهيدا للبعث والجزاء وكل ذلك من ~~لوازم ربوبيته عد لهم أمورا ثلاثة من أهم ما يعيشون به في الدنيا وهي الزرع ~~الذي يقتاتون به والماء ms7098 الذي يشربونه والنار التي يصطلون بها ويتوسلون بها ~~إلى جمل من مآربهم، وتثبت بذلك ربوبيته لهم فليست الربوبية إلا التدبير عن ملك. # فقال: "أفرأيتم ما تحرثون" الحرث العمل في الأرض وإلقاء البذر عليها ~~"أأنتم تزرعونه" أي تنبتونه وتنمونه حتى يبلغ الغاية، وضمير "تزرعونه" ~~للبذر أو الحرث المعلوم من المقام "أم نحن الزارعون" المنبتون المنمون حتى ~~يكمل زرعا "لو نشاء لجعلناه حطاما" أي هشيما متكسرا متفتتا "فظلتم" أي ~~فظللتم وصرتم "تفكهون" أي تتعجبون مما أصيب به زرعكم وتتحدثون بما جرى ~~قائلين "إنا لمغرمون" موقعون في الغرامة والخسارة ذهب مالنا وضاع وقتنا ~~وخاب سعينا "بل نحن محرومون" ممنوعون من الرزق والخير. # ولا منافاة بين نفي الزرع عنهم ونسبته إليه تعالى وبين توسط عوامل وأسباب ~~طبيعية في نبات الزرع ونموه فإن الكلام عائد في تأثير هذه الأسباب وصنعها ~~وليس نحو تأثيرها باقتضاء من ذاتها منقطعة عنه تعالى بل بجعله ووضعه ~~وموهبته، وكذا الكلام في أسباب هذه الأسباب، وينتهي الأمر إلى الله سبحانه ~~وأن إلى ربك المنتهى. # قوله تعالى: "أفرأيتم الماء الذي تشربون - إلى قوله - فلو لا تشكرون" ~~المزن السحاب، وقوله: "فلو لا تشكرون" تحضيض على الشكر، وشكره تعالى جميل ~~ذكره تعالى على نعمه وهو إظهار عبوديته قولا وعملا. # والباقي ظاهر. PageV19P072 # قوله تعالى: "أفرأيتم النار التي تورون - إلى قوله - ومتاعا للمقوين" قال ~~في المجمع،: الإيراء إظهار النار بالقدح، يقال أورى يوري، قال: ويقال قدح ~~فأورى إذا أظهر فإذا لم يور يقال: قدح فأكبى، وقال: والمقوي النازل بالقواء ~~من الأرض ليس بها أحد، وأقوت الدار خلت من أهلها. # انتهى. # والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "فسبح باسم ربك العظيم" خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # لما ذكر سبحانه شواهد ربوبيته لهم وأنه الذي يخلقهم ويدبر أمرهم ومن ~~تدبيره أنه سيبعثهم ويجزيهم بأعمالهم وهم مكذبون بذلك أعرض عن خطابهم ~~والتفت إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إشعارا بأنهم لا يفقهون ~~القول فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينزهه تعالى عن إشراكهم به ~~وإنكارهم ms7099 البعث والجزاء. # فقوله: "فسبح باسم" إلخ، الفاء لتفريع التسبيح على ما تقدم من البيان، ~~والباء للاستعانة أو الملابسة، والمعنى: فإذا كان كذلك فسبح مستعينا بذكر ~~اسم ربك، أو المراد بالاسم الذكر لأن إطلاق اسم الشيء ذكر له كما قيل أو ~~الباء للتعدية لأن تنزيه اسم الشيء تنزيه له، والمعنى: نزه اسم ربك من أن ~~تذكر له شريكا أو تنفي عنه البعث والجزاء، والعظيم صفة الرب أو الاسم. # قوله تعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم" "لا أقسم" قسم وقيل: لا زائدة ~~وأقسم هو القسم، وقيل: لا نافية وأقسم هو القسم. # و"مواقع" جمع موقع وهو المحل، والمعنى: أقسم بمحال النجوم من السماء، ~~وقيل: مواقع جمع موقع مصدر ميمي بمعنى السقوط يشير به إلى سقوط الكواكب يوم ~~القيامة أو وقوع الشهب على الشياطين، أو مساقط الكواكب في مغاربها، وأول ~~الوجوه هو السابق إلى الذهن. # قوله تعالى: "وإنه لقسم لو تعلمون عظيم" تعظيم لهذا القسم وتأكيد على تأكيد. # قوله تعالى: "إنه لقرآن كريم - إلى قوله - من رب العالمين" لما كان ~~إنكارهم حديث وحدانيته تعالى في ربوبيته وألوهيته وكذا إنكارهم للبعث ~~والجزاء إنما أبدوه بإنكار القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) الذي فيه نبأ التوحيد والبعث كان إنكارهم منشعبا إلى إنكار أصل ~~التوحيد والبعث أصلا، وإلى إنكار ذلك بما أن القرآن ينبئهم به، فأورد تعالى ~~أولا بيانا لإثبات أصل الوحدانية والبعث بذكر شواهد من آياته تثبت ذلك وهو ~~قوله: "نحن خلقناكم - إلى قوله - ومتاعا للمقوين"، وثانيا بيانا يؤكد فيه ~~كون القرآن الكريم كلامه المحفوظ عنده النازل منه ووصفه بأحسن أوصافه. # فقوله: "إنه لقرآن كريم" جواب للقسم السابق، الضمير للقرآن المعلوم من ~~السياق السابق ويستفاد من توصيفه بالكريم من غير تقييد في مقام المدح أنه ~~كريم على الله عزيز عنده وكريم محمود الصفات وكريم بذال نفاع للناس لما فيه ~~من أصول المعارف التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. # وقوله: "في كتاب مكنون" وصف ثان للقرآن أي محفوظ مصون عن التغيير ~~والتبديل، وهو اللوح المحفوظ كما ms7100 قال تعالى: "بل هو قرآن مجيد في لوح ~~محفوظ": البروج: 22. # وقوله: "لا يمسه إلا المطهرون" صفة الكتاب المكنون ويمكن أن يكون وصفا ~~ثالثا للقرآن ومآل الوجهين على تقدير كون لا نافية واحد. # والمعنى: لا يمس الكتاب المكنون الذي فيه القرآن إلا المطهرون أو لا يمس ~~القرآن الذي في الكتاب إلا المطهرون. # والكلام على أي حال مسوق لتعظيم أمر القرآن وتجليله فمسه هو العلم به وهو ~~في الكتاب المكنون كما يشير إليه قوله: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4. # والمطهرون - اسم مفعول من التطهير - هم الذين طهر الله تعالى نفوسهم من ~~أرجاس المعاصي وقذارات الذنوب أو مما هو أعظم من ذلك وأدق وهو تطهير قلوبهم ~~من التعلق بغيره تعالى، وهذا المعنى من التطهير هو المناسب للمس الذي هو ~~العلم دون الطهارة من الخبث أو الحدث كما هو ظاهر. # فالمطهرون هم الذين أكرمهم الله تعالى بتطهير نفوسهم كالملائكة الكرام ~~والذين طهرهم الله من البشر، قال تعالى: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا": الأحزاب: 33، ولا وجه لتخصيص المطهرين ~~بالملائكة كما عن جل المفسرين لكونه تقييدا من غير مقيد. PageV19P073 # وربما جعل "لا" في "لا يمسه" ناهية، والمراد بالمس على هذا مس كتابة ~~القرآن، وبالطهارة الطهارة من الحدث أو الحدث والخبث جميعا - وقرىء ~~"المطهرون" بتشديد الطاء والهاء وكسر الهاء أي المتطهرون - ومدلول الآية ~~تحريم مس كتابة القرآن على غير طهارة. # ويمكن حمل الآية على هذا المعنى على تقدير كون لا نافية بأن تكون الجملة ~~إخبارا أريد به الإنشاء وهو أبلغ من الإنشاء. # قال في الكشاف،: وإن جعلتها يعني جملة "لا يمسه إلا المطهرون" صفة للقرآن ~~فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس يعني مس المكتوب ~~منه، انتهى وقد عرفت صحة أن يراد بالمس العلم والاطلاع على تقدير كونها صفة ~~للقرآن كما يصح على تقدير كونها صفة لكتاب مكنون. # وقوله: "تنزيل من رب العالمين" وصف آخر للقرآن، والمصدر بمعنى ms7101 اسم ~~المفعول أي منزل من عند الله إليكم تفتهمونه وتعقلونه بعد ما كان في كتاب ~~مكنون لا يمسه إلا المطهرون. # والتعبير عنه تعالى برب العالمين للإشارة إلى أن ربوبيته تعالى منبسطة ~~على جميع العالمين وهم من جملتهم فهو تعالى ربهم وإذا كان ربهم كان عليهم ~~أن يؤمنوا بكتابه ويصغوا لكلامه ويصدقوه من غير تكذيب. # قوله تعالى: "أفبهذا الحديث أنتم مدهنون" الإشارة بهذا الحديث إلى ~~القرآن، والإدهان به التهاون به وأصله التليين بالدهن استعير للتهاون، ~~والاستفهام للتوبيخ يوبخهم تعالى على عدهم أمر القرآن هينا لا يعتنى به. # قوله تعالى: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" قيل: المراد بالرزق حظهم من ~~الخير، والمعنى: وتجعلون حظكم من الخير الذي لكم أن تنالوه بالقرآن أنكم ~~تكذبون به أي تضعونه موضعه، وقيل: المراد بالرزق القرآن رزقهم الله إياه، ~~والمعنى: تأخذون التكذيب مكان هذا الرزق الذي رزقتموه، وقيل: الكلام بحذف ~~مضاف والتقدير: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون أي وضعتم التكذيب موضع الشكر. # قوله تعالى: "فلو لا إذا بلغت الحلقوم - إلى قوله صادقين" رجوع إلى أول ~~الكلام بالتفريع على تكذيبهم بأنكم إن كنتم صادقين في نفيكم للبعث مصيبين ~~في تكذيبكم لهذا القرآن الذي ينبؤكم بالبعث رددتم نفس المحتضر التي بلغت ~~الحلقوم إذ لو لم يكن الموت بتقدير من الله كان من الأمور الاتفاقية التي ~~ربما أمكن الاحتيال لدفعها، فإذا لم تقدروا على رجوعها وإعادة الحياة معها ~~فاعلموا أن الموت حق مقدر من الله لسوق النفوس إلى البعث والجزاء. # فقوله: "فلو لا إذا بلغت الحلقوم" تفريع على تكذيبهم بالقرآن وبما أخبر ~~به من البعث والجزاء، ولو لا للتحضيض تعجيزا وتبكيتا لهم، وضمير "بلغت" ~~للنفس، وبلوغ النفس الحلقوم كناية عن الإشراف التام للموت. # وقوله: "وأنتم حينئذ تنظرون" أي تنظرون إلى المحتضر أي هو بمنظر منكم. # وقوله: "ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون" أي والحال أنا أقرب إليه ~~منكم لإحاطتنا به وجودا ورسلنا القابضون لروحه أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصروننا ولا رسلنا. # قال تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين موتها": الزمر: ms7102 26، وقال: "قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة: 11، وقال: "حتى إذا جاء أحدهم الموت ~~توفته رسلنا": الأنعام: 61. # وقوله: "فلو لا إن كنتم غير مدينين" تكرار لو لا لتأكيد لو لا السابقة، ~~و"مدينين" أي مجزيين من دان يدين بمعنى جزى يجزي، والمعنى: إن كنتم غير ~~مجزيين ثوابا وعقابا بالبعث. # وقوله: "ترجعونها إن كنتم صادقين" أي إن كنتم صادقين في دعواكم أن لا بعث ~~ولا جزاء، وقوله: "ترجعونها" مدخول لو لا التحضيضية بحسب التقدير وترتيب ~~الآيات بحسب التقدير فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مدينين. # قوله تعالى: "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم" رجوع إلى ~~بيان حال الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة عند الموت وبعده وضمير ~~"كان" للمتوفى المعلوم من السياق، والمراد بالمقربين السابقون المقربون ~~المذكورون سابقا، والروح الراحة، والريحان الرزق، وقيل: هو الريحان المشموم ~~من ريحان الجنة يؤتى به إليه فيشمه ويتوفى. # والمعنى: فأما إن كان المتوفى من المقربين فله - أو فجزاؤه - راحة من كل ~~هم وغم وألم ورزق من رزق الجنة وجنة نعيم. PageV19P074 # قوله تعالى: "وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين" يمكن ~~أن يكون اللام للاختصاص الملكي ومعنى "سلام لك" أنك تختص بالسلام من أصحاب ~~اليمين الذين هم قرناؤك ورفقاؤك فلا ترى منهم إلا خيرا وسلاما. # وقيل: لك بمعنى عليك أي يسلم عليك أصحاب اليمين، وقيل غير ذلك. # والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أنه يخاطب بهذا الخطاب: سلام ~~لك من أصحاب اليمين. # قوله تعالى: "وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم" ~~تصلية النار الإدخال فيها، وقيل: مقاساة حرها وعذابها. # والمعنى: وأما إن كان من أهل التكذيب والضلال فلهم نزل من ماء شديد ~~الحرارة، ومقاساة حر نار جحيم. # وقد وصفهم الله بالمكذبين الضالين فقدم التكذيب على الضلال لأن ما يلقونه ~~من العذاب تبعة تكذيبهم وعنادهم للحق ولو كان ضلالا بلا تكذيب وعناد كانوا ~~مستضعفين غير نازلين هذه المنزلة، وأما قوله سابقا: "ثم إنكم ms7103 أيها الضالون ~~المكذبون" فإذ كان المقام هناك مقام الرد لقولهم: "أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون" إلخ، كان الأنسب توصيفهم أولا بالضلال ثم بالتكذيب. # قوله تعالى: "إن هذا لهو حق اليقين" الحق هو العلم من حيث إن الخارج ~~الواقع يطابقه، واليقين هو العلم الذي لا لبس فيه ولا ريب فإضافة الحق إلى ~~اليقين نحو من الإضافة البيانية جيء بها للتأكيد. # والمعنى: أن هذا الذي ذكرناه من حال أزواج الناس الثلاثة هو الحق الذي لا ~~تردد فيه والعلم الذي لا شك يعتريه. # قوله تعالى: "فسبح باسم ربك العظيم" تقدم تفسيره، وهو تفريع على ما تقدمه ~~من صفة القرآن وبيان حال الأزواج الثلاثة بعد الموت وفي الحشر. # والمعنى: فإذا كان القرآن على هذه الصفات وصادقا فيما ينبىء به من حال ~~الناس بعد الموت فنزه ربك العظيم مستعينا أو ملابسا باسمه وأنف ما يراه ~~ويدعيه هؤلاء المكذبون الضالون. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون": وروي عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت:. ~~أقول: ورواه في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: "أأنتم أنزلتموه من المزن" قال: من السحاب "نحن ~~جعلناها تذكرة" لنار يوم القيامة "ومتاعا للمقوين" قال: المحتاجين. # وفي المجمع، في قوله تعالى: "فسبح باسم ربك العظيم": فقد صح عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): أنه لما نزلت هذه الآية قال: اجعلوها في ~~ركوعكم:. أقول: ورواه في الفقيه، مرسلا، ورواه في الدر المنثور، عن الجهني ~~عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج النسائي وابن جرير ومحمد بن نصر والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة ~~القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين وفي ~~لفظ ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ "فلا أقسم ms7104 بمواقع ~~النجوم". # أقول: وظاهره تفسير مواقع النجوم بأوقات نزول نجوم القرآن. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "فلا أقسم بمواقع النجوم" قال: معناه أقسم ~~بمواقع النجوم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): "أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون" قال: عند الله في ~~صحف مطهرة "لا يمسه إلا المطهرون" قال: المقربون. # أقول: وتفسير المطهرين بالمقربين يؤيد ما أوردناه في البيان المتقدم، وقد ~~أوردنا في ذيل قوله: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق" الآية: الجاثية: 29، ~~حديثا عن الصادق (عليه السلام) في الكتاب المكنون. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "لا يمسه إلا المطهرون" وقالوا: لا يجوز ~~للجنب والحائض والمحدث مس المصحف: عن محمد بن علي (عليهما السلام). # أقول: المراد بمس المصحف مس كتابته بدليل الروايات الأخر. # وفي الكافي، بإسناده عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن التعويذ يعلق على الحائض قال: نعم لا بأس. وقال: تقرؤه وتكتبه ولا ~~تصيبه يدها. PageV19P075 # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وابن أبي داود وابن المنذر عن عبد الله ~~بن أبي بكر عن أبيه قال: في كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمرو بن ~~حزم: ولا تمس القرآن إلا عن طهور. # أقول: والروايات فيه كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة. # وفيه، أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: مطر الناس على ~~عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا: هذه رحمة وضعها الله وقال ~~بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية "فلا أقسم بمواقع النجوم" حتى بلغ ~~"وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون". # أقول: وقد استفاضت الرواية من طرق أهل السنة أن الآيات نزلت في الأنواء ~~وظاهرها أنها مدنية لكنها لا تلائم سياق آيات السورة كما عرفت. # وفي المجمع، وقراءة علي (عليه السلام) وابن عباس ورويت عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): وتجعلون شكركم:. أقول: ms7105 ورواه في الدر المنثور، عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله: "غير مدينين" قال: معناه فلو كنتم غير مجازين ~~على أعمالكم "ترجعونها" يعني به الروح إذا بلغت الحلقوم تردونها في البدن ~~"إن كنتم صادقين". # وفيه، بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ~~"فأما إن كان من المقربين فروح وريحان" في قبره "وجنة نعيم" في الآخرة. # وفي الدر المنثور، أخرج القاسم بن مندة في كتاب الأحوال والإيمان بالسؤال ~~عن سلمان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أول ما يبشر به ~~المؤمن عند الوفاة بروح وريحان وجنة نعيم وإن أول ما يبشر به المؤمن في ~~قبره أن يقال: أبشر برضا الله تعالى والجنة قدمت خير مقدم قد غفر الله لمن ~~شيعك إلى قبرك، وصدق من شهد لك، واستجاب لمن استغفر لك. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: في قوله: "فسلام لك من ~~أصحاب اليمين" قال: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه وتخبره ~~أنه من أصحاب اليمين. # أقول: وما أورده من المعنى مبني على كون الآية حكاية خطاب الملائكة، ~~والتقدير قالت الملائكة سلام لك حال كونك من أصحاب اليمين فهي سلام وبشارة. PageV19P076 ### || AUTO ### ||| AUTO 57 سورة الحديد - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما فى السموت والأرض وهو العزيز الحكيم ~~(1) له ملك السموت والأرض يحى ويميت وهو على كل شىء قدير (2) هو الأول ~~والاخر والظهر والباطن وهو بكل شىء عليم (3) هو الذى خلق السموت والأرض فى ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) ~~له ملك السموت والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج اليل فى النهار ويولج ~~النهار فى اليل وهو عليم بذات الصدور (6) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة حث المؤمنين وترغيبهم في الإنفاق في سبيل الله كما ms7106 يشعر به ~~تأكيد الأمر به مرة بعد مرة في خلال آياتها "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا ~~مما جعلكم مستخلفين فيه" الآية، "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا" الآية، ~~"إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا" وقد سمت إنفاقهم ذلك ~~إقراضا منه لله عز اسمه فالله سبحانه خير مطلوب وهو لا يخلف الميعاد وقد ~~وعدهم إن أقرضوه أن يضاعفه لهم وأن يؤتيهم أجرا كريما كثيرا. # وقد أشار إلى أن هذا الإنفاق من التقوى والإيمان بالرسول وأنه يستتبع ~~مغفرة الذنوب وإتيان كفلين من الرحمة ولزوم النور بل واللحوق بالصديقين ~~والشهداء عند الله سبحانه. # وفي خلال آياتها معارف راجعة إلى المبدأ والمعاد، ودعوة إلى التقوى ~~وإخلاص الإيمان والزهد وموعظة. # والسورة مدنية بشهادة سياق آياتها وقد ادعى بعضهم إجماع المفسرين على ذلك. # ولقد افتتحت السورة بتسبيحه وتنزيهه تعالى بعده من أسمائه الحسنى لما في ~~غرض السورة وهو الحث على الإنفاق من شائبة توهم الحاجة والنقص في ناحيته ~~ونظيرتها في ذلك جميع السور المفتتحة بالتسبيح وهي سور الحشر والصف والجمعة ~~والتغابن المصدرة بسبح أو يسبح. # قوله تعالى: "سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم" التسبيح ~~التنزيه وهو نفي ما يستدعي نقصا أو حاجة مما لا يليق بساحة كماله تعالى، ~~وما موصولة والمراد بها ما يعم العقلاء مما في السماوات والأرض كالملائكة ~~والثقلين وغير العقلاء كالجمادات والدليل عليه ما ذكر بعد من صفاته ~~المتعلقة بالعقلاء كالإحياء والعلم بذات الصدور. # فالمعنى: نزه الله سبحانه ما في السماوات والأرض من شيء وهو جميع العالم. # والمراد بتسبيحها حقيقة معنى التسبيح دون المعنى المجازي الذي هو دلالة ~~وجود كل موجود في السماوات والأرض على أن له موجدا منزها من كل نقص متصفا ~~بكل كمال، ودون عموم المجاز وهو دلالة كل موجود على تنزهه تعالى إما بلسان ~~القال كالعقلاء وإما بلسان الحال كغير العقلاء من الموجودات وذلك لقوله ~~تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44، ~~حيث استدرك أنهم لا يفقهون تسبيحهم ولو كان المراد ms7107 بتسبيحهم دلالة وجودهم ~~على وجوده وهي قيام الحجة على الناس بوجودهم أو كان المراد تسبيحهم ~~وتحميدهم بلسان الحال وذلك مما يفقه الناس لم يكن للاستدراك معنى. # فتسبيح ما في السماوات والأرض تسبيح ونطق بالتنزيه بحقيقة معنى الكلمة ~~وإن كنا لا نفقهه، قال تعالى: "قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": حم ~~السجدة: 21. # وقوله: "وهو العزيز الحكيم" أي المنيع جانبه يغلب ولا يغلب، المتقن فعله ~~لا يعرض على فعله ما يفسده عليه ولا يتعلق به اعتراض معترض. # قوله تعالى: "له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" ~~الكلام موضوع على الحصر فهو المليك في السماوات والأرض يحكم ما يشاء لأنه ~~الموجد لكل شيء فما في السماوات والأرض يقوم به وجوده وآثار وجوده فلا حكم ~~إلا له فلا ملك ولا سلطنة إلا له. PageV19P077 # وقوله: "يحيي ويميت" إشارة إلى اسمية المحيي والمميت، وإطلاق "يحيي ويميت" ~~يفيد شمولهما لكل إحياء وإماتة كإيجاده الملائكة أحياء من غير سبق موت، ~~وإحيائه الجنين في بطن أمه وإحيائه الموتى في البعث وإيجاده الجماد ميتا من ~~غير سبق حياة وإماتته الإنسان في الدنيا وإماتته ثانيا في البرزخ على ما ~~يشير إليه قوله: "ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين": المؤمن: 11 وفي ~~"يحيي ويميت" دلالة على الاستمرار. # وقوله: "وهو على كل شيء قدير" فيه إشارة إلى صفة قدرته وأنها مطلقة غير ~~مقيدة بشيء دون شيء، وفي تذييل الآية بالقدرة على كل شيء مناسبة مع ما ~~تقدمها من الإحياء والإماتة لما ربما يتوهمه المتوهم أن لا قدرة على إحياء ~~الموتى ولا عين منهم ولا أثر. # قوله تعالى: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" لما كان ~~تعالى قديرا على كل شيء مفروض كان محيطا بقدرته على كل شيء من كل جهة فكل ~~ما فرض أولا فهو قبله فهو الأول دون الشيء المفروض أولا، وكل ما فرض آخرا ~~فهو بعده لإحاطة قدرته به من كل جهة فهو الآخر دون الشيء المفروض آخرا، وكل ~~شيء فرض ظاهرا فهو أظهر ms7108 منه لإحاطة قدرته به من فوقه فهو الظاهر دون ~~المفروض ظاهرا، وكل شيء فرض أنه باطن فهو تعالى أبطن منه لإحاطته به من ~~ورائه فهو الباطن دون المفروض باطنا فهو تعالى الأول والآخر والظاهر ~~والباطن على الإطلاق وما في غيره تعالى من هذه الصفات فهي إضافية نسبية. # وليست أوليته تعالى ولا آخريته ولا ظهوره ولا بطونه زمانية ولا مكانية ~~بمعنى مظروفيته لهما وإلا لم يتقدمهما ولا تنزه عنهما سبحانه بل هو محيط ~~بالأشياء على أي نحو فرضت وكيفما تصورت. # فبان مما تقدم أن هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن من ~~فروع اسمه المحيط وهو فرع إطلاق القدرة فقدرته محيطة بكل شيء ويمكن تفريع ~~الأسماء الأربعة على إحاطة وجوده بكل شيء فإنه تعالى ثابت قبل ثبوت كل شيء ~~وثابت بعد فناء كل شيء وأقرب من كل شيء ظاهر وأبطن من الأوهام والعقول من ~~كل شيء خفي باطن. # وكذا للأسماء الأربعة نوع تفرع على علمه تعالى ويناسبه تذييل الآية ~~بقوله: "وهو بكل شيء عليم". # وفسر بعضهم الأسماء الأربعة بأنه الأول قبل كل شيء والآخر بعد هلاك كل ~~شيء الظاهر بالأدلة الدالة عليه والباطن غير مدرك بالحواس. # وقيل: الأول قبل كل شيء بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، ~~والظاهر الغالب العالي على كل شيء فكل شيء دونه، والباطن العالم بكل شيء ~~فلا أحد أعلم منه. # وقيل: الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء والظاهر بلا اقتراب والباطن ~~بلا احتجاب. # وهناك أقوال أخر في معناها غير جيدة أغمضنا عن إيرادها. # قوله تعالى: "هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام" تقدم تفسيره. # قوله تعالى: "ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السماء وما يعرج فيها" تقدم تفصيل القول في معنى العرش في سورة ~~الأعراف آية: 54. # وتقدم أن الاستواء على العرش كناية عن الأخذ في تدبير الملك ولذا عقبه ~~بالعلم بجزئيات الأحوال لأن العلم من لوازم التدبير. # وقوله: "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج ms7109 منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها" الولوج - كما قال الراغب - الدخول في مضيق، والعروج ذهاب في صعود، ~~والمعنى: يعلم ما يدخل وينفذ في الأرض كماء المطر والبذور وغيرهما وما يخرج ~~من الأرض كأنواع النبات والحيوان والماء وما ينزل من السماء كالأمطار ~~والأشعة والملائكة وما يعرج فيها ويصعد كالأبخرة والملائكة وأعمال العباد. # قوله تعالى: "وهو معكم أينما كنتم" لإحاطته بكم فلا تغيبون عنه أينما ~~كنتم وفي أي زمان عشتم وفي أي حال فرضتم فذكر عموم الأمكنة "أينما كنتم" ~~لأن الأعرف في مفارقة شيء شيئا وغيبته عنه أن يتوسل إلى ذلك بتغيير المكان ~~وإلا فنسبته تعالى إلى الأمكنة والأزمنة والأحوال سواء. # وقيل: المعية مجاز مرسل عن الإحاطة العلمية. # قوله تعالى: "والله بما تعملون بصير" كالفرع المترتب على ما قبله من كونه ~~معهم أينما كانوا وكونه بكل شيء عليما فإن لازم حضوره عندهم من دون مفارقة ~~ما واحتجاب وهو عليم أن يكون بصيرا بأعمالهم يبصر ظاهر عملهم، وما في ~~باطنهم من نية وقصد. PageV19P078 # قوله تعالى: "له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور" كرر قوله: "له ~~ملك" إلخ، لابتناء رجوع الأشياء إليه على عموم الملك فصرح به ليفيد ~~الابتناء، قال تعالى: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16. # وقوله: "وإلى الله ترجع الأمور" الأمور جمع محلى باللام يفيد العموم ~~كقوله: "ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى: 53، فما من شيء إلا ويرجع إلى ~~الله، ولا راد إليه تعالى إلا هو لاختصاص الملك به فله الأمر وله الحكم. # وفي الآية وضع الظاهر موضع الضمير في "إلى الله" وكذا في الآية السابقة ~~"والله بما تعملون بصير" ولعل الوجه في ذلك أن تقرع الجملتان قلوبهم كما ~~يقرع المثل السائر لما سيجيء من ذكر يوم القيامة وجزيل أجر المنفقين في ~~سبيل الله فيه. # قوله تعالى: "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات ~~الصدور" إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل اختلاف الليل ms7110 ~~والنهار في الطول والقصر باختلاف فصول السنة في كل من البقاع الشمالية ~~والجنوبية بعكس الأخرى، وقد تقدم في كلامه تعالى غير مرة. # والمراد بذات الصدور الأفكار المضمرة والنيات المكنونة التي تصاحب الصدور ~~وتلازمها لما أنها تنسب إلى القلوب والقلوب في الصدور، والجملة أعني قوله: ~~"وهو عليم بذات الصدور" بيان لإحاطة علمه بما في الصدور بعد بيان إحاطة ~~بصره بظواهر أعمالهم بقوله: "والله بما تعملون بصير". ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ~~مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عرباض بن سارية: أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: إن فيهن آية أفضل من ~~ألف آية:. أقول: ورواه أيضا عن ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وفي الكافي، بإسناده عن عاصم بن حميد قال: سئل علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) عن التوحيد فقال: إن الله عز وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام ~~متعمقون فأنزل الله تعالى: "قل هو الله أحد" والآيات من سورة الحديد إلى ~~قوله: "عليم بذات الصدور" فمن رام وراء ذلك فقد هلك. # وفي تفسير القمي،: "سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم" ~~قال: هو قوله: أوتيت جوامع الكلم، وقوله: "هو الأول" قال: أي قبل كل شيء، ~~"والآخر" قال: يبقى بعد كل شيء، "وهو عليم بذات الصدور" قال: بالضمائر. # وفي الكافي، وروي: أنه يعني عليا (عليه السلام) سئل أين كان ربنا قبل أن ~~يخلق سماء وأرضا؟ قال: أين سؤال عن مكان وكان الله ولا مكان. # وفي التوحيد، خطبة للحسن بن علي (عليهما السلام) وفيها: الحمد لله الذي ~~لم يكن فيه أول معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، فلا ~~تدرك العقول وأوهامها ولا الفكر وخطراتها ولا الألباب وأذهانها صفته فتقول: ~~متى ولا بدىء مما، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما. # أقول: وقوله أول معلوم إلخ، أوصاف توضيحية أي ليس ms7111 له أول ولو كان له أول ~~كان من الجائز أن يتعلق به علم ولا آخر ولو كان له آخر كان متناهيا، ولا ~~قبل ولو كان لكان جائز الإدراك ولا بعد وإلا لكان محدودا. # وقوله: ولا بدىء مما أي لم يبتدأ من شيء حتى يكون له أول ولا ظاهر على ما ~~أي يتفوق على شيء بالوقوع والاستقرار عليه كالجسم على الجسم "ولا باطن ~~فيما" أي لم يتبطن في شيء بالدخول فيه والاستتار به. # وفي نهج البلاغة،: وكل ظاهر غيره غير باطن، وكل باطن غيره غير ظاهر. # أقول: معناه أن حيثية الظهور في غيره تعالى غير حيثية البطون وبالعكس، ~~وأما هو تعالى فلما كان أحدي الذات لا تنقسم ولا تتجزى إلى جهة وجهة كان ~~ظاهرا من حيث هو باطن وباطنا من حيث هو ظاهر فهو باطن خفي من كمال ظهوره ~~وظاهر جلي من كمال بطونه. # وفيه،: الحمد لله الأول فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده، والظاهر فلا ~~شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه. PageV19P079 # أقول: المراد بالقبلية والبعدية ليس هو القبلية والبعدية الزمانية بأن يفرض ~~هناك امتداد زماني غير متناهي الطرفين وقد حل العالم قطعة منه خاليا عنه ~~طرفاه ويكون وجوده تعالى وتقدس منطبقا على الزمان كله غير خال عنه شيء من ~~جانبيه وإن ذهبا إلى غير النهاية فيتقدم وجوده تعالى على العالم زمانا ~~ويتأخر عنه زمانا ولو كان كذلك لكان تعالى متغيرا في ذاته وأحواله بتغير ~~الأزمنة المتجددة عليه، وكان قبليته وبعديته بتبع الزمان وكان الزمان هو ~~الأول والآخر بالأصالة. # وكذلك ليست ظاهريته وباطنيته بحسب المكان بنظير البيان بل هو تعالى سابق ~~بنفس ذاته المتعالية على كل شيء مفروض وآخر بنفس ذاته عن كل أمر مفروض أنه ~~آخر، وظاهر، وباطن كذلك، والزمان مخلوق له متأخر عنه. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى ~~يقولوا: هذا الله كان قبل كل ms7112 شيء فما ذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك ~~فقولوا: هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فوق كل ~~شيء وهو الباطن دون كل شيء وهو بكل شيء عليم. # وفي التوحيد، بإسناده إلى أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ~~يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم فلما أحدث الأشياء ~~وقع العلم منه على المعلوم. # أقول: ليس المراد بهذا العلم الصور الذهنية فيكون تعالى كباني دار يتصور ~~للدار صورة وهيئة قبل بنائها ثم يبنيها على ما تصور فتنطبق الصورة الذهنية ~~على البناء الخارجي ثم تنهدم الدار والصورة الذهنية على حالها، وهذا هو ~~المسمى بالعلم الكلي وهو مستحيل عليه تعالى بل ذاته تعالى عين العلم ~~بمعلومه ثم المعلوم إذا تحقق في الخارج كان ذات المعلوم عين علمه تعالى به، ~~ويسمى الأول العلم الذاتي والثاني العلم الفعلي. # وفيه، خطبة لعلي (عليه السلام) وفيها: وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلا ~~بها، وليس بينه وبين معلومه علم غيره. # أقول: المراد به أن ذاته تعالى عين علمه، وليست هناك صورة زائدة. PageV19P080 ### ||| AUTO 57 سورة الحديد - 7 - 15 # ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ءامنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم وقد أخذ ميثقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذى ينزل على عبده ءايت بينت ~~ليخرجكم من الظلمت إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) وما لكم ألا ~~تنفقوا فى سبيل الله ولله ميرث السموت والأرض لا يستوى منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى والله بما تعملون خبير (10) من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه ~~له وله أجر كريم (11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنت يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمنهم بشراكم اليوم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ذلك هو الفوز ~~العظيم (12) يوم يقول المنفقون والمنفقت للذين ءامنوا انظرونا ms7113 نقتبس من ~~نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأمانى حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هى ~~مولاكم وبئس المصير (15) ### |||| AUTO بيان # أمر مؤكد بالإنفاق في سبيل الله وخاصة الجهاد على ما يؤيده قوله: "لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل" الآية، ويتأيد بذلك ما قيل: إن ~~قوله: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا" إلخ، نزل في غزوة تبوك. # قوله تعالى: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" إلخ، ~~المستفاد من سياق الآيات أن الخطاب في الآية للمؤمنين بالله ورسوله لا ~~للكفار ولا للمؤمنين والكفار جميعا كما قيل، وأمر الذين تلبسوا بالإيمان ~~بالله ورسوله بالإيمان معناه الأمر بتحقيق الإيمان بترتيب آثاره عليه إذ لو ~~كانت صفة من الصفات كالسخاء والعفة والشجاعة ثابتة في نفس الإنسان حق ~~ثبوتها لم يتخلف عنها أثرها الخاص ومن آثار الإيمان بالله ورسوله الطاعة ~~فيما أمر الله ورسوله به. # ومن هنا يظهر أولا: أن أمر المؤمن بالإيمان في الحقيقة أمر للمتحقق ~~بمرتبة من الإيمان أن يتلبس بمرتبة هي أعلى منها، وهذا النوع من الأمر فيه ~~إيماء إلى أن الذي عند المأمور من المأمور به لا يرضي الآمر كل الإرضاء. # وثانيا: أن قوله: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا" أمر بالإنفاق مع التلويح ~~إلى أنه أثر صفة هم متلبسون بها فعليهم أن ينفقوا لما اتصفوا بها فيئول إلى ~~تعليل الإنفاق بإيمانهم. # وقوله: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" استخلاف الإنسان جعله خليفة، ~~والمراد به إما خلافتهم عن الله سبحانه يخلفونه في الأرض كما يشير إليه ~~قوله: "إني جاعل في الأرض خليفة": البقرة: 30، والتعبير عما بأيديهم من ~~المال بهذا التعبير لبيان الواقع ولترغيبهم في الإنفاق فإنهم إذا أيقنوا أن ~~المال لله وهم مستخلفون عليه وكلاء من ناحيته يتصرفون فيه كما أذن لهم سهل ~~عليهم إنفاقه ms7114 ولم تتحرج نفوسهم من ذلك. # وإما خلافتهم عمن سبقهم من الأجيال كما يخلف كل جيل سابقه، وفي التعبير ~~به أيضا ترغيب في الإنفاق فإنهم إذا تذكروا أن هذا المال كان لغيرهم فلم ~~يدم عليهم علموا أنه كذلك لا يدوم لهم وسيتركونه لغيرهم وهان عليهم إنفاقه ~~وسخت بذلك نفوسهم. # وقوله: "فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير" وعد للأجر على الإنفاق ~~تأكيدا للترغيب، والمراد بالإيمان الإيمان بالله ورسوله. PageV19P081 # قوله تعالى: "وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم" إلخ، ~~المراد بالإيمان الإيمان بحيث يترتب عليه آثاره ومنها الإنفاق في سبيل الله ~~- وإن شئت فقل: المراد ترتيب آثار ما عندهم من الإيمان عليه -. # وقوله: "والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم" عبر الرب بالرب وإضافة إليهم ~~تلويحا إلى علة توجه الدعوة والأمر كأنه قيل: يدعوكم لتؤمنوا بالله لأنه ~~ربكم يجب عليكم أن تؤمنوا به. # وقوله: "وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين" تأكيد للتوبيخ المفهوم من أول ~~الآية، وضمير "أخذ" لله سبحانه أو للرسول وعلى أي حال المراد بالميثاق ~~المأخوذ هو الذي تدل عليه شهادتهم على وحدانية الله ورسالة رسوله يوم آمنوا ~~به (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنهم على السمع والطاعة. # وقيل: المراد بالميثاق هو الميثاق المأخوذ منهم في الذر، وعلى هذا فضمير ~~"أخذ" لله سبحانه، وفيه أنه بعيد عن سياق الاحتجاج عليهم فإنهم غافلون عنه، ~~على أن أخذ الميثاق في الذر لا يختص بالمؤمنين بل يعم المنافقين والكفار. # قوله تعالى: "هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور" إلخ، المراد بالآيات البينات آيات القرآن الكريم المبينة لهم ما ~~عليهم من فرائض الدين، وفاعل "ليخرجكم" الضمير العائد إلى الله أو إلى ~~رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومرجع الثاني أيضا هو الأول فالميثاق ~~ميثاقه وقد أخذه بواسطة رسوله أو بغير واسطته كما أن الإيمان به وبرسوله ~~إيمان به ولذلك قال في صدر الآية: "وما لكم لا تؤمنون بالله" فذكر نفسه ولم ~~يذكر رسوله إشارة إلى أن الإيمان برسوله إيمان ms7115 به. # وقوله: "وإن الله بكم لرءوف رحيم" في تذييل الآية برأفته تعالى ورحمته ~~إشارة إلى أن الإيمان الذي يدعوهم إليه رسوله خير لهم وأصلح وهم الذين ~~ينتفعون به دون الله ورسوله، ففيه تأكيد ترغيبهم على الإيمان والإنفاق. # قوله تعالى: "وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات ~~والأرض" الميراث والتراث المال الذي ينتقل من الميت إلى من بقي بعده من ~~وراثه، وإضافة الميراث إلى السماوات والأرض بيانية فالسماوات والأرض هي ~~الميراث بما فيهما من الأشياء التي خلق منهما مما يمتلكه ذوو الشعور من ~~سكنتهما فالسماوات والأرض شاملة لما فيهما مما خلق منهما ويتصرف فيها ذوو ~~الشعور كالإنسان مثلا بتخصيص ما يتصرفون فيه لأنفسهم وهو الملك الاعتباري ~~الذي هداهم الله سبحانه إلى اعتباره فيما بينهم لينتظم بذلك جهات حياتهم ~~الدنيا. # غير أنهم لا يبقون ولا يبقى لهم بل يذهبهم الموت المقدر بينهم فينتقل ما ~~في أيديهم إلى من بعدهم وهكذا حتى يفنى الجميع ولا يبقى إلا هو سبحانه. # فالأرض مثلا وما فيها وعليها من مال ميراث من جهة أن كل جيل من سكانها ~~يرثها ممن قبله فكانت ميراثا دائما دائرا بينهم خلفا عن سلف، وميراث من جهة ~~أنهم سيفنون جميعا ولا يبقى لها إلا الله الذي استخلفهم عليها. # ولله سبحانه ميراث السماوات والأرض بكلا المعنيين، أما الأول: فلأنه الذي ~~يملكهم المال وهو المالك لما ملكهم، قال تعالى: "لله ما في السماوات ~~والأرض": لقمان: 26، وقال: "ولله ملك السماوات والأرض": النور: 42، وقال: ~~"وآتوهم من مال الله الذي آتاكم": النور: 33. # وأما الثاني: فظاهر آيات القيامة كقوله تعالى: "كل من عليها فان": ~~الرحمن: 26 وغيره، والذي يسبق إلى الذهن أن المراد بكونهما ميراثا هو ~~المعنى الثاني. # وكيف كان ففي الآية توبيخ شديد لهم على عدم إنفاقهم في سبيل الله من ~~المال الذي لا يرثه بالحقيقة إلا هو تعالى ولا يبقى لهم ولا لغيرهم، ~~والإظهار في موضع الإضمار في قوله: "ولله" لتشديد التوبيخ. # قوله تعالى: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ms7116 أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا" إلخ، الاستواء بمعنى التساوي، وقسيم قوله: ~~"من أنفق من قبل الفتح وقاتل" محذوف إيجازا لدلالة قوله: "أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا" عليه. # والمراد بالفتح - كما قيل - فتح مكة أو فتح الحديبية وعطف القتال على ~~الإنفاق لا يخلو من إشعار بل دلالة على أن المراد بالإنفاق في سبيل الله ~~المندوب إليه في الآيات هو الإنفاق في الجهاد. PageV19P082 # وكان الآية مسوقة لبيان أن الإنفاق في سبيل الله كلما عجل إليها كان أحب ~~عند الله وأعظم درجة ومنزلة وإلا فظاهر أن هذه الآيات نزلت بعد الفتح ~~والقتال الذي بادروا إليه قبل الفتح وبعض المقاتل التي بعده. # وقوله: "وكلا وعد الله الحسنى" أي وعد الله المثوبة الحسنى كل من أنفق ~~وقاتل قبل الفتح أو أنفق وقاتل بعده وإن كانت الطائفة الأولى أعظم درجة من ~~الثانية، وفيه تطييب لقلوب المتأخرين إنفاقا وقتالا أن لهم نيلا من رحمته ~~وليسوا بمحرومين مطلقا فلا موجب لأن ييأسوا منها وإن تأخروا. # وقوله: "والله بما تعملون خبير" تذييل متعلق بجميع ما تقدم ففيه تشديد ~~للتوبيخ وتقرير وتثبيت لقوله: "لا يستوي منكم" إلخ، ولقوله: "وكلا وعد الله ~~الحسنى" ويمكن أن يتعلق بالجملة الأخيرة لكن تعلقه بالجميع أعم وأشمل. # قوله تعالى: "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم" ~~قال الراغب: وسمي ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضا. # انتهى، وقال في المجمع،: وأصله القطع فهو قطعة عن مالكه بإذنه على ضمان ~~رد مثله. # قال: والمضاعفة الزيادة على المقدار مثله أو أمثاله. # انتهى، وقال الراغب: الأجر والأجرة ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان أو ~~أخرويا قال: ولا يقال إلا في النفع دون الضر بخلاف الجزاء فإنه يقال في ~~النفع والضر. # انتهى ملخصا. # وما يعطيه تعالى من الثواب على عمل العبد تفضل منه من غير استحقاق من ~~العبد فإن العبد وما يأتيه من عمل ملك طلق له سبحانه ملكا لا يقبل النقل ms7117 ~~والانتقال غير أنه اعتبر اعتبارا تشريعيا العبد مالكا وملكه عمله، وهو ~~المالك لما ملكه وهو تفضل آخر ثم اختار ما أحبه من عمله فوعده ثوابا على ~~عمله وسماه أجرا وجزاء وهو تفضل آخر، ولا ينتفع به في الدنيا والآخرة إلا ~~العبد قال تعالى: "للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم": آل عمران: 172، ~~وقال: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون": حم السجدة: 8، ~~وقال بعد وصف الجنة ونعيمها: "إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا": ~~الإنسان: 22، وما وعده من الشكر وعدم المن عند إيتاء الثواب تمام التفضل. # وفي الآية حث بليغ على ما ندب إليه من الإنفاق في سبيل الله حيث استفهم ~~عن الذي ينفق منهم في سبيل الله ومثل إنفاقه بأنه قرض يقرضه الله سبحانه ~~وعليه أن يرده ثم قطع أنه لا يرد مثله إليه بل يضاعفه ولم يكتف بذلك بل ~~أضاف إليه أجرا كريما في الآخرة والأجر الكريم هو المرضي في نوعه والأجر ~~الأخروي كذلك لأنه غاية ما يتصور من النعمة عند غاية ما يتصور من الحاجة. # قوله تعالى: "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم" إلخ، اليوم ظرف لقوله: "له أجر كريم" والمراد به يوم القيامة، ~~والخطاب في "ترى" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لكل سامع يصح خطابه، ~~والظاهر أن الباء في "بأيمانهم" بمعنى في. # والمعنى: لمن أقرض الله قرضا حسنا أجر كريم يوم ترى أنت يا رسول الله - ~~أو كل من يصح منه الرؤية - المؤمنين بالله ورسوله والمؤمنات يسعى نورهم ~~أمامهم وفي أيمانهم واليمين هو الجهة التي منها سعادتهم. # والآية مطلقة تشمل مؤمني جميع الأمم ولا تختص بهذه الأمة، والتعبير عن ~~إشراق النور بالسعي يشعر بأنهم ساعون إلى درجات الجنة التي أعدها الله ~~سبحانه لهم وتستنير لهم جهات السعادة ومقامات القرب واحدة بعد واحدة حتى ~~يتم لهم نورهم كما قال تعالى: "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا": ~~الزمر: 73، وقال: "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا": مريم: 85، وقال: ~~"يوم لا يخزي ms7118 الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ~~يقولون ربنا أتمم لنا نورنا": التحريم: 8. # وللمفسرين في تفسير مفردات الآية أقوال مختلفة أغمضنا عنها لعدم دليل من ~~لفظ الآية عليها، وسيوافيك ما في الروايات المأثورة في البحث الروائي الآتي ~~إن شاء الله. # وقوله: "بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها" حكاية ما ~~يقال للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة، والقائل الملائكة بأمر من الله ~~والتقدير يقال لهم: "بشراكم" إلخ، والمراد بالبشرى ما يبشر به وهو الجنة ~~والباقي ظاهر. PageV19P083 # وقوله: "ذلك هو الفوز العظيم" كلام الله سبحانه والإشارة إلى ما ذكر من سعي ~~النور والبشرى أو من تمام قول الملائكة والإشارة إلى الجنات والخلود فيها. # قوله تعالى: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس ~~من نوركم" إلى آخر الآية، النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار ~~والإمهال، وإذا عدي بإلى نحو نظر إليه كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشيء ~~وإذا عدي بفي كان بمعنى التأمل، والاقتباس أخذ قبس من النار. # والسياق يفيد أنهم اليوم في ظلمة أحاطت بهم سرادقها وقد ألجئوا إلى ~~المسير نحو دارهم التي يخلدون فيها غير أن المؤمنين والمؤمنات يسيرون ~~بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم فيبصرون الطريق ويهتدون إلى ~~مقاماتهم، وأما المنافقون والمنافقات فهم مغشيون بالظلمة لا يهتدون سبيلا ~~وهم مع المؤمنين كما كانوا في الدنيا معهم ومعدودين منهم فيسبق المؤمنون ~~والمؤمنات إلى الجنة ويتأخر عنهم المنافقون والمنافقات في ظلمة تغشاهم ~~فيسألون المؤمنين والمؤمنات أن ينتظروهم حتى يلحقوا بهم ويأخذوا قبسا من ~~نورهم ليستضيئوا به في طريقهم. # وقوله: "قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" القائل به إما الملائكة أو قوم ~~من كمل المؤمنين كأصحاب الأعراف. # وكيف كان فهو من الله وبإذنه، والخطاب بقوله: "ارجعوا وراءكم فالتمسوا ~~نورا" قيل: إنه خطاب مبني على التهكم والاستهزاء كما كانوا يستهزءون في ~~الدنيا بالمؤمنين، والأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا، ومحصل ~~المعنى: ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم وعملتم فيها ما عملتم ~~على النفاق، والتمسوا من تلك ms7119 الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو ~~الإيمان ولا إيمان لكم ولا عمل. # ويمكن أن يجعل هذا وجها على حياله من غير معنى الاستهزاء بأن يكون قوله: ~~"ارجعوا" أمرا بالرجوع إلى الدنيا واكتساب النور بالإيمان والعمل الصالح ~~وليسوا براجعين ولا يستطيعون فيكون الأمر بالرجوع كالأمر بالسجود المذكور ~~في قوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون": القلم: 43. # وقيل: المراد ارجعوا إلى المكان الذي قسم فيه النور والتمسوا من هناك ~~فيرجعون فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور، وهذا خدعة منه ~~تعالى يخدعهم بها كما كانوا في الدنيا يخادعونه كما قال: "إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم": النساء: 142. # قوله تعالى: "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب" سور المدينة حائطها الحاجز بينها وبين الخارج منها، والضمير في ~~"فضرب بينهم بسور" راجع إلى المؤمنين والمنافقين جميعا أي ضرب بين المؤمنين ~~وبين المنافقين بسور حاجز يحجز إحدى الطائفتين عن الأخرى. # قيل: السور هو الأعراف وهو غير بعيد وقد تقدمت إشارة إليه في تفسير قوله ~~تعالى: "وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال" الآية: الأعراف: 46، وقيل: السور ~~غير الأعراف. # وقوله: "له باب" أي للسور باب وهذا يشبه حال المنافقين في الدنيا فقد ~~كانوا فيها بين المؤمنين لهم اتصال بهم وارتباط وهم مع ذلك محجوبون عنهم بحجاب. # على أنهم يرون أهل الجنة ويزيد بذلك حسرتهم وندامتهم. # وقوله: "باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" "باطنه" مبتدأ وجملة ~~فيه الرحمة" مبتدأ وخبر وهي خبر باطنه وكذا ظاهره مبتدأ وجملة من قبله ~~العذاب مبتدأ وخبر هي خبره، وضميرا فيه ومن قبله للباطن والظاهر. # ويظهر من كون باطن السور فيه رحمة وظاهره من قبله العذاب أن السور محيط ~~بالمؤمنين وهم في داخله والمنافقون في الخارج منه. # وفي اشتمال داخله الذي يلي المؤمنين على الرحمة وظاهره الذي يلي ~~المنافقين على العذاب مناسبة لحال الإيمان في الدنيا فإنه نعمة لأهل ~~الإخلاص ms7120 من المؤمنين يبتهجون بها ويلتذون وعذاب لأهل النفاق يتحرجون من ~~التلبس به ويتألمون منه. # قوله تعالى: "ينادونهم ألم نكن معكم" إلى آخر الآية استئناف في معنى جواب ~~السؤال كأنه قيل: فما ذا يفعل المنافقون والمنافقات بعد ضرب السور ومشاهدة ~~العذاب من ظاهره؟ فقيل: ينادونهم إلخ. PageV19P084 # والمعنى: ينادي المنافقون والمنافقات المؤمنين والمؤمنات بقولهم: "ألم نكن ~~معكم" يريدون به كونهم في الدنيا مع المؤمنين والمؤمنات في ظاهر الدين. # وقوله: "قالوا بلى" إلى آخر الآية جواب المؤمنين والمؤمنات لهم والمعنى: ~~"قالوا" أي قال المؤمنون والمؤمنات جوابا لهم "بلى" كنتم في الدنيا معنا ~~"ولكنكم فتنتم" أي محنتم وأهلكتم "أنفسكم وتربصتم" الدوائر بالدين وأهله ~~"وارتبتم" وشككتم في دينكم "وغرتكم الأماني" ومنها أمنيتكم أن الدين سيطفأ ~~نوره ويتركه أهله "حتى جاء أمر الله" وهو الموت "وغركم بالله الغرور" بفتح ~~الغين وهو الشيطان. # والآية - كما ترى - تفيد أن المنافقين والمنافقات يستنصرون المؤمنين ~~والمؤمنات على ما هم فيه من الظلمة متوسلين بأنهم كانوا معهم في الدنيا ثم ~~تفيد أن المؤمنين والمؤمنات يجيبون بأنهم كانوا معهم لكن قلوبهم كانت لا ~~توافق ظاهر حالهم حيث يفتنون أنفسهم ويتربصون ويرتابون وتغرهم الأماني ~~ويغرهم بالله الغرور، وهذه الصفات الخبيثة آفات القلوب فكانت القلوب غير ~~سليمة ولا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم قال تعالى: "يوم لا ينفع مال ~~ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89. # قوله تعالى: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا" تتمة كلام ~~المؤمنين والمؤمنات يخاطبون به المنافقين والمنافقات ويضيفون إليهم الكفار ~~وهم المعلنون لكفرهم أنهم رهناء أعمالهم كما قال تعالى: "كل نفس بما كسبت ~~رهينة": المدثر: 38، لا يؤخذ منهم فدية يخلصون بها أنفسهم والفدية أحد ~~الأمرين اللذين بهما التخلص من الرهانة والآخر ناصر ينصر فينجي وقد نفوه ~~بقولهم: "مأواكم النار" إلخ. # فقوله: "مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير" ينفي أي ناصر ينصرهم ~~وينجيهم من النار غير النار على ما يفيده قوله: "هي مولاكم" من الحصر، ~~والمولى هو الناصر والجملة مسوقة للتهكم. # ويمكن أن يكون ms7121 المولى بمعنى من يلي الأمر فإنهم كانوا يدعون لحوائجهم من ~~المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمسكن غير الله سبحانه وحقيقته النار ~~فاليوم مولاهم النار وهي التي تعد لهم ذلك فمأكلهم من الزقوم ومشربهم من ~~الحميم وملبسهم من ثياب قطعت من النار وقرناؤهم الشياطين ومأواهم النار على ~~ما أخبر الله سبحانه به في آيات كثيرة من كلامه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في ~~الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: ~~خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الحديبية حتى إذا كان ~~بعسفان قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوشك أن يأتي قوم تحقرون ~~أعمالكم مع أعمالهم قلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟ قال: لا ولكنهم أهل ~~اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا. قلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: لو ~~كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ~~ما بيننا وبين الناس "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل" الآية. # أقول: روي هذا المعنى بغير واحد من الطرق بألفاظ متقاربة وهي مشتملة على ~~الآية ويشكل بأن ظاهر سياق الآيات أنها نزلت بعد الفتح والمراد به إما ~~الحديبية أو فتح مكة فلا تنطبق على ما قبل الفتح. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية ~~"لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل" قال أبو الدحداح: والله لأنفقن ~~اليوم نفقة أدرك بها من قبلي ولا يسبقني بها أحد بعدي فقال: اللهم كل شيء ~~يملكه أبو الدحداح فإن نصفه لله حتى بلغ فرد نعله ثم قال: وهذا. PageV19P085 # وفي تفسير القمي،: في قوله: "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات - يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم" قال: يقسم النور بين الناس يوم القيامة على قدر إيمانهم ~~يقسم للمنافق فيكون نوره بين إبهام رجله اليسرى فينظر نوره ms7122 ثم يقول ~~للمؤمنين: مكانكم حتى أقتبس من نوركم فيقول المؤمنون لهم: ارجعوا وراءكم ~~فالتمسوا نورا ويضرب بينهم بسور له باب فينادون من وراء السور للمؤمنين: ~~"ألم نكن معكم قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم" قال: بالمعاصي "وتربصتم ~~وارتبتم" قال: أي شككتم وتربصتم. وقوله: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية" قال: ~~والله ما عنى بذلك اليهود والنصارى وما عنى به إلا أهل القبلة ثم قال: ~~"مأواكم النار هي مولاكم" قال: هي أولى بكم. # أقول: يعني بأهل القبلة المنافقين منهم. # وفي الكافي، بإسناده عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: تجنبوا المنى فإنها تذهب بهجة ما خولتم وتستصغرون بها مواهب ~~الله جل وعز عندكم وتعقبكم الحسرات فيما وهمتم به أنفسكم. PageV19P086 ### ||| AUTO 57 سورة الحديد - 16 - 24 # ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم ~~فسقون (16) اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها قد بينا لكم الايت لعلكم ~~تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا الله قرضا حسنا يضعف لهم ولهم ~~أجر كريم (18) والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب الجحيم (19) ~~اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأمول ~~والأولد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطما وفى ~~الاخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضون وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور ~~(20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~ءامنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ~~ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتب من قبل أن نبرأها إن ~~ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتام ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن ~~يتول فإن الله هو ms7123 الغنى الحميد (24) ### |||| AUTO بيان # جرى على وفق مقصد الكلام السابق وهو الحث والترغيب في الإيمان بالله ~~ورسوله والإنفاق في سبيل الله وتتضمن عتاب المؤمنين على ما يظهر من علائم ~~قسوة القلوب منهم، وتأكيد الحث على الإنفاق ببيان درجة المنفقين عند الله ~~والأمر بالمسابقة إلى المغفرة والجنة وذم الدنيا وأهلها الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل. # وقد تغير السياق خلال الآيات إلى سياق عام يشمل المسلمين وأهل الكتاب بعد ~~اختصاص السياق السابق بالمسلمين وسيجيء توضيحه. # قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق" إلى آخر الآية، يقال: أنى يأني إنى وإناء أي جاء وقته، وخشوع القلب ~~تأثره قبال العظمة والكبرياء، والمراد بذكر الله ما يذكر به الله، وما نزل ~~من الحق هو القرآن النازل من عنده تعالى و"من الحق" بيان لما نزل، ومن شأن ~~ذكر الله تعالى عند المؤمن أن يعقب خشوعا كما أن من شأن الحق النازل من ~~عنده تعالى أن يعقب خشوعا ممن آمن بالله ورسله. # وقيل: المراد بذكر الله وما نزل من الحق جميعا القرآن، وعلى هذا فذكر ~~القرآن بوصفيه لكون كل من الوصفين مستدعيا لخشوع المؤمن فالقرآن لكونه ذكر ~~الله يستدعي الخشوع كما أنه لكونه حقا نازلا من عنده تعالى يستدعي الخشوع. # وفي الآية عتاب للمؤمنين على ما عرض لقلوبهم من القسوة وعدم خشوعها لذكر ~~الله والحق النازل من عنده تعالى وتشبيه لحالهم بحال أهل الكتاب الذين نزل ~~عليهم الكتاب وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. # وقوله: "ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم" عطف على قوله: "تخشع" إلخ، والمعنى: ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ~~وأن لا يكونوا إلخ، والأمد الزمان، قال الراغب: الفرق بين الزمان والأمد أن ~~الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم: ~~إن المدى والأمد يتقاربان. # انتهى. # وقد أشار سبحانه بهذا الكلام إلى صيرورة قلوبهم كقلوب أهل الكتاب القاسية ~~والقلب القاسي حيث يفقد الخشوع والتأثر عن الحق ربما ms7124 خرج عن زي العبودية ~~فلم يتأثر عن المناهي واقترف الإثم والفسوق، ولذا أردف قوله: "فقست قلوبهم" ~~بقوله: "وكثير منهم فاسقون". PageV19P087 # قوله تعالى: "اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها" إلى آخر الآية في تعقيب ~~عتاب المؤمنين على قسوة قلوبهم بهذا التمثيل تقوية لرجائهم وترغيب لهم في ~~الخشوع. # ويمكن أن يكون من تمام العتاب السابق ويكون تنبيها على أن الله لا يخلي ~~هذا الدين على ما هو عليه من الحال بل كلما قست قلوب وحرموا الخشوع لأمر ~~الله جاء بقلوب حية خاشعة له يعبد بها كما يريد. # فتكون الآية في معنى قوله: "ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم": سورة محمد: 38. # ولذلك ذيل الآية بقوله: "قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون". # قوله تعالى: "إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ~~ولهم أجر كريم" تكرار لحديث المضاعفة والأجر الكريم للترغيب في الإنفاق في ~~سبيل الله وقد أضيف إلى الذين أقرضوا الله قرضا حسنا المصدقون والمصدقات. # والمصدقون والمصدقات - بتشديد الصاد والدال - المتصدقون والمتصدقات، ~~وقوله: "وأقرضوا الله" عطف على مدخول اللام في "المصدقين"، والمعنى: أن ~~الذين تصدقوا والذين أقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ما أعطوه ولهم أجر كريم. # قوله تعالى: "والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم" إلخ، لم يقل: آمنوا بالله ورسوله كما قال في أول السورة: "آمنوا ~~بالله ورسوله وأنفقوا" وقال في آخرها: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله" لأنه تعالى لما ذكر أهل الكتاب في الآية السابقة بقوله: ~~"ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل" عدل عن السياق السابق إلى سياق ~~عام يشمل المسلمين وأهل الكتاب جميعا كما قال بعد: "لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات" وأما الآيتان المذكورتان في أول السورة وآخرها فالخطاب فيهما ~~لمؤمني هذه الأمة خاصة ولذا جيء فيهما بالرسول مفردا. # والمراد بالإيمان بالله ورسله محض الإيمان الذي لا ms7125 يفارق بطبعه الطاعة ~~والاتباع كما مرت الإشارة إليه في قوله: "آمنوا بالله ورسوله" الآية، ~~والمراد بقوله: "أولئك هم الصديقون والشهداء" إلحاقهم بالصديقين والشهداء ~~بقرينة قوله: "عند ربهم" وقوله: "لهم أجرهم ونورهم" فهم ملحقون بالطائفتين ~~يعامل معهم معاملة الصديقين والشهداء فيعطون مثل أجرهم ونورهم. # والظاهر أن المراد بالصديقين والشهداء هم المذكورون في قوله: "ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": النساء: 69، وقد تقدم في تفسير ~~الآية أن المراد بالصديقين هم الذين سرى الصدق في قولهم وفعلهم فيفعلون ما ~~يقولون ويقولون ما يفعلون، والشهداء هم شهداء الأعمال يوم القيامة دون ~~الشهداء بمعنى المقتولين في سبيل الله. # فهؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله ملحقون بالصديقين والشهداء منزلون ~~منزلتهم عند الله أي بحكم منه لهم أجرهم ونورهم. # وقوله: "لهم أجرهم ونورهم" ضمير "لهم" للذين آمنوا، وضمير "أجرهم ونورهم" ~~للصديقين والشهداء أي للذين آمنوا أجر من نوع أجر الصديقين والشهداء ونور ~~من نوع نورهم، وهذا معنى قول من قال: إن المعنى: لهم أجر كأجرهم ونور ~~كنورهم. # وربما قيل: إن الآية مسوقة لبيان أنهم صديقون وشهداء على الحقيقة من غير ~~إلحاق وتنزيل فهم هم لهم أجرهم ونورهم، ولعل السياق لا يساعد عليه. # وربما قيل: إن قوله: "والشهداء" ليس عطفا على قوله: "الصديقون" بل ~~استئناف و"الشهداء" مبتدأ خبره "عند ربهم" وخبره الآخر "لهم أجرهم" فقد ~~قيل: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون، وقد تم الكلام ثم استؤنف ~~وقيل: "والشهداء عند ربهم" كما قيل: "بل أحياء عند ربهم": آل عمران: 169، ~~والمراد بالشهداء المقتولون في سبيل الله، ثم تمم الكلام بقوله: "لهم أجرهم ~~ونورهم". # وقوله: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم" أي لا ~~يفارقونها وهم فيها دائمين. PageV19P088 # وقد تعرض سبحانه في الآية لشأن الملحقين بالصديقين والشهداء وهم خيار الناس ~~والناجون قطعا، والكفار المكذبين لآياته وهم شرار الناس والهالكون قطعا ~~وبقي فريق بين الفريقين وهم المؤمنون المقترفون للمعاصي والذنوب على ~~طبقاتهم في التمرد على الله ورسوله، وهذا دأب ms7126 القرآن في كثير من موارد ~~التعرض لشأن الناس يوم القيامة. # وذلك ليكون بعثا لقريحتي الخوف والرجاء في ذلك الفريق المتخلل بين الخيار ~~والشرار فيميلوا إلى السعادة ويختاروا النجاة على الهلاك. # ولذلك أعقب الآية بذم الحياة الدنيا التي تعلق بها هؤلاء الممتنعون من ~~الإنفاق في سبيل الله ثم بدعوتهم إلى المسابقة إلى المغفرة والجنة ثم ~~بالإشارة إلى أن ما يصيبهم من المصيبة في أموالهم وأنفسهم مكتوبة في كتاب ~~سابق وقضاء متقدم فليس ينبغي لهم أن يخافوا الفقر في الإنفاق في سبيل الله، ~~فيبخلوا ويمسكوا أو يخافوا الموت في الجهاد في سبيل الله فيتخلفوا ويقعدوا. # قوله تعالى: "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد" إلخ، اللعب عمل منظوم لغرض خيالي كلعب ~~الأطفال، واللهو ما يشغل الإنسان عما يهمه، والزينة بناء نوع وربما يراد به ~~ما يتزين به وهي ضم شيء مرغوب فيه إلى شيء آخر ليرغب فيه بما اكتسب به من ~~الجمال، والتفاخر المباهاة بالأنساب والأحساب، والتكاثر في الأموال ~~والأولاد. # والحياة الدنيا عرض زائل وسراب باطل لا يخلو من هذه الخصال الخمس ~~المذكورة: اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر وهي التي يتعلق بها هوى ~~النفس الإنسانية ببعضها أو بجميعها وهي أمور وهمية وأعراض زائلة لا تبقى ~~للإنسان وليست ولا واحدة منها تجلب للإنسان كمالا نفسيا ولا خيرا حقيقيا. # وعن شيخنا البهائي رحمه الله أن الخصال الخمس المذكورة في الآية مترتبة ~~بحسب سني عمر الإنسان ومراحل حياته فيتولع أولا باللعب وهو طفل أو مراهق ثم ~~إذا بلغ واشتد عظمه تعلق باللهو والملاهي ثم إذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من ~~الملابس الفاخرة والمراكب البهية والمنازل العالية وتوله للحسن والجمال ثم ~~إذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالأحساب والأنساب ثم إذا شاب سعى في تكثير المال ~~والولد. # وقوله: "كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما" ~~مثل لزينة الحياة الدنيا التي يتعلق بها الإنسان غرورا ثم لا يلبث دون أن ~~يسلبها. # والغيث المطر والكفار جمع كافر بمعنى الحارث، ms7127 ويهيج من الهيجان وهو ~~الحركة، والحطام الهشيم المتكسر من يابس النبات. # والمعنى: أن مثل الحياة الدنيا في بهجتها المعجبة ثم الزوال كمثل مطر ~~أعجب الحراث نباته الحاصل بسببه ثم يتحرك إلى غاية ما يمكنه من النمو فتراه ~~مصفر اللون ثم يكون هشيما متكسرا - متلاشيا تذروه الرياح -. # وقوله: "وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان" سبق المغفرة على ~~الرضوان لتطهير المحل ليحل به الرضوان، وتوصيف المغفرة بكونه من الله دون ~~العذاب لا يخلو من إيماء إلى أن المطلوب بالقصد الأول هو المغفرة وأما ~~العذاب فليس بمطلوب في نفسه وإنما يتسبب إليه الإنسان بخروجه عن زي ~~العبودية كما قيل. # وقوله: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" أي متاع التمتع منه هو ~~الغرور به، وهذا للمتعلق المغرور بها. # والكلام أعني قوله: "وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان" إشارة ~~إلى وجهي الحياة الآخرة ليأخذ السامع حذره فيختار المغفرة والرضوان على ~~العذاب، ثم في قوله: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" تنبيه وإيقاظ ~~لئلا تغره الحياة الدنيا بخاصة غروره. # قوله تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض" ~~إلخ المسابقة هي المغالبة في السبق للوصول إلى غرض بأن يريد كل من ~~المسابقين جعل حركته أسرع من حركة صاحبه ففي معنى المسابقة ما يزيد على ~~معنى المسارعة فإن المسارعة الجد في تسريع الحركة والمسابقة الجد في ~~تسريعها بحيث تزيد في السرعة على حركة صاحبه. # وعلى هذا فقوله: "سابقوا إلى مغفرة" إلخ، يتضمن من التكليف ما هو أزيد ~~مما يتضمنه قوله: "سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين": آل عمران: 133. PageV19P089 # ويظهر به عدم استقامة ما قيل: إن آية آل عمران في السابقين المقربين والآية ~~التي نحن فيها في عامة المؤمنين حيث لم يذكر فيها إلا الإيمان بالله ورسله ~~بخلاف آية آل عمران فإنها مذيلة بجملة الأعمال الصالحة، ولذا أيضا وصف ~~الجنة الموعودة هناك بقوله: "عرضها السماوات والأرض" بخلاف ما هاهنا حيث ~~قيل: "عرضها كعرض السماء والأرض" فدل ms7128 على أن جنة أولئك أوسع من جنة هؤلاء. # وجه عدم الاستقامة ما عرفت أن المكلف به في الآية المبحوث عنها معنى فوق ~~ما كلف به في آية آل عمران. # على أن اللام في "السماء" للجنس فتنطبق على "السماوات" في تلك الآية. # وتقديم المغفرة على الجنة في الآية لأن الحياة في الجنة حياة طاهرة في ~~عالم الطهارة فيتوقف التلبس بها على زوال قذارات الذنوب وأوساخها. # والمراد بالعرض السعة دون العرض المقابل للطول وهو معنى شائع، والكلام ~~كأنه مسوق للدلالة على انتهائها في السعة. # وقيل: المراد بالعرض ما يقابل الطول والاقتصار على ذكر العرض أبلغ من ذكر ~~الطول معه فإن العرض أقصر الامتدادين وإذا كان كعرض السماء والأرض كان ~~طولها أكثر من طولهما. # ولا يخلو الوجه من تحكم إذ لا دليل على مساواة طول السماء والأرض لعرضهما ~~ثم على زيادة طول الجنة على عرضها حتى يلزم زيادة طول الجنة على طولهما ~~والطول قد يساوي العرض كما في المربع والدائرة وسطح الكرة وغيرها وقد يزيد عليه. # وقوله: "أعدت للذين آمنوا بالله ورسله" قد عرفت في ذيل قوله: "آمنوا ~~بالله ورسله" وقوله: "والذين آمنوا بالله ورسله" أن المراد بالإيمان بالله ~~ورسله هو مرتبة عالية من الإيمان تلازم ترتب آثاره عليه من الأعمال الصالحة ~~واجتناب الفسوق والإثم. # وبذلك يظهر أن قول بعضهم: إن في الآية بشارة لعامة المؤمنين حيث قال: ~~"أعدت للذين آمنوا بالله ورسله" ولم يقيد الإيمان بشيء من العمل الصالح ~~ونحوه غير سديد فإن خطاب الآية وإن كان بظاهر لفظه يعم الكافر والمؤمن ~~الصالح والطالح لكن وجه الكلام إلى المؤمنين يدعوهم إلى الإيمان الذي يصاحب ~~العمل الصالح، ولو كان المراد بالإيمان بالله ورسله مجرد الإيمان ولو لم ~~يصاحبه عمل صالح وكانت الجنة معدة لهم والآية تدعو إلى السباق إلى المغفرة ~~والجنة كان خطاب "سابقوا" متوجها إلى الكفار فإن المؤمنين قد سبقوا وسياق ~~الآيات يأباه. # وقوله: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" وقد شاء أن يؤتيه الذين آمنوا بالله ~~ورسله، وقد تقدم بيان أن ms7129 ما يؤتيه الله من الأجر لعباده المؤمنين فضل منه ~~تعالى من غير أن يستحقوه عليه. # وقوله: "والله ذو الفضل العظيم" إشارة إلى عظمة فضله، وأن ما يثيبهم به ~~من المغفرة والجنة من عظيم فضله. # قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها" إلخ، المصيبة الواقعة التي تصيب الشيء مأخوذة من إصابة ~~السهم الغرض وهي بحسب المفهوم أعم من الخير والشر لكن غلب استعمالها في ~~الشر فالمصيبة هي النائبة، والمصيبة التي تصيب في الأرض كالجدب وعاهة ~~الثمار والزلزلة المخربة ونحوها، والتي تصيب في الأنفس كالمرض والجرح ~~والكسر والقتل والموت، والبرء والبروء الخلق من العدم، وضمير "نبرأها" ~~للمصيبة، وقيل: للأنفس، وقيل: للأرض، وقيل: للجميع من الأرض والأنفس ~~والمصيبة، ويؤيد الأول أن المقام مقام بيان ما في الدنيا من المصائب ~~الموجبة لنقص الأموال والأنفس التي تدعوهم إلى الإمساك عن الإنفاق والتخلف ~~عن الجهاد. # والمراد بالكتاب اللوح المكتوب فيه ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة كما تدل عليه الآيات والروايات وإنما اقتصر على ذكر ما يصيب في ~~الأرض وفي أنفسهم من المصائب لكون الكلام فيها. # قيل: إنما قيد المصيبة بما في الأرض وفي الأنفس لأن مطلق المصائب غير ~~مكتوبة في اللوح لأن اللوح متناه والحوادث غير متناهية ولا يكون المتناهي ~~ظرفا لغير المتناهي. # والكلام مبني على أن المراد باللوح لوح فلزي أو نحوه منصوب في ناحية من ~~نواحي الجو مكتوب فيه الحوادث بلغة من لغاتنا بخط يشبه خطوطنا، وقد مر كلام ~~في معنى اللوح والقلم وسيجيء له تتمة. # وقيل: المراد بالكتاب علمه تعالى وهو خلاف الظاهر إلا أن يراد به أن ~~الكتاب المكتوب فيه الحوادث من مراتب علمه الفعلي. PageV19P090 # وختم الآية بقوله: "إن ذلك على الله يسير" للدلالة على أن تقدير الحوادث ~~قبل وقوعها والقضاء عليها بقضاء لا يتغير لا صعوبة فيه عليه تعالى. # قوله تعالى: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم" إلخ، تعليل ~~راجع إلى الآية ms7130 السابقة وهو تعليل للإخبار عن كتابة الحوادث قبل وقوعها لا ~~لنفس الكتابة، والأسى الحزن، والمراد بما فات وما آتى النعمة الفائتة ~~والنعمة المؤتاة. # والمعنى: أخبرناكم بكتابة الحوادث قبل حدوثها وتحققها لئلا تحزنوا بما ~~فاتكم من النعم ولا تفرحوا بما أعطاكم الله منها لأن الإنسان إذا أيقن أن ~~الذي أصابه مقدر كائن لا محالة لم يكن ليخطئه وأن ما أوتيه من النعم وديعة ~~عنده إلى أجل مسمى لم يعظم حزنه إذا فاته ولا فرحه إذا أوتيه. # قيل: إن اختلاف الإسناد في قوليه: "ما فاتكم" و"ما آتاكم" حيث أسند الفوت ~~إلى نفس الأشياء والإيتاء إلى الله سبحانه لأن الفوات والعدم ذاتي للأشياء ~~فلو خليت ونفسها لم تبق بخلاف حصولها وبقائها فإنه لا بد من استنادهما إلى ~~الله تعالى. # وقوله: "والله لا يحب كل مختال فخور" المختال من أخذته الخيلاء وهي ~~التكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه - على ما ذكره الراغب - والفخور ~~الكثير الفخر والمباهاة والاختيال والفخر ناشئان عن توهم الإنسان أنه يملك ~~ما أوتيه من النعم باستحقاق من نفسه، وهو مخالف لما هو الحق من استناد ذلك ~~إلى تقدير من الله لا لاستقلال من نفس الإنسان فهما من الرذائل والله لا يحبها. # قوله تعالى: "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل" وصف لكل مختال فخور ~~يفيد تعليل عدم حبه تعالى. # والوجه في بخلهم الاحتفاظ للمال الذي يعتمد عليه اختيالهم وفخرهم والوجه ~~في أمرهم الناس بالبخل أنهم يحبونه لأنفسهم فيحبونه لغيرهم، ولأن شيوع ~~السخاء والجود بين الناس وإقبالهم على الإنفاق في سبيل الله يوجب أن يعرفوا ~~بالبخل المذموم. # وقوله: "ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" أي ومن يعرض عن الإنفاق ولم ~~يتعظ بعظة الله ولا اطمأن قلبه بما بينه من صفات الدنيا ونعت الجنة وتقدير ~~الأمور فإن الله هو الغني فلا حاجة له إلى إنفاقهم، والمحمود في أفعاله. # والآيات الثلاث أعني قوله: "وما أصاب من مصيبة - إلى قوله - الغني ~~الحميد" كما ترى حث على الإنفاق وردع عن البخل والإمساك بتزهيدهم عن الأسى ms7131 ~~بما فاتهم والفرح بما آتاهم لأن الأمور مقدرة مقضية مكتوبة في كتاب معينة ~~قبل أن يبرأها الله سبحانه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "ألم يأن" الآية: أخرج ابن المبارك ~~وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من ~~الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت: "ألم يأن للذين ~~آمنوا". # أقول: هذه أعدل الروايات في نزول السورة وهناك رواية عن ابن مسعود قال: ~~ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله" إلا أربع سنين، وظاهره كون السورة مكية، وفي معناه ما ~~ورد أن عمر آمن بعد نزول هذه السورة وقد عرفت أن سياق آيات السورة تأبى إلا ~~أن تكون مدنية، ويمكن حمل رواية ابن مسعود على كون آية "ألم يأن" إلخ، أو ~~هي والتي تتلوها مما نزل بمكة دون باقي آيات السورة. # وفي رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): استبطأ الله قلوب ~~المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن فأنزل الله "ألم يأن" الآية، ولازمه ~~نزول السورة سنة أربع أو خمس من الهجرة، وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: ~~إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول ~~القرآن فقال: "ألم يأن" إلخ، ولازمه نزول السورة أيام الهجرة، والروايتان ~~أيضا لا تلائمان سياق آياتها. # وفيه، أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يقول: مؤمنوا أمتي شهداء، ثم تلا النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون - والشهداء عند ربهم". # وفي تفسير العياشي، بإسناده عن منهال القصاب قال: لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال: إن المؤمن شهيد وقرأ هذه الآية. PageV19P091 # أقول: وفي معناه روايات أخرى وظاهر بعضها كهذه الرواية ms7132 تفسير الشهادة ~~بالقتل في سبيل الله. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن حفص بن غياث قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا؟ فقال: قد حده الله في كتابه ~~فقال عز وجل: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم". # وفي نهج البلاغة، قال (عليه السلام): الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال ~~الله تعالى: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم" ومن لم يأس ~~على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه. # أقول: والأساس الذي يبتنيان عليه عدم تعلق القلب بالدنيا، وفي الحديث ~~المعروف: حب الدنيا رأس كل خطيئة. PageV19P092 ### ||| AUTO 57 سورة الحديد - 25 - 29 # لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبرهيم وجعلنا فى ~~ذريتهما النبوة والكتب فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون (26) ثم قفينا على ~~ءاثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتينه الانجيل وجعلنا فى قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم إلا ابتغاء رضون الله ~~فما رعوها حق رعايتها فئاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فسقون ~~(27) يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل ~~الكتب ألا يقدرون على شىء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (29) ### |||| AUTO بيان # ثم إنه تعالى إثر ما أشار إلى قسوة قلوب المؤمنين وتثاقلهم وفتورهم في ~~امتثال التكاليف الدينية وخاصة في الإنفاق في سبيل الله، الذي به قوام أمر ~~الجهاد وشبههم بأهل الكتاب حيث قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد. # ذكر أن الغرض الإلهي من إرسال الرسل وإنزال الكتاب والميزان معهم أن يقوم ~~الناس بالقسط، وأن يعيشوا في مجتمع عادل، وقد أنزل الحديد ليمتحن عباده في ~~الدفاع عن مجتمعهم الصالح وبسط كلمة ms7133 الحق في الأرض مضافا إلى ما في الحديد ~~من منافع ينتفعون بها. # ثم ذكر أنه أرسل نوحا وإبراهيم (عليه السلام) وجعل في ذريتهما النبوة ~~والكتاب وأتبعهم بالرسول بعد الرسول فاستمر الأمر في كل من الأمم على إيمان ~~بعضهم واهتدائه وكثير منهم فاسقون، ثم ختم الكلام في السورة بدعوتهم إلى ~~تكميل إيمانهم ليؤتوا كفلين من الرحمة. # قوله تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط" إلخ، استئناف يتبين به معنى تشريع الدين بإرسال الرسل ~~وإنزال الكتاب والميزان وأن الغرض من ذلك قيام الناس بالقسط وامتحانهم بذلك ~~وبإنزال الحديد ليتميز من ينصر الله بالغيب ويتبين أن أمر الرسالة لم يزل ~~مستمرا بين الناس ولم يزالوا يهتدي من كل أمة بعضهم وكثير منهم فاسقون. # فقوله: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات" أي بالآيات البينات التي يتبين بها ~~أنهم مرسلون من جانب الله سبحانه من المعجزات الباهرة والبشارات الواضحة ~~والحجج القاطعة. # وقوله: "وأنزلنا معهم الكتاب" وهو الوحي الذي يصلح أن يكتب فيصير كتابا، ~~المشتمل على معارف الدين من اعتقاد وعمل وهو خمسة: كتاب نوح وكتاب إبراهيم ~~والتوراة والإنجيل والقرآن. # وقوله: "والميزان ليقوم الناس بالقسط" فسروا الميزان بذي الكفتين الذي ~~يوزن به الأثقال، وأخذوا قوله: "ليقوم الناس بالقسط" غاية متعلقة بإنزال ~~الميزان والمعنى: وأنزلنا الميزان ليقوم الناس بالعدل في معاملاتهم فلا ~~يخسروا باختلال الأوزان والنسب بين الأشياء فقوام حياة الإنسان بالاجتماع، ~~وقوام الاجتماع بالمعاملات الدائرة بينهم والمبادلات في الأمتعة والسلع ~~وقوام المعاملات في ذوات الأوزان بحفظ النسب بينها وهو شأن الميزان. # ولا يبعد - والله أعلم - أن يراد بالميزان الدين فإن الدين هو الذي يوزن ~~به عقائد أشخاص الإنسان وأعمالهم، وهو الذي به قوام حياة الناس السعيدة ~~مجتمعين ومنفردين، وهذا المعنى أكثر ملائمة للسياق المتعرض لحال الناس من ~~حيث خشوعهم وقسوة قلوبهم وجدهم ومساهلتهم في أمر الدين. # وقيل: المراد بالميزان هنا العدل وقيل: العقل. PageV19P093 # وقوله: "وأنزلنا الحديد" الظاهر أنه كقوله تعالى: "وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج": الزمر: 6، وقد تقدم في تفسير الآية أن ms7134 تسمية الخلق في الأرض ~~إنزالا إنما هو باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم ~~يكن إنزالا لها من خزائنه التي عنده ومن الغيب إلى الشهادة قال تعالى: "وإن ~~من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21. # وقوله: "فيه بأس شديد ومنافع للناس" البأس هو الشدة في التأثير ويغلب ~~استعماله في الشدة في الدفاع والقتال، ولا تزال الحروب والمقاتلات وأنواع ~~الدفاع ذات حاجة شديدة إلى الحديد وأقسام الأسلحة المعمولة منه منذ تنبه ~~البشر له واستخرجه. # وأما ما فيه من المنافع للناس فلا يحتاج إلى البيان فله دخل في جميع شعب ~~الحياة وما يرتبط بها من الصنائع. # وقوله: "وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب" غاية معطوفة على محذوف ~~والتقدير وأنزلنا الحديد لكذا وليعلم الله من ينصره إلخ، والمراد بنصره ~~ورسله الجهاد في سبيله دفاعا عن مجتمع الدين وبسطا لكلمة الحق، وكون النصر ~~بالغيب كونه في حال غيبته منهم أو غيبتهم منه، والمراد بعلمه بمن ينصره ~~ورسله تميزهم ممن لا ينصر. # وختم الآية بقوله: "إن الله قوي عزيز" وكان وجهه الإشارة إلى أن أمره ~~تعالى لهم بالجهاد إنما هو ليتميز الممتثل منهم من غيره لا لحاجة منه تعالى ~~إلى ناصر ينصره أنه تعالى قوي لا سبيل للضعف إليه عزيز لا سبيل للذلة إليه. # قوله تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون" شروع في الإشارة إلى أن الاهتداء ~~والفسق جاريان في الأمم الماضية حتى اليوم فلم تصلح أمة من الأمم بعامة ~~أفرادها بل لم يزل كثير منهم فاسقين. # وضمير "فمنهم" و"منهم" للذرية والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه ~~الإنجيل" في المجمع،: التقفية جعل الشيء في إثر شيء على الاستمرار فيه، ~~ولهذا قيل لمقاطع الشعر قواف إذ كانت تتبع البيت على أثره مستمرة في غيره ~~على منهاجه. # انتهى. # وضمير "على آثارهم" لنوح وإبراهيم والسابقين من ذريتهما، والدليل عليه ~~أنه لا نبي بعد ms7135 نوح إلا من ذريته لأن النسل بعده له. # على أن عيسى من ذرية إبراهيم قال تعالى في نوح: "وجعلنا ذريته هم ~~الباقين": الصافات: 77، وقال: "ومن ذريته داود وسليمان - إلى أن قال - ~~وعيسى": الأنعام: 85، فالمراد بقوله: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا" إلخ، ~~التقفية باللاحقين من ذريتهما على آثارهما والسابقين من ذريتهما. # وفي قوله: "على آثارهم" إشارة إلى أن الطريق المسلوك واحد يتبع فيه بعضهم ~~أثر بعض. # وقوله: "وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة" الرأفة والرحمة - على ما قالوا - مترادفان، ونقل عن ~~بعضهم أن الرأفة يقال في درء الشر والرحمة في جلب الخير. # والظاهر أن المراد بجعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتبعوه توفيقهم ~~للرأفة والرحمة فيما بينهم فكانوا يعيشون على المعاضدة والمسالمة كما وصف ~~الله سبحانه الذين مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرحمة إذ قال: ~~"رحماء بينهم": الفتح: 29، وقيل: المراد بجعل الرأفة والرحمة في قلوبهم ~~الأمر بهما والترغيب فيهما ووعد الثواب عليهما. # وقوله: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" الرهبانية من الرهبة وهي ~~الخشية، ويطلق عرفا على انقطاع الإنسان من الناس لعبادة الله خشية منه، ~~والابتداع إتيان ما لم يسبق إليه في دين أو سنة أو صنعة، وقوله: "ما ~~كتبناها عليهم" في معنى الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: ما معنى ابتداعهم ~~لها؟ فقيل: ما كتبناها عليهم. # والمعنى: أنهم ابتدعوا من عند أنفسهم رهبانية من غير أن نشرعه نحن لهم. # وقوله: "إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها" استثناء منقطع ~~معناه ما فرضناها عليهم لكنهم وضعوها من عند أنفسهم ابتغاء لرضوان الله ~~وطلبا لمرضاته فما حافظوا عليها حق محافظتها بتعديهم حدودها. # وفيه إشارة إلى أنها كانت مرضية عنده تعالى وإن لم يشرعها بل كانوا هم ~~المبتدعين لها. PageV19P094 # وقوله: "فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون" إشارة إلى أنهم ~~كالسابقين من أمم الرسل منهم مؤمنون مأجورون على إيمانهم وكثير منهم ~~فاسقون، والغلبة للفسق. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ms7136 برسوله يؤتكم كفلين ~~من رحمته" إلخ، أمر الذين آمنوا بالتقوى والإيمان بالرسول مع أن الذين ~~استجابوا الدعوة فآمنوا بالله آمنوا برسوله أيضا دليل على أن المراد ~~بالإيمان بالرسول الاتباع التام والطاعة الكاملة لرسوله فيما يأمر به وينهى ~~عنه سواء كان ما يأمر به أو ينهى عنه حكما من الأحكام الشرعية أو صادرا عنه ~~بما له من ولاية أمور الأمة كما قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما": ~~النساء: 65. # فهذا إيمان بعد إيمان ومرتبة فوق مرتبة الإيمان الذي ربما يتخلف عنه أثره ~~فلا يترتب عليه لضعفه، وبهذا يناسب قوله: "يؤتكم كفلين من رحمته" والكفل ~~الحظ والنصيب فله ثواب على ثواب كما أنه إيمان على إيمان. # وقيل: المراد بإيتاء كفلين من الرحمة إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب ~~كأنه قيل: يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في ~~الإيمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم (عليهم السلام) لا تفرقون بين أحد من رسله. # وقوله: "ويجعل لكم نورا تمشون به" قيل: يعني يوم القيامة وهو النور الذي ~~أشير إليه بقوله: "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم". # وفيه أنه تقييد من غير دليل بل لهم نورهم في الدنيا وهو المدلول عليه ~~بقوله تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها: الأنعام: 122، ونورهم في الآخرة وهو ~~المدلول عليه بقوله: "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم" الآية: 12 من السورة وغيره. # ثم كمل تعالى وعده بإيتائهم كفلين من رحمته وجعل نور يمشون به بالمغفرة ~~فقال: "ويغفر لكم والله غفور رحيم". # قوله تعالى: "لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله" ظاهر ~~السياق أن في الآية التفاتا من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، والمراد بالعلم مطلق الاعتقاد كالزعم، و"أن" مخففة من ~~الثقيلة، وضمير "يقدرون" للمؤمنين، وفي الكلام تعليل لمضمون الآية السابقة. ms7137 # والمعنى: إنما أمرناهم بالإيمان بعد الإيمان ووعدناهم كفلين من الرحمة ~~وجعل النور والمغفرة لئلا يعتقد أهل الكتاب أن المؤمنين لا يقدرون على شيء ~~من فضل الله بخلاف المؤمنين من أهل الكتاب حيث يؤتون أجرهم مرتين أن آمنوا. # وقيل: إن لا في "لئلا يعلم" زائدة وضمير "يقدرون" لأهل الكتاب، والمعنى: ~~إنما وعدنا المؤمنين بما وعدنا لأن يعلم أهل الكتاب القائلون: إن من آمن ~~منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن فله أجر واحد لإيمانه بكتابنا، إنهم لا ~~يقدرون على شيء من فضل الله إن لم يؤمنوا، هذا ولا يخفى عليك ما فيه من ~~التكلف. # وقوله: "وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" معطوف ~~على ألا يعلم"، والمعنى: إنما وعدنا بما وعدنا لأن كذا كذا ولأن الفضل بيد ~~الله والله ذو الفضل العظيم. # وفي الآية أقوال واحتمالات أخر لا جدوى في إيرادها والبحث عنها. ### |||| AUTO بحث روائي # عن جوامع الجامع، روي: أن جبرئيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح (عليه ~~السلام) وقال: مر قومك يزنوا به. # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) في حديث وقال: "وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد" فإنزاله ذلك خلقه إياه. PageV19P095 # وفي المجمع، عن ابن مسعود قال: كنت رديف رسول الله على الحمار فقال: يا ابن ~~أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت: الله ورسوله ~~أعلم. فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه السلام) يعملون بمعاصي ~~الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم ~~إلا القليل. فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ~~فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى يعنون ~~محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فتفرقوا في غيران 1 الجبال وأحدثوا ~~رهبانية فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر. ثم تلا هذه الآية "ورهبانية ~~ابتدعوها - ما كتبناها عليهم" إلى آخرها. ثم قال: يا ابن أم عبد أتدري ما ~~رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ms7138 الهجرة والجهاد والصلاة والصوم ~~والحج والعمرة. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ~~لقد آتى الله أهل الكتاب خيرا كثيرا. قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله عز وجل: ~~"الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا" قال: فقال: آتاكم الله كما آتاهم ثم تلا: "يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله - يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا ~~تمشون به" يعني إماما تأتمون به. # وفي المجمع، عن سعيد بن جبير: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه ودعاه فاستجاب له وآمن ~~به فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون ~~رجلا: ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به. فقدموا مع جعفر فلما رأوا ما ~~بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وقالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فإن ~~أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها فأذن لهم فانصرفوا ~~فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فأنزل الله فيهم: "الذين آتيناهم ~~الكتاب من قبله - هم به يؤمنون إلى قوله ومما رزقناهم ينفقون" فكانت النفقة ~~التي واسوا بها المسلمين. فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله: "أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا" فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين ~~أما من آمن منا بكتابنا وكتابكم فله أجران، ومن آمن منا بكتابنا فله أجر ~~كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فنزل قوله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله - ~~وآمنوا برسوله" الآية، فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة ثم قال: "لئلا ~~يعلم أهل الكتاب". PageV19P096 ### || AUTO ### ||| AUTO 58 سورة المجادلة - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التى تجدلك فى زوجها وتشتكى إلى ~~الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظهرون منكم من ~~نسائهم ما هن أمهتهم إن أمهتهم إلا ms7139 الئى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير ~~(3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكفرين عذاب أليم ~~(4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~ءايت بينت وللكفرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~أحصاه الله ونسوه والله على كل شىء شهيد (6) ### |||| AUTO بيان # تتعرض السورة لمعان متنوعة من حكم وأدب وصفة فشطر منها في حكم الظهار ~~والنجوى وأدب الجلوس في المجالس وشطر منها يصف حال الذين يحادون الله ~~ورسوله، والذين يوادون أعداء الدين ويصف الذين يتحرزون من موادتهم من ~~المؤمنين ويعدهم وعدا جميلا في الدنيا والآخرة. # والسورة مدنية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ~~والله يسمع تحاوركما" إلخ، قال في المجمع،: الاشتكاء إظهار ما بالإنسان من ~~مكروه، والشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه. # قال: والتحاور التراجع وهي المحاورة يقال: حاوره محاورة أي راجعه الكلام ~~وتحاورا. # انتهى. # الآيات الأربع أو الست نزلت في الظهار وكان من أقسام الطلاق عند العرب ~~الجاهلي كان الرجل يقول لامرأته: أنت مني كظهر أمي فتنفصل عنه وتحرم عليه ~~مؤبدة وقد ظاهر بعض الأنصار من امرأته ثم ندم عليه فجاءت امرأته إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تسائله فيه لعلها تجد طريقا إلى رجوعه ~~إليها وتجادله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك وتشتكي إلى الله فنزلت ~~الآيات. # والمراد بالسمع في قوله: "قد سمع الله" استجابة الدعوة وقضاء الحاجة من ~~باب الكناية وهو شائع والدليل عليه قوله: "تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله" الظاهر في أنها كانت تتوخى طريقا إلى أن لا تنفصل عن زوجها، وأما ~~قوله: "والله يسمع تحاوركما" فالسمع فيه ms7140 بمعناه المعروف. # والمعنى: قد استجاب الله للمرأة التي تجادلك في زوجها - وقد ظاهر منها - ~~وتشتكي غمها وما حل بها من سوء الحال إلى الله والله يسمع تراجعكما في ~~الكلام أن الله سميع للأصوات بصير بالمبصرات. # قوله تعالى: "الذين يظاهرون من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم" إلخ، نفي لحكم الظهار المعروف عندهم وإلغاء لتأثيره بالطلاق ~~والتحريم الأبدي بنفي أمومة الزوجة للزوج بالظهار فإن سنة الجاهلية تلحق ~~الزوجة بالأم بسبب الظهار فتحرم على زوجها حرمة الأم على ولدها حرمة مؤبدة. # فقوله: "ما هن أمهاتهم" أي بحسب اعتبار الشرع بأن يلحقن شرعا بهن بسبب ~~الظهار فيحرمن عليهم أبدا ثم أكده بقوله: "إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم" ~~أي ليس أمهات أزواجهن إلا النساء اللاتي ولدنهم. # ثم أكد ذلك ثانيا بقوله: "وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا" بما فيه ~~من سياق التأكيد أي وإن هؤلاء الأزواج المظاهرين ليقولون بالظهار منكرا من ~~القول ينكره الشرع حيث لم يعتبره ولم يسنه، وكذبا باعتبار أنه لا يوافق ~~الشرع كما لا يطابق الخارج الواقع في الكون فأفادت الآية أن الظهار لا يفيد ~~طلاقا وهذا لا ينافي وجوب الكفارة عليه لو أراد المواقعة بعد الظهار ~~فالزوجية على حالها وإن حرمت المواقعة قبل الكفارة. PageV19P097 # وقوله: "وإن الله لعفو غفور" لا يخلو من دلالة على كونه ذنبا مغفورا لكن ~~ذكر الكفارة في الآية التالية مع تذييلها بقوله: "وتلك حدود الله وللكافرين ~~عذاب أليم" ربما دل على أن المغفرة مشروطة بالكفارة. # قوله تعالى: "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا" إلخ، الكلام في معنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في الخبر ~~لأنه في معنى الجزاء والمحصل: أن الذين ظاهروا منهن ثم أرادوا العود لما ~~قالوا فعليهم تحرير رقبة. # وفي قوله: "من قبل أن يتماسا" دلالة على أن الحكم في الآية لمن ظاهر ثم ~~أراد الرجوع إلى ما كان عليه قبل الظهار وهو قرينة على أن المراد بقوله: ~~"يعودون لما قالوا" إرادة العود إلى ms7141 نقض ما أبرموه بالظهار. # والمعنى: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يريدون أن يعودوا إلى ما تكلموا به ~~من كلمة الظهار فينقضوها بالمواقعة فعليهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا. # وقيل: المراد بعودهم لما قالوا ندمهم على الظهار، وفيه أن الندم عليه ~~يصلح أن يكون محصل المعنى لا أن يكون معنى الكلمة "يعودون لما قالوا". # وقيل: المراد بعودهم لما قالوا رجوعهم إلى ما تلفظوا به من كلمة الظهار ~~بأن يتلفظوا بها ثانيا وفيه أن لازمه ترتب الكفارة دائما على الظهار الثاني ~~دون الأول والآية لا تفيد ذلك والسنة إنما اعتبرت تحقق الظهار دون تعدده. # ثم ذيل الآية بقوله: "ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير" إيذانا بأن ~~ما أمر به من الكفارة توصية منه بها عن خبره بعملهم ذاك، فالكفارة هي التي ~~ترتفع بها ما لحقهم من تبعة العمل. # قوله تعالى: "فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا" إلى آخر ~~الآية خصلة ثانية من الكفارة مترتبة على الخصلة الأولى لمن لا يتمكن منها ~~وهي صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، وقيد ثانيا بقوله: "من قبل أن ~~يتماسا" لدفع توهم اختصاص القيد بالخصلة الأولى. # وقوله: "فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا" بيان للخصلة الثالثة فمن لم ~~يطق صيام شهرين متتابعين فعليه إطعام ستين مسكينا وتفصيل الكلام في ذلك كله ~~في الفقه. # وقوله: "ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله" أي ما جعلناه من الحكم وافترضناه من ~~الكفارة فأبقينا علقة الزوجية ووضعنا الكفارة لمن أراد أن يرجع إلى ~~المواقعة جزاء بما أتى بسنة من سنن الجاهلية كل ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وترفضوا أباطيل السنن. # وقوله: "وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم" حد الشيء ما ينتهي إليه ولا ~~يتعداه وأصله المنع، والمراد أن ما افترضناه من الخصال أو ما نضعها من ~~الأحكام حدود الله فلا تتعدوها بالمخالفة وللكافرين بما حكمنا به في الظهار ~~أو بما شرعناه من الأحكام بالمخالفة والمحادة عذاب أليم. # والظاهر أن المراد بالكفر رد الحكم والأخذ بالظهار بما أنه سنة ms7142 مؤثرة ~~مقبولة، ويؤيده قوله: "ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله" أي تذعنوا بأن حكم الله ~~حق وأن رسوله صادق أمين في تبليغه، وقد أكده بقوله: "وتلك حدود الله" إلخ، ~~ويمكن أن يكون المراد بالكفر الكفر في مقام العمل وهو العصيان. # قوله تعالى: "إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم" ~~إلخ، المحادة الممانعة والمخالفة، والكبت الإذلال والإخزاء. # والآية والتي تتلوها وإن أمكن أن تكونا استئنافا يبين أمر محادة الله ~~ورسوله من حيث تبعتها وأثرها لكن ظاهر السياق أن تكونا مسوقتين لتعليل ذيل ~~الآية السابقة الذي معناه النهي عن محادة الله ورسوله، والمعنى: إنما ~~أمرناكم بالإيمان بالله ورسوله ونهيناكم عن تعدي حدود الله والكفر بها لأن ~~الذين يحادون الله ورسوله بالمخالفة أذلوا وأخزوا كما أذل وأخزى الذين من قبلهم. # ثم أكده بقوله: "وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين" أي لا ريب ~~في كونها منا وفي أن رسولنا صادق أمين في تبليغها، وللكافرين بها الرادين ~~لها عذاب مهين مخز. # قوله تعالى: "يوم يبعثهم الله فينبؤهم بما عملوا" ظرف لقوله: "وللكافرين ~~عذاب أليم" أي لهم أليم العذاب في يوم يبعثهم الله وهو يوم الحساب والجزاء ~~فيخبرهم بحقيقة جميع ما عملوا في الدنيا. PageV19P098 # وقوله: "أحصاه الله ونسوه" الإحصاء الإحاطة بعدد الشيء من غير أن يفوت منه ~~شيء، قال الراغب: الإحصاء التحصيل بالعدد يقال: أحصيت كذا، وذلك من لفظ ~~الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه ~~على الأصابع. # انتهى. # وقوله: "والله على كل شيء شهيد" تعليل لقوله: "أحصاه الله" وقد مر تفسير ~~شهادة الله على كل شيء في آخر سورة حم السجدة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة ~~بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له ms7143 بطني حتى إذا كبر ~~سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرئيل ~~بهذه الآيات "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها" وهو أوس بن الصامت. # أقول: والروايات من طرق أهل السنة في هذا المعنى كثيرة جدا، واختلفت في ~~اسم المرأة واسم أبيها واسم زوجها واسم أبيه والأعرف أن اسمها خولة بنت ~~ثعلبة واسم زوجها أوس بن الصامت الأنصاري وأورد القمي إجمال القصة في ~~رواية، وله رواية أخرى ستوافيك. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والذين يظاهرون من نسائهم - ثم يعودون لما ~~قالوا" فأما ما ذهب إليه أئمة الهدى من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فهو أن المراد بالعود إرادة الوطء ونقض القول الذي قاله فإن الوطء لا يجوز ~~له إلا بعد الكفارة، ولا يبطل حكم قوله الأول إلا بعد الكفارة. # وفي تفسير القمي، حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله ~~عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن ~~امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول ~~الله إن فلانا زوجي وقد نثرت له بطني وأعنته على دنياه وآخرته لم تر مني ~~مكروها أشكوه إليك. قال: فيم تشكونيه؟ قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر ~~أمي وقد أخرجني من منزلي فانظر في أمري. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ما أنزل الله تبارك وتعالى كتابا أقضي فيه بينك وبين زوجك وأنا ~~أكره أن أكون من المتكلفين، فجعلت تبكي وتشتكي ما بها إلى الله عز وجل وإلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وانصرفت. قال: فسمع الله تبارك وتعالى ~~مجادلتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في زوجها وما شكت إليه، ~~وأنزل الله في ذلك قرآنا "بسم الله الرحمن الرحيم، قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها إلى قوله وإن الله لعفو غفور". قال: فبعث رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله ms7144 وسلم) إلى المرأة فأتته فقال لها: جيئي بزوجك، فأتته فقال ~~له: أقلت لامرأتك هذه: أنت حرام علي كظهر أمي؟ فقال: قد قلت لها ذلك. فقال ~~له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قد أنزل الله تبارك وتعالى فيك ~~وفي امرأتك قرآنا وقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم - قد سمع الله قول التي ~~تجادلك إلى قوله إن الله لعفو غفور"، فضم إليك امرأتك فإنك قد قلت منكرا من ~~القول وزورا، وقد عفا الله عنك وغفر لك ولا تعد. قال: فانصرف الرجل وهو ~~نادم على ما قال لامرأته، وكره الله عز وجل ذلك للمؤمنين بعد وأنزل الله: ~~"الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا" يعني لما قال الرجل ~~لامرأته: أنت علي كظهر أمي. قال: فمن قالها بعد ما عفا الله وغفر للرجل ~~الأول فإن عليه "تحرير رقبة من قبل أن يتماسا" يعني مجامعتها "ذلكم توعظون ~~به والله بما تعملون خبير - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا - فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا" قال: فجعل الله عقوبة من ظاهر ~~بعد النهي هذا. ثم قال: "ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله" قال: ~~هذا حد الظهار. # الحديث. # أقول: الآية بما لها من السياق وخاصة ما في آخرها من ذكر العفو والمغفرة ~~أقرب انطباقا على ما سيق من القصة في هذه الرواية، ولا بأس بها من حيث ~~السند أيضا غير أنها لا تلائم ظاهر ما في الآية من قوله: "الذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا". PageV19P099 ### |||| AUTO 58 سورة المجادلة - 7 - 13 # ألم تر أن الله يعلم ما فى السموت وما فى الأرض ما يكون من نجوى ثلثة إلا ~~هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ~~أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيمة إن الله بكل شىء عليم (7) ألم ~~تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتنجون بالاثم ~~والعدون ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك ms7145 بما لم يحيك به الله ويقولون فى ~~أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) ~~يأيها الذين ءامنوا إذا تنجيتم فلا تتنجوا بالاثم والعدون ومعصيت الرسول ~~وتنجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذى إليه تحشرون (9) إنما النجوى من ~~الشيطن ليحزن الذين ءامنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (10) يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجلس ~~فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ءامنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجت والله بما تعملون خبير (11) يأيها الذين ~~ءامنوا إذا نجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواش صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن ~~لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) ء أشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواش صدقت ~~فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأطيعوا الله ~~ورسوله والله خبير بما تعملون (13) ### |||| AUTO بيان # آيات في النجوى وبعض آداب المجالسة. # قوله تعالى: "ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض" ~~الاستفهام إنكاري، والمراد بالرؤية العلم اليقيني على سبيل الاستعارة، ~~والجملة تقدمه يعلل بها ما يتلوها من كونه تعالى مع أهل النجوى مشاركا لهم ~~في نجواهم. # قوله تعالى: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم" إلى آخر الآية النجوى مصدر بمعنى التناجي وهو المسارة، وضمائر ~~الإفراد لله سبحانه، والمراد بقوله: "رابعهم" و"سادسهم" جاعل الثلاثة أربعة ~~وجاعل الخمسة ستة بمشاركته لهم في العلم بما يتناجون فيه ومعيته لهم في ~~الاطلاع على ما يسارون فيه كما يشهد به ما احتف بالكلام من قوله في أول ~~الآية: "ألم تر أن الله يعلم" إلخ، وفي آخرها من قوله: "إن الله بكل شيء عليم". # وقوله: "ولا أدنى من ذلك ولا أكثر" أي ولا أقل مما ذكر من العدد ولا أكثر ~~مما ذكر، وبهاتين الكلمتين يشمل الكلام عدد أهل النجوى أيا ما كان أما ~~الأدنى من ذلك فالأدنى من الثلاثة الاثنان والأدنى من الخمسة الأربعة، وأما ~~الأكثر فالأكثر ms7146 من خمسة الستة فما فوقها. # ومن لطف سياق الآية ترتب ما أشير إليه من مراتب العدد: الثلاثة والأربعة ~~والخمسة والستة من غير تكرار فلم يقل: من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~أربعة إلا هو خامسهم وهكذا. # وقوله: "إلا هو معهم أينما كانوا" المراد به المعية من حيث العلم بما ~~يتناجون به والمشاركة لهم فيه. # وبذلك يظهر أن المراد بكونه تعالى رابع الثلاثة المتناجين وسادس الخمسة ~~المتناجين معيته لهم في العلم ومشاركته لهم في الاطلاع على ما يسارون لا ~~مماثلته لهم في تتميم العدد فإن كلا منهم شخص واحد جسماني يكون بانضمامه ~~إلى مثله عدد الاثنين وإلى مثليه الثلاثة والله سبحانه منزه عن الجسمية ~~بريء من المادية. PageV19P100 # وذلك أن مقتضى السياق أن المستثنى من قوله: "ما يكون من نجوى" إلخ، معنى ~~واحد وهو أن الله لا يخفى عليه نجوى فقوله: "إلا هو رابعهم" "إلا هو ~~سادسهم" في معنى قوله: "إلا هو معهم" وهو المعية العلمية أي أنه يشاركهم في ~~العلم ويقارنهم فيه أو المعية الوجودية بمعنى أنه كلما فرض قوم يتناجون ~~فالله سبحانه هناك سميع عليم. # وفي قوله: "أينما كانوا" تعميم من حيث المكان إذ لما كانت معيته تعالى ~~لهم من حيث العلم لا بالاقتران الجسماني لم يتفاوت الحال ولم يختلف باختلاف ~~الأمكنة بالقرب والبعد فالله سبحانه لا يخلو منه مكان وليس في مكان. # وبما تقدم يظهر أيضا أن - ما تفيده الآية من معيته تعالى لأصحاب النجوى ~~وكونه رابع الثلاثة منهم وسادس الخمسة منهم لا ينافي ما تقدم تفصيلا في ذيل ~~قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة": المائدة: 73، من أن ~~وحدته تعالى ليست وحدة عددية بل وحدة أحدية يستحيل معها فرض غير معه يكون ~~ثانيا له فالمراد بكونه معهم ورابعا للثلاثة منهم وسادسا للخمسة منهم أنه ~~عالم بما يتناجون به وظاهر مكشوف له ما يخفونه من غيرهم لا أن له وجودا ~~محدودا يقبل العد يمكن أن يفرض له ثان وثالث وهكذا. # وقوله: "ثم ينبئهم بما عملوا ms7147 يوم القيامة أي يخبرهم بحقيقة ما عملوا من ~~عمل ومنه نجواهم ومسارتهم. # وقوله: "إن الله بكل شيء عليم" تعليل لقوله: "ثم ينبئهم" إلخ، وتأكيد لما ~~تقدم من علمه بما في السماوات وما في الأرض، وكونه مع أصحاب النجوى. # والآية تصلح أن تكون توطئة وتمهيدا لمضمون الآيات التالية ولا يخلو ذيلها ~~من لحن شديد يرتبط بما في الآيات التالية من الذم والتهديد. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه" ~~إلى آخر الآية سياق الآيات يدل على أن قوما من المنافقين والذين في قلوبهم ~~مرض من المؤمنين كانوا قد أشاعوا بينهم النجوى محادة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والمؤمنين يتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وليؤذوا ~~بذلك المؤمنين ويحزنون وكانوا يصرون على ذلك من غير أن ينتهوا بنهي فنزلت ~~الآيات. # فقوله: "ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه" ذم ~~وتوبيخ غيابي لهم، وقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخاطبهم ~~أنفسهم مبالغة في تحقير أمرهم وإبعادا لهم عن شرف المخاطبة. # والمعنى: ألم تنظر إلى الذين نهوا عن التناجي بينهم بما يغم المؤمنين ~~ويحزنهم ثم يعودون إلى التناجي الذي نهوا عنه عود بعد عودة، وفي التعبير ~~بقوله: "يعودون" دلالة على الاستمرار، وفي العدول عن ضمير النجوى إلى ~~الموصول والصلة حيث قيل: "يعودون لما نهوا عنه" ولم يقل يعودون إليها دلالة ~~على سبب الذم والتوبيخ ومساءة العود لأنها أمر منهي عنه. # وقوله: "يتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول" المقابلة بين الأمور ~~الثلاثة: الإثم والعدوان ومعصية الرسول تفيد أن المراد بالإثم هو العمل ~~الذي له أثر سيىء لا يتعدى نفس عامله كشرب الخمر والميسر وترك الصلاة مما ~~يتعلق من المعاصي بحقوق الله، والعدوان هو العمل الذي فيه تجاوز إلى الغير ~~مما يتضرر به الناس ويتأذون مما يتعلق من المعاصي بحقوق الناس، والقسمان ~~أعني الإثم والعدوان جميعا من معصية الله، ومعصية الرسول مخالفته في الأمور ~~التي هي جائزة في نفسها لا أمر ms7148 ولا نهي من الله فيها لكن الرسول أمر بها أو ~~نهى عنها لمصلحة الأمة بما له ولاية أمورهم والنبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم كما نهاهم عن النجوى وإن لم يشتمل على معصية. # كان ما تقدم من قوله: "الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه" ذما ~~وتوبيخا لهم على نفس نجواهم بما أنها منهي عنها مع الغض عن كونها بمعصية أو ~~غيرها: وهذا الفصل أعني قوله: "ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول" ذم ~~وتوبيخ لهم بما يشتمل عليه تناجيهم من المعصية بأنواعها وهؤلاء القوم هم ~~المنافقون ومرضى القلوب كانوا يكثرون من النجوى بينهم ليغتم بها المؤمنون ~~ويحزنوا ويتأذوا. # وقيل: المنافقون واليهود كان يناجي بعضهم بعضا ليحزنوا المؤمنين ويلقوا ~~بينهم الوحشة والفزع ويوهنوا عزمهم لكن في شمول قوله: "الذين نهوا عن ~~النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه" لليهود خفاء. PageV19P101 # وقوله: "وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله" فإن الله حياه بالتسليم وشرع ~~له ذلك تحية من عند الله مباركة طيبة وهم كانوا يحيونه بغيره. # قالوا: هؤلاء هم اليهود كانوا إذا أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قالوا: السام عليك - والسام هو الموت - وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام ~~عليك، ولا يخلو من شيء فإن الضمير في "جاءوك" و"حيوك" للموصول في قوله: ~~"الذين نهوا عن النجوى" وقد عرفت أن في شموله لليهود خفاء. # وقوله: "ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول" معطوف على "حيوك" ~~أو حال وظاهره أن ذلك منهم من حديث النفس مضمرين ذلك في قلوبهم، وهو تحضيض ~~بداعي الطعن والتهكم فيكون من المنافقين إنكارا لرسالة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) على طريق الكناية والمعنى: أنهم يحيونك بما لم يحيك به ~~الله وهم يحدثون أنفسهم بدلالة قولهم ذلك - ولو لا يعذبهم الله به - على ~~أنك لست برسول من الله ولو كنت رسوله لعذبهم بقولهم. # وقيل: المراد بقوله: "ويقولون في أنفسهم" يقولون فيما بينهم بتحديث بعض ~~منهم لبعض ولا يخلو من بعد. # وقد رد الله عليهم احتجاجهم بقولهم: ms7149 "لو لا يعذبنا الله بما نقول" بقوله: ~~"حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير" أي إنهم مخطئون في نفيهم العذاب فهم ~~معذبون بما أعد لهم من العذاب وهو جهنم التي يدخلونها ويقاسون حرها وكفى ~~بها عذابا لهم. # وكان المنافقين ومن يلحق بهم لما لم ينتهوا بهذه المناهي والتشديدات نزل ~~قوله تعالى: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا، ملعونين أين ما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا": الآيات الأحزاب: 61. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول" إلخ، لا يخلو سياق الآيات من دلالة على أن الآية ~~نزلت في رفع الخطر وقد خوطب فيها المؤمنون فأجيز لهم النجوى واشترط عليهم ~~أن لا يكون تناجيا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وأن يكون تناجيا بالبر ~~والتقوى والبر وهو التوسع في فعل الخير يقابل العدوان، والتقوى مقابل الإثم ~~ثم أكد الكلام بالأمر بمطلق التقوى بإنذارهم بالحشر بقوله: "واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون". # قوله تعالى: "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا ~~إلا بإذن الله" إلخ، المراد بالنجوى - على ما يفيده السياق - هو النجوى ~~الدائرة في تلك الأيام بين المنافقين ومرضى القلوب وهي من الشيطان فإنه ~~الذي يزينها في قلوبهم ليتوسل بها إلى حزنهم ويشوش قلوبهم ليوهمهم أنها في ~~نائبة حلت بهم وبلية أصابتهم. # ثم طيب الله سبحانه قلوب المؤمنين بتذكيرهم أن الأمر إلى الله سبحانه وأن ~~الشيطان أو التناجي لا يضرهم شيئا إلا بإذن الله فليتوكلوا عليه ولا يخافوا ~~ضره وقد نص سبحانه في قوله: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه": الطلاق: 3 إنه ~~يكفي من توكل عليه، واستنهضهم على التوكل بأنه من لوازم إيمان المؤمن فإن ~~يكونوا مؤمنين فليتوكلوا عليه فهو يكفيهم. # وهذا معنى قوله: "وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون". # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~يفسح الله لكم" إلخ، التفسح الاتساع وكذا الفسح، ms7150 والمجالس جمع مجلس اسم ~~مكان، والاتساع في المجلس أن يتسع الجالس ليسع المكان غيره وفسح الله له أن ~~يوسع له في الجنة. # والآية تتضمن أدبا من آداب المعاشرة، ويستفاد من سياقها أنهم كانوا ~~يحضرون مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيجلسون ركاما لا يدع لغيرهم ~~من الواردين مكانا يجلس فيه فأدبوا بقوله: "إذا قيل لكم تفسحوا" إلخ، ~~والحكم عام وإن كان مورد النزول مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم توسعوا في المجالس ليسع المكان ~~معكم غيركم فتوسعوا وسع الله لكم في الجنة. # وقوله: "وإذا قيل انشزوا فانشزوا" يتضمن أدبا آخر، والنشوز - كما قيل - ~~الارتفاع عن الشيء بالذهاب عنه، والنشوز عن المجلس أن يقوم الإنسان عن ~~مجلسه ليجلس فيه غيره إعظاما له وتواضعا لفضله. # والمعنى: وإذا قيل لكم قوموا ليجلس مكانكم من هو أفضل منكم في علم أو ~~تقوى فقوموا. PageV19P102 # وقوله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" لا ريب في ~~أن لازم رفعه تعالى درجة عبد من عباده مزيد قربه منه تعالى، وهذا قرينة ~~عقلية على أن المراد بهؤلاء الذين أوتوا العلم العلماء من المؤمنين فتدل ~~الآية على انقسام المؤمنين إلى طائفتين: مؤمن ومؤمن عالم، والمؤمن العالم ~~أفضل وقد قال تعالى: "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون": الزمر: 9. # ويتبين بذلك أن ما ذكر من رفع الدرجات في الآية مخصوص بالذين أوتوا العلم ~~ويبقى لسائر المؤمنين من الرفع الرفع درجة واحدة ويكون التقدير يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم درجة ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات. # وفي الآية من تعظيم أمر العلماء ورفع قدرهم ما لا يخفى. # وأكد الحكم بتذييل الآية بقوله: "والله بما تعملون خبير". # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة" إلخ، أي إذا أردتم أن تناجوا الرسول فتصدقوا قبلها. # وقوله: "ذلك خير لكم وأطهر" تعليل للتشريع نظير قوله: "وأن تصوموا خير ~~لكم": البقرة: 184، ولا شك أن المراد بكونها خيرا ms7151 لهم وأطهر أنها خير ~~لنفوسهم وأطهر لقلوبهم ولعل الوجه في ذلك أن الأغنياء منهم كانوا يكثرون من ~~مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يظهرون بذلك نوعا من التقرب إليه ~~والاختصاص به وكان الفقراء منهم يحزنون بذلك وينكسر قلوبهم فأمروا أن ~~يتصدقوا بين يدي نجواهم على فقرائهم بما فيها من ارتباط النفوس وإثارة ~~الرحمة والشفقة والمودة وصلة القلوب بزوال الغيظ والحنق. # وفي قوله: "ذلك" التفات إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ~~خطابين للمؤمنين وفيه تجليل لطيف له (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إن حكم ~~الصدقة مرتبط بنجواه (صلى الله عليه وآله وسلم) والالتفات إليه فيما يرجع ~~إليه من الكلام مزيد عناية به. # وقوله: "فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم" أي فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون ~~به فلا يجب عليكم تقديمها وقد رخص الله لكم في نجواه وعفا عنكم إنه غفور ~~رحيم فقوله: "فإن الله غفور رحيم" من وضع السبب موضع المسبب. # وفيه دلالة على رفع الوجوب عن المعدمين كما أنه قرينة على إرادة الوجوب ~~في قوله: "فقدموا" إلخ، ووجوبه على الموسرين. # قوله تعالى: "أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات" إلخ، الآية ناسخة ~~لحكم الصدقة المذكور في الآية السابقة، وفيه عتاب شديد لصحابة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين حيث إنهم تركوا مناجاته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) خوفا من بذل المال بالصدقة فلم يناجه أحد منهم إلا علي (عليه ~~السلام) فإنه ناجاه عشر نجوات كلما ناجاه قدم بين يدي نجواه صدقة ثم نزلت ~~الآية ونسخت الحكم. # والإشفاق الخشية، وقوله: "أن تقدموا" إلخ، مفعوله والمعنى: أخشيتم التصدق ~~وبذل المال للنجوى، واحتمل أن يكون المفعول محذوفا والتقدير أخشيتم الفقر ~~لأجل بذل المال. # قال بعضهم: جمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة ~~واحدة لأنه ليس مظنة الفقر بل من استمرار الأمر وتقديم صدقات. # وقوله: "فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" ~~إلخ، أي فإذ لم تفعلوا ما كلفتم ms7152 به ورجع الله إليكم العفو والمغفرة فأثبتوا ~~على امتثال سائر التكاليف من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. # ففي قوله: "وتاب الله عليكم" دلالة على كون ذلك منهم ذنبا ومعصية غير أنه ~~تعالى غفر لهم ذلك. # وفي كون قوله: "فأقيموا الصلاة" إلخ، متفرعا على قوله: "فإذ لم تفعلوا" ~~إلخ، دلالة على نسخ حكم الصدقة قبل النجوى. # وفي قوله: "وأطيعوا الله ورسوله" تعميم لحكم الطاعة لسائر التكاليف ~~بإيجاب الطاعة المطلقة، وفي قوله: "والله خبير بما تعملون" نوع تشديد يتأكد ~~به حكم وجوب طاعة الله ورسوله. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: وقرأ حمزة ورويس عن يعقوب "ينتجون" والباقون "يتناجون" ويشهد ~~لقراءة حمزة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) لما ~~قال له بعض أصحابه: أتناجيه دوننا؟ ما أنا انتجيته بل الله انتجاه. PageV19P103 # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عن ابن عمر: أن اليهود كانوا ~~يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سام عليك يريدون بذلك شتمه ~~ثم يقولون في أنفسهم: "لو لا يعذبنا الله بما نقول" فنزلت هذه الآية "وإذا ~~جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله". # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: في هذه ~~الآية قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~سام عليك فنزلت. # أقول: وهذه الرواية أقرب إلى التصديق من سابقتها لما تقدم في تفسير ~~الآية، وفي رواية القمي في تفسيره أنهم كانوا يحيونه بقولهم: أنعم صباحا ~~وأنعم مساء، وهو تحية أهل الجاهلية. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم - والذين أوتوا ~~العلم درجات": وقد ورد أيضا في الحديث أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبي على ~~العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه، وفضل ~~العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم: ms7153 رواه جابر بن عبد الله. # أقول: وذيل الرواية لا يخلو من شيء فإن ظاهر رجوع الضمير في "أدناهم" إلى ~~الناس اعتبار مراتب في الناس فمنهم الأعلى ومنهم المتوسط، وإذا كان فضل ~~العالم على سائر الناس وفيهم الأعلى رتبة كفضل النبي على أدنى الناس كان ~~العالم أفضل من النبي وهو كما ترى. # اللهم إلا أن يكون أدنى بمعنى الأقرب والمراد بأدناهم أقربهم من النبي ~~وهو العالم كما يلوح من قوله: وفضل النبي على العالم درجة، فيكون المفاد أن ~~فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أقربهم مني وهو العالم. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وابن راهويه وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن علي قال: إن ~~في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها بعدي آية النجوى "يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول - فقدموا بين يدي نجواكم صدقة" كان ~~عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت "أأشفقتم ~~أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات" الآية. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله عز وجل: "إذا ناجيتم الرسول - فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة" قال: قدم علي بن أبي طالب (عليه السلام) بين يدي نجواه صدقة ثم نسخها ~~بقوله: "أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات". # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر من طرق الفريقين. PageV19P104 ### |||| AUTO 58 سورة المجادلة - 14 - 22 # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون (15) اتخذوا أيمنهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن ~~تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا أولئك أصحب النار هم فيها خلدون ~~(17) يوم يبعثهم الله جميعا ms7154 فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على ~~شىء ألا إنهم هم الكذبون (18) استحوذ عليهم الشيطن فأنساهم ذكر الله أولئك ~~حزب الشيطن ألا إن حزب الشيطن هم الخسرون (19) إن الذين يحادون الله ورسوله ~~أولئك فى الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز (21) لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~ءاباءهم أو أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الايمن ~~وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها رضى الله ~~عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) ### |||| AUTO بيان # تذكر الآيات قوما من المنافقين يتولون اليهود ويوادونهم وهم يحادون الله ~~ورسوله وتذمهم على ذلك وتهددهم بالعذاب والشقوة تهديدا شديدا، وتقطع ~~بالآخرة أن الإيمان بالله واليوم الآخر يمنع عن موادة من يحاد الله ورسوله ~~كائنا من كان، وتمدح المؤمنين المتبرئين من أعداء الله وتعدهم إيمانا ~~مستقرا وروحا من الله وجنة ورضوانا. # قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم" إلخ، القوم ~~المغضوب عليهم هم اليهود، قال تعالى: "من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم ~~القردة والخنازير وعبد الطاغوت": المائدة: 60. # وقوله: "ما هم منكم ولا منهم" ضمير "هم" للمنافقين وضمير "منهم" لليهود، ~~والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لتذبذبهم بين الكفر والإيمان ليسوا منكم ولا ~~من اليهود، قال تعالى: "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء": ~~النساء: 143. # وهذه صفتهم بحسب ظاهر حالهم وأما بحسب الحقيقة فهم ملحقون بمن تولوهم، ~~قال تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم": المائدة: 51، فلا منافاة بين ~~قوله: "ما هم منكم ولا منهم" وقوله: "فإنه منهم". # واحتمل بعضهم أن ضمير "هم" للقوم وهم اليهود وضمير "منهم" للموصول وهم ~~المنافقون، والمعنى: تولوا اليهود الذين ليسوا منكم وأنتم مؤمنون ولا من ~~هؤلاء المنافقين أنفسهم بل أجنبيون برآء من الطائفتين، وفيه نوع من الذم، ~~وهو بعيد. # وقوله: "ويحلفون على الكذب وهم يعلمون" أي يحلفون لكم على الكذب أنهم ~~منكم مؤمنون ms7155 أمثالكم وهم يعلمون أنهم كاذبون في حلفهم. # قوله تعالى: "أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون" ~~الإعداد التهيئة، وقوله: "إنهم ساء" إلخ، تعليل للإعداد، وفي قوله: "كانوا ~~يعملون" دلالة على أنهم كانوا مستمرين في عملهم مداومين عليه. # والمعنى: هيأ الله لهم عذابا شديدا لاستمرارهم على عملهم السيىء. # قوله تعالى: "اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين" ~~الأيمان جمع يمين وهو الحلف، والجنة السترة التي يتقى بها الشر كالترس، ~~والمهين اسم فاعل من الإهانة بمعنى الإذلال والإخزاء. # والمعنى: اتخذوا أيمانهم سترة يدفعون بها عن نفوسهم التهمة والظنة كلما ~~ظهر منهم أمر يريب المؤمنين فصرفوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله وهو الإسلام ~~فلهم - لأجل ذلك - عذاب مذل مخز. PageV19P105 # قوله تعالى: "لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون" أي إن الذي دعاهم إلى ما هم عليه متاع الحياة الدنيا ~~الذي هو الأموال والأولاد لكنهم في حاجة إلى التخلص من عذاب خالد لا يقضيها ~~لهم إلا الله سبحانه فهم في فقر إليه لا يغنيهم عنه أموالهم ولا أولادهم ~~شيئا فليؤمنوا به وليعبدوه. # قوله تعالى: "يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون ~~أنهم على شيء" إلخ، ظرف لما تقدم من قوله: "أعد الله لهم عذابا شديدا" أو ~~لقوله: "أولئك أصحاب النار" وقوله: "فيحلفون له كما يحلفون لكم" أي يحلفون ~~لله يوم البعث كما يحلفون لكم في الدنيا. # وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى: "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين": الأنعام: 23 أن حلفهم على الكذب يوم القيامة مع ظهور ~~حقائق الأمور يومئذ من ظهور ملكاتهم هناك لرسوخها في نفوسهم في الدنيا فقد ~~اعتادوا فيها على إظهار الباطل على الحق بالأيمان الكاذبة وكما يعيشون ~~يموتون وكما يموتون يبعثون. # ومن هذا القبيل سؤالهم الرد إلى الدنيا يومئذ، والخروج من النار وخصامهم ~~في النار وغير ذلك مما يقصه القرآن الكريم، وهم يشاهدون مشاهدة عيان أن ms7156 لا ~~سبيل إلى شيء من ذلك واليوم يوم جزاء لا يوم عمل. # وأما قوله: "ويحسبون أنهم على شيء" أي مستقرون على شيء يصلح أن يستقر ~~عليه ويتمكن فيه فيمكنهم الستر على الحق والمنع عن ظهور كذبهم بمثل الإنكار ~~والحلف الكاذب. # فيمكن أن يكون قيدا لقوله: "كما يحلفون لكم" فيكون إشارة إلى وصفهم في ~~الدنيا وأنهم يحسبون أن حلفهم لكم ينفعهم ويرضيكم، ويكون قوله: "ألا إنهم ~~هم الكاذبون" قضاء منه تعالى في حقهم بأنهم كاذبون فلا يصغى إلى ما يهذون ~~به ولا يعتنى بما يحلفون به. # ويمكن أن يكون قيدا لقوله: "فيحلفون له" فيكون من قبيل ظهور الملكات ~~يومئذ كما تقدم في معنى حلفهم آنفا، ويكون قوله: "ألا إنهم هم الكاذبون" ~~حكما منه تعالى بكذبهم يوم القيامة أو مطلقا. # قوله تعالى: "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ~~ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون" الاستحواذ الاستيلاء والغلبة، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين" تعليل ~~لكونهم هم الخاسرين أي إنما كانوا خاسرين لأنهم يحادون الله ورسوله ~~بالمخالفة والمعاندة والمحادون لله ورسوله في جملة الأذلين من خلق الله تعالى. # قيل: إنما كانوا في الأذلين لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر ~~وإذ كانت العزة لله جميعا فلا يبقى لمن حاده إلا الذلة محضا. # قوله تعالى: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" الكتابة هي ~~القضاء منه تعالى. # وظاهر إطلاق الغلبة شمولها للغلبة من حيث الحجة ومن حيث التأييد الغيبي ~~ومن حيث طبيعة الإيمان بالله ورسوله. # أما من حيث الحجة فإن الإنسان مفطور على صلاحية إدراك الحق والخضوع له ~~فلو بين له الحق من السبيل التي يألفها لم يلبث دون أن يعقله وإذا عقله ~~اعترفت له فطرته وخضعت له طويته وإن لم يخضع له عملا اتباعا لهوى أو أي ~~مانع يمنعه عن ذلك. # وأما الغلبة من حيث التأييد الغيبي والقضاء للحق على الباطل فيكفي فيها ~~أنواع العذاب التي أنزلها الله تعالى على مكذبي ms7157 الأمم الماضين كقوم نوح ~~وهود وصالح ولوط وشعيب وعلى آل فرعون وغيرهم ممن يشير تعالى إليهم بقوله: ~~"ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون": المؤمنون: 44، وعلى ذلك جرت السنة ~~الإلهية وقد أجمل ذكرها في قوله: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون: يونس: 47. PageV19P106 # وأما الغلبة من حيث طبيعة الإيمان بالله ورسوله فإن إيمان المؤمن يدعوه إلى ~~الدفاع والذب عن الحق والمقاومة تجاه الباطل مطلقا وهو يرى أنه إن قتل فاز ~~وإن قتل فاز فثباته على الدفاع غير مقيد بقيد ولا محدود بحد وهذا بخلاف من ~~يدافع لا عن الحق بما هو حق بل عن شيء من المقاصد الدنيوية فإنه إنما يدافع ~~لأجل نفسه فلو شاهد نفسه مشرفة على هلكة أو راكبة مخاطرة تولى منهزما فهو ~~إنما يدافع على شرط وإلى حد وهو سلامة النفس وعدم الإشراف على الهلكة ومن ~~الضروري أن العزيمة المطلقة تغلب العزيمة المقيدة بقيد المحدودة بحد ومن ~~الشاهد عليه غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أدت إليه من ~~الفتح والظفر في عين أنها كانت سجالا لكن لم تنته إلا إلى تقدم المسلمين ~~وغلبتهم. # ولم تقف الفتوحات الإسلامية ولا تفرقت جموع المسلمين أيادي سبإ إلا بفساد ~~نياتهم وتبديل سيرة التقوى والإخلاص لله وبسط الدين الحق من بسط السلطة ~~وتوسعة المملكة "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم" 1 وقد اشترط الله عليهم حين أكمل دينهم وأمنهم من عدوهم أن ~~يخشوه إذ قال: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون". # ويكفي في تسجيل هذه الغلبة قوله تعالى فيما يخاطب المؤمنين: "ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 139. # قوله تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" إلخ، نفي وجدان ~~قوم على هذه الصفة ms7158 كناية عن أن الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر لا يجامع ~~موادة أهل المحادة والمعاندة من الكفار ولو قارن أي سبب من أسباب المودة ~~كالأبوة والبنوة والأخوة وسائر أقسام القرابة فبين الإيمان وموادة أهل ~~المحادة تضاد لا يجتمعان لذلك. # وقد بان أن قوله: "ولو كانوا آباءهم" إلخ، إشارة إلى أسباب المودة مطلقا ~~وقد خصت مودة النسب بالذكر لكونه أقوى أسباب المودة من حيث ثباته وعدم تغيره. # وقوله: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان" الإشارة إلى القوم بما ذكر لهم من ~~الصفة، والكتابة الإثبات بحيث لا يتغير ولا يزول والضمير لله وفيه نص على ~~أنهم مؤمنون حقا. # وقوله: "وأيدهم بروح منه" التأييد التقوية، وضمير الفاعل في "أيدهم" لله ~~تعالى وكذا ضمير منه ومن ابتدائية، والمعنى: وقواهم الله بروح من عنده ~~تعالى، وقيل: الضمير للإيمان، والمعنى: وقواهم الله بروح من جنس الإيمان ~~يحيي بها قلوبهم، ولا بأس به. # وقيل: المراد بالروح جبرائيل، وقيل: القرآن، وقيل: المراد بها الحجة ~~والبرهان، وهذه وجوه ضعيفة لا شاهد لها من جهة اللفظ. # ثم الروح - على ما يتبادر من معناها - هي مبدأ الحياة التي تترشح منها ~~القدرة والشعور فإبقاء قوله: "وأيدهم بروح منه" على ظاهره يفيد أن للمؤمنين ~~وراء الروح البشرية التي يشترك فيها المؤمن والكافر روحا أخرى تفيض عليهم ~~حياة أخرى وتصاحبها قدرة وشعور جديدان، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: "أومن ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها": الأنعام: 122، وقوله: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة": النحل: 97. # وما في الآية من طيب الحياة يلازم طيب أثرها وهو القدرة والشعور المتفرع ~~عليهما الأعمال الصالحة، وهما المعبر عنهما في آية الأنعام المذكورة آنفا ~~بالنور ونظيرها قوله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد: 28. # وهذه حياة خاصة كريمة لها آثار خاصة ملازمة لسعادة الإنسان الأبدية وراء ~~الحياة المشتركة بين المؤمن والكافر التي لها آثار ms7159 مشتركة فلها مبدأ خاص ~~وهو روح الإيمان التي تذكرها الآية وراء الروح المشتركة بين المؤمن ~~والكافر. # وعلى هذا فلا موجب لما ذكروا أن المراد بالروح نور القلب وهو نور العلم ~~الذي يحصل به الطمأنينة وأن تسميته روحا مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة ~~الأبدية أو من الاستعارة لأنه في ملازمته وجوه العلم الفائض على القلب - ~~والعلم حياة القلب كما أن الجهل موته - يشبه الروح المفيض للحياة. # انتهى. PageV19P107 # وقوله: "ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها" وعد جميل ووصف ~~لحياتهم الآخرة الطيبة. # وقوله: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" استئناف يعلل قوله: "ويدخلهم جنات" ~~إلخ، ورضا الله سبحانه عنهم رحمته لهم لإخلاصهم الإيمان له ورضاهم عنه ~~وابتهاجهم بما رزقهم من الحياة الطيبة والجنة. # وقوله: "أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون" تشريف لهؤلاء ~~المخلصين في إيمانهم بأنهم حزبه تعالى كما أن أولئك المنافقين الموالين ~~لأعداء الله حزب الشيطان وهؤلاء مفلحون كما أن أولئك خاسرون. # وفي قوله: "ألا إن حزب الله" وضع الظاهر موضع الضمير ليجري الكلام مجرى ~~المثل السائر. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي" روي أن المسلمين ~~قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى: ليفتحن الله علينا الروم ~~وفارس فقال المنافقون: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ ~~فأنزل الله هذه الآية. # أقول: الظاهر أنه من قبيل تطبيق الآية على القصة ونظائره كثيرة، ولذا ~~ورد: في قوله تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر" إنه نزل في ~~أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر، وفي بعضها: أنه نزل في أبي بكر سب ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصكه أبو بكر صكة سقط على الأرض فنزلت ~~الآية. وفي عبد الرحمن بن ثابت بن قيس بن الشماس استأذن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يزور خاله من المشركين فأذن له فلما قدم قرأ عليه النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حوله من المسلمين الآية. ms7160 # وهذه روايات لا يلائمها ما في الآيات من الاتصال الظاهر. # وفي الدر المنثور، أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أوثق عرى الإيمان الحب في الله ~~والبغض في الله. # وفي الكافي، بإسناده إلى أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه: أذن ينفث فيها الوسواس الخناس ~~وأذن ينفث فيها الملك فيؤيد الله المؤمن بالملك فذلك قوله: "وأيدهم بروح منه". # أقول: ليس معناه تفسير الروح بالملك بل الملك يصاحب الروح ويعمل به، قال ~~تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2. # وفيه، بإسناده إلى ابن بكير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): في قول ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا زنا الرجل فارقه روح الإيمان. ~~قال: هو قوله: "وأيدهم بروح منه" ذلك الذي يفارقه. # وفيه، بإسناده إلى محمد بن سنان عن أبي خديجة قال: دخلت على أبي الحسن ~~(عليه السلام) فقال لي: إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح تحضره في كل ~~وقت يحسن فيه ويتقي وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي فهي معه تهتز ~~سرورا عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نعمه ~~بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا، رحم الله امرءا هم ~~بخير فعمله أو هم بشر فارتدع عنه. ثم قال: نحن نؤيد الروح بالطاعة لله ~~والعمل له. # أقول: قد تبين مما تقدم في ذيل الآية أن هذه الروح من مراتب الروح ~~الإنساني ينالها المؤمن عند ما يستكمل الإيمان فليست مفارقة له كما أن ~~الروح النباتية والحيوانية والإنسانية المشتركة بين المؤمن والكافر من ~~مراتب روحه غير مفارقة له غير أنها تبتدىء هيئة حسنة في النفس ربما زالت ~~لعروض هيئة سيئة تضادها ثم ترجع إذا زالت الموانع المضادة حتى إذا استقرت ~~ورسخت وتصورت النفس بها ثبتت ولم تتغير. # وبذلك يظهر أن المراد بقوله (عليه السلام): بروح تحضره، وقوله: فهي معه، ~~حضور صورتها ms7161 حضور الهيأة العارضة القابلة للزوال، وبقوله: تسيخ في الثرى ~~زوال الهيأة على طريق الاستعارة، وكذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الرواية السابقة: فارقه روح الإيمان. PageV19P108 ### || AUTO ### ||| AUTO 59 سورة الحشر - 1 - 10 # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما فى السموت وما فى الأرض وهو العزيز ~~الحكيم (1) هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ديرهم لأول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين ~~فاعتبروا يأولى الأبصر (2) ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى ~~الدنيا ولهم فى الاخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن ~~يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله وليخزى الفسقين (5) وما أفاء الله على رسوله منهم ~~فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله ~~على كل شىء قدير (6) ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~ولذى القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله ~~شديد العقاب (7) للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديرهم وأمولهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضونا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصدقون (8) والذين ~~تبوءو الدار والايمن من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون (9) والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولاخوننا الذين سبقونا بالايمن ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم (10) ### |||| AUTO بيان # تشير السورة إلى قصة إجلاء بني النضير من اليهود لما نقضوا العهد بينهم ~~وبين المسلمين، وإلى وعد المنافقين لهم بالنصر والملازمة ثم غدرهم وما يلحق ~~بذلك من حكم فيئهم. # ومن غرر الآيات فيها الآيات السبع ms7162 في آخرها يأمر الله سبحانه عباده فيها ~~بالاستعداد للقائه من طريق المراقبة والمحاسبة، ويذكر عظمة قوله وجلالة ~~قدره بوصف عظمة قائله عز من قائل بما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا. # والسورة مدنية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم" ~~افتتاح مطابق لما في مختتم السورة من قوله: "يسبح له ما في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم". # وإنما افتتح بالتنزيه لما وقع في السورة من الإشارة إلى خيانة اليهود ~~ونقضهم العهد ثم وعد المنافقين لهم بالنصر غدرا كمثل الذين كانوا من قبلهم ~~قريبا ذاقوا وبال أمرهم، وبالنظر إلى ما أذاقهم الله من وبال كيدهم، وكون ~~ذلك على ما يقتضيه الحكمة والمصلحة ذيل الآية بقوله: "وهو العزيز الحكيم". # قوله تعالى: "هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر" تأييد لما ذكر في الآية السابقة من تنزهه تعالى وعزته وحكمته، ~~والمراد بإخراج الذين كفروا من أهل الكتاب إجلاء بني النضير حي من أحياء ~~اليهود كانوا يسكنون خارج المدينة وكان بينهم وبين النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عهد أن لا يكونوا له ولا عليه ثم نقضوا العهد فأجلاهم النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وستأتي قصتهم في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # والحشر إخراج الجماعة بإزعاج، و"لأول الحشر" من إضافة الصفة إلى الموصوف، ~~واللام بمعنى في كقوله: "أقم الصلاة لدلوك الشمس": إسراء: 78. # والمعنى: الله الذي أخرج بني النضير من اليهود من ديارهم في أول إخراجهم ~~من جزيرة العرب. PageV19P109 # ثم أشار تعالى إلى أهمية إخراجهم بقوله: "ما ظننتم أن يخرجوا" لما كنتم ~~تشاهدون فيهم من القوة والشدة والمنعة "وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله" ~~فلن يغلبهم الله وهم متحصنون فيها وعد حصونهم بحسب ظنهم مانعة من الله لا ~~من المسلمين لما أن إخراجهم منها منسوب في الآية السابقة إليه تعالى وكذا ~~إلقاء الرعب في قلوبهم في ذيل الآية، وفي الكلام دلالة على أنه كانت لهم ~~حصون متعددة. # ثم ذكر ms7163 فساد ظنهم وخبطهم في مزعمتهم بقوله: "فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا" والمراد به نفوذ إرادته تعالى فيهم لا من طريق احتسبوه وهو طريق ~~الحصون والأبواب بل من طريق باطنهم وهو طريق القلوب "وقذف في قلوبهم الرعب" ~~والرعب الخوف الذي يملأ القلب "يخربون بيوتهم بأيديهم" لئلا تقع في أيدي ~~المؤمنين بعد خروجهم وهذه من قوة سلطانه تعالى عليهم حيث أجرى ما أراده ~~بأيدي أنفسهم "وأيدي المؤمنين" حيث أمرهم بذلك ووفقهم لامتثال أمره وإنفاذ ~~إرادته "فاعتبروا" وخذوا بالعظة "يا أولي الأبصار" بما تشاهدون من صنع الله ~~العزيز الحكيم بهم قبال مشاقتهم له ولرسوله. # وقيل: كانوا يخربون البيوت ليهربوا ويخربها المؤمنون ليصلوا. # وقيل: المراد بتخريب البيوت اختلال نظام حياتهم فقد خربوا بيوتهم بأيديهم ~~حيث نقضوا الموادعة، وبأيدي المؤمنين حيث بعثوهم على قتالهم. # وفيه أن ظاهر قوله: "يخربون بيوتهم" إلخ أنه بيان لقوله: "فأتاهم الله من ~~حيث لم يحتسبوا" إلخ، من حيث أثره فهو متأخر عن نقض الموادعة. # قوله تعالى: "ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب النار" الجلاء ترك الوطن وكتابة الجلاء عليهم قضاؤه في حقهم، ~~والمراد بعذابهم في الدنيا عذاب الاستئصال أو القتل والسبي. # والمعنى: ولو لا أن قضى الله عليهم الخروج من ديارهم وترك وطنهم لعذبهم ~~في الدنيا بعذاب الاستئصال أو القتل والسبي كما فعل ببني قريظة ولهم في ~~الآخرة عذاب النار. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب" المشاقة المخالفة بالعناد، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من إخراجهم ~~واستحقاقهم العذاب لو لم يكتب عليهم الجلاء، وفي تخصيص مشاقتهم بالله في ~~قوله: "ومن يشاق الله" بعد تعميمه لله ورسوله في قوله: "شاقوا الله ورسوله" ~~تلويح إلى أن مشاقة الرسول مشاقة الله والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين" ذكر الراغب أن اللينة النخلة الناعمة من دون اختصاص منه ~~بنوع منها دون نوع، رووا: أن النبي (صلى ms7164 الله عليه وآله وسلم) أمر بقطع ~~نخيلهم فلما قطع بعضها نادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما ~~بال النخيل تقطع فنزلت الآية فأجيب عن قولهم بأن ما قطعوا من نخلة أو ~~تركوها قائمة على أصولها فبإذن الله ولله في حكمه هذا غايات حقة وحكم بالغة ~~منها إخزاء الفاسقين وهم بنو النضير. # فقوله: "وليخزي الفاسقين" اللام فيه للتعليل وهو معطوف على محذوف ~~والتقدير: القطع والترك بإذن الله ليفعل كذا وكذا وليخزي الفاسقين فهو ~~كقوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": ~~الأنعام: 75. # قوله تعالى: "وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء" إلخ، الإفاءة الإرجاع من الفيء ~~بمعنى الرجوع، وضمير "منهم" لبني النضير والمراد من أموالهم. # وإيجاف الدابة تسييرها بإزعاج وإسراع والخيل الفرس، والركاب الإبل و"من ~~خيل ولا ركاب" مفعول "فما أوجفتم" ومن زائدة للاستغراق. # والمعنى: والذي أرجعه الله إلى رسوله من أموال بني النضير - خصه به وملكه ~~وحده إياه - فلم تسيروا عليه فرسا ولا إبلا بالركوب حتى يكون لكم فيه حق بل ~~مشيتم إلى حصونهم مشاة لقربها من المدينة، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ~~والله على كل شيء قدير وقد سلط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بني ~~النضير فله فيئهم يفعل فيه ما يشاء. PageV19P110 # قوله تعالى: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل" إلخ، ظاهره أنه بيان لموارد مصرف ~~الفيء المذكور في الآية السابقة مع تعميم الفيء لفيء أهل القرى أعم من بني ~~النضير وغيرهم. # وقوله: "فلله وللرسول" أي منه ما يختص بالله والمراد به صرفه وإنفاقه في ~~سبيل الله على ما يراه الرسول ومنه ما يأخذه الرسول لنفسه ولا يصغى إلى قول ~~من قال: إن ذكره تعالى مع أصحاب السهام لمجرد التبرك. # وقوله: "ولذي القربى" إلخ، المراد بذي القربى قرابة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، ولا معنى ms7165 لحمله على قرابة عامة المؤمنين وهو ظاهر، والمراد ~~باليتامى الفقراء منهم كما يشعر به السياق وإنما أفرد وقدم على "المساكين" ~~مع شموله له اعتناء بأمر اليتامى. # وقد ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بذي القربى أهل ~~البيت واليتامى والمساكين وابن السبيل منهم. # وقوله: "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم" أي إنما حكمنا في الفيء بما ~~حكمنا كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم والدولة ما يتداول بين الناس ويدور ~~يدا بيد. # وقوله: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" أي ما أعطاكم ~~الرسول من الفيء فخذوه كما أعطى منه المهاجرين ونفرا من الأنصار، وما نهاكم ~~عنه ومنعكم فانتهوا ولا تطلبوا، وفيه إشعار بأنهم سألوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يقسم الفيء بينهم جميعا فأرجعه إلى نبيه وجعل موارد ~~مصرفه ما ذكره في الآية وجعل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينفقه ~~فيها على ما يرى. # والآية مع الغض عن السياق عامة تشمل كل ما آتاه النبي من حكم فأمر به أو ~~نهى عنه. # وقوله: "واتقوا الله إن الله شديد العقاب" تحذير لهم عن مخالفة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) تأكيدا لقوله: "وما آتاكم الرسول" إلخ. # قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا" إلخ، قيل: إن قوله: "للفقراء" بدل من قوله: "ذي ~~القربى" وما بعده وذكر الله لمجرد التبرك فيكون الفيء مختصا بالرسول ~~والفقراء من المهاجرين، وقد وردت الرواية أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قسم فيء بني النضير بين المهاجرين ولم يعط منه الأنصار شيئا إلا ~~رجلين من فقرائهم أو ثلاثة. # وقيل: إنه بدل من اليتامى والمساكين وابن السبيل فيكون ذوو السهام هم ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذا القربى غنيهم وفقيرهم والفقراء من ~~المهاجرين يتاماهم ومساكينهم وأبناء السبيل منهم، ولعل هذا مراد من قال: إن ~~قوله: "للفقراء المهاجرين" بيان المساكين في الآية السابقة. # والأنسب لما تقدم نقله عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ms7166 أن يكون قوله: ~~"للفقراء المهاجرين" إلخ، بيان مصداق لصرف سبيل الله الذي أشير إليه بقوله: ~~"فلله" لا بأن يكون الفقراء المهاجرون أحد السهماء في الفيء بل بأن يكون ~~صرفه فيهم وإعطاؤهم إياه صرفا له في سبيل الله. # ومحصل المعنى على هذا: أن الله سبحانه أفاء الفيء وأرجعه إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فله أن يتصرف فيه كيف يشاء ثم دله على موارد صرفه وهي ~~سبيل الله والرسول وذو القربى ويتاماهم ومساكينهم وابن السبيل منهم ثم أشار ~~إلى مصداق الصرف في السبيل أو بعض مصاديقه وهم الفقراء المهاجرون إلخ، ينفق ~~منه الرسول لهم على ما يرى. # وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم ~~فيء بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا إلا ثلاثة من فقرائهم: ~~أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة فقد صرف فيهم بما ~~أنه صرف في سبيل الله لا بما أنهم سهماء في الفيء. # وكيف كان فقوله: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم" ~~المراد بهم من هاجر من المسلمين من مكة إلى المدينة قبل الفتح وهم الذين ~~أخرجهم كفار مكة بالاضطرار إلى الخروج فتركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى ~~مدينة الرسول. # وقوله: "يبتغون فضلا من الله ورضوانا" الفضل الرزق أي يطلبون من الله ~~رزقا في الدنيا ورضوانا في الآخرة. PageV19P111 # وقوله: "وينصرون الله ورسوله" أي ينصرونه ورسوله بأموالهم وأنفسهم، وقوله: ~~"أولئك هم الصادقون" تصديق لصدقهم في أمرهم وهم على هذه الصفات. # قوله تعالى: "والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم" ~~إلخ، قيل: إنه استئناف مسوق لمدح الأنصار لتطيب بذلك قلوبهم إذ لم يشركوا ~~في الفيء، "والذين تبوؤا" - والمراد بهم الأنصار - مبتدأ خبره "يحبون" إلخ، ~~والمراد بتبوي الدار وهو تعميرها بناء مجتمع ديني يأوي إليه المؤمنون على ~~طريق الكناية، والإيمان معطوف على "الدار" وتبوي الإيمان وتعميره رفع ~~نواقصه من حيث العمل بحيث يستطاع العمل بما يدعو إليه من الطاعات والقربات ~~من غير ms7167 حجر ومنع كما كان بمكة. # واحتمل أن يعطف "الإيمان" على تبوؤا وقد حذف الفعل العامل فيه، والتقدير: ~~وآثروا الإيمان. # وقيل: إن قوله: "والذين تبوؤا" إلخ، معطوف على قوله: "المهاجرين" وعلى ~~هذا يشارك الأنصار المهاجرين في الفيء، والإشكال عليه بأن المروي أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قسمه بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئا ~~إلا ثلاثة من فقرائهم مدفوع بأن الرواية من شواهد العطف دون الاستئناف إذ ~~لو لم يجز إعطاؤه للأنصار لم يجز لا - للثلاثة ولا للواحد فإعطاء بعضهم منه ~~دليل على مشاركتهم لهم غير أن الأمر لما كان راجعا إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كان له أن يصرفه كيف يشاء فرجح أن يقسمه بينهم على تلك ~~الوتيرة. # والأنسب لما تقدم من كون "للفقراء" إلخ، بيانا لمصاديق سهم السبيل هو عطف ~~"والذين تبوؤا" إلخ، وكذا قوله الآتي: "والذين جاءوا من بعدهم" على قوله: ~~"المهاجرين" إلخ، دون الاستئناف. # بل ما ورد من إعطائه (صلى الله عليه وآله وسلم) للثلاثة يؤيد هذا الوجه ~~بعينه إذ لو كان السهيم فيه الفقراء المهاجرين فحسب لم يعط الأنصار ولا ~~لثلاثة منهم، ولو كان للفقراء من الأنصار كالمهاجرين فيه سهم - وظاهر الآية ~~أن جمعا منهم كانوا فقراء بهم خصاصة والتاريخ يؤيده - لأعطى غير الثلاثة من ~~فقراء الأنصار كما أعطى فقراء المهاجرين واستوعبهم. # فقوله: "والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم" ضمير "من قبلهم" ~~للمهاجرين والمراد من قبل مجيئهم وهجرتهم إلى المدينة. # وقوله: "يحبون من هاجر إليهم" أي يحبون من هاجر إليهم لأجل هجرتهم من دار ~~الكفر إلى دار الإيمان ومجتمع المسلمين. # وقوله: "ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا" ضميرا "يجدون" و"صدورهم" ~~للأنصار، وضمير "أوتوا" للمهاجرين، والمراد بالحاجة ما يحتاج إليه ومن ~~تبعيضية وقيل: بيانية والمعنى: لا يخطر ببالهم شيء مما أعطيه المهاجرون فلا ~~يضيق نفوسهم من تقسيم الفيء بين المهاجرين دونهم ولا يحسدون. # وقيل: المراد بالحاجة ما يؤدي إليه الحاجة وهو الغيظ. # وقوله: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" إيثار الشيء ms7168 اختياره ~~وتقديمه على غيره، والخصاصة الفقر والحاجة، قال الراغب: خصاص البيت فرجه ~~وعبر عن الفقر الذي لم يسد بالخصاصة كما عبر عنه بالخلة انتهى. # والمعنى: ويقدمون المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم فقر وحاجة، وهذه ~~الخصيصة أغزر وأبلغ في مدحهم من الخصيصة السابقة فالكلام في معنى الإضراب ~~كأنه قيل: إنهم لا يطمحون النظر فيما بأيدي المهاجرين بل يقدمونهم على ~~أنفسهم فيما بأيديهم أنفسهم في عين الفقر والحاجة. # وقوله: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" قال الراغب: الشح بخل مع ~~حرص فيما كان عادة انتهى. # و"يوق" فعل مضارع مجهول من الوقاية بمعنى الحفظ، والمعنى: ومن يحفظ - أي ~~يحفظه الله - من ضيق نفسه من بذل ما بيده من المال أو من وقوع مال في يد ~~غيره فأولئك هم المفلحون. # قوله تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان" استئناف أو عطف نظير ما تقدم في قوله: "والذين ~~تبوؤا الدار والإيمان يحبون" وعلى الاستئناف فالموصول مبتدأ خبره قوله: ~~"يقولون ربنا" إلخ. # والمراد بمجيئهم بعد المهاجرين والأنصار إيمانهم بعد انقطاع الهجرة ~~بالفتح وقيل: المراد أنهم خلفوهم. PageV19P112 # وقولهم: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" دعاء لأنفسهم ~~والسابقين من المؤمنين بالمغفرة، وفي تعبيرهم عنهم بإخواننا إشارة إلى أنهم ~~يعدونهم من أنفسهم كما قال الله تعالى: "بعضكم من بعض": النساء: 25، فهم ~~يحبونهم كما يحبون أنفسهم ويحبون لهم ما يحبون لأنفسهم. # ولذلك عقبوه بقولهم: "ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف ~~رحيم" فسألوا أن لا يجعل الله في قلوبهم غلا للذين آمنوا والغل العداوة. # وفي قوله: "للذين آمنوا" تعميم لعامة المؤمنين منهم وممن سبقهم وتلويح ~~إلى أنه لا بغية لهم إلا الإيمان. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب - من ديارهم" الآية، قال: سبب ذلك أنه كان بالمدينة ثلاثة أبطن من ~~اليهود: بني النضير وقريظة وقينقاع، وكان بينهم وبين رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عهد ومدة ms7169 فنقضوا عهدهم. وكان سبب ذلك بني النضير في نقض ~~عهدهم أنه أتاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستسلفهم دية رجلين ~~قتلهما رجل من أصحابه غيلة، يعني يستقرض، وكان بينهم كعب بن الأشرف فلما ~~دخل على كعب قال: مرحبا يا أبا القاسم وأهلا وقام كأنه يصنع له الطعام وحدث ~~نفسه أن يقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتبع أصحابه، فنزل ~~جبرئيل فأخبره بذلك. فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ~~وقال لمحمد بن مسلمة الأنصاري: اذهب إلى بني النضير فأخبرهم إن الله عز وجل ~~قد أخبرني بما هممتم به من الغدر فإما أن تخرجوا من بلدنا وإما أن تأذنوا ~~بحرب، فقالوا: نخرج من بلادك. فبعث إليهم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا ~~وتقيموا وتنابذوا محمدا الحرب فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي فإن خرجتم ~~خرجت معكم وإن قاتلتم قاتلت معكم، فأقاموا وأصلحوا بينهم حصونهم وتهيئوا ~~للقتال وبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا لا نخرج فاصنع ~~ما أنت صانع. فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبر وكبر أصحابه ~~وقال لأمير المؤمنين: تقدم على بني النضير فأخذ أمير المؤمنين الراية ~~وتقدم، وجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاط بحصنهم وغدر بهم ~~عبد الله بن أبي. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ظهر بمقدم ~~بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه، وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن ~~خربه، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقطع نخلهم فجزعوا ~~من ذلك وقالوا: يا محمد إن الله يأمرك بالفساد؟ إن كان لك هذا فخذه وإن كان ~~لنا فلا تقطعه. فلما كان بعد ذلك قالوا: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا ~~مالنا، فقال: لا ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل، فلم يقبلوا ذلك فبقوا ~~أياما ثم قالوا: نخرج ولنا ما حملت الإبل، فقال: لا ولكن تخرجون ولا يحمل ~~أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا ms7170 من ذلك قتلناه. فخرجوا على ذلك ووقع ~~منهم قوم إلى فدك ووادي القرى وخرج قوم منهم إلى الشام. فأنزل الله فيهم ~~"هو الذي أخرج الذين كفروا إلى قوله فإن الله شديد العقاب" وأنزل الله عليه ~~فيما عابوه من قطع النخل "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها - ~~فبإذن الله إلى قوله ربنا إنك رءوف رحيم". وأنزل الله عليه في عبد الله بن ~~أبي وأصحابه "ألم تر إلى الذين نافقوا إلى قوله ثم لا ينصرون". # وفي المجمع، عن ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاصرهم ~~حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم ~~وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم وأن يسيرهم إلى أذرعات بالشام وجعل لكل ثلاثة ~~منهم بعيرا وسقاء. فخرجوا إلى أذرعات بالشام وأريحا إلا أهل بيتين منهم آل ~~أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة. # وفيه، عن محمد بن مسلمة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه ~~إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال. # وفيه، عن محمد بن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من أحد، وكان فتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وكان الزهري يذهب إلى ~~أن إجلاء بني النضير كان قبل أحد على رأس ستة أشهر من وقعة بدر. PageV19P113 # وفيه، عن ابن عباس: نزل قوله تعالى: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى" ~~الآية في أموال كفار أهل القرى وهم قريظة وبنو النضير وهما بالمدينة، وفدك ~~وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر وقرى عرينة وينبع جعلها الله لرسوله ~~يحكم فيها ما أراد وأخبر أنها كلها له فقال أناس: فهلا قسمها فنزلت الآية. # وفيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بني ~~النضير للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في ~~هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم ms7171 لكم شيء من ~~الغنيمة فقال الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ~~ولا نشاركهم فيها فنزلت: "ويؤثرون على أنفسهم" الآية. # أقول: وروي في إيثارهم ونزول الآية فيه قصص أخرى، والظاهر أن ذلك من قبيل ~~تطبيق الآية على القصة، وقد روي المعاني السابقة في الدر المنثور بطرق ~~كثيرة مختلفة. # وفي التوحيد، عن علي (عليه السلام): وقد سئل عما اشتبه على السائل من ~~الآيات قال في قوله تعالى: "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا" يعني أرسل ~~عليهم عذابا. # وفي التهذيب، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "ما ~~أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه" الآية قال الفيء ما كان من ~~أموال لم يكن فيها هراقة دم أو قتل والأنفال مثل ذلك وهو بمنزلته. # وفي المجمع، روى المنهال بن عمر عن علي بن الحسين (عليهما السلام): قلت: ~~قوله: "ولذي القربى واليتامى - والمساكين وابن السبيل" قال: هم قربانا ~~ومساكيننا وأبناء سبيلنا. # أقول: وروي هذا المعنى في التهذيب، عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، وقال في المجمع، بعد نقل الرواية السابقة: وقال جميع ~~الفقهاء: هم يتامى الناس عامة وكذلك المساكين وأبناء السبيل وقد روي ذلك ~~أيضا عنهم (عليهم السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقولان: إن الله عز وجل فوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا 1 هذه الآية "ما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا". # أقول: والروايات عنهم (عليهم السلام) في هذا المعنى كثيرة والمراد ~~بتفويضه أمر خلقه كما يظهر من الروايات إمضاؤه تعالى ما شرعه النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لهم وافتراض طاعته في ذلك، وولايته أمر الناس وأما ~~التفويض بمعنى سلبه تعالى ذلك عن نفسه وتقليده (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لذلك فمستحيل. # وفيه، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: الإيمان بعضه من ~~بعض وهو دار وكذلك الإسلام دار والكفر ms7172 دار. # وفي المحاسن، بإسناده عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ~~قال: يا زياد ويحك وهل الدين إلا الحب. ألا ترى إلى قول الله: "إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله - ويغفر لكم ذنوبكم" أولا ترون إلى قول ~~الله لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "حبب إليكم الإيمان وزينة في ~~قلوبكم" وقال: "يحبون من هاجر إليهم" وقال: الدين هو الحب والحب هو الدين. # وفي المجمع، وفي الحديث: لا يجتمع الشح والإيمان في قلب رجل مسلم، ولا ~~يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف رجل مسلم. # وفي الفقيه، روى الفضل بن أبي قرة السمندي قال: قال لي أبو عبد الله ~~(عليه السلام): أتدري من الشحيح؟ قلت: هو البخيل. قال: الشح أشد من البخل ~~إن البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح بما في أيدي الناس وعلى ما في يده ~~حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام، ولا ~~يقنع بما رزقه الله عز وجل. PageV19P114 ### ||| AUTO 59 سورة الحشر - 11 - 17 # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن الأدبر ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من ~~الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو ~~من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (14) كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ~~(15) كمثل الشيطن إذ قال للانسن اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف ~~الله رب العلمين (16) فكان عقبتهما أنهما فى النار خلدين فيها وذلك جزؤا ~~الظلمين (17) ### |||| AUTO بيان # إشارة إلى حال المنافقين ووعدهم لبني النضير بالنصر إن قوتلوا والخروج ~~معهم إن أخرجوا وتكذيبهم فيما وعدوا. # قوله تعالى: "ألم تر ms7173 إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب" إلخ، الإخوان كالأخوة جمع أخ والأخوة الاشتراك في الانتساب إلى ~~أب ويتوسع فيه فيستعمل في المشتركين في اعتقاد أو صداقة ونحو ذلك، ويكثر ~~استعمال الأخوة في المشتركين في النسبة إلى أب واستعمال الإخوان في ~~المشتركين في اعتقاد ونحوه على ما قيل. # والاستفهام في الآية للتعجيب، والمراد بالذين نافقوا عبد الله بن أبي ~~وأصحابه، والمراد بإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب بنو النضير على ما ~~يؤيده السياق فإن مفاد الآيات أنهم كانوا قوما من أهل الكتاب دار أمرهم بين ~~الخروج والقتال بعد قوم آخر كذلك وليس إلا بني النضير بعد بني قينقاع. # وقوله: "لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم" مقول قول المنافقين، واللام في "لئن أخرجتم" للقسم أي نقسم لئن ~~أخرجكم المسلمون من دياركم لنخرجن من ديارنا معكم ملازمين لكم ولا نطيع ~~فيكم أي في شأنكم أحدا يشير علينا بمفارقتكم أبدا، وإن قاتلكم المسلمون ~~لننصرنكم عليهم. # وقوله: "والله يشهد إنهم لكاذبون" تكذيب لوعد المنافقين، وتصريح بأنهم لا ~~يفون بوعدهم. # قوله تعالى: "لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم" تكذيب ~~تفصيلي لوعدهم بعد تكذيبه الإجمالي بقوله: "والله يشهد إنهم لكاذبون" وقد ~~كرر فيه لام القسم، والمعنى: أقسم لئن أخرج بنو النضير لا يخرج معهم ~~المنافقون، وأقسم لئن قوتلوا لا ينصرونهم. # قوله تعالى: "ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون" إشارة إلى أن ~~نصرهم على تقدير وقوعه منهم - ولن يقع أبدا - لا يدوم ولا ينفعهم بل يولون ~~الأدبار فرارا ثم لا ينصرون بل يهلكون من غير أن ينصرهم أحد. # قوله تعالى: "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله" إلخ، ضمائر الجمع ~~للمنافقين، والرهبة الخشية، والآية في مقام التعليل لقوله: "ولئن نصروهم ~~ليولن الأدبار" أي ذلك لأنهم يرهبونكم أشد من رهبتهم لله فلا يقاومونكم لو ~~قاتلتم ولا يثبتون لكم. # وعلل ذلك بقوله: "ذلك بأنهم قوم لا يفقهون" والإشارة بذلك إلى كون رهبتهم ~~للمؤمنين أشد من رهبتهم ms7174 لله أي رهبتهم لكم كذلك لأنهم قوم لا يفهمون حق ~~الفهم ولو فقهوا حقيقة الأمر بأن لهم أن الأمر إلى الله تعالى وليس لغيره ~~من الأمر شيء سواء في ذلك المسلمون وغيرهم، ولا يقوى غيره تعالى على عمل ~~خير أو شر أو نافع أو ضار إلا بحول منه تعالى وقوة فلا ينبغي أن يرهب إلا ~~هو عز وجل. # قوله تعالى: "لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر" بيان ~~لأثر رهبتهم وجبنهم جميعا والمعنى: لا يقاتلكم بنو النضير والمنافقون جميعا ~~بأن يبرزوا بل في قرى حصينة محكمة أو من وراء جدر من غير بروز. PageV19P115 # وقوله: "بأسهم بينهم شديد" أي هم فيما بينهم شديد البطش غير أنهم إذا برزوا ~~لحربكم وشاهدوكم يجبنون بما ألقى الله في قلوبهم من الرعب. # وقوله: "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى" أي تظن أنهم مجتمعون في ألفة واتحاد ~~والحال أن قلوبهم متفرقة غير متحدة وذلك أقوى عامل في الخزي والخذلان. # ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ولو عقلوا لاتحدوا ووحدوا الكلمة. # قوله تعالى: "كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب ~~أليم" الوبال العاقبة السيئة وقوله: "قريبا" قائم مقام الظروف منصوب على ~~الظرفية أي في زمان قريب. # وقوله: "كمثل" إلخ، خبر مبتدإ محذوف والتقدير "مثلهم كمثل" إلخ، والمعنى: ~~مثلهم أي مثل بني النضير من اليهود في نقضهم العهد ووعد المنافقين لهم ~~بالنصر كذبا ثم الجلاء مثل الذين من قبلهم في زمان قريب وهم بنو قينقاع رهط ~~آخر من يهود المدينة نقضوا العهد بعد غزوة بدر فأجلاهم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إلى أذرعات وقد كان وعدهم المنافقون أن يكلموا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيهم ويمنعوه من إجلائهم فغدروا بهم فذاق بنو قينقاع ~~وبال أمرهم ولهم في الآخرة عذاب أليم وقيل: المراد بالذين من قبلهم كفار ~~مكة يوم بدر وما تقدم أنسب للسياق. # والمثل على أي حال مثل لبني النضير لا للمنافقين على ما يعطيه السياق. # قوله تعالى: "كمثل الشيطان إذ ms7175 قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء ~~منك" إلخ، ظاهر السياق أنه مثل للمنافقين في غرورهم بني النضير بوعد النصر ~~ثم خذلانهم عند الحاجة. # وظاهر سياق يفيد أن المراد بالشيطان والإنسان الجنس والإشارة إلى غرور ~~الشيطان للإنسان بدعوته إلى الكفر بتزيين أمتعة الحياة له وتسويل الإعراض ~~عن الحق بمواعيده الكاذبة والأماني السرابية حتى إذا طلعت له طلائع الآخرة ~~وعاين أن ما اغتر به من أماني الحياة الدنيا لم يكن إلا سرابا يغره وخيالا ~~يلعب به تبرأ منه الشيطان ولم يف بما وعده وقال: إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين. # وبالجملة مثل المنافقين في دعوتهم بني النضير إلى مخالفة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ووعدهم النصر ثم الغدر بهم وخلف الوعد كمثل هذا الشيطان في ~~دعوة الإنسان إلى الكفر بمواعيده الكاذبة ثم تبريه منه بعد الكفر عند ~~الحاجة. # وقيل: المراد بالتمثيل الإشارة إلى قصة برصيصا العابد الذي زين له ~~الشيطان الفجور ففجر بامرأة ثم كفر وسيأتي القصة في البحث الروائي التالي ~~إن شاء الله. # وقيل: المثل السابق المذكور في قوله: "كمثل الذين من قبلهم قريبا" مثل ~~كفار مكة يوم بدر - كما تقدم - والمراد بالإنسان في هذا المثل أبو جهل ~~وبقول الشيطان له اكفر ما قصه الله تعالى بقوله في القصة: "وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت ~~الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف ~~الله والله شديد العقاب": الأنفال: 48. # وعلى هذا الوجه فقول الشيطان: "إني أخاف الله رب العالمين" قول جدي لأنه ~~كان يخاف تعذيب الملائكة النازلين لنصرة المؤمنين ببدر وأما على الوجهين ~~الأولين فهو نوع من الاستهزاء والإخزاء. # قوله تعالى: "فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء ~~الظالمين" الظاهر أن ضمائر التثنية للشيطان والإنسان المذكورين في المثل ~~ففي الآية بيان عاقبة الشيطان في غروره الإنسان وإضلاله والإنسان في ~~اغتراره به وضلاله، وإشارة إلى أن ذلك عاقبة ms7176 المنافقين في وعدهم لبني ~~النضير وغدرهم بهم وعاقبة بني النضير في اغترارهم بوعدهم الكاذب وإصرارهم ~~على المشاقة والمخالفة، ومعنى الآية ظاهر. PageV19P116 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ~~ابن عباس: أن رهطا من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبي بن سلول ~~ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا ~~لا نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من ~~نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله الرعب في قلوبهم. فسألوا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من ~~أموالهم إلا الحلقة ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره ~~فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام. # أقول: والرواية تخالف ما في عدة من الروايات: أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) هو الذي عرض لهم أن يخرجوا بما تحمله الإبل من الأموال فلم ~~يقبلوا ثم رضوا بذلك بعد أيام فلم يقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلا أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم من غير أن يحملوا شيئا فخرجوا كذلك وجعل ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: "ألم تر إلى الذين نافقوا" قال: عبد ~~الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل وأوس بن قيظي. ~~و"إخوانهم" بنو النضير. # أقول: المراد به عد بعضهم فلا ينافي ما في الرواية السابقة. # وفيه، أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن مردويه والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: كان راهب في بني إسرائيل فأخذ الشيطان جارية فحنقها فألقى في قلوب ~~أهلها أن دواءها عند الراهب فأتى بها الراهب فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به ~~حتى قبلها فكانت عنده. فأتاه الشيطان فوسوس له ms7177 وزين له فلم يزل به حتى وقع ~~عليها فلما حملت وسوس له الشيطان فقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن ~~أتوك فقل: ماتت فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم وألقى في ~~قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها فأتاه أهلها فسألوه فقال: ماتت فأخذوه. فأتاه ~~الشيطان فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا ~~فأطعني تنج واسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال الله: "كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر" الآية. # أقول: والقصة مشهورة رويت مختصرة ومفصلة في روايات كثيرة. PageV19P117 ### ||| AUTO 59 سورة الحشر - 18 - 24 # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفسقون (19) لا يستوى أصحب النار وأصحب الجنة أصحب الجنة هم ~~الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) هو الله الذى لا إله إلا ~~هو علم الغيب والشهدة هو الرحمن الرحيم (22) هو الله الذى لا إله إلا هو ~~الملك القدوس السلم المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحن الله عما ~~يشركون (23) هو الله الخلق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما فى ~~السموت والأرض وهو العزيز الحكيم (24) ### |||| AUTO بيان # الذي تتضمنه الآيات الكريمة كالنتيجة المأخوذة مما تقدم من آيات السورة ~~فقد أشير فيها إلى مشاقة بني النضير من اليهود ونقضهم العهد وذاك الذي ~~أوقعهم في خسران دنياهم وأخراهم، وتحريض المنافقين لهم على مشاقة الله ~~ورسوله وهو الذي أهلكهم، وحقيقة السبب في ذلك أنهم لم يراقبوا الله في ~~أعمالهم ونسوه فأنساهم أنفسهم فلم يختاروا ما فيه خير أنفسهم وصلاح عاجلهم ~~وآجلهم فتاهوا وهلكوا. # فعلى من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يذكر ربه ولا ينساه وينظر فيما ~~يقدمه من العمل ليوم الرجوع إلى ربه فإن ما عمله محفوظ عليه يحاسبه به الله ~~يومئذ فيجازيه عليه جزاء لازما لا يفارقه. # وهذا هو الذي يرومه ms7178 قوله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد" الآيات فتندب المؤمنين إلى أن يذكروا الله سبحانه ولا ينسوه ~~وينظروا في أعمالهم التي على صلاحها وطلاحها يدور رحى حياتهم الآخرة ~~فيراقبوا أعمالهم أن تكون صالحة خالصة لوجهه الكريم مراقبة مستمرة ثم ~~يحاسبوا أنفسهم فيشكروا الله على ما عملوا من حسنة ويوبخوها ويزجروها على ~~ما اقترفت من سيئة ويستغفروا. # وذكر الله تعالى بما يليق بساحة عظمته وكبريائه من أسمائه الحسنى وصفاته ~~العليا التي بينها القرآن الكريم في تعليمه هو السبيل الوحيد الذي ينتهي ~~بسالكه إلى كمال العبودية ولا كمال للإنسان فوقه. # وذلك أن الإنسان عبد محض ومملوك طلق لله سبحانه فهو مملوك من كل جهة ~~مفروضة لا استقلال له من جهة كما أنه تعالى مالكه من كل جهة مفروضة له ~~الاستقلال من كل جهة، وكمال الشيء محوضته في نفسه وآثاره فكمال الإنسان في ~~أن يرى نفسه مملوكا لله من غير استقلال وأن يتصف من الصفات بصفات العبودية ~~كالخضوع والخشوع والذلة والاستكانة والفقر بالنسبة إلى ساحة العظمة والعزة ~~والغنى وأن تجري أعماله وأفعاله على ما يريده الله لا ما يهواه نفسه من غير ~~غفلة في شيء من هذه المراحل الذات والصفات والأفعال. # ولا يتم له النظر إلى ذاته وصفاته وأفعاله بنظرة التبعية المحضة ~~والمملوكية الطلقة إلا مع التوجه الباطني إلى ربه الذي هو على كل شيء شهيد ~~وبكل شيء محيط وهو القائم على كل نفس بما كسبت من غير أن يغفل عنه أو ينساه. # وعندئذ يطمئن قلبه كما قال تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب": الرعد: ~~28، ويعرف الله سبحانه بصفات كماله التي تتضمنها أسماؤه الحسنى، ويظهر منه ~~قبال ذلك صفات عبوديته وجهات نقصه من خضوع وخشوع وذلة وفقر وحاجة. # ويتعقب ذلك أعماله الصالحة بدوام الحضور واستمرار الذكر، قال تعالى: ~~"واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون": الأعراف: 206 وقال: ms7179 "فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة: 38. # وإلى ما ذكرنا من معرفته تعالى بصفات كماله ومعرفة النفس بما يقابلها من ~~صفات النقص والحاجة يشير بمقتضى السياق قوله: "لو أنزلنا هذا القرآن" إلى ~~آخر الآيات. PageV19P118 # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد" إلى ~~آخر الآية، أمر للمؤمنين بتقوى الله وبأمر آخر وهو النظر في الأعمال التي ~~قدموها ليوم الحساب أهي صالحة فليرج بها ثواب الله أو طالحة فليخش عقاب ~~الله عليها ويتدارك بالتوبة والإنابة وهو محاسبة النفس. # أما التقوى وقد فسر في الحديث بالورع عن محارم الله فحيث تتعلق بالواجبات ~~والمحرمات جميعا كانت هي الاجتناب عن ترك الواجبات وفعل المحرمات. # وأما النظر فيما قدمت النفس لغد فهو أمر آخر وراء التقوى نسبته إلى ~~التقوى كنسبة النظر الإصلاحي ثانيا من عامل في عمله أو صانع فيما صنعه ~~لتكميله ورفع نواقصه التي غفل عنها أو أخطأ فيها حين العمل والصنع. # فعلى المؤمنين جميعا أن يتقوا الله فيما وجه إليهم من التكاليف فيطيعوه ~~ولا يعصوه ثم ينظروا فيما قدموه من الأعمال التي يعيشون بها في غد بعد ما ~~حوسبوا بها أصالح فيرجى ثوابه أم طالح فيخاف عقابه فيتوبوا إلى الله ~~ويستغفروه. # وهذا تكليف عام يشمل كل مؤمن لحاجة الجميع إلى إصلاح العمل وعدم كفاية ~~نظر بعضهم عن نظر الآخرين غير أن القائم به من أهل الإيمان في نهاية القلة ~~بحيث يكاد يلحق بالعدم وإلى ذلك يلوح لفظ الآية "ولتنظر نفس". # فقوله: "ولتنظر نفس ما قدمت لغد" خطاب عام لجميع المؤمنين لكن لما كان ~~المشتغل بهذا النظر من بين أهل الإيمان بل من بين أهل التقوى منهم في غاية ~~القلة بل يكاد يلحق بالعدم لاشتغالهم بأعراض الدنيا واستغراق أوقاتهم في ~~تدبير المعيشة وإصلاح أمور الحياة ألقى الخطاب في صورة الغيبة وعلقه بنفس ~~ما منكرة فقال: "ولتنظر نفس" وفي هذا النوع من الخطاب مع كون التكليف عاما ~~بحسب الطبع عتاب وتقريع للمؤمنين مع ms7180 التلويح إلى قلة من يصلح لامتثاله منهم. # وقوله: "ما قدمت لغد" استفهام من ماهية العمل الذي قدمت لغد وبيان للنظر، ~~ويمكن أن تكون "ما" موصولة وهي وصلتها متعلقا بالنظر. # والمراد بغد يوم القيامة وهو يوم حساب الأعمال وإنما عبر عنه بغد للإشارة ~~إلى قربه منهم كقرب الغد من أمسه، قال تعالى: "إنهم يرونه بعيدا ونراه ~~قريبا": المعارج: 7. # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله بطاعته في جميع ما يأمركم به ~~وينهاكم عنه، ولتنظر نفس منكم فيما عملته من عمل ولتر ما الذي قدمته من ~~عملها ليوم الحساب أهو عمل صالح أو طالح وهل عملها الصالح صالح مقبول أو مردود. # وقوله: "واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" أمر بالتقوى ثانيا و"إن ~~الله خبير" إلخ، تعليل له وتعليل هذه التقوى بكونه تعالى خبيرا بالأعمال ~~يعطي أن المراد بهذه التقوى المأمور بها ثانيا هي التقوى في مقام المحاسبة ~~والنظر فيها من حيث إصلاحها وإخلاصها لله سبحانه وحفظها عما يفسدها، وأما ~~قوله في صدر الآية: "اتقوا الله" فالمراد به التقوى في أصل إتيان الأعمال ~~بقصرها في الطاعات وتجنب المعاصي. # ومن هنا تبين أن المراد بالتقوى في الموضعين مختلف فالأولى هي التقوى في ~~أصل إتيان الأعمال، والثانية هي التقوى في الأعمال المأتية من حيث إصلاحها ~~وإخلاصها. # وظهر أيضا أن قول بعضهم: إن الأولى للتوبة عما مضى من الذنوب والثانية ~~لاتقاء المعاصي في المستقبل غير سديد ومثله ما قيل: إن الأولى في أداء ~~الواجبات والثانية في ترك المحرمات، ومثله ما قيل: إن الأمر الثاني لتأكيد ~~الأمر الأول فحسب. # قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم" إلخ، النسيان ~~زوال صورة المعلوم عن النفس بعد حصولها فيها مع زوال مبدئه ويتوسع فيه مطلق ~~على مطلق الإعراض عن الشيء بعدم ترتيب الأثر عليه قال تعالى: "وقيل اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين": ~~الجاثية: 34. # والآية بحسب لب معناها كالتأكيد لمضمون الآية السابقة كأنه قيل: قدموا ~~ليوم الحساب والجزاء عملا صالحا ms7181 تحيى به أنفسكم ولا تنسوه. PageV19P119 # ثم لما كان سبب نسيان النفس نسيان الله تعالى إذ بنسيانه تعالى تنسى أسماؤه ~~الحسنى وصفاته العليا التي ترتبط بها صفات الإنسان الذاتية من الذلة والفقر ~~والحاجة فيتوهم الإنسان نفسه مستقلة في الوجود ويخيل إليه أن له لنفسه حياة ~~وقدرة وعلما وسائر ما يتراءى له من الكمال ونظراؤه في الاستقلال سائر ~~الأسباب الكونية الظاهرية تؤثر فيه وتتأثر عنه. # وعند ذلك يعتمد على نفسه وكان عليه أن يعتمد على ربه ويرجو ويخاف الأسباب ~~الظاهرية وكان عليه أن يرجو ويخاف ربه، يطمئن إلى غير ربه وكان عليه أن ~~يطمئن إلى ربه. # وبالجملة ينسى ربه والرجوع إليه ويعرض عنه بالإقبال إلى غيره، ويتفرع ~~عليه أن ينسى نفسه فإن الذي يخيل إليه من نفسه أنه موجود مستقل الوجود يملك ~~ما ظهر فيه من كمالات الوجود وإليه تدبير أمره مستمدا مما حوله من الأسباب ~~الكونية وليس هذا هو الإنسان بل الإنسان موجود متعلق الوجود جهل كله عجز ~~كله ذلة كله فقر كله وهكذا، وما له من الكمال كالوجود والعلم والقدرة ~~والعزة والغنى وهكذا فلربه وإلى ربه انتهاؤه ونظراؤه في ذلك سائر الأسباب ~~الكونية. # والحاصل لما كان سبب نسيان النفس نسيان الله تعالى حول النهي عن نسيان ~~النفس في الآية إلى النهي عن نسيانه تعالى لأن انقطاع المسبب بانقطاع سببه ~~أبلغ وآكد، ولم يقنع بمجرد النهي الكلي عن نسيانه بأن يقال: ولا تنسوا الله ~~فينسيكم أنفسكم بل جرى بمثل إعطاء الحكم بالمثال ليكون أبلغ في التأثير ~~وأقرب إلى القبول فنهاهم أن يكونوا كالذين نسوا الله مشيرا به إلى من تقدم ~~ذكرهم من يهود بني النضير وبني قينقاع ومن حاله حالهم في مشاقة الله ~~ورسوله. # فقال: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله" ثم فرع عليه قوله: "فأنساهم أنفسهم" ~~تفريع المسبب على سببه ثم عقبه بقوله: "أولئك هم الفاسقون" فدل على أنهم ~~فاسقون حقا خارجون عن زي العبودية. # والآية وإن كانت تنهى عن نسيانه تعالى المتفرع عليه نسيان النفس لكنها ~~بورودها في سياق الآية ms7182 السابقة تأمر بذكر الله ومراقبته. # فقد بان من جميع ما تقدم في الآيتين أن الآية الأولى تأمر بمحاسبة النفس ~~والثانية تأمر بالذكر والمراقبة. # قوله تعالى: "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون" قال الراغب: الفوز الظفر بالخير مع حصول السلامة انتهى. # والسياق يشهد بأن المراد بأصحاب النار هم الناسون لله وبأصحاب الجنة هم ~~الذاكرون لله المراقبون. # والآية حجة تامة على وجوب اللحوق بالذاكرين لله المراقبين له دون ~~الناسين، تقريرها أن هناك قبيلين لا ثالث لهما وهما الذاكرون لله والناسون ~~له لا بد للإنسان أن يلحق بأحدهما وليسا بمساويين حتى يتساوى اللحوقان ولا ~~يبالي الإنسان بأيهما لحق؟ بل هناك راجح ومرجوح يجب اختيار الراجح على ~~المرجوح والرجحان لقبيل الذاكرين لأنهم الفائزون لا غير فالترجيح لجانبهم ~~فمن الواجب لكل نفس أن يختار اللحوق بقبيل الذاكرين. # قوله تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله" إلخ، في المجمع،: التصدع التفرق بعد التلاؤم ومثله التفطر انتهى. # والكلام مسوق سوق المثل مبني على التخييل والدليل عليه قوله في ذيل ~~الآية: "وتلك الأمثال نضربها للناس" إلخ. # والمراد تعظيم أمر القرآن بما يشتمل عليه من حقائق المعارف وأصول الشرائع ~~والعبر والمواعظ والوعد والوعيد وهو كلام الله العظيم، والمعنى: لو كان ~~الجبل مما يجوز أن ينزل عليه القرآن فأنزلناه عليه لرأيته - مع ما فيه من ~~الغلظة والقسوة وكبر الجسم وقوة المقاومة قبال النوازل - متأثرا متفرقا من ~~خشية الله فإذا كان هذا حال الجبل بما هو عليه فالإنسان أحق بأن يخشع لله ~~إذا تلاه أو تلي عليه، وما أعجب حال أهل المشاقة والعناد لا تلين قلوبهم له ~~ولا يخشعون ولا يخشون. # والالتفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله: "من خشية الله" ~~للدلالة على علة الحكم فإنما يخشع ويتصدع الجبل بنزول القرآن لأنه كلام ~~الله عز اسمه. # وقوله: "وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" من وضع الحكم الكلي ~~موضع الجزئي للدلالة على أن الحكم ليس ببدع في مورده بل جار ms7183 سار في موارد ~~أخرى كثيرة. PageV19P120 # فقوله: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل" إلخ، مثل ضربه الله للناس في أمر ~~القرآن لتقريب عظمته وجلالة قدره بما أنه كلام لله تعالى وبما يشتمل عليه ~~من المعارف رجاء أن يتفكر فيه الناس فيتلقوا القرآن بما يليق به من التلقي ~~ويتحققوا بما فيه من الحق الصريح ويهتدوا إلى ما يهدي إليه من طريق ~~العبودية التي لا طريق إلى كمالهم وسعادتهم وراءها، ومن ذلك ما ذكر في ~~الآيات السابقة من المراقبة والمحاسبة. # قوله تعالى: "هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم" هذه الآية والآيتان بعدها وإن كانت مسوقة لتعداد قبيل من أسمائه ~~تعالى الحسنى والإشارة إلى تسميته تعالى بكل اسم أحسن وتنزهه بشهادة ما في ~~السماوات والأرض لكنها بانضمامها إلى ما مر من الأمر بالذكر تفيد أن على ~~الذاكرين أن يذكروه بأسمائه الحسنى فيعرفوا أنفسهم بما يقابلها من أسماء ~~النقص، فافهم ذلك. # وبانضمامها إلى الآية السابقة وما فيها من قوله: "من خشية الله" تفيد ~~تعليل خشوع الجبل وتصدعه من خشية الله كأنه قيل: وكيف لا وهو الله الذي لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، إلى آخر الآيات. # وقوله: "هو الله الذي لا إله إلا هو" يفيد الموصول والصلة معنى اسم من ~~أسمائه وهو وحدانيته تعالى في ألوهيته ومعبوديته، وقد تقدم بعض ما يتعلق ~~بالتهليل في تفسير قوله تعالى: "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو": البقرة: 163. # وقوله: "عالم الغيب والشهادة" الشهادة هي المشهود الحاضر عند المدرك ~~والغيب خلافها وهما معنيان إضافيان فمن الجائز أن يكون شيء شهادة بالنسبة ~~إلى شيء وغيبا بالنسبة إلى آخر ويدور الأمر مدار نوع من الإحاطة بالشيء حسا ~~أو خيالا أو عقلا أو وجودا وهو الشهادة وعدمها وهو الغيب، وكل ما فرص من ~~غيب أو شهادة فهو من حيث هو محاط له تعالى معلوم فهو تعالى عالم الغيب ~~والشهادة وغيره لا علم له بالغيب لمحدودية وجوده وعدم إحاطته إلا ما علمه ~~تعالى كما قال: ms7184 "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": ~~الجن: 27، وأما هو تعالى فغيب على الإطلاق لا سبيل إلى الإحاطة به لشيء ~~أصلا كما قال: "ولا يحيطون به علما". # وقوله: "هو الرحمن الرحيم" قد تقدم الكلام في معنى الاسمين في تفسير سورة ~~الفاتحة. # قوله تعالى: "هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر" إلخ، الملك هو المالك لتدبير أمر الناس ~~والحكم فيهم، والقدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة، والسلام من ~~يلاقيك بالسلام والعافية من غير شر وضر، والمؤمن الذي يعطي الأمن، والمهيمن ~~الفائق المسيطر على الشيء. # والعزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء أو من عنده ما عند غيره من غير عكس، ~~والجبار مبالغة من جبر الكسر أو الذي تنفذ إرادته ويجبر على ما يشاء، ~~والمتكبر الذي تلبس بالكبرياء وظهر بها. # وقوله: "سبحان الله عما يشركون" ثناء عليه تعالى كما في قوله: "وقالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه": البقرة: 116. # قوله تعالى: "هو الله الخالق البارىء المصور" إلى آخر الآية، الخالق هو ~~الموجد للأشياء عن تقدير، والبارىء المنشىء للأشياء ممتازا بعضها من بعض، ~~والمصور المعطي لها صورا يمتاز بها بعضها من بعض، والأسماء الثلاثة تتضمن ~~معنى الإيجاد باعتبارات مختلفة وبينها ترتب فالتصوير فرع البرء والبرء فرع ~~الخلق وهو ظاهر. # وإنما صدر الآيتين السابقتين بقوله: "الذي لا إله إلا هو" فوصف به "الله" ~~وعقبه بالأسماء بخلاف هذه الآية إذ قال: "هو الله الخالق" إلخ. # لأن الأسماء الكريمة المذكورة في الآيتين السابقتين وهي أحد عشر اسما من ~~لوازم الربوبية ومالكية التدبير التي تتفرع عليها الألوهية والمعبودية ~~بالحق وهي على نحو الأصالة والاستقلال لله سبحانه وحده لا شريك له في ذلك ~~فاتصافه تعالى وحده بها يستوجب اختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به تعالى. # فالأسماء الكريمة بمنزلة التعليل لاختصاص الألوهية به تعالى كأنه قيل لا ~~إله إلا هو لأنه عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، ولذا أيضا ذيل هذه ~~الأسماء بقوله ثناء عليه: "سبحان الله عما يشركون" ms7185 ردا على القول بالشركاء ~~كما يقوله المشركون. PageV19P121 # وأما قوله: "هو الله الخالق البارىء المصور" فالمذكور فيه من الأسماء يفيد ~~معنى الخلق والإيجاد واختصاص ذلك به تعالى لا يستوجب اختصاص الألوهية به ~~كما يدل عليه أن الوثنيين قائلون باختصاص الخلق والإيجاد به تعالى وهم مع ~~ذلك يدعون من دونه أربابا وآلهة ويثبتون له شركاء. # وأما وقوع اسم الجلالة في صدر الآيات الثلاث جميعا فهو علم للذات ~~المستجمع لجميع صفات الكمال يرتبط به ويجري عليه جميع الأسماء وفي التكرار ~~مزيد تأكيد وتثبيت للمطلوب. # وقوله: "له الأسماء الحسنى" إشارة إلى بقية الأسماء الحسنى عن آخرها لكون ~~الأسماء جمعا محلى باللام وهو يفيد العموم. # وقوله: "يسبح له ما في السماوات والأرض" أي جميع ما في العالم من ~~المخلوقات حتى نفس السماوات والأرض وقد تقدم توضيح معنى الجملة مرارا. # ثم ختم الآيات بقوله: "وهو العزيز الحكيم" أي الغالب غير المغلوب الذي ~~فعله متقن لا مجازفة فيه فلا يعجزه فيما شرعه ودعا إليه معصية العاصين ولا ~~مشاقة المعاندين ولا يضيع عنده طاعة المطيعين وأجر المحسنين. # والعناية إلى ختم الكلام بالاسمين والإشارة بذلك إلى كون القرآن النازل ~~من عنده كلام عزيز حكيم هو الذي دعا إلى تكرار اسمه العزيز وذكره مع الحكيم ~~مع تقدم ذكره بين الأسماء. # وقد وصف القرآن أيضا بالعزة والحكمة كما قال: "وإنه لكتاب عزيز": حم ~~السجدة: 41، وقال: "والقرآن الحكيم": يس: 2. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة": عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: الغيب ما لم يكن والشهادة ما قد كان. # أقول: وهو تفسير ببعض المصاديق، وقد أوردنا أحاديث عنهم (عليهم السلام) ~~في معنى اسم الجلالة والاسمين الرحمن الرحيم في ذيل تفسير البسملة من سورة ~~الفاتحة. # وفي التوحيد، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: لم ~~يزل حيا بلا حياة وملكا قادرا قبل أن ينشىء شيئا وملكا جبارا بعد إنشائه للكون. # أقول: قوله: لم يزل حيا بلا حياة أي بلا حياة زائدة على الذات، وقوله: ms7186 لم ~~يزل ملكا قادرا قبل أن ينشىء شيئا إرجاع للملك وهو من صفات الفعل إلى ~~القدرة وهي من صفات الذات ليستقيم تحققه قبل الإيجاد. # وفي الكافي، بإسناده عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله: "سبحان الله" ما يعني به؟ قال: تنزيه. # وفي نهج البلاغة،: والخالق لا بمعنى حركة ونصب. # أقول: وقد أوردنا عدة من الروايات في الأسماء الحسنى وإحصائها في البحث ~~عن الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من الكتاب. # وفي النبوي المشهور: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا قبل أن توزنوا ~~وتجهزوا للغرض الأكبر. # وفي الكافي، بإسناده إلى أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: ليس منا من ~~لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسنا ازداد لله شكرا وإن عمل سيئا استغفر ~~الله وتاب إليه. # أقول: وفيما يقرب من هذا المعنى روايات أخر، وقد أوردنا روايات عنهم ~~(عليهم السلام) في معنى ذكر الله في ذيل تفسير قوله تعالى: "فاذكروني ~~أذكركم" الآية: البقرة: 152، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا": الأحزاب: 21، فليراجعها من شاء. PageV19P122 ### || AUTO ### ||| AUTO 60 سورة الممتحنة - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن ~~تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهدا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى تسرون إليهم ~~بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولدكم يوم القيمة يفصل ~~بينكم والله بما تعملون بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ~~وبدا بيننا وبينكم العدوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ~~إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شىء ربنا عليك توكلنا ~~وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ربنا ms7187 لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ~~ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا ~~الله واليوم الاخر ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد (6) عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ~~ينهاش الله عن الذين لم يقتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قتلوكم ~~فى الدين وأخرجوكم من ديركم وظهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم ~~فأولئك هم الظلمون (9) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة موالاة المؤمنين لأعداء الله من الكفار وموادتهم وتشدد النهي ~~عن ذلك تفتتح به وتختتم وفيها شيء من أحكام النساء المهاجرات وبيعة ~~المؤمنات، وكونها مدنية ظاهر. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة" إلخ، سياق الآيات يدل على أن بعض المؤمنين من المهاجرين ~~كانوا يسرون الموادة إلى المشركين بمكة ليحموا بذلك من بقي من أرحامهم ~~وأولادهم بمكة بعد خروجهم أنفسهم منها بالمهاجرة إلى المدينة فنزلت الآيات ~~ونهاهم الله عن ذلك، ويتأيد بهذا ما ورد أن الآيات نزلت في حاطب بن أبي ~~بلتعة أسر كتابا إلى المشركين بمكة يخبرهم فيه بعزم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) على الخروج إليها لفتحها، فعل ذلك ليكون يدا له عليهم يقي ~~بها من كان بمكة من أرحامه وأولاده فأخبر الله بذلك نبيه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ونزلت، وستوافيك قصته في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # فقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" العدو معروف ~~ويطلق على الواحد والكثير والمراد في الآية هو الكثير بقرينة قوله: أولياء ~~وإليهم وغير ذلك، وهم المشركون بمكة، وكونهم عدوه من جهة اتخاذهم له شركاء ~~يعبدونهم ولا يعبدون الله ويردون دعوته ويكذبون رسوله، وكونهم أعداء ~~للمؤمنين لإيمانهم بالله وتفديتهم أموالهم وأنفسهم في سبيله فمن يعادي الله ~~يعاديهم. # وذكر عداوتهم للمؤمنين مع كفاية ذكر عداوتهم لله ms7188 في سوق النهي لتأكيد ~~التحذير والمنع كأنه قيل: من كان عدوا لله فهو عدو لكم فلا تتخذوه وليا. # وقوله: "تلقون إليهم بالمودة" بالمودة مفعول "تلقون" والباء زائدة كما في ~~قوله: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة": البقرة: 195، والمراد بإلقاء ~~المودة إظهارها أو إيصالها، والجملة صفة أو حال من فاعل "لا تتخذوا". PageV19P123 # وقوله: "وقد كفروا بما جاءكم من الحق" هو الدين الحق الذي يصفه كتاب الله ~~ويدعو إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والجملة حالية. # وقوله: "يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم" الجملة حالية ~~والمراد بإخراج الرسول وإخراجهم اضطرارهم الرسول والمؤمنين إلى الخروج من ~~مكة والمهاجرة إلى المدينة، و"أن تؤمنوا بالله ربكم" بتقدير اللام متعلق ~~بيخرجون، والمعنى: يجبرون الرسول وإياكم على المهاجرة من مكة لإيمانكم ~~بالله ربكم. # وتوصيف الله بقوله: "ربكم" للإشارة إلى أنهم يؤاخذونهم على أمر حق مفروض ~~ليس بجرم فإن إيمان الإنسان بربه مفروض عليه وليس من الجرم في شيء. # وقوله: "إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي" متعلق بقوله: "لا ~~تتخذوا" وجزاء الشرط محذوف يدل عليه المتعلق، و"جهادا" مصدر مفعول له، ~~و"ابتغاء" بمعنى الطلب و"المرضاة" مصدر كالرضا، والمعنى: لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء إن كنتم هاجرتم للمجاهدة في سبيلي ولطلب رضاي. # وتقييد النهي عن ولائهم واشتراطه بخروجهم للجهاد وابتغائهم مرضاته من باب ~~اشتراط الحكم بأمر محقق الوقوع تأكيدا له وإيذانا بالملازمة بين الشرط ~~والحكم كقول الوالد لولده: إن كنت ولدي فلا تفعل كذا. # وقوله: "تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم" أسررت ~~إليه حديثا أي أفضيت إليه في خفية فمعنى "تسرون إليهم بالمودة" تطلعونهم ~~على ما تسرون من مودتهم - على ما قاله الراغب - والإعلان خلاف الإخفاء، ~~و"أنا أعلم" إلخ، حال من فاعل "تسرون" و"أعلم" اسم تفضيل، واحتمل بعضهم أن ~~يكون فعل المتكلم وحده من المضارع متعديا بالباء لأن العلم ربما يتعدى بها. # وجملة: "تسرون إليهم" إلخ، استئناف بيانية كأنه قيل بعد استماع النهي ~~السابق: ما ذا فعلنا فأجيب: تطلعونهم سرا على مودتكم لهم وأنا ms7189 أعلم بما ~~أخفيتم وما أظهرتم أي أنا أعلم بقولكم وفعلكم علما يستوي بالنسبة إليه ~~إخفاؤكم وإظهاركم. # ومنه يعلم أن قوله: "بما أخفيتم وما أعلنتم" معا يفيدان معنى واحدا وهو ~~استواء الإخفاء والإعلان عنده تعالى لإحاطته بما ظهر وما بطن فلا يرد أن ~~ذكر "ما أخفيتم" يغني عن ذكر "ما أعلنتم" لأن العالم بما خفي عالم بما ظهر ~~بطريق أولى. # وقوله: "ومن يفعل ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل" الإشارة بذلك إلى إسرار ~~المودة إليهم وهو الموالاة، و"سواء السبيل" من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ~~السبيل السوي والطريق المستقيم وهو مفعول "ضل" أو منصوب بنزع الخافض ~~والتقدير فقد ضل عن سواء السبيل، والسبيل سبيل الله تعالى. # قوله تعالى: "إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء" إلخ، قال الراغب: الثقف - ~~بالفتح فالسكون - الحذق في إدراك الشيء وفعله. # قال: ويقال: ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر ثم يتجوز به ~~فيستعمل في الإدراك وإن لم يكن معه ثقافة. # انتهى. # وفسره غيره بالظفر ولعله بمعونة مناسبة المقام، والمعنيان متقاربان. # والآية مسوقة لبيان أنه لا ينفعهم الإسرار بالمودة للمشركين في جلب ~~محبتهم ورفع عداوتهم شيئا وأن المشركين على الرغم من إلقاء المودة إليهم أن ~~يدركوهم ويظفروا بهم يكونوا لهم أعداء من دون أن يتغير ما في قلوبهم من ~~العداوة. # وقوله: "ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون" بمنزلة ~~عطف التفسير لقوله: "يكونوا لكم أعداء" وبسط الأيدي بالسوء كناية عن القتل ~~والسبي وسائر أنحاء التعذيب وبسط الألسن بالسوء كناية عن السب والشتم. # والظاهر أن قوله: "وودوا لو تكفرون" عطف على الجزاء والماضي بمعنى ~~المستقبل كما يقتضيه الشرط والجزاء، والمعنى: أنهم يبسطون إليكم الأيدي ~~والألسن بالسوء ويودون بذلك لو تكفرون كما كانوا يفتنون المؤمنين بمكة ~~ويعذبونهم يودون بذلك أن يرتدوا عن دينهم. # والله أعلم. # قوله تعالى: "لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة" دفع لما ربما ~~يمكن أن يتوهم عذرا لإلقاء المودة إليهم إن في ذلك صيانة لأرحامهم وأولادهم ~~الذين تركوهم بمكة بين المشركين من أذاهم. PageV19P124 # والجواب ms7190 أن أمامكم يوما تجازون فيه على معصيتكم وطالح عملكم ومنه موالاة ~~الكفار ولا ينفعكم اليوم أرحامكم ولا أولادكم الذين قدمتم صيانتهم من أذى ~~الكفار على صيانة أنفسكم من عذاب الله بترك موالاة الكفار. # وقوله: "يفصل بينكم" أي يفصل الله يوم القيامة بينكم بتقطع الأسباب ~~الدنيوية كما قال تعالى: "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ": ~~المؤمنون: 101، وذلك أن القرابة وهي انتهاء إنسانين أو أكثر إلى رحم واحدة ~~إنما تؤثر آثارها من الرحمة والمودة والألفة والمعاونة والمعاضدة والعصبية ~~والخدمة وغير ذلك من الآثار في ظرف الحياة الاجتماعية التي تسوق الإنسان ~~إليه حاجته إليها بالطبع بحسب الآراء والعقائد الاعتبارية التي أوجدها فيه ~~فهمه الاجتماعي، ولا خبر عن هذه الآراء في الخارج عن ظرف الحياة ~~الاجتماعية. # وإذا برزت الحقائق وارتفع الحجاب وانكشف الغطاء يوم القيامة ضلت عن ~~الإنسان هذه الآراء والمزاعم وانقطعت روابط الاستقلال بين الأسباب ~~ومسبباتها كما قال تعالى: "لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": ~~الأنعام: 94، وقال: "ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب": البقرة: 166. # فيومئذ تتقطع رابطة الأنساب ولا ينتفع ذو قرابة من قرابته شيئا فلا ينبغي ~~للإنسان أن يخون الله ورسوله بموالاة أعداء الدين لأجل أرحامه وأولاده ~~فليسوا يغنونه عن الله يومئذ. # وقيل: المراد أنه يفرق الله بينكم يوم القيامة بما فيه من الهول الموجب ~~لفرار كل منكم من الآخر حسبما نطق به قوله تعالى: "يوم يفر المرء من أخيه ~~وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه": عبس: 37، ~~والوجه السابق أنسب للمقام. # وقيل: المراد أنه يميز بعضكم يومئذ من بعض فيدخل أهل الإيمان والطاعة ~~الجنة، وأهل الكفر والمعصية النار ولا يرى القريب المؤمن في الجنة قريبه ~~الكافر في النار. # وفيه أنه وكان لا بأس به في نفسه لكنه غير مناسب للمقام إذ لا دلالة في ~~المقام على كفر أرحامهم وأولادهم. # وقيل: المراد بالفصل فصل القضاء والمعنى: أن الله يقضي بينكم يوم ~~القيامة. # وفيه ما في سابقه من عدم المناسبة للمورد فإن فصل القضاء إنما يناسب ~~الاختلاف ms7191 كما في قوله تعالى: "إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون": السجدة: 20، ولا ارتباط في الآية بذلك. # وقوله: "والله بما تعملون بصير" متمم لقوله: "لن تنفعكم" كالمؤكد له ~~والمعنى: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة في رفع تبعة هذه ~~الخيانة وأمثالها والله بما تعملون بصير لا يخفى عليه ما هي هذه الخيانة ~~فيؤاخذكم عليها لا محالة. # قوله تعالى: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه" إلى آخر ~~الآيتين، والخطاب للمؤمنين، والأسوة الاتباع والاقتداء، وفي قوله: "والذين ~~معه" بظاهره دلالة على أنه كان معه من آمن به غير زوجته ولوط. # وقوله: "إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله" أي ~~إنا بريئون منكم ومن أصنامكم بيان لما فيه الأسطورة والاقتداء. # وقوله: "كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده" بيان لمعنى البراءة بأثرها وهو الكفر بهم وعداوتهم ما داموا ~~مشركين حتى يوحدوا الله سبحانه. # والمراد بالكفر بهم الكفر بشركهم بدليل قوله: "حتى تؤمنوا بالله وحده"، ~~والكفر بشركهم مخالفتهم فيه عملا كما أن العداوة بينونة ومخالفة قلبا. # فقد فسروا براءتهم منهم بأمور ثلاثة: مخالفتهم لشركهم عملا، والعداوة ~~والبغضاء بينهم قلبا، واستمرار ذلك ما داموا على شركهم إلا أن يؤمنوا بالله وحده. # وقوله: "إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء"، ~~استثناء مما تدل عليه الجمل المتقدمة أن إبراهيم والذين معه تبرءوا من ~~قومهم المشركين قولا مطلقا. # وقطعوا أي رابطة تربطهم بالقوم وتصل بينهم إلا ما قال إبراهيم لأبيه: ~~"لأستغفرن لك" إلخ. PageV19P125 # ولم يكن قوله: "لأستغفرن لك" توليا منه بل وعدا وعده إياه رجاء أن يتوب عن ~~الشرك ويؤمن بالله وحده كما يدل عليه قوله تعالى: "وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": ~~التوبة: 114، حيث يفيد أنه (عليه السلام) إنما وعده لأنه لم يتبين له بعد ~~أنه عدو لله راسخ في عداوته ثابت ms7192 في شركه فكان يرجو أن يرجع عن شركه ويطمع ~~في أن يتوب ويؤمن فلما تبين له رسوخ عداوته ويئس من إيمانه تبرأ منه. # على أن قوله تعالى في قصة محاجته أباه في سورة مريم: "قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله": مريم: ~~48، يتضمن وعده أباه بالاستغفار وإخباره بالاعتزال ولو كان وعده الاستغفار ~~توليا منه لأبيه لكان من الحري أن يقول: واعتزل القوم، لا أن يقول: ~~وأعتزلكم فيدخل أباه فيمن يعتزلهم وليس الاعتزال إلا التبري. # فالاستثناء استثناء متصل من أنهم لم يكلموا قومهم إلا بالتبري والمحصل من ~~المعنى: أنهم إنما ألقوا إليهم القول بالتبري إلا قول إبراهيم لأبيه: ~~لأستغفرن لك فلم يكن تبريا ولا توليا بل وعدا وعده أباه رجاء أن يؤمن بالله. # وهاهنا شيء وهو أن مؤدى آية التوبة "فلما تبين له أنه عدو لله تبرء منه" ~~أن تبريه الجازم إنما كان بعد الوعد وبعد تبين عداوته لله، وقوله تعالى في ~~الآية التي نحن فيها: "إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم" إخبار عن تبريهم ~~الجازم القاطع فيكون ما وقع في الاستثناء من قول إبراهيم لأبيه وعدا واقعا ~~قبل تبريه الجازم ومن غير جنس المستثنى منه فيكون الاستثناء منقطعا لا متصلا. # وعلى تقدير كون الاستثناء منقطعا يجوز أن يكون الاستثناء من قوله: "قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه" بما أنه مقيد بقوله: "إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءاؤا منكم"، والمعنى: قد كان لكم اقتداء حسن بتبري إبراهيم ~~والذين معه من قومهم إلا أن إبراهيم قال لأبيه كذا وكذا وعدا. # وأما على تقدير كون الاستثناء متصلا فالوجه ما تقدم، وأما كون المستثنى ~~منه هو قوله: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم"، والمعنى: لكم في إبراهيم ~~أسوة في جميع خصاله إلا في قوله لأبيه: "لأستغفرن لك" فلا أسوة فيه. # ففيه أن قوله: "لكم أسوة حسنة في إبراهيم" إلخ، غير مسوق لإيجاب التأسي ~~بإبراهيم (عليه السلام) في جميع خصاله حتى يكون الوعد ms7193 بالاستغفار أو نفس ~~الاستغفار - وذلك من خصاله - مستثنى منها بل إنما سيق لإيجاب التأسي به في ~~تبريه من قومه المشركين، والوعد بالاستغفار رجاء للتوبة والإيمان ليس من ~~التبري وإن كان ليس توليا أيضا. # وقوله: "وما أملك لك من الله من شيء" تتمة قول إبراهيم (عليه السلام)، ~~وهو بيان لحقيقة الأمر من أن سؤاله المغفرة وطلبها من الله ليس من نوع ~~الطلب الذي يملك فيه الطالب من المطلوب منه ما يطلبه، وإنما هو سؤال يدعو ~~إليه فقر العبودية وذلتها قبال غنى الربوبية وعزتها فله تعالى أن يقبل ~~بوجهه الكريم فيستجيب ويرحم، وله أن يعرض ويمسك الرحمة فإنه لا يملك أحد ~~منه تعالى شيئا وهو المالك لكل شيء، قال تعالى: "قل فمن يملك من الله ~~شيئا": المائدة: 17. # وبالجملة قوله: "ما أملك" إلخ، نوع اعتراف بالعجز استدراكا لما يستشعر من ~~قوله: "لأستغفرن لك" من شائبة إثبات القدرة لنفسه نظير قول شعيب (عليه ~~السلام): "وما توفيقي إلا بالله" استدراكا لما يشعر به قوله لقومه: "إن ~~أريد إلا الإصلاح ما استطعت": هود: 88، من إثبات القوة والاستطاعة لنفسه ~~بالأصالة والاستقلال. # وقوله: "ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير" إلخ، من تمام القول ~~المنقول عن إبراهيم والذين معه المندوب إلى التأسي بهم فيه، وهو دعاء منهم ~~لربهم وابتهال إليه إثر ما تبرءوا من قومهم ذاك التبري العنيف ليحفظهم من ~~تبعاته ويغفر لهم فلا يخيبهم في إيمانهم. PageV19P126 # وقد افتتحوا دعاءهم بتقدمة يذكرون فيها حالهم فيما هم فيه من التبري من ~~أعداء الله فقالوا: "ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا" يعنون به أنا كنا في ~~موقف من الحياة تتمكن فيه أنفسنا وندبر فيه أمورنا أما أنفسنا فأنبنا ~~ورجعنا بها إليك وهو الإنابة، وأما أمورنا التي كان علينا تدبيرها فتركناها ~~لك وجعلنا مشيتك مكان مشيتنا فأنت وكيلنا فيها تدبرها بما تشاء وكيف تشاء ~~وهو التوكل. # ثم قالوا: "وإليك المصير" يعنون به أن مصير كل شيء من فعل أو فاعل فعل ~~إليك فقد جرينا في توكلنا عليك وإنابتنا إليك مجرى ما عليه ms7194 حقيقة الأمر من ~~مصير كل شيء إليك حيث هاجرنا بأنفسنا إليك وتركنا تدبير أمورنا لك. # وقوله: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا" متن دعائهم ~~يسألونه تعالى أن يعيذهم من تبعة تبريهم من الكفار ويغفر لهم. # والفتنة ما يمتحن به، والمراد بجعلهم فتنة للذين كفروا تسليط الكفار ~~عليهم ليمتحنهم فيخرجوا ما في وسعهم من الفساد فيؤذوهم بأنواع الأذى أن ~~آمنوا بالله ورفضوا آلهتهم وتبرءوا منهم ومما يعبدون. # وقد كرروا نداءه تعالى - ربنا - في دعائهم مرة بعد مرة لإثارة الرحمة ~~الإلهية. # وقوله: "إنك أنت العزيز الحكيم" أي غالب غير مغلوب متقن لأفعاله لا يعجز ~~أن يستجيب دعاءهم فيحفظهم من كيد أعدائه ويعلم بأي طريق يحفظ. # وللمفسرين في تفسير الآيتين أنظار مختلفة أخرى أغمضنا عن إيرادها رعاية ~~للاختصار من أرادها فليراجع المطولات. # قوله تعالى: "لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم ~~الآخر" إلخ، تكرار حديث الأسوة لتأكيد الإيجاب ولبيان أن هذه الأسوة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر، وأيضا أنهم كما يتأسى بهم في تبريهم من الكفار ~~كذلك يتأسى بهم في دعائهم وابتهالهم. # والظاهر أن المراد برجائه تعالى رجاء ثوابه بالإيمان به وبرجاء اليوم ~~الآخر رجاء ما وعد الله وأعد للمؤمنين من الثواب، وهو كناية عن الإيمان. # وقوله: "ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" استغناء منه تعالى عن ~~امتثالهم لأمره بتبريهم من الكفار وأنهم هم المنتفعون بذلك والله سبحانه ~~غني في ذاته عنهم وعن طاعتهم حميد فيما يأمرهم وينهاهم إذ ليس في ذلك إلا ~~صلاح حالهم وسعادة حياتهم. # قوله تعالى: "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله ~~قدير والله غفور رحيم" ضمير "منهم" للكفار الذين أمروا بمعاداتهم وهم كفار ~~مكة، والمراد بجعل المودة بين المؤمنين وبينهم جعلها بتوفيقهم للإسلام كما ~~وقع ذلك لما فتح الله لهم مكة، وليس المراد به نسخ حكم المعاداة والتبري. # والمعنى: مرجو من الله أن يجعل بينكم معشر المؤمنين وبين الذين عاديتم من ~~الكفار وهم كفار مكة ms7195 مودة بتوفيقهم للإسلام فتنقلب المعاداة مودة والله ~~قدير والله غفور لذنوب عباده رحيم بهم إذا تابوا وأسلموا فعلى المؤمنين أن ~~يرجوا من الله أن يبدل معاداتهم مودة بقدرته ومغفرته ورحمته. # قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم" إلخ، في هذه الآية والتي تتلوها توضيح ~~للنهي الوارد في أول السورة، والمراد بالذين لم يقاتلوا المؤمنين في الدين ~~ولم يخرجوهم غير أهل مكة ممن لم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم من ~~المشركين من أهل المعاهدة، والبر والإحسان، والأقساط المعاملة بالعدل، و"أن ~~تبروهم" بدل من "الذين" إلخ، وقوله: "إن الله يحب المقسطين" تعليل لقوله: ~~"لا ينهاكم الله" إلخ. # والمعنى: لا ينهاكم الله بقوله: "لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" عن أن ~~تحسنوا وتعاملوا بالعدل الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ~~لأن ذلك منكم أقساط والله يحب المقسطين. # قيل: إن الآية منسوخة بقوله: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم": التوبة: 5، ~~وفيه أن الآية التي نحن فيها لا تشمل بإطلاقها إلا أهل الذمة وأهل المعاهدة ~~وأما أهل الحرب فلا، وآية التوبة إنما تشمل أهل الحرب من المشركين دون أهل ~~المعاهدة فكيف تنسخ ما لا يزاحمها في الدلالة. PageV19P127 # قوله تعالى: "إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم" إلخ، المراد بالذين قاتلوكم إلخ، ~~مشركوا مكة، والمظاهرة على الإخراج المعاونة والمعاضدة عليه، وقوله: "إن ~~تولوهم" بدل من "الذين قاتلوكم" إلخ. # وقوله: "ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" قصر إفراد أي المتولون لمشركي ~~مكة ومن ظاهرهم على المسلمين هم الظالمون المتمردون عن النهي دون مطلق ~~المتولين للكفار أو تأكيد للنهي عن توليهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء" الآية: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، ولفظ الآية عام ومعناها ~~خاص وكان سبب ذلك أن حاطب بن أبي بلتعة قد أسلم وهاجر إلى المدينة وكان ~~عياله بمكة، وكانت ms7196 قريش تخاف أن يغزوهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فصاروا إلى عيال حاطب وسألوهم أن يكتبوا إلى حاطب ويسألوه عن خبر ~~محمد هل يريد أن يغزو مكة؟. فكتبوا إلى حاطب يسألونه عن ذلك فكتب إليهم ~~حاطب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد ذلك، ودفع الكتاب إلى ~~امرأة تسمى صفية فوضعته في قرونها ومرت فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأخبره بذلك. فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أمير المؤمنين والزبير بن العوام في طلبها فلحقوها فقال لها أمير ~~المؤمنين (عليه السلام): أين الكتاب؟ فقالت: ما معي شيء ففتشاها فلم يجدا ~~معها شيئا فقال الزبير: ما نرى معها شيئا فقال أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): والله ما كذبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا كذب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على جبرئيل، ولا كذب جبرئيل على الله ~~جل ثناؤه والله لتظهرن الكتاب أو لأردن رأسك إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقالت: تنحيا عني حتى أخرجه فأخرجت الكتاب من قرونها فأخذه أمير ~~المؤمنين وجاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): يا حاطب ما هذا؟ فقال حاطب: والله يا رسول الله ~~ما نافقت ولا غيرت ولا بدلت، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله ~~حقا ولكن أهلي وعيالي كتبوا إلي بحسن صنيع قريش إليهم فأحببت أن أجازي ~~قريشا بحسن معاشرتهم، فأنزل الله على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إلى قوله والله بما ~~تعملون بصير". # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو ~~داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معا في الدلائل عن علي قال: بعثني ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا والزبير ms7197 والمقداد فقال: انطلقوا ~~حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها وأتوني به. فخرجنا ~~حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي ~~كتاب قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها. فأتينا به ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس ~~من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا ~~رسول الله إني كنت امرءا ملصقا من قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من ~~المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك ~~من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ~~ارتدادا عن ديني فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صدق. فقال عمر: دعني ~~يا رسول الله فأضرب عنقه فقال: إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على ~~أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ونزلت فيه "يا أيها الذين آمنوا ~~- لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء - تلقون إليهم بالمودة":. أقول: وهذا ~~المعنى مروي في عدة من الروايات عن نفر من الصحابة كأنس وجابر وعمر وابن ~~عباس وجمع من التابعين كحسن وغيره. PageV19P128 # والرواية من حيث متنها لا تخلو من بحث: أما أولا: فلأن ظاهرها بل صريحها أن ~~حاطب بن أبي بلتعة كان يستحق بصنعة ما صنع القتل أو جزاء دون ذلك، وإنما ~~صرف عنه ذلك كونه بدريا فالبدري لا يؤاخذ بما أتى به من معصية كما يصرح به ~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر في هذه الرواية: "أنه شهد بدرا" وفي ~~رواية الحسن: أنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر أنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر ~~أنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر. # ويعارضه ما في قصة الإفك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما نزلت ~~براءة عائشة حد مسطح ms7198 بن أثاثة وكان من الآفكين، وكان مسطح بن أثاثة هذا من ~~السابقين الأولين من المهاجرين وممن شهد بدرا كما في صحيحي البخاري ومسلم ~~وحده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما نطقت به الروايات الكثيرة ~~الواردة في تفسير آيات الإفك. # وأما ثانيا: فلأن ما يشتمل عليه من خطابه تعالى لأهل بدر "اعملوا ما شئتم ~~فقد غفرت لكم" الدال على كون كل ما أتوا به من ذنب مغفورا لهم لا يتم ~~بالبداهة إلا بارتفاع عامة التكاليف الدينية عنهم من واجب أو حرام أو مستحب ~~أو مكروه، ولا معنى لتعلق التكليف المولوي بأمر مع إلغاء تبعة مخالفته ~~وتسوية الفعل والترك بالنسبة إلى المكلف كما يدل عليه قوله: "اعملوا ما ~~شئتم" على بداهة ظهوره في الإباحة العامة. # ولازم ذلك: أولا: شمول المغفرة من المعاصي لما يحكم بداهة العقل على عدم ~~شمول العفو له لو لا التوبة كعبادة الأصنام والرد على الله ورسوله وتكذيب ~~النبي والافتراء على الله ورسوله والاستهزاء بالدين وأحكامه الثابتة ~~بالضرورة، فإن الآيات المتعرضة لها الناهية عنها تأبى شمول المغفرة لها من ~~غير توبة، ومثلها قتل النفس المحترمة ظلما والفساد في الأرض وإهلاك الحرث ~~والنسل، واستباحة الدماء والأعراض والأموال. # ومن المعلوم أن المحذور إمكان تعلق المغفرة بأمثال هذه المعاصي والذنوب ~~لا فعلية تعلقها بها فلا يدفع بأن الله سبحانه يحفظ هذا المكلف المغفور له ~~من اقتراف أمثال هذه المعاصي والذنوب وإن كان غفر له لو اقترف. # وثانيا: أن يخصص قوله: اعملوا ما شئتم عمومات جميع الأحكام الشرعية من ~~عبادات ومعاملات من حيث المتعلق فلا يعم شيء منها البدريين ولا يتعلق بهم، ~~ولو كان كذلك لكان معروفا عند الصحابة مسلما لهم أن هؤلاء العصابة محررون ~~من كل تكليف ديني مطلقون من قيد وظائف العبودية وكان البدريون أنفسهم أحق ~~برعاية معنى التحرير فيما بينهم أنفسهم على ما له من الأهمية، ولا شاهد ~~يشهد بذلك في المروي من أخبارهم والمحفوظ من آثارهم بل المستفاد من سيرهم ~~وخاصة في خلال الفتن الواقعة بعد رحلة النبي ms7199 (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~خلاف ذلك بما لا يسع لأحد إنكاره. # على أن تحرير قوم ذوي عدد من الناس وإطلاقهم من قيد التكليف لهم أن ~~يفعلوا ما يشاءون وأن لا يبالوا بمخالفة الله ورسوله وإن عظمت ما عظمت ~~يناقض مصلحة الدعوة الدينية وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبث ~~المعارف الإلهية التي جاء بها الرسول بالرواية عنه إذ لا يبقى للناس بهم ~~وثوق فيما يقولون ويروون من حكم الله ورسوله أن لا ضير عليهم ولو أتوا بكل ~~كذب افتراء أو اقترفوا كل منكر وفحشاء والناس يعلمون منهم ذلك. # ويجري ذلك في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد أهل بدر وقد أرسله ~~الله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فكيف تطمئن ~~القلوب إلى دعوة من يجوز تلبسه بكل كذب وافتراء ومنكر وفحشاء؟ وأنى تسلم ~~النفوس له الاتصاف بتلك الصفات الكريمة التي مدحه الله بها؟ بل كيف يجوز في ~~حكمته تعالى أن يقلد الشهادة والدعوة من لا يؤمن في حال أو مقال، ويعده ~~سراجا منيرا وهو تعالى قد أباح له أن يحيي الباطل كما ينير الحق وأذن له في ~~أن يضل الناس وقد بعثه ليهديهم والآيات المتعرضة لعصمة الأنبياء وحفظ الوحي ~~تأبى ذلك كله. # على أن ذلك يفسد استقامة الخطاب في كثير من الآيات التي فيها عتاب ~~الصحابة والمؤمنين على بعض تخلفاتهم كالآيات النازلة في وقعة أحد والأحزاب ~~وحنين وغيرها المعاتبة لهم على انهزامهم وفرارهم من الزحف وقد أوعد الله ~~عليه النار. PageV19P129 # ومن أوضح الآيات في ذلك آيات الإفك وفي أهل الإفك مسطح بن أثاثة البدري ~~وفيها قوله تعالى: "لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم" ولم يستثن أحدا ~~منهم، وقوله: "وهو عند الله عظيم" وقوله: "يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ~~إن كنتم مؤمنين". # ومن أوضح الآيات في عدم ملاءمة معناها للرواية نفس هذه الآيات التي تذكر ~~الرواية سبب نزولها: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة" الآيات وفيها مثل ms7200 قوله تعالى: "ومن يفعله منكم فقد ضل ~~سواء السبيل" وقوله: "ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون". # فمن المعلوم أن الآيات إنما وجهت الخطاب والعتاب إلى عامة الذين آمنوا ~~وتنسب إلقاء المودة وإسرار مودة الكفار إلى المؤمنين بما أن بعضهم وهو حاطب ~~بن أبي بلتعة اتخذ الكفار أولياء وخان الإسلام والمسلمين فنسبت الآيات فعل ~~البعض إلى الكل ووجهت العتاب والتهديد إلى الجميع. # فلو كان حاطب وهو بدري محرر مرفوع عنه القلم مخاطبا بمثل قوله: اعمل ما ~~شئت فقد غفرت لك لا إثم عليه فيما يفعل ولا ضلال في حقه ولا يتصف بظلم ولا ~~يتعلق به عتاب ولا تهديد فأي وجه لنسبة فعل البعض بما له من الصفات غير ~~المرضية إلى الكل ولا صفة غير مرضية لفعل هذا البعض على الفرض. # فيئول الأمر إلى فرض أن يأتي البعض بفعل مأذون له فيه لا عتاب عليه ولا ~~لوم يعتريه ويعاتب الكل ويهددوا عليه وبعبارة أخرى أن يؤذن لفاعل في معصية ~~ثم يعاتب عليها غيره ولا صنع له فيها ويجل كلامه تعالى عن مثل ذلك. # وفيه، أخرج البخاري وابن المنذر والنحاس والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألت النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أأصلها؟ فأنزل الله "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" ~~فقال: نعم صلي. # وفيه، أخرج أبو داود في تاريخه وابن المنذر عن قتادة: "لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين" نسختها "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". # أقول: قد عرفت الكلام فيه. # وفي الكافي، بإسناده عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في ~~الله جل وعز. # وفي تفسير القمي، بإسناده إلى إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كل من لم يحب على الدين ولم يبغض على ms7201 الدين فلا دين له. PageV19P130 ### ||| AUTO 60 سورة الممتحنة - 10 - 13 # يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت مهجرت فامتحنوهن الله أعلم بإيمنهن ~~فإن علمتموهن مؤمنت فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ~~وءاتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ءاتيتموهن أجورهن ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شىء من أزوجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فئاتوا الذين ذهبت أزوجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذى أنتم به ~~مؤمنون (11) يأيها النبى إذا جاءك المؤمنت يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولدهن ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور ~~رحيم (12) يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من ~~الاخرة كما يئس الكفار من أصحب القبور (13) ### |||| AUTO بيان # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن" ~~الآية، سياق الآية يعطي أنها نزلت بعد صلح الحديبية، وكان في العهد المكتوب ~~بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أهل مكة أنه إن لحق من أهل مكة ~~رجل بالمسلمين ردوه إليهم وإن لحق من المسلمين رجل بأهل مكة لم يردوه إليهم ~~ثم إن بعض نساء المشركين أسلمت وهاجرت إلى المدينة فجاء زوجها يستردها فسأل ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يردها إليه فأجابه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن الذي شرطوه في العهد رد الرجل دون النساء ولم يردها ~~إليهم وأعطاه ما أنفق عليها من المهر وهو الذي تدل عليه الآية مع ما يناسب ~~ذلك من أحكامهن. # فقوله: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات" سماهن مؤمنات ~~قبل امتحانهن والعلم بإيمانهن لتظاهرهن بذلك. # وقوله: "فامتحنوهن" أي اختبروا إيمانهن بما يظهر به ذلك من شهادة وحلف ~~يفيد العلم والوثوق، وفي قوله: "الله أعلم بإيمانهن" إشارة إلى أنه يجزي في ~~ذلك ms7202 العلم العادي والوثوق دون اليقين بحقيقة الإيمان الذي هو تعالى أعلم به ~~علما لا يتخلف عنه معلومه. # وقوله: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار" ذكرهم بوصف الإيمان ~~للإشارة إلى أنه السبب للحكم وانقطاع علقة الزوجية بين المؤمنة والكافر. # وقوله: "لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" مجموع الجملتين كناية عن انقطاع ~~علقة الزوجية، وليس من توجيه الحرمة إليهن وإليهم في شيء. # وقوله: "وآتوهم ما أنفقوا" أي أعطوا الزوج الكافر ما أنفق عليها من المهر. # وقوله: "ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن" رفع المانع من ~~نكاح المؤمنات المهاجرات إذا أوتين أجورهن والأجر المهر. # وقوله: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" العصم جمع عصمة وهي النكاح الدائم يعصم ~~المرأة ويحصنها، وإمساك العصمة إبقاء الرجل - بعد ما أسلم - زوجته الكافرة ~~على زوجيتها فعليه بعد ما أسلم أن يخلي عن سبيل زوجته الكافرة سواء كانت ~~مشركة أو كتابية. # وقد تقدم في تفسير قوله: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن": البقرة: 221، ~~وقوله: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم": المائدة: 5، أن لا نسخ ~~بين الآيتين وبين الآية التي نحن فيها. # وقوله: "واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا" ضمير الجمع في "واسألوا" ~~للمؤمنين وفي "ليسألوا" للكفار أي إن لحقت امرأة منكم بالكفار فاسألوهم ما ~~أنفقتم لها من مهر ولهم أن يسألوا مهر من لحقت بكم من نسائهم. # ثم تمم الآية بالإشارة إلى أن ما تضمنته الآية حكم الله الذي شرع لهم ~~فقال: "ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم". PageV19P131 # قوله تعالى: "وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فأتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا" إلخ، قال الراغب: الفوت بعد الشيء عن الإنسان ~~بحيث يتعذر إدراكه، قال تعالى: "وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار". # انتهى. # وفسر المعاقبة والعقاب بمعنى الوصول والانتهاء إلى عقبى الشيء، والمراد ~~عاقبتم من الكفار أي أصبتم منهم غنيمة وهي عقبى الغزو، وقيل: عاقب بمعنى ~~عقب، وقيل: عاقب مأخوذ من العقبة بمعنى النوبة. # والأقرب أن يكون المراد بالشيء المهر ms7203 و"من" في "من أزواجكم" لابتداء ~~الغاية و"إلى الكفار" متعلق بقوله: "فاتكم" والمراد بالذين ذهبت أزواجهم، ~~بعض المؤمنين وإليهم يعود ضمير "أنفقوا". # والمعنى: وإن ذهب وانفلت منكم إلى الكفار مهر من أزواجكم بلحوقهن بهم ~~وعدم ردهم ما أنفقتم من المهر إليكم فأصبتم منهم بالغزو غنيمة فأعطوا ~~المؤمنين الذين ذهبت أزواجهم إليهم مما أصبتم من الغنيمة مثل ما أنفقوا من المهر. # وفسرت الآية بوجوه أخرى بعيدة عن الفهم أغمضنا عنها. # وقوله: "واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون" أمر بالتقوى، وتوصيفه تعالى ~~بالموصول والصلة لتعليل الحكم فإن من مقتضى الإيمان بالله تقواه. # قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك" إلخ، تتضمن الآية ~~حكم بيعة النساء المؤمنات للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد شرطت عليهن ~~في "على أن لا يشركن" إلخ، أمورا منها ما هو مشترك بين الصنفين: الرجال ~~والنساء كالتحرز من الشرك ومن معصية الرسول في معروف ومنها ما هو أمس بهن ~~من حيث إن تدبير المنزل بحسب الطبع إليهن وهن السبيل إلى حفظ عفة البيت ~~والحصول على الأنسال وطهارة مواليدهم، وهي التجنب من السرقة والزنا وقتل ~~الأولاد وإلحاق غير أولاد أزواجهن بهم، وإن كانت هذه الأمور بوجه من ~~المشتركات. # فقوله: "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك" شرط جوابه قوله: ~~"فبايعهن واستغفر لهن الله". # وقوله: "على أن لا يشركن بالله شيئا" أي من الأصنام والأوثان والأرباب، ~~وهذا شرط لا غنى عنه لإنسان في حال. # وقوله: "ولا يسرقن" أي لا من أزواجهن ولا من غيرهم وخاصة من أزواجهن كما ~~يفيده السياق، وقوله: "ولا يزنين" أي باتخاذ الأخدان وغير ذلك وقوله: "ولا ~~يقتلن أولادهن" بالوأد وغيره وإسقاط الأجنة. # وقوله: "ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن" وذلك بأن يحملن من ~~الزنا ثم يضعنه وينسبنه إلى أزواجهن فإلحاقهن الولد كذلك بأزواجهن ونسبته ~~إليهم كذبا بهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته أمه سقط ~~بين يديها ورجليها، ولا يغني عن هذا الشرط شرط الاجتناب عن الزنا لأنهما ~~متغايران وكل مستقل بالنهي ms7204 والتحريم. # وقوله: "ولا يعصينك في معروف" نسب المعصية إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) دون الله مع أنها تنتهي إليه تعالى لأن المراد أن لا يتخلفن بالمعصية ~~عن السنة التي يستنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وينفذها في المجتمع ~~الإسلامي فيكون ما سنه هو المعروف عند المسلمين وفي المجتمع الإسلامي. # ومن هنا يظهر أن المعصية في المعروف أعم من ترك المعروف كترك الصلاة ~~والزكاة وفعل المنكر كتبرجهن تبرج الجاهلية الأولى. # وفي قوله: "إن الله غفور رحيم" بيان لمقتضى المغفرة وتقوية للرجاء. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم" إلخ، ~~المراد بهم اليهود المغضوب عليهم وقد تكرر في كلامه تعالى فيهم "وباءو بغضب ~~من الله": البقرة:: 61، ويشهد بذلك ذيل الآية فإن الظاهر أن المراد بالقوم ~~غير الكفار. # وقوله: "يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور" المراد بالآخرة ~~ثوابها، والمراد بالكفار الكافرون بالله المنكرون للبعث، وقيل: المراد ~~مشركوا مكة واللام للعهد، و"من" في "من أصحاب القبور" لابتداء الغاية. # والجملة بيان لشقائهم الخالد وهلاكهم المؤبد ليحذر المؤمنون من موالاتهم ~~وموادتهم والاختلاط بهم والمعنى: قد يئس اليهود من ثواب الآخرة كما يئس ~~منكرو البعث من الموتى المدفونين في القبور. # وقيل: المراد بالكفار الذين يدفنون الموتى ويوارونهم في الأرض - من الكفر ~~بمعنى الستر -. PageV19P132 # وقيل: المراد بهم كفار الموتى و"من" بيانية والمعنى: يئسوا من ثواب الآخرة ~~كما يئس الكفار المدفونون في القبور منه لقوله: "إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار أولئك عليهم لعنة الله": البقرة: 161. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن ابن عباس: صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالحديبية مشركي مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده عليهم، ومن أتى أهل مكة ~~من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لهم ولم يردوه عليه ~~وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه. فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد ~~الفراغ من الكتاب والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديبية فأقبل زوجها ~~مسافر من ms7205 بني مخزوم وقال مقاتل: هو صيفي بن الراهب في طلبها وكان كافرا ~~فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا ~~وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد فنزلت الآية "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن". قال ابن عباس: ~~امتحانهن أن يستحلفن ما خرجت من بغض زوج، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا ~~التماس دنيا، وما خرجت إلا حبا لله ولرسوله فاستحلفها رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ما خرجت بغضا لزوجها، ولا عشقا لرجل منا، وما خرجت إلا ~~رغبة في الإسلام فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك فأعطى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه ~~فتزوجها عمر بن الخطاب. فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرد من ~~جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء إذا امتحن ويعطي أزواجهن مهورهن. ~~قال: قال الزهري: ولما نزلت هذه الآية وفيها قوله: "ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر" طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قرنية بنت أبي ~~أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة، ~~والأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها ~~أبو جهم بن حذاقة بن غانم رجل من قومها وهما على شركهما. وكانت عند طلحة بن ~~عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق بينهما الإسلام حين ~~نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة عند قومها ~~كافرة ثم تزوجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وكانت ~~ممن فرت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نساء الكفار فحبسها ~~وزوجها خالدا. وأمية بنت بشر كانت عند الثابت بن الدحداحة ففرت منه وهو ~~يومئذ كافر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فزوجها ms7206 رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) سهل بن حنيف فولدت عبد الله بن سهل. قال: قال الشعبي: ~~وكانت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة أبي العاص بن ~~الربيع فأسلمت ولحقت بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وأقام ~~أبو العاص مشركا بمكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب ثم أسلم فردها عليه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: وقال الجبائي: لم يدخل في شرط صلح ~~الحديبية إلا رد الرجال دون النساء ولم يجز للنساء ذكر، وإن أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ردها عليهما فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء فلم يردها عليهما. # أقول: وهذه المعاني مروية في روايات أخرى من طرق أهل السنة أورد كثيرا ~~منها السيوطي في الدر المنثور، وروى امتحان المهاجرات كما تقدم ثم عدم ردهن ~~على الكفار وإعطاءهم المهر القمي في تفسيره. # وفيه، وقال الزهري: فكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~المهاجرين راجعات عن الإسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت ~~عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت ~~عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة كانت تحت ~~شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن فضلة وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند ~~بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وكلثوم بنت جرول كانت ~~تحت عمر فأعطاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهور نسائهم من ~~الغنيمة. PageV19P133 # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا ينبغي ~~نكاح أهل الكتاب قلت: جعلت فداك وأين تحريمه؟ قال: قوله: "ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر". # أقول: والرواية مبنية على عموم الإمساك بالعصم للنكاح الدائم إحداثا ~~وإبقاء. # وفيه، بإسناده ms7207 أيضا إلى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): عن قول الله ~~تعالى: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" فقال: هذه منسوخة ~~بقوله: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر". # أقول: ولعل المراد بنسخ آية الإمساك بالعصم لآية حلية محصنات أهل الكتاب ~~اختصاص آية الممتحنة بالنكاح الدائم وتخصص آية المائدة بالنسبة إلى النكاح ~~الدائم بها، واختصاص ما تدل عليه من الحلية بالنكاح المنقطع، وليس المراد ~~به النسخ المصطلح كيف؟ وآية الممتحنة سابقة نزولا على آية المائدة ولا وجه ~~لنسخ السابق للاحق. # على أن آية المائدة مسوقة سوق الامتنان، وما هذا شأنه يأبى النسخ. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب": وروى ~~أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه منسوخ بقوله: "ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن" وبقوله: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر". # أقول: ويضعف الرواية - مضافا إلى ضعف راويها - أن قوله: "ولا تنكحوا ~~المشركات" إلخ، إنما يشمل المشركات من الوثنيين، وقوله: "والمحصنات" إلخ، ~~يفيد حلية نكاح أهل الكتاب فلا تدافع بين الآيتين حتى تنسخ إحداهما الأخرى، ~~وقد تقدم آنفا الكلام في نسخ آية الممتحنة لقوله: "والمحصنات" إلخ، وقد ~~تقدم في تفسير قوله: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم": المائدة: ~~5، ما ينفع في هذا المقام. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): "وإن ~~فاتكم شيء من أزواجكم" فلحقن بالكفار من أهل عهدكم فاسألوهم صداقها، وإن ~~لحقن بكم من نسائهم شيء فأعطوهم صداقها ذلكم حكم الله يحكم بينكم. # أقول: ظاهره تفسير "شيء" بالمرأة. # وفي الكافي، بإسناده عن أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما فتح ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة بايع الرجال ثم جاءت النساء ~~يبايعنه فأنزل الله عز وجل: "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك" إلى ~~آخر الآية. قالت هند: أما الولد فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا، وقالت أم ~~حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت عند عكرمة بن أبي جهل: يا رسول الله ما ذاك ~~المعروف الذي أمرنا الله أن ms7208 لا نعصيك فيه؟ قال: لا تلطمن خدا، ولا تخمشن ~~وجها، ولا تنتفن شعرا، ولا تشققن جيبا، ولا تسودن ثوبا، ولا تدعين بويل، ~~فبايعهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا. فقالت: يا رسول الله ~~كيف نبايعك؟ قال: إنني لا أصافح النساء فدعا بقدح من ماء فأدخل يده ثم ~~أخرجها فقال: أدخلن أيديكن في هذا الماء. # أقول: والروايات مستفيضة في هذه المعاني من طرق الشيعة وأهل السنة. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) عن قول الله: "ولا يعصينك في معروف" قال: هو ما فرض الله ~~عليهن من الصلاة والزكاة وما أمرهن به من خير. # أقول: والرواية تشهد بأن ما ورد في الروايات من تفسير المعروف بمثل قوله: ~~لا تلطمن خدا إلخ، وفي بعضها أن لا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى من قبيل ~~الإشارة إلى بعض المصاديق. PageV19P134 ### || AUTO ### ||| AUTO 61 سورة الصف - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله ما فى السموت وما فى الأرض وهو العزيز ~~الحكيم (1) يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا ~~كأنهم بنين مرصوص (4) وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذوننى وقد تعلمون أنى ~~رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفسقين ~~(5) وإذ قال عيسى ابن مريم يبنى إسرءيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينت ~~قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الاسلم والله لا يهدى القوم الظلمين (7) يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم ~~والله متم نوره ولو كره الكفرون (8) هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) ### |||| AUTO بيان # السورة ترغب المؤمنين وتحرضهم على أن يجاهدوا في سبيل الله ويقاتلوا ~~أعداء دينه، وتنبئهم أن هذا الدين ms7209 نور ساطع لله سبحانه يريد الكفار من أهل ~~الكتاب أن يطفئوه بأفواههم والله متمه ولو كره الكافرون، ومظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون. # وأن هذا النبي الذي آمنوا به رسول من الله أرسله بالهدى ودين الحق، وبشر ~~به عيسى بن مريم (عليهما السلام) بني إسرائيل. # فعلى المؤمنين أن يشدوا العزم على طاعته وامتثال ما يأمرهم به من الجهاد ~~ونصرة الله في دينه حتى يسعدهم الله في آخرتهم وينصرهم ويفتح لهم في دنياهم ~~ويؤيدهم على أعدائهم. # وعليهم أن لا يقولوا ما لا يفعلون ولا ينكصوا فيما يعدون فإن ذلك يستوجب ~~مقتا من الله تعالى وإيذاء الرسول وفيه خطر أن يزيغ الله قلوبهم كما فعل ~~بقوم موسى (عليه السلام) لما آذوه وهم يعلمون أنه رسول الله إليهم والله لا ~~يهدي القوم الظالمين. # والسورة مدنية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم" ~~تقدم تفسيره، وافتتاح الكلام بالتسبيح لما فيها من توبيخ المؤمنين بقولهم ~~ما لا يفعلون وإنذارهم بمقت الله وإزاغته قلوب الفاسقين. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون" "لم" مخفف ~~لما، و"ما" استفهامية، واللام للتعليل، والكلام مسوق للتوبيخ ففيه توبيخ ~~المؤمنين على قولهم ما لا يفعلون ولا يصغى إلى قول بعض المفسرين: أن المراد ~~بالذين آمنوا هم المنافقون والتوبيخ لهم دون المؤمنين لجلالة قدرهم. # وذلك لوفور الآيات المتضمنة لتوبيخهم ومعاتبتهم وخاصة في الآيات النازلة ~~في الغزوات وما يلحق بها كأحد والأحزاب وحنين وصلح الحديبية وتبوك والإنفاق ~~في سبيل الله وغير ذلك، والصالحون من هؤلاء المؤمنين إنما صلحوا نفسا وجلوا ~~قدرا بالتربية الإلهية التي تتضمنها أمثال هذه التوبيخات والعتابات ~~المتوجهة إليهم تدريجا ولم يتصفوا بذلك من عند أنفسهم. # ومورد التوبيخ وإن كان بحسب ظاهر لفظ الآية مطلق تخلف الفعل عن القول ~~وخلف الوعد ونقض العهد وهو كذلك لكونه من آثار مخالفة الظاهر للباطن وهو ~~النفاق لكن سياق الآيات وفيها قوله: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا" وما ms7210 سيأتي من قوله: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة" إلخ، ~~وغير ذلك يفيد أن متعلق التوبيخ كان هو تخلف بعضهم عما وعده من الثبات في ~~القتال وعدم الانهزام والفرار أو تثاقلهم أو تخلفهم عن الخروج أو عدم ~~الإنفاق في تجهز أنفسهم أو تجهيز غيرهم. PageV19P135 # قوله تعالى: "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" المقت البغض ~~الشديد، والآية في مقام التعليل لمضمون الآية السابقة فهو تعالى يبغض من ~~الإنسان أن يقول ما لا يفعله لأنه من النفاق، وأن يقول الإنسان ما لا يفعله ~~غير أن لا يفعل ما يقوله فالأول من النفاق والثاني من ضعف الإرادة ووهن ~~العزم وهو رذيلة منافية لسعادة النفس الإنسانية فإن الله بنى سعادة النفس ~~الإنسانية على فعل الخير واكتساب الحسنة من طريق الاختيار ومفتاحه العزم ~~والإرادة، ولا تأثير إلا للراسخ من العزم والإرادة، وتخلف الفعل عن القول ~~معلول وهن العزم وضعف الإرادة ولا يرجى للإنسان مع ذلك خير ولا سعادة. # قوله تعالى: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص" ~~الصف جعل الأشياء على خط مستو كالناس والأشجار. # كذا قاله الراغب، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل ولذا لم يجمع، وهو حال من ~~ضمير الفاعل في "يقاتلون"، والمعنى: يقاتلون في سبيله حال كونهم صافين. # والبنيان هو البناء، والمرصوص من الرصاص، والمراد به ما أحكم من البناء ~~بالرصاص فيقاوم ما يصادمه من أسباب الانهدام. # والآية تعلل خصوص المورد - وهو أن يعدوا الثبات في القتال ثم ينهزموا - ~~بالالتزام كما أن الآية السابقة تعلل التوبيخ على مطلق أن يقولوا ما لا ~~يفعلون، وذلك أن الله سبحانه إذا أحب الذين يقاتلون فيلزمون مكانهم ولا ~~يزولون كان لازمه أن يبغض الذين يعدون أن يثبتوا ثم ينهزمون إذا حضروا ~~معركة القتال. # قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم" إلخ، في الآية إشارة إلى إيذاء بني إسرائيل رسولهم موسى (عليه ~~السلام) ولجاجهم حتى آل إلى إزاغة الله قلوبهم. ms7211 # وفي ذلك نهي التزامي للمؤمنين عن أن يؤذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيئول أمرهم إلى ما آل إليه أمر قوم موسى من إزاغة القلوب وقد قال ~~تعالى: "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا": الأحزاب: 57. # والآية بما فيها من النهي الالتزامي في معنى قوله: "يا أيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا": الأحزاب: 70. # وسياق الآيتين وذكر تبرئة موسى (عليه السلام) يدل على أن المراد بإيذائه ~~بما برأه الله منه ليس معصيتهم لأوامره وخروجهم عن طاعته إذ لا معنى حينئذ ~~لتبرئته بل هو أنهم وقعوا فيه (عليه السلام) وقالوا فيه ما فيه عار وشين ~~فتأذى فبرأه الله مما قالوا ونسبوا إليه، وقوله في الآية التالية: "اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا" يؤيد هذا الذي ذكرناه. # ويؤيد ذلك إشارته تعالى إلى بعض مصاديق إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بقول أو فعل في قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا ~~أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي - إلى أن قال - وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب - إلى أن قال - وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما": ~~الأحزاب: 53. # فتحصل أن في قوله: "وإذ قال موسى لقومه" إلخ، تلويحا إلى النهي عن إيذاء ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقول أو فعل على علم بذلك كما أن في ذيل ~~الآية تخويفا وإنذارا أنه فسق ربما أدى إلى إزاغته تعالى قلب من تلبس به. # وقوله: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين" ~~الزيغ الميل عن الاستقامة ولازمه الانحراف عن الحق إلى الباطل. # وإزاغته تعالى إمساك رحمته وقطع هدايته عنهم كما يفيده ms7212 التعليل بقوله: ~~"والله لا يهدي القوم الفاسقين" حيث علل الإزاغة بعدم الهداية، وهي إزاغة ~~على سبيل المجازاة وتثبيت للزيغ الذي تلبسوا به أولا بسبب فسقهم المستدعي ~~للمجازاة كما قال تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا ~~الفاسقين": البقرة: 26، وليس بإزاغة بدئية وإضلال ابتدائي لا يليق بساحة ~~قدسه تعالى. PageV19P136 # ومن هنا يظهر فساد ما قيل: إنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله: "أزاغ الله ~~قلوبهم" الإزاغة عن الإيمان لأن الله تعالى لا يجوز أن يزيغ أحدا عن ~~الإيمان، وأيضا كون المراد به الإزاغة عن الإيمان يخرج الكلام عن الفائدة ~~لأنهم إذا زاغوا عن الإيمان فقد صاروا كفارا فلا معنى لقوله: أزاغهم الله ~~عن الإيمان. # وجه الفساد أن قوله: لا يجوز له تعالى أن يزيغ أحدا عن الإيمان ممنوع ~~بإطلاقه فإن الملاك فيه لزوم الظلم وإنما يلزم فيما كان من الإزاغة ~~والإضلال ابتدائيا وأما ما كان على سبيل المجازاة وحقيقته إمساك الرحمة ~~وقطع الهداية لتسبيب العبد لذلك بفسقه وإعراضه عن الرحمة والهداية فلا دليل ~~على منعه لا عقلا ولا نقلا. # وأما قوله: إن الكلام يخرج بذلك عن الفائدة فيدفعه أن الذي ينسب من الزيغ ~~إلى العبد ويحصل معه الكفر تحقق ما له بالفسق والذي ينسب إليه تعالى تثبيت ~~الزيغ في قلب العبد والطبع عليه به فزيغ العبد عن الإيمان بسبب فسقه وحصول ~~الكفر بذلك لا يغني عن تثبيت الله الزيغ والكفر في قلبه على سبيل المجازاة. # قوله تعالى: "وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" تقدم ~~في صدر الكلام أن هذه الآية والتي قبلها والآيات الثلاث بعدها مسوقة لتسجيل ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول معلوم الرسالة عند المؤمنين أرسله ~~الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون من أهل ~~الكتاب، وما جاء به من الدين نور ساطع من عند الله يريد المشركون ليطفئوه ~~بأفواههم ms7213 والله متم نوره ولو كره المشركون. # فعلى المؤمنين أن لا يؤذوه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يعلمون أنه ~~رسول الله إليهم، وأن ينصروه ويجاهدوا في سبيل ربهم لإحياء دينه ونشر كلمته. # ومن ذلك يعلم أن قوله: "وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل" إلخ، ~~كالتوطئة لما سيذكر من كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا مبشرا به ~~من قبل أرسله الله بالهدى ودين الحق ودينه نوره تعالى يهتدي به الناس. # والذي حكاه تعالى عن عيسى بن مريم (عليهما السلام) أعني قوله: "يا بني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ~~يأتي من بعدي اسمه أحمد" ملخص دعوته وقد آذن بأصل دعوته بقوله: "إني رسول ~~الله إليكم" فأشار إلى أنه لا شأن له إلا أنه حامل رسالة من الله إليهم، ثم ~~بين متن ما أرسل إليهم لأجل تبليغه في رسالته بقوله: "مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول" إلخ. # فقوله: "مصدقا لما بين يدي من التوراة" بيان أن دعوته لا تغاير دين ~~التوراة ولا تناقض شريعتها بل تصدقها ولم تنسخ من أحكامها إلا يسيرا والنسخ ~~بيان انتهاء أمد الحكم وليس بإبطال، ولذا جمع (عليه السلام) بين تصديق ~~التوراة ونسخ بعض أحكامها فيما حكاه الله تعالى من قوله: "ومصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم": آل عمران: 50، ولم يبين لهم ~~إلا بعض ما يختلفون فيه كما في قوله المحكي: "قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم ~~بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون": الزخرف: 63. # وقوله: "ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" إشارة إلى الشطر الثاني من ~~رسالته (عليه السلام) وقد أشار إلى الشطر الأول بقوله: "مصدقا لما بين يدي ~~من التوراة". # ومن المعلوم أن البشرى هي الخبر الذي يسر المبشر ويفرحه ولا يكون إلا ~~بشيء من الخير يوافيه ويعود إليه، والخير المترقب من بعثة النبي ودعوته هو ~~انفتاح باب من الرحمة الإلهية على الناس فيه سعادة دنياهم وعقباهم ms7214 من عقيدة ~~حقة أو عمل صالح أو كليهما، والبشرى بالنبي بعد النبي وبالدعوة الجديدة بعد ~~حلول دعوة سابقة واستقرارها والدعوة الإلهية واحدة لا تبطل بمرور الدهور ~~وتقضي الأزمنة واختلاف الأيام والليالي - إنما تتصور إذا كانت الدعوة ~~الجديدة أرقى فيما تشتمل عليه من العقائد الحقة والشرائع المعدلة لأعمال ~~المجتمع وأشمل لسعادة الإنسان في دنياه وعقباه. PageV19P137 # وبهذا البيان يظهر أن معنى قوله (عليه السلام): "ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي" إلخ، يفيد كون ما أتى به النبي أحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أرقى ~~وأكمل مما تضمنته التوراة وبعث به عيسى (عليه السلام) وهو (عليه السلام) ~~متوسط رابط بين الدعوتين. # ويعود معنى كلامه: "إني رسول الله إليكم مصدقا" إلخ، إلى أني رسول من ~~الله إليكم أدعو إلى شريعة التوراة ومنهاجها - ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم - وهي شريعة سيكملها الله ببعث نبي يأتي من بعدي اسمه أحمد. # وهو كذلك فإمعان التأمل في المعارف الإلهية التي يدعو إليها الإسلام يعطي ~~أنها أدق مما في غيره من الشرائع السماوية السابقة وخاصة ما يندب إليه من ~~التوحيد الذي هو أصل الأصول الذي يبتنى عليه كل حكم ويعود إليه كل من ~~المعارف الحقيقية وقد تقدم شطر من الكلام فيه في المباحث السابقة من ~~الكتاب. # وكذا الشرائع والقوانين العملية التي لم تدع شيئا مما دق وجل من أعمال ~~الإنسان الفردية والاجتماعية إلا عدلته وحدت حدوده وقررته على أساس التوحيد ~~ووجهته إلى غرض السعادة. # وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: "الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم": الأعراف: 157، وآيات أخرى يصف القرآن. # والآية أعني قوله: "ومبشرا برسول يأتي من بعدي" وإن كانت مصرحة بالبشارة ~~لكنها لا تدل على كونها مذكورة في كتابه (عليه السلام) غير أن آية الأعراف ~~المنقولة آنفا: "يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" وكذا قوله في ~~صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "ذلك مثلهم ms7215 في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل" الآية: الفتح: 29، يدلان على ذلك. # وقوله: "اسمه أحمد" دلالة السياق على تعبير عيسى (عليه السلام) عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بأحمد وعلى كونه اسما له يعرف به عند الناس كما كان ~~يسمى بمحمد ظاهرة لا سترة عليها. # ويدل عليه قول حسان: صلى الإله ومن يحف بعرشه. # والطيبون على المبارك أحمد. # ومن أشعار أبي طالب قوله: وقالوا لأحمد أنت امرؤ. # خلوف اللسان ضعيف السبب. # ألا إن أحمد قد جاءهم. # بحق ولم يأتهم بالكذب. # وقوله مخاطبا للعباس وحمزة وجعفر وعلي يوصيهم بنصر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): كونوا فدى لكم أمي وما ولدت. # في نصر أحمد دون الناس أتراسا. # ومن شعره فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سماه باسمه الآخر محمد: ألم ~~تعلموا أنا وجدنا محمدا. # نبيا كموسى خط في أول الكتب. # ويستفاد من البيت أنهم عثروا على وجود البشارة به (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الكتب السماوية التي كانت عند أهل الكتاب يومئذ ذاك. # ويؤيده أيضا إيمان جماعة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وفيهم قوم من ~~علمائهم كعبد الله بن سلام وغيره وقد كانوا يسمعون هذه الآيات القرآنية ~~التي تذكر البشارة به (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره في التوراة والإنجيل ~~فتلقوه بالقبول ولم يكذبوه ولا أظهروا فيه شيئا من الشك والترديد. # وأما خلو الأناجيل الدائرة اليوم عن بشارة عيسى بما فيها من الصراحة ~~فالقرآن - وهو آية معجزة باقية - في غنى عن تصديقها، وقد تقدم البحث عن ~~سندها واعتبارها في الجزء الثالث من الكتاب. # وقوله: "فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين" ضمير "جاء" لأحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وضمير "هم" لبني إسرائيل أو لهم ولغيرهم، والمراد ~~بالبينات البشارة ومعجزة القرآن وسائر آيات النبوة. # والمعنى: فلما جاء أحمد المبشر به بني إسرائيل أو أتاهم وغيرهم بالآيات ~~البينة التي منها بشارة عيسى (عليه السلام) قالوا هذا سحر مبين، وقرىء هذا ~~ساحر مبين. # وقيل: ضمير "جاء" لعيسى (عليه السلام)، والسياق لا يلائمه. ms7216 # قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام" ~~إلخ، الاستفهام للإنكار وهو رد لقولهم: "هذا سحر مبين" فإن معناه أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس برسول وأن ما بلغه من دين الله ليس منه تعالى. PageV19P138 # والمراد بالإسلام الدين الذي يدعو إليه رسول الله بما أنه تسليم لله فيما ~~يريده ويأمر به من اعتقاد وعمل، ولا ريب أن مقتضى ربوبيته وألوهيته تعالى ~~تسليم عباده له تسليما مطلقا فلا ريب أن الدين الذي هو الإسلام لله دينه ~~الحق الذي يجب أن يدان به فدعوى أنه باطل ليس من الله افتراء على الله. # ومن هنا يظهر أن قوله: "وهو يدعى إلى الإسلام" يتضمن الحجة على كون ~~قولهم: "هذا سحر مبين" افتراء على الله. # والافتراء ظلم لا يرتاب العقل في كونه ظلما وينهى عنه الشرع ويعظم الظلم ~~بعظمة من وقع عليه فإذا كان هو الله سبحانه كان أعظم الظلم فلا أظلم ممن ~~افترى على الله الكذب. # والمعنى: ولا أظلم ممن افترى على الله الكذب - بنفي نسبة دين الله إليه - ~~والحال أنه يدعى إلى دين الإسلام الذي لا يتضمن إلا التسليم لله فيما أراد ~~ولا ريب أنه من الله، والله لا يهدي القوم الظالمين. # قوله تعالى: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم" إلخ، إطفاء النور إبطاله ~~وإذهاب شروقه، وإطفاء النور بالأفواه إنما هو بالنفخ بها. # وقد وقعت الآية في سورة التوبة وفيها: "يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم" قال الراغب: قال تعالى: "يريدون أن يطفئوا نور الله" "يريدون ~~ليطفئوا نور الله" والفرق بين الموضعين أن في قوله: "يريدون أن يطفئوا" ~~يقصدون إطفاء نور الله، وفي قوله: "ليطفئوا" يقصدون أمرا يتوصلون به إلى ~~إطفاء نور الله. # انتهى ومحصله أن متعلق الإرادة في قوله: "يريدون أن يطفئوا نور الله" نفس ~~الإطفاء، وفي قوله: "يريدون ليطفئوا نور الله" السبب الموصل إلى الإطفاء ~~وهو النفخ بالأفواه والإطفاء غرض وغاية. # والآية وما يتلوها كالشارح لمعنى ما تقدم في الآية السابقة من ظلمهم برمي ~~الدعوة ms7217 بالسحر وعدم هدايته تعالى لهم بما أنهم ظالمون، والمحصل أنهم يريدون ~~إطفاء نور الله بنفخة أفواههم لكن الله لا يهديهم إلى مقصدهم بل يتم نوره ~~ويظهر دينه على الدين كله. # فقوله: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم" أي بالنفخ بالأفواه كما يطفأ ~~الشمعة بالنفخة كناية عن أنهم زعموا أن نور الله وهو دينه نور ضعيف كنور ~~الشمعة يطفأ بأدنى نفخة فرموه بالسحر وانقطاع نسبته إلى الله. # وقد اخطئوا في مزعمتهم فهو نور الله الذي لا يطفأ وقد شاء أن يتمه ولو ~~كره الكافرون والله بالغ أمره، وهو قوله: "والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون". # قوله تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون" الإضافة في "دين الحق" بيانية كما قيل، والظاهر أنها في ~~الأصل إضافة لامية بعناية لطيفة هي أن لكل من الحق والباطل دينا يقتضيه ~~ويختص به، وقد ارتضى الله تعالى الدين الذي للحق - وهو الحق تعالى - فأرسل رسوله. # وإظهار شيء على غيره نصرته وتغليبه عليه، والمراد بالدين كله كل سبيل ~~مسلوك غير سبيل الله الذي هو الإسلام والآية في مقام تعليل قوله في الآية ~~السابقة: "والله متم نوره"، والمعنى: والله متم نوره لأنه هو الذي أرسل ~~رسوله بنوره الذي هو الهدى ودين الحق ليجعله غالبا على جميع الأديان ولو ~~كره المشركون من أهل الأوثان. # ويستفاد من الآيتين أن دين الحق نور الله في الأرض كما يستفاد ذلك من ~~قوله: "مثل نوره كمشكاة فيها مصباح" الآية: النور: 35، وقد تقدم في تفسير الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا - كأنهم بنيان مرصوص" قال: يصطفون كالبنيان الذي لا يزول. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه - يا قوم لم تؤذونني ~~وقد تعلمون أني رسول الله إليكم" روي في قصة قارون أنه دس إليه امرأة وزعم ~~أنه زنى بها، ورموه بقتل هارون. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ومبشرا برسول - يأتي من بعدي ms7218 اسمه ~~أحمد" الآية قال: وسأل بعض اليهود لعنهم الله رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لم سميت أحمد ومحمدا وبشيرا ونذيرا؟ فقال: أما محمد فإني في ~~الأرض محمود، وأما أحمد فإني في السماء أحمد مني في الأرض، وأما البشير ~~فأبشر من أطاع الله بالجنة، وأما النذير فأنذر من عصى الله بالنار. PageV19P139 # وفي الدر المنثور، في الآية أخرج ابن مردويه عن العرياض بن سارية سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم ~~النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسوف أنبئكم تأويل ذلك، أنا دعوة إبراهيم، ~~وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام. # وفي العيون، بإسناده إلى صفوان بن يحيى صاحب السابري قال: سألني أبو قرة ~~صاحب الجاثليق أن أوصله إلى الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك، قال: ~~أدخله علي فلما دخل عليه قبل بساطه وقال: هكذا علينا في ديننا أن نفعل ~~بأشراف أهل زماننا. ثم قال: أصلحك الله ما تقول في فرقة ادعت دعوى فشهدت ~~لهم فرقة أخرى معدلون؟ قال: الدعوى لهم، قال: فادعت فرقة أخرى دعوى فلم ~~يجدوا شهودا من غيرهم؟ قال: لا شيء لهم. قال: فإنا نحن ادعينا أن عيسى روح ~~الله وكلمته فوافقنا على ذلك المسلمون، وادعى المسلمون أن محمدا نبي فلم ~~نتابعهم عليه، وما أجمعنا عليه خير مما افترقنا فيه. فقال أبو الحسن (عليه ~~السلام) ما اسمك؟ قال: يوحنا، قال: يا يوحنا إنا آمنا بعيسى روح الله ~~وكلمته الذي كان يؤمن بمحمد ويبشر به ويقر على نفسه أنه عبد مربوب فإن كان ~~عيسى الذي هو عندك روح الله وكلمته ليس هو الذي آمن بمحمد وبشر به ولا هو ~~الذي أقر لله بالعبودية فنحن منه براء فأين اجتمعنا؟ فقام وقال لصفوان بن ~~يحيى: قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس. # أقول: كأنه يريد بقوله: قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس، أن دخوله (عليه ~~السلام) لم يفده فائدة حيث لم ينجح ms7219 ما أتى به من الحجة. # وفي كمال الدين، بإسناده إلى يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خمس مائة عام ~~منها مائتان وخمسون عاما ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر، قلت: فما كانوا؟ قال: ~~كانوا متمسكين بدين عيسى (عليه السلام)، قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا ~~مؤمنين. ثم قال: ولا يكون إلا وفيها عالم. # أقول: المراد بالعالم الإمام الذي هو الحجة، وهناك روايات واردة في قوله ~~تعالى: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم"، وقوله: "هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق" تذكر أن النور والهدى ودين الحق ولاية أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وهي من الجري والتطبيق أو من البطن وليست بمفسرة، وعد الفصل ~~بين المسيح وبين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خمس مائة عام يخالف ما ~~عليه مشهور التاريخ لكن المحققين ذكروا أن في التاريخ الميلاد اختلالا وقد ~~مرت إشارة ما إلى ذلك في الجزء الثالث من الكتاب. PageV19P140 ### ||| AUTO 61 سورة الصف - 10 - 14 # يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الأنهر ومسكن طيبة ~~فى جنت عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ~~وبشر المؤمنين (13) يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فئامنت ~~طائفة من بنى إسرءيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظهرين (14) ### |||| AUTO بيان # دعوة للمؤمنين إلى الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله ووعد جميل ~~بالمغفرة والجنة في الآخرة وبالنصر والفتح في الدنيا، ودعوة لهم إلى أن ~~يثبتوا على نصرهم لله ووعد جميل بالتأييد. # والمعنيان هما الغرض الأقصى في السورة والآيات السابقة كالتوطئة والتمهيد ~~بالنسبة إليهما. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ms7220 ~~أليم" الاستفهام للعرض وهو في معنى الأمر. # والتجارة - على ما ذكره الراغب - التصرف في رأس المال طلبا للربح، ولا ~~يوجد في كلام العرب تاء بعده جيم إلا هذه اللفظة. # فقد أخذ الإيمان والجهاد في الآية تجارة رأس مالها النفس وربحها النجاة ~~من عذاب أليم، والآية في معنى قوله: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون - إلى أن قال ~~- فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به": التوبة: 111. # وقد فخم تعالى أمر هذه التجارة حيث قال: "على تجارة" أي تجارة جليلة ~~القدر عظيمة الشأن، وجعل الربح الحاصل منها النجاة من عذاب أليم لا يقدر قدره. # ومصداق هذه النجاة الموعودة المغفرة والجنة، ولذا بدل ثانيا النجاة من ~~العذاب من قوله: "يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات" إلخ، وأما النصر والفتح ~~الموعودان فهما خارجان عن النجاة الموعودة، ولذا فصلهما عن المغفرة والجنة ~~فقال: "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب" فلا تغفل. # قوله تعالى: "تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم" إلخ، استئناف بياني يفسر التجارة المعروضة عليهم كأنه قيل: ما هذه ~~التجارة؟ فقيل: "تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون" إلخ، وقد أخذ الإيمان ~~بالرسول مع الإيمان بالله للدلالة على وجوب طاعته فيما أمر به وإلا ~~فالإيمان لا يعد إيمانا بالله إلا مع الإيمان برسالة الرسول قال تعالى: "إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله - إلى أن قال - ~~أولئك هم الكافرون حقا": النساء: 151. # وقوله: "ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" أي ما ذكر من الإيمان والجهاد خير ~~لكم إن كنتم من أهل العلم وأما الجهلة فلا يعتد بأعمالهم. # وقيل: المراد تعلمون خيرية ذلك إن كنتم من أهل العلم والفقه. # قوله تعالى: "يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار" إلخ، ~~جواب للشرط المقدر المفهوم من الآية السابقة أي إن تؤمنوا بالله ورسوله ~~وتجاهدوا في سبيله يغفر لكم، إلخ. # وقد أطلقت الذنوب المتعلقة بها المغفرة فالمغفور جميع الذنوب والاعتبار ~~يساعده إذ هذه المغفرة مقدمة ms7221 الدخول في جنة الخلد ولا معنى لدخولها مع بقاء ~~بعض الذنوب على حاله، ولعله للإشارة إلى هذه النكتة عقبها بقوله: "ومساكن ~~طيبة في جنات عدن" أي جنات ثبات واستقرار فكونها محل ثبات وموضع قرار يلوح ~~أن المغفرة تتعلق بجميع الذنوب. # مضافا إلى ما فيه من مقابلة النفس المبذولة وهي متاع قليل معجل بجنات عدن ~~التي هي خالدة فتطيب بذلك نفس المؤمن وتقوى إرادته لبذل النفس وتضحيتها ~~واختيار البقاء على الفناء. # ثم زاد في تأكيد ذلك بقوله: "ذلك الفوز العظيم". PageV19P141 # قوله تعالى: "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب" إلخ، عطف على قوله: ~~"يغفر لكم" إلخ، و"أخرى" وصف قائم مقام الموصوف وهو خبر لمبتدء محذوف، ~~وقوله: "نصر من الله وفتح قريب" بيان لأخرى، والتقدير ولكم نعمة أو خصلة ~~أخرى تحبونها وهي نصر من الله وفتح قريب عاجل. # وقوله: "وبشر المؤمنين" معطوف على الأمر المفهوم من سابق الكلام كأنه ~~قيل: "قل يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم" إلخ، وبشر المؤمنين. # وتحاذي هذه البشرى ما في قوله: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة - إلى أن قال - فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به": ~~التوبة: 111، وبه يظهر أن الذي أمر أن يبشروا به مجموع ما يؤتيهم الله من ~~الأجر في الآخرة والدنيا لا خصوص النصر والفتح. # هذا كله ما يعطيه السياق في معنى الآية وإعراب أجزائها، وقد ذكر فيها ~~أمور أخرى لا يساعد عليها السياق تلك المساعدة أغمضنا عن ذكرها، واحتمل أن ~~يكون قوله: "وبشر" إلخ استئنافا. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله" إلخ، أي اتسموا بهذه ~~السمة ودوموا واثبتوا عليها فالآية في معنى الترقي بالنسبة إلى قوله ~~السابق: "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم" ومآل المعنى: اتجروا ~~بأنفسكم وأموالكم فانصروا الله بالإيمان والجهاد في سبيله ودوموا واثبتوا ~~على نصره. # والمراد بنصرتهم لله أن ينصروا نبيه في سلوك السبيل الذي يسلكه إلى الله ~~على بصيرة كما قال: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ms7222 ~~اتبعني": يوسف: 108. # والدليل على هذا المعنى تنظيره تعالى قوله: "كونوا أنصار الله" بقوله ~~بعده: "كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون ~~نحن أنصار الله" فكون الحواريين أنصار الله معناه كونهم أنصارا لعيسى بن ~~مريم (عليهما السلام) في سلوكه سبيل الله وتوجهه إلى الله وهو التوحيد ~~وإخلاص العبادة لله سبحانه فمحاذاة قولهم: "نحن أنصار الله" لقوله: "من ~~أنصاري إلى الله" ومطابقته له تقتضي اتحاد معنى الكلمتين بحسب المراد فكون ~~هؤلاء المخاطبين بقوله: "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله" أنصارا لله ~~معناه كونهم أنصارا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نشر الدعوة وإعلاء ~~كلمة الحق بالجهاد، وهو الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطاعته ~~فيما يأمر وينهى عن قول جازم وعمل صادق - كما هو مؤدى سياق آيات السورة. # وقوله: "فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم فأصبحوا ظاهرين" إشارة إلى ما جرى عليه وانتهى إليه أمر استنصار عيسى ~~وتلبية الحواريين حيث تفرق الناس إلى طائفة مؤمنة وأخرى كافرة فأيد الله ~~المؤمنين على عدوهم وهم الكفار فأصبحوا ظاهرين بعد ما كانوا مستخفين ~~مضطهدين. # وفيه تلويح إلى أن أمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجري فيهم ما جرى ~~في أمة عيسى (عليه السلام) تؤمن منهم طائفة وتكفر طائفة فإن أجاب المؤمنون ~~استنصاره - وقد قام هو تعالى مقامه في الاستنصار إعظاما لأمره وإعزازا له - ~~أيدهم الله على عدوهم فيصبحون ظاهرين كما ظهر أنصار عيسى والمؤمنون به. # وقد أشار تعالى إلى هذه القصة في آخر قصص عيسى (عليه السلام) من سورة آل ~~عمران حيث قال: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله": آل عمران: 52، إلى تمام ست آيات، وبالتدبر فيها ~~يتضح معنى الآية المبحوث عنها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا - هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ms7223 ~~أليم" فقالوا: لو نعلم ما هي لنبذلن فيه الأموال والأنفس والأولاد، فقال ~~الله: "تؤمنون بالله ورسوله - وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم إلى قوله ذلك ~~الفوز العظيم. # أقول: وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضا. # وفيه،: في قوله تعالى: "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب" يعني في ~~الدنيا بفتح القائم (عليه السلام)، وأيضا قال: فتح مكة. PageV19P142 # في الاحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: ولم يخل أرضه من ~~عالم بما يحتاج الخليقة إليه ومتعلم على سبيل نجاة أولئك هم الأقلون عددا، ~~وقد بين الله ذلك من أمم الأنبياء، وجعلهم مثلا لمن تأخر مثل قوله في ~~حواريي عيسى حيث قال لسائر بني إسرائيل: "من أنصاري إلى الله - قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله - واشهد بأنا مسلمون" يعني مسلمون ~~لأهل الفضل فضلهم ولا يستكبرون عن أمر ربهم فما أجابه منهم إلا الحواريون. # أقول: الرواية وإن وردت في تفسير آية آل عمران لكنها مفيدة فيما نحن فيه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن ~~محمد بن عمرو بن حزم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للنفر ~~الذين لاقوه بالعقبة: أخرجوا إلى اثني عشر رجلا منكم يكونوا كفلاء على ~~قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى بن مريم. PageV19P143 ### || AUTO ### ||| AUTO 62 سورة الجمعة - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما فى السموت وما فى الأرض الملك القدوس ~~العزيز الحكيم (1) هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم ءايته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين (2) وءاخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايت الله والله لا يهدى ~~القوم الظلمين (5) قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صدقين (6) ولا يتمنونه ms7224 أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظلمين (7) قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملقيكم ثم تردون ~~إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة هو الحث البالغ على الاهتمام بأمر صلاة الجمعة والقيام بواجب ~~أمرها فهي من شعائر الله المعظمة التي في تعظيمها والاهتمام بأمرها صلاح ~~أخراهم ودنياهم، وقد سلك تعالى إلى بيان أمره بافتتاح الكلام بتسبيحه ~~والثناء عليه بما من على قوم أميين برسول منهم أمي يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم بصالحات الأعمال والزاكيات من الأخلاق ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~فيحملهم كتاب الله ومعارف دينه أحسن التحميل هم ومن يلحق بهم أو يخلفهم من ~~بعدهم من المؤمنين فليحملوا ذلك أحسن الحمل، وليحذروا أن يكونوا كاليهود ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوا معارفها وأحكامها فكانوا مثل الحمار يحمل ~~أسفارا. # ثم تخلص إلى الأمر بترك البيع والسعي إلى ذكر الله إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة، وقرعهم على ترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائما يخطب ~~والانفضاض والانسلال إلى التجارة واللهو، وذلك آية عدم تحملهم ما حملوا من ~~معارف كتاب الله وأحكام، والسورة مدنية. # قوله تعالى: "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم" التسبيح تنزيه الشيء ونسبته إلى الطهارة والنزاهة من العيوب ~~والنقائص، والتعبير بالمضارع للدلالة على الاستمرار، والملك هو الاختصاص ~~بالحكم في نظام المجتمع، والقدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة، ~~والعزيز هو الذي لا يغلبه غالب، والحكيم هو المتقن فعله فلا يفعل عن جهل أو جزاف. # وفي الآية توطئة وتمهيد برهاني لما يتضمنه قوله: "هو الذي بعث" إلخ، من ~~بعثة الرسول لتكميل الناس وإسعادهم وهدايتهم بعد إذ كانوا في ضلال مبين. # وذلك أنه تعالى يسبحه وينزهه الموجودات السماوية والأرضية بما عندهم من ~~النقص الذي هو متممه والحاجة التي هو قاضيها فما من نقيصة أو حاجة إلا وهو ~~المرجو في تمامها وقضائها فهو المسبح المنزهعن كل نقص وحاجة فله أن يحكم في ~~نظام التكوين بين خلقه بما شاء، وفي نظام التشريع في ms7225 عباده بما أراد، كيف ~~لا؟ وهو ملك له أن يحكم في أهل مملكته وعليهم أن يطيعوه. # وإذا حكم وشرع بينهم دينا لم يكن ذلك منه لحاجة إلى تعبيدهم ونقص فيه ~~يتممه بعبادتهم لأنه قدوس منزه عن كل نقص وحاجة. # ثم إذا حكم وشرع وبلغه إياهم عن غنى منه ودعاهم إليه بوساطة رسله فلم ~~يستجيبوا دعوته وتمردوا عن طاعته لم يكن ذلك تعجيزا منهم له تعالى لأنه ~~العزيز لا يغلبه فيما يريده غالب. # ثم إن الذي حكم وشرعه من الدين بما أنه الملك القدوس العزيز ليس يذهب لغى ~~لا أثر له لأنه حكيم على الإطلاق لا يفعل ما يفعل إلا لمصلحة ولا يريد منهم ~~ما يريد إلا لنفع يعود إليهم وخير ينالونه فيستقيم به حالهم في دنياهم ~~وأخراهم. # وبالجملة فتشريعه الدين وإنزاله الكتاب ببعث رسول يبلغهم ذلك بتلاوة ~~آياته، ويزكيهم ويعلمهم من منه تعالى وفضل كما قال: "هو الذي بعث" إلخ. PageV19P144 # قوله تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم" إلخ، الأميون جمع أمي وهو ~~الذي لا يقرأ ولا يكتب، والمراد بهم - كما قيل - العرب لقلة من كان منهم ~~يقرأ ويكتب وقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم أي من جنسهم وهو ~~غير كونه مرسلا إليهم فقد كان منهم وكان مرسلا إلى الناس كافة. # واحتمل أن يكون المراد بالأميين غير أهل الكتاب كما قال اليهود - على ما ~~حكى الله عنهم -: "ليس علينا في الأميين سبيل": آل عمران: 75. # وفيه أنه لا يناسب قوله في ذيل الآية: "يتلوا عليهم آياته" إلخ، فإنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخص غير العرب وغير أهل الكتاب بشيء من ~~الدعوة لم يلقه إليهم. # واحتمل أن يكون المراد بالأميين أهل مكة لكونهم يسمونها أم القرى. # وفيه أنه لا يناسب كون السورة مدنية لإيهامه كون ضمير "يزكيهم ويعلمهم" ~~راجعا إلى المهاجرين ومن أسلم من أهل مكة بعد الفتح وأخلافهم وهو بعيد من ~~مذاق القرآن. # ولا منافاة بين كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأميين مبعوثا ms7226 فيهم ~~وبين كونه مبعوثا إليهم وإلى غيرهم وهو ظاهر، وتلاوته عليهم آياته وتزكيته ~~وتعليمه لهم الكتاب والحكمة لنزوله بلغتهم وهو أول مراحل دعوته ولذا لما ~~استقرت الدعوة بعض الاستقرار أخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو اليهود ~~والنصارى والمجوس وكاتب العظماء والملوك. # وكذا دعوة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) على ما حكى الله تعالى: ~~"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك - إلى أن قال - ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم": ~~البقرة: 129، تشمل جميع آل إسماعيل من عرب مضر أعم من أهل مكة وغيرهم، ولا ~~ينافي كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مبعوثا إليهم وإلى غيرهم. # وقوله: "يتلوا عليهم آياته" أي آيات كتابه مع كونه أميا. # صفة للرسول. # وقوله: "ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" التزكية تفعيل من الزكاة بمعنى ~~النمو الصالح الذي يلازم الخير والبركة فتزكيته لهم تنميته لهم نماء صالحا ~~بتعويدهم الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة فيكملون بذلك في إنسانيتهم ~~فيستقيم حالهم في دنياهم وآخرتهم يعيشون سعداء ويموتون سعداء. # وتعليم الكتاب بيان ألفاظ آياته وتفسير ما أشكل من ذلك، ويقابله تعليم ~~الحكمة وهي المعارف الحقيقية التي يتضمنها القرآن، والتعبير عن القرآن تارة ~~بالآيات وتارة بالكتاب للدلالة على أنه بكل من هذه العناوين نعمة يمتن بها ~~- كما قيل -. # وقد قدم التزكية هاهنا على تعليم الكتاب والحكمة بخلاف ما في دعوة ~~إبراهيم (عليه السلام) لأن هذه الآية تصف تربيته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لمؤمني أمته، والتزكية مقدمة في مقام التربية على تعليم العلوم الحقة ~~والمعارف الحقيقية وأما ما في دعوة إبراهيم (عليه السلام) فإنها دعاء وسؤال ~~أن يتحقق في ذريته هذه الزكاة والعلم بالكتاب والحكمة، والعلوم والمعارف ~~أقدم مرتبة وأرفع درجة في مرحلة التحقق والاتصاف من الزكاة الراجعة إلى ~~الأعمال والأخلاق. # وقوله: "وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" "إن" مخففة من الثقيلة والمراد ~~أنهم كانوا من قبل بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضلال مبين، ~~والآية تحميد بعد تسبيح ومسوقة للامتنان كما سيأتي. ms7227 # قوله تعالى: "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم" عطف على ~~الأميين وضمير "منهم" راجع إليهم و"من" للتبعيض والمعنى: بعث في الأميين ~~وفي آخرين منهم لم يلحقوا بهم بعد وهو العزيز الذي لا يغلب في إرادته ~~الحكيم الذي لا يلغو ولا يجازف في فعله. # قوله تعالى: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" الإشارة ~~بذلك إلى بعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - وقد فخم أمره بالإشارة ~~البعيدة - فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) المخصوص بالفضل، والمعنى: ذلك ~~البعث وكونه يتلو آيات الله ويزكي الناس ويعلمهم الكتاب والحكمة من فضل ~~الله وعطائه يعطيه من تعلقت به مشيته وقد شاء أن يعطيه محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والله ذو الفضل العظيم كذا قال المفسرون. PageV19P145 # ومن الممكن أن تكون الإشارة بذلك إلى البعث بما له من النسبة إلى أطرافه من ~~المرسل والمرسل إليهم، والمعنى: ذلك البعث من فضل الله يؤتيه من يشاء وقد ~~شاء أن يخص بهذا الفضل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فاختاره رسولا، ~~وأمته فاختارهم لذلك فجعله منهم وأرسله إليهم. # والآية والآيتان قبلها أعني قوله: "هو الذي بعث - إلى قوله - العظيم" ~~مسوقة سوق الامتنان. # قوله تعالى: "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا" إلخ، قال الراغب: السفر - بالفتح فالسكون - كشف الغطاء ويختص ذلك ~~بالأعيان نحو سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه - إلى أن قال - والسفر ~~- بالكسر فالسكون - الكتاب الذي يسفر عن الحقائق قال تعالى: "كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا" انتهى. # والمراد بتحميل التوراة تعليمها، والمراد بحملها العمل بها على ما يؤيده ~~السياق ويشهد به ما في ذيل الآية من قوله: "بئس مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيات الله"، والمراد بالذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها اليهود الذين ~~أنزل الله التوراة على رسولهم موسى (عليه السلام) فعلمهم ما فيها من ~~المعارف والشرائع فتركوها ولم يعملوا بها فحملوها ولم يحملوها فضرب الله ~~لهم مثل الحمار يحمل أسفارا وهو لا يعرف ما فيها من ms7228 المعارف والحقائق فلا ~~يبقى له من حملها إلا التعب بتحمل ثقلها. # ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه تعالى لما افتتح الكلام بما من به على ~~المسلمين من بعث نبي أمي من بين الأميين يتلو عليهم آيات كتابه ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة فيخرجهم من ظلمات الضلال إلى نور الهدى ومن حضيض ~~الجهل إلى أوج العلم والحكمة وسيشير تعالى في آخر السورة إشارة عتاب وتوبيخ ~~إلى ما صنعوه من الانفضاض والانسلال إلى اللهو والتجارة والنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قائم يخطبهم يوم الجمعة وهو من الاستهانة بما هو من أعظم ~~المناسك الدينية ويكشف أنهم لم يقدروها حق قدرها ولا نزلوها منزلتها. # فاعترض الله سبحانه بهذا المثل وذكرهم بحال اليهود حيث حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها فكانوا كالحمار يحمل أسفارا ولا ينتفع بما فيها من المعرفة ~~والحكمة، فعليهم أن يهتموا بأمر الدين ويراقبوا الله في حركاتهم وسكناتهم ~~ويعظموا رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويوقروه ولا يستهينوا بما جاء به، ~~وليحذروا أن يحل بهم من سخطه تعالى ما حل باليهود حيث لم يعملوا بما علموا ~~فعدهم الله جهلة ظالمين وشبههم بالحمار يحمل أسفارا. # وفي روح المعاني،: وجه ارتباط الآية بما قبلها تضمنها الإشارة إلى أن ذلك ~~الرسول المبعوث قد بعثه الله تعالى بما نعته به في التوراة وعلى السنة ~~أنبياء بني إسرائيل كأنه قيل: هو الذي بعث المبشر به في التوراة المنعوت ~~فيها بالنبي الأمي المبعوث إلى أمة أميين، مثل من جاءه نعته فيها وعلمه ثم ~~لم يؤمن به مثل الحمار. # انتهى. # وأنت خبير بأنه تحكم لا دليل عليه من جهة السياق. # قوله تعالى: "قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" احتجاج على اليهود يظهر به كذبهم في ~~دعواهم أنهم أولياء الله وأحباؤه، وقد حكى الله تعالى ما يدل على ذلك عنهم ~~بقوله: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه": المائدة: 18، ~~وقوله: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ms7229 من دون الناس": ~~البقرة: 94، وقوله: "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا": البقرة: 111. # ومحصل المعنى: قل لليهود مخاطبا لهم يا أيها الذين تهودوا إن كنتم ~~اعتقدتم أنكم أولياء لله من دون الناس إن كنتم صادقين في دعواكم فتمنوا ~~الموت لأن الولي يحب لقاء وليه ومن أيقن أنه ولي لله وجبت له الجنة ولا ~~حاجب بينه وبينها إلا الموت أحب الموت وتمنى أن يحل به فيدخل دار الكرامة ~~ويتخلص من هذه الحياة الدنية التي ما فيها إلا الهم والغم والمحنة ~~والمصيبة. # قيل: وفي قوله: "أولياء لله" من غير إضافة إشارة إلى أنه دعوى منهم من ~~غير حقيقة. # قوله تعالى: "ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين" ~~أخبر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم لا يتمنونه أبدا بعد ما ~~أمره أن يعرض عليهم تمني الموت. PageV19P146 # وقد علل عدم تمنيهم الموت بما قدمت أيديهم وهو كناية عن الظلم والفسوق، ~~فمعنى الآية: ولا يتمنون الموت أبدا بسبب ما قدمته أيديهم من الظلم فكانوا ~~ظالمين والله عليم بالظالمين يعلم أنهم لا يحبون لقاءه لأنهم أعداؤه لا ~~ولاية بينه وبينهم ولا محبة. # والآيتان في معنى قوله تعالى: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين": البقرة: 95. # قوله تعالى: "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون" الفاء في قوله: "فإنه ملاقيكم" في ~~معنى جواب الشرط، وفيه وعيد لهم بأن الموت الذي يكرهونه كراهة أن يؤاخذوا ~~بوبال أعمالهم فإنه سيلاقيهم لا محالة ثم يردون إلى ربهم الذي خرجوا من زي ~~عبوديته بمظالمهم وعادوه بأعمالهم وهو عالم بحقيقة أعمالهم ظاهرها وباطنها ~~فإنه عالم الغيب والشهادة فينبؤهم بحقيقة أعمالهم وتبعاتها السيئة وهي ~~أنواع العذاب. # ففي الآية إيذانهم أولا: أن فرارهم من الموت خطأ منهم فإنه سيدركهم ~~ويلاقيهم، وثانيا: أن كراهتهم لقاء الله خطأ آخر فإنهم مردودون ms7230 إليه ~~محاسبون على أعمالهم السيئة، وثالثا: أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالهم ظاهرها وباطنها ولا يحيق به مكرهم فإنه عالم الغيب والشهادة. # ففي الآية إشارة أولا: إلى أن الموت حق مقضي كما قال: "كل نفس ذائقة ~~الموت": الأنبياء: 35، وقال: "نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين": ~~الواقعة: 60. # وثانيا: أن الرجوع إلى الله لحساب الأعمال حق لا ريب فيه. # وثالثا: أنهم سيوقفون على حقيقة أعمالهم فيوفونها. # ورابعا: أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وللإشارة إلى ذلك بدل اسم ~~الجلالة من قوله: "عالم الغيب والشهادة". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم": ~~عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): ~~في الآية قال: كانوا يكتبون ولكن لم يكن معهم كتاب من عند الله ولا بعث ~~إليهم رسول فنسبهم الله إلى الأميين. # وفيه،: في قوله تعالى: "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم" قال: دخلوا الإسلام بعدهم. # وفي المجمع، وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية ~~فقيل له: من هؤلاء؟ فوضع يده على كتف سلمان وقال: لو كان الإيمان بالثريا ~~لنالته رجال من هؤلاء. # أقول: ورواه في الدر المنثور، عن عدة من جوامع الحديث منها صحيح البخاري ~~ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وفيه: فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال: والذي نفسي بيده لو كان العلم ~~بالثريا لناله رجال من هؤلاء. # وروي أيضا عن سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة: أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو أن الإيمان بالثريا لناله رجال من ~~أهل فارس. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "مثل الذين حملوا التوراة - ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار" قال: الحمار يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها ولا يعمل به ~~كذلك بنو إسرائيل قد حملوا مثل الحمار لا يعلمون ما فيه ولا يعملون. ms7231 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو ~~كالحمار يحمل أسفارا والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة. # أقول: وفيه تأييد لما قدمناه في وجه اتصال الآية بما قبلها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "قل يا أيها الذين هادوا" الآية، قال: ~~إن في التوراة مكتوب: أولياء الله يتمنون الموت. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: جاء رجل إلى أبي ذر فقال: يا أبا ذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم ~~عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب # كلام في معنى تعليم الحكمة # لا محيص للإنسان في حياته المحدودة التي يعمرها في هذه النشأة من سنة ~~يستن بها فيما يريد ويكره، ويجري عليها في حركاته وسكناته وبالجملة جميع ~~مساعيه في الحياة. PageV19P147 # وتتبع هذه السنة في نوعها ما عند الإنسان من الرأي في حقيقة الكون العام ~~وحقيقة نفسه وما بينهما من الربط، ويدل على ذلك ما نجد من اختلاف السنن ~~والطرائق في الأمم باختلاف آرائهم في حقيقة نشأة الوجود والإنسان الذي هو ~~جزء منها. # فمن لا يرى لما وراء المادة وجودا، ويقصر الوجود في المادي، وينهي الوجود ~~إلى الاتفاق، ويرى الإنسان مركبا ماديا محدود الحياة بين التولد والموت لا ~~يرى لنفسه من السعادة إلا سعادة المادة ولا غاية له في أعماله إلا المزايا ~~المادية من مال وولد وجاه وغير ذلك، ولا بغية له إلا التمتع بأمتعة الدنيا ~~والظفر بلذائذها المادية أو ما يرجع إليها وتنتهي جميعا إلى الموت الذي هو ~~عنده انحلال للتركيب وبطلان. # ومن يرى كينونة العالم عن سبب فوقه منزه عن المادة، وأن وراء الدار دارا ~~وبعد الدنيا آخرة نجده يخالف في سنته وطريقته الطائفة المتقدم ذكرها فيتوخى ~~في أعماله وراء سعادة الدنيا سعادة الأخرى ويختلف صور أعمالهم وغاياتهم ~~وآراؤهم مع الطائفة الأولى. # ويختلف سنن هؤلاء باختلافهم ms7232 أنفسهم فيما بينهم كاختلاف سنن الوثنيين من ~~البرهميين والبوذيين وغيرهم والمليين من المجوسية والكليمية والمسيحية ~~والمسلمين فلكل وجهة هو موليها. # وبالجملة الملي يراعي في مساعيه جانب ما يراه لنفسه من الحياة الخالدة ~~المؤبدة ويذعن من الآراء بما يناسب ذلك كادعائه أنه يجب على الإنسان أن ~~يمهد لعالم البقاء وأن يتوجه إلى ربه، وأن لا يفرط في الاشتغال بعرض الحياة ~~الدنيا الفانية وغير الملي الخاضع للمادة يلوي إلى خلاف ذلك، هذا كله مما ~~لا ريب فيه. # غير أن الإنسان لما كان بحسب طبعه المادي رهينا للمادة مترددا بين ~~الأسباب الظاهرية فاعلا بها منفعلا عنها لا يزال يدفعه سبب إلى سبب لا فراغ ~~له من ذلك، يرى - بحسب ما يخيل إليه - أن الأصالة لحياته الدنيوية ~~المنقطعة، وأنها وما تنتهي إليه من المقاصد والمزايا هي الغاية الأخيرة ~~والغرض الأقصى من وجوده الذي يجب عليه أن يسعى لتحصيل سعادته. # فالحياة الدنيا هي الحياة وما عند أهلها من القنية والنعمة والمنية ~~والقوة والعزة هي هي بحقيقة معنى الكلمة، وما يعدونه فقرا ونقمة وحرمانا ~~وضعفا وذلة ورزية ومصيبة وخسرانا هي هي وبالجملة كل ما تهواه النفس من خير ~~معجل أو نفع مقطوع فهو عندهم خير مطلق ونفع مطلق، وكل ما لا تهواه فهو شر أو ضر. # فمن كان منهم من غير أهل الملة جرى على هذه الآراء ولا خبر عنده عما وراء ~~ذلك، ومن كان منهم من أهل الملة جرى عليها عملا وهو معترف بخلافها قولا فلا ~~يزال في تدافع بين قوله وفعله قال تعالى: "كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا": البقرة: 20. # والذي تندب إليه الدعوة الإسلامية من الاعتقاد والعمل هو ما يطابق مقتضى ~~الفطرة الإنسانية التي فطر عليها الإنسان وتثبت عليه خلقته كما قال: "فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم": الروم: 30. # ومن المعلوم أن الفطرة لا تهتدي علما ولا تميل عملا إلا إلى ما فيه ~~كمالها الواقعي وسعادتها الحقيقية فما تهتدي ms7233 إليه من الاعتقادات الأصلية في ~~المبدأ والمعاد وما يتفرع عليها من الآراء والعقائد الفرعية علوم وآراء حقة ~~لا تتعدى سعادة الإنسان وكذا ما تميل إليه من الأعمال. # ولذا سمى الله تعالى هذا الدين المبني على الفطرة بدين الحق في مواضع من ~~كلامه كقوله: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق": الصف: 9. # وقال في القرآن المتضمن لدعوته: "يهدي إلى الحق": الأحقاف: 30. # وليس الحق إلا الرأي والاعتقاد الذي يطابقه الواقع ويلازمه الرشد من غير ~~غي، وهذا هو الحكمة - الرأي الذي أحكم في صدقه فلا يتخلله كذب، وفي نفعه ~~فلا يعقبه ضرر - وقد أشار تعالى إلى اشتمال الدعوة على الحكمة بقوله: ~~"وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة": النساء: 113، ووصف كلامه المنزل بها ~~فقال: "والقرآن الحكيم": يس: 2، وعد رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) معلما ~~للحكمة في مواضع من كلامه كقوله: "ويعلمهم الكتاب والحكمة": الجمعة: 2. PageV19P148 # فالتعليم القرآني الذي تصداه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المبين لما ~~نزل من عند الله من تعليم الحكمة وشأنه بيان ما هو الحق في أصول الاعتقادات ~~الباطلة الخرافية التي دبت في أفهام الناس من تصور عالم الوجود وحقيقة ~~الإنسان الذي هو جزء منه - كما تقدمت الإشارة إليه - وما هو الحق في ~~الاعتقادات الفرعية المترتبة على تلك الأصول مما كان مبدأ للأعمال ~~الإنسانية وعناوين لغاياتها ومقاصدها. # فالناس - مثلا - يرون أن الأصالة لحياتهم المادية حتى قال قائلهم: "ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا": الجاثية: 24، والقرآن ينبههم بقوله: "وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان": العنكبوت: 64، ويرون ~~أن العلل والأسباب هي المولدة للحوادث الحاكمة فيها من حياة وموت وصحة ومرض ~~وغنى وفقر ونعمة ونقمة ورزق وحرمان "بل مكر الليل والنهار": سبأ: 33، ~~والقرآن يذكرهم بقوله: "ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54، وقوله: "إن ~~الحكم إلا لله": يوسف: 67، وغير ذلك من آيات الحكمة، ويرون أن لهم ~~الاستقلال في المشية يفعلون ما يشاءون والقرآن يخطئهم بقوله: "وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله": الإنسان: 30، ويرون أن لهم أن يطيعوا ويعصوا ويهدوا ~~ويهتدوا والقرآن ms7234 ينبئهم بقوله: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء": القصص: 56. # ويرون أن لهم قوة والقرآن ينكر ذلك بقوله: "إن القوة لله جميعا": البقرة: 165. # ويرون أن لهم عزة بمال وبنين وأنصار والقرآن يحكم بخلافه بقوله: "أيبتغون ~~عندهم العزة إن العزة لله جميعا": النساء: 139. # وقوله: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين": المنافقون: 8. # ويرون أن القتل في سبيل الله موت وانعدام والقرآن يعده حياة إذ يقول: ~~"ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون": ~~البقرة: 154، إلى غير ذلك من التعاليم القرآنية التي أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يدعو بها الناس قال: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة": ~~النحل: 125. # وهي علوم وآراء جمة صورت الحياة الدنيا خلافها في نفوس الناس وزينة فنبه ~~تعالى لها في كتابه وأمر بتعليمها رسوله وندب المؤمنين أن يتواصوا بها كما ~~قال: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق": ~~العصر: 3، وقال: "يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب": البقرة: 269. # فالقرآن بالحقيقة يقلب الإنسان في قالب من حيث العلم والعمل حديث ويصوغه ~~صوغا جديدا فيحيي حياة لا يتعقبها موت أبدا، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ~~"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24، وقوله: "أومن ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها": الأنعام: 122. # وقد بينا وجه الحكمة في كل من آياتها عند التعرض لتفسيرها على قدر مجال ~~البحث في الكتاب. # ومما تقدم يتبين فساد قول من قال: إن تفسير القرآن تلاوته، وإن التعمق في ~~مداليل آيات القرآن من التأويل الممنوع فما أبعده من قول. PageV19P149 ### ||| AUTO 62 سورة الجمعة - 9 - 11 # يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا ~~تجرة أو لهوا ms7235 انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجرة والله خير الرزقين (11) ### |||| AUTO بيان # تأكيد إيجاب صلاة الجمعة وتحريم البيع عند حضورها وفيها عتاب لمن انفض ~~إلى اللهو والتجارة عند ذلك واستهجان لفعلهم. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع" إلخ، المراد بالنداء للصلاة من يوم الجمعة ~~الأذان كما في قوله: "وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا": ~~المائدة: 58. # والجمعة بضمتين أو بالضم فالسكون أحد أيام الأسبوع وكان يسمى أولا يوم ~~العروبة ثم غلب عليه اسم الجمعة، والمراد بالصلاة من يوم الجمعة صلاة ~~الجمعة المشرعة يومها، والسعي هو المشي بالإسراع، والمراد بذكر الله الصلاة ~~كما في قوله: "ولذكر الله أكبر": العنكبوت: 45، على ما قيل وقيل: المراد به ~~الخطبة قبل الصلاة وقوله: "وذروا البيع" أمر بتركه، والمراد به على ما ~~يفيده السياق النهي عن الاشتغال بكل عمل يشغل عن صلاة الجمعة سواء كان بيعا ~~أو غيره وإنما علق النهي بالبيع لكونه من أظهر مصاديق ما يشغل عن الصلاة. # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أذن لصلاة الجمعة يومها فجدوا في المشي ~~إلى الصلاة واتركوا البيع وكل ما يشغلكم عنها. # وقوله: "ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" حث وتحريض لهم لما أمر به من ~~الصلاة وترك البيع. # قوله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" ~~إلخ، المراد بقضاء الصلاة إقامة صلاة الجمعة، والانتشار في الأرض التفرق ~~فيها، وابتغاء فضل الله طلب الرزق نظرا إلى مقابلته ترك البيع في الآية ~~السابقة لكن تقدم أن المراد ترك كل ما يشغل عن صلاة الجمعة، وعلى هذا ~~فابتغاء فضل الله طلب مطلق عطيته في التفرق لطلب رزقه بالبيع والشري، وطلب ~~ثوابه بعيادة مريض والسعي في حاجة مسلم وزيارة أخ في الله، وحضور مجلس علم ~~ونحو ذلك. # وقوله: "فانتشروا في الأرض" أمر واقع بعد الحظر فيفيد الجواز والإباحة ~~دون الوجوب وكذا قوله: "وابتغوا، واذكروا". # وقوله: "واذكروا الله كثيرا ms7236 لعلكم تفلحون" المراد بالذكر أعم من الذكر ~~اللفظي فيشمل ذكره تعالى قلبا بالتوجه إليه باطنا، والفلاح النجاة من كل ~~شقاء، وهو في المورد بالنظر إلى ما تقدم من حديث التزكية والتعليم وما في ~~الآية التالية من التوبيخ والعتاب الشديد، الزكاة والعلم وذلك أن كثرة ~~الذكر يفيد رسوخ المعنى المذكور في النفس وانتقاشه في الذهن فتنقطع به ~~منابت الغفلة ويورث التقوى الديني الذي هو مظنة الفلاح قال تعالى: "واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون": آل عمران: 200. # قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما" إلخ، ~~الانفضاض - على ما ذكره الراغب - استعارة عن الانفضاض بمعنى انكسار الشيء ~~وتفرق بعضه من بعض. # وقد اتفقت روايات الشيعة وأهل السنة على أنه ورد المدينة عير معها تجارة ~~وذلك يوم الجمعة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم يخطب فضربوا بالطبل ~~والدف لإعلام الناس فانفض أهل المسجد إليهم وتركوا النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قائما يخطب فنزلت الآية. # فالمراد باللهو استعمال المعازف وآلات الطرب ليجتمع الناس للتجارة، وضمير ~~"إليها" راجع إلى التجارة لأنها كانت المقصودة في نفسها واللهو مقصود ~~لأجلها، وقيل: الضمير لأحدهما كأنه قيل: انفضوا إليه وانفضوا إليها وذلك أن ~~كلا منهما سبب لانفضاض الناس إليه وتجمعهم عليه، ولذا ردد بينهما وقال: ~~"تجارة أو لهوا" ولم يقل: تجارة ولهوا والضمير يصلح للرجوع إلى كل منهما ~~لأن اللهو في الأصل مصدر يجوز فيه الوجهان التذكير والتأنيث. PageV19P150 # ولذا أيضا عد "ما عند الله" خيرا من كل منهما بحياله فقال: "من اللهو ومن ~~التجارة" ولم يقل: من اللهو والتجارة. # وقوله: "قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين" ~~أمر للنبي أن ينبههم على خطئهم فيما فعلوا - وما أفظعه - والمراد بما عند ~~الله الثواب الذي يستعقبه سماع الخطبة والموعظة. # والمعنى قل لهم: ما عند الله من الثواب خير من اللهو ومن التجارة لأن ~~ثوابه تعالى خير حقيقي دائم غير منقطع، وما في اللهو والتجارة من الخير أمر ~~خيالي زائل باطل وربما استتبع سخطه ms7237 تعالى كما في اللهو. # وقيل: خير مستعمل في الآية مجردا عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى: ~~"أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار": يوسف: 39، وهو شائع في ~~الاستعمال. # وفي الآية أعني قوله: "وإذا رأوا" التفات من الخطاب إلى الغيبة، والنكتة ~~فيه تأكيد ما يفيده السياق من العتاب واستهجان الفعل بالإعراض عن تشريفهم ~~بالخطاب وتركهم في مقام الغيبة لا يواجههم ربهم بوجهه الكريم. # ويلوح إلى هذا الإعراض قوله: "قل ما عند الله خير" حيث لم يشر إلى من ~~يقول له، ولم يقل: قل لهم كما ذكرهم بضميرهم أولا من غير سبق مرجعه فقال: ~~"وإذا رأوا" واكتفى بدلالة السياق. # وخير الرازقين من أسمائه تعالى الحسنى كالرزاق وقد تقدم الكلام في معنى ~~الرزق فيما تقدم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، روي: أنه كان بالمدينة إذا أذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد: ~~حرم البيع لقول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم ~~الجمعة - فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع". # أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر ~~عن ميمون بن مهران ولفظه كان بالمدينة إذا أذن المؤذن من يوم الجمعة ينادون ~~في الأسواق: حرم البيع حرم البيع. # وتفسير القمي،: وقوله: "فاسعوا إلى ذكر الله" قال: الإسراع في المشي، وفي ~~رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في الآية يقال: فاسعوا أي ~~امضوا، ويقال: اسعوا اعملوا لها وهو قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار ~~والغسل ولبس أنظف الثياب والتطيب للجمعة فهو السعي يقول الله: "ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن". # أقول: يريد أن السعي ليس هو الإسراع في المشي فحسب. # وفي المجمع، وروى أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: في قوله: ~~"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" الآية ليس بطلب الدنيا ولكن عيادة ~~مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله:. أقول: ورواه في الدر المنثور، عن ابن ~~جرير عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms7238 وعن ابن مردويه عن ابن ~~عباس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: الصلاة يوم الجمعة ~~والانتشار يوم السبت. # أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر. # وفيه، وروى عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إني لأركب في ~~الحاجة التي كفاها الله ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحي في طلب ~~الحلال أما تسمع قول الله عز اسمه: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض - ~~وابتغوا من فضل الله"؟. أرأيت لو أن رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال: ~~رزقي ينزل علي أكان يكون هذا؟ أما أنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. ~~قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له ~~لأن عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها، والرجل يكون له الحق على الرجل ~~فلا يشهد عليه فيجحده حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له لأنه ترك ما أمر به، ~~والرجل يكون عنده الشيء فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى ~~يأكله ثم يدعو فلا يستجاب له. # وفيه، قال جابر بن عبد الله: أقبل عير ونحن نصلي مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فانفض الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم ~~فنزلت الآية "وإذا رأوا تجارة أو لهوا". PageV19P151 # وعن عوالي اللئالي، روى مقاتل بن سليمان قال: بينا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية الكلبي من الشام بتجارة، وكان ~~إذا قدم لم يبق في المدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج ~~إليه الناس من دقيق وبر وغيره ثم ضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج الناس ~~فيبتاعون منه. فقدم ذات جمعة، وكان قبل أن يسلم، ورسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يخطب على المنبر فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر ~~فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لا ms7239 هؤلاء لسومت عليهم الحجارة من ~~السماء وأنزل الله الآية في سورة الجمعة. # أقول: والقصة مروية بطرق كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة واختلفت الأخبار ~~في عدد من بقي منهم في المسجد بين سبعة إلى أربعين. # وفيه "انفضوا" أي تفرقوا، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ~~انصرفوا إليها وتركوك قائما تخطب على المنبر. # قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب إلا ~~وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه. # أقول: وهو مروي أيضا في روايات أخرى. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: خطب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قائما وأبو بكر وعمر وعثمان، وإن أول من جلس على ~~المنبر معاوية بن أبي سفيان. PageV19P152 ### || AUTO ### ||| AUTO 63 سورة المنافقون - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنفقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنفقين لكذبون (1) اتخذوا أيمنهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم ءامنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم ~~قتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفسقين (6) هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموت ~~والأرض ولكن المنفقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنفقين لا يعلمون (8) ### |||| AUTO بيان # تصف السورة المنافقين وتسمهم بشدة العداوة وتأمر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن يحذرهم وتعظ المؤمنين أن يتحرزوا من خصائص النفاق فلا يقعوا ~~في مهلكته ولا يجرهم إلى النار، والسورة مدنية. # قوله تعالى: "إذا جاءك المنافقون ms7240 قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" المنافق اسم فاعل من النفاق ~~وهو في عرف القرآن إظهار الإيمان وإبطان الكفر. # والكذب خلاف الصدق وهو عدم مطابقة الخبر للخارج فهو وصف الخبر كالصدق ~~وربما اعتبرت مطابقة الخبر ولا مطابقته بالنسبة إلى اعتقاد المخبر فيكون ~~مطابقته لاعتقاد المخبر صدقا منه وعدم مطابقته له كذبا فيقال: فلان كاذب ~~إذا لم يطابق خبره الخارج وفلان كاذب إذا أخبر بما يخالف اعتقاده ويسمى ~~النوع الأول صدقا وكذبا خبريين، والثاني صدقا وكذبا مخبريين. # فقوله: "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله" حكاية لإظهارهم ~~الإيمان بالشهادة على الرسالة فإن في الشهادة على الرسالة إيمانا بما جاء ~~به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتضمن الإيمان بوحدانيته تعالى ~~وبالمعاد، وهو الإيمان الكامل. # وقوله: "والله يعلم إنك لرسوله" تثبيت منه تعالى لرسالته (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وإنما أورده مع أن وحي القرآن ومخاطبته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان كافيا في تثبيت رسالته، ليكون قرينة مصرحة بأنهم كاذبون من حيث ~~عدم اعتقادهم بما يقولون وإن كان قولهم في نفسه صادقا فهم كاذبون في قولهم ~~كذبا مخبريا لا خبريا فقوله: "والله يشهد أن المنافقين لكاذبون" أريد به ~~الكذب المخبري لا الخبري. # قوله تعالى: "اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله" إلخ، الأيمان جمع ~~يمين بمعنى القسم، والجنة الترس والمراد بها ما يتقى به من باب الاستعارة، ~~والصد يجيء بمعنى الإعراض وعليه فالمراد إعراضهم أنفسهم عن سبيل الله وهو ~~الدين وبمعنى الصرف وعليه فالمراد صرفهم العامة من الناس عن الدين وهم في ~~وقاية من إيمانهم الكاذبة. # والمعنى: اتخذوا أيمانهم الكاذبة التي يحلفون وقاية لأنفسهم فأعرضوا عن ~~سبيل الله ودينه - أو فصرفوا العامة من الناس عن دين الله بما يستطيعونه من ~~الصرف بتقليب الأمور وإفساد العزائم. # وقوله: "إنهم ساء ما كانوا يعملون" تقبيح لأعمالهم التي استمروا عليها ~~منذ نافقوا إلى حين نزول السورة. # قوله تعالى: "ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ms7241 فهم لا يفقهون" ~~الظاهر أن الإشارة بذلك إلى سوء ما عملوا كما قيل، وقيل: الإشارة إلى جميع ~~ما تقدم من كذبهم واستجنانهم بالأيمان الفاجرة وصدهم عن سبيل الله ومساءة ~~أعمالهم. PageV19P153 # والمراد بإيمانهم - على ما قيل - إيمانهم بألسنتهم ظاهرا بشهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسوله ثم كفرهم بخلو باطنهم عن الإيمان كما قال تعالى ~~فيهم: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزءون": البقرة: 14. # ولا يبعد أن يكون فيهم من آمن حقيقة ثم ارتد وكتم ارتداده فلحق ~~بالمنافقين يتربص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالمؤمنين الدوائر كما ~~يظهر من بعض آيات سورة التوبة كقوله: "فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه": التوبة: 77، وقد عبر تعالى عمن لم يدخل ~~الإيمان في قلبه منهم بمثل قوله: "وكفروا بعد إسلامهم": التوبة: 74. # فالظاهر أن المراد بقوله: "آمنوا ثم كفروا" إظهارهم للشهادتين أعم من أن ~~يكون عن ظهر القلب أو بظاهر من القول ثم كفرهم بإتيان أعمال تستصحب الكفر ~~كالاستهزاء بالدين ورد بعض الأحكام. # وقوله: "فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون" تفريع عدم الفقه على طبع القلوب ~~دليل على أن الطبع ختم على القلب يستتبع عدم قبوله لورود كلمة الحق فيه فهو ~~آيس من الإيمان محروم من الحق. # والطبع على القلب جعله بحيث لا يقبل الحق ولا يتبعه فلا محالة يتبع الهوى ~~كما قال تعالى: "طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم": سورة محمد: 16، فلا ~~يفقه ولا يسمع ولا يعلم كما قال تعالى: "وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون": ~~التوبة: 87، وقال: "ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون": الأعراف: 100، وقال: ~~"وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون": التوبة: 93، والطبع على أي حال لا ~~يكون منه تعالى إلا مجازاة لأنه إضلال والذي ينسب إليه تعالى من الإضلال ~~إنما هو الإضلال على سبيل المجازاة دون الإضلال الابتدائي وقد مر مرارا. # قوله تعالى: "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم" إلخ، ~~الظاهر أن ms7242 الخطاب في "رأيتهم" و"تسمع" خطاب عام يشمل كل من رآهم وسمع ~~كلامهم لكونهم في أزياء حسنة وبلاغة من الكلام، وليس خطابا خاصا بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد أنهم على صباحة من المنظر وتناسب من ~~الأعضاء إذا رآهم الرائي أعجبته أجسامهم، وفصاحة وبلاغة من القول إذا سمع ~~السامع كلامهم مال إلى الإصغاء إلى قولهم لحلاوة ظاهره وحسن نظمه. # وقوله: "كأنهم خشب مسندة" ذم لهم بحسب باطنهم والخشب بضمتين جمع خشبة، ~~والتسنيد نصب الشيء معتمدا على شيء آخر كحائط ونحوه. # والجملة مسوقة لذمهم وهي متممة لسابقتها، والمراد أن لهم أجساما حسنة ~~معجبة وقولا رائعا ذا حلاوة لكنهم كالخشب المسندة أشباح بلا أرواح لا خير ~~فيها ولا فائدة تعتريها لكونهم لا يفقهون. # وقوله: "يحسبون كل صيحة عليهم" ذم آخر لهم أي إنهم لإبطانهم الكفر ~~وكتمانهم ذلك من المؤمنين يعيشون على خوف ووجل ووحشة يخافون ظهور أمرهم ~~واطلاع الناس على باطنهم ويظنون أن كل صيحة سمعوها فهي كائنة عليهم وأنهم ~~المقصودون بها. # وقوله: "هم العدو فاحذرهم" أي هم كاملون في العداوة بالغون فيها فإن أعدى ~~أعدائك من يعاديك وأنت تحسبه صديقك. # وقوله: "قاتلهم الله أنى يؤفكون" دعاء عليهم بالقتل وهو أشد شدائد الدنيا ~~وكان استعمال المقاتلة دون القتل للدلالة على الشدة. # وقيل: المراد به الطرد والإبعاد من الرحمة، وقيل: المراد به الإخبار دون ~~الدعاء، والمعنى: أن شمول اللعن والطرد لهم مقرر ثابت، وقيل: الكلمة مفيدة ~~للتعجب كما يقال: قاتله الله ما أشعره، والظاهر من السياق ما تقدم من الوجه. # وقوله: "أنى يؤفكون" مسوق للتعجب أي كيف يصرفون عن الحق؟ وقيل: هو توبيخ ~~وتقريع وليس باستفهام. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم" ~~إلخ، التلوية تفعيل من لوى يلوي ليا بمعنى مال. # والمعنى: وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله - وذلك عند ما ظهر ~~منهم بعض خياناتهم وفسوقهم - أمالوا رءوسهم إعراضا واستكبارا ورآهم الرائي ~~يعرضون عن القائل وهم مستكبرون عن إجابة قوله. # قوله تعالى: "سواء عليهم أستغفرت ms7243 لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم" ~~إلخ، أي يتساوى الاستغفار وعدمه في حقهم وتساوي الشيء وعدمه كناية عن أنه ~~لا يفيد الفائدة المطلوبة منه، فالمعنى: لا يفيدهم استغفارك ولا ينفعهم. PageV19P154 # وقوله: "لن يغفر الله لهم" دفع دخل كان سائلا يسأل: لما ذا يتساوى ~~الاستغفار لهم وعدمه؟ فأجيب: لن يغفر الله لهم. # وقوله: "إن الله لا يهدي القوم الفاسقين" تعليل لقوله: "لن يغفر الله ~~لهم"، والمعنى: لن يغفر الله لهم لأن مغفرته لهم هداية لهم إلى السعادة ~~والجنة وهم فاسقون خارجون عن زي العبودية لإبطانهم الكفر والطبع على قلوبهم ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين. # قوله تعالى: "هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا" إلخ، الانفضاض التفرق، والمعنى: المنافقون هم الذين يقولون: لا ~~تنفقوا أموالكم على المؤمنين الفقراء الذين لازموا رسول الله واجتمعوا عنده ~~لنصرته وإنفاذ أمره وإجراء مقاصده حتى يتفرقوا عنه فلا يتحكم علينا. # وقوله: "ولله خزائن السماوات والأرض" جواب عن قولهم: لا تنفقوا إلخ، أي ~~إن الدين دين الله ولا حاجة له إلى إنفاقهم فله خزائن السماوات والأرض ينفق ~~منها ويرزق من يشاء كيف يشاء فلو شاء لأغنى الفقراء من المؤمنين لكنه تعالى ~~يختار ما هو الأصلح فيمتحنهم بالفقر ويتعبدهم بالصبر ليوجرهم أجرا كريما ~~ويهديهم صراطا مستقيما والمنافقون في جهل من ذلك. # وهذا معنى قوله: "ولكن المنافقين لا يفقهون" أي لا يفقهون وجه الحكمة في ~~ذلك واحتمل أن يكون المعنى أن المنافقين لا يفقهون أن خزائن العالم بيد ~~الله وهو الرازق لا رازق غيره فلو شاء لأغناهم لكنهم يحسبون أن الغنى ~~والفقر بيد الأسباب فلو لم ينفقوا على أولئك الفقراء من المؤمنين لم يجدوا ~~رازقا يرزقهم. # قوله تعالى: "يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" القائل هو عبد الله بن ~~أبي بن سلول، وكذا قائل الجملة السابقة: لا تنفقوا إلخ، وإنما عبر بصيغة ~~الجمع تشريكا لأصحابه الراضين بقوله معه. # ومراده بالأعز نفسه ms7244 وبالأذل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويريد ~~بهذا القول تهديد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإخراجه من المدينة بعد ~~المراجعة إليها وقد رد الله عليه وعلى من يشاركه في نفاقه بقوله: "ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" فقصر العزة في نفسه ~~ورسوله والمؤمنين فلا يبقى لغيرهم إلا الذلة ونفى عن المنافقين العلم فلم ~~يبق لهم إلا الذلة والجهالة. PageV19P155 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: نزلت الآيات في عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وذلك أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه ~~وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). فلما سمع بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إليهم حتى ~~لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف ~~الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل منهم من قتل ونفل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أبناءهم ونساءهم وأموالهم. فبينا الناس على ذلك ~~الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له ~~جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان الجهني من بني عوف بن خزرج ~~على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر ~~المهاجرين فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له: جعال وكان فقيرا فقال ~~عبد الله بن أبي لجعال: إنك لهتاك فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟ واشتد ~~لسان جعال على عبد الله. فقال عبد الله: والذي يحلف به لأزرنك ويهمك غير ~~هذا. وغضب ابن أبي وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن فقال ابن ~~أبي قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال ~~القائل: سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ~~أقبل على من حضره ms7245 من قومه فقال: هذا ما جعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم ~~وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم ~~يركبوا رقابكم ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم. ~~فقال زيد بن أرقم: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ومحمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في عز من الرحمن ومودة من المسلمين والله لا أحبك بعد ~~كلامك هذا فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب. فمشى زيد بن أرقم إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر فأمر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرحيل وأرسل إلى عبد الله فأتاه ~~فقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقال عبد الله والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت ~~شيئا من ذلك قط وإن زيدا لكاذب، وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله ~~شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون هذا ~~الغلام وهم في حديثه. فعذره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفشت ~~الملامة من الأنصار لزيد. ولما استقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فسار لقيه أسيد بن الحضير فحياه بتحية النبوة ثم قال: يا رسول الله لقد رحت ~~في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز ~~منها الأذل. فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت. هو والله ~~الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك ~~وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. وبلغ ~~عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت ~~لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو ms7246 الله لقد علمت الخزرج ما كان ~~بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي ~~أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا ~~بكافر فأدخل النار، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بل ترفق به وتحسن ~~صحبته ما بقي معنا. قالوا: وسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم ~~الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما، إنما فعل ~~ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي خرج من عبد الله بن أبي. ثم راح بالناس حتى ~~نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له: بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم ~~وتخوفوها وضلت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك ليلا فقال: ~~مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة قيل: من هو؟ قال: رفاعة. فقال PageV19P156 رجل من المنافقين: كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟ ألا يخبره ~~الذي يأتيه بالوحي؟ فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك أصحابه وقال: ما أزعم أني أعلم ~~الغيب وما أعلمه ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي. هي في ~~الشعب فإذا هي كما قال فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق. فلما قدموا المدينة ~~وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء اليهود مات ~~ذلك اليوم. قال زيد بن أرقم: فلما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) المدينة جلست في البيت لما بي من الهم والحياء فنزلت سورة المنافقون ~~في تصديق زيد وتكذيب عبد الله بن أبي. ثم أخذ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بأذن زيد فرفعه عن الرحل ثم قال: يا غلام صدق فوك، ووعت أذناك، ~~ووعى قلبك، وقد أنزل الله فيما قلت قرآنا. وكان عبد الله بن أبي بقرب ~~المدينة فلما أراد أن يدخلها جاء ms7247 ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى ~~أناخ على مجامع طرق المدينة فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تدخلها إلا ~~بإذن رسول الله ولتعلمن اليوم من الأعز؟ ومن الأذل؟ فشكا عبد الله ابنه إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إليه أن خل عنه يدخل فقال: أما ~~إذا جاء أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنعم فدخل فلم يلبث إلا ~~أياما قلائل حتى اشتكى ومات. فلما نزلت هذه الآيات وبان كذب عبد الله قيل ~~له: نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر ~~لك فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة ~~مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزل: "وإذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله - لووا رءوسهم إلى قوله لا يعلمون". # أقول: ما أورده من القصة مأخوذ من روايات مختلفة مروية عن زيد بن أرقم ~~وابن عباس وعكرمة ومحمد بن سيرين وابن إسحاق وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إذا جاءك المنافقون" الآية قال: قال: ~~نزلت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق في سنة خمس من الهجرة، وكان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إليها فلما رجع منها نزل على بئر ~~وكان الماء قليلا فيها. وكان أنس بن سيار حليف الأنصار، وكان جهجاه بن سعيد ~~الغفاري أجيرا لعمر بن الخطاب فاجتمعوا على البئر فتعلق دلو سيار بدلو ~~جهجاه فقال سيار: دلوي وقال جهجاه: دلوي فضرب جهجاه على وجه سيار فسال منه ~~الدم فنادى سيار بالخزرج ونادى جهجاه بقريش وأخذ الناس السلاح وكاد أن تقع ~~الفتنة. فسمع عبد الله بن أبي النداء فقال: ما هذا؟ فأخبروه بالخبر فغضب ~~غضبا شديدا ثم قال: قد كنت كارها لهذا المسير إني لأذل العرب ما ظننت أني ~~أبقى إلى أن أسمع مثل هذا فلا يكن عندي تغيير. ثم أقبل على أصحابه فقال: ~~هذا ms7248 عملكم أنزلتموهم منازلكم وواسيتموهم بأموالكم PageV19P157 ووقيتموهم بأنفسكم وأبرزتم نحوركم للقتل فأرمل نساؤكم وأيتم صبيانكم ولو ~~أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل. وكان في القوم زيد بن أرقم وكان غلاما قد راهق، وكان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ظل شجرة في وقت الهاجرة وعنده قوم ~~من أصحابه من المهاجرين والأنصار فجاء زيد فأخبره بما قال عبد الله بن أبي ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لعلك وهمت يا غلام، قال: لا ~~والله ما وهمت. قال: فلعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله ما غضبت عليه، قال: ~~فلعله سفه عليك، فقال: لا والله. فقال رسول الله لشقران مولاه: أحدج فأحدج ~~راحلته وركب وتسامع الناس بذلك فقالوا: ما كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ليرحل في مثل هذا الوقت، فرحل الناس ولحقه سعد بن عبادة فقال: ~~السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، فقال: ~~ما كنت لترحل في مثل هذا الوقت، فقال: أوما سمعت قولا قال صاحبكم؟ قال: وأي ~~صاحب لنا غيرك يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن أبي زعم أنه إن رجع إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: يا رسول الله فإنك وأصحابك الأعز ~~وهو وأصحابه الأذل. فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومه كله لا ~~يكلمه أحد فأقبلت الخزرج على عبد الله بن أبي يعذلونه فحلف عبد الله أنه لم ~~يقل شيئا من ذلك فقالوا: فقم بنا إلى رسول الله حتى نعتذر إليه فلوى عنقه. ~~فلما جن الليل سار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليله كله فلم ~~ينزلوا إلا للصلاة فلما كان من الغد نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ونزل أصحابه وقد أمهدهم الأرض من السفر الذي أصابهم فجاء عبد الله بن ~~أبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلف عبد الله له أنه لم يقل ~~ذلك، وأنه يشهد أن لا ms7249 إله إلا الله وأنك لرسول الله وإن زيدا قد كذب علي، ~~فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منه وأقبلت الخزرج على زيد بن ~~أرقم يشتمونه ويقولون له: كذبت على عبد الله سيدنا. فلما رحل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) كان زيد معه يقول: اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب ~~على عبد الله بن أبي فما سار إلا قليلا حتى أخذ رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ما كان يأخذه من البرحاء عند نزول الوحي فثقل حتى كادت ناقته أن ~~تبرك من ثقل الوحي فسري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يسكب ~~العرق عن جبهته ثم أخذ بأذن زيد بن أرقم فرفعه من الرحل ثم قال: يا غلام ~~صدق قولك ووعى قلبك وأنزل الله فيما قلت قرآنا. فلما نزل جمع أصحابه وقرأ ~~عليهم سورة المنافقين: "بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون إلى ~~قوله ولكن المنافقين لا يعلمون" ففضح الله عبد الله بن أبي. # وفي تفسير القمي أيضا، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~في قوله: "كأنهم خشب مسندة" يقول: لا يسمعون ولا يعقلون "يحسبون كل صيحة ~~عليهم" يعني كل صوت "هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون". فلما أنبأ ~~الله رسوله خبرهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا افتضحتم ويلكم فأتوا رسول الله ~~يستغفر لكم فلووا رءوسهم وزهدوا في الاستغفار، يقول الله: "وإذا قيل لهم ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله - لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون". # وفي الكافي، بإسناده إلى سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ~~الله تبارك وتعالى فوض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يذل نفسه ~~ألم تر قول الله سبحانه وتعالى هاهنا "لله العزة ولرسوله وللمؤمنين" ~~والمؤمن ينبغي أن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا:. أقول: وروي هذا المعنى ~~بإسناده عن داود الرقي والحسن الأحمسي وبطريق آخر عن سماعة. # وفيه، بإسناده عن مفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا ~~ينبغي ms7250 للمؤمن أن يذل نفسه. قلت: بما يذل نفسه؟ قال: يدخل فيما يعتذر منه. # كلام حول النفاق في صدر الإسلام PageV19P158 يهتم القرآن بأمر المنافقين اهتماما بالغا ويكر عليهم كرة عنيفة بذكر مساوي ~~أخلاقهم وأكاذيبهم وخدائعهم ودسائسهم والفتن التي أقاموها على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وعلى المسلمين، وقد تكرر ذكرهم في السور القرآنية ~~كسورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والعنكبوت ~~والأحزاب والفتح والحديد والحشر والمنافقون والتحريم. # وقد أوعدهم الله في كلامه أشد الوعيد ففي الدنيا بالطبع على قلوبهم وجعل ~~الغشاوة على سمعهم وعلى أبصارهم وإذهاب نورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~وفي الآخرة بجعلهم في الدرك الأسفل من النار. # وليس ذلك إلا لشدة المصائب التي أصابت الإسلام والمسلمين من كيدهم ومكرهم ~~وأنواع دسائسهم فلم ينل المشركون واليهود والنصارى من دين الله ما نالوه، ~~وناهيك فيهم قوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) يشير إليهم: "هم ~~العدو فاحذرهم": المنافقون: 4. # وقد ظهر آثار دسائسهم ومكائدهم أوائل ما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلى المدينة فورد ذكرهم في سورة البقرة وقد نزلت - على ما قيل - على ~~رأس ستة أشهر من الهجرة ثم في السور الأخرى النازلة بعد بالإشارة إلى أمور ~~من دسائسهم وفنون من مكائدهم كانسلالهم من الجند الإسلامي يوم أحد وهم ~~ثلثهم تقريبا، وعقدهم الحلف مع اليهود واستنهاضهم على المسلمين وبنائهم ~~مسجد الضرار وإشاعتهم حديث الإفك، وإثارتهم الفتنة في قصة السقاية وقصة ~~العقبة إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات حتى بلغ أمرهم في الإفساد وتقليب ~~الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حيث هددهم الله بمثل قوله: ~~"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك ~~بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا": الأحزاب: 61. # وقد استفاضت الأخبار وتكاثرت في أن عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من ~~المنافقين وهم الذين كانوا يقلبون الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ويتربصون به الدوائر وكانوا ms7251 معروفين عند المؤمنين يقربون من ثلث ~~القوم وهم الذين خذلوا المؤمنين يوم أحد فانمازوا منهم ورجعوا إلى المدينة ~~قائلين لو نعلم قتالا لاتبعناكم وهم عبد الله بن أبي وأصحابه. # ومن هنا ذكر بعضهم أن حركة النفاق بدأت بدخول الإسلام المدينة واستمرت ~~إلى قرب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # هذا ما ذكره جمع منهم لكن التدبر في حوادث زمن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والإمعان في الفتن الواقعة بعد الرحلة والاعتناء بطبيعة الاجتماع ~~الفعالة يقضي عليه بالنظر: أما أولا: فلا دليل مقنعا على عدم تسرب النفاق ~~في متبعي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين بمكة قبل الهجرة، وقول ~~القائل: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين بمكة قبل الهجرة لم ~~يكونوا من القوة ونفوذ الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس ويتقوهم أو ~~يرجوا منهم خيرا حتى يظهروا لهم الإيمان ظاهرا ويتقربوا منهم بالإسلام، وهم ~~مضطهدون مفتنون معذبون بأيدي صناديد قريش ومشركي مكة المعادين لهم ~~المعاندين للحق بخلاف حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة بعد ~~الهجرة فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر إليها وقد كسب أنصارا من الأوس ~~والخزرج واستوثق من أقوياء رجالهم أن يدفعوا عنه كما يدفعون عن أنفسهم ~~وأهليهم، وقد دخل الإسلام في بيوت عامتهم فكان مستظهرا بهم على العدة ~~القليلة الذين لم يؤمنوا به وبقوا على شركهم ولم يكن يسعهم أن يعلنوا ~~مخالفتهم ويظهروا شركهم فتوقوا الشر بإظهار الإسلام فآمنوا به ظاهرا وهم ~~على كفرهم باطنا فدسوا الدسائس ومكروا ما مكروا. PageV19P159 # غير تام، فما القدرة والقوة المخالفة المهيبة ورجاء الخير بالفعل ~~والاستدرار المعجل علة منحصرة للنفاق حتى يحكم بانتفاء النفاق لانتفائها ~~فكثيرا ما نجد في المجتمعات رجالا يتبعون كل داع ويتجمعون إلى كل ناعق ولا ~~يعبئون بمخالفة القوى المخالفة القاهرة الطاحنة، ويعيشون على خطر مصرين على ~~ذلك رجاء أن يوفقوا يوما لإجراء مرامهم ويتحكموا على الناس باستقلالهم ~~بإدارة رحى المجتمع والعلو في الأرض وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ms7252 يذكر في دعوته لقومه أن لو آمنوا به واتبعوه كانوا ملوك الأرض. # فمن الجائز عقلا أن يكون بعض من آمن به يتبعه في ظاهر دينه طمعا في ~~البلوغ بذلك إلى أمنيته وهي التقدم والرئاسة والاستعلاء، والأثر المترتب ~~على هذا النوع من النفاق ليس هو تقليب الأمور وتربص الدوائر على الإسلام ~~والمسلمين وإفساد المجتمع الديني بل تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه ~~لينتظم بذلك الأمور ويتهيأ لاستفادته منه واستدراره لنفع شخصه. # نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة والمضادة فيما إذا لاح من الدين مثلا ~~ما يخالف أمنية تقدمه وتسلطه إرجاعا للأمر إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد. # وأيضا من الممكن أن يكون بعض المسلمين يرتاب في دينه فيرتد ويكتم ارتداده ~~كما مرت الإشارة إليه في قوله تعالى: "ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا" الآية، ~~وكما يظهر من لحن مثل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم": المائدة: 54. # وأيضا الذين آمنوا من مشركي مكة يوم الفتح لا يؤمن أكثرهم أن لا يؤمنوا ~~إيمان صدق وإخلاص ومن البديهي عند من تدبر في حوادث سني الدعوة أن كفار مكة ~~وما والاها وخاصة صناديد قريش ما كانوا ليؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لو لا سواد جنود غشيتهم وبريق سيوف مسلطة فوق رءوسهم يوم الفتح وكيف ~~يمكن مع ذلك القضاء بأنه حدث في قلوبهم والظرف هذا الظرف نور الإيمان وفي ~~نفوسهم الإخلاص واليقين فآمنوا بالله طوعا عن آخرهم ولم يدب فيهم دبيب ~~النفاق أصلا. # وأما ثانيا: فلأن استمرار النفاق إلى قرب رحلة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وانقطاعه عند ذلك ممنوع نعم انقطع الخبر عن المنافقين بالرحلة ~~وانعقاد الخلافة وانمحى أثرهم فلم يظهر منهم ما كان يظهر من الآثار المضادة ~~والمكائد والدسائس المشئومة. # فهل كان ذلك لأن المنافقين وفقوا للإسلام وأخلصوا الإيمان عن آخرهم برحلة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأثرت قلوبهم من موته ما لم يتأثر ~~بحياته؟ أو أنهم صالحوا أولياء الحكومة الإسلامية على ms7253 ترك المزاحمة بأن ~~يسمح لهم ما فيه أمنيتهم مصالحة سرية بعد الرحلة أو قبلها؟ أو أنه وقع هناك ~~تصالح اتفاقي بينهم وبين المسلمين فوردوا جميعا في مشرعة سواء فارتفع ~~التصاك والتصادم؟. # ولعل التدبر الكافي في حوادث آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والفتن الواقعة بعد رحلته يهدي إلى الحصول على جواب شاف لهذه الأسئلة. # والذي أوردناه في هذا الفصل إشارة إجمالية إلى سبيل البحث. PageV19P160 ### ||| AUTO 63 سورة المنافقون - 9 - 11 # يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أمولكم ولا أولدكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك ~~فأولئك هم الخسرون (9) وأنفقوا من ما رزقنكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت ~~فيقول رب لو لا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصلحين (10) ولن يؤخر ~~الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) ### |||| AUTO بيان # تنبيه للمؤمنين أن يتجنبوا عن بعض الصفات التي تورث النفاق وهو التلهي ~~بالمال والأولاد والبخل. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله" إلخ، الإلهاء الإشغال، والمراد بالهاء الأموال والأولاد عن ذكر الله ~~إشغالها القلب بالتعلق بها بحيث يوجب الإعراض عن التوجه إلى الله بما أنها ~~زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا": ~~الكهف: 46، والاشتغال بها يوجب خلو القلب عن ذكر الله ونسيانه تعالى فلا ~~يبقى له إلا القول من غير عمل وتصديق قلبي ونسيان العبد لربه يستعقب نسيانه ~~تعالى له، قال تعالى: "نسوا الله فنسيهم": التوبة: 67، وهو الخسران المبين، ~~قال تعالى في صفة المنافقين: "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم": البقرة: 16. # وإليه الإشارة بما في ذيل الآية من قوله: "ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون". # والأصل هو نهي المؤمنين عن التلهي بالأموال والأولاد وتبديله من نهي ~~الأموال والأولاد عن إلهائهم للتلويح إلى أن من طبعها الإلهاء فلا ينبغي ~~لهم أن يتعلقوا بها فتلهيهم عن ذكر الله سبحانه فهو نهي كنائي آكد من ~~التصريح. # قوله تعالى: "وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت" ms7254 إلخ، أمر ~~بالإنفاق في البر أعم من الإنفاق الواجب كالزكاة والكفارات أو المندوب، ~~وتقييده بقوله: "مما رزقناكم" للإشعار بأن أمره هذا ليس سؤالا لما يملكونه ~~دونه، وإنما هو شيء هو معطيه لهم ورزق هو رازقه وملك هو ملكهم إياه من غير ~~أن يخرج عن ملكه يأمرهم بإنفاق شيء منه فيما يريد فله المنة عليهم في كل حال. # وقوله: "من قبل أن يأتي أحدكم الموت" أي فينقطع أمد استطاعته من التصرف ~~في ماله بالإنفاق في سبيل الله. # وقوله: "فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب" عطف على قوله: "أن يأتي" ~~إلخ، وتقييد الأجل بالقريب للإشعار بأنه قانع بقليل من التمديد - وهو مقدار ~~ما يسع الإنفاق من العمر - ليسهل إجابته، ولأن الأجل أيا ما كان فهو قريب، ~~ومن كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم): كل ما هو آت قريب. # وقوله: "فأصدق وأكن من الصالحين" نصب "فأصدق" لكونه في جواب التمني، وجزم ~~"أكن" لكونه في معنى جزاء الشرط، والتقدير إن أتصدق أكن من الصالحين. # قوله تعالى: "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها" إياس لهم من استجابة ~~دعاء من يسأل تأخير الأجل بعد حلوله والموت بعد نزوله وظهور آيات الآخرة، ~~وقد تكرر في كلامه تعالى أن الأجل المسمى من مصاديق القضاء المحتوم كقوله: ~~"وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": يونس: 49. # وقوله: "والله خبير بما تعملون" حال من ضمير "أحدكم" أو عطف على أول ~~الكلام ويفيد فائدة التعليل، والمعنى: لا تتلهوا وأنفقوا فإن الله عليم ~~بأعمالكم يجازيكم بها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه،: وسئل عن قول الله تعالى: "فأصدق وأكن من الصالحين" قال: ~~"أصدق" من الصدقة، و"أكن من الصالحين" أحج. # أقول: الظاهر أن ذيل الحديث من قبيل الإشارة إلى بعض المصاديق. # وفي المجمع، عن ابن عباس قال: ما من أحد يموت وكان له مال فلم يؤد زكاته ~~وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت. قالوا: يا ابن عباس اتق الله ~~فإنما نرى هذا الكافر يسأل الرجعة فقال: أنا أقرأ ms7255 به عليكم قرآنا ثم قرأ ~~هذه الآية يعني قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم إلى قوله من الصالحين" ~~قال: الصلاح هنا الحج:، وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام). أقول: ~~ورواه في الدر المنثور، عن عدة من أرباب الجوامع عن ابن عباس. PageV19P161 # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول ~~الله: "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها" قال: إن عند الله كتبا موقوفة ~~يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء فإذا كان ليلة القدر أنزل الله فيها كل ~~شيء يكون إلى مثلها فذلك قوله: "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها" إذا ~~نزله الله وكتبه كتاب السماوات وهو الذي لا يؤخر. PageV19P162 ### || AUTO ### ||| AUTO 64 سورة التغابن - 1 - 10 # بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما فى السموت وما فى الأرض له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شىء قدير (1) هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله ~~بما تعملون بصير (2) خلق السموت والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه ~~المصير (3) يعلم ما فى السموت والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم ~~بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينت فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) ~~فئامنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يكفر عنه ~~سيئاته ويدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ~~(9) والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب النار خلدين فيها وبئس المصير (10) ### |||| AUTO بيان # السورة شبيهة بسورة الحديد في سياق كسياقها ونظم كنظمها كأنها ملخصة منها ~~وغرضها تحريض المؤمنين وترغيبهم في الإنفاق في سبيل الله ورفع ما يهجس في ~~قلوبهم ويدب في نفوسهم من الأسى ms7256 والأسف على المصائب التي تهجم عليهم في ~~تحمل مشاق الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله والإنفاق فيها بأن ذلك كله ~~بإذن الله. # والآيات التي أوردناها من صدر السورة تقدمه وتمهيد لبيان الغرض المذكور ~~تبين أن أسماءه تعالى الحسنى وصفاته العليا تقضي بالبعث ورجوع الكل إليه ~~تعالى رجوعا يساق فيه أهل الإيمان والعمل الصالح إلى جنة خالدة، وأهل الكفر ~~والتكذيب إلى نار مؤبدة فهي تمهيد للأمر بطاعة الله ورسوله والصبر على ~~المصائب والإنفاق في سبيل الله من غير تأثر من منع مانع ولا خوف من لومة لائم. # والسورة مدنية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير" تقدم الكلام في معنى التسبيح والملك والحمد والقدرة، ~~وأن المراد بما في السماوات والأرض يشمل نفس السماوات والأرض ومن فيها وما فيها. # وقوله: "له الملك" مطلق يفيد إطلاق الملك وعدم محدوديته بحد ولا تقيده ~~بقيد أو شرط فلا حكم نافذا إلا حكمه، ولا حكم له إلا نافذا على ما أراد. # وكذا قوله: "وله الحمد" مطلق يفيد رجوع كل حمد من كل حامد - والحمد هو ~~الثناء على الجميل الاختياري - إليه تعالى لأن الخلق والأمر إليه فلا ذات ~~ولا صفة ولا فعل جميلا محمودا إلا منه وإليه. # وكذا قوله: "وهو على كل شيء قدير" بما يدل عليه من عموم متعلق القدرة غير ~~محدودة ولا مقيدة بقيد أو شرط. # وإذ كانت الآيات - كما تقدمت الإشارة إليه - مسوقة لإثبات المعاد كانت ~~الآية كالمقدمة الأولى لإثباته، وتفيد أن الله منزه عن كل نقص وشين في ذاته ~~وصفاته وأفعاله يملك الحكم على كل شيء والتصرف فيه كيفما شاء وأراد، - ولا ~~يتصرف إلا جميلا - وقدرته تسع كل شيء فله أن يتصرف في خلقه بالإعادة كما ~~تصرف فيهم بالإيذاء - الإحداث والإبقاء - فله أن يبعثهم إن تعلقت به إرادته ~~ولا تتعلق إلا بحكمه. # قوله تعالى: "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون ~~بصير" الفاء في "فمنكم" ms7257 تدل على مجرد ترتب الكفر والإيمان على الخلق فلا ~~دلالة في التفريع على كون الكفر والإيمان مخلوقين لله تعالى أو غير ~~مخلوقين، وإنما المراد انشعابهم فرقتين: بعضهم كافر وبعضهم مؤمن، وقدم ذكر ~~الكافر لكثرة الكفار وغلبتهم. PageV19P163 # و"من" في قوله: "فمنكم" و"منكم" للتبعيض أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن. # وقد نبه بقوله: "والله بما تعملون بصير" على أن انقسامهم قسمين وتفرقهم ~~فرقتين حق كما ذكر، وهم متميزون عنده لأن الملاك في ذلك أعمالهم ظاهرها ~~وباطنها والله بما يعملون بصير لا تخفى عليه ولا تشتبه. # وتتضمن الآية مقدمة أخرى لإثبات المعاد وتنجزه وهي أن الناس مخلوقون له ~~تعالى متميزون عنده بالكفر والإيمان وصالح العمل وطالحه. # قوله تعالى: "خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه ~~المصير" المراد بالحق خلاف الباطل وهو خلقها من غير غاية ثابتة وغرض ثابت ~~كما قال: "لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا": الأنبياء: 17، وقال: ~~"وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون": الدخان: 39. # وقوله: "وصوركم فأحسن صوركم" المراد بالتصوير إعطاء الصورة وصورة الشيء ~~قوامه ونحو وجوده كما قال: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم": التين: 4، ~~وحسن الصورة تناسب تجهيزاتها بعضها لبعض والمجموع لغاية وجودها، وليس هو ~~الحسن بمعنى صباحة المنظر وملاحته بل الحسن العام الساري في الأشياء كما ~~قال تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة: 7. # ولعل اختصاص حسن صورهم بالذكر للتنبيه على أنها ملائمة للغاية التي هي ~~الرجوع إلى الله فتكون الجملة من جملة المقدمات المسوقة لإثبات المعاد على ~~ما تقدمت الإشارة إليه. # وبهذه الآية تتم المقدمات المنتجة للزوم البعث ورجوع الخلق إليه تعالى ~~فإنه تعالى لما كان ملكا قادرا على الإطلاق له أن يحكم بما شاء ويتصرف كيف ~~أراد وهو منزه عن كل نقص وشين محمود في أفعاله، وكان الناس مختلفين بالكفر ~~والإيمان وهو بصير بأعمالهم، وكانت الخلقة لغاية من غير لغو وجزاف كان من ~~الواجب أن يبعثوا بعد نشأتهم الدنيا لنشأة أخرى دائمة خالدة فيعيشوا فيها ms7258 ~~عيشة باقية على ما يقتضيه اختلافهم بالكفر والإيمان وهو الجزاء الذي يسعد ~~به مؤمنهم ويشقى به كافرهم. # وإلى هذه النتيجة يشير بقوله: "وإليه المصير". # قوله تعالى: "يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور" دفع شبهة لمنكري المعاد مبنية على الاستبعاد وهي ~~أنه كيف يمكن إعادة الموجودات وهي فانية بائدة وحوادث العالم لا تحصى ~~والأعمال والصفات لا تعد، منها ظاهرة علنية ومنها باطنة سرية ومنها مشهودة ~~ومنها مغيبة، فأجيب بأن الله يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون ~~وما تعلنون. # وقوله: "والله عليم بذات الصدور" قيل: إنه اعتراض تذييلي مقرر لشمول علمه ~~تعالى بما يسرون وما يعلنون والمعنى: أنه تعالى محيط علما بالمضرات ~~المستكنة في صدور الناس مما لا يفارقها أصلا فكيف يخفى عليه شيء مما تسرونه ~~وما تعلنونه. # وفي قوله: "والله عليم" إلخ، وضع الظاهر موضع الضمير والأصل "وهو عليم" ~~إلخ والنكتة فيه الإشارة إلى علة الحكم، وليكون ضابطا يجري مجرى المثل. # قوله تعالى: "ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم" وبال الأمر تبعته السيئة والمراد بأمرهم كفرهم وما تفرع عليه من ~~فسوقهم. # لما كان مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا المعدودة في الآيات السابقة ~~وجوب معاد الناس ومصيرهم إلى ربهم للحساب والجزاء فمن الواجب إعلامهم بما ~~يجب عليهم أن يأتوا به أو يجتنبوا عنه وهو الشرع، والطريق إلى ذلك الرسالة ~~فمن الواجب إرسال رسول على أساس الإنذار والتبشير بعقاب الآخرة وثوابها ~~وسخطه تعالى ورضاه. # ساق تعالى الكلام بالإنذار بالإشارة إلى نبأ الذين كفروا من قبل وأنهم ~~ذاقوا وبال أمرهم ولهم في الآخرة عذاب أليم ثم انتقل إلى بيان سبب كفرهم ~~وهو تكذيب الرسالة ثم إلى سبب ذلك وهو إنكار البعث والمعاد. # ثم استنتج من ذلك كله وجوب إيمانهم بالله ورسوله والدين الذي أنزله عليه ~~وختم التمهيد المذكور بالتبشير والإنذار بالإشارة إلى ما هيىء للمؤمنين ~~الصالحين من جنة خالدة ولغيرهم من الكفار المكذبين من نار مؤبدة. PageV19P164 # فقوله: ms7259 "ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل" الخطاب للمشركين وفيه إشارة إلى ~~قصص الأمم السالفة الهالكة كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ممن أهلكهم الله ~~بذنوبهم، وقوله: "فذاقوا وبال أمرهم" إشارة إلى ما نزل عليهم من عذاب ~~الاستئصال وقوله: "ولهم عذاب أليم" إشارة إلى عذابهم الأخروي. # قوله تعالى: "ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا" ~~إلخ، بيان لسبب ما ذكر من تعذيبهم بعذاب الاستئصال وعذاب الآخرة، ولذلك جيء ~~بالفصل دون العطف كأنه جواب لسؤال مقدر كان سائلا يسأل فيقول: لم أصابهم ما ~~أصابهم من العذاب؟ فقيل: "ذلك بأنه كانت" إلخ، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من ~~العذاب. # وفي التعبير عن إتيان الرسل ودعوتهم بقوله: "كانت تأتيهم" الدال على ~~الاستمرار، وعن كفرهم وقولهم بقوله: "فقالوا وكفروا وتولوا" الدال ~~بالمقابلة على المرة دلالة على أنهم قالوا ما قالوا كلمة واحدة قاطعة لا ~~معدل عنها وثبتوا عليها وهو العناد واللجاج فتكون الآية في معنى قوله ~~تعالى: "تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين": ~~الأعراف: 101، وقوله: "ثم بعثنا من بعده أي بعد نوح رسلا إلى قومهم فجاءوهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين": يونس: 74. # وقوله: "فقالوا أبشر يهدوننا" يطلق البشر على الواحد والجمع والمراد به ~~الثاني بدليل قوله: "يهدوننا" والتنكير للتحقير، والاستفهام للإنكار أي ~~قالوا على سبيل الإنكار: أآحاد من البشر لا فضل لهم علينا يهدوننا؟. # وهذا القول منهم مبني على الاستكبار، على أن أكثر هؤلاء الأمم الهالكة ~~كانوا وثنيين وهم منكرون للنبوة وهو أساس تكذيبهم لدعوة الأنبياء، ولذلك ~~فرع تعالى على قولهم: "أبشر يهدوننا" قوله: "فكفروا وتولوا" أي بنوا عليه ~~كفرهم وإعراضهم. # وقوله: "واستغنى الله" الاستغناء طلب الغنى وهو من الله سبحانه - وهو غني ~~بالذات - إظهار الغنى وذلك أنهم كانوا يرون أن لهم من العلم والقوة ~~والاستطاعة ما يدفع عن جمعهم الفناء ويضمن لهم البقاء كأنه لا غنى ms7260 للوجود ~~عنهم كما حكى الله سبحانه عن قائلهم: "قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا": ~~الكهف: 35، وقال: "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ~~وما أظن الساعة قائمة": حم السجدة: 50. # ومآل هذا الظن بالحقيقة إلى أن لله سبحانه حاجة إليهم وفيهم - وهو الغني ~~بالذات - فإهلاكه تعالى لهم وإفناؤهم إظهار منه لغناه عن وجودهم، وعلى هذا ~~فالمراد بقوله: "واستغنى الله" استئصالهم المدلول عليه بقوله: "فذاقوا وبال ~~أمرهم". # على أن الإنسان معجب بنفسه بالطبع يرى أن له على الله كرامة كان من ~~الواجب عليه أن يحسن إليه أينما كان كان لله سبحانه حاجة إلى إسعاده ~~والإحسان إليه كما يشير إليه قوله تعالى: "وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50، وقوله: "وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا": الكهف: 36. # ومآل هذا الزعم بالحقيقة إلى أن من الواجب على الله سبحانه أن يسعدهم ~~كيفما كان كأن له إليهم حاجة فإذاقته لهم وبال أمرهم وتعذيبهم في الآخرة ~~إظهار منه تعالى لغناه عنهم، فالمراد باستغنائه تعالى عنهم مجموع ما أفيد ~~بقوله: "فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم". # فهذان وجهان في معنى قوله تعالى: "واستغنى الله" والثاني منهما أشمل، وفي ~~الكلمة على أي حال من سطوع العظمة والقدرة ما لا يخفى، وهو في معنى قوله: ~~"ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون": المؤمنون: 44. # وقيل: المراد واستغنى الله بإقامة البرهان وإتمام الحجة عليهم عن الزيادة ~~على ذلك بإرشادهم وهدايتهم إلى الإيمان. # وقيل: المراد واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم أزلا وأبدا لأنه غني ~~بالذات، والوجهان كما ترى. PageV19P165 # وقوله: "والله غني حميد" في محل التعليل لمضمون الآية، والمعنى: والله غني ~~في ذاته محمود فيما فعل، فما فعل بهم من إذاقتهم وبال أمرهم وتعذيبهم بعذاب ~~أليم على كفرهم وتوليهم من غناه وعدله لأنه مقتضى عملهم المردود إليهم. # قوله تعالى: "زعم الذين كفروا أن لن ms7261 يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن ~~بما عملتم وذلك على الله يسير" ذكر ركن آخر من أركان كفر الوثنيين وهو ~~إنكارهم الدين السماوي بإنكار المعاد إذ لا يبقى مع انتفاء المعاد أثر ~~للدين المبني على الأمر والنهي والحساب والجزاء ويصلح تعليلا لإنكار ~~الرسالة إذ لا معنى حينئذ للتبليغ والوعيد. # والمراد بالذين كفروا عامة الوثنيين ومنهم من عاصر النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) منهم كأهل مكة وما والاها، وقيل: المراد أهل مكة خاصة. # وقوله: "قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم" أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يجيب عن زعمهم أن لن يبعثوا، بإثبات ما نفوه بما في ~~الكلام من أصناف التأكيد بالقسم واللام والنون. # و"ثم" في "ثم لتنبؤن" للتراخي بحسب رتبة الكلام، وفي الجملة إشارة إلى ~~غاية البعث وهو الحساب وقوله: "وذلك على الله يسير" أي ما ذكر من البعث ~~والإنباء بالأعمال يسير عليه تعالى غير عسير، وفيه رد لإحالتهم أمر البعث ~~على الله سبحانه استبعادا، وقد عبر عنه في موضع آخر من كلامه بمثل قوله: ~~"وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه": الروم: 27. # والدليل عليه ما عده في صدر الآيات من أسمائه تعالى وصفاته من الخلق ~~والملك والعلم وأنه مسبح محمود، ويجمع الجميع أنه الله المستجمع لجميع صفات ~~الكمال. # ويظهر من هنا أن التصريح باسم الجلالة في الجملة أعني قوله: "وذلك على ~~الله يسير" للإيماء إلى التعليل، والمفاد أن ذلك يسير عليه تعالى لأنه ~~الله، والكلام حجة برهانية لا دعوى مجردة. # وذكروا أن الآية ثالثة الآيات التي أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يقسم بربه على وقوع المعاد وهي ثلاث: إحداها قوله: "ويستنبؤنك أحق ~~هو قل إي وربي": يونس: 53، والثانية قوله: "وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة قل بلى وربي لتأتينكم": سبأ: 3، والثالثة الآية التي نحن فيها. # قوله تعالى: "فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون ~~خبير" تفريع على مضمون الآية السابقة أي إذا كنتم مبعوثين لا ms7262 محالة منبئين ~~بما عملتم وجب عليكم أن تؤمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزله على رسوله ~~وهو القرآن الذي يهدي بنوره الساطع إلى مستقيم الصراط، ويبين شرائع الدين. # وفي قوله: "والنور الذي أنزلنا" التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ~~ولعل النكتة فيه تتميم الحجة بالسلوك من طريق الشهادة وهي أقطع للعذر فكم ~~فرق بين قولنا: والنور الذي أنزل وهو إخبار، وقوله: "والنور الذي أنزلنا" ~~ففيه شهادة منه تعالى على أن القرآن كتاب سماوي نازل من عنده تعالى، ~~والشهادة آكد من الإخبار المجرد. # لا يقال: ما ذا ينفع ذلك وهم ينكرون كون القرآن كلامه تعالى النازل من ~~عنده ولو صدقوا ذلك كفاهم ما مر من الحجة على المعاد وأغنى عن التمسك بذيل ~~الالتفات المذكور. # لأنه يقال: كفى في إبطال إنكارهم كونه كلام الله ما في القرآن من آيات ~~التحدي المثبتة لكونه كلام الله، والشهادة على أي حال آكد وأقوى من الإخبار ~~وإن كان مدللا. # وقوله: "والله بما تعملون خبير" تذكرة بعلمه تعالى بدقائق أعمالهم ليتأكد ~~به الأمر في قوله: "فآمنوا" والمعنى: آمنوا وجدوا في إيمانكم فإنه عليم ~~بدقائق أعمالكم لا يغفل عن شيء منها وهو مجازيكم بها لا محالة. PageV19P166 # قوله تعالى: "يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن" إلخ، "يوم" ظرف لقوله ~~السابق: "لتبعثن ثم لتنبؤن" إلخ، والمراد بيوم الجمع يوم القيامة الذي يجمع ~~فيه الناس لفصل القضاء بينهم قال تعالى: "ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا": ~~الكهف: 99، وقد تكرر في القرآن الكريم حديث الجمع ليوم القيامة، ويفسره ~~أمثال قوله تعالى: "إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون": الجاثية: 17، وقوله: "فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون": البقرة: 113، وقوله: "إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون": السجدة: 25، فالآيات تشير إلى أن جمعهم للقضاء بينهم. # وقوله: "ذلك يوم التغابن" قال الراغب: الغبن أن تبخس صاحبك في معاملة ~~بينك وبينه بضرب من الإخفاء. # قال: ويوم التغابن يوم القيامة لظهور الغبن في المعاملة المشار إليها ~~بقوله: ms7263 "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله" وبقوله: "إن الله اشترى ~~من المؤمنين" الآية، وبقوله: "الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا" ~~فعلموا أنهم غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعا. # وسئل بعضهم عن يوم التغابن فقال: تبدو الأشياء لهم بخلاف مقاديرهم في ~~الدنيا. # انتهى موضع الحاجة. # وما ذكره أولا مبني على تفسير التغابن بسريان المغبونية بين الكفار ~~بأخذهم لمعاملة خاسرة وتركهم معاملة رابحة، وهو معنى حسن غير أنه لا يلائم ~~معنى باب التفاعل الظاهر في فعل البعض في البعض. # وما نقله عن بعضهم وجه ثان لا يخلو من دقة، ويؤيده مثل قوله تعالى: "فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين": الم السجدة: 17، وقوله: "لهم ما يشاءون ~~فيها ولدينا مزيد": ق: 35، وقوله: "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون": الزمر: 47. # ومقتضى هذا الوجه عموم التغابن لجميع أهل الجمع من مؤمن وكافر أما المؤمن ~~فلما أنه لم يعمل لآخرته أكثر مما عمل، وأما الكافر فلأنه لم يعمل أصلا، ~~والوجه المشترك بينهما أنهما لم يقدرا اليوم حق قدره. # ويرد على هذا الوجه ما يرد على سابقه. # وهناك وجه ثالث وهو أن يعتبر التغابن بين أهل الضلال متبوعيهم وتابعيهم ~~فالمتبوعون وهم المستكبرون يغبنون تابعيهم وهم الضعفاء حيث يأمرونهم بأخذ ~~الدنيا وترك الآخرة فيضلون، والتابعون يغبنون المتبوعين حيث يعينونهم في ~~استكبارهم باتباعهم فيضلون، فكل من الفريقين غابن لغيره ومغبون من غيره. # وهناك وجه رابع وردت به الرواية وهو أن لكل عبد منزلا في الجنة لو أطاع ~~الله لدخله، ومنزلا في النار لو عصى الله لدخله ويوم القيامة يعطى منازل ~~أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ويعطى منازل أهل الجنة في النار لأهل النار ~~فيكون أهل الجنة وهم المؤمنون غابنين لأهل النار وهم الكفار والكفار هم ~~المغبونون. # وقال بعض المفسرين بعد إيراد هذا الوجه: وقد فسر التغابن قوله ذيلا: "ومن ~~يؤمن بالله - إلى قوله - وبئس المصير" انتهى. # وليس بظاهر ذاك الظهور. # وقوله: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا - إلى ms7264 قوله - وبئس المصير" تقدم ~~تفسيره مرارا. ### |||| AUTO بحث روائي # في صحيح البخاري، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا. وما من ~~عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق العامة والخاصة وقد تقدم بعضها ~~في تفسير أول سورة المؤمنون. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) قال: يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء والأرض، ويوم ~~التناد يوم ينادي أهل النار أهل الجنة "أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله" ويوم التغابن يوم يغبن أهل الجنة أهل النار، ويوم الحسرة يوم يؤتى ~~بالموت فيذبح. # أقول: وفي ذيل آيات صدر السورة المبحوث عنها عدة من الروايات توجه الآيات ~~بشئون الولاية كالذي ورد أن الإيمان والكفر هما الإيمان والكفر بالولاية ~~يوم أخذ الميثاق، وما ورد أن المراد بالبينات الأئمة، وما ورد أن المراد ~~بالنور الإمام وهي جميعا ناظرة إلى بطن الآيات وليست بمفسرة البتة. PageV19P167 ### ||| AUTO 64 سورة التغابن - 11 - 18 # ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شىء ~~عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلغ ~~المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يأيها ~~الذين ءامنوا إن من أزوجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما أمولكم وأولدكم فتنة والله عنده أجر ~~عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضعفه ~~لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) علم الغيب والشهدة العزيز الحكيم (18) ### |||| AUTO بيان # شروع فيما هو الغرض من السورة بعد ما مر من التمهيد والتوطئة وهو الندب ~~إلى الإنفاق في سبيل الله والصبر على ما يصيبهم من المصائب ms7265 في خلال ~~المجاهدة في الله سبحانه. # وقدم ذكر المصيبة والإشارة إلى الصبر عليها ليصفو المقام لما سيندب إليه ~~من الإنفاق وينقطع العذر. # قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شيء عليم" المصيبة صفة شاع استعمالها في الحوادث السوء التي تصحب ~~الضر، والإذن الإعلام بالرخصة وعدم المانع ويلازم علم الإذن بما أذن فيه، ~~وليس هو العلم كما قيل. # فظهر بما تقدم أولا أن إذنه تعالى في عمل سبب من الأسباب هو التخلية بينه ~~وبين مسببيه برفع الموانع التي تتخلل بينه وبين مسببه فلا تدعه يفعل فيه ما ~~يقتضيه بسببيته كالنار تقتضي إحراق القطن مثلا لو لا الفصل بينهما والرطوبة ~~فرفع الفصل بينهما والرطوبة من القطن مع العلم بذلك إذن في عمل النار في ~~القطن بما تقتضيه ذاتها أعني الإحراق. # وقد كان استعمال الإذن في العرف العام مختصا بما إذا كان المأذون له من ~~العقلاء لمكان أخذ معنى الإعلام في مفهومه فيقال: أذنت لفلان أن يفعل كذا ~~ولا يقال: أذنت للنار أن تحرق، ولا أذنت للفرس أن يعدو، لكن القرآن الكريم ~~يستعمله فيما يعم العقلاء وغيرهم بالتحليل كقوله: "وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله": النساء: 64،. # وقوله: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58، ولا يبعد أن ~~يكون هذا التعميم مبنيا على ما يفيده القرآن من سريان العلم والإدراك في ~~الموجودات كما قدمناه في تفسير قوله: "قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء": حم السجدة: 21. # وكيف كان فلا يتم عمل من عامل ولا تأثير من مؤثر إلا بإذن من الله سبحانه ~~فما كان من الأسباب غير تام له موانع لو تحققت منعت من تأثيره فإذنه تعالى ~~له في أن يؤثر رفعه الموانع، وما كان منها تاما لا مانع له يمنعه فإذنه له ~~عدم جعله له شيئا من الموانع فتأثيره يصاحب الإذن من غير انفكاك. # وثانيا: أن المصائب وهي الحوادث التي تصيب الإنسان فتؤثر فيه آثارا سيئة ~~مكروهة إنما تقع بإذن من الله ms7266 سبحانه كما أن الحسنات كذلك لاستيعاب إذنه ~~تعالى صدور كل أثر من كل مؤثر. # وثالثا: أن هذا الإذن إذن تكويني غير الإذن التشريعي الذي هو رفع الحظر ~~عن الفعل فإصابة المصيبة تصاحب إذنا من الله في وقوعها وإن كانت من الظلم ~~الممنوع فإن كون الظلم ممنوعا غير مأذون فيه إنما هو من جهة التشريع دون ~~التكوين. # ولذا كانت بعض المصائب غير جائزة الصبر عليها ولا مأذونا في تحملها ويجب ~~على الإنسان أن يقاومها ما استطاع كالمظالم المتعلقة بالأعراض والنفوس. # ومن هنا يظهر أن المصائب التي ندب إلى الصبر عندها هي التي لم يؤمر ~~المصاب عندها بالذب والامتناع عن تحملها كالمصائب العامة الكونية من موت ~~ومرض مما لا شأن لاختيار الإنسان فيها، وأما ما للاختيار فيها دخل كالمظالم ~~المتعلقة نوع تعلق بالاختيار من المظالم المتوجهة إلى الأعراض فلإنسان أن ~~يتوقاها ما استطاع. PageV19P168 # وقوله: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه" كان ظاهر سياق قوله: "ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله" يفيد أن لله سبحانه في الحوادث التي تسوء الإنسان علما ~~ومشية فليست تصيبه مصيبة إلا بعد علمه تعالى ومشيته فليس لسبب من الأسباب ~~الكونية أن يستقل بنفسه فيما يؤثره فإنما هو نظام الخلقة لا رب يملكه إلا ~~خالقه فلا تحدث حادثة ولا تقع واقعة إلا بعلم منه ومشية فلم يكن ليخطئه ما ~~أصابه ولم يكن ليصيبه ما أخطأه. # وهذه هي الحقيقة التي بينها بلسان آخر في قوله: "ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير": ~~الحديد: 22. # فالله سبحانه رب العالمين ولازم ربوبيته العامة أنه وحده يملك كل شيء لا ~~مالك بالحقيقة سواه، والنظام الجاري في الوجود مجموع من أنحاء تصرفاته في ~~خلقه فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا عن إذن منه، ولا يفعل فاعل ولا ~~يقبل قابل إلا عن علم سابق منه ومشية لا يخطىء علمه ومشيته ولا يرد قضاؤه. # فالإذعان بكونه تعالى هو الله يستعقب اهتداء النفس ms7267 إلى هذه الحقائق ~~واطمئنان القلب وسكونه وعدم اضطرابه وقلقه من جهة تعلقه بالأسباب الظاهرية ~~وإسناده المصائب والنوائب المرة إليها دون الله سبحانه. # وهذا معنى قوله تعالى: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه". # وقيل: معنى الجملة: ومن يؤمن بتوحيد الله ويصبر لأمر الله يهد قلبه ~~للاسترجاع حتى يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وفيه إدخال الصبر في معنى ~~الإيمان. # وقيل: المعنى: ومن يؤمن بالله يهد قلبه إلى ما عليه أن يفعل فإن ابتلي ~~صبر وإن أعطي شكر وإن ظلم غفر، وهذا الوجه قريب مما قدمناه. # وقوله: "والله بكل شيء عليم" تأكيد للاستثناء المتقدم، ويمكن أن يكون ~~إشارة إلى ما يفيده قوله: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها": الحديد: 22. # قوله تعالى: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين" ظاهر تكرار "أطيعوا" دون أن يقال: أطيعوا الله والرسول ~~اختلاف المراد بالإطاعة، فالمراد بإطاعة الله تعالى الانقياد له فيما شرعه ~~لهم من شرائع الدين والمراد بإطاعة الرسول الانقياد له وامتثال ما يأمر به ~~بحسب ولايته للأمة على ما جعلها الله له. # وقوله: "فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين" التولي الإعراض، ~~والبلاغ التبليغ، والمعنى: فإن أعرضتم عن إطاعة الله فيما شرع من الدين أو ~~عن إطاعة الرسول فيما أمركم به بما أنه ولي أمركم، فلم يكرهكم رسولنا على ~~الطاعة فإنه لم يؤمر بذلك، وإنما أمر بالتبليغ وقد بلغ. # ومن هنا يظهر أن أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما وراء الأحكام ~~والشرائع من تبليغ رسالة الله فأمره ونهيه فيما توليه من أمر الله ونهيه، ~~وطاعته فيهما من طاعة الله تعالى كما يدل عليه إطلاق قوله تعالى: "وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64. # الظاهر في أن طاعة الرسول فيما يأمر وينهى مطلقا مأذون فيه بإذن الله، ~~وإذنه في طاعته يستلزم علمه ومشيته لطاعته، وإرادة طاعة الأمر والنهي إرادة ~~لنفس الأمر والنهي فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms7268 ونهيه من أمر الله ~~ونهيه وإن كان فيما وراء الأحكام والشرائع المجعولة له تعالى. # ولما تقدم من رجوع طاعة الرسول إلى طاعة الله التفت من الغيبة إلى الخطاب ~~في قوله: "رسولنا" وفيه مع ذلك شيء من شائبة التهديد. # قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون" في مقام ~~التعليل لوجوب إطاعة الله على ما تقدم أن طاعة الرسول من طاعة الله، توضيح ~~ذلك أن الطاعة بمعنى الانقياد والائتمار للأمر والانتهاء عن النهي من شئون ~~العبودية حيث لا أثر لملك المولى رقبة عبده إلا مالكيته لإرادته وعمله فلا ~~يريد إلا ما يريد المولى أن يريده ولا يعمل إلا ما يريد المولى أن يعمله ~~فالطاعة نحو من العبودية كما يشير إليه قوله: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان": يس: 60، يعاتبهم بعبادة الشيطان وإنما أطاعوه. PageV19P169 # فطاعة المطيع بالنسبة إلى المطاع نوع عبادة له، وإذ لا معبود إلا الله فلا ~~طاعة إلا لله عز اسمه أو من أمر بطاعته فالمعنى: أطيعوا الله سبحانه إذ لا ~~طاعة إلا لمعبود ولا معبود بالحق إلا الله فيجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا ~~به بطاعة غيره وعبادته كالشيطان وهوى النفس وهذا معنى كون الجملة في مقام ~~التعليل. # وبما مر يظهر وجه تخصيص صفة الألوهية التي تفيد معنى المعبودية، بالذكر ~~دون صفة الربوبية فلم يقل: الله لا رب غيره. # وقوله: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" تأكيد لمعنى الجملة السابقة أعني ~~قوله: "الله لا إله إلا هو". # توضيحه: أن التوكيل إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في إدارة أموره ولازم ~~ذلك قيام إرادته مقام إرادة موكلة وفعله مقام فعله فينطبق بوجه على الإطاعة ~~فإن المطيع يجعل إرادته وعمله تبعا لإرادة المطاع فتقوم إرادة المطاع مقام ~~إرادته ويعود عمله متعلقا لإرادة المطاع صادرا منها اعتبارا فترجع الإطاعة ~~توكيلا بوجه كما أن التوكيل إطاعة بوجه. # فإطاعة العبد لربه اتباع إرادته لإرادة ربه والإتيان بالفعل على هذا ~~النمط وبعبارة أخرى إيثار إرادته وما يتعلق بها من العمل على ms7269 إرادة نفسه ~~وما يتعلق بها من العمل. # فطاعته تعالى فيما شرع لعباده وما يتعلق بها نوع تعلق من التوكل عليه، ~~وطاعته واجبة لمن عرفه وآمن به فعلى الله فليتوكل المؤمنون وإياه فليطيعوا، ~~وأما من لم يعرفه ولم يؤمن به فلا تتحقق منه طاعة. # وقد بان بما تقدم أن الإيمان والعمل الصالح نوع من التوكل على الله تعالى. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم" إلخ "من" في "أزواجكم" للتبعيض، وسياق الخطاب بلفظ "يا أيها ~~الذين آمنوا" وتعليق العداوة بهم يفيد التعليل أي إنهم يعادونهم بما أنهم ~~مؤمنون، والعداوة من جهة الإيمان لا تتحقق إلا باهتمامهم أن يصرفوهم عن أصل ~~الإيمان أو عن الأعمال الصالحة كالإنفاق في سبيل الله والهجرة من دار الكفر ~~أو أن يحملوهم على الكفر أو المعاصي الموبقة كالبخل عن الإنفاق في سبيل ~~الله شفقة على الأولاد والأزواج والغصب واكتساب المال من غير طريق حله. # فالله سبحانه يعد بعض الأولاد والأزواج عدوا للمؤمنين في إيمانهم حيث ~~يحملونهم على ترك الإيمان بالله أو ترك بعض الأعمال الصالحة أو اقتراف بعض ~~الكبائر الموبقة وربما أطاعوهم في بعض ذلك شفقة عليهم وحبا لهم فأمرهم الله ~~بالحذر منهم. # وقوله: "وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم" قال الراغب: ~~العفو القصد لتناول الشيء يقال: عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده - ~~إلى أن قال - وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه، وقال: الصفح ترك ~~التثريب وهو أبلغ من العفو، ولذلك قال تعالى: "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره" وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، وقال: الغفر البأس ما يصونه عن ~~الدنس، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء واصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ، ~~والغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب قال: ~~"غفرانك ربنا" و"مغفرة من ربكم" "ومن يغفر الذنوب إلا الله" انتهى. # ففي قوله: "فاعفوا واصفحوا واغفروا" ندب إلى كمال الإغماض عن الأولاد ~~والأزواج. # إذا ظهر منهم شيء من آثار المعاداة المذكورة - مع ms7270 الحذر من أن يفتتن بهم. # وفي قوله: "فإن الله غفور رحيم" إن كان المراد خصوص مغفرته ورحمته ~~للمخاطبين أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا كان وعدا جميلا لهم تجاه عملهم الصالح ~~كما في قوله تعالى: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم": النور: 22. # وإن أريد مغفرته ورحمته العامتان من غير تقييد بمورد الخطاب أفاد أن ~~المغفرة والرحمة من صفات الله سبحانه فإن عفوا وصفحوا وغفروا فقد اتصفوا ~~بصفات الله وتخلقوا بأخلاقه. # قوله تعالى: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم" الفتنة ما ~~يبتلى ويمتحن به، وكون الأموال والبنين فتنة إنما هو لكونهما زينة الحياة ~~تنجذب إليهما النفس انجذابا فتفتتن وتلهو بهما عما يهمها من أمر آخرته ~~وطاعة ربه، قال تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا": الكهف: 46. # والجملة كناية عن النهي عن التلهي بهما والتفريط في جنب الله باللي ~~إليهما ويؤكده قوله: "والله عنده أجر عظيم". PageV19P170 # قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" إلخ، أي مبلغ استطاعتكم - على ما ~~يفيده السياق فإن السياق سياق الدعوة والندب إلى السمع والطاعة والإنفاق ~~والمجاهدة في الله - والجملة تفريع على قوله: "إنما أموالكم" إلخ، فالمعنى: ~~اتقوه مبلغ استطاعتكم ولا تدعوا من الاتقاء شيئا تسعه طاقتكم وجهدكم فتجري ~~الآية مجرى قوله: "اتقوا الله حق تقاته": آل عمران: 102، وليست الآية ناظرة ~~إلى نفي التكليف بالاتقاء فيما وراء الاستطاعة وفوق الطاقة كما في قوله: ~~"ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به": البقرة: 286. # وقد بان مما مر: أولا: أن لا منافاة بين الآيتين أعني قوله: "فاتقوا الله ~~ما استطعتم" وقوله: "اتقوا الله حق تقاته" وأن الاختلاف بينهما كالاختلاف ~~بالكمية والكيفية، فقوله: "فاتقوا الله ما استطعتم" أمر باستيعاب جميع ~~الموارد التي تسعها الاستطاعة بالتقوى، وقوله: "اتقوا الله حق تقاته" أمر ~~بالتلبس في كل من موارد التقوى بحق التقوى دون شبحها وصورتها. # وثانيا: فساد قول بعضهم: إن قوله: "فاتقوا الله ما استطعتم" ناسخ لقوله: ~~"اتقوا الله حق تقاته" وهو ظاهر. # وقوله: "واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم" توضيح وتأكيد لقوله: ~~"فاتقوا الله ما ms7271 استطعتم" والسمع الاستجابة والقبول وهو في مقام الالتزام ~~القلبي، والطاعة الانقياد وهو في مقام العمل، والإنفاق المراد به بذل المال ~~في سبيل الله. # و"خيرا لأنفسكم" منصوب بمحذوف - على ما في الكشاف، - والتقدير آمنوا خيرا ~~لأنفسكم، ويحتمل أن يكون "أنفقوا" مضمنا معنى قدموا أو ما يقرب منه بقرينة ~~المقام، وفي قوله: "لأنفسكم" دون أن يقال: خيرا لكم زيادة تطييب لنفوسهم أي ~~إن الإنفاق خير لكم لا ينتفع به إلا أنفسكم لما فيه من بسط أيديكم وسعة ~~قدرتكم على رفع حوائج مجتمعكم. # وقوله: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" تقدم تفسيره في تفسير سورة الحشر. # قوله تعالى: "إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور ~~حليم" المراد بإقراض الله الإنفاق في سبيله سماه الله إقراضا لله وسمي ~~المال المنفق قرضا حسنا حثا وترغيبا لهم فيه. # وقوله: "يضاعفه لكم ويغفر لكم" إشارة إلى حسن جزائه في الدنيا والآخرة. # والشكور والحليم وعالم الغيب والشهادة والعزيز والحكيم خمسة من أسماء ~~الله الحسنى تقدم شرحها، ووجه مناسبتها لما أمر به في الآية من السمع ~~والطاعة والإنفاق ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في ~~قوله تعالى: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم" وذلك أن الرجل إذا ~~أراد الهجرة تعلق به ابنه وامرأته وقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا فنضيع ~~بعدك فمنهم من يطيع أهله فيقيم فحذرهم الله أبناءهم ونساءهم ونهاهم عن ~~طاعتهم، ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع ~~الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبدا. فلما جمع الله بينه ~~وبينهم أمر الله أن يتوق بحسن وصله فقال: "وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن ~~الله غفور رحيم":. أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب ~~الجوامع عن ابن عباس. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة": عن ابن ~~مردويه عن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي أوفى ms7272 عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال:. أقول: وروي مثله أيضا عنه عن ~~كعب بن عياض عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ~~والحاكم وابن مردويه عن بريدة قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا ~~من ذا الشق ثم صعد المنبر فقال: صدق الله قال: "إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة"، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر إن قطعت ~~كلامي ونزلت إليهما. # أقول: والرواية لا تخلو من شيء وأنى تنال الفتنة من النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وهو سيد الأنبياء المخلصين معصوم مؤيد بروح القدس. PageV19P171 # وأفظع لحنا من هذا الحديث ما رواه عن ابن مردويه عن عبد الله بن عمر أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج ~~الحسين بن علي فوطأ في ثوب كان عليه فسقط فبكى فنزل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن المنبر. فلما رأى الناس أسرعوا إلى الحسين يتعاطونه ~~يعطيه بعضهم بعضا حتى وقع في يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ~~قاتل الله الشيطان إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري. # ومثله ما عن ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال: سمع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بكاء حسن أو حسين فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~الولد فتنة لقد قمت إليه وما أعقل. # فالوجه طرح الروايات إلا أن تؤول. # وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن تفسير وكيع حدثنا سفيان بن مرة ~~الهمداني عن عبد خير سألت علي بن أبي طالب عن قوله تعالى: "اتقوا الله حق ~~تقاته" قال: والله ما عمل بها غير أهل بيت رسول الله (صلى ms7273 الله عليه وآله ~~وسلم). نحن ذكرنا الله فلا ننساه ونحن شكرناه فلن نكفره، ونحن أطعناه فلم ~~نعصه. فلما نزلت هذه قالت الصحابة: لا نطيق ذلك فأنزل الله: "فاتقوا الله ~~ما استطعتم". الحديث. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن الفضل بن أبي مرة قال: رأيت أبا عبد الله ~~(عليه السلام) يطوف من أول الليل إلى الصباح وهو يقول: اللهم وقني شح نفسي ~~فقلت: جعلت فداك ما رأيتك تدعو بغير هذا الدعاء فقال: وأي شيء أشد من شح ~~النفس؟ إن الله يقول: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". PageV19P172 ### || AUTO ### ||| AUTO 65 سورة الطلاق - 1 - 7 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهدة لله ذلكم يوعظ به من ~~كان يؤمن بالله واليوم الاخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بلغ أمره قد جعل الله لكل ~~شىء قدرا (3) والئى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر ~~والئى لم يحضن وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من ~~أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا ~~عليهن وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فئاتوهن ~~أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة ~~من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~ءاتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) ### |||| AUTO بيان # تتضمن السورة بيان كليات من أحكام الطلاق تعقبه عظة ms7274 وإنذار وتبشير، ~~والسورة مدنية بشهادة سياقها. # قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة" إلى آخر الآية، بدىء الخطاب بنداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لأنه الرسول إلى الأمة وإمامهم فيصلح لخطابه أن يشمله وأتباعه من أمته وهذا ~~شائع في الاستعمال يخص مقدم القوم وسيدهم بالنداء ويخاطب بما يعمه وقومه ~~فلا موجب لقول بعضهم: إن التقدير يا أيها النبي قل لأمتك: إذا طلقتم النساء إلخ. # وقوله: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" أي إذا أردتم أن تطلقوا النساء ~~وأشرفتم على ذلك إذ لا معنى لتحقق الطلاق بعد وقوع الطلاق فهو كقوله: "إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" الآية: المائدة: 6. # والعدة قعود المرأة عن الزوج حتى تنقضي المدة المرتبة شرعا، والمراد ~~بتطليقهن لعدتهن تطليقهن لزمان عدتهن بحيث يأخذ زمان العدة من يوم تحقق ~~التطليقة وذلك بأن تكون التطليقة في طهر لا مواقعة فيه حتى تنقضي أقراؤها. # وقوله: "وأحصوا العدة" أي عدوا الأقراء التي تعتد بها، وهو الاحتفاظ ~~عليها لأن للمرأة فيها حق النفقة والسكنى على زوجها وللزوج فيها حق الرجوع. # وقوله: "واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن" ظاهر السياق كون "لا ~~تخرجوهن" إلخ، بدلا من "اتقوا الله ربكم" ويفيد ذلك تأكيد النهي في "لا ~~تخرجوهن" والمراد ببيوتهن البيوت التي كن يسكنه قبل الطلاق أضيفت إليهن ~~بعناية السكنى. # وقوله: "ولا يخرجن" نهي عن خروجهن أنفسهن كما كان سابقه نهيا عن إخراجهن. # وقوله: "إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" أي ظاهرة كالزنا والبذاء وإيذاء ~~أهلها كما في الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وقوله: "وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه" أي الأحكام ~~المذكورة للطلاق حدود الله حد بها أعمالكم ومن يتعد ويتجاوز حدود الله بأن ~~لم يراعها وخالفها فقد ظلم نفسه أي عصى ربه. # وقوله: "لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" أي أمرا يقضي بتغير الحال ~~وتبدل رأي الزوج في طلاقها بأن يميل إلا الالتيام ويظهر في قلبه محبة حب ~~الرجوع إلى ms7275 سابق الحال. PageV19P173 # قوله تعالى: "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف - إلى ~~قوله - واليوم الآخر" المراد من بلوغهن أجلهن اقترابهن من آخر زمان العدة ~~وإشرافهن عليه، والمراد بإمساكهن الرجوع على سبيل الاستعارة، وبمفارقتهن ~~تركهن ليخرجن من العدة ويبن. # والمراد بكون الإمساك بمعروف حسن الصحبة ورعاية ما جعل الله لهن من ~~الحقوق، وبكون فراقهن بمعروف أيضا استرام الحقوق الشرعية فالتقدير بمعروف ~~من الشرع. # وقوله: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" أي أشهدوا على الطلاق رجلين منكم صاحبي ~~عدل، وقد مر توضيح معنى العدل في تفسير سورة البقرة. # وقوله: "وأقيموا الشهادة لله" تقدم توضيحه في تفسير سورة البقرة. # وقوله: "ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" أي ما مر من الأمر ~~بتقوى الله وإقامة الشهادة لله والنهي عن تعدي حدود الله أو مجموع ما مر من ~~الأحكام والبعث إلى التقوى والإخلاص في الشهادة والزجر عن تعدي حدود الله ~~يوعظ به المؤمنون ليركنوا إلى الحق وينقلعوا عن الباطل، وفيه إيهام أن في ~~الإعراض عن هذه الأحكام أو تغييرها خروجا من الإيمان. # قوله تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب - إلى ~~قوله - قدرا" أي "ومن يتق الله" ويتورع عن محارمه ولم يتعد حدوده واحترم ~~لشرائعه فعمل بها "يجعل له مخرجا" من مضائق مشكلات الحياة فإن شريعته فطرية ~~يهدي بها الله الإنسان إلى ما تستدعيه فطرته وتقضي به حاجته وتضمن سعادته ~~في الدنيا والآخرة "ويرزقه" من الزوج والمال وكل ما يفتقر إليه في طيب عيشه ~~وزكاة حياته "من حيث لا يحتسب" ولا يتوقع فلا يخف المؤمن أنه إن اتقى الله ~~واحترم حدوده حرم طيب الحياة وابتلي بضنك المعيشة فإن الرزق مضمون والله ~~على ما ضمنه قادر. # "ومن يتوكل على الله" باعتزاله عن نفسه فيما تهواه وتأمر به وإيثاره ~~إرادة الله سبحانه على إرادة نفسه والعمل الذي يريده الله على العمل الذي ~~تهواه وتريده نفسه وبعبارة أخرى تدين بدين الله وعمل بأحكامه "فهو حسبه" أي ~~كافيه فيما يريده من طيب ms7276 العيش ويتمناه من السعادة بفطرته لا بواهمته ~~الكاذبة. # وذلك أنه تعالى هو السبب الأعلى الذي تنتهي إليه الأسباب فإذا أراد شيئا ~~فعله وبلغ ما أراده من غير أن تتغير إرادته فهو القائل: "ما يبدل القول ~~لدي": ق: 29، أو يحول بينه وبين ما أراده مانع فهو القائل: "والله يحكم لا ~~معقب لحكمه": الرعد: 41، وأما الأسباب الآخر التي يتشبث بها الإنسان في رفع ~~حوائجه فإنما تملك من السببية ما ملكها الله سبحانه وهو المالك لما ملكها ~~والقادر على ما عليه أقدرها ولها من الفعل مقدار ما أذن الله فيه. # فالله كاف لمن توكل عليه لا غيره "إن الله بالغ أمره" يبلغ حيث أراد، وهو ~~القائل: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" "قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا" فما من شيء إلا له قدر مقدور وحد محدود والله سبحانه لا يحده حد ~~ولا يحيط به شيء وهو المحيط بكل شيء. # هذا هو معنى الآية بالنظر إلى وقوعها في سياق آيات الطلاق وانطباقها على ~~المورد. # وأما بالنظر إلى إطلاقها في نفسها مع الغض عن السياق الذي وقعت فيه ~~فقوله: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" مفاده أن من ~~اتقى الله بحقيقة معنى تقواه ولا يتم ذلك إلا بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته ~~ثم تورعه واتقائه بالاجتناب عن المحرمات وتحرز ترك الواجبات خالصا لوجهه ~~الكريم، ولازمه أن لا يريد إلا ما يريده الله من فعل أو ترك، ولازمه أن ~~يستهلك إرادته في إرادة الله فلا يصدر عنه فعل إلا عن إرادة من الله. # ولازم ذلك أن يرى نفسه وما يترتب عليها من سمة أو فعل ملكا طلقا لله ~~سبحانه يتصرف فيها بما يشاء وهو ولاية الله يتولى أمر عبده فلا يبقى له من ~~الملك بحقيقة معناه شيء إلا ما ملكه الله سبحانه وهو المالك لما ملكه ~~والملك لله عز اسمه. PageV19P174 # وعند ذلك ينجيه الله من مضيق الوهم وسجن الشرك بالتعلق بالأسباب الظاهرية ~~"ويجعل له مخرجا ويرزقه من ms7277 حيث لا يحتسب" أما الرزق المادي فإنه كان يرى ~~ذلك من عطايا سعيه والأسباب الظاهرية التي كان يطمئن إليها وما كان يعلم من ~~الأسباب إلا قليلا من كثير كقبس من نار يضيء للإنسان في الليلة الظلماء ~~موضع قدمه وهو غافل عما وراءه، لكن الله سبحانه محيط بالأسباب وهو الناظم ~~لها ينظمها كيف يشاء ويأذن في تأثير ما لا علم له به من خباياها. # وأما الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي يعيش به النفس الإنسانية ~~وتبقى فهو مما لم يكن يحتسبه ولا يحتسب طريق وروده عليه. # وبالجملة هو سبحانه يتولى أمره ويخرجه من مهبط الهلاك ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئا لأنه توكل ~~على الله وفوض إلى ربه ما كان لنفسه "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" دون ~~سائر الأسباب الظاهرية التي تخطىء تارة وتصيب أخرى "إن الله بالغ أمره" لأن ~~الأمور محدودة محاطة له تعالى و"قد جعل الله لكل شيء قدرا" فهو غير خارج عن ~~قدره الذي قدره به. # وهذا نصيب الصالحين من الأولياء من هذه الآية. # وأما من هو دونهم من المؤمنين المتوسطين من أهل التقوى النازلة درجاتهم ~~من حيث المعرفة والعمل فلهم من ولاية الله ما يلائم حالهم في إخلاص الإيمان ~~والعمل الصالح وقد قال تعالى وأطلق: "والله ولي المؤمنين": آل عمران: 68، ~~وقال وأطلق: "والله ولي المتقين": الجاثية: 19. # وتدينهم بدين الحق وهي سنة الحياة وورودهم وصدورهم في الأمور عن إرادته ~~تعالى هو تقوى الله والتوكل عليه بوضع إرادته تعالى موضع إرادة أنفسهم ~~فينالون من سعادة الحياة بحسبه ويجعل الله لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا ~~يحتسبون، وحسبهم ربهم فهو بالغ أمره وقد جعل لكل شيء قدرا. # وعليهم من حرمان السعادة قدر ما دب من الشرك في إيمانهم وعملهم وقد قال ~~تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106، وقال وأطلق: ~~"إن الله لا يغفر أن يشرك به": النساء: 48. # وقال: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا": ms7278 طه: 82، أي لمن تاب من ~~الشرك وقال وأطلق: "واستغفروا الله إن الله غفور رحيم": المزمل: 20. # فلا يرقى المؤمن إلى درجة من درجات ولاية الله إلا بالتوبة من خفي الشرك ~~الذي دونها. # والآية من غرر الآيات القرآنية وللمفسرين في جملها كلمات متشتتة أضربنا عنها. # قوله تعالى: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر" المراد بالارتياب الشك في يأسهن من المحيض أهو لكبر أم لعارض، ~~فالمعنى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم وشككتم في أمر يأسهن أهو لبلوغ ~~سنهن سن اليأس أم لعارض فعدتهن ثلاثة أشهر. # وقوله: "واللائي لم يحضن" عطف على قوله: "واللائي يئسن" إلخ، والمعنى: ~~واللائي لم يحضن وهو في سن من تحيض فعدتهن ثلاثة أشهر. # وقوله: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" أي منتهى زمان عدتهن وضع الحمل. # وقوله: "ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا" أي يسهل عليه ما يستقبله من ~~الشدائد والمشاق، وقيل: المراد أنه يسهل عليه أمور الدنيا والآخرة إما بفرج ~~عاجل أو عوض آجل. # قوله تعالى: "ذلك أمر الله أنزله إليكم" أي ما بينه في الآيات المتقدمة ~~حكم الله أنزله إليكم، وفي قوله: "ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا" دلالة على أن اتباع الأوامر من التقوى كاجتناب المحرمات ولعله ~~باعتبار أن امتثال الأمر يلازم اجتناب تركه. # وتكفير السيئات سترها بالمغفرة، والمراد بالسيئات المعاصي الصغيرة فيبقى ~~للتقوى كبائر المعاصي، ويكون مجموع قوله: "ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا" في معنى قوله: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31، ومن الآيتين يظهر أن المراد ~~بالمحارم في قوله (عليه السلام) في تعريف التقوى: أنها الورع عن محارم الله ~~المعاصي الكبيرة. # ويظهر أيضا أن مخالفة ما أنزله الله من الأمر في الطلاق والعدة من ~~الكبائر إذ التقوى المذكورة في الآية تشمل ما ذكر من أمر الطلاق والعدة لا ~~محالة فهو غير السيئات المكفرة وإلا اختل معنى الآية. PageV19P175 # قوله تعالى: "أسكنوهن من حيث ms7279 سكنتم من وجدكم" إلى آخر الآية، قال في ~~المفردات،: وقوله تعالى: "من وجدكم" أي تمكنكم وقدر غناكم، ويعبر عن الغنى ~~بالوجدان والجدة، وقد حكي فيه الوجد والوجد والوجد - بالحركات الثلاث في ~~الواو - انتهى. # وضمير "هن" للمطلقات على ما يؤيده السياق، والمعنى: اسكنوا المطلقات من ~~حيث سكنتم من المساكن على قدر تمكنكم وغناكم على الموسر قدره وعلى المعسر قدره. # وقوله: "ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن" أي لا توجهوا إليهن ضررا يشق عليهن ~~تحمله من حيث السكنى والكسوة والنفقة لتوردوا الضيق والحرج عليهن. # وقوله: "وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن" معناه ظاهر. # وقوله: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" فلهن عليكم أجر الرضاعة وهو من ~~نفقة الولد التي على الوالد. # وقوله: "وائتمروا بينكم بمعروف" الائتمار بشيء تشاور القوم فيه بحيث يأمر ~~بعضهم فيه بعضا، وهو خطاب للرجل والمرأة أي تشاوروا في أمر الولد وتوافقوا ~~في معروف من العادة بحيث لا يتضرر الرجل بزيادة الأجر الذي ينفقه ولا ~~المرأة بنقيصته ولا الولد بنقص مدة الرضاع إلى غير ذلك. # وقوله: "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" أي وإن أراد كل منكم من الآخر ما ~~فيه عسر واختلفتم فسترضع الولد امرأة أخرى أجنبية غير والدته أي فليسترضع ~~الوالد غير والدة الصبي. # قوله تعالى: "لينفق ذو سعة من سعته" الإنفاق من سعة هو التوسعة في ~~الإنفاق وهو أمر لأهل السعة بأن يوسعوا على نسائهم المطلقات المرضعات ~~أولادهم. # وقوله: "ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله" قدر الرزق ضيقه، ~~والإيتاء الإعطاء، والمعنى: ومن ضاق عليه رزقه وكان فقيرا لا يتمكن من ~~التوسع في الإنفاق فلينفق على قدر ما أعطاه الله من المال أي فلينفق على ~~قدر تمكنه. # وقوله: "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها" أي لا يكلف الله نفسا إلا بقدر ~~ما أعطاها من القدرة فالجملة تنفي الحرج من التكاليف الإلهية ومنها إنفاق ~~المطلقة. # وقوله: "سيجعل الله بعد عسر يسرا" فيه بشرى وتسلية. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد ms7280 الخدري قال: نزلت سورة ~~النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين. # أقول: سورة النساء القصرى هي سورة الطلاق. # وفيه، أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن حميد ~~والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن ~~المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر أنه طلق امرأته ~~وهي حائض فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتغيظ فيه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: ليراجعها ثم يمسها حتى تطهر ثم ~~تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة ~~التي أمر الله أن يطلق لها النساء، وقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء - فطلقوهن في قبل عدتهن". # أقول: قوله: "في قبل عدتهن" قراءة ابن عمر وما في المصحف "لعدتهن". # وفيه، أخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله: "لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا" قال: في حفصة بنت عمر طلقها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدة ~~فنزلت "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء إلى قوله يحدث بعد ذلك أمرا" قال: ~~فراجعها. PageV19P176 # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: كل طلاق ~~لا يكون على السنة أو على العدة فليس بشيء. قال زرارة فقلت لأبي جعفر (عليه ~~السلام): فسر لي طلاق السنة وطلاق العدة فقال: أما طلاق السنة فإذا أراد ~~الرجل أن يطلق امرأته فينتظر بها حتى تطمث وتطهر فإذا خرجت من طمثها طلقها ~~تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدين على ذلك ثم يدعها حتى تطمث طمثين فتنقضي ~~عدتها بثلاث حيض وقد بانت منه ويكون خاطبا من الخطاب إن شاءت تزوجته وإن ~~شاءت لم تتزوجه، وعليه نفقتها والسكنى ما دامت في مدتها، وهما يتوارثان حتى ~~تنقضي العدة. قال: وأما طلاق العدة الذي قال الله تعالى: "فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة" فإذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها ~~حتى ms7281 تحيض وتخرج من حيضتها ثم يطلقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدين عدلين ~~ويراجعها من يومه ذلك إن أحب أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض ويشهد على ~~رجعتها ويواقعها وتكون معه حتى تحيض فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلقها تطليقة ~~أخرى من غير جماع ويشهد على ذلك ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض ويشهد ~~على رجعتها ويواقعها وتكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة فإذا خرجت من ~~حيضتها الثالثة طلقها التطليقة الثالثة بغير جماع ويشهد على ذلك فإذا فعل ~~ذلك فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قيل له: فإن كانت ممن لا ~~تحيض؟ قال: مثل هذه تطلق طلاق السنة. # وفي قرب الإسناد، بإسناده عن صفوان قال: سمعت يعني أبا عبد الله: وجاء ~~رجل فسأله فقال: إني طلقت امرأتي ثلاثا في مجلس فقال: ليس بشيء. ثم قال: ~~أما تقرأ كتاب الله تعالى "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~- وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم - لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن - إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة". ثم قال: ألا تدري "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" ثم ~~قال: كلما خالف كتاب الله والسنة فهو يرد إلى كتاب الله والسنة. # وفي تفسير القمي،: في معنى قوله: "لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن - إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة" قال: لا يحل لرجل أن يخرج امرأته إذا طلقها وكان له ~~عليها رجعة من بيته وهي لا تحل لها أن تخرج من بيته إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة. ومعنى الفاحشة أن تزني أو تسرق على الرجل، ومن الفاحشة أيضا السلاطة ~~على زوجها فإن فعلت شيئا من ذلك حل له أن يخرجها. # وفي الكافي، بإسناده عن وهب بن حفص عن أحدهما (عليهما السلام) في المطلقة ~~تعتد في بيتها، وتظهر له زينتها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. # أقول: وفي هذه المعاني ومعاني جمل الآيتين روايات أخرى عن أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام). # وفيه، بإسناده عن معاوية بن وهب عن ms7282 أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من ~~أعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا: من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، ومن أعطي الشكر ~~أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية. قال: أتلوت كتاب الله عز وجل؟ ~~"ومن يتوكل على الله فهو حسبه" وقال: "ولئن شكرتم لأزيدنكم" وقال: "ادعوني ~~أستجب لكم". # وفيه، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ~~قول الله عز وجل: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" ~~قال: في دنياه. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سالم بن ~~أبي الجعد قال: نزلت هذه الآية: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" في رجل من ~~أشجع أصابه جهد وبلاء وكان العدو أسروا ابنه فأتى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: اتق الله واصبر، فرجع ابن له كان أسيرا قد فكه الله ~~فأتاهم وقد أصاب أعنزا فجاء فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فنزلت فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هي لك. # وفيه، أخرج أبو يعلى وأبو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله: "ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا" قال: من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم ~~القيامة. PageV19P177 # وفيه، أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: جعل رسول ~~الله يتلو هذه الآية "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" ~~فجعل يرددها حتى نعست. ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها ~~لكفتهم. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب عن عمران بن حصين قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من انقطع إلى الله كفاه الله كل ~~مئونة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله (صلى ms7283 الله ~~عليه وآله وسلم) قال: من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب ~~أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحب أن ~~يكون أكرم الناس فليتق الله. # أقول: وقد تقدم في ذيل الكلام على الآيات معنى هذه الروايات. # وفي الكافي، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عدة ~~المرأة التي لا تحيض والمستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر، وعدة التي تحيض ~~ويستقيم حيضها ثلاثة قروء، وسألته عن قول الله عز وجل: "إن ارتبتم" ما ~~الريبة؟ فقال: ما زاد على شهر فهو ريبة فلتعتد ثلاثة أشهر وليترك الحيض ~~الحديث. # وفيه، بإسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: عدة الحامل ~~أن تضع حملها وعليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها. # وفيه، بإسناده عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~إذا طلق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها فإذا وضعته أعطاها ~~أجرها ولا تضارها إلا أن يجد من هي أرخص أجرا منها فإن رضيت بذلك الأجر فهي ~~أحق بابنها حتى تفطمه. # وفي الفقيه، بإسناده عن ربعي بن عبد الله والفضيل بن يسار عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام) في قوله عز وجل: "ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله" قال: إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع الكسوة وإلا فرق بينهما:. أقول: ~~ورواه في الكافي بإسناده عن أبي بصير عنه (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" قال: ~~المطلقة الحامل أجلها أن تضع ما في بطنها إن وضعت يوم طلقها زوجها فلها أن ~~تتزوج إذا طهرت، وأن تضع ما في بطنها إلى تسعة أشهر لم تتزوج إلا أن تضع. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) ~~قال: سألته عن الحبلى إذا طلقها زوجها فوضعت سقطا تم أو لم يتم أو وضعته ~~مضغة؟ قال: كل شيء وضعته ms7284 يستبين أنه حمل تم أو لم يتم فقد انقضت عدتها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن مغيرة قال: قلت للشعبي: ما أصدق إن ~~علي بن أبي طالب كان يقول: عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. قال: بلى ~~فصدق به كأشد ما صدقت بشيء كان علي يقول: إنما قوله: "وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن" في المطلقة. PageV19P178 # وفيه، أخرج عبد الرزاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا عمرو بن ~~حفص بن المغيرة خرج مع علي إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس ~~بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعباس بن أبي ربيعة ~~بنفقة فاستقلتها فقالا لها والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا فأتت النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت له أمرها فقال لها النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها. فأرسل إليها مروان ~~يسألها عن ذلك فحدثته فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ ~~بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة: بيني وبينكم كتاب الله قال ~~الله عز وجل: "ولا يخرجن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" حتى بلغ "لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" قالت: هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث ~~بعد الثلاث؟ فكيف تقولون: لا نفقة إذا لم تكن حاملا؟ فعلا م تحبسونها؟. ~~ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث ~~حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع ~~حملها وأن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين كما قال ~~الله: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" عند الطلاق وعند المراجعة. فإن راجعها فهي ~~عنده على طلقتين وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت عدتها منه ~~بواحدة وهي أملك لنفسها ثم تتزوج من شاءت هو أو غيره. PageV19P179 ### ||| AUTO 65 سورة الطلاق - 8 - 12 # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ms7285 ورسله فحاسبنها حسابا شديدا وعذبنها عذابا ~~نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا ~~شديدا فاتقوا الله يأولى الألبب الذين ءامنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) ~~رسولا يتلوا عليكم ءايت الله مبينت ليخرج الذين ءامنوا وعملوا الصلحت من ~~الظلمت إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يدخله جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) الله الذى خلق سبع سموت ~~ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شىء علما (12) ### |||| AUTO بيان # موعظة وإنذار وتبشير تؤكد التوصية بالتمسك بما شرع الله لهم من الأحكام ~~ومن جملتها ما شرعه من أحكام الطلاق والعدة ولم يوص القرآن الكريم ولا أكد ~~في التوصية في شيء من الأحكام المشرعة كما وصى وأكد في أحكام النساء، وليس ~~إلا لأن لها نبأ. # قوله تعالى: "وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا" قال الراغب: العتو النبوء عن الطاعة انتهى. # فهو قريب المعنى من الاستكبار، وقال: النكر الدهاء والأمر الصعب الذي لا ~~يعرف انتهى. # والمراد بالنكر في الآية المعنى الثاني، وفي المجمع، النكر المنكر الفظيع ~~الذي لم ير مثله انتهى. # والمراد بالقرية أهلها على سبيل التجوز كقوله: "واسأل القرية": يوسف: 82، ~~وفي قوله: "عتت عن أمر ربها ورسله" إشارة إلى أنهم كفروا بالله سبحانه ~~بالشرك وكفروا كفرا آخر برسله بتكذيبهم في دعوتهم. # على أنهم كفروا بالله تعالى في ترك شرائعه المشرعة وكفروا برسله فيما ~~أمروا به بولايتهم لهم كما مر نظيره في قوله: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين": التغابن: 12. # وشدة الحساب المناقشة فيه والاستقصاء لتوفية الأجر كما هو عليه، والمراد ~~به حساب الدنيا غير حساب الآخرة والدليل على كونه حساب الدنيا قوله تعالى: ~~"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30، ~~وقوله: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ms7286 ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون": الأعراف: 96. # فما يصيب الإنسان من مصيبة - وهي المصيبة في نظر الدين - هو حاصل محاسبة ~~أعماله والله يعفو عن كثير منها بالمسامحة والمساهلة في المحاسبة غير أنه ~~تعالى يحاسب العاتين المستكبرين عن أمره ورسله حسابا شديدا بالمناقشة ~~والاستقصاء والتثريب فيعذبهم عذابا نكرا. # والمعنى: وكم من أهل قرية عتوا واستكبروا عن أمر ربهم ورسله فلم يطيعوا ~~الله ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ناقشنا فيه واستقصيناه، وعذبناهم عذابا ~~صعبا غير معهود وهو عذاب الاستئصال في الدنيا. # وما قيل: إن المراد به عذاب الآخرة، والتعبير بالفعل الماضي للدلالة على ~~تحقق الوقوع غير سديد. # وفي قوله: "فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها" التفات من الغيبة إلى التكلم ~~مع الغير، ونكتته الدلالة على العظمة. # قوله تعالى: "فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا" المراد بأمرها ~~عتوها واستكبارها، والمعنى: فأصابتهم عقوبة عتوهم وكان عاقبة عتوهم خسارا ~~كأنهم اشتروا العتو بالطاعة فانتهى إلى أن خسروا. # قوله تعالى: "أعد الله لهم عذابا شديدا" هذا جزاؤهم في الأخرى كما كان ما ~~في قوله: "فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها" ~~جزاؤهم في الدنيا. # والفضل في قوله: "أعد الله لهم" إلخ، لكونه في مقام دفع الدخل كأنه لما ~~قيل: "وكان عاقبة أمرها خسرا"، قيل: ما المراد بخسرهم؟ فقيل: "أعد الله لهم ~~عذابا شديدا". PageV19P180 # قوله تعالى: "فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا" استنتاج مما تقدم خوطب به المؤمنون ليأخذوا حذرهم ويقوا أنفسهم أن ~~يعتوا عن أمر ربهم ويطغوا عن طاعته فيبتلوا بوبال عتوهم وخسران عاقبتهم كما ~~ابتليت بذلك القرى الهالكة. # وقد وصف المؤمنين بأولى الألباب فقال: "اتقوا الله يا أولي الألباب الذين ~~آمنوا" استمدادا من عقولهم على ما يريده منهم من التقوى فإنهم لما سمعوا أن ~~قوما عتوا عن أمر ربهم فحوسبوا حسابا شديدا وعذبوا عذابا نكرا وكان عاقبة ~~أمرهم خسرا ثم سمعوا أن ذلك تكرر مرة بعد مرة وأباد قوما بعد قوم، قضت ~~عقولهم بأن العتو والاستكبار عن أمر الله ms7287 تعرض لشديد حساب الله ومنكر عذابه ~~فتنبههم وتبعثهم إلى التقوى وقد أنزل الله إليهم ذكرا يذكرهم به ما لهم وما ~~عليهم ويهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم. # قوله تعالى: "رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات" إلخ، عطف بيان أو بدل ~~من "ذكرا" فالمراد بالذكر الذي أنزله هو الرسول سمي به لأنه وسيلة التذكرة ~~بالله وآياته وسبيل الدعوة إلى دين الحق، والمراد بالرسول محمد (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) على ما يؤيده ظاهر قوله: "يتلوا عليكم آيات الله مبينات" إلخ. # وعلى هذا فالمراد بإنزال الرسول بعثه من عالم الغيب وإظهاره لهم رسولا من ~~عنده بعد ما لم يكونوا يحتسبون كما في قوله: "وأنزلنا الحديد": الحديد: 25. # وقد دعي ظهور الإنزال في كونه من السماء بعضهم كصاحب الكشاف إلى أن فسر ~~"رسولا" بجبريل ويكون حينئذ معنى تلاوته الآيات عليهم تلاوته على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه متبوع لقومه ووسيلة الإبلاغ لهم لكن ~~ظاهر قوله: "يتلوا عليكم" إلخ، خلاف ذلك. # ويحتمل أن يكون "رسولا" منصوبا بفعل محذوف والتقدير أرسل رسولا يتلو ~~عليكم آيات الله، ويكون المراد بالذكر المنزل إليهم القرآن أو ما بين فيه ~~من الأحكام والمعارف. # وقوله: "ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور" تقدم ~~تفسيره في نظائره. # وقوله: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا" وعد جميل وتبشير. # وقوله: "قد أحسن الله له رزقا" وصف لإحسانه تعالى إليهم فيما رزقهم به من ~~الرزق والمراد بالرزق ما رزقهم من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا والجنة ~~في الآخرة، وقيل المراد به الجنة. # قوله تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر ~~بينهن" إلخ، بيان يتأكد به ما تقدم في الآيات من حديث ربوبيته تعالى وبعثة ~~الرسول وإنزاله الذكر ليطيعوه فيه وأن في تمرده ومخالفته الحساب الشديد ~~والعذاب الأليم وفي طاعته الجنة الخالدة كل ذلك لأنه قدير عليم. # فقوله: "الله الذي خلق سبع سماوات" تقدم بعض الكلام فيه في تفسير ms7288 سورة حم ~~السجدة. # وقوله: "ومن الأرض مثلهن" ظاهره المثلية في العدد، وعليه فالمعنى: وخلق ~~من الأرض سبعا كما خلق من السماء سبعا فهل الأرضون السبع سبع كرات من نوع ~~الأرض التي نحن عليها والتي نحن عليها إحداها؟ أو الأرض التي نحن عليها سبع ~~طبقات محيطة بعضها ببعض والطبقة العليا بسيطها الذي نحن عليه؟ أو المراد ~~الأقاليم السبعة التي قسموا إليها المعمور من سطح الكرة؟ وجوه ذهب إلى كل ~~منها جمع وربما لاح بالرجوع إلى ما تقدم في تفسير سورة حم السجدة محتمل آخر غيرها. # وربما قيل: إن المراد بقوله: "ومن الأرض مثلهن" أنه خلق من الأرض شيئا هو ~~مثل السماوات السبع وهو الإنسان المركب من المادة الأرضية والروح السماوية ~~التي فيها نماذج سماوية ملكوتية. # وقوله: "يتنزل الأمر بينهن" الظاهر أن الضمير للسماوات والأرض جميعا ~~والأمر هو الأمر الإلهي الذي فسره بقوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن": يس: 83، وهو كلمة الإيجاد، وتنزله هو أخذه بالنزول من مصدر الأمر ~~إلى سماء بعد سماء حتى ينتهي إلى العالم الأرضي فيتكون ما قصد بالأمر من ~~عين أو أثر أو رزق أو موت أو حياة أو عزة أو ذلة أو غير ذلك قال تعالى: ~~"وأوحى في كل سماء أمرها": حم السجدة: 12، وقال: "يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون": الم السجدة: 5. PageV19P181 # وقيل: المراد بالأمر الأمر التشريعي يتنزل ملائكة الوحي به من السماء إلى ~~النبي وهو بالأرض. # وهو تخصيص من غير مخصص وذيل الآية "لتعلموا أن الله" إلخ، لا يلائمه. # وقوله: "إن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما" من ~~الغايات المترتبة على خلقة السماوات السبع ومن الأرض مثلهن وتنزيله الأمر ~~بينهن، وفي ذلك انتساب الخلق والأمر إليه واختصاصهما به فإن المتفكر في ذلك ~~لا يرتاب في قدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء فليتق مخالفة أمره أولوا ~~الألباب من المؤمنين فإن سنة هذا القدير العليم تجري ms7289 على إثابة المطيعين ~~لأوامره، ومجازاة العاتين المستكبرين وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة إن أخذه أليم شديد. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وكأين من قرية" قال: أهل القرية. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن الريان بن الصلت عن الرضا ~~(عليه السلام) في حديث المأمون قال: الذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ونحن أهله وذلك بين في كتاب الله حيث يقول في سورة الطلاق: "فاتقوا ~~الله يا أولي الألباب الذين آمنوا - قد أنزل الله إليكم ذكرا - رسولا يتلوا ~~عليكم آيات الله مبينات" قال: فالذكر رسول الله ونحن أهله. # وفي تفسير القمي، حدثني أبي عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام) قال: قلت له: أخبرني عن قول الله عز وجل: "والسماء ذات الحبك" ~~فقال: هي محبوكة إلى الأرض وشبك بين أصابعه فقلت: كيف تكون محبوكة إلى ~~الأرض والله يقول: رفع السماوات بغير عمد ترونها؟ فقال: سبحان الله أليس ~~الله يقول: بغير عمد ترونها؟ قلت: بلى. قال: فثم عمد ولكن لا ترونها. قلت: ~~فكيف ذلك جعلني الله فداك؟ قال: فبسط كفه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها فقال: ~~هذه أرض الدنيا والسماء الدنيا فوقها قبة، والأرض الثانية فوق السماء ~~الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية ~~والسماء الثالثة فوقها قبة، والأرض الرابعة فوق السماء الثالثة والسماء ~~الرابعة فوقها قبة، والأرض الخامسة فوق السماء الرابعة والسماء الخامسة ~~فوقها قبة، والأرض السادسة فوق السماء الخامسة والسماء السادسة فوقها قبة، ~~والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبة وعرش الرحمن ~~تبارك وتعالى فوق السماء السابعة وهو قول الله عز وجل: الذي خلق سبع سماوات ~~- ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن. فأما صاحب الأمر فهو رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والوصي بعد رسول الله قائم على وجه الأرض فإنما يتنزل ~~الأمر إليه من فوق السماء من بين السماوات والأرضين. قلت: فما تحتنا إلا ~~أرض واحدة؟ فقال: ما تحتنا إلا ms7290 أرض واحدة وإن الست لهن فوقنا:. أقول: وعن ~~الطبرسي عن العياشي عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام): مثله. # والحديث نادر في بابه، وهو وخاصة ما في ذيله من تنزل الأمر أقرب إلى ~~الحمل على المعنى منه إلى الحمل على الصورة والله أعلم. PageV19P182 ### || AUTO ### ||| AUTO 66 سورة التحريم - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات ~~أزوجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم والله مولاش وهو ~~العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه حديثا فلما نبأت به وأظهره ~~الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال ~~نبأنى العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظهرا عليه ~~فإن الله هو مولاه وجبريل وصلح المؤمنين والملئكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا منكن مسلمت مؤمنت قنتت تئبت عبدت سئحت ثيبت ~~وأبكارا (5) يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(6) يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) ~~يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الأنهر يوم لا يخزى الله النبى والذين ~~ءامنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمنهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل شىء قدير (8) يأيها النبى جهد الكفار والمنفقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) ### |||| AUTO بيان # تبدأ السورة بالإشارة إلى ما جرى بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وبين بعض أزواجه من قصة التحريم فيعاتب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بتحريمه ما أحل الله له ابتغاء لمرضاة بعض أزواجه ومرجعه إلى عتاب تلك ~~البعض والانتصار له (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدل عليه سياق الآيات. # ثم تخاطب المؤمنين أن يقوا أنفسهم من عذاب الله النار ms7291 التي وقودها الناس ~~والحجارة وليسوا يجزون إلا بأعمالهم ولا مخلص منها إلا للنبي والذين آمنوا ~~معه ثم تخاطب النبي بجهاد الكفار والمنافقين. # وتختتم السورة بضربه تعالى مثلا من النساء للكفار ومثلا منهن للمؤمنين. # وظهور السياق في كون السورة مدنية لا ريب فيه. # قوله تعالى: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ~~والله غفور رحيم" خطاب مشوب بعتاب لتحريمه (صلى الله عليه وآله وسلم) لنفسه ~~بعض ما أحل الله له، ولم يصرح تعالى به ولم يبين أنه ما هو؟ وما ذا كان؟ ~~غير أن قوله: "تبتغي مرضاة أزواجك" يومىء أنه كان عملا من الأعمال المحللة ~~التي يقترفها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ترتضيه أزواجه فضيقن عليه ~~وآذينه حتى أرضاهن بالحلف على أن يتركه ولا يأتي به بعد. # فقوله: "يا أيها النبي" علق الخطاب والنداء بوصف النبي دون الرسول ~~لاختصاصه به في نفسه دون غيره حتى يلائم وصف الرسالة. # وقوله: "لم تحرم ما أحل الله لك" المراد بالتحريم التسبب إلى الحرمة ~~بالحلف على ما تدل عليه الآية التالية فإن ظاهر قوله: "قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم" إلخ، إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حلف على ذلك ومن شأن ~~اليمين أن يوجب عروض الوجوب إن كان الحلف على الفعل والحرمة إن كان الحلف ~~على الترك، وإذ كان (صلى الله عليه وآله وسلم) حلف على ترك ما أحل الله له ~~فقد حرم ما أحل الله له بالحلف. # وليس المراد بالتحريم تشريعه (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه الحرمة ~~فيما شرع الله له فيه الحلية فليس له ذلك. # وقوله: "تبتغي مرضاة أزواجك" أي تطلب بالتحريم رضاهن بدل من تحرم إلخ، أو ~~حال من فاعله، والجملة قرينة على أن العتاب بالحقيقة متوجه إليهن، ويؤيده ~~قوله خطابا لهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" إلخ، مع قوله فيه: ~~"والله غفور رحيم". PageV19P183 # قوله تعالى: "قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم ~~الحكيم" قال الراغب: كل ms7292 موضع ورد فرض الله عليه ففي الإيجاب الذي أدخله ~~الله فيه، وما ورد من فرض الله له فهو في أن لا يحظره على نفسه نحو "ما كان ~~على النبي من حرج فيما فرض الله له" وقوله: "قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم". # انتهى. # والتحلة أصلها تحللة على وزن تذكرة وتكرمة مصدر كالتحليل، قال الراغب: ~~وقوله عز وجل: "قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" أي بين ما تحل به عقدة ~~أيمانكم من الكفارة. # فالمعنى: قد قدر الله لكم - كأنه قدره نصيبا لهم حيث لم يمنعهم عن حل ~~عقدة اليمين - تحليل أيمانكم بالكفارة والله وليكم الذي يتولى تدبير أموركم ~~بالتشريع والهداية وهو العليم الحكيم. # وفي الآية دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حلف على ~~الترك، وأمر له بتحلة يمينه. # قوله تعالى: "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره ~~الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال ~~نبأني العليم الخبير" السر هو الحديث الذي تكتمه في نفسك وتخفيه، والإسرار ~~إفضاؤك الحديث إلى غيرك مع إيصائك بإخفائه، وضمير "نبأت" لبعض أزواجه، ~~وضمير "به" للحديث الذي أسره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها، وضمير ~~"أظهره" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضمير "عليه" لإنبائها به غيرها ~~وإفشائها السر، وضمير "عرف" وأعرض" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضمير ~~"بعضه" للحديث، والإشارة بقوله: "هذا" لإنبائها غيره وإفشائها السر. # ومحصل المعنى: وإذ أفضى النبي إلى بعض أزواجه - وهي حفصة بنت عمر بن ~~الخطاب - حديثا وأوصاها بكتمانه فلما أخبرت به غيرها وأفشت السر خلافا لما ~~أوصاها به، وأعلم الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنها نبأت به غيرها ~~وأفشت السر عرف وأعلم بعضه وأعرض عن بعض آخر، فلما خبرها النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالحديث قالت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من أنبأك ~~وأخبرك أني نبأت به غيري وأفشيت السر؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): نبأني ms7293 وخبرني العليم الخبير وهو الله العليم بالسر والعلانية الخبير ~~بالسرائر. # قوله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير" أي إن تتوبا ~~إلى الله فقد تحقق منكما ما يستوجب عليكما التوبة وإن تظاهرا عليه فإن الله ~~هو مولاه، إلخ. # وقد اتفق النقل على أنهما عائشة وحفصة زوجا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # والصغو الميل والمراد به الميل إلى الباطل والخروج عن الاستقامة وقد كان ~~ما كان منهما من إيذائه والتظاهر عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الكبائر وقد قال تعالى: "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا": الأحزاب: 57، وقال: "والذين يؤذون رسول ~~الله لهم عذاب أليم": التوبة: 61. # والتعبير بقلوبكما وإرادة معنى التثنية من الجمع كثير النظير في ~~الاستعمال. # وقوله: "وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه" إلخ، التظاهر التعاون، وأصل ~~"وإن تظاهرا" وإن تتظاهرا، وضمير الفصل في قوله: "فإن الله هو مولاه" ~~للدلالة على أن لله سبحانه عناية خاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصره ~~ويتولى أمره من غير واسطة من خلقه، والمولى الولي الذي يتولى أمره وينصره ~~على من يريده بسوء. # و"جبريل" عطف على لفظ الجلالة، و"صالح المؤمنين" عطف كجبريل، والمراد ~~بصالح المؤمنين على ما قيل الصلحاء من المؤمنين فصالح المؤمنين واحد أريد ~~به الجمع كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس تريد به الجنس كقولك لا يفعله ~~من صلح منه ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر. # وفيه قياس المضاف إلى الجمع إلى مدخول اللام فظاهر صالح المؤمنين غير ~~ظاهر "الصالح من المؤمنين". # ووردت الرواية من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ~~طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بصالح المؤمنين علي ~~عليه أفضل السلام، وستوافيك إن شاء الله. # وفي المراد منه أقوال أخر أغمضنا عنها لعدم دليل عليها. PageV19P184 # وقوله: "والملائكة بعد ذلك ظهير" إفراد الخبر ms7294 للدلالة على أنهم متفقون في ~~نصره متحدون صفا واحدا، وفي جعلهم بعد ذلك أي بعد ولاية الله وجبريل وصالح ~~المؤمنين تعظيم وتفخيم. # ولحن الآيات في إظهار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على من يؤذيه ~~ويريده بسوء وتشديد العتاب على من يتظاهر عليه عجيب، وقد خوطب فيها النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أولا وعوتب على تحريمه ما أحل الله له وأشير ~~عليه بتحلة يمينه وهو إظهار وتأييد وانتصار له وإن كان في صورة العتاب. # ثم التفت من خطابه إلى خطاب المؤمنين في قوله: "وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه" يشير إلى القصة وقد أبهمها إبهاما وقد كان أيد النبي وأظهره قبل ~~الإشارة إلى القصة وإفشائها مختوما عليها، وفيه مزيد إظهاره. # ثم التفت من خطاب المؤمنين إلى خطابهما وقرر أن قلوبهما قد صغت بما فعلتا ~~ولم يأمرهما أن تتوبا من ذنبهما بل بين لهما أنهما واقعتان بين أمرين إما ~~أن تتوبا وإما أن تظاهرا على من الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك أجمع ثم أظهر الرجاء إن طلقهن أن يرزقه الله نساء خيرا منهن. # ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجاهد الكفار والمنافقين ~~ويغلظ عليهم. # وانتهى الكلام إلى ضربه تعالى مثلين مثلا للذين كفروا ومثلا للذين آمنوا. # وقد أدار تعالى الكلام في السورة بعد التعرض لحالهما بقوله: إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه" إلخ، بين التعرض لحال المؤمنين ~~والتعرض لحال الكفار فقال: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم" إلخ، ~~و"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا" إلخ، وقال: "يا أيها الذين آمنوا توبوا" ~~إلخ، و"يا أيها النبي جاهد" إلخ، وقال: "ضرب الله مثلا للذين كفروا"، "وضرب ~~الله مثلا للذين آمنوا". # قوله تعالى: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن" إلى آخر الآية ~~استغناء إلهي فإنهن وإن كن مشرفات بشرف زوجية النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لكن الكرامة عند الله بالتقوى كما قال تعالى: "فإن الله أعد للمحسنات ms7295 ~~منكن أجرا عظيما": الأحزاب: 29، انظر إلى مكان "منكن" وقال: "يا نساء النبي ~~من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ~~ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا ~~كريما: الأحزاب: 31. # ولذا ساق الاستغناء بترجي إبداله إن طلقهن أزواجا خيرا منهن، وعلق الخبر ~~بما ذكر لأزواجه الجديدة من صفات الكرامة وهي أن يكن مسلمات مؤمنات قانتات ~~تائبات عابدات سائحات - أي صائمات - ثيبات وأبكارا. # فمن تزوج بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت متصفة بمجموع هذه ~~الصفات كانت خيرا منهن وليس إلا لأجل اختصاص منها بالقنوت والتوبة أو ~~القنوت فقط مع مشاركتها لهن في باقي الصفات، والقنوت هو لزوم الطاعة مع ~~الخضوع. # ويتأيد هذا المعنى بما في مثل مريم الآتي في آخر السورة من ذكر القنوت ~~"وكانت من القانتين" فالقنوت هو الذي يفقدنه وهو لزومهن طاعة النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) التي فيها طاعة الله واتقاؤهن أن يعصين النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ويؤذينه. # وبما مر يظهر فساد قول من قال إن وجه خيرية أزواجه اللاحقة من أزواجه ~~السابقة إن طلقهن، هو تزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهن وانفصال ~~الأزواج السابقة وزوجيته (صلى الله عليه وآله وسلم) شرف لا يقدر قدره. # وذلك أنه لو كان ملاك ما ذكر في الآية من الخير هو الزوجية كان كل من ~~تزوج (صلى الله عليه وآله وسلم) من النساء أفضل وأشرف منهن إن طلقهن وإن لم ~~تتلبس بشيء مما ذكر من صفات الكرامة فلم يكن مورد لعد ما عد من الصفات. # قال في الكشاف،: فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين ~~الثيبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن ~~في سائر الصفات. # انتهى. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة" إلخ، "قوا" أمر من الوقاية بمعنى حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، ~~والوقود بفتح الواو اسم لما توقد به النار ms7296 من حطب ونحوه. PageV19P185 # والمراد بالنار نار جهنم وكون الناس المعذبين فيها وقودا لها معناه اشتعال ~~الناس فيها بأنفسهم كما في قوله تعالى: "ثم في النار يسجرون": المؤمن: 72. # فيناسب تجسم الأعمال كما هو ظاهر الآية التالية "يا أيها الذين كفروا" ~~إلخ، وفسرت الحجارة بالأصنام. # وقوله: "عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون" أي وكل عليها لإجراء أنواع العذاب على أهلها ملائكة غلاظ شداد. # والغلاظ جمع غليظ ضد الرقيق والأنسب للمقام كون المراد بالغلظة خشونة ~~العمل كما في قوله الآتي: "جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم" الآية 9 من ~~السورة، والشداد جمع شديد بمعنى القوي في عزمه وفعله. # وقوله: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" كالمفسر لقوله: "غلاظ ~~شداد أي هم ملتزمون بما أمرهم الله من أنواع العذاب لا يعصونه بالمخالفة ~~والرد ويفعلون ما يؤمرون به على ما أمروا به من غير أن يفوت منهم فائت أو ~~ينقص منه شيء لضعف فيهم أو فتور فهم غلاظ شداد. # وبهذا يظهر أن قوله: "لا يعصون الله ما أمرهم" ناظر إلى التزامهم ~~بالتكليف، وقوله: "ويفعلون" إلخ، ناظر إلى العمل على طبقه فلا تكرار كما قيل. # قال في التفسير الكبير، في ذيل الآية: وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون ~~في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه، والعصيان منهم مخالفة ~~للأمر والنهي. # وفيه أن الآية وغيرها مما تصف الملائكة بمحض الطاعة من غير معصية مطلقة ~~تشمل الدنيا والآخرة فلا وجه لتخصيص تكليفهم بالآخرة. # ثم إن تكليفهم غير سنخ التكليف المعهود في المجتمع الإنساني بمعنى تعليق ~~المكلف - بالكسر - إرادته بفعل المكلف - بالفتح - تعليقا اعتباريا يستتبع ~~الثواب والعقاب في ظرف الاختيار وإمكان الطاعة والمعصية بل هم خلق من خلق ~~الله لهم ذوات طاهرة نورية لا يريدون إلا ما أراد الله ولا يفعلون إلا ما ~~يؤمرون، قال تعالى: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": ~~الأنبياء، 27 ولذلك لا جزاء لهم على أعمالهم من ثواب أو عقاب فهم مكلفون ms7297 ~~بتكليف تكويني غير تشريعي مختلف باختلاف درجاتهم، قال تعالى: "وما منا إلا ~~له مقام معلوم": الصافات: 164، وقال عنهم: "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما ~~بين أيدينا وما خلفنا": مريم: 64. # والآية الكريمة بعد الآيات السابقة كالتعميم بعد التخصيص فإنه تعالى لما ~~أدب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببيان ما لإيذائهم النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من الأثر السيىء عمم الخطاب فخاطب المؤمنين عامة أن ~~يؤدبوا أنفسهم وأهليهم ويقوهم من النار التي وقودها نفس الداخلين فيها أي ~~إن أعمالهم السيئة تلزمهم وتعود نارا تعذبهم ولا مخلص لهم منها ولا مناص عنها. # قوله تعالى: "يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون" خطاب عام للكفار بعد ما جوزوا بالنار فإنهم يعتذرون عن كفرهم ~~ومعاصيهم فيخاطبون أن لا تعتذروا اليوم - وهو يوم الجزاء إنما تجزون نفس ما ~~كنتم تعملون أي إن العذاب الذي تعذبون بها هو عملكم السيىء الذي عملتموه ~~وقد برز لكم اليوم حقيقته وإذ عملتموه فقد لزمكم أنكم عملتموه والواقع لا ~~يتغير وما حق عليكم من كلمة العذاب لا يعود باطلا فهذا ظاهر الخطاب. # وقيل: المعنى: لا تعتذروا - اليوم - بعد دخول النار فإن الاعتذار توبة ~~والتوبة غير مقبولة بعد دخول النار إنما تجزون ما لزم في مقابل عملكم من ~~الجزاء في الحكمة. # وفي اتباع الآيات السابقة بما في هذه الآية من خطاب القهر تهديد ضمني ~~وإشعار بأن معصية الله ورسوله ربما أدى إلى الكفر. # قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار" إلخ، النصح تحري ~~فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، ويأتي بمعنى الإخلاص نحو نصحت له الود أي ~~أخلصته - على ما ذكره الراغب - فالتوبة النصوح ما يصرف صاحبه عن العود إلى ~~المعصية أو ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع إلى ما تاب منه. # لما أمر المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار أمرهم جميعا ثانيا ~~بالتوبة وفرع ms7298 عليه رجاء أن يستر الله سيئاتهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار. PageV19P186 # وقوله: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه" قال الراغب: يقال: خزي ~~الرجل يخزى من باب علم يعلم إذا لحقه انكسار إما من نفسه وإما من غيره ~~فالذي يلحقه من نفسه وهو الحياء المفرط مصدره الخزاية، والذي يلحقه من غيره ~~ويعد ضربا من الاستخفاف مصدره الخزي والإخزاء من الخزاية والخزي جميعا قال: ~~وعلى نحو ما قلنا في خزي ذل وهان فإن ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له ~~الهون - بفتح الهاء - والذل ويكون محمودا، ومتى كان من غيره يقال له: الهون ~~- بضم الهاء - والهوان والذل ويكون مذموما. # انتهى ملخصا. # "فقوله: "يوم" ظرف لما تقدمه، والمعنى: توبوا إلى الله عسى أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم الجنة في يوم لا يخزي ولا يكسر الله النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بجعلهم محرومين من الكرامة وخلفه ما وعدهم من الوعد الجميل. # وفي قوله: "النبي والذين آمنوا معه" اعتبار المعية في الإيمان في الدنيا ~~ولازمه ملازمتهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطاعتهم له من غير مخالفة ~~ومشاقة. # ومن المحتمل أن يكون قوله: "الذين آمنوا" مبتدأ خبره "معه" وقوله: "نورهم ~~يسعى" إلخ، خبرا ثانيا، وقوله: "يقولون" إلخ، خبرا ثالثا فيفيد أنهم لا ~~يفارقون النبي ولا يفارقهم يوم القيامة، وهذا وجه جيد لازمه كون عدم الخزي ~~خاصا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسعي النور وسؤال إتمامه خاصا ~~بالذين معه من المؤمنين وتؤيده آية الحديد الآتية. # ومن الممكن أن يكون "معه" متعلقا بقوله: "آمنوا" وقوله: "نورهم يسعى" ~~إلخ، خبرا أولا وثانيا للموصول. # وقوله: "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم" تقدم بعض الكلام في معناه في ~~قوله تعالى: "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم": الحديد: 12، ولا يبعد أن يكون ما بين أيديهم من النور نور ~~الإيمان وما بأيمانهم نور العمل. # وقوله: "يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير" يفيد ~~السياق أن المغفرة المسئولة سبب لتمام ms7299 النور أو هو ملازم لتمام النور فيفيد ~~أن في نورهم نقصا والنور نور الإيمان والعمل فلهم نقائص بحسب درجات الإيمان ~~أو آثار السيئات التي خلت محالها في صحائفهم من العبودية في العمل فيسألون ~~ربهم أن يتم لهم نورهم ويغفر لهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: "والذين ~~آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم:" ~~الحديد: 19. # قوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير" المراد بالجهاد بذل الجهد في إصلاح الأمر من جهتهم ودفع ~~شرهم ففي الكفار ببيان الحق وتبليغه فإن آمنوا وإلا فالحرب وفي المنافقين ~~باستمالتهم وتأليف قلوبهم حتى تطمئن قلوبهم إلى الإيمان وإلا فلم يقاتل ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منافقا قط. # وقيل: المراد اشدد عليهم في إقامة الحدود لأن أكثر من يصيب الحد في ذلك ~~الزمان المنافقون. # وهما كما ترى. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن ابن سيار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قوله: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - تبتغي مرضات أزواجك" قال: ~~اطلعت عائشة وحفصة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مع مارية فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والله لا أقربها فأمر الله أن يكفر بها ~~عن يمينه. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ~~رجل قال لامرأته: أنت علي حرام فقال: لو كان لي عليه سلطان لأوجعت رأسه ~~وقلت: الله أحلها لك فما حرمها عليك؟ أنه لم يزد على أن كذب فزعم أن ما أحل ~~الله له حرام ولا يدخل عليه طلاق ولا كفارة. فقلت: قول الله عز وجل: "يا ~~أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" فجعل فيه كفارة؟ فقال: إنما حرم عليه ~~جاريته مارية القبطية وحلف أن لا يقربها، وإنما جعل على النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) الكفارة في الحلف ولم يجعل عليه في التحريم. PageV19P187 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ms7300 والطبراني وابن مردويه ~~بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشرب ~~من شراب عند سودة من العسل فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحا، فدخل ~~على حفصة فقالت: إني أجد منك ريحا فقال: أراه من شراب شربته عند سودة والله ~~لا أشربه، فأنزل الله: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" الآية. # أقول: والحديث مروي بطرق متشتتة وألفاظ مختلفة، وفي انطباقها على الآيات ~~- وهي ذات سياق واحد - خفاء. # وفيه، أخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت عائشة وحفصة ~~متحابتين فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عنده فأرسل النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة وكان اليوم الذي يأتي فيه ~~عائشة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة فأخرج النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) جاريته ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك ~~والله لقد سوأتني، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والله لأرضينك ~~وإني مسر إليك سرا فاحفظيه، قالت: ما هو؟ قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي ~~حرام رضا لك. فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قد حرم عليه فتاته فلما أخبرت بسر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أظهر الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه فأنزل ~~الله: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك". # أقول: انطباق ما في الحديث على الآيات وخاصة قوله: "عرف بعضه وأعرض عن ~~بعض" فيه خفاء. # وفيه، أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "وإذ أسر النبي ~~إلى بعض أزواجه حديثا" قال: دخلت حفصة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ~~تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت. ~~فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فقالت ms7301 عائشة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من ~~أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير، فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم ~~مارية فحرمها فأنزل الله "يا أيها النبي لم تحرم". # أقول: والآثار في هذا الباب كثيرة على اختلاف فيها، وفي أكثرها أنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) حرم مارية على نفسه لقول حفصة لا لقول عائشة، وأن ~~التي قالت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "من أنبأك هذا" هي حفصة تريد ~~من أخبرك أني أفشيت السر دون عائشة. # وهي مع ذلك لا تزيل إبهام قوله تعالى: "عرف بعضه وأعرض عن بعض". # نعم فيما رواه ابن مردويه عن علي قال: ما استقصى كريم قط لأن الله يقول: ~~"عرف بعضه وأعرض عن بعض"، وروي عن أبي حاتم عن مجاهد، وابن مردويه عن ابن ~~عباس: أن الذي عرف أمر مارية والذي أعرض عنه قوله: إن أباك وأباها يليان ~~الناس بعدي مخافة أن يفشو. # ويتوجه عليه أنه ما وجه الكرم في أن يعرف (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ~~قاله من تحريم مارية ويعرض عما أخبرها من ولايتهما مع أن العكس أولى وأقرب. PageV19P188 # وقد روي بعده طرق عن عمر بن الخطاب سبب نزول الآيات ولم يذكر ذلك ففي عدة ~~من جوامع الحديث منها البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال: لم أزل ~~حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي اللتين قال الله: "أن تتوبا ~~إلى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل ~~عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ثم أتى فصببت على يديه فتوضأ. فقلت: يا أمير ~~المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اللتان قال ~~الله: "أن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" فقال: وا عجبا لك يا ابن عباس ~~هما عائشة وحفصة ثم أنشأ يحدثني. فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء فلما ~~قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ~~فغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني ms7302 فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر ~~من ذلك؟ فو الله إن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليراجعنه وتهجره ~~إحداهن اليوم إلى الليل. قلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت. قال: وكان ~~منزلي بالعوالي وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فينزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره وأنزل يوما ~~فآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فجاء يوما فضرب ~~على الباب فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم. فقلت: أجاءت غسان؟ قال: أعظم من ~~ذلك طلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه. قلت في نفسي: قد خابت ~~حفصة وخسرت قد كنت أرى ذلك كائنا فلما صلينا الصبح شددت علي ثيابي ثم ~~انطلقت حتى دخلت على حفصة فإذا هي تبكي فقلت: أطلقكن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)؟ قالت: لا أدري هو ذا معتزل في المشربة فانطلقت فأتيت ~~غلاما أسود فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فلم يقل ~~شيئا فانطلقت إلى المسجد فإذا حول المسجد نفر يبكون فجلست إليهم. ثم غلبني ~~ما أجد فانطلقت فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك ~~له فلم يقل شيئا فوليت منطلقا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل فقد أذن لك ~~فدخلت فإذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متكىء على حصير قد رأيت أثره ~~في جنبه فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال: لا. قلت: الله أكبر لو ~~رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا ~~قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت يوما على امرأتي ~~فإذا هي تراجعني فأنكرت ذلك فقالت: ما تنكر؟ فو الله إن أزواج النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فقلت: قد خاب ~~من فعل ذلك منهن، فدخلت على حفصة فقلت: أتراجع إحداكن رسول الله وتهجره ~~اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. فقلت: قد ms7303 خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت أتأمن ~~إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا ~~هي قد هلكت فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقلت لحفصة: لا ~~تراجعي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا ~~لك ولا يغرنك إن كانت جارتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فتبسم أخرى. فقلت: يا رسول الله أستأنس قال: نعم. فرفعت رأسي ~~فما رأيت في البيت إلا أهبة ثلاثة فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يوسع على ~~أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال: أوفي ~~شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ~~وكان قد أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة ~~اليمين. # أقول: وهذا المعنى مروي عنه مفصلا ومختصرا بطرق مختلفة، والرواية - كما ~~ترى - لا تذكر ما أسره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بعض أزواجه؟ ~~وما هو بعض النبإ الذي عرفه وما هو الذي أعرض عنه وله شأن من الشأن. # وهي مع ذلك ظاهرة في أن المراد بالتحريم في الآية تحريم عامة أزواجه وذلك ~~لا ينطبق عليها وفيها قوله تعالى: "لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك" مضافا إلى أنه لا تبين به وجه التخصيص في قوله: "إن تتوبا إلى الله ~~فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه" إلخ. PageV19P189 # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ~~يقول: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما - وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه - وجبريل وصالح المؤمنين" قال: صالح المؤمنين علي (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس: سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "وصالح المؤمنين" قال: علي بن أبي طالب. # أقول: ذكر صاحب البرهان بعد إيراد رواية أبي بصير ms7304 السابقة أن محمد بن ~~العباس أورد في هذا المعنى اثنين وخمسين حديثا من طرق الخاصة والعامة ثم ~~أورد نبذة منها. # وفي الكافي، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: لما نزلت هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا" جلس رجل من المؤمنين يبكي وقال: أنا عجزت عن نفسي وكلفت أهلي. فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، ~~وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك. # وفيه، بإسناده عن سماعة عن أبي بصير في قوله: "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" ~~قلت: كيف أقيهم؟ قال: تأمرهم بما أمر الله وتنهاهم عما نهى الله فإن أطاعوك ~~كنت قد وقيتهم وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك:. أقول: ورواه بطريق آخر عن ~~ذرعة عن أبي بصير عنه (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق والفاريابي وسعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن علي بن ~~أبي طالب: في قوله: "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" قال: علموا أنفسكم وأهليكم ~~الخير وأدبوهم. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: تلا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) هذه الآية "قوا أنفسكم وأهليكم نارا" فقالوا: يا رسول الله كيف ~~نقي أهلنا نارا؟ قال: تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا" قال: يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه. قال محمد بن الفضيل: سألت ~~عنها أبا الحسن (عليه السلام) فقال: يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، الحديث. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل: يا ~~رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب ~~فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما ms7305 لا يعود اللبن إلى الضرع. # أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة من الفريقين. # وفي الكافي، بإسناده عن صالح بن سهل الهمداني قال: قال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): في قوله: "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم" أئمة المؤمنين ~~يوم القيامة يسعى بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازل أهل الجنة. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~الآية: من كان له نور يومئذ نجا، وكل مؤمن له نور. PageV19P190 ### ||| AUTO 66 سورة التحريم - 10 - 12 # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرات نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صلحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الدخلين (10) وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لى ~~عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظلمين (11) ~~ومريم ابنت عمرن التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمت ربها ~~وكتبه وكانت من القنتين (12) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات الكريمة مثلين يمثل بهما الله سبحانه حال الكفار والمؤمنين ~~في أن شقاء الكفار وهلاكهم إنما كان بخيانتهم لله ورسوله وكفرهم ولم ينفعهم ~~اتصال بسبب إلى الأنبياء المكرمين، وأن سعادة المؤمنين وفلاحهم إنما كان ~~بإخلاصهم الإيمان بالله ورسوله والقنوت وحسن الطاعة ولم يضرهم اتصال بأعداء ~~الله بسبب فإنما ملاك الكرامة عند الله التقوى. # يمثل الحال أولا: بحال امرأتين كانتا زوجين لنبيين كريمين عدهما الله ~~سبحانه عبدين صالحين - ويا له من كرامة - فخانتاهما فأمرتا بدخول النار مع ~~الداخلين فلم ينفعهما زوجيتهما للنبيين الكريمين شيئا فهلكتا في ضمن ~~الهالكين من غير أدنى تميز وكرامة. # وثانيا: بحال امرأتين إحداهما امرأة فرعون الذي كانت منزلته في الكفر ~~بالله أن نادى في الناس فقال: أنا ربكم الأعلى، فآمنت بالله وأخلصت الإيمان ~~فأنجاها الله وأدخلها الجنة ولم يضرها زوجية مثل فرعون شيئا، وثانيتهما ~~مريم ابنة عمران الصديقة القانتة أكرمها الله بكرامته ونفخ فيها من روحه. # وفي التمثيل تعريض ظاهر شديد لزوجي النبي (صلى الله عليه وآله ms7306 وسلم) حيث ~~خانتاه في إفشاء سره وتظاهرتا عليه وآذتاه بذلك، وخاصة من حيث التعبير بلفظ ~~الكفر والخيانة وذكر الأمر بدخول النار. # قوله تعالى: "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما" إلخ، قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد ~~إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ~~ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ونقيض الخيانة ~~الأمانة، يقال: خنت فلانا وخنت أمانة فلان. # انتهى. # وقوله: "للذين كفروا" إن كان متعلقا بالمثل كان المعنى: ضرب الله مثلا ~~يمثل به حال الذين كفروا أنهم لا ينفعهم الاتصال بالعباد الصالحين، وإن كان ~~متعلقا بضرب كان المعنى: ضرب الله الامرأتين وما انتهت إليه حالهما مثلا ~~للذين كفروا ليعتبروا به ويعلموا أنهم لا ينفعهم الاتصال بالصالحين من ~~عباده وأنهم بخيانتهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل النار لا محالة. # وقوله: "امرأة نوح وامرأة لوط" مفعول "ضرب" والمراد بكونهما تحتهما ~~زوجيتهما لهما. # وقوله: "فلم يغنيا عنهما من الله شيئا" ضمير التثنية الأولى للعبدين، ~~والثانية للامرأتين، والمراد أنه لم ينفع المرأتين زوجيتهما للعبدين ~~الصالحين. # وقوله: "وقيل ادخلا النار مع الداخلين" أي مع الداخلين فيها من قوميهما ~~كما يلوح من قوله في امرأة نوح: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول": هود: 40، وقوله في ~~امرأة لوط: "فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه ~~مصيبها ما أصابهم": هود: 81، أو المعنى مع الداخلين فيها من الكفار. # وفي التعبير بقيل بالبناء للمفعول، وإطلاق الداخلين إشارة إلى هوان ~~أمرهما وعدم كرامة لهما أصلا فلم يبال بهما أين هلكتا. # قوله تعالى: "وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة" إلخ، الكلام في قوله: "للذين آمنوا" كالكلام في قوله: ~~"للذين كفروا". PageV19P191 # وقوله: "إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة" لخص سبحانه جميع ما كانت ms7307 ~~تبتغيه في حياتها وترومه في مسير عبوديتها في مسألة سألت ربها وذلك أن ~~الإيمان إذا كمل تواطأ الظاهر والباطن وتوافق القلب واللسان فلا يقول ~~الإنسان إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول فيكون ما يرجوه أو يتمناه أو ~~يسأله بلسانه هو الذي يريده كذلك بعمله. # وإذ حكى الله فيما يمثل به حالها ويشير إلى منزلتها الخاصة في العبودية ~~دعاء دعت به دل ذلك على أنه عنوان جامع لعبوديتها وعلى ذلك كانت تسير مدى ~~حياتها، والذي تتضمنه مسألتها أن يبني الله لها عنده بيتا في الجنة وينجيها ~~من فرعون وعمله وينجيها من القوم الظالمين فقد اختارت جوار ربه والقرب منه ~~على أن تكون أنيسة فرعون وعشيقته وهي ملكة مصر وآثرت بيتا يبنيه لها ربها ~~على بيت فرعون الذي فيه مما تشتهيه الأنفس وتتمناه القلوب ما تقف دونه ~~الآمال فقد كانت عزفت نفسها ما هي فيه من زينة الحياة الدنيا وهي لها خاضعة ~~وتعلقت بما عند ربه من الكرامة والزلفى فآمنت بالغيب واستقامت على إيمانها ~~حتى قضت. # وهذه القدم هي التي قدمتها إلى أن جعلها الله مثلا للذين آمنوا ولخص ~~حالها وما كانت تبتغيه وتعمل له مدى حياتها في مسير العبودية في مسألة حكى ~~عنها وما معناها إلا أنها انتزعت من كل ما يلهوها عن ربها ولاذت بربها تريد ~~القرب منه تعالى والإقامة في دار كرامته. # فقوله: "امرأة فرعون" اسمها على ما في الرواية آسية، وقوله: "إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة" الجمع بين كون البيت المبني لها عند الله وفي ~~الجنة لكون الجنة دار القرب من الله وجوار رب العالمين كما قال تعالى: "بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: 169. # على أن الحضور عنده تعالى والقرب منه كرامة معنوية والاستقرار في الجنة ~~كرامة صورية، وسؤال الجمع بينهما سؤال الجمع بين الكرامتين. # وقوله: "ونجني من فرعون وعمله" تبر منها وسؤال أن ينجيها الله من شخص ~~فرعون ومن عمله الذي تدعو ضرورة المصاحبة والمعاشرة إلى الشركة فيه والتلبس ~~به، ms7308 وقيل: المراد بالعمل الجماع. # وقوله: "ونجني من القوم الظالمين" وهم قوم فرعون وهو تبر آخر وسؤال أن ~~ينجيها الله من المجتمع العام كما أن الجملة السابقة كانت سؤال أن ينجيها ~~من المجتمع الخاص. # قوله تعالى: "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا" ~~إلخ، عطف على امرأة فرعون والتقدير وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم إلخ. # ضربها الله مثلا باسمها وأثنى عليها ولم يذكر في كلامه تعالى امرأة ~~باسمها غيرها ذكر اسمها في القرآن في بضع وثلاثين موضعا في نيف وعشرين سورة. # وقوله: "التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا" ثناء عليها على عفتها، ~~وقد تكرر في القرآن ذكر ذلك ولعل ذلك بإزاء ما افتعله اليهود من البهتان ~~عليها كما قال تعالى: "وقولهم على مريم بهتانا عظيما": النساء: 156، وفي ~~سورة الأنبياء في مثل القصة: "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها": الأنبياء: 91. # وقوله: "وصدقت بكلمات ربها" أي بما تكلم به الله سبحانه من الوحي إلى ~~أنبيائه كما قيل، وقيل: المراد بها وعده تعالى ووعيده وأمره ونهيه، وفيه ~~أنه يستلزم كون ذكر الكتب مستدركا. # وقوله: "وكتبه" وهي المشتملة على شرائع الله المنزلة من السماء كالتوراة ~~والإنجيل كما هو مصطلح القرآن ولعل المراد من تصديقها كلمات ربها وكتبه ~~كونها صديقة كما في قوله تعالى: "ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة": المائدة: 75. # وقوله: "وكانت من القانتين" أي من القوم المطيعين لله الخاضعين له ~~الدائمين عليه غلب فيه المذكر على المؤنث. # ويؤيد هذا المعنى كون القنوت بهذا المعنى واقعا فيما حكى الله من نداء ~~الملائكة لها "يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين": آل عمران: ~~43، وقيل: يجوز أن يراد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت مريم منهم ~~وكانوا أهل بيت صلاح وطاعة، وهو بعيد لما تقدم. # على أن المناسب لكون المثل تعريضا لزوجي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أن يراد بالقانتين مطلق أهل الطاعة والخضوع لله تعالى. PageV19P192 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن شرف الدين ms7309 النجفي رفعه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) أنه قال قوله تعالى: "ضرب الله مثلا للذين كفروا - امرأة نوح ~~وامرأة لوط" الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأفشتا سره. # وفي المجمع،: عن أبي موسى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كمل ~~من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ~~ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما ~~قص الله علينا من خبرهما في القرآن "قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة". # وفيه، أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى. # أقول: وامرأة فرعون على ما وردت به الروايات مقتولة قتلها زوجها فرعون ~~لما اطلع أنها آمنت بالله وحده، وقد اختلفت الروايات في كيفية قتلها. # ففي بعضها أنه لما اطلع على إيمانها كلفها الرجوع إلى الكفر فأبت إلا ~~الإيمان فأمر بها أن ترمى عليها بصخرة عظيمة حتى ترضح تحتها ففعل بها ذلك. # وفي بعضها لما أحضرت للعذاب دعت بما حكى الله عنها في كلامه من قولها: ~~"رب ابن لي عندك بيتا في الجنة" إلخ، فاستجاب الله لها ورأت بيتها في الجنة ~~وانتزعت منها الروح وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح. # وفي بعضها أن فرعون وتد لها أربعة أوتاد وأضجعها على صدرها وجعل على ~~صدرها رحى واستقبل بها عين الشمس. # والله أعلم. PageV19P193 ### || AUTO ### ||| AUTO 67 سورة الملك - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم تبرك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير (1) ~~الذى خلق الموت والحيوة ليبلوكم ms7310 أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذى ~~خلق سبع سموت طباقا ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها رجوما للشيطين وأعتدنا لهم عذاب السعير ~~(5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا ~~لها شهيقا وهى تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شىء إن أنتم إلا فى ضلل كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا فى أصحب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحب السعير (11) إن الذين ~~يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه ~~عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة بيان عموم ربوبيته تعالى للعالمين تجاه قول الوثنية إن لكل ~~شطر من العالم ربا من الملائكة وغيرهم وإنه تعالى رب الأرباب فقط. # ولذا يعد سبحانه كثيرا من نعمه في الخلق والتدبير - وهو في معنى الاحتجاج ~~على ربوبيته - ويفتتح الكلام بتباركه وهو كثرة صدور البركات عنه، ويكرر ~~توصيفه بالرحمن وهو مبالغة في الرحمة التي هي العطية قبال الاستدعاء فقرا ~~وفيها إنذار ينتهي إلى ذكر الحشر والبعث. # وتتلخص مضامين آياتها في الدعوة إلى توحيد الربوبية والقول بالمعاد. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير" تبارك الشيء ~~كثرة صدور الخيرات والبركات عنه. # وقوله: "الذي بيده الملك" يشمل بإطلاقه كل ملك، وجعل الملك في يده ~~استعارة بالكناية عن كمال تسلطه عليه وكونه متصرفا فيه كيف يشاء كما يتصرف ~~ذو اليد فيما بيده ويقلبه كيف يشاء فهو تعالى يملك بنفسه كل شيء من جميع ~~جهاته، ويملك ما يملكه كل شيء. # فتوصيفه تعالى بالذي بيده الملك أوسع من توصيفه بالمليك في قوله: "عند ~~مليك مقتدر": القمر: 55، وأصرح وآكد من توصيفه ms7311 في قوله: "له الملك": ~~التغابن: 1. # وقوله: "وهو على كل شيء قدير" إشارة إلى كون قدرته غير محدودة بحد ولا ~~منتهية إلى نهاية وهو لازم إطلاق الملك بحسب السياق، وإن كان إطلاق الملك ~~وهو من صفات الفعل من لوازم إطلاق القدرة وهي من صفات الذات. # وفي الآية مع ذلك إيماء إلى الحجة على إمكان ما سيأتي من أمر المعاد. # قوله تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز ~~الغفور" الحياة كون الشيء بحيث يشعر ويريد، والموت عدم ذلك لكن الموت على ~~ما يظهر من تعليم القرآن انتقال من نشأة من نشآت الحياة إلى نشأة أخرى كما ~~تقدم استفادة ذلك من قوله تعالى: "نحن قدرنا بينكم الموت - إلى قوله - فيما ~~لا تعلمون": الواقعة: 61، فلا مانع من تعلق الخلق بالموت كالحياة. # على أنه لو أخذ عدميا كما عند العرف فهو عدم ملكة الحياة وله حظ من ~~الوجود يصحح تعلق الخلق به كالعمى من البصر والظلمة من النور. # وقوله: "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" غاية خلقه تعالى الموت والحياة، والبلاء ~~الامتحان والمراد أن خلقكم هذا النوع من الخلق وهو أنكم تحيون ثم تموتون ~~خلق مقدمي امتحاني يمتاز به منكم من هو أحسن عملا من غيره ومن المعلوم أن ~~الامتحان والتمييز لا يكون إلا لأمر ما يستقبلكم بعد ذلك وهو جزاء كل بحسب عمله. PageV19P194 # وفي الكلام مع ذلك إشارة إلى أن المقصود بالذات من الخلقة هو إيصال الخير ~~من الجزاء حيث ذكر حسن العمل وامتياز من جاء بأحسنه فالمحسنون عملا هم ~~المقصودون بالخلقة وغيرهم مقصودون لأجلهم. # وقد ذيل الكلام بقوله: "وهو العزيز الغفور" فهو العزيز لأن الملك والقدرة ~~المطلقين له وحده فلا يغلبه غالب وما أقدر أحدا على مخالفته إلا بلاء ~~وامتحانا وسينتقم منهم وهو الغفور لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم في الدنيا ~~وسيغفر كثيرا منها في الآخرة كما وعد. # وفي التذييل بالاسمين مع ذلك تخويف وتطميع على ما يدعو إلى ذلك سياق ~~الدعوة. # واعلم أن مضمون الآية ليس مجرد دعوى خالية ms7312 عن الحجة يراد به التلقين كما ~~ربما يتوهم بل هي مقدمة قريبة من الضرورة - أو هي ضرورية - تستدعي الحكم ~~بضرورة البعث للجزاء فإن الإنسان المتلبس بهذه الحياة الدنيوية الملحوقة ~~للموت لا يخلو من أن يحصل له وصف حسن العمل أو خلافه وهو مجهز بحسب الفطرة ~~بما لو لا عروض عارض السوء لساقه إلى حسن العمل، وقلما يخلو إنسان من حصول ~~أحد الوصفين كالأطفال ومن في حكمهم. # والوصف الحاصل المترتب على وجود الشيء الساري في أغلب أفراده غاية في ~~وجوده مقصودة في إيجاده فكما أن الحياة النباتية لشجرة كذا إذ كانت تؤدي في ~~الغالب إلى أثمارها ثمرة كذا يعد ذلك غاية لوجودها مقصودة منها كذلك حسن ~~العمل والصلاح غاية لخلق الإنسان، ومن المعلوم أيضا أن الصلاح وحسن العمل ~~لو كان مطلوبا لكان مطلوبا لغيره لا لنفسه، والمطلوب بالذات الحياة الطيبة ~~التي لا يشوبها نقص ولا يعرضها لغو ولا تأثيم فالآية في معنى قوله: "كل نفس ~~ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة": الأنبياء: 35. # قوله تعالى: "الذي خلق سبع سماوات طباقا" إلخ، أي مطابقة بعضها فوق بعض ~~أو بعضها يشبه البعض - على ما احتمل - وقد مر في تفسير حم السجدة بعض ما ~~يمكننا من القول فيها. # وقوله: "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" قال الراغب: الفوت بعد الشيء عن ~~الإنسان بحيث يتعذر إدراكه، قال تعالى: "وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار". # قال: والتفاوت الاختلاف في الأوصاف كأنه يفوت وصف أحدهما الآخر أو وصف كل ~~واحد منهما الآخر، قال تعالى: "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" أي ليس فيها ~~ما يخرج عن مقتضى الحكمة. # انتهى. # فالمراد بنفي التفاوت اتصال التدبير وارتباط الأشياء بعضها ببعض من حيث ~~الغايات والمنافع المترتبة على تفاعل بعضها في بعض، فاصطكاك الأسباب ~~المختلفة في الخلقة وتنازعها كتشاجر كفتي الميزان وتصارعهما بالثقل والخفة ~~والارتفاع والانخفاض فإنهما في عين أنهما تختلفان تنفقان في إعانة من بيده ~~الميزان فيما يريده من تشخيص وزن السلعة الموزونة. # فقد رتب الله أجزاء الخلقة ms7313 بحيث تؤدي إلى مقاصدها من غير أن يفوت بعضها ~~غرض بعض أو يفوت من بعضها الوصف اللازم فيه لحصول الغاية المطلوبة. # والخطاب في "ما ترى" خطاب عام لكل من يمكنه الرؤية وفي إضافة الخلق إلى ~~الرحمن إشارة إلى أن الغاية منه هي الرحمة العامة، وتنكير "تفاوت" وهو في ~~سياق النفي وإدخال "من" عليه لإفادة العموم. # وقوله: "فارجع البصر هل ترى من فطور" الفطور الاختلال والوهي، والمراد ~~بإرجاع البصر النظر ثانيا وهو كناية عن المداقة في النظر والإمعان فيه. # قوله تعالى: "ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير" ~~الخاسىء من خسأ البصر إذا انقبض عن مهانة كما قال الراغب، وقال أيضا: ~~الخاسر المعيا لانكشاف قواه، ويقال للمعيا: حاسر ومحسور: أما الحاسر فتصور ~~أنه بنفسه قد حسر قوته، وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره، وقوله عز ~~وجل: "ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير" يصح أن يكون بمعنى حاسر وأن يكون ~~بمعنى محسور. # انتهى. # وقوله: "كرتين" الكرة الرجعة والمراد بالتثنية التكثير والتكرير، ~~والمعنى: ثم ارجع البصر رجعة بعد رجعة أي رجعات كثيرة ينقلب إليك البصر ~~منقبضة مهينة والحال أنه كليل معيا لم يجد فطورا. # فقد أشير في الآيتين إلى أن النظام الجاري في الكون نظام واحد متصل ~~الأجزاء مرتبط الأبعاض. PageV19P195 # قوله تعالى: "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح" إلى آخر الآية، المصابيح ~~جمع مصباح وهو السراج سمي الكواكب مصابيح لإنارتها وإضاءتها وقد تقدم كلام ~~في ذلك في تفسير سورة حم السجدة. # وقوله: "وجعلناها رجوما للشياطين" أي وجعلنا الكواكب التي زينا بها ~~السماء رجوما يرجم بها من استرق السمع من الشياطين كما قال تعالى: "إلا من ~~استرق السمع فأتبعه شهاب مبين": الحجر: 18، وقال: "إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب": الصافات: 10. # قيل: إن الجملة دليل أن المراد بالكواكب المزينة بها السماء مجموع ~~الكواكب الأصلية والشهب السماوية فإن الكواكب الأصلية لا تزول عن مستقرها ~~والكواكب والنجم يطلقان على الشهب كما يطلقان على الأجرام الأصلية. # وقيل: تنفصل من الكواكب شهب تكون رجوما للشياطين ms7314 أما الكواكب أنفسها ~~فليست تزول إلا أن يريد الله إفناءها. # وهذا الوجه أوفق للأنظار العلمية الحاضرة، وقد تقدم بعض الكلام في معنى ~~رمي الشياطين بالشهب. # وقوله: "وأعتدنا لهم عذاب السعير" أي وهيأنا للشياطين وهم أشرار الجن ~~عذاب النار المسعرة المشتعلة. # قوله تعالى: "وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير" لما أورد بعض ~~آيات ربوبيته تعالى عقبها بالوعيد على من كفر بربوبيته على ما هو شأن هذه ~~السورة من تداخل الحجج والوعيد والإنذار. # والمراد بالذين كفروا بربوبيته أعم من الوثنيين النافين لربوبيته لغير ~~أربابهم القائلين بأنه تعالى رب الأرباب فقط، والنافين لها مطلقا والمثبتين ~~لربوبيته مع التفريق بينه وبين رسله كاليهود والنصارى حيث آمنوا ببعض رسله ~~وكفروا ببعض. # والآية مع ذلك متصلة بقوله: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا وهو العزيز الغفور" لما فيها من الإشارة إلى البعث والجزاء متصلة بما ~~قبلها كالتعميم بعد التخصيص. # قوله تعالى: "إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من ~~الغيظ" قال الراغب: الشهيق طول الزفير وهو رد النفس والزفير مدة انتهى، ~~والفوران كما في المجمع، ارتفاع الغليان، والتميز: التقطع والتفرق، والغيظ: ~~شدة الغضب، والمعنى: إذا طرح الكفار في جهنم سمعوا لها شهيقا - أي تجذبهم ~~إلى داخلها كما يجذب الهواء بالشهيق إلى داخل الصدر - وهي تغلي بهم فترفعهم ~~وتخفضهم تكاد تتلاشى من شدة الغضب. # قوله تعالى: "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير" الفوج - ~~كما قاله الراغب - الجماعة المارة المسرعة، وفي قوله: "كلما ألقي فيها فوج" ~~إشارة إلى أن الكفار يلقون في النار جماعة جماعة كما يشير إليه قوله: "وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا": الزمر: 71، وإنما يلقون كذلك بلحوق التابعين ~~لمتبوعيهم في الضلال كما قال تعالى: "ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا فيجعله في جهنم": الأنفال: 37، وقد تقدم بعض توضيحه في ذيل الآية من ~~سورة الأنفال. # والخزنة جمع خازن وهو الحافظ على الشيء المدخر والمراد بهم الملائكة ~~الموكلون على النار المدبرون لأنواع عذابها قال تعالى: "عليها ملائكة ms7315 غلاظ ~~شداد": التحريم: 6، وقال: "وما أدراك ما سقر - إلى أن قال - عليها تسعة عشر ~~وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة": المدثر: 31. # والمعنى: كلما طرح في جهنم جماعة من جماعات الكفار المسوقين إليها سألهم ~~الملائكة الموكلون على النار الحافظون لها - توبيخا - ألم يأتكم نذير؟ وهو ~~النبي المنذر. # قوله تعالى: "قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا" إلى آخر الآية حكاية ~~جوابهم لسؤال الخزنة، وفيه تصديق أنهم قد جاءهم نذير فنسبوه إلى الكذب ~~واعتراف. # وقوله: "ما نزل الله من شيء" بيان لتكذيبهم، وكذا قوله: "إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير" وقيل: قوله: "إن أنتم" إلخ، كلام الملائكة يخاطبون به الكفار ~~بعد جوابهم عن سؤالهم بما أجابوا، وهو بعيد من السياق، وكذا احتمال كونه من ~~كلام الرسل الذين كذبوهم تحكيه الملائكة لأولئك الكفار. PageV19P196 # قوله تعالى: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" يطلق ~~السمع ويراد به إدراك الصوت والقول بالجارحة وربما يراد به ما هو الغاية ~~منه عند العقلاء وهو الالتزام بمقتضاه من الفعل والترك، ويطلق العقل على ~~تمييز الخير من الشر والنافع من الضار، وربما يراد به ما هو الغاية منه وهو ~~الالتزام بمقتضاه من طلب الخير والنفع واجتناب الشر والضر، قال تعالى: "لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل": الأعراف: 179. # وأكثر ما ينتفع بالسمع عامة الناس لقصورهم عن تعقل دقائق الأمور وإدراك ~~حقيقتها والاهتداء إلى مصالحها ومفاسدها وإنما ينتفع بالعقل الخاصة. # فقوله: "لو كنا نسمع أو نعقل" أريد بالسمع استجابة دعوة الرسل والالتزام ~~بمقتضى قولهم وهم النصحاء الأمناء، وبالعقل الالتزام بمقتضى ما يدعون إليه ~~من الحق بتعقله والاهتداء العقلي إلى أنه حق ومن الواجب أن يخضع الإنسان للحق. # وإنما قدم السمع على العقل لأن استعماله من شأن عامة الناس وهم الأكثرون ~~والعقل شأن الخاصة وهم آحاد قليلون. # والمعنى: لو كنا في الدنيا نطيع الرسل في نصائحهم ومواعظهم أو عقلنا حجة ~~الحق ما كنا اليوم في ms7316 أصحاب السعير وهم مصاحبو النار المخلدون فيها. # وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع ~~والعقل. # قوله تعالى: "فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير" كانوا إنما قالوا: ~~"لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" ندامة على ما فرطوا في جنب ~~الله وفوتوا على أنفسهم من الخير فاعترفوا بأن ما أتوا به كان تبعته دخول ~~النار وكان عليهم أن لا يأتوا به، وهذا هو الذنب فقد اعترفوا بذنبهم. # وإنما أفرد الذنب بناء على إرادة معنى المصدر منه وهو في الأصل مصدر. # وقوله: "فسحقا لأصحاب السعير" السحق تفتيت الشيء كما ذكره الراغب وهو ~~دعاء عليهم. # قوله تعالى: "إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير" لما ذكر ~~حال الكفار وما يجازون به على كفرهم قابلة بحال المؤمنين بالغيب لتمام ~~التقسيم وذكر من وصفهم الخشية لأن المقام مقام الإنذار والوعيد. # وعد خشيتهم خشية بالغيب لكون ما آمنوا به محجوبا عنهم تحت حجب الغيب. # قوله تعالى: "وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور" رفع شبهة ~~يمكن أن تختلج في قلوبهم مبنية على الاستبعاد وذلك أنه تعالى ساق الكلام في ~~بيان ربوبيته لكل شيء المستتبعة للبعث والجزاء وذكر ملكه وقدرته المطلقين ~~وخلقه وتدبيره ولم يذكر علمه المحيط بهم وبأحوالهم وأعمالهم وهو مما لا يتم ~~البعث والجزاء بدونه. # وكان من الممكن أن يتوهموا أن الأعمال على كثرتها الخارجة عن الإحصاء لا ~~يتأتى ضبطها وخاصة ما تكنه الصدور منها فإن الإنسان يقيس الأشياء بنفسه ~~ويزنها بزنة نفسه وهو غير قادر على إحصاء جزئيات الأعمال التي هي حركات ~~مختلفة متقضية وخاصة أعمال القلوب المستكنة في زواياها. # فدفعه بأن إظهار القول وإخفاءه سواء بالنسبة إليه تعالى فإنه عليم بذات ~~الصدور، والسياق يشهد أن المراد استواء خفايا الأعمال وجلاياها بالنسبة ~~إليه، وإنما ذكر أسرار القول وجهره من حيث ظهور معنى الخفاء والظهور فيه ~~بالجهر والإسرار. # قوله تعالى: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" استفهام إنكاري مأخوذ ~~حجة على علمه تعالى ms7317 بأعمال الخلق ظاهرها وباطنها وسرها وجهرها وذلك أن ~~أعمال الخلق - ومن جملتها أعمال الإنسان الاختيارية - وإن نسبت إلى فواعلها ~~لكن الله سبحانه هو الذي يريدها ويوجدها من طريق اختيار الإنسان واقتضاء ~~سائر الأسباب فهو الخالق لأعيان الأشياء والمقدر لها آثارها كيفما كانت ~~والرابط بينها وبين آثارها الموصل لها إلى آثارها، قال تعالى: "الله خالق ~~كل شيء وهو على كل شيء وكيل": الزمر: 62، وقال: "الذي خلق فسوى والذي قدر ~~فهدى": الأعلى: 3، فهو سبحانه محيط بعين من خلقه وأثره ومن أثره أعماله ~~الظاهرة والباطنة وما أسره وما جهر به وكيف يحيط به ولا يعلمه. PageV19P197 # وفي الآية إشارة إلى أن أحوال الأشياء وأعمالها غير خارجة عن خلقها لأنه ~~تعالى استدل بعلمه بمن خلق على علمه بخصوصيات أحواله وأعماله ولو لا كون ~~الأحوال والأعمال غير خارجة عن وجود موضوعاتها لم يتم الاستدلال. # على أن الأحوال والأعمال من مقتضيات موضوعاتها والذي ينتسب إليه وجود ~~الشيء ينتسب إليه آثار وجوده. # وقوله: "وهو اللطيف الخبير" أي النافذ في بواطن الأشياء المطلع على ~~جزئيات وجودها وآثارها، والجملة حالية تعلل ما قبلها والاسمان الكريمان من ~~الأسماء الحسنى ذيلت بهما الآية لتأكيد مضمونها. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قول الله عز وجل: "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" قال: ليس يعني أكثركم عملا ولكن ~~أصوبكم عملا، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والخشية. ثم قال: ~~الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل. ألا والعمل الخالص الذي لا تريد ~~أن يحمدك عليه أحد إلا الله، والنية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل. ~~ثم تلا قوله: "قل كل يعمل على شاكلته" يعني على نيته. # وفي المجمع، قال أبو قتادة: سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ~~قوله تعالى: "أيكم أحسن عملا" ما عنى به؟ فقال: يقول: أيكم أحسن عقلا. ثم ~~قال: أتمكم عقلا وأشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا ~~وإن كان أقلكم تطوعا. ms7318 # وفيه، عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه تلا قوله ~~تعالى: "تبارك الذي بيده الملك إلى قوله أيكم أحسن عملا" ثم قال: أيكم أحسن ~~عقلا، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "الذي خلق سبع سماوات طباقا" قال: ~~بعضها طبق لبعض. # وفيه،: في قوله تعالى: "من تفاوت" قال: من فساد. # وفيه،: في قوله تعالى: "ثم ارجع البصر" قال: انظر في ملكوت السماوات ~~والأرض. # وفيه،: في قوله تعالى: "بمصابيح" قال: بالنجوم. # وفيه،: في قوله تعالى: "سمعوا لها شهيقا" قال: وقعا. # وفيه،: في قوله تعالى: "تكاد تميز من الغيظ" قال: على أعداء الله. # وفيه،: في قوله تعالى: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل - ما كنا في أصحاب ~~السعير" قال: قد سمعوا وعقلوا ولكنهم لم يطيعوا ولم يقبلوا، والدليل على ~~أنهم قد سمعوا وعقلوا ولم يقبلوا، قوله: "فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير". # أقول: يعني (عليه السلام) أنه يدل على أن المراد من عدم السمع والعقل عدم ~~الإطاعة والقبول بعد السمع والعقل أنه تعالى سمى قولهم ذلك اعترافا بالذنب، ~~ولا يعد فعل ذنبا من فاعله إلا بعد العلم بجهة مساءته بسمع أو عقل. PageV19P198 ### ||| AUTO 67 سورة الملك - 15 - 22 # هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) ء أمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور (16) أم ~~أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب ~~الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شىء بصير (19) أمن هذا الذى هو جند لكم ~~ينصركم من دون الرحمن إن الكفرون إلا فى غرور (20) أمن هذا الذى يرزقكم إن ~~أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور (21) أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن ~~يمشى سويا على صرط مستقيم (22) ### |||| AUTO بيان # في الآيات كرة بعد كرة بآيات التدبير الدالة على ربوبيته تعالى مقرونة ms7319 ~~بالإنذار والتخويف أعني قوله: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا" الآية، وقوله: ~~"أولم يروا إلى الطير" الآية بعد قوله: "الذي خلق الموت والحياة" الآية، ~~وقوله: "الذي خلق سبع سماوات" الآية، وقوله: "ولقد زينا" الآية. # قوله تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه وإليه النشور" الذلول من المراكب ما يسهل ركوبه من غير أن يضطرب ويجمح ~~والمناكب جمع منكب وهو مجتمع ما بين العضد والكتف واستعير لسطح الأرض، قال ~~الراغب: واستعارته للأرض كاستعارة الظهر لها في قوله: "ما ترك على ظهرها من ~~دابة" وتسمية الأرض ذلولا وجعل ظهورها مناكب لها يستقر عليها ويمشي فيها ~~باعتبار انقيادها لأنواع التصرفات الإنسانية من غير امتناع، وقد وجه كونها ~~ذلولا ذا مناكب بوجوه مختلفة تؤول جميعها إلى ما ذكرنا. # والأمر في قوله: "وكلوا من رزقه" للإباحة والنشور والنشر إحياء الميت بعد ~~موته وأصله من نشر الصحيفة والثوب إذا بسطهما بعد طيهما. # والمعنى: هو الذي جعل الأرض مطاوعة منقادة لكم يمكنكم أن تستقروا على ~~ظهورها وتمشوا فيها تأكلون من رزقه الذي قدره لكم بأنواع الطلب والتصرف فيها. # وقوله: "وإليه النشور" أي ويرجع إليه نشر الأموات بإخراجهم من الأرض ~~وإحيائهم للحساب والجزاء، واختصاص رجوع النشر به كناية عن اختصاص الحكم ~~بالنشور به والإحياء يوم القيامة فهو ربكم المدبر لأمر حياتكم الدنيا ~~بالإقرار على الأرض والهداية إلى مآرب الحياة، وله الحكم بالنشور للحساب ~~والجزاء. # وفي عد الأرض ذلولا والبشر على مناكبها تلويح ظاهر إلى ما أدت إليه ~~الأبحاث العلمية أخيرا من كون الأرض كرة سيارة. # قوله تعالى: "ء أمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور" ~~إنذار وتخويف بعد إقامة الحجة وتوبيخ على مساهلتهم في أمر الربوبية ~~وإهمالهم أمر الشكر على نعم ربهم بالخضوع لربوبيته ورفض ما اختلقوه من ~~الأنداد. # والمراد بمن في السماء الملائكة المقيمون فيها الموكلون على حوادث الكون ~~وإرجاع ضمير الإفراد إلى "من" باعتبار لفظه وخسف الأرض بقوم كذا شقها ~~وتغييبهم في بطنها والمور على ما ms7320 في المجمع التردد في الذهاب والمجيء مثل الموج. # والمعنى: ء أمنتم في كفركم بربوبيته تعالى الملائكة المقيمين في السماء ~~الموكلين بأمور العالم أن يشقوا الأرض ويغيبوكم فيها بأمر الله فإذا الأرض ~~تضطرب ذهابا ومجيئا بزلزالها. # وقيل: المراد بمن في السماء هو الله سبحانه والمراد بكونه في السماء كون ~~سلطانه وتدبيره وأمره فيها لاستحالة أن يكون تعالى في مكان أو جهة أو محاطا ~~بعالم من العوالم، وهذا المعنى وإن كان لا بأس به لكنه خلاف الظاهر. # قوله تعالى: "أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف ~~نذير" الحاصب الريح التي تأتي بالحصاة والحجارة، والمعنى: أأمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم ريحا ذات حصاة وحجارة كما أرسلها على قوم لوط قال ~~تعالى: "إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط": القمر: 34. PageV19P199 # وقوله: "فستعلمون كيف نذير" النذير مصدر بمعنى الإنذار والجملة متفرعة على ~~ما يفهم من سابق الكلام من كفرهم بربوبيته تعالى وأمنهم من عذابه والمعنى ظاهر. # وقيل: النذير صفة بمعنى المنذر والمراد به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهو سخيف. # قوله تعالى: "ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير" المراد بالنكير ~~العقوبة وتغيير النعمة أو الإنكار، والآية كالشاهد يستشهد به على صدق ما في ~~قوله: "فستعلمون كيف نذير" من الوعيد والتهديد. # والمعنى: ولقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الهالكة رسلي وجحدوا بربوبيتي ~~فكيف كان عقوبتي وتغييري النعمة عليهم أو كيف كان إنكاري ذلك عليهم حيث ~~أهلكتهم واستأصلتهم. # وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: "من قبلهم" إشعارا ~~بسقوطهم - لجهالتهم وإهمالهم في التدبر في آيات الربوبية وعدم مخافتهم من ~~سخط ربهم - عن تشريف الخطاب فأعرض عن مخاطبتهم فيما يلقى إليهم من المعارف ~~إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا ~~الرحمن إنه بكل شيء بصير" المراد بكون الطير فوقهم طيرانه في الهواء، وصفيف ~~الطير بسطه جناحه حال الطيران وقبضه قبض جناحه حاله، والجمع ms7321 في "صافات ~~ويقبضن" لكون المراد بالطير استغراق الجنس. # وقوله: "ما يمسكهن إلا الرحمن" كالجواب لسؤال مقدر كان سائلا يسأل فيقول: ~~ما هو المراد بإلفات نظرهم إلى صفيف الطير وقبضه فوقهم؟ فأجيب بقوله: "ما ~~يمسكهن إلا الرحمن". # وقرار الطير حال الطيران في الهواء من غير سقوط وإن كان مستندا إلى أسباب ~~طبيعية كقرار الإنسان على بسيط الأرض والسمك في الماء وسائر الأمور ~~الطبيعية المستندة إلى علل طبيعية تنتهي إليه تعالى لكن لما كان بعض ~~الحوادث غير ظاهر السبب للإنسان في بادي النظر سهل له إذا نظر إليه أن ~~ينتقل إلى أن الله سبحانه هو السبب الأعلى الذي ينتهي إليه حدوثه ووجوده، ~~ولذا نبههم الله سبحانه في كلامه بإرجاع نظرهم إليها ودلالتهم على وحدانيته ~~في الربوبية. # وقد ورد في كلامه تعالى شيء كثير من هذا القبيل كإمساك السماوات بغير عمد ~~وإمساك الأرض وحفظ السفن على الماء واختلاف الأثمار والألوان والألسنة ~~وغيرها مما كان سببه الطبيعي القريب خفيا في الجملة يسهل للذهن الساذج ~~الانتقال إلى استناده إليه تعالى ثم إذا تنبه لوجود أسبابه القريبة بنوع من ~~المجاهدة الفكرية وجد الحاجة بعينها في أسبابه حتى تنتهي إليه تعالى وأن ~~إلى ربك المنتهى. # قال في الكشاف،: فإن قلت: لم قيل: ويقبضن ولم يقل: وقابضات؟ قلت: لأن ~~الأصل في الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ~~والأصل في السباحة هو مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارىء على البسط ~~للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن ~~صافات ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح. # انتهى. # وهو مبني على أن تكون الآية هي مجموع قوله: "صافات ويقبضن" وهو الطيران، ~~ويمكن أن يستفاد أن الآية عدم سقوطهن وهن صافات، وآية أخرى أنهن ربما يقبضن ~~ولا يسقطن حينما يقبضن. # ولا يخفى ما في ذكر طيران الطير في الهواء بعد ذكر جعل الأرض ذلولا ~~والإنسان على مناكبها من اللطف. # قوله تعالى: "أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم ms7322 من دون الرحمن إن الكافرون ~~إلا في غرور" توبيخ وتقريع لهم في اتخاذهم آلهة من دون الله لينصروهم ولذا ~~التفت عن الغيبة إلى الخطاب فخاطبهم ليشتد عليهم التقريع. # وقوله: "أمن هذا الذي" إلخ، معناه بل من الذي يشار إليه فيقال: هذا جند ~~لكم ينصركم من دون الرحمن إن أرادكم بسوء أو عذاب؟ فليس دون الله من ينصركم ~~عليه، وفيه إشارة إلى خطئهم في اتخاذ بعض خلق الله آلهة لينصروهم في ~~النوائب وهم مملوكون لله لا يملكون لأنفسهم نفعا وضرا ولا لغيرهم. # وإذ لم يكن لهم جواب أجاب تعالى بقوله: "إن الكافرون إلا في غرور" أي ~~أحاط بهم الغرور وغشيهم فخيل إليهم ما يدعون من ألوهية آلهتهم. PageV19P200 # قوله تعالى: "أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور" أي ~~بل من الذي يشار إليه بأن هذا هو الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه فينوب ~~مقامه فيرزقكم؟ ثم أجاب سبحانه بقوله: "بل لجوا في عتو ونفور" أي إن الحق ~~قد تبين لهم لكنهم لا يخضعون للحق بتصديقه ثم اتباعه بل تمادوا في ابتعادهم ~~من الحق ونفورهم منه، ولجوا في ذلك. # قوله تعالى: "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط ~~مستقيم" إكباب الشيء على وجهه إسقاطه عليه، وقال في الكشاف،: معنى أكب دخل ~~في الكب وصار ذا كب. # استفهام إنكاري عن استواء الحالين تعريضا لهم بعد ضرب حجاب الغيبة عليهم ~~وتحريمهم من تشريف الحضور والخطاب بعد استقرار اللجاج فيهم، والمراد أنهم ~~بلجاجهم في عتو عجيب ونفور من الحق كمن يسلك سبيلا وهو مكب على وجه لا يرى ~~ما في الطريق من ارتفاع وانخفاض ومزالق ومعاثر فليس هذا السائر كمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم فيرى موضع قدمه وما يواجهه من الطريق على استقامة، ~~وما يقصده من الغاية وهؤلاء الكفار سائرون سبيل الحياة وهم يعاندون الحق ~~على علم به فيغمضون عن معرفة ما عليهم أن يعرفوه والعمل بما عليهم أن ~~يعملوا به ولا يخضعون للحق حتى يكونوا ms7323 على بصيرة من الأمر ويسلكوا سبيل ~~الحياة وهم مستوون على صراط مستقيم فيأمنوا الهلاك. # وقد ظهر أن ما في الآية مثل عام يمثل حال الكافر الجاهل اللجوج المتمادي ~~على جهله والمؤمن المستبصر الباحث عن الحق. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن سعد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: القلب أربعة: ~~قلب فيه نفاق وإيمان، وقلب منكوس، وقلب مطبوع، وقلب أزهر. فقلت: ما الأزهر، ~~قال: فيه كهيئة السراج. فأما المطبوع فقلب المنافق، وأما الأزهر فقلب ~~المؤمن إن أعطاه شكر وإن ابتلاه صبر، وأما المنكوس فقلب المشرك ثم قرأ هذه ~~الآية "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى - أمن يمشي سويا على صراط مستقيم"، ~~فأما القلب الذي فيه إيمان ونفاق فقوم كانوا بالطائف فإن أدرك أحدهم أجله ~~على نفاقه هلك وإن أدركه على إيمانه نجى. # أقول: ورواه في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن الفضيل عن سعد ~~الخفاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن القلوب أربعة، وساق الحديث إلى ~~آخره إلا أن فيه: وقلب أزهر أنور. # وقوله: "فهم قوم كانوا بالطائف" المراد به الطائف الشيطاني الذي ربما يمس ~~الإنسان قال تعالى: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون":، الأعراف: 201، فالمعنى أنهم يعيشون مع طائف شيطاني يمسهم حينا ~~بعد حين فإن أدركهم الأجل والطائف معهم هلكوا وإن أدركهم وهم في حال ~~الإيمان نجوا. # واعلم أن هناك روايات تطبق قوله: "أفمن يمشي مكبا على وجهه" الآية على من ~~حاد عن ولاية علي (عليه السلام) ومن يتبعه ويواليه، وهي من الجري والله أعلم. PageV19P201 ### ||| AUTO 67 سورة الملك - 23 - 30 # قل هو الذى أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) ~~قل هو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صدقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما ~~رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذى كنتم به تدعون (27) قل ~~أرءيتم إن أهلكنى الله ومن معى أو رحمنا فمن ms7324 يجير الكفرين من عذاب أليم ~~(28) قل هو الرحمن ءامنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو فى ضلل مبين (29) ~~قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) ### |||| AUTO بيان # آيات أخر يذكرهم الله تعالى بها دالة على وحدانيته تعالى في الخلق ~~والتدبير مقرونة بالإنذار والتخويف، جارية على غرض السورة وهو التذكرة ~~بالوحدانية مع الإنذار غير أنه تعالى لما أشار إلى لجاجهم وعنادهم للحق في ~~قوله السابق: "بل لجوا في عتو ونفور" غير السياق بالإعراض عن خطابهم ~~والالتفات إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره أن يتصدى خطابهم ~~ويقرع أسماعهم آياته في الخلق والتدبير الدالة على توحده في الربوبية ~~وإنذارهم بعذاب الله، وذلك قوله: "قل هو الذي أنشأكم" إلخ، "قل هو الذي ~~ذرأكم" إلخ، "قل إنما العلم" إلخ، "قل أرأيتم إن أهلكني الله" إلخ، "قل هو ~~الرحمن" إلخ، "قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا" إلخ. # قوله تعالى: "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ~~ما تشكرون" الإنشاء إحداث الشيء ابتداء وتربيته. # ما في ذيل الآية من لحن العتاب في قوله: "قليلا ما تشكرون" وقد تكرر ~~نظيره في غير موضع من كلامه كما في سورة المؤمنون والم السجدة يدل على أن ~~إنشاءه تعالى الإنسان وتجهيزه بجهاز الحس والفكر من أعظم نعمه تعالى التي ~~لا يقدر قدرها. # وليس المراد بإنشائه مجرد خلقه كيفما كان بل خلقه وإحداثه من دون سابقه ~~في مادته كما أشار إليه في قوله يصف خلقه طورا بعد طور: "ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة - إلى أن قال - ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14، ~~فصيرورة المضغة إنسانا سميعا بصيرا متفكرا بتركيب النفس الإنسانية عليها ~~خلق آخر لا يسانخ أنواع الخلقة المادية الواردة على مادة الإنسان من أخذها ~~من الأرض ثم جعلها نطفة ثم علقة ثم مضغة فإنما هي أطوار مادية متعاقبة ~~بخلاف صيرورتها إنسانا ذا شعور فلا سابقة لها تماثلها أو ms7325 تشابهها فهو ~~الإنشاء. # ومثله قوله: "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون": ~~الروم: 20 انظر إلى موضع إذا الفجائية. # فقوله: "هو الذي أنشأكم" إشارة إلى خلق الإنسان. # وقوله: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة" إشارة إلى تجهيزه بجهاز الحس ~~والفكر، والجعل إنشائي كجعل نفس الإنسان كما يشير إليه قوله: "وهو الذي ~~أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون": المؤمنون: 78. # فالإنسان بخصوصية إنشائه وكونه بحيث يسمع ويبصر يمتاز من الجماد والنبات ~~- والاقتصار بالسمع والبصر من سائر الحواس كاللمس والذوق والشم لكونهما ~~العمدة ولا يبعد أن يكون المراد بالسمع والبصر مطلق الحواس الظاهرة من باب ~~إطلاق الجزء وإرادة الكل - وبالفؤاد وهو النفس المتفكرة يمتاز من سائر ~~الحيوان. # وقوله: "قليلا ما تشكرون" أي تشكرون قليلا على هذه النعمة - أو النعم - ~~العظمى فما زائدة وقليلا مفعول مطلق تقديره تشكرون شكرا قليلا، وقيل: ما ~~مصدرية والمعنى: قليلا شكركم. PageV19P202 # قوله تعالى: "قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون" الذرء الخلق والمراد ~~بذرئهم في الأرض خلقهم متعلقين بالأرض فلا يتم لهم كمالهم إلا بأعمال ~~متعلقة بالمادة الأرضية بما زينها الله تعالى بما تنجذب إليه النفس ~~الإنسانية في حياتها المعجلة ليمتاز به الصالح من الطالح قال تعالى: "إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا": الكهف: 8. # وقوله: "وإليه تحشرون" إشارة إلى البعث والجزاء ووعد جازم. # قوله تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" المراد بهذا الوعد ~~الحشر الموعود، وهو استعجال منهم استهزاء. # قوله تعالى: "قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين" جواب عن ~~قولهم: "متى هذا الوعد" إلخ، ومحصله أن العلم به عند الله لا يعلم به إلا ~~هو كما قال: "لا يجليها لوقتها إلا هو": الأعراف: 187، وليس لي إلا أني ~~نذير مبين أمرت أن أخبركم أنكم إليه تحشرون وأما أنه متى هو فليس لي بذلك علم. # هذا على ما يفيده وقوع الآية في سياق الجواب عن السؤال عن وقت الحشر، ms7326 ~~وعلى هذا تكون اللام في العلم للعهد، والمراد العلم بوقت الحشر، وأما لو ~~كانت للجنس على ما تفيده جملة "إنما العلم عند الله" في نفسها فالمعنى: ~~إنما حقيقة العلم عند الله ولا يحاط بشيء منه إلا بإذنه كما قال: "ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء": البقرة: 255، ولم يشأ أن أعلم من ذلك ~~إلا أنه سيقع وأنذركم به وأما أنه متى يقع فلا علم لي به. # قوله تعالى: "فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا" إلخ، الزلفة القرب ~~والمراد به القريب أو هو من باب زيد عدل، وضمير "رأوه" للوعد وقيل للعذاب ~~والمعنى: فلما رأوا الوعد المذكور قريبا قد أشرف عليهم ساء ذلك وجوه الذين ~~كفروا به فظهر في سيماهم أثر الخيبة والخسران. # وقوله: "وقيل هذا الذي كنتم به تدعون" قيل تدعون وتدعون بمعنى واحد ~~كتدخرون وتدخرون والمعنى: وقيل لهم: هذا هو الوعد الذي كنتم تسألونه ~~وتستعجلون به بقولكم: متى هذا الوعد، وظاهر السياق أن القائل هم الملائكة ~~بأمر من الله، وقيل القائل من الكفار يقوله بعضهم لبعض. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم" "إن" شرطية شرطها قوله: "أهلكني الله" وجزاؤها ~~قوله: "فمن يجير" إلخ، والمعنى: قل لهم أخبروني إن أهلكني الله ومن معي من ~~المؤمنين أو رحمنا فلم يهلكنا فمن الذي يجير ويعيد الكافرين - وهم أنتم ~~كفرتم بالله فاستحققتم أليم العذاب - من عذاب أليم يهددهم تهديدا قاطعا أي ~~إن هلاكي ومن معي وبقاؤنا برحمة ربي لا ينفعكم شيئا في العذاب الذي سيصيبكم ~~قطعا بكفركم بالله. # قيل: إن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وعلى المؤمنين بالهلاك فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لهم إن ~~أهلكنا الله تعالى أو أبقانا فأمرنا إلى الله ونرجو الخير من رحمته وأما ~~أنتم فما تصنعون؟ من يجيركم من أليم العذاب على كفركم بالله؟. # قوله تعالى: "قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من ms7327 هو في ضلال ~~مبين" الضمير للذي يدعو إلى توحيده وهم يدعونه عليه، والمعنى: قل الذي ~~أدعوكم إلى توحيده وتدعونه علي وعلى من معي هو الرحمن الذي عمت نعمته كل ~~شيء آمنا به وعليه توكلنا من غير أن نميل ونعتمد على شيء دونه فستعلمون ~~أيها الكفار من هو في ضلال مبين؟ نحن أم أنتم؟. # قال في الكشاف،: فإن قيل: لم أخر مفعول "آمنا" وقدم مفعول "توكلنا"؟ قلت: ~~لوقوع آمنا تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم كأنه قيل: آمنا ولم نكفر ~~كما كفرتم، ثم قال: وعليه توكلنا خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من ~~رجالكم وأموالكم. # قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين" الغور ~~ذهاب الماء ونضوبه في الأرض والمراد به الغائر، والمعين الظاهر الجاري من ~~الماء، والمعنى: أخبروني إن صار ماؤكم غائرا ناضبا في الأرض فمن يأتيكم ~~بماء ظاهر جار. # وهناك روايات تطبق الآيات على ولاية علي (عليه السلام) ومحادته، وهي من ~~الجري وليست بمفسرة. PageV19P203 ### || AUTO ### ||| AUTO 68 سورة القلم - 1 - 33 # بسم الله الرحمن الرحيم ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون ~~(2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) فستبصر ويبصرون (5) ~~بأييكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) ~~فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) ~~هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن ~~كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير الأولين (15) سنسمه ~~على الخرطوم (16) إنا بلونهم كما بلونا أصحب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين (17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) ~~فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صرمين ~~(22) فانطلقوا وهم يتخفتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) ~~وغدوا على حرد قدرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون ~~(27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون (28) قالوا سبحن ربنا إنا كنا ~~ظلمين (29) فأقبل بعضهم ms7328 على بعض يتلومون (30) قالوا يويلنا إنا كنا طغين ~~(31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا رغبون (32) كذلك العذاب ~~ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) ### |||| AUTO بيان # السورة تعزى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إثر ما رماه المشركون ~~بالجنون وتطيب نفسه بالوعد الجميل والشكر على خلقه العظيم وتنهاه نهيا ~~بالغا عن طاعتهم ومداهنتهم، وتأمره أمرا أكيدا بالصبر لحكم ربه. # وسياق آياتها على الجملة سياق مكي، ونقل عن ابن عباس وقتادة أن صدرها إلى ~~قوله: سنسمه على الخرطوم - ست عشرة آية - مكي، وما بعده إلى قوله: "لو ~~كانوا يعلمون - سبع عشرة آية - مدني، وما بعده إلى قوله: "يكتبون - خمس ~~عشرة آية - مكي، وما بعده إلى آخر السورة - أربع آيات مدني. # ولا يخلو من وجه بالنسبة إلى الآيات السبع عشرة "إنا بلوناهم - إلى قوله ~~- لو كانوا يعلمون" فإنها أشبه بالمدنية منها بالمكية. # قوله تعالى: "ن" تقدم الكلام في الحروف المقطعة التي في أوائل السور في ~~تفسير سورة الشورى. # قوله تعالى: "والقلم وما يسطرون" القلم معروف، والسطر بالفتح فالسكون ~~وربما يستعمل بفتحتين - كما في المفردات - الصف من الكتابة، ومن الشجر ~~المغروس ومن القوم الوقوف وسطر فلان كذا كتب سطرا سطرا. # أقسم سبحانه بالقلم وما يسطرون به وظاهر السياق أن المراد بذلك مطلق ~~القلم ومطلق ما يسطرون به وهو المكتوب فإن القلم وما يسطر به من الكتابة من ~~أعظم النعم الإلهية التي اهتدى إليها الإنسان يتلو الكلام في ضبط الحوادث ~~الغائبة عن الأنظار والمعاني المستكنة في الضمائر، وبه يتيسر للإنسان أن ~~يستحضر كل ما ضرب مرور الزمان أو بعد المكان دونه حجابا. # وقد امتن الله سبحانه على الإنسان بهدايته إليهما وتعليمهما له فقال في ~~الكلام "خلق الإنسان علمه البيان": الرحمن: 4 وقال في القلم: "علم بالقلم ~~علم الإنسان ما لم يعلم: العلق: 5. # فإقسامه تعالى بالقلم وما يسطرون إقسام بالنعمة، وقد أقسم تعالى في كلامه ~~بكثير من خلقه بما أنه رحمة ونعمة كالسماء والأرض والشمس والقمر والليل ~~والنهار إلى غير ذلك حتى التين ms7329 والزيتون. # وقيل: "ما" في قوله: "وما يسطرون" مصدرية والمراد به الكتابة. PageV19P204 # وقيل: المراد بالقلم القلم الأعلى الذي في الحديث أنه أول ما خلق الله وبما ~~يسطرون ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون واحتمل أيضا أن يكون الجمع في ~~"يسطرون" للتعظيم لا للتكثير وهو كما ترى، واحتمل أن يكون المراد ما يسطرون ~~فيه وهو اللوح المحفوظ واحتمل أن يكون المراد بالقلم وما يسطرون أصحاب ~~القلم ومسطوراتهم وهي احتمالات واهية. # قوله تعالى: "ما أنت بنعمة ربك بمجنون" مقسم عليه والخطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، والباء في "بنعمة" للسببية أو المصاحبة أي ما أنت ~~بمجنون بسبب النعمة - أو مع النعمة - التي أنعمها عليك ربك. # والسياق يؤيد أن المراد بهذه النعمة النبوة فإن دليل النبوة يدفع عن ~~النبي كل اختلال عقلي حتى تستقيم الهداية الإلهية اللازمة في نظام الحياة ~~الإنسانية، والآية ترد ما رموه به من الجنون كما يحكي عنهم في آخر السورة ~~"ويقولون إنه لمجنون". # وقيل: المراد بالنعمة فصاحته (صلى الله عليه وآله وسلم) وعقله الكامل ~~وسيرته المرضية وبراءته من كل عيب واتصافه بكل مكرمة فظهور هذه الصفات فيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ينافي حصول الجنون فيه وما قدمناه أقطع حجة ~~والآية وما يتلوها كما ترى تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب ~~لنفسه الشريفة وتأييد له كما أن فيها تكذيبا لقولهم. # قوله تعالى: "وإن لك لأجرا غير ممنون" الممنون من المن بمعنى القطع يقال: ~~منه لسير منا إذا قطعه وأضعفه لا من المنة بمعنى تثقيل النعمة قولا. # والمراد بالأجر أجر الرسالة عند الله سبحانه، وفيه تطييب لنفس النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأن له على تحمل رسالة الله أجرا غير مقطوع وليس يذهب سدى. # وربما أخذ المن بمعنى ذكر المنعم إنعامه على المنعم عليه بحيث يثقل عليه ~~ويكدر عيشه بتقريب أن ما يعطيه الله أجر في مقابل عمله فهو يستحقه عليه ~~تعالى فلا منه عليه وهو غير سديد فإن كل عامل مملوك لله سبحانه بحقيقة معنى ~~الملك بذاته ms7330 وصفاته وأعماله فما يعطيه العبد من ذلك فهو موهبة وعطية وما ~~يملكه العبد من ذلك فإنما يملكه بتمليك الله وهو المالك لما ملكه من قبل ~~ومن بعد فهو تفضل منه تعالى ولئن سمى ما يعطيه بإزاء العمل أجرا وسمى ما ~~بينه وبين عبده من مبادلة العمل والأجر معاملة فذلك تفضل آخر فلله سبحانه ~~المنة على جميع خلقه والرسول ومن دونه فيه سواء. # قوله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم" الخلق هو الملكة النفسانية التي تصدر ~~عنها الأفعال بسهولة وينقسم إلى الفضيلة وهي الممدوحة كالعفة والشجاعة، ~~والرذيلة وهي المذمومة كالشره والجبن لكنه إذا أطلق فهم منه الخلق الحسن. # قال الراغب: والخلق - بفتح الخاء - والخلق - بضم الخاء - في الأصل واحد ~~كالشرب والشرب والصرم والصرم لكن خص الخلق - بالفتح - بالهيئات والأشكال ~~والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق - بالضم - بالقوى والسجايا المدركة ~~بالبصيرة قال تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم" انتهى. # والآية وإن كانت في نفسها تمدح حسن خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتعظمه غير أنها بالنظر إلى خصوص السياق ناظرة إلى أخلاقه الجميلة ~~الاجتماعية المتعلقة بالمعاشرة كالثبات على الحق والصبر على أذى الناس ~~وجفاء أجلافهم والعفو والإغماض وسعة البذل والرفق والمداراة والتواضع وغير ~~ذلك، وقد أوردنا في آخر الجزء السادس من الكتاب ما روي في جوامع أخلاقه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # ومما تقدم يظهر أن ما قيل: إن المراد بالخلق الدين وهو الإسلام غير ~~مستقيم إلا بالرجوع إلى ما تقدم. # قوله تعالى: "فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون" تقريع على محصل ما تقدم أي ~~فإذا لم تكن مجنونا بل متلبسا بالنبوة ومتخلقا بالخلق ولك عظيم الأجر من ~~ربك فسيظهر أمر دعوتك وينكشف على الأبصار والبصائر من المفتون بالجنون أنت ~~أو المكذبون الرامون لك بالجنون. # وقيل: المراد ظهور عاقبة أمر الدعوة له ولهم في الدنيا أو في الآخرة؟ ~~الآية تقبل الحمل على كل منها. PageV19P205 # ولكل قائل، ولا مانع من الجمع فإن الله تعالى أظهر نبيه عليهم ودينه على ~~دينهم، ورفع ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحا ms7331 أثرهم في الدنيا وسيذوقون ~~وبال أمرهم غدا ويعلمون أن الله هو الحق المبين يوم هم على النار يفتنون ~~ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون. # وقوله: "بأيكم المفتون" الباء زائدة للصلة، والمفتون اسم مفعول من الفتنة ~~بمعنى الابتلاء يريد به المبتلى بالجنون وفقدان العقل، والمعنى: فستبصر ~~ويبصرون أيكم المفتون المبتلى بالجنون؟ أنت أم هم؟. # وقيل: المفتون مصدر على زنة مفعول كمعقول وميسور ومعسور في قولهم: ليس له ~~معقول، وخذ ميسوره، ودع معسوره، والباء في "بأيكم" بمعنى في والمعنى: ~~فستبصر ويبصرون في أي الفريقين الفتنة. # قوله تعالى: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" لما ~~أفيد بما تقدم من القول إن هناك ضلالا واهتداء، وأشير إلى أن الرامين للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنون هم المفتونون الضالون وسيظهر أمرهم وأن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهتد وكان ذلك ببيان من الله سبحانه أكد ~~ذلك بأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين لأن السبيل سبيله ~~وهو أعلم بمن هو في سبيله ومن ليس فيه وإليه أمر الهداية. # قوله تعالى: "فلا تطع المكذبين" تفريع على المحصل من معنى الآيات السابقة ~~وفي المكذبين معنى العهد والمراد بالطاعة مطلق الموافقة عملا أو قولا، ~~والمعنى: فإذا كان هؤلاء المكذبون لك مفتونين ضالين فلا تطعهم. # قوله تعالى: "ودوا لو تدهن فيدهنون" الإدهان من الدهن يراد به التليين أي ~~ود وأحب هؤلاء المكذبون أن تلينهم بالاقتراب منهم في دينك فيلينوك ~~بالاقتراب منك في دينهم، ومحصله أنهم ودوا أن تصالحهم ويصالحوك على أن ~~يتسامح كل منكم بعض المسامحة في دين الآخر كما قيل: إنهم عرضوا عليه أن يكف ~~عن ذكر آلهتهم فيكفوا عنه وعن ربه. # وبما تقدم ظهر أن متعلق مودتهم مجموع "لو تدهن فيدهنون" وأن الفاء في ~~"فيدهنون" للتفريع لا للسببية. # قوله تعالى: "ولا تطع كل حلاف مهين - إلى قوله - زنيم" الحلاف كثير ~~الحلف، ولازم كثرة الحلف والإقسام في كل يسير وخطير وحق وباطل أن لا يحترم ~~الحالف شيئا ms7332 مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله فهو لا يستشعر عظمة الله عز ~~اسمه وكفى به رذيلة. # والمهين من المهانة بمعنى الحقارة والمراد به حقارة الرأي، وقيل: هو ~~المكثار في الشر، وقيل: هو الكذاب. # والهماز مبالغة من الهمز والمراد به العياب والطعان، وقيل: الطعان بالعين ~~والإشارة وقيل: كثير الاغتياب. # والمشاء بنميم النميم: السعاية والإفساد، والمشاء به هو نقال الحديث من ~~قوم إلى قوم على وجه الإفساد بينهم. # والمناع للخير كثير المنع لفعل الخير أو للخير الذي ينال أهله. # والمعتدي من الاعتداء وهو المجاوزة للحد ظلما. # والأثيم هو الذي كثر إثمه حتى استقر فيه من غير زوال والإثم هو العمل ~~السيىء الذي يبطيء الخير. # والعتل بضمتين هو الفظ الغليظ الطبع، وفسر بالفاحش السيىء الخلق، ~~وبالجافي الشديد الخصومة بالباطل، وبالأكول المنوع للغير، وبالذي يعتل ~~الناس ويجرهم إلى حبس أو عذاب. # والزنيم هو الذي لا أصل له، وقيل: هو الدعي الملحق بقوم وليس منهم، وقيل: ~~هو المعروف باللؤم، وقيل: هو الذي له علامة في الشر يعرف بها وإذا ذكر الشر ~~سبق هو إلى الذهن، والمعاني متقاربة. # فهذه صفات تسع رذيلة وصف الله بها بعض أعداء الدين ممن كان يدعو النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطاعة والمداهنة، وهي جماع الرذائل. # وقوله: "عتل بعد ذلك زنيم" معناه أنه بعد ما ذكر من مثالبه ورذائله عتل ~~زنيم قيل: وفيه دلالة على أن هاتين الرذيلتين أشد معايبه. # والظاهر أن فيه إشارة إلى أن له خبائث من الصفات لا ينبغي معها أن يطاع ~~في أمر الحق ولو أغمض عن تلك الصفات فإنه فظ خشن الطبع لا أصل له لا ينبغي ~~أن يعبأ بمثله في مجتمع بشري فليطرد ولا يطع في قول ولا يتبع في فعل. PageV19P206 # قوله تعالى: "أن كان ذا مال وبنين" الظاهر أنه بتقدير لام التعليل وهو ~~متعلق بفعل محصل من مجموع الصفات الرذيلة المذكورة أي هو يفعل كذا وكذا لأن ~~كان ذا مال وبنين فبطر بذلك وكفر بنعمة الله وتلبس بكل رذيلة خبيثة بدل ms7333 أن ~~يشكر الله على نعمته ويصلح نفسه، فالآية في إفادة الذم والتهكم تجري مجرى ~~قوله: "ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك". # وقيل: إنه متعلق بقوله السابق "لا تطع"، والمعنى: لا تطعه لكونه ذا مال ~~وبنين أي لا يحملك كونه ذا مال وبنين على طاعته، والمعنى المتقدم أقرب وأوسع. # قيل: ولا يجوز تعلقه بقوله: "قال" في الشرطية التالية لأن ما بعد الشرط ~~لا يعمل فيما قبله عند النحاة. # قوله تعالى: "إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين" الأساطير جمع ~~أسطورة وهي القصة الخرافية، والآية تجري مجرى التعليل لقوله السابق: "لا تطع". # قوله تعالى: "سنسمه على الخرطوم" الوسم والسمة وضع العلامة، والخرطوم ~~الأنف، وقيل: إن في إطلاق الخرطوم على أنفه وإنما يطلق في الفيل والخنزير ~~تهكما، وفي الآية وعيد على عداوته الشديدة لله ورسوله وما نزله على رسوله. # والظاهر أن الوسم على الأنف أريد به نهاية إذلاله بذلة ظاهرة يعرفه بها ~~كل من رآه فإن الأنف مما يظهر فيه العزة والذلة كما يقال: شمخ فلان بأنفه ~~وحمي فلان أنفه وأرغمت أنفه وجدع أنفه. # والظاهر أن الوسم على الخرطوم مما سيقع يوم القيامة لا في الدنيا وإن ~~تكلف بعضهم في توجيه حمله على فضاحته في الدنيا. # قوله تعالى: "إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة - إلى قوله - كالصريم ~~البلاء الاختبار وإصابة المصيبة، والصرم قطع الثمار من الأشجار، والاستثناء ~~عزل البعض من حكم الكل وأيضا الاستثناء قول إن شاء الله عند القطع بقول ~~وذلك أن الأصل فيه الاستثناء فالأصل في قولك: أخرج غدا إن شاء الله هو أخرج ~~غدا إلا أن يشاء الله أن لا أخرج، والطائف العذاب الذي يأتي بالليل، ~~والصريم الشجر المقطوع ثمره، وقيل: الليل الأسود، وقيل: الرمل المقطوع من ~~سائر الرمل وهو لا ينبت شيئا ولا يفيد فائدة. # الآيات أعني قوله: "إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة" إلى تمام سبع ~~عشرة آية وعيد لمكذبي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الرامين له بالجنون، ~~وفي التشبيه والتنظير ms7334 دلالة على أن هؤلاء المكذبين معذبون لا محالة والعذاب ~~الواقع عليهم قائم على ساقه، غير أنهم غافلون وسيعلمون، فهم مولعون اليوم ~~بجمع المال وتكثير البنين مستكبرون بها معتمدون عليها وعلى سائر الأسباب ~~الظاهرية التي توافقهم وتشايع أهواءهم من غير أن يشكروا ربهم على هذه النعم ~~ويسلكوا سبيل الحق ويعبدوا ربهم حتى يأتيهم الأجل ويفاجئهم عذاب الآخرة أو ~~عذاب دنيوي من عنده كما فاجأهم يوم بدر فيروا انقطاع الأسباب عنهم وأن ~~المال والبنين سدى لا ينفعهم شيئا كما شاهد نظير ذلك أصحاب الجنة من جنتهم ~~وسيندمون على صنيعهم ويرغبون إلى ربهم ولا يرد ذلك عذاب الله كما ندم أصحاب ~~الجنة وتلاوموا ورغبوا إلى ربهم فلم ينفعهم ذلك شيئا كذلك العذاب ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، هذا على تقدير اتصال الآيات بما قبلها ~~ونزولها معها. # وأما على ما رووا أن الآيات نزلت في القحط والسنة الذي أصاب أهل مكة ~~وقريشا إثر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم بقوله: اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فالمراد بالبلاء إصابتهم ~~بالقحط وتناظر قصتهم قصة أصحاب الجنة غير أن في انطباق ما في آخر قصتهم من ~~قوله: "فأقبل بعضهم على بعض" إلخ، على قصة أهل مكة خفاء. # وكيف كان فالمعنى: "إنا بلوناهم" أصبناهم بالبلية "كما بلونا" وأصبنا ~~بالبلية "أصحاب الجنة" وكانوا قوما من اليمن وجنتهم فيها وسيأتي إن شاء ~~الله قصتهم في البحث الروائي الآتي "إذ" ظرف لبلونا "أقسموا" وحلفوا ~~"ليصرمنها" أي ليقطعن ويقطفن ثمار جنتهم "مصبحين" داخلين في الصباح وكأنهم ~~ائتمروا وتشاوروا ليلا فعزموا على الصرم صبيحة ليلتهم "ولا يستثنون" لم ~~يقولوا إلا أن يشاء الله اعتمادا على أنفسهم واتكاء على ظاهر الأسباب. # أو المعنى: قالوا وهم لا يعزلون نصيبا من ثمارهم للفقراء والمساكين. PageV19P207 # "فطاف عليها" على الجنة "طائف" أي بلاء يطوف عليها ويحيط بها ليلا "من" ~~ناحية "ربك، فأصبحت" وصارت الجنة "كالصريم" وهو الشجر المقطوع ثمره أو ~~المعنى: فصارت الجنة كالليل الأسود لما اسودت بإحراق النار التي ms7335 أرسلها ~~الله إليها أو المعنى: فصارت الجنة كالقطعة من الرمل لا نبات بها ولا فائدة. # قوله تعالى: "فتنادوا مصبحين - إلى قوله - قادرين" التنادي نداء بعض ~~القوم بعضا، والإصباح الدخول في الصباح، وصارمين من الصرم بمعنى قطع الثمار ~~من الشجرة، والمراد به في الآية القاصدون لقطع الثمار، والحرث الزرع ~~والشجر، والخفت الإخفاء والكتمان، والحرد المنع وقادرين من القدر بمعنى ~~التقدير. # والمعنى: "فتنادوا" أي فنادى بعض القوم بعضا "مصبحين" أي والحال أنهم ~~داخلون في الصباح "أن اغدوا على حرثكم" تفسير للتنادي أي بكروا مقبلين على ~~جنتكم - فاغدوا أمر بمعنى بكروا مضمن معنى أقبلوا ولذا عدي بعلى ولو كان ~~غير مضمن عدي بإلى كما في الكشاف - "إن كنتم صارمين" أي قاصدين عازمين على ~~الصرم والقطع. # "فانطلقوا" وذهبوا إلى جنتهم "وهم يتخافتون" أي والحال أنهم يأتمرون فيما ~~بينهم بطريق المخافتة والمكاتمة "أن لا يدخلنها" أي الجنة "اليوم عليكم ~~مسكين" أي أخفوا ورودكم الجنة للصرم من المساكين حتى لا يدخلوا عليكم ~~فيحملكم ذلك على عزل نصيب من الثمر المصروم لهم "وغدوا" وبكروا إلى الجنة ~~"على حرد" أي على منع للمساكين "قادرين" مقدرين في أنفسهم أنهم سيصرمونها ~~ولا يساهمون المساكين بشيء منها. # قوله تعالى: "فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون" أي فلما رأوا ~~الجنة وشاهدوها وقد أصبحت كالصريم بطواف طائف من عند الله قالوا: إنا ~~لضالون عن الصواب في غدونا إليها بقصد الصرم ومنع المساكين. # وقيل: المراد إنا لضالون طريق جنتنا وما هي بها. # وقوله: "بل نحن محرومون" إضراب عن سابقه أي ليس مجرد الضلال عن الصواب بل ~~حرمنا الزرع. # قوله تعالى: "قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون - إلى قوله - راغبون" ~~أي "قال أوسطهم" أي أعدلهم طريقا وذلك أنه ذكرهم بالحق وإن تبعهم في العمل ~~وقيل: المراد أوسطهم سنا وليس بشيء "ألم أقل لكم" وقد كان قال لهم ذلك ~~وإنما لم يذكر قبل في القصة إيجازا بالتعويل على ذكره هاهنا. # "لو لا تسبحون" المراد بتسبيحهم له تعالى تنزيههم له من الشركاء حيث ms7336 ~~اعتمدوا على أنفسهم وعلى سائر الأسباب الظاهرية فأقسموا ليصرمنها مصبحين ~~ولم يستثنوا لله مشية فعزلوه تعالى عن السببية والتأثير ونسبوا التأثير إلى ~~أنفسهم وسائر الأسباب الظاهرية، وهو إثبات للشريك، ولو قالوا: لنصرمنها ~~مصبحين إلا أن يشاء الله كان معنى ذلك نفي الشركاء وأنهم إن لم يصرموا كان ~~لمشية من الله وإن صرموا كان ذلك بإذن من الله فلله الأمر وحده لا شريك له. # وقيل: المراد بتسبيحهم لله ذكر الله تعالى وتوبتهم إليه حيث نووا أن ~~يصرموها ويحرموا المساكين منها، وله وجه على تقدير أن يراد بالاستثناء عزل ~~نصيب من الثمار للمساكين. # قوله تعالى: "قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين" تسبيح منهم لله سبحانه ~~إثر توبيخ أوسطهم لهم، أي ننزه الله تنزيها من الشركاء الذين أثبتناهم فيما ~~حلفنا عليه فهو ربنا الذي يدبر بمشيته أمورنا لأنا كنا ظالمين في إثباتنا ~~الشركاء فهو تسبيح واعتراف بظلمهم على أنفسهم في إثبات الشركاء. # وعلى القول الآخر توبة واعتراف بظلمهم على أنفسهم وعلى المساكين. # قوله تعالى: "فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون" أي يلوم بعضهم بعضا على ما ~~ارتكبوه من الظلم. # قوله تعالى: "قالوا يا ويلنا - إلى قوله - راغبون" الطغيان تجاوز الحد ~~وضمير "منها" للجنة باعتبار ثمارها والمعنى: قالوا يا ويلنا إنا كنا ~~متجاوزين حد العبودية إذ أثبتنا شركاء لربنا ولم نوحده، ونرجو من ربنا أن ~~يبدلنا خيرا من هذه الجنة التي طاف عليها طائف منه لأنا راغبون إليه معرضون ~~عن غيره. PageV19P208 # قوله تعالى: "كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" العذاب ~~مبتدأ مؤخر، وكذلك خبر مقدم أي إنما يكون العذاب على ما وصفناه في قصة ~~أصحاب الجنة وهو أن الإنسان يمتحن بالمال والبنين فيطغى مغترا بذلك فيستغني ~~بنفسه وينسى ربه ويشرك بالأسباب الظاهرية وبنفسه ويجترىء على المعصية وهو ~~غافل عما يحيط به من وبال عمله ويهيىء له من العذاب كذلك حتى إذا فاجأه ~~العذاب وبرز له بأهول وجوهه وأمرها انتبه من نومة الغفلة وتذكر ما جاءه من ~~النصح قبلا وندم على ما فرط بالطغيان ms7337 والظلم وسأل الله أن يعيد عليه النعمة ~~فيشكر كما انتهى إليه أمر أصحاب الجنة، ففي ذلك إعطاء الضابط بالمثال. # وقوله: "ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" لأنه ناش عن قهر إلهي لا ~~يقوم له شيء لا رجاء للتخلص منه ولو بالموت والفناء كما في شدائد الدنيا، ~~محيط بالإنسان من جميع أقطار وجوده لا كعذاب الدنيا دائم لا انتهاء لأمده ~~كما في الابتلاءات الدنيوية. ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، بإسناده عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق (عليه السلام) في ~~تفسير الحروف المقطعة في القرآن قال: وأما ن فهو نهر في الجنة قال الله عز ~~وجل: اجمد فجمد فصار مدادا ثم قال للقلم: اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ~~ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فالمداد مداد من نور والقلم قلم من نور ~~واللوح لوح من نور. قال سفيان: فقلت له: يا بن رسول الله بين أمر اللوح ~~والقلم والمداد فضل بيان وعلمني مما علمك الله فقال: يا ابن سعيد لو لا أنك ~~أهل للجواب ما أجبتك فنون ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك، والقلم يؤدي إلى ~~اللوح وهو ملك، واللوح يؤدي إلى إسرافيل وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل ~~وميكائيل يؤدي إلى جبرائيل وجبرائيل يؤدي إلى الأنبياء والرسل. قال: ثم ~~قال: قم يا سفيان فلا آمن عليك. # وفيه، بإسناده عن إبراهيم الكرخي قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) ~~عن اللوح والقلم قال: هما ملكان. # وفيه، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ن ~~والقلم وما يسطرون" القلم قلم من نور وكتاب من نور في لوح محفوظ يشهده ~~المقربون وكفى بالله شهيدا. # أقول: وفي المعاني المتقدمة روايات أخرى عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام)، وقد تقدم في ذيل قوله تعالى: "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق": ~~الجاثية: 29، حديث القمي عن عبد الرحيم القصير عن الصادق (عليه السلام) في ~~اللوح والقلم وفيه: ثم ختم على فم القلم فلم ينطق بعد ذلك ولا ينطق أبدا ~~وهو الكتاب المكنون الذي منه ms7338 النسخ كلها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ن والقلم وما يسطرون" قال: لوح من نور ~~وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة. # أقول: وفي معناه روايات أخر، وقوله: يجري بما هو كائن إلخ، أي منطبق على ~~متن الكائنات من دون أن يتخلف شيء منها عما كتب هناك ونظيره ما في رواية ~~أبي هريرة: ثم ختم علي في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة. # وفي المعاني، بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول ~~الله عز وجل: "وإنك لعلى خلق عظيم" قال: هو الإسلام. # وفي تفسير القمي، عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ~~"وإنك لعلى خلق عظيم" قال: على دين عظيم. # أقول: يريد اشتمال الدين والإسلام على كمال الخلق واستنانه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) به، وفي الرواية المعروفة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. # وفي المجمع، بإسناده عن الحاكم بإسناده عن الضحاك قال: لما رأت قريش ~~تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وإعظامه له نالوا من علي ~~وقالوا: قد افتتن به محمد فأنزل الله تعالى: "ن والقلم وما يسطرون" قسم ~~أقسم الله به "ما أنت بنعمة ربك بمجنون - وإن لك لأجرا غير ممنون - وإنك ~~لعلى خلق عظيم يعني القرآن إلى قوله بمن ضل عن سبيله" وهم النفر الذين ~~قالوا ما قالوا "وهو أعلم بالمهتدين" يعني علي بن أبي طالب. # أقول: ورواه في تفسير البرهان، عن محمد بن العباس بإسناده إلى الضحاك ~~وساق نحوا مما مر وفي آخره: وسبيله علي بن أبي طالب. PageV19P209 # وفيه،: في قوله تعالى: "ولا تطع كل حلاف" إلخ، قيل: يعني الوليد بن المغيرة ~~عرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المال ليرجع عن دينه، وقيل: يعني ~~الأخنس بن شريق عن عطاء، وقيل: يعني الأسود بن عبد يغوث: عن مجاهد. # أقول: وفي ذلك ms7339 روايات في الدر المنثور وغيره تركنا إيرادها من أرادها ~~فليراجع جوامع الروايات. # وفيه، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ~~يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم. قلت: فما الجواظ؟ قال: كل جماع ~~مناع. قلت: فما الجعظري؟ قال: الفظ الغليظ. قلت: فما العتل الزنيم؟ قال: كل ~~رحيب الجوف سيء الخلق أكول شروب غشوم ظلوم زنيم. # وفيه، في معنى الزنيم: قيل: هو الذي لا أصل له. # وفيه، في تفسير القمي،: في قوله: "عتل بعد ذلك زنيم" قال: العتل العظيم ~~الكفر الزنيم الدعي. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "إنا ~~بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة" إن أهل مكة ابتلوا بالجوع كما ابتلي أصحاب ~~الجنة وهي كانت في الدنيا وكانت باليمن يقال له الرضوان على تسعة أميال من صنعاء. # وفيه، بإسناده إلى ابن عباس: أنه قيل له إن قوما من هذه الأمة يزعمون أن ~~العبد يذنب فيحرم به الرزق، فقال ابن عباس: فو الله الذي لا إله إلا هو هذا ~~أنور في كتاب الله من الشمس الضاحية ذكره الله في سورة ن والقلم. إنه كان ~~شيخ وكان له جنة وكان لا يدخل إلى بيته ثمرة منها ولا إلى منزله حتى يعطي ~~كل ذي حق حقه فلما قبض الشيخ ورثه بنوه وكان له خمس من البنين فحملت جنتهم ~~في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملا لم يكن حملته قبل ذلك فراحوا الفتية ~~إلى جنتهم بعد صلاة العصر فأشرفوا على ثمرة ورزق فاضل لم يعاينوا مثله في ~~حياة أبيهم. فلما نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا وقال بعضهم لبعض: إن أبانا ~~كان شيخا كبيرا قد ذهب عقله وخرف فهلموا نتعاقد فيما بيننا أن لا نعطي أحدا ~~من فقراء المسلمين في عامنا شيئا حتى نستغني ويكثر أموالنا ثم نستأنف ~~الصنيعة فيما استقبل من السنين المقبلة فرضي بذلك منهم أربعة وسخط الخامس ~~وهو الذي قال الله: "قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا ms7340 تسبحون". فقال الرجل: يا ~~ابن عباس كان أوسطهم في السن؟ فقال: لا بل كان أصغرهم سنا وأكبرهم عقلا ~~وأوسط القوم خير القوم، والدليل عليه في القرآن قوله: إنكم يا أمة محمد ~~أصغر الأمم وخير الأمم قوله عز وجل: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا". قال لهم ~~أوسطهم: اتقوا وكونوا على منهاج أبيكم تسلموا وتغنموا فبطشوا به وضربوه ~~ضربا مبرحا فلما أيقن الأخ منهم أنهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم ~~كارها لأمرهم غير طائع. فراحوا إلى منازلهم ثم حلفوا بالله ليصرمن إذا ~~أصبحوا ولم يقولوا إن شاء الله فابتلاهم الله بذلك الذنب وحال بينهم وبين ~~ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه فأخبر عنهم في الكتاب فقال: "إنا بلوناهم ~~كما بلونا أصحاب الجنة - إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون - فطاف ~~عليها طائف من ربك وهم نائمون - فأصبحت كالصريم" قال: كالمحترق. فقال ~~الرجل: يا ابن عباس ما الصريم؟ قال: الليل المظلم، ثم قال: لا ضوء له ولا ~~نور. فلما أصبح القوم "فتنادوا مصبحين - أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين" قال: "فانطلقوا وهم يتخافتون" قال الرجل: وما التخافت يا ابن عباس؟ ~~قال: يتشاورون فيشاور بعضهم بعضا لكيلا يسمع أحد غيرهم فقالوا: "لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين - وغدوا على حرد قادرين" في أنفسهم أن يصرموها ولا ~~يعلمون ما قد حل بهم من سطوات الله ونقمته. "فلما رأوها" وما قد حل بهم ~~"قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون" فحرمهم الله ذلك الرزق بذنب كان منهم ~~ولم يظلمهم شيئا. "قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون - قالوا سبحان ربنا ~~إنا كنا ظالمين - فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون" قال: يلومون أنفسهم فيما ~~عزموا عليه "قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا - أن يبدلنا خيرا منها ~~إنا إلى ربنا راغبون" فقال الله: "كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر - لو ~~كانوا يعلمون". # أقول: وقد ورد ما يقرب من مضمون هذا الحديث والذي قبله في روايات أخر وفي ~~بعض الروايات أن الجنة كانت لرجل من بني إسرائيل ثم مات وورثه ms7341 بنوه فكان من ~~أمرهم ما كان. PageV19P210 ### ||| AUTO 68 سورة القلم - 34 - 52 # إن للمتقين عند ربهم جنت النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما ~~لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون ~~(38) أم لكم أيمن علينا بلغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم ~~أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صدقين (41) ~~يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خشعة أبصرهم ترهقهم ~~ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سلمون (43) فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملى لهم إن كيدى متين (45) أم تسئلهم ~~أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ~~ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لو لا أن تدركه نعمة من ~~ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتبه ربه فجعله من الصلحين (50) وإن ~~يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ~~(51) وما هو إلا ذكر للعلمين (52) ### |||| AUTO بيان # فيها تذييل لما تقدم من الوعيد لمكذبي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتسجيل العذاب عليهم في الآخرة إذ المتقون في جنات النعيم، وتثبيت أنهم ~~والمتقون لا يستوون بحجة قاطعة فليس لهم أن يرجوا كرامة من الله وهم مجرمون ~~فما يجدونه من نعم الدنيا استدراج وإملاء. # وفيها تأكيد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر لحكم ربه. # قوله تعالى: "إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم" بشرى وبيان لحال المتقين ~~في الآخرة قبال ما بين من حال المكذبين فيها. # وفي قوله: "عند ربهم" دون أن يقال: عند الله إشارة إلى رابطة التدبير ~~والرحمة بينهم وبينه سبحانه وأن لهم ذلك قبال قصرهم الربوبية فيه تعالى ~~وإخلاصهم العبودية له. # وإضافة الجنات إلى النعيم وهو النعمة للإشارة إلى أن ما فيها من شيء نعمة ~~لا تشوبها نقمة ولذة لا يخالطها ألم، وسيجيء إن شاء الله في تفسير قوله ~~تعالى: "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم": التكاثر: 8، أن المراد بالنعيم ~~الولاية. # قوله تعالى: ms7342 "أفنجعل المسلمين كالمجرمين" تحتمل الآية في بادىء النظر أن ~~تكون مسوقة حجة على المعاد كقوله تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28، وقد تقدم ~~تفسيره. # وأن تكون ردا على قول من قال منهم للمؤمنين: لو كان هناك بعث وإعادة لكنا ~~منعمين كما في الدنيا وقد حكى سبحانه ذلك عن قائلهم: "وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50. # ظاهر سياق الآيات التالية التي ترد عليهم الحكم بالتساوي هو الاحتمال ~~الثاني، وهو الذي رووه أن المشركين لما سمعوا حديث البعث والمعاد قالوا: إن ~~صح ما يقوله محمد والذين آمنوا معه لم تكن حالنا إلا أفضل من حالهم كما في ~~الدنيا ولا أقل من أن تتساوى حالنا وحالهم. # غير أنه يرد عليه أن الآية لو سيقت لرد قولهم، سنساويهم في الآخرة أو ~~نزيد عليهم كما في الدنيا، كان مقتضى التطابق بين الرد والمردود أن يقال: ~~أفنجعل المجرمين كالمسلمين وقد عكس. # والتدبر في السياق يعطي أن الآية مسوقة لرد دعواهم التساوي لكن لا من جهة ~~نفي مساواتهم على إجرامهم للمسلمين بل تزيد على ذلك بالإشارة إلى أن كرامة ~~المسلمين تأبى أن يساويهم المجرمون كأنه قيل: إن قولكم: سنتساوى نحن ~~والمسلمون باطل فإن الله لا يرضى أن يجعل المسلمين بما لهم من الكرامة عنده ~~كالمجرمين وأنتم مجرمون. # فالآية تقيم الحجة على عدم تساوي الفريقين من جهة منافاته لكرامة ~~المسلمين عليه تعالى لا من جهة منافاة مساواة المجرمين للمسلمين عدله تعالى. PageV19P211 # والمراد بالإسلام تسليم الأمر لله فلا يتبع إلا ما أراده سبحانه من فعل أو ~~ترك يقابله الإجرام وهو اكتساب السيئة وعدم التسليم. # والآية وما بعدها إلى قوله: "أم عندهم الغيب فهم يكتبون" في مقام الرد ~~لحكمهم بتساوي المجرمين والمسلمين حالا يوم القيامة تورد محتملات هذا الحكم ~~من حيث منشئه في صور استفهامات إنكارية وتردها. # وتقرير الحجة: أن كون المجرمين كالمسلمين يوم القيامة على ما حكموا به ~~إما أن يكون من ms7343 الله تعالى موهبة ورحمة وإما أن لا يكون منه. # والأول إما أن يدل عليه دليل العقل ولا دليل عليه كذلك وذلك قوله: "ما ~~لكم كيف تحكمون". # وإما أن يدل عليه النقل وليس كذلك وهو قوله: "أم لكم كتاب" إلخ، وإما أن ~~يكون لا لدلالة عقل أو نقل بل عن مشافهة بينهم وبين الله سبحانه عاهدوه ~~وواثقوه على أن يسوي بينهما وليس كذلك فهذه ثلاثة احتمالات. # وإما أن لا يكون من الله فإما أن يكون حكمهم بالتساوي حكما جديا أو لا ~~يكون فإن كان جديا فإما أن يكون التساوي الذي يحكمون به مستندا إلى أنفسهم ~~بأن يكون لهم قدرة على أن يصيروا يوم القيامة كالمسلمين حالا وإن لم يشأ ~~الله ذلك وليس كذلك وهو قوله: "سلهم أيهم بذلك زعيم" أو يكون القائم بهذا ~~الأمر المتصدي له شركاؤهم ولا شركاء وهو قوله: "أم لهم شركاء فليأتوا ~~بشركائهم" إلخ. # وإما أن يكون ذلك لأن الغيب عندهم والأمور التي ستستقبل الناس قدرها ~~وقضاؤها منوطان بمشيتهم تكون وتقع كيف يكتبون فكتبوا لأنفسهم المساواة مع ~~المسلمين، وليس كذلك ولا سبيل لهم إلى الغيب وذلك قوله: "أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون" وهذه ثلاثة احتمالات. # وإن لم يكن حكمهم بالمساواة حكما جديا بل إنما تفوهوا بهذا القول تخلصا ~~وفرارا من اتباعك على دعوتك لأنك تسألهم أجرا على رسالتك وهدايتك لهم إلى ~~الحق فهم مثقلون من غرامته، وليس كذلك، وهو قوله: "أم تسئلهم أجرا فهم من ~~مغرم مثقلون" وهذا سابع الاحتمالات. # هذا ما يعطيه التدبر في الآيات في وجه ضبط ما فيها من الترديد وقد ذكروا ~~في وجه الضبط غير ذلك من أراد الوقوف عليه فليراجع المطولات. # فقوله: "ما لكم كيف تحكمون" مسوق للتعجب من حكمهم بكون المجرمين يوم ~~القيامة كالمسلمين، وهو إشارة إلى تأبي العقل عن تجويز التساوي، ومحصله نفي ~~حكم العقل بذلك إذ معناه: أي شيء حصل لكم من اختلال الفكر وفساد الرأي حتى ~~حكمتم بذلك؟. # قوله تعالى: "أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما ms7344 تخيرون" إشارة إلى ~~انتفاء الحجة على حكمهم بالتساوي من جهة السمع كما أن الآية السابقة كانت ~~إشارة إلى انتفائها من جهة العقل. # والمراد بالكتاب الكتاب السماوي النازل من عند الله وهو حجة، ودرس الكتاب ~~قراءته، والتخير الاختيار، وقوله: "إن لكم فيه لما تخيرون" في مقام المفعول ~~لتدرسون والاستفهام إنكاري. # والمعنى: بل ألكم كتاب سماوي تقرءون فيه أن لكم في الآخرة - أو مطلقا - ~~لما تختارونه فاخترتم السعادة والجنة. # قوله تعالى: "أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما ~~تحكمون" إشارة إلى انتفاء أن يملكوا الحكم بعهد ويمين شفاهي لهم على الله ~~سبحانه. # والأيمان جمع يمين وهو القسم، والبلوغ هو الانتهاء في الكمال فالأيمان ~~البالغة هي المؤكدة نهاية التوكيد، وقوله: "إلى يوم القيامة" على هذا ظرف ~~مستقر متعلق بمقدر والتقدير: أم لكم علينا أيمان كائنة إلى يوم القيامة ~~مؤكدة نهاية التوكيد، إلخ. # ويمكن أن يكون "إلى يوم القيامة" متعلقا ببالغة والمراد ببلوغ الأيمان ~~انطباقها على امتداد الزمان حتى ينتهي إلى يوم القيامة. # وقد فسروا الإيمان بالعهود والمواثيق فيكون من باب إطلاق اللازم وإرادة ~~الملزوم كناية، واحتمل أن يكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. # وقوله: "إن لكم لما تحكمون" جواب القسم وهو المعاهد عليه، والاستفهام ~~للإنكار. # والمعنى: بل ألكم علينا عهود أقسمنا فيها أقساما مؤكدا إلى يوم القيامة ~~إنا سلمنا لكم أن لكم لما تحكمون به. PageV19P212 # قوله تعالى: "سلهم أيهم بذلك زعيم" إعراض عن خطابهم والتفات إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بتوجيه الخطاب لسقوطهم عن درجة استحقاق الخطاب ولذلك ~~أورد بقية السؤالات وهي مسائل أربع في سياق الغيبة أولها قوله: "سلهم أيهم ~~بذلك زعيم" والزعيم القائم بالأمر المتصدي له، والاستفهام إنكاري. # والمعنى: سل المشركين أيهم قائم بأمر التسوية الذي يدعونه أي إذا ثبت أن ~~الله لا يسوي بين الفريقين لعدم دليل يدل عليه فهل الذي يقوم بهذا الأمر ~~ويتصداه هو منهم؟ فأيهم هو؟ ومن الواضح بطلانه لا يتفوه به إلا مصاب في عقله. # قوله تعالى: "أم لهم ms7345 شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين" رد لهم على ~~تقدير أن يكون حكمهم بالتساوي مبنيا على دعواهم أن لهم آلهة يشاركون الله ~~سبحانه في الربوبية سيشفعون لهم عند الله فيجعلهم كالمسلمين والاستفهام ~~إنكاري يفيد نفي الشركاء. # وقوله: "فليأتوا بشركائهم" إلخ، كناية عن انتفاء الشركاء يفيد تأكيد ما ~~في قوله: "أم لهم شركاء" من النفي. # وقيل: المراد بالشركاء شركاؤهم في هذا القول، والمعنى: أم لهم شركاء ~~يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم فليأتوا بهم إن كانوا صادقين. # وأنت خبير بأن هذا المعنى لا يقطع الخصام. # وقيل: المراد بالشركاء الشهداء والمعنى: أم لهم شهداء على هذا القول ~~فليأتوا بهم إن كانوا صادقين. # وهو تفسير بما لا دليل عليه من جهة اللفظ. # على أنه مستدرك لأن هؤلاء الشهداء شهداء على كتاب من عند الله أو وعد ~~بعهد ويمين وقد رد كلا الاحتمالين فيما تقدم. # وقيل: المراد بالشركاء شركاء الألوهية على ما يزعمون لكن المعنى من ~~إتيانهم بهم إتيانهم بهم يوم القيامة ليشهدوا لهم أو ليشفعوا لهم عند الله ~~سبحانه. # وأنت خبير بأن هذا المعنى أيضا لا يقطع الخصام. # قوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون - إلى قوله ~~- وهم سالمون" يوم ظرف متعلق بمحذوف كاذكر ونحوه، والكشف عن الساق تمثيل في ~~اشتداد الأمر اشتدادا بالغا لما أنهم كانوا يشمرون عن سوقهم إذا اشتد الأمر ~~للعمل أو للفرار قال في الكشاف: فمعنى "يوم يكشف عن ساق" في معنى يوم يشتد ~~الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة ولا ~~يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل انتهى. # والآية وما بعدها إلى تمام خمس آيات اعتراض وقع في البين بمناسبة ذكر ~~شركائهم الذين يزعمون أنهم سيسعدونهم لو كان هناك بعث وحساب فذكر سبحانه أن ~~لا شركاء لله ولا شفاعة وإنما يحرز الإنسان سعادة الآخرة بالسجود أي الخضوع ~~لله سبحانه بتوحيد الربوبية في الدنيا حتى يحمل معه صفة الخضوع فيسعد بها ~~يوم القيامة. # وهؤلاء المكذبون المجرمون ms7346 لم يسجدوا لله في الدنيا فلا يستطيعون السجود ~~في الآخرة فلا يسعدون ولا تتساوى حالهم وحال المسلمين فيها البتة بل الله ~~سبحانه يعاملهم في الدنيا لاستكبارهم عن سجوده معاملة الاستدراج والإملاء ~~حتى يتم لهم شقاؤهم فيردوا العذاب الأليم في الآخرة. # فقوله: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" معناه اذكر يوم ~~يشتد عليهم الأمر ويدعون إلى السجود لله خضوعا فلا يستطيعون لاستقرار ملكة ~~الاستكبار في سرائرهم واليوم تبلى السرائر. # وقوله: "خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة" حالان من نائب فاعل يدعون أي حال كون ~~أبصارهم خاشعة وحال كونهم يغشاهم الذلة بقهر، ونسبة الخشوع إلى الأبصار ~~لظهور أثره فيها. # وقوله: "وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون" المراد بالسلامة سلامتهم ~~من الآفات والعاهات التي لحقت نفوسهم بسبب الاستكبار عن الحق فسلبتها ~~التمكن من إجابة الحق أو المراد مطلق استطاعتهم منه في الدنيا. # والمعنى: وقد كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود لله وهم سالمون متمكنون ~~منه أقوى تمكن فلا يجيبون إليه. # وقيل: المراد بالسجود الصلاة وهو كما ترى. # قوله تعالى: "فذرني ومن يكذب بهذا الحديث" المراد بهذا الحديث القرآن ~~الكريم وقوله: "فذرني ومن يكذب" إلخ، كناية عن أنه يكفيهم وحده وهو غير ~~تاركهم وفيه نوع تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديد للمشركين. # قوله تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" استئناف فيه بيان كيفية أخذه ~~تعالى لهم وتعذيبه إياهم المفهوم من قوله: "فذرني" إلخ. PageV19P213 # والاستدراج هو استنزالهم درجة فدرجة حتى يتم لهم الشقاء فيقعوا في ورطة ~~الهلاك وذلك بأن يؤتيهم الله نعمة بعد نعمة وكلما أوتوا نعمة اشتغلوا بها ~~وفرطوا في شكرها وزادوا نسيانا له وابتعدوا عن ذكره. # فالاستدراج إيتاؤهم النعمة بعد النعمة الموجب لنزولهم درجة بعد درجة ~~واقترابهم من ورطة الهلاك، وكونه من حيث لا يعلمون إنما هو لكونه من طريق ~~النعمة التي يحسبونها خيرا وسعادة لا شر فيها ولا شقاء. # قوله تعالى: "وأملي لهم إن كيدي متين" الإملاء الإمهال، والكيد ضرب من ~~الاحتيال، والمتين القوي. # والمعنى: وأمهلهم حتى يتوسعوا ms7347 في نعمنا بالمعاصي كما يشاءون إن كيدي قوي. # والنكتة في الالتفات الذي في "سنستدرجهم" عن التكلم وحده إلى التكلم مع ~~الغير الدالة على العظمة وأن هناك موكلين على هذه النعم التي تصب عليهم ~~صبا، والالتفات في قوله: "وأملي لهم" عن التكلم مع الغير إلى التكلم وحده ~~لأن الإملاء تأخير في الأجل ولم ينسب أمر الأجل في القرآن إلى غير الله ~~سبحانه قال تعالى: "ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده": الأنعام: 2. # قوله تعالى: "أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون" المغرم الغرامة، ~~والإثقال تحميل الثقل، والجملة معطوفة على قوله: "أم لهم شركاء" إلخ. # والمعنى: أم تسأل هؤلاء المجرمين - الذين يحكمون بتساوي المجرمين ~~والمسلمين يوم القيامة - أجرا على دعوتك فهم من غرامة تحملها عليهم مثقلون ~~فيواجهونك بمثل هذا القول تخلصا من الغرامة دون أن يكون ذلك منهم قولا جديا. # قوله تعالى: "أم عندهم الغيب فهم يكتبون" ظاهر السياق أن يكون المراد ~~بالغيب غيب الأشياء الذي منه تنزل الأمور بقدر محدود فتستقر في منصة ~~الظهور، والمراد بالكتابة على هذا هو التقدير والقضاء، والمراد بكون الغيب ~~عندهم تسلطهم عليه وملكهم له. # فالمعنى: أم بيدهم أمر القدر والقضاء فهم يقضون كما شاءوا فيقضون لأنفسهم ~~أن يساووا المسلمين يوم القيامة. # وقيل: المراد بكون الغيب عندهم علمهم بصحة ما حكموا به والكتابة على ظاهر ~~معناه والمعنى: أم عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصوا به ولا يعلمه غيرهم فهم ~~يكتبونه ويتوارثونه وينبغي أن يبرزوه. # وهو بعيد بل مستدرك والاحتمالات الأخر المذكورة مغنية عنه. # وإنما أخر ذكر هذا الاحتمال عن غيره حتى عن قوله: "أم تسئلهم أجرا" مع أن ~~مقتضى الظاهر أن يتقدم عليه، لكونه أضعف الاحتمالات وأبعدها. # قوله تعالى: "فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم" ~~صاحب الحوت يونس النبي (عليه السلام) والمكظوم من كظم الغيظ إذا تجرعه ولذا ~~فسر بالمختنق بالغم حيث لا يجد لغيظه شفاء، ونهيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عن أن يكون كيونس (عليه السلام) وهو في زمن النداء مملوء ms7348 بالغم نهي ~~عن السبب المؤدي إلى نظير هذا الابتلاء وهو ضيق الصدر والاستعجال بالعذاب. # والمعنى: فاصبر لقاء ربك أن يستدرجهم ويملىء لهم ولا تستعجل لهم العذاب ~~لكفرهم ولا تكن كيونس فتكون مثله وهو مملوء غما أو غيظا ينادي بالتسبيح ~~والاعتراف بالظلم أي فاصبر واحذر أن تبتلي بما يشبه ابتلاءه، ونداؤه قوله ~~في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" كما في سورة ~~الأنبياء. # وقيل: اللام في "لحكم ربك" بمعنى إلى وفيه تهديد لقومه ووعيد لهم أن ~~سيحكم الله بينه وبينهم، والوجه المتقدم أنسب لسياق الآيات السابقة. # قوله تعالى: "لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم" في ~~مقام التعليل للنهي السابق: "لا تكن كصاحب الحوت" والتدارك الإدراك ~~واللحوق، وفسرت النعمة بقبول التوبة، والنبذ الطرح، والعراء الأرض غير ~~المستورة بسقف أو نبات، والذم مقابل المدح. # والمعنى: لو لا أن أدركته ولحقت به نعمة من ربه وهو أن الله قبل توبته ~~لطرح بالأرض العراء وهو مذموم بما فعل. # لا يقال: إن الآية تنافي قوله تعالى: "فلو لا أنه كان من المسبحين للبث ~~في بطنه إلى يوم يبعثون": الصافات: 144، فإن مدلوله أن مقتضى عمله أن يلبث ~~في بطنه إلى يوم القيامة ومقتضى هذه الآية أن مقتضاه أن يطرح في الأرض ~~العراء مذموما وهما تبعتان متنافيتان لا تجتمعان. PageV19P214 # فإنه يقال: الآيتان تحكيان عن مقتضيين مختلفين لكل منهما أثر على حدة فآية ~~الصافات تذكر أنه (عليه السلام) كان مداوما للتسبيح مستمرا عليه طول حياته ~~قبل ابتلائه - وهو قوله: كان من المسبحين - ولو لا ذلك للبث في بطنه إلى ~~يوم القيامة، والآية التي نحن فيها تدل على أن النعمة وهو قبول توبته في ~~بطن الحوت شملته فلم ينبذ بالعراء مذموما. # فمجموع الآيتين يدل على أن ذهابه مغاضبا كان يقتضي أن يلبث في بطنه إلى ~~يوم القيامة فمنع عنه دوام تسبيحه قبل التقامه وبعده، وقدر أن ينبذ بالعراء ~~وكان مقتضى عمله أن ينبذ مذموما فمنع من ذلك تدارك نعمة ربه ms7349 له فنبذ غير ~~مذموم بل اجتباه الله وجعله من الصالحين فلا منافاة بين الآيتين. # وقد تكرر في مباحثنا السابقة أن حقيقة النعمة الولاية وعلى ذلك يتعين ~~لقوله: "لو لا أن تداركه نعمة من ربه" معنى آخر. # قوله تعالى: "فاجتباه ربه فجعله من الصالحين" تقدم توضيح معنى الاجتباء ~~والصلاح في مباحثنا المتقدمة. # قوله تعالى: "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر" ~~إن مخففة من الثقيلة، والزلق هو الزلل، والإزلاق الإزلال وهو الصرع كناية ~~عن القتل والإهلاك. # والمعنى: أنه قارب الذين كفروا أن يصرعوك بأبصارهم لما سمعوا الذكر. # والمراد بإزلاقه بالأبصار وصرعه بها - على ما عليه عامة المفسرين - ~~الإصابة بالأعين، وهو نوع من التأثير النفساني لا دليل على نفيه عقلا وربما ~~شوهد من الموارد ما يقبل الانطباق عليه، وقد وردت في الروايات فلا موجب ~~لإنكاره. # وقيل: المعنى أنهم ينظرون إليك إذا سمعوا منك الذكر الذي هو القرآن نظرا ~~مليئا بالعداوة والبغضاء يكادون يقتلونك بحديد نظرهم. # قوله تعالى: "ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين" رميهم له ~~بالجنون عند ما سمعوا الذكر دليل على أن مرادهم به رمي القرآن بأنه من ~~إلقاء الشياطين، ولذا رد قولهم بأن القرآن ليس إلا ذكرا للعالمين. # وقد رد قولهم: "إنه لمجنون" في أول السورة بقوله: "ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون" وبه ينطبق خاتمة السورة على فاتحتها. ### |||| AUTO بحث روائي # في المعاني، بإسناده عن الحسين بن سعيد عن أبي الحسن (عليه السلام) في ~~قوله عز وجل: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود" قال: حجاب من نور يكشف ~~فيقع المؤمنون سجدا وتدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود. # وفيه، بإسناده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله عز وجل: "يوم يكشف عن ساق" قال: كشف إزاره عن ساقه فقال: ~~سبحان ربي الأعلى. # أقول: قال الصدوق بعد نقل الحديث: قوله: سبحان ربي الأعلى تنزيه الله ~~سبحانه أن يكون له ساق. # انتهى. # وفي هذا المعنى رواية أخرى عن الحلبي عن ms7350 أبي عبد الله (عليه السلام). # وفيه، بإسناده عن معلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما ~~يعني بقوله: "وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون" قال: وهم مستطيعون. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد: ~~سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل ~~مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ~~ظهره طبقا واحدا. # وفيه، أخرج ابن مندة في الرد على الجهمية عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "يوم يكشف عن ساق" قال: يكشف الله عن ساقه. PageV19P215 # وفيه، أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا ~~والطبراني والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: يجمع الله الناس يوم القيامة وينزل الله في ظلل من الغمام ~~فينادي مناديا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم +" الذي "+ خلقكم وصوركم ~~ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى؟ أليس ذلك من ~~ربكم عدلا؟ قالوا: بلى. قال: فينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يعبد في ~~الدنيا ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيتمثل لمن كان يعبد عيسى ~~شيطان عيسى، ويتمثل لمن كان يعبد عزيزا شيطان عزيز حتى يمثل لهم الشجرة ~~والعود والحجر. ويبقى أهل الإسلام جثوما فيتمثل لهم الرب عز وجل فيقول لهم: ~~ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا ربا ما رأيناه بعد ~~فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه ~~عرفناه؟ قال: وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساق. فيكشف عند ذلك عن ساق فيخر كل من ~~كان يسجد طائعا ساجدا ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا ~~يستطيعون. # الحديث. # أقول: والروايات الثلاث مبنية على التشبيه المخالف للبراهين العقلية ونص ~~الكتاب ms7351 العزيز فهي مطروحة أو مؤولة. # وفي الكافي، بإسناده عن سفيان بن السمط قال: قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إن الله إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة وذكره ~~الاستغفار، فإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ~~ويتمادى بها، وهو قول الله عز وجل: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" بالنعم ~~والمعاصي. # أقول: وقد تقدم بعض روايات الاستدراج في ذيل قوله تعالى: "سنستدرجهم من ~~حيث لا يعلمون": الآية 182 من سورة الأعراف. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إذ نادى وهو مكظوم": في رواية أبي ~~الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): يقول: مغموم. # وفيه،: في قوله تعالى: "لو لا أن تداركه نعمة من ربه" قال: النعمة ~~الرحمة. # وفيه،: في قوله تعالى: "لنبذ بالعراء" قال: الموضع الذي لا سقف له. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "وإن يكاد الذين كفروا": أخرج البخاري ~~عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: العين حق. # وفيه، أخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر. # أقول: وهناك روايات تطبق الآيات السابقة على الولاية وهي من الجري دون ~~التفسير ولذلك لم نوردها. PageV19P216 ### || AUTO ### ||| AUTO 69 سورة الحاقة - 1 - 12 # بسم الله الرحمن الرحيم الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة ~~(3) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمنية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) وجاء ~~فرعون ومن قبله والمؤتفكت بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ~~(10) إنا لما طغا الماء حملنكم فى الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها ~~أذن وعية (12) ### |||| AUTO بيان # السورة تذكر الحاقة وهي القيامة وقد سمتها أيضا بالقارعة والواقعة. # وقد ساقت الكلام فيها في فصول ثلاثة: فصل تذكر فيه إجمالا الأمم الذين ~~كذبوا بها فأخذهم الله أخذة رابية، وفصل تصف فيه الحاقة وانقسام الناس ms7352 فيها ~~إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال واختلاف حالهم بالسعادة والشقاء، وفصل تؤكد ~~فيه صدق القرآن في إنبائه بها وأنه حق اليقين، والسورة مكية بشهادة سياق ~~آياتها. # قوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة" المراد بالحاقة ~~القيامة الكبرى سميت بها لثبوتها ثبوتا لا مرد له ولا ريب فيه، من حق الشيء ~~بمعنى ثبت وتقرر تقررا واقعيا. # و"ما" في "ما الحاقة" استفهامية تفيد تفخيم أمرها، ولذلك بعينه وضع ~~الظاهر موضع الضمير ولم يقل: ما هي، والجملة الاستفهامية خبر الحاقة. # فقوله: "الحاقة ما الحاقة" مسوق لتفخيم أمر القيامة يفيد تفخيم أمرها ~~وإعظام حقيقتها إفادة بعد إفادة. # وقوله: "وما أدراك ما الحاقة" خطاب بنفي العلم بحقيقة اليوم وهذا التعبير ~~كناية عن كمال أهمية الشيء وبلوغه الغاية في الفخامة ولعل هذا هو المراد ~~مما نقل عن ابن عباس: أن ما في القرآن من قوله تعالى: "ما أدراك" فقد أدراه ~~وما فيه من قوله: "ما يدريك" فقد طوى عنه، يعني أن "ما أدراك" كناية و"ما ~~يدريك" تصريح. # قوله تعالى: "كذبت ثمود وعاد بالقارعة" المراد بالقارعة القيامة وسميت ~~بها لأنها تقرع وتدك السماوات والأرض بتبديلها والجبال بتسييرها والشمس ~~بتكويرها والقمر بخسفها والكواكب بنثرها والأشياء كلها بقهرها على ما نطقت ~~به الآيات، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: كذبت ثمود وعاد بها فوضع القارعة ~~موضع الضمير لتأكيد تفخيم أمرها. # وهذه الآية وما يتلوها إلى تمام تسع آيات وإن كانت مسوقة للإشارة إلى ~~إجمال قصص قوم نوح وعاد وثمود وفرعون ومن قبله والمؤتفكات وإهلاكهم لكنها ~~في الحقيقة بيان للحاقه ببعض أوصافها وهو أن الله أهلك أمما كثيرة بالتكذيب ~~بها فهي في الحقيقة جواب للسؤال بما الاستفهامية كما أن قوله: "فإذا نفخ في ~~الصور" إلخ، جواب آخر. # ومحصل المعنى: هي القارعة التي كذبت بها ثمود وعاد وفرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات وقوم نوح فأخذهم الله أخذة رابية وأهلكهم بعذاب الاستئصال. # قوله تعالى: "فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية" بيان تفصيلي لأثر تكذيبهم ~~بالقارعة، والمراد بالطاغية الصيحة أو الرجفة أو الصاعقة على اختلاف ms7353 ظاهر ~~تعبير القرآن في سبب هلاكهم في قصتهم قال تعالى: "وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة": هود: 67، وقال أيضا: "فأخذتهم الرجفة": الأعراف: 87، وقال أيضا: ~~"فأخذتهم صاعقة العذاب الهون": حم السجدة: 17. # وقيل: الطاغية مصدر كالطغيان والطغوى والمعنى: فأما ثمود فأهلكوا بسبب ~~طغيانهم، ويؤيده قوله تعالى: "كذب ثمود بطغواها": الشمس: 11. # وأول الوجهين أنسب لسياق الآيات التالية حيث سيقت لبيان كيفية إهلاكهم من ~~الإهلاك بالريح أو الأخذ الرابي أو طغيان الماء فليكن هلاك ثمود بالطاغية ~~ناظرا إلى كيفية إهلاكهم. # قوله تعالى: "وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية" الصرصر الريح الباردة ~~الشديدة الهبوب، وعاتية من العتو بمعنى الطغيان والابتعاد من الطاعة ~~والملاءمة. PageV19P217 # قوله تعالى: "سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها ~~صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية" تسخيرها عليهم تسليطها عليهم، والحسوم جمع ~~حاسم كشهود جمع شاهد من الحسم بمعنى تكرار الكي مرات متتالية، وهي صفة لسبع ~~أي سبع ليال وثمانية أيام متتالية متتابعة وصرعى جمع صريع وأعجاز جمع عجز ~~بالفتح فالضم آخر الشيء، وخاوية الخالية الجوف الملقاة والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "فهل ترى لهم من باقية" أي من نفس باقية، والجملة كناية عن ~~استيعاب الهلاك لهم جميعا، وقيل: الباقية مصدر بمعنى البقاء وقد أريد به ~~البقية وما قدمناه من المعنى أقرب. # قوله تعالى: "وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة" المراد بفرعون ~~فرعون موسى، وبمن قبله الأمم المتقدمة عليه زمانا من المكذبين، وبالمؤتفكات ~~قرى قوم لوط والجماعة القاطنة بها، و"خاطئة" مصدر بمعنى الخطاء والمراد ~~بالمجيء بالخاطئة إخطاء طريق العبودية، والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية" ضمير "عصوا" لفرعون ومن ~~قبله والمؤتفكات، والمراد بالرسول جنسه، والرابية الزائدة من ربا يربو ربوة ~~إذا زاد، والمراد بالأخذة الرابية العقوبة الشديدة وقيل: العقوبة الزائدة ~~على سائر العقوبات وقيل: الخارقة للعادة. # قوله تعالى: "إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية" إشارة إلى طوفان نوح ~~والجارية السفينة، وعد المخاطبين محمولين في سفينة نوح والمحمول في الحقيقة ~~أسلافهم لكون الجميع نوعا واحدا ينسب حال البعض منه إلى ms7354 الكل والباقي ظاهر. # قوله تعالى: "لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية" تعليل لحملهم في ~~السفينة فضمير "لنجعلها" للحمل باعتبار أنه فعله أي فعلنا بكم تلك الفعلة ~~لنجعلها لكم أمرا تتذكرون به وعبرة تعتبرون بها وموعظة تتعظون بها. # وقوله: "وتعيها أذن واعية" الوعي جعل الشيء في الوعاء، والمراد بوعي ~~الأذن لها تقريرها في النفس وحفظها فيها لترتب عليها فائدتها وهي التذكر ~~والاتعاظ. # وفي الآية بجملتيها إشارة إلى الهداية الربوبية بكلا قسميها أعني الهداية ~~بمعنى إراءة الطريق والهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب. # توضيح ذلك أن من السنة الربوبية العامة الجارية في الكون هداية كل نوع من ~~أنواع الخليقة إلى كماله اللائق به بحسب وجوده الخاص بتجهيزه بما يسوقه نحو ~~غايته كما يدل عليه قوله تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، ~~وقوله: "الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3، وقد تقدم توضيح ذلك في ~~تفسير سورتي طه والأعلى وغيرهما. # والإنسان يشارك سائر الأنواع المادية في أن له استكمالا تكوينيا وسلوكا ~~وجوديا نحو كماله الوجودي بالهداية الربوبية التي تسوقه نحو غايته المطلوبة ~~ويختص من بينها بالاستكمال التشريعي فإن للنفس الإنسانية استكمالا من طريق ~~أفعالها الاختيارية بما يلحقها من الأوصاف والنعوت وتتلبس به من الملكات ~~والأحوال في الحياة الدنيا وهي غاية وجود الإنسان التي تعيش بها عيشة سعيدة مؤبدة. # وهذا هو السبب الداعي إلى تشريع السنة الدينية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~والهداية إليها "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165، ~~وقد تقدم تفصيله في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب وغيره، وهذه ~~هداية بمعنى إراءة الطريق وإعلام الصراط المستقيم الذي لا يسع الإنسان إلا ~~أن يسلكه، قال تعالى: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الدهر: 3، ~~فإن لزم الصراط وسلكه حي بحياة طيبة سعيدة وإن تركه وأعرض عنه هلك بشقاء ~~دائم وتمت عليه الحجة على أي حال، قال تعالى: "ليهلك من هلك عن بينة ويحيي ~~من حي عن بينة": الأنفال: 42. # إذا تقرر هذا تبين أن من سنة الربوبية هداية ms7355 الناس إلى سعادة حياتهم ~~بإراءة الطريق الموصل إليها، وإليها الإشارة بقوله: "لنجعلها لكم تذكرة" ~~فإن التذكرة لا تستوجب التذكر ممن ذكر بها بل ربما أثرت وربما تخلفت. PageV19P218 # ومن سنة الربوبية هداية الأشياء إلى كمالاتها بمعنى إنهائها وإيصالها إليها ~~بتحريكها وسوقها نحوه، وإليها الإشارة بقوله: "وتعيها أذن واعية" فإن الوعي ~~المذكور من مصاديق الاهتداء بالهداية الربوبية وإنما لم ينسب تعالى الوعي ~~إلى نفسه كما نسب التذكرة إلى نفسه لأن المطلوب بالتذكرة إتمام الحجة وهو ~~من الله وأما الوعي فإنه وإن كان منسوبا إليه كما أنه منسوب إلى الإنسان ~~لكن السياق سياق الدعوة وبيان الأجر والمثوبة على إجابة الدعوة والأجر ~~والمثوبة من آثار الوعي بما أنه فعل للإنسان منسوب إليه لا بما أنه منسوب ~~إلى الله تعالى. # ويظهر من الآية الكريمة أن للحوادث الخارجية تأثيرا في أعمال الإنسان كما ~~يظهر من مثل قوله: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض": الأعراف: 96 أن لأعمال الإنسان تأثيرا في الحوادث الخارجية ~~وقد تقدم بعض الكلام فيه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح في قوله: "لنجعلها لكم ~~تذكرة" قال: لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكم من سفينة قد هلكت ~~وأثر قد ذهب يعني ما بقي من السفينة حتى أدركته أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فرأوه كانت ألواحها ترى على الجودي. # أقول: وتقدم ما يؤيد ذلك في قصة نوح في تفسير سورة هود. # وفيه، أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن مكحول قال: لما نزلت "وتعيها أذن واعية" قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): سألت ربي أن يجعلها أذن علي. قال مكحول: فكان علي يقول: ~~ما سمعت عن رسول الله شيئا فنسيته. # وفيه، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر وابن ~~النجاري عن بردة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: إن ~~الله أمرني أن ms7356 أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق لك أن تعي فنزلت هذه ~~الآية "وتعيها أذن واعية". # وفيه، أخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي فأنزلت هذه الآية ~~"وتعيها أذن واعية" فأنت أذن واعية لعلمي:. أقول: وروي هذا المعنى في تفسير ~~البرهان، عن سعد بن عبد الله بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعن ~~الكليني بإسناده عنه (عليه السلام)، وعن ابن بابويه بإسناده عن جابر عن أبي ~~جعفر (عليه السلام). ورواه أيضا عن ابن شهرآشوب عن حلية الأولياء عن عمر بن ~~علي، وعن الواحدي في أسباب النزول عن بريدة، وعن أبي القاسم بن حبيب في ~~تفسيره عن زر بن حبيش عن علي (عليه السلام). وقد روي في غاية المرام، من ~~طرق الفريقين ستة عشر حديثا في ذلك وقال في البرهان إن محمد بن العباس روى ~~فيه ثلاثين حديثا من طرق العامة والخاصة. PageV19P219 ### ||| AUTO 69 سورة الحاقة - 13 - 37 # فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة وحدة ~~(14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهى يومئذ واهية (16) والملك ~~على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمنية (17) يومئذ تعرضون لا تخفى ~~منكم خافية (18) فأما من أوتى كتبه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتبيه (19) ~~إنى ظننت أنى ملق حسابيه (20) فهو فى عيشة راضية (21) فى جنة عالية (22) ~~قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية (24) ~~وأما من أوتى كتبه بشماله فيقول يليتنى لم أوت كتبيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عنى ماليه (28) هلك عنى ~~سلطنيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام ~~المسكين (34) فليس له اليوم ههنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا ~~يأكله إلا الخطئون (37) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثاني من الآيات يعرف الحاقة ببعض أشراطها ونبذة مما يقع فيها. ms7357 # قوله تعالى: "فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة" قد تقدم أن النفخ في الصور ~~كناية عن البعث والإحضار لفصل القضاء، وفي توصيف النفخة بالواحدة إشارة إلى ~~مضي الأمر ونفوذ القدرة فلا وهن فيه حتى يحتاج إلى تكرار النفخة، والذي ~~يسبق إلى الفهم من سياق الآيات أنها النفخة الثانية التي تحيي الموتى. # قوله تعالى: "وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة" الدك أشد الدق وهو ~~كسر الشيء وتبديله إلى أجزاء صغار، وحمل الأرض والجبال إحاطة القدرة بها، ~~وتوصيف الدكة بالواحدة للإشارة إلى سرعة تفتتهما بحيث لا يفتقر إلى دكة ثانية. # قوله تعالى: "فيومئذ وقعت الواقعة" أي قامت القيامة. # قوله تعالى: "وانشقت السماء فهي يومئذ واهية" انشقاق الشيء انفصال شطر ~~منه من شطر آخر، وواهية من الوهي بمعنى الضعف، وقيل: من الوهي بمعنى شق ~~الأديم والثوب ونحوهما. # ويمكن أن تكون الآية أعني قوله: "وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك ~~على أرجائها" في معنى قوله: "ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا": الفرقان: 25. # قوله تعالى: "والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" قال ~~الراغب: رجا البئر والسماء وغيرهما جانبها والجمع أرجاء قال تعالى: "والملك ~~على أرجائها" انتهى، والملك - كما قيل - يطلق على الواحد والجمع والمراد به ~~في الآية الجمع. # وقوله: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" ضمير "فوقهم" على ظاهر ما ~~يقتضيه السياق للملائكة، وقيل: الضمير للخلائق. # وظاهر كلامه أن للعرش اليوم حملة من الملائكة قال تعالى: "الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا": ~~المؤمن: 7 وقد وردت الروايات أنهم أربعة، وظاهر الآية أعني قوله: "ويحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" أن الحملة يوم القيامة ثمانية وهل هم من ~~الملائكة أو من غيرهم؟ الآية ساكتة عن ذلك وإن كان لا يخلو السياق من إشعار ~~ما بأنهم من الملائكة. # ومن الممكن - كما تقدمت الإشارة إليه - أن يكون الغرض من ذكر انشقاق ~~السماء وكون الملائكة على أرجائها وكون حملة العرش يومئذ ثمانية بيان ظهور ~~الملائكة والسماء والعرش للإنسان ms7358 يومئذ، قال تعالى: "وترى الملائكة حافين ~~من حول العرش يسبحون بحمد ربهم": الزمر: 75. PageV19P220 # قوله تعالى: "يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" الظاهر أن المراد به العرض ~~على الله كما قال تعالى: "وعرضوا على ربك صفا": الكهف: 48، والعرض إراءة ~~البائع سلعته للمشتري ببسطها بين يديه، فالعرض يومئذ على الله وهو يوم ~~القضاء إبراز ما عند الإنسان من اعتقاد وعمل إبرازا لا يخفى معه عقيدة ~~خافية ولا فعلة خافية وذلك بتبدل الغيب شهادة والسر علنا قال: "يوم تبلى ~~السرائر": الطارق: 9، وقال: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء": ~~المؤمن: 16. # وقد تقدم في أبحاثنا السابقة أن ما عد في كلامه تعالى من خصائص يوم ~~القيامة كاختصاص الملك بالله، وكون الأمر له، وأن لا عاصم منه، وبروز الخلق ~~له وعدم خفاء شيء منهم عليه وغير ذلك، كل ذلك دائمية الثبوت له تعالى، ~~وإنما المراد ظهور هذه الحقائق يومئذ ظهورا لا ستر عليه ولا مرية فيه. # فالمعنى: يومئذ يظهر أنكم في معرض على علم الله ويظهر كل فعلة خافية من ~~أفعالكم. # قوله تعالى: "فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه" قال ~~في المجمع، هاؤم أمر للجماعة بمنزلة هاكم، تقول للواحد: هاء يا رجل، ~~وللاثنين: هاؤما يا رجلان، وللجماعة: هاؤم يا رجال، وللمرأة: هاء يا امرأة ~~بكسر الهمزة وليس بعدها ياء، وللمرأتين: هاؤما، وللنساء: هاؤن. # هذه لغة أهل الحجاز. # وتميم وقيس يقولون: هاء يا رجل مثل قول أهل الحجاز، وللاثنين: هاءا، ~~وللجماعة: هاؤا، وللمرأة: هائي، وللنساء هاؤن. # وبعض العرب يجعل مكان الهمزة كافا فيقول: هاك هاكما هاكم هاك هاكما هاكن، ~~ومعناه: خذ وتناول، ويؤمر بها ولا ينهى. # انتهى. # والآية وما بعدها إلى قوله: "الخاطئون" بيان تفصيلي لاختلاف حال الناس ~~يومئذ من حيث السعادة والشقاء، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "فمن أوتي ~~كتابه بيمينه": إسراء: 71 كلام في معنى إعطاء الكتاب باليمين، والظاهر أن ~~قوله: "هاؤم اقرءوا كتابيه" خطاب للملائكة، والهاء في "كتابيه" وكذا في ~~أواخر الآيات التالية للوقف وتسمى هاء الاستراحة. ms7359 # والمعنى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول للملائكة: خذوا واقرءوا كتابيه ~~أي إنها كتاب يقضي بسعادتي. # قوله تعالى: "إني ظننت أني ملاق حسابيه" الظن بمعنى اليقين، والآية تعليل ~~لما يتحصل من الآية السابقة ومحصل التعليل إنما كان كتابي كتاب اليمين ~~وقاضيا بسعادتي لأني أيقنت في الدنيا أني سألاقي حسابي فآمنت بربي وأصلحت عملي. # قوله تعالى: "فهو في عيشة راضية" أي يعيش عيشة يرضاها فنسبة الرضا إلى ~~العيشة من المجاز العقلي. # قوله تعالى: "في جنة عالية - إلى قوله - الخالية" أي هو في جنة عالية ~~قدرا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # وقوله: "قطوفها دانية" القطوف جمع قطف بالكسر فالسكون وهو ما يجتنى من ~~الثمر والمعنى: أثمارها قريبة منه يتناوله كيف يشاء. # وقوله: "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية" أي يقال لهم: ~~كلوا واشربوا من جميع ما يؤكل فيها وما يشرب حال كونه هنيئا لكم بما قدمتم ~~من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا التي تقضت أيامها. # قوله تعالى: "وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ~~ولم أدر ما حسابيه" وهؤلاء هم الطائفة الثانية وهم الأشقياء المجرمون يؤتون ~~صحيفة أعمالهم بشمالهم وقد مر الكلام في معناه في سورة الإسراء، وهؤلاء ~~يتمنون أن لو لم يكونوا يؤتون كتابهم ويدرون ما حسابهم يتمنون ذلك لما ~~يشاهدون من أليم العذاب المعد لهم. # قوله تعالى: "يا ليتها كانت القاضية" ذكروا أن ضمير "ليتها" للموتة ~~الأولى التي ذاقها الإنسان في الدنيا. # والمعنى: يا ليت الموتة الأولى التي ذقتها كانت قاضية علي تقضي بعدمي ~~فكنت انعدمت ولم أبعث حيا فأقع في ورطة العذاب الخالد وأشاهد ما أشاهد. # قوله تعالى: "ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية" كلمتا تحسر يقولهما حيث ~~يرى خيبة سعيه في الدنيا فإنه كان يحسب أن مفتاح سعادته في الحياة هو المال ~~والسلطان يدفعان عنه كل مكروه ويسلطانه على كل ما يحب ويرضى فبذل كل جهده ~~في تحصيلهما وأعرض عن ربه وعن كل ms7360 حق يدعى إليه وكذب داعيه فلما شاهد تقطع ~~الأسباب وأنه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ذكر عدم نفع ماله وبطلان ~~سلطانه تحسرا وتوجعا وما ذا ينفع التحسر؟. PageV19P221 # قوله تعالى: "خذوه فغلوه - إلى قوله - فاسلكوه" حكاية أمره تعالى الملائكة ~~بأخذه وإدخاله النار، والتقدير يقال للملائكة خذوه إلخ، و"غلوه" أمر من ~~الغل بالفتح وهو الشد بالغل الذي يجمع بين اليد والرجل والعنق. # وقوله: "ثم الجحيم صلوه" أي أدخلوه النار العظيمة وألزموه إياها. # وقوله: "ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه" السلسلة القيد، والذرع ~~الطول، والذراع بعد ما بين المرفق ورأس الأصابع وهو واحد الطول وسلوكه فيه ~~جعله فيه، والمحصل ثم اجعلوه في قيد طوله سبعون ذراعا. # قوله تعالى: "إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين" ~~الحض التحريض والترغيب، والآيتان في مقام التعليل للأمر بالأخذ والإدخال في ~~النار أي إن الأخذ ثم التصلية في الجحيم والسلوك في السلسلة لأجل أنه كان ~~لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين أي يساهل في أمر المساكين ~~ولا يبالي بما يقاسونه. # قوله تعالى: "فليس له اليوم هاهنا حميم - إلى قوله - الخاطئون" الحميم ~~الصديق والآية تفريع على قوله: "إنه كان لا يؤمن" إلخ، والمحصل: أنه لما ~~كان لا يؤمن بالله العظيم فليس له اليوم هاهنا صديق ينفعه أي شفيع يشفع له ~~إذ لا مغفرة لكافر فلا شفاعة. # وقوله: "ولا طعام إلا من غسلين" الغسلين الغسالة وكان المراد به ما يسيل ~~من أبدان أهل النار من قيح ونحوه والآية عطف على قوله في الآية السابقة: ~~"حميم" ومتفرع على قوله: "ولا يحض" إلخ، والمحصل: أنه لما كان لا يحرض على ~~طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا طعام إلا من غسلين أهل النار. # وقوله: "لا يأكله إلا الخاطئون" وصف لغسلين والخاطئون المتلبسون بالخطيئة ~~والإثم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، في قوله تعالى: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" ~~أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ms7361 وآله وسلم): ~~يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية. # أقول: وفي تقييد الحاملين في الآية بقوله: "يومئذ" إشعار بل ظهور في ~~اختصاص العدد بالقيامة. # وفي تفسير القمي، وفي حديث آخر قال: حمله ثمانية أربعة من الأولين وأربعة ~~من الآخرين فأما الأربعة من الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأما ~~الأربعة من الآخرين فمحمد وعلي والحسن والحسين (عليهما السلام). # أقول: وفي غير واحد من الروايات أن الثمانية مخصوصة بيوم القيامة، وفي ~~بعضها أن حملة العرش - والعرش العلم - أربعة منا وأربعة ممن شاء الله. # وفي تفسير العياشي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنه ~~إذا كان يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامه الذي مات في عصره فإن أثبته أعطي ~~كتابه بيمينه لقوله: "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم" فمن أوتي كتابه بيمينه ~~فأولئك يقرءون كتابهم، واليمين إثبات الإمام لأنه كتابه يقرؤه إلى أن قال ~~ومن أنكر كان من أصحاب الشمال الذين قال الله: "وأصحاب الشمال ما أصحاب ~~الشمال - في سموم وحميم وظل من يحموم" إلخ. # أقول: وفي عدة من الروايات تطبيق قوله: "فأما من أوتي كتابه بيمينه" إلخ، ~~على علي (عليه السلام)، وفي بعضها عليه وعلى شيعته، وكذا تطبيق قوله: "وأما ~~من أوتي كتابه بشماله" إلخ، على أعدائه، وهي من الجري دون التفسير. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: لو أن دلوا من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن بأهل ~~الدنيا. # وفيه، أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن صعصعة بن صوحان قال: جاء أعرابي ~~إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذا الحرف: لا يأكله إلا الخاطون؟ كل والله ~~يخطو. فتبسم علي وقال: يا أعرابي "لا يأكله إلا الخاطئون" قال: صدقت والله ~~يا أمير المؤمنين ما كان الله ليسلم عبده. ثم التفت علي إلى أبي الأسود ~~فقال: إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة فضع للناس شيئا يستدلون به على ~~صلاح ألسنتهم فرسم لهم الرفع والنصب والخفض. # وفي تفسير البرهان، ms7362 عن ابن بابويه في الدروع الواقية في حديث عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله في ~~كتابه وضع على جميع جبال الدنيا لذابت عن حرها. PageV19P222 ### ||| AUTO 69 سورة الحاقة - 38 - 52 # فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) ~~تنزيل من رب العلمين (43) ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه ~~باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حجزين (47) ~~وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على ~~الكفرين (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) ### |||| AUTO بيان # هذا هو الفصل الثالث من آيات السورة يؤكد ما تقدم من أمر الحاقة بلسان ~~تصديق القرآن الكريم ليثبت بذلك حقية ما أنبأ به من أمر القيامة. # قوله تعالى: "فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون" ظاهر الآية أنه إقسام ~~بما هو مشهود لهم وما لا يشاهدون أي الغيب والشهادة فهو إقسام بمجموع ~~الخليقة ولا يشمل ذاته المتعالية فإن من البعيد من أدب القرآن أن يجمع ~~الخالق والخلق في صف واحد ويعظمه تعالى وما صنع تعظيما مشتركا في عرض واحد. # وفي الإقسام نوع تعظيم وتجليل للمقسم به وخلقه تعالى بما أنه خلقه جليل ~~جميل لأنه تعالى جميل لا يصدر منه إلا الجميل وقد استحسن تعالى فعل نفسه ~~وأثنى على نفسه بخلقه في قوله: "الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة: 7، ~~وقوله: "فتبارك الله أحسن الخالقين": المؤمنون: 14 فليس للموجودات منه ~~تعالى إلا الحسن وما دون ذلك من مساءة فمن أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض. # وفي اختيار ما يبصرون وما لا يبصرون للأقسام به على حقية القرآن ما لا ~~يخفى من المناسبة فإن النظام الواحد المتشابك أجزاؤه الجاري في مجموع ~~العالم يقضي بتوحده تعالى ومصير الكل إليه وما يترتب عليه من بعث الرسل ~~وإنزال الكتب والقرآن خير كتاب سماوي يهدي إلى الحق في جميع ذلك وإلى ms7363 طريق ~~مستقيم. # ومما تقدم يظهر عدم استقامة ما قيل: إن المراد بما تبصرون وما لا تبصرون ~~الخلق والخالق فإن السياق لا يساعد عليه، وكذا ما قيل: إن المراد النعم ~~الظاهرة والباطنة، وما قيل: إن المراد الجن والإنس والملائكة أو الأجسام ~~والأرواح أو الدنيا والآخرة أو ما يشاهد من آثار القدرة وما لا يشاهد من ~~أسرارها فاللفظ أعم مدلولا من جميع ذلك. # قوله تعالى: "إنه لقول رسول كريم" الضمير للقرآن، والمستفاد من السياق أن ~~المراد برسول كريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو تصديق لرسالته قبال ~~ما كانوا يقولون إنه شاعر أو كاهن. # ولا ضير في نسبة القرآن إلى قوله فإنه إنما ينسب إليه بما أنه رسول ~~والرسول بما أنه رسول لا يأتي إلا بقول مرسله، وقد بين ذلك فضل بيان بقوله ~~بعد: "تنزيل من رب العالمين". # وقيل: المراد برسول كريم جبريل، والسياق لا يؤيده إذ لو كان هو المراد ~~لكان الأنسب نفي كونه مما نزلت به الشياطين كما فعل في سورة الشعراء. # على أن قوله بعد: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل" وما يتلوه إنما يناسب ~~كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المراد برسول كريم. # قوله تعالى: "وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون" نفي أن يكون القرآن نظما ~~ألفه شاعر ولم يقل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شعرا ولم يكن شاعرا. # وقوله: "قليلا ما تؤمنون" توبيخ لمجتمعهم حيث إن الأكثرين منهم لم يؤمنوا ~~وما آمن به إلا قليل منهم. # قوله تعالى: "ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون" نفي أن يكون القرآن كهانة ~~والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كاهنا يأخذ القرآن من الجن وهم يلقونه إليه. # وقوله: "قليلا ما تذكرون" توبيخ أيضا لمجتمعهم. # قوله تعالى: "تنزيل من رب العالمين" أي منزل من رب العالمين وليس من صنع ~~الرسول نسبه إلى الله كما تقدمت الإشارة إليه. # قوله تعالى: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل - إلى قوله - حاجزين" يقال: ~~تقول على فلان أي اختلق قولا من نفسه ونسبه إليه، والوتين ms7364 - على ما ذكره ~~الراغب - عرق يسقي الكبد وإذا انقطع مات صاحبه، وقيل: هو رباط القلب. PageV19P223 # والمعنى: "ولو تقول علينا" هذا الرسول الكريم الذي حملناه رسالتنا وأرسلناه ~~إليكم بقرآن نزلناه عليه واختلق "بعض الأقاويل" ونسبه إلينا "لأخذنا منه ~~باليمين" كما يقبض على المجرم فيؤخذ بيده أو المراد قطعنا منه يده اليمنى ~~أو المراد لانتقمنا منه بالقوة كما في رواية القمي "ثم لقطعنا منه الوتين" ~~وقتلناه لتقوله علينا "فما منكم من أحد عنه حاجزين" تحجبونه عنا وتنجونه من ~~عقوبتنا وإهلاكنا. # وهذا تهديد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تقدير أن يفتري على الله ~~كذبا وينسب إليه شيئا لم يقله وهو رسول من عنده أكرمه بنبوته واختاره ~~لرسالته. # فالآيات في معنى قوله: "لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ~~إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا": إسراء: 75، ~~وكذا قوله في الأنبياء بعد ذكر نعمه العظمى عليهم: "ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعملون": الأنعام: 88. # فلا يرد أن مقتضى الآيات أن كل من ادعى النبوة وافترى على الله الكذب ~~أهلكه الله وعاقبه في الدنيا أشد العقاب وهو منقوض ببعض مدعي النبوة من ~~الكذابين. # وذلك أن التهديد في الآية متوجهة إلى الرسول الصادق في رسالته لو تقول ~~على الله ونسب إليه بعض ما ليس منه لا مطلق مدعي النبوة المفتري على الله ~~في دعواه النبوة وإخباره عن الله تعالى. # قوله تعالى: "وإنه لتذكرة للمتقين" يذكرهم كرامة تقواهم ومعارف المبدأ ~~والمعاد بحقائقها، ويعرفهم درجاتهم عند الله ومقاماتهم في الآخرة والجنة ~~وما هذا شأنه لا يكون تقولا وافتراء فالآية مسوقة حجة على كون القرآن منزها ~~عن التقول والفرية. # قوله تعالى: "وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين" ستظهر ~~لهم يوم الحسرة. # قوله تعالى: "وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم" قد تقدم كلام في ~~نظيرتي الآيتين في آخر سورة الواقعة، والسورتان متحدتان في الغرض وهو وصف ~~يوم القيامة ومتحدتان في سياق خاتمتهما وهي الإقسام على حقيقة ms7365 القرآن ~~المنبىء عن يوم القيامة، وقد ختمت السورتان بكون القرآن وما أنبأ به عن ~~وقوع الواقعة حق اليقين ثم الأمر بتسبيح اسم الرب العظيم المنزه عن خلق ~~العالم باطلا لا معاد فيه وعن أن يبطل المعارف الحقة التي يعطيها القرآن في ~~أمر المبدأ والمعاد. # تم والحمد لله. PageV19P224 # تفسير الميزان # السيد الطباطبائي ### | AUTO الجزء العشرون PageV20P001 ### || AUTO ### ||| AUTO 70 سورة المعارج - 1 - 18 # بسم الله الرحمن الرحيم سأل سائل بعذاب واقع (1) للكفرين ليس له دافع (2) ~~من الله ذى المعارج (3) تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة (4) فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) ~~يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسئل حميم حميما ~~(10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصحبته وأخيه ~~(12) وفصيلته التى تئويه (13) ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها ~~لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) ### |||| AUTO بيان # الذي يعطيه سياق السورة أنها تصف يوم القيامة بما أعد فيه من أليم العذاب ~~للكافرين. # تبتدىء السورة فتذكر سؤال سائل سأل عذابا من الله للكافرين فتشير إلى أنه ~~واقع ليس له دافع قريب غير بعيد كما يحسبونه ثم تصف اليوم الذي يقع فيه ~~والعذاب الذي أعد لهم فيه وتستثني المؤمنين الذين قاموا بوظائف الاعتقاد ~~الحق والعمل الصالح. # وهذا السياق يشبه سياق السور المكية غير أن المنقول عن بعضهم أن قوله: ~~"والذين في أموالهم حق معلوم" مدني والاعتبار يؤيده لأن ظاهره الزكاة وقد ~~شرعت بالمدينة بعد الهجرة، وكون هذه الآية مدنية يستتبع كون الآيات الحافة ~~بها الواقعة تحت الاستثناء وهي أربع عشرة آية قوله: إلا المصلين - إلى قوله ~~- في جنات مكرمون مدنية لما في سياقها من الاتحاد واستلزام البعض للبعض. # ومدنية هذه الآيات الواقعة تحت الاستثناء تستدعي ما استثنيت منه وهو على ~~الأقل ثلاث آيات قوله: إن الإنسان خلق هلوعا - إلى قوله - منوعا. # على أن قوله: "فما للذين كفروا قبلك مهطعين" متفرع على ما قبله تفرعا ~~ظاهرا وهو ما بعده إلى ms7366 آخر السورة ذو سياق واحد فتكون هذه الآيات أيضا مدنية. # ومن جهة أخرى مضامين هذا الفصل من الآيات تناسب حال المنافقين الحافين ~~حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اليمين وعن الشمال عزين وهم ~~الرادون لبعض ما أنزل الله من الحكم وخاصة قوله: "أيطمع كل امرىء منهم" ~~إلخ، وقوله: "على أن نبدل خيرا منهم" إلخ على ما سيجيء، وموطن ظهور هذا ~~النفاق المدينة لا مكة، ولا ضير في التعبير عن هؤلاء بالذين كفروا فنظير ~~ذلك موجود في سورة التوبة وغيرها. # على أنهم رووا أن السورة نزلت في قول القائل: "اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم": الأنفال: 32 ~~وقد تقدم في تفسير الآية أن سياقها والتي بعدها سياق مدني لا مكي. # لكن المروي عن الصادق (عليه السلام) أن المراد بالحق المعلوم في الآية حق ~~يسميه صاحب المال في ماله غير الزكاة المفروضة. # ولا عبرة بما نسب إلى اتفاق المفسرين أن السورة مكية على أن الخلاف ظاهر ~~وكذا ما نسب إلى ابن عباس أنها نزلت بعد سورة الحاقة. # قوله تعالى: "سأل سائل بعذاب واقع" السؤال بمعنى الطلب والدعاء، ولذا عدي ~~بالباء كما في قوله: "يدعون فيها بكل فاكهة آمنين": الدخان: 55 وقيل: الفعل ~~مضمن معنى الاهتمام والاعتناء ولذا عدي بالباء، وقيل: الباء زائدة للتأكيد، ~~ومآل الوجوه واحد وهو طلب العذاب من الله كفرا وعتوا. # وقيل: الباء بمعنى عن كما في قوله: "فاسأل به خبيرا": الفرقان: 59، وفيه ~~أن كونها في الآية المستشهد بها بمعنى عن ممنوع. # على أن سياق الآيات التالية وخاصة قوله: "فاصبر صبرا جميلا" لا يلائم كون ~~السؤال بمعنى الاستفسار والاستخبار. # فالآية تحكي سؤال العذاب وطلبه عن بعض من كفر طغيانا وكفرا، وقد وصف ~~العذاب المسئول من الأوصاف بما يدل على إجابة الدعاء بنوع من التهكم ~~والتحقير وهو قوله: "واقع" وقوله: "ليس له دافع". # والمعنى سأل سائل من الكفار عذابا للكافرين من الله سيصيبهم ويقع عليهم ~~لا محالة ولا ms7367 دافع له أي أنه واقع عليهم سأل أو لم يسأل ففيه جواب تحقيري ~~وإجابة لمسئوله تهكما. PageV20P002 # قوله تعالى: "للكافرين ليس له دافع" للكافرين متعلق بعذاب وصفة له، وكذا ~~قوله: "ليس له دافع" وقد مرت الإشارة إلى معنى الآية. # قوله تعالى: "من الله ذي المعارج" الجار والمجرور متعلق بقوله: "دافع" أي ~~ليس له دافع من جانب الله ومن المعلوم أنه لو اندفع لم يندفع إلا من جانب ~~الله سبحانه، ومن المحتمل أن يتعلق بقوله: "بعذاب". # والمعارج جمع معرج وفسروه بالمصاعد وهي الدرجات وهي مقامات الملكوت التي ~~يعرج إليها الملائكة عند رجوعهم إلى الله سبحانه على ما يفسره قوله بعد: ~~"تعرج الملائكة والروح إليه في يوم" إلخ فله سبحانه معارج الملكوت ~~ومقاماتها المترتبة علوا وشرفا التي تعرج فيها الملائكة والروح بحسب قربهم ~~من الله وليست بمقامات وهمية اعتبارية. # وقيل: المراد بالمعارج الدرجات التي يصعد فيها الاعتقاد الحق والعمل ~~الصالح قال تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الفاطر ~~10، وقال: "ولكن يناله التقوى منكم": الحج: 37. # وقيل: المراد به مقامات القرب التي يعرج إليها المؤمنون بالإيمان والعمل ~~الصالح قال تعالى: "هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون": آل عمران: ~~163 وقال: "لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم": الأنفال: 4 وقال: "رفيع ~~الدرجات ذو العرش": المؤمن: 15. # والحق أن مآل الوجهين إلى الوجه الأول، والدرجات المذكورة حقيقية ليست ~~بالوهمية الاعتبارية. # قوله تعالى: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة" المراد بهذا اليوم يوم القيامة على ما يفيده سياق الآيات التالية. # والمراد بكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة على ما ذكروا أنه بحيث لو ~~وقع في الدنيا وانطبق على الزمان الجاري فيها كان مقداره من الزمان خمسين ~~ألف سنة من سني الدنيا والمراد بعروج الملائكة والروح إليه يومئذ رجوعهم ~~إليه تعالى عند رجوع الكل إليه فإن يوم القيامة يوم بروز سقوط الوسائط ~~وتقطع الأسباب وارتفاع الروابط بينها وبين مسبباتها والملائكة وسائط موكلة ~~على أمور العالم وحوادث الكون فإذا تقطعت ms7368 الأسباب عن مسبباتها وزيل الله ~~بينهم ورجع الكل إلى الله عز اسمه رجعوا إليه وعرجوا معارجهم فحفوا من حول ~~عرش ربهم وصفوا قال تعالى: "وترى الملائكة حافين من حول العرش": الزمر - ~~75، وقال: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38. # والظاهر أن المراد بالروح الروح الذي هو من أمره تعالى كما قال: "قل ~~الروح من أمر ربي": إسراء: 85 وهو غير الملائكة كما هو ظاهر قوله تعالى: ~~"ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2. # فلا يعبأ بما قيل: إن المراد بالروح جبرئيل وإن أطلق عليه الروح الأمين ~~وروح القدس في قوله: "نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وقوله: ~~"قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 103 فإن المقيد غير المطلق. # قوله تعالى: "فاصبر صبرا جميلا" لما كان سؤال السائل للعذاب عن تعنت ~~واستكبار وهو مما يشق تحمله أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر ~~ووصفه بالجميل - والجميل من الصبر ما ليس فيه شائبة الجزع والشكوى، وعلله ~~بأن اليوم بما فيه من العذاب قريب. # قوله تعالى: "إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا" ضميرا "يرونه" و"نراه" ~~للعذاب أو ليوم القيامة بما فيه من العذاب الواقع ويؤيد الأول قوله فيما ~~بعد: "يوم تكون السماء كالمهل" إلخ. # والمراد بالرؤية الاعتقاد بنوع من العناية المجازية ورؤيتهم ذلك بعيدا ~~ظنهم أنه بعيد من الإمكان فإن سؤال العذاب من الله سبحانه استكبارا عن دينه ~~وردا لحكمه لا يجامع الإيمان بالمعاد وإن تفوه به السائل، ورؤيته تعالى ذلك ~~قريبا علمه بتحققه وكل ما هو آت قريب. # وفي الآيتين تعليل أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر الجميل فإن ~~تحمل الأذى والصبر على المكاره يهون على الإنسان إذا استيقن أن الفرج قريب ~~وتذكر ذلك فالكلام في معنى قولنا فاصبر على تعنتهم واستكبارهم في سؤالهم ~~العذاب صبرا جميلا لا يشوبه جزع وشكوى فأنا نعلم أن العذاب قريب على خلاف ~~ما يستبعدونه، وعلمنا لا يتخلف عن الواقع بل هو نفس الواقع. # قوله تعالى: "يوم تكون السماء كالمهل" المهل المذاب من المعدنيات كالنحاس ms7369 ~~والذهب وغيرهما، وقيل: دردي الزيت، وقيل: عكر القطران. PageV20P003 # والظرف متعلق بقوله: "واقع" على ما يفيده السياق. # قوله تعالى: "وتكون الجبال كالعهن" العهن مطلق الصوف، ولعل المراد ~~المنفوش منه كما في قوله تعالى: "وتكون الجبال كالعهن المنفوش": القارعة: 5. # وقيل: هو الصوف الأحمر، وقيل: المصبوغ ألوانا لأن الجبال ذات ألوان ~~مختلفة فمنها جدد بيض وحمر وغرابيب سود. # قوله تعالى: "ولا يسأل حميم حميما" الحميم القريب الذي تهتم بأمره وتشفق عليه. # إشارة إلى شدة اليوم فالإنسان يومئذ تشغله نفسه عن غيره حتى أن الحميم لا ~~يسأل حميمه عن حاله لاشتغاله بنفسه. # قوله تعالى: "يبصرونهم" الضميران للأحماء المعلوم من السياق والتبصير ~~الإراءة والإيضاح أي يرى ويوضح الأحماء للأحماء فلا يسئلونهم عن حالهم ~~اشتغالا بأنفسهم. # والجملة مستأنفة في معنى الجواب عن سؤال مقدر كأنه لما قيل: لا يسأل حميم ~~حميما سئل فقيل: هل يرى الأحماء يومئذ أحماءهم؟ فأجيب: يبصرونهم ويمكن أن ~~يكون "يبصرونهم" صفة "حميما". # ومن رديء التفسير قول بعضهم: إن معنى قوله: "يبصرونهم" يبصر الملائكة ~~الكفار، وما قيل: إن المعنى يبصر المؤمنون أعداءهم من الكفار وما هم فيه من ~~العذاب فيشمتون بهم، وما قيل: إن المعنى يبصر اتباع الضلالة رؤساءهم. # وهي جميعا وجوه لا دليل عليها. # قوله تعالى: "يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه ~~وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه" قال في المجمع،: المودة ~~مشتركة بين التمني وبين المحبة يقال: وددت الشيء أي تمنيته ووددته أي ~~أحببته أود فيهما جميعا. # انتهى، ويمكن أن يكون استعماله بمعنى التمني من باب التضمين. # وقال: والافتداء الضرر عن الشيء ببدل منه انتهى، وقال: الفصيلة الجماعة ~~المنقطعة عن جملة القبيلة برجوعها إلى أبوة خاصة عن أبوة عامة. # انتهى، وذكر بعضهم أن الفصيلة عشيرته الأقربين الذين فصل عنهم كالآباء ~~الأدنين. # وسياق هذه الآيات سياق الإضراب والترقي بالنسبة إلى قوله: "ولا يسأل حميم ~~حميما" فيفيد أن المجرم يبلغ به شدة العذاب إلى أن يتمنى أن يفتدي من ~~العذاب بأحب أقاربه وأكرمهم عليه بنيه وصاحبته ms7370 وأخيه وفصيلته وجميع من في ~~الأرض ثم ينجيه الافتداء فيود ذلك فضلا عن عدم سؤاله عن حال حميمه. # والمعنى "يود" ويتمنى "المجرم" وهو المتلبس بالأجرام أعم من الكافر "لو ~~يفتدي من عذاب يومئذ" وهذا هو الذي يتمناه، والجملة قائمة مقام مفعول يود. # "ببنيه" الذين هم أحب الناس عنده "وصاحبته" التي كانت سكنا له وكان يحبها ~~وربما قدمها على أبويه "وأخيه" الذي كان شقيقه وناصره "وفصيلته" من عشيرته ~~الأقربين "التي تؤويه" وتضمه إليها "ومن في الأرض جميعا" من أولي العقل "ثم ~~ينجيه" هذا الافتداء. # قوله تعالى: "كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى" ~~كلا للردع، وضمير "أنها" لجهنم أو للنار وسميت لظى لكونها تتلظى وتشتعل، ~~والنزاعة اسم مبالغة من النزع بمعنى الاقتلاع، والشوى الأطراف كاليد والرجل ~~يقال: رماه فأشواه أي أصاب شواه كذا قال الراغب، وإيعاء المال إمساكه في وعاء. # فقوله: "كلا" ردع لتمنيه النجاة من العذاب بالافتداء وقد علل الردع ~~بقوله: "أنها لظى" إلخ ومحصله أن جهنم نار مشتعلة محرقة للأطراف شأنها أنها ~~تطلب المجرمين لتعذبهم فلا تصرف عنهم بافتداء كائنا ما كان. # فقوله: "إنها لظى" أي نار صفتها الاشتعال لا تنعزل عن شأنها ولا تخمد، ~~وقوله: "نزاعة للشوى" أي صفتها إحراق الأطراف واقتلاعها لا يبطل ما لها من ~~الأثر فيمن تعذبه. # وقوله: "تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى" أي تطلب من أدبر عن الدعوة ~~الإلهية إلى الإيمان بالله وأعرض عن عبادته تعالى وجمع المال فأمسكه في ~~وعائه ولم ينفق منه للسائل والمحروم. # وهذا المعنى هو المناسب لسياق الاستثناء الآتي وذكر الصلاة والإنفاق فيه. PageV20P004 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، حدثنا السيد أبو الحمد قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني ~~وساق السند عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما نصب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ~~طار ذلك في البلاد فقدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النعمان بن ~~الحارث الفهري. فقال: أمرتنا عن ms7371 الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى ~~نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من ~~عند الله؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله. فولى النعمان بن ~~الحارث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله وأنزل الله تعالى: "سأل سائل بعذاب واقع". # أقول: وهذا المعنى مروي بغير طريق من طرق الشيعة، وقد رد الحديث بعضهم ~~بأنه موضوع لكون سورة المعارج مكية، وقد عرفت الكلام في مكية السورة. # وفي الدر المنثور، أخرج الفاريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "سأل سائل" قال هو النضر ~~بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي: في قوله: "سأل سائل" قال. نزلت بمكة ~~في النضر بن الحارث وقد قال: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية ~~وكان عذابه يوم بدر. # أقول: وهذا المعنى مروي أيضا عن غير السدي، وفي بعض رواياتهم أن القائل: ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية هو الحارث بن علقمة رجل من عبد ~~الدار، وفي بعضها أن سائل العذاب هو أبو جهل بن هشام سأله يوم بدر ولازمه ~~مدنية السورة والمعتمد على أي حال نزول السورة بعد قول القائل: اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك الآية وقد تقدم كلام في سياق الآية. # وفي أمالي الشيخ، بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: ألا ~~فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإن في القيامة خمسين موقفا كل موقف مثل ألف ~~سنة مما تعدون ثم تلا هذه الآية "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة":. أقول: ~~وروي هذا المعنى في روضة الكافي، ms7372 عن حفص بن غياث عنه (عليه السلام). # وفي المجمع، روى أبو سعيد الخدري قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ما أطول هذا اليوم فقال: والذي نفس محمد بيده إنه ليخف على ~~المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا:. أقول: ورواه ~~في الدر المنثور، عن عدة من الجوامع عن أبي سعيد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يوم تكون السماء كالمهل" قال: الرصاص ~~الذائب والنحاس كذلك تذوب السماء. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~"يبصرونهم" يقول: يعرفونهم ثم لا يتساءلون. # وفيه،: في قوله تعالى: "نزاعة للشوى" قال: تنزع عينه وتسود وجهه. # وفيه،: في قوله تعالى: "تدعوا من أدبر وتولى" قال: تجره إليها. PageV20P005 ### ||| AUTO 70 سورة المعارج - 19 - 35 # إن الانسن خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا ~~(21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين فى أمولهم ~~حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين ~~هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم ~~لفروجهم حفظون (29) إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين ~~(30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأمنتهم وعهدهم ~~رعون (32) والذين هم بشهدتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون ~~(34) أولئك فى جنت مكرمون (35) ### |||| AUTO بيان # تشير الآيات إلى السبب الأولي الذي يدعو الإنسان إلى رذيلة الإدبار ~~والتولي والجمع والإيعاء التي تؤديه إلى دخول النار الخالدة التي هي لظى ~~نزاعة للشوى على ما تذكره الآيات. # وذلك السبب صفة الهلع التي اقتضت الحكمة الإلهية أن يخلق الإنسان عليها ~~ليهتدي بها إلى ما فيه خيره وسعادته غير أن الإنسان يفسدها على نفسه ويسيء ~~استعمالها في سبيل سعادته فتسلك به إلى هلكة دائمة إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في جنات مكرمون. # قوله تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا" الهلوع صفة مشتقة من ms7373 الهلع بفتحتين وهو شدة الحرص، وذكروا أيضا أن ~~الهلوع تفسره الآيتان بعده فهو الجزوع عند الشر والمنوع عند الخير وهو ~~تفسير سديد والسياق يناسبه. # وذلك أن الحرص الشديد الذي جبل عليه الإنسان ليس حرصا منه على كل شيء ~~خيرا كان أو شرا أو نافعا أو ضارا بل حرصا على الخير والنافع ولا حرصا على ~~كل خير أو نافع سواء ارتبط به أو لم يرتبط وكان له أو لغيره بل حرصا منه ~~على ما يراه خيرا لنفسه أو نافعا في سبيل الخير، ولازم هذا الحرص أن يظهر ~~منه التزعزع والاضطراب عند مس الشر وهو خلاف الخير وأن يمتنع عن ترك الخير ~~عند مسه ويؤثر نفسه على غيره إلا أن يرى الترك أكثر خيرا وأنفع بحاله ~~فالجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير من لوازم الهلع وشدة الحرص. # وليس الهلع وشدة الحرص المجبول عليه الإنسان - وهو من فروع حب الذات - في ~~حد نفسه من الرذائل المذمومة كيف؟ وهي الوسيلة الوحيدة التي تدعو الإنسان ~~إلى بلوغ سعادته وكمال وجوده، وإنما تكون رذيلة مذمومة إذا أساء الإنسان في ~~تدبيرها فاستعملها فيما ينبغي وفيما لا ينبغي وبالحق وبغير حق كسائر الصفات ~~النفسانية التي هي كريمة ما لزمت حد الاعتدال وإذا انحرفت إلى جانب الإفراط ~~أو التفريط عادت رذيلة ذميمة. # فالإنسان في بدء نشأته وهو طفل يرى ما يراه خيرا لنفسه أو شرا لنفسه بما ~~جهز به من الغرائز العاطفة وهي التي تهواه نفسه وتشتهيه قواه من غير أن ~~يحده بحد أو يقدره بقدر فيجزع إذا مسه ألم أو أي مكروه، ويمنع من يزاحمه ~~فيما أمسك به بكل ما يقدر عليه من بكاء ونحوه. # وهو على هذه الحال حتى إذا رزق العقل والرشد أدرك الحق والباطل والخير ~~والشر واعترفت نفسه بما أدرك وحينئذ يتبدل عنده كثير من مصاديق الحق ~~والباطل والخير والشر فعاد كثير مما كان يراه خيرا لنفسه شرا عنده وبالعكس. # فإن أقام على ما كان عليه من اتباع أهواء النفس والعكوف على المشتهيات ms7374 ~~واشتغل بها عن اتباع الحق وغفل عنه، طبع على قلبه فلم يواجه حقا إلا دحضه ~~ولا ذا حق إلا اضطهده وإن أدركته العناية الإلهية عاد ما كان عنده من الحرص ~~على ما تهواه النفس حرصا على الحق فلم يستكبر على حق واجهه ولا منع ذا حق حقه. # فالإنسان في بادىء أمره وهو عهد الصبي قبل البلوغ والرشد مجهز بالحرص ~~الشديد على الخير وهو صفة كمالية له بحسب حاله بها ينبعث إلى جلب الخير ~~واتقاء الشر قال تعالى: "وإنه لحب الخير لشديد": العاديات: 8. PageV20P006 # ثم إذا رزق البلوغ والرشد زاد تجهيزا آخر وهو العقل الذي بها يدرك حقائق ~~الأمور على ما هي عليها فيدرك ما هو الاعتقاد الحق وما هو الخير في العمل، ~~ويتبدل حرصه الشديد على الخير وكونه جزوعا عند مس الشر ومنوعا عند مس الخير ~~من الحرص الشديد على الخير الواقعي من الفزع والخوف إذا مسه شر أخروي وهو ~~المعصية والمسابقة إلى مغفرة ربه إذا مسه خير أخروي وهو مواجهة الحسنة، ~~وأما الشر والخير الدنيويان فإنه لا يتعدى فيهما ما حده الله له من الصبر ~~عند المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية وهذه الصفة صفة كمالية ~~لهذا الإنسان. # وأما إذا أعرض الإنسان عما يدركه عقله ويعترف به فطرته وعكف على اتباع ~~الهوى واعتنق الباطل وتعدى إلى حق كل ذي حق ولم يقف في حرصه على الخير على ~~حد فقد بدل نعمة الله نقمة وأخذ صفة غريزية خلقها الله وسيلة له يتوسل بها ~~إلى سعادة الدنيا والآخرة وسيلة إلى الشقوة والهلكة تسوقه إلى الإدبار ~~والتولي والجمع والإيعاء كما في الآيات. # وقد بان مما تقدم أنه لا ضير في نسبة هلع الإنسان في الآيات إلى الخلقة ~~والكلام مسوق للذم وقد قال تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة 7، وذلك ~~أن ما يلحقه من الذم إنما هو من قبل الإنسان وسوء تدبيره لا من قبله تعالى ~~فهو كسائر نعمه تعالى على الإنسان التي يصيرها نقما بسوء اختياره. # وذكر الزمخشري فرارا من الإشكال ms7375 أن في الكلام استعارة، والمعنى أن ~~الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه كأنه مجبول مطبوع عليهما، وكأنه ~~أمر مخلوق فيه ضروري غير اختياري فالكلام موضوع على التشبيه لا لإفادة كونه ~~مخلوقا لله حقيقة لأن الكلام مسوق للذم والله سبحانه لا يذم فعل نفسه، ومن ~~الدليل عليه استثناء المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم فنجوا عن الجزع والمنع جميعا. # وفيه أن الصفة مخلوقة نعمة وفضيلة والإنسان هو الذي يخرجها من الفضيلة ~~إلى الرذيلة ومن النعمة إلى النقمة والذم راجع إلى الصفة من جهة سوء تدبيره ~~لا من حيث إنها فعله تعالى. # واستثناء المؤمنين ليس لأجل أن الصفة غير مخلوقة فيهم بل لأجل أنهم ~~أبقوها على كمالها ولم يبدلوها رذيلة ونقمة. # وأجيب أيضا عن الاستثناء بأنه منقطع وهو كما ترى. # قوله تعالى: "إلا المصلين" استثناء من الإنسان الموصوف بالهلع، وفي تقديم ~~الصلاة على سائر الأعمال الصالحة المعدودة في الآيات التالية دلالة على ~~شرفها وأنها خير الأعمال. # على أن لها الأثر البارز في دفع رذيلة الهلع المذموم وقد قال تعالى: "إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر": العنكبوت 45. # قوله تعالى: "الذين هم على صلاتهم دائمون" في إضافة الصلاة إلى الضمير ~~دلالة على أنهم مداومون على ما يأتون به من الصلاة كائنة ما كانت لا أنهم ~~دائما في الصلاة، وفيه إشارة إلى أن العمل إنما يكمل أثره بالمداومة. # قوله تعالى: "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" فسره بعضهم ~~بالزكاة المفروضة، وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام): أن الحق المعلوم ~~ليس من الزكاة وإنما هو مقدار معلوم ينفقونه للفقراء، والسائل هو الفقير ~~الذي يسأل، والمحروم الفقير الذي يتعفف ولا يسأل والسياق لا يخلو من تأييده ~~فإن للزكاة موارد مسماة في قوله: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله": التوبة 60 وليست مختصة بالسائل والمحروم على ما هو ~~ظاهر الآية. # قوله تعالى: "والذين يصدقون بيوم الدين" الذي يفيده سياق عد الأعمال ~~الصالحة أن المراد بتصديقهم يوم ms7376 الدين التصديق العملي دون التصديق ~~الاعتقادي وذلك بأن تكون سيرتهم في الحياة سيرة من يرى أن ما يأتي به من ~~عمل سيحاسب عليه فيجازي به إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. # وفي التعبير بقوله: "يصدقون" دلالة على الاستمرار فهو المراقبة الدائمة ~~بذكره تعالى عند كل عمل يواجهونه فيأتون بما يريده ويتركون ما يكرهه. # قوله تعالى: "والذين هم من عذاب ربهم مشفقون" أي خائفون، والكلام في ~~إشفاقهم من عذاب ربهم نظير الكلام في تصديقهم بيوم الدين فهو الإشفاق ~~العملي الظاهر من حالهم. PageV20P007 # ولازم إشفاقهم من عذاب ربهم مع لزومهم الأعمال الصالحة ومجاهدتهم في الله ~~أن لا يثقوا بما يأتون به من الأعمال الصالحة ولا يأمنوا عذاب الله فإن ~~الأمن لا يجامع الخوف. # والملاك في الإشفاق من العذاب أن العذاب على المخالفة فلا منجى منه إلا ~~بالطاعة من النفس ولا ثقة بالنفس إذ لا قدرة لها في ذاتها إلا ما أقدرها ~~الله عليه والله سبحانه مالك غير مملوك، قال تعالى: "قل فمن يملك من الله ~~شيئا": المائدة 17. # على أن الله سبحانه وإن وعد أهل الطاعة النجاة وذكر أنه لا يخلف الميعاد ~~لكن الوعد لا يقيد إطلاق قدرته فهو مع ذلك قادر على ما يريد ومشيته نافذة ~~فلا أمن بمعنى انتفاء القدرة على ما يخالف الوعد فالخوف على حاله ولذلك نرى ~~أنه تعالى يقول في ملائكته: "يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" ~~فيصفهم بالخوف وهو يصرح بعصمتهم، ويقول في أنبيائه: "ويخشونه ولا يخشون ~~أحدا إلا الله": الأحزاب: 39، ويصف المؤمنين في هذه الآية بالإشفاق وهو ~~يعدهم في آخر الآيات بقول جازم فيقول: "أولئك في جنات مكرمون". # قوله تعالى: "إن عذاب ربهم غير مأمون" تعليل لإشفاقهم من عذاب ربهم ~~فيتبين به أنهم مصيبون في إشفاقهم من العذاب وقد تقدم وجهه. # قوله تعالى: "والذين هم لفروجهم حافظون - إلى قوله - هم العادون" تقدم ~~تفسير الآيات الثلاث في أول سورة المؤمنون. # قوله تعالى: "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" المتبادر من الأمانات ~~أنواع الأمانة التي يؤتمنون عليها من ms7377 المال وسائر ما يوصى به من نفس أو عرض ~~ورعايتهم لها أن يحفظوها ولا يخونوها قيل: ولكثرة أنواعها جيء بلفظ الجمع ~~بخلاف العهد. # وقيل: المراد بها جميع ما كلفهم الله من اعتقاد وعمل فتعم حقوق الله ~~وحقوق الناس فلو ضيعوا شيئا منها فقد خانوه. # وقيل: كل نعمة أعطاها الله عبده من الأعضاء وغيرها أمانة فمن استعمل شيئا ~~منها في غير ما أعطاه الله لأجله وأذن له في استعماله فقد خانه. # وظاهر العهد عقد الإنسان مع غيره قولا أو فعلا على أمر ورعايته أن يحفظه ~~ولا ينقضه من غير مجوز. # وقيل: العهد كل ما التزم به الإنسان لغيره فإيمان العبد لربه عهد منه ~~عاهد به ربه أن يطيعه في كل ما كلفه به فلو عصاه في شيء مما أمره به أو ~~نهاه عنه فقد نقض عهده. # قوله تعالى: "والذين هم بشهاداتهم قائمون" الشهادة معروفة، والقيام ~~بالشهادة عدم الاستنكاف عن تحملها وأداء ما تحمل منها كما تحمل من غير ~~كتمان ولا تغيير، والآيات في هذا المعنى كثيرة. # قوله تعالى: "والذين هم على صلاتهم يحافظون" المراد بالمحافظة على الصلاة ~~رعاية صفات كمالها على ما ندب إليه الشرع. # قيل: والمحافظة على الصلاة غير الدوام عليها فإن الدوام متعلق بنفس ~~الصلاة والمحافظة بكيفيتها فلا تكرار في ذكر المحافظة عليها بعد ذكر الدوام عليها. # قوله تعالى: "أولئك في جنات مكرمون" الإشارة إلى المصلين في قوله: "إلا ~~المصلين" وتنكير جنات للتفخيم، و"في جنات" خبر و"مكرمون" خبر بعد خبر أو ~~ظرف لقوله: "مكرمون". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: "إذا مسه الشر جزوعا" قال: الشر هو الفقر والفاقة "وإذا ~~مسه الخير منوعا" قال: الغنى والسعة. # وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ثم استثنى فقال ~~"إلا المصلين" فوصفهم بأحسن أعمالهم "الذين هم على صلاتهم دائمون" يقول: ~~إذا فرض على نفسه شيئا من النوافل دام عليه. # أقول: قوله: إذا فرض على نفسه "إلخ" استفاد (عليه السلام) هذا المعنى من ~~إضافة الصلاة إلى ضمير "هم" وقد أشرنا ms7378 إليه فيما مر. # وفي الكافي، بإسناده إلى الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "والذين هم على صلاتهم يحافظون" قال: هي ~~الفريضة. قلت: "الذين هم على صلاتهم دائمون" قال: هي النافلة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والذين في أموالهم حق معلوم": وروي عن أبي ~~عبد الله (عليه السلام) أنه قال: الحق المعلوم ليس من الزكاة وهو الشيء ~~الذي تخرجه من مالك إن شئت كل جمعة وإن شئت كل يوم، ولكل ذي فضل فضله. # قال: وروي عنه أيضا أنه قال: هو أن تصل القرابة وتعطي من حرمك وتصدق على ~~من عاداك. PageV20P008 # أقول: وروي هذا المعنى في الكافي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ~~بعدة طرق ورواه في المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام). # وفي الكافي، بإسناده عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قول الله عز وجل "للسائل والمحروم" قال: المحروم المحارف الذي قد حرم كد ~~يمينه في الشراء والبيع. # قال: وفي رواية أخرى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) أنهما ~~قالا: المحروم الرجل الذي ليس بعقله بأس ولم يبسط له في الرزق وهو محارف. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والذين هم على صلاتهم يحافظون": روى محمد ~~بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: أولئك أصحاب الخمسين صلاة ~~من شيعتنا. # أقول: ولعله مبني على ما ورد عنهم (عليهم السلام) أن تشريع النوافل ~~اليومية لتتميم الفرائض. PageV20P009 ### ||| AUTO 70 سورة المعارج - 36 - 44 # فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) ~~أيطمع كل امرى منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقنهم مما يعلمون (39) ~~فلا أقسم برب المشرق والمغرب إنا لقدرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما ~~نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا يومهم الذى يوعدون (42) ~~يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خشعة أبصرهم ترهقهم ~~ذلة ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون (44) ### |||| AUTO بيان # لما ذكر سبحانه في الفصل الأول من ms7379 آيات السورة في ذيل ما حكى من سؤالهم ~~العذاب أن لهم عذابا واقعا ليس له دافع وهو النار المتلظية النزاعة للشوى ~~التي تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى. # ثم بين في الفصل الثاني منها الملاك في ابتلائهم بهذه الشقوة وهو أن ~~الإنسان مجهز بغريزة الهلع وحب خير نفسه ويؤديه اتباع الهوى في استعمالها ~~إلى الاستكبار على كل حق يواجهه فيورده ذلك النار الخالدة، ولا ينجو من ذلك ~~إلا الصالحون عملا المصدقون ليوم الدين المشفقون من عذاب ربهم. # انعطف في هذا الفصل من الآيات - وهو الفصل الثالث - على أولئك الكفار ~~كالمتعجب من أمرهم حيث يجتمعون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين مقبلين عليه بأبصارهم لا يفارقونه فخاطبه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): ما بالهم يحيطون بك مهطعين عليك يلازمونك؟ هل ~~يريد كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم وهو كافر وقد قدر الله سبحانه أن لا ~~يكرم بجنته إلا من استثناه من المؤمنين فهل يريدون أن يسبقوا الله ويعجزوه ~~بنقض ما حكم به وإبطال ما قدره كلا إن الله الذي خلقهم من نطفة مهينة قادر ~~أن يبدلهم خيرا منهم ويخلق مما خلقهم منه، غيرهم ممن يعبده ويدخل جنته. # ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقطع خصامهم ويذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون. # قوله تعالى: "فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين" ~~قال في المجمع،: قال الزجاج: المهطع المقبل ببصره على الشيء لا يزايله وذلك ~~من نظر العدو، وقال أبو عبيدة الإهطاع الإسراع، وعزين جماعات في تفرقة، ~~واحدتهم عزة. # انتهى، وقبل الشيء بالكسر فالفتح الجهة التي تليه والفاء في "فما" فصيحة. # والمعنى: إذا كان الإنسان بكفره واستكباره على الحق مصيره إلى النار إلا ~~من استثني من المؤمنين فما للذين كفروا عندك مقبلين عليك لا يرفعون عنك ~~أبصارهم وهم جماعات متفرقة عن يمينك وشمالك أيطمعون أن يدخلوا الجنة ~~فيعجزوا الله ويسبقوه فيما قضى به أن لا يدخل الجنة ms7380 إلا الصلحاء من ~~المؤمنين. # قوله تعالى: "أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم"، الاستفهام للإنكار ~~أي - ما هو الذي يحملهم على أن يحتفوا بك ويهطعوا عليك؟ - هل يحملهم على ~~ذلك طمع كل منهم أن يدخل جنة نعيم وهو كافر فلا مطمع للكافر في دخول الجنة. # ونسب الطمع إلى كل امرىء منهم ولم ينسب إلى جماعتهم بأن يقال: أيطمعون أن ~~يدخلوا "إلخ" كما نسب الإهطاع إلى جماعتهم فقيل: مهطعين لأن النافع من ~~الطمع في السعادة والفلاح هو الطمع القائم بنفس الفرد الباعث له إلى ~~الإيمان والعمل الصالح دون القائم بالجماعة بما أنها جماعة فطمع المجموع من ~~حيث إنه مجموع لا يكفي في سعادة كل واحد واحد. # وفي قوله: "أن يدخل" مجهولا من باب الإفعال إشارة إلى أن دخولهم في الجنة ~~ليس منوطا باختيارهم ومشيتهم بل لو كان فإنما هو إلى الله سبحانه فهو الذي ~~يدخلهم الجنة إن شاء ولن يدخل بما قدر أن لا يدخلها كافر. # قيل: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي عند الكعبة ويقرأ ~~القرآن فكان المشركون يجتمعون حوله حلقا حلقا وفرقا يستمعون ويستهزءون ~~بكلامه، ويقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فلندخلها قبلهم فنزلت الآيات. PageV20P010 # وهذا القول لا يلائمه سياق الآيات الظاهر في تفرع صنعهم ذلك على ما مر من ~~حرمان الناس من دخول الجنة إلا من استثني من المؤمنين إذ من الضروري على ~~هذا أن اجتماعهم حوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإهطاعهم عليه إنما حملهم ~~عليه إفراطهم في عداوته ومبالغتهم في إيذائه وإهانته، وأن قولهم: سندخل ~~الجنة قبل المؤمنين - وهم مشركون مصرون على إنكار المعاد غير معترفين بنار ~~ولا جنة - إنما كان استهزاء وتهكما. # فلا مساغ لتفريع عملهم ذاك على ما تقدم من حديث النار والجنة والسؤال - ~~في سياق التعجيب - عن السبب الحامل لهم عليه ثم استفهام طمعهم في دخول ~~الجنة وإنكاره عليهم. # فبما تقدم يتأيد أن يكون المراد بالذين كفروا في قوله: "فما للذين كفروا" ms7381 ~~قوما من المنافقين آمنوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرا ولازموه ثم ~~كفروا برد بعض ما نزل عليه كما يشير إليه أمثال قوله تعالى: "ذلك بأنهم ~~آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم": المنافقون 3، وقوله: "لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم": التوبة 66، وقوله: "فأعقبهم نفاقا في قلوبهم": التوبة 77. # فهؤلاء قوم كانوا قد آمنوا ودخلوا في جماعة المؤمنين ولازموا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) مهطعين عليه عن اليمين وعن الشمال عزين ثم كفروا ببعض ~~ما نزل إليه لا يبالون به فقرعهم الله سبحانه في هذه الآيات أنهم لا ~~ينتفعون بملازمته ولا لهم أن يطمعوا في دخول الجنة فليسوا ممن يدخلها ~~وليسوا بسابقين ولا معجزين. # ويؤيده قوله الآتي: "إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم" إلخ على ما ~~سنشير إليه. # قوله تعالى: "كلا إنا خلقناهم مما يعلمون" ردع لهم عن الطمع في دخول ~~الجنة مع كفرهم. # وقوله: "إنا خلقناهم مما يعلمون" المراد بما يعلمون النطفة فإن الإنسان ~~مخلوق منها. # والكلام مرتبط بما بعده والمجموع تعليل للردع، ومحصل التعليل أنا خلقناهم ~~من النطفة - وهم يعلمون به - فلنا أن نذهب بهم ونخلق مكانهم قوما آخرين ~~يكونون خيرا منهم مؤمنين غير رادين لشيء من دين الله، ولسنا بمسبوقين حتى ~~يعجزنا هؤلاء الكفار ويسبقونا فندخلهم الجنة وينتقض به ما قدرنا أن لا يدخل ~~الجنة كافر. # وقيل: "من" في قوله: "مما يعلمون" تفيد معنى لام التعليل، والمعنى أنا ~~خلقناهم لأجل ما يعلمون وهو الاستكمال بالإيمان والطاعة فمن الواجب أن ~~يتلبسوا بذلك حتى ندخلهم الجنة فكيف يطمعون في دخولها وهم كفار؟ وإنما ~~علموا بذلك من طريق إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وقيل: "من" لابتداء الغاية، والمعنى: أنا خلقناهم من نطفة قذرة لا تناسب ~~عالم القدس والطهارة حتى تتطهر بالإيمان والطاعة وتتخلق بأخلاق الملائكة ~~فتدخل وأنى لهم ذلك وهم كفار. # وقيل: المراد بما في "ما يعلمون" الجنس، والمعنى أنا خلقناهم من جنس ~~الآدميين الذين يعلمون أو من الخلق الذين يعلمون لا من جنس الحيوانات التي ~~لا ms7382 تعقل ولا تفقه فالحجة لازمة لهم تامة عليهم، والوجوه الثلاثة سخيفة. # قوله تعالى: "فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل ~~خيرا منهم وما نحن بمسبوقين" المراد بالمشارق والمغارب مشارق الشمس ~~ومغاربها فإن لها في كل يوم من أيام السنة الشمسية مشرقا ومغربا لا يعود ~~إليهما إلى مثل اليوم من السنة القابلة، ومن المحتمل أن يكون المراد بها ~~مشارق جميع النجوم ومغاربها. # وفي الآية على قصرها وجوه من الالتفات ففي قوله: "فلا أقسم" التفات من ~~التكلم مع الغير في "إنا خلقناهم" إلى التكلم وحده، والوجه فيه تأكيد القسم ~~بإسناده إلى الله تعالى نفسه. # وفي قوله: "برب المشارق والمغارب" التفات من التكلم وحده إلى الغيبة، ~~والوجه فيه الإشارة إلى صفة من صفاته تعالى هي المبدأ في خلق الناس جيلا ~~بعد جيل وهي ربوبيته للمشارق والمغارب فإن الشروق بعد الشروق والغروب بعد ~~الغروب الملازم لمرور الزمان دخلا تاما في تكون الإنسان جيلا بعد جيل وسائر ~~الحوادث الأرضية المقارنة له. PageV20P011 # وفي قوله: "إنا لقادرون" التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير، والوجه فيه ~~الإشارة إلى العظمة المناسبة لذكر القدرة، وفي ذكر ربوبيته للمشارق ~~والمغارب إشارة إلى تعليل القدرة فإن الذي ينتهي إليه تدبير الحوادث في ~~تكونها لا يعجزه شيء من الحوادث التي هي أفعاله عن شيء منها ولا يمنعه شيء ~~من خلقه من أن يبدله خيرا منه وإلا شاركه المانع في أمر التدبير والله ~~سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته فافهم ذلك. # وقوله: "إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم" "على" متعلق بقوله: ~~"لقادرون" والمفعول الأول لنبدل ضمير محذوف راجع إليهم وإنما حذف للإشارة ~~إلى هوان أمرهم وعدم الاهتمام بهم، و"خيرا" مفعوله الثاني وهو صفة أقيمت ~~مقام موصوفها، والتقدير إنا لقادرون على أن نبدلهم قوما خيرا منهم، ~~وخيريتهم منهم أن يؤمنوا بالله ولا يكفروا به ويتبعوا الحق ولا يردوه. # وقوله: "وما نحن بمسبوقين" المراد بالسبق الغلبة على سبيل الاستعارة، ~~وكونه تعالى مسبوقا هو أن يمنعه خلقهم أن يذهب بهم ويأتي ms7383 بدلهم بقوم خير منهم. # وسياق الآية لا يخلو من تأييد ما لما تقدم من كون المراد بالذين كفروا ~~قوما من المنافقين دون المشركين المعاندين للدين النافين لأصل المعاد فإن ~~ظاهر قوله: "خيرا منهم" لا يخلو من دلالة أو إشعار بأن فيهم شائبة خيرية ~~ولله أن يبدل خيرا منهم، والمشركون لا خير فيهم لكن هذه الطائفة من ~~المنافقين لا يخلو تحفظهم على ظواهر الدين مما آمنوا به ولم يردوه من خير ~~للإسلام. # فقد بان بما تقدم أن قوله: "إنا خلقناهم مما يعلمون" إلى آخر الآيات ~~الثلاث تعليل للردع بقوله: "كلا"، وأن محصل مضمون الآيات الثلاث أنهم ~~مخلوقون من نطفة - وهم يعلمون ذلك - وهي خلقة جارية والله الذي هو رب ~~الحوادث الجارية التي منها خلق الإنسان جيلا بعد جيل والمدبر لها قادر أن ~~يذهب بهم ويبدلهم خيرا منهم يعتنون بأمر الدين ويستأهلون لدخول الجنة، ولا ~~يمنعه خلق هؤلاء أن يبدلهم خيرا منهم ويدخلهم الجنة بكمال إيمانهم من غير ~~أن يضطر إلى إدخال هؤلاء الجنة فلا ينتقض تقديره أن الجنة للصالحين من أهل ~~الإيمان. # قوله تعالى: "فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون" أمر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتركهم وما هم فيه، ولا يلح عليهم ~~بحجاج ولا يتعب نفسه فيهم بعظة، وقد سمي ما هم عليه بالخوض واللعب دلالة ~~على أنهم لا ينتفعون به انتفاعا حقيقيا على ما لهم فيه من الإمعان والإصرار ~~كاللعب الذي لا نفع فيه وراء الخيال فليتركوا حتى يلاقوا اليوم الذي يوعدون ~~وهو يوم القيامة. # وفي إضافة اليوم إليهم إشارة إلى نوع اختصاص له بهم وهو الاختصاص ~~بعذابهم. # قوله تعالى: "يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون" بيان ~~ليومهم الذي يوعدون وهو يوم القيامة. # والأجداث جمع جدث وهو القبر، وسراعا جمع سريع، والنصب ما ينصب علامة في ~~الطريق يقصده السائرون للاهتداء به، وقيل: هو الصنم المنصوب للعبادة وهو ~~بعيد من كلامه تعالى، والإيفاض الإسراع والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك ms7384 اليوم الذي كانوا يوعدون" ~~الخشوع تأثر خاص في القلب عن مشاهدة العظمة والكبرياء، ويناظره الخضوع في ~~الجوارح، ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور آثاره فيها، والرهق غشيان الشيء بقهر. # وقوله: "ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون" الإشارة إلى ما مر من أوصافه من ~~الخروج من الأجداث سراعا وخشوع الأبصار ورهق الذلة. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن عبادة بن أنس قال: دخل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد فقال: ما لي أراكم عزين حلقا حلق ~~الجاهلية قعد رجل خلف أخيه. # أقول: ورواه عن ابن مردويه عن أبي هريرة ولفظه: خرج رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأصحابه جلوس حلقا حلقا فقال: ما لي أراكم عزين، وروي هذا ~~المعنى أيضا عن جابر بن سمرة. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "كلا إنا خلقناهم مما يعلمون" قال: من نطفة ثم ~~علقة، وقوله: "فلا أقسم" أي أقسم "برب المشارق والمغارب" قال: مشارق الشتاء ~~ومشارق الصيف ومغارب الشتاء ومغارب الصيف. PageV20P012 # وفي المعاني، بإسناده إلى عبد الله بن أبي حماد رفعه إلى أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قال: لها ثلاثمائة وستون مشرقا وثلاثمائة وستون مغربا فيومها ~~الذي تشرق فيه لا تعود فيه إلا من قابل. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "يوم يخرجون من الأجداث سراعا" قال: من القبر ~~"كأنهم إلى نصب يوفضون" قال: إلى الداعي ينادون، وقوله: "ترهقهم ذلة" قال: ~~تصيبهم ذلة. PageV20P013 ### || AUTO ### ||| AUTO 71 سورة نوح - 1 - 24 # بسم الله الرحمن الرحيم إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم (1) قال يقوم إنى لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله ~~إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا (5) ~~فلم يزدهم دعاءى إلا فرارا (6) وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصبعهم فى ~~ءاذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إنى دعوتهم ~~جهارا (8) ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ms7385 (9) فقلت استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأمول وبنين ويجعل ~~لكم جنت ويجعل لكم أنهرا (12) ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم ~~أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا (15) وجعل القمر فيهن ~~نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم ~~فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظلمين إلا ~~ضللا (24) ### |||| AUTO بيان # تشير السورة إلى رسالة نوح (عليه السلام) إلى قومه وإجمال دعوته وعدم ~~استجابتهم له ثم شكواه إلى ربه منهم ودعائه عليهم واستغفاره لنفسه ولوالديه ~~ولمن دخل بيته مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ثم حلول العذاب بهم وإهلاكهم ~~بالإغراق والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم ~~عذاب أليم" "أن أنذر قومك" إلخ، تفسير لرسالته أي أوحينا إليه أن أنذر "إلخ". # وفي الكلام دلالة على أن قومه كانوا عرضة للعذاب بشركهم ومعاصيهم كما يدل ~~عليه ما حكي من قوله (عليه السلام) في الآية التالية: "اعبدوا الله واتقوه" ~~وذلك أن الإنذار تخويف والتخويف إنما يكون من خطر محتمل لا دافع له لو لا ~~التحذر، وقد أفاد قوله: "من قبل أن يأتيهم عذاب أليم" إنه متوجه إليهم غير ~~تاركهم لو لا تحذرهم منه. # قوله تعالى: "قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون" بيان لتبليغه رسالته إجمالا بقوله: "إني لكم نذير مبين" وتفصيلا ~~بقوله: "أن اعبدوا الله" إلخ. # وفي إضافته اليوم إلى نفسه إظهار إشفاق ورحمة أي أنكم قومي يجمعكم وإياي ~~مجتمعنا القومي تسوؤني ما أساءكم فلست أريد إلا ما فيه خيركم وسعادتكم إني ~~لكم نذير إلخ. # وفي قوله: "أن اعبدوا الله" دعوتهم إلى توحيده تعالى في عبادته فإن ms7386 القوم ~~كانوا وثنيين يعبدون الأصنام، والوثنية لا تجوز عبادة الله سبحانه لا وحده ~~ولا مع غيره، وإنما يعبدون أرباب الأصنام بعبادة الأصنام ليكونوا شفعاء لهم ~~عند الله، ولو جوزوا عبادته تعالى لعبدوه وحده فدعوتهم إلى عبادة الله دعوة ~~لهم إلى توحيده في العبادة. # وفي قوله: "واتقوه" دعوتهم إلى اجتناب معاصيه من كبائر الإثم وصغائره وهي ~~الشرك فما دونه، وفعل الأعمال الصالحة التي في تركها معصية. # وفي قوله: "وأطيعون" دعوة لهم إلى طاعة نفسه المستلزم لتصديق رسالته وأخذ ~~معالم دينهم مما يعبد به الله سبحانه ويستن به في الحياة منه (عليه السلام) ~~ففي قوله: "اعبدوا الله واتقوه وأطيعون" ندب إلى أصول الدين الثلاثة: ~~التوحيد المشار إليه بقوله: "اعبدوا الله" والمعاد الذي هو أساس التقوى ~~والتصديق بالنبوة المشار إليه بالدعوة إلى الطاعة المطلقة. PageV20P014 # قوله تعالى: "يغفر لكم من ذنوبكم" مجزوم في جواب الأمر وكلمة "من" للتبعيض ~~على ما هو المتبادر من السياق، والمعنى أن تعبدوه وتتقوه وتطيعوني يغفر لكم ~~بعض ذنوبكم وهي الذنوب التي قبل الإيمان: الشرك فما دونه، وأما الذنوب التي ~~لم تقترف بعد مما سيستقبل فلا معنى لمغفرتها قبل تحققها، ولا معنى أيضا ~~للوعد بمغفرتها إن تحققت في المستقبل أو كلما تحققت لاستلزام ذلك إلغاء ~~التكاليف الدينية بإلغاء المجازاة على مخالفتها. # ويؤيد ذلك ظاهر قوله تعالى: "يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم": الأحقاف 31، وقوله: "يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم": إبراهيم ~~10 وقوله: "قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف": الأنفال 38. # وأما قوله تعالى يخاطب المؤمنين من هذه الأمة: "يا أيها الذين آمنوا هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ~~ويدخلكم جنات": الصف 12 فهو وإن كان ظاهرا في مغفرة جميع الذنوب لكن رتبت ~~المغفرة فيه على استمرار الإيمان والعمل الصالح وإدامتهما ما دامت الحياة ~~فلا مغفرة فيه متعلقة بما لم يتحقق بعد من ms7387 المعاصي والذنوب المستقبلة ولا ~~وعد بمغفرتها كلما تحققت. # وقد مال بعضهم اعتمادا على عموم المغفرة في آية الصف إلى القول بأن ~~المغفور بسبب الإيمان في هذه الأمة جميع الذنوب وفي سائر الأمم بعضها كما ~~هو ظاهر قول نوح لأمته: "يغفر لكم من ذنوبكم" وقول الرسل: كما في سورة ~~إبراهيم "يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم" وقول الجن كما في سورة الأحقاف ~~لقومهم: "يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم". # وفيه أن آية الصف موردها غير مورد المغفرة بسبب الإيمان فقط كما أشرنا إليه. # على أن آية الأنفال صريحة في مغفرة ما قد سلف، والمخاطب به كفار هذه الأمة. # وذهب بعضهم إلى كون "من" في قوله: "من ذنوبكم" زائدة، ولم تثبت زيادة ~~"من" في الإثبات فهو ضعيف ومثله في الضعف قول من ذهب إلى أن "من" بيانية، ~~وقول من ذهب إلى أنها لابتداء الغاية. # قوله تعالى: "ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون" تعليق تأخيرهم إلى أجل مسمى على عبادة الله والتقوى وطاعة الرسول ~~يدل على أن هناك أجلين أجل مسمى يؤخرهم الله إليه إن أجابوا الدعوة، وأجل ~~غيره يعجل إليهم لو بقوا على الكفر، وإن الأجل المسمى أقصى الأجلين ~~وأبعدهما. # ففي الآية وعدهم بالتأخير إلى الأجل المسمى إن آمنوا وفي قوله: "إن أجل ~~الله إذا جاء لا يؤخر" تعليل للتأخير إلى الأجل المسمى إن آمنوا فالمراد ~~بأجل الله إذا جاء مطلق الأجل المقضي المتحتم أعم من الأجل المسمى وغير ~~المسمى فلا راد لقضائه تعالى ولا معقب لحكمه. # والمعنى: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوني يؤخركم الله إلى أجل مسمى هو ~~أقصى الأجلين فإنكم إن لم تفعلوا ذلك جاءكم الأجل غير المسمى بكفركم ولم ~~تؤخروا فإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ففي الكلام مضافا إلى وعد التأخير ~~إلى الأجل المسمى إن آمنوا، تهديد بعذاب معجل إن لم يؤمنوا. # وقد ظهر بما تقدم عدم استقامة تفسير بعضهم لأجل الله بالأجل غير المسمى ms7388 ~~وأضعف منه تفسيره بالأجل المسمى. # وذكر بعضهم: أن المراد بأجل الله يوم القيامة والظاهر أنه يفسر الأجل ~~المسمى أيضا بيوم القيامة فيرجع معنى الآية حينئذ إلى مثل قولنا: إن لم ~~تؤمنوا عجل الله إليكم بعذاب الدنيا وإن آمنتم أخركم إلى يوم القيامة أنه ~~إذا جاء لا يؤخر. # وأنت خبير بأنه لا يلائم التبشير الذي في قوله: "يغفر لكم من ذنوبكم". # وقوله: "لو كنتم تعلمون" متعلق بأول الكلام أي لو كنتم تعلمون أن لله ~~أجلين وأن أجله إذا جاء لا يؤخر استجبتم دعوتي وعبدتم الله واتقيتموه ~~وأطعتموني هذا فمفعول "تعلمون" محذوف يدل عليه سابق الكلام. # وقيل: إن "تعلمون" منزل منزلة الفعل اللازم، وجواب لو متعلق بأول الكلام، ~~والمعنى: لو كنتم من أهل العلم لاستجبتم دعوتي وآمنتم، أو متعلق بآخر ~~الكلام، والمعنى: لو كنتم من أهل العلم لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. PageV20P015 # قوله تعالى: "قال ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا" القائل هو نوح (عليه السلام) والذي دعا إليه هو عبادة الله وتقواه ~~وطاعة رسوله، والدعاء ليلا ونهارا كناية عن دوامه من غير فتور ولا توان. # وقوله: "فلم يزدهم دعائي إلا فرارا" أي من إجابة دعوتي فالمراد بالفرار ~~التمرد والتأبي عن القبول استعارة، وإسناد زيادة الفرار إلى دعائه لما فيه ~~من شائبة السببية لأن الخير إذا وقع في محل غير صالح قاومه المحل بما فيه ~~من الفساد فأفسده فانقلب شرا، وقد قال تعالى في صفة القرآن: "وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": إسراء 82. # قوله تعالى: "وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم" إلخ ذكر مغفرته تعالى غاية لدعوته والأصل دعوتهم ليؤمنوا ~~فتغفر لهم" لأن الغرض الإشارة إلى أنه كان ناصحا لهم في دعوته ولم يرد إلا ~~ما فيه خير دنياهم وعقباهم. # وقوله: "جعلوا أصابعهم في آذانهم" كناية عن استنكافهم عن الاستماع إلى ~~دعوته، وقوله: "واستغشوا ثيابهم" أي غطوا بها رءوسهم ووجوههم لئلا يروني ms7389 ~~ولا يسمعوا كلامي وهو كناية عن التنفر وعدم الاستماع إلى قوله. # وقوله: "وأصروا واستكبروا استكبارا" أي وألحوا على الامتناع من الاستماع ~~واستكبروا عن قبول دعوتي استكبارا عجيبا. # قوله تعالى: "ثم إني دعوتهم جهارا" "ثم" للتراخي بحسب رتبة الكلام ~~والجهار النداء بأعلى الصوت. # قوله تعالى: "ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا" الإعلان والإسرار ~~متقابلان وهما الإظهار والإخفاء، وظاهر السياق أن مرجع ضمير لهم في ~~الموضعين واحد فالمعنى دعوتهم سرا وعلانية فتارة علانية وتارة سرا سالكا في ~~دعوتي كل مذهب ممكن وسائرا في كل مسير مرجو. # قوله تعالى: "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا - إلى قوله - أنهارا" علل ~~أمرهم بالاستغفار بقوله: "إنه كان غفارا" دلالة على أنه تعالى كثير المغفرة ~~وهي مضافا إلى كثرتها منه سنة مستمرة له تعالى. # وقوله: "يرسل السماء عليكم مدرارا" مجزوم في جواب الأمر، والمراد بالسماء ~~السحاب، والمدرار كثير الدرور بالأمطار. # وقوله: "ويمددكم بأموال وبنين" الأمداد إلحاق المدد وهو ما يتقوى به ~~الممد على حاجته، والأموال والبنون أقرب الأعضاد الابتدائية التي يستعين ~~بها المجتمع الإنساني على حوائجه الحيوية. # وقوله: "ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا" هما من قسم الأموال غير أنهما ~~لكونهما من أبسط ضروريات المعاش خصا بالذكر. # والآيات - كما ترى - تعد النعم الدنيوية وتحكي عنه (عليه السلام) أنه يعد ~~قومه توافر النعم وتواترها عليهم أن استغفروا ربهم فلمغفرة الذنوب أثر بالغ ~~في رفع المصائب والنقمات العامة وانفتاح أبواب النعم من السماء والأرض أي ~~إن هناك ارتباطا خاصا بين صلاح المجتمع الإنساني وفساده وبين الأوضاع ~~العامة الكونية المربوطة بالحياة الإنسانية وطيب عيشه ونكده. # كما يدل عليه قوله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس": الروم 41، وقوله: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم": الشورى ~~30، وقوله: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض": الأعراف 94، وقد تقدم في تفسير الآيات ما لا يخلو من نفع في هذا ~~المقام. # قوله تعالى: "ما لكم لا ترجون لله وقارا" استفهام إنكاري والوقار - كما ~~في ms7390 المجمع، - بمعنى العظمة اسم من التوقير بمعنى التعظيم، والرجاء مقابل ~~الخوف وهو الظن بما فيه مسرة، والمراد به في الآية مطلق الاعتقاد على ما ~~قيل، وقيل: المراد به الخوف للملازمة بينهما. # والمعنى: أي سبب حصل لكم حال كونكم لا تعتقدون أو لا تخافون لله عظمة ~~توجب أن تعبدوه. # والحق أن المراد بالرجاء معناه المعروف وهو ما يقابل الخوف ونفيه كناية ~~عن اليأس فكثيرا ما يكنى به عنه يقال: لا أرجو فيه خيرا أي أنا آيس من أن ~~يكون فيه خير، والوقار الثبوت والاستقرار والتمكن وهو الأصل في معناه كما ~~صرح به في المجمع، ووقاره تعالى ثبوته واستقراره في الربوبية المستتبع ~~لألوهيته ومعبوديته. PageV20P016 # كان الوثنيين طلبوا ربا له وقار في الربوبية لعبدوه فيئسوا منه تعالى ~~فعبدوا غيره وهو كذلك فإنهم يرون أنه تعالى لا يحيط به أفهامنا فلا سبيل ~~للتوجه العبادي إليه، والعبادة أداء لحق الربوبية التي يتفرع عليها تدبير ~~الأمر وتدبير أمور العالم مفوض إلى أصناف الملائكة والجن فهم أربابنا الذين ~~يجب علينا عبادتهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله، وأما هو تعالى فليس له إلا ~~الإيجاد إيجاد الأرباب ومربوبيهم جميعا دون التدبير. # والآية أعني قوله: "ما لكم لا ترجون لله وقارا" وما يتلوها إلى تمام سبع ~~آيات مسوقة لإثبات وقاره تعالى في الربوبية وحجة قاطعة في نفي ما لفقوه ~~لوجوب عبادة غيره من الملائكة وغيرهم لاستناد تدبير العالم إليهم، ويتبين ~~به إمكان التوجه العبادي إليه تعالى. # ومحصل الحجة: ما الذي دعاكم إلى نفي ربوبيته تعالى المستتبع للألوهية ~~والمعبودية واليأس عن وقاره؟ وأنتم تعلمون أنه تعالى خلقكم وخلق العالم ~~الذي تعيشون فيه طورا من الخلق لا ينفك عن هذا النظام الجاري فيه، وليس ~~تدبير الكون ومن فيه من الإنسان إلا التطورات المخلوقة في أجزائه والنظام ~~الجاري فيه فكونه تعالى خالقا هو كونه مالكا مدبرا فهو الرب لا رب سواه ~~فيجب أن يتخذ إلها معبودا. # ويتبين به صحة التوجه إليه تعالى بالعبادة فإنا نعرفه بصفاته الكريمة من ~~الخلق والرزق والرحمة وسائر صفاته ms7391 الفعلية فلنا أن نتوجه إليه بما نعرفه من صفاته. # قوله تعالى: "وقد خلقكم أطوارا" حال من فاعل "لا ترجون" والأطوار جمع طور ~~وهو حد الشيء وحاله التي هو عليها. # ومحصل المعنى - لا ترجون لله وقارا في ربوبية - والحال أنه أنشأكم طورا ~~بعد طور يستعقب طورا آخر فأنشأ الواحد منكم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ~~ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم شيخا وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد في الذكورة ~~والأنوثة والألوان والهيئات والقوة والضعف إلى غير ذلك، وهل هذا إلا ~~التدبير فهو مدبر أمركم فهو ربكم. # قوله تعالى: "ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا" مطابقة السماوات ~~السبع بعضها لبعض كون بعضها فوق بعض أو تطابقهن وتماثلهن على الاحتمالين ~~المتقدمين في تفسير أوائل سورة الملك. # والمراد بالرؤية العلم، وتوصيف السماوات السبع - والكلام مسوق سوق الحجة ~~- يدل على أنهم كانوا يرون كونها سبعا ويسلمون ذلك فاحتج عليهم بالمسلم عندهم. # وكيف كان فوقوع حديث السماوات السبع في كلام نوح دليل على كونه مأثورا من ~~الأنبياء (عليهم السلام) من أقدم العهود. # قوله تعالى: "وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا" الآيات - كما يشهد ~~به سياقها - مسوقة لبيان وقوع التدبير الإلهي على الإنسان بما يفيض عليه من ~~النعم حتى تثبت ربوبيته فتجب عبادته. # وعلى هذا فكون الشمس سراجا هو كونها مضيئة لعالمنا ولولاها لانغمرنا في ~~ظلمة ظلماء، وكون القمر نورا هو كونه منورا لأرضنا بنور مكتسب من الشمس ~~فليس منورا بنفسه حتى يعد سراجا. # وأما أخذ السماوات ظرفا للقمر في قوله: "وجعل القمر فيهن نورا" فالمراد ~~به كما قيل كونه في حيزهن وإن كان في واحدة منها كما تقول: إن في هذه الدور ~~لبئرا وإن كانت في واحدة منها لأن ما كان في إحداهن كان فيهن وكما تقول: ~~أتيت بني تميم وإنما أتيت بعضهم. # قوله تعالى: "والله أنبتكم من الأرض نباتا" أي أنبتكم إنبات النبات وذلك ~~أن الإنسان تنتهي خلقته إلى عناصر أرضية تركبت تركبا خاصا به يغتذي وينمو ~~ويولد المثل، وهذه ms7392 حقيقة النبات، فالكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه ~~واستعارة. # قوله تعالى: "ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا" الإعادة فيها بالإماتة ~~والإقبار، والإخراج للجزاء يوم القيامة فالآية والتي قبلها قريبتا المعنى ~~من قوله تعالى: "فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون": الأعراف: 25. # وفي قوله: "ويخرجكم" دون أن يقول: ثم يخرجكم إيماء إلى أن الإعادة ~~والإخراج كالصنع الواحد والإعادة مقدمة للإخراج، والإنسان في حالتي الإعادة ~~والإخراج في دار الحق كما أنه في الدنيا في دار الغرور. # قوله تعالى: "والله جعل لكم الأرض بساطا" أي كالبساط يسهل لكم التقلب من ~~جانب إلى جانب، والانتقال من قطر إلى قطر. PageV20P017 # قوله تعالى: "لتسلكوا منها سبلا فجاجا" السبل جمع سبيل بمعنى الطريق ~~والفجاج جمع فج بمعنى الطريق الواسعة، وقيل: الطريق الواقعة بين الجبلين. # قوله تعالى: "قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا" رجوع منه (عليه السلام) إلى شكواه من قومه إلى ربه بعد ما ذكر تفصيل ~~دعوته لهم وما ألقاه من القول إليهم من قوله: "ثم إني دعوتهم جهارا" إلى ~~آخر الآيات. # وشكواه السابق له قوله: "فلم يزدهم دعائي إلا فرارا" بعد ما أخبر بإجمال ~~دعوته بقوله: "رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا". # وفي الآية دلالة على أن العظماء المترفين من قومه (عليه السلام) كانوا ~~يصدون الناس عنه ويحرضونهم على مخالفته وإيذائه. # ومعنى قوله: "لم يزده ماله وولده إلا خسارا" - وقد عد المال والولد في ~~سابق كلامه من النعم - أن المال والولد اللذين هما من نعمك وكان يجب عليهم ~~شكرهما لم يزيداهم إلا كفرا وأورثهم ذلك خسرانا من رحمتك. # قوله تعالى: "ومكروا مكرا كبارا" الكبار اسم مبالغة من الكبر. # قوله تعالى: "وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا" توصية منهم بالتمسك بآلهتهم وعدم ترك عبادتها. # وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر خمس من آلهتهم لهم اهتمام تام بعبادتهن ولذا ~~خصوها بالذكر مع الوصية بمطلق الآلهة، ولعل تصدير ود وذكر سواع ويغوث بلا ~~المؤكدة للنفي لكونها أعظم ms7393 أمرا عندهم من يعوق ونسر والله أعلم. # قوله تعالى: "وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا" ضمير "أضلوا" ~~للرؤساء المتبوعين ويتأيد به أنهم هم المحدث عنهم في قوله: "ومكروا" ~~"وقالوا لا تذرن آلهتكم" وقيل: الضمير للأصنام فهم المضلون، ولا يخلو من بعد. # وقوله: "ولا تزد الظالمين إلا ضلالا" دعاء من نوح على الظالمين بالضلال ~~والمراد به الضلال مجازاة دون الضلال الابتدائي فهو دعاء منه أن يجازيهم ~~الله بكفرهم وفسقهم مضافا إلى ما سيحكي عنه من دعائه عليهم بالهلاك. ### |||| AUTO بحث روائي # في نهج البلاغة،: وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سببا لدرور الرزق ورحمة ~~الخلق فقال سبحانه: "استغفروا ربكم إنه كان غفارا - يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ويمددكم بأموال وبنين" فرحم الله امرأ استقبل توبته، واستقال ~~خطيئته، وبادر منيته أقول: والروايات في استفادة سببية الاستغفار لسعة ~~الرزق والأمداد بالأولاد من هذه الآيات كثيرة. # وفي الخصال، عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: أكثر الاستغفار ~~تجلب الرزق. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله تعالى: "لا ترجون لله وقارا" قال؟ لا تخافون لله عظمة:. أقول: وقد روي ~~هذا المعنى من طرق أهل السنة عن ابن عباس. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ~~"سبع سماوات طباقا" يقول بعضها فوق بعض. # وفيه،: في قوله تعالى: "رب إنهم عصوني - واتبعوا من لم يزده ماله وولده ~~إلا خسارا" قال: اتبعوا الأغنياء. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: صارت الأصنام والأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود ~~فكانت لكلب في دومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ~~ثم لبني غطيف عند سبإ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ~~ذي الكلاع. وكانوا أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان ~~إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ~~ففعلوا فلم تعبد ms7394 حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. # أقول: لعل المراد بصيرورة تلك الأصنام التي كانت لقوم نوح إلى العرب ~~مطابقة ما عند العرب لما كان عندهم في الأسماء أو في الأوصاف والأسماء، ~~وأما انتقال تلك الأصنام بأشخاصهن إلى العرب فبعيد غايته. PageV20P018 # وروي القصة أيضا في علل الشرائع، بإسناده عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) ~~كما في الرواية وفي روضة الكافي، بإسناده عن المفضل عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) في حديث: فعمل نوح سفينته في مسجد الكوفة بيده فأتي بالخشب من بعد ~~حتى فرغ منها. قال: فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار الداريين وهو ~~موضع دار ابن حكيم، وذاك فرات اليوم، فقال لي يا مفضل وهنا نصبت أصنام قوم ~~نوح: يغوث ويعوق ونسر. PageV20P019 ### ||| AUTO 71 سورة نوح - 25 - 28 # مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) ~~وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لى ولولدى ولمن دخل بيتى ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنت ولا تزد الظلمين إلا تبارا (28) ### |||| AUTO بيان # تتضمن الآيات هلاك القوم وتتمة دعاء نوح (عليه السلام) عليهم. # قوله تعالى: "مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا" إلخ "من" لابتداء الغاية ~~تفيد بحسب المورد التعليل و"ما" زائدة لتأكيد أمر الخطايا وتفخيمه، ~~والخطيئات المعاصي والذنوب، وتنكير النار للتفخيم. # والمعنى: من أجل معاصيهم وذنوبهم أغرقوا بالطوفان فأدخلوا - أدخلهم الله ~~- نارا لا يقدر عذابها بقدر، ومن لطيف نظم الآية الجمع بين الإغراق بالماء ~~وإدخال النار. # والمراد بالنار نار البرزخ التي يعذب بها المجرمون بين الموت والبعث دون ~~نار الآخرة، والآية من أدلة البرزخ إذ ليس المراد أنهم أغرقوا وسيدخلون ~~النار يوم القيامة، ولا يعبأ بما قيل: إن من الجائز أن يراد بها نار ~~الآخرة. # وقوله: "فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا" أي ينصرونهم في صرف الهلاك ~~والعذاب عنهم. # تعريض لأصنامهم وآلهتهم. # قوله تعالى: "وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ms7395 ديارا" الديار ~~نازل الدار، والآية تتمة دعائه (عليه السلام) عليهم، وكان قوله: "مما ~~خطيئاتهم أغرقوا" إلخ معترضا واقعا بين فقرتي الدعاء للإشارة إلى أنهم ~~أهلكوا لما عد نوح من خطيئاتهم ولتكون كالتمهيد لسؤاله الهلاك فيتبين أن ~~إغراقهم كان استجابة لدعائه، وأن العذاب استوعبهم عن آخرهم. # قوله تعالى: "إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا" تعليل ~~لسؤال إهلاكهم عن آخرهم مفاده أن لا فائدة في بقائهم لا لمن دونهم من ~~المؤمنين فإنهم يضلونهم، ولا فيمن يلدونه من الأولاد فإنهم لا يلدون إلا ~~فاجرا كفارا - والفجور الفسق الشنيع والكفار المبالغ في الكفر. # وقد استفاد (عليه السلام) ما ذكره من صفتهم من الوحي الإلهي على ما تقدم ~~في تفسير قصة نوح من سورة هود. # قوله تعالى: "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات" "إلخ" المراد بمن دخل بيته مؤمنا المؤمنون به من قومه، ~~وبالمؤمنين والمؤمنات عامتهم إلى يوم القيامة. # وقوله: "ولا تزد الظالمين إلا تبارا" التبار الهلاك، والظاهر أن المراد ~~بالتبار ما يوجب عذاب الآخرة وهو الضلال وهلاك الدنيا بالغرق، وقد تقدما ~~جميعا في دعائه، وهذا الدعاء آخر ما نقل من كلامه (عليه السلام) في القرآن ~~الكريم. PageV20P020 ### || AUTO ### ||| AUTO 72 سورة الجن - 1 - 17 # بسم الله الرحمن الرحيم قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا ~~سمعنا قرءانا عجبا (1) يهدى إلى الرشد فئامنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) ~~وأنه تعلى جد ربنا ما اتخذ صحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على ~~الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا (5) وأنه ~~كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ~~ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدنها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا ~~(9) وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا ~~منا الصلحون ومنا دون ذلك كنا ms7396 طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله ~~فى الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى ءامنا به فمن يؤمن بربه ~~فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القسطون فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا (14) وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وألو استقموا ~~على الطريقة لأسقينهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه ~~عذابا صعدا (17) ### |||| AUTO بيان # تشير السورة إلى قصة نفر من الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وأقروا بأصول ~~معارفه، وتتخلص منها إلى تسجيل نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~والإشارة إلى وحدانيته تعالى في ربوبيته وإلى المعاد، والسورة مكية بشهادة ~~سياقها. # قوله تعالى: "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا يهدي إلى الرشد" أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقص القصة ~~لقومه، والموحي هو الله سبحانه، ومفعول "استمع" القرآن حذف لدلالة الكلام ~~عليه، والنفر الجماعة من ثلاثة إلى تسعة على المشهور، وقيل: بل إلى أربعين. # والعجب بفتحتين ما يدعو إلى التعجب منه لخروجه عن العادة الجارية في ~~مثله، وإنما وصفوا القرآن بالعجب لأنه كلام خارق للعادة في لفظه ومعناه أتى ~~به رجل أمي ما كان يقرأ ولا يكتب. # والرشد إصابة الواقع وهو خلاف الغي، وهداية القرآن إلى الرشد دعوته إلى ~~عقائد وأعمال تتضمن للمتلبس بها سعادته الواقعية. # والمعنى: يا أيها الرسول قل للناس: أوحي - أي أوحى الله - إلي أنه استمع ~~القرآن جماعة من الجن فقالوا - لقومهم لما رجعوا إليهم - إنا سمعنا كلاما ~~مقروا خارقا للعادة يهدي إلى معارف من عقائد وأعمال في التلبس بها إصابة ~~الواقع والظفر بحقيقة السعادة. # كلام في الجن # الجن نوع من الخلق مستورون من حواسنا يصدق القرآن الكريم بوجودهم ويذكر ~~أنهم بنوعهم مخلوقون قبل نوع الإنسان، وأنهم مخلوقون من النار كما أن ~~الإنسان مخلوق من التراب قال تعالى: "والجان خلقناه من قبل من نار السموم": ~~الحجر 27. # وأنهم يعيشون ويموتون ويبعثون كالإنسان قال تعالى: "أولئك الذين حق عليهم ~~القول في أمم قد ms7397 خلت من قبلهم من الجن والإنس": الأحقاف 18. # وأن فيهم ذكورا وإناثا يتكاثرون بالتوالد والتناسل قال تعالى: "وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن": الجن 6. # وأن لهم شعورا وإرادة وأنهم يقدرون على حركات سريعة وأعمال شاقة كما في ~~قصص سليمان (عليه السلام) وتسخير الجن له وقصة ملكة سبإ. PageV20P021 # وأنهم مكلفون كالإنسان، منهم مؤمنون ومنهم كفار، ومنهم صالحون وآخرون ~~طالحون، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": الذاريات 54 وقال ~~تعالى: "إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به": الجن: 2 وقال: ~~"وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون": الجن 14 وقال: "وأنا منا الصالحون ومنا ~~دون ذلك": الجن 11 وقال تعالى: "قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من ~~بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا ~~أجيبوا داعي الله": الأحقاف 31 إلى غير ذلك من خصوصيات أحوالهم التي تشير ~~إليها الآيات القرآنية. # ويظهر من كلامه تعالى أن إبليس من الجن وأن له ذرية وقبيلا قال تعالى: ~~"كان من الجن ففسق عن أمر ربه": الكهف 50 وقال تعالى: "أفتتخذونه وذريته ~~أولياء من دوني": الكهف: 50 وقال تعالى: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم": الأعراف 27. # قوله تعالى: "فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا" إخبار عن إيمانهم بالقرآن ~~وتصديقهم بأنه حق، وقوله: "ولن نشرك بربنا أحدا" تأكيد لمعنى إيمانهم به أن ~~إيمانهم بالقرآن إيمان بالله الذي أنزله فهو ربهم، وأن إيمانهم به تعالى ~~إيمان توحيد لا يشركون به أحدا أبدا. # قوله تعالى: "وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا" فسر الجد ~~بالعظمة وفسر بالحظ، والآية في معنى التأكيد لقولهم: "ولن نشرك بربنا أحدا". # والقراءة المشهورة "أنه" بالفتح، وقرىء بالكسر في هذه الآية وفيما بعدها ~~من الآيات - اثنا عشر موردا - إلى قوله: "وأن لو استقاموا" فبالفتح وهو ~~الأرجح لظهور سياق الآيات في أنها مقولة قول الجن. # وأما قراءة الفتح فوجهها لا يخلو من خفاء، وقد وجهها بعضهم بأن الجملة ~~"وأنه" "إلخ" معطوفة ms7398 على الضمير المجرور في قوله "آمنا به" والتقدير وآمنا ~~بأنه تعالى جد ربنا إلخ فهو إخبار منهم بالإيمان بنفي الصاحبة والولد منه ~~تعالى على ما يقول به الوثنيون. # وهذا إنما يستقيم على قول الكوفيين من النحاة بجواز العطف على الضمير ~~المتصل المجرور، وأما على قول البصريين منهم من عدم جوازه فقد وجهه بعضهم ~~كما عن الفراء والزجاج والزمخشري بأنها معطوفة على محل الجار والمجرور وهو ~~النصب فإن قوله: "آمنا به" في معنى صدقناه، والتقدير وصدقنا أنه تعالى جد ~~ربنا إلخ، ولا يخفى ما فيه من التكلف. # ووجهه بعضهم بتقدير حرف الجر في الجملة المعطوفة وذلك مطرد في أن وأن، ~~والتقدير آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا "إلخ". # ويرد على الجميع أعم من العطف على الضمير المجرور أو على محله أو بتقدير ~~حرف الجر أن المعنى إنما يستقيم حينئذ في قوله: "وأنه تعالى جد ربنا" إلخ، ~~وقوله: "وأنه كان يقول سفيهنا" إلخ، وأما بقية الآيات المصدرة بأن كقوله: ~~"وأنا ظننا أن لن تقول" إلخ، وقوله: "وأنه كان رجال من الإنس" إلخ، وقوله: ~~"وأنا لمسنا السماء" فلا يصح قطعا فلا معنى لأن يقال: آمنا أو صدقنا أنا ~~ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله شططا، أو يقال: آمنا أو صدقنا أنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون إلخ، أو يقال: آمنا أو صدقنا أنا لمسنا السماء إلخ. # ولا يندفع الإشكال إلا بالمصير إلى ما ذكره بعضهم أنه إذا وجه الفتح في ~~الآيتين الأوليين بتقدير الإيمان أو التصديق فليوجه في كل من الآيات ~~الباقية بما يناسبها من التقدير. # ووجه بعضهم الفتح بأن قوله: "وأنه تعالى" إلخ وسائر الآيات المصدرة بأن ~~معطوفة على قوله: "إنه استمع" إلخ. # ولا يخفى فساده فإن محصله أن الآيات في مقام الإخبار عما أوحي إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من أقوالهم وقد أخبر عن قولهم: إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا فآمنا به بعنوان أنه إخبار عن قولهم ثم حكى سائر أقوالهم بألفاظها ~~فالمعنى أوحي إلي أنه استمع نفر ms7399 من الجن فقالوا إنا سمعنا كذا وكذا وأوحي ~~إلي أنه تعالى جد ربنا "إلخ" وأوحي إلي أنه كان يقول سفيهنا إلى آخر ~~الآيات. PageV20P022 # فيرد عليه أن ما وقع في صدر الآيات من لفظة "إنه" و"أنهم" و"أنا" إن لم يكن ~~جزء من لفظهم المحكي كان زائدا مخلا بالكلام، وإن كان جزء من كلامهم المحكي ~~بلفظه لم يكن المحكي من مجموع أن وما بعدها كلاما تاما واحتاج إلى تقدير ما ~~يتم به كلاما حتى تصح الحكاية، ولم ينفع في ذلك عطفه على قوله: "إنه استمع" ~~شيئا فلا تغفل. # قوله تعالى: "وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا" السفه - على ما ذكره ~~الراغب - خفة النفس لنقصان العقل، والشطط القول البعيد من الحق. # والآية أيضا في معنى التأكيد لقولهم: "لن نشرك بربنا أحدا" ومرادهم ~~بسفيههم من سبقهم من مشركي الجن، وقيل: المراد إبليس وهو من الجن، وهو بعيد ~~من سياق قوله: "كان يقول سفيهنا" إلخ. # قوله تعالى: "وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا" اعتراف ~~منهم بأنهم ظنوا أن الإنس والجن صادقون فيما يقولون ولا يكذبون على الله ~~فلما وجدوهم مشركين وسمعوهم ينسبون إليه تعالى الصاحبة والولد أذعنوا به ~~وقلدوهم فيما يقولون فأشركوا مثلهم حتى سمعوا القرآن فانكشف لهم الحق، وفيه ~~تكذيب منهم للمشركين من الإنس والجن. # قوله تعالى: "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا" ~~قال الراغب: العوذ الالتجاء إلى الغير، وقال: رهقه الأمر غشيه بقهر انتهى. # وفسر الرهق بالإثم، وبالطغيان، وبالخوف، وبالشر، وبالذلة والضعف، وهي ~~تفاسير بلازم المعنى. # والمراد بعوذ الإنس بالجن - على ما قيل: إن الرجل من العرب كان إذا نزل ~~الوادي في سفره ليلا قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ونقل عن ~~مقاتل أن أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا في العرب. # ولا يبعد أن يكون المراد بالعوذ بالجن الاستعانة بهم في المقاصد من طريق ~~الكهانة، وإليه يرجع ما نقل عن بعضهم أن المعنى ms7400 كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من أجل الجن ومن معرتهم وأذاهم. # والضميران في قوله: "فزادوهم" أولهما لرجال من الإنس وثانيهما لرجال من ~~الجن والمعنى فزاد رجال الإنس رجال الجن رهقا بالتجائهم إليهم فاستكبر رجال ~~الجن وطغوا وأثموا، ويجوز العكس بأن يكون الضمير الأول لرجال الجن والثاني ~~لرجال الإنس، والمعنى فزاد رجال الجن رجال الإنس رهقا أي إثما وطغيانا أو ~~ذلة وخوفا. # قوله تعالى: "وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا" ضمير "أنهم" ~~لرجال من الإنس، والخطاب في "ظننتم" لقومهم من الجن، والمراد بالبعث بعث ~~الرسول بالرسالة فالمشركون ينكرون ذلك، وقيل: المراد به الإحياء بعد الموت، ~~وسياق الآيات التالية يؤيد الأول. # وعن بعضهم أن هذه الآية والتي قبلها ليستا من كلام الجن بل كلامه تعالى ~~معترضا بين الآيات المتضمنة لكلام الجن، وعليه فضمير "إنهم" للجن وخطاب ~~"ظننتم" للناس، وفيه أنه بعيد من السياق. # قوله تعالى: "وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا" لمس ~~السماء الاقتراب منها بالصعود إليها، والحرس - على ما قيل - اسم جمع لحارس ~~ولذا وصف بالمفرد والمراد بالحرس الشديد الحفاظ الأقوياء في دفع من يريد ~~الاستراق منها ولذا شفع بالشهب وهي سلاحهم. # قوله تعالى: "وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا" يفيد انضمام صدر الآية إلى الآية السابقة أن ملء السماء بالحرس ~~الشديد والشهب مما حدث أخيرا وأنهم كانوا من قبل يقعدون من السماء مقاعد ~~لاستماع كلام الملائكة ويفيد ذيل الآية بالتفريع على جميع ما تقدم أن من ~~يستمع الآن منا بالقعود منها مقعدا للسمع يجد له شهابا من صفته أنه راصد له ~~يرميه به الحرس. # فيتحصل من مجموع الآيتين الإخبار بأنهم عثروا على حادثة سماوية جديدة ~~مقارنة لنزول القرآن وبعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي منع الجن ~~من تلقي أخبار السماء باستراق السمع. # فيتحصل من مجموع الآيتين الإخبار بأنهم عثروا على حادثة سماوية جديدة ~~مقارنة لنزول القرآن وبعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي منع ms7401 الجن ~~من تلقي أخبار السماء باستراق السمع. PageV20P023 # ومن عجيب الاستدلال ما عن بعضهم أن في الآيتين ردا على من زعم أن الرجم حدث ~~بعد مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لظهور قوله: "ملئت حرسا" في ~~أن الحادث هو الملء وكثرة الحرس لا أصل الحرس، وظهور قوله: "نقعد منها ~~مقاعد للسمع" في أنا كنا نجد فيها بعض المقاعد خاليا من الحرس والشهب، ~~والآن ملئت المقاعد كلها فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. # ويدفعه أنه لو كان المراد بالآيتين هو الإخبار عن ملء السماء بالحرس ~~وتكثير عددهم بحيث لا يوجد فيها مقاعد خالية منهم وقد كانت توجد قبل ذلك ~~كان الواجب أن يتوجه النفي في قوله: "فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا" ~~إلى السمع عن جميع المقاعد قبال إثبات السمع من بعض تلك المقاعد لا نفي ~~مجرد السمع. # سلمنا أن المراد نفي السمع على الإطلاق وهو يكفي في ذلك لكن تعلق الغرض ~~في الكلام بالإخبار عن الامتلاء بالحرس مع كون بعض المقاعد خالية عنهم قبل ~~ذلك، وكذا تقييد قوله: "فمن يستمع" إلخ، بقوله: "الآن" يدل على حدوث أمر ~~جديد في رجم الجن وهو استيعاب الرجم لهم في أي مقعد قعدوا والمنع من السمع ~~مطلقا بعد ما كانوا يستمعون من بعض المقاعد من غير منع، وهذا المقدار كاف ~~للمدعي فيما يدعيه. # وليتنبه أن مدلول الآية حدوث رجم الجن بشهاب رصد وهو غير حدوث الشهاب ~~السماوي وهو ظاهر فلا ورود لما قيل: إن الشهب السماوية كانت من الحوادث ~~الجوية الموجودة قبل زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن. # وجه عدم الورود أن الذي يظهر من القرآن حدوث رجم الشياطين من الجن بالشهب ~~من غير تعرض لحدوث أصل الشهب، وقد تقدم في تفسير أول سورة الصافات بعض ما ~~يتعلق بهذا المقام. # قوله تعالى: "وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا" ~~الرشد بفتحتين والرشد بالضم فالسكون خلاف الغي وتنكير "رشدا" لإفادة النوع ~~أي نوعا ms7402 من الرشد. # هذا منهم إظهار للجهل والتحير فيما شاهدوه من أمر الرجم ومنع شياطين الجن ~~من الاطلاع على أخبار السماء غير أنهم تنبهوا على أن ذلك لأمر ما يرجع إلى ~~أهل الأرض إما خير أو شر وإذا كان خيرا فهو نوع هدى لهم وسعادة ولذا بدلوا ~~الخير وهو المقابل للشر من الرشد، ويؤيده قولهم: "أراد بهم ربهم" المشعر ~~بالرحمة والعناية. # وقد صرحوا بالفاعل لإرادة الرشد وحذفوه في جانب الشر أدبا ولا يراد شر من ~~جانبه تعالى إلا لمن استحقه. # قوله تعالى: "وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا" الصلاح ~~مقابل الطلاح، والمراد بدون ذلك ما يقرب منه رتبة - على ما قيل -، والظاهر ~~أن دون بمعنى غير، ويؤيده قوله: "كنا طرائق قددا" الدال على التفرق والتشتت ~~والطرائق جمع طريقة وهي الطريق المطروقة المسلوكة، والقدد القطع جمع قدة ~~بمعنى قطعة من القد بمعنى القطع وصفت الطرائق بالقدد لأن كل واحدة منها ~~مقطوعة عن غيرها تنتهي بسالكها إلى غاية غير ما ينتهي به إليه غيرها، وإلى ~~هذا المعنى يرجع تفسير القدد بالطرائق المتفرقة المتشتتة. # والظاهر أن المراد بقوله: "الصالحون" الصالحون بحسب الطبع الأولي في ~~المعاشرة والمعاملة دون الصالحين بحسب الإيمان، ولو كان المراد صلاح ~~الإيمان لكان الأنسب أن يذكر بعد ما سيجيء من حديث إيمانهم لما سمعوا الهدى. # وذكر بعضهم أن قوله: "طرائق قددا" منصوب على الظرفية أي في طرائق قدد وهي ~~المذاهب المتفرقة المتشتتة، وقال آخرون إنه على تقدير مضاف أي ذوي طرائق، ~~ولا يبعد أن يكون من الاستعارة بتشبيههم أنفسهم في الاختلاف والتباين ~~بالطرق المقطوع بعضها من بعض الموصلة إلى غايات متشتتة. # والمعنى: وأنا منا الصالحون طبعا ومنا غير ذلك كنا في مذاهب مختلفة أو ~~ذوي مذاهب مختلفة أو كالطرق المقطوعة بعضها عن بعض. PageV20P024 # قوله تعالى: "وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا" الظن هو ~~العلم اليقيني، والأنسب أن يكون المراد بقوله: "لن نعجز الله في الأرض" ~~إعجازه تعالى بالغلبة عليه فيما يشاء فيها وذلك ms7403 بالإفساد في الأرض وإخلال ~~النظام الذي يجري فيها فإن إفسادهم لو أفسدوا من القدر، والمراد بقوله: ~~"ولن نعجزه هربا" إعجازه تعالى بالهرب منه إذا طلبهم حتى يفوتوه فلا يقدر ~~على الظفر بهم وقيل: المعنى لن نعجزه تعالى كائنين في الأرض ولن نعجزه هربا ~~إلى السماء أي لن نعجزه لا في الأرض ولا في السماء هذا وهو كما ترى. # قوله تعالى: "وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ~~ولا رهقا" المراد بالهدى القرآن باعتبار ما يتضمنه من الهدى، والبخس النقص ~~على سبيل الظلم، والرهق غشيان المكروه. # والفاء في قوله: "فمن يؤمن" للتفريع وهو من تفريع العلة على المعلول ~~لإفادة الحجة في إيمانهم بالقرآن من دون ريث ولا مهل. # ومحصل المعنى: أنا لما سمعنا القرآن الذي هو الهدى بادرنا إلى الإيمان به ~~من دون مكث لأن من آمن به فقد آمن بربه ومن يؤمن بربه فلا يخاف نقصانا في ~~خير أو غشيانا من مكروه حتى يكف عن المبادرة والاستعجال ويتروى في الإقدام ~~عليه لئلا يقع في بخس أو رهق. # قوله تعالى: "وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا ~~رشدا" المراد بالإسلام تسليم الأمر لله تعالى فالمسلمون المسلمون له الأمر ~~المطيعون له فيما يريده ويأمر به، والقاسطون هم المائلون إلى الباطل قال في ~~المجمع،: القاسط هو العادل عن الحق والمقسط العادل إلى الحق، انتهى. # والمعنى: أنا معشر الجن منقسمون إلى من يسلم لأمر الله مطيعين له، وإلى ~~من يعدل عن التسليم لأمر الله وهو الحق. # وقوله: "فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا" تحري الشيء توخيه وقصده، والمعنى ~~فالذين أسلموا فأولئك قصدوا إصابة الواقع والظفر بالحق. # قوله تعالى: "وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا" فيعذبون بتسعرهم ~~واشتعالهم بأنفسهم كالقاسطين من الإنس قال تعالى: "فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس": البقرة 26. # وقد عد كثير منهم قوله: "فمن أسلم فأولئك" - إلى قوله - لجهنم حطبا تتمة ~~لكلام الجن يخاطبون به قومهم وقيل: إنه من كلامه تعالى يخاطب به النبي (صلى ~~الله عليه وآله ms7404 وسلم). # قوله تعالى: "وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم ~~فيه": "أن" مخففة من الثقيلة، والمراد بالطريقة طريقة الإسلام، والاستقامة ~~عليها لزومها والثبات على ما تقتضيه من الإيمان بالله وآياته. # والماء الغدق الكثير منه، ولا يبعد أن يستفاد من السياق أن قوله: ~~"لأسقيناهم ماء غدقا" مثل أريد به التوسعة في الرزق، ويؤيده قوله بعده: ~~"لنفتنهم فيه". # والمعنى: وأنه لو استقاموا أي الجن والإنس على طريقة الإسلام لله ~~لرزقناهم رزقا كثيرا لنمتحنهم في رزقهم فالآية في معنى قوله: "ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض": الأعراف 96. # والآية من كلامه تعالى معطوف على قوله في أول السورة: "أنه استمع" إلخ. # قوله تعالى: "ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا" العذاب الصعد هو ~~الذي يتصعد على المعذب ويغلبه، وقيل: هو العذاب الشاق. # والإعراض عن ذكر الله لازم عدم الاستقامة على الطريقة وهو الأصل في سلوك ~~العذاب، ولذا وضع موضعه ليدل على السبب الأصلي في دخول النار. # وهو الوجه أيضا في الالتفات عن التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله: "ذكر ~~ربه" وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ذكرنا وذلك أن صفة الربوبية هي المبدأ ~~الأصلي لتعذيب المعرضين عن ذكره تعالى فوضعت موضع ضمير المتكلم مع الغير ~~ليدل على المبدإ الأصلي كما وضع الإعراض عن الذكر موضع عدم الاستقامة ليدل ~~على السبب. # قيل: وقوله: "يسلكه" مضمن معنى يدخله ولذا عدي إلى المفعول الثاني، ~~والمعنى ظاهر. PageV20P025 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين ~~الشياطين وبين خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم: قالوا: ~~حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما ذاك إلا من شيء ~~حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا ms7405 نحو تهامة بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة ~~الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر ~~السماء فرجعوا إلى قومهم وقالوا: "إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به - ولن نشرك بربنا أحدا" فأوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن":. ورواه البخاري ومسلم أيضا في ~~الصحيح. # أقول: وروى القمي في تفسيره ما يقرب منه وقد أوردنا الرواية في تفسير ~~سورة الأحقاف في ذيل قوله: "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن" إلخ. # لكن ظاهر روايته أن النفر الذين نزلت فيهم آيات سورة الأحقاف هم النفر ~~الذين نزلت فيهم هذه السورة وظاهر آيات السورتين لا يلائم ذلك فإن ظاهر ~~قولهم المنقول في سورة الأحقاف: "إنا سمعنا كتابا أنزل بعد موسى يهدي إلى ~~الحق" الآية أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومصدقين للتوراة وظاهر آيات هذه ~~السورة أنهم كانوا مشركين لا يرون النبوة ولازم ذلك تغاير الطائفتين اللهم ~~إلا أن يمنع الظهور. # وفيه، عن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه أحد ~~فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة فقلنا: اغتيل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو استطير فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حراء ~~فقلنا: يا رسول الله أين كنت؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة بشر ~~ليلة بات بها قوم حين فقدناك، فقال لنا: إنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم ~~القرآن فذهب بنا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم فأما أن يكون صحبة منا أحد فلا. # وفيه، وعن الربيع بن أنس قال: ليس لله تعالى جد وإنما قالته الجن بجهالة ~~فحكاه الله سبحانه كما قالت:، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). # أقول: المراد بالجد المنفي عنه تعالى الحظ والبخت. # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) ms7406 في حديث: فأقبل إليه الجن والنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ببطن النخل فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على الصوم ~~والصلاة والزكاة والحج والجهاد ونصح المسلمين فاعتذروا بأنهم قالوا على ~~الله شططا. # أقول: بيعتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصوم والصلاة إلخ، ~~يصدقها قولهم المحكي في أول السورة: "فآمنا به" وقولهم: "وأنا لما سمعنا ~~الهدى آمنا به"، وأما كيفية عملهم بها وخاصة بالزكاة والجهاد فمجهولة لنا، ~~واعتذارهم الأول المذكور لا يخلو من خفاء. # وفي تفسير القمي، بإسناده إلى زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: ~~"وأنه كان رجال من الإنس - يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا" قال: كان ~~الرجل ينطلق إلى الكاهن الذي يوحي إليه الشيطان فيقول: قل للشيطان: فلان قد ~~عاذ بك. # وفيه،: في قوله تعالى: "فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا" قال: ~~البخس النقصان، والرهق العذاب. # : وسئل العالم عن مؤمني الجن أيدخلون الجنة؟ فقال: لا ولكن لله حظائر بين ~~الجنة والنار يكون فيها مؤمنوا الجن وفساق الشيعة. # أقول: لعل المراد بهذه الحظائر هي بعض درجات الجنة التي هي دون جنة ~~الصالحين. # واعلم أنه ورد في بعض الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ~~تطبيق ما في الآيات من الهدى والطريقة على ولاية علي (عليه السلام) وهي من ~~الجري وليست من التفسير في شيء. PageV20P026 ### ||| AUTO 72 سورة الجن - 18 - 28 # وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعوا ربى ولا أشرك به أحدا (20) قل ~~إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إنى لن يجيرنى من الله أحد ولن أجد ~~من دونه ملتحدا (22) إلا بلغا من الله ورسلته ومن يعص الله ورسوله فإن له ~~نار جهنم خلدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم ms7407 يجعل له ربى أمدا (25) ~~علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسلت ربهم وأحاط بما لديهم ~~وأحصى كل شىء عددا (28) ### |||| AUTO بيان # في الآيات تسجيل للنبوة وذكر وحدانيته تعالى والمعاد كالاستنتاج من القصة ~~وتختتم بالإشارة إلى عصمة الرسالة. # قوله تعالى: "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا" معطوف على قوله: ~~"إنه استمع" إلخ، وجملة "إن المساجد لله" في موضع التعليل لقوله: "فلا ~~تدعوا مع الله أحدا" والتقدير لا تدعوا مع الله أحدا غيره لأن المساجد له. # والمراد بالدعاء العبادة وقد سماها الله دعاء كما في قوله: "وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين": ~~المؤمن 60. # وقد اختلف في المراد من المساجد فقيل: المراد به الكعبة، وقيل المسجد ~~الحرام، وقيل: المسجد الحرام وبيت المقدس، ويدفعها كون المساجد جمعا لا ~~ينطبق على الواحد والاثنين. # وقيل: الحرم، وهو تهكم لا دليل عليه، وقيل: الأرض كلها لقوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وفيه أنه لا يدل على أزيد من ~~جواز العبادة في أي بقعة من بقاع الأرض خلافا لما هو المعروف عن اليهود ~~والنصارى من عدم جواز عبادته تعالى في غير البيع والكنائس، وأما تسمية ~~بقاعها مساجد حتى يحمل عليها عند الإطلاق فلا. # وقيل: المراد به الصلوات فلا يصلى إلا لله، وهو تهكم لا دليل عليه. # وعن الإمام الجواد (عليه السلام): أن المراد بالمساجد الأعضاء السبعة ~~التي يسجد عليها في الصلاة وهي الجبهة والكفان والركبتان وأصابع الرجلين، ~~وستوافيك روايته في البحث الروائي التالي إن شاء الله، ونقل ذلك أيضا عن ~~سعيد بن جبير والفراء والزجاج. # والأنسب على هذا أن يكون المراد بكون مواضع السجود من الإنسان لله ~~اختصاصها به اختصاصا تشريعيا، والمراد بالدعاء السجدة لكونها أظهر مصاديق ~~العبادة أو الصلاة بما أنها تتضمن السجود لله سبحانه. # والمعنى: وأوحي إلي أن أعضاء السجود يختص بالله تعالى فاسجدوا ms7408 له بها - ~~أو اعبدوه بها - ولا تسجدوا - أو لا تعبدوا - أحدا غيره. # قوله تعالى "وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا" اللبد ~~بالكسر فالفتح جمع لبدة بالضم فالسكون المجتمعة المتراكمة، والمراد بعبد ~~الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تدل عليه الآية التالية، ~~والتعبير بعبد الله كالتمهيد لقوله في الآية التالية: "قل إنما أدعوا ربي". # والأنسب لسياق الآيات التالية أن يكون مرجع ضميري الجمع في قوله: "كادوا ~~يكونون" المشركين وقد كانوا يزدحمون عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ~~صلى وقرأ القرآن يستهزءون ويرفعون أصواتهم فوق صوته على ما نقل. # والمعنى: وأنه لما قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعبد الله ~~بالصلاة كاد المشركون يكونون بازدحامهم لبدا مجتمعين متراكمين. # وقيل: الضميران للجن وأنهم اجتمعوا عليه وتراكموا ينظرون إليه متعجبين ~~مما يشاهدون من عبادته وقراءته قرآنا لم يسمعوا كلاما يماثله. # وقيل: الضميران للمؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المجتمعين ~~عليه اقتداء به في صلاته إذا صلى وإنصاتا لما يتلوه من كلام الله. # والوجهان لا يلائمان سياق الآيات التالية تلك الملاءمة كما تقدمت الإشارة إليه. PageV20P027 # قوله تعالى: "قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا" أمر منه تعالى للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين لهم وجه عبادته بيانا يزيل عنهم الحيرة ~~حيث رأوا منه ما لم يكونوا رأوه من أحد غيره، ويتعجبون حاملين له على نوع ~~من المكيدة والمكر بأصنامهم أو خدعة بهم لأغراض أخر دنيوية. # ومحصل البيان: أني لست أريد بما آتي به من العمل شيئا من المقاصد التي ~~تحسبونها وترمونني بها وإنما أدعو ربي وحدة غير مشرك به أحدا وعبادة ~~الإنسان لمن عرفه ربا لنفسه مما لا ينبغي أن يلام عليه أو يتعجب منه. # قوله تعالى: "قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا" الذي يفيده سياق الآيات ~~الكريمة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يبين فيها بأمر من ربه موقع نفسه ~~وبالنسبة إلى ربه وبالنسبة إلى الناس. # أما موقعه بالنسبة إلى ms7409 ربه فهو أنه يدعوه ولا يشرك به أحدا وهو قوله: "قل ~~إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا". # وأما موقعه بالنسبة إليهم فهو أنه بشر مثلهم لا يملك لهم ضرا ولا رشدا ~~حتى يضرهم بما يريد أن يرشدهم من الخير إلى ما يريد بما عنده من القدرة، ~~وأنه مأمور من الله بدعوتهم أمرا ليس له إلا أن يمتثله فلا مجير يجيره منه ~~ولا ملجأ يلتجىء إليه لو خالف وعصى كما ليس لهم إلا أن يطيعوا الله ورسوله ~~ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا، وسيعلمون إذا رأوا ~~ما يوعدون. # ولازم هذا السياق أن يكون المراد بملك الضر القدرة على إيقاع الضر بهم ~~فيوقعه بهم إذا أراد، والمراد بملك الرشد القدرة على إيصال النفع إليهم ~~بإصابة الواقع أي إني لا أدعي أني أقدر أن أضركم أو أنفعكم، وقيل: المراد ~~بالضر الغي المقابل للرشد تعبيرا باسم المسبب عن السبب. # قوله تعالى: "قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا ~~بلاغا من الله ورسالاته" الإجارة إعطاء الجوار وحكمه حماية المجير للجار ~~ومنعه ممن يقصده بسوء، والظاهر أن الملتحد اسم مكان وهو المكان الذي يعدل ~~وينحرف إليه للتحرز من الشر، وقيل: المدخل ويتعلق به قوله: "من دونه" وهو ~~كالقيد التوضيحي والضمير لله والبلاغ التبليغ. # وقوله: "إلا بلاغا" استثناء من قوله: "ملتحدا" وقوله: "من الله" متعلق ~~بمقدر أي كائنا من الله وليس متعلقا بقوله: "بلاغا" لأنه يتعدى بعن لا بمن ~~ولذا قال بعض من جعله متعلقا ببلاغا: إن "من" بمعنى عن، والمعنى على أي حال ~~إلا تبليغ ما هو تعالى عليه من الأسماء والصفات. # وقوله: "ورسالاته" قيل: معطوف على "بلاغا" والتقدير إلا بلاغا من الله ~~وإلا رسالاته وقيل: معطوف على لفظ الجلالة ومن بمعنى عن، والمعنى إلا بلاغا ~~عن الله وعن رسالاته. # وفيما استثني منه بلاغا قول آخر وهو أنه مفعول "لا أملك" والمعنى لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا إلا تبليغا من الله ورسالاته، ويبعده ms7410 الفصل بين المستثنى ~~والمستثنى منه بقوله: "لن يجيرني من الله أحد" إلخ وهو كلام مستأنف. # ومعنى الآيتين على ما قدمنا: قل لن يجيرني من الله أحد فيمنعني منه ولن ~~أجد من دونه مكانا ألتجىء إليه إلا تبليغا كائنا منه ورسالاته أي إلا أن ~~أمتثل ما أمرني به من التبليغ منه تعالى ببيان أسمائه وصفاته وإلا رسالاته ~~في شرائع الدين. # قوله تعالى: "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا" ~~إفراد ضمير "له" باعتبار لفظ "من" كما أن جمع "خالدين" باعتبار معناها. # وعطف الرسول على الله في قوله: "ومن يعص الله ورسوله" لكون معصيته معصية ~~لله تعالى إذ ليس له إلا رسالة ربه فالرد عليه فيما أتي به رد على الله ~~سبحانه وطاعته فيما يأمر به طاعة لله قال تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله": النساء 80. # والمراد بالمعصية - كما يشهد به سياق الآيات السابقة - معصية ما أمر به ~~من التوحيد أو التوحيد وما يتفرع عليه من أصول الدين وفروعه فلا يشمل ~~التهديد والوعيد بخلود النار إلا الكافرين بأصل الدعوة دون مطلق أهل ~~المعصية المتخلفين عن فروع الدين فالاحتجاج بالآية على تخليد مطلق العصاة ~~في النار في غير محله. # والظاهر أن قوله: "ومن يعص الله" إلى آخر الآية من كلام الله سبحانه لا ~~من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV20P028 # قوله تعالى: "حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا" ~~لقوله: "حتى" دلالة على معنى مدخولها غاية له ومدخولها يدل على أنهم كانوا ~~يستضعفون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ناصريه - وهم المؤمنون - ~~ضعفاء واستقلال عدده بعد عددهم قليلا فالكلام يدل على معنى محذوف هو غايته ~~كقولنا: لا يزالون يستضعفون ناصريك ويستقلون عددهم حتى إذا رأوا ما يوعدون إلخ. # والمراد بما يوعدون نار جهنم لأنها هي الموعودة في الآية، والآية من ~~كلامه تعالى يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو كانت من كلامه وهي ~~مصدرة بقوله تعالى "قل" لكان من حق ms7411 الكلام أن يقال: حتى إذا رأيتم ما ~~توعدون فستعلمون إلخ. # قوله تعالى: "قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا" الأمد ~~الغاية التي ينتهي إليها، والآية بمنزلة دفع دخل تقتضيه حالهم كأنهم لما ~~سمعوا الوعيد قالوا: متى يكون ذلك فقيل له: "قل إن أدري أقريب" إلخ. # قوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا" إظهار الشيء على الشيء ~~إعانته وتسليطه عليه، و"عالم الغيب" خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير هو عالم ~~الغيب، ومفاد الكلمة بإعانة من السياق اختصاص علم الغيب به تعالى مع ~~استيعاب علمه كل غيب، ولذا أضاف الغيب إلى نفسه ثانيا فقال: "على غيبه" ~~بوضع الظاهر موضع المضمر ليفيد الاختصاص ولو قال: فلا يظهر عليه لم يفد ذلك. # والمعنى هو عالم كل غيب علما يختص به فلا يطلع على الغيب وهو مختص به ~~أحدا من الناس فالمفاد سلب كلي وإن أصر بعضهم على كونه سلبا جزئيا محصل ~~معناه لا يظهر على كل غيبه أحدا ويؤيد ما قلنا ظاهر ما سيأتي من الآيات. # قوله تعالى: "إلا من ارتضى من رسول" استثناء من قوله: "أحدا" و"من رسول" ~~بيان لقوله "من ارتضى" فيفيد أن الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب ~~المختص به فالآية إذا انضمت إلى الآيات التي تخص علم الغيب به تعالى كقوله: ~~"وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو": الأنعام: 59، وقوله: "ولله غيب ~~السماوات والأرض": النحل: 77، وقوله: "قل لا يعلم من في السماوات والأرض ~~الغيب إلا الله": النمل: 65 أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعية فهو تعالى يعلم ~~الغيب لذاته وغيره يعلمه بتعليم من الله. # فهذه الآيات نظيرة الآيات المتعرضة للتوفي كقوله: "الله يتوفى الأنفس": ~~الزمر: 42 الدال على الحصر، وقوله: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": ~~الم السجدة: 11، وقوله: "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا": الأنعام: ~~61 فالتوفي منسوب إليه تعالى على نحو الأصالة وإلى الملائكة على نحو ~~التبعية لكونهم أسبابا متوسطة مسخرة له تعالى. # قوله تعالى: "فإنه يسلك من بين يديه ms7412 ومن خلفه رصدا - إلى قوله - عددا" ~~ضمير "فإنه" لله تعالى، وضميرا "يديه" و"خلفه" للرسول، والراصد المراقب ~~للأمر الحارس له، والرصد الراصد يطلق على الواحد والجماعة وهو في الأصل ~~مصدر، والمراد بما بين يدي الرسول ما بينه وبين الناس المرسل إليهم، وبما ~~خلفه ما بينه وبين مصدر الوحي الذي هو الله سبحانه وقد اعتبر في هذا ~~التصوير ما يوهمه معنى الرسالة من امتداد متوهم يأخذ من المرسل - اسم فاعل ~~- وينتهي إلى المرسل إليه يقطعه الرسول حتى ينتهي إلى المرسل إليه فيؤدي ~~رسالته، والآية تصف طريق بلوغ الغيب إلى الرسول وهو الرسالات التي توحي ~~إليه كما يشير إلى ذلك قوله: "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم". # والمعنى: فإن الله يسلك ما بين الرسول ومن أرسل إليه وما بين الرسول ~~ومصدر الوحي مراقبين حارسين من الملائكة - ومن المعلوم أن سلوك الرصد من ~~بين يديه ومن خلفه لحفظ الوحي من كل تخليط وتغيير بالزيادة والنقصان يقع ~~فيه من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها. # وقوله: "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم" ضمير "ليعلم" لله سبحانه، ~~وضميرا "قد أبلغوا و"ربهم" لقوله: "من" باعتبار المعنى أو لرسول باعتبار ~~الجنس، والمراد بعلمه تعالى بإبلاغهم رسالات ربهم العلم الفعلي وهو تحقق ~~الإبلاغ في الخارج على حد قوله: "فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين": العنكبوت: 3 وهو كثير الورود في كلامه تعالى. PageV20P029 # والجملة تعليل لسلوك الرصد بين يدي الرسول ومن خلفه، والمعنى ليتحقق إبلاغ ~~رسالات ربهم أي لتبلغ الناس رسالاته تعالى على ما هي عليه من غير تغير وتبدل. # ومن المحتمل أن يرجع ضميرا "بين يديه ومن خلفه" إلى "غيبه" فيكون الرصد ~~الحرس مسلوكين بين يدي الغيب النازل ومن خلفه إلى أن يبلغ الرسول، ويضعفه ~~أنه لا يلائم قوله: "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم" بالمعنى الذي تقدم ~~لعدم استلزام بلوغ الغيب للرسول سليما من تعرض الشياطين حصول العلم بإبلاغه ~~إلى الناس. # وإلى هذا المعنى يرجع قول بعضهم إن الضميرين يرجعان إلى جبريل حامل الوحي. # ويضعفه مضافا إلى ما ms7413 مر عدم سبق ذكره. # وقيل: ضمير ليعلم للرسول وضميرا "قد أبلغوا" و"ربهم" للملائكة الرصد ~~والمعنى يرصد الملائكة الوحي ويحرسونه ليعلم الرسول أن الملائكة قد أبلغوا ~~إليه الوحي كما صدر فتطمئن نفسه أنه سليم من تعرض الشياطين فإن لازم العلم ~~بإبلاغهم إياه العلم ببلوغه. # ويبعده أن ظاهر السياق - ويؤيده سبق ذكر الرسول - أن المراد بالرسالات ~~الرسالات التي حملها الرسول ليبلغها إلى الناس لا ما حملها ملك الوحي فضمير ~~"ربهم" للرسل دون الملائكة، على أن الآية تشير إلى الملائكة بعنوان الرصد ~~وهو غير عنوان الرسالة وشأن الرصد الحفظ والحراسة دون الرسالة. # وقيل: المعنى ليعلم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الرسل قبله قد ~~أبلغوا رسالات ربهم، وهو وجه سخيف لا دليل عليه، وأسخف منه ما قيل: إن ~~المعنى ليعلم مكذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم إليهم. # وقوله: "وأحاط بما لديهم" ضمير الجمع للرسل بناء على ما تقدم من المعنى ~~والظاهر أن الجملة متممة لمعنى الحراسة المذكورة سابقا فقوله: "من بين ~~يديه" يشير إلى رصد ما بين الرسول والمرسل إليهم، وقوله: "ومن خلفه" إلى ~~حفظ ما بينه ومصدر الوحي، وقوله: "وأحاط بما لديهم" يشير إلى ظرف نفس ~~الرسول والإحاطة إحاطة علمية فالوحي في أمن من تطرق التغيير والتبديل فيما ~~بين مصدر الوحي والرسول وفي نفس الرسول وفي ما بين الرسول والمرسل إليهم. # ويمكن أن يكون المراد بما لديهم جميع ما له تعلق ما بالرسل أعم من مسير ~~الوحي أو أنفسهم كما أن قوله: "وأحصى كل شيء عددا" مسوق لإفادة عموم العلم ~~بالأشياء غير أنه العلم بعددها وتميز بعضها من بعض. # فقد تبين مما مر في الآيات الثلاث: أولا: أن اختصاصه تعالى بعلم الغيب ~~على نحو الأصالة بالمعنى الذي أوضحناه فهو تعالى يعلم الغيب بذاته وغيره ~~يعلمه بتعليم منه. # وبه يظهر أن ما حكي في كلامه تعالى من إنكارهم العلم بالغيب أريد به نفي ~~الأصالة والاستقلال دون ما كان بوحي كقوله تعالى: "قل لا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم ms7414 الغيب": الأنعام: 50، وقوله: "ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير": الأعراف: 188 وقوله: "قل ما كنت بدعا من الرسل وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم أن أتبع إلا ما يوحى إلي": الأحقاف: 9. # وثانيا: أن عموم قوله: "فلا يظهر على غيبه أحدا" لما خصص بقوله: "إلا من ~~ارتضى من رسول" عاد عاما مخصصا لا يأبى تخصيصا بمخصص آخر كما في مورد ~~الأنبياء فإن الآيات القرآنية تدل على أنهم يوحى إليهم كقوله: "إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء: 163 وتدل على أن الوحي ~~من الغيب فالنبي ينال الغيب كما يناله الرسول هذا على تقدير أن يكون المراد ~~بالرسول في الآية ما يقابل النبي وأما لو أريد مطلق من أرسله الله إلى ~~الناس والنبي ممن أرسله الله إليهم كما يشهد به قوله: "وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول ولا نبي" الآية: الحج: 52، وقوله: "وما أرسلنا في قرية من نبي": ~~الأعراف: 94 فالنبي خارج من عموم النفي من غير تخصيص جديد. # وكذا في مورد الإمام بالمعنى الذي يستعمله فيه القرآن فإنه تعالى يصفه ~~بالصبر واليقين كما في قوله: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون": الم السجدة 24 ويعرفهم بانكشاف الغطاء لهم كما في ~~قوله: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": ~~الأنعام: 75، وقوله: "كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم": التكاثر: 6 ~~وقد تقدم كلام في ذلك في بعض المباحث السابقة. PageV20P030 # وأما الملائكة فما يحملونه من الوحي السماوي قبل نزوله وكذا ما يشاهدونه من ~~عالم الملكوت شهادة بالنسبة إليهم وإن كان غيبا بالنسبة إلينا. # على أن قوله: "فلا يظهر على غيبه أحدا" إنما يشمل أهل الدنيا ممن يعيش ~~على بسيط الأرض وإلا لانتقض بالأموات المشاهدين لأمور الآخرة وهي من الغيب ~~بنص القرآن فلم يبق تحت عموم النفي حتى فرد واحد إذ ما من أحد إلا وهو ~~مبعوث ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، وكما أن الأموات نشأتهم غير ~~نشأة الدنيا ms7415 كذلك نشأة الملائكة غير نشأة المادة. # وثالثا: أن قوله: "فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه" إلى آخر الآيتين يدل ~~على أن الوحي الإلهي محفوظ من لدن صدوره من مصدر الوحي إلى بلوغه الناس ~~مصون في طريق نزوله إلى أن يصل إلى من قصد نزوله عليه. # أما مصونيته من حين صدوره من مصدره إلى أن ينتهي إلى الرسول فيكفي في ~~الدلالة عليه قوله "من خلفه" وأما مصونيته حين أخذ الرسول إياه وتلقيه من ~~ملك الوحي بحيث يعرفه ولا يغلط في أخذه، ومصونيته في حفظه بحيث يعيه كما ~~أوحي إليه من غير أن ينساه أو يغيره أو يبدله، ومصونيته في تبليغه إلى ~~الناس من تصرف الشيطان فيه فالدليل عليه قوله: "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم" حيث يدل على أن الغرض الإلهي من سلوك الرصد أن يعلم إبلاغهم رسالات ~~ربهم أي أن يتحقق في الخارج إبلاغ الوحي إلى الناس، ولازمه بلوغه إياهم ولو ~~لا مصونية الرسول في الجهات الثلاث المذكورة جميعا لم يتم الغرض الإلهي وهو ~~ظاهر، وحيث لم يذكر تعالى للحصول على هذا الغرض طريقا غير سلوك الرصد دل ~~ذلك على أن الوحي محروس بالملائكة وهو عند الرسول كما أنه محروس بهم في ~~طريقه إلى الرسول حتى ينتهي إليه، ويؤكده قوله بعد: "وأحاط بما لديهم". # وأما مصونيته في مسيره من الرسول حتى ينتهي إلى الناس فيكفي فيه قوله: ~~"من بين يديه" على ما تقدم من معناه. # أضف إلى ذلك دلالة قوله: "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم" بما تقدم من ~~تقريب دلالته. # ويتفرع على هذا البيان أن الرسول مؤيد بالعصمة في أخذ الوحي من ربه وفي ~~حفظه وفي تبليغه إلى الناس مصون من الخطإ في الجهات الثلاث جميعا لما مر من ~~دلالة الآية على أن ما نزله الله من دينه على الناس من طريق الرسالة بالوحي ~~مصون في جميع مراحله إلى أن ينتهي إلى الناس ومن مراحله مرحلة أخذ الرسول ~~للوحي وحفظه له وتبليغه إلى الناس. # والتبليغ يعم القول والفعل ms7416 فإن في الفعل تبليغا كما في القول فالرسول ~~معصوم من المعصية باقتراف المحرمات وترك الواجبات الدينية لأن في ذلك ~~تبليغا لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل المعصية كما أنه معصوم من الخطإ ~~في أخذ الوحي وحفظه وتبليغه قولا. # وقد تقدمت الإشارة إلى أن النبوة كالرسالة في دورانها مدار الوحي فالنبي ~~كالرسول في خاصة العصمة، ويتحصل بذلك أن أصحاب الوحي سواء كانوا رسلا أو ~~أنبياء معصومون في أخذ الوحي وفي حفظ ما أوحي إليهم وفي تبليغه إلى الناس ~~قولا وفعلا. # ورابعا: أن الذي استثني في الآية من الإظهار على الغيب إظهار الرسول على ~~ما يتوقف عليه تحقق إبلاغ رسالته أعم من أن يكون متن الرسالة كالمعارف ~~الاعتقادية وشرائع الدين والقصص والعبر والحكم والمواعظ أو يكون من آيات ~~الرسالة والمعجزات الدالة على صدق الرسول في دعواه كالذي حكي عن بعض الرسل ~~من الإخبار بالمغيبات كقول صالح لقومه: "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك ~~وعد غير مكذوب": هود: 65، وقول عيسى لبني إسرائيل: "وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم": آل عمران: 49، وكذا ما ورد من مواعد ~~الرسل، وما ورد في الكتاب العزيز من الملاحم كل ذلك من إظهارهم على الغيب. ### |||| AUTO بحث روائي # عن تفسير العياشي، عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه سأله المعتصم عن ~~السارق من أي موضع يجب أن يقطع؟ فقال: إن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول ~~الأصابع فتترك الكف. فقال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): السجود على سبعة أجزاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين ~~فإذا قطع من الكرسوع أو المرفق لم يدع له يدا يسجد عليها وقال الله: "وأن ~~المساجد لله" يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها "فلا تدعوا مع ~~الله أحدا" وما كان لله فلا يقطع. # الحديث. PageV20P031 # وفي الكافي، بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~حديث: وسجد يعني أبا عبد الله (عليه السلام) على ثمانية أعظم: ms7417 الكفين ~~والركبتين وإبهامي الرجلين والجبهة والأنف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها ~~وهي التي ذكرها الله في كتابه فقال: "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا" وهي الجبهة والكفان والركبتان والإبهامان ووضع الأنف على الأرض سنة. # وعن الخرائج والجرائح، روى محمد بن الفضل الهاشمي عن الرضا (عليه ~~السلام): أنه نظر إلى ابن هذاب فقال: إن أنا أخبرتك أنك ستبتلى في هذه ~~الأيام بدم ذي رحم لك لكنت مصدقا لي؟ قال: لا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله ~~تعالى. قال: أوليس أنه يقول: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا - إلا من ~~ارتضى من رسول" فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الله مرتضى، ونحن ~~ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه فعلمنا ما كان وما ~~يكون إلى يوم القيامة. # أقول: والأخبار في هذا الباب فوق حد الإحصاء، ومدلولها أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أخذه بوحي من ربه وأنهم أخذوه بالوراثة منه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). PageV20P032 ### || AUTO ### ||| AUTO 73 سورة المزمل - 1 - 19 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها المزمل (1) قم اليل إلا قليلا (2) نصفه أو ~~انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرءان ترتيلا (4) إنا سنلقى عليك ~~قولا ثقيلا (5) إن ناشئة اليل هى أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك فى النهار ~~سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا ~~إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) ~~وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما ~~(12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال ~~كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا إليكم رسولا شهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا (15) فعصى فرعون الرسول فأخذنه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم ~~يوما يجعل الولدن شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) ### |||| AUTO بيان # السورة تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيام الليل والصلاة فيه ms7418 ~~ليستعد بذلك لتلقي ثقل ما سيلقى عليه من القول الثقيل والقرآن الموحي إليه، ~~وتأمره أن يصبر على ما يقولون فيه أنه شاعر أو كاهن أو مجنون إلى غير ذلك ~~ويهجرهم هجرا جميلا، وفيها وعيد وإنذار للكفار وتعميم الحكم لسائر ~~المؤمنين، وفي آخرها تخفيف ما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين. # والسورة مكية من عتائق السور النازلة في أول البعثة حتى قيل: إنها ثانية ~~السور النازلة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ثالثتها. # قوله تعالى: "يا أيها المزمل" بتشديد الزاي والميم وأصله المتزمل اسم ~~فاعل من التزمل بمعنى التلفف بالثوب لنوم ونحوه، وظاهره أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان قد تزمل بثوب للنوم فنزل عليه الوحي وخوطب بالمزمل. # وليس في الخطاب به تهجين ولا تحسين كما توهمه بعضهم، نعم يمكن أن يستفاد ~~من سياق الآيات أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد قوبل في دعوته بالهزء ~~والسخرية والإيذاء فاغتم في الله فتزمل بثوب لينام دفعا للهم فخوطب بالمزمل ~~وأمر بقيام الليل والصلاة فيه والصبر على ما يقولون على حد قوله تعالى: ~~"واستعينوا بالصبر والصلاة": البقرة: 153 فأفيد بذلك أن عليه أن يقاوم ~~الكرب العظام والنوائب المرة بالصلاة والصبر لا بالتزمل والنوم. # وقيل: المراد يا أيها المتزمل بعباءة النبوة أي المتحمل لأثقالها، ولا ~~شاهد عليه من جهة اللفظ. # قوله تعالى: "قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل ~~القرآن ترتيلا" المراد بقيام الليل القيام فيه إلى الصلاة فالليل مفعول به ~~توسعا كما في قولهم: دخلت الدار، وقيل: معمول "قم" مقدر و"الليل" منصوب على ~~الظرفية والتقدير قم إلى الصلاة في الليل، وقوله: "إلا قليلا" استثناء من الليل. # وقوله: "نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه" ظاهر السياق أنه بدل من ~~"الليل إلا قليلا" المتعلق به تكليف القيام، وضميرا "منه" و"عليه" للنصف، ~~وضمير "نصفه" لليل، والمعنى قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا أو زد على ~~النصف قليلا، والترديد بين الثلاثة للتخيير ms7419 فقد خير بين قيام النصف وقيام ~~أقل من النصف بقليل وقيام أكثر منه بقليل. # وقيل: "نصفه" بدل من المستثنى أعني "قليلا" فيكون المعنى قم الليل إلا ~~نصفه أو انقص من النصف قليلا فقم أكثر من النصف بقليل أو زد على النصف فقم ~~أقل من النصف، وتكون جملة البدل رافعا لإبهام المستثنى بالمطابقة ولإبهام ~~المستثنى منه بالالتزام عكس الوجه السابق. PageV20P033 # والوجهان وإن اتحدا في النتيجة غير أن الوجه السابق أسبق إلى الذهن لأن ~~الحاجة إلى رفع الإبهام عن متعلق الحكم أقدم من الحاجة إلى رفع الإبهام عن ~~توابعه وملحقاته فكون قوله: "نصفه" إلخ بدلا من الليل ولازمه رفع إبهام ~~متعلق التكليف بالمطابقة أسبق إلى الذهن من كونه بدلا من "قليلا". # وقيل: إن نصفه بدل من الليل لكن المراد بالقليل القليل من الليالي دون ~~القليل من أجزاء الليل، والمعنى قم نصف الليل أو انقص منه قليلا أو زد عليه ~~إلا قليلا من الليالي وهي ليالي العذر من مرض أو غلبة نوم أو نحو ذلك، ولا ~~بأس بهذا الوجه لكن الوجه الأول أسبق منه إلى الذهن. # وقوله: "ورتل القرآن ترتيلا" ترتيل القرآن تلاوته بتبيين حروفه على ~~تواليها، والجملة معطوفة على قوله: "قم الليل" أي قم الليل واقرأ القرآن ~~بترتيل. # والظاهر أن المراد بترتيل القرآن ترتيله في الصلاة أو المراد به الصلاة ~~نفسها وقد عبر سبحانه عن الصلاة بنظير هذا التعبير في قوله: "أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا": إسراء: ~~78، وقيل: المراد إيجاب قراءة القرآن دون الصلاة. # قوله تعالى: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" الثقل كيفية جسمانية من خاصته ~~أنه يشق حمل الجسم الثقيل ونقله من مكان إلى مكان وربما يستعار للمعاني إذا ~~شق على النفس تحملها أو لم تطقها فربما أضيف إلى القول من جهة معناه فعد ~~ثقيلا لتضمنه معنى يشق على النفس إدراكه أو لا تطيق فهمه أو تتحرج من تلقيه ~~كدقائق الأنظار العلمية إذا ألقيت على الأفهام العامة، أو لتضمنه حقائق ~~يصعب التحقق ms7420 بها أو تكاليف يشق الإتيان بها والمداومة عليها. # والقرآن قول إلهي ثقيل بكلا المعنيين: أما من حيث تلقي معناه فإنه كلام ~~إلهي مأخوذ من ساحة العظمة والكبرياء لا تتلقاه إلا نفس طاهرة من كل دنس ~~منقطع عن كل سبب إلا الله سبحانه، وكتاب عزيز له ظهر وبطن وتنزيل وتأويل ~~تبيانا لكل شيء، وقد كان ثقله مشهودا من حال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بما كان يأخذه من البرحاء وشبه الإغماء على ما وردت به الأخبار ~~المستفيضة. # وأما من حيث التحقق بحقيقة التوحيد وما يتبعها من الحقائق الاعتقادية ~~فكفى في الإشارة إلى ثقله قوله تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون": الحشر: 21، وقوله تعالى: "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت ~~به الأرض أو كلم به الموتى": الرعد 31. # وأما من حيث القيام بما يشتمل عليه من أمر الدعوة وإقامة مراسم الدين ~~الحنيف، وإظهاره على الدين كله فيشهد به ما لقي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من المصائب والمحن في سبيل الله والأذى في جنب الله على ما يشهد به الآيات ~~القرآنية الحاكية لما لقيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المشركين ~~والكفار والمنافقين والذين في قلوبهم مرض من أنواع الإيذاء والهزء والجفاء. # فقوله: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" المراد بالقول الثقيل القرآن العظيم ~~على ما يسبق إلى الذهن من سياق هذه الآيات النازلة في أول البعثة، وبه فسره ~~المفسرون. # والآية في مقام التعليل للحكم المدلول عليه بقوله: "قم الليل" إلخ فتفيد ~~بمقتضى السياق - والخطاب خاص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - أن أمره ~~بقيام الليل والتوجه فيه إليه تعالى بصلاة الليل تهيئة له وإعداد لكرامة ~~القرب وشرف الحضور وإلقاء قول ثقيل فقيام الليل هي السبيل المؤدية إلى هذا ~~الموقف الكريم وقد عد سبحانه صلاة الليل سبيلا إليه في قوله الآتي: "إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا". # وقد زاد سبحانه وعدا على ما في ms7421 هذه الآية في قوله: "ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا": إسراء: 79 وقد تقدم معنى المقام ~~المحمود في تفسير الآية. PageV20P034 # وإذ كان من ثقل القرآن ثقله من حيث التحقق بحقائقه ومن حيث استجابته فيما ~~يندب إليه من الشرائع والأحكام فهو ثقيل على الأمة كما هو ثقيل عليه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومعنى الآية إنا سنوحي إليك قولا يثقل عليك وعلى أمتك ~~أما ثقله عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما في التحقق بحقائقه من ~~الصعوبة ولما فيه من محنة الرسالة وما يتبعها من الأذى في جنب الله وترك ~~الراحة والدعة ومجاهدة النفس والانقطاع إلى الله مضافا إلى ما في تلقيه من ~~مصدر الوحي من الجهد، وأما ثقله على أمته فلأنهم يشاركونه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في لزوم التحقق بحقائقه واتباع أوامره ونواهيه ورعاية حدوده كل ~~طائفة منهم على قدر طاقته. # وللقوم في معنى ثقل القرآن أقوال أخر: منها: أنه ثقيل بمعنى أنه عظيم ~~الشأن متين رصين كما يقال: هذا كلام له وزن إذا كان واقعا موقعه. # ومنها: أنه ثقيل في الميزان يوم القيامة حقيقة أو مجازا بمعنى كثرة ~~الثواب عليه. # ومنها: أنه ثقيل على الكفار والمنافقين بما له من الإعجاز وبما فيه من ~~الوعيد. # ومنها: أن ثقله كناية عن بقائه على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن يبقى ~~ويثبت في مكانه. # ومنها: غير ذلك والوجوه المذكورة وإن كانت لا بأس بها في نفسها لكن ما ~~تقدم من الوجه هو الظاهر السابق إلى الذهن. # قوله تعالى: "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا ~~طويلا" الآية الأولى في مقام التعليل لاختيار الليل وقتا لهذه الصلاة، ~~والآية الثانية في مقام التعليل لترك النهار والإعراض عنه كما أن الآية ~~السابقة أعني قوله: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" في مقام التعليل لتشريع ~~أصل هذه الصلاة. # فقوله: "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا" الناشئة إما مصدر ~~كالعاقبة والعافية بمعنى ms7422 النشأة وهي الحدوث والتكون، وإما اسم فاعل من ~~النشأة مضاف إلى موصوفه وكيف كان فالمراد بها الليل وإطلاق الحادثة على ~~الليل كإطلاقها على سائر أجزاء الخلقة وربما قيل: إنها الصلاة في الليل ~~ووطء الأرض وضع القدم عليها، وكونها أشد وطأ كناية عن كونها أثبت قدما ~~لصفاء النفس وعدم تكدرها بالشواغل النهارية وقيل: الوطء مواطاة القلب ~~اللسان وأيد بقراءة "أشد وطأ" والمراد بكونها أقوم قيلا كونها أثبت قولا ~~وأصوب لحضور القلب وهدوء الأصوات. # والمعنى أن حادثة الليل أو الصلاة في الليل هي أثبت قدما - أو أشد في ~~مواطاة القلب اللسان وأثبت قولا وأصوب لما أن الله جعل الليل سكنا يستتبع ~~انقطاع الإنسان عن شواغل المعيشة إلى نفسه وفراغ باله. # وقوله: "إن لك في النهار سبحا طويلا" السبح المشي السريع في الماء والسبح ~~الطويل في النهار كناية عن الغور في مهمات المعاش وأنواع التقلب في قضاء ~~حوائج الحياة. # والمعنى أن لك في النهار مشاغل كثيرة تشتغل بها مستوعبة لا تدع لك فراغا ~~تشتغل فيه بالتوجه التام إلى ربك والانقطاع إليه بذكره فعليك بالليل ~~والصلاة فيه. # وقيل: المعنى أن لك في النهار فراغا لنومك وتدبير أمر معاشك والتصرف في ~~حوائجك فتهجد في الليل. # وقيل: المعنى أن لك في النهار فراغا فإن فاتك من الليل شيء أمكنك أن ~~تتداركه في النهار وتقضيه فيه فالآية في معنى قوله: "وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا": الفرقان: 62. # والذي قدمناه من المعنى أنسب للمقام. # قوله تعالى: "واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا" الظاهر أنه يصف صلاة ~~الليل فهو كالعطف التفسيري على قوله: "ورتل القرآن ترتيلا" وعلى هذا ~~فالمراد بذكر اسم الرب تعالى الذكر اللفظي بمواطاة من القلب وكذا المراد ~~بالتبتل التبتل مع اللفظ. # وقيل: الآية تعميم بعد التخصيص والمراد بالذكر دوام ذكره تعالى ليلا ~~ونهارا على أي وجه كان من تسبيح وتحميد وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك، وإنما ~~فسر الذكر بالدوام لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينسه تعالى حتى ms7423 يؤمر ~~بذكره، والمراد الدوام العرفي دون الحقيقي لعدم إمكانه. # انتهى. PageV20P035 # وفيه أنه إن أراد بالذكر الذكر اللفظي فعدم نسيانه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ربه تعالى لا ينافي أمره بالذكر اللفظي، وإن أراد ما يعم الذكر ~~القلبي فهو ممنوع ولو سلم ففيه أولا أن عدم نسيانه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ربه إلى حين الخطاب لا ينافي أمره بذكره بعده وثانيا أن عده الدوام ~~الحقيقي غير ممكن وحمل الدوام على العرفي وهم ناش عن عدم تحصيل المعنى على ~~ما هو عليه فالله جل ذكره مذكور للإنسان لا يغيب عنه ولا لحظة سواء تنبه ~~عليه الإنسان أو غفل عنه. # ومن الممكن أن يعرفه الله نفسه بحيث لا يغفل عنه ولا في حال قال تعالى: ~~"فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة: 38 ~~وقال: "يسبحون الليل والنهار لا يفترون": الأنبياء: 20 وقد تقدم في تفسير ~~الآيتين وآخر سورة الأعراف أن ذلك لا يختص بالملائكة. # وبالجملة قوله: "واذكر اسم ربك" أمر بذكر اسم من أسمائه أو لفظ الجلالة ~~خاصة وقيل: المراد به البسملة. # وفي قوله: "ربك" التفات عن التكلم مع الغير في قوله: "إنا سنلقي" إلى ~~الغيبة ولعل الوجه فيه إيقاظ ذلة العبودية التي هي الرابطة بين العبد وربه، ~~بذكر صفة الربوبية. # وقوله "وتبتل إليه تبتيلا" فسر التبتل بالانقطاع أي وانقطع إلى الله، ومن ~~المروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن التبتل رفع اليد إلى الله ~~والتضرع إليه، وهذا المعنى أنسب بناء على حمل الذكر على الذكر اللفظي كما تقدم. # و"تبتيلا" مفعول مطلق ظاهرا وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وتبتل إليه تبتلا ~~فالعدول إلى التبتيل قيل: لتضمين تبتل معنى بتل، والمعنى وقطع نفسك من غيره ~~إليه تقطيعا أو احمل نفسك على رفع اليد إليه والتضرع حملا، وقيل: لمراعاة ~~الفواصل. # قوله تعالى: "رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا" وصف مقطوع ~~عن الوصفية والتقدير هو رب المشرق والمغرب، ورب المشرق والمغرب في معنى رب ~~العالم كله ms7424 فإن المشرق والمغرب جهتان نسبيتان تشملان جهات العالم المشهود ~~كلها، وإنما اختصا بالذكر لمناسبة ما تقدم من ذكر الليل والنهار المرتبطين ~~بالشروق والغروب. # وإنما لم يقتصر في الإشارة إلى ربوبيته تعالى بقوله السابق: "ربك" ~~للإيذان بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور باتخاذه ربا لأنه ربه ورب ~~العالم كله لا لأنه ربه وحده كما ربما كان الرجل من الوثنيين يتخذ صنما ~~لنفسه فحسب غير ما اتخذه غيره من الأصنام ولو كان اتخاذه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) له تعالى ربا من هذا القبيل أو احتمل ذلك لم تصح دعوته إلى ~~التوحيد. # وليكون قوله: ربك رب المشرق والمغرب - وهو في معنى رب العالم كله - توطئة ~~وتمهيدا لقوله بعده: "لا إله إلا هو" يعلل به توحيد الألوهية فإن الألوهية ~~وهي المعبودية من فروع الربوبية التي هي الملك والتدبير كما تقدم مرارا فهو ~~تعالى الإله وحده لا إله إلا هو لأنه الرب وحده لا رب إلا هو. # وقوله: "فاتخذه وكيلا" أي في جميع أمورك، وتوكيل الوكيل هو إقامة الإنسان ~~غيره مقام نفسه بحيث تقوم إرادته مقام إرادته وعمله مقام عمله فاتخاذه ~~تعالى وكيلا أن يرى الإنسان الأمر كله له وإليه تعالى أما في الأمور ~~الخارجية والحوادث الكونية فأن لا يرى لنفسه ولا لشيء من الأسباب الظاهرية ~~استقلالا في التأثير فلا مؤثر في الوجود بحقيقة معنى التأثير إلا الله فلا ~~يتعلق بتأثير سبب من الأسباب برضى أو سخط أو سرور أو أسف وغير ذلك بل يتوسل ~~إلى مقاصده ومآربه بما عرفه الله من الأسباب من غير أن يطمئن إلى استقلالها ~~في التأثير ويرجع الظفر بالمطلوب إلى الله ليختار له ما يرتضيه. # وأما الأمور التي لها تعلق بالعمل من العبادات والمعاملات فأن يجعل ~~إرادته تابعة لإرادة ربه التشريعية فيعمل على حسب ما يريده الله تعالى منه ~~فيما شرع من الشريعة. # ومن هنا يظهر أن لقوله: "فاتخذه وكيلا" ارتباطا بقوله: "واذكر اسم ربك" ~~إلخ وما تقدم عليه من الأوامر التشريعية كما أن له ارتباطا بما تأخر ms7425 عنه من ~~قوله "واصبر" وقوله "اهجر" وقوله: "وذرني". PageV20P036 # قوله تعالى: "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا" معطوف هو وما بعده ~~على مدخول الفاء في قوله: "فاتخذه وكيلا" فالمعنى اتخذه وكيلا ولازم اتخاذه ~~وكيلا أن تصبر على ما يقولون مما فيه إيذاؤك والاستهزاء بك ورميك بما ليس ~~فيك كقولهم: افترى على الله، كاهن شاعر، مجنون، أساطير الأولين وغير ذلك ~~مما يقصه القرآن. # وأن تهجرهم هجرا جميلا، والمراد بالهجر الجميل على ما يعطيه السياق أن ~~يعاملهم بحسن الخلق والدعوة إلى الحق بالمناصحة، ولا يواجه قولهم بما في ~~وسعه من المقابلة بالمثل، والآية لا تدافع آية القتال فلا وجه لقول من قال: ~~إنها منسوخة بآية القتال. # قوله تعالى: "وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا" تهديد للكفار ~~يقال: دعني وفلانا وذرني وفلانا أي لا تحل بيني وبينه حتى أنتقم منه. # والمراد بالمكذبين أولي النعمة الكفار المذكورون في الآية السابقة أو ~~رؤساؤهم المتبوعون، والجمع بين توصيفهم بالمكذبين وتوصيفهم بأولي النعمة ~~للإشارة إلى علة ما يهددهم به من العذاب فإن تكذيبهم بالدعوة الإلهية وهم ~~متنعمون بنعمة ربهم كفران منهم بالنعمة وجزاء الكفران سلب النعمة وتبديلها ~~من النقمة. # والمراد بالقليل الذي يمهلونه الزمان القليل الذي يمكثون في الأرض حتى ~~يرجعوا إلى ربهم فيحاسبهم ويجازيهم قال تعالى: "إنهم يرونه بعيدا ونراه ~~قريبا": المعارج: 7، وقال: "متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد": آل ~~عمران 197. # والآية بظاهرها عامة، وقيل: وعيد لهم بوقعة بدر وليس بظاهر، وفي الآية ~~التفات عن الغيبة في "ربك" إلى التكلم وحده في "ذرني" ولعل الوجه فيه تشديد ~~التهديد بنسبة الأمر إليه سبحانه نفسه ثم التفت في قوله: "إن لدينا" إلى ~~التكلم مع الغير للدلالة على العظمة. # قوله تعالى: "إن لدينا أنكالا وجحيما" تعليل لقوله "ذرني" إلخ والأنكال ~~القيود، قال الراغب يقال: نكل عن الشيء ضعف وعجز، ونكلته قيدته والنكل - ~~بالكسر فالسكون - قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين، والجمع الأنكال ~~انتهى، وقال: الجحمة شدة تأجج النار ومنه الجحيم، انتهى. # قوله تعالى: "وطعاما ذا غصة وعذابا أليما" ms7426 قال في المجمع،: الغصة تردد ~~اللقمة في الحلق ولا يسيغها آكلها يقال: غص بريقه يغص غصصا، وفي قلبه غصة ~~من كذا وهي كاللدغة التي لا يسوغ معها الطعام والشراب، انتهى. # والآيتان تذكران نقم الآخرة التي بدلت منها نعم الدنيا جزاء لكفرانهم ~~بنعم الله. # قوله تعالى: "يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا" ظرف ~~للعذاب الموعود في الآيتين السابقتين، قال الراغب،: الرجف الاضطراب الشديد ~~يقال: رجفت الأرض والبحر انتهى. # وفي المجمع،: الكثيب الرمل المجتمع الكثير، وهلت أهيله هيلا فهو مهيل إذا ~~حرك أسفله فسال أعلاه انتهى، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا" إنذار للمكذبين أولي النعمة من قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ~~ما أوعد مطلق المكذبين أولي النعمة بما أعد لهم من العذاب يوم القيامة ~~بقياس حالهم إلى حال فرعون المستكبر على الله ورسوله المستذل لرسول الله ~~ومن آمن معه من قومه ثم قرع أسماعهم بما انتهى إليه أمر فرعون من أخذ الله ~~له أخذا وبيلا فليتعظوا وليأخذوا حذرهم. # وفي الآية التفات عن الغيبة إلى الخطاب كان المتكلم لما أوعدهم بالعذاب ~~على الغيبة هاج به الوجد على أولئك المكذبين بما يلقون أنفسهم بأيديهم إلى ~~الهلاك الأبدي لسفاهة رأيهم فشافههم بالإنذار ليرتفع عن أنفسهم أي شك ~~وترديد وتتم عليهم الحجة ولعلهم يتقون، ولذا عقب قياسهم إلى فرعون وقياس ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى موسى (عليه السلام) والإشارة إلى ~~عقابه أمر فرعون بقوله "فكيف تتقون إن كفرتم يوما" إلخ. # فقوله: "إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم" إشارة إلى تصديق رسالة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبله تعالى وشهادته على أعمالهم ~~بتحملها في الدنيا وتأديتها يوم القيامة، وقد تقدم البحث عن معنى شهادة ~~الأعمال في الآيات المشتملة عليها مرارا، وفي الإشارة إلى شهادته (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) نوع زجر لهم عن عصيانه ومخالفته وتكذيبه. PageV20P037 # وقوله: "كما أرسلنا إلى فرعون رسولا" هو موسى بن عمران (عليهما السلام). # قوله ms7427 تعالى: "فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا" أي شديدا ثقيلا. # إشارة إلى عاقبة أمر فرعون في عصيانه موسى (عليه السلام)، وفي التعبير عن ~~موسى بالرسول إشارة إلى أن السبب الموجب لأخذ فرعون مخالفته أمر رسالته لا ~~نفس موسى بما أنه موسى، وإذا كان السبب هو مخالفة الرسالة فليحذروا مخالفة ~~رسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # كما أن وضع الظاهر موضع الضمير في قوله: "فعصى فرعون" للإيماء إلى أن ما ~~كان له من العزة والعلو في الأرض والتبجح بكثرة العدة وسعة المملكة ونفوذ ~~المشية لم يغن عنه شيئا ولم يدفع عنه عذاب الله فما الظن بهؤلاء المكذبين؟ ~~وهم كما قال الله: "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب": ص 11. # قوله تعالى: "فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا" نسبة الاتقاء ~~إلى اليوم من المجاز العقلي والمراد اتقاء العذاب الموعود فيه، وعليه فيوما ~~مفعول به لتتقون، وقيل: مفعول "تتقون" محذوف و"يوما" ظرف له والتقدير فكيف ~~تتقون العذاب الكائن في يوم، وقيل: المفعول محذوف و"يوما" ظرف للاتقاء وقيل ~~غير ذلك. # وقوله: "يجعل الولدان شيبا" الشيب جمع أشيب مقابل الشاب، وجعل الولدان ~~شيبا كناية عن شدة اليوم لا عن طوله. # قوله تعالى: "السماء منفطر به كان وعده مفعولا" إشارة بعد إشارة إلى شدة ~~اليوم، والانفطار الانشقاق وتذكير الصفة لكون السماء جائز الوجهين يذكر ~~ويؤنث، وضمير "به" لليوم، والباء بمعنى في أو للسببية، والمعنى السماء ~~منشقة في ذلك اليوم أو بسبب ذلك اليوم أي بسبب شدته. # وقوله: "كان وعده مفعولا" استئناف لتسجيل ما تقدم من الوعيد وأنه حتم ~~مقضي ونسبة الوعد إلى ضميره تعالى لعله للإشعار بأن لا يصلح لهذا الوعد إلا ~~الله تعالى فيكفي فيه الضمير من غير حاجة إلى ذكره باسمه. # قوله تعالى: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا" الإشارة بهذه إلى ~~الآيات السابقة بما تشتمل عليه من القوارع والزواجر، والتذكرة الموعظة التي ~~يذكر بها ما يعمل عليه. # وقوله: "فمن شاء" مفعول "شاء" محذوف والمعروف في مثل هذا المورد ms7428 أن يقدر ~~المفعول من جنس الجواب والسياق يلائمه، والتقدير فمن شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا اتخذ إلخ، وقيل: المقدر الاتعاظ، والمراد باتخاذ السبيل إليه اتخاذ ~~السبيل إلى التقرب منه، والسبيل هو الإيمان والطاعة هذا ما ذكره المفسرون. # ومن الممكن أن تكون هذه إشارة إلى ما تقدم في صدر السورة من الآيات ~~النادبة إلى قيام الليل والتهجد فيه، والآية مسوقة لتوسعة الخطاب وتعميمه ~~لغير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين بعد ما كان خطاب صدر ~~الصورة مختصا به (صلى الله عليه وآله وسلم)، والدليل على هذا التعميم قوله: ~~"فمن شاء" إلخ. # ويؤيد ما ذكرنا وقوع هذه الآية "إن هذه تذكرة" إلخ بعينها في سورة الدهر ~~بعد ما أشير إلى صلاة الليل بقوله تعالى: "وسبحه ليلا طويلا" ويستنتج من ~~ذلك أن صلاة الليل سبيل خاصة تهدي العبد إلى ربه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل ~~عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما يصدر ~~الناس عنه فقالوا: كاهن. قالوا ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس ~~بمجنون. قالوا ساحر. قالوا: ليس بساحر. قالوا: يفرق بين الحبيب وحبيبه ~~فتفرق المشركون على ذلك. فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتزمل ~~في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل فقال: يا أيها المزمل يا أيها المدثر. # أقول: آخر الرواية لا يخلو من شيء حيث إن ظاهرها نزول السورتين معا. # على أن القرآن حتى في سورة المدثر يحكي تسميتهم له (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بألقاب السوء كالكاهن والساحر والمجنون والشاعر ولم يذكر فيها قولهم: ~~يفرق بين الحبيب وحبيبه. # وفيه، أخرج عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ~~عن عائشة قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قلما ينام من الليل ~~لما قال الله له: "قم الليل إلا قليلا". PageV20P038 # وفي الكشاف، عن عائشة: أنها سألت: ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطا طوله أربع ms7429 ~~عشرة ذراعا نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي. فسئلت: ما كان؟ قالت: ~~والله ما كان خزا ولا قزا ولا مرعزيا ولا إبريسما ولا صوفا. كان سداه شعرا ~~ولحمته وبرا. # أقول: الرواية مرمية بالوضع فإن السورة من العتائق النازلة بمكة، وعائشة ~~إنما بنى عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة بعد الهجرة. # وعن جوامع الجامع، روي: أنه قد دخل على خديجة وقد جئث فرقا فقال: زملوني ~~فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل: "يا أيها المزمل". # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير قال: لما نزلت "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا" مكث النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله ~~وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله بعد عشر سنين "إن ربك يعلم ~~أنك تقوم إلى قوله وأقيموا الصلاة" فخفف الله عنهم بعد عشر سنين. # أقول: وروي نزول آية التخفيف بعد سنة وروي أيضا نزولها بعد ثمانية أشهر، ~~ولم يكن قيام الليل واجبا على غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ~~أشير إليه بقوله تعالى "إن هذه تذكرة" الآية كما تقدم، ويؤيده ما في ~~الرواية من قوله: "وطائفة من أصحابه". # وفي التهذيب، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~سألته عن قول الله تعالى: "قم الليل إلا قليلا" قال: أمره الله أن يصلي كل ~~ليلة إلا أن تأتي عليه ليلة من الليالي لا يصلي فيها شيئا. # أقول: الرواية تشير إلى أحد الوجوه في الآية وفي المجمع،: وقيل: إن نصفه ~~بدل من القليل فيكون بيانا للمستثنى، ويؤيد هذا القول ما روي عن الصادق ~~(عليه السلام) قال: القليل النصف أو انقص من القليل قليلا أو زد على القليل قليلا. # وفي الدر المنثور، أخرج العسكري في المواعظ عن علي (عليه السلام) أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن قول الله: "ورتل القرآن ترتيلا" ms7430 ~~قال: بينه تبيينا، ولا تنثره نثر الدقل، ولا تهذه هذ الشعر، قفوا عند ~~عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. # أقول: وروي هذا المعنى في أصول الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سليمان عن ~~الصادق عن علي (عليه السلام) ولفظ بينه تبيينا ولا تهذه هذ الشعر، ولا ~~تنثره نثر الرمل، ولكن أفرغوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أي الناس أحسن قراءة قال الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله. # وفي أصول الكافي، بإسناده عن علي بن أبي حمزة قال قال أبو عبد الله (عليه ~~السلام): إن القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتل ترتيلا فإذا مررت بآية فيها ~~ذكر الجنة فقف عندها واسأل الله عز وجل الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر ~~النار فقف عندها وتعوذ بالله من النار. # وفي المجمع، في معنى الترتيل عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: هو أن تتمكث فيه وتحسن به صوتك. # وفيه، روي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقطع قراءته آية آية. # وفيه، عن أنس قال: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يمد صوته مدا. # وفيه،: سأل الحارث بن هشام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا ~~رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أحيانا يأتيني ~~مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل ~~الملك رجلا فأعي ما يقول. قالت عائشة: إنه كان ليوحي إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو على راحلته فتضرب بجرانها. قالت: ولقد رأيته ينزل ~~عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقا. # وعن تفسير العياشي، بإسناده عن عيسى بن عبيد عن أبيه عن جده عن علي (عليه ~~السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما يؤخذ من أمر ms7431 رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بآخره. وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما ~~قبلها ولم ينسخها شيء لقد نزلت عليه وهو على بغلة شهباء وثقل عليها الوحي ~~حتى وقفت وتدلى بطنها حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض. PageV20P039 # أقول: إن صحت الرواية كان ظهور أثر ثقل الوحي على الناقة أو البغلة من قبيل ~~تجسم المعاني وكثيرا ما يوجد مثله فيما نقل من المعجزات وكرامات الأولياء، ~~وأما اتصاف الوحي وهو كلام بالثقل المادي فغير معقول. # وفي التهذيب، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~قول الله عز وجل: "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا" قال: يعني بقوله: ~~"وأقوم قيلا" قيام الرجل عن فراشه يريد به الله عز وجل لا يريد به غيره:. ~~أقول: ورواه أيضا بسندين آخرين في التهذيب والعلل عن هشام عنه (عليه ~~السلام). # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "إن ناشئة الليل" الآية: والمروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) أنهما قالا: هي القيام في آخر الليل. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن حسين بن علي أنه رئي يصلي بين ~~المغرب والعشاء فقيل له في ذلك؟ فقال: إنهما من الناشئة. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وتبتل إليه تبتيلا": وروى محمد بن مسلم ~~وزرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) أن التبتل هذا رفع ~~اليدين في الصلاة. # وفي رواية أبي بصير قال: هو رفع يدك إلى الله وتضرعك. # أقول: وينطبق على قنوت الصلاة، وفي رواية هو رفع اليدين وتحريك ~~السبابتين، وفي رواية الإيماء بالإصبع وفي رواية الدعاء بإصبع واحدة يشير بها. # وفيه،: في قوله تعالى: "وطعاما ذا غصة" الآية: عن عبد الله بن عمر: أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع قارئا يقرأ هذا فصعق. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "وكانت الجبال كثيبا مهيلا" قال: مثل الرمل ينحدر. PageV20P040 ### ||| AUTO 73 سورة المزمل - 20 # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه ms7432 وثلثه وطائفة من الذين معك ~~والله يقدر اليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من ~~القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وءاخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل ~~الله وءاخرون يقتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلوة ~~وءاتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) ### |||| AUTO بيان # آية مبنية على التخفيف فيما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~صدر السورة من قيام الليل والصلاة فيه ثم عمم الحكم لسائر المؤمنين بقوله: ~~"إن هذه تذكرة" الآية. # ولسان الآية هو التخفيف بما تيسر من القرآن من غير نسخ لأصل الحكم السابق ~~بالمنع عن قيام ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. # وقد ورد في غير واحد من الأخبار أن الآية مكية نزلت بعد ثمانية أشهر أو ~~سنة أو عشر سنين من نزول آيات صدر السورة لكن يوهنه اشتمال الآية على قوله ~~تعالى: "وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا" فإن ظاهره أن ~~المراد بالزكاة - وقد ذكرت قبلها الصلاة وبعدها الإنفاق المستحب - هو ~~الزكاة المفروضة وإنما فرضت الزكاة بالمدينة بعد الهجرة. # وقول بعضهم: إن الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين الأنصباء والذي فرض ~~بالمدينة تعيين الأنصباء، تحكم من غير دليل، وكذا قول بعضهم: إنه من الممكن ~~أن تكون الآية مما تأخر حكمه عن نزوله. # على أن في الآية ذكرا من القتال إذ يقول: "وآخرون يقاتلون في سبيل الله" ~~ولم يكن من مصلحة الدعوة الحقة يومئذ ذاك والظرف ذلك الظرف أن يقع في متنها ~~ذكر من القتال بأي وجه كان، فالظاهر أن الآية مدنية وليست بمكية وقد مال ~~إليه بعضهم. # قوله تعالى: "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه" إلى ~~آخر الآية. # الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي التعبير بقوله: "ربك" تلويح ~~إلى شمول الرحمة والعناية الإلهية، وكذا في قوله: "يعلم أنك ms7433 تقوم" إلخ ~~مضافا إلى ما فيه من لائحة الشكر قال تعالى: "وكان سعيكم مشكورا": الدهر 22. # وقوله: "تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه" أدنى اسم تفضيل من الدنو ~~بمعنى القرب، وقد جرى العرف على استعمال أدنى فيما يقرب من الشيء وهو أقل ~~فيقال: إن عدتهم أدنى من عشرة إذا كانوا تسعة مثلا دون ما لو كانوا أحد عشر ~~فمعنى قوله: "أدنى من ثلثي الليل" أقرب من ثلثيه وأقل بقليل. # والواو العاطفة في قوله: "ونصفه وثلثه" لمطلق الجمع والمراد أنه يعلم أنك ~~تقوم في بعض الليالي أدنى من ثلثي الليل وفي بعضها نصفه وفي بعضها ثلثه. # وقوله: "وطائفة من الذين معك" المراد المعية في الإيمان و"من" للتبعيض ~~فالآية تدل على أن بعضهم كان يقوم الليل كما كان يقومه النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وقيل "من" بيانية، وهو كما ترى. # وقوله: "والله يقدر الليل والنهار" في مقام التعليل لقوله: "إن ربك يعلم" ~~والمعنى وكيف لا يعلم وهو الله الذي إليه الخلق والتقدير ففي تعيين قدر ~~الليل والنهار تعيين ثلثهما ونصفهما وثلثيهما، ونسبة تقدير الليل والنهار ~~إلى اسم الجلالة دون اسم الرب وغيره لأن التقدير من شئون الخلق والخلق إلى ~~الله الذي إليه ينتهي كل شيء. # وقوله: "علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن" الإحصاء ~~تحصيل مقدار الشيء وعدده والإحاطة به، وضمير "لن تحصوه" للتقدير أو للقيام ~~مقدار ثلث الليل أو نصفه أو أدنى من ثلثيه، وإحصاء ذلك مع اختلاف الليالي ~~طولا وقصرا في أيام السنة مما لا يتيسر لعامة المكلفين ويشتد عسرا لمن نام ~~أول الليل وأراد القيام بأحد المقادير الثلاثة دون أن يحتاط بقيام جميع ~~الليل أو ما في حكمه. # فالمراد بقوله: "علم أن لن تحصوه" علمه تعالى بعدم تيسر إحصاء المقدار ~~الذي أمروا بقيامه من الليل لعامة المكلفين. PageV20P041 # والمراد بقوله: "فتاب عليكم" توبته تعالى ورجوعه إليهم بمعنى انعطاف الرحمة ~~الإلهية عليهم بالتخفيف فلله سبحانه توبة على عباده ببسط رحمته عليهم ~~وأثرها توفيقهم للتوبة أو لمطلق ms7434 الطاعة أو رفع بعض التكاليف أو التخفيف قال ~~تعالى: "ثم تاب عليهم ليتوبوا": التوبة 118. # كما أن له توبة عليهم بمعنى الرجوع إليهم بعد توبتهم وأثرها مغفرة ~~ذنوبهم، وقد تقدمت الإشارة إليه. # والمراد بقوله: "فاقرءوا ما تيسر من القرآن" التخفيف في قيام الليل من ~~حيث المقدار لعامة المكلفين تفريعا على علمه تعالى أنهم لن يحصوه. # ولازم ذلك التوسعة في التكليف بقيام الليل من حيث المقدار حتى يسع لعامة ~~المكلفين الشاق عليهم إحصاؤه دون النسخ بمعنى كون قيام الثلث أو النصف أو ~~الأدنى من الثلثين لمن استطاع ذلك بدعة محرمة وذلك أن الإحصاء المذكور إنما ~~لا يتيسر لمجموع المكلفين لا لجميعهم ولو امتنع لجميعهم ولم يتيسر لأحدهم ~~لم يشرع من أصله ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # على أنه تعالى يصدق لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وطائفة من الذين معه ~~قيام الثلث والنصف والأدنى من الثلثين وينسب عدم التمكن من الإحصاء إلى ~~الجميع وهم لا محالة هم القائمون وغيرهم فالحكم إنما كان شاقا على المجموع ~~من حيث المجموع دون كل واحد فوسع في التكليف بقوله: "فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن" وسهل الأمر بالتخفيف ليكون لعامة المكلفين فيه نصيب مع بقاء الأصل ~~المشتمل عليه صدر السورة على حاله لمن تمكن من الإحصاء وإرادة، والحكم ~~استحبابي لسائر المؤمنين وإن كان ظاهر ما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من الخطاب الوجوب كما تقدمت الإشارة إليه. # وللقوم في كون المراد بقيام الليل الصلاة فيه أو قراءة القرآن خارج ~~الصلاة، وعلى الأول في كونه واجبا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والمؤمنين أو مستحبا للجميع أو واجبا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مستحبا لغيره ثم في نسخ الحكم بالتخفيف بما تيسر بهذه الآية أو تبديل ~~الصلاة من قراءة ما تيسر من القرآن أقوال لا كثير جدوى في التعرض لها ~~والبحث عنها. # وقوله: "علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله" إشارة إلى ms7435 مصلحة أخرى مقتضية للتخفيف في ~~أمر القيام ثلث الليل أو نصفه أو أدنى من ثلثيه، وراء كونه شاقا على عامة ~~المكلفين بالصفة المذكورة أولا فإن الإحصاء المذكور للمريض والمسافر ~~والمقاتل مع ما هم عليه من الحال شاق عسير جدا. # والمراد بالضرب في الأرض للابتغاء من فضل الله طلب الرزق بالمسافرة من ~~أرض إلى أرض للتجارة. # وقوله: "فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا" تكرار للتخفيف تأكيدا، وضمير "منه" للقرآن، والمراد الإتيان ~~بالصلاة على ما يناسب سعة الوقت الذي قاموا فيه. # والمراد بالصلاة المأمور بإقامتها الفريضة فإن كانت الآية مدنية فالفرائض ~~الخمس اليومية وإن كانت مكية فبحسب ما كانت مفروضة من الصلاة، والمراد ~~بالزكاة الزكاة المفروضة، والمراد بإقراضه تعالى غير الزكاة من الإنفاقات ~~المالية في سبيل الله. # وعطف الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض للتلويح إلى أن ~~التكاليف الدينية على حالها في وجوب الاهتمام بها والاعتناء بأمرها، فلا ~~يتوهمن متوهم سريان التخفيف والمسامحة في جميع التكاليف فالآية نظيرة قوله ~~في آية النجوى: "فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله": المجادلة: 13. # وقوله: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا" ~~"من خير" بيان للموصول، والمراد بالخير مطلق الطاعة أعم من الواجبة ~~والمندوبة، و"هو" ضمير فصل أو تأكيد للضمير في "تجدوه". # والمعنى: والطاعة التي تقدمونها لأنفسكم - أي لتعيشوا بها في الآخرة - ~~تجدونها عند الله - أي في يوم اللقاء - خيرا من كل ما تعملون أو تتركون ~~وأعظم أجرا. # وقوله: "واستغفروا الله إن الله غفور رحيم" ختم الكلام بالأمر ~~بالاستغفار، وفي قوله: "إن الله غفور رحيم" إشعار بوعد المغفرة والرحمة، ~~ولا يبعد أن يكون المراد بالاستغفار الإتيان بمطلق الطاعات لأنها وسائل ~~يتوسل بها إلى مغفرة الله فالإتيان بها استغفار. PageV20P042 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله ~~تعالى: "إن ربك يعلم - أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه" ففعل ~~النبي ms7436 (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك وبشر الناس به فاشتد ذلك عليهم و"علم ~~أن لن تحصوه" وكان الرجل يقوم ولا يدري متى ينتصف الليل ومتى يكون الثلثان، ~~وكان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظه. فأنزل الله "إن ربك يعلم أنك ~~تقوم إلى قوله علم أن لن تحصوه" يقول: متى يكون النصف والثلث نسخت هذه ~~الآية "فاقرءوا ما تيسر من القرآن"، واعلموا أنه لم يأت نبي قط إلا خلا ~~بصلاة الليل، ولا جاء نبي قط بصلاة الليل في أول الليل. # أقول: محصل الرواية أن صدر السورة توجب صلاة الليل وذيلها تنسخها، وروي ~~ما يقرب منه من طرق أهل السنة عن ابن عباس وغيره، وقد تقدم ما يتعلق به في ~~البيان السابق. # وفي المجمع، روى الحاكم أبو القاسم إبراهيم الحسكاني بإسناده عن الكلبي ~~عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: "وطائفة من الذين معك" قال: علي ~~وأبو ذر. # وفيه،: في قوله تعالى: "فاقرءوا ما تيسر منه": روي عن الرضا عن أبيه عن ~~جده (عليهم السلام) قال: ما تيسر منه لكم فيه خشوع القلب وصفاء السر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "فاقرءوا ما تيسر منه" قال: مائة آية. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): ما من جالب يجلب طعاما إلى بلد من بلاد المسلمين ~~فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهيد. ثم قرأ رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) "وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله - ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله". # وفي تفسير القمي، بإسناده عن زرعة عن سماعة قال: سألته عن قول الله: ~~"وأقرضوا الله قرضا حسنا" قال: هو غير الزكاة. # وفي الخصال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: أكثروا ~~الاستغفار تجلبوا الرزق، وقدموا ما استطعتم من عمل الخير تجدوه غدا. # أقول: ذيله مأخوذ ms7437 من قوله تعالى: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله هو خيرا وأعظم أجرا". PageV20P043 ### || AUTO ### ||| AUTO 74 سورة المدثر - 1 - 7 # بسم الله الرحمن الرحيم يأيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) ~~وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) ### |||| AUTO بيان # تتضمن السورة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإنذار في سياق يلوح ~~منه كونه من أوامر أوائل البعثة ثم الإشارة إلى عظم شأن القرآن الكريم ~~وجلالة قدره، والوعيد الشديد على من يواجهه بالإنكار والرمي بالسحر، وذم ~~المعرضين عن دعوته. # والسورة مكية من العتائق النازلة في أوائل البعثة وظهور الدعوة حتى قيل: ~~إنها أول سورة نزلت من القرآن وإن كان يكذبه نفس آيات السورة الصريحة في ~~سبق قراءته (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن على القوم وتكذيبهم به ~~وإعراضهم عنهم ورميهم له بأنه سحر يؤثر. # ولذا مال بعضهم إلى أن النازل أولا هي الآيات السبع الواقعة في أول ~~السورة ولازمه كون السورة غير نازلة دفعة وهو وإن كان غير بعيد بالنظر إلى ~~متن الآيات السبع لكن يدفعه سياق أول سورة العلق الظاهر في كونه أول ما نزل ~~من القرآن. # واحتمل بعضهم أن تكون السورة أول ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عند الأمر بإعلان الدعوة بعد إخفائها مدة في أول البعثة فهي في معنى ~~قوله: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين": الحجر 94، وبذلك جمع بين ما ورد ~~من أنها أول ما نزل، وما ورد أنها نزلت بعد سورة العلق، وما ورد أن سورتي ~~المزمل والمدثر نزلتا معا، وهذا القول لا يتعدى طور الاحتمال. # وكيف كان فالمتيقن أن السورة من أوائل ما نزل على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من السور القرآنية، والآيات السبع التي نقلناها تتضمن الأمر ~~بالإنذار وسائر الخصال التي تلزمه مما وصاه الله به. # قوله تعالى: "يا أيها المدثر" المدثر بتشديد الدال والثاء أصله المتدثر ~~اسم فاعل من التدثر بمعنى التغطي بالثياب عند النوم. # والمعنى: يا أيها المتغطي بالثياب للنوم خطاب ms7438 للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وقد كان على هذه الحال فخوطب بوصف مأخوذ من حاله تأنيسا وملاطفة نظير ~~قوله: "يا أيها المزمل". # وقيل:. # المراد بالتدثر تلبسه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة بتشبيهها بلباس ~~يتحلى به ويتزين وقيل: المراد به اعتزاله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيبته ~~عن النظر فهو خطاب له بما كان عليه في غار حراء، وقيل: المراد به الاستراحة ~~والفراغ فكأنه قيل له (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أيها المستريح الفارغ ~~قد انقضى زمن الراحة وأقبل زمن متاعب التكاليف وهداية الناس. # وهذه الوجوه وإن كانت في نفسها لا بأس بها لكن الذي يسبق إلى الذهن هو ~~المعنى الأول. # قوله تعالى: "قم فأنذر" الظاهر أن المراد به الأمر بالإنذار من غير نظر ~~إلى من ينذر فالمعنى افعل الإنذار، وذكر بعضهم أن مفعول الفعل محذوف، ~~والتقدير أنذر عشيرتك الأقربين لمناسبته لابتداء الدعوة كما ورد في سورة ~~الشعراء. # وذكر آخرون أن المفعول المحذوف عام وهو جميع الناس لقوله: "وما أرسلناك ~~إلا كافة للناس": سبأ: 28. # ولم يذكر التبشير مع الإنذار مع أنهما كالمتلازمين في تمام الدعوة لأن ~~السورة مما نزل في ابتداء الدعوة والإنذار هو الغالب إذ ذاك. # قوله تعالى: "وربك فكبر" أي أنسب ربك إلى الكبرياء والعظمة اعتقادا وعملا ~~قولا وفعلا وهو تنزيهه تعالى من أن يعادله أو يفوقه شيء فلا شيء يشاركه أو ~~يغلبه أو يمانعه، ولا نقص يعرضه، ولا وصف يحده. # ولذا ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن معنى التكبير: الله أكبر ~~من أن يوصف، فهو تعالى أكبر من كل وصف نصفه به حتى من هذا الوصف، وهذا هو ~~المناسب للتوحيد الإسلامي الذي يفوق ما نجده من معنى التوحيد في سائر ~~الشرائع السماوية. # وهذا الذي ذكرناه هو الفرق بين كلمتي التكبير والتسبيح - الله أكبر ~~وسبحان الله - فسبحان الله تنزيه له تعالى عن كل وصف عدمي مبني على النقص ~~كالموت والعجز والجهل وغير ذلك، والله أكبر تنزيه مطلق له تعالى عن كل وصف ~~نصفه به ms7439 أعم من أن يكون عدميا أو وجوديا حتى من نفس هذا الوصف لما أن كل ~~مفهوم محدود في نفسه لا يتعدى إلى غيره من المفاهيم وهو تعالى لا يحيط به ~~حد، فافهم ذلك. PageV20P044 # وقيل: المراد الأمر بالتكبير في الصلاة. # والتعبير عنه تعالى بربك لا يخلو من إشعار بأن توحيده تعالى يومئذ كان ~~يختص به. # قال في الكشاف، في قوله: "فكبر": ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما ~~كان فلا تدع تكبيره. # قوله تعالى: "وثيابك فطهر" قيل: كناية عن إصلاح العمل، ولا يخلو من وجه ~~فإن العمل بمنزلة الثياب للنفس بما لها من الاعتقاد فالظاهر عنوان الباطن، ~~وكثيرا ما يكنى في كلامهم عن صلاح العمل بطهارة الثياب. # وقيل: كناية عن تزكية النفس وتنزيهها عن الذنوب والمعاصي. # وقيل: المراد تقصير الثياب لأنه أبعد من النجاسة ولو طالت وانجرت على ~~الأرض لم يؤمن أن تتنجس. # وقيل: المراد تطهير الأزواج من الكفر والمعاصي لقوله تعالى: "هن لباس ~~لكم": البقرة 187. # وقيل: الكلام على ظاهره والمراد تطهير الثياب من النجاسات للصلاة والأقرب ~~على هذا أن يجعل قوله: "وربك فكبر" إشارة إلى تكبير الصلاة وتكون الآيتان ~~مسوقتين لتشريع أصل الصلاة مقارنا للأمر بالدعوة. # ولا يرد عليه ما قيل: إن نزول هذه الآيات كان حيث لا صلاة أصلا وذلك أن ~~تشريع الفرائض الخمس اليومية على ما هي عليها اليوم وإن كان في ليلة ~~المعراج وهي جميعا عشر ركعات ثم زيد عليها سبع ركعات إلا أن أصل الصلاة كان ~~منذ أوائل البعثة كما يشهد به ذكرها في هذه السورة وسورتي العلق والمزمل، ~~ويدل عليه الروايات. # وقيل: المراد بتطهير الثياب التخلق بالأخلاق الحميدة والملكات الفاضلة. # وفي معنى تطهير الثياب أقوال أخر أغمضنا عن نقلها لإمكان إرجاعها إلى بعض ~~ما تقدم من الوجوه، وأرجح الوجوه المتقدمة أولها وخامسها. # قوله تعالى: "والرجز فاهجر" قيل: الرجز بضم الراء وكسرها العذاب، والمراد ~~بهجره هجر سببه وهو الإثم والمعصية، والمعنى اهجر الإثم والمعصية. # وقيل: الرجز اسم لكل قبيح مستقذر من الأفعال والأخلاق فالأمر بهجره أمر ms7440 ~~بترك كل ما يكرهه الله ولا يرتضيه مطلقا، أو أمر بترك خصوص الأخلاق الرذيلة ~~الذميمة على تقدير أن يكون المراد بتطهير الثياب ترك الذنوب والمعاصي. # وقيل: الرجز هو الصنم فهو أمر بترك عبادة الأصنام. # قوله تعالى: "ولا تمنن تستكثر" الذي يعطيه سياق الآيات ويناسب المقام أن ~~يكون المراد بالمن تكدير الصنيعة بذكرها للمنعم عليه كما في قوله تعالى: ~~"لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى": البقرة: 264، وقوله: "يمنون عليك أن ~~أسلموا": الحجرات 17 والمراد بالاستكثار رؤية الشيء وحسبانه كثيرا لا طلب ~~الكثرة. # والمعنى: لا تمنن امتثالك لهذه الأوامر وقيامك بالإنذار وتكبيرك ربك ~~وتطهيرك ثيابك وهجرك الرجز حال كونك ترى ذلك كثيرا وتعجبه - فإنما أنت عبد ~~لا تملك من نفسك شيئا إلا ما ملكك الله وأقدرك عليه وهو المالك لما ملكك ~~والقادر على ما عليه أقدرك فله الأمر وعليك الامتثال -. # وللقوم في الآية وجوه أخر من التفسير لا تلائم السياق تلك الملاءمة فقيل ~~المعنى لا تعط عطية لتعطى أكثر منها. # وقيل: المعنى لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة والقرآن على الناس مستكثرا ~~به الأجر. # وقيل: أي لا تمنن إبلاغ الرسالة على أمتك. # وقيل: المعنى لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعاتك. # وقيل: المعنى لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا له. # وقيل: أي إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك. # وقيل: هو نهي عن الربا المحرم أي لا تعط شيئا طالبا أن تعطي أكثر مما أعطيت. # قوله تعالى: "ولربك فاصبر" أي لوجه ربك، والصبر مطلق يشمل الصبر عند ~~المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية، والمعنى ولوجه ربك فاصبر عند ~~ما يصيبك من المصيبة والأذى في قيامك بالإنذار وامتثالك هذه الأوامر واصبر ~~على طاعة الله واصبر عن معصيته، وهذا معنى جامع لمتفرقات ما ذكروه في تفسير ~~الآية كقول بعضهم: إنه أمر بنفس الفعل من غير نظر إلى متعلقه، وقول بعضهم: ~~إنه الصبر على أذى المشركين، وقول بعضهم: إنه الصبر على أداء الفرائض، إلى ~~غير ذلك. PageV20P045 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر ms7441 المنثور، أخرج الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ~~ومسلم والترمذي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن ~~الأنباري في المصاحف عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن ~~عن أول ما نزل من القرآن فقال: يا أيها المدثر قلت: يقولون: اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، قلت له مثل ما ~~قلت. قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). قال: جاورت بحراء فلما قضيت جواري نوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ~~ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فإذا الملك ~~الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثت منه رعبا فرجعت ~~فقلت: دثروني دثروني فنزلت: "يا أيها المدثر قم فأنذر إلى قوله والرجز ~~فاهجر". # أقول: الحديث معارض بالأحاديث الآخر الدالة على كون سورة اقرأ أول ما نزل ~~من القرآن ويؤيدها سياق سورة اقرأ، على أن قوله: "فإذا الملك الذي جاءني ~~بحراء" يشعر بنزول الوحي عليه قبلا. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة: قلنا: يا رسول الله كيف نقول إذا ~~دخلنا في الصلاة؟ فأنزل الله "وربك فكبر" فأمرنا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أن نفتتح الصلاة بالتكبير. # أقول: وفي الرواية شيء فأبو هريرة ممن آمن بعد الهجرة بكثير والسورة مما ~~نزل في أول البعثة فأين كان أبو هريرة أو الصحابة يومئذ؟. # وفي الخصال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: تشمير ~~الثياب طهور لها قال الله تبارك وتعالى: "وثيابك فطهر" يعني فشمر. # أقول: وفي المعنى عدة أخبار مروية في الكافي، والمجمع، عن أبي جعفر وأبي ~~عبد الله. # وأبي الحسن (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر قال: سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "والرجز فاهجر" برفع الراء، وقال: هي ~~الأوثان. # أقول: وقوله: "هي الأوثان" من كلام جابر ms7442 أو غيره من رجال السند. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا تمنن تستكثر": وفي رواية أبي ~~الجارود يقول: لا تعط تلتمس أكثر منها. PageV20P046 ### ||| AUTO 74 سورة المدثر - 8 - 31 # فإذا نقر فى الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكفرين غير يسير ~~(10) ذرنى ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لايتنا عنيدا (16) ~~سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر ~~(20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر ~~(27) لا تبقى ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا ~~أصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتب ويزداد الذين ءامنوا إيمنا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكفرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا ~~كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هى إلا ~~ذكرى للبشر (31) ### |||| AUTO بيان # في الآيات وعيد شديد للطاعنين في القرآن الرامين له بأنه سحر والمستهزءين ~~لبعض ما فيه من الحقائق. # قوله تعالى: "فإذا نقر في الناقور" النقر القرع والناقور ما ينقر فيه ~~للتصويت، والنقر في الناقور كالنفخ في الصور كناية عن بعث الموتى وإحضارهم ~~لفصل القضاء يوم القيامة والجملة شرطية جزاؤها قوله "فذلك" إلخ. # قوله تعالى: "فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير" الإشارة بقوله ~~"فذلك" إلى زمان نقر الناقور ولا يبعد أن يكون المراد بيومئذ يوم إذ يرجعون ~~إلى الله للحساب والجزاء أو يوم إذ يرجع الخلائق إلى الله فيكون ظرفا ليوم ~~نقر الناقور فمن الجائز أن تعتبر قطعة من الزمان ظرفا لبعض أجزائه كالسنة ~~تجعل ظرفا للشهر والشهر يجعل ظرفا لليوم لنوع من العناية أو يعتبر زمان ~~متعددا مختلفا باختلاف صفاته أو الحوادث الواقعة فيه ثم يجعل باعتبار بعض ~~صفاته ms7443 ظرفا لنفسه باعتبار صفة أخرى. # والمعنى فزمان نقر الناقور الواقع في يوم رجوع الخلائق إلى الله زمان ~~عسير على الكافرين أو زمان نقر الناقور زمان عسير على الكافرين في يوم ~~الرجوع - بناء على كون قوله: "يومئذ" قيدا لقوله: "فذلك" أو لقوله: "يوم". # وقال في الكشاف،: فإن قلت: بم انتصب إذا وكيف صح أن يقع يومئذ ظرفا ليوم ~~عسير؟ قلت: انتصب إذا بما دل عليه الجزاء لأن المعنى إذا نقر في الناقور ~~عسر الأمر على الكافرين، والذي أجاز وقوع يومئذ ظرفا ليوم عسير أن المعنى ~~فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في ~~الناقور. # انتهى. # وقال: ويجوز أن يكون يومئذ مبنيا مرفوع المحل بدلا من ذلك، ويوم عسير خبر ~~كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير. # انتهى. # وقوله: "غير يسير" وصف آخر ليوم مؤكد لعسره ويفيد أنه عسير من كل وجه من ~~وجه دون وجه. # قوله تعالى: "ذرني ومن خلقت وحيدا" كلمة تهديد وقد استفاض النقل أن الآية ~~وما يتلوها إلى تمام عشرين آية نزلت في الوليد بن المغيرة، وستأتي قصته في ~~البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. # وقوله: "وحيدا" حال من فاعل "خلقت" ومحصل المعنى: دعني ومن خلقته حال ~~كوني وحيدا لا يشاركني في خلقه أحد ثم دبرت أمره أحسن التدبير، ولا تحل ~~بيني وبينه فأنا أكفيه. # ومن المحتمل أن يكون حالا من مفعول "ذرني". # وقيل: حال من مفعول خلقت المحذوف وهو ضمير عائد إلى الموصول، ومحصل ~~المعنى دعني ومن خلقته حال كونه وحيدا لا مال له ولا بنون، واحتمل أيضا أن ~~يكون "وحيدا" منصوبا بتقدير "أذم" وأحسن الوجوه أولها. # قوله تعالى: "وجعلت له مالا ممدودا" أي مبسوطا كثيرا أو ممدودا بمدد ~~النماء. # قوله تعالى: "وبنين شهودا" أي حضورا يشاهدهم ويتأيد بهم، وهو عطف على ~~قوله: "مالا". PageV20P047 # قوله تعالى: "ومهدت له تمهيدا" التمهيد التهيئة ويتجوز به عن بسطة المال ~~والجاه وانتظام الأمور. # قوله تعالى: "ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا" أي ms7444 ثم يطمع أن ~~أزيد فيما جعلت له من المال والبنين ومهدت له من التمهيد. # وقوله: "كلا" ردع له، وقوله: "إنه كان" إلخ تعليل المردع، والعنيد ~~المعاند المباهي بما عنده، قيل، ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان ~~من ماله وولده حتى هلك. # قوله تعالى: "سأرهقه صعودا" الإرهاق الغشيان بالعنف، والصعود عقبة الجبل ~~التي يشق مصعدها شبه ما سيناله من سوء الجزاء ومر العذاب بغشيانه عقبة وعر ~~صعبة الصعود. # قوله تعالى: "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر" التفكير معروف، ~~والتقدير عن تفكير نظم معان وأوصاف في الذهن بالتقديم والتأخير والوضع ~~والرفع لاستنتاج غرض مطلوب، وقد كان الرجل يهوى أن يقول في أمر القرآن شيئا ~~يبطل به دعوته ويرضي به قومه المعاندين ففكر فيه أيقول: شعر أو كهانة أو ~~هذرة جنون أو أسطورة فقدر أن يقول: سحر من كلام البشر لأنه يفرق بين المرء ~~وأهله وولده ومواليه. # وقوله: "فقتل كيف قدر" دعا عليه على ما يعطيه السياق نظير قوله: "قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون": التوبة 30. # وقوله: "ثم قتل كيف قدر" تكرار للدعاء تأكيدا. # قوله تعالى: "ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر ~~يؤثر إن هذا إلا قول البشر" تمثيل لحاله بعد التكفير والتقدير وهو من ألطف ~~التمثيل وأبلغه. # فقوله: "ثم نظر" أي ثم نظر بعد التفكير والتقدير نظرة من يريد أن يقضي في ~~أمر سئل أن ينظر فيه - على ما يعطيه سياق التمثيل -. # وقوله: "ثم عبس وبسر" العبوس تقطيب الوجه، قال في المجمع،: وعبس يعبس ~~عبوسا إذا قبض وجهه والعبوس والتكليح والتقطيب نظائر وضدها الطلاقة ~~والبشاشة، وقال: والبسور بدء التكره في الوجه انتهى، فالمعنى ثم قبض وجهه ~~وأبدا التكره في وجهه بعد ما نظر. # وقوله: "ثم أدبر واستكبر" الإدبار عن شيء الإعراض عنه، والاستكبار ~~الامتناع كبرا وعتوا، والأمران أعني الإدبار والاستكبار من الأحوال ~~الروحية، وإنما رتبا في التمثيل على النظر والعبوس والبسور وهي أحوال صورية ~~محسوسة لظهورهما بقوله: "إن هذا إلا ms7445 سحر" إلخ، ولذا عطف قوله: "فقال إن هذا ~~إلا سحر يؤثر بالفاء دون "ثم". # وقوله: "فقال إن هذا إلا سحر يؤثر" أي أظهر إدباره واستكباره بقوله مفرعا ~~عليه: "إن هذا - أي القرآن - إلا سحر يؤثر" أي يروي ويتعلم من السحرة. # وقوله: "إن هذا إلا قول البشر" أي ليس بكلام الله كما يدعيه محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # قيل: إن هذه الآية كالتأكيد للآية السابقة وإن اختلفتا معنى لأن المقصود ~~منهما نفي كونه قرآنا من كلام الله، وباعتبار الاتحاد في المقصود لم تعطف ~~الجملة على الجملة. # قوله تعالى: "سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر ~~عليها تسعة عشر" أي سأدخله سقر وسقر من أسماء جهنم في القرآن أو دركة من ~~دركاتها، وجملة "سأصليه سقر" بيان أو بدل من قوله: "سأرهقه صعودا". # وقوله: "وما أدراك ما سقر" تفخيم لأمرها وتهويل. # وقوله: "لا تبقي ولا تذر" قضية إطلاق النفي أن يكون المراد أنها لا تبقي ~~شيئا ممن نالته إلا أحرقته، ولا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته بخلاف ~~نار الدنيا التي ربما تركت بعض ما ألقي فيها ولم تحرقه، وإذا نالت إنسانا ~~مثلا نالت جسمه وصفاته الجسمية ولم تنل شيئا من روحه وصفاته الروحية، وأما ~~سقر فلا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته قال تعالى: "تدعوا من أدبر ~~وتولى": المعارج 17، وإذا نالته لم تبق منه شيئا من روح أو جسم إلا أحرقته ~~قال تعالى: "نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة": الهمزة 7. # ويمكن أن يراد أنها لا تبقيهم أحياء ولا تتركهم يموتون فيكون في معنى ~~قوله تعالى: "الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى": الأعلى: 13. # وقيل: المعنى لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكا ~~حتى يعاد فيعذب ثانيا. # وقيل: المراد أنها لا تبقي لهم لحما ولا تذر عظما، وقيل غير ذلك. PageV20P048 # قوله تعالى: "لواحة للبشر" اللواحة من التلويح بمعنى تغيير اللون إلى ~~السواد وقيل: إلى الحمرة، والبشر ms7446 جمع بشرة بمعنى ظاهر الجلد. # قوله تعالى: "عليها تسعة عشر" يتولون أمر عذاب المجرمين وقد أبهم ولم ~~يصرح أنهم من الملائكة أو غيرهم غير أن المستفاد من آيات القيامة - وتصرح ~~به الآية التالية - أنهم من الملائكة. # وقد استظهر بعضهم أن مميز قوله: "تسعة عشر" ملكا ثم قال: ألا ترى العرب ~~وهم الفصحاء كيف فهموا منه ذلك فقد روي عن ابن عباس: أنها لما نزلت "عليها ~~تسعة عشر" قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن ~~خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ ~~فقال أبو الأسد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة ~~عشر فاكفوني أنتم اثنين انتهى، وأنت ترى أن لا دليل في كلامه على ما يدعيه. # على أنه سمي الواحد من الخزنة رجلا ولا يطلق الرجل على الملك البتة ولا ~~سيما عند المشركين الذين قال تعالى فيهم: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا": الزخرف: 19. # قوله تعالى: "وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة" إلى آخر الآية. # سياق الآية يشهد على أنهم تكلموا فيما ذكر في الآية من عدد خزان النار ~~فنزلت هذه الآية، ويتأيد بذلك ما ورد من سبب النزول وسيوافيك في البحث ~~الروائي التالي. # فقوله: "وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة" المراد بأصحاب النار خزنتها ~~الموكلون عليها المتولون لتعذيب المجرمين فيها كما يفيده قوله: "عليها تسعة ~~عشر" ويشهد بذلك قوله بعد: "وما جعلنا عدتهم إلا فتنة" إلخ. # ومحصل المعنى: أنا جعلناهم ملائكة يقدرون على ما أمروا به كما قال: ~~"عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون": ~~التحريم 6. # فليسوا من البشر حتى يرجوا المجرمون أن يقاوموهم ويطيقوهم. # وقوله: "وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا" الفتنة المحنة والاختبار. # ذكروا أن المراد بالجعل الجعل بحسب الإخبار دون الجعل بحسب التكوين ~~فالمعنى وما أخبرنا عن عدتهم أنها تسعة عشر إلا ليكون فتنة للذين كفروا، ~~ويؤيده ذيل الكلام: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب" ms7447 إلخ. # وقوله: "ليستيقن الذين أوتوا الكتاب" الاستيقان وجدان اليقين في النفس أي ~~ليوقن أهل الكتاب بأن القرآن النازل عليك حق حيث يجدون ما أخبرنا به من عدة ~~أصحاب النار موافقا لما ذكر فيما عندهم من الكتاب. # وقوله: "ويزداد الذين آمنوا إيمانا" أي بسبب ما يجدون من تصديق أهل ~~الكتاب ذلك. # وقوله: "وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا ~~مثلا" اللام في "ليقول" للعاقبة بخلاف اللام في "ليستيقن" فللتعليل ~~بالغاية، والفرق أن قولهم: "ما ذا أراد الله بهذا مثلا" تحقير وتهكم وهو ~~كفر لا يعد غاية لفعله سبحانه إلا بالعرض بخلاف الاستيقان الذي هو من ~~الإيمان، ولعل اختلاف المعنيين هو الموجب لإعادة اللام في قوله: "وليقول". # وقد فسروا "الذين في قلوبهم مرض" بالشك والجحود بالمنافقين وفسروا ~~الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين وغيرهم. # وقولهم: ما ذا أراد الله بهذا مثلا" أرادوا به التحقير والتهكم يشيرون ~~بهذا إلى قوله تعالى: "عليها تسعة عشر" والمثل الوصف، والمعنى ما الذي ~~يعنيه من وصف الخزنة بأنهم تسعة عشر؟ فهذه العدة القليلة كيف تقوى على ~~تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس. # ذنابة لما تقدم من الكلام في النفاق # ذكر بعضهم أن قوله تعالى: "وليقول الذين في قلوبهم مرض" الآية - بناء على ~~أن السورة بتمامها مكية، وأن النفاق إنما حدث بالمدينة - إخبار عما سيحدث ~~من المغيبات بعد الهجرة انتهى. # أما كون السورة بتمامها مكية فهو المتعين من طريق النقل وقد ادعي عليه ~~إجماع المفسرين، وما نقل عن مقاتل أن قوله: "وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة" الآية مدني لم يثبت من طريق النقل، وعلى فرض الثبوت هو قول نظري ~~مبني على حدوث النفاق بالمدينة والآية تخبر عنه. PageV20P049 # وأما حديث حدوث النفاق بالمدينة فقد أصر عليه بعضهم محتجا عليه بأن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين لم يكونوا قبل الهجرة من القوة ونفوذ ~~الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس أو يرجى منهم خير حتى يتقوهم ويظهروا ~~لهم الإيمان ويلحقوا بجمعهم مع إبطان الكفر وهذا ms7448 بخلاف حالهم بالمدينة بعد ~~الهجرة. # والحجة غير تامة - كما أشرنا إليه في تفسير سورة المنافقون في كلام حول ~~النفاق فإن علل النفاق ليست تنحصر في المخافة والاتقاء أو الاستدرار من خير ~~معجل فمن علله الطمع ولو في نفع مؤجل ومنها العصبية والحمية ومنها استقرار ~~العادة ومنها غير ذلك. # ولا دليل على انتفاء جميع هذه العلل عن جميع من آمن بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم أنه آمن ثم رجع أو آمن ~~عن ريب ثم صلح. # على أنه تعالى يقول: "ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ~~جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس ~~الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين": العنكبوت: 11. # والآيتان في سورة مكية وهي سورة العنكبوت، وهما ناطقتان بوجود النفاق ~~فيها ومع الغض عن كون السورة مكية فاشتمال الآية على حديث الإيذاء في الله ~~والفتنة أصدق شاهد على نزول الآيتين بمكة فلم يكن بالمدينة إيذاء في الله ~~وفتنة، واشتمال الآية على قوله: "ولئن جاء نصر من ربك" إلخ لا يدل على ~~النزول بالمدينة فللنصر مصاديق أخرى غير الفتح المعجل. # واحتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقعت بمكة بعد الهجرة غير ضائر فإن ~~هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة وإن أوذوا بعدها. # وعلى مثل ذلك ينبغي أن يحمل قوله تعالى: "ومن الناس من يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه": الحج: 11 إن كان ~~المراد بالفتنة العذاب وإن كانت السورة مدنية. # وقوله: "كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء" الإشارة بذلك إلى مضمون ~~قوله: "وما جعلنا عدتهم إلا فتنة" إلخ. # وقوله: "وما يعلم جنود ربك إلا هو" علق تعالى العلم المنفي بالجنود - وهي ~~الجموع الغليظة التي خلقهم وسائط لإجراء أوامره - لا بخصوص عدتهم فأفاد ~~بإطلاقه ms7449 أن العلم بحقيقتهم وخصوصيات خلقتهم وعدتهم وما يعملونه من عمل ~~ودقائق الحكمة في جميع ذلك يختص به تعالى لا يشاركه فيه أحد، فليس لأحد أن ~~يستقل عدتهم أو يستكثر أو يطعن في شيء مما يرجع إلى صفاتهم وهو جاهل بها. # وقوله: "وما هي إلا ذكرى للبشر" الضمير راجع إلى ما تقدم من قوله: "عليها ~~تسعة عشر" وتأنيثه لتأنيث الخبر، والمعنى أن البشر لا سبيل لهم إلى العلم ~~بجنود ربك وإنما أخبرنا عن خزنة النار أن عدتهم تسعة عشر ليكون ذكرى لهم ~~يتعظون بها. # وقيل: الضمير للجنود، وقيل: لسقر، وقيل للسورة، وقيل: لنار الدنيا وهو ~~أسخف الأقوال. # وفي الآية دلالة على أن الخطابات القرآنية لعامة البشر. PageV20P050 ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فإذا نقر في الناقور إلى قوله وحيدا" ~~فإنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان شيخا كبيرا مجربا من دهاة العرب، ~~وكان من المستهزءين برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقعد في الحجر ويقرأ القرآن فاجتمعت قريش إلى ~~الوليد بن المغيرة فقالوا: يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد؟ أشعر هو ~~أم كهانة أم خطب؟ فقال دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال: يا محمد أنشدني من شعرك قال: ما هو شعر ولكنه كلام الله ~~الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ورسله فقال: اتل علي منه شيئا! فقرأ عليه ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حم السجدة فلما بلغ قوله: "فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة - مثل صاعقة عاد وثمود" قال: فاقشعر الوليد وقامت كل ~~شعرة في رأسه ولحيته، ومر إلى بيته ولم يرجع إلى قريش من ذلك. فمشوا إلى ~~أبي جهل فقالوا: يا أبا الحكم إن أبا عبد شمس صبا إلى دين محمد أما تراه لم ~~يرجع إلينا فغدا أبو جهل إلى الوليد فقال: يا عم نكست رءوسنا وفضحتنا وأشمت ~~بنا عدونا وصبوت إلى دين محمد، فقال: ما صبوت إلى دينه ms7450 ولكني سمعت كلاما ~~صعبا تقشعر منه الجلود فقال له أبو جهل: أخطب هو؟ قال: لا إن الخطب كلام ~~متصل وهذا كلام منثور ولا يشبه بعضه بعضا. قال: أفشعر هو؟ قال: لا أما إني ~~لقد سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها وما هو بشعر. قال: فما ~~هو؟ قال: دعني أفكر فيه. فلما كان من الغد قالوا له: يا أبا عبد شمس ما ~~تقول فيما قلناه؟ قال: قولوا: هو سحر فإنه آخذ بقلوب الناس فأنزل على رسوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك: "ذرني ومن خلقت وحيدا". وإنما سمي وحيدا ~~لأنه قال لقريش: أنا أتوحد لكسوة البيت سنة وعليكم في جماعتكم سنة، وكان له ~~مال كثير وحدائق، وكان له عشر بنين بمكة، وكان له عشرة عبيد عند كل عبد ألف ~~دينار يتجر بها وتلك القنطار في ذلك الزمان، ويقال: إن القنطار جلد ثور ~~مملوء ذهبا. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة ~~عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك ~~يريدون أن يجعلوا لك مالا ليعطوه لك فإنك أتيت محمدا لتصيب مما عنده. قال: ~~قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك إنك منكر أو ~~إنك كاره له، قال: وما ذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا ~~برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ~~ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ~~ومغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك ~~قومك حتى تقول فيه قال: دعني حتى أفكر فلما فكر قال ما هو إلا سحر يؤثر ~~يأثره عن غيره فنزلت: "ذرني ومن خلقت وحيدا". # وفي المجمع، روى العياشي بإسناده عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي ms7451 ~~عبد الله وأبي جعفر (عليه السلام) أن الوحيد ولد الزنا. قال زرارة: ذكر ~~لأبي جعفر (عليه السلام) عن أحد بني هشام أنه قال في خطبته: أنا ابن الوحيد ~~فقال: ويله لو علم ما الوحيد ما فخر بها فقلنا له، وما هو؟ قال، من لا يعرف له أب. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن المنذر والترمذي وابن أبي الدنيا في ~~صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حيان والحاكم وصححه والبيهقي في ~~البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال، الصعود ~~جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ثم يهوي وهو كذلك فيه أبدا. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى، "ثم عبس" قال، عبس وجهه "وبسر" قال، ~~ألقى شدقه. PageV20P051 ### ||| AUTO 74 سورة المدثر - 32 - 48 # كلا والقمر (32) واليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لاحدى ~~الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس ~~بما كسبت رهينة (38) إلا أصحب اليمين (39) فى جنت يتساءلون (40) عن ~~المجرمين (41) ما سلككم فى سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك ~~نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) ~~حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفعة الشفعين (48) ### |||| AUTO بيان # في الآيات تنزيه للقرآن الكريم عما رموه به، وتسجيل أنه إحدى الآيات ~~الإلهية الكبرى فيه إنذار البشر كافة وفي اتباعه فك نفوسهم عن رهانة ~~أعمالهم التي تسوقهم إلى سقر. # قوله تعالى: "كلا" ردع وإنكار لما تقدم قال في الكشاف: إنكار بعد أن ~~جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون، أو ردع لمن ينكر أن يكون ~~إحدى الكبر نذيرا. # انتهى. # فعلى الأول إنكار لما تقدم وعلى الثاني ردع لما سيأتي، وهناك وجه آخر ~~سيوافيك. # قوله تعالى: "والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر" قسم بعد قسم، ~~وإدبار الليل مقابل إقباله، وإسفار الصبح انجلاؤه وانكشافه. # قوله تعالى: "إنها لإحدى الكبر" ذكروا أن الضمير لسقر، والكبر جمع كبرى، ~~والمراد بكون سقر إحدى الكبر أنها إحدى الدواهي الكبر ms7452 لا يعادلها غيرها من ~~الدواهي كما يقال: هو أحد الرجال أي لا نظير له بينهم، والجملة جواب للقسم. # والمعنى أقسم بكذا وكذا أن سقر لإحدى الدواهي الكبر - أكبرها - إنذارا للبشر. # ولا يبعد أن يكون "كلا" ردعا لقوله في القرآن: "إن هذا إلا سحر يؤثر إن ~~هذا إلا قول البشر" ويكون ضمير "أنها" للقرآن بما أنه آيات أو من باب ~~مطابقة اسم إن لخبرها. # والمعنى: ليس كما قال أقسم بكذا وكذا أن القرآن - آياته - لإحدى الآيات ~~الإلهية الكبرى إنذارا للبشر. # وقيل: الجملة "أنها لإحدى الكبر" تعليل للردع، والقسم معترض للتأكيد لا ~~جواب له أو جوابه مقدر يدل عليه كلا. # قوله تعالى: "نذيرا للبشر" مصدر بمعنى الإنذار منصوب للتمييز، وقيل: حال ~~مما يفهم من سياق قوله: "إنها لإحدى الكبر" أي كبرت وعظمت حالكونها إنذارا ~~أي منذرة. # وقيل فيه وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم: أنه صفة للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) والآية متصلة بأول السورة والتقدير قم نذيرا للبشر فأنذر، وقول ~~بعضهم: صفة له تعالى. # قوله تعالى: "لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر" تعميم للإنذار و"لمن شاء" ~~بدل من البشر، و"أن يتقدم" إلخ مفعول "شاء" والمراد بالتقدم والتأخر: ~~الاتباع للحق ومصداقه الإيمان والطاعة، وعدم الاتباع ومصداقه الكفر ~~والمعصية. # والمعنى: نذيرا لمن اتبع منكم الحق ولمن لم يتبع أي لجميعكم من غير ~~استثناء. # وقيل: "أن يتقدم" في موضع الرفع على الابتداء و"لمن شاء" خبره كقولك لمن ~~توضأ أن يصلي، والمعنى مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر، ~~وهو كقوله. # "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" والمراد بالتقدم والتأخر السبق إلى ~~الخير والتخلف عنه انتهى. # قوله تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة" الباء بمعنى مع أو للسببية أو ~~للمقابلة و"رهينة" بمعنى الرهن على ما ذكره الزمخشري قال في الكشاف،: رهينة ~~ليست بتأنيث رهين في قوله: "كل امرىء بما كسب رهين" لتأنيث النفس لأنه لو ~~قصدت لقيل: رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي ~~اسم ms7453 بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن. # انتهى. # وكان العناية في عد كل نفس رهينة أن لله عليها حق العبودية بالإيمان ~~والعمل الصالح فهي رهينة محفوظة محبوسة عند الله حتى توفي دينه وتؤدي حقه ~~تعالى فإن آمنت وصلحت فكت وأطلقت، وإن كفرت وأجرمت وماتت على ذلك كانت ~~رهينة محبوسة دائما، وهذا غير كونها رهين عملها ملازمة لما اكتسبت من خير ~~وشر كما تقدم في قوله تعالى: "كل امرىء بما كسب رهين": الطور 21. PageV20P052 # والآية في مقام بيان وجه التعميم المستفاد من قوله: "نذيرا للبشر لمن شاء ~~منكم أن يتقدم أو يتأخر" فإن كون النفس الإنسانية رهينة بما كسبت يوجب على ~~كل نفس أن تتقي النار التي ستحبس فيها إن أجرمت ولم تتبع الحق. # قوله تعالى: "إلا أصحاب اليمين" هم الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يوم ~~الحساب وهم أصحاب العقائد الحقة والأعمال الصالحة من متوسطي المؤمنين، وقد ~~تكرر ذكرهم وتسميتهم بأصحاب اليمين في مواضع من كلامه تعالى، وعلى هذا ~~فالاستثناء متصل. # والمتحصل من مجموع المستثنى منه والمستثنى انقسام النفوس ذوات الكسب إلى ~~نفوس رهينة بما كسبت وهي نفوس المجرمين، ونفوس مفكوكة من الرهن مطلقة وهي ~~نفوس أصحاب اليمين، وأما السابقون المقربون وهم الذين ذكرهم الله في مواضع ~~من كلامه وعدهم ثالثة الطائفتين وغيرهما كما في قوله تعالى: "وكنتم أزواجا ~~ثلاثة - إلى أن قال - والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة: 11، ~~فهؤلاء قد استقروا في مستقر العبودية لا يملكون نفسا ولا عمل نفس فنفوسهم ~~لله وكذلك أعمالهم فلا يحضرون ولا يحاسبون قال تعالى: "فإنهم لمحضرون إلا ~~عباد الله المخلصين": الصافات: 128، فهم خارجون عن المقسم رأسا. # وعن بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالملائكة، وعن بعضهم التفسير بأطفال ~~المسلمين وعن بعضهم أنهم الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق، وعن بعضهم ~~أنهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وهي وجوه ضعيفة غير خفية الضعف. # قوله تعالى: "في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر" "في جنات" ~~خبر لمبتدإ محذوف وتنوين جنات للتعظيم، والتقدير ms7454 هم في جنات لا يدرك وصفها، ~~ويمكن أن يكون حالا من أصحاب اليمين. # وقوله: "يتساءلون عن المجرمين" أي يتساءل جمعهم عن جمع المجرمين. # وقوله: "ما سلككم في سقر" أي ما أدخلكم في سقر بيان لتساؤلهم من بيان ~~الجملة بالجملة، أو بتقدير القول أي قائلين ما سلككم في سقر. # قوله تعالى: "قالوا لم نك من المصلين" ضمير الجمع للمجرمين، والمراد ~~بالصلاة التوجه العبادي الخاص إلى الله سبحانه فلا يضره اختلاف الصلاة كما ~~وكيفا باختلاف الشرائع السماوية الحقة. # قوله تعالى: "ولم نك نطعم المسكين" المراد بإطعام المسكين الإنفاق على ~~فقراء المجتمع بما يقوم به صلبهم ويرتفع به حاجتهم، وإطعام المسكين إشارة ~~إلى حق الناس عملا كما أن الصلاة إشارة إلى حق الله كذلك. # قوله تعالى: "وكنا نخوض مع الخائضين" المراد بالخوض الاشتغال بالباطل ~~قولا أو فعلا والغور فيه. # قوله تعالى: "وكنا نكذب بيوم الدين" وهو يوم الجزاء فهذه خصال أربع من ~~طبع المجرم أن يبتلي بها كلا أو بعضا، ولما كان المجيب عن التساؤل جمع ~~المجرمين صحت نسبة الجميع إلى الجميع وإن كان بعضهم مبتلى ببعضها دون بعض. # قوله تعالى: "حتى أتانا اليقين" قيد للتكذيب، وفسروا اليقين بالموت لكونه ~~مما لا شك فيه فالمعنى وكنا في الدنيا نكذب بيوم الجزاء حتى أتانا الموت ~~فانقطعت به الحياة الدنيا أي كنا نكذب به ما دامت الحياة. # وقيل: المراد به اليقين الحاصل بحقية يوم الجزاء بمشاهدة آيات الآخرة ~~ومعاينة الحياة البرزخية حين الموت وبعده، وهو معنى حسن. # قوله تعالى: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" تقدم في بحث الشفاعة أن في ~~الآية دلالة على أن هناك شافعين يشفعون فيشفعون لكن لا تنفع هؤلاء شفاعتهم ~~لأنهم محرومون من نيلها. # وقد أوردنا جملة من أخبار الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب. PageV20P053 ### ||| AUTO 74 سورة المدثر - 49 - 56 # فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة ~~(51) بل يريد كل امرى منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون ~~الاخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما ms7455 يذكرون إلا أن يشاء ~~الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) ### |||| AUTO بيان # في معنى الاستنتاج مما تقدم من الوعيد والوعد أورد في صورة التعجب من ~~إعراضهم عن تذكرة القرآن وتنفرهم عن الحق الصريح كأنه قيل: فإذا كان كذلك ~~فعليهم أن يجيبوا دعوة الحق ويتذكروا بالتذكرة فمن العجب أنهم معرضون عن ~~ذلك كلا بل لا يؤمنون بالرسالة ويريد كل امرىء منهم أن ينزل عليه كتاب من الله. # كلا بل لا يخافون الآخرة فلا يرتدعون عن وعيد. # ثم يعرض عليهم التذكرة عرضا فهم على خيرة من القبول والرد فإن شاءوا ~~قبلوا وإن شاءوا ردوا، لكن عليهم أن يعلموا أنهم غير مستقلين في مشيتهم ~~وليسوا بمعجزين لله سبحانه فليس لهم أن يذكروا إلا أن يشاء الله، وحكم ~~القدر جار فيهم البتة. # قوله تعالى: "فما لهم عن التذكرة معرضين" تفريع على ما تقدم من التذكرة ~~والموعظة، والاستفهام للتعجيب، و"لهم" متعلق بمحذوف والتقدير فما كان لهم: ~~و"معرضين" حال من ضمير "لهم" و"عن التذكرة" متعلق بمعرضين. # والمعنى: فإذا كان كذلك فأي شيء كان - عرض - للمشركين الذين يكذبون ~~بتذكرة القرآن حال كونهم معرضين عنها أي كان من الواجب عليهم أن يصدقوا ~~ويؤمنوا لكنهم أعرضوا عنها وهو من العجب. # قوله تعالى: "كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة" تشبيه لهم من حيث حالهم في ~~الإعراض عن التذكرة، والحمر جمع حمار، والمراد الحمر الوحشية والاستنفار ~~بمعنى النفرة والقسورة الأسد والصائد، وقد فسر بكل من المعنيين. # والمعنى: معرضين عن التذكرة كأنهم حمر وحشية نفرت من أسد أو من الصائد. # قوله تعالى: "بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة" المراد بالصحف ~~المنشرة الكتاب السماوي المشتمل على الدعوة الحقة. # وفي الكلام إضراب عما ذكر من إعراضهم، والمعنى ليس إعراضهم عن التذكرة ~~لمجرد النفرة بل يريد كل امرىء منهم أن ينزل عليه كتاب من عند الله مشتمل ~~على ما تشتمل عليه دعوة القرآن. # وهذه النسبة إليهم كناية عن استكبارهم على الله سبحانه أنهم إنما يقبلون ~~دعوته ولا يردونها لو دعا كل واحد ms7456 منهم بإنزال كتاب سماوي إليه مستقلا وأما ~~الدعوة من طريق الرسالة فليسوا يستجيبونها وإن كانت حقة مؤيدة بالآيات ~~البينة. # فالآية في معنى ما حكاه الله سبحانه من قولهم: "لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله": الأنعام 124، وفي معنى قول الأمم لرسلهم: "إن أنتم إلا بشر ~~مثلنا" على ما قررنا من حجتهم على نفي رسالة الرسل. # وقيل: إن الآية في معنى قولهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي حكاه ~~الله في قوله: "ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه": إسراء 93. # ويدفعه أن مدلول الآية أن ينزل على كل واحد منهم صحف منشرة غير ما ينزل ~~على غيره لا نزول كتاب واحد من السماء على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يقرؤه الجميع كما هو مدلول آية الإسراء. # وقيل: المراد نزول كتب من السماء عليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # وقيل: المراد أن ينزل عليهم كتب من السماء بالبراءة من العذاب وإسباغ ~~النعمة حتى يؤمنوا وإلا بقوا على كفرهم وقيل غير ذلك. # وهي جميعا معان بعيدة من السياق والتعويل على ما تقدم. # قوله تعالى: "كلا بل لا يخافون الآخرة" ردع لهم بما يريدونه من نزول كتاب ~~سماوي على كل واحد منهم فإن دعوة الرسالة مؤيدة بآيات بينة وحجج قاطعة لا ~~تدع ريبا لمرتاب فالحجة تامة قائمة على الرسول وغيره على حد سواء من غير ~~حاجة إلى أن يؤتى كل واحد من الناس المدعوين صحفا منشرة. # على أن الرسالة تحتاج من طهارة الذات وصلاحية النفس إلى ما يفقده نفوس ~~سائر الناس كما هو مدلول جوابه تعالى في سورة الأنعام عن قولهم: "لن نؤمن ~~حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" بقوله: "الله أعلم حيث يجعل رسالته". PageV20P054 # وقوله: "بل لا يخافون الآخرة" إضراب عن قوله: "يريد كل امرىء منهم" إلخ، ~~والمراد أن اقتراحهم نزول كتاب على كل امرىء منهم قول ظاهري منهم يريدون به ~~صرف الدعوة عن أنفسهم، والسبب الحقيقي لكفرهم وتكذيبهم بالدعوة أنهم لا ~~يخافون ms7457 الآخرة، ولو خافوها لآمنوا ولم يقترحوا آية بعد قيام الحجة بظهور ~~الآيات البينات. # قوله تعالى: "كلا إنه تذكرة" ردع ثان لاقتراحهم نزول كتاب سماوي لكل ~~امرىء منهم، والمعنى لا ننزل كتابا كذلك أن القرآن تذكرة وموعظة نعظهم به ~~لا نريد به أزيد من ذلك، وأثر ذلك ما أعد للمطيع والعاصي عندنا من الجزاء. # قوله تعالى: "فمن شاء ذكره" أي فمن شاء اتعظ به فإنما هي دعوة في ظرف ~~الاختيار من غير إكراه. # قوله تعالى: "وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة" ~~دفع لما يمكن أن يتوهموه من قوله تعالى: "فمن شاء ذكره" أن الأمر إليهم ~~وأنهم مستقلون في إرادتهم وما يترتب عليها من أفعالهم فإن لم يشاءوا الذكر ~~ولم يذكروا غلبوه تعالى فيما أراد وأعجزوه فيما شاء من ذكرهم. # والمحصل من الدفع أن حكم القدر جاء في أفعالهم كغيرها من الحوادث، ~~وتذكرهم إن تذكروا وإن كان فعلا اختياريا صادرا عنهم باختيارهم من غير ~~إكراه فالمشية الإلهية متعلقة به بما هو اختياري بمعنى أن الله تعالى يريد ~~بإرادة تكوينية أن يفعل الإنسان الفعل الفلاني بإرادته واختياره فالفعل ~~اختياري ممكن بالنسبة إلى الإنسان وهو بعينه متعلق الإرادة الإلهية ضروري ~~التحقق بالنسبة إليها ولولاها لم يتحقق. # وقوله: "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" أي أهل لأن يتقى منه لأن له الولاية ~~المطلقة على كل شيء، وبيده سعادة الإنسان وشقاوته، وأهل لأن يغفر لمن اتقاه ~~لأنه غفور رحيم. # والجملة أعني قوله: "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" صالحة لتعليل ما تقدم ~~من الدعوة في قوله: "إنه تذكرة فمن شاء ذكره" وهو ظاهر، ولتعليل قوله: "وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله" فإن كونه تعالى أهل التقوى وأهل المغفرة لا يتم ~~إلا بكونه ذا إرادة نافذة فيهم سارية في أعمالهم فليسوا بمخلين وما يهوونه ~~وهم معجزون لله بتمردهم واستكبارهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله ~~تعالى: "بل يريد كل امرىء منهم - أن يؤتى ms7458 صحفا منشرة" وذلك أنهم قالوا: يا ~~محمد قد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يذنب الذنب فيصبح وذنبه مكتوب ~~عند رأسه وكفارته. فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وقال: يسألك قومك سنة بني إسرائيل في الذنوب فإن شاءوا فعلنا ذلك بهم ~~وأخذناهم بما كنا نأخذ بني إسرائيل فزعموا أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كره ذلك لقومه. # أقول: والقصة لا تلائم لحن الآية والرواية لا تخلو من إيماء إلى ضعف القصة. # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن السدي عن ~~أبي صالح قال: قالوا: إن كان محمد صادقا فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة ~~فيها براءته وأمنته من النار فنزلت: "بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة". # أقول: سياق الآيات وما فيها من الردع لا يلائم القصة. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد "بل يريد كل امرىء منهم أن ~~يؤتى صحفا منشرة" قال: إلى فلان بن فلان من رب العالمين يصبح عند رأس كل ~~رجل صحيفة موضوعة يقرؤها. # أقول: ما في الرواية يقبل الانطباق على الرواية السابقة وعلى ما قدمناه ~~من معنى الآية. # وفيه، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى: "بل يريد كل ~~امرىء منهم - أن يؤتى صحفا منشرة" قال: قد قال قائلون من الناس لمحمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إن سرك أن نتابعك فأتنا بكتاب خاصة يأمرنا باتباعك. # أقول: الرواية قابلة التطبيق لما في تفسير الآية من القول بأن الآية في ~~معنى قوله تعالى: "ولن نؤمن لرقيك" الآية وقد تقدم ما فيه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" قال: هو ~~أهل أن يتقى وأهل أن يغفر. PageV20P055 # وفي التوحيد، بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول ~~الله عز وجل: "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" قال: قال الله عز وجل: أنا أهل ~~أن أتقى ولا يشرك بي ms7459 عبدي شيئا وأنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن أدخله ~~الجنة. وقال: إن الله تبارك وتعالى أقسم بعزته وجلاله أن لا يعذب أهل ~~توحيده بالنار. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن دينار قال: سمعت أبا ~~هريرة وابن عمر وابن عباس يقولون: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عن قول الله: "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" قال: يقول الله: أنا أهل أن ~~أتقى فلا يجعل معي شريك فإذا اتقيت ولم يجعل معي شريك فأنا أهل أن أغفر ما ~~سوى ذلك. # أقول: وفي معناه غير واحد من الروايات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV20P056 ### || AUTO ### ||| AUTO 75 سورة القيامة - 1 - 15 # بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة (2) أيحسب الانسن ألن نجمع عظامه (3) بلى قدرين على أن نسوى بنانه ~~(4) بل يريد الانسن ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيمة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الانسن يومئذ أين ~~المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبؤا الانسن يومئذ ~~بما قدم وأخر (13) بل الانسن على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) ### |||| AUTO بيان # يطوف بيان السورة حول القيامة الكبرى فتنبىء بوقوع يوم القيامة أولا ثم ~~تصفه ببعض أشراطه تارة، وبإجمال ما يجري على الإنسان أخرى، وينبىء أن ~~المساق إليه يبدأ من يوم الموت، وتختتم بالاحتجاج على القدرة على الإعادة ~~بالقدرة على الابتداء. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "لا أقسم بيوم القيامة" إقسام بيوم القيامة سواء قيل بكون ~~"لا أقسم" كلمة قسم أو بكون لا زائدة أو نافية على اختلاف الأقوال. # قوله تعالى: "ولا أقسم بالنفس اللوامة" إقسام ثان على ما يقتضيه السياق ~~ومشاكلة اللفظ فلا يعبأ بما قيل: إنه نفي الأقسام وليس بقسم، والمراد أقسم ~~بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة. # والمراد بالنفس اللوامة نفس المؤمن التي تلومه في الدنيا على المعصية ~~والتثاقل في الطاعة وتنفعه يوم القيامة. # وقيل: المراد به النفس الإنسانية أعم من المؤمنة ms7460 الصالحة والكافرة ~~الفاجرة فإنها تلوم الإنسان يوم القيامة أما الكافرة فإنها تلومه على كفره ~~وفجوره، وأما المؤمنة فإنها تلومه على قلة الطاعة وعدم الاستكثار من الخير. # وقيل. # المراد نفس الكافر الذي تلومه يوم القيامة على ما قدمت من كفر ومعصية قال ~~تعالى: "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب": يونس 54. # ولكل من الأقوال وجه. # وجواب القسم محذوف يدل عليه الآيات التالية، والتقدير ليبعثن، وإنما حذف ~~للدلالة على تفخيم اليوم وعظمة أمره قال تعالى: "ثقلت في السماوات والأرض ~~لا تأتيكم إلا بغتة": الأعراف 187 وقال: "إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي ~~كل نفس بما تسعى": طه 15 وقال: "عم يتساءلون عن النبإ العظيم": النبأ: 1. # قوله تعالى: "أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه" الحسبان الظن، وجمع العظام ~~كناية عن الإحياء بعد الموت، والاستفهام للتوبيخ، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "بلى قادرين على أن نسوي بنانه" أي بلى نجمعها وقادرين" حال ~~من فاعل مدخول بلى المقدر، والبنان أطراف الأصابع وقيل: الأصابع وتسوية ~~البنان تصويرها على ما هي عليها من الصور، والمعنى بلى نجمعها والحال أنا ~~قادرون على أن نصور بنانه على صورها التي هي عليها بحسب خلقنا الأول. # وتخصيص البنان بالذكر - لعله - للإشارة إلى عجيب خلقها بما لها من الصور ~~وخصوصيات التركيب والعدد تترتب عليها فوائد جمة لا تكاد تحصى من أنواع ~~القبض والبسط والأخذ والرد وسائر الحركات اللطيفة والأعمال الدقيقة ~~والصنائع الظريفة التي يمتاز بها الإنسان من سائر الحيوان مضافا إلى ما ~~عليها من الهيئات والخطوط التي لا يزال ينكشف للإنسان منها سر بعد سر. # وقيل: المراد بتسوية البنان جعل أصابع اليدين والرجلين مستوية شيئا واحدا ~~من غير تفريق كخف البعير وحافر الحمار، والمعنى قادرين على أن نجعلها شيئا ~~واحدا فلا يقدر الإنسان حينئذ على ما يقدر عليه مع تعدد الأصابع من فنون ~~الأعمال، والوجه المتقدم أرجح. # قوله تعالى: "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه" قال الراغب: الفجر شق الشيء ~~شقا واسعا. # قال: والفجور شق ستر الديانة يقال: فجر فجورا فهو فاجر وجمعه فجار وفجرة. # انتهى، ms7461 وأمام ظرف مكان استعير لمستقبل الزمان، والمراد من فجوره أمامه ~~فجوره مدى عمره وما دام حيا، وضمير "أمامه" للإنسان. # وقوله: "ليفجر أمامه" تعليل ساد مسد معلله وهو التكذيب بالبعث والإحياء ~~بعد الموت، و"بل" إضراب عن حسبانه عدم البعث والإحياء بعد الموت. PageV20P057 # والمعنى: أنه لا يحسب أن لن نجمع عظامه بل يريد أن يكذب بالبعث ليفجر مدى ~~عمره إذ لا موجب للإيمان والتقوى لو لم يكن هناك بعث للحساب والجزاء. # هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية، ولهم وجوه أخر ذكروها في معنى الآية ~~بعيدة لا تلائم السياق أغمضنا عن ذكرها. # وذكر الإنسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير والنكتة فيه زيادة ~~التوبيخ والمبالغة في التقريع، وقد كرر ذلك في الآية وما يتلوها من الآيات ~~أربع مرات. # قوله تعالى: "يسأل أيان يوم القيامة" الظاهر أنه بيان لقوله: "بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه" فيفيد التعليل وأن السائل في مقام التكذيب والسؤال ~~سؤال تكذيب إذ من الواجب على من دعي إلى الإيمان والتقوى، وأنذر بهذا النبإ ~~العظيم مع دلالة الآيات البينة وقيام الحجج القاطعة أن يتخذ حذره ويتجهز ~~بالإيمان والتقوى ويتهيأ للقاء اليوم قريبا كان أو بعيدا فكل ما هو آت قريب ~~لا أن يسأل متى تقوم الساعة؟ وأيان يوم القيامة؟ فليس إلا سؤال مكذب ~~مستهزىء. # قوله تعالى: "فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر" ذكر جملة من ~~أشراط الساعة، وبريق البصر تحيره في إبصاره ودهشته، وخسوف القمر زوال نوره. # قوله تعالى: "يقول الإنسان يومئذ أين المفر" أي أين موضع الفرار، وقوله: ~~"أين المفر" مع ظهور السلطنة الإلهية له وعلمه بأن لا مفر ولا فرار يومئذ ~~من باب ظهور ملكاته يومئذ فقد كان في الدنيا يسأل عن المفر إذا وقع في شدة ~~أو هددته مهلكة وذلك كإنكارهم الشرك يومئذ وحلفهم كذبا قال تعالى: "ثم لم ~~تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين": الأنعام: 23، وقال: ~~"يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم": المجادلة: 18. # قوله تعالى: "كلا لا ms7462 وزر" ردع عن طلبهم المفر، والوزر الملجأ من جبل أو ~~حصن أو غيرهما، وهو من كلامه تعالى لا من تمام كلام الإنسان. # قوله تعالى: "إلى ربك يومئذ المستقر" الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وتقديم "إلى ربك" وهو متعلق بقوله: "المستقر" يفيد الحصر فلا مستقر ~~إلى غيره فلا وزر ولا ملجأ يلتجأ إليه فيمنع عنه. # وذلك أن الإنسان سائر إليه تعالى كما قال: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ~~ربك كدحا فملاقيه": الانشقاق: 6 وقال: "إن إلى ربك الرجعى": العلق: 8 وقال: ~~"وأن إلى ربك المنتهى": النجم: 42، فهو ملاقي ربه راجع ومنته إليه لا حاجب ~~يحجبه عنه ولا مانع يمنعه منه وأما الحجاب الذي يشير إليه قوله: "كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": ~~المطففين: 15 فسياق الآيتين يعطي أن المراد به حجاب الحرمان من الكرامة لا ~~حجاب الجهل أو الغيبة. # ويمكن أن يكون المراد بكون مستقره إليه رجوع أمر ما يستقر فيه من سعادة ~~أو شقاوة وجنة أو نار إلى مشيته تعالى فمن شاء جعله في الجنة وهم المتقون ~~ومن شاء جعله في النار وهم المجرمون قال تعالى: "يعذب من يشاء ويغفر لمن ~~يشاء": المائدة: 40. # ويمكن أن يراد به أن استقرارهم يومئذ إلى حكمه تعالى فهو النافذ فيهم لا ~~غير قال تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون": القصص: 88. # قوله تعالى: "ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" المراد بما قدم وأخر ما ~~عمله من حسنة أو سيئة في أول عمره وآخره أو ما قدمه على موته من حسنة أو ~~سيئة وما أخر من سنة حسنة سنها أو سنة سيئة فيثاب بالحسنات ويعاقب على ~~السيئات. # وقيل: المراد بما قدم ما عمله من حسنة أو سيئة فيثاب على الأول ويعاقب ~~على الثاني، وبما أخر ما تركه من حسنة أو سيئة فيعاقب على الأول ويثاب على ~~الثاني، وقيل، المراد ما قدم من المعاصي وما أخر من الطاعات، وقيل، ما قدم ~~من ms7463 طاعة الله وأخر من حقه فضيعه، وقيل: ما قدم من ماله لنفسه وما ترك ~~لورثته وهي وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم. # قوله تعالى: "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" إضراب عن ~~قوله، "ينبؤا الإنسان" إلخ، والبصيرة رؤية القلب والإدراك الباطني وإطلاقها ~~على الإنسان من باب زيد عدل أو التقدير الإنسان ذو بصيرة على نفسه. PageV20P058 # وقيل: المراد بالبصيرة الحجة كما في قوله تعالى، "ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السموات والأرض بصائر": إسراء، 102 والإنسان نفسه حجة على نفسه يومئذ حيث ~~يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده ويشهد عليه سمعه وبصره وجلده ويتكلم يداه ~~ورجلاه، قال تعالى: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا": ~~إسراء 36، وقال "شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم": حم السجدة، 20. # وقال، "وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم": يس: 65. # وقوله: "ولو ألقى معاذيره" المعاذير جمع معذرة وهي ذكر موانع تقطع عن ~~الفعل المطلوب، والمعنى هو ذو بصيرة على نفسه ولو جادل عن نفسه واعتذر ~~بالمعاذير لصرف العذاب عنها. # وقيل: المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى وإن أرخى الستور ليخفي ما ~~عمل فإن نفسه شاهدة عليه ومآل الوجهين واحد. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ولا أقسم بالنفس اللوامة" قال: نفس آدم ~~التي عصت فلامها الله عز وجل. # أقول: وفي انطباقها على الآية خفاء. # وفيه،: في قوله: "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه" قال: يقدم الذنب ويؤخر ~~التوبة ويقول: سوف أتوب. # وفيه،: في قوله: "فإذا برق البصر" قال: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف. # وفيه،: في قوله تعالى: "بل الإنسان على نفسه بصيرة - ولو ألقى معاذيره" ~~قال: يعلم ما صنع وإن اعتذر. # وفي الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى مع أبي عبد الله ~~(عليه السلام) وتلا هذه الآية "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى ~~معاذيره، ثم قال: يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما ~~يعلم الله منه؟ إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: من أسر ms7464 ~~سريرة ألبسه الله رداها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # وفي المجمع، وروى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويستر سيئا؟ أليس إذا رجع إلى ~~نفسه يعلم أنه ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول: "بل الإنسان على نفسه بصيرة" ~~إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية:. أقول: ورواه في أصول الكافي، بإسناده ~~عن فضل أبي العباس عنه (عليه السلام). # وفيه، عن العياشي عن زرارة قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما حد ~~المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال، "بل الإنسان على نفسه بصيرة" هو أعلم بما ~~يطيق:. أقول: ورواه في الفقيه، أيضا. PageV20P059 ### ||| CHECK [- 16 - 40 لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه و ~~قرءانه (17) فإذا قرأنه فاتبع قرءانه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل ~~تحبون العاجلة (20) و تذرون الاخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ~~ناظرة (23) و وجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها ف] # 75 سورة القيامة - 16 - 40 ### |||| AUTO لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرءانه (17) ~~فإذا قرأنه فاتبع قرءانه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة ~~(20) وتذرون الاخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه ~~يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقى (26) ~~وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك ~~يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى ~~أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الانسن أن ~~يترك سدى (36) ألم يك نطفة من منى يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) ~~فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقدر على أن يحيى الموتى (40) # بيان # تتمة صفة يوم القيامة باعتبار حال الناس فيه وانقسامهم إلى طائفة ناضرة ~~الوجوه مبتهجين وأخرى باسرة الوجوه عابسين آيسين من النجاة، والإشارة إلى ~~أن هذا المساق تبتدىء من حين نزول الموت ثم الإشارة إلى أن الإنسان لا يترك ~~سدى فالذي خلقه أولا قادر على ms7465 أن يحييه ثانيا وبه تختتم السورة. # قوله تعالى: "لا تحرك به لسانك لتعجل به - إلى قوله - ثم إن علينا بيانه" ~~الذي يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفها من الآيات المتقدمة والمتأخرة ~~الواصفة ليوم القيامة أنها معترضة متضمن أدبا إلهيا كلف النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يتأدب به حينما يتلقى ما يوحى إليه من القرآن الكريم ~~فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرأ بعد ولا يحرك به لسانه وينصت حتى يتم الوحي. # فالآيات الأربع في معنى قوله تعالى: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه": طه: 114. # فالكلام في هذه الآيات يجري مجرى قول المتكلم منا أثناء حديثه لمخاطبه ~~إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلم باللفظة واللفظتين قبل أن يلفظ بها ~~المتكلم وذلك يشغله عن التجرد للإنصات فيقطع المتكلم حديثه ويعترض ويقول لا ~~تعجل بكلامي وأنصت لتفقه ما أقول لك ثم يمضي في حديثه. # فقوله: "لا تحرك به لسانك لتعجل به" الخطاب فيه للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، والضميران للقرآن الذي يوحى إليه أو للوحي، والمعنى لا تحرك ~~بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرأ بعد فهو كما مر في ~~معنى قوله: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه": طه: 114. # وقوله: "إن علينا جمعه وقرآنه" القرآن هاهنا مصدر كالفرقان والرجحان، ~~والضميران للوحي، والمعنى لا تعجل به إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك بضم ~~بعض أجزائه إلى بعض وقراءته عليك فلا يفوتنا شيء منه حتى يحتاج إلى أن ~~تسبقنا إلى قراءة ما لم نوحه بعد. # وقيل: المعنى إن علينا أن نجمعه في صدرك بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه ~~وأن نثبت قراءته في لسانك بحيث تقرأه متى شئت ولا يخلو من بعد. # وقوله: "فإذا قرأناه فاتبع قرآنه" أي فإذا أتممنا قراءته عليك وحيا فاتبع ~~قراءتنا له واقرأ بعد تمامها. # وقيل: المراد باتباع قرآنه اتباعه ذهنا بالإنصات والتوجه التام إليه وهو ~~معنى لا بأس به. # وقيل: المراد فاتبع في الأوامر والنواهي ms7466 قرآنه، وقيل: المراد اتباع ~~قراءته بالتكرار حتى يرسخ في الذهن وهما معنيان بعيدان. # وقوله: "ثم إن علينا بيانه" أي علينا إيضاحه عليك بعد ما كان علينا جمعه ~~وقرآنه فثم للتأخير الرتبي لأن البيان مترتب على الجمع والقراءة رتبة. # وقيل، المعنى ثم إن علينا بيانه للناس بلسانك نحفظه في ذهنك عن التغير ~~والزوال حتى تقرأه على الناس. # وقال بعضهم في معنى هذه الآيات إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ~~يحرك لسانه عند الوحي بما ألقي إليه من القرآن مخافة أن ينساه فنهي عن ذلك ~~بالآيات وأمر بالإنصات حتى يتم الوحي فضمير "لا تحرك به" للقرآن أو الوحي ~~باعتبار ما قرأ عليه منه لا باعتبار ما لم يقرأ بعد. PageV20P060 # وفيه أنه لا يلائم سياق الآيات، تلك الملاءمة نظرا إلى ما فيها من النهي عن ~~العجل والأمر باتباع قرآنه تعالى بعد ما قرأ، وكذا قوله، "إن علينا جمعه ~~وقرآنه" فذلك كله أظهر فيما تقدم منها في هذا المعنى. # وعن بعضهم في معنى هذه الآيات، الذي اختاره أنه لم يرد القرآن، وإنما ~~أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة يدل على ذلك ما قبله وما بعده، وليس ~~فيه شيء يدل على أنه القرآن ولا شيء من أحكام الدنيا. # وفي ذلك تقريع وتوبيخ له حين لا تنفعه العجلة يقول: لا تحرك لسانك بما ~~تقرأه من صحيفتك التي فيها أعمالك يعني اقرأ كتابك ولا تعجل فإن هذا الذي ~~هو على نفسه بصيرة إذا رأى سيئاته ضجر واستعجل فيقال له توبيخا: لا تعجل ~~وتثبت لتعلم الحجة عليك فإنا نجمعها لك فإذا جمعناه فاتبع ما جمع عليك ~~بالانقياد لحكمه والاستسلام للتبعة فيه فإنه لا يمكنك إنكاره ثم إن علينا ~~بيانه لو أنكرت. # انتهى. # ويدفعه أن المعترضة لا تحتاج في تمام معناها إلى دلالة مما قبلها وما ~~بعدها عليه على أن مشاكلة قوله: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه" في سياقه لهذه الآيات تؤيد مشاكلتها له في المعنى. # وعن بعضهم أن الآيات الأربع متصلة بما ms7467 تقدم من حديث يوم القيامة، وخطاب ~~"لا تحرك" للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضمير "به" ليوم القيامة، ~~والمعنى لا تتفوه بالسؤال عن وقت القيامة أصلا ولو كنت غير مكذب ولا ~~مستهزىء "لتعجل به" أي بالعلم به "إن علينا جمعه وقرآنه" أي من الواجب في ~~الحكمة أن نجمع من نجمعه فيه ونوحي شرح وصفه إليك في القرآن "فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه" أي إذا قرأنا ما يتعلق به فاتبع ذلك بالعمل بما يقتضيه من ~~الاستعداد له "ثم إن علينا بيانه" أي إظهار ذلك بالنفخ في الصور انتهى ~~ملخصا وهو كما ترى. # وقد تقدم في تفسير قوله: "ولا تعجل بالقرآن" إن هذا النهي عن العجل ~~بالقرآن يؤيد ما ورد في الروايات أن للقرآن نزولا على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) دفعة غير نزوله تدريجا. # قوله تعالى: "كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة" خطاب للناس وليس من ~~تعميم الخطاب السابق في شيء لأن خطاب "لا تحرك" اعتراضي غير مرتبط بشيء من طرفيه. # وقوله: "كلا" ردع عن قوله السابق: "يحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه" ~~وقوله: "بل تحبون العاجلة" - أي الحياة العاجلة وهي الحياة الدنيا - ~~"وتذرون الآخرة" أي تتركون الحياة الآخرة، وما في الكلام من الإضراب إضراب ~~عن حسبان عدم الإحياء بعد الموت نظير الإضراب في قوله: "بل يريد الإنسان ~~ليفجر أمامه". # قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" وصف ليوم القيامة بانقسام ~~الوجوه فيه إلى قسمين: ناضرة وباسرة، ونضرة الوجه واللون والشجر ونحوها ~~ونضارتها حسنها وبهجتها. # والمعنى: نظرا إلى ما يقابله من قوله: "ووجوه يومئذ باسرة" إلخ وجوه يوم ~~إذ تقوم القيامة حسنة متهللة ظاهرة المسرة والبشاشة قال تعالى: "تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم": المطففين: 24، وقال: "ولقاهم نضرة وسرورا": الدهر: 11. # وقوله: "إلى ربها ناظرة" خبر بعد خبر لوجوه، و"إلى ربها" متعلق بناظرة ~~قدم عليها لإفادة الحصر أو الأهمية. # والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية ~~المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى بل المراد ms7468 ~~النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الإيمان على ما يسوق إليه البرهان ويدل ~~عليه الأخبار المأثورة عن أهل العصمة (عليهم السلام) وقد أوردنا شطرا منها ~~في ذيل تفسير قوله تعالى: "قال رب أرني أنظر إليك": الأعراف: 143، وقوله ~~تعالى: "ما كذب الفؤاد ما رأى": النجم: 11. # فهؤلاء قلوبهم متوجهة إلى ربهم لا يشغلهم عنه سبحانه شاغل من الأسباب ~~لتقطع الأسباب يومئذ، ولا يقفون موقفا من مواقف اليوم ولا يقطعون مرحلة من ~~مراحله إلا والرحمة الإلهية شاملة لهم "وهم من فزع يومئذ آمنون": النمل: 89 ~~ولا يشهدون مشهدا من مشاهد الجنة ولا يتنعمون بشيء من نعيمها إلا وهم ~~يشاهدون ربهم به لأنهم لا ينظرون إلى شيء ولا يرون شيئا إلا من حيث إنه آية ~~لله سبحانه والنظر إلى الآية من حيث إنها آية ورؤيتها نظر إلى ذي الآية ~~ورؤية له. PageV20P061 # ومن هنا يظهر الجواب عما أورد على القول بأن تقديم "إلى ربها" على "ناظرة" ~~يفيد الحصر والاختصاص، إن من الضروري أنهم ينظرون إلى غيره تعالى كنعم الجنة. # والجواب ألما لم يحجبوا عن ربهم كان نظرهم إلى كل ما ينظرون إليه إنما هو ~~بما أنه آية، والآية بما أنها آية لا تحجب ذا الآية ولا تحول بينه وبين ~~الناظر إليه فالنظر إلى الآية نظر إلى ذي الآية فهؤلاء لا ينظرون في ~~الحقيقة إلا إلى ربهم. # وأما ما أجيب به عنه أن تقديم "إلى ربها" لرعاية الفواصل ولو سلم أنه ~~للاختصاص فالنظر إلى غيره في جنب النظر إليه لا يعد نظرا، ولو سلم فالنظر ~~إليه تعالى في بعض الأحوال لا في جميعها. # فلا يخلو من تكلف التقييد من غير مقيد على أنه أسند النظر إلى الوجوه لا ~~إلى العيون أو الأبصار ووجوه أهل الجنة إلى ربهم دائما من غير أن يواجهوا ~~بها غيره. # قوله تعالى: "ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة" فسر البسور بشدة ~~العبوس والظن بالعلم و"فاقرة" صفة محذوفة الموصوف أي فعله فاقرة، والفاقرة ~~من فقره إذا أصاب فقار ظهره، وقيل: من فقرت ms7469 البعير إذا وسمت أنفه بالنار. # والمعنى: ووجوه يومئذ شديدة العبوس تعلم أنه يفعل بها فعلة تقصم ظهورها ~~أو تسم أنوفها بالنار، واحتمل أن يكون تظن خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بما أنه سامع والظن بمعناه المعروف. # قوله تعالى: "كلا إذا بلغت التراقي" ردع عن حبهم العاجلة وإيثارها على ~~الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك فليس يدوم عليكم وسينزل عليكم الموت ~~فتساقون إلى ربكم وفاعل "بلغت" محذوف يدل عليه السياق كما في قوله تعالى: ~~"فلو لا إذا بلغت الحلقوم": الواقعة: 83 والتقدير إذا بلغت النفس التراقي. # والتراقي العظام المكتنفة للنحر عن يمين وشمال جمع ترقوة، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "وقيل من راق" اسم فاعل من الرقى أي قال من حضره من أهله ~~وأصدقائه من يرقيه ويشفيه؟ كلمة يأس، وقيل: المعنى قال بعض الملائكة لبعض: ~~من يرقى بروحه من الملائكة أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟. # قوله تعالى: "وظن أنه الفراق" أي وعلم الإنسان المحتضر من مشاهدة هذه ~~الأحوال أنه مفارقته للعاجلة التي كان يحبها ويؤثرها على الآخرة. # قوله تعالى: "والتفت الساق بالساق" ظاهره أن المراد به التفاف ساق ~~المحتضر بساقه ببطلان الحياة السارية في أطراف البدن عند بلوغ الروح ~~التراقي. # وقيل: المراد به التفاف شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا، وقيل: التفاف حال ~~الموت بحال الحياة، وقيل: التفاف ساق الدنيا وهي شدة كرب الموت بساق الآخرة ~~وهي شدة هول المطلع. # ولا دليل من جهة اللفظ على شيء من هذه المعاني نعم من الممكن أن يقال: إن ~~المراد بالتفاف الساق بالساق غشيان الشدائد وتعاقبها عليه واحدة بعد أخرى ~~من حينه ذلك إلى يوم القيامة فينطبق على كل من المعاني. # قوله تعالى: "إلى ربك يومئذ المساق" المساق مصدر ميمي بمعنى السوق، ~~والمراد بكون السوق يومئذ إليه تعالى أنه الرجوع إليه، وعبر بالمساق ~~للإشارة إلى أن لا خيرة للإنسان في هذا المسير ولا مناص له عنه فهو مسوق ~~مسير من يوم موته وهو قوله، "إلى ربك يومئذ المساق" حتى يرد على ربه يوم ~~القيامة ms7470 وهو قوله: "إلى ربك يومئذ المستقر" ولو كان تقديم "إلى ربك" لإفادة ~~الحصر أفاد انحصار الغاية في الرجوع إليه تعالى. # وقيل: الكلام على تقدير مضاف وتقديم "إلى ربك" لإفادة الحصر والتقدير إلى ~~حكم ربك يومئذ المساق أي يساق ليحكم الله ويقضي فيه بحكمه، أو التقدير إلى ~~موعد ربك وهو الجنة والنار، وقيل: المراد برجوع المساق إليه تعالى أنه ~~تعالى هو السائق لا غير، والوجه ما تقدم. # قوله تعالى: "فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى" ~~الضمائر راجعة إلى الإنسان المذكور في قوله: "أيحسب الإنسان" إلخ، والمراد ~~بالتصديق المنفي تصديق الدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن الكريم، وبالتصلية ~~المنفية التوجه العبادي إليه تعالى بالصلاة التي هي عمود الدين. # والتمطي - على ما في المجمع، - تمدد البدن من الكسل وأصله أن يلوي مطاه ~~أي ظهره، والمراد بتمطيه في ذهابه التبختر والاختيال استعارة. PageV20P062 # والمعنى: فلم يصدق هذا الإنسان الدعوة فيما فيها من الاعتقاد ولم يصل لربه ~~أي لم يتبعها فيما فيها من الفروع وركنها الصلاة ولكن كذب بها وتولى عنها ~~ثم ذهب إلى أهله يتبختر ويختال مستكبرا. # قوله تعالى: "أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى" لا ريب أنه كلمة تهديد ~~كررت لتأكيد التهديد، ولا يبعد - والله أعلم - أن يكون قوله: "أولى لك" ~~خبرا لمبتدإ محذوف هو ضمير عائد إلى ما ذكر من حال هذا الإنسان وهو أنه لم ~~يصدق ولم يصل ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله متبخترا مختالا، وإثبات ما هو ~~فيه من الحال له كناية عن إثبات ما هو لازمه من التبعة والعقاب. # فيكون الكلام وهي كلمة ملقاة من الله تعالى إلى هذا الإنسان كلمة طبع طبع ~~الله بها على قلبه حرم بها الإيمان والتقوى وكتب عليه أنه من أصحاب النار، ~~والآيتان تشبهان بوجه قوله تعالى: "فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى ~~لهم": سورة محمد 20. # والمعنى: ما أنت عليه من الحال أولى ms7471 وأرجح لك فأولى ثم أولى لك فأولى ~~لتذوق وبال أمرك ويأخذك ما أعد لك من العذاب. # وقيل: أولى لك اسم فعل مبني ومعناه وليك شر بعد شر. # وقيل: أولى فعل ماض دعائي من الولي بمعنى القرب وفاعل الفعل ضمير مستتر ~~عائد إلى الهلاك واللام مزيدة والمعنى أولاك الهلاك. # وقيل: الفاعل ضمير مستتر راجع إليه تعالى واللام مزيدة، والمعنى أولاك ~~الله ما تكرهه، أو غير مزيدة والمعنى أدناك الله مما تكرهه. # وقيل: معناه الذم أولى لك من تركه إلا أنه حذف وكثر في الكلام حتى صار ~~بمنزلة الويل لك وصار من المحذوف الذي لا يجوز إظهاره. # وقيل: المعنى أهلكك الله هلاكا أقرب لك من كل شر وهلاك. # وقيل: أولى أفعل تفضيل بمعنى الأحرى، وخبر لمبتدإ محذوف يقدر كما يليق ~~بمقامه فالتقدير هنا النار أولى لك أي أنت أحق بها وأهل لها فأولى. # وهي وجوه ضعيفة لا تخلو من تكلف والوجه الأخير قريب مما قدمنا وليس به. # قوله تعالى: "أيحسب الإنسان أن يترك سدى" مختتم فيه رجوع إلى ما في مفتتح ~~السورة من قوله: "أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه". # والاستفهام للتوبيخ، والسدي المهمل، والمعنى أيظن الإنسان أن يترك مهملا ~~لا يعتنى به فلا يبعث بإحيائه بعد الموت ولازمه أن لا يكلف ولا يجزى. # قوله تعالى: "ألم يك نطفة من مني يمنى" اسم كان ضمير راجع إلى الإنسان، ~~وإمناء المني صبه في الرحم. # قوله تعالى: "ثم كان علقة فخلق فسوى" أي ثم كان الإنسان - أو المني - ~~قطعة من دم منعقد فقدره فصوره بالتعديل والتكميل. # قوله تعالى: "فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى" أي فجعل من الإنسان ~~الصنفين: الذكر والأنثى. # قوله تعالى: "أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى" احتجاج على البعث الذي ~~ينكرونه استبعادا له بعموم القدرة وثبوتها على الخلق الابتدائي والإعادة لا ~~تزيد على الابتداء مئونة بل هي أهون، وقد تقدم الكلام في تقريب هذه الحجة ~~في تفسير الآيات المتعرضة لها مرارا. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج الطيالسي وأحمد وعبد ms7472 بن حميد والبخاري ومسلم ~~والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في ~~المصاحف والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن ~~عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعالج من التنزيل شدة، ~~وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله ~~"لا تحرك به لسانك لتعجل به - إن علينا جمعه وقرآنه" قال: إن علينا أن ~~نجمعه في صدرك ثم نقرأه "فإذا قرأناه" يقول: إذا أنزلناه عليك "فاتبع ~~قرآنه" فاستمع له وأنصت "ثم إن علينا بيانه" بينه بلسانك، وفي لفظ علينا أن ~~نقرأه فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك إذا أتاه جبريل ~~أطرق وفي لفظ استمع فإذا ذهب قرأ كما وعده الله. # وفيه، أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إذا أنزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه فنزلت هذه الآية ~~"لا تحرك به لسانك". وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم ختم ~~سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. PageV20P063 # أقول: وروي ما في معنى صدر الحديث في المجمع، عن ابن جبير وفي معناه غير ~~واحد من الروايات، وقد تقدم أن في انطباق هذا المعنى على الآيات خفاء. # وفي تفسير القمي،: قوله تعالى: "كلا بل تحبون العاجلة" قال: الدنيا ~~الحاضرة "وتذرون الآخرة" قال: تدعون "وجوه يومئذ ناضرة" أي مشرقة "إلى ربها ~~ناظرة" قال: ينظرون إلى وجه الله أي رحمة الله ونعمته. # وفي العيون، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من أخبار التوحيد ~~بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: قال علي بن موسى الرضا (عليهما ~~السلام): في قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" يعني مشرقة ~~تنتظر ثواب ربها:. أقول: ورواه في التوحيد، والاحتجاج، والمجمع، عن علي ~~(عليه السلام)، وقد اعترض على أخذ ناظرة بمعنى منتظرة بأن الانتظار لا ~~يتعدى بإلى بل هو متعد بنفسه، ورد عليه ms7473 في مجمع البيان بالاستشهاد بقول ~~جميل بن معمر: وإذا نظرت إليك من ملك. # والبحر دونك جدتني نعما. # وقول الآخر: إني إليك لما وعدت لناظر. # نظر الفقير إلى الغني الموسر. # وعد في الكشاف إطلاق النظر في الآية بمعنى الانتظار استعمالا كنائيا وهو ~~معنى حسن. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير ~~وابن المنذر والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وابن مردويه ~~واللالكائي في السنة والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إن أدنى أهل الجنة منزلا لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ~~ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة ~~وعشية. ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "وجوه يومئذ ناضرة" ~~قال: البياض والصفاه "إلى ربها ناظرة" قال: ينظر كل يوم في وجهه. # أقول: الرواية تقبل الانطباق على المعنى الذي أوردناه في تفسير الآية، ~~ومع الغض عنه تقبل الحمل على رحمته وفضله وكرمه تعالى وسائر صفاته الفعلية ~~فإن وجه الشيء ما يستقبل به الشيء غيره وما يستقبل به الله سبحانه خلقه هو ~~صفاته الكريمة فالنظر إلى رحمة الله وفضله وكرمه وصفاته الكريمة نظر إلى ~~وجه الله الكريم. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): في قول الله. "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" قال: ينظرون ~~إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة. # أقول: والرواية تؤيد ما قدمنا في تفسير الآية أن المراد به النظر القلبي ~~ورؤية القلب دون العين الحسية، وهي تفسر ما ورد في عدة روايات من طرق أهل ~~السنة مما ظاهره التشبيه وأن الرؤية بالعين الحسية التي لا تفارق ~~المحدودية. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "كلا إذا بلغت التراقي" قال: يعني ~~النفس إذا بلغت الترقوة "وقيل من راق" قال: يقال له: من يرقيك "وظن أنه ~~الفراق" علم أنه الفراق وفي الكافي، بإسناده إلى جابر عن ms7474 أبي جعفر (عليه ~~السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل "وقيل من راق وظن أنه الفراق" قال: ~~فإن ذلك ابن آدم إذا حل به الموت قال: هل من طبيب "وظن أنه الفراق" أيقن ~~بمفارقة الأحبة "والتفت الساق بالساق" قال: التفت الدنيا بالآخرة "إلى ربك ~~يومئذ المساق" قال: المسير إلى رب العالمين. # وفي تفسير القمي،: "والتفت الساق بالساق" قال: التفت الدنيا بالآخرة "إلى ~~ربك يومئذ المساق" قال: يساقون إلى الله. # وفي العيون، بإسناده عن عبد العظيم الحسني قال، سألت محمد بن علي الرضا ~~(عليه السلام) عن قول الله عز وجل، "أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى" قال: ~~يقول الله عز وجل بعدا لك من خير الدنيا وبعدا لك من خير الآخرة. # أقول: يمكن إرجاعه إلى ما قدمناه من معنى الآيتين، وكذا إلى بعض ما قيل فيه. # وفي المجمع، وجاءت الرواية: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ ~~بيد أبي جهل ثم قال له: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى. فقال أبو جهل: بأي ~~شيء تهددني لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لأعز أهل هذا ~~الوادي، فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # أقول: وروي ما في معناه في الدر المنثور، عن عدة عن قتادة قال: ذكر لنا ~~وساق الحديث. PageV20P064 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أيحسب الإنسان أن يترك سدى" قال: لا ~~يحاسب ولا يعذب ولا يسأل عن شيء. # وفي العلل، بإسناده إلى مسعدة بن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمد ~~(عليهما السلام)، يا أبا عبد الله إنا خلقنا للعجب قال: وما ذلك لله أنت؟ ~~قال: خلقنا للفناء فقال يا ابن أخ خلقنا للبقاء، وكيف يفنى جنة لا تبيد ~~ونار لا تخمد؟ ولكن قل: إنما نتحول من دار إلى دار. # وفي المجمع، وجاء في الحديث عن البراء عن عازب قال: لما نزلت هذه الآية ~~"أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى" قال رسول الله (صلى الله ms7475 عليه وآله ~~وسلم): سبحانك اللهم وبلى: وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه ~~السلام). # أقول: وروي في الدر المنثور، عن أبي هريرة وغيره: أنه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إذا قرأ الآية قال: سبحانك اللهم وبلى، وكذا في العيون، عن ~~الرضا (عليه السلام): أنه كان إذا قرأ السورة قال عند الفراغ سبحانك اللهم بلى. PageV20P065 ### || AUTO ### ||| AUTO 76 سورة الدهر - 1 - 22 # بسم الله الرحمن الرحيم هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا (1) إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلنه سميعا بصيرا (2) ~~إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكفرين سلسلا ~~وأغللا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا ~~يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا ~~زمهريرا (13) ودانية عليهم ظللها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم ~~بئانية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ~~ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ~~ويطوف عليهم ولدن مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم ~~رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من ~~فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة خلق الإنسان بعد ما لم يكن شيئا مذكورا ثم هدايته السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا وأن الله اعتد للكافرين أنواع العذاب وللأبرار ألوان ~~النعم - وقد فصل القول في وصف نعيمهم في ثمان عشرة آية وهو الدليل على أنه ~~المقصود بالبيان -. # ثم تذكر مخاطبا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن القرآن تنزيل منه ~~تعالى عليه وتذكرة فليصبر لحكم ربه ولا ms7476 يتبع الناس في أهوائهم وليذكر اسم ~~ربه بكرة وعشيا وليسجد له من الليل وليسبحه ليلا طويلا. # والسورة مدنية بتمامها أو صدرها - وهي اثنتان وعشرون آية من أولها - ~~مدني، وذيلها - وهي تسع آيات من آخرها - مكي وقد أطبقت روايات أهل البيت ~~(عليهم السلام) على كونها مدنية، واستفاضت بذلك روايات أهل السنة. # وقيل بكونها مكية بتمامها، وسيوافيك تفصيل القول في ذلك في البحث الروائي ~~التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى. # "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا" الاستفهام للتقرير ~~فيفيد ثبوت معنى الجملة وتحققه أي قد أتى على الإنسان "إلخ" ولعل هذا مراد ~~من قال من قدماء المفسرين: إن "هل" في الآية بمعنى قد، لا على أن ذلك أحد ~~معاني "هل" كما ذكره بعضهم. # والمراد بالإنسان الجنس. # وأما قول بعضهم: إن المراد به آدم (عليه السلام) فلا يلائمه قوله في ~~الآية التالية: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة". # والحين قطعة من الزمان محدودة قصيرة كانت أو طويلة، والدهر الزمان الممتد ~~من دون تحديد ببداية أو نهاية. PageV20P066 # وقوله: "شيئا مذكورا" أي شيئا يذكر باسمه في المذكورات أي كان يذكر مثلا ~~الأرض والسماء والبر والبحر وغير ذلك ولا يذكر الإنسان لأنه لم يوجد بعد ~~حتى وجد فقيل: الإنسان فكونه مذكورا كناية عن كونه موجودا بالفعل فالنفي في ~~قوله: "لم يكن شيئا مذكورا" متوجه إلى كونه شيئا مذكورا لا إلى أصل كونه ~~شيئا فقد كان شيئا ولم يكن شيئا مذكورا ويؤيده قوله: "إنا خلقنا الإنسان من ~~نطفة" إلخ فقد كان موجودا بمادته ولم يتكون بعد إنسانا بالفعل والآية وما ~~يتلوها من الآيات واقعة في سياق الاحتجاج يبين بها أن الإنسان حادث يحتاج ~~في وجوده إلى صانع يصنعه وخالق يخلقه، وقد خلقه ربه وجهزه التدبير الربوبي ~~بأدوات الشعور من السمع والبصر يهتدي بها إلى السبيل الحق الذي من الواجب ~~أن يسلكه مدى حياته فإن كفر فمصيره إلى عذاب أليم وإن شكر فإلى نعيم مقيم. # والمعنى هل أتى - قد أتى - على الإنسان قطعة ms7477 محدودة من هذا الزمان الممتد ~~- غير المحدود والحال أنه لم يكن موجودا بالفعل مذكورا في عداد المذكورات. # قوله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا ~~بصيرا" النطفة في الأصل بمعنى الماء القليل غلب استعماله في ماء الذكور من ~~الحيوان الذي يتكون منه مثله، وأمشاج جمع مشيج أو المشج بفتحتين أو بفتح ~~فكسر بمعنى المختلط الممتزج، ووصفت بها النطفة باعتبار أجزائها المختلفة أو ~~اختلاط ماء الذكور والإناث. # والابتلاء نقل الشيء من حال إلى حال ومن طور إلى طور كابتلاء الذهب في ~~البوتقة، وابتلاؤه تعالى الإنسان في خلقه من النطفة هو ما ذكره في مواضع من ~~كلامه أنه يخلق النطفة فيجعلها علقة والعلقة مضغة إلى آخر الأطوار التي ~~تتعاقبها حتى ينشئه خلقا آخر. # وقيل: المراد بابتلائه امتحانه بالتكليف، ويدفعه تفريع قوله: "فجعلناه ~~سميعا بصيرا" على الابتلاء ولو كان المراد به التكليف كان من الواجب تفريعه ~~على جعله سميعا بصيرا لا بالعكس، والجواب عنه بأن في الكلام تقديما وتأخيرا ~~والتقدير إنا خلقناه من نطفة أمشاج فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه، لا يصغى إليه. # وقوله: "فجعلناه سميعا بصيرا" سياق الآيات وخاصة قوله: "إنا هديناه ~~السبيل" إلخ يفيد أن ذكر جعله سميعا بصيرا للتوسل به في التدبير الربوبي ~~إلى غايته وهي أن يرى آيات الله الدالة على المبدإ والمعاد ويسمع كلمة الحق ~~التي تأتيه من جانب ربه بإرسال الرسل وإنزال الكتب فيدعوه البصر والسمع إلى ~~سلوك سبيل الحق والسير في مسير الحياة بالإيمان والعمل الصالح فإن لزم ~~السبيل الذي هدي إليه أداه إلى نعيم الأبد وإلا فإلى عذاب مخلد. # وذكر الإنسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير والنكتة فيه تسجيل أنه ~~تعالى هو خالقه ومدبر أمره. # والمعنى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة هي أجزاء مختلطة ممتزجة والحال أنا ~~ننقله من حال إلى حال ومن طور إلى طور فجعلناه سميعا بصيرا ليسمع ما يأتيه ~~من الدعوة الإلهية، ويبصر الآيات الإلهية الدالة على وحدانيته تعالى ~~والنبوة والمعاد. # قوله تعالى: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا ms7478 وإما كفورا" الهداية بمعنى ~~إراءة الطريق دون الإيصال إلى المطلوب والمراد بالسبيل السبيل بحقيقة معنى ~~الكلمة وهو المؤدي إلى الغاية المطلوبة وهو سبيل الحق. # والشكر استعمال النعمة بإظهار كونها من منعمها وقد تقدم في تفسير قوله ~~تعالى: "وسيجزي الله الشاكرين": آل عمران: 144 إن حقيقة كون العبد شاكرا ~~لله كونه مخلصا لربه، والكفران استعمالها مع ستر كونها من المنعم. # وقوله: "إما شاكرا وإما كفورا" حالان من ضمير "هديناه" لا من "السبيل" ~~كما قاله بعضهم، و"إما" يفيد التقسيم والتنويع أي إنا هديناه السبيل حال ~~كونه منقسما إلى الشاكر والكفور أي أنه مهدي سواء كان كذا أو كذلك. # والتعبير بقوله: "إما شاكرا وإما كفورا" هو الدليل أولا: على أن المراد ~~بالسبيل السنة والطريقة التي يجب على الإنسان أن يسلكها في حياته الدنيا ~~لتوصله إلى سعادته في الدنيا والآخرة وتسوقه إلى كرامة القرب والزلفى من ~~ربه ومحصله الدين الحق وهو عند الله الإسلام. # وبه يظهر أن تفسير بعضهم السبيل بسبيل الخروج من الرحم غير سديد. PageV20P067 # وثانيا: أن السبيل المهدي إليه سبيل اختياري وأن الشكر والكفر اللذين ~~يترتبان على الهداية المذكورة واقعان في مستقر الاختيار للإنسان أن يتلبس ~~بأيهما شاء من غير إكراه وإجبار كما قال تعالى: "ثم السبيل يسره": عبس: 20، ~~وما في آخر السورة من قوله تعالى: "فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله" إنما يفيد تعلق مشيته تعالى بمشية العبد لا بفعل العبد ~~الذي تعلقت به مشية العبد حتى يفيد نفي تأثير مشية العبد المتعلقة بفعله، ~~وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في هذا الكتاب مرارا. # والهداية التي هي نوع إيذان وإعلام منه تعالى للإنسان هداية فطرية هي ~~تنبيه بسبب نوع خلقته وما جهز به وجوده بإلهام من الله سبحانه على حق ~~الاعتقاد وصالح العمل قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": ~~الشمس: 8 وأوسع مدلولا منه قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": ms7479 الروم: 30. # وهداية قولية من طريق الدعوة يبعث الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~وتشريع الشرائع الإلهية، ولم يزل التدبير الربوبي تدعم الحياة الإنسانية ~~بالدعوة الدينية القائم بها أنبياؤه ورسله، ويؤيد بذلك دعوة الفطرة كما ~~قال: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده - إلى أن قال - ~~رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165. # ومن الفرق بين الهدايتين أن الهداية الفطرية عامة بالغة لا يستثنى منها ~~إنسان لأنها لازم الخلقة الإنسانية وهي في الأفراد بالسوية غير أنها ربما ~~تضعف أو يلغو أثرها لعوامل وأسباب تشغل الإنسان وتصرفه عن التوجه إلى ما ~~يدعو إليه عقله ويهديه إليه فطرته أو ملكات وأحوال رديئة سيئة تمنعه عن ~~إجابة نداء الفطرة كالعناد واللجاج وما يشبه ذلك قال تعالى: "أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بعد الله": الجاثية: 23، والهداية المنفية في الآية ~~بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون إراءة الطريق بدليل قوله: "وأضله الله على علم". # وأما الهداية القولية وهي التي تتضمنها الدعوة الدينية فإن من شأنها أن ~~تبلغ المجتمع فتكون في معرض من عقول الجماعة فيرجع إليها من آثر الحق على ~~الباطل وأما بلوغها لكل واحد واحد منهم فإن العلل والأسباب التي يتوسل بها ~~إلى بيان أمثال هذه المقاصد ربما لا تساعد على ذلك على ما في الظروف ~~والأزمنة والبيئات من الاختلاف وكيف يمكن لإنسان أن يدعو كل إنسان إلى ما ~~يريد بنفسه أو بوسائط من نوعه؟ فمن المتعذر ذلك جدا. # وإلى المعنى الأول أشار تعالى بقوله: "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير": ~~فاطر: 24، وإلى الثاني بقوله: "لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون": يس: 6. # فمن بلغته الدعوة وانكشف له الحق فقد تمت عليه الحجة ومن لم تبلغه الدعوة ~~بلوغا ينكشف به له الحق فقد أدركه الفضل الإلهي بعده مستضعفا أمره إلى الله ~~إن يشأ يغفر له وإن يشأ يعذبه قال تعالى: "إلا المستضعفين من ms7480 الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا": النساء: 98. # ثم من الدليل على أن الدعوة الإلهية وهي الهداية إلى السبيل حق يجب على ~~الإنسان أن يتبعها فطرة الإنسان وخلقته المجهزة بما يهدي إليها من الاعتقاد ~~والعمل، ووقوع الدعوة خارجا من طريق النبوة والرسالة فإن سعادة كل موجود ~~وكماله في الآثار والأعمال التي تناسب ذاته وتلائمها بما جهزت به من القوى ~~والأدوات فسعادة الإنسان وكماله في اتباع الدين الإلهي الذي هو سنة الحياة ~~الفطرية وقد حكم به العقل وجاءت به الأنبياء والرسل عليهم السلام. # قوله تعالى: "إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا" الإعتاد ~~التهيئة، وسلاسل جمع سلسلة وهي القيد الذي يقاد به المجرم، وأغلال جمع غل ~~بالضم قيل هي القيد الذي يجمع اليدين على العنق، وقال الراغب: فالغل مختص ~~بما يقيد به فيجعل الأعضاء وسطه. # انتهى. # والسعير النار المشتعلة، والمعنى ظاهر. # والآية تشير إلى تبعة الإنسان الكفور المذكور في قوله: "إما شاكرا وإما ~~كفورا" وقدم بيان تبعته على بيان جزاء الإنسان الشاكر لاختصار الكلام فيه. PageV20P068 # قوله تعالى: "إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا" الكأس إناء ~~الشراب إذا كان فيه شراب، والمزاج ما يمزج به كالحزام لما يحزم به، ~~والكافور معروف يضرب به المثل في البرودة وطيب الرائحة، وقيل: هو اسم عين ~~في الجنة. # والأبرار جمع بر بفتح الباء صفة مشبهة من البر وهو الإحسان ويتحصل معناه ~~في أن يحسن الإنسان في عمله من غير أن يريد به نفعا يرجع إليه من جزاء أو ~~شكور فهو يريد الخير لأنه خير لا لأن فيه نفعا يرجع إلى نفسه وإن كرهت نفسه ~~ذلك فيصبر على مر مخالفة نفسه فيما يريده ويعمل العمل لأنه خير في نفسه ~~كالوفاء بالنذر أو لأن فيه خيرا لغيره كإطعام الطعام للمستحقين من عباد الله. # وإذ لا خير في عمل ولا صلاح إلا بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر كما ~~قال تعالى: "أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم": الأحزاب: 19 إلى غير ذلك ~~من الآيات. # فالأبرار مؤمنون بالله ms7481 ورسوله واليوم الآخر، وإذ كان إيمانهم إيمان رشد ~~وبصيرة فهم يرون أنفسهم عبيدا مملوكين لربهم، له خلقهم وأمرهم، لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا عليهم أن لا يريدوا إلا ما أراده ربهم ولا يفعلوا إلا ~~ما يرتضيه فقدموا إرادته على إرادة أنفسهم وعملوا له فصبروا على مخالفة ~~أنفسهم فيما تهواه وتحبه وكلفة الطاعة، وعملوا ما عملوه لوجه الله، فأخلصوا ~~العبودية في مرحلة العمل لله سبحانه. # وهذه الصفات هي التي عرف سبحانه الأبرار بها كما يستفاد من قوله: "يشرب ~~بها عباد الله" وقوله: "إنما نطعمكم لوجه الله" وقوله: "وجزاهم بما صبروا" ~~وهي المستفادة من قوله في صفتهم: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله" إلخ: البقرة: 177 وقد مر بعض الكلام في ~~معنى البر في تفسير الآية وسيأتي بعضه في قوله: "كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين": المطففين: 18. # والآية أعني قوله: "إن الأبرار يشربون" إلخ بما يتبادر من معناها من حيث ~~مقابلتها لقوله: "إنا أعتدنا للكافرين" إلخ المبين لحال الكافرين في ~~الآخرة، تبين حال الأبرار في الآخرة في الجنة، وأنهم يشربون من شراب ممزوج ~~بالكافور باردا طيب الرائحة. # قوله تعالى. # "عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا" "عينا" منصوب بنزع الخافض ~~والتقدير من عين أو بالاختصاص والتقدير أخص عينا، والشرب - على ما قيل - ~~يتعدى بنفسه وبالباء فشرب بها وشربها واحد، والتعبير عنهم بعباد الله ~~للإشارة إلى تحليهم بحلية العبودية وقيامهم بلوازمها على ما يفيده سياق المدح. # وتفجير العين شق الأرض لإجرائها، وينبغي أن يحمل تفجيرهم العين على ~~إرادتهم جريانها لأن نعم الجنة لا تحتاج في تحققها والتنعم بها إلى أزيد من ~~مشية أهلها قال تعالى: "لهم ما يشاءون فيها": ق: 35. # والآيتان - كما تقدمت الإشارة إليه - تصفان تنعم الأبرار بشراب الجنة في ~~الآخرة، وبذلك فسرت الآيتان. # ولا يبعد أن تكون الآيتان مسوقتين على مسلك تجسم الأعمال تصفان حقيقة ~~عملهم الصالح من الإيفاء بالنذر وإطعام الطعام لوجه الله، وأن أعمالهم ~~المذكورة بحسب باطنها شرب من كأس مزاجها ms7482 كافور من عين لا يزالون يفجرونها ~~بأعمالهم الصالحة وستظهر لهم بحقيقتها في جنة الخلد وإن كانت في الدنيا في ~~صورة الأعمال فتكون الآيتان في مجرى أمثال قوله تعالى: "إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون": يس: 8. # ويؤيد ذلك ظاهر قوله "يشربون" و"يشرب بها" ولم يقل: سيشربون وسيشرب بها، ~~ووقوع قوله: يشربون ويوفون ويخافون ويطعمون متعاقبة في سياق واحد، وذكر ~~التفجير في قوله: "يفجرونها تفجيرا" الظاهر في استخراج العين وإجرائها ~~بالتوسل بالأسباب. # ولهم في مفردات الآيتين وإعرابها أقاويل كثيرة مختلفة مذكورة في المطولات ~~فليراجعها من أراد الوقوف عليها. # قوله تعالى: "يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا" المستطير اسم ~~فاعل من استطار إذا فشا وانتشر في الأقطار غاية الانتشار وهو أبلغ من طار ~~كما قيل: يقال: استطار الحريق واستطار الفجر إذا اتسعا غايته، والمراد ~~باستطارة شر اليوم وهو يوم القيامة بلوغ شدائده وأهواله وما فيه من العذاب غايته. PageV20P069 # والمراد بالإيفاء بالنذر ما هو ظاهره المعروف من معناه، وقول القائل: إن ~~المراد به ما عقدوا عليه قلوبهم من العمل بالواجبات أو ما عقدوا عليه ~~القلوب من اتباع الشارع في جميع ما شرعه خلاف ظاهر اللفظ من غير دليل يدل عليه. # قوله تعالى: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" ضمير "على ~~حبه" للطعام على ما هو الظاهر، والمراد بحبه توقان النفس إليه لشدة الحاجة، ~~ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون": آل ~~عمران: 92. # وقيل: الضمير لله سبحانه أي يطعمون الطعام حبا لله لا طمعا في الثواب، ~~ويدفعه أن قوله تعالى حكاية منهم: "إنما نطعمكم لوجه الله" يغني عنه. # ويليه في الضعف ما قيل: إن الضمير للإطعام المفهوم من قوله: "ويطعمون" ~~وجه الضعف أنه إن أريد بحب الإطعام حقيقة معناه فليس في حب الإطعام في نفسه ~~فضل حتى يمدحوا به، وإن أريد به كون الإطعام بطيب النفس وعدم التكلف فهو ~~خلاف الظاهر، ورجوع الضمير إلى الطعام هو الظاهر. # والمراد بالمسكين واليتيم معلوم، والمراد بالأسير ما ms7483 هو الظاهر منه وهو ~~المأخوذ من أهل دار الحرب. # وقول بعضهم: إن المراد به أسارى بدر أو الأسير من أهل القبلة في دار ~~الحرب بأيدي الكفار أو المحبوس أو المملوك من العبيد أو الزوجة كل ذلك تكلف ~~من غير دليل يدل عليه. # والذي يجب أن يتنبه له أن سياق هذه الآيات سياق الاقتصاص تذكر قوما من ~~المؤمنين تسميهم الأبرار وتكشف عن بعض أعمالهم وهو الإيفاء بالنذر وإطعام ~~مسكين ويتيم وأسير وتمدحهم وتعدهم الوعد الجميل. # فما تشير إليه من القصة سبب النزول، وليس سياقها سياق فرض موضوع وذكر ~~آثارها الجميلة، ثم الوعد الجميل عليها، ثم إن عد الأسير فيمن أطعمه هؤلاء ~~الأبرار نعم الشاهد على كون الآيات مدنية فإن الأسر إنما كان بعد هجرة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وظهور الإسلام على الكفر والشرك لا قبلها. # قوله تعالى: "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" وجه ~~الشيء هو ما يستقبل به غيره، ووجهه تعالى صفاته الفعلية الكريمة التي يفيض ~~بها الخير على خلقه من الخلق والتدبير والرزق وبالجملة الرحمة العامة التي ~~بها قيام كل شيء، ومعنى كون العمل لوجه الله على هذا كون الغاية في العمل ~~هي الاستفاضة من رحمة الله وطلب مرضاته بالاقتصار على ذلك والإعراض عما عند ~~غيره من الجزاء المطلوب، ولذا ذيلوا قولهم: "إنما نطعمكم لوجه الله" بقولهم ~~"لا نريد منكم جزاء ولا شكورا". # ووراء ذلك صفاته الذاتية الكريمة التي هي المبدأ لصفاته الفعلية ولما ~~يترتب عليها من الخير في العالم، ومرجع كون العمل لوجه الله على هذا هو ~~الإتيان بالعمل حبا لله لأنه الجميل على الإطلاق، وإن شئت فقل: عبادته ~~تعالى لأنه أهل للعبادة. # وابتغاء وجه الله بجعله غاية داعية في الأعمال مذكور في مواضع من كلامه ~~تعالى كقوله: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه": الكهف: 28، وقوله: "وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله": البقرة: 272، ~~وفي هذا المعنى قوله: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين": ~~البينة: 5، وقوله: "فادعوه ms7484 مخلصين له الدين": المؤمن: 65، وقوله: "ألا لله ~~الدين الخالص": الزمر: 3. # وقوله: "لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" الجزاء مقابلة العمل بما يعادله إن ~~خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، ويعم الفعل والقول لكن المراد به في الآية بقرينة ~~مقابلته الشكور مقابلة إطعامهم عملا لا لسانا. # والشكر والشكور ذكر النعمة وإظهارها قلبا أو لسانا أو عملا، والمراد به ~~في الآية وقد قوبل بالجزاء الثناء الجميل لسانا. # والآية أعني قوله: "إنما نطعمكم لوجه الله" إلخ خطاب منهم لمن أطعموه من ~~المسكين واليتيم والأسير إما بلسان المقال فهي حكاية قولهم أو بتقدير القول ~~وكيف كان فقد أرادوا به تطييب قلوبهم أن يأمنوا المن والأذى، وإما بلسان ~~الحال وهو ثناء من الله عليهم لما يعلم من الإخلاص في قلوبهم. # قوله تعالى: "إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا" عد اليوم وهو يوم ~~القيامة عبوسا من الاستعارة، والمراد بعبوسه ظهوره على المجرمين بكمال ~~شدته، والقمطرير الصعب الشديد على ما قيل. PageV20P070 # والآية في مقام التعليل لقولهم المحكي: "إنما نطعمكم لوجه الله" إلخ ينبهون ~~بقولهم هذا أن قصرهم العمل في ابتغاء وجه الله تعالى إخلاصا للعبودية ~~لمخافتهم ذاك اليوم الشديد، ولم يكتفوا بنسبة المخافة إلى اليوم حتى نسبوه ~~نحوا من النسبة إلى ربهم فقالوا: "نخاف من ربنا يوما" إلخ لأنهم لما لم ~~يريدوا إلا وجه ربهم فهم لا يخافون غيره كما لا يرجون غيره وإنما يخافون ~~ويرجون ربهم فلا يخافون يوم القيامة إلا لأنه من ربهم يحاسب فيه عباده على ~~أعمالهم فيجزيهم بها. # وأما قوله قبلا: "ويخافون يوما كان شره مستطيرا" حيث نسب خوفهم إلى اليوم ~~فإن الواصف فيه هو الله سبحانه وقد نسب اليوم بشدائده إلى نفسه قبلا حيث ~~قال: "إنا أعتدنا للكافرين سلاسل" إلخ. # وبالجملة ما ذكروه من الخوف مخافة في مقام العمل لما يحاسب العبد على ~~عمله فالعبودية لازمة للإنسان لا تفارقه وإن بلغ ما بلغ قال تعالى: "إن ~~إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم": الغاشية: 26. # قوله تعالى: "فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة ms7485 وسرورا" الوقاية ~~الحفظ والمنع من الأذى ولقي بكذا يلقيه أي استقبله به والنضرة البهجة وحسن ~~اللون والسرور مقابل المساءة والحزن. # والمعنى: فحفظهم الله ومنع عنهم شر ذلك اليوم واستقبلهم بالنضرة والسرور، ~~فهم ناضرة الوجوه مسرورون يومئذ كما قال: "وجوه يومئذ ناضرة": القيامة: 22. # قوله تعالى: "وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا" المراد بالصبر صبرهم عند ~~المصيبة وعلى الطاعة وعن المعصية فإنهم ابتغوا في الدنيا وجه ربهم وقدموا ~~إرادته على إرادتهم فصبروا على ما قضى به فيهم وأراده من المحن ومصائب ~~الدنيا في حقهم، وصبروا على امتثال ما أمرهم به وصبروا على ترك ما نهاهم ~~عنه وإن كان مخالفا لأهواء أنفسهم فبدل الله ما لقوه من المشقة والكلفة ~~نعمة وراحة. # قوله تعالى: "متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا" ~~الأرائك جمع أريكة وهو ما يتكأ عليه، والزمهرير البرد الشديد، والمعنى حال ~~كونهم متكئين في الجنة على الأرائك لا يرون فيها شمسا حتى يتأذوا بحرها ولا ~~زمهريرا حتى يتأذوا ببرده. # قوله تعالى: "ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا" الظلال جمع ظل، ~~ودنو الظلال عليهم قربها منهم بحيث تنبسط عليهم فكان الدنو مضمن معنى ~~الانبساط وقطوف جمع قطف بالكسر فالسكون وهو الثمرة المقطوفة المجتناة، ~~وتذليل القطوف لهم جعلها مسخرة لهم يقطفونها كيف شاءوا من غير مانع أو كلفة. # قوله تعالى: "ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا" الآنية جمع ~~إناء كأكسية جمع كساء وهو الوعاء، وأكواب جمع كوب وهو إناء الشراب الذي لا ~~عروة له ولا خرطوم والمراد طواف الولدان المخلدين عليهم بالآنية وأكواب ~~الشراب كما سيأتي في قوله: "ويطوف عليهم ولدان" الآية. # قوله تعالى: "قوارير من فضة قدروها تقديرا" بدل من قوارير في الآية ~~السابقة، وكون القوارير من فضة مبني على التشبيه البليغ أي إنها في صفاء ~~الفضة وإن لم تكن منها حقيقة، كذا قيل. # واحتمل أن يكون بحذف مضاف والتقدير من صفاء الفضة. # وضمير الفاعل في "قدروها" للأبرار والمراد بتقديرهم الآنية والأكواب ~~كونها على ما شاءوا من القدر ترويهم ms7486 بحيث لا تزيد ولا تنقص كما قال تعالى: ~~"لهم ما يشاءون فيها": ق: 35 وقد قال تعالى قبل: "يفجرونها تفجيرا". # ويحتمل رجوع الضمير إلى الطائفين المفهوم من قوله: "يطاف عليهم" والمراد ~~بتقديرهم الآنية والأكواب إتيانهم بها على قدر ما أرادوا محتوية على ما ~~اشتهوا قدر ما اشتهوا. # قوله تعالى: "ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا" قيل: إنهم كانوا ~~يستطيبون الزنجبيل في الشراب فوعد الأبرار بذلك وزنجبيل الجنة أطيب وألذ. # قوله تعالى: "عينا فيها تسمى سلسبيلا" أي من عين أو التقدير أعني أو أخص عينا. # قال الراغب: وقوله: "سلسبيلا" أي سهلا لذيذا سلسا حديد الجرية. # قوله تعالى: "ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا" ~~أي ولدان دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء وصباحة المنظر، وقيل: ~~أي مقرطون بخلدة وهي ضرب من القرط. PageV20P071 # والمراد بحسبانهم لؤلؤا منثورا أنهم في صفاء ألوانهم وإشراق وجوههم وانعكاس ~~أشعة بعضهم على بعض وانبثاثهم في مجالسهم كاللؤلؤ المنثور. # قوله تعالى: "وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا" "ثم" ظرف مكان ممحض ~~في الظرفية، ولذا قيل: إن معنى "رأيت" الأول: رميت ببصرك، والمعنى وإذا ~~رميت ببصرك ثم يعني الجنة رأيت نعيما لا يوصف وملكا كبيرا لا يقدر قدره. # وقيل: "ثم" صلة محذوفة الموصول والتقدير وإذا رأيت ما ثم من النعيم ~~والملك، وهو كقوله: "لقد تقطع بينكم": الأنعام: 94 والكوفيون من النحاة ~~يجوزون حذف الموصول وإبقاء الصلة وإن منعه البصريون منهم. # قوله تعالى: "عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق" إلخ الظاهر أن "عاليهم" حال ~~من الأبرار الراجعة إليه الضمائر و"ثياب" فاعله، والسندس - كما قيل - ما رق ~~نسجه من الحرير، والخضر صفة ثياب والإستبرق ما غلظ نسجه من ثياب الحرير، ~~وهو معرب كالسندس. # وقوله: "وحلوا أساور من فضة" التحلية التزيين، وأساور جمع سوار وهو ~~معروف، وقال الراغب: هو معرب دستواره. # وقوله: "وسقاهم ربهم شرابا طهورا" أي بالغا في التطهير لا تدع قذارة إلا ~~أزالها ومن القذارة قذارة الغفلة عن الله سبحانه والاحتجاب عن التوجه إليه ~~فهم غير ms7487 محجوبين عن ربهم ولذا كان لهم أن يحمدوا ربهم كما قال: "وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين": يونس: 10 وقد تقدم في تفسير سورة الحمد ~~إن الحمد وصف لا يصلح له إلا المخلصون من عباد الله تعالى لقوله: "سبحان ~~الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات: 160. # وقد أسقط تعالى في قوله: "وسقاهم ربهم" الوسائط كلها ونسب سقيهم إلى ~~نفسه، وهذا أفضل ما ذكره الله تعالى من النعيم الموهوب لهم في الجنة، ولعله ~~من المزيد المذكور في قوله: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35. # قوله تعالى: "إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا" حكاية ما يخاطبون ~~به من عنده تعالى عند توفيته أجرهم أو بحذف القول والتقدير ويقال لهم: إن ~~هذا كان لكم جزاء "إلخ". # وقوله: "وكان سعيكم مشكورا" إنشاء شكر لمساعيهم المرضية وأعمالهم ~~المقبولة، ويا لها من كلمة طيبة تطيب بها نفوسهم. # واعلم أنه تعالى لم يذكر فيما ذكر من نعيم الجنة في هذه الآيات نساء ~~الجنة من الحور العين وهي من أهم ما يذكره عند وصف نعم الجنة في سائر كلامه ~~ويمكن أن يستظهر منه أنه كانت بين هؤلاء الأبرار الذين نزلت فيهم الآيات من ~~هي من النساء. # وقال في روح المعاني،: ومن اللطائف على القول بنزول السورة فيهم يعني في ~~أهل البيت إنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين وإنما صرح عز وجل بولدان ~~مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين الرسول، انتهى. ### |||| AUTO بحث روائي # في إتقان السيوطي، عن البيهقي في دلائل النبوة بإسناده عن عكرمة والحسن ~~بن أبي الحسن قالا: أنزل الله من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك ون والمزمل إلى ~~أن قالا وما نزل بالمدينة ويل للمطففين، والبقرة، وآل عمران، والأنفال، ~~والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، وإذا زلزلت، والحديد، ومحمد، ~~والرعد، والرحمن، وهل أتى على الإنسان. # الحديث. # وفيه، عن ابن الضريس في فضائل القرآن بإسناده عن عثمان بن عطاء الخراساني ~~عن أبيه عن ابن عباس قال: كان إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت ms7488 بمكة ثم يزيد ~~الله فيها ما شاء. وكان أول ما أنزل من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا ~~أيها المزمل إلى أن قال ثم أنزل بالمدينة سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل ~~عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم القتال ~~ثم الرعد ثم الرحمن ثم الإنسان. # الحديث. # وفيه، عن البيهقي في الدلائل بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن ~~أول ما أنزل الله على نبيه من القرآن اقرأ باسم ربك، وذكر مثل حديث عكرمة ~~والحسين وفيه ذكر ثلاث من السور المكية التي سقطت من روايتهما وهي الفاتحة ~~والأعراف وكهيعص. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ~~قال: نزلت سورة الإنسان بالمدينة. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: "ويطعمون الطعام على ~~حبه" الآية قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). PageV20P072 # أقول: الآية تشارك سائر آيات صدر السورة مما تقدم عليها أو تأخر عنها في ~~سياق واحد متصل فنزولها فيهما (عليه السلام) لا ينفك نزولها جميعا ~~بالمدينة. # وفي الكشاف،: وعن ابن عباس: أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ~~ولدك ولديك ظ فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برءا مما بهما أن يصوموا ~~ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء. فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث ~~أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين ~~أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من ~~مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم ~~يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف ~~عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك. فلما ~~أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول ms7489 الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما ~~يسوءني ما أرى بكم فانطلق معهم فرآى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ~~ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في ~~أهل بيتك فأقرأه السورة: أقول: الرواية مروية بغير واحد من الطرق عن عطاء ~~عن ابن عباس ونقلها البحراني في غاية المرام، عن أبي المؤيد الموفق بن أحمد ~~في كتاب فضائل أمير المؤمنين بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وعنه بإسناد ~~آخر عن الضحاك عن ابن عباس وعن الحمويني في كتاب فرائد السمطين بإسناده عن ~~مجاهد عن ابن عباس، وعن الثعلبي بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه في ~~المجمع، عن الواحدي في تفسيره. # وفي المجمع، بإسناده عن الحاكم بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي ~~طالب أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن: فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ~~ما نزلت من السماء. فأول ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب ثم اقرأ باسم ربك، ~~ثم ن إلى أن قال وأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ~~ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم سورة محمد ثم ~~الرعد ثم سورة الرحمن ثم هل أتى. # الحديث. # وفيه، عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره قال: حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد ~~الله بن الحسن: أنها مدنية نزلت في علي وفاطمة السورة كلها. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: كان عند فاطمة (عليها السلام) شعير فجعلوه عصيدة فلما أنضجوها ~~ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: مسكين رحمكم الله فقام علي (عليه ~~السلام) فأعطاه ثلثا فلم يلبث أن جاء يتيم فقال: اليتيم رحمكم الله فقام ~~علي (عليه السلام) فأعطاه الثلث ثم جاء أسير فقال: الأسير رحمكم الله ~~فأعطاه علي (عليه السلام) الثلث وما ذاقوها فأنزل الله سبحانه ms7490 الآيات فيهم ~~وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عز وجل. # أقول: القصة كما ترى ملخصة في الرواية وروى ذلك البحراني في غاية المرام، ~~عن المفيد في الاختصاص، مسندا وعن ابن بابويه في الأمالي، بإسناده عن مجاهد ~~عن ابن عباس، وبإسناده عن سلمة بن خالد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه ~~السلام)، وعن محمد بن العباس بن ماهيار في تفسيره بإسناده عن أبي كثير ~~الزبيري عن عبد الله بن عباس، وفي المناقب، أنه مروي عن الأصبغ بن نباتة. # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام): في حديث يقول فيه للقوم بعد موت عمر ~~بن الخطاب: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزل فيه وفي ولده "إن الأبرار يشربون ~~من كأس كان مزاجها كافورا" إلى آخر السورة غيري؟ قالوا: لا. # وفي كتاب الخصال، في احتجاج علي على أبي بكر قال: أنشدك بالله أنا صاحب ~~الآية "يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا" أم أنت؟ قال: بل أنت. PageV20P073 # وفي الدر المنثور، أخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر قال: ~~جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سل واستفهم فقال: يا رسول الله فضلتم ~~علينا بالألوان والصور والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بمثل ما ~~عملت به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض ~~الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام. ثم قال: من قال لا إله إلا الله كان له ~~عهد عند الله ومن قال: سبحان الله وبحمده كتبت له مائة ألف حسنة وأربعة ~~وعشرون ألف حسنة ونزلت عليه السورة هل أتى على الإنسان حين من الدهر إلى ~~قوله: ملكا كبيرا. فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: ~~نعم فاشتكى حتى فاضت نفسه. قال عمر: فلقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يدليه في حفرته بيده. # وفيه، أخرج أحمد في الزهد عن ms7491 محمد بن مطرف قال: حدثني الثقة: أن رجلا ~~أسود كان يسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن التسبيح والتهليل فقال ~~له عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله فقال: مه يا عمر وأنزلت على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "هل أتى على الإنسان حين من الدهر" حتى إذا ~~أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): مات شوقا إلى الجنة. # وفيه، أخرج ابن وهب عن ابن زيد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قرأ هذه السورة هل أتى على الإنسان حين من الدهر وقد أنزلت عليه وعنده رجل ~~أسود فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة. # أقول: وهذه الروايات الثلاث على تقدير صحتها لا تدل على أزيد من كون نزول ~~السورة مقارنا لقصة الرجل وأما كونها سببا للنزول فلا، وهذا المعنى في ~~الرواية الأخيرة أظهر وبالجملة لا تنافي الروايات الثلاث نزول السورة في ~~أهل البيت (عليهم السلام). # على أن رواية ابن عمر للقصة الظاهرة في حضوره القصة وقد هاجر إلى المدينة ~~وهو ابن إحدى عشرة سنة من شواهد وقوع القصة بالمدينة. # وفي الدر المنثور، أيضا أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإنسان بمكة. # أقول: هو تلخيص حديث طويل أورده النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ، وقد ~~نقله في الإتقان وهو معارض لما تقدم نقله مستفيضا عن ابن عباس من نزول ~~السورة بالمدينة وأنها نزلت في أهل البيت (عليهم السلام). # على أن سياق آياتها وخاصة قوله يوفون بالنذر ويطعمون الطعام" إلخ سياق ~~قصة واقعة وذكر الأسير فيمن أطعموهم نعم الشاهد على نزول الآيات بالمدينة ~~إذ لم يكن للمسلمين أسير بمكة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. # قال بعضهم ما ملخصه: أن الروايات مختلفة في مكية هذه السورة ومدنيتها ~~والأرجح أنها مكية بل الظاهر من سياقها أنها من عتائق السور القرآنية ~~النازلة بمكة ms7492 في أوائل البعثة يؤيد ذلك ما ورد فيها من صور النعم الحسية ~~المفصلة الطويلة وصور العذاب الغليظ كما يؤيده ما ورد فيها من أمر النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر لحكم ربه وأن لا يطيع منهم آثما أو كفورا ~~ويثبت على ما نزل عليه من الحق ولا يداهن المشركين من الأوامر التي كانت ~~تنزل بمكة عند اشتداد الأذى على الدعوة وأصحابها بمكة كما في سورة القلم ~~والمزمل والمدثر فلا عبرة باحتمال مدنية السورة. # وهو فاسد أما ما ذكره من اشتمال السورة على صور النعم الحسية المفصلة ~~الطويلة وصور العذاب الغليظ فليس ذلك مما يختص بالسور المكية حتى يقضى بها ~~على كون السورة مكية فهذه سورة الرحمن وسورة الحج مدنيتان على ما تقدمت في ~~الروايات المشتملة على ترتيب نزول السور القرآنية وقد اشتملتا من صور النعم ~~الحسية المفصلة الطويلة وصور العذاب الغليظ على ما يربو ويزيد على هذه ~~السورة بكثير. PageV20P074 # وأما ما ذكره من اشتمال السورة على أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بالصبر وأن لا يطيع منهم آثما أو كفورا ولا يداهنهم ويثبت على ما نزل عليه ~~من الحق ففيه أن هذه الأوامر واقعة في الفصل الثاني من آيات السورة وهو ~~قوله: "إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا" إلى آخر السورة ومن المحتمل جدا ~~أن يكون هذا الفصل من الآيات - وهو ذو سياق تام مستقل - نازلا بمكة، ويؤيده ~~ما في كثير من الروايات المتقدمة أن الذي نزل في أهل البيت بالمدينة هو ~~الفصل الأول من الآيات، وعلى هذا أول السورة مدني وآخرها مكي. # ولو سلم نزولها دفعة واحدة فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر لا ~~اختصاص له بالسور المكية فقد ورد في قوله: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ~~ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا": الكهف: 28 ~~والآية - على ما روي - مدنية والآية - كما ترى - متحدة المعنى مع قوله: ms7493 ~~"فاصبر لحكم ربك" إلخ وهي في سياق شبيه جدا بسياق هذه الآيات فراجع وتأمل. # ثم الذي كان يلقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أذى المنافقين ~~والذين في قلوبهم مرض والجفاة من ضعفاء الإيمان لم يكن بأهون من أذى ~~المشركين بمكة يشهد بذلك أخبار سيرته. # ولا دليل أيضا على انحصار الإثم والكفور في مشركي مكة فهناك غيرهم من ~~الكفار وقد أثبت القرآن الإثم لجمع من المسلمين في موارد كقوله: "لكل امرىء ~~منهم ما اكتسب من الإثم": النور: 11، وقوله: "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا": النساء: 112. # وفي المجمع، وروى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال: ~~سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله: "لم يكن شيئا مذكورا" قال: كان شيئا ~~ولم يكن مذكورا. # أقول: وروي فيه، أيضا عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام): مثله. # وفيه، أيضا عن العياشي بإسناده عن سعيد الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~قال: كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق. # أقول: يعني أنه كان له ثبوت في علم الله ثم خلق بالفعل فصار مذكورا فيمن خلق. # وفي الكافي، بإسناده عن مالك الجهني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ~~الآية قال: كان مقدرا غير مذكور. # أقول: هو في معنى الحديث السابق. # وفي تفسير القمي،: في الآية قال: لم يكن في العلم ولا في الذكر، وفي حديث ~~آخر: كان في العلم ولم يكن في الذكر. # أقول: معنى الحديث الأول أنه لم يكن في علم الناس ولا فيمن يذكرونه فيما ~~بينهم، ومعنى الثاني أنه كان في علم الله ولم يكن مذكورا عند الناس. # وفي تفسير القمي، أيضا في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ~~في قوله تعالى "أمشاج نبتليه" قال: ماء الرجل والمرأة اختلطا جميعا. # وفي الكافي، بإسناده عن حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قوله عز وجل، "إنا هديناه السبيل ms7494 إما شاكرا وإما كفورا" قال: ~~إما آخذ فهو شاكر وإما تارك فهو كافر. # أقول: ورواه القمي في تفسيره، بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) مثله. # وفي التوحيد، بإسناده إلى حمزة بن الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~ما يقرب منه ولفظه: عرفناه إما آخذا وإما تاركا. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر ~~عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا والله تعالى أعلم. PageV20P075 # وفي أمالي الصدوق، بإسناده عن الصادق عن أبيه (عليه السلام) في حديث: "عينا ~~يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا" قال: هي عين في دار النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين "يوفون بالنذر" يعني عليا ~~وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) وجاريتهم "ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا" يقول عابسا كلوحا "ويطعمون الطعام على حبه" يقول: على شهوتهم ~~للطعام وإيثارهم له "مسكينا" من مساكين المسلمين "ويتيما" من يتامى ~~المسلمين "وأسيرا" من أسارى المشركين. ويقولون إذا أطعموهم: "إنما نطعمكم ~~لوجه الله - لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" قال: والله ما قالوا هذا لهم ~~ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم يقولون: لا نريد جزاء ~~تكافئوننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله ~~وطلب ثوابه. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~مردويه عن الحسن قال: كان الأسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية "ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. # أقول: مدلول الرواية نزول الآية بالمدينة، ونظيرها ما رواه فيه عن عبد بن ~~حميد عن قتادة، وما رواه عن ابن المنذر عن ابن جريح، وما رواه عن عبد ~~الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في قوله: "يوما عبوسا قمطريرا" قال: يقبض ما بين ms7495 الأبصار. # وفي روضة الكافي، بإسناده عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه ~~السلام) في صفة الجنة قال: والثمار دانية منهم وهو قوله عز وجل: "ودانية ~~عليهم ظلالها - وذللت قطوفها تذليلا" من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع ~~الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكىء وإن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي ~~الله: يا ولي الله كلمني قبل أن تأكل هذه قبلي. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "ولدان مخلدون "قال: مسورون. # وفي المعاني، بإسناده عن عباس بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام) وكنت عنده ذات يوم: أخبرني عن قول الله عز وجل: "وإذا رأيت ثم رأيت ~~نعيما وملكا كبيرا" ما هذا الملك الذي كبر الله عز وجل حتى سماه كبيرا؟ ~~قال: إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة أرسل رسولا إلى ولي من أوليائه فيجد ~~الحجبة على بابه فتقول له: قف حتى نستأذن لك، فما يصل إليه رسول ربه إلا ~~بإذن فهو قوله عز وجل: "وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا". # وفي المجمع،: "وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا" لا يزول ولا يفنى: ~~عن الصادق (عليه السلام). # وفيه،: "عاليهم ثياب سندس خضر" وروي عن الصادق (عليه السلام) في معناه: ~~تعلوهم الثياب فيلبسونها. # كلام في هوية الإنسان على ما يفيده القرآن # لا ريب أن في هذا الهيكل المحسوس الذي نسميه إنسانا مبدأ للحياة ينتسب ~~إليه الشعور والإرادة، وقد عبر تعالى عنه في الكلام في خلق الإنسان - آدم - ~~بالروح وفي سائر المواضع من كلامه بالنفس قال تعالى: "فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين": الحجر: 29 ص: 72، وقال: "ثم سواه ونفخ فيه من ~~روحه": الم السجدة: 9. # والذي يسبق من الآيتين إلى النظر البادىء أن الروح والبدن حقيقتان اثنتان ~~متفارقتان نظير العجين المركب من الماء والدقيق والإنسان مجموع الحقيقتين ~~فإذا قارنت الروح الجسد كان إنسانا حيا وإذا فارقت فهو الموت. # لكن يفسرها قوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم ~~السجدة: 11 حيث يفيد أن ms7496 الروح التي يتوفاها ويأخذها قابض الأرواح هي التي ~~يعبر عنها بلفظة "كم" وهو الإنسان بتمام حقيقته لا جزء من مجموع فالمراد ~~بنفخ الروح في الجسد جعل الجسد بعينه إنسانا لا ضم واحد إلى واحد آخر ~~يغايره في ذاته وآثار ذاته فالإنسان حقيقة واحدة حين تعلق روحه ببدنه وبعد ~~مفارقة روحه البدن. # ويفيد هذا المعنى قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر": المؤمنون: 14 فالذي ~~أنشأه الله خلقا آخر هو النطفة التي تكونت علقة ثم مضغة ثم عظاما بعينها. PageV20P076 # وفي معناها قوله تعالى: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا" فتقييد الشيء المنفي بالمذكور يعطي أنه كان شيئا لكن لم يكن مذكورا ~~فقد كان أرضا أو نطفة مثلا لكن لم يكن مذكورا أنه الإنسان الفلاني ثم صار هو هو. # فمفاد كلامه تعالى أن الإنسان واحد حقيقي هو المبدأ الوحيد لجميع آثار ~~البدن الطبيعية والآثار الروحية كما أنه مجرد في نفسه عن المادة كما يفيده ~~أمثال قوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت" وقوله: "الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها": الزمر: 42 وقوله: "ثم أنشأناه خلقا آخر" وقد تقدم بيانه. PageV20P077 ### ||| AUTO 76 سورة الدهر - 23 - 31 # إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ~~ءاثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن اليل فاسجد له ~~وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ~~(27) نحن خلقنهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثلهم تبديلا (28) إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن ~~الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء فى رحمته والظلمين أعد لهم عذابا ~~أليما (31) ### |||| AUTO بيان # لما وصف جزاء الأبرار وما قدر لهم من النعيم المقيم والملك العظيم بما ~~صبروا في جنب الله وجه الخطاب إلى النبي (صلى الله ms7497 عليه وآله وسلم) وأمره ~~بالصبر لحكم ربه وأن لا يطيع هؤلاء الآثمين والكفار المحبين للعاجلة ~~المتعلقين بها المعرضين عن الآخرة من المشركين وسائر الكفار والمنافقين ~~وأهل الأهواء، وأن يذكر اسم ربه ويسجد له ويسبحه مستمرا عليه ثم عمم الحكم ~~لأمته بقوله: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا". # فهذا وجه اتصال الآيات بما قبلها وسياقها مع ذلك لا يخلو من شبه ~~بالسياقات المكية وعلى تقدير مكيتها فصدر السورة مدني وذيلها مكي. # قوله تعالى: "إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا" تصدير الكلام بأن وتكرار ~~ضمير المتكلم مع الغير والإتيان بالمفعول المطلق كل ذلك للتأكيد، ولتسجيل ~~أن الذي نزل من القرآن نجوما متفرقة هو من الله سبحانه لم يداخله نفث ~~شيطاني ولا هو نفساني. # قوله تعالى: "فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا" تفريع على ما ~~هو لازم مضمون الآية السابقة فإن لازم كون الله سبحانه هو الذي نزل القرآن ~~عليه أن يكون ما في القرآن من الحكم حكم ربه يجب أن يطاع فالمعنى إذا كان ~~تنزيله منا فما فيه من الحكم حكم ربك فيجب عليك أن تصبر له فاصبر لحكم ربك. # وقوله "ولا تطع منهم آثما أو كفورا" ورود الترديد في سياق النهي يفيد ~~عموم الحكم فالنهي عن طاعتهما سواء اجتمعا أو افترقا، والظاهر أن المراد ~~بالإثم المتلبس بالمعصية وبالكفور المبالغ في الكفر فتشمل الآية الكفار ~~والفساق جميعا. # وسبق النهي عن طاعة الإثم والكفور بالأمر بالصبر لحكم ربه يفيد كون النهي ~~مفسرا للأمر فمفاد النهي أن لا تطع منهم آثما إذا دعاك إلى إثمه ولا كفورا ~~إذا دعاك إلى كفره لأن إثم الآثم منهم وكفر الكافر مخالفان لحكم ربك وأما ~~تعليق الحكم بالوصف المشعر بالعلية فإنما يفيد علية الإثم والكفر للنهي عن ~~الطاعة مطلقا لا عليتهما للنهي إذا دعا الآثم إلى خصوص إثمه والكافر إلى ~~خصوص كفره. # قوله تعالى: "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا" أي داوم على ذكر ربك وهو الصلاة ~~في كل بكرة وأصيل وهما الغدو ms7498 والعشي. # قوله تعالى: "ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا" من للتبعيض والمراد ~~بالسجود له الصلاة، ويقبل ما في الآيتين من ذكر اسمه بكرة وأصيلا والسجود ~~له بعض الليل الانطباق على صلاة الصبح والعصر والمغرب والعشاء وهذا يؤيد ~~نزول الآيات بمكة قبل فرض الفرائض الخمس بقوله في آية الإسراء: "أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر": إسراء: 78. # فالآيتان كقوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل": هود: ~~114، وقوله "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح ~~وأطراف النهار": طه: 130. # نعم قيل: على أن الأصيل يطلق على ما بعد الزوال فيشمل قوله "وأصيلا" وقتي ~~صلاتي الظهر والعصر جميعا، ولا يخلو من وجه. # وقوله: "وسبحه ليلا طويلا" أي في ليل طويل ووصف الليل بالطويل توضيحي لا ~~احترازي، والمراد بالتسبيح صلاة الليل، واحتمل أن يكون طويلا صفة لمفعول ~~مطلق محذوف، والتقدير سبحه في الليل تسبيحا طويلا. PageV20P078 # قوله تعالى: "إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا" تعليل لما ~~تقدم من الأمر والنهي والإشارة بهؤلاء إلى جمع الإثم والكفور المدلول عليه ~~بوقوع النكرة في سياق النهي، والمراد بالعاجلة الحياة الدنيا، وعد اليوم ~~ثقيلا من الاستعارة، والمراد بثقله شدته كأنه محمول ثقيل يشق حمله، واليوم ~~يوم القيامة. # وكون اليوم وراءهم تقرره أمامهم لأن وراء تفيد معنى الإحاطة، أو جعلهم ~~إياه خلفهم ووراء ظهورهم بناء على إفادة "يذرون" معنى الإعراض. # والمعنى: فاصبر لحكم ربك وأقم الصلاة ولا تطع الآثمين والكفار منهم لأن ~~هؤلاء الآثمين والكفار يحبون الحياة الدنيا فلا يعملون إلا لها ويتركون ~~أمامهم يوما شديدا أو يعرضون فيجعلون خلفهم يوما شديدا سيلقونه. # قوله تعالى: "نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا" ~~الشد خلاف الفك، والأسر في الأصل الشد والربط ويطلق على ما يشد ويربط به ~~فمعنى شددنا أسرهم أحكمنا ربط مفاصلهم بالرباطات والأعصاب والعضلات أو ~~الأسر بمعنى المأسور والمعنى أحكمنا ربط أعضائهم المختلفة المشدودة بعضها ~~ببعض حتى صار الواحد منهم بذلك إنسانا واحدا. # وقوله: "وإذا شئنا ms7499 بدلنا أمثالهم تبديلا" أي إذا شئنا بدلناهم أمثالهم ~~فذهبنا بهم وجئنا بأمثالهم مكانهم وهو أماته قرن وإحياء آخرين، وقيل المراد ~~به تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة القيامة وهو بعيد من السياق. # والآية في معنى دفع الدخل كان متوهما يتوهم أنهم بحبهم للدنيا وإعراضهم ~~عن الآخرة يعجزونه تعالى ويفسدون عليه إرادته منهم أن يؤمنوا ويطيعوا فأجيب ~~بأنهم مخلوقون لله خلقهم وشد أسرهم وإذا شاء أذهبهم وجاء بآخرين فكيف ~~يعجزونه وخلقهم وأمرهم وحياتهم وموتهم بيده؟. # قوله تعالى: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا" تقدم تفسيره في ~~سورة المزمل والإشارة بهذه إلى ما ذكر في السورة. # قوله تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما" ~~الاستثناء من النفي يفيد أن مشية العبد متوقفة في وجودها على مشيته تعالى ~~فلمشيته تعالى تأثير في فعل العبد من طريق تعلقها بمشية العبد، وليست ~~متعلقة بفعل العبد مستقلا وبلا واسطة حتى تستلزم بطلان تأثير إرادة العبد ~~وكون الفعل جبريا ولا أن العبد مستقل في إرادة يفعل ما يشاؤه شاء الله أو ~~لم يشأ، فالفعل اختياري لاستناده إلى اختيار العبد، وأما اختيار العبد فليس ~~مستندا إلى اختيار آخر، وقد تكرر توضيح هذا البحث في مواضع مما تقدم. # والآية مسوقة لدفع توهم أنهم مستقلون في مشيتهم منقطعون من مشية ربهم، ~~ولعل تسجيل هذا التنبيه عليهم هو الوجه في الالتفات إلى الخطاب في قوله ~~"وما تشاءون إلا أن يشاء الله" كما أن الوجه في الالتفات من التكلم بالغير ~~إلى الغيبة في قوله: "يشاء الله إن الله" هو الإشارة إلى علة الحكم فإن ~~مسمى هذا الاسم الجليل يبتدىء منه كل شيء وينتهي إليه كل شيء فلا تكون مشية ~~إلا بمشيته ولا تؤثر مشية إلا بإذنه. # وقوله: "إن الله كان عليما حكيما" توطئة لبيان مضمون الآية التالية. # قوله تعالى: "يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما" ~~مفعول "يشاء" محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير يدخل في رحمته من يشاء دخوله ~~في رحمته، ولا ms7500 يشاء إلا دخول من آمن واتقى، وأما غيرهم وهم أهل الإثم ~~والكفر فبين حالهم بقوله: "والظالمين أعد لهم عذابا أليما". # والآية تبين سنته تعالى الجارية في عباده من حيث السعادة والشقاء، وقد ~~علل ذلك بما في ذيل الآية السابقة من قوله "إن الله كان عليما حكيما" فأفاد ~~به أن سنته تعالى ليست سنة جزافية مبنية على الجهالة بل هو يعامل كلا من ~~الطائفتين بما هو أهل له وسينبئهم حقيقة ما كانوا يعملون. ### |||| AUTO بحث روائي # وفي الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله: "ولا تطع منهم آثما أو كفورا" قال: حدثنا أنها نزلت في عدو الله أبي جهل. # أقول: وهو أشبه بالتطبيق. # وفي المجمع،: في قوله تعالى "وسبحه ليلا طويلا": روي عن الرضا (عليه ~~السلام): أنه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: ~~صلاة الليل. PageV20P079 # وفي الخرائج والجرائح، عن القائم (عليه السلام): في حديث يقول لكامل بن ~~إبراهيم المدني: وجئت تسأل عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية ~~الله عز وجل فإذا شاء شئنا، والله يقول "وما تشاءون إلا أن يشاء الله". # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبي ~~هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول إذا خطب: كل ما هو ~~آت قريب، لا بعد لما يأتي، ولا يعجل الله لعجلة أحد، ما شاء الله لا ما شاء ~~الناس، يريد الناس أمرا ويريد الله أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، ~~لا مباعد لما قرب الله، ولا مقرب لما باعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله. # أقول: وفي بعض الروايات من طرق أهل البيت (عليهم السلام) تطبيق الحكم في ~~قوله: "فاصبر لحكم ربك" والرحمة في قوله: "يدخل من يشاء في رحمته" على ~~الولاية وهو من الجري أو البطن وليس من التفسير في شيء. PageV20P080 ### || AUTO ### ||| AUTO 77 سورة المرسلات - 1 - 15 # بسم الله الرحمن ms7501 الرحيم والمرسلات عرفا (1) فالعصفت عصفا (2) والنشرات ~~نشرا (3) فالفرقت فرقا (4) فالملقيت ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون ~~لوقع (7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) ~~وإذا الرسل أقتت (11) لأى يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما يوم ~~الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين (15) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة يوم الفصل وهو يوم القيامة وتؤكد الإخبار بوقوعه وتشفعه ~~بالوعيد الشديد للمكذبين به والإنذار والتبشير لغيرهم ويربو فيها جانب ~~الوعيد على غيره فقد كرر فيها قوله: "ويل يومئذ للمكذبين" عشر مرات. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "والمرسلات عرفا" الآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات إقسام ~~منه تعالى بأمور يعبر عنها بالمرسلات فالعاصفات والناشرات فالفارقات ~~فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا، والأوليان أعني المرسلات عرفا والعاصفات عصفا ~~لا تخلوان لو خليتا ونفسهما مع الغض عن السياق من ظهور ما في الرياح ~~المتعاقبة الشديدة الهبوب لكن الأخيرة أعني الملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ~~كالصريحة في الملائكة النازلين على الرسل الحاملين لوحي الرسالة الملقين له ~~إليهم إتماما للحجة أو إنذارا وبقية الصفات لا تأبى الحمل على ما يناسب هذا ~~المعنى. # وحمل جميع الصفات الخمس على إرادة الرياح كما هو ظاهر المرسلات والعاصفات ~~- على ما عرفت - يحتاج إلى تكلف شديد في توجيه الصفات الثلاث الباقية وخاصة ~~في الصفة الأخيرة. # وكذا حمل المرسلات والعاصفات على إرادة الرياح وحمل الثلاث الباقية أو ~~الأخيرتين أو الأخيرة فحسب على ملائكة الوحي إذ لا تناسب ظاهرا بين الرياح ~~وبين ملائكة الوحي حتى يقارن بينها في الأقسام وينظم الجميع في سلك واحد، ~~وما وجهوه من مختلف التوجيهات معان بعيدة عن الذهن لا ينتقل إليها في مفتتح ~~الكلام من غير تنبيه سابق. # فالوجه هو الغض عن هذه الأقاويل وهي كثيرة جدا لا تكاد تنضبط، وحمل ~~المذكورات على إرادة ملائكة الوحي كنظيرتها في مفتتح سورة الصافات ~~"والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا" وفي معناها قوله تعالى: ~~"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن ms7502 خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم": الجن: 28. # فقوله: "والمرسلات عرفا" إقسام منه تعالى بها والعرف بالضم فالسكون الشعر ~~النابت على عنق الفرس ويشبه به الأمور إذا تتابعت يقال: جاءوا كعرف الفرس، ~~ويستعار فيقال: جاء القطا عرفا أي متتابعة وجاءوا إليه عرفا واحدا أي ~~متتابعين، والعرف أيضا المعروف من الأمر والنهي و"عرفا" حال بالمعنى الأول ~~مفعول له بالمعنى الثاني، والإرسال خلاف الإمساك، وتأنيث المرسلات باعتبار ~~الجماعات أو باعتبار الروح التي تنزل بها الملائكة قال تعالى: "ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده": النحل: 2 وقال "يلقي الروح ~~من أمره على من يشاء من عباده": المؤمن: 15. # والمعنى أقسم بالجماعات المرسلات من ملائكة الوحي. # وقيل: المراد بالمرسلات عرفا الرياح المتتابعة المرسلة وقد تقدمت الإشارة ~~إلى ضعفه، ومثله في الضعف القول بأن المراد بها الأنبياء (عليهم السلام) ~~فلا يلائمه ما يتلوها. # قوله تعالى: "فالعاصفات عصفا" عطف على المرسلات والمراد بالعصف سرعة ~~السير استعارة من عصف الرياح أي سرعة هبوبها إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما ~~أرسلت إليه، والمعنى أقسم بالملائكة الذين يرسلون متتابعين فيسرعون في ~~سيرهم كالرياح العاصفة. # قوله تعالى: "والناشرات نشرا" إقسام آخر، ونشر الصحيفة والكتاب والثوب ~~ونحوها: بسطه، والمراد بالنشر نشر صحف الوحي كما يشير إليه قوله تعالى "كلا ~~إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": ~~عبس: 16 والمعنى وأقسم بالملائكة الناشرين للصحف المكتوبة عليها الوحي ~~للنبي ليتلقاه. PageV20P081 # وقيل: المراد بها الرياح ينشرها الله تعالى بين يدي رحمته وقيل: الرياح ~~الناشرة للسحاب، وقيل: الملائكة الناشرين لصحائف الأعمال، وقيل: الملائكة ~~نشروا أجنحتهم حين النزول وقيل: غير ذلك. # قوله تعالى "فالفارقات فرقا" المراد به الفرق بين الحق والباطل وبين ~~الحلال والحرام، والفرق المذكور صفة متفرعة على النشر المذكور. # قوله تعالى: "فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا" المراد بالذكر القرآن يقرءونه ~~على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مطلق الوحي النازل على الأنبياء ~~المقرو عليهم. # والصفات الثلاث أعني النشر والفرق وإلقاء الذكر مترتبة ms7503 فإن الفرق بين ~~الحق والباطل والحلال والحرام يتحقق بنشر الصحف وإلقاء الذكر فبالنشر يشرع ~~الفرق في التحقق وبالتلاوة يتم تحققه فالنشر يترتب عليه مرتبة من وجود ~~الفرق ويترتب عليها تمام وجوده بالإلقاء. # وقوله: "عذرا أو نذرا" هما من المفعول له و"أو" للتنويع قيل: هما مصدران ~~بمعنى الإعذار والإنذار، والإعذار الإتيان بما يصير به معذورا والمعنى أنهم ~~يلقون الذكر لتكون عذرا لعباده المؤمنين بالذكر وتخويفا لغيرهم. # وقيل: ليكون عذرا يعتذر به الله إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على ~~وجه الحكمة، ويئول إلى إتمام الحجة، فمحصل المعنى عليه أنهم يلقون الذكر ~~ليكون إتماما للحجة على المكذبين وتخويفا لغيرهم، وهو معنى حسن. # قوله تعالى: "إنما توعدون لواقع" جواب القسم، وما موصولة والخطاب لعامة ~~البشر، والمراد بما توعدون يوم القيامة بما فيه من العقاب والثواب والواقع ~~أبلغ من الكائن لما فيه من شائبة الاستقرار، والمعنى أن الذي وعدكم الله به ~~من البعث والعقاب والثواب سيتحقق لا محالة. # كلام في إقسامه تعالى في القرآن # من لطيف صنعة البيان في هذه الآيات الست أنها مع ما تتضمن الإقسام لتأكيد ~~الخبر الذي في الجواب تتضمن الحجة على مضمون الجواب وهو وقوع الجزاء ~~الموعود فإن التدبير الربوبي الذي يشير إليه القسم أعني إرسال المرسلات ~~العاصفات ونشرها الصحف وفرقها وإلقاءها الذكر للنبي تدبير لا يتم إلا مع ~~وجود التكليف الإلهي والتكليف لا يتم إلا مع تحتم وجود يوم معد للجزاء ~~يجازى فيه العاصي والمطيع من المكلفين. # فالذي أقسم تعالى به من التدبير لتأكيد وقوع الجزاء الموعود هو بعينه حجة ~~على وقوعه كأنه قيل: أقسم بهذه الحجة أن مدلولها واقع. # وإذا تأملت الموارد التي أورد فيها القسم في كلامه تعالى وأمعنت فيها ~~وجدت المقسم به فيها حجة دالة على حقية الجواب كقوله تعالى في الرزق: "فورب ~~السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: 23 فإن ربوبية السماء والأرض هي المبدأ ~~لرزق المرزوقين، وقوله: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون": الحجر: 72 فإن ~~حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرة ms7504 المصونة بعصمة من الله دالة ~~على سكرهم وعمههم، وقوله: "والشمس وضحاها - إلى أن قال - ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها": الشمس: 10 فإن ~~هذا النظام المتقن المنتهي إلى النفس الملهمة المميزة لفجورها وتقواها هو ~~الدليل على فلاح من زكاها وخيبة من دساها. # وعلى هذا النسق سائر ما ورد من القسم في كلامه تعالى وإن كان بعضها لا ~~يخلو من خفاء يحوج إلى إمعان من النظر كقوله: "والتين والزيتون وطور ~~سينين": التين: 2 وعليك بالتدبر فيها. # قوله تعالى: "فإذا النجوم طمست - إلى قوله - أقتت" بيان لليوم الموعود ~~الذي أخبر بوقوعه في قوله: "إنما توعدون لواقع" وجواب إذا محذوف يدل عليه ~~قوله: "لأي يوم أجلت - إلى قوله - للمكذبين". # وقد عرف سبحانه اليوم الموعود بذكر حوادث واقعة تلازم انقراض العالم ~~الإنساني وانقطاع النظام الدنيوي كانطماس النجوم وانشقاق الأرض واندكاك ~~الجبال وتحول النظام إلى نظام آخر يغايره، وقد تكرر ذلك في كثير من السور ~~القرآنية وخاصة السور القصار كسورة النبإ والنازعات والتكوير والانفطار ~~والانشقاق والفجر والزلزال والقارعة، وغيرها، وقد عدت الأمور المذكورة فيها ~~في الأخبار من أشراط الساعة. PageV20P082 # ومن المعلوم بالضرورة من بيانات الكتاب والسنة أن نظام الحياة في جميع ~~شئونها في الآخرة غير نظامها في الدنيا فالدار الآخرة دار أبدية فيها محض ~~السعادة لساكنيها لهم فيها ما يشاءون أو محض الشقاء وليس لهم فيها إلا ما ~~يكرهون والدار الدنيا دار فناء وزوال لا يحكم فيها إلا الأسباب والعوامل ~~الخارجية الظاهرية مخلوط فيها الموت بالحياة، والفقدان بالوجدان، والشقاء ~~بالسعادة، والتعب بالراحة، والمساءة بالسرور، والآخرة دار جزاء ولا عمل ~~والدنيا دار عمل ولا جزاء، وبالجملة النشأة غير النشأة. # فتعريفه تعالى نشأة البعث والجزاء بأشراطها التي فيها انطواء بساط الدنيا ~~بخراب بنيان أرضها وانتساف جبالها وانشقاق سمائها وانطماس نجومها إلى غير ~~ذلك من قبيل تحديد نشأة بسقوط النظام الحاكم في نشأة أخرى قال تعالى: "ولقد ~~علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون": الواقعة: 62. # فقوله: "فإذا النجوم طمست" أي محي ms7505 أثرها من النور وغيره، والطمس إزالة ~~الأثر بالمحو قال تعالى: "وإذا النجوم انكدرت": التكوير: 2. # وقوله: "وإذا السماء فرجت" أي انشقت، والفرج والفرجة الشق بين الشيئين ~~قال تعالى: "إذا السماء انشقت": الانشقاق: 1. # وقوله: "وإذا الجبال نسفت" أي قلعت وأزيلت من قولهم: نسفت الريح الشيء أي ~~اقتلعته وأزالته قال تعالى: "ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا": طه: 105. # وقوله: "وإذا الرسل أقتت" أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على ~~الأمم أو بلغت الوقت الذي تنتظره لأداء شهادتها على الأمم من التأقيت بمعنى ~~التوقيت، قال تعالى: "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": ~~الأعراف: 6، وقال: "يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم": المائدة: 109. # قوله تعالى: "لأي يوم أجلت - إلى قوله: - للمكذبين" الأجل المدة المضروبة ~~للشيء، والتأجيل جعل الأجل للشيء، ويستعمل في لازمه وهو التأخير كقولهم: ~~دين مؤجل أي له مدة بخلاف الحال وهذا المعنى هو الأنسب للآية، والضمير في ~~"أجلت" للأمور المذكورة قبلا من طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتأقيت ~~الرسل، والمعنى لأي يوم أخرت يوم أخرت هذه الأمور. # واحتمل أن يكون "أجلت" بمعنى ضرب الأجل للشيء وأن يكون الضمير المقدر فيه ~~راجعا إلى الرسل، أو إلى ما يشعر به الكلام من الأمور المتعلقة بالرسل مما ~~أخبروا به من أحوال الآخرة وأهوالها وتعذيب الكافرين وتنعيم المؤمنين فيها، ~~ولا يخلو كل ذلك من خفاء. # وقد سيقت الآية والتي بعدها أعني قوله: "لأي يوم أجلت ليوم الفصل" في ~~صورة الاستفهام وجوابه للتعظيم والتهويل والتعجيب وأصل المعنى أخرت هذه ~~الأمور ليوم الفصل. # وهذا النوع من الجمل الاستفهامية في معنى تقدير القول، والمعنى أن من ~~عظمة هذا اليوم وهوله وكونه عجبا أنه يسأل فيقال: لأي يوم أخرت هذه الأمور ~~العظيمة الهائلة العجيبة فيجاب: ليوم الفصل. # وقوله: "ليوم الفصل" هو يوم الجزاء الذي فيه فصل القضاء قال تعالى: "إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة": الحج: 17. # وقوله: "وما أدراك ما يوم الفصل" تعظيم لليوم وتفخيم لأمره. # وقوله: "ويل يومئذ للمكذبين" الويل الهلاك، والمراد بالمكذبين المكذبون ~~بيوم ms7506 الفصل الذي فيه ما يوعدون فإن الآيات مسوقة لبيان وقوعه وقد أقسم على ~~أنه واقع. # وفي الآية دعاء على المكذبين، وقد استغنى به عن ذكر جواب إذا في قوله: ~~"فإذا النجوم طمست" إلخ والتقدير فإذا كان كذا وكذا وقع ما توعدون من ~~العذاب على التكذيب أو التقدير فإذا كان كذا وكذا كان يوم الفصل وهلك ~~المكذبون به. ### |||| AUTO بحث روائي # في الخصال، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: أسرع الشيب إليك يا رسول الله ~~قال (صلى الله عليه وآله وسلم): شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم ~~يتساءلون. # وفي الدر المنثور، أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود ~~قال: بينما نحن مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غار بمنى إذ نزلت ~~عليه سورة والمرسلات عرفا فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه وإن فاه لرطب ~~بها إذ وثبت عليه حية فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اقتلوها ~~فابتدرناها فذهبت فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيت شركم كما ~~وقيتم شرها. # أقول: ورواها أيضا بطريقين آخرين. PageV20P083 # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والمرسلات عرفا" قال: آيات تتبع بعضها بعضا. # وفي المجمع،: في الآية وقيل: إنها الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله ~~ونهيه:. في رواية الهروي عن ابن مسعود، وعن أبي حمزة الثمالي عن أصحاب علي ~~عنه (عليه السلام). # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فإذا النجوم طمست" قال: يذهب نورها وتسقط. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: "فإذا ~~النجوم طمست" فطمسها ذهاب ضوئها "وإذا السماء فرجت" قال: تفرج وتنشق "وإذا ~~الرسل أقتت" قال: بعثت في أوقات مختلفة. # وفي المجمع، قال الصادق (عليه السلام): "أقتت" أي بعثت في أوقات مختلفة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لأي يوم أجلت" قال: أخرت. PageV20P084 ### ||| AUTO 77 سورة المرسلات - 16 - 50 # ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الاخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلنه فى قرار مكين ~~(21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا ms7507 فنعم القدرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) ~~ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأموتا (26) وجعلنا فيها روسى شمخت ~~وأسقينكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذى ثلث شعب (30) لا ظليل ولا يغنى من اللهب ~~(31) إنها ترمى بشرر كالقصر (32) كأنه جملت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين ~~(34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ ~~للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون ~~(39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين فى ظلل وعيون (41) وفوكه مما ~~يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزى ~~المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ~~(46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل ~~يومئذ للمكذبين (49) فبأى حديث بعده يؤمنون (50) ### |||| AUTO بيان # حجج دالة على توحد الربوبية تقضي بوجود يوم الفصل الذي فيه جزاء المكذبين ~~به، وإشارة إلى ما فيه من الجزاء المعد لهم الذي كانوا يكذبون به، وإلى ما ~~فيه من النعمة والكرامة للمتقين، وتختتم بتوبيخهم وذمهم على استكبارهم عن ~~عبادته تعالى والإيمان بكلامه. # قوله تعالى: "ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين" ~~الاستفهام للإنكار، والمراد بالأولين أمثال قوم نوح وعاد وثمود من الأمم ~~القديمة عهدا، وبالآخرين الملحقون بهم من الأمم الغابرة، والإتباع جعل ~~الشيء أثر الشيء. # وقوله: "ثم نتبعهم" برفع نتبع على الاستيناف وليس بمعطوف على "نهلك" وإلا لجزم. # والمعنى قد أهلكنا المكذبين من الأمم الأولين ثم إنا نهلك الأمم الآخرين ~~على أثرهم. # وقوله: "كذلك نفعل بالمجرمين" في موضع التعليل لما تقدمه ولذا أورد ~~بالفصل من غير عطف كان قائلا قال: لما ذا أهلكوا؟ فقيل: كذلك نفعل ~~بالمجرمين. # والآيات - كما ترى - إنذار وإرجاع للبيان إلى الأصل المضروب في السورة ~~أعني قوله: "ويل يومئذ للمكذبين" وهي بعينها حجة على توحد الربوبية فإن ~~إهلاك المجرمين من الإنسان تصرف في العالم الإنساني وتدبير، وإذ ليس المهلك ~~إلا الله - وقد اعترف به المشركون - فهو الرب لا رب سواه ولا إله غيره. # على أنها تدل على ms7508 وجود يوم الفصل لأن إهلاك قوم لإجرامهم لا يتم إلا بعد ~~توجه تكليف إليهم يعصونه ولا معنى للتكليف إلا مع مجازاة المطيع بالثواب ~~والعاصي بالعقاب فهناك يوم يفصل فيه القضاء فيثاب فيه المطيع ويعاقب فيه ~~العاصي وليس هو الثواب والعقاب الدنيويين لأنهما لا يستوعبان في هذه الدار ~~فهناك يوم يجازى فيه كل بما عمل، وهو يوم الفصل ذلك يوم مجموع له الناس. # قوله تعالى: "ألم نخلقكم من ماء مهين - إلى قوله - فنعم القادرون" ~~الاستفهام للإنكار والماء المهين الحقير قليل الغناء والمراد به النطفة، ~~والمراد بالقرار المكين الرحم وبقوله: "قدر معلوم" مدة الحمل. # وقوله: "فقدرنا" من القدر بمعنى التقدير، والفاء لتفريع القدر على الخلق ~~أي خلقناكم فقدرنا ما سيجري عليكم من الحوادث وما يستقبلكم من الأوصاف ~~والأحوال من طول العمر وقصره وهيئة وجمال وصحة ومرض ورزق إلى غير ذلك. # واحتمل أن يكون "قدرنا" من القدرة مقابل العجز والمراد فقدرنا على جميع ~~ذلك، وما تقدم أوجه. PageV20P085 # والمعنى: قد خلقناكم من ماء حقير هو النطفة فجعلنا ذلك الماء في قرار مكين ~~هي الرحم إلى مدة معلومة هي مدة الحمل فقدرنا جميع ما يتعلق بوجودكم من ~~الحوادث والصفات والأحوال فنعم المقدرون نحن. # ويجري في كون مضمون هذه الآيات حجة على توحد الربوبية نظير البيان السابق ~~في الآيات المتقدمة، وكذا في كونه حجة على تحقق يوم الفصل فإن الربوبية ~~تستوجب خضوع المربوبين لساحتها وهو الدين المتضمن للتكليف، ولا يتم التكليف ~~إلا بجعل جزاء على الطاعة والعصيان، واليوم الذي يجازى فيه بالأعمال هو يوم الفصل. # قوله تعالى: "ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا - إلى قوله - فراتا" ~~الكفت والكفات بمعنى الضم والجمع أي ألم نجعل الأرض كفاتا يجمع العباد ~~أحياء وأمواتا، وقيل: الكفات جمع كفت بمعنى الوعاء، والمعنى ألم نجعل الأرض ~~أوعية تجمع الأحياء والأموات. # وقوله: "وجعلنا فيها رواسي شامخات" الرواسي الثابتات من الجبال، ~~والشامخات العاليات، وكان في ذكر الرواسي توطئة لقوله: "وأسقيناكم ماء ~~فراتا" لأن الأنهار والعيون الطبيعية تنفجر من الجبال فتجري على السهول، ~~والفرات الماء ms7509 العذب. # ويجري في حجية الآيات نظير البيان السابق في الآيات المتقدمة. # قوله تعالى: "انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون" حكاية لما يقال لهم يوم ~~الفصل والقائل هو الله سبحانه بقرينة قوله في آخر الآيات: "إن كان لكم كيد ~~فكيدون" والمراد بما كانوا به يكذبون: جهنم، والانطلاق الانتقال من مكان ~~إلى مكان من غير مكث، والمعنى يقال لهم: انتقلوا من المحشر من غير مكث إلى ~~النار التي كنتم تكذبون به. # قوله تعالى: "انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب" ذكروا أن المراد بهذا الظل ظل ~~دخان نار جهنم قال تعالى: "وظل من يحموم": الواقعة: 43. # وذكروا أن في ذكر انشعابه إلى ثلاث شعب إشارة إلى عظم الدخان فإن الدخان ~~العظيم يتفرق تفرق الذوائب. # قوله تعالى: "لا ظليل ولا يغني من اللهب" الظل الظليل هو المانع من الحر ~~والأذى بستره على المستظل فكون الظل غير ظليل كونه لا يمنع ذلك، واللهب ما ~~يعلو على النار من أحمر وأصفر وأخضر. # قوله تعالى: "إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر" ضمير أنها للنار ~~المعلومة من السياق، والشرر ما يتطاير من النار، والقصر معروف، والجمالة ~~جمع جمل وهو البعير. # والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون" الإشارة إلى يوم ~~الفصل، والمراد بالإذن الإذن في النطق أو في الاعتذار. # وقوله: "فيعتذرون" معطوف على "يؤذن" منتظم معه في سلك النفي، والمعنى هذا ~~اليوم يوم لا ينطقون فيه أي أهل المحشر من الناس ولا يؤذن لهم في النطق أو ~~في الاعتذار فلا يعتذرون، ولا ينافي نفي النطق هاهنا إثباته في آيات أخر ~~لأن اليوم ذو مواقف كثيرة مختلفة يسألون في بعضها فينطقون ويختم على ~~أفواههم في آخر فلا ينطقون. # وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: ~~105 فليراجع. # قوله تعالى: "هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون" ~~سمي يوم الفصل لما أن الله تعالى يفصل ويميز فيه بين أهل الحق وأهل الباطل ~~بالقضاء بينهم قال ms7510 تعالى: "إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون": السجدة: 25، وقال: "إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون": يونس: 93. # والخطاب في قوله: "جمعناكم والأولين" لمكذبي هذه الأمة بما أنهم من ~~الآخرين ولذا قوبلوا بالأولين قال تعالى: "ذلك يوم مجموع له الناس": هود: ~~103 وقال "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا": الكهف: 67. # وقوله: "فإن كان لكم كيد فكيدون" أي إن كانت لكم حيلة تحتالون بي في دفع ~~عذابي عن أنفسكم فاحتالوا، وهذا خطاب تعجيزي منبىء عن انسلاب القوة والقدرة ~~عنهم يومئذ بالكلية بظهور أن لا قوة إلا لله عز اسمه قال تعالى: "ولو يرى ~~الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب": ~~البقرة: 166. PageV20P086 # والآية أعني قوله: "إن كان لكم كيد فكيدون" أوسع مدلولا من قوله: "يا معشر ~~الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا ~~تنفذون إلا بسلطان": الرحمن: 33 لاختصاصه بنفي القدرة على الفرار بخلاف ~~الآية التي نحن فيها وفي قوله: "فكيدون" التفات من التكلم مع الغير إلى ~~التكلم وحده والنكتة فيه أن متعلق هذا الأمر التعجيزي إنما هو الكيد لمن له ~~القوة والقدرة فحسب وهو الله وحده ولو قيل: فكيدونا فأت الإشعار بالتوحد. # قوله تعالى: "إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون - إلى قوله - ~~المحسنين" الظلال والعيون ظلال الجنة وعيونها التي يتنعمون بالاستظلال بها ~~وشربها، والفواكه جمع فاكهة وهي الثمرة. # وقوله: "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون" مفاده الإذن والإباحة، وكان ~~الأكل والشرب كناية عن مطلق التنعم بنعم الجنة والتصرف فيها وإن لم يكن ~~بالأكل والشرب، وهو شائع كما يطلق أكل المال على مطلق التصرف فيه. # وقوله: "إنا كذلك نجزي المحسنين" تسجيل لسعادتهم. # قوله تعالى: "كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون" الخطاب من قبيل قولهم: ~~افعل ما شئت فإنه لا ينفعك، وهذا النوع من الأمر إياس للمخاطب أن ينتفع بما ~~يأتي به من ms7511 الفعل للحصول على ما يريده، ومنه قوله: "فاقض ما أنت قاض إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا": طه: 72، وقوله: "اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون ~~بصير": حم السجدة: 40. # فقوله: "كلوا وتمتعوا قليلا" أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا إياس لهم من ~~أن ينتفعوا بمثل الأكل والتمتع في دفع العذاب عن أنفسهم فليأكلوا وليتمتعوا ~~قليلا فليس يدفع عنهم شيئا. # وإنما ذكر الأكل والتمتع لأن منكري المعاد لا يرون من السعادة إلا سعادة ~~الحياة الدنيا ولا يرون لها من السعادة إلا الفوز بالأكل والتمتع كالحيوان ~~العجم قال تعالى: "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار ~~مثوى لهم": سورة محمد: 12. # وقوله: "إنكم مجرمون" تعليل لما يستفاد من الجملة السابقة المشتملة على ~~الأمر أي لا ينفعكم الأكل والتمتع قليلا لأنكم مجرمون بتكذيبكم بيوم الفصل ~~وجزاء المكذبين به النار لا محالة. # قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون" المراد بالركوع الصلاة كما ~~قيل ولعل ذلك باعتبار اشتمالها على الركوع. # وقيل: المراد بالركوع المأمور به الخشوع والخضوع والتواضع له تعالى ~~باستجابة دعوته وقبول كلامه واتباع دينه، وعبادته. # وقيل: المراد بالركوع ما يؤمرون بالسجود يوم القيامة كما يشير إليه قوله ~~تعالى "ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون": القلم: 42 والوجهان لا يخلوان من بعد. # ووجه اتصال الآية بما قبلها أن الكلام كان مسوقا لتهديد المكذبين بيوم ~~الفصل وبيان تبعة تكذيبهم به وتمم ذلك في هذه الآية بأنهم لا يعبدون الله ~~إذا دعوا إلى عبادته كما ينكرون ذلك اليوم فلا معنى للعبادة مع نفي الجزاء، ~~وليكون كالتوطئة لقوله الآتي: "فبأي حديث بعده يؤمنون". # ونسب إلى الزمخشري أن الآية متصلة بقوله في الآية السابقة: "للمكذبين" ~~كأنه قيل: ويل يومئذ للذين كذبوا والذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. # وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: "وإذا قيل لهم" إلخ وجهه ~~الإعراض عن مخاطبتهم بعد تركهم وأنفسهم يفعلون ما يشاءون بقوله: "كلوا ~~وتمتعوا". # قوله تعالى: "فبأي حديث بعده يؤمنون" أي إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو آية ~~معجزة إلهية، ms7512 وقد بين لهم أن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن ~~أمامهم يوم الفصل بأوضح البيان وساطع البرهان فبأي كلام بعد القرآن يؤمنون. # وهذا إيئاس من إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر وكالتنبيه على أن رفع ~~اليد عن دعوتهم إلى الإيمان بإلقاء قوله: "كلوا وتمتعوا" إليهم في محله ~~فليسوا بمؤمنين ولا فائدة في دعوتهم غير أن فيها إتماما للحجة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: وقوله: "ألم نخلقكم من ماء مهين" قال: منتن "فجعلناه في ~~قرار مكين" قال: في الرحم وأما قوله: "إلى قدر معلوم" يقول: منتهى الأجل. PageV20P087 # أقول: وفي أصول الكافي، في رواية عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام): تطبيق ~~قوله: "ألم نهلك الأولين" على مكذبي الرسل في طاعة الأوصياء، وقوله: "ثم ~~نتبعهم الآخرين" على من أجرم إلى آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # على اضطراب في متن الخبر، وهو من الجري دون التفسير. # وفيه: وقوله "ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا" قال الكفات المساكن ~~وقال: نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجوعه من صفين إلى المقابر فقال: ~~هذه كفات الأموات أي مساكنهم ثم نظر إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات ~~الأحياء. ثم تلا قوله: "ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا". # أقول: وروي في المعاني، بإسناده عن حماد عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~أنه نظر إلى المقابر. وذكر مثل الحديث السابق. # وفيه،: وقوله "وجعلنا فيها رواسي شامخات" قال: جبال مرتفعة. # وفيه،: وقوله "انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب" قال فيه ثلاث شعب من النار ~~وقوله: "إنها ترمي بشرر كالقصر" قال: شر النار مثل القصور والجبال. # وفيه،: وقوله "إن المتقين في ظلال وعيون" قال: في ظلال من نور أنور من الشمس. # وفي المجمع،: في قوله: "وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون" قال مقاتل: نزلت ~~في ثقيف حين أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة فقالوا: لا ~~ننحني. والرواية لا نحني فإن ذلك سبة علينا. فقال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا خير في دين ms7513 ليس فيه ركوع وسجود. # أقول: وفي انطباق القصة - وقد وقعت بعد الهجرة - على الآية خفاء. # وفي تفسير القمي،: في الآية السابقة قال: وإذا قيل لهم "تولوا الإمام لم ~~يتولوه". # أقول: وهو من الجري دون التفسير. PageV20P088 ### || AUTO ### ||| AUTO 78 سورة النبأ - 1 - 16 # بسم الله الرحمن الرحيم عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذى هم فيه ~~مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهدا (6) ~~والجبال أوتادا (7) وخلقنكم أزوجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا اليل ~~لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا ~~سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرت ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا ~~(15) وجنت ألفافا (16) # تتضمن السورة الإخبار بمجيء يوم الفصل وصفته والاحتجاج على أنه حق لا ريب ~~فيه، فقد افتتحت بذكر تساؤلهم عن نبئه ثم ذكر في سياق الجواب ولحن التهديد ~~أنهم سيعلمون ثم احتج على ثبوته بالإشارة إلى النظام المشهود في الكون بما ~~فيه من التدبير الحكيم الدال بأوضح الدلالة على أن وراء هذه النشأة ~~المتغيرة الدائرة نشأة ثابتة باقية، وأن عقيب هذه الدار التي فيها عمل ولا ~~جزاء دارا فيها جزاء ولا عمل فهناك يوم يفصح عنه هذا النظام. # ثم تصف اليوم بما يقع فيه من إحضار الناس وحضورهم وانقلاب الطاغين إلى ~~عذاب أليم والمتقين إلى نعيم مقيم ويختم الكلام بكلمة في الإنذار، والسورة ~~مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "عم يتساءلون" "عم" أصله عما وما استفهامية تحذف الألف منها ~~اطرادا إذا دخل عليها حرف الجر نحو لم ومم وعلى م وإلى م، والتساؤل سؤال ~~القوم بعضهم بعضا عن أمر أو سؤال بعضهم بعد بعض عن أمر وإن كان المسئول ~~غيرهم، فهم كان يسأل بعضهم بعضا عن أمر أو كان بعضهم بعد بعض يسأل النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمر وحيث كان سياق السورة سياق جواب يغلب فيه ~~الإنذار والوعيد تأيد به أن المتسائلين هم كفار مكة من المشركين النافين ~~للنبوة والمعاد دون المؤمنين ودون الكفار والمؤمنين جميعا. # فالتساؤل من المشركين والإخبار عنه في صورة ms7514 الاستفهام للإشعار بهوانه ~~وحقارته لظهور الجواب عنه ظهورا ما كان ينبغي معه أن يتساءلوا عنه. # قوله تعالى: "عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون" جواب عن الاستفهام ~~السابق أي يتساءلون عن النبإ العظيم، ولا يخفى ما في توصيف النبإ المتسائل ~~عنه بالعظيم من تعظيمه وتفخيم أمره. # والمراد بالنبإ العظيم نبأ البعث والقيامة الذي يهتم به القرآن العظيم في ~~سورة المكية ولا سيما في العتائق النازلة في أوائل البعثة كل الاهتمام. # ويؤيد ذلك سياق آيات السورة بما فيه من الاقتصار على ذكر صفة يوم الفصل ~~وما تقدم عليها من الحجة على أنه حق واقع. # وقيل: المراد به نبأ القرآن العظيم، ويدفعه كون السياق بحسب مصبه أجنبيا ~~عنه وإن كان الكلام لا يخلو من إشارة إليه استلزاما. # وقيل: النبأ العظيم ما كانوا يختلفون فيه من إثبات الصانع وصفاته ~~والملائكة والرسل والبعث والجنة والنار وغيرها، وكان القائل به اعتبر فيه ~~ما في السورة من الإشارة إلى حقية جميع ذلك مما تتضمنه الدعوة الحقة ~~الإسلامية. # ويدفعه أن الإشارة إلى ذلك كله من لوازم صفة البعث المتضمنة لجزاء ~~الاعتقاد الحق والعمل الصالح والكفر والإجرام، وقد دخل فيما في السورة من ~~صفة يوم الفصل تبعا وبالقصد الثاني. # على أن المراد بهؤلاء المتسائلين - كما تقدم - المشركون وهم يثبتون ~~الصانع والملائكة وينفون ما وراء ذلك مما ذكر. # وقوله: "الذي هم فيه مختلفون" إنما اختلفوا في نحو إنكاره وهم متفقون في ~~نفيه فمنهم من كان يرى استحالته فينكره كما هو ظاهر قولهم على ما حكاه ~~الله: "هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد": ~~سبأ: 7، ومنهم من كان يستبعده فينكره وهو قولهم: "أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون": المؤمنون: 36، ~~ومنهم من كان يشك فيه فينكره قال تعالى: "بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم ~~في شك منها": النمل 66، ومنهم من كان يوقن به لكنه لا يؤمن عنادا فينكره ~~كما كان لا يؤمن بالتوحيد والنبوة وسائر فروع الدين ms7515 بعد تمام الحجة عنادا ~~قال تعالى: "بل لجوا في عتو ونفور": الملك: 21. PageV20P089 # والمحصل من سياق الآيات الثلاث وما يتلوها أنهم لما سمعوا ما ينذرهم به ~~القرآن من أمر البعث والجزاء يوم الفصل ثقل عليهم ذلك فغدوا يسأل بعضهم ~~بعضا عن شأن هذا النبإ العجيب الذي لم يكن مما قرع أسماعهم حتى اليوم، ~~وربما راجعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين وسألوهم عن صفة ~~اليوم وأنه متى هذا الوعد إن كنتم صادقين وربما كانوا يراجعون في بعض ما ~~قرع سمعهم من حقائق القرآن واحتوته دعوته الجديدة أهل الكتاب وخاصة اليهود ~~ويستمدونهم في فهمه. # وقد أشار تعالى في هذه السورة إلى قصة تساؤلهم في صورة السؤال والجواب ~~فقال: "عم يتساءلون" وهو سؤال عما يتساءلون عنه. # ثم قال: "عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون" وهو جواب السؤال عما ~~يتساءلون عنه. # ثم قال: "كلا سيعلمون" إلخ، وهو جواب عن تساؤلهم. # وللمفسرين في مفردات الآيات الثلاث وتقرير معانيها وجوه كثيرة تركناها ~~لعدم ملاءمتها السياق والذي أوردناه هو الذي يعطيه السياق. # قوله تعالى: "كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون" ردع عن تساؤلهم عنه بانين ذلك ~~على الاختلاف في النفي أي ليرتدعوا عن التساؤل لأنه سينكشف لهم الأمر بوقوع ~~هذا النبإ فيعلمونه، وفي هذا التعبير تهديد كما في قوله: "وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون": الشعراء: 227. # وقوله: "ثم كلا سيعلمون" تأكيد للردع والتهديد السابقين ولحن التهديد هو ~~القرينة على أن المتسائلين هم المشركون النافون للبعث والجزاء دون المؤمنين ~~ودون المشركين والمؤمنين جميعا. # قوله تعالى: "ألم نجعل الأرض مهادا" الآية إلى تمام إحدى عشرة آية مسوق ~~سوق الاحتجاج على ثبوت البعث والجزاء وتحقق هذا النبإ العظيم ولازم ثبوته ~~صحة ما في قوله: "سيعلمون" من الإخبار بأنهم سيشاهدونه فيعلمون. # تقرير الحجة: أن العالم المشهود بأرضه وسمائه وليله ونهاره والبشر ~~المتناسلين والنظام الجاري فيها والتدبير المتقن الدقيق لأمورها من المحال ~~أن يكون لعبا باطلا لا غاية لها ثابتة باقية فمن الضروري أن يستعقب هذا ~~النظام المتحول المتغير الدائر إلى ms7516 عالم ذي نظام ثابت باق، وأن يظهر فيه ~~أثر الصلاح الذي تدعو إليه الفطرة الإنسانية والفساد الذي ترتدع عنه، ولم ~~يظهر في هذا العالم المشهود أعني سعادة المتقين وشقاء المفسدين، ومن المحال ~~أن يودع الله الفطرة دعوة غريزية أو ردعا غريزيا بالنسبة إلى ما لا أثر له ~~في الخارج ولا حظ له من الوقوع فهناك يوم يلقاه الإنسان ويجزي فيه على عمله ~~إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. # فالآيات في معنى قوله تعالى "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28. # وبهذا البيان يثبت أن هناك يوما يلقاه الإنسان ويجزي فيه بما عمل إن خيرا ~~فخيرا وإن شرا فشرا فليس للمشركين أن يختلفوا فيه فيشك فيه بعضهم ويستبعده ~~طائفة، ويحيله قوم، ولا يؤمن به مع العلم به عنادا آخرون، فاليوم ضروري ~~الوقوع والجزاء لا ريب فيه. # ويظهر من بعضهم أن الآيات مسوقة لإثبات القدرة وأن العود يماثل البدء ~~والقادر على الإبداء قادر على الإعادة، وهذه الحجة وإن كانت تامة وقد وقعت ~~في كلامه تعالى لكنها حجة على الإمكان دون الوقوع والسياق فيما نحن فيه ~~سياق الوقوع دون الإمكان فالأنسب في تقريرها ما تقدم. # وكيف كان فقوله: "ألم نجعل الأرض مهادا" الاستفهام للإنكار، والمهاد ~~الوطاء والقرار الذي يتصرف فيه، ويطلق على البساط الذي يجلس عليه والمعنى ~~قد جعلنا الأرض قرارا لكم تستقرون عليها وتتصرفون فيها. # قوله تعالى: "والجبال أوتادا" الأوتاد جمع وتد وهو المسمار إلا أنه أغلظ ~~منه كما في المجمع، ولعل عد الجبال أوتادا مبني على أن عمدة جبال الأرض من ~~عمل البركانات بشق الأرض فتخرج منه مواد أرضية مذابة تنتصب على فم الشقة ~~متراكمة كهيئة الوتد المنصوب على الأرض تسكن به فورة البركان الذي تحته ~~فيرتفع به ما في الأرض من الاضطراب والميدان. # وعن بعضهم: أن المراد بجعل الجبال أوتادا انتظام معاش أهل الأرض بما أودع ~~فيها ms7517 من المنافع ولولاها لمادت الأرض بهم أي لما تهيأت لانتفاعهم. PageV20P090 # وفيه أنه صرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة موجبة. # قوله تعالى: "وخلقناكم أزواجا" أي زوجا زوجا من ذكر وأنثى لتجري بينكم ~~سنة التناسل فيدوم بقاء النوع إلى ما شاء الله. # وقيل: المراد به الإشكال أي كل منكم شكل للآخر. # وقيل: المراد به الأصناف أي أصنافا مختلفة كالأبيض والأسود والأحمر ~~والأصفر إلى غير ذلك، وقيل: المراد به خلق كل منهم من منيين مني الرجل ومني ~~المرأة وهذه وجوه ضعيفة. # قيل: الالتفات في الآية من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في الإلزام ~~والتبكيت. # قوله تعالى: "وجعلنا نومكم سباتا" السبات الراحة والدعة فإن في المنام ~~سكوتا وراحة للقوى الحيوانية البدنية مما اعتراها في اليقظة من التعب ~~والكلال بواسطة تصرفات النفس فيها. # وقيل: السبات بمعنى القطع وفي النوم قطع التصرفات النفسانية في البدن، ~~وهو قريب من سابقه. # وقيل: المراد بالسبات الموت، وقد عد سبحانه النوم من الموت حيث قال: "وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل": الأنعام: 60 وهو بعيد، وأما الآية فإنه تعالى عد ~~النوم توفيا ولم يعده موتا بل القرآن يصرح بخلافه قال تعالى: "الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها": الزمر: 42. # قوله تعالى: "وجعلنا الليل لباسا" أي ساترا يستر الأشياء بما فيه من ~~الظلمة الساترة للمبصرات كما يستر اللباس البدن وهذا سبب إلهي يدعو إلى ترك ~~التقلب والحركة والميل إلى السكن والدعة والرجوع إلى الأهل والمنزل. # وعن بعضهم أن المراد بكون الليل لباسا كونه كاللباس للنهار يسهل إخراجه ~~منه وهو كما ترى. # قوله تعالى: "وجعلنا النهار معاشا" العيش هو الحياة - على ما ذكره الراغب ~~- غير أن العيش يختص بحياة الحيوان فلا يقال: عيشه تعالى وعيش الملائكة ~~ويقال حياته تعالى وحياة الملائكة، والمعاش مصدر ميمي واسم زمان واسم مكان، ~~وهو في الآية بأحد المعنيين الأخيرين، والمعنى وجعلنا النهار زمانا لحياتكم ~~أو موضعا لحياتكم تبتغون فيه من فضل ربكم، وقيل: المراد به المعنى المصدري ~~بحذف مضاف، والتقدير وجعلنا النهار طلب معاش أي مبتغي ms7518 معاش. # قوله تعالى: "وبنينا فوقكم سبعا شدادا" أي سبع سماوات شديدة في بنائها. # قوله تعالى: "وجعلنا سراجا وهاجا" الوهاج شديد النور والحرارة والمراد ~~بالسراج الوهاج: الشمس. # قوله تعالى: "وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا" المعصرات السحب الماطرة ~~وقيل: الرياح التي تعصر السحب لتمطر والثجاج الكثير الصب للماء، والأولى ~~على هذا المعنى أن تكون "من" بمعنى الباء. # قوله تعالى: "لنخرج به حبا ونباتا" أي حبا ونباتا يقتات بهما الإنسان ~~وسائر الحيوان. # قوله تعالى: "وجنات ألفافا" معطوف على قوله: "حبا" وجنات ألفاف أي ملتفة ~~أشجارها بعضها ببعض. # قيل: إن الألفاف جمع لا واحد له من لفظه. ### |||| AUTO بحث روائي # في بعض الأخبار: أن النبأ العظيم علي (عليه السلام) وهو من البطن. # عن الخصال، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله أسرع ~~إليك الشيب. قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون. # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ألم نجعل الأرض مهادا" قال: يمهد فيها ~~الإنسان "والجبال أوتادا" أي أوتاد الأرض. # وفي نهج البلاغة، قال (عليه السلام): ووتد بالصخور ميدان أرضه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وجعلنا الليل لباسا" قال: يلبس على ~~النهار. # أقول: ولعل المراد به أنه يخفي ما يظهره النهار ويستر ما يكشفه. # وفيه،: في قوله تعالى: "وجعلنا سراجا وهاجا" قال: الشمس المضيئة "وأنزلنا ~~من المعصرات" قال: من السحاب "ماء ثجاجا" قال: صبا على صب. # وعن تفسير العياشي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): "عام فيه يغاث الناس ~~وفيه يعصرون" بالياء يمطرون. ثم قال: أما سمعت قوله: "وأنزلنا من المعصرات ~~ماء ثجاجا". # أقول: المراد أن "يعصرون" بضم الياء بصيغة المجهول والمراد به أنهم ~~يمطرون واستشهاده (عليه السلام) بقوله: "وأنزلنا من المعصرات" دليل على أنه ~~(عليه السلام) أخذ المعصرات بمعنى الممطرات من أعصرت السحابة إذا أمطرت. # وروى العياشي مثل الحديث عن علي بن معمر عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) وروى القمي في تفسيره،: مثله عن أمير المؤمنين. PageV20P091 ### ||| AUTO 78 سورة النبأ - 17 - 40 # إن يوم ms7519 الفصل كان ميقتا (17) يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت ~~السماء فكانت أبوبا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت ~~مرصادا (21) للطغين مئابا (22) لبثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ~~ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون ~~حسابا (27) وكذبوا بئايتنا كذابا (28) وكل شىء أحصينه كتبا (29) فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنبا (32) وكواعب ~~أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا (35) جزاء من ~~ربك عطاء حسابا (36) رب السموت والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه ~~خطابا (37) يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا (39) إنا ~~أنذرنكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يليتنى كنت ~~تربا (40) ### |||| AUTO بيان # تصف الآيات يوم الفصل الذي أخبر به إجمالا بقوله: "كلا سيعلمون" ثم تصف ~~ما يجري فيه على الطاغين والمتقين، وتختتم بكلمة في الإنذار وهي كالنتيجة. # قوله تعالى: "إن يوم الفصل كان ميقاتا" قال في المجمع،: الميقات منتهى ~~المقدار المضروب لحدوث أمر من الأمور وهو من الوقت كما أن الميعاد من الوعد ~~والمقدار من القدر، انتهى. # شروع في وصف ما تضمنه النبأ العظيم الذي أخبر بوقوعه وهددهم به في قوله: ~~"كلا سيعلمون" ثم أقام الحجة عليه بقوله: "ألم نجعل الأرض مهادا" إلخ، وقد ~~سماه يوم الفصل ونبه به على أنه يوم يفصل فيه القضاء بين الناس فينال كل ~~طائفة ما يستحقه بعمله فهو ميقات وحد مضروب لفصل القضاء بينهم والتعبير ~~بلفظ "كان" للدلالة على ثبوته وتعينه في العلم الإلهي على ما ينطق به الحجة ~~السابقة الذكر، ولذا أكد الجملة بإن. # والمعنى: أن يوم فصل القضاء الذي نبأه نبأ عظيم كان في علم الله يوم خلق ~~السماوات والأرض وحكم فيها النظام الجاري حدا مضروبا ينتهي إليه هذا العالم ~~فإنه تعالى كان يعلم أن هذه النشأة التي أنشأها لا تتم إلا بالانتهاء إلى ~~يوم يفصل فيه القضاء بينهم. # قوله ms7520 تعالى: "يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا" قد تقدم الكلام في معنى ~~نفخ الصور كرارا، والأفواج جمع فوج وهي الجماعة المارة المسرعة على ما ذكره ~~الراغب. # وفي قوله: "فتأتون أفواجا" جري على الخطاب السابق الملتفت إليه قضاء لحق ~~الوعيد الذي يتضمنه قوله: "كلا سيعلمون" وكان الآية ناظرة إلى قوله تعالى: ~~"يوم ندعوا كل أناس بإمامهم": إسراء: 71. # قوله تعالى: "وفتحت السماء فكانت أبوابا" فاتصل به عالم الإنسان بعالم ~~الملائكة. # وقيل: التقدير فكانت ذات أبواب، وقيل: صار فيها طرق ولم يكن كذلك من قبل، ~~ولا يخلو الوجهان من تحكم فليتدبر. # قوله تعالى: "وسيرت الجبال فكانت سرابا" السراب هو الموهوم من الماء ~~اللامع في المفاوز ويطلق على كل ما يتوهم ذا حقيقة ولا حقيقة له على طريق ~~الاستعارة. # ولعل المراد بالسراب في الآية هو المعنى الثاني. # بيان ذلك: أن تسيير الجبال ودكها ينتهي بالطبع إلى تفرق أجزائها وزوال ~~شكلها كما وقع في مواضع من كلامه تعالى عند وصف زلزلة الساعة وآثارها إذ ~~قال: "وتسير الجبال سيرا": الطور: 10 وقال: "وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة": الحاقة: 14، وقال: "وكانت الجبال كثيبا مهيلا": المزمل 14، وقال: ~~"وتكون الجبال كالعهن المنفوش": القارعة: 5، وقال: "وبست الجبال بسا": ~~الواقعة: 5، وقال: "وإذا الجبال نسفت": المرسلات: 10. # فتسيير الجبال ودكها ينتهي بها إلى بسها ونسفها وصيرورتها كثيبا مهيلا ~~وكالعهن المنفوش كما ذكره الله تعالى وأما صيرورتها سرابا بمعنى ما يتوهم ~~ماء لامعا فلا نسبة بين التسيير وبين السراب بهذا المعنى. PageV20P092 # نعم ينتهي تسييرها إلى انعدامها وبطلان كينونتها وحقيقتها بمعنى كونها جبلا ~~فالجبال الراسيات التي كانت ترى حقائق ذوات كينونة قوية لا تحركه العواصف ~~تتبدل بالتسيير سرابا باطلا لا حقيقة له، ونظيره من كلامه تعالى قوله في ~~أقوام أهلكهم وقطع دابرهم، "فجعلناهم أحاديث": سبأ: 19 وقوله: "فأتبعنا ~~بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث": المؤمنون: 44، وقوله في الأصنام "إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": النجم: 23. # فالآية بوجه كقوله تعالى "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب": ~~النمل: 88 - بناء على كونه ناظرا إلى صفة ms7521 زلزلة الساعة -. # قوله تعالى: "إن جهنم كانت مرصادا" قال في المفردات،: الرصد الاستعداد ~~للترقب - إلى أن قال - والمرصد موضع الرصد قال تعالى: "واقعدوا لهم كل ~~مرصد" والمرصاد نحوه لكن يقال للمكان الذي اختص بالرصد قال تعالى: "إن جهنم ~~كانت مرصادا" تنبيها على أن عليها مجاز الناس، وعلى هذا قوله تعالى: "وإن ~~منكم إلا واردها" انتهى. # قوله تعالى: "للطاغين مآبا" الطاغون الملتبسون بالطغيان وهو الخروج عن ~~الحد، والمآب اسم مكان من الأوب بمعنى الرجوع، والعناية في عدها مآبا ~~للطاغين أنهم هيئوها مأوى لأنفسهم وهم في الدنيا ثم إذا انقطعوا عن الدنيا ~~آبوا ورجعوا إليها. # قوله تعالى: "لابثين فيها أحقابا" الأحقاب الأزمنة الكثيرة والدهور ~~الطويلة من غير تحديد. # وهو جمع اختلفوا في واحده فقيل: واحده حقب بالضم فالسكون أو بضمتين، وقد ~~وقع في قوله تعالى: "أو أمضي حقبا": الكهف: 60، وقيل: حقب بالفتح فالسكون ~~وواحد الحقب حقبة بالكسر فالسكون قال الراغب: والحق أن الحقبة مدة من ~~الزمان مبهمة. # انتهى. # وحد بعضهم الحقب بثمانين سنة أو ببضع وثمانين سنة وزاد آخرون أن السنة ~~منها ثلاثمائة وستون يوما كل يوم يعدل ألف سنة، وعن بعضهم أن الحقب أربعون ~~سنة وعن آخرين أنه سبعون ألف سنة إلى غير ذلك ولا دليل من الكتاب يدل على ~~شيء من هذه التحديدات ولم يثبت من اللغة شيء منها. # وظاهر الآية أن المراد بالطاغين المعاندون من الكفار ويؤيده قوله ذيلا: ~~"إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا". # وقد فسروا "أحقابا" في الآية بالحقب بعد الحقب فالمعنى حال كون الطاغين ~~لابثين في جهنم حقبا بعد حقب بلا تحديد ولا نهاية فلا تنافي الآية ما نص ~~عليه القرآن من خلود الكفار في النار. # وقيل: إن قوله: "لا يذوقون فيها" إلخ صفة "أحقابا" والمعنى لابثين فيها ~~أحقابا هي على هذه الصفة وهي أنهم لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما ~~وغساقا، ثم يكونون على غير هذه الصفة إلى غير النهاية. # وهو حسن لو ساعد السياق. # قوله تعالى: "لا يذوقون فيها بردا ms7522 ولا شرابا" ظاهر المقابلة بين البرد ~~والشراب أن المراد بالبرد مطلق ما يتبرد به غير الشراب كالظل الذي يستراح ~~إليه بالاستظلال فالمراد بالذوق مطلق النيل والمس. # قوله تعالى: "إلا حميما وغساقا" الحميم الماء الحار شديد الحر، والغساق ~~صديد أهل النار. # قوله تعالى: "جزاء وفاقا - إلى قوله - كتابا" المصدر بمعنى اسم الفاعل ~~والمعنى يجزون جزاء موافقا لما عملوا أو بتقدير مضاف أي جزاء ذا وفاق أو ~~إطلاق الوفاق على الجزاء للمبالغة كزيد عدل. # وقوله: "إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا" أي تكذيبا ~~عجيبا يصرون عليه، تعليل يوضح موافقة جزائهم لعملهم، وذلك أنهم لم يرجوا ~~الحساب يوم الفصل فأيسوا من الحياة الآخرة وكذبوا بالآيات الدالة عليها ~~فأنكروا التوحيد والنبوة وتعدوا في أعمالهم طور العبودية فنسوا الله تعالى ~~فنسيهم وحرم عليهم سعادة الدار الآخرة فلم يبق لهم إلا الشقاء ولا يجدون ~~فيها إلا ما يكرهون، ولا يواجهون إلا ما يتعذبون به وهو قوله: "فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا". # وفي الآية أعني قوله: "جزاء وفاقا" دلالة على المطابقة التامة بين الجزاء ~~والعمل فالإنسان لا يريد بعمله إلا الجزاء الذي بإزائه والتلبس بالجزاء ~~تلبس بالعمل بالحقيقة قال تعالى: "يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7. PageV20P093 # وقوله: "وكل شيء أحصيناه كتابا" أي كل شيء ومنه الأعمال ضبطناه وبيناه في ~~كتاب جليل القدر فالآية في معنى قوله تعالى: "وكل شيء أحصيناه في إمام ~~مبين": يس: 13. # أو المراد وكل شيء حفظناه حال كونه مكتوبا أي في اللوح المحفوظ أو في ~~صحائف الأعمال، وجوز أن يكون الإحصاء بمعنى الكتابة أو الكتاب بمعنى ~~الإحصاء فإن الإحصاء والكتابة يتشاركان في معنى الضبط والمعنى كل شيء ~~أحصيناه إحصاء أو كل شيء كتبناه كتابا. # والآية على أي حال متمم للتعليل السابق، والمعنى الجزاء موافق لأعمالهم ~~لأنهم كانوا على حال كذا وكذا وقد حفظناها عليهم فجزيناهم بها جزاء وفاقا. # قوله تعالى: "فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا" تفريع على ما تقدم من تفصيل ~~عذابهم مسوق لإيئاسهم من ms7523 أن يرجو نجاة من الشقوة وراحة ينالونها. # والالتفات إلى خطابهم بقوله: "فذوقوا" تقدير لحضورهم ليخاطبوا بالتوبيخ ~~والتقريع بلا واسطة. # والمراد بقوله: "فلن نزيدكم إلا عذابا" أن ما تذوقونه بعد عذاب ذقتموه ~~عذاب آخر فهو عذاب بعد عذاب وعذاب على عذاب فلا تزالون يضاف عذاب جديد إلى ~~عذابكم القديم فاقنطوا من أن تنالوا شيئا مما تطلبون وتحبون. # والآية لا تخلو من ظهور في كون المراد بقوله: "لابثين فيها أحقابا" ~~الخلود دون الانقطاع. # قوله تعالى: "إن للمتقين مفازا - إلى قوله - كذابا" الفوز الظفر بالخير ~~مع حصول السلامة - على ما قاله الراغب - ففيه معنى النجاة والتخلص من الشر ~~والحصول على الخير، والمفاز مصدر ميمي أو اسم مكان من الفوز والآية تحتمل ~~الوجهين جميعا. # وقوله: "حدائق وأعنابا" الحدائق جمع حديقة وهي البستان المحوط، والأعناب ~~جمع عنب وهو ثمر شجرة الكرم وربما يطلق على نفس الشجرة. # وقوله: "وكواعب" جمع كاعب وهي الفتاة التي تكعب ثدياها واستدار مع ارتفاع ~~يسير، والترائب جمع ترب وهي المماثلة لغيرها من اللذات. # وقوله: "وكأسا دهاقا" أي ممتلئة شرابا مصدر بمعنى اسم الفاعل. # وقوله: "لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا" أي لا يسمعون في الجنة لغوا من ~~القول لا يترتب عليه أثر مطلوب ولا تكذيبا من بعضهم لبعضهم فيما قال فقولهم ~~حق له أثره المطلوب وصدق مطابق للواقع. # قوله تعالى: "جزاء من ربك عطاء حسابا" أي فعل بالمتقين ما فعل حال كونه ~~جزاء من ربك عطية محسوبة فقوله: "جزاء" حال وكذا "عطاء" و"حسابا" بمعنى اسم ~~المفعول صفة لعطاء، ويحتمل أن يكون عطاء تمييزا أو مفعولا مطلقا. # قيل: إضافة الجزاء إلى الرب مضافا إلى ضميره (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تشريف له، ولم يضف جزاء الطاغين إليه تعالى تنزها منه تعالى فليس يغشاهم شر ~~إلا من عند أنفسهم قال تعالى: "ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد": الأنفال: 51. # ووقوع لفظ الحساب في ذيل جزاء الطاغين والمتقين معا لتثبيت ما يلوح إليه ~~يوم الفصل الواقع في أول الكلام. # قوله تعالى: "رب ms7524 السماوات والأرض وما بينهما الرحمن" بيان لقوله: "ربك" ~~أريد به أن ربوبيته تعالى عامة لكل شيء وأن الرب الذي يتخذه النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ربا ويدعو إليه رب كل شيء لا كما كان يقول المشركون: ~~إن لكل طائفة من الموجودات ربا والله سبحانه رب الأرباب أو كما كان يقول ~~بعضهم: أنه رب السماء. # وفي توصيف الرب بالرحمن - صيغة مبالغة من الرحمة - إشارة إلى سعة رحمته ~~وأنها سمة ربوبية لا يحرم منها شيء إلا أن يمتنع منها شيء بنفسه لقصوره ~~وسوء اختياره فمن شقوة هؤلاء الطاغين أنهم حرموها على أنفسهم بالخروج عن ~~طور العبودية. # قوله تعالى: "لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" وقوع صدر الآية في سياق قوله: ~~"رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن" - وشأن الربوبية هو التدبير وشأن ~~الرحمانية بسط الرحمة - دليل على أن المراد بخطابه تعالى تكليمه في بعض ما ~~فعل من الفعل بنحو السؤال عن السبب الداعي إلى الفعل كان يقال: لم فعلت ~~هذا؟ ولم لم تفعل كذا؟ كما يسأل الفاعل منا عن فعله فتكون الجملة "لا ~~يملكون منه خطابا" في معنى قوله تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": ~~الأنبياء: 23 وقد تقدم الكلام في معنى الآية. PageV20P094 # لكن وقوع قوله: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا" بعد قوله: "لا يملكون منه ~~خطابا" الظاهر في اختصاص عدم الملك بيوم الفصل مضافا إلى وقوعه في سياق ~~تفصيل جزاء الطاغين والمتقين منه تعالى يوم الفصل يعطي أن يكون المراد به ~~أنهم لا يملكون أن يخاطبوه فيما يقضي ويفعل بهم باعتراض عليه أو شفاعة فيهم ~~لكن الملائكة - وهم ممن لا يملكون منه خطابا - منزهون عن وصمة الاعتراض ~~عليه تعالى وقد قال فيهم: "عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون": الأنبياء: 27 وكذلك الروح الذي هو كلمته وقوله، وقوله حق، وهو ~~تعالى الحق المبين والحق لا يعارض الحق ولا يناقضه. # ومن هنا يظهر أن المراد بالخطاب الذي لا ms7525 يملكونه هو الشفاعة وما يجري ~~مجراها من وسائل التخلص من الشر كالعدل والبيع والخلة والدعاء والسؤال قال ~~تعالى: "من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة: 254، ~~وقال: "ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة": البقرة: 123، وقال: "يوم يأت ~~لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105. # وبالجملة قوله: "لا يملكون منه خطابا" ضمير الفاعل في "لا يملكون" لجميع ~~المجموعين ليوم الفصل من الملائكة والروح والإنس والجن كما هو المناسب ~~للسياق الحاكي عن ظهور العظمة والكبرياء دون خصوص الملائكة والروح لعدم سبق ~~الذكر ودون خصوص الطاغين كما قيل لكثرة الفصل، والمراد بالخطاب الشفاعة وما ~~يجري مجراها كما تقدم. # وقوله: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا" ظرف لقوله: "لا يملكون" وقيل: ~~لقوله: "لا يتكلمون" وهو بعيد مع صلاحية ظرفيته لما سبقه. # والمراد بالروح المخلوق الأمري الذي يشير إليه قوله تعالى: "قل الروح من ~~أمر ربي": إسراء: 85. # وقيل: المراد به أشراف الملائكة، وقيل حفظة الملائكة وقيل: ملك موكل على ~~الأرواح. # ولا دليل على شيء من هذه الأقوال. # وقيل: المراد به جبريل، وقيل: أرواح الناس وقيامها مع الملائكة صفا إنما ~~هو بين النفختين قبل أن تلج الأجساد، وقيل: القرآن والمراد من قيامه ظهور ~~آثاره يومئذ من سعادة المؤمنين به وشقاوة الكافرين. # ويدفعها أن هذه الثلاثة وإن أطلق على كل منها الروح في كلامه تعالى لكنه ~~مع التقييد كقوله: "ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29، وقوله: "نزل به الروح ~~الأمين": الشعراء: 193، وقوله: "قل نزله روح القدس": النحل: 102، وقوله: ~~"فأرسلنا إليها روحنا": مريم: 17، وقوله: "وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا": الشورى: 52 والروح في الآية التي نحن فيها مطلق، على أن في القولين ~~الأخيرين تحكما ظاهرا. # و"صفا" حال من الروح والملائكة وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي حال كونهم ~~صافين، وربما استفيد من مقابلة الروح للملائكة أن الروح وحده صف والملائكة ~~جميعا صف. # وقوله: "لا يتكلمون" بيان لقوله: "لا يملكون منه خطابا" وضمير الفاعل ~~لأهل الجمع من الروح والملائكة والإنس والجن على ما يفيده ms7526 السياق. # وقيل: الضمير للروح والملائكة، وقيل: للناس ووقوع "لا يملكون" بما مر من ~~معناه و"لا يتكلمون" في سياق واحد لا يلائم شيئا من القولين. # وقوله: "إلا من أذن له الرحمن" بدل من ضمير الفاعل في "لا يتكلمون" أريد ~~به بيان من له أن يتكلم منهم يومئذ بإذن الله فالجملة في معنى قوله: "يوم ~~يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105 على ظاهر إطلاقه. # وقوله: "وقال صوابا" أي قال قولا صوابا لا يشوبه خطأ وهو الحق الذي لا ~~يداخله باطل، والجملة في الحقيقة قيد للإذن كأنه قيل: إلا من أذن له الرحمن ~~ولا يأذن إلا لمن قال صوابا فالآية في معنى قوله تعالى: "ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86. # وقيل: "إلا من أذن" إلخ استثناء ممن يتكلم فيه والمراد بالصواب التوحيد ~~وقول لا إله إلا الله والمعنى لا يتكلمون في حق أحد إلا في حق شخص أذن له ~~الرحمن وقال ذلك الشخص في الدنيا صوابا أي أقر بالوحدانية وشهد أن لا إله ~~إلا الله فالآية في معنى قوله تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى": ~~الأنبياء: 28. PageV20P095 # ويدفعه أن العناية الكلامية في المقام متعلقة بنفي أصل الخطاب والتكلم ~~يومئذ من كل متكلم لا بنفي التكلم في كل أحد مع تسليم جواز أصل التكلم ~~فالمستثنون هم المتكلمون المأذون لهم في أصل التكلم من دون تعرض لمن يتكلم فيه. # كلام فيما هو الروح في القرآن # تكررت كلمة الروح - والمتبادر منه ما هو مبدأ الحياة - في كلامه تعالى ~~ولم يقصرها في الإنسان أو في الإنسان والحيوان فحسب بل أثبتها في غيرهما ~~كما في قوله: "فأرسلنا إليها روحنا": مريم: 17، وقوله: "وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا": الشورى: 52 إلى غير ذلك فللروح مصداق في الإنسان ومصداق في غيره. # والذي يصلح أن يكون معرفا لها في كلامه تعالى ما في قوله: "يسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85 حيث أطلقها إطلاقا وذكر معرفا لها ~~أنها من ms7527 أمره وقد عرف أمره بقوله: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 فبين أنه كلمة الإيجاد التي ~~هي الوجود من حيث انتسابه إليه تعالى وقيامه به لا من حيث انتسابه إلى ~~العلل والأسباب الظاهرية. # وبهذه العناية عد المسيح (عليه السلام) كلمة له وروحا منه إذ قال: ~~"وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171 لما وهبه لمريم (عليها ~~السلام) من غير الطرق العادية ويقرب منه في العناية قوله تعالى: "إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59. # وهو تعالى وإن ذكرها في أغلب كلامه بالإضافة والتقيد كقوله: "ونفخت فيه ~~من روحي": الحجر 29، وقوله: "ونفخ فيه من روحه": السجدة: 9، وقوله: ~~"فأرسلنا إليها روحنا": مريم: 17، وقوله: "وروح منه": النساء: 171 وقوله: ~~"وأيدناه بروح القدس": البقرة 87 إلى غير ذلك إلا أنه أوردها في بعض كلامه ~~مطلقة من غير تقييد كقوله: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل ~~أمر": القدر: 4 وظاهر الآية أنها موجود مستقل وخلق سماوي غير الملائكة، ~~ونظير الآية بوجه قوله تعالى: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة": المعارج: 4. # وأما الروح المتعلقة بالإنسان فقد عبر عنها بمثل قوله: "ونفخت فيه من ~~روحي" "ونفخ فيه من روحه" وأتي بكلمة "من" الدالة على المبدئية وسماه نفخا ~~وعبر عن الروح التي خصها بالمؤمنين بمثل قوله: "وأيدهم بروح منه": ~~المجادلة: 22 فأتى بالباء الدالة على السببية وسماه تأييدا وتقوية، وعبر عن ~~الروح التي خصها بالأنبياء بمثل قوله: "وأيدناه بروح القدس": البقرة: 87 ~~فأضاف الروح إلى القدس وهو النزاهة والطهارة وسماه أيضا تأييدا. # وبانضمام هذه الآيات إلى مثل آية سورة القدر يظهر أن نسبة الروح المضافة ~~التي في هذه الآيات إلى الروح المطلقة المذكورة في سورة القدر نسبة الإفاضة ~~إلى المفيض والظل إلى ذي الظل بإذن الله. # وكذلك الروح المتعلقة بالملائكة من إفاضات الروح بإذن الله، وإنما لم ~~يعبر ms7528 في روح الملك بالنفخ والتأييد كالإنسان بل سماه روحا كما في قوله ~~تعالى: "فأرسلنا إليها روحنا"، وقوله: "قل نزله روح القدس": النحل: 102، ~~وقوله: "نزل به الروح الأمين": الشعراء: 193 لأن الملائكة أرواح محضة على ~~اختلاف مراتبهم في القرب والبعد من ربهم، وما يتراءى من الأجسام لهم تمثلات ~~كما يشير إليه قوله تعالى: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا": ~~مريم: 17 وقد تقدم الكلام في معنى التمثل في ذيل الآية بخلاف الإنسان ~~المخلوق مؤلفا من جسم ميت وروح حية فيناسبه التعبير بالنفخ كما في قوله ~~"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29. # وكما أوجب اختلاف الروح في خلق الملك والإنسان اختلاف التعبير بالنفخ ~~وعدمه كذلك اختلاف الروح من حيث أثرها وهو الحياة شرفا وخسة أوجب اختلاف ~~التعبير بالنفخ والتأييد وعد الروح ذات مراتب مختلفة باختلاف أثر الحياة. # فمن الروح الروح المنفوخة في الإنسان قال: "ونفخت فيه من روحي". PageV20P096 # ومن الروح الروح المؤيد بها المؤمن قال: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22 وهي أشرف وجودا وأعلى مرتبة وأقوى أثرا من ~~الروح الإنسانية العامة كما يفيده قوله تعالى وهو في معنى هذه الآية: "أومن ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها": الأنعام: 122 فقد عد المؤمن حيا ذا نور يمشي به وهو أثر ~~الروح والكافر ميتا وهو ذو روح منفوخة فللمؤمن روح ليست للكافر ذات أثر ليس فيه. # ومن ذلك يظهر أن من مراتب الروح ما هو في النبات لما فيه من أثر الحياة ~~يدل على ذلك الآيات المتضمنة لإحياء الأرض بعد موتها. # ومن الروح الروح المؤيد بها الأنبياء قال: "وأيدناه بروح القدس": البقرة ~~87 وسياق الآيات يدل على كون هذه الروح أشرف وأعلى مرتبة من غيرها مما في ~~الإنسان. # وأما قوله: "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق": ~~المؤمن: 15، وقوله: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى 52 فيقبل ~~الانطباق على روح ms7529 الإيمان وعلى روح القدس والله أعلم. # وقد تقدم بعض ما ينفع من الكلام في المقام في ذيل هذه الآيات الكريمة. # قوله تعالى: "ذلك اليوم الحق" إشارة إلى يوم الفصل المذكور في السورة ~~الموصوف بما مر من الأوصاف وهو في الحقيقة خاتمة الكلام المنعطفة إلى فاتحة ~~السورة وما بعده أعني قوله: "فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا" إلخ فضل تفريع على ~~البيان السابق. # والإشارة إليه بالإشارة البعيدة للدلالة على فخامة أمره والمراد بكونه ~~حقا ثبوته حتما مقضيا لا يتخلف عن الوقوع. # قوله تعالى: "فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا" أي مرجعا إلى ربه ينال به ثواب ~~المتقين وينجو به من عذاب الطاغين، والجملة كما أشرنا إليه تفريع على ما ~~تقدم من الإخبار بيوم الفصل والاحتجاج عليه ووصفه، والمعنى إذا كان كذلك ~~فمن شاء الرجوع إلى ربه فليرجع. # قوله تعالى: "إنا أنذرناكم عذابا قريبا" إلخ المراد به عذاب الآخرة، ~~وكونه قريبا لكونه حقا لا ريب في إتيانه وكل ما هو آت قريب. # على أن الأعمال التي سيجزي بها الإنسان هي معه أقرب ما يكون منه. # وقوله: "يوم ينظر المرء ما قدمت يداه" أي ينتظر المرء جزاء أعماله التي ~~قدمتها يداه بالاكتساب، وقيل: المعنى ينظر المرء إلى ما قدمت يداه من ~~الأعمال لحضورها عنده قال تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء": آل عمران: 30. # وقوله: "ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا" أي يتمنى من شدة اليوم أن لو ~~كان ترابا فاقدا للشعور والإرادة فلم يعمل ولم يجز. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: وقوله: "وفتحت السماء فكانت أبوابا" قال: تفتح أبواب ~~الجنان، وقوله: "وسيرت الجبال فكانت سرابا" قال: تصير الجبال مثل السراب ~~الذي يلمع في المفازة. # وفيه،: وقوله: "لابثين فيها أحقابا" قال: الأحقاب السنين والحقب سنة ~~والسنة عددها ثلاثمائة وستون يوما واليوم كألف سنة مما تعدون. # وفي المجمع، روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): لا يخرج من النار ms7530 من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا والحقب بضع وستون ~~سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحد ~~على أن يخرج من النار. # أقول: وأورد الرواية في الدر المنثور، وفيها ثمانون مكان ستون ولفظ ~~آخرها، قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد إلخ، وأورد أيضا رواية أخرى عنه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): أن الحقب أربعون سنة. # وفيه، وروى العياشي بإسناده عن حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ~~عن هذه الآية فقال: هذه في الذين يخرجون من النار:، وروي عن الأحول مثله. # وفي تفسير القمي،: وقوله: "إن للمتقين مفازا" قال: يفوزون، قوله "وكواعب ~~أترابا" قال: جوار وأتراب لأهل الجنة، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال في قوله: "إن للمتقين مفازا" قال: هي الكرامات "وكواعب ~~أترابا" أي الفتيات النواهد. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه ~~عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الروح جند من جنود ~~الله ليسوا بملائكة لهم رءوس وأيد وأرجل ثم قرأ: "يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا" قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند. PageV20P097 # أقول: وقد تقدمت الرواية في ذيل الآيات المشتملة على الروح عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) أن الروح خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل، وتقدمت ~~الرواية أيضا عن علي (عليه السلام): أن الروح غير الملائكة واستدل (عليه ~~السلام) عليه بقوله تعالى: "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده" الآية. # نعم في رواية القمي عن حمران أنه ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل وكان مع ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مع الأئمة (عليهم السلام)، ولعل ~~المراد بالملك مطلق الموجود السماوي أو هو من وهم بعض الرواة في النقل ~~بالمعنى ولا دليل على انحصار الموجودات الأمرية السماوية في الملائكة بل ~~الدليل على خلافه كما يستفاد من قوله تعالى لإبليس حين أبى عن السجود لآدم ~~وقد سجد له الملائكة كلهم أجمعون: "يا إبليس ما منعك ms7531 أن تسجد لما خلقت بيدي ~~استكبرت أم كنت من العالين": ص: 75 وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآية. # وفي أصول الكافي، بإسناده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي (عليه ~~السلام) قال قلت: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون" الآية قال نحن ~~والله المأذون لهم يوم القيامة والقائلون صوابا. قلت: ما تقولون إذا ~~تكلمتم؟ قال: نمجد ربنا ونصلي على نبينا ونشفع لشيعتنا ولا يردنا ربنا ~~الحديث:. أقول: ورواه في المجمع، عن العياشي مرفوعا عن معاوية بن عمار عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام). # والرواية من قبيل ذكر بعض المصاديق فهناك شفعاء أخر من الملائكة ~~والأنبياء والمؤمنين مأذون لهم في التكلم، وهناك شهداء من الأمم مأذون لهم ~~في التكلم على ما ينص عليه القرآن والحديث. PageV20P098 ### || AUTO ### ||| AUTO 79 سورة النازعات - 1 - 41 # بسم الله الرحمن الرحيم والنازعت غرقا (1) والناشطت نشطا (2) والسابحت ~~سبحا (3) فالسابقت سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) ~~تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصرها خشعة (9) يقولون أءنا ~~لمردودون فى الحافرة (10) أءذا كنا عظما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة ~~(12) فإنما هى زجرة وحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) هل أتاك حديث موسى ~~(15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل ~~هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فأراه الاية الكبرى (20) ~~فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى ~~(24) فأخذه الله نكال الاخرة والأولى (25) إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ء ~~أنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) ~~والجبال أرساها (32) متعا لكم ولأنعمكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) ~~يوم يتذكر الانسن ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) ~~وءاثر الحيوة الدنيا (38) فإن الجحيم هى المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هى المأوى (41) ### |||| AUTO بيان # في السورة أخبار مؤكد بوقوع البعث والقيامة، واحتجاج عليه من طريق ~~التدبير الربوبي المنتج أن ms7532 الناس سينقسمون يومئذ طائفتين أصحاب الجنة ~~وأصحاب الجحيم وتختتم السورة بالإشارة إلى سؤالهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) عن وقت قيام الساعة والجواب عنه. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات ~~سبقا فالمدبرات أمرا" اختلف المفسرون في تفسير هذه الآيات الخمس اختلافا ~~عجيبا مع اتفاقهم على أنها إقسام، وقول أكثرهم بأن جواب القسم محذوف، ~~والتقدير أقسم بكذا وكذا لتبعثن. # فقوله: "والنازعات غرقا" قيل: المراد بها ملائكة الموت تنزع الأرواح من ~~الأجساد، و"غرقا" مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي إغراقا وتشديدا في النزع. # وقيل: المراد بها الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار من أجسادهم بشدة، ~~وقيل: هو الموت ينزع الأرواح من الأبدان نزعا بالغا. # وقيل: المراد بها النجوم تنزع من أفق لتغيب في أفق أي تطلع من مطالعها ~~لتغرب في مغاربها، وقيل: المراد بها القسي تنزع بالسهم أي تمد بجذب وترها ~~إغراقا في المد فالإقسام بقسي المجاهدين في سبيل الله أو بالمجاهدين ~~أنفسهم، وقيل: المراد بها الوحش تنزع إلى الكلإ. # وقوله: "والناشطات نشطا" النشط الجذب والخروج والإخراج برفق وسهولة وحل ~~العقدة، قيل: المراد بها الملائكة الذين يخرجون الأرواح من الأجساد، وقيل ~~المراد بها خصوص الملائكة يخرجون أرواح المؤمنين من أجسادهم برفق وسهولة، ~~كما أن المراد بالنازعات غرقا الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار من ~~أجسادهم. # وقيل: هم الملائكة الذين ينشطون أرواح الكفار من أجسادهم، وقيل: المراد ~~بها أرواح المؤمنين أنفسهم، وقيل: هي النجوم تنشط وتذهب من أفق إلى أفق، ~~وقيل: هي السهام تنشط من قسيها في الغزوات، وقيل: هو الموت ينشط ويخرج ~~الأرواح من الأجساد، وقيل: هي الوحش تنشط من قطر إلى قطر. PageV20P099 # وقوله: "والسابحات سبحا" قيل: المراد بها الملائكة تقبض الأرواح فتسرع بروح ~~المؤمن إلى الجنة وبروح الكافر إلى النار، والسبح الإسراع في الحركة كما ~~يقال للفرس سابح إذا أسرع في جريه، وقيل: المراد بها الملائكة يقبضون أرواح ~~المؤمنين يسلونها من الأبدان سلا رفيقا ثم يدعونها حتى يستريح كالسابح ~~بالشيء في الماء يرمي، وقيل: هي ms7533 الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، وقيل: ~~هي النجوم تسبح في فلكها كما قال تعالى: "وكل في فلك يسبحون". # وقيل: هي خيل الغزاة تسبح في عدوها وتسرع، وقيل: هي المنايا تسبح في نفوس ~~الحيوان، وقيل: هي السفن تسبح في المياه، وقيل: السحاب، وقيل: دواب البحر. # وقوله: "فالسابقات سبقا" قيل المراد بها مطلق الملائكة لأنها سبقت ابن ~~آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح، وقيل ملائكة الموت تسبق بروح المؤمن ~~إلى الجنة وبروح الكافر إلى النار، وقيل الملائكة القابضون لروح المؤمن ~~تسبق بها إلى الجنة، وقيل، ملائكة الوحي تسبق الشياطين بالوحي إلى ~~الأنبياء، وقيل أرواح المؤمنين تسبق إلى الملائكة التي يقبضونها شوقا إلى ~~لقاء الله سبحانه، وقيل هي النجوم تسبق بعضها بعضا في السير، وقيل هي خيل ~~الغزاة تسبق بعضها بعضا في الحرب، وقيل هي المنايا تسبق الآمال. # وقوله: "فالمدبرات أمرا" قيل: المراد بها مطلق الملائكة المدبرين للأمور، ~~كذا فسر الأكثرون حتى ادعى بعضهم اتفاق المفسرين عليه، وقيل المراد بها ~~الملائكة الأربعة المدبرون لأمور الدنيا: جبرائيل وميكائيل وعزرائيل ~~وإسرافيل، فجبرائيل يدبر أمر الرياح والجنود والوحي، وميكائيل يدبر أمر ~~القطر والنبات، وعزرائيل موكل بقبض الأرواح، وإسرافيل يتنزل بالأمر عليهم ~~وهو صاحب الصور، وقيل: إنها الأفلاك يقع فيها أمر الله فيجري بها القضاء في ~~الدنيا. # وهناك قول بأن الإقسام في الآيات بمضاف محذوف والتقدير ورب النازعات نزعا إلخ. # وأنت خبير بأن سياق الآيات الخمس سياق واحد متصل متشابه الأجزاء لا يلائم ~~كثيرا من هذه الأقوال القاضية باختلاف المعاني المقسم بها ككون المراد ~~بالنازعات الملائكة القابضين لأرواح الكفار، وبالناشطات الوحش، وبالسابحات ~~السفن، وبالسابقات المنايا تسبق الآمال وبالمدبرات الأفلاك. # مضافا إلى أن كثيرا منها لا دليل عليها من جهة السياق إلا مجرد صلاحية ~~اللفظ بحسب اللغة للاستعمال فيه أعم من الحقيقة والمجاز. # على أن كثيرا منها لا تناسب سياق آيات السورة التي تذكر يوم البعث وتحتج ~~على وقوعه على ما تقدم في سورة المرسلات من حديث المناسبة بين ما في كلامه ~~تعالى من الإقسام وجوابه. # والذي يمكن أن ms7534 يقال - والله أعلم - أن ما في هذه الآيات من الأوصاف ~~المقسم بها يقبل الانطباق على صفات الملائكة في امتثالها للأوامر الصادرة ~~عليهم من ساحة العزة المتعلقة بتدبير أمور هذا العالم المشهود ثم قيامهم ~~بالتدبير بإذن الله. # والآيات شديدة الشبه سياقا بآيات مفتتح سورة الصافات: "والصافات صفا ~~فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا" وآيات مفتتح سورة المرسلات: "والمرسلات ~~عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا" وهي ~~تصف الملائكة في امتثالهم لأمر الله غير أنها تصف ملائكة الوحي، والآيات في ~~مفتتح هذه السورة تصف مطلق الملائكة في تدبيرهم أمر العالم بإذن الله. # ثم إن أظهر الصفات المذكورة في هذه الآيات الخمس في الانطباق على ~~الملائكة قوله: "فالمدبرات أمرا" وقد أطلق التدبير ولم يقيد بشيء دون شيء ~~فالمراد به التدبير العالمي بإطلاقه، وقوله "أمرا" تمييز أو مفعول به ~~للمدبرات ومطلق التدبير شأن مطلق الملائكة فالمراد بالمدبرات مطلق ~~الملائكة. # وإذ كان قوله: "فالمدبرات أمرا" مفتتحا بفاء التفريع الدالة على تفرع صفة ~~التدبير على صفة السبق، وكذا قوله: "فالسابقات سبقا" مقرونا بفاء التفريع ~~الدالة على تفرع السبق على السبح دل ذلك على مجانسة المعاني المرادة ~~بالآيات الثلاث: "والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا" فمدلولها ~~أنهم يدبرون الأمر بعد ما سبقوا إليه ويسبقون إليه بعد ما سبحوا أي أسرعوا ~~إليه عند النزول فالمراد بالسابحات والسابقات هم المدبرات من الملائكة ~~باعتبار نزولهم إلى ما أمروا بتدبيره. PageV20P100 # فالآيات الثلاث في معنى قوله تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه ~~يحفظونه من أمر الله": الرعد: 11 على ما تقدم من توضيح معناه فالملائكة ~~ينزلون على الأشياء وقد تجمعت عليها الأسباب وتنازعت فيها وجودا وعدما ~~وبقاء وزوالا وفي مختلف أحوالها فما قضاه الله فيها من الأمر وأبرم قضاءه ~~أسرع إليه الملك المأمور به - بما عين له من المقام - وسبق غيره وتمم السبب ~~الذي يقتضيه فكان ما أراده الله فافهم ذلك. # وإذا كان المراد بالآيات الثلاث الإشارة إلى إسراع الملائكة في النزول ~~على ما أمروا به من أمر وسبقهم إليه ms7535 وتدبيره تعين حمل قوله: "والنازعات ~~غرقا والناشطات نشطا" على انتزاعهم وخروجهم من موقف الخطاب إلى ما أمروا به ~~فنزعهم غرقا شروعهم في النزول نحو المطلوب بشدة وجد، ونشطهم خروجهم من ~~موقفهم نحوه كما أن سبحهم إسراعهم إليه بعد الخروج ويتعقب ذلك سبقهم إليه ~~وتدبير الأمر بإذن الله. # فالآيات الخمس أقسام بما يتلبس به الملائكة من الصفات عند ما يؤمرون ~~بتدبير أمر من أمور هذا العالم المشهود من حين يأخذون في النزول إليه إلى ~~تمام التدبير. # وفيها إشارة إلى نظام التدبير الملكوتي عند حدوث الحوادث كما أن الآيات ~~التالية أعني قوله: "هل أتاك" إلخ إشارة إلى التدبير الربوبي الظاهر في هذا ~~العالم. # وفي التدبير الملكوتي حجة على البعث والجزاء كما أن في التدبير الدنيوي ~~المشهود حجة عليه على ما سيوافيك إن شاء الله بيانه. # هذا ما يعطيه التدبر في سياق الآيات الكريمة ويؤيده بعض التأييد ما سيأتي ~~من الأخبار في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. # كلام في أن الملائكة وسائط في التدبير # الملائكة وسائط بينه تعالى وبين الأشياء بدءا وعودا على ما يعطيه القرآن ~~الكريم بمعنى أنهم أسباب للحوادث فوق الأسباب المادية في العالم المشهود ~~قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة وبعده. # أما في العود أعني حال ظهور آيات الموت وقبض الروح وإجراء السؤال وثواب ~~القبر وعذابه وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك والحشر وإعطاء الكتاب ~~ووضع الموازين والحساب والسوق إلى الجنة والنار فوساطتهم فيها غني عن ~~البيان، والآيات الدالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها، والأخبار ~~المأثورة فيها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) فوق حد الإحصاء. # وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن ~~المداخلة فيه وتسديد النبي وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار. # وأما وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة فيدل عليها ما في مفتتح هذه ~~السورة من إطلاق قوله: "والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ~~فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا" بما تقدم من البيان. # وكذا قوله تعالى: ms7536 "جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع": ~~فاطر: 1 الظاهر بإطلاقه - على ما تقدم من تفسيره - في أنهم خلقوا وشأنهم أن ~~يتوسطوا بينه تعالى وبين خلقه ويرسلوا لإنفاذ أمره الذي يستفاد من قوله ~~تعالى في صفتهم: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": ~~الأنبياء: 27، وقوله: "يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون": النحل: 50 ~~وفي جعل الجناح لهم إشارة ذلك. # فلا شغل للملائكة إلا التوسط بينه تعالى وبين خلقه بإنفاذ أمره فيهم وليس ~~ذلك على سبيل الاتفاق بأن يجري الله سبحانه أمرا بأيديهم ثم يجري مثله لا ~~بتوسيطهم فلا اختلاف ولا تخلف في سنته تعالى: "إن ربي على صراط مستقيم": ~~هود: 56، وقال "فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا": فاطر: 43. # ومن الوساطة كون بعضهم فوق بعض مقاما وأمر العالي منهم السافل بشيء من ~~التدبير فإنه في الحقيقة توسط من المتبوع بينه تعالى وبين تابعه في إيصال ~~أمر الله تعالى كتوسط ملك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح من الأرواح، ~~قال تعالى حاكيا عن الملائكة: "وما منا إلا له مقام معلوم": الصافات: 164، ~~وقال: "مطاع ثم أمين": التكوير: 21، وقال: "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ~~ذا قال ربكم قالوا الحق": سبأ: 23. PageV20P101 # ولا ينافي هذا الذي ذكر من توسطهم بينه تعالى وبين الحوادث أعني كونهم ~~أسبابا تستند إليها الحوادث استناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادية ~~فإن السببية طولية لا عرضية أي إن السبب القريب سبب للحادث والسبب البعيد ~~سبب للسبب. # كما لا ينافي توسطهم واستناد الحوادث إليهم استناد الحوادث إليه تعالى ~~وكونه هو السبب الوحيد لها جميعا على ما يقتضيه توحيد الربوبية فإن السببية ~~طولية كما سمعت لا عرضية ولا يزيد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها ~~إلى أسبابها الطبيعية القريبة وقد صدق القرآن الكريم استناد الحوادث إلى ~~الحوادث الطبيعية كما صدق استنادها إلى الملائكة. # وليس لشيء من الأسباب استقلال قباله تعالى حتى ينقطع عنه فيمنع ذلك ~~استناد ما استند إليه إلى الله سبحانه على ما ms7537 يقول به الوثنية من تفويضه ~~تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقربين فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال ~~عن كل شيء من كل جهة: لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ~~ولا نشورا. # فمثل الأشياء في استنادها إلى أسبابها المترتبة القريبة والبعيدة ~~وانتهائها إلى الله سبحانه بوجه بعيد كمثل الكتابة يكتبها الإنسان بيده ~~وبالقلم فللكتابة استناد إلى القلم ثم إلى اليد التي توسلت إلى الكتابة ~~بالقلم، وإلى الإنسان الذي توسل إليها باليد وبالقلم، والسبب بحقيقة معناه ~~هو الإنسان المستقل بالسببية من غير أن ينافي سببيته استناد الكتابة بوجه ~~إلى اليد وإلى القلم. # ولا منافاة أيضا بين ما تقدم أن شأن الملائكة هو التوسط في التدبير وبين ~~ما يظهر من كلامه تعالى أن بعضهم أو جميعهم مداومون على عبادته تعالى ~~وتسبيحه والسجود له كقوله: "ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون": الأنبياء: 20، وقوله: "إن الذين عند ربك ~~لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون": الأعراف: 206. # وذلك لجواز أن تكون عبادتهم وسجودهم وتسبيحهم عين عملهم في التدبير ~~وامتثالهم الأمر الصادر عن ساحة العزة بالتوسط كما ربما يومىء إليه قوله ~~تعالى: "ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون": النحل: 49. # قوله تعالى: "يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة" فسرت الراجفة بالصيحة ~~العظيمة التي فيها تردد واضطراب والرادفة بالمتأخرة التابعة، وعليه تنطبق ~~الآيتان على نفختي الصور التي يدل عليهما قوله تعالى: "ونفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون": الزمر: 68. # وقيل: الراجفة بمعنى المحركة تحريكا شديدا - فإن الرجف يستعمل لازما ~~بمعنى التحرك الشديد، ومتعديا بمعنى التحريك الشديد - والمراد بها أيضا ~~النفخة الأولى المحركة للأرض والجبال، وبالرادفة النفخة الثانية المتأخرة ~~عن الأولى. # وقيل: المراد بالراجفة الأرض وبالرادفة السماوات والكواكب التي ترجف ~~وتضطرب وتنشق، وتتلاشى والوجهان لا يخلوان من بعد ولا سيما الأخير. # والأنسب بالسياق على أي حال كون قوله: "يوم ms7538 ترجف" إلخ ظرفا لجواب القسم ~~المحذوف للدلالة على فخامته وبلوغه الغاية في الشدة وهو لتبعثن، وقيل: إن ~~"يوم" منصوب على معنى قلوب يومئذ واجفة يوم ترجف الراجفة، ولا يخلو من بعد. # قوله تعالى: "قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة" تنكير "قلوب" للتنويع وهو ~~مبتدأ خبره "واجفة" والوجيف الاضطراب، و"يومئذ" ظرف متعلق بواجفة والجملة ~~استئناف مبين لصفة اليوم. # وقوله: "أبصارها خاشعة" ضمير "أبصارها" للقلوب ونسبة الأبصار وإضافتها ~~إلى القلوب لمكان أن المراد بالقلوب في أمثال هذه المواضع التي تضاف إليها ~~الصفات الإدراكية كالعلم والخوف والرجاء وما يشبهها هي النفوس، وقد تقدمت ~~الإشارة إليها. # ونسبة الخشوع إلى الأبصار وهو من أحوال القلب إنما هي لظهور أثره الدال ~~عليه في الأبصار أقوى من سائر الأعضاء. # قوله تعالى: "يقولون أإنا لمردودون في الحافرة" إخبار وحكاية لقولهم في ~~الدنيا استبعادا منهم لوقوع البعث والجزاء وإشارة إلى أن هؤلاء الذين ~~لقلوبهم وجيف ولأبصارهم خشوع يوم القيامة هم الذين ينكرون البعث وهم في ~~الدنيا ويقولون كذا وكذا. PageV20P102 # والحافرة على ما قيل - أول الشيء ومبتداه، والاستفهام للإنكار استبعادا، ~~والمعنى يقول: هؤلاء أإنا لمردودون بعد الموت إلى حالتنا الأولى وهي ~~الحياة. # وقيل: الحافرة بمعنى المحفورة وهي أرض القبر، والمعنى أنرد من قبورنا بعد ~~موتنا أحياء، وهو كما ترى. # وقيل: الآية تخبر عن اعترافهم بالبعث يوم القيامة، والكلام كلامهم بعد ~~الإحياء والاستفهام للاستغراب كأنهم لما بعثوا وشاهدوا ما شاهدوا يستغربون ~~ما شاهدوا فيستفهمون عن الرد إلى الحياة بعد الموت. # وهو معنى حسن لو لم يخالف ظاهر السياق. # قوله تعالى: "ء إذا كنا عظاما نخرة" تكرار للاستفهام لتأكيد الاستبعاد ~~فلو كانت الحياة بعد الموت مستبعدة فهي مع فرض نخر العظام وتفتت الأجزاء ~~أشد استبعادا، والنخر بفتحتين البلى والتفتت يقال: نخر العظم ينخر نخرا فهو ~~ناخر ونخر. # قوله تعالى: "قالوا تلك إذا كرة خاسرة" الإشارة بتلك إلى معنى الرجعة ~~المفهوم من قوله "أإنا لمردودون في الحافرة" والكرة الرجعة والعطفة، وعد ~~الكرة خاسرة إما مجاز والخاسر بالحقيقة صاحبها، أو الخاسرة بمعنى ذات ~~خسران، والمعنى ms7539 قالوا: تلك الرجعة - وهي الرجعة إلى الحياة بعد الموت - ~~رجعة متلبسة بالخسران. # وهذا قول منهم أوردوه استهزاء - على أن يكون قولهم: "أإنا لمردودون" إلخ ~~مما قالوه في الدنيا - ولذا غير السياق وقال "قالوا تلك إذا" إلخ بعد قوله ~~"يقولون أإنا لمردودون" إلخ وأما على تقدير أن يكون مما سيقولونه عند البعث ~~فهو قول منهم على سبيل التشؤم والتحسر. # قوله تعالى: "فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة" ضمير "هي" للكرة ~~وقيل: للرادفة والمراد بها النفخة الثانية، والزجر طرد بصوت وصياح عبر عن ~~النفخة الثانية بالزجرة لما فيها من نقلهم من نشأة الموت إلى نشاة الحياة ~~ومن بطن الأرض إلى ظهرها، و"إذا" فجائية، والساهرة الأرض المستوية أو الأرض ~~الخالية من النبات. # والآيتان في محل الجواب عما يدل عليه قولهم "أإنا لمردودون" "إلخ" من ~~استبعاد البعث واستصعابه والمعنى لا يصعب علينا أحياؤهم بعد الموت وكرتهم ~~فإنما كرتهم - أو الرادفة التي هي النفخة الثانية - زجرة واحدة فإذا هم ~~أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في بطنها. # فالآيتان في معنى قوله تعالى: "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب": النحل: 77. # قوله تعالى: "هل أتاك حديث موسى" الآية إلى تمام اثنتي عشرة آية إشارة ~~إلى إجمال قصة موسى ورسالته إلى فرعون ورده دعوته إلى أن أخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى. # وفيها عظة وإنذار للمشركين المنكرين للبعث وقد توسلوا به إلى رد الدعوة ~~الدينية إذ لا معنى لتشريع الدين لو لا المعاد، وفيها مع ذلك تسلية للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من تكذيب قومه، وتهديد لهم كما يؤيده توجيه ~~الخطاب في قوله: "هل أتاك". # وفي القصة مع ذلك كله حجة على وقوع البعث والجزاء فإن هلاك فرعون وجنوده ~~تلك الهلكة الهائلة دليل على حقية رسالة موسى من جانب الله إلى الناس ولا ~~تتم رسالته من جانبه تعالى إلا بربوبية منه تعالى للناس على خلاف ما يزعمه ~~المشركون أن لا ربوبية له تعالى بالنسبة إلى الناس وأن هناك أربابا دونه ~~وأنه سبحانه ms7540 رب الأرباب لا غير. # ففي قوله "هل أتاك حديث موسى" استفهام بداعي ترغيب السامع في استماع ~~الحديث ليتسلى به هو ويكون للمنكرين إنذارا بما فيه من ذكر العذاب وإتماما ~~للحجة كما تقدم. # ولا ينافي هذا النوع من الاستفهام تقدم علم السامع بالحديث لأن الغرض ~~توجيه نظر السامع إلى الحديث دون السؤال والاستعلام حقيقة فمن الممكن أن ~~تكون الآيات أول ما يقصه الله من قصة موسى أو تكون مسبوقة بذكر قصته كما في ~~سورة المزمل إجمالا - وهي أقدم نزولا من سورة النازعات - وفي سورة الأعراف ~~وطه وغيرهما تفصيلا. # قوله تعالى: "إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى" ظرف للحديث وهو أول ما ~~أوحى الله إليه فقلده الرسالة، وطوى اسم للوادي المقدس. # قوله تعالى: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" تفسير للنداء، وقيل: الكلام على ~~تقدير القول أي قائلا اذهب "إلخ" أو بتقدير أن المفسرة أي أن اذهب "إلخ" ~~وفي الوجهين أن التقدير مستغنى عنه، وقوله: "إنه طغى" تعليل للأمر. PageV20P103 # قوله تعالى: "فقل هل لك إلى أن تزكى" متعلق "إلى" محذوف والتقدير هل لك ميل ~~إلى أن تتزكى أو ما في معناه، والمراد بالتزكي التطهر من قذارة الطغيان. # قوله تعالى: "وأهديك إلى ربك فتخشى" عطف على قوله: "تزكى" والمراد ~~بهدايته إياه إلى ربه - كما قيل - تعريفه له وإرشاده إلى معرفته تعالى ~~وتترتب عليه الخشية منه الرادعة عن الطغيان وتعدي طور العبودية قال تعالى: ~~"إنما يخشى الله من عباده العلماء": فاطر: 28. # والمراد بالتزكي إن كان هو التطهر عن الطغيان بالتوبة والرجوع إلى الله ~~تعالى كانت الخشية مترتبة عليه والمراد بها الخشية الملازمة للإيمان ~~الداعية إلى الطاعة والرادعة عن المعصية، وإن كان هو التطهر بالطاعة وتجنب ~~المعصية كان قوله: "وأهديك إلى ربك فتخشى" مفسرا لما قبله والعطف عطف تفسير. # قوله تعالى: "فأراه الآية الكبرى" الفاء فصيحة وفي الكلام حذف وتقدير ~~والأصل فأتاه ودعاه فأراه "إلخ". # والمراد بالآية الكبرى على ما يظهر من تفصيل القصة آية العصا، وقيل: ~~المراد بها مجموع معجزاته التي أراها فرعون وملأه وهو ms7541 بعيد. # قوله تعالى: "فكذب وعصى" أي كذب موسى فجحد رسالته وسماه ساحرا وعصاه فيما ~~أمره به أو عصى الله. # قوله تعالى: "ثم أدبر يسعى" الإدبار التولي والسعي هو الجد والاجتهاد أي ~~ثم تولى فرعون يجد ويجتهد في إبطال أمر موسى ومعارضته. # قوله تعالى: "فحشر فنادى" الحشر جمع الناس بإزعاج والمراد به جمعه الناس ~~من أهل مملكته كما يدل عليه تفريع قوله: "فنادى فقال أنا ربكم الأعلى" عليه ~~فإن كان يدعي الربوبية لأهل مملكته جميعا لا لطائفة خاصة منهم. # وقيل: المراد بالحشر جمع السحرة لقوله تعالى: "فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين": الشعراء: 53، وقوله: "فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى": طه: 60 وفيه ~~أنه لا دليل على كون المراد بالحشر في هذه الآية هو عين المراد بالحشر ~~والجمع في تينك الآيتين. # قوله تعالى: "فقال أنا ربكم الأعلى" دعوى الربوبية وظاهره أنه يدعي أنه ~~أعلى في الربوبية من سائر الأرباب التي كان يقول بها قومه الوثنيون فيفضل ~~نفسه على سائر آلهتهم. # ولعل مراده بهذا التفضيل مع كونه وثنيا يعبد الآلهة كما يدل عليه قوله ~~تعالى حكاية عن ملئه يخاطبونه: "أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك ~~وآلهتك": الأعراف: 127 إنه أقرب الآلهة منهم تجري بيده أرزاقهم وتصلح بأمره ~~شئون حياتهم ويحفظ بمشيته شرفهم وسؤددهم، وسائر الآلهة ليسوا على هذه الصفة. # وقيل: مراده بما قال تفضيل نفسه على كل من يلي أمورهم ومحصله دعوى الملك ~~وأنه فوق سائر أولياء أمور المملكة من حكام وعمال فيكون في معنى قوله فيما ~~حكاه الله عنه إذ قال: "ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر" ~~الآية: الزخرف: 51. # وهو خلاف ظاهر الكلام وفيما قال قوله لملئه: "يا أيها الملأ ما علمت لكم ~~من إله غيري": القصص: 38، وقوله لموسى: "لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين": الشعراء: 29. # قوله تعالى: "فأخذه الله نكال الآخرة والأولى" الأخذ كناية عن التعذيب، ~~والنكال التعذيب الذي يردع من رآه أو سمعه عن تعاطي مثله، وعذاب الآخرة ~~نكال حيث إن من شأنه ms7542 أن يردع من سمعه عن تعاطي ما يؤدي إليه من المعصية كما ~~أن عذاب الاستئصال في الدنيا نكال. # والمعنى: فأخذ الله فرعون أي عذبه ونكله نكال الآخرة والأولى وأما عذاب ~~الدنيا فإغراقه وإغراق جنوده، وأما عذاب الآخرة فعذابه بعد الموت، فالمراد ~~بالأولى والآخرة الدنيا والآخرة. # وقيل: المراد بالآخرة كلمته الآخرة، "أنا ربكم الأعلى" وبالأولى كلمته ~~الأولى قالها قبل ذلك "ما علمت لكم من إله غيري" فأخذه الله بهاتين ~~الكلمتين ونكله نكالهما، ولا يخلو هذا المعنى من خفاء. # وقيل: المراد بالأولى تكذيبه ومعصيته المذكوران في أول القصة وبالأخرى ~~كلمة أنا ربكم الأعلى - المذكورة في آخرها، وهو كسابقه. # وقيل: الأولى أول معاصيه والأخرى آخرها والمعنى أخذه الله نكال مجموع ~~معاصيه ولا يخلو أيضا من خفاء. PageV20P104 # قوله تعالى: "إن في ذلك لعبرة لمن يخشى" الإشارة إلى حديث موسى، والظاهر أن ~~مفعول "يخشى" منسي معرض عنه، والمعنى أن في هذا الحديث - حديث موسى - لعبرة ~~لمن كان له خشية وكان من غريزته أن يخشى الشقاء والعذاب والإنسان من غريزته ~~ذلك ففيه عبرة لمن كان إنسانا مستقيم الفطرة. # وقيل: المفعول محذوف والتقدير لمن يخشى الله والوجه السابق أبلغ. # قوله تعالى: "ء أنتم أشد خلقا أم السماء بناها" - إلى قوله - ولأنعامكم" ~~خطاب توبيخي للمشركين المنكرين للبعث المستهزءين به على سبيل العتاب ويتضمن ~~الجواب عن استبعادهم البعث بقولهم: "ء إنا لمردودون في الحافرة ء إذا كنا ~~عظاما نخرة" بأن الله خلق ما هو أشد منكم خلقا فهو على خلقكم وإنشائكم ~~النشأة الأخرى لقدير. # ويتضمن أيضا الإشارة إلى الحجة على وقوع البعث حيث يذكر التدبير العام ~~العالمي وارتباطه بالعالم الإنساني ولازمه ربوبيته تعالى، ولازم الربوبية ~~صحة النبوة وجعل التكاليف، ولازم ذلك الجزاء الذي موطنه البعث والحشر، ولذا ~~فرع عليه حديث البعث بقوله: "فإذا جاءت الطامة الكبرى" إلخ. # فقوله: "ء أنتم أشد خلقا أم السماء" استفهام توبيخي بداعي رفع استبعادهم ~~البعث بعد الموت، والإشارة إلى تفصيل خلق السماء بقوله: "بناها" إلخ دليل ~~أن المراد به تقرير كون السماء أشد خلقا. ms7543 # وقوله: "بناها" استئناف وبيان تفصيلي لخلق السماء. # وقوله: "رفع سمكها فسواها" أي رفع سقفها وما ارتفع منها، وتسويتها ترتيب ~~أجزائها وتركيبها بوضع كل جزء في موضعه الذي تقتضيه الحكمة كما في قوله: ~~"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي": الحجر: 29. # وقوله: "وأغطش ليلها وأخرج ضحاها" أي أظلم ليلها وأبرز نهارها، والأصل في ~~معنى الضحى انبساط الشمس وامتداد النهار أريد به مطلق النهار بقرينة ~~المقابلة ونسبة الليل والضحى إلى السماء لأن السبب الأصلي لها سماوي وهو ~~ظهور الأجرام المظلمة بشروق الأنوار السماوية كنور الشمس وغيره وخفاؤها ~~بالاستتار ولا يختص الليل والنهار بالأرض التي نحن عليها بل يعمان سائر ~~الأجرام المظلمة المستنيرة. # وقوله: "والأرض بعد ذلك دحاها" أي بسطها ومدها بعد ما بنى السماء ورفع ~~سمكها وسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. # وقيل: المعنى والأرض مع ذلك دحاها كما في قوله: "عتل بعد ذلك زنيم" وقد ~~تقدم كلام فيما يظهر من كلامه تعالى في خلق السماء والأرض في تفسير سورة ~~الم السجدة وذكر بعضهم أن الدحو بمعنى الدحرجة. # وقوله: "أخرج منها ماءها ومرعاها" قيل: المرعى يطلق على الرعي بالكسر ~~فالسكون وهو الكلأ كما يجيء مصدرا ميميا، واسم زمان ومكان، والمراد بإخراج ~~مائها منها تفجير العيون وإجراء الأنهار عليها، وإخراج المرعى إنبات النبات ~~عليها مما يتغذى به الحيوان والإنسان فالظاهر أن المراد بالمرعى مطلق ~~النبات الذي يتغذى به الحيوان والإنسان كما يشعر به قوله: "متاعا لكم ~~ولأنعامكم" لا ما يختص بالحيوان كما هو الغالب في استعماله. # وقوله: "والجبال أرساها" أي أثبتها على الأرض لئلا تميد بكم وادخر فيها ~~المياه والمعادن كما ينبىء عنه سائر كلامه تعالى. # وقوله: "متاعا لكم ولأنعامكم" أي خلق ما ذكر من السماء والأرض ودبر ما ~~دبر من أمرهما ليكون متاعا لكم ولأنعامكم التي سخرها لكم تتمتعون به في ~~حياتكم فهذا الخلق والتدبير الذي فيه تمتيعكم يوجب عليكم معرفة ربكم وخوف ~~مقامه وشكر نعمته فهناك يوم تجزون فيه بما عملتم في ذلك إن خيرا فخيرا وإن ~~شرا فشرا كما أن هذا الخلق ms7544 والتدبير أشد من خلقكم فليس لكم أن تستبعدوا ~~خلقكم ثانيا وتستصعبوه عليه تعالى. # قوله تعالى: "فإذا جاءت الطامة الكبرى" في المجمع،: والطامة العالية ~~الغالبة يقال: هذا أطم من هذا أي أعلى منه، وطم الطائر الشجرة أي علاها ~~وتسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها طامة. # انتهى، فالمراد بالطامة الكبرى القيامة لأنها داهية تعلو وتغلب كل داهية ~~هائلة، وهذا معنى اتصافها بالكبرى وقد أطلقت إطلاقا. # وتصدير الجملة بفاء التفريع للإشارة إلى أن مضمونها أعني مجيء القيامة من ~~لوازم خلق السماء والأرض وجعل التدبير الجاري فيهما المترتبة على ذلك كما ~~تقدمت الإشارة إليه. PageV20P105 # قوله تعالى: "يوم يتذكر الإنسان ما سعى" ظرف لمجيء الطامة الكبرى، والسعي ~~هو العمل بجد. # قوله تعالى: "وبرزت الجحيم لمن يرى" التبريز الإظهار ومفعول "يرى" منسي ~~معرض عنه والمراد بمن يرى من له بصر يرى به، والمعنى وأظهرت الجحيم بكشف ~~الغطاء عنها لكل ذي بصر فيشاهدونها مشاهدة عيان. # فالآية في معنى قوله تعالى: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد": ق: 22 غير أن آية ق أوسع معنى. # والآية ظاهرة في أن الجحيم مخلوقة قبل يوم القيامة وإنما تظهر يومئذ ~~ظهورا بكشف الغطاء عنها. # قوله تعالى: "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما ~~من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى" تفصيل حال الناس ~~يومئذ في انقسامهم قسمين أقيم مقام الإجمال الذي هو جواب إذا المحذوف ~~استغناء بالتفصيل عن الإجمال، والتقدير فإذا جاءت الطامة الكبرى انقسم ~~الناس قسمين فأما من طغى إلخ. # وقد قسم تعالى الناس في الآيات الثلاث إلى أهل الجحيم وأهل الجنة - وقدم ~~صفة أهل الجحيم لأن وجه الكلام إلى المشركين - وعزف أهل الجحيم بما وصفهم ~~به في قوله: "من طغى وآثر الحياة الدنيا" وقابل تعريفهم بتعريف أهل الجنة ~~بقوله: "من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" وسبيل ما وصف به الطائفتين ~~على أي حال سبيل بيان الضابط. # وإذ كانت الطائفتان متقابلتين بحسب حالهما ms7545 كان ما بين لكل منهما من الوصف ~~مقابلا لوصف الآخر فوصف أهل الجنة بالخوف من مقام ربهم - والخوف تأثر ~~الضعيف المقهور من القوي القاهر وخشوعه وخضوعه له - يقتضي كون طغيان أهل ~~الجحيم - والطغيان التعدي عن الحد - هو عدم تأثرهم من مقام ربهم بالاستكبار ~~وخروجهم عن زي العبودية فلا يخشعون ولا يخضعون ولا يجرون على ما أراده منهم ~~ولا يختارون ما اختاره لهم من السعادة الخالدة بل ما تهواه أنفسهم من زينة ~~الحياة الدنيا. # فمن لوازم طغيانهم اختيارهم الحياة الدنيا وهو الذي وصفهم به بعد وصفهم ~~بالطغيان إذ قال: "وآثر الحياة الدنيا". # وإذ كان من لوازم الطغيان رفض الآخرة وإيثار الحياة الدنيا وهو اتباع ~~النفس فيما تريده وطاعتها فيما تهواه ومخالفته تعالى فيما يريده كان لما ~~يقابل الطغيان من الوصف وهو الخوف ما يقابل الإيثار واتباع هوى النفس وهو ~~قريحة الردع عن الإخلاد إلى الأرض ونهى النفس عن اتباع الهوى وهو قوله في ~~وصف أهل الجنة بعد وصفهم بالخوف: "ونهى النفس عن الهوى". # وإنما أخذ في وصفه النهي عن الهوى دون ترك اتباعه عملا لأن الإنسان ضعيف ~~ربما ساقته الجهالة إلى المعصية من غير استكبار والله واسع المغفرة قال ~~تعالى "ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع المغفرة": النجم: 32، وقال: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31. # ويتحصل معنى الآيات الثلاث في إعطاء الضابط في صفة أهل الجحيم وأهل الجنة ~~في أن أهل الجحيم أهل الكفر والفسوق وأهل الجنة أهل الإيمان والتقوى، وهناك ~~غير الطائفتين طوائف أخر من المستضعفين والذين اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا وغيرهم أمرهم إلى الله سبحانه عسى أن يشملهم المغفرة ~~بشفاعة وغيرها. # فقوله: "فأما من طغى - إلى قوله - هي المأوى" أي هي مأواه على أن تكون ~~اللام عوضا عن الضمير أو الضمير محذوف والتقدير هي المأوى له. # وقوله: "وأما من ms7546 خاف مقام ربه" إلخ المقام اسم مكان يراد به المكان الذي ~~يقوم فيه جسم من الأجسام وهو الأصل في معناه ككونه اسم زمان ومصدرا ميميا ~~لكن ربما يعتبر ما عليه الشيء من الصفات والأحوال محلا ومستقرا للشيء بنوع ~~من العناية فيطلق عليه المقام كالمنزلة كما في قوله تعالى في الشهادة: ~~"فآخران يقومان مقامهما": المائدة: 107 وقول نوح (عليه السلام) لقومه على ~~ما حكاه الله: "إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله": يونس: 71، ~~وقول الملائكة على ما حكاه الله: "وما منا إلا له مقام معلوم": الصافات: 164. PageV20P106 # فمقامه تعالى المنسوب إليه بما أنه رب هو صفة ربوبيته بما تستلزمه أو تتوقف ~~عليه من صفاته الكريمة كالعلم والقدرة المطلقة والقهر والغلبة والرحمة ~~والغضب وما يناسبها قال إيذانا به: "ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى": طه: ~~82، وقال: "نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم": ~~الحجر: 50. # فمقامه تعالى الذي يخوف منه عباده مرحلة ربوبيته التي هي المبدأ لرحمته ~~ومغفرته لمن آمن واتقى ولأليم عذابه وشديد عقابه لمن كذب وعصى. # وقيل: المراد بمقام ربه مقامه من ربه يوم القيامة حين يسأله عن أعماله ~~وهو كما ترى. # وقيل: معنى خاف مقام ربه خاف ربه بطريق الإقحام كما قيل في قوله "أكرمي ~~مثواه". ### |||| AUTO بحث روائي # في الفقيه، وروى علي بن مهزيار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قوله ~~عز وجل "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى" وقوله عز وجل: "والنجم إذا هوى" ~~وما أشبه هذا؟ فقال إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن ~~يقسموا إلا به. # أقول: وتقدم في هذا المعنى رواية الكافي، عن محمد بن مسلم عن الباقر ~~(عليه السلام) في تفسير أول سورة النجم. # وفي الدر المنثور، أخرج سعيد بن المنصور وابن المنذر عن علي في قوله: ~~"والنازعات غرقا" قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفار "والناشطات نشطا" هي ~~الملائكة ms7547 تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها "والسابحات ~~سبحا" هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض "فالسابقات ~~سبقا" هي الملائكة يسبق بعضها بعضا بأرواح المؤمنين إلى الله "فالمدبرات ~~أمرا" قال هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. # أقول: ينبغي أن تحمل الرواية - لو صحت - على ذكر بعض المصاديق، وقوله: ~~"تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها" ضرب من التمثيل لشدة ~~العذاب. # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكواء سأله عن ~~"المدبرات أمرا" قال: الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة" ~~قال: تنشق الأرض بأهلها والرادفة الصيحة. # وفيه،: في قوله: "ء إنا لمردودون في الحافرة" قال: قالت قريش: أنرجع بعد ~~الموت؟ وفيه،: في قوله: "تلك إذا كرة خاسرة" قال: قالوا هذه على حد ~~الاستهزاء. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قوله: "ء إنا ~~لمردودون في الحافرة" يقول: في الخلق الجديد، وأما قوله: "فإذا هم ~~بالساهرة" والساهرة الأرض كانوا في القبور فلما سمعوا الزجرة خرجوا من ~~قبورهم فاستووا على الأرض. # وفي أصول الكافي، بإسناده إلى داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~في قول الله عز وجل: "ولمن خاف مقام ربه جنتان، قال: من علم أن الله يراه ~~ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من ~~الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. # أقول: يؤيد الحديث ما تقدم من معنى الخوف من مقامه تعالى. # وفيه، بإسناده عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ~~إنما أخاف عليكم الاثنين: اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فإنه يصد ~~عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة. PageV20P107 ### ||| AUTO 79 سورة النازعات - 42 - 46 # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ms7548 ~~عشية أو ضحاها (46) ### |||| AUTO بيان # تعرض لسؤالهم عن وقت قيام الساعة ورد له بأن علمه ليس لأحد إلا الله فقد ~~خصه بنفسه. # قوله تعالى: "يسألونك عن الساعة أيان مرساها" الظاهر أن التعبير بيسألونك ~~لإفادة الاستمرار فقد كان المشركون بعد ما سمعوا حديث القيامة يراجعون ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسألونه أن يعين لهم وقتها مصرين على ذلك ~~وقد تكرر في القرآن الكريم الإشارة إلى ذلك. # والمرسى مصدر ميمي بمعنى الإثبات والإقرار وقوله: "أيان مرساها" بيان ~~للسؤال والمعنى يسألك هؤلاء المنكرون للساعة المستهزءون به عن الساعة متى ~~إثباتها وإقرارها؟ أي متى تقوم القيامة؟ قوله تعالى: "فيم أنت من ذكراها" ~~استفهام إنكاري و"فيم أنت" مبتدأ وخبر، و"من" لابتداء الغاية، والذكرى كثرة ~~الذكر وهو أبلغ من الذكر على ما ذكره الراغب. # والمعنى في أي شيء أنت من كثرة ذكر الساعة أي ما ذا يحصل لك من العلم ~~بوقتها من ناحية كثرة ذكرها وبسبب ذلك أي لست تعلمها بكثرة ذكرها. # أو الذكرى بمعنى حضور حقيقة معنى الشيء في القلب، والمعنى - على ~~الاستفهام الإنكاري - لست في شيء من العلم بحقيقتها وما هي عليه حتى تحيط ~~بوقتها وهو أنسب من المعنى السابق. # وقيل: المعنى ليس ذكراها مما يرتبط ببعثتك إنما بعثت لتنذر من يخشاها. # وقيل: "فيم" إنكار لسؤالهم، وقوله: "أنت من ذكراها" استئناف وتعليل ~~لإنكار سؤالهم، والمعنى فيم هذا السؤال إنما أنت من ذكرى الساعة لاتصال ~~بعثتك بها وأنت خاتم الأنبياء، وهذا المقدار من العلم يكفيهم، وهو قوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما روي: "بعثت أنا والساعة كهاتين إن كادت ~~لتسبقني". # وقيل: الآية من تمام سؤال المشركين خاطبوا به النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والمعنى ما الذي عندك من العلم بها وبوقتها؟ أو ما الذي حصل لك وأنت ~~تكثر ذكرها. # وأنت خبير بأن السياق لا يلائم شيئا من هذه المعاني تلك الملاءمة، على ~~أنها أو أكثرها لا تخلو من تكلف. # قوله تعالى: "إلى ربك منتهاها" في مقام التعليل لقوله: "فيم أنت من ~~ذكراها" ms7549 والمعنى لست تعلم وقتها لأن انتهاءها إلى ربك فلا يعلم حقيقتها ~~وصفاتها ومنها تعين الوقت إلا ربك فليس لهم أن يسألوا عن وقتها وليس في ~~وسعك أن تجيب عنها. # وليس من البعيد - والله أعلم - أن تكون الآية في مقام التعليل بمعنى آخر ~~وهو أن الساعة تقوم بفناء الأشياء وسقوط الأسباب وظهور أن لا ملك إلا لله ~~الواحد القهار فلا ينتسب اليوم إلا إليه تعالى من غير أن يتوسط بالحقيقة ~~بينه تعالى وبين اليوم أي سبب مفروض ومنه الزمان فليس يقبل اليوم توقيتا ~~بحسب الحقيقة. # ولذا لم يرد في كلامه تعالى من التحديد إلا تحديد اليوم بانقراض نشأة ~~الدنيا كقوله: "ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض": الزمر: ~~68 وما في معناه من الآيات الدالة على خراب الدنيا بتبدل الأرض والسماء ~~وانتثار الكواكب وغير ذلك. # وإلا تحديده بنوع من التمثيل والتشبيه كقوله تعالى: "كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها"، وقوله: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار": الأحقاف: 35، وقوله: "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة" ثم ذكر حق القول في ذلك فقال: "وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث": الروم: 56. # ويلوح إلى ما مر ما في مواضع من كلامه أن الساعة لا تأتي إلا بغتة، قال ~~تعالى: "ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها ~~قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون": الأعراف: 187 إلى غير ~~ذلك من الآيات. # وهذا وجه عميق يحتاج في تمامه إلى تدبر واف ليرتفع به ما يتراءى من ~~مخالفته لظواهر عدة من آيات القيامة وعليك بالتدبر في قوله تعالى: "لقد كنت ~~في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 وما في معناه من ~~الآيات والله المستعان. PageV20P108 # قوله تعالى: "إنما أنت منذر من يخشاها" أي إنما كلفناك بإنذار من يخشى ~~الساعة دون الإخبار بوقت ms7550 قيام الساعة حتى تجيبهم عن وقتها إذا سألوك عنه ~~فالقصر في الآية قصر إفراد بقصر شأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإنذار ~~وتنفي عنه العلم بالوقت وتعيينه لمن يسأل عنه. # والمراد بالخشية على ما يناسب المقام الخوف منها إذا ذكر بها أي شأنية ~~الخشية لا فعليتها قبل الإنذار. # قوله تعالى: "كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها" بيان لقرب ~~الساعة بحسب التمثيل والتشبيه بأن قرب الساعة من حياتهم الدنيا بحيث مثلهم ~~حين يرونها مثلهم لو لبثوا بعد حياتهم في الأرض عشية أو ضحى تلك العشية أي ~~وقتا نسبته إلى نهار واحد نسبة العشية إلى ما قبلها منه أو نسبة الضحى إلى ~~ما قبله منه. # وقد ظهر بما تقدم أن المراد باللبث لبث ما بين الحياة الدنيا والبعث أي ~~لبثهم في القبور لأن الحساب يقع على مجموع الحياة الدنيا. # وقيل: المراد به اللبث بين حين سؤالهم عن وقتها وبين البعث وفيه أنهم ~~إنما يشاهدون لبثهم على هذه الصفة عند البعث والبعث الذي هو الإحياء بعد ~~الموت إنما نسبته إلى الموت الذي قبله دون مجموع الموت وبعض الحياة التي ~~بين زمان السؤال عن الوقت وزمان الموت. # على أنه لا يلائم ظواهر سائر الآيات المتعرضة للبثهم قبل البعث كقوله ~~تعالى "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين": المؤمنون: 112. # وقيل: المراد باللبث اللبث في الدنيا وهو سخيف. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة ~~هي المأوى" قال: هو العبد إذا وقف على معصية الله وقدر عليها ثم تركها ~~مخافة الله ونهي الله ونهى النفس عنها فمكافاته الجنة، قوله "يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها" قال: متى تقوم؟ فقال الله: "إلى ربك منتهاها" أي علمها ~~عند الله، قوله "كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها" قال: بعض يوم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس ~~قال: إن مشركي مكة سألوا النبي (صلى الله عليه ms7551 وآله وسلم) فقالوا: متى تقوم ~~الساعة استهزاء منهم فنزلت "يسألونك عن الساعة أيان مرساها" الآيات. # وفيه، أخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~عائشة قالت: ما زال رسول الله يسأل عن الساعة حتى أنزل عليه "فيم أنت من ~~ذكراها إلى ربك منتهاها" فلم يسأل عنها. # أقول: ورواه أيضا عن عدة من أصحاب الكتب عن عروة مرسلا، ورواه أيضا عن ~~عدة منهم عن شهاب بن طارق عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مثله، ~~والسياق لا يلائم كونه جوابا عن سؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي بعض الروايات: كانت الأعراب إذا قدموا على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) سألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان فيهم فيقول: إن يعش هذا قرنا ~~قامت عليكم ساعتكم: رواها في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن عائشة. # وهي من التوقيت الذي يجل عنه ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ~~أوحي إليه في كثير من السور القرآنية سيما المكية أن علم الساعة يختص به ~~تعالى لا يعلمه إلا هو وأمر أن يجيب من سأله عن وقتها بنفي العلم به عن نفسه. PageV20P109 ### || AUTO ### ||| AUTO 80 سورة عبس - 1 - 16 # بسم الله الرحمن الرحيم عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله ~~يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) ~~وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى ~~(10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) فى صحف مكرمة (13) مرفوعة ~~مطهرة (14) بأيدى سفرة (15) كرام بررة (16) ### |||| AUTO بيان # وردت الروايات من طرق أهل السنة أن الآيات نزلت في قصة ابن أم مكتوم ~~الأعمى دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده قوم من صناديد قريش ~~يناجيهم في أمر الإسلام فعبس النبي عنه فعاتبه الله تعالى بهذه الآيات وفي ~~بعض الأخبار من طرق الشيعة إشارة إلى ذلك. # وفي بعض روايات الشيعة أن العابس المتولي رجل من بني أمية كان عند النبي ~~(صلى الله عليه ms7552 وآله وسلم) فدخل عليه ابن أم مكتوم فعبس الرجل وقبض وجهه ~~فنزلت الآيات: وسيوافيك تفصيل البحث عن ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء ~~الله تعالى. # وكيف كان الأمر فغرض السورة عتاب من يقدم الأغنياء والمترفين على الضعفاء ~~والمساكين من المؤمنين فيرفع أهل الدنيا ويضع أهل الآخرة ثم ينجر الكلام ~~إلى الإشارة إلى هوان أمر الإنسان في خلقه وتناهيه في الحاجة إلى تدبير ~~أمره وكفره مع ذلك بنعم ربه وتدبيره العظيم لأمره وتتخلص إلى ذكر بعثه ~~وجزائه إنذارا والسورة مكية بلا كلام. # قوله تعالى: "عبس وتولى" أي بسر وقبض وجهه وأعرض. # قوله تعالى: "أن جاءه الأعمى" تعليل لما ذكر من العبوس بتقدير لام ~~التعليل. # قوله تعالى: "وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى" حال من فاعل ~~"عبس وتولى" والمراد بالتزكي التطهر بعمل صالح بعد التذكر الذي هو الاتعاظ ~~والانتباه للاعتقاد الحق، ونفع الذكرى هو دعوتها إلى التزكي بالإيمان ~~والعمل الصالح. # ومحصل المعنى: بسر وأعرض عن الأعمى لما جاءه والحال أنه ليس يدري لعل ~~الأعمى الذي جاءه يتطهر بصالح العمل بعد الإيمان بسبب مجيئه وتعلمه وقد ~~تذكر قبل أو يتذكر بسبب مجيئه واتعاظه بما يتعلم فتنفعه الذكرى فيتطهر. # وفي الآيات الأربع عتاب شديد ويزيد شدة بإتيان الآيتين الأوليين في سياق ~~الغيبة لما فيه من الإعراض عن المشافهة والدلالة على تشديد الإنكار وإتيان ~~الآيتين الأخيرتين في سياق الخطاب لما فيه من تشديد التوبيخ وإلزام الحجة ~~بسبب المواجهة بعد الإعراض والتقريع من غير واسطة. # وفي التعبير عن الجائي بالأعمى مزيد توبيخ لما أن المحتاج الساعي في ~~حاجته إذا كان أعمى فاقدا للبصر وكانت حاجته في دينه دعته إلى السعي فيها ~~خشية الله كان من الحري أن يرحم ويخص بمزيد الإقبال والتعطف لا أن ينقبض ~~ويعرض عنه. # وقيل - بناء على كون المراد بالمعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~-: أن في التعبير عنه أولا بضمير الغيبة إجلالا له لإيهام أن من صدر عنه ~~العبوس والتولي غيره (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه ms7553 لا يصدر مثله عن مثله، ~~وثانيا بضمير الخطاب إجلالا له أيضا لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش ~~والإقبال بعد الإعراض. # وفيه أنه لا يلائمه الخطاب في قوله بعد: "أما من استغنى فأنت له تصدى" ~~إلخ والعتاب والتوبيخ فيه أشد مما في قوله: "عبس وتولى" إلخ ولا إيناس فيه قطعا. # قوله تعالى: "أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى" الغنى ~~والاستغناء والتغني والتغاني بمعنى على ما ذكره الراغب فالمراد بمن استغنى ~~من تلبس بالغنى ولازمه التقدم والرئاسة والعظمة في أعين الناس والاستكبار ~~عن اتباع الحق قال تعالى: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى": العلق: 7 ~~والتصدي التعرض للشيء بالإقبال عليه والاهتمام بأمره. # وفي الآية إلى تمام ست آيات إشارة إلى تفصيل القول في ملاك ما ذكر من ~~العبوس والتولي فعوتب عليه ومحصله أنك تعتني وتقبل على من استغنى واستكبر ~~عن اتباع الحق وما عليك ألا يزكى وتتلهى وتعرض عمن يجتهد في التزكي وهو يخشى. PageV20P110 # وقوله: "وما عليك ألا يزكى" قيل: "ما" نافية والمعنى وليس عليك بأس أن لا ~~يتزكى حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض والتلهي عمن أسلم والإقبال عليه. # وقيل: "ما" للاستفهام الإنكاري والمعنى وأي شيء يلزمك أن لم يتطهر من ~~الكفر والفجور فإنما أنت رسول ليس عليك إلا البلاغ. # وقيل: المعنى ولا تبالي بعدم تطهره من دنس الكفر والفجور وهذا المعنى ~~أنسب لسياق العتاب ثم الذي قبله ثم الذي قبله. # قوله تعالى: "وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى" السعي الإسراع ~~في المشي فمعنى قوله: "وأما من جاءك يسعى" بحسب ما يفيده المقام: وأما من ~~جاءك مسرعا ليتذكر ويتزكى بما يتعلم من معارف الدين. # وقوله: "وهو يخشى" أي يخشى الله والخشية آية التذكر بالقرآن قال تعالى: ~~"ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى": طه: 3 وقال: "سيذكر من ~~يخشى": الأعلى: 10. # وقوله: "فأنت عنه تلهى" أي تتلهى وتتشاغل بغيره وتقديم ضمير أنت في قوله: ~~"فأنت له تصدى" وقوله: "فأنت عنه تلهى" وكذا ms7554 الضميرين "له" و"عنه" في ~~الآيتين لتسجيل العتاب وتثبيته. # قوله تعالى: "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره" "كلا" ردع عما عوتب عليه من ~~العبوس والتولي والتصدي لمن استغنى والتلهي عمن يخشى. # والضمير في "أنها تذكرة" للآيات القرآنية أو للقرآن وتأنيث الضمير لتأنيث ~~الخبر والمعنى أن الآيات القرآنية أو القرآن تذكرة أي موعظة يتعظ بها من ~~اتعظ أو مذكر يذكر حق الاعتقاد والعمل. # وقوله: "فمن شاء ذكره" جملة معترضة والضمير للقرآن أو ما يذكر به القرآن ~~من المعارف، والمعنى فمن شاء ذكر القرآن أو ذكر ما يذكر به القرآن وهو ~~الانتقال إلى ما تهدي إليه الفطرة مما تحفظه في لوحها من حق الاعتقاد ~~والعمل. # وفي التعبير بهذا التعبير: "فمن شاء ذكره" تلويح إلى أن لا إكراه في ~~الدعوة إلى التذكر فلا نفع فيها يعود إلى الداعي وإنما المنتفع بها المتذكر ~~فليختر ما يختاره. # قوله تعالى: "في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة" قال في المجمع،: الصحف جمع ~~صحيفة، والعرب تسمي كل مكتوب فيه صحيفة كما تسميه كتابا رقا كان أو غيره انتهى. # و"في صحف" خبر بعد خبر لأن وظاهره أنه مكتوب في صحف متعددة بأيدي ملائكة ~~الوحي، وهذا يضعف القول بأن المراد بالصحف اللوح المحفوظ ولم يرد في كلامه ~~تعالى إطلاق الصحف ولا الكتب ولا الألواح بصيغة الجمع على اللوح المحفوظ، ~~ونظيره في الضعف القول بأن المراد بالصحف كتب الأنبياء الماضين لعدم ~~ملاءمته لظهور قوله: "بأيدي سفرة" إلخ في أنه صفة لصحف. # وقوله: "مكرمة" أي معظمة، وقوله: "مرفوعة" أي قدرا عند الله، وقوله: ~~"مطهرة" أي من قذارة الباطل ولغو القول والشك والتناقض قال تعالى: "لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه": حم السجدة: 42، وقال: "إنه لقول ~~فصل وما هو بالهزل": الطارق: 14 وقال: "ذلك الكتاب لا ريب فيه": البقرة: 2، ~~وقال: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": النساء: 82. # قوله تعالى: "بأيدي سفرة كرام بررة" صفة بعد صفة لصحف، والسفرة هم ~~السفراء جمع سفير بمعنى الرسول و"كرام" صفة لهم باعتبار ms7555 ذواتهم و"بررة" صفة ~~لهم باعتبار عملهم وهو الإحسان في الفعل. # ومعنى الآيات أن القرآن تذكرة مكتوبة في صحف متعددة معظمة مرفوعة قدرا ~~مطهرا من كل دنس وقذارة بأيدي سفراء من الملائكة كرام على ربهم بطهارة ~~ذواتهم بررة عنده تعالى بحسن أعمالهم. # ويظهر من الآيات أن للوحي ملائكة يتصدون لحمل الصحف وإيحاء ما فيها من ~~القرآن فهم أعوان جبريل وتحت أمره ونسبة إلقاء الوحي إليهم لا تنافي نسبته ~~إلى جبريل في مثل قوله: "نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وقد ~~قال تعالى في صفته: "إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين": التكوير: 21 فهو مطاع من الملائكة من يصدر عن أمره ويأتي بما يريده ~~والإيحاء الذي هو فعل أعوانه فعله كما أن فعله وفعلهم جميعا فعل الله وذلك ~~نظير كون التوفي الذي هو فعل أعوان ملك الموت فعله، وفعله وفعلهم جميعا فعل ~~الله تعالى، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا البحث مرارا. PageV20P111 # وقيل: المراد بالسفرة الكتاب من الملائكة، والذي تقدم من المعنى أجلى وقيل: ~~المراد بهم القراء يكتبونها ويقرءونها وهو كما ترى. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قيل: نزلت الآيات في عبد الله بن أم مكتوم وهو عبد الله بن ~~شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي. وذلك أنه أتى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام ~~والعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية بن خلف يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم ~~فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله فجعل يناديه ويكرر النداء ~~ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لقطعه كلامه وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنما ~~أتباعه العميان والعبيد فأعرض عنه وأقبل على القوم الذين كان يكلمهم فنزلت ~~الآيات. وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ~~ربي، ويقول له: هل ms7556 لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين. # أقول: روى السيوطي في الدر المنثور القصة عن عائشة وأنس وابن عباس على ~~اختلاف يسير وما أورده الطبرسي محصل الروايات. # وليست الآيات ظاهرة الدلالة على أن المراد بها هو النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بل خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه بل فيها ما يدل على أن المعنى ~~بها غيره لأن العبوس ليس من صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ~~الأعداء المباينين فضلا عن المؤمنين المسترشدين. # ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة ~~كما عن المرتضى رحمه الله. # وقد عظم الله خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال - وهو قبل نزول هذه ~~السورة -: "وإنك لعلى خلق عظيم" والآية واقعة في سورة "ن" التي اتفقت ~~الروايات المبينة لترتيب نزول السور على أنها نزلت بعد سورة اقرأ باسم ربك، ~~فكيف يعقل أن يعظم الله خلقه في أول بعثته ويطلق القول في ذلك ثم يعود ~~فيعاتبه على بعض ما ظهر من أعماله الخلقية ويذمه بمثل التصدي للأغنياء وإن ~~كفروا والتلهي عن الفقراء وإن آمنوا واسترشدوا. # وقال تعالى أيضا: "وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين": الشعراء: 215 فأمره بخفض الجناح للمؤمنين والسورة من السور ~~المكية والآية في سياق قوله: "وأنذر عشيرتك الأقربين" النازل في أوائل ~~الدعوة. # وكذا قوله: "لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ~~واخفض جناحك للمؤمنين": الحجر: 88 وفي سياق الآية قوله: "فاصدع بما تؤمر ~~وأعرض عن المشركين": الحجر: 94 النازل في أول الدعوة العلنية فكيف يتصور ~~منه (صلى الله عليه وآله وسلم) العبوس والإعراض عن المؤمنين وقد أمر ~~باحترام إيمانهم وخفض الجناح وأن لا يمد عينيه إلى دنيا أهل الدنيا. # على أن قبح ترجيح غنى الغني - وليس ملاكا لشيء من الفضل - على كمال ~~الفقير وصلاحه بالعبوس والإعراض عن الفقير والإقبال على الغني لغناه قبح ~~عقلي مناف لكريم الخلق الإنساني لا يحتاج في لزوم التجنب عنه ms7557 إلى نهي لفظي. # وبهذا وما تقدمه يظهر الجواب عما قيل: إن الله سبحانه لم ينهه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن هذا الفعل إلا في هذا الوقت فلا يكون معصية منه إلا ~~بعده وأما قبل النهي فلا. # وذلك أن دعوى أنه تعالى لم ينهه إلا في هذا الوقت تحكم ممنوع، ولو سلم ~~فالعقل حاكم بقبحه ومعه ينافي صدوره كريم الخلق وقد عظم الله خلقه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قبل ذلك إذ قال: "وإنك لعلى خلق عظيم" وأطلق القول، ~~والخلق ملكة لا تتخلف عن الفعل المناسب لها. # وعن الصادق (عليه السلام) على ما في المجمع،: أنها نزلت في رجل من بني ~~أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه ~~تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه. # وفي المجمع، وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: كان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال: مرحبا مرحبا والله ~~لا يعاتبني الله فيك أبدا، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) مما يفعل به. PageV20P112 # أقول: الكلام فيه كالكلام فيما تقدمه، ومعنى قوله: حتى أنه كان يكف "إلخ" ~~أنه كان يكف عن الحضور عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكثرة صنيعه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) به انفعالا منه وخجلا. PageV20P113 ### ||| AUTO 80 سورة عبس - 17 - 42 # قتل الانسن ما أكفره (17) من أى شىء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ~~ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما ~~يقض ما أمره (23) فلينظر الانسن إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ~~ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ~~ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفكهة وأبا (31) متعا لكم ولأنعمكم (32) فإذا ~~جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصحبته وبنيه ~~(36) لكل امرى منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة ~~مستبشرة (39) ووجوه ms7558 يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم ~~الكفرة الفجرة (42) ### |||| AUTO بيان # دعاء على الإنسان وتعجيب من مبالغته في الكفر بربوبية ربه وإشارة إلى ~~أمره حدوثا وبقاء فإنه لا يملك لنفسه شيئا من خلق وتدبير بل الله سبحانه هو ~~الذي خلقه من نطفة مهينة فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء ~~أنشره فهو سبحانه ربه الخالق له المدبر لأمره مطلقا وهو في مدى وجوده لا ~~يقضي ما أمره به ربه ولا يهتدي بهداه. # ولو نظر الإنسان إلى طعامه فقط وهو مظهر واحد من مظاهر تدبيره وغرفة من ~~بحار رحمته رأى من وسيع التدبير ولطيف الصنع ما يبهر عقله ويدهش لبه ووراء ~~ذلك نعم لا تعد - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها -. # فستره تدبير ربه وتركه شكر نعمته عجيب وإن الإنسان لظلوم كفار وسيرون ~~تبعة شكرهم وكفرهم من السرور والاستبشار أو الكآبة وسواد الوجه. # والآيات - كما ترى - لا تأبى الاتصال بما قبلها سياقا واحدا وإن قال ~~بعضهم إنها نزلت لسبب آخر كما سيجيء. # قوله تعالى: "قتل الإنسان ما أكفره" دعاء على الإنسان لما أن في طبعه ~~التوغل في اتباع الهوى ونسيان ربوبية ربه والاستكبار عن اتباع أوامره. # وقوله "ما أكفره" تعجيب من مبالغة في الكفر وستر الحق الصريح وهو يرى أنه ~~مدبر بتدبير الله لا يملك شيئا من تدبير أمره غيره تعالى. # فالمراد بالكفر مطلق ستر الحق وينطبق على إنكار الربوبية وترك العبادة ~~ويؤيده ما في ذيل الآية من الإشارة إلى جهات من التدبير الربوبي المتناسبة ~~مع الكفر بمعنى ستر الحق وترك العبادة، وقد فسر بعضهم الكفر بترك الشكر ~~وكفران النعمة وهو وإن كان معنى صحيحا في نفسه لكن الأنسب بالنظر إلى ~~السياق هو المعنى المتقدم. # قال في الكشاف: "قتل الإنسان" دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم لأن القتل ~~قصارى شدائد الدنيا وفظائعها و"ما أكفره" تعجب من إفراطه في كفران نعمة ~~الله ولا ترى أسلوبا أغلظ منه، ولا أخشن مسا، ولا أدل على سخط، ولا أبعد ~~شوطا في المذمة ms7559 مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمة على قصر متنه، انتهى. # وقيل جملة "ما أكفره" استفهامية والمعنى ما هو الذي جعله كافرا، والوجه ~~المتقدم أبلغ. # قوله تعالى: "من أي شيء خلقه" معناه على ما يعطيه المقام من أي شيء خلق ~~الله الإنسان حتى يحق له أن يطغى ويستكبر عن الإيمان والطاعة، وحذف فاعل ~~قوله: "خلقه" وما بعده من الأفعال للإشعار بظهوره فمن المعلوم بالفطرة - ~~وقد اعترف به المشركون - أن لا خالق إلا الله تعالى. # والاستفهام بداعي تأكيد ما في قوله: "ما أكفره" من العجب - والعجب إنما ~~هو في الحوادث التي لا يظهر لها سبب - فأفيد أولا: أن من العجب إفراط ~~الإنسان في كفره ثم سئل ثانيا: هل في خلقته إذ خلقه الله ما يوجب له ~~الإفراط في الكفر فأجيب بنفيه وأن لا حجة له يحتج بها ولا عذر يعتذر به ~~فإنه مخلوق من ماء مهين لا يملك شيئا من خلقته ولا من تدبير أمره في حياته ~~ومماته ونشره، وبالجملة الاستفهام توطئة للجواب الذي في قوله: "من نطفة ~~خلقه" إلخ. # قوله تعالى: "من نطفة خلقه فقدره" تنكير "نطفة" للتحقير أي من نطفة مهينة ~~حقيرة خلقة فلا يحق له وأصله هذا الأصل أن يطغى بكفره ويستكبر عن الطاعة. PageV20P114 # وقوله "فقدره" أي أعطاه القدر في ذاته وصفاته وأفعاله فليس له أن يتعدى ~~الطور الذي قدر له ويتجاوز الحد الذي عين له فقد أحاط به التدبير الربوبي ~~من كل جانب ليس له أن يستقل بنيل ما لم يقدر له. # قوله تعالى: "ثم السبيل يسره" ظاهر السياق المقصود به نفي العذر من ~~الإنسان في كفره واستكباره أن المراد بالسبيل - وقد أطلق - السبيل إلى طاعة ~~الله وامتثال أوامره وإن شئت فقل: السبيل إلى الخير والسعادة. # فتكون الآية في معنى دفع الدخل فإنه إذا قيل: "من نطفة خلقه فقدره" أمكن ~~أن يتوهم السامع أن الخلق والتقدير إذا كانا محيطين بالإنسان من كل جهة ~~كانت أفعال الإنسان لذاته وصفاته مقدرة مكتوبة ومتعلقة لمشية الربوبية التي ~~لا تتخلف فتكون أفعال ms7560 الإنسان ضرورية الثبوت واجبة التحقق والإنسان مجبرا ~~عليها فاقدا للاختيار فلا صنع للإنسان في كفره إذا كفر ولا في فسقه إذا فسق ~~ولم يقض ما أمره الله به وإنما ذلك بتقديره تعالى وإرادته فلا ذم ولا لائمة ~~على الإنسان ولا دعوة دينية تتعلق به لأن ذلك كله فرع للاختيار ولا اختيار. # فدفع الشبهة بقوله: "ثم السبيل يسره" ومحصله أن الخلق والتقدير لا ~~ينافيان كون الإنسان مختارا فيما أمر به من الإيمان والطاعة له طريق إلى ~~السعادة التي خلق لها فكل ميسر لما خلق له وذلك أن التقدير واقع على ~~الأفعال الإنسانية من طريق اختياره، والإرادة الربوبية متعلقة بأن يفعل ~~الإنسان بإرادته واختياره كذا وكذا فالفعل صادر عن الإنسان باختياره وهو ~~بما أنه اختياري متعلق للتقدير. # فالإنسان مختار في فعله مسئول عنه وإن كان متعلقا للقدر، وقد تقدم البحث ~~عن هذا المعنى كرارا في ذيل الآيات المناسبة له في هذا الكتاب. # وقيل: المراد بتيسير السبيل تسهيل خروج الإنسان من بطن أمه والمعنى ثم ~~سهل للإنسان سبيل الخروج وهو جنين مخلوق من نطفة. # وقيل: المراد الهداية إلى الدين وتبين طريق الخير والشر كما قال: ~~"وهديناه النجدين": البلد: 10 والوجه المتقدم أوجه. # قوله تعالى: "ثم أماته فأقبره" الإماتة إيقاع الموت على الإنسان، والمراد ~~بالإقبار دفنه في القبر وإخفاؤه في بطن الأرض وهذا بالبناء على الغالب الذي ~~جرى عليه ديدن الناس وبهذه المناسبة نسب إليه تعالى لأنه تعالى هو الذي ~~هداهم إلى ذلك وألهمهم إياه فللفعل نسبة إليه كما له نسبة إلى الناس. # وقيل: المراد بالإقبار جعله ذا قبر ومعنى جعله ذا قبر أمره تعالى بدفنه ~~تكرمة له لتتوارى جيفته فلا يتأذى بها الناس ولا يتنفروا. # والوجه المتقدم أنسب لسياق الآيات المسرود لتذكير تدبيره تعالى التكويني ~~للإنسان دون التدبير التشريعي الذي عليه بناء هذا الوجه. # قوله تعالى: "ثم إذا شاء أنشره" في المجمع،: الإنشار الإحياء للتصرف بعد ~~الموت كنشر الثوب بعد الطي. # انتهى، فالمراد به البعث إذا شاء الله، وفيه إشارة إلى كونه بغتة ms7561 لا ~~يعلمه غيره تعالى. # قوله تعالى: "كلا لما يقض ما أمره" الذي يعطيه السياق أن "كلا" ردع عن ~~معنى سؤال يستدعيه السياق ويلوح إليه قوله: "لما يقض ما أمره" كأنه لما ~~أشير إلى أن الإنسان مخلوق مدبر له تعالى من أول وجوده إلى آخره من خلق ~~وتقدير وتيسير للسبيل وإماتة وإقبار وإنشار وكل ذلك نعمة منه تعالى سئل ~~فقيل: فما ذا صنع الإنسان والحال هذه الحال وهل خضع للربوبية أو هل شكر ~~النعمة فأجيب وقيل: كلا، ثم أوضح فقيل: لما يقض ما أمره الله به بل كفر وعصى. # فقد ظهر مما تقدم أن ضمير "يقض" للإنسان والمراد بقضائه إتيانه بما أمر ~~الله به، وقيل: الضمير لله تعالى والمعنى لما يقض الله لهذا الكافر أن يأتي ~~بما أمره به من الإيمان والطاعة بل إنما أمره بما أمر إتماما للحجة، وهو بعيد. # وظهر أيضا أن ما في الآيات من الذم واللائمة إنما هو للإنسان بما في طبعه ~~من الإفراط في الكفر كما في قوله: "إن الإنسان لظلوم كفار": إبراهيم: 34 ~~فينطبق على من تلبس بالكفر وأفرط فيه بالعناد ومنه يظهر عدم استقامة ما نقل ~~عن بعضهم أن الآية على العموم في الكافر والمسلم لم يعبده أحد حق عبادته. # وذلك أن الضمير للإنسان المذكور في صدر الآيات بما في طبعه من داعية ~~الإفراط في الكفر وينطبق على من تلبس به بالفعل. PageV20P115 # قوله تعالى: "فلينظر الإنسان إلى طعامه" متفرع على ما تقدم تفرع التفصيل ~~على الإجمال ففيه توجيه نظر الإنسان إلى طعامه الذي يقتات به ويستمد منه ~~لبقائه وهو واحد مما لا يحصى مما هيأه التدبير الربوبي لرفع حوائجه في ~~الحياة حتى يتأمله فيشاهد سعة التدبير الربوبي التي تدهش لبه وتحير عقله، ~~وتعلق العناية الإلهية - على دقتها وإحاطتها - بصلاح حاله واستقامة أمره. # والمراد بالإنسان - كما قيل - غير الإنسان المتقدم المذكور في قوله: "قتل ~~الإنسان ما أكفره" فإن المراد به خصوص الإنسان المبالغ في الكفر بخلاف ~~الإنسان المذكور في هذه الآية المأمور بالنظر فإنه عام ms7562 شامل لكل إنسان، ~~ولذلك أظهر ولم يضمر. # قوله تعالى: "إنا صببنا الماء صبا - إلى قوله - ولأنعامكم" القراءة ~~الدائرة "أنا" بفتح الهمزة وهو بيان تفصيلي لتدبيره تعالى طعام الإنسان نعم ~~هو مرحلة ابتدائية من التفصيل وأما القول المستوفى لبيان خصوصيات النظام ~~الذي هيأ له هذه الأمور والنظام الوسيع الجاري في كل من هذه الأمور ~~والروابط الكونية التي بين كل واحد منها وبين الإنسان فمما لا يسعه نطاق ~~البيان عادة. # وبالجملة قوله: "إنا صببنا الماء صبا" الصب إراقة الماء من العلو، ~~والمراد بصب الماء إنزال الأمطار على الأرض لإنبات النبات، ولا يبعد أن ~~يشمل إجراء العيون والأنهار فإن ما في بطن الأرض من ذخائر الماء إنما يتكون ~~من الأمطار. # وقوله: "ثم شققنا الأرض شقا" ظاهره شق الأرض بالنبات الخارج منها ولذا ~~عطف على صب الماء بثم وعطف عليه إنبات الحب بالفاء. # وقوله: "فأنبتنا فيها حبا" ضمير "فيها" للأرض، والمراد بالحب جنس الحب ~~الذي يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير ونحوهما وكذا في العنب والقضب ~~وغيرهما. # وقوله: "وعنبا وقضبا" العنب معروف، ويطلق على شجر الكرم ولعله المراد في ~~الآية ونظيره الزيتون. # والقضب هو الغض الرطب من البقول الذي يأكله الإنسان يقضب أي يقطع مرة بعد ~~أخرى، وقيل: هو ما يقطع من النبات فتعلف به الدواب. # وقوله: "وزيتونا ونخلا" معروفان. # وقوله: "وحدائق غلبا" الحدائق جمع حديقة وهي على ما فسر البستان المحوط ~~والغلب جمع غلباء يقال: شجرة غلباء أي عظيمة غليظة فالحدائق الغلب البساتين ~~المشتملة على أشجار عظام غلاظ. # وقوله: "وفاكهة وأبا" قيل: الفاكهة مطلق الثمار، وقيل: ما عدا العنب ~~والرمان. # قيل: إن ذكر ما يدخل في الفاكهة أولا كالزيتون والنخل للاعتناء بشأنه ~~والأب الكلاء والمرعى. # وقوله: "متاعا لكم ولأنعامكم" مفعول له أي أنبتنا ما أنبتنا مما تطعمونه ~~ليكون تمتيعا لكم وللأنعام التي خصصتموها بأنفسكم. # والالتفات عن الغيبة إلى الخطاب في الآية لتأكيد الامتنان بالتدبير أو ~~بإنعام النعمة. # قوله تعالى: "فإذا جاءت الصاخة" إشارة إلى ما ينتهي إليه ما ذكر من ~~التدبير العام الربوبي للإنسان ms7563 بما أن فيه أمرا ربوبيا إلهيا بالعبودية ~~يقضيه الإنسان أولا يقضيه وهو يوم القيامة الذي يوفى فيه الإنسان جزاء ~~أعماله. # والصاخة: الصيحة الشديدة التي تصم الأسماع من شدتها، والمراد بها نفخة الصور. # قوله تعالى: "يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه" إشارة إلى ~~شدة اليوم فالذين عدوا من أقرباء الإنسان وأخصائه هم الذين كان يأوي إليهم ~~ويأنس بهم ويتخذهم أعضادا وأنصارا يلوذ بهم في الدنيا لكنه يفر منهم يوم ~~القيامة لما أن الشدة أحاطت به بحيث لا تدعه يشتغل بغيره ويعتني بما سواه ~~كائنا من كان فالبلبلة إذا عظمت واشتدت وأطلت على الإنسان جذبته إلى نفسها ~~وصرفته عن كل شيء. # والدليل على هذا المعنى قوله بعد: "لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه" أي ~~يكفيه من أن يشتغل بغيره. # وقيل: في سبب فرار الإنسان من أقربائه وأخصائه يومئذ وجوه أخر لا دليل ~~عليها أغمضنا عن إيرادها. # قوله تعالى: "وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة" بيان لانقسام الناس يومئذ ~~إلى قسمين: أهل السعادة وأهل الشقاء، وإشارة إلى أنهم يعرفون بسيماهم في ~~وجوههم وإسفار الوجه إشراقه وإضاءته فرحا وسرورا واستبشاره تهلله بمشاهدة ~~ما فيه البشرى. # قوله تعالى: "ووجوه يومئذ عليها غبرة" هي الغبار والكدورة وهي سيماء الهم والغم. PageV20P116 # قوله تعالى: "ترهقها قترة" أي يعلوها ويغشاها سواد وظلمة، وقد بين حال ~~الطائفتين في الآيات الأربع ببيان حال وجوههما لأن الوجه مرآة القلب في ~~سروره ومساءته. # قوله تعالى: "أولئك هم الكفرة الفجرة" أي الجامعون بين الكفر اعتقادا ~~والفجور وهو المعصية الشنيعة عملا أو الكافرون بنعمة الله الفاجرون، وهذا ~~تعريف للطائفة الثانية وهم أهل الشقاء ولم يأت بمثله في الطائفة الأولى وهم ~~أهل السعادة لأن الكلام مسوق للإنذار والاعتناء بشأن أهل الشقاء. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: "قتل الإنسان ما ~~أكفره" قال: نزلت في عتبة بن أبي لهب حين قال: كفرت برب النجم إذا هوى فدعا ~~عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه الأسد بطريق الشام. ms7564 # وفي الاحتجاج، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل: "قتل ~~الإنسان ما أكفره" أي لعن الإنسان. # وفي تفسير القمي،: "ثم السبيل يسره" قال: يسر له طريق الخير. # أقول: المراد به جعله مختارا في فعله يسهل به سلوكه سبيل السعادة ووصوله ~~إلى الكمال الذي خلق له. # فالخبر منطبق على ما قدمناه من الوجه في تفسير الآية. # وفيه،: في قوله: "وقضبا" قال: القضب القت. # وفيه،: في قوله: "وفاكهة وأبا" قال: الأب الحشيش للبهائم. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو عبيد في فضائله عن إبراهيم التيمي قال: سئل ~~أبو بكر الصديق عن قوله "وأبا" فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ~~في كتاب الله ما لا أعلم. # وفيه، أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب والحاكم وصححه عن أنس أن عمر ~~قرأ على المنبر "فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا إلى قوله وأبا" قال: كل هذا ~~قد عرفناه فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلف ~~فما عليك أن لا تدري ما الأب؟ اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به ~~وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. # وفيه، أخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن يزيد أن رجلا سأل عمر عن قوله ~~"وأبا" فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة. # أقول: هو مبني على منعهم عن البحث عن معارف الكتاب حتى تفسير ألفاظه. # وفي إرشاد المفيد، وروي: أن أبا بكر سئل عن قول الله تعالى: "وفاكهة ~~وأبا" فلم يعرف معنى الأب من القرآن فقال: أي سماء تظلني أم أي أرض تقلني ~~أم كيف أصنع إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ أما الفاكهة فنعرفها وأما ~~الأب فالله أعلم. فبلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) مقاله في ذلك فقال: ~~سبحان الله أما علم أن الأب هو الكلاء والمرعى؟ وأن قوله تعالى: "وفاكهة ~~وأبا" اعتداد من الله بإنعامه على خلقه فيما غذاهم به وخلقه ms7565 لهم ولأنعامهم ~~مما تحيى به أنفسهم وتقوم به أجسادهم. # وفي المجمع، وروي عن عطاء بن يسار عن سودة زوج النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يبعث الناس حفاة ~~عراة غرلا يلجمهم العرق ويبلغ شحمة الإذن قالت: قلت: يا رسول الله وا ~~سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض إذا جاء؟ قال: شغل الناس عن ذلك وتلا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) "لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه". # وفي تفسير القمي،: قوله: "لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه" قال: شغل ~~يشغله عن غيره. PageV20P117 ### || AUTO ### ||| AUTO 81 سورة التكوير - 1 - 14 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا ~~الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار ~~سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا الموءدة سئلت (8) بأى ذنب قتلت (9) ~~وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة يوم القيامة بذكر بعض أشراطها وما يقع فيها وتصفه بأنه يوم ~~ينكشف فيه للإنسان ما عمله من عمل ثم تصف القرآن بأنه مما ألقاه إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رسول سماوي وهو ملك الوحي وليس بإلقاء شيطاني ~~ولا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مجنون يمسه الشيطان. # ويشبه أن تكون السورة من السور العتائق النازلة في أوائل البعثة كما يشهد ~~به ما فيها من تنزيهه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما رموه به من الجنون وقد ~~اتهموه به في أوائل الدعوة وقد اشتملت على تنزيهه منه سورة "ن" وهي من ~~العتائق. # والسورة مكية بلا كلام. # قوله تعالى: "إذا الشمس كورت" التكوير اللف على طريق الإدارة كلف العمامة ~~على الرأس، ولعل المراد بتكوير الشمس انظلام جرمها على نحو الإحاطة ~~استعارة. # قوله تعالى: "وإذا النجوم انكدرت" انكدار الطائر من الهواء انقضاضه نحو ~~الأرض، وعليه فالمراد سقوط النجوم كما يفيده قوله: "وإذا الكواكب انتثرت": ~~الانفطار: 2 ويمكن أن يكون من الانكدار ms7566 بمعنى التغير وقبول الكدورة فيكون ~~المراد به ذهاب ضوئها. # قوله تعالى: "وإذا الجبال سيرت" بما يصيبها من زلزلة الساعة من التسيير ~~فتندك وتكون هباء منبثا وتصير سرابا على ما ذكره سبحانه في مواضع من كلامه. # قوله تعالى: "وإذا العشار عطلت" قيل: "العشار جمع عشراء كالنفاس جمع ~~نفساء وهي الناقة الحامل التي أتت عليها عشرة أشهر فتسمى عشراء حتى تضع ~~حملها وربما سميت عشراء بعد الوضع أيضا وهي من أنفس المال عند العرب. # وتعطيل العشار تركها مهملة لا راعي لها ولا حافظ يحفظها وكان في الجملة ~~إشارة على نحو الكناية إلى أن نفائس الأموال التي يتنافس فيها الإنسان تبقى ~~اليوم ولا صاحب لها يتملكها ويتصرف فيها لأنهم مشغولون بأنفسهم عن كل شيء ~~كما قال: "لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه": عبس: 37. # قوله تعالى: "وإذا الوحوش حشرت" الوحوش جمع وحش وهو من الحيوان ما لا ~~يتأنس بالإنسان كالسباع وغيرها. # وظاهر الآية من حيث وقوعها في سياق الآيات الواصفة ليوم القيامة أن ~~الوحوش محشورة كالإنسان، ويؤيده قوله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون": الأنعام: 38. # وأما تفصيل حالها بعد الحشر وما يئول إليه أمرها فلم يرد في كلامه تعالى ~~ولا فيما يعتمد عليه من الأخبار ما يكشف عن ذلك نعم ربما استفيد من قوله في ~~آية الأنعام: "أمم أمثالكم" وقوله: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" بعض ما ~~يتضح به الحال في الجملة لا يخفى على الناقد المتدبر، وربما قيل: إن حشر ~~الوحوش من أشراط الساعة لا مما يقع يوم القيامة والمراد به خروجها من ~~غاباتها وأكنانها. # قوله تعالى: "وإذا البحار سجرت" فسر التسجير بإضرام النار وفسر بالملإ ~~والمعنى على الأول وإذا البحار أضرمت نارا، وعلى الثاني وإذا البحار ملئت. # قوله تعالى: "وإذا النفوس زوجت" أما نفوس السعداء فبنساء الجنة قال ~~تعالى: "لهم فيها أزواج مطهرة": النساء: 57، وقال: "وزوجناهم بحور عين": ~~الدخان: 54 وأما نفوس الأشقياء فبقرناء ms7567 الشياطين قال تعالى: "احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون": الصافات: 22 وقال: "ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين": الزخرف: 36. # قوله تعالى: "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت" الموءودة البنت التي تدفن ~~حية وكانت العرب تئد البنات خوفا من لحوق العار بهم من أجلهن كما يشير إليه ~~قوله تعالى: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب": النحل: 59. PageV20P118 # والمسئول بالحقيقة عن قتل الموءودة أبوها الوائد لها لينتصف منه وينتقم لكن ~~عد المسئول في الآية هي الموءودة نفسها فسئلت عن سبب قتلها لنوع من التعريض ~~والتوبيخ لقاتلها وتوطئة لأن تسأل الله الانتصاف لها من قاتلها حتى يسأل عن ~~قتلها فيؤخذ لها منه، فالكلام نظير قوله تعالى في عيسى (عليه السلام): "وإذ ~~قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله": ~~المائدة: 116. # وقيل: إسناد المسئولية إلى الموءودة من المجاز العقلي والمراد كونها ~~مسئولا عنها نظير قوله تعالى: "إن العهد كان مسئولا": إسراء: 34. # قوله تعالى: "وإذا الصحف نشرت" أي للحساب، والصحف كتب الأعمال. # قوله تعالى: "وإذا السماء كشطت" في المجمع، الكشط القلع عن شدة التزاق ~~فينطبق على طيها كما في قوله: "والسماوات مطويات بيمينه": الزمر: 67، ~~وقوله: "ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا": الفرقان: 25 وغير ~~ذلك من الآيات المفصحة عن هذا المعنى. # قوله تعالى: "وإذا الجحيم سعرت" التسعير تهييج النار حتى تتأجج. # قوله تعالى: "وإذا الجنة أزلفت" الإزلاف التقريب والمراد تقريبها من ~~أهلها للدخول. # قوله تعالى: "علمت نفس ما أحضرت" جواب إذا، والمراد بالنفس الجنس والمراد ~~بما أحضرت عملها الذي عملته يقال: أحضرت الشيء أي وجدته حاضرا كما يقال: ~~أحمدته أي وجدته محمودا. # فالآية في معنى قوله تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء": آل عمران: 30. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: "إذا الشمس كورت" قال: تصير سوداء ms7568 مظلمة "وإذا النجوم ~~انكدرت" قال: يذهب ضوؤها "وإذا الجبال سيرت" قال: تسير كما قال "تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب". قوله: "وإذا العشار عطلت" قال الإبل تتعطل إذا ~~مات الخلق فلا يكون من يحلبها، قوله: "وإذا البحار سجرت" قال: تتحول البحار ~~التي حول الدنيا كلها نيرانا "وإذا النفوس زوجت" قال: من الحور العين. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: "وإذا ~~النفوس زوجت" قال: أما أهل الجنة فزوجوا الخيرات الحسان، وأما أهل النار ~~فمع كل إنسان منهم شيطان يعني قرنت نفوس الكافرين والمنافقين بالشياطين فهم ~~قرناؤهم. # أقول: الظاهر أن قوله: يعني "إلخ" من كلام الراوي. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال في قوله: "إذا الشمس كورت" قال: كورت في جهنم ~~"وإذا النجوم انكدرت" قال: انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في ~~جهنم إلا ما كان من عيسى بن مريم وأمه ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإذا الصحف نشرت" قال: صحف الأعمال ~~قوله: "وإذا السماء كشطت" قال: أبطلت. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "وإذا النفوس زوجت" قال: هما الرجلان ~~يعملان العمل يدخلان الجنة والنار. PageV20P119 ### ||| AUTO 81 سورة التكوير - 15 - 29 # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) واليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) ذى قوة عند ذى العرش مكين (20) مطاع ثم ~~أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رءاه بالأفق المبين (23) وما هو على ~~الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطن رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ~~ذكر للعلمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~رب العلمين (29) ### |||| AUTO بيان # تنزيه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجنون - وقد اتهموه به - ولما ~~يأتي به - من القرآن - من مداخلة الشيطان، وأنه كلامه تعالى يلقيه إليه ms7569 ملك ~~الوحي الذي لا يخون في رسالته، وأنه ذكر للعالمين هاد بإذن الله لمن اهتدى منهم. # قوله تعالى: "فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس" الخنس جمع خانس كطلب جمع ~~طالب، والخنوس الانقباض والتأخر والاستتار، والجواري جمع جارية، والجري ~~السير السريع مستعار من جرى الماء، والكنس جمع كانس والكنوس دخول الوحش ~~كالظبي والطير كناسة أي بيته الذي اتخذه لنفسه واستقراره فيه. # وتعقب قوله: "فلا أقسم بالخنس" إلخ بقوله: "والليل إذا عسعس والصبح إذا ~~تنفس" يؤيد كون المراد بالخنس الجوار الكنس الكواكب كلها أو بعضها لكن صفات ~~حركة بعضها أشد مناسبة وأوضح انطباقا على ما ذكر من الصفات المقسم بها: ~~الخنوس والجري والكنوس وهي السيارات الخمس المتحيرة: زحل والمشتري والمريخ ~~والزهرة وعطارد فإن لها في حركاتها على ما تشاهد استقامة ورجعة وإقامة فهي ~~تسير وتجري حركة متشابهة زمانا وهي الاستقامة وتنقبض وتتأخر وتخنس زمانا ~~وهي الرجعة وتقف عن الحركة استقامة ورجعة زمانا كأنها الوحش تكنس في كناسها ~~وهي الإقامة. # وقيل: المراد بها مطلق الكواكب وخنوسها استتارها في النهار تحت ضوء الشمس ~~وجريها سيرها المشهود في الليل وكنوسها غروبها في مغربها وتواريها. # وقيل: المراد بها بقر الوحش أو الظبي ولا يبعد أن يكون ذكر بقر الوحش أو ~~الظبي من باب المثال والمراد مطلق الوحوش. # وكيف كان فأقرب الأقوال أولها والثاني بعيد والثالث أبعد. # قوله تعالى: "والليل إذا عسعس" عطف على الخنس، و"إذا عسعس" قيد لليل، ~~والعسعسة تطلق على إقبال الليل وعلى إدباره قال الراغب: "والليل إذا عسعس" ~~أي أقبل وأدبر وذلك في مبدإ الليل ومنتهاه فالعسعسة والعساس رقة الظلام ~~وذلك في طرفي الليل. # انتهى والأنسب لاتصال الجملة بقوله: "والصبح إذا تنفس" أن يراد بها إدبار الليل. # وقيل: المراد بها إقبال الليل: وهو بعيد لما عرفت. # قوله تعالى: "والصبح إذا تنفس" عطف على الخنس، و"إذا تنفس" قيد للصبح، ~~وعد الصبح متنفسا بسبب انبساط ضوئه على الأفق ودفعه الظلمة التي غشيته نوع ~~من الاستعارة بتشبيه الصبح وقد طلع بعد غشيان الظلام للآفاق بمن أحاطت به ~~متاعب ms7570 أعمال شاقة ثم وجد خلاء من الزمان فاستراح فيه وتنفس فعد إضاءته ~~للأفق تنفسا منه كذا يستفاد من بعضهم. # وذكر الزمخشري فيه وجها آخر فقال في الكشاف،: فإن قلت: ما معنى تنفس ~~الصبح؟ قلت: إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على ~~المجاز. # انتهى والوجه المتقدم أقرب إلى الذهن. # قوله تعالى: "إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين" ~~جواب القسم، وضمير "إنه" للقرآن أو لما تقدم من آيات السورة بما أنها قرآن ~~بدليل قوله: "لقول رسول" إلخ والمراد بالرسول جبريل كما قال تعالى: "من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97. # وفي إضافة القول إليه بما أنه رسول دلالة على أن القول لله سبحانه، ~~ونسبته إلى جبريل نسبة الرسالة إلى الرسول وقد وصفه الله بصفات ست مدحه بها. PageV20P120 # فقوله: "رسول" يدل على رسالته وإلقائه وحي القرآن إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقوله: "كريم" أي ذي كرامة وعزة عند الله بإعزازه، وقوله: "ذي ~~قوة" أي ذي قدرة وشدة بالغة، وقوله: "عند ذي العرش مكين" أي صاحب مكانة عند ~~الله والمكانة القرب والمنزلة، وقوله: "مطاع ثم" أي مطاع عند الله فهناك ~~ملائكة يأمرهم فيطيعونه، ومن هنا يظهر أن له أعوانا من الملائكة يأمرهم ~~فيأتمرون بأمره، وقوله: "أمين" أي لا يخون فيما أمر به يبلغ ما حمله من ~~الوحي والرسالة من غير أي تصرف فيه. # وقيل: المراد بالرسول الجاري عليه الصفات هو النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وهو كما ترى ولا تلائمه الآيات التالية. # قوله تعالى: "وما صاحبكم بمجنون" عطف على قوله: "إنه لقول" إلخ ورد ~~لرميهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنون. # وفي التعبير عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "صاحبكم" تكذيب لهم في ~~رميهم له بالجنون وتنزيه لساحته - كما قيل - ففيه إيماء إلى أنه صاحبكم لبث ~~بينكم معاشرا لكم طول عمره وأنتم أعرف به قد وجدتموه على كمال من العقل ~~ورزانة من الرأي ms7571 وصدق من القول ومن هذه صفته لا يرمى بالجنون. # وتوصيف جبريل بما مر من صفات المدح دون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لا دلالة فيه على أفضليته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الكلام ~~مسوق لبيان أن القرآن كلام الله سبحانه منزل على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من عنده سبحانه من طريق الوحي لا من أوهام الجنون بإلقاء من شيطان ~~والذي يفيد في هذا الغرض بيان سلامة طريق الإنزال وتجليل المنزل - اسم فاعل ~~- بذكر أوصافه الكريمة والمبالغة في تنزيهه عن الخطإ والخيانة، وأما المنزل ~~عليه فلا يتعلق به غرض إلا بمقدار الإشارة إلى دفع ما يرتاب فيه من صفته ~~وقد أفيد بنفي الجنون الذي رموه به والتعبير عنه بقوله: "صاحبكم" كما تقدم ~~توضيحه، كذا قيل. # وفي مطاوي كلامه تعالى من نعوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الكريمة ~~ما لا يرتاب معه في أفضليته (صلى الله عليه وآله وسلم) على جميع الملائكة، ~~وقد أسجد الله الملائكة كلهم أجمعين للإنسان الذي هو خليفته في الأرض. # قوله تعالى: "ولقد رآه بالأفق المبين" ضمير الفاعل في "رآه" للصاحب وضمير ~~المفعول للرسول الكريم وهو جبريل. # والأفق المبين الناحية الظاهرة، والظاهر أنه الذي أشار إليه بقوله: "وهو ~~بالأفق الأعلى": النجم: 7. # والمعنى وأقسم لقد رآى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جبريل حال كون ~~جبريل كائنا في الأفق المبين وهو الأفق الأعلى من سائر الآفاق بما يناسب ~~عالم الملائكة. # وقيل: المعنى لقد رآى (صلى الله عليه وآله وسلم) جبريل على صورته الأصلية ~~حيث تطلع الشمس وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق. # وفيه أن لا دليل من اللفظ يدل عليه وخاصة في تعلق الرؤية بصورته الأصلية ~~ورؤيته في أي مثال تمثل به رؤيته، وكأنه مأخوذ مما ورد في بعض الروايات أنه ~~رآه في أول البعثة وهو بين السماء والأرض جالس على كرسي، وهو محمول على ~~التمثل. # قوله تعالى: "وما هو على الغيب بضنين" الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، والمراد بالغيب ms7572 الوحي النازل عليه، والضنين صفة مشبهة من الضن بمعنى ~~البخل يعني أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يبخل بشيء مما يوحى إليه فلا ~~يكتمه ولا يحبسه ولا يغيره بتبديل بعضه أو كله شيئا آخر بل يعلم الناس كما ~~علمه الله ويبلغهم ما أمر بتبليغه. # قوله تعالى: "وما هو بقول شيطان رجيم" نفي لاستناد القرآن إلى إلقاء ~~شيطان بما هو أعم من طريق الجنون فإن الشيطان بمعنى الشرير والشيطان الرجيم ~~كما أطلق في كلامه تعالى على إبليس وذريته كذلك أطلق على أشرار سائر الجن ~~قال تعالى: "قال فاخرج منها فإنك رجيم": ص: 77، وقال: "وحفظناها من كل ~~شيطان رجيم": الحجر: 17. # فالمعنى أن القرآن ليس بتسويل من إبليس وجنوده ولا بإلقاء من أشرار الجن ~~كما يلقونه على المجانين. PageV20P121 # قوله تعالى: "فأين تذهبون" أوضح سبحانه في الآيات السبع المتقدمة ما هو ~~الحق في أمر القرآن دافعا عنه ارتيابهم فيه بما يرمون به الجائي به من ~~الجنون وغيره على إيجاز متون الآيات فبين أولا أنه كلام الله واتكاء هذه ~~الحقيقة على آيات التحدي، وثانيا أن نزوله برسالة ملك سماوي جليل القدر ~~عظيم المنزلة وهو أمين الوحي جبريل لا حاجز بينه وبين الله ولا بينه وبين ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا صارف من نفسه أو غيره يصرفه عن أخذه ~~ولا حفظه ولا تبليغه، وثالثا أن الذي أنزل عليه وهو يتلوه لكم وهو صاحبكم ~~الذي لا يخفى عليكم حاله ليس بمجنون كما يبهتونه به وقد رآى الملك الحامل ~~للوحي وأخذ عنه وليس بكاتم لما يوحى إليه ولا بمغير، ورابعا أنه ليس بتسويل ~~من إبليس وجنوده ولا بإلقاء من بعض أشرار الجن. # ونتيجة هذا البيان أن القرآن كتاب هدى يهتدي به من أراد الاستقامة على ~~الحق وهو قوله: "إن هو إلا ذكر للعالمين" إلخ. # فقوله: "فأين تذهبون" توطئة وتمهيد لذكر نتيجة البيان السابق، وهو ~~استضلال لهم فيما يرونه في أمر القرآن الكريم أنه من طواري الجنون أو من ~~تسويلات الشيطان الباطلة. # فالاستفهام في الآية توبيخي ms7573 والمعنى إذا كان الأمر على هذا فأين تذهبون ~~وتتركون الحق وراءكم؟ قوله تعالى: "إن هو إلا ذكر للعالمين" أي تذكرة ~~لجماعات الناس كائنين من كانوا يمكنهم بها أن يتبصروا للحق، وقد تقدم بعض ~~الكلام في نظيرة الآية. # قوله تعالى: "لمن شاء منكم أن يستقيم" بدل من قوله: "للعالمين" مسوق ~~لبيان أن فعلية الانتفاع بهذا الذكر مشروط بأن يشاءوا الاستقامة على الحق ~~وهو التلبس بالثبات على العبودية والطاعة. # قوله تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين" تقدم الكلام في ~~معناه في نظائر الآية. # والآية بحسب ما يفيده السياق في معنى دفع الدخل فإن من الممكن أن يتوهموا ~~من قوله: "لمن شاء منكم أن يستقيم" أن لهم الاستقلال في مشية الاستقامة إن ~~شاءوا استقاموا وإن لم يشاءوا لم يستقيموا، فلله إليهم حاجة في الاستقامة ~~التي يريدها منهم. # فدفع ذلك بأن مشيتهم متوقفة على مشية الله سبحانه فلا يشاءون الاستقامة ~~إلا أن يشاء الله أن يشاءوها، فأفعال الإنسان الإرادية مرادة لله تعالى من ~~طريق إرادته وهو أن يريد الله أن يفعل الإنسان فعلا كذا وكذا عن إرادته. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور والفاريابي وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن علي في قوله: "فلا أقسم بالخنس" ~~قال: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "فلا أقسم بالخنس" قال: أي وأقسم بالخنس وهو ~~اسم النجوم. "الجوار الكنس" قال: النجوم تكنس بالنهار فلا تبين. # وفي المجمع،: "بالخنس" وهي النجوم تخنس بالنهار وتبدو بالليل "والجوار" ~~صفة لها لأنها تجري في أفلاكها "الكنس" من صفتها أيضا لأنها تكنس أي تتوارى ~~في بروجها كما تتوارى الظباء في كناسها. وهي خمسة أنجم: زحل والمشتري ~~والمريخ والزهرة وعطارد عن علي "والليل إذا عسعس" أي إذا أدبر بظلامه عن علي. # وفي تفسير القمي،: "والليل إذا عسعس" قال: إذا أظلم "والصبح إذا تنفس" ~~قال: إذا ارتفع. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن عساكر عن ms7574 معاوية بن قرة قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لجبريل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك: ذي قوة عند ~~ذي العرش مكين مطاع ثم أمين فما كانت قوتك؟ وما كانت أمانتك؟ قال: أما قوتي ~~فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربع مائة ألف مقاتل ~~سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ~~ونباح الكلاب ثم هويت بهم فقتلتهم، وأما أمانتي فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره. # أقول: والرواية لا تخلو من شيء وقد ضعفوا ابن عساكر وخاصة فيما تفرد به. # وفي الخصال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قال في كل يوم من ~~شعبان سبعين مرة: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي ~~القيوم وأتوب إليه، كتب في الأفق المبين. قال: قلت: وما الأفق المبين؟ قال: ~~قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد وفيه من القدحان عدد النجوم. PageV20P122 # وفي تفسير القمي، في حديث أسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام): قوله: وما ~~هو بقول شيطان رجيم" قال: يعني الكهنة الذين كانوا في قريش فنسب كلامهم إلى ~~كلام الشياطين الذين كانوا معهم يتكلمون على ألسنتهم فقال: "وما هو بقول ~~شيطان رجيم" مثل أولئك. PageV20P123 ### || AUTO ### ||| AUTO 82 سورة الانفطار - 1 - 19 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) ~~وإذا البحار فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) ~~يأيها الانسن ما غرك بربك الكريم (6) الذى خلقك فسواك فعدلك (7) فى أى صورة ~~ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحفظين (10) كراما ~~كتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) إن الأبرار لفى نعيم (13) وإن الفجار لفى ~~جحيم (14) يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما ~~يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله (19) ### |||| AUTO بيان # تحد السورة يوم القيامة ببعض أشراطه الملازمة له المتصلة به وتصفه بما ~~يقع فيه وهو ذكر الإنسان ما ms7575 قدم وما أخر من أعماله الحسنة والسيئة - على ~~أنها محفوظة عليه بواسطة حفظة الملائكة الموكلين عليه - وجزاؤه بعمله إن ~~كان برا فبنعيم وإن كان فاجرا مكذبا بيوم الدين فبجحيم يصلاها مخلدا فيها. # ثم يستأنف وصف اليوم بأنه يوم لا يملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، ~~وهي من غرر الآيات، والسورة مكية بلا كلام. # قوله تعالى: "إذا السماء انفطرت" الفطر الشق والانفطار الانشقاق والآية ~~كقوله: "وانشقت السماء فهي يومئذ واهية": الحاقة: 16. # قوله تعالى: "وإذا الكواكب انتثرت" أي تفرقت بتركها مواضعها التي ركزت ~~فيها شبهت الكواكب بلآلي منظومة قطع سلكها فانتثرت وتفرقت. # قوله تعالى: "وإذا البحار فجرت" قال في المجمع،: التفجير خرق بعض مواضع ~~الماء إلى بعض التكثير، ومنه الفجور لانخراق صاحبه بالخروج إلى كثير من ~~الذنوب، ومنه الفجر لانفجاره بالضياء، انتهى. # وإليه يرجع تفسيرهم لتفجير البحار بفتح بعضها في بعض حتى يزول الحائل ~~ويختلط العذب منها والمالح ويعود بحرا واحدا، وهذا المعنى يناسب تفسير ~~قوله: "وإذا البحار سجرت": التكوير: 6 بامتلاء البحار. # قوله تعالى: "وإذا القبور بعثرت" قال في المجمع، بعثرت الحوض وبحثرته إذا ~~جعلت أسفله أعلاه، والبعثرة والبحثرة إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره، انتهى. # فالمعنى وإذا قلب تراب القبور وأثير باطنها إلى ظاهرها لإخراج الموتى ~~وبعثهم للجزاء. # قوله تعالى: "علمت نفس ما قدمت وأخرت" المراد بالعلم علمها التفصيلي ~~بأعمالها التي عملتها في الدنيا، وهذا غير ما يحصل لها من العلم بنشر كتاب ~~أعمالها لظاهر قوله تعالى: "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره": ~~القيامة: 15 وقوله: "يوم يتذكر الإنسان ما سعى": النازعات: 35، وقوله: "يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30. # والمراد بالنفس جنسها فتفيد الشمول، والمراد بما قدمت وما أخرت هو ما ~~قدمته مما عملته في حياتها، وبما أخرت ما سنته من سنة حسنة أو سيئة فعملت ~~بها بعد موتها فتكتب صحيفة عملها قال تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم": يس: 12. # وقيل: المراد بما قدمت وأخرت ما عملته في أول ms7576 العمر وما عملته في آخره ~~فيكون كناية عن الاستقصاء. # وقيل في معنى التقديم والتأخير وجوه أخر لا يعبأ بها مذكورة في مطولات ~~التفاسير من أراد الوقوف عليها فليراجعها. # وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "ليميز الله الخبيث من الطيب": الأنفال: ~~37، كلام لا يخلو من نفع هاهنا. # قوله تعالى: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم - إلى قوله - ركبك" ~~عتاب وتوبيخ للإنسان، والمراد بهذا الإنسان المكذب ليوم الدين - على ما ~~يفيده السياق المشتمل على قوله: "بل تكذبون بالدين" وفي تكذيب يوم الدين ~~كفر وإنكار لتشريع الدين وفي إنكاره إنكار لربوبية الرب تعالى، وإنما وجه ~~الخطاب إليه بما أنه إنسان ليكون حجة أو كالحجة لثبوت الخصال التي يذكرها ~~من نعمه عليه المختصة من حيث المجموع بالإنسان. PageV20P124 # وقد علق الغرور بصفتي ربوبيته وكرمه تعالى ليكون ذلك حجة في توجه العتاب ~~والتوبيخ فإن تمرد المربوب وتوغله في معصية ربه الذي يدبر أمره ويغشيه نعمه ~~ظاهرة وباطنة كفران لا ترتاب الفطرة السليمة في قبحه ولا في استحقاق العقاب ~~عليه وخاصة إذا كان الرب المنعم كريما لا يريد في نعمه وعطاياه نفعا ينتفع ~~به ولا عضوا يقابله به المنعم عليه، ويسامح في إحسانه ويصفح عما يأتي به ~~المربوب من الخطيئة والإثم بجهالة فإن الكفران حينئذ أقبح وأقبح وتوجه الذم ~~واللائمة أشد وأوضح. # فقوله تعالى: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم" استفهام توبيخي يوبخ ~~الإنسان بكفران خاص لا عذر له يعتذر به عنه وهو كفران نعمة رب كريم. # وليس للإنسان أن يجيب فيقول: أي رب غرني كرمك فقد قضى الله سبحانه فيما ~~قضى وبلغه بلسان أنبيائه: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": ~~إبراهيم: 7، وقال: "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى": ~~النازعات: 39، إلى غير ذلك من الآيات الناصة في أن لا مخلص للمعاندين من ~~العذاب وأن الكرم لا يشملهم يوم القيامة قال: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ~~للذين يتقون": الأعراف: 156 ولو كفى الإنسان العاصي قوله: "غرني كرمك" لصرف ~~العذاب عن ms7577 الكافر المعاند كما يصرفه عن المؤمن العاصي، ولا عذر بعد البيان. # ومن هنا يظهر أن لا محل لقول بعضهم: إن توصيف الرب بالكريم من قبيل تلقين ~~الحجة وهو من الكرم أيضا. # كيف؟ والسياق سياق الوعيد والكلام ينتهي إلى مثل قوله: "وإن الفجار لفي ~~جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين". # وقوله: "الذي خلقك فسواك فعدلك" بيان لربوبيته المتلبسة بالكرم فإن من ~~تدبيره خلق الإنسان بجمع أجزاء وجوده ثم تسويته بوضع كل عضو فيما يناسبه من ~~الموضع على ما يقتضيه الحكمة ثم عدله بعدل بعض أعضائه وقواه ببعض بجعل ~~التوازن والتعادل بينها فما يضعف عنه عضو يقوى عليه عضو فيتم به فعله كما ~~أن الأكل مثلا بالالتقام وهو للفم، ويضعف الفم عن قطع اللقمة ونهشها وطحنها ~~فيتم ذلك بمختلف الأسنان، ويحتاج ذلك إلى نقل اللقمة من جانب من الفم إلى ~~آخر وقلبها من حال إلى حال فجعل ذلك للسان ثم الفم يحتاج في فعل الأكل إلى ~~وضع الغذاء فيه فتوصل إلى ذلك باليد وتمم عملها بالكف وعملها بالأصابع على ~~اختلاف منافعها وعملها بالأنامل، وتحتاج اليد في الأخذ والوضع إلى الانتقال ~~المكاني نحو الغذاء وعدل ذلك بالرجل. # وعلى هذا القياس في أعمال سائر الجوارح والقوى وهي ألوف وألوف لا يحصيها ~~العد، والكل من تدبيره تعالى وهو المفيض لها من غير أن يريد بذلك انتفاعا ~~لنفسه ومن غير أن يمنعه من إفاضتها ما يقابله به الإنسان من نسيان الشكر ~~وكفران النعمة فهو تعالى ربه الكريم. # وقوله: "في أي صورة ما شاء ركبك" بيان لقوله: "عدلك" ولذا لم يعطف على ما ~~تقدمه والصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميز به الشيء من غيره و"ما" زائدة ~~للتأكيد. # والمعنى: في أي صورة شاء أن يركبك - ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة - ~~ركبك من ذكر وأنثى وأبيض وأسود وطويل وقصير ووسيم ودميم وقوي وضعيف إلى غير ~~ذلك وكذا الأعضاء المشتركة بين أفراد الإنسان المميزة لها من غيرها كاليدين ~~والرجلين والعينين والرأس والبدن واستواء القامة ونحوها فكل ذلك ms7578 من عدل بعض ~~الأجزاء ببعض في التركيب قال تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم": ~~التين: 4 والجميع ينتهي إلى تدبير الرب الكريم لا صنع للإنسان في شيء من ذلك. # قوله تعالى: "كلا بل تكذبون بالدين" "كلا" ردع عن اغترار الإنسان بكرم ~~الله وجعل ذلك ذريعة إلى الكفر والمعصية أي لا تغتروا فلا ينفعكم الاغترار. # وقوله: "بل تكذبون بالدين" أي بالجزاء. # إضراب عما يفهم من قوله: "ما غرك بربك الكريم" من غرور الإنسان بربه ~~الكريم على اعتراف منه ولو بالقوة بالجزاء لقضاء الفطرة السليمة به. # فإذ عاتب الإنسان ووبخه على غروره بربه الكريم واجترائه على الكفران ~~والمعصية من غير أن يخاف الجزاء أضرب عنه مخاطبا للإنسان وكل من يشاركه في ~~كفره ومعصيته فقال: بل أنت ومن حاله حالك تكذبون بيوم الدين والجزاء ~~فتجحدونه ملحين عليه. PageV20P125 # قوله تعالى: "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون" إشارة إلى ~~أن أعمال الإنسان حاضرة محفوظة يوم القيامة من طريق آخر غير حضورها للإنسان ~~العامل لها من طريق الذكر وذلك حفظها بكتابة كتاب الأعمال من الملائكة ~~الموكلين بالإنسان فيحاسب عليها كما قال تعالى: "ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا": إسراء: 14. # فقوله: "وإن عليكم لحافظين" أي إن عليكم من قبلنا حافظين يحفظون أعمالكم ~~بالكتابة كما يفيده السياق. # وقوله: "كراما كاتبين" أي أولي كرامة وعزة عند الله تعالى وقد تكرر في ~~القرآن الكريم وصف الملائكة بالكرامة ولا يبعد أن يكون المراد به بإعانة من ~~السياق كونهم بحسب الخلقة مصونين عن الإثم والمعصية مفطورين على العصمة، ~~ويؤيده قوله: "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": ~~الأنبياء: 26 حيث دل على أنهم لا يريدون إلا ما أراده الله ولا يفعلون إلا ~~ما أمرهم به، وكذا قوله: "كرام بررة": عبس 16. # والمراد بالكتابة في قوله: "كاتبين" كتابة الأعمال بقرينة قوله: "يعلمون ~~ما تفعلون" وقد تقدم في تفسير قوله: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون": ~~الجاثية: 29 كلام في معنى كتابة ms7579 الأعمال فليراجعه من شاء. # وقوله: "يعلمون ما تفعلون" نفي لخطئهم في تشخيص الخير والشر وتمييز ~~الحسنة والسيئة كما أن الآية السابقة متضمنة لتنزيههم عن الإثم والمعصية ~~فهم محيطون بالأفعال على ما هي عليه من الصفة وحافظون لها على ما هي عليه. # ولا تعيين في هذه الآيات لعدة هؤلاء الملائكة الموكلين على كتابة أعمال ~~الإنسان نعم المستفاد من قوله تعالى: "إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد": ق: 17 إن على كل إنسان منهم اثنين عن يمينه وشماله، وقد ورد ~~في الروايات المأثورة أن الذي على اليمين كاتب الحسنات والذي على الشمال ~~كاتب السيئات. # وورد أيضا في تفسير قوله: "إن قرآن الفجر كان مشهودا": إسراء: 78 أخبار ~~مستفيضة من طرق الفريقين دالة على أن كتبة الأعمال بالنهار يصعدون بعد غروب ~~الشمس وينزل آخرون فيكتبون أعمال الليل حتى إذا طلع الفجر صعدوا ونزل ~~ملائكة النهار وهكذا. # وفي الآية أعني قوله: "يعلمون ما تفعلون" دلالة على أن الكتبة عالمون ~~بالنيات إذ لا طريق إلى العلم بخصوصيات الأفعال وعناوينها وكونها خيرا أو ~~شرا أو حسنة أو سيئة إلا العلم بالنيات فعلمهم بالأفعال لا يتم إلا عن ~~العلم بالنيات. # قوله تعالى: "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" استئناف مبين ~~لنتيجة حفظ الأعمال بكتابة الكتبة وظهورها يوم القيامة. # والأبرار هم المحسنون عملا، والفجار هم المنخرقون بالذنوب والظاهر أن ~~المراد بهم المتهتكون من الكفار إذ لا خلود لمؤمن في النار، وفي تنكير ~~"نعيم" و"جحيم" إشعار بالتفخيم والتهويل - كما قيل -. # قوله تعالى: "يصلونها يوم الدين" الضمير للجحيم أي يلزمون يعني الفجار ~~الجحيم يوم الجزاء ولا يفارقونها. # قوله تعالى: "وما هم عنها بغائبين" عطف تفسيري على قوله: "يصلونها" إلخ ~~يؤكد معنى ملازمتهم للجحيم وخلودهم في النار، والمراد بغيبتهم عنها خروجهم ~~منها فالآية في معنى قوله: "وما هم بخارجين من النار": البقرة: 167. # قوله تعالى: "وما أدراك ما يوم الدين" تهويل وتفخيم لأمر يوم الدين، ~~والمعنى لا تحيط علما بحقيقة يوم الدين وهذا التعبير كناية عن فخامة أمر ms7580 ~~الشيء وعلوه من أن يناله وصف الواصف، وفي إظهار اليوم - والمحل محل الضمير ~~- تأكيد لأمر التفخيم. # قوله تعالى: "ثم ما أدراك ما يوم الدين" في تكرار الجملة تأكيد للتفخيم. # قوله تعالى: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله" الظرف منصوب ~~بتقدير اذكر ونحوه، وفي الآية بيان إجمالي لحقيقة يوم الدين بعد ما في ~~قوله: "وما أدراك ما يوم الدين" من الحث على معرفته. PageV20P126 # وذلك أن رابطة التأثير والتأثر بين الأسباب الظاهرية ومسبباتها منقطعة ~~زائلة يومئذ كما يستفاد من أمثال قوله تعالى: "وتقطعت بهم الأسباب": ~~البقرة: 166، وقوله: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا": البقرة: 165 فلا تملك نفس لنفس شيئا فلا تقدر على دفع شر عنها ولا ~~جلب خير لها، ولا ينافي ذلك آيات الشفاعة لأنها بإذن الله فهو المالك لها ~~لا غير. # وقوله: "والأمر يومئذ لله" أي هو المالك للأمر ليس لغيره من الأمر شيء. # والمراد بالأمر كما قيل واحد الأوامر لقوله تعالى: "لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار": المؤمن: 16 وشأن الملك المطاع، الأمر بالمعنى المقابل ~~للنهي، والأمر بمعنى الشأن لا يلائم المقام تلك الملاءمة. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وإذا القبور بعثرت" قال: تنشق فتخرج ~~الناس منها. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): من استن خيرا فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير ~~منتقص من أجورهم ومن استن شرا فاستن به فله وزره ومثل أوزار من اتبعه غير ~~منتقص من أوزارهم، وتلا حذيفة "علمت نفس ما قدمت وأخرت". # وفيه، أخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) تلا هذه الآية "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم" ثم ~~قال: جهله. # وفي تفسير القمي،: "في أي صورة ما شاء ركبك" قال: لو شاء ركبك على غير ~~هذه الصورة:. أقول: ورواه في المجمع، عن الصادق (عليه السلام) مرسلا. ms7581 # وفيه،: "وإن عليكم لحافظين" قال: الملكان الموكلان بالإنسان. # وعن سعد السعود، وفي رواية: إنهما يعني الملكين الموكلين يأتيان المؤمن ~~عند حضور صلاة الفجر فإذا هبطا صعد الملكان الموكلان بالليل فإذا غربت ~~الشمس نزل إليه الموكلان بكتابة الليل، ويصعد الملكان الكاتبان بالنهار ~~بديوانه إلى الله عز وجل. فلا يزال ذلك دأبهم إلى وقت حضور أجله فإذا حضر ~~أجله قالا للرجل الصالح: جزاك الله من صاحب عنا خيرا فكم من عمل صالح ~~أريتناه، وكم من قول حسن أسمعتناه، وكم من مجلس خير أحضرتناه فنحن اليوم ~~على ما تحبه وشفعاء إلى ربك، وإن كان عاصيا قالا له: جزاك الله من صاحب عنا ~~شرا فلقد كنت تؤذينا فكم من عمل سيء أريتناه، وكم من قول سيء أسمعتناه، و+" ~~كم "+ من مجلس سوء أحضرتناه ونحن اليوم لك على ما تكره، وشهيدان عند ربك. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "والأمر يومئذ لله": روى عمرو بن شمر عن ~~جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: الأمر يومئذ واليوم كله لله. يا ~~جابر إذا كان يوم القيامة بادت الحكام فلم يبق حاكم إلا الله. # أقول: مراده (عليه السلام) أن كون الأمر لله لا يختص بيوم القيامة بل ~~الأمر لله دائما، وتخصيصه بيوم القيامة باعتبار ظهوره لا باعتبار أصله ~~فالذي يختص به ظهور هذه الحقيقة ظهور عيان فيسقط اليوم أمر غيره تعالى ~~وحكمه، ونظير الأمر سائر ما عد في كلامه تعالى من مختصات يوم القيامة، ~~فالرواية من غرر الروايات. PageV20P127 ### || AUTO ### ||| AUTO 83 سورة المطففين - 1 - 21 # بسم الله الرحمن الرحيم ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ~~(4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العلمين (6) كلا إن كتب الفجار لفى ~~سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) ~~الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى ~~عليه ءايتنا قال أسطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~(14) كلا إنهم ms7582 عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذى كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتب الأبرار لفى عليين (18) وما ~~أدراك ما عليون (19) كتب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) ### |||| AUTO بيان # تفتتح السورة بوعيد أهل التطفيف في الكيل والوزن وتنذرهم بأنهم مبعوثون ~~للجزاء في يوم عظيم وهو يوم القيامة ثم تتخلص لتفصيل ما يجري يومئذ على ~~الفجار والأبرار. # والأنسب بالنظر إلى السياق أن يكون أول السورة المشتمل على وعيد المطففين ~~نازلا بالمدينة وأما ما يتلوه من الآيات إلى آخر السورة فيقبل الانطباق على ~~السياقات المكية والمدينة. # قوله تعالى: "ويل للمطففين" دعاء على المطففين والتطفيف نقص المكيال ~~والميزان، وقد نهى الله تعالى عنه وسماه إفسادا في الأرض كما فيما حكاه من ~~قول شعيب: "ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين": هود: 84، وقد تقدم الكلام في تفسير ~~الآية في معنى كونه إفسادا في الأرض. # قوله تعالى: "الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون" الاكتيال من الناس الأخذ منهم بالكيل، وتعديته بعلى لإفادة معنى ~~الضرر، والكيل إعطاؤهم بالمكيال يقال: كاله طعامه ووزنه وكال له طعامه ووزن ~~له والأول لغة أهل الحجاز وعليه التنزيل والثاني لغة غيرهم كما في المجمع، ~~والاستيفاء أخذ الحق تاما كاملا، والإخسار الإيقاع في الخسارة. # والمعنى: الذين إذا أخذوا من الناس بالكيل يأخذون حقهم تاما كاملا، وإذا ~~أعطوا الناس بالكيل أو الوزن ينقصون فيوقعونهم في الخسران. # فمضمون الآيتين جميعا ذم واحد وهو أنهم يراعون الحق لأنفسهم ولا يراعونه ~~لغيرهم وبعبارة أخرى لا يراعون لغيرهم من الحق مثل ما يراعونه لأنفسهم وفيه ~~إفساد الاجتماع الإنساني المبني على تعادل الحقوق المتقابلة وفي إفساده كل ~~الفساد. # ولم يذكر الاتزان مع الاكتيال كما ذكر الوزن مع الكيل إذ قال: "وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم" قيل: لأن المطففين كانوا باعة وهم كانوا في الأغلب ~~يشترون الكثير من الحبوب والبقول ونحوهما من الأمتعة ثم يكسبون بها ~~فيبيعونها يسيرا يسيرا تدريجا، وكان دأبهم في الكثير من ms7583 هذه الأمتعة أن ~~يؤخذ ويعطى بالكيل لا بالوزن فذكر الاكتيال وحده في الآية مبني على الغالب. # وقيل: لم يذكر الاتزان لأن الكيل والوزن بهما البيع والشراء فذكر أحدهما ~~يدل على الآخر. # وفيه أن ما ذكر في الاكتيال جار في الكيل أيضا وقد ذكر معه الوزن فالوجه ~~لا يخلو من تحكم. # وقيل: الآيتان تحاكيان ما كان عليه دأب الذين نزلت فيهم السورة فقد كانوا ~~يشترون بالاكتيال فقط ويبيعون بالكيل والوزن جميعا، وهذا الوجه دعوى من غير دليل. # إلى غير ذلك مما ذكروه في توجيه الاقتصار على ذكر الاكتيال في الآية، ولا ~~يخلو شيء منها من ضعف. # قوله تعالى: "ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم" الاستفهام للإنكار ~~والتعجيب، والظن بمعناه المعروف والإشارة إلى المطففين بأولئك الموضوعة ~~للإشارة البعيدة للدلالة على بعدهم من رحمة الله، واليوم العظيم يوم ~~القيامة الذي يجازون فيه بعملهم. PageV20P128 # والاكتفاء بظن البعث وحسبانه - مع أن من الواجب الاعتقاد العلمي بالمعاد - ~~لأن مجرد حسبان الخطر والضرر في عمل يوجب التجنب عنه والتحرز عن اقترافه ~~وإن لم يكن هناك علم فالظن بالبعث ليوم عظيم يؤاخذ الله فيه الناس بما ~~كسبوا من شأنه أن يردعهم عن اقتراف هذا الذنب العظيم الذي يستتبع العذاب ~~الأليم. # وقيل: الظن في الآية بمعنى العلم. # قوله تعالى: "يوم يقوم الناس لرب العالمين" المراد به قيامهم من قبورهم - ~~كناية عن تلبسهم بالحياة بعد الممات - لحكمه تعالى وقضائه بينهم. # قوله تعالى: "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ~~ويل يومئذ للمكذبين" ردع - كما قيل - عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ~~البعث والحساب. # وقوله: "إن كتاب الفجار لفي سجين" إلخ الذي يعطيه التدبر في سياق الآيات ~~الأربع بقياس بعضها إلى بعض وقياس المجموع إلى مجموع قوله: "كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين" إلى تمام أربع آيات أن المراد بسجين ما يقابل عليين ~~ومعناه علو على علو مضاعف ففيه شيء من معنى السفل والانحباس فيه كما يشير ~~إليه قوله: "ثم رددناه أسفل سافلين": التين: ms7584 5 فالأقرب أن يكون مبالغة من ~~السجن بمعنى الحبس كسكير وشريب من السكر والشرب فمعناه الذي يحبس من دخله ~~على التخليد كما قيل. # والكتاب بمعنى المكتوب من الكتابة بمعنى القضاء المحتوم والمراد بكتاب ~~الفجار ما قدره الله لهم من الجزاء وأثبته بقضائه المحتوم. # فمحصل الآية أن الذي أثبته الله من جزائهم أو عده لهم لفي سجين الذي هو ~~سجن يحبس من دخله حبسا طويلا أو خالدا. # وقوله: "وما أدراك ما سجين" مسوق للتهويل. # وقوله: "كتاب مرقوم" خبر لمبتدإ محذوف هو ضمير راجع إلى سجين والجملة ~~بيان لسجين و"كتاب" أيضا بمعنى المكتوب من الكتابة بمعنى القضاء والإثبات، ~~و"مرقوم" من الرقم، قال الراغب: الرقم الخط الغليظ، وقيل: هو تعجيم الكتاب، ~~وقوله تعالى: "كتاب مرقوم" حمل على الوجهين. # انتهى، والمعنى الثاني أنسب للمقام فيكون إشارة إلى كون ما كتب لهم ~~متبينا لا إبهام فيه أي إن القضاء حتم لا يتخلف. # والمحصل أن سجين مقضي عليهم مثبت لهم متبين متميز لا إبهام فيه. # ولا ضير في لزوم كون الكتاب ظرفا للكتاب على هذا المعنى لأن ذلك من ظرفية ~~الكل للجزء وهي مما لا ضير فيه فيكون سجين كتابا جامعا فيه ما قضي على ~~الفجار وغيرهم من مستحقي العذاب. # وقوله: "ويل يومئذ للمكذبين" نعي ودعاء على الفجار وفيه تفسيرهم ~~بالمكذبين، و"يومئذ" ظرف لقوله: "إن كتاب الفجار لفي سجين" بحسب المعنى أي ~~ليهلك الفجار - وهم المكذبون - يومئذ تحقق ما كتب الله لهم وقضى عليهم من ~~الجزاء وحل بهم ما أعد لهم من العذاب. # هذا ما يفيده التدبر في هذه الآيات الأربع، وهي ذات سياق واحد متصل ~~متلائم الأجزاء. # وللقوم في تفسير مفردات الآيات الأربع وجملها أقوال متفرقة كقولهم: إن ~~الكتاب في قوله: "إن كتاب الفجار" بمعنى المكتوب والمراد به صحيفة أعمالهم، ~~وقيل: مصدر بمعنى الكتابة وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير كتابة عمل الفجار ~~لفي سجين. # وقولهم: إن الفجار أعم من المكذبين فيشمل الكفار والفسقة جميعا. # وقولهم: إن المراد بسجين الأرض السابعة السفلى يوضع فيها كتاب الفجار ms7585 ~~وقيل: واد في جهنم، وقيل: جب فيها، وقيل: سجين اسم لكتابهم، وقيل: سجين ~~الأول اسم الموضع الذي يوضع فيه كتابهم والثاني اسم كتابهم، وقيل: هو اسم ~~كتاب جامع هو ديوان الشر دون فيه أعمال الفجرة من الثقلين، وقيل: المراد به ~~الخسار والهوان فهو كقولهم: بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقيل: ~~هو السجيل بدل لامه نونا كما يقال جبرين في جبريل إلى غير ذلك مما قيل. # وقولهم: إن قوله: "كتاب مرقوم" ليس بيانا وتفسيرا لسجين بل تفسير للكتاب ~~المذكور في قوله: "إن كتاب الفجار". # وقولهم: إن قوله: "ويل يومئذ للمكذبين" متصل بقوله: "يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين" والآيات الثلاث الواقعة بين الآيتين اعتراض. # وأنت إن تأملت هذه الأقاويل وجدت كثيرا منها تحكما محضا لا دليل عليه. PageV20P129 # على أنها تقطع ما في الآيات من السياق الواحد المتصل الذي يحاذي به ما في ~~الآيات الأربع الآتية في صفة كتاب الأبرار من السياق الواحد المتصل فلا ~~نطيل الكلام بالتعرض لواحد واحد منها والمناقشة فيها. # قوله تعالى: "الذين يكذبون بيوم الدين" تفسير للمكذبين وظاهر الآية - ~~ويؤيده الآيات التالية - أن المراد بالتكذيب هو التكذيب القولي الصريح ~~فيختص الذم بالكفار ولا يشمل الفسقة من أهل الإيمان فلا يشمل مطلق المطففين ~~بل الكفار منهم. # اللهم إلا أن يراد بالتكذيب ما يعم التكذيب العملي كما ربما أيده قوله ~~السابق: "ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون" فيشمل الفجار من المؤمنين كالكفار. # قوله تعالى: "وما يكذب به إلا كل معتد أثيم" المعتدي اسم فاعل من ~~الاعتداء بمعنى التجاوز والمراد به المتجاوز عن حدود العبودية، والأثيم ~~كثير الآثام بحيث تراكم بعضها على بعض بانهماكه في الأهواء. # ومن المعلوم أن المانع الوحيد الذي يردع عن المعصية هو الإيمان بالبعث ~~والجزاء، والمنهمك في الأهواء المتعلق قلبه بالاعتداء والآثم تأبى نفسه ~~التسليم لما يردع عنها والتزهد عن المعاصي وينتهي إلى تكذيب البعث والجزاء ~~قال تعالى: "ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا ~~بها يستهزءون": الروم: 10. # قوله تعالى: "إذا تتلى ms7586 عليه آياتنا قال أساطير الأولين" المراد بالآيات ~~آيات القرآن بقرينة قوله "تتلى" والأساطير ما سطروه وكتبوه والمراد بها ~~أباطيل الأمم الماضين والمعنى إذا تتلى عليه آيات القرآن مما يحذرهم ~~المعصية وينذرهم بالبعث والجزاء قال: هي أباطيل. # قوله تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" ردع عما قاله ~~المكذبون: "أساطير الأولين" قال الراغب: الرين صدا يعلو الشيء الجليل قال ~~تعالى: "بل ران على قلوبهم" أي صار ذلك كصدء على جلاء قلوبهم فعمي عليهم ~~معرفة الخير من الشر، انتهى. # فكون ما كانوا يكسبون وهو الذنوب رينا على قلوبهم هو حيلولة الذنوب بينهم ~~وبين أن يدركوا الحق على ما هو عليه. # ويظهر من الآية: أولا: أن للأعمال السيئة نقوشا وصورا في النفس تنتقش ~~وتتصور بها. # وثانيا: أن هذه النقوش والصور تمنع النفس أن تدرك الحق كما هو وتحول ~~بينها وبينه. # وثالثا: أن للنفس بحسب طبعها الأولي صفاء وجلاء تدرك به الحق كما هو ~~وتميز بينه وبين الباطل وتفرق بين التقوى والفجور قال تعالى: "ونفس وما ~~سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8. # قوله تعالى: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" ردع عن كسب الذنوب ~~الحائلة بين القلب وإدراك الحق، والمراد بكونهم محجوبين عن ربهم يوم ~~القيامة حرمانهم من كرامة القرب والمنزلة ولعله مراد من قال: إن المراد ~~كونهم محجوبين عن رحمة ربهم. # وأما ارتفاع الحجاب بمعنى سقوط الأسباب المتوسطة بينه تعالى وبين خلقه ~~والمعرفة التامة به تعالى فهو حاصل لكل أحد قال تعالى: "لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار": المؤمن: 16 وقال: "ويعلمون أن الله هو الحق المبين": ~~النور: 25. # قوله تعالى: "ثم إنهم لصالوا الجحيم" أي داخلون فيها ملازمون لها أو ~~مقاسون حرها على ما فسره بعضهم و"ثم" في الآية وما بعدها للتراخي بحسب رتبة ~~الكلام. # قوله تعالى: "ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون" هو توبيخ وتقريع والقائل ~~خزنة النار أو أهل الجنة. # قوله تعالى: "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب ~~مرقوم" ردع في معنى الردع الذي ms7587 في قوله: "كلا إن كتاب الفجار" وعليون - كما ~~تقدم - علو على علو مضاعف، وينطبق على الدرجات العالية ومنازل القرب من ~~الله تعالى كما أن السجين بخلافه. # والكلام في معنى الآيات الثلاث نظير الكلام في الآيات الثلاث المتقدمة ~~التي تحاذيها من قوله: "إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب ~~مرقوم". # فالمعنى أن الذي كتب للأبرار وقضي جزاء لبرهم لفي عليين وما أدراك ما ~~عليون هو أمر مكتوب ومقضي قضاء حتما لازما متبين لا إبهام فيه. PageV20P130 # وللقوم أقاويل في هذه الآيات نظير ما لهم في الآيات السابقة من الأقوال غير ~~أن من أقوالهم في عليين أنه السماء السابعة تحت العرش فيه أرواح المؤمنين، ~~وقيل سدرة المنتهى التي إليها تنتهي الأعمال، وقيل: لوح من زبرجدة تحت ~~العرش معلق مكتوب فيه أعمالهم، وقيل: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، ~~والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من أقوالهم. # قوله تعالى: "يشهده المقربون" الأنسب لما تقدم من معنى الآيات السابقة أن ~~يكون "يشهده" من الشهود بمعنى المعاينة والمقربون قوم من أهل الجنة هم أعلى ~~درجة من عامة الأبرار على ما سيأتي استفادته من قوله: "عينا يشرب بها ~~المقربون" فالمراد معاينتهم له بإراءة الله إياه لهم وقد قال الله تعالى في ~~مثله من أمر الجحيم: "كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم": التكاثر: 6 ~~ومنه يظهر أن المقربين هم أهل اليقين. # وقيل: الشهادة هي الحضور والمقربون الملائكة، والمراد حضور الملائكة على ~~صحيفة عملهم إذا صعدوا بها إلى الله سبحانه. # وقيل: المقربون هم الأبرار والملائكة جميعا. # والقولان مبنيان على أن المراد بالكتاب صحيفة الأعمال وقد تقدم ضعفه. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~نزلت يعني سورة المطففين على نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قدم ~~المدينة وهم يومئذ أسوأ الناس كيلا فأحسنوا الكيل. # وفي أصول الكافي، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه ~~السلام) يقول: إن الله عز وجل خلقنا من أعلى ms7588 عليين وخلق قلوب شيعتنا مما ~~خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما ~~خلقنا ثم تلا هذه الآية "كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين - وما أدراك ما ~~عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون". وخلق قلوب عدونا من سجين وخلق قلوب ~~شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، قلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت ~~مما خلقوا منه ثم تلا هذه الآية "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين - وما أدراك ~~ما سجين كتاب مرقوم - ويل يومئذ للمكذبين". # أقول: وروي مثله في أصول الكافي، بطريق آخر عن الثمالي عنه (عليه ~~السلام)، ورواه في علل الشرائع، بإسناد فيه رفع عن زيد الشحام عن أبي عبد ~~الله (عليه السلام): مثله، والأحاديث - كما ترى - تؤيد ما قدمناه في معنى ~~الآيات. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين" قال: ما ~~كتب الله لهم من العذاب لفي سجين. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السجين الأرض ~~السابعة وعليون السماء السابعة. # أقول: الرواية لو صحت مبنية على انتساب الجنة والنار إلى جهتي العلو ~~والسفل بنوع من العناية ولذلك نظائر في الروايات كعد القبر روضة من رياض ~~الجنة أو حفرة من حفر النار وعد وادي برهوت مكانا لجهنم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: التقى سلمان ~~وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني بما صنع ~~ربك بك وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك فقال عبد الله: كيف يكون هذا؟ قال: ~~نعم إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ونفس الكافر في ~~سجين والله أعلم. # وفي أصول الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من ~~عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء ~~فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي ~~البياض فإذا غطى البياض لم ms7589 يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله عز وجل: ~~"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون":. أقول: وروي هذا المعنى في الدر ~~المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وفيه، بإسناده عن عبد الله بن محمد الحجال عن بعض أصحابنا رفعه قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فإن الحديث ~~جلاء للقلوب إن القلوب لترين كما يرين السيف وجلاؤه الحديث. # وعن روضة الواعظين، قال الباقر (عليه السلام): ما شيء أفسد للقلب من ~~الخطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أسفله ~~أعلاه وأعلاه أسفله. PageV20P131 # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة ~~سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منه وإن ازداد زادت فذلك ~~الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون". PageV20P132 ### ||| AUTO 83 سورة المطففين - 22 - 36 # إن الأبرار لفى نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف فى وجوههم نضرة ~~النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختمه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنفسون ~~(26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين ءامنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ~~(32) وما أرسلوا عليهم حفظين (33) فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون ~~(34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) ### |||| AUTO بيان # بيان فيه بعض التفصيل لجلالة قدر الأبرار وعظم منزلتهم عند الله تعالى ~~وغزارة عيشهم في الجنة، وأنهم على كونهم يستهزىء بهم الكفار ويتغامزون بهم ~~ويضحكون منهم سيضحكون منهم وينظرون إلى ما ينالهم من العذاب. # قوله تعالى: "إن الأبرار لفي نعيم" النعيم النعمة الكثيرة وفي تنكيره ~~دلالة على فخامة قدره، والمعنى أن الأبرار لفي نعمة كثيرة لا يحيط بها الوصف. # قوله تعالى: "على الأرائك ينظرون" الأرائك جمع أريكة والأريكة السرير في ~~الجملة وهي البيت ms7590 المزين للعروس وإطلاق قوله: "ينظرون" من غير تقييد يؤيد ~~أن يكون المراد نظرهم إلى مناظر الجنة البهجة وما فيها من النعيم المقيم، ~~وقيل: المراد به النظر إلى ما يجزي به الكفار وليس بذاك. # قوله تعالى: "تعرف في وجوههم نضرة النعيم" النضرة البهجة والرونق، ~~والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبار أن له أن ينظر فيعرف ~~فالحكم عام والمعنى كل من نظر إلى وجوههم يعرف فيها بهجة النعيم الذي هم فيه. # قوله تعالى: "يسقون من رحيق مختوم" الرحيق الشراب الصافي الخالص من الغش، ~~ويناسبه وصفه بأنه مختوم فإنه إنما يختم على الشيء النفيس الخالص ليسلم من ~~الغش والخلط وإدخال ما يفسده فيه. # قوله تعالى: "ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" قيل الختام بمعنى ~~ما يختم به أي إن الذي يختم به مسك بدلا من الطين ونحوه الذي يختم به في ~~الدنيا، وقيل: أي آخر طعمه الذي يجده شاربه رائحة المسك. # وقوله: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" التنافس التغالب على الشيء ويفيد ~~بحسب المقام معنى التسابق قال تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة": ~~الحديد: 21، وقال: "فاستبقوا الخيرات": المائدة: 48، ففيه ترغيب إلى ما وصف ~~من الرحيق المختوم. # واستشكل في الآية بأن فيها دخول العاطف على العاطف إذ التقدير فليتنافس ~~في ذلك إلخ وأجيب بأن الكلام على تقدير حرف الشرط والفاء واقعة في جوابه ~~وقدم الظرف ليكون عوضا عن الشرط والتقدير وإن أريد تنافس فليتنافس في ذلك ~~المتنافسون. # ويمكن أن يقال: إن قوله: "وفي ذلك" معطوف على ظرف آخر محذوف متعلق بقوله: ~~"فليتنافس" يدل عليه المقام فإن الكلام في وصف نعيم الجنة فيفيد قوله: "وفي ~~ذلك" ترغيبا مؤكدا بتخصيص الحكم بعد التعميم، والمعنى فليتنافس المتنافسون ~~في نعيم الجنة عامة وفي الرحيق المختوم الذي يسقونه خاصة فهو كقولنا: أكرم ~~المؤمنين والصالحين منهم خاصة، ولا تكن عيابا وللعلماء خاصة. # قوله تعالى: "ومزاجه من تسنيم" المزاج ما يمزج به، والتسنيم على ما تفسره ~~الآية التالية عين في الجنة سماه الله تسنيما وفي لفظه معنى الرفع والملء ms7591 ~~يقال: سنمه أي رفعه ومنه سنام الإبل، ويقال: سنم الإناء أي ملأه. # قوله تعالى: "عينا يشرب بها المقربون" يقال: شربه وشرب به بمعنى و"عينا" ~~منصوب على المدح أو الاختصاص و"يشرب بها المقربون" وصف لها والمجموع تفسير ~~للتسنيم. # ومفاد الآية أن المقربين يشربون التسنيم صرفا كما أن مفاد قوله: "ومزاجه ~~من تسنيم" أنه يمزج بها ما في كأس الأبرار من الرحيق المختوم، ويدل ذلك ~~أولا على أن التسنيم أفضل من الرحيق المختوم الذي يزيد لذة بمزجها، وثانيا ~~أن المقربين أعلى درجة من الأبرار الذين يصفهم الآيات. PageV20P133 # قوله تعالى: "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون" يعطي السياق أن ~~المراد بالذين آمنوا هم الأبرار الموصوفون في الآيات وإنما عبر عنهم بالذين ~~آمنوا لأن سبب ضحك الكفار منهم واستهزائهم بهم إنما هو إيمانهم كما أن ~~التعبير عن الكفار بالذين أجرموا للدلالة على أنهم بذلك من المجرمين. # قوله تعالى: "وإذا مروا بهم يتغامزون" عطف على قوله: "يضحكون" أي كانوا ~~إذا مروا بالذين آمنوا يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم استهزاء بهم. # قوله تعالى: "وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين" الفكه بالفتح فالكسر ~~المرح البطر، والمعنى وكانوا إذا انقلبوا وصاروا إلى أهلهم عن ضحكهم ~~وتغامزهم انقلبوا ملتذين فرحين بما فعلوا أو هو من الفكاهة بمعنى حديث ذوي ~~الإنس والمعنى انقلبوا وهم يحدثون بما فعلوا تفكها. # قوله تعالى: "وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون" على سبيل الشهادة عليهم ~~بالضلال أو القضاء عليهم والثاني أقرب. # قوله تعالى: "وما أرسلوا عليهم حافظين" أي وما أرسل هؤلاء الذين أجرموا ~~حافظين على المؤمنين يقضون في حقهم بما شاءوا أو يشهدون عليهم بما هووا، ~~وهذا تهكم بالمستهزئين. # قوله تعالى: "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون" المراد باليوم يوم ~~الجزاء، والتعبير عن الذين أجرموا بالكفار رجوع إلى حقيقة صفتهم. # قيل: تقديم الجار والمجرور على الفعل أعني "من الكفار" على "يضحكون ~~"لإفادة قصر القلب، والمعنى فاليوم الذين آمنوا يضحكون من الكفار لا الكفار ~~منهم كما كانوا يفعلون في الدنيا. # قوله تعالى: "على الأرائك ms7592 ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون" الثواب ~~في الأصل مطلق الجزاء وإن غلب استعماله في الخير، وقوله "على الأرائك" خبر ~~بعد خبر للذين آمنوا و"ينظرون" خبر آخر، وقوله: "هل ثوب" إلخ متعلق بقوله: ~~"ينظرون "قائم مقام المفعول. # والمعنى: الذين آمنوا على سرر في الحجال ينظرون إلى جزاء الكفار بأفعالهم ~~التي كانوا يفعلونها في الدنيا من أنواع الأجرام ومنها ضحكهم من المؤمنين ~~وتغامزهم إذا مروا بهم وانقلابهم إلى أهلهم فكهين وقولهم: إن هؤلاء لضالون. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" قال: ~~فيما ذكرناه من الثواب الذي يطلبه المؤمن. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "وإذا مروا بهم يتغامزون" قيل نزلت في علي ~~بن أبي طالب (عليه السلام) وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم ~~رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فنزلت الآية قبل ~~أن يصل علي وأصحابه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): عن مقاتل ~~والكلبي. # أقول: وقد أورده في الكشاف،. وفيه ذكر الحاكم أبو القاسم الحسكاني في ~~كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ~~"إن الذين أجرموا" منافقو قريش و"الذين آمنوا" علي بن أبي طالب وأصحابه. # وفي تفسير القمي،: "أن الذين أجرموا إلى قوله فكهين" قال: يسخرون. PageV20P134 ### || AUTO ### ||| AUTO 84 سورة الانشقاق - 1 - 25 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا ~~الأرض مدت (3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يأيها الانسن ~~إنك كادح إلى ربك كدحا فملقيه (6) فأما من أوتى كتبه بيمينه (7) فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتى كتبه وراء ظهره ~~(10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان فى أهله مسرورا (13) ~~إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) ~~واليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم ~~لا يؤمنون ms7593 (20) وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون (21) بل الذين كفروا ~~يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر غير ممنون (25) ### |||| AUTO بيان # تشير السورة إلى قيام الساعة، وتذكر أن للإنسان سيرا إلى ربه حتى يلاقيه ~~فيحاسب على ما يقتضيه كتابه وتؤكد القول في ذلك والغلبة فيها للإنذار على ~~التبشير. # وسياق آياتها سياق مكي. # قوله تعالى: "إذا السماء انشقت" شرط جزاؤه محذوف يدل عليه قوله: "يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" والتقدير: لاقى الإنسان ربه فحاسبه ~~وجازاه على ما عمل. # وانشقاق السماء وهو تصدعه وانفراجه من أشراط الساعة كمد الأرض وسائر ما ~~ذكر في مواضع من كلامه تعالى من تكوير الشمس واجتماع الشمس والقمر وانتثار ~~الكواكب ونحوها. # قوله تعالى: "وأذنت لربها وحقت" الإذن الاستماع ومنه الأذن لجارحة السمع ~~وهو مجاز عن الانقياد والطاعة، و"حقت" أي جعلت حقيقة وجديرة بأن تسمع، ~~والمعنى وأطاعت وانقادت لربها وكانت حقيقة وجديرة بأن تستمع وتطيع. # قوله تعالى: "وإذا الأرض مدت" الظاهر أن المراد به اتساع الأرض، وقد قال ~~تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض": إبراهيم: 48. # قوله تعالى: "وألقت ما فيها وتخلت" أي ألقت الأرض ما في جوفها من الموتى ~~وبالغت في الخلو مما فيها منهم. # وقيل: المراد إلقائها الموتى والكنوز كما قال تعالى: "وأخرجت الأرض ~~أثقالها": الزلزال: 2 وقيل: المعنى ألقت ما في بطنها وتخلت مما على ظهرها ~~من الجبال والبحار، ولعل أول الوجوه أقربها. # قوله تعالى: "وأذنت لربها وحقت" ضمائر التأنيث للأرض كما أنها في نظيرتها ~~المتقدمة للسماء، وقد تقدم معنى الآية. # قوله تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" قال ~~الراغب،: الكدح السعي والعناء. # انتهى. # ففيه معنى السير، وقيل: الكدح جهد النفس في العمل حتى يؤثر فيها انتهى. # وعلى هذا فهو مضمن معنى السير بدليل تعديه بإلى ففي الكدح معنى السير على ~~أي حال. # وقوله: "فملاقيه" عطف على "كادح" وقد بين به أن غاية هذا السير والسعي ~~والعناء هو الله سبحانه بما ms7594 أن له الربوبية أي إن الإنسان بما أنه عبد ~~مربوب ومملوك مدبر ساع إلى الله سبحانه بما أنه ربه ومالكه المدبر لأمره ~~فإن العبد لا يملك لنفسه إرادة ولا عملا فعليه أن يريد ولا يعمل إلا ما ~~أراده ربه ومولاه وأمره به فهو مسئول عن إرادته وعمله. # ومن هنا يظهر أولا أن قوله: "إنك كادح إلى ربك" يتضمن حجة على المعاد لما ~~عرفت أن الربوبية لا تتم إلا مع عبودية ولا تتم العبودية إلا مع مسئولية ~~ولا تتم مسئولية إلا برجوع وحساب على الأعمال ولا يتم حساب إلا بجزاء. # وثانيا: أن المراد بملاقاته انتهاؤه إلى حيث لا حكم إلا حكمه من غير أن ~~يحجبه عن ربه حاجب. # وثالثا: أن المخاطب في الآية هو الإنسان بما أنه إنسان فالمراد به الجنس ~~وذلك أن الربوبية عامة لكل إنسان. PageV20P135 # قوله تعالى: "فأما من أوتي كتابه بيمينه" تفصيل مترتب على ما يلوح إليه ~~قوله: "إنك كادح إلى ربك" أن هناك رجوعا وسؤالا عن الأعمال وحسابا، والمراد ~~بالكتاب صحيفة الأعمال بقرينة ذكر الحساب، وقد تقدم الكلام في معنى إعطاء ~~الكتاب باليمين في سورتي الإسراء والحاقة. # قوله تعالى: "فسوف يحاسب حسابا يسيرا" الحساب اليسير ما سوهل فيه وخلا عن ~~المناقشة. # قوله تعالى: "وينقلب إلى أهله مسرورا" المراد بالأهل من أعده الله له في ~~الجنة من الحور والغلمان وغيرهم وهذا هو الذي يفيده السياق، وقيل: المراد ~~به عشيرته المؤمنون ممن يدخل الجنة، وقيل المراد فريق المؤمنين وإن لم ~~يكونوا من عشيرته فالمؤمنون إخوة. # والوجهان لا يخلوان من بعد. # قوله تعالى: "وأما من أوتي كتابه وراء ظهره" الظرف منصوب بنزع الخافض ~~والتقدير من وراء ظهره، ولعلهم إنما يؤتون كتبهم من وراء ظهورهم لرد وجوههم ~~على أدبارهم كما قال تعالى: "من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها": ~~النساء: 47. # ولا منافاة بين إيتاء كتابهم من وراء ظهورهم وبين إيتائهم بشمالهم كما ~~وقع في قوله تعالى: "وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت ~~كتابيه": الحاقة: 25 وسيأتي ms7595 في البحث الروائي التالي ما ورد في الروايات من ~~معنى إيتاء الكتاب من وراء ظهورهم. # قوله تعالى: "فسوف يدعوا ثبورا" الثبور كالويل الهلاك ودعاؤهم الثبور ~~قولهم: وا ثبوراه. # قوله تعالى: "ويصلى سعيرا" أي يدخل نارا مؤججة لا يوصف عذابها، أو يقاسي حرها. # قوله تعالى: "إنه كان في أهله مسرورا" يسره ما يناله من متاع الدنيا ~~وتنجذب نفسه إلى زينتها وينسيه ذلك أمر الآخرة وقد ذم تعالى فرح الإنسان ~~بما يناله من خير الدنيا وسماه فرحا بغير حق قال تعالى بعد ذكر النار ~~وعذابها: "ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون": ~~المؤمن: 75. # قوله تعالى: "إنه ظن أن لن يحور" أي لن يرجع والمراد الرجوع إلى ربه ~~للحساب والجزاء، ولا سبب يوجبه عليهم إلا التوغل في الذنوب والآثام الصارفة ~~عن الآخرة الداعية إلى استبعاد البعث. # قوله تعالى: "بلى إن ربه كان به بصيرا" رد لظنه أي ليس الأمر كما ظنه بل ~~يحور ويرجع، وقوله: "إن ربه كان به بصيرا" تعليل للرد المذكور فإن الله ~~سبحانه كان ربه المالك له المدبر لأمره وكان يحيط به علما ويرى ما كان من ~~أعماله وقد كلفه بما كلف ولأعماله جزاء خيرا أو شرا فلا بد أن يرجع إليه ~~ويجزي بما يستحقه بعمله. # وبذلك يظهر أن قوله: "إن ربه كان به بصيرا" من إعطاء الحجة على وجوب ~~المعاد نظير ما تقدم في قوله: "إنك كادح إلى ربك" الآية. # ويظهر أيضا من مجموع هذه الآيات التسع أن إيتاء الكتب ونشر الصحف قبل ~~الحساب كما يدل عليه أيضا قوله تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا": إسراء: 14. # ثم الآيات كما ترى تخص إيتاء الكتاب من وراء الظهر بالكفار فيقع الكلام ~~في عصاة المؤمنين من أصحاب الكبائر ممن يدخل النار فيمكث فيها برهة ثم يخرج ~~منها بالشفاعة على ما في الأخبار من طرق الفريقين فهؤلاء لا يؤتون كتابهم ~~من وراء ظهورهم لاختصاص ms7596 ذلك بالكفار ولا بيمينهم لظهور الآيات في أن أصحاب ~~اليمين يحاسبون حسابا يسيرا ويدخلون الجنة، ولا سبيل إلى القول بأنهم لا ~~يؤتون كتابا لمكان قوله تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" الآية ~~المفيد للعموم. # وقد تخلص بعضهم عن الإشكال بأنهم يؤتون كتابهم باليمين بعد الخروج من النار. # وفيه أن ظاهر الآيات إن لم يكن صريحها أن دخول النار أو الجنة فرع مترتب ~~على القضاء المترتب على الحساب المترتب على إيتاء الكتب ونشر الصحف فلا ~~معنى لإيتاء الكتاب بعد الخروج من النار. # واحتمل بعضهم أن يؤتوا كتابهم بشمالهم ويكون الإيتاء من وراء الظهر ~~مخصوصا بالكفار كما تفيده الآيات. # وفيه أن الآيات التي تذكر إيتاء الكتاب بالشمال - وهي التي في سورة ~~الواقعة والحاقة وفي معناها ما في سورة الإسراء أيضا - تخص إيتاء الكتاب ~~بالشمال بالكفار ويظهر من مجموع الآيات أن الذين يؤتون كتابهم بشمالهم هم ~~الذين يؤتونه من وراء ظهورهم. PageV20P136 # وقال بعضهم من الممكن أن يؤتوا كتابهم من وراء ظهورهم ويكون قوله: "فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا" من قبيل وصف الكل بصفة بعض أجزائه. # وفيه أن المقام لا يساعد على هذا التجوز فإن المقام مقام تمييز السعداء ~~من الأشقياء وتشخيص كل بجزائه الخاص به فلا مجوز لإدغام جمع من أهل العذاب ~~في أهل الجنة. # على أن قوله: "فسوف يحاسب" إلخ وعد جميل إلهي ولا معنى لشموله لغير ~~مستحقيه ولو بظاهر من القول. # نعم يمكن أن يقال: إن اليسر والعسر معنيان إضافيان وحساب العصاة من أهل ~~الإيمان يسير بالإضافة إلى حساب الكفار المخلدين في النار ولو كان عسيرا ~~بالإضافة إلى حساب المتقين. # ويمكن أيضا أن يقال إن قسمة أهل الجمع إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ~~غير حاصرة كما يدل عليه قوله تعالى: "وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما ~~أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون": الواقعة: 11 فمدلول الآيات خروج المقربين من الفريقين، ومثلهم ~~المستضعفون كما ربما يستفاد من قوله تعالى: "وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب ms7597 عليهم": التوبة: 106. # فمن الجائز أن لا يكون تقسيم أهل الجمع إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ~~تقسيما حاصرا لجميعهم بل تخصيصا لأهل الجنة من المتقين وأهل الخلود في ~~النار بالذكر بتوصيفهم بإيتاء الكتاب باليمين وبالشمال لمكان الدعوة إلى ~~الإيمان والتقوى ونظير ذلك ما في سورة المرسلات من ذكر يوم الفصل ثم بيان ~~حال المتقين والمكذبين فحسب وليس ينحصر الناس في القبيلين، ونظيره ما في ~~سورة النبإ والنازعات وعبس والانفطار، والمطففين وغيرها فالغرض فيها ذكر ~~أنموذج من أهل الإيمان والطاعة وأهل الكفر والتكذيب والسكوت عمن سواهم ~~ليتذكر أن السعادة في جانب التقوى والشقاء في جانب التمرد والطغوى. # قوله تعالى: "فلا أقسم بالشفق" الشفق الحمرة ثم الصفرة ثم البياض التي ~~تحدث بالمغرب أول الليل. # قوله تعالى: "والليل وما وسق" أي ضم وجمع ما تفرق وانتشر في النهار من ~~الإنسان والحيوان فإنها تتفرق وتنتشر بالطبع في النهار وترجع إلى مأواها في ~~الليل فتسكن. # وفسر بعضهم "وسق" بمعنى طرد أي طرد الكواكب من الخفاء إلى الظهور. # قوله تعالى: "والقمر إذا اتسق" أي اجتمع وانضم بعض نوره إلى بعض فاكتمل ~~نوره وتبدر. # قوله تعالى: "لتركبن طبقا عن طبق" جواب القسم والخطاب للناس والطبق هو ~~الشيء أو الحال الذي يطابق آخر سواء كان أحدهما فوق الآخر أم لا والمراد به ~~كيف كان المرحلة بعد المرحلة يقطعها الإنسان في كدحه إلى ربه من الحياة ~~الدنيا ثم الموت ثم الحياة البرزخية ثم الانتقال إلى الآخرة ثم الحياة ~~الآخرة ثم الحساب والجزاء. # وفي هذا الإقسام - كما ترى - تأكيد لما في قوله: "يا أيها الإنسان إنك ~~كادح" الآية وما بعده من نبإ البعث وتوطئة وتمهيد لما في قوله: "فما لهم لا ~~يؤمنون" من التعجيب والتوبيخ وما في قوله: "فبشرهم بعذاب" إلخ من الإنذار ~~والتبشير. # وفي الآية إشارة إلى أن المراحل التي يقطعها الإنسان في مسيره إلى ربه ~~مترتبة متطابقة. # قوله تعالى: "فما لهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون" ~~الاستفهام للتعجيب والتوبيخ ولذا ناسب الالتفات الذي فيه من الخطاب ms7598 إلى ~~الغيبة كأنه لما رأى أنهم لا يتذكرون بتذكيره ولا يتعظون بعظته أعرض عنهم ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخاطبه بقوله: "فما لهم لا يؤمنون" إلخ. # قوله تعالى: "بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون" "يكذبون" يفيد ~~الاستمرار، والتعبير عنهم بالذين كفروا للدلالة على علة التكذيب، والإيعاء ~~كما قيل جعل الشيء في وعاء. # والمعنى: أنهم لم يتركوا الإيمان لقصور في البيان أو لانقطاع من البرهان ~~لكنهم اتبعوا أسلافهم ورؤساءهم فرسخوا في الكفر واستمروا على التكذيب والله ~~يعلم بما جمعوا في صدورهم وأضمروا في قلوبهم من الكفر والشرك. # وقيل: المراد بقوله: "والله أعلم بما يوعون" أن لهم وراء التكذيب مضمرات ~~في قلوبهم لا يحيط بها العبارة ولا يعلمها إلا الله، وهو بعيد من السياق. # قوله تعالى: "فبشرهم بعذاب أليم" التعبير عن الإخبار بالعذاب بالتبشير ~~مبني على التهكم، والجملة متفرعة على التكذيب. PageV20P137 # قوله تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون" استثناء ~~منقطع من ضمير "فبشرهم" والمراد بكون أجرهم غير ممنون خلوه من قول يثقل على ~~المأجور. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إذا السماء انشقت" قال: يوم القيامة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن علي قال تنشق السماء من المجرة. # وفي تفسير القمي،: في قوله: "وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت" قال: ~~تمد الأرض فتنشق فيخرج الناس منها. # وفي الدر المنثور، أخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها ~~إلا موضع قدميه. # وفي الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) في حديث قال والناس يومئذ على صفات ~~ومنازل فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، ومنهم الذين ~~يدخلون الجنة بغير حساب لأنهم لم يلبثوا من أمر الدنيا بشيء وإنما الحساب ~~هناك على من يلبس بها هاهنا، ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير ويصير إلى ~~عذاب السعير. # وفي المعاني، بإسناده عن ابن سنان ms7599 عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل محاسب معذب فقال له قائل: يا رسول ~~الله فأين قول الله عز وجل: "فسوف يحاسب حسابا يسيرا" قال: ذلك العرض يعني ~~التصفح. # أقول: وروي في الدر المنثور، عن البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن عائشة: مثله. # وفي تفسير القمي، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله: "فأما من أوتي كتابه بيمينه" فهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسود بن ~~هلال المخزومي وهو من بني مخزوم، "وأما من أوتي كتابه وراء ظهره" فهو أخوه ~~الأسود بن عبد الأسود المخزومي فقتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "لتركبن طبقا عن طبق" وقيل: معناه شدة بعد ~~شدة حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء: وروي ذلك مرفوعا. # وعن جوامع الجامع، في الآية عن أبي عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم من ~~الأولين وأحوالهم: وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام). PageV20P138 ### || AUTO ### ||| AUTO 85 سورة البروج - 1 - 22 # بسم الله الرحمن الرحيم والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ~~ومشهود (3) قتل أصحب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود ~~(6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد (8) الذى له ملك السموت والأرض والله على كل شىء شهيد ~~(9) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد ~~(13) وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل ~~أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا فى تكذيب (19) ~~والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرءان مجيد (21) فى لوح محفوظ (22) ### |||| AUTO بيان # سورة إنذار وتبشير فيها وعيد شديد للذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات ~~لإيمانهم بالله كما كان المشركون من أهل مكة يفعلون ذلك بالذين آمنوا ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms7600 فيعذبونهم ليرجعوا إلى شركهم السابق ~~فمنهم من كان يصبر ولا يرجع بلغ الأمر ما بلغ، ومنهم من رجع وارتد وهم ~~ضعفاء الإيمان كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: "ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله": العنكبوت: 10، وقوله: "ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه": الحج: 11. # وقد قدم سبحانه على ذلك الإشارة إلى قصة أصحاب الأخدود، وفيه تحريض ~~المؤمنين على الصبر في جنب الله تعالى، وأتبعها بالإشارة إلى حديث الجنود ~~فرعون وثمود وفيه تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوعد النصر ~~وتهديد للمشركين. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "والسماء ذات البروج" البروج جمع برج وهو الأمر الظاهر ويغلب ~~استعماله في القصر العالي لظهوره على الناظرين ويسمى البناء المعمول على ~~سور البلد للدفاع برجا وهو المراد في الآية لقوله تعالى: "ولقد جعلنا في ~~السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم": الحجر: 17، ~~فالمراد بالبروج مواضع الكواكب من السماء. # وبذلك يظهر أن تفسير البروج بالبروج الاثني عشر المصطلح عليها في علم ~~النجوم غير سديد وفي الآية إقسام بالسماء المحفوظة بالبروج، ولا يخفى ~~مناسبته لما سيشار إليه من القصة ثم الوعيد والوعد وسنشير إليه. # قوله تعالى: "واليوم الموعود" عطف على السماء وإقسام باليوم الموعود وهو ~~يوم القيامة الذي وعد الله القضاء فيه بين عباده. # قوله تعالى: "وشاهد ومشهود" معطوفان على السماء والجميع قسم بعد قسم على ~~ما أريد بيانه في السورة وهو - كما تقدمت الإشارة إليه - الوعيد الشديد لمن ~~يفتن المؤمنين والمؤمنات لإيمانهم والوعد الجميل لمن آمن وعمل صالحا. # فكأنه قيل: أقسم بالسماء ذات البروج التي يدفع الله بها عنها الشياطين أن ~~الله يدفع عن إيمان المؤمنين كيد الشياطين وأوليائهم من الكافرين، وأقسم ~~باليوم الموعود الذي يجزي فيه الناس بأعمالهم، وأقسم بشاهد يشهد ويعاين ~~أعمال أولئك الكفار وما يفعلونه بالمؤمنين لإيمانهم بالله وأقسم بمشهود ~~سيشهده الكل ويعاينونه إن الذين فتنوا ms7601 المؤمنين والمؤمنات، إلى آخر ~~الآيتين. # ومن هنا يظهر أن الشهادة في "شاهد" و"مشهود" بمعنى واحد وهو المعاينة ~~بالحضور، على أنها لو كانت بمعنى تأدية الشهادة لكان حق التعبير "ومشهود ~~عليه" لأنها بهذا المعنى إنما تتعدى بعلى. PageV20P139 # وعلى هذا يقبل "شاهد" الانطباق على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لشهادته أعمال أمته ثم يشهد عليها يوم القيامة، ويقبل "مشهود" الانطباق على ~~تعذيب الكفار لهؤلاء المؤمنين وما فعلوا بهم من الفتنة وإن شئت فقل: على ~~جزائه وإن شئت فقل على ما يقع يوم القيامة من العقاب والثواب لهؤلاء ~~الظالمين والمظلومين، وتنكير "مشهود" و"وشاهد" على أي حال للتفخيم. # ولهم في تفسير شاهد ومشهود أقاويل كثيرة أنهاها بعضهم إلى ثلاثين كقول ~~بعضهم إن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، والقول بأن الشاهد يوم ~~النحر والمشهود يوم عرفة، والقول بأن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم ~~القيامة، والقول بأن الشاهد الملك يشهد على بني آدم والمشهود يوم القيامة، ~~والقول بأن الشاهد الذين يشهدون على الناس والمشهود الذين يشهد عليهم. # والقول بأن الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم، والقول بأن الشاهد ~~أعضاء بني آدم والمشهود أنفسهم والقول بأن الشاهد الحجر الأسود والمشهود ~~الحاج والقول بأن الشاهد الأيام والليالي والمشهود بنو آدم، والقول بأن ~~الشاهد الأنبياء والمشهود محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقول بأن ~~الشاهد هو الله والمشهود لا إله إلا الله. # والقول بأن الشاهد الخلق والمشهود الحق، والقول بأن الشاهد هو الله ~~والمشهود يوم القيامة، والقول بأن الشاهد آدم وذريته والمشهود يوم القيامة، ~~والقول بأن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة، والقول بأنها يوم ~~الإثنين ويوم الجمعة، والقول بأن الشاهد: المقربون والمشهود عليون، والقول ~~بأن الشاهد هو الطفل الذي قال لأمه في قصة الأخدود: اصبري فإنك على الحق ~~والمشهود الواقعة، والقول بأن الشاهد الملائكة المتعاقبون لكتابة الأعمال ~~والمشهود قرآن الفجر إلى غير ذلك من أقوالهم. # وأكثر هذه الأقوال - كما ترى - مبني على أخذ الشهادة بمعنى أداء ما حمل ~~من الشهادة وبعضها على تفريق بين الشاهد والمشهود ms7602 في معنى الشهادة وقد عرفت ~~ضعفه، وأن الأنسب للسياق أخذها بمعنى المعاينة وإن استلزم الشهادة بمعنى ~~الأداء يوم القيامة، وأن الشاهد يقبل الانطباق على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # كيف لا؟ وقد سماه الله تعالى شاهدا إذ قال: "يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا": الأحزاب: 45، وسماه شهيدا إذ قال: "ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم": الحج - 78، وقد عرفت معنى شهادة الأعمال من شهدائها فيما مر. # ثم إن جواب القسم محذوف يدل عليه قوله: "إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات" إلى تمام آيتين، ويشعر به أيضا قوله: "قتل أصحاب الأخدود" إلخ ~~وهو وعيد الفاتنين ووعد المؤمنين الصالحين وأن الله يوفقهم على الصبر ~~ويؤيدهم على حفظ إيمانهم من كيد الكائدين أن أخلصوا كما فعل بالمؤمنين في ~~قصة الأخدود. # قوله تعالى: "قتل أصحاب الأخدود" إشارة إلى قصة الأخدود لتكون توطئة ~~وتمهيدا لما سيجيء من قوله: "إن الذين فتنوا" إلخ وليس جوابا للقسم البتة. # والأخدود الشق العظيم في الأرض، وأصحاب الأخدود هم الجبابرة الذين خدوا ~~أخدودا وأضرموا فيها النار وأمروا المؤمنين بدخولها فأحرقوهم عن آخرهم نقما ~~منهم لإيمانهم فقوله: "قتل" إلخ دعاء عليهم والمراد بالقتل اللعن والطرد. # وقيل: المراد بأصحاب الأخدود المؤمنون والمؤمنات الذين أحرقوا فيه، ~~وقوله: "قتل" إخبار عن قتلهم بالإحراق وليس من الدعاء في شيء. # ويضعفه ظهور رجوع الضمائر في قوله: "إذ هم عليها" و"هم على ما يفعلون" ~~و"ما نقموا" إلى أصحاب الأخدود، والمراد بها وخاصة بالثاني والثالث ~~الجبابرة الناقمون دون المؤمنين المعذبين. # قوله تعالى: "النار ذات الوقود" بدل من الأخدود، والوقود ما يشعل به ~~النار من حطب وغيره، وفي توصيف النار بذات الوقود إشارة إلى عظمة أمر هذه ~~النار وشدة اشتعالها وأجيجها. # قوله تعالى: "إذ هم عليها قعود" أي في حال أولئك الجبابرة قاعدون في ~~أطراف النار المشرفة عليها. # قوله تعالى: "وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود" أي حضور ينظرون ويشاهدون ~~إحراقهم واحتراقهم. # قوله تعالى: "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله" النقم بفتحتين الكراهة ~~الشديدة أي ما كرهوا من أولئك ms7603 المؤمنين إلا إيمانهم بالله فأحرقوهم لأجل ~~إيمانهم. PageV20P140 # قوله تعالى: "العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء ~~شهيد" أوصاف جارية على اسم الجلالة تشير إلى الحجة على أن أولئك المؤمنين ~~كانوا على الحق في إيمانهم مظلومين فيما فعل بهم لا يخفى حالهم على الله ~~وسيجزيهم خير الجزاء، وعلى أن أولئك الجبابرة كانوا على الباطل مجترين على ~~الله ظالمين فيما فعلوا وسيذوقون وبال أمرهم وذلك أنه تعالى هو الله العزيز ~~الحميد أي الغالب غير المغلوب على الإطلاق والجميل في فعله على الإطلاق فله ~~وحده كل الجلال والجمال فمن الواجب أن يخضع له وأن لا يتعرض لجانبه، وإذ ~~كان له ملك السماوات والأرض فهو المليك على الإطلاق له الأمر وله الحكم فهو ~~رب العالمين فمن الواجب أن يتخذ إلها معبودا ولا يشرك به أحد فالمؤمنون به ~~على الحق والكافرون في ضلال. # ثم إن الله - وهو الموجد لكل شيء - على كل شيء شهيد لا يخفى عليه شيء من ~~خلقه ولا عمل من أعمال خلقه ولا يحتجب عنه إحسان محسن ولا إساءة مسيء ~~فسيجزي كلا بما عمل. # وبالجملة إذ كان تعالى هو الله المتصف بهذه الصفات الكريمة كان على هؤلاء ~~المؤمنين أن يؤمنوا به ولم يكن لأولئك الجبابرة أن يتعرضوا لحالهم ولا أن ~~يمسوهم بسوء. # وقال بعض المفسرين في توجيه إجراء الصفات في الآية: إن القوم إن كانوا ~~مشركين فالذي كانوا ينقمونه من المؤمنين وينكرونه عليهم لم يكن هو الإيمان ~~بالله تعالى بل نفي ما سواه من معبوداتهم الباطلة، وإن كانوا معطلة فالمنكر ~~عندهم ليس إلا إثبات معبود غير معهود لهم لكن لما كان مآل الأمرين إنكار ~~المعبود الحق الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبر بما عبر بإجراء الصفات ~~عليه تعالى. # وفيه غفلة عن أن المشركين وهم الوثنية ما كانوا ينسبون إلى الله تعالى ~~إلا الصنع والإيجاد. # وأما الربوبية التي تستتبع التدبير والألوهية التي تستوجب العبادة فكانوا ~~يقصرونها في أربابهم وآلهتهم فيعبدونها دون الله سبحانه، فليس له تعالى ~~عندهم إلا أنه رب ms7604 الأرباب وإله الآلهة لا غير. # قوله تعالى: "إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق" الفتنة المحنة والتعذيب، والذين فتنوا "إلخ" عام ~~يشمل أصحاب الأخدود ومشركي قريش الذين كانوا يفتنون من آمن بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين والمؤمنات بأنواع من العذاب ليرجعوا عن دينهم. # قال في المجمع،: يسأل فيقال: كيف فصل بين عذاب جهنم وعذاب الحريق وهما ~~واحد؟ أجيب عن ذلك بأن المراد لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق مثل ~~الزقوم والغسلين والمقامع ولهم مع ذلك الإحراق بالنار انتهى. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير" وعد جميل للمؤمنين يطيب به نفوسهم كما أن ما ~~قبله وعيد شديد للكفار الفاتنين المعذبين. # قوله تعالى: "إن بطش ربك لشديد" الآية إلى تمام سبع آيات تحقيق وتأكيد ~~لما تقدم من الوعيد والوعد، والبطش - كما ذكره الراغب - تناول الشيء بصولة. # وفي إضافة البطش إلى الرب وإضافة الرب إلى الكاف تطييب لنفس النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالتأييد والنصر، وإشارة إلى أن لجبابرة أمته نصيبا ~~من الوعيد المتقدم. # قوله تعالى: "إنه هو يبدىء ويعيد" المقابلة بين المبدىء والمعيد يعطي أن ~~المراد بالإبداء البدء، والافتتاح بالشيء، قالوا: ولم يسمع من العرب ~~الإبداء لكن القراءة ذلك وفي بعض القراءات الشاذة يبدأ بفتح الياء والدال. # وعلى أي حال فالآية تعليل لشدة بطشه تعالى وذلك أنه تعالى مبدىء يوجد ما ~~يريده من شيء إيجادا ابتدائيا من غير أن يستمد على ذلك من شيء غير نفسه، ~~وهو تعالى يعيد كل ما كان إلى ما كان وكل حال فاتته إلى ما كانت عليه قبل ~~الفوت فهو تعالى لا يمتنع عليه ما أراد ولا يفوته فائت زائل وإذ كان كذلك ~~فهو القادر على أن يحمل على العبد المتعدي حده، من العذاب ما هو فوق حده ~~ووراء طاقته ويحفظه على ما هو عليه ليذوق العذاب قال تعالى: "والذين كفروا ~~لهم نار جهنم لا ms7605 يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها": فاطر: 36. PageV20P141 # وهو القادر على أن يعيد ما أفسده العذاب إلى حالته الأولى ليذوق المجرم ~~بذلك العذاب من غير انقطاع قال تعالى: "إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ~~نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب": النساء: 56. # وبهذا البيان يتضح: أولا: أن سياق قوله: "إنه هو" إلخ يفيد القصر أي إن ~~إبداع الوجود وإعادته لله سبحانه وحده إذ الصنع والإيجاد ينتهي إليه تعالى وحده. # وثانيا: أن حدود الأشياء إليه تعالى ولو شاء أن لا يحد لم يحدا وبدل حدا ~~من آخر فهو الذي حد العذاب والفتنة في الدنيا بالموت والزوال ولو لم يشأ لم ~~يحد كما في عذاب الآخرة. # وثالثا: أن المراد من شدة البطش - وهو الأخذ بعنف - أن لا دافع لأخذه ولا ~~راد لحكمه كيفما حكم إلا أن يحول بين حكمه ومتعلقه حكم آخر منه يقيد الأول. # قوله تعالى: "وهو الغفور الودود" أي كثير المغفرة والمودة ناظر إلى وعد ~~المؤمنين كما أن قوله: "إن بطش ربك" إلخ ناظر إلى وعيد الكافرين. # قوله تعالى: "ذو العرش المجيد فعال لما يريد" العرش عرش الملك، وذو العرش ~~كناية عن الملك أي هو ملك له أن يتصرف في مملكته كيفما تصرف ويحكم بما شاء ~~والمجيد صفة من المجد وهو العظمة المعنوية وهي كمال الذات والصفات، وقوله: ~~"فعال لما يريد" أي لا يصرفه عما أراده صارف لا من داخل لضجر وكسل وملل ~~وتغير إرادة وغيرها ولا من خارج لمانع يحول بينه وبين ما أراد. # فله تعالى أن يوعد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ويعد الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالجنة لأنه ذو العرش المجيد ولن يخلف وعده لأنه ~~فعال لما يريد. # قوله تعالى: "هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود" تقرير لما تقدم من شدة ~~بطشه تعالى وكونه ملكا مجيدا فعالا لما يريد، وفيه تسلية للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه الشريفة بالإشارة إلى حديثهم، ومعنى الآيتين ظاهر. # قوله تعالى: "بل الذين كفروا في تكذيب" لا ms7606 يبعد أن يستفاد من السياق كون ~~المراد بالذين كفروا هم قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الآية إضراب عما تقدم من الموعظة والحجة من حيث الأثر، والمعنى لا ~~ينبغي أن يرجى منهم الإيمان بهذه الآيات البينات فإن الذين كفروا مصرون على ~~تكذيبهم لا ينتفعون بموعظة أو حجة. # ومن هنا ظهر أن المراد بكون الذين كفروا في تكذيب أي بظرفية التكذيب لهم ~~إصرارهم عليه. # قوله تعالى: "والله من ورائهم محيط" وراء الشيء الجهات الخارجة منه ~~المحيطة به. # إشارة إلى أنهم غير معجزين لله سبحانه فهو محيط بهم قادر عليهم من كل ~~جهة، وفيه أيضا تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وعن بعضهم أن في قوله: "من ورائهم" تلويحا إلى أنهم اتخذوا الله وراءهم ~~ظهريا، وهو مبني على أخذ وراء بمعنى خلف. # قوله تعالى: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" إضراب عن إصرارهم على تكذيب ~~القرآن، والمعنى ليس الأمر كما يدعون بل القرآن كتاب مقرو عظيم في معناه ~~غزير في معارفه في لوح محفوظ عن الكذب والباطل مصون من مس الشياطين. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) سئل عن "السماء ذات البروج" فقال: الكواكب، وسئل عن ~~"الذي جعل في السماء بروجا" فقال: الكواكب. قيل: "فبروج مشيدة" فقال: قصور. # وفيه، أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في الأصول وابن جرير ~~وابن المنذر وابن حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اليوم الموعود يوم القيامة واليوم ~~المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة. # الحديث. # أقول: وروي مثله بطرق أخرى عن أبي مالك وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم ~~عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولفظ الأخير: الشاهد يوم الجمعة والمشهود ~~يوم عرفة:. وروي هذا اللفظ عن عبد الرزاق والفاريابي وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب. # وفيه، ms7607 أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن علي قال: اليوم الموعود يوم ~~القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر. PageV20P142 # وفي المجمع، روي: أن رجلا دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فإذا رجل يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: فسألته عن ~~الشاهد والمشهود فقال: نعم الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، فجزته إلى ~~آخر يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألته عن ذلك فقال: أما ~~الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر. فجزتهما إلى غلام كان وجهه ~~الدينار وهو يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: أخبرني عن ~~شاهد ومشهود فقال: نعم أما الشاهد فمحمد وأما المشهود فيوم القيامة أما ~~سمعت الله سبحانه يقول: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا" ~~وقال: "ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود". فسألت عن الأول فقالوا: ~~ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمرو، وسألت عن الثالث فقالوا: ~~الحسن بن علي. # أقول: والحديث مروي بطرق مختلفة وألفاظ متقاربة وقد تقدم في تفسير الآية ~~أن ما ذكره (عليه السلام) أظهر بالنظر إلى سياق الآيات، وإن كان لفظ الشاهد ~~والمشهود لا يأبى الانطباق على غيره أيضا بوجه. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "قتل أصحاب الأخدود" قال: كان سببه أن ~~الذي هيج الحبشة على غزوة اليمن ذو نواس وهو آخر من ملك من حمير تهود ~~واجتمعت معه حمير على اليهودية وسمى نفسه يوسف وأقام على ذلك حينا من ~~الدهر. ثم أخبر أن بنجران بقايا قوم على دين النصرانية وكانوا على دين عيسى ~~وحكم الإنجيل، ورأس ذلك الدين عبد الله بن بريامن فحمله أهل دينه على أن ~~يسير إليهم ويحملهم على اليهودية ويدخلهم فيها فسار حتى قدم نجران فجمع من ~~كان بها على دين النصرانية ثم عرض عليهم دين اليهودية والدخول فيها فأبوا ~~عليه فجادلهم وعرض عليهم وحرص الحرص كله فأبوا عليه وامتنعوا من اليهودية ~~والدخول فيها واختاروا القتل. فاتخذ لهم أخدودا ms7608 وجمع فيه الحطب وأشعل فيه ~~النار فمنهم من أحرق بالنار ومنهم من قتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة فبلغ عدد ~~من قتل وأحرق بالنار عشرين ألفا وأفلت منهم رجل يدعى دوش ذو ثعلبان على فرس ~~له ركضة، واتبعوه حتى أعجزهم في الرمل، ورجع ذو نواس إلى صنيعه في جنوده ~~فقال الله: "قتل أصحاب الأخدود إلى قوله العزيز الحميد". # وفي المجمع، وروى سعيد بن جبير قال: لما انهزم أهل إسفندهان قال عمر بن ~~الخطاب: ما هم يهود ولا نصارى ولا لهم كتاب وكانوا مجوسا فقال علي بن أبي ~~طالب: بلى قد كان لهم كتاب رفع. وذلك أن ملكا لهم سكر فوقع على ابنته أو ~~قال: على أخته فلما أفاق قال لها: كيف المخرج مما وقعت فيه؟ قالت: تجمع أهل ~~مملكتك وتخبرهم أنك ترى نكاح البنات وتأمرهم أن يحلوه فجمعهم فأخبرهم فأبوا ~~أن يتابعوه فخد لهم أخدودا في الأرض، وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن ~~أبى قبول ذلك قذفه في النار، ومن أجاب خلى سبيله:. أقول: وروي هذا المعنى ~~في الدر المنثور، عن عبد بن حميد عنه (عليه السلام). # وعن تفسير العياشي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أرسل ~~علي (عليه السلام) إلى أسقف نجران يسأله عن أصحاب الأخدود فأخبره بشيء فقال ~~(عليه السلام): ليس كما ذكرت ولكن سأخبرك عنهم: إن الله بعث رجلا حبشيا ~~نبيا وهم حبشية فكذبوه فقاتلهم فقتلوا أصحابه فأسروه وأسروا أصحابه ثم بنوا ~~له حيرا ثم ملئوه نارا ثم جمعوا الناس فقالوا: من كان على ديننا وأمرنا ~~فليعتزل، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار فجعل أصحابه يتهافتون ~~في النار فجاءت امرأة معها صبي لها ابن شهر فلما هجمت هابت ورقت على ابنها ~~فنادى الصبي: لا تهابي وارميني ونفسك في النار فإن هذا والله في الله قليل، ~~فرمت بنفسها في النار وصبيها، وكان ممن تكلم في المهد. # أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن عبد الله بن ~~نجي عنه ms7609 (عليه السلام)، وروي أيضا عن ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي ~~عنه (عليه السلام) قال: كان نبي أصحاب الأخدود حبشيا. # وروي أيضا عن ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق الحسن عنه (عليه السلام) ~~في قوله تعالى: "أصحاب الأخدود" قال: هم الحبشة. PageV20P143 # ولا يبعد أن يستفاد أن حديث أصحاب الأخدود وقائع متعددة وقعت بالحبشة ~~واليمن والعجم والإشارة في الآية إلى جميعها وهناك روايات تقص القصة مع ~~السكوت عن محل وقوعها. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" قال: ~~اللوح المحفوظ له طرفان طرف على يمين العرش على جبين إسرافيل فإذا تكلم ~~الرب جل ذكره بالوحي ضرب اللوح جبين إسرافيل فنظر في اللوح فيوحي بما في ~~اللوح إلى جبرئيل. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خلق الله لوحا من درة بيضاء دفتاه من ~~زبرجدة خضراء كتابه من نور يلحظ إليه في كل يوم ثلاث مائة وستين لحظة يحيي ~~ويميت ويخلق ويرزق ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. # أقول: والروايات في صفة اللوح كثيرة مختلفة وهي على نوع من التمثيل. PageV20P144 ### || AUTO ### ||| AUTO 86 سورة الطارق - 1 - 17 # بسم الله الرحمن الرحيم والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) ~~النجم الثاقب (3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الانسن مم خلق (5) ~~خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر ~~(8) يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع ~~(11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) إنهم ~~يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكفرين أمهلهم رويدا (17) ### |||| AUTO بيان # في السورة إنذار بالمعاد وتستدل عليه بإطلاق القدرة وتؤكد القول في ذلك، ~~وفيها إشارة إلى حقيقة اليوم، وتختتم بوعيد الكفار. # والسورة ذات سياق مكي. # قوله تعالى: "والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب" الطرق ~~في الأصل - على ما قيل - هو الضرب بشدة يسمع له صوت ms7610 ومنه المطرقة والطريق ~~لأن السابلة تطرقها بأقدامها ثم شاع استعماله في سلوك الطريق ثم اختص ~~بالإتيان ليلا لأن الآتي بالليل في الغالب يجد الأبواب مغلقة فيطرقها ~~ويدقها ثم شاع الطارق في كل ما يظهر ليلا، والمراد بالطارق في الآية النجم ~~الذي يطلع بالليل. # والثقب في الأصل بمعنى الخرق ثم صار بمعنى النير المضيء لأنه يثقب الظلام ~~بنوره ويأتي بمعنى العلو والارتفاع ومنه ثقب الطائر أي ارتفع وعلا كأنه ~~يثقب الجو بطيرانه. # فقوله: "والسماء والطارق" إقسام بالسماء وبالنجم الطالع ليلا، وقوله: ~~"وما أدراك ما الطارق" تفخيم لشأن المقسم به وهو الطارق، وقوله: "النجم ~~الثاقب" بيان للطارق والجملة في معنى جواب استفهام مقدر كأنه لما قيل: وما ~~أدراك ما الطارق؟ سئل فقيل: فما هو الطارق؟ فأجيب، وقيل: النجم الثاقب. # قوله تعالى: "إن كل نفس لما عليها حافظ" جواب للقسم ولما بمعنى إلا ~~والمعنى ما من نفس إلا عليها حافظ، والمراد من قيام الحافظ على حفظها كتابة ~~أعمالها الحسنة والسيئة على ما صدرت منها ليحاسب عليها يوم القيامة ويجزي ~~بها فالحافظ هو الملك والمحفوظ العمل كما قال تعالى: "وإن عليكم لحافظين ~~كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون": الانفطار: 12. # ولا يبعد أن يكون المراد من حفظ النفس حفظ ذاتها وأعمالها، والمراد ~~بالحافظ جنسه فتفيد أن النفوس محفوظة لا تبطل بالموت ولا تفسد حتى إذا أحيا ~~الله الأبدان أرجع النفوس إليها فكان الإنسان هو الإنسان الدنيوي بعينه ~~وشخصه ثم يجزيه بما يقتضيه أعماله المحفوظة عليه من خير أو شر. # ويؤيد ذلك كثير من الآيات الدالة على حفظ الأشياء كقوله تعالى: "قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": الم السجدة: 11، وقوله: "الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت": ~~الزمر: 42. # ولا ينافي هذا الوجه ظاهر آية الانفطار السابقة من أن حفظ الملائكة هو ~~الكتابة فإن حفظ نفس الإنسان أيضا من الكتابة على ما يستفاد من قوله: "إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون": الجاثية: 29 وقد تقدمت الإشارة إليه. # ويندفع بهذا ms7611 الوجه الاعتراض على ما استدل به على المعاد من إطلاق القدرة ~~كما سيجيء، ومحصله أن إطلاق القدرة إنما ينفع فيما كان ممكنا لكن إعادة ~~الإنسان بعينه محال فإن الإنسان المخلوق ثانيا مثل الإنسان الدنيوي المخلوق ~~أولا لا شخصه الذي خلق أولا ومثل الشيء غير الشيء لا عينه. # وجه الاندفاع أن شخصية الشخص من الإنسان بنفسه لا ببدنه والنفس محفوظة ~~فإذا خلق البدن وتعلقت به النفس كان هو الإنسان الدنيوي بشخصه وإن كان ~~البدن بالقياس إلى البدن مع الغض عن النفس، مثلا لا عينا. # قوله تعالى: "فلينظر الإنسان مم خلق" أي ما هو مبدأ خلقه؟ وما هو الذي ~~صيره الله إنسانا؟ والجملة متفرعة على الآية السابقة وما تدل عليه بفحواها ~~بحسب السياق ومحصل المعنى وإذ كانت كل نفس محفوظة بذاتها وعملها من غير أن ~~تفنى أو ينسى عملها فليذعن الإنسان أن سيرجع إلى ربه ويجزي بما عمل ولا ~~يستبعد ذلك ولينظر لتحصيل هذا الإذعان إلى مبدإ خلقه ويتذكر أنه خلق من ماء ~~دافق يخرج من بين الصلب والترائب. PageV20P145 # فالذي بدأ خلقه من ماء هذه صفته يقدر على رجعه وإحيائه بعد الموت. # وفي الإتيان بقوله: "خلق" مبنيا للمفعول وترك ذكر الفاعل وهو الله سبحانه ~~إيماء إلى ظهور أمره، ونظيره قوله: "خلق من ماء" إلخ. # قوله تعالى: "خلق من ماء دافق" الدفق تصبب الماء وسيلانه بدفع وسرعة ~~والماء الدافق هو المني والجملة جواب عن استفهام مقدر يهدي إليه قوله: "مم خلق". # قوله تعالى: "يخرج من بين الصلب والترائب" الصلب الظهر، والترائب جمع ~~تريبة وهي عظم الصدر. # وقد اختلفت كلماتهم في الآية وما قبلها اختلافا عجيبا، والظاهر أن المراد ~~بقوله: "بين الصلب والترائب" البعض المحصور من البدن بين جداري عظام الظهر ~~وعظام الصدر. # قوله تعالى: "إنه على رجعه لقادر" الرجع الإعادة، وضمير "إنه" له تعالى ~~واكتفى بالإضمار مع أن المقام مقام الإظهار لظهوره نظير قوله: "خلق" مبنيا ~~للمفعول. # والمعنى أن الذي خلق الإنسان من ماء صفته تلك الصفة، على إعادته وإحيائه ~~بعد الموت - وإعادته ms7612 مثل بدئه - لقادر لأن القدرة على الشيء قدرة على مثله ~~إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد. # قوله تعالى: "يوم تبلى السرائر" ظرف للرجع، والسريرة ما أسره الإنسان ~~وأخفاه في نفسه، والبلاء الاختبار والتعرف والتصفح. # فالمعنى يوم يختبر ما أخفاه الإنسان وأسره من العقائد وآثار الأعمال ~~خيرها وشرها فيميز خيرها من شرها ويجزي الإنسان به فالآية في معنى قوله ~~تعالى: "إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284. # قوله تعالى: "فما له من قوة ولا ناصر" أي لا قدرة له في نفسه يمتنع بها ~~من عذاب الله ولا ناصر له يدفع عنه ذلك أي لا قدرة هناك يدفع عنه الشر لا ~~من نفسه ولا من غيره. # قوله تعالى: "والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع" إقسام بعد إقسام ~~لتأكيد أمر القيامة والرجوع إلى الله. # والمراد بكون السماء ذات رجع ما يظهر للحس من سيرها بطلوع الكواكب بعد ~~غروبها وغروبها بعد طلوعها، وقيل: رجعها أمطارها، والمراد بكون الأرض ذات ~~صدع تصدعها وانشقاقها بالنبات، ومناسبة القسمين لما أقسم عليه من الرجوع ~~بعد الموت والخروج من القبور ظاهرة. # قوله تعالى: "إنه لقول فصل وما هو بالهزل" الفصل إبانة أحد الشيئين من ~~الآخر حتى يكون بينهما فرجة، والتعبير بالفصل - والمراد الفاصل - للمبالغة ~~كزيد عدل والهزل خلاف الجد. # والآيتان جواب القسم، وضمير "إنه" للقرآن والمعنى أقسم بكذا وكذا أن ~~القرآن لقول فاصل بين الحق والباطل وليس هو كلاما لا جد فيه فما يحقه حق لا ~~ريب فيه وما يبطله باطل لا ريب فيه فما أخبركم به من البعث والرجوع حق لا ~~ريب فيه. # وقيل: الضمير لما تقدم من خبر الرجوع والمعاد، والوجه السابق أوجه. # قوله تعالى: "إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا" أي الكفار يحتالون بكفرهم ~~وإنكارهم المعاد احتيالا يريدون به إطفاء نور الله وإبطال دعوتك، واحتال ~~عليهم بعين أعمالهم بالاستدراج والإملاء والإضلال بالطبع على قلوبهم وجعل ~~الغشاوة على سمعهم وأبصارهم احتيالا أسوقهم به إلى عذاب يوم القيامة. # قوله تعالى: "فمهل الكافرين ms7613 أمهلهم رويدا" التمهيل والإمهال بمعنى واحد ~~غير أن باب التفعيل يفيد التدريج والإفعال يفيد الدفعة، والرويد القليل. # والمعنى: إذا كان منهم كيد ومني كيد عليهم بعين ما يكيدون به والله غالب ~~على أمره، فانتظر بهم ولا تعاجلهم انتظر بهم قليلا فسيأتيهم ما أوعدهم به ~~فكل ما هو آت قريب. # وفي التعبير أولا بمهل الظاهر في التدريج وثانيا مع التقييد برويدا بأمهل ~~الظاهر في الدفعة لطف ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "إن كل نفس لما عليها حافظ" قال: ~~الملائكة. # وفيه،: في قوله تعالى: "خلق من ماء دافق" قال: النطفة التي تخرج بقوة. # وفيه،: في قوله تعالى: "يخرج من بين الصلب والترائب" قال: الصلب الرجل ~~والترائب المرأة، وهو صدرها. # أقول: الرواية على إضمارها وإرسالها لا تخلو من شيء. # وفيه،: في قوله تعالى: "يوم تبلى السرائر" قال: يكشف عنها. PageV20P146 # وفي المجمع، روي مرفوعا عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): ضمن الله خلقه أربع خصال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، ~~والغسل من الجنابة، وهي السرائر التي قال الله تعالى: يوم تبلى السرائر. # أقول: ولعله من قبيل ذكر بعض المصاديق كما تؤيده الرواية التالية. # وفيه، عن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ~~هذه السرائر التي ابتلى الله بها العباد في الآخرة؟ فقال: سرائركم هي ~~أعمالكم من الصلاة والصيام والزكاة والوضوء والغسل من الجنابة وكل مفروض ~~لأن الأعمال كلها سرائر خفية فإن شاء الرجل قال: صليت ولم يصل وإن شاء قال: ~~توضيت ولم يتوض فذلك قوله: "يوم تبلى السرائر". # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "فما له من قوة ولا ناصر" قال: ما له ~~من قوة يهوي بها على خالقه، ولا ناصر من الله ينصره إن أراد به سوءا. # وفيه،: في قوله تعالى: "والسماء ذات الرجع" قال: ذات المطر "والأرض ذات ~~الصدع" أي ذات النبات. # وفي المجمع،: "أنه لقول فصل" يعني أن القرآن يفصل بين الحق والباطل ~~بالبيان ms7614 عن كل واحد منهما:، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة والدارمي والترمذي ومحمد بن نصر ~~وابن الأنباري في المصاحف عن الحارث الأعور قال: دخلت المسجد فإذا الناس قد ~~وقعوا في الأحاديث فأتيت عليا فأخبرته فقال: أوقد فعلوها؟ سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا ~~رسول الله قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، ~~هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، من ابتغى الهوى في غيره ~~أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، ~~هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا تلتبس منه الألسن، ~~ولا يخلق من الرد، ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى ~~قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. من قال به صدق، ومن حكم به ~~عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم. # أقول: وروي ما يقرب منه عن معاذ بن جبل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~ورواه مختصرا عن ابن مردويه عن علي (عليه السلام). PageV20P147 ### || AUTO ### ||| AUTO 87 سورة الأعلى - 1 - 19 # بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى (1) الذى خلق فسوى (2) والذى ~~قدر فهدى (3) والذى أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى ~~(6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر ~~إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذى يصلى ~~النار الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) ~~وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحيوة الدنيا (16) والاخرة خير وأبقى ~~(17) إن هذا لفى الصحف الأولى (18) صحف إبرهيم وموسى (19) ### |||| AUTO بيان # أمر بتوحيده تعالى على ما يليق بساحته المقدسة وتنزيه ذاته المتعالية من ~~أن يذكر مع اسمه اسم غيره أو يسند إلى غيره ما يجب أن يسند إليه كالخلق ~~والتدبير والرزق ووعد له ms7615 (صلى الله عليه وآله وسلم) بتأييده بالعلم والحفظ ~~وتمكينه من الطريقة التي هي أسهل وأيسر للتبليغ وأنسب للدعوة. # وسياق الآيات في صدر السورة سياق مكي وأما ذيلها أعني قوله: "قد أفلح من ~~تزكى" إلخ فقد ورد من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وكذا من طريق أهل ~~السنة أن المراد به زكاة الفطرة وصلاة العيد ومن المعلوم أن الصوم وما ~~يتبعه من زكاة الفطرة وصلاة العيد إنما شرعت بالمدينة بعد الهجرة فتكون ~~آيات الذيل نازلة بالمدينة. # فالسورة صدرها مكي وذيلها مدني، ولا ينافي ذلك ما جاء في الآثار أن ~~السورة مكية فإنه لا يأبى الحمل على صدر السورة. # قوله تعالى: "سبح اسم ربك الأعلى" أمر بتنزيه اسمه تعالى وتقديسه، وإذ ~~علق التنزيه على الاسم - وظاهر اللفظ الدال على المسمى - والاسم إنما يقع ~~في القول فتنزيهه أن لا يذكر معه ما هو تعالى منزه عنه كذكر الآلهة ~~والشركاء والشفعاء ونسبة الربوبية إليهم وكذكر بعض ما يختص به تعالى كالخلق ~~والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة ونحوها ونسبته إلى غيره تعالى أو كذكر ~~بعض ما لا يليق بساحة قدسه تعالى من الأفعال كالعجز والجهل والظلم والغفلة ~~وما يشبهها من صفات النقص والشين ونسبته إليه تعالى. # وبالجملة تنزيه اسمه تعالى أن يجرد القول عن ذكر ما لا يناسب ذكره ذكر ~~اسمه تعالى وهو تنزيهه تعالى في مرحلة القول الموافق لتنزيهه في مرحلة الفعل. # وهو يلازم التوحيد الكامل بنفي الشرك الجلي كما في قوله: "وإذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم ~~يستبشرون": الزمر 45" وقوله: "وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا": إسراء 46. # وفي إضافة الاسم إلى الرب والرب إلى ضمير الخطاب تأييد لما قدمناه فإن ~~المعنى سبح اسم ربك الذي اتخذته ربا وأنت تدعو إلى أنه الرب الإله فلا يقعن ~~في كلامك مع ذكر اسمه بالربوبية ذكر من غيره بحيث ينافي تسميه بالربوبية ~~على ما عرف نفسه لك. # وقوله: "الأعلى" وهو الذي يعلو ms7616 كل عال ويقهر كل شيء صفة "ربك" دون الاسم ~~ويعلل بمعناه الحكم أي سبح اسمه لأنه أعلى. # وقيل: معنى "سبح اسم ربك الأعلى" قل: سبحان ربي الأعلى كما عن ابن عباس ~~ونسب إليه أيضا أن المعنى صل. # وقيل: المراد بالاسم المسمى والمعنى نزهه تعالى عن كل ما لا يليق بساحة ~~قدسه من الصفات والأفعال. # وقيل: إنه ذكر الاسم والمراد به تعظيم المسمى واستشهد عليه بقول لبيد، ~~إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. # فالمعنى سبح ربك الأعلى. PageV20P148 # وقيل: المراد تنزيه أسمائه تعالى عما لا يليق بأن لا يئول مما ورد منها اسم ~~من غير مقتض، ولا يبقى على ظاهره إذا كان ما وضع له لا يصح له تعالى، ولا ~~يطلقه على غيره تعالى إذا كان مختصا كاسم الجلالة ولا يتلفظ به في محل لا ~~يناسبه كبيت الخلاء، وعلى هذا القياس وما قدمناه من المعنى أوسع وأشمل ~~وأنسب لسياق قوله الآتي "سنقرئك فلا تنسى" "ونيسرك لليسرى فذكر" فإن السياق ~~سياق البعث إلى التذكرة والتبليغ فبدأ أولا بإصلاح كلامه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وتجريده عن كل ما يشعر بجلي الشرك وخفيه بأمره بتنزيه اسم ربه، ~~ووعد ثانيا بإقرائه بحيث لا ينسى شيئا مما أوحي إليه وتسهيل طريقة التبليغ ~~عليه ثم أمر بالتذكير والتبليغ فافهم. # قوله تعالى: "الذي خلق فسوى" خلق الشيء جمع أجزائه، وتسويته جعلها ~~متساوية بحيث يوضع كل في موضعه الذي يليق به ويعطى حقه كوضع كل عضو من ~~أعضاء الإنسان فيما يناسبه من الموضع. # والخلق والتسوية وإن كانا مطلقين لكنهما إنما يشملان ما فيه تركيب أو ~~شائبة تركيب من المخلوقات. # والآية إلى تمام أربع آيات تصف التدبير الإلهي وهي برهان على ربوبيته ~~تعالى المطلقة. # قوله تعالى: "والذي قدر فهدى" أي جعل الأشياء التي خلقها على مقادير ~~مخصوصة وحدود معينة في ذواتها وصفاتها وأفعالها لا تتعداها وجهزها بما ~~يناسب ما قدر لها فهداها إلى ما قدر فكل يسلك نحو ما قدر له بهداية ربانية ~~تكوينية كالطفل يهتدي إلى ثدي أمه والفرخ ms7617 إلى زق أمه وأبيه، والذكر إلى ~~الأنثى وذي النفع إلى نفعه وعلى هذا القياس. # قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": ~~الحجر: 21، وقال: "ثم السبيل يسره": عبس: 20 وقال: "لكل وجهة هو موليها": ~~البقرة: 148. # قوله تعالى: "والذي أخرج المرعى" المرعى ما ترعاه الدواب فالله تعالى هو ~~الذي أخرجها أي أنبتها. # قوله تعالى: "فجعله غثاء أحوى" الغثاء ما يقذفه السيل على جانب الوادي من ~~الحشيش والنبات، والمراد هنا - كما قيل - اليابس من النبات، والأحوى ~~الأسود. # وإخراج المرعى لتغذي الحيوان ثم جعله غثاء أحوى من مصاديق التدبير ~~الربوبي ودلائله كما أن الخلق والتسوية والتقدير والهداية كذلك. # قوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى" ~~قال في المفردات،: والقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، ~~وليس يقال ذلك لكل جمع لا يقال: قرأت القوم إذا جمعتهم، ويدل على ذلك أنه ~~لا يقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة، انتهى، وقال في المجمع،: والإقراء ~~أخذ القراءة على القارىء بالاستماع لتقويم الزلل، والقارىء التالي. # انتهى. # وليس إقراؤه تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن مثل إقراء ~~بعضنا بعضا باستماع المقري لما يقرؤه القارىء وإصلاح ما لا يحسنه أو يغلط ~~فيه فلم يعهد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقرأ شيئا من القرآن ~~فلا يحسنه أو يغلط فيه عن نسيان للوحي ثم يقرأ فيصلح بل المراد تمكينه من ~~قراءة القرآن كما أنزل من غير أن يغيره بزيادة أو نقص أو تحريف بسبب ~~النسيان. # فقوله: "سنقرئك فلا تنسى" وعد منه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يمكنه من العلم بالقرآن وحفظه على ما أنزل بحيث يرتفع عنه النسيان فيقرؤه ~~كما أنزل وهو الملاك في تبليغ الوحي كما أوحي إليه. # وقوله: "إلا ما شاء الله" استثناء مفيد لبقاء القدرة الإلهية على إطلاقها ~~وأن هذه العطية وهي الإقراء بحيث لا تنسى لا ينقطع عنه سبحانه بالإعطاء ~~بحيث لا يقدر بعد على ms7618 إنسائك بل هو باق على إطلاق قدرته له أن يشاء إنساءك ~~متى شاء وإن كان لا يشاء ذلك فهو نظير الاستثناء الذي في قوله: "وأما الذين ~~سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء ~~غير مجذوذ": هود: 108 وقد تقدم توضيحه. # وليس المراد بالاستثناء إخراج بعض أفراد النسيان من عموم النفي والمعنى ~~سنقرئك فلا تنسى شيئا إلا ما شاء الله أن تنساه وذلك أن كل إنسان على هذه ~~الحال يحفظ أشياء وينسى أشياء فلا معنى لاختصاصه بالنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بلحن الامتنان مع كونه مشتركا بينه وبين غيره فالوجه ما قدمناه. PageV20P149 # والآية بسياقها لا تخلو من تأييد لما قيل: إنه كان النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه مخافة أن ينساه فكان لا يفرغ ~~جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعده شيئا. # ويقرب من الاعتبار أن تكون هذه الآية أعني قوله: "سنقرئك فلا تنسى" نازلة ~~أولا ثم قوله: "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه": القيامة: 19 ثم قوله: "ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما": طه: 114. # وقوله: "إنه يعلم الجهر وما يخفى" الجهر كمال ظهور الشيء لحاسة البصر كقوله. # "فقالوا أرنا الله جهرة": النساء: 153، أو لحاسة السمع كقوله: "إنه يعلم ~~الجهر من القول": الأنبياء: 110، والمراد بالجهر الظاهر للإدراك بقرينة ~~مقابلته لقوله: "وما يخفى" من غير تقييده بسمع أو بصر. # والجملة في مقام التعليل لقوله. # "سنقرئك فلا تنسى" والمعنى سنصلح لك بالك في تلقي الوحي وحفظه لأنا نعلم ~~ظاهر الأشياء وباطنها فنعلم ظاهر حالك وباطنها وما أنت عليه من الاهتمام ~~بأمر الوحي والحرص على طاعته فيما أمر به. # وفي قوله: "إلا ما شاء الله إنه يعلم" إلخ التفات من التكلم مع الغير إلى ~~الغيبة والنكتة فيه الإشارة إلى حجة الاستثناء فإفاضة العلم ms7619 والحفظ للنبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إنما لا يسلب القدرة على خلافه ولا يحدها منه ~~تعالى لأنه الله المستجمع لجميع صفات الكمال ومنها القدرة المطلقة ثم جرى ~~الالتفات في قوله: "إنه يعلم" إلخ لمثل النكتة. # قوله تعالى: "ونيسرك لليسرى" اليسرى - مؤنث أيسر - وهو وصف قائم مقام ~~موصوفة المحذوف أي الطريقة اليسرى والتيسير التسهيل أي ونجعلك بحيث تتخذ ~~دائما أسهل الطرق للدعوة والتبليغ قولا وفعلا فتهدي قوما وتتم الحجة على ~~آخرين وتصبر على أذاهم. # وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ونيسر لك اليسرى كما قال: "ويسر لي أمري": ~~طه: 26 وإنما عدل عن ذلك إلى قوله: "ونيسرك لليسرى" لأن الكلام في تجهيزه ~~تعالى نفس النبي الشريفة وجعله إياها صالحة لتأدية الرسالة ونشر الدعوة. # على ما في نيسر اليسرى من إيهام تحصيل الحاصل. # فالمراد جعله (صلى الله عليه وآله وسلم) صافي الفطرة حقيقا على اختيار ~~الطريقة اليسرى التي هي طريقة الفطرة فالآية في معنى قوله حكاية عن موسى: ~~"حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق": الأعراف: 105. # قوله تعالى: "فذكر إن نفعت الذكرى" تفريع على ما تقدم من أمره (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بتنزيه اسم ربه ووعده إقراء الوحي بحيث لا ينسى وتيسيره ~~لليسرى وهي الشرائط الضرورية التي يتوقف عليها نجاح الدعوة الدينية. # والمعنى إذ تم لك الأمر بامتثال ما أمرناك به وإقرائك فلا تنسى وتيسيرك ~~لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى. # وقد اشترط في الأمر بالتذكرة أن تكون نافعة وهو شرط على حقيقته فإنها إذا ~~لم تنفع كانت لغوا وهو تعالى يجل عن أن يأمر باللغو فالتذكرة لمن يخشى لأول ~~مرة تفيد ميلا من نفسه إلى الحق وهو نفعها وكذا التذكرة بعد التذكرة كما ~~قال: "سيذكر من يخشى" والتذكرة للأشقى الذي لا خشية في قلبه لأول مرة تفيد ~~تمام الحجة عليه وهو نفعها ويلازمها تجنبه وتوليه عن الحق كما قال: ~~"ويتجنبها الأشقى" والتذكرة بعد التذكرة له لا تنفع شيئا ولذا أمر بالإعراض ~~عن ذلك قال تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ms7620 ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا": ~~النجم: 29. # وقيل: الشرط شرط صوري غير حقيقي وإنما هو إخبار عن أن الذكرى نافعة لا ~~محالة في زيادة الطاعة والانتهاء عن المعصية كما يقال: سله إن نفع السؤال ~~ولذا قال بعضهم "إن" "إن" في الآية بمعنى قد، وقال آخرون: إنها بمعنى إذ. # وفيه أن كون الذكرى نافعة مفيدة دائما حتى فيمن يعاند الحق - وقد تمت ~~عليه الحجة - ممنوع كيف؟ وقد قيل فيهم: "سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة: 7. PageV20P150 # وقيل: إن في الكلام إيجازا بالحذف، والتقدير فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم ~~تنفع وذلك لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأس للتذكرة والإعذار فعليه أن ~~يذكر نفع أو لم ينفع فالآية من قبيل قوله: "وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر": ~~النحل: 81 أي والبرد. # وفيه أن وجوب التذكرة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى فيما لا يترتب ~~عليها أثرا أصلا ممنوع. # وقيل: إن الشرط مسوق للإشارة إلى استبعاد النفع في تذكرة هؤلاء المذكورين ~~نعيا عليهم كأنه قيل: افعل ما أمرت به لتوجر وإن لم ينتفعوا به. # وفيه أنه يرده قوله تعالى بعده بلا فصل: "سيذكر من يخشى". # قوله تعالى: "سيذكر من يخشى" أي سيتذكر ويتعظ بالقرآن من في قلبه شيء من ~~خشية الله وخوف عقابه. # قوله تعالى: "ويتجنبها الأشقى" الضمير للذكرى والمراد بالأشقى بقرينة ~~المقابلة من ليس في قلبه شيء من خشية الله تعالى، وتجنب الشيء التباعد عنه، ~~والمعنى وسيتباعد عن الذكرى من لا يخشى الله. # قوله تعالى: "الذي يصلى النار الكبرى" الظاهر أن المراد بالنار الكبرى ~~نار جهنم وهي نار كبرى بالقياس إلى نار الدنيا، وقيل: المراد بها أسفل ~~دركات جهنم وهي أشدها عذابا. # قوله تعالى: "ثم لا يموت فيها ولا يحيى" ثم للتراخي بحسب رتبة الكلام، ~~والمراد من نفي الموت والحياة عنه معا نفي النجاة نفيا مؤبدا فإن النجاة ~~بمعنى انقطاع العذاب بأحد أمرين إما بالموت حتى ينقطع عنه العذاب ms7621 بانقطاع ~~وجوده وإما يتبدل صفة الحياة من الشقاء إلى السعادة ومن العذاب إلى الراحة ~~فالمراد بالحياة في الآية الحياة الطيبة على حد قولهم في الحرض: لا حي ~~فيرجى ولا ميت فينسى. # قوله تعالى: "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" التزكي هو التطهر ~~والمراد به التطهر من ألواث التعلقات الدنيوية الصارفة عن الآخرة بدليل ~~قوله بعد "بل تؤثرون الحياة الدنيا" إلخ، والرجوع إلى الله بالتوجه إليه ~~تطهر من الإخلاد إلى الأرض، والإنفاق في سبيل الله تطهر من لوث التعلق ~~المالي حتى أن وضوء الصلاة تمثيل للتطهر عما كسبته الوجوه والأيدي ~~والأقدام. # وقوله: "وذكر اسم ربه فصلى" الظاهر أن المراد بالذكر الذكر اللفظي، ~~وبالصلاة التوجه الخاص المشروع في الإسلام. # والآيتان بحسب ظاهر مدلولهما على العموم لكن ورد في المأثور عن أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام) أنهما نزلتا في زكاة الفطر وصلاة العيد وكذا من طرق ~~أهل السنة. # قوله تعالى: "بل تؤثرون الحياة الدنيا" إضراب بالخطاب لعامة الناس على ما ~~يدعو إليه طبعهم البشري من التعلق التام بالدنيا والاشتغال بتعميرها، ~~والإيثار الاختيار، وقيل: الخطاب للكفار، والكلام على أي حال مسوق للعتاب ~~والالتفات لتأكيده. # قوله تعالى: "والآخرة خير وأبقى" عد الآخرة أبقى بالنسبة إلى الدنيا مع ~~أنها باقية أبدية في نفسها لأن المقام مقام الترجيح بين الدنيا والآخرة ~~ويكفي في الترجيح مجرد كون الآخرة خيرا وأبقى بالنسبة إلى الدنيا وإن قطع ~~النظر عن كونها باقية أبدية. # قوله تعالى: "إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى" الإشارة بهذا ~~إلى ما بين في قوله: "قد أفلح من تزكى" إلى تمام أربع آيات، وقيل: هذا ~~إشارة إلى مضمون قوله: "والآخرة خير وأبقى". # قيل: وفي إبهام الصحف ووصفها بالتقدم أولا ثم بيانها وتفسيرها بصحف ~~إبراهيم وموسى ثانيا ما لا يخفى من تفخيم شأنها وتعظيم أمرها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير العياشي، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت: "فسبح باسم ربك ~~العظيم" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اجعلوها في ركوعكم، ولما ms7622 ~~نزل "سبح اسم ربك الأعلى" قال: اجعلوها في سجودكم:. أقول: ورواه أيضا في ~~الدر المنثور، عن أحمد وأبي داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ~~عقبة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي تفسير القمي،: "سبح اسم ربك الأعلى" قال: قل سبحان ربي الأعلى "الذي ~~خلق فسوى والذي قدر فهدى" قال: قدر الأشياء بالتقدير الأول ثم هدى إليها من يشاء. # وفيه،: في قوله تعالى: "والذي أخرج المرعى" قال: أي النبات. وفي قوله: ~~"غثاء أحوى" قال: يصير هشيما بعد بلوغه ويسود. PageV20P151 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) يستذكر القرآن مخافة أن ينساه فقيل له: كفيناك ذلك ونزلت: ~~"سنقرئك فلا تنسى". # وفي الفقيه،: وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "قد أفلح من ~~تزكى" قال قال: من أخرج الفطرة قيل له: و"ذكر اسم ربه فصلى" قال: خرج إلى ~~الجبانة فصلى:. أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن حماد عن جرير عن أبي بصير ~~وزرارة عنه (عليه السلام) ورواه القمي في تفسيره، مرسلا مضمرا. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "قد أفلح من تزكى - وذكر اسم ربه ~~فصلى" ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر. # أقول: وروي أيضا نزول الآيتين في زكاة الفطرة وصلاة العيد بطريقين عن أبي ~~سعيد موقوفا، وكذا بطريقين عن ابن عمر وبطريق عن نائلة بن الأصقع وبطريقين ~~عن أبي العالية وبطريق عن عطاء وبطريق عن محمد بن سيرين وبطريق عن إبراهيم ~~النخعي وكذا عن عمرو بن عوف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي الخصال، عن عتبة بن عمرو الليثي عن أبي ذر في حديث قلت: يا رسول الله ~~فما في الدنيا مما أنزل الله عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: ~~يا أبا ذر اقرأ "قد أفلح من تزكى - وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون ms7623 الحياة ~~الدنيا - والآخرة خير وأبقى - إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى". # أقول: يؤيد الحديث كون الإشارة بهذا إلى مجموع الآيات الأربع كما تقدم. # وفي البصائر، بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~عندنا الصحف التي قال الله: "صحف إبراهيم وموسى" قلت: الصحف هي الألواح؟ ~~قال: نعم:. أقول: ورواه أيضا بطريق آخر عن أبي بصير عنه (عليه السلام) ~~والظاهر أن المراد بكون الصحف هي الألواح كونها هي التوراة المعبر عنها في ~~مواضع من القرآن بالألواح كقوله تعالى: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء": ~~الأعراف: 145 وقوله: "وألقى الألواح": الأعراف: 150 وقوله: "أخذ الألواح": ~~الأعراف: 154. # وفي المجمع، روي عن أبي ذر أنه قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: ~~مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا قلت: يا رسول الله كم المرسلون منهم؟ قال: ~~ثلاث مائة وثلاثة عشر وبقيتهم أنبياء. قلت: كان آدم نبيا؟ قال: نعم كلمة ~~الله وخلقه بيده. يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب: هود وصالح وشعيب ونبيك. ~~قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة وأربعة كتب أنزل منها ~~على آدم عشرة صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثين ~~صحيفة وهو أول من خط بالقلم وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان. # أقول: وروي ذلك في الدر المنثور، عن عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر ~~عن أبي ذر غير أنه لم يذكر صحف آدم وذكر لموسى عشر صحف قبل التوراة. PageV20P152 ### || AUTO ### ||| AUTO 88 سورة الغاشية - 1 - 26 # بسم الله الرحمن الرحيم هل أتاك حديث الغشية (1) وجوه يومئذ خشعة (2) ~~عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين ءانية (5) ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغنى من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها ~~راضية (9) فى جنة عالية (10) لا تسمع فيها لغية (11) فيها عين جارية (12) ~~فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابى مبثوثة ~~(16) أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت ms7624 (18) وإلى ~~الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) ~~لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر ~~(24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) ### |||| AUTO بيان # سورة إنذار وتبشير تصف الغاشية وهي يوم القيامة الذي يحيط بالناس تصفه ~~بحال الناس فيه من حيث انقسامهم فريقين: السعداء والأشقياء واستقرارهم فيما ~~أعد لهم من الجنة والنار وتنتهي إلى أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~يذكر الناس بفنون من التدبير الربوبي في العالم الدالة على ربوبيته تعالى ~~لهم ورجوعهم إليه لحساب أعمالهم. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "هل أتاك حديث الغاشية" استفهام بداعي التفخيم والإعظام، ~~والمراد بالغاشية يوم القيامة سميت بذلك لأنها تغشى الناس وتحيط بهم كما ~~قال: "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا": الكهف: 47، أو لأنها تغشى الناس ~~بأهوالها بغتة كما قيل، أو لأنها تغشى وجوه الكفار بالعذاب. # قوله تعالى: "وجوه يومئذ خاشعة" أي مذللة بالغم والعذاب يغشاها، والخشوع ~~إنما هو لأرباب الوجوه وإنما نسب إلى الوجوه لأن الخشوع والمذلة يظهر فيها. # قوله تعالى: "عاملة ناصبة" النصب التعب و"عاملة" خبر بعد خبر لوجوه، وكذا ~~قوله: "ناصبة" و"تصلى" و"تسقى" و"ليس لهم" والمراد من عملها ونصبها بقرينة ~~مقابلتهما في صفة أهل الجنة الآتية بقوله: "لسعيها راضية" عملها في الدنيا ~~ونصبها في الآخرة فإن الإنسان إنما يعمل ما يعمل في الدنيا ليسعد به ويظفر ~~بالمطلوب لكن عملهم خبط باطل لا ينفعهم شيئا كما قال تعالى: "وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا": الفرقان: 23 فلا يعود إليهم من عملهم ~~إلا النصب والتعب بخلاف أهل الجنة فإنهم لسعيهم الذي سعوه في الدنيا راضون ~~لما ساقهم إلى الجنة والراحة. # وقيل: المراد أنها عاملة في النار ناصبة فيها فهي تعالج أنواع العذاب ~~الذي تعذب به وتتعب لذلك. # وقيل: المراد أنها عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة. # قوله تعالى: "تصلى نارا حامية" أي تلزم نارا في نهاية الحرارة. # قوله تعالى: "تسقى من عين آنية" أي حارة ms7625 بالغة في حرارتها. # قوله تعالى: "ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع" قيل: ~~الضريع نوع من الشوك يقال له: الشبرق وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس ~~وهو أخبث طعام وأبشعه لا ترعاه دابة، ولعل تسمية ما في النار به لمجرد ~~المشابهة شكلا وخاصة. # قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناعمة" من النعومة فيكون كناية عن البهجة ~~والسرور الظاهر على البشرة كما قال: "تعرف في وجوههم نضرة النعيم": ~~المطففين: 24، أو من النعمة أي متنعمة. # قيل: ولم يعطف على قوله: "وجوه يومئذ خاشعة" إشارة إلى كمال البينونة بين ~~حالي الفريقين. # قوله تعالى: "لسعيها راضية" اللام للتقوية، والمراد بالسعي سعيها في ~~الدنيا بالعمل الصالح، والمعنى رضيت سعيها وهو عملها الصالح حيث جوزيت به ~~جزاء حسنا. # قوله تعالى: "في جنة عالية - إلى قوله - وزرابي مبثوثة" المراد بعلوها ~~ارتفاع درجاتها وشرفها وجلالتها وغزارة عيشها فإن فيها حياة لا موت معها، ~~ولذة لا ألم يشوبها وسرورا لا غم ولا حزن يداخله لهم فيها فوق ما يشاءون. # وقوله: "لا تسمع فيها لاغية" أي لا تسمع تلك الوجوه في الجنة كلمة ساقطة ~~لا فائدة فيها. PageV20P153 # وقوله: "فيها عين جارية" المراد بالعين جنسها فقد عد تعالى فيها عيونا في ~~كلامه كالسلسبيل والشراب الطهور وغيرهما. # وقوله: "فيها سرر مرفوعة" السرر جمع سرير وفي ارتفاعها جلالة القاعد ~~عليها، "وأكواب موضوعة" الأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا خرطوم له ولا عروة ~~يتخذ فيه الشراب "ونمارق مصفوفة" النمارق جمع نمرقة وهي الوسادة وكونها ~~مصفوفة وضعها في المجلس بحيث يتصل بعضها ببعض على هيئة المجالس الفاخرة في ~~الدنيا "وزرابي مبثوثة" الزرابي جمع زريبة مثلثة الزاي وهي البساط الفاخر ~~وبثها بسطها للقعود عليها. # قوله تعالى: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" بعد ما فرغ من وصف الغاشية ~~وبيان حال الفريقين، المؤمنين والكفار عقبه بإشارة إجمالية إلى التدبير ~~الربوبي الذي يفصح عن ربوبيته تعالى المقتضية لوجوب عبادته ولازم ذلك حساب ~~الأعمال وجزاء المؤمن بإيمانه والكافر بكفره والظرف الذي فيه ذلك هو ~~الغاشية. # وقد ms7626 دعاهم أولا أن ينظروا إلى الإبل كيف خلقت؟ وكيف صور الله سبحانه أرضا ~~عادمة للحياة فاقدة للشعور بهذه الصورة العجيبة في أعضائها وقواها ~~وأفاعيلها فسخرها لهم ينتفعون من ركوبها وحملها ولحمها وضرعها وجلدها ~~ووبرها حتى بولها وبعرتها فهل هذا كله توافق اتفاقي غير مطلوب بحياله؟. # وتخصيص الإبل بالذكر من جهة أن السورة مكية وأول من تتلى عليهم الإعراب ~~واتخاذ الآبال من أركان عيشتهم. # قوله تعالى: "وإلى السماء كيف رفعت" وزينت بالشمس والقمر وسائر النجوم ~~الزواهر بما فيها من المنافع لأهل الأرض وقد جعل دونها الهواء الذي يضطر ~~إليه الحيوان في تنفسه. # قوله تعالى: "وإلى الجبال كيف نصبت" وهي أوتاد الأرض المانعة من مورها ~~ومخازن الماء التي تتفجر منها العيون والأنهار ومحافظ للمعادن. # قوله تعالى: "وإلى الأرض كيف سطحت" أي بسطت وسويت فصلحت لسكنى الإنسان ~~وسهل فيها النقل والانتقال وأغلب التصرفات الصناعية التي للإنسان. # فهذه تدبيرات كلية مستندة إليه تعالى بلا ريب فيه فهو رب السماء والأرض ~~ما بينهما فهو رب العالم الإنساني يجب عليهم أن يتخذوه ربا ويوحدوه ويعبدوه ~~وأمامهم الغاشية وهو يوم الحساب والجزاء. # قوله تعالى: "فذكر إنما أنت مذكر" تفريع على ما تقدم والمعنى إذا كان ~~الله سبحانه هو ربهم لا رب سواه وأمامهم يوم الحساب والجزاء لمن آمن منهم ~~أو كفر فذكرهم بذلك. # وقوله: "إنما أنت مذكر" بيان أن وظيفته - وهو رسول - التذكرة رجاء أن ~~يستجيبوا ويؤمنوا من غير إكراه وإلجاء. # قوله تعالى: "لست عليهم بمصيطر" المصيطر - وأصله المسيطر - المتسلط، ~~والجملة بيان وتفسير لقوله: "إنما أنت مذكر". # قوله تعالى: "إلا من تولى وكفر" استثناء من المفعول المحذوف لقوله ~~السابق: "فذكر" والتقدير فذكر الناس إلا من تولى منهم عن التذكرة وكفر إذ ~~تذكرته لغو لا فائدة فيها، ومعلوم أن التولي والكفر إنما يكون بعد التذكرة ~~فالمنفي بالاستثناء هو التذكرة بعد التذكرة كأنه قيل: ذكرهم وأدم التذكرة ~~إلا لمن ذكرته فتولى عنها وكفر، فليس عليك إدامة تذكرته بل أعرض عنه فيعذبه ~~الله العذاب الأكبر. # فقوله: "فذكر - إلى أن قال ms7627 - إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر" في معنى قوله: "فذكر إن نفعت الذكرى - إلى أن قال - ويتجنبها ~~الأشقى الذي يصلى النار الكبرى": الأعلى: 12 وقد تقدم بيانه. # وقيل: الاستثناء من ضمير "عليهم" في قوله: "لست عليهم بمصيطر" والمعنى ~~لست عليهم بمتسلط إلا على من تولى منهم عن التذكرة وأقام على الكفر فسيسلطك ~~الله عليه ويأمرك بالجهاد فتقاتله فتقتله. # وقيل: الاستثناء منقطع والمعنى لست عليهم بمتسلط لكن من تولى وكفر منهم ~~يعذبه الله العذاب الأكبر، وما قدمناه من الوجه أرجح وأقرب. # قوله تعالى: "فيعذبه الله العذاب الأكبر" هو عذاب جهنم فالآية كما تقدم ~~محاذية لقوله في سورة الأعلى "الذي يصلى النار الكبرى". # قوله تعالى: "إن إلينا إيابهم" الإياب الرجوع و"إلينا" خبر إن وإنما قدم ~~للتأكيد ولرعاية الفواصل دون الحصر إذ لا قائل برجوع الناس إلى غير الله ~~سبحانه والآية في مقام التعليل للتعذيب المذكور في الآية السابقة. # قوله تعالى: "ثم إن علينا حسابهم" الكلام فيه كالكلام في الآية السابقة. PageV20P154 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): كل ناصب وإن تعبد واجتهد ~~يصير إلى هذه الآية "عاملة ناصبة تصلى نارا حامية". # أقول: ورواه في ثواب الأعمال، مسندا ولفظه: كل ناصب وإن تعبد واجتهد يصير ~~إلى هذه الغاية "عاملة ناصبة تصلى نارا حامية". # وفيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الضريع ~~شيء في النار يشبه الشوك أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار ~~سماه الله الضريع. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لا تسمع فيها لاغية" قال: الهزل ~~والكذب. # وفيه،: في قوله تعالى: "لست عليهم بمصيطر" قال: بحافظ ولا كاتب عليهم. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا ms7628 قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم ~~بمصيطر". # أقول: لا دلالة في الرواية على كون الاستثناء من ضمير "عليهم" وهو ظاهر. # وفيه، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ~~"إلا من تولى وكفر" يريد من لم يتعظ ولم يصدقك وجحد ربوبيتي وكفر نعمتي ~~"فيعذبه الله العذاب الأكبر" يريد الغليظ الشديد الدائم "إن إلينا إيابهم" ~~يريد مصيرهم "ثم إن علينا حسابهم" يريد جزاءهم. # وفي النهج،: وسئل (عليه السلام): كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟ قال: ~~كما يرزقهم على كثرتهم. قيل: فكيف يحاسبهم ولا يرونه؟ قال: كما يرزقهم ولا يرونه. # وفيه، قال الصادق (عليه السلام): كل أمة يحاسبها إمام زمانها، ويعرف ~~الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم وهو قوله: "وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا ~~بسيماهم" الحديث. # أقول: قد تقدم توضيح معنى الحديث في تفسير الآية من سورة الأعراف، وروي ~~هذا المعنى في البصائر، عن الصادق (عليه السلام) مسندا وفي الكافي، عن ~~الباقر والكاظم (عليهما السلام) وفي الفقيه، عن الهادي (عليه السلام) في ~~الزيارة الجامعة. PageV20P155 ### || AUTO ### ||| AUTO 89 سورة الفجر - 1 - 30 # بسم الله الرحمن الرحيم والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) ~~واليل إذا يسر (4) هل فى ذلك قسم لذى حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) ~~إرم ذات العماد (7) التى لم يخلق مثلها فى البلد (8) وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد (9) وفرعون ذى الأوتاد (10) الذين طغوا فى البلد (11) فأكثروا ~~فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) فأما ~~الانسن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن (15) وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهنن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ~~ولا تحضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون ~~المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا ~~صفا (22) وجاىء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الانسن وأنى له الذكرى (23) يقول ~~يليتنى قدمت لحياتى (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه ms7629 أحد ~~(26) يأيتها النفس المطمئنة (27) ارجعى إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلى فى ~~عبدى (29) وادخلى جنتى (30) ### |||| AUTO بيان # في السورة ذم التعلق بالدنيا المتعقب للطغيان والكفران وإيعاد أهله بأشد ~~عذاب الله في الدنيا والآخرة فتبين أن الإنسان لقصور نظره وسوء فكره يرى أن ~~ما آتاه الله من نعمه من كرامته على الله وأن ما يتلبس به من الفقر والعدم ~~من هوانه فيطغى ويفسد في الأرض إذا وجد ويكفر إذا فقد وقد اشتبه عليه الأمر ~~فما يصيبه من القدرة والثروة ومن الفقر وضيق المعاش امتحان وابتلاء إلهي ~~ليظهر به ما ذا يقدم من دنياه لأخراه. # فليس الأمر على ما يتوهمه الإنسان ويقوله بل الأمر كما سيتذكره إذا وقع ~~الحساب وحضر العذاب أن ما أصابه من فقر أو غنى أو قوة أو ضعف كان امتحانا ~~إلهيا وكان يمكنه أن يقدم من يومه لغده فلم يفعل وآثر العقاب على الثواب ~~فليس ينال الحياة السعيدة في الآخرة إلا النفس المطمئنة إلى ربها المسلمة ~~لأمره التي لا تتزلزل بعواصف الابتلاءات ولا يطغيه الوجدان ولا يكفره ~~الفقدان. # والسورة مكية بشهادة سياق آياتها. # قوله تعالى: "والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك ~~قسم لذي حجر" الفجر الصبح والشفع الزوج، قال الراغب: الشفع ضم الشيء إلى ~~مثله ويقال للمشفوع شفع. # انتهى. # وسري الليل مضيه وإدباره، والحجر العقل فقوله: "والفجر" إقسام بالصبح ~~وكذا الحال فيما عطف عليه من ليال والشفع والوتر والليل. # ولعل ظاهر قوله: "والفجر" أن المراد به مطلق الفجر ولا يبعد أيضا أن يراد ~~به فجر يوم النحر وهو عاشر ذي الحجة. # وقيل: المراد فجر ذي الحجة، وقيل: فجر المحرم أول السنة وقيل: فجر يوم ~~الجمعة، وقيل فجر ليلة جمع، وقيل: المراد به صلاة الفجر، وقيل: النهار كله ~~وقيل: فجر العيون من الصخور وغيرها وهي وجوه ردية. # وقوله: "وليال عشر" لعل المراد بها الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى ~~عاشرها والتنكير للتفخيم. # وقيل: المراد بها الليالي العشر من آخر شهر رمضان، وقيل: الليالي العشر ms7630 ~~من أوله، وقيل الليالي العشر من أول المحرم، وقيل: المراد عبادة ليال عشر ~~على تقدير أن يراد بالفجر صلاة الفجر. # وقوله "والشفع والوتر" يقبل الانطباق على يوم التروية ويوم عرفة وهو ~~الأنسب على تقدير أن يراد بالفجر وليال عشر فجر ذي الحجة والعشر الأول من ~~لياليها. # وقيل: المراد صلاتا الشفع والوتر في آخر الليل، وقيل: مطلق الصلاة فمنها ~~شفع ومنها وتر، وقيل: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وقيل: الشفع جميع ~~الخلق لأنه قال: "وخلقناكم أزواجا": النبأ: 8 والوتر هو الله تعالى، وعلى ~~هذه الأقوال روايات ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. PageV20P156 # وقيل: المراد الزوج والفرد من العدد، وفي الإقسام بهما تذكير بالعدد لما في ~~ضبط المقادير به من عظيم النعمة من الله سبحانه، وقيل: الشفع والوتر جميع ~~المخلوقات لأن الأشياء إما زوج وإما فرد، وقيل: الوتر آدم شفع بزوجته، ~~وقيل: الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم ~~القيامة، وقيل: الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام، وقيل: الشفع أيام ~~عاد والوتر لياليها، وقيل: الشفع أبواب الجنة وهي ثمانية والوتر أبواب جهنم ~~وهي سبعة إلى غير ذلك وهي كثيرة أنهاها بعضهم إلى ستة وثلاثين قولا ولا ~~يخلو أكثرها من تحكم. # وقوله: "والليل إذا يسر" أي يمضي فهو كقوله: "والليل إذ أدبر": المدثر: ~~33 وظاهره أن اللام للجنس فالمراد به مطلق آخر الليل، وقيل: المراد به ليلة ~~المزدلفة وهي ليلة النحر التي يسري فيها الحاج من عرفات إلى المزدلفة ~~فيجتمع فيها على طاعة الله ثم يغدوا منها إلى منى وهو كما ترى وخاصة على ~~القول بكون المراد بليال عشر هو الليالي العشر الأوائل منها. # وقوله: "هل في ذلك قسم لذي حجر" الإشارة بذلك إلى ما تقدم من القسم، ~~والاستفهام للتقرير، والمعنى أن في ذلك الذي قدمناه قسما كافيا لمن له عقل ~~يفقه به القول ويميز الحق من الباطل، وإذا أقسم الله سبحانه بأمر - ولا ~~يقسم إلا بما له شرف ومنزلة - كان من القول الحق المؤكد الذي ms7631 لا ريب في صدقه. # وجواب الأقسام المذكورة محذوف يدل عليه ما سيذكر من عذاب أهل الطغيان ~~والكفران في الدنيا والآخرة وثواب النفوس المطمئنة، وأن إنعامه تعالى على ~~من أنعم عليه وإمساكه عنه فيمن أمسك إنما هو ابتلاء وامتحان. # وحذف الجواب والإشارة إليه على طريق التكنية أوقع وآكد في باب الإنذار ~~والتبشير. # قوله تعالى: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد" هم عاد الأولى قوم هود تكررت ~~قصتهم في القرآن الكريم وأشير إلى أنهم كانوا بالأحقاف، وقد قدمنا ما يتحصل ~~من قصصهم في القرآن الكريم في تفسير سورة هود. # قوله تعالى: "إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" العماد وجمعه ~~عمد ما يعتمد عليه الأبنية، وظاهر الآيتين أن إرم كانت مدينة لهم معمورة ~~عديمة النظير ذات قصور عالية وعمد ممددة، وقد انقطعت أخبار القوم عهدهم ~~وانمحت آثارهم، فلا سبيل إلى الحصول على تفصيل حالهم تطمئن إليها النفس إلا ~~ما قصة القرآن الكريم من إجمال قصتهم أنهم كانوا بعد قوم نوح قاطنين ~~بالأحقاف وكانوا ذوي بسطة في الخلق أولي قوة وبطش شديد، وكان لهم تقدم ورقي ~~في المدنية والحضارة لهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام ~~كريم وقد تقدمت القصة. # وقيل: المراد بإرم قوم عاد - وهو في الأصل اسم أبيهم سموا باسم أبيهم كما ~~يقال: قريش ويراد به القرشيون ويطلق إسرائيل ويراد به بنو إسرائيل - ~~والمراد بكونهم ذات عماد كونهم أولي قوة وسطوة. # والمعنى: ألم تر كيف فعل ربك بقوم عاد الذين هم قوم إرم ذوو القوة والشدة ~~الذين لم يخلق مثلهم في بسطة الجسم والقوة والبطش في البلاد أو في أقطار ~~الأرض ولا يخلو من بعد من ظاهر اللفظ. # وأبعد منه ما قيل: إن المراد بكونهم ذات العماد أنهم كانوا أهل عمد سيارة ~~في الربيع فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم. # ومن الأساطير قصة جنة إرم المشهورة المروية عن وهب بن منبه وكعب الأحبار. # قوله تعالى: "وثمود الذين جابوا الصخر بالواد" الجوب القطع أي قطعوا صخر ~~الجبال ms7632 بنحتها بيوتا فهو في معنى قوله: "وتنحتون من الجبال بيوتا": ~~الشعراء: 149. # قوله تعالى: "وفرعون ذي الأوتاد" هو فرعون موسى، وسمي ذا الأوتاد - على ~~ما في بعض الروايات - لأنه كان إذا أراد أن يعذب رجلا بسطه على الأرض ووتد ~~يديه ورجليه بأربعة أوتاد في الأرض وربما بسطه على خشب وفعل به ذلك، ويؤيده ~~ما حكاه الله من قوله يهدد السحرة إذ آمنوا بموسى: "ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل": طه: 71 فإنهم كانوا يوتدون يدي المصلوب ورجليه على خشبة الصليب. # قوله تعالى: "الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد" صفة للمذكورين ~~من عاد وثمود وفرعون، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "فصب عليهم ربك سوط عذاب" صب الماء معروف وصب سوط العذاب ~~كناية عن التعذيب المتتابع المتواتر الشديد، وتنكير عذاب للتفخيم. PageV20P157 # والمعنى فأنزل ربك على كل من هؤلاء الطاغين المكثرين للفساد إثر طغيانهم ~~وإكثارهم الفساد عذابا شديدا متتابعا متواليا لا يوصف. # قوله تعالى: "إن ربك لبالمرصاد" المرصاد المكان الذي يرصد منه ويرقب ~~وكونه تعالى على المرصاد استعارة تمثيلية شبه فيها حفظه تعالى لأعمال عباده ~~بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه فيأخذه حين يمر به وهو لا يشعر ~~فالله سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده حتى إذا طغوا وأكثروا الفساد أخذهم ~~بأشد العذاب. # وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث تعذيب الطغاة المكثرين للفساد من ~~الماضين وفي قوله: "ربك" بإضافة الرب إلى ضمير الخطاب تلويح إلى أن سنة ~~العذاب جارية في أمته (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما جرت عليه في الأمم ~~الماضين. # قوله تعالى: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن" متفرع على ما قبله، فيه تفصيل حال الإنسان إذا أوتي من نعم الدنيا ~~أو حرم كأنه قيل: إن الإنسان تحت رقوب إلهي يرصده ربه هل يصلح أو يفسد؟ ~~ويبتليه ويمتحنه فيما آتاه من نعمة أو حرمة هذا هو الأمر في نفسه وأما ~~الإنسان فإنه إذا أنعم الله عليه بنعمة حسب أن ذلك إكرام إلهي له أن يفعل ~~بها ms7633 ما يشاء فيطغى ويكثر الفساد، وإذا أمسك وقدر عليه رزقه حسب أنه إهانة ~~إلهية فيكفر ويجزع. # فقوله: "فأما الإنسان" المراد به النوع بحسب الطبع الأولي فاللام للجنس ~~دون الاستغراق. # وقوله: "إذا ما ابتلاه ربه" أي امتحنه واختبره، والعامل في الظرف محذوف ~~تقديره كائنا إذا "إلخ" وقيل: العامل فيه "فيقول". # وقوله: "فأكرمه ونعمه" تفسير للابتلاء، والمراد بالإكرام والتنعيم ~~الصوريان وإن شئت فقل: الإكرام والتنعيم حدوثا لا بقاء أي أنه تعالى أكرمه ~~وآتاه النعمة ليشكره ويعبده لكنه جعلها نقمة على نفسه تستتبع العذاب. # وقوله: "فيقول ربي أكرمن" أي جعلني على كرامة منه بالنعم التي آتانيها ~~وإن شئت فقل: القدرة والجدة الموهوبتان إكرام وتنعيم حدوثا وبقاء فلي أن ~~أفعل ما أشاء. # والجملة أعني قوله: "فيقول ربي أكرمن" حكاية ما يراه الإنسان بحسب الطبع، ~~وقول الإنسان: "ربي أكرمن" الظاهر في نسبة التدبير إلى الله سبحانه - ولا ~~يقول به الوثنية والمنكرون للصانع - مبني على اعترافه بحسب الفطرة به تعالى ~~وإن استنكف عنه لسانا، وأيضا لرعاية المقابلة مع قوله: "إذا ما ابتلاه ربه". # قوله تعالى: "وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن" أي ~~وأما إذا ما امتحنه واختبره فضيق عليه رزقه فيقول ربي أذلني واستخف بي. # ويظهر من مجموع الآيتين أولا حيث كرر الابتلاء وأثبته في صورتي التنعيم ~~والإمساك عنه أن إيتاء النعم والإمساك عنه جميعا من الابتلاء والامتحان ~~الإلهي كما قال: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة": الأنبياء: 35 لا كما يراه ~~الإنسان. # وثانيا أن إيتاء النعم بما أنه فضل ورحمة إكرام إن لم يبدلها الإنسان ~~نقما على نفسه. # وثالثا أن الآيتين معا تفيدان أن الإنسان يرى سعادته في الحياة هي التنعم ~~في الدنيا بنعم الله تعالى وهو الكرامة عنده والحرمان منه شقاء عنده والحال ~~أن الكرامة هي في التقرب إليه تعالى بالإيمان والعمل الصالح سواء في ذلك ~~الغنى والفقر وأي وجدان وفقدان فإنما ذلك بلاء وامتحان. # ولهم في معنى الآيتين وجوه أخر تركنا التعرض لها لقلة الجدوى. # قوله تعالى: "كلا بل لا ms7634 تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين" ردع ~~لقولهم: إن الكرامة هي في الغنى والتنعم، وفي الفقر والفقدان هوان ومذلة، ~~والمعنى ليس كما تقولون وإنما إيتاؤه تعالى النعمة وإمساكه عنه كل ذلك ~~ابتلاء وامتحان يختبر به حال الإنسان من حيث عبوديته. # وفي قوله: "بل لا تكرمون اليتيم" إلخ إضراب يؤكد الردع بذكر بعض التنعم ~~الذي لا يجامع الكرامة البتة كعدم إكرامهم اليتيم بأكل تراثه ومنعه منه ~~وعدم التحريض على إطعام المسكين حبا للمال فالفطرة الإنسانية لا يرتاب في ~~أن لا كرامة في غنى هذا شأنه. # وفي الإضراب مضافا إلى أصل الردع تقريع ولتشديد هذا التقريع وقع الالتفات ~~من الغيبة إلى الخطاب. PageV20P158 # فقوله: "بل لا تكرمون اليتيم" عدم إكرامه حرمانه من تراث أبيه - كما كانوا ~~يحرمون صغار الأولاد من الإرث - وتركه صفر الكف بلغ به الجهد ما بلغ كما ~~تؤيده الآية التالية "وتأكلون التراث" إلخ. # وقوله: "ولا تحاضون على طعام المسكين" أصله ولا تتحاضون، وهو تحريض بعضهم ~~بعضا على التصدق على المساكين المعدمين، ومنشؤه حب المال كما في الآية ~~الآتية "وتحبون المال" إلخ. # قوله تعالى: "وتأكلون التراث أكلا لما" اللم أكل الإنسان نصيب نفسه وغيره ~~وأكله ما يجده من دون أن يميز الطيب من الخبيث، والآية تفسير لعدم إكرامهم ~~اليتيم كما تقدم. # قوله تعالى: "وتحبون المال حبا جما" الجم الكثير العظيم، والآية تفسر عدم ~~تحاضهم على طعام المسكين كما تقدم. # قوله تعالى: "كلا إذا دكت الأرض دكا دكا" الدك هو الدق الشديد، والمراد ~~بالظرف حضور يوم القيامة. # ردع ثان عما يقوله الإنسان في حالي الغنى والفقر، وقوله: "إذا دكت الأرض" ~~إلخ في مقام التعليل للردع، ومحصل المعنى ليس كما يقوله الإنسان فإنه ~~سيتذكر إذا قامت القيامة إن الحياة الدنيا وما فيها من الغنى والفقر ~~وأضرابهما لم تكن مقصودة بالذات بل كانت ابتلاء وامتحانا من الله تعالى ~~يميز به السعيد من الشقي ويهيىء الإنسان فيها ما يعيش به في الآخرة وقد ~~التبس عليه الأمر فحسبها كرامة مقصودة بالذات فاشتغل بها ولم يقدم ms7635 لحياته ~~الآخرة شيئا فيتمنى عند ذلك ويقول: يا ليتني قدمت لحياتي ولن يصرف التمني ~~عنه شيئا من العذاب. # قوله تعالى: "وجاء ربك والملك صفا صفا" نسبة المجيء إليه تعالى من ~~المتشابه الذي يحكمه قوله تعالى: "ليس كمثله شيء": الشورى: 11 وما ورد في ~~آيات القيامة من خواص اليوم كتقطع الأسباب وارتفاع الحجب عنهم وظهور أن ~~الله هو الحق المبين. # وإلى ذلك يرجع ما ورد في الروايات أن المراد بمجيئه تعالى مجيء أمره قال ~~تعالى: "والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19، ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد ~~قوله تعالى "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي ~~الأمر": البقرة: 210 إذا انضم إلى قوله: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الملائكة ~~أو يأتي أمر ربك": النحل: 33 وعليه فهناك مضاف محذوف والتقدير جاء أمر ربك ~~أو نسبة المجيء إليه تعالى من المجاز العقلي. # والكلام في نسبة المجيء إلى الملائكة وكونهم صفا صفا كما مر. # قوله تعالى: "وجيء يومئذ بجهنم" إلى آخر الآية لا يبعد أن يكون المراد ~~بالمجيء بجهنم إبرازها لهم كما في قوله تعالى: "وبرزت الجحيم لمن يرى": ~~النازعات: 36 وقوله: "وبرزت الجحيم للغاوين": الشعراء: 91، وقوله: "لقد كنت ~~في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22. # وقوله: "يومئذ يتذكر الإنسان" أي يتذكر أجلى التذكر أن ما كان يؤتاه في ~~الحياة الدنيا من خير أو شر كان من ابتلاء الله وامتحانه وأنه قصر في أمره، ~~هذا ما يفيده السياق. # وقوله: "وأنى له الذكرى" أي ومن أين له الذكرى كناية عن عدم انتفاعه بها ~~فإن الذكرى إنما تنفع فيما أمكنه أن يتدارك ما فرط فيه بتوبة وعمل صالح ~~واليوم يوم الجزاء لا يوم الرجوع والعمل. # قوله تعالى: "يقول يا ليتني قدمت لحياتي" أي لحياتي هذه وهي الحياة ~~الآخرة أو المراد الحياة الحقيقية وهي الحياة الآخرة على ما نبه تعالى عليه ~~بقوله: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ~~لو كانوا يعلمون": العنكبوت: 64. # والمراد بالتقديم ms7636 للحياة تقديم العمل الصالح للحياة الآخرة وما في الآية ~~تمن يتمناه الإنسان عند ما يتذكر يوم القيامة ويشاهد أنه لا ينفعه. # قوله تعالى: "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد" ضميرا عذابه ~~ووثاقه لله تعالى والمعنى فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ولا يوثق ~~وثاق الله أحد من الخلق أي إن عذابه ووثاقه تعالى يومئذ فوق عذاب الخلق ~~ووثاقهم، تشديد في الوعيد. # وقرىء "لا يعذب" بفتح الذال و"ولا يوثق" بفتح الثاء بالبناء للمفعول ~~وضميرا عذابه ووثاقه على هذا للإنسان والمعنى لا يعذب أحد يومئذ مثل عذاب ~~الإنسان ولا يوثق أحد يومئذ مثل وثاقه. PageV20P159 # قوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة" الذي يعطيه سياق المقابلة بين هذه ~~النفس بما ذكر لها من الأوصاف وعين لها من حسن المنقلب وبين الإنسان ~~المذكور قبل بما ذكر له من وصف التعلق بالدنيا والطغيان والفساد والكفران، ~~وما أوعد من سوء المصير هو أن النفس المطمئنة هي التي تسكن إلى ربها وترضى ~~بما رضي به فترى نفسها عبدا لا يملك لنفسه شيئا من خير أو شر أو نفع أو ضر ~~ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر أو أي نفع وضر ابتلاء ~~وامتحانا إلهيا فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد ~~والعلو والاستكبار، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر بل هو في ~~مستقر من العبودية لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط. # قوله تعالى: "ارجعي إلى ربك راضية مرضية" خطاب ظرفه جميع يوم القيامة من ~~لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنة بل من حين نزول الموت إلى دخول جنة ~~الخلد وليس خطابا واقعا بعد الحساب كما ذكره بعضهم. # وتوصيفها بالراضية لأن اطمئنانها إلى ربها يستلزم رضاها بما قدر وقضى ~~تكوينا أو حكم به تشريعا فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية، وإذا رضي ~~العبد من ربه رضي الرب منه إذ لا يسخطه تعالى إلا خروج العبد من زي ~~العبودية فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك ms7637 رضى ربه ولذا عقب قوله "راضية" ~~بقوله "مرضية". # قوله تعالى: "فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" تفريع على قوله "ارجعي إلى ~~ربك" وفيه دلالة على أن صاحب النفس المطمئنة في زمرة عباد الله حائز مقام ~~العبودية. # وذلك أنه لما اطمأن إلى ربه انقطع عن دعوى الاستقلال ورضي بما هو الحق من ~~ربه فرأى ذاته وصفاته وأفعاله ملكا طلقا لربه فلم يرد فيما قدر وقضى ولا ~~فيما أمر ونهي إلا ما أراده ربه، وهذا ظهور العبودية التامة في العبد ففي ~~قوله: "فادخلي في عبادي" تقرير لمقام عبوديتها. # وفي قوله: "وادخلي جنتي" تعيين لمستقرها، وفي إضافة الجنة إلى ضمير ~~التكلم تشريف خاص، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنة إلى نفسه تعالى ~~وتقدس إلا في هذه الآية. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "والشفع والوتر"، وقيل: الشفع الخلق لأنه ~~قال: "وخلقناكم أزواجا" والوتر الله تعالى:، عن عطية العوفي وأبي صالح وابن ~~عباس ومجاهد وهي رواية أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وقيل: الشفع والوتر الصلاة منها شفع ومنها وتر: وهي رواية عن ابن ~~حصين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: الشفع يوم النحر والوتر ~~يوم عرفة: عن ابن عباس وعكرمة والضحاك، وهي رواية جابر عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) والوجه فيه أن يوم النحر يشفع بيوم نفر بعده ويتفرد يوم ~~عرفة بالموقف، وقيل: الشفع يوم التروية والوتر يوم عرفة: وروي ذلك عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: الروايات الثلاث المشار إليها مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من طرق أهل السنة ويمكن الجمع بينها بأن المراد مطلق الشفع والوتر ~~والروايات من قبيل الإشارة إلى بعض المصاديق. # وفي تفسير القمي،: "وليال عشر" قال: عشر ذي الحجة "والشفع والوتر" قال: ~~الشفع ركعتان والوتر ركعة، وفي حديث: الشفع الحسن والحسين والوتر أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) "والليل إذا يسر" قال: هي ليلة جمع. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه ms7638 السلام) في قوله: "لذي ~~حجر" يقول: لذي عقل. # وفي العلل، بإسناده إلى أبان الأحمر قال: سألت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "وفرعون ذي الأوتاد" لأي شيء سمي ذا الأوتاد؟ ~~فقال: لأنه كان إذا عذب رجلا بسطه على الأرض على وجهه ومد يديه ورجليه ~~فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض. وربما بسطه على خشب منبسط فوتد رجليه ويديه ~~بأربعة أوتاد ثم تركه على حاله حتى يموت فسماه الله عز وجل فرعون ذا ~~الأوتاد. # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "إن ربك لبالمرصاد" وروي عن علي (عليه ~~السلام) أنه قال: إن معناه إن ربك قادر أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم. # أقول: بناء الرواية على أخذ الجملة استعارة تمثيلية. # وفيه، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: المرصاد قنطرة على الصراط لا ~~يجوزها عبد بمظلمة عبد. PageV20P160 # وعن الغوالي، عن الصادق (عليه السلام) في حديث في تفسير قوله تعالى: "وذا ~~النون إذ ذهب مغاضبا - فظن أن لن نقدر عليه" إنما ظن بمعنى استيقن إن الله ~~تعالى لن يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله تعالى: "وأما إذا ما ابتلاه ~~فقدر عليه رزقه" أي ضيق عليه. # وفي تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في ~~قوله: "كلا إذا دكت الأرض دكا دكا" قال: هي الزلزلة. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل تدرون ما تفسير هذه الآية "كلا إذا دكت ~~الأرض إلى قوله وجيء يومئذ بجهنم" قال: إذا كان يوم القيامة تقاد جهنم ~~بسبعين ألف زمام بيد سبعين ألف ملك فتشرد شردة لو لا أن الله حبسها لأحرقت ~~السماوات والأرض:. أقول: وهو مروي أيضا عن أبي سعيد وابن مسعود ومن طرق ~~الشيعة في أمالي الشيخ، بإسناده عن داود بن سليمان عن الرضا عن آبائه عن ~~علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي العيون، في باب ما جاء عن الرضا من أخبار ms7639 التوحيد بإسناده عن علي بن ~~فضال عن أبيه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "وجاء ربك ~~والملك صفا صفا" فقال: إن الله سبحانه لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن ~~الانتقال إنما يعني بذلك وجاء أمر ربك. # وفي الكافي، بإسناده عن سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه ~~السلام): جعلت فداك يا ابن رسول الله هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال: لا ~~والله إنه إذا أتاه ملك الموت ليقبض روحه جزع عند ذلك فيقول ملك الموت: يا ~~ولي الله لا تجزع فوالذي بعث محمدا لأني أبر بك وأشفق عليك من والد رحيم لو ~~حضرك، افتح عينيك فانظر. قال: ويمثل له رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (عليهم ~~السلام) فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ~~والأئمة (عليهم السلام) رفقاؤك. قال: فيفتح عينيه فينظر فينادي روحه مناد ~~من قبل رب العزة فيقول: يا أيتها النفس المطمئنة إلى محمد وأهل بيته ارجعي ~~إلى ربك راضية بالولاية مرضية بالثواب فادخلي في عبادي يعني محمدا وأهل ~~بيته وادخلي جنتي فما من شيء أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي. # أقول: وروى هذا المعنى القمي في تفسيره والبرقي في المحاسن،. PageV20P161 ### || AUTO ### ||| AUTO 90 سورة البلد - 1 - 20 # بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ~~ووالد وما ولد (3) لقد خلقنا الانسن فى كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ~~(5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7) ألم نجعل له عينين ~~(8) ولسانا وشفتين (9) وهدينه النجدين (10) فلا اقتحم العقبة (11) وما ~~أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعم فى يوم ذى مسغبة (14) يتيما ذا ~~مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحب الميمنة (18) والذين كفروا بئايتنا هم ~~أصحب المشئمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة أن خلقة الإنسان مبنية على التعب والمشقة فلا تجد شأنا من ms7640 ~~شئون الحياة إلا مقرونا بمرارة الكد والتعب من حين يلج في جثمانه الروح إلى ~~أن يموت فلا راحة له عارية من التعب والمشقة ولا سعادة له خالصة من الشقاء ~~والمشأمة إلا في الدار الآخرة عند الله. # فليتحمل ثقل التكاليف الإلهية بالصبر على الطاعة وعن المعصية وليجد في ~~نشر الرحمة على المبتلين بنوائب الدهر كاليتم والفقر والمرض وأضرابها حتى ~~يكون من أصحاب الميمنة وإلا فآخرته كأولاه وهو من أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة. # وسياق آيات السورة، يشبه السياق المكي فيؤيد به كون السورة مكية وقد ادعى ~~بعضهم عليه الإجماع، وقيل: السورة مدنية والسياق لا يساعد عليه، وقيل: ~~مدنية إلا أربع آيات من أولها وسيأتي في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "لا أقسم بهذا البلد" ذكروا أن المراد بهذا البلد مكة وتؤيده ~~مكية سياق السورة وقوله: "ووالد وما ولد" خاصة بناء على كون المراد بوالد ~~هو إبراهيم (عليه السلام) على ما سيجيء. # قوله تعالى: "وأنت حل بهذا البلد" حال من هذا البلد، ووضع الظاهر موضع ~~الضمير في قوله: "بهذا البلد" للدلالة على عظم شأنه والاعتناء بأمره وهو ~~البلد الحرام، والحل مصدر كالحلول بمعنى الإقامة والاستقرار في مكان ~~والمصدر بمعنى الفاعل. # والمعنى أقسم بهذا البلد والحال أنك حال به مقيم فيه وفي ذلك تنبيه على ~~تشرف مكة بحلوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها وكونها مولده ومقامه. # وقيل: الجملة معترضة بين القسم والمقسم به والمراد بالحل المستحل الذي لا ~~حرمة له قال في الكشاف،: واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: "وأنت حل ~~بهذا البلد" يعني ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد ~~الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم - عن شرحبيل - يحرمون أن يقتلوا بها ~~صيدا ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب ~~من حالهم في عداوته انتهى. # ثم قال: أو سلي رسول الله (صلى الله عليه ms7641 وآله وسلم) بالقسم ببلده أن ~~الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية ~~والتنفيس عنه فقال: "وأنت حل بهذا البلد" يعني وأنت حل به في المستقبل تصنع ~~فيه ما تريد من القتل والأسر إلى آخر ما قال، ومحصله تفسير الحل بمعنى ~~المحل ضد المحرم، والمعنى وسنحل لك يوم فتح مكة حينا فنقاتل وتقتل فيه من شئت. # قوله تعالى: "ووالد وما ولد" لزوم نوع من التناسب والارتباط بين القسم ~~والمقسم عليه يستدعي أن يكون المراد بوالد وما ولد من بينه وبين البلد ~~المقسم به نسبة ظاهرة وينطبق على إبراهيم وولده إسماعيل (عليه السلام) وهما ~~السببان الأصليان لبناء بلدة مكة والبانيان للبيت الحرام قال تعالى: "وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل": البقرة: 127 وإبراهيم (عليه ~~السلام) هو الذي سأل الله أن يجعل مكة بلدا آمنا قال تعالى: "وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا": إبراهيم: 35. PageV20P162 # وتنكير "والد" للتعظيم والتفخيم، والتعبير بقوله "وما ولد" دون أن يقال: ~~ومن ولد، للدلالة على التعجيب من أمره مدحا كما في قوله: "والله أعلم بما ~~وضعت": آل عمران: 36. # والمعنى وأقسم بوالد عظيم الشأن هو إبراهيم وما ولد من ولد عجيب أمره ~~مبارك أثره وهو إسماعيل ابنه وهما البانيان لهذا البلد فمفاد الآيات الثلاث ~~الإقسام بمكة المشرفة وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو حل فيها ~~وبإبراهيم وإسماعيل اللذين بنياها. # وقيل: المراد بالوالد إبراهيم وبما ولد جميع أولاده من العرب. # وفيه أن من البعيد أن يقارن الله سبحانه بين النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وإبراهيم (عليه السلام) وبين أمثال أبي لهب وأبي جهل وغيرهم من أئمة ~~الكفر فيقسم بهم جميعا في سياق، وقد تبرأ إبراهيم (عليه السلام) ممن لم ~~يتبعه من بنيه على التوحيد إذ قال فيما حكاه الله: "واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم": إبراهيم: 36. # فعلى من يفسر ما ولد بأولاد إبراهيم أن يخصهم ms7642 بالمسلمين من ذريته كما في ~~دعاء إبراهيم وإسماعيل عند بنائهما الكعبة على ما حكاه الله: "ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا": البقرة: 128. # وقيل: المراد بوالد وما ولد، آدم (عليه السلام) وذريته جميعا بتقريب أن ~~المقسم عليه بهذه الأقسام خلق الإنسان في كبد وقد سن الله في خلق هذا النوع ~~وإبقاء وجوده سنة الولادة فقد أقسم في هذه الآيات بمحصول هذه السنة وهو ~~الوالد وما ولد على أن الإنسان في كد وتعب بحسب نوع خلقته من حين يحيى إلى ~~حين يموت. # وهذا الوجه في نفسه لا بأس به لكن يبقى عليه بيان المناسبة بين بلدة مكة ~~وبين والد وكل مولود في الجمع بينهما في الأقسام. # وقيل: المراد بهما آدم والصالحون من ذريته، وكان الوجه فيه تنزيهه تعالى ~~من أن يقسم بأعدائه الطغاة والمفسدين من الكفار والفساق. # وقيل: المراد بهما كل والد وكل مولود وقيل: من يلد ومن لا يلد منهم بأخذ ~~"ما" في "ما ولد" نافية لا موصولة. # وقيل: المراد بوالد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبما ولد أمته ~~لأنه بمنزلة الأب لأمته وهي وجوه بعيدة. # قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في كبد" الكبد الكد والتعب، والجملة جواب ~~القسم فاشتمال الكبد على خلق الإنسان وإحاطة الكد والتعب به في جميع شئون ~~حياته مما لا يخفى على ذي لب فليس يقصد نعمة من نعم الدنيا إلا خالصة في ~~طيبها محضة في هنائها ولا ينال شيئا منها إلا مشوبة بما ينغص العيش مقرونة ~~بمقاساة ومكابدة مضافا إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق ~~الحدثان. # قوله تعالى: "أيحسب أن لن يقدر عليه أحد" بمنزلة النتيجة لحجة الآية ~~السابقة تقريرها أن الإنسان لما كانت خلقته مبنية على كبد مظروفة له لا ~~ينال قط شيئا مما يريد إلا دون ما يريد أو غير ما يريد فهو محاط في خلقه ~~مغلوب في إرادته مقهور فيما قدر له من الأمر والذي يغلبه في إرادته ويقهره ~~على التلبس ms7643 بما قدر له وهو الله سبحانه يقدر عليه من كل جهة فله أن يتصرف ~~فيه بما شاء ويأخذه إذا أراد. # فليس للإنسان أن يحسب أن لن يقدر عليه أحد فيدعوه ذلك إلى أن يعلو على ~~الله ويستكبر عن عبادته أو يعطيه في بعض ما أمر به كالإنفاق في سبيله ~~فيستكثره ويمتن به على الله أو يمكر به تعالى بعد ما عمله رياء وسمعة عملا ~~لوجه الكريم فيقول: أهلكت مالا لبدا. # قوله تعالى: "يقول أهلكت مالا لبدا" اللبد الكثير، سياق الآية وما يتلوها ~~من الآيات إلى آخر السورة مشعر بأنه كان هناك بعض من أظهر الإسلام أو مال ~~إليه فقد أنفق بعض ماله وامتن به مستكثرا له بقوله: "أهلكت مالا لبدا" ~~فنزلت الآيات ورد الله عليه بأن الفوز بميمنة الحياة لا يتم إلا باقتحام ~~عقبة الإنفاق في سبيل الله والدخول في زمرة الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ~~والمرحمة، ويتأيد به ما سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله تعالى. PageV20P163 # قوله تعالى: "أيحسب أن لم يره أحد" إنكار لما هو لازم قول الإنسان "أهلكت ~~مالا لبدا" على طريق التكنية ومحصل المعنى أن لازم إخبار الإنسان بإهلاكه ~~مالا لبدا أنه يحسب أنا في غفلة وجهل بما أنفق وقد أخطأ في ذلك فالله ~~سبحانه بصير بما أنفق لكن هذا المقدار لا يكفي في الفوز بميمنة الحياة بل ~~لا بد له من أن يتحمل ما هو أزيد من ذلك من مشاق العبودية فيقتحم العقبة ~~ويكون مع المؤمنين في جميع ما هم فيه. # قوله تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين" النجد ~~الطريق المرتفع، والمراد بالنجدين طريق الخير وطريق الشر وسميا النجدين لما ~~في سلوك كل منهما من الجهد والكدح، وفسرا بثديي الأم وهو بعيد. # وقوله: "ألم نجعل له عينين" أي جهزناه في بدنه بما يبصر به فيحصل له ~~العلم بالمرئيات على سعة نطاقها، وقوله: "ولسانا وشفتين" أي أولم نجعل له ~~لسانا وشفتين يستعين بها على التكلم والدلالة على ما في ضميره من العلم ~~ويهتدي ms7644 بذلك غيره على العلم بالأمور الغائبة عن البصر. # وقوله: "وهديناه النجدين" أي علمناه طريق الخير وطريق الشر بإلهام منا ~~فهو يعرف الخير ويميزه من الشر فالآية في معنى قوله تعالى: "ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8. # وفي الآيات الثلاث حجة على قوله: "أيحسب أن لم يره أحد" أي على أنه تعالى ~~يرى أعمال عباده ويعلم ما في ضمائرهم من وجوه الأعمال ويميز الخير من الشر ~~والحسنة من السيئة. # محصلها أن الله سبحانه هو الذي يعرف المرئيات للإنسان بوسيلة عينيه وكيف ~~يتصور أن يعرفه أمرا وهو لا يعرفه؟ وهو الذي يدل الإنسان على ما في الضمير ~~بواسطة الكلام وهل يعقل أن يكشف له عما هو في حجاب عنه؟ وهو الذي يعلم ~~الإنسان ويميز له الخير والشر بالإلهام وهل يمكن معه أن يكون هو نفسه لا ~~يعلم به ولا يميزه؟ فهو تعالى يرى ما عمله الإنسان ويعلم ما ينويه بعمله ~~ويميز كونه خيرا أو شرا وحسنة أو سيئة. # قوله تعالى: "فلا اقتحم العقبة" الاقتحام الدخول بسرعة وضغط وشدة، ~~والعقبة الطريق الصعب الوعر الذي فيه صعود من الجبل، واقتحام العقبة إشارة ~~إلى الإنفاق الذي يشق على منفقه كما سيصرح به. # وقيل: الجملة دعاء على الإنسان القائل: أهلكت مالا لبدا، وليس بشيء. # قوله تعالى: "وما أدراك ما العقبة" تفخيم لشأنها كما مر في نظائره. # قوله تعالى: "فك رقبة" أي عتقها وتحريرها أو التقدير هي أي العقبة فك ~~رقبة فالمراد بالعقبة نفس الفك الذي هو العمل واقتحامه الإتيان به، ~~والإتيان بالعمل نفس العمل. # وبه يظهر فساد قول بعضهم إن فك رقبة اقتحام للعقبة لا نفس العقبة فهناك ~~مضاف محذوف يعود إليه الضمير والتقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة هو - أي ~~الاقتحام - فك رقبة. # وما ذكر في بيان العقبة من فك الرقبة والإطعام في يوم ذي مسغبة من مصاديق ~~نشر الرحمة خص بالذكر لمكان الأهمية، وقدم فك الرقبة وابتدىء به لكمال ~~عناية الدين بفك الرقاب. # قوله تعالى: "أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا ms7645 مقربة أو مسكينا ذا ~~متربة" المسغبة المجاعة، والمقربة القرابة بالنسب، والمتربة من التراب ~~ومعناها الالتصاق بالتراب من شدة الفقر، والمعنى أو إطعام في يوم المجاعة ~~يتيما من ذي القربى أو مسكينا شديد الفقر. # قوله تعالى: "ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة" ~~المرحمة مصدر ميمي من الرحمة، والتواصي بالصبر وصية بعضهم بعضا بالصبر على ~~طاعة الله والتواصي بالمرحمة وصية بعضهم بعضا بالرحمة على ذوي الفقر ~~والفاقة والمسكنة. # والجملة أعني قوله: "ثم كان" إلخ معطوفة على قول: "اقتحم" والتقدير فلا ~~اقتحم العقبة ولا كان من الذين آمنوا "إلخ" وقيل فيها غير ذلك مما لا جدوى فيه. # قوله تعالى: "أولئك أصحاب الميمنة" بمعنى اليمن مقابل الشؤم، والإشارة ~~بأولئك إلى ما يدل عليه السياق السابق أي الذين اقتحموا العقبة وكانوا من ~~الذين آمنوا وتواصوا بالصبر والمرحمة أصحاب اليمن لا يرون مما قدموه من ~~الإيمان وعملهم الصالح إلا أمرا مباركا جميلا مرضيا. # وقيل: المراد بالميمنة جهة اليمين وأصحاب الميمنة هم الذين يؤتون كتابهم ~~بيمينهم، ومقابلة الميمنة بالمشأمة لا تلائمه. PageV20P164 # قوله تعالى: "والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة" الآيات الآفاقية ~~والأنفسية آيات وأدلة عليه تعالى تدل على توحده في الربوبية والألوهية ~~وسائر ما يتفرع عليه وردها كفر بها والكفر بها كفر بالله وكذا القرآن ~~الكريم وآياته، وكذا ما نزل وبلغ من طريق الرسالة. # والظاهر أن المراد بالآيات مطلقها، والمشأمة خلاف الميمنة. # قوله تعالى: "عليهم نار مؤصدة" أي مطبقة. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله: "وأنت حل بهذا البلد" قيل: معناه وأنت محل بهذا ~~البلد وهو ضد المحرم، والمراد أنت حلال لك قتل من رأيت من الكفار، وذلك حين ~~أمر بالقتال يوم فتح مكة فأحلها الله له حتى قاتل وقتل، وقد قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): لم يحل لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي ولم يحل لي إلا ساعة ~~من نهار:. عن ابن عباس ومجاهد وعطاء. # وفيه،: في الآية وقيل: لا أقسم بهذا البلد وأنت حلال منتهك الحرمة مستباح ~~العرض لا تحترم ms7646 فلا تبقى للبلد حرمة حيث هتكت: عن أبي مسلم وهو المروي عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام). قال: كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمدا فيه ~~فقال: "لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد" يريد أنهم استحلوك فيه ~~وكذبوه وشتموك، وكانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه ويتقلدون لحاء شجر ~~الحرم فيأمنون بتقلدهم إياه فاستحلوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما لم يستحلوه من غيره فعاب الله ذلك عليهم. # وفيه،: في قوله تعالى: "ووالد وما ولد" قيل: آدم وما ولد من الأنبياء ~~والأوصياء وأتباعهم:. عن أبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: والمعاني السابقة مروية من طرق أهل السنة في أحاديث موقوفة، وروى ~~القمي في تفسيره الأخيرتين بالإرسال والإضمار. # وفي تفسير القمي،: "يقول أهلكت مالا لبدا" قال: اللبد المجتمع وفي ~~المجمع،: في الآية قيل: هو الحارث بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنه أذنب ذنبا ~~فاستفتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمره أن يكفر فقال: لقد ذهب ~~مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد:، عن مقاتل. # وفي المجمع،: أنه قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): إن أناسا يقولون في ~~قوله: "وهديناه النجدين": أنهما الثديان فقال: لا، هما الخير والشر. # وفي أصول الكافي، بإسناده عن حمزة بن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) ~~قال: سألته عن قول الله تعالى: "وهديناه النجدين" قال: نجد الخير والشر:. ~~أقول: وروي في الدر المنثور، هذا المعنى بطرق عن علي (عليه السلام) وأنس ~~وأبي أمامة وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورواه القمي في ~~تفسيره، مرسلا مضمرا. # وفي الكافي، بإسناده عن جعفر بن خلاد قال: كان أبو الحسن الرضا (عليه ~~السلام) إذا أكل أتي بصحفة فتوضع قرب مائدته فيعمد إلى أطيب الطعام مما ~~يؤتى به فيأخذ من كل شيء شيئا فيضع في تلك الصحفة ثم يأمر بها للمساكين ثم ~~يتلو هذه الآية "فلا اقتحم العقبة". ثم يقول: علم الله عز وجل أنه ليس كل ~~إنسان يقدر على ms7647 عتق رقبة فجعل لهم السبيل إلى الجنة. # وفي المجمع، وروي مرفوعا عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة ~~قال: إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة، فقال ~~أوليسا واحدا؟ قال: لا، عتق الرقبة أن يتفرد بعتقها وفك الرقبة أن يعين في ~~ثمنها، والفيء على ذي الرحم الظالم. فإن لم يكن ذلك فأطعم الجائع واسق ~~الظمآن وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أو مسكينا ذا متربة" قال: لا يقيه من ~~التراب شيء. PageV20P165 ### || AUTO ### ||| AUTO 91 سورة الشمس - 1 - 15 # بسم الله الرحمن الرحيم والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار ~~إذا جلاها (3) واليل إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما ~~طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها ~~(9) وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) ~~فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقبها (15) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة أن فلاح الإنسان - وهو يعرف التقوى والفجور بتعريف إلهي ~~وإلهام باطني - أن يزكي نفسه وينميها إنماء صالحا بتحليتها بالتقوى ~~وتطهيرها من الفجور، والخيبة والحرمان من السعادة لمن يدسيها، ويستشهد لذلك ~~بما جرى على ثمود من عذاب الاستئصال لما كذبوا رسولهم صالحا وعقروا الناقة، ~~وفي ذلك تعريض لأهل مكة، والسورة مكية بشهادة من سياقها. # قوله تعالى: "والشمس وضحاها" في المفردات،: الضحى انبساط الشمس وامتداد ~~النهار وسمي الوقت به انتهى. # والضمير للشمس، وفي الآية إقسام بالشمس وانبساط ضوئها على الأرض. # قوله تعالى: "والقمر إذا تلاها" عطف على الشمس والضمير لها وإقسام بالقمر ~~حال كونه تاليا للشمس، والمراد بتلوه لها إن كان كسبه النور منها فالحال ~~حال دائمة وإن كان طلوعه بعد غروبها فالإقسام به من حال كونه هلالا إلى حال تبدره. # قوله تعالى: "والنهار إذا جلاها" التجلية الإظهار والإبراز، ms7648 وضمير ~~التأنيث للأرض، والمعنى وأقسم بالنهار إذا أظهر الأرض للأبصار. # وقيل: ضمير الفاعل في "جلاها" للنهار وضمير المفعول للشمس، والمراد ~~الإقسام بحال إظهار النهار للشمس فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار، وفيه ~~أنه لا يلائم ما تقدمه فإن الشمس هي المظهرة للنهار دون العكس. # وقيل: الضمير المؤنث للدنيا، وقيل: للظلمة، وقيل: ضمير الفاعل لله تعالى ~~وضمير المفعول للشمس، والمعنى وأقسم بالنهار إذا أظهر الله الشمس، وهي وجوه بعيدة. # قوله تعالى: "والليل إذا يغشاها" أي يغطي الأرض، فالضمير للأرض كما في ~~"جلاها" وقيل: للشمس وهو بعيد فالليل لا يغطي الشمس وإنما يغطي الأرض وما عليها. # والتعبير عن غشيان الليل الأرض بالمضارع بخلاف تجلية النهار لها حيث قيل: ~~"والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها" للدلالة على الحال ليكون فيه إيماء ~~إلى غشيان الفجور الأرض في الزمن الحاضر الذي هو أوائل ظهور الدعوة ~~الإسلامية لما تقدم أن بين هذه الأقسام وبين المقسم بها نوع اتصال وارتباط، ~~هذا مضافا إلى رعاية الفواصل. # قوله تعالى: "والسماء وما بناها والأرض وما طحاها" طحو الأرض ودحوها ~~بسطها، و"ما" في "وما بناها" و"ما طحاها" موصولة، والذي بناها وطحاها هو ~~الله تعالى والتعبير عنه تعالى بما دون من لإيثار الإبهام المفيد للتفخيم ~~والتعجيب فالمعنى وأقسم بالسماء والشيء القوي العجيب الذي بناها وأقسم ~~بالأرض والشيء القوي العجيب الذي بسطها. # وقيل: ما مصدرية والمعنى وأقسم بالسماء وبنائها والأرض وطحوها، والسياق - ~~وفيه قوله: "ونفس وما سواها فألهمها" إلخ - لا يساعده. # قوله تعالى: "ونفس وما سواها" أي وأقسم بنفس والشيء ذي القدرة والعلم ~~والحكمة الذي سواها ورتب خلقتها ونظم أعضاءها وعدل بين قواها. # وتنكير "نفس" قيل: للتنكير، وقيل: للتفخيم ولا يبعد أن يكون التنكير ~~للإشارة إلى أن لها وصفا وأن لها نبأ. # والمراد بالنفس النفس الإنسانية مطلقا وقيل: المراد بها نفس آدم (عليه ~~السلام) ولا يلائمه السياق وخاصة قوله: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من ~~دساها" إلا بالاستخدام على أنه لا موجب للتخصيص. # قوله تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها" الفجور - على ما ذكره ms7649 الراغب - شق ~~ستر الديانة فالنهي الإلهي عن فعل أو عن ترك حجاب مضروب دونه حائل بين ~~الإنسان وبينه واقتراف المنهي عنه شق للستر وخرق للحجاب. PageV20P166 # والتقوى - على ما ذكره الراغب - جعل النفس في وقاية مما يخاف، والمراد بها ~~بقرينة المقابلة في الآية بينها وبين الفجور التجنب عن الفجور والتحرز عن ~~المنافي وقد فسرت في الرواية بأنها الورع عن محارم الله. # والإلهام الإلقاء في الروع وهو إفاضته تعالى الصور العملية من تصور أو ~~تصديق على النفس. # وتعليق الإلهام على عنواني فجور النفس وتقواها للدلالة على أن المراد ~~تعريفه تعالى للإنسان صفة فعله من تقوى أو فجور وراء تعريفه متن الفعل ~~بعنوانه الأولي المشترك بين التقوى والفجور كأكل المال مثلا المشترك بين ~~أكل مال اليتيم الذي هو فجور وبين أكل مال نفسه الذي هو من التقوى، ~~والمباشرة المشتركة بين الزنا وهو فجور والنكاح وهو من التقوى وبالجملة ~~المراد أنه تعالى عرف الإنسان كون ما يأتي به من فعل فجورا أو تقوى وميز له ~~ما هو تقوى مما هو فجور. # وتفريع الإلهام على التسوية في قوله: "وما سواها فألهمها" إلخ للإشارة ~~إلى أن إلهام الفجور والتقوى وهو العقل العملي من تكميل تسوية النفس فهو من ~~نعوت خلقتها كما قال تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30. # وإضافة الفجور والتقوى إلى ضمير النفس للإشارة إلى أن المراد بالفجور ~~والتقوى الملهمين الفجور والتقوى المختصين بهذه النفس المذكورة وهي النفس ~~الإنسانية ونفوس الجن على ما يظهر من الكتاب العزيز من كونهم مكلفين ~~بالإيمان والعمل الصالح. # قوله تعالى: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" الفلاح هو الظفر ~~بالمطلوب وإدراك البغية، والخيبة خلافه، والزكاة نمو النبات نموا صالحا ذا ~~بركة والتزكية إنماؤه كذلك، والتدسي - وهو من الدس بقلب إحدى السينين ياء - ~~إدخال الشيء في الشيء بضرب من الإخفاء، والمراد بها بقرينة مقابله التزكية: ~~الإنماء على غير ما يقتضيه طبعها وركبت عليه نفسها. # والآية أعني ms7650 قوله: "قد أفلح" إلخ جواب القسم، وقوله: "وقد خاب" إلخ معطوف عليه. # والتعبير بالتزكية والتدسي عن إصلاح النفس وإفسادها مبتن على ما يدل عليه ~~قوله: "فألهمها فجورها وتقواها" على أن من كمال النفس الإنسانية أنها ملهمة ~~مميزة - بحسب فطرتها - للفجور من التقوى أي إن الدين وهو الإسلام لله فيما ~~يريده فطري للنفس فتحلية النفس بالتقوى تزكية وإنماء صالح وتزويد لها بما ~~يمدها في بقائها قال تعالى: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب": البقرة: 197 وأمرها في الفجور على خلاف التقوى. # قوله تعالى: "كذبت ثمود بطغواها" الطغوى مصدر كالطغيان، والباء للسببية. # والآية وما يتلوها إلى آخر السورة استشهاد وتقرير لما تقدم من قوله "قد ~~أفلح من زكاها" إلخ. # قوله تعالى: "إذ انبعث أشقاها" ظرف لقوله: "كذبت" أو لقوله: "بطغواها" ~~والمراد بأشقى ثمود هو الذي عقر الناقة واسمه على ما في الروايات قدار بن ~~سالف وقد كان انبعاثه ببعث القوم كما تدل عليه الآيات التالية بما فيها من ~~ضمائر الجمع. # قوله تعالى: "فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها" المراد برسول الله ~~صالح (عليه السلام) نبي ثمود، وقوله: "ناقة الله" منصوب على التحذير، ~~وقوله: "وسقياها" معطوف عليه. # والمعنى فقال لهم صالح برسالة من الله: احذروا ناقة الله وسقياها ولا ~~تتعرضوا لها بقتلها أو منعها عن نوبتها في شرب الماء، وقد فصل الله القصة ~~في سورة هود وغيرها. # قوله تعالى: "فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها" العقر ~~إصابة أصل الشيء ويطلق على نحر البعير والقتل، والدمدمة على الشيء الإطباق ~~عليه يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه عليه والمراد شمولهم بعذاب يقطع ~~دابرهم ويمحو أثرهم بسبب ذنبهم. # وقوله: "فسواها" الظاهر أن الضمير لثمود باعتبار أنهم قبيلة أي فسواها ~~بالأرض أو هو تسوية الأرض بمعنى تسطيحها وإعفاء ما فيها من ارتفاع وانخفاض. # وقيل: الضمير للدمدمة المفهومة من قوله: "فدمدم" والمعنى فسوى الدمدمة ~~بينهم فلم يفلت منهم قوي ولا ضعيف ولا كبير ولا صغير. # قوله تعالى: "ولا يخاف عقباها" الضمير للدمدمة أو ms7651 التسوية، والواو ~~للاستئناف أو الحال. PageV20P167 # والمعنى: ولا يخاف ربهم عاقبة الدمدمة عليهم وتسويتهم كما يخاف الملوك ~~والأقوياء عاقبة عقاب أعدائهم وتبعته، لأن عواقب الأمور هي ما يريده وعلى ~~وفق ما يأذن فيه فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون": الأنبياء: 23. # وقيل: ضمير "لا يخاف" للأشقى، والمعنى ولا يخاف عاقر الناقة عقبى ما صنع بها. # وقيل: ضمير "لا يخاف" لصالح وضمير "عقباها" للدمدمة والمعنى ولا يخاف ~~صالح عقبى الدمدمة عليهم لثقته بالنجاة وضعف الوجهين ظاهر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "ونفس وما سواها" قال: خلقها وصورها. # وفي المجمع، وروى زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~(عليه السلام) في قوله تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها" قال: بين لها ما ~~يأتي وما يترك، وفي قوله تعالى: "قد أفلح من زكاها" قال: قد أفلح من أطاع ~~"وقد خاب من دساها" قال: قد خاب من عصى. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ~~عمران بن حصين أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ~~ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى عليهم في قدر قد سبق؟ أو فيما يستقبلون ~~به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة؟ قال: بل شيء قضي عليهم. قال: فلم يعملون ~~إذا؟ قال: من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين هيأه لعملها وتصديق ذلك في ~~كتاب الله "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها". # أقول: قوله: أو فيما يستقبلون إلخ الظاهر أن الهمزة فيه للاستفهام والواو ~~للعطف والمعنى وهل في طاعتهم لنبيهم قضاء من الله وقدر قد سبق؟ وقوله: فلم ~~يعملون إذا، أي فما معنى عملهم واستناد الفعل إليهم؟. # وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كان الله إلخ معناه أن وجوب صدور ~~الفعل حسنة أو سيئة منهم بالنظر إلى القضاء والقدر السابقين لا ينافي إمكان ~~صدوره بالنظر إلى الإنسان واختياره، وقد اتضح ذلك في الأبحاث السابقة من ~~الكتاب مرارا. # وفيه، أخرج ms7652 ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جويبر عن ~~الضحاك عن ابن عباس: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "قد ~~أفلح من زكاها" الآية أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس خيبها الله من كل خير. # أقول: انتساب التزكية والتخييب إليه تعالى بوجه لا ينافي انتسابهما ~~بالطاعة والمعصية إلى الإنسان. # وإنما ينتسب إلى الله سبحانه من الإضلال ما كان على طريق المجازاة كما ~~قال: "وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26. # وفي المجمع، وقد صحت الرواية بالإسناد عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب: من أشقى الأولين؟ ~~قال: عاقر الناقة. قال: صدقت فمن أشقى الآخرين؟ قال: قلت: لا أعلم يا رسول ~~الله. قال: الذي يضربك على هذه فأشار إلى يافوخة:. أقول: وروي فيه هذا ~~المعنى أيضا عن عمار بن ياسر. # وفي تفسير البرهان،: وروى الثعلبي والواحدي بإسنادهما عن عمار وعن عثمان ~~بن صهيب وعن الضحاك وروى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة وعن عمار وعن ~~ابن عدي أو عن الضحاك وروى الخطيب في التاريخ، عن جابر بن سمرة وروى الطبري ~~والموصلي وروى أحمد عن الضحاك عن عمار أنه قال: قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): يا علي أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتلك، وفي ~~رواية من يخضب هذه من هذا. PageV20P168 ### || AUTO ### ||| AUTO 92 سورة الليل - 1 - 21 # بسم الله الرحمن الرحيم واليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق ~~الذكر والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى ~~(6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره ~~للعسرى (10) وما يغنى عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا ~~للاخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) ~~الذى كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذى يؤتى ماله يتزكى (18) وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) ### |||| AUTO بيان # غرض السورة الإنذار وتسلك إليه بالإشارة إلى اختلاف ms7653 مساعي الناس وأن منهم ~~من أنفق واتقى وصدق بالحسنى فسيمكنه الله من حياة خالدة سعيدة ومنهم من بخل ~~واستغنى وكذب بالحسنى فسيسلك الله به إلى شقاء العاقبة، وفي السورة اهتمام ~~وعناية خاصة بأمر الإنفاق المالي. # والسورة تحتمل المكية والمدنية بحسب سياقها. # قوله تعالى: "والليل إذا يغشى" إقسام بالليل إذا يغشى النهار على حد قوله ~~تعالى: "يغشى الليل النهار": الأعراف: 54، ويحتمل أن يكون المراد غشيانه ~~الأرض أو الشمس. # قوله تعالى: "والنهار إذا تجلى" عطف على الليل، والتجلي ظهور الشيء بعد ~~خفائه، والتعبير عن صفة الليل بالمضارع وعن صفة النهار بالماضي حيث قيل: ~~"يغشى" و"تجلى" تقدم فيه وجه في تفسير أول السورة السابقة. # قوله تعالى: "وما خلق الذكر والأنثى" عطف على الليل كسابقه، و"ما" موصولة ~~والمراد به الله سبحانه وإنما عبر بما، دون من، إيثارا للإبهام المشعر ~~بالتعظيم والتفخيم والمعنى وأقسم بالشيء العجيب الذي أوجد الذكر والأنثى ~~المختلفين على كونهما من نوع واحد. # وقيل: ما مصدرية والمعنى وأقسم بخلق الذكر والأنثى وهو ضعيف. # والمراد بالذكر والأنثى مطلق الذكر والأنثى أينما تحققا، وقيل: الذكر ~~والأنثى من الإنسان، وقيل: المراد بهما آدم وزوجته حواء، وأوجه الوجوه أولها. # قوله تعالى: "إن سعيكم لشتى" السعي هو المشي السريع، والمراد به العمل من ~~حيث يهتم به، وهو في معنى الجمع، وشتى جمع شتيت بمعنى المتفرق كمرضى جمع مريض. # والجملة جواب القسم والمعنى أقسم بهذه المتفرقات خلقا وأثرا أن مساعيكم ~~لمتفرقات في نفسها وآثارها فمنها إعطاء وتقوى وتصديق ولها أثر خاص بها، ~~ومنها بخل واستغناء وتكذيب ولها أثر خاص بها. # قوله تعالى: "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى" تفصيل ~~تفرق مساعيهم واختلاف آثارها. # والمراد بالإعطاء إنفاق المال لوجه الله بقرينة مقابلته للبخل الظاهر في ~~الإمساك عن إنفاق المال وقوله بعد: "وما يغني عنه ماله إذا تردى". # وقوله: "واتقى" كالمفسر للإعطاء يفيد أن المراد هو الإعطاء على سبيل ~~التقوى الدينية. # وقوله: "وصدق بالحسنى" الحسنى صفة قائمة مقام الموصوف والظاهر أن التقدير ~~بالعدة الحسنى وهي ما وعد الله ms7654 من الثواب على الإنفاق لوجهه الكريم وهو ~~تصديق البعث والإيمان به ولازمه الإيمان بوحدانيته تعالى في الربوبية ~~والألوهية، وكذا الإيمان بالرسالة فإنها طريق بلوغ وعده تعالى للثواب. # ومحصل الآيتين أن يكون مؤمنا بالله ورسوله واليوم الآخر وينفق المال لوجه ~~الله وابتغاء ثوابه الذي وعده بلسان رسوله. # وقوله: "فسنيسره لليسرى" التيسير التهيئة والإعداد واليسرى الخصلة التي ~~فيها يسر من غير عسر، وتوصيفها باليسر بنوع من التجوز فالمراد من تيسيره ~~لليسرى توفيقه للأعمال الصالحة بتسهيلها عليه من غير تعسير أو جعله مستعدا ~~للحياة السعيدة عند ربه ودخول الجنة بسبب الأعمال الصالحة التي يأتي بها، ~~والوجه الثاني أقرب وأوضح انطباقا على ما هو المعهود من مواعد القرآن. PageV20P169 # قوله تعالى: "وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني ~~عنه ماله إذا تردى" البخل مقابل الإعطاء، والاستغناء طلب الغنى والثروة ~~بالإمساك والجمع، والمراد بالتكذيب بالحسنى الكفر بالعدة الحسنى وثواب الله ~~الذي بلغه الأنبياء والرسل ويرجع إلى إنكار البعث. # والمراد بتيسيره للعسرى خذلانه بعدم توفيقه للأعمال الصالحة، بتثقيلها ~~عليه وعدم شرح صدره للإيمان أو إعداده للعذاب. # وقوله: "وما يغني عنه ماله إذا تردى" التردي هو السقوط من مكان عال ويطلق ~~على الهلاك فالمراد سقوطه في حفرة القبر أو في جهنم أو هلاكه. # و"ما" استفهامية أو نافية أي أي شيء يغنيه ماله إذا مات وهلك أو ليس يغني ~~عنه ماله إذا مات وهلك. # قوله تعالى: "إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى" تعليل لما تقدم من ~~حديث تيسيره لليسرى وللعسرى أو الإخبار به بأوجز بيان، محصله أنا إنما نفعل ~~هذا التيسير أو نبين هذا البيان لأنه من الهدى والهدى علينا لا يزاحمنا في ~~ذلك شيء ولا يمنعنا عنه مانع. # فقوله: "إن علينا للهدى" يفيد أن هدى الناس مما قضى سبحانه به وأوجبه على ~~نفسه بمقتضى الحكمة وذلك أنه خلقهم ليعبدوه كما قال: "وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون": الذاريات: 56 فجعل عبادته غاية لخلقهم وجعلها صراطا مستقيما ~~إليه كما قال: "إن الله ربي وربكم فاعبدوه ms7655 هذا صراط مستقيم": آل عمران: 51، ~~وقال: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله": الشورى: 53 وقضى على نفسه ~~أن يبين لهم سبيله ويهديهم إليه بمعنى إراءة الطريق سواء سلكوها أم تركوها ~~كما قال: "وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر": النحل: 9، وقال: "والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل": الأحزاب: 4 وقال: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا": الإنسان: 3 ولا ينافي ذلك قيام غيره تعالى بأمر هذا المعنى من ~~الهدى بإذنه كالأنبياء كما قال تعالى: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم": ~~الشورى: 52، وقال: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني": يوسف: 108. # وقد تقدم لهذه المسألة بيان عقلي في مباحث النبوة في الجزء الثاني من ~~الكتاب. # هذا في الهداية بمعنى إراءة الطريق وأما الهداية بمعنى الإيصال إلى ~~المطلوب - والمطلوب في المقام الآثار الحسنة التي تترتب على الاهتداء بهدى ~~الله والتلبس بالعبودية كالحياة الطيبة المعجلة في الدنيا والحياة السعيدة ~~الأبدية في الآخرة - فمن البين أنه من قبيل الصنع والإيجاد الذي يختص به ~~تعالى فهو مما قضى به الله وأوجبه على نفسه وسجله بوعده الحق قال تعالى: ~~"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى": طه: 123، وقال: "ومن عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون": النحل: 97، وقال: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله ~~قيلا": النساء: 122. # ولا ينافي انتساب هذا المعنى من الهداية إليه تعالى بنحو الأصالة انتسابه ~~إلى غيره تعالى بنحو التبع بتخلل الأسباب بينه تعالى وبين ما ينسب إليه من ~~الأثر بإذنه. # ومعنى الآية - إن كان المراد بالهدى إراءة الطريق - أنا إنما نبين لكم ما ~~نبين لأنه من إراءة طريق العبودية وإراءة الطريق علينا، وإن كان المراد به ~~الإيصال إلى المطلوب أنا إنما نيسر هؤلاء لليسرى من الأعمال الصالحة أو من ~~الحياة السهلة الأبدية ودخول الجنة لأنه من إيصال الأشياء إلى غاياتها ~~وعلينا ذلك. # وأما التيسير ms7656 للعسرى فهو مما يتوقف عليه التيسير لليسرى "ليميز الله ~~الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم": ~~الأنفال: 37 وقد قال سبحانه في القرآن الذي هو هدى للعالمين: "وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": إسراء: 82. # ويمكن أن يكون المراد به مطلق الهداية أعم من الهداية التكوينية الحقيقية ~~والتشريعية الاعتبارية - على ما هو ظاهر إطلاق اللفظ - فله تعالى الهداية ~~الحقيقية كما قال: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50، والهداية ~~الاعتبارية كما قال: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الإنسان: 3. PageV20P170 # وقوله: "وإن لنا للآخرة والأولى" أي عالم البدء وعالم العود فكل ما يصدق ~~عليه أنه شيء فهو مملوك له تعالى بحقيقة الملك الذي هو قيام وجوده بربه ~~القيوم ويتفرع عليه الملك الاعتباري الذي من آثاره جواز التصرفات. # فهو تعالى يملك كل شيء من كل جهة فلا يملك شيء منه شيئا فلا معارض يعارضه ~~ولا مانع يمنعه ولا شيء يغلبه كما قال: "والله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: ~~41 وقال: "والله غالب على أمره": يوسف: 21، وقال: "ويفعل الله ما يشاء": ~~إبراهيم: 27. # قوله تعالى: "فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى" ~~تفريع على ما تقدم أي إذا كان الهدى علينا فأنذرتكم نار جهنم وبذلك يوجه ما ~~في قوله: "فأنذرتكم" من الالتفات عن التكلم مع الغير إلى التكلم وحده أي ~~إذا كان الهدى مقضية محتومة فالمنذر بالأصالة هو الله وإن كان بلسان رسوله. # وتلظى النار تلهبها وتوهجها، والمراد بالنار التي تتلظى جهنم كما قال ~~تعالى: "كلا إنها لظى": المعارج: 15. # والمراد بالأشقى مطلق الكافر الذي يكفر بالتكذيب والتولي فإنه أشقى من ~~سائر من شقي في دنياه فمن ابتلي في بدنه شقي ومن أصيب في ماله أو ولده مثلا ~~شقي ومن خسر في أمر آخرته شقي والشقي في أمر آخرته أشقى من غيره لكون شقوته ~~أبدية لا مطمع في التخلص منها بخلاف الشقوة في شأن من شئون الدنيا فإنها ms7657 ~~مقطوعة لا محالة مرجوة الزوال عاجلا. # فالمراد بالأشقى هو الكافر المكذب بالدعوة الحقة المعرض عنها على ما يدل ~~عليه توصيفه بقوله: "الذي كذب وتولى" ويؤيده إطلاق الإنذار، وأما الأشقى ~~بمعنى أشقى الناس كلهم فمما لا يساعد عليه السياق البتة. # والمراد بصلي النار اتباعها ولزومها فيفيد معنى الخلود وهو مما قضى الله ~~به في حق الكافر، قال تعالى: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون": البقرة: 39. # وبذلك يندفع ما قيل: إن قوله: "لا يصلاها إلا الأشقى" ينفي عذاب النار عن ~~فساق المؤمنين على ما هو لازم القصر في الآية، وجه الاندفاع أن الآية إنما ~~تنفي عن غير الكافر الخلود فيها دون أصل الدخول. # قوله تعالى: "وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى" التجنيب التبعيد، وضمير "سيجنبها" للنار، والمعنى سيبعد عن ~~النار الأتقى. # والمراد بالأتقى من هو أتقى من غيره ممن يتقي المخاطر فهناك من يتقي ضيعة ~~النفوس كالموت والقتل ومن يتقي فساد الأموال ومن يتقي العدم والفقر فيمسك ~~عن بذل المال وهكذا ومنهم من يتقي الله فيبذل المال، وأتقى هؤلاء الطوائف ~~من يتقي الله فيبذل المال لوجهه وإن شئت فقل يتقي خسران الآخرة فيتزكى ~~بالإعطاء. # فالمفضل عليه للأتقى هو من لا يتقي بإعطاء المال وإن اتقى سائر المخاطر ~~الدنيوية أو اتقى الله بسائر الأعمال الصالحة. # فالآية عامة بحسب مدلولها غير خاصة ويدل عليه توصيف الأتقى بقوله: "الذي ~~يؤتي ماله" إلخ وهو وصف عام وكذا ما يتلوه، ولا ينافي ذلك كون الآيات أو ~~جميع السورة نازلة لسبب خاص كما ورد في أسباب النزول. # وأما إطلاق المفضل عليه بحيث يشمل جميع الناس من طالح أو صالح ولازمه ~~انحصار المفضل في واحد مطلقا أو واحد في كل عصر، ويكون المعنى وسيجنبها من ~~هو أتقى الناس كلهم وكذا المعنى في نظيره: لا يصلاها إلا أشقى الناس كلهم ~~فلا يساعد عليه سياق آيات صدر السورة، وكذا الإنذار العام الذي في قوله: ~~"فأنذرتكم نارا تلظى" فلا معنى لأن يقال: ms7658 أنذرتكم جميعا نارا لا يخلد فيها ~~إلا واحد منكم جميعا ولا ينجو منها إلا واحد منكم جميعا. # وقوله: "الذي يؤتي ماله يتزكى" صفة للأتقى أي الذي يعطي وينفق ماله يطلب ~~بذلك أن ينمو نماء صالحا. # وقوله: "وما لأحد عنده من نعمة تجزى" تقرير لمضمون الآية السابقة أي ليس ~~لأحد عنده من نعمة تجزى تلك النعمة بما يؤتيه من المال وتكافأ وإنما يؤتيه ~~لوجه الله ويؤيد هذا المعنى تعقيبه بقوله: "إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى". # فالتقدير من نعمة تجزى به، وإنما حذف الظرف رعاية للفواصل، ويندفع بذلك ~~ما قيل: إن بناء "تجزى" للمفعول لأن القصد ليس لفاعل معين. PageV20P171 # قوله تعالى: "إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى" استثناء منقطع والمعنى ولكنه يؤتي ~~ماله طلبا لوجه ربه الأعلى وقد تقدم كلام في معنى وجه الله تعالى وفي معنى ~~الاسم الأعلى. # قوله تعالى: "ولسوف يرضى" أي ولسوف يرضى هذا الأتقى بما يؤتيه ربه الأعلى ~~من الأجر الجزيل والجزاء الحسن الجميل. # وفي ذكر صفتي الرب والأعلى إشعار بأن ما يؤتاه من الجزاء أنعم الجزاء ~~وأعلاه وهو المناسب لربوبيته تعالى وعلوه، ومن هنا يظهر وجه الالتفات في ~~الآية السابقة في قوله: "وجه ربه الأعلى" من سياق التكلم وحده إلى الغيبة ~~بالإشارة إلى الوصفين: ربه الأعلى. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ~~قول الله عز وجل "والليل إذا يغشى" "والنجم إذا هوى" وما أشبه ذلك؟ فقال: ~~إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به:. ~~أقول: ورواه في الفقيه، بإسناده عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني (عليه ~~السلام):. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والليل إذا يغشى" قال: حين يغشى ~~النهار وهو قسم. # وعن الحميري في قرب الإسناد، عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ~~عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: في تفسير "والليل إذا ~~يغشى" إن رجلا كان لرجل في حائطه ms7659 نخلة فكان يضر به فشكى ذلك إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنة فأبى ~~فسمع ذلك رجل من الأنصار يكنى أبا الدحداح فجاء إلى صاحب النخلة فقال: بعني ~~نخلتك بحائطي فباعه فجاءه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ~~يا رسول الله قد اشتريت نخلة فلان بحائطي فقال رسول الله: لك بدلها نخلة في ~~الجنة. فأنزل الله تعالى على نبيه "وما خلق الذكر والأنثى - إن سعيكم لشتى ~~فأما من أعطى" يعني النخلة "واتقى وصدق بالحسنى" هو ما عند رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فسنيسره لليسرى إلى قوله تردى":. أقول: ورواه القمي ~~في تفسيره، مرسلا مضمرا:، وقوله: الزوجين تفسير منه (عليه السلام) للذكر ~~والأنثى. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وسيجنبها الأتقى" قال: أبو الدحداح. # أقول: هذا ما من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وروى الطبرسي في مجمع البيان، القصة عن الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن ~~عباس وفيه أن الأنصاري ساوم صاحب النخلة في نخلة في نخلته ثم اشتراها منه ~~بأربعين نخلة ثم وهبها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوهبها النبي لصاحب ~~الدار، ثم روى الطبرسي عن عطاء أن اسم الرجل أبو الدحداح:، وروى السيوطي في ~~الدر المنثور، القصة عن ابن أبي حاتم عن ابن عباس وضعفه. # وقد ورد من طرق أهل السنة أن السورة نزلت في أبي بكر قال الرازي في ~~التفسير الكبير،: أجمع المفسرون منا على أن المراد منه - يعني من الأتقى - ~~أبو بكر، واعلم أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية، ويقولون إنما نزلت في ~~حق علي بن أبي طالب والدليل عليه قوله تعالى: "ويؤتون الزكاة وهم راكعون" ~~فقوله: "الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى" إشارة إلى ما في تلك الآية من قوله: ~~"ويؤتون الزكاة وهم راكعون" ثم أخذ الأتقى بمعنى أفضل الخلق أي أتقى الناس ~~جميعا وقد تقدم الكلام فيه. # أما ما نسب إلى الشيعة بأسرهم من القول فالمعتمد عليه من طرقهم ms7660 صحيح ~~الحميري المتقدم وما في معناه من الروايات الدالة على نزولها في أبي ~~الدحداح الأنصاري. # نعم ورد في رواية ضعيفة عن البرقي عن إسماعيل بن مهران عن أيمن بن محرز ~~عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيها، وأما قوله: "وسيجنبها ~~الأتقى" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن تبعه، و"الذي يؤتي ~~ماله يتزكى" قال: ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو قوله: "ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون" وقوله: "وما لأحد عنده من نعمة تجزى" فهو رسول الله ~~الذي ليس لأحد عنده من نعمة تجزى ونعمته جارية على جميع الخلق (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). PageV20P172 # والرواية على ضعف سندها من قبيل الجري والتطبيق دون التفسير ومن واضح ~~الدليل عليه تطبيقه الموصوف على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والوصف على علي (عليه السلام) ثم الآية التالية على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولو كانت من التفسير لفسد بذلك النظم قطعا. # هذا لو كانت الواو في قوله: "والذي يؤتي ماله يتزكى" من الرواية ولو فرضت ~~من الآية كانت الرواية من روايات التحريف المردودة. # وعن الحميري عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن ~~الرضا (عليه السلام) قال، قلت: قول الله تبارك وتعالى "إن علينا للهدى" ~~قال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. فقلت له: أصلحك الله إن قوما من ~~أصحابنا يزعمون أن المعرفة مكتسبة وأنهم إن ينظروا من وجه النظر أدركوه. ~~فأنكر ذلك وقال: ما لهؤلاء القوم لا يكتسبون الخير لأنفسهم؟ ليس أحد من ~~الناس إلا ويجب أن يكون خيرا ممن هو خير منه هؤلاء بنو هاشم موضعهم موضعهم ~~وقرابتهم قرابتهم وهم أحق بهذا الأمر منكم أفترى أنهم لا ينظرون لأنفسهم؟ ~~وقد عرفتم ولم يعرفوا. # قال أبو جعفر: لو استطاع الناس لأحبونا. # أقول: أما الهداية - والمراد بها الإيصال إلى المطلوب - فهي لله تعالى ~~لأنها من شئون الربوبية، وأما الإضلال والمراد به الإضلال على سبيل ~~المجازاة دون الإضلال الابتدائي الذي ms7661 لا يضاف إليه تعالى فهو الله أيضا ~~لكونه إمساكا عن إنزال الرحمة وعدما للهداية وإذا كانت الهداية له فالإمساك ~~عنه أيضا منسوب إليه تعالى. PageV20P173 ### || AUTO ### ||| AUTO 93 سورة الضحى - 1 - 11 # بسم الله الرحمن الرحيم والضحى (1) واليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما ~~قلى (3) وللاخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك ~~يتيما فئاوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم ~~فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) ### |||| AUTO بيان # قيل: انقطع الوحي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أياما حتى قالوا: ~~إن ربه ودعه فنزلت السورة فطيب الله بها نفسه، والسورة تحتمل المكية ~~والمدنية. # قوله تعالى: "والضحى والليل إذا سجى" إقسام، والضحى - على ما في ~~المفردات، - انبساط الشمس وامتداد النهار وسمي الوقت به، وسجو الليل سكونه ~~وهو غشيان ظلمته. # قوله تعالى: "ما ودعك ربك وما قلى" التوديع الترك، والقلى بكسر القاف ~~البغض أو شدته، والآية جواب القسم، ومناسبة نور النهار وظلمة الليل لنزول ~~الوحي وانقطاعه ظاهرة. # قوله تعالى: "وللآخرة خير لك من الأولى" في معنى الترقي بالنسبة إلى ما ~~تفيده الآية السابقة من كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما هو عليه من ~~موقف الكرامة والعناية الإلهية كأنه قيل: أنت على ما كنت عليه من الفضل ~~والرحمة ما دمت حيا في الدنيا وحياتك الآخرة خير لك من حياتك الدنيا. # قوله تعالى: "ولسوف يعطيك ربك فترضى" تقرير وتثبيت لقوله: "وللآخرة خير ~~لك من الأولى" وقد اشتمل الوعد على عطاء مطلق يتبعه رضي مطلق. # وقيل: الآية ناظرة إلى الحياتين جميعا دون الحياة الآخرة فقط. # قوله تعالى: "ألم يجدك يتيما فآوى" الآية وما يتلوها من الآيتين إشارة ~~إلى بعض نعمه تعالى العظام عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد مات أبوه ~~وهو في بطن أمه ثم ماتت أمه وهو ابن سنتين ثم مات جده الكفيل له وهو ابن ~~ثمان سنين فكفله عمه ورباه. # وقيل: المراد باليتيم الوحيد الذي لا نظير له في الناس ms7662 كما يقال: در ~~يتيم، والمعنى ألم يجدك وحيدا بين الناس فآوى الناس إليك وجمعهم حولك. # قوله تعالى: "ووجدك ضالا فهدى" المراد بالضلال عدم الهداية والمراد بكونه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ضالا حالة في نفسه مع قطع النظر عن هدايته تعالى ~~فلا هدى له (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا لأحد من الخلق إلا بالله سبحانه ~~فقد كانت نفسه في نفسها ضالة وإن كانت الهداية الإلهية ملازمة لها منذ وجدت ~~فالآية في معنى قوله تعالى: "ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان": الشورى: ~~52، ومن هذا الباب قول موسى على ما حكى الله عنه: "فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين": الشعراء: 20 أي لم أهتد بهدى الرسالة بعد. # ويقرب منه ما قيل: إن المراد بالضلال الذهاب من العلم كما في قوله: "أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى": البقرة: 282، ويؤيده قوله: "وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين": يوسف: 3. # وقيل المعنى وجدك ضالا بين الناس لا يعرفون حقك فهداهم إليك ودلهم عليك. # وقيل: إنه إشارة إلى ضلاله في طريق مكة حينما كانت تجيء به حليمة بنت أبي ~~ذؤيب من البدو إلى جده عبد المطلب على ما روي. # وقيل: إشارة إلى ما روي من ضلاله في شعاب مكة صغيرا. # وقيل: إشارة إلى ما روي من ضلاله في مسيره إلى الشام مع عمه أبي طالب في ~~قافلة ميسرة غلام خديجة. # وقيل: غير ذلك وهي وجوه ضعيفة ظاهرة الضعف. # قوله تعالى: "ووجدك عائلا فأغنى" العائل الفقير الذي لا مال له وقد كان ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقيرا لا مال له فأغناه الله بعد ما تزوج بخديجة ~~بنت خويلد (عليه السلام) فوهبت له مالها وكان لها مال كثير، وقيل المراد ~~بالإغناء استجابة دعوته. # قوله تعالى: "فأما اليتيم فلا تقهر" قال الراغب: القهر الغلبة والتذليل ~~معا ويستعمل في كل واحد منهما، انتهى. # قوله تعالى: "وأما السائل فلا تنهر" النهر هو الزجر والرد بغلظة. # قوله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث" التحديث بالنعمة ذكرها قولا وإظهارها ~~فعلا وذلك شكرها، وهذه ms7663 الأوامر عامة للناس وإن كانت موجهة إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). PageV20P174 # والآيات الثلاث متفرعة على الآيات الثلاث التي تسبقها وتذكر نعمه تعالى ~~عليه كأنه قيل: فقد وجدت ما يجده اليتيم من ذلة اليتيم وانكساره فلا تقهر ~~اليتيم باستذلاله في نفسه أو ماله، ووجدت مرارة حاجة الضال إلى الهدى ~~والعائل إلى الغنى فلا تزجر سائلا يسألك رفع حاجته إلى هدى أو معاش، ووجدت ~~أن ما عندك نعمة أنعمها عليك ربك بجوده وكرمه ورحمته فاشكر نعمته بالتحديث ~~بها ولا تسترها. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والضحى" قال: إذا ارتفعت الشمس "والليل ~~إذا سجى" قال: إذا أظلم. # وفيه،: في قوله تعالى "وما قلى" قال: لم يبغضك. # وفي الدر المنثور،: في قوله تعالى: "ولسوف يعطيك ربك فترضى": أخرج ابن ~~أبي شيبة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا ~~أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا "ولسوف يعطيك ربك فترضى". # وفيه، أخرج العسكري في المواعظ وابن لآل وابن النجار عن جابر بن عبد الله ~~قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على فاطمة وهي تطحن بالرحى ~~وعليها كساء من حلة الإبل فلما نظر إليها قال: يا فاطمة تعجلي فتجرعي مرارة ~~الدنيا لنعيم الآخرة غدا فأنزل الله "ولسوف يعطيك ربك فترضى". # أقول: تحتمل الرواية نزول الآية وحدها بعد نزول بقية آيات السورة قبلها ~~ثم الإلحاق وتحتمل نزولها وحدها ثانيا. # وفيه، أخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن ~~شريح قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أرأيت هذه الشفاعة التي ~~يتحدث بها أهل العراق أحق هي؟ قال: إي والله حدثني عمي محمد بن الحنفية عن ~~علي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أشفع لأمتي حتى يناديني ~~ربي: أرضيت يا محمد؟ فأقول: نعم يا رب رضيت. ثم أقبل علي فقال: إنكم تقولون ~~يا معشر أهل العراق، إن أرجى آية في كتاب الله: ms7664 "يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم - لا تقنطوا من رحمة الله - إن الله يغفر الذنوب جميعا" قلت: إنا ~~لنقول ذلك، قال: فكلنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله "ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى" الشفاعة. # وفي تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن ابن الجهم عن الرضا (عليه ~~السلام) في مجلس المأمون قال: قال الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): "ألم يجدك يتيما فآوى" يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس؟ ~~"ووجدك ضالا" يعني عند قومك "فهدى" أي هداهم إلى معرفتك؟ "ووجدك عائلا ~~فأغنى" يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا؟ فقال المأمون: بارك الله فيك يا ~~ابن رسول الله. # وفيه، عن البرقي بإسناده عن عمرو بن أبي نصر قال: حدثني رجل من أهل ~~البصرة قال: رأيت الحسين بن علي (عليهما السلام) وعبد الله بن عمر يطوفان ~~بالبيت فسألت ابن عمر فقلت: قول الله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث" قال: ~~أمره أن يحدث بما أنعم الله عليه. ثم إني قلت للحسين بن علي (عليهما ~~السلام): قول الله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث" قال: أمره أن يحدث بما ~~أنعم الله عليه من دينه. # وفي الدر المنثور، عن البيهقي عن الحسن بن علي في قوله: "وأما بنعمة ربك ~~فحدث" قال: إذا أصبت خيرا فحدث إخوانك. # وفيه، أخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: من أبلى بلاء فذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما ~~لم يعط فإنه كلابس ثوب زور. PageV20P175 ### || AUTO ### ||| AUTO 94 سورة ألم نشرح - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذى ~~أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا ~~(6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) ### |||| AUTO بيان # أمر بالنصب في الله والرغبة إليه توصل إليه بتقدمة الامتنان والسورة ~~تحتمل المكية والمدنية وسياق آياتها أوفق للمدنية. # وفي بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ms7665 أن الضحى وألم نشرح ~~سورة واحدة، ويروى ذلك أيضا عن طاووس وعمر بن عبد العزيز قال الرازي في ~~التفسير الكبير بعد نقله عنهما والذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى: ~~"ألم نشرح لك" كالعطف على قوله: "ألم يجدك يتيما" وليس كذلك لأن الأول كان ~~نزوله حال اغتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من إيذاء الكفار فكانت ~~حال محنة وضيق صدر، والثاني يقتضي أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب ~~القلب فأنى يجتمعان انتهى. # وفيه أن المراد بشرح صدره (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية جعله بحيث ~~يسع ما يلقى إليه من الحقائق ولا يضيق بما ينزل عليه من المعارف وما يصيبه ~~من أذى الناس في تبليغها كما سيجيء لا طيب القلب والسرور كما فسره. # ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد سألت ربي مسألة وددت أني لم ~~أسأله قلت: أي رب أنه قد كان أنبياء قبلي منهم من سخرت له الريح ومنهم من ~~كان يحيي الموتى. قال: فقال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قال: قلت: بلى قال: ~~ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قال: قلت: بلى أي رب. قال: ألم أشرح لك صدرك ووضعت ~~عنك وزرك؟ قال: قلت: بلى أي رب، وللكلام تتمة ستوافيك في تفسير سورة ~~الإيلاف إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: "ألم نشرح لك صدرك" قال الراغب: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه ~~يقال: شرحت اللحم وشرحته ومنه شرح الصدر أي بسطته بنور إلهي وسكينة من جهة ~~الله وروح منه قال تعالى: "رب اشرح لي صدري" "ألم نشرح لك صدرك" "فمن شرح ~~الله صدره" انتهى. # وترتب الآيات الثلاث الأول في مضامينها ثم تعليلها بقوله: "فإن مع العسر ~~يسرا" الظاهر في الانطباق على حاله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوائل ~~دعوته وأواسطها وأواخرها ثم تكرار التعليل ثم تفريع آيتي آخر السورة كل ذلك ~~يشهد على كون المراد بشرح صدره (صلى ms7666 الله عليه وآله وسلم) بسطه بحيث يسع ما ~~يلقى إليه من الوحي ويؤمر بتبليغه وما يصيبه من المكاره والأذى في الله، ~~وبعبارة أخرى جعل نفسه المقدسة مستعدة تامة الاستعداد لقبول ما يفاض عليها ~~من جانب الله تعالى. # قوله تعالى: "ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك" الوزر الحمل الثقيل، ~~وإنقاض الظهر كسره بحيث يسمع له صوت كما يسمع من السرير ونحوه عند استقرار ~~شيء ثقيل عليه، والمراد به ظهور ثقل الوزر عليه ظهورا بالغا. # ووضع الوزر إذهاب ما يحس من ثقله وجملة: "ووضعنا عنك وزرك" معطوفة على ~~قوله: "ألم نشرح" إلخ لما أن معناه قد شرحنا لك صدرك. # والمراد بوضع وزره (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما يفيده السياق - وقد ~~أشرنا إليه - إنفاذ دعوته وإمضاء مجاهدته في الله بتوفيق الأسباب فإن ~~الرسالة والدعوة وما يتفرع على ذلك هي الثقل الذي حمله إثر شرح صدره. # وقيل: وضع الوزر إشارة إلى ما وردت به الرواية أن ملكين نزلا عليه وفلقا ~~صدره وأخرجا قلبه وطهراه ثم رداه إلى محله وستوافيك روايته. # وقيل: المراد بالوزر ما صدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة، ~~وقيل: غفلته عن الشرائع ونحوها مما يتوقف على الوحي مع تطلبه، وقيل: حيرته ~~في بعض الأمور كأداء حق الرسالة، وقيل: الوحي وثقله عليه في بادىء أمره، ~~وقيل: ما كان يرى من ضلال قومه وعنادهم مع عجزه عن إرشادهم، وقيل: ما كان ~~يرى من تعديهم ومبالغتهم في إيذائه، وقيل: همه لوفاة عمه أبي طالب وزوجه ~~خديجة، وقيل: الوزر المعصية ورفع الوزر عصمته، وقيل: الوزر ذنب أمته ووضعه ~~غفرانه. # وهذه الوجوه بعضها سخيف وبعضها ضعيف لا يلائم السياق، وهي بين ما قيل به ~~وبين ما احتمل احتمالا. PageV20P176 # قوله تعالى: "ورفعنا لك ذكرك" رفع الذكر إعلاؤه عن مستوى ذكر غيره من الناس ~~وقد فعل سبحانه به ذلك، ومن رفع ذكره أن قرن الله اسمه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) باسمه فاسمه قرين اسم ربه في الشهادتين اللتين هما أساس دين الله، ~~وعلى ms7667 كل مسلم أن يذكره مع ربه كل يوم في الصلوات الخمس المفروضة، ومن اللطف ~~وقوع الرفع بعد الوضع في الآيتين. # قوله تعالى: "فإن مع العسر يسرا" لا يبعد أن يكون تعليلا لما تقدم من وضع ~~الوزر ورفع الذكر فما حمله الله من الرسالة وأمر به من الدعوة - وذلك أثقل ~~ما يمكن لبشر أن يحمله - كان قد اشتد عليه الأمر بذلك، وكذا تكذيب قومه ~~دعوته واستخفافهم به وإصرارهم على إمحاء ذكره كان قد اشتد عليه فوضع الله ~~وزره الذي حمله بتوفيق الناس لإجابة دعوته ورفع ذكره الذي كانوا يريدون ~~إمحاءه وكان ذلك جريا على سنته تعالى في الكون من الإتيان باليسر بعد العسر ~~فعلل رفع الشدة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أشار إليه من سنته، وعلى ~~هذا فاللام في "العسر" للجنس دون الاستغراق ولعل السنة سنة تحول الحوادث ~~وتقلب الأحوال وعدم دوامها. # وعن الزمخشري في الكشاف، أن الفاء في "فإن مع العسر" إلخ فصيحة والكلام ~~مسوق لتسليته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالوعد الجميل. # قال: كان المشركون يعيرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ~~بالفقر والضيقة حتى سبق إلى ذهنه الشريف أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار ~~أهله واحتقارهم فذكره سبحانه ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: إن مع ~~العسر يسرا كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر ~~الذي أنتم فيه يسرا. # وظاهره أن اللام في العسر للعهد دون الجنس وأن المراد باليسر ما رزقه ~~الله المؤمنين بعد من الغنائم الكثيرة. # وهو ممنوع فذهنه الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من أن يخفى عليه ~~حالهم وأنهم إنما يرغبون عن دعوته استكبارا على الحق واستعلاء على الله على ~~أن القوم لم يرغبوا في الإسلام حتى بعد ظهور شوكته وإثراء المؤمنين وقد ~~أيأس الله نبيه من إيمان أكثرهم حيث قال: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون - إلى أن قال - وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": ms7668 يس: ~~10 والآيات مكية وقال: إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون": البقرة: 6 والآية مدنية. # ولو حمل اليسر بعد العسر على شوكة الإسلام ورفعته بعد ضعته مع أخذ السورة ~~مكية لم يكن به كثير بأس. # قوله تعالى: "إن مع العسر يسرا" تكرار للتأكيد والتثبيت وقيل: استئناف ~~وذكروا أن في الآيتين دلالة على أن مع العسر الواحد يسران بناء على أن ~~المعرفة إذا أعيدت ثانية في الكلام كان المراد بها عين الأولى بخلاف النكرة ~~كما أنه لو قيل: إذا اكتسبت الدرهم أو درهما فأنفق الدرهم كان المراد ~~بالثاني هو الأول بخلاف ما لو قيل: إذا اكتسبت درهما فأنفق درهما وليست ~~القاعدة بمطردة. # والتنوين في "يسرا" للتنويع لا للتفخيم كما ذكره بعضهم، والمعية معية ~~التوالي دون المعية بمعنى التحقق في زمان واحد. # قوله تعالى: "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب" خطاب للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) متفرع على ما بين قبل من تحميله الرسالة والدعوة ومنه تعالى ~~عليه بما من من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر وكل ذلك من اليسر بعد العسر. # وعليه فالمعنى إذا كان العسر يأتي بعده اليسر والأمر فيه إلى الله لا غير ~~فإذا فرغت مما فرض عليك فأتعب نفسك في الله - بعبادته ودعائه - وارغب فيه ~~ليمن عليك بما لهذا التعب من الراحة ولهذا العسر من اليسر. # وقيل: المراد إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل، وقيل: إذا فرغت من ~~الصلاة فانصب في الدعاء، وما يتضمنه القولان بعض المصاديق. # وقيل: المعنى إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة وقيل: المراد إذا فرغت ~~من دنياك فانصب في آخرتك وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة. PageV20P177 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي بن كعب أن ~~أبا هريرة قال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا وقال: لقد سألت أبا هريرة إني لفي ms7669 ~~صحراء ابن عشرين سنة وأشهرا إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو ~~هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم ~~أجدها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد ~~لأحدهما مسا. فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعني بلا قصر ولا هصر فقال ~~أحدهما: أفلق صدره فحوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع ~~فقال له: أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال ~~له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي ~~اليمنى وقال: اغد وأسلم فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير. # أقول: وفي نقل بعضهم - كما في روح المعاني، - ابن عشر حجج مكان قوله: ابن ~~عشرين سنة وأشهرا، وفي بعض الروايات نقل القصة عند نزول سورة اقرأ باسم ربك ~~وفي بعضها كما في صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي نقل القصة عند ~~إسراء النبي. # والقصة على أي حال من قبيل التمثل بلا إشكال، وقد أطالوا البحث في توجيه ~~ما تتضمنه على أنها واقعة مادية فتمحلوا بوجوه لا جدوى في التعرض لها بعد ~~فساد أصلها. # وفيه، أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن ~~مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال: أتاني جبرئيل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ ~~قلت: الله أعلم قال: إذا ذكرت ذكرت معي. # وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما مسرورا وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر ~~يسرين "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا". # وفي المجمع،: في قوله تعالى: "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب" معناه ~~فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في ~~المسألة:. قال: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي ms7670 عبد الله (عليه السلام). PageV20P178 ### || AUTO ### ||| AUTO 95 سورة التين - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد ~~الأمين (3) لقد خلقنا الانسن فى أحسن تقويم (4) ثم رددنه أسفل سفلين (5) ~~إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد ~~بالدين (7) أليس الله بأحكم الحكمين (8) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة البعث والجزاء وتسلك إليه من طريق خلق الإنسان في أحسن تقويم ~~ثم اختلافهم بالبقاء على الفطرة الأولى وخروجهم منها بالانحطاط إلى أسفل ~~سافلين ووجوب التمييز بين الطائفتين جزاء باقتضاء الحكمة. # والسورة مكية وتحتمل المدنية ويؤيد نزولها بمكة قوله: "وهذا البلد ~~الأمين" وليس بصريح فيه لاحتمال نزولها بعد الهجرة وهو (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بمكة. # قوله تعالى: "والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين" قيل: المراد ~~بالتين والزيتون الفاكهتان المعروفتان أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد ~~الجمة والخواص النافعة، وقيل المراد بهما شجرتا التين والزيتون، وقيل: ~~المراد بالتين الجبل الذي عليه دمشق وبالزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس، ~~ولعل إطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما منبتيهما ولعل الإقسام بهما ~~لكونهما مبعثي جم غفير من الأنبياء وقيل غير ذلك. # والمراد بطور سينين الجبل الذي كلم الله تعالى فيه موسى بن عمران (عليهما ~~السلام)، ويسمى أيضا طور سيناء. # والمراد بهذا البلد الأمين مكة المشرفة لأن الأمن خاصة مشرعة للحرم وهي ~~فيه قال تعالى: "أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا": العنكبوت: 67 وفي دعاء ~~إبراهيم (عليه السلام) على ما حكى الله عنه: "رب اجعل هذا بلدا آمنا": ~~البقرة: 126، وفي دعائه ثانيا: "رب اجعل هذا البلد آمنا": إبراهيم: 35. # وفي الإشارة بهذا إلى البلد تثبيت التشريف عليه بالتشخيص وتوصيفه بالأمين ~~إما لكونه فعيلا بمعنى الفاعل ويفيد معنى النسبة والمعنى ذي الأمن كاللابن ~~والتامر وإما لكونه فعيلا بمعنى المفعول والمراد البلد الذي يؤمن الناس فيه ~~أي لا يخاف فيه من غوائلهم ففي نسبة الأمن إلى البلد نوع تجوز. # قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" جواب للقسم والمراد بكون ~~خلقه في ms7671 أحسن تقويم اشتمال التقويم عليه في جميع شئونه وجهات وجوده، ~~والتقويم جعل الشيء ذا قوام وقوام الشيء ما يقوم به ويثبت فالإنسان والمراد ~~به الجنس ذو أحسن قوام بحسب الخلقة. # ومعنى كونه ذا أحسن قوام بحسب الخلقة على ما يستفاد من قوله بعد: "ثم ~~رددناه أسفل سافلين إلا الذين" إلخ صلوحه بحسب الخلقة للعروج إلى الرفيع ~~الأعلى والفوز بحياة خالدة عند ربه سعيدة لا شقوة معها، وذلك بما جهزه الله ~~به من العلم النافع ومكنه منه من العمل الصالح قال تعالى: "ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 فإذا آمن بما علم وزاول صالح العمل رفعه ~~الله إليه كما قال: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": فاطر: ~~10، وقال: "ولكن يناله التقوى منكم": الحج: 37. # وقال: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة: ~~11 وقال: "فأولئك لهم الدرجات العلى": طه: 75 إلى غير ذلك من الآيات الدالة ~~على ارتفاع مقام الإنسان وارتقائه بالإيمان والعمل الصالح عطاء من الله غير ~~مجذوذ، وقد سماه تعالى أجرا كما يشير إليه قوله الآتي: "فلهم أجر غير ~~ممنون". # قوله تعالى: "ثم رددناه أسفل سافلين" ظاهر الرد أن يكون بمعناه المعروف ~~فأسفل منصوب بنزع الخافض، والمراد بأسفل سافلين مقام منحط هو أسفل من سفل ~~من أهل الشقوة والخسران والمعنى ثم رددنا الإنسان إلى أسفل من سفل من أهل ~~العذاب. # واحتمل أن يكون الرد بمعنى الجعل أي جعلناه أسفل سافلين، وأن يكون بمعنى ~~التغيير والمعنى ثم غيرناه حال كونه أسفل جمع سافلين، والمراد بالسفالة على ~~أي حال الشقاء والعذاب. PageV20P179 # وقيل: المراد بخلق الإنسان في أحسن تقويم ما عليه وجوده أوان الشباب من ~~استقامة القوى وكمال الصورة وجمال الهيئة، وبرده إلى أسفل سافلين رده إلى ~~الهرم بتضعيف قواه الظاهرة والباطنة ونكس خلقته فتكون الآية في معنى قوله ~~تعالى: "ومن نعمره ننكسه في الخلق": يس: 68. # وفيه أنه لا يلائمه ما في قوله: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" من ~~الاستثناء الظاهر في المتصل فإن حكم الخلق عام ms7672 في المؤمن والكافر والصالح ~~والطالح ودعوى أن المؤمن أو المؤمن الصالح مصون من ذلك مجازفة. # وكذا القول بأن المراد بالإنسان هو الكافر والمراد بالرد رده إلى جهنم أو ~~إلى نكس الخلق والاستثناء منقطع. # قوله تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون" أي ~~غير مقطوع استثناء متصل من جنس الإنسان، وتفريع قوله: "فلهم أجر غير ممنون" ~~عليه يؤيد كون المراد من رده إلى أسفل سافلين رده إلى الشقاء والعذاب. # قوله تعالى: "فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين" الخطاب ~~للإنسان باعتبار الجنس، وقيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد ~~غيره، و"ما" استفهامية توبيخية، و"بالدين" متعلق بيكذبك، والدين الجزاء ~~والمعنى - على ما قيل - ما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء يوم القيامة بعد ما ~~جعلنا الإنسان طائفتين طائفة مردودة إلى أسفل سافلين وطائفة مأجورة أجرا ~~غير ممنون. # وقوله: "أليس الله بأحكم الحاكمين" الاستفهام للتقرير وكونه تعالى أحكم ~~الحاكمين هو كونه فوق كل حاكم في إتقان الحكم وحقيته ونفوذه من غير اضطراب ~~ووهن وبطلان فهو تعالى يحكم في خلقه وتدبيره بما من الواجب في الحكمة أن ~~يحكم به الناس من حيث الإتقان والحسن والنفوذ وإذا كان الله تعالى أحكم ~~الحاكمين والناس طائفتان مختلفتان اعتقادا وعملا فمن الواجب في الحكمة أن ~~يميز بينهم بالجزاء في حياتهم الباقية وهو البعث. # فالتفريع في قوله: "فما يكذبك بعد بالدين" من قبيل تفريع النتيجة على ~~الحجة وقوله: "أليس الله بأحكم الحاكمين" تتميم للحجة المشار إليها بما ~~يتوقف عليه تمامها. # والمحصل أنه إذا كان الناس خلقوا في أحسن تقويم ثم اختلفوا فطائفة خرجت ~~عن تقويمها الأحسن وردت إلى أسفل سافلين وطائفة بقيت في تقويمها الأحسن ~~وعلى فطرتها الأولى والله المدبر لأمرهم أحكم الحاكمين، ومن الواجب في ~~الحكمة أن تختلف الطائفتان جزاء، فهناك يوم تجزى فيه كل طائفة بما عملت ولا ~~مسوغ للتكذيب به. # فالآيات - كما ترى - في معنى قوله تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28، وقوله: "أم ms7673 ~~حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون": الجاثية: 21. # وبعض من جعل الخطاب في قوله: "فما يكذبك" للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) جعل "ما" بمعنى من والحكم بمعنى القضاء، وعليه فالمعنى إذا كان الناس ~~مختلفين ولازم ذلك اختلاف جزائهم في يوم معد للجزاء فمن الذي ينسبك إلى ~~الكذب بالجزاء أليس الله بأقضى القاضين فهو يقضي بينك وبين المكذبين لك ~~بالدين. # وأنت خبير بأن فيه تكلفا من غير موجب. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "والتين والزيتون - وطور سينين وهذا ~~البلد الأمين" التين المدينة والزيتون بيت المقدس وطور سينين الكوفة وهذا ~~البلد الأمين مكة. # أقول: وقد ورد هذا المعنى في بعض الروايات عن موسى بن جعفر عن آبائه ~~(عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يخلو من شيء، وفي ~~بعضها: أن التين والزيتون الحسن والحسين والطور علي والبلد الأمين النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس من التفسير في شيء. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن خزيمة بن ثابت ~~وليس بالأنصاري سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البلد الأمين فقال: مكة. PageV20P180 ### || AUTO ### ||| AUTO 96 سورة العلق - 1 - 19 # بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذى خلق (1) خلق الانسن من علق ~~(2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذى علم بالقلم (4) علم الانسن ما لم يعلم (5) ~~كلا إن الانسن ليطغى (6) أن رءاه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرءيت ~~الذى ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرءيت إن كان على الهدى (11) أو أمر ~~بالتقوى (12) أرءيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن ~~لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع ~~الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) ### |||| AUTO بيان # أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلقي القرآن بالوحي منه تعالى وهي ~~أول سورة نزلت من القرآن، وسياق آياتها لا يأبى نزولها دفعة واحدة كما ~~سنشير إليه، وهي مكية قطعا. # قوله ms7674 تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق" قال الراغب: ~~والقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، وليس يقال ذلك لكل ~~جمع لا يقال: قرأت القوم إذا جمعتهم، ويدل على ذلك أنه لا يقال: للحرف ~~الواحد إذا تفوه به: قراءة انتهى. # وعلى أي حال، يقال: قرأت الكتاب إذا جمعت ما فيه من الحروف والكلمات بضم ~~بعضها إلى بعض في الذهن وإن لم تتلفظ بها، ويقال: قرأته إذا جمعت الحروف ~~والكلمات بضم بعضها إلى بعض في التلفظ، ويقال قرأته عليه إذا جمعت بين ~~حروفه وكلماته في سمعه ويطلق عليها بهذا المعنى التلاوة أيضا قال تعالى: ~~"رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة": البينة: 2. # وظاهر إطلاق قوله: "اقرأ" المعنى الأول والمراد به الأمر بتلقي ما يوحيه ~~إليه ملك الوحي من القرآن فالجملة أمر بقراءة الكتاب وهي من الكتاب كقول ~~القائل في مفتتح كتابه لمن أرسله إليه: اقرأ كتابي هذا واعمل به فقوله هذا ~~أمر بقراءة الكتاب وهو من الكتاب. # وهذا السياق يؤيد أولا ما ورد أن الآيات أول ما نزل من القرآن على النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وثانيا أن التقدير اقرأ القرآن أو ما في معناه، وليس المراد مطلق القراءة ~~باستعمال "اقرأ" استعمال الفعل اللازم بالإعراض عن المفعول، ولا المراد ~~القراءة على الناس بحذف المتعلق وإن كان ذلك من أغراض النزول كما قال: ~~"وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء: 106، ولا ~~أن قوله: "باسم ربك" مفعول "اقرأ" والباء زائدة والتقدير اقرأ اسم ربك أي بسمل. # وقوله: "باسم ربك" متعلق بمقدر نحو مفتتحا ومبتدئا أو باقرأ والباء ~~للملابسة ولا ينافي ذلك كون البسملة المبتدأة بها السورة جزء من السورة فهي ~~من كلام الله افتتح سبحانه بها وأمر أن يقرأ مبتدئا بها كما أمر أن يقرأ ~~قوله: "اقرأ باسم" إلخ ففيه تعليم بالعمل نظير الأمر بالاستثناء في قوله: ~~"ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله": الكهف: 24 فافهم ذلك. # وفي: قوله "ربك ms7675 الذي خلق" إشارة إلى قصر الربوبية في الله عز اسمه وهو ~~توحيد الربوبية المقتضية لقصر العبادة فيه فإن المشركين كانوا يقولون: إن ~~الله سبحانه ليس له إلا الخلق والإيجاد وأما الربوبية وهي الملك والتدبير ~~فلمقربي خلقه من الملائكة والجن والإنس فدفعه الله بقوله: "ربك الذي خلق" ~~الناص على أن الربوبية والخلق له وحده. # وقوله: "خلق الإنسان من علق" المراد جنس الإنسان المتناسل والعلق الدم ~~المنجمد والمراد به ما يستحيل إليه النطفة في الرحم. # ففي الآية إشارة إلى التدبير الإلهي الوارد على الإنسان من حين كان علقة ~~إلى حين يصير إنسانا تاما كاملا له من أعاجيب الصفات والأفعال ما تتحير فيه ~~العقول فلم يتم الإنسان إنسانا ولم يكمل إلا بتدبير متعاقب منه تعالى وهو ~~بعينه خلق بعد خلق فهو تعالى رب مدبر لأمر الإنسان بعين أنه خالق له فليس ~~للإنسان إلا أن يتخذه وحده ربا ففي الكلام احتجاج على توحيد الربوبية. # قوله تعالى: "اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" ~~أمر بالقراءة ثانيا تأكيدا للأمر الأول على ما هو ظاهر سياق الإطلاق. PageV20P181 # وقيل: المراد به الأمر بالقراءة على الناس وهو التبليغ بخلاف الأمر الأول ~~فالمراد به الأمر بالقراءة لنفسه، كما قيل: إن المراد بالأمرين جميعا الأمر ~~بالقراءة على الناس، والوجهان غير ظاهرين. # وقوله: "وربك الأكرم" أي الذي يفوق عطاؤه عطاء ما سواه فهو تعالى يعطي لا ~~عن استحقاق وما من نعمة إلا وينتهي إيتاؤها إليه تعالى. # وقوله: "الذي علم بالقلم" الباء للسببية أي علم القراءة أو الكتابة ~~والقراءة بواسطة القلم والجملة حالية أو استئنافية، والكلام مسوق لتقوية ~~نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإزالة القلق والاضطراب عنها حيث أمر ~~بالقراءة وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ كأنه قيل: اقرأ كتاب ربك الذي يوحيه ~~إليك ولا تخف والحال أن ربك الأكرم الذي علم الإنسان القراءة بواسطة القلم ~~الذي يخط به فهو قادر على أن يعلمك قراءة كتابه وأنت أمي وقد أمرك بالقراءة ~~ولو لم يقدرك عليها لم ms7676 يأمرك بها. # ثم عمم سبحانه النعمة فذكر تعليمه للإنسان ما لم يعلم فقال: "علم الإنسان ~~ما لم يعلم" وفيه مزيد تقوية لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه. # والمراد بالإنسان الجنس كما هو ظاهر السياق وقيل: المراد به آدم (عليه ~~السلام)، وقيل: إدريس (عليه السلام) لأنه أول من خط بالقلم، وقيل: كل نبي ~~كان يكتب وهي وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم. # قوله تعالى: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" ردع عما يستفاد من ~~الآيات السابقة أنه تعالى أنعم على الإنسان بعظائم نعم مثل التعليم بالقلم ~~وسائر ما علم والتعليم من طريق الوحي فعلى الإنسان أن يشكره على ذلك لكنه ~~يكفر بنعمته تعالى ويطغى. # وقوله: "إن الإنسان ليطغى" أن يتعدى طوره، وهو إخبار بما في طبع الإنسان ~~ذلك كقوله: "إن الإنسان لظلوم كفار": إبراهيم: 34. # وقوله: "أن رآه استغنى" من الرأي دون الرؤية البصرية، وفاعل "رآه" ~~ومفعوله الإنسان. # وجملة "أن رآه استغنى" في مقام التعليل أي ليطغى لأنه يعتقد نفسه مستغنيا ~~عن ربه المنعم عليه فيكفر به، وذلك أنه يشتغل بنفسه والأسباب الظاهرية التي ~~يتوصل بها إلى مقاصده فيغفل عن ربه من غير أن يرى حاجة منه إليه تبعثه إلى ~~ذكره وشكره على نعمه فينساه ويطغى. # قوله تعالى: "إن إلى ربك الرجعى" الرجعى هو الرجوع والظاهر من سياق ~~الوعيد الآتي أنه وعيد وتهديد بالموت والبعث، والخطاب للنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقيل: الخطاب للإنسان بطريق الالتفات للتشديد، والأول أظهر. # قوله تعالى: "أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو ~~أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى" بمنزلة ذكر بعض ~~المصاديق للإنسان الطاغي وهو كالتوطئة لوعيده بتصريح العقاب والنهي عن ~~طاعته والأمر بعبادته تعالى، والمراد بالعبد الذي كان يصلي هو النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) على ما يستفاد من آخر الآيات حيث ينهاه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن طاعة ذلك الناهي ويأمره بالسجود والاقتراب. # وسياق الآيات - على تقدير كون ms7677 السورة أول ما نزل من القرآن ونزولها دفعة ~~واحدة - يدل على صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول القرآن ~~وفيه دلالة على نبوته قبل رسالته بالقرآن. # وأما ما ذكره بعضهم أنه لم يكن الصلاة مفروضة في أول البعثة وإنما شرعت ~~ليلة المعراج على ما في الأخبار وهو قوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~إلى غسق الليل وقرآن الفجر": إسراء: 78. # ففيه أن المسلم من دلالتها أن الصلوات الخمس اليومية إنما فرضت بهيئتها ~~الخاصة ركعتين ركعتين ليلة المعراج ولا دلالة فيها على عدم تشريعها قبل وقد ~~ورد في كثير من السور المكية ومنها النازلة قبل سورة الإسراء كالمدثر ~~والمزمل وغيرهما ذكر الصلاة بتعبيرات مختلفة وإن لم يظهر فيها من كيفيتها ~~إلا أنها كانت مشتملة على تلاوة شيء من القرآن والسجود. # وقد ورد في بعض الروايات صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع خديجة ~~وعلي في أوائل البعثة وإن لم يذكر كيفية صلاتهم. PageV20P182 # وبالجملة قوله: "أرأيت" بمعنى أخبرني، والاستفهام للتعجيب، والمفعول الأول ~~لقوله: "أرأيت" الأول قوله: "الذي ينهى" ولأرأيت الثالث ضمير عائد إلى ~~الموصول، ولأرأيت الثاني ضمير عائد إلى قوله: "عبدا" والمفعول الثاني ~~لأرأيت في المواضع الثلاث قوله: "ألم يعلم بأن الله يرى". # ومحصل معنى الآيات أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى وعبد الله الناهي ~~يعلم أن الله يرى ما يفعله كيف يكون حاله. # أخبرني عن هذا الناهي إن كان ذاك العبد المصلي على الهدى أو أمر بالتقوى ~~كيف يكون حال هذا الناهي وهو يعلم أن الله يرى. # أخبرني عن هذا الناهي أن تلبس بالتكذيب للحق والتولي عن الإيمان به ونهي ~~العبد المصلي عن الصلاة وهو يعلم أن الله يرى؟ هل يستحق إلا العذاب؟. # وقيل: المفعول الأول لأرأيت في جميع المواضع الثلاث هو الموصول أو الضمير ~~العائد إليه تحرزا عن التفكيك بين الضمائر. # والأولى على هذا أن يجعل معنى قوله: "أرأيت إن كان على الهدى أو أمر ~~بالتقوى" أخبرني عن هذا الناهي إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ms7678 وهو يعلم ~~أن الله يرى ما ذا كان يجب عليه أن يفعله ويأمر به؟ وكيف يكون حاله وقد نهى ~~عن عبادة الله سبحانه؟ وهو مع ذلك معنى بعيد ولا بأس بالتفكيك بين الضمائر ~~مع مساعدة السياق وإعانة القرائن. # وقوله: "ألم يعلم بأن الله يرى" المراد به العلم على طريق الاستلزام فإن ~~لازم الاعتقاد بأن الله خالق كل شيء هو الاعتقاد بأن له علما بكل شيء وإن ~~غفل عنه وقد كان الناهي وثنيا مشركا والوثنية معترفون بأن الله هو خالق كل ~~شيء وينزهونه عن صفات النقص فيرون أنه تعالى لا يجهل شيئا ولا يعجز عن شيء وهكذا. # قوله تعالى: "كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة" قال في ~~المجمع،: والسفع الجذب الشديد يقال: سفعت بالشيء إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا. # انتهى، وفي توصيف الناصية بالكذب والخطإ وهما وصفا صاحب الناصية مجاز. # وفي الكلام ردع وتهديد شديد، والمعنى ليس الأمر كما يقول ويريد أو ليس له ذلك. # أقسم لئن لم يكف عن نهيه ولم ينصرف لنأخذن بناصيته أخذ الذليل المهان ~~ونجذبنه إلى العذاب تلك الناصية التي صاحبها كاذب فيما يقول خاطىء فيما ~~يفعل، وقيل: المعنى لنسمن ناصيته بالنار ونسودنها. # قوله تعالى: "فليدع نادية سندع الزبانية" النادي المجلس وكان المراد به ~~أهل المجلس أي الجمع الذين يجتمع بهم، وقيل: الجليس، والزبانية الملائكة ~~الموكلون بالنار، وقيل: الزبانية في كلامهم الشرط، والأمر تعجيزي أشير به ~~إلى شدة الأخذ والمعنى فليدع هذا الناهي جمعه لينجوه منا سندع الزبانية ~~الغلاظ الشداد الذين لا ينفع معهم نصر ناصر. # قوله تعالى: "كلا لا تطعه واسجد واقترب" تكرار الردع للتأكيد، وقوله: "لا ~~تطعه" أي لا تطعه في النهي عن الصلاة وهي القرينة على أن المراد بالسجود ~~الصلاة، ولعل الصلاة التي كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي بها يومئذ ~~كانت تسبيحه تعالى والسجود له وقيل: المراد به السجود لقراءة هذه السورة ~~التي هي إحدى العزائم الأربع في القرآن. # والاقتراب التقرب إلى الله، وقيل: الاقتراب من ثواب الله ms7679 تعالى. PageV20P183 ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم ~~وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي من طريق ابن شهاب ~~عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدىء به رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا ~~يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء ~~فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود ~~لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه ~~الملك فقال: اقرأ قال: قلت: ما أنا بقارىء. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني ~~الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارىء قال: فأخذني فغطني الثانية ~~حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني ~~الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: "اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق ~~الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم الآية. فرجع بها رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: ~~زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد ~~خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل ~~الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة ~~حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر ~~في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما ~~شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع ~~من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ما ذا ترى؟ فأخبره رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله ~~على موسى! يا ليتني ms7680 أكون فيها جذعا يا ليتني أكون فيها حيا إذ يخرجك قومك ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أومخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت ~~رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ~~ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. # قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله ~~الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: بينما أنا أمشي إذ ~~سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي ~~بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله: يا ~~أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر - وثيابك فطهر والرجز فاهجر فحمي الوحي ~~وتتابع. # وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن ~~شداد قال: أتى جبريل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد اقرأ. ~~قال: وما أقرأ فضمه ثم قال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ. قال: اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق. حتى بلغ "ما لم يعلم". فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة ما ~~أراه إلا قد عرض لي قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك وما أتيت فاحشة ~~قط فأتت خديجة ورقة فأخبرته الخبر قال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي وليلقين ~~من أمته شدة ولئن أدركته لأومنن به. قال: ثم أبطأ عليه جبريل فقالت خديجة: ~~ما أرى ربك إلا قد قلاك فأنزل الله "والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى". # أقول: وفي رواية: أن الذي ألقاه جبريل سورة الحمد. PageV20P184 # والقصة لا تخلو من شيء وأهون ما فيها من الإشكال شك النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في كون ما شاهده وحيا إلهيا من ملك سماوي ألقى إليه كلام الله ~~وتردده بل ظنه أنه من مس الشياطين بالجنون، وأشكل منه سكون نفسه في كونه ~~نبوة إلى قول رجل نصراني مترهب وقد قال تعالى: "قل إني على ms7681 بينة من ربي": ~~الأنعام: 57 وأي حجة بينة في قول ورقة؟ وقال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" فهل بصيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~هي سكون نفسه إلى قول ورقة؟ وبصيرة من اتبعه سكون أنفسهم إلى سكون نفسه إلى ~~ما لا حجة فيه قاطعة؟ وقال تعالى: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده": النساء: 163 فهل كان اعتمادهم في نبوتهم على مثل ما ~~تقصه هذه القصة؟ والحق أن وحي النبوة والرسالة يلازم اليقين من النبي ~~والرسول بكونه من الله تعالى على ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وفي المجمع،: في قوله: "أرأيت الذي ينهى" الآية أن أبا جهل قال: هل يعفر ~~محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك ~~لأطأن رقبته فقيل له: ها هو ذلك يصلي فانطلق ليطأ على رقبته فما فجأهم إلا ~~وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني ~~وبينه خندقا من نار وهؤلاء أجنحة، وقال نبي الله: والذي نفسي بيده لو دنا ~~مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله "أرأيت الذي ينهى" إلى آخر ~~السورة:. رواه مسلم في الصحيح. # وفي تفسير القمي،: في الآية: كان الوليد بن المغيرة ينهى الناس عن الصلاة ~~وأن يطاع الله ورسوله فقال الله: "أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى". # أقول: مفاده لا يلائم ظهور سياق الآيات في كون المصلي هو النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم). # وفي المجمع، في الحديث عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان ساجدا. # وفي الكافي، بإسناده إلى الوشاء قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: ~~أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد وذلك قوله: "واسجد واقترب". # وفي المجمع، روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~العزائم الم التنزيل وحم السجدة والنجم ms7682 إذا هوى واقرأ باسم ربك، وما عداها ~~في جميع القرآن مسنون وليس بمفروض. PageV20P185 ### || AUTO ### ||| AUTO 97 سورة القدر - 1 - 5 # بسم الله الرحمن الرحيم إنا أنزلنه فى ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة ~~القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ~~ربهم من كل أمر (4) سلم هى حتى مطلع الفجر (5) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة إنزال القرآن في ليلة القدر وتعظم الليلة بتفضيلها على ألف ~~شهر وتنزل الملائكة والروح فيها، والسورة تحتمل المكية والمدنية ولا يخلو ~~بعض ما روي في سبب نزولها عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم من ~~تأييد لكونها مدنية. # قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر" ضمير "أنزلناه" للقرآن وظاهره ~~جملة الكتاب العزيز لا بعض آياته ويؤيده التعبير بالإنزال الظاهر في اعتبار ~~الدفعة دون التنزيل الظاهر في التدريج. # وفي معنى الآية قوله تعالى: "والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة": الدخان: 3 وظاهره الإقسام بجملة الكتاب المبين ثم الإخبار عن ~~إنزال ما أقسم به جملة. # فمدلول الآيات أن للقرآن نزولا جمليا على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) غير نزوله التدريجي الذي تم في مدة ثلاث وعشرين سنة كما يشير إليه ~~قوله: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء: ~~106 وقوله: "وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا": الفرقان: 32. # فلا يعبأ بما قيل: إن معنى قوله: "أنزلناه" ابتدأنا بإنزاله والمراد ~~إنزال بعض القرآن. # وليس في كلامه تعالى ما يبين أن الليلة أية ليلة هي غير ما في قوله ~~تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن": البقرة: 185 فإن الآية بانضمامها ~~إلى آية القدر تدل على أن الليلة من ليالي شهر رمضان. # وأما تعيينها أزيد من ذلك فمستفاد من الأخبار وسيجيء بعض ما يتعلق به في ~~البحث الروائي التالي إن شاء الله. # وقد سماها الله تعالى ليلة القدر، والظاهر أن المراد بالقدر التقدير فهي ~~ليلة التقدير يقدر الله فيها حوادث السنة من ms7683 الليلة إلى مثلها من قابل من ~~حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء وغير ذلك كما يدل عليه قوله في سورة الدخان في ~~صفة الليلة: "فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ~~ربك": الدخان: 6 فليس فرق الأمر الحكيم إلا أحكام الحادثة الواقعة ~~بخصوصياتها بالتقدير. # ويستفاد من ذلك أن الليلة متكررة بتكرر السنين ففي شهر رمضان من كل سنة ~~قمرية ليلة تقدر فيها أمور السنة من الليلة إلى مثلها من قابل إذ لا معنى ~~لفرض ليلة واحدة بعينها أو ليال معدودة في طول الزمان تقدر فيها الحوادث ~~الواقعة التي قبلها والتي بعدها وإن صح فرض واحدة من ليالي القدر المتكررة ~~ينزل فيها القرآن جملة واحدة. # على أن قوله: "يفرق" - وهو فعل مضارع - ظاهر في الاستمرار، وقوله: "خير ~~من ألف شهر" و"تنزل الملائكة" إلخ يؤيد ذلك. # فلا وجه لما قيل: إنها كانت ليلة واحدة بعينها نزل فيها القرآن من غير أن ~~يتكرر، وكذا ما قيل: إنها كانت تتكرر بتكرر السنين في زمن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ثم رفعها الله، وكذا ما قيل: إنها واحدة بعينها في جميع ~~السنة وكذا ما قيل: إنها في جميع السنة غير أنها تتبدل بتكرر السنين فسنة ~~في شهر رمضان وسنة في شعبان وسنة في غيرهما. # وقيل: القدر بمعنى المنزلة وإنما سميت ليلة القدر للاهتمام بمنزلتها أو ~~منزلة المتعبدين فيها، وقيل: القدر بمعنى الضيق وسميت ليلة القدر لضيق ~~الأرض فيها بنزول الملائكة. # والوجهان كما ترى. # فمحصل الآيات - كما ترى - أنها ليلة بعينها من شهر رمضان من كل سنة فيها ~~أحكام الأمور بحسب التقدير، ولا ينافي ذلك وقوع التغير فيها بحسب التحقق في ~~ظرف السنة فإن التغير في كيفية تحقق المقدر أمر والتغير في التقدير أمر آخر ~~كما أن إمكان التغير في الحوادث الكونية بحسب المشية الإلهية لا ينافي ~~تعينها في اللوح المحفوظ قال تعالى: "وعنده أم الكتاب": الرعد: 39. # على أن لاستحكام الأمور بحسب تحققها مراتب من حيث حضور أسبابها وشرائطها ~~تامة ms7684 وناقصة ومن المحتمل أن تقع في ليلة القدر بعض مراتب الأحكام ويتأخر ~~تمام الأحكام إلى وقت آخر لكن الروايات كما ستأتي لا تلائم هذا الوجه. PageV20P186 # قوله تعالى: "وما أدراك ما ليلة القدر" كناية عن جلالة قدر الليلة وعظم ~~منزلتها ويؤكد ذلك إظهار الاسم مرة بعد مرة حيث قيل: "ما ليلة القدر ليلة ~~القدر خير" ولم يقل: وما أدراك ما هي هي خير. # قوله تعالى: "ليلة القدر خير من ألف شهر" بيان إجمالي لما أشير إليه ~~بقوله: "وما أدراك ما ليلة القدر" من فخامة أمر الليلة. # والمراد بكونها خيرا من ألف شهر خيريتها منها من حيث فضيلة العبادة على ~~ما فسره المفسرون وهو المناسب لغرض القرآن وعنايته بتقريب الناس إلى الله ~~فإحياؤها بالعبادة خير من عبادة ألف شهر، ويمكن أن يستفاد ذلك من المباركة ~~المذكورة في سورة الدخان في قوله: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" وهناك معنى ~~آخر سيأتي في البحث الروائي التالي إن شاء الله. # قوله تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر" تنزل أصله ~~تتنزل، والظاهر من الروح هو الروح الذي من الأمر قال تعالى: "قل الروح من ~~أمر ربي": إسراء: 85 والإذن في الشيء الرخصة فيه وهو إعلام عدم المانع منه. # و"من" في قوله: "من كل أمر" قيل: بمعنى الباء وقيل: لابتداء الغاية وتفيد ~~السببية أي بسبب كل أمر إلهي، وقيل: للتعليل بالغاية أي لأجل تدبير كل أمر ~~من الأمور والحق أن المراد بالأمر إن كان هو الأمر الإلهي المفسر بقوله ~~"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن": يس: 82 فمن للابتلاء وتفيد ~~السببية والمعنى تتنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بإذن ربهم مبتدأ ~~تنزلهم وصادرا من كل أمر إلهي. # وإن كان هو الأمر من الأمور الكونية والحوادث الواقعة فمن بمعنى اللام ~~التعليلية والمعنى تتنزل الملائكة والروح في الليلة بإذن ربهم لأجل تدبير ~~كل أمر من الأمور الكونية. # قوله تعالى: "سلام هي حتى مطلع الفجر" قال في المفردات،: السلام والسلامة ~~التعري من الآفات ms7685 الظاهرة والباطنة انتهى فيكون قوله: "سلام هي" إشارة إلى ~~العناية الإلهية بشمول الرحمة لعباده المقبلين إليه وسد باب نقمة جديدة ~~تختص بالليلة ويلزمه بالطبع وهن كيد الشياطين كما أشير إليه في بعض ~~الروايات. # وقيل: المراد به أن الملائكة يسلمون على من مروا به من المؤمنين ~~المتعبدين ومرجعه إلى ما تقدم. # والآيتان أعني قوله: "تنزل الملائكة" إلى آخر السورة في معنى التفسير ~~لقوله: "ليلة القدر خير من ألف شهر". ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير البرهان، عن الشيخ الطوسي عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ~~القدر شيء يكون على عهد الأنبياء ينزل عليهم فيها الأمر فإذا مضوا رفعت؟ ~~قال: لا بل هي إلى يوم القيامة. # أقول: وفي معناه غير واحد من الروايات من طرق أهل السنة. # وفي المجمع، وعن حماد بن عثمان عن حسان بن أبي علي قال: سألت أبا عبد ~~الله (عليه السلام) عن ليلة القدر قال: اطلبها في تسع عشرة وإحدى وعشرين ~~وثلاث وعشرين. # أقول: وفي معناه غيرها، وفي بعض الأخبار الترديد بين ليلتين الإحدى ~~والعشرين والثلاث والعشرين كرواية العياشي عن عبد الواحد عن الباقر (عليه ~~السلام) ويستفاد من روايات أنها ليلة ثلاث وعشرين وإنما لم يعين تعظيما ~~لأمرها أن لا يستهان بها بارتكاب المعاصي. # وفيه، أيضا في رواية عبد الله بن بكير عن زرارة عن أحدهما (عليهما ~~السلام) قال: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة الجهني، وحديثه أنه قال لرسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). إن منزلي نائي عن المدينة فمرني بليلة أدخل ~~فيها فأمره بليلة ثلاث وعشرين. # أقول: وحديث الجهني واسمه عبد الله بن أنيس الأنصاري مروي من طرق أهل ~~السنة أيضا أورده في الدر المنثور، عن مالك والبيهقي. # وفي الكافي، بإسناده عن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ~~التقدير في تسع عشرة، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث ~~وعشرين. # أقول: وفي معناها روايات أخر. # فقد اتفقت أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنها باقية متكررة كل سنة، ~~وأنها ليلة من ليالي ms7686 شهر رمضان وأنها إحدى الليالي الثلاث. # وأما من طرق أهل السنة فقد اختلفت الروايات اختلافا عجيبا يكاد لا يضبط ~~والمعروف عندهم أنها ليلة سبع وعشرون فيها نزل القرآن، ومن أراد الحصول ~~عليها فليراجع الدر المنثور وسائر الجوامع. PageV20P187 # وفي الدر المنثور، أخرج الخطيب عن ابن المسيب قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): رأيت بني أمية يصعدون منبري فشق ذلك علي فأنزل الله إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر:. أقول: وروي أيضا مثله عن الخطيب في تاريخه، عن ابن ~~عباس، وأيضا ما في معناه عن الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي عن الحسن بن علي وهناك روايات كثيرة في هذا المعنى من طرق الشيعة ~~عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وفيها أن الله تعالى سلى نبيه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بإعطاء ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر وهي مدة ملك بني أمية. # وفي الكافي، بإسناده عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال له بعض أصحابنا ولا أعلمه إلا سعيد السمان: كيف تكون ليلة ~~القدر خيرا من ألف شهر؟ قال: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ~~ليلة القدر. # وفيه، بإسناده عن الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم عن حمران أنه سأل أبا جعفر ~~(عليه السلام) عن قول الله عز وجل: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" قال: نعم ~~ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر فلم ينزل القرآن ~~إلا في ليلة القدر قال الله عز وجل: "فيها يفرق كل أمر حكيم". قال: يقدر في ~~ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل: خير وشر طاعة ~~ومعصية ومولود وأجل أو رزق فما قدر في تلك الليلة وقضي فهو المحتوم ولله عز ~~وجل فيه المشية. قال: قلت: "ليلة القدر خير من ألف شهر" أي شيء عنى بذلك؟ ~~فقال: والعمل الصالح فيها من الصلاة والزكاة وأنواع الخير خير من العمل في ~~ألف شهر ms7687 ليس فيها ليلة القدر، ولو لا ما يضاعف الله تبارك وتعالى للمؤمنين ~~ما بلغوا ولكن الله يضاعف لهم الحسنات. # أقول: وقوله: ولله فيه المشية يريد به إطلاق قدرته تعالى فله أن يشاء ما ~~يشاء وإن حتم فإن إيجابه الأمر لا يفيد القدرة المطلقة فله أن ينقض القضاء ~~المحتوم وإن كان لا يشاء ذلك أبدا. # وفي المجمع، روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ~~إذا كان ليلة القدر تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى ومنهم ~~جبرائيل فينزل جبرائيل ومعه ألوية ينصب لواء منها على قبري ولواء على بيت ~~المقدس ولواء في المسجد الحرام ولواء على طور سيناء ولا يدع فيها مؤمنا ولا ~~مؤمنة إلا سلم عليه إلا مدمن خمر وآكل لحم الخنزير والمتضمخ بالزعفران. # وفي تفسير البرهان، عن سعد بن عبد الله بإسناده عن أبي بصير قال: كنت مع ~~أبي عبد الله (عليه السلام) فذكر شيئا من أمر الإمام إذا ولد فقال: استوجب ~~زيادة الروح في ليلة القدر فقلت: جعلت فداك أليس الروح هو جبرئيل؟ فقال: ~~جبرئيل من الملائكة والروح أعظم من الملائكة أليس أن الله عز وجل يقول: ~~"تنزل الملائكة والروح". # أقول: والروايات في ليلة القدر وفضلها كثيرة جدا، وقد ذكرت في بعضها لها ~~علامات ليست بدائمة ولا أكثرية كطلوع الشمس صبيحتها ولا شعاع لها واعتدال ~~الهواء فيها أغمضنا عنها. PageV20P188 ### || AUTO ### ||| AUTO 98 سورة البينة - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب ~~قيمة (3) وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا ~~الزكوة وذلك دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتب والمشركين فى نار ~~جهنم خلدين فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنت عدن تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين ms7688 فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه (8) ### |||| AUTO بيان # تسجل السورة رسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لعامة أهل الكتاب ~~والمشركين وبعبارة أخرى للمليين وغيرهم وهم عامة البشر فتفيد عموم الرسالة ~~وأنها مما كانت تقتضيه السنة الإلهية - سنة الهداية - التي تشير إليها ~~أمثال قوله تعالى: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الإنسان: 3، ~~وقوله: "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير": فاطر: 24، وتحتج على عموم دعوته ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنها لا تتضمن إلا ما يصلح المجتمع الإنساني من ~~الاعتقاد والعمل على ما سيتضح إن شاء الله. # والسورة تحتمل المكية والمدنية وإن كان سياقها بالمدنية أشبه. # قوله تعالى: "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة" ظاهر الآيات - وهي في سياق يشير إلى قيام الحجة على الذين ~~كفروا بالدعوة الإسلامية من أهل الكتاب والمشركين وعلى الذين أوتوا الكتاب ~~حينما بدا فيهم الاختلاف - أن المراد هو الإشارة إلى أن الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من مصاديق الحجة البينة القائمة على الناس التي تقتضي ~~قيامها السنة الإلهية الجارية في عباده فقد كانت توجب مجيء البينة إليهم ~~كما أوجبته من قبل ما تفرقوا في دينهم. # وعلى هذا فالمراد بالذين كفروا في الآية هم الكافرون بالدعوة النبوية ~~الإسلامية من أهل الكتاب والمشركين، و"من" في قوله: "من أهل الكتاب" ~~للتبعيض لا للتبيين، وقوله: و"المشركين" عطف على "أهل الكتاب" والمراد بهم ~~غير أهل الكتاب من عبدة الأصنام وغيرهم. # وقوله: "منفكين" من الانفكاك وهو الانفصال عن شدة اتصال، والمراد به - ~~على ما يستفاد من قوله: "حتى تأتيهم البينة" - انفكاكهم عما تقتضي سنة ~~الهداية والبيان كان السنة الإلهية كانت قد أخذتهم ولم تكن تتركهم حتى ~~تأتيهم البينة ولما أتتهم البينة تركتهم وشأنهم كما قال تعالى: "وما كان ~~الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون": التوبة: 115. # وقوله: "حتى تأتيهم البينة" على ظاهره من الاستقبال والبينة هي الحجة ~~الظاهرة والمعنى لم يكن الذين كفروا برسالة ms7689 النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أو بدعوته أو بالقرآن لينفكوا حتى تأتيهم البينة والبينة هي محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وللقوم اختلاف عجيب في تفسير الآية ومعاني مفرداتها حتى قال بعضهم - على ~~ما نقل -: إن الآية من أصعب الآيات القرآنية نظما وتفسيرا. # انتهى، والذي أوردناه من المعنى هو الذي يلائمه سياقها من غير تناقض بين ~~الآيات وتدافع بين الجمل والمفردات، ومن أراد الاطلاع على تفصيل ما قيل ~~ويقال فعليه أن يراجع المطولات. # قوله تعالى: "رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة" بيان للبينة ~~والمراد به محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعا على ما يعطيه ~~السياق. # والصحف جمع صحيفة وهي ما يكتب فيها، والمراد بها أجزاء القرآن النازلة ~~وقد تكرر في كلامه تعالى إطلاق الصحف على أجزاء الكتب السماوية ومنها ~~القرآن الكريم قال تعالى: "في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام ~~بررة": عبس: 16. PageV20P189 # والمراد بكون الصحف مطهرة تقدسها من قذارة الباطل بمس الشياطين، وقد تكرر ~~منه تعالى أنه حق مصون من مداخلة الشياطين وقال: "لا يمسه إلا المطهرون": ~~الواقعة: 79. # وقوله: "فيها كتب قيمة" الكتب جمع كتاب ومعناه المكتوب ويطلق على اللوح ~~والقرطاس ونحوهما المنقوشة فيها الألفاظ وعلى نفس الألفاظ التي تحكي عنها ~~النقوش، وربما يطلق على المعاني بما أنها محكية بالألفاظ، ويطلق أيضا على ~~الحكم والقضاء يقال كتب عليه كذا أي قضى أن يفعل كذا قال تعالى: "كتب عليكم ~~الصيام": البقرة: 183 وقال: "كتب عليكم القتال": البقرة: 216. # والظاهر أن المراد بالكتب التي في الصحف الأحكام والقضايا الإلهية ~~المتعلقة بالاعتقاد والعمل، ومن الدليل عليه توصيفها بالقيامة فإنها من ~~القيام بالشيء بمعنى حفظه ومراعاة مصلحته وضمان سعادته قال تعالى: "أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف: 40، ومعلوم أن الصحف السماوية ~~إنما تقوم بأمر المجتمع الإنساني وتحفظ مصلحته بما فيها من الأحكام ~~والقضايا المتعلقة بالاعتقاد والعمل. # فمعنى الآيتين: الحجة البينة التي أتتهم رسول من الله يقرأ صحائف سماوية ~~مطهرة من دنس الباطل في تلك ms7690 الصحائف أحكام وقضايا قائمة بأمر المجتمع ~~الإنساني حافظة لمصالحه. # قوله تعالى: "وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة" ~~كانت الآية الأولى "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب" إلخ تشير إلى كفرهم ~~بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه المتضمن للدعوة الحقة وهذه الآية ~~تشير إلى اختلافهم السابق على الدعوة الإسلامية وقد أشير إلى ذلك في مواضع ~~من القرآن الكريم كما قال تعالى: "وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم": آل عمران: 19 إلى غير ذلك من الآيات. # ومجيء البينة لهم هو البيان النبوي الذي تبين لهم في كتابهم أو أوضحه لهم ~~أنبياؤهم قال تعالى: "ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين ~~لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم": الزخرف: 65. # فإن قلت: ما باله تعرض لاختلاف أهل الكتاب وتفرقهم في مذاهبهم ولم يتعرض ~~لتفرق المشركين وإعراضهم عن دين التوحيد وإنكارهم الرسالة. # قلت: لا يبعد أن يكون قوله: "وما تفرق الذين أوتوا الكتاب" إلخ شاملا ~~للمشركين كما هو شامل لأهل الكتاب فقد بدل أهل الكتاب - وهم في عرف القرآن ~~اليهود والنصارى والصابئون والمجوس أو اليهود والنصارى - من الذين أوتوا ~~الكتاب، والتعبيران متغايران، وقد صرح تعالى بأنه أنزل الكتاب - وهو ~~الشريعة المفروضة عليهم الحاكمة في اختلافاتهم في أمور الحياة - أول ما بدا ~~الاختلافات الحيوية بينهم ثم اختلفوا في الدين بعد تبين الحق لهم وقيام ~~الحجة عليهم فعامة البشر آتاهم الله كتابا ثم اختلفوا فيه فمنهم من نسي ما ~~أوتيه، ومنهم من أخذ به محرفا ومنهم من حفظه وآمن به، قال تعالى: "كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم": البقرة: 213 وقد مر تفسير الآية. # وفي هذا المعنى قوله تعالى: "تلك الرسل ms7691 فضلنا بعضهم على بعض - إلى أن قال ~~- ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر": البقرة: 253. # وبالجملة فالذين أوتوا الكتاب أعم من أهل الكتاب فقوله: "وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب" إلخ يشمل المشركين كما يشمل أهل الكتاب. # قوله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء" إلخ ~~ضمير "أمروا" للذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أي لم يتضمن رسالة ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتب القيمة التي في صحف الوحي إلا ~~أمرهم بعبادة الله تعالى بقيد الإخلاص في الدين فلا يشركوا به شيئا. # وقوله: "حنفاء" حال من ضمير الجمع وهو جمع حنيف من الحنف وهو الميل عن ~~جانبي الإفراط والتفريط إلى حاق وسط الاعتدال وقد سمى الله تعالى الإسلام ~~دينا حنيفا لأنه يأمر في جميع الأمور بلزوم الاعتدال والتحرز عن الإفراط ~~وتفريط. PageV20P190 # وقوله: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" من قبيل ذكر الخاص بعد العام أو ~~الجزء بعد الكل اهتماما بأمره فالصلاة والزكاة على أركان الإسلام وهما ~~التوجه العبودي الخاص إلى الله وإنفاق المال في الله. # وقوله: "وذلك دين القيمة" أي دين الكتب القيمة على ما فسروا، والمراد ~~بالكتب القيمة إن كان جميع الكتب السماوية أعني كتاب نوح ومن دونه من ~~الأنبياء (عليهم السلام) فالمعنى أن هذا الذي أمروا به ودعوا إليه في ~~الدعوة المحمدية هو الدين الذي كلفوا به في كتبهم القيمة وليس بأمر بدع ~~فدين الله واحد وعليهم أن يدينوا به لأنه القيم. # وإن كان المراد به ما كان يتلوه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~الكتب القيمة التي في الصحف المطهرة فالمعنى أنهم لم يؤمروا في الدعوة ~~الإسلامية إلا بأحكام وقضايا هي القيمة الحافظة لمصالح المجتمع الإنساني ~~فلا يسعهم إلا أن يؤمنوا بها ويتدينوا. # فالآية على أي حال تشير إلى كون دين التوحيد الذي يتضمنه القرآن الكريم ~~المصدق لما بين يديه من الكتاب والمهيمن عليه فيما يأمر المجتمع البشري ~~قائما بأمرهم حافظا ms7692 لمصالح حياتهم كما يبينه بأوفى البيان قوله تعالى: ~~"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم": الروم: 30. # وبهذه الآية يكمل بيان عموم رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشمول ~~الدعوة الإسلامية لعامة البشر فقوله: "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين" إلخ يشير إلى أنه كان من الواجب في سنة الهداية الإلهية أن تتم ~~الحجة على من كفر بالدعوة من أهل الكتاب والمشركين، وهؤلاء وإن كانوا بعض ~~أهل الكتاب والمشركين لكن من الضروري أن لا فرق بين البعض والبعض في تعلق ~~الدعوة فتعلقها بالبعض لا ينفك عن تعلقها بالكل. # وقوله: "رسول من الله" إلخ يشير إلى أن تلك البينة محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وقوله "وما تفرق" إلخ يشير إلى أن تفرقهم وكفرهم السابق بالحق ~~أيضا كان بعد مجيء البينة. # وقوله: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله" إلخ يفيد أن الذي دعوا إليه وأمروا ~~به دين قيم حافظ لمصالح المجتمع البشري فعليهم جميعا أن يؤمنوا به ولا ~~يكفروا. # قوله تعالى: "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية" لما فرغ من الإشارة إلى كفرهم بالبينة التي كانت ~~توجبها سنة الهداية الإلهية وما كانت تدعو إليه من الدين القيم أخذ في ~~الإنذار والتبشير بوعيد الكفار ووعد المؤمنين، والبرية الخلق، والمعنى ظاهر. # قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية" فيه ~~قصر الخيرية في المؤمنين الصالحين كما أن في الآية السابقة قصر الشرية في ~~الكفار. # قوله تعالى: "جزاؤهم عند ربهم - إلى قوله - ذلك لمن خشي ربه" العدن ~~الاستقرار والثبات فجنات عدن جنات خلود ودوام وتوصيفها بقوله: "خالدين فيها ~~أبدا" تأكيد بما يدل عليه الاسم. # وقوله: "رضي الله عنهم" الرضى منه تعالى صفة فعل ومصداقه الثواب الذي ~~أعطاهموه جزاء لإيمانهم وعملهم الصالح. # وقوله: "ذلك لمن خشي ربه" علامة مضروبة لسعادة الدار الآخرة وقد قال ~~تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء": ms7693 فاطر: 28 فالعلم بالله يستتبع ~~الخشية منه، والخشية منه تستتبع الإيمان به بمعنى الالتزام القلبي بربوبيته ~~وألوهيته ثم العمل الصالح. # واعلم أن لهم في تفسير مفردات هذه الآيات اختلافا شديدا وأقوالا كثيرة لا ~~جدوى في التعرض لها من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ~~البينة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV20P191 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله من ~~أكرم الخلق على الله؟ قال: يا عائشة أما تقرئين "إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات - أولئك هم خير البرية"؟ وفيه، أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد ~~الله قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون ~~يوم القيامة ونزلت "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - أولئك هم خير البرية" ~~فكان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أقبل علي قالوا: جاء خير ~~البرية. # أقول: وروي هذا المعنى أيضا عن ابن عدي عن ابن عباس، وأيضا عن ابن مردويه ~~عن علي (عليه السلام) ورواه أيضا في البرهان، عن الموفق بن أحمد في كتاب ~~المناقب عن يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب علي عنه، وكذا في المجمع، عن كتاب ~~شواهد التنزيل للحاكم عن يزيد بن شراحيل عنه، ولفظه: سمعت عليا يقول: قبض ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا مسنده إلى صدري فقال: يا علي ألم ~~تسمع قول الله: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - أولئك هم خير البرية" هم ~~شيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا اجتمع الأمم للحساب يدعون غرا محجلين. # وفي المجمع، عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: "هم خير ~~البرية" قال: نزلت في علي وأهل بيته. PageV20P192 ### || AUTO ### ||| AUTO 99 سورة الزلزال - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض ~~أثقالها (2) وقال الانسن ما ms7694 لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى ~~لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعملهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) ### |||| AUTO بيان # ذكر للقيامة وصدور الناس للجزاء وإشارة إلى بعض أشراطها وهي زلزلة الأرض ~~وتحديثها أخبارها. # والسورة تحتمل المكية والمدنية. # قوله تعالى: "إذا زلزلت الأرض زلزالها" الزلزال مصدر كالزلزلة، وإضافته ~~إلى ضمير الأرض تفيد الاختصاص، والمعنى إذا زلزلت الأرض زلزلتها الخاصة بها ~~فتفيد التعظيم والتفخيم أي أنها منتهية في الشدة والهول. # قوله تعالى: "وأخرجت الأرض أثقالها" الأثقال جمع ثقل بفتحتين بمعنى ~~المتاع أو خصوص متاع المسافر أو جمع ثقل بالكسر فالسكون بمعنى الحمل، وعلى ~~أي حال المراد بأثقالها التي تخرجها، الموتى على ما قيل أو الكنوز والمعادن ~~التي في بطنها أو الجميع ولكل قائل وأول الوجوه أقربها ثم الثالث لتكون ~~الآية إشارة إلى خروجهم للحساب، وقوله: "يومئذ يصدر الناس" إشارة إلى ~~انصرافهم إلى الجزاء. # قوله تعالى: "وقال الإنسان ما لها" أي يقول مدهوشا متعجبا من تلك الزلزلة ~~الشديدة الهائلة: ما للأرض تتزلزل هذا الزلزال، وقيل: المراد بالإنسان ~~الكافر غير المؤمن بالبعث، وقيل غير ذلك كما سيجيء. # قوله تعالى: "يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها" فتشهد على أعمال بني ~~آدم كما تشهد بها أعضاؤهم وكتاب الأعمال من الملائكة وشهداء الأعمال من ~~البشر وغيرهم. # وقوله: "بأن ربك أوحى لها" اللام بمعنى إلى لأن الإيحاء يتعدى بإلى ~~والمعنى تحدث أخبارها بسبب أن ربك أوحى إليها أن تحدث فهي شاعرة بما يقع ~~فيها من الأعمال خيرها وشرها متحملة لها يؤذن لها يوم القيامة بالوحي أن ~~تحدث أخبارها وتشهد بما تحملت، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: "وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44، وقوله: "قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء": حم السجدة: 21 أن المستفاد من كلامه سبحانه أن ~~الحياة والشعور ساريان في الأشياء وإن كنا في غفلة من ذلك. # وقد اشتد الخلاف بينهم في معنى تحديث الأرض بالوحي أهو بإعطاء الحياة ms7695 ~~والشعور للأرض الميتة حتى تخبر بما وقع فيها أو بخلق صوت عندها وعد ذلك ~~تكلما منها أو دلالتها بلسان الحال بما وقع فيها من الأعمال، ولا محل لهذا ~~الاختلاف بعد ما سمعت ولا أن الحجة تتم على أحد بهذا النوع من الشهادة. # قوله تعالى: "يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم" الصدور انصراف ~~الإبل عن الماء بعد وروده، وأشتات كشتى جمع شتيت بمعنى المتفرق، والآية ~~جواب بعد جواب لإذا. # والمراد بصدور الناس متفرقين يومئذ انصرافهم عن الموقف إلى منازلهم في ~~الجنة والنار وأهل السعادة والفلاح منهم متميزون من أهل الشقاء والهلاك، ~~وإراءتهم أعمالهم إراءتهم جزاء أعمالهم بالحلول فيه أو مشاهدتهم نفس ~~أعمالهم بناء على تجسم الأعمال. # وقيل: المراد به خروجهم من قبورهم إلى الموقف متفرقين متميزين بسواد ~~الوجوه وبياضها وبالفزع والأمن وغير ذلك لإعلامهم جزاء أعمالهم بالحساب ~~والتعبير عن العلم بالجزاء بالرؤية وعن الإعلام بالإراءة نظير ما في قوله ~~تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: ~~30، والوجه الأول أقرب وأوضح. # قوله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" ~~المثقال ما يوزن به الأثقال، والذرة ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، وتقال ~~لصغار النمل. # تفريع على ما تقدم من إراءتهم أعمالهم، فيه تأكيد البيان في أنه لا ~~يستثني من الإراءة عمل خيرا أو شرا كبيرا أو صغيرا حتى مثقال الذرة من خير ~~أو شر، وبيان حال كل من عمل الخير والشر في جملة مستقلة لغرض إعطاء الضابط ~~وضرب القاعدة. PageV20P193 # ولا منافاة بين ما تدل عليه الآيتان من العموم وبين الآيات الدالة على حبط ~~الأعمال، والدالة على انتقال أعمال الخير والشر من نفس إلى نفس كحسنات ~~القاتل إلى المقتول وسيئات المقتول إلى القاتل، والدالة على تبديل السيئات ~~حسنات في بعض التائبين إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه في بحث الأعمال ~~في الجزء الثاني من الكتاب وكذا في تفسير قوله: "ليميز الله الخبيث من ~~الطيب" الآية: الأنفال: ms7696 37. # وذلك لأن الآيات المذكورة حاكمة على هاتين الآيتين فإن من حبط عمله الخير ~~محكوم بأنه لم يعمل خيرا فلا عمل له خيرا حتى يراه وعلى هذا القياس في غيره فافهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن ~~مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الأرض لتخبر يوم ~~القيامة بكل ما عمل على ظهرها وقرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~"إذا زلزلت الأرض زلزالها" حتى بلغ "يومئذ تحدث أخبارها" قال أتدرون ما ~~أخبارها؟ جاءني جبريل قال: خبرها إذا كان يوم القيامة أخبرت بكل عمل عمل ~~على ظهرها:. أقول: وروي مثله عن أبي هريرة. # وفيه، أخرج الحسين بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس ~~قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:. أيها الناس إن ~~الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك ~~قادر يحق فيها الحق ويبطل الباطل. أيها الناس كونوا من أبناء الآخرة ولا ~~تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها ولدها اعملوا وأنتم من الله على ~~حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم وأنكم ملاقوا الله لا بد منه فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وأخرجت الأرض أثقالها" قال: من الناس ~~"وقال الإنسان ما لها" قال: ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) "يومئذ تحدث ~~أخبارها إلى قوله أشتاتا" قال: يجيئون أشتاتا مؤمنين وكافرين ومنافقين ~~"ليروا أعمالهم" قال: يقفون على ما فعلوه. # وفيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: "فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره" يقول: إن كان من أهل النار قد عمل مثقال ذرة في ~~الدنيا خيرا كان عليه ظ يوم القيامة حسرة إن كان عمله لغير الله "ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره" يقول: إن كان من أهل الجنة رآى ذلك الشر يوم القيامة ms7697 ثم ~~غفر له. PageV20P194 ### || AUTO ### ||| AUTO 100 سورة العاديات - 1 - 11 # بسم الله الرحمن الرحيم والعاديت ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات ~~صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) إن الانسن لربه لكنود (6) ~~وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما فى ~~القبور (9) وحصل ما فى الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) ### |||| AUTO بيان # تذكر السورة كفران الإنسان لنعم ربه وحبه الشديد للخير عن علم منه به وهو ~~حجة عليه وسيحاسب على ذلك. # والسورة مدنية بشهادة ما في صدرها من الإقسام بمثل قوله: "والعاديات ~~ضبحا" إلخ الظاهر في خيل الغزاة المجاهدين على ما سيجيء، وإنما شرع الجهاد ~~بعد الهجرة ويؤيد ذلك ما ورد من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام) أن السورة نزلت في علي (عليه السلام) وسريته في غزوة ذات السلاسل، ~~ويؤيده أيضا بعض الروايات من طرق أهل السنة على ما سنشير إليه في البحث ~~الروائي التالي إن شاء الله. # قوله تعالى: "والعاديات ضبحا" العاديات من العدو وهو الجري بسرعة والضبح ~~صوت أنفاس الخيل عند عدوها وهو المعهود المعروف من الخيل وإن ادعي أنه يعرض ~~لكثير من الحيوان غيرها، والمعنى أقسم بالخيل اللاتي يعدون يضبحن ضبحا. # وقيل: المراد بها إبل الحاج في ارتفاعها بركبانها من الجمع إلى منى يوم ~~النحر، وقيل: إبل الغزاة، وما في الآيات التالية من الصفات لا يلائم كون ~~الإبل هو المراد بالعاديات. # قوله تعالى: "فالموريات قدحا" الإيراء إخراج النار والقدح الضرب والصك ~~المعروف يقال: قدح فأورى إذا أخرج النار بالقدح، والمراد بها الخيل تخرج ~~النار بحوافرها إذا عدت على الحجارة والأرض المحصبة. # وقيل: المراد بالإيراء مكر الرجال في الحرب، وقيل: إيقادهم النار، وقيل: ~~الموريات ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به، وهي وجوه ظاهرة الضعف. # قوله تعالى: "فالمغيرات صبحا" الإغارة والغارة الهجوم على العدو بغتة ~~بالخيل وهي صفة أصحاب الخيل ونسبتها إلى الخيل مجاز، والمعنى فأقسم بالخيل ~~الهاجمات على العدو بغتة في وقت الصبح. # وقيل: المراد بها الآبال ترتفع ms7698 بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى والسنة ~~أن لا ترتفع حتى تصبح، والإغارة سرعة السير وهو خلاف ظاهر الإغارة. # قوله تعالى: "فأثرن به نقعا" أثرن من الإثارة بمعنى تهييج الغبار ونحوه، ~~والنقع الغبار، والمعنى فهيجن بالعدو والإغارة غبارا. # قيل: لا بأس بعطف "أثرن" وهو فعل على ما قبله وهو صفة لأنه اسم فاعل وهو ~~في معنى الفعل كأنه قيل: أقسم باللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. # قوله تعالى: "فوسطن به جمعا" وسط وتوسط بمعنى، وضمير "به" للصبح والباء ~~بمعنى في أو الضمير للنقع والباء للملابسة. # والمعنى فصرن في وقت الصبح في وسط جمع والمراد به كتيبة العدو أو المعنى ~~فتوسطن جمعا ملابسين للنقع. # وقيل: المراد توسط الآبال جمع منى وأنت خبير بأن حمل الآيات الخمس بما ~~لمفرداتها من ظواهر المعاني على إبل الحاج الذين يفيضون من جمع إلى منى ~~خلاف ظاهرها جدا. # فالمتعين حملها على خيل الغزاة وسياق الآيات وخاصة قوله: "فالمغيرات ~~صبحا" "فوسطن به جمعا" يعطي أنها غزاة بعينها أقسم الله فيها بخيل ~~المجاهدين العاديات والفاء في الآيات الأربع تدل على ترتب كل منها على ما قبلها. # قوله تعالى: "إن الإنسان لربه لكنود" الكنود الكفور، والآية كقوله: "إن ~~الإنسان لكفور": الحج: 66، وهو إخبار عما في طبع الإنسان من اتباع الهوى ~~والانكباب على عرض الدنيا والانقطاع به عن شكر ربه على ما أنعم عليه. # وفيه تعريض للقوم المغار عليهم، وكان المراد بكفرانهم كفرانهم بنعمة ~~الإسلام التي أنعم الله بها عليهم وهي أعظم نعمة أوتوها فيها طيب حياتهم ~~الدنيا وسعادة حياتهم الأبدية الأخرى. # قوله تعالى: "وإنه على ذلك لشهيد" ظاهر اتساق الضمائر أن يكون ضمير ~~"وإنه" للإنسان فيكون المراد بكونه شهيدا على كفران نفسه بكفران نفسه علمه ~~المذموم وتحمله له. # فالمعنى وإن الإنسان على كفرانه بربه شاهد متحمل فالآية في معنى قوله: ~~"بل الإنسان على نفسه بصيرة": القيامة: 14. PageV20P195 # وقيل: الضمير لله واتساق الضمائر لا يلائمه. # قوله تعالى: "وإنه لحب الخير لشديد" قيل: اللام في "لحب الخير" للتعليل ~~والخير المال، والمعنى وإن ms7699 الإنسان لأجل حب المال لشديد أي بخيل شحيح، ~~وقيل: المراد أن الإنسان لشديد الحب للمال ويدعوه ذلك إلى الامتناع من ~~إعطاء حق الله، والإنفاق في الله. # كذا فسروا. # ولا يبعد أن يكون المراد بالخير مطلقة ويكون المراد أن حب الخير فطري ~~للإنسان ثم إنه يرى عرض الدنيا وزينتها خيرا فتنجذب إليه نفسه وينسيه ذلك ~~ربه أن يشكره. # قوله تعالى: "أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور - إلى قوله - لخبير" ~~البعثرة كالبحثرة البعث والنشر، وتحصيل ما في الصدور تمييز ما في باطن ~~النفوس من صفة الإيمان والكفر ورسم الحسنة والسيئة قال تعالى: "يوم تبلى ~~السرائر": الطارق: 9، وقيل: هو إظهار ما أخفته الصدور لتجازى على السر كما ~~تجازى على العلانية. # وقوله: "أفلا يعلم" الاستفهام فيه للإنكار، ومفعول يعلم جملة قائمة مقام ~~المفعولين يدل عليه المقام. # ثم استؤنف فقيل: إذا بعثر ما في القبور إلخ تأكيدا للإنكار، والمراد بما ~~في القبور الأبدان. # والمعنى - والله أعلم - أفلا يعلم الإنسان أن لكنوده وكفرانه بربه تبعة ~~ستلحقه ويجازى بها، إذا أخرج ما في القبور من الأبدان وحصل وميز ما في ~~سرائر النفوس من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية إن ربهم بهم يومئذ لخبير ~~فيجازيهم بما فيها. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قيل: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سرية إلى حي من ~~كنانة فاستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء فتأخر رجوعهم ~~فقال المنافقون: قتلوا جميعا فأخبر الله تعالى عنها بقوله: "والعاديات ~~ضبحا": عن مقاتل. # وقيل: نزلت السورة لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه ~~السلام) إلى ذات السلاسل فأوقع بهم وذلك بعد أن بعث عليهم مرارا غيره من ~~الصحابة فرجع كل منهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):. وهو ~~المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل. # قال: وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لأنه أسر منهم وقتل وسبي وشد أسراؤهم ~~في الحبال مكتفين كأنهم في السلاسل. # : ولما نزلت السورة خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله ms7700 وسلم) إلى الناس ~~فصلى بهم الغداة وقرأ فيها "والعاديات" فلما فرغ من صلاته قال أصحابه: هذه ~~سورة لم نعرفها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم إن عليا ظفر ~~بأعداء الله وبشرني بذلك جبريل في هذه الليلة فقدم علي (عليه السلام) بعد ~~أيام بالغنائم والأسارى. PageV20P196 ### || AUTO ### ||| AUTO 101 سورة القارعة - 1 - 11 # بسم الله الرحمن الرحيم القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة ~~(3) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) ~~فأما من ثقلت موزينه (6) فهو فى عيشة راضية (7) وأما من خفت موزينه (8) ~~فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) ### |||| AUTO بيان # إنذار وتبشير بالقيامة يغلب فيه جانب الإنذار، والسورة مكية. # قوله تعالى: "القارعة ما القارعة" مبتدأ وخبر، والقارعة من القرع وهو ~~الضرب باعتماد شديد، وهي من أسماء القيامة في القرآن. # قيل: سميت بها لأنها تقرع القلوب بالفزع وتقرع أعداء الله بالعذاب. # والسؤال عن حقيقة القارعة في قوله: "ما القارعة" مع كونها معلومة إشارة ~~إلى تعظيم أمرها وتفخيمه وأنها لا تكتنه علما، وقد أكد هذا التعظيم ~~والتفخيم بقوله بعد: "وما أدراك ما القارعة". # قوله تعالى: "يوم يكون الناس كالفراش المبثوت" ظرف متعلق بفعل مقدر نحو ~~اذكر وتقرع وتأتي، والفراش على ما نقل عن الفراء الجراد الذي ينفرش ويركب ~~بعضه بعضا وهو غوغاء الجراد. # قيل: شبه الناس عند البعث بالفراش لأن الفراش إذا ثار لم يتجه إلى جهة ~~واحدة كسائر الطير وكذلك الناس إذا خرجوا من قبورهم أحاط بهم الفزع فتوجهوا ~~جهات شتى أو توجهوا إلى منازلهم المختلفة سعادة وشقاء. # والمبعوث من البث وهو التفريق. # قوله تعالى: "وتكون الجبال كالعهن المنفوش" العهن الصوف ذو ألوان مختلفة، ~~والمنفوش من النفش وهو نشر الصوف بندف ونحوه فالعهن المنفوش الصوف المنتشر ~~ذو ألوان مختلفة إشارة إلى تلاشي الجبال على اختلاف ألوانها بزلزلة الساعة. # قوله تعالى: "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية" إشارة إلى وزن ~~الأعمال وأن الأعمال منها ما هو ثقيل في الميزان وهو ما له قدر ومنزلة ms7701 عند ~~الله وهو الإيمان وأنواع الطاعات، ومنها ما ليس كذلك وهو الكفر وأنواع ~~المعاصي ويختلف القسمان أثرا فيستتبع الثقيل السعادة ويستتبع الخفيف ~~الشقاء، وقد تقدم البحث عن معنى الميزان في تفسير السور السابقة. # وقوله: "في عيشة راضية" العيشة بكسر العين كالجلسة بناء نوع، وتوصيفها ~~براضية - والراضي صاحبها - من المجاز العقلي أو المعنى في عيشة ذات رضى. # قوله تعالى: "وأما من خفت موازينه فأمه هاوية" الظاهر أن المراد بهاوية ~~جهنم وتسميتها بهاوية لهوي من ألقي فيها أي سقوطه إلى أسفل سافلين قال ~~تعالى: "ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا": التين: 6. # فتوصيف النار بالهاوية مجاز عقلي كتوصيف العيشة بالراضية وعد هاوية إما ~~للداخل فيها لكونها مأواه ومرجعه الذي يرجع إليه كما يرجع الولد إلى أمه. # وقيل: المراد بأمه أم رأسه والمعنى فأم رأسه هاوية أي ساقطة فيها لأنهم ~~يلقون في النار على أم رأسهم، ويبعده بقاء الضمير في قوله: "ما هيه" بلا ~~مرجع ظاهر. # قوله تعالى: "وما أدراك ما هيه" ضمير هي لهاوية، والهاء في "هيه" للوقف ~~والجملة تفسير تفيد تعظيم أمر النار وتفخيمه. # قوله تعالى: "نار حامية" أي حارة شديدة الحرارة وهو جواب الاستفهام في ~~"ما هيه" وتفسير لهاوية. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "كالعهن المنفوش" قال: العهن الصوف، وفي ~~قوله: "وأما من خفت موازينه" قال: من الحسنات، وفي قوله: "فأمه هاوية" قال: ~~أم رأسه، يقذف في النار على رأسه. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن نفس المؤمن إذا قبضت يلقاها أهل الرحمة ~~من عباد الله كما يلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون: انظروا صاحبكم ~~يستريح فإنه كان في كرب شديد ثم يسألونه ما فعل فلان وفلانة؟ هل تزوجت؟ ~~فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول: هيهات قد مات ذاك قبلي فيقولون: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست ~~المربية:. أقول: وروي هذا المعنى عن ms7702 أنس بن مالك وعن الحسن والأشعث بن عبد ~~الله الأعمى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV20P197 ### || AUTO ### ||| AUTO 102 سورة التكاثر - 1 - 8 # بسم الله الرحمن الرحيم ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف ~~تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون ~~الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) ### |||| AUTO بيان # توبيخ شديد للناس على تلهيهم بالتكاثر في الأموال والأولاد والأعضاء ~~وغفلتهم عما وراءه من تبعة الخسران والعذاب، وتهديد بأنهم سوف يعلمون ويرون ~~ذلك ويسألون عن هذه النعم التي أوتوها ليشكروا فتلهوا بها وبدلوا نعمة الله كفرا. # والسورة بما لها من السياق تحتمل المكية والمدنية، وسيأتي ما ورد في سبب ~~نزولها في البحث الروائي إن شاء الله. # قوله تعالى: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر" قال في المفردات،: اللهو ~~ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. # قال، ويقال: ألهاه كذا أي شغله عما هو أهم إليه، قال تعالى: "ألهاكم ~~التكاثر" انتهى. # وقال: والمكاثرة والتكاثر التباري في كثرة المال والعز، انتهى. # وقال: المقبرة بكسر الميم - والمقبرة - بفتحها - موضع القبور وجمعها ~~مقابر، قال تعالى: "حتى زرتم المقابر" كناية عن الموت، انتهى. # فالمعنى على ما يعطيه السياق شغلكم التكاثر في متاع الدنيا وزينتها ~~والتسابق في تكثير العدة والعدة عما يهمكم وهو ذكر الله حتى لقيتم الموت ~~فعمتكم الغفلة مدى حياتكم. # وقيل: المعنى شغلكم التباهي والتباري بكثرة الرجال بأن يقول هؤلاء: نحن ~~أكثر رجالا، وهؤلاء: نحن أكثر حتى إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى ~~القبور فعددتم الأموات من رجالكم فتكاثرتم بأمواتكم. # وهذا المعنى مبني على ما ورد في أسباب النزول أن قبيلتين من الأنصار ~~تفاخرتا بالأحياء ثم بالأموات، وفي بعضها أن ذلك كان بمكة بين بني عبد مناف ~~وبني سهم فنزلت السورة، وسيأتي القصة في البحث الروائي. # قوله تعالى: "كلا سوف تعلمون" ردع عن اشتغالهم بما لا يهمهم عما يعنيهم ~~وتخطئة لهم، وقوله: "سوف تعلمون" تهديد معناه على ما يفيده المقام سوف ~~تعلمون تبعة تلهيكم هذا وتعرفونها إذا انقطعتم عن ms7703 الحياة الدنيا. # قوله تعالى: "ثم كلا سوف تعلمون" تأكيد للردع والتهديد السابقين، وقيل: ~~المراد بالأول علمهم بها عند الموت وبالثاني علمهم بها عند البعث. # قوله تعالى: "كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم" ردع بعد ردع تأكيدا ~~واليقين العلم الذي لا يداخله شك وريب. # وقوله: "لو تعلمون علم اليقين" جواب لو محذوف والتقدير لو تعلمون الأمر ~~علم اليقين لشغلكم ما تعلمون عن التباهي والتفاخر بالكثرة، وقوله: "لترون ~~الجحيم" استئناف في الكلام، واللام للقسم، والمعنى أقسم لترون الجحيم التي ~~جزاء هذا التلهي كذا فسروا. # قالوا: ولا يجوز أن يكون قوله: "لترون الجحيم" جواب لو الامتناعية لأن ~~الرؤية محقق الوقوع وجوابها لا يكون كذلك. # وهذا مبني على أن يكون المراد رؤية الجحيم يوم القيامة كما قال: "وبرزت ~~الجحيم لمن يرى": النازعات: 36 وهو غير مسلم بل الظاهر أن المراد رؤيتها ~~قبل يوم القيامة رؤية البصيرة وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ~~ما يشير إليه، قوله تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين": الأنعام: 75، وقد تقدم الكلام فيها، وهذه الرؤية ~~القلبية قبل يوم القيامة غير محققة لهؤلاء المتلهين بل ممتنعة في حقهم ~~لامتناع اليقين عليهم. # قوله تعالى: "ثم لترونها عين اليقين" المراد بعين اليقين نفسه، والمعنى ~~لترونها محض اليقين، وهذه بمشاهدتها يوم القيامة، ومن الدليل عليه قوله بعد ~~ذلك "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" فالمراد بالرؤية الأولى رؤيتها قبل يوم ~~القيامة وبالثانية رؤيتها يوم القيامة. # وقيل: الأولى قبل الدخول فيها يوم القيامة والثانية إذ دخلوها. # وقيل: الأولى بالمعرفة والثانية بالمشاهدة، وقيل: المراد الرؤية بعد ~~الرؤية إشارة إلى الاستمرار والخلود، وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة. PageV20P198 # قوله تعالى: "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" ظاهر السياق أن هذا الخطاب وكذلك ~~الخطابات المتقدمة في السورة للناس بما أن فيهم من اشتغل بنعمة ربه عن ربه ~~فأنساه التكاثر فيها عن ذكر الله، وما في السورة من التوبيخ والتهديد متوجه ~~إلى عامة الناس ظاهرا واقع على طائفة خاصة منهم حقيقة وهم الذين ms7704 ألهاهم ~~التكاثر. # وكذا ظاهر السياق أن المراد بالنعيم مطلقة وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة ~~فالإنسان مسئول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه. # وذلك أن النعمة - وهي الأمر الذي يلائم المنعم عليه ويتضمن له نوعا من ~~الخير والنفع - إنما تكون نعمة بالنسبة إلى المنعم عليه إذا استعملها بحيث ~~يسعد بها فينتفع وأما لو استعملها على خلاف ذلك كانت نقمة بالنسبة إليه وإن ~~كانت نعمة بالنظر إلى نفسها. # وقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل غاية خلقته التي هي سعادته ومنتهى كماله ~~التقرب العبودي إليه كما قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": ~~الذاريات 56 وهي الولاية الإلهية لعبده، وقد هيأ الله سبحانه له كل ما يسعد ~~وينتفع به في سلوكه نحو الغاية التي خلق لها وهي النعم فأسبغ عليه نعمه ~~ظاهرة وباطنة. # فاستعمال هذه النعم على نحو يرتضيه الله وينتهي بالإنسان إلى غايته ~~المطلوبة هو الطريق إلى بلوغ الغاية وهو الطاعة، واستعمالها بالجمود عليها ~~ونسيان ما وراءها غي وضلال وانقطاع عن الغاية وهو المعصية، وقد قضى سبحانه ~~قضاء لا يرد ولا يبدل أن يرجع الإنسان إليه فيسأله عن عمله فيحاسبه ويجزيه، ~~وعمله هو استعماله للنعم الإلهية قال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى": النجم: 42، ~~فالسؤال عن عمل العبد سؤال عن النعيم كيف استعمله أشكر النعمة أم كفر بها. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، قيل: نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان ~~أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا: عن قتادة. # وقيل: نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا: عن أبي بريدة، وقيل: نزلت في حيين ~~من قريش: بني عبد مناف بن قصي وبني سهم بن عمر وتكاثروا وعدوا أشرافهم ~~فكثرهم بنو عبد مناف. ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم ~~وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عددا ~~في الجاهلية: عن مقاتل والكلبي. # وفي ms7705 تفسير البرهان، عن البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: "لو تعلمون علم اليقين" قال: ~~المعاينة. # أقول: الرواية تؤيد ما قدمناه من المعنى. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~قلت له: "لتسألن يومئذ عن النعيم" قال: تسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها ~~برسوله ثم بأهل بيته. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه ~~السلام) فدعا بالغذاء فأكلت معه طعاما ما أكلت طعاما أطيب منه قط ولا ألطف ~~فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد كيف رأيت طعامك؟ أو قال: طعامنا؟ ~~قلت: جعلت فداك ما أكلت طعاما أطيب منه قط ولا أنظف ولكن ذكرت الآية التي ~~في كتاب الله عز وجل "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" فقال أبو جعفر (عليه ~~السلام): إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق. # وفيه، بإسناده عن أبي حمزة قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ~~جماعة فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا وأتينا بتمر تنظر فيه ~~أوجهنا من صفائه وحسنه فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الذي تنعمتم به عند ~~ابن رسول الله فقال أبو عبد الله إن الله عز وجل أكرم وأجل أن يطعم طعاما ~~فيسوغكموه ثم نسألكم عنه إنما يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). # أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بطرق أخرى ~~وعبارات مختلفة وفي بعضها أن النعيم ولايتنا أهل البيت، ويئول المعنى إلى ~~ما قدمناه من عموم النعيم لكل نعمة أنعم الله بها بما أنها نعمة. PageV20P199 # بيان ذلك أن هذه النعم لو سئل عن شيء منها فليست يسأل عنها بما أنها لحم أو ~~خبز أو تمر أو ماء بارد أو أنها سمع أو بصر أو يد أو رجل مثلا وإنما يسأل ~~عنها بما أنها نعمة خلقها الله للإنسان وأوقعها في طريق ms7706 كماله والحصول على ~~التقرب العبودي كما تقدمت الإشارة إليه وندبه إلى أن يستعملها شكرا لا كفرا. # فالمسئول عنها هي النعمة بما أنها نعمة، ومن المعلوم أن الدال على نعيمية ~~النعيم وكيفية استعماله شكرا والمبين لذلك كله هو الدين الذي جاء به النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ونصب لبيانه الأئمة من أهل بيته فالسؤال عن ~~النعيم مرجعه السؤال عن العمل بالدين في كل حركة وسكون ومن المعلوم أيضا أن ~~السؤال عن النعيم الذي هو الدين سؤال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~والأئمة من بعده الذين افترض الله طاعتهم وأوجب اتباعهم في السلوك إلى الله ~~الذي طريقه استعمال النعم كما بينه الرسول والأئمة. # وإلى كون السؤال عن النعيم سؤالا عن الدين يشير ما في رواية أبي خالد من ~~قوله: "إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق". # وإلى كونه سؤالا عن النعيم الذي هو النبي وأهل بيته يشير ما في روايتي ~~جميل وأبي حمزة السابقتين من قوله: "يسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها ~~برسوله ثم بأهل بيته" أو ما في معناه، وفي بعض الروايات: "النعيم هو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنعم الله به على أهل العالم فاستنقذهم من ~~الضلالة"، وفي بعضها: أن النعيم ولايتنا أهل البيت، والمال واحد ومن ولاية ~~أهل البيت افتراض طاعتهم واتباعهم فيما يسلكونه من طريق العبودية. # وفي المجمع، وقيل: النعيم الصحة والفراغ: عن عكرمة، ويعضده ما رواه ابن ~~عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من ~~الناس: الصحة والفراغ. # وفيه، وقيل: هو يعني النعيم الأمن والصحة: عن عبد الله بن مسعود ومجاهد، ~~وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام). # أقول: وفي روايات أخرى من طرق أهل السنة أن النعيم هو التمر والماء ~~البارد وفي بعضها غيرهما، وينبغي أن يحمل الجميع على إيراد المثال. # وفي الحديث النبوي من طرقهم أيضا:، ثلاث لا يسأل عنها العبد: خرقة يواري ~~بها عورته أو كسرة يسد بها جوعته ms7707 أو بيت يكنه من الحر والبرد. الحديث، ~~وينبغي أن يحمل على خفة الحساب في الضروريات ونفي المناقشة فيه والله أعلم. PageV20P200 ### || AUTO ### ||| AUTO 103 سورة العصر - 1 - 3 # بسم الله الرحمن الرحيم والعصر (1) إن الانسن لفى خسر (2) إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) ### |||| AUTO بيان # تخلص السورة جميع المعارف القرآنية وتجمع شتات مقاصد القرآن في أوجز ~~بيان، وهي تحتمل المكية والمدنية لكنها أشبه بالمكية. # قوله تعالى: "والعصر" إقسام بالعصر والأنسب لما تتضمنه الآيتان التاليتان ~~من شمول الخسران للعالم الإنساني إلا لمن اتبع الحق وصبر عليه وهم المؤمنون ~~الصالحون عملا، أن يكون المراد بالعصر عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وهو عصر طلوع الإسلام على المجتمع البشري وظهور الحق على الباطل. # وقيل: المراد به وقت العصر وهو الطرف الأخير من النهار لما فيه من ~~الدلالة على التدبير الربوبي بإدبار النهار وإقبال الليل وذهاب سلطان ~~الشمس، وقيل: المراد به صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى التي هي أفضل الفرائض ~~اليومية، وقيل الليل والنهار ويطلق عليهما العصران، وقيل الدهر لما فيه من ~~عجائب الحوادث الدالة على القدرة الربوبية وغير ذلك. # وقد ورد في بعض الروايات أنه عصر ظهور المهدي (عليه السلام) لما فيه من ~~تمام ظهور الحق على الباطل. # قوله تعالى: "إن الإنسان لفي خسر" المراد بالإنسان جنسه، والخسر والخسران ~~والخسار والخسارة نقص رأس المال قال الراغب: وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: ~~خسر فلان وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، انتهى. # والتنكير في "خسر" للتعظيم ويحتمل التنويع أي في نوع من الخسر غير ~~الخسارات المالية والجاهية قال تعالى: "الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين": الزمر 15. # قوله تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" استثناء من جنس الإنسان ~~الواقع في الخسر، والمستثنون هم الأفراد المتلبسون بالإيمان والأعمال ~~الصالحة فهم آمنون من الخسر. # وذلك أن كتاب الله يبين أن للإنسان حياة خالدة مؤبدة لا تنقطع بالموت ~~وإنما الموت انتقال من دار إلى دار كما تقدم في تفسير قوله تعالى: "على ms7708 أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون": الواقعة 61، ويبين أن شطرا من هذه ~~الحياة وهي الحياة الدنيا حياة امتحانية تتعين بها صفة الشطر الأخير الذي ~~هو الحياة الآخرة المؤبدة من سعادة وشقاء قال تعالى: "وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع": الرعد 26، وقال: "كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة": الأنبياء 35. # ويبين أن مقدمية هذه الحياة لتلك الحياة إنما هي بمظاهرها من الاعتقاد ~~والعمل فالاعتقاد الحق والعمل الصالح ملاك السعادة الأخروية والكفر والفسوق ~~ملاك الشقاء فيها قال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ~~ثم يجزاه الجزاء الأوفى": النجم 41، وقال: "من كفر فعليه كفره ومن عمل ~~صالحا فلأنفسهم يمهدون": الروم 44، وقال: "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها": حم السجدة 46، وقد سمى الله تعالى ما سيلقاه الإنسان في الآخرة ~~جزاء وأجرا في آيات كثيرة. # ويتبين بذلك كله أن الحياة رأس مال للإنسان يكسب به ما يعيش به في حياته ~~الآخرة فإن اتبع الحق في العقد والعمل فقد ربحت تجارته وبورك في مكسبه وأمن ~~الشر في مستقبله، وإن اتبع الباطل وأعرض عن الإيمان والعمل الصالح فقد خسرت ~~تجارته وحرم الخير في عقباه وهو قوله تعالى: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات". # والمراد بالإيمان الإيمان بالله ومن الإيمان بالله الإيمان بجميع رسله ~~والإيمان باليوم الآخر فقد نص تعالى فيمن لم يؤمن ببعض رسله أو باليوم ~~الآخر إنه غير مؤمن بالله. # وظاهر قوله: "وعملوا الصالحات" التلبس بجميع الأعمال الصالحة فلا يشمل ~~الاستثناء الفساق بترك بعض الصالحات من المؤمنين ولازمه أن يكون الخسر أعم ~~من الخسر في جميع جهات حياته كما في الكافر المعاند للحق المخلد في العذاب، ~~والخسر في بعض جهات حياته كالمؤمن الفاسق الذي لا يخلد في النار وينقطع عنه ~~العذاب بشفاعة ونحوها. PageV20P201 # قوله تعالى: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" التواصي بالحق هو أن يوصي ~~بعضهم بعضا بالحق أي باتباعه والدوام عليه فليس دين الحق إلا اتباع الحق ~~اعتقادا وعملا والتواصي بالحق أوسع من الأمر ms7709 بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لشموله الاعتقاديات ومطلق الترغيب والحث على العمل الصالح. # ثم التواصي بالحق من العمل الصالح فذكره بعد العمل الصالح من قبيل ذكر ~~الخاص بعد العام اهتماما بأمره كما أن التواصي بالصبر من التواصي بالحق ~~وذكره بعده من ذكر الخاص بعد العام اهتماما بأمره، ويؤكد تكرار ذكر التواصي ~~حيث قال: "وتواصوا بالصبر" ولم يقل: وتواصوا بالحق والصبر. # وعلى الجملة ذكر تواصيهم بالحق وبالصبر بعد ذكر تلبسهم بالإيمان والعمل ~~الصالح للإشارة إلى حياة قلوبهم وانشراح صدورهم للإسلام لله فلهم اهتمام ~~خاص واعتناء تام بظهور سلطان الحق وانبساطه على الناس حتى يتبع ويدوم ~~اتباعه قال تعالى: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين": الزمر 22. # وقد أطلق الصبر فالمراد به أعم من الصبر على طاعة الله، والصبر عن ~~معصيته، والصبر عند النوائب التي تصيبه بقضاء من الله وقدر. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) في قوله تعالى: "إلا الذين آمنوا" إلخ، فقال: استثنى أهل صفوته من خلقه. # أقول: وطبق في ذيل الرواية الإيمان على الإيمان بولاية علي (عليه ~~السلام)، والتواصي بالحق على توصيتهم ذرياتهم وأخلافهم بها. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر" يعني أبا جهل بن هشام "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" ~~ذكر عليا وسلمان. PageV20P202 ### || AUTO ### ||| AUTO 104 سورة الهمزة - 1 - 9 # بسم الله الرحمن الرحيم ويل لكل همزة لمزة (1) الذى جمع مالا وعدده (2) ~~يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن فى الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) ~~نار الله الموقدة (6) التى تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) فى ~~عمد ممددة (9) ### |||| AUTO بيان # وعيد شديد للمغرمين بجمع المال المستعلين به على الناس المستكبرين عليهم ~~فيزرون بهم ويعيبونهم بما ليس بعيب، والسورة مكية. # قوله تعالى: "ويل لكل همزة لمزة" قال في المجمع،: الهمزة الكثير الطعن ~~على غيره بغير حق ms7710 العائب له بما ليس بعيب، وأصل الهمز الكسر. # قال: واللمز العيب أيضا والهمزة واللمزة بمعنى، وقد قيل: بينهما فرق فإن ~~الهمزة الذي يعيبك بظهر الغيب، واللمزة الذي يعيبك في وجهك. # عن الليث. # وقيل: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه، واللمزة الذي يكسر عينه على ~~جليسه ويشير برأسه ويومىء بعينه. # قال: وفعله بناء المبالغة في صفة من يكثر منه الفعل ويصير عادة له تقول: ~~رجل نكحة كثير النكاح وضحكة كثير الضحك وكذا همزة ولمزة انتهى. # فالمعنى ويل لكل عياب مغتاب، وفسر بمعان أخر على حسب اختلافهم في تفسير ~~الهمزة واللمزة. # قوله تعالى: "الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده" بيان لهمزة لمزة ~~وتنكير "مالا" للتحقير فإن المال وإن كثر ما كثر لا يغني عن صاحبه شيئا غير ~~أن له منه ما يصرفه في حوائج نفسه الطبيعية من أكلة تشبعه وشربة ماء ترويه ~~ونحو ذلك و"عدده" من العد بمعنى الإحصاء أي أنه لحبه المال وشغفه بجمعه ~~يجمع المال ويعده عدا بعد عد التذاذا بتكثره. # وقيل: المعنى جعله عدة وذخرا لنوائب الدهر. # وقوله: "يحسب أن ماله أخلده" أي يخلده في الدنيا ويدفع عنه الموت والفناء ~~فالماضي أريد به المستقبل بقرينة قوله: "يحسب". # فهذا الإنسان لإخلاده إلى الأرض وانغماره في طول الأمل لا يقنع من المال ~~بما يرتفع به حوائج حياته القصيرة وضروريات أيامه المعدودة بل كلما زاد ~~مالا زاد حرصا إلى ما لا نهاية له فظاهر حاله أنه يرى أن المال يخلده، ~~ولحبه الغريزي للبقاء يهتم بجمعه وتعديده، ودغاه ما جمعه وعدده من المال ~~وما شاهده من الاستغناء إلى الطغيان والاستعلاء على غيره من الناس كما قال ~~تعالى: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى": العلق 7، ويورثه هذا الاستكبار ~~والتعدي الهمز واللمز. # ومن هنا يظهر أن قوله: "يحسب أن ماله أخلده" بمنزلة التعليل لقوله: "الذي ~~جمع مالا وعدده"، وقوله: "الذي جمع" إلخ بمنزلة التعليل لقوله: "ويل لكل ~~همزة لمزة". # قوله تعالى: "كلا لينبذن في الحطمة" ردع عن حسبانه الخلود بالمال، واللام ~~في "لينبذن" ms7711 للقسم، والنبذ القذف والطرح، والحطمة مبالغة من الحطم وهو ~~الكسر وجاء بمعنى الأكل، وهي من أسماء جهنم على ما يفسرها قوله الآتي: "نار ~~الله الموقدة". # والمعنى ليس مخلدا بالمال كما يحسب أقسم ليموتن ويقذفن في الحطمة. # قوله تعالى: "وما أدراك ما الحطمة" تفخيم وتهويل. # قوله تعالى: "نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة" إيقاد النار ~~إشعالها والاطلاع والطلوع على الشيء الإشراف والظهور، والأفئدة جمع فؤاد ~~وهو القلب، والمراد به في القرآن مبدأ الشعور والفكر من الإنسان وهو النفس ~~الإنسانية. # وكان المراد من اطلاعها على الأفئدة أنها تحرق باطن الإنسان كما تحرق ~~ظاهره بخلاف النار الدنيوية التي إنما تحرق الظاهر فقط قال تعالى: "وقودها ~~الناس والحجارة": البقرة 24. # قوله تعالى: "إنها عليهم مؤصدة" أي مطبقة لا مخرج لهم منها ولا منجا. # قوله تعالى: "في عمد ممددة" العمد بفتحتين جمع عمود والتمديد مبالغة في ~~المد قيل: هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، وقيل: عمد ممددة ~~يوثقون فيها مثل المقاطر وهي خشب أو جذوع كبار فيها خروق توضع فيها أرجل ~~المحبوسين من اللصوص وغيرهم، وقيل غير ذلك. PageV20P203 ### |||| AUTO بحث روائي # في روح المعاني،: في قوله تعالى: "ويل لكل همزة لمزة" نزل ذلك على ما ~~أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر في أبي بن خلف، وعلى ~~ما أخرج عن السدي في أبي بن عمر والثقفي الشهير بالأخنس بن شريق فإنه كان ~~مغتابا كثير الوقيعة. وعلى ما قال ابن إسحاق في أمية بن خلف الجمحي وكان ~~يهمز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى ما أخرج ابن جرير وغيره عن ~~مجاهد في جميل بن عامر وعلى ما قيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغضه منه، وعلى قول في العاص بن وائل. # أقول: ثم قال: ويجوز أن يكون نازلا في جمع من ذكر. # انتهى ولا يبعد أن يكون من تطبيق الرواة وهو كثير في أسباب النزول. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: ms7712 "ويل لكل همزة" قال: الذي يغمز الناس ~~ويستحقر الفقراء، وقوله: "لمزة" يلوي عنقه ورأسه ويغضب إذا رأى فقيرا أو ~~سائلا "الذي جمع مالا وعدده" قال: أعده ووضعه. # وفيه،: قوله تعالى: "التي تطلع على الأفئدة" قال: تلتهب على الفؤاد قال ~~أبو ذر رضي الله عنه: بشر المتكبرين بكي في الصدور وسحب على الظهور. قوله ~~"إنها عليهم مؤصدة" قال: مطبقة "في عمد ممددة" قال: إذا مدت العمد عليهم ~~أكلت والله الجلود. # وفي المجمع، روى العياشي بإسناده عن محمد بن النعمان الأحول عن حمران بن ~~أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الكفار والمشركين يعيرون أهل ~~التوحيد في النار ويقولون: ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا وما نحن وأنتم ~~إلا سواء قال: فيأنف لهم الرب تعالى فيقول للملائكة: اشفعوا فيشفعون لمن ~~شاء الله ثم يقول للنبيين: اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ثم يقول للمؤمنين: ~~اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ويقول الله: أنا أرحم الراحمين اخرجوا برحمتي ~~فيخرجون كما يخرج الفراش. قال: ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ثم مدت ~~العمد وأوصدت عليهم وكان والله الخلود. PageV20P204 ### || AUTO ### ||| AUTO 105 سورة الفيل - 1 - 5 # بسم الله الرحمن الرحيم ألم تر كيف فعل ربك بأصحب الفيل (1) ألم يجعل ~~كيدهم فى تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) ~~فجعلهم كعصف مأكول (5) ### |||| AUTO بيان # فيها إشارة إلى قصة أصحاب الفيل إذ قصدوا مكة لتخريب الكعبة المعظمة ~~فأهلكهم الله بإرسال طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، ~~وهي من آيات الله الجلية التي لا سترة عليها، وقد أرخوا بها وذكرها ~~الجاهليون في أشعارهم، والسورة مكية. # قوله تعالى: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" المراد بالرؤية العلم ~~الظاهر ظهور الحس، والاستفهام إنكاري، والمعنى ألم تعلم كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل، وقد كانت الواقعة عام ولد فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # قوله تعالى: "ألم يجعل كيدهم في تضليل" المراد بكيدهم سوء قصدهم بمكة ~~وإرادتهم تخريب البيت الحرام، والتضليل والإضلال واحد، وجعل كيدهم في ms7713 تضليل ~~جعل سعيهم ضالا لا يهتدى إلى الغاية المقصودة منه فقد ساروا لتخريب الكعبة ~~وانتهى بهم إلى هلاك أنفسهم. # قوله تعالى: "وأرسل عليهم طيرا أبابيل" الأبابيل - كما قيل - جماعات في ~~تفرقة زمرة زمرة، والمعنى وأرسل الله على أصحاب الفيل جماعات متفرقة من ~~الطير والآية والتي تتلوها عطف تفسير على قوله: "ألم يجعل كيدهم في تضليل". # قوله تعالى: "ترميهم بحجارة من سجيل" أي ترمي أبابيل الطير أصحاب الفيل ~~بحجارة من سجيل، وقد تقدم معنى السجيل في تفسير قصص قوم لوط. # قوله تعالى: "فجعلهم كعصف مأكول" العصف ورق الزرع والعصف المأكول ورق ~~الزرع الذي أكل حبه أو قشر الحب الذي أكل لبه والمراد أنهم عادوا بعد وقوع ~~السجيل عليهم أجسادا بلا أرواح أو أن الحجر بحرارته أحرق أجوافهم، وقيل: ~~المراد ورق الزرع الذي وقع فيها الأكال وهو أن يأكله الدود فيفسده وفسرت ~~الآية ببعض وجوه أخر لا يناسب الأدب القرآني. PageV20P205 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة ~~بن الصباح الأشرم وقيل: إن كنيته أبو يكسوم ونقل عن الواقدي أنه جد النجاشي ~~الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم ساق الكلام في ~~قصة استيلائه على ملك اليمن إلى أن قال: ثم إنه بنى كعبة باليمن وجعل فيها ~~قبابا من ذهب فأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، وإن ~~رجلا من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها يعني لحاجة ~~الإنسان فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترأ علي بهذا؟ ~~ونصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا ودعا بالفيل وأذن قومه ~~بالخروج ومن اتبعه من أهل اليمن، وكان أكثر من اتبعه منهم عك والأشعرون ~~وخثعم. قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ~~ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه أيضا رجل من الحمس من بني كنانة ~~فقتله فازداد بذلك حنقا وحث ms7714 السير والانطلاق. وطلب من أهل الطائف دليلا ~~فبعثوا معه رجلا من هذيل يقال له نفيل فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا ~~بالمغمس نزلوه وهو من مكة على ستة أميال فبعثوا مقدماتهم إلى مكة فخرجت ~~قريش عباديد في رءوس الجبال وقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء ولم يبق بمكة ~~غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار ~~أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول: لا هم ~~أن المرء يمنع رحله فامنع جلالك. لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدوا محالك. لا ~~يدخلوا البلد الحرام إذا فأمر ما بدا لك. ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما ~~لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم فلما بلغه ذلك خرج حتى ~~أتى القوم، وكان حاجب أبرهة رجلا من الأشعرين وكان له بعبد المطلب معرفة ~~فاستأذن له على الملك وقال له: أيها الملك جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها ~~في الحي ووحشها في الجبل فقال له: ائذن له. وكان عبد المطلب رجلا جسيما ~~جميلا فلما رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته وكره أن يجلسه معه على سريره ~~فنزل من سريره فجلس على الأرض وأجلس عبد المطلب معه ثم قال: ما حاجتك؟ قال: ~~حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك فقال أبو يكسوم: والله لقد رأيتك ~~فأعجبتني ثم تكلمت فزهدت فيك فقال: ولم أيها الملك؟ قال: لأني جئت إلى بيت ~~عزكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم ودينكم الذي تعبدون ~~فجئت لأكسره وأصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم ~~تطلب إلي في بيتكم. فقال له عبد المطلب: أيها الملك أنا أكلمك في مالي ~~ولهذا البيت رب هو يمنعه لست أنا منه في شيء فراع ذلك أبو يكسوم وأمر برد ~~إبل عبد المطلب عليه ثم رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها كأنها ~~تكلمهم كلاما لاقترابها منهم فأحست نفوسهم بالعذاب. إلى أن قال: حتى إذا ~~كان مع طلوع الشمس طلعت ms7715 عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم، وكل طائر ~~في منقاره حجر وفي رجليه حجران وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى فلا يقع حجر ~~من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه ولا عظم إلا أوهاه وثقبه، وثاب أبو يكسوم ~~راجعا قد أصابته بعض الحجارة فجعل كلما قدم أرضا انقطع له فيها إرب حتى إذا ~~انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلا باده فلما قدمها تصدع صدره وانشق بطنه فهلك ~~ولم يصب من الأشعرين وخثعم أحد، الحديث. أقول: وفي الروايات اختلاف شديد في ~~خصوصيات القصة من أراد الوقوف عليها فعليه بمطولات السير والتواريخ. PageV20P206 ### || AUTO ### ||| AUTO 106 سورة قريش - 1 - 4 # بسم الله الرحمن الرحيم لايلف قريش (1) إلفهم رحلة الشتاء والصيف (2) ~~فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذى أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف (4) ### |||| AUTO بيان # تتضمن السورة امتنانا على قريش بإيلافهم الرحلتين وتعقبه بدعوتهم إلى ~~التوحيد وعبادة رب البيت، والسورة مكية. # ولمضمون السورة نوع تعلق بمضمون سورة الفيل ولذا ذهب قوم من أهل السنة ~~إلى كون الفيل ولإيلاف سورة واحدة كما قيل بمثله في الضحى وألم نشرح لما ~~بينهما من الارتباط كما نسب ذلك إلى المشهور بين الشيعة والحق أن شيئا مما ~~استندوا إليه لا يفيد ذلك. # أما القائلون بذلك من أهل السنة فإنهم استندوا فيه إلى ما روي أن أبي بن ~~كعب لم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة، وبما روي عن عمرو بن ميمون الأزدي ~~قال: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب فقرأ في الركعة الأولى والتين وفي ~~الثانية ألم تر ولإيلاف قريش من غير أن يفصل بالبسملة. # وأجيب عن الرواية الأولى بمعارضتها بما روي أنه أثبت البسملة بينهما في ~~مصحفه، وعن الثانية بأن من المحتمل على تقدير صحتها أن يكون الراوي لم يسمع ~~قراءتها أو يكون قرأها سرا. # على أنها معارض بما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الله فضل ~~قريشا بسبع خصال وفيها "ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم: ~~لإيلاف قريش". # الحديث على أن ms7716 الفصل متواتر. # وأما القائلون بذلك من الشيعة فاستندوا فيه إلى ما في المجمع، عن أبي ~~العباس عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ألم تر كيف فعل ربك ولإيلاف قريش ~~سورة واحدة، وما في التهذيب، بإسناده عن العلاء عن زيد الشحام قال: صلى بنا ~~أبو عبد الله (عليه السلام) الفجر فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة، وما في ~~المجمع، عن العياشي عن المفضل بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~سمعته يقول: لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح وألم تر ~~كيف ولإيلاف قريش: ورواه المحقق في المعتبر، نقلا من كتاب الجامع لأحمد بن ~~محمد بن أبي نصر عن المفضل: مثله. # أما رواية أبي العباس فضعيف لما فيها من الرفع. # وأما رواية الشحام فقد رويت عنه بطريقين آخرين: أحدهما ما في التهذيب، ~~بإسناده عن ابن مسكان عن زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله (عليه ~~السلام) فقرأ بنا بالضحى وألم نشرح، وثانيهما عنه عن ابن أبي عمير عن بعض ~~أصحابنا عن زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرأ في ~~الأولى الضحى وفي الثانية ألم نشرح لك صدرك. # وهذه أعني صحيحة ابن أبي عمير صريحة في قراءة السورتين في ركعتين ولا ~~يبقى معها لرواية العلاء ظهور في الجمع بينهما، وأما رواية ابن مسكان فلا ~~ظهور لها في الجمع ولا صراحة، وأما حمل ابن أبي عمير على النافلة فيدفعه ~~قوله فيها: "صلى بنا" فإنه صريح في الجماعة ولا جماعة في نفل. # وأما رواية المفضل فهي أدل على كونهما سورتين منها على كونهما سورة واحدة ~~حيث قيل: لا تجمع بين سورتين ثم استثنى من السورتين الضحى وألم نشرح وكذا ~~الفيل ولإيلاف. # فالحق أن الروايات إن دلت فإنما تدل على جواز القرآن بين سورتي الضحى ~~وألم نشرح وسورتي الفيل ولإيلاف في ركعة واحدة من الفرائض وهو ممنوع في ~~غيرها، ويؤيده رواية الراوندي في الخرائج، عن داود الرقي عن أبي عبد الله ~~(عليه السلام) في حديث ms7717 قال: فلما طلع الفجر قام فأذن وأقام وأقامني عن ~~يمينه وقرأ في أول ركعة الحمد والضحى وفي الثانية بالحمد وقل هو الله أحد ~~ثم قنت ثم سلم ثم جلس. # قوله تعالى: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" الألف بكسر الهمزة ~~اجتماع مع التئام كما قاله الراغب ومنه الألفة، وقال في الصحاح،: وفلان قد ~~ألف هذا الموضع بالكسر يألفه ألفا وآلفه إياه غيره، ويقال أيضا: آلفت ~~الموضع أولفه إيلافا، انتهى. PageV20P207 # وقريش عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم ولد النضر بن كنانة ~~المسمى قريشا، والرحلة حال السير على الراحلة وهي الناقة القوية على السير ~~كما في المجمع، والمراد بالرحلة خروج قريش من مكة للتجارة وذلك أن الحرم ~~واد جديب لا زرع فيه ولا ضرع فكانت قريش تعيش فيه بالتجارة، وكانت لهم في ~~كل سنة رحلتان للتجارة رحلة في الشتاء إلى اليمن ورحلة بالصيف إلى الشام، ~~وكانوا يعيشون بذلك وكان الناس يحترمونهم لمكان البيت الحرام فلا يتعرضون ~~لهم بقطع طريقهم أو الإغارة على بلدهم الأمن. # وقوله: "لإيلاف قريش" اللام فيه للتعليل، وفاعل الإيلاف هو الله سبحانه ~~وقريش مفعوله الأول ومفعوله الثاني محذوف يدل عليه ما بعده، وقوله: ~~"إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" بدل من إيلاف قريش، وفاعل إيلافهم هو الله ~~ومفعوله الأول ضمير الجمع ومفعوله الثاني رحلة إلخ، والتقدير لإيلاف الله ~~قريشا رحلة الشتاء والصيف. # قوله تعالى: "فليعبدوا رب هذا البيت" الفاء في "فليعبدوا" لتوهم معنى ~~الشرط أي أي شيء كان فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافه أيام الرحلتين أو لتوهم ~~التفصيل أي مهما يكن من شيء فليعبدوا رب هذا البيت إلخ، فهو كقوله تعالى: ~~"ولربك فاصبر": المدثر: 7. # ومحصل معنى الآيات الثلاث ليعبد قريش رب هذا البيت لأجل إيلافه إياهم ~~رحلة الشتاء والصيف وهم عائشون بذلك في أمن. # هذا بالنظر إلى كون السورة منفصلة عما قبلها ذات سياق مستقل في نفسها، ~~وأما على تقدير كونها جزء من سورة الفيل متممة لها فذكروا أن اللام في ~~"لإيلاف" تعليلية متعلقة بمقدر يدل عليه المقام والمعنى ms7718 فعلنا ذلك بأصحاب ~~الفيل نعمة منا على قريش مضافة إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف ~~فكأنه قال: نعمة إلى نعمة ولذا قيل: إن اللام مؤدية معنى إلى وهو قول ~~الفراء. # وقيل: المعنى فعلنا ذلك بأصحاب الفيل لتألف قريش بمكة ويمكنهم المقام بها ~~أو لنؤلف قريشا فإنهم هابوا من أبرهة لما قصدها وهربوا منه فأهلكناهم لترجع ~~قريش إلى مكة ويألفوا بها ويولد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيبعث إلى ~~الناس بشيرا ونذيرا هذا، والكلام في استفادة هذه المعاني من السياق. # قوله تعالى: "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" إشارة إلى ما في إيلافهم ~~الرحلتين من منه الواضح ونعمته الظاهرة عليهم وهو الإطعام والأمن فيعيشون ~~في أرض لا خصب فيها ولا أمن لغيرهم فليعبدوا ربا يدبر أمرهم أحسن التدبير ~~وهو رب البيت. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "لإيلاف قريش إيلافهم" قال: نزلت في ~~قريش لأنه كان معاشهم من الرحلتين رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في ~~الصيف إلى الشام، وكانوا يحملون من مكة الأدم واللب وما يقع من ناحية البحر ~~من الفلفل وغيره فيشترون بالشام الثياب والدرمك والحبوب، وكانوا يتألفون في ~~طريقهم ويثبتون في الخروج في كل خرجة رئيسا من رؤساء قريش وكان معاشهم من ~~ذلك. فلما بعث الله نبيه استغنوا عن ذلك لأن الناس وفدوا على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وحجوا إلى البيت فقال الله: "فليعبدوا رب هذا ~~البيت - الذي أطعمهم من جوع" لا يحتاجون أن يذهبوا إلى الشام "وآمنهم من ~~خوف" يعني خوف الطريق. # أقول: قوله: فلما بعث الله إلخ خفي الانطباق على سياق آيات السورة، ولعله ~~من كلام القمي أخذه من بعض ما روي عن ابن عباس. PageV20P208 ### || AUTO ### ||| AUTO 107 سورة الماعون - 1 - 7 # بسم الله الرحمن الرحيم أرءيت الذى يكذب بالدين (1) فذلك الذى يدع اليتيم ~~(2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7) ### |||| AUTO بيان # وعيد لمن كان من ms7719 المنتحلين بالدين متخلقا بأخلاق المنافقين كالسهو عن ~~الصلاة والرياء في الأعمال ومنع الماعون مما لا يلائم التصديق بالجزاء. # والسورة تحتمل المكية والمدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني. # قوله تعالى: "أرأيت الذي يكذب بالدين" الرؤية تحتمل الرؤية البصرية ~~وتحتمل أن تكون بمعنى المعرفة، والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بما أنه سامع فيتوجه إلى كل سامع، والمراد بالدين الجزاء يوم الجزاء ~~فالمكذب بالدين منكر المعاد وقيل المراد به الدين بمعنى الملة. # قوله تعالى: "فذلك الذي يدع اليتيم" الدع هو الرد بعنف وجفاء، والفاء في ~~"فذلك" لتوهم معنى الشرط والتقدير أرأيت الذي يكذب بالجزاء فعرفته بصفاته ~~اللازمة لتكذيبه فإن لم تعرفه فذلك الذي يرد اليتيم بعنف ويجفوه ولا يخاف ~~عاقبة عمله السيىء ولو لم يكذب به لخافها ولو خافها لرحمه. # قوله تعالى: "ولا يحض على طعام المسكين" الحض الترغيب، والكلام على تقدير ~~مضاف أي لا يرغب الناس على إطعام طعام المسكين قيل: إن التعبير بالطعام دون ~~الإطعام للإشعار بأن المسكين كأنه مالك لما يعطى له كما في قوله تعالى: ~~"وفي أموالهم حق للسائل والمحروم": الذاريات: 19 وقيل: الطعام في الآية ~~بمعنى الإطعام. # والتعبير بالحض دون الإطعام لأن الحض أعم من الحض العملي الذي يتحقق ~~بالإطعام. # قوله تعالى: "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون" أي غافلون لا ~~يهتمون بها ولا يبالون أن تفوتهم بالكلية أو في بعض الأوقات أو تتأخر عن ~~وقت فضيلتها وهكذا. # وفي الآية تطبيق من يكذب بالدين على هؤلاء المصلين لمكان فاء التفريع ~~ودلالة على أنهم لا يخلون من نفاق لأنهن يكذبون بالدين عملا وهم يتظاهرون ~~بالإيمان. # قوله تعالى: "الذين هم يراءون" أي يأتون بالعبادات لمراءاة الناس فهم ~~يعملون للناس لا لله تعالى. # قوله تعالى: "ويمنعون الماعون" الماعون كل ما يعين الغير في رفع حاجة من ~~حوائج الحياة كالقرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره وإلى هذا يرجع ~~متفرقات ما فسر به في كلماتهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "أرأيت الذي يكذب بالدين" قال: ms7720 نزلت في ~~أبي جهل وكفار قريش، وفي قوله: "الذين هم عن صلاتهم ساهون" قال: عنى به ~~تاركون لأن كل إنسان يسهو في الصلاة قال أبو عبد الله (عليه السلام): تأخير ~~الصلاة عن أول وقتها لغير عذر. # وفي الخصال، عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: ليس عمل أحب ~~إلى الله عز وجل من الصلاة فلا يشغلنكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا فإن ~~الله عز وجل ذم أقواما فقال: "الذين هم عن صلاتهم ساهون" يعني أنهم غافلون ~~استهانوا بأوقاتها. # وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن الفضيل قال: سألت عبدا صالحا (عليه ~~السلام) عن قول الله عز وجل: "الذين هم عن صلاتهم ساهون" قال هو التضييع. # أقول: وفي هذه المضامين روايات أخر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي ~~بن أبي طالب "الذين هم يراءون" قال: يراءون بصلاتهم. # وفيه، أخرج أبو نعيم والديلمي وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في قوله "ويمنعون الماعون" قال: ما تعاون الناس بينهم ~~الفأس والقدر والدلو وأشباهه. # وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث ~~قال: وقوله عز وجل: "ويمنعون الماعون" هو القرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع ~~البيت تعيره ومنه الزكاة. # أقول: وتفسير الماعون بالزكاة مروي من طرق أهل السنة أيضا عن علي (عليه ~~السلام) كما في الدر المنثور، ولفظه: الماعون الزكاة المفروضة يراءون ~~بصلاتهم ويمنعون زكاتهم. PageV20P209 # وفي الدر المنثور، أخرج ابن قانع عن علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام ~~ويرد عليه ما هو خير منه لا يمنع الماعون قلت: يا رسول الله ما الماعون؟ ~~قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك. # أقول: وقد فسر (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أخرى الحديد بقدور ~~النحاس وحديد الفأس والحجر بقدور الحجارة. PageV20P210 ### || AUTO ### ||| AUTO 108 سورة الكوثر - 1 ms7721 - 3 # بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطينك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن ~~شانئك هو الأبتر (3) ### |||| AUTO بيان # امتنان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعطائه الكوثر وتطييب لنفسه ~~الشريفة بأن شانئه هو الأبتر، وهي أقصر سورة في القرآن وقد اختلفت الروايات ~~في كون السورة مكية أو مدنية، والظاهر أنها مكية، وذكر بعضهم أنها نزلت ~~مرتين جمعا بين الروايات. # قوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر" قال في المجمع، الكوثر فوعل وهو الشيء ~~الذي من شأنه الكثرة، والكوثر الخير الكثير، انتهى. # وقد اختلفت أقوالهم في تفسير الكوثر اختلافا عجيبا فقيل: هو الخير ~~الكثير، وقيل نهر في الجنة، وقيل: حوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الجنة أو في المحشر، وقيل: أولاده وقيل: أصحابه وأشياعه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلى يوم القيامة، وقيل: علماء أمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~وقيل القرآن وفضائله كثيرة، وقيل النبوة وقيل: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع ~~وقيل: الإسلام وقيل التوحيد، وقيل: العلم والحكمة، وقيل: فضائله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وقيل المقام المحمود، وقيل: هو نور قلبه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إلى غير ذلك مما قيل، وقد نقل عن بعضهم أنه أنهى الأقوال إلى ~~ستة وعشرين. # وقد استند في القولين الأولين إلى بعض الروايات، وباقي الأقوال لا تخلو ~~من تحكم وكيفما كان فقوله في آخر السورة: "إن شانئك هو الأبتر" وظاهر ~~الأبتر هو المنقطع نسله وظاهر الجملة أنها من قبيل قصر القلب - أن كثرة ~~ذريته (صلى الله عليه وآله وسلم) هي المرادة وحدها بالكوثر الذي أعطيه ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المراد بها الخير الكثير وكثرة الذرية ~~مرادة في ضمن الخير الكثير ولو لا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله: "إن شانئك ~~هو الأبتر" خاليا عن الفائدة. # وقد استفاضت الروايات أن السورة إنما نزلت فيمن عابه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالبتر بعد ما مات ابناه القاسم وعبد الله، وبذلك يندفع ما قيل: إن ~~مراد الشانىء بقوله: "أبتر" المنقطع عن قومه أو المنقطع عن ms7722 الخير فرد الله ~~عليه بأنه هو المنقطع من كل خير. # ولما في قوله: "إنا أعطيناك" من الامتنان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~جيء بلفظ المتكلم مع الغير الدال على العظمة، ولما فيه من تطييب نفسه ~~الشريفة أكدت الجملة بإن وعبر بلفظ الإعطاء الظاهر في التمليك. # والجملة لا تخلو من دلالة على أن ولد فاطمة (عليها السلام) ذريته (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وهذا في نفسه من ملاحم القرآن الكريم فقد كثر الله ~~تعالى نسله بعده كثرة لا يعادلهم فيها أي نسل آخر مع ما نزل عليهم من ~~النوائب وأفنى جموعهم من المقاتل الذريعة. # قوله تعالى: "فصل لربك وانحر" ظاهر السياق في تفريع الأمر بالصلاة والنحر ~~على الامتنان في قوله: "إنا أعطيناك الكوثر" إنه من شكر النعمة والمعنى إذا ~~مننا عليك بإعطاء الكوثر فاشكر لهذه النعمة بالصلاة والنحر. # والمراد بالنحر على ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وعن علي (عليه السلام) وروته الشيعة عن الصادق (عليه السلام) وغيره من ~~الأئمة هو رفع اليدين في تكبير الصلاة إلى النحر. # وقيل: معنى الآية صل لربك صلاة العيد وانحر البدن، وقيل: يعني صل لربك ~~واستو قائما عند رفع رأسك من الركوع وقيل غير ذلك. # قوله تعالى: "إن شانئك هو الأبتر" الشانىء هو المبغض والأبتر من لا عقب ~~له وهذا الشانىء هو العاص بن وائل. # وقيل: المراد بالأبتر المنقطع عن الخير أو المنقطع عن قومه، وقد عرفت أن ~~روايات سبب نزول السورة لا تلائمه وستجيء. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه إياه قال أبو ~~بشر قلت لسعيد بن جبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي ~~في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. PageV20P211 # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن ~~أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة ms7723 على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~"إنا أعطيناك الكوثر" قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبريل: ما هذه ~~النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت ~~للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها ~~صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع، وأن لكل شيء زينة وزينة ~~الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: "فما استكانوا لربهم وما ~~يتضرعون":. أقول: ورواه في المجمع، عن المقاتل عن الأصبغ بن نباتة عنه ~~(عليه السلام) ثم قال: أورده الثعلبي والواحدي في تفسيرهما، وقال أيضا: إن ~~جميع عترته الطاهرة رووا عنه (عليه السلام): أن معنى النحر رفع اليدين إلى ~~النحر في الصلاة. # وفيه، أخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله: "فصل لربك" قال: الصلاة ~~"وانحر" قال يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح. # وفيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "فصل لربك وانحر" قال: إن ~~الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر. # وفي المجمع، في الآية عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول في قوله "فصل لربك وانحر" هو رفع يديك حذاء وجهك:. أقول: ثم ~~قال: وروى عنه عبد الله بن سنان مثله، وروي أيضا قريبا منه عن جميل عنه ~~(عليه السلام). # وفي الدر المنثور، أخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القاسم ~~ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية فمات القاسم وهو أول ميت ~~من ولده بمكة ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل السهمي قد انقطع نسله فهو ~~أبتر فأنزل الله "إن شانئك هو الأبتر". # وفيه، أخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه ms7724 قال: توفي ~~القاسم بن رسول الله بمكة فمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو آت ~~من جنازته على العاص بن وائل وابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): إني لأشنؤه فقال العاص بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر ~~فأنزل الله "إن شانئك هو الأبتر". # وفيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور ~~الرجل بتر فلان فلما مات ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال العاص بن ~~وائل: بتر والأبتر الفرد. # أقول: وفي بعض الآثار أن الشانىء هو الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أبو ~~جهل وفي بعضها عقبة بن أبي معيط، وفي بعضها كعب بن الأشرف، والمعتمد ما تقدم. # ويؤيده ما في الاحتجاج الطبرسي، عن الحسن بن علي (عليهما السلام): في ~~حديث يخاطب فيه عمرو بن العاصي: وأنك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فيك رجال ~~قريش منهم أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة وعثمان بن الحارث والنضر بن ~~الحارث بن كلدة والعاص بن وائل كلهم يزعم أنك ابنه فغلبهم عليك من بين قريش ~~ألأمهم حسبا وأخبثهم منصبا وأعظمهم بغية. ثم قمت خطيبا وقلت: أنا شانىء ~~محمد وقال العاص بن وائل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له قد مات انقطع ذكره ~~فأنزل الله تبارك وتعالى: "إن شانئك هو الأبتر". # الحديث. # وفي تفسير القمي،: "إنا أعطيناك الكوثر" قال: الكوثر نهر في الجنة أعطى ~~الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عوضا عن ابنه إبراهيم. # أقول: الخبر على إرساله وإضماره معارض لسائر الروايات وتفسير الكوثر بنهر ~~في الجنة لا ينافي التفسير بالخير الكثير كما تقدم في خبر ابن جبير. PageV20P212 ### || AUTO ### ||| AUTO 109 سورة الكافرون - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم قل يأيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد (5) لكم دينكم ولى دين (6) ### |||| AUTO بيان # فيها أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يظهر ms7725 للكفار براءته من دينهم ~~ويخبرهم بامتناعهم من دينه فلا دينه يتعداه إليهم ولا دينهم يتعداهم إليه ~~فلا يعبد ما يعبدون أبدا ولا يعبدون ما يعبد أبدا فلييأسوا من أي نوع من ~~المداهنة والمساهلة. # واختلفوا في كون السورة مكية أو مدنية، والظاهر من سياقها أنها مكية. # قوله تعالى: "قل يا أيها الكافرون" الظاهر أن هؤلاء قوم معهودون لا كل ~~كافر ويدل على ذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطبهم ببراءته من ~~دينهم وامتناعهم من دينه. # قوله تعالى: "لا أعبد ما تعبدون" الآية إلى آخر السورة مقول القول، ~~والمراد بما تعبدون الأصنام التي كانوا يعبدونها، ومفعول "تعبدون" ضمير ~~راجع إلى الموصول محذوف لدلالة الكلام عليه ولرعاية الفواصل، وكذا مفاعيل ~~الأفعال التالية: "أعبد" و"عبدتم" و"أعبد". # وقوله: "لا أعبد" نفي استقبالي فإن لا لنفي الاستقبال كما أن ما لنفي ~~الحال، والمعنى لا أعبد أبدا ما تعبدونه اليوم من الأصنام. # قوله تعالى: "ولا أنتم عابدون ما أعبد" نفي استقبالي أيضا لعبادتهم ما ~~يعبده (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو إخبار عن امتناعهم عن الدخول في دين ~~التوحيد في مستقبل الأمر. # وبانضمام الأمر الذي في مفتتح الكلام تفيد الآيتان إن الله سبحانه أمرني ~~بالدوام على عبادته وأن أخبركم أنكم لا تعبدونه أبدا فلا يقع بيني وبينكم ~~اشتراك في الدين أبدا. # فالآية في معنى قوله تعالى: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون": ~~يس: 7، وقوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون": البقرة: 6. # وكان من حق الكلام أن يقال: ولا أنتم عابدون من أعبد. # لكن قيل: ما أعبد ليطابق ما في قوله: "لا أعبد ما تعبدون". # قوله تعالى: "ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد" تكرار ~~لمضمون الجملتين السابقتين لزيادة التأكيد، كقوله: "كلا سوف تعلمون ثم كلا ~~سوف تعلمون": التكاثر: 4 وقوله: "فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر": المدثر: 20. # وقيل: إن ما في "ما عبدتم" و"ما أعبد" مصدرية لا موصولة والمعنى ولا أنا ~~عابد عبادتكم ms7726 ولا أنتم عابدون عبادتي أي لا أشارككم ولا تشاركونني لا في ~~المعبود ولا في العبادة فمعبودي هو الله ومعبودكم الوثن وعبادتي ما شرعه ~~الله لي وعبادتكم ما ابتدعتموه جهلا وافتراء، وعلى هذا فالآيتان غير ~~مسوقتين للتأكيد، ولا يخلو من بعد وسيأتي في البحث الروائي التالي وجه آخر ~~للتكرار لطيف. # قوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين" تأكيد بحسب المعنى لما تقدم من نفي ~~الاشتراك، واللام للاختصاص أي دينكم وهو عبادة الأصنام يختص بكم ولا ~~يتعداكم إلي وديني يختص بي ولا يتعداني إليكم ولا محل لتوهم دلالة الآية ~~على إباحة أخذ كل بما يرتضيه من الدين ولا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لا يتعرض لدينهم بعد ذلك فالدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن تدفع ذلك أساسا. # وقيل: الدين في الآية بمعنى الجزاء والمعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي، وقيل: ~~إن هناك مضافا محذوفا والتقدير لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني، والوجهان ~~بعيدان عن الفهم. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف ~~عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن ~~وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ولنشترك نحن وأنت في ~~أمرنا كله فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا ~~وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا فأنزل ~~الله "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون" حتى انقضت السورة:. أقول: ~~وروى الشيخ في الأمالي، بإسناده عن ميناء عن غير واحد من أصحابه قريبا منه. PageV20P213 # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن ابن أبي عمير قال: سأل أبو شاكر أبا جعفر ~~الأحول عن قول الله: "قل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون - ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم - ولا أنتم عابدون ما أعبد" ms7727 فهل ~~يتكلم الحكيم بمثل هذا القول، ويكرر مرة بعد مرة؟ فلم يكن عند أبي جعفر ~~الأحول في ذلك جواب. فدخل المدينة فسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك ~~فقال: كان سبب نزولها وتكرارها أن قريشا قالت لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك ~~سنة فأجابهم الله بمثل ما قالوا فقال فيما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: قل يا ~~أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، وفيما قالوا: نعبد إلهك سنة: ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد، وفيما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: "ولا أنا عابد ما عبدتم" ~~وفيما قالوا: نعبد إلهك سنة: "ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين". ~~قال: فرجع أبو جعفر الأحول إلى أبي شاكر فأخبره بذلك فقال أبو شاكر: هذا ~~حملته الإبل من الحجاز. # أقول: مفاد التكرار في كلام قريش الاستمرار على عبادة آلهتهم سنة وعبادة ~~الله تعالى سنة. PageV20P214 ### || AUTO ### ||| AUTO 110 سورة النصر - 1 - 3 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون ~~فى دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) ### |||| AUTO بيان # وعد له (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصر والفتح وأنه سيرى الناس يدخلون ~~في الإسلام فوجا بعد فوج وأمره بالتسبيح حينئذ والتحميد والاستغفار، ~~والسورة مدنية نزلت بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة على ما سنستظهر. # قوله تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح" ظهور "إذا" المصدرة بها الآية في ~~الاستقبال يستدعي أن يكون مضمون الآية إخبارا بتحقق أمر لم يتحقق بعد، وإذا ~~كان المخبر به هو النصر والفتح وذلك مما تقر به عين النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فهو وعد جميل وبشرى له (صلى الله عليه وآله وسلم) ويكون من ~~ملاحم القرآن الكريم. # وليس المراد بالنصر والفتح جنسهما حتى يصدقا على جميع المواقف التي أيد ~~الله فيها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أعدائه وأظهر دينه على دينهم ~~كما في حروبه ومغازيه وإيمان الأنصار وأهل ms7728 اليمن كما قبل إذ لا يلائمه قوله ~~بعد: "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا". # وليس المراد بذلك أيضا صلح الحديبية الذي سماه الله تعالى فتحا إذ قال ~~"إنا فتحنا لك فتحا مبينا": الفتح: 1 لعدم انطباق الآية الثانية بمضمونها عليه. # وأوضح ما يقبل الانطباق عليه النصر والفتح المذكوران في الآية هو فتح مكة ~~الذي هو أم فتوحاته " (صلى الله عليه وآله وسلم)" في زمن حياته والنصر ~~الباهر الذي انهدم به بنيان الشرك في جزيرة العرب. # ويؤيده وعد النصر الذي في الآيات النازلة في الحديبية "إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا": الفتح: 3 فإن من القريب جدا أن ~~يكون ما في الآيات وعدا بنصر عزيز يرتبط بفتح الحديبية وهو نصره تعالى نبيه ~~" (صلى الله عليه وآله وسلم)" على قريش حتى فتح مكة بعد مضي سنتين من فتح ~~الحديبية. # وهذا الذي ذكر أقرب من حمل الآية على إجابة أهل اليمن الدعوة الحقة ~~ودخولهم في الإسلام من غير قتال، فالأقرب إلى الاعتبار كون المراد بالنصر ~~والفتح نصره تعالى نبيه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" على قريش وفتح مكة، ~~وأن تكون السورة نازلة بعد صلح الحديبية ونزول سورة الفتح وقبل فتح مكة. # قوله تعالى: "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا" قال الراغب: الفوج ~~الجماعة المارة المسرعة، وجمعه أفواج. # انتهى. # فمعنى دخول الناس في دين الله أفواجا دخولهم فيه جماعة بعد جماعة، ~~والمراد بدين الله الإسلام قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل ~~عمران: 19. # قوله تعالى: "فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا" لما كان هذا النصر ~~والفتح إذلالا منه تعالى للشرك وإعزازا للتوحيد وبعبارة أخرى إبطالا للباطل ~~وإحقاقا للحق ناسب من الجهة الأولى تنزيهه تعالى وتسبيحه، وناسب من الجهة ~~الثانية - التي هي نعمة - الثناء عليه تعالى وحمده فلذلك أمره " (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)" بقوله: "فسبح بحمد ربك". # وهاهنا وجه آخر يوجه به ms7729 الأمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار جميعا وهو أن ~~للرب تعالى على عبده أن يذكره بصفات كماله ويذكر نفسه بما له من النقص ~~والحاجة ولما كان في هذا الفتح فراغه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" من جل ~~ما كان عليه من السعي في إماطة الباطل وقطع دابر الفساد أمر أن يذكره عند ~~ذلك بجلاله وهو التسبيح وجماله وهو التحميد وأن يذكره بنقص نفسه وحاجته إلى ~~ربه وهو طلب المغفرة ومعناه فيه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" - وهو مغفور ~~- سؤال إدامة المغفرة فإن الحاجة إلى المغفرة بقاء كالحاجة إليها حدوثا ~~فافهم ذلك، وبذلك يتم شكره لربه تعالى وقد تقدم كلام في معنى مغفرة الذنب ~~في الأبحاث السابقة. # وقوله: "إنه كان توابا" تعليل للأمر بالاستغفار لا يخلو من تشويق وتأكيد. PageV20P215 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع، عن مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها " (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)" على أصحابه ففرحوا واستبشروا وسمعها العباس فبكى فقال " (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)" ما يبكيك يا عم؟ قال: أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول ~~الله فقال: إنه لكما تقول فعاش بعدها سنتين ما رئي بعدها ضاحكا مستبشرا. # أقول: وروي هذا المعنى في عدة روايات بألفاظ مختلفة وقيل في وجه دلالتها ~~أن سياقها يلوح إلى فراغه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" مما عليه من السعي ~~والمجاهدة وتمام أمره، وعند الكمال يرقب الزوال. # وفيه، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ~~بالآخرة لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: سبحان الله وبحمده ~~استغفر الله وأتوب إليه فسألناه عن ذلك فقال: إني أمرت بها ثم قرأ "إذا جاء ~~نصر الله والفتح". # أقول: وفي هذا المعنى غير واحد من الروايات مع اختلاف ما فيما كان يقوله ~~" (صلى الله عليه وآله وسلم)". # وفي العيون، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال: قال الرضا (عليه السلام) ~~سمعت أبي يحدث عن أبيه (عليه السلام): أن أول سورة نزلت "بسم الله الرحمن ~~الرحيم اقرأ باسم ربك" ms7730 وآخر سورة نزلت "إذا جاء نصر الله". # أقول: لعل المراد به أنها آخر سورة نزلت تامة كما قيل. # وفي المجمع، في قصة فتح مكة: لما صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ودخلت بنو بكر في عقد قريش، وكان بين القبيلتين شر قديم. # ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر وخزاعة مقاتلة ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ~~وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، وكان ممن أعان بني بكر على ~~خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو. فركب عمرو بن سالم الخزاعي ~~حتى قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وكان ذلك مما هاج ~~فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني القوم وقال: لا هم إني ناشد ~~محمدا. حلف أبينا وأبيه الأتلدا. إن قريشا أخلفوك الموعدا. ونقضوا ميثاقك ~~المؤكدا. وقتلونا ركعا وسجدا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~حسبك يا عمرو ثم قام فدخل دار ميمونة وقال: اسكبي لي ماء فجعل يغتسل وهو ~~يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب وهم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ~~ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا ~~راجعين إلى مكة وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للناس: كأنكم بأبي ~~سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة وسيلقى بديل بن ورقاء فلقوا أبا ~~سفيان بعسفان وقد بعثته قريش إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليشدد العقد. PageV20P216 # فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل قال: سرت في هذا ~~الساحل وفي بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا؟ قال: لا فلما ms7731 راح بديل إلى ~~مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى ~~مبرك ناقته وأخذ من بعرها ففته فرأى فيها النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء ~~بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم إلى رسول الله " (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)" فقال: يا محمد احقن دماء قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة فقال: ~~أغدرتم يا أبا سفيان؟ قال: لا فقال: فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا ~~بكر فقال: أجر بين قريش قال: ويحك وأحد يجير على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)؟ ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم ~~حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أرغبت ~~بهذا الفراش عني؟ فقالت: نعم هذا فراش رسول الله " (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)" ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك. ثم خرج فدخل على فاطمة (عليها ~~السلام) فقال يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين ~~أكرم سيدة في الناس؟ فقالت: جواري جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم). قال: أتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس؟ قالت: والله ما بلغ ابناي ~~أن يجيرا بين الناس وما يجير على رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ~~أحد فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي ~~(عليه السلام): إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد وأجر بين قريش ثم الحق ~~بأرضك قال: وترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظن ذلك ولكن لا أجد ~~لك غير ذلك. # فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش ثم ~~ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فأخبرهم بالقصة ~~فقالوا: والله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت؟ ~~قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. قال: فأمر ms7732 رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالجهاز لحرب مكة وأمر الناس بالتهيئة وقال: اللهم خذ العيون ~~والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ~~فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر من السماء فبعث عليا (عليه ~~السلام) والزبير حتى أخذا كتابه من المرأة وقد مضت هذه القصة في سورة ~~الممتحنة. ثم استخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا ذر الغفاري ~~وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من ~~المسلمين ونحو من أربعمائة فارس ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد. ~~وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية بن المغيرة ~~قد لقيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنيق العقاب فيما بين مكة ~~والمدينة فالتمسا الدخول عليه فلم يأذن لهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: ~~يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي ~~فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج ~~الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له قال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ~~بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رق لهما فأذن لهما فدخلا عليه فأسلما. PageV20P217 # فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مر الظهران وقد غمت الأخبار ~~عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خبر خرج في تلك ~~الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وقد ~~قال العباس ليلتئذ: يا سوء صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في بلادها فدخل مكة عنوة أنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر ~~فخرج على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أخرج إلى الأراك ~~لعلي أرى ms7733 خطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيأتونه فيستأمنونه. قال العباس فوالله إني ~~لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام ~~وبديل بن ورقاء وسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا ~~فقال بديل: هذه نيران خزاعة فقال أبو سفيان: خزاعة الأم من ذلك قال: فعرفت ~~صوته فقلت: يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم قال: ~~لبيك فداك أبي وأمي ما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله وراءك قد جاء بما لا قبل ~~لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ قلت: تركب عجز هذه البغلة ~~فاستأمن لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوالله لئن ظفر بك ليضربن ~~عنقك فردفني فخرجت أركض به بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكلما ~~مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: هذا عم رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال يعني عمر: يا ~~أبا سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد ثم اشتد نحو رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة وسبقت عمر ~~بما يسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء. # فدخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه ~~بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته ثم إني ~~جلست إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذت برأسه وقلت: والله لا ~~يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر فوالله ما يصنع ~~هذا الرجل إلا أنه رجل من آل بني عبد مناف ولو كان من عدي بن كعب ما قلت ~~هذا قال: مهلا يا عباس لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو ~~أسلم فقال (صلى الله عليه ms7734 وآله وسلم): اذهب فقد آمناه حتى تغدو به علي في ~~الغداة. قال: فلما أصبح غدوت به على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ~~فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأكرمك وأرحمك وأحلمك والله لقد ظننت أن لو ~~كان معه إله لأغنى يوم بدر ويوم أحد فقال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن ~~تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي أما هذه فإن في النفس منها شيئا ~~قال العباس: فقلت له: ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد. فقال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس: انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي ~~حتى يمر عليه جنود الله قال: فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي ومر عليه ~~القبائل قبيلة قبيلة وهو يقول: من هؤلاء؟ وأقول: أسلم وجهينة وفلان حتى مر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتيبة الخضراء من المهاجرين ~~والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ ~~قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ~~ابن أخيك عظيما، فقلت: ويحك أنها النبوة فقال: نعم إذا. وجاء حكيم بن حزام ~~وبديل بن ورقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسلما وبايعاه فلما ~~بايعاه بعثهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يديه إلى قريش ~~يدعوانهم إلى الإسلام وقال: من دخل دار أبي سفيان وهي بأعلى مكة فهو آمن، ~~ومن دخل دار حكيم وهي بأسفل مكة فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن. PageV20P218 # ولما خرج أبو سفيان وحكيم من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير بن العوام وأمره على خيل المهاجرين ~~وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون وقال له: لا تبرح حتى آتيك ثم دخل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ms7735 مكة وضربت هناك خيمته، وبعث سعد بن ~~عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمته، وبعث الخالد بن الوليد فيمن كان أسلم من ~~قضاعة وبني سليم وأمره أن يدخل أسفل مكة ويغرز رايته دون البيوت. وأمرهم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا ~~إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحويرث ~~بن نفيل وابن خطل ومقبس بن ضبابة وأمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين ~~بأستار الكعبة فقتل علي (عليه السلام) الحويرث بن نفيل وإحدى القينتين ~~وأفلتت الأخرى، وقتل مقبس بن ضبابة في السوق، وأدرك ابن خطل وهو متعلق ~~بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا ~~فقتله. قال: وسعى أبو سفيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ ~~غرزه أي ركابه فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي أما تسمع ما يقول سعد إنه يقول: ~~اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي ~~(عليه السلام): أدركه وخذ الراية منه وكن أنت الذي يدخل بها وأدخلها إدخالا ~~رفيقا فأخذها علي (عليه السلام) وأدخلها كما أمر. # ولما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة دخل صناديد قريش ~~الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم وأتى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ووقف قائما على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده وحده ~~أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا إن كل مال أو مأثرة ودم يدعى ~~فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى ~~أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي ولم تحل لي ~~إلا ساعة من نهار وهي محرمة إلى أن تقوم الساعة لا يختلى خلاها، ولا يقطع ~~شجرها ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. ثم قال: ألا لبئس جيران ms7736 ~~النبي كنتم لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وآذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في ~~بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم فكأنما أنشروا من القبور ~~ودخلوا في الإسلام، وكان الله سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئا ~~فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء. وجاء ابن الزبعري إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وأسلم وقال: يا رسول الإله إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ ~~أباري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور آمن اللحم والعظام لربي ثم ~~نفسي الشهيد أنت النذير قال: وعن ابن مسعود قال: دخل النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في ~~يده ويقول: "جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد جاء الحق وزهق الباطل - إن ~~الباطل كان زهوقا". # وعن ابن عباس قال: لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة أبى ~~أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت وصورة إبراهيم وإسماعيل (عليهما ~~السلام) وفي أيديهما الأزلام فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) قاتلهم الله ~~أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط. # أقول: والروايات حول قصة الفتح كثيرة من أراد استقصاءها فعليه بكتب السير ~~وجوامع الأخبار وما تقدم كالملخص منها. PageV20P219 ### || AUTO ### ||| AUTO 111 سورة تبت - 1 - 5 # بسم الله الرحمن الرحيم تبت يدا أبى لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) فى جيدها حبل من ~~مسد (5) ### |||| AUTO بيان # وعيد شديد لأبي لهب بهلاك نفسه وعمله وبنار جهنم ولامرأته، والسورة مكية. # قوله تعالى: "تبت يدا أبي لهب وتب" التب والتباب هو الخسران والهلاك على ~~ما ذكره الجوهري، ودوام الخسران على ما ذكره الراغب، وقيل: الخيبة، وقيل ~~الخلو من كل خير والمعاني - كما قيل - متقاربة فيد الإنسان هي عضوه الذي ~~يتوصل به إلى تحصيل مقاصده وينسب إليه جل أعماله، وتباب يديه خسرانهما فيما ~~تكتسبانه من عمل وإن شئت فقل: بطلان أعماله التي يعملها ms7737 بهما من حيث عدم ~~انتهائها إلى غرض مطلوب وعدم انتفاعه بشيء منها وتباب نفسه خسرانها في ~~نفسها بحرمانها من سعادة دائمة وهو هلاكها المؤبد. # فقوله: "تبت يدا أبي لهب وتب" أي أبو لهب، دعاء عليه بهلاك نفسه وبطلان ~~ما كان يأتيه من الأعمال لإطفاء نور النبوة أو قضاء منه تعالى بذلك. # وأبو لهب هذا هو أبو لهب بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان شديد المعاداة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مصرا في تكذيبه ~~مبالغا في إيذائه بما يستطيعه من قول وفعل وهو الذي قال للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): تبا لك لما دعاهم إلى الإسلام لأول مرة فنزلت السورة ورد ~~الله التباب عليه. # وذكر بعضهم أن أبا لهب اسمه وإن كان في صورة الكنية، وقيل: اسمه عبد ~~العزى وقيل: عبد مناف وأحسن ما قيل في ذكره في الآية بكنيته لا باسمه إن في ~~ذلك تهكما به لأن أبا لهب يشعر بالنسبة إلى لهب النار كما يقال أبو الخير ~~وأبو الفضل وأبو الشر في النسبة إلى الخير والفضل والشر فلما قيل: "سيصلى ~~نارا ذات لهب" فهم منه أن قوله: "تبت يدا أبي لهب" في معنى قولنا: تبت يدا ~~جهنمي يلازم لهبها. # وقيل: لم يذكر باسمه وهو عبد العزى لأن عزى اسم صنم فكره أن يعد بحسب ~~اللفظ عبدا لغير الله وهو عبد الله وإن كان الاسم إنما يقصد به المسمى. # قوله تعالى: "ما أغنى عنه ماله وما كسب" ما الأولى نافية وما الثانية ~~موصولة ومعنى "ما كسب" الذي كسبه بأعماله وهو أثر أعماله أو مصدرية والمعنى ~~كسبه بيديه وهو عمله، والمعنى ما أغنى عنه عمله. # ومعنى الآية على أي حال لم يدفع عنه ماله ولا عمله - أو أثر عمله - تباب ~~نفسه ويديه الذي كتب عليه أو دعي عليه. # قوله تعالى: "سيصلى نارا ذات لهب" أي سيدخل نارا ذات لهب وهي نار جهنم ~~الخالدة، وفي تنكير لهب تفخيم له وتهويل. # قوله تعالى: "وامرأته حمالة الحطب" ms7738 عطف على ضمير الفاعل المستكن في ~~"سيصلى" والتقدير: وستصلى امرأته إلخ و"حمالة الحطب" بالنصب وصف مقطوع عن ~~الوصفية للذم أي أذم حمالة الحطب، وقيل: حال من "امرأته" وهو معنى لطيف على ~~ما سيأتي. # قوله تعالى: "في جيدها حبل من مسد" المسد حبل مفتول من الليف، والجملة ~~حال ثانية من امرأته. # والظاهر أن المراد بالآيتين أنها ستتمثل في النار التي تصلاها يوم ~~القيامة في هيئتها التي كانت تتلبس بها في الدنيا وهي أنها كانت تحمل أغصان ~~الشوك وغيرها تطرحها بالليل في طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~تؤذيه بذلك فتعذب بالنار وهي تحمل الحطب وفي جيدها حبل من مسد. # قال في مجمع البيان،: وإذا قيل: هل كان يلزم أبا لهب الإيمان بعد هذه ~~السورة وهل كان يقدر على الإيمان ولو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله سبحانه ~~بأنه سيصلى نارا ذات لهب. # فالجواب أن الإيمان يلزمه لأن تكليف الإيمان ثابت عليه وإنما توعده الله ~~بشرط أن لا يؤمن انتهى موضع الحاجة. PageV20P220 # أقول: مبنى الإشكال على الغفلة من أن تعلق القضاء الحتمي منه تعالى بفعل ~~الإنسان الاختياري لا يستوجب بطلان الاختيار واضطرار الإنسان على الفعل فإن ~~الإرادة الإلهية - وكذا فعله تعالى - إنما يتعلق بفعله الاختياري على ما هو ~~عليه أي إن يفعل الإنسان باختياره كذا وكذا فلو لم يقع الفعل اختيارا تخلف ~~مراده تعالى عن إرادته وهو محال وإذا كان الفعل المتعلق للقضاء الموجب ~~اختياريا كان تركه أيضا اختياريا وإن كان لا يقع فافهم وقد تقدم هذا البحث ~~في غير موضع من المباحث السابقة. # فقد ظهر بذلك أن أبا لهب كان في اختياره أن يؤمن وينجو بذلك عن النار ~~التي كان من المقضي المحتوم أن يدخلها بكفره. # ومن هذا الباب الآيات النازلة في كفار قريش أنهم لا يؤمنون كقوله: "إن ~~الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6، ~~وقوله: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون": يس: 7، ومن هذا الباب ~~أيضا آيات الطبع على القلوب. ms7739 ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: في قوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" عن ابن عباس قال: ~~لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفا فقال: ~~يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن ~~العدو مصبحكم وممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد قال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله عز ~~وجل "تبت يدا أبي لهب". # أقول: ورواه أيضا في تفسير السورة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولم يذكر ~~فيه كون الدعوة عند نزول آية "وأنذر عشيرتك" الآية. # وفيه، أيضا عن طارق المحاربي قال: بينما أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا بشاب ~~يقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا برجل خلفه يرميه قد ~~أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه فقلت: من ~~هذا؟ فقالوا: هو محمد يزعم أنه نبي وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. # وفي قرب الإسناد، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث طويل ~~يذكر فيه آيات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من ذلك أن أم جميل ~~امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت ومع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أبو بكر بن أبي قحافة فقال: يا رسول الله هذه أم جميل محفظة أي مغضبة تريدك ~~ومعها حجر تريد أن ترميك به فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنها لا تراني ~~فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ قال: حيث شاء الله قالت: جئته ولو أراه لرميته ~~فإنه هجاني واللات والعزى إني لشاعرة فقال أبو بكر: يا رسول الله لم ترك؟ ~~قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا. ضرب الله بيني وبينها حجابا. # أقول: وروي ما يقرب منه بغير واحد من طرق أهل السنة. # وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: "وامرأته حمالة الحطب" قال: كانت أم ~~جميل بنت صخر وكانت تنم على رسول الله (صلى الله ms7740 عليه وآله وسلم) وتنقل ~~أحاديثه إلى الكفار. PageV20P221 ### || AUTO ### ||| AUTO 112 سورة الإخلاص - 1 - 4 # بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم ~~يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4) ### |||| AUTO بيان # السورة تصفه تعالى بأحدية الذات ورجوع ما سواه إليه في جميع حوائجه ~~الوجودية من دون أن يشاركه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو ~~التوحيد القرآني الذي يختص به القرآن الكريم ويبني عليه جميع المعارف ~~الإسلامية. # وقد تكاثرت الأخبار في فضل السورة حتى ورد من طرق الفريقين أنها تعدل ثلث ~~القرآن كما سيجيء إن شاء الله. # والسورة تحتمل المكية والمدنية، والظاهر من بعض ما ورد في سبب نزولها ~~أنها مكية. # قوله تعالى: "قل هو الله أحد" هو ضمير الشأن والقصة يفيد الاهتمام بمضمون ~~الجملة التالية له، والحق أن لفظ الجلالة علم بالغلبة له تعالى بالعربية ~~كما أن له في غيرها من اللغات اسما خاصا به، وقد تقدم بعض الكلام فيه في ~~تفسير سورة الفاتحة. # وأحد وصف مأخوذ من الوحدة كالواحد غير أن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل ~~الكثرة لا خارجا ولا ذهنا ولذلك لا يقبل العد ولا يدخل في العدد بخلاف ~~الواحد فإن كل واحد له ثانيا وثالثا إما خارجا وإما ذهنا بتوهم أو بفرض ~~العقل فيصير بانضمامه كثيرا، وأما الأحد فكل ما فرض له ثانيا كان هو هو لم ~~يزد عليه شيء. # واعتبر ذلك في قولك: ما جاءني من القوم أحد فإنك تنفي به مجيء اثنين منهم ~~وأكثر كما تنفي مجيء واحد منهم بخلاف ما لو قلت: ما جاءني واحد منهم فإنك ~~إنما تنفي به مجيء واحد منهم بالعدد ولا ينافيه مجيء اثنين منهم أو أكثر، ~~ولإفادته هذا المعنى لا يستعمل في الإيجاب مطلقا إلا فيه تعالى ومن لطيف ~~البيان في هذا الباب قول علي عليه أفضل السلام في بعض خطبه في توحيده ~~تعالى: كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وقد أوردنا طرفا من كلامه (عليه السلام) ~~في التوحيد ms7741 في ذيل البحث عن توحيد القرآن في الجزء السادس من الكتاب. # قوله تعالى: "الله الصمد" الأصل في معنى الصمد القصد أو القصد مع ~~الاعتماد يقال: صمده يصمده صمدا من باب نصر أي قصده أو قصده معتمدا عليه، ~~وقد فسروا الصمد - وهو صفة - بمعاني متعددة مرجع أكثرها إلى أنه السيد ~~المصمود إليه أي المقصود في الحوائج، وإذا أطلق في الآية ولم يقيد بقيد فهو ~~المقصود في الحوائج على الإطلاق. # وإذا كان الله تعالى هو الموجد لكل ذي وجود مما سواه يحتاج إليه فيقصده ~~كل ما صدق عليه أنه شيء غيره، في ذاته وصفاته وآثاره قال تعالى: "ألا له ~~الخلق والأمر": الأعراف: 54 وقال وأطلق: "وأن إلى ربك المنتهى": النجم: 42 ~~فهو الصمد في كل حاجة في الوجود لا يقصد شيئا إلا وهو الذي ينتهي إليه قصده ~~وينجح به طلبته ويقضي به حاجته. # ومن هنا يظهر وجه دخول اللام في الصمد وأنه لإفادة الحصر فهو تعالى وحده ~~الصمد على الإطلاق، وهذا بخلاف أحد في قوله "الله أحد" فإن أحدا بما يفيده ~~من معنى الوحدة الخاصة لا يطلق في الإثبات على غيره تعالى فلا حاجة فيه إلى ~~عهد أو حصر. # وأما إظهار اسم الجلالة ثانيا حيث قيل: "الله الصمد" ولم يقل: هو الصمد، ~~ولم يقل: الله أحد صمد فالظاهر أن ذلك للإشارة إلى كون كل من الجملتين ~~وحدها كافية في تعريفه تعالى حيث إن المقام مقام تعريفه تعالى بصفة تختص به ~~فقيل: الله أحد الله الصمد إشارة إلى أن المعرفة به حاصلة سواء قيل كذا أو ~~قيل كذا. # والآيتان مع ذلك تصفانه تعالى بصفة الذات وصفة الفعل جميعا فقوله: "الله ~~أحد" يصفه بالأحدية التي هي عين الذات، وقوله: "الله الصمد" يصفه بانتهاء ~~كل شيء إليه وهو من صفات الفعل. # وقيل: الصمد بمعنى المصمت الذي ليس بأجوف فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا ~~يلد ولا يولد وعلى هذا يكون قوله: "لم يلد ولم يولد" تفسيرا للصمد. # قوله تعالى: "لم يلد ولم يولد ولم ms7742 يكن له كفوا أحد" الآيتان الكريمتان ~~تنفيان عنه تعالى أن يلد شيئا بتجزيه في نفسه فينفصل عنه شيء سنخه بأي معنى ~~أريد من الانفصال والاشتقاق كما يقول به النصارى في المسيح (عليه السلام) ~~إنه ابن الله وكما يقول الوثنية في بعض آلهتهم أنهم أبناء الله سبحانه. PageV20P222 # وتنفيان عنه أن يكون متولدا من شيء آخر ومشتقا منه بأي معنى أريد من ~~الاشتقاق كما يقول الوثنية ففي آلهتهم من هو إله أبو إله ومن هو آلهة أم ~~إله ومن هو إله ابن إله. # وتنفيان أن يكون له كفؤ يعدله في ذاته أو في فعله وهو الإيجاد والتدبير ~~ولم يقل أحد من المليين وغيرهم بالكفؤ الذاتي بأن يقول بتعدد واجب الوجود ~~عز اسمه، وأما الكفؤ في فعله وهو التدبير فقد قيل به كآلهة الوثنية من ~~البشر كفرعون ونمرود من المدعين للألوهية وملاك الكفاءة عندهم استقلال من ~~يرون ألوهيته في تدبير ما فوض إليه تدبيره كما أنه تعالى مستقل في تدبير من ~~يدبره وهم الأرباب والآلهة وهو رب الأرباب وإله الآلهة. # وفي معنى كفاءة هذا النوع من الإله ما يفرض من استقلال الفعل في شيء من ~~الممكنات فإنه كفاءة مرجعها استغناؤه عنه تعالى وهو محتاج من كل جهة والآية ~~تنفيها. # وهذه الصفات الثلاث المنفية وإن أمكن تفريع نفيها على صفة أحديته تعالى ~~بوجه لكن الأسبق إلى الذهن تفرعها على صفة صمديته. # أما كونه لم يلد فإن الولادة التي هي نوع من التجزي والتبعض بأي معنى ~~فسرت لا تخلو من تركيب فيمن يلد، وحاجة المركب إلى أجزائه ضرورية والله ~~سبحانه صمد ينتهي إليه كل محتاج في حاجته ولا حاجة له، وأما كونه لم يولد ~~فإن تولد شيء من شيء لا يتم إلا مع حاجة من المتولد إلى ما ولد منه في ~~وجوده وهو سبحانه صمد لا حاجة له، وأما أنه لا كفؤ له فلأن الكفؤ سواء فرض ~~كفوا له في ذاته أو في فعله لا تتحقق كفاءته إلا مع استقلاله واستغنائه عنه ~~تعالى فيما فيه ms7743 الكفاءة والله سبحانه صمد على الإطلاق يحتاج إليه كل من ~~سواه من كل جهة مفروضة. # فقد تبين أن ما في الآيتين من النفي متفرع على صمديته تعالى ومآل ما ذكر ~~من صمديته تعالى وما يتفرع عليه إلى إثبات توحده تعالى في ذاته وصفاته ~~وأفعاله بمعنى أنه واحد لا يناظره شيء ولا يشبهه فذاته تعالى بذاته ولذاته ~~من غير استناد إلى غيره واحتياج إلى من سواه وكذا صفاته وأفعاله، وذوات من ~~سواه وصفاتهم وأفعالهم بإفاضة منه على ما يليق بساحة كبريائه وعظمته فمحصل ~~السورة وصفه تعالى بأنه أحد واحد. # ومما قيل في الآية إن المراد بالكفؤ الزوجة فإن زوجة الرجل كفؤه فيكون في ~~معنى قوله: "تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة" وهو كما ترى. ### |||| AUTO بحث روائي # في الكافي، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ~~إن اليهود سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: انسب لنا ربك ~~فلبث ثلاثا لا يجيبهم ثم نزلت "قل هو الله أحد" إلى آخرها. # أقول: وفي الاحتجاج، عن العسكري (عليه السلام): إن السائل عبد الله بن ~~صوريا اليهودي، وفي بعض روايات أهل السنة: أن السائل عبد الله بن سلام سأله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بمكة ثم آمن وكتم إيمانه، وفي بعضها أن ~~أناسا من اليهود سألوه ذلك، وفي غير واحد من رواياتهم: أن مشركي مكة سألوه ~~ذلك، وكيف كان فالمراد بالنسبة النعت والوصف. # وفي المعاني، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) في حديث: ~~نسبة الله عز وجل قل هو الله. # وفي العلل، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) في حديث المعراج: أن الله ~~قال له أي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اقرأ قل هو الله أحد كما أنزلت ~~فإنها نسبتي ونعتي. # أقول: وروي أيضا بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) ما في معناه. # وفي الدر المنثور، أخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال ms7744 قل هو الله أحد ثلث القرآن. # أقول: وقد تكاثرت الروايات من طرقهم في هذا المعنى رووه عن عدة من ~~الصحابة كابن عباس وقد مر وأبي الدرداء وابن عمر وجابر وابن مسعود وأبي ~~سعيد الخدري ومعاذ بن أنس وأبي أيوب وأبي أمامة وغيرهم عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وورد أيضا في عدة من الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم ~~السلام)، وقد وجهوا كون السورة تعدل ثلث القرآن بوجوه مختلفة أعدلها أن ما ~~في القرآن من المعارف تنحل إلى الأصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد ~~والسورة تتضمن واحدا من الثلاثة وهو التوحيد. PageV20P223 # وفي التوحيد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): رأيت الخضر (عليه السلام) في ~~المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علمني شيئا أنصر به على الأعداء فقال: قل: ~~يا هو يا من لا هو إلا هو فلما أصبحت قصصتها على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فقال لي: يا علي علمت الاسم الأعظم فكان على لساني يوم بدر. وإن ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) قرأ قل هو الله أحد فلما فرغ قال: يا هو يا من ~~لا هو إلا هو اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين. # وفي نهج البلاغة،: الأحد لا بتأويل عدد. # أقول: ورواه في التوحيد، عن الرضا (عليه السلام) ولفظه: أحد لا بتأويل عدد. # وفي أصول الكافي، بإسناده عن داود بن القاسم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر ~~الثاني (عليه السلام): ما الصمد؟ قال (عليه السلام): السيد المصمود إليه في ~~القليل والكثير. # أقول: وفي تفسير الصمد معان أخر مروية عنهم (عليهم السلام) فعن الباقر ~~(عليه السلام): الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر وناه، وعن الحسين ~~(عليه السلام): الصمد الذي لا جوف له والصمد الذي لا ينام، والصمد الذي لم ~~يزل ولا يزال، وعن السجاد (عليه السلام): الصمد الذي إذا أراد شيئا قال له: ~~كن فيكون، والصمد الذي أبدع الأشياء فخلقها أضدادا وأشكالا وأزواجا وتفرد ~~بالوحدة بلا ضد ولا شكل ولا مثل ولا ند. # والأصل في معنى الصمد هو الذي ms7745 رويناه عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ~~لما في مادته لغة في معنى القصد فالمعاني المختلفة المنقولة عنهم (عليهم ~~السلام) من التفسير يلازم المعنى فإن المعاني المذكورة لوازم كونه تعالى ~~مقصودا يرجع إليه كل شيء في كل حاجة فإليه ينتهي الكل من دون أن تتحقق فيه حاجة. # وفي التوحيد، عن وهب بن وهب القرشي عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) أن ~~أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي (عليهما السلام) يسألونه عن الصمد فكتب ~~إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فلا تخوضوا في القرآن ولا تجادلوا ~~فيه ولا تتكلموا فيه بغير علم فقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار، وإن الله ~~سبحانه فسر الصمد فقال: الله أحد الله الصمد ثم فسره فقال: لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد. # وفيه، بإسناده إلى ابن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال: ~~واعلم أن الله تعالى واحد أحد صمد لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك. # وفيه، في خطبة أخرى لعلي (عليه السلام): الذي لم يولد فيكون في العز ~~مشاركا ولم يلد فيكون موروثا هالكا. # وفيه، في خطبة له (عليه السلام): تعالى أن يكون له كفؤ فيشبه به. # أقول: وفي المعاني المتقدمة روايات أخرى. PageV20P224 ### || AUTO ### ||| AUTO 113 سورة الفلق - 1 - 5 # بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر ~~غاسق إذا وقب (3) ومن شر النفثت فى العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) ### |||| AUTO بيان # أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعوذ بالله من كل شر ومن بعضه ~~خاصة والسورة مدنية على ما يظهر مما ورد في سبب نزولها. # قوله تعالى: "قل أعوذ برب الفلق" العوذ هو الاعتصام والتحرز من الشر ~~بالالتجاء إلى من يدفعه، والفلق بالفتح فالسكون الشق والفرق، والفلق ~~بفتحتين صفة مشبهة بمعنى المفعول كالقصص بمعنى المقصوص، والغالب إطلاقه على ~~الصبح لأنه المشقوق من ms7746 الظلام، وعليه فالمعنى أعوذ برب الصبح الذي يفلقه ~~ويشقه ومناسبة هذا التعبير للعوذ من الشر الذي يستر الخير ويحجب دونه ظاهر. # وقيل: المراد بالفلق كل ما يفطر ويفلق عنه بالخلق والإيجاد فإن في الخلق ~~والإيجاد شقا للعدم وإخراجا للموجود إلى الوجود فيكون مساويا للمخلوق، وقيل ~~هو جب في جهنم ويؤيده بعض الروايات. # قوله تعالى: "من شر ما خلق" أي من شر من يحمل شرا من الإنس والجن ~~والحيوانات وسائر ما له شر من الخلق فإن اشتمال مطلق ما خلق على الشر لا ~~يستلزم الاستغراق. # قوله تعالى: "ومن شر غاسق إذا وقب" في الصحاح،: الغسق أول ظلمة الليل وقد ~~غسق الليل يغسق إذا أظلم والغاسق الليل إذا غاب الشفق. # انتهى، والوقوب الدخول فالمعنى ومن شر الليل إذا دخل بظلمته. # ونسبة الشر إلى الليل إنما هي لكونه بظلمته يعين الشرير في شره لستره ~~عليه فيقع فيه الشر أكثر مما يقع منه بالنهار، والإنسان فيه أضعف منه في ~~النهار تجاه هاجم الشر، وقيل: المراد بالغاسق كل هاجم يهجم بشره كائنا ما كان. # وذكر شر الليل إذا دخل بعد ذكر شر ما خلق من ذكر الخاص بعد العام لزيادة ~~الاهتمام وقد اهتم في السورة بثلاثة من أنواع الشر خاصة هي شر الليل إذا ~~دخل وشر سحر السحرة وشر الحاسد إذا حسد لغلبة الغفلة فيهن. # قوله تعالى: "ومن شر النفاثات في العقد" أي النساء الساحرات اللاتي يسحرن ~~بالعقد على المسحور وينفثن في العقد. # وخصت النساء بالذكر لأن السحر كان فيهن ومنهم أكثر من الرجال، وفي الآية ~~تصديق لتأثير السحر في الجملة، ونظيرها قوله تعالى: في قصة هاروت وماروت ~~"فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا ~~بإذن الله": البقرة: 102 ونظيره ما في قصة سحرة فرعون. # وقيل: المراد بالنفاثات في العقد النساء اللاتي يملن آراء أزواجهن إلى ما ~~يرينه ويردنه فالعقد هو الرأي والنفث في العقد كناية عن حله، وهو بعيد. # قوله تعالى: "ومن شر حاسد إذا حسد" ms7747 أي إذا تلبس بالحسد وعمل بما في نفسه ~~من الحسد بترتيب الأثر عليه. # وقيل: الآية تشمل العائن فعين العائن نوع حسد نفساني يتحقق منه إذا عاين ~~ما يستكثره ويتعجب منه. ### |||| AUTO بحث روائي # في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال: سحر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه ~~بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود سحرك والسحر في بئر فلان فأرسل عليا ~~فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية فجعل يقرأ ويحل حتى قام النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) كأنما نشط من عقال:. أقول: وعن كتاب طب الأئمة، ~~بإسناده إلى محمد بن سنان عن المفضل عن الصادق (عليه السلام): مثله وفي هذا ~~المعنى روايات كثيرة من طرق أهل السنة باختلاف يسيرة، وفي غير واحد منها ~~أنه أرسل مع علي (عليه السلام) زبيرا وعمارا وفيه روايات أخرى أيضا من طرق ~~أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # وما استشكل به بعضهم في مضمون الروايات أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان مصونا من تأثير السحر كيف؟ وقد قال الله تعالى: "وقال الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا": الفرقان: 9. # يدفعه أن مرادهم بالمسحور والمجنون بفساد العقل بالسحر وأما تأثره عن ~~السحر بمرض يصيبه في بدنه ونحوه فلا دليل على مصونيته منه. # وفي المجمع، وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان كثيرا ما يعوذ ~~الحسن والحسين (عليهما السلام) بهاتين السورتين. PageV20P225 # وفيه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~أنزلت علي آيات لم ينزل مثلهن المعوذتان:، أورده في الصحيح. # أقول: وأسندها في الدر المنثور، إلى الترمذي والنسائي وغيرهما أيضا، وروي ~~ما في معناه أيضا عن الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود، ولعل المراد من عدم ~~نزول مثلهن أنهما في العوذة فقط ولا يشاركهما في ذلك غيرهما من السور. # وفي الدر المنثور، أخرج أحمد والبزار والطبراني ms7748 وابن مردويه من طرق صحيحة ~~عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول: لا تخلطوا ~~القرآن بما ليس منه إنهما ليستا من كتاب الله إنما أمر النبي أن يتعوذ ~~بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما. # أقول: ثم قال السيوطي قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة ~~وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قرأ بهما في الصلاة وقد ~~أثبتنا في المصحف انتهى. # وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي جعفر (عليه ~~السلام) إن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف. فقال: كان أبي يقول: ~~إنما فعل ذلك ابن مسعود برأيه وهو +" هماظ "+ من القرآن. # أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق الفريقين على أن هناك تواترا ~~قطعيا من عامة المنتحلين بالإسلام على كونهما من القرآن، وقد استشكل بعض ~~المنكرين لإعجاز القرآن أنه لو كان معجزا في بلاغته لم يختلف في كون ~~السورتين من القرآن مثل ابن مسعود، وأجيب بأن التواتر القطعي كاف في ذلك ~~على أنه لم ينقل عنه أحد أنه قال بعدم نزولهما على النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أو قال بعدم كونهما معجزتين في بلاغتهما بل قال بعدم كونهما جزء ~~من القرآن وهو محجوج بالتواتر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: الفلق جب في جهنم مغطى. # أقول: وفي معناه غير واحد من الروايات في بعضها: قال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): باب في النار إذ فتح سعرت جهنم: رواه عقبة بن عامر، وفي بعضها: بئر ~~في جهنم إذا سعرت جهنم فمنه تسعر:، رواه عمرو بن عنبسة إلى غير ذلك. # وفي المجمع، وقيل: الفلق جب في جهنم يتعوذ أهل جهنم من شدة حره: عن السدي ~~ورواه أبو حمزة الثمالي وعلي بن إبراهيم في تفسيرهما. # وفي تفسير القمي، عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: قال رسول ms7749 الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كاد الفقر أن يكون ~~كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر:. أقول: الرواية مروية بلفظها عن أنس عنه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وفي العيون، بإسناده عن السلطي عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) قال: كاد الحسد أن يسبق القدر. # وفي الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): إن الحسد ليأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب. PageV20P226 ### || AUTO ### ||| AUTO 114 سورة الناس - 1 - 6 # بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس ~~(3) من شر الوسواس الخناس (4) الذى يوسوس فى صدور الناس (5) من الجنة ~~والناس (6) ### |||| AUTO بيان # أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعوذ بالله من شر الوسواس الخناس ~~والسورة مدنية كسابقتها على ما يستفاد مما ورد في سبب نزولها بل المستفاد ~~من الروايات أن السورتين نزلتا معا. # قوله تعالى: "قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس" من طبع الإنسان إذا ~~أقبل عليه شر يحذره ويخافه على نفسه وأحسن من نفسه الضعف أن يلتجىء بمن ~~يقوى على دفعه ويكفيه وقوعه والذي يراه صالحا للعوذ والاعتصام به أحد ثلاثة ~~إما رب يلي أمره ويدبره ويربيه يرجع إليه في حوائجه عامة، ومما يحتاج إليه ~~في بقائه دفع ما يهدده من الشر، وهذا سبب تام في نفسه، وإما ذو قوة وسلطان ~~بالغة قدرته نافذ حكمه يجيره إذا استجاره فيدفع عنه الشر بسلطته كملك من ~~الملوك، وهذا أيضا سبب تام مستقل في نفسه. # وهناك سبب ثالث وهو الإله المعبود فإن لازم معبودية الإله وخاصة إذا كان ~~واحدا لا شريك له إخلاص العبد نفسه له فلا يدعو إلا إياه ولا يرجع في شيء ~~من حوائجه إلا إليه فلا يريد إلا ما أراده ولا يعمل إلا ما يشاؤه. # والله سبحانه رب الناس وملك الناس وإله الناس كما جمع الصفات الثلاث ~~لنفسه في قوله: "ذلكم الله ربكم له الملك لا ms7750 إله إلا هو فأنى تصرفون": ~~الزمر: 6 وأشار تعالى إلى سببية ربوبيته وألوهيته بقوله: "رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا": المزمل: 9، وإلى سببية ملكه بقوله: ~~"له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور": الحديد: 5 فإن عاذ ~~الإنسان من شر يهدده إلى رب فالله سبحانه هو الرب لا رب سواه وإن أراد ~~بعوذه ملكا فالله سبحانه هو الملك الحق له الملك وله الحكم وإن أراد لذلك ~~إلها فهو الإله لا إله غيره. # فقوله تعالى: "قل أعوذ برب الناس" إلخ أمر لنبيه (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أن يعوذ به لأنه من الناس وهو تعالى رب الناس ملك الناس إله الناس. # ومما تقدم ظهر أولا وجه تخصيص الصفات الثلاث: الرب والملك والإله من بين ~~سائر صفاته الكريمة بالذكر وكذا وجه ما بينها من الترتيب فذكر الرب أولا ~~لأنه أقرب من الإنسان وأخص ولاية ثم الملك لأنه أبعد منالا وأعم ولاية ~~يقصده من لا ولي له يخصه ويكفيه ثم الإله لأنه ولي يقصده الإنسان عن إخلاصه ~~لا عن طبعه المادي. # وثانيا وجه عدم وصل قوله: "ملك الناس إله الناس" بالعطف وذلك للإشارة إلى ~~كون كل من الصفات سببا مستقلا في دفع الشر فهو تعالى سبب مستقل لكونه ربا ~~لكونه ملكا لكونه إلها فله السببية بأي معنى أريد السبب وقد مر نظير الوجه ~~في قوله "الله أحد الله الصمد". # وبذلك يظهر أيضا وجه تكرار لفظ الناس من غير أن يقال: ربهم وإلههم فقد ~~أشير به إلى أن كلا من الصفات الثلاث يمكن أن يتعلق بها العوذ وحدها من غير ~~ذكر الأخريين لاستقلالها ولله الأسماء الحسنى جميعا، وللقوم في توجيه ~~اختصاص هذه الصفات وسائر ما مر من الخصوصيات وجوه لا تغني شيئا. # قوله تعالى: "من شر الوسواس الخناس" قال في المجمع،: الوسواس حديث النفس ~~بما هو كالصوت الخفي انتهى فهو مصدر كالوسوسة كما ذكره وذكروا أنه سماعي ~~والقياس فيه كسر الواو كسائر المصادر من الرباعي المجرد وكيف كان فالظاهر ~~كما استظهر ms7751 أن المراد به المعنى الوصفي مبالغة، وعن بعضهم أنه صفة لا مصدر. # والخناس صيغة مبالغة من الخنوس بمعنى الاختفاء بعد الظهور قيل: سمي ~~الشيطان خناسا لأنه يوسوس للإنسان فإذا ذكر الله تعالى رجع وتأخر ثم إذا ~~غفل عاد إلى وسوسته. PageV20P227 # قوله تعالى: "الذي يوسوس في صدور الناس" صفة للوسواس الخناس، والمراد ~~بالصدور هي النفوس لأن متعلق الوسوسة هو مبدأ الإدراك من الإنسان وهو نفسه ~~وإنما أخذت الصدور مكانا للوسواس لما أن الإدراك ينسب بحسب شيوع الاستعمال ~~إلى القلب والقلب في الصدر كما قال تعالى: "ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور": الحج: 46 قوله تعالى: "من الجنة والناس" بيان للوسواس الخناس وفيه ~~إشارة إلى أن من الناس من هو ملحق بالشياطين وفي زمرتهم كما قال تعالى: ~~"شياطين الإنس والجن": الأنعام: 112. ### |||| AUTO بحث روائي # في المجمع،: أبو خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو شاك فرقاه بالمعوذتين وقل هو الله ~~أحد وقال: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك خذها فلتهنيك فقال: ~~بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى آخر السورة. # أقول: وتقدم بعض الروايات الواردة في سبب نزول السورة. # وفيه، روي أن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإذا نسي التقم ~~فذلك الوسواس الخناس. # وفيه، روى العياشي بإسناده عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد (عليهما ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من مؤمن إلا ~~ولقلبه في صدره أذنان أذن ينفث فيها الملك وأذن ينفث فيها الوسواس الخناس ~~فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله سبحانه: "وأيدهم بروح منه". # وفي أمالي الصدوق، بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه ~~الآية "والذين إذا فعلوا فاحشة - أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم" صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثوير فصرخ بأعلى صوته ms7752 بعفاريته ~~فاجتمعوا إليه فقالوا: يا سيدنا لم دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ ~~فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا. قال: لست لها فقام آخر ~~فقال مثل ذلك فقال لست لها. فقال الوسواس الخناس: أنا لها. قال: بما ذا؟ ~~قال: أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم ~~الاستغفار فقال: أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة. # أقول: تقدم بعض الكلام في الشيطان في أوائل الجزء الثامن من الكتاب. # تم الكتاب والحمد لله واتفق الفراغ من تأليفه في ليلة القدر المباركة ~~الثالثة والعشرين من ليالي شهر رمضان من شهور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ~~بعد الألف من الهجرة والحمد لله على الدوام، والصلاة على سيدنا محمد وآله ~~والسلام. PageV20P228 ms7753